You are on page 1of 272

‫بسم ال الرحمن الرحيم‬

‫الموسوعة الفقهية ‪ /‬الجزء السابع والعشرون‬

‫صرُورة‬
‫َ‬ ‫*‬

‫‪ :‬التّعريف‬
‫يحجّ ‪1 -‬‬ ‫الصّرورة بصاد مهملة وبتخفيف الرّاء ‪ :‬من لم‬ ‫‪.‬‬

‫والمراد به في اصطلح الفقهاء ‪ :‬الشّخص الّذي لم يحجّ عن نفسه حجّة السلم ‪ ،‬كما نصّ‬
‫عليه أكثر الفقهاء‬ ‫‪.‬‬

‫قال ابن عابدين ‪ :‬فهو أع ّم من المعنى اللّغويّ ‪ ،‬لنّه يشمل من لم يحجّ أصلً ‪ ،‬ومن حجّ‬
‫عن غيره ‪ ،‬أو عن نفسه نفلً أو نذرا‬ ‫‪.‬‬

‫وقال بعض المالكيّة ‪ :‬هو من لم يحجّ قطّ ‪ ،‬وهذا هو المعنى اللّغويّ‬ ‫‪.‬‬

‫قال النّوويّ ‪ :‬سمّي بذلك ‪ ،‬لنّه صرّ بنفسه عن إخراجها في الحجّ وكره الشّافعيّ وابن‬
‫عقيل من الحنابلة تسمية من لم يحجّ صرور ًة ‪ ،‬لما روى ابن عبّاس ‪ -‬رضي ال عنهما‬
‫قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل صرورة في السلم » قال النّوويّ ‪ :‬أي‬
‫ج ‪ ،‬ول يحلّ لمستطيع تركه ‪ ،‬فكراهة تسمية من لم يحجّ‬
‫ل يبقى أحد في السلم بل ح ّ‬
‫صرور ًة ‪ ،‬واستدللهم بهذا الحديث فيه نظر ‪ ،‬لنّه ليس في الحديث تعرّض للنّهي عن ذلك‬ ‫‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ‬ ‫‪:‬‬

‫النّيابة ‪2 -‬‬ ‫ن الحجّ من العبادات البدنيّة والماليّة معا ‪ ،‬فيقبل‬


‫ذكر الفقهاء في بحث الحجّ ‪ :‬أ ّ‬
‫في الجملة‬ ‫‪.‬‬

‫ثمّ فصّلوا بين حجّ الفرض وحجّ النّفل ‪ ،‬وبيّنوا شروط الحجّ عن الغير ‪ ،‬كما بيّنوا شروط‬
‫المر والمأمور أي النّائب ‪ ،‬وهل يصحّ الحجّ عن الغير من قبل من لم يحجّ عن نفسه حجّة‬
‫ح أخذ الجرة في ذلك ؟ وبيانه فيما يلي‬
‫السلم ‪ ،‬وهو المسمّى بصرورة أم ل ؟ وهل يص ّ‬ ‫‪:‬‬

‫أوّلً ‪ :‬نيابة الصّرورة في حجّة السلم‬ ‫‪:‬‬

‫عن ‪3 -‬‬ ‫يرى الشّافعيّة والحنابلة أنّ من شروط النّائب في حجّة السلم أن يكون قد حجّ‬
‫نفسه حجّة السلم ‪ ،‬فليس للصّرورة أن يحجّ عن غيره ‪ ،‬فإن فعل وقع إحرامه عن حجّة‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫السلم لنفسه لما روى ابن عبّاس ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ « -‬أ ّ‬
‫ل يقول ‪ :‬لبّيك عن شبرمة ‪ ،‬قال ‪ :‬من شبرمة ؟ قال ‪ :‬أخ لي أو قريب لي ‪ .‬قال ‪:‬‬
‫سمع رج ً‬
‫حججت عن نفسك ؟ قال ‪ :‬ل ‪ :‬قال ‪ :‬حجّ عن نفسك ثمّ حجّ عن شبرمة‬ ‫‪».‬‬
‫وعلى ذلك ‪ :‬فإن أحرم عن غيره وقع عن نفسه ل عن الغير ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪ :‬إذا ثبت هذا‬
‫ج عنه فأشبه ما لو لم يحجّ قال النّوويّ ‪:‬‬
‫فإنّ عليه ردّ ما أخذ من النّفقة ‪ ،‬لنّه لم يقع الح ّ‬
‫وبه قال ابن عبّاس ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬والوزاعيّ وإسحاق‬ ‫‪.‬‬

‫ل ‪ ،‬ول يصحّ ذلك عنه ول عن غيره‬


‫وفي المغني ‪ :‬قال أبو بكر عبد العزيز ‪ :‬يقع الحجّ باط ً‬
‫‪ ،‬وروي ذلك عن ابن عبّاس ‪ -‬رضي ال عنهما‬ ‫‪-.‬‬

‫ج الصّرورة ‪،‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬ل يشترط في النّائب أن يكون قد حجّ عن نفسه ‪ ،‬فيصحّ ح ّ‬
‫لكن الفضل أن يكون قد حجّ عن نفسه حجّة السلم خروجا عن الخلف ‪ ،‬فيكره عندهم‬
‫حجّ الصّرورة ‪ .‬وهل الكراهة تحريميّة أم تنزيهيّة ؟ اختلفت عباراتهم‬ ‫‪.‬‬

‫وذكر ابن عابدين نقلً عن الفتح ‪ :‬والّذي يقتضيه النّظر ‪ :‬أنّ حجّ الصّرورة عن غيره إن‬
‫كان بعد تحقّق الوجوب عليه بملك الزّاد والرّاحلة والصّحّة فهو مكروه كراهة تحريم ‪ ،‬لنّه‬
‫تضييق عليه في أوّل سني المكان فيأثم بتركه ‪ ،‬وكذا لو تنفّل لنفسه ‪ ،‬ومع ذلك يصحّ ‪،‬‬
‫ن النّهي ليس لعين الحجّ المفعول ‪ ،‬بل لغيره وهو الفوات إذ الموت في سنة غير نادر ‪.‬‬
‫لّ‬
‫ق أنّها تنزيهيّة على المر لقولهم ‪ :‬والفضل ‪ ..‬إلخ ‪،‬‬
‫ثمّ نقل عن البحر قوله ‪ :‬والح ّ‬
‫تحريميّة على الصّرورة ‪ ،‬أي المأمور الّذي اجتمعت فيه شروط الحجّ ‪ ،‬ولم يحجّ عن‬
‫نفسه ‪ ،‬لنّه أثم بالتّأخير ‪ .‬ا هـ ‪ .‬ثمّ قال ‪ :‬وهذا ل ينافي كلم الفتح ‪ ،‬لنّه في المأمور‬ ‫‪.‬‬

‫واستدلّ الحنفيّة بصحّة حجّ الصّرورة بإطلق « قوله صلى ال عليه وسلم للخثعميّة ‪ :‬حجّي‬
‫عن أبيك » من غير استخبارها عن حجّها لنفسها قبل ذلك ‪ .‬قال في الفتح ‪ :‬وترك‬
‫الستفصال في وقائع الحوال ينزل منزلة عموم الخطاب ‪ ،‬فيفيد جوازه عن الغير مطلقا ‪.‬‬
‫وحديث شبرمة يفيد استحباب تقديم حجّة نفسه ‪ ،‬وبذلك يحصل الجمع‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا المالكيّة ‪ :‬فقد منعوا استنابة صحيح مستطيع في فرض لحجّة السلم أو حجّة منذورة ‪.‬‬
‫قال الحطّاب ‪ :‬ل خلف في ذلك ‪ ،‬والظّاهر أنّها ل تصحّ ‪ ،‬وتفسخ إذا عثر عليها ‪ .‬أمّا‬
‫الصّرورة ‪ :‬فيكره عندهم حجّه عن الغير‬ ‫‪.‬‬

‫ثانيا ‪ -‬حكم الجرة في حجّ الصّرورة‬ ‫‪:‬‬

‫أن ‪4 -‬‬ ‫صرّح الحنفيّة ‪ :‬بعدم جواز أخذ الجرة لمن يحجّ عن غيره ‪ ،‬فلو استأجر رجلً على‬
‫يحجّ عنه بكذا لم يجز حجّه ‪ ،‬وإنّما يقول ‪ :‬أمرتك أن تحجّ عنّي بل ذكر إجارة ‪ ،‬وله نفقة‬
‫المثل‬ ‫‪.‬‬

‫ونقل ابن عابدين عن الكفاية ‪ :‬أنّه يقع الحجّ من المحجوج عنه في رواية الصل عن أبي‬
‫حنيفة‬ ‫‪.‬‬
‫وعدم جواز الجرة في الحجّ هو الرّواية المشهورة عن أحمد ‪ -‬أيضا ‪ -‬قال ابن قدامة في‬
‫الصّرورة الّذي يحجّ عن غيره ‪ :‬عليه ر ّد ما أخذ من النّفقة ‪ ،‬لنّه لم يقع الحجّ عنه ‪.‬‬
‫ومذهب المالكيّة ‪ :‬الجواز مع الكراهة‬ ‫‪.‬‬

‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬لنّه أخذ العوض عن العبادة ‪ ،‬وليس ذلك من شيم أهل الخير‬ ‫‪.‬‬

‫‪120/‬‬ ‫‪ ) .‬وينظر مصطلح ‪ ( :‬حجّ ف‬


‫قال الشّيخ زكريّا النصاريّ ‪ :‬ول أجرة له ‪ -‬يعني للصّرورة ‪ -‬لنّه لم ينتفع بما فعله‬ ‫‪.‬‬

‫صرِيح‬
‫َ‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫الشّيء ‪1 -‬‬ ‫الصّريح في اللّغة ‪ :‬هو الّذي خلص من تعلّقات غيره ‪ ،‬وهو مأخوذ من صرح‬
‫ضمّ صراحةً وصروحةً‬
‫بال ّ‬ ‫‪.‬‬

‫والعربيّ الصّريح ‪ :‬هو خالص النّسب ‪ ،‬والجمع صرحاء‬ ‫‪.‬‬

‫ويطلق الصّريح ‪ -‬أيضا ‪ -‬على كلّ خالص ‪ ،‬ومنه ‪ :‬القول الصّريح ‪ :‬وهو الّذي ل يفتقر‬
‫إلى إضمار أو تأويل‬ ‫‪.‬‬

‫وصرّح بما في نفسه بالتّشديد ‪ :‬أخلصه للمعنى المراد ‪ ،‬أو أذهب عنه احتمالت المجاز‬
‫والتّأويل‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا الصّريح في الصطلح ‪ :‬فهو كما في التّعريفات ‪ :‬اسم لكلم مكشوف المراد به بسبب‬
‫كثرة الستعمال حقيقةً كان أو مجازا‬ ‫‪.‬‬

‫ن الصّريح ما ظهر المراد به ظهورا بيّنا بكثرة الستعمال‬


‫وذكر صاحب العناية ‪ :‬أ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وذكر صاحب فتح القدير ‪ :‬أنّ الصّريح ما غلب استعماله في معنى ‪ ،‬بحيث يتبادر حقيقةً أو‬
‫مجازا‬ ‫‪.‬‬

‫ي في الشباه ‪ :‬أنّ الصّريح هو اللّفظ الموضوع لمعنىً ل يفهم منه غيره عند‬
‫وذكر السّيوط ّ‬
‫الطلق ‪ ،‬ويقابله ‪ :‬الكناية‬ ‫‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الكناية‬ ‫‪:‬‬

‫وهي ‪2 -‬‬ ‫الكناية في اللّغة ‪ :‬أن يتكلّم بشيء يستدلّ به على المكنّى عنه كالرّفث والغائط ‪،‬‬
‫اسم مأخوذ من كنّيت بكذا عن كذا من باب رمى‬ ‫‪.‬‬

‫ي ‪ :‬كلم استتر المراد منه‬


‫وأمّا الكناية في الصطلح ‪ :‬فهي كما في التّعريفات للجرجان ّ‬
‫بالستعمال وإن كان معناه ظاهرا في اللّغة ‪ ،‬سواء أكان المراد به الحقيقة أم المجاز‬ ‫‪.‬‬
‫وذكر صاحب فتح القدير ‪ :‬أنّ الكناية ما خفي المراد به لتوارد الحتمالت عليه بخلف‬
‫الصّريح‬ ‫‪.‬‬

‫ن الصّريح يدرك المراد منه بمجرّد النّطق به ول‬


‫والفرق بين الكناية وبين الصّريح ‪ :‬أ ّ‬
‫يحتاج إلى النّيّة ‪ ،‬بخلف الكناية ‪ ،‬فإنّ السّامع يتردّد فيها فيحتاج إلى النّيّة‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬التّعريض‬ ‫‪:‬‬

‫تعنيه‪3 - .‬‬ ‫وهو في اللّغة ‪ :‬مأخوذ من عرضت له وعرّضت به تعريضا ‪ :‬إذا قلت قولً وأنت‬
‫فالتّعريض خلف التّصريح من القول ‪ ،‬كما إذا سألت رجلً ‪ :‬هل رأيت فلنا ‪ -‬وقد رآه ‪،‬‬
‫ويكره أن يكذب ‪ -‬فيقول ‪ :‬إنّ فلنا ليرى ‪ ،‬فيجعل كلمه معراضا فرارا من الكذب‬ ‫‪.‬‬

‫ن التّعريض في الكلم ما يفهم به السّامع مراده من غير‬


‫ي في التّعريفات ‪ :‬أ ّ‬
‫وذكر الجرجان ّ‬
‫تصريح‬ ‫‪.‬‬

‫منشأ الصّريح‬ ‫‪:‬‬

‫؟‪4-‬‬ ‫مأخذ الصّريح ‪ :‬هل هو ورود الشّرع به أو شهرة الستعمال‬


‫قال السّيوطيّ ‪ :‬فيه خلف ‪ .‬وقال السّبكيّ ‪ :‬الّذي أقوله ‪ :‬إنّها مراتب‬ ‫‪.‬‬

‫أحدها ‪ :‬ما تكرّر قرآنا وس ّنةً ‪ ،‬مع الشّياع عند العلماء والعامّة ‪ ،‬فهو صريح ‪ -‬قطعا ‪-‬‬
‫كلفظ الطّلق‬ ‫‪.‬‬

‫الثّانية ‪ :‬المتكرّر غير الشّائع ‪ ،‬كلفظ الفراق والسّراح ‪ ،‬فيه خلف‬ ‫‪.‬‬

‫الثّالثة ‪ :‬الوارد غير الشّائع ‪ ،‬كالفتداء ‪ ،‬وفيه خلف أيضا‬ ‫‪.‬‬

‫الرّابعة ‪ :‬وروده دون ورود الثّالثة ‪ ،‬ولكنّه شائع على لسان حملة الشّرع كالخلع‬
‫والمشهور‪ :‬أنّه صريح‬ ‫‪.‬‬

‫الخامسة ‪ :‬ما لم يرد ‪ ،‬ولم يشع عند العلماء ‪ ،‬ولكنّه عند العامّة ‪ ،‬مثل ‪ :‬حلل اللّه عليّ‬
‫حرام ‪ ،‬والصحّ أنّه كناية‬ ‫‪.‬‬

‫ما يتعلّق بالصّريح من القواعد الفقهيّة‬ ‫‪:‬‬

‫التّعبّد ‪5 -‬‬ ‫القاعدة الولى ‪ :‬الصّريح فيه معنى‬ ‫‪.‬‬

‫وذكر هذه القاعدة الزّركشيّ في المنثور ‪ ،‬ولكون الصّريح فيه معنى التّعبّد فقد حصروه في‬
‫مواضع ‪ :‬كالطّلق ونحوه ‪ ،‬ومن ثمّ لو عمّ في ناحية استعمال الطّلق في إرادة التّخلّص‬
‫عن الوثاق ونحوه ‪ ،‬فخاطبها الزّوج بالطّلق ‪ ،‬وقال ‪ :‬أردت به ذلك ‪ -‬أي التّخلّص عن‬
‫الوثاق ‪ -‬لم يقبل ‪ ،‬لنّ الصطلح الخاصّ ل يرفع العامّ‬ ‫‪.‬‬

‫اللّفظيّة ‪6 -‬‬ ‫القاعدة الثّانية ‪ :‬الصّريح يصير كنايةً بالقرائن‬ ‫‪.‬‬


‫وقد ذكر هذه القاعدة ‪ -‬أيضا ‪ -‬الزّركشيّ في المنثور ‪ ،‬ولهذا لو قال لزوجته ‪ :‬أنت طالق‬
‫من وثاق ‪ ،‬أو فارقتك بالجسم ‪ ،‬أو سرّحتك من اليد ‪ ،‬أو إلى السّوق لم تطلق ‪ ،‬فإنّ أوّل‬
‫اللّفظ مرتبط بآخره ‪ ،‬وهو يضاهي الستثناء كما قال إمام الحرمين‬ ‫‪.‬‬

‫ن السّؤال ل يلحق‬
‫وممّا يعارض هذه القاعدة ‪ -‬كما ذكر الزّركشيّ في المنثور ‪ -‬قولهم ‪ :‬إ ّ‬
‫الكناية بالصّريح ‪ ،‬إلّ في مسألة واحدة ‪ ،‬وهي ما لو قالت له زوجته ‪ -‬واسمها فاطمة ‪:‬‬
‫طلّقني ‪ ،‬فقال ‪ :‬طلقت فاطمة ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬نويت فاطمة أخرى طلقت ‪ ،‬ول يقبل لدللة الحال ‪،‬‬
‫بخلف ما لو قال ابتداءً ‪ :‬طلقت فاطمة ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬نويت أخرى‬ ‫‪.‬‬

‫بنيّة ‪7 -‬‬ ‫القاعدة الثّالثة ‪ :‬الصّريح ل يحتاج إلى نيّة ‪ ،‬والكناية ل تلزم إ ّل‬ ‫‪:‬‬

‫وقد ذكر هذه القاعدة الزّركشيّ في المنثور ‪ ،‬والسّيوطيّ في الشباه‬ ‫‪.‬‬

‫ن اللّفظ موضوع له فاستغنى‬


‫ومعنى قولهم ‪ :‬الصّريح ل يحتاج إلى نيّة ‪ :‬أي نيّة اليقاع ‪ ،‬ل ّ‬
‫عن النّيّة ‪ ،‬وأمّا قصد اللّفظ فيشترط لتخرج مسألة سبق اللّسان‬ ‫‪.‬‬

‫ومن هاهنا ‪ :‬يفترق الصّريح والكناية ‪ ،‬فالصّريح يشترط فيه أمر واحد وهو قصد اللّفظ ‪،‬‬
‫والكناية يشترط فيها أمران ‪ :‬قصد اللّفظ ‪ ،‬ونيّة اليقاع وينبغي أن يقال ‪ :‬أن يقصد حروف‬
‫الطّلق للمعنى الموضوع له ‪ ،‬ليخرج ‪ :‬أنت طالق من وثاق‬ ‫‪.‬‬

‫ويستثنى من قولهم الصّريح ‪ :‬ل يحتاج إلى نيّة كما ذكر السّيوطيّ في الشباه ‪ :‬قصد‬
‫ن اللّفظ ساقط بالكراه ‪،‬‬
‫ن فيه وجهين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬ل يقع ‪ ،‬ل ّ‬
‫المكره إيقاع الطّلق ‪ ،‬فإ ّ‬
‫والنّيّة ل تعمل وحدها ‪ .‬والصحّ ‪ :‬يقع لقصده بلفظه‬ ‫‪.‬‬

‫وعلى هذا فصريح لفظ الطّلق عند الكراه كناية إن نوى وقع ‪ ،‬وإلّ فل‬ ‫‪.‬‬

‫ويستثنى من قولهم ‪ :‬الكناية تحتاج إلى نيّة ما إذا قيل له ‪ :‬طلّقت ؟ فقال ‪ :‬نعم ‪ .‬فقيل ‪:‬‬
‫يلزمه وإن لم ينو طلقا ‪ .‬وقيل ‪ :‬يحتاج إلى نيّة‬ ‫‪.‬‬

‫خلف ‪8 -‬‬ ‫القاعدة الرّابعة ‪ :‬الصّرائح تعمل بنفسها من غير استدعاء بل‬ ‫‪.‬‬

‫وقد ذكر هذه القاعدة الزّركشيّ في المنثور ‪ ،‬ويستثنى منها مسألة واحدة ‪ ،‬وهي ‪ :‬ما إذا‬
‫قيل للكافر ‪ :‬قل ‪ :‬أشهد أن ل إله إلّ اللّه ‪ .‬فقالها حكم بإسلمه بل خلف ‪ ،‬وإن قالها من‬
‫غير استدعاء فوجهان ‪ :‬أصحّهما يحكم بإسلمه ‪ .‬ووجه المنع احتمال قصد الحكاية‬ ‫‪.‬‬

‫فالمشتقّ ‪9 -‬‬ ‫القاعدة الخامسة ‪ :‬ك ّل ترجمة " عنوان " نصبت على باب من أبواب الشّريعة‬
‫منها صريح بل خلف‬ ‫‪.‬‬

‫ي في الشباه ‪ ،‬ويستثنى منها‬


‫وقد ذكر هذه القاعدة الزّركشيّ في المنثور ‪ ،‬والسّيوط ّ‬
‫صحّة ‪ -‬والتّيمّم فإنّه ل يكفي فيه مجرّد النّيّة في‬
‫الوضوء على وجه ‪ -‬والصحّ فيه ال ّ‬
‫الصحّ ‪ ،‬بل ل بدّ من ذكر الفرض ‪ .‬والشّركة ‪ :‬فإنّه ل يكفي فيها مجرّد ‪ :‬اشتركنا‬ ‫‪.‬‬
‫والخلع ‪ :‬فإنّه ل يكون صريحا إلّ بذكر المال‬ ‫‪.‬‬

‫في ‪10 -‬‬ ‫القاعدة السّادسة ‪ :‬الصّريح في بابه إذا وجد نفاذا في موضوعه ل يكون كنايةً‬
‫غيره ‪ ،‬ومعنى وجد نفاذا ‪ :‬أي أمكن تنفيذه صريحا‬ ‫‪.‬‬

‫وقد ذكر هذه القاعدة الزّركشيّ في المنثور ‪ ،‬وذكرها السّيوطيّ في الشباه‬ ‫‪.‬‬

‫ومن فروع هذه القاعدة ‪ :‬الطّلق ‪ ،‬فإنّه ل يكون فسخا أو ظهارا بالنّيّة وبالعكس‬ ‫‪.‬‬

‫ن كلّا منهما صريح في بابه ‪،‬‬


‫ن الظّهار ل يكون طلقا أو فسخا بالنّيّة ‪ -‬أيضا ‪ ، -‬ل ّ‬
‫أي ‪ :‬أ ّ‬
‫ووجد نفاذا في موضوعه ‪ ،‬فل يكون كنايةً في غيره‬ ‫‪.‬‬

‫ح ‪ ،‬لنّ البيع موضوع‬


‫ومن فروعها ‪ -‬أيضا ‪ -‬ما لو قال في الجارة ‪ :‬بعتك منفعتها لم تص ّ‬
‫لملك العيان فل يستعمل في المنافع ‪ ،‬كما ل ينعقد البيع بلفظ الجارة ‪ ،‬ويستثنى من هذه‬
‫القاعدة صور ذكرها الزّركشيّ في قواعده ‪ ،‬وذكرها السّيوطيّ ‪ -‬أيضا ‪ -‬في الشباه نقلً‬
‫ن الصّريح فيها لم يجد نفاذا‬
‫عن الزّركشيّ واعترض على بعضها وقال ‪ :‬إنّها ل تستثنى ‪ ،‬ل ّ‬
‫في موضوعه ‪ .‬ومن هذه الصّور ما يأتي‬ ‫‪:‬‬

‫الولى ‪ :‬إذا جعلنا الخلع صريحا في الفسخ ‪ ،‬ففي كونه كنايةً في الطّلق ينقص به العدد إذا‬
‫نوياه وجهان ‪ :‬أصحّهما من حيث النّقل يكون طلقا‬ ‫‪.‬‬

‫الثّانية ‪ :‬لو قال لزوجته ‪ :‬أنت عليّ حرام ‪ ،‬ونوى الطّلق وقع ‪ ،‬مع أنّ التّحريم صريح في‬
‫إيجاب الكفّارة‬ ‫‪.‬‬

‫الثّالثة ‪ :‬لو قال ‪ :‬بعتك نفسك بكذا ‪ .‬وقالت ‪ :‬اشتريت فكناية خلع‬ ‫‪.‬‬

‫وقال السّيوطيّ في الشباه ‪ :‬إنّ هذه الصّورة ل تستثنى ‪ ،‬لنّ البيع فيها لم يجد نفاذا في‬
‫موضوعه‬ ‫‪.‬‬

‫الرّابعة ‪ :‬لو قال ‪ :‬مالي طالق ‪ ،‬فإن لم ينو الصّدقة لم يلزمه شيء‬ ‫‪.‬‬

‫وإن نوى صدقة ماله فوجهان ‪ :‬أصحّهما يلزمه أن يقصد قربةً‬ ‫‪.‬‬

‫وعلى هذا ‪ :‬فهل يلزمه أن يتصدّق بجميعه ‪ ،‬أو يتخيّر بين الصّدقة وكفّارة يمين واحدة ؟‬
‫وجهان‬ ‫‪.‬‬

‫ن الصّريح فيها لم يجد‬


‫وذكر السّيوطيّ في الشباه ‪ :‬أنّ هذه المسألة ل تستثنى ‪ -‬أيضا ‪ -‬ل ّ‬
‫نفاذا في موضوعه‬ ‫‪.‬‬

‫الخامسة ‪ :‬أتى بلفظ الحوالة وقال ‪ :‬أردت التّوكيل ‪ :‬قبل عند الكثرين‬ ‫‪.‬‬

‫السّادسة ‪ :‬لو راجع بلفظ النّكاح ‪ ،‬أو التّزويج فالصحّ أنّه كناية تنفذ بالنّيّة لشعاره‬
‫بالمعنى‪ .‬السّابعة ‪ :‬إذا قال من ثبت له الفسخ ‪ :‬فسخت نكاحك وأطلق ‪ ،‬أو نواه حصل‬
‫الفسخ‬ ‫‪.‬‬
‫وإن نوى بالفسخ الطّلق طلقت في الصحّ ‪ .‬وعلى هذا يكون الفسخ كناي ًة في الطّلق‬ ‫‪.‬‬

‫الثّامنة ‪ :‬قال ‪ :‬أعرتك حماري لتعيرني فرسك فإجارة فاسدة غير مضمونة ‪ ،‬وهذا تصريح‬
‫بأنّ العارة كناية في عقد الجارة ‪ ،‬والفساد إنّما جاء من اشتراط العاريّة في العقد‬ ‫‪.‬‬

‫الصّريح في أبواب الفقه‬ ‫‪:‬‬

‫إلّ ‪11 -‬‬ ‫قال السّيوطيّ في الشباه ‪ :‬اعلم أنّ الصّريح وقع في البواب كلّها ‪ ،‬وكذا الكناية ‪،‬‬
‫في الخطبة ‪ .‬فلم يذكروا فيها كنايةً بل ذكروا التّعريض ‪ ،‬ول في النّكاح ‪ ،‬فلم يذكروا الكناية‬
‫للتّفاق على عدم انعقاد النّكاح بالكناية ‪،‬ووقع الصّريح والكناية والتّعريض جميعا في‬
‫‪.‬القذف‬
‫أ ‪ -‬البيع‬ ‫‪:‬‬

‫وقبلت ‪12 -‬‬ ‫صريح البيع في اليجاب ‪ :‬بعتك ‪ .‬وفي القبول ‪ :‬اشتريت‬ ‫‪.‬‬

‫ن البيع ينعقد بكلّ ما يدلّ على الرّضا من قول‬


‫وقد اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫كما اتّفقوا ‪ -‬أيضا ‪ -‬على أنّه ينعقد بلفظ الماضي ‪ ،‬وفي انعقاده بغير لفظ الماضي ‪،‬‬
‫‪22‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪21‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪10‬‬ ‫‪ ) .‬وبالفعل خلف ينظر في مصطلح ( بيع ف ‪-‬‬
‫ب ‪ -‬الوقف‬ ‫‪:‬‬

‫كذا ‪13 -‬‬ ‫من صريح لفظ الوقف عند الجمهور قول الشّخص ‪ :‬وقفت ‪ ،‬أو سبّلت ‪ ،‬أو حبست‬
‫ن هذه اللفاظ ثبت لها عرف الستعمال بين النّاس لهذا المعنى وانضمّ إلى ذلك‬
‫على كذا ‪ ،‬ل ّ‬
‫ي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬لعمر ‪ « :‬إن شئت حبست أصلها‬
‫عرف الشّرع بقول النّب ّ‬
‫وسبّلت ثمرتها » فصارت هذه اللفاظ في الوقف كلفظ التّطليق في الطّلق‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب بعض المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ هذه اللفاظ من كنايات الوقف ‪ ،‬كما ذهبوا إلى أنّ‬
‫قوله ‪ :‬تصدّقت ‪ ،‬أو حرّمت ‪ ،‬أو أبّدت هذا المال على فلن إذا قيّد بلفظة أخرى ‪ ،‬كأن يقول‬
‫‪ :‬تصدّقت صدقةً موقوف ًة ‪ ،‬أو محبّسةً ‪ ،‬أو مسبّلةً ‪ ،‬أو محرّم ًة ‪ ،‬أو مؤبّدةً ‪ ،‬أو إذا وصف‬
‫الصّدقة بصفات الوقف ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬تصدّقت صدقةً ل تباع ول توهب ول تورث تكون هذه‬
‫الصّدقة وقفا صريحا بهذا القيد أو الوصف ‪ ،‬أمّا إذا لم يقيّدها بهذا القيد ‪ ،‬ولم يصفها بهذا‬
‫الوصف فيكون الوقف كنايةً ‪ ،‬فيرجع في ذلك إلى النّيّة‬ ‫‪.‬‬

‫ن الصّريح في الوقف ينقسم إلى ‪ :‬صريح بنفسه ‪ ،‬وصريح مع غيره ‪ ،‬وهو‬


‫وبهذا يتّضح أ ّ‬
‫ل كما ذكر السّيوطيّ في الشباه نقلً عن السّبكيّ‬
‫نوع غريب لم يأت مثله إلّ قلي ً‬ ‫‪.‬‬

‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬وقف‬ ‫‪).‬‬

‫ج ‪ -‬الهبة‬ ‫‪:‬‬
‫أو ‪14 -‬‬ ‫ن قول المالك للموهوب له ‪ :‬وهبتك ‪ ،‬أو منحتك ‪ ،‬أو أعطيتك‬
‫اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫ملّكتك ‪ ،‬أو جعلت هذا الشّيء لك ‪ :‬هو من صريح الهبة‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا إذا قال ‪ :‬كسوتك هذا الثّوب ‪ ،‬أو حملتك على هذه الدّابّة فكناية‬ ‫‪.‬‬

‫وتفصيل ذلك يذكره الفقهاء في باب الهبة‬ ‫‪.‬‬

‫د ‪ -‬الخِطبة‬ ‫‪:‬‬

‫بالتّعريض ‪15 -‬‬ ‫هي ‪ :‬التماس نكاح امرأة ‪ ،‬وتكون باللّفظ الصّريح أو‬ ‫‪.‬‬

‫والمراد بالصّريح ‪ -‬هنا ‪ -‬التّعبير صراحةً عمّا في النّفس ‪ ،‬وهو بخلف التّعريض الّذي‬
‫هو‪ :‬لفظ استعمل في معناه ليلوح بغيره ‪ .‬فمن صريح الخطبة أن يقول ‪ :‬أريد نكاحك إذا‬
‫انقضت عدّتك ‪ ،‬وأمّا قوله ‪ :‬ربّ راغب فيك ‪ ،‬من يجد مثلك ؟ أنت جميلة ‪ ،‬إذا حللت‬
‫فآذنيني‪ ،‬ل تبقين أيّما ‪ ،‬لست بمرغوب عنك ‪ ،‬إنّ اللّه سائق إليك خيرا ‪ :‬فكلّه تعريض‬ ‫‪.‬‬

‫هـ ‪ -‬النّكاح‬ ‫‪:‬‬

‫أو ‪16 -‬‬ ‫صريحه في اليجاب لفظ ‪ :‬التّزويج ‪ ،‬والنكاح ‪ .‬وفي القبول ‪ :‬قبلت نكاحها ‪،‬‬
‫ن النّكاح ينعقد بلفظ ‪ :‬النكاح والتّزويج ‪ ،‬والجواب‬
‫تزويجها ‪ ،‬أو تزوّجت ‪ ،‬أو نكحت ‪ .‬ثمّ إ ّ‬
‫ص الكتاب في قوله سبحانه ‪َ { :‬ز ّوجْنَا َكهَا‬
‫عنهما إجماعا وهما اللّذان ورد بها ن ّ‬ ‫‪}.‬‬

‫ن ال ّنسَاء } وسواء اتّفقا من الجانبين ‪ ،‬أو‬


‫وقوله سبحانه ‪َ { :‬ولَ تَن ِكحُواْ مَا َن َكحَ آبَا ُؤكُم مّ َ‬
‫اختلفا مثل أن يقول ‪ :‬زوّجتك بنتي هذه ‪ ،‬فيقول ‪ :‬قبلت هذا النّكاح ‪ ،‬أو هذا التّزويج‬ ‫‪.‬‬

‫وفي انعقاده بغيرهما من اللفاظ كالهبة والصّدقة والبيع والتّمليك والجارة ‪ -‬وهي من‬
‫ألفاظ الكناية عند من يقول بها خلف يذكره الفقهاء في النّكاح‬ ‫‪.‬‬

‫و ‪ -‬الخلع‬ ‫‪:‬‬

‫لورود ‪17 -‬‬ ‫ألفاظ الخلع تنقسم إلى ‪ :‬صريح ‪ ،‬وكناية ‪ ،‬فالصّريح لفظ الخلع والمفاداة‬
‫المفاداة في القرآن الكريم ‪ .‬وتفصيل الصّريح والكناية ينظر في مصطلح ( خلع‬ ‫‪).‬‬

‫ز ‪ -‬الطّلق‬ ‫‪:‬‬

‫إلى ‪18 -‬‬ ‫اتّفق الفقهاء على أنّ صريح الطّلق هو لفظ الطّلق ومشتقّاته ‪ ،‬وكذلك ترجمته‬
‫اللّغات العجميّة ‪ ،‬لنّ الطّلق وضع لحلّ قيد النّكاح خصّيصا ‪ ،‬ول يحتمل غيره‬ ‫‪.‬‬

‫ن لفظي ‪ :‬الفراق والسّراح ‪ ،‬وما‬


‫ي من الحنابلة إلى أ ّ‬
‫وذهب الشّافعيّة في المشهور ‪ ،‬والخرق ّ‬
‫تصرّف منهما من صريح الطّلق لورودهما بمعنى الطّلق في القرآن الكريم ‪ ،‬فقد ورد لفظ‬
‫حكِيما } وفي‬
‫ن الّلهُ وَاسِعا َ‬
‫سعَ ِتهِ َوكَا َ‬
‫ن الّلهُ كُلّ مّن َ‬
‫الفراق في قوله تعالى ‪َ { :‬وإِن يَ َتفَرّقَا ُيغْ ِ‬
‫ن ِب َمعْرُوفٍ } وورد لفظ السّراح في آيات منها قوله تعالى ‪ { :‬الطّلَقُ‬
‫قوله ‪َ { :‬أوْ فَا ِرقُوهُ ّ‬
‫حسَانٍ } وقوله تعالى ‪َ { :‬وإِذَا طَّلقْ ُتمُ ال ّنسَاء فَبَ َلغْنَ‬
‫ح بِ ِإ ْ‬
‫ك ِب َمعْرُوفٍ َأوْ َتسْرِي ٌ‬
‫َمرّتَانِ فَ ِإ ْمسَا ٌ‬
‫ن ِب َمعْرُوفٍ َأوْ سَ ّرحُو ُهنّ ِب َمعْرُوفٍ‬
‫سكُوهُ ّ‬
‫َأجَ َلهُنّ فَ َأ ْم ِ‬ ‫‪}.‬‬

‫ن الجمهور يرى أنّ لفظ الفراق ‪ ،‬ولفظ السّراح ليسا من صريح الطّلق ‪ ،‬لنّهما‬
‫إلّ أ ّ‬
‫جمِيعا َولَ‬
‫صمُواْ ِبحَ ْب ِل الّلهِ َ‬
‫يستعملن في غير الطّلق كثيرا ‪ ،‬ومن ذلك قوله تعالى ‪ { :‬وَاعْتَ ِ‬
‫َتفَرّقُواْ ‪ . } ...‬ولذلك فهما من كنايات الطّلق‬ ‫‪.‬‬

‫ح ‪ -‬الظّهار‬ ‫‪:‬‬

‫أنت ‪19 -‬‬ ‫ن اللّفظ الصّريح في الظّهار هو أن يقول الرّجل لزوجته ‪:‬‬
‫اتّفق الفقهاء على ‪ :‬أ ّ‬
‫ن ُيظَا ِهرُونَ مِنكُم مّن ّنسَا ِئهِم مّا هُنّ ُأ ّمهَا ِت ِهمْ إِنْ‬
‫ي كظهر أمّي لقوله تعالى ‪ { :‬الّذِي َ‬
‫عل ّ‬
‫ُأ ّمهَا ُتهُمْ إِلّا اللّائِي وَلَدْ َن ُهمْ } ‪ .‬ولحديث خولة امرأة أوس بن الصّامت ‪ ،‬حيث قال لها زوجها‬
‫أوس‬ ‫‪:‬‬

‫أمّي «‬ ‫ي كظهر أمّي » وكذا قوله ‪ :‬أنت عندي أو معي أو منّي كظهر‬
‫أنت عل ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ي كظهر أمّي‬
‫وكذلك لو قال لزوجته ‪ :‬جسمك أو بدنك أو جملتك أو نفسك عل ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ومثل ذلك ‪ :‬ما لو شبّه زوجته بظهر من تحرم عليه من النّساء حرمةً مؤبّدةً ‪ ،‬كالجدّة‬
‫والعمّة والخالة والخت وابنتها وبنت الخ فإنّه يكون ‪ -‬أيضا ‪ -‬صريحا في الظّهار عند‬
‫الجمهور ‪ ،‬وهو قول الشّافعيّ في الجديد وأحد قولي القديم ‪ ،‬والقول الثّاني في القديم ‪ :‬أنّه‬
‫ص بالمّ دون‬
‫ل يكون ظهارا للعدول عن المعهود ‪ ،‬إذ اللّفظ الّذي ورد به القرآن مخت ّ‬
‫غيرها من المحارم ‪ .‬وتفصيل ذلك يذكره الفقهاء في ( ظهار‬ ‫‪).‬‬

‫ط ‪ -‬القذف‬ ‫‪:‬‬

‫فيها‪20 - ،‬‬ ‫امتازت صيغة القذف عن غيرها من الصّيغ بمجيء الصّريح والكناية والتّعريض‬
‫فالقذف الصّريح المتّفق على صراحته من قبل العلماء هو أن يقول لرجل ‪ :‬زنيت ‪ ،‬أو يا‬
‫زاني ‪ ،‬أو لمرأة ‪ :‬زنيت ‪ ،‬أو يا زانية فهذه اللفاظ ل تحتمل معنىً آخر غير القذف ‪ ،‬ومثل‬
‫ذلك اللّفظ المركّب من النّون والياء والكاف ‪ ،‬وكذا ك ّل لفظ صريح في الجماع فإنّه يكون‬
‫قذفا إذا انضمّ إليه وصف الحرمة ‪ ،‬وكذا نفي الولد عن أبيه بقوله ‪ :‬لست لبيك‬ ‫‪.‬‬

‫ومن صريح القذف كما في الرّوضة ‪ :‬الرّمي بالصابة في الدّبر كقوله ‪ :‬لطت ‪ ،‬أو لط بك‬
‫فلن ‪ ،‬سواء خوطب به رجل أو امرأة ‪ .‬وأمّا الرّمي بإتيان البهائم فقد ذكر النّوويّ في‬
‫الرّوضة أنّه قذف إن قلنا ‪ :‬يوجب الحدّ ‪ ،‬وإلّ فل‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا الكناية ‪ :‬فكقوله للرّجل ‪ :‬يا فاجر ‪ ،‬وللمرأة ‪ :‬يا خبيثة‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا التّعريض ‪ :‬فكقوله ‪ :‬أمّا أنا فلست بزان ‪ ،‬وأمّي ليست بزانية‬ ‫‪.‬‬

‫وتفصيل ذلك محلّه ( قذف‬ ‫‪).‬‬


‫ك ‪ -‬النّذر‬ ‫‪:‬‬

‫في ‪21 -‬‬ ‫ن قول الشّخص ‪ :‬للّه عليّ نذر كذا من صريح النّذر واختلفوا‬
‫اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫ي كذا دون ذكر لفظ النّذر ‪ ،‬فذهب الجمهور إلى أنّه من صريح النّذر أيضا ‪،‬‬
‫قوله ‪ :‬للّه عل ّ‬
‫ويرى بعض الفقهاء ومنهم سعيد بن المسيّب والقاسم بن محمّد ‪ :‬أنّه ل بدّ من ذكر لفظ‬
‫ح النّذر بدونه ‪ .‬والتّفصيل يذكره الفقهاء في ( نذر‬
‫النّذر ‪ ،‬وأنّه ل يص ّ‬ ‫‪).‬‬

‫صَعِيد‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬تيمّم‬ ‫‪.‬‬

‫صَغَائِر‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫وجمعها ‪1 -‬‬ ‫الصّغائر لغةً ‪ :‬من صغر الشّيء فهو صغير وجمعه صغار ‪ ،‬والصّغيرة صفة‬
‫صغار أيضا ‪ ،‬ول تجمع على صغائر إلّ في الذّنوب والثام‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا اصطلحا ‪ :‬فقد اختلفت عبارات العلماء فيه فقال بعضهم ‪ :‬الصّغيرة ‪ -‬من الذّنوب ‪-‬‬
‫هي كلّ ذنب لم يختم بلعنة أو غضب أو نار‬ ‫‪.‬‬

‫ومنهم من قال ‪ :‬الصّغيرة ما دون الحدّين حدّ الدّنيا ‪ ،‬وحدّ الخرة‬ ‫‪.‬‬

‫ومنهم من قال ‪ :‬الصّغيرة هي ما ليس فيها حدّ في الدّنيا ول وعيد في الخرة‬ ‫‪.‬‬

‫ومنهم من قال ‪ :‬الصّغيرة هي كلّ ما كره كراهة تحريم‬ ‫‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الكبائر‬ ‫‪:‬‬

‫كبائر ‪2 -‬‬ ‫الكبيرة في اللّغة ‪ :‬الثم وجمعها‬ ‫‪.‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬قال بعض العلماء ‪ :‬هي ما كان حراما محضا ‪ ،‬شرعت عليه عقوبة‬
‫ص قاطع في الدّنيا والخرة‬
‫محضة‪ ،‬بن ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وقيل ‪ :‬إنّها ما يترتّب عليها حدّ ‪ ،‬أو توعّد عليها بالنّار أو اللّعنة أو الغضب ‪ ،‬وهذا أمثل‬
‫القوال‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬اللّمم‬ ‫‪:‬‬

‫الرّجل ‪3 -‬‬ ‫واللّمم ‪ -‬بفتحتين ‪ -‬مقاربة المعصية ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هي الصّغائر ‪ ،‬أو هي فعل‬
‫الصّغيرة ثمّ ل يعاودها ‪ ،‬ويقال ‪ :‬أَلمّ بالذّنب فعله ‪ ،‬وأَلمّ بالشّيء قرب منه ‪ ،‬ويعبّر به عن‬
‫ن كَبَائِ َر الْإِ ْثمِ وَالْ َفوَاحِشَ إِلّا الّل َممَ } وقال‬
‫الصّغيرة ‪ .‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬الّذِينَ َيجْتَنِبُو َ‬
‫بعضهم ‪ :‬اللّمم ‪ :‬هو ما دون الزّنى الموجب للحدّ ‪ ،‬من القبلة ‪ ،‬والنّظرة‬ ‫‪.‬‬
‫وقال آخرون ‪ :‬اللّمم هو صغائر الذّنوب‬ ‫‪.‬‬

‫حكم الصّغائر‬ ‫‪:‬‬

‫وصغائر ‪4 -‬‬ ‫اختلف العلماء في انقسام الذّنوب إلى كبائر‬ ‫‪.‬‬

‫فقال معظم علماء السّلف وجمهور الفقهاء ‪ :‬إنّ الذّنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر ‪ ،‬وأنّ‬
‫ن عَ ْنهُ ُن َكفّ ْر عَنكُمْ‬
‫الصّغائر تغفر باجتناب الكبائر لقوله تعالى ‪ { :‬إِن َتجْتَنِبُو ْا كَبَآئِرَ مَا تُ ْن َهوْ َ‬
‫ن َيجْتَنِبُونَ كَبَائِ َر الْإِ ْثمِ وَا ْل َفوَاحِشَ ِإلّ‬
‫سَيّئَا ِتكُمْ وَنُ ْدخِ ْلكُم مّ ْدخَلً كَرِيما } وقوله تعالى ‪ { :‬الّذِي َ‬
‫ك وَاسِعُ ا ْل َم ْغفِرَةِ } ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الصّلوات الخمس ‪،‬‬
‫الّل َممَ إِنّ رَبّ َ‬
‫ن إذا اجتنبت الكبائر‬
‫والجمعة إلى الجمعة ‪ ،‬ورمضان إلى رمضان ‪ :‬مكفّرات ما بينه ّ‬ ‫‪».‬‬

‫وقال بعضهم ‪ :‬إنّ الذّنوب والمعاصي كلّها كبائر ‪ ،‬وإنّما يقال لبعضها صغيرة بالضافة إلى‬
‫ما هو أكبر منها‬ ‫‪.‬‬

‫فالمضاجعة مع الجنبيّة كبيرة بالضافة إلى النّظرة ‪ ،‬صغيرة بالضافة إلى الزّنى ‪ .‬وقطع يد‬
‫المسلم كبيرة بالضافة إلى ضربه ‪ ،‬صغيرة بالضافة إلى قتله ‪ ،‬كما صرّح الغزاليّ بذلك في‬
‫الحياء‬ ‫‪.‬‬

‫وقالوا ‪ :‬ل ذنب عندنا يغفر باجتناب آخر ‪ ،‬بل كلّ الذّنوب كبيرة ‪ ،‬ومرتكبها في المشيئة ‪،‬‬
‫ك ِلمَن َيشَاء } ‪.‬‬
‫ن ذَلِ َ‬
‫ك ِبهِ وَ َي ْغفِرُ مَا دُو َ‬
‫غير الكفر لقوله تعالى { إِنّ الّل َه لَ َي ْغفِرُ أَن ُيشْرَ َ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬من اقتطع‬
‫ولحديث أبي أمامة رضي ال عنه أ ّ‬
‫حقّ امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب اللّه له النّار وحرّم عليه الجنّة ‪ ،‬فقال له رجل ‪ :‬يا‬
‫رسول اللّه وإن كان شيئا يسيرا ؟ قال ‪ :‬وإن قضيبا من أراك » فقد جاء الوعيد الشّديد‬
‫على اليسير كما جاء على الكثير ‪ ،‬وممّن ذهب إلى هذا القاضي أبو بكر الطّيّب وأبو إسحاق‬
‫السفرايينيّ وأبو المعالي وعبد الرّحيم القشيريّ وغيرهم‬ ‫‪.‬‬

‫وذكر بعض العلماء أنواعا من صغائر الذّنوب منها ‪ :‬النّظر المحرّم ‪ ،‬والقبلة ‪ ،‬والغمزة ‪،‬‬
‫ولمس الجنبيّة‬ ‫‪.‬‬

‫ق الشّرع ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬هجر المسلم فوق ثلثة أيّام ‪ ،‬وكثرة الخصومات إلّ إن راعى فيها ح ّ‬
‫ومنها ‪ :‬الشراف على بيوت النّاس ‪ ،‬والجلوس بين الفسّاق إيناسا لهم ‪ ،‬والغيبة لغير أهل‬
‫العلم وحملة القرآن‬ ‫‪.‬‬

‫وقد تعظم الصّغائر من الذّنوب ‪ ،‬فتصير كبيرةً لعدّة أسباب‬ ‫‪:‬‬

‫منها ‪ :‬الصرار والمواظبة‬ ‫‪.‬‬

‫ومنها ‪ :‬أن يستصغر الذّنب‬ ‫‪.‬‬


‫ومنها ‪ :‬السّرور بالصّغيرة والفرح والتّبجّح بها ‪ ،‬واعتداد التّمكّن من ذلك نعمة ‪ ،‬والغفلة‬
‫عن كونه سبب الشّقاوة‬ ‫‪.‬‬

‫والتّفاصيل في ‪ :‬مصطلح ( كبيرة ‪ ،‬وشهادة ‪ ،‬وعدالة ‪ ،‬ومعصية‬ ‫‪).‬‬

‫صِغَر‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫‪1-:‬‬ ‫الصّغر في اللّغة ‪ :‬مأخوذ من صغر صغرا ‪ :‬قلّ حجمه أو سنّه فهو صغير ‪ ،‬والجمع‬
‫صغار ‪ .‬وفيه ‪ -‬أيضا ‪ -‬الصغر اسم تفضيل‬ ‫‪.‬‬

‫والصّغر ض ّد الكبر ‪ ،‬والصّغارة خلف ا ْلعِظَم‬ ‫‪.‬‬

‫واصطلحا ‪ :‬هو وصف يلحق بالنسان منذ مولده إلى بلوغه الحلم‬ ‫‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الصّبا‬ ‫‪:‬‬

‫أو ‪2 -‬‬ ‫يطلق الصّبا على معان عدّة منها ‪ :‬الصّغر والحداثة ‪ ،‬والصّبيّ الصّغير دون الغلم ‪،‬‬
‫من لم يفطم بعد ‪ ،‬وفي لسان العرب ‪ :‬الصّبيّ منذ ولدته إلى أن يفطم‬ ‫‪.‬‬

‫وعلى هذا فالصّبا أخصّ من الصّغر‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬التّمييز‬ ‫‪:‬‬

‫إجمالً ‪3 -‬‬ ‫هو أن يصير للصّغير وعي وإدراك يفهم به الخطاب‬ ‫‪.‬‬

‫ج ‪ -‬المراهقة‬ ‫‪:‬‬

‫وخفّة ‪4 -‬‬ ‫ال ّرهَق ‪ :‬جهل في النسان وخفّة في عقله ‪ .‬يقال ‪ :‬فيه رهق أي حدّة‬ ‫‪.‬‬

‫وراهق الغلم ‪ :‬قارب الحلم‬ ‫‪.‬‬

‫د ‪ -‬ال ّرشَد‬ ‫‪:‬‬

‫لماله ‪5 -‬‬ ‫ال ّرشَد ‪ :‬أن يبلغ الصّبيّ ح ّد التّكليف صالحا في دينه مصلحا‬ ‫‪.‬‬

‫مراحل الصّغر‬ ‫‪:‬‬

‫مرحلتين ‪6 -‬‬ ‫تنقسم مراحل الصّغر إلى‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬مرحلة عدم التّمييز‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬مرحلة التّمييز‬ ‫‪:‬‬

‫المرحلة الولى ‪ :‬عدم التّمييز‬ ‫‪:‬‬

‫التّمييز ‪7 -‬‬ ‫تبدأ هذه المرحلة منذ الولدة إلى‬ ‫‪.‬‬

‫المرحلة الثّانية ‪ :‬مرحلة التّمييز‬ ‫‪:‬‬


‫له ‪8 -‬‬ ‫تبدأ هذه المرحلة منذ قدرة الصّغير على التّمييز بين الشياء ‪ ،‬بمعنى ‪ :‬أن يكون‬
‫إدراك يفرّق به بين النّفع والضّرر‬ ‫‪.‬‬

‫ن معيّنة يعرف بها ‪ ،‬ولكن تد ّل على التّمييز أمارات التّفتّح‬


‫ن التّمييز ليس له س ّ‬
‫ويلحظ ‪ :‬أ ّ‬
‫والنّضوج ‪ ،‬فقد يصل الطّفل إلى مرحلة التّمييز في سنّ مبكّرة ‪ ،‬وقد يتأخّر إلى ما قبل‬
‫البلوغ‪ ،‬وتنتهي هذه المرحلة بالبلوغ‬ ‫‪.‬‬

‫أهليّة الصّغير‬ ‫‪:‬‬

‫تنقسم أهليّة الصّغير إلى قسمين‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬أهليّة وجوب‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬أهليّة أداءً‬ ‫‪.‬‬

‫أ ‪ -‬أهليّة الوجوب‬ ‫‪:‬‬

‫‪9-،‬‬ ‫هي صلحية النسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه ‪ ،‬ومناطها النسانيّة‬
‫ويستوي في ذلك الصّغير والكبير‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬أهليّة الداء‬ ‫‪:‬‬

‫التّمييز ‪10 -‬‬ ‫هي صلحية النسان لصدور الفعل عنه على وجه يعتدّ به شرعا ‪ ،‬ومناطها‬ ‫‪.‬‬

‫أهليّة الصّغير المميّز‬ ‫‪:‬‬

‫أهليّة ‪11 -‬‬ ‫اختلف الفقهاء في مدى هذه الهليّة ‪ ،‬وتفصيل ذلك في ‪ :‬مصطلح (‬ ‫‪).‬‬

‫أحكام تتعلّق بالصّغير‬ ‫‪:‬‬

‫أوّلً ‪ -‬التّأذين في أذن المولود‬ ‫‪:‬‬

‫رافع ‪12 -‬‬ ‫يستحبّ الذان في أذن المولود اليمنى ‪ ،‬والقامة في أذنه اليسرى ‪ ،‬لما روى أبو‬
‫ي حين ولدته‬
‫أنّه قال ‪ « :‬رأيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أذّن في أذن الحسين بن عل ّ‬
‫فاطمة » انظر مصطلح ( أذان‬ ‫‪).‬‬

‫ثانيا ‪ :‬تحنيك المولود‬ ‫‪:‬‬

‫ومن ‪13 -‬‬ ‫يستحبّ تحنيك المولود ‪ ،‬والتّحنيك ‪ :‬هو دلك حنك المولود بتمرة ممضوغة ‪،‬‬
‫الحاديث الّتي استدلّ بها الفقهاء على استحباب التّحنيك ‪ ،‬ما روى أنس « أنّ أمّ سليم‬
‫ولدت غلما ‪ ،‬قال ‪ :‬فقال لي أبو طلحة ‪ :‬احفظه حتّى تأتي به النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫فأتيته به ‪ -‬وأرسل معي بتمرات ‪ -‬فأخذها النّبيّ صلى ال عليه وسلم فمضغها ‪ ،‬ثمّ أخذها‬
‫ي وحنّكه به وسمّاه ‪ :‬عبد اللّه » ‪ .‬انظر ‪ ( :‬تحنيك‬
‫من فيه فجعلها في في الصّب ّ‬ ‫)‬

‫ثالثا ‪ -‬تسمية المولود‬ ‫‪:‬‬


‫وسلم ‪14 -‬‬ ‫تستحبّ تسميته باسم مستحبّ ‪ ،‬لما رواه سمرة عن رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫«أنّه قال ‪ :‬الغلم مرتهن بعقيقته يذبح عنه يوم السّابع ‪ ،‬ويسمّى ويحلق رأسه‬ ‫‪».‬‬

‫انظر ‪ ( :‬تسمية‬ ‫‪).‬‬

‫رابعا ‪ -‬عقيقة المولود‬ ‫‪:‬‬

‫القطع ‪15 -‬‬ ‫العقيقة لغةً ‪ :‬معناها‬ ‫‪.‬‬

‫وشرعا ‪ :‬ما يذبح عن المولود شكرا للّه تعالى‬ ‫‪.‬‬

‫وذلك لما رواه البخاريّ في صحيحه عن سلمان بن عامر الضّبّيّ قال ‪ :‬قال رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬مع الغلم عقيقة فأهريقوا عنه دما ‪ ،‬وأميطوا عنه الذى‬ ‫‪».‬‬

‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أمرهم عن الغلم‬


‫ولما روته عائشة رضي ال عنها « أ ّ‬
‫‪ :‬شاتان متكافئتان ‪ ،‬وعن الجارية شاة‬ ‫‪».‬‬

‫واختلف الفقهاء في حكمها‬ ‫‪:‬‬

‫ي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وجماعة إلى استحبابها‬


‫فذهب مالك والشّافع ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ن العقيقة نسخت بالضحيّة ‪ ،‬فمن شاء فعل ‪ ،‬ومن شاء لم يفعل‬


‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫خامسا ‪ :‬الختان‬ ‫‪:‬‬

‫‪16 - ،‬‬ ‫ن الختان سنّة في حقّ الرّجال‬


‫ذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وأحمد في رواية عنه إلى أ ّ‬
‫ن الختان واجب على الرّجال والنّساء‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬في المعتمد ‪ -‬إلى أ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫انظر ‪ ( :‬ختان‬ ‫‪).‬‬

‫حقوق الصّغير‬ ‫‪:‬‬

‫من حقوق الصّغير ما يأتي‬ ‫‪:‬‬

‫نسب ‪17 -‬‬ ‫أ ‪ -‬أن ينسب إلى أبيه ‪ ،‬وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (‬ ‫‪).‬‬

‫ب ‪ -‬أن ينفق عليه ‪ ،‬وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ( نفقة‬ ‫‪).‬‬

‫ج ‪ -‬تعليمه وتأديبه ‪ ،‬وينظر تفصيل ذلك في مصطلحي ‪ ( :‬تعليم ‪ ،‬وتأديب‬ ‫‪).‬‬

‫ما يتعلّق بذمّه الصّغير ماليّا‬ ‫‪:‬‬

‫‪18 - ،‬‬ ‫يتعلّق بذمّته ما يلي ‪ :‬قيمة المتلفات ‪ ،‬والنّفقة الواجبة عليه ‪ ،‬والعشر ‪ ،‬والخراج‬
‫وزكاة المال ‪ ،‬وصدقة الفطر ‪ ،‬والضحيّة ‪ ،‬على تفصيل وخلف ينظر في المصطلحات‬
‫ي أو الوصيّ بتنفيذ هذه اللتزامات من مال الصّغير‬
‫الخاصّة بها ‪ ،‬ويطالب الول ّ‬ ‫‪.‬‬

‫الولية على الصّغير‬ ‫‪:‬‬

‫والمعونة ‪19 -‬‬ ‫الولية في اللّغة ‪ :‬القيام بالمر أو عليه ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هي النّصرة‬ ‫‪.‬‬
‫ن الولية ‪ :‬هي سلطة شرعيّة يتمكّن بها صاحبها من القيام‬
‫والّذي يفهم من كلم الفقهاء أ ّ‬
‫على شؤون الصّغار الشّخصيّة والماليّة‬ ‫‪.‬‬

‫وتبدأ الولية الشّرعيّة على الصّغير منذ ولدته إلى أن يبلغ رشيدا ‪ ،‬ومن هذا يتبيّن أنّ‬
‫الولية تكون على الصّغير غير المميّز وعلى الصّغير المميّز‬ ‫‪.‬‬

‫وبالجملة فالولية واجبة لمصلحة كلّ قاصر ‪ ،‬سواء كان صغيرا أو غير صغير‬ ‫‪.‬‬

‫أقسام الولية‬ ‫‪:‬‬

‫تنقسم الولية بحسب السّلطة المخوّلة للوليّ إلى قسمين ‪ :‬ولية على النّفس ‪ ،‬وولية على‬
‫المال‬ ‫‪.‬‬

‫أ ‪ -‬الولية على النّفس‬ ‫‪:‬‬

‫والتّعليم ‪20 -‬‬ ‫يقوم الوليّ بمقتضاها بالشراف على شؤون الصّغير الشّخصيّة ‪ ،‬مثل ‪ :‬التّأديب‬
‫والتّطبيب إلى آخر ما يتعلّق بذلك من أمور ‪ ،‬وكذا تزويج الصّغير والصّغيرة ‪ ،‬فالتّزويج من‬
‫باب الولية على النّفس‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬الولية على المال‬ ‫‪:‬‬

‫عقود ‪21 -‬‬ ‫يقوم الوليّ بمقتضاها بالشراف على شؤون الصّغير الماليّة ‪ :‬من إنفاق ‪ ،‬وإبرام‬
‫‪ ،‬والعمل على حفظ ماله واستثماره وتنميته‬ ‫‪.‬‬

‫وللفقهاء خلف وتفصيل في تقسيم الولياء ومراتبهم ‪ ،‬ينظر في مصطلح ‪ ( :‬ولية‬ ‫‪).‬‬

‫تأديب الصّغار وتعليمهم‬ ‫‪:‬‬

‫الخلق ‪22 -‬‬ ‫يجب على الوليّ تأديب الصّغار بالداب الشّرعية ‪ ،‬الّتي تغرس في نفس الطفل‬
‫الكريمة والسّلوك القويم ‪ ،‬كالمر بأداء الصّلة وغيرها مما هو في طوقه ‪ :‬ينظر التفصيل‬
‫في ‪ ( :‬تأديب ‪ ،‬تعليم‬ ‫‪).‬‬

‫تطبيب الصّغير‬ ‫‪:‬‬

‫أهمّ ‪23 -‬‬ ‫ن هذه الشياء من‬


‫ي على النّفس ولية علج الصّغير وتطبيبه وختانه ‪ ،‬ل ّ‬
‫للول ّ‬
‫المور اللّزمة للصّغار لتعلقها بصحته ويتحقق هذا بالذن للطبيب في تقديم العلج اللّزم‬
‫للصّغار ‪ ،‬والذن في إجراء العمليات الجراحية لهم‬ ‫‪.‬‬

‫ي على النّفس ‪ ،‬وليس للوليّ على المال ذلك ‪ ،‬فلو أذن الوليّ‬
‫قال الفقهاء ‪ :‬هذا خاصّ بالول ّ‬
‫على المال للطبيب بإجراء عمليّة للصّغير فهلك ‪ ،‬فعلى الوليّ الدّية لتعديه ‪ ،‬أما إن كانت‬
‫ي على النّفس‬
‫هناك ضرورة ملحّة في إجراء العمليّة لنقاذ حياة الصّغير ‪ ،‬وتغيّب الول ّ‬
‫ن إنقاذ‬
‫فللوليّ على المال الذن في إجراء العمليّة ‪ ،‬أو ليّ أحد من عموم المسلمين ‪ ،‬ل ّ‬
‫الدميّ واجب على كلّ مسلم ‪.‬‬
‫تصرّفات الوليّ الماليّة‬ ‫‪:‬‬

‫وعدم ‪24 -‬‬ ‫اتّفق الفقهاء على أنّ الوليّ يتصرّف وجوبا في مال الصّغير بمقتضى المصلحة‬
‫حسَنُ‬
‫الضّرر ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬و َل َتقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ ِإلّ بِالّتِي هِيَ َأ ْ‬ ‫‪}.‬‬

‫خوَا ُنكُمْ وَالّلهُ‬


‫ن ُتخَا ِلطُو ُهمْ فَ ِإ ْ‬
‫ن الْيَتَامَى ُق ْل إِصْلَحٌ ّل ُهمْ خَ ْيرٌ َوإِ ْ‬
‫وقال سبحانه ‪ { :‬وَ َيسْأَلُونَكَ عَ ِ‬
‫َيعْ َلمُ ا ْلمُ ْفسِدَ ِمنَ ا ْلمُصْ ِلحِ‬ ‫‪}.‬‬

‫ن الغنيّ ل يأكل من مال اليتيم ‪ ،‬وللفقير أن يأكل بالمعروف من غير‬


‫كما أنّهم اتّفقوا على أ ّ‬
‫ن غَنِيّا فَلْ َيسْ َت ْعفِفْ َومَن كَانَ َفقِيرا فَلْيَ ْأ ُكلْ بِا ْل َمعْرُوفِ } ‪.‬‬
‫إسراف لقوله تعالى ‪َ { :‬ومَن كَا َ‬
‫وروى الشّيخان عن عائشة ‪ « :‬أنّها نزلت في مال اليتيم إذا كان فقيرا ‪ ،‬أنّه يأكل منه مكان‬
‫قيامه عليه بالمعروف » ‪ .‬وورد « أنّ رجلً سأل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقال ‪:‬‬
‫إنّي فقير ليس لي شيء ‪ ،‬ولي يتيم ؟ قال ‪ :‬كل من مال يتيمك غير مسرف ‪ ،‬ول مباذر ‪،‬‬
‫ول متأثّل ‪ ،‬ول تخلط مالك بماله » ‪ .‬وفي المسألة خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ‪:‬‬
‫( ولية‬ ‫‪).‬‬

‫أحكام الصّغير في العبادات‬ ‫‪:‬‬

‫الطّهارة‬ ‫‪:‬‬

‫تجب ‪25 -‬‬ ‫تجب الطّهارة على ك ّل من وجبت عليه الصّلة إذا تحقّق سببها ‪ ،‬أمّا الصّغير فل‬
‫عليه الطّهارة ‪ ،‬وإنّما يأمره الوليّ بها أمر تأديب وتعليم‬ ‫‪.‬‬

‫بول الصّغير‬ ‫‪:‬‬

‫نجس ‪26 -‬‬ ‫ن بولهما‬


‫اتّفق الفقهاء على أنّ الصّغير والصّغيرة إذا أكل الطّعام وبلغا عامين فإ ّ‬
‫كنجاسة بول الكبير ‪ ،‬يجب غسل الثّوب إذا أصابه هذا البول ‪ ،‬والدّليل على نجاسة البول ما‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬استنزهوا من البول ‪ ،‬فإنّ عامّة عذاب القبر‬
‫روي عن النّب ّ‬
‫منه‬ ‫‪».‬‬

‫أمّا بول الصّغير والصّغيرة إذا لم يأكل الطّعام ‪ ،‬وكانا في فترة الرّضاعة ‪ ،‬فعند الحنفيّة‬
‫والمالكيّة ‪ :‬أنّه كغيره من النّجاسات في وجوب التّطهّر منه ‪ ،‬لعموم الحديث السّابق‬ ‫‪.‬‬

‫إلّ أنّ المالكيّة قالوا ‪ :‬يعفى عمّا يصيب ثوب المرضعة أو جسدها من بول أو غائط الطّفل ‪،‬‬
‫سواء أكانت أمّه أم غيرها ‪ ،‬إذا كانت تجتهد في درء النّجاسة عنها حال نزولها ‪ ،‬بخلف‬
‫المفرّطة ‪ ،‬لكن يندب غسله إن كثر‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى التّفريق بين بول الصّغير والصّغيرة ‪ ،‬فإذا أصاب الثّوب بول‬
‫الصّغير اكتفى بنضحه بالماء ‪ ،‬وإذا أصاب الثّوب بول الصّغيرة وجب غسله ‪ ،‬لحديث « أمّ‬
‫قيس بنت محصن أنّها ‪ :‬أتت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بابن لها لم يبلغ أن يأكل‬
‫الطّعام ‪ ،‬فبال في حجر رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فدعا رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫ل » ولحديث ‪ « :‬يغسل من بول الجارية‬
‫وسلم بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله غس ً‬
‫ش من بول الغلم‬
‫وير ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وكلّ ما ذكر من اتّفاق واختلف بين الفقهاء في بول الصّغير والصّغيرة ‪ ،‬ينطبق تماما على‬
‫قيء الصّغير والصّغيرة‬ ‫‪.‬‬

‫أذان الصّبيّ‬ ‫‪:‬‬

‫ثمّ ‪27 -‬‬ ‫اتّفق الفقهاء على عدم صحّة أذان الصّبيّ غير المميّز ‪ ،‬لنّه ل يدرك ما يفعله ‪،‬‬
‫ي المميّز‬
‫اختلفوا في أذان الصّب ّ‬ ‫‪:‬‬

‫ح أذانه إلّ إذا اعتمد على بالغ في إخباره بدخول الوقت فإن أذّن‬
‫فقال المالكيّة ‪ :‬ل يص ّ‬
‫الصّغير بل اعتماد على بالغ وجب على البالغين إعادة الذان‬ ‫‪.‬‬

‫ح أذان الصّبيّ المميّز ‪ .‬وينظر التّفصيل في ‪ ( :‬أذان‬


‫أمّا عند الجمهور ‪ :‬فيص ّ‬ ‫‪).‬‬

‫صلة الصّغير‬ ‫‪:‬‬

‫عن ‪28 -‬‬ ‫ل تجب الصّلة على الصّبيّ لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬رفع القلم عن ثلثة ‪:‬‬
‫المجنون المغلوب على عقله حتّى يفيق ‪ ،‬وعن النّائم حتّى يستيقظ ‪ ،‬وعن الصّبيّ حتّى‬
‫‪» .‬يحتلم‬
‫ولكن يؤمر الصّغير ذكرا كان أو أنثى بالصّلة تعويدا له إذا بلغ سبع سنين ‪ ،‬ويضرب عليها‬
‫لعشر سنين ‪ ،‬زجرا له لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬مروا أولدكم بالصّلة وهم أبناء‬
‫سبع سنين ‪ ،‬واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين ‪ ،‬وفرّقوا بينهم في المضاجع‬ ‫‪».‬‬

‫عورة الصّغير‬ ‫‪:‬‬

‫من ‪29 -‬‬ ‫من شروط صحّة الصّلة ستر العورة ‪ ،‬ولقد تكلّم الفقهاء عن تحديد عورة الكبار‬
‫الرّجال والنّساء وكيفيّة سترها ‪ ،‬كما تكلّموا عن تحديد عورة الصّغار من الذّكور والناث‬
‫في الصّلة وخارجها‬ ‫‪.‬‬

‫ولقد اختلف الفقهاء في تحديد عورة الصّغار وفيما يلي بيان أقوالهم من خلل مذاهبهم‬ ‫‪:‬‬

‫أ ّولً ‪ -‬الحنفيّة‬ ‫‪:‬‬

‫ل عورة للصّغير الّذي لم يبلغ أربع سنين ‪ ،‬فيباح النّظر إلى بدنه ومسّه ‪ ،‬أمّا من بلغ أربعا‬
‫فأكثر ‪ ،‬ولم يشته فعورته القبل والدّبر ‪ ،‬ثمّ تغلظ عورته إلى عشر سنين ‪ .‬أي تعتبر عورته‬
‫‪ :‬الدّبر وما حوله من الليتين ‪ ،‬والقبل وما حوله ‪ .‬وبعد العاشرة ‪ :‬تعتبر عورته من‬
‫السّرّة إلى الرّكبة كعورة البالغ في الصّلة وخارجها ‪ ،‬إذا كان ذكرا ‪ .‬وإن كانت أنثى بالغةً‬
‫فجسدها كلّه عورة إلّ الوجه والكفّين وباطن القدمين‬ ‫‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬المالكيّة‬ ‫‪:‬‬

‫يفرّق المالكيّة بين الذّكر والنثى‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬في الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫عورة الصّغير المأمور بالصّلة ‪ ،‬وهو بعد تمام السّبع هي ‪ :‬السّوأتان ‪ ،‬والليتان ‪،‬‬
‫والعانة ‪ ،‬والفخذ ‪ ،‬فيندب له سترها كحالة السّتر المطلوب من البالغ‬ ‫‪.‬‬

‫وعورة الصّغيرة المأمورة بالصّلة ‪ :‬ما بين السّرّة والرّكبة ‪ ،‬ويندب لها سترها كالسّتر‬
‫المطلوب من البالغة‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬خارج الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫ابن ثمان سنين فأقلّ ل عورة له ‪ ،‬فيجوز للمرأة النّظر إلى جميع بدنه وتغسيله ميّتا‬ ‫‪.‬‬

‫وابن تسع إلى اثنتي عشرة سنةً يجوز لها النّظر إلى جميع بدنه ‪ ،‬ولكن ل يجوز تغسيله ‪،‬‬
‫وابن ثلث عشرة سنةً فأكثر عورته كعورة الرّجال‬ ‫‪.‬‬

‫وبنت سنتين وثمانية أشهر ل عورة لها وبنت ثلث سنين إلى أربع ل عورة لها في‬
‫النّظر ‪ ،‬فينظر إلى بدنها ولها عورة في المسّ ‪ ،‬فليس للرّجل أن يغسّلها ‪ ،‬والمشتهاة بنت‬
‫سبع سنوات ل يجوز للرّجل النّظر إلى عورتها ‪ ،‬ول تغسيلها‬ ‫‪.‬‬

‫ثالثا ‪ -‬الشّافعيّة‬ ‫‪:‬‬

‫عورة الصّغير ولو غير مميّز كالرّجل " ما بين السّرّة والرّكبة " ‪ ،‬وعورة الصّغيرة كالكبيرة‬
‫أيضا في الصّلة وخارجها‬ ‫‪.‬‬

‫رابعا ‪ -‬الحنابلة‬ ‫‪:‬‬

‫ل عورة للصّغير الّذي لم يبلغ سبع سنين ‪ ،‬فيباح النّظر إليه ومسّ جميع بدنه‬ ‫‪.‬‬

‫وابن سبع إلى عشر عورته الفرجان فقط ‪ ،‬في الصّلة وخارجها‬ ‫‪.‬‬

‫وبنت سبع إلى عشر ‪ :‬عورتها في الصّلة ما بين السّرّة والرّكبة ‪ ،‬ويستحبّ لها الستتار‬
‫وستر الرّأس كالبالغة احتياطا ‪ ،‬وأمام الجانب ‪ :‬عورتها جميع بدنها إ ّل الوجه ‪ ،‬والرّقبة ‪،‬‬
‫والرّأس ‪ ،‬واليدين إلى المرفقين ‪ ،‬والسّاق ‪ ،‬والقدم ‪ .‬وبنت عشر كالكبيرة تماما‬ ‫‪.‬‬

‫انعقاد الجماعة والمامة بالصّغير‬ ‫‪:‬‬

‫بإمام ‪30 -‬‬ ‫ذهب الحنفيّة والشّافعيّة وأحمد ‪ -‬في إحدى الرّوايتين عنه ‪ -‬إلى انعقاد الجماعة‬
‫ي في التّهجّد‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أمّ ابن عبّاس وهو صب ّ‬
‫وصبيّ فرضا ونفلً ‪ « ،‬لنّ النّب ّ‬
‫‪».‬‬
‫أمّا عند المالكيّة ‪ ،‬والرّواية الثّانية عن أحمد ‪ :‬فل تنعقد الجماعة بصغير في فرض‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا إمامة الصّغير المميّز فقد اختلف الفقهاء في حكمها ‪ .‬وينظر التّفصيل في ‪ ( :‬إمامة‬ ‫‪).‬‬
‫غسل المولود والصّلة عليه‬ ‫‪:‬‬

‫مات ‪31 -‬‬ ‫اتّفق الفقهاء على وجوب غسل الصّغير إن ولد حيّا ثمّ‬ ‫‪.‬‬

‫وينظر ‪ :‬التّفصيل في ( تغسيل الميّت ‪ ،‬استهلل‬ ‫‪).‬‬

‫الزّكاة في مال الصّبيّ‬ ‫‪:‬‬

‫في ‪32 -‬‬ ‫اختلف الفقهاء في هذه المسألة ‪ :‬فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى وجوبها‬
‫مال الصّغير مطلقا‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الحنفيّة ‪ :‬إلى وجوبها في مال الصّغير إذا كان المال زروعا وثمارا وعدم وجوبها‬
‫في بقيّة أمواله‬ ‫‪.‬‬

‫صوم الصّغير‬ ‫‪:‬‬

‫على ‪33 -‬‬ ‫ن الصّوم عبادة فيها مشقّة عظيمة‬


‫ل يجب الصّوم إلّ ببلوغ الصّغير والصّغيرة ‪ ،‬ل ّ‬
‫الصّغار ‪ ،‬ولم يكلّفوا بأدائها شرعا لعدم صلحيتهم لذلك ‪ ،‬فإن صام الصّغير صحّ صومه‪،‬‬
‫وينبغي للوليّ أن يأمره بالصّوم إذا بلغ سبع سنوات ‪ ،‬ويضربه إذا بلغ عشر سنوات لكي‬
‫يعتاد على الصّوم ‪ ،‬بشرط أن يكون الصّغير يتحمّل أداء الصّوم بل مشقّة ‪ ،‬فإن كان ل‬
‫يطيقه فل يجب على وليّه أمره بالصّوم ‪ .‬وينظر التّفصيل في ‪ ( :‬صوم‬ ‫‪).‬‬

‫حجّ الصّبيّ‬ ‫‪:‬‬

‫منه ‪34 -‬‬ ‫ح‬


‫ج غير واجب على الصّبيّ وإن كان مستطيعا إلّ أنّه يص ّ‬
‫ن الح ّ‬
‫اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫ويقع نفلً ‪ ،‬ول يجزئ عن حجّة السلم ‪ ( .‬ينظر التّفصيل في حجّ‬ ‫‪).‬‬

‫يمين الصّغير ونذره‬ ‫‪:‬‬

‫المميّز ‪35 -‬‬ ‫ي ول نذره ‪ ،‬لنّه غير مكلّف ‪ ،‬يستوي في هذا الحكم الصّبيّ‬
‫ل ينعقد يمين الصّب ّ‬
‫وغير المميّز ‪ .‬انظر ‪ ( :‬أيمان ‪ ،‬ونذر‬ ‫‪).‬‬

‫استئذان الصّغير‬ ‫‪:‬‬

‫‪36 - ،‬‬ ‫ذهب الجمهور ‪ :‬عبد اللّه بن عبّاس ‪ ،‬وعبد اللّه بن مسعود ‪ ،‬وعطاء بن أبي رباح‬
‫وطاوس بن كيسان ‪ ،‬والحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة وغيرهم " إلى وجوب أمر الصّغير المميّز‬
‫بالستئذان قبل الدّخول ‪ ،‬في الوقات الثّلثة الّتي هي مظنّة كشف العورات ‪ ،‬لنّ العادة‬
‫جرت بتخفّف النّاس فيها من الثّياب‬ ‫‪.‬‬

‫ول حرج عليه في ترك الستئذان في غير هذه الوقات الثّلثة ‪ ،‬لما في ذلك من الحرج في‬
‫طوّافين‬
‫الستئذان عند كلّ خروج ودخول ‪ .‬والصّغير ممّن يكثر دخوله وخروجه ‪ ،‬فهو من ال ّ‬
‫ن مَ َلكَتْ أَ ْيمَا ُن ُكمْ وَالّذِينَ َلمْ يَ ْبُلغُوا‬
‫ن آمَنُوا لِ َيسْتَأْذِن ُكمُ الّذِي َ‬
‫‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫ظهِيرَ ِة َومِن َبعْدِ‬
‫ن ثِيَا َبكُم مّنَ ال ّ‬
‫ضعُو َ‬
‫ث مَرّاتٍ مِن قَ ْبلِ صَلَا ِة ا ْل َفجْرِ َوحِينَ تَ َ‬
‫ا ْلحُُلمَ مِن ُكمْ ثَلَا َ‬
‫ضكُمْ‬
‫طوّافُونَ عَلَ ْيكُم َبعْ ُ‬
‫ن َ‬
‫ح َبعْدَهُ ّ‬
‫س عَلَ ْي ُكمْ وَلَا عَلَ ْي ِهمْ جُنَا ٌ‬
‫عوْرَاتٍ ّل ُكمْ لَيْ َ‬
‫صَلَاةِ ا ْل ِعشَاء َثلَاثُ َ‬
‫حكِيمٌ‬
‫علِيمٌ َ‬
‫ت وَالّلهُ َ‬
‫ك يُبَيّنُ الّل ُه َل ُكمُ الْآيَا ِ‬
‫عَلَى َبعْضٍ كَذَلِ َ‬ ‫‪}.‬‬

‫ن استئذان هؤلء في هذه الوقات الثّلثة مندوب غير واجب ‪ ،‬فكان‬


‫وذهب أبو قلبة إلى أ ّ‬
‫يقول ‪ " :‬إنّما أمروا بهذا نظرا لهم‬ ‫‪".‬‬

‫أحكام الصّغير في المعاملت‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬وقت تسليم الصّغير أمواله‬ ‫‪:‬‬

‫علّق ‪37 -‬‬ ‫ن اللّه تعالى‬


‫اتّفق الفقهاء على أنّه ل تسلّم للصّغير أمواله حتّى يبلغ راشدا ‪ ،‬ل ّ‬
‫دفع المال إليه على شرطين ‪ :‬هما البلوغ ‪ ،‬والرّشد في قوله تعالى ‪ { :‬وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَ ّتىَ‬
‫إِذَا بَ َلغُواْ ال ّنكَاحَ فَإِنْ آ َنسْتُم مّ ْن ُهمْ ُرشْدا فَادْ َفعُواْ إِلَ ْي ِهمْ َأ ْموَا َل ُهمْ } والحكم المعلّق على شرطين‬
‫ل يثبت بدونهما‬ ‫‪.‬‬

‫فإذا بلغ الصّغير فإمّا أن يبلغ رشيدا أو غير رشيد‬ ‫‪.‬‬

‫فإن بلغ رشيدا مصلحا للمال دفع إليه ماله ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬فَإِنْ آ َنسْتُم مّ ْن ُهمْ ُرشْدا فَا ْد َفعُواْ‬
‫إِلَ ْي ِهمْ َأ ْموَا َلهُمْ } وفي سنن أبي داود ‪ « :‬ل يُتْم بعد احتلم » ‪ .‬وإذا دفع إليه ماله أشهد‬
‫شهِدُواْ عَلَ ْي ِهمْ‬
‫عليه عند الدّفع لقوله تعالى ‪ { :‬فَإِذَا َد َفعْتُ ْم إِلَ ْيهِمْ َأ ْموَا َل ُهمْ فَ َأ ْ‬ ‫‪}.‬‬

‫وللصّغيرة أحكام من حيث وقت ترشيدها وينظر في ‪ ( :‬حجر ‪ ،‬ورشد‬ ‫‪).‬‬

‫باتّفاق ‪38 -‬‬ ‫وإن بلغ الصّغير غير رشيد فل تسلّم إليه أمواله بل يحجر عليه بسبب السّفه‬
‫ج َعلَ الّلهُ َلكُمْ قِيَاما وَارْزُقُو ُهمْ‬
‫س َفهَاء َأ ْموَا َل ُكمُ الّتِي َ‬
‫المذاهب ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬و َل ُتؤْتُواْ ال ّ‬
‫فِيهَا وَا ْكسُو ُهمْ َوقُولُواْ َل ُهمْ َق ْولً ّمعْرُوفا‬ ‫‪}.‬‬

‫ن أبا حنيفة قال ‪ :‬يستم ّر الحجر على البالغ غير الرّشيد إلى بلوغه خمسا وعشرين‬
‫إلّ أ ّ‬
‫ن في الحجر عليه بعد هذه السّنّ إهدارا لكرامته‬
‫سنةً ثمّ يسلّم إليه ماله ولو لم يرشد ‪ ،‬ل ّ‬
‫حسَنُ حَتّى يَبُْلغَ َأشُدّهُ‬
‫ي َأ ْ‬
‫النسانيّة ولقوله تعالى { َولَ َتقْرَبُواْ مَا َل الْيَتِيمِ ِإلّ بِالّتِي هِ َ‬ ‫‪}.‬‬

‫وتمام هذه المسألة يعرف في مصطلح ‪ ( :‬حجر ‪ ،‬ورشد‬ ‫‪).‬‬

‫ب ‪ -‬الذن للصّغير بالتجارة‬ ‫‪:‬‬

‫{ ‪39 -‬‬ ‫اتّفق الفقهاء على اختبار المميّز في التّصرفات ‪ ،‬لمعرفة رشده ‪ ،‬لقوله تعالى ‪:‬‬
‫وَابْتَلُوا اليَتَامَى } أي اختبروهم ‪ ،‬واختباره بتفويض التّصرفات الّتي يتصرف فيها أمثاله ‪،‬‬
‫فإن كان من أولد التّجار اختبر بالمماكسة في البيع والشّراء ‪ ،‬وإن كان من أولد الزّراع‬
‫اختبر بالزّراعة ‪ ،‬وإن كان من أولد أصحاب الحرف اختبر بالحرفة ‪ ،‬والمرأة تختبر في‬
‫شئون البيت من غزل وطهي طعام وصيانته وشراء لوازم البيت ونحوها‬ ‫‪.‬‬
‫واختلفوا في إذن الوليّ للصّغير بالتّجارة وفي أثر الذن على التّصرفات‬ ‫‪.‬‬

‫قال الحنفيّة والمالكيّة ‪ -‬في المعتمد عندهم ‪ -‬والحنابلة ‪ -‬في الرواية الرّاجحة ‪ -‬يجوز‬
‫ي المال الذن للصّغير في التّجارة إذا أنس منه الخبرة لتدريبه على طرق المكاسب ‪،‬‬
‫لول ّ‬
‫لقوله تعالى ‪ { :‬وَابْتَلُوا اليَتَامَى } أي اختبروهم لتعلموا رشدهم ‪ ،‬وإنّما يتحقق الختبار‬
‫بتفويض التّصرف إليهم في البيع والشّراء ‪ ،‬ولنّ المميّز عاقل محجور عليه فيرتفع حجره‬
‫بإذن وليّه ‪ ،‬ويصح تصرفه بهذا الذن فلو تصرف بل إذن لم يصح عند الحنابلة ‪ -‬في‬
‫إحدى الروايات عنهم ‪ -‬ولم ينفذ عند المالكيّة والحنفيّة والرواية الخرى عند الحنابلة‬ ‫‪.‬‬

‫والذن عند الحنفيّة والمالكيّة قد يكون صريحا ‪ ،‬مثل ‪ :‬أذنت لك في التّجارة ‪ ،‬أو دللة كما‬
‫ن سكوته دليل الرضا ‪ ،‬ولو لم يعتبر سكوته لدى إلى‬
‫لو رآه يبيع ويشتري فسكت ‪ ،‬ل ّ‬
‫الضرار بمن يعاملونه‬ ‫‪.‬‬

‫ن سكوته محتمل للرضا‬


‫وقال الحنابلة وزفر ‪ -‬من الحنفيّة ‪ : -‬ل يثبت الذن بالدللة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ولعدم الرضا‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ليجوز الذن له في التّجارة ‪ ،‬وإنّما يسلّم إليه المال ويمتحن في المماكسة‬
‫ي ع نه ‪ ،‬ل نّ ت صرفاته وعقوده باطلة لعدم توا فر الع قل الكا في‬
‫‪ .‬فإذا أراد الع قد ع قد الول ّ‬
‫لتقد ير الم صلحة في مباشرة التّ صرف ‪ ،‬فل يث بت له أحكام العقلء ق بل وجود مظنّة كمال‬
‫العقل ‪.‬‬
‫الوصيّة من الصّغير‬ ‫‪:‬‬

‫لصحّة ‪40 -‬‬ ‫اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة ‪ - :‬في أرجح القولين عندهم ‪ -‬على اشتراط البلوغ‬
‫الوصيّة ‪ ،‬فل تصحّ وصيّة الصّبيّ المميّز وغير المميّز ‪ ،‬ولو كان مميّزا مأذونا له في‬
‫التّجارة ‪ ،‬لنّ الوصيّة من التّصرّفات الضّارّة ضررا محضا ‪ ،‬إذ هي تبرّع ‪ ،‬كما أنّها ليست‬
‫من أعمال التّجارة‬ ‫‪.‬‬

‫وأجاز الحنفيّة وصيّة المميّز وهو من أتمّ السّابعة إذا كانت لتجهيزه وتكفينه ودفنه ‪ ،‬لنّ‬
‫ي من غسّان له عشر سنين أوصى لخواله ‪ ،‬ولنّه ل‬
‫عمر رضي ال عنه أجاز وصيّة صب ّ‬
‫ن المال سيبقى على ملكه مدّة حياته وله الرّجوع‬
‫ي في جواز وصيّته ‪ ،‬ل ّ‬
‫ضرر على الصّب ّ‬
‫عن وصيّته‬ ‫‪.‬‬

‫وأجاز المالكيّة والحنابلة وصيّة المميّز ‪ ،‬وهو ابن عشر سنين فأقلّ ممّا يقاربها ‪ ،‬دون غير‬
‫المميّز ‪ ،‬إذا عقل المميّز القربة ‪ ،‬لنّها تصرّف يحقّق نفعا له في الخرة بالثّواب ‪ ،‬فصحّ‬
‫منه كالسلم والصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫قبول الصّغير للوصيّة‬ ‫‪:‬‬


‫أو ‪41 -‬‬ ‫ق القبول‬
‫ن الموصى له إن كان صغيرا غير مميّز فليس له ح ّ‬
‫اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫الرّدّ ‪ ،‬لنّ عبارته ملغاة ‪ ،‬وإنّما يقبل عنه وليّه أو يردّ عنه‬ ‫‪.‬‬

‫ي المميّز ‪ -‬فقال الحنفيّة ‪ :‬له القبول ‪ ،‬لنّ‬


‫واختلف الفقهاء في ناقص الهليّة ‪ -‬وهو الصّب ّ‬
‫الوصيّة نفع محض له كالهبة والستحقاق في الوقف ‪ ،‬وليس له ول لوليّه الرّ ّد ‪ ،‬لنّه‬
‫ضرر محض فل يملكونه‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الجمهور ‪ :‬أمر القبول والرّدّ عن ناقص الهليّة لوليّه يفعل ما فيه المصلحة‬ ‫‪.‬‬

‫تزويج الصّغير‬ ‫‪:‬‬

‫بنفسه ‪42 -‬‬ ‫للصّغير سواء كان ذكرا أو أنثى الزّواج قبل البلوغ ‪ ،‬ولكن ل يباشر عقد الزّواج‬
‫‪ ،‬بل يقوم وليّه بمباشرة العقد وتزويجه ‪ ،‬فإن كان المزوّج ذكرا يجب على وليّه تزويجه‬
‫بمهر المثل ‪ ،‬وإن كانت أنثى زوّجت من إنسان صالح يحافظ عليها ويدبّر شؤونها ‪ .‬انظر‬
‫مصطلح ‪ ( :‬نكاح‬ ‫‪):‬‬

‫طلق الصّغير‬ ‫‪:‬‬

‫الصّبيّ ‪43 -‬‬ ‫ح طلق‬


‫الطّلق رفع قيد الزّواج ويترتّب عليه التزامات ماليّة ‪ ،‬فلذلك ل يص ّ‬
‫مميّزا أو غير مميّز ‪ ،‬وأجاز الحنابلة طلق مميّز يعقل الطّلق ولو كان دون عشر سنين ‪،‬‬
‫بأن يعلم أنّ زوجته تبين منه وتحرّم عليه إذا طلّقها ‪ ،‬ويصحّ توكيل المميّز في الطّلق‬
‫ح منه مباشرة شيء ‪ ،‬صحّ أن يوكّل وأن يتوكّل فيه ‪ ،‬ول يصحّ‬
‫ن من ص ّ‬
‫وتوكّله فيه ‪ ،‬ل ّ‬
‫عند الفقهاء أن يطلّق الوليّ على الصّبيّ بل عوض لنّ الطّلق ضرر‬ ‫‪.‬‬

‫عدّة الصّغيرة من طلق أو وفاة‬ ‫‪:‬‬

‫كان ‪44 -‬‬ ‫العدّة واجبة على كلّ امرأة فارقها زوجها بطلق أو وفاة ‪ ،‬كبير ًة أو صغيرةً ‪ ،‬ولمّا‬
‫ح إيقاع الطّلق عليها ‪ ،‬فإذا طلقت الصّغيرة فإنّ العدّة تلزمها ‪،‬‬
‫زواج الصّغيرة جائزا ص ّ‬
‫ن بعض الصّحابة سألوا‬
‫وتعتدّ ثلثة أشهر إن كانت العدّة من طلق ‪ .‬والدّليل على ذلك ‪ « :‬أ ّ‬
‫ن مِنَ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن عدّة الصّغيرات فنزل قوله تعالى ‪ { :‬وَاللّائِي يَ ِئسْ َ‬
‫شهُ ٍر وَاللّائِي َل ْم َيحِضْنَ‬
‫ن ارْتَبْ ُتمْ َفعِدّ ُتهُنّ َثلَا َثةُ َأ ْ‬
‫ض مِن ّنسَا ِئ ُكمْ إِ ِ‬
‫ا ْل َمحِي ِ‬ ‫‪}».‬‬

‫فقوله تعالى ‪ { :‬وَاللّائِي َلمْ َيحِضْنَ } محمول على الصّغيرات فتكون عدّتهنّ ثلثة أشهر ‪،‬‬
‫وهذا باتّفاق الفقهاء ‪ .‬وإن كانت العدّة من وفاة ‪ :‬تكون أربعة أشهر وعشرا بدليل قوله‬
‫عشْرا‬
‫شهُ ٍر وَ َ‬
‫سهِنّ أَرْ َب َعةَ َأ ْ‬
‫ن بِأَن ُف ِ‬
‫ن أَ ْزوَاجا يَتَرَبّصْ َ‬
‫ن مِن ُكمْ وَيَذَرُو َ‬
‫تعالى‪ { :‬وَالّذِينَ يُ َتوَ ّفوْ َ‬ ‫‪}.‬‬

‫فقوله تعالى ‪ { :‬أَ ْزوَاجا } لفظ عا ّم يشمل الكبيرات والصّغيرات ‪ ،‬فتكون عدّة الصّغيرات‬
‫ق النّفقة والسّكنى على زوجها المطلّق على‬
‫أربعة أشهر وعشرا ‪ .‬وللصّغيرة في العدّة ح ّ‬
‫تفصيل في المذاهب يعرف في مصطلح ‪ ( :‬عدّة‬ ‫‪).‬‬
‫قضاء الصّغير‬ ‫‪:‬‬

‫قضاؤه ‪45 -‬‬ ‫اتّفق الفقهاء على عدم صحّة تولية الصّغير القضاء ‪ ،‬وبالتّالي ل يصحّ‬ ‫‪.‬‬

‫انظر ‪ ( :‬قضاء‬ ‫‪).‬‬

‫شهادة الصّغير‬ ‫‪:‬‬

‫ل ‪46 -‬‬ ‫يشترط أن يكون الشّاهد عاقلً بالغا باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬فل تقبل شهادة الطّفل ‪ ،‬لنّه‬
‫تحصل الثّقة بقوله ‪ ،‬ول تقبل شهادة الصّغير غير البالغ ‪ ،‬لنّه ل يتمكّن من أداء الشّهادة‬
‫شهِيدَيْنِ من ّرجَا ِلكُمْ‬
‫شهِدُواْ َ‬
‫على الوجه المطلوب ‪ ،‬ولقوله تعالى ‪ { :‬وَاسْتَ ْ‬ ‫‪}.‬‬

‫شهَدَاء } والصّغير‬
‫ن ال ّ‬
‫ن مِ َ‬
‫ضوْ َ‬
‫ي عَ ْدلٍ مّن ُكمْ } وقوله ‪ِ { :‬ممّن تَرْ َ‬
‫شهِدُوا َذ َو ْ‬
‫وقوله ‪َ { :‬وَأ ْ‬
‫ن الصّغير ل يأثم بكتمان الشّهادة ‪ ،‬فد ّل على أنّه ليس بشاهد‬
‫ممّن ل ترضى شهادته ‪ ،‬ول ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا شهادة الصّبيان بعضهم على بعض فتجوز عند المام مالك في الجراح ‪ ،‬وفي القتل ‪،‬‬
‫خلفا لجمهور الفقهاء‬ ‫‪.‬‬

‫أحكام الصّغير في العقوبات‬ ‫‪:‬‬

‫رئيسيّين ‪47 -‬‬ ‫لقد قسّم الفقهاء مراحل الصّغر إلى قسمين‬ ‫‪:‬‬

‫الوّل ‪ :‬الصّغير غير المميّز وهذا ل تطبّق عليه عقوبة من العقوبات البدنيّة أصلً ‪ ،‬لنعدام‬
‫مسئوليّته‬ ‫‪.‬‬

‫ي المميّز ل تطبّق عليه الحدود والقصاص ‪ ،‬ولكن يؤدّب على ما ارتكب بما‬
‫الثّاني ‪ :‬الصّب ّ‬
‫يتناسب مع صغر سنّه ‪ ،‬بالتّوبيخ والضّرب غير المتلف أمّا إذا ارتكب الصّغير فعلً من شأنه‬
‫إتلف مال الغير ‪ ،‬وجب عليه ضمان ما أتلفه من ماله ‪ ،‬وكذا لو قتل إنسانا خطأً وجبت‬
‫الدّية في ماله ‪ ،‬هذا هو المبدأ العامّ الّذي يحدّد علقة الصّغار بالعقوبات‬ ‫‪.‬‬

‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬جناية ‪ -‬دية ‪ -‬قصاص‬ ‫‪).‬‬

‫حقّ الصّغير في استيفاء القصاص‬ ‫‪:‬‬

‫أو ‪48 -‬‬ ‫حقّ استيفاء القصاص يثبت لولياء المقتول " ورثته " والولياء قد يكونون جماع ًة ‪،‬‬
‫يكون واحدا منفردا ‪ ،‬والجماعة قد يكونون جميعا كبارا ‪ ،‬أو كبارا وصغارا ‪ .‬والواحد‬
‫المنفرد قد يكون كبيرا أو صغيرا‬ ‫‪.‬‬

‫أ ّولً ‪ -‬إذا كان وليّ الدّم صغيرا منفردا‬ ‫‪:‬‬

‫‪49 - .‬‬ ‫اختلف الفقهاء في انتظار بلوغه ‪ :‬فعند الحنفيّة روايتان إحداهما ‪ :‬ينتظر بلوغه‬
‫والثّانية ‪ :‬يستوفي القاضي القصاص نياب ًة عن الصّغير‬ ‫‪.‬‬

‫ي الصّغير أو وصيّه النّظر بالمصلحة في استيفاء‬


‫أمّا عند المالكيّة ‪ :‬ل ينتظر البلوغ ‪ ،‬ولول ّ‬
‫القصاص أو في أخذ الدّية كاملةً‬ ‫‪.‬‬
‫ن القصاص للتّشفّي ‪ ،‬فحقّه التّفويض‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬ينتظر بلوغ الصّغير ‪ ،‬ل ّ‬
‫ي أو حاكم أو بقيّة الورثة‬
‫إلى اختيار المستحقّ ‪ ،‬فل يحصل المقصود باستيفاء غيره من ول ّ‬
‫‪.‬‬

‫ثانيا ‪ -‬إذا كان الصّغير مشتركا مع جماعة كبار‬ ‫‪:‬‬

‫فللكبار استيفاء القصاص عند أبي حنيفة ومالك ‪ ،‬ول ينتظر بلوغ الصّغير لثبوت حقّ‬
‫القصاص للورثة ابتداءً على سبيل الكمال والستقلل ‪ ،‬ولنّ القصاص حقّ ل يتجزّأ ‪،‬‬
‫لثبوته بسبب ل يتجزّأ ‪ ،‬وهو القرابة ‪ .‬انظر ‪ ( :‬قصاص‬ ‫‪).‬‬

‫صغير‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬صغر‬ ‫‪.‬‬

‫صفا‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬سعي‬ ‫‪.‬‬

‫صفّ‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫‪1--‬‬ ‫الصّفّ في اللّغة ‪ :‬السّطر المستقيم من كلّ شيء ‪ ،‬والقوم المصطفّون وجعل الشّيء‬
‫ب الّذِينَ‬
‫ن الّلهَ ُيحِ ّ‬
‫كالنّاس والشجار ونحو ذلك ‪ -‬على خطّ مستو ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬إِ ّ‬
‫ف الجيش عدوّه ‪ :‬قاتله صفوفا ‪،‬‬
‫ن مّرْصُوصٌ } وصا ّ‬
‫صفّا كَأَ ّنهُم بُنيَا ٌ‬
‫ُيقَاتِلُونَ فِي سَبِي ِل ِه َ‬
‫ف القوم ‪ :‬وقفوا صفوفا متقابل ًة ‪ .‬ول يخرج معناه الصطلحيّ عن معناه اللّغويّ‬
‫وتصا ّ‬ ‫‪.‬‬

‫صفّ‬
‫الحكام المتعلّقة بال ّ‬ ‫‪:‬‬

‫صفّ في صلة الجماعة‬


‫أوّلً ‪ :‬تسوية ال ّ‬ ‫‪:‬‬

‫بعض ‪2 -‬‬ ‫ب تسوية الصّفوف في صلة الجماعة بحيث ل يتقدّم‬


‫ذهب الجمهور إلى أنّه يستح ّ‬
‫ف على سمت واحد مع التّراصّ ‪،‬‬
‫المصلّين على البعض الخر ‪ ،‬ويعتدل القائمون في الصّ ّ‬
‫وهو تلصق المنكب بالمنكب ‪ ،‬والقدم بالقدم ‪ ،‬والكعب بالكعب حتّى ل يكون في الصّفّ خلل‬
‫ب للمام أن يأمر بذلك لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬سوّوا صفوفكم‬
‫ول فرجة ‪ ،‬ويستح ّ‬
‫ن تسوية الصّفوف من إقامة‬
‫ن تسوية الصّفّ من تمام الصّلة » ‪ .‬وفي رواية ‪ « :‬فإ ّ‬
‫فإ ّ‬
‫ف من حسن الصّلة‬
‫ن إقامة الصّ ّ‬
‫الصّلة » وفي رواية ‪ « :‬وأقيموا الصّفّ فإ ّ‬ ‫‪».‬‬

‫ولما رواه أنس رضي ال عنه قال ‪ « :‬أقيمت الصّلة فأقبل علينا رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم بوجهه فقال ‪ :‬أقيموا صفوفكم ‪ ،‬وتراصّوا فإنّي أراكم من وراء ظهري‬ ‫‪».‬‬
‫وفي رواية ‪ « :‬وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه‬ ‫‪».‬‬

‫وذهب بعض العلماء ‪ -‬منهم ابن حجر وبعض المحدّثين ‪ -‬إلى وجوب تسوية الصّفوف‬
‫ن ورود‬
‫ن اللّه بين وجوهكم » فإ ّ‬
‫لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬لتسوّنّ صفوفكم أو ليخالف ّ‬
‫هذا الوعيد دليل على وجوب التّسوية ‪ ،‬والتّفريط فيها حرام ‪ ،‬ولمره صلى ال عليه وسلم‬
‫بذلك وأمره للوجوب ما لم يصرفه صارف ‪ ،‬ول صارف هنا‬ ‫‪.‬‬

‫ف واجبة فصلة من خالف ولم يسوّ‬


‫ي ‪ :‬ومع القول بأنّ تسوية الصّ ّ‬
‫قال ابن حجر العسقلن ّ‬
‫صحيحة ‪ ،‬ويؤيّد ذلك ‪ :‬أنّ أنسًا مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫الثّاني ‪3 -‬‬ ‫ف الوّل فالوّل ‪ ،‬وأن ل يشرع في إنشاء الصّفّ‬


‫ومن تسوية الصّفوف إكمال الصّ ّ‬
‫إلّ بعد كمال الوّل ‪ ،‬وهكذا ‪ .‬وهذا موضع اتّفاق الفقهاء لقوله صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫ف المقدّم ثمّ الّذي يليه ‪ ،‬فما كان من نقص فليكن في الصّفّ المؤخّر‬
‫أتمّوا الصّ ّ‬ ‫‪».‬‬

‫وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من وصل صفّا وصله اللّه ومن قطع صفّا قطعه اللّه‬ ‫‪».‬‬

‫وعليه فل يقف في صفّ وأمامه صفّ آخر ناقص أو فيه فرجة ‪ ،‬بل يشقّ الصّفوف لسدّ‬
‫الخلل أو الفرجة الموجودة في الصّفوف الّتي أمامه ‪ ،‬للحاديث السّابقة‬ ‫‪.‬‬

‫ي اصطفّا خلفه‬
‫فإذا حضر مع المام رجلن أو أكثر ‪ ،‬أو رجل وصب ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ولو حضر معه رجلن وامرأة اصطفّ الرّجلن خلفه والمرأة خلفهما ‪ ،‬ولو اجتمع الرّجال‬
‫والنّساء والصّبيان والصّبيّات المراهقات وأرادوا أن يصطفّوا للجماعة وقف الرّجال في‬
‫ف أو صفّين أو صفوف ممّا يلي المام ‪ ،‬ث ّم الصّبيان بعدهم ‪ ،‬وفي وجه عند الشّافعيّة‬
‫ص ّ‬
‫ي ليتعلّم أفعال الصّلة‬
‫يقف بين كلّ رجلين صب ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ثمّ يقف النّساء ول فرق عند المالكيّة والشّافعيّة بين الكبيرة والصّبيّة المراهقة‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا الحنفيّة والحنابلة فيرون أنّ الصّبيّات المراهقات يقفن وراء النّساء الكبيرات‬ ‫‪.‬‬

‫ويتقدّم بالنّسبة لهؤلء جميعا في الصّفوف الول الفضل فالفضل لما رواه أبو مسعود‬
‫رضي ال عنه قال ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬يمسح مناكبنا في الصّلة‬
‫ويقول ‪ :‬استووا ول تختلفوا فتختلف قلوبكم ‪ ،‬ليلينّي منكم أولو الحلم والنّهى ‪ ،‬ثمّ الّذين‬
‫يلونهم ‪ ،‬ثمّ الّذين يلونهم » ‪ .‬ولما رواه عبد الرّحمن بن غنم من حديث أبي مالك الشعريّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ؟ قال ‪ :‬فأقام الصّلة وصفّ الرّجال‬
‫قال ‪ « :‬أل أحدّثكم بصلة النّب ّ‬
‫وصفّ خلفهم الغلمان ثمّ صلّى بهم ‪ ،‬فذكر صلته ثمّ قال ‪ :‬هكذا صلة ‪ .‬قال عبد العلى ‪-‬‬
‫راوي الحديث‪ : -‬ل أحسبه إلّ قال ‪ :‬صلة أمّتي‬ ‫‪».‬‬

‫وإن لم يحضر مع المام إلّ جمع من النّساء صفّهنّ خلفه ‪ ،‬وكذا الثنتان والواحدة ‪.‬‬
‫يتمـ الوّل ‪ ،‬وأن‬
‫الصـفّ أن تسـدّ الفرج والخلل ‪ ،‬وأن ل يشرع فـي صـفّ حتّى ّ‬
‫ّ‬ ‫ومـن أدب‬
‫ف إذا كا نت هناك سعة ‪ ،‬ويقف المام وسط ال صّفّ والم صلّون‬
‫يف سح ل من ير يد دخول ال صّ ّ‬
‫خلفه لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬وسّطوا المام وسدّوا الخلل » ‪.‬‬
‫ومقا بل المام أف ضل من الجوا نب ‪ ،‬وج هة يم ين المام أف ضل من ج هة ي ساره لقوله صلى‬
‫ن اللّه وملئكته يصلّون على ميامن الصّفوف » ‪.‬‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫صفّ الوّل‬
‫فضل ال ّ‬ ‫‪:‬‬

‫غيرهم ‪4 -‬‬ ‫اتّفق الفقهاء على أنّ أفضل صفوف الرّجال ‪ -‬سواء كانوا يصلّون وحدهم أو مع‬
‫من الصّبيان والنّساء ‪ -‬هو الصّفّ الوّل ‪ ،‬ثمّ الّذي يليه ‪ ،‬ثمّ القرب فالقرب ‪ ،‬وكذا أفضل‬
‫صفوف النّساء إذا لم يكن معهنّ رجال‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا النّساء مع الرّجال فأفضل صفوفهنّ آخرها ‪ ،‬لنّ ذلك أليق وأستر لقوله صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬خير صفوف الرّجال أوّلها وشرّها آخرها ‪ ،‬وخير صفوف النّساء آخرها وشرّها‬
‫أوّلها » ‪ .‬وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬لو يعلم النّاس ما في النّداء والصّفّ الوّل ثمّ لم‬
‫يجدوا إلّ أن يستهموا عليه لستهموا‬ ‫‪».‬‬

‫والسّبق ‪5-‬‬ ‫قال العلماء ‪ :‬من فوائد الحثّ على الصّفّ الوّل المسارعة إلى خلص ال ّذمّة‬
‫لدخول المسجد ‪ ،‬والفرار من مشابهة المنافقين ‪ ،‬والقرب من المام ‪ ،‬واستماع قراءته‬
‫والتّعلّم منه والفتح عليه والتّبليغ عنه ومشاهدة أحواله ‪ ،‬والسّلمة من اختراق المارّة بين‬
‫يديه ‪ ،‬وسلمة البال من رؤية من يكون أمامه وسلمة موضع سجوده من أذيال المصلّين ‪،‬‬
‫والتّعرّض لصلة اللّه وملئكته ‪ ،‬ودعاء نبيّه صلى ال عليه وسلم وغير ذلك‬ ‫‪.‬‬

‫الصّفّ ‪6-‬‬ ‫ن‬


‫ف الوّل فذهب جمهور الفقهاء إلى أ ّ‬
‫ولكن العلماء اختلفوا في المراد من الصّ ّ‬
‫الوّل الممدوح الّذي وردت الحاديث بفضله هو الصّفّ الّذي يلي المام سواء تخلّله منبر أو‬
‫مقصورة أو أعمدة أو نحوها ‪ ،‬وسواء جاء صاحبه مقدّما أو مؤخّرا لقوله صلى ال عليه‬
‫ف المقدّم لكانت قرعة » ‪ ،‬ولقوله صلى ال عليه وسلم‬
‫وسلم ‪ « :‬لو يعلمون ما في الصّ ّ‬
‫عندما رأى في أصحابه تأخّرا ‪ « :‬تقدّموا فائتمّوا بي وليأتمّ بكم من بعدكم ‪ ،‬ل يزال قوم‬
‫يتأخّرون حتّى يؤخّرهم اللّه‬ ‫‪».‬‬

‫ن الصّفّ الوّل الفاضل هو أوّل صفّ تامّ يلي‬


‫وذهب بعض العلماء ومنهم الغزاليّ إلى أ ّ‬
‫ن ما فيه خلل فهو ناقص‬
‫المام ول يتخلّله شيء ممّا ذكر ‪ ،‬ل ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ن المطلق ينصرف إلى الكامل ‪،‬‬


‫ي ‪ :‬وكأنّ صاحب هذا القول لحظ أ ّ‬
‫قال ابن حجر العسقلن ّ‬
‫واستدلّ أصحاب هذا القول بما رواه أصحاب السّنن من حديث عبد الحميد بن محمود قال ‪:‬‬
‫{ « صلّينا خلف أمير من المراء فاضطرّنا النّاس فصلّينا بين السّاريتين ‪ ،‬فلمّا صلّينا قال‬
‫أنس بن مالك كنّا نتّقي هذا على عهد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬ ‫‪».‬‬

‫ن المراد بالصّفّ‬
‫وذهب بعض العلماء الخرين ومنهم بشر بن الحارث وابن عبد البرّ إلى أ ّ‬
‫الوّل هو من سبق إلى مكان الصّلة وجاء أ ّولً وإن صلّى في آخر الصّفوف ‪ ،‬واحتجّوا‬
‫باتّفاق العلماء على أنّ من جاء أوّل الوقت ولم يدخل في الصّفّ الوّل أفضل ممّن جاء في‬
‫آخر الوقت وزاحم إلى الصّفّ الوّل‬ ‫‪.‬‬

‫ن صاحب هذا القول لحظ المعنى في تفضيل‬


‫ي ‪ -‬أيضا ‪ : -‬وكأ ّ‬
‫قال ابن حجر العسقلن ّ‬
‫الصّفّ الوّل دون مراعاة لفظه‬ ‫‪.‬‬

‫صفّ في القتال مع الكفّار‬


‫الفرار من ال ّ‬ ‫‪:‬‬

‫المكلّف ‪7 -‬‬ ‫اتّفق العلماء على أنّه يحرم على من لزمه الجهاد ‪ -‬وهو المسلم الذّكر الح ّر‬
‫المستطيع ‪ -‬النصراف عن الصّفّ عند التقاء صفوف المسلمين والكفّار ‪ ،‬وإن غلب على‬
‫ظنّه أنّه إن ثبت قتل لقوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا َلقِيتُ ُم الّذِينَ َكفَرُواْ َزحْفا فَلَ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم عدّ التّولّي يوم الزّحف من‬
‫ُتوَلّو ُهمُ الَدْبَا َر } الية ‪ ،‬ولنّ « النّب ّ‬
‫السّبع الموبقات‬ ‫‪».‬‬

‫وذلك بشرط أن ل يزيد عدد الكفّار على مثلي المسلمين ‪ ،‬بأن كانوا مثلهم أو أقلّ لقوله‬
‫تعالى‪ { :‬فَإِن َيكُن مّنكُم مّ َئةٌ صَا ِبرَةٌ َيغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ } ‪ ،‬إلّ أن يكون متحرّفا لقتال أو متحيّزا‬
‫إلى فئة من المسلمين ينضمّ إليهم محاربا لقوله تعالى ‪َ { :‬ومَن ُيوَّل ِهمْ َي ْومَئِذٍ دُ ُبرَهُ ِإلّ‬
‫س ا ْلمَصِيرُ‬
‫جهَ ّنمُ وَبِئْ َ‬
‫ن الّلهِ َومَ ْأوَاهُ َ‬
‫مُ َتحَرّفا ّلقِتَالٍ َأوْ مُ َتحَيّزا إِلَى فِ َئةٍ َفقَدْ بَاء ِبغَضَبٍ مّ َ‬ ‫‪}.‬‬

‫فإن زاد عدد الكفّار عن مثلي المسلمين جاز النصراف عن الصّفّ‬ ‫‪.‬‬

‫صفّ في صلة الجنازة‬


‫ال ّ‬ ‫‪:‬‬

‫ال ‪8 -‬‬ ‫ن « النّبيّ صلى‬


‫ف في الصّلة على الجنازة ‪ ،‬ل ّ‬
‫قال الفقهاء ‪ :‬يستحبّ تسوية الصّ ّ‬
‫ف بهم وكبّر‬
‫عليه وسلم نعى النّجاشيّ في اليوم الّذي مات فيه وخرج إلى المصلّى فص ّ‬
‫‪».‬أربعا‬
‫ن أبا بكّار الحكم بن فرّوخ قال ‪ :‬صلّى بنا أبو المليح على جنازة فظننّا أنّه قد كبّر‬
‫وورد أ ّ‬
‫فأقبل علينا بوجهه فقال ‪ :‬أقيموا صفوفكم ولتحسن شفاعتكم‬ ‫‪.‬‬

‫ب أن ل تنقص الصّفوف عن ثلثة لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من صلّى عليه‬
‫كما يستح ّ‬
‫ثلثة صفوف فقد أوجب » وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ما من ميّت يصلّى عليه أمّة من‬
‫المسلمين يبلغون مائةً كلّهم يشفعون له إلّ شفّعوا فيه‬ ‫‪».‬‬
‫فإن كان وراء المام أربعة جعلهم صفّين في كلّ صفّ رجلين ‪ ،‬وإذا كانوا سبعةً أقاموا‬
‫ثلثة صفوف يتقدّم واحد منهم إماما وثلثة بعده واثنان بعدهم وواحد بعدهما ‪ ،‬لما روي‬
‫ي صلى ال عليه وسلم صلّى على جنازة فكانوا سبعةً فجعل الصّفّ الوّل ثلثةً‬
‫من « أنّ النّب ّ‬
‫والثّاني اثنين والثّالث واحدا » ‪ .‬إلّ أنّ بعض العلماء كره أن يكون الواحد صفّا ‪ ،‬كما‬
‫ل واحدا‬
‫كرهوا إذا كانوا ثلثةً أن يجعلوا ثلثة صفوف بحيث يكون ك ّل صفّ رج ً‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا مسألة صفّ الموتى إذا اجتمعوا فينظر في مصطلح ‪ ( :‬جنائز‬ ‫‪).‬‬

‫صِفَة‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫واتّصف ‪1 -‬‬ ‫الصّفة لغةً ‪ :‬الحلية ‪ ،‬قال اللّيث ‪ :‬الوصف ‪ :‬وصفك الشّيء بحليته ونعته ‪،‬‬
‫الشّيء ‪ :‬أمكن وصفه‬ ‫‪.‬‬

‫والصّفة في اصطلح أهل النّحو ‪ :‬هي السم الدّالّ على بعض أحوال الذّات ‪ ،‬وذلك نحو ‪:‬‬
‫طويل وقصير وعاقل وأحمق وغيرها ‪،‬وهي المارة اللّازمة لذات الموصوف الّذي يعرف‬
‫‪.‬بها‬
‫والصّفة في اصطلح الفقهاء ‪ :‬أن ينضبط الموصوف على وجه فل يبقى بعد الوصف إلّ‬
‫تفاوت يسير‬ ‫‪.‬‬

‫ص ليس بشرط ول‬


‫والصّفة عند الصوليّين ‪ :‬تقييد لفظ مشترك المعنى بلفظ آخر مخت ّ‬
‫غاية ‪ ،‬ول يريدون بها النّعت فقط كالنّحاة ‪ ،‬ويشهد لذلك تمثيلهم بمطل الغنيّ ظلم ‪ ،‬مع أنّ‬
‫التّقييد به إنّما هو بالضافة ‪ -‬فقط ‪ -‬وقد جعلوه صفةً‬ ‫‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ‬ ‫‪:‬‬

‫فوات ‪2 -‬‬ ‫تدخل الصّفة في شروط بيع السّلم ‪ ،‬وفي البيع على الصّفة ‪ ،‬فيثبت بتخلّفها خيار‬
‫الوصف ‪ .‬ومناط الصّفة في الفقه ‪ ،‬أن تكون منضبطةً على وجه ل يبقى بعد الوصف إلّ‬
‫تفاوت يسير ‪ ،‬فإن كان ممّا ل يمكن ويبقى بعد الوصف تفاوت فاحش فل يجوز العمل فيه ‪،‬‬
‫بسبب بقاء العين مجهولة القدر جهالةً فاحشةً مفضيةً إلى المنازعة ‪ ،‬وعدمها مطلوب‬
‫شرعا‪ ،‬وليس للصّفة مقابل في الثّمن ‪ ،‬لكونها تابعةً في العقد تدخل من غير ذكر ‪،‬‬
‫وللمشتري الخيار في الرّ ّد أو الخذ بجميع الثّمن‬ ‫‪.‬‬

‫‪،‬‬ ‫‪159/ 20‬‬ ‫وتفصيله في مصطلح ( سلم ‪ ،‬وربا ) ‪ .‬وراجع مصطلح ( خيار فوات الصّفة‬
‫‪162/‬‬ ‫ص‬ ‫‪10/‬‬ ‫‪ ) .‬وأيضا ف‬
‫الوصاف ‪3 -‬‬ ‫وفي أصول الفقه ‪ :‬يدخل مفهوم الصّفة ‪ :‬وهو تعليق الحكم على الذّات بأحد‬
‫في نحو ‪ :‬في سائمة الغنم زكاة ‪ ،‬وكتعليق نفقة البينونة على الحمل ‪ ،‬وشرط ثمرة النّخل‬
‫للبائع إذا كانت مؤبّرةً‬ ‫‪.‬‬

‫صَفْقَة‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫صوت ‪1 -‬‬ ‫الصّفقة ‪ :‬المرّة من الصّفق ‪ ،‬وهي في اللّغة ‪ :‬الضّرب الّذي يسمع له‬ ‫‪.‬‬

‫وفي الحديث ‪ « :‬التّسبيح للرّجال ‪ ،‬والتّصفيق للنّساء‬ ‫‪».‬‬

‫وتطلق الصّفقة في الصطلح ‪ :‬على عقد البيع ‪ ،‬يقال ‪ :‬صفّق يده بالبيعة والبيع ‪ :‬وعلى‬
‫يده صفقًا إذا ضرب بيده على يد صاحبه ‪ ،‬وذلك عند وجوب البيع ‪ ،‬ويقال ‪ :‬تصافق القوم‬
‫إذا تبايعوا ‪ .‬وفي حديث ابن مسعود رضي ال عنه ‪ « :‬الصّفقتان في صفقة ربا » ‪ .‬أي‬
‫بيعتان في بيعة الحكام المتعلّقة بالصّفقة‬ ‫‪:‬‬

‫ضربان ‪2 -‬‬ ‫الجمع بين شيئين في صفقة‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬أن يجمع بينهما في عقد واحد‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬أن يجمعهما في عقدين مختلفي الحكم‬ ‫‪.‬‬

‫فالوّل ‪ :‬إن جمع في الصّفقة بين ما يمتنع الجمع بينهما من حيث هو جمع ‪ ،‬كأن جمع بين‬
‫أختين أو خمس نسوة في عقد نكاح بطل العقد في الجميع ‪ ،‬لتحريم الجمع بين الختين ‪،‬‬
‫وبين الخمس ‪ ،‬فالبطال في واحدة ‪ ،‬والتّصحيح في غيرها ليس بأولى من العكس ‪ ،‬وإن لم‬
‫يكن كذلك ‪ ،‬فإن جمع في الصّفقة بين شيئين ‪ :‬ك ّل واحد منهما قابل للعقد ‪ ،‬بأن يجمع‬
‫ح العقد فيهما ‪ ،‬ثمّ إن كانا من جنسين ‪ :‬كشاة‬
‫عينين له قابلتين للبيع في صفقة واحدة ص ّ‬
‫وثوب ‪ ،‬أو كانا من جنس لكنّهما مختلفا القيمة وزّع الثّمن عليهما باعتبار القيمة‬ ‫‪.‬‬

‫وإن كانا من جنس واحد ‪ :‬كشاتين متّفقتي القيمة وزّع عليهما باعتبار الجزاء‬ ‫‪.‬‬

‫وإن جمع في الصّفقة شيئين غير قابلين للعقد ‪ :‬كخمر ‪ ،‬وميتة فالعقد باطل ‪ ،‬وهذا محلّ‬
‫اتّفاق بين الفقهاء‬ ‫‪.‬‬

‫اشتمال الصّفقة على ما يجوز بيعه وما ل يجوز‬ ‫‪:‬‬

‫فيه ‪3 -‬‬ ‫إذا اشتملت الصّفقة على ما يجوز العقد عليه ‪ ،‬وما ل يجوز ‪ ،‬فإن كان لما ل يجوز‬
‫العقد قيمة ‪ ،‬كأن يبيع داره ودار غيره صحّ العقد في داره بالقسط من المسمّى ‪ ،‬إذا وزّع‬
‫ن الصّفقة اشتملت على‬
‫على قيمتيهما ‪ ،‬وبطل في دار غيره إعطا ًء لكلّ منهما حكمه ‪ ،‬ول ّ‬
‫صحيح وفاسد ‪ ،‬فالعدل التّصحيح في الصّحيح ‪ ،‬وقصر الفساد على الفاسد ‪ ،‬وهذا محلّ‬
‫اتّفاق بين جمهور الفقهاء ‪ ،‬وهو قول للمالكيّة والمذهب عندهم بطلن الصّفقة كلّها‬ ‫‪.‬‬
‫أمّا إذا لم يكن له قيمة ‪ ،‬بأن اشتملت على خلّ وخمر ‪ ،‬أو ميتة ومذكّاة ‪ ،‬فقد اختلف فيها ‪:‬‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أنّه يبطل فيهما إن لم يسمّ لكلّ واحد منهما ثمنا باتّفاق أئمّتهم‬ ‫‪.‬‬

‫ن البيع يبطل فيهما ‪ ،‬لنّ الميتة‬


‫أمّا إذا سمّى لكلّ واحد منهما ثمنا فقد ذهب أبو حنيفة إلى أ ّ‬
‫والخمر ليسا بمال ‪ ،‬والبيع صفقة واحدة ‪ ،‬فكان القبول في الميتة ‪ ،‬والخمر كالمشروط‬
‫للبيع فيهما ‪ ،‬وهو شرط فاسد مفسد للعقد‬ ‫‪.‬‬

‫ح العقد إن سمّي لكلّ واحد منهما قسط من الثّمن ‪ ،‬وقال الشّافعيّة‬


‫وقال الصّاحبان ‪ :‬يص ّ‬
‫والحنابلة ‪ :‬تفرّق الصّفقة فيهما فيصحّ في الحلل ويبطل في الحرام‬ ‫‪.‬‬

‫والتّفصيل في ( تفريق ‪ ،‬وبيع‬ ‫‪).‬‬

‫وإن اشتملت الصّفقة على عقدين مختلفي الحكم ‪ :‬كبيع وإجارة ‪ ،‬أو بيع وسلم ‪ ،‬أو بيع‬
‫ونكاح ‪ ،‬صحّ كلّ منهما ‪ ،‬لصحّته منفردا فل يضرّ الجمع ‪ ،‬ول أثر لختلف الحكم في ذلك ‪،‬‬
‫كما ل أثر له في بيع مشفوع ‪ ،‬وغير مشفوع‬ ‫‪.‬‬

‫وصورة الجارة ‪ ،‬والبيع أن يقول ‪ :‬بعتك هذا الثّوب ‪ ،‬وآجرتك داري سن ًة بكذا ‪ .‬وصورة‬
‫النّكاح والبيع ‪ ،‬أن يقول ‪ :‬زوّجتك بنتي ‪ ،‬وبعتك دارها ‪ ،‬وهي في حجره ‪ ،‬أو رشيدة وكّلته‬
‫ح النّكاح والبيع ‪ ،‬ويوزّع المسمّى على قيمة المبيع ‪ ،‬ومهر المثل ‪.‬‬
‫في بيع دارها فيص ّ‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬تفريق ‪ ،‬ونكاح ‪ ،‬وصداق‬ ‫‪).‬‬

‫صَ ِفيّ‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫واستصفى ‪1 -‬‬ ‫الصّفيّ ‪ :‬من الصّفو ‪ ،‬والصّفاء نقيض الكدر ‪ ،‬وهو الخالص من كلّ شيء ‪،‬‬
‫الشّيء واصطفاه ‪ :‬اختاره‬ ‫‪.‬‬

‫قال أبو عبيدة ‪ :‬الصّفيّ من الغنيمة ‪ :‬ما اختاره الرّئيس من المغنم واصطفاه لنفسه قبل‬
‫القسمة ‪ :‬من فرس ‪ ،‬أو سيف ‪ ،‬أو غيره ‪ ،‬وهو الصّفيّة ‪ -‬أيضا ‪ -‬وجمعه صفايا‬ ‫‪.‬‬

‫ومنه قول عبد اللّه بن عنمة يخاطب بسطام بن قيس‬ ‫‪:‬‬

‫وحكمك والنّشيطة والفضول‬ ‫لك المرباع فيها والصّفايا‬


‫ي تعني صفيّة بنت حييّ‬
‫ومنه حديث عائشة ‪ -‬رضي ال عنها ‪ « -‬كانت صفيّة من الصّف ّ‬
‫كانت من غنيمة خيبر‬ ‫‪».‬‬

‫ول يخرج التّعريف الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ‬ ‫‪.‬‬

‫فالصّفيّ ‪ :‬شيء يختار من المغنم قبل القسمة ‪:‬كالجارية والعبد والثّوب والسّيف أو غير‬
‫‪.‬ذلك‬
‫الحكم الجماليّ‬ ‫‪:‬‬
‫وليس ‪2 -‬‬ ‫صةً ‪،‬‬
‫ن الصّفيّ كان لرسول اللّه صلى ال عليه وسلم خا ّ‬
‫ذهب الجمهور إلى أ ّ‬
‫للّذين من بعده ‪ ،‬ول يعلم مخالف لهذا ‪ ،‬إلّ أبو ثور فإنّه قال ‪ :‬إن كان الصّفيّ ثابتا للنّبيّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫صلى ال عليه وسلم فللمام أن يأخذه على نحو ما كان يأخذه النّب ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم من خمس الخمس‬
‫ويجعله مجعل سهم النّب ّ‬ ‫‪.‬‬

‫قال ابن المنذر ‪ :‬ل أعلم أحدا سبق أبا ثور إلى هذا القول‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم كتب إلى بني زهير بن أقيش‬


‫وقد روى أبو داود بإسناده ‪ « :‬أنّ النّب ّ‬
‫‪ :‬إنّكم إن شهدتم أن ل إله إلّ اللّه ‪ ،‬وأنّ محمّدا رسول اللّه ‪ ،‬وأقمتم الصّلة ‪ ،‬وآتيتم الزّكاة‬
‫ي صلى ال عليه وسلم الصّفيّ أنتم آمنون بأمان‬
‫‪ ،‬وأدّيتم الخمس من المغنم ‪ ،‬وسهم النّب ّ‬
‫اللّه ورسوله‬ ‫‪».‬‬

‫ومن حديث عائشة ‪ -‬رضي ال عنها ‪ -‬أنّها قالت ‪ « :‬كانت صفيّة من الصّفيّ‬ ‫‪».‬‬

‫وبعده ‪3 -‬‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم فثابت بإجماع المّة ‪ -‬قبل أبي ثور‬
‫وأمّا انقطاعه بعد النّب ّ‬
‫‪ -‬وكون أبي بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم لم يأخذوه ‪ ،‬ول ذكره أحد منهم ‪ ،‬ول يجمعون‬
‫على ترك سنّة النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬ ‫‪.‬‬

‫صَقْر‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬أطعمة ‪ ،‬صيد‬ ‫‪.‬‬

‫صَكّ‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫في ‪1 -‬‬ ‫الصّكّ في اللّغة ‪ :‬الضّرب الشّديد بالشّيء العريض ‪ ،‬يقال ‪ :‬صكّه صكّا ‪ :‬إذا ضربه‬
‫ي شيء كان‬
‫قفاه ووجهه بيده مبسوطةً ‪ .‬وقيل ‪ :‬الضّرب عا ّمةً بأ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬هو الكتاب الّذي يكتب فيه المعاملت ‪ ،‬والقارير ووقائع الدّعوى‬ ‫‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬السّجلّ‬ ‫‪:‬‬

‫القاضي ‪2 -‬‬ ‫السّجلّ ‪ :‬هو في اللّغة ‪ :‬الكتاب ‪ ،‬وفي الصطلح ‪ :‬هو ما تضمّن حكم‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬المحضر‬ ‫‪:‬‬

‫‪3-،‬‬ ‫المحضر ‪ :‬هو ما يكتب فيه ما جرى بين الخصمين من إقرار ‪ ،‬وإنكار وإقامة بيّنة‬
‫ونكول عن يمين وغير ذلك من وقائع الدّعوى ‪ ،‬على وجه يرفع الشتباه بل حكم‬ ‫‪.‬‬

‫ج ‪ -‬الدّيوان‬ ‫‪:‬‬
‫‪4-،‬‬ ‫الدّيوان ‪ :‬هو مجمع الصّحف ‪ ،‬وهو الخرائط الّتي يحفظ فيها السّجلّات والمحاضر‬
‫وغيرها ‪ ،‬ويطلق على الكتاب الّذي يكتب فيه أسماء أفراد الجيش وأصحاب العطيّة‬ ‫‪.‬‬

‫د ‪ -‬الوثيقة‬ ‫‪:‬‬

‫بالثّقة ‪5 -‬‬ ‫الوثيقة ‪ :‬هي في اللّغة ‪ :‬الحكام في المر والخذ‬ ‫‪.‬‬

‫ك ‪ ،‬والمحضر ‪ ،‬والسّجلّ ‪ ،‬والرّهن ‪ ،‬وكلّ ما يتوثّق به‬


‫وفي الصطلح هي ‪ :‬ما يشمل الصّ ّ‬
‫النسان في حقّه‬ ‫‪.‬‬

‫الحكام المتعلّقة بكتابة الصّكوك والسّجلّات‬ ‫‪:‬‬

‫تصرّف ‪6 -‬‬ ‫ن كتابة الصّكوك ‪ ،‬والسّجلّات من فروض الكفاية ‪ ،‬في كلّ‬


‫صرّح الشّافعيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫ماليّ ‪ ،‬وغيره ‪ :‬كطلق وإقرار ‪ ،‬وغير ذلك ‪ ،‬وذلك للحاجة إليه لتمهيد إثبات الحقوق عند‬
‫التّنازع ‪ ،‬ولما لها من أثر ظاهر في التّذكّر للوقائع ‪ ،‬وفيها حفظ الحقوق عن الضّياع‬ ‫‪.‬‬

‫وجوب كتابة الصّكوك والسّجلّات على القاضي‬ ‫‪:‬‬

‫عليه ‪7 -‬‬ ‫قال الشّافعيّة ‪ :‬ل يجب على القاضي عينا كتب الصّكوك ‪ ،‬والسّجلّات ‪ ،‬إذ يجب‬
‫ن النّبيّ‬
‫ق إلى أهله ‪ ،‬وهذا يحصل بالشّهود ل بالصّكوك وكتابة السّجلّات ‪ ،‬ول ّ‬
‫إيصال الح ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ومن بعده من الئمّة كانوا يحكمون ‪ ،‬ول يكتبون المحاضر‬
‫ك ‪ ،‬أو السّجلّ ليحتجّ به عند الحاجة‬
‫والسّجلّات ‪ ،‬ولكنّه إن سأل أحد الخصمين كتابة الصّ ّ‬
‫يستحبّ للقاضي إجابته إن أحضر قرطاسا أو كان هناك قرطاس معدّ لذلك من بيت المال ‪.‬‬
‫وهذا رأي الحنفيّة والمالكيّة‬ ‫‪.‬‬

‫ك والسّجلّ إذا طلب منه من له مصلحة في‬


‫وقال الحنابلة ‪ :‬يجب على القاضي كتابة الصّ ّ‬
‫كتابته وأتى بكاغد ‪ ،‬أو كان في بيت المال كاغد معدّ لذلك ‪ ،‬لنّه وثيقة للطّالب ‪ ،‬فلزمه‬
‫ل يطالبه عامل آخر ‪،‬‬
‫كتابته‪ ،‬كعامل الزّكاة ‪ ،‬إذا طلب المزكّي منه كتابة صكّ منه ‪ ،‬لئ ّ‬
‫وكمعشّر تجارة أهل حرب أو ذمّة في دار السلم ‪ ،‬طلبوا منه كتابة صكّ بأداء العشر ‪،‬‬
‫ليكون ذلك لهم براءة ذمّة إذا م ّر بهم معشّر آخر‬ ‫‪.‬‬

‫أخذ الجرة بالكتابة‬ ‫‪:‬‬

‫لقوله ‪8 -‬‬ ‫ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز أخذ الجرة على كتب الصّكوك ‪ ،‬وجميع الوثائق ‪،‬‬
‫ن من استبيح عمله ‪ ،‬وكدّ خاطره كلّما‬
‫شهِيدٌ } ‪ .‬وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫ب َولَ َ‬
‫تعالى ‪َ { :‬ولَ يُضَآرّ كَاتِ ٌ‬
‫احتاج إنسان إلى ذلك ‪ ،‬فإنّ ذلك يض ّر به ‪ ،‬ويستغرق مدّة حياته من غير عوض ‪ ،‬وفي‬
‫ذلك غاية الضّرر ‪ ،‬فإن لم يكن أجرة الكاتب من بيت المال ‪ ،‬فليس للقاضي منع الفقهاء من‬
‫كتابة العقود ‪ ،‬والحجج ‪ ،‬وما يتعلّق بأمور الشّرع فيما أباحه اللّه ورسوله ‪ ،‬إذا كان الكاتب‬
‫فقيها عالما بأمور الشّرع ‪ ،‬وشروط انعقاد العقود‬ ‫‪.‬‬
‫وإذا منع القاضي ذلك لتصير إليه هذه المور كان هذا من المكس‬ ‫‪.‬‬

‫ل يعقد عقدا فاسدا فالطّريق إلى ذلك أن‬


‫وإذا كان القاضي يريد منع من ل يصلح لذلك ‪ ،‬لئ ّ‬
‫يفعل كما كان يفعل الخلفاء الرّاشدون ‪ ،‬وهو تعزير من عقد عقدا فاسدا ‪ .‬وينبغي أن يسمّي‬
‫الجرة ‪ ،‬ويعيّن العمل ‪ ،‬فإن اتّفقا على شيء ‪ ،‬وجاء العمل على ما اتّفق عليه فهي إجارة‬
‫صحيحة ‪ ،‬ويجوز للكاتب أن يأخذ ما اتّفق عليه ‪ .‬من قليل أو كثير ‪ ،‬ما لم يكن المكتوب له‬
‫مضطرّا إلى قبول ما يطلبه الكاتب ‪ ،‬لعدم وجود غيره في الموضع ‪ ،‬أو قصر الكتابة عليه ‪،‬‬
‫ففي هذه الحالة ‪ ،‬على الكاتب ألّ يرفع الجرة على النّاس فوق ما يستحقّه ‪ ،‬لما علم من‬
‫ضرورتهم إليه ‪ ،‬فإن فعل ذلك فهي جرحة في حقّه ‪ ،‬لنّه قد تعيّن عليه القيام بذلك‬ ‫‪.‬‬

‫هذا إذا لم يكن للكاتب رزق في بيت المال ‪ ،‬أو لم يكن شيء في بيت المال ‪ ،‬وإلّ فرزقه في‬
‫ن الكتابة من المصالح العامّة‬
‫بيت المال ‪ ،‬ل ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ثمن أوراق الصّكّ والسّجلّ‬ ‫‪:‬‬

‫يكن ‪9 -‬‬ ‫ك والسّجلّ من بيت المال ‪ ،‬لنّ ذلك من المصالح العامّة ‪ ،‬فإن لم‬
‫ثمن أوراق الصّ ّ‬
‫في بيت المال شيء ‪ ،‬أو احتيج لما هو أهمّ من ذلك فالثّمن على من سأل الكتابة من‬
‫أصحاب الشّأن كمدّع ‪ ،‬ومدّعىً عليه ‪ ،‬إن شاء كتابة ما جرى في خصومته ‪ ،‬وإن لم يشأ‬
‫لم يجبر عليه ‪ ،‬ولكن يعلمه القاضي أنّه إذا لم يكتب فقد ينسى شهادة الشّهود ‪ ،‬والحكم‬ ‫‪.‬‬

‫استناد القاضي إلى الخطّ في حكمه‬ ‫‪:‬‬

‫أو ‪10 -‬‬ ‫ك‪،‬‬


‫ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل يجوز للقاضي الستناد في حكمه إلى خطّ الصّ ّ‬
‫السّجلّ المجرّد ‪ ،‬فإذا وجد ورقةً فيها حكمه وطلب منه إمضاؤه ‪ ،‬أو تنفيذه ‪ ،‬فإن ت ّذكّره‬
‫أمضاه ‪ ،‬ونفّذه ‪ ،‬فإن لم يتذكّر الواقعة ‪ ،‬مفصّلةً فل يعمل به ‪ ،‬حتّى يتذكّر الوقائع مفصّلةً ‪.‬‬
‫ول يكفيه معرفته أنّ هذا خطّه ‪ -‬فقط ‪ -‬حتّى يتذكّر الواقعة ‪ .‬وإن كان السّجلّ في حفظه‬
‫وتحت يده ‪ ،‬لحتمال التّزوير ‪ ،‬ومشابهة الخطّ للخطّ ‪ ،‬ولنّ قضاءه ‪ :‬فعله ‪ ،‬والرّجوع إلى‬
‫العلم هو الصل في فعل النسان ‪ ،‬لهذا يأخذ عند الشّكّ في عدد الرّكعات بالعلم‬ ‫‪.‬‬

‫وقال أبو يوسف ‪ ،‬ومحمّد من الحنفيّة ‪ ،‬وأحمد في رواية ‪ -‬وهو وجه عند الشّافعيّة ‪ -‬إن‬
‫كان السّجلّ تحت يده في خريطة والخريطة مختومة بختمه ‪ ،‬إلّ أنّه ل يتذكّر الواقعة عمل‬
‫‪.‬به‬
‫شهادة الشّهود على السّجلّ على أنّه حكمه‬ ‫‪:‬‬

‫هو ‪11 -‬‬ ‫ك من عمله والسّجلّ حكمه ‪ ،‬وإن لم يتذكّر‬


‫ن هذا الصّ ّ‬
‫إن شهد شاهدان عدلن على أ ّ‬
‫الواقعة فقد اختلف الفقهاء فيه ‪ :‬فذهب الشّافعيّة وأبو حنيفة إلى ‪ :‬أنّ الشّهادة لم تؤثّر ‪،‬‬
‫فل يعتمد عليها حتّى يتذكّر ‪،‬لنّ حكمه فعله ‪ ،‬والرّجوع إلى العلم هو الصل في فعل‬
‫النسان‪ .‬وقال المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وأبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة ‪ :‬إن شهد عنده شاهدان‬
‫ن هذا حكمه ‪ ،‬قبل شهادتهما ‪ ،‬وأمضاه معتمدا على شهادتهما لقدرته على‬
‫عدلن أ ّ‬
‫إمضائه ‪ ،‬ولنّهما إذا شهدا عنده بحكم غيره قبلهما ‪ ،‬فأولى إن شهدا بحكمه‬ ‫‪.‬‬

‫الشّهادة على مضمون الصّكّ ‪ ،‬والسّجلّ‬ ‫‪:‬‬

‫الواقعة ‪12 -‬‬ ‫ك استنادا على خطّه ‪ ،‬ما لم يتذكّر‬


‫ل تجوز شهادة الشّاهد على مضمون ص ّ‬
‫ك في حفظه وتحت يده ‪ ،‬ويأتي ‪ -‬هنا أيضا ‪ -‬الخلف في ما‬
‫كالقاضي ‪ ،‬وإن كان الصّ ّ‬
‫ك القاضي‬
‫سبق في ص ّ‬ ‫‪.‬‬

‫العمل بالصّكّ وحده‬ ‫‪:‬‬

‫جرى ‪13 -‬‬ ‫استثنى الحنفيّة من عدم جواز الستناد لثبوت الحقوق على الصّكّ المجرّد ‪ :‬ما‬
‫العرف بقبوله بمجرّد كتابته ‪ ،‬كالبراءات السّلطانيّة لصحاب الوظائف ونحوها كمنشور‬
‫القاضي ‪ ،‬والوالي ‪ ،‬وعامّة الوامر السّلطانيّة ‪ ،‬ودفاتر البيّاعين ‪ ،‬والسّماسرة ‪،‬‬
‫والصّرّافين‪ ،‬وصكوك الوقف الّتي تقادم عليها الزّمن ‪ ،‬وذلك لجريان العرف والعادة بقبول‬
‫كتب البيّاعين والصّرّافين ‪ ،‬والسّماسرة وأوامر السّلطان بمجرّد كتابته ‪ ،‬وندرة إمكان‬
‫التّزوير على السّلطان ‪ ،‬وتعذّر إقامة بيّنة على صكوك الوقاف إذا تقادم عليها الزّمن ‪،‬‬
‫ولضرورة إحياء الوقاف‬ ‫‪.‬‬

‫كتابة الصّكوك والسّجلّات‬ ‫‪:‬‬

‫معنونةً ‪14 -‬‬ ‫ك ل يكون معتبرا إلّ إذا كانت الكتابة مستبينةً مرسومةً‬
‫ن الصّ ّ‬
‫صرّح الحنفيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫‪ ،‬فإن لم تكن مستبينةً كالكتابة على الهواء والرّقم على الماء فل يعتبر‬ ‫‪.‬‬

‫والتّفصيل في مصطلح ( كتاب‬ ‫‪).‬‬

‫صَكّاء‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬أضحيّة‬ ‫‪.‬‬

‫صَلَح‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫أعماله ‪1 -‬‬ ‫الصّلح ‪ :‬ض ّد الفساد ‪ ،‬ورجل صالح في نفسه من قوم صلحاء ومصلح في‬
‫وأموره ‪ ،‬وقد أصلحه اللّه ‪ ،‬وأصلح الشّيء بعد فساده ‪ :‬أقامه‬ ‫‪.‬‬

‫الحكم الجماليّ‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬صلح النسان‬ ‫‪:‬‬


‫وكان ‪2 -‬‬ ‫قال ابن عابدين ‪ :‬الصّالح ما كان مستورا ولم يكن مهتوكا ‪ ،‬ول صاحب ريبة ‪،‬‬
‫شرّ ‪ ،‬ليس معروفا بالكذب‬
‫مستقيم الطّريقة ‪ ،‬سليم النّاحية ‪ ،‬قليل ال ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وقال البهوتيّ ‪ :‬الصّلح في الدّين هو أداء الفرائض بسننها الرّاتبة واجتناب المحرّم فل‬
‫يرتكب كبير ًة ول يدمن على صغيرة‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬بدوّ صلح الثّمار‬ ‫‪:‬‬

‫أو ‪3 -‬‬ ‫وهو ظهور مبادئ النّضج والحلوة فيما ل يتلوّن ‪ ،‬وفي غيره بأن يأخذ في الحمرة‬
‫السّواد ‪ .‬وأمّا في نحو القثّاء فهو أن يجنى غالبا للكل ‪ ،‬وفي الزّرع اشتداده بأن يتهيّأ لما‬
‫هو المقصود منه وفي الورد انفتاحه‬ ‫‪.‬‬

‫مواطن البحث‬ ‫‪:‬‬

‫من ‪4 -‬‬ ‫يدخل مصطلح صلح في أمور كثيرة منها في الشّهادة ‪ ،‬وقبول شهادة الشّاهد الّتي‬
‫شروطها العدالة ‪ ،‬والصّلح من صفاتها ‪ ،‬وفي الوقف والوصيّة حيث يتمّ التّقييد بصلح‬
‫الرّجل‬ ‫‪.‬‬

‫‪21/ 9‬‬ ‫‪ ) .‬ويدخل في بيع الثّمار قبل بدوّ صلحها ( ر ‪ :‬بيع الثّمار ‪ :‬الموسوعة الفقهيّة‬
‫وفي زكاة الثّمار والزّروع وخرصها إذا بدا صلحها‬ ‫‪.‬‬

‫‪( 3/‬‬ ‫‪،‬ف‬ ‫‪99/‬‬ ‫‪،‬ص‬ ‫‪19/‬‬ ‫‪ ) .‬ر ‪ :‬خرص الثّمار ‪ :‬الموسوعة الفقهيّة ج‬
‫ووقت وجوب الزّكاة في الحبّ والثّمر‬ ‫‪.‬‬

‫‪(/‬‬ ‫‪،‬ف‬ ‫‪283‬‬ ‫‪،‬ص‪/‬‬ ‫‪23/‬‬ ‫ر ‪ :‬وقت وجوب الزّكاة في الحبّ والثّمر ‪ :‬الموسوعة الفقهيّة ج‬
‫‪106 ) .‬‬
‫وللتّفصيل يرجع إلى كلّ موضوع من المواضيع السّالفة في مصطلحه‬ ‫‪.‬‬

‫صَلَة‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫لهم ‪1 -‬‬ ‫صلّ عَلَ ْي ِهمْ } أي ادع‬


‫الصّلة أصلها في اللّغة ‪ :‬الدّعاء ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَ َ‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم « إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائما‬
‫وفي الحديث قول النّب ّ‬
‫فليصلّ‪ ،‬وإن كان مفطرا فليطعم » أي ليدع لرباب الطّعام‬ ‫‪.‬‬

‫و في ال صطلح ‪ :‬قال الجمهور ‪ :‬هي أقوال وأفعال مفتت حة بالتّ كبير مختت مة بالتّ سليم مع‬
‫النّيّة بشرائط مخصوصة ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬هي اسم لهذه الفعال المعلومة من القيام والرّكوع والسّجود‬ ‫‪.‬‬

‫مكانة الصّلة في السلم‬ ‫‪:‬‬


‫وأحد ‪2 -‬‬ ‫للصّلة مكانة عظيمة في السلم ‪ .‬فهي آكد الفروض بعد الشّهادتين وأفضلها ‪،‬‬
‫أركان السلم الخمسة ‪ .‬قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬بني السلم على خمس ‪:‬‬
‫شهادة أن ل إله إلّ اللّه ‪ ،‬وأنّ محمّدا رسول اللّه ‪ ،‬وإقام الصّلة ‪ ،‬وإيتاء الزّكاة ‪ ،‬والحجّ ‪،‬‬
‫وصوم رمضان » وقد نسب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم تاركها إلى الكفر فقال ‪ « :‬إنّ‬
‫ي قال ‪ :‬كان‬
‫بين الرّجل وبين الشّرك والكفر ترك الصّلة » وعن عبد اللّه شقيق العقيل ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ل يرون شيئا من العمال تركه كفر غير الصّلة‬
‫أصحاب النّب ّ‬ ‫‪.‬‬

‫فالصّلة عمود الدّين الّذي ل يقوم إلّ به ‪ ،‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬رأس‬
‫المر السلم ‪ ،‬وعموده الصّلة ‪ ،‬وذروة سنامه الجهاد في سبيل اللّه » وهي أوّل ما‬
‫يحاسب العبد عليه ‪ .‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أوّل ما يحاسب عليه العبد‬
‫يوم القيامة الصّلة ‪ ،‬فإن صلحت فقد أفلح ونجح ‪ ،‬وإن فسدت فقد خاب وخسر » ‪ ،‬كما‬
‫أنّها آخر وصيّة وصّى بها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أمّته عند مفارقته الدّنيا فقال‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الصّلة وما ملكت أيمانكم‬ ‫»‬

‫وهي آخر ما يفقد من الدّين ‪ ،‬فإن ضاعت ضاع الدّين كلّه ‪ .‬قال رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬لتنقضنّ عرى السلم عروةً عروةً ‪ ،‬فكلّما انتقضت عروة تشبّث النّاس بالّتي‬
‫ن الصّلة‬
‫تليها‪ .‬فأوّلهنّ نقضا الحكم ‪ ،‬وآخره ّ‬ ‫‪».‬‬

‫كما أنّها العبادة الوحيدة الّتي ل تنفكّ عن المكلّف ‪ ،‬وتبقى ملزمةً له طول حياته ل تسقط‬
‫عنه بحال‬ ‫‪.‬‬

‫وقد ورد في فضلها والحثّ على إقامتها ‪ ،‬والمحافظة عليها ‪ ،‬ومراعاة حدودها آيات‬
‫وأحاديث كثيرة مشهورة‬ ‫‪.‬‬

‫فرض الصّلوات الخمس وعدد ركعاتها‬ ‫‪:‬‬

‫في ‪3 -‬‬ ‫أصل وجوب الصّلة كان في مكّة في أوّل السلم ‪ ،‬لوجود اليات المكّيّة الّتي نزلت‬
‫بداية الرّسالة تحثّ عليها‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا الصّلوات الخمس بالصّورة المعهودة فإنّها فرضت ليلة السراء والمعراج على خلف‬
‫بينهم في تحديد زمنه‬ ‫‪.‬‬

‫والجماع ‪4 -‬‬ ‫وقد ثبتت فرضيّة الصّلوات الخمس بالكتاب والسّنّة‬ ‫‪:‬‬

‫أمّا الكتاب فقوله تعالى في غير موضع من القرآن ‪َ { .‬وأَقِيمُواْ الصّلَةَ } ‪ ،‬وقوله تعالى ‪{ :‬‬
‫إِنّ الصّلَ َة كَانَتْ عَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِينَ كِتَابًا ّموْقُوتا } أي فرضا مؤقّتا ‪ .‬وقوله تعالى ‪ { :‬حَا ِفظُواْ‬
‫علَى الصّ َلوَاتِ والصّلَ ِة ا ْل ُوسْطَى } ومطلق اسم الصّلة ينصرف إلى الصّلوات المعهودة ‪،‬‬
‫َ‬
‫وهي الّتي تؤدّى في كلّ يوم وليلة ‪ .‬وقوله تعالى ‪َ { :‬وأَ ِقمِ الصّلَ َة طَرَ َفيِ ال ّنهَا ِر وَزُ َلفًا مّنَ‬
‫اللّ ْيلِ } يجمع الصّلوات الخمس ‪ ،‬لنّ صلة الفجر تؤدّى في أحد طرفي النّهار ‪ ،‬وصلة‬
‫الظّهر والعصر يؤدّيان في الطّرف الخر ‪ ،‬إذ النّهار قسمان غداة وعشيّ ‪ ،‬والغداة اسم‬
‫لوّل النّهار إلى وقت الزّوال ‪ ،‬وما بعده العشيّ ‪ ،‬فدخل في طرفي النّهار ثلث صلوات‬
‫ودخل في قوله ‪ { :‬وَزُ َلفًا مّنَ اللّ ْي ِل } المغرب والعشاء ‪ ،‬لنّهما يؤدّيان في زلف من اللّيل‬
‫ن ا ْلفَجْ ِر إِنّ‬
‫غسَقِ اللّ ْي ِل وَقُرْآ َ‬
‫شمْسِ إِلَى َ‬
‫ك ال ّ‬
‫وهي ساعاته‪ .‬وقوله تعالى ‪ { :‬أَ ِقمِ الصّلَ َة لِدُلُو ِ‬
‫شهُودًا } قيل ‪ :‬دلوك الشّمس زوالها وغسق اللّيل أوّل ظلمته ‪ ،‬فيدخل‬
‫ن َم ْ‬
‫قُرْآنَ ا ْل َفجْرِ كَا َ‬
‫ن ا ْل َفجْرِ } أي وأقم قرآن الفجر وهو صلة‬
‫فيه صلة الظّهر والعصر ‪ ،‬وقوله ‪ { :‬وَ ُقرْآ َ‬
‫الفجر‬ ‫‪.‬‬

‫فثبتت فرضيّة ثلث صلوات بهذه الية وفرضيّة صلتي المغرب والعشاء ثبتت بدليل آخر‬ ‫‪.‬‬

‫وقيل ‪ :‬دلوك الشّمس غروبها فيدخل فيها صلة المغرب والعشاء ‪ ،‬وفرضيّة الظّهر والعصر‬
‫ثبتت بدليل آخر‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا السّنّة فما روي عن « رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال عام حجّة الوداع ‪:‬‬
‫اعبدوا ربّكم ‪ ،‬وصلّوا خمسكم ‪ ،‬وصوموا شهركم ‪ ،‬وحجّوا بيتكم ‪ ،‬وأدّوا زكاة أموالكم طيّبةً‬
‫بها أنفسكم تدخلوا جنّة ربّكم‬ ‫‪».‬‬

‫وقد انعقد إجماع المّة على فرضيّة هذه الصّلوات الخمس وتكفير منكرها‬ ‫‪.‬‬

‫حكم تارك الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫‪5-.‬‬ ‫لتارك الصّلة حالتان ‪ :‬إمّا أن يتركها جحودا لفرضيّتها ‪ ،‬أو تهاونا وكسلً ل جحودا‬
‫ن تارك الصّلة جحودا لفرضيّتها كافر مرتدّ‬
‫فأمّا الحالة الولى ‪ :‬فقد أجمع العلماء على أ ّ‬
‫يستتاب ‪ ،‬فإن تاب وإلّ قتل كفرا كجاحد كلّ معلوم من الدّين بالضّرورة ‪ ،‬ومثل ذلك ما لو‬
‫جحد ركنا أو شرطا مجمعا عليه‬ ‫‪.‬‬

‫واستثنى الشّافعيّة والحنابلة من ذلك من أنكرها جاهلً لقرب عهده بالسلم أو نحوه فليس‬
‫مرتدّا ‪ ،‬بل يعرف الوجوب ‪ ،‬فإن عاد بعد ذلك صار مرتدّا‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا الحالة الثّانية ‪ :‬فقد اختلف الفقهاء فيها ‪ -‬وهي ‪ :‬ترك الصّلة تهاونا وكسلً ل‬
‫ن حكمه بعد الموت حكم المسلم‬
‫جحودا‪ -‬فذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه يقتل حدّا أي أ ّ‬
‫فيغسّل ‪ ،‬ويصلّى عليه ‪ ،‬ويدفن مع المسلمين ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أمرت‬
‫أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن ل إله إلّ اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه ويقيموا الصّلة‬
‫ويؤتوا الزّكاة ‪ ،‬فإن فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إ ّل بحقّ السلم وحسابهم‬
‫على اللّه » ولنّه تعالى أمر بقتل المشركين ثمّ قال ‪ { :‬فَإِن تَابُواْ َوأَقَامُواْ الصّلَ َة وَآ َت ُواْ‬
‫ال ّزكَاةَ َفخَلّواْ سَبِي َل ُهمْ } وقال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬خمس صلوات كتبهنّ اللّه على العباد‬
‫ن شيئا استخفافا بحقّهنّ كان له عند اللّه عهد أن يدخله الجنّة ‪،‬‬
‫ن لم يضيّع منه ّ‬
‫فمن جاء به ّ‬
‫ومن لم يأت بهنّ فليس له عند اللّه عهد إن شاء عذّبه وإن شاء أدخله الجنّة » فلو كفر لم‬
‫يدخل تحت المشيئة ‪ .‬وذهب الحنفيّة إلى أنّ تارك الصّلة تكاسلً عمدا فاسق ل يقتل بل‬
‫يعزّر ويحبس حتّى يموت أو يتوب‬ ‫‪.‬‬

‫ل يدعى إلى فعلها ويقال له ‪ :‬إن صلّيت وإلّ‬


‫وذهب الحنابلة ‪ :‬إلى أنّ تارك الصّلة تكاس ً‬
‫قتلناك ‪ ،‬فإن صلّى وإلّ وجب قتله ول يقتل حتّى يحبس ثلثا ويدعى في وقت كلّ صلة ‪،‬‬
‫فإن صلّى وإلّ قتل حدّا ‪ ،‬وقيل كفرا ‪ ،‬أي ل يغسّل ول يصلّى عليه ول يدفن في مقابر‬
‫ق ول يسبى له أهل ول ولد كسائر المرتدّين ‪ .‬لما روى جابر عن‬
‫المسلمين ‪ .‬لكن ل ير ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬إنّ بين الرّجل وبين الشّرك والكفر ترك الصّلة »‬
‫النّب ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬من تركها فقد كفر » وروى عبادة‬
‫وروى بريدة « أنّ النّب ّ‬
‫مرفوعا « من ترك الصّلة متعمّدا فقد خرج من الملّة » وكلّ شيء ذهب آخره لم يبق منه‬
‫شيء‬ ‫‪.‬‬

‫ولنّه يدخل بفعلها في السلم ‪ ،‬فيخرج بتركها منه كالشّهادتين‬ ‫‪.‬‬

‫وقال عمر رضي ال عنه ‪ " :‬ل حظّ في السلم لمن ترك الصّلة " ‪ ،‬وكذا عندهم لو ترك‬
‫ركنا أو شرطا مجمعا عليه كالطّهارة والرّكوع والسّجود ‪ ،‬ول يقتل بترك صلة فائتة‬ ‫‪.‬‬

‫كما اختلف القائلون بالقتل في محلّه‬ ‫‪.‬‬

‫ي إن كان عليه فرض واحد‬


‫فمحلّه عند المالكيّة هو بقاء ركعة بسجدتيها من الوقت الضّرور ّ‬
‫فقط ‪ .‬قال مالك ‪ :‬إن قال ‪ :‬أصلّي ولم يفعل قتل بقدر ركعة قبل طلوع الشّمس للصّبح ‪،‬‬
‫وغروبها للعصر ‪ ،‬وطلوع الفجر للعشاء ‪ ،‬فلو كان عليه فرضان مشتركان أخّر لخمس‬
‫ركعات في الظّهرين ‪ ،‬ولربع في العشاءين‬ ‫‪.‬‬

‫وهذا في الحضر ‪ ،‬أمّا في السّفر فيؤخّر لثلث في الظّهرين وأربع في العشاءين‬ ‫‪.‬‬

‫ن محلّ القتل هو إخراجها عن وقتها الضّروريّ فيما له وقت ضرورة‬


‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫‪ -‬بأن يجمع مع الثّانية في وقتها ‪ -‬فل يقتل بترك الظّهر حتّى تغرب الشّمس ‪ ،‬ول بترك‬
‫المغرب حتّى يطلع الفجر ‪ ،‬ويقتل في الصّبح بطلوع الشّمس ‪ ،‬وفي العصر بغروبها ‪ ،‬وفي‬
‫العشاء بطلوع الفجر ‪ ،‬فيطالب بأدائها إذا ضاق الوقت ويتوعّد بالقتل إن أخّرها عن‬
‫الوقت ‪ ،‬فإن أخّر وخرج الوقت استوجب القتل ‪ ،‬وصرّحوا بأنّه يقتل بعد الستتابة ‪ ،‬لنّه‬
‫ليس أسوأ حالً من المرتدّ‬ ‫‪.‬‬

‫والستتابة تكون في الحال ‪ ،‬لنّ تأخيرها يفوّت صلوات ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يمهل ثلثة أيّام ‪.‬‬
‫والقولن في النّدب ‪ ،‬وقيل في الوجوب‬ ‫‪.‬‬
‫شروط الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫تقسيمات الشّروط عند الفقهاء‬ ‫‪:‬‬

‫وشروط ‪6 -‬‬ ‫قسّم الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة شروط الصّلة إلى ‪ :‬شروط وجوب ‪،‬‬
‫صحّة ‪ ،‬وزاد المالكيّة قسما ثالثا هو ‪ :‬شروط وجوب وصحّة معا‬ ‫‪.‬‬

‫شروط وجوب الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬السلم‬ ‫‪:‬‬

‫وجبت ‪7 -‬‬ ‫تجب الصّلة على كلّ مسلم ذكر أو أنثى ‪ .‬ول تجب على الكافر الصليّ ‪ ،‬لنّها لو‬
‫ن وجوب الداء يقتضي وجوب القضاء ‪ ،‬واللّازم‬
‫عليه حال كفره لوجب عليه قضاؤها ‪ ،‬ل ّ‬
‫منتف ‪ ،‬ويترتّب على هذا أنّا ل نأمر الكافر بالصّلة في كفره ول بقضائها إذا أسلم ‪ ،‬لنّه‬
‫أسلم خلق كثير في عهد النّبيّ ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬ومن بعده فلم يؤمر أحد بقضاء‬
‫الصّلة ‪ ،‬ولما فيه من التّنفير عن السلم ‪ ،‬ولقول اللّه تعالى ‪ { :‬قُل لِلّذِينَ َكفَرُواْ إِن يَن َتهُواْ‬
‫ُيغَفَ ْر َلهُم مّا قَ ْد سَلَفَ } قال الشّيخ العدويّ ‪ :‬هذا بنا ًء على أنّ الكفّار غير مكلّفين ‪ .‬وعلى‬
‫القول بتكليفهم وهو المعتمد فهو شرط صحّة‬ ‫‪.‬‬

‫ي وجوب مطالبة بها‬


‫وقد صرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّ الصّلة ل تجب على الكافر الصل ّ‬
‫في الدّنيا ‪ ،‬لعدم صحّتها منه ‪ ،‬لكن يعاقب على تركها في الخرة زياد ًة على كفره ‪ ،‬لتمكّنه‬
‫من فعلها بالسلم‬ ‫‪.‬‬

‫واختلف الفقهاء في وجوب الصّلة على المرتدّ‬ ‫‪.‬‬

‫ن الصّلة ل تجب على‬


‫فذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ - :‬إلى أ ّ‬
‫المرتدّ فل يقضي ما فاته إذا رجع إلى السلم ‪ ،‬لنّه بالرّدّة يصير كالكافر الصليّ‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الشّافعيّة إلى وجوب الصّلة على المرت ّد على معنى أنّه يجب عليه قضاء ما فاته‬
‫زمن الرّدّة بعد رجوعه إلى السلم تغليظا عليه ‪ ،‬ولنّه التزمها بالسلم فل تسقط عنه‬
‫ق الدميّ‬
‫بالجحود كح ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬العقل‬ ‫‪:‬‬

‫باتّفاق ‪8 -‬‬ ‫يشترط لوجوب الصّلة على المرء أن يكون عاقلً ‪ ،‬فل تجب على المجنون‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬رفع القلم عن ثلث ‪ :‬عن النّائم حتّى‬
‫الفقهاء ‪ .‬لقول النّب ّ‬
‫ي حتّى يكبر‬
‫يستيقظ‪ ،‬وعن المبتلى وفي رواية ‪ :‬المعتوه حتّى يبرأ ‪ ،‬وعن الصّب ّ‬ ‫‪».‬‬

‫واختلفوا فيمن تغطّى عقله أو ستر بمرض أو إغماء أو دواء مباح‬ ‫‪.‬‬

‫فذهب الحنفيّة ‪ :‬إلى التّفريق بين أن يكون زوال العقل بآفة سماويّة ‪ ،‬أو بصنع العبد‬ ‫‪.‬‬
‫ن أو أغمي عليه ولو بفزع من سبع أو آدميّ نظر ‪ ،‬فإن كانت‬
‫فإن كان بآفة سماويّة كأن ج ّ‬
‫فترة الغماء يوما وليلةً فإنّه يجب عليه قضاء الخمس ‪ ،‬وإن زادت عن ذلك فل قضاء‬
‫عليه للحرج ‪ ،‬ولو أفاق في زمن السّادسة إلّ أن تكون إفاقته في وقت معلوم فيجب عليه‬
‫قضاء ما فات إن كان أقلّ من يوم وليلة مثل أن يخفّ عنه المرض عند الصّبح مثلً فيفيق‬
‫ل ثمّ يعاوده فيغمى عليه ‪ ،‬فتعتبر هذه الفاقة ‪ ،‬ويبطل ما قبلها من حكم الغماء إذا كان‬
‫قلي ً‬
‫أق ّل من يوم وليلة ‪ ،‬وإن لم يكن لفاقته وقت معلوم لكنّه يفيق بغتةً فيتكلّم بكلم الصحّاء ثمّ‬
‫يغمى عليه فل عبرة بهذه الفاقة‬ ‫‪.‬‬

‫وإن كان زوال العقل بصنع الدميّ كما لو زال عقله ببنج أو خمر أو دواء لزمه قضاء ما‬
‫فاته وإن طالت المدّة ‪ ،‬وقال محمّد ‪ :‬يسقط القضاء بالبنج والدّواء ‪ ،‬لنّه مباح فصار‬
‫كالمريض‬ ‫‪.‬‬

‫ن المراد شرب البنج لجل الدّواء ‪ ،‬أمّا لو شربه للسّكر فيكون معصيةً‬
‫وقال ابن عابدين ‪ :‬إ ّ‬
‫بصنعه كالخمر ‪ .‬ومثل ذلك النّوم فإنّه ل يسقط القضاء ‪ ،‬لنّه ل يمت ّد يوما وليلةً غالبا ‪ ،‬فل‬
‫حرج في القضاء‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب المالكيّة ‪ :‬إلى سقوط وجوب الصّلة على من زال عقله بجنون أو إغماء ونحوه ‪ ،‬إلّ‬
‫إذا زال العذر وقد بقي من الوقت الضّروريّ ما يسع ركعةً بعد تقدير تحصيل الطّهارة‬
‫المائيّة أو التّرابيّة ‪ ،‬فإذا كان الباقي ل يسع ركعةً سقطت عنه الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫ويستثنى من ذلك من زال عقله بسكر حرام فإنّه تجب عليه الصّلة مطلقا ‪ ،‬وكذا النّائم‬
‫والسّاهي تجب عليهما الصّلة ‪ ،‬فمتى تنبّه السّاهي أو استيقظ النّائم وجبت عليهما الصّلة‬
‫على ك ّل حال سواء أكان الباقي يسع ركعةً مع فعل ما يحتاج إليه من الطّهر أم ل ‪ ،‬بل ولو‬
‫خرج الوقت ولم يبق منه شيء‬ ‫‪.‬‬

‫وعند الشّافعيّة ‪ :‬ل تجب الصّلة على من زال عقله بالجنون أو الغماء أو العته أو السّكر‬
‫بل تعدّ في الجميع ‪ ،‬لحديث عائشة ‪ « :‬رفع القلم عن ثلث ‪ :‬عن النّائم حتّى يستيقظ ‪،‬‬
‫ي حتّى يكبر‬
‫وعن المعتوه حتّى يبرأ ‪ ،‬وعن الصّب ّ‬ ‫‪».‬‬

‫ص في المجنون ‪ ،‬وقيس عليه من زال عقله بسبب يعذر فيه ‪ ،‬وسواء قلّ زمن‬
‫فورد النّ ّ‬
‫ذلك أو طال ‪ .‬إلّ إذا زالت هذه السباب وقد بقي من الوقت الضّروريّ قدر زمن تكبيرة‬
‫فأكثر ‪ ،‬لنّ القدر الّذي يتعلّق به اليجاب يستوي فيه الرّكعة وما دونها ‪ ،‬ول تلزمه بإدراك‬
‫دون تكبيرة ‪ .‬وهذا بخلف السّكر أو الجنون أو الغماء المتعدّى به إذا أفاق فإنّه يجب‬
‫عليه قضاء ما فاته من الصّلوات زمن ذلك لتعدّيه‬ ‫‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬وأمّا النّاسي للصّلة أو النّائم عنها والجاهل لوجوبها فل يجب عليهم الداء ‪ ،‬لعدم‬
‫تكليفهم ‪ ،‬ويجب عليهم القضاء ‪ ،‬لحديث ‪ « :‬من نسي صل ًة أو نام عنها فكفّارتها أن‬
‫يصلّيها إذا ذكرها » ويقاس على النّاسي والنّائم ‪ :‬الجاهل إذا كان قريب عهد بالسلم‬ ‫‪.‬‬

‫وقصر الحنابلة عدم وجوب الصّلة على المجنون الّذي ل يفيق ‪ ،‬لحديث عائشة ‪ -‬رضي‬
‫ال عنها ‪ -‬مرفوعا ‪ « :‬رفع القلم عن ثلث ‪ :‬عن النّائم حتّى يستيقظ ‪ ،‬وعن المعتوه‬
‫ي حتّى يكبر » ولنّه ليس من أهل التّكليف أشبه الطّفل ‪ ،‬ومثله‬
‫حتّى يفيق ‪ ،‬وعن الصّب ّ‬
‫البله الّذي ل يفيق‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا من تغطّى عقله بمرض أو إغماء أو دواء مباح فيجب عليه الصّلوات الخمس ‪ ،‬لنّ‬
‫ن عمّارا ‪ -‬رضي ال عنه ‪ " -‬غشي عليه ثلثا ‪،‬‬
‫ذلك ل يسقط الصّوم ‪ ،‬فكذا الصّلة ‪ ،‬ول ّ‬
‫ثمّ أفاق فقال ‪ :‬هل صلّيت ؟ فقالوا ‪ :‬ما صلّيت منذ ثلث ‪ ،‬ثمّ توضّأ وصلّى تلك الثّلث " ‪،‬‬
‫وعن عمران بن حصين وسمرة بن جندب نحوه ‪ ،‬ولم يعرف لهم مخالف ‪ ،‬فكان‬
‫ن مدّة الغماء ل تطول ‪ -‬غالبا ‪ -‬ول تثبت عليه الولية ‪ ،‬وكذا من تغطّى‬
‫كالجماع ‪ ،‬ول ّ‬
‫عقله بمحرّم ‪ -‬كمسكر ‪ -‬فيقضي ‪ ،‬لنّ سكره معصية فل يناسب إسقاط الواجب عنه‬ ‫‪.‬‬

‫وكذا تجب الصّلوات الخمس على النّائم ‪ :‬بمعنى يجب عليه قضاؤها إذا استيقظ لقوله صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬من نسي صل ًة أو نام عنها فكفّارتها أن يصلّيها إذا ذكرها » ولو لم‬
‫تجب عليه حال نومه لم يجب عليه قضاؤها كالمجنون ‪ ،‬ومثله السّاهي‬ ‫‪.‬‬

‫ج ‪ -‬البلوغ‬ ‫‪:‬‬

‫الصّلة ‪9 -‬‬ ‫ل خلف بين الفقهاء في أنّ البلوغ شرط من شروط وجوب الصّلة ‪ ،‬فل تجب‬
‫ي حتّى يبلغ ‪ ،‬للخبر التي ‪ ،‬ولنّها عبادة بدنيّة ‪ ،‬فلم تلزمه كالحجّ ‪ ،‬لكن على‬
‫على الصّب ّ‬
‫وليّه أن يأمره بالصّلة إذا بلغ سبع سنوات ‪ ،‬ويضربه على تركها إذا بلغ عشر سنوات ‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬مروا‬
‫لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه ‪ ،‬أنّ النّب ّ‬
‫أولدكم بالصّلة وهم أبناء سبع سنين ‪ ،‬واضربوهم عليها وهم أبناء عشر ‪ ،‬وفرّقوا بينهم‬
‫في المضاجع‬ ‫‪».‬‬

‫وقد حمل جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬المر في الحديث على‬
‫الوجوب ‪ ،‬وحمله المالكيّة على النّدب‬ ‫‪.‬‬

‫وقد صرّح الحنفيّة بأنّ الضّرب يكون باليد ل بغيرها كالعصا والسّوط ‪ ،‬وأن ل يجاوز‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لمرداس المعلّم ‪ :‬إيّاك أن تضرب فوق ثلث ‪،‬‬
‫الثّلث‪ « ،‬لقول النّب ّ‬
‫فإنّك إذا ضربت فوق الثّلث اقتصّ اللّه منك‬ ‫‪».‬‬
‫ويفهم من كلم المالكيّة جوازه بغير اليد ‪ ،‬قال الشّيخ الدّسوقيّ ‪ :‬ول يحدّ بعدد كثلثة‬
‫أسواط بل يختلف باختلف حال الصّبيان‬ ‫‪.‬‬

‫ومحلّ الضّرب عند المالكيّة إن ظنّ إفادته ‪ ،‬قالوا ‪ :‬الضّرب يكون مؤلما غير مبرّح إن ظنّ‬
‫إفادته وإلّ فل‬ ‫‪.‬‬

‫وقد ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّ وجوب المر بها يكون بعد استكمال السّبع والمر‬
‫بالضّرب يكون بعد العشر بأن يكون المر في أوّل الثّامنة وبالضّرب في أوّل الحادية عشرة‬
‫‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬يكون المر عند الدّخول في السّبع والضّرب عند الدّخول في العشر‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يضرب في أثناء العشر ‪ ،‬ولو عقب استكمال التّسع‬ ‫‪.‬‬

‫قال الشّربينيّ الخطيب ‪ :‬وصحّحه السنويّ ‪ ،‬وجزم به ابن المقري ‪ ،‬وينبغي اعتماده ‪ ،‬لنّ‬
‫ذلك مظنّة البلوغ ‪ .‬وأمّا المر بها فل يكون إلّ بعد تمام السّبع‬ ‫‪.‬‬

‫شروط صحّة الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الطّهارة الحقيقيّة‬ ‫‪:‬‬

‫وَثِيَابَكَ ‪10 -‬‬ ‫وهي طهارة البدن والثّوب والمكان عن النّجاسة الحقيقيّة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪{ :‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫طهّرْ } وإذا وجب تطهير الثّوب فتطهير البدن أولى ‪ ،‬ولقول النّب ّ‬
‫َف َ‬ ‫‪:‬‬

‫إذا «‬ ‫تنزّهوا من البول ‪ ،‬فإنّ عامّة عذاب القبر منه » وقوله صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫أقبلت الحيضة فدعي الصّلة ‪ ،‬وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدّم وصلّي » فثبت المر باجتناب‬
‫النّجاسة‪ ،‬والمر بالشّيء نهي عن ضدّه ‪ ،‬والنّهي في العبادات يقتضي الفساد‬ ‫‪.‬‬

‫ن وَال ّركّعِ‬
‫ي لِلطّا ِئفِينَ وَا ْلعَاكِفِي َ‬
‫طهّرَا بَيْتِ َ‬
‫وأمّا طهارة مكان الصّلة فلقوله تعالى ‪ { :‬أَن َ‬
‫طهّرْ } فهي تدلّ بدللة النّصّ على وجوب طهارة المكان‬
‫سجُودِ} وقوله تعالى ‪ { :‬وَثِيَابَكَ َف َ‬
‫ال ّ‬
‫كما استدلّ بها على وجوب طهارة البدن كما سبق‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أنّه نهى عن الصّلة في المزبلة والمجزرة‬


‫ولما روي عن النّب ّ‬
‫ومعاطن البل وقوارع الطّريق والحمّام والمقبرة ‪ ...‬إلخ‬ ‫‪».‬‬

‫ومعنى النّهي عن الصّلة في المزبلة والمجزرة كونهما موضع النّجاسة‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬الطّهارة الحكميّة‬ ‫‪:‬‬

‫لقول ‪11 -‬‬ ‫وهي طهارة أعضاء الوضوء عن الحدث ‪ ،‬وطهارة جميع العضاء عن الجنابة ‪،‬‬
‫غسِلُواْ ُوجُو َه ُكمْ َوأَيْدِيَ ُكمْ إِلَى‬
‫ن آمَنُواْ إِذَا ُقمْ ُت ْم إِلَى الصّلةِ فا ْ‬
‫اللّه تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫طهّرُواْ } ‪ .‬وقول النّبيّ‬
‫ن َوإِن كُن ُتمْ جُنُبا فَا ّ‬
‫سحُواْ ِب ُرؤُوسِ ُكمْ َوأَ ْرجُ َلكُ ْم إِلَى ا ْلكَعْبَي ِ‬
‫ا ْلمَرَا ِفقِ وَا ْم َ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تقبل صلة بغير طهور » وقوله صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫مفتاح الصّلة الطّهور ‪ ،‬وتحريمها التّكبير ‪ ،‬وتحليلها التّسليم » ‪ ،‬وقوله صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬تحت ك ّل شعرة جنابة فاغسلوا الشّعر وأنقوا البشرة » والنقاء هو التّطهير‬ ‫‪.‬‬

‫وتفصيل ذلك في المصطلحات ‪ ( :‬طهارة ‪ ،‬ووضوء ‪ ،‬وغسل‬ ‫‪).‬‬

‫ج ‪ -‬ستر العورة‬ ‫‪:‬‬

‫رضي ‪12 -‬‬ ‫سجِدٍ } قال ابن عبّاس ‪-‬‬


‫لقول اللّه تعالى ‪ { :‬يَا بَنِي آ َدمَ خُذُواْ زِينَ َت ُكمْ عِن َد كُ ّل َم ْ‬
‫ال عنهما ‪ : -‬المراد به الثّياب في الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫ولقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل يقبل اللّه صلة حائض إلّ بخمار » ‪ ،‬ولنّ ستر‬
‫العورة حال القيام بين يدي اللّه تعالى من باب التّعظيم‬ ‫‪.‬‬

‫د ‪ -‬استقبال القبلة‬ ‫‪:‬‬

‫شطْرَهُ} ‪13 -‬‬


‫َ‬ ‫جوِ َهكُمْ‬
‫سجِدِ ا ْلحَرَامِ َوحَيْثُ مَا كُنتُمْ َفوَلّواْ ُو ُ‬
‫شطْرَ ا ْل َم ْ‬
‫ك َ‬
‫جهَ َ‬
‫لقوله تعالى ‪َ {:‬ف َولّ َو ْ‬
‫وقال ابن عمر ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ « -‬بينما النّاس بقباء في صلة الصّبح ‪ ،‬إذ جاءهم آت‬
‫فقال ‪ :‬إنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قد أنزل عليه اللّيلة قرآن ‪ ،‬وقد أمر أن يستقبل‬
‫القبلة فاستقبلوها ‪ .‬وكان وجوههم إلى الشّام فاستداروا إلى الكعبة‬ ‫‪».‬‬

‫وقد سبق تفصيل ذلك في مصطلح ( استقبال‬ ‫‪).‬‬

‫هـ – العلم بدخول الوقت‬ ‫‪:‬‬

‫قُرْآنَ – ‪14‬‬ ‫ن ا ْلفَجْ ِر إِنّ‬


‫غسَقِ اللّ ْي ِل وَقُرْآ َ‬
‫شمْسِ إِلَى َ‬
‫ك ال ّ‬
‫لقول اللّه تعالى ‪ { :‬أَ ِقمِ الصّلَ َة لِدُلُو ِ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أمّني جبريل عند البيت‬
‫شهُودًا } ولقول النّب ّ‬
‫ن َم ْ‬
‫ا ْل َفجْرِ كَا َ‬
‫مرّتين ‪ ،‬فصلّى الظّهر في الولى منهما حين كان الفيء مثل الشّراك ‪ ،‬ثمّ صلّى العصر حين‬
‫كان كلّ شيء مثل ظلّه ‪ ،‬ثمّ صلّى المغرب حين وجبت الشّمس وأفطر الصّائم ‪ ،‬ثمّ صلّى‬
‫العشاء حين غاب الشّفق ‪ ،‬ثمّ صلّى الفجر ‪ ،‬حين برق الفجر وحرم الطّعام على الصّائم ‪.‬‬
‫وصلّى المرّة الثّانية الظّهر حين كان ظلّ كلّ شيء مثله لوقت العصر بالمس ‪ ،‬ثمّ صلّى‬
‫العصر حين كان ظلّ كلّ شيء مثليه ‪ ،‬ث ّم صلّى المغرب لوقته الوّل ‪ ،‬ثمّ صلّى العشاء‬
‫ي جبريل‬
‫الخرة حين ذهب ثلث اللّيل ‪ ،‬ثمّ صلّى الصّبح حين أسفرت الرض ‪ ،‬ثمّ التفت إل ّ‬
‫وقال ‪ :‬يا محمّد هذا وقت النبياء من قبلك ‪ ،‬والوقت فيما بين هذين الوقتين‬ ‫‪».‬‬

‫وقد اتّفق الفقهاء على أنّه يكفي في العلم بدخول الوقت غلبة الظّنّ‬ ‫‪.‬‬

‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬أوقات الصّلة‬ ‫‪).‬‬

‫تقسيم أقوال وأفعال الصّلة‬ ‫‪:‬‬


‫فالركان ‪15 -‬‬ ‫قسّم الحنفيّة والحنابلة أقوال الصّلة وأفعالها إلى أركان ‪ ،‬وواجبات ‪ ،‬وسنن ‪.‬‬
‫ح الصّلة بدونها بل عذر ‪ ،‬وتركها يوجب البطلن سواء كان عمدا أو سهوا‬
‫هي الّتي ل تص ّ‬
‫‪.‬‬
‫والواجبات عند الحنفيّة هي ما ل تفسد الصّلة بتركه ‪ ،‬وتعاد وجوبا إن تركه عمدا بل عذر‬
‫‪ ،‬أو سهوا ولم يسجد للسّهو‬ ‫‪.‬‬

‫فترك الواجب عمدا يوجب العادة ‪ ،‬وسهوا يوجب سجود السّهو ‪ ،‬وإن لم يعدها يكن آثما‬
‫فاسقا ‪ ،‬ويستحقّ تارك الواجب العقاب بتركه ولكن ل يكفر جاحده‬ ‫‪.‬‬

‫ن تركه سهوا أو‬


‫ومذهب الحنابلة كمذهب الحنفيّة في حالة ترك الواجب سهوا ‪ ،‬حيث إ ّ‬
‫جهلً يوجب سجود السّهو عندهم ‪ ،‬ويخالفونهم في حالة التّرك عمدا حيث إنّ ترك الواجب‬
‫عمدا يوجب بطلن الصّلة عندهم‬ ‫‪.‬‬

‫والسّنن ‪ ،‬وهي الّتي ل يوجب تركها البطلن ولو عمدا قال الحنفيّة ‪ :‬السّنّة ‪ :‬هي الّتي ل‬
‫يوجب تركها فسادا ول سجودا للسّهو ‪ ،‬بل يوجب تركها عمدا إساء ًة ‪ ،‬وأمّا إن كان غير‬
‫عامد فل إساءة أيضا ‪ ،‬وتندب إعادة الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫والساءة هنا أفحش من الكراهة ‪ ،‬وصرّحوا بأنّه لو ترك السّنّة استخفافًا فإنّه يكفر ‪ .‬ويأثم‬
‫لو ترك السّنّة بل عذر على سبيل الصرار ‪ ،‬وقال محمّد ‪ :‬في المصرّين على ترك السّنّة‬
‫القتال ‪ ،‬وأبو يوسف بالتّأديب ‪ ،‬وعند الحنابلة يباح السّجود للسّهو عند ترك السّنّة سهوا‬
‫من غير وجوب ول استحباب‬ ‫‪.‬‬

‫وزاد الحنفيّة قسما رابعا هو الداب ‪ ،‬وهو في الصّلة ‪ :‬ما فعله الرّسول صلى ال عليه‬
‫وسلم مرّ ًة أو مرّتين ولم يواظب عليه كالزّيادة على الثّلث في تسبيحات الرّكوع والسّجود ‪.‬‬
‫كما قسّم الحنابلة السّنن إلى ضربين ‪ :‬سنن أقوال ‪ ،‬وسنن أفعال وتسمّى هيئات‬ ‫‪.‬‬

‫وقسّم المالكيّة والشّافعيّة أقوال وأفعال الصّلة إلى أركان وسنن من حيث الجملة‬ ‫‪.‬‬

‫وزاد المالكيّة الفضائل ( المندوبات‬ ‫‪).‬‬

‫والسّنن عند الشّافعيّة على ضربين ‪ :‬أبعاض ‪ :‬وهي السّنن المجبورة بسجود السّهو ‪،‬‬
‫سواء تركها عمدا أو سهوا ‪ ،‬سمّيت أبعاضا لتأكّد شأنها بالجبر تشبيها بالبعض حقيقةً‬ ‫‪.‬‬

‫وهيئات ‪ :‬وهي السّنن الّتي ل تجبر بسجود السّهو‬ ‫‪.‬‬

‫أركان الصّلة عند الفقهاء‬ ‫‪:‬‬

‫ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أنّ أركان الصّلة هي‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬ال ّنيّة‬ ‫‪:‬‬

‫بحال‪16 - ،‬‬ ‫النّيّة وهي العزم على فعل العبادة تقرّبا إلى اللّه تعالى ‪ ،‬فل تصحّ الصّلة بدونها‬
‫ن َل ُه الدّينَ‬
‫والصل فيها قوله تعالى ‪َ { :‬ومَا ُأمِرُوا إِلّا لِ َيعْبُدُوا الّلهَ ُمخْلِصِي َ‬ ‫‪}.‬‬
‫وقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّما العمال بالنّيّات ‪ ،‬وإنّما لكلّ امرئ ما نوى‬ ‫‪».‬‬

‫وقد انعقد الجماع على اعتبارها في الصّلة ‪ .‬ول بدّ في النّيّة من تعيين الفرضيّة ونوعيّة‬
‫الصّلة ‪ ،‬هل هي ظهر أم عصر ؟ وتفصيل الكلم عن النّيّة في مصطلح ( نيّة‬ ‫‪).‬‬

‫ب ‪ -‬تكبيرة الحرام‬ ‫‪:‬‬

‫الصّلة ‪17 -‬‬ ‫ودليل فرضيّتها حديث عائشة ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يستفتح‬
‫بالتّكبير » وحديث المسيء صلته « إذا قمت إلى الصّلة فكبّر‬ ‫‪».‬‬

‫وحديث عليّ ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬يرفعه قال ‪ « :‬مفتاح الصّلة الطّهور ‪ ،‬وتحريمها‬
‫التّكبير ‪ ،‬وتحليلها التّسليم‬ ‫‪».‬‬

‫‪217/ 13‬‬ ‫‪ ) .‬وقد سبق تفصيل الكلم على تكبيرة الحرام في مصطلح ( تكبيرة الحرام‬
‫ج ‪ -‬القيام للقادر في الفرض‬ ‫‪:‬‬

‫بي ‪18 -‬‬ ‫لقوله تعالى ‪ { :‬وَقُومُواْ ِلّلهِ قَانِتِينَ } ولخبر البخاريّ عن عمران بن حصين « كانت‬
‫بواسير ‪ ،‬فسألت النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن الصّلة ؟ فقال ‪ :‬صلّ قائما ‪ ،‬فإن لم‬
‫تستطع فقاعدا ‪ ،‬فإن لم تستطع فعلى جنب‬ ‫‪».‬‬

‫وقد أجمعت المّة على ذلك ‪ ،‬وهو معلوم من الدّين بالضّرورة ‪.‬‬
‫قال الشّافعيّة ‪ :‬من أركان الصّلة القيام في فرض القادر عليه ولو بمعين بأجرة فاضلة عن‬
‫مؤنته ومؤنة من يعوله يومه وليلته‬ ‫‪.‬‬

‫ويقسّم المالكيّة ركن القيام إلى ركنين ‪ :‬القيام لتكبيرة الحرام ‪ ،‬والقيام لقراءة الفاتحة ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬والمراد بالقيام القيام استقللً ‪ ،‬فل يجزئ إيقاع تكبيرة الحرام في الفرض للقادر‬
‫على القيام جالسا أو منحنيا ‪ ،‬ول قائما مستندا لعماد ‪ ،‬بحيث لو أزيل العماد لسقط‬ ‫‪.‬‬

‫ل بحيث ل‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬شرطه نصب فقاره للقادر على ذلك ‪ ،‬فإن وقف منحنيا أو مائ ً‬
‫يسمّى قائما لم يصحّ ‪ ،‬والنحناء السّالب للسم ‪ :‬أن يصير إلى الرّكوع أقرب‬ ‫‪.‬‬

‫قالوا ‪ :‬لو استند إلى شيء كجدار أجزأه مع الكراهة ‪ .‬وكذا لو تحامل عليه بحيث لو رفع ما‬
‫استند إليه لسقط ‪ ،‬لوجود اسم القيام ‪ ،‬وإن كان بحيث يرفع قدميه إن شاء وهو مستند لم‬
‫يصحّ ‪ ،‬لنّه ل يسمّى قائما بل معلّقا نفسه ‪ .‬ولو أمكنه القيام متّكئا على شيء أو القيام‬
‫على ركبتيه لزمه ذلك لنّه ميسوره‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الحنابلة ‪ :‬حدّ القيام ما لم يصر راكعا ‪ ،‬وركنه النتصاب بقدر تكبيرة الحرام وقراءة‬
‫الفاتحة في الرّكعة الولى ‪ ،‬وفيما بعدها بقدر قراءة الفاتحة فقط‬ ‫‪.‬‬

‫وركن القيام خاصّ بالفرض من الصّلوات دون النّوافل ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬ ‫‪:‬‬

‫القائم «‬ ‫من صلّى قائما فهو أفضل ‪ ،‬ومن صلّى قاعدا فله نصف أجر‬ ‫‪».‬‬
‫) وأمّا بقيّة تفصيلت القيام في الصّلة‬ ‫‪157‬‬ ‫‪/‬‬ ‫‪12‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪16/‬‬ ‫وقد سبق في مصطلح تطوّع ( ف‬
‫فتأتي في مصطلح ( قيام‬ ‫‪).‬‬

‫د ‪ -‬قراءة الفاتحة‬ ‫‪:‬‬

‫سرّ ّيةً ‪19 -‬‬ ‫وهي ركن في ك ّل ركعة من كلّ صلة فرضا أو نفلً جهر ّي ًة كانت أو‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل صلة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب » وفي رواية « ل‬
‫لقول النّب ّ‬
‫تجزئ صلة ل يقرأ الرّجل فيها بفاتحة الكتاب » ‪ « ،‬ولفعله صلى ال عليه وسلم » ‪،‬‬
‫ولخبر البخاريّ‪ « :‬صلّوا كما رأيتموني أصلّي‬ ‫‪».‬‬

‫وقراءة الفاتحة فرض في صلة المام والفذّ دون المأموم عند المالكيّة ‪ ،‬والحنابلة‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الشّافعيّة بفرضيّتها في الجميع ‪ .‬تفصيل ذلك في مصطلح ( قراءة‬ ‫‪).‬‬

‫هـ – الرّكوع‬ ‫‪:‬‬

‫‪20 – .‬‬ ‫وقد انعقد الجماع على ركنيّته ‪ ،‬وسنده قوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُوا ا ْركَعُوا }‬
‫ي صلى ال عليه وسلم دخل‬
‫وحديث المسيء صلته ‪ ،‬وهو ما رواه أبو هريرة ‪ « :‬أنّ النّب ّ‬
‫ي صلى ال‬
‫ي صلى ال عليه وسلم فردّ النّب ّ‬
‫المسجد فدخل رجل فصلّى ثمّ جاء فسلّم على النّب ّ‬
‫عليه وسلم عليه السّلم ثمّ قال ‪ :‬ارجع فصلّ ‪ ،‬فإنّك لم تصلّ ‪ .‬فعل ذلك ثلثا ‪ .‬ثمّ قال ‪:‬‬
‫ق فما أحسن غيره ‪ ،‬فعلّمني ‪ .‬فقال ‪ :‬إذا قمت إلى الصّلة فكبّر ‪ ،‬ثمّ اقرأ‬
‫والّذي بعثك بالح ّ‬
‫ن راكعا ‪ ،‬ثمّ ارفع حتّى تعتدل قائما ‪ ،‬ثمّ‬
‫ما تيسّر معك من القرآن ‪ .‬ثمّ اركع حتّى تطمئ ّ‬
‫ن جالسا ‪ ،‬ث ّم اسجد حتّى تطمئنّ ساجدا ‪ ،‬ثمّ‬
‫ن ساجدا ‪ ،‬ثمّ ارفع حتّى تطمئ ّ‬
‫اسجد حتّى تطمئ ّ‬
‫افعل ذلك في صلتك كلّها » ‪ .‬فدلّ على أنّ الفعال المسمّاة في الحديث ل تسقط بحال ‪،‬‬
‫فإنّها لو سقطت لسقطت عن العرابيّ لجهله بها‬ ‫‪.‬‬

‫وتفصيل مباحث الرّكوع في مصطلح ‪ ( :‬ركوع‬ ‫‪).‬‬

‫و ‪ -‬العتدال‬ ‫‪:‬‬

‫لقول ‪21 -‬‬ ‫هو القيام مع الطّمأنينة بعد الرّفع من الرّكوع ‪ ،‬وهو ركن في الفرض والنّافلة ‪« ،‬‬
‫ي صلى‬
‫ي صلى ال عليه وسلم للمسيء صلته ثمّ ارفع حتّى تعتدل قائما » ‪ ،‬ولنّ النّب ّ‬
‫النّب ّ‬
‫ال عليه وسلم داوم عليه ‪ .‬لقول أبي حميد في « صفة صلة النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫فإذا رفع رأسه استوى حتّى يعود كلّ فقار مكانه » ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬صلّوا‬
‫كما رأيتموني أصلّي‬ ‫‪».‬‬

‫ويدخل في ركن العتدال الرّفع منه لستلزامه له ‪ ،‬وفرّق المالكيّة وبعض الحنابلة بينهما‬
‫فعدّوا كلّا منهما ركنا‬ ‫‪.‬‬
‫قال المالكيّة ‪ :‬وتبطل الصّلة بتعمّد ترك الرّفع من الرّكوع ‪ ،‬وأمّا إن تركه سهوا فيرجع‬
‫محدودبا حتّى يصل لحالة الرّكوع ثمّ يرفع ‪ ،‬ويسجد بعد السّلم إلّ المأموم فل يسجد لحمل‬
‫المام لسهوه ‪ ،‬فإن لم يرجع محدودبا ورجع قائما لم تبطل صلته مراعا ًة لقول ابن حبيب ‪:‬‬
‫ن تارك الرّفع من الرّكوع سهوا يرجع قائما ل محدودبا كتارك الرّكوع‬
‫إّ‬ ‫‪.‬‬

‫ن أكثر المالكيّة على نفي ركنيّة العتدال ‪ ،‬وأنّه سنّة ‪ .‬قالوا ‪ :‬فيسجد لتركه سهوا ‪،‬‬
‫ثمّ إ ّ‬
‫وتبطل الصّلة بتركه عمدا قطعا ‪ ،‬لنّه سنّة شهرت فرضيّتها‬ ‫‪.‬‬

‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬قال شيخنا أبو الحسن العدويّ ‪ -‬هذا هو الرّاجح كما يستفاد من كلم‬
‫الحطّاب ‪ ،‬وحدّ العتدال عند المالكيّة ‪ :‬أن ل يكون منحنيا ‪ ،‬وعند الحنابلة ‪ :‬ما لم يصر‬
‫راكعا ‪ ،‬قالوا ‪ :‬والكمال منه الستقامة حتّى يعود كلّ عضو إلى محلّه ‪ ،‬وعلى هذا فل يضرّ‬
‫بقاؤه منحنيا يسيرا حال اعتداله واطمئنانه ‪ ،‬لنّ هذه الهيئة ل تخرجه عن كونه قائما ‪،‬‬
‫وسبق حدّه عند الشّافعيّة في ركن القيام‬ ‫‪.‬‬

‫وقد صرّح الفقهاء بأنّه ل بدّ من الطّمأنينة في العتدال‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬الطّمأنينة في العتدال ‪ :‬أن تستق ّر أعضاؤه على ما كان قبل ركوعه ‪،‬‬
‫بحيث ينفصل ارتفاعه عن عوده إلى ما كان عليه‬ ‫‪.‬‬

‫وصرّح الشّافعيّة بأنّه يجب أن ل يقصد غير العتدال ‪ ،‬فلو رفع فزعا من شيء كحيّة لم‬
‫يحسب رفعه اعتدالً لوجود الصّارف ‪ ،‬فالواجب أن ل يقصد برفعه شيئا آخر‬ ‫‪.‬‬

‫ز ‪ -‬السّجود‬ ‫‪:‬‬

‫لقوله ‪22 -‬‬ ‫من أركان الصّلة السّجود في كلّ ركعة مرّتين ‪ .‬وقد انعقد الجماع على ذلك‬
‫سجُدُوا } ولحديث المسيء صلته « ثمّ اسجد حتّى تطمئنّ ساجدا » ‪،‬‬
‫تعالى ‪ { :‬ا ْركَعُوا وَا ْ‬
‫وحدّ المالكيّة السّجود بأنّه مسّ الرض ‪ ،‬أو ما اتّصل بها من ثابت بالجبهة ‪ ،‬فل يجزئ‬
‫السّجود على نحو السّرير المعلّق ‪ ،‬ويتحقّق السّجود عندهم بوضع أيسر جزء من الجبهة‬
‫بالرض أو ما اتّصل بها ‪ ،‬ويشترط استقرارها على ما يسجد عليه ‪ ،‬فل يصحّ على تبن أو‬
‫قطن ‪ .‬وأمّا وضع النف فهو مستحبّ ‪ ،‬لكن تعاد الصّلة لتركه عمدا أو سهوا في الظّهرين‬
‫للصفرار ‪ ،‬وفي غيرهما للطّلوع مراعاةً للقول بوجوبه ‪ .‬ووضع بقيّة العضاء ‪ -‬اليدين‬
‫والرّكبتين والقدمين ‪ -‬فهو سنّة ‪ .‬قال الدّسوقيّ ‪ .‬قال في التّوضيح ‪ :‬وكون السّجود عليها‬
‫ن ابن القصّار قال ‪ :‬الّذي يقوى في نفسي أنّه سنّة‬
‫س ّنةً ليس بصريح في المذهب ‪ .‬غايته أ ّ‬
‫ن السّجود عليها واجب ‪ ،‬وصرّحوا بعدم اشتراط ارتفاع العجيزة عن‬
‫في المذهب ‪ .‬وقيل ‪ :‬إ ّ‬
‫الرّأس بل يندب ذلك‬ ‫‪.‬‬
‫ن أقلّ السّجود يتحقّق بمباشرة بعض جبهته مكشوفة مصلّاه ‪،‬‬
‫وذهب الشّافعيّة ‪ :‬إلى أ ّ‬
‫لحديث خبّاب بن الرتّ قال ‪ « :‬شكونا إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم شدّة الرّمضاء‬
‫في جباهنا وأكفّنا فلم يشكنا » أي لم يزل شكوانا‬ ‫‪.‬‬

‫ووجه الدّللة من الحديث ‪ :‬أنّه لو لم يجب كشف الجبهة لرشدهم إلى سترها ‪ ،‬وإنّما اعتبر‬
‫كشفها دون بقيّة العضاء لسهولته فيها دون البقيّة ‪ ،‬ولحصول مقصود السّجود وهو غاية‬
‫التّواضع بكشفها ‪ .‬ويجب ‪ -‬أيضا ‪ -‬وضع جزء من الرّكبتين ‪ ،‬ومن باطن الكفّين ‪ ،‬ومن‬
‫باطن القدمين على مصلّاه لخبر الصّحيحين ‪ « :‬أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ‪ :‬على‬
‫الجبهة ‪ -‬وأشار بيده إلى أنفه ‪ -‬واليدين ‪ ،‬والرّكبتين ‪ ،‬وأطراف القدمين‬ ‫‪».‬‬

‫ول يجب كشف هذه العضاء ‪ ،‬بل يكره كشف الرّكبتين ‪ ،‬لنّه قد يفضي إلى كشف العورة ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬يجب كشف باطن الكفّين‬ ‫‪.‬‬

‫ن محلّ وجوب الوضع إذا لم يتعذّر وضع شيء منها ‪ ،‬وإ ّل فيسقط الفرض ‪ ،‬فلو قطعت‬
‫ثمّ إ ّ‬
‫يده من الزّند لم يجب وضعه ‪ ،‬لفوت محلّ الفرض‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬


‫ويجب ‪ -‬أيضا ‪ -‬أن ينال محلّ سجوده ثقل رأسه ‪ ،‬لقول النّب ّ‬
‫إذا سجدت فأمكن جبهتك » قالوا ‪ :‬ومعنى الثّقل أن يتحامل بحيث لو فرض تحته قطن أو‬
‫حشيش لنكبس وظهر أثره في يده لو فرضت تحت ذلك ‪ ،‬ول يشترط التّحامل في غير‬
‫الجبهة من العضاء‬ ‫‪.‬‬

‫ويجب كذلك أن ل يهوي لغير السّجود ‪ ،‬فلو سقط لوجهه من العتدال وجب العود إلى‬
‫ي في السّقوط ‪ .‬وإن سقط من الهويّ لم يلزمه العود بل‬
‫العتدال ليهوي منه ‪ ،‬لنتفاء الهو ّ‬
‫يحسب ذلك سجودا‬ ‫‪.‬‬

‫ويجب أيضا أن ترتفع أسافله ‪ -‬عجيزته وما حولها ‪ -‬على أعاليه لخبر « صلّوا كما‬
‫رأيتموني أصلّي » فل يكتفي برفع أعاليه على أسافله ول بتساويهما ‪ ،‬لعدم اسم السّجود‬
‫كما لو أكبّ ومدّ رجليه ‪ ،‬إلّ إن كان به علّة ل يمكنه السّجود إلّ كذلك فيصحّ ‪ ،‬فإن أمكنه‬
‫السّجود على وسادة بتنكيس لزمه ‪ ،‬لحصول هيئة السّجود بذلك ‪ ،‬ول يلزمه بل تنكيس ‪.‬‬
‫ل ولم يتمكّن من ارتفاع ذلك لميلنها صلّى على حاله ولزمه‬
‫وإذا صلّى في سفينة مث ً‬
‫العادة‪ ،‬لنّ هذا عذر نادر‬ ‫‪.‬‬

‫ن السّجود على العضاء السّبعة ‪ :‬الجبهة مع النف ‪ ،‬واليدين ‪،‬‬


‫وذهب الحنابلة إلى أ ّ‬
‫والرّكبتين ‪ ،‬والقدمين ‪ ،‬ركن مع القدرة ‪ ،‬لحديث ابن عبّاس مرفوعا « أمرت أن أسجد على‬
‫سبعة أعظم على الجبهة ‪ -‬وأشار بيده إلى أنفه ‪ -‬واليدين ‪ ،‬والرّكبتين ‪ ،‬وأطراف القدمين‬
‫» ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب ‪ :‬وجهه ‪ ،‬وكفّاه ‪،‬‬
‫وركبتاه ‪ ،‬وقدماه‬ ‫‪».‬‬

‫ثمّ إنّه يجزئ بعض كلّ عضو في السّجود عليه ‪ ،‬لنّه لم يقيّد في الحديث الكلّ ‪ ،‬ولو كان‬
‫سجوده على ظهر كفّ ‪ ،‬وظهر قدم ‪ ،‬وأطراف أصابع يدين ‪ ،‬ول يجزئه إن كان بعضها‬
‫فوق بعض كوضع جبهته على يديه ‪ ،‬لنّه يفضي إلى تداخل أعضاء السّجود‬ ‫‪.‬‬

‫ومتى عجز المصلّي عن السّجود بجبهته سقط عنه لزوم باقي العضاء ‪ ،‬لنّ الجبهة هي‬
‫الصل في السّجود ‪ ،‬وغيرها تبع لها ‪ ،‬فإذا سقط الصل سقط التّبع ‪ ،‬ودليل التّبعيّة ‪ ،‬ما‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إنّ اليدين‬
‫روى ابن عمر ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬أ ّ‬
‫تسجدان كما يسجد الوجه ‪ ،‬فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه ‪ ،‬وإذا رفعه فليرفعهما »‬
‫وباقي العضاء مثلهما في ذلك لعدم الفارق ‪ ،‬وأمّا إن قدر على السّجود بالجبهة فإنّه يتبعها‬
‫الباقي من العضاء ‪ ،‬وصرّحوا بأنّه ل يجزئ السّجود مع عدم استعلء السافل إن خرج‬
‫عن صفة السّجود ‪ ،‬لنّه ل يعدّ ساجدا ‪ ،‬وأمّا الستعلء اليسير فل بأس به ‪ -‬بأن عل‬
‫موضع رأسه على موضع قدميه بل حاجة يسيرا ‪ -‬ويكره الكثير‬ ‫‪.‬‬

‫ح ‪ -‬الجلوس بين السّجدتين‬ ‫‪:‬‬

‫« ‪23 -‬‬ ‫من أركان الصّلة الجلوس بين السّجدتين ‪ ،‬سواء أكان في صلة الفرض أم النّفل ‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم للمسيء صلته ‪ :‬ثمّ ارفع حتّى تطمئنّ جالسا » ولحديث‬
‫لقول النّب ّ‬
‫عائشة ‪ -‬رضي ال عنها ‪ -‬قالت ‪ « :‬كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم إذا رفع رأسه من‬
‫السّجدة لم يسجد حتّى يستوي جالسا‬ ‫‪».‬‬

‫وزاد المالكيّة والحنابلة قبل هذا الرّكن ركنا آخر وهو الرّفع من السّجود‬ ‫‪.‬‬

‫وما سبق من نفي أكثر المالكيّة العتدال من الرّكوع يجري أيضا في العتدال من السّجود‬ ‫‪.‬‬

‫وقد صرّح المالكيّة بصحّة صلة من لم يرفع يديه عن الرض حال الجلوس بين السّجدتين‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يجب أن ل يقصد برفعه غير الجلوس ‪ ،‬كما في الرّكوع ‪ .‬فلو رفع‬
‫فزعا من شيء لم يكف ‪ ،‬ويجب أن يعود إلى السّجود‬ ‫‪.‬‬

‫وهذا هو مذهب الحنابلة أيضا ‪ ،‬قالوا ‪ :‬ويشترط في نحو ركوع وسجود ورفع منهما ‪ :‬أن‬
‫ل يقصد غيره ‪ ،‬فلو ركع أو سجد ‪ ،‬أو رفع خوفا من شيء لم يجزئه ‪ ،‬كما ل يشترط أن‬
‫يقصده‪ ،‬اكتفاءً بنيّة الصّلة المستصحب حكمها‬ ‫‪.‬‬

‫قال الشّيخ الرّحيبانيّ ‪ :‬بل ل ب ّد من قصد ذلك وجوبا‬ ‫‪.‬‬

‫ط ‪ -‬الجلوس للتّشهّد الخير‬ ‫‪:‬‬


‫‪24 - ،‬‬ ‫وهو ركن عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لمداومة الرّسول صلى ال عليه وسلم عليه‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬صلّوا كما رأيتموني أصلّي » ولنّ التّشهّد فرض والجلوس‬
‫له محلّه فيتبعه‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب المالكيّة ‪ :‬إلى أنّ الرّكن هو الجلوس للسّلم فقط ‪ .‬فالجزء الخير من الجلوس الّذي‬
‫يوقع فيه السّلم فرض ‪ ،‬وما قبله سنّة ‪ ،‬وعليه فلو رفع رأسه من السّجود واعتدل جالسا‬
‫وسلّم كان ذلك الجلوس هو الواجب ‪ ،‬وفاتته السّنّة ‪ ،‬ولو جلس ثمّ تشهّد ‪ ،‬ثمّ سلّم كان آتيا‬
‫بالفرض والسّنّة ‪ ،‬ولو جلس وتشهّد ثمّ استقلّ قائما وسلّم كان آتيا بالسّنّة تاركا للفرض‬ ‫‪.‬‬

‫ى ‪ -‬التّشهّد الخير‬ ‫‪:‬‬

‫أحدكم ‪25 -‬‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا قعد‬


‫ويقول بركنيّته الشّافعيّة والحنابلة لقول النّب ّ‬
‫في الصّلة فليقل ‪ :‬التّحيّات للّه‬ ‫‪... » .‬‬

‫وعن ابن مسعود ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال ‪ « :‬كنّا نقول في الصّلة قبل أن يفرض التّشهّد ‪:‬‬
‫السّلم على اللّه السّلم على جبريل وميكائيل ‪ .‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ل‬
‫تقولوا هذا ‪ .‬فإنّ اللّه هو السّلم ‪ ،‬ولكن قولوا ‪ :‬التّحيّات للّه ‪ » ...‬الحديث ‪ ،‬وقال عمر ‪-‬‬
‫رضي ال عنه ‪ -‬ل تجزئ صلة إلّ بتشهّد‬ ‫‪.‬‬

‫ي ورحمة اللّه وبركاته ‪.‬‬


‫وأقلّ التّشهّد عند الشّافعيّة ‪ :‬التّحيّات للّه ‪ .‬سلم عليك أيّها النّب ّ‬
‫ن محمّدا رسول اللّه ‪.‬‬
‫سلم علينا وعلى عباد اللّه الصّالحين ‪ ،‬أشهد أن ل إله إلّ اللّه ‪ ،‬وأ ّ‬
‫وهو أقلّه عند الحنابلة ‪ -‬أيضا ‪ -‬بدون لفظ ‪ " :‬وبركاته " ‪ .‬مع التّخيير بين " وأنّ محمّدا‬
‫ن محمّدا عبده ورسوله " لتّفاق الرّوايات على ذلك‬
‫رسول اللّه " " وأ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫والتّشهّد الخير عند المالكيّة سنّة وليس بركن‬ ‫‪.‬‬

‫ك ‪ -‬الصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم بعد التّشهّد الخير‬ ‫‪:‬‬

‫عَلَ ْيهِ ‪26 -‬‬ ‫هي ركن عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُوا صَلّوا‬
‫َوسَّلمُوا َتسْلِيما } ‪ ،‬ولحديث ‪ « :‬قد علمنا كيف نسلّم عليك ‪ ،‬فكيف نصلّي عليك ؟ فقال ‪:‬‬
‫قولوا ‪ :‬اللّه ّم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد ‪،‬‬
‫اللّهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد‬ ‫‪».‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم على نفسه في الوتر » ‪ .‬وقال ‪ « :‬صلّوا كما‬


‫وقد « صلّى النّب ّ‬
‫رأيتموني أصلّي‬ ‫‪».‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ " :‬اللّهمّ ص ّل على محمّد‬


‫وأقلّ الصّلة على النّب ّ‬ ‫‪".‬‬
‫ي أو عليه ‪،‬‬
‫قال الشّافعيّة ‪ :‬ونحوه كصلّى اللّه على محمّد أو على رسوله أو على النّب ّ‬
‫ي صلى‬
‫ي بعد التّشهّد ‪ ،‬فلو صلّى على النّب ّ‬
‫وصرّحوا بأنّه ل ب ّد من أن تكون الصّلة على النّب ّ‬
‫ال عليه وسلم قبل التّشهّد لم تجزئه‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ركنا مستقلّا ‪ ،‬وبعضهم يجعلها‬


‫وبعض الحنابلة يع ّد الصّلة على النّب ّ‬
‫من جملة التّشهّد الخير‬ ‫‪.‬‬

‫ل ‪ -‬السّلم‬ ‫‪:‬‬

‫« ‪27 -‬‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬


‫اتّفق المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على ركنيّته ‪ ،‬لقول النّب ّ‬
‫تحريمها التّكبير ‪ ،‬وتحليلها التّسليم » وقالت عائشة ‪ -‬رضي ال عنها ‪ « : -‬كان النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم يختم الصّلة بالتّسليم‬ ‫‪».‬‬

‫ولفظه المجزئ عند المالكيّة والشّافعيّة " السّلم عليكم‬ ‫‪".‬‬

‫قال المالكيّة ‪ :‬فل يجزئ سلم اللّه ‪ ،‬أو سلمي ‪ ،‬أو سلم عليكم ‪ ،‬ول بدّ ‪ -‬أيضا ‪ -‬من‬
‫تأخّر " عليكم " وأن يكون بالعربيّة‬ ‫‪.‬‬

‫وأجاز الشّافعيّة تقدّم " عليكم " فيجزئ عندهم " عليكم السّلم " مع الكراهة‬ ‫‪.‬‬

‫قالوا ‪ :‬ول يجزئ السّلم عليهم ‪ ،‬ول تبطل به الصّلة ‪ ،‬لنّه دعاء للغائب ‪ ،‬ول عليك ول‬
‫عليكما ‪ ،‬ول سلمي عليكم ‪ ،‬ول سلم اللّه عليكم ‪ .‬فإن تعمّد ذلك مع علمه بالتّحريم بطلت‬
‫صلته ‪ ،‬ول تجزئ ‪ -‬أيضا ‪ -‬سلم عليكم‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الحنابلة إلى أنّ صيغته المجزئة ‪ :‬السّلم عليكم ورحمة اللّه فإن لم يقل " ورحمة‬
‫ي صلى ال عليه وسلم كان يقوله ‪ .‬وقال ‪:‬‬
‫اللّه " في غير صلة الجنازة لم يجزئه ‪ ،‬لنّ النّب ّ‬
‫« صلّوا كما رأيتموني أصلّي » وهو سلم في صلة ورد مقرونا بالرّحمة فلم يجزئه بدونها‬
‫كالسّلم في التّشهّد ‪ .‬فإن نكّر السّلم ‪ ،‬كقوله ‪ :‬سلم عليكم ‪ ،‬أو عرّفه بغير اللّام ‪ ،‬كسلمي‬
‫‪ ،‬أو سلم اللّه عليكم ‪ ،‬أو نكّسه فقال عليكم سلم أو عليكم السّلم ‪ ،‬أو قال ‪ :‬السّلم عليك‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬صلّوا كما رأيتموني أصلّي » ومن‬
‫لم يجزئه لمخالفته لقول النّب ّ‬
‫تعمّد ذلك بطلت صلته ‪ ،‬لنّه يغيّر السّلم الوارد ‪ ،‬ويخلّ بحرف يقتضي الستغراق‬ ‫‪.‬‬

‫والواجب تسليمة واحدة عند المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وقال الحنابلة ‪ :‬بوجوب التّسليمتين ‪.‬‬
‫واستحبّ الشّافعيّة والحنابلة أن ينوي بالسّلم الخروج من الصّلة ‪ ،‬فل تجب نيّة الخروج‬
‫ن النّيّة السّابقة منسحبة على جميع الصّلة ‪.‬‬
‫من الصّلة ‪ ،‬قياسا على سائر العبادات ‪ ،‬ول ّ‬
‫واختلف المالكيّة في اشتراط نيّة الخروج على قولين‬ ‫‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬أنّه يشترط أن يجدّد نيّة الخروج من الصّلة بالسّلم لجل أن يتميّز عن جنسه‬
‫كافتقار تكبيرة الحرام إليها لتميّزها عن غيرها ‪ ،‬فلو سلّم من غير تجديد نيّة لم يجزه ‪،‬‬
‫قال سند ‪ :‬وهو ظاهر المذهب‬ ‫‪.‬‬

‫الثّاني ‪ :‬ل يشترط ذلك وإنّما يندب فقط ‪ ،‬لنسحاب النّيّة الولى ‪ .‬قال ابن الفاكهانيّ ‪ :‬هو‬
‫المشهور ‪ ،‬وكلم ابن عرفة يفيد أنّه المعتمد‬ ‫‪.‬‬

‫م ‪ -‬الطّمأنينة‬ ‫‪:‬‬

‫العضاء ‪28 -‬‬ ‫هي ‪ :‬استقرار العضاء زمنا ما ‪ .‬قال الشّافعيّة ‪ :‬أقلّها أن تستقرّ‬ ‫‪.‬‬

‫وعند الحنابلة وجهان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬حصول السّكون وإن ق ّل ‪ .‬وهو الصّحيح في المذهب‬ ‫‪.‬‬

‫والثّاني ‪ :‬بقدر الذّكر الواجب‬ ‫‪.‬‬

‫وفائدة الوجهين ‪ :‬إذا نسي التّسبيح في ركوعه أو سجوده ‪ ،‬أو التّحميد في اعتداله ‪ ،‬أو‬
‫سؤال المغفرة في جلوسه ‪ ،‬أو عجز عنه لعجمة أو خرس ‪ ،‬أو تعمّد تركه وقلنا هو سنّة‬
‫واطمأنّ قدرا ل يتّسع له ‪ ،‬فصلته صحيحة على الوجه الوّل ‪ ،‬ول تصحّ على الثّاني‬ ‫‪.‬‬

‫وهي ركن عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وصحّح ابن الحاجب من المالكيّة فرضيّتها‬ ‫‪.‬‬

‫والمشهور من مذهب المالكيّة أنّها سنّة ‪ ،‬ولذا قال زرّوق ‪ :‬من ترك الطّمأنينة أعاد في‬
‫الوقت على المشهور ‪ .‬وقيل ‪ :‬إنّها فضيلة‬ ‫‪.‬‬

‫لل‬
‫ودليل ركنيّة الطّمأنينة حديث المسيء صلته المتقدّم ‪ .‬وحديث حذيفة ‪ « :‬أنّه رأى رج ً‬
‫ت متّ على غير الفطرة الّتي فطر اللّه‬
‫يتمّ الرّكوع ول السّجود فقال له ‪ :‬ما صلّيت ‪ ،‬ولو م ّ‬
‫عليها محمّدا صلى ال عليه وسلم » وهي ركن في جميع الركان‬ ‫‪.‬‬

‫ن ‪ -‬ترتيب الركان‬ ‫‪:‬‬

‫عليه ‪29 -‬‬ ‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يصلّيها مرتّبةً ‪ ،‬مع قوله صلى ال‬
‫لمّا ثبت أ ّ‬
‫وسلم ‪ « :‬صلّوا كما رأيتموني أصلّي » وعلّمها للمسيء صلته مرتّبةً " بثمّ " ولنّها عبادة‬
‫تبطل بالحدث كان التّرتيب فيها ركنا كغيره ‪ .‬والتّرتيب واجب في الفرائض في أنفسها فقط‬
‫‪ .‬وأمّا ترتيب السّنن في أنفسها ‪ ،‬أو مع الفرائض فليس بواجب‬ ‫‪.‬‬

‫أركان الصّلة عند الحنفيّة‬ ‫‪:‬‬

‫أركان الصّلة عند الحنفيّة ستّة‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬القيام‬ ‫‪:‬‬

‫‪30 - ،‬‬ ‫وهو ركن في فرض للقادر عليه ‪ ،‬ويشمل التّامّ منه وهو ‪ :‬النتصاب مع العتدال‬
‫وغير التّامّ وهو ‪ :‬النحناء القليل بحيث ل تنال يداه ركبتيه ‪ ،‬ويسقط عن العاجز عنه حقيقةً‬
‫ي هو ‪ :‬كما لو حصل له به ألم شديد ‪ ،‬أو خاف زيادة المرض‬
‫أو حكما ‪ ،‬والعجز الحكم ّ‬ ‫‪.‬‬
‫ومن العجز الحكمي أيضا ‪ :‬كمن يسيل أو جرحه إذا قام ‪ ،‬أو يسلس بوله ‪ ،‬أو يبدو ربع‬
‫ل ‪ -‬أمّا لو قدر على بعض القراءة إذا قام فإنّه يلزمه‬
‫عورته ‪ ،‬أو يضعف عن القراءة أص ً‬
‫أن يقرأ مقدار قدرته ‪ ،‬والباقي قاعدا ‪ ،‬أو عن صوم رمضان ‪ ،‬فيتحتّم القعود عليه في هذه‬
‫المسائل لعجزه عن القيام حكما إذ لو قام لزم فوت الطّهارة أو السّتر أو القراءة أو الصّوم‬
‫بل خلف‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬القراءة‬ ‫‪:‬‬

‫وجميع ‪31 -‬‬ ‫ويتحقّق ركن القراءة بقراءة آية من القرآن ‪ ،‬ومحلّها ركعتان في الفرض‬
‫ركعات النّفل والوتر‬ ‫‪.‬‬

‫قال الكاسانيّ ‪ :‬عن أبي حنيفة في قدر القراءة ثلث روايات ‪ .‬في ظاهر الرّواية قدّر أدنى‬
‫ن } وقوله ‪ُ { :‬ثمّ‬
‫المفروض بالية التّامّة طويل ًة كانت أو قصير ًة كقوله تعالى ‪ { :‬مُدْهَامّتَا ِ‬
‫س وَ َبسَرَ‬
‫َنظَرَ } وقوله ‪ُ { :‬ثمّ عَبَ َ‬ ‫‪}.‬‬

‫وفي رواية ‪ :‬الفرض غير مقدّر ‪ ،‬بل هو على أدنى ما يتناوله السم سواء كانت آي ًة أو ما‬
‫دونها بعد أن قرأها على قصد القراءة‬ ‫‪.‬‬

‫وفي رواية ‪ :‬قدر الفرض بآية طويلة كآية الكرسيّ وآية الدّين ‪ ،‬أو ثلث آيات قصار ‪ ،‬وبه‬
‫أخذ أبو يوسف‬ ‫‪.‬‬

‫ن ا ْلقُرْآنِ } فهما يعتبران العرف‪ ،‬ويقولن ‪:‬‬


‫وأصله قوله تعالى ‪ { :‬فَاقْ َرؤُوا مَا تَ َيسّ َر مِ َ‬
‫مطلق الكلم ينصرف إلى المتعارف ‪ ،‬وأدنى ما يسمّى المرء به قارئا في العرف أن يقرأ‬
‫ج بالية من وجهين‬
‫آي ًة طويلةً‪ ،‬أو ثلث آيات قصار ‪ ،‬وأبو حنيفة يحت ّ‬ ‫‪:‬‬

‫أحدهما ‪ :‬أنّه أمر بمطلق القراءة ‪ ،‬وقراءة آية قصيرة قراءة‬ ‫‪.‬‬

‫والثّاني ‪ :‬أنّه أمر بقراءة ما تيسّر من القرآن ‪ ،‬وعسى أن ل يتيسّر إ ّل هذا القدر‬ ‫‪.‬‬

‫وقد أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسيّة سواء كان يحسن القراءة بالعربيّة أو ل يحسن‬ ‫‪.‬‬

‫وقال أبو يوسف ومحمّد ‪ :‬إن كان يحسن ل يجوز ‪ ،‬وإن كان ل يحسن يجوز ‪ ،‬وإلى قولهما‬
‫رجع أبو حنيفة كما جاء في ابن عابدين ‪ ،‬وأمّا قراءة الفاتحة فسيأتي أنّها واجبة وليست‬
‫بركن‬ ‫‪.‬‬

‫ج ‪ -‬الرّكوع‬ ‫‪:‬‬

‫فيصدق ‪32 -‬‬ ‫وأقلّه طأطأة الرّأس مع انحناء الظّهر ‪ ،‬لنّه هو المفهوم من موضوع اللّغة‬
‫عليه قوله تعالى ‪ { :‬ا ْر َكعُوا } ‪ ،‬وفي السّراج الوهّاج ‪ :‬هو بحيث لو م ّد يديه نال ركبتيه‬ ‫‪.‬‬

‫د ‪ -‬السّجود‬ ‫‪:‬‬
‫يجب ‪33 -‬‬ ‫ويتحقّق بوضع جزء من جبهته وإن ق ّل ‪ ،‬ووضع أكثرها واجب للمواظبة ‪ ،‬كما‬
‫وضع النف مع الجبهة ‪ ،‬وفي وضع القدمين ثلث روايات ‪ :‬الولى ‪ :‬فرضيّة وضعهما ‪.‬‬
‫والثّانية ‪ :‬فرضيّة إحداهما ‪ .‬والثّالثة ‪ :‬عدم الفرضيّة ‪ :‬أي أنّه سنّة‬ ‫‪.‬‬

‫ن المشهور في كتب المذهب اعتماد الفرضيّة ‪ ،‬والرجح من حيث الدّليل‬


‫قال ابن عابدين ‪ :‬إ ّ‬
‫ق ‪ ،‬ث ّم الوجه حمل عدم‬
‫والقواعد عدم الفرضيّة ‪ ،‬ولذا قال في العناية والدّرر ‪ :‬إنّه الح ّ‬
‫الفرضيّة على الوجوب‬ ‫‪.‬‬

‫هـ ‪ -‬القعدة الخيرة قدر التّشهّد‬ ‫‪:‬‬

‫أصليّ ‪34 -‬‬ ‫وهي محلّ خلف عندهم ‪ .‬فقال بعضهم ‪ :‬هي ركن‬ ‫‪.‬‬

‫وقال بعضهم ‪ :‬إنّها واجبة ل فرض ‪،‬لكن الواجب ‪ -‬هنا ‪ -‬في قوّة الفرض في العمل‬
‫ي بل هي شرط للتّحليل‬
‫كالوتر‪ .‬وعند بعضهم ‪ :‬إنّها فرض وليست بركن أصل ّ‬ ‫‪.‬‬

‫و ‪ -‬الخروج بصنعه‬ ‫‪:‬‬

‫والواجب ‪35 -‬‬ ‫ي ‪ -‬بأيّ وجه كان من قول أو فعل ‪،‬‬


‫أي بصنع المصلّي ‪ -‬فعله الختيار ّ‬
‫الخروج بلفظ السّلم ويكره تحريما الخروج بغيره كأن يضحك قهقهةً ‪ ،‬أو يحدث عمدا ‪ ،‬أو‬
‫يتكلّم ‪ ،‬أو يذهب ‪ ،‬واحترز ( بصنعه ) عمّا لو كان سماويّا كأن سبقه الحدث‬ ‫‪.‬‬

‫وترتيب ‪36 -‬‬ ‫قال الحصكفيّ شارح تنوير البصار ‪ :‬وبقي من الفروض ‪ :‬تمييز المفروض ‪،‬‬
‫القيام على الرّكوع ‪ ،‬والرّكوع على السّجود ‪ ،‬والقعود الخير على ما قبله ‪ ،‬وإتمام‬
‫الصّلة ‪ ،‬والنتقال من ركن إلى آخر ‪ ،‬ومتابعته لمامه في الفروض ‪ ،‬وصحّة صلة إمامه‬
‫في رأيه ‪ ،‬وعدم تقدّمه عليه ‪ ،‬وعدم مخالفته في الجهة ‪ ،‬وعدم تذكّر فائتة ‪ ،‬وعدم محاذاة‬
‫امرأة بشرطهما ‪ ،‬وتعديل الركان عند الثّاني " وهو أبو يوسف‬ ‫‪".‬‬

‫واختلفوا في تفسير تمييز المفروض ‪ ،‬ففسّره بعضهم ‪ :‬بأن يميّز السّجدة الثّانية عن‬
‫ن المراد‬
‫ل أو يكون إلى القعود أقرب ‪ ،‬وذهب آخرون إلى أ ّ‬
‫الولى‪ ،‬بأن يرفع ولو قلي ً‬
‫بالتّمييز تمييز ما فرض عليه من الصّلوات عمّا لم يفرض عليه ‪ ،‬حتّى لو لم يعلم فرضيّة‬
‫الخمس ‪ ،‬إلّ أنّه كان يصلّيها في وقتها ل يجزيه‬ ‫‪.‬‬

‫ولو علم أنّ البعض فرض والبعض سنّة ونوى الفرض في الكلّ ‪ ،‬أو لم يعلم ونوى صلة‬
‫المام عند اقتدائه في الفرض جاز ‪ ،‬ولو علم الفرض دون ما فيه من فرائض وسنن جازت‬
‫صلته أيضا ‪ ،‬فليس المراد المفروض من أجزاء كلّ صلة ‪ ،‬أي كأن يعلم أنّ القراءة فيها‬
‫فرض وأنّ التّسبيح سنّة وهكذا ‪ .‬والمراد بترتيب القيام على الرّكوع ‪،‬والرّكوع على‬
‫السّجود‪ ،‬والقعود الخير على ما قبله ‪ ،‬تقديمه عليه حتّى لو ركع ث ّم قام لم يعتبر ذلك‬
‫الرّكوع ‪ ،‬فإن ركع ثانيا صحّت صلته ‪ ،‬لوجود التّرتيب المفروض ‪ ،‬ولزمه سجود السّهو‬
‫لتقديمه الرّكوع المفروض ‪ ،‬وكذا تقديم الرّكوع على السّجود ‪ ،‬وأمّا القعود الخير فيفترض‬
‫إيقاعه بعد جميع الركان ‪ ،‬حتّى لو تذكّر بعده سجدةً صلب ّي ًة سجدها وأعاد القعود وسجد‬
‫للسّهو ‪ ،‬ولو تذكّر ركوعا قضاه مع ما بعده من السّجود ‪ ،‬أو قياما أو قراء ًة صلّى ركعةً‬ ‫‪.‬‬

‫النّصّ ‪37 -‬‬ ‫ن‬


‫ومن الفرائض ‪ -‬أيضا ‪ -‬إتمام الصّلة ‪ ،‬والنتقال من ركن إلى ركن ‪ ،‬ل ّ‬
‫الموجب للصّلة يوجب ذلك ‪ ،‬إذ ل وجود للصّلة بدون إتمامها وذلك يستدعي المرين‬ ‫‪.‬‬

‫ن المراد بالتمام عدم القطع ‪ .‬وبالنتقال النتقال عن الرّكن‬


‫قال ابن عابدين ‪ :‬والظّاهر أ ّ‬
‫للتيان بركن بعده إذ ل يتحقّق ما بعده إلّ بذلك ‪ ،‬وأمّا النتقال من ركن إلى آخر بل فاصل‬
‫بينهما فواجب حتّى لو ركع ثمّ ركع يجب عليه سجود السّهو ‪ ،‬لنّه لم ينتقل من الفرض‬
‫وهو الرّكوع إلى السّجود ‪ ،‬بل أدخل بينهما أجنبيّا ‪ ،‬وهو الرّكوع الثّاني‬ ‫‪.‬‬

‫والنّيّة عندهم شرط وليست بركن ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬نيّة‬ ‫‪).‬‬

‫وكذا تكبيرة الحرام ‪ ،‬فهي عندهم شرط في الصّلة عمومًا غير صلة الجنازة ‪ ،‬أمّا في‬
‫الجنازة فهي ركن اتّفاقا‬ ‫‪.‬‬

‫‪218‬‬ ‫‪/‬‬ ‫‪13‬‬ ‫‪ ) .‬تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تكبيرة الحرام ‪ ،‬ف ‪، 3 /‬‬
‫واجبات الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫قد سبق أنّه لم يقل بواجبات الصّلة سوى الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬وواجبات الصّلة عند الحنفيّة‬
‫تختلف عن واجبات الصّلة عند الحنابلة‬ ‫‪.‬‬

‫أ ‪ -‬واجبات الصّلة عند الحنفيّة‬ ‫‪:‬‬

‫{ ‪38 -‬‬ ‫قراءة الفاتحة ‪ .‬وهي من واجبات الصّلة لثبوتها بخبر الواحد الزّائد على قوله تعالى‬
‫ن ا ْلقُرْآنِ } والزّيادة وإن كانت ل تجوز لكن يجب العمل بها‬
‫فَاقْ َرؤُوا مَا تَ َيسّ َر مِ َ‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا قمت إلى الصّلة‬


‫ومن أجل ذلك قالوا بوجوبها ‪ .‬ولقول النّب ّ‬
‫فأسبغ الوضوء ث ّم استقبل القبلة ‪ ،‬فكبّر ‪ ،‬ثمّ اقرأ ما تيسّر معك من القرآن » ولو كانت‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫قراءة الفاتحة ركنا لعلّمه إيّاها لجهله بالحكام وحاجته إليه ‪ ،‬وقول النّب ّ‬
‫وسلم ‪ « :‬ل صلة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب » محمول على نفي الفضيلة‬ ‫‪.‬‬

‫ن كلّ آية منها واجبة ‪ ،‬ويسجد للسّهو بتركها ‪ .‬وهذا على قول المام القائل إنّها واجبة‬
‫ثمّ إ ّ‬
‫بتمامها ‪ ،‬وأمّا عند الصّاحبين ‪ :‬فالواجب أكثرها ‪ ،‬فيسجد للسّهو بترك أكثرها ل أقلّها‬ ‫‪.‬‬

‫ي ‪ :‬وهو ‪ -‬أي قول المام ‪ -‬أولى ‪ ،‬وعليه فكلّ آية واجبة‬


‫قال الحصكف ّ‬ ‫‪.‬‬

‫آيات ‪39 -‬‬ ‫ضمّ أقصر سورة إلى الفاتحة ‪ -‬كسورة الكوثر ‪ -‬أو ما يقوم مقامها من ثلث‬
‫ظرَ ‪ُ ،‬ثمّ عَ َبسَ وَ َبسَ َر ‪ُ ،‬ثمّ أَدْبَ َر وَاسْ َتكْبَ َر } أو آية طويلة‬
‫قصار نحو قوله تعالى ‪ُ { :‬ثمّ َن َ‬
‫تعدل ثلث آيات قصار ‪ ،‬وقدّروها بثلثين حرفا‬ ‫‪.‬‬
‫ضمّ في الوليين من الفرض ‪ ،‬وجميع ركعات النّفل والوتر‬
‫ومحلّ هذا ال ّ‬ ‫‪.‬‬

‫والرّباعيّة ‪40 -‬‬ ‫ويجب تعيين القراءة في الوليين عينا من الفرض من الثّلثيّة‬ ‫‪.‬‬

‫قال ابن عابدين ‪ :‬وهو المشهور في المذهب الّذي عليه المتون ‪ ،‬وهو المصحّح‬ ‫‪.‬‬

‫ن محلّ القراءة ركعتان من الفرض غير عين ‪ ،‬وكونهما في الوليين أفضل‬


‫وقيل ‪ :‬إ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وثمرة الخلف تظهر في وجوب سجود السّهو إذا تركها في الوليين أو في إحداهما سهوا‬
‫لتأخير الواجب سهوا عن محلّه ‪ ،‬وعلى القول بالسّنّيّة ل يجب‬ ‫‪.‬‬

‫ثمّ ‪41 -‬‬ ‫ويجب تقديم الفاتحة على كلّ السّورة ‪ ،‬حتّى قالوا ‪ :‬لو قرأ حرفا من السّورة ساهيا‬
‫تذكّر يقرأ الفاتحة ث ّم السّورة ويلزمه سجود السّهو ‪ ،‬وقيّده في فتح القدير بأن يكون مقدار‬
‫ن الظّاهر أنّ العلّة هي تأخير‬
‫ما يتأدّى به ركن ‪ .‬وهو ما مال إليه ابن عابدين قال ‪ :‬ل ّ‬
‫البتداء بالفاتحة ‪ ،‬والتّأخير اليسير وهو ما دون ركن معفوّ عنه‬ ‫‪.‬‬

‫وكذا يجب ترك تكريرها قبل سورة الوليين ‪ ،‬فلو قرأها في ركعة من الوليين مرّتين وجب‬
‫سجود السّهو ‪ ،‬لتأخير الواجب وهو السّورة ‪ ،‬ومثله ما لو قرأ أكثرها ثمّ أعادها ‪ .‬أمّا لو‬
‫قرأها قبل السّورة مرّةً وبعدها مرّ ًة فل تجب ‪ ،‬لعدم التّأخير ‪ ،‬لنّ الرّكوع ليس واجبا بإثر‬
‫السّورة ‪ ،‬فإنّه لو جمع بين سور بعد الفاتحة ل يجب عليه شيء‬ ‫‪.‬‬

‫ن القتصار على مرّة في الخريين ليس بواجب حتّى‬


‫ول يجب ترك التّكرار في الخريين ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل يلزمه ‪ -‬سجود السّهو بتكرار الفاتحة فيها سهوا ‪ ،‬ولو تعمّده ل يكره ما لم يؤدّ إلى‬
‫التّطويل على الجماعة ‪ ،‬أو إطالة الرّكعة على ما قبلها‬ ‫‪.‬‬

‫ركع ‪42 -‬‬ ‫رعاية التّرتيب بين القراءة والرّكوع وفيما يتكرّر ‪ ،‬ومعنى كونه واجبا ‪ :‬أنّه لو‬
‫ح ركوع هذه الرّكعة ‪ ،‬لنّه ل يشترط في الرّكوع أن يكون مترتّبا على قراءة‬
‫قبل القراءة ص ّ‬
‫في كلّ ركعة ‪ ،‬بخلف التّرتيب بين الرّكوع والسّجود مثلً فإنّه فرض حتّى لو سجد قبل‬
‫الرّكوع لم يصحّ سجود هذه الرّكعة ‪ ،‬لنّ أصل السّجود يشترط ترتّبه على الرّكوع في كلّ‬
‫ركعة كترتّب الرّكوع على القيام كذلك ‪ ،‬لنّ القراءة لم تفرض في جميع ركعات الفرض بل‬
‫في ركعتين منه بل تعيين ‪ .‬أمّا القيام والرّكوع والسّجود فإنّها معيّنة في كلّ ركعة‬ ‫‪.‬‬

‫والمراد بقوله فيما يتكرّر ‪ :‬السّجدة الثّانية من كلّ ركعة وعدد الرّكعات ‪ .‬أمّا السّجدة الثّانية‬
‫من كلّ ركعة ‪ :‬فالتّرتيب بينها وبين ما بعدها واجب ‪ ،‬حتّى لو ترك سجدةً من ركعة ثمّ‬
‫تذكّرها فيما بعدها من قيام أو ركوع أو سجود فإنّه يقضيها ‪ ،‬ول يقضي ما فعله قبل‬
‫قضائها ممّا هو بعد ركعتها من قيام أو ركوع أو سجود ‪ ،‬بل يلزمه سجود السّهو فقط ‪،‬‬
‫لكن اختلف في لزوم قضاء ما إذا تذكّرها فقضاها فيه ‪ ،‬كما لو تذكّر وهو راكع أو ساجد‬
‫أنّه لم يسجد في الرّكعة الّتي قبلها فإنّه يسجدها ‪ ،‬وهل يعيد الرّكوع أو السّجود المتذكّر فيه‬
‫؟‬ ‫‪.‬‬

‫ن التّرتيب ليس بفرض بين ما يتكرّر من‬


‫ففي الهداية أنّه ل تجب إعادته بل تستحبّ معلّلً بأ ّ‬
‫ل بأنّه ارتفض بالعود إلى ما قبله‬
‫الفعال ‪ ،‬وفي الخانيّة أنّه يعيده وإلّ فسدت صلته ‪ ،‬معلّ ً‬
‫من الركان ‪ ،‬لنّه قبل الرّفع منه يقبل الرّفض ‪ ،‬بخلف ما لو تذكّر السّجدة بعدما رفع من‬
‫الرّكوع ‪ ،‬لنّه بعدما تمّ بالرّفع ل يقبل الرّفض‬ ‫‪.‬‬

‫قال ابن عابدين ‪ :‬والمعتمد ما في الهداية ‪ ،‬ولو نسي سجد ًة من الرّكعة الولى قضاها ولو‬
‫بعد السّلم قبل إتيانه بمفسد ‪ ،‬لكنّه يتشهّد ‪ ،‬ثمّ يسجد للسّهو ‪ ،‬ثمّ يتشهّد ‪ ،‬لبطلن التّشهّد‬
‫والقعدة الخيرة بالعود إلى السّجدة ‪ ،‬لشتراطها التّرتيب ‪ ،‬والتّقييد بالتّرتيب بينها وبين ما‬
‫ن التّرتيب بين الرّكوع والسّجود من ركعة واحدة‬
‫بعدها للحتراز عمّا قبلها من ركعتها ‪ ،‬فإ ّ‬
‫شرط‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا الرّكعات فإنّ التّرتيب فيها واجب إلّ لضرورة القتداء حيث يسقط به التّرتيب ‪ ،‬فإنّ‬
‫المسبوق يصلّي آخر الرّكعات قبل أوّلها‬ ‫‪.‬‬

‫قال ابن عابدين ‪ :‬فإن قلت وجوب الشّيء إنّما يصحّ إذا أمكن ضدّه ‪ ،‬وعدم التّرتيب بين‬
‫ن المصلّي كلّ ركعة أتى بها أ ّولً فهي الولى ‪ ،‬وثانيا فهي الثّانية‬
‫الرّكعات غير ممكن فإ ّ‬
‫وهكذا ‪ .‬فإنّه يمكن ذلك لنّه من المور العتباريّة الّتي يبتنى عليها أحكام شرعيّة إذا وجد‬
‫معها ما يقتضيها ‪ ،‬فإذا صلّى من الفرض الرّباعيّ ركعتين ‪ ،‬وقصد أن يجعلهما الخيرتين‬
‫فهو لغو ‪ ،‬إ ّل إذا حقّق قصده بأن ترك فيهما القراءة ‪ ،‬وقرأ فيما بعدهما فحينئذ يبتنى عليه‬
‫أحكام شرعيّة وهي وجوب العادة والثم ‪ ،‬لوجود ما يقتضي تلك الحكام ولهذا اعتبر‬
‫الشّارع صلة المسبوق غير مرتّبة من حيث القوال ‪ ،‬فأوجب عليه عكس التّرتيب بأن أمره‬
‫بأن يفعل ما يبتنى على ذلك من قراءة وجهر‬ ‫‪.‬‬

‫كذلك أمر غيره بالتّرتيب بأن يفعل ما يقتضيه بأن يقرأ أ ّولً ويجهر أو يس ّر ‪ ،‬وإذا خالف‬
‫يكون قد عكس التّرتيب حكما‬ ‫‪.‬‬

‫تعديل الركان‬ ‫‪:‬‬

‫تسبيحة ‪43 -‬‬ ‫وهو ‪ :‬تسكين الجوارح في الرّكوع والسّجود حتّى تطمئنّ مفاصله ‪ ،‬وأدناه قدر‬
‫ي ‪ ،‬ووجهه أنّه شرع لتكميل ركن فيكون واجبا كقراءة‬
‫‪ ،‬وهو واجب في تخريج الكرخ ّ‬
‫الفاتحة‬ ‫‪.‬‬

‫ي أنّه سنّة لنّه شرع لتكميل الركان وليس بمقصود لذاته‬


‫وفي تخريج الجرجان ّ‬ ‫‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لمن أخفّ الصّلة ‪:‬‬
‫وذهب أبو يوسف إلى أنّه فرض « لقول النّب ّ‬
‫صلّ فإنّك لم تصلّ » وقوله صلى ال عليه وسلم في حديث رفاعة بن رافع ‪ « :‬إنّها ل تتمّ‬
‫صلة أحدكم حتّى يسبغ الوضوء كما أمره اللّه ع ّز وجلّ ‪ :‬فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين‬
‫ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين ‪ ،‬ثمّ يكبّر اللّه عزّ وجلّ ويحمده ‪ ،‬ثمّ يقرأ من القرآن ما‬
‫ن مفاصله ثمّ يقول ‪ :‬سمع اللّه‬
‫أذن له فيه وتيسّر ‪ ،‬ثمّ يقول ‪ :‬اللّه أكبر ثمّ يركع حتّى تطمئ ّ‬
‫لمن حمده حتّى يستوي قائما ثمّ يقول ‪ :‬اللّه أكبر ‪ .‬قال ‪ :‬ثمّ يكبّر فيسجد فيمكّن وجهه ‪ -‬أو‬
‫جبهته ‪ -‬من الرض حتّى تطمئنّ مفاصله وتسترخي ‪ ،‬ثمّ يكبّر فيستوي قاعدا على مقعده ‪،‬‬
‫ويقيم صلبه » فوصف الصّلة هكذا أربع ركعات حتّى فرغ « ل تتمّ صلة أحدكم حتّى يفعل‬
‫ذلك‬ ‫‪».‬‬

‫واستدلّ على الوجوب بقوله تعالى ‪ { :‬وَا ْركَعُوا واسْجُدُوا } حيث أمر بالرّكوع ‪ ،‬وهو ‪:‬‬
‫النحناء لغةً ‪ ،‬وبالسّجود ‪ ،‬وهو ‪ :‬النخفاض لغةً ‪ ،‬فتتعلّق الرّكنيّة بالدنى منهما‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم سمّاه صلةً ‪ .‬فقال له ‪ « :‬إذا‬


‫وفي آخر الحديث الّذي روي عن النّب ّ‬
‫فعلت ذلك فقد تمّت صلتك ‪ ،‬وإن انتقصت منه شيئا انتقصت من صلتك » ول حجّة في‬
‫الحديث الثّاني ‪ -‬أيضا ‪ -‬لنّ فيه وضع اليدين على الرّكبتين والثّناء والتّسميع وليست هذه‬
‫الشياء فرضا بالجماع‬ ‫‪.‬‬

‫وكذا تجب الطّمأنينة في الرّفع من الرّكوع والسّجود ‪ ،‬وكذا نفس الرّفع من الرّكوع‬
‫ج حتّى قال‬
‫والجلوس بين السّجدتين ‪ ،‬وهو اختيار المحقّق ابن الهمام وتلميذه ابن أمير حا ّ‬
‫‪ :‬إنّه الصّواب ‪ ،‬للمواظبة على ذلك كلّه ‪ ،‬وللمر في حديث المسيء صلته ‪ ،‬ولما ذكره‬
‫قاضي خان من لزوم سجود السّهو بترك الرّفع من الرّكوع ساهيا‬ ‫‪.‬‬

‫قال ابن عابدين ‪ :‬والحاصل أنّ الصحّ روايةً ودرايةً وجوب تعديل الركان ‪ ،‬وأمّا القومة‬
‫والجلسة وتعديلها فالمشهور في المذهب السّنّيّة ‪ ،‬وروي وجوبها ‪ ،‬وهو الموافق للدلّة‬
‫وعليه الكمال بن الهمام ومن بعده من المتأخّرين ‪ .‬وقال أبو يوسف بفرضيّة الكلّ ‪،‬‬
‫واختاره في المجمع والعينيّ ورواه الطّحاويّ عن أئمّتنا الثّلثة ‪ .‬وقال في الفيض ‪ :‬إنّه‬
‫الحوط‬ ‫‪.‬‬

‫في ‪44 -‬‬ ‫القعود الوّل ‪ :‬يجب القعود الوّل قدر التّشهّد إذا رفع رأسه من السّجدة الثّانية‬
‫الرّكعة الثّانية في ذوات الربع والثّلث ‪ ،‬ولو في النّفل في الصحّ خلفا لمحمّد في افتراضه‬
‫ي أنّها في غير النّفل سنّة‬
‫قعدة كلّ شفع نفلً ‪ ،‬وللطّحاويّ والكرخ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫قال ابن عابدين ‪ :‬قال في البدائع ‪ :‬وأكثر مشايخنا يطلقون عليه اسم السّنّة ‪ ،‬إمّا لنّ‬
‫وجوبه عرف بها ‪ ،‬أو لنّ المؤكّدة في معنى الواجب ‪ ،‬وهذا يقتضي رفع الخلف‬ ‫‪.‬‬
‫بعضه‪45 - ،‬‬ ‫التّشهّدان ‪ :‬أي تشهّد القعدة الولى وتشهّد الخيرة ‪ ،‬ويجب سجود السّهو بترك‬
‫لنّه ذكر واحد منظوم فترك بعضه كترك كلّه ‪ ،‬وأفضل صيغ التّشهّد هي المرويّة عن ابن‬
‫مسعود ‪ ،‬وستأتي في سنن الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫ال ‪46 -‬‬ ‫السّلم ‪ :‬واستدلّوا على وجوبه وعدم فرضيّته بحديث عبد اللّه بن مسعود رضي‬
‫تعالى عنه أنّه عليه الصلة والسلم « قال له حين علّمه التّشهّد ‪ :‬إذا قلت هذا أو قضيت‬
‫هذا فقد قضيت صلتك‬ ‫‪».‬‬

‫وعن عبد اللّه بن عمرو ‪ -‬رضي ال تعالى عنهما ‪ -‬قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬إذا أحدث الرّجل وقد جلس في آخر صلته قبل أن يسلّم فقد جازت صلته‬ ‫‪».‬‬

‫ي ‪ -‬رضي ال تعالى عنهما ‪ « : -‬إذا قعد قدر التّشهّد ث ّم أحدث فقد تمّت صلته »‬
‫وعن عل ّ‬
‫حل‬
‫وأمّا قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬تحريمها التّكبير ‪ ،‬وتحليلها التّسليم » فإنّه إن ص ّ‬
‫يفيد الفرضيّة ‪ ،‬لنّها ل تثبت بخبر الواحد ‪ ،‬وإنّما يفيد الوجوب ‪ .‬ثمّ إنّه يجب مرّتين ‪،‬‬
‫والواجب منه لفظ " السّلم " فقط دون " عليكم‬ ‫‪".‬‬

‫للسّهو ‪47 -‬‬ ‫إتيان كلّ فرض أو واجب في محلّه ‪ ،‬فلو أخّره عن محلّه سهوا سجد‬ ‫‪.‬‬

‫ومثال تأخير الفرض ‪ :‬ما لو أتمّ الفاتحة ث ّم مكث متفكّرا سهوا ثمّ ركع‬ ‫‪.‬‬

‫ومثال تأخير الواجب ‪ :‬ما لو تذكّر السّورة وهو راكع فضمّها قائما وأعاد الرّكوع سجد‬
‫للسّهو ‪ .‬وكذا يجب ترك تكرير الرّكوع وتثليث السّجود ‪ -‬لنّ في زيادة ركوع أو سجود‬
‫تغيير المشروع ‪ ،‬لنّ الواجب في كلّ ركعة ركوع واحد وسجدتان فقط ‪ ،‬فإذا زاد على ذلك‬
‫فقد ترك الواجب ‪ ،‬ويلزم منه أيضًا ترك واجب آخر ‪ ،‬وهو إتيان الفرض في غير محلّه ‪،‬‬
‫لنّ تكرير الرّكوع فيه تأخير السّجود عن محلّه وتثليث السّجود فيه تأخير القيام أو القعدة ‪،‬‬
‫وكذا القعدة في آخر الرّكعة الولى أو الثّالثة فيجب تركها ‪ ،‬ويلزم من فعلها ‪ -‬أيضا ‪-‬‬
‫تأخير القيام إلى الثّانية أو الرّابعة عن محلّه‬ ‫‪.‬‬

‫وهذا إذا كانت القعدة طويلةً ‪ ،‬أمّا الجلسة الخفيفة الّتي استحبّها الشّافعيّة فتركها غير‬
‫واجب‪ ،‬بل هو الفضل ‪ .‬وهكذا كلّ زيادة بين فرضين أو بين فرض وواجب يكون فيها ترك‬
‫واجب بسبب تلك الزّيادة ‪ ،‬ويلزم منها ترك واجب آخر ‪ ،‬وهو تأخير الفرض الثّاني عن‬
‫محلّه ‪ .‬ويدخل في الزّيادة السّكوت ‪ ،‬حتّى لو شكّ فتفكّر سجد للسّهو‬ ‫‪.‬‬

‫قال ابن عابدين ‪ :‬إنّ ترك هذه المذكورات واجب لغيره ‪ ،‬وهو إتيان كلّ واجب أو فرض في‬
‫ن ذلك الواجب ل يتحقّق إلّ بترك هذه المذكورات ‪ ،‬فكان تركها واجبا لغيره ‪،‬‬
‫محلّه ‪ ،‬فإ ّ‬
‫لنّه يلزم من الخلل بهذا الواجب الخلل بذاك الواجب فهو نظير عدّهم من الفرائض‬
‫النتقال من ركن إلى ركن فإنّه فرض لغيره‬ ‫‪.‬‬
‫وبقي من واجبات الصّلة ‪ :‬قراءة قنوت الوتر ‪ ،‬وتكبيرات العيدين ‪ ،‬والجهر والسرار فيما‬
‫يجهر فيه ويسرّ ‪ .‬وتنظر في مصطلحاتها‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬واجبات الصّلة عند الحنابلة‬ ‫‪:‬‬

‫موسى ‪48 -‬‬ ‫تكبيرات النتقال في محلّها ‪ :‬ومحلّها ما بين بدء النتقال وانتهائه لحديث أبي‬
‫الشعريّ ‪ « :‬فإذا كبّر يعني المام وركع ‪ ،‬فكبّروا واركعوا ‪ ، ...‬وإذا كبّر وسجد ‪ ،‬فكبّروا‬
‫واسجدوا » وهذا أمر ‪ ،‬وهو يقتضي الوجوب ‪ ،‬ولو شرع المصلّي في التّكبير قبل انتقاله‬
‫كأن يكبّر للرّكوع أو السّجود قبل هويّه إليه ‪ ،‬أو كمّله بعد انتهائه بأن كبّر وهو راكع أو‬
‫وهو ساجد بعد انتهاء هويّه ‪ ،‬فإنّه ل يجزئه ذلك التّكبير ‪ ،‬لنّه لم يأت به في محلّه‬ ‫‪.‬‬

‫وإن شرع فيه قبله أو كمّله بعده فوقع بعضه خارجا منه فهو كتركه ‪ ،‬لنّه لم يكمله في‬
‫محلّه فأشبه من تعمّد قراءته راكعا أو أخذ في التّشهّد قبل قعوده‬ ‫‪.‬‬

‫قال البهوتيّ ‪ :‬هذا قياس المذهب ‪ ،‬ويحتمل أن يعفى عن ذلك ‪ ،‬لنّ التّحرّز يعسر ‪ ،‬والسّهو‬
‫به يكثر ففي البطال به والسّجود له مشقّة‬ ‫‪.‬‬

‫ويستثنى من ذلك تكبيرة ركوع مسبوق أدرك إمامه راكعا ‪ ،‬فكبّر للحرام ثمّ ركع معه فإنّ‬
‫تكبيرة الحرام ركن ‪ ،‬وتكبيرة الرّكوع هنا سنّة للجتزاء عنها بتكبيرة الحرام ‪ .‬قالوا ‪:‬‬
‫وإن نوى تكبيرة الرّكوع مع تكبيرة الحرام لم تنعقد صلته‬ ‫‪.‬‬

‫التّسميع‬ ‫‪:‬‬

‫لنّ ‪49 -‬‬ ‫وهو قول ‪ " :‬سمع اللّه لمن حمده " ‪ ،‬وهو واجب للمام والمنفرد دون المأموم ‪،‬‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يقول ذلك ‪ .‬ولقوله صلى ال عليه وسلم لبريدة « يا‬
‫بريدة ‪ ،‬إذا رفعت رأسك من الرّكوع فقل ‪ :‬سمع اللّه لمن حمده ‪ ،‬اللّهمّ ربّنا لك الحمد‬ ‫‪».‬‬

‫ويجب أن يأتي بها مرتّبةً ‪ ،‬فلو قال ‪ :‬من حمد اللّه سمع له ‪ ،‬لم يجزئه‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا المأموم فإنّه يحمد فقط في حال رفعه من الرّكوع ول يسمع ‪ ،‬لما روى أبو هريرة‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا قال يعني المام سمع اللّه لمن‬
‫رضي ال عنه أنّ النّب ّ‬
‫حمده ‪ ،‬فقولوا ‪ :‬ربّنا ولك الحمد‬ ‫‪».‬‬

‫التّحميد‬ ‫‪:‬‬

‫أنس ‪50 -‬‬ ‫وهو قول ‪ " :‬ربّنا ولك الحمد " وهو واجب على المام والمأموم والمنفرد ‪ .‬لحديث‬
‫وأبي هريرة المتقدّم ‪ ،‬ويجزئه أن يقول ‪ :‬ربّنا لك الحمد بل واو‬ ‫‪.‬‬

‫وبالواو أفضل ‪ ،‬كما يجزئه أن يقول ‪ " :‬اللّهمّ ربّنا لك الحمد " بل واو‬ ‫‪.‬‬

‫وأفضل منه مع الواو ‪ ،‬فيقول ‪ " :‬اللّهمّ ربّنا ولك الحمد‬ ‫‪".‬‬

‫التّسبيح في الرّكوع‬ ‫‪:‬‬


‫أنّه ‪51 -‬‬ ‫وهو قول ‪ « :‬سبحان ربّي العظيم " والواجب منه مرّة واحدة ‪ ،‬لما روى حذيفة «‬
‫ي صلى ال عليه وسلم فكان يقول في ركوعه ‪ :‬سبحان ربّي العظيم ‪ .‬وفي‬
‫صلّى مع النّب ّ‬
‫سجوده ‪ :‬سبحان ربّي العلى‬ ‫‪».‬‬

‫ي صلى ال‬
‫سمِ رَبّكَ ا ْل َعظِي ِم } قال النّب ّ‬
‫وعن عقبة بن عامر قال ‪ « :‬لمّا نزلت { َفسَ ّبحْ بِا ْ‬
‫ك الْأَعْلَى } قال ‪ :‬اجعلوها‬
‫سمَ رَبّ َ‬
‫عليه وسلم ‪ :‬اجعلوها في ركوعكم ‪ .‬فلمّا نزلت { سَ ّبحِ ا ْ‬
‫في سجودكم‬ ‫‪».‬‬

‫التّسبيح في السّجود‬ ‫‪:‬‬

‫بن ‪52 -‬‬ ‫وهو قول ‪ " :‬سبحان ربّي العلى " ‪ ،‬والواجب منه مرّة واحدة لحديث حذيفة وعقبة‬
‫عامر المتقدّمين‬ ‫‪.‬‬

‫قول ‪ " :‬ربّ اغفر لي‬ ‫"‬

‫‪53 - ،‬‬ ‫في الجلوس بين السّجدتين ‪ :‬وهو واجب مرّةً واحدةً على المام والمأموم والمنفرد‬
‫ب اغفر لي »‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يقول بين السّجدتين ‪ :‬ر ّ‬
‫لما روى حذيفة « أ ّ‬
‫‪.‬قالوا ‪ :‬وإن قال ‪ " :‬ربّ اغفر لنا " أو " اللّهمّ اغفر لنا " فل بأس‬
‫التّشهّد الوّل‬ ‫‪:‬‬

‫نسيه ‪54 -‬‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم فعله وداوم على فعله وأمر به وسجد للسّهو حين‬
‫ن النّب ّ‬
‫لّ‬
‫‪ .‬قالوا ‪ :‬وهذا هو الصل المعتمد عليه في سائر الواجبات ‪ ،‬لسقوطها بالسّهو وانجبارها‬
‫ي ورحمة اللّه ‪،‬‬
‫بالسّجود ‪ ،‬والمجزئ من التّشهّد الوّل " التّحيّات للّه ‪ ،‬سلم عليك أيّها النّب ّ‬
‫ن محمّدا رسول اللّه ‪،‬‬
‫سلم علينا وعلى عباد اللّه الصّالحين ‪ ،‬أشهد أن ل إله إلّ اللّه ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن محمّدا عبده ورسوله " فمن ترك حرفا من ذلك عمدا لم تصحّ صلته ‪ ،‬للتّفاق عليه‬
‫أو أ ّ‬
‫في كلّ الحاديث‬ ‫‪.‬‬

‫الجلوس للتّشهّد الوّل‬ ‫‪:‬‬

‫الوّل‪55 - ،‬‬ ‫وهو واجب على غير من قام إمامه سهوا ولم ينبّه ‪ ،‬فيسقط عنه حينئذ التّشهّد‬
‫ويتابع إمامه وجوبا‬ ‫‪.‬‬

‫أنواع السّنن في الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫تأكّدها ‪56 -‬‬ ‫قسّم جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬سنن الصّلة باعتبار‬
‫وعدمه وما يترتّب على تركها إلى نوعين‬ ‫‪:‬‬

‫فقسّمها الحنفيّة إلى ‪ :‬سنن وآداب ‪ ،‬والمقصود بالسّنن ‪ :‬هي السّنن المؤكّدة الّتي واظب‬
‫عليها الرّسول صلى ال عليه وسلم أو الخلفاء الرّاشدون من بعده ‪ ،‬وتركها يوجب الساءة‬
‫‪ ،‬والثم إذا أصرّ على التّرك‬ ‫‪.‬‬
‫والداب ‪ :‬وهي السّنن غير المؤكّدة ‪ ،‬وتركها ل يوجب إساءةً ول عتابا لكن فعلها أفضل‬ ‫‪.‬‬

‫كما قسّمها المالكيّة إلى ‪ :‬سنن ومندوبات ‪ .‬فالسّنن ‪ :‬هي السّنن المؤكّدة‬ ‫‪.‬‬

‫والمندوبات ‪ :‬هي السّنن غير المؤكّدة ويسمّونها ‪ -‬أيضا ‪ -‬نوافل وفضائل ومستحبّات ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة تنقسم إلى ‪ :‬أبعاض ‪ ،‬وهيئات‬ ‫‪.‬‬

‫فالبعاض ‪ :‬هي السّنن المجبورة بسجود السّهو ‪ ،‬سواء تركها عمدا أو سهوا ‪ ،‬وسمّيت‬
‫أبعاضا لتأكّد شأنها بالجبر تشبيها بالبعض حقيقةً ‪ ،‬والهيئات ‪ :‬هي السّنن الّتي ل تجبر‬ ‫‪.‬‬

‫ولم يقسّمها الحنابلة بهذا العتبار وإنّما قسّموها باعتبار القول والفعل ‪ ،‬فهي تنقسم عندهم‬
‫إلى ‪ :‬سنن أقوال ‪ ،‬وسنن أفعال وهيئات‬ ‫‪.‬‬

‫سنن الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬رفع اليدين عند تكبيرة الحرام‬ ‫‪:‬‬

‫ابن ‪57 -‬‬ ‫اتّفق الفقهاء على أنّه يسنّ للمصلّي عند تكبيرة الحرام أن يرفع يديه ‪ ،‬لما روى‬
‫ن رسول صلى ال عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصّلة‬
‫عمر ‪ « :‬أ ّ‬ ‫‪».‬‬

‫وقد نقل ابن المنذر وغيره الجماع على ذلك ‪ .‬واختلفوا في كيفيّة الرّفع‬ ‫‪.‬‬

‫‪58 - ،‬‬ ‫فذهب الحنفيّة إلى أنّه يرفع يديه حذاء أذنيه حتّى يحاذي بإبهاميه شحمتي أذنيه‬
‫وبرءوس الصابع فروع أذنيه ‪ ،‬ويستقبل ببطون كفّيه القبلة ‪ ،‬وينشر أصابعه ويرفعهما ‪،‬‬
‫فإذا استقرّتا في موضع محاذاة البهامين شحمتي الذنين يكبّر ‪ ،‬فالرّفع يكون قبل التّكبير ‪.‬‬
‫وهذا في الرّجل ‪ ،‬أمّا المرأة فإنّها ترفع يديها حذاء المنكبين ‪ ،‬قالوا ‪ :‬ول يطأطئ المصلّي‬
‫رأسه عند التّكبير ‪ ،‬فإنّه بدعة‬ ‫‪.‬‬

‫ضمّ ‪ ،‬ول يفرّج كلّ التّفريج بل يتركها على‬


‫ولو رفع المصلّي يديه فإنّه ل يضمّ أصابعه كلّ ال ّ‬
‫ضمّ والتّفريج‬
‫ما كانت عليه بين ال ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وصرّحوا بأنّه لو كبّر ولم يرفع يديه حتّى فرغ من التّكبير لم يأت به ‪ ،‬وإن ذكره في أثناء‬
‫التّكبير رفع ‪ ،‬وإن لم يمكنه الرّفع إلى الموضع المسنون رفعهما قدر ما يمكن ‪ ،‬وإن أمكنه‬
‫رفع إحداهما دون الخرى رفعها وإن لم يمكنه الرّفع إلّ بزيادة على المسنون رفعهما‬ ‫‪.‬‬

‫كما صرّحوا بأنّه لو اعتاد المصلّي ترك رفع اليدين عند تكبيرة الحرام فإنّه يأثم ‪ ،‬وإثمه ل‬
‫لنفس التّرك ‪ ،‬بل لنّه استخفاف وعدم مبالة بسنّة واظب عليها النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫مدّة عمره ‪ .‬قال ابن عابدين ‪ :‬الستخفاف بمعنى التّهاون وعدم المبالة ‪ ،‬ل بمعنى‬
‫الستهانة والحتقار ‪ ،‬وإلّ كان كفرا‬ ‫‪.‬‬

‫قبل ‪59 -‬‬ ‫وذهب المالكيّة إلى أنّ المصلّي يرفع يديه عند شروعه في الحرام ‪ ،‬فيكره رفعهما‬
‫التّكبير أو بعده ‪ ،‬والرّفع يكون بحيث تكون ظهور يديه إلى السّماء وبطونهما إلى الرض‬
‫وبحيث ينتهي رفعهما إلى حذو المنكبين على المشهور ‪ ،‬وقيل ‪ :‬انتهاؤها إلى الصّدر ‪،‬‬
‫وقيل‪ :‬يرفعهما حذو الذنين ‪ ،‬وهما مقابلن للمشهور‬ ‫‪.‬‬

‫وتسمّى صفة هذا الرّفع عندهم صفة الرّاهب ‪ -‬وهي المذهب ‪ -‬ومقابله صفتان ‪ :‬صفة‬
‫الرّاغب ‪ :‬وهي بأن يجعل بطون يديه للسّماء ‪ ،‬وصفة النّابذ ‪ :‬وهي أن يحاذي بكفّيه منكبيه‬
‫قائمتين ورءوس أصابعهما ممّا يلي السّماء على صورة النّابذ للشّيء‬ ‫‪.‬‬

‫والدّليل على أنّ اليدين تكون حذو المنكبين في الرّفع ما في حديث ابن عمر ‪ « :‬من أنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫والدّليل على أنّها تكون حذو الصّدر ما في حديث وائل بن حجر قال ‪ « :‬رأيت أصحاب‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يرفعون أيديهم إلى صدورهم في افتتاح الصّلة‬ ‫‪».‬‬

‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬


‫والدّليل على كونها حذو الذنين حديث مالك بن الحويرث ‪ « :‬أ ّ‬
‫رفع يديه حتّى حاذى بهما أذنيه » وهذا في رفع الرّجل ‪ ،‬أمّا المرأة فدون ذلك إجماعا‬
‫ب كشفهما عند الحرام وإرسالهما بوقار فل يدفع بهما أمامه‬
‫عندهم‪ ،‬قالوا ‪ :‬ويستح ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ورفع اليدين عند المالكيّة من الفضائل على المعتمد وليس من السّنن‬ ‫‪.‬‬

‫« ‪60 -‬‬ ‫وعند الشّافعيّة يكون الرّفع حذو المنكبين ‪ ،‬لحديث ابن عمر ‪ -‬رضي ال عنهما ‪: -‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصّلة » قالوا ‪ :‬ومعنى‬
‫أنّ النّب ّ‬
‫حذو منكبيه ‪ :‬أن تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه ‪ ،‬وإبهاماه شحمتي أذنيه ‪ ،‬وراحتاه‬
‫ي ‪ :‬بل معناه كون رءوس أصابعه حذو منكبيه ‪ ،‬فإن لم يمكن الرّفع‬
‫منكبيه ‪ ،‬وقال الذرع ّ‬
‫إلّ بزيادة على المشروع أو نقص منه أتى بالممكن منهما ‪ ،‬فإن أمكنه التيان بكلّ منهما‬
‫فالزّيادة أولى ‪ ،‬لنّه أتى بالمأمور وزيادة‬ ‫‪.‬‬

‫فإن لم يمكنه رفع إحدى يديه رفع الخرى ‪ ،‬وأقطع الكفّين يرفع ساعديه ‪ ،‬وأقطع المرفقين‬
‫يرفع عضديه تشبيها برفع اليدين ‪ ،‬وزمن الرّفع يكون مع ابتداء التّكبير في الصحّ للتّباع‬
‫كما في الصّحيحين ‪ ،‬سواء انتهى التّكبير مع الحطّ أو ل‬ ‫‪.‬‬

‫وفي وجه ‪ :‬يرفع يديه قبل التّكبير ويكبّر مع ابتداء الرسال وينهيه مع انتهائه ‪ ،‬وقيل ‪:‬‬
‫يرفع غير مكبّر ‪ ،‬ثمّ يكبّر ويداه مرتفعتان ‪ ،‬فإذا فرغ أرسلهما من غير تكبير‬ ‫‪.‬‬

‫وإن ترك الرّفع حتّى شرع في التّكبير أتى به في أثنائه ل بعده لزوال سببه‬ ‫‪.‬‬

‫ببطونهما ‪61 -‬‬ ‫ومذهب الحنابلة ‪ :‬يرفع المصلّي يديه حذو منكبيه برءوسهما ‪ ،‬ويستقبل‬
‫القبلة ‪ ،‬وهذا إذا لم يكن للمصلّي عذر يمنعه من رفعهما ‪ ،‬أو رفع إحداهما إلى حذو‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫المنكبين‪ ،‬لما روى ابن عمر ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬قال ‪ « :‬كان النّب ّ‬
‫إذا قام إلى الصّلة رفع يديه حتّى يكونا حذو منكبيه ثمّ يكبّر » وتكون اليدان حال الرّفع‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫ممدودتي الصابع ‪ ،‬لحديث أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ « : -‬كان النّب ّ‬
‫وسلم إذا دخل في الصّلة يرفع يديه مدّا » مضمومةً ‪ ،‬لنّ الصابع إذا ضمّت تمتدّ ‪ ،‬ويكون‬
‫ابتداء الرّفع مع ابتداء التّكبير وانتهاؤه مع انتهائه ‪ ،‬لما روى وائل بن حجر أنّه ‪ « :‬رأى‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم يرفع يديه مع التّكبير » ولنّ الرّفع للتّكبير فكان معه ‪ ،‬وإذا‬
‫عجز عن رفع إحداهما رفع اليد الخرى ‪ .‬وللمصلّي أن يرفعهما أقلّ من حذو المنكبين ‪ ،‬أو‬
‫أكثر منه لعذر يمنعه لحديث ‪ « :‬إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم‬ ‫‪».‬‬

‫ويسقط ندب رفع اليدين مع فراغ التّكبير كلّه ‪ ،‬لنّه سنّة فات محلّها ‪ ،‬وإن نسيه في ابتداء‬
‫التّكبير ثمّ ذكره في أثنائه أتى به فيما بقي لبقاء محلّ الستحباب‬ ‫‪.‬‬

‫ن كشفهما أدلّ على المقصود ‪ ،‬وأظهر في الخضوع‬


‫والفضل أن تكون يداه مكشوفتين ‪ ،‬ل ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬القبض " وضع اليد اليمنى على اليسرى‬ ‫‪":‬‬

‫القبض ‪62 -‬‬ ‫ن من سنن الصّلة‬


‫ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أ ّ‬
‫‪ ،‬وهو ‪ :‬وضع اليد اليمنى على اليسرى‬ ‫‪.‬‬

‫وخالف في ذلك المالكيّة فقالوا ‪ :‬يندب الرسال وكراهة القبض في صلة الفرض‬ ‫‪.‬‬

‫‪94/ 3‬‬ ‫‪ ) .‬وجوّزوه في النّفل وقد سبق تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إرسال ‪ ،‬ف ‪، 4/‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء في كيفيّة القبض ‪ ،‬ومكان وضع اليدين‬ ‫‪.‬‬

‫كيفيّة القبض‬ ‫‪:‬‬

‫بيده ‪63 -‬‬ ‫فرّق الحنفيّة في كيفيّة القبض بين الرّجل والمرأة ‪ ،‬فذهبوا إلى أنّ الرّجل يأخذ‬
‫اليمنى رسغ اليسرى بحيث يحلّق الخنصر والبهام على الرّسغ ويبسط الصابع الثّلث‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الكاسانيّ ‪ :‬يحلّق إبهامه وخنصره وبنصره ويضع الوسطى والمسبّحة على معصمه ‪،‬‬
‫وأمّا المرأة فإنّها تضع الكفّ على الكفّ وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه يقبض بيده اليمنى‬
‫ي صلى ال عليه وسلم وضع اليمنى على اليسرى‬
‫على كوع اليسرى ‪ « ،‬لنّ النّب ّ‬ ‫‪».‬‬

‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يقبض بكفّه اليمنى على كوع اليسرى والرّسغ وبعض السّاعد ‪ ،‬ويبسط‬
‫أصابعها في عرض المفصل أو ينشرها صوب السّاعد ‪ ،‬لما روى وائل بن حجر قال ‪« :‬‬
‫قلت لنظرنّ إلى صلة رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كيف يصلّي فنظرت إليه وضع يده‬
‫اليمنى على ظهر كفّه اليسرى والرّسغ والسّاعد‬ ‫‪».‬‬

‫مكان الوضع‬ ‫‪:‬‬

‫أن ‪64 -‬‬ ‫ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّ مكان وضع اليدين تحت السّرّة ‪ ،‬فيسنّ للمصلّي‬
‫يضعهما تحت سرّته ‪ ،‬لقول عليّ ‪ -‬رضي ال عنه ‪ « : -‬من السّنّة وضع الكفّ على الكفّ‬
‫تحت السّرّة‬ ‫‪».‬‬
‫قال الحنابلة ‪ :‬ومعنى وضع كفّه اليمن على كوعه اليسر وجعلها تحت سرّته أنّ فاعل ذلك‬
‫ذو ذلّ بين يدي ذي ع ّز ‪ ،‬ونقلوا نصّ المام أحمد على كراهة جعل يديه على صدره‬ ‫‪.‬‬

‫لكن الحنفيّة خصّوا هذا بالرّجل ‪ ،‬أمّا المرأة فتضع يدها على صدرها عندهم‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يسنّ وضع اليدين تحت الصّدر وفوق السّرّة ‪ ،‬وهو مذهب المالكيّة‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫في القبض في النّفل ‪ ،‬لحديث وائل بن حجر ‪ « :‬صلّيت مع النّب ّ‬
‫ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره‬ ‫‪».‬‬

‫قالوا ‪ :‬أي آخره فتكون اليد تحته بقرينة رواية « تحت صدره » ‪ ،‬والحكمة في جعلهما‬
‫تحت صدره ‪ :‬أن يكون فوق أشرف العضاء وهو القلب ‪ ،‬فإنّه تحت الصّدر‬ ‫‪.‬‬

‫قال المام ‪ :‬والقصد من القبض المذكور تسكين الجوارح ‪ ،‬فإن أرسلهما ولم يعبث بهما‬
‫ص عليه في المّ‬
‫فل بأس ‪ ،‬كما ن ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ج ‪ -‬دعاء الستفتاح والتّعوّذ والبسملة‬ ‫‪:‬‬

‫دعاء ‪65 -‬‬ ‫ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أنّ من سنن الصّلة‬
‫الستفتاح بعد تكبيرة الحرام ‪ .‬لحديث عائشة ‪ -‬رضي ال تعالى عنها ‪ -‬قالت ‪ « :‬كان‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إذا استفتح الصّلة قال ‪ :‬سبحانك اللّهمّ وبحمدك ‪ ،‬وتبارك‬
‫ي بن أبي طالب ‪ -‬رضي ال تعالى‬
‫اسمك ‪ ،‬وتعالى جدّك ول إله غيرك » ‪ ،‬ولما رواه عل ّ‬
‫عنه ‪ -‬عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم « أنّه كان إذا قام للصّلة قال ‪ :‬وجّهت وجهي‬
‫للّذي فطر السّموات والرض حنيفا وما أنا من المشركين ‪ .‬إنّ صلتي ونسكي ومحياي‬
‫ومماتي للّه ربّ العالمين ‪ .‬ل شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ‪ .‬اللّهمّ أنت الملك ل‬
‫إله إلّ أنت ‪ .‬أنتَ ربّي وأنا عبدُك ‪ .‬ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا ‪،‬‬
‫إنّه ل يغفر الذّنوب إلّ أنت ‪ ،‬واهدني لحسن الخلق ل يهدي لحسنها إ ّل أنت ‪ .‬واصرف‬
‫عنّي سيّئها ل يصرف عنّي سيّئها إلّ أنت ‪ .‬لبّيك وسعديك والخير كلّه بيديك ‪ ،‬والشّرّ ليس‬
‫إليك ‪ ،‬أنا بك وإليك ‪ ،‬تباركت وتعاليت وأستغفرك وأتوب إليك‬ ‫‪».‬‬

‫وقد ورد في السّنّة الصّحيحة صيغ كثيرة في دعاء الستفتاح غير هاتين الصّيغتين‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب المالكيّة إلى كراهة دعاء الستفتاح ‪ ،‬لحديث أبي هريرة ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪-‬‬
‫« كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وأبو بكر وعمر ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬يفتتحون‬
‫الصّلة بالحمد للّه ربّ العالمين » وحديث ‪ « :‬المسيء صلته » وليس فيه استفتاح‬ ‫‪.‬‬

‫‪46‬‬ ‫‪ ) .‬وتفصيل الكلم على دعاء الستفتاح في مصطلح ‪ :‬استفتاح ( ‪/ 4‬‬


‫أمّا التّعوّذ بعد دعاء الستفتاح وقبل القراءة فهو سنّة عند جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة‬
‫ن الشّ ْيطَانِ‬
‫ت الْقُرْآنَ فَاسْ َتعِذْ بِالّلهِ مِ َ‬
‫والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬لقوله تعالى ‪ {:‬فَإِذَا قَ َرأْ َ‬
‫ال ّرجِيمِ }‪ .‬وذهب المالكيّة إلى كراهته في الفرض دون النّفل وتفصيله في مصطلح ‪:‬‬
‫‪11/ 4‬‬ ‫وما بعدها‬ ‫‪18/‬‬ ‫‪ ( ) .‬استعاذة ‪ ،‬ف‬
‫‪86/ 8‬‬ ‫‪).‬أمّا البسملة فللفقهاء في حكمها خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ‪ :‬بسملة( ف ‪/ 5‬‬
‫د ‪ -‬قراءة شيء من القرآن بعد الفاتحة‬ ‫‪:‬‬

‫يقرأ ‪66 -‬‬ ‫ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أنّه يسنّ للمصلّي أن‬
‫شيئا من القرآن بعد الفاتحة‬ ‫‪.‬‬

‫وقد اختلفوا في القراءة الّتي يحصل بها أصل السّنّة ‪ ،‬فذهب المالكيّة إلى حصول السّنّة‬
‫بقراءة ما زاد على الفاتحة ‪ ،‬ولو آيةً ‪ -‬سواء كانت طويلةً أم قصير ًة ك { مُدْهَامّتَانِ } ‪-‬‬
‫كما تحصل السّنّة بقراءة بعض آية على أن يكون لها معنىً تامّ في كلّ ركعة بانفرادها ‪،‬‬
‫ب أن يقرأ سور ًة كاملةً‬
‫والمستح ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى حصول السّنّة بقراءة آية واحدة ‪ ،‬واستحبّ المام أحمد أن‬
‫تكون الية طويلةً ‪ :‬كآية الدّين وآية الكرسيّ لتشبه بعض السّور القصار‬ ‫‪.‬‬

‫ظرَ } ‪ ،‬أو {‬
‫قال البهوتيّ ‪ :‬والظّاهر عدم إجزاء آية ل تستقلّ بمعنىً أو حكم نحو { ُثمّ َن َ‬
‫مُدْهَامّتَانِ‬ ‫‪}.‬‬

‫قال الشّافعيّة ‪ :‬والولى أن تكون ثلث آيات لتكون قدر أقصر سورة‬ ‫‪.‬‬

‫ول خلف بينهم في أنّ السّورة الكاملة أفضل ‪ ،‬وأنّه ل تجزئه السّورة ما لو قرأها قبل‬
‫الفاتحة ‪ ،‬لعدم وقوعها موقعها‬ ‫‪.‬‬

‫وصرّح الشّافعيّة ‪ :‬بأنّه ل يجزئه تكرار الفاتحة عن السّورة ‪ ،‬لنّه خلف ما ورد في‬
‫ن الشّيء الواحد ل يؤدّى به فرض ونفل في محلّ واحد ‪ ،‬إلّ إذا كان ل يحسن‬
‫السّنّة ‪ ،‬ول ّ‬
‫غير الفاتحة وأعادها فإنّه يتّجه ‪ -‬كما قال الذرعيّ ‪ -‬الجزاء‬ ‫‪.‬‬

‫وقد اتّفق الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬على أنّه يسنّ للمصلّي أن‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫يقرأ في صلة الصّبح بطوال المفصّل ‪ .‬لحديث جابر بن سمرة « أنّ النّب ّ‬
‫ن ا ْل َمجِيدِ } ونحوها ‪ ،‬وكانت صلته بعد تخفيفا‬
‫وسلم كان يقرأ في الفجر ب { ق وَا ْلقُرْآ ِ‬ ‫‪».‬‬

‫وهو مذهب الحنفيّة في الظّهر فيسنّ عندهم للمصلّي أن يقرأ في الظّهر بطوال المفصّل ‪،‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان‬
‫لحديث أبي سعيد الخدريّ ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ « -‬أ ّ‬
‫يقرأ في صلة الظّهر في الرّكعتين الوليين في كلّ ركعة قدر ثلثين‬ ‫‪».‬‬

‫ن القراءة في الظّهر تكون دون قراءة الفجر قليلً‬


‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬يقرأ في الصّبح من أطول طوال المفصّل ‪ ،‬وفي الظّهر من أقصر طوال‬
‫المفصّل‬ ‫‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه يقرأ في الظّهر من أوساط المفصّل ‪ ،‬لما روي أنّ عمر كتب إلى أبي‬
‫موسى " أن اقرأ في الصّبح بطوال المفصّل ‪ ،‬واقرأ في الظّهر بأوساط المفصّل ‪ ،‬واقرأ في‬
‫المغرب بقصار المفصّل ‪ .‬وأمّا صلة العصر ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه‬
‫يقرأ فيها بأوساط المفصّل ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬يقرأ فيها بقصار المفصّل‬ ‫‪.‬‬

‫واتّفقوا على أنّه يقرأ في المغرب بقصار المفصّل وفي العشاء بأوساطه ‪ ،‬لما روى سليمان‬
‫بن يسار عن أبي هريرة قال ‪ « :‬ما صلّيت وراء أحد أشبه صل ًة برسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم من فلن ‪ .‬قال سليمان ‪ :‬كان يطيل الرّكعتين الوليين في الظّهر ‪ ،‬ويخفّف‬
‫الخريين ‪ ،‬ويخفّف العصر ‪ ،‬ويقرأ في المغرب بقصار المفصّل ‪ ،‬ويقرأ في العشاء بأوساط‬
‫المفصّل ‪ ،‬ويقرأ في الصّبح بطوال المفصّل‬ ‫‪».‬‬

‫واختلف في بيان المفصّل طواله وأوساطه وقصاره‬ ‫‪.‬‬

‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬سورة ‪ ،‬وقراءة‬ ‫)‬

‫محلّ القراءة‬ ‫‪:‬‬

‫الفرض‪67 - ،‬‬ ‫اتّفق الفقهاء على أنّ محلّ القراءة المسنونة هو الرّكعتان الوليان من صلة‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يقرأ في‬
‫لحديث أبي قتادة ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ « -‬أ ّ‬
‫الرّكعتين الوليين من الظّهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة ‪ ،‬ويسمعنا الية أحيانا ‪ ،‬ويقرأ‬
‫في الرّكعتين الخريين بفاتحة الكتاب‬ ‫‪».‬‬

‫ن السّورة في الفرض الوقتيّ المتّسع وقته ‪ ،‬أمّا إذا ضاق الوقت‬


‫قال المالكيّة ‪ :‬وإنّما تس ّ‬
‫بحيث يخشى خروجه بقراءتها فإنّه يجب عليه ترك القراءة محافظةً على الوقت‬ ‫‪.‬‬

‫وانظر تفصيل محلّ القراءة في صلة النّفل في مصطلح ‪ ( :‬صلة التّطوّع ) وقراءة المأموم‬
‫في ( صلة الجماعة‬ ‫‪).‬‬

‫كما يسنّ تطويل القراءة في الرّكعة الولى على الثّانية في الصّلوات المفروضة عند جمهور‬
‫الفقهاء " المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬ومحمّد بن الحسن‬ ‫‪".‬‬

‫ن إطالة الرّكعة الولى على الرّكعة الثّانية في صلة الفجر‬


‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه إنّما تس ّ‬
‫فقط دون بقيّة الصّلوات المفروضة ‪ ،‬فل تسنّ إطالتها‬ ‫‪.‬‬

‫هـ – التّأمين‬ ‫‪:‬‬

‫مرفوعا ‪68 -‬‬ ‫اتّفق الفقهاء على أنّ التّأمين بعد قراءة الفاتحة سنّة ‪ ،‬لحديث أبي هريرة‬ ‫‪:‬‬

‫قوله «‬ ‫إذا قال المام ‪ { :‬غَيرِ المَغضُوبِ عَلَي ِهمْ َولَ الضّالّينَ } فقولوا آمين ‪ .‬فإنّه من وافق‬
‫قول الملئكة غفر ما تقدّم له من ذنبه‬ ‫‪».‬‬
‫وقد صرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّ المصلّي يأتي بالتّأمين بعد سكتة لطيفة ليتميّز عن‬
‫القراءة‪ ،‬فيعلم أنّها ليست من القرآن ‪ ،‬وإنّما هي طابع الدّعاء‬ ‫‪.‬‬

‫وقالوا ‪ :‬ل يفوت التّأمين إلّ بالشّروع في غيره ‪ ،‬فإن ترك المصلّي التّأمين حتّى شرع في‬
‫قراءة السّورة لم يعد إليه ‪ ،‬لنّه سنّة فات محلّها ‪ ،‬وعند الشّافعيّة قول بفواته بالرّكوع‬ ‫‪.‬‬

‫ن التّأمين سنّة للمصلّي ‪ -‬عموما ‪ -‬سواء كان إماما أو مأموما أو منفردا ‪ ،‬واستثنى‬
‫ثمّ إ ّ‬
‫المالكيّة من ذلك المام في الصّلة الجهريّة ‪ ،‬فإنّه ل يندب له التّأمين ‪ ،‬وكذا المأموم إن لم‬
‫يسمع إمامه يقول ‪َ { :‬و َل الضّالّينَ } وإن سمع ما قبله ‪ ،‬ونصّوا على كراهته حينئذ ول‬
‫يتحرّى على الظهر ‪ ،‬لنّه لو تحرّى لربّما أوقعه في غير موضعه ‪ ،‬ولربّما صادف آية‬
‫عذاب‪ ،‬ومقابله يتحرّى ‪ ،‬وهو قول ابن عبدوس‬ ‫‪.‬‬

‫والسّنّة عند الحنفيّة والمالكيّة أن يأتي المصلّي بالتّأمين سرّا سواء كان إماما أم مأموما أم‬
‫منفردا ‪ ،‬فالتيان بالتّأمين سنّة ‪ ،‬والسرار بها سنّة أخرى ‪ ،‬قال الحنفيّة ‪ :‬وعلى هذا‬
‫فتحصل سنّيّة التيان بها ولو مع الجهر بها‬ ‫‪.‬‬

‫قال المالكيّة ‪ :‬لنّه دعاء ‪ ،‬والصل فيه الخفاء‬ ‫‪.‬‬

‫ن المام والمأموم والمنفرد يجهرون بالتّأمين في الصّلة‬


‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫الجهريّة ويسرّون به في الصّلة السّرّيّة‬ ‫‪.‬‬

‫وصرّحوا ‪ :‬بأنّه إذا ترك المام التّأمين ‪ ،‬أو أسرّه عمدا أو سهوا أتى به المأموم ليذكّره‬
‫فيأتي به‬ ‫‪.‬‬

‫و ‪ -‬تكبيرات النتقال‬ ‫‪:‬‬

‫سنّة ‪69 -‬‬ ‫ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬إلى أنّ تكبيرات النتقال‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لم يأمره‬
‫من سنن الصّلة ‪ ،‬لحديث ‪ « :‬المسيء صلته » فإنّ النّب ّ‬
‫بتكبيرات النتقالت وأمره بتكبيرة الحرام‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا الحنابلة فيرون أنّ تكبيرات النتقال من الواجبات ‪ .‬وينظر مصطلح ‪ ( :‬تكبير ) ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬هيئة الرّكوع المسنونة‬ ‫‪:‬‬

‫أن ‪70 -‬‬ ‫أقلّ الواجب في الرّكوع ‪ :‬أن ينحني قدر بلوغ راحتيه ركبتيه ‪ ،‬وكمال السّنّة فيه ‪:‬‬
‫يسوّي ظهره وعنقه وعجزه ‪ ،‬وينصب ساقيه وفخذيه ‪ ،‬ويأخذ ركبتيه بيديه معتمدا باليدين‬
‫على الرّكبتين ‪ ،‬مفرّقا أصابعه ‪ ،‬ويجافي مرفقيه عن جنبيه‬ ‫‪.‬‬

‫لحديث عقبة بن عمرو ‪ « :‬أنّه ركع فجافى يديه ‪ ،‬ووضع يديه على ركبتيه ‪ ،‬وفرّج بين‬
‫أصابعه من وراء ركبتيه وقال ‪ :‬هكذا رأيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يصلّي‬ ‫‪».‬‬
‫وزاد الحنفيّة ‪ :‬إلصاق الكعبين ‪ ،‬ثمّ إنّهم خصّوا هذه الهيئة بالرّجل ‪ ،‬أمّا المرأة فتنحني في‬
‫الرّكوع يسيرا ‪ ،‬ول تفرّج ‪ ،‬ولكن تضمّ وتضع يديها على ركبتيها وضعا ‪ ،‬وتحني ركبتيها ‪،‬‬
‫ول تجافي عضديها ‪ ،‬لنّ ذلك أستر لها‬ ‫‪.‬‬

‫وهو واجب عند الحنابلة ‪ ،‬وسبق تفصيل هيئات الرّكوع وأذكاره في مصطلح ‪ ( :‬ركوع‬ ‫‪).‬‬

‫ح ‪ -‬التّسميع والتّحميد‬ ‫‪:‬‬

‫الرّفع ‪71 -‬‬ ‫ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬إلى سنّيّة التّسميع عند‬
‫من الرّكوع ‪ ،‬والتّحميد عند الستواء قائما‬ ‫‪.‬‬

‫والسّنّة عند المالكيّة التّسميع فقط ‪ ،‬أمّا التّحميد فهو مندوب عندهم‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الحنابلة إلى وجوب التّسميع والتّحميد ‪ ،‬كما سبق بيانه في واجبات الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫ثمّ إنّ الفقهاء اختلفوا في المصلّي الّذي يسنّ له التّسميع والتّحميد‬ ‫‪.‬‬

‫ن المام يسمّع فقط ‪ ،‬والمأموم يحمد فقط ‪ ،‬والمنفرد يجمع‬


‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أ ّ‬
‫بينهما ‪ ،‬فل يحمد المام ول يسمّع المأموم ‪ ،‬لما روى أبو هريرة ‪ -‬رضي ال تعالى عنه‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا قال المام ‪ :‬سمع اللّه لمن حمده ‪ ،‬فقولوا ‪:‬‬
‫‪ -‬أنّ النّب ّ‬
‫ربّنا لك الحمد » فالنّبيّ صلى ال عليه وسلم قسم بينهما ‪ ،‬والقسمة تنافي الشّركة‬ ‫‪.‬‬

‫قال المالكيّة ‪ :‬فالمام مخاطب بسنّة فقط ‪ ،‬والمأموم مخاطب بمندوب فقط ‪ ،‬والفذّ مخاطب‬
‫ن المام يجمع بين التّسميع والتّحميد‬
‫بسنّة ومندوب وخالف صاحبا أبي حنيفة ‪ ،‬فذهبا إلى أ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم كان يجمع‬
‫لحديث أبي هريرة ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ « -‬أنّ النّب ّ‬
‫بينهما » ‪ ،‬ولنّه حرّض غيره فل ينسى نفسه ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬المتون على قول المام‬
‫‪ .‬وصرّحوا بأنّ أفضل صيغ التّحميد ‪ :‬اللّهمّ ربّنا ولك الحمد ‪ ،‬قال الحنفيّة ‪ :‬ثمّ اللّهمّ ربّنا‬
‫لك الحمد ‪ ،‬ثمّ ربّنا ولك الحمد ‪ ،‬ثمّ ربّنا لك الحمد‬ ‫‪.‬‬

‫وصيغة اللّهمّ ربّنا ولك الحمد هي ما اختاره المام مالك وابن القاسم ‪ ،‬وروى أشهب عن‬
‫مالك ‪ :‬اللّهمّ ربّنا لك الحمد ‪ ،‬وعنده رواية ثالثة ‪ :‬ربّنا ولك الحمد ‪ ،‬ورابعة ‪ :‬ربّنا لك‬
‫ن التّسميع والتّحميد سنّة للجميع ‪ :‬المام والمأموم والمنفرد‬
‫الحمد‪ .‬وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وصرّحوا بأنّ أفضل صيغ التّحميد ربّنا لك الحمد ‪ ،‬لورود السّنّة به‬ ‫‪.‬‬

‫ي ‪ ،‬أي لنّه جمع معنيين‬


‫ي الخطيب ‪ :‬لكن قال في المّ ‪ :‬ربّنا ولك الحمد أحبّ إل ّ‬
‫قال الشّربين ّ‬
‫‪ :‬الدّعاء والعتراف ‪ .‬أي ربّنا استجب لنا ‪ ،‬ولك الحمد على هدايتك إيّانا‬ ‫‪.‬‬

‫قالوا ‪ :‬ولو قال ‪ :‬من حمد اللّه سمع له كفى في تأدية أصل السّنّة ‪ ،‬لنّه أتى باللّفظ‬
‫والمعنى‪ ،‬لكن التّرتيب أفضل‬ ‫‪.‬‬
‫ن التّسميع واجب على المام والمنفرد دون المأموم ‪ ،‬والتّحميد واجب‬
‫ومذهب الحنابلة أ ّ‬
‫على الجميع ‪ -‬إمام ومأموم ومنفرد ‪ -‬وأفضل صيغ التّحميد عندهم ‪ :‬ربّنا ولك الحمد ‪ ،‬ثمّ‬
‫ربّنا لك الحمد ‪ .‬قالوا ‪ :‬وإن شاء قال ‪ :‬اللّهمّ ربّنا لك الحمد ‪ ،‬وأفضل منه ‪ :‬اللّهمّ ربّنا ولك‬
‫الحمد ‪ ،‬ولو قال ‪ :‬من حمد اللّه سمع له لم يجزئه ‪ ،‬لتغيير المعنى‬ ‫‪.‬‬

‫الذكار الواردة في الستواء بعد الرّفع من الرّكوع‬ ‫‪:‬‬

‫السّموات ‪72 -‬‬ ‫صرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّه يسنّ للمصلّي بعد التّحميد أن يقول ‪ " :‬ملء‬
‫وملء الرض وملء ما شئت من شيء بعد " لما روى عبد اللّه بن أبي أوفى قال ‪ « :‬كان‬
‫ي صلى ال عليه وسلم إذا رفع رأسه من الرّكوع قال ‪ :‬سمع اللّه لمن حمده ‪ ،‬اللّهمّ‬
‫النّب ّ‬
‫ربّنا لك الحمد ‪ ،‬ملء السّموات ‪ ،‬وملء الرض وملء ما شئت من شيء بعد‬ ‫‪».‬‬

‫وله أن يزيد ‪ " :‬أهل الثّناء والمجد أحقّ ما قال العبد ‪ ،‬وكلّنا لك عبد ‪ ،‬ل مانع لما أعطيت‬
‫ول معطي لما منعت ‪ ،‬ول ينفع ذا الجدّ منك الجدّ " ‪ ،‬لما روى أبو سعيد الخدريّ قال ‪« :‬‬
‫كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إذا رفع رأسه من الرّكوع ‪ .‬قال اللّهمّ ربّنا لك الحمد‬
‫ق ما قال‬
‫ملء السّموات والرض وملء ما شئت من شيء بعد ‪ ،‬أهل الثّناء والمجد ‪ .‬أح ّ‬
‫العبد ‪ -‬وكلّنا لك عبد ‪ -‬اللّهمّ ل مانع لما أعطيت ‪ ،‬ول معطي لما منعت ‪ ،‬ول ينفع ذا الجدّ‬
‫‪» .‬منك الجدّ‬
‫ن له أن يقول غير ذلك ممّا ورد ‪ ،‬كما جاء في حديث عبد اللّه بن أبي‬
‫ونصّ الحنابلة بأ ّ‬
‫أوفى « عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم يقول ‪ ،‬وفي لفظ ‪ :‬يدعو إذا رفع رأسه من الرّكوع‬
‫اللّهمّ لك الحمد ملء السّماء وملء الرض ‪ ،‬وملء ما شئت من شيء بعد ‪ .‬اللّهمّ طهّرني‬
‫بالثّلج والبرد والماء البارد ‪ .‬اللّهمّ طهّرني من الذّنوب والخطايا ‪ ،‬كما ينقّى الثّوب البيض‬
‫من الوسخ‬ ‫‪».‬‬

‫وصرّح الشّافعيّة باستحباب زيادة ‪ :‬حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه ‪ .‬لحديث رفاعة بن رافع‬
‫قال‪ « :‬كنّا نصلّي يوما وراء النّبيّ صلى ال عليه وسلم فلمّا رفع رأسه من الرّكعة قال ‪:‬‬
‫سمع اللّه لمن حمده ‪ ،‬قال رجل وراءه ‪ :‬ربّنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه ‪ .‬فلمّا‬
‫انصرف قال ‪ :‬من المتكلّم ؟ قال ‪ :‬أنا ‪ ،‬قال ‪ :‬لقد رأيت بضعةً وثلثين ملكا يبتدرونها أيّهم‬
‫يكتبها أوّل‬ ‫‪».‬‬

‫ح م ‪ -‬رفع اليدين عند الرّكوع والرّفع منه ‪ ،‬والقيام للرّكعة الثّالثة‬ ‫‪:‬‬

‫من ‪73 -‬‬ ‫اختلف الفقهاء في مشروعيّة رفع اليدين عند الرّكوع والرّفع منه ‪ ،‬وعند القيام‬
‫التّشهّد الوّل للرّكعة الثّالثة ‪ ،‬فاتّفق الشّافعيّة والحنابلة على مشروعيّة رفع اليدين عند‬
‫الرّكوع والرّفع منه ‪ ،‬وأنّه من سنن الصّلة ‪ ،‬لما روى ابن عمر ‪ -‬رضي ال تعالى عنهما‬
‫‪ -‬قال ‪ « :‬رأيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إذا قام في الصّلة رفع يديه حتّى يكونا‬
‫حذو منكبيه ‪ ،‬وكان يفعل ذلك حين يكبّر للرّكوع ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الرّكوع‬ ‫‪».‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم كانوا يفعلون ذلك‬


‫وعن الحسن ‪ « :‬أنّ أصحاب النّب ّ‬ ‫‪».‬‬

‫ل ل يرفع يديه حصّبه ‪ ،‬وأمره أن يرفع ‪.‬‬


‫وكان عمر " إذا رأى رج ً‬
‫قال البخاريّ ‪ :‬رواه سبعة عشر من الصّحابة ‪ ،‬ولم يثبت عن أحد منهم عدم الرّفع‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم من رواية خمسين صحابيّا ‪.‬‬


‫وقال السّيوطيّ ‪ :‬الرّفع ثابت عن النّب ّ‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يندب رفع اليدين عند القيام من التّشهّد للرّكعة الثّالثة ‪ ،‬وهي رواية‬
‫ن ابن عمر كان إذا دخل في الصّلة كبّر ورفع يديه ‪،‬‬
‫عن المام أحمد ‪ ،‬لما روى نافع ‪ « :‬أ ّ‬
‫وإذا ركع رفع يديه ‪ ،‬وإذا قال سمع اللّه لمن حمده رفع يديه ‪ ،‬وإذا قام من الرّكعتين رفع‬
‫يديه ‪ .‬ورفع ذلك ابن عمر إلى نبيّ اللّه صلى ال عليه وسلم‬ ‫‪».‬‬

‫والرّواية الثّانية عن أحمد هي عدم الرّفع ‪ .‬قال في النصاف ‪ :‬وهو المذهب ‪ ،‬وعليه‬
‫جماهير الصحاب وقطع به كثير منهم‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى عدم مشروعيّة رفع اليدين إلّ عند تكبيرة الحرام ‪ ،‬فل يشرع‬
‫رفعهما عند الرّكوع أو الرّفع منه ‪ ،‬أو القيام للثّالثة ‪ .‬لحديث البراء ‪ -‬رضي ال تعالى‬
‫عنه‪ -‬أنّه قال ‪ « :‬رأيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يرفع يديه حين افتتح الصّلة ‪ ،‬ثمّ‬
‫لم يرفعهما حتّى انصرف » وعن جابر بن سمرة قال ‪ « :‬خرج علينا رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم فقال ‪ :‬مالي أراكم رافعي أيديكم كأنّها أذناب خيل شمس ‪ ،‬اسكنوا في الصّلة »‬
‫ي صلى‬
‫وقال عبد اللّه بن مسعود ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ « : -‬أل أصلّي بكم صلة النّب ّ‬
‫ال عليه وسلم فصلّى ولم يرفع يديه إلّ في أوّل مرّة‬ ‫‪».‬‬

‫ط ‪ -‬كيفيّة ال ُه ِويّ للسّجود والنّهوض منه‬ ‫‪:‬‬

‫إلى ‪74 -‬‬ ‫ن عند الهويّ‬


‫ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أنّه يس ّ‬
‫السّجود أن يضع المصلّي ركبتيه أ ّولً ‪ ،‬ثمّ يديه ‪ ،‬ثمّ جبهته وأنفه ‪ ،‬لما روى وائل بن حجر‬
‫رضي ال عنه قال ‪ « :‬رأيت النّبيّ صلى ال عليه وسلم إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه ‪،‬‬
‫ي ‪ :‬والعمل عليه عند أكثرهم‬
‫وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه » قال التّرمذ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ولنّ هذه الكيفيّة أرفق بالمصلّي ‪ .‬وأحسن في الشّكل ورأي العين‬ ‫‪.‬‬

‫والمعتمد عند الحنفيّة أنّه يضع جبهته ثمّ أنفه ‪ ،‬وقال بعضهم ‪ :‬أنفه ثمّ جبهته‬ ‫‪.‬‬

‫وعند النّهوض من السّجود يسنّ العكس عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬وذلك بأن يرفع جبهته أ ّولً‬
‫ثمّ يديه ث ّم ركبتيه لحديث وائل بن حجر المتقدّم‬ ‫‪.‬‬
‫سمَنٍ‬
‫ضعْفٍ أو مرض ‪ ،‬أو ِ‬
‫قال الحنابلة ‪ :‬إ ّل أن يشقّ عليه العتماد على ركبتيه ‪ِ ،‬لكِبَر أو َ‬
‫ونحوه ‪ ،‬فيعتمد بالرض ‪ ،‬لما روى الثرم عن عليّ قال ‪ « :‬من السّنّة في الصّلة المكتوبة‬
‫إذا نهض أن ل يعتمد بيديه على الرض إلّ أن يكون شيخا كبيرا ل يستطيع‬ ‫‪».‬‬

‫ن أن يعتمد في قيامه من السّجود على يديه ‪ ،‬مبسوطتين على‬


‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يس ّ‬
‫الرض ‪ ،‬لنّه أبلغ خشوعا وتواضعا ‪ ،‬وأعون للمصلّي ‪ ،‬وسواء في ذلك القويّ والضّعيف‬
‫‪ .‬وذهب المالكيّة إلى ندب تقديم اليدين عند الهُويّ إلى السّجود ‪ ،‬وتأخيرهما عند القيام ‪،‬‬
‫لما روى أبو هريرة مرفوعا ‪ « :‬إذا سجد أحدكم فل يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل‬
‫ركبتيه‬ ‫‪».‬‬

‫قالوا ‪ :‬ومعناه أنّ المصلّي ل يقدّم ركبتيه عند هويّه للسّجود كما يقدّمهما البعير عند بروكه‬
‫‪ ،‬ول يؤخّرهما في القيام كما يؤخّرهما البعير في قيامه‬ ‫‪.‬‬

‫ى ‪ -‬هيئة السّجود المسنونة‬ ‫‪:‬‬

‫النف‪75 - ،‬‬ ‫كيفيّة السّجود المسنونة ‪ :‬أن يسجد المصلّي على العضاء السّبعة ‪ :‬الجبهة مع‬
‫واليدين والرّكبتين ‪ ،‬والقدمين ‪ -‬ممكّنا جبهته وأنفه من الرض ‪ ،‬وينشر أصابع يديه‬
‫مضمومةً للقبلة ‪ ،‬ويفرّق ركبتيه ‪ ،‬ويرفع بطنه عن فخذيه ‪ ،‬وفخذيه عن ساقيه ‪ ،‬ويجافي‬
‫عضديه عن جنبيه ‪ ،‬ويستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة‬ ‫‪.‬‬

‫وقد تقدّم بيان ذلك عند الكلم على الركان‬ ‫‪.‬‬

‫ك ‪ -‬التّشهّد الوّل وقعوده‬ ‫‪:‬‬

‫النّبيّ ‪76 -‬‬ ‫ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى سنّيّة التّشهّد الوّل وقعوده لخبر الصّحيحين ‪ « :‬أنّ‬
‫صلى ال عليه وسلم قام من ركعتين من الظّهر ولم يجلس ‪ ،‬فلمّا قضى صلته كبّر وهو‬
‫جالس فسجد سجدتين قبل السّلم ثمّ سلّم » فدلّ عدم تداركهما على عدم وجوبها‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الحنفيّة والحنابلة إلى وجوبهما كما سبق في واجبات الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫ل ‪ -‬صيغة التّشهّد‬ ‫‪:‬‬

‫وعند ‪77 -‬‬ ‫سبق خلف الفقهاء في التّشهّد الخير ‪ ،‬فهو عند الشّافعيّة والحنابلة ركن ‪،‬‬
‫الحنفيّة واجب ‪ ،‬وعند المالكيّة سنّة‬ ‫‪.‬‬

‫واختلفوا ‪ -‬أيضا ‪ -‬في صيغته المسنونة ‪ ( .‬ر ‪ :‬تشهّد‬ ‫‪).‬‬

‫م ‪ -‬الصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم بعد التّشهّد " الصّلة البراهيميّة‬ ‫"‬

‫التّشهّد ‪78 -‬‬ ‫ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ الصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم في‬
‫الخير سنّة ‪ ،‬وعند المالكيّة خلف في أنّ المشهور ‪ :‬هل هي سنّة أو فضيلة ؟‬
‫وأفضل صيغ الصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم عند الحنفيّة هي ‪ :‬اللّهمّ صلّ على‬
‫محمّد وعلى آل محمّد ‪ ،‬كما صلّيت على إبراهيم ‪ ،‬وعلى آل إبراهيم ‪ ،‬إنّك حميد مجيد ‪،‬‬
‫وبارك على محمّد ‪ ،‬وعلى آل محمّد ‪ ،‬كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في‬
‫العالمين‪ ،‬إنّك حميد مجيد‬ ‫‪.‬‬

‫وهي ‪ -‬أيضا ‪ -‬أفضل صيغ الصّلة عند المالكيّة لكن بحذف ( إنّك حميد مجيد ) الولى ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم بعد التّشهّد الخير‬
‫ركن كما سبق بيانه‬ ‫‪.‬‬

‫وقد أخذ الحنابلة بصيغة « حديث كعب بن عجرة » ‪ ،‬وهي أفضل الصّيغ عندهم‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم بقول ‪ " :‬اللّهمّ ص ّل على محمّد‬


‫ولكن يتحقّق ركن الصّلة على النّب ّ‬ ‫‪".‬‬

‫ن أهل الرّجل أقاربه أو زوجته ‪ ،‬وآله أتباعه على‬


‫وصرّحوا بأنّه ل يجوز إبدال آل بأهل ‪ ،‬ل ّ‬
‫دينه‬ ‫‪.‬‬

‫ي ‪ :‬اللّه ّم صلّ على محمّد وآله في التّشهّد الخير ‪،‬‬


‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬أق ّل الصّلة على النّب ّ‬
‫والسّنّة ‪ :‬اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ‪ ،‬كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم‬
‫وبارك على محمّد وعلى آل محمّد ‪ ،‬كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد‬
‫مجيد ‪ .‬وقد وردت الحاديث بكلّ هذه الصّيغ‬ ‫‪.‬‬

‫‪/‬‬ ‫‪11‬‬ ‫وقد سبق حكم تسويد النّبيّ صلى ال عليه وسلم في مصطلح ‪ ( :‬تسويد ف ‪/ 7 /‬‬
‫‪346 ) .‬‬

‫ن ‪ -‬الدّعاء بعد التّشهّد الخير‬ ‫‪:‬‬

‫« ‪79 -‬‬ ‫يسنّ للمصلّي بعد التّشهّد الخير أن يدعو بما شاء لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫إذا قعد أحدكم في الصّلة فليقل ‪ :‬التّحيّات للّه ‪ -‬إلى آخره ‪ ،‬ث ّم يتخيّر من المسألة ما شاء‪،‬‬
‫أو ما أحبّ » ‪ .‬وفي رواية للبخاريّ ‪ « :‬ثمّ يتخيّر من الدّعاء أعجبه إليه فيدعو به‬ ‫‪».‬‬

‫وفي رواية أخرى لمسلم « ثمّ ليتخيّر بعد من المسألة ما شاء‬ ‫‪».‬‬

‫وهو عند المالكيّة مندوب وليس بسنّة‬ ‫‪.‬‬

‫ن المصلّي يدعو بالدعية المذكورة في الكتاب والسّنّة ‪ ،‬على أنّه ل ينوي‬


‫وصرّح الحنفيّة بأ ّ‬
‫القراءة إذا دعا بأدعية القرآن لكراهة قراءة القرآن في الرّكوع والسّجود والتّشهّد ‪ .‬ول‬
‫يدعو بما يشبه كلم النّاس‬ ‫‪.‬‬

‫والفضل الدّعاء بالمأثور ‪ ،‬ومن ذلك ما روي عن أبي بكر ‪ -‬رضي ال تعالى عنه أنّه قال‬
‫لرسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬علّمني دعا ًء أدعو به في صلتي فقال ‪ :‬قل ‪ :‬اللّهمّ‬
‫إنّي ظلمت نفسي ظلما كثيرا وإنّه ل يغفر الذّنوب إلّ أنت ‪ .‬فاغفر لي مغفرةً من عندك ‪،‬‬
‫وارحمني إنّك أنت الغفور الرّحيم‬ ‫‪».‬‬
‫وما روى أبو هريرة مرفوعا ‪ « :‬إذا فرغ أحدكم من التّشهّد الخر فليتعوّذ باللّه من أربع ‪،‬‬
‫من عذاب جهنّم ‪ ،‬ومن عذاب القبر ‪ ،‬ومن فتنة المحيا والممات ‪ ،‬ومن ش ّر المسيح‬
‫‪».‬ال ّدجّال‬
‫س ‪ -‬كيفيّة الجلوس‬ ‫‪:‬‬

‫بين ‪80 -‬‬ ‫اختلف الفقهاء في هيئة الجلوس المسنونة في الصّلة ‪ .‬فذهب الحنفيّة إلى التّفريق‬
‫ن لها التّورّك‬
‫ن له الفتراش ‪ ،‬والمرأة يس ّ‬
‫الرّجل والمرأة ‪ ،‬فالرّجل يس ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ل فرق في ذلك بين التّشهّد الوّل أو الخير ‪ ،‬أو الجلسة بين السّجدتين‬ ‫‪.‬‬

‫ن هيئة الجلوس المسنونة في جميع جلسات الصّلة هي التّورّك سواء‬


‫وذهب المالكيّة إلى أ ّ‬
‫في ذلك الرّجل أو المرأة‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يسنّ التّورّك في التّشهّد الخير ‪ ،‬والفتراش في بقيّة‬
‫ي صلى ال عليه وسلم كان إذا جلس في‬
‫جلسات الصّلة ‪ ،‬لحديث أبي حميد ‪ « :‬أنّ النّب ّ‬
‫الرّكعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى ‪ ،‬وإذا جلس في الرّكعة الخرة قدّم رجله‬
‫اليسرى ونصب الخرى ‪ ،‬وقعد على مقعدته » وفي رواية « فإذا كانت الرّابعة أفضى‬
‫بوركه اليسرى إلى الرض ‪ ،‬وأخرج قدميه من ناحية واحدة‬ ‫‪».‬‬

‫والحكمة في المخالفة بين الخير وغيره من بقيّة الجلسات ‪ :‬أنّ المصلّي مستوفز فيها‬
‫للحركة ‪ ،‬بخلفه في الخير ‪ ،‬والحركة عن الفتراش أهون‬ ‫‪.‬‬

‫والفتراش ‪ :‬أن ينصب قدمه اليمنى قائمةً على أطراف الصابع بحيث تكون متوجّهةً نحو‬
‫القبلة ‪ ،‬ويفرش رجله اليسرى بحيث يلي ظهرها الرض ‪ ،‬جالسا على بطنها‬ ‫‪.‬‬

‫والتّورّك ‪ :‬كالفتراش ‪ .‬لكن يخرج يسراه من جهة يمينه ‪ ،‬ويلصق وركه بالرض‬ ‫‪.‬‬

‫‪267‬‬ ‫‪/‬‬ ‫‪15‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪13‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪11‬‬ ‫) ومصطلح ‪ :‬جلوس ( ف‬ ‫‪148‬‬ ‫‪/‬‬ ‫‪14‬‬ ‫‪ ) .‬انظر مصطلح تورّك (‬
‫ع ‪ -‬جلسة الستراحة‬ ‫‪:‬‬

‫يقوم ‪81 -‬‬ ‫ن بعد السّجدة الثّانية جلسة للستراحة في كلّ ركعة‬
‫ذهب الشّافعيّة إلى أنّه يس ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يجلس إذا رفع‬
‫منها ‪ ،‬لما روى مالك بن الحويرث ‪ « :‬أ ّ‬
‫رأسه من السّجود قبل أن ينهض في الرّكعة الولى‬ ‫‪».‬‬

‫وذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ -‬إلى كراهة فعلها تنزيها لمن ليس‬
‫‪266/ 15‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪12/‬‬ ‫‪ ) .‬به عذر ‪ ،‬وقد سبق تفصيل الكلم عليها في مصطلح ‪ ( :‬جلوس ف‬
‫ف ‪ -‬كيفيّة وضع اليدين أثناء الجلوس‬ ‫‪:‬‬
‫على ‪82 -‬‬ ‫يسنّ للمصلّي أثناء الجلوس أن يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ‪ ،‬ويده اليسرى‬
‫فخذه اليسرى بحيث تساوي رءوس أصابعه ركبتيه ‪،‬وتكون أصابعه منشورةً إلى القبلة‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬مفرّجةً قليلً ‪ ،‬وقال الحنابلة ‪ :‬مضمومةً‬ ‫‪.‬‬

‫وقد اتّفق الفقهاء على أنّه يسنّ للمصلّي أن يشير بسبّابته أثناء التّشهّد ‪ ،‬وإن اختلفوا في‬
‫كيفيّة قبض اليد والشارة‬ ‫‪.‬‬

‫قال ابن عابدين ‪ :‬ليس لنا سوى قولين ‪ :‬الوّل ‪ :‬وهو المشهور في المذهب بسط الصابع‬
‫بدون إشارة ‪ .‬الثّاني ‪ :‬بسط الصابع إلى حين الشّهادة فيعقد عندها ويرفع السّبّابة عند‬
‫النّفي ويضعها عند الثبات‬ ‫‪.‬‬

‫ويرى الشّافعيّة أن يقبض المصلّي أصابع يده اليمنى ويضعها على طرف ركبته إلّ المسبّحة‬
‫فيرسلها ‪ ،‬ويقبض البهام بجنبها بحيث يكون تحتها على حرف راحته ‪ ،‬لحديث ابن عمر‬
‫ي صلى ال عليه وسلم إذا قعد وضع يده اليسرى على‬
‫رضي ال تعالى عنهما ‪ « :‬كان النّب ّ‬
‫ركبته اليسرى ‪،‬ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلث ًة وخمسين وأشار‬
‫‪».‬بالسّبّابة‬
‫وذهب الحنابلة ‪ -‬وهو قول عند الشّافعيّة ‪ -‬إلى أنّ المصلّي يحلّق بين الوسطى والسّبّابة‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم وضع حدّ مرفقه اليمن على‬
‫لما روى وائل بن حجر ‪ « :‬أ ّ‬
‫فخذه اليمنى ‪ ،‬وعقد ثلثين ‪ ،‬وحلّق واحدةً ‪ ،‬أشار بأصبعه بالسّبّابة‬ ‫‪».‬‬

‫ومحلّ الرّفع عند الشّافعيّة عند قوله ‪ :‬إلّ اللّه ‪ ،‬فيرفع المسبّحة عند ذلك للتّباع كما في‬
‫صحيح مسلم ‪ ،‬ويميلها قليلً كما قاله المحامليّ وغيره ‪ .‬ويقيمها ول يضعها‬ ‫‪.‬‬

‫ن ‪ -‬أيضا ‪ -‬أن يكون رفعها إلى القبلة ناويا بذلك التّوحيد والخلص ‪ ،‬وفي تحريكها‬
‫ويس ّ‬
‫عندهم روايتان‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الحنابلة ‪ :‬يشير بسبّابته مرارا ‪ ،‬كلّ مرّة عند ذكر لفظ ( اللّه ) تنبيها على التّوحيد ‪،‬‬
‫ول يحرّكها لفعله صلى ال عليه وسلم قالوا ‪ :‬ول يشير بغير سبّابة اليمنى ولو عدمت ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬بكراهة الشارة بسبّابة اليسرى ولو من مقطوع اليمنى‬ ‫‪.‬‬

‫وعدّ المالكيّة الشارة بالسّبّابة من المندوبات‬ ‫‪.‬‬

‫ويندب تحريك السّبّابة يمينا وشمالً دائما ‪ -‬ل لعلى ول لسفل ‪ -‬في جميع التّشهّد ‪ .‬وأمّا‬
‫اليسرى فيبسطها مقرونة الصابع على فخذه‬ ‫‪.‬‬

‫سنن السّلم‬ ‫‪:‬‬

‫وقد ‪83 -‬‬ ‫ن السّلم ركن عند جمهور الفقهاء ‪ .‬واجب عند الحنفيّة ‪،‬‬
‫سبق في أركان الصّلة أ ّ‬
‫ذكر الفقهاء للسّلم سننا منها‬ ‫‪:‬‬
‫أن يسلّم مرّتين ‪ :‬مرّةً عن يمينه ومرّةً عن يساره ‪ ،‬ويسلّم عن يمينه أ ّولً ‪ ،‬بحيث يرى‬
‫بياض خدّه اليمن ‪ ،‬وعن يساره ثانيا ‪ ،‬بحيث يرى بياض خدّه اليسر ‪ ،‬يراه من خلفه‬ ‫‪.‬‬

‫وقد قال الحنابلة ‪ :‬بفرضيّة التّسليمتين ‪ ،‬وقال الحنفيّة ‪ :‬بوجوبهما ‪ ،‬وذهب المالكيّة ‪،‬‬
‫والشّافعيّة إلى أنّه يتأدّى الفرض بتسليمة واحدة‬ ‫‪.‬‬

‫والسّنّة أن يقول ‪ " :‬السّلم عليكم ورحمة اللّه " مرّتين‬ ‫‪.‬‬

‫وقد صرّح الحنفيّة بكراهة كلّ صيغة تخالف هذه الصّيغة ‪ ،‬وزاد بعضهم لفظ " وبركاته‬ ‫‪".‬‬

‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل تسنّ زيادة " وبركاته‬ ‫‪".‬‬

‫ي صلى‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬الولى تركه ‪ ،‬لحديث ابن مسعود رضي ال تعالى عنه ‪ « :‬أنّ النّب ّ‬
‫ال عليه وسلم كان يسلّم عن يمينه وعن يساره ‪ :‬السّلم عليكم ورحمة اللّه ‪ ،‬السّلم عليكم‬
‫ورحمة اللّه ‪ ،‬حتّى يرى بياض خدّيه‬ ‫‪».‬‬

‫ي صلى ال‬
‫ولحديث ابن أبي وقّاص ‪ -‬رضي ال تعالى عنه عنه ‪ -‬قال ‪ « :‬كنت أرى النّب ّ‬
‫عليه وسلم يسلّم عن يمينه ويساره ‪ ،‬حتّى أرى بياض خدّه‬ ‫‪».‬‬

‫وصرّح المالكيّة والشّافعيّة بأنّه يبتدئ السّلم مستقبل القبلة ‪ ،‬ثمّ يلتفت ويتمّ سلمه بتمام‬
‫التفاته‬ ‫‪.‬‬

‫القنوت في صلة الفجر‬ ‫‪:‬‬

‫الفجر ‪84 -‬‬ ‫اختلف الفقهاء في مشروعيّة القنوت في صلة‬ ‫‪.‬‬

‫انظر تفصيل ذلك في مصطلح ( صلة الفجر ‪ :‬قنوت‬ ‫‪).‬‬

‫مكروهات الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫قال ‪85 -‬‬ ‫صرّح الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة بكراهة السّدل في الصّلة ‪ ،‬لما روى أبو هريرة‬
‫‪ «:‬نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن السّدل في الصّلة ‪ ،‬وأن يغطّي الرّجل فاه»‪.‬‬
‫واختلفوا في تفسير السّدل ‪ .‬فقال الحنفيّة ‪ :‬هو إرسال الثّوب بل لبس معتاد ‪ ،‬وفسّره‬
‫الكرخيّ بأن يجعل ثوبه على رأسه أو على كتفيه ‪ ،‬ويرسل أطرافه من جانبه إذا لم يكن‬
‫عليه سراويل ‪ ،‬فكراهته لحتمال كشف العورة ‪ ،‬والكراهة تحريميّة‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬السّدل ‪ :‬هو أن يرسل الثّوب حتّى يصيب الرض ‪ ،‬وهو قول ابن عقيل من‬
‫الحنابلة‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الحنابلة ‪ :‬السّدل ‪ :‬هو أن يطرح ثوبا على كتفيه ‪ ،‬ول ير ّد أحد طرفيه على الكتف‬
‫الخرى‬ ‫‪.‬‬

‫وقيل ‪ :‬وضع الرّداء على رأسه وإرساله من ورائه على ظهره‬ ‫‪.‬‬
‫ي ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ « -‬أنّ‬
‫صمّاء لما روى أبو سعيد الخدر ّ‬
‫كما يكره اشتمال ال ّ‬
‫صمّاء ‪ ،‬وأن يحتبي الرّجل في ثوب‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬نهى عن اشتمال ال ّ‬
‫واحد ليس على فرجه منه شيء‬ ‫‪».‬‬

‫وصرّح المالكيّة بأنّ محلّ الكراهة إن كان معها ستر كإزار تحتها وإلّ منعت لحصول كشف‬
‫صمّاء‬
‫العورة ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ( اشتمال ال ّ‬ ‫‪).‬‬

‫صلى ‪86 -‬‬ ‫ويكره التّلثّم ‪ ،‬لما روى أبو هريرة ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ « : -‬أنّ رسول اللّه‬
‫ال عليه وسلم نهى أن يغطّي الرّجل فاه في الصّلة‬ ‫‪».‬‬

‫قال المالكيّة ‪ :‬هو ما يصل لخر الشّفة السّفلى ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬هو تغطية الفم‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الحنابلة ‪ :‬التّلثّم على الفم والنف ‪ ،‬والمرأة كالرّجل في هذا ‪ .‬كما يكره كفّ الكمّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أمرت أن أسجد على سبعة‬
‫والثّوب والعبث فيه ‪ ،‬لقول النّب ّ‬
‫أعظم‪ ،‬ول أكفّ ثوبا ول شعرا‬ ‫‪».‬‬

‫وإن ‪87 -‬‬ ‫ل ‪ ،‬وأجازوه للتّذلّل ‪ .‬قالوا ‪:‬‬


‫وصرّح الحنفيّة بكراهة صلة حاسر رأسه تكاس ً‬
‫سقطت قلنسوته فالفضل إعادتها إلّ إذا احتاجت لتكوير أو عمل كثير‬ ‫‪.‬‬

‫ويكره تنزيها ‪ :‬الصّلة في ثياب بذلة ومهنة ‪ ،‬إن كان له غيرها‬ ‫‪.‬‬

‫كما يكره العتجار ‪ ،‬وهو ‪ :‬شدّ الرّأس بالمنديل ‪ ،‬أو تكوير عمامته على رأسه وترك‬
‫ي صلى ال عليه وسلم عن العتجار في الصّلة » ‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫وسطها مكشوفا « لنهي النّب ّ‬
‫العتجار ‪ :‬أن ينتقب بعمامته فيغطّي أنفه‬ ‫‪.‬‬

‫من ‪88 -‬‬ ‫ل خلف بين الفقهاء في كراهة القتصار على الفاتحة في الرّكعتين الوليين‬
‫المكتوبة ‪ .‬وقال الحنفيّة ‪ :‬يكره تحريما أن ينقص شيئا من القراءة الواجبة‬ ‫‪.‬‬

‫وقد ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ -‬إلى كراهة تنكيس السّور ‪ -‬أي‬
‫أن يقرأ في الثّانية سورةً أعلى ممّا قرأ في الولى ‪ -‬لما روي عن ابن مسعود ‪ -‬رضي ال‬
‫تعالى عنه ‪ -‬أنّه سئل عمّن يقرأ القرآن منكوسا فقال ‪ " :‬ذلك منكوس القلب‬ ‫‪".‬‬

‫قال ابن عابدين ‪ :‬لنّ ترتيب السّور في القراءة من واجبات التّلوة ‪ ،‬وإنّما جوّز للصّغار‬
‫تسهيلً لضرورة التّعليم‬ ‫‪.‬‬

‫واستثنى الحنفيّة والمالكيّة من قرأ في الرّكعة الولى بسورة النّاس ‪ ،‬فإنّه يقرأ في الثّانية‬
‫أوّل سورة البقرة ‪ .‬لكن الحنفيّة خصّوا ذلك بمن يختم القرآن في الصّلة ‪ ،‬واستدلّوا بقول‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬خير النّاس الحالّ والمرتحل » أي الخاتم والمفتتح‬
‫النّب ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ن تنكيس السّور خلف الولى ‪ ،‬وصرّح المالكيّة بحرمة تنكيس اليات‬


‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫المتلصقة في ركعة واحدة ‪ ،‬وأنّه يبطل الصّلة‬ ‫‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬بحرمة تنكيس الكلمات ‪ ،‬وأنّه يبطل الصّلة ‪ .‬أمّا تنكيس اليات فقيل ‪:‬‬
‫ص إجماعا ‪،‬‬
‫ي الدّين ‪ :‬ترتيب اليات واجب ‪ ،‬لنّ ترتيبها بالنّ ّ‬
‫مكروه ‪ ،‬وقال الشّيخ تق ّ‬
‫وترتيب السّور بالجتهاد ل بال ّنصّ في قول جمهور الفقهاء‬ ‫‪.‬‬

‫وصرّح الحنابلة ‪ :‬بأنّه ل يكره جمع سورتين فأكثر في ركعة ‪ ،‬ولو في فرض ‪ .‬روي عن‬
‫ل من النصار كان يؤمّهم ‪ ،‬فكان يقرأ قبل كلّ سورة { ُقلْ ُه َو الّلهُ‬
‫أنس بن مالك ‪ « :‬أنّ رج ً‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ما يحملك على‬
‫َأحَدٌ } ‪ ،‬ثمّ يقرأ سور ًة أخرى معها ‪ ،‬فقال له النّب ّ‬
‫لزوم هذه السّورة ؟ فقال ‪ :‬إنّي أحبّها ‪ .‬فقال ‪ :‬حبّك إيّاها أدخلك الجنّة‬ ‫‪».‬‬

‫وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى كراهة قراءة سورتين في ركعة واحدة‬ ‫‪.‬‬

‫وقيّد الحنفيّة الكراهة بما إذا كان بين السّورتين سور أو سورة واحدة‬ ‫‪.‬‬

‫ومحلّ الكراهة عندهما ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة ‪ -‬صلة الفرض ‪ .‬أمّا في صلة النّفل فجائز من‬
‫غير كراهة ‪ .‬واستثنى المالكيّة من ذلك المأموم إذا خشي من سكوته تفكّرا مكروها ‪ ،‬فل‬
‫كراهة في حقّه إذا قرأ سورتين في ركعة‬ ‫‪.‬‬

‫ص المالكيّة والحنابلة على أنّه ل يكره التزام سورة مخصوصة ‪ .‬لما تقدّم من ملزمة‬
‫كما ن ّ‬
‫ي على { ُقلْ ُه َو الّلهُ َأحَدٌ } قال الحنابلة ‪ :‬مع اعتقاده جواز غيرها‬
‫النصار ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وصرّح الحنفيّة بكراهة تعيين شيء من القرآن ‪ .‬وقيّد الطّحاويّ الكراهة بما إذا رأى ذلك‬
‫حتما ل يجوز غيره ‪ ،‬أمّا لو قرأه للتّيسير عليه أو تبرّكا بقراءته ‪ -‬عليه الصلة والسلم ‪-‬‬
‫ل يظنّ الجاهل أنّ غيرها ل يجوز ‪ ،‬ومال‬
‫فل كراهة ‪ ،‬لكن بشرط أن يقرأ غيرها أحيانا لئ ّ‬
‫إلى هذا القيد ابن عابدين‬ ‫‪.‬‬

‫ول يكره ‪ -‬أيضا ‪ -‬عند الحنابلة تكرار سورة في ركعتين ‪ ،‬لما روى زيد بن ثابت ‪ « :‬أنّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قرأ في المغرب بالعراف في الرّكعتين كلتيهما‬
‫النّب ّ‬ ‫‪».‬‬

‫كما ل يكره تفريقها في الرّكعتين ‪ ،‬لما روي عن عائشة ‪ -‬رضي ال تعالى عنها ‪ « -‬أنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬كان يقسم البقرة في الرّكعتين‬ ‫‪».‬‬

‫وقال الحنفيّة ‪ :‬ل ينبغي تفريق السّورة ‪ ،‬ولو فعل ل بأس به ‪ ،‬ول يكره على الصّحيح ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬يكره‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب المالكيّة إلى كراهة تكرير السّورة في الرّكعتين ‪ ( .‬ر ‪ :‬قراءة‬ ‫)‬

‫كراهة ‪89 -‬‬ ‫ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وبعض الشّافعيّة ‪ -‬إلى‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا قام أحدكم في الصّلة‬
‫تغميض العينين في الصّلة لقول النّب ّ‬
‫فل يغمض عينيه‬ ‫‪».‬‬
‫ن السّنّة أن‬
‫واحتجّ له ‪ -‬أيضا ‪ -‬بأنّه فعل اليهود ‪ ،‬ومظنّة النّوم ‪ .‬وعلّل في البدائع ‪ :‬بأ ّ‬
‫يرمي ببصره إلى موضع سجوده وفي التّغميض تركها ‪ .‬والكراهة عند الحنفيّة تنزيهيّة ‪.‬‬
‫واستثنوا من ذلك التّغميض لكمال الخشوع ‪ ،‬بأن خاف فوت الخشوع بسبب رؤية ما يفرّق‬
‫الخاطر فل يكره حينئذ ‪ ،‬بل قال بعضهم ‪ :‬إنّه الولى ‪ .‬قال ابن عابدين ‪ :‬وليس ببعيد‬ ‫‪.‬‬

‫قال المالكيّة ‪ :‬ومحلّ كراهة التّغميض ما لم يخف النّظر لمحرّم ‪،‬أو يكون فتح بصره‬
‫يشوّشه‪ ،‬وإلّ فل يكره التّغميض حينئذ‬ ‫‪.‬‬

‫واختار النّوويّ ‪ :‬أنّه ل يكره ‪ -‬أي تغميض العينين ‪ -‬إن لم يخف منه ضررا على نفسه ‪،‬‬
‫أو غيره فإن خاف منه ضررا كره‬ ‫‪.‬‬

‫كما صرّح الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة بكراهة رفع البصر إلى السّماء أثناء الصّلة لحديث‬
‫أنس ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ما بال أقوام‬
‫يرفعون أبصارهم إلى السّماء في صلتهم ‪ .‬فاشتدّ قوله في ذلك حتّى قال ‪ :‬لينتهنّ عن‬
‫ذلك‪ ،‬أو لتخطفنّ أبصارهم‬ ‫‪».‬‬

‫قال الذرعيّ ‪ :‬والوجه تحريمه على العامد العالم بالنّهي المستحضر له‬ ‫‪.‬‬

‫وروي « أنّه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬كان إذا صلّى رفع بصره إلى السّماء ‪ -‬فنزلت {‬
‫شعُونَ } فطأطأ رأسه‬
‫صلَا ِت ِهمْ خَا ِ‬
‫الّذِينَ ُهمْ فِي َ‬ ‫‪».‬‬

‫قال الحنابلة ‪ :‬ول يكره رفع بصره إلى السّماء حال التّجشّي إذا كان في جماعة لئلّ يؤذي‬
‫من حوله بالرّائحة‬ ‫‪.‬‬

‫ويكره ‪ -‬أيضا ‪ -‬النّظر إلى ما يلهي عن الصّلة ‪ ،‬لحديث عائشة ‪ -‬رضي ال تعالى عنها‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬صلّى في خميصة لها أعلم ‪ ،‬فنظر إلى أعلمها نظرةً‬
‫‪ « -‬أنّ النّب ّ‬
‫‪ ،‬فلمّا انصرف قال ‪ :‬اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانيّة أبي جهم ‪ ،‬فإنّها‬
‫ألهتني آنفا عن صلتي » ‪ ،‬ولنّه يشغله عن إكمال الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫لقول ‪90 -‬‬ ‫اتّفق الفقهاء على كراهة التّخصّر ‪ -‬وهو أن يضع يده على خاصرته في القيام ‪-‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أن يصلّي الرّجل‬
‫أبي هريرة ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ « : -‬نهى النّب ّ‬
‫متخصّرا‬ ‫‪».‬‬

‫ن هذه الهيئة تنافي‬


‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬الخصر ‪ :‬هو موضع الحزام من جنبه ‪ ،‬وإنّما كره ذلك ل ّ‬
‫هيئة الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫قال ابن عابدين ‪ :‬والّذي يظهر أنّ الكراهة تحريميّة في الصّلة للنّهي المذكور‬ ‫‪.‬‬

‫وصرّح الشّافعيّة بجواز ذلك عند الضّرورة والحاجة‬ ‫‪.‬‬


‫لقول ‪91 -‬‬ ‫كما اتّفق الفقهاء على كراهة ما كان من العبث واللّهو كفرقعة الصابع وتشبيكها‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل ُت َفقّع أصابعك وأنت تصلّي‬ ‫‪».‬‬

‫ولحديث أبي هريرة ‪ « :‬إذا توضّأ أحدكم في بيته ث ّم أتى المسجد كان في صلة حتّى يرجع‬
‫فل يقل هكذا ‪ ،‬وشبّك بين أصابعه‬ ‫‪».‬‬

‫قال ابن عابدين ‪ :‬وينبغي أن تكون الكراهة تحريم ّيةً للنّهي المذكور‬ ‫‪.‬‬

‫‪92 - :‬‬ ‫واتّفق الفقهاء ‪ -‬أيضا ‪ -‬على كراهة العبث باللّحية أو غيرها من جسده ‪ ،‬لما روي‬
‫ل يعبث في الصّلة ‪ ،‬فقال ‪ :‬لو خشع قلب هذا‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم رأى رج ً‬
‫«أّ‬
‫لخشعت جوارحه‬ ‫‪».‬‬

‫واستثني من ذلك ما كان لحاجة ‪ :‬كحكّ بدنه لشيء أكله وأضرّه ‪ ،‬وسلت عرق يؤذيه‬
‫ويشغل قلبه ‪ ،‬وهذا إذا كان العمل يسيرا‬ ‫‪.‬‬

‫لضرورة ‪93 -‬‬ ‫وصرّح الشّافعيّة بأنّه لو سقط رداؤه أو طرف عمامته كره له تسويته إلّ‬ ‫‪.‬‬

‫‪94 - -‬‬ ‫وصرّح الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة بكراهة تقليب الحصى ومسّه ‪ ،‬لحديث أبي ذرّ‬
‫رضي ال تعالى عنه ‪ -‬مرفوعا ‪ « :‬إذا قام أحدكم إلى الصّلة فإنّ الرّحمة تواجهه فل‬
‫ن النّبيّ‬
‫يمسح الحصى » كما يكره مسح الحصى ونحوه حيث يسجد ‪ ،‬لحديث معيقيب « أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال في الرّجل يسوّي التّراب حيث يسجد ‪ :‬إن كنت فاعلً فواحدةً‬ ‫‪».‬‬

‫وقيّد الحنابلة الكراهة بعدم العذر‬ ‫‪.‬‬

‫ورخّص الحنفيّة تسوية الحصى مرّ ًة للسّجود التّامّ ‪ ،‬بأن كان ل يمكنه تمكين جبهته على‬
‫وجه السّنّة إلّ بذلك‬ ‫‪.‬‬

‫قالوا ‪ :‬وتركها أولى ‪ .‬وصرّحوا بأنّه لو كان ل يمكنه وضع القدر الواجب من الجبهة إلّ به‬
‫تعيّن ولو أكثر من مرّة‬ ‫‪.‬‬

‫ونصّ الشّافعيّة على كراهة وضع اليد على الفم في الصّلة من غير حاجة ‪ ،‬لثبوت النّهي‬
‫عنه ‪ ،‬ولمنافاته لهيئة الخشوع‬ ‫‪.‬‬

‫في ‪95 -‬‬ ‫وصرّح الحنفيّة بكراهة ع ّد الي والسّور ‪ ،‬والتّسبيح بأصابع اليد أو بسبحة يمسكها‬
‫الصّلة مطلقا ولو كانت نفلً‬ ‫‪.‬‬

‫قال ابن عابدين ‪ :‬وهذا باتّفاق أصحابنا في ظاهر الرّواية ‪ ،‬وعن الصّاحبين في غير ظاهر‬
‫الرّواية عنهما أنّه ل بأس به‬ ‫‪.‬‬

‫وقيل ‪ :‬الخلف في الفرائض ول كراهة في النّوافل اتّفاقا ‪ .‬وقيل ‪ :‬في النّوافل ول خلف في‬
‫الكراهة في الفرائض ‪ .‬والكراهة عندهم تنزيهيّة وعلّلوها بأنّه ليس من أفعال الصّلة ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى جواز ع ّد الي والتّسبيح بأصابعه من غير كراهة ‪ ،‬لما روى أنس ‪-‬‬
‫رضي ال تعالى عنه ‪ -‬قال ‪ « :‬رأيت النّبيّ صلى ال عليه وسلم يعقد الي بأصابعه » ‪.‬‬
‫وعدّ التّسبيح في معنى عدّ الي‬ ‫‪.‬‬

‫قال البهوتيّ ‪ :‬وتوقّف أحمد في ع ّد التّسبيح لنّه يتوالى لقصره ‪ ،‬فيتوالى حسابه فيكثر‬
‫العمل بخلف عدّ الي‬ ‫‪.‬‬

‫بمروحة ‪96 -‬‬ ‫وصرّح الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة بكراهة تروّحه ‪ -‬جلب نسيم الرّيح ‪-‬‬
‫ونحوها ‪ ،‬لنّه من العبث‬ ‫‪.‬‬

‫قال الحنابلة ‪ :‬إ ّل لحاجة كغمّ شديد فل يكره ما لم يكثر من التّروّح ‪ ،‬فيبطل الصّلة إن‬
‫‪.‬توالى‬
‫ب بيده الذّباب أو البعوض إلّ عند الحاجة بعمل‬
‫وفي الهنديّة عن التّتارخانيّة يكره أن يذ ّ‬
‫‪.‬قليل‬
‫‪ -‬وصرّح الشّافعيّة بكراهة القيام على رجل واحدة ‪ ،‬لنّه تكلّف ينافي الخشوع ‪ ،‬إلّ إن‬ ‫‪97‬‬

‫كان لعذر كوجع الخرى فل كراهة ‪.‬‬


‫كما نصّ المالكيّة على كراهة رفع الرّجل عن الرض إلّ لضرورة كطول القيام ‪ ،‬كما يكره‬
‫عندهم وضع قدم على أخرى لنّه من العبث ‪ ،‬ويكره أيضا إقرانهما‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه‬
‫ونصّ الحنابلة على كراهة كثرة المراوحة بين القدمين ‪ ،‬لما روي أنّ النّب ّ‬
‫وسلم قال ‪ « :‬إذا قام أحدكم في صلته فليسكن أطرافه ‪ ،‬ول يتميّل كما يتميّل اليهود‬ ‫‪».‬‬

‫قال في شرح المنتهى ‪ :‬وهو محمول على ما إذا لم يطل قيامه ‪ ،‬أمّا قلّة المراوحة فتستحبّ‬
‫عندهم ول تكره ‪ .‬لما روى الثرم عن أبي عبادة قال ‪ « :‬رأى عبد اللّه رجلً يصلّي صافّا‬
‫بين قدميه فقال ‪ :‬لو راوح هذا بين قدميه كان أفضل » ‪ ،‬وفي رواية ‪ « :‬أخطأ السّنّة ‪ ،‬ولو‬
‫راوح بينهما كان أعجب‬ ‫‪».‬‬

‫إقعاء ‪98 -‬‬ ‫اتّفق الفقهاء على كراهة القعاء في جلسات الصّلة ‪ .‬انظر مصطلح ‪( :‬‬ ‫‪).‬‬

‫تعالى ‪99 -‬‬ ‫ل خلف بين الفقهاء في كراهة اللتفات في الصّلة ‪ ،‬لحديث عائشة ‪ -‬رضي ال‬
‫ي صلى ال عليه وسلم عن اللتفات في الصّلة ؟ فقال ‪ :‬هو‬
‫عنها ‪ -‬قالت ‪ « :‬سألت النّب ّ‬
‫اختلس يختلسه الشّيطان من صلة العبد‬ ‫‪».‬‬

‫والكراهة مقيّدة بعدم الحاجة أو العذر ‪ ،‬أمّا إن كانت هناك حاجة ‪ :‬كخوف على نفسه أو‬
‫ماله لم يكره ‪ ،‬لحديث سهل بن الحنظليّة قال ‪ُ « :‬ثوّب بالصّلة يعني صلة الصّبح فجعل‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يصلّي وهو يلتفت إلى الشّعب ‪ .‬قال ‪ :‬وكان أرسل فارسا‬
‫إلى الشّعب يحرس‬ ‫‪».‬‬
‫وعليه يحمل ما روى ابن عبّاس ‪ -‬رضي ال تعالى عنهما ‪ « : -‬كان صلى ال عليه وسلم‬
‫يلتفت في صلته يمينا وشمالً ‪ ،‬ول يلوي عنقه خلف ظهره‬ ‫‪».‬‬

‫وهناك تفصيل في المذاهب نذكره فيما يلي‬ ‫‪:‬‬

‫قال الحنفيّة ‪ :‬اللتفاف بالوجه كلّه أو بعضه مكروه تحريما ‪ ،‬وبالبصر ‪ -‬أي من غير‬
‫تحويل الوجه أصلً ‪ -‬مكروه تنزيها ‪ .‬وعن الزّيلعيّ والباقانيّ ‪ :‬أنّه مباح ‪ « ،‬لنّه صلى ال‬
‫عليه وسلم كان يلحظ أصحابه في صلته بموق عينيه » ‪ ،‬أمّا اللتفات بالصّدر فإنّه مفسد‬
‫للصّلة وسيأتي‬ ‫‪.‬‬

‫وعند المالكيّة ‪ :‬اللتفات مكروه في جميع صوره ‪ ،‬ولو بجميع جسده ‪ ،‬ول يبطل الصّلة ما‬
‫بقيت رجله للقبلة ‪ ،‬وبعضه أخفّ بالكراهة من بعض ‪ ،‬فاللتفات بالخدّ أخفّ من ليّ‬
‫ي البدن كلّه ‪ ،‬وقريب من هذا‬
‫ي الصّدر ‪ ،‬والصّدر أخفّ من ل ّ‬
‫العنق ‪ ،‬وليّ العنق أخفّ من ل ّ‬
‫مذهب الحنابلة حيث صرّحوا بعدم بطلن الصّلة لو التفت بصدره ووجهه ‪ ،‬وذلك لنّه لم‬
‫يستدر بجملته‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه‬
‫وقال المتولّي من الشّافعيّة ‪ :‬بحرمة اللتفات بالوجه ‪ ،‬لما روي عن النّب ّ‬
‫وسلم أنّه قال ‪ « :‬ل يزال اللّه ع ّز وجلّ مقبلً على العبد وهو في صلته ما لم يلتفت ‪ .‬فإذا‬
‫التفت انصرف عنه‬ ‫‪».‬‬

‫قال الذرعيّ ‪ :‬والمختار ‪ :‬أنّه إن تعمّد مع علمه بالخبر حرم ‪ ،‬بل تبطل إن فعله لعبا‬ ‫‪.‬‬

‫ي بن‬
‫وقد صرّح الشّافعيّة بجواز اللّمح بالعين دون اللتفات فإنّه ل بأس به ‪ ،‬لحديث عل ّ‬
‫شيبان قال ‪ «:‬خرجنا حتّى قدمنا على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فبايعناه وصلّينا‬
‫خلفه‪ .‬فلمح بمؤخّر عينه رجلً ل يقيم صلته ‪ -‬يعني صلبه ‪ -‬في الرّكوع والسّجود ‪ ،‬فلمّا‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬يا معشر المسلمين ل صلة لمن ل يقيم صلبه في‬
‫قضى النّب ّ‬
‫الرّكوع والسّجود‬ ‫‪».‬‬

‫أمّا إن حوّل صدره عن القبلة فإنّه تبطل صلته‬ ‫‪.‬‬

‫‪100 - -‬‬ ‫ل خلف بين الفقهاء في كراهة الصّلة مع مدافعة الخبثين ‪ ،‬لما روت عائشة‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل صلة بحضرة طعام ‪ ،‬ول‬
‫رضي ال تعالى عنها ‪ -‬أنّ النّب ّ‬
‫هو يدافع الخبثين » ‪ .‬ويسمّى مدافع البول حاقنا ‪ ،‬ومدافع الغائط حاقبا‬ ‫‪.‬‬

‫وألحق الشّافعيّة والحنابلة بذلك من تاقت نفسه إلى طعام أو شراب ‪ ،‬لنّه في معناه ‪ .‬قالوا‬
‫‪ :‬فيبدأ بالخلء ليزيل ما يدافعه من بول أو غائط أو ريح ‪ ،‬ويبدأ ‪ -‬أيضا ‪ -‬بما تاق إليه‬
‫من طعام أو شراب ‪ ،‬ولو فاتته الجماعة ‪ ،‬لما روى البخاريّ ‪ :‬كان ابن عمر يوضع له‬
‫الطّعام ‪ ،‬وتقام الصّلة ‪ ،‬فل يأتيها حتّى يفرغ ‪ ،‬وإنّه ليسمع قراءة المام‬ ‫‪.‬‬
‫إلّ إذا ضاق الوقت فل تكره الصّلة على هذه الحال ‪ ،‬بل يجب فعلها قبل خروج وقتها في‬
‫جميع الحوال‬ ‫‪.‬‬

‫صةً بالبتداء ‪ ،‬بل تكره صلة الحاقن مطلقا ‪ ،‬سواء‬


‫وصرّح الحنفيّة بأنّ الكراهة ليست مخت ّ‬
‫كان قبل شروعه أو بعده ‪ .‬قالوا ‪ :‬فإن شغله قطعها إن لم يخف فوت الوقت ‪ ،‬وإن أتمّها‬
‫أثم‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل يحلّ لرجل يؤمن باللّه واليوم الخر أن يصلّي‬
‫وهو حقن حتّى يتخفّف‬ ‫‪».‬‬

‫ن ترك سنّة‬
‫ويقطعها ‪ -‬أيضا ‪ -‬ولو خشي فوت الجماعة ‪ ،‬ول يجد جماعةً أخرى ‪ ،‬ل ّ‬
‫الجماعة أولى من التيان بالكراهة‬ ‫‪.‬‬

‫وصرّح المالكيّة ‪ :‬بأنّه إذا وصل الحقن إلى حدّ ل يقدر معه التيان بالفرض أصلً ‪ ،‬أو يأتي‬
‫به معه لكن بمشقّة ‪ ،‬فإنّه يبطل الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫قال العدويّ ‪ :‬أو أتى به على حالة غير مرضيّة ‪ ،‬بأن يضمّ وركيه أو فخذيه ‪ ،‬ومحلّ‬
‫البطلن إذا دام ذلك الحقن ‪ ،‬وأمّا إن حصل ثمّ زال فل إعادة ‪ ( .‬ر ‪ :‬حاقن‬ ‫‪).‬‬

‫كور ‪101 -‬‬ ‫ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ -‬إلى كراهة السّجود على‬
‫العمامة من حيث الجملة ‪ .‬وقيّدوا الكراهة بما إذا كان السّجود على كور العمامة بدون عذر‬
‫من حرّ أو برد أو مرض ‪ .‬قال البهوتيّ ‪ :‬ليخرج من الخلف ويأتي بالعزيمة ‪ .‬ودليل ذلك‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫ما روى أنس ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬قال ‪ « :‬كنّا نصلّي مع النّب ّ‬
‫في شدّة الحرّ ‪ ،‬فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكّن جبهته من الرض بسط ثوبه فسجد عليه » ‪.‬‬
‫والكراهة عند الحنفيّة تنزيهيّة ‪ ،‬وشرط الحنفيّة لصحّة السّجود على المكوّر كون الكور‬
‫الّذي يسجد عليه على الجبهة أو بعضها ‪ ،‬أمّا إذا كان على الرّأس ‪ -‬فقط ‪ -‬وسجد عليه‬
‫ولم تصب جبهته الرض فإنّه ل يصحّ سجوده ‪ ،‬لعدم السّجود على محلّه‬ ‫‪.‬‬

‫وقال المالكيّة ‪ :‬إذا كان كور العمامة فوق الجبهة ومنعت لصوق الجبهة بالرض فباطلة ‪،‬‬
‫وإن كان الكور أكثر من الطّاقتين أعاد في الوقت‬ ‫‪.‬‬

‫وألحق المالكيّة والحنابلة بكور العمامة كلّ ما اتّصل بالمصلّي من غير أعضاء السّجود‬
‫كطرف كمّه وملبوسه‬ ‫‪.‬‬

‫وعند الحنفيّة يجوز السّجود على كمّه وفاضل ثوبه لو كان المكان المبسوط عليه ذلك‬
‫طاهرا‪ ،‬وإلّ ل‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إن حال دون الجبهة حائل متّصل به ككور عمامته ‪ ،‬أو طرف‬
‫كمّه ‪ ،‬وهما يتحرّكان بحركته في القيام والقعود ‪ ،‬أو غيرهما لم تصحّ صلته بل خلف‬
‫ت ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬قال ‪ « :‬شكونا إلى رسول‬
‫عندهم ‪ ،‬لما روى خبّاب بن الر ّ‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم حرّ الرّمضاء في جباهنا وأكفّنا فلم يشكنا » ‪ ،‬وفي رواية قال ‪« :‬‬
‫فما أشكانا ‪ ،‬وقال ‪ :‬إذا زالت الشّمس فصلّوا » ‪ .‬وإن سجد على ذيله أو كمّه أو طرف‬
‫ن هذا‬
‫عمامته ‪ ،‬وهو طويل ل يتحرّك بحركته فوجهان ‪ :‬الصّحيح أنّه تصحّ صلته ‪ ،‬ل ّ‬
‫ح به كما لو كان على ذلك الطّرف نجاسة ‪،‬‬
‫الطّرف في معنى المنفصل ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬ل تص ّ‬
‫فإنّه ل تصحّ صلته وإن كان ل يتحرّك بحركته ‪ ،‬ث ّم إنّه إن سجد على كور عمامته أو كمّه‬
‫ونحوهما متعمّدا عالما بالتّحريم بطلت صلته ‪ ،‬وإن كان ساهيا لم تبطل ‪ ،‬لكن يجب إعادة‬
‫السّجود‬ ‫‪.‬‬

‫وهناك مكروهات كثيرة للسّجود تنظر في مصطلح ‪ ( :‬سجود‬ ‫‪).‬‬

‫البخاريّ ‪102 -‬‬ ‫واتّفق الفقهاء على أنّه يكره للمصلّي أن يصلّي مستقبلً لرجل أو امرأة ‪ .‬قال‬
‫في صحيحه ‪ :‬كره عثمان ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬أن يستقبل الرّجل وهو يصلّي ‪ .‬وحكاه‬
‫ي ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ « -‬أنّ‬
‫القاضي عياض عن عامّة العلماء ‪ ،‬وروى البزّار عن عل ّ‬
‫ل يصلّي إلى رجل فأمره أن يعيد الصّلة‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم رأى رج ً‬ ‫‪».‬‬

‫قال ابن عابدين ‪ :‬والظّاهر أنّها كراهة تحريميّة ‪ ،‬ويكون المر بالعادة لزالة الكراهة ‪،‬‬
‫لنّه الحكم في كلّ صلة أدّيت مع الكراهة وليس للفساد‬ ‫‪.‬‬

‫وعن أبي يوسف قال ‪ :‬إن كان جاهلً علّمته ‪ ،‬وإن كان عالما أدّبته‬ ‫‪.‬‬

‫كما صرّح الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة بكراهة الصّلة إلى متحدّث ‪ ،‬لنّه يشغله عن حضور‬
‫قلبه في الصّلة ‪ ،‬لكن الحنفيّة قيّدوا الكراهة بما إذا خيف الغلط بحديثه‬ ‫‪.‬‬

‫وزاد الحنابلة ‪ :‬النّائم ‪ ،‬فتكره الصّلة إليه لحديث ابن عبّاس ‪ -‬رضي ال تعالى عنهما أنّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل تصلّوا خلف النّائم ول المتحدّث‬
‫النّب ّ‬ ‫‪».‬‬

‫وذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى عدم الكراهة لحديث عائشة ‪ -‬رضي ال تعالى عنها ‪ -‬قالت‬
‫‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يصلّي وأنا راقدة معترضة على فراشه فإذا أراد‬
‫أن يوتر أيقظني فأوترت » ‪ .‬وهو يقتضي أنّها كانت نائمةً‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه ل تكره الصّلة إلى ظهر إنسان ‪ ،‬واستثنى الحنابلة من‬
‫ذلك الكافر‬ ‫‪.‬‬

‫وفصّل المالكيّة فقالوا ‪ :‬إن كانت امرأةً أجنب ّيةً أو كافرا فالكراهة ‪ ،‬وإن كان رجلً غير كافر‬
‫جاز من غير كراهة ‪ ،‬وإن كانت امرأةً محرما فقولن ‪ :‬والرّاجح الجواز‬ ‫‪.‬‬

‫أو ‪103 -‬‬ ‫وصرّح المالكيّة والحنابلة بكراهة استقبال شيء من النّار في الصّلة ‪ -‬ولو سراجا‬
‫ن فيه تشبيها بعبدة النّار‬
‫قنديلً أو شمعةً موقد ًة ‪ -‬ل ّ‬ ‫‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى عدم كراهة استقبال هذه الشياء ‪ ،‬قالوا ‪ :‬لنّ المجوس تعبد الجمر ل‬
‫النّار الموقدة ‪ ،‬ولذا قالوا بكراهة الصّلة إلى تنّور أو كانون فيه جمر‬ ‫‪.‬‬

‫ويكره ‪104 -‬‬ ‫كما يكره أن يكتب في القبلة شيء ‪ ،‬أو يعلّق فيها شيء ‪ ،‬لنّه يشغل المصلّي ‪.‬‬
‫‪ -‬أيضا ‪ -‬تزويق المسجد‬ ‫‪.‬‬

‫قال المام أحمد ‪ :‬كانوا يكرهون أن يجعلوا في القبلة شيئا ‪ ،‬قال البهوتيّ ‪ :‬حتّى المصحف‬ ‫‪.‬‬

‫قال المالكيّة ‪ :‬يكره أن يتعمّد جعل المصحف في قبلته ليصلّي إليه ‪ ،‬أمّا إذا كان هذا مكانه‬
‫الّذي يعلّق فيه فإنّه ل يكره‬ ‫‪.‬‬

‫الماكن الّتي تكره الصّلة فيها‬ ‫‪:‬‬

‫أقوالهم ‪105 -‬‬ ‫اختلف الفقهاء في الماكن الّتي تكره الصّلة فيها ‪ ،‬وإليك تفصيل‬ ‫‪:‬‬

‫ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى كراهة الصّلة في الطّريق ‪ ،‬والحمّام ‪ ،‬والمزبلة ‪ ،‬والمجزرة ‪،‬‬
‫والكنيسة ‪ ،‬وعطن البل ‪ ،‬والمقبرة ‪ ،‬لما روى ابن عمر ‪ -‬رضي ال تعالى عنهما ‪« : -‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬نهى أن يصلّى في سبعة مواطن ‪ :‬في المزبلة والمجزرة‬
‫أّ‬
‫والمقبرة وقارعة الطّريق وفي الحمّام وفي معاطن البل وفوق ظهر بيت اللّه‬ ‫‪».‬‬

‫قال الخطيب الشّربينيّ ‪ :‬قارعة الطّريق هي أعله ‪ ،‬وقيل ‪ :‬صدره ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ما برز منه ‪،‬‬
‫والكلّ متقارب ‪ ،‬والمراد هنا نفس الطّريق ‪ ،‬والعلّة في النّهي عن الصّلة في قارعة الطّريق‬
‫ق العامّة ‪ ،‬ومنعهم من المرور ‪ ،‬ولشغل البال عن الخشوع فيشتغل بالخلق‬
‫هي لشغله ح ّ‬
‫ن الكراهة في البنيان دون البرّيّة‬
‫ق ‪ .‬قال الخطيب الشّربينيّ ‪ :‬المعتمد أ ّ‬
‫عن الح ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وتكره الصّلة ‪ -‬أيضا ‪ -‬في معاطن البل ولو طاهر ًة ‪ .‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫« صلّوا في مرابض الغنم ول تصلّوا في أعطان البل » ‪ .‬والمراد بالمعاطن ‪ -‬هنا ‪-‬‬
‫ص الكراهة بالعطن ‪ ،‬بل مأواها ومقيلها‬
‫ي ‪ :‬ول تخت ّ‬
‫مباركها مطلقا ‪ .‬قال الخطيب الشّربين ّ‬
‫ومباركها ‪ ،‬بل مواضعها كلّها كذلك‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم‬


‫ول تكره الصّلة في مرابض الغنم للحديث المتقدّم ‪ « ،‬وسئل النّب ّ‬
‫عن الصّلة في مرابض الغنم ‪ ،‬فقال ‪ :‬صلّوا فيها فإنّها خلقت بركةً » ‪ .‬وألحقوا مرابض‬
‫ن أماكن‬
‫ي ‪ :‬ومعلوم أ ّ‬
‫البقر بمرابض الغنم فل تكره الصّلة فيها ‪ ،‬قال الخطيب الشّربين ّ‬
‫ح الصّلة فيها بل حائل ‪ ،‬وتصحّ بالحائل مع الكراهة‬
‫المواشي مطلقا إن تنجّست لم تص ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ووافق المالكيّة الحنفيّة والشّافعيّة في حكم الصّلة في الكنيسة ومعطن البل ‪ ،‬فكرهوا‬
‫الصّلة فيهما ‪ .‬وألحقوا بالكنيسة كلّ متعبّد للكفّار كالبيعة وبيت النّار ‪ ،‬وخصّوا كراهة‬
‫الصّلة في الكنيسة بما إذا دخلها مختارا سواء كانت عامر ًة أم دارسةً ‪ ،‬أمّا إن دخلها‬
‫مضطرّا فل كراهة‪ ،‬عامرةً كانت أم دارسةً ‪ .‬وقالوا بإعادة الصّلة في الوقت إذا نزلها‬
‫باختياره وصلّى على أرضها أو على فرشها‬ ‫‪.‬‬

‫وتكره الصّلة في معطن البل ولو مع أمن النّجاسة ‪ .‬وعندهم في إعادة الصّلة قولن ‪:‬‬
‫ل أو ناسيا ‪ ،‬وقول يعيد النّاسي في الوقت ‪،‬‬
‫قول يعيد في الوقت مطلقا عامدا كان أو جاه ً‬
‫والعامد والجاهل بالحكم أبدا ندبا‬ ‫‪.‬‬

‫وأجازوا الصّلة بل كراهة بمربض الغنم والبقر من غير فرش يصلّى عليه ‪ ،‬وبالمقبرة بل‬
‫حائل ولو على القبر ‪ ،‬ولو لمشرك ‪ ،‬وسواء كانت المقبرة عامرةً أم دارس ًة منبوشةً ‪،‬‬
‫وبالمزبلة والمجزرة والحال أنّه لم يصلّ على الزّبل أو الدّم ‪ ،‬بل في محلّ ل زبل فيه ‪ ،‬أو ل‬
‫دم فيه من غير أن يفرش شيئا طاهرا يصلّي عليه ‪ .‬وبالمحجّة " وسط الطّريق " وبقارعة‬
‫الطّريق " جانبه‬ ‫‪".‬‬

‫وقيّدوا جواز الصّلة في المقبرة والمزبلة والمجزرة والمحجّة بأمن النّجاسة‬ ‫‪.‬‬

‫ن بولها ورجيعها طاهران‬


‫أمّا مربض البقر والغنم فدائما مأمون النّجاسة ‪ ،‬ل ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ثمّ إنّه متى أمنت هذه الماكن من النّجس ‪ -‬بأن جزم أو ظنّ طهارتها ‪ -‬كانت الصّلة‬
‫جائز ًة ول إعادة أصلً وإن تحقّقت نجاستها أو ظنّت فل تجوز الصّلة فيها ‪ ،‬وإذا صلّى أعاد‬
‫أبدا‬ ‫‪.‬‬

‫وإن شكّ في نجاستها وطهارتها أعاد في الوقت على الرّاجح ‪ ،‬بنا ًء على ترجيح الصل‬
‫على الغالب ‪ ،‬وهو قول مالك ‪ .‬وقال ابن حبيب ‪ :‬يعيد أبدا إن كان عامدا أو جاهلً ترجيحا‬
‫للغالب على الصل ‪ .‬وهذا في غير محجّة الطّريق إذا صلّى فيها لضيق المسجد ‪ ،‬فإنّ‬
‫الصّلة فيها حينئذ جائزة ‪ .‬ول إعادة مع الشّكّ في الطّهارة وعدمها‬ ‫‪.‬‬

‫وخالف الحنابلة في كلّ ذلك فقالوا بعدم صحّة الصّلة في المقبرة مطلقا ‪ ،‬لحديث جندب‬
‫مرفوعا ‪ « :‬ل تتّخذوا القبور مساجد ‪ ،‬فإنّي أنهاكم عن ذلك » ‪ .‬والمقبرة ثلثة قبور‬
‫فصاعدا‪ ،‬فل يعتبر قبر ول قبران مقبرة‬ ‫‪.‬‬

‫ول تصحّ الصّلة في الحمّام ‪ ،‬داخله وخارجه وأتونه " موقد النّار " وكلّ ما يغلق عليه‬
‫الباب ويدخل في البيع ‪ ،‬لشمول السم لذلك كلّه ‪ ،‬لحديث أبي سعيد مرفوعا ‪ « :‬الرض‬
‫كلّها مسجد إلّ الحمّام والمقبرة » ‪ .‬ومثله الحشّ ‪ -‬وهو ما أعدّ لقضاء الحاجة ‪ -‬ولو مع‬
‫طهارته من النّجاسة‬ ‫‪.‬‬

‫ول تصحّ الصّلة عندهم في أعطان البل ‪ -‬وهي ما تقيم فيه وتأوي إليه ‪ ، -‬لما روى‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬صلّوا في مرابض الغنم ول تصلّوا‬
‫البراء بن عازب أنّ النّب ّ‬
‫في مبارك البل » ول تدخل في النّهي المواضع الّتي تناخ فيها البل لعلفها ‪ ،‬أو ورودها‬
‫الماء ‪ ،‬ومواضع نزولها في سيرها ‪ ،‬لعدم تناول اسم العطان لها‬ ‫‪.‬‬

‫ول تصحّ الصّلة ‪ -‬أيضا ‪ -‬في المجزرة والمزبلة وقارعة الطّريق ‪ ،‬سواء كان فيه سالك‬
‫أو ل ‪ ،‬لحديث ابن عمر المتقدّم‬ ‫‪.‬‬

‫ص أحمد على جواز الصّلة بل كراهة بطريق البيوت القليلة ‪ ،‬وبما عل عن جادّة‬
‫ون ّ‬
‫الطّريق يمنةً ويسرةً‬ ‫‪.‬‬

‫ح الصّلة فيه بل كراهة ‪ ،‬لنّه ليس بمحجّة ‪ ،‬وصرّحوا بأنّ كلّ مكان ل‬
‫قال البهوتيّ ‪ :‬فتص ّ‬
‫ن الهواء تابع للقرار ‪ ،‬دليل أنّ الجنب‬
‫تصحّ الصّلة فيه ‪ ،‬فكذا ل تصحّ على سطحه ‪ ،‬ل ّ‬
‫يمنع من اللّبث على سطح المسجد ‪ ،‬وأنّ من حلف ل يدخل دارا يحنث بدخول سطحها‬ ‫‪.‬‬

‫ويستثنى من ذلك وجود عذر ‪ :‬كأن حبس بحمّام ‪ ،‬أو حشّ فإنّه يصلّي في تلك الماكن من‬
‫غير إعادة ‪ ،‬وانفرد الحنابلة بعدم صحّة الصّلة في الرض المغصوبة ‪ ،‬لنّها عبادة أتي بها‬
‫ي عنه ‪ ،‬فلم تصحّ ‪ ،‬كصلة الحائض‬
‫على الوجه المنه ّ‬ ‫‪.‬‬

‫النّبيّ ‪106 -‬‬ ‫وصرّح فقهاء الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة بكراهة التّثاؤب في الصّلة لقول‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ اللّه يحبّ العطاس ‪ ،‬ويكره التّثاوب ‪ ، ..‬فإذا تثاءب أحدكم‬
‫ن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشّيطان » ‪ .‬وفي رواية ‪ « :‬فليمسك‬
‫فليردّه ما استطاع ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن الشّيطان يدخل » ‪ .‬ولنّه من التّكاسل والمتلء‬
‫بيده على فمه فإ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬فإن غلبه فليكظم ما استطاع ولو بأخذ شفته بسنّه ‪،‬‬
‫وبوضع يده أو كمّه على فمه‬ ‫‪.‬‬

‫ويكره ‪ -‬أيضا ‪ -‬عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وضع شيء في فمه ل يمنعه من القراءة‬
‫سكّر‬
‫; لنّه يشغل باله ‪ ،‬وصرّح الحنفيّة بأن يكون هذا الشّيء ل يذوب ‪ ،‬فإن كان يذوب كال ّ‬
‫يكون في فيه ‪ ،‬فإنّه تفسد صلته إذا ابتلع ذوبه‬ ‫‪.‬‬

‫ويكره ‪ -‬كذلك ‪ -‬عند الشّافعيّة والحنابلة النّفخ ‪ .‬هذا إذا لم يظهر به حرفان ‪ ،‬فإن ظهر به‬
‫حرفان بطلت الصّلة ‪ .‬قالوا ‪ :‬لنّه عبث ‪ ،‬كما صرّحوا بكراهة البصق في الصّلة قبل‬
‫وجهه أو عن يمينه ‪ ،‬لحديث أنس ‪ « :‬إذا كان أحدكم في الصّلة فإنّه يناجي ربّه فل يبزقنّ‬
‫بين يديه ‪ ،‬ول عن يمينه ولكن عن شماله تحت قدمه اليسرى‬ ‫‪».‬‬

‫وصرّح الحنفيّة بأنّه يكره في الصّلة شمّ طيب قصدا ‪ ،‬كأن يدلّك موضع سجوده بطيب ‪ ،‬أو‬
‫يضع ذا رائحة طيّبة عند أنفه في موضع سجوده ليستنشقه ‪ ،‬لنّه ليس من فعل الصّلة ‪،‬‬
‫أمّا لو دخلت الرّائحة أنفه بغير قصد فل كراهة ‪ .‬قال الطّحطاويّ ‪ :‬أمّا إذا أمسكه بيده‬
‫وشمّه فالظّاهر الفساد ‪ ،‬لنّ من رآه يجزم أنّه في غير الصّلة ‪ ،‬وأفاد بعض شرّاح المنية ‪:‬‬
‫أنّها ل تفسد بذلك أي ‪ :‬إذا لم يكن العمل كثيرا‬ ‫‪.‬‬

‫مبطلت الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬الكلم‬ ‫‪:‬‬

‫تعالى ‪107 -‬‬ ‫ن الصّلة تبطل بالكلم ‪ ،‬لما روى زيد بن أرقم ‪ -‬رضي ال‬
‫اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫عنه ‪ -‬قال ‪ « :‬كنّا نتكلّم في الصّلة ‪ ،‬يكلّم الرّجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصّلة حتّى‬
‫نزلت { وَقُومُواْ لِّلهِ قَانِتِينَ } فأمرنا بالسّكوت ونهينا عن الكلم‬ ‫‪».‬‬

‫وعن معاوية بن الحكم السّلميّ ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬قال ‪ « :‬بينا أنا أصلّي مع رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم ‪ ،‬فقلت ‪ :‬يرحمك اللّه ‪ .‬فرماني القوم‬
‫ي ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على‬
‫بأبصارهم ‪ ،‬فقلت‪ :‬واثكل ُأمّياه ما شأنكم تنظرون إل ّ‬
‫أفخاذهم ‪ ،‬فلمّا رأيتهم يصمّتونني لكنّي سكتّ ‪ ،‬فلمّا صلّى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫فبأبي هو وأمّي ما رأيت معلّما قبله ول بعده أحسن تعليما منه ‪ .‬فواللّه ما كهرني ول‬
‫ضربني ول شتمني ‪ ،‬قال ‪ :‬إنّ هذه الصّلة ل يصلح فيها شيء من كلم النّاس إنّما هو‬
‫التّسبيح والتّكبير وقراءة القرآن‬ ‫‪».‬‬

‫ن الكلم المبطل للصّلة ما‬


‫وذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أ ّ‬
‫انتظم منه حرفان فصاعدا ‪ ،‬لنّ الحرفين يكونان كلمةً كأب وأخ ‪ ،‬وكذلك الفعال‬
‫والحروف ‪ ،‬ول تنتظم كلمة في أق ّل من حرفين ‪ ،‬قال الخطيب الشّربينيّ ‪ :‬الحرفان من‬
‫ن أقلّ ما يبنى عليه الكلم حرفان للبتداء والوقف ‪ ،‬أو حرف مفهم نحو "‬
‫جنس الكلم ‪ ،‬ل ّ‬
‫ق " من الوقاية ‪ ،‬و " ع " من الوعي و " ف " من الوفاء ‪ ،‬وزاد الشّافعيّة مدّ ًة بعد حرف‬
‫وإن لم يفهم نحو " آ " لنّ الممدود في الحقيقة حرفان وهذا على الصحّ عندهم ‪ .‬ومقابل‬
‫الصحّ أنّها ل تبطل ‪ ،‬لنّ المدّة قد تتّفق لشباع الحركة ول تعدّ حرفا‬ ‫‪.‬‬

‫ن الكلم المبطل للصّلة هو حرف أو صوت ساذج ‪ ،‬سواء صدر من‬


‫وذهب المالكيّة إلى أ ّ‬
‫المصلّي بالختيار أم بالكراه ‪ ،‬وسواء وجب عليه هذا الصّوت كإنقاذ أعمى أو لم يجب ‪،‬‬
‫واستثنوا من ذلك الكلم لصلح الصّلة فل تبطل به إلّ إذا كان كثيرا ‪ ،‬وكذا استثنوا الكلم‬
‫حالة السّهو إذا كان كثيرا فإنّه تبطل به الصّلة أيضا‬ ‫‪.‬‬

‫ولم يفرّق الحنفيّة ببطلن الصّلة بالكلم بين أن يكون المصلّي ناسيا أو نائما أو جاهلً ‪ ،‬أو‬
‫مخطئا أو مُكرها ‪ ،‬فتبطل الصّلة بكلم هؤلء جميعا ‪ .‬قالوا ‪ :‬وأمّا حديث ‪ « :‬إنّ اللّه وضع‬
‫عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » ‪ .‬فمحمول على رفع الثم‬ ‫‪.‬‬
‫ن إكمالها فل يفسد ‪ ،‬وأمّا إن‬
‫واستثنوا من ذلك السّلم ساهيا للتّحليل قبل إتمامها على ظ ّ‬
‫كان عمدا فإنّه مفسد ‪ .‬وكذا نصّوا على بطلن الصّلة بالسّلم على إنسان للتّحيّة ‪ ،‬وإن لم‬
‫يقل ‪ :‬عليكم ‪ ،‬ولو كان ساهيا ‪ .‬وبر ّد السّلم بلسانه أيضا‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الشّافعيّة إلى عدم بطلن الصّلة بكلم النّاسي ‪ ،‬والجاهل بالتّحريم إن قرب عهده‬
‫بالسلم أو نشأ بعيدا عن العلماء ‪ ،‬ومن سبق لسانه ‪،‬إن كان الكلم يسيرا عرفا ‪ ،‬فيعذر‬
‫به‪ ،‬واستدلّوا للنّاسي بما روى أبو هريرة ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬قال ‪ « :‬صلّى بنا‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم الظّهر أو العصر فسلّم من ركعتين ‪ ،‬ثمّ أتى خشبة المسجد‬
‫واتّكأ عليها كأنّه غضبان ‪ ،‬فقال له ذو اليدين ‪ :‬أقصرت الصّلة أم نسيت يا رسول اللّه ؟‬
‫فقال لصحابه ‪ :‬أحقّ ما يقول ذو اليدين ؟ قالوا ‪ :‬نعم ‪ .‬فصلّى ركعتين أخريين ثمّ سجد‬
‫سجدتين‬
‫‪».‬‬
‫ووجه الدّللة ‪ :‬أنّه تكلّم معتقدا أنّه ليس في الصّلة ‪ ،‬وهم تكلّموا مجوّزين النّسخ ثمّ بنى‬
‫هو وهم عليها ‪ .‬ول يعذر في كثير الكلم ‪ ،‬لنّه يقطع نظم الصّلة وهيئتها ‪ ،‬والقليل يحتمل‬
‫ن السّبق والنّسيان في كثير نادر‬
‫لقلّته ول ّ‬ ‫‪.‬‬

‫قال الخطيب الشّربينيّ ‪ :‬ومرجع القليل والكثير إلى العرف على الصحّ ‪ .‬وأمّا المكره على‬
‫الكلم فإنّه تبطل صلته على الظهر ولو كان كلمه يسيرا ‪ ،‬ومقابل الظهر ل تبطل‬
‫كالنّاسي‪ .‬وأمّا إن كان كلمه كثيرا فتبطل به جزما‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الحنابلة إلى بطلن الصّلة بكلم السّاهي والمكره ‪ ،‬وبالكلم لمصلحة الصّلة ‪،‬‬
‫والكلم لتحذير نحو ضرير ‪ .‬ول تبطل عندهم بكلم النّائم إذا كان النّوم يسيرا ‪ ،‬فإذا نام‬
‫المصلّي قائما أو جالسا ‪ ،‬فتكلّم فل تبطل صلته ‪ ،‬وكذا إذا سبق الكلم على لسانه حال‬
‫القراءة فل تبطل صلته ‪ ،‬لنّه مغلوب عليه فأشبه ما لو غلط في القراءة فأتى بكلمة من‬
‫غيره‬ ‫‪.‬‬

‫وقال ابن قدامة ‪ :‬إن تكلّم ظانّا أنّ صلته تمّت ‪،‬فإن كان سلما لم تبطل الصّلة رواية‬
‫واحدة‪ ،‬أمّا إن تكلّم بشيء ممّا تكمل به الصّلة أو شيء من شأن الصّلة مثل كلم النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ذا اليدين لم تفسد صلته‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬الخطاب بنظم القرآن والذّكر‬ ‫‪:‬‬

‫كقوله ‪108 -‬‬ ‫اختلف الفقهاء في بطلن صلة من خاطب أحدا بشيء من القرآن وهو يصلّي ‪،‬‬
‫ك بِ َيمِينِكَ يَا‬
‫لمن اسمه يحيى أو موسى ‪ { :‬يَا َيحْيَى خُذِ ا ْلكِتَابَ ِب ُقوّةٍ } أو { َومَا تِلْ َ‬
‫ن آمِنا } ‪ .‬فذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة‬
‫مُوسَى } ‪ ،‬أو لمن بالباب { َومَن َدخَ َلهُ كَا َ‬
‫والمالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬إلى بطلن الصّلة بكلّ ما قصد به الخطاب من القرآن ‪ ،‬قال ابن‬
‫عابدين ‪ :‬والظّاهر أنّها تفسد وإن لم يكن المخاطب مس ّمىً بهذا السم إذا قصد خطابه‬ ‫‪.‬‬

‫وقيّد المالكيّة بطلن الصّلة بالخطاب بالقرآن بما إن قصد به التّفهيم بغير محلّه ‪ .‬وذلك كما‬
‫لمٍ آمِنِينَ } ‪ ،‬أمّا‬
‫لو كان في الفاتحة أو غيرها فاستؤذن عليه فقطعها إلى آية { ا ْدخُلُوهَا ِبسَ َ‬
‫إن قصد التّفهيم به بمحلّه فل تبطل به الصّلة كأن يستأذن عليه شخص وهو يقرأ { إِنّ‬
‫لمٍ آمِنِينَ } لقصد الذن في‬
‫ت وَعُيُونٍ } فيرفع صوته بقوله ‪ { :‬ا ْدخُلُوهَا ِبسَ َ‬
‫ا ْلمُ ّتقِينَ فِي جَنّا ٍ‬
‫الدّخول ‪ ،‬أو يبتدئ ذلك بعد الفراغ من الفاتحة‬ ‫‪.‬‬

‫وقيّد الشّافعيّة بطلن الصّلة بالخطاب بالقرآن بما إذا قصد التّفهيم فقط ‪ ،‬أو لم يقصد‬
‫شيئا ‪ ،‬لنّه فيهما يشبه كلم الدميّين فل يكون قرآنا إلّ بالقصد ‪ ،‬وأمّا إن قصد مع التّفهيم‬
‫القراءة لم تبطل الصّلة ‪ ،‬لنّه قرآن فصار كما لو قصد القرآن وحده ‪ ،‬ولنّ عليّا ‪ -‬رضي‬
‫ال تعالى عنه ‪ -‬كان يصلّي فدخل رجل من الخوارج فقال ‪ :‬ل حكم إلّ للّه ولرسوله ‪ ،‬فتل‬
‫ن وَعْدَ الّل ِه حَقّ‬
‫عليّ { فَاصْ ِبرْ إِ ّ‬ ‫‪}.‬‬

‫قال الخطيب الشّربينيّ ‪ :‬وهذا التّفصيل يجري في الفتح على المام بالقرآن ‪ ،‬والجهر‬
‫بالتّكبير أو التّسميع ‪ ،‬فإنّه إن قصد الرّدّ مع القراءة أو القراءة ‪ -‬فقط ‪ -‬أو قصد التّكبير أو‬
‫التّسميع ‪ -‬فقط ‪ -‬مع العلم لم تبطل وإلّ بطلت ‪ ،‬وإن كان في كلم بعض المتأخّرين ما‬
‫يوهم خلف ذلك‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الحنابلة إلى صحّة صلة من خاطب بشيء من القرآن ‪ ،‬لما روى الخلّال عن عطاء‬
‫بن السّائب قال ‪ :‬استأذنّا على عبد الرّحمن بن أبي ليلى وهو يصلّي فقال { ا ْدخُلُواْ مِصْ َر إِن‬
‫شَاء الّل ُه آمِنِينَ } فقلنا ‪ :‬كيف صنعت ؟ قال ‪ :‬استأذنّا على عبد اللّه بن مسعود وهو يصلّي‬
‫فقال ‪ { :‬ا ْدخُلُواْ مِصْ َر إِن شَاء الّل ُه آمِنِينَ } ‪ ،‬ولنّه قرآن فلم تفسد به الصّلة ‪ ،‬كما لو لم‬
‫يقصد التّنبيه ‪ .‬وقال القاضي ‪ :‬إذا قصد بالحمد الذّكر أو القرآن لم تبطل ‪ ،‬وإن قصد خطاب‬
‫ي بطلت ‪ ،‬وإن قصدهما فوجهان ‪ ،‬فأمّا إن أتى بما ل يتميّز به القرآن من غيره كقوله‬
‫آدم ّ‬
‫لرجل اسمه إبراهيم ‪ :‬يا إبراهيم ونحوه فسدت صلته ‪ ،‬لنّ هذا كلم النّاس ‪ ،‬ولم يتميّز‬
‫عن كلمهم بما يتميّز به القرآن ‪ ،‬أشبه ما لو جمع بين كلمات مفرّقة من القرآن فقال ‪ :‬يا‬
‫إبراهيم خذ الكتاب الكبير‬ ‫‪.‬‬

‫كما ذهب أبو حنيفة ومحمّد إلى بطلن الصّلة بكلّ ما قصد به الجواب من الذّكر والثّناء‬
‫خلفا لبي يوسف ‪ ،‬كأن قيل ‪ :‬أمع اللّه إله ؟ فقال ‪ :‬ل إله إلّ اللّه ‪ .‬أو ما مالك ؟ فقال ‪:‬‬
‫الخيل والبغال والحمير ‪ ،‬وأمّا إن كان الجواب بما ليس بثناء فإنّها تفسد اتّفاقا ‪ ،‬كأن قيل ‪:‬‬
‫ل ‪ ،‬لنّه ليس بثناء ‪ ،‬ومثله ما لو أخبر بخبر سوء‬
‫ما مالك ؟ فقال ‪ :‬البل والبقر والعبيد مث ً‬
‫فاسترجع وهو في الصّلة فإنّها تفسد عند أبي حنيفة ومحمّد خلفا لبي يوسف ‪ ،‬قال ابن‬
‫عابدين ‪ :‬لنّ الصل عنده أنّ ما كان ثنا ًء أو قرآنًا ل يتغيّر بالنّيّة ‪ ،‬وعندهما يتغيّر ‪ ،‬وذكر‬
‫في البحر ‪ :‬أنّه لو أخبر بخبر يسرّه فقال ‪ :‬الحمد للّه فهو على الخلف ‪ ،‬وصرّحوا بأنّ‬
‫تشميت العاطس في الصّلة لغيره يفسد الصّلة ‪ .‬فلو عطس شخص فقال له المصلّي ‪:‬‬
‫يرحمك اللّه فسدت صلته ‪ ،‬لنّه يجري في مخاطبات النّاس فكان من كلمهم ‪ ،‬بخلف ما‬
‫إذا قال العاطس أو السّامع ‪ :‬الحمد للّه فإنّه ل تفسد صلته ‪ ،‬لنّه لم يتعارف جوابا إلّ إذا‬
‫أراد التّعليم فإنّ صلته تفسد ‪ ،‬وأمّا إذا عطس فشمّت نفسه فقال ‪ :‬يرحمك اللّه يا نفسي ل‬
‫تفسد صلته ‪ ،‬لنّه لمّا لم يكن خطابا لغيره لم يعتبر من كلم النّاس كما إذا قال ‪ :‬يرحمني‬
‫اللّه ‪ .‬وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ل تبطل الصّلة بالذّكر والدّعاء إلّ أن يخاطب‬
‫كقوله لعاطس ‪ :‬يرحمك اللّه ويستثنى من ذلك الخطاب للّه تعالى ولرسوله صلى ال عليه‬
‫وسلم فل تبطل به الصّلة ‪ .‬وأمّا إذا كان الذّكر ل خطاب فيه فل تبطل به الصّلة ‪ ،‬كما لو‬
‫عطس فقال‪ :‬الحمد للّه ‪ .‬أو سمع ما يغمّه فقال ‪ :‬إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ‪ ،‬أو رأى ما‬
‫يعجبه فقال ‪ :‬سبحان اللّه ‪ ،‬أو قيل له ‪ :‬ولد لك غلم فقال ‪ :‬الحمد للّه‬ ‫‪.‬‬

‫وصرّح الحنابلة بكراهة ذلك ‪ ،‬للختلف في إبطاله الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب المالكيّة إلى جواز الحمد للعاطس ‪ ،‬والسترجاع من مصيبة أخبر بها ونحوه إلّ أنّه‬
‫يندب تركه كما صرّحوا بجواز التّسبيح والتّهليل والحوقلة بقصد التّفهيم في أيّ محلّ من‬
‫ن الصّلة كلّها محلّ لذلك‬
‫الصّلة ‪ ،‬ل ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ج ‪ -‬التّأوّه والنين والتّأفيف والبكاء والنّفخ والتّنحنح‬ ‫‪:‬‬

‫قول‪109 - :‬‬ ‫ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّ النين " وهو قول ‪ :‬أه بالقصر " والتّأوّه " وهو‬
‫آه بالمدّ " والبكاء ونحوه إن ظهر به حرفان بطلت الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫واستثنى الحنفيّة المريض الّذي ل يملك نفسه فل تبطل صلته بالنين والتّأوّه والتّأفيف‬
‫والبكاء ‪ ،‬وإن حصل حروف للضّرورة‬ ‫‪.‬‬

‫قال أبو يوسف ‪ :‬إن كان النين من وجع ‪ ،‬ممّا يمكن المتناع عنه يقطع الصّلة ‪ ،‬وإن كان‬
‫ممّا ل يمكن ل يقطع ‪ ،‬وعن محمّد إن كان المرض خفيفا يقطع ‪ ،‬وإلّ فل ‪ ،‬لنّه ل يمكنه‬
‫القعود إلّ بالنين‬ ‫‪.‬‬

‫قال ابن عابدين ‪ :‬لكن ينبغي تقييده بما إذا لم يتكلّف إخراج حروف زائدة ‪ ،‬كما استثنى‬
‫الحنفيّة البكاء من خوف الخرة وذكر الجنّة والنّار فإنّه ل تفسد به الصّلة ‪ ،‬لدللته على‬
‫الخشوع ‪ .‬فلو أعجبته قراءة المام فجعل يبكي ويقول ‪ :‬بلى أو نعم ل تفسد صلته ‪ ،‬قال‬
‫ن النين ونحوه إذا كان بذكرهما صار كأنّه قال ‪ :‬اللّهمّ إنّي‬
‫ابن عابدين نقلً عن الكافي ‪ :‬ل ّ‬
‫أسألك الجنّة وأعوذ بك من النّار ‪ ،‬ولو صرّح به ل تفسد صلته ‪ ،‬وإن كان من وجع أو‬
‫مصيبة صار كأنّه يقول ‪ :‬أنا مصاب فعزّوني ولو صرّح به تفسد‬ ‫‪.‬‬

‫ولم يفرّق الشّافعيّة بين أن يكون البكاء من خوف الخرة أم ل في بطلن الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب المالكيّة إلى جواز النين لجل وجع غلبه ‪ ،‬والبكاء لجل الخشوع ‪ ،‬سواء كان قليلً‬
‫أو كثيرا ‪ ،‬فإن لم يكن النين والبكاء من غلبة فيفرّق بين عمده وسهوه ‪ ،‬قليله وكثيره ‪،‬‬
‫فالعمد مبطل مطلقا قلّ أو كثر ‪ ،‬والسّهو يبطل إن كان كثيرا ويسجد له إن قلّ‬ ‫‪.‬‬

‫قال الدّردير ‪ :‬وهذا في البكاء الممدود وهو ما كان بصوت ‪ ،‬وأمّا المقصور ‪ ،‬وهو ما كان‬
‫بل صوت فل يضرّ ولو اختيارا ما لم يكثر‬ ‫‪.‬‬

‫ومثل المالكيّة مذهب الحنابلة فصرّحوا بعدم بطلن الصّلة بالبكاء خشيةً من اللّه تعالى ‪،‬‬
‫لكونه غير داخل في وسعه ‪ ،‬ومثله ما لو غلبه نحو سعال وعطاس وتثاؤب وبكاء ‪ ،‬ولو‬
‫بان منه حرفان ‪ ،‬قال مهنّا ‪ :‬صلّيت إلى جنب أبي عبد اللّه فتثاءب خمس مرّات وسمعت‬
‫لتثاؤبه‪ :‬هاه ‪ ،‬هاه ‪ .‬وذلك لنّه ل ينسب إليه ول يتعلّق به حكم من أحكام الكلم ‪ .‬تقول ‪:‬‬
‫ل يظهر‬
‫تثاءبت ‪ ،‬على تفاعلت ‪ ،‬ول تقل ‪ :‬تثاوبت ‪ ،‬إلّ أنّه يكره استدعاء بكاء وضحك لئ ّ‬
‫حرفان فتبطل صلته‬ ‫‪.‬‬

‫يقول ‪110 -‬‬ ‫ن التّنحنح " هو أن‬


‫وذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أ ّ‬
‫ضمّ " لغير عذر مبطل للصّلة إن ظهر حرفان ‪ ،‬فإن كان لعذر نشأ من طبعه ‪،‬‬
‫أح بالفتح وال ّ‬
‫أو غلبه فل تفسد صلته ‪ .‬قال الحنفيّة ‪ :‬ومثله ما لو فعله لغرض صحيح ‪ ،‬كتحسين‬
‫الصّوت ‪ ،‬لنّه يفعله لصلح القراءة ‪ ،‬ومن الغرض الصّحيح ما لو فعله ليهتدي إمامه إلى‬
‫الصّواب ‪ ،‬أو للعلم أنّه في الصّلة ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬والقياس الفساد في الكلّ إلّ في‬
‫المدفوع إليه كما هو قول أبي حنيفة ومحمّد ‪ ،‬لنّه كلم ‪ ،‬والكلم مفسد على كلّ حال ‪،‬‬
‫وكأنّهم عدلوا بذلك عن القياس وصحّحوا عدم الفساد به إذا كان لغرض صحيح لوجود‬
‫نصّ‪ ،‬ولعلّه ما في الحلية من سنن ابن ماجه عن عليّ ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬قال ‪« :‬‬
‫كان لي من رسول اللّه صلى ال عليه وسلم مدخلن ‪ :‬مدخل باللّيل ومدخل بالنّهار ‪ ،‬فكنت‬
‫إذا أتيته وهو يصلّي يتنحنح لي‬ ‫‪».‬‬

‫وبمثل هذا صرّح الحنابلة فأجازوا النّحنحة لحاجة ولو بان حرفان ‪ .‬قال المرّوذيّ ‪ :‬كنت‬
‫آتي أبا عبد اللّه فيتنحنح في صلته لعلم أنّه يصلّي‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إنّما يعذر من التّنحنح وغيره ‪ :‬كالسّعال والعطاس اليسير عرفا‬
‫للغلبة ‪ ،‬وإن ظهر به حرفان لعدم التّقصير ‪ ،‬وكذا التّنحنح لتعذّر القراءة الواجبة وغيرها‬
‫من الركان القوليّة للضّرورة ‪ ،‬أمّا إذا كثر التّنحنح ونحوه للغلبة كأن ظهر منه حرفان من‬
‫ن صلته تبطل ‪ ،‬وصوّب السنويّ عدم البطلن في التّنحنح والسّعال والعطاس‬
‫ذلك وكثر فإ ّ‬
‫للغلبة وإن كثرت إذ ل يمكن الحتراز عنها‬ ‫‪.‬‬

‫ي ‪ :‬وينبغي أن يكون محلّ الوّل ما إذا لم يصر السّعال ونحوه مرضا‬


‫قال الخطيب الشّربين ّ‬
‫ملزما له ‪،‬أمّا إذا صار السّعال ونحوه كذلك فإنّه ل يضرّ كمن به سلس بول ونحوه بل‬
‫ن الجهر سنّة ‪ ،‬ل ضرورة إلى التّنحنح‬
‫أولى‪ .‬ول يعذر لو تنحنح للجهر وإن كان يسيرا ‪ ،‬ل ّ‬
‫له ‪ .‬وفي معنى الجهر سائر السّنن‬ ‫‪.‬‬

‫قال الخطيب الشّربينيّ ‪ :‬لو جهل بطلنها بالتّنحنح مع علمه بتحريم الكلم فمعذور لخفاء‬
‫حكمه على العوّام‬ ‫‪.‬‬

‫ن التّنحنح لحاجة ل يبطل الصّلة ‪ ،‬ول سجود فيه من غير خلف ‪،‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أ ّ‬
‫وأمّا التّنحنح لغير حاجة ‪ ،‬بل عبثا ففيه خلف ‪ ،‬والصّحيح أنّه ل تبطل به الصّلة ‪ -‬أيضا‬
‫‪ -‬ول سجود فيه ‪ ،‬وهو أحد قولي مالك وأخذ به ابن القاسم واختاره البهريّ واللّخميّ‬
‫وخليل ‪ .‬والقول الثّاني لمالك ‪ :‬أنّه كالكلم ‪ ،‬فيفرّق بين العمد والسّهو ‪ .‬وفسّر ابن عاشر‬
‫الحاجة بضرورة الطّبع ‪ ،‬وقيّدوا عدم بطلن الصّلة بالتّنحنح لغير الحاجة بما إذا قلّ وإلّ‬
‫أبطل ‪ ،‬لنّه فعل كثير من غير جنس الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫قال ‪111 -‬‬ ‫وصرّح المالكيّة ببطلن الصّلة بتعمّد النّفخ بالفم وإن لم يظهر منه حرف ‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬ظهر معه حرف أم ل ‪ ،‬لنّه كالكلم في الصّلة ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬وسواء كان كثيرا أو قلي ً‬
‫الدّسوق ّ‬
‫وهذا هو المشهور ‪ .‬وقيل ‪ :‬إنّه ل يبطل مطلقا ‪ .‬وقيل ‪ :‬إن ظهر منه حرف أبطل وإلّ فل ‪.‬‬
‫أمّا النّفخ بالنف فل تبطل به الصّلة ما لم يكثر أو يقصد عبثا‬ ‫‪.‬‬

‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬فإن كان عبثا جرى على الفعال الكثيرة ‪ ،‬لنّه فعل من غير جنس الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫وقيّد الحنابلة بطلن الصّلة بالنّفخ فيما إذا بان حرفان لقول ابن عبّاس ‪ -‬رضي ال تعالى‬
‫عنهما ‪ " -‬من نفخ في صلته فقد تكلّم وروي نحوه عن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه‬ ‫‪-.‬‬

‫د ‪ -‬الضّحك‬ ‫‪:‬‬

‫إن ‪112 -‬‬ ‫ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ -‬إلى بطلن الصّلة بالضّحك‬
‫ي صلى‬
‫كان قهقهةً ‪ ،‬ولو لم تَبِن حروف ‪ ،‬لما روى جابر ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬أنّ النّب ّ‬
‫ال عليه وسلم قال ‪ « :‬القهقهة تنقض الصّلة ول تنقض الوضوء » ولنّه تعمّد فيها ما‬
‫ينافيها ‪ ،‬أشبه خطاب الدميّ‬ ‫‪.‬‬

‫قال المالكيّة ‪ :‬وسواء قلّت أم كثرت ‪ ،‬وسواء وقعت عمدا أم نسيانا ‪ -‬لكونه في الصّلة ‪-‬‬
‫أو غلب ًة ‪ ،‬كأن يتعمّد النّظر في صلته أو الستماع لما يضحك فيغلبه الضّحك فيها‬ ‫‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬والقهقهة اصطلحا ‪ :‬ما يكون مسموعا له ولجيرانه بدت أسنانه أو ل ‪ ،‬وإن‬
‫عري عن ظهور القاف والهاء أو أحدهما ‪ ،‬كما صرّحوا ببطلن الصّلة بالضّحك دون‬
‫قهقهة‪ ،‬وهو ما كان مسموعا له فقط‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إن ظهر بالضّحك حرفان بطلت الصّلة وإلّ فل ‪ ،‬وأمّا التّبسّم فل‬
‫ي صلى ال عليه وسلم تبسّم فيها فلمّا سلّم قال ‪ :‬مرّ بي ميكائيل‬
‫تبطل الصّلة به « لنّ النّب ّ‬
‫فضحك لي فتبسّمت له‬ ‫‪».‬‬

‫هـ ‪ -‬الكل والشّرب‬ ‫‪:‬‬

‫الجملة ‪113 -‬‬ ‫اتّفق الفقهاء على بطلن الصّلة بالكل والشّرب من حيث‬ ‫‪.‬‬

‫قال الحنفيّة ‪ :‬ولو سمسمةً ناسيا ‪ .‬واستثنوا من ذلك ما كان بين أسنانه وكان دون‬
‫الحمّصة فإنّه ل تفسد به الصّلة إذا ابتلعه ‪ ،‬وصرّحوا بفساد الصّلة بالمضغ إن كثر ‪،‬‬
‫سكّر إذا كان في فيه يبتلع ذوبه‬
‫وتقديره بالثّلث المتواليات‪ .‬وكذا تفسد بال ّ‬ ‫‪.‬‬

‫قال ابن عابدين ‪ :‬إنّ المفسد ‪ :‬إمّا المضغ ‪ ،‬أو وصول عين المأكول إلى الجوف بخلف‬
‫الطّعم ‪ .‬قال في البحر عن الخلصة ‪ :‬ولو أكل شيئا من الحلوة وابتلع عينها فدخل في‬
‫سكّر في‬
‫الصّلة فوجد حلوتها في فيه وابتلعها ل تفسد صلته ‪ ،‬ولو أدخل الفاينذ أو ال ّ‬
‫فيه ‪ ،‬ولم يمضغه ‪ ،‬لكن يصلّي والحلوة تصل إلى جوفه تفسد صلته‬ ‫‪.‬‬

‫وفرّق المالكيّة بين عمد الكل والشّرب وسهوه ‪ ،‬فإن أكل أو شرب المصلّي عمدا بطلت‬
‫صلته اتّفاقا ‪ ،‬وأمّا إن أكل أو شرب سهوا لم تبطل صلته ‪ ،‬وانجبر بسجود السّهو‬ ‫‪.‬‬

‫ل ‪ ،‬وإن كان مكرها عليه ‪ ،‬لشدّة‬


‫وذهب الشّافعيّة إلى بطلن الصّلة بالكل ولو كان قلي ً‬
‫منافاته للصّلة مع ندرته ‪ ،‬واستثنوا من ذلك ‪ :‬النّاسي أنّه في الصّلة ‪ ،‬والجاهل بالتّحريم‬
‫لقرب عهده بالسلم ‪ ،‬أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء فل تبطل صلته بالكل إلّ إذا كثر‬
‫عرفا ‪ ،‬ول تبطل ما لو جرى ريقه بباقي طعام بين أسنانه وعجز عن تمييزه ومجّه كما في‬
‫الصّوم‬ ‫‪.‬‬

‫وصرّحوا ‪ :‬بأنّه لو كان بفمه سكّرة فذابت فبلع ذوبها عمدا ‪ ،‬مع علمه بالتّحريم ‪ ،‬أو‬
‫تقصيره في التّعلّم فإنّ صلته تبطل ‪ .‬كما صرّحوا ببطلن الصّلة بالمضغ إن كثر ‪ ،‬وإن لم‬
‫يصل إلى جوفه شيء‬ ‫‪.‬‬

‫وفرّق الحنابلة في ذلك بين صلة الفرض والنّفل ‪ ،‬فصلة الفرض تبطل بالكل والشّرب‬
‫عمدا‪ ،‬ق ّل الكل أو الشّرب أو كثر ‪ ،‬لنّه ينافي الصّلة ‪ .‬وأمّا صلة النّفل فل تبطل بالكل‬
‫والشّراب إ ّل إذا كثر عرفا لقطع الموالة بين الركان‬ ‫‪.‬‬
‫قال البهوتيّ ‪ :‬وهذا رواية ‪ ،‬وعنه أنّ النّفل كالفرض ‪ ،‬قال في المبدع وبه قال أكثرهم ‪،‬‬
‫لنّ ما أبطل الفرض أبطل النّفل ‪ ،‬كسائر المبطلت‬ ‫‪.‬‬

‫وكلّ ما سبق فيما إذا كان الكل والشّرب عمدا ‪ ،‬فإن كان سهوا أو جهلً فإنّه ل يبطل‬
‫ن اللّه‬
‫ل إذا كان يسيرا ‪ ،‬لعموم قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫الصّلة فرضا كانت أو نف ً‬
‫ن تركهما عماد الصّوم ‪ ،‬وركنه‬
‫وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » ول ّ‬
‫الصليّ ‪ ،‬فإذا لم يؤثّر في حالة السّهو في الصّيام فالصّلة أولى‬ ‫‪.‬‬

‫قالوا ‪ :‬ول بأس ببلع ما بقي في فيه من بقايا الطّعام من غير مضغ ‪ ،‬أو بقي بين أسنانه‬
‫ن ذلك ل يسمّى أكلً ‪ ،‬وأمّا‬
‫من بقايا الطّعام بل مضغ ممّا يجري به ريقه وهو اليسير ‪ ،‬ل ّ‬
‫ما ل يجري به ريقه بل يجري بنفسه ‪ -‬وهو ما له جرم ‪ -‬فإنّ الصّلة تبطل ببلعه لعدم‬
‫مشقّة الحتراز‬ ‫‪.‬‬

‫قال المجد ‪ :‬إذا اقتلع من بين أسنانه ما له جرم وابتلعه بطلت صلته عندنا ‪ ،‬وصرّحوا بأنّ‬
‫بلع ما ذاب بفيه من سكّر ونحوه كالكل‬ ‫‪.‬‬

‫و ‪ -‬العمل الكثير‬ ‫‪:‬‬

‫حدّه ‪114 -‬‬ ‫اتّفق الفقهاء على بطلن الصّلة بالعمل الكثير ‪ ،‬واختلفوا في‬ ‫‪.‬‬

‫ك النّاظر في فاعله أنّه‬


‫فذهب الحنفيّة إلى أنّ العمل الكثير الّذي تبطل الصّلة به هو ما ل يش ّ‬
‫ليس في الصّلة ‪ .‬قالوا ‪ :‬فإن شكّ أنّه فيها أم ل فقليل ‪ ،‬وهذا هو الصحّ عندهم ‪ ،‬وقيّدوا‬
‫العمل الكثير ألّ يكون لصلحها ليخرج به الوضوء والمشي لسبق الحدث فإنّهما ل‬
‫يفسدانها‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬وينبغي أن يزاد ‪ :‬ول فعل لعذر احترازا عن قتل الحيّة والعقرب بعمل‬
‫كثير على قول ‪ ،‬إلّ أن يقال ‪ :‬إنّه لصلحها ‪ ،‬لنّ تركه قد يؤدّي إلى إفسادها‬ ‫‪.‬‬

‫ومذهب المالكيّة قريب من مذهب الحنفيّة ‪ ،‬فالعمل الكثير عندهم هو ما يخيّل للنّاظر أنّه‬
‫ليس في صلة ‪ ،‬والسّهو في ذلك كالعمد‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ المرجع في معرفة القلّة والكثرة هو العرف ‪ ،‬فما يعدّه‬
‫النّاس قليلً فقليل ‪ ،‬وما يعدّونه كثيرا فكثير ‪ ،‬قال الشّافعيّة ‪ :‬فالخطوتان المت ّوسّطتان ‪،‬‬
‫والضّربتان ‪ ،‬ونحوهما قليل ‪ ،‬والثّلث من ذلك أو غيره كثير إن توالت ‪ .‬سواء أكانت من‬
‫جنس الخطوات ‪ ،‬أم أجناس ‪ :‬كخطوة ‪ ،‬وضربة ‪ ،‬وخلع نعل ‪ .‬وسواء أكانت الخطوات‬
‫الثّلث بقدر خطوة واحدة أم ل‬ ‫‪.‬‬

‫وصرّحوا ببطلن الصّلة بالفعلة الفاحشة ‪ ،‬كالوثبة الفاحشة لمنافاتها للصّلة ‪ ،‬وعلى ذلك‬
‫فالفعال العمديّة عندهم تبطل الصّلة ولو كانت قليلةً ‪ ،‬سواء أكانت من جنس أفعال الصّلة‬
‫أم من غير جنسها ‪ .‬أمّا السّهو فإن كانت الفعال من غير جنس الصّلة فتبطل بكثيرها ‪،‬‬
‫ن الحاجة ل تدعو إليها ‪ ،‬أمّا إذا دعت الحاجة إليها كصلة شدّة الخوف فل تض ّر ولو‬
‫لّ‬
‫كثرت ‪ .‬أمّا إذا كانت الفعال من جنسها ‪ -‬كزيادة ركوع أو سجود سهوا ‪ -‬فل تبطل ‪« ،‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم صلّى الظّهر خمسا وسجد للسّهو ‪ ،‬ولم يعدها‬
‫ن النّب ّ‬
‫لّ‬ ‫‪».‬‬

‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل يتقدّر اليسير بثلث ول لغيرها من العدد ‪ ،‬بل اليسير ما عدّه العرف‬
‫يسيرا‪ ،‬لنّه ل توقيف فيه فيرجع للعرف كالقبض والحرز ‪ .‬فإن طال عرفا ما فعل فيها ‪،‬‬
‫ل ما لم تكن‬
‫وكان ذلك الفعل من غير جنسها غير متفرّق أبطلها عمدا كان أو سهوا أو جه ً‬
‫ضرورة ‪ ،‬فإن كانت ضرور ًة ‪ ،‬كحالة خوف ‪ ،‬وهرب من عد ّو ونحوه كسيل لم تبطل ‪ ،‬وعدّ‬
‫ابن الجوزيّ من الضّرورة الحكّة الّتي ل يصبر عليها ‪ ،‬وأمّا العمل المتفرّق فل يبطل‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أمّ النّاس في المسجد ‪ ،‬فكان إذا قام حمل‬
‫الصّلة لما ثبت « أنّ النّب ّ‬
‫أمامة بنت زينب ‪ ،‬وإذا سجد وضعها » ‪ « ،‬وصلّى النّبيّ صلى ال عليه وسلم على المنبر‬
‫وتكرّر صعوده ونزوله عنه‬ ‫‪».‬‬

‫ز ‪ -‬تخلّف شرط من شروط صحّة الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫‪ -‬ل تصحّ الصّلة إ ّل إذا كانت مستوفيةً شروطها ‪ .‬فإذا تخلّف شرط من شروط صحّتها‬ ‫‪115‬‬

‫‪ :‬كالطّهارة ‪ ،‬وستر العورة بطلت ‪ ،‬وكذلك لو طرأ ما ينافيها كما لو نزلت على ثوبه نجاسة‬
‫وهو يصلّي ‪ ،‬أو تذكّر وهو في الصّلة أنّه على غير طهارة ‪ ...‬والتّفصيل كما يلي ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬تخلّف شرط طهارة الحدث‬ ‫‪:‬‬

‫فإنّ ‪116 -‬‬ ‫إذا أحدث المصلّي أثناء الصّلة ‪ ،‬أو كان محدثا قبل الصّلة وتذكّر ذلك في الصّلة‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تقبل صلة بغير طهور » ‪.‬‬
‫صلته ل تصحّ ‪ ،‬لقول النّب ّ‬
‫‪265/ 22‬‬ ‫‪ ،‬ورعاف ف ‪، 5 /‬‬ ‫‪124/ 17‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪23‬‬ ‫‪ ) .‬وتفصيل ذلك في ( حدث ف ‪/‬‬
‫ثانيا ‪ :‬تخلّف شرط الطّهارة من النّجاسة‬ ‫‪:‬‬

‫الصّلة ‪117 -‬‬ ‫طهارة بدن المصلّي وثوبه ومكانه شرط لصحّة‬ ‫‪.‬‬

‫‪10‬‬ ‫‪ ) .‬وسبق تفصيل ذلك في فقرة (‬


‫صلة فاقد الطّهورين‬ ‫‪:‬‬

‫فاقدهما ‪118 -‬‬ ‫الطّهوران هما ‪ :‬الماء والصّعيد ‪ ،‬واختلف الفقهاء في حكم‬ ‫‪.‬‬

‫فذهب الجمهور ‪ -‬الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وبعض المالكيّة ‪ -‬إلى وجوب أداء الفرض‬
‫عليه فقط‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب المالكيّة إلى سقوط الصّلة على فاقد الطّهورين‬ ‫‪.‬‬

‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬فاقد الطّهورين‬ ‫‪).‬‬


‫صلة العاجز عن ثوب طاهر ومكان طاهر‬ ‫‪:‬‬

‫طاهر ‪119 -‬‬ ‫اختلف الفقهاء في صلة العاجز عن ثوب‬ ‫‪.‬‬

‫فذهب الحنفيّة إلى أنّه يتخيّر بين أن يصلّي بالثّوب النّجس أو عاريّا من غير إعادة ‪،‬‬
‫ن كلّ واحد منهما مانع من جواز الصّلة حالة‬
‫والصّلة بالثّوب النّجس حينئذ أفضل ‪ ،‬ل ّ‬
‫الختيار ‪ .‬فيستويان في حكم الصّلة ‪ .‬وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف‬ ‫‪.‬‬

‫ن الصّلة فيه أقرب إلى الجواز من‬


‫وعند محمّد ل تجزئه الصّلة إ ّل في الثّوب النّجس ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن القليل من النّجاسة ل يمنع الجواز ‪،‬وكذلك الكثير في قول بعض‬
‫الصّلة عريانا ‪ ،‬فإ ّ‬
‫العلماء‪ .‬قال عطاء ‪ -‬رحمه ال ‪ : -‬من صلّى وفي ثوبه سبعون قطرةً من دم جازت‬
‫صلته ‪ .‬ولم يقل أحد بجواز الصّلة عريانا في حال الختيار ‪ .‬قال في السرار ‪ :‬وقول‬
‫محمّد ‪ -‬رحمه ال ‪ -‬أفضل‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ العاجز عن ثوب طاهر يصلّي في ثوبه النّجس ‪ ،‬وعند‬
‫الحنابلة يعيد الصّلة إذا وجد غيره أو ما يطهّر به أبدا ‪ .‬وعند المالكيّة يعيد في الوقت فقط‬
‫‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يجب عليه أن يصلّي عريانا ول إعادة عليه‬ ‫‪.‬‬

‫وكذلك اختلف الفقهاء في العاجز عن مكان طاهر ‪ ،‬كأن يحبس في مكان نجس‬ ‫‪.‬‬

‫فذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أنّه يجب عليه أن يصلّي مع‬
‫ن النّبيّ‬
‫وجود النّجاسة ول يترك الصّلة ‪ ،‬لما روى أبو هريرة ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم‬ ‫‪».‬‬

‫قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬ويجب أن يتجافى عن النّجاسة بيديه وركبتيه وغيرهما القدر‬
‫الممكن ‪ ،‬ويجب أن ينحني للسّجود إلى القدر الّذي لو زاد عليه لقى النّجاسة‬ ‫‪.‬‬

‫زاد الحنابلة ‪ :‬أنّه يجلس على قدميه ‪ .‬ومذهب المالكيّة ‪ :‬أنّه يعيد في الوقت‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬بوجوب العادة عليه أبدا ‪ .‬وعند الحنابلة ‪ :‬ل إعادة عليه‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إن وجد مكانا يابسا سجد عليه وإلّ فيومئ قائما‬ ‫‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬تخلّف شرط ستر العورة‬ ‫‪:‬‬

‫‪120 - ،‬‬ ‫ستر العورة شرط من شروط صحّة الصّلة كما تقدّم ‪ ،‬فل تصحّ الصّلة إلّ بسترها‬
‫وقد اتّفق الفقهاء على بطلن صلة من كشف عورته فيها قصدا ‪ ،‬واختلفوا فيما لو‬
‫انكشفت بل قصد متى تبطل صلته ؟‬
‫ن الصّلة تبطل لو انكشف ربع عضو قدر أداء ركن بل صنعه‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ويدخل في أداء الرّكن سنّته أيضا ‪ .‬وهذا قول أبي يوسف ‪ .‬واعتبر محمّد أداء الرّكن‬
‫‪.‬حقيقةً‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬والوّل المختار للحتياط ‪ .‬وعليه لو انكشف ربع عضو ‪ -‬أق ّل من أداء‬
‫ن النكشاف الكثير في الزّمان القليل‬
‫ركن ‪ -‬فل يفسد باتّفاق الحنفيّة ‪ .‬قال ابن عابدين ‪ :‬ل ّ‬
‫عفو كالنكشاف القليل في الزّمن الكثير ‪ .‬وأمّا إذا أدّى مع النكشاف ركنا فإنّها تفسد باتّفاق‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬وهذا كلّه في النكشاف الحادث في أثناء الصّلة ‪ .‬أمّا المقارن لبتدائها فإنّه يمنع‬
‫انعقادها مطلقا اتّفاقا بعد أن يكون المكشوف ربع العضو‬ ‫‪.‬‬

‫ن مطلق النكشاف يبطل الصّلة‬


‫ولم يقيّد المالكيّة والشّافعيّة البطلن بقيود ‪ ،‬وعندهم أ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫قال النّوويّ ‪ :‬فإن انكشف شيء من عورة المصلّي لم تصحّ صلته سواء أكثر المنكشف أم‬
‫ق ّل ‪ ،‬ولو كان أدنى جزء ‪ ،‬وهذا إذا لم يسترها في الحال‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الحنابلة إلى أنّه ل يض ّر انكشاف يسير من العورة بل قصد ‪ ،‬ولو كان زمن‬
‫النكشاف طويلًا لحديث عمرو بن سلمة الجرميّ قال ‪ « :‬انطلق أبي وافدا إلى رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم في نفر من قومه فعلّمهم الصّلة ‪ ،‬فقال ‪ :‬يؤمّكم أقرؤكم ‪ ،‬وكنت‬
‫أقرأهم لما كنت أحفظ ‪ ،‬فقدّموني ‪ ،‬فكنت أؤمّهم وعليّ بردة لي صغيرة صفراء ‪ ،‬فكنت إذا‬
‫سجدت انكشفت عنّي ‪ .‬فقالت امرأة من النّساء ‪ :‬واروا عنّا عورة قارئكم ‪ .‬فاشتروا لي‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫قميصا عمّانيّا فما فرحت بشيء بعد السلم فرحي به » ولم يبلغنا أنّ النّب ّ‬
‫وسلم أنكر ذلك ول أحد من الصّحابة‬ ‫‪.‬‬

‫واليسير هو الّذي ل يفحش في النّظر عرفا ‪ .‬قال البهوتيّ ‪ :‬ويختلف الفحش بحسب‬
‫المنكشف ‪ ،‬فيفحش من السّوأة ما ل يفحش من غيرها ‪ .‬وكذا ل تبطل الصّلة إن انكشف‬
‫من العورة شيء كثير في زمن قصير ‪ ،‬فلو أطارت الرّيح ثوبه عن عورته ‪ ،‬فبدا منها ما‬
‫لم يعف عنه لم تبطل صلته ‪ ،‬وكذا لو بدت العورة كلّها فأعاد الثّوب سريعا بل عمل كثير‬
‫فإنّها ل تبطل ‪ ،‬لقصر مدّته أشبه اليسير في الزّمن الطّويل ‪ .‬وكذا تبطل لو فحش وطال‬
‫الزّمن ‪ ،‬ولو بل قصد‬ ‫‪.‬‬

‫صلة العاجز عن ساتر للعورة‬ ‫‪:‬‬

‫كيفيّة ‪121 -‬‬ ‫اتّفق الفقهاء على أنّ الصّلة ل تسقط عمّن عدم السّاتر للعورة ‪ ،‬واختلفوا في‬
‫صلته ؟ فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه مخيّر بين أن يصلّي قاعدا أو قائما ‪ ،‬فإن صلّى‬
‫قاعدا فالفضل أن يومئ بالرّكوع والسّجود ‪ ،‬لما روى ابن عمر ‪ -‬رضي ال تعالى عنهما‬
‫‪ :‬أنّ قوما انكسرت بهم مركبهم ‪ ،‬فخرجوا عراةً ‪ .‬قال ‪ :‬يصلّون جلوسا ‪ ،‬يومئون إيماءً‬
‫برءوسهم فإن ركع وسجد جاز له ذلك‬ ‫‪.‬‬

‫وعند الحنفيّة يكون قعوده كما في الصّلة فيفترش الرّجل وتتورّك المرأة‬ ‫‪.‬‬

‫وعند الحنابلة يتضامّ ‪ ،‬وذلك بأن يقيم إحدى فخذيه على الخرى ‪ ،‬لنّه أق ّل كشفا‬ ‫‪.‬‬
‫ن السّتر أه ّم من أداء‬
‫وإن صلّى قائما فإنّه يومئ كذلك بالرّكوع والسّجود عند الحنفيّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫الركان ‪ ،‬لنّه فرض في الصّلة وخارجها ‪ ،‬والركان فرائض الصّلة ل غير ‪ ،‬وقد أتى‬
‫ببدلها ‪ ،‬وقال الحنابلة ‪ :‬إذا صلّى قائما لزمه أن يركع ويسجد بالرض‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه يصلّي قائما ‪ ،‬ول يجوز له أن يجلس‬ ‫‪.‬‬

‫وتجب عليه العادة في الوقت عند المالكيّة ‪ ،‬وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬ل إعادة عليه‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أنّه إذا لم يجد عادم السّتر إلّ‬
‫ثوب حرير ‪ ،‬أو ثوبا نجسا وجب عليه لبسه ‪ ،‬ول يصلّي عاريّا ‪ ،‬لنّ فرض السّتر أقوى‬
‫من منع لبس الحرير والنّجس في هذه الحالة ‪ ،‬ويعيد في الوقت عند المالكيّة‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل يعيد إذا صلّى في ثوب حرير ‪ ،‬لنّه مأذون في لبسه في بعض الحوال‬
‫كالحكّة والبرد ‪ ،‬ويعيد إذا صلّى في ثوب نجس‬ ‫‪.‬‬

‫وفرّق الشّافعيّة بين الثّوب الحرير والثّوب النّجس ‪ ،‬فإذا لم يجد المصلّي إ ّل ثوبا نجسا ‪،‬‬
‫ولم يقدر على غسله فإنّه يصلّي عاريّا ول يلبسه ‪ ،‬وإذا وجد حريرا وجب عليه أن يصلّي‬
‫فيه ‪ ،‬لنّه طاهر يسقط الفرض به ‪ ،‬وإنّما يحرم في غير محلّ الضّرورة ‪ ،‬وتجب عليه‬
‫العادة إذا صلّى في ثوب نجس‬ ‫‪.‬‬

‫ل فيما إذا لم‬


‫ن عند الفقهاء تفصي ً‬
‫واختلفوا في وجوب التّطيّن إذا لم يجد إ ّل الطّين ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫يجد إلّ ما يستر به أحد فرجيه أيّهما يستر ‪ ،‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬عورة‬ ‫‪).‬‬

‫رابعا ‪ :‬تخلّف شرط الوقت‬ ‫‪:‬‬

‫‪122 - ،‬‬ ‫ل خلف بين الفقهاء في أنّ من صلّى قبل دخول الوقت فإنّ صلته غير صحيحة‬
‫ويجب عليه أن يصلّي إذا دخل الوقت ‪ .‬أمّا لو خرج وقت الصّلة من غير أن يصلّي ‪ ،‬فإنّه‬
‫يجب عليه أن يصلّي ول تسقط الصّلة بخروج وقتها ‪ ،‬وتكون صلته حينئذ قضاءً ‪ .‬مع‬
‫ترتّب الثم عليه لو ترك الصّلة حتّى خرج وقتها عمدا‬ ‫‪.‬‬

‫وقد أجاز الشّارع أداء الصّلة في غير وقتها في حالت معيّنة ‪ :‬كالجمع في السّفر والمطر‬
‫والمرض ‪ ،‬وينظر تفصيل ذلك في مصطلحاتها‬ ‫‪.‬‬

‫واختلفوا في صحّة الصّلة لو وقع بعضها في الوقت وبعضها خارجه ‪ ،‬وذلك كما لو دخل‬
‫في صلة الصّبح أو العصر أو غيرها وخرج الوقت وهو فيها هل تبطل صلته أم ل ؟‬
‫ن صلته صحيحة سواء‬
‫فذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أ ّ‬
‫صلّى في الوقت ركعةً أو أق ّل أو أكثر ‪ ،‬على خلف بينهم ‪ ،‬هل تكون أداءً أم قضا ًء ؟‬
‫لحديث أبي هريرة ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪« :‬‬
‫من أدرك من الصّبح ركعةً قبل أن تطلع الشّمس فقد أدرك الصّبح ‪ ،‬ومن أدرك ركعةً من‬
‫العصر قبل أن تغرب الشّمس فقد أدرك العصر‬ ‫»‬

‫ووافق الحنفيّة الجمهور فيما تقدّم فيما سوى صلة الصّبح وحدها فإنّها ل تدرك عندهم إلّ‬
‫بأدائها كلّها قبل طلوع الشّمس ‪ ،‬وعلّلوا ذلك بطروء الوقت النّاقص على الوقت الكامل ولذا‬
‫عدّوا ذلك من مبطلت الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫خامسا ‪ :‬تخلّف شرط الستقبال‬ ‫‪:‬‬

‫‪123 - 63/ 4‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪11‬‬ ‫‪/‬‬ ‫ف‪10‬‬ ‫‪ ) .‬سبق تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬استقبال‬
‫ح ‪ -‬ترك ركن من أركان الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫كلّ‪124 - .‬‬ ‫ل ‪ ،‬ويختلف حكم‬


‫ترك الرّكن في الصّلة ‪ :‬إمّا أن يكون عمدا ‪،‬أو سهوا ‪ ،‬أو جه ً‬
‫ن صلته‬
‫أمّا تركه عمدا ‪ :‬فقد اتّفق الفقهاء على أنّ من ترك ركنا من أركان الصّلة عمدا فإ ّ‬
‫ل فقد اتّفقوا على أنّه يجب عليه أن يأتي به‬
‫ح منه ‪ .‬وأمّا تركه سهوا أو جه ً‬
‫تبطل ول تص ّ‬
‫إن أمكن تداركه ‪ ،‬فإن لم يمكن تداركه فإنّ صلته تفسد عند الحنفيّة ‪ ،‬أمّا الجمهور فقالوا‬
‫‪ :‬تلغى الرّكعة الّتي ترك منها الرّكن فقط وذلك إذا كان الرّكن المتروك غير النّيّة وتكبيرة‬
‫الحرام ‪ ،‬فإن كانا هما استأنف الصّلة ‪ ،‬لنّه غير مص ّل ‪ ( .‬ر ‪ :‬سجود السّهو‬ ‫‪).‬‬

‫صَلَةُ السْتِخَارة‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬استخارة ‪.‬‬

‫صَلَةُ السْ ِتسْقَاء‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬استسقاء‬ ‫‪.‬‬

‫صَلَةُ ا ِلشْراق‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫صلة ‪1 -‬‬ ‫سبق تعريف الصّلة في بحث‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا الشراق ‪ :‬فهو من شرق ‪ ،‬يقال ‪ :‬شرقت الشّمس شروقا ‪ ،‬وشرقا أيضا ‪ :‬طلعت ‪،‬‬
‫وأشرقت ‪ -‬باللف ‪ -‬أضاءت ‪ ،‬ومنهم من يجعلهما بمعنىً‬ ‫‪.‬‬

‫وصلة الشراق ‪ -‬بهذا السم ‪ -‬ذكرها بعض فقهاء الشّافعيّة على ما جاء في بعض‬
‫كتبهم ‪ ،‬وذلك في أثناء الكلم على صلة الضّحى‬ ‫‪.‬‬

‫ي قال ‪ :‬من النّوافل الّتي ل يسنّ لها الجماعة ‪ :‬الضّحى‬


‫ففي منهاج الطّالبين وشرحه للمحلّ ّ‬
‫‪ :‬وأقلّها ركعتان ‪ ،‬وأكثرها اثنتا عشرة ركعةً ‪ ،‬ويسلّم من كلّ ركعتين ‪ .‬قال القليوبيّ تعليقا‬
‫على قوله ‪ " :‬الضّحى " هي صلة الوّابين وصلة الشراق على المعتمد عند شيخنا الرّمليّ‬
‫وشيخنا الزّياديّ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬كما في الحياء ‪ :‬إنّها " أي صلة الشراق " صلة ركعتين عند‬
‫ارتفاع الشّمس‬ ‫‪.‬‬

‫وفي عميرة قال السنويّ ‪ :‬ذكر جماعة من المفسّرين ‪ .‬أنّ صلة الضّحى هي صلة‬
‫ي وَالْ ِإشْرَاقِ } أي يصلّين ‪ ،‬لكن في‬
‫الشراق المشار إليها في قوله تعالى ‪ُ { :‬يسَ ّبحْنَ بِا ْل َعشِ ّ‬
‫الحياء أنّها غيرها ‪ ،‬وأنّ صلة الشراق ركعتان بعد طلوع الشّمس عند زوال وقت الكراهة‬
‫‪.‬‬

‫صَلَةُ ْا َلوّابِين‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫صلة ‪1 -‬‬ ‫الصّلة ‪ ،‬ينظر تعريفها في مصطلح ‪( :‬‬ ‫‪).‬‬

‫والوّابون جمع أوّاب ‪ ،‬وفي اللّغة ‪ :‬آب إلى اللّه رجع عن ذنبه وتاب‬ ‫‪.‬‬

‫والوّاب ‪ :‬ال ّرجّاع الّذي يرجع إلى التّوبة والطّاعة‬ ‫‪.‬‬

‫ول يخرج استعمال الفقهاء للكلمة عن هذا المعنى‬ ‫‪.‬‬

‫سمّيت بصلة الوّابين لحديث زيد بن أرقم مرفوعا ‪ « :‬صلة الوّابين حين ترمض الفصال‬
‫» وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬قال ‪ « :‬أوصاني خليلي صلى ال عليه وسلم‬
‫بثلث لست بتاركهنّ ‪ :‬أن ل أنام إلّ على وتر ‪ ،‬وأن ل أدع ركعتي الضّحى فإنّها صلة‬
‫الوّابين ‪ ،‬وصيام ثلثة أيّام من كلّ شهر‬ ‫‪».‬‬

‫وقت صلة الوّابين وحكمها‬ ‫‪:‬‬

‫الحرّ ‪2 -‬‬ ‫قال الجمهور ‪ :‬هي صلة الضّحى ‪ ،‬والفضل فعلها بعد ربع النّهار إذا اشتدّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬صلة الوّابين حين ترمض الفصال »‬
‫واستدلّوا بحديث النّب ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬صلة الوّابين » هو الّذي أعطاها هذه التّسمية ‪،‬‬
‫فقول النّب ّ‬
‫وكان ذلك واضحا في حديث أبي هريرة المتقدّم وفيه ‪ « ...‬وأن ل أدع ركعتي الضّحى فإنّها‬
‫صلة الوّابين‬ ‫‪».‬‬

‫ولذلك يقول الفقهاء ‪ :‬من أتى بها " أي بصلة الضّحى " كان من الوّابين‬ ‫‪.‬‬

‫وينظر تفصيل أحكام صلة الضّحى في مصطلح ‪ ( :‬صلة الضّحى‬ ‫‪).‬‬

‫المغرب ‪3 -‬‬ ‫ت ركعات بعد‬


‫وتطلق أيضا على التّنفّل بعد المغرب ‪ .‬فقالوا ‪ :‬يستحبّ أداء س ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫ليكتب من الوّابين ‪ ،‬واستدلّوا على أفضليّة هذه الصّلة بحديث النّب ّ‬
‫‪ « :‬من صلّى بعد المغرب ستّ ركعات لم يتكلّم فيما بينهنّ بسوء عدلن له عبادة اثنتي‬
‫عشرة سنةً‬ ‫‪».‬‬
‫قال الماورديّ ‪ « :‬كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم يصلّيها ويقول ‪ :‬هذه صلة الوّابين » ‪.‬‬
‫ن صلة الوّابين تطلق‬
‫ويؤخذ ممّا جاء عن صلة الضّحى والصّلة بين المغرب والعشاء أ ّ‬
‫على صلة الضّحى ‪ ،‬والصّلة بين المغرب والعشاء ‪ .‬فهي مشتركة بينهما كما يقول‬
‫الشّافعيّة‬ ‫‪.‬‬

‫تسنّ ‪4 -‬‬ ‫وانفرد الشّافعيّة بتسمية التّطوّع بين المغرب والعشاء بصلة الوّابين ‪ ،‬وقالوا ‪:‬‬
‫صلة الوّابين ‪ ،‬وتسمّى صلة الغفلة ‪ ،‬لغفلة النّاس عنها ‪ ،‬واشتغالهم بغيرها من عشاء ‪،‬‬
‫ونوم ‪ ،‬وغيرهما ‪ ،‬وهي عشرون ركعةً بين المغرب والعشاء ‪ ،‬وفي رواية أخرى أنّها ستّ‬
‫ركعات ‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬نفل‬ ‫‪).‬‬

‫صَلَةُ التّراوِيح‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫صلة ‪1 -‬‬ ‫تقدّم تعريف الصّلة لغةً واصطلحًا في مصطلح ‪( :‬‬ ‫‪).‬‬

‫والتّراويح ‪ :‬جمع ترويحة ‪ ،‬أي ترويحة للنّفس ‪ ،‬أي استراحة ‪ ،‬من الرّاحة وهي زوال‬
‫المشقّة والتّعب ‪ ،‬والتّرويحة في الصل اسم للجلسة مطلقةً ‪ ،‬وسمّيت الجلسة الّتي بعد أربع‬
‫ركعات في ليالي رمضان بالتّرويحة للستراحة ‪ ،‬ثمّ سمّيت كلّ أربع ركعات ترويحةً مجازا ‪،‬‬
‫وسمّيت هذه الصّلة بالتّراويح ‪ ،‬لنّهم كانوا يطيلون القيام فيها ويجلسون بعد كلّ أربع‬
‫ركعات للستراحة‬ ‫‪.‬‬

‫وصلة التّراويح ‪ :‬هي قيام شهر رمضان ‪ ،‬مثنى مثنى ‪ ،‬على اختلف بين الفقهاء في عدد‬
‫ركعاتها ‪ ،‬وفي غير ذلك من مسائلها‬ ‫‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬إحياء اللّيل‬ ‫‪:‬‬

‫أكثره ‪2 -‬‬ ‫إحياء اللّيل ‪ ،‬ويطلق عليه بعض الفقهاء أيضًا قيام اللّيل ‪ ،‬هو ‪ :‬إمضاء اللّيل ‪ ،‬أو‬
‫في العبادة كالصّلة والذّكْر وقراءة القرآن الكريم ‪ ،‬ونحو ذلك ‪ ( .‬ر ‪ :‬إحياء اللّيل ) ‪.‬‬
‫وإحياء اللّيل ‪ :‬يكون في كلّ ليلة من ليالي العام ‪ ،‬ويكون بأيّ من العبادات المذكورة أو‬
‫نحوها وليس بخصوص الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫صةً‬
‫أمّا صلة التّراويح فتكون في ليالي رمضان خا ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬التّهجّد‬ ‫‪:‬‬

‫هجد ‪3 -‬‬ ‫التّهجّد في اللّغة ‪ :‬من الهجود ‪ ،‬ويطلق الهجود على النّوم وعلى السّهر ‪ ،‬يقال ‪:‬‬
‫إذا نام باللّيل ‪ ،‬ويقال أيضا هجد ‪ :‬إذا صلّى اللّيل ‪ ،‬فهو من الضداد ‪ ،‬ويقال ‪ :‬تهجّد إذا‬
‫أزال النّوم بالتّكلّف‬ ‫‪.‬‬
‫وهو في الصطلح ‪ :‬صلة التّطوّع في اللّيل بعد النّوم‬ ‫‪.‬‬

‫والتّهجّد ‪ -‬عند جمهور الفقهاء ‪ -‬صلة التّطوّع في اللّيل بعد النّوم ‪ ،‬في أيّ ليلة من ليالي‬
‫العام‬ ‫‪.‬‬

‫صةً‬
‫أمّا صلة التّراويح فل يشترط لها أن تكون بعد النّوم ‪ ،‬وهي في ليالي رمضان خا ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ج ‪ -‬التّطوّع‬ ‫‪:‬‬

‫بذلك ‪4 -‬‬ ‫التّطوّع هو ‪ :‬ما شُرع زيادةً على الفرائض والواجبات من الصّلة وغيرها ‪ ،‬وسمّي‬
‫‪ ،‬لنّه زائد على ما فرضه اللّه تعالى ‪ ،‬وصلة التّطوّع أو النّافلة تنقسم إلى نفل مقيّد ومنه‬
‫صلة التّراويح ‪ ،‬وإلى نفل مطلق أي غير مقيّد بوقت‬ ‫‪.‬‬

‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬تطوّع‬ ‫‪).‬‬

‫د ‪ -‬الوتر‬ ‫‪:‬‬

‫وتر ‪5 -‬‬ ‫ن عدد ركعاتها‬


‫الوتر هو ‪ :‬الصّلة المخصوصة بعد فريضة العشاء ‪ ،‬سمّيت بذلك ل ّ‬
‫ل شفع‬ ‫‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ‬ ‫‪:‬‬

‫المالكيّة ‪6 -‬‬ ‫اتّفق الفقهاء على سُنّ ّيةِ صلة التّراويح ‪ ،‬وهي عند الحنفيّة والحنابلة وبعض‬
‫سنّة مؤكّدة ‪ ،‬وهي سنّة للرّجال والنّساء ‪ ،‬وهي من أعلم الدّين الظّاهرة‬ ‫‪.‬‬

‫وقد سنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم صلة التّراويح ورغّب فيها ‪ ،‬فقال صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬إنّ اللّه فرض صيام رمضان عليكم ‪ ،‬وسننت لكم قيامه‬ ‫‪... » .‬‬

‫وروى أبو هريرة ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬قال ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫يرغّب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول ‪ :‬من قام رمضان إيمانا‬
‫ي وغيره ‪ :‬اتّفقوا على أنّ صلة‬
‫غفِر له ما تقدّم من ذنبه » قال الخطيب الشّربين ّ‬
‫واحتسابا ُ‬
‫التّراويح هي المرادة بالحديث المذكور‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم بأصحابه صلة التّراويح في بعض اللّيالي ‪ ،‬ولم‬


‫وقد صلّى النّب ّ‬
‫يواظب عليها ‪ ،‬وبيّن العذر في ترك المواظبة وهو خشية أن تكتب فيعجزوا عنها ‪ ،‬فعن‬
‫ي صلى ال عليه وسلم صلّى في المسجد ‪،‬‬
‫عائشة ‪ -‬رضي ال تعالى عنها ‪ « -‬أنّ النّب ّ‬
‫فصلّى بصلته ناس ‪ ،‬ثمّ صلّى من القابلة فكثر النّاس ‪ ،‬ث ّم اجتمعوا من الثّالثة فلم يخرج‬
‫إليهم ‪ ،‬فلمّا أصبح قال ‪ :‬قد رأيت الّذي صنعتم ‪،‬فلم يمنعني من الخروج إليكم إلّ أنّي خشيت‬
‫أن تفرض عليكم »‪ ،‬وذلك في رمضان زاد البخاريّ فيه ‪ « :‬فتوفّي رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم والمر على ذلك‬ ‫‪».‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم بأصحابه روى أبو ذرّ ‪ -‬رضي‬
‫وفي تعيين اللّيالي الّتي قامها النّب ّ‬
‫ال تعالى عنه ‪ -‬قال ‪ « :‬صمنا مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم رمضان فلم يقم بنا‬
‫شيئا من الشّهر حتّى بقي سبع ‪ ،‬فقام بنا حتّى ذهب ثلث اللّيل ‪ ،‬فلمّا كانت السّادسة لم يقم‬
‫بنا ‪ ،‬فلمّا كانت الخامسة قام بنا حتّى ذهب شطر اللّيل ‪ ،‬فقلت ‪ :‬يا رسول اللّه لو نفلتنا قيام‬
‫هذه اللّيلة؟ قال ‪ :‬فقال ‪ :‬إنّ الرّجل إذا صلّى مع المام حتّى ينصرف حسب له قيام ليلة قال‬
‫‪ :‬فلمّا كانت الرّابعة لم يقم ‪ ،‬فلمّا كانت الثّالثة جمع أهله ونساءه والنّاس فقام بنا حتّى‬
‫خشينا أن يفوتنا الفلح قال ‪ :‬قلت ‪ :‬وما الفلح ؟ قال ‪ :‬السّحور ‪ ،‬ثمّ لم يقم بنا بقيّة الشّهر‬
‫‪».‬‬
‫وعن النّعمان بن بشير ‪ -‬رضي ال تعالى عنهما ‪ -‬قال ‪ « :‬قمنا مع رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم في شهر رمضان ليلة ثلث وعشرين إلى ثلث اللّيل الوّل ‪ ،‬ث ّم قمنا معه ليلة‬
‫خمس وعشرين إلى نصف اللّيل ‪ ،‬ثمّ قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتّى ظننّا أن ل ندرك‬
‫الفلح وكانوا يسمّونه السّحور‬ ‫‪».‬‬

‫وقد واظب الخلفاء الرّاشدون والمسلمون من زمن عمر ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬على‬
‫صلة التّراويح جماع ًة ‪ ،‬وكان عمر ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬هو الّذي جمع النّاس فيها‬
‫على إمام واحد‬ ‫‪.‬‬

‫عن عبد الرّحمن بن عبد القاريّ ‪ ،‬قال ‪ :‬خرجت مع عمر بن الخطّاب ‪ -‬رضي ال تعالى‬
‫عنه ‪ -‬ليلةً في رمضان إلى المسجد ‪ ،‬فإذا النّاس أوزاع متفرّقون ‪ ،‬يصلّي الرّجل لنفسه ‪،‬‬
‫ويصلّي الرّجل فيصلّي بصلته الرّهط ‪ ،‬فقال عمر ‪ :‬إنّي أرى لو جمعت هؤلء على قارئ‬
‫ي بن كعب ‪ ،‬ثمّ خرجت معه ليل ًة أخرى والنّاس‬
‫واحد لكان أمثل ‪ ،‬ثمّ عزم فجمعهم على أب ّ‬
‫يصلّون بصلة قارئهم ‪ ،‬فقال ‪ :‬نعمت البدعة هذه ‪ ،‬والّتي ينامون عنها أفضل من الّتي‬
‫يقومون ‪ .‬يريد آخر اللّيل ‪ ،‬وكان النّاس يقومون أوّله‬ ‫‪.‬‬

‫وروى أسد بن عمرو عن أبي يوسف قال ‪ :‬سألت أبا حنيفة عن التّراويح وما فعله عمر ‪،‬‬
‫فقال ‪ :‬التّراويح سنّة مؤكّدة ‪ ،‬ولم يتخرّص عمر من تلقاء نفسه ‪ ،‬ولم يكن فيه مبتدعا ‪،‬‬
‫ولم يأمر به إلّ عن أصل لديه وعهد من رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ولقد سنّ عمر‬
‫هذا وجمع النّاس على أبيّ بن كعب فصلّاها جماعةً والصّحابة متوافرون من المهاجرين‬
‫والنصار وما ردّ عليه واحد منهم ‪ ،‬بل ساعدوه ووافقوه وأمروا بذلك‬ ‫‪.‬‬

‫فضل صلة التّراويح‬ ‫‪:‬‬

‫الصّلة ‪7 -‬‬ ‫بيّن الفقهاء منزلة التّراويح بين نوافل‬ ‫‪.‬‬

‫قال المالكيّة ‪ :‬التّراويح من النّوافل المؤكّدة ‪،‬حيث قالوا ‪ :‬وتأكّد تراويح ‪ ،‬وهو قيام‬
‫رمضان‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬التّطوّع قسمان‬ ‫‪:‬‬
‫ن له الجماعة لتأكّده بسنّها له ‪ ،‬وله مراتب‬
‫ن له الجماعة وهو أفضل ممّا ل تس ّ‬
‫قسم تس ّ‬ ‫‪:‬‬

‫فأفضله العيدان ثمّ الكسوف للشّمس ‪ ،‬ثمّ الخسوف للقمر ‪ ،‬ثمّ الستسقاء ‪ ،‬ثمّ التّراويح ‪...‬‬
‫ن لها‬
‫وقالوا ‪ :‬الصحّ أنّ الرّواتب وهي التّابعة للفرائض أفضل من التّراويح وإن س ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم واظب على الرّواتب دون التّراويح‬
‫الجماعة‪ ،‬لنّ النّب ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ي ‪ :‬والمراد تفضيل الجنس على الجنس من غير نظر لعدد‬


‫قال شمس الدّين الرّمل ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الحنابلة ‪ :‬أفضل صلة تطوّع ما سنّ أن يصلّى جماع ًة ‪ ،‬لنّه أشبه بالفرائض ثمّ‬
‫ن جماعةً ‪ :‬كسوف فاستسقاء فتراويح‬
‫الرّواتب ‪ ،‬وآكد ما يس ّ‬ ‫‪.‬‬

‫تاريخ مشروعيّة صلة التّراويح والجماعة فيها‬ ‫‪:‬‬

‫وسلم ‪8 -‬‬ ‫ي صلى ال عليه‬


‫روى الشّيخان عن عائشة ‪ -‬رضي ال تعالى عنها ‪ « : -‬أنّ النّب ّ‬
‫خرج من جوف اللّيل ليالي من رمضان وصلّى في المسجد ‪ ،‬وصلّى النّاس بصلته ‪،‬‬
‫وتكاثروا فلم يخرج إليهم في الرّابعة ‪ ،‬وقال لهم ‪ :‬خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها‬
‫»‪ .‬قال القليوبيّ ‪ :‬هذا يشعر أنّ صلة التّراويح لم تشرع إلّ في آخر سني الهجرة لنّه لم‬
‫يرد أنّه صلّاها مرّ ًة ثانيةً ول وقع عنها سؤال‬ ‫‪.‬‬

‫وجمع عمر بن الخطّاب ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬النّاس في التّراويح على إمام واحد في‬
‫السّنة الرّابعة عشرة من الهجرة ‪ ،‬لنحو سنتين خلتا من خلفته ‪ ،‬وفي رمضان الثّاني من‬
‫خلفته‬ ‫‪.‬‬

‫النّداء لصلة التّراويح‬ ‫‪:‬‬

‫رسول ‪9 -‬‬ ‫ذهب الفقهاء إلى أنّه ل أذان ول إقامة لغير الصّلوات المفروضة ‪ ،‬لما ثبت « أنّ‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم أذّن للصّلوات الخمس والجمعة دون ما سواها من الوتر ‪،‬‬
‫والعيدين‪ ،‬والكسوف ‪ ،‬والخسوف ‪ ،‬والستسقاء ‪ ،‬وصلة الجنازة ‪ ،‬والسّنن والنّوافل‬ ‫‪».‬‬

‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ينادى لجماعة غير الصّلوات المفروضة ‪ :‬الصّلة جامعة ‪ ،‬ونقل النّوويّ‬
‫عن الشّافعيّ قوله ‪ :‬ل أذان ول إقامة لغير المكتوبة ‪ ،‬فأمّا العياد والكسوف وقيام شهر‬
‫رمضان فأحبّ أن يقال ‪ :‬الصّلة جامعةً‬ ‫‪.‬‬

‫واستدلّوا بما روى الشّيخان « أنّه لمّا كسفت الشّمس على عهد رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم نودي ‪ :‬إنّ الصّلة جامعة » وقيس بالكسوف غيره ممّا تشرع فيه الجماعة ومنها‬
‫التّراويح ‪ .‬وكالصّلة جامعةً ‪ :‬الصّلة الصّلة ‪ ،‬أو هلمّوا إلى الصّلة ‪،‬أو الصّلة رحمكم‬
‫اللّه‪ ،‬أو حيّ على الصّلة خلفا لبعضهم‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الحنابلة إلى أنّه ل ينادى على التّراويح " الصّلة جامعة " لنّه محدث‬ ‫‪.‬‬

‫تعيين ال ّنيّة في صلة التّراويح‬ ‫‪:‬‬


‫في ‪10 -‬‬ ‫ذهب الشّافعيّة وبعض الحنفيّة ‪ ،‬وهو المذهب عند الحنابلة إلى اشتراط تعيين النّيّة‬
‫التّراويح ‪ ،‬فل تصحّ التّراويح بنيّة مطلقة ‪ ،‬بل ينوي صلة ركعتين من قيام رمضان أو من‬
‫التّراويح لحديث ‪ « :‬إنّما العمال بالنّيّات » وليتميّز إحرامه بهما عن غيره‬ ‫‪.‬‬

‫ن التّراويح سنّة ‪ ،‬والسّنّة عندهم ل تتأدّى بنيّة مطلق‬


‫وعلّل الحنفيّة القائلون بذلك قولهم بأ ّ‬
‫الصّلة أو نيّة التّطوّع ‪ ،‬واستدلّوا بما روى الحسن عن أبي حنيفة أنّه ‪ :‬ل تتأدّى ركعتا‬
‫الفجر إ ّل بنيّة السّنّة‬ ‫‪.‬‬

‫لكنّهم اختلفوا في تجديد النّيّة لكلّ ركعتين من التّراويح ‪ ،‬قال ابن عابدين في الخلصة ‪:‬‬
‫الصّحيح نعم ‪،‬لنّه صلة على حدة ‪ ،‬وفي الخانيّة ‪ :‬الصحّ ل ‪ ،‬فإنّ الكلّ بمنزلة صلة‬
‫واحدة‪ ،‬ثمّ قال ويظهر لي " ترجيح " التّصحيح الوّل ‪ ،‬لنّه بالسّلم خرج من الصّلة‬
‫ك أنّه الحوط خروجا من الخلف‬
‫حقيقةً ‪ ،‬فل بدّ من دخوله فيها بالنّيّة ‪ ،‬ول ش ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ن التّراويح وسائر السّنن تتأدّى بنيّة مطلقة ‪ ،‬لنّها وإن كانت‬


‫وقال عامّة مشايخ الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫ن الحتياط أن ينوي‬
‫س ّنةً ل تخرج عن كونها نافل ًة ‪ ،‬والنّوافل تتأدّى بمطلق النّيّة ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫التّراويح أو سنّة الوقت أو قيام رمضان احترازا عن موضع الخلف‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الحنابلة إلى أنّه يندب في كلّ ركعتين من التّراويح أن ينوي فيقول سرّا ‪ :‬أصلّي‬
‫ركعتين من التّراويح المسنونة أو من قيام رمضان‬ ‫‪.‬‬

‫عدد ركعات التّراويح‬ ‫‪:‬‬

‫رمضان ‪11 -‬‬ ‫قال السّيوطيّ ‪ :‬الّذي وردت به الحاديث الصّحيحة والحسان المر بقيام‬
‫ي صلى ال عليه وسلم صلّى‬
‫والتّرغيب فيه من غير تخصيص بعدد ‪ ،‬ولم يثبت أنّ النّب ّ‬
‫التّراويح عشرين ركعةً ‪ ،‬وإنّما صلّى ليالي صل ًة لم يذكر عددها ‪ ،‬ثمّ تأخّر في اللّيلة الرّابعة‬
‫خشية أن تفرض عليهم فيعجزوا عنها‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم صلّى التّراويح عشرين‬


‫وقال ابن حجر الهيثميّ ‪ :‬لم يصحّ أنّ النّب ّ‬
‫ركعةً ‪ ،‬وما ورد « أنّه كان يصلّي عشرين ركعةً » فهو شديد الضّعف‬ ‫‪.‬‬

‫واختلفت الرّواية فيما كان يصلّى به في رمضان في زمان عمر بن الخطّاب رضي ال تعالى‬
‫عنه‬ ‫‪:‬‬

‫فذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬من الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وبعض المالكيّة ‪ -‬إلى أنّ‬
‫التّراويح عشرون ركعةً ‪ ،‬لما رواه مالك عن يزيد بن رومان والبيهقيّ عن السّائب بن يزيد‬
‫من قيام النّاس في زمان عمر ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬بعشرين ركعةً ‪ ،‬وجمع عمر‬
‫ي ‪ :‬جمع عمر أصحاب رسول‬
‫النّاس على هذا العدد من الرّكعات جمعا مستمرّا ‪ ،‬قال الكاسان ّ‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم في شهر رمضان على أبيّ بن كعب ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪-‬‬
‫فصلّى بهم عشرين ركعةً ‪ ،‬ولم ينكر عليه أحد فيكون إجماعا منهم على ذلك‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الدّسوقيّ وغيره ‪ :‬كان عليه عمل الصّحابة والتّابعين‬ ‫‪.‬‬

‫وقال ابن عابدين ‪ :‬عليه عمل النّاس شرقا وغربا‬ ‫‪.‬‬

‫ي السّنهوريّ ‪ :‬هو الّذي عليه عمل النّاس واستم ّر إلى زماننا في سائر المصار‬
‫وقال عل ّ‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬وهذا في مظنّة الشّهرة بحضرة الصّحابة فكان إجماعا والنّصوص في ذلك‬
‫كثيرة‬ ‫‪.‬‬

‫ي بن كعب وتميما الدّاريّ أن‬


‫وروى مالك عن السّائب بن يزيد قال ‪ :‬أمر عمر بن الخطّاب أب ّ‬
‫يقوما للنّاس بإحدى عشرة ركعةً ‪ ،‬قال ‪ :‬وقد كان القارئ يقرأ بالمئين ‪ ،‬حتّى كنّا نعتمد‬
‫ي من طول القيام ‪ ،‬وما كنّا ننصرف إلّ في فروع الفجر ‪ .‬وروى مالك عن يزيد‬
‫على العص ّ‬
‫بن رومان أنّه قال ‪ :‬كان النّاس يقومون في زمان عمر بن الخطّاب في رمضان بثلث‬
‫وعشرين ركعةً ‪ ،‬قال البيهقيّ والباجيّ وغيرهما ‪ :‬أي بعشرين ركعةً غير الوتر ثلث‬
‫ركعات ‪ ،‬ويؤيّده ما رواه البيهقيّ وغيره عن السّائب بن يزيد ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪-‬‬
‫قال ‪ :‬كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطّاب ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬في شهر رمضان‬
‫بعشرين ركعةً‬ ‫‪.‬‬

‫ي ‪ :‬يحتمل أن يكون عمر أمرهم بإحدى عشرة ركعةً ‪ ،‬وأمرهم مع ذلك بطول‬
‫قال الباج ّ‬
‫ن التّطويل في القراءة أفضل الصّلة ‪ ،‬فلمّا‬
‫القراءة ‪ ،‬يقرأ القارئ بالمئين في الرّكعة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ضعف النّاس عن ذلك أمرهم بثلث وعشرين ركعةً على وجه التّخفيف عنهم من طول‬
‫القيام‪ ،‬واستدرك بعض الفضيلة بزيادة الرّكعات‬ ‫‪.‬‬

‫وقال العدويّ ‪ :‬الحدى عشرة كانت مبدأ المر ‪ ،‬ثمّ انتقل إلى العشرين‬ ‫‪.‬‬

‫وقال ابن حبيب ‪ :‬رجع عمر إلى ثلث وعشرين ركعةً‬ ‫‪.‬‬

‫وخالف الكمال بن الهمام مشايخ الحنفيّة القائلين بأنّ العشرين سنّة في التّراويح فقال ‪ :‬قيام‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ثمّ‬
‫رمضان سنّة إحدى عشرة ركعةً بالوتر في جماعة ‪ ،‬فعله النّب ّ‬
‫ك في تحقّق المن من‬
‫تركه لعذر ‪ ،‬أفاد أنّه لول خشية فرضه عليهم لواظب بهم ‪ ،‬ول ش ّ‬
‫ذلك بوفاته صلى ال عليه وسلم فيكون س ّن ًة ‪ ،‬وكونها عشرين سنّة الخلفاء الرّاشدين ‪،‬‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين » ندب إلى سنّتهم ‪،‬‬
‫ول يستلزم كون ذلك سنّته ‪ ،‬إذ سنّته بمواظبته بنفسه أو إلّ لعذر ‪ ،‬وبتقدير عدم ذلك العذر‬
‫كان يواظب على ما وقع منه ‪ ،‬فتكون العشرون مستحبّا ‪ ،‬وذلك القدر منها هو السّنّة ‪،‬‬
‫كالربع بعد العشاء مستحبّة وركعتان منها هي السّنّة ‪ ،‬وظاهر كلم المشايخ أنّ السّنّة‬
‫عشرون ‪ ،‬ومقتضى الدّليل ما قلنا فيكون هو المسنون ‪ ،‬أي فيكون المسنون منها ثماني‬
‫ركعات والباقي مستحبّا‬ ‫‪.‬‬

‫وقال المالكيّة ‪ :‬القيام في رمضان بعشرين ركعةً أو بستّ وثلثين واسع أي جائز ‪ ،‬فقد كان‬
‫السّلف من الصّحابة ‪ -‬رضوان ال عليهم ‪ -‬يقومون في رمضان في زمن عمر بن الخطّاب‬
‫‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬في المساجد بعشرين ركعةً ‪ ،‬ثمّ يوترون بثلث ‪ ،‬ثمّ صلّوا في‬
‫زمن عمر بن عبد العزيز ستّا وثلثين ركعةً غير الشّفع والوتر‬ ‫‪.‬‬

‫قال المالكيّة ‪ :‬وهو اختيار مالك في المدوّنة ‪ ،‬قال ‪ :‬هو الّذي لم يزل عليه عمل النّاس أي‬
‫بالمدينة بعد عمر بن الخطّاب ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬كره مالك نقصها عمّا جعلت بالمدينة‬ ‫‪.‬‬

‫وعن مالك ‪ -‬أي في غير المدوّنة ‪ -‬قال ‪ :‬الّذي يأخذ بنفسي في ذلك الّذي جمع عمر عليه‬
‫النّاس ‪ ،‬إحدى عشرة ركعةً منها الوتر ‪ ،‬وهي صلة النّبيّ صلى ال عليه وسلم وفي‬
‫المذهب أقوال وترجيحات أخرى‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ولهل المدينة فعلها ستّا وثلثين ‪ ،‬لنّ العشرين خمس ترويحات ‪ ،‬وكان‬
‫أهل مكّة يطوفون بين كلّ ترويحتين سبعة أشواط ‪ ،‬فحمل أهل المدينة بدل كلّ أسبوع‬
‫ترويحةً ليساووهم ‪ ،‬قال الشّيخان ‪ :‬ول يجوز ذلك لغيرهم ‪ ..‬وهو الصحّ كما قال الرّمليّ‬
‫ن لهل المدينة شرفا بهجرته صلى ال عليه وسلم ومدفنه ‪ ،‬وخالف الحليميّ فقال ‪ :‬ومن‬
‫لّ‬
‫اقتدى بأهل المدينة فقام بستّ وثلثين فحسن أيضا‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل ينقص من العشرين ركعةً ‪ ،‬ول بأس بالزّيادة عليها نصّا ‪ ،‬قال عبد اللّه‬
‫بن أحمد ‪ :‬رأيت أبي يصلّي في رمضان ما ل أحصي ‪ ،‬وكان عبد الرّحمن بن السود يقوم‬
‫بأربعين ركعةً ويوتر بعدها بسبع‬ ‫‪.‬‬

‫قال ابن تيميّة ‪ :‬والفضل يختلف باختلف أحوال المصلّين ‪ ،‬فإن كان فيهم احتمال لطول‬
‫ي صلى ال عليه وسلم يصلّي‬
‫القيام ‪ ،‬فالقيام بعشر ركعات وثلث بعدها ‪ ،‬كما كان النّب ّ‬
‫لنفسه في رمضان وغيره هو الفضل ‪ .‬وإن كانوا ل يحتملونه فالقيام بعشرين هو الفضل‬
‫‪ .‬وهو الّذي يعمل به أكثر المسلمين ‪ ،‬فإنّه وسط بين العشر وبين الربعين ‪ ،‬وإن قام‬
‫ص على ذلك غير واحد من الئمّة‬
‫بأربعين وغيرها جاز ذلك ول يكره شيء من ذلك ‪ .‬وقد ن ّ‬
‫كأحمد وغيره‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ل يزاد فيه‬


‫ن قيام رمضان فيه عدد موقّت عن النّب ّ‬
‫قال ‪ :‬ومن ظنّ أ ّ‬
‫ول ينقص منه فقد أخطأ‬ ‫‪.‬‬

‫الستراحة بين ك ّل ترويحتين‬ ‫‪:‬‬


‫عن ‪12 -‬‬ ‫اتّفق الفقهاء على مشروعيّة الستراحة بعد كلّ أربع ركعات ‪ ،‬لنّه المتوارث‬
‫السّلف ‪ ،‬فقد كانوا يطيلون القيام في التّراويح ويجلس المام والمأمومون بعد كلّ أربع‬
‫ركعات للستراحة‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الحنفيّة ‪ :‬يندب النتظار بين كلّ ترويحتين ‪ ،‬ويكون قدر ترويحة ‪ ،‬ويشغل هذا‬
‫النتظار بالسّكوت أو الصّلة فرادى أو القراءة أو التّسبيح‬ ‫‪.‬‬

‫ن دعاء معيّن إذا‬


‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل بأس بترك الستراحة بين كلّ ترويحتين ‪ ،‬ول يس ّ‬
‫استراح لعدم وروده‬ ‫‪.‬‬

‫التّسليم في صلة التّراويح‬ ‫‪:‬‬

‫صلة ‪13 -‬‬ ‫ذهب الفقهاء إلى أنّ من يصلّي التّراويح يسلّم من كلّ ركعتين ‪ ،‬لنّ التّراويح من‬
‫ن التّراويح تؤدّى‬
‫اللّيل فتكون مثنى مثنى ‪ ،‬لحديث ‪ « :‬صلة اللّيل مثنى مثنى » ول ّ‬
‫ن ما كان أدوم تحريمةً‬
‫بجماعة فيراعى فيها التّيسير بالقطع بالتّسليم على رأس الرّكعتين ل ّ‬
‫كان أشقّ على النّاس‬ ‫‪.‬‬

‫واختلفوا فيمن صلّى التّراويح ولم يسلّم من كلّ ركعتين‬ ‫‪:‬‬

‫فقال الحنفيّة ‪ :‬لو صلّى التّراويح كلّها بتسليمة وقعد في كلّ ركعتين فالصّحيح أنّه تصحّ‬
‫صلته عن الكلّ ‪ ،‬لنّه قد أتى بجميع أركان الصّلة وشرائطها ‪ ،‬لنّ تجديد التّحريمة لكلّ‬
‫ركعتين ليس بشرط عندهم ‪ ،‬لكنّه يكره إن تعمّد على الصّحيح عندهم ‪ ،‬لمخالفته‬
‫المتوارث ‪ ،‬وتصريحهم بكراهة الزّيادة على ثمانٍ في صلة مطلق التّطوّع فهنا أولى‬ ‫‪.‬‬

‫وقالوا ‪ :‬إذا لم يقعد في كلّ ركعتين وسلّم تسليمةً واحدةً فإنّ صلته تفسد عند محمّد ‪ ،‬ول‬
‫ن السّنّة أن‬
‫تفسد عند أبي حنيفة وأبي يوسف ‪ ،‬والصحّ أنّها تجوز عن تسليمة واحدة ‪ ،‬ل ّ‬
‫يكون الشّفع الوّل كاملً ‪ ،‬وكماله بالقعدة ولم توجد ‪ ،‬والكامل ل يتأدّى بالنّاقص‬ ‫‪.‬‬

‫وقال المالكيّة ‪ :‬يندب لمن صلّى التّراويح التّسليم من كلّ ركعتين ‪ ،‬ويكره تأخير التّسليم بعد‬
‫كلّ أربع ‪ ،‬حتّى لو دخل على أربع ركعات بتسليمة واحدة فالفضل له السّلم بعد كلّ ركعتين‬
‫ح ‪ ،‬فتبطل إن كان‬
‫‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو صلّى في التّراويح أربعا بتسليمة واحدة لم يص ّ‬
‫ل مطلقا ‪ ،‬وذلك لنّ التّراويح أشبهت الفرائض في طلب‬
‫عامدا عالما ‪ ،‬وإلّ صارت نف ً‬
‫الجماعة فل تغيّر عمّا ورد ‪ .‬ولم نجد للحنابلة كلما في هذه المسألة‬ ‫‪.‬‬

‫القعود في صلة التّراويح‬ ‫‪:‬‬

‫لنّه ‪14 -‬‬ ‫ن من يصلّي التّراويح قاعدا فإنّه يجوز مع الكراهة تنزيها‬
‫جاء في مذهب الحنفيّة أ ّ‬
‫خلف السّنّة المتوارثة‬ ‫‪.‬‬
‫وصرّح الحنفيّة بأنّه ‪ :‬يكره للمقتدي أن يقعد في صلة التّراويح ‪ ،‬فإذا أراد المام أن يركع‬
‫قام ‪ ،‬واستظهر ابن عابدين أنّه يكره تحريما ‪ ،‬لنّ في ذلك إظهار التّكاسل في الصّلة‬
‫والتّشبّه بالمنافقين ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪َ { :‬وإِذَا قَامُواْ إِلَى الصّلَةِ قَامُواْ ُكسَالَى } فإذا لم يكن‬
‫ذلك لكسل بل لكبر ونحوه ل يكره ‪ ،‬ولم نجد مثل هذا لغير الحنفيّة‬ ‫‪.‬‬

‫وقت صلة التّراويح‬ ‫‪:‬‬

‫الوتر ‪15 -‬‬ ‫ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ وقت صلة التّراويح من بعد صلة العشاء ‪ ،‬وقبل‬
‫إلى طلوع الفجر ‪ ،‬لنقل الخلف عن السّلف ‪ ،‬ولنّها عرفت بفعل الصّحابة فكان وقتها ما‬
‫صلّوا فيه ‪ ،‬وهم صلّوا بعد العشاء قبل الوتر ‪ ،‬ولنّها سنّة تبع للعشاء فكان وقتها قبل‬
‫الوتر‪ .‬ولو صلّاها بعد المغرب وقبل العشاء فجمهور الفقهاء وهو الصحّ عند الحنفيّة على‬
‫أنّها ل تجزئ عن التّراويح ‪ ،‬وتكون نافل ًة عند المالكيّة ‪ ،‬ومقابل الصحّ عند الحنفيّة أنّها‬
‫ح ‪ ،‬لنّ جميع اللّيل إلى طلوع الفجر قبل العشاء وبعدها وقت للتّراويح ‪ ،‬لنّها سمّيت‬
‫تص ّ‬
‫قيام اللّيل فكان وقتها اللّيل‬ ‫‪.‬‬

‫صحّة بأنّها تفعل بعد مكتوبة وهي العشاء فلم تصحّ قبلها كسنّة‬
‫وعلّل الحنابلة عدم ال ّ‬
‫ن سنّة‬
‫ن التّراويح تصلّى بعد صلة العشاء وبعد سنّتها ‪ ،‬قال المجد ‪ :‬ل ّ‬
‫العشاء‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫العشاء يكره تأخيرها عن وقت العشاء المختار ‪ ،‬فكان إتباعها لها أولى‬ ‫‪.‬‬

‫ولو صلّاها بعد العشاء وبعد الوتر فالصحّ عند الحنفيّة أنّها تجزئ‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه يستحبّ تأخير التّراويح إلى ثلث اللّيل أو نصفه ‪ ،‬واختلف‬
‫الحنفيّة في أدائها بعد نصف اللّيل ‪ ،‬فقيل يكره ‪ ،‬لنّها تبع للعشاء كسنّتها ‪ ،‬والصّحيح ل‬
‫يكره لنّها من صلة اللّيل والفضل فيها آخره‬ ‫‪.‬‬

‫ن النّاس كانوا يقومون على عهد عمر‬


‫ن صلتها أوّل اللّيل أفضل ‪ ،‬ل ّ‬
‫وذهب الحنابلة إلى أ ّ‬
‫‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬أوّله ‪ ،‬وقد قيل لحمد ‪ :‬يؤخّر القيام أي في التّراويح إلى آخر‬
‫ب إليّ‬
‫اللّيل ؟ قال ‪ :‬سنّة المسلمين أح ّ‬ ‫‪.‬‬

‫الجماعة في صلة التّراويح‬ ‫‪:‬‬

‫عليه ‪16 -‬‬ ‫ي صلى ال‬


‫اتّفق الفقهاء على مشروعيّة الجماعة في صلة التّراويح ‪ ،‬لفعل النّب ّ‬
‫وسلم كما سبق ‪ ،‬ولفعل الصّحابة ‪ -‬رضوان اللّه تعالى عليهم ‪ -‬ومن تبعهم منذ زمن عمر‬
‫بن الخطّاب ‪ -‬رضي ال عنه ‪ ; -‬ولستمرار العمل عليه حتّى الن‬ ‫‪.‬‬

‫ن الجماعة في صلة التّراويح سنّة‬


‫وذهب جمهور الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬صلة التّراويح بالجماعة سنّة على الكفاية في الصحّ ‪ ،‬فلو تركها الكلّ‬
‫أساءوا‪ ،‬أمّا لو تخلّف عنها رجل من أفراد النّاس وصلّى في بيته فقد ترك الفضيلة ‪ ،‬وإن‬
‫صلّى في البيت بالجماعة لم ينل فضل جماعة المسجد‬ ‫‪.‬‬

‫وقال المالكيّة ‪ :‬تندب صلة التّراويح في البيوت إن لم تعطّل المساجد ‪ ،‬وذلك لخبر ‪« :‬‬
‫ن خير صلة المرء في بيته إلّ الصّلة المكتوبة » ولخوف‬
‫عليكم بالصّلة في بيوتكم ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الرّياء وهو حرام ‪ ،‬واختلفوا فيما إذا صلّاها في بيته ‪ ،‬هل يصلّيها وحده أو مع أهل بيته ؟‬
‫ي ‪ :‬لعلّهما في الفضليّة سواء‬
‫قولن ‪ ،‬قال الزّرقان ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وندب صلة التّراويح ‪ -‬في البيوت عندهم ‪ -‬مشروط بثلثة أمور ‪ :‬أن ل تعطّل المساجد ‪،‬‬
‫وأن ينشط لفعلها في بيته ‪ ،‬ول يقعد عنها ‪ ،‬وأن يكون غير آفاقيّ بالحرمين ‪ ،‬فإن تخلّف‬
‫شرط كان فعلها في المسجد أفضل ‪ ،‬وقال الزّرقانيّ ‪ :‬يكره لمن في المسجد النفراد بها عن‬
‫الجماعة الّتي يصلّونها فيه ‪ ،‬وأولى إذا كان انفراده يعطّل جماعة المسجد‬ ‫‪.‬‬

‫ن الجماعة في التّراويح على الصحّ ‪ ،‬لحديث عائشة ‪ -‬رضي ال‬


‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬تس ّ‬
‫تعالى عنها ‪ -‬الّذي سبق ذكره ‪،‬وللثر عن عمر ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬ولعمل النّاس‬
‫ن النفراد بصلة التّراويح أفضل كغيرها من صلة اللّيل‬
‫على ذلك‪ .‬ومقابل الصحّ عندهم أ ّ‬
‫لبعده عن الرّياء‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الحنابلة ‪ :‬صلة التّراويح جماعةً أفضل من صلتها فرادى ‪ ،‬قال أحمد ‪ :‬كان عليّ‬
‫وجابر وعبد اللّه ‪ -‬رضي ال عنهم ‪ -‬يصلّونها في الجماعة‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم جمع أهله‬


‫وفي حديث أبي ذرّ ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ « -‬أنّ النّب ّ‬
‫ونساءه ‪ ،‬وقال ‪ :‬إنّ الرّجل إذا صلّى مع المام حتّى ينصرف كتب له قيام ليلة‬ ‫‪».‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من قام‬


‫وقالوا ‪ :‬إن تعذّرت الجماعة صلّى وحده لعموم قول النّب ّ‬
‫رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه‬ ‫‪».‬‬

‫القراءة وختم القرآن الكريم في التّراويح‬ ‫‪:‬‬

‫أنّ ‪17 -‬‬ ‫ذهب الحنابلة وأكثر المشايخ من الحنفيّة وهو ما رواه الحسن عن أبي حنيفة إلى‬
‫السّنّة أن يختم القرآن الكريم في صلة التّراويح ليسمع النّاس جميع القرآن في تلك الصّلة‬
‫‪ .‬وقال الحنفيّة ‪ :‬السّنّة الختم مرّةً ‪ ،‬فل يترك المام الختم لكسل القوم ‪ ،‬بل يقرأ في كلّ‬
‫ركعة عشر آيات أو نحوها ‪ ،‬فيحصل بذلك الختم ‪ ،‬لنّ عدد ركعات التّراويح في شهر‬
‫رمضان ستّمائة ركعة ‪ ،‬أو خمسمائة وثمانون ‪ ،‬وآي القرآن الكريم ستّ آلف وشيء‬ ‫‪.‬‬

‫ن النّوافل مبنيّة على‬


‫ويقابل قول هؤلء ما قيل ‪ :‬الفضل أن يقرأ قدر قراءة المغرب ل ّ‬
‫التّخفيف خصوصا بالجماعة ‪ ،‬وما قيل ‪ :‬يقرأ في كلّ ركعة ثلثين آيةً لنّ عمر ‪ -‬رضي‬
‫ن لكلّ عشر فضيلةً كما‬
‫ال تعالى عنه ‪ -‬أمر بذلك ‪ ،‬فيقع الختم ثلث مرّات في رمضان ‪ ،‬ل ّ‬
‫جاءت به السّنّة ‪ « ،‬أوّله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النّار‬ ‫‪».‬‬

‫ي ‪ :‬ما أمر به عمر ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬هو من باب الفضيلة ‪ ،‬وهو أن‬
‫وقال الكاسان ّ‬
‫يختم القرآن أكثر من مرّة ‪ ،‬وهذا في زمانهم ‪ ،‬وأمّا في زماننا فالفضل أن يقرأ المام على‬
‫حسب حال القوم ‪ ،‬فيقرأ قدر ما ل ينفّرهم عن الجماعة ‪ ،‬لنّ تكثير الجماعة أفضل من‬
‫تطويل القراءة‬ ‫‪.‬‬

‫ب الختم ليلة السّابع والعشرين رجاء أن ينالوا ليلة القدر ‪ ،‬وإذا ختم‬
‫ومن الحنفيّة من استح ّ‬
‫قبل آخره ‪ ..‬قيل ‪ :‬ل يكره له التّراويح فيما بقي ‪ ،‬قيل ‪ :‬يصلّيها ويقرأ فيها ما يشاء ‪.‬‬
‫وصرّح المالكيّة والشّافعيّة بأنّه يندب للمام الختم لجميع القرآن في التّراويح في الشّهر‬
‫كلّه‪ ،‬وقراءة سورة في تراويح جميع الشّهر تجزئ ‪ ،‬وكذلك قراءة سورة في كلّ ركعة ‪ ،‬أو‬
‫كلّ ركعتين من تراويح كلّ ليلة في جميع الشّهر تجزئ وإن كان خلف الولى إذا كان يحفظ‬
‫غيرها أو كان هناك من يحفظ القرآن غيره ‪ ،‬قال ابن عرفة ‪ :‬في المدوّنة لمالك ‪ :‬وليس‬
‫الختم بسنّة‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الحنابلة ‪ :‬يستحبّ أن يبتدئ التّراويح في أوّل ليلة بسورة القلم ‪ { :‬اقْ َرأْ بِاسْمِ رَبّكَ }‬
‫بعد الفاتحة لنّها أوّل ما نزل من القرآن ‪ ،‬فإذا سجد للتّلوة قام فقرأ من البقرة نصّ عليه‬
‫أحمد ‪ ،‬والظّاهر أنّه قد بلغه في ذلك أثر ‪ ،‬وعنه ‪ :‬أنّه يقرأ بسورة القلم في عشاء الخرة‬
‫من اللّيلة الولى من رمضان‬ ‫‪.‬‬

‫قال الشّيخ ‪ :‬وهو أحسن ممّا نقل عنه أنّه يبتدئ بها التّراويح ويختم آخر ركعة من‬
‫التّراويح قبل ركوعه ويدعو ‪ ،‬نصّ عليه‬ ‫‪.‬‬

‫المسبوق في التّراويح‬ ‫‪:‬‬

‫فاته ‪18 -‬‬ ‫قال الحنفيّة ‪ :‬من فاته بعض التّراويح وقام المام إلى الوتر أوتر معه ثمّ صلّى ما‬ ‫‪.‬‬

‫وقال المالكيّة ‪ :‬من أدرك مع المام ركعةً فل يخلو أن تكون من الرّكعتين الخيرتين من‬
‫التّرويحة أو من الوليين ‪ ،‬فإن كانت من الخيرتين فإنّه يقضي الرّكعة الّتي فاتته بعد سلم‬
‫المام في أثناء فترة الرّاحة ‪ ،‬وإن كانت من الرّكعتين الوليين فقد روى ابن القاسم عن‬
‫مالك أنّه ل يسلّم سلمه ولكن يقوم فيصحب المام فإذا قام المام من الرّكعة الولى من‬
‫الخريين تشهّد وسلّم ثمّ دخل معه في الرّكعتين الخريين فصلّى منهما ركعةً ثمّ قضى الثّانية‬
‫منهما حين انفراده بالتّنفّل‬ ‫‪.‬‬

‫وعند الحنابلة ‪ :‬سئل أحمد عمّن أدرك من ترويحة ركعتين يصلّي إليها ركعتين ؟ فلم ير‬
‫ذلك‪ ،‬وقال ‪ :‬هي تطوّع‬ ‫‪.‬‬
‫قضاء التّراويح‬ ‫‪:‬‬

‫عندهم‪19 - ،‬‬ ‫إذا فاتت صلة التّراويح عن وقتها بطلوع الفجر ‪ ،‬فقد ذهب الحنفيّة في الصحّ‬
‫والحنابلة في ظاهر كلمهم إلى أنّها ل تقضى ; لنّها ليست بآكد من سنّة المغرب‬
‫والعشاء ‪ ،‬وتلك ل تقضى فكذلك هذه‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إن قضاها كانت نفلًا مستحبّا ل تراويح كرواتب اللّيل ‪ ،‬لنّها منها ‪،‬‬
‫والقضاء عندهم من خواصّ الفرض وسنّة الفجر بشرطها‬ ‫‪.‬‬

‫ومقابل الصحّ عند الحنفيّة أنّ من لم يؤ ّد التّراويح في وقتها فإنّه يقضيها وحده ما لم يدخل‬
‫وقت تراويح أخرى ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ما لم يمض الشّهر‬ ‫‪.‬‬

‫ولم نجد تصريحا للمالكيّة والشّافعيّة في هذه المسألة‬ ‫‪.‬‬

‫لكن قال النّوويّ ‪ :‬لو فات النّفل المؤقّت ندب قضاؤه في الظهر‬ ‫‪.‬‬

‫صَلَة ال ّتسْبيح‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫سمّيت ‪1 -‬‬ ‫صلة التّسبيح نوع من صلة النّفل تفعل على صورة خاصّة يأتي بيانها ‪ .‬وإنّما‬
‫صلة التّسبيح لما فيها من كثرة التّسبيح ‪ ،‬ففيها في كلّ ركعة خمس وسبعون تسبيحةً‬ ‫‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ‬ ‫‪:‬‬

‫اختلف الفقهاء في حكم صلة التّسبيح ‪ ،‬وسبب اختلفهم فيها اختلفهم في ثبوت الحديث‬
‫الوارد فيها‬ ‫‪:‬‬

‫هي ‪2 -‬‬ ‫القول الوّل ‪ :‬قال بعض الشّافعيّة ‪ :‬هي مستحبّة ‪ .‬وقال النّوويّ في بعض كتبه ‪:‬‬
‫ن رسول اللّه صلى‬
‫سنّة حسنة واستدلّوا بالحديث الوارد فيها ‪ ،‬وهو ما روى أبو داود « أ ّ‬
‫ال عليه وسلم قال للعبّاس بن عبد المطّلب ‪ :‬يا عبّاس يا عمّاه ‪ ،‬أل أعطيك أل أمنحك ‪ ،‬أل‬
‫أحبوك ‪ ،‬أل أفعل بك ‪ -‬عشر خصال ‪ -‬إذا أنت فعلت ذلك غفر اللّه لك ذنبك أوّله ‪،‬‬
‫وآخره ‪ ،‬قديمه ‪ ،‬وحديثه ‪ ،‬خطأه ‪ ،‬وعمده ‪ ،‬صغيره ‪ ،‬وكبيره ‪ ،‬سرّه ‪ ،‬وعلنيته ‪ ،‬عشر‬
‫خصال ‪ :‬أن تصلّي أربع ركعات ‪ :‬تقرأ في ك ّل ركعة فاتحة الكتاب وسورةً ‪ ،‬فإذا فرغت من‬
‫القراءة في أوّل ركعة وأنت قائم قلت ‪ :‬سبحان اللّه ‪ ،‬والحمد للّه ‪ ،‬ول إله إ ّل اللّه ‪ ،‬واللّه‬
‫أكبر ‪ ،‬خمس عشرة مرّةً ‪ ،‬ثمّ تركع وتقولها وأنت راكع عشرا ‪ ،‬ثمّ ترفع رأسك من الرّكوع‬
‫فتقولها عشرا‪ ،‬ثمّ تهوي ساجدا فتقولها وأنت ساجد عشرا ‪ ،‬ثمّ ترفع رأسك من السّجود‬
‫فتقولها عشرا ث ّم تسجد فتقولها عشرا ‪ ،‬ثمّ ترفع رأسك فتقولها عشرا ‪ ،‬فذلك خمس‬
‫وسبعون في كلّ ركعة تفعل ذلك في أربع ركعات ‪ ،‬إن استطعت أن تصلّيها في كلّ يوم مرّةً‬
‫فافعل ‪ ،‬فإن لم تفعل ففي كلّ جمعة مرّ ًة فإن لم تفعل ففي كلّ شهر مرّةً ‪ ،‬فإن لم تفعل ففي‬
‫كلّ سنة مرّةً ‪ ،‬فإن لم تفعل ففي عمرك مرّةً‬ ‫‪».‬‬

‫قالوا ‪ :‬وقد ثبت هذا الحديث من هذه الرّواية ‪ ،‬وهو وإن كان من رواية موسى بن عبد‬
‫العزيز فقد وثّقه ابن معين وقال النّسائيّ ‪ :‬ليس به بأس ‪ .‬وقال الزّركشيّ ‪ :‬الحديث صحيح‬
‫وليس بضعيف وقال ابن الصّلح ‪ :‬حديثها حسن ‪ ،‬ومثله قال النّوويّ في تهذيب السماء‬
‫واللّغات ‪ .‬وقال المنذريّ ‪ :‬رواته ثقات ا هـ‬ ‫‪.‬‬

‫وقد روي من حديث العبّاس نفسه ومن حديث أبي رافع وأنس بن مالك‬ ‫‪.‬‬

‫لو ‪3 -‬‬ ‫القول الثّاني ‪ :‬ذهب بعض الحنابلة إلى أنّها ل بأس بها ‪ ،‬وذلك يعني الجواز ‪ .‬قالوا ‪:‬‬
‫لم يثبت الحديث فيها فهي من فضائل العمال فيكفي فيها الحديث الضّعيف ‪ .‬ولذا قال ابن‬
‫ن النّوافل والفضائل ل يشترط صحّة الحديث فيها‬
‫قدامة ‪ :‬إن فعلها إنسان فل بأس فإ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫لنّ ‪4 -‬‬ ‫والقول الثّالث ‪ :‬أنّها غير مشروعة ‪ .‬قال النّوويّ في المجموع ‪ :‬في استحبابها نظر‬
‫حديثها ضعيف وفيها تغيير لنظم الصّلة المعروف فينبغي أ ّل يفعل بغير حديث وليس حديثها‬
‫ن أحمد لم يثبت الحديث الوارد فيها ‪ ،‬ولم يرها مستح ّبةً ‪ .‬قال ‪:‬‬
‫بثابت ‪ ،‬ونقل ابن قدامة أ ّ‬
‫وقال أحمد ‪ :‬ما تعجبني ‪ .‬قيل له ‪ :‬لم ؟ قال ‪ :‬ليس فيها شيء يصحّ ‪ ،‬ونفض يده كالمنكر ‪.‬‬
‫ي من الموضوعات ‪ .‬وقال ابن حجر في التّلخيص ‪:‬‬
‫والحديث الوارد فيها جعله ابن الجوز ّ‬
‫ق أنّ طرقه كلّها ضعيفة ‪ ،‬وإن كان حديث ابن عبّاس يقرب من شرط الحسن إلّ أنّه‬
‫الح ّ‬
‫شاذّ لشدّة الفرديّة فيه وعدم الشّاهد والمتابع من وجه معتبر ‪ ،‬ومخالفة هيئتها لهيئة باقي‬
‫ي ‪ ،‬حكاه ابن عبد الهادي‬
‫الصّلوات ‪ :‬قال ‪ :‬وقد ضعّفها ابن تيميّة والمزنيّ ‪ ،‬وتوقّف الذّهب ّ‬
‫في أحكامه ‪ .‬ا هـ‬ ‫‪.‬‬

‫ولم نجد لهذه الصّلة ذكرا فيما اطّلعنا عليه من كتب الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬إلّ ما نقل في‬
‫ي أنّه قال ‪ :‬ليس فيها حديث صحيح ول حسن‬
‫التّلخيص الحبير عن ابن العرب ّ‬ ‫‪.‬‬

‫كيفيّة صلة التّسبيح ووقتها‬ ‫‪:‬‬

‫الحديث ‪5 -‬‬ ‫الّذين قالوا باستحباب صلة التّسبيح أو جوازها راعوا في الكيفيّة ما ورد في‬
‫من أنّها أربع ركعات ‪ ،‬وما يقال فيها من التّسبيح والتّكبير والتّهليل والحوقلة بالعداد‬
‫الواردة ومواضعها وغير ذلك من الكيفيّة ‪ .‬وأضاف الشّافعيّة أنّها تصلّى أربع ركعات ل‬
‫أكثر‪ ،‬وبتسليم واحد إن كانت في النّهار وتسليمين إن كانت في اللّيل ‪ .‬وأنّ الفضل فعلها‬
‫كلّ يوم مرّةً ‪ ،‬وإلّ فجمعة ‪ ،‬وإلّ فشهر ‪ ،‬وإلّ فسنة ‪ ،‬وإ ّل ففي العمر مرّةً‬ ‫‪.‬‬

‫طوّع‬
‫صَلةَ التّ َ‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬
‫أنّه ‪1 -‬‬ ‫التّطوّع لغةً ‪ :‬التّبرّع ‪ ،‬يقال ‪ :‬تطوّع بالشّيء ‪ ،‬تبرّع به ‪ ،‬ومن معانيه في الصطلح‬
‫اسم لما شرع زيادةً على الفرائض والواجبات ‪ .‬أو ما كان مخصوصا بطاعة غير واجبة ‪،‬‬
‫أو هو الفعل المطلوب طلبا غير جازم‬ ‫‪.‬‬

‫وتفصيل الصطلحات الفقهيّة في هذا الموضوع ينظر في مصطلح ‪ ( :‬تطوّع‬ ‫‪).‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم‬


‫وصلة التّطوّع هي ما زادت على الفرائض والواجبات ‪ .‬لقول النّب ّ‬
‫ي غيرها‬
‫في حديث السّائل عن السلم « خمس صلوات في اليوم واللّيلة ‪ ،‬فقيل ‪ :‬هل عل ّ‬
‫قال ‪ :‬ل‪ ،‬إ ّل أن تطوّع‬ ‫‪».‬‬

‫أنواع صلة التّطوّع‬ ‫‪:‬‬

‫أنواع ‪2 -‬‬ ‫الصل في صلة التّطوّع أن تؤدّى على انفراد ‪ ،‬وهي‬ ‫‪:‬‬

‫منها ‪ :‬السّنن الرّواتب ‪ ،‬وهي السّنن التّابعة للفرائض ‪ ،‬وهي عشر ركعات ‪ :‬ركعتان قبل‬
‫الظّهر ‪ ،‬وركعتان بعده ‪ ،‬وركعتان بعد المغرب ‪ ،‬وركعتان بعد العشاء ‪ ،‬وركعتان قبل الفجر‬
‫‪ .‬وقال أبو الخطّاب ‪ :‬وأربع قبل العصر ‪ ،‬لما روى ابن عمر قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬رحم اللّه امرأً صلّى قبل العصر أربعا » وآكد هذه الرّكعات ركعتا الفجر ‪.‬‬
‫حيث قالت عائشة ‪ -‬رضي ال عنها ‪ « : -‬لم يكن النّبيّ صلى ال عليه وسلم على شيء‬
‫من النّوافل أشدّ منه تعاهدًا على ركعتي الفجر‬ ‫‪».‬‬

‫ومن هذه السّنن ما يتقدّم على الفرائض ‪ ،‬ومنها ما يتأخّر عنها ‪ ،‬وفي ذلك معنىً لطيف‬
‫مناسب‬ ‫‪:‬‬

‫أمّا في التّقديم فلنّ النّفوس ‪ -‬لشتغالها بأسباب الدّنيا ‪ -‬بعيدة عن حال الخشوع‬
‫والحضور الّتي هي روح العبادة ‪ ،‬فإذا قدّمت النّوافل على الفرائض أنست النّفس بالعبادة‬ ‫‪.‬‬

‫ن النّوافل جابرة لنقص الفرائض ‪ ،‬فإذا وقع الفرض ناسب أن‬


‫وأمّا تأخيرها عنها فقد ورد أ ّ‬
‫يقع بعده ما يجبر الخلل الّذي قد يقع فيه ‪ .‬وللتّفصيل ينظر ‪ ( :‬راتب ‪ ،‬وسنن رواتب ) ‪.‬‬
‫ومن صلة التّطوّع صلوات معيّنة غير السّنن مع الفرائض والتّطوّعات المطلقة ومنها‬ ‫‪:‬‬

‫ال ‪3 -‬‬ ‫صلة الضّحى ‪ :‬وهي مستحبّة ‪ ،‬لما روى أبو هريرة قال ‪ « :‬أوصاني خليلي صلى‬
‫ن حتّى أموت ‪ :‬صوم ثلثة أيّام من كلّ شهر ‪ ،‬وصلة الضّحى ‪،‬‬
‫عليه وسلم بثلث ل أدعه ّ‬
‫ونوم على وتر‬ ‫‪».‬‬

‫انظر ( صلة الضّحى ‪ ،‬وصلة الوّابين‬ ‫‪).‬‬

‫إلى ‪4 -‬‬ ‫صلة التّسبيح ‪ :‬لما روى ابن عبّاس « أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم دعاه‬
‫صلتها مرّةً كلّ يوم ‪ ،‬أو كلّ جمعة ‪ ،‬أو كلّ شهر ‪ ،‬أو كلّ سنة ‪ ...‬أو في العمر مرّةً » ‪.‬‬
‫وقال أحمد عنها ‪ :‬ليس فيها شيء يصحّ ‪ ،‬ولم يرها مستح ّبةً ‪ ،‬وإن فعلها إنسان فل بأس ‪،‬‬
‫ن النّوافل والفضائل ل يشترط صحّة الحديث فيها‬
‫فإ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وأمثلة الصّلة المتطوّع بها كثيرة كصلة الستخارة ‪ ،‬وصلة الحاجة ‪ ،‬وصلة التّوبة ‪،‬‬
‫وصلة تحيّة المسجد ‪ ،‬وركعتي السّفر وغيرها فليرجع إليها في مصطلحاتها الخاصّة‬ ‫‪.‬‬

‫الفرق بين أحكام صلة التّطوّع وأحكام الصّلة المفروضة‬ ‫‪:‬‬

‫منها ‪5 -‬‬ ‫صلة التّطوّع تفارق صلة الفرض في أشياء‬ ‫‪:‬‬

‫الصّلة جلوسا‬ ‫‪:‬‬

‫يجوز التّطوّع قاعدًا مع القدرة على القيام ‪ ،‬ول يجوز ذلك في الفرض ‪ ،‬لنّ التّطوّع خير‬
‫دائم ‪ ،‬فلو ألزمناه القيام لتعذّر عليه إدامة هذا الخير‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا الفرض فإنّه يختصّ ببعض الوقات ‪ ،‬فل يكون في إلزامه مع القدرة عليه حرج‬ ‫‪.‬‬

‫القراءة‬ ‫‪:‬‬

‫القراءة في التّطوّع تكون فيما سوى الفاتحة في الرّكعات كلّها ‪ ،‬وأمّا القراءة في الرّباعيّة‬
‫والثّلثيّة من المكتوبات فهي في الرّكعتين الوليين فقط‬ ‫‪.‬‬

‫وينظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬قراءة‬ ‫‪).‬‬

‫الجلوس على رأس الرّكعتين‬ ‫‪:‬‬

‫الجلوس على رأس الرّكعتين في الرّباعيّة والثّلثيّة في الفرائض ليس بفرض بل خلف ‪،‬‬
‫ول يفسد الفرض بتركه ‪ ،‬وفي التّطوّع اختلف ‪ .‬انظر مصطلح ‪ ( :‬صلة‬ ‫‪).‬‬

‫الجماعة في التّطوّع‬ ‫‪:‬‬

‫الجماعة في التّطوّع ليست بسنّة إلّ في قيام رمضان ‪ ،‬وفي الفرض واجبة أو سنّة مؤكّدة ‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬صلة المرء في بيته أفضل من صلته في مسجدي‬
‫لقول النّب ّ‬
‫هذا إلّ المكتوبة » ‪ .‬انظر ‪ ( :‬صلة الجماعة‬ ‫‪).‬‬

‫الوقت والمقدار‬ ‫‪:‬‬

‫التّطوّع المطلق غير مؤقّت بوقت خاصّ ‪ ،‬ول مقدّر بمقدار خاصّ ‪ ،‬فيجوز في أيّ وقت كان‬
‫على أيّ مقدار كان ‪ ،‬إلّ أنّه يكره في بعض الوقات وعلى بعض المقادير‬ ‫‪.‬‬

‫ص ‪ ،‬موقّت بأوقات مخصوصة ‪ ،‬فل تجوز الزّيادة على قدره ‪.‬‬


‫والفرض مقدّر بمقدار خا ّ‬
‫انظر ‪ ( :‬أوقات الصّلة‬ ‫‪).‬‬

‫ال ّنيّة‬ ‫‪:‬‬


‫يتأدّى التّطوّع المطلق بمطلق النّيّة ‪ ،‬ول يتأدّى الفرض إلّ بتعيين النّيّة ‪ ،‬انظر تفصيل ذلك‬
‫في ‪ ( :‬نيّة‬ ‫‪).‬‬

‫الصّلة على الرّاحلة وما في معناها‬ ‫‪:‬‬

‫يجوز التّنفّل على الدّابّة مع القدرة على النّزول ‪ ،‬أمّا أداء الفرض على الدّابّة فإنّه ل يجوز‬
‫‪ .‬على تفصيل وخلف ينظر في ‪ ( :‬الصّلة على الرّاحلة‬ ‫‪).‬‬

‫الصّلة في الكعبة وعلى ظهرها‬ ‫‪:‬‬

‫ل تصحّ الفريضة في الكعبة ول على ظهرها عند الحنابلة لقوله تعالى ‪َ { :‬وحَيْثُ مَا كُنتُمْ‬
‫شطْرَهُ } والمصلّي فيها أو على ظهرها غير مستقبل لها ‪ ،‬وإنّما هو مستقبل‬
‫جوِ َه ُكمْ َ‬
‫َفوَلّواْ ُو ُ‬
‫لجزء منها‬ ‫‪.‬‬

‫واستقبال القبلة شرط للصّلة مع القدرة إلّ في النّفل للمسافر السّائر ماشيا أو راكبا فيصلّي‬
‫حيث توجّه ‪ ،‬وقيل ل يجوز ذلك إلّ للرّاكب‬ ‫‪.‬‬

‫وجوّز أبو حنيفة والشّافعيّ صلة الفريضة في الكعبة وعلى ظهرها ‪ ،‬لنّه مسجد ‪ ،‬ولنّه‬
‫محلّ لصلة النّفل ‪ ،‬فكان محلّا للفرض كخارجها ‪ .‬ولكن النّافلة مبناها على التّخفيف‬
‫والمسامحة بدليل صلتها قاعدا وإلى غير القبلة ‪ ،‬وفي السّفر على الرّاحلة ‪ ،‬وقد « صلّى‬
‫ي صلى ال عليه وسلم في البيت ركعتين‬
‫النّب ّ‬ ‫‪».‬‬

‫ما يكره في صلة التّطوّع‬ ‫‪:‬‬

‫نوعان ‪6 -‬‬ ‫المكروه في صلة التّطوّع‬ ‫‪:‬‬

‫النّوع الوّل ‪ :‬وهو ما يرجع إلى القدر‬ ‫‪:‬‬

‫تكره الزّيادة على أربع ركعات بتسليمة واحدة في النّهار ‪ ،‬ول يكره ذلك في صلة اللّيل ‪،‬‬
‫فللمصلّي أن يصلّي ستّا وثمانيا بتسليمة واحدة‬ ‫‪.‬‬

‫ن النّوافل شرعت تبعا للفرائض ‪ ،‬والتّبع ل يخالف الصل فلو زيدت على‬
‫والصل في ذلك أ ّ‬
‫الربع في النّهار لخالفت الفرائض ‪ ،‬وهذا هو القياس في اللّيل ‪ ،‬إلّ أنّ الزّيادة على الربع‬
‫ص ‪ ،‬وهو ما روي عن « النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫إلى الثّماني أو إلى السّتّ معروف بالنّ ّ‬
‫أنّه كان يصلّي باللّيل خمس ركعات ‪ ،‬سبع ركعات ‪ ،‬تسع ركعات ‪ ،‬إحدى عشرة ركعةً ‪،‬‬
‫ثلث عشرة ركعةً‬ ‫‪».‬‬

‫والثّلث من ك ّل واحد من هذه العداد الوتر وركعتان من ثلثة عشر سنّة الفجر ‪ ،‬فيبقى‬
‫ركعتان وأربع وستّ وثمان ‪ ،‬فيجوز إلى هذا القدر بتسليمة واحدة من غير كراهة‬ ‫‪.‬‬

‫واحدة ‪7-‬‬ ‫واختلفوا في الزّيادة على الثّماني بتسليمة‬ ‫‪:‬‬


‫قال بعضهم ‪ :‬يكره لنّ هذه الزّيادة على هذا لم ترو عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫ن فيه وصل العبادة بالعبادة فل‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬ل يكره ‪ ،‬وإليه ذهب السّرخسيّ ‪ .‬قال ‪ :‬ل ّ‬
‫يكره‬ ‫‪.‬‬

‫ي أنّ منتهى صلة الضّحى ‪ -‬عند أهل المذهب المالكيّ ‪-‬‬


‫وقد حكي عن ابن العربيّ المالك ّ‬
‫ثمان ‪ ،‬وأقلّها ركعتان ‪ ،‬وأوسطها ستّ ‪ ،‬فما زاد على الكثر يكره‬ ‫‪.‬‬

‫النّوع الثّاني ‪ :‬وهو ما يرجع إلى الوقت‬ ‫‪:‬‬

‫لمعنىً ‪8-‬‬ ‫فيكره التّطوّع في الوقات المكروهة ‪ ،‬وهي اثنا عشر ‪ ،‬بعضها يكره التّطوّع فيها‬
‫في الوقت ‪ ،‬وبعضها يكره التّطوّع فيها لمعنىً في غير الوقت‬ ‫‪:‬‬

‫فأمّا الّذي يكره التّطوّع فيها لمعنىً يرجع إلى الوقت فهي‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬ما بعد طلوع الشّمس إلى أن ترتفع وتبيضّ‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬عند استواء الشّمس إلى أن تزول‬ ‫‪.‬‬

‫ج ‪ -‬عند تغيّر الشّمس ‪ ،‬وهو احمرارها واصفرارها إلى أن تغرب‬ ‫‪.‬‬

‫وانظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬أوقات الصّلة‬ ‫‪).‬‬

‫فيه ‪9-‬‬ ‫ومن الوقات الّتي يكره فيها التّطوّع لمعنىً في غير الوقت ما بعد الغروب ‪ ،‬لنّ‬
‫تأخير المغرب وهو مكروه‬ ‫‪.‬‬

‫ومنها ما بعد شروع المام في الصّلة ‪ ،‬وقبل شروعه بعدما أخذ المؤذّن في القامة ‪،‬‬
‫ق الجماعة‬
‫قضاءً لح ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ومنها وقت الخطبة يوم الجمعة ‪ ،‬لنّها سبب لترك استماع الخطبة‬ ‫‪.‬‬

‫ومنها ما بعد خروج المام للخطبة يوم الجمعة قبل أن يشتغل بها وما بعد فراغه منها قبل‬
‫أن يشرع في الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫ويستثنى من ذلك تحيّة المسجد على خلف فيها انظر ‪ ( :‬تحيّة‬ ‫‪).‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم لم يتطوّع قبل العيدين » مع‬


‫ومنها ما قبل صلة العيد ‪ « ،‬لنّ النّب ّ‬
‫شدّة حرصه على الصّلة ‪ ،‬وعن عبد اللّه بن مسعود وحذيفة أنّهما كانا ينهيان النّاس عن‬
‫الصّلة قبل العيد ‪ ،‬لنّ المبادرة إلى صلة العيد مسنونة ‪ ،‬وفي الشتغال بالتّطوّع تأخيرها ‪،‬‬
‫ولو اشتغل بأداء التّطوّع في بيته يقع في وقت طلوع الشّمس وكلهما مكروه ‪ ،‬وقيل إنّما‬
‫يكره ذلك في المصلّى كي ل يشتبه على النّاس أنّهم يصلّون العيد قبل صلة العيد ‪ ،‬فأمّا في‬
‫بيته فل بأس بأن يتطوّع بعد طلوع الشّمس‬ ‫‪.‬‬

‫وعامّة الحنفيّة على أنّه ل يتطوّع قبل صلة العيد ‪ ،‬ل في المصلّى ول في بيته ‪ ،‬فأوّل‬
‫الصّلة في هذا اليوم صلة العيد‬ ‫‪.‬‬
‫الوقات المستحبّة للنّفل‬ ‫‪:‬‬

‫اللّيل ‪10 -‬‬ ‫النّوافل المطلقة تشرع في اللّيل كلّه وفي النّهار فيما سوى أوقات النّهي ‪ ،‬وتطوّع‬
‫أفضل من تطوّع النّهار ‪ .‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أفضل الصّلة بعد‬
‫الفريضة صلة اللّيل ‪ ،‬وأفضل التّهجّد جوف اللّيل الخر » ولما روى عمرو بن عبسة قال ‪:‬‬
‫« قلت ‪ :‬يا رسول اللّه أيّ اللّيل أسمع ؟ قال ‪ :‬جوف اللّيل الخر‬ ‫‪».‬‬

‫ويستحبّ الوتر قبل صلة الفجر ‪ ،‬روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر‬ ‫‪.‬‬

‫والفضل فعل الوتر في آخر اللّيل ‪ ،‬فإذا غلب على ظنّه أنّه ل يقوم آخر اللّيل فليفعله في‬
‫أوّله لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من خاف أن ل يقوم من آخر اللّيل فليوتر أوّله ‪ ،‬ومن‬
‫طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر اللّيل ‪ ،‬فإنّ صلة آخر اللّيل مشهودة وذلك أفضل‬ ‫‪».‬‬

‫انظر ‪ ( :‬صلة الوتر‬ ‫‪).‬‬

‫الشّروع في صلة التّطوّع‬ ‫‪:‬‬

‫عمَا َل ُكمْ ‪11 -‬‬


‫أَ ْ‬ ‫يلزم النّفل بالشّروع فيه ‪ -‬عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ -‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَل تُ ْبطِلُوا‬
‫} ولنّ ما أدّاه صار للّه تعالى فوجب صيانته بلزوم الباقي‬ ‫‪.‬‬

‫وعند الشّافعيّة والحنابلة ل يلزم ‪ ،‬لنّه مخيّر فيما لم يفعل بعد ‪ ،‬فله إبطال ما أدّاه تبعا‬ ‫‪.‬‬

‫من ‪12 -‬‬ ‫وذهب الحنفيّة أنّه إذا شرع المتطوّع في الصّلة فقد قيل ‪ :‬ل يلزم بالفتتاح أكثر‬
‫ركعتين وإن نوى أكثر من ذلك إلّ بعارض القتداء‬ ‫‪.‬‬

‫وروي عن أبي يوسف ثلث روايات‬ ‫‪:‬‬

‫الولى ‪ -‬أنّ من افتتح التّطوّع ينوي أربع ركعات ثمّ أفسدها فعليه أن يقضي أربعا‬ ‫‪.‬‬

‫ن من افتتح النّافلة ينوي عددا يلزمه بالفتتاح ذلك وإن كان مائة ركعة ‪ ،‬وذلك‬
‫الثّانية ‪ -‬أ ّ‬
‫ن الشّروع في كونه سببا للّزوم كالنّذر ‪ ،‬ثمّ يلزمه بالنّذر جميع ما تناوله كذا بالشّروع‬
‫أّ‬ ‫‪.‬‬

‫الثّالثة ‪ -‬أنّ من نوى أربع ركعات لزمه ‪ ،‬وإن نوى أكثر من ذلك لم يلزمه ‪ .‬وكذا في‬
‫السّنن الرّاتبة أنّه ل يجب بالشّروع فيها إلّ ركعتان ‪ ،‬حتّى لو قطعها قضى ركعتين لنّه نفل‬
‫‪ ،‬وعلى رواية أبي يوسف ومتأخّري الحنفيّة قضى أربعا‬ ‫‪.‬‬

‫ن من وجب عليه ركعتان بالشّروع ففرغ منهما وقعد على رأس الرّكعتين‬
‫وبناءً على ذلك فإ ّ‬
‫وقام إلى الثّالثة على قصد الداء يلزمه إتمام ركعتين أخريين ويبنيهما على التّحريمة‬
‫الولى‪ ،‬لنّ قدر المؤدّى صار عبادةً فيجب عليه إتمام الرّكعتين صيان ًة له عن البطلن‬ ‫‪.‬‬

‫الفضل في عدد الرّكعات في صلة التّطوّع‬ ‫‪:‬‬

‫التّطوّع ‪13 -‬‬ ‫أفضل التّطوّع في النّهار أربع أربع في قول الحنفيّة ‪ ،‬فقد صلّى ابن عمر صلة‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه قال‪« :‬‬
‫أربع ركعات بالنّهار ‪،‬لما روي عن أبي أيّوب عن النّب ّ‬
‫ن مفهوم قول النّبيّ‬
‫أربع قبل الظّهر ليس فيهنّ تسليم ‪ ،‬تفتح لهنّ أبواب السّماء » ول ّ‬
‫ن صلة النّهار رباعيّة جوازا ل‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬صلة اللّيل مثنى مثنى » أ ّ‬
‫تفضيلً‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬النّوافل باللّيل والنّهار مثنى مثنى يسلّم من كلّ ركعتين‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬الفضل للمتنفّل ليلً ونهارا أن يسلّم من كلّ ركعتين ‪ ،‬لخبر ‪ « :‬صلة اللّيل‬
‫والنّهار مثنى مثنى‬ ‫‪».‬‬

‫وقد قال أبو يوسف ومحمّد في صلة اللّيل ‪ :‬إنّها مثنى ‪ ..‬مثنى‬ ‫‪.‬‬

‫وصلة اللّيل ‪ -‬عند أبي حنيفة ‪ -‬أربع ‪ ،‬احتجاجا بما ورد عن « عائشة أنّها سئلت عن‬
‫قيام رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في رمضان فقالت ‪ :‬ما كان يزيد في رمضان ‪ ،‬ول‬
‫في غيره على إحدى عشرة ركعةً ‪ ،‬يصلّي أربعا ‪ ،‬فل تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ ‪ ،‬ثمّ‬
‫يصلّي أربعا فل تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ ‪ ،‬ثمّ يصلّي ثلثا » وكلمة ‪ ( :‬كان ) عبارة عن‬
‫العادة والمواظبة‪ ،‬وما كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يواظب إلّ على أفضل‬
‫العمال ‪ ،‬وأحبّها إلى اللّه‪ .‬وعند الحنابلة ‪ :‬صلة التّطوّع في اللّيل ل تجوز إلّ مثنى مثنى ‪،‬‬
‫والفضل في تطوّع النّهار كذلك مثنى مثنى ‪ ،‬وإن تطوّع بأربع في النّهار فل بأس‬ ‫‪.‬‬

‫ما يقرأ من القرآن في صلة التّطوّع‬ ‫‪:‬‬

‫ليس هناك ما يفيد توقيفا في القراءة في صلة التّطوّع ‪ ،‬ولكن هناك ما يفيد ندب آيات أو‬
‫سور معيّنة في صلوات معيّنة ‪ ،‬منها على سبيل المثال‬ ‫‪:‬‬

‫الرّكعتان قبل الفجر‬ ‫‪:‬‬

‫بأمّ ‪14 -‬‬ ‫يستحبّ في هاتين الرّكعتين التّخفيف ‪ ،‬ومن صور التّخفيف عند مالك أن يقرأ فيهما‬
‫القرآن فقط ‪ ،‬وقد ورد عن « النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه كان يخفّف ركعتي الفجر على‬
‫ما روته عائشة قالت ‪ :‬حتّى إنّي أقول ‪ :‬هل قرأ فيهما بأمّ القرآن ؟‬ ‫‪».‬‬

‫وظاهر هذا أنّه كان يقرأ فيهما بأمّ القرآن فقط‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الشّافعيّ ‪ :‬ل بأس بأن يقرأ فيهما بأمّ القرآن مع سورة قصيرة‬ ‫‪.‬‬

‫ن السّورتين هما ‪ " :‬الكافرون " و { ُقلْ ُه َو الّلهُ َأحَدٌ‬


‫وقد روي من طريق أبي هريرة أ ّ‬ ‫‪}.‬‬

‫وقال ابن عمر ‪ « :‬رمقت النبي صلى ال عليه وسلم شهرا فكان يقرأ في الرّكعتين قبل‬
‫الفجر بـ { ُقلْ يَأَ ّيهَا الكَافِرُونَ } و { ُقلْ ُه َو الّلهُ َأحَدٌ‬ ‫‪}».‬‬

‫وورد عن ابن عبّاس أنّه قال ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقرأ في ركعتي‬
‫الفجر في الولى منهما ‪ { :‬قُولُواْ آمَنّا بِالّل ِه َومَا أُن ِز َل إِلَيْنَا ‪ } ...‬الية الّتي في البقرة منهما‬
‫شهَدْ بِأَنّا ُمسْ ِلمُونَ‬
‫‪ { :‬آمَنّا بِالّلهِ وَا ْ‬ ‫‪}».‬‬
‫وروى أبو داود « أنّه قرأ في الثّانية ‪ { :‬رَبّنَا آمَنّا ِبمَا أَنزَلَتْ وَاتّ َبعْنَا ال ّرسُولَ فَاكْتُبْنَا َمعَ‬
‫جحِيمِ } » ‪ ،‬فسنّ‬
‫صحَابِ ا ْل َ‬
‫ن أَ ْ‬
‫الشّاهِدِينَ } أو { إِنّا أَ ْرسَلْنَاكَ بِا ْلحَقّ َبشِيرا وَنَذِيرا َولَ ُتسْ َأ ُل عَ ْ‬
‫الجمع بينهما ليتحقّق التيان بالوارد‬ ‫‪.‬‬

‫والسّبب في اختلف الرّوايات اختلف قراءته صلى ال عليه وسلم في هذه الصّلة ‪،‬‬
‫واختلفهم في تعيين القراءة في الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫وقال أبو حنيفة ‪ :‬ل توقيف في هاتين الرّكعتين في القراءة يستحبّ ‪ ،‬وأنّه يجوز أن يقرأ‬
‫فيهما المرء حزبه من اللّيل‬ ‫‪.‬‬

‫الرّكعتان بعد المغرب‬ ‫‪:‬‬

‫مسعود ‪15 -‬‬ ‫يستحبّ أن يقرأ فيهما { ُقلْ يَأَ ّيهَا الكَافِرُونَ } و { ُقلْ ُه َو الّلهُ َأحَدٌ } لحديث ابن‬
‫« ما أحصي ما سمعت من رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقرأ في الرّكعتين بعد المغرب‬
‫وفي الرّكعتين قبل صلة الفجر بـ { ُقلْ يَأَ ّيهَا الكَافِرُونَ } و { ُقلْ ُه َو الّلهُ َأحَدٌ‬ ‫‪}».‬‬

‫ركعات الوتر الثّلث‬ ‫‪:‬‬

‫سمَ ‪16 -‬‬


‫ا ْ‬ ‫عن أبيّ بن كعب قال ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يوتر بـ { سَ ّبحِ‬
‫ك الْأَعْلَى } ‪ُ { ،‬قلْ َيأَ ّيهَا الكَا ِفرُونَ } ‪ُ { ،‬قلْ ُه َو الّلهُ َأحَدٌ‬
‫رَبّ َ‬ ‫‪}».‬‬

‫وعن عائشة مثله ‪ ،‬وقالت ‪ « :‬في الثّالثة بـ { ُقلْ ُهوَ الّل ُه َأحَدٌ } والمعوّذتين » ‪.‬‬
‫وهو قول مالك والشّافعيّ وقال مالك في الشّفع ‪ :‬لم يبلغني فيه شيء معلوم وقد روي عن‬
‫أحمد أنّه سئل ‪ :‬يقرأ بالمعوّذتين في الوتر ؟ قال ‪ :‬ولم ل يقرأ ؟ ‪ ،‬وذلك لما روت عائشة «‬
‫سمَ رَبّكَ الَْأعْلَى‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كان يقرأ في الرّكعة الولى بـ { سَ ّبحِ ا ْ‬
‫أّ‬
‫} وفي الثّانية { ُقلْ يَأَ ّيهَا الكَافِرُونَ } وفي الثّالثة { ُقلْ ُه َو الّلهُ َأحَدٌ } والمعوّذتين‬ ‫‪».‬‬

‫التّحوّل من المكان للتّطوّع بعد الفرض‬ ‫‪:‬‬

‫مكانه ‪17 -‬‬ ‫من صلّى المكتوبة وأراد أن يتطوّع ‪ ،‬فإن كان إماما استحبّ له أن يتحوّل من‬
‫وإن كان غير إمام فهو بالخيار إن شاء تحوّل ‪ ،‬وإن شاء تطوّع في مكانه‬ ‫‪.‬‬

‫ي إلى مشروعيّة التّحوّل بعد الفرض للمام وغيره ‪ ،‬وهو مرويّ‬


‫وذهب أبو حنيفة والشّافع ّ‬
‫ن الشّافعيّ قال ‪ :‬الفصل بين الفرض والتّطوّع‬
‫عن ابن عبّاس والزّبير وغيرهما ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫بالكلم يقوم مقام التّحوّل‬ ‫‪.‬‬

‫والحجّة في ذلك ما روي عن السّائب بن يزيد قال ‪ « :‬صلّيت مع معاوية الجمعة في‬
‫المقصورة فلمّا سلّم المام قمت في مقامي فصلّيت ‪ ،‬فلمّا دخل أرسل إليّ فقال ‪ :‬ل تعد لما‬
‫ن رسول اللّه صلى ال‬
‫فعلت إذا صلّيت الجمعة فل تَصِلْها بصلة حتّى تكلّم أو تخرج ‪ ،‬فإ ّ‬
‫عليه وسلم أمرنا بذلك‬ ‫‪».‬‬
‫وقد روى ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيّب والحسن أنّهما كان يعجبهما إذا سلّم المام‬
‫ن مالكا‬
‫أن يتقدّم ‪ .‬وقد روي ذلك عن ابن عمر وإسحاق ‪ ،‬وإليه ذهب مالك وأحمد ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫كره للمأموم ‪ -‬أيضا ‪ -‬التّطوّع بعد الجمعة من غير أن يتحوّل‬ ‫‪.‬‬

‫وقد روى عطاء الخراسانيّ عن المغيرة بن شعبة قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ « :‬ل يصلّ المام في الموضع الّذي صلّى فيه حتّى يتحوّل‬ ‫‪».‬‬

‫الجماعة في صلة التّطوّع‬ ‫‪:‬‬

‫عند ‪18 -‬‬ ‫الجماعة سنّة في صلة العيدين عند المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وهي ليست بتطوّع‬
‫الحنفيّة والحنابلة ‪ ( .‬ر ‪ :‬صلة العيدين‬ ‫‪).‬‬

‫واتّفق الفقهاء على أنّ الجماعة سنّة في الكسوف والخسوف ‪ ،‬وكذلك في صلة الستسقاء‬
‫إلّ عند أبي حنيفة فإنّه ل جماعة فيها عنده ‪ ،‬لنّه ل صلة فيها‬ ‫‪.‬‬

‫والجماعة في صلة التّراويح سنّة عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ومستحبّة عند المالكيّة‬
‫‪ .‬والجماعة في صلة الوتر سنّة في شهر رمضان عند الحنابلة ومستحبّة عند الشّافعيّة‬
‫وفي قول عند الحنفيّة‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا ما عدا ما ذكر ممّا تسنّ له الجماعة فالصل فيه أن يصلّى على انفراد لكن لو صلّى‬
‫ي صلى ال عليه وسلم فعل المرين كليهما وكان أكثر تطوّعه منفردا‬
‫ن النّب ّ‬
‫جماعةً جاز ل ّ‬
‫وصلّى بأنس وأمّه واليتيم‬ ‫‪.‬‬

‫الجهر والسرار في صلة التّطوّع‬ ‫‪:‬‬

‫وإنّما ‪19 -‬‬ ‫يستحبّ الجهر بالنّوافل ليلً ما لم يشوّش على مصلّ آخر ‪ ،‬والسرار نهارا ‪.‬‬
‫جهر في الجمعة والعيدين لحضور أهل البوادي والقرى كي يسمعوه فيتعلّموه ويتّعظوا به ‪.‬‬
‫‪18‬‬ ‫‪ ) .‬وانظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬جهر ف ‪/‬‬
‫الوقوف والقعود في صلة التّطوّع‬ ‫‪:‬‬

‫القيام ‪20 -‬‬ ‫ن التّطوّع خير دائم ‪ ،‬فلو ألزمناه‬


‫يجوز التّطوّع قاعدا مع القدرة على القيام ‪ ،‬ل ّ‬
‫يتعذّر عليه إدامة هذا الخير‬ ‫‪.‬‬

‫ن كثيرا من النّاس يشقّ عليه طول القيام ‪ ،‬فلو وجب في التّطوّع لترك أكثره ‪ ،‬فسامح‬
‫ول ّ‬
‫الشّارع في ترك القيام فيه ترغيبا في تكثيره كما سامح في فعله على الرّاحلة في السّفر ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه صلى‬
‫والصل في جواز النّفل قاعدا مع القدرة على القيام ما روت عائشة « أ ّ‬
‫ال عليه وسلم كان يصلّي جالسا ‪ ،‬فيقرأ وهو جالس ‪ ،‬فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون‬
‫ثلثين أو أربعين آي ًة ‪ ،‬قام فقرأ وهو قائم ‪ ،‬ثمّ ركع ‪ ،‬ثمّ سجد ‪ ،‬ثمّ يفعل في الرّكعة الثّانية‬
‫مثل ذلك‬ ‫‪».‬‬
‫وقد روي من طريق آخر ما يفيد التّخيير في الرّكوع والسّجود بين القيام والقعود ‪ ،‬حيث‬
‫فعل الرّسول صلى ال عليه وسلم المرين ‪ ،‬كما زادت عائشة ‪ « :‬أنّها لم تر رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم يصلّي صلة اللّيل قاعدا قطّ حتّى أسنّ ‪ ،‬فكان يقرأ قاعدا حتّى إذا أراد‬
‫أن يركع قام فقرأ نحوا من ثلثين آي ًة أو أربعين آيةً ثمّ ركع‬ ‫‪».‬‬

‫ل طويلً‬
‫ل طويلً قائما ‪،‬ولي ً‬
‫وعنها « أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كان يصلّي لي ً‬
‫قاعدا‪ ،‬وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم ‪ ،‬وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو‬
‫قاعد»‪ .‬ولو افتتح التّطوّع قائما ث ّم أراد أن يقعد من غير عذر فله ذلك عند الحنابلة ‪ ،‬وهو‬
‫قول أبي حنيفة استحسانا ‪ ،‬لنّه متبرّع وهو مخيّر بين القيام والقعود في البتداء فكذا بعد‬
‫الشّروع ‪ ،‬لنّه متبرّع أيضا‬ ‫‪.‬‬

‫ن الشّروع ملزم كالنّذر ‪ ،‬ولو نذر أن‬


‫وعند أبي يوسف ومحمّد ل يجوز ‪ ،‬وهو القياس ‪ ،‬ل ّ‬
‫يصلّي ركعتين قائما ل يجوز له القعود من غير عذر ‪ ،‬فكذا إذا شرع قائما‬ ‫‪.‬‬

‫ولو افتتح التّطوّع قاعدا فأدّى بعضها قاعدا ‪ ،‬وبعضها قائما أجزأه لحديث عائشة المتقدّم ‪،‬‬
‫فقد انتقل من القعود إلى القيام ‪ ،‬ومن القيام إلى القعود ‪ ،‬فدلّ على أنّ ذلك جائز في صلة‬
‫التّطوّع‬ ‫‪.‬‬

‫ن كلّا منهما سنّة‬


‫وقد نقل عن أبي حنيفة عدم جواز صلة سنّة الفجر والتّراويح قاعدا ‪ ،‬ل ّ‬
‫مؤكّدة‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى‬
‫وإذا لم يرو خلف في إباحة التّطوّع جالسا ‪ ،‬فقد روي تفضيل القيام حيث قال النّب ّ‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬من صلّى قائما فهو أفضل ‪ ،‬ومن صلّى قاعدا فله نصف أجر القائم » ‪.‬‬
‫وفي رواية « صلة الرّجل قاعدا نصف الصّلة‬ ‫‪».‬‬

‫الصّلة مضطجعا‬ ‫‪:‬‬

‫الدلّة ‪21 -‬‬ ‫وأمّا صلة التّطوّع مضطجعا فظاهر قول أصحاب أبي حنيفة عدم الجواز لعموم‬
‫على افتراض الرّكوع والسّجود والعتدال عنهما‬ ‫‪.‬‬

‫ي لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من صلّى نائما‬


‫وقول الجواز مرويّ عن الحسن البصر ّ‬
‫فله نصف أجر القاعد » وقد قال الحسن ‪ :‬إن شاء الرّجل صلّى صلة التّطوّع قائما أو‬
‫جالسا أو مضطجعا‬ ‫‪.‬‬

‫وقال ابن تيميّة ‪ :‬التّطوّع مضطجعا لغير عذر لم يجوّزه إلّ طائفة قليلة من أصحاب الشّافعيّ‬
‫وأحمد ‪ ،‬ولم يبلغنا عن أحد منهم أنّه صلّى مضطجعا بل عذر ‪،‬ولو كان هذا مشروعا‬
‫‪.‬لفعلوه‬
‫حكم سجود السّهو في صلة التّطوّع‬ ‫‪:‬‬
‫سجود ‪22 -‬‬ ‫قال جمهور العلماء ‪ :‬إنّ السّهو في التّطوّع كالسّهو في الفريضة يشرع له‬
‫السّهو ‪ ،‬وقد روى ابن أبي شيبة بسنده عن أبي عقيل أنّه سمع سعيد بن المسيّب يقول ‪:‬‬
‫سجدتا السّهو في النّوافل كسجدتي السّهو في المكتوبة ‪ .‬وإلى ذلك ذهب الئمّة الربعة ‪.‬‬
‫انظر ‪ ( :‬سجود السّهو‬ ‫‪).‬‬

‫حكم قضاء السّنن‬ ‫‪:‬‬

‫‪23 - .‬‬ ‫يستحبّ قضاء النّوافل بعد وقتها المحدّد لها على خلف للفقهاء وتفصيل في ذلك‬
‫وقال الجوينيّ في قضاء النّوافل ‪ :‬إنّ ما ل يجوز التّقرّب به ابتداءً ل يقضى كالكسوف‬
‫والستسقاء فإنّه ل يجوز أن يتطوّع به النسان ابتداءً من غير وجود سببهما ‪ ،‬وما يجوز‬
‫التّطوّع به ابتداءً كنافلة ركعتين مثلً ‪ ،‬هل تقضى ؟ فيه قولن‬ ‫‪.‬‬

‫وانظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬قضاء‬ ‫‪).‬‬

‫صلة التّهجّد‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬تهجّد‬ ‫‪.‬‬

‫صلة التّوبة‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫صلة ‪1 -‬‬ ‫الصّلة تقدّم تعريفها ( ر ‪:‬‬ ‫‪).‬‬

‫والتّوبة لغةً ‪ :‬مطلق الرّجوع ‪ ،‬والرّجوع عن الذّنب‬ ‫‪.‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬الرّجوع من أفعال مذمومة إلى أفعال محمودة شرعا‬ ‫‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ‬ ‫‪:‬‬

‫الربعة ‪2 -‬‬ ‫صلة التّوبة مستحبّة باتّفاق المذاهب‬ ‫‪.‬‬

‫وذلك لما رواه أبو بكر رضي ال عنه قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪:‬‬
‫« ما من رجل يذنب ذنبًا ثمّ يقوم فيتطهّر ثمّ يصلّي ثمّ يستغفر اللّه إلّ غفر اللّه له ‪ ..‬ثمّ قرأ‬
‫س ُهمْ َذكَرُواْ الّلهَ فَاسْ َت ْغفَرُو ْا لِذُنُو ِبهِمْ ‪...‬‬
‫شةً َأوْ ظَ َلمُواْ أَ ْنفُ َ‬
‫ح َ‬
‫هذه الية ‪ { :‬وَالّذِينَ إِذَا َفعَلُواْ فَا ِ‬
‫إلخ‬ ‫‪}».‬‬

‫صَلَةُ الجماعة‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫جماعة ‪1 -‬‬ ‫المقصود بصلة الجماعة ‪ :‬فعل الصّلة في‬ ‫‪.‬‬

‫فضل صلة الجماعة‬ ‫‪:‬‬


‫عدّة ‪2 -‬‬ ‫لصلة الجماعة فضل كبير ‪ ،‬وقد حثّ عليها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في‬
‫أحاديث منها ‪ :‬قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬صلة الجماعة تفضل صلة الفذّ بخمس‬
‫وعشرين درجةً » وفي رواية أخرى ‪ « :‬صلة الجماعة تفضل صلة الفذّ بسبع وعشرين‬
‫درجةً‬ ‫‪».‬‬

‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال « لو يعلم‬


‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أ ّ‬
‫النّاس ما في النّداء والصّفّ الوّل ‪ ،‬ثمّ لم يجدوا إلّ أن يستهموا عليه لستهموا ‪ ،‬ولو‬
‫يعلمون ما في التّهجير لستبقوا إليه‪ ،‬ولو يعلمون ما في العتمة والصّبح لتوهما ولو‬
‫‪».‬حبوا‬
‫وعن عثمان بن عفّان ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫يقول ‪ « :‬من صلّى العشاء في جماعة فكأنّما قام نصف اللّيل ‪ ،‬ومن صلّى الصّبح في‬
‫جماعة فكأنّما صلّى اللّيل كلّه‬ ‫‪».‬‬

‫ولهمّيّتها يقول الفقهاء ‪ :‬الصّلة في الجماعة معنى الدّين ‪ ،‬وشعار السلم ‪ ،‬ولو تركها‬
‫أهل مصر قوتلوا ‪ ،‬وأهل حارة جبروا عليها وأكرهوا‬ ‫‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ‬ ‫‪:‬‬

‫للفقهاء في بيان حكم صلة الجماعة أقوال مختلفة ‪ ،‬وبيانها فيما يلي‬ ‫‪:‬‬

‫أوّلً ‪ :‬الجماعة في الفرائض‬ ‫‪:‬‬

‫صلة ‪3 -‬‬ ‫ذهب الحنفيّة ‪ -‬في الصحّ ‪ -‬وأكثر المالكيّة ‪ ،‬وهو قول للشّافعيّة ‪ ،‬إلى أنّ‬
‫الجماعة في الفرائض سنّة مؤكّدة للرّجال ‪ ،‬وهي شبيهة بالواجب في القوّة عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫ي صلى ال‬
‫وصرّح بعضهم بأنّها واجبة ‪ -‬حسب اصطلحهم ‪ -‬واستدلّوا بما روي عن النّب ّ‬
‫عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬صلة الجماعة تفضل على صلة الفذّ بسبع وعشرين درج ًة » وفي‬
‫ي صلى ال عليه وسلم الجماعة لحراز‬
‫رواية ‪ « :‬بخمس وعشرين درجةً » ‪ ،‬فقد جعل النّب ّ‬
‫الفضيلة ‪ ،‬وذا آية السّنن ‪ ،‬وقال عبد اللّه بن مسعود في الصّلوات ‪ :‬إنّها من سنن الهدي ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة ‪ -‬في الصحّ عندهم ‪ ، -‬إلى أنّها فرض كفاية ‪ ،‬وهو قول بعض فقهاء‬
‫ي عن بعض المالكيّة‬
‫ي والطّحاويّ ‪ ،‬وهو ما نقله المازر ّ‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬كالكرخ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫واستدلّوا بقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ما من ثلثة في قرية ول بدو ل تقام فيهم‬
‫الصّلة إلّ قد استحوذ عليهم الشّيطان ‪ ،‬فعليك بالجماعة فإنّما يأكل الذّئب القاصية‬ ‫‪».‬‬

‫وقد فصّل بعض المالكيّة فقالوا ‪ :‬إنّها فرض كفاية من حيث الجملة أي بالبلد ‪ ،‬فيقاتل أهلها‬
‫عليها إذا تركوها ‪ ،‬وسنّة في كلّ مسجد وفضيلة للرّجل في خاصّة نفسه‬ ‫‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة ‪ ،‬وهو قول للحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّها واجبة وجوب عين وليست شرطا‬
‫لصحّة الصّلة ‪ ،‬خلفا لبن عقيل من الحنابلة ‪ ،‬الّذي ذهب إلى أنّها شرط في صحّتها قياسا‬
‫على سائر واجبات الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫ت َل ُهمُ الصّلَةَ فَلْ َت ُقمْ طَآ ِئ َفةٌ مّ ْنهُم‬


‫واستدلّ الحنابلة بقول اللّه تعالى ‪َ { :‬وإِذَا كُنتَ فِي ِهمْ فَأَ َقمْ َ‬
‫ّمعَكَ } فأمر اللّه تعالى بالجماعة حال الخوف ‪ ،‬ففي غيره أولى‬ ‫‪.‬‬

‫وبما رواه أبو هريرة ‪ -‬رضي ال تعالى عنه ‪ -‬أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال‬ ‫‪:‬‬

‫آمر «‬ ‫والّذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب ‪ ،‬فيحطب ثمّ آمر بالصّلة فيؤذّن لها ‪ ،‬ثمّ‬
‫ل فيؤمّ النّاس ‪ ،‬ثمّ أخالف إلى رجال ل يشهدون الصّلة ‪ ،‬فأحرّق عليهم بيوتهم‬
‫رج ً‬ ‫‪».‬‬

‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال ‪ « :‬أتى النّبيّ صلى ال عليه وسلم رجل أعمى ‪،‬‬
‫فقال ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬إنّه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد ‪ ،‬فسأل رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم أن يرخّص له ‪ ،‬فيصلّي في بيته فرخّص له ‪ ،‬فلمّا ولّى دعاه فقال ‪ :‬هل تسمع‬
‫النّداء بالصّلة ؟ قال ‪ :‬نعم قال ‪ :‬فأجب » وإذا لم يرخّص للعمى الّذي لم يجد قائدا فغيره‬
‫ن وجوبها على العيان‬
‫ن تارك الجماعة يقاتل وإن أقامها غيره ‪ ،‬ل ّ‬
‫أولى ‪ .‬ولذلك قالوا ‪ :‬إ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫صلة ‪4 -‬‬ ‫والجماعة في صلة الخوف عند الشّافعيّة أفضل من النفراد لعموم الخبار في‬
‫الجماعة ‪ ،‬كما في المن ‪ .‬وانظر مصطلح ‪ ( :‬صلة الخوف‬ ‫‪).‬‬

‫وهذا ‪5-‬‬ ‫ح بغير جماعة ‪،‬‬


‫ن الجماعة شرط في صحّتها ‪ ،‬فل تص ّ‬
‫أمّا بالنّسبة لصلة الجمعة فإ ّ‬
‫باتّفاق الفقهاء ‪ ( .‬ر ‪ :‬صلة الجمعة‬ ‫‪).‬‬

‫شرط ‪6-‬‬ ‫ن الجماعة‬


‫والجماعة في صلة الجنازة ليست بشرط ‪ ،‬بل سنّة ‪ ،‬وقال ابن رشد ‪ :‬إ ّ‬
‫فيها كالجمعة ‪ ،‬والمشهور عند المالكيّة أنّها مندوبة‬ ‫‪.‬‬

‫حكم صلة جماعة النّساء‬ ‫‪:‬‬

‫للرّجال ‪7 -‬‬ ‫ما سبق من حكم صلة الجماعة إنّما هو بالنّسبة‬ ‫‪.‬‬

‫ن الجماعة منفردات عن الرّجال ‪،‬‬


‫ن له ّ‬
‫أمّا بالنّسبة للنّساء ‪ :‬فعند الشّافعيّة والحنابلة يس ّ‬
‫سواء أأمّهنّ رجل أم امرأة ‪ ،‬لفعل عائشة وأمّ سلمة ‪ -‬رضي ال تعالى عنهما ‪ -‬وقد «‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أمّ ورقة بأن تجعل لها مؤذّنا يؤذّن لها وأمرها أن تؤمّ أهل‬
‫أمر النّب ّ‬
‫دارها» ولنّهنّ من أهل الفرض ‪ ،‬فأشبهن الرّجال‬ ‫‪.‬‬

‫ن خروجهنّ إلى الجماعات قد يؤدّي‬


‫ن الجماعة للنّساء عندهم مكروهة ‪ ،‬ول ّ‬
‫أمّا الحنفيّة فإ ّ‬
‫إلى فتنة‬ ‫‪.‬‬
‫ح إمامة المرأة‬
‫ن من شروط المام أن يكون ذكرا فل تص ّ‬
‫ومنع المالكيّة جماعة النّساء ‪ ،‬ل ّ‬
‫ح للمرأة حضور جماعة الرّجال إذا لم تكن مخشيّة‬
‫لرجال ‪ ،‬ول لنساء مثلها ‪ ،‬وإنّما يص ّ‬
‫الفتنة‬ ‫‪.‬‬

‫الجماعة في غير الفرائض‬ ‫‪:‬‬

‫المالكيّة ‪8 -‬‬ ‫الجماعة في صلة العيدين شرط صحّة عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬وسنّة عند‬
‫والشّافعيّة‬ ‫‪.‬‬

‫ن الجماعة سنّة في صلة الكسوف‬


‫واتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وسوّى الشّافعيّة والحنابلة بين الكسوف والخسوف في سنّيّة الجماعة فيهما‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا الحنفيّة والمالكيّة فل يرون صلة الجماعة في صلة الخسوف‬ ‫‪.‬‬

‫والجماعة في صلة الستسقاء سنّة عند المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬ومحمّد ‪ ،‬وأبي‬
‫يوسف خلفا لبي حنيفة ‪ ،‬فإنّه ل يرى فيها صل ًة أصلً‬ ‫‪.‬‬

‫والجماعة في صلة التّراويح سنّة عند الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ومستحبّة عند‬
‫المالكيّة ‪ .‬والجماعة في صلة الوتر سنّة في شهر رمضان عند الحنابلة ‪ ،‬ومستحبّة عند‬
‫الشّافعيّة وفي قول عند الحنفيّة‬ ‫‪.‬‬

‫وتجوز الجماعة في غير ما ذكر من صلة التّطوّع عند جمهور الفقهاء وقالوا ‪ :‬يجوز‬
‫ي صلى ال عليه وسلم فعل المرين كليهما ‪ ،‬وكان أكثر‬
‫التّطوّع جماعةً وفرادى ‪ ،‬لنّ النّب ّ‬
‫تطوّعه منفردا ‪ « ،‬وصلّى بحذيفة مرّةً ‪ ،‬وبأنس وأمّه واليتيم مرّ ًة ‪ ،‬وأمّ أصحابه في بيت‬
‫عتبان مرّ ًة كذلك‬ ‫‪».‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم‬


‫وعن ابن عبّاس ‪ -‬رضي ال تعالى عنهما ‪ « -‬أنّه أمّه النّب ّ‬ ‫‪».‬‬

‫والمالكيّة قيّدوا الجواز بما إذا كانت الجماعة قليل ًة ‪ ،‬وكان المكان غير مشتهر ‪ ،‬فإن كثر‬
‫العدد كرهت الجماعة ‪ ،‬وكذلك تكره لو كانت الجماعة قليل ًة والمكان مشتهرا‬ ‫‪.‬‬

‫ن الجماعة في النّفل في غير رمضان مكروهة‬


‫ويرى الحنفيّة أ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫من يطالب بالجماعة‬ ‫‪:‬‬

‫السّنّيّة‪9 - -‬‬ ‫يطالب بصلة الجماعة ‪ -‬سواء كان الطّلب على سبيل الوجوب ‪ ،‬أو على سبيل‬
‫‪ :‬الرّجال الحرار العقلء القادرون عليها دون حرج ‪ ،‬فل تجب على النّساء والعبيد‬
‫والصّبيان وذوي العذار ‪ .‬ومع ذلك تصحّ منهم صلة الجماعة ‪ ،‬وتنعقد بهم ‪ ،‬على ما هو‬
‫مبيّن بعد ذلك ‪ ،‬وقد استحبّ الشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة جماعة النّساء ‪ ،‬وقرّر الحنابلة أنّه يكره‬
‫للحسناء حضور الجماعة مع الرّجال ‪ ،‬خشية الفتتان بها ‪ ،‬ويباح لغيرها حضور الجماعة‬ ‫‪.‬‬

‫العدد الّذي تنعقد به الجماعة‬ ‫‪:‬‬


‫المام ‪10 -‬‬ ‫ن أقلّ عدد تنعقد به الجماعة اثنان ‪ ،‬وهو أن يكون مع‬
‫اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫واحد ‪ ،‬فيحصل لهما فضل الجماعة ‪ ،‬لما روى أبو موسى الشعريّ ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أنّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬اثنان فما فوقهما جماعة » ولقوله صلى ال عليه وسلم‬
‫النّب ّ‬
‫في حديث مالك بن الحويرث ‪ « :‬إذا حضرت الصّلة فليؤذّن أحدكما وليؤمّكما أكبركما »‬
‫وسواء أكان ذلك في المسجد أم في غيره كالبيت والصّحراء‬ ‫‪.‬‬

‫ل أم امرأةً ‪ .‬فمن صلّى إماما لزوجته حصل لهما‬


‫وسواء أكان الّذي يصلّي مع المام رج ً‬
‫فضل الجماعة‬ ‫‪.‬‬

‫واختلف الفقهاء في انعقاد الجماعة في صلة الفريضة لو كان الواحد مع المام صبيّا‬
‫مميّزا‪ ،‬إذ غير المميّز ل تنعقد به جماعة بالتّفاق‬ ‫‪.‬‬

‫ي مع‬
‫فذهب الحنفيّة والشّافعيّة ‪ -‬وهو رواية عن المام أحمد ‪ -‬إلى انعقادها باقتداء الصّب ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال في الرّجل الّذي فاتته الجماعة‬
‫حصول فضل الجماعة « لنّ النّب ّ‬
‫‪ :‬من يتصدّق على هذا » ‪ ،‬ولنّه يصحّ أن يكون إماما ‪ ،‬وهو متنفّل ‪ ،‬فجاز أن يكون‬
‫مأموما بالمفترض كالبالغ‬ ‫‪.‬‬

‫وعند المالكيّة ‪ -‬وهو رواية أخرى عن المام أحمد ‪ -‬ل يحصل فضل الجماعة باقتداء‬
‫ن المام صلّى منفردا‬
‫ن صلة الصّبيّ نفل ‪ ،‬فكأ ّ‬
‫الصّبيّ في الفرض ‪ ،‬ل ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ي ‪ ،‬ويحصل فضل الجماعة ‪ ،‬وهذا باتّفاق ‪ « .‬لنّ‬


‫وأمّا في التّطوّع فيصحّ باقتداء الصّب ّ‬
‫ي ‪ ،‬وأمّ حذيفة مرّةً أخرى‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أمّ ابن عبّاس مرّةً وهو صب ّ‬
‫النّب ّ‬ ‫‪».‬‬

‫ويختلف العدد بالنّسبة لظهار الشّعيرة في البلدة أو القرية ‪ ،‬إذ أنّ صلة الجماعة من‬
‫شعائر السلم ‪ ،‬ولو تركها أهل قرية قوتلوا عليها ‪ ،‬ولذلك قال المالكيّة ‪ :‬قوتلوا عليها‬
‫لتفريطهم في الشّعيرة ‪ ،‬ول يخرج أهل البلد عن العهدة إلّ بجماعة أقلّها ثلثة ‪ :‬إمام‬
‫ومأمومان ‪ ،‬ومؤذّن يدعو للصّلة ‪ ،‬وموضع معدّ لها ‪ ،‬وهو المسجد‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ما من‬


‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن امتنع أهل القرية قوتلوا ‪ ،‬لقول النّب ّ‬
‫ثلثة في قرية ول بدو ل تقام فيهم الصّلة إلّ استحوذ عليهم الشّيطان ‪ ،‬فعليك بالجماعة ‪،‬‬
‫فإنّما يأكل الذّئب القاصية » فتجب بحيث يظهر الشّعار بإقامتها بمحلّ في القرية الصّغيرة‬
‫والكبيرة بمحالّ يظهر بها الشّعار ‪ ،‬ويسقط الطّلب بطائفة وإن قلّت‬ ‫‪.‬‬

‫ويرى المالكيّة ‪ :‬أنّ المام الرّاتب بمسجد أو غيره إذا جاء في وقته المعتاد له ‪ ،‬فلم يجد‬
‫ل وحكما ‪،‬‬
‫أحدًا يصلّي معه ‪ ،‬فصلّى منفردا ‪ ،‬بعد أن أذّن وأقام فإنّه يعتبر كالجماعة فض ً‬
‫ويحصل له فضل الجماعة إن نوى المامة ‪ ،‬لنّه ل تتميّز صلته منفردا عن صلته إماما‬
‫إلّ بالنّيّة ‪ ،‬ولذلك ل يعيد في أخرى ‪ ،‬ول يصلّي بعده جماعةً ‪ ،‬ويجمع ليلة المطر‬ ‫‪.‬‬
‫والحكام الّتي سبقت بالنّسبة للعدد الّذي تنعقد به الجماعة إنّما هو في غير الجمعة والعيد ‪،‬‬
‫إذ فيهما يختلف العدد ‪ -‬ولكلّ مذهب رأيه في تحديد العدد ‪ ،‬حسبما يستند إليه من أدلّة ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬صلة الجمعة وصلة العيدين‬ ‫‪).‬‬

‫أفضل مكان لصلة الجماعة‬ ‫‪:‬‬

‫‪11 - ،‬‬ ‫تجوز إقامة صلة الجماعة في أيّ مكان طاهر ‪ ،‬في البيت أو الصّحراء أو المسجد‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬جعلت لي الرض مسجدا وطهورا ‪ ،‬فأيّما رجل من‬
‫لقول النّب ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لرجلين ‪ :‬إذا صلّيتما في‬
‫أمّتي أدركته الصّلة فليص ّل » ‪ « .‬وقال النّب ّ‬
‫ن الجماعة‬
‫رحالكما ‪ ،‬ثمّ أتيتما مسجد جماعة ‪ ،‬فصلّيا معهم ‪ ،‬فإنّها لكما نافلة » إلّ أ ّ‬
‫للفرائض في المسجد أفضل منها في غير المسجد ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫صلّوا أيّها النّاس في بيوتكم ‪ ،‬فإنّ أفضل صلة المرء في بيته إلّ الصّلة المكتوبة » ‪ ،‬ولنّ‬
‫المسجد مشتمل على الشّرف والطّهارة ‪ ،‬كما أنّ إقامتها في المسجد فيه إظهار الشّعائر‬
‫وكثرة الجماعة‬ ‫‪.‬‬

‫والصّلة في المساجد الّتي يكثر فيها النّاس أفضل من الصّلة في المساجد الّتي يقلّ فيها‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬صلة الرّجل مع الرّجل أزكى من صلته‬
‫النّاس ‪ ،‬لقول النّب ّ‬
‫وحده‪ ،‬وصلة الرّجل مع الرّجلين أزكى من صلته مع الرّجل ‪ ،‬وما كانوا أكثر فهو أحبّ‬
‫إلى اللّه ع ّز وجلّ » وإن كان في جواره أو غير جواره مسجد ل تنعقد فيه الجماعة إلّ‬
‫بحضوره ‪ ،‬ففعلها فيه أفضل وأولى من فعلها في المسجد الّذي يكثر فيه النّاس ‪ ،‬لنّه‬
‫يعمّره بإقامة الجماعة فيه وبذلك تحصل الجماعة في مسجدين‬ ‫‪.‬‬

‫وإذا كانت الجماعة في المسجد أفضل من إقامتها في البيت فإنّه لو كان إذا ذهب النسان‬
‫إلى المسجد ‪ ،‬وترك أهل بيته لصلّوا فرادى ‪ ،‬أو لتهاونوا أو تهاون بعضهم في الصّلة ‪ ،‬أو‬
‫لو صلّى في بيته لصلّى جماعةً ‪ ،‬وإذا صلّى في المسجد صلّى وحده فصلته في بيته أفضل‬
‫‪ .‬وإن كان البلد ثغرا فالفضل اجتماع النّاس في مسجد واحد ‪ ،‬ليكون أعلى للكلمة ‪ ،‬وأوقع‬
‫للهيبة ‪ ،‬وإذا جاءهم خبر عن عدوّهم سمعه جميعهم ‪ ،‬وإن أرادوا التّشاور في أمر حضر‬
‫جميعهم ‪ ،‬وإن جاء عين الكفّار رآهم فأخبر بكثرتهم‬ ‫‪.‬‬

‫والصّلة في المساجد الثّلثة ‪ - :‬المسجد الحرام ‪ ،‬ومسجد المدينة ‪ ،‬والمسجد القصى ‪-‬‬
‫وإن قلّت الجماعة فيها أفضل منها في غيرها من المساجد وإن كثرت الجماعة فيها ‪ ،‬بل‬
‫قال بعض الفقهاء ‪ :‬النفراد فيها أفضل من الجماعة في غيرها‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا النّوافل فصلتها في البيت أفضل من صلتها في المسجد ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه‬
‫ن أفضل صلة المرء في بيته إلّ الصّلة‬
‫وسلم ‪ «:‬صلّوا أيّها النّاس في بيوتكم‪ ،‬فإ ّ‬
‫المكتوبة»‪ .‬لكن ما شرعت له الجماعة من السّنن فهو مستثنًى من الحديث ‪ ،‬وصلته في‬
‫المسجد أفضل من صلته في البيت‬ ‫‪.‬‬

‫وما سبق من أفضليّة صلة الجماعة في المسجد إنّما هو بالنّسبة للرّجال ‪ ،‬أمّا بالنّسبة‬
‫ن في البيت أفضل منها في المسجد لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫للنّساء فالجماعة له ّ‬ ‫‪:‬‬

‫من «‬ ‫صلة المرأة في بيتها أفضل من صلتها في حجرتها ‪ ،‬وصلتها في مخدعها أفضل‬
‫صلتها في بيتها‬ ‫‪».‬‬

‫ما تدرك به الجماعة‬ ‫‪:‬‬

‫ويختلفون ‪12 -‬‬ ‫يفرّق بعض الفقهاء بين إدراك فضيلة الجماعة ‪ ،‬وبين ثبوت حكم الجماعة ‪،‬‬
‫في القدر الّذي تدرك به فضيلة الجماعة ‪ .‬ويختلفون كذلك في القدر الّذي يثبت به حكم‬
‫الجماعة ‪ .‬وبيان ذلك فيما يلي‬ ‫‪:‬‬

‫أوّلً ‪ :‬ما تدرك به فضيلة الجماعة‬ ‫‪:‬‬

‫وهو ‪13 -‬‬ ‫اختلف الفقهاء في القدر الّذي تدرك به فضيلة الجماعة ‪ ،‬فعند الحنفيّة والحنابلة ‪،‬‬
‫الصّحيح عند الشّافعيّة ‪ ،‬وهو قول ابن يونس وابن رشد من المالكيّة تدرك فضيلة الجماعة‬
‫باشتراك المأموم مع المام في جزء من صلته ‪ ،‬ولو في القعدة الخيرة قبل السّلم‪ ،‬لنّه‬
‫أدرك جزءا من الصّلة ‪ ،‬فأشبه ما لو أدرك ركعةً ‪ ،‬ولنّ من أدرك آخر الشّيء فقد أدركه ‪،‬‬
‫ولنّه لو لم يدرك فضل الجماعة بذلك لمنع من القتداء ‪ ،‬لنّه يكون حينئذ زيادة بل فائدة ‪،‬‬
‫لكن ثوابه يكون دون ثواب من أدركها من أوّلها‬ ‫‪.‬‬

‫ومقابل الصّحيح عند الشّافعيّة ‪ -‬وهو قول خليل والدّردير وابن الحاجب من المالكيّة ‪ -‬ل‬
‫تدرك فضيلة الجماعة إلّ بإدراك ركعة كاملة ‪ ،‬لنّ الصّلة كلّها ركعة مكرّرة‬ ‫‪.‬‬

‫ويشترط لحصول فضل الجماعة نيّة القتداء من المأموم ‪ ،‬ليحوز فضل الجماعة وهذا‬
‫باتّفاق‪ ،‬أمّا نيّة المام المامة ففيها خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬إمامة واقتداء‬ ‫‪).‬‬

‫ثانيا ‪ :‬ما يثبت به حكم الجماعة وما يترتّب عليه من أحكام‬ ‫‪:‬‬

‫يقتدى ‪14 -‬‬ ‫المقصود بحكم الجماعة ‪ -‬كما يفسّره المالكيّة ‪ -‬أنّ من ثبت له حكم الجماعة ل‬
‫به ‪ ،‬ول يعيد في جماعة ‪ ،‬ويصحّ استخلفه ‪ ،‬ويترتّب عليه سجود سهو المام ‪ .‬وحكم‬
‫الجماعة هذا ل يثبت عند المالكيّة إلّ بإدراك ركعة كاملة بسجدتيها مع المام‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا عند الحنفيّة ‪ :‬فل تدرك الجماعة إلّ بإدراك ركعاتها كلّها في الجملة ‪ .‬يقول صاحب ال ّدرّ‬
‫المختار وشرحه ‪ :‬ل يكون مصلّيا جماع ًة اتّفاقا ( أي بين فقهاء المذهب ) من أدرك ركعةً‬
‫من ذوات الربع ‪ ،‬أو من الصّلة الثّنائيّة أو الثّلثيّة ‪ ،‬لنّه منفرد ببعضها ‪ ،‬لكنّه أدرك‬
‫فضلها ولو بإدراك التّشهّد ‪ .‬وكذا مدرك الثّلث ل يكون مصلّيا بجماعة على الظهر ‪ .‬وقال‬
‫السّرخسيّ ‪ :‬للكثر حكم الكلّ ‪ ،‬لكن صاحب البحر ضعّفه‬ ‫‪.‬‬

‫إعادة الصّلة جماعةً لمن صلّى منفردا أو في جماعة‬ ‫‪:‬‬

‫الجماعة ‪15 -‬‬ ‫من أدّى الصّلة المكتوبة منفردا ث ّم وجد جماعةً استحبّ له أن يدخل مع‬
‫لتحصيل الفضل ‪ ،‬لما ورد عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم « أنّه صلّى في مسجد‬
‫ي بهما ‪ ،‬فجيء بهما ترعد‬
‫الخيف‪ ،‬فرأى رجلين خلف الصّفّ لم يصلّيا معه ‪ ،‬فقال ‪ :‬عل ّ‬
‫فرائصهما ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما منعكما أن تصلّيا معنا ؟ فقال ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ :‬إنّا كنّا قد صلّينا في‬
‫رحالنا ‪ ،‬قال ‪ :‬فل تفعل ‪،‬إذا صلّيتما في رحالكما ثمّ أتيتما مسجد جماعة ‪ ،‬فصلّيا معهم ‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪« :‬‬
‫فإنّها لكما نافلة » وعن أبي ذرّ ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أنّ النّب ّ‬
‫كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخّرون الصّلة عن وقتها ‪ ،‬أو يميتون الصّلة عن وقتها ؟‬
‫قال ‪ :‬قلت ‪ :‬فما تأمرني ؟ قال ‪ :‬ص ّل الصّلة لوقتها ‪ ،‬فإن أدركتها معهم فصلّ ‪ ،‬فإنّها لك‬
‫نافلة‬ ‫‪».‬‬

‫وهذا باتّفاق ‪ ،‬من حيث طلب العادة لتحصيل الفضل ‪ -‬وللفقهاء تفصيل في استثناء بعض‬
‫الصّلوات من استحباب العادة ‪ -‬فعند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ل تعاد صلة المغرب ‪،‬‬
‫لنّ التّنفّل بالثّلث بعد المغرب مكروه ‪ ،‬ول نظير له في الشّرع ‪ ،‬فإذا أعادها شفع بجعلها‬
‫أربعا أو اقتصر على اثنتين ‪ ،‬وتصير نافلةً ‪ ،‬كمن دخل مع المام في ثانية المغرب ‪ ،‬أمّا إن‬
‫أتمّ مع المام الثّلث سهوا ل يسلّم معه ‪ ،‬وأتى برابعة وجوبًا ‪ ،‬وسجد للسّهو ‪ .‬وزاد‬
‫الحنفيّة عدم إعادة العصر والفجر ‪ ،‬لكراهة النّفل بعدهما ‪ ،‬وهو محكيّ عن بعض الشّافعيّة‬ ‫‪.‬‬

‫وقال المالكيّة ‪ :‬لو أوتر بعد العشاء فل يعيد العشاء ‪ ،‬لنّه إن أعاد الوتر لزم مخالفة قوله‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل وتران في ليلة » ‪ ،‬وإن لم يعده لزم مخالفة قوله صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬اجعلوا آخر صلتكم وترا‬ ‫‪».‬‬

‫والصّلة المعادة تكون نافلةً ‪ ،‬وهذا قول الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو قول الشّافعيّ في الجديد ‪،‬‬
‫لنّ الفرض ل يتكرّر في وقت واحد‬ ‫‪.‬‬

‫وقال المالكيّة ‪ :‬يفوّض في الثّانية أمره إلى اللّه تعالى في قبول أيّ من الصّلتين لفرضه ‪،‬‬
‫وهو قول الشّافعيّ في القديم‬ ‫‪.‬‬

‫وقال سعيد بن المسيّب وعطاء والشّعبيّ ‪ :‬تكون المعادة مع الجماعة هي المكتوبة ‪ ،‬لما‬
‫ي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬قال ‪ « :‬إذا‬
‫روي في حديث يزيد بن عامر بن السود أنّ النّب ّ‬
‫جئت إلى الصّلة فوجدت النّاس فصلّ معهم ‪ ،‬وإن كنت قد صلّيت تكن لك نافلةً وهذه‬
‫مكتوبة‬ ‫‪».‬‬
‫هذا بالنّسبة لمن صلّى منفردا ‪ .‬أمّا بالنّسبة لمن صلّى المكتوبة في جماعة ث ّم وجد جماعةً‬
‫أخرى فقد ذهب الشّافعيّة في الصحّ والحنابلة إلى استحباب إعادة الصّلة مرّ ًة أخرى في‬
‫ي صلى ال عليه وسلم صلّى الصّبح ‪ ،‬فرأى رجلين لم يصلّيا‬
‫الجماعة الثّانية ‪ « ،‬لنّ النّب ّ‬
‫معه فقال ‪ :‬ما منعكما أن تصلّيا معنا ؟ قال ‪ :‬صلّينا في رحالنا فقال ‪ :‬إذا صلّيتما في‬
‫رحالكما ثمّ أتيتما مسجد جماعة فصلّيا معهم فإنّها لكما نافلة‬ ‫‪».‬‬

‫فقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬صلّيتما » يصدق بالنفراد والجماعة ‪ .‬وروى الثرم عن‬
‫المام أحمد قال ‪ :‬سألت أبا عبد اللّه عمّن صلّى في جماعة ثمّ دخل المسجد ‪ -‬وهم يصلّون‬
‫‪ -‬أيصلّي معهم ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ .‬وقد روى أنس قال ‪ :‬صلّى بنا أبو موسى الغداة في المربد ‪،‬‬
‫فانتهينا إلى المسجد الجامع ‪ ،‬فأقيمت الصّلة ‪ ،‬فصلّينا مع المغيرة بن شعبة ‪ .‬وعن صلة‬
‫ن في جماعة‬
‫عن حذيفة أنّه أعاد الظّهر والعصر والمغرب وكان قد صلّاه ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب المالكيّة ‪ -‬وهو مقابل الصحّ عند الشّافعيّة ‪ -‬إلى أنّ من صلّى في جماعة فل‬
‫يعيدها في جماعة أخرى ‪ ،‬لنّه حصّل فضيلة الجماعة فل معنى للعادة بخلف المنفرد ‪،‬‬
‫واستثنى المالكيّة المسجد الحرام ‪ ،‬ومسجد المدينة وبيت المقدس ‪ .‬قالوا ‪ :‬يجوز لمن صلّى‬
‫جماعةً في غير هذه المساجد أن يعيد فيها جماع ًة ‪ ،‬لفضل تلك البقاع‬ ‫‪.‬‬

‫تكرار الجماعة في مسجد واحد‬ ‫‪:‬‬

‫أبو ‪16 -‬‬ ‫يكره تكرار الجماعة في مسجد الحيّ الّذي له إمام وجماعة معلومون ‪ ،‬لما روى‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أقبل من نواحي المدينة يريد الصّلة ‪ ،‬فوجد‬
‫بكرة « أ ّ‬
‫النّاس قد صلّوا فمال إلى منزله فجمع أهله فصلّى بهم » ولو لم يكره تكرار الجماعة في‬
‫المسجد لما تركها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم مع علمه بفضل الجماعة في المسجد ‪،‬‬
‫ن أصحاب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫وورد عن أنس بن مالك ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أ ّ‬
‫كانوا إذا فاتتهم الجماعة صلّوا في المسجد فرادى ‪ ،‬ولنّ التّكرار يؤدّي إلى تقليل‬
‫ن النّاس إذا علموا أنّهم تفوتهم الجماعة يستعجلون ‪ ،‬فتكثر الجماعة ‪ ،‬وإذا‬
‫الجماعة ‪ ،‬ل ّ‬
‫علموا أنّها ل تفوتهم يتأخّرون ؛ فتق ّل الجماعة ‪ ،‬وتقليل الجماعة مكروه ‪ ،‬وهذا رأي‬
‫جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬في الجملة ‪ ،‬إذ هناك بعض القيود مع‬
‫شيء من التّفصيل لكلّ مذهب ‪ .‬فالحنفيّة يقيّدون كراهة التّكرار بما إذا صلّى في مسجد‬
‫الحيّ أهله بأذان وإقامة ‪ ،‬فإذا صلّى فيه أ ّولً غير أهله أو صلّى فيه أهله بدون أذان وإقامة‬
‫ل يكره تكرار الجماعة فيه‪ .‬كذلك روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنّه يكره التّكرار إذا‬
‫كانت الجماعة الثّانية كثيرةً ‪ ،‬فأمّا إذا كانوا ثلثةً أو أربعةً ‪ ،‬فقاموا في زاوية من زوايا‬
‫المسجد وصلّوا بجماعة فل يكره ‪ .‬وروي عن محمّد ‪ :‬أنّه يكره التّكرار إذا كانت الجماعة‬
‫الثّانية على سبيل التّداعي والجتماع‪ ،‬فأمّا إذا لم يكن فل يكره‬ ‫‪.‬‬

‫وروي عن أبي يوسف ‪ :‬أنّه إذا لم تكن الجماعة الثّانية على الهيئة الولى ل تكره ‪ ،‬وإلّ‬
‫تكره ‪ -‬وهو الصّحيح ‪ -‬وبالعدول عن المحراب تختلف الهيئة‬ ‫‪.‬‬

‫ويقول المالكيّة ‪ :‬يجوز للمام الرّاتب الجمع ‪ -‬يعني أن يصلّي جماعةً ‪ -‬إن جمع غيره‬
‫قبله بغير إذنه إن لم يؤخّر عن عادته كثيرا ‪ ،‬فإن أذن لحد أن يصلّي مكانه ‪ ،‬أو أخّر عن‬
‫عادته تأخيرا كثيرا يضرّ بالمصلّين فجمعوا ‪ ،‬كره للمام الجمع حينئذ ‪ .‬وبناءً على كراهة‬
‫إعادة الصّلة جماعةً في المسجد الّذي له إمام راتب فإنّه إذا دخل جماعة المسجد بعدما‬
‫صلّى أهله فيه ففي ظاهر الرّواية عند الحنفيّة يصلّون وحدانا‬ ‫‪.‬‬

‫وعند المالكيّة يندب خروجهم من المسجد ليجمعوا خارجه ‪ ،‬أو مع إمام راتب آخر ‪ ،‬ول‬
‫يصلّون في هذا المسجد أفذاذا ؛ لفوات فضل الجماعة ‪ ،‬إلّ بالمساجد الثّلثة " مكّة والمدينة‬
‫والقصى " ‪ ،‬فل يخرجون إذا وجدوا المام قد صلّى ويصلّون فيها أفذاذا ؛ لفضل فذّها على‬
‫جماعة غيرها ‪ ،‬وهذا إن دخلوها فوجدوا الرّاتب قد صلّى ‪ ،‬وأمّا إن علموا بصلته قبل‬
‫دخولهم فإنّهم يجمعون خارجها ‪ ،‬ول يدخلونها ليصلّوا أفذاذا‬ ‫‪.‬‬

‫وبعد أن ذكر الشّافعيّة كراهة إعادة صلة الجماعة في المسجد الّذي له إمام راتب ‪ ،‬قالوا ‪:‬‬
‫ومن حضر ولم يجد إلّ من صلّى استحبّ لبعض من حضر أن يصلّي معه ؛ ليحصل له فضل‬
‫الجماعة ‪ ،‬لما روى أبو سعيد الخدريّ ‪ -‬رضي ال عنه ‪ « -‬أنّ رجلً جاء ‪ ،‬وقد صلّى‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬من يتصدّق على هذا ؟ فقام رجل فصلّى معه‬ ‫‪».‬‬

‫ن الجماعة الثّانية إنّما تكره إذا لم يأذن المام ‪ ،‬فإن أذن فل كراهة‬
‫وهذا بناءً على قولهم بأ ّ‬
‫‪ .‬هذا بالنّسبة لمسجد الحيّ الّذي له إمام راتب‬ ‫‪.‬‬

‫الجماعة ‪17 -‬‬ ‫أمّا المسجد الّذي في سوق ‪ ،‬أو في الطّرق ومم ّر النّاس ‪ ،‬فإنّه يجوز تكرار‬
‫ن النّاس فيه سواء ‪ ،‬ل اختصاص له بفريق دون فريق‬
‫فيه ‪ ،‬ول تكره ؛ ل ّ‬ ‫‪.‬‬

‫مثل ذلك المسجد الّذي ليس له إمام ول مؤذّن ‪ ،‬ويصلّي النّاس فيه فوجا فوجا ‪ ،‬فإنّ‬
‫الفضل أن يصلّي كلّ فريق بأذان وإقامة ‪ ،‬وهذا باتّفاق‬ ‫‪.‬‬

‫ي وله إمام‬
‫وذهب الحنابلة إلى عدم كراهة إعادة الجماعة في المسجد ‪ ،‬ولو كان مسجد الح ّ‬
‫ب لهم أن يصلّوا‬
‫راتب ‪ ،‬بل قالوا ‪ :‬إذا صلّى إمام الحيّ ‪ ،‬حضر جماعة أخرى استح ّ‬
‫جماع ًة ‪ ،‬وهو قول ابن مسعود وعطاء والحسن والنّخعيّ وقتادة وإسحاق ؛ لعموم قوله‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬صلة الجماعة تفضل صلة الفذّ بخمس وعشرين درجةً » وفي‬
‫رواية ‪ « :‬بسبع وعشرين درج ًة » ‪ ،‬وروى أبو سعيد قال ‪ « :‬جاء رجل وقد صلّى رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬من يتصدّق على هذا ؟ فقام رجل فصلّى معه » ‪ ،‬وروى‬
‫ي صلى ال عليه وسلم مثله وزاد قال ‪ « :‬فلمّا صلّيا‬
‫الثرم بإسناده عن أبي أمامة عن النّب ّ‬
‫قال ‪ :‬وهذان جماعة » ‪ .‬ولنّه قادر على الجماعة ‪ ،‬فاستحبّ له فعلها ‪ ،‬كما لو كان‬
‫المسجد في مم ّر النّاس وهذا فيما عدا إعادة الجماعة في المساجد الثّلثة ‪ ،‬فقد روي عن‬
‫المام أحمد ‪ ،‬وبعض المالكيّة كراهة إعادة الجماعة فيها ‪ ،‬وفي رأي آخر عند الحنابلة ل‬
‫تكره ‪ ،‬وخالف في ذلك بعض المالكيّة حيث أفتى بالجواز‬ ‫‪.‬‬

‫الصّلة عند قيام الجماعة‬ ‫‪:‬‬

‫عنها ‪18 -‬‬ ‫من دخل المسجد ‪ ،‬وقد أخذ المؤذّن في إقامة الصّلة فل يجوز له النشغال‬
‫ن النّبيّ صلى ال‬
‫بنافلة ‪ ،‬سواء أخشي فوات الرّكعة الولى أم لم يخش فواتها ؛ لما ورد أ ّ‬
‫ن ما يفوته مع المام‬
‫عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا أقيمت الصّلة فل صلة إلّ المكتوبة » ول ّ‬
‫أفضل ممّا يأتي به ‪ ،‬فل يشتغل به ‪ ،‬وقد روت السّيّدة عائشة ‪ -‬رضي ال تعالى عنها ‪-‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم خرج حين أقيمت الصّلة ‪ ،‬فرأى ناسا يصلّون ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫« أنّ النّب ّ‬
‫أصلتان معا ؟ » ‪ .‬وهذا عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة‬ ‫‪.‬‬

‫وبهذا قال أبو هريرة ‪ ،‬وابن عمر ‪ ،‬وعروة ‪ ،‬وابن سيرين ‪ ،‬وسعيد بن جبير ‪ ،‬وإسحاق ‪،‬‬
‫وأبو ثور ‪ ،‬وهو مذهب الحنفيّة بالنّسبة لغير سنّة الفجر‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الحنفيّة في سنّة الفجر ‪ :‬إذا خاف فوت ركعتي الفجر لشتغاله بسنّتها تركها ؛ لكون‬
‫الجماعة أكمل ‪ ،‬فل يشرع فيها ‪ .‬وإذا رجا إدراك ركعة مع المام فل يترك سنّة الفجر ‪ ،‬بل‬
‫يصلّيها ‪ ،‬وذلك في ظاهر المذهب ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إذا رجا إدراك التّشهّد مع المام فإنّه يصلّي‬
‫السّنّة خارج المسجد عند بابه إن وجد مكانا ‪ ،‬فإن لم يجد مكانا تركها ول يصلّيها داخل‬
‫ن التّنفّل في المسجد عند اشتغال المام بالفريضة مكروه‬
‫المسجد ؛ ل ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وروي عن ابن مسعود ‪ :‬أنّه دخل والمام في صلة الصّبح فركع ركعتي الفجر ‪ ،‬وهذا‬
‫مذهب الحسن ‪ ،‬ومكحول ‪ ،‬ومجاهد ‪ ،‬وحمّاد بن أبي سليمان‬ ‫‪.‬‬

‫لم ‪19 -‬‬ ‫ومن كان يصلّي النّافلة ‪ ،‬ثمّ أقيمت صلة الجماعة فقد قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إن‬
‫يخش فوات الجماعة بسلم المام فإنّه يتمّ النّافلة ‪ ،‬ول يقطعها ؛ لقوله تعالى ‪ { :‬وَل‬
‫عمَا َل ُكمْ } ث ّم يدخل في الجماعة‬
‫تُ ْبطِلُوا أَ ْ‬ ‫‪.‬‬

‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن لم يخش فوات ركعة بإتمام النّافلة بأن تحقّق أو ظنّ أنّه يدرك المام في‬
‫الرّكعة الولى عقب إتمام ما هو فيه أتمّها ‪ ،‬ثمّ دخل مع الجماعة‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا إن خشي فوات الجماعة ‪ -‬كما يقول الشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬أو خشي فوات ركعة ‪ -‬كما‬
‫يقول المالكيّة ‪ -‬فإنّه يقطع النّافلة وجوبا عند المالكيّة ‪ ،‬وندبا في غير الجمعة عند‬
‫الشّافعيّة‪ ،‬ووجوبا في الجمعة " أي إن كانت الّتي يصلّيها المام هي الجمعة " ‪ ،‬وعند‬
‫ن ما‬
‫الحنابلة روايتان حكاهما ابن قدامة ‪ ،‬إحداهما ‪ :‬يت ّم النّافلة ‪ ،‬والثّانية ‪ :‬يقطعها ؛ ل ّ‬
‫ن صلة الجماعة‬
‫يدركه من الجماعة أعظم أجرا وأكثر ثوابا ممّا يفوته بقطع النّافلة ؛ ل ّ‬
‫تزيد على صلة الرّجل وحده سبعا وعشرين درجةً‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا الحنفيّة ‪ :‬فلم يقيّدوا القطع أو التمام بإدراك الجماعة ‪ ،‬أو عدم إدراكها ؛ لنّ الشّروع‬
‫في النّافلة عندهم يجعلها واجبةً ‪ ،‬ولذلك يقولون ‪ :‬الشّارع في نفل ل يقطع مطلقا إذا أقيمت‬
‫الجماعة وهو في صلة النّافلة ‪ ،‬بل يتمّه ركعتين ‪ ،‬وإذا كان في سنّة الظّهر ‪ ،‬أو سنّة‬
‫الجمعة ‪ ،‬إذا أقيمت الظّهر ‪ ،‬أو خطب المام ‪ ،‬فإنّه يتمّها أربعا على القول الرّاجح ؛ لنّها‬
‫صلة واحدة‬ ‫‪.‬‬

‫ونقل ابن عابدين عن الكمال في فتح القدير ما نصّه ‪ :‬وقيل ‪ :‬يقطع على رأس الرّكعتين في‬
‫سنّة الظّهر والجمعة ‪ ،‬وهو الرّاجح ؛ لنّه يتمكّن من قضائها بعد الفرض ‪ .‬وهذا حيث لم‬
‫يقم إلى الرّكعة الثّالثة ‪ .‬أمّا إن قام إليها وقيّدها بسجدة ففي رواية النّوادر يضيف إليها‬
‫رابعةً ويسلّم ‪ ،‬وإن لم يقيّدها بسجدة فقيل ‪ :‬يتمّها أربعا ‪ ،‬ويخفّف القراءة ‪ .‬وقيل ‪ :‬يعود‬
‫إلى القعدة ويسلّم ‪ ،‬وهذا أشبه ‪ ،‬قال في شرح المنية ‪ :‬والوجه أن يتمّها‬ ‫‪.‬‬

‫يكن ‪20 -‬‬ ‫وإن أقيمت الجماعة والمنفرد يصلّي الصّلة المفروضة الّتي يؤدّيها المام ‪ ،‬فإن لم‬
‫قيّد الرّكعة الولى بالسّجود قطع صلته ‪ ،‬واقتدى ‪ ،‬وإن كان قد عقد ركعةً بالسّجود ‪ ،‬فإن‬
‫كان في صلة الصّبح أو المغرب قطع صلته واقتدى بالمام ‪ ،‬إلّ إذا كان قد قام إلى الرّكعة‬
‫الثّانية ‪ ،‬وقيّدها بالسّجود فإنّه في هذه الحالة يتمّ صلته ‪ .‬ول يدخل مع المام ؛ لكراهة‬
‫التّنفّل بعد الفجر وبالثّلث في المغرب‬ ‫‪.‬‬

‫وهذا كما يقول الحنفيّة ‪ ،‬لكن المالكيّة قالوا ‪ :‬يدخل مع المام في صلة الصّبح ول يدخل‬
‫معه في صلة المغرب‬ ‫‪.‬‬

‫وإن كانت الصّلة رباع ّيةً ‪ ،‬وكان المنفرد قد قيّد الرّكعة الولى بالسّجود ‪ ،‬شفع بركعة‬
‫أخرى‪ ،‬وسلّم واقتدى بالمام ‪ ،‬وكذلك إذا كان صلّى ركعتين وقام إلى الثّالثة ‪ ،‬ولكنّه لم‬
‫يقيّدها بالسّجدة ‪ ،‬فإنّه يرجع للجلوس ‪ ،‬ويعيد التّشهّد ‪ ،‬ويسلّم ويدخل مع المام ‪ .‬وإن كان‬
‫قد قيّد الثّالثة بالسّجدة فإنّه يتمّ صلته ‪ ،‬ويقتدي بالمام متنفّلً ‪ ،‬إلّ في العصر ‪ ،‬كما هو‬
‫عند الحنفيّة ؛ لكراهة النّفل بعده‬ ‫‪.‬‬

‫لو ‪21 -‬‬ ‫من شرع في صلة فائتة وأقيمت الحاضرة في المسجد فإنّه ل يقطع صلته ‪ ،‬لكنّه‬
‫خاف فوت جماعة الحاضرة قبل قضاء الفائتة ‪ ،‬فإن كان صاحب ترتيب قضى ‪ ،‬وإن لم يكن‬
‫فالظّاهر أنّه يقتدي ؛ لحراز فضيلة الجماعة ‪ ،‬مع جواز تأخير القضاء وإمكان تلفيه‬ ‫‪.‬‬
‫ي ‪ :‬ووجهه ظاهر ؛ لنّ الجماعة واجبة‬
‫قال ابن عابدين بعد أن نقل ذلك عن الخير الرّمل ّ‬
‫عندنا ‪ ،‬أو في حكم الواجب‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا إذا شرع في قضاء فرض ‪ ،‬وأقيمت الجماعة في ذلك الفرض بعينه ‪ ،‬فإنّه يقطع‬
‫ويقتدي‪ .‬وعزي للخلصة ‪ :‬أنّه لو شرع في قضاء الفوائت ‪ ،‬ثمّ أقيمت ل يقطع ‪ ،‬هذا‬
‫مذهب الحنفيّة ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬من شرع في فريضة ‪ ،‬وأقيمت الجماعة في غيرها ‪ ،‬بأن‬
‫ل قطع صلته الّتي فيها إن خشي ‪ ،‬بأن تحقّق أو‬
‫كان في ظهر ‪ ،‬فأقيمت عليه العصر مث ً‬
‫ظنّ فوات ركعة مع المام ‪ ،‬وإن لم يخش فوات ركعة مع المام بأن تحقّق أو ظنّ إدراكه‬
‫في الولى عقب إتمام ما هو فيه فل يقطع بل يتمّ صلته‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬من كان يصلّي فائت ًة ‪ ،‬والجماعة تصلّي الحاضرة فل يقلب صلته نفلً‬
‫ليصلّيها جماعةً ‪ ،‬إذ ل تشرع فيها الجماعة حينئذ ‪ ،‬خروجا من خلف العلماء ‪ ،‬فإن كانت‬
‫الجماعة في تلك الفائتة بعينها جاز ذلك ‪ ،‬لكنّه ل يندب ‪ ،‬أي جاز قطع صلته الّتي هو فيها‬
‫‪ ،‬ويقتدي بالمام‬ ‫‪.‬‬

‫ما يستحبّ لمن قصد الجماعة‬ ‫‪:‬‬

‫وعليه ‪22 -‬‬ ‫يستحبّ للرّجل إذا أقبل إلى الصّلة ‪ :‬أن يقبل بخوف ووجل وخشوع وخضوع ‪،‬‬
‫السّكينة والوقار ‪ ،‬وإن سمع القامة لم يسع إليها في عجلة ‪ ،‬لما روى أبو هريرة ‪ -‬رضي‬
‫ال عنه ‪ -‬عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬إذا أقيمت الصّلة فل تأتوها تسعون‬
‫‪ ،‬وأتوها تمشون ‪ ،‬وعليكم السّكينة ‪ ،‬فما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فأتمّوا » وعن أبي قتادة‬
‫قال‪ « :‬بينما نحن نصلّي مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إذ سمع جلبة رجال ‪ ،‬فلمّا‬
‫صلّى قال ‪ :‬ما شأنكم ؟ قالوا ‪ :‬استعجلنا إلى الصّلة ‪ ،‬قال ‪ :‬فل تفعلوا ‪ ،‬إذا أتيتم الصّلة‬
‫فعليكم بالسّكينة ‪ ،‬فما أدركتم فصلّوا ‪ ،‬وما فاتكم فأتمّوا » ‪ ،‬وفي رواية ‪ « :‬فاقضوا‬ ‫‪».‬‬

‫وهذا مذهب الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو الصحّ عند الشّافعيّة‬ ‫‪.‬‬

‫وقال المام أحمد وأبو إسحاق ‪ :‬إن خاف فوات التّكبيرة الولى فل بأس أن يسرع إذا طمع‬
‫أن يدركها ما لم يكن عجل ًة تقبح ‪ ،‬جاء الحديث عن أصحاب رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم « أنّهم كانوا يعجّلون شيئا إذا خافوا فوات التّكبيرة الولى » ‪ ،‬وروي أنّ عبد اللّه بن‬
‫مسعود اشت ّد إلى الصّلة وقال ‪ :‬بادروا حدّ الصّلة يعني التّكبيرة الولى‬ ‫‪.‬‬

‫وقال المالكيّة ‪ :‬يجوز السراع في المشي للصّلة في جماعة لدراك فضلها إسراعا يسيرا‬
‫بل خبب أي بل جري يذهب الخشوع ‪ ،‬فيكره ‪ ،‬ولو خاف فوات إدراكها ولو جمعةً ؛ لنّ‬
‫ن الشّارع إنّما أذن في السّعي مع السّكينة ‪ ،‬فاندرجت الجمعة وغيرها ‪ ،‬إلّ أن‬
‫لها بدلً؛ ول ّ‬
‫يكون في محلّ ل تصحّ الصّلة فيه ويضيق الوقت ‪ ،‬بحيث يخشى فواته إن لم يسرع‪ ،‬فيجب‬
‫حينئذ‪ .‬كذلك قال الشّافعيّة ‪ :‬لو ضاق الوقت وخشي فواته فليسرع ‪ ،‬كما لو خشي فوات‬
‫الجمعة وكذلك لو امتدّ الوقت ‪ ،‬وكانت ل تقوم إ ّل به ‪ ،‬ولو لم يسرع لتعطّلت ‪ ،‬قاله‬
‫ن كلّ خطوة يكتب له بها حسنة‬
‫ي ‪ .‬ويستحبّ أن يقارب بين خطوه لتكثر حسناته ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الذرع ّ‬
‫‪ ،‬وقد روى عبد بن حميد في مسنده بإسناده عن زيد بن ثابت قال ‪ « :‬أقيمت الصّلة ‪،‬‬
‫فخرج رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يمشي وأنا معه فقارب في الخطى ثمّ قال ‪ :‬أتدري‬
‫لم فعلت هذا ؟ لتكثر خطانا في طلب الصّلة‬ ‫‪».‬‬

‫كيفيّة انتظام المصلّين في صلة الجماعة‬ ‫‪:‬‬

‫عن ‪23 -‬‬ ‫إذا انعقدت الجماعة بأقلّ ما تنعقد به ( واحد مع المام ) فالسّنّة أن يقف المأموم‬
‫ل أو صبيّا يعقل ‪ ،‬فإن كانت امرأةً أقامها خلفه ‪ ،‬ولو كان مع المام‬
‫يمين المام إذا كان رج ً‬
‫ل وامرأةً أقام الرّجل عن يمينه والمرأة‬
‫اثنان ‪ ،‬فإن كانا رجلين أقامهما خلفه ‪ ،‬وإن كانا رج ً‬
‫خلف الرّجل‬ ‫‪.‬‬

‫ولو كانت الجماعة كثير ًة وفيهم رجال ونساء وصبيان قام الرّجال في الصّفوف الولى خلف‬
‫المام ‪ ،‬ث ّم قام الصّبيان من وراء الرّجال ‪ ،‬ثمّ قام النّساء من وراء الصّبيان‬ ‫‪.‬‬

‫وفي جماعة النّساء تقف الّتي تؤمّ النّساء وسطهنّ‬ ‫‪.‬‬

‫ول يجوز أن يتأخّر المام عن المأمومين في الموقف ‪ ،‬ول يكون موقف المام أعلى من‬
‫موقف المقتدين‬ ‫‪.‬‬

‫‪22‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪21‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪20‬‬ ‫‪ ).‬وهذا في الجملة‪ ،‬وتفصيل ذلك في ‪ :‬مصطلح ( إمامة الصّلة ج ‪، 6/‬ف‬
‫أفضليّة الصّفوف وتسويتها‬ ‫‪:‬‬

‫تحثّ ‪24 -‬‬ ‫يستحبّ أن يتقدّم النّاس في الصّفّ الوّل ؛ لما ورد في ذلك من الحاديث الّتي‬
‫ي صلى ال‬
‫على التّقدّم إلى الصّفّ الوّل ‪ ،‬فقد روى أبو هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أنّ النّب ّ‬
‫ف الوّل لكانت قرعةً‬
‫عليه وسلم قال ‪ « :‬لو يعلمون ما في الصّ ّ‬ ‫‪».‬‬

‫ي بن كعب قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الصّفّ الوّل على مثل‬
‫وعن أب ّ‬
‫ف الملئكة ‪ ،‬ولو تعلمون فضيلته لبتدرتموه‬
‫ص ّ‬ ‫‪».‬‬

‫ب إتمام الصّفوف ‪ ،‬ول يشرع في صفّ حتّى يت ّم ما قبله ‪ ،‬فيبدأ بإتمام الصّفّ‬
‫كما يستح ّ‬
‫الوّل‪ ،‬ثمّ الّذي يليه ‪ ،‬ثمّ الّذي يليه وهكذا إلى آخر الصّفوف ‪ ،‬فعن أنس أنّ رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬أتمّوا الصّفّ المقدّم ثمّ الّذي يليه ‪ ،‬فما كان من نقص فليكن‬
‫في الصّفّ المؤخّر‬ ‫‪».‬‬

‫ويستحبّ العتدال في الصّفوف ‪ ،‬فإذا وقفوا في الصّفّ ل يتقدّم بعضهم بصدره أو غيره ول‬
‫يتأخّر عن الباقين ‪ ،‬ويسوّي المام بينهم ففي صحيح ابن خزيمة عن البراء « كان النّبيّ‬
‫ف ويسوّي بين صدور القوم ومناكبهم ‪ ،‬ويقول ‪ :‬ل‬
‫صلى ال عليه وسلم يأتي ناحية الصّ ّ‬
‫ن اللّه وملئكته يصلّون على الصّفوف الول‬
‫تختلفوا فتختلف قلوبكم إ ّ‬ ‫‪».‬‬

‫وروى مسلم عن جابر بن سمرة أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬أل تصفّون‬
‫ف الملئكة عند ربّها ؟ قال‬
‫كما تصفّ الملئكة عند ربّها ؟ فقلنا ‪ :‬يا رسول اللّه وكيف تص ّ‬
‫‪ :‬يتمّون الصّفوف الول ‪ ،‬ويتراصّون في الصّفّ‬ ‫‪».‬‬

‫ي من حديث أنس قال ‪ « :‬أقيموا صفوفكم فإنّي أراكم من وراء ظهري وكان‬
‫وأخرج البخار ّ‬
‫أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه‬ ‫‪».‬‬

‫ب سدّ الفرج ‪ ،‬والفساح لمن يريد الدّخول في الصّفّ ‪ .‬فقد ورد عن ابن عمر ‪-‬‬
‫كما يستح ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬أقيموا الصّفوف ‪ ،‬وحاذوا‬
‫رضي ال تعالى عنهما ‪ -‬أ ّ‬
‫بين المناكب وسدّوا الخلل ‪ ،‬ولينوا بأيدي إخوانكم ‪ ،‬ول تذروا فرجات للشّيطان ‪ ،‬ومن‬
‫وصل صفّا وصله اللّه ومن قطع صفّا قطعه اللّه‬ ‫‪».‬‬

‫ف الوّل ث ّم الّذي يليه ث ّم الّذي يليه إلى آخرها ‪ -‬هذا الحكم‬


‫قال النّوويّ ‪ :‬واستحباب الصّ ّ‬
‫مستمرّ في صفوف الرّجال بكلّ حال ‪ ،‬وكذا في صفوف النّساء المنفردات بجماعتهنّ عن‬
‫جماعة الرّجال ‪ ،‬أمّا إذا صلّت النّساء مع الرّجال جماع ًة واحدةً ‪ ،‬وليس بينهما حائل فأفضل‬
‫صفوف النّساء آخرها‬ ‫‪.‬‬

‫لحديث أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬خير‬
‫صفوف الرّجال أوّلها وشرّها آخرها ‪ ،‬وخير صفوف النّساء آخرها ‪ ،‬وشرّها أوّلها‬ ‫‪».‬‬

‫صلة الرّجل وحده خلف الصّفوف‬ ‫‪:‬‬

‫‪25 - -‬‬ ‫صةً ‪ -‬كما سبق بيانه‬


‫الصل في صلة الجماعة أن يكون المأمومون صفوفا مترا ّ‬
‫ولذلك يكره أن يصلّي واحد منفردًا خلف الصّفوف دون عذر ‪ ،‬وصلته صحيحة مع الكراهة‬
‫‪ ،‬وتنتفي الكراهة بوجود العذر على ما سيأتي بيانه‬ ‫‪.‬‬

‫وهذا عند جمهور الفقهاء ‪ - :‬الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬والصل فيه ما رواه البخاريّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم وهو راكع ‪ ،‬فركع قبل أن يصل‬
‫عن « أبي بكرة ‪ :‬أنّه انتهى إلى النّب ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬زادك اللّه حرصا ول تعد‬
‫إلى الصّفّ ‪ ،‬فذكر ذلك للنّب ّ‬ ‫‪».‬‬

‫ن المر الّذي ورد في حديث وابصة بن‬


‫قال الفقهاء ‪ :‬يؤخذ من ذلك عدم لزوم العادة ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ل يصلّي خلف‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم رأى رج ً‬
‫معبد الّذي رواه التّرمذيّ من « أ ّ‬
‫الصّفّ‪ ،‬فأمره أن يعيد الصّلة » ‪ .‬هذا المر بالعادة إنّما هو على سبيل الستحباب ؛ جمعا‬
‫بين الدّليلين‬ ‫‪.‬‬
‫وعند الحنابلة تبطل صلة من صلّى وحده ركعةً كامل ًة خلف الصّفّ منفردا دون عذر ؛‬
‫ي صلى ال عليه وسلم رأى رجلً يصلّي خلف الصّفّ‬
‫لحديث وابصة بن معبد « أنّ النّب ّ‬
‫وحده فأمره أن يعيد‬ ‫‪».‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم فانصرف ‪ ،‬ورجل فرد‬


‫وعن عليّ بن شيبان ‪ « :‬أنّه صلّى بهم النّب ّ‬
‫ي اللّه صلى ال عليه وسلم حين انصرف قال ‪ :‬استقبل‬
‫خلف الصّفّ ‪ ،‬قال ‪ :‬فوقف عليه نب ّ‬
‫صلتك ‪ ،‬ل صلة للّذي خلف الصّفّ‬ ‫‪».‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم قد نهاه فقال ‪ « :‬ل تعد » ‪ ،‬والنّهي‬


‫فأمّا حديث أبي بكرة فإنّ النّب ّ‬
‫يقتضي الفساد ‪ ،‬وعذره فيما فعله لجهله بتحريمه ‪ ،‬وللجهل تأثير في العفو‬ ‫‪.‬‬

‫وفيما يلي بيان كيفيّة تصرّف المأموم ليجتنب الصّلة منفردا خلف الصّفّ ‪ ،‬حتّى تنتفي‬
‫الكراهة ‪ ،‬كما يقول جمهور الفقهاء ‪ ،‬وتصحّ كما يقول الحنابلة‬ ‫‪:‬‬

‫‪26 - ،‬‬ ‫من دخل المسجد وقد أقيمت الجماعة ‪ ،‬فإن وجد فرج ًة في الصّفّ الخير وقف فيها‬
‫ن اللّه‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫أو وجد الصّفّ غير مرصوص وقف فيه ؛ لقول النّب ّ‬
‫وملئكته يصلّون على الّذين يصلون الصّفوف‬ ‫‪».‬‬

‫ف متقدّم فله أن يخترق الصّفوف ليصل إليها لتقصير المصلّين في‬


‫وإن وجد الفرجة في ص ّ‬
‫ي صلى ال‬
‫تركها ‪ ،‬يدلّ على ذلك ما روي عن ابن عبّاس ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬عن النّب ّ‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬من نظر إلى فرجة في صفّ فليسدّها بنفسه ‪ ،‬فإن لم يفعل ‪ ،‬فمرّ مارّ ‪،‬‬
‫فليتخطّ على رقبته فإنّه ل حرمة له‬ ‫‪».‬‬

‫ولنّ س ّد الفرجة الّتي في الصّفوف مصلحة عامّة له وللقوم بإتمام صلته وصلتهم ‪ ،‬فإنّ‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫تسوية الصّفوف من تمام الصّلة ‪ ،‬كما ورد في الحديث ‪ .‬وقد أمر النّب ّ‬
‫وسلم بس ّد الفرج‬ ‫‪.‬‬

‫ن بعض المالكيّة يحدّد الصّفوف الّتي يجوز‬


‫وهذا باتّفاق بين الفقهاء في الجملة إذ إ ّ‬
‫اختراقها بصفّين غير الّذي خرج منه والّذي دخل فيه ‪ ،‬كذلك قال الحنابلة ‪ :‬لو كانت الفرجة‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫بحذائه كره أن يمشي إليها عرضًا بين يدي بعض المأمومين ؛ لقول النّب ّ‬
‫وسلم ‪ « :‬لو يعلم الما ّر بين يدي المصلّي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن‬
‫‪» .‬يمرّ بين يديه‬
‫حينئذ ‪27 -‬‬ ‫ف فقد اختلف الفقهاء فيما ينبغي أن يفعله‬
‫ومن لم يجد فرج ًة في أيّ ص ّ‬ ‫‪.‬‬

‫قال الحنفيّة ‪ :‬من لم يجد فرجةً ينبغي أن ينتظر من يدخل المسجد ليصطفّ معه خلف‬
‫ف إلى نفسه من يعرف منه‬
‫الصّفّ‪ ،‬فإن لم يجد أحدا وخاف فوات الرّكعة جذب من الصّ ّ‬
‫علما وخلقا لكي ل يغضب عليه ‪ ،‬فإن لم يجد وقف خلف الصّفّ بحذاء المام ‪ ،‬ول كراهة‬
‫حينئذ ‪ ،‬لنّ الحال حال العذر ‪ ،‬هكذا ذكر الكاسانيّ في البدائع ‪ ،‬لكن الكمال بن الهمام ذكر‬
‫في الفتح ‪ :‬أنّ من جاء والصّفّ ملن يجذب واحدا منه ‪ ،‬ليكون معه صفّا آخر ‪ ،‬ثمّ قال ‪:‬‬
‫وينبغي لذلك " أي لمن كان في الصّفّ " أن ل يجيبه ‪ ،‬فتنتفي الكراهة عن هذا ؛ لنّه فعل‬
‫وسعه‬ ‫‪.‬‬

‫وقال المالكيّة ‪ :‬من لم يمكنه الدّخول في الصّفّ ‪ ،‬فإنّه يصلّي منفردا عن المأمومين ‪ ،‬ول‬
‫ن كلّا من الجذب والطاعة‬
‫يجذب أحدًا من الصّفّ ‪ ،‬وإن جذب أحدا فل يطعه المجذوب ؛ ل ّ‬
‫مكروه‬ ‫‪.‬‬

‫ن من لم يجد فرج ًة ول سعةً فإنّه يستحبّ أن يج ّر إليه شخصا‬


‫والصّحيح عند الشّافعيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫ف ليصطفّ معه ‪ ،‬لكن مع مراعاة أنّ المجرور سيوافقه ‪ ،‬وإلّ فل يجرّ أحدا منعا‬
‫من الصّ ّ‬
‫للفتنة‪ ،‬وإذا جرّ أحدا فيندب للمجرور أن يساعده لينال فضل المعاونة على الب ّر والتّقوى‬ ‫‪.‬‬

‫ص عليه في البويطيّ واختاره القاضي أبو الطّيّب ‪ -‬أنّه يقف‬


‫ومقابل الصّحيح ‪ -‬وهو ما ن ّ‬
‫ف السّابق‬
‫ل يحرم غيره فضيلة الصّ ّ‬
‫منفردا ‪ ،‬ول يجذب أحدا ؛ لئ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ف يقف فيه وقف عن يمين المام إن أمكنه ذلك‬


‫وقال الحنابلة ‪ :‬من لم يجد موضعًا في الصّ ّ‬
‫ل من الصّفّ‬
‫; لنّه موقف الواحد ‪ ،‬فإن لم يمكنه الوقوف عن يمين المام فله أن ينبّه رج ً‬
‫ليقف معه ‪ ،‬وينبّهه بكلم أو بنحنحة أو إشارة ويتبعه من ينبّهه‬ ‫‪.‬‬

‫وظاهره وجوبا لنّه من باب ما ل يتمّ الواجب إلّ به‬ ‫‪.‬‬

‫ويكره تنبيهه بجذبه نصّا ‪ ،‬واستقبحه أحمد وإسحاق لما فيه من التّصرّف فيه بغير إذنه‬ ‫‪.‬‬

‫وقال ابن عقيل ‪ :‬جوّز أصحابنا جذب رجل يقوم معه صفّا ‪ ،‬وصحّح ذلك ابن قدامة ؛ لنّ‬
‫الحالة داعية إليه ‪ ،‬فجاز كالسّجود على ظهره أو قدمه حال الزّحام ‪ ،‬وليس هذا تصرّفا فيه‬
‫‪ ،‬إنّما هو تنبيهه ليخرج معه ‪ ،‬فجرى مجرى مسألته أن يصلّي معه ‪ ،‬وقد ورد عن النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬لينوا بأيدي إخوانكم » فإن امتنع من الخروج معه لم‬
‫يكرهه وصلّى وحده‬ ‫‪.‬‬

‫العذار الّتي تبيح التّخلّف عن صلة الجماعة‬ ‫‪:‬‬

‫العذار الّتي تبيح التّخلّف عن صلة الجماعة ‪ :‬منها ما هو عامّ ‪ ،‬ومنها ما هو خاصّ ‪.‬‬
‫وبيان ذلك فيما يلي‬ ‫‪:‬‬

‫أوّلً ‪ :‬العذار العامّة‬ ‫‪:‬‬

‫تغطية ‪28 -‬‬ ‫ق معه الخروج للجماعة ‪ ،‬والّذي يحمل النّاس على‬
‫أ ‪ -‬المطر الشّديد الّذي يش ّ‬
‫رءوسهم‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬الرّيح الشّديدة ليلً لما في ذلك من المشقّة‬ ‫‪.‬‬


‫ل أو نهارا ‪ ،‬وكذلك الحرّ الشّديد ‪ .‬والمراد البرد أو الحرّ الّذي يخرج‬
‫ج ‪ -‬البرد الشّديد لي ً‬
‫عمّا ألفه النّاس أو ألفه أصحاب المناطق الحارّة أو الباردة‬ ‫‪.‬‬

‫د ‪ -‬الوحل الشّديد الّذي يتأذّى به النسان في نفسه وثيابه ‪ ،‬ول يؤمن معه التّلوّث‬ ‫‪.‬‬

‫وعن أبي يوسف ‪ :‬سألت أبا حنيفة عن الجماعة في طين وردغة فقال ‪ :‬ل أحبّ تركها‬ ‫‪.‬‬

‫ي ‪ :‬اختلف في كون المطار‬


‫قال ابن عابدين ‪ :‬وفي شرح الزّاهديّ عن شرح التّمرتاش ّ‬
‫والثّلوج والوحال والبرد الشّديد عذرا ‪ ،‬وعن أبي حنيفة ‪ :‬إذا اشت ّد التّأذّي يعذر ‪ ،‬وفي‬
‫وجه عند الشّافعيّة ‪ -‬وهو مقابل الصّحيح ‪ -‬أنّ الوحل ليس بعذر ‪ ،‬والصّحيح أنّه عذر‬ ‫‪.‬‬

‫هـ ‪ -‬الظّلمة الشّديدة ‪ ،‬والمراد بها كون النسان ل يبصر طريقه إلى المسجد ‪ ،‬قال ابن‬
‫عابدين ‪ :‬والظّاهر أنّه ل يكلّف إيقاد نحو سراج وإن أمكنه ذلك‬ ‫‪.‬‬

‫والدّليل على كون العذار السّابقة من مطر وغيره تبيح التّخلّف عن الجماعة الحاديث‬
‫الواردة في ذلك ومنها‬ ‫‪:‬‬

‫ن ابن عمر ‪ -‬رضي ال تعالى عنهما ‪ -‬أذّن بالصّلة في ليلة ذات برد وريح‬
‫ما روي أ ّ‬
‫فقال‪ :‬أل صلّوا في الرّحال ‪ ،‬ثمّ قال ‪ « :‬إنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كان يأمر‬
‫المؤذّن إذا كانت ليلةً ذات برد ومطر يقول ‪ :‬أل صلّوا في رحالكم » وفي رواية ‪ « :‬كان‬
‫يأمر مناديه في اللّيلة الممطرة واللّيلة الباردة ذات الرّيح أن يقول ‪ :‬أل صلّوا في رحالكم‬ ‫‪».‬‬

‫عن عبد اللّه بن الحارث ‪ ،‬عن عبد اللّه بن عبّاس ‪ « :‬أنّه قال لمؤذّنه في يوم مطير ‪ :‬إذا‬
‫ي على الصّلة ‪ .‬قل‬
‫ن محمّدا رسول اللّه فل تقل ‪ :‬ح ّ‬
‫قلت ‪ :‬أشهد أن ل إله إلّ اللّه ‪ .‬أشهد أ ّ‬
‫‪ :‬صلّوا في بيوتكم ‪ .‬قال ‪ :‬فكأنّ النّاس استنكروا ذاك ‪ .‬فقال ‪ :‬أتعجبون من ذا ؟ قد فعل ذا‬
‫ن الجمعة عَزْم ٌة ‪ .‬وإنّي كرهت أن أحرجكم ‪ ،‬فتمشوا في الطّين‬
‫من هو خير منّي ‪ .‬إ ّ‬
‫والدّحض‬ ‫‪».‬‬

‫ثانيا ‪ :‬العذار الخاصّة‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬المرض‬ ‫‪:‬‬

‫ق معه التيان إلى المسجد لصلة الجماعة ‪ .‬قال ابن المنذر ‪:‬‬
‫‪ -‬وهو المرض الّذي يش ّ‬ ‫‪29‬‬

‫ل أعلم خلفا بين أهل العلم ‪ :‬أنّ للمريض أن يتخلّف عن الجماعات من أجل المرض ‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لمّا مرض تخلّف عن المسجد ‪ ،‬وقال ‪ :‬مروا أبا بكر‬
‫ولنّ « النّب ّ‬
‫ق معه التيان إلى المسجد‬
‫ن الّذي يش ّ‬
‫فليصلّ بالنّاس » ‪ ،‬ومن ذلك كبر السّ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬الخوف‬ ‫‪:‬‬
‫النّبيّ ‪30 -‬‬ ‫وهو عذر في ترك الجماعة ؛ لما روى ابن عبّاس ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬أنّ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬من سمع النّداء ‪ ،‬فلم يمنعه من اتّباعه عذر ‪ ،‬قالوا ‪ :‬وما‬
‫العذر يا رسول اللّه ؟ قال ‪ :‬خوف أو مرض ‪ ،‬لم تقبل منه الصّلة الّتي صلّى‬ ‫‪».‬‬

‫والخوف ثلثة أنواع ‪ :‬خوف على النّفس ‪ ،‬وخوف على المال ‪ ،‬وخوف على الهل‬ ‫‪.‬‬

‫الوّل ‪ :‬أن يخاف على نفسه سلطانا يأخذه ‪ ،‬أو عدوّا أو لصّا أو سبعا أو دا ّبةً أو سيلً أو‬
‫نحو ذلك ممّا يؤذيه في نفسه ‪ ،‬وفي معنى ذلك أن يخاف غريما له يلزمه ‪ ،‬ول شيء معه‬
‫ن حبسه بدين هو معسر به ظلم له ‪ .‬فإن كان قادرا على أداء الدّين لم يكن عذرا‬
‫يوفّيه ؛ ل ّ‬
‫له ؛ لنّه يجب إيفاؤه‬ ‫‪.‬‬

‫ومن ذلك ‪ :‬الخوف من توقيع عقوبة ‪ ،‬كتعزير وقود وحدّ قذف ممّا يقبل العفو ‪ .‬فإن كان‬
‫يرجو العفو عن العقوبة إن تغيّب أيّاما عن الجماعة كان ذلك عذرا ‪ .‬فإن لم يرج العفو أو‬
‫كان الحدّ‪ ،‬ممّا ل يقبل العفو كحدّ الزّنا لم يكن ذلك عذرا ‪ ،‬وهذا كما يقول الشّافعيّة‬
‫والمالكيّة‪ .‬واختلف الحنابلة فيمن وجب عليه قصاص ‪ ،‬فلم يعتبره بعضهم عذرا ‪ ،‬واعتبره‬
‫بعضهم عذرًا إن رجا العفو مجّانا أو على مال ‪ ،‬وقال القاضي ‪ :‬إن كان يرجو الصّلح على‬
‫ي كح ّد القذف فالصّحيح‬
‫مال فله التّخلّف حتّى يصالح ‪ .‬أمّا الحدود ‪ ،‬فما كان حقّا لدم ّ‬
‫عندهم أنّه ليس عذرا في التّخلّف ‪ ،‬لكن ابن مفلح قال في كتابه الفروع ‪ :‬ويتوجّه فيه وجه‬
‫‪ :‬إن رجا العفو ‪ ،‬قال في شرح منتهى الرادات ‪ :‬وجزم به في القناع‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا الحدود الّتي ل تقبل العفو فل تعتبر عذرا‬ ‫‪.‬‬

‫ص ‪ ،‬أو يخاف أن يسرق منزله أو يحرق منه‬


‫الثّاني ‪ :‬أن يخاف على ماله من ظالم أو ل ّ‬
‫شيء ‪ ،‬أو يكون له خبز في تنّور أو طبيخ على نار ‪ ،‬ويخاف حريقه باشتغاله عنه ‪ ،‬أو‬
‫يكون له غريم إن ترك ملزمته ذهب بماله ‪ ،‬أو يكون له بضاعة أو وديعة عند رجل وإن‬
‫لم يدركه ذهب ‪ ،‬أو كانت عنده أمانة كوديعة أو رهن أو عاريّة ممّا يجب عليه حفظه ‪،‬‬
‫ويخاف تلفه بتركه ‪ .‬ويدخل في ذلك الخوف على مال الغير‬ ‫‪.‬‬

‫الثّالث ‪ :‬الخوف على الهل ‪ :‬من ولد ووالد وزوج إن كان يقوم بتمريض أحدهم ‪ ،‬فإنّ ذلك‬
‫عذر في التّخلّف عن الجماعة‬ ‫‪.‬‬

‫ومثل ذلك ‪ :‬القيام بتمريضه الجنبيّ إذا لم يكن له من يقوم بتمريضه ‪ ،‬وكان يخشى عليه‬
‫ن ابن عمر ‪ -‬رضي ال تعالى عنهما ‪ -‬استصرخ على سعيد‬
‫الضّياع لو تركه ‪ ،‬وقد ثبت أ ّ‬
‫بن زيد ‪ ،‬وهو يتجمّر للجمعة ‪ ،‬فأتاه بالعقيق ‪ ،‬وترك الجمعة‬ ‫‪.‬‬

‫ج ‪ -‬حضور طعام تشتاقه نفسه وتنازعه إليه‬ ‫‪:‬‬


‫قبل ‪31 -‬‬ ‫قال ابن قدامة ‪ :‬إذا حضر العشاء في وقت الصّلة فالمستحبّ أن يبدأ بالعشاء‬
‫ب أن يعجّل عن عشائه أو غدائه ‪،‬‬
‫الصّلة ؛ ليكون أفرغ لقلبه وأحضر لباله ‪ ،‬ول يستح ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا قرب العشاء وحضرت الصّلة‬
‫ن أنسا روى عن النّب ّ‬
‫فإ ّ‬
‫فابدءوا به قبل أن تصلّوا صلة المغرب ‪ ،‬ول تعجّلوا عن عشائكم » ‪ ،‬ول فرق بين أن‬
‫يخاف فوت الجماعة أو ل يخاف ‪ ،‬فإنّ في بعض ألفاظ حديث أنس ‪ « :‬إذا حضر العشاء‬
‫وأقيمت الصّلة فابدءوا بالعشاء » وعن ابن عمر ‪ -‬رضي ال تعالى عنهما ‪ -‬قال ‪ :‬قال‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصّلة فابدءوا‬
‫بالعشاء ول يعجّلنّ حتّى يفرغ منه » ‪ .‬وتعشّى ابن عمر وهو يسمع قراءة المام‬ ‫‪.‬‬

‫قال ابن قدامة ‪ :‬قال أصحابنا ‪ :‬إنّما يقدّم العشاء على الجماعة إذا كانت نفسه تتوق إلى‬
‫الطّعام كثيرا ‪ ،‬ونحوه قال الشّافعيّ ‪ .‬وقال بظاهر الحديث عمر وابنه وإسحاق وابن المنذر‬
‫‪ .‬وقال ابن عبّاس ‪ :‬ل نقوم إلى الصّلة وفي أنفسنا شيء‬ ‫‪.‬‬

‫ن صلته تجزئه‬
‫قال ابن عبد الب ّر ‪ :‬أجمعوا على أنّه لو صلّى بحضرة الطّعام فأكمل صلته أ ّ‬
‫‪.‬‬

‫د ‪ -‬مدافعة أحد الخبثين‬ ‫‪:‬‬

‫‪32 - -‬‬ ‫ومثلهما الرّيح ‪ ،‬فإنّ ذلك عذر يبيح التّخلّف عن الجماعة ‪ ،‬قالت السّيّدة عائشة‬
‫رضي ال تعالى عنها ‪ : -‬إنّي سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪ « :‬ل صلة‬
‫ن القيام إلى الصّلة مع مدافعة أحد الخبثين‬
‫بحضرة طعام ‪ ،‬ول هو يدافعه الخبثان » ‪ ،‬ول ّ‬
‫يبعده عن الخشوع فيها ويكون مشغولً عنها‬ ‫‪.‬‬

‫هـ ‪ -‬أكل ذي رائحة كريهة‬ ‫‪:‬‬

‫عن ‪33 -‬‬ ‫وذلك كبصل وثوم وكرّاث وفجل إذا تعذّر زوال رائحته ‪ ،‬فإنّ ذلك عذر يبيح التّخلّف‬
‫الجماعة ‪ ،‬حتّى ل يتأذّى به النّاس والملئكة ؛ لحديث ‪ « :‬من أكل من هذه البقلة ‪ :‬الثّوم ‪-‬‬
‫ن مسجدنا ؛ فإنّ الملئكة تتأذّى ممّا‬
‫وقال مرّةً ‪ :‬من أكل البصل والثّوم والكرّاث ‪ -‬فل يقرب ّ‬
‫يتأذّى منه بنو آدم » ‪ .‬والمراد أكل هذه الشياء نيئةً ‪ ،‬ويدخل في ذلك من كانت حرفته لها‬
‫رائحة مؤذية ‪ ،‬كالجزّار والزّيّات ونحو ذلك ‪ .‬ومثل ذلك من كان به مرض يتأذّى به‬
‫النّاس ‪ ،‬كجذام وبرص ‪ ،‬ففي كلّ ذلك يباح التّخلّف عن الجماعة‬ ‫‪.‬‬

‫و ‪ -‬العري‬ ‫‪:‬‬

‫الجماعة ‪34 -‬‬ ‫سرّة والرّكبة فإنّه يباح له التّخلّف عن‬


‫فمن لم يجد ما يستر ما بين ال ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وهذا إذا كان من عادة أمثاله الخروج بمثل ذلك ‪ ،‬قال الشّافعيّة وبعض المالكيّة ‪ :‬الليق‬
‫بالحنيفيّة السّمحة ‪ :‬أنّه إن وجد ما يليق بأمثاله خرج للجماعة ‪ ،‬وإلّ فل‬ ‫‪.‬‬
‫ز ‪ -‬العمى‬ ‫‪:‬‬

‫قائدا ‪35 -‬‬ ‫اعتبر الحنفيّة أنّ العمى عذر يبيح التّخلّف عن الجماعة وإن وجد‬ ‫‪.‬‬

‫ولم يعتبره جمهور الفقهاء عذرا إلّ أن ل يجد قائدا ‪ ،‬ولم يهتد للطّريق بنفسه‬ ‫‪.‬‬

‫ح ‪ -‬إرادة السّفر‬ ‫‪:‬‬

‫الجماعة ‪36 -‬‬ ‫من تأهّب لسفر مباح مع رفقة ‪ ،‬ثمّ أقيمت الجماعة ‪ ،‬وكان يخشى إن حضر‬
‫أن تفوته القافلة ‪ ،‬فإنّه يباح له التّخلّف عن الجماعة‬ ‫‪.‬‬

‫ط ‪ -‬غلبة النّعاس والنّوم‬ ‫‪:‬‬

‫مع ‪37 -‬‬ ‫فمن غلبه النّعاس والنّوم إن انتظر الجماعة صلّى وحده ‪ .‬وكذلك لو غلبه النّعاس‬
‫المام ؛ لنّ « رجلً صلّى مع معاذ ‪ ،‬ثمّ انفرد فصلّى وحده عند تطويل معاذ ‪ ،‬وخوف‬
‫النّعاس والمشقّة ‪ ،‬فلم ينكر عليه النّبيّ صلى ال عليه وسلم حين أخبره » ‪ ،‬والفضل‬
‫الصّبر والتّجلّد على رفع النّعاس والصّلة جماعةً‬ ‫‪.‬‬

‫ي ‪ -‬زفاف الزّوجة‬ ‫‪:‬‬

‫الشّافعيّة ‪38 -‬‬ ‫فزفاف الزّوجة عذر يبيح للزّوج التّخلّف عن صلة الجماعة ‪ ،‬وذلك كما يقول‬
‫والحنابلة ‪ ،‬لكن الشّافعيّة قيّدوه بالتّخلّف عن الجماعة في الصّلوات اللّيليّة فقط ‪ ،‬وأمّا‬
‫المالكيّة فلم يعتبروا ذلك عذرا ‪ ،‬وخفّف مالك للزّوج ترك بعض الصّلة في الجماعة‬
‫للشتغال بزوجه والسّعي إلى تأنيسها واستمالتها‬ ‫‪.‬‬

‫ل ‪39 -‬‬ ‫ك ‪ -‬ذكر الحنفيّة من العذار الّتي تبيح التّخلّف عن الجماعة ‪ :‬الشتغال بالفقه ‪،‬‬
‫بغيره من العلوم‬ ‫‪.‬‬

‫كما ذكر الشّافعيّة من العذار ‪ :‬السّمن المفرط‬ ‫‪.‬‬

‫صلة الجمعة‬ ‫*‬

‫زمن مشروعيّتها‬ ‫‪:‬‬

‫قال ‪1 -‬‬ ‫شرعت صلة الجمعة في أوّل الهجرة عند قدوم النّبيّ صلى ال عليه وسلم المدينة ‪،‬‬
‫الحافظ ابن حجر ‪ :‬الكثر على أنّها فرضت بالمدينة ‪ .‬وهو مقتضى أنّ فرضيّتها ثبتت بقوله‬
‫س َعوْا إِلَى ِذكْ ِر الّلهِ وَذَرُوا‬
‫ج ُم َعةِ فَا ْ‬
‫ن آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصّلَا ِة مِن َي ْومِ ا ْل ُ‬
‫تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫الْبَيْعَ } وهي مدنيّة ‪ ،‬وقال الشّيخ أبو حامد ‪ :‬فرضت بمكّة ‪ ،‬وهو غريب‬ ‫‪.‬‬

‫ومن المتّفق عليه ‪ « :‬أنّ أوّل جمعة جمّعها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بأصحابه ‪،‬‬
‫كانت في قبيلة بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتّخذ القوم لهم في ذلك الموضع‬
‫مسجدا ‪ ،‬وذلك عندما قدم إلى المدينة مهاجرا‬ ‫‪».‬‬
‫ن أسعد بن زرارة أوّل من جمع النّاس لصلة الجمعة في المدينة ‪،‬‬
‫غير أنّه ثبت أيضا « أ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم له قبل أن يهاجر من مكّة » ‪ ،‬فقد ورد عن كعب‬
‫وكان ذلك بأمر النّب ّ‬
‫بن مالك أنّه « كان إذا سمع النّداء ترحّم لسعد بن زرارة ‪ ،‬وكان يقول ‪ :‬إنّه أوّل من جمّع‬
‫بنا في هزم النّبيت من حرّة بني بياضة في نقيع يقال له ‪ :‬نقيع الخضمات‬ ‫‪».‬‬

‫فمن رجّح أنّها فرضت بالمدينة بعد الهجرة ‪ ،‬استدلّ بأنّه صلى ال عليه وسلم لم يقم أيّ‬
‫جمعة في مكّة قبل الهجرة ‪ ،‬ومن قال ‪ :‬إنّها فرضت بمكّة قبل الهجرة استدلّ بأنّ الصّحابة‬
‫قد صلّوها في المدينة قبل هجرته ‪ -‬عليه الصلة والسلم ‪ -‬فل ب ّد أن تكون واجب ًة إذ ذاك‬
‫ن الّذي منع من أدائها‬
‫على المسلمين كلّهم سواء من كان منهم في مكّة وفي المدينة ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫في مكّة عدم توافر كثير من شرائطها ‪ .‬قال البكريّ ‪ :‬فرضت بمكّة ولم تقم بها ؛ لفقد العدد‬
‫‪ ،‬أو لنّ شعارها الظهار ‪ ،‬وكان صلى ال عليه وسلم مستخفيا فيها ‪ .‬وأوّل من أقامها‬
‫بالمدينة قبل الهجرة أسعد بن زرارة بقرية على ميل من المدينة‬ ‫‪.‬‬

‫الحكمة من مشروعيّتها‬ ‫‪:‬‬

‫كلّ ‪2 -‬‬ ‫ي ‪ :‬إنّه لمّا كانت إشاعة الصّلة في البلد بحيث يجتمع لها أهلها متعذّر ًة‬
‫قال الدّهلو ّ‬
‫يوم ‪ ،‬وجب أن يعيّن لها ميقات ل يتكرّر دورانه بسرعة حتّى ل تعسر عليهم المواظبة على‬
‫الجتماع لها ‪ ،‬ول يبطؤ دورانه بأن يطول الزّمن الفاصل بين المرّة والخرى ‪ ،‬كي ل يفوت‬
‫المقصود وهو تلقي المسلمين واجتماعهم بين الحين والخر ‪ .‬ولمّا كان السبوع قدرا‬
‫زمنيّا مستعملً لدى العرب والعجم وأكثر الملل ‪ - ،‬وهو قدر متوسّط الدّوران والتّكرار بين‬
‫السّرعة والبطء ‪ -‬وجب جعل السبوع ميقاتا لهذا الواجب‬ ‫‪.‬‬

‫فرضيّتها‬ ‫‪:‬‬

‫دليل الفرضيّة‬ ‫‪:‬‬

‫فيكفر ‪3 -‬‬ ‫صلة الجمعة من الفرائض المعلوم فرضيّتها بالضّرورة ‪ ،‬وبدللة الكتاب والسّنّة ؛‬
‫ي ‪ :‬الجمعة فرض ل يسع تركها ‪ ،‬ويكفر جاحدها والدّليل على‬
‫جاحدها ‪ .‬قال الكاسان ّ‬
‫ن آمَنُوا‬
‫فرضيّتها ‪ :‬الكتاب والسّنّة وإجماع المّة ‪ .‬أمّا الكتاب فقوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫س َعوْا إِلَى ِذكْ ِر الّلهِ } قيل ‪ " :‬ذكر اللّه " هو صلة الجمعة‬
‫ج ُم َعةِ فَا ْ‬
‫إِذَا نُودِي لِلصّلَا ِة مِن َي ْومِ ا ْل ُ‬
‫ن السّعي إلى الخطبة إنّما يجب لجل الصّلة ‪،‬‬
‫‪ ،‬وقيل ‪ :‬هو الخطبة ‪ ،‬وكلّ ذلك حجّة ؛ ل ّ‬
‫ن من سقطت عنه الصّلة ل يجب عليه السّعي إلى الخطبة ‪ ،‬فكان فرض السّعي إلى‬
‫بدليل أ ّ‬
‫ن كلّ واحد‬
‫ن ذكر اللّه يتناول الصّلة ويتناول الخطبة من حيث إ ّ‬
‫الخطبة فرضا للصّلة ؛ ول ّ‬
‫منهما ذكر اللّه تعالى‬ ‫‪.‬‬

‫ي ‪ -‬أيضا ‪ -‬بالية المذكورة من وجهين‬


‫وقد استدلّ المام السّرخس ّ‬ ‫‪:‬‬
‫الوجه السّابق ‪ ،‬ووجه آخر حيث قال ‪ :‬اعلم أنّ الجمعة فريضة بالكتاب والسّنّة ‪ ،‬أمّا الكتاب‬
‫س َعوْا إِلَى ِذكْ ِر الّلهِ وَذَرُوا الْبَ ْيعَ } والمر بالسّعي إلى الشّيء ل يكون إلّ‬
‫فقوله تعالى ‪ { :‬فَا ْ‬
‫لوجوبه ‪ ،‬والمر بترك البيع المباح لجله دليل على وجوبه أيضا‬ ‫‪.‬‬

‫ن صلة الجمعة فرض على الكفاية ‪ ،‬وقال القرافيّ ‪:‬‬


‫وحكى الخطّابيّ عن بعض الفقهاء ‪ :‬أ ّ‬
‫هو وجه لبعض أصحاب الشّافعيّة‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪« :‬‬


‫وأمّا السّنّة ‪ :‬فالحديث المشهور ‪ ،‬وهو ما روي عن النّب ّ‬
‫ن اللّه تعالى قد فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا ‪ ،‬في يومي هذا ‪ ،‬في شهري هذا ‪،‬‬
‫إّ‬
‫من عامي هذا إلى يوم القيامة ‪ ،‬فمن تركها في حياتي ‪ ،‬أو بعدي وله إمام عادل أو جائر‬
‫استخفافا بها أو جحودا لها بحقّها فل جمع اللّه له شمله ول بارك له في أمره ‪ ،‬أل ول‬
‫صلة له ‪ ،‬ول زكاة له ‪ ،‬ول حجّ له ‪ ،‬ول صوم له ‪ ،‬ول برّ له حتّى يتوب فمن تاب تاب‬
‫اللّه عليه» وحديث ‪ « :‬الجمعة حقّ واجب على كلّ مسلم في جماعة إلّ أربعةً ‪ :‬عبد مملوك‬
‫‪ ،‬أو امرأة ‪ ،‬أو صبيّ ‪ ،‬أو مريض » وحديث ‪ « :‬رواح الجمعة واجب على كلّ محتلم‬ ‫‪».‬‬

‫فرض وقت الجمعة‬ ‫‪:‬‬

‫فرض ‪4 -‬‬ ‫ن الجمعة‬


‫ذهب الئمّة الثّلثة ‪ -‬مالك والشّافعيّ في مذهبه الجديد وأحمد ‪ -‬إلى أ ّ‬
‫مستقلّ ‪ ،‬فليست بد ًل من الظّهر ‪ ،‬وليست ظهرا مقصورا ‪ .‬واستدلّ الرّمليّ لكونها صلةً‬
‫مستقّلةً ‪ :‬بأنّه ل يغني الظّهر عنها ولقول عمر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ « : -‬الجمعة ركعتان ‪،‬‬
‫تمام غير قصر على لسان نبيّكم صلى ال عليه وسلم وقد خاب من افترى‬ ‫‪».‬‬

‫ن من‬
‫وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ‪ :‬إنّ فرض وقت الجمعة في الصل إنّما هو الظّهر ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫تكاملت فيه شرائط الجمعة التي ذكرها فإنّه مأمور بإسقاطه وإقامة الجمعة في مكانه على‬
‫سبيل الحتم ‪ ،‬أمّا من لم تتكامل فيه شرائطها ‪ ،‬فيبقى على أصل الظّهر إلّ أنّه يخاطب بأداء‬
‫الجمعة في مكانها على سبيل التّرخيص ‪ ،‬أي فإذا أدّى الجمعة رغم عدم تكامل شروط‬
‫ن لك ّل من محمّد وزفر أقوالً أخرى في كيفيّة‬
‫وجوبها عليه سقط عنه الظّهر بذلك ‪ .‬على أ ّ‬
‫فرضيّة الجمعة‬ ‫‪.‬‬

‫غير ‪5-‬‬ ‫وفائدة الخلف تظهر فيما لو صلّى الظّهر في بيته وحده قبل فوات الجمعة ‪ -‬وهو‬
‫ح ظهره ويقع فرضا ؛ لنّه أدّى فرض الوقت‬
‫معذور ‪ ،‬فعند أبي حنيفة وأبي يوسف يص ّ‬
‫الصليّ فيجزئه‬ ‫‪.‬‬

‫ي ‪ :‬من صلّى الظّهر في بيته وحده ‪ -‬وهو غير معذور ‪ -‬فإنّه يقع فرضا في‬
‫قال السّمرقند ّ‬
‫ن عنده ل يجوز الظّهر‬
‫قول أصحابنا الثّلثة ‪ -‬أبي حنيفة وصاحبيه ‪ -‬خلفا لزفر فإ ّ‬ ‫‪.‬‬
‫وفي المذاهب الخرى ل تجزئه صلة الظّهر ويلزمه حضور الجمعة ‪ ،‬فإن حضرها فذاك‬
‫وإلّ بأن فاتته لزمه قضاء الظّهر حينئذ ‪ .‬قال أبو إسحاق الشّيرازيّ في المهذّب ‪ :‬وأمّا من‬
‫تجب عليه الجمعة ‪ ،‬ول يجوز له أن يصلّي الظّهر قبل فوات الجمعة ‪ ،‬فإنّه مخاطب بالسّعي‬
‫إلى الجمعة ‪ ،‬فإن صلّى الظّهر قبل صلة المام ففيه قولن ‪ :‬قال في القديم ‪ :‬يجزئه ؛ لنّ‬
‫الفرض هو الظّهر ‪ ...‬وقال في الجديد ‪ :‬ل تجزئه ‪ ،‬ويلزمه إعادتها وهو الصّحيح‬ ‫‪.‬‬

‫وقال ابن قدامة في المغني ‪ :‬من وجبت عليه الجمعة إذا صلّى الظّهر قبل أن يصلّي المام‬
‫الجمعة لم يصحّ ‪ ،‬ويلزمه السّعي إلى الجمعة إن ظنّ أنّه يدركها ؛ لنّها المفروضة عليه‬ ‫‪.‬‬

‫شروط صلة الجمعة‬ ‫‪:‬‬

‫الشّروط ‪6 -‬‬ ‫لصلة الجمعة ثلثة أنواع من‬ ‫‪.‬‬

‫صحّة‬
‫صحّة والوجوب معا‪ ،‬والثّاني ‪ :‬للوجوب فقط ‪ ،‬والثّالث ‪ :‬لل ّ‬
‫النّوع الوّل ‪ :‬شروط لل ّ‬
‫فقط‪ .‬والفرق بين هذه النواع الثّلثة من الشّروط ‪ ،‬أنّ ما يعتبر شرطا لصحّة صلة الجمعة‬
‫ووجوبها معا ‪ ،‬يلزم من فقده أمران اثنان ‪ :‬بطلنها ‪ ،‬وعدم تعلّق الطّلب بها‬ ‫‪.‬‬

‫وما يعتبر شرطا للوجوب ‪ -‬فقط ‪ -‬يلزم من فقده عدم تعلّق الطّلب وحده ‪ ،‬مع ثبوت صحّة‬
‫صحّة فقط يلزم من فقده البطلن مع استمرار المطالبة به‬
‫الفعل ‪ ،‬وما يعتبر شرطا لل ّ‬ ‫‪.‬‬

‫النّوع الوّل شروط الصّحّة والوجوب معا وتنحصر في ثلثة‬ ‫‪:‬‬

‫"‪7-‬‬ ‫الشّرط الوّل ‪ :‬اشترطه الحنفيّة ‪ ،‬وهو أن يكون المكان الّذي تقام فيه " مصرا‬
‫والمقصود بالمصر كلّ بلدة نصب فيها قاض ترفع إليه الدّعاوى والخصومات‬ ‫‪.‬‬

‫قال في المبسوط ‪ :‬وظاهر المذهب في بيان حدّ المصر الجامع ‪ :‬أن يكون فيه سلطان ‪ ،‬أو‬
‫قاض لقامة الحدود وتنفيذ الحكام‬ ‫‪.‬‬

‫ويلحق بالمصر ضاحيته أو فناؤه ‪ ،‬وضواحي المصر هي القرى المنتشرة من حوله‬


‫والمتّصلة به والمعدودة من مصالحه ‪ ،‬بشرط أن يكون بينها وبينه من القرب ما يمكّن‬
‫أهلها من حضور الجمعة ‪ ،‬ثمّ الرّجوع إلى منازلهم في نفس اليوم بدون تكلّف‬ ‫‪.‬‬

‫وعلى هذا ‪ ،‬فمن كانوا يقيمون في قرية نائية ‪ ،‬ل يكلّفون بإقامة الجمعة ‪ ،‬وإذا أقاموها لم‬
‫ح منهم ‪ .‬قال صاحب البدائع ‪ :‬المصر الجامع شرط وجوب الجمعة ‪ ،‬وشرط صحّة‬
‫تص ّ‬
‫أدائها عند أصحابنا ‪ ،‬حتّى ل تجب الجمعة إلّ على أهل المصر ومن كان ساكنا في توابعه ‪،‬‬
‫وكذا ل يصحّ أداء الجمعة إلّ في المصر وتوابعه‬ ‫‪.‬‬

‫ح أداء الجمعة فيها‬


‫فل تجب على أهل القرى الّتي ليست من توابع المصر ‪ ،‬ول يص ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ولم تشترط المذاهب الخرى هذا الشّرط‬ ‫‪.‬‬


‫فأمّا الشّافعيّة ‪ :‬فاكتفوا باشتراط إقامتها في خطّة أبنية سواء كانت من بلدة أو قرية ‪ ،‬قال‬
‫ح الجمعة إ ّل في أبنية يستوطنها من تنعقد بهم الجمعة من بلد أو‬
‫صاحب المهذّب ‪ :‬ل تص ّ‬
‫قرية‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا الحنابلة ‪ :‬فلم يشترطوا ذلك أيضا ‪ ،‬وصحّحوا إقامتها في الصّحاري ‪ ،‬وبين مضارب‬
‫الخيام ‪ .‬قال صاحب المغني ‪ :‬ول يشترط لصحّة الجمعة إقامتها في البنيان ويجوز إقامتها‬
‫فيما قاربه من الصّحراء‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا المالكيّة ‪ :‬فإنّما شرطوا أن تقام في مكان صالح للستيطان ‪ .‬فتصحّ إقامتها في‬
‫ح في الخِيَم لعدم‬
‫البنية ‪ ،‬أو الخصاص ؛ لصلحها للستيطان فيها مدّ ًة طويلةً ‪ .‬ول تص ّ‬
‫صلحيّتها لذلك في الغالب‬ ‫‪.‬‬

‫قال في الجواهر الزّكيّة في تعداد شروطها ‪ :‬موضع الستيطان ‪ ،‬ولو كان بأخصاص ل خيم‬
‫‪ ،‬فل تقام الجمعة إلّ في موضع يستوطن فيه بأن يقيم فيه صيفًا وشتاءً‬ ‫‪.‬‬

‫يجب ‪8 -‬‬ ‫ويترتّب على هذا الخلف ‪ :‬أنّ أصحاب القرى الّتي ل تعتبر تابعةً لمصر إلى جانبها‬
‫عليهم ‪ -‬عند غير الحنفيّة ‪ -‬إقامة الجمعة في أماكنهم ‪ ،‬ول يكلّفون بالنتقال لها إلى أيّ‬
‫بلدة كبيرة أخرى من حولهم‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا في المذهب الحنفيّ ‪ :‬فل يكلّفون بإقامة الجمعة في مثل هذه الحال ‪ ،‬وإذا أقاموها لم‬
‫ح منهم ‪ .‬ويجب عليهم النتقال إلى البلدة المجاورة إذا سمع منها الذان‬
‫تص ّ‬ ‫‪.‬‬

‫نائب ‪9 -‬‬ ‫الشّرط الثّاني ‪ :‬واشترطه الحنفيّة ‪ ،‬إذن السّلطان بذلك ‪ ،‬أو حضوره ‪ ،‬أو حضور‬
‫ي عنه ‪ ،‬إذ هكذا كان شأنها على عهد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وفي عهود‬
‫رسم ّ‬
‫الخلفاء الرّاشدين‬ ‫‪.‬‬

‫هذا إذا كان ثمّة إمام أو نائب عنه في البلدة الّتي تقام فيها الجمعة ‪ ،‬فإذا لم يوجد أحدهما ‪،‬‬
‫لموت أو فتنة أو ما شابه ذلك ‪ ،‬وحضر وقت الجمعة كان للنّاس حينئذ أن يجتمعوا على‬
‫رجل منهم ليتقدّمهم فيصلّي بهم الجمعة‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا أصحاب المذاهب الخرى فلم يشترطوا لصحّة الجمعة أو وجوبها شيئا ممّا يتعلّق‬
‫بالسّلطان ‪ ،‬إذنا أو حضورا أو إنابةً‬ ‫‪.‬‬

‫عند ‪10 -‬‬ ‫الشّرط الثّالث من شروط صحّة الجمعة ووجوبها معا ‪ :‬دخول الوقت ‪ ،‬ووقتها‬
‫الجمهور ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬هو وقت الظّهر ‪ ،‬فل يثبت وجوبها ‪ ،‬ول يصحّ‬
‫أداؤها إلّ بدخول وقت الظّهر ‪ ،‬ويستم ّر وقتها إلى دخول وقت العصر ‪ ،‬فإذا خرج وقت‬
‫الظّهر سقطت الجمعة واستبدل بها الظّهر ؛ لنّ الجمعة صلة ل تقضى بالتّفويت ‪ .‬ويشترط‬
‫ح الجمعة ‪،‬‬
‫دخول وقت الظّهر من ابتداء الخطبة ‪ ،‬فلو ابتدأ الخطيب الخطبة قبله لم تص ّ‬
‫وإن وقعت الصّلة داخل الوقت‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الحنابلة إلى أنّ أوّل وقت صلة الجمعة هو أوّل وقت صلة العيد لحديث عبد اللّه بن‬
‫سيدان ‪ « :‬شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت خطبته وصلته قبل نصف النّهار » ‪ ،‬ولحديث‬
‫جابر ‪ « :‬كان يصلّي الجمعة ثمّ نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشّمس » وكذلك‬
‫روي عن ابن مسعود وجابر وسعد ومعاوية ‪ -‬رضي ال عنهم ‪ -‬أنّهم صلّوا قبل الزّوال‬
‫ولم ينكر عليهم ‪ ،‬وفعلها بعد الزّوال أفضل‬ ‫‪.‬‬

‫النّوع الثّاني من الشّروط وهي‬ ‫‪:‬‬

‫شروط الوجوب فقط‬ ‫‪:‬‬

‫تتلخّص جملة هذه الشّروط في خمسة أمور ‪ ،‬وذلك بعد اعتبار الشّروط الّتي تتوقّف عليها‬
‫أهليّة التّكليف بصورة عامّة ‪ ،‬من عقل وبلوغ‬ ‫‪:‬‬

‫على ‪11 -‬‬ ‫الوّل ‪ :‬القامة بمصر ‪ :‬فل تجب على مسافر ‪ .‬ث ّم ل فرق في القامة بين أن تكون‬
‫سبيل الستيطان أو دون ذلك ‪ ،‬فمن تجاوزت أيّام إقامته في بلدة ما الفترة الّتي يشرع له‬
‫فيها قصر الصّلة وجبت عليه صلة الجمعة وإلّ فل على التّفصيل المبيّن في ( صلة‬
‫المسافر‬ ‫‪).‬‬

‫ودليل ذلك ما رواه جابر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ : -‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫من كان يؤمن باللّه واليوم الخر فعليه الجمعة إلّ مريض ‪ ،‬أو مسافر ‪ ،‬أو امرأة ‪ ،‬أو‬
‫صبيّ ‪ ،‬أو مملوك ‪ ،‬فمن استغنى بلهو أو تجارة استغنى اللّه عنه واللّه غنيّ حميد » ‪ .‬قال‬
‫السّرخسيّ ‪ :‬والمعنى ‪ :‬أنّ المسافر تلحقه المشقّة بدخول المصر وحضور الجمعة ‪ ،‬وربّما‬
‫ل يجد أحدا يحفظ رحله ‪ ،‬وربّما ينقطع عن أصحابه ‪ ،‬فلدفع الحرج أسقطها الشّرع عنه‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا من كان مقيما في غير مصر ‪ ،‬كالقرى والبوادي ‪ ،‬فإن كان مكانه قريبا من بلدة هناك‬
‫وجب عليه الذّهاب إليها وإقامة الجمعة فيها ‪ ،‬وإلّ لم تجب عليه‬ ‫‪.‬‬

‫والمفتى به في ضابط القرب ‪ :‬أن تصل أصوات المؤذّنين إلى ذلك المكان عندما يؤذّنون في‬
‫أماكن مرتفعة وبأصوات عالية مع توسّط حالة الجوّ من حيث الهدوء والضّجيج‬ ‫‪.‬‬

‫وهذا على ما سبق بيانه في الفقرة من اشتراط الحنفيّة المصر خلفا لغيرهم‬ ‫‪.‬‬

‫النّساء ‪12 -‬‬ ‫الشّرط الثّاني ‪ :‬الذّكورة ‪ :‬فل تجب صلة الجمعة على‬ ‫‪.‬‬

‫وذكر صاحب البدائع حكمة ذلك فقال ‪ :‬وأمّا المرأة فلنّها مشغولة بخدمة الزّوج ‪ ،‬ممنوعة‬
‫من الخروج إلى محافل الرّجال ‪ ،‬لكون الخروج سببا للفتنة ولهذا ل جماعة عليهنّ أيضا ‪.‬‬
‫الخروج ‪13 -‬‬ ‫صحّة ‪ :‬ويقصد بها خلوّ البدن عمّا يتعسّر معه ‪ -‬عرفا ‪-‬‬
‫الشّرط الثّالث ‪ :‬ال ّ‬
‫لشهود الجمعة في المسجد ‪ ،‬كمرض وألم شديد ؛ فل تجب صلة الجمعة على من اتّصف‬
‫بشيء من ذلك‬ ‫‪.‬‬

‫وألحق بالمريض ممرّضه الّذي يقوم بأمر تمريضه وخدمته ‪ ،‬بشرط أن ل يوجد من يقوم‬
‫مقامه في ذلك لو تركه‬ ‫‪.‬‬

‫المولى ‪14 -‬‬ ‫الشّرط الرّابع ‪ :‬الحرّيّة ‪ :‬فل تجب على العبد المملوك ‪ ،‬لنشغاله بخدمة‬ ‫‪.‬‬

‫غير أنّها تجب على المكاتب والمبعّض وتجب على الج ير ‪ ،‬بمعنى أنّه ل يجوز للم ستأجر‬
‫منعه منها ‪ ،‬فإذا ترك العمل لصلتها ‪ ،‬وكان المسجد بعيدا عن مكان عمله في ‪ -‬العرف ‪-‬‬
‫سقط من أجر ته ما يقا بل الزّ من الّذي ترك ف يه الع مل من أجل ها ب ما في ذلك مدّة ال صّلة‬
‫نفسها‪ ،‬وإلّ لم يسقط شيء ‪.‬‬
‫وهذه الشّريطة ‪ -‬أيضا ‪ -‬محلّ اتّفاق لدى مختلف المذاهب ‪ ،‬ثمّ إنّ السّيّد إذا أذن لعبده في‬
‫الخروج لصلة الجمعة وجبت عليه حينئذ‬ ‫‪.‬‬

‫أو ‪15 -‬‬ ‫الشّرط الخامس ‪ :‬السّلمة ‪ :‬والمقصود بها سلمة المصلّي من العاهات المقعدة ‪،‬‬
‫المتعبة له في الخروج إلى صلة الجمعة ‪ ،‬كالشّيخوخة المقعدة والعمى ‪ ،‬فإن وجد العمى‬
‫قائدًا متبرّعا أو بأجرة معتدلة ‪ ،‬وجبت عليه عند الجمهور ‪ -‬أبي يوسف ومحمّد والمالكيّة‬
‫والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬؛لنّ العمى بواسطة القائد يعتبر قادرا على السّعي خلفا لبي‬
‫حنيفة‪ .‬وهناك صورتان أخريان تجب فيهما على العمى صلة الجمعة‬ ‫‪:‬‬

‫الصّورة الولى ‪ :‬أن تقام الصّلة وهو في المسجد متطهّر متهيّئ للصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫الصّورة الثّانية ‪ :‬أن يكون ممّن أوتوا مهار ًة في المشي في السواق دون الحتياج إلى أيّ‬
‫كلفة أو قيادة أو سؤال أحد ‪ .‬إذ ل حرج حينئذ عليه في حضور صلة الجمعة‬ ‫‪.‬‬

‫ول تجب ‪ -‬أيضا ‪ -‬في حالة خوف من عد ّو أو سبع أو لصّ ‪ ،‬أو سلطان ‪ ،‬ول في حالة‬
‫مطر شديد ‪ ،‬أو وحل ‪ ،‬أو ثلج ‪ ،‬يتعسّر معها الخروج إليها ‪ .‬إذ ل تعتبر السّلمة متوفّرةً‬
‫في مثل هذه الحالت‬ ‫‪.‬‬

‫أمره‪16 - :‬‬ ‫ثمّ إنّ َمنْ حضر صلة الجمعة ممّن لم تتوفّر فيه هذه الشّروط الخمسة ينظر في‬
‫ي والمجنون ‪ ،‬صحّت صلة الصّبيّ واعتبرت له‬
‫فإن كان فاقدا أهليّة التّكليف نفسها ‪ ،‬كالصّب ّ‬
‫تطوّعا ‪ ،‬وبطلت صلة المجنون ؛ لعدم توفّر الدراك المصحّح لصل العبادة‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا إن تكاملت لديه أهليّة التّكليف ‪ ،‬كالمريض والمسافر والعبد والمرأة ‪ ،‬فمثل هؤلء إن‬
‫حضروا الجمعة وصلّوها أجزأتهم عن فرض الظّهر ؛ لنّ امتناع الوجوب في حقّهم إنّما‬
‫ن لهم النصراف ؛ إذ‬
‫كان للعذر ‪ ،‬وقد زال بحضورهم لكن صرّح الشّافعيّة والحنابلة بأ ّ‬
‫المانع من وجوبها عليهم ل يرتفع بحضورهم إلّ المريض ونحوه كالعمى فيحرم‬
‫انصرافهما إن دخل الوقت قبل انصرافهما ؛ لنّ المانع في حقّهما مشقّة الحضور وقد زالت‬
‫‪.‬‬
‫الجماعة ‪17 -‬‬ ‫ويصحّ أن يؤمّ القوم من هؤلء كلّ من صحّت إمامته المطلقة في باب صلة‬
‫فتصحّ إمامة المريض والمسافر والعبد ‪ ،‬دون المرأة قال في تنوير البصار ‪ :‬ويصلح‬
‫للمامة فيها من صلح لغيرها ؛ فجازت لمسافر وعبد ومريض‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا صفة الّذين تنعقد بهم الجمعة فهي ‪ :‬أنّ كلّ من يصلح إماما للرّجال في الصّلوات‬
‫المكتوبة تنعقد بهم الجمعة ‪ ،‬فيشترط صفة الذّكورة والعقل والبلوغ ل غير ‪ ،‬فتنعقد الجمعة‬
‫بعبيد ومسافرين ‪ .‬وهذا عند الحنفيّة‬ ‫‪.‬‬

‫ومذهب الحنابلة ‪ :‬أنّه ل تنعقد الجمعة بأحد من هؤلء ‪ ،‬ول تصحّ إمامته‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا الشّافعيّة ‪ :‬فصحّحوا المامة من هؤلء دون النعقاد به ‪ .‬فلو أمّ المصلّين مسافر وكان‬
‫عددهم ل يتجاوز مع إمامهم المسافر أربعين رجلً ‪ ،‬لم تنعقد صلتهم‬ ‫‪.‬‬

‫ذلك ‪18 -‬‬ ‫فمن توفّرت فيه هذه الشّروط ‪ ،‬حرّم عليه صلة الظّهر قبل فوات الجمعة ‪ ،‬لما في‬
‫من مخالفة المر بإسقاط صلة الظّهر وأداء الجمعة في مكانها ‪ .‬أمّا بعد فواتها عليه فل‬
‫مناص حينئذ من أداء الظّهر ‪ ،‬بل يجب عليه ذلك ‪ ،‬غير أنّه يعتبر آثما بسبب تفويت‬
‫الجمعة بدون عذر‬ ‫‪.‬‬

‫فإن سعى إليها بعد أدائه الظّهر والمام في الصّلة بطلت صلته الّتي كان قد أدّاها بمجرّد‬
‫ن السّعي إلى صلة الجمعة‬
‫انفصاله عن داره واتّجاهه إليها سواء أدركها أم ل ‪ .‬وذلك ل ّ‬
‫معدود من مقدّماتها وخصائصها المأمور بها بنصّ كتاب اللّه تعالى ‪ ،‬والشتغال بفرائض‬
‫الجمعة الخاصّة بها يبطل الظّهر وهذا عند أبي حنيفة ‪ ،‬أمّا عند الصّاحبين فل يبطل ظهره‬
‫بمجرّد السّعي ‪ ،‬بل ل بدّ لذلك من إدراكه الجمعة وشروعه فيها‬ ‫‪.‬‬

‫وقال المالكيّة والحنابلة ‪ :‬من وجبت عليه الجمعة إذا صلّى الظّهر قبل أن يصلّي المام‬
‫ن أنّه يدركها‬
‫الجمعة لم يصحّ ويلزمه السّعي إلى الجمعة إن ظ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫صحّة فقط‬
‫النّوع الثّالث ‪ :‬شروط ال ّ‬ ‫‪:‬‬

‫وهي أربعة شروط‬ ‫‪:‬‬

‫النّاس ‪19 -‬‬ ‫الوّل الخطبة ‪ :‬ويشترط تقدّمها على الصّلة ‪ ،‬وهي كلّ ذكر يسمّى في عرف‬
‫خطبةً ‪ ،‬فمتى جاء المام بذلك بعد دخول الوقت ‪ ،‬فقد تأدّى الشّرط وصحّت الخطبة ‪ ،‬سواء‬
‫كان قائما ‪ ،‬أو قاعدا أتى بخطبتين أو خطبة واحدة ‪ ،‬تل فيها قرآنا أم ل ‪ ،‬عرب ّي ًة كانت أو‬
‫عجم ّي ًة ‪ ،‬إلّ أنّها ينبغي أن تكون قبل الصّلة ‪ ،‬إذ هي شرط ‪ ،‬وشرط الشّيء ل بدّ أن يكون‬
‫سابقا عليه وهذا عند الحنفيّة‬ ‫‪.‬‬
‫ي صلى‬
‫واشترط لها المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة خطبتين مستدلّين على ذلك بمواظبة النّب ّ‬
‫ال عليه وسلم‬ ‫‪.‬‬

‫واعتبر الشّافعيّة للخطبة أركانا خمسةً ل بدّ من توافرها وهي ‪ :‬حمد اللّه ‪ ،‬والصّلة على‬
‫رسوله ‪ ،‬والوصيّة بالتّقوى ‪ .‬وهذه الثّلثة أركان في كلّ من الخطبتين ‪ ،‬والرّابع ‪ :‬قراءة‬
‫آية من القرآن في إحداهما ‪ ،‬والخامس ‪ :‬ما يقع عليه اسم الدّعاء للمؤمّنين في الخطبة‬
‫الثّانية ‪ .‬واشترط الحنابلة من هذه الركان قراءة آية من القرآن ‪ .‬قال ابن قدامة ‪ ...‬قال‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لم يقتصر‬
‫أصحابنا ‪ :‬ول يكفي في القراءة أقلّ من آية ؛ لنّ النّب ّ‬
‫على أقلّ من ذلك وما عدا ذلك مستحبّ ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ( خطبة‬ ‫‪).‬‬

‫‪20 - ،‬‬ ‫الثّاني ‪ :‬الجماعة ‪ :‬قال في البدائع ‪ :‬ودليل شرطيّتها ‪ ،‬أنّ هذه الصّلة تسمّى جمعةً‬
‫فل ب ّد من لزوم معنى الجمعة فيها ‪ ،‬اعتبارًا للمعنى الّذي أخذ اللّفظ منه ‪ ...‬ولهذا لم يؤدّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم الجمعة إلّ جماع ًة ‪ ،‬وعليه إجماع العلماء‬ ‫‪.‬‬

‫ويتعلّق ببيان كيفيّة هذا الشّرط ثلثة أبحاث‬ ‫‪:‬‬

‫ثلثة ‪21 -‬‬ ‫أوّلها ‪ :‬حضور واحد سوى المام ‪ -‬على الصّحيح من مذهب الحنفيّة ‪ -‬وقيل ‪:‬‬
‫سوى المام ‪ ،‬قال في مجمع النهر ‪ :‬لنّها أق ّل الجمع ‪ ،‬وقد ورد الخطاب للجمع ‪ ،‬وهو‬
‫سعَوْا إِلَى ِذكْ ِر الّل ِه } فإنّه يقتضي ثلثةً سوى الخطيب ‪ ،‬هذا مذهب أبي‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬فَا ْ‬
‫حنيفة ومحمّد‬ ‫‪.‬‬

‫ل تجب في حقّهم الجمعة ‪.‬‬


‫واشترط الشّافعيّة والحنابلة أن ل يقلّ المجمعون عن أربعين رج ً‬
‫قال صاحب المغني ‪ :‬أمّا الربعون فالمشهور في المذهب أنّه شرط لوجوب الجمعة وصحّتها‬
‫‪ ،‬ويشترط حضورهم الخطبتين‬ ‫‪.‬‬

‫وقال المالكيّة ‪ :‬يشترط حضور اثني عشر من أهل الجمعة ‪.‬‬


‫الخطبة ‪22 -‬‬ ‫ثانيها ‪ :‬يجب حضور ما ل يقلّ عن هذا العدد من أوّل‬ ‫‪.‬‬

‫قال في البدائع ‪ :‬لو نفروا قبل أن يخطب المام فخطب وحده ‪ ،‬ثمّ حضروا فصلّى بهم‬
‫ن الجماعة كما هي شرط انعقاد الجمعة حال الشّروع في الصّلة ‪ ،‬فهي‬
‫الجمعة ل يجوز ؛ ل ّ‬
‫ن الخطبة بمنزلة شفع من الصّلة ‪ ،‬قالت عائشة ‪ -‬رضي ال‬
‫شرط حال سماع الخطبة ؛ ل ّ‬
‫عنها ‪ :‬إنّما قصرت الجمعة لجل الخطبة ‪ ،‬وجاء مثله عن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد‬
‫فتشترط الجماعة حال سماع الخطبة ‪ ،‬كما تشترط حال الشّروع في الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫المالكيّة ‪23 -‬‬ ‫ثالثها ‪ :‬الجماعة في صلة الجمعة شرط أداء عند الحنفيّة ‪ ،‬وهو الصّحيح عند‬
‫والشّافعيّة ‪ ،‬ول يتحقّق الداء إ ّل بوجود تمام الركان ‪ ،‬وهي ‪ :‬القيام ‪ ،‬والقراءة ‪ ،‬والرّكوع‬
‫‪ ،‬والسّجود ‪ .‬وعلى هذا فلو تفرّقت الجماعة قبل سجود المام بطلت الجمعة ويستأنف‬
‫الظّهر ‪ ،‬والجماعة شرط انعقاد عند الصّاحبين ‪ ،‬والنعقاد يتمّ بدخول صحيح في الصّلة ‪،‬‬
‫وعلى هذا فلو تفرّقت الجماعة عن المام قبل السّجود وبعد النعقاد صحّت جمعة كلّ منهم‬
‫وقد صحّح صاحب " تنوير البصار " ما ذهب إليه أبو حنيفة‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا الحنابلة ‪ :‬فظاهر كلم أحمد أنّهم إن انفضّوا قبل كمالها لم يجز إتمامها جمعةً ‪ ،‬وقياس‬
‫قول الخرقيّ أنّهم إن انفضّوا بعد ركعة أتمّوها جمعةً‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ومحمّد بن الحسن إلى أنّ من أدرك مع المام أق ّل من‬
‫ركعة ‪ ،‬فإنّه ل يكون مدركا للجمعة ويصلّيها ظهرا‬ ‫‪.‬‬

‫وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ‪ :‬صلة المقتدي صحيحة على أنّها جمعة إذا أدرك جزءا منها‬
‫مع المام ‪ ،‬وإن قلّ ‪ .‬قال في المبسوط ‪ :‬ومن أدرك المام في التّشهّد في الجمعة أو في‬
‫سجدتي السّهو فاقتدى به فقد أدركها ويصلّيها ركعتين‬ ‫‪.‬‬

‫وهو ‪24 -‬‬ ‫صحّة ‪ :‬واشترط الحنفيّة أن تؤدّى بإذن عامّ يستلزم الشتهار ‪،‬‬
‫الثّالث من شروط ال ّ‬
‫يحصل بإقامة الجمعة في مكان بارز معلوم لمختلف فئات النّاس ‪ ،‬مع فتح البواب للقادمين‬
‫إليه ‪ ،‬قال في تنوير البصار ‪ :‬فلو دخل أمير حصنا أو قصره وأغلق بابه ‪ ،‬وصلّى‬
‫بأصحابه لم تنعقد‬ ‫‪.‬‬

‫والحكمة من هذا الشّرط ما قاله صاحب البدائع ‪ :‬وإنّما كان هذا شرطا ؛ لنّ اللّه تعالى‬
‫جمُ َعةِ‬
‫شرع النّداء لصلة الجمعة بقوله ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصّلَا ِة مِن َي ْومِ ا ْل ُ‬
‫سعَوْا إِلَى ِذكْ ِر الّلهِ‬
‫فَا ْ‬ ‫‪}.‬‬

‫والنّداء للشتهار ؛ ولذا يسمّى جمعةً ‪ ،‬لجتماع الجماعات فيها فاقتضى أن تكون الجماعات‬
‫كلّها مأذونين بالحضور إذنا عامّا تحقيقا لمعنى السم‬ ‫‪.‬‬

‫مطلقا ‪25 -‬‬ ‫الشّرط الرّابع ‪ :‬أن ل تتعدّد الجمعة في المصر الواحد‬ ‫‪:‬‬

‫ذهب الجمهور إلى منع التّعدّد في أعمّ الحوال على اختلف يسير بينهم في ضابط المكان‬
‫الّذي ل يجوز التّعدّد فيه‬ ‫‪.‬‬

‫فمذهب الشّافعيّ وأحمد والمشهور من مذهب مالك هو منع التّعدّد في البلدة الواحدة كبيرةً‬
‫كانت أو صغير ًة إلّ لحاجة‬ ‫‪.‬‬

‫وهذا ‪ -‬أيضا ‪ -‬مذهب أبي حنيفة ‪ ،‬وصحّحه ابن عابدين وذكر أنّه اختيار الطّحاويّ‬
‫ي ‪ ،‬ونقل عن شرح المنية أنّه أظهر الرّوايتين عن المام ‪ ،‬ونقل عن النّهر‬
‫والتّمرتاش ّ‬
‫ن الحكمة من مشروعيّتها هي الجتماع والتّلقي ‪،‬‬
‫ن الفتوى عليه ‪ .‬قالوا ‪ :‬ل ّ‬
‫والتّكملة ‪ :‬أ ّ‬
‫وينافيه التّفرّق بدون حاجة في عدّة مساجد ‪ ،‬ولنّه لم يحفظ عن صحابيّ ول تابعيّ تجويز‬
‫تعدّدها‬ ‫‪.‬‬
‫ومقابله ما رواه في البدائع عن الكرخيّ ‪ :‬أنّه ل بأس بأن يجمعوا في موضعين أو ثلثة‬
‫عند محمّد ‪ ،‬وعن أبي يوسف روايتان‬ ‫‪:‬‬

‫إحداهما ‪ :‬ل يجوز إلّ إذا كان بين موضعي القامة نهر عظيم كدجلة ونحوها فيصير بمنزلة‬
‫مصرين‬ ‫‪.‬‬

‫والثّانية ‪ :‬يجوز في موضعين إذا كان المصر عظيما‬ ‫‪.‬‬

‫الوجوب ‪26 -‬‬ ‫فهذه الشّروط الربعة إذا فقد واحد منها ‪ ،‬بطلت الصّلة ‪ ،‬مع استمرار تعلّق‬
‫بها ‪ ،‬حتّى إنّه يجب إعادتها إذا بقي وقت وأمكن تدارك الشّرط الفائت‬ ‫‪.‬‬

‫صحّة فقط ‪ ،‬إ ّل ما يتعلّق بفقد الشّرط الخير ‪ ،‬فسنذكر حكم ذلك‬
‫وهذا معنى أنّها شروط لل ّ‬
‫عند البحث عن مفسدات صلة الجمعة وما يترتّب على فسادها‬ ‫‪.‬‬

‫النصات للخطبة‬ ‫‪:‬‬

‫ول ‪27 -‬‬ ‫إذا صعد المام المنبر للخطبة ‪ ،‬يجب على الحاضرين أن ل يشتغلوا عندئذ بصلة‬
‫كلم إلى أن يفرغ من الخطبة ‪ .‬فإذا بدأ الخطيب بالخطبة تأكّد وجوب ذلك أكثر‬ ‫‪.‬‬

‫قال في تنوير البصار ‪ :‬كلّ ما حرّم في الصّلة حرّم في الخطبة ‪ ،‬وسواء أكان الجالس في‬
‫المسجد يسمع الخطبة أم ل ‪ ،‬اللّهمّ إلّ أن يشتغل بقضاء فائتة لم يسقط التّرتيب بينها وبين‬
‫الصّلة الوقتيّة فل تكره ‪ ،‬بل يجب فعلها‬ ‫‪.‬‬

‫فلو خرج الخطيب ‪ ،‬وقد بدأ المصلّي بصلة نافلة ‪ ،‬كان عليه أن يخفّفها ويسلّم على رأس‬
‫ركعتين ‪ ،‬وهذا محلّ اتّفاق بين الئمّة الربعة‬ ‫‪.‬‬

‫غير أنّه جرى الخلف فيما إذا دخل الرّجل والخطيب يخطب فقد ذهب الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪،‬‬
‫إلى أنّه يجلس ول يصلّي ‪ ،‬شأنه في ذلك كالجالسين دون أيّ فرق‬ ‫‪.‬‬

‫ي وأحمد إلى أنّه يصلّي ركعتين خفيفتين ما لم يجلس ‪ ،‬تح ّيةً للمسجد وقال‬
‫وذهب الشّافع ّ‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬إن غلب على ظنّه أنّه إن صلّاها فاتته تكبيرة الحرام مع المام لم يصلّها‬ ‫‪.‬‬

‫الجهر بالقراءة في صلة الجمعة‬ ‫‪:‬‬

‫يجب ‪28 -‬‬ ‫ذهب الجمهور إلى أنّه يسنّ للمام الجهر في قراءة صلة الجمعة ‪ ،‬وعند الحنفيّة‬
‫الجهر فيها بالقراءة ‪ ،‬قال في البدائع ‪ :‬وذلك لورود الثر فيها بالجهر وهو ما روي عن‬
‫ي صلى ال عليه وسلم يقرأ في‬
‫ابن عبّاس ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أنّه قال ‪ « :‬سمعت النّب ّ‬
‫صلة الجمعة في الرّكعة الولى سورة الجمعة وفي الثّانية سورة المنافقين » ولو لم يجهر‬
‫لما سمع ولنّ النّاس يوم الجمعة فرّغوا قلوبهم ‪ ،‬عن الهتمام بأمور التّجارة لعظم ذلك‬
‫الجمع فيتأمّلون قراءة المام فتحصل لهم ثمرات القراءة ‪ ،‬فيجهر بها كما في صلة اللّيل ‪،‬‬
‫وخالف بقيّة الئمّة في وجوب الجهر فذهبوا إلى استحبابه‬ ‫‪.‬‬
‫السّعي لصلة الجمعة‬ ‫‪:‬‬

‫البيع ‪29 -‬‬ ‫من الواجبات المتعلّقة بهذه الشّعيرة ‪ :‬وجوب السّعي إليها ‪ ،‬وترك معاملت‬
‫ن آمَنُوا إِذَا‬
‫والشّراء عند الذان الثّاني ‪ ،‬وهو قول الجمهور ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫س َعوْا إِلَى ِذكْ ِر الّلهِ وَ َذرُوا الْبَيْعَ‬
‫ج ُم َعةِ فَا ْ‬
‫نُودِي لِلصّلَا ِة مِن َي ْومِ ا ْل ُ‬ ‫‪}.‬‬

‫وقال الحنفيّة في الصحّ عندهم ‪ :‬إنّما يجب ذلك عند الذان الوّل ‪ ،‬ويترتّب على تأخير هذا‬
‫السّعي الواجب عند سماع النّداء ما يترتّب على ترك الواجبات من الحرمة بسبب المعصية‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا حكم العقد الّذي يباشره من بيع ‪ ،‬ونحوه بدلً من المبادرة إلى السّعي ففي بطلنه ‪ ،‬أو‬
‫‪9/‬‬ ‫ي عنه ج‬
‫كراهته اختلف الفقهاء ويعرف ذلك بالرّجوع إلى أحكام البيع ‪ ( .‬ر ‪ :‬بيع منه ّ‬
‫‪133‬‬ ‫‪).‬ف ‪/‬‬
‫المستحبّات من كيفيّة أداء الجمعة‬ ‫‪:‬‬

‫وهذا ‪30 -‬‬ ‫أ ‪ -‬الذان بين يدي المنبر قبل البدء بالخطبة إذا جلس الخطيب على المنبر ‪،‬‬
‫الذان هو الّذي كان يؤذّن لك ّل من الوقت والخطبة على عهد رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم وفي زمن أبي بكر وعمر ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬ثمّ رأى عثمان ‪ -‬رضي ال عنه ‪-‬‬
‫أن يؤذّن أذانا أوّل للعلم بدخول الوقت ‪ ،‬وذلك بسبب كثرة النّاس ‪ .‬وأبقى الذان الثّاني‬
‫بين يدي المنبر التزاما للسّنّة‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬أن يخطب الخطيب خطبتين قائما ‪ ،‬يفصل بينهما بجلسة خفيفة يفتتحها بحمد اللّه‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ويزيد على ذلك في‬
‫والثّناء عليه ‪ ،‬والتّشهّد ‪ ،‬والصّلة على النّب ّ‬
‫الخطبة الثّانية الدّعاء للمؤمنين والمؤمنات‬ ‫‪.‬‬

‫والحنابلة ‪31 -‬‬ ‫وقد اختلف الفقهاء في حكم الطّهارة في الخطبة ‪ ،‬فذهب ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة‬
‫‪ -‬إلى أنّ الطّهارة سنّة في الخطبة ‪ ،‬وذهبت الشّافعيّة إلى اعتبارها شرطا فيها ‪ .‬ودليل‬
‫ن الخطبة من باب الذّكر ‪ ،‬والمحدث والجنب ل يمنعان‬
‫الّذين لم يشترطوا الطّهارة فيها ‪ :‬أ ّ‬
‫من ذكر اللّه تعالى ‪ ،‬أمّا دليل الخرين ‪ :‬فهو مواظبة السّلف على الطّهارة فيها ‪ ،‬والقياس‬
‫على الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫استحباب كون الخطيب والمام واحدا‬ ‫‪:‬‬

‫قال ‪32 -‬‬ ‫يستحبّ أن ل يؤمّ القوم إ ّل من خطب فيهم ؛ لنّ الصّلة والخطبة كشيء واحد ‪،‬‬
‫ي بإذن السّلطان وصلّى بالغ جاز ‪ ،‬غير أنّه‬
‫في تنوير البصار ‪ :‬فإن فعل بأن خطب صب ّ‬
‫يشترط في المام حينئذ أن يكون ممّن قد شهد الخطبة‬ ‫‪.‬‬
‫قال في البدائع ‪ :‬ولو أحدث المام بعد الخطبة قبل الشّروع في الصّلة فقدّم رجلً يصلّي‬
‫بالنّاس ‪ :‬إن كان ممّن شهد الخطبة أو شيئا منها جاز ‪ ،‬وإن لم يشهد شيئا من الخطبة لم‬
‫يجز ‪ ،‬ويصلّي بهم الظّهر ‪ ،‬وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء‬ ‫‪.‬‬

‫وخالف في ذلك المالكيّة ‪ ،‬فذهبوا إلى وجوب كون الخطيب والمام واحدا إلّ لعذر كمرض ‪،‬‬
‫وكأن ل يقدر المام على الخطبة ‪ ،‬أو ل يحسنها‬ ‫‪.‬‬

‫ما يقرأ في صلة الجمعة‬ ‫‪:‬‬

‫‪33 - ،‬‬ ‫اتّفق الفقهاء على أنّه ‪ :‬يستحبّ للمام أن يقرأ في الرّكعة الولى " سورة الجمعة "‬
‫وفي الرّكعة الثّانية " سورة المنافقين " ‪ .‬لما روى عبيد اللّه بن أبي رافع قال ‪ « :‬صلّى بنا‬
‫أبو هريرة الجمعة فقرأ سورة الجمعة في الرّكعة الولى ‪ ،‬وفي الرّكعة الخرة { إِذَا جَا َءكَ‬
‫المُنَا ِفقُونَ } فلمّا قضى أبو هريرة الصّلة أدركته فقلت ‪ :‬يا أبا هريرة إنّك قرأت بسورتين ‪،‬‬
‫ي بن أبي طالب يقرأ بهما بالكوفة فقال أبو هريرة ‪ :‬إنّي سمعت رسول اللّه صلى‬
‫كان عل ّ‬
‫ال عليه وسلم يقرأ بهما يوم الجمعة‬ ‫‪».‬‬

‫كما استحبّ جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬أيضا قراءة سورة { سَ ّبحِ‬
‫علَى } في الرّكعة الولى و { َهلْ أَتَاكَ } في الرّكعة الثّانية ‪ .‬لما روى النّعمان‬
‫سمَ رَبّكَ الْأَ ْ‬
‫ا ْ‬
‫بن بشير قال ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة { سَ ّبحِ‬
‫ث الْغَاشِ َيةِ‬
‫ك الْأَعْلَى } و { َهلْ أَتَاكَ حَدِي ُ‬
‫اسْمَ رَبّ َ‬ ‫‪}».‬‬

‫قال الكاسانيّ ‪ :‬لكن ل يواظب على قراءتها بل يقرأ غيرها في بعض الوقات حتّى ل يؤدّي‬
‫ل تظنّه العامّة حتما‬
‫إلى هجر بعض القرآن ‪ ،‬ولئ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وصرّح الماورديّ من الشّافعيّة بأنّ قراءة " الجمعة ‪ ،‬والمنافقين " أولى‬ ‫‪.‬‬

‫قال النّوويّ ‪ :‬كان صلى ال عليه وسلم يقرأ بهاتين في وقت ‪ ،‬وهاتين في آخر فهما‬
‫ي من الشّافعيّة ‪ :‬بأنّه لو ترك قراءة " سورة الجمعة " في الولى‬
‫سنّتان‪ ،‬وصرّح المحلّ ّ‬
‫قرأها مع " المنافقين " في الثّانية ‪ ،‬ولو قرأ " المنافقين " في الولى قرأ " الجمعة " في‬
‫الثّانية ‪ .‬كي ل تخلو صلته عن هاتين السّورتين‬ ‫‪.‬‬

‫ويندب عند المالكيّة أن يقرأ في الرّكعة الثّانية ‪ -‬أيضا ‪ -‬بسورة { َهلْ أَتَاكَ } ‪ ،‬أو { سَ ّبحِ‬
‫ك الْأَعْلَى‬
‫اسْمَ رَبّ َ‬ ‫‪}.‬‬

‫ي ‪ :‬إنّه مخيّر في القراءة في الرّكعة الثّانية بين الثّلث ‪َ { -‬هلْ أَتَاكَ } أو {‬


‫قال الدّسوق ّ‬
‫سَ ّبحِ} أو " المنافقون " ‪ -‬وأنّ كلّا يحصل به النّدب ‪ ،‬لكن { َهلْ أَتَاكَ } أقوى في النّدب ‪،‬‬
‫ن المسألة ذات قولين ‪،‬‬
‫ي ‪ .‬وفي كلم بعضهم ما يفيد أ ّ‬
‫وهذا ما اعتمده مصطفى الرّماص ّ‬
‫وأنّ القتصار على { َهلْ أَتَاكَ } مذهب المدوّنة ‪ ،‬وأنّ التّخيير بين الثّلث قول الكافي‬ ‫‪.‬‬
‫مفسدات الجمعة‬ ‫‪:‬‬

‫تنقسم إلى نوعين‬ ‫‪:‬‬

‫مفسدات مشتركة ‪ ،‬ومفسدات خاصّة‬ ‫‪:‬‬

‫صلة ‪34 -‬‬ ‫فأمّا المفسدات المشتركة ‪ :‬فهي كلّ ما يفسد سائر الصّلوات ( ر ‪.‬‬ ‫)‬

‫التّالية ‪35 -‬‬ ‫وأمّا مفسداتها الخاصّة بها فتنحصر في المور‬ ‫‪:‬‬

‫أوّلها ‪ :‬خروج وقت الظّهر قبل الفراغ منها فيصلّيها ظهرا ‪ ،‬ويستوي في الفساد خروج‬
‫الوقت قبل المباشرة بها ‪ ،‬وخروجه بعد المباشرة بها وقبل النتهاء منها هذا عند الحنفيّة ‪،‬‬
‫ونحوه للشّافعيّة فإنّها تنقلب ظهرا ول تكون جمعةً ‪ ،‬وقال الحنابلة ‪ :‬إن أحرموا بها في‬
‫الوقت فهي جمعة‬ ‫‪.‬‬

‫وهذا يعني ‪ :‬أنّ اشتراط وقت الظّهر لها مستمرّ في العتبار إلى لحظة الفراغ منها قال في‬
‫ن الوقت شرط الداء ل شرط الفتتاح‬
‫تنوير البصار ‪ :‬ل ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وقال المالكيّة ‪ :‬شرط الجمعة وقوع كلّها بالخطبة وقت الظّهر للغروب‬ ‫‪.‬‬

‫ثانيها ‪ :‬انفضاض الجماعة أثناء أدائها ‪ ،‬قبل أن تقيّد الرّكعة الولى بالسّجدة فيصلّيها‬
‫ظهرا‪ .‬وذلك على ما ذهب إليه الئمّة القائلون ‪ :‬بأنّ الجماعة شرط أداءً ‪ ،‬وأمّا على ما‬
‫رجّحه الخرون ‪ ،‬فل أثر لنفساخها بعد النعقاد وإن لم تقيّد الرّكعة الولى جماعةً‬ ‫‪.‬‬

‫وللشّافعيّة ثلثة أقوال ‪ :‬الظهر ‪ :‬يتمّها ظهرا ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬إن بقي معه اثنان يتمّها جمعةً ‪،‬‬
‫والثّالث ‪ :‬إن بقي معه واحد يتمّها جمعةً‬ ‫‪.‬‬

‫وسبب هذا الخلف ‪ :‬أنّ الجماعة شرط أدا ًء لصحّة الجمعة عند بعض الئمّة ‪ ،‬وهي عند‬
‫بعضهم شرط انعقاد‬ ‫‪.‬‬

‫قضاء صلة الجمعة‬ ‫‪:‬‬

‫وأمّا ‪36 -‬‬ ‫صلة الجمعة ل تقضى بالفوات ‪ ،‬وإنّما تعاد الظّهر في مكانها ‪ .‬قال في البدائع ‪:‬‬
‫إذا فاتت عن وقتها ‪ ،‬وهو وقت الظّهر ‪ ،‬سقطت عند عامّة العلماء ; لنّ صلة الجمعة ل‬
‫تقضى ؛ لنّ القضاء على حسب الداء ‪ ،‬والداء فات بشرائط مخصوصة يتعذّر تحصيلها‬
‫على كلّ فرد ‪ ،‬فتسقط ‪ ،‬بخلف سائر المكتوبات إذا فاتت عن أوقاتها وهذا محلّ اتّفاق‬ ‫‪.‬‬

‫اجتماع العيد والجمعة في يوم واحد‬ ‫‪:‬‬

‫العيد ‪37 -‬‬ ‫ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه إذا وافق العيد يوم الجمعة فل يباح لمن شهد‬
‫ي ‪ :‬وسواء من شهد العيد بمنزله في البلد ‪ ،‬أو خارجها ‪.‬‬
‫التّخلّف عن الجمعة ‪ .‬قال الدّسوق ّ‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد فصلّوا العيد والظّهر جاز‬
‫ي صلى ال عليه وسلم صلّى العيد ‪ ،‬وقال ‪:‬‬
‫وسقطت الجمعة عمّن حضر العيد ؛ لنّ « النّب ّ‬
‫من شاء أن يجمّع فليجمّع » وصرّحوا بأنّ إسقاط الجمعة حينئذ إسقاط حضور ل إسقاط‬
‫وجوب ‪ ،‬فيكون حكمه كمريض ونحوه ممّن له عذر أو شغل يبيح ترك الجمعة ‪ ،‬ول يسقط‬
‫عنه وجوبها فتنعقد به الجمعة ويصحّ أن يؤمّ فيها‬ ‫‪.‬‬

‫والفضل له حضورها خروجا من الخلف ‪ .‬ويستثنى من ذلك المام فل يسقط عنه حضور‬
‫الجمعة ‪ ،‬لحديث أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬قد‬
‫اجتمع في يومكم هذا عيدان ‪ ،‬فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنّا مجمّعون‬ ‫‪».‬‬

‫ولنّه لو تركها لمتنع فعلها في حقّ من تجب عليه ‪ ،‬ومن يريدها ممّن سقطت عنه ‪،‬‬
‫وقالوا‪ :‬إن قدّم الجمعة فصلّاها في وقت العيد ‪ ،‬فقد روي عن أحمد قال ‪ :‬تجزئ الولى‬
‫منهما‬ ‫‪.‬‬

‫فعلى هذا ‪ :‬تجزيه عن العيد والظّهر ‪ ،‬ول يلزمه شيء إلى العصر عند من جوّز الجمعة في‬
‫وقت العيد‬ ‫‪.‬‬

‫وأجاز الشّافعيّة في اليوم الّذي يوافق فيه العيد يوم الجمعة لهل القرية الّذين يبلغهم النّداء‬
‫لصلة العيد ‪ :‬الرّجوع وترك الجمعة ‪ ،‬وذلك فيما لو حضروا لصلة العيد ولو رجعوا إلى‬
‫أهليهم فاتتهم الجمعة ؛ فيرخّص لهم في ترك الجمعة تخفيفا عليهم ‪ .‬ومن ث ّم لو تركوا‬
‫المجيء للعيد وجب عليهم الحضور للجمعة ‪ ،‬ويشترط ‪ -‬أيضا ‪ -‬لترك الجمعة أن ينصرفوا‬
‫قبل دخول وقت الجمعة‬ ‫‪.‬‬

‫آداب صلة الجمعة ويومها‬ ‫‪:‬‬

‫اختصّ يوم الجمعة واختصّت صلتها بآداب تشمل مجموعة أفعال وتروك‪ ،‬مجملها فيما‬
‫‪:‬يلي‬
‫أوّلً ‪ :‬ما يسنّ فعله‬ ‫‪:‬‬

‫‪38 - -‬‬ ‫س طيبا ويتجمّل ‪ ،‬ويلبس أحسن ثيابه ‪ ،‬لحديث عائشة‬


‫ن له أن يغتسل ‪ ،‬وأن يم ّ‬
‫يس ّ‬
‫رضي ال عنها ‪ -‬مرفوعا ‪ « :‬لو أنّكم تطهّرتم ليومكم هذا » ‪ ،‬وفي رواية عن أحمد ‪:‬‬
‫الغسل لها واجب‬ ‫‪.‬‬

‫ن الجمعة من أعظم شعائر السلم ‪ ،‬فيستحبّ أن‬


‫قال صاحب البدائع في بيان علّة ذلك ‪ :‬ل ّ‬
‫ن التّبكير في الخروج إلى الجامع والشتغال‬
‫يكون المقيم لها على أحسن وصف كما يس ّ‬
‫بالعبادة إلى أن يخرج الخطيب‬ ‫‪.‬‬

‫وهذا كلّه ممّا اتّفقت الئمّة على ندبه ‪ ،‬وانفرد المالكيّة ‪ -‬أيضا ‪ -‬فاشترطوا في الغسل أن‬
‫يكون متّصلً بوقت الذّهاب إلى الجامع ‪ ،‬قال في الجواهر الزّكيّة ‪ :‬فإن اغتسل واشتغل‬
‫بغذاء أو نوم أعاد الغسل على المشهور ‪ ،‬فإذا خفّ الكل ‪ ،‬أو النّوم فل شيء عليه في ذلك‬
‫‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬ما يسنّ تركه‬ ‫‪:‬‬

‫ونحوهما ‪39 -‬‬ ‫أ ّولً ‪ :‬أكل كلّ ذي ريح كريهة ‪ :‬كثوم وبصل‬ ‫‪.‬‬

‫إلّ ‪40 -‬‬ ‫ثانيا ‪ :‬تخطّي الرّقاب في المسجد ‪ ،‬وهو محرّم إذا كان الخطيب قد أخذ في الخطبة ‪،‬‬
‫أن ل يجد إلّ فرجةً أمامه ول سبيل إليها إ ّل بتخطّي الرّقاب ‪ ،‬فيرخّص في ذلك للضّرورة ‪.‬‬
‫‪ -‬ثالثا ‪ :‬تجنّب الحتباء والمام يخطب‬ ‫‪41 .‬‬

‫وهذا ما ذهب إليه الشّافعيّة ‪ ،‬حيث صرّحوا بكراهته ‪ .‬قال النّوويّ ‪ :‬والصّحيح أنّه مكروه ؛‬
‫ح « أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم نهى عن الحبوة يوم الجمعة والمام يخطب‬
‫فقد ص ّ‬
‫» وقال الخطّابيّ من أصحابنا ‪ :‬نهى عنه لنّه يجلب النّوم ‪ ،‬فيعرّض طهارته للنّقض ويمنعه‬
‫من استماع الخطبة‬ ‫‪.‬‬

‫ولم ير جمهور الفقهاء به بأسا حيث صرّحوا بجوازه ( ر ‪ :‬احتباء‬ ‫‪).‬‬

‫كما صرّح الشّافعيّة بكراهة تشبيك الصابع ‪ .‬قال النّوويّ ‪ :‬يكره أن يشبّك بين أصابعه أو‬
‫يعبث حال ذهابه إلى الجمعة وانتظاره لها‬ ‫‪.‬‬

‫الّذي ‪42 -‬‬ ‫يحرم عند الجمهور إنشاء سفر بعد الزّوال " وهو أوّل وقت الجمعة " من المصر‬
‫هو فيه ‪ ،‬إذا كان ممّن تجب عليه الجمعة ‪ ،‬وعلم أنّه لن يدرك أداءها في مصر آخر‬ ‫‪.‬‬

‫فإن فعل ذلك فهو آثم على الرّاجح ما لم يتضرّر بتخلّفه عن رفقته‬ ‫‪.‬‬

‫وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ -‬حيث صرّحوا بحرمة‬
‫السّفر بعد الزّوال‬ ‫‪.‬‬

‫كما صرّح المالكيّة والحنابلة بكراهة السّفر بعد طلوع فجر يوم الجمعة‬ ‫‪.‬‬

‫ي في الجديد ‪ :‬إلى أنّ حرمة السّفر تبدأ من وقت الفجر وهو المفتى به في‬
‫وذهب الشّافع ّ‬
‫المذهب ‪ ،‬ودليله ‪ :‬أنّ مشروعيّة الجمعة مضافة إلى اليوم كلّه ل إلى خصوص وقت‬
‫الظّهر ‪ ،‬بدليل وجوب السّعي إليها قبل الزّوال على بعيد الدّار‬ ‫‪.‬‬

‫صَلَةُ الْجنَازة‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬جنائز‬ ‫‪.‬‬

‫صَلَةُ الْحاجَة‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫صلة ‪1 -‬‬ ‫الصّلة ينظر تعريفها في مصطلح (‬ ‫‪).‬‬

‫والحاجة في اللّغة ‪ :‬المأربة ‪ ،‬والتّحوّج ‪ :‬طلب الحاجة بعد الحاجة ‪ ،‬والحوج ‪ :‬الطّلب ‪،‬‬
‫والحوج ‪ :‬الفقر‬ ‫‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء للفظ الحاجة عن المعنى اللّغويّ‬ ‫‪.‬‬

‫ص للحاجة ‪ :‬فقد عرّفها الشّاطبيّ فقال ‪ :‬هي ما يفتقر إليه من حيث‬


‫وللصوليّين تعريف خا ّ‬
‫التّوسعة ورفع الضّيق المؤدّي في الغالب إلى الحرج والمشقّة اللّاحقة بفوت المصلحة ‪ ،‬فإذا‬
‫لم تراع دخل على المكلّفين ‪ -‬على الجملة ‪ -‬الحرج والمشقّة ( ر ‪ :‬حاجة ف ‪ 1/‬من‬
‫‪16/‬‬ ‫‪ ) .‬الموسوعة ج‬
‫الحكم التّكليفيّ‬ ‫‪:‬‬

‫مستحبّة ‪2 -‬‬ ‫اتّفق الفقهاء على أنّ صلة الحاجة‬ ‫‪.‬‬

‫واستدلّوا بما أخرجه التّرمذيّ عن عبد اللّه بن أبي أوفى قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬من كانت له إلى اللّه حاجة أو إلى أحد من بني آدم فليتوضّأ فليحسن‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫الوضوء ‪ ،‬ثمّ ليصلّ ركعتين ‪ ،‬ثمّ ليثن على اللّه ‪ ،‬وليصلّ على النّب ّ‬
‫ثمّ ليقل ‪ :‬ل إله إلّ اللّه الحليم الكريم ‪ ،‬سبحان اللّه ربّ العرش العظيم ‪ ،‬الحمد للّه ربّ‬
‫العالمين ‪ ،‬أسألك موجبات رحمتك ‪ ،‬وعزائم مغفرتك والغنيمة من كلّ برّ ‪ ،‬والسّلمة من كلّ‬
‫إثم ‪ ،‬ل تدع لي ذنبا إلّ غفرته ‪ ،‬ول همّا إلّ فرّجته ‪ ،‬ول حاجةً هي لك رضا إلّ قضيتها يا‬
‫أرحم الرّاحمين »‪ .‬رواه ابن ماجه وزاد بعد قوله ‪ « :‬يا أرحم الرّاحمين ‪ :‬ثمّ يسأل من أمر‬
‫الدّنيا والخرة ما شاء فإنّه يقدّر‬ ‫‪».‬‬

‫كيفيّة صلة الحاجة " عدد الرّكعات وصيغ الدّعاء‬ ‫‪":‬‬

‫عند ‪3 -‬‬ ‫اختلف في عدد ركعات صلة الحاجة ‪ ،‬فذهب المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو المشهور‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬وقول عند الحنفيّة إلى أنّها ركعتان ‪ ،‬والمذهب عند الحنفيّة أنّها ‪ :‬أربع ركعات ‪،‬‬
‫وفي قول عندهم وهو قول الغزاليّ ‪ :‬إنّها اثنتا عشرة ركعةً وذلك لختلف الرّوايات الواردة‬
‫في ذلك ‪ ،‬كما تنوّعت صيغ الدّعاء لتعدّد الرّوايات ‪ .‬وبيان ذلك فيما يأتي‬ ‫‪:‬‬

‫أ ّولً ‪ :‬روايات الرّكعتين وفيها اختلف الدّعاء‬ ‫‪:‬‬

‫أرشد ‪4 -‬‬ ‫رواية عبد اللّه بن أبي أوفى ‪ ،‬وفيها أنّ صلة الحاجة ركعتان مع ذكر الدّعاء الّذي‬
‫‪2/‬‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم وهي الرّواية الّتي سبق ذكرها في الحكم ( ف‬
‫‪ ) .‬إليه النّب ّ‬
‫‪5- :‬‬ ‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬يا عليّ‬
‫حديث أنس ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬ولفظه أ ّ‬
‫أل أعلّمك دعا ًء إذا أصابك غ ّم أو همّ تدعو به ربّك فيستجاب لك بإذن اللّه ويفرج عنك ‪:‬‬
‫توضّأ وصلّ ركعتين ‪ ،‬واحمد اللّه واثن عليه وصلّ على نبيّك واستغفر لنفسك وللمؤمنين‬
‫والمؤمنات ثمّ قل ‪ :‬اللّهمّ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ل إله إلّ اللّه العليّ‬
‫ب العرش‬
‫ب السّموات السّبع ‪ ،‬ور ّ‬
‫العظيم ‪ ،‬ل إله إلّ اللّه الحليم الكريم ‪ ،‬سبحان اللّه ر ّ‬
‫العظيم ‪ ،‬والحمد للّه ربّ العالمين ‪ ،‬اللّهمّ كاشف الغمّ ‪ ،‬مفرّج الهمّ مجيب دعوة المضطرّين‬
‫إذا دعوك ‪ ،‬رحمن الدّنيا والخرة ورحيمهما ‪ ،‬فارحمني في حاجتي هذه بقضائها ونجاحها‬
‫رحم ًة تغنيني بها عن رحمة من سواك‬ ‫‪».‬‬

‫ثانيا ‪ :‬رواية الربع‬ ‫‪:‬‬

‫الحاجة ‪6 -‬‬ ‫ن صلة‬


‫وهي مرويّة عن الحنفيّة قال ابن عابدين نقلً عن التّجنيس وغيره ‪ :‬إ ّ‬
‫أربع ركعات بعد العشاء ‪ ،‬وأنّ في الحديث المرفوع ‪ « :‬يقرأ في الولى الفاتحة مرّ ًة وآية‬
‫الكرسيّ ثلثا ‪ ،‬وفي كلّ من الثّلث الباقية يقرأ الفاتحة والخلص والمعوّذتين مرّةً مرّ ًة كنّ‬
‫له مثلهنّ من ليلة القدر‬ ‫‪».‬‬

‫قال ابن عابدين ‪ :‬قال مشايخنا ‪ :‬صلّينا هذه الصّلة فقضيت حوائجنا‬ ‫‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬رواية الثنتي عشرة ركعةً والدّعاء الوارد فيها‬ ‫‪:‬‬

‫ثنتي ‪7 -‬‬ ‫روي عن وهيب بن الورد أنّه قال ‪ :‬إنّ من الدّعاء الّذي ل ير ّد أن يصلّي العبد‬
‫ي { ُقلْ ُه َو الّلهُ َأحَدٌ } ‪ ،‬فإن فرغ خرّ‬
‫عشرة ركعةً يقرأ في كلّ ركعة بأ ّم الكتاب وآية الكرس ّ‬
‫ساجدا ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬سبحان الّذي لبس العزّ وقال به ‪ ،‬سبحان الّذي تعطّف بالمجد وتكرّم به ‪،‬‬
‫سبحان الّذي أحصى كلّ شيء بعلمه ‪ ،‬سبحان الّذي ل ينبغي التّسبيح إ ّل له ‪ ،‬سبحان ذي‬
‫ن والفضل ‪ ،‬سبحان ذي الع ّز والكرم ‪ ،‬سبحان ذي الطّول ‪ ،‬أسألك بمعاقد الع ّز من‬
‫الم ّ‬
‫عرشك‪ ،‬ومنتهى الرّحمة من كتابك وباسمك العظم وجدّك العلى ‪ ،‬وكلماتك التّامّات‬
‫العامّات الّتي ل يجاوزهنّ برّ ول فاجر أن تصلّي على محمّد وعلى آل محمّد ‪ :‬ثمّ يسأل‬
‫حاجته الّتي ل معصية فيها ‪ ،‬فيجاب إن شاء اللّه‬ ‫‪.‬‬

‫صَلَةُ الْخُسوف‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬صلة الكسوف‬ ‫‪.‬‬

‫خوْف‬
‫صَلَةُ ال َ‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫صلة ‪1 -‬‬ ‫تعريف الصّلة ينظر في مصطلح (‬ ‫‪).‬‬

‫أمّا الخوف ‪ :‬فهو توقّع مكروه عن أمارة مظنونة أو متحقّقة ‪ ،‬وهو مصدر بمعنى الخائف ‪،‬‬
‫أو بحذف مضاف ‪ :‬الصّلة في حالة الخوف ويطلق على القتال ‪ ،‬وبه فسّر اللّحيانيّ قوله‬
‫ف وَالْجُوعِ } الية كما فسّر قوله تعالى ‪َ { :‬وإِذَا جَاء ُهمْ‬
‫ن ا ْلخَو ْ‬
‫تعالى ‪ { :‬وَلَنَبُْلوَ ّن ُكمْ ِبشَيْ ٍء مّ َ‬
‫خوْفِ أَذَاعُواْ ِبهِ‬
‫ن ا َلمْنِ َأوِ ا ْل َ‬
‫َأمْرٌ مّ َ‬ ‫‪}.‬‬

‫ن الخوف يقتضي صل ًة مستقّل ًة كقولنا ‪ :‬صلة‬


‫وليس المراد من إضافة الصّلة إلى الخوف أ ّ‬
‫العيد ‪ ،‬ول أنّه يؤثّر في قدر الصّلة ووقتها كالسّفر ‪ ،‬فشروط الصّلة ‪ ،‬وأركانها ‪،‬‬
‫وسننها ‪ ،‬وعدد ركعاتها في الخوف كما في المن ‪ ،‬وإنّما المراد أنّ الخوف يؤثّر في كيفيّة‬
‫إقامة الفرائض إذا صلّيت جماع ًة ‪ ،‬وأنّ الصّلة في حالة الخوف تحتمل أمورا لم تكن‬
‫تحتملها في المن ‪ ،‬وصلة الخوف هي ‪ :‬الصّلة المكتوبة يحضر وقتها والمسلمون في‬
‫مقاتلة العدوّ أو في حراستهم‬ ‫‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ‬ ‫‪:‬‬

‫وسلم ‪2 -‬‬ ‫ذهب جمهور الفقهاء إلى مشروعيّة صلة الخوف في حياة النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وبعد وفاته ‪ ،‬وإلى أنّها ل تزال مشروعةً إلى يوم القيامة ‪ ،‬وقد ثبت ذلك بالكتاب ‪ ،‬قال‬
‫ت َل ُهمُ الصّلَةَ فَلْ َت ُقمْ طَآ ِئ َفةٌ مّ ْنهُم ّمعَكَ } الية‬
‫تعالى‪َ { :‬وإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَ َقمْ َ‬ ‫‪.‬‬

‫ن اللّه‬
‫ي صلى ال عليه وسلم خطاب لمّته ‪ ،‬ما لم يقم دليل على اختصاصه ؛ ل ّ‬
‫وخطاب النّب ّ‬
‫أمرنا باتّباعه ‪ ،‬وتخصيصه بالخطاب ل يقتضي تخصيصه بالحكم ‪ ،‬كما ثبت بالسّنّة‬
‫القوليّة ‪ ،‬كقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬صلّوا كما رأيتموني أصلّي » وهو عامّ‬ ‫‪.‬‬

‫ح أنّه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬صلّاها ‪ ،‬وبإجماع الصّحابة ‪ ،‬فقد‬


‫والسّنّة الفعليّة فقد ص ّ‬
‫ثبت بالثار الصّحيحة عن جماعة من الصّحابة ‪ -‬رضي ال عنهم ‪ -‬أنّهم صلّوها في‬
‫مواطن بعد وفاة الرّسول صلى ال عليه وسلم في مجامع بحضرة كبار من الصّحابة ‪،‬‬
‫وممّن صلّاها عليّ بن أبي طالب ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬في حروبه بصفّين وغيرها ‪،‬‬
‫وحضرها من الصّحبة خلئق كثيرون منهم ‪ :‬سعيد بن العاص ‪ ،‬وسعد بن أبي وقّاص وأبو‬
‫موسى الشعريّ وغيرهم من كبار الصّحابة ‪ -‬رضي ال عنهم ‪ -‬وقد روى أحاديثهم‬
‫البيهقيّ وبعضها في سنن أبي داود‬ ‫‪.‬‬

‫ولم يقل أحد من هؤلء الصّحابة الّذين رأوا صلة النّبيّ صلى ال عليه وسلم في الخوف‬
‫بتخصيصها بالنّبيّ صلى ال عليه وسلم‬ ‫‪.‬‬

‫صةً بالنّبيّ صلى ال عليه وسلم واحتجّ بالية‬


‫وقال أبو يوسف من الحنفيّة ‪ :‬كانت مخت ّ‬
‫السّابقة‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب المزنيّ من الشّافعيّة إلى أنّ صلة الخوف كانت مشروعةً ثمّ نسخت واحتجّ بأنّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم فاتته صلوات يوم الخندق ‪ ،‬ولو كانت صلة الخوف جائزةً‬
‫النّب ّ‬
‫لفعلها‬ ‫‪.‬‬

‫مواطن جواز صلة الخوف‬ ‫‪:‬‬

‫همْ ‪3 -‬‬
‫فِي ِ‬ ‫تجوز صلة الخوف عند شدّة الخوف في قتال الحربيّين ؛ لقوله تعالى ‪َ { :‬وإِذَا كُنتَ‬
‫سجَدُواْ فَلْ َيكُونُواْ مِن‬
‫ك وَلْيَ ْأخُذُواْ َأسْ ِلحَتَ ُهمْ َفإِذَا َ‬
‫فَ َأ َقمْتَ َل ُهمُ الصّلَةَ فَلْ َت ُقمْ طَآ ِئ َفةٌ مّ ْنهُم ّمعَ َ‬
‫وَرَآ ِئكُمْ } الية ‪ ،‬وكذلك تجوز في كلّ قتال مباح ‪ ،‬كقتال أهل البغي ‪ ،‬وقطّاع الطّرق ‪ ،‬وقتال‬
‫من قصد إلى نفس شخص ‪ ،‬أو أهله أو ماله ‪ ،‬قياسا على قتال الحربيّين ‪ ،‬وجاء في الثر ‪:‬‬
‫« من قتل دون ماله فهو شهيد ‪ .‬ومن قتل دون دينه فهو شهيد ‪ .‬ومن قتل دون دمه فهو‬
‫شهيد ‪ .‬ومن قتل دون أهله فهو شهيد‬ ‫‪».‬‬

‫والرّخصة في هذا النّوع ل تختصّ بالقتال ‪ ،‬بل متعلّق بالخوف مطلقا ‪ .‬فلو هرب من سيل ‪،‬‬
‫أو حريق ولم يجد معدلً عنه ‪ ،‬أو هرب من سبع فله أن يصلّي صلة شدّة الخوف ‪ ،‬إذا‬
‫ضاق الوقت وخاف فوت الصّلة ‪ ،‬وكذا المديون المعسر العاجز عن إثبات إعساره ‪ ،‬ول‬
‫يصدّقه المستحقّ ‪ ،‬وعلم أنّه لو ظفر به حبسه‬ ‫‪.‬‬

‫ول تجوز في القتال المحرّم كقتال أهل العدل ‪ ،‬وقتال أهل الموال لخذ أموالهم ‪ ،‬وقتال‬
‫القبائل عصب ّيةً ‪ ،‬ونحو ذلك ؛ لنّها رخصة وتخفيف ‪ ،‬فل يجوز أن يتمتّع بها العصاة ؛ لنّ‬
‫في ذلك إعانةً على المعصية ‪ ،‬وهو غير جائز ‪ ،‬وتجوز في السّفر والحضر ‪ ،‬والفرض ‪،‬‬
‫والنّفل غير المطلق ‪ ،‬والداء ‪ ،‬والقضاء‬ ‫‪.‬‬

‫كيفيّة صلة الخوف‬ ‫‪:‬‬

‫وسلم ‪4 -‬‬ ‫ي صلى ال عليه‬


‫اختلف الفقهاء في كيفيّة صلة الخوف ؛ لتعدّد الرّوايات عن النّب ّ‬
‫في كيفيّتها ‪ ،‬وأخذ كلّ صفة من الصّفات الواردة عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم طائفة من‬
‫أهل العلم ‪ .‬كما اختلفوا في عدد النواع الواردة عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬ ‫‪.‬‬

‫فقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّ النواع الّتي جاءت في الخبار ستّة عشر نوعا ‪ ،‬كما ذكر النّوويّ ‪،‬‬
‫وبعضها في صحيح مسلم ‪ ،‬وبعضها في سنن أبي داود ‪ ،‬وفي ابن حبّان منها تسعة‬ ‫‪.‬‬

‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم صلّاها في عشرة مواطن ‪،‬‬


‫وقال ابن القصّار من المالكيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫وقال أحمد ‪ :‬أنّها وردت في ستّة أوجه أو سبعة ‪ ،‬ومنهم من أوصل أنواعها إلى أربعة‬
‫وعشرين نوعا ‪ ،‬وكلّها جائز ‪ ،‬فقال أحمد ‪ :‬كلّ حديث يروى في أبواب صلة الخوف فالعمل‬
‫ي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬صلّاها في مرّات ‪ ،‬وأيّام مختلفة وأشكال‬
‫به جائز ؛ لنّ النّب ّ‬
‫متباينة ‪ ،‬يتحرّى في كلّها ما هو أحوط للصّلة ‪ ،‬وأبلغ في الحراسة ‪ ،‬فهي على اختلف‬
‫صورها متّفقة في المعنى‬ ‫‪.‬‬

‫عدد ركعات صلة الخوف‬ ‫‪:‬‬

‫كانوا ‪5 -‬‬ ‫ل ينتقص عدد ركعات الصّلة بسبب الخوف ‪ ،‬فيصلّي المام بهم ركعتين ‪ ،‬إن‬
‫مسافرين وأرادوا قصر الصّلة ‪ ،‬أو كانت الصّلة من ذوات ركعتين ‪ ،‬كصلة الفجر ‪ ،‬أو‬
‫الجمعة ‪ ،‬ويصلّي بهم ثلثا أو أربعا إن كانت الصّلة من ذوات الثّلث ‪ ،‬أو الربع وكانوا‬
‫مقيمين ‪ ،‬أو مسافرين أرادوا التمام‬ ‫‪.‬‬

‫وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء ‪ ،‬وهو قول عامّة الصّحابة‬ ‫‪.‬‬
‫وروي عن ابن عبّاس ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬أنّه كان يقول ‪ " :‬إنّ صلة الخوف ركعة‬ ‫‪".‬‬

‫بعض النواع المرويّة في صلة الخوف‬ ‫‪:‬‬

‫فرقتين‪6 - :‬‬ ‫الوّل ‪ :‬صلته صلى ال عليه وسلم ‪ :‬بذات الرّقاع ‪ ،‬فيفرّق المام الجيش إلى‬
‫فرقة تحمل في وجه العدوّ ‪ ،‬وفرقة ينحاز بها إلى حيث ل تبلغهم سهام العدوّ ‪ ،‬فيفتتح بهم‬
‫الصّلة ‪ ،‬ويصلّي بهم ركعةً في الثّنائيّة ‪ :‬الصّبح والمقصورة ‪ ،‬وركعتين في الثّلثيّة‬
‫والرّباعيّة ‪ ،‬هذا القدر من هذه الكيفيّة اتّفقت المذاهب الربعة عليه‬ ‫‪.‬‬

‫واختلفوا فيما يفعل بعد ذلك ‪ ،‬فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا قام إلى الثّانية‬
‫في الثّنائيّة ‪ ،‬وإلى الثّالثة في الثّلثيّة والرّباعيّة خرج المقتدون عن متابعته ‪ ،‬وأتمّوا‬
‫الصّلة لنفسهم ‪ ،‬وذهبوا إلى وجه العدوّ ‪ ،‬وتأتي الطّائفة الحارسة ‪ .‬ويطيل المام إلى‬
‫لحوقهم ‪ ،‬فإذا لحقوه صلّى بهم الرّكعة الثّانية في الثّنائيّة ‪ ،‬والثّالثة في الثّلثيّة ‪ ،‬والثّالثة‬
‫والرّابعة في الرّباعيّة من صلته ‪ ،‬فإذا جلس للتّشهّد قاموا وأتمّوا الصّلة ‪ ،‬والمام‬
‫ينتظرهم ‪ ،‬فإذا لحقوه سلّم بهم‬ ‫‪.‬‬

‫إلّ أنّ مالكا قال ‪ :‬يسلّم المام ول ينتظرهم ‪ ،‬فإذا سلّم قضوا ما فاتهم من الصّلة من‬
‫ركعة ‪ ،‬أو ركعتين بفاتحة وسورة جهرًا في الجهريّة‬ ‫‪.‬‬

‫وقد اختار الشّافعيّ وأصحابه هذه الصّفة لسلمتها من كثرة المخالفة ولنّها أحوط لمر‬
‫الحرب ‪ ،‬وأقلّ مخالفةً لقاعدة الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫وقال أبو حنيفة ‪ :‬إذا قام إلى الثّانية لم يتمّ المقتدون به الصّلة بل يذهبون إلى مكان الفرقة‬
‫الحارسة وهم في الصّلة فيقفون سكوتا ‪ ،‬وتأتي تلك الطّائفة وتصلّي مع المام ركعته‬
‫الثّانية فإذا سلّم ذهبت إلى وجه العدوّ ‪ ،‬وجاء الوّلون إلى مكان الصّلة وأتمّوا أفذاذا ‪،‬‬
‫وجاءت الطّائفة الخرى ‪ ،‬وصلّوا ما بقي لهم من الصّلة وتشهّدوا وسلّموا‬ ‫‪.‬‬

‫وهو قول عند الشّافعيّة‬ ‫‪.‬‬

‫‪7- ،‬‬ ‫الثّاني ‪ :‬أن يجعل المام الجيش فرقتين ‪ :‬فرق ًة في وجه العدوّ ‪ ،‬وفرق ًة يحرم بها‬
‫ويصلّي بهم جميع الصّلة ‪ ،‬ركعتين كانت ‪ ،‬أم ثلثا ‪ ،‬أم أربعا ‪ ،‬فإذا سلّم بهم ذهبوا إلى‬
‫وجه العدوّ وجاءت الفرقة الخرى فيصلّي بهم تلك الصّلة مرّ ًة ثاني ًة ‪ ،‬وتكون له نافلةً ‪،‬‬
‫ولهم فريضة ‪ ،‬وهذه صلته صلى ال عليه وسلم ببطن نخل ‪ ،‬وتندب هذه الكيفيّة إذا كان‬
‫العدوّ في غير جهة القبلة ‪ ،‬وكان في المسلمين كثرة والعدوّ قليل وخيف هجومهم على‬
‫المسلمين ول يقول بهذه الكيفيّة من الئمّة من ل يجيز اقتداء المفترض بالمنتفل‬ ‫‪.‬‬

‫ويعتدل ‪8-‬‬ ‫الثّالث ‪ :‬أن يرتّبهم المام صفّين ‪ ،‬ويحرم بالجميع فيصلّون معا ‪ ،‬يقرأ ويركع ‪،‬‬
‫بهم جميعا ‪ ،‬ثمّ يسجد بأحدهما ‪ ،‬وتحرس الخرى حتّى يقوم المام من سجوده ‪ ،‬ثمّ يسجد‬
‫الخرون ‪ ،‬ويلحقونه في قيامه ‪ ،‬ويفعل في الرّكعة الثّانية كذلك ‪ ،‬ولكن يحرس فيها من‬
‫سجد معه أ ّولً ‪ ،‬ويتشهّد ‪ ،‬ويسلّم بهم جميعا ‪ ،‬وهذه صلته بعسفان‬ ‫‪.‬‬

‫ويشترط في استحباب هذه الكيفيّة ‪ :‬كثرة المسلمين ‪ ،‬وكون العدوّ في جهة القبلة غير‬
‫مستتر بشيء يمنع رؤيته‬ ‫‪.‬‬

‫وله أن يرتّبهم صفوفا ‪ ،‬ثمّ يحرس صفّان ‪ ،‬فإن حرس بعض كلّ صفّ بالمناوبة جاز ‪ ،‬وكذا‬
‫لو حرست طائفة في الرّكعتين ؛ لحصول الغرض بكلّ ذلك ‪ ،‬والمناوبة أفضل ؛ لنّها الثّابتة‬
‫في الخبر ‪ ،‬ولو تأخّر الصّفّ الثّاني الّذي حرس في الرّكعة الثّانية ليسجدوا ‪ ،‬وتأخّر الصّفّ‬
‫الوّل الّذي سجد أ ّولً ليحرس ولم يمشوا أكثر من خطوتين كان أفضل ؛ لنّه الثّابت في خبر‬
‫مسلم‬ ‫‪.‬‬

‫هذه الصّفة رواها جابر ‪ ،‬قال ‪ « :‬شهدت مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم صلة‬
‫الخوف‪ ،‬فصفّنا صفّين ‪ :‬صفّ خلف رسول اللّه صلى ال عليه وسلم والعدوّ بيننا وبين‬
‫ي صلى ال عليه وسلم وكبّرنا جميعا ‪ ،‬ثمّ ركع وركعنا جميعا ‪ ،‬ثمّ رفع‬
‫القبلة ‪ ،‬فكبّر النّب ّ‬
‫ف الّذي يليه ‪ ،‬وقام الصّفّ‬
‫رأسه من الرّكوع‪ ،‬ورفعنا جميعا ‪ .‬ثمّ انحدر بالسّجود والصّ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم السّجود وقام الصّفّ الّذي‬
‫المؤخّر في نحر العدوّ‪ ،‬فلمّا قضى النّب ّ‬
‫ف المتقدّم‬
‫يليه ‪ ،‬انحدر الصّفّ المؤخّر بالسّجود وقاموا ‪ ،‬ثمّ تقدّم الصّفّ المؤخّر وتأخّر الصّ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم وركعنا جميعا ‪ ،‬ثمّ رفع رأسه من الرّكوع ‪ ،‬ورفعنا‬
‫‪ ،‬ثمّ ركع النّب ّ‬
‫جميعا ‪ ،‬ثمّ انحدر بالسّجود ‪ ،‬والصّفّ الّذي يليه الّذي كان مؤخّرا في الرّكعة الولى ‪ ،‬وقام‬
‫ف المؤخّر في نحور العدوّ‪ ،‬فلمّا قضى النّبيّ صلى ال عليه وسلم السّجود والصّفّ‬
‫الصّ ّ‬
‫ف المؤخّر بالسّجود فسجدوا ‪ ،‬ثمّ سلّم النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫الّذي يليه ‪ ،‬انحدر الصّ ّ‬
‫وسلّمنا جميعا‬ ‫‪».‬‬

‫وهذه النواع الثّلثة مستحبّة ل واجبة ‪ ،‬فلو صلّوا فرادى أو انفردت طائفة من المام ‪ ،‬أو‬
‫صلّى المام ببعضهم كلّ الصّلة ‪ ،‬وبالباقين غيره جاز ‪ ،‬ولكن تفوت فضيلة الجماعة على‬
‫المنفرد‬ ‫‪.‬‬

‫الصّفة ‪9 -‬‬ ‫الرّابع ‪ :‬صلة شدّة الخوف ‪ :‬إذا اشت ّد الخوف فمنعهم من صلة الجماعة على‬
‫المتقدّمة ولم يمكن قسم الجماعة ؛ لكثرة العدوّ ‪ ،‬ورجوا انكشافه قبل خروج الوقت المختار‬
‫‪ ،‬بحيث يدركون الصّلة فيه ‪ ،‬أخّروا استحبابا‬ ‫‪.‬‬

‫فإذا بقي من الوقت ما يسع الصّلة صلّوا إيماءً ‪ ،‬وإلّ صلّوا فرادى بقدر طاقتهم ‪ ،‬فإن‬
‫قدروا على الرّكوع والسّجود فعلوا ذلك ‪ ،‬أو صلّوا مشا ًة أو ركبانا ‪ ،‬مستقبلي القبلة وغير‬
‫مستقبليها ‪ ،‬ثمّ ل إعادة عليهم إذا أمنوا ‪ ،‬ل في الوقت ول بعده‬ ‫‪.‬‬
‫ن خِفْ ُتمْ َف ِرجَالً َأوْ ُركْبَانا } ‪ .‬وقال ابن عمر ‪ -‬رضي ال‬
‫والصل فيما ذكر قوله تعالى ‪ { :‬فَإ ْ‬
‫عنهما ‪ « : -‬فإن كان خوف أشدّ من ذلك صلّوا رجالً قياما على أقدامهم ‪ ،‬أو ركبانا‬
‫مستقبلي القبلة ‪ ،‬أو غير مستقبليها » متّفق عليه‬ ‫‪.‬‬

‫وزاد البخاريّ قال نافع ‪ :‬ل أرى عبد اللّه بن عمر قال ذلك إلّ عن رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم‬ ‫‪.‬‬

‫وإن عجزوا عن الرّكوع والسّجود أومئوا بهما ‪ ،‬وأتوا بالسّجود أخفض من الرّكوع‬ ‫‪.‬‬

‫وهذا القدر متّفق عليه بين الفقهاء‬ ‫‪.‬‬

‫في ‪10 -‬‬ ‫واختلفوا في جواز القتال في الصّلة ‪ ،‬فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يجوز القتال‬
‫هذه الحالة الشّديدة في الصّلة ‪ ،‬ويعفى عمّا فيه من الحركات ‪ ،‬من الضّربات والطّعنات‬
‫المتواليات ‪ ،‬والمساك بسلح ملطّخ بالدّم ؛ للحاجة ؛ وقوله تعالى ‪ { :‬وَلْيَ ْأخُذُواْ َأسْ ِلحَ َت ُهمْ }‬
‫وأخذ السّلح ل يكون إ ّل للقتال ‪ ،‬وقياسا على المشي والرّكوب اللّذين جاءا في الية‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الحنفيّة ‪ :‬يشترط لجواز الصّلة بهذه الكيفيّة ‪ :‬ألّ يقاتل ‪ ،‬فإن قاتل فسدت صلته ‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم شغل عن أربع صلوات يوم الخندق فقضاهنّ في‬
‫وقالوا ‪ « :‬لنّ النّب ّ‬
‫اللّيل وقال ‪ :‬شغلونا عن الصّلة الوسطى حتّى آبت الشّمس مل اللّه قبورهم نارا أو‬
‫بيوتهم أو بطونهم » فلو جاز القتال في الصّلة لما أخّرها ؛ ولنّ إدخال عمل كثير ‪ -‬ليس‬
‫من أعمال الصّلة ‪ -‬في الصّلة مفسد في الصل ‪ ،‬فل يترك هذا الصل إلّ في مورد‬
‫ص ‪ ،‬وهو المشي ل القتال‬
‫النّ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫صلة الجمعة في الخوف‬ ‫‪:‬‬

‫الرّقاع ‪11 -‬‬ ‫إذا حصل الخوف في بلد وحضرت صلة الجمعة فلهم أن يصلّوها على هيئة ذات‬
‫‪ ،‬وعسفان ‪ ،‬ويشترط في الصّلة على هيئة صلة ذات الرّقاع‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬أن يخطب بجميعهم ‪ ،‬ثمّ يفرّقهم فرقتين ‪ ،‬أو يخطب بفرقة ‪ ،‬ويجعل منها مع ك ّل من‬
‫الفرقتين أربعين فصاعدا ‪ ،‬فلو خطب بفرقة وصلّى بأخرى لم تصحّ‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬أن تكون الفرقة الولى أربعين فصاعدا ‪ ،‬فلو نقصت عن أربعين لم تنعقد الجمعة ‪،‬‬
‫وإن نقصت الفرقة الثّانية لم يضرّ للحاجة ‪ ،‬والمسامحة في صلة الخوف‬ ‫‪.‬‬

‫ولو خطب بهم وصلّى بهم على هيئة صلة الخوف بعسفان فهي أولى بالجواز ‪ ،‬ول تجوز‬
‫على هيئة صلة بطن نخل ؛ إذ ل تقام جمعة بعد جمعة‬ ‫‪.‬‬

‫السّهو في صلة الخوف‬ ‫‪:‬‬

‫ذهب ‪12 -‬‬ ‫يتحمّل المام سهو المأمومين إذا صلّى بهم صلة ذات الرّقاع على الهيئة الّتي‬
‫إليها جمهور الفقهاء ‪ ،‬إلّ سهو الطّائفة الولى في الرّكعة الثّانية فل يتحمّله ؛ لنقطاع‬
‫قدوتها بالمفارقة ‪ ،‬وسهو المام في الرّكعة الولى يلحق الكلّ ‪ ،‬فيسجدون للسّهو في آخر‬
‫صلتهم ‪ ،‬وإن لم يسجد المام‬ ‫‪.‬‬

‫وسهوه في الثّانية ل يلحق الوّلين لمفارقتهم قبل السّهو ‪ ،‬ويلحق الخرين‬ ‫‪.‬‬

‫حمل السّلح في هذه الصّلوات‬ ‫‪:‬‬

‫أو ‪13 -‬‬ ‫حمل السّلح في هذه الصّلوات مستحبّ ‪ ،‬يكره تركه لمن ل عذر له من مرض ‪،‬‬
‫أذًى من مطر أو غيره احتياطا لقوله تعالى ‪َ { :‬وإِذَا كُنتَ فِي ِهمْ َفأَ َقمْتَ َل ُهمُ الصّلَةَ فَلْ َتقُمْ‬
‫علَ ْيكُمْ إِن كَانَ ِب ُكمْ‬
‫طَآ ِئ َفةٌ مّ ْنهُم ّمعَكَ وَلْيَ ْأخُذُواْ َأسْ ِلحَ َتهُ ْم } إلى أن قال جلّ شأنه ‪َ { :‬و َل جُنَاحَ َ‬
‫ضعُواْ َأسْ ِلحَتَ ُكمْ َوخُذُواْ حِذْ َر ُكمْ } وحملوا المر في قوله‬
‫طرٍ َأوْ كُنتُم مّرْضَى أَن تَ َ‬
‫أَذًى مّن ّم َ‬
‫ن تركه ل يفسد الصّلة ‪ ،‬فل يجب حمله ‪،‬‬
‫تعالى ‪ { :‬وَلْيَ ْأخُذُواْ َأسْ ِلحَتَ ُهمْ } على النّدب ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الغالب السّلمة ‪ ،‬أمّا إذا كان المصلّي‬
‫كسائر ما ل يفسد تركه ‪ ،‬وقياسا على المن ؛ ول ّ‬
‫يتعرّض للهلك بترك السّلح وجب حمله ‪ ،‬أو وضعه بين يده بحيث يسهل تناوله عند‬
‫الحاجة‬ ‫‪.‬‬

‫صبْح‬
‫صَلَةُ ال ّ‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬الصّلوات الخمس المفروضة‬ ‫‪.‬‬

‫صَلَة الضّحَى‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫صلة ‪1 -‬‬ ‫الصّلة في اللّغة والصطلح سبق الكلم عنها في مصطلح (‬ ‫‪).‬‬

‫وأمّا الضّحى في اللّغة ‪ :‬فيستعمل مفردا ‪ ،‬وهو فويق الضّحوة ‪ ،‬وهو حين تشرق الشّمس‬
‫إلى أن يمت ّد النّهار ‪ ،‬أو إلى أن يصفو ضوءها وبعده الضّحاء‬ ‫‪.‬‬

‫والضّحاء ‪ -‬بالفتح والمدّ ‪ -‬هو إذا علت الشّمس إلى ربع السّماء فما بعده‬ ‫‪.‬‬

‫وعند الفقهاء الضّحى ‪ :‬ما بين ارتفاع الشّمس إلى زوالها‬ ‫‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫صلة الوّابين‬ ‫‪:‬‬

‫بين ‪2 -‬‬ ‫قيل ‪ :‬هي صلة الضّحى ‪ .‬وعلى هذا فهما مترادفتان ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إنّ صلة الوّابين ما‬
‫المغرب والعشاء وبهذا تفترقان‬ ‫‪.‬‬

‫صلة الشراق‬ ‫‪:‬‬

‫إذ ‪3 -‬‬ ‫بتتبّع ظاهر أقوال الفقهاء والمحدّثين يتبيّن ‪ :‬أنّ صلة الضّحى وصلة الشراق واحدة‬
‫كلّهم ذكروا وقتها من بعد الطّلوع إلى الزّوال ولم يفصلوا بينهما‬ ‫‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬إنّ صلة الشراق غير صلة الضّحى ‪ ،‬وعليه فوقت صلة الشراق بعد طلوع‬
‫الشّمس ‪ ،‬عند زوال وقت الكراهة ‪ ( .‬ر ‪ :‬صلة الشراق‬ ‫‪).‬‬

‫الحكم التّكليفيّ‬ ‫‪:‬‬

‫سنّة ‪4 -‬‬ ‫صلة الضّحى نافلة مستحبّة عند جمهور الفقهاء وصرّح المالكيّة والشّافعيّة بأنّها‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬يصبح على كلّ‬
‫مؤكّدة ‪ .‬فقد روى أبو ذرّ عن النّب ّ‬
‫سلمى من أحدكم صدقة ‪ :‬فكلّ تحميدة صدقة ‪ ،‬وكلّ تهليلة صدقة ‪ :‬وأمر بالمعروف‬
‫صدقة ‪ ،‬ونهي عن المنكر صدقة ‪ ،‬ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضّحى‬ ‫‪».‬‬

‫ن ما عشت ‪:‬‬
‫وعن أبي الدّرداء ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال ‪ « :‬أوصاني حبيبي بثلث لن أدعه ّ‬
‫بصيام ثلثة أيّام من ك ّل شهر ‪ ،‬وصلة الضّحى ‪ ،‬وأن ل أنام حتّى أوتر » ‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال ‪ « :‬أوصاني خليلي بثلث ‪ :‬صيام ثلثة أيّام من‬
‫كلّ شهر ‪ ،‬وركعتي الضّحى وأن أوتر قبل أن أرقد‬ ‫‪».‬‬

‫وقال بعض الحنابلة ‪ :‬ل تستحبّ المداومة عليها ؛ كي ل تشتبه بالفرائض ‪ ،‬ونقل التّوقّف‬
‫فيها عن ابن مسعود وغيره‬ ‫‪.‬‬

‫صلة الضّحى في حقّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬ ‫‪:‬‬

‫وجوبها ‪5 -‬‬ ‫اختلف العلماء في وجوب صلة الضّحى على رسول اللّه مع اتّفاقهم على عدم‬
‫على المسلمين‬ ‫‪.‬‬

‫فذهب الجمهور إلى أنّ صلة الضّحى ليست مفروضةً على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ .‬وذكر الشّافعيّة وبعض المالكيّة وبعض الحنابلة أنّ صلة الضّحى ضمن ما اختصّ به‬
‫رسول اللّه من الواجبات ‪ ،‬وأقلّ الواجب منها عليه ركعتان‬ ‫‪.‬‬

‫‪( 259‬‬ ‫‪ ،‬ج ‪ ، 2/‬ص‬ ‫‪10/‬‬ ‫‪ ) .‬ر ‪ :‬اختصاص ف‬


‫المواظبة على صلة الضّحى‬ ‫‪:‬‬

‫في ‪6 -‬‬ ‫اختلف العلماء هل الفضل المواظبة على صلة الضّحى ‪ ،‬أو فعلها في وقت وتركها‬
‫وقت ؟‬
‫فذهب الجمهور إلى أنّه تستحبّ المواظبة على صلة الضّحى ؛ لعموم الحاديث الصّحيحة‬
‫من قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أحبّ العمل إلى اللّه تعالى ما داوم عليه صاحبه وإن قلّ‬
‫» ‪ .‬ونحو ذلك ‪ .‬وروى الطّبرانيّ في الوسط من حديث أبي هريرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪-‬‬
‫عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬إنّ في الجنّة بابا يقال له الضّحى فإذا كان يوم‬
‫القيامة نادى مناد ‪ :‬أين الّذين كانون يديمون صلة الضّحى ؟ هذا بابكم فادخلوه برحمة اللّه‬
‫‪».‬‬
‫وروى ابن خزيمة في صحيحه عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل‬
‫يحافظ على صلة الضّحى إلّ أوّاب ‪ ،‬قال ‪ :‬وهي صلة الوّابين‬ ‫‪».‬‬

‫وقال الحنابلة على الصّحيح من المذهب ‪ -‬وهو ما حكاه صاحب الكمال عن جماعة ‪ :‬ل‬
‫تستحبّ المداومة على صلة الضّحى بل تفعل غبّا ؛ لقول عائشة ‪ -‬رضي ال عنها ‪ « -‬ما‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ .‬سبّح سبحة الضّحى قطّ‬
‫رأيت النّب ّ‬ ‫‪».‬‬

‫وروى أبو سعيد الخدريّ قال ‪ « :‬كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم يصلّي الضّحى حتّى نقول‬
‫‪ :‬ل يدعها ‪ ،‬ويدعها حتّى نقول ‪ :‬ل يصلّيها » ولنّ في المداومة عليها تشبيها بالفرائض ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أوصى بها‬
‫وقال أبو الخطّاب ‪ :‬تستحبّ المداومة عليها ؛ ل ّ‬
‫أصحابه وقال ‪ « :‬من حافظ على شفعة الضّحى غفر له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر‬ ‫‪».‬‬

‫نفل (‬ ‫ر‪:‬‬ ‫‪).‬‬

‫وقت صلة الضّحى‬ ‫‪:‬‬

‫;‪7-‬‬ ‫ن الفضل فعل صلة الضّحى إذا علت الشّمس واشتدّ حرّها‬
‫ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬صلة الوّابين حين ترمض الفصال » ومعناه أن‬
‫تحمى الرّمضاء وهي الرّمل فتبرك الفصال من شدّة الحرّ‬ ‫‪.‬‬

‫قال الطّحاويّ ‪ :‬ووقتها المختار إذا مضى ربع النّهار ‪ .‬وجاء في مواهب الجليل نقلً عن‬
‫ي ‪ :‬أوّل وقتها ارتفاع الشّمس ‪ ،‬وبياضها وذهاب الحمرة ‪ ،‬وآخره الزّوال‬
‫الجزول ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ل عن الشّيخ زرّوق ‪ :‬وأحسنه إذا كانت الشّمس من المشرق مثلها من‬


‫قال الحطّاب نق ً‬
‫المغرب وقت العصر‬ ‫‪.‬‬

‫قال الماورديّ ‪ :‬ووقتها المختار إذا مضى ربع النّهار‬ ‫‪.‬‬

‫قال البهوتيّ ‪ :‬والفضل فعلها إذا اشتدّ الحرّ‬ ‫‪.‬‬

‫ثمّ اختلف الفقهاء في تحديد وقت صلة الضّحى على الجملة‬ ‫‪.‬‬

‫ن وقت صلة الضّحى من ارتفاع الشّمس إلى قبيل زوالها ما لم يدخل‬


‫فذهب الجمهور إلى أ ّ‬
‫وقت النّهي‬ ‫‪.‬‬

‫وقال النّوويّ في الرّوضة ‪ :‬قال أصحابنا " الشّافعيّة " ‪ :‬وقت الضّحى من طلوع الشّمس ‪،‬‬
‫ويستحبّ تأخيرها إلى ارتفاعها‬ ‫‪.‬‬

‫ويدلّ له خبر أحمد عن أبي مرّة الطّائفيّ قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫يقول‪ « :‬قال اللّه ‪ :‬يا ابن آدم ل تعجزني من أربع ركعات من أوّل نهارك أكفك آخره » لكن‬
‫ي ‪ :‬نقل ذلك عن الصحاب فيه نظر ‪ ،‬والمعروف من كلمهم الوّل " أي ما ذهب‬
‫قال الذرع ّ‬
‫إليه الجمهور‬ ‫‪".‬‬
‫ي الكبير في حاشيته على شرح الرّوض ‪ ،‬بعد أن نقل قول النّوويّ السّابق ذكره‬
‫وقال الرّمل ّ‬
‫‪ :‬لم أر من صرّح به فهو وجه غريب أو سبق قلم‬ ‫‪.‬‬

‫عدد ركعات صلة الضّحى‬ ‫‪:‬‬

‫ركعتان ‪8 -‬‬ ‫ل خلف بين الفقهاء القائلين ‪ :‬باستحباب صلة الضّحى في أنّ أقلّها‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬يصبح على كلّ سلمى من‬
‫فقد روى أبو ذرّ عن النّب ّ‬
‫أحدكم صدقة ‪ :‬فكلّ تسبيحة صدقة ‪ ،‬وكلّ تحميدة صدقة ‪ ،‬وكلّ تهليلة صدقة ‪ ،‬وكلّ تكبيرة‬
‫صدقة ‪ ،‬وأمر بالمعروف صدقة ‪ ،‬ونهي عن المنكر صدقة ‪ ،‬ويجزئ من ذلك ركعتان‬
‫يركعهما من الضّحى » ‪ .‬فأقلّ صلة الضّحى ركعتان لهذا الخبر‬ ‫‪.‬‬

‫وإنّما اختلفوا في أقلّها وأكثرها ‪:‬‬


‫ن أكثر صلة الضّحى ثمان لما روت أمّ‬
‫فذهب المالكيّة والحنابلة ‪ -‬على المذهب ‪ -‬إلى أ ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكّة وصلّى ثماني ركعات ‪ ،‬فلم‬
‫هانئ « أ ّ‬
‫أر صل ًة قطّ أخفّ منها غير أنّه يتمّ الرّكوع والسّجود‬ ‫‪».‬‬

‫وصرّح المالكيّة بكراهة ما زاد على ثماني ركعات ‪ ،‬إن صلّاها بنيّة الضّحى ل بنيّة نفل‬
‫مطلق‪ ،‬وذكروا أنّ أوسط صلة الضّحى ستّ‬ ‫‪.‬‬

‫ويرى الحنفيّة والشّافعيّة ‪ -‬في الوجه المرجوح ‪ -‬وأحمد ‪ -‬في رواية عنه ‪ -‬أنّ أكثر‬
‫ن النّبيّ‬
‫ي بسند فيه ضعف أ ّ‬
‫صلة الضّحى اثنتا عشرة ركعةً ‪ ،‬لما رواه التّرمذيّ والنّسائ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬من صلّى الضّحى ثنتي عشرة ركعةً بنى اللّه له قصرا من‬
‫ل عن شرح المنية ‪ :‬وقد تقرّر أنّ الحديث الضّعيف‬
‫ذهب في الجنّة» قال ابن عابدين نق ً‬
‫يجوز العمل به في الفضائل‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الحصكفيّ من الحنفيّة ‪ ،‬نقلً عن الذّخائر الشرفيّة ‪ :‬وأوسطها ثمان وهو أفضلها ؛‬
‫لثبوته بفعله وقوله عليه الصلة والسلم وأمّا أكثرها فبقوله فقط ‪ .‬وهذا لو صلّى الكثر‬
‫بسلم واحد أمّا لو فصل فكلّما زاد أفضل‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا الشّافعيّة ‪ :‬فقد اختلفت عباراتهم في أكثر صلة الضّحى إذ ذكر النّوويّ في المنهاج أنّ‬
‫ن أكثرها ثمان‬
‫أكثرها اثنتا عشرة وخالف ذلك في شرح المهذّب ‪ ،‬فحكى عن الكثرين ‪ :‬أ ّ‬
‫ركعات ‪ .‬وقال في روضة الطّالبين ‪ :‬أفضلها ثمان وأكثرها اثنتا عشرة ‪ ،‬ويسلّم من كلّ‬
‫ركعتين‬ ‫‪.‬‬

‫السّور الّتي تقرأ في صلة الضّحى‬ ‫‪:‬‬

‫وسورة ‪9 -‬‬ ‫قال ابن عابدين ‪ :‬يقرأ فيها سورتي الضّحى أي سورة { والشّمس }‬
‫{ والضّحى } ‪ ،‬وظاهره القتصار عليهما ولو صلّاها أكثر من ركعتين ‪ .‬فقد روي عن عقبة‬
‫بن عامر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال ‪ « :‬أمرنا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أن نصلّي‬
‫ضحَى‬
‫ضحَاهَا } ‪ { ،‬وَال ّ‬
‫شمْسِ وَ ُ‬
‫الضّحى بسور منها ‪ { :‬وَال ّ‬ ‫‪}».‬‬

‫وفي نهاية المحتاج ‪ :‬ويسنّ أن يقرأ فيهما ‪ -‬ركعتي الضّحى ‪ " -‬الكافرون ‪ ،‬والخلص "‬
‫ضحَى } وإن وردتا أيضا ؛ إذ " الخلص " تعدل‬
‫وهما أفضل في ذلك من الشّمس ‪ { ،‬وَال ّ‬
‫ثلث القرآن ‪ " ،‬والكافرون " تعدل ربعه بل مضاعفة‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الشبراملسي ‪ :‬ويقرؤهما أي " الكافرون ‪ ،‬والخلص " ‪ -‬أيضا ‪ -‬فيما لو صلّى أكثر‬
‫من ركعتين ‪ ،‬ومحلّ ذلك ‪ -‬أيضا ‪ -‬ما لم يص ّل أربعا أو ستّا بإحرام فل يستحبّ قراءة‬
‫شهّد فيها بتشهّدين فإنّه ل يقرأ السّورة فيما بعد‬
‫سورة بعد التّشهّد الوّل ‪ ،‬ومثله كلّ سُنّة َت َ‬
‫التّشهّد الوّل ( ر ‪ :‬قراءة ‪ ،‬ونافلة‬ ‫‪).‬‬

‫هذا وفي قضاء صلة الضّحى إذا فاتت من وقتها ‪ ،‬وفي فعلها جماعةً تفاصيل للفقهاء تنظر‬
‫في ‪ ( :‬تطوّع وصلة الجماعة‬ ‫‪).‬‬

‫طوَاف‬
‫صَلَةُ ال ّ‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬طواف‬ ‫‪.‬‬

‫ظهْر‬
‫صَلَةُ ال ّ‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬الصّلوات الخمس المفروضة‬ ‫‪.‬‬

‫صَلَةُ الْمرأَة‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬ستر العورة ‪ ،‬صلة‬ ‫‪.‬‬

‫صَلَةُ ا ْل ِعشَاء‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬الصّلوات الخمس المفروضة‬ ‫‪.‬‬

‫صَلَةُ الْ َعصْر‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬الصّلوات الخمس المفروضة‬ ‫‪.‬‬

‫الصّلة على الرّاحلة " أو الدّابّة‬ ‫*"‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫صلة ‪1 -‬‬ ‫الصّلة ينظر تعريفها في مصطلح (‬ ‫‪).‬‬


‫والرّاحلة من البل ‪ :‬البعير القويّ على السفار والحمال ‪ ،‬وهي الّتي يختارها الرّجل‬
‫لمركبه ورحله على النّجابة وتمام الخلق وحسن المنظر ‪ ،‬وإذا كانت في جماعة البل تبيّنت‬
‫وعرفت‪ .‬والرّاحلة عند العرب ‪ :‬كلّ بعير نجيب سواء أكان ذكرا أم أنثى ‪ ،‬والجمع رواحل ‪،‬‬
‫ودخول الهاء في الرّاحلة للمبالغة في الصّفة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬سمّيت راحلةً ؛ لنّها ذات رحل‬ ‫‪.‬‬

‫والدّابّة ‪ :‬كلّ ما يدبّ على الرض ‪ .‬وقد غلب هذا السم على ما يركب من الحيوان من إبل‬
‫وخيل وبغال وحمير‬ ‫‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫السّفينة‬ ‫‪:‬‬

‫للصّلة ‪2 -‬‬ ‫ن كلّا منهما يركب ‪ ،‬وكما أنّ‬


‫السّفينة ‪ :‬الفلك ‪ ،‬والعلقة بينها وبين الرّاحلة أ ّ‬
‫صةً تنظر في مصطلح‬
‫صةً ‪ ،‬فكذلك للصّلة في السّفينة أحكاما خا ّ‬
‫على الرّاحلة أحكاما خا ّ‬
‫( سفينة‬ ‫‪).‬‬

‫الحكام الّتي تتعلّق بالصّلة على الرّاحلة‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬صلة النّفل‬ ‫‪:‬‬

‫‪3-.‬‬ ‫اتّفق الفقهاء على أنّه يجوز للمسافر صلة النّفل على الرّاحلة حيثما توجّهت به‬
‫جهُ الّلهِ }‬
‫والدّليل على ذلك قول اللّه تعالى ‪ { :‬وَلِّلهِ ا ْل َمشْ ِرقُ وَا ْل َمغْرِبُ فَأَيْ َنمَا ُتوَلّواْ فَ َثمّ َو ْ‬
‫ص ًة ‪ ،‬وعن ابن عمر‬
‫قال ابن عمر ‪ -‬رضي ال تعالى عنهما ‪ : -‬نزلت في التّطوّع خا ّ‬
‫رضي ال تعالى عنهما « أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كان يسبّح على ظهر راحلته‬
‫حيث كان وجهه » وعن جابر ‪ -‬رضي ال عنه ‪ « -‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫يصلّي على راحلته حيث توجّهت ‪ ،‬فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة‬ ‫‪».‬‬

‫أنـ صـلة التّطوّع على الرّاحلة فـي السـّفر الطّويـل الّذي تقصـر فيـه الصـّلة‬
‫وأجمعواعلى ّ‬
‫ن ال صّلة على الرّاحلة جائزة‬
‫جائزة‪ .‬وأمّا ال سّفر الق صير ‪ ،‬و هو ما ل يباح ف يه الق صر فإ ّ‬
‫عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو قول الوزاعيّ واللّيث والحسن بن حييّ ‪.‬‬
‫ص بالطّويل كالقصر ‪.‬‬
‫وقال مالك ‪ :‬ل يباح إ ّل في سفر طويل ؛ لنّه رخصة سفر فاخت ّ‬
‫واستدلّ الوّلون بالية المذكورة ‪ ،‬وقول ابن عمر فيها ‪ ،‬وحديثه الّذي قال فيه ‪ « :‬إنّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كان يوتر على البعير‬ ‫‪».‬‬

‫والمشهور عند الحنفيّة ‪ :‬أنّه ل يشترط السّفر وإنّما قيّدوا جواز النّفل على الرّاحلة بما إذا‬
‫كان المصلّي خارج المصر محلّ القصر‪ ،‬أي في المحلّ الّذي يجوز للمسافر قصر الصّلة‬
‫فيه‪ .‬وأجاز أبو يوسف من الحنفيّة التّنفّل على الرّاحلة في المصر وقال ‪ :‬حدّثني فلن ‪-‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫وسمّاه ‪ -‬عن سالم عن ابن عمر ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ « -‬أ ّ‬
‫ركب الحمار في المدينة يعود سعد بن عبادة ‪ -‬رضي ال تعالى عنهما ‪ -‬وكان يصلّي وهو‬
‫راكب » ‪ .‬وأجاز ذلك محمّد مع الكراهة مخافة الغلط لما في المصر من كثرة اللّغط‬ ‫‪.‬‬

‫كما أجاز التّنفّل على الدّابّة في المصر بعض الشّافعيّة كأبي سعيد الصطخريّ والقاضي‬
‫حسين وغيرهما ‪ ،‬وكان أبو سعيد الصطخريّ محتسب بغداد يطوف السّكك وهو يصلّي‬
‫على دابّته‬ ‫‪.‬‬

‫والوتر ‪4 -‬‬ ‫والتّطوّع الجائز على الرّاحلة يشمل النّوافل المطلقة والسّنن الرّواتب والمعيّنة‬
‫وسجود التّلوة ‪ ،‬وهذا عند جمهور الفقهاء ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة‬ ‫‪).‬‬

‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يوتر على بعيره ‪ ،‬وكان يسبّح على بعيره‬
‫واستدلّوا « بأ ّ‬
‫إلّ الفرائض‬ ‫‪».‬‬

‫وعند الحنفيّة ما يعتبر واجبا عندهم من غير الفرائض كالوتر ل يجوز على الرّاحلة بدون‬
‫عذر ‪ ،‬وكذلك سجدة التّلوة‬ ‫‪.‬‬

‫وعن أبي حنيفة ‪ :‬أنّه ينزل عن دابّته لسنّة الفجر ؛ لنّها آكد من سائر السّنن الرّواتب ‪.‬‬
‫وتجوز الصّلة للمسافر على البعير والفرس والبغل والحمار ونحو ذلك ‪ ،‬ولو كان الحيوان‬
‫ي صلى ال‬
‫ح « أنّ النّب ّ‬
‫غير مأكول اللّحم ‪ ،‬ول كراهة هنا لمسيس الحاجة إليه ‪ ،‬ولنّه ص ّ‬
‫عليه وسلم كان يصلّي على حماره النّفل » ‪ .‬غير أنّه يشترط أن يكون ما يلقي بدن‬
‫المصلّي على الرّاحلة وثيابه من السّرج ‪ ،‬والمتاع ‪ ،‬واللّجام طاهرا‬ ‫‪.‬‬

‫وهذا كما يقول الشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وعامّة مشايخ الحنفيّة كما ذكر في الصل‬ ‫‪.‬‬

‫ي ومحمّد بن مقاتل الرّازيّ ‪ :‬أنّه إذا كانت النّجاسة في موضع‬


‫وعن أبي حفص البخار ّ‬
‫الجلوس أو في موضع الرّكابين أكثر من قدر الدّرهم ل تجوز ‪ ،‬ولو كان على السّرج‬
‫نجاسة فسترها لم يضرّ‬ ‫‪.‬‬

‫التّجارة ‪5-‬‬ ‫وتجوز الصّلة على الرّاحلة تطوّعًا في السّفر الواجب والمندوب والمباح ‪ ،‬كسفر‬
‫ونحوه ‪ ،‬عند أبي حنيفة ومالك والشّافعيّ‬ ‫‪.‬‬

‫ول يباح في سفر المعصية ‪ :‬كقطع الطّريق ‪ ،‬والتّجارة في الخمر والمحرّمات عند مالك‬
‫ي وأحمد ؛ لنّ التّرخّص شرع للعانة على تحصيل المباح فل يناط بالمعصية‬
‫والشّافع ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وقال أبو حنيفة والثّوريّ والوزاعيّ ‪ :‬له ذلك ؛ لنّه مسافر ‪ ،‬فأبيح له التّرخّص كالمطيع‬ ‫‪.‬‬

‫ب ‪ -‬صلة الفريضة‬ ‫‪:‬‬

‫‪6--‬‬ ‫ن صلة الفريضة على الرّاحلة ل تجوز إلّ لعذر ‪ ،‬فعن جابر بن عبد اللّه‬
‫الصل أ ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يصلّي على راحلته نحو المشرق‬
‫رضي ال عنه ‪ « -‬أ ّ‬
‫فإذا أراد أن يصلّي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة‬ ‫‪».‬‬
‫قال ابن بطّال ‪ :‬أجمع العلماء على أنّه ل يجوز لحد أن يصلّي الفريضة على الدّابّة من غير‬
‫عذر‬ ‫‪.‬‬

‫ولنّ أداء الفرائض على الدّابّة مع القدرة على النّزول ل يجوز‬ ‫‪.‬‬

‫ولنّ شرط الفريضة المكتوبة أن يكون المصلّي مستقبل القبلة مستقرّا في جميعها ‪ ،‬فل‬
‫ح من الرّاكب المخلّ بقيام أو استقبال‬
‫تص ّ‬ ‫‪.‬‬

‫الرّاحلة ‪7-‬‬ ‫وقد عدّد الفقهاء العذار الّتي تبيح الصّلة على‬ ‫‪.‬‬

‫ومن ذلك ‪ :‬الخوف على النّفس أو المال من عد ّو أو سبع ‪ ،‬أو خوف النقطاع عن الرّفقة ‪،‬‬
‫أو التّأذّي بالمطر والوحل ؛ ففي مثل هذه الحوال تجوز صلة الفريضة على الرّاحلة‬
‫باليماء من غير ركوع وسجود ؛ لنّ عند اعتراض هذه العذار عجزا عن تحصيل هذه‬
‫الركان‬ ‫‪.‬‬

‫قال ابن قدامة ‪ :‬إذا اشتدّ الخوف ‪ ،‬بحيث ل يتمكّن من الصّلة إلى القبلة ‪ ،‬أو عجز عن‬
‫بعض أركان الصّلة ‪ :‬إمّا لهرب مباح من عدوّ ‪ ،‬أو سيل ‪ ،‬أو سبع ‪ ،‬أو حريق ‪ ،‬أو نحو‬
‫ذلك ممّا ل يمكنه التّخلّص منه إلّ بالهرب ‪ ،‬أو المسابقة ‪ ،‬أو التحام الحرب والحاجة إلى‬
‫ل وراكبا إلى‬
‫الك ّر والف ّر والطّعن والضّرب والمطاردة فله أن يصلّي على حسب حاله راج ً‬
‫القبلة إن أمكن‪ ،‬أو إلى غيرها إن لم يمكن ‪ ،‬وإذا عجز عن الرّكوع والسّجود أومأ بهما‬
‫وينحني إلى السّجود أكثر من الرّكوع على قدر طاقته ‪ ،‬وإن عجز عن اليماء سقط ‪ ،‬وإن‬
‫عجز عن القيام ‪ ،‬أو القعود ‪ ،‬أو غيرهما سقط ‪ ،‬وإن احتاج إلى الطّعن والضّرب والكرّ‬
‫ن خِفْ ُتمْ َف ِرجَالً َأوْ ُركْبَانا‬
‫والف ّر فعل ذلك ول يؤخّر الصّلة عن وقتها لقول اللّه تعالى ‪ { :‬فَإ ْ‬ ‫}‬
‫‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم انتهى إلى مضيق هو وأصحابه‬
‫وحديث يعلى بن أميّة ‪ « :‬أ ّ‬
‫وهو على راحلته والسّماء من فوقهم والبلّة من أسفل منهم فحضرت الصّلة فأمر المؤذّن‬
‫فأذّن وأقام ثمّ تقدّم رسول اللّه صلى ال عليه وسلم على راحلته فصلّى بهم يومئ إيماءً‬
‫يجعل السّجود أخفض من الرّكوع‬ ‫‪».‬‬

‫‪38/‬‬ ‫‪ ) .‬وينظر تفصيل ذلك في مصطلحي ‪ ( :‬صلة الخوف ‪ ،‬واستقبال ف‬


‫أن ‪8-‬‬ ‫ن شرط الفريضة المكتوبة‬
‫وإذا كانت صلة الفرض على الرّاحلة ل تجوز إلّ لعذر ؛ ل ّ‬
‫ن من‬
‫يكون المصلّي مستقبل القبلة مستقرّا في جميعها ومستوفيا شروطها وأركانها ‪ ،‬فإ ّ‬
‫أمكنه صلة الفريضة على الرّاحلة مع التيان بكلّ شروطها وأركانها ‪ ،‬ولو بل عذر صحّت‬
‫صلته وذلك كما يقول الشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬وهو الرّاجح المعتمد عند المالكيّة‬ ‫‪-.‬‬

‫قال الحنابلة ‪ :‬وسواء أكانت الرّاحلة سائرةً أم واقفةً ‪ ،‬لكن الشّافعيّة قيّدوا ذلك بما إذا كان‬
‫في نحو هودج وهي واقفة ‪ ،‬وإن لم تكن معقولةً ‪ .‬أمّا لو كانت سائر ًة فل يجوز ؛ لنّ‬
‫سيرها منسوب إليه بدليل جواز الطّواف عليها ‪ .‬ولو كان للدّابّة من يلزم لجامها ويسيّرها ‪،‬‬
‫بحيث ل تختلف الجهة جاز ذلك ‪ ،‬وقال سحنون من المالكيّة ‪ :‬ل يجزئ إيقاع الصّلة على‬
‫الدّابّة قائما وراكعا وساجدا لدخوله على الغرر‬ ‫‪.‬‬

‫قبلة المصلّي على الرّاحلة‬ ‫‪:‬‬

‫أو ‪9 -‬‬ ‫مصلّي النّافلة على الرّاحلة ل يلزمه استقبال القبلة ‪ ،‬بل يصلّي حيثما توجّهت الدّابّة‬
‫ي صلى ال‬
‫صوب سفره كما يقول المالكيّة ‪ ،‬وتكون هذه عوضا عن القبلة ‪ ،‬وقد « كان النّب ّ‬
‫عليه وسلم يصلّي على راحلته حيث توجّهت به ‪ ،‬أي جهة مقصده ‪ ،‬فإذا أراد الفريضة نزل‬
‫فاستقبل القبلة‬ ‫‪».‬‬

‫ن النّاس محتاجون إلى السفار ‪ .‬فلو شرط فيها‬


‫والحكمة في التّخفيف على المسافر ‪ :‬أ ّ‬
‫الستقبال لدّى إلى ترك أورادهم أو مصالح معايشهم‬ ‫‪.‬‬

‫غير ‪10 -‬‬ ‫غير أنّ المصلّي إذا أمكنه افتتاح الصّلة إلى القبلة ‪ ،‬وهذا إذا كانت الدّابّة سهلةً‬
‫مقطورة بأن كانت واقفةً أو سائرةً وزمامها بيده فإنّه يجب عليه استقبال القبلة عند‬
‫الحرام‪ ،‬وهذا عند الشّافعيّة ‪ .‬وهو رواية عند الحنابلة ورأي ابن حبيب من المالكيّة ‪،‬‬
‫ورواية ابن المبارك من الحنفيّة ‪ -‬واستدلّوا بما رواه أنس ‪ « :‬أنّ رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم كان إذا سافر فأراد أن يتطوّع استقبل بناقته القبلة فكبّر ثمّ صلّى حيث وجّهه‬
‫ركابه » ؛ ولنّه أمكنه استقبال القبلة في ابتداء الصّلة فلزمه ذلك كالصّلة كلّها‬ ‫‪.‬‬

‫وفي قول عند الشّافعيّة ‪ :‬يشترط الستقبال في السّلم ‪ -‬أيضا ‪ -‬لنّه آخر طرفي الصّلة‬
‫فاشترط فيه ذلك‬ ‫‪.‬‬

‫والرّواية الثّانية عند الحنابلة ‪ -‬وهو قول عند الشّافعيّة ‪ : -‬ل يلزمه ذلك يعني في السّلم‬
‫ن الفتتاح جزء من أجزاء الصّلة فأشبه سائر أجزائها ؛ ولنّ ذلك ل يخلو من مشقّة‬
‫لّ‬
‫فسقط شرط الستقبال في السّلم‬ ‫‪.‬‬

‫وعند الحنفيّة يستحبّ ذلك ول يجب ‪ ،‬وإن لم يسهل استقبال القبلة بأن كانت الدّابّة سائرةً‬
‫وهي مقطورة ‪ ،‬ولم يسهل انحرافه عليها أو كانت جموحا ل يسهل تحريفها فل يجب‬
‫الستقبال ؛ لما في ذلك من المشقّة واختلل أمر السّير عليه ‪ ،‬فيحرم إلى جهة سيره‬ ‫‪.‬‬

‫وفي قول عند الشّافعيّة ‪ :‬يجب عليه الستقبال مطلقا سواء سهل عليه ذلك أم ل ‪ ،‬فإن تعذّر‬
‫لم تصحّ صلته‬ ‫‪.‬‬

‫من ‪11 -‬‬ ‫وإن كان المصلّي على الرّاحلة في مكان واسع كمحمل واسع وهودج ويتمكّن‬
‫الصّلة إلى القبلة والرّكوع والسّجود فعليه استقبال القبلة في صلته ويسجد على ما هو‬
‫عليه إن أمكنه ذلك ؛ لنّه كراكب السّفينة ‪ ،‬وقال أبو الحسن المديّ ‪ :‬يحتمل أن ل يلزمه‬
‫شيء من ذلك كغيره لنّ الرّخصة العامّة تع ّم ما وجدت فيه المشقّة وغيره ‪ .‬هذا بالنّسبة‬
‫للتّطوّع ‪ ،‬أمّا بالنّسبة للفريضة فإنّه يجوز ترك الستقبال للعذر ‪ -‬فقط ‪ -‬على ما سبق‬
‫‪.‬بيانه‬
‫كيفيّة الصّلة على الرّاحلة‬ ‫‪:‬‬

‫ويجعل ‪12 -‬‬ ‫من جازت له الصّلة على الرّاحلة فإنّه يومئ في صلته بالرّكوع والسّجود ‪،‬‬
‫سجوده أخفض من ركوعه ‪ ،‬قال جابر ‪ « :‬بعثني رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في‬
‫حاجة فجئت وهو يصلّي على راحلته نحو المشرق ‪ ،‬والسّجود أخفض من الرّكوع‬ ‫‪».‬‬

‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يصلّي في السّفر على راحلته حيث‬
‫وروى البخاريّ ‪ « :‬أ ّ‬
‫توجّهت به يومئ إيماء صلة اللّيل إلّ الفرائض‬ ‫‪».‬‬

‫قال ابن عرفة من المالكيّة ‪ :‬من تنفّل في محمله فقيامه تربّع ‪ ،‬ويركع كذلك ويداه على‬
‫ركبتيه فإذا رفع رفعهما ‪ ،‬ويومئ بالسّجود وقد ثنى رجليه ‪ ،‬فإن لم يقدر أومأ متربّعا‬ ‫‪.‬‬

‫ومن افتتح التّطوّع راكبا ‪ ،‬ثمّ نزل في أثناء الصّلة فإنّه يستقبل القبلة ويبني على ما سبق‬
‫من صلته ويتمّها بالرض راكعا وساجدا ‪ ،‬قال المالكيّة ‪ :‬إلّ على قول من يجوّز اليماء‬
‫في النّافلة للصّحيح غير المسافر فإنّه يتمّ صلته على دابّته باليماء إذا دخل المدينة‬ ‫‪.‬‬

‫ن أوّل صلته‬
‫وقال أبو يوسف من الحنفيّة ‪ :‬يستقبل صلته ول يبني على ما سبق ؛ ل ّ‬
‫ي على الضّعيف‬
‫باليماء وآخرها بركوع وسجود ؛ فل يجوز بناء القو ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ن ما قبل أداء الرّكعة مجرّد‬


‫وروي عن محمّد ‪ :‬أنّه إذا نزل بعد ما صلّى ركعةً استقبل ؛ ل ّ‬
‫تحريمة وهي شرط ‪ ،‬فالشّرط المنعقد للضّعيف كان شرطا للقويّ ‪ ،‬وأمّا إذا صلّى ركعةً فقد‬
‫تأكّد فعل الضّعيف فل يبنى عليه القويّ‬ ‫‪.‬‬

‫‪13 - .‬‬ ‫وإن ركب ماش وهو في صلة نفل أتمّه راكبا ‪ ،‬كما يقول الحنابلة وزفر من الحنفيّة‬
‫وعند الحنفيّة ‪ :‬ل يبني ؛ لنّ الرّكوب عمل كثير ‪ .‬ومن افتتح التّطوّع خارج المصر ‪ ،‬ثمّ‬
‫دخل المصر ‪ ،‬أو نوى النّزول ببلد دخله نزل عن دابّته لنقطاع سفره وأتمّ صلته مستقبلً‬
‫القبلة ‪ .‬وهذا عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو ما عليه الكثر عند الحنفيّة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يتمّ على‬
‫الدّابّة بإيماء‬ ‫‪.‬‬

‫ولو ركب المسافر النّازل وهو في صلة نافلة بطلت صلته ؛ لنّ حالته إقامة فيكون ركوبه‬
‫فيها كالعمل الكثير من المقيم ‪ ،‬وقال محمّد من الحنفيّة ‪ :‬يبني على صلته‬ ‫‪.‬‬

‫علَى ال ّن ِبيّ صلى ال عليه وسلم‬


‫الصّلَةُ َ‬ ‫*‬

‫مخصوصة ‪1 -‬‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬الدّعاء له بصيغة‬


‫المقصود بالصّلة على النّب ّ‬
‫ي من اللّه ‪ :‬رحمته ‪ ،‬ورضوانه ‪ ،‬وثناؤه‬
‫ي ‪ :‬الصّلة على النّب ّ‬
‫والتّعظيم لمره ‪ .‬قال القرطب ّ‬
‫عليه عند الملئكة ‪ ،‬ومن الملئكة ‪ :‬الدّعاء له والستغفار ‪ ،‬ومن المّة ‪ :‬الدّعاء له ‪،‬‬
‫والستغفار ‪ ،‬والتّعظيم لمره‬ ‫‪.‬‬

‫الحكام المتعلّقة بالصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬ ‫‪:‬‬

‫بها‪2 - ،‬‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬للمر‬


‫ل خلف بين الفقهاء في مشروعيّة الصّلة على النّب ّ‬
‫ن آمَنُوا صَلّوا عَلَ ْيهِ َوسَّلمُوا‬
‫ن عَلَى النّبِيّ يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫قال تعالى ‪ { :‬إِنّ الّل َه َومَلَا ِئكَ َتهُ يُصَلّو َ‬
‫َتسْلِيما } قال ابن كثير في تفسير الية ‪ :‬المقصود من هذه الية ‪ :‬أنّ اللّه ‪ -‬سبحانه‬
‫وتعالى‪ -‬أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيّه عنده في المل العلى ؛ بأنّه يثني عليه عند‬
‫الملئكة المقرّبين ‪ ،‬وأنّ الملئكة تصلّي عليه ‪ .‬ثمّ أمر جلّ شأنه بالصّلة والتّسليم عليه ؛‬
‫ي والعلويّ جميعا ‪ ،‬وجاءت الحاديث المتواترة‬
‫ليجتمع الثّناء عليه من أهل العاَلَمين ‪ :‬السّفل ّ‬
‫عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بالمر بالصّلة عليه ‪ ،‬وكيفيّة الصّلة عليه‬ ‫‪.‬‬

‫فقد روى البخاريّ عند تفسير هذه الية ‪ « :‬قيل لرسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬يا‬
‫رسول اللّه ‪ ،‬أمّا السّلم عليك فقد عرفناه ‪ ،‬فكيف نصلّي عليك ؟ قال ‪ :‬قولوا ‪ :‬اللّهمّ صلّ‬
‫على محمّد‪ ،‬وعلى آل محمّد ‪ ،‬كما صلّيت على آل إبراهيم ‪ ،‬إنّك حميد مجيد ‪ ،‬اللّهمّ بارك‬
‫على محمّد ‪ ،‬وعلى آل محمّد ‪ ،‬كما باركت على آل إبراهيم ‪ ،‬إنّك حميد مجيد‬ ‫‪».‬‬

‫الحكم التّكليفيّ‬ ‫‪:‬‬

‫‪3-،‬‬ ‫ذهب جمهور الفقهاء إلى وجوب الصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم في مواطن‬
‫واستحبابها في مواطن ‪ .‬واختلفوا في مواطن الوجوب‬ ‫‪.‬‬

‫الخير ‪4 -‬‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم في التّشهّد‬


‫ن الصّلة على النّب ّ‬
‫فقال الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫سنّة ‪ ،‬وليس بواجب ‪ .‬وقالوا ‪ :‬تجب الصّلة عليه صلى ال عليه وسلم في العمر مرّةً‬
‫للمر بها في قوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُوا صَلّوا عَلَ ْي ِه َوسَّلمُوا َتسْلِيما‬ ‫‪}.‬‬

‫وقال الطّحاويّ ‪ :‬تجب كلّما ُذكِرَ صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬


‫واستدلّوا على عدم الوجوب في التّشهّد الخير « بقوله صلى ال عليه وسلم ‪ -‬في تعليم‬
‫التّشهّد ‪ -‬بعد أن ذكر ألفاظ التّشهّد ‪ :‬إذا قلت هذا ‪ ،‬أو فعلت ‪ ،‬فقد تمّت صلتك ‪ ،‬إن شئت‬
‫أن تقوم فقم ‪ ،‬وإن شئت أن تقعد فاقعد‬ ‫‪».‬‬

‫وقالوا ‪ :‬وإلى هذا ذهب أهل المدينة ‪ ،‬وأهل الكوفة ‪ ،‬وجملة من أهل العلم‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا الصّلة عليه صلى ال عليه وسلم في التّشهّد الوّل فليس بمشروع عندهم ‪ ،‬وبه قال‬
‫الحنابلة فإن أتى بالصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم عامدا في التّشهّد الوّل كره ‪،‬‬
‫وتجب عليه العادة ‪ .‬أو ساهيا وجبت عليه سجدتا السّهو عند الحنفيّة ‪ .‬وتفسد صلته عند‬
‫المالكيّة إن تعمّد بإتيانها‬ ‫‪.‬‬
‫التّكبيرة ‪5-‬‬ ‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إنّها تجب في التّشهّد الخير من كلّ صلة ‪ ،‬وبعد‬
‫الثّانية في صلة الجنازة ‪ ،‬وفي خطبتي الجمعة ‪ ،‬والعيدين ‪ ،‬ول تجب خارج ذلك‬ ‫‪.‬‬

‫وقالوا ‪ :‬إنّ اللّه تعالى فرض الصّلة على نبيّه صلى ال عليه وسلم في قوله تعالى ‪ { :‬إِنّ‬
‫ن آمَنُوا صَلّوا عَلَ ْيهِ َوسَّلمُوا َتسْلِيما } فلم يكن‬
‫ن عَلَى النّبِيّ يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫الّل َه َومَلَا ِئكَ َتهُ يُصَلّو َ‬
‫فرض الصّلة عليه في موضع أولى من الصّلة عليه في الصّلة ‪ .‬ووجدنا الدّللة عن‬
‫ن الصّلة على رسول اللّه صلى ال‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بما وصفنا ؛ من أ ّ‬
‫عليه وسلم فرض في الصّلة ‪ ،‬ل في خارجها ‪ .‬فقد جاء في حديث « أبي هريرة ‪ -‬رضي‬
‫ال عنه ‪ -‬أنّه قال ‪ :‬يا رسول اللّه ؛ كيف نصلّي عليك ؟ يعني في الصّلة ‪ .‬فقال ‪ :‬تقولون‬
‫‪ :‬اللّهمّ صلّ على محمّد ‪ ،‬وعلى آل محمّد ‪ ،‬كما صلّيت على إبراهيم ‪ .‬وبارك على محمّد ‪،‬‬
‫وآل محمّد ‪ ،‬كما باركت على إبراهيم ‪ ،‬ث ّم تسلّمون عليّ‬ ‫‪».‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أنّه كان يقول في الصّلة ‪ :‬اللّهمّ‬


‫وعن كعب بن عجرة عن « النّب ّ‬
‫صلّ على محمّد ‪ ،‬وعلى آل محمّد ‪ ،‬كما صلّيت على إبراهيم ‪ ،‬وعلى آل إبراهيم ‪ ،‬إنّك حميد‬
‫مجيد‬ ‫‪».‬‬

‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كان يعلّمهم التّشهّد في‬


‫وقال الشّافعيّ ‪ :‬فلمّا روي أ ّ‬
‫الصّلة‪ ،‬وروي أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم علّمهم كيف يصلّون عليه في الصّلة ‪،‬‬
‫لم يجز ‪ -‬واللّه أعلم ‪ -‬أن نقول ‪ :‬التّشهّد واجب ‪ ،‬والصّلة على النّبيّ غير واجبة ‪،‬‬
‫والخبر فيهما عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم زيادة فرض القرآن‬ ‫‪.‬‬

‫وقال ‪ -‬رحمه ال ‪ : -‬فعلى كلّ مسلم ‪ -‬وجبت عليه الفرائض ‪ -‬أن يتعلّم التّشهّد ‪،‬‬
‫والصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ .‬ومن صلّى صلةً لم يتشهّد فيها ‪ ،‬ويصلّي على‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ -‬وهو يحسن التّشهّد ‪ -‬فعليه إعادتها ‪ .‬وإن تشهّد ولم يصلّ‬
‫النّب ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أو صلّى عليه ولم يتشهّد ‪ ،‬فعليه العادة حتّى يجمعهما‬
‫على النّب ّ‬
‫جميعا ‪ .‬وإن كان ل يحسنهما على وجههما أتى بما أحسن منهما ‪ ،‬ولم يجزه إلّ بأن يأتي‬
‫باسم تشهّد ‪ ،‬وصلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ .‬وإن أحسنهما فأغفلهما ‪ ،‬أو عمد‬
‫بتركهما فسدت صلته ‪ ،‬وعليه العادة فيهما جميعا‬ ‫‪.‬‬

‫وقد قال بهذا جماعة من الصّحابة ومن بعدهم‬ ‫‪.‬‬

‫فمن الصّحابة ‪ :‬عبد اللّه بن مسعود ‪ ،‬وأبو مسعود البدريّ ‪ ،‬وعبد اللّه بن عمر‬ ‫‪.‬‬

‫ي ‪ ،‬والشّعبيّ ‪ ،‬ومقاتل بن حيّان ‪ .‬ومن أرباب‬


‫ومن التّابعين ‪ :‬أبو جعفر محمّد بن عل ّ‬
‫المذاهب المتبوعين ‪ :‬إسحاق بن راهويه ‪ ،‬وأحمد في إحدى روايتيه ‪ ،‬وهي المشهورة في‬
‫المذهب ‪ .‬أمّا الصّلة عليه صلى ال عليه وسلم في التّشهّد الوّل ‪ ،‬في الصّلة الرّباعيّة‬
‫ي ‪ ،‬وهو اختيار ابن هبيرة ‪ ،‬والج ّريّ من‬
‫والثّلثيّة ‪ ،‬فهي سنّة في القول الجديد للشّافع ّ‬
‫الحنابلة ‪ ،‬ول تبطل الصّلة بتركه ولو عمدا ‪ ،‬ويجبر بسجود السّهو إن تركه‬ ‫‪.‬‬

‫الصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم خارج الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫في ‪6 -‬‬ ‫تستحبّ الصّلة عليه صلى ال عليه وسلم خارج الصّلة في كلّ الوقات ‪ ،‬وتتأكّد‬
‫مواطن منها ‪ :‬يوم الجمعة وليلتها ‪ ،‬وعند الصّباح ‪ ،‬وعند المساء ‪ ،‬وعند دخول المسجد ‪،‬‬
‫والخروج منه ‪ ،‬وعند قبره صلى ال عليه وسلم وعند إجابة المؤذّن ‪ ،‬وعند الدّعاء ‪،‬‬
‫وبعده وعند السّعي بين الصّفا والمروة ‪ ،‬وعند اجتماع القوم ‪ ،‬وتفرّقهم ‪ ،‬وعند ذكر اسمه‬
‫صلى ال عليه وسلم وعند الفراغ من التّلبية ‪ ،‬وعند استلم الحجر ‪ ،‬وعند القيام من‬
‫النّوم ‪ ،‬وعقب ختم القرآن ‪ ،‬وعند الهمّ والشّدائد ‪ ،‬وطلب المغفرة ‪ ،‬وعند تبليغ العلم إلى‬
‫النّاس ‪ ،‬وعند الوعظ ‪ ،‬وإلقاء الدّرس ‪ ،‬وعند خطبة الرّجل المرأة في النّكاح‬ ‫‪.‬‬

‫وفي كلّ موطن يجتمع فيه لذكر اللّه تعالى‬ ‫‪.‬‬

‫ألفاظ الصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬ ‫‪:‬‬

‫بعض ‪7 -‬‬ ‫روي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ -‬في الصّلة عليه ‪ -‬صيغ مختلفة في‬
‫ألفاظها ‪ .‬قال صاحب المهذّب ‪ :‬إنّ أفضل صيغ الصّلة على النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫أن يقول المصلّي عليه ‪ " :‬اللّهمّ ص ّل على محمّد ‪ ،‬وعلى آل محمّد ‪ ،‬كما باركت على‬
‫إبراهيم ‪ ،‬وعلى آل إبراهيم ‪ .‬إنّك حميد مجيد‬ ‫‪".‬‬

‫ي ومسلم عن كعب بن عجرة ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬قال ‪ « :‬خرج‬


‫ومنها ‪ :‬ما رواه البخار ّ‬
‫علينا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقلنا ‪ :‬قد علمنا ‪ -‬أو عرفنا ‪ -‬كيف نسلّم عليك ‪،‬‬
‫فكيف نصلّي عليك ؟ قال ‪ :‬قولوا ‪ :‬اللّهمّ صلّ على محمّد ‪ ،‬وعلى آل محمّد ‪ ،‬كما صلّيت‬
‫على آل إبراهيم ‪ .‬إنّك حميد مجيد ‪ .‬اللّهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد ‪ ،‬كما باركت‬
‫ي ومسلم ‪ « :‬قولوا ‪ :‬اللّهمّ صلّ على‬
‫على إبراهيم‪ .‬إنّك حميد مجيد » وفي لفظ للبخار ّ‬
‫محمّد ‪ ،‬وعلى أزواجه ‪ ،‬وذرّيّته ‪ ،‬كما صلّيت على آل إبراهيم ‪ .‬وبارك على محمّد ‪ ،‬وعلى‬
‫أزواجه ‪ ،‬وذرّيّته‪ ،‬كما باركت على آل إبراهيم ‪ .‬إنّك حميد مجيد‬ ‫‪».‬‬

‫وهناك صيغ أخرى ‪ .‬وأقلّ ما يجزئ هو ‪ :‬اللّهمّ صلّ على محمّد‬ ‫‪.‬‬

‫الصّلة على سائر النبياء‬ ‫‪:‬‬

‫عَلَى ‪8 -‬‬ ‫أمّا سائر النبياء والمرسلين فيصلّى عليهم ويسلّم ‪ .‬قال تعالى في نوح ‪ { :‬سَلَامٌ‬
‫حسِنِينَ } وفي‬
‫جزِي ا ْل ُم ْ‬
‫نُوحٍ فِي ا ْلعَا َلمِينَ } وفي إبراهيم ‪ { :‬سَلَا ٌم عَلَى إِبْرَاهِي َم ‪ ،‬كَذَلِكَ َن ْ‬
‫موسى وهارون ‪ { :‬سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ‬ ‫‪}.‬‬
‫ن اللّه‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬صلّوا على أنبياء اللّه ورسله ‪ ،‬فإ ّ‬
‫وروي أنّ النّب ّ‬
‫بعثهم كما بعثني‬ ‫‪».‬‬

‫وقد حكى غير واحد الجماع على أنّ الصّلة على جميع النّبيّين مشروعة‬ ‫‪.‬‬

‫الصّلة على غير النبياء‬ ‫‪:‬‬

‫الحاديث ‪9 -‬‬ ‫أمّا الصّلة على غير النبياء ؛ فإن كانت على سبيل التّبعيّة ‪ ،‬كما جاء في‬
‫السّابقة ‪ « :‬اللّهمّ صلّ على محمّد ‪ ،‬وعلى آل محمّد » فهذا جائز بالجماع‬ ‫‪.‬‬

‫واختلفوا فيما إذا أفرد غير النبياء بالصّلة عليهم ‪ .‬فقال قائلون ‪ :‬يجوز ذلك ‪ ،‬واحتجّوا‬
‫صَلوَاتٌ مّن‬
‫ك عَلَ ْي ِهمْ َ‬
‫بقول اللّه تعالى ‪ُ { :‬هوَ الّذِي يُصَلّي عَلَ ْي ُكمْ َومَلَا ِئكَ ُتهُ } وقوله ‪ { :‬أُولَـئِ َ‬
‫سكَنٌ ّل ُهمْ‬
‫ك َ‬
‫ن صَلَتَ َ‬
‫صلّ عَلَ ْي ِهمْ إِ ّ‬
‫رّ ّب ِهمْ } وقوله ‪ { :‬وَ َ‬ ‫‪}.‬‬

‫وبخبر عبد اللّه بن أبي أوفى قال ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إذا أتاه قوم‬
‫بصدقتهم قال ‪ :‬اللّهمّ صلّ عليهم فأتاه أبي بصدقته ‪ ،‬فقال ‪ :‬اللّه ّم صلّ على آل أبي أوفى‬ ‫‪».‬‬

‫ن هذا شعار للنبياء إذا‬


‫وقال الجمهور من العلماء ‪ :‬ل يجوز إفراد غير النبياء بالصّلة ؛ ل ّ‬
‫ذكروا ‪ ،‬فل يلحق بهم غيرهم ‪ ،‬فل يقال ‪ :‬قال أبو بكر صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬أو قال ‪:‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وإن كان المعنى صحيحا ‪ ،‬كما ل يقال ‪ :‬محمّد عزّ وجلّ ‪ ،‬وإن‬
‫عل ّ‬
‫ن هذا من شعار ذكر اللّه عزّ وجلّ‬
‫كان عزيزا جليلً ؛ ل ّ‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا السّلم ‪ ،‬فقد نقل ابن كثير عن الشّيخ أبي محمّد الجوينيّ ‪ -‬من الشّافعيّة ‪ -‬أنّه في‬
‫معنى الصّلة ‪ ،‬فل يستعمل في الغائب ‪ ،‬ول يفرد به غير النبياء ‪ ،‬وسواء في ذلك الحياء‬
‫والموات‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا الحاضر فيخاطَب به ‪ ،‬فيقال ‪ :‬سلم عليكم ‪ ،‬وسلم عليك ‪ ،‬وهذا مجمع عليه‬ ‫‪.‬‬

‫وقد روي عن ابن عبّاس رضي ال عنه أنّه قال ‪ :‬ل تصحّ الصّلة على أحد إلّ على النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالمغفرة‬ ‫‪.‬‬

‫صَلَةُ ا ْلعِي َديْن‬ ‫*‬

‫حكمة مشروعيّتها‬ ‫‪:‬‬

‫بيوتهم ‪1 -‬‬ ‫ن كلّ قوم لهم يوم يتجمّلون فيه ويخرجون من‬
‫الحكمة من مشروعيّة العيدين ‪ :‬أ ّ‬
‫بزينتهم ‪ .‬فقد ورد عن أنس ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أنّه قال ‪ « :‬كان لهل الجاهليّة يومان في‬
‫كلّ سنة يلعبون فيهما ‪ ،‬فلمّا قدم النّبيّ صلى ال عليه وسلم المدينة قال ‪ :‬كان لكم يومان‬
‫تلعبون فيهما وقد أبدلكم اللّه بهما خيرا منهما ‪ :‬يوم الفطر ويوم الضحى‬ ‫‪».‬‬

‫حكم صلة العيدين‬ ‫‪:‬‬


‫الواجب ‪2 -‬‬ ‫صلة العيدين واجبة على القول الصّحيح المفتى به عند الحنفيّة ‪ -‬والمراد من‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫عند الحنفيّة ‪ :‬أنّه منزلة بين الفرض والسّنّة ‪ -‬ودليل ذلك ‪ :‬مواظبة النّب ّ‬
‫وسلم عليها من دون تركها ولو مرّ ًة ‪ ،‬وأنّه ل يصلّي التّطوّع بجماعة ‪ -‬ما خل قيام‬
‫رمضان وكسوف الشّمس وصلة العيدين فإنّها تؤدّى بجماعة ‪ ،‬فلو كانت س ّن ًة ولم تكن‬
‫واجبةً لستثناها الشّارع كما استثنى التّراويح وصلة الخسوف‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا الشّافعيّة والمالكيّة ‪ :‬فقد ذهبوا إلى القول بأنّها سنّة مؤكّدة ‪ .‬ودليلهم على ذلك ‪« :‬‬
‫ي ‪ -‬وكان قد ذكر له الرّسول صلى‬
‫قوله صلى ال عليه وسلم في الحديث الصّحيح للعراب ّ‬
‫ال عليه وسلم الصّلوات الخمس فقال له ‪ :‬هل عليّ غيرهنّ ؟ قال ل ‪ ،‬إلّ أن تطوّع » ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬ولنّها صلة ذات ركوع وسجود لم يشرع لها أذان فلم تجب بالشّرع ‪ ،‬كصلة‬
‫ك وَا ْنحَرْ‬
‫صلّ لِرَبّ َ‬
‫الضّحى ‪ .‬وذهب الحنابلة إلى القول بأنّها فرض كفاية ؛ لقوله تعالى ‪ { :‬فَ َ‬
‫} ‪ ،‬ولمداومة الرّسول صلى ال عليه وسلم على فعلها‬ ‫‪.‬‬

‫شروطها‬ ‫‪:‬‬

‫شروط الوجوب‬ ‫‪:‬‬

‫‪3-.‬‬ ‫شروط وجوب صلة العيدين عند الحنفيّة ‪ :‬هي بعينها شروط وجوب صلة الجمعة‬
‫فيشترط لوجوبها ‪ .‬أ ‪ -‬المام‬
‫ب ‪ -‬المصر‬ ‫‪.‬‬

‫ج ‪ -‬الجماعة‬ ‫‪.‬‬

‫د ‪ -‬الوقت‬ ‫‪.‬‬

‫هـ ‪ -‬الذّكورة‬ ‫‪.‬‬

‫و ‪ -‬الحرّيّة‬ ‫‪.‬‬

‫ز ‪ -‬صحّة البدن‬ ‫‪.‬‬

‫ح ‪ -‬القامة‬ ‫‪.‬‬

‫إلّ الخطبة ‪ ،‬فإنّها سنّة بعد الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫قال الكاسانيّ في بدائع الصّنائع ‪ -‬وهو يقرّر أدلّة هذه الشّروط ‪ : -‬أمّا المام فشرط عندنا‬
‫ي ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬أنّه قال ‪:‬‬
‫لما ذكرنا في صلة الجمعة ‪ ،‬وكذا المصر لما روينا عن عل ّ‬
‫ل جمعة ول تشريق ول فطر ول أضحى إلّ في مصر جامع ‪ .‬ولم يرد بذلك نفس الفطر‬
‫ونفس الضحى ونفس التّشريق ؛ لنّ ذلك ممّا يوجد في كلّ موضع ‪ ،‬بل المراد من لفظ‬
‫الفطر والضحى صلة العيدين ؛ ولنّها ما ثبتت بالتّوارث من الصّدر الوّل إلّ في المصار‬
‫‪ .‬والجماعة شرط لنّها ما أدّيت إلّ بجماعة ‪ ،‬والوقت شرط فإنّها ل تؤدّى إلّ في وقت‬
‫مخصوص ‪ ،‬به جرى التّوارث وكذا الذّكورة والعقل والبلوغ والحرّيّة وصحّة البدن ‪،‬‬
‫والقامة من شروط وجوبها كما هي من شروط وجوب الجمعة ؛ لما ذكرنا في صلة‬
‫الجمعة ‪ ،‬ولنّ تخلّف شرط من هذه الشّروط يؤثّر في إسقاط الفرض فلن تؤثّر في إسقاط‬
‫الواجب أولى ‪ .‬وأمّا الحنابلة ‪ -‬وصلة العيدين عندهم فرض كفاية كما سبق بيانه ‪ -‬فإنّما‬
‫شرطوا لفرضيّتها‪ :‬الستيطان ‪ ،‬والعدد المشترط للجمعة‬ ‫‪.‬‬

‫والمالكيّة ‪ -‬وهم من القائلين بأنّ صلة العيدين سنّة مؤكّدة ‪ -‬شرطوا لذلك ‪ ،‬أي لتأكيد‬
‫سنّيّتها ‪ :‬تكامل شروط وجوب الجمعة ‪ ،‬وأن ل يكون المصلّي متلبّسا بحجّ‬ ‫‪.‬‬

‫فإذا فقد أحد الشّروط نظر ‪ :‬فإن كان المفقود هو عدم التّلبّس بالحجّ فصلة العيد غير‬
‫مطلوبة بأيّ وجه من وجوه الطّلب ‪ ،‬وإن كان المفقود هو أحد شروط وجوب الجمعة ‪،‬‬
‫كالمرأة والمسافر ‪ ،‬فهي في حقّهم مستحبّة وليست بسنّة مؤكّدة ‪ .‬قال الصّفتيّ ‪ :‬وهي سنّة‬
‫ن له ول تندب ‪ ،‬وأمّا المرأة والصّبيّ‬
‫في حقّ من يؤمر بالجمعة وجوبا إلّ الحاجّ فل تس ّ‬
‫ب في حقّهم‬
‫والمسافر فتستح ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّها سنّة مؤكّدة في حقّ كلّ مكلّف ذكرا كان أو أنثى ‪ ،‬مقيما أو‬
‫مسافرا‪ ،‬حرّا أو عبدا ‪ ،‬ولم يشترطوا لسنّيّتها شرطا آخر غير التّكليف‬ ‫‪.‬‬

‫ج تسنّ له صلة العيد منفردا‬


‫وقالوا باشتراط عدم التّلبّس بالحجّ لدائها جماعةً ‪ ،‬أي فالحا ّ‬
‫ل جماعةً‬ ‫‪.‬‬

‫صحّة‬
‫شروط ال ّ‬ ‫‪:‬‬

‫‪4-،‬‬ ‫كلّ ما يعتبر شرطا في صحّة صلة الجمعة ‪ ،‬فهو شرط في صحّة صلة العيدين أيضا‬
‫ما عدا الخطبة فهي هنا ليست شرطا في صحّة العيدين وإنّما هي سنّة‬ ‫‪.‬‬

‫ويستثنى ‪ -‬أيضا ‪ -‬شرط عدم التّعدّد " راجع صلة الجمعة " فل يشترط ذلك لصلة العيد ‪،‬‬
‫قال الحصكفيّ ‪ :‬وتؤدّى بمصر واحد في مواضع كثيرة اتّفاقا ‪ ،‬وقال ابن عابدين ‪ :‬مقرّرا‬
‫هذا الكلم ‪ :‬والخلف إنّما هو في الجمعة ‪ ،‬فيشترط لصحّتها ‪ :‬أ ‪ -‬المام ‪ ،‬ب ‪ -‬والمصر ‪،‬‬
‫ج ‪ -‬والجماعة ‪ ،‬د ‪ -‬والوقت‬ ‫‪.‬‬

‫وقد م ّر أنّها شروط للوجوب أيضا‬ ‫‪.‬‬

‫هذا عند الحنفيّة ‪ ،‬أمّا الحنابلة فقد اشترطوا الوقت والجماعة‬ ‫‪.‬‬

‫ولم يشترط المالكيّة والشّافعيّة لصحّة صلة العيدين شيئا من هذه الشّروط إلّ الوقت‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا الشّروط الّتي هي قدر مشترك في صحّة الصّلوات المختلفة من طهارة واستقبال قبلة‬
‫‪ ...‬إلخ فليس فيها من خلف ‪ .‬ولمعرفتها ( ر ‪ :‬صلة‬ ‫‪).‬‬

‫المرأة وصلة العيدين‬ ‫‪:‬‬


‫لصلة ‪5 -‬‬ ‫ذهب المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة إلى كراهة خروج الشّابّات وذوات الجمال‬
‫العيدين لما في ذلك من خوف الفتنة ‪ ،‬ولكنّهم استحبّوا في المقابل خروج غير ذوات‬
‫الهيئات منهنّ واشتراكهنّ مع الرّجال في الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫وذلك للحديث المتّفق عليه عن أمّ عطيّة ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يخرج‬
‫العواتق وذوات الخدور والحيّض في العيد ‪ ،‬فأمّا الحيّض فكنّ يعتزلن المصلّى ويشهدن‬
‫الخير ودعوة المسلمين‬ ‫‪».‬‬

‫ولكن ينبغي أن يخرجن في ثياب ل تلفت النّظر دون تطيّب ول تبرّج‬ ‫‪.‬‬

‫ويختلف الحكم عند الحنفيّة في إباحة خروج النّساء إلى صلة العيدين بين كون المرأة شا ّبةً‬
‫أو عجوزا ‪ .‬أمّا الشّابّات من النّساء وذوات الجمال منهنّ ‪ ،‬فل يرخّص لهنّ في الخروج‬
‫ي إجماع أئمّة المذهب الحنفيّ عليه ‪،‬‬
‫إلى صلة العيد ول غيرها كصلة الجمعة ونقل الكاسان ّ‬
‫وذلك لقوله تعالى ‪ { :‬وَقَ ْرنَ فِي بُيُو ِتكُنّ‬ ‫‪}.‬‬

‫وأمّا العجائز فل خلف أنّه يرخّص لهنّ الخروج للعيد وغيره من الصّلوات‬ ‫‪.‬‬

‫غير أنّ الفضل على كلّ حال أن تصلّي المرأة في بيتها‬ ‫‪.‬‬

‫واختلفت الرّواية عن أبي حنيفة ‪ :‬هل تخرج المرأة للصّلة أم لتكثير سواد المسلمين ؟‬ ‫‪.‬‬

‫وقت أدائها‬ ‫‪:‬‬

‫يبتدئ ‪6 -‬‬ ‫ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أنّ وقت صلة العيدين‬
‫عند ارتفاع الشّمس قدر رمح بحسب رؤية العين المجرّدة ‪ -‬وهو الوقت الّذي تحلّ فيه‬
‫النّافلة ‪ -‬ويمتدّ وقتها إلى ابتداء الزّوال‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّ وقتها ما بين طلوع الشّمس وزوالها ‪ ،‬ودليلهم على أنّ وقتها يبدأ‬
‫بطلوع الشّمس أنّها صلة ذات سبب فل تراعى فيها الوقات الّتي ل تجوز فيها الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا الوقت المفضّل لها ‪ ،‬فهو عند ارتفاع الشّمس قدر رمح ‪ ،‬إلّ أنّه يستحبّ عدم تأخيرها‬
‫عن هذا الوقت بالنّسبة لعيد الضحى ‪ ،‬وذلك كي يفرغ المسلمون بعدها لذبح أضاحيهم ‪،‬‬
‫ويستحبّ تأخيرها قليلً عن هذا الوقت بالنّسبة لعيد الفطر ‪ ،‬وذلك انتظارا لمن انشغل في‬
‫صبحه بإخراج زكاة الفطر‬ ‫‪.‬‬

‫وهذا محلّ اتّفاق عند سائر الئمّة ‪ ،‬ودليلهم على ما ذهبوا إليه من التّفريق بين صلتي‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كتب إلى بعض الصّحابة ‪ :‬أن يقدّم‬
‫الفطر والضحى ‪ « :‬أ ّ‬
‫صلة الضحى ويؤخّر صلة الفطر‬ ‫‪».‬‬

‫حكمها بعد خروج وقتها‬ ‫‪:‬‬

‫لفوات صلة العيد عن وقتها ثلث صور‬ ‫‪:‬‬


‫فاتت ‪7 -‬‬ ‫الصّورة الولى ‪ :‬أن تؤدّى صلة العيد جماعةً في وقتها من اليوم الوّل ولكنّها‬
‫بعض الفراد ‪ ،‬وحكمها في هذه الصّورة أنّها فاتت إلى غير قضاء ‪ ،‬فل تقضى مهما كان‬
‫العذر ؛ لنّها صلة خاصّة لم تشرع إلّ في وقت معيّن وبقيود خاصّة ‪ ،‬فل ب ّد من تكاملها‬
‫جميعا ‪ ،‬ومنها الوقت ‪ .‬وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا الشّافعيّة ‪ :‬فقد أطلقوا القول بمشروعيّة قضائها ‪ -‬على القول الصّحيح في المذهب ‪-‬‬
‫في أيّ وقت شاء وكيفما كان ‪ :‬منفردا أو جماعةً ‪ ،‬وذلك بناءً على أصلهم المعتمد ‪ ،‬وهو‬
‫ن نوافل الصّلة كلّها يشرع قضاؤها‬
‫أّ‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا الحنابلة ‪ :‬فقالوا ‪ :‬ل تقضى صلة العيد ‪ ،‬فإن أحبّ قضاءها فهو مخيّر إن شاء صلّاها‬
‫أربعا ‪ ،‬إمّا بسلم واحد ‪ ،‬وإمّا بسلمين‬ ‫‪.‬‬

‫‪8- ،‬‬ ‫الصّورة الثّانية ‪ :‬أن ل تكون صلة العيد قد أدّيت جماعةً في وقتها من اليوم الوّل‬
‫وذلك إمّا بسبب عذر ‪ :‬كأن غمّ عليهم الهلل وشهد شهود عند المام برؤية الهلل بعد‬
‫الزّوال ‪ ،‬وإمّا بدون عذر‬ ‫‪.‬‬

‫ففي حالة العذر يجوز تأخيرها إلى اليوم الثّاني سواء كان العيد عيد فطر أو أضحى ؛ لنّه‬
‫قد ثبت عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أنّ قوما شهدوا برؤية الهلل في آخر يوم‬
‫من أيّام رمضان ‪ ،‬فأمر عليه الصلة والسلم بالخروج إلى المصلّى من الغد‬ ‫‪».‬‬

‫وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة فيشرع قضاء صلة العيد في اليوم الثّاني عند تأخّر‬
‫الشّهادة برؤية الهلل ‪ .‬أمّا المالكيّة ‪ :‬فقد أطلقوا القول بعدم قضائها في مثل هذه الحال‬ ‫‪.‬‬

‫ن الشّافعيّة ل يعتبرون صلتها في اليوم الثّاني قضاءً إذا تأخّرت الشّهادة في اليوم‬
‫إلّ أ ّ‬
‫الّذي قبله إلى ما بعد غروب الشّمس ‪ .‬بل ل تقبل الشّهادة حينئذ ويعتبر اليوم الثّاني أوّل‬
‫أيّام العيد‪ ،‬فتكون الصّلة قد أدّيت في وقتها‬ ‫‪.‬‬

‫الصّورة ‪9 -‬‬ ‫الصّورة الثّالثة ‪ :‬أن تؤخّر صلة العيد عن وقتها بدون العذر الّذي ذكرنا في‬
‫الثّانية ‪ .‬فينظر حينئذ ‪ :‬إن كان العيد عيد فطر سقطت أصلًا ولم تقض ‪ .‬وإن كان عيد‬
‫أضحى جاز تأخيرها إلى ثالث أيّام النّحر ‪ ،‬أي يصحّ قضاؤها في اليوم الثّاني ‪ ،‬وإ ّل ففي‬
‫اليوم الثّالث من ارتفاع الشّمس في السّماء إلى أوّل الزّوال ‪ ،‬سواء كان ذلك لعذر أو لغير‬
‫عذر ولكن تلحقه الساءة إن كان غير معذور بذلك‬ ‫‪.‬‬

‫مكان أدائها‬ ‫‪:‬‬

‫وسط ‪10 -‬‬ ‫كلّ مكان طاهر ‪ ،‬يصلح أن تؤدّى فيه صلة العيد ‪ ،‬سواء كان مسجدا أو عرصةً‬
‫البلد أو مفاز ًة خارجها ‪ .‬إلّ أنّه يسنّ الخروج لها إلى الصّحراء أو إلى مفازة واسعة خارج‬
‫البلد تأسّيا بما كان يفعله رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬ ‫‪.‬‬
‫ول بأس أن يستخلف المام غيره في البلدة ليصلّي في المسجد بالضّعفاء الّذين ل طاقة لهم‬
‫بالخروج لها إلى الصّحراء‬ ‫‪.‬‬

‫ن الشّافعيّة قيّدوا أفضليّة الصّلة في الصّحراء بما‬


‫ولم يخالف أحد من الئمّة في ذلك ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫إذا كان مسجد البلد ضيّقا‬ ‫‪.‬‬

‫ن الئمّة لم يزالوا‬
‫وإن كان المسجد واسعا ل يتزاحم فيه النّاس ‪ ،‬فالصّلة فيه أفضل ؛ ل ّ‬
‫ن المسجد أشرف وأنظف ‪ .‬ونقل صاحب المهذّب‬
‫يصلّون صلة العيد بمكّة في المسجد ؛ ول ّ‬
‫عن الشّافعيّ قوله ‪ :‬إن كان المسجد واسعا فصلّى في الصّحراء فل بأس ‪ ،‬وإن كان ضيّقا‬
‫فصلّى فيه ولم يخرج إلى الصّحراء كرهت ؛ لنّه إذا ترك المسجد وصلّى في الصّحراء لم‬
‫يكن عليهم ضرر ‪ ،‬وإذا ترك الصّحراء وصلّى في المسجد الضّيّق تأذّوا بالزّحام ‪ ،‬وربّما‬
‫فات بعضهم الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫كيفيّة أدائها‬ ‫‪:‬‬

‫أوّلً ‪ -‬الواجب من ذلك‬ ‫‪:‬‬

‫يجب ‪11 -‬‬ ‫صلة العيد ‪ ،‬لها حكم سائر الصّلوات المشروعة ‪ ،‬فيجب ويفرض فيها كلّ ما‬
‫ويفرض في الصّلوات الخرى‬ ‫‪.‬‬

‫ويجب فيها ‪ -‬زيادةً على ذلك ‪ -‬ما يلي‬ ‫‪:‬‬

‫أ ّولً ‪ - :‬أن تؤدّى في جماعة وهو قول الحنفيّة والحنابلة‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬


‫ثانيا ‪ - :‬الجهر بالقراءة فيها ‪ ،‬وذلك للنّقل المستفيض عن النّب ّ‬
‫ثالثا ‪ :‬أن يكبّر المصلّي ثلث تكبيرات زوائد بين تكبيرة الحرام والرّكوع في الرّكعة‬
‫الولى ‪ ،‬وأن يكبّر مثلها ‪ -‬أيضا ‪ -‬بين تكبيرة القيام والرّكوع في الرّكعة الثّانية‬ ‫‪.‬‬

‫وسيّان " بالنّسبة لداء الواجب " أن تؤدّى هذه التّكبيرات قبل القراءة أو بعدها ‪ ،‬مع رفع‬
‫اليدين أو بدونهما ‪ ،‬ومع السّكوت بين التّكبيرات أو الشتغال بتسبيح ونحوه‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا الفضل فسنتحدّث عنه عند البحث في كيفيّتها المسنونة‬ ‫‪.‬‬

‫فمن أدرك المام بعد أن كبّر هذه التّكبيرات ‪ :‬فإن كان ل يزال في القيام كبّر المؤتمّ لنفسه‬
‫بمجرّد الدّخول في الصّلة ‪ ،‬وتابع المام ‪ .‬أمّا إذا أدركه راكعا فليركع معه ‪ ،‬وليكبّر‬
‫تكبيرات الزّوائد أثناء ركوعه بدل من تسبيحات الرّكوع‬ ‫‪.‬‬

‫وهذه التّكبيرات الزّائدة قد خالف في وجوبها المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬ثمّ اختلفوا في‬
‫عدد هذه التّكبيرات ومكانها‬ ‫‪.‬‬

‫فالشّافعيّة قالوا ‪ :‬هي سبع في الرّكعة الولى بين تكبيرة الحرام وبدء القراءة ‪ ،‬وخمس في‬
‫الرّكعة الثّانية بين تكبيرة القيام وبدء القراءة أيضا‬ ‫‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّها ستّ تكبيرات في الرّكعة الولى عقب تكبيرة الحرام ‪،‬‬
‫وخمس في الثّانية عقب القيام إلى الرّكعة الثّانية أي قبل القراءة في الرّكعتين‬ ‫‪.‬‬

‫والجهر بالقراءة واجب عند الحنفيّة فقط ‪ .‬واتّفق الجميع على مشروعيّته‬ ‫‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬المندوب من ذلك‬ ‫‪:‬‬

‫‪12 - ،‬‬ ‫ل كان ‪ ،‬أو قراءةً‬


‫يندب في صلة العيدين ك ّل ما يندب في الصّلوات الخرى ‪ :‬فع ً‬
‫وتختصّ صلة العيدين بمندوبات أخرى نجملها فيما يلي‬ ‫‪:‬‬

‫أ ّولً ‪ -‬يسنّ أن يسكت بين كلّ تكبيرتين من التّكبيرات الزّوائد قدر ثلث تسبيحات ول يسنّ‬
‫أن يشتغل بينهما بذكر أو تسبيح‬ ‫‪.‬‬

‫ثانيا ‪ -‬يسنّ أن يرفع يديه عند التّكبيرات الزّوائد إلى شحمة أذنيه ‪ ،‬بخلف تكبيرة الرّكوع‬
‫فل يرفع يديه عندها‬ ‫‪.‬‬

‫ن أن يوالي بين القراءة في الرّكعتين ‪ ،‬وذلك بأن يكبّر التّكبيرات الزّوائد في‬
‫ثالثا ‪ -‬يس ّ‬
‫الرّكعة الولى قبل القراءة ‪ ،‬وفي الرّكعة الثّانية بعدها ‪ ،‬فتكون القراءتان متّصلتين على‬
‫ن أن يقرأ في الرّكعة الولى سورة العلى وفي الرّكعة الثّانية سورة‬
‫ذلك‪ .‬رابعا ‪ -‬يس ّ‬
‫الغاشية ول يلتزمهما دائما كي ل يترتّب على ذلك هجر بقيّة سور القرآن‬ ‫‪.‬‬

‫ن أن يخطب بعدها خطبتين ‪ ،‬ل يختلف في كلّ منهما في واجباتها وسننها عن‬
‫خامسا ‪ -‬يس ّ‬
‫خطبتي الجمعة‬ ‫‪.‬‬

‫إلّ أنّه يستحبّ أن يفتتح الولى منهما بتسع تكبيرات متتابعات والثّانية بسبع مثلها‬ ‫‪.‬‬

‫هذا ول يشرع لصلة العيد أذان ول إقامة ‪ ،‬بل ينادى لها ‪ :‬الصّلة جامعةً‬ ‫‪.‬‬

‫يلي ‪13 -‬‬ ‫ولها ‪ -‬أيضا ‪ -‬سنن تتّصل بها وهي قبل الصّلة أو بعدها نجملها فيما‬ ‫‪:‬‬

‫أ ّولً ‪ :‬أن يطعم شيئا قبل غدوّه إلى الصّلة إذا كان العيد عيد فطر ‪ ،‬ويسنّ أن يكون‬
‫ي « أنّه صلى ال عليه وسلم كان ل يغدو يوم‬
‫المطعوم حلوًا كتمر ونحوه ‪ ،‬لما روى البخار ّ‬
‫الفطر حتّى يأكل تمرات‬ ‫‪».‬‬

‫ثانيا ‪ :‬يسنّ أن يغتسل ويتطيّب ويلبس أحسن ثيابه‬ ‫‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬يسنّ الخروج إلى المصلّى ماشيا ‪ ،‬فإذا عاد ندب له أن يسير من طريق أخرى غير‬
‫الّتي أتى منها ‪ .‬ول بأس أن يعود راكبا‬ ‫‪.‬‬

‫ثمّ إن كان العيد فطرا سنّ الخروج إلى المصلّى بدون جهر بالتّكبير في الصحّ عند الحنفيّة‬
‫‪.‬‬
‫ن الجهر بالتّكبير في الطّريق إليه‬
‫رابعا ‪ :‬إن كان أضحى فيس ّ‬ ‫‪.‬‬

‫قال في الدّرّ المختار ‪ :‬قيل ‪ :‬وفي المصلّى أيضا وعليه عمل النّاس اليوم‬ ‫‪.‬‬
‫واتّفقت بقيّة الئمّة مع الحنفيّة في استحباب الخروج إلى المصلّى ماشيا والعود من طريق‬
‫آخر ‪ ،‬وأن يطعم شيئا يوم عيد الفطر قبل خروجه إلى الصّلة ‪ ،‬وأن يغتسل ويتطيّب ويلبس‬
‫أحسن ثيابه‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا التّكبير في الطّريق إلى المصلّى فقد خالف الحنفيّة في ذلك كلّ من المالكيّة والحنابلة ‪،‬‬
‫والشّافعيّة ‪ ،‬فذهبوا إلى أنّه يندب التّكبير عند الخروج إلى المصلّى والجهر به في كلّ من‬
‫عيدي الفطر والضحى‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا التّكبير في المصلّى ‪ :‬فقد ذهبت الشّافعيّة " في الصحّ من أقوال ثلثة " إلى أنّه يسنّ‬
‫للنّاس الستمرار في التّكبير إلى أن يحرم المام بصلة العيد‬ ‫‪.‬‬

‫ي في حاشيته على‬
‫وذهب المالكيّة ‪ -‬أيضا ‪ -‬إلى ذلك استحسانا ‪ .‬قال العلّامة الدّسوق ّ‬
‫الشّرح الكبير ‪ :‬وأمّا التّكبير جماعةً وهم جالسون في المصلّى فهذا هو الّذي استحسن ‪،‬‬
‫وهو رأي عند الحنابلة أيضا‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا التّكبيرات الزّوائد في الصّلة ‪ :‬فقد خالف الحنفيّة في استحباب موالتها ‪ ،‬وعدم فصل‬
‫ب أن يفصل‬
‫أيّ ذكر بينها كلّ من الحنابلة والشّافعيّة حيث ذهب هؤلء جميعا إلى أنّه يستح ّ‬
‫بينها بذكر ‪ ،‬وأفضله أن يقول ‪ :‬سبحان اللّه والحمد للّه ول إله إلّ اللّه واللّه أكبر ‪ .‬أو‬
‫يقول‪ :‬اللّه أكبر كبيرا والحمد للّه كثيرا وسبحان اللّه وبحمده بكر ًة وأصيلً‬ ‫‪.‬‬

‫ن الفضل‬
‫كما خالف المالكيّة في استحباب رفع اليدين عند التّكبيرات الزّوائد ‪ ،‬فذهبوا إلى أ ّ‬
‫عدم رفع اليدين عند شيء منها‬ ‫‪.‬‬

‫كما خالف المالكيّة ‪ ،‬في عدد التّكبيرات الّتي يستحبّ افتتاح الخطبة بها ‪ .‬ويستحبّ عندهم‬
‫أن تفتتح الخطبة بالتّكبير ول تحديد للعدد عندهم‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه ل سنّة لها قبل ّي ًة ول بعد ّيةً ‪ ،‬ول تصلّى أي نافلة قبلها وقبل الفراغ‬
‫من خطبتها ؛ لنّ الوقت وقت كراهة ‪ ،‬فل يصلّى فيه غير العيد ‪ .‬أمّا بعد الفراغ من الخطبة‬
‫فل بأس بالصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه ل يكره التّنفّل قبلها ول بعدها لما عدا المام ‪ ،‬سواء صلّيت في‬
‫المسجد أو المصلّى‬ ‫‪.‬‬

‫وفصّل المالكيّة فقالوا ‪ :‬يكره التّنفّل قبلها وبعدها إلى الزّوال ‪ ،‬إن أدّيت في المصلّى ول‬
‫يكره إن أدّيت في المسجد‬ ‫‪.‬‬

‫وللحنابلة تفصيل آخر فقد قالوا ‪ :‬ل يتنفّل قبل الصّلة ول بعدها كلّ من المام والمأموم ‪،‬‬
‫في المكان الّذي صلّيت فيه ‪ ،‬فأمّا في غير موضعها فل بأس‬ ‫‪.‬‬

‫مفسدات صلة العيد‬ ‫‪:‬‬


‫خاصّة ‪14 -‬‬ ‫لصلة العيد مفسدات مشتركة ومفسدات‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا مفسداتها المشتركة ‪ :‬فهي مفسدات سائر الصّلوات ‪ ( .‬راجع ‪ :‬صلة‬ ‫‪).‬‬

‫وأمّا مفسداتها الخاصّة بها ‪ ،‬فتلخّص في أمرين‬ ‫‪:‬‬

‫الوّل ‪ :‬أن يخرج وقتها أثناء أدائها بأن يدخل وقت الزّوال ‪ ،‬فتفسد بذلك ‪ .‬قال ابن عابدين‬
‫ل ‪ ،‬اتّفاقا إن كان الزّوال قبل القعود قدر التّشهّد ‪ ،‬وعلى قول‬
‫‪ :‬أي يفسد وصفها وتنقلب نف ً‬
‫المام أبي حنيفة إن كان بعده‬ ‫‪.‬‬

‫الثّاني ‪ :‬انفساخ الجماعة أثناء أدائها ‪ .‬فذلك ‪ -‬أيضا ‪ -‬من مفسدات صلة العيد‬ ‫‪.‬‬

‫وهل يشترط لفسادها أن تفسخ الجماعة قبل أن تقيّد الرّكعة الولى بالسّجدة ‪ ،‬أم تفسد‬
‫مطلقا؟ يرد في ذلك خلف وتفصيله في مفسدات صلة الجمعة ( ر ‪ :‬صلة الجمعة‬ ‫‪).‬‬

‫وخالف المالكيّة والشّافعيّة بالنّسبة لنفساخ الجماعة‬ ‫‪.‬‬

‫ما يترتّب على فسادها‬ ‫‪:‬‬

‫العمد ‪15 -‬‬ ‫قال صاحب البدائع ‪ :‬إن فسدت صلة العيد بما تفسد به سائر الصّلوات من الحدث‬
‫وغير ذلك ‪ ،‬يستقبل الصّلة على شرائطها ‪ ،‬وإن فسدت بخروج الوقت ‪ ،‬أو فاتت عن‬
‫وقتها مع المام سقطت ول يقضيها عندنا‬ ‫‪.‬‬

‫وسائر الئمّة متّفقون على أنّ صلة العيد إذا فسدت بما تفسد به سائر الصّلوات الخرى ‪،‬‬
‫تستأنف من جديد‬ ‫‪.‬‬

‫أمّا إن فسدت بخروج الوقت فقد اختلفوا في حكم قضائها أو إعادتها ‪ ،‬وقد م ّر تفصيل‬
‫البحث في ذلك عند الكلم على وقت صلة العيد ف ‪ 7 /‬وما بعدها‬ ‫‪.‬‬

‫شعائر وآداب العيد‬ ‫‪:‬‬

‫التّكبير ‪16 -‬‬ ‫أمّا شعائره فأبرزها ‪:‬‬ ‫‪.‬‬

‫وصيغته ‪ :‬اللّه أكبر اللّه أكبر ل إله إلّ اللّه ‪ ،‬واللّه أكبر اللّه أكبر ‪ ،‬وللّه الحمد‬ ‫‪.‬‬

‫وخالفت الشّافعيّة والمالكيّة ‪ ،‬فذهبوا إلى جعل التّكبيرات الولى في الصّيغة ثلثا بدل ثنتين‬
‫‪ .‬ثمّ إنّ هذا التّكبير يعتبر شعارا لكلّ من عيدي الفطر والضحى ‪ ،‬أمّا مكان التّكبير وحكمه‬
‫‪12‬‬ ‫‪.‬وكيفيّته في عيد الفطر فقد مرّ الحديث عنه ف ‪/‬‬
‫وأمّا حكمه ومكانه في عيد الضحى ‪ ،‬فيجب التّكبير مرّ ًة عقب كلّ فرض أدّي جماعةً ‪ ،‬أو‬
‫قضي في أيّام العيد ‪ ،‬ولكنّه كان متروكا فيها ‪ ،‬من بعد فجر يوم عرفة إلى ما بعد عصر‬
‫يوم العيد‬ ‫‪.‬‬
‫وذهب أبو يوسف ومحمّد " وهو المعتمد في المذهب " إلى أنّه يجب بعد كلّ فرض مطلقا ‪،‬‬
‫ولو كان المصلّي منفردا أو مسافرا أو امرأةً ‪ ،‬من فجر يوم عرفة إلى ما بعد عصر اليوم‬
‫الثّالث من أيّام التّشريق‬ ‫‪.‬‬

‫ن التّكبير سنّة أو سنّة مؤكّدة وليس‬


‫أمّا ما يتعلّق بحكم التّكبير ‪ :‬فسائر المذاهب على أ ّ‬
‫بواجب‬ ‫‪.‬‬

‫والمالكيّة يشرع التّكبير عندهم إثر خمس عشرة صلةً تبدأ من ظهر يوم النّحر‬ ‫‪.‬‬

‫وأمّا ما يتعلّق بنوع الصّلة الّتي يشرع بعدها التّكبير ‪ :‬فقد اختلفت في ذلك المذاهب ‪:‬‬
‫فالشّافعيّة على أنّه يشرع التّكبير عقب كلّ الصّلوات فرضا كانت أم نافلةً على اختلفها لنّ‬
‫ص بنوع من الصّلة دون آخر‬
‫التّكبير شعار الوقت فل يخت ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ص بالفروض المؤدّاة جماع ًة من صلة الفجر يوم عرفة إلى صلة‬


‫والحنابلة على أنّه يخت ّ‬
‫العصر من آخر أيّام التّشريق ‪ ،‬فل يشرع عقب ما أدّي فرادى من الصّلوات‬ ‫‪.‬‬

‫والمالكيّة على أنّه يشرع عقب الفرائض الّتي تصلّى أداءً ‪ ،‬فل يشرع عقب ما صلّي من‬
‫ذلك قضا ًء مطلقا أي سواء كان متروكات العيد أم ل‬ ‫‪.‬‬

‫‪ .‬من الموسوعة‬ ‫‪15‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪14‬‬ ‫‪ ،‬ف ‪، 7/‬‬ ‫‪13/‬‬ ‫ر ‪ :‬تكبير ج‬ ‫‪.‬‬

‫ولبس ‪17 -‬‬ ‫وأمّا آدابه فمنها ‪ :‬الغتسال ويدخل وقته بنصف اللّيل ‪ ،‬والتّطيّب ‪ ،‬والستياك ‪،‬‬
‫ن أن يكون ذلك قبل الصّلة ‪ ،‬وأداء فطرته قبل الصّلة‬
‫أحسن الثّياب ‪ .‬ويس ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ومن آداب العيد ‪ :‬إظهار البشاشة والسّرور فيه أمام الهل والقارب والصدقاء ‪ ،‬وإكثار‬
‫الصّدقات ‪ .‬قال في الدّ ّر المختار ‪ :‬والتّهنئة بتقبّل اللّه منّا ومنكم ل تنكر‬ ‫‪.‬‬

‫ن ذلك حسن ل ينكر ‪ ،‬واستند في‬


‫ونقل ابن عابدين الخلف في ذلك ثمّ صحّح القول بأ ّ‬
‫ن ذلك مستحبّ في‬
‫ج من قوله ‪ :‬بأ ّ‬
‫تصحيحه هذا إلى ما نقله عن المحقّق ابن أمير الحا ّ‬
‫الجملة ‪ .‬وقاس على ذلك ما اعتاده أهل البلد الشّاميّة والمصريّة من قولهم لبعض ‪ :‬عيد‬
‫مبارك‬ ‫‪.‬‬

‫وذكر الشّهاب ابن حجر ‪ -‬أيضا ‪ -‬أنّ هذه التّهنئة على اختلف صيغها مشروعة ‪ ،‬واحتجّ‬
‫له بأنّ البيهقيّ عقد له بابا فقال ‪ :‬باب ما روي في قول النّاس بعضهم لبعض في العيد ‪:‬‬
‫تقبّل اللّه منّا ومنكم ‪ ،‬وساق فيه ما ذكره من أخبار وآثار ضعيفة لكن مجموعها يحتجّ به‬
‫في مثل ذلك ‪ ،‬ثمّ قال الشّهاب ‪ :‬ويحتجّ لعموم التّهنئة بسبب ما يحدث من نعمة ‪ ،‬أو يندفع‬
‫من نقمة بمشروعيّة سجود الشّكر ‪ ،‬وبما في الصّحيحين « عن كعب بن مالك في قصّة‬
‫توبته لمّا تخلّف في غزوة تبوك ‪ :‬أنّه لمّا بشّر بقبول توبته مضى إلى النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم قام إليه طلحة بن عبيد اللّه فهنّأه‬ ‫‪».‬‬
‫كما يكره حمل السّلح فيه ‪ ،‬إلّ أن يكون مخافة عد ّو مثلً ؛ لما ورد في ذلك من النّهي عن‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬ ‫‪.‬‬

‫الصّلَةُ على الغَائب‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬جنائز‬ ‫‪.‬‬

‫صَلَةُ الفَجر‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬الصّلوات الخمس المفروضة‬ ‫‪.‬‬

‫صَلَةُ الفَوائت‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬قضاء الفوائت‬ ‫‪.‬‬

‫الصّلَةُ في السّفينة‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬سفينة‬ ‫‪.‬‬

‫الصّلَةُ في الكَعبة‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬كعبة‬ ‫‪.‬‬

‫صَلَةُ قيام اللّيل‬ ‫*‬

‫انظر ‪ :‬قيام اللّيل‬ ‫‪.‬‬

‫صَلَةُ ال ُكسُوف‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫والكسوف ‪1 -‬‬ ‫هذا المصطلح مركّب في لفظين تركيب إضافة ‪ :‬صلة ‪،‬‬ ‫‪.‬‬

‫فالصّلة تنظر في مصطلح ‪ ( :‬صلة‬ ‫‪).‬‬

‫أمّا الكسوف ‪ :‬فهو ذهاب ضوء أحد النّيّرين " الشّمس ‪ ،‬والقمر " أو بعضه ‪ ،‬وتغيّره إلى‬
‫سواد ‪ ،‬يقال ‪ :‬كسفت الشّمس ‪ ،‬وكذا خسفت ‪ ،‬كما يقال ‪ :‬كسف القمر ‪ ،‬وكذا خسف ‪،‬‬
‫فالكسوف ‪ ،‬والخسوف ‪ ،‬مترادفان ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الكسوف للشّمس ‪ ،‬والخسوف للقمر ‪ ،‬وهو‬
‫الشهر في اللّغة‬ ‫‪.‬‬

‫وصلة الكسوف ‪ :‬صلة تؤدّى بكيفيّة مخصوصة ‪ ،‬عند ظلمة أحد النّيّرين أو بعضهما‬ ‫‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ‬ ‫‪:‬‬


‫واجبة ‪2 -‬‬ ‫الصّلة لكسوف الشّمس سنّة مؤكّدة عند جميع الفقهاء ‪ ،‬وفي قول للحنفيّة ‪ :‬إنّها‬
‫‪.‬‬
‫أمّا الصّلة لخسوف القمر فهي سنّة مؤكّدة عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهي حسنة عند‬
‫الحنفيّة‪ ،‬ومندوبة عند المالكيّة‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم قال‬


‫والصل في ذلك الخبار الصّحيحة ‪ :‬كخبر الشّيخين ‪ :‬أنّ النّب ّ‬ ‫‪:‬‬

‫فإذا «‬ ‫ن الشّمس والقمر آيتان من آيات اللّه ‪ ،‬ل ينكسفان لموت أحد ‪ ،‬ول لحياته ‪،‬‬
‫إّ‬
‫رأيتموهما فادعوا اللّه ‪ ،‬وصلّوا حتّى ينجلي » ‪ « ،‬ولنّه صلى ال عليه وسلم صلّاها‬
‫لكسوف الشّمس » كما رواه الشّيخان ‪ ،‬ولكسوف القمر كما رواه ابن حبّان في كتابه‬
‫‪.‬الثّقات‬
‫وعن « ابن عبّاس ‪ -‬رضي ال عنه ‪ : -‬أنّه صلّى بأهل البصرة في خسوف القمر ركعتين‬
‫وقال ‪ :‬إنّما صلّيت لنّي رأيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يصلّي‬ ‫‪».‬‬

‫ي غيرها‬
‫والصّارف عن الوجوب ‪ :‬حديث العرابيّ المعروف ‪ « :‬هل عل ّ‬ ‫‪».‬‬

‫ولنّها صلة ذات ركوع وسجود ‪ ،‬ل أذان لها ول إقامة ‪ ،‬كصلة الستسقاء‬ ‫‪.‬‬

‫وقت صلة الكسوف‬ ‫‪:‬‬

‫إذا ‪3 -‬‬ ‫ي صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬


‫ووقتها من ظهور الكسوف إلى حين زواله ؛ لقول النّب ّ‬
‫رأيتموهما فادعوا اللّه وصلّوا حتّى ينجلي » فجعل النجلء غايةً للصّلة ؛ ولنّها شرعت‬
‫رغب ًة إلى اللّه في ر ّد نعمة الضّوء ‪ ،‬فإذا حصل ذلك حصل المقصود من الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫صلة الكسوف في الوقات الّتي تكره فيها الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫ذلك ‪4 -‬‬ ‫اختلف الفقهاء في‬ ‫‪.‬‬

‫فذهب الحنفيّة ‪ ،‬وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة ‪ ،‬وهو رواية عن مالك إلى أنّها ل تصلّى‬
‫في الوقات الّتي ورد النّهي عن الصّلة فيها ‪ ،‬كسائر الصّلوات ‪ ،‬فإن صادف الكسوف في‬
‫ل ‪ ،‬واستغفارا ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬لنّه إن‬
‫هذه الوقات لم تصلّ ‪ ،‬جعل في مكانها تسبيحا ‪ ،‬وتهلي ً‬
‫كانت هذه الصّلة نافلةً فالتّنفّل في هذه الوقات مكروه وإن كان لها سبب ‪ ،‬وإن كانت‬
‫واجبةً فأداء الصّلة الواجبة فيها مكروه أيضا‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الشّافعيّة ‪ -‬وهو رواية أخرى عن مالك ورواية عن أحمد ‪ : -‬تصلّى في كلّ‬
‫الوقات ‪ ،‬كسائر الصّلوات الّتي لها سبب متقدّم أو مقارن ‪ ،‬كالمقضيّة وصلة الستسقاء ‪،‬‬
‫وركعتي الوضوء ‪ ،‬وتحيّة المسجد‬ ‫‪.‬‬

‫والرّواية الثّالثة عن مالك ‪ :‬أنّها إذا طلعت مكسوفةً يصلّى حا ًل ‪ ،‬وإذا دخل العصر‬
‫مكسوف ًة ‪ ،‬أو كسفت عندهما لم يصلّ لها‬ ‫‪.‬‬
‫فوات صلة الكسوف‬ ‫‪:‬‬

‫أمرين ‪5 -‬‬ ‫تفوت صلة كسوف الشّمس بأحد‬ ‫‪:‬‬

‫الوّل ‪ :‬انجلء جميعها ‪ ،‬فإن انجلى البعض فله الشّروع في الصّلة للباقي ‪ ،‬كما لو لم‬
‫ينكسف إلّ ذلك القدر‬ ‫‪.‬‬

‫الثّاني ‪ :‬بغروبها كاسفةً‬ ‫‪.‬‬

‫ويفوت خسوف القمر بأحد أمرين‬ ‫‪:‬‬

‫الوّل ‪ :‬النجلء الكامل‬ ‫‪.‬‬

‫الثّاني ‪ :‬طلوع الشّمس‬ ‫‪.‬‬

‫ن الصل بقاء الكسوف ‪ .‬ولو كانا تحت‬


‫ولو حال سحاب ‪ ،‬وشكّ في النجلء صلّى ؛ ل ّ‬
‫غمام‪ ،‬فظنّ الكسوف لم يص ّل حتّى يستيقن‬ ‫‪.‬‬

‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن غاب القمر وهو خاسف لم يصلّ ‪ .‬وإن صلّ ولم تنجل لم تكرّر الصّلة ‪،‬‬
‫لنّه لم ينقل عن أحد ‪ ،‬وإن انجلت وهو في الصّلة أتمّها ؛ لنّها صلة أصل ‪ ،‬غير بدل عن‬
‫غيرها ؛ فل يخرج منها بخروج وقتها كسائر الصّلوات‬ ‫‪.‬‬

‫سنن صلة الكسوف‬ ‫‪:‬‬

‫الكسوف ‪6 -‬‬ ‫يسنّ لمريد صلة‬ ‫‪:‬‬

‫أ ‪ -‬أن يغتسل لها ؛ لنّها صلة شرع لها الجتماع‬ ‫‪.‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬صلّاها في‬


‫ن النّب ّ‬
‫ب ‪ -‬وأن تصلّى حيث تصلّى الجمعة ؛ « ل ّ‬
‫‪» .‬المسجد‬
‫ج ‪ -‬وأن يدعى لها ‪ " :‬الصّلة جامع ًة " لما روى عبد اللّه بن عمرو ‪ -‬رضي ال عنهما ‪-‬‬
‫ن الصّلة‬
‫‪ « :‬قال ‪ :‬لمّا كسفت الشّمس على عهد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم نودي ‪ :‬إ ّ‬
‫جامعة » وليس لها أذان ول إقامة اتّفاقا‬ ‫‪.‬‬

‫د ‪ -‬وأن يكثر ذكر اللّه ‪ ،‬والستغفار ‪ ،‬والتّكبير والصّدقة ‪ ،‬والتّقرّب إلى اللّه تعالى بما‬
‫استطاع من القرب ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬فإذا رأيتم ذلك فادعوا اللّه‬
‫وكبّروا وصلّوا وتصدّقوا‬ ‫‪».‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم صلّاها في جماعة‬


‫هـ ‪ -‬وأن يصلّوا جماع ًة لنّ « النّب ّ‬ ‫‪».‬‬

‫وقال أبو حنيفة ‪ ،‬ومالك ‪ :‬يصلّى لخسوف القمر وحدانا ‪ :‬ركعتين ‪ ،‬ركعتين ‪ ،‬ول يصلّونها‬
‫ي صلى ال عليه وسلم مع أنّ‬
‫ن الصّلة جماعةً لخسوف القمر لم تنقل عن النّب ّ‬
‫جماعةً ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الصل أنّ غير المكتوبة ل تؤدّى بجماعة إلّ‬
‫خسوفه كان أكثر من كسوف الشّمس ؛ ول ّ‬
‫إذا ثبت ذلك بدليل ‪ ،‬ول دليل فيها‬ ‫‪.‬‬
‫الخطبة فيها‬ ‫‪:‬‬

‫ذلك ‪7 -‬‬ ‫قال أبو حنيفة ومالك وأحمد ‪ :‬ل خطبة لصلة الكسوف ‪ ،‬وذلك لخبر ‪ « :‬فإذا رأيتم‬
‫فادعوا اللّه ‪ ،‬وكبّروا ‪ ،‬وصلّوا وتصدّقوا » أمرهم ‪ -‬عليه الصلة والسلم ‪ -‬بالصّلة ‪،‬‬
‫والدّعاء ‪ ،‬والتّكبير ‪ ،‬والصّدقة ‪ ،‬ولم يأمرهم بخطبة ‪ ،‬ولو كانت الخطبة مشروعةً فيها‬
‫لمرهم بها ؛ ولنّها صلة يفعلها المنفرد في بيته ؛ فلم يشرع لها خطبة‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يسنّ أن يخطب لها بعد الصّلة خطبتان ‪ ،‬كخطبتي العيد ‪ .‬لما روت عائشة‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لمّا فرغ من الصّلة قام وخطب‬
‫‪ -‬رضي ال عنها ‪ « : -‬أنّ النّب ّ‬
‫النّاس ‪ ،‬فحمد اللّه وأثنى عليه ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات اللّه عزّ‬
‫وجلّ ‪ ،‬ل يخسفان لموت أحد ول لحياته ‪ ،‬فإذا رأيتم ذلك فادعوا اللّه وكبّروا وصلّوا‬
‫وتصدّقوا‬ ‫‪».‬‬

‫ال ‪8 -‬‬ ‫ن عائشة ‪ ،‬وأسماء ‪ -‬رضي‬


‫وتشرع صلة الكسوف للمنفرد ‪ ،‬والمسافر والنّساء ؛ ل ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫عنهما ‪ -‬صلّتا مع النّب ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ويستحبّ للنّساء غير ذوات الهيئات أن يصلّين مع المام ‪ ،‬وأمّا اللّواتي تخشى الفتنة منهنّ‬
‫ن ل يخطبن‬
‫فيصلّين في البيوت منفردات ‪ .‬فإن اجتمعن فل بأس ‪ ،‬إلّ أنّه ّ‬ ‫‪.‬‬

‫إذن المام بصلة الكسوف‬ ‫‪:‬‬

‫المام ‪9 -‬‬ ‫ل يشترط لقامتها إذن المام ؛ لنّها نافلة وليس إذنه شرطا في نافلة ‪ ،‬فإذا ترك‬
‫صلة الكسوف فللنّاس أن يصلّوها علني ًة إن لم يخافوا فتن ًة ‪ ،‬وسرّا إن خافوها ‪ ،‬إلى هذا‬
‫ذهب الشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الحنفيّة في ظاهر الرّواية ‪ :‬ل يقيمها جماعةً إلّ المام الّذي يصلّي بالنّاس الجمعة‬
‫ن أداء هذه الصّلة جماعةً عرف بإقامة رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فل‬
‫والعيدين ‪ ،‬ل ّ‬
‫يقيمها إلّ من هو قائم مقامه ‪ .‬فإن لم يقمها المام صلّى النّاس حينئذ فرادى ‪ .‬وروي عن‬
‫أبي حنيفة أنّه قال ‪ :‬إنّ لك ّل إمام مسجد أن يصلّي بالنّاس في مسجده بجماعة ؛ لنّ هذه‬
‫الصّلة غير متعلّقة بالمصر ‪ ،‬فل تكون متعلّقةً بالسّلطان كغيرها من الصّلوات‬ ‫‪.‬‬

‫كيفيّة صلة الكسوف‬ ‫‪:‬‬

‫‪10 - .‬‬ ‫ل خلف بين الفقهاء في أنّ صلة الكسوف ركعتان ‪ .‬واختلفوا في كيفيّة الصّلة بها‬
‫وذهب الئمّة ‪ :‬مالك ‪ ،‬والشّافعيّ ‪ ،‬وأحمد ‪ :‬إلى أنّها ركعتان في كلّ ركعة قيامان ‪،‬‬
‫وقراءتان‪ ،‬وركوعان ‪ ،‬وسجدتان‬ ‫‪.‬‬

‫واستدلّوا ‪ :‬بما رواه ابن عبّاس ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬قال ‪ « :‬كسفت الشّمس على عهد‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فصلّى الرّسول صلى ال عليه وسلم والنّاس معه ‪ ،‬فقام‬
‫ل ‪ ،‬ثمّ قام قياما طويلً وهو دون‬
‫ل نحوا من سورة البقرة ‪ ،‬ثمّ ركع ركوعا طوي ً‬
‫قياما طوي ً‬
‫القيام الوّل ‪ ،‬ثمّ ركع ركوعا طويلً ‪ ،‬وهو دون الرّكوع الوّل‬ ‫‪».‬‬

‫وقالوا ‪ :‬وإن كانت هناك روايات أخرى ‪ ،‬إلّ أنّ هذه الرّواية هي أشهر الرّوايات في الباب ‪.‬‬
‫صحّة فيجزئ في أصل السّنّة ركعتان‬
‫والخلف بين الئمّة في الكمال ل في الجزاء وال ّ‬
‫كسائر النّوافل عند الجميع‬ ‫‪.‬‬

‫وأدنى الكمال عند الئمّة الثّلثة ‪ :‬أن يحرم بنيّة صلة الكسوف ‪ ،‬ويقرأ فاتحة الكتاب ‪ ،‬ثمّ‬
‫يركع ‪ ،‬ثمّ يرفع رأسه ويطمئنّ ‪ ،‬ثمّ يركع ثانيا ‪ ،‬ثمّ يرفع ويطمئنّ ‪ ،‬ثمّ يسجد سجدتين فهذه‬
‫ركعة ‪ .‬ثمّ يصلّي ركعةً أخرى كذلك ‪ .‬فهي ركعتان ‪ :‬في كلّ ركعة قيامان ‪ ،‬وركوعان ‪،‬‬
‫وسجدتان ‪ .‬وباقي الصّلة من قراءة ‪ ،‬وتشهّد ‪ ،‬وطمأنينة كغيرها من الصّلوات‬ ‫‪.‬‬

‫وأعلى الكمال ‪ :‬أن يحرم ‪ ،‬ويستفتح ‪ ،‬ويستعيذ ‪ ،‬ويقرأ الفاتحة ‪ ،‬سورة البقرة ‪ ،‬أو قدرها‬
‫في الطّول ‪ ،‬ثمّ يركع ركوعا طويلً فيسبّح قدر مائة آية ‪ ،‬ثمّ يرفع من ركوعه ‪ ،‬فيسبّح ‪،‬‬
‫ويحمد في اعتداله ‪ .‬ثمّ يقرأ الفاتحة ‪ ،‬وسورةً دون القراءة الولى ‪ :‬آل عمران ‪ ،‬أو‬
‫قدرها‪ ،‬ثمّ يركع فيطيل الرّكوع ‪ ،‬وهو دون الرّكوع الوّل ‪ ،‬ثمّ يرفع من الرّكوع ‪ ،‬فيسبّح ‪،‬‬
‫ويحمد ‪ ،‬ول يطيل العتدال ‪ ،‬ثمّ يسجد سجدتين طويلتين ‪ ،‬ول يطيل الجلوس بين السّجدتين‬
‫‪ .‬ثمّ يقوم إلى الرّكعة الثّانية ‪ ،‬فيفعل مثل ذلك المذكور في الرّكعة الولى من الرّكوعين‬
‫وغيرهما ‪ ،‬لكن يكون دون الوّل في الطّول في كلّ ما يفعل ثمّ يتشهّد ويسلّم‬ ‫‪.‬‬

‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إنّها ركعتان ‪ ،‬في كلّ ركعة قيام واحد‪ ،‬وركوع واحد وسجدتان كسائر‬
‫النّوافل‪ .‬واستدلّوا بحديث أبي بكرة ‪ ،‬قال ‪ « :‬خسفت الشّمس على عهد رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم فخرج يجرّ رداءه حتّى انتهى إلى المسجد وثاب النّاس إليه ‪ ،‬فصلّى بهم‬
‫ركعتين » ‪ .‬إلخ " ومطلق الصّلة تنصرف إلى الصّلة المعهودة ‪ .‬وفي رواية ‪ « :‬فصلّى‬
‫ركعتين كما يصلّون‬ ‫‪».‬‬

‫الجهر بالقراءة والسرار بها‬ ‫‪:‬‬

‫عنها‪11 - -‬‬ ‫يجهر بالقراءة في خسوف القمر ؛ لنّها صلة ليليّة ولخبر عائشة ‪ -‬رضي ال‬
‫ي صلى ال عليه وسلم جهر في صلة الخسوف‬
‫قالت ‪ « :‬إنّ النّب ّ‬ ‫‪».‬‬

‫ول يجهر في صلة كسوف الشّمس ؛ لما روى ابن عبّاس ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬قال ‪« :‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم صلّى صلة الكسوف ‪ ،‬فلم نسمع له صوتا‬
‫إّ‬ ‫‪».‬‬

‫وإلى هذا ذهب أبو حنيفة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ .‬وقال أحمد ‪ ،‬وأبو يوسف ‪ :‬يجهر بها ‪،‬‬
‫وهو رواية عن مالك ‪ .‬وقالوا ‪ :‬قد روي ذلك عن عليّ ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬وفعله عبد اللّه‬
‫بن زيد وبحضرته البراء بن عازب ‪ ،‬وزيد بن أرقم ‪ .‬وروت عائشة ‪ -‬رضي ال عنها ‪: -‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬صلّى صلة الكسوف ‪ ،‬وجهر فيها بالقراءة » ولنّها‬
‫« أنّ النّب ّ‬
‫نافلة شرعت لها الجماعة ‪ ،‬فكان من سننها الجهر كصلة الستسقاء ‪ ،‬والعيدين‬ ‫‪.‬‬

‫اجتماع الكسوف بغيرها من الصّلوات‬ ‫‪:‬‬

‫صلة ‪12 -‬‬ ‫إذا اجتمع مع الكسوف أو الخسوف غيره من الصّلة ‪ :‬كالجمعة ‪ ،‬أو العيد ‪ ،‬أو‬
‫مكتوبة ‪ ،‬أو الوتر ‪ ،‬ولم يُؤمَن من الفوات ‪ ،‬قدّم الخوف فوتا ثمّ الكد ‪ ،‬فتقدّم الفريضة ‪،‬‬
‫ثمّ الجنازة ‪ ،‬ثمّ العيد ‪ ،‬ثمّ الكسوف‬ ‫‪.‬‬

‫ن صلته آكد حينئذ لخوف فوتها‬


‫ولو اجتمع وتر وخسوف قدّم الخسوف ؛ ل ّ‬ ‫‪.‬‬

‫وإن أمن من الفوات ‪ ،‬تقدّم الجنازة ثمّ الكسوف أو الخسوف ‪ ،‬ثمّ الفريضة‬ ‫‪.‬‬

‫الصّلة لغير الكسوف من اليات‬ ‫‪:‬‬

‫‪13 - ،‬‬ ‫قال الحنفيّة ‪ :‬تستحبّ الصّلة في كلّ فزع ‪ :‬كالرّيح الشّديدة ‪ ،‬والزّلزلة ‪ ،‬والظّلمة‬
‫ن ابن عبّاس ‪ -‬رضي ال‬
‫والمطر الدّائم لكونها من الفزاع ‪ ،‬والهوال ‪ .‬وقد روي ‪ :‬أ ّ‬
‫عنهما ‪ -‬صلّى لزلزلة بالبصرة‬ ‫‪.‬‬

‫وعند الحنابلة ‪ :‬ل يصلّى لشيء من ذلك إلّ الزّلزلة الدّائمة ‪ ،‬فيصلّى لها كصلة الكسوف ؛‬
‫لفعل ابن عبّاس ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬أمّا غيرها فلم ينقل عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫ول عن أحد من أصحابه الصّلة له‬ ‫‪.‬‬

‫وفي رواية عن أحمد ‪ :‬أنّه يصلّى لكلّ آية‬ ‫‪.‬‬

‫ب أن يصلّى في بيته ‪،‬‬


‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل يصلّى لغير الكسوفين صلة جماعة ‪ ،‬بل يستح ّ‬
‫وأن يتضرّع إلى اللّه بالدّعاء عند رؤية هذه اليات ‪ ،‬وقال المام الشّافعيّ ‪ -‬رحمه ال ‪: -‬‬
‫ل آمر بصلة جماعة في زلزلة ‪ ،‬ول ظلمة ‪ ،‬ول لصواعق ‪ ،‬ول ريح ‪ ،‬ول غير ذلك من‬
‫اليات‪ ،‬وآمر بالصّلة منفردين ‪ ،‬كما يصلّون منفردين سائر الصّلوات‬ ‫‪.‬‬

‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل يصلّى لهذه اليات مطلقا‬ ‫‪.‬‬

‫صَلَةُ ال َمرِيض‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫‪1-.‬‬ ‫المريض لغةً ‪ :‬من المرض ‪ ،‬والمرض ‪ -‬بفتح الرّاء وسكونها ‪ -‬فساد المزاج‬
‫والمرض اصطلحا ‪ :‬ما يعرض للبدن ‪ ،‬فيخرجه عن العتدال الخاصّ ‪ ،‬والمريض من‬
‫اتّصف بذلك‬ ‫‪.‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫صلة أهل العذار‬ ‫‪:‬‬


‫والمريض ‪2 -‬‬ ‫أهل العذار ‪ :‬هم الخائف ‪ ،‬والعريان ‪ ،‬والغريق ‪ ،‬والسّجين ‪ ،‬والمسافر ‪،‬‬
‫وغيرهم ‪ ،‬وبعض هذه اللفاظ أفردت له أحكام خاصّة ‪ ،‬وبعضها تدخل أحكامه في صلة‬
‫المريض‬ ‫‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ‬ ‫‪:‬‬

‫النّوافل ‪3 -‬‬ ‫ن‬


‫ل خلف بين الفقهاء في جواز صلة التّطوّع قاعدا مع القدرة على القيام ؛ ل ّ‬
‫ن القيام‬
‫ل شقّ ذلك ؛ وانقطعت النّوافل ‪ ،‬ول خلف في أ ّ‬
‫تكثر‪ ،‬فلو وجب فيها القيام مث ً‬
‫أفضل‪ .‬أمّا صلة الفرض فحكمها التّكليفيّ يختلف باختلف نوع المرض ‪ ،‬وتأثيره على‬
‫ي والكفائيّ ‪ ،‬كصلة الجنازة ‪ ،‬وصلة العيد‬
‫الفعال والقوال فيها ‪ ،‬وهي تشمل الفرض العين ّ‬
‫عند من أوجبها ‪ ،‬وتشمل الواجب بالنّذر على من نذر القيام فيه‬ ‫‪.‬‬

‫ن من ل يطيق القيام له أن يصلّي جالسا‬


‫وقد أجمع الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ضابط المرض الّذي يعتبر عذرا في الصّلة‬ ‫‪:‬‬

‫زيادة ‪4 -‬‬ ‫إذا تعذّر على المريض كلّ القيام ‪ ،‬أو تعسّر القيام كلّه ‪ ،‬بوجود ألم شديد أو خوف‬
‫المرض أو بطئه ‪ -‬يصلّي قاعدا بركوع وسجود‬ ‫‪.‬‬

‫واللم الشّديد كدوران رأس ‪ ،‬أو وجع ضرس ‪ ،‬أو شقيقة أو رمد‬ ‫‪.‬‬

‫ويخرج به ما لو لحق المصلّي نوع من المشقّة فإنّه ل يجوز له ترك القيام‬ ‫‪.‬‬

‫ومثل اللم الشّديد خوف لحوق الضّرر من عدوّ آدميّ أو غيره على نفسه أو ماله لو صلّى‬
‫قائما ‪ .‬وكذلك لو غلب على ظنّه بتجربة سابقة ‪ ،‬أو إخبار طبيب مسلم أنّه لو قام زاد سلس‬
‫بوله ‪ ،‬أو سال جرحه ‪ ،‬أو أبطأ برؤه ‪ ،‬فإنّه يترك القيام ويصلّي قاعدا‬ ‫‪.‬‬

‫ي ‪ ،‬وما سواه فهو حكميّ‬


‫وإذا تعذّر ك ّل القيام فهذا القدر الحقيق ّ‬ ‫‪.‬‬

‫صور العجز والمشقّة‬ ‫‪:‬‬

‫عدم القدرة على القيام‬ ‫‪:‬‬

‫كانت ‪5 -‬‬ ‫القيام ركن في الصّلة المفروضة لما ورد عن عمران بن حصين ‪ -‬أنّه قال ‪« : -‬‬
‫بي بواسير ‪ ،‬فسألت رسول اللّه ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬فقال ‪ :‬صلّ قائما ‪ ،‬فإن لم‬
‫تستطع فقاعدا ‪ ،‬فإن لم تستطع فعلى جنبك‬ ‫‪».‬‬

‫ن الطّاعة بحسب الطّاقة‬


‫فإن عجز عن القيام صلّى قاعدا ؛ للحديث المذكور ؛ ول ّ‬ ‫‪.‬‬

‫فإن صلّى مع المام قائما بعض الصّلة ‪ ،‬وفتر في بعضها فصلّى جالسا صحّت صلته‬ ‫‪.‬‬

‫ومن صلّى قاعدا يركع ويسجد ثمّ برئ بنى على صلته قائما عند الحنفيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪،‬‬
‫وجاز عند المالكيّة أن يقوم ببعض الصّلة ثمّ يصلّي على قدر طاقته ثمّ يرجع فيقوم ببعضها‬
‫الخر‪ ،‬وكذلك الجلوس إن تقوّس ظهره حتّى صار كأنّه راكع ‪ ،‬رفع رأسه في موضع القيام‬
‫على قدر طاقته ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ( انحناء‬ ‫‪).‬‬

‫عدم القدرة على القيام لوجود علّة بالعين‬ ‫‪:‬‬

‫المسلم ‪6 -‬‬ ‫إن كان بعين المريض وجع ‪ ،‬بحيث لو قعد أو سجد زاد ألم عينه فأمره الطّبيب‬
‫الثّقة بالستلقاء أيّاما ‪ ،‬ونهاه عن القعود والسّجود ‪ ،‬وهو قادر على القيام فقيل له ‪ :‬إن‬
‫صلّيت مستلقيًا أمكن مداواتك فقد اختلف الفقهاء فيه على رأيين‬ ‫‪:‬‬

‫الوّل ‪ :‬عند جمهور الفقهاء يجوز له ترك القيام ؛ لنّه يخاف الضّرر من القيام فأشبه‬
‫ن حرمة العضاء كحرمة النّفس‬
‫المريض فيجزئه أن يستلقي ويصلّي باليماء ل ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ن ابن عبّاس ‪ -‬رضي‬


‫الثّاني ‪ :‬ل يجوز له ترك القيام ‪ ،‬وهو وجه عند الشّافعيّة لما روي أ ّ‬
‫ال عنهما ‪ -‬لمّا وقع في عينيه الماء حمل إليه عبد الملك الطبّاء فقيل له ‪ :‬إنّك تمكث‬
‫سبعة أيّام ل تصلّي إلّ مستلقيا فسأل عائشة ‪ ،‬وأمّ سلمة ‪ -‬رضي ال عنهما ‪ -‬فنهتاه‬ ‫‪.‬‬

‫عدم القدرة على رفع اليدين في التّكبير عند القيام أو غيره‬ ‫‪:‬‬

‫ال ‪7 -‬‬ ‫يستحبّ رفع اليدين مع تكبيرة الحرام حذو منكبيه ؛ لما ورد عن ابن عمر – رضي‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان إذا افتتح الصّلة رفع يديه حذو منكبيه ‪،‬‬
‫عنهما ‪ « -‬أ ّ‬
‫وإذا كبّر للرّكوع ‪ ،‬وإذا رفع رأسه من الرّكوع‬ ‫‪».‬‬

‫فإن لم يمكنه رفعهما ‪ ،‬أو أمكنه رفع إحداهما ‪ ،‬أو رفعهما إلى ما دون المنكب رفع ما‬
‫أمكنه لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم‬ ‫‪».‬‬

‫فإن كان به علّة إذا رفع اليد جاوز المنكب رفع ؛ لنّه يأتي بالمأمور به وزيادة هو مغلوب‬
‫عليها‬ ‫‪.‬‬

‫ويجوز للمريض غير القادر على أداء ركن من أركان الصّلة التّكاء على شيء ‪ ،‬ويرجع‬
‫في ذلك إلى مصطلح ‪ ( :‬اتّكاء ‪ ،‬استناد‬ ‫‪).‬‬

‫عدم القدرة على الرّكوع‬ ‫‪:‬‬

‫لم ‪8 -‬‬ ‫ن من‬


‫سجُدُوا } والجمهور على أ ّ‬
‫الرّكوع في الصّلة ركن ؛ لقوله تعالى ‪ { :‬ا ْر َكعُوا وَا ْ‬
‫يمكنه الرّكوع أومأ إليه ‪ ،‬وقرّب وجهه إلى الرض على قدر طاقته ‪ ،‬ويجعل اليماء‬
‫للسّجود أخفض من إيماء الرّكوع ‪ ،‬لكن الخلف في كيفيّة أداء ذلك مع عدم القدرة على‬
‫الرّكوع دون القيام‬ ‫‪.‬‬

‫اختلف الفقهاء في ذلك على رأيين‬ ‫‪:‬‬

‫الوّل ‪ :‬وهو الّذي عليه الجمهور أنّ القادر على القيام دون الرّكوع يومئ من القيام ‪ ،‬لنّ‬
‫الرّاكع كالقائم في نصب رجليه ‪ ،‬وذلك لقوله تعالى ‪ { :‬وَقُومُواْ لِّلهِ قَانِتِينَ } « وقول النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم لعمران بن حصين ‪ :‬صلّ قائما » ولنّه ركن قدر عليه ‪ ،‬على أن‬
‫يكون هناك فرق واضح بين اليماءين إذا عجز عن السّجود أيضا‬ ‫‪.‬‬

‫ن القيام يسقط عن المريض حال الرّكوع ‪ ،‬ولو قدر على القيام مع‬
‫الثّاني ‪ :‬عند الحنفيّة أ ّ‬
‫ن ركنيّة القيام للتّوصّل به إلى‬
‫عدم القدرة على الرّكوع فيصلّي قاعدا يومئ إيماءً ؛ ل ّ‬
‫السّجدة ؛ لما فيها من نهاية التّعظيم ‪ ،‬فإذا كان ل يتعقّبه السّجود ل يكون ركنًا فيتخيّر ‪،‬‬
‫والفضل عندهم هو اليماء قاعدا ؛ لنّه أشبه بالسّجود‬ ‫‪.‬‬

‫عدم القدرة على السّجود‬ ‫‪:‬‬

‫القدرة ‪9 -‬‬ ‫سجُدُوا } ‪ ،‬واختلفوا في عدم‬


‫السّجود ركن في الصّلة لقوله تعالى ‪ { :‬ا ْركَعُوا وَا ْ‬
‫على السّجود والجلوس مع القدرة على القيام على اتّجاهين‬ ‫‪:‬‬

‫الوّل ‪ :‬يرى المالكيّة والشّافعيّة أنّ القادر على القيام فقط دون السّجود والجلوس يومئ‬
‫لهما من القيام ‪ ،‬ول يجوز له أن يضطجع ويومئ لهما من اضطجاعه ‪ ،‬فإن اضطجع تبطل‬
‫الصّلة عندهم‬ ‫‪.‬‬

‫الثّاني ‪ :‬يرى الحنفيّة والحنابلة أنّ القادر على القيام فقط دون السّجود والجلوس يومئ‬
‫لهما وهو قائم ؛ لنّ السّاجد عندهم كالجالس في جمع رجليه على أن يحصل فرق بين‬
‫اليماءين‬ ‫‪.‬‬

‫عدم القدرة على وضع الجبهة والنف‬ ‫‪:‬‬

‫أمكن ‪10 -‬‬ ‫السّجود على الجبهة واجب ‪ ،‬حيث « كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم إذا سجد‬
‫أنفه وجبهته من الرض » وإن سجد على مخدّة أجزأه ؛ لنّ أمّ سلمة – رضي ال عنها –‬
‫سجدت على مخدّة لرمد بها بل رفع ‪ ،‬واحتجّ بفعل ابن عبّاس ‪ -‬رضي ال عنهما ‪-‬‬
‫وغيرهما‬ ‫‪.‬‬

‫فإن رفع شيئا كالوسادة أو الخشبة أو الحجر إلى جبهته فإنّ الحنفيّة يرون أنّه ل يجزئه ؛‬
‫لنعدام السّجود لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إن استطعت أن تسجد على الرض وإلّ‬
‫فأومئ إيماءً ‪ ،‬واجعل سجودك أخفض من ركوعك برأسك » فإن فعل ذلك وهو يخفض‬
‫رأسه أجزأه ؛ لوجود اليماء ‪ ،‬وإن وضع ذلك على جبهته ل يجزئه‬ ‫‪.‬‬

‫ويكره عند بعض الحنابلة ويجزئه عند آخرين نصّا ؛ لنّه أتى بما أمكنه منه أشبه اليماء ‪.‬‬
‫وإذا لم يستطع المصلّي تمكين جبهته من الرض لعلّة بها ‪ ،‬اقتصر على النف عند الحنفيّة‬
‫والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وزاد الشّافعيّة ‪ :‬إن كان بجبهته جراحة عصبها بعصابة وسجد‬
‫عليها ‪ ،‬ول إعادة عليه على المذهب‬ ‫‪.‬‬

‫عدم القدرة على استقبال المريض للقبلة‬ ‫‪:‬‬


‫بأجرة ‪11 -‬‬ ‫المريض العاجز عن استقبال القبلة ول يجد من يحوّله إليها ‪ -‬ل متبرّعا ول‬
‫مثله وهو واجدها ‪ -‬فإنّه يصلّي على حسب حالته ‪ .‬وللتّفصيل راجع مصطلح ‪ ( :‬استقبال‬ ‫)‬
‫‪.‬‬

‫صلة المريض جماعةً‬ ‫‪:‬‬

‫صلّى ‪12 -‬‬ ‫المريض إن قدر على الصّلة وحده قائما ‪ ،‬ول يقدر على ذلك مع المام لتطويله‬
‫ن القيام آكد ؛ لكونه ركنا في الصّلة ل تتمّ إ ّل به‬
‫منفردا ؛ ل ّ‬ ‫‪.‬‬

‫ح الصّلة بدونها ؛ ولنّ العجز يتضاعف بالجماعة أكثر من تضاعفه بالقيام ‪،‬‬
‫والجماعة تص ّ‬
‫بدليل أنّ صلة القاعد على النّصف من صلة القائم ‪ ،‬وصلة الجماعة تفضل صلة الرّجل‬
‫وحده سبعا وعشرين درجةً‬ ‫‪.‬‬

‫العجز عن القيام والجلوس‬ ‫‪:‬‬

‫للشّقّ ‪13 -‬‬ ‫إن تعذّر على المريض القيام والجلوس في آن واحد صلّى على جنبه دون تحديد‬
‫اليمن أو اليسر ‪ ،‬وهذا هو مذهب المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب المالكيّة ‪ ،‬والحنابلة إلى أنّه من الفضل أن يصلّي على جنبه اليمن ثمّ اليسر ‪ ،‬فإن‬
‫لم يستطع على جنبه يصلّي مستلقيا على قفاه ورجله إلى القبلة وأومأ بطرفه‬ ‫‪.‬‬

‫ي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬لعمران بن حصين ‪ :‬صلّ‬


‫والدّليل على ما سبق « قول النّب ّ‬
‫قائما‪ ،‬فإن لم تستطع فقاعدا ‪ ،‬فإن لم تستطع فعلى جنب‬ ‫‪».‬‬

‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن لم يستطع أن يصلّي مستلقيا على ظهره صلّى على بطنه ورأسه إلى‬
‫القبلة ‪ ،‬فإن قدّمها على الظّهر بطلت‬ ‫‪.‬‬

‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه إن تعسّر القعود أومأ مستلقيا على قفاه ‪ ،‬أو على أحد جنبيه واليمن‬
‫أفضل من اليسر ‪ ،‬والستلقاء على قفاه أولى من الجنب إن تيسّر ‪ ،‬والمستلقي يجعل تحت‬
‫رأسه شيئا كالوسادة ؛ ليصير وجهه إلى القبلة ل إلى السّماء ‪ ،‬وليتمكّن من اليماء‬ ‫‪.‬‬

‫وصلة المريض بالهيئة الّتي ذكرها الفقهاء فيما سبق ل ينقص من أجره شيئا ؛ لحديث‬
‫أبي موسى ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬مرفوعا ‪ « :‬إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان‬
‫يعمل مقيما صحيحا‬ ‫‪».‬‬

‫كيفيّة اليماء‬ ‫‪:‬‬

‫إلى ‪14 -‬‬ ‫إن لم يستطع المريض القيام والقعود أو الرّكوع أو الجلوس أو جميعها فاحتاج‬
‫اليماء فهل يومئ برأسه لها أم بعينه أم بقلبه ؟‬
‫فالجمهور أنّ المريض يومئ بما يستطيعه وذلك لحديث ‪ « :‬إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما‬
‫استطعتم » والصل أنّ المريض إذا لم يستطع إلّ اليماء فيومئ برأسه ‪ ،‬فإن عجز عن‬
‫اليماء برأسه أومأ بطرفه ( عينه ) ناويا مستحضرا تيسيرا له للفعل عند إيمائه ‪ ،‬وناويا‬
‫القول إذا أومأ له ‪ ،‬فإن عجز عن القول فبقلبه مستحضرا له ‪ ،‬كالسير ‪ ،‬والخائف من‬
‫آخرين إن علموا بصلته يؤذونه‬ ‫‪.‬‬

‫ن الّذي ل يستطيع اليماء برأسه فعليه أن يؤخّر الصّلة ‪،‬‬


‫أمّا الحنفيّة ‪ -‬ما عدا زفر ‪ -‬فإ ّ‬
‫ول يومئ بعينه ول بقلبه ول بحاجبه‬ ‫‪.‬‬

‫وعندهم ل قياس على الرّأس ؛ لنّه يتأدّى به ركن الصّلة دون العين وغيرها وإن كان‬
‫العجز أكثر من يوم وليلة إذا كان مفيقا ؛ لنّه يفهم مضمون الخطاب بخلف المغمى عليه‬ ‫‪.‬‬

‫العجز المؤقّت‬ ‫‪:‬‬

‫ثمّ ‪15 -‬‬ ‫قد يعجز المريض بعض الوقت عن قيام ‪ ،‬أو قعود ‪ ،‬أو ركوع ‪ ،‬أو سجود ‪،‬‬
‫يستطيعه بعد ذلك ‪ .‬فالجمهور على أنّه يجوز أن يؤدّي صلته بقدر طاقته ‪ ،‬ويرجع إلى ما‬
‫يستطيعه بعد ذلك ‪ ،‬فلو افتتح الصّلة قائما ثمّ عجز فقعد وأتمّ صلته جاز له ذلك‬ ‫‪.‬‬

‫وإن افتتحها قاعدا ثمّ قدر على القيام قام وأتمّ صلته ؛ لنّه يجوز أن يؤدّي جميع صلته‬
‫قاعدا عند العجز ‪ ،‬وجميعها قائما عند القدرة ‪ ،‬فجاز أن يؤدّي بعضها قاعدا عند العجز‬
‫وبعضها قائما عند القدرة‬ ‫‪.‬‬

‫وإن افتتح الصّلة قاعدا ثمّ عجز اضطجع ‪ ،‬وإن افتتحها مضطجعا ثمّ قدر على القيام أو‬
‫القعود قام أو قعد‬
‫الطّمأنينة للمريض في صلته‬ ‫‪:‬‬

‫‪16 - .‬‬ ‫قال النّوويّ ‪ :‬ل يلزم المريض الطّمأنينة عند القيام ؛ لنّه ليس مقصودا لنفسه‬
‫واختلف الحنفيّة هل هو سنّة أم واجب ؟ وتفصيل ذلك يرجع فيه إلى مصطلح ‪ ( :‬صلة‬ ‫‪).‬‬

‫إمامة المريض‬ ‫‪:‬‬

‫‪17 - ،‬‬ ‫المريض تختلف حاله من واحد لخر فقد يكون المرض سلس بول ‪ ،‬أو انفلت ريح‬
‫ل أو رعافا ‪ ،‬ولكلّ حالة من هذه الحالت أحكام خاصّة بالنّسبة للمامة تنظر‬
‫أو جرحا سائ ً‬
‫في مصطلح ‪ ( :‬اقتداء ‪ ،‬إمامة‬ ‫‪).‬‬

‫الجمع بين الصّلتين للمريض‬ ‫‪:‬‬

‫رأيان ‪18 -‬‬ ‫للفقهاء في مسألة الجمع بين الصّلتين للمريض‬ ‫‪.‬‬

‫فذهب الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬وبعض المالكيّة إلى أنّه ل يجوز للمريض الجمع بين الصّلتين‬
‫ي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬أنّه جمع لجل‬
‫لجل المرض ‪ ،‬وذلك لنّه لم ينقل عن النّب ّ‬
‫المرض‬ ‫‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة وبعض المالكيّة إلى جواز الجمع للمريض بين الصّلتين ‪ ،‬ويخيّر بين‬
‫التّقديم والتّأخير ‪ ،‬وسواء كان ذلك المرض دوخ ًة أو حمّى أو غيرهما‬ ‫‪.‬‬

‫صَلَةُ ال ُمسَافِر‬ ‫*‬

‫التّعريف‬ ‫‪:‬‬

‫ورجل ‪1 -‬‬ ‫السّفر لغةً ‪ :‬قطع المسافة ‪ ،‬وخلف الحضر " أي القامة " ‪ ،‬والجمع ‪ :‬أسفار ‪،‬‬
‫سفر ‪ ،‬وقوم سفر ‪ :‬ذوو سفر‬ ‫‪.‬‬

‫والفقهاء يقصدون بالسّفر ‪ :‬السّفر الّذي تتغيّر به الحكام الشّرعيّة وهو ‪ :‬أن يخرج النسان‬
‫من وطنه قاصدا مكانا يستغرق المسير إليه مسافةً مقدّرةً عندهم ‪ ،‬على اختلف بينهم في‬
‫هذا التّقدير كما سيأتي بيانها‬ ‫‪.‬‬

‫والمراد بالقصد ‪ :‬الرادة المقارنة لما عزم عليه ‪ ،‬فلو طاف النسان جميع العالم بل قصد‬
‫الوصول إلى مكان معيّن فل يصير مسافرا‬ ‫‪.‬‬

‫ن المعتبر‬
‫ولو أنّه قصد السّفر ‪ ،‬ولم يقترن قصده بالخروج فعلً فل يصير مسافرا كذلك ؛ ل ّ‬
‫في حقّ تغيير الحكام الشّرعيّة هو السّفر الّذي اجتمع فيه القصد والفعل‬ ‫‪.‬‬

‫خصائص السّفر‬ ‫‪:‬‬

‫الرّباعيّة‪2 - ،‬‬ ‫ص السّفر بأحكام تتعلّق به ‪ ،‬وتتغيّر بوجوده ‪ ،‬ومن أهمّها ‪ :‬قصر الصّلة‬
‫يخت ّ‬
‫وإباحة الفطر للصّائم ‪ ،‬وامتداد مدّة المسح على الخفّين إلى ثلثة أيّام ‪ ،‬والجمع بين الظّهر‬
‫والعصر ‪ ،‬والجمع بين المغرب والعشاء ‪ ،‬وحرمة السّفر على الحرّة بغير محرم ‪ ،‬وولية‬
‫البعد‬ ‫‪.‬‬

‫ويقتصر هذا البحث على ما يتّصل بالسّفر من حيث قصر الصّلة‬ ‫‪.‬‬

‫ص بغيرها من أحكام شرعيّة ففيها تفصيل كثير ينظر في مصطلح ( سفر ‪ ،‬صوم‬
‫أمّا ما يخت ّ‬
‫‪ ،‬المسح على الخفّين ‪ ،‬أوقات الصّلة ‪ ،‬نكاح ‪ ،‬وولية‬ ‫‪).‬‬

‫تقسيم الوطن‬ ‫‪:‬‬

‫ي ‪ ،‬ووطن إقامة ‪ ،‬ووطن سكنى‬


‫ينقسم الوطن إلى ‪ :‬وطن أصل ّ‬ ‫‪.‬‬

‫الوطن الصليّ‬ ‫‪:‬‬

‫‪3-،‬‬ ‫هو المكان الّذي يستق ّر فيه النسان بأهله ‪ ،‬سواء أكان موطن ولدته أم بلد ًة أخرى‬
‫اتّخذها دارا وتوطّن بها مع أهله وولده ‪ ،‬ول يقصد الرتحال عنها ‪ ،‬بل التّعيّش بها‬ ‫‪.‬‬

‫ويأخذ حكم الوطن ‪ :‬المكان الّذي تأهّل به ‪ ،‬أي تزوّج به ‪ ،‬ول يحتاج الوطن الصليّ إلى‬
‫نيّة القامة ‪ .‬لكن المالكيّة يشترطون ‪ :‬أن تكون الزّوجة مدخو ًل بها غير ناشز‬ ‫‪.‬‬
‫ن الوطن الصليّ يتحقّق عند أغلب الفقهاء بالقامة الدّائمة على نيّة‬
‫وممّا تقدّم يتبيّن ‪ :‬أ ّ‬
‫التّأبيد ‪ ،‬سواء أكان في مكان ولدته أم في مكان آخر ‪ ،‬ويلحق بذلك مكان الزّوجة‬ ‫‪.‬‬

‫في ‪4 -‬‬ ‫والوطن الصليّ يجوز أن يكون واحدا أو أكثر ‪ ،‬وذلك مثل أن يكون له أهل ودار‬
‫بلدتين أو أكثر ‪ ،‬ولم يكن من نيّة أهله الخروج منها ‪ ،‬وإن كان ينتقل من أهل إلى أهل في‬
‫السّنة ‪ ،‬حتّى إنّه لو خرج مسافرا من بلدة فيها أهله ‪ ،‬ودخل بلد ًة أخرى فيها أهله ‪ ،‬فإنّه‬
‫يصير مقيمًا من غير نيّة القامة‬ ‫‪.‬‬

‫ما ينتقض به الوطن الصليّ‬ ‫‪:‬‬

‫وينقل ‪5 -‬‬ ‫الوطن الصليّ ينتقض بمثله ل غير ‪ ،‬وهو أن يتوطّن النسان في بلدة أخرى‬
‫الهل إليها من بلدته مضربا عن الوطن الوّل ‪ ،‬ورافضا سكناه ‪ ،‬فإنّ الوطن الوّل يخرج‬
‫بذلك عن أن يكون وطنا أصليّا له ‪ ،‬حتّى لو دخل فيه مسافرا ل تصير صلته أربعا‬ ‫‪.‬‬

‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم والمهاجرين من أصحابه ‪ -‬رضي ال‬


‫والصل فيه ‪ :‬أ ّ‬
‫عنهم ‪ -‬كانوا من أهل مكّة ‪ ،‬وكان لهم بها أوطان أصليّة ‪ ،‬ثمّ لمّا هاجروا وتوطّنوا‬
‫ي بمكّة ‪ ،‬حتّى كانوا إذا أتوا مكّة‬
‫بالمدينة‪ ،‬وجعلوها دارا لنفسهم انتقض وطنهم الصل ّ‬
‫يصلّون صلة المسافرين ‪ .‬ولذلك « قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم حين صلّى بهم ‪ :‬أتمّوا‬
‫يا أهل مكّة صلتكم فإنّا قوم سفر‬ ‫‪».‬‬

‫ول ينتقض الوطن الصليّ بوطن القامة ‪ ،‬ول بوطن السّكنى ؛ لنّهما دونه ‪ ،‬والشّيء ل‬
‫ينسخ بما هو دونه ‪ ،‬وكذا ل ينتقض بنيّة السّفر والخروج من و