You are on page 1of 281

‫الموسوعة الفقهية ‪ /‬الحزء التاسع والعشرون‬

‫طَلق *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الطّلق في اللّغة ‪ :‬الحلّ ورفع القيد ‪ ،‬وهو اسم مصدره التّطليق ‪ ،‬ويستعمل استعمال‬ ‫‪1‬‬

‫المصدر ‪ ،‬وأصله ‪ :‬طلقت المرأة تطلق فهي طالق بدون هاء ‪ ،‬وروي بالهاء ‪ -‬طالقة ‪ -‬إذا‬
‫بانت من زوجها ‪ ،‬ويرادفه الطلق ‪ ،‬يقال ‪ :‬طلّقت وأطلقت بمعنى سرّحت ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الطّلق‬
‫للمرأة إذا طلقت ‪ ،‬والطلق لغيرها إذا سرّح ‪ ،‬فيقال ‪ :‬طلّقت المرأة ‪ ،‬وأطلقت السير ‪ ،‬وقد‬
‫اعتمد الفقهاء هذا الفرق ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬بلفظ الطّلق يكون صريحا ‪ ،‬وبلفظ الطلق يكون‬
‫كنايةً‪ .‬وجمع طالق طلّق ‪ ،‬وطالقة تجمع على طوالق ‪ ،‬وإذا أكثر الزّوج الطّلق كان مطلقا‬
‫ومطليقا ‪ ،‬وطلقةً ‪.‬‬
‫والطّلق في عرف الفقهاء هو ‪ :‬رفع قيد النّكاح في الحال أو المآل بلفظ مخصوص أو ما‬
‫يقوم مقامه ‪.‬‬
‫صةً ‪ ،‬فلو كان فاسدا لم يصحّ فيه الطّلق ‪ ،‬ولكن‬
‫والمراد بالنّكاح هنا ‪ :‬النّكاح الصّحيح خا ّ‬
‫يكون متارك ًة أو فسخا ‪.‬‬
‫والصل في الطّلق أنّه ملك الزّوج وحده ‪ ،‬وقد يقوم به غيره بإنابته ‪ ،‬كما في الوكالة‬
‫والتّفويض ‪ ،‬أو بدون إنابة ‪ ،‬كالقاضي في بعض الحوال ‪ ،‬قال الشّربينيّ في تعريف الطّلق‬
‫نقلً عن التّهذيب ‪ :‬تصرّف مملوك للزّوج يحدثه بل سبب ‪ ،‬فيقطع النّكاح ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الفسخ ‪:‬‬
‫‪ -‬الفسخ في اللّغة ‪ :‬النّقض والزالة ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬حلّ رابطة العقد ‪ ،‬وبه تنهدم آثار العقد وأحكامه الّتي نشأت عنه ‪.‬‬
‫وبهذا يقارب الطّلق ‪ ،‬إلّ أنّه يخالفه في أنّ الفسخ نقض للعقد المنشئ لهذه الثار ‪ ،‬أمّا‬
‫الطّلق فل ينقض العقد ‪ ،‬ولكن ينهي آثاره فقط ‪.‬‬
‫المتاركة ‪:‬‬
‫‪ -‬المتاركة في اللّغة ‪ :‬الرّحيل والمفارقة مطلقا ‪ ،‬ثمّ استعملت للسقاط في المعاني ‪،‬‬ ‫‪3‬‬

‫يقال‪ :‬ترك حقّه إذا أسقطه ‪.‬‬


‫وفي الصطلح ‪ :‬ترك الرّجل المرأة المعقود عليها بعقد فاسد قبل الدّخول أو بعده ‪ ،‬والتّرك‬
‫بعد الدّخول ل يكون إ ّل بالقول عند أكثر الفقهاء ‪ ،‬كقوله لها ‪ :‬خلّيت سبيلك ‪ ،‬أو تركتك ‪،‬‬
‫وكذلك قبل الدّخول في الصحّ ‪.‬‬
‫والمتاركة توافق الطّلق من وجه وتخالفه من وجه ‪ ،‬توافقه في حقّ إنهاء آثار النّكاح ‪،‬‬
‫وفي أنّها حقّ الرّجل وحده ‪ ،‬وتخالفه في أنّها ل تحسب عليه واحدة ‪ ،‬وأنّها تختصّ بالعقد‬
‫الفاسد ‪ ،‬والوطء بشبهة ‪ ،‬أمّا الطّلق فمخصوص بالعقد الصّحيح ‪.‬‬
‫الخلع ‪:‬‬
‫‪ -‬الخلع في اللّغة ‪ :‬النّزع ‪ ،‬وخالعت المرأة زوجها مخالعةً واختلعت منه إذا افتدت منه‬ ‫‪4‬‬

‫وطلّقها على الفدية ‪ ،‬والمصدر الخَلع ‪ ،‬والخُلع اسم ‪.‬‬


‫وهو في الصطلح ‪ :‬إزالة ملك النّكاح بلفظ الخلع ‪ ،‬أو ما في معناه مقابل عوض تلتزم به‬
‫الزّوجة أو غيرها للزّوج ‪.‬‬
‫وقد ذهب الحنفيّة في المفتى به ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة في الجديد ‪ ،‬والحنابلة في رواية ‪:‬‬
‫إلى أنّ الخلع طلق ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّ في القديم ‪ ،‬والحنابلة في أشهر ما يروى عن أحمد إلى أنّه فسخ ‪.‬‬
‫التّفريق ‪:‬‬
‫‪ -‬التّفريق في اللّغة ‪ :‬مصدر فرّق ‪ ،‬وفعله الثّلثيّ فرق ‪ ،‬يقال ‪ :‬فرقت بين الحقّ‬ ‫‪5‬‬

‫والباطل‪ ،‬أي فصلت بينهما ‪ ،‬وهو في المعاني بالتّخفيف ‪ ،‬يقال ‪ :‬فرقت بين الكلمين ‪،‬‬
‫وبالتّشديد في العيان ‪ ،‬يقال ‪ :‬فرّقت بين العبدين ‪ ،‬قاله ابن العرابيّ والخطّابيّ ‪.‬‬
‫وقال غيرهما ‪ :‬هما بمعنىً واحد ‪ ،‬والتّشديد للمبالغة ‪.‬‬
‫والتّفريق في اصطلح الفقهاء ‪ :‬إنهاء العلقة الزّوجيّة بين الزّوجين بحكم القاضي بناءً‬
‫على طلب أحدهما لسبب ‪ ،‬كالشّقاق والضّرر وعدم النفاق ‪ ،‬أو بدون طلب من أحد حفظا‬
‫لحقّ الشّرع ‪ ،‬كما إذا ارتدّ أحد الزّوجين ‪.‬‬
‫وما يقع بتفريق القاضي ‪ :‬طلق بائن في أحوال ‪ ،‬وفسخ في أحوال أخرى ‪ ،‬وهو طلق‬
‫رجعيّ في بعض الحوال ‪.‬‬
‫اليلء ‪:‬‬
‫‪ -‬اليلء في اللّغة الحلف ‪ ،‬من آلى يؤلي إيل ًء ‪ ،‬يجمع على أليا ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬حلف الزّوج على ترك قرب زوجته مدّ ًة مخصوصةً ‪.‬‬
‫ن مِن ّنسَآ ِئ ِهمْ‬
‫ن ُيؤْلُو َ‬
‫وقد حدّد القرآن الكريم ذلك بأربعة أشهر في قوله تعالى ‪ { :‬لّلّذِي َ‬
‫شهُرٍ } فإذا انقضت الشهر الربعة بغير قرب منه لها طلقت منه بطلقة بائنة‬
‫ص أَرْ َب َعةِ َأ ْ‬
‫تَرَبّ ُ‬
‫عند الحنفيّة ‪ ،‬واستحقّت الطّلق منه عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬حيث ترفعه‬
‫الزّوجة للقاضي ليخيّره بين القرب والفراق ‪ ،‬فإن قربها انحلّ اليلء ‪ ،‬وإن رفض فرّق‬
‫القاضي بينهما بطلقة ‪.‬‬
‫اللّعان ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّعن في اللّغة ‪ :‬الطّرد والبعاد من الخير ‪ ،‬والمسبّة ‪ ،‬يقال ‪ :‬لعنه لعنا ‪ ،‬ولعنه‬ ‫‪7‬‬

‫ملعن ًة ‪ ،‬ولعانا ‪ ،‬وتلعنوا ‪ ،‬إذا لعن بعضهم بعضا ‪.‬‬


‫وفي اصطلح الفقهاء ‪ :‬عرّفه الكمال بن الهمام ‪ :‬بأنّه اسم لما يجري بين الزّوجين من‬
‫الشّهادات باللفاظ المعروفة ‪.‬‬
‫وقد سمّي باللّعان لما في قول الزّوج في اليمان ‪ :‬إنّ لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين ‪،‬‬
‫سهُمْ‬
‫شهَدَاء إِل أَن ُف ُ‬
‫ن أَ ْزوَاجَ ُهمْ وَ َلمْ َيكُن ّل ُهمْ ُ‬
‫ن يَ ْرمُو َ‬
‫وذلك وفقا لقوله سبحانه ‪ { :‬وَالّذِي َ‬
‫ن ‪ ،‬وَا ْلخَا ِمسَ ُة أَنّ َلعْنَتَ الّل ِه عَلَ ْي ِه إِن‬
‫ن الصّادِقِي َ‬
‫ت بِالّل ِه إِ ّنهُ َلمِ َ‬
‫شهَادَا ٍ‬
‫شهَادَةُ َأحَدِ ِهمْ أَرْ َبعُ َ‬
‫َف َ‬
‫ن ا ْلكَاذِبِينَ } ‪.‬‬
‫كَانَ مِ َ‬
‫والتّحريم بعد اللّعان بين المتلعنين يكون على التّأبيد ‪ ،‬أمّا الطّلق فليس بالضّرورة كذلك ‪.‬‬
‫الظّهار ‪:‬‬
‫ي كظهر أمّي " ‪ ،‬وكان عند العرب ضربا من‬
‫‪ -‬الظّهار قول الرّجل لمرأته ‪ " :‬أنت عل ّ‬ ‫‪8‬‬

‫الطّلق ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬تشبيه المسلم زوجته أو جزءا شائعا منها بمحرّم عليه على التّأبيد كأمّه‬
‫وأختمه ‪ ،‬بخلف زوجمة الغيمر ‪ ،‬فإنّم حرمتهما مؤقّتمة ‪ ،‬ويسممّى الظّهار بذلك لمما غلب على‬
‫ي كظهر أمّي " وإن كان‬
‫المظاهرين من التّشبيه بظهر المحرّم ‪ ،‬كقوله لزوجته ‪ " :‬أنت عل ّ‬
‫الظّهار ليس مخصوصا بالتّشبيه بالظّهر ‪.‬‬
‫ول تفريق بين الزّوجين في الظّهار ‪ ،‬ولكن يحرم به الوطء ودواعيه حتّى يكفّر المظاهر ‪،‬‬
‫فإن كفّر حلّت له زوجته بالعقد الوّل ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ للطّلق ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أصل مشروعيّة الطّلق ‪ ،‬واستدلّوا على ذلك بأدلّة ‪ ،‬منها ‪:‬‬ ‫‪9‬‬

‫حسَانٍ } ‪.‬‬
‫سرِيحٌ بِ ِإ ْ‬
‫ك ِب َمعْرُوفٍ َأوْ َت ْ‬
‫أ ‪ -‬قوله تعالى ‪ { :‬الطّلَقُ َمرّتَانِ فَ ِإ ْمسَا ٌ‬
‫ن ِلعِدّ ِتهِنّ } ‪.‬‬
‫ي إِذَا طَّلقْتُمُ ال ّنسَاء َفطَّلقُوهُ ّ‬
‫ب ‪ -‬قوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا النّبِ ّ‬
‫ج ‪ -‬قول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ما أحلّ ال شيئا أبغض إليه من الطّلق « ‪.‬‬
‫د ‪ -‬حديث عمر ‪ » :‬أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم طلّق حفصة ثمّ راجعها « ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫هم‪ -‬حديث ابن عمر ‪ » :‬أنّه طلّق زوجته في حيضها ‪ ،‬فأمره النّب ّ‬
‫بارتجاعها ثمّ طلقها بعد طهرها ‪ ،‬إن شاء « ‪.‬‬
‫ي صلى ال عل يه و سلم على مشروعيّ ته ‪ ،‬لك نّ الفقهاء‬
‫و‪ -‬إجماع الم سلمين من ز من النّب ّ‬
‫ي للطّلق ‪:‬‬
‫اختلفوا في الحكم الصل ّ‬
‫ن الصل في الطّلق الباحة ‪ ،‬وقد يخرج عنها في أحوال ‪.‬‬
‫فذهب الجمهور إلى أ ّ‬
‫وذهب آخرون إلى أنّ الصل فيه الحظر ‪ ،‬ويخرج عن الحظر في أحوال ‪.‬‬
‫وعلى كلّ فالفقهاء متّفقون في النّهاية على أنّه تعتريه الحكام ‪ ،‬فيكون مباحا أو مندوبا أو‬
‫واجبا ‪ ،‬كما يكون مكروها أو حراما ‪ ،‬وذلك بحسب الظّروف والحوال الّتي ترافقه ‪ ،‬بحسب‬
‫ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬فيكون واجبا كالمولي إذا أبى الفيئة إلى زوجته بعد التّربّص ‪ ،‬على مذهب الجمهور ‪،‬‬
‫أمّا الحنفيّة ‪ :‬فإنّهم يوقعون الفرقة بانتهاء المدّة حكما ‪ ،‬وكطلق الحكمين في الشّقاق إذا‬
‫تعذّر عليهما التّوفيق بين الزّوجين ورأيا الطّلق ‪ ،‬عند من يقول بالتّفريق لذلك ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ويكون مندوبا إليه إذا فرّطت الزّوجة في حقوق اللّه الواجبة عليها ‪ -‬مثل الصّلة‬
‫ونحوها ‪ -‬وكذلك يندب الطّلق للزّوج إذا طلبت زوجته ذلك للشّقاق ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ويكون مباحا عند الحاجة إليه لدفع سوء خلق المرأة وسوء عشرتها ‪ ،‬أو لنّه ل‬
‫يحبّها ‪.‬‬
‫د ‪ -‬ويكون مكروها إذا لم يكن ثمّة من داع إليه ممّا تقدّم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هو حرام في هذه‬
‫الحال‪ ،‬لما فيه من الضرار بالزّوجة من غير داع إليه ‪.‬‬
‫هم‪ -‬ويكون حراما وهو الطّلق في الحيض ‪ ،‬أو في طهر جامعها فيه ‪ ،‬وهو الطّلق‬
‫البدعيّ ‪ ،‬وسوف يأتي بيانه ‪.‬‬
‫قال الدّردير ‪ :‬واعلم أنّ الطّلق من حيث هو جائز ‪ ،‬وقد تعتريه الحكام الربعة ‪ :‬من حرمة‬
‫وكراهة ‪ ،‬ووجوب وندب ‪.‬‬
‫حكمة تشريع الطّلق ‪:‬‬
‫‪ -‬لقد نبّه السلم الرّجال والنّساء إلى حسن اختيار الشّريك والشّريكة في الزّواج عند‬ ‫‪10‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬تخيّروا لنطفكم وأنكحوا الكفاء وأنكحوا‬


‫الخطبة ‪ ،‬فقال النّب ّ‬
‫إليهم« ‪.‬‬
‫ن ‪ ،‬ول تزوّجوهنّ لموالهنّ‬
‫وقال ‪ » :‬ل تزوّجوا النّساء لحسنهنّ ‪ ،‬فعسى حسنهنّ أن يرديه ّ‬
‫ن على الدّين ‪ ،‬ولمة خرماء سوداء ذات دين ‪،‬‬
‫ن ولكن تزوّجوه ّ‬
‫فلعلّ أموالهنّ أن تطغيه ّ‬
‫أفضل « ‪.‬‬
‫وقال ‪ » :‬تنكح المرأة لربع ‪ :‬لمالها ‪ ،‬ولحسبها ‪ ،‬ولجمالها ‪ ،‬ولدينها ‪ ،‬فاظفر بذات الدّين‬
‫تربت يداك « ‪.‬‬
‫وقال للمغيرة بن شعبة عندما خطب امرأةً ‪ » :‬انظر إليها ‪ ،‬فإنّه أحرى أن يؤدم بينكما « ‪.‬‬
‫وقال ‪ » :‬تزوّجوا الودود الولود ‪ ،‬فإنّي مكا ثر ب كم ال مم « ‪ ،‬وقال لولياء النّ ساء ‪ » :‬إذا‬
‫جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ‪ ،‬إلّ تفعلوا تكن فتنة في الرض وفساد « ‪.‬‬
‫ن ذلك كلّه ‪ -‬على أهمّيّته ‪ -‬قد ل يضمن استمرار ال سّعادة والستقرار بين الزّوجين ‪،‬‬
‫إلّ أ ّ‬
‫فربّما ق صّر أحد الزّوجين في الخذ بما تقدّم ‪ ،‬وربّما أخذا به ‪ ،‬ولكن جدّ في حياة الزّوجين‬
‫الهانئين ما يثير بينهما القلقل والشّقاق ‪ ،‬كمرض أحدهما أو عجزه وربّما كان ذلك بسبب‬
‫عناصر خارجة عن الزّوجين أصلً ‪ ،‬كالهل والجيران وما إلى ذلك ‪ ،‬وربّما كان سبب ذلك‬
‫انصراف القلب وتغيّره ‪ ،‬فيبدأ بنصح الزّوجين وإرشادهما إلى ال صّبر والحتمال ‪ ،‬وبخا صّة‬
‫إذا كان التّقصير من الزّوجة ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬وَعَاشِرُو ُهنّ بِا ْل َمعْرُو فِ فَإِن كَرِهْ ُتمُوهُنّ َفعَ سَى‬
‫ج َعلَ الّلهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرا } ‪.‬‬
‫أَن َتكْ َرهُواْ شَيْئا وَ َي ْ‬
‫ن مثل هذا ال صّبر قد ل يتي سّر للزّوجين أو ل يستطيعانه ‪ ،‬فربّما كانت أسباب الشّقاق‬
‫إلّ أ ّ‬
‫فوق الحتمال ‪ ،‬أو كانا في حالة نفسيّة ل تساعدهما على الصّبر ‪ ،‬وفي هذه الحال ‪ :‬إمّا أن‬
‫يأمر الشّرع بالبقاء على الزّوجيّة مع استمرار الشّقاق الّذي قد يتضاعف وينتج عنه فتنة ‪،‬‬
‫أو جريمة ‪ ،‬أو تق صير في حقوق اللّه تعالى ‪ ،‬أو على القلّ تفو يت الحكمة الّ تي من أجل ها‬
‫شرع النّكاح ‪ ،‬وهي المودّة واللفة والنّسل ال صّالح ‪ ،‬وإمّا أن يأذن بالطّلق والفراق ‪ ،‬وهو‬
‫ن الطّلق قد يتمحّض طريقا لنهاء الشّقاق‬
‫ما اتّ جه إل يه التّشر يع ال سلميّ ‪ ،‬وبذلك علم أ ّ‬
‫والخلف بيمن الزّوجيمن ‪ ،‬ليسمتأنف الزّوجان بعده حياتهمما منفرديمن أو مرتبطيمن بروابمط‬
‫ن اللّهُ‬
‫زوجيّة أخرى ‪ ،‬حيث يجد كلّ منهما من يألفه ويحتمله ‪ ،‬قال تعالى ‪َ { :‬وإِن يَ َتفَرّقَا ُيغْ ِ‬
‫حكِيما } ‪.‬‬
‫سعَ ِتهِ َوكَانَ الّل ُه وَاسِعا َ‬
‫كُلّ مّن َ‬
‫ولهذا قال الفقهاء ‪ :‬بوجوب الطّلق فمي أحوال ‪ ،‬وبندبمه فمي أحوال أخرى ‪ -‬كمما تقدّم ‪-‬‬
‫م على الضّرر الشدّ ‪ ،‬وفقا للقاعدة‬
‫على مما فيمه ممن الضّرر ‪ ،‬وذلك تقديما للضّرر الخف ّ‬
‫الفقهيّة الكلّيّة ‪ " :‬يختار أهون الشّرّيمن " ‪ .‬والقاعدة الفقهيّة القائلة ‪ " :‬الضّرر الشدّ يزال‬
‫بالضّرر الخفّ " ‪.‬‬
‫وي ستأنس في ذلك ب ما ورد عن ا بن عبّاس ‪ » :‬أ نّ زو جة ثا بت بن ق يس بن شمّاس أ تت‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقالت له ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ :‬ثابت بن قيس ما أعتب عليه في‬
‫خلق ول د ين ‪ ،‬ولكنّ ني أكره الك فر في ال سلم ‪ ،‬قال ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم ‪:‬‬
‫أتردّ ين عل يه حديق ته ؟ قالت ‪ :‬ن عم قال ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم ‪ :‬اق بل الحدي قة‬
‫وطلّقها تطليقةً «‪.‬‬
‫من له حقّ الطّلق ‪:‬‬
‫‪ -‬الطّلق ‪ :‬نوع من أنواع الفَرْق وهو ملك للزّوج وحده ‪ ،‬ذلك أنّ الرّجل يملك مفارقة‬ ‫‪11‬‬

‫زوجته إذا وجد ما يدعوه إلى ذلك بعبارته وإرادته المنفردة ‪ ،‬كما تملك الزّوجة طلب إنهاء‬
‫علقتها الزّوجيّة إذا وجد ما يبرّر ذلك ‪ ،‬كإعسار الزّوج بالنّفقة ‪ ،‬وغيبة الزّوج ‪ ،‬وما إلى‬
‫ذلك من أسباب اختلف الفقهاء فيها توسعةً وتضييقا ‪ ،‬ولكنّ ذلك ل يكون بعبارتها ‪ ،‬وإنّما‬
‫بقضاء القاضي ‪ ،‬إلّ أن يفوّضها الزّوج بالطّلق ‪ ،‬فإنّها في هذه الحال تملكه بقولها أيضا ‪.‬‬
‫فإذا اتّفق الزّوجان على الفراق ‪ ،‬جاز ذلك ‪ ،‬وهو يتمّ من غير حاجة إلى قضاء ‪ ،‬وكذلك‬
‫القاضي ‪ ،‬فإنّ له التّفريق بين الزّوجين إذا قام من السباب ما يدعوه لذلك ‪ ،‬حمايةً لحقّ‬
‫اللّه تعالى ‪ ،‬كما في ردّة أحد الزّوجين المسلمين ‪ -‬والعياذ باللّه تعالى ‪ -‬أو إسلم أحد‬
‫الزّوجين المجوسيّين وامتناع الخر عن السلم وغير ذلك ‪.‬‬
‫إلّ أنّ ذلك كلّه ل يسمّى طلقا سوى الوّل الّذي يكون بإرادة الزّوج الخاصّة وعبارته ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إنّما‬
‫صةً قول النّب ّ‬
‫والدّليل على أنّ الطّلق هذا حقّ الزّوج خا ّ‬
‫الطّلق لمن أخذ بالسّاق « ‪.‬‬
‫ثمّ إنّ الرّجل المطلّق ل يسأل عن سبب الطّلق عند إقدامه عليه ‪ ،‬وذلك لسباب كثيرة‬
‫منها‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حفظ أسرار السرة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬حفظ كرامة الزّوجة وسمعتها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العجز عن إثبات الكثير من تلك السباب ‪ ،‬لنّ غالب أسباب الشّقاق بين الزّوجين‬
‫تكون خف ّيةً يصعب إثباتها ‪ ،‬فإذا كلّفناه بذلك نكون قد كلّفناه بما يعجز عنه أو يحرجه ‪،‬‬
‫جعَلَ عَلَ ْي ُكمْ فِي الدّينِ ِمنْ حَرَجٍ }‬
‫وهو ممنوع في الشّريعة السلميّة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬ومَا َ‬
‫‪.‬‬
‫ن في إقدام الزّوج على الطّلق وتحمّله العباء الماليّة المترتّبة عليه ‪ ،‬من مهر‬
‫د ‪ -‬ثمّ إ ّ‬
‫مؤجّل ‪ ،‬ونفقة ومتعة ‪ -‬عند من يقول بوجوبها ‪ -‬وأجرة حضانة للولد ‪ ،‬لقرينة كافية‬
‫على قيام أسباب مشروعة تدعوه للطّلق ‪.‬‬
‫هم‪ -‬ولكون الطّلق مباحا أصلً عند الجمهور كما تقدّم ‪ ،‬إباحةً مطلقةً عن أيّ شرط أو‬
‫قيد‪.‬‬
‫محلّ الطّلق ‪:‬‬
‫ن محلّ الطّلق الزّوجة في زوجيّة صحيحة ‪ ،‬حصل فيها دخول أم‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪12‬‬

‫ن الطّلق أثر من آثار الزّواج‬


‫ل أو فاسدا ‪ ،‬فطلّقها ‪ ،‬لم تطلق ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل ‪ ،‬فلو كان الزّواج باط ً‬
‫صةً ‪.‬‬
‫الصّحيح خا ّ‬
‫وهل يعدّ لفظ الطّلق في النّكاح الفاسد متاركةً ؟ والجواب ‪ :‬نعم ‪ ،‬لكن ل ينقص به العدد ‪،‬‬
‫لنّه ليس طلقا ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬طلّق المنكوحة فاسدا ثلثا ‪ ،‬له تزوّجها بل محلّل ‪،‬‬
‫لكون الطّلق ل يتحقّق في الفاسد ‪ ،‬ولذا كان غير منقص للعدد ‪ ،‬بل متاركة ‪.‬‬
‫ن الطّلق ل يقع بعد الوطء بشبهة ‪ ،‬لنعدام الزّوجيّة أصلً ‪.‬‬
‫ومن باب أولى أ ّ‬
‫وذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وهو المذهب عند الحنابلة ‪ -‬إلى‬
‫وقوع الطّلق على المعتدّة من طلق رجعيّ ‪ ،‬حتّى لو قال الرّجل لزوجته المدخول بها ‪:‬‬
‫أنت طالق ‪ ،‬ثمّ قال لها في عدّتها ‪ :‬أنت طالق ‪ ،‬ثانيةً ‪ ،‬كانتا طلقتين ‪ ،‬ما لم يرد تأكيد‬
‫الولى ‪ ،‬فإن أراد تأكيد الولى لم تقع الثّانية ‪ ،‬ما لم تكن قرائن الحال تمنع صحّة إرادة‬
‫التّأكيد ‪ ،‬وذلك لنّ الطّلق الرّجعيّ ل ينهي العلقة بين الزّوجين قبل انقضاء العدّة ‪ ،‬بدللة‬
‫جواز رجوعه إليها في العدّة بالعقد الوّل دون عقد جديد ‪.‬‬
‫أمّا المطلّقة بائنا والمفسوخ زواجها إذا طلّقها في عدّتها ‪ ،‬فقد اختلفوا فيها ‪:‬‬
‫فذهب الجمهور إلى عدم وقوع الطّلق على المعتدّة من طلق بائن سواء أكانت البينونة‬
‫صغرى أم كبرى ‪ ،‬وكذلك المفسوخ زواجها ‪ ،‬وذلك لنقضاء النّكاح بالبينونة والفسخ ‪.‬‬
‫ن المبانة بينون ًة صغرى في عدّتها زوجةً من وجه بدللة جواز عودها‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫إلى زوجها بعقد جديد أثناء العدّة ‪ ،‬ول يجوز زواجها من غيره قبل انقضاء العدّة ‪ ،‬ولهذا‬
‫فإنّها محلّ لصحّة الطّلق عندهم ‪ ،‬وعلى هذا فلو طلّق رجل زوجته المدخول بها بائنا مرّةً‬
‫واحدةً ‪ ،‬ث ّم طلّقها أخرى في عدّتها كانتا اثنتين ‪ ،‬هذا ما لم يقصد تأكيد الولى ‪ ،‬فإن قصد‬
‫تأكيد الولى لم تقع الثّانية كما تقدّم في المعتدّة من طلق رجعيّ ‪.‬‬
‫وأمّا المفسوخ زواجها فلم ير الحنفيّة وقوع الطّلق في عدّتها إذا كان سبب الفسخ حرمةً‬
‫ل للطّلق في‬
‫مؤبّدةً ‪ ،‬كتقبيلها ابن زوجها بشهوة ‪ ،‬فإن كانت الحرمة غير مؤبّدة كانت مح ً‬
‫أحوال ‪ ،‬وغير محلّ له في أحوال أخرى ‪ ،‬ذكر ذلك ابن عابدين فقال ‪ :‬ومحلّه المنكوحة ‪،‬‬
‫ي أو بائن غير ثلث في حرّة وثنتين في أمة ‪ ،‬أو عن فسخ‬
‫أي ولو معتدّةً عن طلق رجع ّ‬
‫بتفريق لباء أحدهما عن السلم أو بارتداد أحدهما ‪ ،‬بخلف عدّة الفسخ بحرمة مؤبّدة‬
‫كتقبيل ابن الزّوج ‪ ،‬أو غير مؤبّدة ‪ ،‬كالفسخ بخيار عتق ‪ ،‬وبلوغ ‪ ،‬وعدم كفاءة ‪ ،‬ونقصان‬
‫مهر ‪ ،‬وسبي أحدهما ‪ ،‬ومهاجرته ‪ ،‬فل يقع الطّلق فيها كما حرّره في البحر عن الفتح ‪.‬‬
‫ركن الطّلق ‪:‬‬
‫‪ -‬ركن سائر التّصرّفات الشّرعيّة القوليّة عند الحنفيّة ‪ :‬الصّيغة الّتي يعبّر بها عنه ‪.‬‬ ‫‪13‬‬

‫أمّا جمهور الفقهاء ‪ :‬فإنّهم يتوسّعون في معنى الرّكن ‪ ،‬ويدخلون فيه ما يسمّيه الحنفيّة‬
‫أطراف التّصرّف ‪.‬‬
‫والطّلق بالتّفاق من التّصرّفات الشّرعيّة القوليّة ‪ ،‬فركن الطّلق في مذهب الحنفيّة هو ‪:‬‬
‫الصّيغة الّتي يعبّر بها عنه ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬للطّلق أربعة أركان ‪ ،‬هي ‪ :‬أهل ‪ ،‬وقصد ‪ ،‬ومحلّ ‪ ،‬ولفظ ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ‪ :‬أركان خمسة ‪ :‬مطلّق ‪ ،‬وصيغة ‪ ،‬ومحلّ ‪ ،‬وولية ‪ ،‬وقصد ‪.‬‬
‫والصل في الصّيغة الّتي يعبّر بها عن الطّلق الكلم ‪ ،‬وقد ينوب عنه الكتابة أو الشارة ‪،‬‬
‫ول ينعقد الطّلق بغير ذلك ‪ ،‬فلو نوى الطّلق دون لفظ أو كتابة أو إشارة لم يكن مطلّقا ‪،‬‬
‫وكذلك إذا أمر زوجته بحلق شعرها بقصد الطّلق ‪ ،‬ل يكون مطلّقا أيضا ‪.‬‬
‫شروط الطّلق ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط ل صحّة الطّلق لدى الفقهاء شروط موزّ عة على أطراف الطّلق الثّل ثة ‪،‬‬ ‫‪14‬‬

‫فبعضها يتعلّق بالمطلّق ‪ ،‬وبعضها بالمطلّقة ‪ ،‬وبعضها بالصّيغة ‪ ،‬وذلك على الوجه التّالي ‪:‬‬
‫الشّروط المتعلّقة بالمطلّق ‪:‬‬
‫يشترط في المطلّق ليقع طلقه على زوجته صحيحا شروط ‪ ،‬هي ‪:‬‬
‫الشّرط الوّل ‪ :‬أن يكون زوجا ‪:‬‬
‫‪ -‬والزّوج ‪ :‬هو من بينه وبين المطلّقة عقد زواج صحيح ‪.‬‬ ‫‪15‬‬

‫الشّرط الثّاني ‪ :‬البلوغ ‪:‬‬


‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم وقوع طلق الصّغير مميّزا أو غير مميّز ‪ ،‬مراهقا أو‬ ‫‪16‬‬

‫غير مراهق ‪ ،‬أذن له بذلك أم ل ‪ ،‬أجيز بعد ذلك من الوليّ أم ل ‪ ،‬على سواء ‪ ،‬ذلك لنّ‬
‫الطّلق ضرر محض ‪ ،‬فل يملكه الصّغير ول يملكه وليّه ‪ ،‬ولقول النّبيّ صلى ال عليه‬
‫ي حتّى يحتلم ‪ ،‬وعن‬
‫وسلم‪ » :‬رفع القلم عن ثلثة ‪ :‬عن النّائم حتّى يستيقظ ‪ ،‬وعن الصّب ّ‬
‫المجنون حتّى يعقل « ‪.‬‬
‫وخالف الحنابلة في الصّبيّ الّذي يعقل الطّلق ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إنّ طلقه واقع على أكثر الرّوايات‬
‫عن أحمد ‪ .‬أمّا من ل يعقل فوافقوا الجمهور في أنّه ل يقع طلقه ‪.‬‬
‫قال في المغني ‪ :‬وأمّا الصّبيّ الّذي ل يعقل فل خلف في أنّه ل طلق له ‪ ،‬وأمّا الّذي يعقل‬
‫ن زوجته تبين منه به وتحرم عليه ‪ :‬فأكثر الرّوايات عن أحمد أنّ طلقه‬
‫الطّلق ‪ ،‬ويعلم أ ّ‬
‫ي وابن حامد ‪.‬‬
‫يقع ‪ ،‬اختارها أبو بكر والخرق ّ‬
‫وروى أبو طالب عن أحمد ‪ :‬ل يجوز طلقه حتّى يحتلم ‪ ،‬وهو قول النّخعيّ ‪ ،‬والزّهريّ ‪.‬‬
‫وروى أبو الحارث عن أحمد ‪ :‬إذا عقل الطّلق جاز طلقه ما بين عشر إلى اثنتي عشرة ‪،‬‬
‫وهذا يدلّ على أنّه ل يقع لدون العشر ‪ ،‬وهو اختيار أبي بكر ‪ ،‬لنّ العشر حدّ الضّرب على‬
‫الصّلة والصّيام وصحّة الوصيّة ‪ ،‬فكذلك هذا ‪ ،‬وعن سعيد بن المسيّب ‪ :‬إذا أحصى الصّلة‬
‫وصام رمضان جاز طلقه ‪ ،‬وقال عطاء ‪ :‬إذا بلغ أن يصيب النّساء وعن الحسن ‪ :‬إذا عقل‬
‫وحفظ الصّلة وصام رمضان وقال إسحاق ‪ :‬إذا جاوز اثنتي عشرة ‪.‬‬
‫الشّرط الثّالث ‪ :‬العقل ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى عدم صحّة طلق المجنون والمعتوه لفقدان أهليّة الداء في الوّل ‪،‬‬ ‫‪17‬‬

‫ونقصانها في الثّاني ‪ ،‬فألحقوهما بالصّغير غير البالغ ‪ ،‬فلم يقع طلقهما لما تقدّم من الدلّة‪.‬‬
‫وهذا في الجنون الدّائم المطبق ‪ ،‬أمّا الجنون المتقطّع ‪ ،‬فإنّ حكم طلق المبتلى به منوط‬
‫بحاله عند الطّلق ‪ ،‬فإن طلّق وهو مجنون لم يقع ‪ ،‬وإن طلّق في إفاقته وقع لكمال أهليّته ‪.‬‬
‫وقد ألحق الفقهاء بالمجنون النّائم ‪ ،‬والمغمى عليه ‪ ،‬والمبرسم ‪ ،‬والمدهوش ‪ ،‬وذلك‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬رفع القلم عن ثلثة ‪...‬‬
‫لنعدام أهليّة الداء لديهم ولحديث النّب ّ‬
‫«‪.‬‬
‫وحديث ‪ » :‬ل طلق ول عتاق في إغلق « ‪.‬‬
‫وأمّا السّكران ‪ ،‬فإن كان غير متعدّ بسكره ‪ ،‬كما إذا سكر مضطرّا ‪ ،‬أو مكرها أو بقصد‬
‫العلج الضّروريّ إذا تعيّن بقول طبيب مسلم ثقة ‪ ،‬أو لم يعلم أنّه مسكر ‪ ،‬لم يقع طلقه‬
‫بالتّفاق ‪ ،‬لفقدان العقل لديه كالمجنون دون تعدّ ‪ ،‬هذا إذا غاب عقله أو اختلّت تصرّفاته ‪،‬‬
‫وإلّ وقع طلقه ‪.‬‬
‫وإن كان متعدّيا بسكره ‪ ،‬كأن شرب الخمرة طائعا بدون حاجة ‪ ،‬وقع طلقه عند الجمهور‬
‫رغم غياب عقله بالسّكر ‪ ،‬وذلك عقابا له ‪ ،‬وهو مذهب سعيد ‪ ،‬وعطاء ‪ ،‬ومجاهد ‪،‬‬
‫والحسن‪ ،‬وابن سيرين ‪ ،‬والشّعبيّ ‪ ،‬والنّخعيّ ‪ ،‬وغيرهم ‪.‬‬
‫وذكر الحنابلة عن أحمد روايتين ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬بوقوع طلقه كالجمهور ‪ ،‬اختارها أبو بكر الخلل والقاضي ‪.‬‬
‫والثّانية ‪ :‬بعدم وقوع طلقه ‪ ،‬اختارها أبو بكر عبد العزيز ‪ ،‬وهو قول عند الحنفيّة أيضا‬
‫اختاره الطّحاويّ والكرخيّ ‪ ،‬وقول عند الشّافعيّة ‪ ،‬وقد روي ذلك عن عثمان رضي ال‬
‫تعالى عنه ‪ ،‬وهو مذهب عمر بن عبد العزيز ‪ ،‬والقاسم ‪ ،‬وطاوس ‪ ،‬وربيعة ‪ ،‬وغيرهم ‪.‬‬
‫ن الصّحابة جعلوا السّكران كالصّاحي في الحدّ بالقذف ‪.‬‬
‫وقد استدلّ لمذهب الجمهور بأ ّ‬
‫كما استدلّ لعدم وقوع طلقه بأنّه فاقد العقل كالمجنون والنّائم ‪ ،‬وبأنّه ل فرق بين زوال‬
‫ن من كسر ساقيه جاز له أن يصلّي قاعدا ‪ ،‬وأنّ امرأةً لو‬
‫العقل بمعصية أو غيرها ‪ ،‬بدليل أ ّ‬
‫ضربت بطن نفسها فنفست ‪ ،‬سقطت عنها الصّلة ‪.‬‬
‫الشّرط الرّابع ‪ :‬القصد والختيار ‪:‬‬
‫‪ -‬المراد به هنا ‪ :‬قصد اللّفظ الموجب للطّلق من غير إجبار ‪.‬‬ ‫‪19‬‬

‫وقد اتّفق الفقهاء على صحّة طلق الهازل ‪ ،‬وهو ‪ :‬من قصد اللّفظ ‪ ،‬ولم يرد به ما يدلّ‬
‫ن جدّ ‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ثلث جدّه ّ‬
‫عليه حقيقةً أو مجازا ‪ ،‬وذلك لحديث النّب ّ‬
‫وهزلهنّ جدّ ‪ :‬النّكاح والطّلق والرّجعة « ‪.‬‬
‫ن محلّه المرأة ‪ ،‬وهي إنسان ‪ ،‬والنسان أكرم‬
‫ولنّ الطّلق ذو خطر كبير باعتبار أ ّ‬
‫مخلوقات اللّه تعالى ‪ ،‬فل ينبغي أن يجري في أمره الهزل ‪ ،‬ولنّ الهازل قاصد للّفظ الّذي‬
‫ربط الشّارع به وقوع الطّلق ‪ ،‬فيقع الطّلق بوجوده مطلقا ‪.‬‬
‫أمّا المخطئ ‪ ،‬والمكره ‪ ،‬والغضبان ‪ ،‬والسّفيه ‪ ،‬والمريض ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء في صحّة‬
‫طلقهم على التّفصيل التّالي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المخطئ ‪:‬‬
‫‪ -‬المخطئ هنا ‪ :‬من لم يقصد التّلفّظ بالطّلق أصلً ‪ ،‬وإنّما قصد لفظا آخر ‪ ،‬فسبق‬ ‫‪20‬‬

‫لسانه إلى الطّلق من غير قصد ‪ ،‬كأن يريد أن يقول لزوجته ‪ :‬يا جميلة ‪ ،‬فإذا به يقول لها‬
‫خطأً ‪ :‬يا طالق وهو غير الهازل ‪ ،‬لنّ الهازل قاصد للفظ الطّلق ‪ ،‬إلّ أنّه غير قاصد للفرقة‬
‫به ‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء في حكم طلق المخطئ ‪:‬‬
‫فذهب الجمهور إلى عدم وقوع طلقه قضا ًء وديانةً ‪ ،‬هذا إذا ثبت خطؤه بقرائن الحوال ‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫فإذا لم يثبت خطؤه وقع الطّلق قضاءً ‪ ،‬ولم يقع ديانةً ‪ ،‬وذلك لحديث النّب ّ‬
‫وسلم ‪ » :‬إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه « ‪.‬‬
‫ول يقاس حاله على الهازل ‪ ،‬لنّ الهازل ثبت وقوع طلقه على خلف القياس بالحديث‬
‫الشّريف المتقدّم ‪ ،‬وما كان كذلك فل يقاس غيره عليه ‪.‬‬
‫ن طلق المخطئ واقع قضا ًء ‪ ،‬ثبت خطؤه أم ل ‪ ،‬ول يقع ديانةً ‪ ،‬وذلك‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫لخطورة محلّ الطّلق ‪ ،‬وهو المرأة ‪ ،‬ولنّ في عدم إيقاع طلقه فتح باب الدّعاء بذلك بغير‬
‫حقّ للتّخلّص من وقوع الطّلق وهو خطير ‪ ،‬وذريعة يجب سدّها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المكره ‪:‬‬
‫‪ -‬الكراه هنا معناه ‪ :‬حمل الزّوج على الطّلق بأداة مرهبة ‪.‬‬ ‫‪21‬‬
‫وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم وقوع طلق المكره إذا كان الكراه شديدا ‪ ،‬كالقتل ‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل‬
‫والقطع ‪ ،‬والضّرب المبرّح ‪ ،‬وما إلى ذلك ‪ ،‬وذلك لحديث النّب ّ‬
‫طلق ول عتاق في إغلق « ‪.‬‬
‫وللحديث المتقدّم ‪ » :‬إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه « ‪.‬‬
‫ولنّه منعدم الرادة والقصد ‪ ،‬فكان كالمجنون والنّائم ‪ ،‬فإذا كان الكراه ضعيفا ‪ ،‬أو ثبت‬
‫عدم تأثّر المكره به ‪ ،‬وقع طلقه لوجود الختيار ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى وقوع طلق المكره مطلقا ‪ ،‬لنّه مختار له بدفع غيره عنه به ‪ ،‬فوقع‬
‫الطّلق لوجود الختيار ‪.‬‬
‫وهذا كلّه في الكراه بغير حقّ ‪ ،‬فلو أكره على الطّلق بحقّ ‪ ،‬كالمولي إذا انقضت مدّة‬
‫اليلء بدون فيء فأجبره القاضي على الطّلق فطلّق ‪ ،‬فإنّه يقع بالجماع ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الغضبان ‪:‬‬
‫‪ -‬الغضب ‪ :‬حالة من الضطراب العصبيّ ‪ ،‬وعدم التّوازن الفكريّ ‪ ،‬تحلّ بالنسان إذا‬ ‫‪22‬‬

‫عدا عليه أحد بالكلم أو غيره ‪.‬‬


‫والغضب ل أثر له في صحّة تصرّفات النسان القوليّة ‪ ،‬ومنها الطّلق ‪ ،‬إلّ أن يصل الغضب‬
‫إلى درجة الدّهش ‪ ،‬فإن وصل إليها لم يقع طلقه ‪ ،‬لنّه يصبح كالمغمى عليه ‪.‬‬
‫والمدهوش هو ‪ :‬من غلب الخلل في أقواله وأفعاله الخارجة عن عادته بسبب غضب‬
‫اعتراه‪.‬‬
‫وقسّم ابن القيّم الغضب أقساما ثلثةً نقلها عنه ابن عابدين وعلّق عليها فقال ‪ :‬طلق‬
‫الغضبان ثلثة أقسام ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن يحصل له مبادئ الغضب بحيث ل يتغيّر عقله ‪ ،‬ويعلم ما يقول ويقصده ‪ ،‬وهذا‬
‫ل إشكال فيه ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أن يبلغ النّهاية ‪ ،‬فل يعلم ما يقول ول يريده ‪ ،‬فهذا ل ريب أنّه ل ينفذ شيء من‬
‫أقواله ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬من توسّط بين المرتبتين بحيث لم يصر كالمجنون ‪ ،‬فهذا محلّ النّظر والدلّة تدلّ‬
‫على عدم نفوذ أقواله ‪.‬‬
‫ل من المدهوش والغضبان ل يلزم فيه أن يكون‬
‫ثمّ قال ابن عابدين ‪ :‬والّذي يظهر لي أنّ ك ً‬
‫بحيث ل يعلم ما يقول ‪ ،‬بل يكتفى فيه بغلبة الهذيان واختلط الجدّ بالهزل كما هو المفتى به‬
‫في السّكران ‪ ..‬ثمّ قال ‪ :‬فالّذي ينبغي التّعويل عليه في المدهوش ونحوه ‪ :‬إناطة الحكم‬
‫بغلبة الخلل في أقواله وأفعاله الخارجة عن عادته ‪ ،‬فما دام في حال غلبة الخلل في القوال‬
‫ن هذه المعرفة والرادة غير معتبرة‬
‫والفعال ل تعتبر أقواله وإن كان يعلمها ويريدها ‪ ،‬ل ّ‬
‫لعدم حصولها عن إدراك صحيح كما ل تعتبر من الصّبيّ العاقل ‪.‬‬
‫د ‪ -‬السّفيه ‪:‬‬
‫‪ -‬السّفه ‪ :‬خفّة في العقل تدعو إلى التّصرّف بالمال على غير وفق العقل والشّرع ‪.‬‬ ‫‪23‬‬

‫وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى وقوع طلق السّفيه ‪ ،‬لنّه مكلّف مالك لمحلّ الطّلق ‪ ،‬ولنّ‬
‫صةً ‪ ،‬وهذا تصرّف في النّفس ‪ ،‬وهو غير متّهم في حقّ‬
‫السّفه موجب للحجر في المال خا ّ‬
‫نفسه ‪ ،‬فإن نشأ عن طلق السّفيه آثار ماليّة كالمهر فهي تبع ل أصل ‪.‬‬
‫وخالف عطاء ‪ ،‬وقال بعدم وقوع طلق السّفيه ‪.‬‬
‫هم – المريض ‪:‬‬
‫– المرض إذا أطلق في عرف الفقهاء انصرف إلى مرض الموت غالبا ‪ ،‬إلّ أن ينصّ‬ ‫‪24‬‬

‫فيه على غيره ‪.‬‬


‫وقد اتّفق الفقهاء على صحّة طلق المريض مطلقا ‪ ،‬سواء أكان مرض موت أم مرضا‬
‫عاديّا‪ ،‬ما دام ل أثر له في القوى العقليّة ‪ ،‬فإن أثّر فيها دخل في باب الجنون والعته وغير‬
‫ذلك ممّا تقدّم ‪.‬‬
‫إلّ أنّ المريض مرض موت بخاصّة إذا طلّق زوجته المدخول بها في مرضه بغير طلب منها‬
‫أو رضا طلقا بائنا ‪ ،‬ثمّ مات وهي في عدّتها من طلقه هذا ‪ ،‬فإنّه يعدّ فارّا من إرثها‬
‫حكما‪ ،‬وترث منه رغم وقوع الطّلق عليها عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫وقيّد الحنفيّة ذلك بما إذا لم تطلب الطّلق البائن ‪ ،‬فإذا طلبت هذا الطّلق فل ترث ‪.‬‬
‫وخالف الشّافعيّة ‪ ،‬وقالوا بعدم إرث البائنة ‪ ،‬أمّا المعتدّة من طلق رجعيّ فترث بالتّفاق ‪.‬‬
‫أمّا المريض بغير مرض الموت وكذلك غير المريض فل يتأتّى في طلقهما الفرار من‬
‫الرث‪.‬‬
‫الشّروط المتعلّقة بالمطلّقة ‪:‬‬
‫يشترط في المطلّقة ليقع الطّلق عليها شروط ‪ ،‬هي ‪:‬‬
‫الشّرط الوّل ‪ :‬قيام الزّوجيّة حقيقةً أو حكما ‪:‬‬
‫‪ -‬وذلك بأن تكون المطلّقة زوجةً للمطلّق ‪ ،‬أو معتدّةً من طلقه الرّجعيّ ‪ ،‬فإذا كانت‬ ‫‪25‬‬

‫معتدّةً من طلق بائن أو فسخ ‪ ،‬فقد تقدّم الختلف فيه عند الكلم على محلّ الطّلق ‪.‬‬
‫هذا في الطّلق المنجّز ‪ ،‬فإذا علّق طلقها بشرط ‪ ،‬كأن قال ‪ :‬إن دخلت دار فلن فأنت‬
‫ح الطّلق ‪ ،‬وإن كانت معتدّةً عند التّعليق ففيه‬
‫طالق‪ ،‬فإن كانت عند التّعليق زوجةً ص ّ‬
‫الخلف المتقدّم في الطّلق المنجّز ‪.‬‬
‫فإن كانت عند التّعليق أجنب ّيةً ثمّ تزوّجها ‪ ،‬ثمّ حصل الشّرط المعلّق عليه ‪ ،‬فإن أضاف‬
‫التّعليق إلى النّكاح ‪ -‬كأن قال للجنبيّة ‪ :‬إن تزوّجتك فأنت طالق ‪ ،‬ثمّ تزوّجها ‪ -‬طلقت عند‬
‫الحنفيّة والمالكيّة خلفا للشّافعيّة ‪.‬‬
‫وإن أضافه إلى غير النّكاح ‪ ،‬بأن قال للجنبيّة ‪ :‬إن دخلت دار فلن فأنت طالق ‪ ،‬ثمّ‬
‫تزوّجها‪ ،‬ثمّ دخلت ‪ ،‬لم تطلق بالتّفاق ‪.‬‬
‫وكذلك إن دخلت الدّار قبل الزّواج ‪ ،‬فإنّها ل تطلق من باب أولى ‪.‬‬
‫فإذا علّق طلق الجنبيّة على غير النّكاح ‪ ،‬ونوى فيه النّكاح ‪ ،‬مثل أن يقول لها ‪ :‬إن دخلت‬
‫دار فلن فأنت طالق ‪ ،‬ثمّ تزوّجها ‪ ،‬ث ّم دخلت الدّار المحلوف عليها ‪ ،‬طلقت عند المالكيّة‬
‫للنّيّة ‪ ،‬ولم تطلق عند الجمهور لعدم الضافة للنّكاح لفظا ‪.‬‬
‫الشّرط الثّاني ‪ :‬تعيين المطلّقة بالشارة أو بالصّفة أو بال ّنيّة ‪.‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على اشتراط تعيين المطلّقة ‪ ،‬وطرق التّعيين ثلثة ‪:‬‬ ‫‪26‬‬

‫الشارة ‪ ،‬والوصف ‪ ،‬والنّيّة ‪ ،‬فأيّها قدّم جاز ‪ ،‬فإذا تعارض الثّلثة ففيه التّفصيل التّالي ‪:‬‬
‫اتّفق الفقهاء على أنّه إذا عيّن المطلّقة بالشارة والصّفة والنّيّة وقع الطّلق على المعيّنة ‪،‬‬
‫كأن قال لزوجته الّتي اسمها عمرة مشيرا إليها ‪ :‬يا عمرة ‪ ،‬أنت طالق ‪ ،‬قاصدا طلقها ‪،‬‬
‫فإنّها تطلق بالتّفاق ‪ ،‬لتمام التّعيين بذلك ‪.‬‬
‫فإن أشار إلى واحدة من نسائه لمتعدّدات دون أن يصفها بوصف ‪ ،‬ولم ينو غيرها ‪ ،‬وقال‬
‫ن الشارة كافية للتّعيين ‪ ،‬وكذلك إذا‬
‫لها ‪ :‬أنت طالق ‪ ،‬وقع الطّلق عليها بالتّفاق أيضا ‪ ،‬ل ّ‬
‫وصفها بوصفها دون إشارة ودون قصد غيرها ‪ ،‬فإنّها تطلق أيضا ‪ ،‬كما إذا قال ‪ :‬سلمى‬
‫طالق ‪.‬‬
‫فإن نوى واحدةً من نسائه ‪ ،‬ولم يشر إليها ولم يصفها ‪ ،‬كما إذا قال ‪ :‬إحدى نسائي طالق ‪،‬‬
‫ونوى واحد ًة منهنّ ‪ ،‬فإنّها تطلق دون غيرها ‪ ،‬وكذلك لو قال ‪ :‬امرأتي طالق ‪ ،‬وليس له‬
‫غير زوجة واحدة ‪ ،‬فإنّها تطلق ‪.‬‬
‫فإن أشار إلى واحدة من نسائه ‪ ،‬ووصف غيرها ‪ ،‬بأن قال لحدى زوجاته واسمها سلمى‬
‫‪ :‬أنت يا عمرة طالق ‪ ،‬وكانت الخرى اسمها عمرة ‪ ،‬طلقت المشار إليها عند الحنفيّة‬
‫قضاءً ‪ ،‬ولم تطلق عمرة للقاعدة الفقهيّة الكلّيّة ‪ :‬الوصف في الحاضر لغو ‪ ،‬وفي الغائب‬
‫معتبر وكذلك إذا أشار إليها ووصفها بغير وصفها ‪ ،‬فإنّها تطلق ‪ ،‬كما إذا قال لمرأته ‪ ،‬أنت‬
‫يا غزالة طالق ‪ ،‬للقاعدة السّابقة ‪.‬‬
‫فإذا لم يشر إليها ‪ ،‬ولكن وصفها بوصف هو فيها ‪ ،‬وعنى بها غيرها ‪ ،‬كأن قال ‪ :‬زوجتي‬
‫سلمى طالق ‪ ،‬وقصد غيرها ‪ ،‬ديّن إن كان له زوجة اسمها سلمى ‪ -‬ووقع ديانةً ‪ -‬فإن لم‬
‫يكن له لم يقع الطّلق عليه ديان ًة ول قضا ًء ‪ ،‬لعدم التّعيّن أصلً ‪ ،‬وعدم احتمال اللّفظ للنّيّة‬
‫ن طوالق ‪ ،‬ونوى زوجته ‪ ،‬طلقت زوجته عند الحنفيّة ‪ ،‬فإن لم‬
‫‪ .‬فإن قال ‪ :‬نساء الدّنيا كلّه ّ‬
‫ن طوالق ‪ ،‬طلقت زوجته ‪ ،‬نواها أم لم ينوها ‪،‬‬
‫ينوها لم تطلق ‪ ،‬وإن قال ‪ :‬نساء محلّتي كلّه ّ‬
‫ن طلقت ‪ ،‬وإلّ ‪ ،‬فقد ذهب أبو‬
‫ن طوالق ‪ ،‬فإن نوى زوجته فيه ّ‬
‫فإن قال ‪ :‬نساء مدينتي كلّه ّ‬
‫يوسف إلى عدم طلقها ‪ ،‬وهو رواية عن محمّد بن الحسن أيضا ‪ ،‬وفي رواية أخرى عن‬
‫محمّد بن الحسن أنّها تطلق كما في نساء الحيّ ‪.‬‬
‫ولو قال ‪ :‬نساء المسلمين طوالق لم تطلق امرأته في الصحّ عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ولو كان له زوجتان ‪ :‬سلمى وعمرة ‪ ،‬فدعا سلمى فأجابته عمرة ‪ ،‬فظنّها سلمى فطلّقها ‪،‬‬
‫طلقت سلمى ديان ًة وقضاءً عند المالكيّة للقصد ‪ ،‬أمّا عمرة فتطلق قضا ًء ل ديان ًة لعدم‬
‫القصد‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى طلق المجيبة في الصحّ ‪ ،‬أمّا المناداة فلم تطلق ‪ ،‬وفي قول آخر لم‬
‫تطلقا ‪.‬‬
‫ولو قال الرّجل لزوجته وأجنبيّة معها ‪ :‬إحداكما طالق ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬قصدت الجنبيّة ‪ ،‬قبل قوله‬
‫في الصحّ لدى الشّافعيّة ‪ ،‬لحتمال كلمه ذلك ولكون الجنبيّة من حيث الجملة قابلةً ‪ -‬أي‬
‫للطّلق ‪ -‬فتقدّم النّيّة ‪ ،‬وفي قول آخر تطلق زوجته ‪ ،‬لنّها مح ّل الطّلق دون الثّانية ‪ ،‬فل‬
‫يصرف قوله إلى قصده ‪ ،‬للقاعدة الفقهيّة الكلّيّة ‪ :‬إعمال الكلم أولى من إهماله ‪ ،‬فإن لم‬
‫يكن له قصد أصلً ‪ ،‬طلقت زوجته قولً واحدا للقاعدة السّابقة ‪ ،‬فلو قال لزوجته ورجل ‪:‬‬
‫أحدكما طالق ‪ ،‬وقصد الرّجل ‪ ،‬بطل قصده ‪ ،‬وطلقت زوجته ‪ ،‬لنّ الرّجل ليس محلّ الطّلق‬
‫أصلً ‪.‬‬
‫ولو قال لحدى زوجتيه ‪ :‬إحداكما طالق إن فعلت كذا ‪ ،‬ثمّ فعل المحلوف عليه بعد موت‬
‫إحداهما ‪ ،‬تعيّنت الثّانية الحيّة للطّلق ‪ ،‬طلقت ‪.‬‬
‫ونصّ الحنابلة على أنّه لو قال لزوجاته الربع ‪ :‬إحداكنّ طالق ‪ ،‬فإن كان له نيّة طلقت الّتي‬
‫نواها ‪ ،‬وإن لم يكن له نيّة أقرع بينهنّ ‪ ،‬ومن وقعت القرعة عليها كانت هي المطلّقة ‪،‬‬
‫وقال مالك ‪ :‬طلقن جميعا ‪ ،‬وذهب الجمهور إلى أنّه يخيّر ‪ ،‬ويقع الطّلق على من يختارها‬
‫منهنّ للطّلق ‪.‬‬
‫فإن طلّق واحدةً من نسائه ونسيها ‪ ،‬أخرجت المطلّقة بالقرعة أيضا عند الحنابلة ‪.‬‬
‫وعند أكثر الفقهاء ل يعوّل على القرعة لبيان من وقع الطّلق عليها ‪ ،‬ولكن على تعيينه‬
‫هو‪.‬‬
‫وتطليق جزء المطلّقة كتطليقها كلّها إذا كان الجزء شائعا وأضافه إليها ‪ ،‬كقوله لزوجته ‪:‬‬
‫نصفك طالق ‪ ،‬أو ثلثك ‪ ،‬أو ربعك ‪ ،‬أو جزء من ألف منك ‪ ..‬فإن أضافه إلى جزء معيّن‬
‫منها‪ ،‬فإن كان هذا الجزء المعيّن ثابتا فيها وجزءا ل يتجزّأ منها كرأسها ‪ ،‬وبطنها ‪...‬‬
‫فكذلك الحكم ‪ ،‬وإن كان غير ثابت كلعابها ‪ ،‬وعرقها ‪ ،‬وسائر فضلتها لم تطلق ‪ ،‬وهذا‬
‫مذهب الجمهور ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه إن طلّق جزءا شائعا منها طلقت ‪ ،‬وإن طلّق جزءا معيّنا ‪ ،‬فإن كان‬
‫ممّا يعبّر به عنها عادةً كالرّأس ‪ ،‬والوجه ‪ ،‬والرّقبة ‪ ،‬والظّهر ‪ ..‬طلقت ‪ ،‬وإن كان ل يعبّر‬
‫به عنها عاد ًة كاليد والرّجل لم تطلق فإن تعارفه النّاس طلقت به أيضا ‪.‬‬
‫الشّروط المتعلّقة بصيغة الطّلق ‪:‬‬
‫‪ -‬صيغة الطّلق هي اللّفظ المعبّر به عنه ‪ ،‬إلّ أنّه يستعاض عن اللّفظ في أحوال‬ ‫‪27‬‬

‫بالكتابة أو الشارة ‪.‬‬


‫ولكلّ من اللّفظ والكتابة والشارة شروط ل بدّ من توافرها فيه ‪ ،‬وإلّ لم يقع الطّلق ‪ ،‬وهذه‬
‫الشّروط هي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬شروط اللّفظ ‪:‬‬
‫يشترط في اللّفظ المستعمل في الطّلق شروط هي ‪:‬‬
‫ن بحصول اللّفظ وفهم معناه ‪:‬‬
‫الشّرط الوّل ‪ :‬القطع أو الظّ ّ‬
‫‪ -‬المراد هنا ‪ :‬حصول اللّفظ وفهم معناه ‪ ،‬وليس نيّة وقوع الطّلق به ‪ ،‬وقد تكون نيّة‬ ‫‪28‬‬

‫الوقوع شرطا في أحوال كما سيأتي ‪.‬‬


‫وعلى هذا إذا حلف المطلّق بشيء ‪ ،‬ثمّ شكّ أكان حلفه بطلق أم بغيره ‪ ،‬فإنّه لغو ول يقع‬
‫ك أطلّق أم ل ؟ فإنّه ل يقع به شيء من باب أولى ‪ ،‬فإن تيقّن أو‬
‫به شيء ‪ ،‬وكذلك إذا ش ّ‬
‫ك في العدد ‪ ،‬أطلّق واحدةً ‪ ،‬أم ثنتين ‪ ،‬أم أكثر من ذلك ؟ بنى على القلّ‬
‫ظنّ أنّه طلّق ثمّ ش ّ‬
‫ك ل يثبت به حكم شرعيّ بخلف الظّنّ‬
‫ن به والشّكّ فيما فوقه ‪ ،‬والشّ ّ‬
‫لحصول اليقين أو الظّ ّ‬
‫واليقين ‪ ،‬وهذا عند جمهور الفقهاء ومنهم أبو حنيفة ومحمّد ‪ ،‬وذهب أبو يوسف من‬
‫الحنفيّة إلى أنّه يتحرّى ‪ ،‬فإن استويا عنده حمل بأشدّ ذلك عليه احتياطا في قضايا الفروج ‪،‬‬
‫قال ابن عابدين تعليقا على ذلك ‪ :‬ويمكن حمل الوّل على القضاء ‪ ،‬والثّاني على الدّيانة ‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬وخالف‬
‫فإذا نوى التّلفّظ بالطّلق ثمّ لم يتلفّظ به ‪ ،‬لم يقع بالتّفاق ‪ ،‬لنعدام اللّفظ أص ً‬
‫الزّهريّ ‪ ،‬وقال بوقوع طلق النّاوي له من غير تلفّظ ‪.‬‬
‫ن اللّه تجاوز لمّتي عمّا حدّثت به‬
‫ودليل الجمهور قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إ ّ‬
‫أنفسها ‪ ،‬ما لم تعمل أو تكلّم به « ‪.‬‬
‫ولو لقّن أعجميّ لفظ الطّلق وهو ل يعرف معناه ‪ ،‬فقاله لم يقع به شيء وكذلك عربيّ إذا‬
‫لقّن لفظا أعجميّا يفيد الطّلق وهو ل يعرف ذلك لم يقع مطلقا ‪.‬‬
‫الشّرط الثّاني ‪ :‬نيّة وقوع الطّلق باللّفظ ‪:‬‬
‫‪ -‬هذا خاصّ بالكنايات من اللفاظ ‪ ،‬أمّا الصّريح فل يشترط لوقوع الطّلق به نيّة‬ ‫‪29‬‬

‫ل ‪ ،‬واستثنى المالكيّة بعض ألفاظ الكناية حيث أوقعوا الطّلق بها من غير نيّة‬
‫الطّلق أص ً‬
‫كالصّريح ‪ ،‬وهي الكنايات الظّاهرة ‪ ،‬كقول المطلّق لزوجته ‪ :‬سرّحتك ‪ ،‬فإنّه في حكم ‪:‬‬
‫طلّقتك ‪ ،‬ووافقهم الحنابلة في ذلك على ما ذكره القاضي ‪ ،‬خلفا لما فهم من كلم الخرقيّ ‪،‬‬
‫وذكر في نيل المآرب أنّ لفظ ‪ :‬سراح من الكنايات فيحتاج للنّيّة ‪.‬‬
‫وهل تقوم قرائن الحوال والعرف مقام النّيّة في الكنايات ؟‬
‫ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى ذلك ‪ ،‬وخالف المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬ل عبرة بالعرف‬
‫ي حرام ‪ ،‬فإن قصد به طلقها‬
‫وقرائن الحال ‪ ،‬وعلى ذلك إذا قال الرّجل لزوجته ‪ :‬أنت عل ّ‬
‫طلقت عند جمهور الفقهاء للنّيّة ‪ ،‬وقال الحنابلة ‪ :‬يكون ظهارا ‪ ،‬وإن لم يقصد به الطّلق‬
‫لم تطلق عند الشّافعيّة ‪ ،‬وتطلق عند متأخّري الحنفيّة ‪ ،‬وفي المشهور عند المالكيّة تطلق‬
‫ثلثا في المدخول بها ‪ ،‬وينوّى – أي يسأل عن نيّته – في غير المدخول بها ‪.‬‬
‫ل كقوله ل ها ‪ :‬ا سقني ما ًء ؟ إن لم ي نو به الطّلق لم‬
‫و هل ي قع الطّلق بل فظ ل يحتمله أ ص ً‬
‫يقع به شيء بالجماع ‪ ،‬وإن نوى به الطّلق وقع الطّلق به عند المالكيّة على المشهور ‪،‬‬
‫ول يقع به شيء على مذهب الجمهور ‪ ،‬وهو قول ثان للمالكيّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬شروط الكتابة ‪:‬‬
‫اشترط الفقهاء لوقوع الطّلق بالكتابة شرطين ‪:‬‬
‫الشّرط الوّل ‪ :‬أن تكون مستبينةً ‪:‬‬
‫‪ -‬والمقصود أن تكون مكتوبةً بشكل ظاهر يبقى له أثر يثبت به ‪ ،‬كالكتابة على الورق ‪،‬‬ ‫‪30‬‬

‫أو الرض ‪ ،‬بخلف الكتابة في الهواء أو الماء ‪ ،‬فإنّها غير مستبينة ول يقع بها الطّلق ‪،‬‬
‫وهذا لدى الجمهور ‪ ،‬وفي رواية لحمد يقع بها الطّلق ولو لم تكن متبيّنةً ‪.‬‬
‫الشّرط الثّاني ‪ :‬أن تكون مرسومةً ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬الكتابة إذا كانت مستبينةً ومرسومةً يقع الطّلق بها ‪ ،‬نوى أو لم ينو ‪،‬‬ ‫‪31‬‬

‫وإذا كانت غير مستبينة ل يقع مطلقا وإن نوى ‪.‬‬


‫أمّا إذا كانت مستبينةً غير مرسومة ‪ ،‬فإن نوى يقع ‪ ،‬وإلّ ل يقع وقيل ‪ :‬يقع مطلقا ‪.‬‬
‫والكتابة المرسومة عندهم هي ‪ :‬ما كان معتادا ويكون مصدرا ومعنونا ‪ ،‬مثل ما يكتب إلى‬
‫الغائب ‪ ،‬والكتابة المستبينة هي ‪ :‬ما يكتب على الصّحيفة والحائط والرض ‪ ،‬على وجه‬
‫يمكن فهمه وقراءته ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن كتب الطّلق مجمعا عليه ‪ - ،‬ناويًا له ‪ ، -‬أو كتبه ولم يكن له نيّة‬
‫وقع ‪ ،‬وإن كتبه ليستخير فيه ‪ ،‬كان المر بيده ‪ ،‬إلّ أن يخرج الكتاب من يده ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو كتب ناطق طلقا ولم ينوه فلغو ‪ ،‬وإن نواه فالظهر وقوعه ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن كتب صريح طلق امرأته بما يتبيّن وقع وإن لم ينوه ‪ ،‬وإن نوى تجويد‬
‫خطّه أو غمّ أهله أو تجربة قلمه لم يقع ‪ ،‬ويقبل منه ذلك حكما ‪.‬‬
‫وإن كتب صريح طلق امرأته بشيء ل يتبيّن لم يقع ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬شروط الشارة ‪:‬‬
‫‪ -‬جمهور الفقهاء على عدم صحّة الطّلق بالشارة من القادر على الكلم ‪ ،‬وخالف‬ ‫‪32‬‬

‫المالكيّة ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬يقع الطّلق بإشارة القادر على الكلم ‪ ،‬كالخرس إن كانت إشارته‬
‫مفهمةً‪ ،‬وإن لم تكن مفهمةً لم يقع بها الطّلق عند الكثر ‪ ،‬وفي قول لبعض المالكيّة يقع‬
‫بها الطّلق بالنّيّة ‪ ،‬ومقابل الصحّ عند الشّافعيّة أنّ إشارة النّاطق بالطّلق كناية لحصول‬
‫الفهام بها في الجملة ‪.‬‬
‫فأمّا الخرس ‪ ،‬فالجمهور على وقوع الطّلق بإشارته ‪ ،‬وخصّ الحنفيّة ذلك بعجزه عن‬
‫الكتابة في ظاهر الرّواية ‪ ،‬فإن قدر على الكتابة لم يصحّ طلقه بالشارة ‪ ،‬وهو قول لدى‬
‫الشّافعيّة أيضا ‪ ،‬إلّ أنّه مرجوح عندهم ‪.‬‬
‫ثمّ إن كانت إشارته مفهومةً لدى كلّ النّاس ‪ ،‬وقع بها الطّلق بغير نيّة كالصّريح ‪ ،‬وإن‬
‫كانت مفهومةً لدى بعضهم فقط ‪ ،‬وقع الطّلق بها مع النّيّة فقط كما في الكتابة ‪ ،‬صرّح‬
‫بذلك الشّافعيّة كما اشترط الحنفيّة لوقوع الطّلق بالشارة من الخرس أن يكون خرسه منذ‬
‫الولدة أو طرأ عليه واستم ّر إلى الموت في القول المفتى به ‪ ،‬ولذا كان طلقه موقوفا على‬
‫موته ‪ ،‬وفي قول آخر ‪ :‬إذا دام سنةً كان كمن ولد أخرس ‪.‬‬
‫أنواع الطّلق ‪:‬‬
‫‪ -‬للطّلق أنواع مختلفة تختلف بحسب النّظر إليه ‪:‬‬ ‫‪33‬‬

‫ي‪.‬‬
‫فهو من حيث الصّيغة المستعملة فيه على نوعين ‪ :‬صريح وكنائ ّ‬
‫ومن حيث الثر النّاتج عنه على نوعين ‪ :‬رجعيّ وبائن ‪ ،‬والبائن على نوعين ‪ :‬بائن بينونة‬
‫صغرى ‪ ،‬وبائن بينونة كبرى ‪.‬‬
‫ي‪.‬‬
‫ومن حيث صفته على نوعين ‪ :‬سنّيّ وبدع ّ‬
‫ومن حيث وقت وقوع الثر النّاتج عنه على ثلثة أنواع ‪ :‬منجّز ‪ ،‬ومعلّق على شرط ‪،‬‬
‫ومضاف إلى المستقبل ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك كما يلي ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬الصّريح والكنائيّ ‪:‬‬
‫ن الصّريح في الطّلق هو ‪ :‬ما لم يستعمل إلّ فيه غالبا ‪ ،‬لغةً أو‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء ‪ ،‬على أ ّ‬ ‫‪34‬‬

‫ي بل نيّة ‪ ،‬وليس بين التّعريفين تناف ‪،‬‬


‫عرفا ‪ ،‬وعرّف كذلك بأنّه ‪ :‬ما ثبت حكمه الشّرع ّ‬
‫بل تكامل ‪ ،‬فالوّل تعريفه بحسب اللّفظ المستعمل فيه ‪ ،‬والثّاني بحسب الثر النّاتج عنه ‪.‬‬
‫ي في الطّلق هو ‪ :‬ما لم يوضع اللّفظ له ‪ ،‬واحتمله وغيره ‪ ،‬فإذا‬
‫كما اتّفقوا على أنّ الكنائ ّ‬
‫ل لم يكن كنايةً ‪ ،‬وكان لغوا لم يقع به شيء ‪.‬‬
‫لم يحتمله أص ً‬
‫ن الصّريح يقع به الطّلق بغير نيّة ‪ ،‬وكذلك بالنّيّة المناقضة قضا ًء فقط ‪،‬‬
‫واتّفقوا على أ ّ‬
‫وعلى ذلك فلو أطلق اللّفظ الصّريح ‪ ،‬وقال ‪ :‬لم أنو به شيئا وقع به الطّلق ‪ ،‬ولو قال ‪:‬‬
‫نويت غير الطّلق لم يصدّق قضا ًء وصدّق ديانةً ‪ ،‬هذا ما لم يحفّ باللّفظ من قرائن الحال‬
‫ما يدلّ على صدق نيّته في إرادة غير الطّلق ‪ ،‬فإن وجدت قرينة تدلّ على عدم قصده‬
‫الطّلق صدّق قضا ًء أيضا ‪ ،‬ولم يقع به عليه طلق ‪ ،‬وذلك كما إذا أكره على الطّلق فطلّق‬
‫صريحا غير ناو به الطّلق ‪ ،‬فإنّه ل يقع ديانةً ول قضا ًء لقرينة الكراه ‪.‬‬
‫وهذا لدى الجمهور ‪ ،‬وخالف الحنفيّة وقالوا بوقوع الطّلق من المكره كما تقدّم ‪.‬‬
‫ن اللّفظ يحتمل الطّلق وغيره ‪ ،‬فل‬
‫أمّا الكنائيّ فل يقع به الطّلق إلّ مع النّيّة ‪ ،‬ذلك أ ّ‬
‫ن اللّفظ يحتمله ‪ ،‬فيصرف إليه بها ‪.‬‬
‫يصرف إلى الطّلق إلّ بالنّيّة ‪ ،‬وأمّا وقوعه بالنّيّة فل ّ‬
‫وقد ألحق المالكيّة الكنايات الظّاهرة بالصّريح ‪ ،‬فأوقعوا الطّلق بها بغير نيّة ‪ ،‬وهي‬
‫الكنايات الّتي تستعمل في الطّلق كثيرا وإن لم توضع له في الصل ‪ ،‬وهي لفظ ‪ :‬الفراق‬
‫والسّراح ‪.‬‬
‫ي أنّه ل يقع به‬
‫ن مفهوم كلم الخرق ّ‬
‫والحنابلة مع المالكيّة هنا في قول القاضي ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫الطّلق من غير نيّة مطلقا ‪.‬‬
‫‪ -‬وهل يحلّ محلّ النّيّة قرائن الحال في وقوع الطّلق بالكناية من غير نيّة ؟‬ ‫‪35‬‬

‫ذهب الحنفيّة والحنابلة في المعتمد إلى أنّ قرائن الحال كالنّيّة في وقوع الطّلق باللّفظ‬
‫الكنائيّ ‪ ،‬كما لو قال لزوجته في حالة غضب ‪ :‬الحقي بأهلك ‪ ،‬فإنّه طلق ولو لم ينوه ‪،‬‬
‫وكذلك إذا كان في حالة مساءلة الطّلق ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة في رواية إلى عدم العتداد بقرائن الحال هنا ‪ ،‬فل‬
‫يقع الطّلق باللّفظ الكنائيّ عندهم إ ّل إذا نواه مطلقا ‪.‬‬
‫وقد ذهب الفقهاء إلى أنّ اللفاظ الصّريحة في الطّلق هي مادّة " طلّق " وما اشتقّ منها لغةً‬
‫وعرفا ‪ ،‬مثل ‪ :‬طلّقتك ‪ ،‬وأنت طالق ‪ ،‬ومطلّقة ‪ .‬فلو قال لها ‪ :‬أنت مطلقة بالتّخفيف كان‬
‫كنايةً ‪ ،‬فل يقع الطّلق به إلّ بالنّيّة ‪.‬‬
‫ن المالكيّة أنزلوا الكنايات المشهورة منزلة الصّريح في وقوع‬
‫وقد تقدّمت الشارة إلى أ ّ‬
‫الطّلق بها من غير نيّة ‪ ،‬وإن لم يعدّوها من الصّريح ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة في المشهور والحنابلة ‪ ،‬إلى أنّ الصّريح ألفاظ ثلثة هي ‪ :‬الطّلق والفراق‬
‫ق منها لغةً وعرفا ‪ ،‬مثل ‪ :‬طلّقتك ‪ ،‬وأنت طالق ‪ ،‬ومطلّقة ‪ ،‬فلو قال‬
‫والسّراح ‪ ،‬وما اشت ّ‬
‫أنت مطلقة بالتّخفيف كان كنايةً ‪ ،‬لعدم اشتهاره في الطّلق ‪.‬‬
‫وأمّا الكنائيّ فما وراء الصّريح من اللفاظ ممّا يحتمل الطّلق كلفظ ‪ :‬اعتدّي ‪ ،‬واستبرئي‬
‫رحمك ‪ ،‬والحقي بأهلك ‪ ،‬وأنت خليّة ‪ ،‬وأنت مطلقة بغير تشديد ونحو ذلك ‪.‬‬
‫ونصّ الحنفيّة على وقوع الطّلق باللّفظ المصحّف ‪ ،‬ثمّ إن كان اللّفظ صريحا وقع الطّلق‬
‫به بغير نيّة ‪ ،‬كلفظ ‪ :‬طلغ ‪ ،‬وتلغ ‪ ،‬وطلك ‪ ،‬وتلك ‪ ...‬بل فرق بين أن يكون المطلّق‬
‫عالما أو جاهلً ‪ ،‬إلّ أن يقول المطلّق ‪ :‬تعمّدت التّصحيف هذا للتّخويف به ‪ ،‬ويحفّ به من‬
‫قرائن الحال ما يصدّقه ‪ ،‬كالشهاد على ذلك قبل الطّلق ‪ ،‬فإنّه ل يقع به شيء على المفتى‬
‫به ‪ ،‬وإلّ وقع الطّلق ‪.‬‬
‫ولم يحصر الفقهاء الصّريح في الطّلق بالعربيّة ‪ ،‬بل أطلقوه فيها وفي غيرها ‪ ،‬وذكروا‬
‫ألفاظا بالفارسيّة والتّركيّة يقع بها الطّلق صريحا بغير نيّة ‪ ،‬مثل ‪ " :‬سان بوش " بالتّركيّة‬
‫" وبهشتم " بالفارسيّة ‪ ،‬وقد جرى في هذه اللفاظ بعض اختلف بينهم ‪ ،‬أهي من الصّريح‬
‫ي ؟ والحقيقة أنّ مر ّد ذلك إلى من يعلم بهذه اللّغات والعراف ‪.‬‬
‫أم من الكنائ ّ‬
‫ما يقع بالصّريح والكنائيّ من الطّلق ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ طلق الزّوج يكون رجعيّا دائما ول يكون بائنا إلّ في‬ ‫‪36‬‬

‫أحوال ثلث ‪ ،‬وهي ‪:‬‬


‫أ ‪ -‬الطّلق قبل الدّخول ‪ ،‬ويكون بائنا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الطّلق على مال ‪ ،‬ويكون بائنا ضرورة وجوب المال به على الزّوجة ‪ ،‬ذلك أنّها لم‬
‫تبذله له إلّ لبينونتها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الطّلق الثّلث ‪ ،‬وذلك ضرورة وقوع البينونة الكبرى به ‪ ،‬بنصّ الية الكريمة ‪ { :‬فَإِن‬
‫حلّ َل ُه مِن َبعْدُ حَ ّتىَ تَن ِكحَ َز ْوجًا غَيْرَهُ } ‪.‬‬
‫ل َت ِ‬
‫طَّل َقهَا فَ َ‬
‫هذا إلى جانب أحوال يكون الطّلق في بعضها بائنا إذا كان بحكم القاضي ‪ ،‬كالتّفريق‬
‫للغيبة ‪ ،‬والتّفريق لليلء ‪ ،‬والتّفريق للعيب ‪ ،‬والتّفريق للشّقاق والضّرر ‪ ،‬والتّفريق‬
‫ن الكنائيّ يقع الطّلق به بائنا مطلقا ‪ ،‬إلّ ألفاظا قليلةً‬
‫للعسار بالنّفقة‪ .‬وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫قدر وجود لفظ الطّلق الصّريح فيها ‪ ،‬فيكون رجعيّا ‪ ،‬مثل ‪ :‬اعتدّي ‪ ،‬واستبرئي رحمك ‪،‬‬
‫وأنت واحدةً ‪ .‬والتّقدير ‪ :‬طلّقتك فاعتدّي ‪ ،‬وطلّقتك فاستبرئي رحمك ‪ ،‬وأنت طالق طلقةً‬
‫واحدةً ‪.‬‬
‫أمّا الصّريح فيقع به الطّلق رجعيّا بشروط ‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬يكون بعد الدّخول ‪ ،‬فإذا كان قبل الدّخول وقع به الطّلق بائنا مطلقا ‪ ،‬سواء أكان‬
‫بلفظ صريح أم بلفظ كنائيّ ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أن ل يكون مقرونا بعوض ‪ ،‬فإن قرن بعوض ‪ -‬طلق على مال ‪ -‬كان بائنا ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬أن ل يكون مقرونا بعدد الثّلث لفظا أو إشارةً أو كتابةً ‪ ،‬وأن ل يكون الثّالث بعد‬
‫ن الطّلق الثّالث ل يكون إلّ بائنا بينونةً‬
‫طلقتين سابقتين عليه ‪ ،‬رجعيّتين أو بائنتين ‪ ،‬ل ّ‬
‫كبرى ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬أن ل يكون موصوفا بصفة تنبئ عن البينونة ‪ ،‬أو تدلّ عليها من غير حرف‬
‫العطف‪ ،‬كقوله لها ‪ :‬أنت طالق بائنا ‪ ،‬بخلف ‪ :‬أنت طالق وبائن ‪ ،‬فإنّه يقع بالولى طلقة‬
‫رجعيّة ‪ ،‬وبالثّانية طلقة بائنة ‪ ،‬وكذلك أنت طالق طلقةً تملكين بها نفسك ‪ ،‬فإنّه بائن ‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬أن ل يكون مشبّها بعدد أو صفة تدلّ على البينونة ‪ ،‬كأن يقول لها ‪ :‬أنت طالق‬
‫مثل هذه ويشير بأصابعه الثّلثة ‪ ،‬فإنّها تبين منه بثلث طلقات ‪.‬‬
‫فإذا تخلّف شرط من هذه الشّروط وقع به الطّلق بائنا ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الرّجعيّ والبائن ‪:‬‬
‫‪ -‬الطّلق الرّجعيّ هو ‪ :‬ما يجوز معه للزّوج ر ّد زوجته في عدّتها من غير استئناف‬ ‫‪37‬‬

‫عقد ‪ ،‬والبائن هو ‪ :‬رفع قيد النّكاح في الحال ‪.‬‬


‫هذا ‪ ،‬والطّلق البائن على قسمين ‪ :‬بائن بينونة صغرى ‪ ،‬وبائن بينونة كبرى ‪.‬‬
‫فأمّا البائن بينونة صغرى فيكون بالطّلقة البائنة الواحدة ‪ ،‬وبالطّلقتين البائنتين ‪ ،‬فإذا كان‬
‫الطّلق ثلثا ‪ ،‬كانت البينونة به كبرى مطلقا ‪ ،‬سواء كان أصل كلّ من الثّلث بائنا أم رجعيّا‬
‫بالتّفاق ‪.‬‬
‫فإذا طلّق الزّوج زوجته رجعيّا حلّ له العود إليها في العدّة بالرّجعة ‪ ،‬دون عقد جديد ‪ ،‬فإذا‬
‫مضت العدّة عاد إليها بعقد جديد فقط ‪.‬‬
‫فإذا طلّق زوجته طلقةً بائنةً واحدةً أو اثنتين جاز له العود إليها في العدّة وبعدها ‪ ،‬ولكن‬
‫ليس بالرّجعة ‪ ،‬وإنّما بعقد جديد ‪.‬‬
‫فإذا طلّقها ثلثا كانت البينونة كبرى ‪ ،‬ولم يحلّ له العود إليها حتّى تنقضي عدّتها وتتزوّج‬
‫من غيره ‪ ،‬ويدخل بها ‪ ،‬ثمّ تبين منه بموت أو فرقة ‪ ،‬وتنقضي عدّتها ‪ ،‬فإن حصل ذلك حلّ‬
‫حلّ َل ُه مِن َبعْ ُد حَ ّتىَ تَن ِكحَ‬
‫ل َت ِ‬
‫له العود إليها بعقد جديد ‪ ،‬وذلك لقوله سبحانه ‪ { :‬فَإِن طَّلقَهَا فَ َ‬
‫ك حُدُودُ‬
‫ح عَلَ ْي ِهمَا أَن يَ َترَاجَعَا إِن ظَنّا أَن ُيقِيمَا حُدُودَ الّل ِه وَتِلْ َ‬
‫َزوْجا غَيْرَهُ فَإِن طَّل َقهَا َفلَ جُنَا َ‬
‫الّلهِ يُبَيّ ُنهَا ِل َقوْ ٍم َيعْ َلمُونَ } ‪.‬‬
‫البينونة الكبرى والصّغرى ‪:‬‬
‫‪ -‬البينونة عند إطلقها تنصرف للصّغرى ‪ ،‬ول تكون كبرى إلّ إذا كانت ثلثا ‪.‬‬ ‫‪38‬‬

‫إلّ أنّ طرق وقوع الثّلث اختلف الفقهاء في بعضها ‪ ،‬واتّفقوا في بعضها الخر حسب‬
‫التي‪ :‬اتّفق الفقهاء على أنّ الزّوج إذا طلّق زوجته مرّ ًة واحدةً رجع ّيةً أو بائن ًة ‪ ،‬ثمّ عاد‬
‫إليها بعقد أو رجعة ‪ ،‬ثمّ طلّقها مرّةً أخرى رجعيّا أو بائنا ‪ ،‬ثمّ عاد إليها بعقد أو رجعة ‪ ،‬ثمّ‬
‫طلّقها للمرّة الثّالثة كان ثلثا ‪ ،‬وبانت منه بينون ًة كبرى ‪ ،‬وذلك لقوله سبحانه ‪ { :‬الطّلَقُ‬
‫حسَانٍ } ‪.‬‬
‫ف َأوْ َتسْرِيحٌ بِ ِإ ْ‬
‫مَرّتَانِ َفِإ ْمسَاكٌ ِب َمعْرُو ٍ‬
‫حلّ َلهُ مِن َبعْدُ حَ ّتىَ تَن ِكحَ َزوْجا غَ ْيرَهُ } ‪.‬‬
‫وقوله ‪ { :‬فَإِن طَّل َقهَا َفلَ َت ِ‬
‫كما اتّفقوا على أنّه إذا طلّقها مرّ ًة واحدةً ‪ ،‬ثمّ طلّقها ثانيةً بعد انقضاء عدّتها ‪ ،‬أنّ الثّانية ل‬
‫ل للطّلق ‪ ،‬لنقضاء الزّوجيّة بالكلّيّة ‪ ،‬والطّلق خاصّ‬
‫تقع عليها ‪ ،‬لعدم كونها مح ً‬
‫بالزّوجات‪ ،‬وكذلك إذا طلّقها ثالثةً بعد ذلك ‪ ،‬فإنّها ل تقع عليها ‪ ،‬وفي هذه الحال تكون‬
‫البينونة صغرى ويحلّ له العود إليها بعقد جديد ‪.‬‬
‫ن الحكم يختلف باختلف اللّفظ ‪.‬‬
‫والمطلّقة قبل الدّخول بها إذا طلّقها ‪ :‬فإ ّ‬
‫فذهب المالكيّة والحنابلة إلى وقوع الثّانية والثّالثة عليها ‪ -‬كالمدخول بها ‪ -‬إذا عطفهنّ‬
‫ن العطف بالواو يقتضي المغايرة ‪،‬‬
‫ن بالواو فقال ‪ :‬أنت طالق وطالق وطالق ‪ ،‬ل ّ‬
‫على بعضه ّ‬
‫ن كالكلمة الواحدة ‪.‬‬
‫فتكون الولى غير الثّانية ‪ ،‬وه ّ‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه لو قال لغير الموطوءة ‪ :‬أنت طالق واحدةً وواحدةً بالعطف ‪ ،‬أو قبل‬
‫واحدة ‪ ،‬أو بعدها واحدة ‪ ،‬تقع واحدة بائنة ‪ ،‬ول تلحقها الثّانية لعدم العدّة ‪ ،‬وكذلك إذا‬
‫عطفها بالفاء وثمّ ‪.‬‬
‫وفي أنت طالق واحدةً بعد واحدة ‪ ،‬أو قبلها أو مع واحدة أو معها واحد ثنتان ‪ ،‬الصل ‪:‬‬
‫ن اليقاع في الماضي إيقاع في الحال‬
‫أنّه متى أوقع بالوّل لغا الثّاني ‪ ،‬أو بالثّاني اقترنا ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ .‬ويقع بأنت طالق واحد ًة وواحدةً إن دخلت الدّار ثنتان لو دخلت لتعلّقهما بالشّرط دفعةً ‪،‬‬
‫ن المعلّق كالمنجّز ‪.‬‬
‫وتقع واحدة إن قدّم الشّرط ‪ ،‬ل ّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو قال لغير موطوءة ‪ :‬أنت طالق وطالق وطالق وقعت طلقة ‪ ،‬لنّها تبين‬
‫بالولى ‪ ،‬فل يقع ما بعدها ‪ ،‬ولو قال لها ‪ :‬إن دخلت الدّار فأنت طالق وطالق فدخلت وقعت‬
‫ثنتان في الصحّ لنّهما متعلّقان بالدّخول ول ترتيب بينهما ‪ ،‬وإنّما يقعان معا ‪ ،‬والثّاني‬
‫مقابل الصحّ ل يقع إلّ واحدة كالمنجّز ‪ ،‬ولو عطف بثمّ أو نحوها ممّا يقتضي التّرتيب لم‬
‫يقع بالدّخول إلّ واحدة ‪.‬‬
‫ولو قال لها ‪ :‬أنت طالق إحدى عشرة طلقةً طلقت ثلثا ‪ ،‬بخلف إحدى وعشرين ‪ ،‬فل يقع‬
‫إلّ طلقة للعطف ‪.‬‬
‫ولو قال لها ‪ :‬أنت طالق طلقةً مع طلقة ‪ ،‬أو معها طلقة ‪ ،‬فثنتان معا في الصحّ ‪ ،‬وقيل‬
‫على التّرتيب واحدة تبين بها ‪.‬‬
‫ولو قال لها ‪ :‬أنت طالق طلقةً قبل طلقة أو طلقةً بعدها طلقة ‪ ،‬فطلقة واحدة ‪ ،‬لنّها تبين‬
‫بالولى ‪ ،‬فل تصادف الثّانية نكاحا ‪.‬‬
‫أمّا المدخول بها إن طلّقها طلقةً واحدةً ‪ ،‬ثمّ طلّقها ثانيةً في عدّتها ‪ ،‬فإن كانت الولى‬
‫رجع ّيةً‪ ،‬فقد ذهب الجماهير إلى وقوع الثّانية ‪ ،‬فإذا طلّقها ثالث ًة في العدّة ‪ -‬وكانت الثّانية‬
‫رجع ّيةً أيضا ‪ -‬وقعت الثّالثة وبانت منه بينونةً كبرى ‪ ،‬هذا ما لم ينو بالثّانية والثّالثة تأكيد‬
‫الولى ‪ ،‬فإن نوى تأكيد الولى صدّق ديان ًة ‪ ،‬ولم يصدّق قضاءً ‪ ،‬وأمضي عليه الثّلث ‪ ،‬ما‬
‫لم تحفّ به قرائن أحوال ترجّح صحّة نيّته ‪ ،‬فإن حفّت به قرائن حال ترجّح صحّة نيّته‬
‫صدّق ديانةً وقضاءً ‪ ،‬كما إذا طلّق زوجته فسئل ‪ :‬ماذا فعلت ؟ فقال ‪ :‬طلّقتها ‪ ،‬أو قلت ‪:‬‬
‫ص على ذلك الحنفيّة ‪.‬‬
‫هي طالق‪ ،‬ن ّ‬
‫ونصّ الشّافعيّة على قريب من ذلك ‪ ،‬قال في مغني المحتاج ‪ :‬وإن قال ‪ :‬أنت طالق ‪ ،‬أنت‬
‫طالق ‪ ،‬أنت طالق وتخلّل فصل ‪ ،‬فثلث ‪ ،‬سواء أقصد التّأكيد أم ل ‪ ،‬لنّه خلف الظّاهر ‪،‬‬
‫لكن إذا قال ‪ :‬قصدت التّأكيد ‪ ،‬فإنّه يديّن ‪ ،‬فإن تكرّر لفظ الخبر فقط ‪ ،‬كأنت طالق طالق‬
‫طالق ‪ ،‬فكذا عند الجمهور خلفا للقاضي في قوله ‪ :‬يقع واحدة ‪ ،‬وإن لم يتخلّل فصل ‪ ،‬فإن‬
‫قصد تأكيدا ‪ -‬أي قصد تأكيد الولى بالخيرتين ‪ -‬فواحدة ‪ ،‬أو قصد استئنافا فثلث ‪ ،‬وكذا‬
‫إذا أطلق بأن لم يقصد تأكيدا ول استئنافا يقع ثلث في الظهر ‪.‬‬
‫والحنابلة في هذا مع الشّافعيّة ‪.‬‬
‫والمالكيّة مذهبهم ل يخرج عن ذلك ‪ .‬قال الدّردير ‪ :‬وإن كرّره ثلثا بل عطف لزمه ثلث‬
‫في المدخول بها كغيرها ‪ ،‬أي غير المدخول بها يلزمه الثّلث إن نسّقه ولو حكما ‪ ،‬كفصله‬
‫بسعال ‪ ،‬إلّ لنيّة تأكيد فيهما ‪ -‬أي في المدخول بها وغيرها ‪ -‬فيصدّق بيمين في القضاء ‪،‬‬
‫ن العطف‬
‫وبغيرها في الفتوى ‪ ،‬بخلف العطف فل تنفعه نيّة التّأكيد مطلقا كما تقدّم ‪ ،‬ل ّ‬
‫ينافي التّأكيد ‪.‬‬
‫‪ -‬فإذا طلّقها بائنا واحدةً ‪ ،‬أو اثنتين معا ‪ ،‬ثمّ طلّقها ثانيةً وثالثةً في عدّتها ‪ ،‬لم تقع‬ ‫‪39‬‬

‫الثّانية أو الثّالثة عند الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة لخروجها عن الزّوجيّة بالولى ‪ ،‬فلم تعد‬
‫محلً للطّلق بعد ذلك ‪.‬‬
‫ن الولى أو الثّانية إذا كانتا بلفظ صريح ‪ ،‬لحقتها الثّانية والثّالثة ‪ ،‬بلفظ‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫صريح كانت أو كنائيّ ‪ ،‬فإذا كانت الولى أو الثّانية بائنا لحقتها الثّانية والثّالثة إذا كانت‬
‫بلفظ صريح فقط ‪ ،‬فإذا كانت بائنا لم تلحقها إذا أمكن جعلها إخبارا عنها لحتمال ذلك ‪،‬‬
‫كقوله لها ‪ :‬أنت بائن بائن فإن لم يمكن جعلها إخبارا عنها لحقتها أيضا ‪ ،‬كقوله لها ‪ :‬أنت‬
‫بائن ثمّ قوله ‪ :‬أنت بائن بأخرى ‪ ،‬فإنّها تلحقها لتعذّر جعلها إخبارا عنها ‪.‬‬
‫فإذا طلّقها وذكر أنّه ثلث لفظا وقع ثلث عند جمهور الفقهاء وكذلك إذا قال ‪ :‬اثنتين ‪ ،‬فإنّه‬
‫يقع عليه اثنتان ‪ ،‬كأن يقول لها ‪ :‬أنت طالق ثلثا ‪ ،‬أو أنت طالق اثنتين ‪.‬‬
‫فإذا قال لها ‪ :‬أنت طالق وأشار بأصابعه الثّلث ‪ ،‬فقد ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه إن‬
‫قال لها ‪ " :‬هكذا " مع الشارة وقع الثّلث ‪ ،‬وإن قال ‪ :‬مثل هذه ‪ ،‬مع الشارة بالثّلث وقع‬
‫ثلث إن نواها ‪ ،‬وإلّ وقعت واحدة ‪ ،‬فإن لم يقل شيئا مع الشارة بالصابع وقعت واحدة‬
‫ولغت الشارة ‪.‬‬
‫فإن كتب لها ثلثا بدل الشارة بالصابع ‪ ،‬فمثل الشارة ‪.‬‬
‫فإن قال لها ‪ :‬أنت طالق أكبر الطّلق أو أغلظه ‪ ..‬فإن نوى به ثلثا ‪ ،‬فثلث لحتمال اللّفظ‬
‫ذلك ‪ ،‬وإلّ وقع به واحدة بائن ‪.‬‬
‫إلّ أنّ الشّافعيّة نصّوا على أنّه لو قال لها ‪ :‬أنت طالق ‪ ،‬ونوى عددا وقع ما نواه ‪ ،‬فإن‬
‫قال‪ :‬أنت طالق واحدةً ‪ ،‬ونوى عددا ‪ ،‬وقع ما نواه واحدةً به على الرّاجح ‪ ،‬لنّ الملفوظ‬
‫يناقض المنويّ ‪ ،‬واللّفظ أقوى ‪ ،‬فالعمل به أولى ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬يقع المنويّ عملً بالنّيّة ‪.‬‬
‫والحنابلة مع الحنفيّة والشّافعيّة فيما تقدّم ‪ ،‬إلّ أنّه روي عن المام أحمد قوله ‪ :‬وإذا قال‬
‫لها‪ :‬أنت بريّة ‪ ،‬أو أنت بائن أو حبلك على غاربك ‪ ،‬أو الحقي بأهلك ‪ ،‬فهو عندي ثلث ‪،‬‬
‫ولكن أكره أن أفتي به ‪ ،‬سواء دخل بها أم لم يدخل ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة والشّافعيّة فيوقعون بذلك ثلثا إن نواها ‪ ،‬لحتمال اللّفظ لها ‪ ،‬فإذا لم ينو الثّلث‬
‫لم يقع به ثلث ‪.‬‬
‫والمالكيّة مع الجمهور في كلّ ما تقدّم ‪ ،‬إلّ أنّهم في المسألة الخيرة يقولون ‪ :‬يقع ثلث‬
‫مطلقا ‪ ،‬إلّ في الخلع أو قبل الدّخول ‪ ،‬فيكون واحدةً ‪.‬‬
‫فإذا قال لها ‪ :‬أنت طالق واحدةً ‪ ،‬ونوى به ثلثا ‪ ،‬وقع واحدة ‪ ،‬وبطلت النّيّة ‪ ،‬لعدم احتمال‬
‫اللّفظ لها ‪ ،‬فإن قال لها ‪ :‬أنت طالق ثلثا ونوى به واحدةً ‪ ،‬وقع عليه ثلث عند الجميع ‪،‬‬
‫لصراحة اللّفظ ‪ ،‬فل تعمل النّيّة بخلفه ‪ .‬فإن قال لها ‪ :‬أنت طالق ونوى به ثلثا ‪ ،‬وقع به‬
‫واحدة عند الحنفيّة ‪ ،‬وهو إحدى روايتين عند الحنابلة ‪ ،‬وفي الرّواية الثّانية يقع ثلث ‪،‬‬
‫وهو قول مالك والشّافعيّ ‪.‬‬
‫س ّنيّ والبدعيّ ‪:‬‬
‫ثالثا ‪ :‬ال ّ‬
‫‪ -‬قسّم الفقهاء الطّلق من حيث وصفه الشّرعيّ إلى سنّيّ وبدعيّ ‪.‬‬ ‫‪40‬‬

‫ي ‪ :‬ما وافق السّنّة في طريقة إيقاعه ‪ ،‬والبدعيّ ‪ :‬ما خالف السّنّة في ذلك ‪،‬‬
‫يريدون بالسّنّ ّ‬
‫ول يعنون بالسّنّيّ أنّه سنّة ‪ ،‬لما تقدّم من النّصوص المنفّرة من الطّلق ‪ ،‬وأنّه أبغض‬
‫الحلل إلى اللّه تعالى ‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء في بعض أحوال كلّ من السّنّيّ والبدعيّ ‪ ،‬واتّفقوا في بعضها الخر ‪،‬‬
‫كما يلي ‪:‬‬
‫ي ‪ ،‬وقسّموا السّنّيّ إلى قسمين ‪ :‬حسن وأحسن ‪.‬‬
‫قسّم الحنفيّة الطّلق إلى سنّيّ وبدع ّ‬
‫فالحسن عندهم ‪ :‬أن يوقع المطلّق على زوجته طلقةً واحدةً رجع ّيةً في طهر لم يطأها فيه ‪،‬‬
‫ول في حيض أو نفاس قبله ‪ ،‬ولم يطأها غيره فيه بشبهة أيضا ‪ ،‬فإن زنت في حيضها ثمّ‬
‫طهرت ‪ ،‬فطلّقها لم يكن بدعيّا ‪.‬‬
‫وأمّا الحسن ‪ :‬فأن يطلّقها واحدةً رجع ّيةً في طهر لم يطأها فيه ول في حيض أو نفاس‬
‫قبله‪ ،‬ثمّ يطلّقها طلقتين أخريين في طهرين آخرين دون وطء ‪ ،‬هذا إن كانت من أهل‬
‫الحيض ‪ ،‬وإلّ طلّقها ثلث طلقات في ثلثة أشهر ‪ ،‬كمن بلغت بالسّنّ ولم تر الحيض ‪.‬‬
‫وهذا في المدخول أو المختلى بها ‪ ،‬أمّا غير المدخول أو المختلى بها ‪ ،‬فالحسن ‪ :‬أن‬
‫ن طلقها يكون‬
‫يطلّقها واحدةً فقط ‪ ،‬ول يهمّ أن يكون ذلك في حيض أو غيره ‪ ،‬ول يضرّ أ ّ‬
‫بائنا ‪ ،‬لنّه ل يكون إلّ كذلك ‪.‬‬
‫وما سوى ذلك فبدعيّ عندهم ‪ ،‬كأن يطلّقها مرّتين أو ثلثا في طهر واحد معا أو متفرّقات ‪،‬‬
‫أو يطلّقها في الحيض أو النّفاس ‪ ،‬أو يطلّقها في طهر مسّها فيه ‪ ،‬أو في طهر مسّها في‬
‫الحيض قبله ‪.‬‬
‫فإن طلّقها في الحيض ‪ ،‬ثمّ طلّقها في الطّهر الّذي بعده ‪ ،‬كان الثّاني بدعيّا أيضا ‪ ،‬لنّهما‬
‫بمثابة طهر واحد ‪ ،‬وعليه أن ينتظر حيضها الثّاني ‪ ،‬فإذا طهرت منه طلّقها إن شاء ‪،‬‬
‫ويكون سنّيّا عند ذلك ‪ ،‬ولو طلّقها في الحيض ‪ ،‬ثمّ ارتجعت ‪ ،‬ثمّ طلّقها في الطّهر الّذي‬
‫بعده كان بدعيّا في الرجح ‪ ،‬وهو ظاهر المذهب ‪ ،‬وقال القدوريّ ‪ :‬يكون سنّيّا ‪.‬‬
‫وهذا كلّه ما لم تكن حاملً ‪ ،‬أو صغير ًة دون سنّ الحيض ‪ ،‬أو آيسةً ‪ ،‬فإن كانت كذلك كان‬
‫طلقها سنّيّا ‪ ،‬سواء مسّها أم لم يمسّها ‪ ،‬لنّها في طهر مستم ّر ‪ ،‬ولكن ل يزيد على‬
‫واحدة‪ ،‬فإن زاد كان بدعيّا ‪.‬‬
‫واستثنى الحنفيّة من البدعيّ عا ّمةً ‪ :‬الخلع ‪ ،‬والطّلق على مال ‪ ،‬والتّفريق للعلّة ‪ ،‬فإنّه ل‬
‫يكون بدعيّا ولو كان في الحيض ‪ ،‬لما فيه من الضّرورة ‪ ،‬وكذلك تخييرها في الحيض‬
‫سواء اختارت نفسها في الحيض أم بعده وكذلك اختيارها نفسها في الحيض ‪ ،‬سواء أخيّرها‬
‫في الحيض أم قبله ‪ ،‬فإنّه ل يكون بدعيّا لنّه ليس من فعله المحض ‪.‬‬
‫ي ‪ ،‬ولم يذكروا‬
‫ي إلى سنّيّ وبدع ّ‬
‫وقسّم جمهور الفقهاء الطّلق من حيث وصفه الشّرع ّ‬
‫ن بعض الشّافعيّة قسّموا الطّلق‬
‫ي تقسيما ‪ ،‬فهو عندهم قسم واحد خلفا للحنفيّة ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫للسّنّ ّ‬
‫إلى سنّيّ وبدعيّ ‪ ،‬وما ليس سنّيّا ول بدعيّا وهو المرجّح عندهم ‪ ،‬والّذي ليس سنّيّا ول‬
‫ي كما تقدّم ‪.‬‬
‫بدعيّا هو ما استثناه الحنفيّة من البدع ّ‬
‫والسّنّيّ عند الجمهور ‪ :‬هو ما يشمل الحسن والحسن عند الحنفيّة معا ‪.‬‬
‫ي عند الحنفيّة ‪ ،‬إلّ أنّهم خالفوهم في أمور ‪ ،‬أهمّها ‪:‬‬
‫والبدعيّ عندهم ‪ :‬ما يقابل البدع ّ‬
‫ي عند الجمهور ‪ ،‬وكذلك‬
‫ي عند الحنفيّة ‪ ،‬وهو بدع ّ‬
‫أنّ الطّلق الثّلث في ثلث حيضات سنّ ّ‬
‫الطّلق ثلثا في طهر واحد لم يصبها فيه ‪ ،‬فإنّه سنّيّ عند الشّافعيّة أيضا ‪ ،‬وهو رواية عند‬
‫الحنابلة ‪ ،‬اختارها الخرقيّ ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه محرّم كما عند الحنفيّة ‪ ،‬وهو رواية ثانية عند الحنابلة ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬والمدار على معرفة السّنّيّ والبدعيّ من الطّلق القرآن والسّنّة ‪ ،‬أمّا القرآن فقوله‬
‫تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا النّبِيّ إِذَا طَّلقْ ُتمُ ال ّنسَاء َفطَّلقُوهُنّ ِلعِدّ ِتهِنّ } وقد فسّر ابن مسعود رضي ال‬
‫عنه ذلك بأن يطلّقها في طهر ل جماع فيه ‪ ،‬ومثله عن ابن عبّاس رضي ال عنهما ‪.‬‬
‫وأمّا السّنّة فما رواه ابن عمر رضي ال عنهما أنّه طلّق امرأته وهي حائض ‪ ،‬فسأل عمر‬
‫رضي ال عنه رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن ذلك فقال له رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ » :‬مره فليراجعها ‪ ،‬ثمّ ليتركها حتّى تطهر ‪ ،‬ثمّ تحيض ‪ ،‬ثمّ تطهر ‪ ،‬ثمّ إن شاء‬
‫أمسك بعد وإن شاء طلّق قبل أن يمسّ ‪ ،‬فتلك العدّة الّتي أمر اللّه أن يطلّق لها النّساء « ‪.‬‬
‫وما ورد عن عبد اللّه بن مسعود رضي ال عنه قال ‪ :‬طلق السّنّة تطليقة وهي طاهر في‬
‫غير جماع ‪ ،‬فإذا حاضت وطهرت طلّقها أخرى ‪ ،‬فإذا حاضت وطهرت طلّقها أخرى ‪ ،‬ثمّ‬
‫تعتدّ بعد ذلك بحيضة ‪.‬‬
‫ن السّنّيّ يمنع النّدم ‪ ،‬ويقصّر العدّة على المرأة فيقلّ‬
‫والمعنى العامّ في السّنّيّ والبدعيّ ‪ ،‬أ ّ‬
‫تضرّرها من الطّلق ‪.‬‬
‫حكم الطّلق البدعيّ من حيث وقوعه ووجوب العدّة بعده ‪:‬‬
‫ي ‪ ،‬مع اتّفاقهم على وقوع الثم فيه‬
‫‪ -‬اتّفق جمهور الفقهاء على وقوع الطّلق البدع ّ‬ ‫‪41‬‬

‫على المطلّق لمخالفته السّنّة المتقدّمة ‪.‬‬


‫فإذا طلّق زوجته في الحيض وجب عليه مراجعتها ‪ ،‬رفعا للثم لدى الحنفيّة في الصحّ‬
‫عندهم ‪ ،‬وقال القدوريّ من الحنفيّة ‪ :‬إنّ الرّجعة مستحبّة ل واجبة ‪.‬‬
‫ن مراجعة من طلّقها بدعيّا سنّة ‪ ،‬وعبّر الحنابلة عن ذلك بالستحباب‬
‫وذهب الشّافعيّ إلى أ ّ‬
‫‪ .‬وذهب المالكيّة إلى تقسيم البدعيّ إلى ‪ :‬حرام ومكروه ‪ ،‬فالحرام ‪ :‬ما وقع في الحيض أو‬
‫النّفاس من الطّلق مطلقا ‪ ،‬والمكروه ‪ :‬ما وقع في غير الحيض والنّفاس ‪ ،‬كما لو أوقعه‬
‫في طهرها الّذي جامعها فيه ‪ ،‬وعلى هذا يجبر المطلّق في الحيض والنّفاس على الرّجعة‬
‫رفعا للحرمة ‪ ،‬ول يجبر غيره على الرّجعة وإن كان بدعيّا ‪.‬‬
‫وهذا كلّه ما دامت الرّجعة ممكنةً ‪ ،‬بأن كان الطّلق رجعيّا ‪ ،‬فإذا كان بائنا بينونةً صغرى أو‬
‫كبرى تعذّر الرّجوع واستقرّ الثم ‪.‬‬
‫دليل ذلك ما تقدّم من أمر رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عبد اللّه بن عمر رضي ال‬
‫عنهما باسترجاع زوجته ما دام ذلك ممكنا ‪ ،‬فإذا لم يكن ممكنا للبينونة امتنع الرّجوع ‪ ،‬فقد‬
‫ورد عن ابن عمر رضي ال عنهما أنّه كان إذا سئل عن الرّجل يطلّق امرأته وهي حائض‬
‫يقول ‪ :‬أمّا أنت طلّقتها واحدةً أو اثنتين ‪ ،‬إنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أمره أن‬
‫يرجعها ‪ ،‬ثمّ يمهلها حتّى تحيض حيض ًة أخرى ‪ ،‬ثمّ يمهلها حتّى تطهر ‪ ،‬ثمّ يطلّقها قبل أن‬
‫يمسّها ‪ ،‬وأمّا أنت طلّقتها ثلثا ‪ ،‬فقد عصيت ربّك فيما أمرك به من طلق امرأتك ‪ ،‬وبانت‬
‫منك ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬الطّلق المنجّز والمضاف والمعلّق ‪:‬‬
‫الصل في الطّلق التّنجيز ‪ ،‬إلّ أنّه يقبل التّعليق والضافة باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬وله تفصيلت‬
‫وأحكام كما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الطّلق المنجّز ‪:‬‬
‫‪ -‬تعريفه ‪ :‬هو الطّلق الخالي في صيغته عن التّعليق والضافة ‪ ،‬كقوله ‪ :‬أنت طالق ‪،‬‬ ‫‪42‬‬

‫أو اذهبي إلى بيت أهلك ‪ ،‬ينوي طلقها ‪.‬‬


‫حكمه ‪ :‬أنّه ينعقد سببا للفرقة في الحال ‪ ،‬ويعقبه أثره بدون تراخ ما دام مستوفيا لشروطه‪،‬‬
‫فإذا قال لها ‪ :‬أنت طالق ‪ ،‬طلقت للحال وبدأت عدّتها ‪ ،‬هذا مع ملحظة الفارق بين البائن‬
‫والرّجعيّ كما تقدّم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الطّلق المضاف ‪:‬‬
‫‪ -‬تعريفه ‪ :‬هو الطّلق الّذي قرنت صيغته بوقت بقصد وقوع الطّلق عند حلول ذلك‬ ‫‪43‬‬

‫الوقت ‪ ،‬كقوله ‪ :‬أنت طالق أوّل الشّهر القادم ‪ ،‬أو آخر النّهار ‪ ،‬أو أنت طالق أمس ‪.‬‬
‫حكمه ‪ :‬ذهب الجمهور إلى أنّ الطّلق المضاف إلى المستقبل ينعقد سببا للفرقة في الحال ‪،‬‬
‫ولكن ل يقع به الطّلق إلّ عند حلول أجله المضاف إليه بعد استيفائه لشروطه الخرى ‪،‬‬
‫فإذا قال لها ‪ :‬أنت طالق آخر هذا الشّهر ‪ ،‬لم تطلق حتّى ينقضي الشّهر ‪ ،‬ولو قال ‪ :‬في‬
‫أوّله طلقت أوّله ‪ ،‬ولو قال ‪ :‬في شهر كذا ‪ ،‬طلقت في أوّله عند الكثر ‪ ،‬وخالف البعض‬
‫وقالوا يقع في آخره ‪.‬‬
‫فإذا أضاف الطّلق إلى زمن سابق ‪ ،‬فإن قصد وقوعه للحال مستندا إلى ذلك الزّمن‬
‫السّابق ‪ ،‬وقع للحال كالمنجّز مقتصرا على وقت إيقاعه ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يلغو ‪ ،‬وإن قصد الخبار‬
‫عن نفسه ‪ ،‬وأنّه طلّقها في ذلك الزّمن السّابق ‪ ،‬صدّق في ذلك بيمينه إن كان التّصديق‬
‫ممكنا ‪ ،‬فإن كان مستحيلً ‪ ،‬كأن يقول لها ‪ :‬أنت طالق منذ خمسين سنةً وعمرها أقلّ من‬
‫ذلك كان لغوا ‪ .‬هذا مذهب الحنفيّة ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه إن أضاف طلقه إلى زمن مستقبل كأن قال لها ‪ :‬أنت طالق بعد‬
‫سنة‪ ،‬أو أنت طالق يوم موتي طلقت للحال منجّزا ‪ ،‬وكذلك إذا أضافه إلى زمن ماض قاصدا‬
‫به النشاء ‪ ،‬كقوله ‪ :‬أنت طالق أمس ‪ ،‬فإنّها ‪ ،‬تطلق للحال ‪ ،‬فإن قصد به الخبار ديّن عند‬
‫المفتي ‪.‬‬
‫ونصّ الحنابلة على أنّه إن قال ‪ :‬أنت طالق أمس ول نيّة له ‪ ،‬فظاهر كلم أحمد أنّ الطّلق‬
‫ل يقع ‪ ،‬وقال القاضي في بعض كتبه ‪ :‬يقع الطّلق ‪ ،‬وإن قصد الخبار صدّق ‪ ،‬ووقع‬
‫الطّلق ‪.‬‬
‫ومذهب الشّافعيّة كالحنفيّة ‪ ،‬إ ّل أنّهم خالفوهم فيما لو أضافه إلى زمن سابق محال ولم يكن‬
‫له نيّة ‪ ،‬فإنّه يقع عندهم ‪ ،‬كما لو قال لها ‪ :‬أنت طالق قبل أن تخلقي ‪ ،‬فإنّه يقع للحال إذا‬
‫لم يكن له نيّة ‪.‬‬
‫ج ‪ :‬الطّلق المعلّق على شرط ‪:‬‬
‫‪ -‬التّعليق على شرط هنا هو ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى‬ ‫‪44‬‬

‫سواء أكان ذلك المضمون من قبل المطلّق أو المطلّقة أو غيرها ‪ ،‬أو لم يكن من فعل أحد ‪.‬‬
‫فإن كان من فعل المطلّق أو المطلّقة أو غيرهما سمّي يمينا لدى الجمهور مجازا ‪ ،‬وذلك لما‬
‫فيه من معنى القسم ‪ ،‬وهو ‪ :‬تقوية عزم الحالف أو عزم غيره على فعل شيء أو تركه ‪،‬‬
‫كما إذا قال لزوجته ‪ :‬أنت طالق إن دخلت دار فلن ‪ ،‬أو ‪ :‬أنت طالق إن ذهبت أنا إلى فلن‪،‬‬
‫أو ‪ :‬أنت طالق إن زارك فلن ‪ ...‬فإن كان الطّلق معلّقا ل على فعل أحد ‪ ،‬كما إذا قال لها‬
‫‪ :‬أنت طالق إن طلعت الشّمس مثلً ‪ ،‬كان تعليقا ‪ ،‬ولم يسمّ يمينا ‪ ،‬لنتفاء معنى اليمين‬
‫فيه ‪ ،‬وإن كان في الحكم مثل اليمين ‪ ،‬وهنالك من الفقهاء من أطلق عليه اليمين أيضا ‪.‬‬
‫وأدوات الرّبط والتّعليق هي ‪ :‬إن ‪ ،‬وإذا ‪ ،‬وإ ْذمَا ‪ ،‬وكلّ ‪ ،‬وكلّما ‪ ،‬ومتى ‪ ،‬ومتى ما ‪ ،‬ونحو‬
‫ذلك ‪ ،‬وكلّها تفيد التّعليق بدون تكرار إلّ ‪ :‬كلّما ‪ ،‬فإنّها تفيد التّعليق مع التّكرار ‪.‬‬
‫ي الطّلق سأفعل كذا ‪ ،‬فهو بمثابة قوله‬
‫وقد يكون التّعليق بدون أداة ‪ ،‬كما إذا قال لها ‪ :‬عل ّ‬
‫ي الطّلق إن لم أفعل كذا ‪ ،‬وهو التّعليق المعنويّ ‪ ،‬وقد جاء به العرف ‪.‬‬
‫‪ :‬عل ّ‬
‫حكمه ‪ :‬اتّفق جمهور الفقهاء على صحّة اليمين بالطّلق أو تعليق الطّلق على شرط‬
‫مطلقا ‪ ،‬إذا استوفى شروط التّعليق التية ‪:‬‬
‫فإذا حصل الشّرط المعلّق عليه وقع الطّلق ‪ ،‬دون اشتراط الفور إلّ أن ينويه ‪ ،‬وإذا لم‬
‫يحصل لم يقع ‪ ،‬سواء في ذلك أن يكون الشّرط المعلّق عليه من فعل الحالف أو المحلوف‬
‫عليها ‪ ،‬أو غيرهما ‪ ،‬أو لم يكن من فعل أحد ‪ ،‬هذا إذا حصل الفعل المعلّق عليه طائعا ذاكرا‬
‫التّعليق ‪ ،‬فإن حصل منه الفعل المعلّق عليه ناسيا أو مكرها وقع الطّلق به أيضا عند‬
‫الجمهور ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة فيه قولن أظهرهما ‪ :‬أنّها لم تطلق ‪.‬‬
‫ثمّ ما دام لم يحصل المعلّق عليه لم يمنع من قربان زوجته عند الجمهور ‪ ،‬وقال مالك ‪:‬‬
‫يضرب له أجل المولي ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه إن علّق طلقه بأمر في زمن ماض ممتنع عقلً أو عادةً أو شرعا‬
‫ل أو شرعا أو عادةً فل حنث عليه ‪.‬‬
‫حنث للحال ‪ ،‬وإن علّقه بأمر ماض واجب فعله عق ً‬
‫وإن علّقه بأمر في زمن مستقبل ‪ ،‬فإن كان محقّق الوجود أو مظنون الوجود عقلً أو عادةً‬
‫س السّماء ‪ ،‬أو هي طالق‬
‫أو شرعا لوجوبه نجّز للحال ‪ ،‬كما إذا قال ‪ :‬هي طالق إن لم أم ّ‬
‫إن قمت ‪ ،‬أو إن صلّيت ‪.‬‬
‫وإن كان المعلّق عليه مستحيلً ‪ ،‬أو نادرا ‪ ،‬أو مستبعدا عقلً أو عادةً أو شرعا لحرمته ‪،‬‬
‫لم يحنث ‪ ،‬كما لو قال ‪ :‬أنت طالق لو جمعت بين الضّدّين ‪ ،‬أو إن لمست السّماء ‪ ،‬أو إن‬
‫زنيت ‪.‬‬
‫شروط صحّة التّعليق ‪:‬‬
‫يشترط لوقوع الطّلق المعلّق على شرط ما يلي ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬أن يكون الشّرط المعلّق عليه معدوما عند الطّلق وعلى خطر الوجود في‬ ‫‪45‬‬

‫المستقبل ‪ ،‬فإذا كان الشّرط موجودا عند التّعليق ‪ ،‬كما إذا قال لها ‪ :‬أنت طالق إن كان أبوك‬
‫معنا الن ‪ ،‬وهو معهما ‪ ،‬فإنّه طلق صحيح منجّز يقع للحال ‪ ،‬وليس معلّقا ‪ ،‬أمّا أنّه على‬
‫خطر الوجود ‪ ،‬فمعناه ‪ :‬أن يكون الشّرط المعلّق عليه ممكن الحصول في المستقبل ‪ ،‬فإذا‬
‫كان مستحيل الحصول لغا التّعليق ‪ ،‬ولم يقع به شيء ‪ ،‬ل في الحال ول في المستقبل ‪ ،‬كما‬
‫إذا قال لها ‪ :‬إن عاد أبوك حيّا ‪ -‬وهو ميّت ‪ -‬في الحياة الدّنيا فأنت طالق ‪ ،‬فإنّه لغو ‪.‬‬
‫وهذا مذهب الحنفيّة ‪ ،‬وذهب المالكيّة إلى وقوعه منجّزا ‪ ،‬وللحنابلة فيه قولن ‪.‬‬
‫ل بالكلم ‪ ،‬فإذا فصل عنه بسكوت ‪ ،‬أو بكلم أجنبيّ ‪ ،‬أو‬
‫‪ -‬ب ‪ -‬أن يكون التّعليق متّص ً‬ ‫‪46‬‬

‫كلم غير مفيد ‪ ،‬لغا التّعليق ووقع الطّلق منجّزا ‪ ،‬كما لو قال لها ‪ :‬أنت طالق ‪ ،‬وسكت‬
‫بره ًة ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬إن دخلت دار فلن ‪ ،‬أو قال لها ‪ :‬أنت طالق ‪ ،‬ثمّ قال لها ‪ :‬أعطني ماءً ‪،‬‬
‫ثمّ قال ‪ :‬إن لم تدخلي دار فلن ‪.‬‬
‫إلّ أنّه يغتفر الفاصل الضّروريّ ‪ ،‬كما إذا قال لها ‪ :‬أنت طالق ‪ ،‬ثمّ تنفّس لضرورة ‪ ،‬ثمّ‬
‫قال‪ :‬إن دخلت دار فلن ‪ ،‬فإنّه معلّق ‪ ،‬ول يقع إلّ بدخولها الدّار المحلوف عليها ‪ ،‬وكذلك ‪:‬‬
‫إساغة اللّقمة ‪ ،‬أو كلمة مفيدة ‪ ،‬كأن يقول لها ‪ :‬أنت طالق بائنا إن دخلت دار فلن ‪ ،‬فإنّه‬
‫معلّق ويقع به بائنا عند الدّخول ‪ ،‬فإن قال لها ‪ :‬أنت طالق رجعيّا إن دخلت دار فلن ‪ ،‬لغا‬
‫التّعليق ووقع الرّجعيّ منجّزا ‪ ،‬لنّ كلمة " رجعيّا " لم تفد شيئا ‪ ،‬فكانت قاطعا للتّعليق ‪،‬‬
‫بخلف كلمة " بائن " فإنّها أفادت ‪ ،‬فلم تكن قاطعا ‪ ،‬وهذا المثال وفق مذهب الحنفيّة الّذين‬
‫يوقعون بكلمة " بائن " طلقا بائنا ‪.‬‬
‫‪ -‬ج ‪ -‬أن ل يقصد به المجازاة ‪ ،‬فإذا قصد به المجازاة ‪ ،‬وقع منجّزا ولم يتعلّق بالشّرط‬ ‫‪47‬‬

‫‪ ،‬كما إذا قالت له ‪ :‬يا خسيس ‪ ،‬فقال لها ‪ :‬إن كنت كذلك فأنت طالق ‪ ،‬يريد معاقبتها‪ ،‬ل‬
‫تعليق الطّلق على تحقّق الخساسة فيه ‪ ،‬فإنّه يقع الطّلق هنا منجّزا ‪ ،‬سواء أكان خسيسا‬
‫أم ل ‪ ،‬فإن أراد التّعليق ل المجازاة تعلّق الطّلق ‪ ،‬ويديّن ‪.‬‬
‫‪ -‬د ‪ -‬أن يذكر المشروط في التّعليق ‪ ،‬وهو المعلّق عليه ‪ ،‬فلو لم يذكر شيئا ‪ ،‬كما إذا‬ ‫‪48‬‬

‫قال لها ‪ :‬أنت طالق إن ‪ ،‬فإنّه لغو في الرّاجح لدى الحنفيّة ‪ ،‬وهو قول أبي يوسف ‪ ،‬وقال‬
‫محمّد بن الحسن ‪ :‬تطلق للحال ‪.‬‬
‫– هم – وجود رابط ‪ ،‬وهو أداة من أدوات الشّرط ‪ ،‬وقد تقدّمت ‪ ،‬إلّ أن يفهم الشّرط‬ ‫‪49‬‬

‫ي الطّلق سأذهب إلى فلن ‪،‬‬


‫من المعنى ‪ ،‬فإنّه يتعلّق بدون رابط ‪ ،‬كما إذا قال لها ‪ :‬عل ّ‬
‫فإنّه تعليق صحيح مع عدم الرّابط ‪.‬‬
‫‪ -‬و ‪ -‬قيام الزّوجيّة بين الحالف والمحلوف عليها عند التّعليق ‪ ،‬حقيقةً أو حكما ‪ ،‬بأن‬ ‫‪50‬‬

‫ي أو بائن ‪ ،‬فإذا لم تكن زوجته عند التّعليق ‪ ،‬ول معتدّته ‪،‬‬


‫تكون زوجته أو معتدّته من رجع ّ‬
‫لغا التّعليق ولم يقع عليها به شيء ‪ ،‬كما إذا قال لجنبيّة عنه ‪ :‬أنت طالق إن دخلت دار‬
‫فلن ‪ ،‬فإنّه لغو ‪ ،‬إلّ أن تكون زوجةً لغيره ‪ ،‬فإنّه يتوقّف التّعليق عندها على إجازة‬
‫زوجها‪ ،‬لنّه فضوليّ ‪ ،‬فإن أجازه الزّوج صحّ التّعليق ‪ ،‬ثمّ إن دخلت بعد الجازة وقع‬
‫الطّلق عليها ‪ ،‬وإلّ فل ‪.‬‬
‫ح التّعليق أيضا ولو لم تكن زوجته‬
‫هذا ما لم يعلّق الطّلق على نكاحها ‪ ،‬فإن علّقه عليه ص ّ‬
‫أو معتدّته عند التّعليق ‪ ،‬كأن يقول لجنبيّة عنه ‪ :‬إن تزوّجتك فأنت طالق ‪ ،‬ثمّ يتزوّجها ‪،‬‬
‫فإنّها تطلق بذلك ‪ ،‬وكذلك قوله ‪ :‬كلّ امرأة أتزوّجها فهي طالق ‪ ،‬ثمّ يتزوّج امرأةً أجنب ّيةً ‪،‬‬
‫ح التّعليق ‪ ،‬ويلغو‬
‫فإنّها تطلق بذلك لصحّة التّعليق هنا ‪ ،‬فإذا علّق بغير نكاحها لم يص ّ‬
‫الطّلق‪ ،‬كما إذا قال لجنبيّة عنه ‪ :‬إن دخلت دار فلن فأنت طالق ‪ ،‬ثمّ دخلتها قبل زواجها‬
‫منه أو بعده ‪ ،‬فإنّها ل تطلق ‪ .‬وهذا كلّه لدى المالكيّة ‪ ،‬وفي القول الرّاجح عند الحنفيّة ‪،‬‬
‫وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ‪.‬‬
‫ح التّعليق ‪ ،‬ويلغو الطّلق ‪.‬‬
‫وقال محمّد بن الحسن ‪ :‬ل يص ّ‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬ل ينعقد الطّلق هنا ‪ ،‬كما لو علّقه على غير الزّواج ‪.‬‬
‫فإذا علّقه بمقارنة النّكاح ل عليه ‪ ،‬لغا بالتّفاق ‪ ،‬كأن يقول لجنبيّة ‪ :‬أنت طالق مع‬
‫نكاحك ‪ ،‬فإنّه لغو ‪ ،‬وكذلك إذا علّقه على انتهاء النّكاح ‪ ،‬كأن يقول لها ‪ :‬أنت طالق مع‬
‫موتي ‪ ،‬أو مع موتك ‪ ،‬فإنّه لغو أيضا لعدم الملك ‪.‬‬
‫‪ -‬ز ‪ -‬قيام الزّوجيّة بين الحالف والمحلوف عليها عند حصول الشّرط المعلّق عليه‬ ‫‪51‬‬

‫ي أو بائن ‪ ،‬فإذا لم تكن كذلك‬


‫حقيقةً أو حكما ‪ ،‬بأن تكون زوجةً له أو معتدّةً من طلق رجع ّ‬
‫عند وقوع الشّرط لم يقع الطّلق به عليها ‪ ،‬فإذا قال لزوجته ‪ :‬إن دخلت دار فلن فأنت‬
‫طالق ‪ ،‬فدخلتها وهي زوجته أو معتدّته طلقت ‪ ،‬وإن دخلتها بعد أن طلّقها وانقضت عدّتها‪،‬‬
‫لم تقع عليها الطّلقة المعلّقة ‪ ،‬لعدم صلحيّتها لوقوع الطّلق عليها عندئذ ‪.‬‬
‫ل ليقاع الطّلق عند التّعليق ‪ ،‬بأن يكون بالغا عاقلً عند‬
‫‪ -‬ح ‪ -‬كون الزّوج أه ً‬ ‫‪52‬‬

‫الجمهور ‪ ،‬خلفا للحنابلة كما سبق ‪ ،‬ول يشترط كونه كذلك عند حصول الشّرط المعلّق‬
‫ن ‪ ،‬ثمّ دخلت الدّار‬
‫ل ‪ :‬إن دخلت دار فلن فأنت طالق ‪ ،‬ثمّ ج ّ‬
‫عليه‪ ،‬فلو قال لها الزّوج عاق ً‬
‫المحلوف عليها ‪ ،‬فإنّها تطلق ‪ ،‬وكذلك إذا دخلتها قبل جنونه ‪ ،‬فإنّها تطلق أيضا ‪ ،‬بخلف‬
‫ما لو علّق طلقها وهو مجنون ‪ ،‬فإنّه لغو ‪.‬‬
‫انحلل الطّلق المعلّق على شرط ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا علّق الزّوج الطّلق على شرط ‪ ،‬فإنّه ينحلّ بحصول الشّرط المعلّق عليه مرّةً‬ ‫‪53‬‬

‫واحدةً ‪ ،‬مع وقوع الطّلق به على الزّوجة في هذه المرّة ‪ ،‬فإذا عادت إليه ثاني ًة في العدّة‬
‫أو بعدها ‪ ،‬لم تقع عليها به طلقة أخرى لنحلله ‪ ،‬هذا ما لم يكن التّعليق بلفظ " كلّما " ‪،‬‬
‫وإلّ وقع عليها به ثاني ًة وثالث ًة ‪ ،‬لنّ كلّما تفيد التّكرار دون غيرها ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فلو قال لزوجته ‪ :‬أنت طالق ثلثا إن دخلت دار فلن ‪ ،‬ثمّ طلّقها منجّزا واحدةً‬
‫قبل دخول الدّار ‪ ،‬ثمّ مضت عدّتها ‪ ،‬ث ّم دخلت الدّار المحلوف عليها ‪ ،‬ثمّ عادت إليه بزوجيّة‬
‫أخرى ‪ ،‬جاز ‪ ،‬فإذا دخلت الدّار المحلوف عليها بعد ذلك لم يضرّها ‪ ،‬ولم يقع عليها بذلك‬
‫شيء ‪ ،‬لنحلل الطّلق المعلّق بالدّخول الوّل بعد العدّة ‪ ،‬فإذا علّق طلقها الثّلث على‬
‫دخول الدّار ‪ ،‬ثمّ نجّز طلقها مرّ ًة واحدةً ‪ ،‬وانقضت عدّتها دون أن تدخل الدّار المحلوف‬
‫عليها ‪ ،‬ثمّ عادت إليه بعقد جديد ‪ ،‬ثمّ دخلتها ‪ ،‬وقع الثّلث عليها ‪ ،‬لعدم انحلل اليمين‬
‫المعلّقة ‪ ،‬بخلف ما لو دخلتها بعد عدّتها ‪ ،‬فإنّها تنحلّ بذلك ‪.‬‬
‫وكذلك تنحلّ اليمين المعلّقة على شرط بزوال الحلّ بالكلّيّة ‪ ،‬كما إذا علّق طلقها الثّلث على‬
‫دخول الدّار ‪ ،‬ثمّ طلّقها ثلثًا منجّز ًة ‪ ،‬ثمّ تزوّجها بعد التّحليل ‪ ،‬ثمّ دخلت الدّار ولم تكن‬
‫دخلتها من قبل ‪ ،‬فإنّها ل تطلق هنا لنحلل اليمين المعلّقة بزوال الحلّ بالكلّيّة ‪ ،‬وذلك‬
‫بوقوع الثّلث عليها ‪ ،‬على خلف وقوع ما دون الثّلث ‪ ،‬فإنّه ل يزيل الحلّ ‪ ،‬فل تنحلّ به‬
‫اليمين المعلّقة إلّ بحصول الشّرط فعلً مرّةً ‪.‬‬
‫وهذا مذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وللشّافعيّة فيه أقوال ثلثة ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬يقع مطلقا ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬ل يقع مطلقا ‪ ،‬والثّالث ‪ :‬يقع بما دون الثّلث ‪ ،‬ول يقع بعد‬
‫الثّلث ‪ ،‬وذهب الحنابلة إلى وقوعه في الكلّ ‪.‬‬
‫كما تنحلّ اليمين المعلّقة على شرط بردّة الحالف مع لحاقه بدار الحرب ‪ ،‬فلو طلّقها معلّقا ‪،‬‬
‫ثمّ ارت ّد ولحق بدار الحرب ‪ ،‬ث ّم عاد إلى السلم ‪ ،‬وعاد إليها ‪ ،‬ثمّ فعلت المعلّق عليه ‪،‬‬
‫فإنّها ل تطلق بذلك ‪ ،‬لنحلل اليمين المعلّقة بردّته ‪ ،‬وهذا قول المام أبي حنيفة ‪ ،‬وخالفه‬
‫الصّاحبان ‪ :‬أبو يوسف ومحمّد ‪ ،‬وقال ‪ :‬ل ينحلّ التّعليق بالرّدّة مطلقًا ‪.‬‬
‫وتنحلّ اليمين المعلّقة على شرط أيضا بفوت محلّ البرّ ‪ ،‬فإذا قال لها ‪ :‬أنت طالق إن دخلت‬
‫دار فلن ‪ ،‬ثمّ خربت الدّار ‪ ،‬أو إن كلّمت زيدا فمات زيد ‪ ،‬انحلّت اليمين المعلّقة ‪ ،‬حتّى لو‬
‫ن اليمين المعلّقة ل تعود ‪ ،‬لنّها غير الدّار المحلوف عليها ‪.‬‬
‫أنّ الدّار الخربة بنيت ثانيةً فإ ّ‬
‫تعليق الطّلق على شرطين ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا علّق طلقها على شرطين أو أكثر وقع الطّلق عليها بحصول المعلّق عليه كلّه في‬ ‫‪54‬‬

‫النّكاح ‪ ،‬وكذلك بوقوع الثّاني أو الخير فقط في النّكاح ‪ ،‬وعلى هذا فإن حصل الشّرط الوّل‬
‫في النّكاح ‪ ،‬والشّرط الثّاني بعده ‪ ،‬كما إذا قال لها ‪ :‬إن جاء زيد وعمرو فأنت طالق ‪ ،‬فجاء‬
‫زيد ‪ ،‬ث مّ طلّقها منجّزا واحدةً ‪ ،‬ث مّ جاء عمرو بعد انقضاء عدّتها ‪ ،‬لم تطلق ثاني ًة بمجيئه ‪.‬‬
‫فإن طلّقها منجّزا واحدةً إثر تعليقه ‪ ،‬ثمّ جاء الوّل زيد بعد انقضاء العدّة ‪ ،‬ثمّ تزوّجها فجاء‬
‫عمرو وهي زوجته ‪ ،‬وقع عليها المعلّق ‪ ،‬فكانتا اثنتين ‪ ،‬نصّ على ذلك الحنفيّة ‪.‬‬
‫الستثناء في الطّلق ‪:‬‬
‫تعريفه وحكمه ‪:‬‬
‫‪ -‬الستثناء في اللّغة ‪ :‬هو الخراج بإلّ أو بإحدى أخواتها ‪ ،‬بعضا ممّا يوجبه عموم‬ ‫‪55‬‬

‫سابق ‪ ،‬تحقيقا أو تقديرا ‪ ،‬والوّل هو المتّصل ‪ ،‬والثّاني هو المنقطع ‪ ،‬والوّل هو المراد‬


‫ي ‪ ،‬وهو التّعليق على‬
‫هنا دون الثّاني لدى الفقهاء ‪ ،‬ويضاف إلى الوّل الستثناء الشّرع ّ‬
‫ن ‪ ،‬وَل‬
‫ص ِرمُ ّنهَا مُصْ ِبحِي َ‬
‫سمُوا لَيَ ْ‬
‫مشيئة اللّه تعالى ‪ ،‬أخذا من قوله سبحانه ‪ { :‬إِذْ أَ ْق َ‬
‫َيسْتَثْنُونَ } ‪ .‬والستثناء الشّرعيّ ‪ -‬وهو التّعليق على مشيئة اللّه تعالى ‪ -‬مبطل للطّلق ‪،‬‬
‫‪ -‬أي ل يقع به الطّلق ‪ -‬لدى الحنفيّة والشّافعيّة إذا استوفى شروطه للشّكّ فيما يشاؤه‬
‫سبحانه ‪ ،‬وخالف الحنابلة والمالكيّة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬ل يبطل الطّلق به ‪ -‬أي يقع به الطّلق ‪. -‬‬
‫أمّا الستثناء اللّغويّ بإ ّل وأخواتها فمؤثّر وملغ للطّلق بحسبه إذا استوفى شروطه ‪ ،‬وعلى‬
‫ذلك لو قال لزوجته ‪ :‬أنت طالق ثلثا إلّ واحدةً ‪ ،‬طلقت اثنتين فقط ‪ ،‬ولو قال ‪ :‬أنت طالق‬
‫ثلثا إلّ اثنتين طلقت واحدةً فقط ‪ ،‬فإن قال ‪ :‬أنت طالق ثلثا إلّ ثلثا ‪ ،‬وقع الثّلث ‪ ،‬لنّه‬
‫إلغاء ‪ ،‬وليس استثناء ‪ ،‬واللغاء باطل هنا ‪.‬‬
‫شروطه ‪:‬‬
‫يشترط لصحّة الستثناء من الطّلق ‪ ،‬سواء أكان استثنا ًء لغويّا أم تعليقا على مشيئة اللّه‬
‫تعالى ‪ ،‬شروط هي ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬اتّصاله بالكلم السّابق عليه ‪ ،‬أي اتّصال المستثنى بالمستثنى منه ‪ ،‬بحيث يعدّان‬ ‫‪56‬‬

‫كلما واحدا عرفا ‪ ،‬فإن فصل بينهما بكلم أو سكوت لغا الستثناء ‪ ،‬وثبت حكم الطّلق ‪،‬‬
‫ل ‪ ،‬طلقت ‪ ،‬أو قال ‪ :‬أنت‬
‫فإذا قال لها ‪ :‬أنت طالق ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬إن شاء اللّه تعالى منفص ً‬
‫طالق اثنتين ‪ ،‬ثمّ سكت ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬إلّ واحدةً وقع اثنتان ‪ ،‬ولغا الستثناء ‪ ،‬وكذلك إذا قال‬
‫لها ‪ :‬أنت طالق ثلثا ‪ ،‬ثمّ سألها عن أمر ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬إلّ اثنتين ‪ ،‬فإنّها تطلق ثلثا ‪ ،‬للغاء‬
‫الستثناء بالكلم الفاصل ‪.‬‬
‫إلّ أنّه يعفى هنا عن الفاصل القصير الضّروريّ ‪ ،‬كالسّكوت للتّنفّس أو إساغة اللّقمة ‪ ،‬كما‬
‫يعفى عن الكلم المفيد المتعلّق بالمستثنى منه ‪ ،‬كأن يقول لها ‪ :‬أنت طالق ثلثا يا زانية إلّ‬
‫اثنتين ‪ ،‬فإنّها تطلق بواحدة ‪ ،‬لنّ لفظة زانية بيان لسبب الطّلق ‪ ،‬وكذلك قوله لها ‪ :‬أنت‬
‫طالق ثلثا بائنا إلّ اثنتين عند الحنفيّة ‪ ،‬فإنّه يقع به واحدة بائنة عندهم ‪ ،‬بخلف ‪ :‬أنت‬
‫طالق ثنتين رجعيّتين إلّ واحدةً ‪ ،‬فإنّه يقع به اثنتان رجعيّتان ‪ ،‬ويلغو الستثناء لعدم إفادة‬
‫هذا الفاصل ‪.‬‬
‫‪ -‬ب ‪ -‬نيّة الحالف الستثناء قبل الفراغ من التّلفّظ في الطّلق عند المالكيّة والشّافعيّة‬ ‫‪57‬‬

‫في الصحّ ‪ ،‬فإن نواه بعده لم يصحّ ويقع الطّلق بدونه ‪ ،‬وفي قول ثان للشّافعيّة إن نواه‬
‫بعده جاز ‪ ،‬وقال الحنفيّة ‪ :‬يصحّ بغير نيّة مطلقا ‪ ،‬ولم أر من نصّ على ذلك من الحنابلة ‪،‬‬
‫ولعلّهم مع الحنفيّة في ذلك ‪.‬‬
‫‪ -‬ج ‪ -‬أن يكون الستثناء بصوت مسموع لنفسه على القلّ ‪ ،‬فلو كان دون ذلك لم‬ ‫‪58‬‬

‫يصحّ الستثناء ‪ ،‬لنّه مجرّد نيّة ‪ ،‬وهي غير كافية لصحّته بالتّفاق ‪.‬‬
‫‪ -‬د ‪ -‬عدم استغراق المستثنى للمستثنى منه ‪ ،‬فإذا قال ‪ :‬أنت طالق ثلثا إلّ ثلثا لم‬ ‫‪59‬‬

‫يصحّ ‪ ،‬لنّه رجوع وإلغاء ‪ ،‬وليس استثنا ًء ‪.‬‬


‫ص الحنابلة على عدم صحّته ‪.‬‬
‫وهل يجوز استثناء الكثر ؟ نصّ الجمهور على صحّته ‪ ،‬ون ّ‬
‫ل لغا طلقه عند‬
‫إلّ أنّه إن قال ‪ :‬طالق ثلثا إن شاء اللّه تعالى قاصدا الستثناء متّص ً‬
‫الجمهور ‪ ،‬خلفا للحنابلة لما تقدّم ‪.‬‬
‫وهل يجب تقديم المستثنى منه على المستثنى ؟ نصّ الشّافعيّة والحنفيّة على عدم شرطيّة‬
‫ذلك ‪ ،‬وسوّوا بين أن يقدّم المستثنى أو المستثنى منه ‪ ،‬فلو قال ‪ :‬أنت طالق ثلثا إلّ واحدةً‬
‫وقع ثنتان ‪ ،‬وإذا قال ‪ :‬أنت إلّ واحدةً طالق ثلثا وقع ثنتان أيضا ‪ ،‬وإذا قال ‪ :‬أنت طالق إن‬
‫شاء اللّه تعالى ‪ ،‬صحّ الستثناء أو قال ‪ :‬إن شاء اللّه تعالى فأنت طالق فكذلك ما دام أدخل‬
‫الفاء على " أنت " فإن لم يدخلها فقولن ‪ ،‬المفتى به منهما ‪ :‬عدم الوقوع ‪.‬‬
‫ص الحنفيّة على عدم اشتراط ذلك ‪ ،‬وعلى‬
‫وهل يجب التّلفّظ بالمستثنى والمستثنى منه ؟ ن ّ‬
‫ل ‪ :‬إلّ واحدةً ‪ ،‬وقع اثنتان ‪ ،‬ولو‬
‫هذا إذا قال لزوجته ‪ :‬أنت طالق ثلثا ‪ ،‬ثمّ كتب متّص ً‬
‫كتب‪ :‬أنت طالق ثلثا ‪ ،‬ث ّم قال متّصلً ‪ :‬إلّ واحدةً وقع اثنتان أيضا ‪ .‬فإن كتبهما معا ‪ ،‬ثمّ‬
‫أزال الستثناء وقع اثنتان فقط ‪ ،‬ول قيمة لزالة الستثناء بعد كتابته ‪ ،‬لنّه رجوع عنه ‪،‬‬
‫والرّجوع هنا غير صحيح ‪.‬‬
‫– هم – أن ل يكون المستثنى جزء طلقة ‪ ،‬فإن استثنى جزء طلقة لم يصحّ الستثناء ‪،‬‬ ‫‪60‬‬

‫وعلى ذلك إذا قال لزوجته ‪ :‬أنت طالق ثلثا إلّ نصف طلقة طلقت ثلثا ‪ ،‬ولو قال لها ‪ :‬أنت‬
‫طالق اثنتين إلّ ثلثي طلقة ‪ ،‬طلقت اثنتين أيضا لدى الجمهور ‪ ،‬وهو الصّحيح لدى‬
‫الشّافعيّة‪ ،‬والثّاني ‪ :‬يصحّ الستثناء ‪ ،‬ويستثنى بجزء الطّلقة طلقة كاملة ‪.‬‬
‫‪ -‬وهل يكون الستثناء من المستثنى منه الملفوظ دون المملوك ؟ ذكر الحنفيّة ذلك ‪،‬‬ ‫‪61‬‬

‫وذكر الشّافعيّة قولين ‪ ،‬الصحّ منهما ‪ :‬أنّ الستثناء من الملفوظ كالحنفيّة ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬أنّه يعتبر من المملوك ‪ ،‬وعلى ذلك فلو قال لزوجته ‪ :‬أنت طالق خمسا إلّ ثلثا‬
‫طلقت اثنتين عند الحنفيّة والصحّ من قولي الشّافعيّة ‪ ،‬وفي قول الشّافعيّة الثّاني طلقت‬
‫ثلثا‪ ،‬لنّه يملك عليها ثلثا ‪ ،‬فلمّا استثنى منه ثلثا كان رجوعا فلغا ‪ .‬وكذلك إذا قال لها ‪:‬‬
‫أنت طالق عشرا إلّ تسعا ‪ ،‬فإنّها تطلق بواحدة على القول الوّل ‪ ،‬وبثلث على القول‬
‫الثّاني‪ .‬وللمالكيّة في ذلك قولن ‪ :‬الرّاجح منهما اعتبار الملفوظ فيستثنى منه ‪ ،‬ومقابل‬
‫الرّاجح اعتبار المملوك ‪ ،‬فلو قال لها ‪ :‬أنت طالق خمسا إلّ اثنتين ‪ ،‬فعلى الرّاجح يلزمه‬
‫ثلث ‪ ،‬وعلى المرجوح يلزمه واحدة ‪.‬‬
‫النابة في الطّلق ‪:‬‬
‫‪ -‬الطّلق تصرّف شرعيّ قوليّ ‪ ،‬وهو حقّ الرّجل كما تقدّم ‪ ،‬فيملكه ويملك النابة فيه‬ ‫‪62‬‬

‫كسائر التّصرّفات القوليّة الخرى الّتي يملكها ‪ ،‬كالبيع والجارة ‪ ...‬فإذا قال رجل لخر ‪:‬‬
‫وكّلتك بطلق زوجتي فلنة ‪ ،‬فطلّقها عنه ‪ ،‬جاز ‪ ،‬ولو قال لزوجته نفسها ‪ :‬وكّلتك بطلق‬
‫نفسك ‪ ،‬فطلّقت نفسها ‪ ،‬جاز أيضا ‪ ،‬ول تكون في هذا أقلّ من الجنبيّ ‪.‬‬
‫وبيان المذاهب فيما يلي ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬مذهب الحنفيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬إذن الزّوج لغيره في تطليق زوجته ثلثة أنواع ‪ :‬تفويض وتوكيل ورسالة ‪.‬‬ ‫‪63‬‬

‫وقد ذكر الحنفيّة للتّفويض ثلثة ألفاظ ‪ ،‬وهي ‪ :‬تخيير ‪ ،‬وأمر بيد ‪ ،‬ومشيئة ‪.‬‬
‫فلو قال لها ‪ :‬طلّقي نفسك ‪ ،‬واختاري نفسك ‪ ،‬وأمرك بيدك ‪ ،‬فالولى يقع الطّلق بها‬
‫صريحا بدون نيّة ‪ ،‬واللّفظان الخران من ألفاظ الكناية ‪ ،‬فل يقع بهما الطّلق بغير نيّة ‪.‬‬
‫كما يكون التّفويض عندهم بإنابة الزّوج أجنبيّا عنه بطلق زوجته إذا علّقه على مشيئته ‪،‬‬
‫ل ل تفويضا ‪.‬‬
‫بأن قال له ‪ :‬طلّق زوجتي إن شئت ‪ ،‬فإن لم يقل له ‪ :‬إن شئت ‪ ،‬كان توكي ً‬
‫هذا ‪ ،‬وبين التّفويض والتّوكيل عند الحنفيّة فروق في الحكام من حيثيّات متعدّدة ‪ ،‬أهمّها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬من حيث الرّجوع فيه ‪ ،‬فليس للزّوج الرّجوع في التّفويض ‪ ،‬لنّه تعليق على مشيئة ‪،‬‬
‫والتّعليق يمين ل رجوع فيها ‪ ،‬فإذا قال له ‪ :‬طلّق زوجتي إن شئت ‪ ،‬أو قال لزوجته ‪:‬‬
‫اختاري نفسك ناويا طلقها ‪ ،‬لم يكن له أن يعزلها ‪ ،‬أمّا الوكيل فله عزله مطلقا ما دام لم‬
‫يطلّق ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬من حيث الحدّ بالمجلس ‪ :‬فللوكيل أن يطلّق عن موكّله في المجلس وغيره ‪ ،‬ما لم‬
‫يحدّه الموكّل بالمجلس أو زمان ومكان معيّنين ‪ ،‬فإن حدّه بذلك تحدّد به ‪ ،‬أمّا التّفويض‬
‫فمحدود بالمجلس فإذا انقضى المجلس لغا التّفويض ‪ ،‬ما لم يبيّن له مدّةً ‪ ،‬أو يعلّقه على‬
‫مشيئته ‪ ،‬فإن بيّن مدّ ًة تحدّد بالمدّة المبيّنة ‪ ،‬كأن قال لها ‪ :‬طلّقي نفسك خلل شهر ‪ ،‬أو‬
‫يوم‪ ،‬أو ساعة ‪ ،‬أو طلّقي نفسك متى شئت ‪ ،‬فإن قال ذلك تحدّد بما ذكر ‪ ،‬ل بالمجلس ‪.‬‬
‫ن التّفويض إذا كان بلفظ‬
‫ج ‪ -‬من حيث نوع الطّلق الواقع به ‪ ،‬فقد ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫صريح كقوله لها ‪ :‬طلّقي نفسك فطلّقت ‪ ،‬وقع به الطّلق رجعيّا ‪ ،‬وإن قال لها ‪ :‬اختاري‬
‫نفسك ‪ ،‬فقالت ‪ :‬اخترت نفسي ‪ ،‬وقع به بائنا ‪ ،‬هذا إذا نويا الطّلق ‪ ،‬وإلّ لم يقع به شيء‬
‫لنّه كناية ‪.‬‬
‫د ‪ -‬من حيث تأثّره بجنون الزّوج ‪ ،‬فإذا فوّض الزّوج زوجته أو غيرها بالطّلق ‪ ،‬ثمّ جنّ ‪،‬‬
‫ن التّفويض تمليك ‪ ،‬وهو ل‬
‫فالتّفويض على حاله ‪ ،‬وإن وكّله بالطّلق فجنّ بطل التّوكيل ‪ ،‬ل ّ‬
‫يبطل بالجنون ‪ ،‬على خلف التّوكيل ‪ ،‬فهو إنابة محضة ‪ ،‬وهي تبطل بالجنون ‪.‬‬
‫ن التّفويض يصحّ لعاقل ومجنون وصغير ‪ ،‬على‬
‫هم – من حيث اشتراط أهليّة النّائب ‪ ،‬فإ ّ‬
‫خلف التّوكيل ‪ ،‬فإنّه يشترط له أهليّة الوكيل ‪ ،‬وعلى هذا فلو فوّض زوجته الصّغيرة بطلق‬
‫نفسها فطلّقت ‪ ،‬وقع الطّلق ‪ ،‬ولو وكّل أخاه الصّغير بطلقها ‪ ،‬فطلّقها لم يصحّ ‪ ،‬فلو‬
‫فوّضها بالطّلق ‪ ،‬وهي عاقلة ‪ ،‬ثمّ جنّت فطلّقت نفسها ‪ ،‬لم يصحّ عند الحنفيّة استحسانا ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬مذهب المالكيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬النّيابة في الطّلق عند المالكيّة أربعة أنواع ‪ :‬توكيل وتخيير وتمليك ورسالة ‪.‬‬ ‫‪64‬‬

‫ق للزّوج‬
‫فالتّوكيل عندهم هو ‪ :‬جعل الزّوج الطّلق لغيره ‪ -‬زوجةً أو غيرها ‪ -‬مع بقاء الح ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫في منع الوكيل ‪ -‬بعزله ‪ -‬من إيقاع الطّلق ‪ ،‬كقوله لها ‪ :‬أمرك بيدك توكي ً‬
‫والتّخيير عندهم هو ‪ :‬جعل الطّلق الثّلث حقّا للغير وملكا له نصّا كقوله لها ‪ :‬اختاريني أو‬
‫اختاري نفسك ‪.‬‬
‫والتّمليك هو ‪ :‬جعل الطّلق حقّا للغير وملكا له راجحا في الثّلث ‪ ،‬كقوله لها ‪ :‬أمرك‬
‫بيدك ‪ ،‬وبين هذه الثّلثة اتّفاق واختلف على ما يلي ‪:‬‬
‫ق عزل وكيله بالطّلق مطلقا ‪،‬‬
‫أ ‪ -‬فمن حيث جواز الرّجوع فيه ‪ ،‬في التّوكيل للزّوج ح ّ‬
‫ق للزّوجة زائد عن التّوكيل ‪،‬‬
‫سواء أكان الوكيل هو الزّوجة أم غيرها ‪ ،‬إ ّل أن يتعلّق به ح ّ‬
‫كقوله لزوجته ‪ :‬إن تزوّجت عليك فأمرك بيدك ‪ ،‬أو أمر الدّاخلة عليك بيدك ‪ ،‬فإنّه ل يملك‬
‫عزلها في هذه الحال ‪ ،‬لتعلّق حقّها به ‪ ،‬وهو دفع الضّرر عنها ‪ ،‬ولول ذلك لمكنه عزلها ‪.‬‬
‫فإن فوّضه بالطّلق تخييرا أو تمليكا لم يكن له عزل المفوّض حتّى يطلّق أو يردّ التّفويض ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ومن حيث تحديده بمدّة ‪ ،‬فإن حدّد الزّوج النّيابة بأنواعها بالمجلس تحدّد مطلقا ‪ ،‬وإن‬
‫حدّدها بزمان معيّن بعد المجلس لم تقتصر على المجلس ‪ ،‬ولكن إن مارس النّائب حقّه في‬
‫الطّلق خلل الزّمن المحدّد طلقت ‪ ،‬وإلّ فهو على حقّه ما دام الزّمان باقيا ‪ ،‬إلّ أن يعلم‬
‫القاضي بذلك ‪ ،‬فإن علم به ‪ ،‬فإنّه يحضره ويأمره بالختيار ‪ ،‬فإن اختار الطّلق طلقت ‪،‬‬
‫وإلّ أسقط القاضي حقّه في ذلك ‪ ،‬ول يمهله ولو رضي الزّوج بالمهال ‪ ،‬وذلك حمايةً لحقّ‬
‫اللّه تعالى ‪ ،‬فإن أطلق ولم يحدّده بالمجلس ول بزمن آخر ‪ ،‬فللمالكيّة روايتان ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬يتحدّد بالمجلس كالحنفيّة ‪ ،‬والثّانية ‪ :‬ل يتحدّد به ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬من حيث عدد الطّلقات ‪ ،‬إن كان التّفويض تخيّرا مطلقا ‪ -‬وقد دخل بزوجته ‪-‬‬
‫فللمفوّضة إيقاع ما شاءت من الطّلق ‪ ،‬واحدةً واثنتين وثلثا ‪ ،‬وإن كان لم يدخل بها ‪ ،‬أو‬
‫كان التّفويض تمليكا ‪ ،‬فله منعها من أكثر من واحدة ‪ ،‬بشروط ستّة ‪ ،‬إن توفّرت لم يقع‬
‫بقولها أكثر من واحدة ‪ ،‬وإن اختلّت وقع ما ذكرت ‪.‬‬
‫وهذه الشّروط هي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن ينوي ما هو أقلّ من الثّلث ‪ ،‬فإن نوى واحدةً لم تملك بذلك أكثر منها ‪ ،‬فإذا نوى‬
‫اثنين ملكتهما ولم تملك الثّلث ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يبادر للنكار عليها فور إيقاعها الثّلث ‪ ،‬وإلّ سقط حقّه ووقع ثلث ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن يحلف أنّه لم ينو بذلك أكثر من العدد الّذي يدّعيه ‪ ،‬واحدةً أو اثنتين ‪ ،‬فإن نكل‬
‫قضي عليه بما أوقعت ‪ ،‬ول تر ّد اليمين عليها ‪.‬‬
‫د ‪ -‬عدم الدّخول بالزّوجة إن كان التّفويض تخيّرا ‪ ،‬وإلّ وقع الثّلث عليه إن أوقعها مطلقا‪.‬‬
‫هم‪ -‬أن ل يكرّر التّفويض ‪ ،‬فإن كرّره بأن قال لها ‪ :‬أمرك بيدك ‪ ،‬أمرك بيدك ‪ ،‬أمرك‬
‫بيدك‪ ،‬لم يقبل اعتراضه على طلقها الثّلث ‪ ،‬إلّ أن ينوي بالتّكرار التّأكيد ‪ ،‬فيقبل اعتراضه‬
‫‪.‬‬
‫و‪ -‬أن ل يكون التّفويض مشروطا عليه في العقد ‪ ،‬فإن شرط في العقد ملكت الثّلث مطلقا‬
‫‪ .‬فإن خيّرها ودخل بها فطلّقت نفسها واحدةً فقط ‪ ،‬لم تقع وسقط تخييرها ‪ ،‬لنّها خرجت‬
‫بذلك عمّا فوّضها ‪ ،‬وقد انقضى حقّها بإظهار مخالفتها ‪ ،‬فسقط خيارها في قول ‪ ،‬وفي قول‬
‫آخر لم يسقط بذلك خيارها ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬مذهب الشّافعيّة والحنابلة ‪:‬‬
‫‪ -‬أجاز الشّافعيّة والحنابلة للزّوج إنابة زوجته بالطّلق ‪ ،‬كما أجازوا له إنابة غيرها به‬ ‫‪65‬‬

‫أيضا ‪ ،‬فإن أناب الغير كان توكيلً ‪ ،‬فيجري عليه من الشّروط والحكام ما يجري على‬
‫التّوكيل من جواز التّقييد والرّجوع فيه ‪.‬‬
‫وللزّوج تفويض طلقها إليها ‪ ،‬وهو تمليك في الجديد عند الشّافعيّة فيشترط لوقوعه‬
‫تطليقها على الفور ‪ ،‬وفي قول توكيل ‪ ،‬فل يشترط فور في الصحّ ‪ ،‬وعلى القول بالتّمليك‬
‫في اشتراط قبولها لفظا الخلف في الوكيل ‪ ،‬والمرجّح عدم اشتراط القبول لفظا ‪.‬‬
‫وعلى القولين ‪ -‬التّمليك والتّوكيل ‪ -‬له الرّجوع عن التّفويض ‪.‬‬
‫ولو قال لزوجته ‪ :‬طلّقي ونوى ثلثا ‪ ،‬فقالت ‪ :‬طلّقت ونوتهنّ ‪ ،‬وقد علمت نيّته ‪ ،‬أو وقع‬
‫ذلك اتّفاقا فثلث ‪ ،‬لنّ اللّفظ يحتمل العدد ‪ ،‬وقد نوياه ‪.‬‬
‫وإذا نوى ثلثا ولم تنو هي عددا ‪ ،‬أو لم ينويا ‪ ،‬أو نوى أحدهما وقعت واحد ًة في الصحّ ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة ‪ :‬من قال لمرأته ‪ :‬أمرك بيدك فهو توكيل منه لها بالطّلق ول يتقيّد ذلك‬
‫بالمجلس ‪ ،‬بل هو على التّراخي لقول عليّ رضي ال عنه ‪ ،‬ولم يعرف له مخالف في‬
‫الصّحابة ‪ ،‬فكان كالجماع ‪.‬‬
‫وفي المر باليد لها أن تطلّق نفسها ثلثا ‪ ،‬أفتى به أحمد مرارا ‪ ،‬كقوله ‪ :‬طلّقي نفسك ما‬
‫شئت ‪ ،‬ول يقبل قوله ‪ :‬أردت واحدةً ‪.‬‬
‫وإن قال لها ‪ :‬اختاري نفسك لم يكن لها أن تطلّق أكثر من واحدة ‪ ،‬وتقع رجعيّة ‪ ،‬لنّ‬
‫" اختاري " تفويض معيّن ‪ ،‬فيتناول أقلّ ما يقع عليه السم ‪ ،‬وهو طلقة رجعيّة ‪ ،‬إلّ أن‬
‫يجعل إليها أكثر من واحدة ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬اختاري ما شئت ‪ ،‬أو اختاري الطّلقات إن شئت ‪،‬‬
‫فإن نوى بقوله اختاري عددا ‪ ،‬فهو على ما نوى ‪ ،‬لنّه كناية ‪ .‬بخلف ‪ :‬أمرك بيدك ‪،‬‬
‫فيتناول جميع أمرها ‪.‬‬
‫وليس للمقول لها ‪ :‬اختاري أن تطلّق إلّ ما داما في المجلس ‪ ،‬ولم يتشاغل بما يقطعه‬
‫عرفا‪ ،‬إلّ أن يقول لها ‪ :‬اختاري نفسك يوما أو أسبوعا أو شهرا ‪ ،‬فتملكه إلى انقضاء ذلك‬
‫‪.‬‬
‫طلق الفارّ ‪:‬‬
‫‪ -‬طلق الفا ّر هو ‪ :‬طلق الزّوج زوجته بائنا في حال مرض موته ‪ ،‬وقد يعنون الفقهاء‬ ‫‪66‬‬

‫له ‪ :‬بطلق المريض ‪.‬‬


‫وقد ذهب الفقهاء إلى صحّة طلق الزّوج زوجته إذا كان مريضا مرض موت ‪ ،‬كصحّته من‬
‫الزّوج غير المريض ما دام كامل الهليّة ‪.‬‬
‫كما ذهبوا إلى إرثها منه إذا مات وهي في عدّتها من طلق رجعيّ ‪ ،‬سواء أكان بطلبها أم‬
‫ل‪ ،‬وأنّها تستأنف لذلك عدّة الوفاة ‪.‬‬
‫فإذا كان الطّلق بائنا ومات وهي في العدّة ‪ ،‬فإن كان الزّوج صحيحا عند الطّلق غير‬
‫مريض مرض الموت لم ترث منه بالتّفاق ‪ ،‬وتبني على عدّة الطّلق ‪ ،‬وإن كان مريضا‬
‫مرض موت عند الطّلق فكذلك عند الشّافعيّة في الجديد ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة ‪ ،‬والحنابلة في الصحّ ‪ ،‬وهو المذهب القديم للشّافعيّة ‪ ،‬إلى أنّها ترث منه‬
‫معاملةً له بنقيض قصده ‪ ،‬وتعتدّ بأبعد الجلين ‪ ،‬ويعدّ فارّا بهذا الطّلق من إرثها ‪ ،‬واسمه‬
‫طلق الفرار ‪.‬‬
‫واشترطوا له أن يكون بغير طلبها ول رضاها بالبينونة ‪ ،‬وأن تكون أهلً للميراث من وقت‬
‫الطّلق إلى وقت الوفاة ‪ ،‬فإن كان الطّلق برضاها كالمخالعة لم ترث ‪.‬‬
‫وكذلك عند الحنفيّة إذا كانت البينونة بسبب تقبيلها ابن زوجها أو غيره ‪ ،‬فإنّها ل ترث‬
‫أيضا‪ ،‬لنّ سبب الفرقة ليس من الزّوج ‪ ،‬فل يعدّ بذلك فارّا من إرثها ‪ ،‬فإن طلبت منه‬
‫الطّلق مطلقا ‪ ،‬أو طلبت طلقا رجعيّا فطلّقها بائنا واحدةً أو أكثر ثمّ مات وهي في عدّتها‬
‫ورثت منه ‪ ،‬لنّها لم تطلب البينونة ولم ترض بها ‪.‬‬
‫فإذا مات بعد انقضاء عدّتها لم ترث منه ‪ ،‬ولم تتغيّر عدّتها لدى الجمهور ‪ ،‬ول يعدّ فارّا‬
‫بطلقها ‪ ،‬وفي قول ثان للحنابلة أنّها ترث منه ما لم تتزوّج من غيره ‪ ،‬وهو خلف الصحّ‬
‫عندهم ‪.‬‬
‫والمالكيّة على توريثها منه مطلقا ‪ ،‬أي سواء كان بطلبها كالمخيّرة والمملّكة والمخالعة ‪،‬‬
‫أو بغير طلبها ‪ ،‬حتّى لو مات بعد عدّتها وزواجها من غيره ‪.‬‬
‫مسألة الهدم ‪:‬‬
‫ص بها لدى الفقهاء ‪ ،‬نظرا لختلفهم فيها وأهمّيّتها ‪،‬‬
‫‪ -‬هذه المسألة تميّزت بلقب خا ّ‬ ‫‪67‬‬

‫ويتبيّن ذلك ممّا يلي ‪:‬‬


‫اتّفق الفقهاء على أنّ الزّوج إذا طلّق زوجته ثلثا ‪ ،‬ثمّ تزوّجت من غيره بعد عدّتها ودخل‬
‫بها ‪ ،‬ثمّ عادت إليه بعد بينونتها من ذلك الغير وانقضاء عدّتها منه ‪ :‬أنّه يملك عليها ثلث‬
‫تطليقات ‪.‬‬
‫كما اتّفقوا على أنّه إذا طلّقها بما دون الثّلث ‪ ،‬ثمّ تزوّجها ‪ -‬دون الزّواج من آخر ‪ -‬أنّه‬
‫يملك عليها ما بقي له إلى الثّلث فقط ‪.‬‬
‫فإذا طلّقها بما دون الثّلث ‪ ،‬فتزوّجت من غيره بعد عدّتها ودخل بها ‪ ،‬ثمّ عادت إليه بعد‬
‫بينونتها من ذلك الغير وانقضاء عدّتها منه ‪:‬‬
‫فذهب الجمهور وفيهم محمّد بن الحسن من الحنفيّة إلى أنّه يملك عليها ما بقي له إلى‬
‫الثّلث ‪ ،‬فإن كان أبانها بواحدة ملك عليها اثنتين أخريين ‪ ،‬وإن كان أبانها باثنتين ملك‬
‫عليها ثالث ًة فقط ‪ ،‬وهو مذهب عدد من الصّحابة فيهم عمر ‪ ،‬وعليّ ‪ ،‬وعمران بن حصين ‪،‬‬
‫وأبو هريرة وغيرهم رضي ال تعالى عنهم ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنّه يملك عليها ثلثا ‪ ،‬وقد انهدم ما أبانها به سابقا ‪،‬‬
‫ومن هنا سمّيت هذه المسألة بمسألة الهدم ‪ ،‬وقول الشّيخين هذا هو مذهب عدد من‬
‫الصّحابة ‪ ،‬فيهم ابن عمر وابن عبّاس رضي ال عنهم وهو قول للحنابلة ‪ ،‬والقول الثّاني‬
‫‪ -‬وهو الرجح عندهم ‪ -‬مع الجمهور ‪.‬‬
‫ي ‪ ،‬فمنهم بل أكثرهم قالوا بترجيح قول محمّد ‪،‬‬
‫وقد اختلف التّرجيح في المذهب الحنف ّ‬
‫كالكمال بن الهمام ‪ ،‬بل إنّه قال عنه ‪ :‬إنّه الحقّ ‪ ،‬وتبعه في ذلك صاحب النّهر والبحر‬
‫ي غيرهم ‪ ،‬ومنهم من رجّح قول الشّيخين كالعلمة قاسم ‪ ،‬وعليه مشت المتون‬
‫والشّرنبلل ّ‬
‫‪.‬‬
‫حكم جزء الطّلقة ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا قال الزّوج لزوجته ‪ :‬أنت طالق نصف طلقة ‪ ،‬أو ربع طلقة ‪ ،‬أو ثلث طلقة أو أقلّ‬ ‫‪68‬‬

‫من ذلك أو أكثر ‪ ،‬وقع عليه طلقة واحدة ‪ .‬لنّ الطّلقة تحريم ‪ ،‬وهو ل يتجزّأ ‪.‬‬
‫وفي المسألة تفصيل يحسن معه ذكر كلّ مذهب على حدة ‪:‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬وجزء الطّلقة ولو من ألف جزء تطليقة لعدم التّجزّؤ ‪.‬‬
‫فلو زادت الجزاء وقع أخرى ‪ ،‬وهكذا ما لم يقل ‪ :‬نصف طلقة وثلث طلقة وسدس طلقة‬
‫ن المنكّر إذا أعيد منكّرا كان الثّاني غير الوّل ‪ ،‬فيتكامل كلّ جزء ‪ ،‬بخلف‬
‫فيقع الثّلث ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الثّاني والثّالث عين‬
‫ما إذا قال ‪ :‬نصف تطليقة وثلثها وسدسها ‪ ،‬حيث تقع واحدةً ‪ ،‬ل ّ‬
‫الوّل ‪ .‬فإن جاوز مجموع الجزاء تطليقةً ‪ -‬بأن قال ‪ :‬نصف تطليقة وثلثها وربعها ‪ -‬قيل‬
‫‪ :‬تقع واحدة ‪ ،‬وقيل ثنتان ‪ ،‬وهو المختار ‪ ،‬وصحّحه في الظّهيريّة ‪.‬‬
‫ولو بل واو بأن قال ‪ :‬نصف طلقة ‪ ،‬ثلث طلقة ‪ ،‬سدس طلقة ‪ ،‬فواحدة ‪ ،‬لدللة حذف‬
‫العاطف على أنّ هذه الجزاء من طلقة واحدة ‪ ،‬وأنّ الثّاني بدل من الوّل ‪ ،‬والثّالث بدل من‬
‫الثّاني ‪.‬‬
‫ن نصف التّطليقتين واحدة فثلثة‬
‫وقال الحنفيّة أيضا ‪ ،‬ويقع بثلثة أنصاف طلقتين ثلثة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن التّطليقتين إذا نصّفتا كانت أربعة‬
‫أنصاف تطليقتين ثلث تطليقات ‪ ،‬وقيل ثنتان ‪ ،‬ل ّ‬
‫أنصاف فثلثة منها طلقة ونصف ‪ ،‬فتكمل تطليقتين ‪.‬‬
‫ويقع بثلثة أنصاف طلقة أو نصفي طلقتين طلقتان في الصحّ وكذا في نصف ثلث تطليقات‬
‫لنّها طلقة ونصف فيتكامل النّصف ‪ .‬وفي نصفي طلقتين يتكامل كلّ نصف فيحصل طلقتان ‪.‬‬
‫‪ -‬وقال المالكيّة ‪ :‬لو قال الزّوج لزوجته ‪ :‬أنت طالق نصف تطليقة أو نصف طلقتين‬ ‫‪69‬‬
‫لزمه طلقة واحدة ‪ ،‬ولو قال لها ‪ :‬أنت طالق نصف وثلث طلقة لزمته واحدة لعدم إضافة‬
‫الجزء للفظ طلقة ‪ ،‬ولو قال لها ‪ :‬أنت طالق نصف وثلث وربع طلقة لزمه اثنتان لزيادة‬
‫الجزاء على واحدة ‪.‬‬
‫ولو أضاف الجزء للفظ طلقة ‪ ،‬فقال لها ‪ :‬أنت طالق ثلث طلقة وربع طلقة بحرف العطف‬
‫لزمه اثنتان ‪.‬‬
‫وإن قال لها ‪ :‬أنت طالق ثلث طلقة وربع طلقة ونصف طلقة لزمه ثلث طلقات ‪ ،‬لنّ كلّ‬
‫كسر أضيف لطلقة أخذ مميّزه ‪ ،‬فاستق ّل بنفسه ‪ ،‬أي ‪ :‬حكم بكمال الطّلقة فيه ‪ ،‬فالجزء‬
‫الخر المعطوف يعدّ طلقةً ‪.‬‬
‫‪ -‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو قال الزّوج لزوجته ‪ :‬أنت طالق بعض طلقة وقعت طلقة ‪ ،‬لنّ‬ ‫‪70‬‬

‫الطّلق ل يتبعّض ‪ ،‬فإيقاع بعضه كإيقاع كلّه ‪ ،‬ولو قال لها ‪ :‬أنت طالق نصفي طلقة وقعت‬
‫ن كلّ نصف من طلقة ‪ ،‬فتقع طلقتان عملً‬
‫طلقة ‪ ،‬لنّ نصفي الطّلقة طلقة ‪ ،‬إ ّل أن يريد أ ّ‬
‫ن قول الزّوج لزوجته ‪ :‬أنت طالق نصف طلقتين يقع به طلقة ‪،‬‬
‫بقصده ‪ ،‬والصحّ عندهم ‪ :‬أ ّ‬
‫لنّ ذلك نصفهما ‪ ،‬ما لم يرد كلّ نصف من طلقة فتقع طلقتان ‪.‬‬
‫ي الخطيب ‪ :‬حاصل ما ذكر أنّه إن كرّر لفظ " طلقة " مع‬
‫وفي أجزاء الطّلقة قال الشّربين ّ‬
‫العاطف ‪ ،‬ولم تزد الجزاء على طلقة ‪ ،‬كأنت طالق نصف طلقة وثلث طلقة ‪ ،‬كان كلّ جزء‬
‫طلقةً ‪ ،‬وإن أسقط لفظ طلقة كأنت طالق ربع وسدس طلقة ‪ ،‬أو أسقط العاطف كأنت طالق‬
‫ثلث طلقة ‪ ،‬ربع طلقة ‪ ،‬كان الكلّ طلقةً ‪ ،‬فإن زادت الجزاء كنصف وثلث وربع طلقة كمل‬
‫الزّائد من طلقة أخرى ووقع به طلقة ‪ ،‬ولو قال ‪ :‬نصف طلقة ونصفها ونصفها فثلث ‪ ،‬إلّ‬
‫إن أراد بالنّصف الثّالث تأكيد الثّاني فطلقتان ‪.‬‬
‫‪ -‬وقال الحنابلة ‪ :‬إن قال الزّوج لزوجته ‪ :‬أنت طالق نصفي طلقة وقعت طلقة ‪ ،‬لنّ‬ ‫‪71‬‬

‫نصفي الشّيء كلّه ‪ ،‬وإن قال ‪ :‬ثلثة أنصاف طلقة طلقت طلقتين ‪ ،‬لنّ ثلثة أنصاف طلقة‬
‫ونصف ‪ ،‬فكمل النّصف ‪ ،‬فصارا طلقتين ‪.‬‬
‫ن نصف الطّلقتين طلقة ‪ ،‬وإن قال ‪:‬‬
‫وإن قال ‪ :‬أنت طالق نصف طلقتين طلقت واحدةً ‪ ،‬ل ّ‬
‫أنت طالق نصفي طلقتين وقعت طلقتان ‪ ،‬لنّ نصفي الشّيء جميعه ‪ ،‬فهو كما لو قال ‪ :‬أنت‬
‫طالق طلقتين ‪ ،‬وإن قال ‪ :‬أنت طالق نصف ثلث طلقات طلقت طلقتين ‪ ،‬لنّ نصفها طلقة‬
‫ونصف ‪ ،‬ثمّ يكمل النّصف فتصير طلقتين ‪.‬‬
‫وإن قال ‪ :‬أنت طالق نصف وثلث وسدس طلقة وقعت طلقة لنّها أجزاء الطّلقة ‪ ،‬ولو قال ‪:‬‬
‫أنت طالق نصف طلقة وثلث طلقة وسدس طلقة فقال أصحابنا ‪ :‬يقع ثلث ‪ ،‬لنّه عطف‬
‫جزءا من طلقة على جزء من طلقة ‪ ،‬فظاهره أنّها طلقات متغايرة ‪ ،‬ولنّها لو كانت الثّانية‬
‫هي الولى لجاء بها فاللم التّعريف فقال ‪ :‬ثلث الطّلقة وسدس الطّلقة ‪ ،‬فإنّ أهل العربيّة‬
‫قالوا ‪ :‬إذا ذكر لفظ ثمّ أعيد منكّرا فالثّاني غير الوّل ‪ ،‬وإن أعيد معرّفا باللف واللم‬
‫فالثّاني هو الوّل ‪.‬‬
‫وإن قال ‪ :‬أنت طالق نصف طلقة ثلث طلقة سدس طلقة طلقت طلقةً ‪ ،‬لنّه لم يعطف بواو‬
‫العطف ‪ ،‬فيدلّ على أنّ هذه الجزاء من طلقة غير متغايرة ‪ ،‬ولنّه يكون الثّاني هاهنا بدلً‬
‫من الوّل ‪ ،‬والثّالث من الثّاني ‪ ،‬والبدل هو المبدل أو بعضه ‪ ،‬فلم يقتض المغايرة وعلى‬
‫هذا التّعليل لو قال ‪ :‬أنت طالق طلقةً نصف طلقة ‪ ،‬أو طلقةً طلقةً لم تطلق إلّ طلقةً ‪ ،‬فإن‬
‫قال ‪ :‬أنت طالق نصفا وثلثا وسدسا لم يقع إلّ طلقة ‪ ،‬لنّ هذه أجزاء الطّلقة ‪ ،‬إلّ أن يريد‬
‫من كلّ طلقة جزءا فتطلق ثلثا ‪.‬‬
‫ولو قال ‪ :‬أنت طالق نصفا وثلثا وربعا طلقت طلقتين ‪ ،‬لنّه يزيد على الطّلقة نصف سدس‬
‫ثمّ يكمل ‪ ،‬وإن أراد من كلّ طلقة جزءا طلقت ثلثا ‪.‬‬
‫الرّجعة في الطّلق ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الزّوج إذا طلّق زوجته بائنا ل يعود إليها إ ّل بعقد جديد ‪ ،‬في‬ ‫‪72‬‬

‫العدّة أم بعدها ‪ ،‬ما دامت البينونة صغرى وكذلك الحكم بعد فسخ الزّواج ‪.‬‬
‫فإذا كانت البينونة كبرى ‪ ،‬فل يعود إليها إ ّل بعقد جديد أيضا ‪ ،‬ولكن بعد أن تتزوّج من‬
‫حلّ‬
‫غيره‪ ،‬ويدخل بها ‪ ،‬ثمّ يفارقها وتنقضي عدّتها ‪ ،‬وذلك لقوله تعالى ‪ { :‬فَإِن طَّل َقهَا َفلَ َت ِ‬
‫َلهُ مِن َبعْدُ حَ ّتىَ تَن ِكحَ َز ْوجًا غَ ْيرَهُ } ‪.‬‬
‫كما اتّفقوا على أنّ الزّوج إذا طلّق زوجته رجعيّا واحد ًة أو اثنتين ‪ ،‬فإنّ له العود إليها‬
‫ق بِرَدّ ِهنّ فِي ذَِلكَ إِنْ‬
‫بالمراجعة بدون عقد ما دامت في العدّة لقوله تعالى ‪ { :‬وَ ُبعُولَ ُتهُنّ َأحَ ّ‬
‫أَرَادُو ْا إِصْلَحا } ‪.‬‬
‫وقد اتّفق الفقهاء في بعض أحكام الرّجعة ‪ ،‬واختلفوا في بعضها الخر ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪22‬‬ ‫وللتّفصيل انظر مصطلح ‪ ( :‬رجعة ج‬
‫التّفريق للشّقاق ‪:‬‬
‫‪ -‬الشّقاق هنا ‪ :‬هو النّزاع بين الزّوجين ‪ ،‬سواء أكان بسبب من أحد الزّوجين ‪ ،‬أو‬ ‫‪73‬‬

‫بسببهما معا ‪ ،‬أو بسبب أمر خارج عنهما ‪ ،‬فإذا وقع الشّقاق بين الزّوجين ‪ ،‬وتعذّر عليهما‬
‫الصلح ‪ ،‬فقد شرع بعث حكمين من أهلهما للعمل على الصلح بينهما وإزالة أسباب‬
‫ق بَيْ ِن ِهمَا فَا ْبعَثُواْ حَكَما‬
‫خفْتُ ْم شِقَا َ‬
‫النّزاع والشّقاق ‪ ،‬بالوعظ وما إليه ‪ ،‬قال تعالى ‪َ { :‬وإِنْ ِ‬
‫ق الّل ُه بَيْ َن ُهمَا } ‪.‬‬
‫ن أَهْ ِلهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَحا ُيوَفّ ِ‬
‫حكَما مّ ْ‬
‫مّنْ أَ ْهِلهِ َو َ‬
‫ومهمّة الحكمين هنا الصلح بين الزّوجين بحكمة ورويّة ‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء في مهمّة الحكمين ‪ ،‬وفي شروطهما ‪ ،‬وذلك على الوجه التّالي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬مهمّة الحكمين ‪:‬‬
‫ن مهمّة الحكمين الصلح ل غير ‪ ،‬فإذا نجحا فيه فبها ‪ ،‬وإلّ تركا‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬ ‫‪74‬‬

‫الزّوجين على حالهما ليتغلّبا على نزاعهما بنفسيهما ‪ ،‬إمّا بالمصالحة ‪ ،‬أو بالصّبر ‪ ،‬أو‬
‫بالطّلق ‪ ،‬أو بالمخالعة ‪ ،‬وليس للحكمين التّفريق بين الزّوجين إ ّل أن يفوّض الزّوجان‬
‫إليهما ذلك ‪ ،‬فإن فوّضاهما بالتّفريق بعد العجز عن التّوفيق ‪ ،‬كانا وكيلين عنهما في ذلك ‪،‬‬
‫وجاز لهما التّفريق بينهما بهذه الوكالة ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ واجب الحكمين الصلح أ ّولً ‪ ،‬فإن عجزا عنه لتحكّم الشّقاق كان‬
‫لهما التّفريق بين الزّوجين دون توكيل ‪ ،‬ووجب على القاضي إمضاء حكمهما بهذا التّفريق‬
‫إذا اتّفقا عليه وإن لم يصادف ذلك اجتهاده ‪.‬‬
‫وإن طلّقا ‪ ،‬واختلف الحكمان في المال ‪ ،‬بأن قال أحدهما ‪ :‬الطّلق بعوض ‪ ،‬وقال الخر ‪:‬‬
‫بل عوض ‪ ،‬فإن لم تلتزمه المرأة فل طلق يلزم الزّوج ‪ ،‬ويعود الحال كما كان ‪ ،‬وإن‬
‫التزمته وقع وبانت منه ‪ ،‬وإن اختلفا في قدره بأن قال أحدهما ‪ :‬طلّقنا بعشرة ‪ ،‬وقال‬
‫الخر‪ :‬بثمانية ‪ ،‬فيوجب ذلك الختلف للزّوج خلع المثل وكذلك لو اختلفا في صفته ‪ ،‬أو‬
‫جنسه ‪ .‬وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إن اشتدّ الشّقاق بين الزّوجين بعث القاضي حكما من أهله‬
‫وحكما من أهلها ‪ ،‬وهما وكيلن لهما في الظهر ‪ ،‬وفي قول ‪ :‬هما حاكمان مولّيان من‬
‫الحاكم ‪ ،‬فعلى الوّل ‪ :‬يشترط رضاهما ببعث الحكمين ‪ ،‬فيوكّل الزّوج حكمه بطلق وقبول‬
‫عوض خلع‪ ،‬وتوكّل الزّوجة حكمها ببذل عوض وقبول طلق ‪ ،‬ويفرّق الحكمان بينهما إن‬
‫رأياه صوابا ‪ ،‬وإن اختلف رأيهما بعث القاضي اثنين غيرهما ‪ ،‬حتّى يجتمعا على شيء ‪،‬‬
‫وعلى القول الثّاني ‪ :‬ل يشترط رضا الزّوجين ببعثهما ويحكّمان ‪ ،‬بما يريانه مصلحةً من‬
‫الجمع أو التّفريق ‪.‬‬
‫ن مهمّة الحكمين الولى التّوفيق ‪ ،‬فإن عجزا عنه لم يكن لهما التّفريق‬
‫وذهب الحنابلة إلى أ ّ‬
‫في قول كالحنفيّة ‪ ،‬وفي قول آخر ‪ :‬لهما ذلك ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬شروط الحكمين ‪:‬‬
‫‪ -‬اشترط الفقهاء في الحكمين شروطا هي ‪:‬‬ ‫‪75‬‬

‫أ ‪ -‬كمال الهليّة ‪ ،‬وهي ‪ :‬العقل والبلوغ والرّشد ‪ ،‬فل يجوز تحكيم الصّغير والمجنون‬
‫والسّفيه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬السلم ‪ ،‬فل يحكم غير المسلم في المسلم ‪ ،‬لما فيه من الستعلء عليه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الحرّيّة ‪ ،‬فل يحكم عبد ‪ ،‬وللحنابلة قول آخر بجواز جعل العبد محكّما ‪ ،‬ما دام التّحكيم‬
‫وكالةً ‪.‬‬
‫د ‪ -‬العدالة ‪ ،‬وهي ‪ :‬ملزمة التّقوى ‪.‬‬
‫هم‪ -‬الفقه بأحكام هذا التّحكيم ‪.‬‬
‫و‪ -‬أن يكونا من أهل الزّوجين إن أمكن على سبيل النّدب ل الوجوب ‪.‬‬
‫ثمّ إن وكّل الزّوجان الحكمين بالتّفريق برضاهما كان لهما التّفريق أيضا بعد العجز عن‬
‫الجمع والتّوفيق ‪ ،‬وفي حال التّوكيل في التّفريق يشترط إلى جانب ما تقدّم ‪ :‬أن يكون‬
‫الزّوجان كاملي الهليّة راشدين ‪ ،‬لما في ذلك من احتمال ر ّد بعض المهر ‪.‬‬
‫فإن وكّل الزّوجان الحكمين بالتّفريق ‪ ،‬ثمّ جنّ أحدهما أو أغمي عليه قبل التّفريق ‪ ،‬لغا‬
‫التّوكيل ‪ ،‬ولم يكن للحكمين غير التّوفيق ‪ ،‬فإن غاب أحد الزّوجين قبل التّفريق لم ينعزل‬
‫ن الغيبة ل تبطل الوكالة ‪ ،‬بخلف الجنون‬
‫الحكمان ‪ ،‬ويكون لهما التّفريق في غيبته ‪ ،‬ل ّ‬
‫والغماء ‪.‬‬
‫واشترط المالكيّة في الحكمين ‪ ،‬ومعهم الشّافعيّة في مقابل الظهر ‪ ،‬والحنابلة في القول‬
‫الثّاني ‪ :‬الذّكورة ‪ ،‬لنّ الحكمين هنا حاكمان ‪ ،‬ول يجوز جعل المرأة عندهم حاكما ‪.‬‬
‫والحكمان يحكمان بالتّفريق جبرا عن الزّوجين ‪ ،‬لنّهما حاكمان هنا ونائبان عن القاضي ‪،‬‬
‫إلّ أن يسقط الزّوجان متّفقين دعوى التّفريق قبل حكم الحكمين ‪ ،‬فإن فعل سقط التّحكيم ولم‬
‫ن شرط التّحكيم هنا الدّعوى ‪ ،‬وهذا إذا كانا محكّمين من‬
‫يجز لهما الحكم بالتّفريق به ‪ ،‬ل ّ‬
‫القاضي ‪ ،‬فإن كانا محكّمين من قبل الزّوجين من غير قاض ‪ ،‬فكذلك ينفذ حكمهما على‬
‫الزّوجين وإن لم يقبل به ‪ ،‬ما داما لم يعزلهما قبل الحكم ‪ ،‬فإن عزلهما قبل الحكم انعزل ‪،‬‬
‫ما لم يكن ذلك بعد ظهور رأيهما ‪ ،‬فإن كان بعد ظهور رأيهما لم ينعزل ‪.‬‬
‫كما أوجب المالكيّة كون الحكمين من أهل الزّوجين ‪ ،‬ولم يجيزا تحكيم غيرهما ‪ ،‬إلّ أن ل‬
‫يوجد من أهلهما من يصلح للتّحكيم ‪ ،‬فإن لم يوجد جاز تحكيم جاريهما ‪ ،‬أو غيرهما ‪،‬‬
‫وندب أن يكونا جارين للعلم بحالهما غالبا ‪.‬‬
‫ثمّ إذا وكّل الزّوجان الحكمين بالتّفريق مخالعةً ‪ ،‬كان لهما ذلك بحسب رأيهما ما لم يقيّداهما‬
‫بشيء ‪ ،‬فإن قيّداهما تقيّدا به لدى الجميع ‪.‬‬
‫فإذا لم يوكّلهما بالتّفريق والمخالعة ‪ ،‬كان لهما التّفريق عند المالكيّة دون الجمهور كما‬
‫تقدّم ‪ ،‬وهنا يملك الحكمان التّفريق بطلق أو مخالعة بحسب رأيهما ‪ ،‬فإن رأيا أنّ الضّرر‬
‫كلّه من الزّوج طلّقا عليه ‪ ،‬وإن رأيا أنّه كلّه من الزّوجة فرّقا بينهما بمخالعة على أن تردّ‬
‫له كلّ المهر ‪ ،‬وربّما أكثر منه أيضا ‪ ،‬وإن كان الضّرر بعضه من الزّوجة وبعضه من‬
‫الزّوج ‪ ،‬فرّقا بينهما مخالعةً على جزء من المهر يناسب مقدار الضّرر من كلّ ‪.‬‬
‫قضاء القاضي بتفريق الحكمين بين الزّوجين ‪:‬‬
‫‪ -‬إن كان المحكّمان موكّلين من الزّوجين بالتّفريق ‪ ،‬فل حاجة لحكم القاضي بتفريقهما‪،‬‬ ‫‪76‬‬

‫وتقع الفرقة بحكمهما مباشرةً ‪.‬‬


‫وإن كانا محكّمين من القاضي ‪ ،‬ألزما برفع حكمهما إليه لينفّذه ‪ ،‬إ ّل أنّه ل خيار له في‬
‫إنفاذه‪ ،‬بل هو مجبر عليه ‪ ،‬وإن خالف اجتهاده ‪ -‬كما تقدّم ‪ -‬فإذا اختلف الحكمان ولم‬
‫يتّفقا على شيء عزلهما القاضي ‪ ،‬وعيّن حكمين آخرين بد ًل منهما ‪ ،‬وهكذا حتّى يتّفق‬
‫حكمان على شيء ‪ ،‬فينفّذه ‪.‬‬
‫نوع الفرقة الثّابتة بتفريق الحكمين ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة إلى أنّ التّفريق للشّقاق طلق بائن ‪ ،‬سواء أكان الحكمان من قبل‬ ‫‪77‬‬

‫القاضي أم من قبل الزّوجين ‪ ،‬وهو طلقة واحدة ‪ ،‬حتّى لو أوقع الحكمان طلقتين أو ثلثا لم‬
‫يقع بحكمهما أكثر من واحدة ‪ ،‬وسواء أكان تفريقهما طلقا أم مخالعةً على بدل ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّهما إن فرّقا بخلع فطلق بائن ‪ ،‬وإن فرّقا بطلق فهو‬
‫ص عليه المالكيّة ‪.‬‬
‫طلق‪ .‬وهل للزّوجين إقامة حكم واحد بدلً من اثنين ؟ والجواب نعم ‪ ،‬ن ّ‬
‫وهل يكون ذلك لوليّ الزّوجين أيضا ؟ تردّد المالكيّة فيه ‪.‬‬
‫حكَما مّنْ أَهْ ِل ِه َوحَكَما } ‪.‬‬
‫والشّافعيّة يقولون بعدم الكتفاء بواحد للية ‪ { :‬فَا ْبعَثُواْ َ‬
‫التّفريق لسوء المعاشرة ‪:‬‬
‫‪ -‬نصّ المالكيّة على أنّ الزّوجة إذا أض ّر بها زوجها كان لها طلب الطّلق منه لذلك ‪،‬‬ ‫‪78‬‬

‫سواء تكرّر منه الضّرر أم ل ‪ ،‬كشتمها وضربها ضربا مبرّحا ‪.‬‬


‫وهل تطلق بنفسها هنا بأمر القاضي أو يطلّق القاضي عنها ؟ قولن للمالكيّة ولم أر من‬
‫الفقهاء الخرين من نصّ عليه بوضوح ‪ ،‬وكأنّهم ل يقولون به ما لم يصل الضّرر إلى حدّ‬
‫إثارة الشّقاق ‪ ،‬فإن وصل إلى ذلك ‪ ،‬كان الحكم كما تقدّم ‪.‬‬
‫التّفريق للعسار بالصّداق ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا أعسر الزّوج بالصّداق فقد اختلف الفقهاء في هذا على أقوال ‪:‬‬ ‫‪79‬‬

‫فذهب الحنفيّة إلى أنّه ليس لها فراقه بسبب ذلك مطلقا ‪ ،‬ولكن منع نفسها منه ‪ ،‬والنّظرة‬
‫إلى ميسرة ‪ ،‬ولها كامل نفقتها ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ لها طلب التّفريق إلى جانب مالها من ‪ :‬منع نفسها والنّفقة ما دام لم‬
‫يدخل بها ‪ ،‬ويؤجّل الزّوج لثبات عسرته ‪ ،‬فإن ظهر عجزه طلّق عليه الحاكم ‪ ،‬فإن دخل‬
‫بها الزّوج لم يكن لها طلب التّفريق ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة والحنابلة وجوه وأقوال ثلثة ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬الفسخ مطلقا ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬الفسخ ما لم يدخل بها ‪ ،‬وإلّ ليس لها ذلك ‪ ،‬وهو الظهر لدى الشّافعيّة ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬ليس لها الفسخ مطلقا ‪ ،‬وهي غريم كسائر الغرماء ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪14‬‬ ‫وفي ذلك تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬إعسار ف‬
‫شروط التّفريق بالعسار عند من يقول به ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط للتّفريق بالعسار شروط ‪ ،‬هي ‪:‬‬ ‫‪80‬‬

‫أ ‪ -‬أن يكون الصّداق واجبا على الزّوج وجوبا حالً ‪ :‬فإذا لم يكن واجبا عليه أصلً ‪ ،‬كأن‬
‫كان العقد فاسدا ولم يدخل بها ‪ ،‬أو كان وجوبه مؤجّلً كأن يشترط في العقد تأجيله ‪ ،‬لم‬
‫يكن لها طلب التّفريق بسبب ذلك ‪ ،‬فإن سلّم البعض وأعسر بالبعض الباقي ‪ ،‬فللشّافعيّة‬
‫قولن ‪ :‬القوى منهما ‪ :‬جواز التّفريق ‪ ،‬وهو مذهب المالكيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن ل تكون الزّوجة قد رضيت بتأجيل المهر قبل العقد ‪ ،‬أو بعده بطريق الدّللة ‪ ،‬فإذا‬
‫تزوّجته عالمةً بإعساره بالمهر لم يكن لها طلب التّفريق بذلك ‪ ،‬وكذلك إذا علمت بإعساره‬
‫بعد العقد وسكتت أو رضيت به صراحةً ‪ ،‬فإنّه ل يكون لها حقّ في طلب التّفريق للعسار‬
‫بالمهر بعد ذلك قياسا على العنّة ‪.‬‬
‫وقد اتّفق القائلون بالتّفريق للعسار بالمهر على أنّ التّفريق ل ب ّد فيه من حكم قاض به ‪،‬‬
‫أو محكّم ‪ ،‬لنّه فصل مجتهد فيه ‪ ،‬هذا إن قدرت الزّوجة على الرّفع إليهما ‪ ،‬فإن عجزت‬
‫عن ذلك ‪ ،‬وفرّقت بنفسها جاز للضّرورة ‪ ،‬نصّ عليه الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وإن ثبت إعساره طلّق القاضي عليه فورا ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ينظره مدّةً يراها مناسبة ‪ ،‬وإن لم يثبت‬
‫إعساره أنظره ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يسجنه حتّى يدفع المهر ‪ ،‬أو يظهر ماله فينفّذه عليه ‪ ،‬أو يثبت‬
‫إعساره فيطلّق عليه ‪.‬‬
‫نوع الفرقة الثّابتة بالعسار بالمهر ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة إلى أنّ الفرقة للعسار بالمهر طلق بائن ‪ ،‬وذهب الشّافعيّة والحنابلة‬ ‫‪81‬‬

‫إلى أنّها فسخ ‪ ،‬ل طلق ‪.‬‬


‫التّفريق للعسار بالنّفقة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على وجوب النّفقة للزّوجة على زوجها بالعقد الصّحيح ما لم تمتنع من‬ ‫‪82‬‬

‫ق طلبها منه بالقضاء ‪،‬‬


‫التّمكين ‪ ،‬فإذا لم يقم الزّوج بها لغير مانع من الزّوجة كان لها ح ّ‬
‫وأخذها جبرا عنه ‪.‬‬
‫فإذا امتنع الزّوج عن دفع هذه النّفقة لمانع من الزّوجة ‪ ،‬كنشوزها ‪ ،‬لم يجبر عليها ‪.‬‬
‫ق طلب التّفريق منه إذا امتنع عنها بدون سبب من الزّوجة ؟‬
‫وهل يكون للزّوجة ح ّ‬
‫اختلف الفقهاء في ذلك في بعض الحوال ‪ ،‬واتّفقوا في أحوال أخرى على ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إن كان للزّوج الممتنع عن النّفقة مال ظاهر يمكن للزّوجة أخذ نفقتها منه ‪ ،‬بعلم الزّوج‬
‫أو بغير علمه ‪ ،‬بنفسها أو بأمر القاضي ‪ ،‬لم يكن لها طلب التّفريق ‪ ،‬لوصولها إلى حقّها‬
‫بغير الفرقة ‪ ،‬فل تمكّن منها ‪.‬‬
‫ويستوي هنا أن يكون الزّوج حاضرا أو غائبا ‪ ،‬وأن يكون مال الزّوج حاضرا أو غائبا‬
‫أيضا‪ ،‬وأن يكون المال نقودا أو منقولت أو عقارات ‪ ،‬لمكان الخذ منها ‪.‬‬
‫إلّ أنّ الشّافعيّة نصّوا في الظهر من قولين على أنّ ماله الظّاهر إن كان حاضرا فل‬
‫تفريق ‪ ،‬وإن كان بعيدا عنه مسافة القصر ‪ ،‬فلها طلب الفسخ ‪ ،‬وإن كان دون ذلك أمره‬
‫القاضي بإحضاره ‪ ،‬ول فسخ لها ‪ ،‬ولو غاب وجهل حاله في اليسار والعسار فل فسخ ‪،‬‬
‫لنّ السّبب لم يتحقّق ‪.‬‬
‫ونصّ الحنابلة على أنّ ظاهر كلم أحمد ‪ ،‬وهو رواية الخرقيّ ‪ ،‬أنّه ‪ :‬إذا لم يكن في‬
‫ن لها طلب التّفريق ‪ ،‬وإلّ فل ‪ ،‬وإن كان المال‬
‫المكان أخذ النّفقة من المال الغائب ‪ ،‬فإ ّ‬
‫حاضرا فل تفريق ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬فإذا لم يكن للزّوج الممتنع عن النّفقة مال ظاهر ‪ ،‬سواء أكان ذلك لعساره ‪ ،‬أم‬
‫للجهل بحاله ‪ ،‬أم لنّه غيّب ماله ‪ ،‬فرفعته الزّوجة إلى القاضي طالبةً التّفريق لذلك ‪ ،‬فقد‬
‫اختلف الفقهاء في جواز التّفريق ‪ ،‬على قولين ‪:‬‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أنّه ليس للزّوجة هنا طلب التّفريق ‪ ،‬والقاضي يأمرها بالستدانة على‬
‫الزّوج ‪ ،‬ويأمر من تجب عليه نفقتها ‪ -‬لول زوجها ‪ -‬بإقراضها ‪ ،‬فإن امتنع حبسه وعزّره‬
‫حتّى يقرضها ‪ ،‬ث ّم يعود بذلك على زوجها إذا أيسر إن شاء ‪ ،‬وهو مذهب عطاء ‪،‬‬
‫والزّهريّ‪ ،‬وابن شبرمة ‪ ،‬وحمّاد بن أبي سليمان ‪ ،‬وغيرهم ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬إلى أنّ الزّوج إذا أعسر بالنّفقة فالزّوجة بالخيار ‪ ،‬إن شاءت‬
‫بقيت على الزّوجيّة واستدانت عليه ‪ ،‬وإن شاءت رفعت أمرها للقاضي طالبةً فسخ نكاحها ‪،‬‬
‫والقاضي يجيبها إلى ذلك حا ًل ‪ ،‬أو بعد التّلوّم للزّوج ‪ ،‬رجاء مقدرته على النفاق ‪ ،‬على‬
‫اختلف بينهم في ذلك ‪ ،‬وهذا القول هو المرويّ عن عمر ‪ ،‬وعليّ ‪ ،‬وأبي هريرة رضي ال‬
‫عنهم وهو مذهب سعيد بن المسيّب ‪ ،‬والحسن ‪ ،‬وعمر بن عبد العزيز وغيرهم ‪.‬‬
‫شروط التّفريق لعدم النفاق عند من يقول به ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط للتّفريق لعدم النفاق ‪ -‬عند من يقول ‪ -‬به شروط ‪ ،‬هي ‪:‬‬ ‫‪83‬‬

‫أ ‪ -‬أن يثبت إعسار الزّوج بالنّفقة ‪ ،‬وذلك بتصادقهما أو بالبيّنة ‪ ،‬وذلك في الظهر عند‬
‫الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة ‪ ،‬وهو قول آخر للشّافعيّة ‪ ،‬وهو مقابل الظهر والحنابلة فل يرد هذا الشّرط‬
‫عندهم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكون العسار أو المتناع الموجب للفرقة هو امتناع عن أق ّل النّفقة ‪ ،‬وهي نفقة‬
‫المعسرين ‪ ،‬ولو كانت الزّوجة غن ّي ًة ‪ ،‬أو الزّوج الممتنع غنيّا أيضا ‪ ،‬لنّ التّفريق إنّما يثبت‬
‫هنا ضرورة دفع الهلك عن الزّوجة ‪ ،‬وهو إنّما يتحقّق بالعجز عن نفقة المعسرين ‪ ،‬ل‬
‫النّفقة المستحقّة لها مطلقا ‪.‬‬
‫وعلى هذا فلو كان الزّوج غنيّا وامتنع عن النفاق إ ّل نفقة المعسرين ‪ -‬وهي الضّروريّ‬
‫من الطّعام والكساء ولو خشنا ‪ -‬لم يفرّق ‪.‬‬
‫ن الحياة ل تقوم‬
‫هذا والعسار والمتناع عن النفاق يشمل هنا الطّعام والكساء بالتّفاق ‪ ،‬ل ّ‬
‫بدونهما ‪.‬‬
‫ن الصحّ أنّ لها الفسخ ‪.‬‬
‫أمّا العسار بالمسكن ‪ ،‬فقد ذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫ن النّوويّ صحّح عدم الفسخ بالعسار بالدم ‪ ،‬لنّه غير‬
‫وكذلك العسار بالدم ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫ي لدامة الحياة ‪.‬‬
‫ضرور ّ‬
‫أمّا الحنابلة فعندهم في التّفريق للعسار بالمسكن وجهان ‪:‬‬
‫ن لها التّفريق به كالطّعام والكساء ‪.‬‬
‫الوّل ‪ :‬أ ّ‬
‫والثّاني ‪ :‬ل تفريق لها به ‪ ،‬لنّ البنية تقوم بدونه ‪ ،‬وهذا الوجه هو الّذي ذكره القاضي ‪.‬‬
‫وأمّا المالكيّة فل يرون التّفريق للعجز عن المسكن قولً واحدا ‪ ،‬لنّه غير ضروريّ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن ل يكون للزّوج مال ظاهر حاضر يمكنها أخذ نفقتها منه بنفسها أو بطريق‬
‫القاضي‪ ،‬وإلّ لم يكن لها التّفريق بالتّفاق ‪ ،‬فإذا كان المال غائبا ‪ ،‬فقد تقدّم الختلف فيه‬
‫على أقوال‪.‬‬
‫د ‪ -‬أن يكون امتناع الزّوج عن النّفقة الحاضرة بعد وجوبها عليه ‪ ،‬فإذا امتنع عن النّفقة‬
‫الماضية دون الحاضرة لم يكن لها الفسخ بالتّفاق ‪ ،‬لنّها دين كسائر الدّيون ‪ ،‬وليست‬
‫ضرور ّيةً للبقاء على الحياة ‪.‬‬
‫فإذا امتنع الزّوج عن النّفقة المستقبلة ‪ ،‬فقد ذهب المالكيّة إلى أنّ الزّوج إذا أراد السّفر‬
‫فعليه أن يؤمّن لزوجته نفقتها مدّة غيابه ‪ ،‬فإذا أعسر بذلك كان لها طلب الفرقة منه ‪ ،‬إلّ‬
‫أنّ بعض المالكيّة قال ‪ :‬إنّ لها المطالبة بها فقط دون التّفريق ‪ ،‬فإذا سافر ونفّذ ما عندها‬
‫من النّفقة كان لها طلب التّفريق آنئذ ‪.‬‬
‫ق للزّوجة في نفقة مستقبلة ‪ ،‬وبالتّالي فل حقّ لها في طلب‬
‫فإذا كان الزّوج مقيما فل ح ّ‬
‫التّفريق لمنعها منها ‪.‬‬
‫فإذا امتنع الزّوج عن النّفقة قبل وجوبها عليه أصلً ‪ ،‬كأن لم تخ ّل بينه وبينها ‪ ،‬أو سقط‬
‫حقّها في النّفقة كنشوزها ‪ ،‬فإنّه ل حقّ لها في طلب التّفريق لعدم الحقّ في النّفقة أصلً ‪.‬‬
‫هم – أن ل تكون قد رضيت بالمقام معه مع عسرته أو ترك إنفاقه مطلقا ‪ ،‬صراح ًة أو‬
‫ضمنا ‪ ،‬أو شرط عليها ذلك في العقد أو بعده ورضيت به ‪ ،‬فإن كان ذلك لم يكن لها حقّ‬
‫في طلب التّفريق لدى المالكيّة والحنابلة في قول ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة في قول ثان إلى أنّ لها طلب فسخ النّكاح إذا أعسر الزّوج بالنّفقة‬
‫ولو رضيت به قبل ذلك ‪ ،‬لنّ وجوب النّفقة يتجدّد في كلّ يوم ‪.‬‬
‫نوع الفرقة بالمتناع عن النفاق وطريق وقوعها ‪:‬‬
‫ن الفرقة لعدم النفاق فسخ ما دامت بحكم القاضي ‪،‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬ ‫‪84‬‬

‫فإن طلب القاضي من الزّوج طلقها فطلّقها كانت طلقا رجعيّا ما لم يبلغ الثّلث ‪ ،‬أو يكن‬
‫قبل الدّخول ‪ ،‬وإلّ فبائن ‪.‬‬
‫ق مراجعتها في العدّة عندهم ‪،‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّها طلق رجعيّ ‪ ،‬ولهذا كان للزّوج ح ّ‬
‫إلّ أنّ المالكيّة اشترطوا هنا لصحّة الرّجعة أن يجد الزّوج يسارا لنفقتها الواجبة عليه ‪،‬‬
‫وليس النّفقة الضّروريّة الّتي فرّق من أجلها ‪ ،‬فإذا راجعها دون ذلك لم تصحّ الرّجعة ‪.‬‬
‫وأمّا طريق وقوع الفرقة ‪ ،‬فقد اتّفق القائلون بالتّفريق لعدم النفاق على أنّها ل تكون بغير‬
‫القاضي ‪ ،‬ذلك أنّها فصل مجتهد فيه ‪ ،‬وما كان كذلك ل يتمّ بغير القضاء ‪ ،‬إزالةً للخلف ‪،‬‬
‫لكنّ الشّافعيّة قيّدوا ذلك بما إذا قدرت على الرّفع للقاضي ‪ ،‬فإن استقلّت بالفسخ لعدم حاكم‬
‫أو محكّم ‪ ،‬أو عجزت عن الرّفع إلى القاضي نفذ ظاهرا وباطنًا للضّرورة ‪.‬‬
‫‪ -‬وأمّا وقت القضاء بها ‪ ،‬فقد اختلفوا فيه على أقوال ‪:‬‬ ‫‪85‬‬

‫ن القاضي ينجّز الفرقة بعد ثبوت العسار بالنّفقة‬


‫فذهب الشّافعيّة في القديم إلى أ ّ‬
‫‪ -‬بالتّصادق أو البيّنة ‪ -‬دون إنظار ‪ ،‬إلّ أنّ الظهر لديهم إمهال الزّوج ثلثة أيّام ولو لم‬
‫يطلب ذلك للتّحقّق من عجزه ‪ ،‬فإنّه قد يعجز لعارض ثمّ يزول ‪ ،‬وهي مدّة قريبة يتوقّع فيها‬
‫القدرة بقرض أو غيره ‪ ،‬فإذا مضت دون القدرة ‪ ،‬فرّق القاضي عليه ‪.‬‬
‫ن الفسخ يكون على الفور عند ثبوت العسار دون إمهال كخيار‬
‫وذهب الحنابلة إلى أ ّ‬
‫ن القاضي‬
‫العيب‪ .‬وفصّل المالكيّة في ذلك ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إذا رفعت الزّوجة أمرها للقاضي ‪ ،‬فإ ّ‬
‫يسأل الزّوج ‪ ،‬فإن ادّعى العسار وأثبته تلوّم له القاضي باجتهاده ‪ ،‬فإن مضت المدّة ولم‬
‫ينفق ‪ ،‬طلّق عليه ‪ ،‬وإن لم يثبت إعساره ‪ ،‬أو ادّعى اليسار ‪ ،‬أو سكت ولم يجب بشيء ‪،‬‬
‫أمره القاضي بالنفاق أو الطّلق ‪ ،‬فإن أبى طلّق عليه حالً من غير تلوّم على المعتمد‬
‫عندهم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يطلّق عليه بعد التّلوّم أيضا ‪.‬‬
‫وهذا كلّه إذا كان الزّوج حاضرا ‪ ،‬فإن كان غائبا غيبةً قريبةً يقلّ بعدها عن عشرة أيّام ‪،‬‬
‫كتب القاضي إليه بالحضور والخيار بين النفاق أو الفراق ‪ ،‬فإن حضر واختار أحدهما‬
‫فبها‪ ،‬وإلّ طلّق عليه ‪ ،‬وكذلك إذا لم يحضر ‪ ،‬هذا إذا كان يعلم مكانه ‪ .‬فإذا كان ل يعلم‬
‫مكانه ‪ ،‬أو كان مكانه بعيدا أكثر من عشرة أيّام فإنّه يطلّق عليه فورا ‪.‬‬
‫التّفريق للغيبة والفقد والحبس ‪:‬‬
‫‪ -‬الغائب هو ‪ :‬من غادر مكانه لسفر ولم يعد إليه ‪ ،‬وحياته معلومة ‪ ،‬فإذا جهلت حياته‬ ‫‪86‬‬

‫فهو المفقود ‪ ،‬أمّا المحبوس فهو ‪ :‬من قبض عليه وأودع السّجن بسبب تهمة أو جناية أو‬
‫غير ذلك ‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء في زوجة الغائب والمفقود والمحبوس إذا طلبت التّفريق لذلك ‪ ،‬هل‬
‫تجاب إلى طلبها ؟ على أقوال بيانها فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّفريق للغيبة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في جواز التّفريق للغيبة على أقوال مبناها اختلفهم في حكم استدامة‬ ‫‪87‬‬

‫ق للزّوجة مثل ما هو حقّ للزّوج ؟‬


‫الوطء ‪ ،‬أهو ح ّ‬
‫ن دوام الوطء قضاء حقّ‬
‫فذهب الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬والحنابلة في قول القاضي ‪ ،‬إلى أ ّ‬
‫للرّجل فقط ‪ ،‬وليس للزّوجة فيه حقّ ‪ ،‬فإذا ما ترك الزّوج وطء زوجته مدّ ًة لم يكن ظالما‬
‫لها أمام القاضي ‪ ،‬سواء أكان في ذلك حاضرا أم غائباص ‪ ،‬طالت غيبته أم ل ‪ ،‬لنّ حقّها‬
‫في الوطء قضاء ينقضي بالمرّة الواحدة ‪ ،‬فإذا استوفتها لم يعد لها في الوطء حقّ في‬
‫القضاء ‪ ،‬وعلى هذا فإذا غاب الزّوج عن زوجته مدّةً ما مهما طالت ‪ ،‬وترك لها ما تنفق‬
‫ن الحنابلة في قولهم هذا قيّدوا‬
‫ق طلب التّفريق لذلك ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫منه على نفسها ‪ ،‬لم يكن لها ح ّ‬
‫عدم وجوب الوطء بعدم قصد الضرار بالزّوجة ‪ ،‬فإذا قصد بذلك الضرار بها عوقب وعزّر‬
‫‪ ،‬لختلل شرط سقوط الوجوب ‪.‬‬
‫ن استدامة الوطء واجب للزّوجة على‬
‫وذهب الحنابلة في قولهم الثّاني وهو الظهر إلى أ ّ‬
‫زوجها قضا ًء ‪ ،‬ما لم يكن بالزّوج عذر مانع من ذلك كمرض أو غيره ‪ ،‬وعلى هذا فإذا‬
‫غاب الزّوج عن زوجته مدّ ًة بغير عذر ‪ ،‬كان لها طلب التّفريق منه ‪ ،‬فإذا كان تركه بعذر لم‬
‫يكن لها ذلك ‪.‬‬
‫ن استدامة الوطء حقّ للزّوجة مطلقا ‪ ،‬وعلى ذلك فإنّ الرّجل‬
‫أمّا المالكيّة ‪ ،‬فقد ذهبوا إلى أ ّ‬
‫إذا غاب عن زوجته مدّ ًة ‪ ،‬كان لها طلب التّفريق منه ‪ ،‬سواء أكان سفره هذا لعذر أم لغير‬
‫ن حقّها في الوطء واجب مطلقا عندهم ‪.‬‬
‫عذر ‪ ،‬ل ّ‬
‫شروط التّفريق للغيبة عند من يقول بها ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط في الغيبة ليثبت التّفريق بها للزّوجة شروط ‪ ،‬وهي ‪:‬‬ ‫‪88‬‬

‫أ ‪ -‬أن تكون غيبةً طويلةً ‪ ،‬وقد اختلف الفقهاء في مدّتها ‪:‬‬


‫فذهب الحنابلة إلى أنّ الزّوج إذا غاب عن زوجته مدّة ستّة أشهر فأكثر كان لها طلب‬
‫التّفريق عليه إذا تحقّقت الشّروط الخرى ‪ ،‬وذلك استدللً بما روى أبو حفص بإسناده عن‬
‫زيد بن أسلم رضي ال عنه ‪ ،‬قال ‪ :‬إنّ عمر بن الخطّاب رضي ال تعالى عنه بينما كان‬
‫يحرس المدينة مرّ بامرأة في بيتها وهي تقول ‪:‬‬
‫تطاول هذا اللّيل واسودّ جانبه‬
‫وطال عليّ أن ل حبيب ألعبه‬
‫وواللّه لول خشية اللّه وحده‬
‫َلحُرّك من هذا السّرير جوانبه‬
‫فسأل عمر عنها فقيل له ‪ :‬هذه فلنة زوجها غائب في سبيل اللّه تعالى ‪ ،‬فأرسل إلى امرأة‬
‫تكون معها ‪ ،‬وبعث إلى زوجها فأقفله ‪ ،‬ثمّ دخل على حفصة أمّ المؤمنين رضي ال تعالى‬
‫عنها فقال ‪ :‬يا بنيّة كم تصبر المرأة عن زوجها ؟ فقالت ‪ :‬سبحان اللّه أمثلك يسأل مثلي‬
‫عن هذا ؟ فقال ‪ :‬لول أنّي أريد النّظر للمسلمين ما سألتك ‪ ،‬قالت ‪ :‬خمسة أشهر ‪ ،‬ستّة‬
‫أشهر ‪ ،‬فوقّت للنّاس في مغازيهم ستّة أشهر ‪ ،‬يسيرون شهرا ‪ ،‬ويقيمون أربعة أشهر‬
‫ويسيرون شهرا راجعين ‪.‬‬
‫ي وابن عرفة أنّ‬
‫وذهب المالكيّة في المعتمد عندهم ‪ ،‬إلى أنّها سنة فأكثر ‪ ،‬وفي قول للغريان ّ‬
‫ي منهم على الجتهاد‬
‫السّنتين والثّلث ليست بطول ‪ ،‬بل ل ب ّد من الزّيادة عليها ‪ ،‬وهذا مبن ّ‬
‫والنّظر ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن تخشى الزّوجة على نفسها الضّرر بسبب هذه الغيبة ‪ ،‬والضّرر هنا هو خشية‬
‫الوقوع في الزّنى كما نصّ عليه المالكيّة ‪ ،‬وليس اشتهاء الجماع فقط ‪ ،‬والحنابلة وإن‬
‫أطلقوا الضّرر هنا إلّ أنّهم يريدون به خشية الزّنى كالمالكيّة ‪.‬‬
‫إلّ أنّ هذا الضّرر يثبت بقول الزّوجة وحدها ‪ ،‬لنّه ل يعرف إلّ منها ‪ ،‬إلّ أن يكذّبها ظاهر‬
‫الحال ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن تكون الغيبة لغير عذر ‪ ،‬فإن كانت لعذر كالحجّ والتّجارة وطلب العلم لم يكن لها‬
‫طلب التّفريق عند الحنابلة ‪.‬‬
‫ق طلب التّفريق عندهم إذا‬
‫أمّا المالكيّة فل يشترطون ذلك كما تقدّم ‪ ،‬ولهذا يكون لها ح ّ‬
‫طالت غيبته لعذر أو غير عذر على سواء ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أن يكتب القاضي إليه بالرّجوع إليها أو نقلها إليه أو تطليقها ويمهله مدّ ًة مناسبةً ‪ ،‬إذا‬
‫كان له عنوان معروف ‪ ،‬فإن عاد إليها ‪ ،‬أو نقلها إليه أو طلّقها فبها ‪ ،‬وإن أبدى عذرا‬
‫لغيابه لم يفرّق عليه عند الحنابلة دون المالكيّة ‪ ،‬وإن أبى ذلك كلّه ‪ ،‬أو لم يردّ بشيء وقد‬
‫انقضت المدّة المضروبة ‪ ،‬أو لم يكن له عنوان معروف ‪ ،‬أو كان عنوانه ل تصل الرّسائل‬
‫إليه طلّق القاضي عليه بطلبها ‪.‬‬
‫نوع الفرقة للغيبة ‪ ،‬وطريق وقوعها ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء القائلون بالتّفريق للغيبة على أنّه ل بدّ فيها من قضاء القاضي لنّها‬ ‫‪89‬‬

‫فصل مجتهد فيه ‪ ،‬فل تنفّذ بغير قضاء ‪.‬‬


‫ونصّ الحنابلة على أنّ الفرقة للغيبة فسخ ‪ ،‬ونصّ المالكيّة على أنّها طلق ‪ ،‬وهل هي‬
‫ن إطلقاتهم تفيد أنّها طلق‬
‫طلق بائن ؟ لم نر من المالكيّة من صرّح في ذلك بشيء ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫بائن ‪ ،‬فقد جاء في رسالة ابن أبي زيد القيروانيّ قوله ‪ :‬إنّ كلّ طلق يوقعه الحاكم طلق‬
‫بائن إلّ طلق المولي وطلق المعسر بالنّفقة ‪ ،‬ثمّ إنّه طلق للضّرر – وهو بائن عندهم كما‬
‫ن الدّسوقيّ أورد الفرقة للغيبة في ضمن الكلم عن الفرقة لليلء ‪ ،‬وهي طلق‬
‫تقدّم – إلّ أ ّ‬
‫رجعيّ ‪ ،‬فاحتمل أن تكون مثلها طلقا رجعيّا ‪ ،‬إلّ أنّ الحتمال الوّل هو الرجح ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّفريق للفقد ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا غاب الزّوج عن زوجته غيبةً منقطعةً خفيت فيها أخباره ‪ ،‬وجهلت فيها حياته ‪،‬‬ ‫‪90‬‬

‫ق طلب التّفريق عليه ؟ الفقهاء في ذلك على مذاهب تقدّم بيانها في الغائب ‪،‬‬
‫فهل لزوجته ح ّ‬
‫ذلك أنّ المفقود غائب وزيادة ‪ ،‬فيكون لزوجة المفقود ما لزوجة الغائب من أمر التّفريق‬
‫عليه ‪.‬‬
‫فإذا لم تطلب زوجته المفارقة ‪ ،‬فهل تكون على زوجيّته عمرها كلّه ؟‬
‫في هذا الموضوع أحوال وشروط ‪ ،‬اتّفق الفقهاء في بعضها ‪ ،‬واختلفوا في بعضها الخر‬
‫على أقوال بيانها فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إذا كان ظاهر غيبة الزّوج السّلمة ‪ ،‬كما إذا غاب في تجارة أو طلب علم ‪ ،‬ولم يعد ‪،‬‬
‫ي في الجديد ‪ ،‬وأحمد إلى أنّه حيّ‬
‫وخفيت أخباره وانقطعت ‪ ،‬فقد ذهب أبو حنيفة ‪ ،‬والشّافع ّ‬
‫في الحكم ‪ ،‬ول تنح ّل زوجيّته حتّى يثبت موته بالبيّنة الشّرعيّة أو بموت أقرانه ‪ ،‬وهو‬
‫مذهب ابن شبرمة ‪ ،‬وابن أبي ليلى ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّ في القديم إلى أنّ الزّوجة تتربّص في هذه الحال أربع سنين من غيبته ‪ ،‬ثمّ‬
‫يحكم بوفاته ‪ ،‬فتعتدّ بأربعة أشهر وعشر ‪ ،‬وتحلّ بعدها للزواج ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وإن كان ظاهر غيبته الهلك ‪ ،‬كمن فقد بين أهله ليلً أو نهارا ‪ ،‬أو خرج إلى الصّلة‬
‫ولم يعد ‪ ،‬أو فقد في ساحة القتال ‪ ،‬فقد ذهب أحمد في الظّاهر من مذهبه ‪ ،‬والشّافعيّ في‬
‫القديم إلى أنّ زوجته تتربّص أربع سنين ‪ ،‬ث ّم يحكم بوفاته فتعتدّ بأربعة أشهر وعشر ‪ ،‬ثمّ‬
‫ي ‪ ،‬وابن عبّاس رضي ال عنهم ‪،‬‬
‫تحلّ للزواج ‪ ،‬وهو قول عمر ‪ ،‬وعثمان ‪ ،‬وعل ّ‬
‫ي في الجديد ‪ ،‬إلى أنّها ل تتزوّج حتّى يتبيّن موته‬
‫وغيرهم‪ .‬وذهب الحنفيّة ‪ ،‬والشّافع ّ‬
‫بالبيّنة أو بموت القران ‪ ،‬مهما طالت غيبته ‪ ،‬كمن غاب وظاهر غيبته السّلمة على سواء‬
‫‪.‬‬
‫ص في زوجة المفقود ‪ ،‬هو ‪:‬‬
‫وللمالكيّة تقسيم خا ّ‬
‫أنّ المفقود إمّا أن يفقد في حالة حرب أو حالة سلم ‪ ،‬وقد يكون فقده في دار السلم ‪ ،‬أو‬
‫دار الشّرك ‪ ،‬وقد يفقد في قتال بين طائفتين من المسلمين ‪ ،‬أو طائفة مسلمة وأخرى‬
‫كافرة‪ ،‬ولكلّ من هذه الحالت حكم خاصّ بها عندهم بحسب ما يلي ‪:‬‬
‫ن زوجته تؤجّل أربع سنين ‪ ،‬ثمّ تعتدّ عدّة‬
‫أ ‪ -‬فإذا فقد في حالة السّلم في دار السلم ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الوفاة ‪ ،‬ث ّم تحلّ للزواج ‪ ،‬هذا إن دامت نفقتها من ماله ‪ ،‬وإلّ طلّق عليه لعدم النّفقة ‪.‬‬
‫ن زوجته تبقى مدّة التّعمير أي‬
‫ب ‪ -‬وإذا فقد في دار الشّرك ‪ ،‬كالسير ل يعلم له خبر ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن عندها موته ‪ ،‬ثمّ تعتدّ عدّة الوفاة ‪ ،‬ثمّ تحلّ للزواج ‪،‬‬
‫موت أقرانه ‪ ،‬حيث يغلب على الظّ ّ‬
‫وقدّروا ذلك ببلوغه السّبعين من العمر ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الثّمانين ‪ ،‬وقيل غير ذلك ‪ ،‬وهذا إن دامت‬
‫نفقتها ‪ ،‬وإلّ طلقت عليه ‪.‬‬
‫صفّين‬
‫ج ‪ -‬فإن فقد في حالة حرب بين طائفتين من المسلمين ‪ ،‬فإنّها تعتدّ عقب انفصال ال ّ‬
‫وخفاء حاله ‪ ،‬وتحلّ بعدها للزواج ‪.‬‬
‫د ‪ -‬وإن كانت الحرب بين طائفة مؤمنة وأخرى كافرة ‪ ،‬فإنّه يكشف عن أمره ‪ ،‬ويسأل‬
‫عنه‪ ،‬فإن خفى حاله أجّلت زوجته سنةً ‪ ،‬ث ّم اعتدّت للوفاة ‪ ،‬ث ّم حلّت للزواج ‪.‬‬
‫نوع الفرقة للفقد ‪ ،‬وطريق وقوعها ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا لم يرفع المفقود للقاضي من قبل زوجته أو أحد ورثته أو المستحقّين في تركته ‪،‬‬ ‫‪91‬‬

‫فهو حيّ في حقّ زوجته العمر كلّه بالتّفاق ‪.‬‬


‫فإذا رفع إلى القاضي وقضى بموته ‪ ،‬بحسب ما تقدّم من الشّروط والحوال والختلف ‪،‬‬
‫انقضت الزّوجيّة حكما من تاريخ الحكم بالوفاة ‪ ،‬وبانت زوجته واعتدّت للوفاة جبرا ‪ ،‬وهي‬
‫بينونة وفاة ‪ ،‬ل بينونة طلق أو فسخ ‪.‬‬
‫هذا ول بدّ لحلول هذه الفرقة من قضاء القاضي بموته ‪ ،‬وإلّ فهي زوجته العمر كلّه ‪ ،‬وقد‬
‫ص المالكيّة على أنّه يحلّ محلّ القاضي في الحكم بالوفاة هنا عند الحاجة الوالي ‪،‬‬
‫ن ّ‬
‫وجماعة المسلمين ‪.‬‬
‫فإذا ظهر المفقود حيّا بعد الحكم بوفاته ‪ ،‬فإن كانت زوجته لم تتزوّج غيره بعد عدّتها فهي‬
‫له ‪ ،‬وإن تزوّجت غيره ‪ ،‬فإن كان الزّواج غير صحيح ‪ ،‬أو كان الزّوج الجديد يعلم بحياة‬
‫الوّل ‪ ،‬فكذلك ‪ ،‬وإن كان الزّواج صحيحا ‪ ،‬ول يعلم الزّوج الثّاني بحياة الوّل ‪ ،‬فهي للثّاني‬
‫إن دخل بها ‪ ،‬عند الجمهور ‪ ،‬وإلّ فهي للوّل أيضا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّفريق للحبس ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا حبس الزّوج مدّ ًة عن زوجته ‪ ،‬فهل لزوجته طلب التّفريق كالغائب ؟‬ ‫‪92‬‬

‫الجمهور على عدم جواز التّفريق على المحبوس مطلقا ‪ ،‬مهما طالت مدّة حبسه ‪ ،‬وسواء‬
‫أكان سبب حبسه أو مكانه معروفين أم ل ‪ ،‬أمّا عند الحنفيّة والشّافعيّة فلنّه غائب معلوم‬
‫الحياة ‪ ،‬وهم ل يقولون بالتّفريق عليه كما تقدّم ‪ ،‬وأمّا عند الحنابلة فلنّ غيابه لعذر ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى جواز التّفريق على المحبوس إذا طلبت زوجته ذلك وادّعت الضّرر ‪،‬‬
‫ن الحبس غياب ‪ ،‬وهم يقولون بالتّفريق للغيبة مع عدم‬
‫وذلك بعد سنة من حبسه ‪ ،‬ل ّ‬
‫العذر ‪ ،‬كما يقولون بها مع العذر على سواء كما تقدّم ‪.‬‬
‫التّفريق للعيب ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق فقهاء المذاهب الربعة على جواز التّفريق بين الزّوجين للعيوب ‪.‬‬ ‫‪93‬‬

‫إلّ أنّ الحنفيّة خصّوا التّفريق هذا بعيوب الزّوج دون عيوب الزّوجة ‪ ،‬وجعلوا التّفريق به‬
‫حقّا للزّوجة وحدها ‪ ،‬لمتلكه الطّلق دونها ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة فقد ذهبوا إلى جواز التّفريق لعيب الرّجل والمرأة على‬
‫ق لهما على سواء ‪.‬‬
‫سواء ‪ ،‬وأنّ التّفريق للعيب ح ّ‬
‫إلّ أنّ الفقهاء جميعا اتّفقوا على تضييق دائرة التّفريق للعيب ‪ ،‬وعدم التّوسّع فيه ‪ ،‬ثمّ‬
‫اختلفوا في العيوب المثبتة للتّفريق على أقوال ‪:‬‬
‫فذهب الشّيخان من الحنفيّة ‪ -‬أبو حنيفة وأبو يوسف ‪ -‬إلى التّفريق بالجبّ ‪ ،‬والعنّة ‪،‬‬
‫والخصاء فقط ‪ ،‬وزاد محمّد بن الحسن على ذلك ‪ :‬الجنون ‪.‬‬
‫وذهب الجمهور إلى التّفريق بعيوب اتّفقوا في بعضها ‪ ،‬واختلفوا في بعضها الخر على‬
‫أقوال ‪ ،‬وقسّموها إلى ثلثة أنواع ‪:‬‬
‫قسم منها خاصّ بالرّجال ‪ ،‬وقسم خاصّ بالنّساء ‪ ،‬وقسم مشترك بين النّساء والرّجال ‪.‬‬
‫فعند المالكيّة يفرّق بالعيوب التّالية ‪:‬‬
‫عيوب الرّجال وهي ‪ :‬الجبّ ‪ ،‬والخصاء والعنّة ‪ ،‬والعتراض ‪.‬‬
‫وعيوب النّساء هي ‪ :‬الرّتق ‪ ،‬والقرن ‪ ،‬والعفل ‪ ،‬والفضاء ‪ ،‬والبخر ‪.‬‬
‫والعيوب المشتركة هي ‪ :‬الجنون ‪ ،‬والجذام ‪ ،‬والبرص ‪ ،‬والعذيطة والخناثة المشكلة ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة يفرّق بالعيوب التّالية ‪:‬‬
‫عيوب الرّجال وهي ‪ :‬العنّة ‪ ،‬والجبّ ‪.‬‬
‫وعيوب النّساء هي ‪ :‬الرّتق ‪ ،‬والقرن ‪.‬‬
‫والعيوب المشتركة هي ‪ :‬الجنون ‪ ،‬والجذام والبرص ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة يفرّق بالعيوب التّالية ‪:‬‬
‫عيوب خاصّة بالرّجال هي ‪ :‬العنّة ‪ ،‬والجبّ ‪.‬‬
‫وعيوب خاصّة بالنّساء هي ‪ :‬الفتق ‪ ،‬والقرن ‪ ،‬والعفل ‪.‬‬
‫وعيوب مشتركة ‪ ،‬هي ‪ :‬الجنون ‪ ،‬والبرص ‪ ،‬والجذام ‪.‬‬
‫إلّ أنّ أبا بكر ‪ ،‬وأبا حفص من الحنابلة زادا على العيوب المتقدّمة استطلق البطن ‪،‬‬
‫وسلس البول ‪ ،‬وقال أبو الخطّاب ‪ :‬ويتخرّج على ذلك من به النّاسور والباسور ‪ ،‬والقروح‬
‫السّيّالة في الفرج ‪ ،‬لنّها تثير النّفرة ‪ ،‬وتعدي بنجاستها ‪ ،‬وقال أبو حفص ‪ :‬الخصاء‬
‫عيب ‪ ،‬وفي البخر والخناثة وجهان ‪.‬‬
‫‪ -‬وظاهر نصوص الفقهاء توحي بالحصر في هذه العيوب ‪ ،‬فقد جاء في المغني ‪ :‬أنّه ل‬ ‫‪94‬‬

‫يثبت الخيار لغير ما ذكرناه ‪.‬‬


‫وجاء في مغني المحتاج قوله ‪ :‬واختصار المصنّف على ما ذكر من العيوب يقتضي أنّه ل‬
‫خيار فيما عداها ‪ ،‬قال في الرّوضة ‪ :‬وهو الصّحيح الّذي قطع به الجمهور ‪.‬‬
‫وجاء في بداية المجتهد قوله ‪ :‬واختلف أصحاب مالك في العلّة الّتي من أجلها قصر الرّدّ‬
‫ن ذلك ممّا يخفى ‪،‬‬
‫على هذه العيوب الربعة ‪ ،‬فقيل ‪ :‬لنّ ذلك شرع غير معلّل ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل ّ‬
‫ومحمل سائر العيوب على أنّها ممّا ل يخفى ‪ ،‬وقيل ‪ :‬لنّها يخاف سرايتها إلى البناء ‪.‬‬
‫إلّ أنّنا إلى جانب هذه النّصوص نجد نصوصا لبعض الفقهاء تدلّ على عدم قصر الئمّة‬
‫التّفريق على العيوب المتقدّمة ‪ ،‬فيلحق بها ما يماثلها في الضّرر ‪.‬‬
‫من ذلك ما قاله ابن تيميّة في الختيارات العلميّة ‪ :‬وتردّ المرأة بكلّ عيب ينفّر عن كمال‬
‫الستمتاع ‪.‬‬
‫وما قاله ابن قيّم الجوزيّة في زاد المعاد ‪ :‬وأمّا القتصار على عيبين أو ستّة ‪ ،‬أو سبعة أو‬
‫ثمانية دون ما هو أولى منها أو مساو لها فل وجه له ‪ ،‬فالعمى والخرس والطّرش ‪،‬‬
‫وكونها مقطوعة اليدين والرّجلين أو أحدهما ‪ ،‬أو كون الرّجل كذلك من أعظم المنفّرات ‪.‬‬
‫ن كلّ عيب ينفّر الزّوج الخر منه ‪ ،‬ول يحصل به مقصود النّكاح من‬
‫وقوله ‪ :‬والقياس أ ّ‬
‫الرّحمة والمودّة يوجب الخيار ‪.‬‬
‫وما قاله الكاسانيّ ‪ :‬وقال محمّد ‪ :‬خلوّه من كلّ عيب ل يمكنها المقام معه إلّ بضرر ‪،‬‬
‫كالجنون ‪ ،‬والجذام ‪ ،‬والبرص شرط للزوم النّكاح ‪ ،‬حتّى يفسخ به النّكاح حيث جاءت هذه‬
‫العيوب بصيغة التّمثيل ‪.‬‬
‫ن نصوص الفقهاء عامّة كانت تعلّل التّفريق للعيب بالضّرر الفاحش‬
‫هذا إلى جانب أ ّ‬
‫وبالعدوى ‪ ،‬وعدم القدرة على الوطء ‪ ،‬وهو ظاهر في جواز القياس عليها ‪.‬‬
‫شروط التّفريق للعيب لدى الفقهاء ‪:‬‬
‫اختلف الفقهاء في الشّروط المثبتة للتّفريق للعيب على مذهبين ‪ ،‬وفق ما يلي ‪:‬‬
‫ن التّفريق بالعيب يشترط فيه ما يلي ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬ذهب الجمهور إلى أ ّ‬
‫أ ‪ -‬عدم الرّضا بالعيب ‪:‬‬
‫‪ -‬قبل الدّخول أو بعده ‪ ،‬في العقد أو بعده ‪ ،‬صراحةً أو دللةً ‪ ،‬فإن رضي السّليم من‬ ‫‪95‬‬

‫الزّوجين ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬رضيت بعيب الخر ‪ ،‬أو يطأها ‪ ،‬أو تمكّنه من الوطء ‪ ،‬فإنّه ل خيار‬
‫لهؤلء في الفسخ بعد ذلك ‪.‬‬
‫ن زوجته إذا رضيت‬
‫هذا مذهب الحنابلة ‪ ،‬والشّافعيّة يوافقونهم فيه إلّ في مسألة العنّين ‪ ،‬فإ ّ‬
‫بعنّته بعد الدّخول فل خيار لها عندهم خلفا للحنابلة ‪.‬‬
‫ومذهب المالكيّة يوافق مذهب الحنابلة أيضا إلّ في مسألة المعترض ‪ ،‬وهو العنّين عند‬
‫الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إذا مكّنته من التّلذّذ بها بعد علمها باعتراضه ‪ ،‬فإنّه ل يسقط‬
‫بذلك حقّها في التّفريق عند المالكيّة ‪ ،‬لحتمال أنّها كانت ترجو برأه بذلك ‪.‬‬
‫قال الدّردير في الشّرح الكبير ‪ :‬الخيار لحد الزّوجين بسبب وجود عيب من العيوب التي‬
‫بيانها ‪ ،‬إن لم يسبق العلم ‪ ،‬أو لم يرض بعيب المعيب صريحا أو التزاما حيث اطّلع ‪ ،‬إلّ‬
‫امرأة المعترض إذا علمت قبل العقد أو بعده باعتراضه ومكّنته من التّلذّذ بها ‪ ،‬فلها‬
‫الخيار ‪ ،‬حيث كانت ترجو برأه فيهما ولم يحصل ‪.‬‬
‫وهل يعدّ الرّضا بالعيب قبل النّكاح مسقطا للخيار ‪ ،‬كما لو أخبرها بعنّته فرضيت بذلك‬
‫صراحةً أو دلل ًة ؟‬
‫الجمهور على أنّ ذلك مسقط للخيار ‪ ،‬وقال الشّافعيّ في الجديد كذلك ‪ ،‬إلّ في العنّين ‪ ،‬فإنّه‬
‫قال ‪ :‬يؤجّل ‪ ،‬لنّه قد يكون عنّينا في نكاح دون نكاح ‪ ،‬ثمّ إنّ عجزه عن وطء امرأة ليس‬
‫دليلً على عجزه عن وطء غيرها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬سلمة طالب الفسخ من العيوب في الجملة ‪:‬‬
‫‪ -‬المبدأ العامّ لدى الجمهور ‪ :‬أنّه ل يشترط لطلب التّفريق بالعيب سلمة طالب التّفريق‬ ‫‪96‬‬

‫من العيوب ‪ ،‬خلفا للحنفيّة ‪ ،‬كما تقدّم ‪ ،‬إ ّل أنّهم اختلفوا في ذلك في بعض الصّور ‪ ،‬على‬
‫ما يلي ‪:‬‬
‫ي من مذهبهم ‪ -‬إلى أنّ طالب التّفريق للعيب إذا كان فيه‬
‫فذهب المالكيّة ‪ -‬فيما فصّله اللّخم ّ‬
‫ن للزّوج التّفريق دون المرأة لنّه بذل الصّداق لسالمة ‪ ،‬دونها هي ‪،‬‬
‫عيب مماثل للخر ‪ ،‬فإ ّ‬
‫قال اللّخميّ ‪ :‬وإن اطّلع كلّ واحد من الزّوجين على عيب في صاحبه ‪ ،‬فإن كانا من جنس‬
‫ن له القيام دونها ‪ ،‬لنّه بذل صداقا‬
‫واحد كجذام ‪ ،‬أو برص أو جنون صريح لم يذهب ‪ ،‬فإ ّ‬
‫لسالمة ‪ ،‬فوجدها ممّن يكون صداقها أقلّ من ذلك ‪.‬‬
‫فإذا كان عيبه من جنس آخر كان لكلّ واحد من الزّوجين طلب التّفريق مطلقا وفي قول آخر‬
‫للمالكيّة ‪ :‬له التّفريق مطلقا ‪ ،‬سواء أكان عيبه من جنس عيبه ‪ ،‬أم ل ‪ ،‬أم لم يكن معيبا ‪،‬‬
‫وهو الظهر عندهم ‪.‬‬
‫ن للمعيب أن يطلب فسخ النّكاح لعيب الخر ‪ ،‬وسواء‬
‫وذهب الشّافعيّة في الصحّ ‪ ،‬إلى أ ّ‬
‫أكان عيبه من جنس عيبه أم ل ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إن وجد به مثل عيبه من الجذام والبرص ‪ ،‬قدرا‬
‫وفحشا مثلً ‪ ،‬فل خيار له لتساويهما ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّ طالب الفسخ ‪ ،‬إذا كان معيبا بعيب من غير جنس عيب الخر ‪،‬‬
‫كالبرص يجد المرأة مجنونةً ‪ ،‬فلكلّ واحد منهما الخيار لوجود سببه ‪ ،‬إلّ أن يجد المجبوب‬
‫المرأة رتقاء ‪ ،‬فل ينبغي ثبوت الخيار لهما ‪ ،‬لنّ عيبه ليس هو المانع لصاحبه من‬
‫الستمتاع ‪.‬‬
‫فإن كان عيبه من جنس عيب صاحبه ‪ ،‬ففيه وجهان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬ل خيار لهما ‪ ،‬لنّهما متساويان ‪ ،‬ول مزيّة لحدهما على صاحبه ‪ ،‬فأشبها‬
‫الصّحيحين ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬له الخيار لوجود سببه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وهل يشترط أن يكون العيب قديما ؟‬
‫– جمهور الفقهاء متّفقون على أنّ العيب القديم السّابق على العقد ‪ ،‬والمرافق له ‪،‬‬ ‫‪97‬‬

‫والحادث بعده ‪ ،‬سواء في إثبات الخيار ‪ ،‬لنّه عقد على منفعة ‪ ،‬وحدوث العيب بها يثبت‬
‫ن بينهم نوع اختلف في بعض ذلك على ما يلي ‪:‬‬
‫الخيار كما في الجارة ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫ن العيب القديم السّابق على العقد أو المقارن له هو المثبت للخيار ‪،‬‬
‫فالمالكيّة يصرّحون بأ ّ‬
‫أمّا العيب الطّارئ على العقد ‪ ،‬فإن كان في الزّوجة لم يكن للزّوج خيار مطلقا ‪ ،‬وهو‬
‫مصيبة حلّت به ‪ ،‬وبإمكانه التّخلّص منها بالطّلق ‪ ،‬وأمّا العيب الحادث في الزّوج بعد العقد‬
‫‪ ،‬فإن كان فاحشا كثير الضّرر فإنّها تخيّر فيه ‪ ،‬لنّه ل تمكن معه العشرة ‪ ،‬وإن كان يسيرا‬
‫لم تخيّر ‪.‬‬
‫والعيوب الفاحشة عند المالكيّة هي ‪ :‬الجذام البيّن المحقّق ولو كان يسيرا ‪ ،‬والبرص‬
‫الفاحش دون اليسير ‪ ،‬والعذيطة ‪ ،‬فقد استظهر بعض المالكيّة أنّها عيب فاحش يثبت به‬
‫الخيار ‪ ،‬والعتراض ‪ ،‬والخصاء ‪ ،‬وكبر الذّكر المانع من الوطء ‪ ،‬هذا إذا حدثت قبل‬
‫الوطء‪ ،‬فإذا حدثت بعد الوطء ولو مرّةً واحدةً فل خيار ‪ ،‬إلّ أن يكون ذلك بسبب من الزّوج‬
‫ب نفسه ‪ ،‬فإن كان كذلك خيّرت الزّوجة ‪.‬‬
‫كأن ج ّ‬
‫ن العيب القديم يخيّر به مطلقا ‪ ،‬أمّا العيب الحادث بعد العقد ‪ ،‬فإن كان‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫حادثا بالزّوج ‪ ،‬كالجبّ ‪ ،‬فإنّها تخيّر به إن كان قبل الدّخول جزما ‪ ،‬وبعد الدّخول على‬
‫الصحّ‪ ،‬وذلك لحصول الضّرر به كما في العيب المقارن للعقد ‪ ،‬ول خلص لها إلّ بالفسخ ‪،‬‬
‫فتعيّن طريقا لذلك ‪ ،‬ويستوي هنا أن تجبّه هي أو غيرها ‪.‬‬
‫إلّ أنّ الشّافعيّة استثنوا من ذلك العنّين ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إن وصل إلى زوجته مرّ ًة ثمّ تعنّن ‪ ،‬لم‬
‫يكن لها خيار ‪.‬‬
‫وإن كان حادثا بالزّوجة بعد العقد ‪ ،‬ففي القول القديم ‪ :‬أنّه ل يخيّر الزّوج لتمكّنه من‬
‫الخلص منها بالطّلق ‪ ،‬بخلفها ‪.‬‬
‫وفي القول الجديد ‪ :‬أنّه يخيّر كالزّوجة ‪ ،‬لتضرّره بالعيب الطّارئ كتضرّره بالعيب القديم ‪،‬‬
‫ول معنى لمكان تخلّصه منها بالطّلق دونها ‪ ،‬لنّه سيغرم نصف الصّداق لها قبل الدّخول ‪،‬‬
‫دون الفسخ بالعيب ‪.‬‬
‫ي من الحنابلة إلى تأكيد ما تقدّم من المبدأ على إطلقه ‪ ،‬إلّ أنّ أبا بكر وابن‬
‫وذهب الخرق ّ‬
‫ن العقد يفسخ بالعيب السّابق على العقد ‪ ،‬والمرافق له ‪ ،‬دون‬
‫حامد من الحنابلة قال ‪ :‬إ ّ‬
‫ن العقد أصبح لزما ‪ ،‬فل ينفسخ ‪ ،‬فأشبه العيب الطّارئ على‬
‫العيب الطّارئ عليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫المبيع‪ ،‬واستثنى الحنابلة ‪ -‬على رواية الخرقيّ ‪ -‬العنّة ‪ ،‬فإنّ العنّين إن وصل إلى زوجته‬
‫مرّ ًة ثمّ تعنّن ‪ ،‬لم يكن لها خيار ‪.‬‬
‫د ‪ -‬التّأجيل في العيوب الّتي يرجى البرء منها ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على تأجيل العنّين سن ًة كالحنفيّة ‪ ،‬واختلفوا في‬ ‫‪98‬‬

‫باقي العيوب على ما يلي ‪:‬‬


‫فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى عدم التّأجيل فيها ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى التّأجيل فيما يرجى البرء منه ‪ ،‬فقالوا بالتّأجيل في الجنون ‪ ،‬والجذام‬
‫والبرص ‪ ،‬والرّتق ‪ ،‬والقرن ‪ ،‬والعفل ‪ ،‬والبخر ‪ ،‬فإذا كان البرء منها مرجوّا يؤجّله‬
‫القاضي بحسب ما يراه مناسبا ‪ ،‬شهرا أو شهرين ‪ ،‬ولم يحدّوا لذلك حدّا ‪ ،‬فإذا لم يكن‬
‫البرء من ذلك مرجوّا ‪ ،‬كالجبّ ‪ ،‬فرّق القاضي عليه بدون تأجيل ‪ ،‬لعدم فائدته ‪.‬‬
‫‪ -‬هم – أن يطلب أحد الزّوجين التّفريق ويثبت عيب الخر ‪ ،‬لنّ التّفريق هنا حقّه ‪،‬‬ ‫‪99‬‬

‫فإذا لم يطلبه لم يكن للقاضي التّفريق عليه جبرا ‪ ،‬وفي العنّين يجب طلب الزّوجة التّفريق‬
‫قبل ضرب المدّة وبعدها ‪.‬‬
‫قال في المغني ‪ :‬ول يفسخ حتّى تختار الفسخ ‪ ،‬وتطلبه ‪ ،‬لنّه لحقّها ‪ ،‬فل تجبر على‬
‫استيفائه كالفسخ بالعسار ‪.‬‬
‫وقال في مغني المحتاج ‪ :‬فإذا تمّت تلك السّنة المضروبة للزّوج ‪ ،‬ولم يطأ على ما يأتي ‪،‬‬
‫ولم تعتزله فيها ‪ ،‬رفعته ثانيا إليه ‪ ،‬أي القاضي ‪ ،‬فل يفسخ بل رفع ‪ ،‬إذ مدار الباب على‬
‫الدّعوى والقرار والنكار واليمين ‪ ،‬فيحتاج إلى نظر القاضي واجتهاده ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّ للتّفريق بالعيب نوعين من الشّروط ‪ ،‬الوّل عا ّم في العيوب كلّها ‪،‬‬
‫ص بعيوب معيّنة ‪ ،‬وذلك على الوجه التي ‪:‬‬
‫والثّاني خا ّ‬
‫فالشّروط العامّة عند الحنفيّة ‪ ،‬هي ‪:‬‬
‫‪ -‬أن تكون الزّوجة جاهلةً بالعيب قبل العقد ‪ ،‬ولم ترض به بعده صراح ًة أو دللةً ‪.‬‬ ‫‪100‬‬

‫وعلى هذا فلو كانت الزّوجة عالم ًة بالعيب قبل العقد لم يكن لها طلب التّفريق به لرضاها به‬
‫حكما ‪ ،‬وكذلك إذا علمت بالعيب بعد العقد فرضيت به صراحةً ‪ ،‬كأن قالت ‪ :‬رضيت بعيبه‬
‫هذا ‪ ،‬أو دلل ًة بأن مكّنته من الوطء ‪ ،‬لم يكن لها طلب التّفريق ‪ ،‬قال السّمرقنديّ في‬
‫التّحفة‪ :‬وإذا خيّرها الحاكم فوجد فيها ما يدلّ على العراض ‪ ،‬يبطل خيارها كما في خيار‬
‫المخيّرة ‪ .‬ولو علمت المرأة بالعنّة عند العقد ورضيت بالعقد ‪ ،‬فإنّه ل خيار لها ‪ ،‬كمن‬
‫اشترى عبدا وهو عالم بعيبه ‪.‬‬
‫وكذلك الحكم إذا خيّرها القاضي فاختارت المقام مع زوجها ‪ ،‬فإنّه يبطل حقّها في التّفريق ‪،‬‬
‫وليس لها خصومة أبدا في هذا النّكاح ‪ ،‬ول في غيره على الصحّ ‪ ،‬لرضاها بالعيب ‪.‬‬
‫ن التّفريق حقّها ‪ ،‬وليس للقاضي طلقها‬
‫‪ -‬أن تطلب الزّوجة إلى القاضي التّفريق ‪ ،‬ل ّ‬ ‫‪101‬‬

‫دون طلب منها ‪ .‬وطلبها هذا شرط في العنّين قبل ضرب المدّة وبعدها ‪.‬‬
‫‪ -‬أن تكون المرأة خاليةً من أيّ عيب يمنع الوطء كالرّتق والقرن ‪ ،‬فإن كانت معيبةً‬ ‫‪102‬‬

‫ن المنع من الوطء ليس من جهته‬


‫بعيب من ذلك لم يكن لها طلب التّفريق لعيب الرّجل ‪ ،‬ل ّ‬
‫فقط ‪ ،‬والمتناع قائم من جهتها على فرض سلمة الزّوج منه ‪ ،‬فكذلك مع عيبه ‪.‬‬
‫أمّا الشّروط الخاصّة بالعنّة فهي ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬العجز عن اليلج في القبل ‪ ،‬وعلى هذا فل يخرج عن العنّة باليلج في الدّبر‪.‬‬ ‫‪103‬‬

‫ب ‪ -‬العجز عن جماع زوجته نفسها ‪ ،‬فإذا قدر على وطء غيرها وعجز عن وطئها هي لم‬
‫يخرج عن العنّة في حقّها ‪ ،‬لنّ العنّة مرض نفسيّ غالبا ‪ ،‬وهو قد يختلف من امرأة إلى‬
‫أخرى ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العجز عن إيلج الحشفة كلّها ‪ ،‬فإذا كان مقطوع الحشفة لم يخرج عن العنّة إلّ‬
‫ن صاحب البحر قال ‪ :‬وينبغي الكتفاء بقدرها من مقطوعها ‪.‬‬
‫بإدخال باقي الذّكر كلّه ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫د ‪ -‬أن ل يكون قد وصل إليها مرّ ًة في هذا النّكاح قبل العنّة ‪ ،‬لنّ حقّها في رفع المر إلى‬
‫القضاء ينقضي بالمرّة الواحدة ‪.‬‬
‫فإن كان وصل إليها في نكاح سابق عليه ‪ ،‬كمن وطئها ثمّ طلّقها بائنا ‪ ،‬ثمّ عاد إليها بعقد‬
‫جديد ‪ ،‬فأصيب بالعنّة قبل الوصول إليها فيه ‪ ،‬فالصحّ ‪ :‬أنّه يسقط حقّها أيضا بذلك ‪ ،‬وفي‬
‫قول ثان ‪ :‬ل يسقط ‪.‬‬
‫ن القاضي إذا رفعته إليه طالبةً فراقه‬
‫هم – أن يؤجّله القاضي سن ًة بعد الرّفع إليه ‪ ،‬فإ ّ‬
‫لعنّته أجّله القاضي سن ًة وجوبا من تاريخ الخصومة ‪ ،‬فإذا مضت السّنة دون أن يطأها ‪،‬‬
‫وعادت إلى طلبها التّفريق أجابها القاضي وفرّق بينهما ‪.‬‬
‫وعلى هذا فل تفريق بل رفع للقاضي ‪ ،‬فل يكون التّفريق بالرّفع إلى محكّم أو غيره ‪ ،‬ول‬
‫ي السّنة‬
‫تفريق قبل مرور السّنة أيضا ‪ ،‬كما ل تفريق ما لم تعد إلى طلب الفرقة بعد مض ّ‬
‫بدون وطء ‪.‬‬
‫وأمّا الشّروط الخاصّة بالجبّ فهي ‪:‬‬
‫‪ -‬قطع الذّكر ‪ ،‬فإذا قطع الذّكر والخصيتان ثبت التّفريق من باب أولى ‪ ،‬فإذا لم يقطع‬ ‫‪104‬‬

‫الذّكر ولكنّه كان قصيرا كال ّزرّ ‪ ،‬فهو كالمجبوب في الحكم ‪ ،‬لعدم إمكان إدخال مثله في‬
‫الفرج‪ ،‬فإن كان صغيرا يمكن إدخاله في الفرج فليس بمجبوب ول تفريق ‪ ،‬وإن لم يدخل‬
‫إلى آخر الفرج ‪.‬‬
‫فإن كان مقطوع الحشفة فقط وله ما يدخله في الفرج بعدها ‪ ،‬لم يكن مجبوبا ‪ ،‬ول تفريق ‪.‬‬
‫ف ‪ 7‬وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪15‬‬ ‫ولمزيد من التّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬جبّ ج‬
‫وأمّا الشّروط الخاصّة بالخصاء ‪:‬‬
‫‪ -‬فهي الشّروط الخاصّة بالعنّة لستوائهما في الحكم عند الحنفيّة ‪ ،‬هذا إذا نزعت‬ ‫‪105‬‬

‫خصيتاه أو رضّتا أو سلّتا وعجز عن النتشار ‪ ،‬فإذا لم يعجز عن النتشار فليس خصيّا في‬
‫الحكم ‪ ،‬ول تفريق ‪.‬‬
‫طرق إثبات العيب ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا أقرّ المعيب المدّعى عليه بعيبه المدّعى به ثبت عيبه بإقراره ‪ ،‬وقضي عليه‬ ‫‪106‬‬

‫بموجبه ‪.‬‬
‫فإذا أنكر العيب وادّعى السّلمة منه ‪ ،‬فإن كان العيب ممّا يعرف بالجسّ من فوق الزار ‪،‬‬
‫كالجبّ ‪ ،‬أمر القاضي من يجسّه من الرّجال من فوق الزار ‪ ،‬وأخذ بقوله إن كان عدلً ‪،‬‬
‫لنّه إخبار ‪.‬‬
‫س أمره بالنّظر إليه ‪ ،‬وهو مباح هنا للضّرورة ‪.‬‬
‫فإن لم يعرف العيب بالج ّ‬
‫وإن كان العيب في المرأة كالقرن والرّتق ‪ ،‬أمر القاضي امرأةً تنظر إليها ‪ ،‬وثبت بقولها ما‬
‫دامت عدل ًة ‪.‬‬
‫فإن كان ل يعرف بالجسّ كالعنّة ‪ ،‬فإن قالت الزّوجة ‪ :‬إنّها بكر ‪ ،‬أريت النّساء ‪ ،‬فإن قالت‬
‫ن ظاهر الحال‬
‫امرأة ثقة ‪ -‬والمرأتان أوثق ‪ : -‬إنّها بكر ‪ ،‬فالقول قولها ‪ ،‬ويؤجّل سنةً ‪ ،‬ل ّ‬
‫شاهد لها ‪ ،‬وكذلك الحكم عند انتهاء السّنة ‪ ،‬وإن قالت المرأة الثّقة ‪ :‬إنّها ثيّب حلف‬
‫الزّوج‪ ،‬فإن حلف صدّق بيمينه ‪ ،‬ول خيار لها ‪ ،‬وإن نكل قضي عليه بالعنّة ‪ ،‬وخيّرت‬
‫المرأة بعد التّأجيل ‪.‬‬
‫وإن قالت الزّوجة ‪ :‬إنّها ثيّب ‪ ،‬حلف الزّوج ‪ ،‬فإن حلف صدّق ول خيار لها ‪ ،‬وإن نكل‬
‫قضي عليه بالعنّة وأجّلت أو خيّرت ‪.‬‬
‫فإن قالت الزّوجة ‪ :‬إنّها بكر فوجدت ثيّبا ‪ ،‬فادّعت أنّه أزال بكارتها بأصبع أو غيره ‪ ،‬صدّق‬
‫ص عليه الحنفيّة ‪.‬‬
‫الزّوج بيمينه ‪ ،‬لنّها تدّعي غير الصل هذا ما ن ّ‬
‫ن لهم في قبول قول المرأة الواحدة فيه إذا كانت‬
‫والحنابلة مثل الحنفيّة ‪ ،‬إلّ في العنّين ‪ ،‬فإ ّ‬
‫بكرا أو ثيّبا روايتين ‪:‬‬
‫ن ظاهر الحال شاهد له ‪ ،‬والثّانية ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬أنّ القول قول الزّوج مع يمينه كالحنفيّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫أنّه يخلّى معها ويقال ‪ :‬أخرج ماءك على شيء ‪ ،‬فإن أخرجه فالقول قوله ‪ ،‬لنّ العنّين‬
‫يضعف عن النزال ‪ ،‬فإن أنزل تبيّن صدقه ‪.‬‬
‫وعن أحمد رواية ثالثة ‪ :‬أنّ القول قول المرأة مع يمينها ‪ ،‬حكاها القاضي في المجرّد ‪.‬‬
‫وقد رجّح ابن قدامة الرّواية الولى ‪ ،‬وضعّف ما عداها ‪ ،‬فقال ‪ :‬والصّحيح أنّ القول قوله ‪،‬‬
‫كما لو ادّعى الوطء في اليلء ‪.‬‬
‫والشّافعيّة في هذا مع الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬إلّ في العنّين أيضا ‪ ،‬فإنّهم يرون أنّها إذا ادّعت‬
‫البكارة أريت النّساء ‪ ،‬ولم يقبل بأقلّ من أربع ‪ ،‬فإن شهدن ببكارتها فالقول قولها للظّاهر ‪،‬‬
‫وهل تحلّف ؟ وجهان ‪ ،‬رجّح في الشّرح الصّغير التّحليف ‪ ،‬وعليه أكثر علماء المذهب ‪ ،‬ما‬
‫لم يدّع الزّوج عودة البكارة إليها فإن قال ذلك وطلب يمينها ‪ ،‬حلفت روايةً واحدةً ‪.‬‬
‫فإن قالت الزّوجة ‪ :‬إنّها ثيّب وأنكرت الوطء ‪ ،‬فالقول قوله بيمينه ‪ ،‬لنّ الظّاهر له ‪ ،‬فإن‬
‫نكل حلّفت الزّوجة ‪ ،‬وفي رواية مرجوحة أنّ اليمين ل يردّ عليها ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فقد ذهبوا إلى الجسّ فيما يعرف بالجسّ ‪ ،‬فإن كان ل يعرف بالجسّ ‪ ،‬وكان‬
‫ن القول فيه قول المعيب‬
‫ممّا ل يراه الرّجال ول النّساء كالعتراض ‪ ،‬وبرص الفرج ‪ ،‬فإ ّ‬
‫بيمين ‪ ،‬وإن كان ممّا يراه الرّجال ‪ ،‬كالبرص في اليد أو الوجه في المرأة أو الرّجل على‬
‫سواء ‪ ،‬لم يثبت إلّ بشهادة رجلين ‪ ،‬فإن كان في داخل جسم المرأة دون الفرج ‪ ،‬كفى فيه‬
‫امرأتان ‪.‬‬
‫نوع الفرقة الثّابتة بالعيب وطريق وقوعها ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ الفرقة للعيب طلق بائن ‪ ،‬وذهب الشّافعيّة والحنابلة‬ ‫‪107‬‬

‫إلى أنّها فسخ وليست طلقا ‪.‬‬


‫كما ذهب الحنفيّة إلى أنّ الفرقة للعيب ل تقع بغير الرّفع إلى القاضي ثمّ القاضي يكلّف‬
‫ن الفرقة تقع باختيار‬
‫الزّوج بالطّلق ‪ ،‬فإن طلّق فبها ‪ ،‬وإ ّل طلّقها عليه ‪ ،‬وروي عنهم ‪ :‬أ ّ‬
‫الزّوجة نفسها بانتهاء المدّة المضروبة في العنّة بدون قضاء ‪ ،‬وهو ظاهر الرّواية ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى ما ذهب إليه الحنفيّة في روايتهم الثّانية ‪ ،‬إلّ أنّهم اشترطوا إذن القاضي‬
‫لها بالتّطليق إذا كان بقولها ‪ ،‬وأن يحكم به القاضي بعد ذلك رفعا للخلف ‪ ،‬والحكم هنا إنّما‬
‫هو للشهاد والتّوثيق ‪ ،‬ل لوقوع الطّلق ‪ ،‬لنّه وقع بقولها ‪.‬‬
‫وللشّافعيّة قولن ‪ ،‬الوّل ‪ :‬أنّها تستقلّ بالفسخ بعد ثبوت حقّها فيه لدى القاضي بيمينها أو‬
‫إقراره ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬ل بدّ من فسخ القاضي رفعا للخلف ‪.‬‬
‫ن الفسخ ل يتمّ إلّ بحكم القاضي ‪.‬‬
‫أمّا عند الحنابلة فإ ّ‬
‫وهل تكون الحرمة الواقعة بالتّفريق للعيب مؤبّد ًة ؟‬
‫ذهب الجمهور إلى أنّها غير مؤبّدة ‪ ،‬ولهما العود إلى الزّوجيّة ثانيةً بعقد جديد ‪.‬‬
‫وذهب أبو بكر من الحنابلة إلى أنّ الحرمة الواقعة بالتّفريق للعيب مؤبّدة ‪.‬‬
‫التّفريق لفوات الكفاءة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى العتداد بالكفاءة في الزّواج ‪ ،‬إلّ أنّهم اختلفوا فيما بينهم‬ ‫‪108‬‬

‫في اعتبارها سببا للتّفريق بين الزّوجين ‪ ،‬على تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬كفاءة ) ‪.‬‬
‫صور أخرى من التّفريق ‪:‬‬
‫ن بعضها طلق ‪ ،‬ومنها ‪:‬‬
‫‪ -‬هناك صور أخرى من التّفريق يرى بعض الفقهاء أ ّ‬ ‫‪109‬‬

‫وما بعدها ‪.‬‬ ‫‪39‬‬ ‫أ ‪ -‬التّفريق بخيار البلوغ ‪ ،‬وينظر تفصيله في مصطلح ‪ ( :‬بلوغ ) ف‬
‫‪.‬‬ ‫‪44‬‬ ‫ب ‪ -‬التّفريق لختلف الدّين ‪ ،‬وينظر تفصيله في مصطلح ‪ ( :‬ردّة ) ف‬
‫ج ‪ -‬التّفريق للّعان ‪ ،‬وينظر تفصيله في مصطلحي ‪ ( :‬فرقة ‪ ،‬ولعان ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬التّفريق لفساد عقد النّكاح أو لتخلّف الوصف المرغوب فيه ‪ ،‬وينظر تفصيله في‬
‫مصطلح ‪ ( :‬نكاح ) ‪.‬‬
‫هم – التّفريق للتّحريم الطّارئ بالرّضاع أو المصاهرة ‪ ،‬وينظر تفصيله في ‪ ( :‬رضاع ف‬
‫‪ ،27‬ومصاهرة ) ‪.‬‬
‫و ‪ -‬التّفريق لنقصان المهر ‪ ،‬وينظر تفصيله في مصطلح ‪ ( :‬مهر ) ‪.‬‬

‫طلَبُ العِلم *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الطّلب في اللّغة ‪ :‬محاولة وجدان الشّيء وأخذه ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫ول يخرج معناه الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬


‫والعلم لغةً ‪ :‬اليقين ‪ ،‬ويأتي بمعنى المعرفة ‪.‬‬
‫واصطلحا اختلفوا في تعريفه ‪ :‬فتارةً عرّفوه بأنّه معرفة الشّيء على ما هو به ‪ ،‬وهذا علم‬
‫المخلوقين ‪ ،‬وأمّا علم الخالق فهو الحاطة والخبر على ما هو به ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الجهل ‪:‬‬
‫‪ -‬الجهل لغةً ‪ :‬نقيض العلم ‪ ،‬ويطلق على السّفه والخطأ ‪ ،‬يقال جهل على غيره سفه‬ ‫‪2‬‬

‫وأخطأ ‪.‬‬
‫والجهل اصطلحا ‪ :‬هو اعتقاد الشّيء على خلف ما هو عليه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المعرفة ‪:‬‬
‫‪ -‬المعرفة لغةً ‪ :‬العلم يقال عرّفه المر ‪ :‬أعلمه إيّاه ‪ ،‬وعرّفه بيته ‪ :‬أعلمه بمكانه ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫والمعرفة اصطلحا ‪ :‬إدراك الشّيء على ما هو عليه ‪ ،‬قال صاحب التّعريفات ‪ :‬وهي‬
‫ق تعالى بالعالم دون العارف ‪.‬‬
‫مسبوقة بجهل بخلف العلم ‪ ،‬ولذلك يسمّى الح ّ‬
‫وفرّق صاحب الكلّيّات بين المعرفة والعلم بأنّ المعرفة تقال للدراك المسبوق بالعدم ‪،‬‬
‫ي ‪ ،‬ولدراك البسيط ‪.‬‬
‫ولثاني الدراكين إذا تخلّلهما عدم ‪ ،‬ولدراك الجزئ ّ‬
‫والعلم يقال لحصول صورة الشّيء عند العقل ‪ ،‬وللعتقاد الجازم المطابق الثّابت ‪ ،‬ولدراك‬
‫الكلّيّ ‪ ،‬ولدراك المركّب ‪.‬‬
‫حكم طلب العلم ‪:‬‬
‫العلم إمّا أن يكون شرعيّا ‪ ،‬وهو المستفاد من الشّرع ‪ ،‬أو غير شرعيّ ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬طلب العلوم الشّرعيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬طلب العلوم الشّرعيّة مطلوب من حيث الجملة ‪ ،‬ويختلف حكم طلبها باختلف الحاجة‬ ‫‪4‬‬

‫إليها ‪.‬‬
‫فمنها ما طلبه فرض عين ‪ ،‬وهو تعلّم المكلّف ما ل يتأدّى الواجب الّذي تعيّن عليه فعله إلّ‬
‫ي صلى‬
‫به ‪ ،‬ككيفيّة الوضوء والصّلة ونحوها ‪ ،‬وحمل عليه بعضهم حديث أنس عن النّب ّ‬
‫ال عليه وسلم ‪ » :‬طلب العلم فريضة على كلّ مسلم « ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬وهذا الحديث وإن لم يكن ثابتا فمعناه صحيح ‪.‬‬
‫ثمّ إنّ هذه الشياء ل يجب طلبها إلّ بعد وجوبها ‪ ،‬ويجب من ذلك كلّه ما يتوقّف أداء‬
‫الواجب عليه غالبا دون ما يطرأ نادرا ‪ ،‬فإن وقع وجب التّعلّم حينئذ ‪ ،‬فيجب على من أراد‬
‫البيع أن يتعلّم أحكام ما يقدم عليه من المبايعات ‪ ،‬كما يجب معرفة ما يحلّ وما يحرم من‬
‫المأكول ‪ ،‬والمشروب ‪ ،‬والملبوس ‪ ،‬ونحوها ممّا ل غنى له عنه غالبا ‪ ،‬وكذلك أحكام‬
‫عشرة النّساء إن كان له زوجة ‪ ،‬ثمّ إذا كان الواجب على الفور كان تعلّم الكيفيّة على الفور‬
‫‪ ،‬وإن كان على التّراخي كالحجّ فعلى التّراخي عند من يقول بذلك ‪.‬‬
‫ومنها ما طلبه فرض كفاية ‪ ،‬وهو تحصيل ما ل بدّ للنّاس منه في إقامة دينهم من العلوم‬
‫الشّرعيّة كحفظ القرآن ‪ ،‬والحاديث ‪ ،‬وعلومهما ‪ ،‬والصول ‪ ،‬والفقه ‪ ،‬والنّحو ‪ ،‬واللّغة ‪،‬‬
‫والتّصريف ‪ ،‬ومعرفة رواة الحديث ‪ ،‬والجماع ‪ ،‬والخلف ‪.‬‬
‫والمراد بفرض الكفاية تحصيل ذلك الشّيء من المكلّفين به أو بعضهم ‪ ،‬ويعمّ وجوبه جميع‬
‫المخاطبين به ‪ ،‬فإذا فعله من تحصل به الكفاية سقط الحرج عن الباقين ‪ ،‬وإذا قام به جمع‬
‫تحصل الكفاية ببعضهم فكلّهم سواء في حكم القيام بالفرض في الثّواب وغيره ‪ ،‬فإذا صلّى‬
‫على جنازة جمع ثمّ جمع ثمّ جمع فالكلّ يقع فرض كفاية ‪ ،‬ولو أطبقوا كلّهم على تركه أثم‬
‫كلّ من ل عذر له ممّن علم ذلك وأمكنه القيام به ‪.‬‬
‫ومنها ما طلبه نفل ‪ ،‬كالتّبحّر في أصول الدلّة ‪ ،‬والمعان فيما وراء القدر الّذي يحصل به‬
‫فرض الكفاية ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العلوم غير الشّرعيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬يعتري طلب العلوم غير الشّرعيّة الحكام التّكليفيّة الخمسة ‪ ،‬إذ منها ما طلبه فرض‬ ‫‪5‬‬

‫كفاية ‪ ،‬كالعلوم الّتي ل يستغنى عنها في قوام أمر الدّنيا ‪ ،‬كالطّبّ ‪ ،‬إذ هو ضروريّ لبقاء‬
‫ي في المعاملت ‪ ،‬وقسمة الوصايا والمواريث وغيرها ‪.‬‬
‫البدان ‪ ،‬والحساب ‪ ،‬فإنّه ضرور ّ‬
‫ومنها ما يعدّ طلبه فضيلةً وهو التّعمّق في دقائق الحساب ‪ ،‬والطّبّ ‪ ،‬وغير ذلك ممّا‬
‫يستغنى عنه ‪ ،‬ولكنّه يفيد زيادة قوّة في القدر المحتاج إليه ‪.‬‬
‫ومنها ما طلبه محرّم ‪ ،‬كطلب تعلّم السّحر والشّعوذة ‪ ،‬والتّنجيم ‪ ،‬وك ّل ما كان سببا لثارة‬
‫الشّكوك ‪ ،‬ويتفاوت في التّحريم ‪.‬‬
‫فضل طلب العلم والحثّ عليه ‪:‬‬
‫‪ -‬تكاثرت اليات والخبار والثار في الحثّ على طلب العلم وفضله ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫فمن اليات الّتي تحثّ على طلب العلم قوله تعالى ‪ { :‬فَ َل ْولَ َنفَ َر مِن ُكلّ فِرْ َق ٍة مّ ْن ُهمْ طَآ ِئ َفةٌ‬
‫لّيَ َت َفقّهُواْ فِي الدّينِ } ‪.‬‬
‫قال القرطبيّ ‪ :‬هذه الية أصل في وجوب طلب العلم ‪ ،‬وقول مجاهد وقتادة يقتضي ندب‬
‫طلب العلم والحثّ عليه دون الوجوب واللزام ‪ ،‬وإنّما لزم طلب العلم بأدلّته وهو أبين ‪.‬‬
‫ن آمَنُوا مِن ُكمْ وَالّذِينَ‬
‫ومن اليات الواردة في فضل طلب العلم قوله تعالى ‪َ { :‬يرْفَ ِع الّلهُ الّذِي َ‬
‫أُوتُوا ا ْلعِ ْلمَ دَ َرجَاتٍ } ‪.‬‬
‫ومن ذلك قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬من يرد اللّه به خيرا يفقّهه في الدّين « ‪.‬‬
‫ومن ذلك حديث أنس قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬من خرج في طلب‬
‫العلم كان في سبيل اللّه حتّى يرجع « ‪.‬‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل اللّه له به طريقا إلى‬
‫الجنّة « ‪.‬‬
‫ن تعلّمه للّه خشية ‪ ،‬وطلبه‬
‫ومن الثار قول معاذ رضي ال تعالى عنه ‪ :‬تعلّموا العلم ‪ ،‬فإ ّ‬
‫عبادة ‪ ،‬ومذاكرته تسبيح ‪ ،‬والبحث عنه جهاد ‪ ،‬وتعليمه من ل يعلمه صدقة ‪ ،‬وبذله ‪،‬‬
‫لهله قربة ‪.‬‬
‫ومن الثار في ذلك أيضا قول أبي الدّرداء رضي ال تعالى عنه ‪ :‬من رأى أنّ الغدوّ إلى‬
‫طلب العلم ليس بجهاد فقد نقص في رأيه وعقله ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬طلب العلم أفضل من النّافلة ‪.‬‬
‫وقول الشّافع ّ‬
‫قال القرطبيّ ‪ :‬طلب العلم فضيلة عظيمة ‪ ،‬ومرتبة شريفة ل يوازيها عمل ‪.‬‬
‫ترجيح طلب العلم على العبادات القاصرة على فاعلها ‪:‬‬
‫‪ -‬حكى النّوويّ اتّفاق الفقهاء على أنّ طلب العلم والشتغال به أفضل من الشتغال بنوافل‬ ‫‪7‬‬

‫الصّوم والصّلة والتّسبيح ‪ ،‬ونحو ذلك من نوافل عبادات البدن ‪.‬‬


‫فعن أبي أمامة الباهليّ رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫» فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم « ‪.‬‬
‫ي رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬العالم أعظم أجرا من الصّائم القائم الغازي في سبيل‬
‫وعن عل ّ‬
‫اللّه ‪ ،‬وعن أبي ذرّ وأبي هريرة رضي ال تعالى عنهما قال ‪ :‬باب من العلم نتعلّمه أحبّ‬
‫إلينا من ألف ركعة تطوّع ‪ ،‬ولنّ نفع العلم يعمّ صاحبه والمسلمين ‪ ،‬والنّوافل المذكورة‬
‫ن العلم مصحّح ‪ ،‬فغيره من العبادات مفتقر إليه ‪ ،‬ول ينعكس ‪ ،‬ولنّ العلم‬
‫مختصّة به ‪ ،‬ول ّ‬
‫تبقى فائدته وأثره بعد صاحبه ‪ ،‬والنّوافل تنقطع بموت صاحبها ‪.‬‬
‫كما أنّ المثابرة على طلب العلم والتّفقّه فيه ‪ ،‬وعدم الجتزاء باليسير منه يج ّر إلى العمل‬
‫به‪ ،‬ويلجئ إليه ‪ ،‬وهو معنى قول الحسن ‪ :‬كنّا نطلب العلم للدّنيا فجرّنا إلى الخرة ‪.‬‬
‫وقت طلب العلم ‪:‬‬
‫‪ -‬ليس لطلب العلم وقت محدّد ‪ ،‬بل هو مطلوب في جميع مراحل العمر ‪ ،‬لكنّ العلماء‬ ‫‪8‬‬

‫فضّلوا الطّلب في مرحلة الصّغر على غيرها من المراحل ‪ ،‬لصفاء الذّهن في تلك المرحلة‬
‫ممّا يؤدّي إلى رسوخ العلم في الذّاكرة ‪ ،‬قال العدويّ نقلً عن المناويّ ‪ :‬وهذا في الغالب ‪،‬‬
‫فقد تفقّه القفّال والقدوريّ بعد الشّيب ففاقا الشّباب ‪.‬‬
‫وأوجب الفقهاء على الباء والمّهات تعليم الصّغار ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬على الباء والمّهات تعليم أولدهم ما سيتعيّن عليهم بعد البلوغ ‪ ،‬فيعلّمه‬
‫الوليّ الطّهارة والصّلة والصّوم ونحوها ‪ ،‬ويعرّفه تحريم الزّنا واللّواط والسّرقة وشرب‬
‫المسكر والكذب والغيبة وشبهها ‪ ،‬ويعرّفه أنّ بالبلوغ يدخل في التّكليف ‪ ،‬ويعرّفه ما يبلغ‬
‫ص الشّافعيّ ‪.‬‬
‫به‪ ،‬وقيل ‪ :‬هذا التّعليم مستحبّ ‪ ،‬والصّحيح وجوبه ‪ ،‬وهو ظاهر ن ّ‬
‫سكُ ْم َوأَهْلِيكُمْ نَارا }‬
‫ن آمَنُوا قُوا أَن ُف َ‬
‫ودليل تعليم الولد الصّغار قوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫وحديث ابن عمر رضي ال تعالى عنهما عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬كلّكم‬
‫راع وكلّكم مسئول عن رعيّته « ‪.‬‬
‫ن وجوب تعليم الصّغار يبدأ بعد استكمال سبع سنين ‪ ،‬لحديث ‪:‬‬
‫وقد صرّح الفقهاء بأ ّ‬
‫» مروا أولدكم بالصّلة وهم أبناء سبع سنين ‪ ،‬واضربوهم عليها وهم أبناء عشر ‪،‬‬
‫وفرّقوا بينهم في المضاجع « ‪.‬‬
‫ن الوجوب بعد استكمال السّبع ‪ ،‬وينبغي أن يؤمر بجميع‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬الظّاهر أ ّ‬
‫المأمورات وينهى عن جميع المنهيّات ‪.‬‬
‫ل عن النّوويّ ‪ :‬يجب على الباء والمّهات تعليم أولدهم الطّهارة‬
‫وقال زكريّا النصاريّ نق ً‬
‫والصّلة والشّرائع بعد سبع سنين ‪.‬‬
‫ض العلماء على استدامة طلب العلم ولو مع التّقدّم في السّنّ ‪ ،‬أو التّقدّم في العلم ‪،‬‬
‫كما ح ّ‬
‫قيل لبن المبارك ‪ :‬إلى متى تطلب العلم ؟ قال ‪ :‬حتّى الممات إن شاء اللّه ‪.‬‬
‫ن الخطأ منه‬
‫وسئل سفيان بن عيينة ‪ :‬من أحوج النّاس إلى طلب العلم ؟ قال ‪ :‬أعلمهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫أقبح ‪.‬‬
‫الرّحلة في طلب العلم ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّحلة في طلب العلم مشروعة من حيث الجملة ‪ ،‬لما روى عمران بن حصين قال ‪:‬‬ ‫‪9‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم وعقلت ناقتي بالباب ‪ ،‬فأتاه ناس من بني تميم‬
‫» دخلت على النّب ّ‬
‫فقال‪ :‬اقبلوا البشرى يا بني تميم ‪ ،‬قالوا ‪ :‬بشّرتنا فأعطنا ‪ -‬مرّتين ‪ -‬فتغيّر وجهه ‪ ،‬ثمّ‬
‫دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال ‪ :‬اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم ‪.‬‬
‫قالوا قبلنا يا رسول اللّه ‪ ،‬قالوا ‪ :‬جئناك لنتفقّه في الدّين ‪ ،‬ولنسألك عن أوّل هذا المر ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬كان اللّه ولم يكن شيء قبله ‪ ،‬وكان عرشه على الماء ‪ ،‬ثمّ خلق السّموات والرض ‪،‬‬
‫وكتب في الذّكر كلّ شيء ‪ .‬ثمّ أتاني رجل فقال ‪ :‬يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهبت ‪ ،‬فانطلقت‬
‫‪ ،‬أطلبها ‪ ،‬فإذا السّراب ينقطع دونها ‪ ،‬وأيم اللّه فلوددت أنّها قد ذهبت ولم أقم « ‪.‬‬
‫قال ابن هبيرة ‪ :‬فيه الرّحلة في طلب العلم ‪ ،‬وجواز السّؤال عن كلّ ما ل يعلمه ‪ ،‬وجواز‬
‫العدول عن سماع العلم إلى ما يخاف فواته ‪ ،‬وجواز إيثار العلم على ذلك ‪.‬‬
‫وعن أبي أيّوب أنّه رحل إلى عقبة بن عامر فلمّا قدم مصر أخبروا عقبة فخرج إليه ‪ ،‬قال‬
‫أبو أيّوب ‪ :‬حدّثنا ما سمعته من رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في ستر المسلم ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪ » :‬من ستر مؤمنا في الدّنيا على خزية‬
‫ستره اللّه يوم القيامة « فأتى أبو أيّوب راحلته فركبها وانصرف إلى المدينة وما حلّ رحله‬
‫‪.‬‬
‫و سئل المام أح مد ‪ :‬ترى الرّ جل أن ير حل لطلب العلم ؟ قال ‪ :‬ن عم ‪ ،‬ر حل أ صحاب ر سول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم ومن بعدهم ‪.‬‬
‫وقال سعيد بن المسيّب ‪ :‬إن كنت لسافر مسيرة اللّيالي واليّام في الحديث الواحد ‪.‬‬
‫وقال الشّعبيّ ‪ :‬لو أ نّ رجلً سافر من أقصى الشّام إلى أقصى اليمن فسمع كلمةً تنفعه فيما‬
‫يستقبل من أمره ما رأيت سفره ضاع ‪.‬‬
‫قال الحطّاب ‪ :‬يجب الهروب من بلد ل علم فيه إلى بلد فيه العلم ‪.‬‬
‫استئذان البوين لطلب العلم ‪:‬‬
‫‪ -‬أجاز الفقهاء الخروج لطلب العلم بغير إذن الوالدين من حيث الجملة ‪.‬‬ ‫‪10‬‬

‫ولهم في ذلك تفصيلت نذكرها فيما يلي ‪:‬‬


‫فرّق الحنفيّة في الخروج لطلب العلم والتّفقّه بين خوف الهلك بسبب هذا الخروج ‪ ،‬وعدم‬
‫خوف الهلك ‪.‬‬
‫فإن كان ل يخاف عليه الهلك كان خروجه لطلب العلم بمنزلة السّفر للتّجارة ‪ ،‬ويختلف‬
‫حكم السّفر للتّجارة بين الخوف من الضّيعة على البوين وعدمه ‪ ،‬فإن كان يخاف الضّيعة‬
‫على أبويه بأن كانا معسرين ‪ ،‬ونفقتهما عليه ‪ ،‬وما له ل يفي بالزّاد والرّاحلة ونفقتهما ‪،‬‬
‫فإنّه ل يخرج بغير إذنهما ‪ ،‬وإن كان ل يخاف الضّيعة عليهما بأن كانا موسرين ولم تكن‬
‫نفقتهما عليه كان له أن يخرج بغير إذنهما ‪.‬‬
‫وإن كان يخاف عليه الهلك بسبب خروجه لطلب العلم كان بمنزلة خروجه للجهاد ‪ ،‬فل‬
‫يباح له الخروج إن كره الوالدان أو أحدهما خروجه ‪ ،‬سواء كان يخاف عليهما الضّيعة أو‬
‫ل يخاف عليهما الضّيعة ‪.‬‬
‫ولو كان عنده أولد فإن قدر على التّعلّم وحفظ العيال فالجمع بينهما أفضل ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ للبوين منع ولدهما من الخروج لطلب العلم إن كان في سفره خطر‬
‫‪ .‬قال الدّسوقيّ ‪ :‬فروض الكفاية كالعلم الزّائد على الحاجة ‪ ،‬كالتّجارة ‪ ،‬فلهما منعه من‬
‫السّفر لتحصيله إذا كان ليس في بلدهما من يفيده حيث كان السّفر في البحر أو الب ّر خطرا‬
‫وإلّ فل منع ‪.‬‬
‫وصرّح العدويّ ‪ :‬بأنّ للولد أن يخرج بغير إذن والديه لطلب العلم الكفائيّ إن لم يكن في‬
‫بلده من يفيده إيّاه بشرط أن يرجى أن يكون أهلً ‪ ،‬فإن كان في بلده من يفيده إيّاه فل‬
‫يخرج إلّ بإذنهما ‪.‬‬
‫وأجاز الشّافعيّة السّفر لتعلّم الفرض وكلّ واجب عينيّ ‪ ،‬ولو كان وقته متّسعا وإن لم يأذن‬
‫البوان ‪ ،‬كما أجازوا السّفر لطلب الفرض الكفائيّ ‪ ،‬كدرجة الفتوى ‪ ،‬وإن لم يأذن أبواه ‪،‬‬
‫على أن يكون السّفر آمنا أو قليل الخطر ‪ ،‬ولم يجد ببلده من يصلح لكمال ما يريده ‪ ،‬أو‬
‫رجا بغربته زيادة فراغ ‪ ،‬أو إرشاد أستاذ ‪ ،‬ويشترط لخروجه لفرض الكفاية أن يكون‬
‫رشيدا ‪ ،‬ولو لزمته كفاية أصله احتاج لذنه ‪ ،‬إن لم ينب من يمونه من مال حاضر ‪ ،‬ومثله‬
‫الفرع لو لزمت أصله مؤنته امتنع سفر الصل إلّ بإذن فرعه إن لم ينب ‪.‬‬
‫ومذهب الحنابلة في ذلك كمذهب الشّافعيّة حيث صرّحوا بأنّه ل طاعة للوالدين في ترك تعلّم‬
‫علم واجب يقوم به دينه من طهارة وصلة وصيام ‪ ،‬وإن لم يحصل ما وجب عليه من العلم‬
‫ببلده فله السّفر لطلبه بل إذن أبويه ‪.‬‬
‫آداب طلب العلم ‪:‬‬
‫‪ -‬لطلب العلم آداب كثيرة ينبغي مراعاتها حتّى يكون الطّلب في أفضل صورة وتكون‬ ‫‪11‬‬

‫الفادة منه أكبر ‪ ،‬وهذه الداب بعضها يرجع إلى المعلّم ‪ ،‬وبعضها يرجع إلى طالب العلم ‪،‬‬
‫وبعضها مشترك بينهما ‪.‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬آداب المعلّم ‪:‬‬
‫وهي إمّا آداب في المعلّم نفسه ‪ ،‬أو في درسه ‪ ،‬أو مع طلبته ‪.‬‬
‫أمّا آدابه في نفسه فهي ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬دوام مراقبة اللّه تعالى في السّ ّر والعلن ‪ ،‬والمحافظة على خوفه من اللّه في‬ ‫‪12‬‬

‫جميع أفعاله وأقواله ‪ ،‬فإنّه أمين على ما أودع من العلوم ‪.‬‬


‫قال الشّافعيّ ‪ :‬ليس العلم ما حفظ ‪ ،‬العلم ما نفع ‪ ،‬ومن ذلك دوام الخشوع والتّواضع للّه‬
‫تعالى ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يصون العلم ويقوم له بما جعله اللّه تعالى له من العزّة والشّرف ‪ ،‬فل يذلّه بذهابه‬
‫ومشيه إلى غير أهله من أبناء الدّنيا من غير ضرورة أو حاجة ‪ ،‬أو إلى من يتعلّم العلم من‬
‫أبناء الدّنيا ‪ ،‬وإن عظم شأنه وكبر قدره ‪.‬‬
‫قال الزّهريّ ‪ :‬هوان العلم أن يحمله العالم إلى بيت المتعلّم ‪ ،‬فإن دعت حاجة إلى ذلك أو‬
‫ضرورة أو اقتضته مصلحة دينيّة راجحة على مفسدة بذله وحسنت فيه نيّة صالحة فل بأس‬
‫به ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن يتخلّق بالزّهد في الدّنيا ‪ ،‬والتّقلّل منها بقدر المكان الّذي ل يض ّر بنفسه أو بعياله‬
‫‪.‬‬
‫د ‪ -‬أن ينزّه علمه عن جعله سلّما يتوصّل به إلى الغراض الدّنيويّة ‪ ،‬من جاه أو مال ‪ ،‬أو‬
‫سمعة أو شهرة ‪ ،‬أو خدمة ‪ ،‬أو تقدّم على أقرانه ‪.‬‬
‫هم – أن يتنزّه عن دنيء المكاسب ورذيلها طبعا ‪ ،‬وعن مكروهها عادةً وشرعا ‪ ،‬وكذلك‬
‫يتجنّب مواضع التّهم وإن بعدت ‪.‬‬
‫و ‪ -‬أن يحافظ على القيام بشعائر السلم وظواهر الحكام ‪ ،‬كإمامة الصّلة في المساجد‬
‫للجماعات ‪ ،‬والمر بالمعروف ‪ ،‬والنّهي عن المنكر ‪ ،‬والصّبر على الذى بسبب ذلك ‪،‬‬
‫ق عند السّلطين باذ ًل نفسه للّه ‪ ،‬وكذلك القيام بإظهار السّنن ‪ ،‬وإخماد البدع ‪،‬‬
‫صادعا بالح ّ‬
‫والقيام للّه في أمور الدّين وما فيه مصالح المسلمين على الطّريق المشروع ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬أن يحافظ على المندوبات الشّرعيّة القوليّة والفعليّة ‪ ،‬فيلزم تلوة القرآن ‪ ،‬وذكر اللّه‬
‫تعالى بالقلب واللّسان ‪ ،‬ونوافل العبادات من الصّلة والصّيام وحجّ البيت الحرام ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬أن يديم الحرص على الزدياد من طلب العلم والشتغال به ‪ ،‬وأن ل يستنكف أن‬
‫يستفيد ما ل يعلمه ممّن هو دونه ‪ ،‬قال سعيد بن جبير ‪ :‬ل يزال الرّجل عالما ما تعلّم ‪ ،‬فإذا‬
‫ترك العلم وظنّ أنّه قد استغنى واكتفى بما عنده فهو أجهل ما يكون ‪ ،‬وأن يشتغل‬
‫بالتّصنيف والجمع والتّأليف لكن مع تمام الفضيلة وكمال الهليّة ‪.‬‬
‫وآداب المعلّم في درسه هي ‪:‬‬
‫‪ -‬أن يتطهّر من الحدث والخبث ويتنظّف ويتطيّب ويلبس من أحسن ثيابه إذا جلس‬ ‫‪13‬‬

‫للتّدريس ‪ ،‬وأن يجلس بارزا لجميع الحاضرين ‪ ،‬ويوقّر فاضلهم ‪ ،‬ويتلطّف بالباقين ‪،‬‬
‫ويكرمهم بحسن السّلم ‪ ،‬وطلقة الوجه ‪.‬‬
‫وأن يقدم على الشّروع في البحث والتّدريس قراءة شيء من كتاب اللّه تعالى تبرّكا وتيمّنا‬
‫‪ .‬وإذا تعدّدت الدّروس قدّم الشرف فالشرف ‪ ،‬والهمّ فالهمّ ‪ ،‬ول يذكر شبهةً في الدّين‬
‫في درس ويؤخّر الجواب عنها إلى درس آخر ‪ ،‬بل يذكرهما جميعا أو يدعهما جميعا ‪،‬‬
‫وينبغي أن ل يطيل الدّرس تطويلً يم ّل ‪ ،‬ول يقصّره تقصيرا يخلّ ‪.‬‬
‫وأن يصون مجلسه عن اللّغط وعن رفع الصوات ‪.‬‬
‫وأن يلزم النصاف في بحثه وخطابه ‪.‬‬
‫وأن ل ينتصب للتّدريس إذا لم يكن أهلً له ‪.‬‬
‫وآداب المعلّم مع طلبته هي ‪:‬‬
‫‪ -‬أن يقصد بتعليمهم وتهذيبهم وجه اللّه تعالى ‪ ،‬ونشر العلم ‪ ،‬وإحياء الشّرع ‪.‬‬ ‫‪14‬‬

‫ن حسن النّيّة مرجوّ له ببركة العلم ‪،‬‬


‫وأن ل يمتنع من تعليم الطّالب ‪ ،‬لعدم خلوص نيّته ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن إخلص النّيّة لو‬
‫قال بعض السّلف ‪ :‬طلبنا العلم لغير اللّه ‪ ،‬فأبى أن يكون إلّ للّه ‪ ،‬ول ّ‬
‫شرط في تعليم المبتدئين فيه مع عسره على كثير منهم لدّى ذلك إلى تفويت العلم على‬
‫كثير من النّاس ‪ ،‬لكنّ الشّيخ يحرّض المبتدئ على حسن النّيّة بالتّدريج ‪.‬‬
‫وأن يرغّب الطّالب في العلم وطلبه في أكثر الوقات ‪.‬‬
‫وأن يتلطّف في تفهيمه ‪ ،‬ل سيّما إذا كان أهلً لذلك ‪ ،‬ويحرّضه على طلب الفوائد ‪ ،‬وحفظ‬
‫الفرائد ول يدّخر عنه من أنواع العلوم ما يسأله عنه وهو أهل له ‪ ،‬وكذلك ل يلقي إليه من‬
‫العلم ما لم يتأهّل له ‪ ،‬لنّ ذلك يبدّد ذهنه ويفرّق فهمه ‪.‬‬
‫وأن يحرص على تعليم الطّالب وتفهيمه ببذل جهده ‪ ،‬وتقريب المعنى له ‪.‬‬
‫وإذا سلك الطّالب في التّحصيل فوق ما يقتضيه حاله وخاف المعلّم ضجره أوصاه بالرّفق‬
‫بنفسه ‪ ،‬والناة ‪ ،‬والقتصاد في الجتهاد ‪ ،‬وكذلك إذا ظهر له منه نوع سآمة أو ضجر‬
‫أمره بالرّاحة وتخفيف الشتغال ‪.‬‬
‫وأن ل يظهر للطّلبة تفضيل بعضهم على بعض مع تساويهم في الصّفات ‪ ،‬فإنّ ذلك ربّما‬
‫يوحش صدورهم وينفّر قلوبهم ‪.‬‬
‫وأن يسعى في مصالح الطّلبة وجمع قلوبهم ومساعدتهم بما يتيسّر عليه ‪ ،‬وإذا غاب بعض‬
‫الطّلبة زائدا عن العادة سأل عنه ‪ ،‬فإن لم يخبر عنه بشيء أرسل إليه ‪ ،‬أو قصد منزله‬
‫بنفسه ‪ ،‬وهو أفضل ‪.‬‬
‫وأن يتواضع مع الطّالب وكلّ مسترشد سائل ففي الحديث ‪ » :‬لينوا لمن تعلّمون ولمن‬
‫تتعلّمون منه « ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬آداب المتعلّم ‪:‬‬
‫وهي إمّا آداب في نفسه ‪ ،‬أو مع معلّمه أو في درسه ‪.‬‬
‫آدابه في نفسه ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬أن يطهّر قلبه ليصلح بذلك لقبول العلم وحفظه ‪ ،‬وأن يطلب العلم يقصد به وجه‬ ‫‪15‬‬

‫ن العلم‬
‫اللّه تعالى والعمل به ‪ ،‬وإحياء الشّريعة ‪ ،‬ول يقصد به الغراض الدّنيويّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫عبادة‪ ،‬فإن خلصت فيه النّيّة قبل ونمت بركته ‪ ،‬وإن قصد به غير وجه اللّه تعالى حبط‬
‫وخسرت صفقته ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يبادر شبابه وأوقات عمره إلى التّحصيل ‪ ،‬وأن يقنع من القوت بما تيسّر وإن كان‬
‫يسيرا ‪ ،‬ومن اللّباس بما يستر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن يقسم أوقات ليله ونهاره ويستفيد منها ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أن يقلّل نومه ‪ ،‬ما لم يلحقه ضرر في بدنه وذهنه ‪ ،‬ول بأس أن يريح نفسه وقلبه‬
‫وذهنه إذا كلّ شيء من ذلك أو ضعف ‪ ،‬وأن يأخذ نفسه بالورع في جميع شأنه ويتحرّى‬
‫الحلل في طعامه وشرابه ولباسه ومسكنه ‪.‬‬
‫آداب المتعلّم مع معلّمه ‪:‬‬
‫ن العلم ‪ ،‬كما قال بعض‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬ينبغي للطّالب أن يستخير اللّه في من يأخذ العلم عنه ‪ ،‬ل ّ‬ ‫‪16‬‬

‫السّلف ‪ :‬هذا العلم دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم ‪.‬‬


‫ب ‪ -‬أن ينقاد لمعلّمه في أموره ‪ ،‬ويتحرّى رضاه فيما يعتمد ويبالغ في حرمته ‪ ،‬ويتقرّب‬
‫إلى اللّه تعالى بخدمته ‪ ،‬ويعلم أنّ تواضعه لمعلّمه عزّ ‪ ،‬فقد أخذ ابن عبّاس مع نسبه‬
‫وعلمه بركاب زيد بن ثابت رضي ال عنهم وقال ‪ :‬هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا ‪ ،‬وأن ل‬
‫يخاطب شيخه بتاء الخطاب وكافه ‪ ،‬ول يناديه من بعد ‪ ،‬بل يقول يا أستاذي ‪ ،‬ويا شيخي ‪،‬‬
‫وأن يدعو له مدّة حياته ويرعى ذرّيّته وأقاربه بعد وفاته ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه أو سوء خلق ‪ ،‬ول يصدّه ذلك عن ملزمته‬
‫ن الصّواب خلفها ‪ ،‬ويبدأ هو عند جفوة الشّيخ‬
‫وحسن عقيدته ‪ ،‬ويتأوّل أفعاله الّتي يظهر أ ّ‬
‫ن ذلك أبقى لمودّة شيخه وأنفع للطّالب ‪.‬‬
‫بالعتذار ‪ ،‬فإ ّ‬
‫د ‪ -‬أن يجلس بين يدي المعلّم جلسة الدب ‪ ،‬ويصغي إليه ‪ ،‬وأن يحسن خطابه معه ‪ ،‬وأن‬
‫ل يسبق إلى شرح مسألة أو جواب ‪ ،‬ول يقطع على المعلّم كلمه ‪ ،‬ويتخلّق بمحاسن‬
‫الخلق بين يديه ‪.‬‬
‫آداب المتعلّم في درسه ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬أن يبدأ أ ّولً بكتاب اللّه العزيز فيتقنه حفظا ‪ ،‬ويجتهد في إتقان تفسيره وسائر‬ ‫‪17‬‬

‫علومه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن ل يشتغل في أوّل أمره بمسائل الختلف بين العلماء فإنّه يحيّر الذّهن ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن يصحّح ما يقرؤه قبل حفظه تصحيحا متقنا ‪ ،‬إمّا على معلّمه أو على غيره من أهل‬
‫العلم ‪ ،‬ث ّم يحفظه بعد ذلك ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أن يلزم معلّمه في التّدريس والقراء ‪ ،‬بل وجميع مجالسه إذا أمكن ‪ ،‬فإنّه ل يزيده إلّ‬
‫خيرا وتحصيلً ‪.‬‬
‫هم ‪ -‬أن يتأدّب مع حاضري مجلس المعلّم فإنّه أدب معه واحترام لمجلسه ‪.‬‬
‫و ‪ -‬أن ل يستحي من سؤال ما أشكل عليه ويتفهّم ما لم يتعقّله بتلطّف وحسن خطاب‬
‫وأدب‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬الداب المشتركة بين المعلّم والمتعلّم ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬ينبغي لكلّ واحد منهما أن ل يخلّ بوظيفته لطروء فرض خفيف ونحوه ممّا يمكن‬ ‫‪18‬‬

‫معه الشتغال ‪ ،‬وأن ل يسأل أحدا تعنّتا وتعجيزا ‪ ،‬ففي الحديث ‪ :‬نهى عن الغلوطات ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يعتني كلّ واحد منهما بتحصيل الكتب شرا ًء واستعار ًة ‪ ،‬فإن استعاره لم يبطئ به‬
‫ل يمتنع من‬
‫ل يفوت النتفاع به على صاحبه ‪ ،‬ولئلّ يكسل عن تحصيل الفائدة منه ‪ ،‬ولئ ّ‬
‫لئ ّ‬
‫إعارته غيره ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬والمختار استحباب العارة لمن ل ضرر عليه في ذلك ‪ ،‬لنّه إعانة على العلم‬
‫مع ما في مطلق العاريّة من الفضل ‪ ،‬ويستحبّ شكر المعير لحسانه ‪.‬‬

‫طُلُوع *‬
‫انظر ‪ :‬أوقات الصّلة ‪ ،‬صوم‬

‫ط َم ْأنِينَة *‬
‫ُ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الطّمأنينة لغ ًة ‪ :‬السّكون ‪ ،‬يقال ‪ :‬اطمأنّ الرّجل اطمئنانا وطمأنينةً ‪ :‬أي سكن ‪ ،‬واطمأنّ‬ ‫‪1‬‬

‫القلب ‪ :‬إذا سكن ولم يقلق ‪.‬‬


‫طمَئِنّ َقلْبِي } أي ليسكن إلى المعاينة بعد اليمان بالغيب ‪،‬‬
‫ومنه قوله تعالى ‪ { :‬وَلَمكِن لّ َي ْ‬
‫طمَأْنَن ُتمْ فَأَقِيمُواْ الصّلَةَ } أي إذا سكنت قلوبكم ‪.‬‬
‫وقوله تعالى ‪ { :‬فَإِذَا ا ْ‬
‫وفي المصباح المنير ‪ :‬اطمأ نّ بالموضع أقام به واتّخذه وطنا ‪ ،‬وموضع مطمئ نّ منخفض ‪.‬‬
‫والطّمأنينة اصطلحا ‪ :‬هي استقرار العضاء زمنا ما ‪.‬‬
‫وللفقهاء تفصيل في حدّ هذا الزّمن سيأتي بيانه في الحكم الجماليّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫التّعديل ‪:‬‬
‫‪ -‬التّعديل في اللّغة ‪ :‬إقامة الحكم ‪ ،‬والتّزكية ‪ ،‬وتسوية الميزان ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫واصطلحا ‪ :‬استعمل الحنفيّة التّعديل بمعنى الطّمأنينة ‪ ،‬فيعدّون من واجبات الصّلة تعديل‬
‫ن المفاصل ‪.‬‬
‫الركان ‪ ،‬ويقصدون بذلك تسكين الجوارح في الرّكوع والسّجود حتّى تطمئ ّ‬
‫فالتّعديل بهذا المعنى مرادف للطّمأنينة ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم الطّمأنينة في الصّلة ‪ ،‬فذهب الشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف‬ ‫‪3‬‬

‫من الحنفيّة وابن الحاجب من المالكيّة إلى أنّ الطّمأنينة ركن من أركان الصّلة ‪ ،‬لحديث‬
‫المسيء صلته وهو ‪ » :‬أنّ رجلً دخل المسجد فصلّى ثمّ جاء فسلّم على النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم فر ّد عليه ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬ارجع فصلّ فإنّك لم تصلّ ‪ ،‬فعل ذلك ثلثا ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬والّذي‬
‫ق ما أحسن غيره ‪ ،‬فعلّمني ‪ ،‬فقال ‪ :‬إذا قمت إلى الصّلة فكبّر ‪ ،‬ثمّ اقرأ ما تيسّر‬
‫بعثك بالح ّ‬
‫معك من القرآن ‪ ،‬ثمّ اركع حتّى تطمئنّ راكعا ‪ ،‬ثمّ ارفع حتّى تعتدل قائما ‪ ،‬ثمّ اسجد حتّى‬
‫تطمئنّ ساجدا ‪ ،‬ثمّ ارفع حتّى تطمئنّ جالسا ‪ ،‬ثمّ اسجد حتّى تطمئنّ ساجدا ‪ ،‬ثمّ افعل ذلك‬
‫في صلتك كلّها « ‪.‬‬
‫ومحلّ الطّمأنينة عندهم ‪ :‬في الرّكوع ‪ ،‬والسّجود ‪ ،‬والعتدال من الرّكوع ‪ ،‬والجلوس بين‬
‫السّجدتين ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة ‪ -‬عدا أبي يوسف ‪ -‬إلى أنّ الطّمأنينة واجبة وليست بفرض ويسمّونها‬
‫" تعديل الركان " وهي سنّة في تخريج الجرجانيّ ‪ ،‬والصّحيح الوجوب ‪ ،‬وهو تخريج‬
‫الكرخيّ ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬حتّى تجب سجدتا السّهو بتركه ‪ ،‬كذا في الهداية وجزم به في الكنز‬
‫والوقاية والملتقى وهو مقتضى الدلّة ‪.‬‬
‫ومحلّ التّعديل عندهم في الرّكوع والسّجود ‪ ،‬واختار بعض الحنفيّة وجوب التّعديل في الرّفع‬
‫من الرّكوع ‪ ،‬والجلوس بين السّجدتين أيضا ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬الصحّ روايةً ودرايةً وجوب تعديل الركان ‪ ،‬وأمّا القومة والجلسة‬
‫وتعديلهما فالمشهور في المذهب السّنّيّة ‪ ،‬وروي وجوبها وهو الموافق للدلّة وعليه الكمال‬
‫ومن بعده من المتأخّرين ‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف ‪ :‬بفرضيّة الكلّ ‪ ،‬واختاره في المجمع والعين ‪ ،‬ورواه الطّحاويّ عن أئمّة‬
‫الحنفيّة الثّلثة ‪ ،‬وقال في الفيض ‪ :‬إنّه الحوط ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة في الطّمأنينة خلف ‪.‬‬
‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬القول بفرضيّتها صحّحه ابن الحاجب والمشهور من المذهب أنّها سنّة ‪،‬‬
‫ي ‪ :‬من ترك الطّمأنينة أعاد في الوقت على المشهور وقيل ‪ :‬إنّها‬
‫ولذا قال زرّوق والبنّان ّ‬
‫فضيلة ‪.‬‬
‫أقلّ الطّمأنينة ‪:‬‬
‫ن أقلّ الطّمأنينة هو‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ - :‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫سكون العضاء ‪.‬‬


‫قال المالكيّة ‪ :‬أقلّها ذهاب حركة العضاء زمنا يسيرا ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬أقلّها أن يمكث المصلّي حتّى تستقرّ أعضاؤه وتنفصل حركة هويّه عن‬
‫ارتفاعه ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬ولو زاد في الهويّ ثمّ ارتفع والحركات متّصلة ولم يلبث لم تحصل‬
‫الطّمأنينة ‪ ،‬ول يقوم زيادة الهويّ مقام الطّمأنينة بل خلف ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬أقلّها حصول السّكون وإن قلّ ‪ ،‬وهذا على الصّحيح من المذهب ‪ ،‬وقيل ‪:‬‬
‫هي بقدر الذّكر الواجب ‪ ،‬قال المرداويّ ‪ :‬وفائدة الوجهين ‪ :‬إذا نسي التّسبيح في ركوعه ‪،‬‬
‫أو في سجوده ‪ ،‬أو التّحميد في اعتداله ‪ ،‬أو سؤال المغفرة في جلوسه أو عجز عنه لعجمة‬
‫أو خرس ‪ ،‬أو تعمّد تركه ‪ ،‬وقلنا ‪ :‬هو سنّة ‪ ،‬واطمأنّ قدرا ل يتّسع له فصلته صحيحة‬
‫على الوجه الوّل ‪ ،‬ول تصحّ على الثّاني ‪.‬‬
‫ن أقلّ الطّمأنينة هو تسكين الجوارح قدر تسبيحة ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬صلة ) ‪.‬‬

‫طمْث *‬
‫َ‬
‫انظر ‪ :‬حيض ‪.‬‬

‫طهارة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ضمّ‬
‫‪ -‬الطّهارة في اللّغة ‪ :‬النّظافة ‪ ،‬يقال ‪ :‬طهر الشّيء بفتح الهاء وضمّها يطهر بال ّ‬ ‫‪1‬‬

‫ضمّ ‪ ،‬وطهّره تطهيرا ‪ ،‬وتطهّر بالماء ‪ ،‬وهم قوم‬


‫طهارةً فيهما ‪ ،‬والسم ‪ :‬الطّهر بال ّ‬
‫يتطهّرون أي ‪ :‬يتنزّهون من الدناس ‪ ،‬ورجل طاهر الثّياب ‪ ،‬أي ‪ :‬منزّه ‪.‬‬
‫وفي الشّرع ‪ :‬هي عبارة عن غسل أعضاء مخصوصة بصفة مخصوصة ‪.‬‬
‫وعرفت أيضا بأنّها ‪ :‬زوال حدث أو خبث ‪ ،‬أو رفع الحدث أو إزالة النّجس ‪ ،‬أو ما في‬
‫معناهما أو على صورتهما ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إنّها صفة حكميّة توجب للموصوف بها جواز استباحة الصّلة به ‪ ،‬أو فيه ‪،‬‬
‫أو له ‪ .‬فالوّلن يرجعان للثّوب والمكان ‪ ،‬والخير للشّخص ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الغسل ‪:‬‬
‫ضمّ ‪ :‬اسم من الغَسل ‪ -‬بالفتح ‪ -‬ومن‬
‫‪ -‬الغَسل بالفتح ‪ :‬مصدر غسل ‪ ،‬والغُسل بال ّ‬ ‫‪2‬‬

‫الغتسال ‪ ،‬وأكثر ما يستعمله الفقهاء من الغتسال ‪.‬‬


‫ويعرّفونه لغةً ‪ :‬بأنّه سيلن الماء على الشّيء مطلقا ‪.‬‬
‫وشرعًا ‪ :‬بأنّه سيلنه على جميع البدن بنيّة ‪.‬‬
‫والطّهارة أعمّ من الغسل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّيمّم ‪:‬‬
‫‪ -‬التّيمّم في اللّغة ‪ :‬مطلق القصد ‪ ،‬وفي الشّرع ‪ :‬قصد الصّعيد الطّاهر واستعماله بصفة‬ ‫‪3‬‬

‫مخصوصة لزالة الحدث ‪.‬‬


‫ص من الطّهارة ‪.‬‬
‫والتّيمّم أخ ّ‬
‫ج ‪ -‬الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬الوضوء بضمّ الواو ‪ :‬اسم للفعل ‪ ،‬وهو ‪ :‬استعمال الماء في أعضاء مخصوصة ‪ ،‬وهو‬ ‫‪4‬‬

‫المراد هنا وبفتحها ‪ :‬اسم للماء الّذي يتوضّأ به ‪ ،‬وهو مأخوذ من الوضاءة ‪ ،‬وهي الحسن‬
‫والنّظافة والضّياء من ظلمة الذّنوب ‪.‬‬
‫وفي الشّرع ‪ :‬أفعال مخصوصة مفتتحة بالنّيّة ‪.‬‬
‫والطّهارة أعمّ منه ‪.‬‬
‫تقسيم الطّهارة ‪:‬‬
‫‪ -‬الطّهارة تنقسم إلى قسمين ‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫طهارة من الحدث ‪ ،‬وطهارة من النّجس ‪ ،‬أي ‪ :‬حكميّة وحقيقيّة ‪.‬‬


‫فالحدث هو ‪ :‬الحالة النّاقضة للطّهارة شرعا ‪ ،‬بمعنى أنّ الحدث إن صادف طهار ًة نقضها ‪،‬‬
‫وإن لم يصادف طهار ًة فمن شأنه أن يكون كذلك ‪.‬‬
‫وينقسم إلى قسمين ‪ :‬الكبر والصغر ‪ ،‬أمّا الكبر فهو ‪ :‬الجنابة والحيض والنّفاس ‪ ،‬وأمّا‬
‫ي بغير لذّة ‪ ،‬والهادي‬
‫الصغر فمنه ‪ :‬البول والغائط والرّيح والمذي والودي وخروج المن ّ‬
‫وهو ‪ :‬الماء الّذي يخرج من فرج المرأة عند ولدتها ‪.‬‬
‫وأمّا النّجس ‪ -‬ويعبّر عنه بالخبث أيضا ‪ -‬فهو عبارة عن النّجاسة القائمة بالشّخص أو‬
‫الثّوب أو المكان ‪.‬‬
‫والولى منهما ‪ -‬وهي الطّهارة من الحدث الصغر والكبر ‪ -‬شرعت بقوله تعالى ‪ { :‬يَا‬
‫غسِلُواْ ُوجُو َهكُ ْم َوأَيْدِيَ ُكمْ إِلَى ا ْلمَرَافِق } الية ‪،‬‬
‫ن آمَنُواْ إِذَا ُقمْ ُتمْ إِلَى الصّلةِ فا ْ‬
‫أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل تقبل صلة بغير طهور « ‪.‬‬
‫والثّانيمة منهمما ‪ -‬وهمي طهارة الجسمد والثّوب والمكان الّذي يصملّى عليمه ممن النّجمس ‪-‬‬
‫طهّرْ } ‪.‬‬
‫شرعت بقوله تعالى ‪ { :‬وَثِيَابَكَ َف َ‬
‫طهّرُواْ } ‪.‬‬
‫وقوله تعالى ‪َ { :‬وإِن كُنتُمْ جُنُبا فَا ّ‬
‫ن وَالْعَا ِكفِينَ وَال ّركّعِ‬
‫ي لِلطّا ِئفِي َ‬
‫طهّرَا بَيْتِ َ‬
‫سمَاعِيلَ أَن َ‬
‫عهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ َوِإ ْ‬
‫وقوله تعالى ‪ { :‬وَ َ‬
‫سجُودِ } ‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫وبقوله عليه الصلة والسلم ‪ » :‬اغسلي عنك الدّم وصلّي « ‪.‬‬
‫والطّهارة من ذلك كلّه من شروط صحّة الصّلة ‪.‬‬
‫ويرجع في تفصيل الطّهارة الحكميّة ‪ -‬وهي الطّهارة من الحدث ‪ -‬إلى مواطنها في‬
‫مصطلحات ‪ ( :‬حدث ‪ ،‬وضوء ‪ ،‬جنابة ‪ ،‬حيض ‪ ،‬نفاس ) ‪.‬‬
‫ما تشترط له الطّهارة الحقيقيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يشترط لصحّة الصّلة طهارة بدن المصلّي وثوبه ومكانه‬ ‫‪6‬‬

‫من النّجاسة ‪ .‬لما مرّ في الفقرة السّابقة ‪.‬‬


‫ولقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم في حديث العرابيّ ‪ » :‬صبّوا عليه ذنوبا من ماء « ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إنّها واجبة مع الذّكر والقدرة ‪ ،‬وسنّة مع النّسيان وعدم القدرة ‪.‬‬
‫ن من صلّى بالنّجاسة متعمّدا عالما بحكمها ‪ ،‬أو جاهلً وهو قادر‬
‫والمعتمد في المذهب ‪ :‬أ ّ‬
‫على إزالتها يعيد صلته أبدا ‪ ،‬ومن صلّى بها ناسيا أو غير عالم بها أو عاجزا عن إزالتها‬
‫يعيد في الوقت ‪.‬‬
‫وأيضا تشترط الطّهارة الحقيقيّة لصلة الجنازة ‪ ،‬وهي شرط في الميّت بالضافة إلى‬
‫المصلّي‪.‬‬
‫وتشترط الطّهارة الحقيقيّة كذلك في سجدة التّلوة ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في اشتراط الطّهارة الحقيقيّة في الطّواف ‪ ،‬فذهب جمهور الفقهاء‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى اشتراطها ‪ ،‬لقول النّب ّ‬
‫ن اللّه قد أحلّ فيه المنطق ‪ ،‬فمن نطق فل ينطق إلّ‬
‫» الطّواف بالبيت بمنزلة الصّلة إلّ أ ّ‬
‫بخير « ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى عدم اشتراط الطّهارة الحقيقيّة في الطّواف ‪.‬‬
‫قال الطّحاويّ ‪ :‬والكثر على أنّها سنّة مؤكّدة ‪.‬‬
‫وانفرد الشّافعيّة باشتراط الطّهارة الحقيقيّة في خطبة الجمعة ‪.‬‬
‫تطهير النّجاسات ‪:‬‬
‫ن ذاتها نجسة ‪ ،‬بخلف العيان المتنجّسة ‪،‬‬
‫‪ -‬النّجاسات العينيّة ل تطهر بحال ‪ ،‬إذ أ ّ‬ ‫‪7‬‬

‫وهي الّتي كانت طاهر ًة في الصل وطرأت عليها النّجاسة ‪ ،‬فإنّه يمكن تطهيرها ‪.‬‬
‫والعيان منها ما اتّفق الفقهاء على نجاسته ‪ ،‬ومنها ما اختلفوا فيه ‪.‬‬
‫وممّا اتّفق الفقهاء على نجاسته ‪ :‬الدّم المسفوح ‪ ،‬والميتة ‪ ،‬والبول والعذرة من الدميّ ‪.‬‬
‫وممّا اختلف الفقهاء فيه ‪ :‬الكلب والخنزير ‪ ،‬حيث ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة‬
‫والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى القول بنجاسة الخنزير كما ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى نجاسة‬
‫ن الكلب ليس بنجس العين ‪ ،‬وإنّما لحمه نجس ‪.‬‬
‫الكلب ‪ ،‬وقال الحنفيّة في الصحّ ‪ :‬إ ّ‬
‫ولمعرفة ما يعتبر نجسا أو غير نجس ينظر مصطلح ‪ ( :‬نجاسة ) ‪.‬‬
‫ال ّنيّة في التّطهير من النّجاسات‬ ‫‪:‬‬

‫ن التّطهير من النّجاسة ل يحتاج إلى نيّة ‪ ،‬فليست النّيّة بشرط في‬


‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪8‬‬

‫طهارة الخبث ‪ ،‬ويطهر محلّ النّجاسة بغسله بل نيّة ‪ ،‬لنّ الطّهارة عن النّجاسة من باب‬
‫التّروك ‪ ،‬فلم تفتقر إلى النّيّة كما علّله المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ولنّ إزالة النّجاسة تعبّد غير معقول المعنى ‪.‬‬
‫ي من الحنفيّة ‪ :‬الماء طهور بطبعه ‪ ،‬فإذا لقى النّجس طهّره قصد المستعمل‬
‫وقال البابرت ّ‬
‫ذلك أو ل ‪ ،‬كالثّوب النّجس ‪.‬‬
‫ما تحصل به الطّهارة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الماء المطلق رافع للحدث مزيل للخبث ‪ ،‬لقول اللّه تعالى ‪:‬‬ ‫‪9‬‬

‫طهّ َركُم ِبهِ } ‪.‬‬


‫سمَاء مَاء لّ ُي َ‬
‫{ وَيُنَ ّز ُل عَلَ ْيكُم مّن ال ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫ولحديث أسماء رضي ال تعالى عنها قالت ‪ » :‬جاءت امرأة إلى النّب ّ‬
‫فقالت ‪ :‬إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة ‪ ،‬كيف تصنع به ؟ قال ‪ :‬تحتّه ثمّ تقرصه‬
‫بالماء‪ ،‬ث ّم تنضحه ‪ ،‬ثمّ تصلّي فيه « ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنّه يجوز تطهير النّجاسة بالماء المطلق ‪ ،‬وبكلّ مائع‬
‫طاهر قالع ‪ ،‬كالخلّ وماء الورد ونحوه ممّا إذا عصر انعصر ‪ ،‬لما روت عائشة رضي ال‬
‫تعالى عنها أنّها قالت ‪ :‬ما كان لحدانا إلّ ثوب واحد تحيض فيه ‪ ،‬فإذا أصابه شيء من دم‬
‫قالت بريقها ‪ ،‬فقصعته بظفرها ‪ -‬أي حكّته ‪. -‬‬
‫ولنّه مزيل بطبعه ‪ ،‬فوجب أن يفيد الطّهارة كالماء بل أولى ‪ ،‬لنّه أقلع لها ‪ ،‬ولنّا نشاهد‬
‫ونعلم بالضّرورة أنّ المائع يزيل شيئا من النّجاسة في كلّ مرّة ‪ ،‬ولهذا يتغيّر لون الماء‬
‫به ‪ ،‬والنّجاسة متناهية ‪ ،‬لنّها مركّبة من جواهر متناهية ‪ ،‬فإذا انتهت أجزاؤها بقي المحلّ‬
‫طاهرا لعدم المجاورة ‪.‬‬
‫ل بنفسها فإنّها تطهر ‪،‬‬
‫واتّفق الفقهاء على طهارة الخمر بالستحالة ‪ ،‬فإذا انقلبت الخمر خ ً‬
‫لنّ نجاستها لشدّتها المسكرة الحادثة لها ‪ ،‬وقد زال ذلك من غير نجاسة خلفتها ‪ ،‬فوجب‬
‫أن تطهر ‪ ،‬كالماء الّذي تنجّس بالتّغيّر إذا زال تغيّره بنفسه ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّ جلد الميتة يطهر بالدّباغة ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ » :‬إذا دبغ الهاب فقد طهر « ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة والحنابلة بعدم طهارة جلد الميتة بالدّباغ ‪.‬‬
‫لما روي عن عبد اللّه بن عكيم قال ‪ » :‬أتانا كتاب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ -‬بأرض جهينة ‪ ،‬قال ‪ :‬وأنا غلم ‪ -‬قبل وفاته بشهر أو شهرين ‪ :‬أن ل تنتفعوا من الميتة‬
‫بإهاب ول عصب « ‪.‬‬
‫وعدّ الحنفيّة من المطهّرات ‪ :‬الدّلك ‪ ،‬والفرك ‪ ،‬والمسح ‪ ،‬واليبس ‪ ،‬وانقلب العين ‪ ،‬فيطهر‬
‫الخفّ والنّعل إذا تنجّس بذي جرم بالدّلك ‪ ،‬والمنيّ اليابس بالفرك ‪ ،‬ويطهر الصّقيل كالسّيف‬
‫والمرآة بالمسح ‪ ،‬والرض المتنجّسة باليبس ‪ ،‬والخنزير والحمار بانقلب العين ‪ ،‬كما لو‬
‫وقعا في المملحة فصارا ملحا ‪.‬‬
‫المياه الّتي يجوز التّطهير بها ‪ ،‬والّتي ل يجوز ‪:‬‬
‫‪ -‬قسّم الفقهاء الماء من حيث جواز التّطهير به ورفعه للحدث والخبث ‪ ،‬أو عدم ذلك ‪،‬‬ ‫‪10‬‬

‫إلى عدّة أقسام ‪:‬‬


‫أ ‪ -‬ماء طاهر مطهّر غير مكروه ‪ ،‬وهو الماء المطلق ‪ ،‬وهو الماء الباقي على خلقته ‪ ،‬أو‬
‫هو الّذي لم يخالطه ما يصير به مقيّدا ‪.‬‬
‫والماء المطلق يرفع الحدث والخبث باتّفاق الفقهاء ‪ .‬ويلحق به عند جمهور الفقهاء ما‬
‫تغيّر بطول مكثه ‪ ،‬أو بما هو متولّد منه كالطّحلب ‪.‬‬
‫ص كلّ مذهب هذا القسم بنوع من المياه ‪ :‬فخصّ‬
‫ب ‪ -‬ماء طاهر مطهّر مكروه ‪ ،‬وخ ّ‬
‫الحنفيّة ذلك بالماء الّذي شرب منه حيوان مثل الهرّة الهليّة والدّجاجة المخلة وسباع‬
‫الطّير والحيّة والفأرة ‪ ،‬وكان قليلً ‪ ،‬والكراهة تنزيهيّة على الصحّ ‪ ،‬وهو ما ذهب إليه‬
‫ل ذلك بعدم تحاميها النّجاسة ‪ ،‬ثمّ إنّ الكراهة إنّما هي عند وجود المطلق ‪ ،‬وإلّ‬
‫الكرخيّ معلّ ً‬
‫ل‪.‬‬
‫فل كراهة أص ً‬
‫ن الماء إذا استعمل في رفع حدث أو في إزالة حكم خبث فإنّه يكره‬
‫وصرّح المالكيّة بأ ّ‬
‫استعماله بعد ذلك في طهارة حدث كوضوء أو اغتسال مندوب ل في إزالة حكم خبث ‪،‬‬
‫ل كآنية الوضوء والغسل ‪ ،‬وأن‬
‫والكراهة مقيّدة بأمرين ‪ :‬أن يكون ذلك الماء المستعمل قلي ً‬
‫يوجد غيره ‪ ،‬وإلّ فل كراهة ‪ ،‬كما يكره عندهم الماء اليسير ‪ -‬وهو ما كان قدر آنية‬
‫الوضوء أو الغسل فما دونها ‪ -‬إذا حلّت فيه نجاسة قليلة كالقطرة ولم تغيّره ‪ ،‬قال‬
‫الدّسوقيّ‪ :‬الكراهة مقيّدة بقيود سبعة ‪ :‬أن يكون الماء الّذي حلّت فيه النّجاسة يسيرا ‪ ،‬وأن‬
‫تكون النّجاسة الّتي حلّت فيه قطرة فما فوقها ‪ ،‬وأن ل تغيّره ‪ ،‬وأن يوجد غيره ‪ ،‬وأن ل‬
‫يكون له مادّة كبئر ‪ ،‬وأن ل يكون جاريا ‪ ،‬وأن يراد استعماله فيما يتوقّف على طهور ‪،‬‬
‫كرفع حدث حكم خبث ووضوء أو غسل مندوب ‪ ،‬فإن انتفى قيد منها فل كراهة ‪.‬‬
‫ومن المكروه أيضا ‪ :‬الماء اليسير الّذي ولغ فيه كلب ولو تحقّقت سلمة فيه من النّجاسة ‪،‬‬
‫وسؤر شارب الخمر ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة الماء المكروه ثمانية ‪ :‬المشمّس ‪ ،‬وشديد الحرارة ‪ ،‬وشديد البرودة ‪ ،‬وماء‬
‫ديار ثمود إلّ بئر النّاقة ‪ ،‬وماء ديار قوم لوط ‪ ،‬وماء بئر برهوت ‪ ،‬وماء أرض بابل ‪،‬‬
‫وماء بئر ذروان ‪.‬‬
‫والمكروه عند الحنابلة ‪ :‬الماء المتغيّر بغير ممازج ‪ ،‬كدهن وقطران وقطع كافور ‪ ،‬أو ماء‬
‫سخّن بمغصوب أو بنجاسة ‪ ،‬أو الماء الّذي اشت ّد حرّه أو برده ‪ ،‬والكراهة مقيّدة بعدم‬
‫الحتياج إليه ‪ ،‬فإن احتيج إليه تعيّن وزالت الكراهة ‪.‬‬
‫وكذا يكره استعمال ماء البئر الّذي في المقبرة ‪ ،‬وماء في بئر في موضع غصب ‪ ،‬وما ظنّ‬
‫تنجّسه ‪ ،‬كما نصّوا على كراهة استعمال ماء زمزم في إزالة النّجاسة دون طهارة الحدث‬
‫تشريفا له ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ماء طاهر في نفسه غير مطهّر ‪ ،‬وهو عند الحنفيّة الماء المستعمل ‪ ،‬وعرّفوه بأنّه ‪:‬‬
‫ما أزيل به حدث أو استعمل في البدن على وجه القربة ‪ ،‬ول يجوز استعماله في طهارة‬
‫الحداث ‪ ،‬بخلف الخبث ‪ ،‬ويصير مستعملً عندهم بمجرّد انفصاله عن الجسد ولو لم‬
‫يستقرّ بمحلّ ‪.‬‬
‫وعند جمهور الفقهاء ‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬هو ‪ :‬الماء المغيّر طعمه أو لونه‬
‫أو ريحه بما خالطه من العيان الطّاهرة تغيّرا يمنع إطلق اسم الماء عليه ‪ ،‬وهو كذلك عند‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬الماء المستعمل في فرض الطّهارة ونفلها على الجديد ‪.‬‬
‫وصرّح جمهور الفقهاء ‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬بأنّ هذا النّوع ل يرفع حكم‬
‫الخبث أيضا ‪ ،‬وعند الحنفيّة يرفع حكم الخبث ‪.‬‬
‫د ‪ -‬ماء نجس ‪ ،‬وهو ‪ :‬الماء الّذي وقعت فيه نجاسة وكان قليلً ‪ ،‬أو كان كثيرا وغيّرته ‪،‬‬
‫وهذا ل يرفع الحدث ول النّجس بالتّفاق ‪.‬‬
‫هم ‪ -‬ماء مشكوك في طهوريّته ‪ ،‬وانفرد بهذا القسم الحنفيّة ‪ ،‬وهو عندهم ‪ :‬ما شرب منه‬
‫بغل أو حمار ‪.‬‬
‫و ‪ -‬ماء محرّم ل تصحّ الطّهارة به ‪ ،‬وانفرد به الحنابلة ‪ ،‬وهو عندهم ‪ :‬ماء آبار ديار‬
‫ثمود ‪ -‬غير بئر النّاقة ‪ -‬والماء المغصوب ‪ ،‬وماء ثمنه المعيّن حرام ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬مياه ) ‪.‬‬
‫تطهير محلّ النّجاسة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في ما يحصل به طهارة محلّ النّجاسة ‪:‬‬ ‫‪11‬‬
‫فذهب الحنفيّة إلى التّفريق بين النّجاسة المرئيّة وغير المرئيّة ‪.‬‬
‫فإذا كانت النّجاسة مرئ ّيةً فإنّه يطهر المحلّ المتنجّس بها بزوال عينها ولو بغسلة واحدة‬
‫ن النّجاسة فيه‬
‫على الصّحيح ولو كانت النّجاسة غليظةً ‪ ،‬ول يشترط تكرار الغسل ‪ ،‬ل ّ‬
‫باعتبار عينها ‪ ،‬فتزول بزوالها ‪.‬‬
‫وعن أبي جعفر ‪ :‬أنّه يغسل مرّتين بعد زوال العين ‪ ،‬وعن فخر السلم ‪ :‬ثلثا بعده ‪،‬‬
‫ويشترط زوال الطّعم في النّجاسة ‪ ،‬لنّ بقاءه يدلّ على بقاء العين ‪ ،‬ول يضرّ بقاء لون‬
‫ق زواله ‪.‬‬
‫ق زواله ‪ ،‬وكذا الرّيح وإن لم يش ّ‬
‫النّجاسة الّذي يش ّ‬
‫ب الماء على النّجاسة ‪ ،‬أو غسلها في الماء الجاري ‪.‬‬
‫وهذا الحكم فيما إذا ص ّ‬
‫أمّا لو غسلها في إجّانة فيطهر بالثّلث إذا عصر في كلّ مرّة ‪.‬‬
‫وإذا كانت النّجاسة غير مرئيّة فإنّه يطهر المح ّل بغسلها ثلثا وجوبا ‪ ،‬والعصر كلّ مرّة في‬
‫ظاهر الرّواية ‪ ،‬تقديرا لغلبة الظّنّ في استخراجها ‪.‬‬
‫قال الطّحاويّ ‪ :‬ويبالغ في المرّة الثّالثة حتّى ينقطع التّقاطر ‪ ،‬والمعتبر قوّة كلّ عاصر دون‬
‫غيره ‪ ،‬فلو كان بحيث لو عصر غيره قطّر طهر بالنّسبة إليه دون ذلك الغير ‪ ،‬ولو لم‬
‫يصرف قوّته لرقّة الثّوب قيل ‪ :‬يطهر للضّرورة ‪ .‬وهو الظهر ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل يطهر وهو‬
‫اختيار قاضي خان ‪.‬‬
‫وفي رواية ‪ :‬يكتفى بالعصر مرّةً ‪.‬‬
‫ثمّ إنّ اشتراط الغسل والعصر ثلثا إنّما هو إذا غمسه في إجّانة ‪ ،‬أمّا إذا غمسه في ماء‬
‫جار حتّى جرى عليه الماء أو صبّ عليه ماء كثير ‪ ،‬بحيث يخرج ما أصابه من الماء‬
‫ويخلف غيره ثلثا ‪ ،‬فقد طهر مطلقا بل اشتراط عصر وتكرار غمس ‪.‬‬
‫ويقصد بالنّجاسة المرئيّة عندهم ‪ :‬ما يرى بعد الجفاف ‪ ،‬وغير المرئيّة ‪ :‬ما ل يرى بعده ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه يطهر محلّ النّجاسة بغسله من غير تحديد عدد ‪ ،‬بشرط زوال طعم‬
‫ن بقاء الطّعم دليل على تمكّن النّجاسة من المحلّ فيشترط زواله ‪،‬‬
‫النّجاسة ولو عسر ‪ ،‬ل ّ‬
‫وكذلك يشترط زوال اللّون والرّيح إن تيسّر ذلك ‪ ،‬بخلف ما إذا تعسّر ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى التّفريق بين أن تكون النّجاسة عينا أو ليست بعين ‪.‬‬
‫فإن كانت النّجاسة عينا فإنّه يجب إزالة الطّعم ‪ ،‬ومحاولة إزالة اللّون والرّيح ‪ ،‬فإن عسر‬
‫ت أو قرص ثلث مرّات عفي عنه ما دام العسر ‪ ،‬ويجب إزالته‬
‫زوال الطّعم ‪ ،‬بأن لم يزل بح ّ‬
‫إذا قدر ‪ ،‬ول يضرّ بقاء لون أو ريح عسر زواله فيعفى عنه ‪ ،‬فإن بقيا معا ض ّر على‬
‫الصّحيح ‪ ،‬لقوّة دللتهما على بقاء عين النّجاسة ‪.‬‬
‫وإن لم تكن النّجاسة عينا ‪ -‬وهي ما ل يدرك لها عين ول وصف ‪ ،‬سواء أكان عدم‬
‫الدراك لخفاء أثرها بالجفاف ‪ ،‬كبول جفّ فذهبت عينه ول أثر له ول ريح ‪ ،‬فذهب وصفه ‪،‬‬
‫ل ل تثبت عليه النّجاسة كالمرآة والسّيف ‪ -‬فإنّه يكفي جري الماء‬
‫أم ل ‪ ،‬لكون المحلّ صقي ً‬
‫عليه مرّةً ‪ ،‬وإن لم يكن بفعل فاعل كمطر ‪.‬‬
‫وذ هب الحنابلة إلى أنّه تط هر المتنجّ سات ب سبع غسلت منقّ ية ‪ ،‬لقول ا بن ع مر رضي ال‬
‫تعالى عنهما ‪ :‬أمرنا أن نغسل النجاس سبعا ‪.‬‬
‫وقد أمر به في نجاسة الكلب ‪ ،‬فيلحق به سائر النّجاسات ‪ ،‬لنّها في معناها ‪ ،‬والحكم ل‬
‫يختصّ بمورد النّصّ ‪ ،‬بدليل إلحاق البدن والثّوب به ‪.‬‬
‫قال البهوتيّ ‪ :‬فعلى هذا يغسل محلّ الستنجاء سبعا كغيره ‪ ،‬صرّح به القاضي والشّيرازيّ‬
‫ص عليه أحمد في رواية صالح ‪ ،‬لكن نصّ في رواية أبي داود ‪ ،‬واختاره‬
‫وابن عقيل ‪ ،‬ون ّ‬
‫في المغني ‪ :‬أنّه ل يجب فيه عدد ‪ ،‬اعتمادا على أنّه لم يصحّ عن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم في ذلك شيء ‪ ،‬ل في قوله ول فعله ‪.‬‬
‫ويضرّ عندهم بقاء الطّعم ‪ ،‬لدللته على بقاء العين ولسهولة إزالته ويضرّ كذلك بقاء اللّون‬
‫أو الرّيح أو هما معا إن تيسّر إزالتهما ‪ ،‬فإن عسر ذلك لم يضرّ ‪.‬‬
‫وهذا في غير نجاسة الكلب والخنزير ‪ ،‬أمّا نجاستهما فللفقهاء فيها تفصيل آخر سيأتي‬
‫بيانه ‪.‬‬
‫تطهير ما تصيبه الغسالة قبل طهارة المغسول ‪:‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫‪ -‬الغسالة المتغيّرة بأحد أوصاف النّجاسة نجسة ‪ ،‬لقول النّب ّ‬ ‫‪12‬‬

‫» إنّ الماء ل ينجّسه شيء إلّ ما غلب على ريحه ولونه وطعمه « ‪.‬‬
‫قال الخرشيّ من المالكيّة ‪ :‬سواء كان تغيّرها بالطّعم أو اللّون والرّيح ولو المتعسّرين ‪،‬‬
‫ومن ثمّ ينجس المحلّ الّذي تصيبه الغسالة المتغيّرة ‪ ،‬ويكون تطهيره كتطهير أيّ محلّ‬
‫متنجّس عند الجمهور ‪.‬‬
‫لكنّ الحنابلة القائلين بأنّه ل يطهر المحلّ المتنجّس إلّ بغسله سبعا ‪ ،‬فيغسل عندهم ما نجس‬
‫ل غسل ثلث‬
‫ببعض الغسلت بعدد ما بقي بعد تلك الغسلة ‪ ،‬فلو تنجّس بالغسلة الرّابعة مث ً‬
‫غسلت لنّها نجاسة تطهر في محلّها بما بقي من الغسلت ‪ ،‬فطهرت به في مثله ‪.‬‬
‫ن الغسالة غير المتغيّرة طاهرة ‪ ،‬قال الدّردير ‪ :‬لو غسلت قطرة بول مثلً‬
‫وصرّح المالكيّة بأ ّ‬
‫في جسد أو ثوب وسالت غير متغيّرة في سائره ولم تنفصل عنه كان طاهرا ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ‪ :‬الغسالة غير المتغيّرة إن كانت قلّتين فطاهرة ‪ ،‬وإن كانت دونهما فثلثة‬
‫ن حكمها حكم المحلّ بعد الغسل ‪ ،‬إن كان نجسا بعد‬
‫أقوال عند الشّافعيّة ‪ ،‬أظهرها ‪ :‬أ ّ‬
‫ي الجديد ‪.‬‬
‫فنجسة‪ ،‬وإلّ فطاهرة غير مطهّرة ‪ ،‬وهو مذهب الشّافع ّ‬
‫وعند الحنابلة ‪ :‬إن غسلت بالطّهور نجاسة فانفصل متغيّرا بها ‪ ،‬أو انفصل غير متغيّر قبل‬
‫زوال النّجاسة ‪ ،‬كالمنفصل من الغسلة السّادسة فما دونها وهو يسير فنجس ‪ ،‬لنّه ملق‬
‫لنجاسة لم يطهّرها ‪.‬‬
‫وإن انفصل القليل غير متغيّر بعد زوال النّجاسة ‪ ،‬كالمنفصل عن محلّ طهر أرضا كان‬
‫المحلّ أو غيرها ‪ ،‬فطهور إن كان قلّتين فأكثر ‪ ،‬وإن كان دون قلّتين فطاهر ‪.‬‬
‫تطهير البار ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه إذا تنجّس ماء البئر ‪ ،‬فإنّ تطهيره يكون بالتّكثير إلى أن‬ ‫‪13‬‬

‫يزول التّغيّر ‪ ،‬ويكون التّكثير بالتّرك حتّى يزيد الماء ويصل إلى ح ّد الكثرة ‪ ،‬أو بصبّ ماء‬
‫طاهر فيه حتّى يصل هذا الحدّ ‪.‬‬
‫كما ذهب المالكيّة والحنابلة إلى اعتبار النّزح طريقا للتّطهير أيضا ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا تنجّس ماء البئر فإنّ تطهيره يكون بالنّزح فقط ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪21‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬آبار ف‬
‫الوضوء والغتسال في موضع نجس ‪:‬‬
‫ن الوضوء والغتسال في موضع نجس مكروه خشية أن‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪14‬‬

‫يتنجّس به المتوضّئ أو المغتسل ‪ ،‬وتوقّي ذلك كلّه أولى ‪ ،‬ولنّه يورث الوسوسة ففي‬
‫الحديث ‪ » :‬ل يبولن أحدكم في مستحمّه ‪ ،‬ثمّ يغتسل أو يتوضّأ فيه ‪ ،‬فإنّ عامّة الوسواس‬
‫منه « ‪.‬‬
‫تطهير الجامدات والمائعات ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا وقعت النّجاسة في جامد ‪ ،‬كالسّمن الجامد ونحوه ‪ ،‬فإنّ‬ ‫‪15‬‬

‫تطهيره يكون برفع النّجاسة وتقوير ما حولها وطرحه ‪ ،‬ويكون الباقي طاهرا ‪ ،‬لما روت‬
‫ميمونة رضي ال تعالى عنها ‪ » :‬أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم سئل عن فأرة‬
‫سقطت في سمن فقال ‪ :‬ألقوها ‪ ،‬وما حولها فاطرحوه ‪ ،‬وكلوا سمنكم « ‪.‬‬
‫وإذا وقعت النّجاسة في مائع فإنّه ينجّس ‪ ،‬ول يطهر عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬ويراق ‪ ،‬لحديث‬
‫ي صلى ال عليه وسلم سئل عن الفأرة تقع في‬
‫أبي هريرة رضي ال تعالى عنه ‪ :‬أنّ النّب ّ‬
‫السّمن فقال ‪ » :‬إن كان جامدا فألقوها وما حولها ‪ ،‬وإن كان مائعا فل تقربوه « وفي‬
‫رواية‪ » :‬وإن كان مائعا فأريقوه « ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى إمكان تطهيره بالغلي ‪ ،‬وذلك بأن يوضع في ماء ويغلي ‪ ،‬فيعلو الدّهن‬
‫الماء ‪ ،‬فيرفع بشيء ‪ ،‬وهكذا ثلث مرّات ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬وهذا عند أبي يوسف ‪ ،‬وهو أوسع وعليه الفتوى ‪ ،‬خلفا لمحمّد ‪.‬‬
‫وقريب منه ما اختاره أبو الخطّاب من الحنابلة ‪ :‬أنّ ما يتأتّى تطهيره بالغلي ‪ -‬كالزّيت ‪-‬‬
‫يطهر به كالجامد ‪ ،‬وطريقة ذلك ‪ :‬جعله في ماء كثير يخاض فيه ‪ ،‬حتّى يصيب الماء جميع‬
‫أجزائه ‪ ،‬ثمّ يترك حتّى يعلو على الماء ‪ ،‬فيؤخذ ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة ‪ ،‬كما قاله ابن قدامة ‪ :‬ل يطهر غير الماء من المائعات بالتّطهير في قول‬
‫القاضي وابن عقيل ‪ ،‬قال ابن عقيل ‪ :‬إلّ الزّئبق ‪ ،‬فإنّه لقوّته وتماسكه يجري مجرى‬
‫ي صلى ال عليه وسلم سئل عن السّمن إذا وقعت فيه‬
‫ن النّب ّ‬
‫الجامد‪ .‬واستدلّ ابن قدامة بأ ّ‬
‫الفأرة ‪ ،‬فقال ‪ » :‬إن كان مائعا فل تقربوه ‪ ،‬ولو كان إلى تطهيره طريق لم يأمر بإراقته «‬
‫‪.‬‬
‫تطهير المياه النّجسة ‪:‬‬
‫ن تطهير المياه النّجسة يكون بصبّ الماء عليها‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أ ّ‬ ‫‪16‬‬

‫ومكاثرتها حتّى يزول التّغيّر ‪.‬‬


‫ن الماء يعود‬
‫ولو زال التّغيّر بنفسه ‪ ،‬أو بنزح بعضه ‪ ،‬فعند المالكيّة قولن ‪ ،‬قيل ‪ :‬إ ّ‬
‫طهورا‪ ،‬وقيل ‪ :‬باستمرار نجاسته ‪ ،‬وهذا هو الرجح ‪.‬‬
‫ن النّجاسة ل تزال إلّ بالماء المطلق ‪ ،‬وليس حاصلً ‪ ،‬وحينئذ فيستمرّ‬
‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬ل ّ‬
‫بقاء النّجاسة ‪.‬‬
‫ومحلّ القولين في الماء الكثير الّذي زال تغيّره بنفسه أو بنزح بعضه ‪ ،‬أمّا القليل فإنّه باق‬
‫على تنجّسه بل خلف ‪.‬‬
‫كما يطهر الماء النّجس عند المالكيّة لو زال تغيّره بإضافة طاهر ‪ ،‬وبإلقاء طين أو تراب إن‬
‫زال أثرهما ‪ ،‬أي لم يوجد شيء من أوصافهما فيما ألقيا فيه ‪ ،‬أمّا إن وجد فل يطهر ‪،‬‬
‫لحتمال بقاء النّجاسة مع بقاء أثرهما ‪.‬‬
‫ن الماء إن بلغ قلّتين فإنّه ل ينجس إ ّل إذا غيّرته‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى ‪ :‬أ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل الخبث « ‪.‬‬
‫النّجاسة‪ ،‬لقول النّب ّ‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إنّ الماء ل ينجّسه شيء إلّ ما غلب على ريحه وطعمه‬
‫ولونه « وتطهيره حينئذ يكون بزوال التّغيّر ‪ ،‬سواء زال التّغيّر بنفسه ‪ :‬كأن زال بطول‬
‫المكث ‪ ،‬أو بإضافة ماء إليه ‪.‬‬
‫قال القليوبيّ ‪ :‬وهذا في التّغيّر الحسّيّ ‪ ،‬وأمّا التّقديريّ ‪ :‬كما لو وقع في الماء نجس ل‬
‫وصف له فيقدّر مخالفا أشدّ ‪ ،‬كلون الحبر وطعم الخلّ وريح المسك ‪ ،‬فإن غيّره فنجس ‪،‬‬
‫ويعتبر الوصف الموافق للواقع ‪ ،‬ويعرف زوال التّغيّر منه بزوال نظيره من ماء آخر ‪ ،‬أو‬
‫بضمّ ماء إليه لو ضمّ للمتغيّر حسّا لزال ‪ ،‬أو بقي زمنا ذكر أهل الخبرة أنّه يزول به‬
‫ن التّغيّر زال‬
‫الحسّيّ‪ .‬ول يطهر الماء إنّ زال التّغيّر بمسك أو زعفران أو خلّ ‪ ،‬للشّكّ في أ ّ‬
‫أو استتر‪ ،‬والظّاهر الستتار ‪ ،‬مثل ذلك زوال التّغيّر بالتّراب والجصّ ‪.‬‬
‫ونصّ الحنابلة على أنّه إن نزح من الماء المتنجّس الكثير ‪ ،‬وبقي بعد المنزوح كثير غير‬
‫متغيّر ‪ ،‬فإنّه يطهر لزوال علّة تنجّسه ‪ ،‬وهي التّغيّر ‪ .‬وكذا المنزوح الّذي زال مع نزحه‬
‫التّغيّر طهور إن لم تكن عين النّجاسة فيه ‪.‬‬
‫وإن كان الماء دون القلّتين فإنّه ينجس بملقاة النّجاسة وإن لم تغيّره ‪ ،‬وتطهيره يكون‬
‫بإضافة الماء إليه حتّى يبلغ القلّتين ول تغيّر به ولو كوثر بإيراد طهور فلم يبلغ القلّتين لم‬
‫يطهر ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬مياه ) ‪.‬‬
‫تطهير الواني المتّخذة من عظام الميتات ‪:‬‬
‫ى يحلّ استعمالها ‪.‬‬
‫‪ -‬النية المتّخذة من عظم حيوان مأكول اللّحم مذكّ ً‬ ‫‪17‬‬

‫وأمّا النية المتّخذة من حيوان غير مأكول اللّحم ففيها خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ‪:‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪10‬‬ ‫( آنية ج ‪ 1‬ف‬
‫تطهير ما كان أملس السّطح ‪:‬‬
‫ل ‪ -‬كالسّيف والمرآة‪-‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا أصابت النّجاسة شيئا صقي ً‬ ‫‪18‬‬

‫فإنّه ل يطهر بالمسح ‪ ،‬ول بدّ من غسله ‪ ،‬لعموم المر بغسل النجاس ‪ ،‬والمسح ليس‬
‫ل‪.‬‬
‫غس ً‬
‫قال البهوتيّ من الحنابلة ‪ :‬لو قطع بالسّيف المتنجّس ونحوه بعد مسحه وقبل غسله ما فيه‬
‫بلل كبطّيخ ونحوه نجّسه ‪ ،‬لملقاة البلل للنّجاسة ‪ ،‬فإن كان ما قطعه به رطبا ل بلل فيه‬
‫كجبن ونحوه فل بأس به ‪ ،‬كما لو قطع به يابسا لعدم تعدّي النّجاسة إليه ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬لو سقيت سكّينٌ ماءً نجسا ‪ ،‬ثمّ غسلها طهر ظاهرها ‪ ،‬وهل يطهر باطنها‬
‫بمجرّد الغسل أم ل يطهر حتّى يسقيها مرّ ًة ثاني ًة بماء طهور ؟ وجهان ‪ :‬قطع القاضي‬
‫ي الكتفاء بالغسل ‪ ،‬وهو‬
‫حسين والمتولّي بأنّه يجب سقيها مرّةً ثانيةً واختار الشّاش ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫المنصوص عن الشّافع ّ‬
‫ن ما كان أملس السّطح ‪ ،‬كالسّيف والمرآة ونحوهما ‪ ،‬إن أصابه نجس‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ن أصحاب رسول اللّه صلى ال‬
‫ن تطهيره يكون بالمسح بحيث يزول أثر النّجاسة ‪ ،‬ل ّ‬
‫فإ ّ‬
‫عليه وسلم كانوا يقتلون الكفّار بسيوفهم ثمّ يمسحونها ويصلّون وهم يحملونها ‪ ،‬ولنّه ل‬
‫يتشرّب النّجاسة ‪ ،‬وما على ظاهره يزول بالمسح ‪.‬‬
‫قال الكمال ‪ :‬وعليه فلو كان على ظفره نجاسة فمسحها طهرت ‪.‬‬
‫فإن كان بالصّقيل صدأ يتشرّب معه النّجاسة ‪ ،‬أو كان ذا مسامّ تتشرّبها ‪ ،‬فإنّه ل يطهر إلّ‬
‫بالماء ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ ما كان صلبا صقيلً ‪ ،‬وكان يخشى فساده بالغسل كالسّيف ونحوه ‪،‬‬
‫فإنّه يعفى عمّا أصابه من الدّم المباح ولو كان كثيرا ‪ ،‬خوفا من إفساد الغسل له ‪.‬‬
‫قال الدّردير ‪ :‬وسواء مسحه من الدّم أم ل على المعتمد ‪ ،‬أي خلفا لمن علّله بانتفاء‬
‫النّجاسة بالمسح ‪.‬‬
‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬فهذا التّعليل يقتضي أنّه ل يعفى عمّا أصاب السّيف ونحوه من الدّم المباح‬
‫إلّ إذا مسح ‪ ،‬وإلّ فل ‪ ،‬وعلى القول الوّل ‪ :‬ل يعفى عمّا أصاب الظّفر والجسد من الدّم‬
‫المباح لعدم فسادهما بالغسل ‪ ،‬وعلى القول الثّاني ‪ :‬يعفى عمّا أصابها منه إذا مسح ‪.‬‬
‫وقيّد المالكيّة العفو بأن يكون الدّم مباحا ‪ ،‬أمّا الدّم العدوان فيجب الغسل منه ‪.‬‬
‫ن المراد بالمباح غير المحرّم ‪ ،‬فيدخل فيه دم‬
‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬قال العدويّ ‪ :‬والمعتمد أ ّ‬
‫مكروه الكل إذا ذكّاه بالسّيف ‪ ،‬والمراد ‪ :‬المباح أصالةً ‪ ،‬فل يض ّر حرمته لعارض كقتل‬
‫مرت ّد به ‪ ،‬وقتل زان أحصن بغير إذن المام ‪.‬‬
‫كما قيّدوا العفو بأن يكون مصقولً ل خربشة فيه ‪ ،‬وإلّ فل عفو ‪.‬‬
‫تطهير الثّوب والبدن من المنيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في نجاسة المنيّ ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى نجاسته ‪ ،‬وذهب‬ ‫‪19‬‬

‫الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه طاهر ‪.‬‬


‫واختلف الحنفيّة والمالكيّة في كيفيّة تطهيره ‪:‬‬
‫ي يكون بغسله إن كان رطبا ‪ ،‬وفركه إن كان يابسا ‪،‬‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أنّ تطهير محلّ المن ّ‬
‫لحديث عائشة رضي ال تعالى عنها قالت ‪ » :‬كنت أفرك المنيّ من ثوب رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم إذا كان يابسا ‪ ،‬وأغسله إذا كان رطبا « ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم خصوصا إذا تكرّر منها مع‬
‫ن ذلك بعلم النّب ّ‬
‫قال ابن الهمام ‪ :‬الظّاهر أ ّ‬
‫التفاته صلى ال عليه وسلم إلى طهارة ثوبه وفحصه عن حاله ‪.‬‬
‫ي المرأة ‪ ،‬قال ابن‬
‫ول فرق في طهارة محلّه بفركه يابسا وغسله طريّا بين منيّ الرّجل ومن ّ‬
‫ت المنيّ من‬
‫عابدين ‪ :‬ويؤيّده ما صحّ عن عائشة رضي ال تعالى عنها ‪ » :‬أنّها كانت تح ّ‬
‫ثوب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وهو يصلّي « ‪ ،‬ول خفاء أنّه كان من جماع ‪ ،‬لنّ‬
‫ي المرأة به ‪ ،‬فيدلّ على طهارة منيّها بالفرك بالثر ‪ ،‬ل‬
‫النبياء ل تحتلم ‪ ،‬فيلزم اختلط من ّ‬
‫باللحاق ‪.‬‬
‫كما أنّه ل فرق في ذلك بين الثّوب والبدن على الظّاهر من المذهب ‪.‬‬
‫ي يكون بالغسل ل غير ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ تطهير محلّ المن ّ‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬منيّ ) ‪.‬‬
‫طهارة الرض بالماء ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا تنجّست الرض بنجاسة مائعة ‪ -‬كالبول والخمر وغيرهما ‪ -‬فتطهيرها أن تغمر‬ ‫‪20‬‬

‫بالماء بحيث يذهب لون النّجاسة وريحها ‪ ،‬وما انفصل عنها غير متغيّر بها فهو طاهر ‪.‬‬
‫بهذا قال جمهور الفقهاء ‪ ،‬وذلك لما رواه أنس رضي ال عنه قال ‪ » :‬جاء أعرابيّ فبال‬
‫في طائفة ناحية من المسجد ‪ ،‬فزجره النّاس فنهاهم النّبيّ صلى ال عليه وسلم فلمّا قضى‬
‫بوله أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه « وفي لفظ ‪ » :‬فدعاه فقال ‪ :‬إنّ هذه المساجد ل‬
‫تصلح لشيء من هذا البول ول القذر ‪ ،‬وإنّما هي لذكر اللّه عزّ وجلّ والصّلة وقراءة‬
‫القرآن وأمر رجلً فجاء بدلو من ماء فشنّه عليه « ‪.‬‬
‫ن ذلك يغمر البول ‪ ،‬ويستهلك فيه البول وإن أصاب الرض ماء المطر‬
‫وإنّما أمر بالذّنوب ل ّ‬
‫أو السّيول فغمرها وجرى عليها فهو كما لو صبّ عليها ‪ ،‬لنّ تطهير النّجاسة ل تعتبر فيه‬
‫ي وما جرى بغير صبّه ‪.‬‬
‫نيّة ول فعل ‪ ،‬فاستوى ما صبّه الدم ّ‬
‫ول تطهر الرض حتّى يذهب لون النّجاسة ورائحتها ‪ ،‬ولنّ بقاءهما دليل على بقاء‬
‫النّجاسة‪ ،‬فإن كانت ممّا ل يزول لونها إلّ بمشقّة سقط عنه إزالتها كالثّوب ‪ ،‬وكذا الحكم في‬
‫الرّائحة ‪.‬‬
‫ويقول الحنفيّة ‪ :‬إذا أصابت النّجاسة أرضا رخوةً فيصبّ عليها الماء فتطهر ‪ ،‬لنّها تنشّف‬
‫الماء ‪ ،‬فيطهر وجه الرض ‪ ،‬وإن كانت صلب ًة يصبّ الماء عليها ‪ ،‬ثمّ تكبس الحفيرة الّتي‬
‫اجتمع فيها الغسالة ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬أرض ف ‪. ) 3‬‬
‫ما تطهر به الرض سوى المياه ‪:‬‬
‫ن الرض إذا أصابها نجس ‪ ،‬فجفّت بالشّمس أو الهواء‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة عدا زفر إلى أ ّ‬ ‫‪21‬‬

‫أو غيرهما وذهب أثره طهرت وجازت الصّلة عليها ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬أيّما‬
‫أرض جفّت فقد ذكت « ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬والشّافعيّة في الصحّ عندهم ‪ ،‬وزفر من الحنفيّة إلى أنّها ل‬
‫ي ذنوب ماء ‪،‬‬
‫ب على بول العراب ّ‬
‫تطهر بغير الماء ‪ ،‬لمره صلى ال عليه وسلم أن يص ّ‬
‫ل من ماء «‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬أهريقوا على بوله ذنوبا من ماء ‪ ،‬أو سج ً‬
‫والمر يقتضي الوجوب ‪ ،‬ولنّه مح ّل نجس فلم يطهر بغير الغسل ‪.‬‬
‫طهارة النّجاسة بالستحالة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على طهارة الخمر بالستحالة ‪ ،‬فإذا انقلبت الخمر خلً صارت طاهرةً ‪.‬‬ ‫‪22‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪14‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪13‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تحليل ف‬


‫واختلف الفقهاء فيما عدا الخمر من نجس العين هل يطهر بالستحالة أم ل ؟‬
‫ن النّبيّ صلى ال‬
‫فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ل يطهر نجس العين بالستحالة ‪ ،‬ل ّ‬
‫عليه وسلم ‪ » :‬نهى عن أكل الجللة وألبانها « لكلها النّجاسة ‪ ،‬ولو طهرت بالستحالة لم‬
‫ينه عنه ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬ول يطهر نجس العين بالغسل مطلقا ‪ ،‬ول بالستحالة ‪ ،‬كميتة وقعت في‬
‫قال الرّمل ّ‬
‫ملحة فصارت ملحا ‪ ،‬أو أحرقت فصارت رمادا ‪.‬‬
‫ي من الحنابلة ‪ :‬ول تطهر نجاسة بنار ‪ ،‬فالرّماد من الرّوث النّجس نجس‬
‫وقال البهوت ّ‬
‫وصابون عمل من زيت نجس نجس ‪ ،‬وكذا لو وقع كلب في ملحة فصار ملحا ‪ ،‬أو في‬
‫صبّانة فصار صابونا ‪.‬‬
‫لكن نصّ الحنابلة على أنّه إذا تحوّلت العلقة إلى مضغة ‪ ،‬فإنّها تصير طاهر ًة بعد أن كانت‬
‫نجسةً ‪ ،‬وذلك لنّ نجاستها بصيرورتها علقةً ‪ ،‬فإذا زال ذلك عادت إلى أصلها ‪ ،‬كالماء‬
‫الكثير المتغيّر بالنّجاسة ‪.‬‬
‫ن نجس العين يطهر بالستحالة ‪ ،‬لنّ الشّرع رتّب وصف‬
‫وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أ ّ‬
‫النّجاسة على تلك الحقيقة ‪ ،‬وتنتفي الحقيقة بانتفاء بعض أجزاء مفهومها ‪ ،‬فكيف بالكلّ ؟ ‪.‬‬
‫ونظيره في الشّرع النّطفة نجسة ‪ ،‬وتصير علقةً وهي نجسة ‪ ،‬وتصير مضغةً فتطهر ‪،‬‬
‫ن استحالة العين‬
‫والعصير طاهر فيصير خمرا فينجس ‪ ،‬ويصير خلً فيطهر ‪ ،‬فعرفنا أ ّ‬
‫تستتبع زوال الوصف المرتّب عليها ‪.‬‬
‫ونصّ الحنفيّة على أنّ ما استحالت به النّجاسة بالنّار ‪ ،‬أو زال أثرها بها يطهر ‪.‬‬
‫كما تطهر النّجاسة عندهم بانقلب العين ‪ ،‬وهو قول محمّد وأبي حنيفة ‪ ،‬وعليه الفتوى ‪،‬‬
‫واختاره أكثر المشايخ ‪ ،‬خلفا لبي يوسف ‪.‬‬
‫ومن تفريعات ذلك ما نقله ابن عابدين عن المجتبى أنّه إن جعل الدّهن النّجس في صابون‬
‫يفتى بطهارته ‪ ،‬لنّه تغيّر ‪ ،‬والتّغيّر يطهّر عند محمّد ‪ ،‬ويفتى به للبلوى ‪ ،‬وعليه يتفرّع ما‬
‫لو وقع إنسان أو كلب في قدر الصّابون فصار صابونا يكون طاهرا لتبدّل الحقيقة ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬العلّة عند محمّد هي التّغيّر وانقلب الحقيقة ‪ ،‬وإنّه يفتى به للبلوى ‪،‬‬
‫ومقتضاه ‪ :‬عدم اختصاص ذلك الحكم بالصّابون ‪ ،‬فيدخل فيه كلّ ما كان فيه تغيّر وانقلب‬
‫حقيقةً ‪ ،‬وكان فيه بلوى عامّة ‪.‬‬
‫ص المالكيّة على أنّ الخمر إذا تحجّرت فإنّها تطهر ‪ ،‬لزوال السكار منها ‪ ،‬وأنّ رماد‬
‫كما ن ّ‬
‫ن النّار تطهر ‪.‬‬
‫النّجس طاهر ‪ ،‬ل ّ‬
‫ل قويّا أو ل ‪ ،‬فالخبز المخبوز بالرّوث النّجس‬
‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬سواء أكلت النّار النّجاسة أك ً‬
‫طاهر ولو تعلّق به شيء من الرّماد ‪ ،‬وتصحّ الصّلة قبل غسل الفم من أكله ‪ ،‬ويجوز حمله‬
‫في الصّلة ‪.‬‬
‫ما يطهر من الجلود بالدّباغة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على نجاسة جلود ميتة الحيوانات قبل الدّباغ ‪ ،‬واختلفوا في طهارة‬ ‫‪23‬‬

‫ف ‪ 8‬وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪20‬‬ ‫جلود الميتة بالدّباغة على تفصيل في مصطلح ‪ ( :‬دباغة ج‬
‫تطهير الخفّ من النّجاسة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا أصابت أسفل الخفّ أو النّعل نجاسة فإنّ تطهيره‬ ‫‪24‬‬

‫يكون بغسله ‪ ،‬ول يجزئ لو دلكه كالثّوب والبدن ‪ ،‬ول فرق في ذلك بين أن تكون النّجاسة‬
‫رطبةً أو جا ّفةً ‪ ،‬وعند الشّافعيّة قولن في العفو عن النّجاسة الجافّة إذا دلكت ‪ ،‬أصحّهما ‪:‬‬
‫القول الجديد للشّافعيّ ‪ ،‬وهو أنّه ل يجوز حتّى يغسله ‪ ،‬ول تصحّ الصّلة به ‪ ،‬والثّاني ‪:‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫يجوز لما روى أبو سعيد الخدريّ رضي ال تعالى عنه أ ّ‬
‫قال ‪ » :‬إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر ‪ ،‬فإن رأى في نعليه قذرا أو أذىً فليمسحه ‪،‬‬
‫وليصلّ فيهما « ‪.‬‬
‫قال الرّافعيّ ‪ :‬إذا قلنا بالقديم وهو العفو فله شروط ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن يكون للنّجاسة جرم يلتصق بالخفّ ‪ ،‬أمّا البول ونحوه فل يكفي دلكه بحال ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أن يدلكه في حال الجفاف ‪ ،‬وأمّا ما دام رطبا فل يكفي دلكه قطعا ‪.‬‬
‫ف بها وجب‬
‫الثّالث ‪ :‬أن يكون حصول النّجاسة بالمشي من غير تعمّد ‪ ،‬فلو تعمّد تلطيخ الخ ّ‬
‫الغسل قطعا ‪.‬‬
‫ونقل البهوتيّ عن النصاف أنّ يسير النّجاسة إذا كانت على أسفل الخفّ والحذاء بعد الدّلك‬
‫يعفى عنه على القول بنجاسته ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة إلى أنّه إذا أصاب الخفّ نجاسة لها جرم ‪ ،‬كالرّوث والعذرة ‪ ،‬فجفّت ‪،‬‬
‫فدلكه بالرض جاز ‪ ،‬والرّطب وما ل جرم له كالخمر والبول ل يجوز فيه إ ّل الغسل ‪ ،‬وقال‬
‫أبو يوسف ‪ :‬يجزئ المسح فيهما إلّ البول والخمر ‪ ،‬وقال محمّد ‪ :‬ل يجوز فيهما إ ّل الغسل‬
‫كالثّوب ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إذا أصاب خفّ أحدكم أو نعله‬
‫ولبي يوسف إطلق قول النّب ّ‬
‫ن ذلك طهور لهما « من غير فصل بين‬
‫أذىً فليدلكهما في الرض ‪ ،‬وليصلّ فيهما ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الرّطب واليابس ‪ ،‬والمتجسّد وغيره ‪ ،‬وللضّرورة العامّة ‪.‬‬
‫ولبي حنيفة هذا الحديث ‪ .‬إلّ أنّ الرّطب إذا مسح بالرض يتلطّخ به الخفّ أكثر ممّا كان ‪،‬‬
‫فل يطهّره بخلف اليابس ‪ ،‬لنّ الخفّ ل يتداخله إلّ شيء يسير وهو معفوّ عنه ‪ ،‬ول كذلك‬
‫البول والخمر لنّه ليس فيه ما يجتذب مثل ما على الخفّ ‪ ،‬فيبقى على حاله ‪ ،‬حتّى لو‬
‫ف ‪ ،‬ثمّ دلكه جاز ‪ ،‬كالّذي له جرم ‪ ،‬وبخلف الثّوب لنّه متخلّل‬
‫لصق عليه طين رطب فج ّ‬
‫فتتداخله أجزاء النّجاسة ‪ ،‬فل تزول بالمسح ‪ ،‬فيجب الغسل ‪.‬‬
‫ولمحمّد القياس على الثّوب والبساط ‪ ،‬بجامع أنّ النّجاسة تداخلت في الخفّ تداخلها فيهما ‪.‬‬
‫قال الكمال ‪ :‬وعلى قول أبي يوسف أكثر المشايخ ‪ ،‬وهو المختار لعموم البلوى ‪.‬‬
‫وقال السّرخسيّ عن قول أبي يوسف ‪ :‬وهو صحيح ‪ ،‬وعليه الفتوى للضّرورة ‪.‬‬
‫وفرّق المالكيّة بين أرواث الدّوابّ وأبوالها وبين غيرها من النّجاسات ‪ ،‬فإذا أصاب الخفّ‬
‫شيء من روث الدّوابّ وأبوالها فإنّه يعفى عنه إن دلك بتراب أو حجر أو نحوه حتّى زالت‬
‫العين ‪ ،‬وكذا إن جفّت النّجاسة بحيث لم يبق شيء يخرجه الغسل سوى الحكم ‪.‬‬
‫وقيّد بعضهم العفو بأن تكون إصابة الخفّ أو النّعل بالنّجاسة بموضع يطرقه الدّوابّ كثيرا‬
‫‪ -‬كالطّرق ‪ -‬لمشقّة الحتراز عنه ‪.‬‬
‫قال الدّسوقيّ نقلً عن البنانيّ ‪ :‬وهذا القيد نقله في التّوضيح ‪ ،‬والظّاهر اعتباره ‪ ،‬وفي كلم‬
‫ن العفو إنّما هو لعسر الحتراز ‪،‬‬
‫ابن الحاجب إشارة إليه لتعليله بالمشقّة ‪ ،‬كما ذكر خليل أ ّ‬
‫وعلى هذا فل يعفى عمّا أصاب الخفّ والنّعل من أرواث الدّوابّ بموضع ل تطرقه الدّوابّ‬
‫كثيرا ولو دلكا ‪.‬‬
‫وإن أصاب الخفّ أو النّعل شيء من النّجاسات غير أرواث الدّوابّ وأبوالها ‪ ،‬كخرء الكلب‬
‫أو فضلة الدميّ أو دم ‪ ،‬فإنّه ل يعفى عنه ‪ ،‬ول بدّ من غسله ‪.‬‬
‫قال الحطّاب نقلً عن ابن العربيّ ‪ :‬والعلّة ندور ذلك في الطّرقات ‪ ،‬فإن كثر ذلك فيها صار‬
‫كروث الدّوابّ ‪.‬‬
‫تطهير ما تصيبه النّجاسة من ملبس النّساء في الطّرق ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا تنجّس ذيل ثوب المرأة فإنّه يجب غسله كالبدن ‪،‬‬ ‫‪25‬‬

‫ول يطهّره ما بعده من الرض ‪.‬‬


‫وذهب المالكيّة إلى أنّه يعفى عمّا يصيب ذيل ثوب المرأة اليابس من النّجاسة إذا مرّت بعد‬
‫الصابة على موضع طاهر يابس ‪ ،‬سواء كان أرضا أو غيره ‪.‬‬
‫وقيّدوا هذا العفو بعدّة قيود هي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن يكون الذّيل يابسا وقد أطالته للسّتر ‪ ،‬ل للزّينة والخيلء ‪.‬‬
‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬من المعلوم أنّه ل تطيله للسّتر إلّ إذا كانت غير لبسة لخفّ أو جورب ‪،‬‬
‫فعلى هذا لو كانت لبسةً لهما فل عفو ‪ ،‬كان ذلك من زيّها أم ل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وأن تكون النّجاسة الّتي أصابت ذيل الثّوب مخفّفة جافّة ‪ ،‬فإن كانت رطبةً فإنّه يجب‬
‫الغسل ‪ ،‬إلّ أن يكون معفوّا عنه كالطّين ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وأن يكون الموضع الّذي تم ّر عليه بعد الصابة طاهرا يابسا ‪.‬‬
‫التّطهير من بول الغلم وبول الجارية ‪:‬‬
‫ن التّطهير من بول الغلم وبول الجارية الصّغيرين أكل‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أ ّ‬ ‫‪26‬‬

‫أو ل ‪ ،‬يكون بغسله لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬استنزهوا من البول « ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يجزئ في التّطهير من بول الغلم الّذي لم يطعم الطّعام‬
‫ش الماء على المكان المصاب وغمره به بل سيلن ‪ ،‬فقد روت أمّ قيس‬
‫النّضح ‪ ،‬ويكون بر ّ‬
‫بنت محصن رضي ال عنها ‪ » :‬أنّها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطّعام إلى رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم فأجلسه رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في حجره ‪ ،‬فبال على ثوبه ‪،‬‬
‫فدعا بماء فنضحه ‪ ،‬ولم يغسله « ‪.‬‬
‫أمّا بول الجارية الصّغيرة فل يجزئ في تطهيره النّضح ‪ ،‬ول ب ّد فيه من الغسل ‪ ،‬لخبر‬
‫ن الئتلف‬
‫التّرمذيّ ‪ » :‬ينضح بول الغلم ‪ ،‬ويغسل بول الجارية « ‪ ،‬وفرّق بينهما ‪ :‬بأ ّ‬
‫ق من بولها ‪ ،‬فل يلصق بالمحلّ‬
‫بحمل الصّبيّ يكثر ‪ ،‬فيخفّف في بوله ‪ ،‬وبأنّ بوله أر ّ‬
‫كلصق بولها به ‪.‬‬
‫ي إذا طعم الطّعام وأراده واشتهاه غسل بوله ‪ ،‬وليس إذا طعم ‪ ،‬لنّه قد‬
‫قال أحمد ‪ :‬الصّب ّ‬
‫يلعق العسل ‪ ،‬وما يطعمه لغذائه وهو يريده ويشتهيه يوجب الغسل ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪16‬‬ ‫( ر ‪ :‬أنوثة ف‬
‫تطهير أواني الخمر ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل في تطهير أواني الخمر هو غسلها ‪ ،‬بهذا قال الحنفيّة والمالكيّة في الصّحيح‬ ‫‪27‬‬

‫ي فيما كان مزفّتا من النية ‪.‬‬


‫عندهم والشّافعيّة والشّيخ أبو الفرج المقدسيّ الحنبل ّ‬
‫وفي هذا يقول الحنفيّة ‪ :‬تطهر بغسلها ثلثا بحيث ل تبقى فيها رائحة الخمر ول أثرها ‪،‬‬
‫فإن بقيت رائحتها ل يجوز أن يجعل فيها من المائعات سوى الخلّ ‪ ،‬لنّه بجعله فيها تطهر‬
‫ن ما فيها من الخمر يتخلّل بالخلّ ‪.‬‬
‫وإن لم تغسل ‪ ،‬ل ّ‬
‫وفي الخلصة ‪ :‬الكوز إذا كان فيه خمر تطهيره أن يجعل فيه الماء ثلث مرّات ‪ ،‬كلّ مرّة‬
‫ساعةً ‪ ،‬وإن كان جديدا عند أبي يوسف يطهر ‪ ،‬وعند محمّد ل يطهر أبدا ‪.‬‬
‫ويقول الشّافعيّة ‪ :‬تطهر بغسلها مرّةً واحدةً إذا زال أثر النّجاسة ‪ ،‬ويندب غسلها ثلث‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬إذا استيقظ أحدكم من نومه فل‬
‫مرّات‪ ،‬لما ورد أ ّ‬
‫يغمس يده في الناء حتّى يغسلها ثلثا ‪ ،‬فإنّه ل يدري أين باتت يده « ‪.‬‬
‫ن ذلك يستحبّ إذا تيقّن ويجوز القتصار‬
‫ك في النّجاسة ‪ ،‬فدلّ على أ ّ‬
‫فندب إلى الثّلث للشّ ّ‬
‫على الغسل مرّةً واحدةً ‪.‬‬
‫والغسل الواجب في ذلك ‪ :‬أن يكاثر بالماء حتّى تستهلك النّجاسة ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ ،‬كما جاء في القوانين الفقهيّة ‪ :‬في طهارة الفخّار من نجس غوّاص كالخمر‬
‫قولن ‪ ،‬قال الموّاق نقلً عن النّوادر في أواني الخمر ‪ :‬تغسل وينتفع بها ‪ ،‬ول تضرّها‬
‫الرّائحة ‪ .‬وتطهر أوانيه إذا تحجّرت الخمر فيها أو خلّلت ‪ ،‬ويطهر إناؤها تبعا لها ولو‬
‫فخّارا بغوّاص ‪.‬‬
‫ويقول الحنابلة ‪ :‬إذا كان في الناء خمر يتشرّبها الناء ‪ ،‬ثمّ متى جعل فيه مائع ‪ ،‬سواء‬
‫ظهر فيه طعم الخمر أو لونه ‪ ،‬لم يطهر بالغسل ‪ ،‬لنّ الغسل ل يستأصل أجزاءه من جسم‬
‫الناء ‪ ،‬فلم يطهّره كالسّمسم إذا ابتلّ بالنّجاسة ‪ ،‬قال أبو الفرج المقدسيّ ‪ :‬آنية الخمر منها‬
‫المزفّت ‪ ،‬فتطهر بالغسل ‪ ،‬لنّ الزّفت يمنع وصول النّجاسة إلى جسم الناء ‪ ،‬ومنها ما‬
‫ليس بمزفّت ‪ ،‬فيتشرّب أجزاء النّجاسة ‪ ،‬فل يطهر بالتّطهير ‪ ،‬فإنّه متى ترك فيه مائع ظهر‬
‫فيه طعم الخمر ولونه ‪.‬‬
‫تطهير آنية الكفّار وملبسهم ‪:‬‬
‫ن المختلط به‬
‫‪ -‬يقول الحنفيّة في آنية الكفّار ‪ :‬إنّها طاهرة لنّ سؤرهم طاهر ‪ ،‬ل ّ‬ ‫‪28‬‬

‫ن رسول اللّه صلى ال‬


‫اللّعاب‪ ،‬وقد تولّد من لحم طاهر ‪ ،‬فيكون طاهرا ‪ ،‬فقد روي ‪ » :‬أ ّ‬
‫عليه وسلم أنزل وفد ثقيف في المسجد وكانوا مشركين « ‪.‬‬
‫ولو كان عين المشرك نجسا لما فعل ذلك ‪ :‬ول يعارض بقوله تعالى ‪ { :‬إِ ّنمَا ا ْل ُمشْ ِركُونَ‬
‫ن المراد به النّجس في العقيدة ‪ ،‬فمتى تنجّست أوانيهم فإنّه يجري عليها ما‬
‫َنجَسٌ } ل ّ‬
‫يجري على ما تنجّس من أواني المسلمين من غسل وغيره ‪ ،‬إذ لهم ما لنا وعليهم ما علينا‬
‫وثيابهم طاهرة ‪ ،‬ول يكره منها إلّ السّراويل المتّصلة بأبدانهم لستحللهم الخمر ‪ ،‬ول‬
‫يتّقونها كما ل يتوقّون النّجاسة والتّنزّه عنها ‪ ،‬فلو أمن ذلك بالنّسبة لها وكان التّأكّد من‬
‫طهارتها قائما ‪ ،‬فإنّه يباح لبسها ‪ ،‬وإذا تنجّست جرى عليها ما يجري على تطهير ملبس‬
‫المسلمين عندما تصيبها نجاسة ‪ ،‬سواء بالغسل أو غيره ‪.‬‬
‫وكره الشّافعيّة استعمال أوانيهم وثيابهم لما روى أبو ثعلبة الخشنيّ رضي ال عنه قال ‪:‬‬
‫قلت ‪ :‬يا رسول اللّه إنّا بأرض أهل الكتاب ‪ ،‬ونأكل في آنيتهم فقال ‪ » :‬ل تأكلوا في آنيتهم‬
‫إلّ أن ل تجدوا بدّا ‪ ،‬فإن لم تجدوا بدّا فاغسلوها وكلوا فيها « ‪ .‬ولنّهم ل يتجنّبون‬
‫النّجاسة فكره لذلك ‪.‬‬
‫فإن توضّأ من أوانيهم نظرت ‪ :‬فإن كانوا ممّن ل يتديّنون باستعمال النّجاسة صحّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم توضّأ من مزادة مشركة ‪.‬‬
‫الوضوء ‪ ،‬لنّ النّب ّ‬
‫ن الصل في أوانيهم الطّهارة ‪.‬‬
‫وتوضّأ عمر رضي ال عنه من جرّة نصرانيّ ‪ ،‬ول ّ‬
‫وإن كانوا ممّن يتديّنون باستعمال النّجاسة ففيه وجهان ‪:‬‬
‫ن الصل في أوانيهم الطّهارة ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬ل يصحّ لنّهم‬
‫ح الوضوء ل ّ‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّه يص ّ‬
‫يتديّنون باستعمال النّجاسة كما يتديّن المسلمون بالماء الطّاهر ‪ ،‬فالظّاهر من أوانيهم‬
‫وثيابهم النّجاسة ‪.‬‬
‫وأجاز المالكيّة استعمال أوانيهم إلّ إذا تيقّن عدم طهارتها ‪ ،‬وصرّح القرافيّ في الفروق بأنّ‬
‫جميع ما يصنعه أهل الكتاب والمسلمون الّذين ل يصلّون ول يستنجون ول يتحرّزون من‬
‫النّجاسات من الطعمة وغيرها محمول على الطّهارة ‪ ،‬وإن كان الغالب عليه النّجاسة ‪ ،‬فإذا‬
‫تنجّست أوانيهم فإنّها تطهر بزوال تلك النّجاسة بالغسل بالماء أو بغيره ممّا له صفة‬
‫الطّهوريّة ‪.‬‬
‫وكذلك الحال بالنّسبة لملبسهم ‪ ،‬فإنّ الصل فيها الطّهارة ما لم يصبها النّجس ‪ ،‬ولذا ل‬
‫ن الغالب نجاستها ‪ ،‬فحمل عليها عند الشّكّ ‪ ،‬أمّا إن‬
‫يصلّى في ملبسهم أي ما يلبسونه ‪ ،‬ل ّ‬
‫علمت أو ظنّت طهارتها فإنّه يجوز أن يصلّى فيها ‪.‬‬
‫ويقول الحنابلة في ثيابهم وأوانيهم ‪ :‬إنّها طاهرة مباحة الستعمال ما لم تعلم نجاستها ‪،‬‬
‫وأضافوا ‪ :‬إنّ الكفّار على ضربين ‪ -‬أهل الكتاب وغيرهم ‪ -‬فأمّا أهل الكتاب فيباح أكل‬
‫طعامهم وشرابهم واستعمال آنيتهم ما لم تعلم نجاستها ‪ ،‬قال ابن عقيل ‪ :‬ل تختلف الرّواية‬
‫طعَامُ الّذِينَ أُوتُواْ ا ْلكِتَابَ‬
‫في أنّه ل يحرم استعمال أوانيهم ‪ ،‬لقول اللّه تبارك وتعالى ‪َ { :‬و َ‬
‫حلّ ّل ُكمْ } ‪.‬‬
‫ِ‬
‫وعن عبد اللّه بن مغفّل رضي ال عنه قال ‪ » :‬أصبت جرابا من شحم يوم خيبر ‪ ،‬قال‬
‫فالتزمته ‪ ،‬فقلت ‪ :‬واللّه ل أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا ‪ .‬قال ‪ :‬فالتفتّ فإذا رسول اللّه‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أضافه يهوديّ‬
‫صلى ال عليه وسلم متبسّما « ‪ .‬وروي ‪ » :‬أ ّ‬
‫بخبز وإهالة سنخة « ‪ ،‬وتوضّأ عمر من جرّة نصرانيّة ‪.‬‬
‫وأمّا غير أهل الكتاب ‪ -‬وهم المجوس وعبدة الوثان ونحوهم ‪ -‬ومن يأكل لحم الخنزير‬
‫سنّ والظّفر فحكم‬
‫من أهل الكتاب في موضع يمكنهم أكله ‪ ،‬أو يأكل الميتة ‪ ،‬أو يذبح بال ّ‬
‫ل بالصل ‪ ،‬وأمّا أوانيهم فقال أبو الخطّاب ‪ :‬حكمها حكم‬
‫ثيابهم حكم ثياب أهل ال ّذمّة عم ً‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫ن النّب ّ‬
‫أواني أهل الكتاب ‪ ،‬يباح استعمالها ما لم يتحقّق نجاستها ‪ » ،‬ل ّ‬
‫وسلم وأصحابه توضّئوا من مزادة مشركة « ‪.‬‬
‫ك‪.‬‬
‫ولنّ الصل الطّهارة ‪ ،‬فل تزول بالشّ ّ‬
‫وقال القاضي ‪ :‬هي نجسة ‪ ،‬ل يستعمل ما استعملوه منها إلّ بعد غسله ‪ ،‬لحديث أبي ثعلبة‬
‫ن أوانيهم ل تخلو من أطعمتهم ‪ ،‬وذبائحهم ميتة ‪ ،‬فتتنجّس بها وهذا ظاهر‬
‫المتقدّم ‪ ،‬ول ّ‬
‫كلم أحمد ‪ ،‬فإنّه قال في المجوس ‪ :‬ل يؤكل من طعامهم إلّ الفاكهة ‪ ،‬لنّ الظّاهر نجاسة‬
‫آنيتهم المستعملة في أطعمتهم ‪ ،‬ومتى شكّ في الناء هل استعملوه أم ل ؟ فهو طاهر ‪ ،‬لنّ‬
‫الصل طهارته ‪.‬‬
‫تطهير المصبوغ بنجس ‪:‬‬
‫ن الحنفيّة يقولون ‪:‬‬
‫ن المصبوغ بنجس يطهر بغسله ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪29‬‬

‫يغسل حتّى يصير الماء صافيا ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يغسل بعد ذلك ثلث مرّات ‪.‬‬
‫ويقول المالكيّة ‪ :‬يطهر بغسله حتّى يزول طعم النّجس ‪ ،‬ومتى زال طعمه فقد طهر ولو بقي‬
‫شيء من لونه وريحه ‪.‬‬
‫ويقول الشّافعيّة ‪ :‬يغسل حتّى ينفصل النّجس منه ولم يزد المصبوغ وزنا بعد الغسل على‬
‫وزنه قبل الصّبغ ‪ ،‬وإن بقي اللّون لعسر زواله ‪ ،‬فإن زاد وزنه ضرّ ‪ ،‬فإن لم ينفصل عنه‬
‫لتعقّده به لم يطهر ‪ ،‬لبقاء النّجاسة فيه ‪.‬‬
‫ويقول الحنابلة ‪ :‬يطهر بغسله وإن بقي اللّون لقوله عليه الصلة والسلم في الدّم ‪ » :‬ول‬
‫يضرّك أثره « ‪.‬‬
‫رماد النّجس المحترق بالنّار ‪:‬‬
‫‪ -‬المعتمد عند المالكيّة والمختار للفتوى ‪ ،‬وهو قول محمّد بن الحسن من الحنفيّة وبه‬ ‫‪30‬‬

‫يفتى ‪ ،‬والحنابلة في غير الظّاهر ‪ :‬أنّ رماد النّجس المحترق بالنّار طاهر ‪ ،‬فيطهر بالنّار‬
‫الوقود المتنجّس والسّرقين والعذرة تحترق فتصير رمادا تطهر ‪ ،‬ويطهر ما تخلّف عنها ‪.‬‬
‫‪،‬ف‪.)3‬‬ ‫‪23‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬رماد ج‬
‫تطهير ما يتشرّب النّجاسة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في اللّحم الّذي طبخ بنجس ‪ ،‬هل يطهر أم ل ؟‬ ‫‪31‬‬

‫ن اللّحم الّذي طبخ بنجس ل يمكن‬


‫فذهب الحنفيّة – عدا أبي يوسف – والحنابلة إلى أ ّ‬
‫ب الطّبّاخ في القدر مكان الخلّ خمرا‬
‫ل عن الخانيّة ‪ :‬إذا ص ّ‬
‫تطهيره‪ ،‬قال ابن عابدين نق ً‬
‫غلطا‪ ،‬فالكلّ نجس ل يطهر أبدا ‪ ،‬وما روي عن أبي يوسف أنّه يغلى ثلثا ل يؤخذ به ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ اللّحم الّذي طبخ بنجس من ماء ‪ ،‬أو وقعت فيه نجاسة حال طبخه‬
‫قبل نضجه ‪ ،‬فإنّه ل يقبل التّطهير ‪ ،‬أمّا إن وقعت فيه نجاسة بعد نضجه فإنّه يقبل‬
‫التّطهير ‪ ،‬وذلك بأن يغسل ما تعلّق به من المرق ‪.‬‬
‫ن أنّها سرت فيه ‪ ،‬وإلّ فل‬
‫ي ذلك بما إذا لم تطل إقامة النّجاسة فيه ‪ ،‬بحيث يظ ّ‬
‫وقيّد الدّسوق ّ‬
‫يقبل التّطهير ‪.‬‬
‫ن اللّحم الّذي طبخ بنجس يمكن تطهيره ‪ ،‬وفي كيفيّة طهارته وجهان‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫‪ :‬أحدهما ‪ :‬يغسل ثمّ يعصر كالبساط ‪ ،‬الثّاني ‪ :‬يشترط أن يغلي بماء طهور ‪.‬‬
‫وقطع القاضي حسين والمتولّي بوجوب السّقي مرّ ًة ثانيةً والغلي ‪ ،‬واختار الشّاشيّ الكتفاء‬
‫بالغسل ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء أيضا في الفخّار الّذي يتشرّب النّجاسة ‪ ،‬هل يطهر أم ل ؟‬
‫ن الفخّار الّذي يتشرّب النّجاسة ل يطهر ‪.‬‬
‫فذهب المالكيّة والحنابلة ومحمّد من الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ي أنّ الفخّار البالي إذا حلّت فيه نجاسة غوّاصة يقبل التّطهير ‪،‬‬
‫ونقل الدّسوقيّ عن البنان ّ‬
‫والّذي ل يقبل التّطهير هو الفخّار الّذي لم يستعمل قبل حلول الغوّاص فيه ‪ ،‬أو استعمل‬
‫ي ‪ :‬وهو أولى ‪.‬‬
‫قليلً‪ ،‬قال الدّسوق ّ‬
‫ن مثل الفخّار أواني الخشب الّذي يمكن سريان النّجاسة إلى داخله ‪.‬‬
‫وصرّح المالكيّة بأ ّ‬
‫وذهب أبو يوسف إلى أنّه يمكن تطهير الخزف الّذي يتشرّب النّجاسة ‪ ،‬وذلك بأن ينقع في‬
‫الماء ثلثا ‪ ،‬ويجفّف كلّ مرّة ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬قول محمّد أقيس ‪ ،‬وقول أبي يوسف أوسع ‪.‬‬
‫ونصّ الحنابلة على أنّه ل يطهر باطن حبّ تشرّب النّجاسة ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة ‪ :‬لو طبخت الحنطة في الخمر ‪ ،‬قال أبو يوسف ‪ :‬تطبخ ثلثا بالماء وتجفّف‬
‫في كلّ مرّة ‪ ،‬وقال أبو حنيفة ‪ :‬إذا طبخت في الخمر ل تطهر أبدا ‪ ،‬وبه يفتى ‪ ،‬إلّ إذا صبّ‬
‫فيه الخلّ ‪ ،‬وترك حتّى صار الكلّ خلً ‪.‬‬
‫ونصّ المالكيّة على أنّ الزّيتون الّذي ملّح بنجس ‪ ،‬بأن جعل عليه ملح نجس يصلحه ‪ ،‬إمّا‬
‫وحده أو مع ماء ل يقبل التّطهير ‪ ،‬أمّا لو طرأت عليه النّجاسة بعد تمليحه واستوائه ‪ ،‬فإنّه‬
‫يقبل التّطهير ‪ ،‬وذلك بغسله بالماء المطلق ‪.‬‬
‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬ومثل ذلك يقال في الجبن واللّيمون والنّارنج والبصل والجزر الّذي يتخلّل ‪،‬‬
‫ن أنّها سرت فيه ‪ ،‬وإلّ فل يقبل التّطهير ‪.‬‬
‫ومحلّ عدم الضّرر إذا لم تمكث النّجاسة مدّةً يظ ّ‬
‫ص المالكيّة على أنّ البيض الّذي سلق بنجس ل يقبل التّطهير ‪.‬‬
‫كما ن ّ‬
‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬ول فرق بين أن يكون الماء المسلوق فيه متغيّرا بالنّجاسة أم ل ‪.‬‬
‫ن الماء إذا حلّته نجاسة ولم تغيّره ‪ ،‬ثمّ سلق‬
‫وقال البنانيّ ‪ :‬الظّاهر ‪ -‬كما قاله بعضهم ‪ -‬أ ّ‬
‫فيه البيض ‪ ،‬فإنّه ل ينجّسه ‪ ،‬حيث إنّ الماء حينئذ طهور ولو قلّ على المشهور ‪.‬‬
‫أمّا لو طرأت على البيض المسلوق نجاسة بعد سلقه واستوائه فإنّه ل يتنجّس ‪ ،‬كما أنّه لو‬
‫شوي البيض المتنجّس قشره فإنّه ل ينجس ‪.‬‬
‫ن اللّبن المختلط بنجاسة جامدة ‪ -‬كالرّوث وعظام الميتة ‪ -‬نجس ‪،‬‬
‫ونصّ الشّافعيّة على أ ّ‬
‫ول طريق إلى تطهيره لعين النّجاسة ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬فإن طبخ فالمذهب ‪ -‬وهو الجديد ‪ -‬أنّه على نجاسته ‪.‬‬
‫أمّا اللّبن غير المختلط بنجاسة جامدة ‪ ،‬بأن نجس بسبب عجنه بماء نجس أو بول ‪ ،‬فيطهر‬
‫ظاهره بإفاضة الماء عليه ‪ ،‬ويطهر باطنه بأن ينقع في الماء حتّى يصل الماء إلى جميع‬
‫أجزائه ‪.‬‬
‫ونصّ الحنابلة على أنّه ل يطهر عجين تنجّس ‪ ،‬لنّه ل يمكن غسله ‪.‬‬

‫طهْر *‬
‫ُ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الطّهر في اللّغة هو النّقاء من الدّنس والنّجس والتّطهّر ‪ :‬الغتسال ‪ ،‬يقال ‪ :‬تطهّرت‬ ‫‪1‬‬

‫المرأة إذا انقطع عنها الدّم واغتسلت ‪ ،‬وجمع الطّهر ‪ :‬أطهار ‪.‬‬
‫وفي الشّرع ‪ :‬زمان نقاء المرأة من دم الحيض والنّفاس ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫القرء ‪:‬‬
‫‪ -‬القرء في اللّغة ‪ -‬بفتح القاف وضمّها ‪ -‬يقع على ‪ ،‬الطّهر وعلى الحيض ‪.‬‬ ‫‪2‬‬
‫الحيض ‪:‬‬
‫‪ -‬الحيض في اللّغة السّيلن ‪ ،‬تقول العرب ‪ :‬حاضت الشّجرة إذا سال صمغها ‪ ،‬وحاض‬ ‫‪3‬‬

‫الوادي إذا سال ماؤه ‪ ،‬وحاضت المرأة إذا خرج دمها من رحمها ‪.‬‬
‫صحّة من غير سبب‬
‫وشرعا ‪ :‬هو دم يخرج من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها على سبيل ال ّ‬
‫في أوقات معلومة ‪.‬‬
‫والحيضة المرّة ‪ ،‬وهي الدّفعة الواحدة من دفعات دم الحيض ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫وردت أحكام الطّهر في أبواب الحيض والطّلق والعدّة من كتب الفقهاء كما يلي ‪:‬‬
‫الطّهر في باب الحيض ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه ل حدّ لكثر الطّهر ‪ ،‬فقد ل تحيض المرأة في عمرها إلّ مرّةً ‪،‬‬ ‫‪4‬‬

‫وقد ل تحيض أصلً ‪ ،‬فحينئذ تصلّي وتصوم أبدا ‪ ،‬ويأتيها زوجها ‪ ،‬وتنقضي عدّتها‬
‫بالشهر‪.‬‬
‫ن غالب الطّهر أربعة وعشرون أو ثلثة وعشرون يوما بلياليها ‪ ،‬لنّ غالب‬
‫قالوا ‪ :‬وإ ّ‬
‫الحيض ستّة أيّام بلياليها أو سبعة ‪ ،‬وباقي الشّهر وهو أربع وعشرون أو ثلث وعشرون‬
‫يكون غالب الطّهر ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم لحمنة بنت جحش ‪ » :‬إنّما هي ركضة من‬
‫الشّيطان ‪ ،‬فتحيّضي ستّة أيّام أو سبعة أيّام في علم اللّه ‪ ،‬ثمّ اغتسلي ‪ ،‬فإذا رأيت أنّك قد‬
‫طهرت واستنقأت فصلّي أربعا وعشرين ليل ًة أو ثلثا وعشرين ليل ًة وأيّامها « ‪.‬‬
‫‪24‬‬ ‫إلّ أنّهم اختلفوا في أقلّ الطّهر بين الحيضتين ‪ ،‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬حيض ف‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬
‫كما اختلفوا في حكم الطّهر أو النّقاء الّذي يحدث أثناء فترة الحيض ‪ ،‬كأن رأت يوما وليلةً‬
‫دما ‪ ،‬ويوما وليلةً نقا ًء ‪ ،‬أو يومين دما ويومين نقاءً أو أكثر أو أقلّ ما لم يتجاوز أكثر‬
‫)‪.‬‬ ‫‪9‬‬ ‫الحيض ‪ ،‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تلفيق ف ‪- 4‬‬
‫واختلفوا كذلك في الطّهر من الحيض ‪ ،‬أو النّفاس الّذي يحلّها لزوجها ‪ ،‬فقال جمهور‬
‫الفقهاء ‪ :‬هو أن تغتسل بعد انقطاع الدّم عنها ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إذا انقطع دمها لكثر الحيض جاز لزوجها الوطء قبل الغسل ‪ ،‬وإن انقطع‬
‫لقلّ من ذلك لم يجز له الوطء حتّى تغتسل ‪ ،‬أو يدخل عليها وقت الصّلة فتتيمّم لها ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪44‬‬ ‫وينظر تفصيل هذه الحكام في مصطلح ‪ ( :‬حيض ف‬
‫الطّهر في باب الطّلق ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الرّجل إذا طلّق امرأته ‪ -‬وكانت من ذوات القراء ‪ -‬في طهر لم‬ ‫‪5‬‬

‫يمسّها فيه ثمّ تركها حتّى تنقضي عدّتها فإنّ طلقه يكون سنّيّا ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬أن يطلّق زوجته وهي من ذوات القراء في‬
‫كما اتّفقوا على أنّ من أقسام الطّلق البدع ّ‬
‫ن فيه تطويل العدّة على المرأة فتتضرّر بذلك ‪ ،‬ولنّها قد تحمل من‬
‫طهر جامعها فيه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن ِلعِدّ ِتهِنّ }‬
‫ن في ذلك مخالفةً لقوله تعالى ‪َ { :‬فطَّلقُوهُ ّ‬
‫ذلك الجماع فيحصل النّدم منه ‪ ،‬ول ّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪45‬‬ ‫الية ‪ .‬وتفصيله في مصطلحي ‪ ( :‬طلق ‪ ،‬وحيض ف‬
‫الطّهر في العدّة ‪:‬‬
‫سهِنّ‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في معنى القرء الوارد في قوله تعالى ‪ { :‬وَا ْل ُمطَّلقَاتُ يَ َترَبّصْنَ ِبأَنفُ ِ‬ ‫‪6‬‬

‫ثَلَ َثةَ قُ ُروَءٍ } بعد أن اتّفقوا على أنّ عدّة المرأة المطلّقة إن كانت من ذوات القراء هي‬
‫ثلثة قروء ‪:‬‬
‫فذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ القراء هي ‪ :‬الطهار ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّ القراء هي الحيض ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬قرء ) ‪.‬‬

‫طهُور *‬
‫انظر ‪ :‬طهارة‬

‫طوَاف *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الطّواف لغةً ‪ :‬الدّوران حول الشّيء ‪ ،‬يقال ‪ :‬طاف حول الكعبة وبها يطوف طوفا‬ ‫‪1‬‬

‫وطوفانا بفتحتين ‪ ،‬والمطاف ‪ :‬موضع الطّواف ‪.‬‬


‫صفَا وَا ْلمَ ْروَ َة مِن شَعَآ ِئرِ الّلهِ‬
‫وتطوّف وطوّف ‪ :‬بمعنى طاف ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬إِنّ ال ّ‬
‫طوّفَ ِب ِهمَا } أصله يتطوّف ‪ ،‬قلبت التّاء طاءً‬
‫علَ ْيهِ أَن َي ّ‬
‫ل جُنَاحَ َ‬
‫حجّ الْبَيْتَ َأ ِو اعْ َتمَرَ فَ َ‬
‫ن َ‬
‫َفمَ ْ‬
‫ثمّ أدغمت ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬الطّواف ‪ :‬هو الدّوران حول البيت الحرام ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫السّعي ‪:‬‬
‫‪ -‬السّعي في اللّغة ‪ :‬المشي ‪ ،‬وأيضا القصد إلى الشّيء ‪ ،‬والعدو ‪ ،‬والتّصرّف في‬ ‫‪2‬‬

‫العمال ‪.‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬المشي بين الصّفا والمروة ‪.‬‬
‫ح عَلَ ْي ِه أَن‬
‫وقد يطلق على السّعي الطّواف ‪ ،‬والتّطوّف ‪ ،‬كما سبق في الية ‪ { :‬فَلَ جُنَا َ‬
‫طوّفَ ِب ِهمَا } ‪.‬‬
‫َي ّ‬
‫أنواع الطّواف ‪:‬‬
‫‪ -‬يتنوّع الطّواف بحسب سبب مشروعيّته إلى سبعة أنواع ‪ ،‬وهي ‪ :‬طواف القدوم ‪،‬‬ ‫‪3‬‬

‫طواف الزّيارة ‪ ،‬طواف الوداع ‪ ،‬طواف العمرة ‪ ،‬طواف النّذر ‪ ،‬طواف تحيّة المسجد‬
‫الحرام‪ ،‬طواف التّطوّع ‪.‬‬
‫كذا عدّها الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫وعدّها الشّافعيّة س ّتةً ‪ :‬طواف القدوم ‪ ،‬طواف الرّكن ‪ ،‬طواف الوداع ‪ ،‬طواف ما يتحلّل به‬
‫في الفوات ‪ ،‬طواف النّذر ‪ ،‬طواف التّطوّع ‪.‬‬
‫وقولهم " طواف الرّكن " ‪ :‬يشمل طواف ركن الحجّ وركن العمرة ‪ ،‬وقولهم ‪ " :‬طواف‬
‫التّطوّع " يشمل تحيّة المسجد ‪ ،‬أي المسجد الحرام ‪ ،‬لعتبار أنّ تحيّة المسجد بالصّلة‬
‫تنوب عن الطّواف ‪.‬‬
‫ص مذهب الشّافعيّة بطواف ما يتحلّل به في الفوات ‪ ،‬فإنّه يدخل في العمرة عند‬
‫واخت ّ‬
‫الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬لنّ من فاته الحجّ يتحلّل بعمرة عندهم ‪ ،‬ويتحلّل بطواف‬
‫وسعي وحلق عند الشّافعيّة ‪ ،‬حتّى لو سعى بعد طواف القدوم سقط عنه السّعي ‪ ،‬ول ينقلب‬
‫عمله هذا إلى عمرة عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ولكلّ نوع من هذه النواع أحكامه على التّفصيل التّالي ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬طواف القدوم ‪:‬‬
‫‪ -‬ويسمّى طواف القادم ‪ ،‬وطواف الورود ‪ ،‬وطواف التّحيّة ‪ ،‬لنّه شرع للقادم والوارد‬ ‫‪4‬‬

‫من غير مكّة لتحيّة البيت ‪ ،‬ويسمّى أيضا طواف اللّقاء ‪ ،‬وأوّل عهد بالبيت ‪ ،‬وطواف‬
‫ي القادم إلى مكّة عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة تحيّة للبيت العتيق ‪،‬‬
‫القدوم سنّة للفاق ّ‬
‫لذلك يستحبّ البدء به دون تأخير ‪.‬‬
‫وسوّى الشّافعيّة بين داخلي مكّة ‪ ،‬المحرم منهم وغير المحرم في سنّيّة طواف القدوم ‪،‬‬
‫بناءً على مذهبهم في جواز دخول الحرم بغير إحرام لمن قصده لحاجة غير النّسك ‪.‬‬
‫ولم يجز غيرهم دخول الحرم إلّ بنسك ‪ :‬يحرم حجّا أو عمرةً ‪ ،‬لذلك كان طواف القدوم‬
‫ن المعتمر يبدأ بطواف العمرة ‪.‬‬
‫صةً ‪ ،‬ل ّ‬
‫عندهم من مناسك الحجّ خا ّ‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ طواف القدوم واجب ‪ ،‬من تركه يجب عليه الدّم ‪.‬‬
‫وفي بيان من يجب عليه طواف القدوم ‪ ،‬ودليل الوجوب ‪ ،‬وكيفيّة طواف القدوم ووقته ‪،‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪88‬‬ ‫ومن يسقط عنه ‪ :‬تفصيل سبق في مصطلح ‪ ( :‬حجّ ف‬
‫ثانيا ‪ :‬طواف الفاضة ‪:‬‬
‫‪ -‬طواف الفاضة ركن من أركان الحجّ المجمع عليها ‪ ،‬ل يتحلّل الحاجّ بدونه التّحلّل‬ ‫‪5‬‬

‫الكبر ‪ ،‬ول ينوب عنه شيء ألبتّة ‪ ،‬ويؤدّيه الحاجّ بعد أن يفيض من عرفة ‪ ،‬ويبيت‬
‫بالمزدلفة ‪ ،‬فيأتي منىً يوم العيد ‪ ،‬فيرمي وينحر ويحلق ‪ ،‬ويأتي مكّة ‪ ،‬فيطوف بالبيت‬
‫طواف الفاضة ‪ ،‬ويسمّى أيضا طواف الزّيارة ‪ ،‬ويسمّى طواف الفرض ‪ ،‬والرّكن ‪ ،‬لنّه‬
‫فرض وركن من أركان الحجّ ‪.‬‬
‫وفي فرضيّة طواف الفاضة وكيفيّته وعدد أشواطه ‪ ،‬وشروطه الخاصّة به ‪ ،‬ووقته ‪ ،‬وما‬
‫يسنّ فيه ‪ ،‬وما يترتّب على تأخيره أو تركه ‪ :‬في ذلك كلّه تفصيل سبق في مصطلح ‪ ( :‬حجّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪124‬‬ ‫وف‬ ‫‪55‬‬ ‫إلى‬ ‫‪52‬‬ ‫من ف‬
‫ثالثا ‪ :‬طواف الوداع ‪:‬‬
‫‪ -‬ويسمّى طواف الصّدر ‪ ،‬وطواف آخر العهد ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫وهو واجب عند الجمهور ‪ -‬الحنفيّة والحنابلة وهو الظهر عند الشّافعيّة ‪ -‬ومستحبّ عند‬
‫المالكيّة ‪.‬‬
‫ي صلى ال‬
‫واستدلّ الجمهور على وجوبه بما روى ابن عبّاس رضي ال عنهما عن النّب ّ‬
‫عليه وسلم ‪ » :‬أنّه أمر النّاس أن يكون آخر عهدهم بالبيت « ‪ ،‬إلّ أنّه خفّف عن المرأة‬
‫الحائض ‪.‬‬
‫واستدلّ المالكيّة على أنّه مستحبّ ‪ ،‬بأنّه جاز للحائض تركه دون فداء ‪ ،‬ولو وجب لم يجز‬
‫للحائض تركه ‪.‬‬
‫وفي شروط وجوبه ومن يجب عليه وشروط صحّته ووقته تفصيل سبق في مصطلح ‪:‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪74‬‬ ‫إلى‬ ‫‪70‬‬ ‫( حجّ ف‬
‫رابعا ‪ :‬طواف العمرة ‪:‬‬
‫‪ -‬وهو ركن فيها ‪ ،‬وأوّل وقته بعد الحرام بالعمرة ‪ ،‬ول آخر له ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫وينظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬عمرة ) ‪.‬‬


‫خامسا ‪ :‬طواف النّذر ‪:‬‬
‫‪ -‬وهو واجب ‪ ،‬ول يختصّ بوقت إذا لم يعيّن النّاذر في نذره للطّواف وقتا ‪.‬‬ ‫‪8‬‬

‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬نذر ) ‪.‬‬


‫سادسا ‪ :‬طواف تحيّة المسجد الحرام ‪:‬‬
‫‪ -‬وهو مستحبّ لكلّ من دخل المسجد الحرام ‪ ،‬إلّ إذا كان عليه طواف آخر ‪ ،‬فيقوم‬ ‫‪9‬‬

‫مقامه ‪ ،‬كالمعتمر ‪ ،‬فإنّه يطوف طواف فرض العمرة ‪ ،‬ويندرج فيه طواف تحيّة المسجد ‪،‬‬
‫ن تحيّة هذا‬
‫كما ارتفع به طواف القدوم ‪ ،‬وهو أقوى من طواف تحيّة المسجد ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫المسجد الشّريف هي الطّواف إلّ إذا كان مانع فحينئذ يصلّي تحيّة المسجد ‪.‬‬
‫سابعا ‪ :‬طواف التّطوّع ‪:‬‬
‫‪ -‬ومنه طواف تحيّة المسجد الحرام ‪ ،‬وزمنه ‪ -‬كما سبق ‪ -‬عند الدّخول ‪ ،‬أمّا طواف‬ ‫‪10‬‬

‫التّطوّع غير طواف التّحيّة ‪ ،‬فل يختصّ بزمان دون زمان ‪ ،‬ويجوز في أوقات كراهة‬
‫الصّلة عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫ول ينبغي له أن يتطوّع ويكون عليه غيره من سائر الفروض ‪.‬‬
‫ح من كلّ مسلم عاقل مميّز ‪ -‬ولو من الصّغار ‪ -‬إذا كان طاهرا ‪.‬‬
‫ويص ّ‬
‫ويلزم بالشّروع فيه وكذا في طواف القدوم والتّحيّة ‪ ،‬أي بمجرّد النّيّة عند الحنفيّة ‪ ،‬على‬
‫الخلف في مسألة لزوم إتمام النّافلة بالشّروع فيها ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬شروع ف ‪. ) 5‬‬
‫أحكام الطّواف العامّة ‪:‬‬
‫ذكر الفقهاء أمورا ل بدّ منها في الطّواف بصفة عامّة ‪ ،‬لكنّهم اختلفوا في عدّها ركنا أو‬
‫واجبا أو شرطا على النّحو التّالي ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬حصول الطّائف حول الكعبة العدد المطلوب من الشواط ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّ على كلّ طائف أن يطوف حول الكعبة العدد المطلوب من‬ ‫‪11‬‬

‫الشواط سواء كان حصوله هذا بفعل نفسه ‪ ،‬أو بفعل غيره ‪ ،‬بأن حمله الغير وطاف به ‪،‬‬
‫وسواء كان قادرا على الطّواف بنفسه فأمر شخصا أن يحمله في الطّواف أو حمله الخر‬
‫بغير أمره ‪ ،‬فإنّ هذا كاف في أداء فرض الطّواف ‪ ،‬وسقوطه عن ال ّذمّة ‪ ،‬لنّ الفرض هو‬
‫حصول الطّواف حول البيت ‪ ،‬وقد حصل ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬عدد أشواط الطّواف ‪:‬‬
‫ن الفقهاء اختلفوا بعد ذلك في‬
‫ن عدد أشواط الطّواف المطلوبة سبعة ‪ ،‬لك ّ‬
‫‪ -‬ل خلف أ ّ‬ ‫‪12‬‬

‫ركنيّة السّبعة ‪:‬‬


‫فالجمهور على أنّ الرّكن سبعة أشواط ل يجزئ عن الفرض أقلّ منها ‪.‬‬
‫وقسّم الحنفيّة السّبعة إلى ركن وواجب ‪.‬‬
‫أمّا العدد الرّكن فأكثر هذه السّبعة ‪ ،‬وأمّا الواجب فهو القلّ الباقي بعد أكثر الطّواف ‪.‬‬
‫ن الية تفيد التّكثير ‪ ،‬لنّه‬
‫ت ا ْلعَتِيق } فإ ّ‬
‫طوّفُوا بِالْبَيْ ِ‬
‫واستدلّ الجمهور بقوله تعالى ‪ { :‬وَلْ َي ّ‬
‫عبّر بصيغة التّفعيل ‪ ،‬وقد جاء فعله صلى ال عليه وسلم مبيّنا القدر الّذي يحصل به امتثال‬
‫طوّفُوا } وهو سبعة أشواط ‪ ،‬فتكون هي الفرض ‪.‬‬
‫قوله ‪ { :‬وَلْ َي ّ‬
‫ك ما ا ستدلّوا بأ نّ مقاد ير العبادات ل تعرف بالرّأي والجتهاد ‪ ،‬وإنّ ما تعرف بالتّوق يف ‪ ،‬أي‬
‫التّعل يم من الشّارع ‪ ،‬والرّ سول صلى ال عل يه و سلم طاف سبعا ‪ ،‬وفعله هذا بيان لمنا سك‬
‫الحجّ ‪ ،‬كما قال ‪ » :‬خذوا عنّي مناسككم « ‪.‬‬
‫فالفرض طواف سبعة أشواط ول يعتدّ بما دونها ‪.‬‬
‫واستدلّ الحنفيّة بأدلّة ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫ت ا ْلعَتِيق } وهذا أمر مطلق عن أيّ قيد ‪ ،‬والمر المطلق‬
‫طوّفُوا بِالْبَيْ ِ‬
‫‪ -‬قوله تعالى ‪ { :‬وَلْ َي ّ‬ ‫‪1‬‬

‫يوجب مرّ ًة واحدةً ‪ ،‬ول يقتضي التّكرار ‪ ،‬فالزّيادة على شوط من الطّواف تحتاج إلى دليل‬
‫آخر ‪ ،‬والدّليل قائم على فرضيّة أكثر السّبع ‪ ،‬وهو الجماع ‪ ،‬فتكون فرضا ‪ ،‬ول إجماع‬
‫على فرضيّة الباقي ‪ ،‬فل يكون فرضا بل واجبا ‪.‬‬
‫ن الطّائف قد أتى بأكثر السّبع ‪ ،‬والكثر يقوم مقام الكلّ ‪ ،‬فكأنّه أدّى الكلّ ‪.‬‬
‫‪-‬أّ‬ ‫‪2‬‬

‫وقال كمال الدّين بن الهمام من الحنفيّة ‪ :‬الّذي ندين به أنّه ل يجزئ أقلّ من سبع ‪ ،‬ول‬
‫يجبر بعضه بشيء ‪.‬‬
‫الشّكّ في عدد الشواط ‪:‬‬
‫‪ -‬لو شكّ في عدد أشواط طوافه وهو في الطّواف بنى على اليقين ‪ ،‬وهو القلّ عند‬ ‫‪13‬‬

‫جمهور الفقهاء ‪ -‬الشّافعيّة والحنابلة ‪. -‬‬


‫قال ابن المنذر ‪ :‬أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك ولنّها عبادة ‪ ،‬فمتى شكّ‬
‫فيها وهو فيها بنى على اليقين كالصّلة ‪.‬‬
‫وأجرى المالكيّة ذلك في غير المستنكح ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬يبني الشّاكّ غير المستنكح على القلّ ‪،‬‬
‫ك مطلق التّردّد الشّامل للوهم ‪ ،‬أمّا الشّاكّ المستنكح فيبني على الكثر ‪.‬‬
‫والمراد بالشّ ّ‬
‫وفصّل الحنفيّة في الشّكّ في عدد الشواط بين طواف الفرض والواجب وغيره ‪ :‬أمّا طواف‬
‫الفرض كالعمرة والزّيارة والواجب كالوداع فقالوا ‪ :‬لو شكّ في عدد الشواط فيه أعاده ‪،‬‬
‫ول يبني على غالب ظنّه ‪ ،‬بخلف الصّلة ‪ ،‬ولعلّ الفرق بينهما كثرة الصّلوات المكتوبة‬
‫وندرة الطّواف ‪.‬‬
‫أمّا غير طواف الفرض والواجب وهو النّفل فإنّه إذا شكّ فيه يتحرّى ‪ ،‬ويبني على غالب‬
‫ظنّه ‪ ،‬ويبني على الق ّل المتيقّن في أصله ‪.‬‬
‫ك بعد الفراغ من الطّواف فل يلتفت إليه عند الجمهور ‪ ،‬وسوّى المالكيّة بينه‬
‫أمّا إذا ش ّ‬
‫وبين ما إذا كان في الطّواف ‪ ،‬وأطلق الحنفيّة عباراتهم في الشّكّ ‪.‬‬
‫وإن أخبره ثقة بعدد طوافه أخذ به إن كان عدلً عند الكثر ‪ ،‬وصرّح المالكيّة بشرط كونه‬
‫معه في الطّواف ‪ ،‬ولم يشرط ذلك الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬لو أخبره عدل بعدد مخصوص مخالف لما في ظنّه أو علمه ‪ ،‬يستحبّ له أن‬
‫يأخذ بقوله احتياطا فيما فيه الحتياط فيكذّب نفسه ‪ ،‬لحتمال نسيانه ويصدّقه ‪ ،‬لنّه عدل ل‬
‫ك ; لنّ علمين‬
‫غرض له في خبره ‪ ،‬ولو أخبره عدلن وجب العمل بقولهما ‪ ،‬وإن لم يش ّ‬
‫خير من علم واحد ‪ ،‬ولنّ إخبارهما بمنزلة شاهدين على إنكاره في فعله أو إقراره ‪.‬‬
‫واستحبّ الشّافعيّة له الخذ بقول العدل المخالف لعلمه ‪ ،‬خلفا للصّلة ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬ال ّنيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬مجرّد إرادة الدّوران حول الكعبة ل لقصد شيء آخر يكفي في هذا الشّرط ‪ ،‬دون‬ ‫‪14‬‬

‫تعيينه للفرض أو الوجوب أو السّنّة ‪ ،‬ول تعيين كونه للفاضة أو للصّدر أو للقدوم ونحو‬
‫ذلك ‪ ،‬كما صرّح به الحنفيّة في الرّاجح ‪.‬‬
‫ومن قام بعمل الطّواف لطلب غريم أو فرارا من ظالم ل يعتدّ به ما لم ينو مع عمله هذا‬
‫الطّواف وفي شرح مختصر الطّحاويّ ‪ :‬نيّة الحجّ عند الحرام كافية عن نيّة الطّواف ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬لو طاف طوافا في وقته الّذي عيّن الشّارع وقوعه فيه وقع عنه ‪ ،‬نواه‬
‫بعينه أو ل ‪ ،‬أو نوى طوافا آخر ‪ ،‬فلو قدم معتمرا وطاف بأيّ نيّة كانت من نيّات الطّواف‬
‫كأن نواه تطوّعا يقع طوافه عن العمرة ‪ ،‬أو قدم حاجّا وطاف قبل يوم النّحر وقع عن‬
‫طواف القدوم ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬إنّ نيّة الحرام بالحجّ يندرج فيها الوقوف كالطّواف والسّعي وتطلب النّيّة‬
‫وقال الدّسوق ّ‬
‫من المارّ دون غيره ‪.‬‬
‫ن نيّة الطّواف شرط إن استقلّ بأن لم يشمله نسك ‪ ،‬كالطّواف المنذور‬
‫وقرّر الشّافعيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫والمتطوّع به ‪ ،‬قال ابن الرّفعة ‪ :‬وطواف الوداع ل ب ّد له من نيّة ‪ ،‬لنّه يقع بعد التّحلّل ‪،‬‬
‫لنّه ليس من المناسك عند الشّيخين ‪ ،‬بخلف الطّواف الّذي يشمله نسك وهو طواف الرّكن‬
‫للحجّ أو العمرة وطواف القدوم فل يحتاج ذلك إلى نيّة في الصحّ ‪ ،‬لشمول نيّة النّسك له ‪،‬‬
‫وقالوا ‪ :‬ما لم يصرف الطّواف إلى غرض آخر من طلب غريم أو نحوه ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل ب ّد لصحّة الطّواف من النّيّة لحديث ‪ » :‬إنّما العمال بالنّيّات « ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم سمّاه صل ًة والصّلة ل تصحّ إلّ بالنّيّة اتّفاقا ‪ ،‬وفي طواف‬
‫ولنّ النّب ّ‬
‫الفاضة يعيّن في نيّته هذا الطّواف ‪.‬‬
‫طواف المغمى عليه ‪:‬‬
‫‪ -‬لو طاف بالمغمى عليه رفاقه محمولً ‪ ،‬أجزأ ذلك الطّواف الواحد عن الحامل‬ ‫‪15‬‬

‫والمحمول إن نواه الحامل عن نفسه وعن المحمول ‪ ،‬وإن كان بغير أمر المغمى عليه ‪،‬‬
‫بنا ًء على أنّ عقد الرّفقة متضمّن لفعل هذه المنفعة ‪ ،‬وسواء اتّفق طوافهما بأن كان‬
‫لعمرتهما ‪ ،‬أو لزيارتهما ‪ ،‬ونحوهما ‪ ،‬أو اختلف طوافهما ‪ ،‬فيكون طواف الحامل عمّا‬
‫أوجبه إحرامه ‪ ،‬وطواف المحمول كذلك ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪143‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪137‬‬ ‫وانظر المسألة في مصطلح ‪ ( :‬إحرام ف‬
‫طواف النّائم والمريض ‪:‬‬
‫‪ -‬لو طاف أحد بمريض وهو نائم من غير إغماء ففيه تفصيل عند الحنفيّة ‪ :‬إن كان‬ ‫‪16‬‬

‫الطّواف بأمره وحملوه على فوره أي ساعته عرفا وعاد ًة يجوز ‪ ،‬وإلّ بأن طافوا به من‬
‫غير أن يأمرهم بالطّواف به أو فعلوا لكن ل على فوره فل يجزيه الطّواف ‪.‬‬
‫ففرّقوا في الحكم بين الوقوف والطّواف لعدم اشتراط النّيّة في الوقوف بعرفة ‪ ،‬وفرّقوا بين‬
‫المغمى عليه والنّائم فاكتفوا في المغمى عليه بعقد الرّفقة ‪ ،‬وفي المريض النّائم اعتبروا‬
‫ن أقرب إلى الشّعور من حال المغمى عليه ‪.‬‬
‫المر الصّريح لقيام نيّتهم مقام نيّته ‪ ،‬ل ّ‬
‫وعند غير الحنفيّة ينتظر حتّى يفيق المغمى عليه والنّائم ويستوفي شروط الطّواف الّتي‬
‫منها الطّهارتان ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬وقوع الطّواف في المكان الخاصّ ‪:‬‬
‫‪ -‬مكان الطّواف هو حول الكعبة المشرّفة داخل المسجد الحرام ‪ ،‬قريبا من البيت أو‬ ‫‪17‬‬

‫طوّفوا بالبيت العتيق } ‪.‬‬


‫بعيدا عنه ‪ ،‬وهذا شرط متّفق عليه ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬ولي ّ‬
‫فلو طاف من وراء مقام إبراهيم عليه السلم ‪ ،‬أو من وراء حائل كمنبر أو غيره‬
‫كالعمدة ‪ ،‬أو على سطح المسجد الحرام أجزأه ذلك ‪ ،‬لنّه قد حصل حول البيت ‪ ،‬ما دام‬
‫ضمن المسجد‪ ،‬وإن وسع المسجد ‪ ،‬ومهما توسّع ما لم يبلغ الحلّ عند الجمهور ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يجوز الطّواف بسقائف المسجد ‪ ،‬وهي محلّ كان به قباب معقودة ‪ ،‬ومن‬
‫وراء زمزم وقبّة الشّراب حذاء زمزم ‪ ،‬ول يض ّر حيلولة السطوانات وزمزم والقبّة بين‬
‫الطّائف والبيت بسبب زحمة انتهت إليها ‪ ،‬لنّ الزّحام يصيّر الجميع متّصلً بالبيت ‪ ،‬وإن لم‬
‫تكن زحمة بل طاف تحت السّقائف اعتباطا ‪ ،‬أو لحرّ ‪ ،‬أو لبرد ‪ ،‬أو مطر أعاد وجوبا ما دام‬
‫ن الظّاهر أنّ‬
‫بمكّة ‪ ،‬ولم يرجع له من بلده أو ممّا يتعذّر منه الرّجوع ‪ ،‬وعليه الدّم ‪ ،‬لك ّ‬
‫الحرّ والبرد الشّديدين كالزّحمة ‪ ،‬كما قرّر الدّسوقيّ ‪ ،‬وعلى هذا لو طاف في السّقائف‬
‫لزحمة ث ّم قبل كماله زالت الزّحمة وجب إكماله في المحلّ المعتاد ‪ ،‬سواء كان الباقي قليلً‬
‫أو كثيرا ‪ ،‬فلو كمل الباقي في السّقائف فالظّاهر أنّه يعيد ذلك الّذي كمّله في السّقائف ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬أن يكون الطّواف حول البيت كلّه ‪:‬‬
‫‪ -‬وذلك يشمل الشّاذروان ‪ ،‬وهو الجزء السّفليّ الخارج عن جدار البيت مرتفعا على‬ ‫‪18‬‬

‫وجه الرض على القول بأنّه من الكعبة ‪.‬‬


‫وقد اختلف فيه هل هو من الكعبة أو ليس من الكعبة ؟ فقال جماعة ‪ :‬هو من الكعبة تركته‬
‫قريش لضيق النّفقة ‪ ،‬وقال الحنفيّة ‪ :‬ليس من الكعبة وعليه المحقّقون ‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬أن يكون الحجر داخلً في طوافه ‪:‬‬
‫حجْر ‪ -‬بكسر الحاء وسكون الجيم ‪ -‬هو الموضع المحاط بجدار مقوّس تحت‬
‫‪ -‬ال ِ‬ ‫‪19‬‬

‫ميزاب الكعبة ‪ ،‬في الجهة الشّماليّة من الكعبة ‪ ،‬ويسمّى الحطيم أيضا ‪.‬‬
‫والحجر هو جزء من البيت ‪ ،‬تركته قريش لضيق النّفقة ‪ ،‬وأحاطته بالجدار ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الّذي‬
‫منها ستّة أذرع أو سبعة أذرع ‪ ،‬فالنّظر في القدر الزّائد إلى طواف النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم من ورائه ‪ ،‬وهو ما قطع به أكثر الشّافعيّة كما صرّح به النّوويّ في المجموع ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال لها ‪ » :‬ألم تري أنّ‬
‫وعن عائشة رضي ال عنها أ ّ‬
‫قومك لمّا بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم ؟ فقلت ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬أل تردّها على‬
‫قواعد إبراهيم ؟ قال ‪ :‬لول حدثان قومك بالكفر لفعلت فقال عبد اللّه بن عمر رضي ال‬
‫عنهما ‪ :‬لئن كانت عائشة رضي ال عنها سمعت هذا من رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫ما أرى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ترك استلم الرّكنين اللّذين يليان الحجر إلّ أنّ‬
‫البيت لم يتمّم على قواعد إبراهيم « ‪.‬‬
‫وعنها قالت ‪ » :‬سألت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن الجدر أمن البيت هو ؟ قال ‪:‬‬
‫نعم « ‪.‬‬
‫ن الطّواف من‬
‫وقد ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وعطاء وأبو ثور وابن المنذر ‪ :‬إلى أ ّ‬
‫وراء الحطيم فرض ‪ ،‬من تركه لم يعتدّ بطوافه ‪ ،‬حتّى لو مشى على جداره لم يجزئه ‪ ،‬لنّه‬
‫ل في الطّواف ‪.‬‬
‫جزء من الكع بة ‪ ،‬ك ما ث بت ذلك بال سّنّة ال صّحيحة ‪ ،‬وي جب أن يكون داخ ً‬
‫ي صلى ال عليه وسلم على الطّواف من وراء الحجر ‪ ،‬وفعله‬
‫واستدلّوا أيضا بمواظبة النّب ّ‬
‫بيان للقرآن ‪ ،‬فيلتحق به ‪ ،‬فيكون فرضا ‪.‬‬
‫ن كونه جزءا من البيت ثبت بخبر‬
‫أمّا الحنفيّة فقالوا ‪ :‬دخول الحجر في الطّواف واجب ل ّ‬
‫الواحد ‪ ،‬وخبر الواحد يثبت به الوجوب عندهم ل الفرض ‪.‬‬
‫ح طوافه عند الجمهور ‪ ،‬ولم يعتدّ به ‪،‬‬
‫وعلى ذلك فمن ترك الطّواف خلف الحجر لم يص ّ‬
‫لنّه لم يطف بجميع البيت ‪.‬‬
‫أمّا عند الحنفيّة فيجب عليه إعادة الطّواف ما دام بمكّة ‪ ،‬فإن رجع إلى بلده بغير إعادة‬
‫فعليه هدي يرسله إلى مكّة ‪ ،‬والفضل عند الحنفيّة إعادة كلّ الطّواف ليؤدّيه على الوجه‬
‫الحسن ‪ ،‬وللخروج من الخلف ‪.‬‬
‫أمّا الواجب في العادة ‪ :‬فيجزيه أن يأخذ عن يمينه خارج الحجر مبتدئا من أوّل أجزاء‬
‫الفرجة أو قبله بقليل احتياطا ‪ ،‬ويطوف حتّى ينتهي إلى آخره ‪ ،‬ثمّ يدخل الحجر من الفرجة‬
‫الّتي وصل إليها ويخرج من الجانب الخر ‪ ،‬أو ل يدخل الحجر ‪ ،‬بل يرجع ويبتدئ من أوّل‬
‫الحجر ‪.‬‬
‫سابعا ‪ :‬ابتداء الطّواف من الحجر السود ‪:‬‬
‫ن ابتداء الطّواف من الحجر‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة وهو قول عند المالكيّة إلى أ ّ‬ ‫‪20‬‬

‫السود شرط لصحّة الطّواف ‪ ،‬وهو رواية في مذهب الحنفيّة ‪ ،‬فل يعتدّ بالشّوط الّذي بدأه‬
‫بعد الحجر السود ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم وجعلوها دليل الفرضيّة ‪ ،‬لنّها بيان لجمال‬
‫واستدلّوا بمواظبة النّب ّ‬
‫القرآن ‪.‬‬
‫ول بدّ عندهم من محاذاة الحجر السود بجميع البدن ‪ ،‬لنّ ما وجب فيه محاذاة البيت‬
‫وجبت محاذاته بجميع البدن ‪ ،‬كالستقبال في الصّلة ‪.‬‬
‫ن ابتداء الطّواف من الحجر السود‬
‫وذهب الحنفيّة والمالكيّة على الرّاجح في المذهبين إلى أ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم واظب على ذلك ‪ ،‬والمواظبة دليل الوجوب ‪ ،‬ل‬
‫واجب ‪ ،‬لنّ النّب ّ‬
‫سيّما وقد قال صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬خذوا عنّي مناسككم « فيلزم الدّم بترك البداية منه‬
‫في طواف الرّكن ‪.‬‬
‫ن المواظبة من غير ترك‬
‫ي القارئ ‪ :‬ولو قيل ‪ :‬إنّه واجب ل يبعد ‪ ،‬ل ّ‬
‫قال المحقّق الشّيخ عل ّ‬
‫مرّة دليله ‪ ،‬فيأثم به ويجزيه ‪ ،‬ولو كان في الية إجمال لكان شرطا كما قال محمّد ‪ ،‬لكنّه‬
‫ق البتداء ‪ ،‬فيكون مطلق التّطوّف فرضا ‪ ،‬وافتتاحه ‪ -‬أي من الحجر السود ‪-‬‬
‫منتف في ح ّ‬
‫واجبا للمواظبة ‪ .‬وهو الشبه والعدل ‪ ،‬فينبغي أن يكون هو المعوّل ‪.‬‬
‫ثامنا ‪ :‬التّيامن ‪:‬‬
‫‪ -‬التّيامن ‪ :‬سير الطّائف عن يمين الكعبة ‪ ،‬وجعل يساره لجانب الكعبة ‪ ،‬وهذا شرط‬ ‫‪21‬‬

‫عند جمهور الفقهاء وقرّروا أنّ الطّواف على عكس ذلك باطل ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم جعل البيت في الطّواف على يساره « ‪ ،‬ولنّها‬
‫واستدلّوا ‪ » :‬بأنّ النّب ّ‬
‫عبادة متعلّقة بالبيت فيجب فيها التّرتيب كالصّلة ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬التّيامن واجب في الطّواف ‪ ،‬والطّواف على عكسه صحيح مع الكراهة‬
‫التّحريميّة ‪ ،‬وتجب إعادته ما دام بمكّة ‪ ،‬وإن رجع إلى أهله من غير إعادة يجب عليه الدّم‬
‫طوّفُوا‬
‫‪ .‬واستدلّوا بأنّه هيئة متعلّقة بالطّواف ‪ ،‬فل تمنع صحّته ‪ ،‬وجعلوا الية ‪ { :‬وَلْ َي ّ‬
‫ن المر مطلق ‪،‬‬
‫ت ا ْلعَتِيق } دليلً على إجزاء الطّواف وصحّته على أيّ هيئة ‪ ،‬ل ّ‬
‫بِالْبَيْ ِ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم على الوجوب ‪.‬‬
‫فيتأدّى الرّكن بدون تلك الهيئة ‪ ،‬وحملوا فعل النّب ّ‬
‫تاسعا ‪ :‬الطّهارة من الحدث والخبث ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى ‪ :‬أنّ الطّهارة من الحداث ومن النجاس شرط‬ ‫‪22‬‬

‫لصحّة الطّواف ‪ ،‬فإذا طاف فاقدا أحدها فطوافه باطل ل يعتدّ به ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬الطّهارة من الحدث ومن الخبث واجب للطّواف ‪ ،‬وهو رواية عن أحمد ‪.‬‬
‫ن الطّهارة من النّجاسة الحقيقيّة سنّة مؤكّدة ‪.‬‬
‫وإن كان أكثر الحنفيّة على أ ّ‬
‫استدلّ الجمهور بحديث ابن عبّاس عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬الطّواف بالبيت‬
‫صلة فأقلّوا من الكلم « ‪.‬‬
‫وإذا كان صل ًة والصّلة ل تجوز بدون الطّهارة من الحداث ‪ ،‬فكذلك الطّواف ل بدّ فيه من‬
‫الطّهارة ‪.‬‬
‫طوّفُوا بِالْبَيْتِ ا ْلعَتِيق } ‪.‬‬
‫واستدلّ الحنفيّة بقوله تعالى ‪ { :‬وَلْ َي ّ‬
‫ووجه الستدلل بها أنّ المر بالطّواف مطلق لم يقيّده الشّارع بشرط الطّهارة ‪ ،‬وهذا نصّ‬
‫قطعيّ ‪ ،‬والحديث خبر آحاد ويفيد غلبة الظّنّ فل يقيّد نصّ القرآن ‪ ،‬لنّه دون رتبته ‪،‬‬
‫فحملنا الحديث على الوجوب وعملنا به ‪.‬‬
‫وعلى ذلك ‪ :‬فمن طاف محدثا فطوافه باطل عند الجمهور ‪ ،‬وعليه العود لدائه إن كان‬
‫طوافا واجبا ‪ ،‬ول تحلّ له النّساء إن كان طواف إفاضة حتّى يؤدّيه ‪.‬‬
‫أمّا عند الحنفيّة فهو صحيح لكن تجب إعادته ما دام بمكّة ‪ ،‬وإلّ وجب عليه الفداء ‪.‬‬
‫ومن أحدث في أثناء الطّواف يذهب فيتوضّأ ويتمّم الشواط ول يعيدها عند الحنفيّة‬
‫والشّافعيّة ‪ ،‬وهو رواية عن مالك ‪.‬‬
‫والمشهور عن مالك ‪ :‬أنّه يعيد الطّواف من أوّله ‪ ،‬ول يبني على الشواط السّابقة ‪ ،‬وذلك‬
‫لنّ الموالة في أشواط الطّواف شرط في صحّة الطّواف ‪.‬‬
‫ن الطّهارة شرط له ‪ ،‬وإن‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه إن أحدث عمدا فإنّه يبتدئ الطّواف ‪ ،‬ل ّ‬
‫سبقه الحدث ففيه روايتان ‪:‬‬
‫إحداهما ‪ :‬يبتدئ أيضا ‪ ،‬والرّواية الثّانية ‪ :‬يتوضّأ ويبني ‪ ،‬قال حنبل عن أحمد فيمن طاف‬
‫ثلثة أشواط أو أكثر ‪ ،‬يتوضّأ فإن شاء بنى ‪ ،‬وإن شاء استأنف ‪ ،‬قال أبو عبد اللّه ‪ :‬يبني‬
‫إذا لم يحدث حدثا إلّ الوضوء ‪ ،‬فإن عمل عملً غير ذلك استقبل الطّواف ‪ ،‬وذلك لنّ‬
‫الموالة تسقط عند العذر في إحدى الرّوايتين ‪ ،‬وهذا معذور ‪ ،‬فجاز البناء ‪ ،‬وإن اشتغل‬
‫بغير الوضوء فقد ترك الموالة لغير عذر فلزمه البتداء إذا كان الطّواف فرضا ‪ ،‬فأمّا‬
‫المسنون فل تجب إعادته كالصّلة المسنونة إذا بطلت ‪.‬‬
‫عاشرا ‪ :‬ستر العورة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الجمهور إلى أنّ ستر العورة شرط في صحّة الطّواف ‪ ،‬وقال الحنفيّة ‪ :‬هو‬ ‫‪23‬‬

‫ن الطّواف عند الجمهور كالصّلة يجب فيه‬


‫واجب في الطّواف ليس شرطا لصحّته ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫ستر العورة لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬الطّواف بالبيت صلة « ‪ ،‬ولحديث ‪ » :‬ل‬
‫يطوف بالبيت عريان « ‪.‬‬
‫فمن أخلّ بستر العورة الخلل المفسد للصّلة بحسب المذاهب ‪ ،‬فسد طوافه عند الجمهور ‪،‬‬
‫وعند الحنفيّة عليه الدّم ‪.‬‬
‫حادي عشر ‪ :‬موالة أشواط الطّواف ‪:‬‬
‫‪ -‬اشتراط الموالة بين أشواط الطّواف مذهب المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وعند الحنفيّة‬ ‫‪24‬‬

‫والشّافعيّة سنّة للتّباع ‪ ،‬لنّه صلى ال عليه وسلم والى في طوافه ‪ ،‬وفي قول عند‬
‫الشّافعيّة أنّ الموالة واجبة ‪.‬‬
‫ودليل شرط الموالة ووجوبها حديث ‪ » :‬الطّواف بالبيت صلة « فيشترط له الموالة‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫كسائر الصّلوات ‪ ،‬ودليل السّنّيّة فعل النّب ّ‬
‫ثاني عشر ‪ :‬المشي للقادر عليه ‪:‬‬
‫ن المشي للقادر عليه واجب مطلقا في أيّ‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة وهو رواية عن أحمد إلى أ ّ‬ ‫‪25‬‬

‫طواف ‪ ،‬وعند المالكيّة واجب في الطّواف الواجب ‪ ،‬وأمّا الطّواف غير الواجب فالمشي فيه‬
‫سنّة عندهم ‪.‬‬
‫ن المشي في الطّواف سنّة ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة وهو رواية عن أحمد إلى أ ّ‬
‫فلو طاف راكبا مع قدرته على المشي لزمه دم عند الحنفيّة والمذهب عند الحنابلة لتركه‬
‫واجب المشي ‪ ،‬إلّ إذا أعاده ماشيا ‪ ،‬أمّا عند الشّافعيّة والرّواية الخرى عن أحمد فيجوز‬
‫طوافه بل كراهية ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان عاجزا عن المشي وطاف محمولً فل فداء عليه اتّفاقا ول إثم ‪.‬‬
‫ثالث عشر ‪ :‬فعل طواف الفاضة في أيّام النّحر ‪:‬‬
‫ن أداء طواف الفاضة في أيّام النّحر واجب فلو أخّره حتّى أدّاه‬
‫‪ -‬ذهب أبو حنيفة إلى أ ّ‬ ‫‪26‬‬

‫ح ووجب عليه دم ‪ ،‬جزاء تأخيره عنها وهو المفتى به في المذهب ‪.‬‬


‫بعدها ص ّ‬
‫والمشهور عند المالكيّة ‪ :‬أنّه ل يلزمه بالتّأخير شيء إلّ بخروج ذي الحجّة فإذا خرج لزمه‬
‫دم ‪ ،‬وذهب الشّافعيّة والحنابلة والصّاحبان إلى أنّه ل يلزمه شيء بالتّأخير ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪55‬‬ ‫جف‬
‫وفي تفصيل ذلك ينظر مصطلح ‪ ( :‬ح ّ‬
‫رابع عشر ‪ -‬ركعتا الطّواف بعد كلّ سبعة أشواط ‪:‬‬
‫ل صلة ركعتين ‪ ،‬وهو رواية‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه يجب بعد كلّ طواف فرضا أو نف ً‬ ‫‪27‬‬

‫عن أحمد وقول عند الشّافعيّة ‪ ،‬ووافقهم المالكيّة في الطّواف الرّكن ‪ ،‬أو الواجب في‬
‫المشهور عندهم ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم وبما ورد في حديث جابر ‪ » :‬أنّه صلى ال‬
‫واستدلّوا بمواظبة النّب ّ‬
‫عليه وسلم تقدّم إلى مقام إبراهيم فقرأ ‪ { :‬وَاتّخِذُواْ مِن ّمقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَّلىً } فجعل المقام‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪-‬‬
‫بينه وبين البيت ‪ ،‬فكان أبي يقول ‪ -‬ول أعلمه ذكره إلّ عن النّب ّ‬
‫كان يقرأ في الرّكعتين ‪ُ { :‬قلْ ُه َو الّلهُ َأحَدٌ } و { ُقلْ يَا أَ ّيهَا ا ْلكَا ِفرُونَ } « ‪.‬‬
‫ن صلته بعد الطّواف امتثال لهذا المر ‪ ،‬والمر للوجوب ‪ ،‬إلّ أنّ استنباط‬
‫وهذا إشارة إلى أ ّ‬
‫ذلك من الحديث ظنّيّ ‪ ،‬وذلك يثبت الوجوب الّذي هو دون الفرض وفوق السّنّة ‪.‬‬
‫والمذهب عند الشّافعيّة والحنابلة أنّ ركعتي الطّواف سنّة ‪.‬‬
‫واستدلّوا بما ورد من الحاديث بتحديد الصّلة المفترضة بالصّلوات الخمس ‪ ،‬وصلة‬
‫الطّواف ‪ -‬كما قال الشّيرازيّ ‪ -‬صلة زائدة على الصّلوات الخمس ‪ ،‬فلم تجب بالشّرع على‬
‫العيان كسائر النّوافل ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة والحنابلة إذا صلّى المكتوبة بعد طوافه أجزأته عن ركعتي الطّواف ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة في غير طواف الفرض والواجب تردّد بين الوجوب والسّنّيّة ‪ ،‬واستظهر‬
‫الحطّاب أنّ الرّكعتين سنّة كما قال الدّسوقيّ ‪.‬‬
‫سنن الطّواف ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الضطباع ‪:‬‬
‫‪ -‬هو أن يجعل وسط الرّداء تحت إبطه اليمنى عند الشّروع في الطّواف ويردّ طرفيه‬ ‫‪28‬‬

‫على كتفمه اليسمرى وتبقمى كتفمه اليمنمى مكشوفةً ‪ ،‬واللّفمظ مأخوذ ممن الضّبمع وهمو عضمد‬
‫النسان ‪.‬‬
‫ن النّبيّ‬
‫وهو سنّة عند الجمهور للرّجال دون النّساء ‪ ،‬لما روي عن يعلى بن أميّة ‪ » :‬أ ّ‬
‫ن رسول‬
‫صلى ال عليه وسلم طاف مضطبعا « ‪ ،‬وعن ابن عبّاس رضي ال عنهما ‪ » :‬أ ّ‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم‬
‫تحت آباطهم قد قذفوها على عواتقهم اليسرى « ‪.‬‬
‫ويسنّ الضطباع عند الحنفيّة والشّافعيّة في كلّ طواف بعده سعي كطواف القدوم لمن أراد‬
‫أن يسعى بعده ‪ ،‬وطواف العمرة ‪ ،‬وطواف الزّيارة إن أخّر السّعي إليه ‪ ،‬وزاد الحنفيّة‬
‫طواف النّفل إذا أراد أن يسعى بعده من لم يعجّل السّعي بعد طواف القدوم ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل يضطبع في غير طواف القدوم ‪.‬‬
‫والضطباع سنّة في جميع أشواط الطّواف ‪ ،‬فإذا فرغ من الطّواف ترك الضطباع ‪ ،‬حتّى‬
‫أنّه تكره صلة الطّواف مضطبعا كما صرّح الحنفيّة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬اضطباع ف ‪. ) 4‬‬
‫ب ‪ -‬ال ّرمَل ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّمل هو ‪ :‬إسراع المشي مع تقارب الخطى وه ّز الكتفين من غير وثب ‪.‬‬ ‫‪29‬‬

‫والرّمل سنّة في ك ّل طواف بعده سعي ‪ ،‬فعن ابن عبّاس رضي ال عنهما قال ‪ » :‬قدم‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وأصحابه مكّة وقد وهنتهم حمّى يثرب ‪ .‬فقال المشركون ‪:‬‬
‫إنّه يقدم عليكم غدا قوم قد وهنتهم الحمّى ‪ ،‬ولقوا منها شدّةً ‪ ،‬فجلسوا ممّا يلي الحجر ‪،‬‬
‫وأمرهم النّبيّ صلى ال عليه وسلم أن يرملوا ثلثة أشواط ‪ ،‬ويمشوا ما بين الرّكنين ليرى‬
‫ن الحمّى قد وهنتهم ‪ ،‬هؤلء‬
‫المشركون جلدهم ‪ ،‬فقال المشركون ‪ :‬هؤلء الّذين زعمتم أ ّ‬
‫أجلد من كذا وكذا « ‪.‬‬
‫لكنّ الرّمل ظلّ س ّنةً في الشواط الثّلثة الولى بتمامها ‪ ،‬فقد فعله النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم في حجّته ‪ ،‬وكانت بعد فتح مكّة ودخول النّاس في دين اللّه أفواجا ‪ ،‬كما سبق في‬
‫حديث جابر ‪ » :‬فرمل ثلثا ومشى أربعا « ‪.‬‬
‫وسار على ذلك ال صّحابة أبو بكر وعمر وعثمان والخلفاء من بعده صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ث مّ الرّ مل كالضطباع سنّة في ح قّ الرّجال ‪ ،‬أمّا النّ ساء فل ي سنّ له نّ ر مل ول اضطباع ‪.‬‬
‫ن ل هم الرّ مل‬
‫وا ستثنى الحنابلة من سنّيّة الرّ مل أ هل مكّة و من أحرم من ها أيضا ‪ ،‬فل ي س ّ‬
‫عندهم ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ابتداء الطّواف من جهة الرّكن اليمانيّ ‪:‬‬
‫ي ‪ ،‬ثمّ يستقبل‬
‫ن أن يبدأ الطّواف قريبا من الحجر السود من جهة الرّكن اليمان ّ‬
‫‪ -‬يس ّ‬ ‫‪30‬‬

‫الحجر مهلّلً رافعا يديه ‪ ،‬وذلك ليتحقّق ابتداء الطّواف من الحجر السود ‪ ،‬وهو واجب ‪.‬‬
‫لكنّ المرور بجميع البدن على الحجر السود ليس واجبا عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وهو‬
‫واجب عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لذلك صرّح المحقّقون في المذهب الحنفيّ باستحباب هذه‬
‫الكيفيّة خروجا من الخلف ‪ ،‬فلوا استقبل الحجر مطلقا ونوى الطّواف كفى في حصول‬
‫المقصود الّذي هو البتداء من الحجر عند الحنفيّة والمالكيّة ‪.‬‬
‫قال الحطّاب ‪ :‬يستقبل الحجر بجميع بدنه وتكون يده اليسرى محاذيةً ليمين الحجر ثمّ يقبّله‬
‫ويمشي على جهة يده اليمنى ‪.‬‬
‫د ‪ -‬استقبال الحجر عند ابتداء الطّواف ‪:‬‬
‫‪ -‬استقبال الحجر عند ابتداء الطّواف ‪ ،‬ورفع اليدين عند التّكبير مقابلة الحجر ‪ ،‬نصّ‬ ‫‪31‬‬

‫على هذه السّنّة الحنفيّة ‪.‬‬


‫هم – استلم الحجر وتقبيله ‪:‬‬
‫– استلم الحجر وتقبيله في ابتداء الطّواف وفي كلّ شوط ‪ ،‬وبعد ركعتي الطّواف ‪ ،‬ذهب‬ ‫‪32‬‬

‫ن المالكيّة قيّدوا السّنّيّة بأوّل الطّواف وجعلوا ذلك مستحبّا في‬


‫إلى ذلك جمهور الفقهاء ‪ ،‬لك ّ‬
‫باقيه ‪ ،‬واستحبّ الحنفيّة تقبيل الحجر ‪.‬‬
‫وصفة الستلم ‪ :‬أن يضع كفّيه على الحجر ‪ ،‬ويضع فمه بين كفّيه ويقبّله ‪.‬‬
‫عن ابن عمر ‪ :‬أنّ عمر رضي ال عنه قبّل الحجر وقال ‪ :‬إنّي لعلم أنّك حجر ‪ ،‬ولول أنّي‬
‫رأيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقبّلك ما قبّلتك ‪.‬‬
‫ي عن ابن عمر قال ‪ » :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ل‬
‫وأخرج أبو داود والنّسائ ّ‬
‫ي والحجر في كلّ طوفة « وكان ابن عمر يفعله ‪.‬‬
‫يدع أن يستلم الرّكن اليمان ّ‬
‫و ‪ -‬استلم الرّكن اليمانيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬استلمه يكون بوضع اليدين عليه ‪ ،‬وهو الرّكن الواقع قبل ركن الحجر السود ‪.‬‬ ‫‪33‬‬

‫ي والحجر ‪ ،‬مذ‬
‫عن ابن عمر رضي ال عنهما قال ‪ :‬ما تركت استلم هذين الرّكنين ‪ :‬اليمان ّ‬
‫رأيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يستلمهما ‪ ،‬في شدّة ول رخاء ‪.‬‬
‫والسّنّيّة مذهب الجمهور ‪ ،‬وقول محمّد من الحنفيّة ‪ ،‬لكنّه عند المالكيّة سنّة في الشّوط‬
‫الوّل مندوب في غيره ‪ ،‬وقال الشّيخان ‪ :‬أبو حنيفة وأبو يوسف ‪ :‬هو مندوب ‪.‬‬
‫وذهب الفقهاء إلى أنّه ل يقبّله ول يسجد عليه ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه ل يقبّل ما استلم به الرّكن اليمانيّ ول يشير إليه ‪.‬‬
‫ي ويشير إليه عند العجز عن الوصول إليه ‪،‬‬
‫وعند الشّافعيّة يقبّل ما استلم به الرّكن اليمان ّ‬
‫وعند المالكيّة يضع يده على فمه من غير تقبيل ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يستلم هذين‬
‫ن استلمه ‪ ،‬ل ّ‬
‫أمّا غير هذين الرّكنين فل يس ّ‬
‫الرّكنين ول يستلم غيرهما ‪ ،‬عن عبد اللّه بن عمر رضي ال عنهما قال ‪ » :‬لم أر النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم يستلم من البيت إلّ الرّكنين اليمانيّين « ‪.‬‬
‫ي فقال ‪ :‬والسّبب في‬
‫وقد أبدى العلماء لذلك التّفاوت بين أركان البيت سببا وضّحه الرّمل ّ‬
‫اختلف الركان في هذه الحكام ‪ :‬أنّ الرّكن الّذي فيه الحجر السود فيه فضيلتان ‪ :‬كون‬
‫الحجر فيه ‪ ،‬وكونه على قواعد سيّدنا إبراهيم ‪ ،‬واليمانيّ فيه فضيلة واحدة ‪ :‬وهي كونه‬
‫على قواعد أبينا إبراهيم ‪ ،‬وأمّا الشّاميّان فليس لهما شيء من الفضيلتين ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬الدّعاء ‪:‬‬
‫‪ -‬وهو مخيّر فيه غير محدود عند المالكيّة ‪ ،‬وصرّح الشّافعيّة بأنّه يسنّ في أوّل‬ ‫‪34‬‬

‫الطّواف ‪ ،‬وفي كلّ طوفة الدّعاء بالمأثور وهو ‪ " :‬بسم اللّه واللّه أكبر ‪ ،‬اللّهمّ إيمانا بك ‪،‬‬
‫وتصديقا بكتابك ‪ ،‬ووفاءً بعهدك ‪ ،‬واتّباعا لسنّة نبيّك محمّد صلى ال عليه وسلم " والدّعاء‬
‫المأثور في بقيّة جوانب البيت وهو مندوب ‪ ،‬ومنه ‪:‬‬
‫الدّعاء عند رؤية الكعبة ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّهمّ زد هذا البيت تشريفا وتكريما وتعظيما ومهابةً ‪ ،‬وزد من شرّفه وكرّمه ممّن‬ ‫‪35‬‬

‫حجّه واعتمره تشريفا وتعظيما وبرّا ‪.‬‬


‫اللّهمّ أنت السّلم ‪ ،‬ومنك السّلم ‪ ،‬فحيّنا ربّنا بالسّلم ‪.‬‬
‫دعاء افتتاح الطّواف واستلم الحجر السود أو المرور به ‪:‬‬
‫‪ -‬بسم اللّه واللّه أكبر ‪ ،‬اللّهمّ إيمانا بك ‪ ،‬وتصديقا بكتابك ‪ ،‬ووفاءً بعهدك واتّباعا لسنّة‬ ‫‪36‬‬

‫نبيّك صلى ال عليه وسلم ‪ .‬وحكمه كما سبق ‪.‬‬


‫والمعنى ‪ :‬أطوف باسم اللّه ‪ ،‬وأطوف اللّهمّ إيمانا بك ‪.‬‬
‫الدّعاء في الشواط الثّلثة الولى ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّهمّ اجعله حجّا مبرورا ‪ ،‬وسعيا مشكورا ‪ ،‬وذنبا مغفورا ‪ ،‬اللّهمّ ل إله إلّ أنت وأنت‬ ‫‪37‬‬

‫ت‪.‬‬
‫تحيي بعدما أم ّ‬
‫وإذا كان يؤدّي عمرةً دعا فقال ‪ :‬اجعلها عمرةً مبرور ًة ‪ ،‬وإن كان طوافا نفلً دعا ‪ :‬اجعله‬
‫طوافا مبرورا أي مقبولً وسعيا مشكورا ‪ -‬وسعي الرّجل عمله ‪ -‬كما قال تعالى ‪َ { :‬وأَن‬
‫سعَى } ‪.‬‬
‫ن إِل مَا َ‬
‫س لِلِنسَا ِ‬
‫لّيْ َ‬
‫الدّعاء في الشواط الربعة الباقية ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّهمّ اغفر وارحم ‪ ،‬واعف عمّا تعلم ‪ ،‬وأنت الع ّز الكرم ‪.‬‬ ‫‪38‬‬

‫الدّعاء عند الرّكن اليمانيّ ‪:‬‬


‫‪ -‬بسم اللّه واللّه أكبر ‪ ،‬والسّلم على رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته ‪ ،‬اللّهمّ إنّي أعوذ‬ ‫‪39‬‬

‫بك من الكفر والفقر وال ّذلّ ‪ ،‬ومواقف الخزي في الدّنيا والخرة ‪ ،‬ربّنا آتنا في الدّنيا حسنةً‬
‫وفي الخرة حسنةً وقنا عذاب النّار ‪.‬‬
‫الدّعاء بين الرّكن اليمانيّ والحجر السود ‪:‬‬
‫‪ -‬ربّنا آتنا في الدّنيا حسنةً وفي الخرة حسنةً وقنا عذاب النّار ‪.‬‬ ‫‪40‬‬

‫ربّ قنّعني بما رزقتني ‪ ،‬وبارك لي فيه ‪ ،‬واخلف على كلّ غائبة لي بخير ‪.‬‬
‫الدّعاء بعد ركعتي الطّواف ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّهمّ إنّك تعلم سريرتي وعلنيتي فاقبل معذرتي ‪ ،‬وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي ‪،‬‬ ‫‪41‬‬

‫وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنبي ‪ ،‬اللّهمّ إنّي أسألك إيمانا يباشر قلبي ‪ ،‬ويقينا صادقا‬
‫حتّى أعلم أنّه ل يصيبني إلّ ما كتبت لي ‪ ،‬ورضا بما قسمت ‪.‬‬
‫دعاء لعامّة الطّواف ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّهمّ اغفر لي ذنوبي وخطاياي ‪ ،‬وعمدي ‪ ،‬وإسرافي في أمري ‪ ،‬إنّك إن ل تغفر لي‬ ‫‪42‬‬

‫تهلكني ‪.‬‬
‫اللّهمّ البيت بيتك ‪ ،‬ونحن عبيدك ‪ ،‬ونواصينا بيدك ‪ ،‬وتقلّبنا في قبضتك ‪ ،‬فإن تعذّبنا‬
‫فبذنوبنا‪ ،‬وإن تغفر لنا فبرحمتك ‪ ،‬فرضت حجّك لمن استطاع إليه سبيلً ‪ ،‬فلك الحمد على‬
‫ما جعلت لنا من السّبيل ‪ ،‬اللّهمّ ارزقنا ثواب الشّاكرين ‪.‬‬
‫دعاء الشّرب من ماء زمزم ‪:‬‬
‫ل ‪ ،‬وشفا ًء من كلّ داء ‪.‬‬
‫‪ -‬اللّهمّ إنّي أسألك علما نافعا ‪ ،‬ورزقا واسعا ‪ ،‬وعملً متقبّ ً‬ ‫‪43‬‬

‫ح ‪ -‬القرب من البيت الحرام ‪:‬‬


‫‪ -‬القرب في الطّواف من البيت للرّجال والبعد للنّساء ‪ ،‬وعدّه الشّافعيّة س ّنةً ‪.‬‬ ‫‪44‬‬

‫فلو فات الرّمل بمراعاة القرب من البيت فالرّمل مع البعد أولى ‪ ،‬إ ّل إذا كان الزّحام شديدا‬
‫أو خاف صدم النّساء لو بعد عن البيت ‪ ،‬فالقرب حينئذ مع ترك الرّمل أولى ‪.‬‬
‫ط ‪ -‬حفظ البصر عن كلّ ما يشغله ‪:‬‬
‫ن الطّواف عبادة ‪،‬‬
‫‪ -‬على الطّائف أن يحفظ بصره ‪ ،‬عن ك ّل ما يشغله عن الطّواف ‪ :‬ل ّ‬ ‫‪45‬‬

‫وهو بمنزلة الصّلة ‪ ،‬فينبغي أن يتمّ فيه التّفرّغ لدائه ‪.‬‬


‫ى ‪ -‬السرار بالذّكر والدّعاء ‪:‬‬
‫‪ -‬السرار بالذكار والدعية مطلوب في الطّواف ‪ ،‬لنّ اللّه تعالى سميع ‪ ،‬حتّى ل يؤذي‬ ‫‪46‬‬

‫غيره إن جهر ‪.‬‬


‫ك ‪ -‬التزام الملتزم ‪:‬‬
‫‪ -‬يستحبّ عند جمهور الفقهاء بعد طواف الوداع أن يلتزم الطّائف الملتزم وهو الجدار‬ ‫‪47‬‬

‫الّذي بين الحجر السود وباب الكعبة المشرّفة ‪ ،‬اقتداءً بالرّسول صلى ال عليه وسلم‬
‫والتزامه أن يلصق صدره وخدّه اليمن ‪ ،‬ويداه وكفّاه مبسوطتان قائمتان ‪ ،‬وهو متذلّل‬
‫مستجير بربّ البيت ‪ ،‬والملتزم من المواضع الّتي يستجاب فيها الدّعاء ‪ ،‬ويدعو بالمأثور‬
‫من الدّعاء إن حفظه وإلّ فيما تيسّر ‪.‬‬
‫ل ‪ -‬قراءة القرآن الكريم ‪:‬‬
‫‪ -‬قراءة القرآن من غير رفع صوت عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬ ‫‪48‬‬

‫وعند الحنفيّة تجوز قراءة القرآن ‪ ،‬والذّكر أفضل عند الحنفيّة والمالكيّة ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة فقالوا ‪ :‬مأثور الدّعاء أفضل من القراءة ‪ ،‬وهي أفضل من غير مأثوره ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم هو الفضل ‪ ،‬ولم يثبت عنه في‬
‫استدلّ الحنفيّة بأنّ هدي النّب ّ‬
‫الطّواف قراءة قرآن ‪ ،‬بل الذّكر ‪ ،‬وهو المتوارث من السّلف والمجمع عليه فكان أولى ‪.‬‬
‫واستدلّ الشّافعيّة على أفضليّة الدّعاء بالمأثور في الطّواف على القراءة باتّباع النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم وأفضليّة القرآن على غير المأثور في الطّواف ‪ ،‬بأنّ الموضع موضع ذكر ‪،‬‬
‫والقرآن أفضل الذّكر ‪.‬‬
‫واستدلّوا بالحديث القدسيّ ‪ » :‬من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما‬
‫أعطي السّائلين ‪ ،‬وفضل كلم اللّه على سائر الكلم كفضل اللّه تعالى على خلقه « ‪.‬‬
‫مباحات الطّواف ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬الكلم المباح الّذي يحتاج إليه ‪.‬‬ ‫‪49‬‬

‫صرّح بعض الحنفيّة بكراهة الكلم ‪ ،‬لكنّه محمول على ما ل حاجة إليه ‪.‬‬
‫ن الفضل ألّ يتكلّم لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬الطّواف صلة‬
‫ولذلك صرّح الشّافعيّة أ ّ‬
‫فأقلّوا فيه الكلم « وفي رواية ‪ » :‬إلّ أنّكم تتكلّمون فيه فمن تكلّم فل يتكلّم إلّ بخير « ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬السّلم على من ل يكون مشغولً بالذّكر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الفتاء والستفتاء ‪ ،‬ونحوه من تعليم جاهل أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الخروج من الطّواف لحاجة ضروريّة ‪.‬‬
‫هم ‪ -‬الشّرب ‪ ،‬لعدم إخلله بالموالة لقلّة زمانه ‪ ،‬بخلف الكل ‪.‬‬
‫و ‪ -‬لبس نعل أو خفّ إذا كانا طاهرين ‪.‬‬
‫محرّمات الطّواف ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬ترك ركن من أركان الطّواف ‪ ،‬وحكمه ‪ :‬أنّه ل يتحلّل التّحلّل الكبر إ ّل بالعود‬ ‫‪50‬‬

‫وأدائه إن كان الطّواف فرضا ‪ ،‬أو واجبا ‪.‬‬


‫ن الطّواف غير صحيح ‪ ،‬ويجب أن يعيده‬
‫ب ‪ -‬ترك شرط من شروط الطّواف ‪ ،‬وحكمه ‪ :‬أ ّ‬
‫إن كان فرضا ‪ ،‬أو واجبا ‪.‬‬
‫فإن كان بمكّة أعاده ول إشكال ‪ ،‬وإن سافر من مكّة ‪ ،‬فل بدّ له من الرّجوع إلى مكّة‬
‫وإعادته ‪ ،‬كما في ترك ركن من أركان الطّواف ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ترك واجب من واجبات الطّواف ‪ ،‬وهو غير مجزئ عند الجمهور ‪ ،‬مكروه كراهةً‬
‫تحريم ّيةً عند الحنفيّة حسب اصطلحهم ‪ ،‬ويلزمه الثم ‪ ،‬ويجب عليه الدّم ‪.‬‬
‫مكروهات الطّواف ‪:‬‬
‫‪ -‬نصّ الفقهاء على أمور تكره في الطّواف ‪ ،‬منها ‪:‬‬ ‫‪51‬‬

‫أ ‪ -‬رفع الصّوت بالذّكر والدّعاء والقرآن بما يشوّش على الطّائفين ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الكلم غير المحتاج إليه ‪ ،‬لقول ابن عمر رضي ال عنهما ‪ :‬أقلّوا الكلم فإنّما أنتم في‬
‫صلة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إنشاد شعر ليس من قبيل الذّكر والثّناء على اللّه ‪.‬‬
‫د ‪ -‬ترك سنّة من سنن الطّواف ‪ ،‬حسبما هو مقرّر في كلّ مذهب ‪ ،‬كترك الرّمل في طواف‬
‫بعده سعي ‪ ،‬وكترك استلم الحجر السود والشارة إليه ‪.‬‬
‫هم ‪ -‬الجمع بين أكثر من طواف كامل من غير صلة بعد كلّ طواف ‪ ،‬إلّ إذا وقعت الصّلة‬
‫في وقت كراهة فيؤخّرها عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫و ‪ -‬الطّواف وهو يدافع البول أو الغائط ‪ ،‬أو وهو شديد التّوقان إلى الكل ‪ ،‬ونحو ذلك ممّا‬
‫يشغله عن الحضور في العبادة ‪ ،‬كما يكره في الصّلة ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬الكل في الطّواف اتّفاقا بين الحنفيّة والشّافعيّة وكذا الشّرب عند الشّافعيّة ‪ ،‬وكراهة‬
‫الشّرب أخفّ عندهم ‪ ،‬قال الشّافعيّ ‪ :‬ل بأس بشرب الماء في الطّواف ول أكرهه ‪ ،‬بمعنى‬
‫المأثم ‪ ،‬لكنّي أحبّ تركه ‪ ،‬لنّ تركه أحسن في الدب ‪ ،‬وقال الشّافعيّ في الملء ‪ :‬روي‬
‫عن ابن عبّاس رضي ال عنهما أنّه شرب وهو يطوف ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬وضع الطّائف يده على فيه ‪ ،‬إلّ أن يحتاج إليه مثل دفع التّثاؤب ‪.‬‬
‫ط ‪ -‬تشبيك الصابع أو فرقعتها ‪ ،‬كما يكره ذلك في الصّلة ‪.‬‬
‫كيفيّة الطّواف ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا أراد شخص الطّواف فيستعدّ لذلك بتطهير بدنه وثيابه من النّجاسة ‪ ،‬ويغتسل إن‬ ‫‪52‬‬

‫كان جنبا ‪ ،‬ويتوضّأ ويضبط ثياب إحرامه حتّى يأمن أن تنكشف عورته في أثناء الطّواف‬
‫وزحامه ‪ ،‬وإذا أراد أداء طواف بعده سعي مثل طواف القدوم في حال تقديم السّعي إليه ‪،‬‬
‫وطواف الزّيارة إذا لم يقدّم السّعي عليه ‪ ،‬وطواف العمرة ‪ ،‬فيسنّ له في هذه الطوفة‬
‫الضطباع في الشواط كلّها ‪.‬‬
‫كيفيّة الضطباع ‪:‬‬
‫‪ -‬وكيفيّة الضطباع ‪ :‬أن يجعل الطّائف وسط الرّداء تحت إبطه اليمنى ‪ ،‬ويردّ طرفيه‬ ‫‪53‬‬

‫على كتفه اليسرى ‪ ،‬ويترك كتفه اليمنى مكشوفةً ‪.‬‬


‫ل إلى جهة الرّكن اليمانيّ ‪ ،‬ويقطع التّلبية إن‬
‫ثمّ يتّجه إلى الحجر السود حتّى يتجاوزه قلي ً‬
‫كان محرما ‪ ،‬ينوي الطّواف الّذي يريده ‪ ،‬ويجعل يساره إلى البيت ‪ ،‬ثمّ يستقبل الحجر‬
‫السود ويستلمه ‪ ،‬بأن يضع عليه يديه ويضع وجهه بين كفّيه ‪ ،‬ويقبّله ثلثا ‪.‬‬
‫لكن إذا وجد الطّائف زحاما فيجتنب اليذاء ‪ ،‬ويكتفي بالشارة إلى الحجر بيديه ‪ ،‬لنّ‬
‫استلم الحجر سنّة ‪ ،‬وإيذاء النّاس حرام يجب تركه ‪ ،‬ول يجوز ارتكاب الحرام لجل‬
‫السّنّة ‪ ،‬وقد قال صلى ال عليه وسلم لعمر رضي ال عنه ‪ » :‬يا عمر ‪ ،‬إنّك رجل قويّ ‪،‬‬
‫ل تزاحم على الحجر ‪ ،‬فتؤذي الضّعيف ‪ ،‬إن وجدت خلو ًة فاستلمه ‪ ،‬وإلّ فاستقبله فهلّل‬
‫وكبّر « ‪.‬‬
‫وكيفيّة الشارة ‪ :‬أن يرفع الطّائف يديه حذاء منكبيه ‪ ،‬ويجعل باطنهما نحو الحجر السود‬
‫يشير بهما إليه ‪.‬‬
‫‪ -‬ويرمل الطّائف في الشواط الثّلثة الولى إن كان سيسعى بعد الطّواف ‪.‬‬ ‫‪54‬‬

‫وكيفيّة الرّمل ‪ :‬إسراع المشي مع مقاربة الخطى وه ّز الكتفين من غير وثب ‪ ،‬ويمشي بقيّة‬
‫الشواط ‪ ،‬ويكون في طوافه على غاية الدب والحضور والتّعظيم ‪ ،‬مع غضّ البصر‬
‫وخفض الصّوت بالذّكر والدّعاء ‪ ،‬فإذا وصل إلى الحطيم وهو المكان المحاط بجدار دائريّ ‪،‬‬
‫جهة شمال الكعبة حيث الميزاب فيجعل الحطيم في ضمن طوافه ‪ ،‬ول يدخل في داخله ‪ ،‬فإذا‬
‫وصل إلى الرّكن اليمانيّ فيستلمه ‪ ،‬وذلك بأن يضع يديه عليه فقط ‪ ،‬دون سجود ول تقبيل‬
‫له ول ليديه ‪ ،‬حتّى يصل إلى الحجر السود ‪ ،‬فيكون بذلك قد أدّى شوطا ‪ ،‬فيستلم الحجر‬
‫ويقبّله ‪ ،‬أو يشير إليه إذا كان زحام ‪.‬‬
‫ويتابع الطّواف حتّى تكمل سبعة أشواط عند الحجر السود فيستلمه ويقبّله ختاما لشواط‬
‫الطّواف ‪ ،‬أو يشير إليه إذا كان هناك زحام ‪ ،‬ثمّ يتّجه نحو مقام إبراهيم الخليل عليه السلم‬
‫فيجعله بينه وبين الكعبة ‪ ،‬ويصلّي ركعتي الطّواف ‪ ،‬ولكن ليس هذا الوضع شرطا‬
‫لصحّتهما كما يتوهّم العامّة ‪ ،‬فل يزاحم ويصلّي ركعتي الطّواف أينما تيسّر ‪ ،‬فحيثما أدّاهما‬
‫جائز ‪ ،‬لكنّ الحرم أفضل ‪ ،‬ويقرأ في الرّكعة الولى سورة { ُقلْ يَا أَ ّيهَا ا ْلكَا ِفرُونَ } وفي‬
‫الثّانية { ُقلْ ُهوَ الّل ُه َأحَدٌ } اتّباعا لفعله صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ث ّم يدعو بعدهما بما يحبّ له‬
‫ولمن يحبّ ‪.‬‬

‫طوَى *‬
‫ُ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الطّوى من الطّيّ ‪ ،‬من معاني الطّيّ في اللّغة ‪ :‬بناء البئر بالحجارة ‪ ،‬يقال طويت البئر‬ ‫‪1‬‬

‫فهو طوىً ‪ ،‬فعيل بمعنى مفعول ‪.‬‬


‫وفي اللّسان ‪ :‬طوى جبل بالشّام ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هو واد في أصل الطّور ‪ ،‬وفي التّنزيل العزيز ‪:‬‬
‫ك بِا ْلوَادِ ا ْل ُمقَدّسِ طُوىً } ‪.‬‬
‫{ إِنّ َ‬
‫و في معجمم ياقوت الحمويّم ‪ :‬الطّوى بئر حفر ها ع بد شممس بن ع بد مناف ‪ ،‬وهمي الّ تي‬
‫بأعلى مكّة عند البيضاء دار محمّد بن سيف ‪.‬‬
‫وذو طوًى واد بمكّة ‪ ،‬قال الزّبيديّ ‪ :‬يعرف الن بالزّاهر ‪.‬‬
‫وقال الشّربينيّ الخطيب ‪ :‬طوىً ‪ -‬بالقصر وتثليث الطّاء والفتح أجود ‪ -‬واد بمكّة بين‬
‫الثّنيّتين ‪ -‬كداء العليا والسّفلى ‪ -‬وأقرب إلى السّفلى ‪ ،‬سمّي بذلك لشتماله على بئر‬
‫مطويّة ‪ -‬مبنيّة ‪ -‬بالحجارة ‪.‬‬
‫والمقصود بهذا المصطلح الموضع الّذي في مكّة دون غيره من المعاني اللّغويّة ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى استحباب الغسل في ذي طوىً عند دخول مكّة للطّواف ‪،‬‬ ‫‪2‬‬

‫لما روى نافع قال ‪ :‬كان ابن عمر رضي ال عنهما إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التّلبية‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫ن النّب ّ‬
‫ثمّ يبيت بذي طوىً ‪ ،‬ثمّ يصلّي به الصّبح ويغتسل ويحدّث أ ّ‬
‫كان يفعل ذلك ‪.‬‬
‫ب هذا الغسل بذي طوىً إن كانت في طريقه ‪ ،‬وإلّ اغتسل في غير‬
‫وذهبوا إلى أنّه يستح ّ‬
‫طريقها من نحو مسافتها ‪.‬‬
‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬إن لم يأت من جهتها فيقدّر ما بينهما ‪.‬‬
‫ي من غير طريق المدينة كاليمن فيغتسل من نحو تلك المسافة ‪.‬‬
‫وقال الشّربينيّ ‪ :‬والجائ ّ‬
‫وفي المجموع ‪ :‬وهذا الغسل مستحبّ لكلّ داخل محرم سواء كان محرما بحجّ أو عمرة أو‬
‫قران بل خلف ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة والحنابلة إلى استحباب الغسل عند دخول مكّة مطلقا من غير تحديد موضع ‪.‬‬

‫طوْل *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الطّول في اللّغة ‪ -‬بفتح الطّاء ‪ -‬الفضل يقال ‪ :‬لفلن على فلن طول ‪ :‬أي زيادة‬ ‫‪1‬‬

‫وفضل ‪ ،‬ويقال ‪ :‬طال على القوم يطول طولً إذا أفضل ‪ ،‬وطول الحرّة في الصل مصدر من‬
‫هذا لنّه إذا قدر على صداقها وكلفتها فقد طال عليها ‪ ،‬والصل أن يعدّى بإلى فيقال ‪:‬‬
‫وجدت طولً إلى الحرّة ‪ ،‬ثمّ كثر استعماله فقالوا ‪ :‬طول الحرّة ‪.‬‬
‫ن‪.‬‬
‫ويأتي بمعنى الفضل والم ّ‬
‫وأمّا في الصطلحّ ‪ :‬فهو السّعة والغنى على قول ‪ ،‬وقال آخرون ‪ :‬الطّول كلّ ما يقدر به‬
‫على النّكاح من نقد أو عرض أو دين على مليء ‪ ،‬قال القرطبيّ ‪ :‬الطّول ‪ :‬هو القدرة على‬
‫المهر في قول أكثر أهل العلم ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫المهر ‪:‬‬
‫‪ -‬المهر ‪ :‬صداق المرأة ‪ ،‬وهو ما وجب لها بنكاح أو وطء ‪ ،‬أو تفويت بضع ‪ ،‬وسمّي‬ ‫‪2‬‬

‫المهر صداقا ‪ ،‬لشعاره بصدق رغبة باذله في النّكاح الّذي هو الصل في إيجاب المهر ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل يجوز لواجد الطّول الح ّر أن ينكح أمة غيره ‪ ،‬حتّى ل يفضي‬ ‫‪3‬‬

‫ذلك إلى إرقاق ولده مع الغنى عنه ‪ ،‬لقول عمر رضي ال عنه ‪ :‬أيّما حرّ تزوّج أمةً فقد‬
‫ن من الطّول المحرّم‬
‫ق نصفه ‪ -‬أي ولده ‪ -‬وأيّما عبد تزوّج حرّ ًة فقد أعتق نصفه ‪ ،‬وأ ّ‬
‫أر ّ‬
‫ن وجود الحرّة تحته أعظم من‬
‫لنكاح المة أن تكون تحته حرّة صالحة للستمتاع ‪ ،‬ل ّ‬
‫استطاعة طولها ‪ ،‬ولنّه حينئذ لم يخش العنت ‪ ،‬ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل يتزوّج‬
‫المة على الحرّة « ‪ ،‬فإن لم تكن صالحةً للستمتاع ‪ ،‬بأن كانت تحته صغيرة ل تطيق‬
‫الوطء ‪ ،‬أو هرمة ‪ ،‬أو مجنونة ‪ ،‬أو مجذومة ‪ ،‬أو برصاء ‪ ،‬أو رتقاء ‪ ،‬أو قرناء فيجوز له‬
‫ن وجودها كعدمها ‪ ،‬وهذا‬
‫نكاح المة عند المالكيّة والحنابلة وهو الصحّ عند الشّافعيّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫إذا خاف الزّنى ‪.‬‬
‫واتّفقوا كذلك على أنّ طول الحرّة ل يمنع العبد من نكاح المة ‪ ،‬لنّ نكاحه ليس فيه إرقاق‬
‫حرّ ‪ ،‬ولنّهما متساويان في الرّقّ ‪.‬‬
‫كما اتّفقوا على أنّه يجوز لفاقد الطّول أن ينكح أمة غيره المسلمة بشروط اختلفوا فيها ‪،‬‬
‫ط ْولً‬
‫تبعا لختلفهم في تحديد معنى الطّول الوارد في قوله تعالى ‪َ { :‬ومَن ّل ْم َيسْ َتطِعْ مِن ُكمْ َ‬
‫ت ا ْل ُم ْؤمِنَاتِ َفمِن مّا مَ َلكَتْ أَ ْيمَا ُنكُم مّن فَتَيَا ِتكُمُ ا ْل ُم ْؤمِنَاتِ } الية ‪.‬‬
‫أَن يَن ِكحَ ا ْل ُمحْصَنَا ِ‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أنّ الطّول معناه وجود حرّة تحته ‪ ،‬فإذا لم تكن في عصمته حرّة جاز له‬
‫الزّواج من أمة الغير عند أبي يوسف ومحمّد ‪ ،‬وزاد أبو حنيفة ‪ :‬أن ل تكون عنده حرّة‬
‫تعتدّ من طلقه البائن ‪.‬‬
‫وذهب علماء السّلف وفقهاء المذاهب الثّلثة ‪ -‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬إلى أنّ‬
‫الطّول معناه القدرة على نكاح الحرّة ‪ ،‬سواء أكانت مسلم ًة أم كتاب ّيةً ‪.‬‬
‫وعليه فل يجوز لحرّ مسلم أن ينكح أمة غيره إلّ بشروط ‪ ،‬ينظر تفصيلها في مصطلح ‪:‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪75‬‬ ‫قف‬
‫(رّ‬
‫‪ -‬واتّفق الفقهاء على أنّ من الفضل والخير للرّجل الحرّ الّذي اجتمعت له شروط الباحة‬ ‫‪4‬‬

‫أن يترك نكاح المة وأن يصبر عنها لقوله تعالى ‪َ { :‬وأَن تَصْبِرُواْ خَيْ ٌر ّل ُكمْ } حتّى ل يسبّب‬
‫ق لولده حيث إنّ ولده من المة يكون رقيقا يملكه سيّدها ‪ ،‬إلّ أن يشترط الزّوج على‬
‫الرّ ّ‬
‫مالكها حرّيّته فيكون ولده منها حرّا لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬المسلمون على‬
‫شروطهم إلّ شرطا حرّم حللً أو أحلّ حراما « ‪.‬‬
‫ولقول عمر رضي ال عنه ‪ :‬مقاطع الحقوق عند الشّروط ‪.‬‬
‫ولهذا استثنوا من هذا صورتين ‪:‬‬
‫إحداهما ‪ :‬إذا كان الزّوج ل يولد له ‪ ،‬كالخصيّ مثلً ‪ ،‬لنتفاء محذور رقّ الولد ‪.‬‬
‫الثّانية ‪ :‬أن تكون المة ملكا لصله الحرّ ‪.‬‬

‫طِيب *‬
‫انظر ‪ :‬تطيّب ‪.‬‬

‫طيَرة *‬
‫ِ‬
‫انظر ‪ :‬تطيّر ‪.‬‬

‫طيُور *‬
‫ُ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الطّيور في اللّغة ‪ :‬جمع طير ‪ ،‬وهو جمع طائر ‪ ،‬والطّائر ‪ :‬ك ّل ذي جناح يسبح في‬ ‫‪1‬‬

‫الهواء ‪.‬‬
‫وتطيّر فلن أصله التّفاؤل بالطّير ‪ ،‬ث ّم استعمل في ك ّل ما يتفاءل به أو يتشاءم ‪ ،‬لنّ العرب‬
‫ي لمهمّ مرّت بمجاثم الطّير وأثارتها ‪ ،‬لتستفيد هل تمضي أو ترجع ؟‬
‫كانت إذا أرادت المض ّ‬
‫فنهى الشّارع عن ذلك ‪ ،‬وقال ‪ » :‬ل عدوى ول طيرة « ‪.‬‬
‫وقال أيضا ‪ » :‬أقرّوا الطّير على وكناتها « ‪.‬‬
‫ول يخرج معناه الصطلحيّ عن معناه اللّغويّ ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالطّيور من أحكام ‪:‬‬
‫وردت أحكام الطّيور في عدّة أماكن من كتب الفقهاء منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬بيع الطّيور ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه يجوز بيع ما يؤكل لحمه من الطّيور كالحمام والعصافير‬ ‫‪2‬‬

‫وغيرهما‪ ،‬لنّه ينتفع به ‪ ،‬فيجوز بيعه كالبل والبقر والغنم ‪.‬‬


‫كما يجوز بيع ما يصاد به من الطّيور ‪ ،‬كالصّقر والبازي والشّاهين والعقاب ونحوها إذا‬
‫كان معلّما أو يقبل التّعليم ‪ ،‬لنّه حيوان أبيح اقتناؤه وفيه نفع مباح ‪ ،‬فأبيح بيعه ‪ ،‬أمّا إذا‬
‫كان غير قابل للتّعليم فل يجوز بيعه ‪.‬‬
‫ويجوز أيضا بيع ما ينتفع بلونه كالطّاووس ‪ ،‬أو ينتفع بصوته كالبلبل والهزار والببّغاء‬
‫والزّرزور والعندليب ونحوها ‪.‬‬
‫أمّا بيع الطّيور الّتي ل تؤكل ول يصطاد بها ‪ ،‬كالرّخمة والحدأة والنّعامة والغراب الّذي ل‬
‫يؤكل فل يجوز بيعها ‪ ،‬لنّ ما ل منفعة فيه ل قيمة له ‪ ،‬فأخذ العوض عنه من أكل المال‬
‫بالباطل ‪ ،‬وبذل العوض فيه من السّفه ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬يجوز بيع ك ّل ذي مخلب من الطّير ‪ ،‬معلّما كان أو غير معلّم ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬ويصحّ بيع ما يصاد عليه من الطّير ‪ ،‬كبومة يجعلها شباكا ‪ ،‬وهو ‪ :‬طائر‬
‫وقال البهوت ّ‬
‫تخاط عيناه ويربط لينزل عليه الطّير فيصاد ‪ ،‬ولكن يكره ذلك لما فيه من تعذيب الحيوان ‪.‬‬
‫وأجمع الفقهاء على أنّه ل يجوز بيع الطّير في الهواء ‪ ،‬سواء كان مملوكا له أو غير‬
‫مملوك له ‪.‬‬
‫أمّا المملوك فلنّه غير مقدور عليه ‪ ،‬ومن شروط صحّة البيع ‪ :‬أن يكون البائع قادرا على‬
‫تسليم المبيع عند العقد ‪ ،‬وهو متعذّر هنا ‪.‬‬
‫وغير المملوك ل يجوز بيعه لعلّتين ‪:‬‬
‫إحداهما ‪ :‬العجز عن تسليمه ‪ ،‬والثّانية ‪ :‬أنّه غير مملوك له ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم عن بيع الغرر « ‪ ،‬وقد فسّر بأنّه بيع‬
‫والصل في هذا ‪ » :‬نهى النّب ّ‬
‫الطّير في الهواء والسّمك في الماء ‪ ،‬إلّ أنّهم اختلفوا في الطّائر الّذي يألف الرّجوع ‪ ،‬هل‬
‫يصحّ بيعه في حال ذهابه إلى الرّعي أو غيره أم ل ؟‬
‫فذهب الجمهور من الشّافعيّة – وهو المذهب عندهم – والحنابلة إلى أنّه ل يجوز بيعه وإن‬
‫تعوّد العود إلى محلّه ‪ ،‬لما فيه من الغرر ‪ ،‬ولنّه ل يوثق بعودته لعدم عقله ‪.‬‬
‫وذهب إمام الحرمين من الشّافعيّة إلى جواز بيعه ‪ ،‬كالعبد المبعوث في شغل ‪.‬‬
‫واتّفق العلماء كذلك على أنّ الطّير إذا كان في مكان مغلق ‪ ،‬ويمكن أخذه منه بل تعب‬
‫‪ -‬كبرج صغير ‪ -‬جاز بيعه ‪.‬‬
‫أمّا إذا لم يمكن أخذه إلّ بتعب ومشقّة ‪ ،‬فذهب الجمهور ‪ -‬وهو مقابل الصحّ عند‬
‫الشّافعيّة‪ -‬إلى صحّة بيعه ‪ ،‬كما يصحّ بيع ما يحتاج في نقله إلى مؤنة كبيرة ‪.‬‬
‫ح بيعه لعدم قدرة البائع على تسليمه ‪ ،‬وإلى هذا ذهب‬
‫والصحّ عند الشّافعيّة أنّه ل يص ّ‬
‫القاضي من الحنابلة ‪.‬‬
‫ح بيع الطّيور الموجودة فيه ‪ ،‬لنّ الطّير إذا قدر‬
‫وأمّا إذا كان البرج ونحوه مفتوحا فل يص ّ‬
‫على الطّيران لم يمكن تسليمه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الصطياد بالطّيور ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز الصطياد بكلّ ما يقبل التّعليم ويمكن الصطياد به من‬ ‫‪3‬‬

‫جوارح الطّير ‪ ،‬كالبازي والصّقر والعقاب والشّاهين ونحوها من ذوات المخالب من‬
‫الطّيور ‪ ،‬وأنّ ما أخذته هذه الجوارح من الصّيد وجرحته وأمسكته وأدركه صاحبها ميّتا أو‬
‫في حركة المذبوح أو لم يتمكّن من ذبحه حلّ أكله ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم في البازي‬
‫‪ » :‬ما أمسك عليك فكل « ‪.‬‬
‫ضحّاك والسّدّيّ فقالوا ‪ :‬ل يجوز‬
‫وخالفهم في ذلك ابن عمر رضي ال عنهما ومجاهد وال ّ‬
‫جوَارِحِ ُمكَلّبِينَ } الية ‪ ،‬حيث خصّ‬
‫ن ا ْل َ‬
‫الصّيد إلّ بالكلب ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬ومَا عَّلمْتُم مّ َ‬
‫الصطياد بالكلب ‪.‬‬
‫ثمّ اختلف الفقهاء في شروط تعليم جوارح الطّير وما يكون به ‪.‬‬
‫وفي ذلك تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬صيد ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬اصطياد الطّيور وذبحها ‪:‬‬
‫ن الطّير إذا كان مقدورا عليه فذكاته بالذّبح ‪ ،‬وتفصيله في‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫مصطلح ‪ ( :‬ذبائح ف‬


‫وإن لم يكن مقدورا عليه فذكاته بعقر مزهق للرّوح في أيّ موضع كان ‪ ،‬وفي صور هذا‬
‫العقر وما يحلّ منها الطّير أو الصّيد خلف ينظر في مصطلح ‪ ( :‬صيد ) ‪.‬‬

‫ظئْر *‬
‫ِ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الظّئر ‪ -‬بهمزة ساكنة ويجوز تخفيفها ‪ -‬المرضعة لغير ولدها ‪ ،‬ويطلق على زوجها‬ ‫‪1‬‬

‫أيضا ‪ ،‬والجمع أظؤر وآظار ‪ ،‬يقال ‪ :‬ظأرت المرأة اتّخذت ولدا ترضعه ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الحضانة ‪:‬‬
‫‪ -‬الحضانة في اللّغة مصدر حضن ‪ ،‬ومنه حضن الطّائر بيضه إذا ضمّه إلى نفسه تحت‬ ‫‪2‬‬

‫جناحيه ‪ ،‬وحضنت المرأة صبيّها إذا جعلته في حضنها أو ربّته ‪.‬‬


‫ي وحفظه وجعله في سريره وربطه ودهنه وما أشبه ذلك ‪.‬‬
‫وفي الشّرع تربية الصّب ّ‬
‫وسمّيت التّربية حضانةً تجوّزا من حضانة الطّير لبيضه وفراخه ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالظّئر ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬على جواز إجارة الظّئر‬ ‫‪3‬‬

‫ح عَلَ ْي ُكمْ إِذَا‬


‫ل جُنَا َ‬
‫ضعُواْ َأ ْولَدَ ُكمْ فَ َ‬
‫بأجرة معلومة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬وإِنْ أَرَد ّتمْ أَن َتسْتَرْ ِ‬
‫سَّلمْتُم مّا آتَيْتُم بِا ْل َمعْرُوفِ } فقد نفى سبحانه وتعالى الجناح في السترضاع مطلقا ‪ ،‬ولنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬استرضع لولده إبراهيم « ‪.‬‬
‫ن الحا جة تد عو إل يه فإ نّ الطّ فل في العادة إنّ ما يع يش بالرّضاع و قد يتعذّر رضا عه من‬
‫ول ّ‬
‫أمّه فجاز ذلك كالجارة في سائر المنافع ‪.‬‬
‫‪ -‬ولعقد الظّئر شروط ذكرها الفقهاء ‪ ،‬وهي ‪:‬‬ ‫‪4‬‬

‫أ ّولً ‪ :‬العلم بمدّة الرّضاعة ‪ ،‬لنّه ل يمكن تقدير الجرة إلّ به ‪.‬‬
‫ي وصغره ‪ ،‬وقال الشّافعيّة‬
‫ثانيا ‪ :‬معرفة الصّبيّ بالمشاهدة ‪ ،‬لنّ الرّضاع يختلف بكبر الصّب ّ‬
‫في المعتمد عندهم والقاضي من الحنابلة ‪ :‬يعرف كذلك بالوصف ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬موضع الرّضاع ‪ ،‬لنّه يختلف ‪ ،‬فيشقّ عليها في بيته ‪ ،‬والرضاع فيه أشدّ وثوقا‬
‫بتمامه ‪ ،‬ويسهل عليها في بيتها ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬معرفة العوض ‪.‬‬
‫المعقود عليه في إجارة الظّئر ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في المعقود عليه ‪ ،‬فقال الحنابلة وبعض الحنفيّة ‪ :‬هو المنافع وهي‬ ‫‪5‬‬

‫ن اللّبن عين فل يعقد عليه في‬


‫خدمة الصّبيّ والقيام به واللّبن تابع كالصّبغ في الثّوب ‪ ،‬ول ّ‬
‫الجارة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة وبعض الحنفيّة ‪ :‬المعقود عليه هو اللّبن والخدمة تابعة ‪ ،‬فلو أرضعته بلبن‬
‫شاة ل تستحقّ الجر وكما لو خدمته بدون الرّضاع لم تستحقّ شيئا ‪ ،‬وأمّا كونه عينا فإنّ‬
‫ي ‪ ،‬وهو اختيار شمس الئمّة السّرخسيّ‬
‫العقد مرخّص فيه في الجارة للضّرورة لحفظ الدم ّ‬
‫ن العقد يرد على اللّبن لنّه هو المقصود ‪ ،‬وما سوى ذلك‬
‫من الحنفيّة حيث قال ‪ :‬والصحّ أ ّ‬
‫من القيام بمصالحه تبع والمعقود عليه هو منفعة الثّدي فمنفعة كلّ عضو على حسب ما‬
‫يليق به ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬تصحّ الجارة لحضانة الولد وإرضاعه معا ‪ ،‬وتصحّ لحدهما ‪ ،‬والصحّ‬
‫عندهم أنّه ل يستتبع أحدهما الخر في الجارة ‪ ،‬لنّهما منفعتان يجوز إفراد كلّ منهما‬
‫بالعقد فأشبه سائر المنافع ‪ ،‬ومقابل الصحّ أنّه يستتبع أحدهما الخر للعادة بتلزمهما ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪117‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪116‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إجارة ف‬
‫أجرة الظّئر ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط في العوض أن يكون معلوما ‪ ،‬ويجوز أن يشرط الجير أو الظّئر نفقةً معلومةً‬ ‫‪6‬‬

‫موصوفةً كما يوصف في السّلم بالتّفاق ‪.‬‬


‫أمّا إذا استأجر الظّئر أو الجير بطعامه وكسوته ‪ ،‬أو جعل له أجرا وشرط له طعامه‬
‫وكسوته‪ ،‬فقد اختلفوا فيه ‪:‬‬
‫فقال جمهور الفقهاء ‪ :‬المالكيّة وأبو حنيفة وهو رواية عن أحمد بجوازه ‪ ،‬لنّ هذه الجهالة‬
‫ل تفضي إلى المنازعة ولنّ العادة جرت بالتّوسعة على الظار وعدم المماكسة معهنّ‬
‫وإعطائهنّ ما يشتهين شفقةً على الولد ‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة وأحمد في الرّواية الثّانية وأبو ثور وابن المنذر ‪ :‬ل‬
‫يجوز ‪ ،‬لنّ ذلك يختلف اختلفا متباينا فيكون مجهولً ‪ ،‬والجر من شرطه أن يكون‬
‫معلوما‪ .‬وعلى المرضعة أن تأكل وتشرب ما يدرّ لبنها ويصلح به ‪ ،‬وللمكتري مطالبتها‬
‫بذلك لنّه من تمام التّمكين من الرّضاع وفي تركه إضرار بالصّبيّ ‪.‬‬
‫فسخ إجارة الظّئر ‪:‬‬
‫ي ل يرضع لبنها أو‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء في الجملة إلى فسخ إجارة الظّئر إذا كان الصّب ّ‬ ‫‪7‬‬

‫ن كلّ ذلك‬
‫يقذفه‪ ،‬أو يتقيّؤه أو تكون الظّئر سارق ًة أو فاجر ًة أو أراد أهل الرّضيع السّفر ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن المقصود ل يحصل متى كانت هذه الحالة ‪،‬‬
‫ن الصّبيّ يتضرّر بلبنها ‪ ،‬ول ّ‬
‫أعذار ‪ ،‬ول ّ‬
‫ي أو الظّئر أو انقطع اللّبن ‪.‬‬
‫وكذلك تفسخ الجارة إذا مرضت أو مات الصّب ّ‬
‫وإن صامت الظّئر فتغيّر لبنها بالصّوم أو نقص خيّر المستأجر بين فسخ الجارة‬
‫وإمضائها ‪ ،‬وإن قصدت الظّئر الضرار بالرّضيع بصومها أثمت وكان للحاكم إلزامها بالفطر‬
‫بطلب المستأجر ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪119‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪116‬‬ ‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬إجارة ف‬

‫ظَاهِر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الظّاهر فاعل من الظّهور ‪ ،‬ومن معانيه ‪ :‬الوضوح والنكشاف ‪.‬‬ ‫‪1‬‬
‫يقال ‪ :‬ظهر الشّيء ظهورا ‪ :‬برز بعد الخفاء ‪ ،‬ومنه قيل ‪ :‬ظهر لي رأي ‪ :‬إذا علمت ما لم‬
‫تكن علمته ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬الظّاهر اسم لكلم ظهر المراد به للسّامع بصيغته ‪ ،‬ول يحتاج إلى الطّلب‬
‫والتّأمّل ‪ ،‬بشرط أن يكون السّامع من أهل اللّسان ‪ ،‬مثل قوله تعالى ‪ { :‬فَان ِكحُواْ مَا طَابَ‬
‫َلكُم مّنَ ال ّنسَاء } فإنّه ظاهر في الطلق ‪.‬‬
‫حلّ الّلهُ الْبَ ْيعَ } وهذا ظاهر في إحلل البيع ‪.‬‬
‫وقوله سبحانه وتعالى ‪َ { :‬وَأ َ‬
‫العرفيم ‪ ،‬ويحتممل غيره احتمالً‬
‫ّ‬ ‫وقيمل ‪ :‬الظّاهمر مما د ّل على معنىً بالوضمع الصمليّ أو‬
‫مرجوحا‪ ،‬كال سد في ن حو قولك ‪ :‬رأ يت اليوم ال سد ‪ ،‬فإنّه را جح في الحيوان المفترس ‪،‬‬
‫الحقيقيم المتبادر إلى‬
‫ّ‬ ‫مجازيم ‪ ،‬والوّل‬
‫ّ‬ ‫محتممل ومرجوح فمي الرّجمل الشّجاع ‪ ،‬لنّه معنىً‬
‫الذّهن ‪.‬‬
‫واشترط بعض الصوليّين في الظّاهر أن ل يكون معناه مقصودا بالسّوق أصلً فرقا بينه‬
‫ص ‪ ،‬ورجّح بعضهم عدم هذا الشتراط ‪.‬‬
‫وبين النّ ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الخفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الخفيّ مقابل الظّاهر ‪ ،‬وهو ‪ :‬ما خفي المراد منه بعارض في غير الصّيغة ‪ ،‬ل ينال إلّ‬ ‫‪2‬‬

‫بالطّلب والتّأمّل ‪ ،‬كآية السّرقة بالنّسبة للطّرّار والنّبّاش ‪.‬‬


‫ب ‪ -‬النّصّ ‪:‬‬
‫ص هو ‪ :‬اللّفظ الدّالّ في محلّ النّطق يفيد معنىً ل يحتمل غيره ‪ ،‬كزيد فإنّه مفيد‬
‫‪ -‬النّ ّ‬ ‫‪3‬‬

‫للذّات المشخّصة ‪ ،‬من غير احتمال لغيرها ‪.‬‬


‫والنّصّ هو ‪ :‬ما زاد وضوحا على الظّاهر بمعنىً من المتكلّم ‪ ،‬ل في نفس الصّيغة ‪ ،‬ومثاله‬
‫ث وَرُبَاعَ } فإنّ هذا ظاهر في‬
‫ن ال ّنسَاء مَثْنَى وَثُلَ َ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬فَان ِكحُواْ مَا طَابَ َلكُم مّ َ‬
‫ص في بيان العدد ‪ ،‬لنّه سيق الكلم للعدد وقصد به ‪ ،‬فازداد ظهورا على‬
‫الطلق ‪ ،‬ن ّ‬
‫الوّل‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المفسّر ‪:‬‬
‫‪ -‬المفسّر هو ‪ :‬المكشوف معناه الّذي وضع الكلم له ‪ ،‬وازداد وضوحا على النّصّ ‪،‬‬ ‫‪4‬‬

‫سجَدَ ا ْلمَلئِ َكةُ‬


‫على وجه ل يبقى معه احتمال التّأويل والتّخصيص ‪ ،‬مثل قوله تعالى ‪َ { :‬ف َ‬
‫ج َمعُونَ } فالملئكة اسم ظاهر عامّ ‪ ،‬ولكن يحتمل الخصوص ‪ ،‬فلمّا فسّره بقوله ‪:‬‬
‫كُّلهُمْ َأ ْ‬
‫{ كُّل ُهمْ } انقطع هذا الحتمال ‪ ،‬لكنّه بقي احتمال الجمع والتّفرّق ‪ ،‬فانقطع احتمال تأويل‬
‫جمَعُونَ } ‪.‬‬
‫التّفرقة بقوله ‪َ { :‬أ ْ‬
‫د ‪ -‬المحكم ‪:‬‬
‫‪ -‬المحكم هو ‪ :‬ما أحكم المراد به عن احتمال النّسخ والتّبديل ‪ ،‬مأخوذ من قولهم ‪ :‬بناء‬ ‫‪5‬‬

‫ن ُأمّ‬
‫حكَمَاتٌ هُ ّ‬
‫ت ّم ْ‬
‫محكم ‪ ،‬أي متقن مأمون النتقاض ‪ ،‬يقول اللّه تعالى ‪ { :‬مِ ْنهُ آيَا ٌ‬
‫علِيمٌ } وكذا سائر آيات التّوحيد‬
‫يءٍ َ‬
‫ا ْلكِتَابِ }‪ .‬ومثال المحكم قوله تعالى ‪ { :‬وَ ُهوَ ِب ُكلّ شَ ْ‬
‫والصّفات ‪ ،‬فإنّها ل تحتمل النّسخ أبدا ‪.‬‬
‫العلقة بين هذه اللفاظ ‪:‬‬
‫‪ -‬للعلماء في بيان العلقة بين هذه اللفاظ اتّجاهان ‪:‬‬ ‫‪6‬‬

‫التّجاه الوّل ‪ :‬ذهب المتقدّمون إلى أنّ المعتبر في الظّاهر ظهور المراد منه ‪ ،‬سواء أكان‬
‫ص كونه مسوقا للمراد ‪ ،‬سواء احتمل التّخصيص والتّأويل أم ل ‪،‬‬
‫مسوقا له أم ل ‪ ،‬وفي النّ ّ‬
‫وفي المفسّر عدم احتمال التّخصيص والتّأويل ‪ ،‬سواء احتمل النّسخ أم ل ‪ ،‬وفي المحكم‬
‫عدم احتمال شيء من ذلك ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فهذه الربعة القسام متمايزة بحسب المفهوم ‪ ،‬متداخلة بحسب الوجود ‪.‬‬
‫ن هذه اللفاظ أقسام متباينة ‪،‬‬
‫التّجاه الثّاني ‪ :‬ذهب المتأخّرون من علماء الصول إلى أ ّ‬
‫وأنّه يشترط في الظّاهر عدم كونه مسوقا للمعنى الّذي يجعل ظاهرا فيه ‪ ،‬وفي النّصّ‬
‫احتمال التّخصيص أو التّأويل ‪ ،‬وفي المفسّر احتمال النّسخ ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬حكم الظّاهر هو وجوب العمل بالّذي ظهر منه على سبيل القطع واليقين حتّى صحّ‬ ‫‪7‬‬

‫إثبات الحدود والكفّارات بالظّاهر ‪ ،‬لنّه واضح المراد بالصّيغة ‪ ،‬غايته أنّه محتمل للمجاز ‪،‬‬
‫وهذا احتمال مرجوح غير ناشئ من دليل ‪ ،‬فل يعتبر ‪.‬‬
‫ص أو المفسّر أو المحكم يترك العمل بالظّاهر ‪ ،‬ويؤخذ بما‬
‫لكن إذا تعارض الظّاهر مع النّ ّ‬
‫هو أقوى وأوضح منه ‪ ،‬يقول التّفتازانيّ ‪ :‬الكلّ يوجب الحكم ‪ ،‬أي يثبته قطعا ويقينا ‪ ،‬إلّ‬
‫ص على الظّاهر ‪ ،‬والمفسّر عليهما ‪ ،‬والمحكم‬
‫أنّه يظهر التّفاوت عند التّعارض ‪ ،‬فيقدّم النّ ّ‬
‫ن العمل بالوضح والقوى أولى وأحرى ‪.‬‬
‫على الكلّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫وتفصيل الموضوع في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫ظبْي *‬
‫َ‬
‫انظر ‪ :‬أطعمة ‪.‬‬

‫ظفُر *‬
‫ُ‬
‫انظر ‪ :‬أظفار ‪.‬‬
‫ظَ َف ٌر بالحقّ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الظّفر بفتح الظّاء في اللّغة الفوز بالمطلوب ‪ ،‬وقال اللّيث ‪ :‬الظّفر الفوز بما طلبت‬ ‫‪1‬‬

‫والفلح على من خاصمت ‪ ،‬فيكون معنى الظّفر بالحقّ في اللّغة فوز النسان بحقّ له على‬
‫غيره ‪ ،‬قال في المصباح ‪ :‬ويقال لمن أخذ حقّه من غريمه فاز بما أخذ ‪ ،‬أي سلّم له‬
‫ص به ‪.‬‬
‫واخت ّ‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الستيفاء ‪:‬‬
‫‪ -‬الستيفاء مصدر استوفى ‪ ،‬وهو أخذ المستحقّ حقّه كاملً ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وقد يكون برضى من عليه الحقّ ‪ ،‬وقد يكون بغير رضاه ‪ ،‬كما قد يكون بنا ًء على حكم‬
‫ق‪.‬‬
‫ي ‪ ،‬وقد يكون من غير قضاء ‪ ،‬فهو أعمّ من الظّفر بالح ّ‬
‫قضائ ّ‬
‫ب ‪ -‬الستيلء ‪:‬‬
‫‪ -‬الستيلء لغةً وضع اليد على الشّيء والغلبة عليه والتّمكّن منه ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫ول يخرج في الصطلح عن هذا المعنى ‪.‬‬


‫ويختلف عن الظّفر بالحقّ من حيث إنّه يختصّ بالعيان المادّيّة ‪ ،‬والظّفر يقع على الحقوق‪،‬‬
‫سواء أكان محلّها عينا أم ل ‪ ،‬كما يختلف عنه أيضا من حيث إنّه قد يكون بحقّ ‪ ،‬وقد ل‬
‫يكون بحقّ ‪ ،‬بينما الظّفر ل يكون إلّ بحقّ ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ق عند الفقهاء باختلف الحقوق ‪ ،‬فيحرم في بعضها ‪ ،‬ويجوز في‬
‫يختلف حكم الظّفر بالح ّ‬
‫بعضها ‪ ،‬واختلفوا في بعضها ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬ما يحرم فيه الظّفر ‪:‬‬
‫ذهب الفقهاء إلى تحريم الظّفر بالحقّ ‪ -‬من حيث الجملة ‪ -‬في المواضع التّالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تحصيل العقوبات ‪:‬‬
‫ن الصل في استيفاء العقوبات من قصاص وحدود وتعزير‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫ن هذه المور عظيمة الخطر ‪ ،‬حيث إنّها توقع على النّفس ‪،‬‬
‫أن يكون عن طريق القضاء ل ّ‬
‫والفائت فيها ل يستدرك ‪ ،‬فوجب الحتياط في إثباتها واستيفائها ‪ ،‬وذلك ل يتحقّق إلّ بالرّفع‬
‫إلى الحاكم ‪ ،‬لينظر فيها وفي أسبابها وشروطها ‪ ،‬والحتياط فيها ل يقدر عليه صاحب‬
‫الحقّ‪ ،‬الّذي ينقاد في الغالب لعاطفته ‪ ،‬ثمّ إنّه ليس لديه من الوسائل اللزمة للتّحرّي ما‬
‫يقدر عليه القاضي بما وضع تحت يديه ممّا يمكنه من تقصّي الواقع وكشف الحقائق ‪،‬‬
‫ولنّه لو جعل للنّاس استيفاء ما لهم من عقوبات لكان في ذلك ذريعة إلى تعدّي بعض‬
‫النّاس على بعض ‪ ،‬ثمّ ادّعاؤهم بعد ذلك أنّهم يستوفون حقوقهم ‪ ،‬فيكون هذا سببا في‬
‫تحريك الفتنة ‪ ،‬ولنّ كثيرا من العقوبات ل ينضبط إلّ بحضرة المام ‪ ،‬سواء في شدّة‬
‫إيلمها كالجلد ‪ ،‬أو في قدرها كالتّعزير ‪.‬‬
‫واستثنى فقهاء الشّافعيّة ممّا تقدّم حالة عجز صاحب الحقّ في العقوبة عن تحصيلها‬
‫بواسطة الحاكم ‪ ،‬بسبب البعد عنه ‪ ،‬فأجازوا لمن وجب له تعزير أو حدّ قذف أو قصاص‬
‫ن الحقّ يحتمل‬
‫وكان في بادية بعيدة عن السّلطان أن يستوفي ذلك بنفسه ‪ ،‬للضّرورة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ي عن العزّ بن عبد السّلم‬
‫ضياعه إذا لم يستوفه صاحبه في مثل هذه الحالة ‪ ،‬ونقل الشّروان ّ‬
‫أنّه لو انفرد ‪ -‬أي بالقود ‪ -‬بحيث ل يرى ‪ ،‬فينبغي أن ل يمنع منه ‪ ،‬ول سيّما إذا عجز‬
‫عن إثباته ‪.‬‬
‫وكذلك قال بعض الفقهاء ‪ :‬يجوز للمشتوم أن يردّ على الشّاتم بمثل قوله ‪ ،‬والفضل له أن‬
‫ل يفعل ‪ ،‬ولكن ليس له أن يردّ عليه بما هو معصية ‪ ،‬لنّ المعصية ل تقابل بمثلها ‪ ،‬وإلى‬
‫مثل هذا ذهب القرطبيّ في تفسير قوله تعالى ‪َ { :‬فمَنِ اعْتَدَى عَلَ ْي ُكمْ فَاعْتَدُو ْا عَلَ ْيهِ ِبمِ ْث ِل مَا‬
‫اعْتَدَى عَلَ ْي ُكمْ } ‪.‬‬
‫سهُ } أي ‪:‬‬
‫حيث قال ‪ :‬العتداء هو التّجاوز ‪ ،‬قال تعالى ‪َ { :‬ومَن يَ َتعَدّ حُدُودَ الّلهِ َفقَدْ ظَ َلمَ َن ْف َ‬
‫يتجاوز ‪ ،‬ومن ظلمك فخذ حقّك منه بقدر مظلمتك ‪ ،‬ومن شتمك فردّ عليه مثل قوله ‪ ،‬ول‬
‫تتعدّ إلى أبويه ‪ ،‬ول إلى ابنه أو قريبه ‪ ،‬وليس لك أن تكذب عليه وإن كذب عليك ‪ ،‬فإنّ‬
‫المعصية ل تقابل بالمعصية ‪.‬‬
‫ق أن يضرب من ضربه ‪ ،‬ولو فعل يعزّر‬
‫ولكن قال ابن نجيم ‪ :‬ل يجوز لمن ضرب بغير ح ّ‬
‫الثنان ‪ ،‬ويبدأ بإقامة التّعزير على البادئ ‪ ،‬لنّه أظلم ‪ ،‬والوجوب عليه أسبق ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تحصيل الحقوق المتعلّقة بالنّكاح ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى عدم جواز استيفاء الحقوق المتعلّقة بالنّكاح واللّعان واليلء والطّلق‬ ‫‪5‬‬

‫ن هذه أمور خطيرة ‪ ،‬فيجب الحتياط في‬


‫بالعسار والضرار من غير طريق القضاء ‪ ،‬ل ّ‬
‫إثباتها وتحصيلها ‪ ،‬ولنّها تحتاج إلى الجتهاد والتّحرّي في تحقيق أسبابها ‪ ،‬وكلّ ذلك‬
‫يختصّ به الحاكم ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ما يؤدّي تحصيله من الحقوق إلى فتنة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه ل يجوز استيفاء الحقّ من غير قضاء إذا ترتّب على ذلك فتنة أو‬ ‫‪6‬‬

‫ق ‪ ،‬كفساد عضو أو عرض أو نحو ذلك ‪ ،‬ونصّ‬


‫مفسدة تزيد على مفسدة ضياع الح ّ‬
‫المالكيّة على أنّ من ظفر بالعين المغصوبة أو المشتراة أو الموروثة وخاف من أخذها‬
‫بنفسه أن ينسب إلى السّرقة فل يأخذها إلّ بعد الرّفع للحاكم ‪.‬‬
‫ق من غير رفع إلى الحاكم إذا ترتّب عليه‬
‫وقال بعض فقهاء الشّافعيّة ‪ :‬إنّه ل يجوز أخذ الح ّ‬
‫إرعاب المسلم وترويعه ‪ ،‬فل يجوز لمستحقّ العين أخذها إذا كانت مودعةً عند آخر ‪ ،‬لما‬
‫ن ضياع الوديعة ‪.‬‬
‫في ذلك من ترويع المودع عنده بظ ّ‬
‫د ‪ -‬تحصيل الدّين المبذول ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه ل يجوز تحصيل الدّيون بغير قضاء إذا كان من عليه الحقّ باذلً‬ ‫‪7‬‬

‫له غير ممتنع عن أدائه ‪ ، ،‬وسيأتي تفصيل ذلك ‪.‬‬


‫ثانيا ‪ :‬ما يشرع فيه الظّفر بالحقّ ‪:‬‬
‫ذهب الفقهاء إلى أنّه يشرع الظّفر بالحقّ ‪ ،‬ول يشترط الرّفع إلى القضاء في المواضع‬
‫التّالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تحصيل العيان المستحقّة ‪:‬‬
‫‪ -‬يجوز تحصيل العيان المستحقّة بغير قضاء ‪ ،‬كالعين المغصوبة ‪ ،‬حيث أجاز الفقهاء‬ ‫‪8‬‬

‫استردادها من الغاصب قهرا ‪ ،‬ومثل ذلك كلّ عين مستحقّة بأيّ سبب من أسباب الستحقاق‪،‬‬
‫ق أخذها دون قضاء ‪ ،‬فمن وجد عين سلعته الّتي اشتراها أو ورثها أو أوصى بها‬
‫فللمستح ّ‬
‫له فله أخذها ول يشترط الرّفع إلى الحاكم ‪.‬‬
‫وذكر بعض الحنفيّة أنّ المستأجر لو غاب بعد السّنة ولم يسلّم المفتاح إلى المؤجّر ‪ ،‬فله أن‬
‫يتّخذ مفتاحا آخر ويفتح العين المؤجّرة ويسكن فيها أو يؤجّرها لمن يشاء ‪ ،‬وأمّا المتاع‬
‫فيرحّله في ناحية إلى حين حضور صاحبه ‪ ،‬ول يتوقّف الفتح على إذن القاضي ‪.‬‬
‫كما ذكر فقهاء الشّافعيّة أنّ للشّخص تحصيل منافعه المستحقّة بغير إذن الحاكم ‪ ،‬فجعلوا‬
‫للمستأجر والموقوف عليه والموصى له بالمنفعة أخذ العيان الّتي تعلّقت منافعهم بها من‬
‫أجل تحصيل هذه المنافع ‪ ،‬ول يشترط في ذلك دعوى ول قضاء ‪.‬‬
‫ويشترط في تحصيل العيان المستحقّة بغير قضاء أن ل يؤدّي ذلك إلى تحريك فتنة أو‬
‫مفسدة أعظم من مفسدة ضياع الحقّ ‪ ،‬وأضاف بعض فقهاء الشّافعيّة شرطا آخر لذلك ‪،‬‬
‫ق لشخص آخر ‪ ،‬وذلك كأن يشتري شخص‬
‫وهو أن ل يكون قد تعلّق بالعين المستحقّة ح ّ‬
‫عينا من آخر كان قد أجّرها أو رهنها فليس له بناءً على هذا الشّرط أن يأخذها قهرا ‪،‬‬
‫ق غير البائع بها ‪.‬‬
‫لتعلّق ح ّ‬
‫ولكنّ بعضهم لم يشترط هذا الشّرط ‪ ،‬فأجاز أخذها ‪ ،‬وإن تعلّق بها حقّ لشخص آخر ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تحصيل نفقة الزّوجة والولد ‪:‬‬
‫‪ -‬يجوز للزّوجة أن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها ويكفي أولدها منه من غير إذنه ول‬ ‫‪9‬‬

‫إذن الحاكم ‪ ،‬وذلك لما ورد عن عائشة رضي ال عنها أنّها قالت ‪ » :‬دخلت هند بنت عتبة‬
‫ن أبا‬
‫امرأة أبي سفيان على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقالت ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬إ ّ‬
‫ي إلّ ما أخذت من ماله بغير‬
‫سفيان رجل شحيح ل يعطيني من النّفقة ما يكفيني ويكفي بن ّ‬
‫علمه ‪ ،‬فهل عليّ في ذلك جناح ؟ فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬خذي من ماله‬
‫بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك « فجعل لها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم الحقّ في أخذ‬
‫نفقتها ونفقة ولدها من مال زوجها ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬ما اختلف الفقهاء في جواز الظّفر به من الحقوق ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الظّفر بالحقوق المترتّبة في ال ّذمّة ‪ :‬فمنهم من أجاز ذلك ومنهم‬ ‫‪10‬‬

‫من منعه ‪.‬‬


‫فأجاز الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة تحصيل الحقوق بغير دعوى ول حكم في حالت معيّنة‬
‫وبشروط خاصّة ‪.‬‬
‫أمّا الحنابلة فالصل عندهم اشتراط إذن الحاكم في كلّ مرّة يريد صاحب الحقّ أن يستوفي‬
‫حقّه بغير إذن المدين ‪ ،‬ولهم على هذا الصل استثناءات ‪.‬‬
‫وفيما يلي تفصيل ذلك ‪:‬‬
‫مذهب الحنفيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب فقهاء الحنفيّة إلى أنّ من كان له دين على آخر ‪ ،‬ولم يوفه إيّاه برضاه ‪ ،‬فله أن‬ ‫‪11‬‬

‫يأخذ مقدار دينه من مال الغريم بشرط أن يكون هذا المال من جنس حقّه ‪ ،‬وأن يكون بنفس‬
‫صفته ‪ ،‬ول يجوز لصاحب الدّين أن يأخذ من دراهم غريمه بقدر حقّه إن كان حقّه دنانير ‪،‬‬
‫ول أن يأخذ عينا من أعيان غريمه ‪ ،‬ول أن يستوفي منفعةً من منافعه مقابل تلك الدّنانير‬
‫الّتي له ‪ ،‬وكذلك ليس له أن يأخذ الصّحيح مقابل المنكسر ‪ ،‬بل يأخذ مثل ماله من حيث‬
‫الصّفة أيضا ‪.‬‬
‫ويروى عن أبي بكر الرّازيّ من الحنفيّة أنّه رأى جواز أخذ الدّراهم بالدّنانير استحسانا ‪.‬‬
‫ق أن يأخذ جنس حقّه من المدين مقرّا كان أو منكرا ‪ ،‬وسواء‬
‫وظاهر قولهم أنّ لصاحب الح ّ‬
‫أكان للدّائن بيّنة أم لم يكن ‪ ،‬كما يجوز له أن يتوصّل إليه ليأخذه بنحو كسر الباب وثقب‬
‫الجدار ‪ ،‬بشرط أن ل تكون هناك وسيلة غير ذلك ‪ ،‬وأن ل يمكن تحصيل الحقّ بواسطة‬
‫القضاء ‪.‬‬
‫قال ابن نجيم ‪ :‬إذا ظفر بمال مديون مديونه والجنس واحد فيهما ينبغي أنّه يجوز أن يأخذ‬
‫منه مقدار حقّه ‪.‬‬
‫ثمّ إذا أخذ الدّائن من مال مدينه من غير جنس حقّه ‪ ،‬وبغير إذنه وبغير قضاء ‪ ،‬فتلف في‬
‫يده ‪ ،‬فإنّه يضمن ما أخذ ضمان الرّهن ‪.‬‬
‫مذهب المالكيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة إلى أنّ من كان له حقّ على غيره ‪ ،‬وكان ممتنعا عن أدائه ‪ ،‬فله أن‬ ‫‪12‬‬

‫يأخذ من مال المدين قدر حقّه ‪ ،‬إذا كان هذا المال من جنس حقّ الدّائن ‪ ،‬وكذا من غير‬
‫جنسه ‪ ،‬على المشهور من مذهب مالك ‪.‬‬
‫ن صاحب الحقّ ليس له أن يأخذ من مال الغريم‬
‫وهناك أقوال أخرى في المذهب ‪ ،‬منها ‪ :‬أ ّ‬
‫ن له أن يأخذ مقدار حقّه من مال غريمه من الجنس أو غيره ‪،‬‬
‫غير جنس حقّه ‪ ،‬ومنها ‪ :‬أ ّ‬
‫بشرط أن ل يكون المال المأخوذ وديعةً عند الخذ ‪ ،‬لقول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫» أدّ المانة إلى من ائتمنك ول تخن من خانك « ‪.‬‬
‫وقد ذكر في منح الجليل أنّ هذا القول ضعيف غير معتمد ‪ ،‬وأنّ المعتمد جواز أخذ الحقّ‬
‫من الوديعة ‪.‬‬
‫ق من مال الغريم بغير إذن القاضي يشترط له أن ل يقدر‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إنّ جواز أخذ الح ّ‬
‫ق على أخذ حقّه بطريق الشّرع الظّاهر ‪ ،‬وذلك بأن ل يكون معه بيّنة ‪ ،‬وأن‬
‫صاحب الح ّ‬
‫يكون الّذي عليه الحقّ منكرا ‪.‬‬
‫ق بدون رفع إلى القاضي مقيّد بأن يكون‬
‫ن جواز أخذ الح ّ‬
‫وأضاف صاحب تهذيب الفروق ‪ :‬إ ّ‬
‫الحقّ مجمعا على ثبوته ‪ ،‬وأن يتعيّن فيه بحيث ل يحتاج إلى الجتهاد والتّحرير في تحقيق‬
‫سببه ومقدار مسبّبه ‪ ،‬وأن ل يؤدّي أخذه إلى فتنة وشحناء ‪ ،‬وأن ل يؤدّي إلى فساد عرض‬
‫أو عضو ‪.‬‬
‫واستدلّ المالكيّة على المعتمد من مذهبهم بما يلي ‪:‬‬
‫علَ ْيكُمْ } ول شكّ‬
‫ن اعْتَدَى عَلَ ْي ُكمْ فَاعْتَدُواْ عَلَ ْي ِه ِبمِ ْثلِ مَا اعْتَدَى َ‬
‫أ ‪ -‬قول اللّه تعالى ‪َ { :‬فمَ ِ‬
‫في أنّ من كان عليه حقّ فأنكره وامتنع عن بذله فقد اعتدى ‪ ،‬فيجوز أخذ الحقّ من ماله‬
‫بغير إذنه وبغير حكم القضاء ‪ ،‬فإنّ الشّارع قد أذن بذلك ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬حديث هند زوجة أبي سفيان ‪ ،‬حيث أجاز لها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أخذ ما‬
‫يكفيها ويكفي بنيها بالمعروف من غير إذن زوجها ‪ ،‬وبدون رفع إلى الحاكم ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنّ‬
‫ق أن يأخذ حقّه من غريمه بغير‬
‫هذا منه عليه الصلة والسلم تشريع عامّ يجيز لكلّ ذي ح ّ‬
‫إذن الحاكم إذا امتنع من عليه الحقّ من أدائه ‪ ،‬لنّه عليه الصلة والسلم قال ما قاله لهند‬
‫على سبيل الفتيا والتّشريع ‪ ،‬وليس على سبيل القضاء ‪.‬‬
‫ن أخذ‬
‫ج ‪ -‬قول رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬انصر أخاك ظالما أو مظلوما « ‪ ،‬وإ ّ‬
‫الحقّ من الظّالم نصر له ‪.‬‬
‫مذهب الشّافعيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة ‪ :‬إلى أنّ ما يستحقّه الشّخص على غيره إمّا أن يكون عينا وإمّا أن‬ ‫‪13‬‬

‫يكون دينا ‪ ،‬والدّين إمّا أن يكون على غير ممتنع من الداء أو ل ‪ ،‬وكذلك إمّا أن يكون‬
‫الدّين على منكر أو على مقرّ ‪ ،‬وإمّا أن تكون مع الدّائن بيّنة أو ل ‪ ،‬وفي ذلك تفصيل على‬
‫النّحو التّالي ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬إذا كان المستحقّ عينا ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الشّافعيّة إذا استحقّ شخص عينا تحت يد عادية فله أو وليّه ‪ -‬إن لم يكن كامل‬ ‫‪14‬‬

‫الهليّة ‪ -‬أخذ العين المستحقّة بل رفع للقاضي وبل علم من هي تحت يده للضّرورة إن لم‬
‫يخف من أخذها فتنةً أو ضررا ‪ ،‬وإلّ رفع المر إلى قاض أو نحوه ممّن له إلزام الحقوق‬
‫ق ل يتخلّص إلّ عنده ‪.‬‬
‫كمحتسب وأمير ل سيّما إن علم أنّ الح ّ‬
‫ثانيا ‪ :‬إذا كان المستحقّ دينا على غير ممتنع من الداء ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الشّافعيّة ‪ :‬إذا كان المستحقّ دينا حالً على غير ممتنع من الداء طالبه به ليؤدّي‬ ‫‪15‬‬

‫ما عليه ول يحلّ أخذ شيء للمدين لنّه مخيّر في الدّفع من أيّ مال شاء فليس للمستحقّ‬
‫أخذ مال معيّن له جبرا عنه ‪ ،‬فإن أخذه لم يملكه ولزمه ردّه ‪ ،‬فإن تلف عنده ضمنه ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬إذا كان المستحقّ على منكر ول بيّنة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة إلى أنّ من استحقّ دينا على منكر له ول بيّنة للمستحقّ للدّين فإنّه‬ ‫‪16‬‬

‫يجوز له أخذ جنس حقّه من مال المدين أو من مال من عليه الحقّ إن ظفر به استقللً ‪،‬‬
‫لعجزه عن أخذه إلّ بهذه الطّريقة ‪ ،‬وكذلك يجوز أخذ غير جنسه إن فقد جنس حقّه على‬
‫المذهب وذلك للضّرورة ‪ ،‬وفي قول يمتنع ‪ ،‬لنّه ل يتمكّن من تملّكه ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬إذا كان المستحقّ على مقرّ ممتنع أو على منكر وله عليه بيّنة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الشّافعيّة ‪ :‬إن كان المستحقّ دينا على مقرّ ممتنع من الداء أو على منكر وللدّائن‬ ‫‪17‬‬

‫عليه بيّنة فإنّه يجوز له أن يأخذ حقّه استقللً من جنس ذلك الدّين إن وجده ومن غيره إن‬
‫فقده على الصحّ في الصّورتين ‪.‬‬
‫وقيل يرفع المر فيهما إلى قاض كما لو أمكنه تخليص الحقّ بالمطالبة والتّقاضي ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬إذا كان المستحقّ دينا للّه تعالى ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الشّافعيّة ‪ :‬إن كان المستحقّ دينا للّه تعالى كالزّكاة إذا امتنع المالك من أدائها‬ ‫‪18‬‬

‫وظفر المستحقّ بجنسها من مال المالك فليس له الخذ ‪.‬‬


‫سادسا ‪ :‬كسر الباب ونحوه للوصول إلى المستحقّ ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الشّافعيّة ‪ :‬إذا جاز للمستحقّ الخذ من غير رفع لقاض فله حينئذ كسر باب ونقب‬ ‫‪19‬‬

‫ق شيئا استحقّ الوصول إليه ول يضمن‬


‫ن من استح ّ‬
‫جدار ل يصل إلى المستحقّ إ ّل به ‪ ،‬ل ّ‬
‫ما فوّته كمن لم يقدر على دفع الصّائل إلّ بإتلف ماله فأتلفه ل يضمن ‪ ،‬وأضافوا ‪ :‬محلّ‬
‫ق المرتهن به وألّ يكون محجوزا عليه‬
‫ذلك إذا كان الحرز للدّين ‪ ،‬وغير مرهون ‪ ،‬لتعلّق ح ّ‬
‫ق الغير ‪ ،‬وقيّد بعضهم جواز الكسر ونحوه بأن ل يوكّل غيره فإن‬
‫بفلس ‪ ،‬وألّ يتعلّق به ح ّ‬
‫فعل ضمن ‪.‬‬
‫سابعا ‪ :‬تملّك ما يظفر به صاحب الحقّ ‪:‬‬
‫ق ظفرا بحقّه إن كان من جنس الحقّ يتملّكه‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة ‪ :‬إلى أنّ ما يأخذه المستح ّ‬ ‫‪20‬‬

‫بدلً عن حقّه ‪ ،‬أمّا المأخوذ من غير جنس الحقّ أو أعلى من صفته فإنّه يبيعه للحاجة ‪،‬‬
‫وقيل يجب رفعه إلى قاض يبيعه ‪ ،‬لنّه ل يتصرّف في مال غيره لنفسه ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬المأخوذ‬
‫مضمون عليه في الصحّ إن تلف قبل تملّكه وبيعه ‪.‬‬
‫ق فوق حقّه إن أمكنه القتصار على قدر حقّه لحصول‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل يأخذ المستح ّ‬
‫المقصود به فإن أخذه ضمن الزّائد ‪ ،‬لتعدّيه بأخذه ‪ ،‬وإن لم يمكنه بأن لم يظفر إ ّل بما تزيد‬
‫قيمته على حقّه أخذه ول يضمن الزّيادة ‪ ،‬ثمّ إن تعذّر بيع قدر حقّه فقط باع الجميع وأخذ‬
‫من ثمنه قدر حقّه ور ّد ما زاد عليه على غريمه ‪ ،‬وإن لم يتعذّر باع منه بقدر حقّه ور ّد ما‬
‫زاد ‪.‬‬
‫ثامنا ‪ :‬الظّفر بمال غريم الغريم ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الشّافعيّة ‪ :‬للمستحقّ أخذ مال غريم غريمه بشروط هي ‪:‬‬ ‫‪21‬‬

‫ق الغريم‬
‫ألّ يظفر بمال الغريم ‪ ،‬وأن يكون غريم الغريم جاحدا أو ممتنعا ‪ ،‬وأن يعلم المستح ّ‬
‫أنّه أخذ حقّه من مال غريمه ‪ ،‬وأن يعلم غريم الغريم ‪.‬‬
‫مذهب الحنابلة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنابلة ‪ -‬كما قال ابن قدامة ‪ -‬إلى أنّه إذا كان لرجل على غيره حقّ وهو مقرّ‬ ‫‪22‬‬

‫به باذل له لم يكن له أن يأخذ من ماله إ ّل ما يعطيه ‪ ،‬فإن أخذ من ماله شيئا بغير إذنه‬
‫لزمه ردّه إليه وإن كان قدر حقّه ‪ ،‬لنّه ل يجوز أن يملك عليه عينا من أعيان ماله بغير‬
‫اختياره لغير ضرورة ‪ ،‬وإن كانت من جنس حقّه ‪ ،‬لنّه قد يكون للنسان غرض في‬
‫العين ‪ ،‬فإن أتلفها أو تلفت فصارت دينا في ذمّته وكان الثّابت في ذمّته من جنس حقّه‬
‫تقاصّا في قياس المذهب ‪ ،‬وإن كان مانعا له لمر يبيح المنع كالتّأجيل والعسار لم يجز‬
‫أخذ شيء من ماله ‪ ،‬وإن أخذ شيئا لزمه ردّه إن كان باقيا أو عوضه إن كان تالفا ‪ ،‬ول‬
‫ن الدّين الّذي له ل يستحقّ أخذه في الحال ‪ ،‬وإن كان مانعا له بغير‬
‫يحصل التّقاصّ هاهنا ل ّ‬
‫حقّ وقدر على استخلصه بالحاكم أو السّلطان لم يجز له الخذ أيضا بغيره ‪ ،‬لنّه قدر على‬
‫استيفاء حقّه بمن يقوم مقامه ‪ ،‬فأشبه ما لو قدر على استيفائه من وكيله وإن لم يقدر على‬
‫ذلك لكونه جاحدا له ول بيّنة له به ‪ ،‬أو لكونه ل يجيبه إلى المحاكمة ول يمكنه إجباره على‬
‫ذلك ‪ ،‬أو نحو هذا ‪ ،‬فالمشهور في المذهب أنّه ليس له أخذ قدر حقّه ‪ ،‬وقال ابن عقيل ‪:‬‬
‫جعل أصحابنا المحدّثون لجواز الخذ وجها في المذهب من حديث هند حين قال لها النّبيّ‬
‫» خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف « ‪.‬‬ ‫صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫وقال أبو الخطّاب ‪ :‬ويتخرّج لنا جواز الخذ فإن كان المقدور عليه من جنس حقّه أخذ‬
‫بقدره وإن كان من غير جنسه تحرّى واجتهد في تقويمه ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬ولنا قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬أدّ المانة إلى من ائتمنك ول تخن‬
‫من خانك « ومتى أخذ منه قدر حقّه من ماله بغير علمه فقد خانه فيدخل في عموم الخبر ‪،‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل يحلّ مال امرئ مسلم إلّ عن طيب نفس منه « ‪.‬‬
‫ولنّه إن أخذ من غير جنس حقّه كان معاوضةً بغير تراض ‪ ،‬وإن أخذ من جنس حقّه فليس‬
‫له تعيين الحقّ بغير رضا صاحبه ‪ ،‬فإنّ التّعيين إليه ‪.‬‬
‫وأباح أحمد ‪ :‬في رواية عنه أخذ الضّيف من مال من نزل به ولم يقرّه بقدر قراه ‪ ،‬لظهور‬
‫سبب الخذ ‪ ،‬ومتى ظهر السّبب لم ينسب الخذ إلى الخيانة ‪ ،‬لما ورد عن عقبة بن عامر‬
‫رضي ال عنه أنّه قال ‪ :‬قلنا يا رسول اللّه إنّك تبعثنا فننزل بقوم فل يقروننا ‪ ،‬فما ترى ؟‬
‫فقال لنا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضّيف‬
‫فاقبلوا ‪ ،‬فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقّ الضّيف الّذي ينبغي لهم « ‪.‬‬
‫وقال طائفة من الحنابلة ‪ :‬إذا ظهر السّبب لم يجز الخذ بغير إذن لمكان البيّنة عليه ‪،‬‬
‫بخلف ما إذا خفي عليه فإنّه يتعذّر وصول حقّه إليه حينئذ بدون الخذ خفيةً ‪.‬‬

‫ظلّ *‬
‫ِ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ضحّ ‪ -‬الشّمس أو ضوءها ‪ ، -‬قال الفيّوميّ ‪ :‬كلّ ما كانت‬
‫ظلّ في اللّغة ‪ :‬نقيض ال ّ‬
‫‪ -‬ال ّ‬ ‫‪1‬‬

‫ظلّ ضوء شعاع‬


‫عليه الشّمس فزالت عنه فهو ظ ّل ‪ ،‬مثله ما في اللّسان ‪ ،‬وقال بعضهم ‪ :‬ال ّ‬
‫الشّمس إذا استترت عنك بحاجز ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬الظّ ّل أصله السّتر ‪ ،‬ومنه ‪ :‬أنا في ظلّ فلن ‪ ،‬وظلّ اللّيل‬
‫وفي الصطلح ‪ ،‬قال الشّربين ّ‬
‫‪ :‬سواده ‪ ،‬وهو يشمل ما قبل الزّوال وما بعده ‪ ،‬ومثله ما ذكره ابن عابدين ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الفيء ‪:‬‬
‫ظلّ من الزّوال إلى الغروب ‪ ،‬ويقال للفيء التّبع ‪،‬‬
‫‪ -‬الفيء ‪ :‬هو الرّجوع ‪ .‬ويطلق على ال ّ‬ ‫‪2‬‬

‫لنّه يتبع الشّمس ‪.‬‬


‫ن كلّ ما كانت عليه الشّمس فزالت عنه فهو ظلّ‬
‫ظلّ والفيء ‪ :‬بأ ّ‬
‫ويفرّق بعضهم بين ال ّ‬
‫وفيء‪ ،‬وما لم يكن عليه الشّمس فهو ظلّ ‪ ،‬وهذا قريب ممّا ذكره أبو هلل العسكريّ في‬
‫ظلّ يكون ليلً ونهارا ‪ ،‬ول يكون الفيء إلّ بالنّهار ‪.‬‬
‫الفروق ‪ :‬بأنّ ال ّ‬
‫ظلّ بالغداة ‪ ،‬والفيء بالعشيّ ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬ال ّ‬
‫ص بما‬
‫ظلّ ‪ :‬يشمل ما قبل الزّوال وما بعده ‪ ،‬والفيء ‪ :‬مخت ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫ويفرّق الفقهاء بينهما بأ ّ‬
‫بعده ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الزّوال ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّوال لغ ًة ‪ :‬التّنحية ‪ ،‬وفي الصطلح الفقه يّ ‪ :‬هو ميل الشّمس عن كبد ال سّماء أي‬ ‫‪3‬‬

‫ظلّ في الزّيادة فالشّ مس قد‬


‫ظلّ من النتقاص ‪ ،‬وإذا أ خذ ال ّ‬
‫و سطها ‪ ،‬ويعرف ب عد توقّف ال ّ‬
‫ظلّ والفيء ‪.‬‬
‫زالت ‪ ،‬وعلى هذا فالزّوال سبب لطول ال ّ‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ظلّ وأوقات الصّلة ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬ال ّ‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ وقت صلة الظّهر يدخل بزوال الشّمس ‪ ،‬واختلفوا في‬ ‫‪4‬‬

‫آخر وقت الظّهر وأوّل وقت العصر ‪:‬‬


‫ن آخر وقت الظّهر هو بلوغ ظلّ كلّ شيء مثله غير ظلّ الزّوال ‪،‬‬
‫فقال جمهور الفقهاء ‪ :‬إ ّ‬
‫وهذا هو أوّل وقت العصر أيضا ‪.‬‬
‫ن آخر وقت الظّهر إذا صار ظلّ كلّ شيء مثليه ‪ ،‬سوى ظلّ‬
‫والمشهور عن أبي حنيفة أ ّ‬
‫ظلّ عنده ‪.‬‬
‫الزّوال ‪ ،‬كما أنّ وقت العصر يدخل بهذا المقدار من ال ّ‬
‫وتفصيل الموضوع في مصطلح ‪ ( :‬أوقات الصّلة ف ‪. ) 9 ، 8‬‬
‫ظلّ ‪:‬‬
‫ثانيا ‪ :‬التّبوّل والتّخلّي في ال ّ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل يجوز التّبوّل والتّخلّي في ظلّ ينتفع به النّاس ‪ ،‬وذلك لما‬ ‫‪5‬‬

‫روى معاذ رضي ال عنه قال قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬اتّقوا الملعن‬
‫ظلّ « ‪.‬‬
‫الثّلث ‪ :‬البراز في الموارد ‪ ،‬وقارعة الطّريق ‪ ،‬وال ّ‬
‫وفي حديث آخر قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬اتّقوا الّلعّانين ‪ ،‬قالوا وما الّلعّنان‬
‫يا رسول اللّه ؟ قال ‪ :‬الّذي يتخلّى في طريق النّاس أو في ظلّهم « ‪.‬‬
‫ي التّحريم حيث قال ‪ :‬والظّاهر‬
‫ن النّهي للكراهة واستظهر الدّسوق ّ‬
‫والظّاهر من كلم الفقهاء أ ّ‬
‫ظلّ وما ألحق به حرام ‪.‬‬
‫أنّ قضاء الحاجة في المورد والطّريق وال ّ‬
‫ي من كلم النّوويّ في المجموع من أنّه ينبغي حرمته للخبار‬
‫ومثله ما نقله الشّربين ّ‬
‫الصّحيحة ‪ ،‬وليذاء المسلمين ‪.‬‬
‫ظلّ في الصّيف محلّ الجتماع في الشّمس في الشّتاء ‪ ،‬كما صرّح به الفقهاء ‪.‬‬
‫ويلحق بال ّ‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬وينبغي تقييده بما إذا لم يكن محلً للجتماع على محرّم أو مكروه ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬استظلل المحرم ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في جواز استظلل المحرم بما ل يلمس الوجه ‪ ،‬كبناء من حائط‬ ‫‪6‬‬

‫وسقف وقبو وخيمة ونحوها كالمحمل فيجوز الستظلل بظلّه الخارج ‪ ،‬كما يستظلّ بالحائط‪،‬‬
‫ناز ًل أو سائرا ‪ ،‬سواء بجانبه أو تحته عند الجمهور ‪.‬‬
‫وجواز الستظلل بما إذا كان ما يتظلّل به ثابتا في أصل تابع له متّفق عليه بين الفقهاء ‪،‬‬
‫ودليل الجواز هو ما ورد في حديث جابر رضي ال عنه حيث قال في حديث حجّة النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬وأمر بقبّة من شعر فضربت له بنمرة ‪ ،‬حتّى أتى عرفة فوجد‬
‫القبّة قد ضربت له بنمرة فنزل بها ‪ ،‬حتّى إذا زاغت الشّمس ‪. « . .‬‬
‫أمّا إذا لم يكن المظلّ ثابتا في أصل يتبعه ففيه خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ‪:‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪63‬‬ ‫( إحرام ف‬
‫ظلّ ‪:‬‬
‫ضحّ وال ّ‬
‫رابعا ‪ :‬الجلوس بين ال ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم نهى ‪ » :‬أن‬
‫ظلّ ‪ ،‬لحديث أنّ النّب ّ‬
‫ضحّ وال ّ‬
‫‪ -‬يكره الجلوس بين ال ّ‬ ‫‪7‬‬

‫ظلّ وقال ‪ :‬مجلس الشّيطان « ‪.‬‬


‫ضحّ وال ّ‬
‫يجلس بين ال ّ‬
‫ظلّ والشّمس ؟ قال ‪ :‬هذا مكروه ‪،‬‬
‫وقال ابن منصور لبي عبد اللّه ‪ :‬يكره الجلوس بين ال ّ‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫ح النّهي فيه عن النّب ّ‬
‫أليس قد نهي عن ذا ؟ قال إسحاق بن راهويه ‪ :‬ص ّ‬
‫وسلم ‪.‬‬
‫قال سعيد ‪ :‬حدّثنا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال ‪ » :‬رأى‬
‫ظلّ « ‪.‬‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أبي في الشّمس فأمره أن يتحوّل إلى ال ّ‬
‫وفي رواية عن قيس عن أبيه ‪ » :‬أنّه جاء ورسول اللّه صلى ال عليه وسلم يخطب ‪ ،‬فقام‬
‫ظلّ « ‪.‬‬
‫في الشّمس ‪ ،‬فأمر به فحوّل إلى ال ّ‬
‫ظلْم *‬
‫ُ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬أصل الظّلم في اللّغة ‪ :‬وضع الشّيء في غير موضعه ‪ ،‬والجور ومجاوزة الحدّ والميل‬ ‫‪1‬‬

‫عن القصد ‪ ،‬ثمّ كثر استعماله حتّى سمّي كلّ عسف ظلما ‪.‬‬
‫ول يخرج في الصطلح عن معناه اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬البغي ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني البغي في اللّغة ‪ :‬الظّلم والفساد والستطالة على النّاس ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ في الجملة عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬


‫ب ‪ -‬الكراه ‪:‬‬
‫ض ّم ‪ -‬بمعنى القهر ‪ ،‬أو من الكَره ‪ -‬بالفتح ‪ -‬بمعنى‬
‫‪ -‬الكراه لغةً ‪ :‬من الكُره ‪ -‬بال ّ‬ ‫‪3‬‬

‫المشقّة ‪ ،‬وأكرهته على المر إكراها ‪ :‬حملته عليه قهرا ‪.‬‬


‫وعرّفه الفقهاء ‪ :‬بأنّه فعل يفعله المرء بغيره فينتفي به رضاه أو يفسد به اختياره ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪98‬‬ ‫انظر مصطلح ‪ ( :‬إكراه ف‬
‫ن الكراه يكون صور ًة من صور الظّلم إذا كان بغير حقّ ‪.‬‬
‫والصّلة بين الظّلم والكراه ‪ :‬أ ّ‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الظّلم محرّم ‪ ،‬د ّل على حرمته الكتاب والسّنّة والجماع ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫ن َكفَرُو ْا َوظَ َلمُواْ َل ْم َيكُنِ الّل ُه لِ َيغْفِ َر َل ُهمْ َولَ لِ َيهْدِ َيهُمْ‬
‫أمّا الكتاب فمنه قوله تعالى ‪ { :‬إِنّ الّذِي َ‬
‫علَى الّل ِه َيسِيرا } ‪.‬‬
‫جهَ ّنمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدا َوكَانَ ذَِلكَ َ‬
‫طَرِيقا ‪ِ ،‬إلّ طَرِيقَ َ‬
‫سكُمُ النّارُ َومَا َلكُم مّن دُونِ الّل ِه مِنْ َأوْلِيَاء‬
‫ن ظَ َلمُواْ فَ َت َم ّ‬
‫وقوله تعالى ‪َ { :‬و َل تَ ْركَنُواْ إِلَى الّذِي َ‬
‫صرُونَ } ‪.‬‬
‫ُثمّ لَ تُن َ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم فيما روي‬
‫وأمّا السّنّة فمنها ‪ :‬حديث أبي ذ ّر رضي ال عنه عن النّب ّ‬
‫عن اللّه تعالى أنّه قال ‪ » :‬يا عبادي إنّي حرّمت الظّلم على نفسي وجعلته بينكم مح ّرمًا فل‬
‫تظالموا ‪ « ..‬الحديث ‪ ،‬وعن أبي هريرة رضي ال عنه قال قال رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ » :‬من كانت له مظلمة لخيه من عرضه أو شيء فليتحلّله منه اليوم قبل أن ل‬
‫يكون دينار ول درهم ‪ ،‬وإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته ‪ ،‬وإن لم تكن له‬
‫حسنات أخذ من سيّئات صاحبه فحمل عليه « ‪.‬‬
‫وأج مع الفقهاء على تحر يم الظّلم ‪ ،‬قال ا بن الجوز يّ ‪ :‬الظّلم يشت مل على مع صيتين ‪ :‬أ خذ‬
‫ب بالمخالفة ‪ ،‬والمعصية فيه أشدّ من غيرها ‪ ،‬لنّه ل يقع‬
‫مال الغير بغير حقّ ‪ ،‬ومبارزة الرّ ّ‬
‫غالبا إلّ بالضّعيف الّذي ل يقدر على النتصار ‪ ،‬وإنّما ينشأ الظّلم عن ظلمة القلب ‪ ،‬لنّه لو‬
‫اسمتنار بنور الهدى لعتمبر ‪ ،‬فإذا سمعى المتّقون بنورهمم الّذي حصمل لهمم بسمبب التّقوى‬
‫اكتنفت ظلمات الظّلم الظّالم ‪ ،‬حيث ل يغني عنه ظلمه شيئا ‪.‬‬
‫أثر الظّلم في ترك الجمعة والجماعة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى اعتبار الخوف من الظّالم عذرا من العذار المبيحة لترك صلة‬ ‫‪5‬‬

‫الجمعة والجماعة ‪ ،‬لنّ المن من الظّالم شرط فيهما ‪ ،‬فكلّ من خاف على نفسه أو عرضه‬
‫أو ماله ‪ ،‬أو مال غيره ممّن يلزمه الذّبّ عنه ‪ ،‬أو خاف على دينه كخوفه إلزام قتل رجل أو‬
‫ضربه ‪ ،‬أو أن يحبس بحقّ ل وفاء له عنده ‪ -‬لنّ حبس المعسر ظلم ‪ -‬فكلّ من كان هذا‬
‫حاله يعذر في تخلّفه عن الجمعة والجماعة ‪.‬‬
‫ق هو ظالم في منعه ‪ ،‬بل عليه الحضور للجمعة ‪ ،‬وعليه توفية ذلك‬
‫ول عذر لمن يطالب بح ّ‬
‫الحقّ ‪ ،‬ول عذر لمن وجب عليه حدّ لجناية ارتكبها ‪.‬‬
‫أخذ المال ظلما من الحاجّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اعتبر بعض الفقهاء أمن الطّريق من شروط وجوب الحجّ ‪ ،‬واعتبره آخرون شرطا‬ ‫‪6‬‬

‫للداء ‪ ،‬ل شرطا لنفس الوجوب ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪21‬‬ ‫انظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬أمن ف ‪ ، 9‬ومصطلح حجّ ف‬
‫ي بالمال ‪ ،‬وأثر ذلك في تحقّق شرط وجوب الحجّ وهو‬
‫واختلفوا في وجوب دفع الرّصد ّ‬
‫" أمن الطّريق " ‪ ،‬على اعتبار أنّ ترصّد الحاجّ لخذ ماله أو التّعدّي على نفسه وحمله على‬
‫دفع رشوة أو مكس أو خفارة من الظّلم المانع من تحقّق هذا الشّرط ‪.‬‬
‫فذهب الحنفيّة في المعتمد ‪ ،‬والمالكيّة في الظهر ‪ ،‬والشّافعيّة في الوجه المعتمد ‪ ،‬والحنابلة‬
‫في مقابل الصّحيح من المذهب ‪ :‬إلى عدم سقوط الوجوب إذا اندفع شرّ الرّصديّ بدفع‬
‫الرّشوة أو المكس أو الخفارة ‪ ،‬وهذا من حيث الجملة ‪ ،‬ولكلّ منهم تفصيل في مذهبه ‪.‬‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أنّه ل يسقط وجوب أداء الحجّ إذا اندفع الشّرّ بدفع الرّشوة ‪ ،‬فيتحقّق‬
‫ن المعطي مضطرّ للدّفع ضرورة‬
‫بذلك شرط المن ‪ ،‬والثم على الخذ ل على المعطي ‪ ،‬ل ّ‬
‫الدّفع عن نفسه أو ماله ‪ ،‬كما أنّه مضط ّر لسقاط الفرض عن نفسه ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬يستثنى من شرط أمن الطّريق الظّالم الّذي يأخذ المكوس على الحجّاج ‪،‬‬
‫ن الحجّ ل يسقط وجوبه بأخذ المكس بشرطين ‪:‬‬
‫فإ ّ‬
‫الوّل ‪ :‬أن ل ينكث ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬أن يكون المكس قليلً ل يجحف ‪.‬‬
‫ووجه جواز الدّفع للمكّاس ‪ :‬أنّ الرّجل بإجماع المّة يجوز له أن يمنع عرضه ممّن يهتكه‬
‫بماله ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬كلّ ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة ‪ ،‬فكذلك ينبغي أن يشتري دينه‬
‫ممّن يمنعه إيّاه ولو كان ظالما ‪ ،‬كما لو قال الرّجل لخر ‪ :‬ل أمكّنك من الوضوء والصّلة‬
‫إلّ بجُعل َل َوجَب عليه أن يعطيه إيّاه ‪.‬‬
‫وحاصل مذهب المالكيّة ‪ :‬أنّ وجوب الحجّ يسقط بأخذ الظّالم مالً من الحاجّ في صورتين ‪:‬‬
‫ل غير مجحف ‪ ،‬وكان ينكث ‪.‬‬
‫الولى ‪ :‬أن يأخذ قلي ً‬
‫والثّانية ‪ :‬أن يأخذ كثيرا مجحفا ‪ ،‬نكث أم لم ينكث ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة أنّ وجوب الحجّ ل يسقط إذا كان من يدفع المال للرّصديّ هو المام أو‬
‫نائبه‪ ،‬بخلف الجنبيّ ‪ ،‬وذلك للمنّة ‪.‬‬
‫ي ولو كان يسيرا ‪ ،‬إذا لم يكن‬
‫كما يسقط الوجوب إذا تعيّن على الحاجّ أن يعطي مالً للرّصد ّ‬
‫له طريق سوى طريق الرّصديّ ‪ ،‬ويكره له إعطاء المال للرّصديّ ‪ ،‬لنّه يحرّضه على‬
‫التّعرّض للنّاس ‪ ،‬سواء أكان مسلما أم كافرا ‪.‬‬
‫ومحلّ الكراهة إذا كان قبل الحرام ‪ ،‬إذ ل حاجة لرتكاب ال ّذ ّل حينئذ ‪ ،‬أمّا بعد الحرام فل‬
‫يكره ‪ ،‬لنّه أسهل من القتال أو التّحلّل ‪.‬‬
‫ج يلزمه السّعي للحجّ وإن كان مضطرّا لدفع الظّالم عن نفسه‬
‫وعند الحنابلة أنّ الحا ّ‬
‫بالرّشوة أو المكس أو الخفارة ‪ ،‬بشرط أن تكون يسيرةً ل تجحف بماله ‪ ،‬لنّها غرامة يقف‬
‫إمكان الحجّ على بذلها ‪ ،‬فلم يمنع وجوب الحجّ مع إمكان بذلها ‪ ،‬كثمن الماء وعلف البهائم‬
‫‪ ،‬وبشرط أن يأمن غدر المبذول له ‪.‬‬
‫ومذهب الحنابلة متّفق مع مذهب المالكيّة في اشتراط عدم الجحاف وعدم النّكث والغدر ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة في قول آخر ‪ ،‬والمالكيّة في مقابل الظهر ‪ ،‬والحنابلة في الصّحيح من‬
‫ج والسّعي إليه إذا‬
‫المذهب إلى أنّه ل يجوز إعطاء الرّصديّ الظّالم ما ًل ‪ ،‬ويسقط وجوب الح ّ‬
‫اضطرّ الحاجّ لدفع الرّشوة لمنع الظّلم عن ماله ونفسه ‪ ،‬وذلك لفقده شرط المن ‪ ،‬وحتّى ل‬
‫تكون الطّاعة سببا للمعصية ‪ ،‬ويأثم بالدّفع ‪ ،‬لنّه هو الّذي ألزم نفسه بالعطاء ‪ ،‬ولنّ ما‬
‫يعطيه خسران لدفع الظّلم ‪ ،‬فما يؤخذ منه في ذلك بمنزلة ما زاد عن ثمن المثل وأجرته ‪.‬‬
‫ويستوي في ذلك كثير الرّشوة ويسيرها ‪.‬‬
‫الظّلم في القسم بين الزّوجات ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى وجوب العدل بين الزّوجات في المبيت ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫واختلفوا في لزوم القضاء إذا جار الزّوج فلم يقسم لحدى زوجاته ‪ ،‬أو قسم إحداهنّ أكثر‬
‫من الخرى ‪.‬‬
‫وفي تفصيل ذلك ينظر مصطلح ‪ ( :‬قسم بين الزّوجات ) ‪.‬‬
‫أخذ الظّالم الوديعة قهرا ‪:‬‬
‫ن الظّالم إذا أخذ الوديعة قهرا من المودع فإنّه ل يضمن ‪.‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪8‬‬

‫وفي ذلك تفصيل ينظر في ‪ ( :‬ضمان ‪ ،‬غصب ‪ ،‬وديعة ) ‪.‬‬


‫المتناع عن دفع مال فرض ظلما ‪:‬‬
‫‪ -‬لم نجد للحنفيّة نصّا صريحا في المسألة ‪ ،‬لكن يفهم من كلمهم أنّ المام إذا فرض‬ ‫‪9‬‬

‫على النّاس ما ًل ظلما ل شبهة فيه ل يجب عليهم الدّفع ‪.‬‬


‫قال الكمال بن الهمام ‪ :‬يجب على كلّ من أطاق أن يقاتل مع المام ‪ ،‬إلّ إن أبدى من يقاتلهم‬
‫المام ما يجوّز لهم القتال ‪ ،‬كأن ظلمهم أو ظلم غيرهم ظلما ل شبهة فيه ‪ ،‬بل يجب أن‬
‫يعينوهم حتّى ينصفهم ويرجع عن جوره ‪ ،‬بخلف ما إذا كان الحال مشتبها أنّه ظلم ‪ ،‬مثل‬
‫تحميل بعض الجبايات الّتي للمام أخذها وإلحاق الضّرر بها لدفع ضرر أعمّ منه ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬إذا كلّف المام أو نائبه النّاس بمال ظلما فامتنعوا عن إعطائه ‪ ،‬فاستظهر‬
‫ن تعريف ابن عرفة للبغي يقتضي أنّهم بغاة لنّه لم يأمرهم بمعصية ‪ ،‬وإن‬
‫البنانيّ منهم أ ّ‬
‫حرم عليه قتالهم لنّه جائر ‪.‬‬
‫أمّا تعريف خليل للبغاة فيقتضي أنّهم غير بغاة لنّهم لم يمنعوا حقّا ول أرادوا خلعه ‪.‬‬
‫ن ما كلّفهم به من مال ظلما لم يتوجّه عليهم ‪ ،‬فل يعتبر امتناعهم عن‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫دفعه بغيا ‪ ،‬لكن يتوجّه عليهم وجوب دفعه فيما إذا ترتّب على عدمه ضرر أعظم ممّا‬
‫طلبه ‪ ،‬فإنّ المام إذا أكره أحدا من الرّعيّة على حرام أو مكروه ‪ -‬مجمع عليه ‪ ،‬أو عند‬
‫المأمور فقط ‪ -‬فل لوم على فاعله ‪ ،‬وإن كانت مفسدة ما أكره عليه أقلّ امتنعت المخالفة ‪.‬‬
‫ويدلّ على وجوب الدّفع في هذه الحالة حديث أبي داود ‪ » :‬سيأتيكم ركيب مبغضون ‪ ،‬فإن‬
‫جاءوكم فرحّبوا بهم وخلّوا بينهم وبين ما يبتغون ‪ ،‬فإن عدلوا فلنفسهم ‪ ،‬وإن ظلموا‬
‫ن تمام زكاتكم رضاهم ‪ ،‬وليدعوا لكم « فد ّل على وجوب الدّفع ‪،‬‬
‫فعليها ‪ ،‬وأرضوهم فإ ّ‬
‫ف ألسنتنا عنهم ‪.‬‬
‫وعدم منازعتهم ‪ ،‬وك ّ‬
‫عزل الحاكم بسبب ظلمه ‪:‬‬
‫ن المام ل يعزل بالجور والظّلم ‪ ،‬ولهم في ذلك خلف وتفصيل‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪10‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪23‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪12‬‬ ‫ينظر في مصطلح ‪ ( :‬المامة الكبرى ف‬


‫ومصطلح ‪ ( :‬عزل ) ‪.‬‬
‫أثر القتل ظلما في شهادة المقتول ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّ للظّلم أثرا في الحكم على المقتول بأنّه شهيد ‪ ،‬ويقصد به غير‬ ‫‪11‬‬

‫شهيد المعركة مع الكفّار ‪ ،‬ومن صور القتل ظلما ‪ :‬قتيل اللّصوص والبغاة وقطّاع الطّرق ‪،‬‬
‫أو من قتل مدافعا عن نفسه أو ماله أو دمه أو دينه أو أهله أو المسلمين أو أهل ال ّذمّة ‪ ،‬أو‬
‫من قتل دون مظلمة ‪ ،‬أو مات في السّجن وقد حبس ظلما ‪.‬‬
‫واختلفوا في اعتباره شهيد الدّنيا والخرة ‪ ،‬أو شهيد الخرة فقط ؟‬
‫ن من قتل ظلما يعتبر شهيد الخرة فقط ‪ ،‬له حكم شهيد‬
‫فذهب جمهور الفقهاء ‪ :‬إلى أ ّ‬
‫المعركة مع الكفّار في الخرة من الثّواب ‪ ،‬وليس له حكمه في الدّنيا ‪ ،‬فيغسّل ويصلّى‬
‫ن من قتل ظلما فهو شهيد يلحق بشهيد المعركة‬
‫عليه‪ .‬وذهب الحنابلة في المذهب ‪ :‬إلى أ ّ‬
‫في أنّه ل يغسّل ول يصلّى عليه ‪ ،‬لقول سعيد بن زيد رضي ال عنه ‪ :‬سمعت النّبيّ صلى‬
‫ال عليه وسلم يقول ‪ » :‬من قتل دون ماله فهو شهيد ‪ ،‬ومن قتل دون دينه فهو شهيد ‪،‬‬
‫ومن قتل دون دمه فهو شهيد ‪ ،‬ومن قتل دون أهله فهو شهيد « ‪.‬‬
‫ق فأشبهوا من قتلهم الكفّار ‪.‬‬
‫ولنّهم مقتولون بغير ح ّ‬
‫أثر القتل ظلما في إيجاب القصاص ‪:‬‬
‫ن القتل العمد ظلما‬
‫ن قتل المؤمن ظلما من الكبائر ‪ ،‬واتّفقوا على أ ّ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪12‬‬

‫عدوانا موجب للقصاص ‪ ،‬وخرج بقيد الظّلم ‪ :‬القتل بحقّ أو بشبهة من غير تقصير ‪.‬‬
‫واشترط الفقهاء لصحّة القصاص أن يكون المقتول معصوما محقون الدّم ليتحقّق الظّلم ‪،‬‬
‫ن القصاص إنّما شرع‬
‫لقوله تعالى ‪َ { :‬ومَن قُ ِتلَ َمظْلُوما } أي بغير سبب يوجب القتل ‪ ،‬ول ّ‬
‫حفظا للدّماء المعصومة وزجرا عن إتلف البنية المطلوب بقاؤها ‪ ،‬فل يجب قصاص ول‬
‫ي ‪ ،‬ول مرت ّد قبل التّوبة ‪ ،‬ول بقتل زان محصن ‪ ،‬ول محارب قاطع‬
‫دية ول كفّارة بقتل حرب ّ‬
‫طريق تحتّم قتله ول تارك الصّلة بعد أمر المام له بها ‪.‬‬
‫وللتّفصيل انظر مصطلح ‪ ( :‬قصاص ) ‪.‬‬
‫نسبة الظّلم إلى اللّه سبحانه وأثرها في الرّدّة ‪:‬‬
‫ن نسبة الظّلم إلى اللّه سبحانه وتعالى من موجبات الحكم بالرّدّة‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪13‬‬

‫فلو قال شخص لغيره ‪ :‬ل تترك الصّلة فإنّ اللّه تعالى يؤاخذك فقال ‪ :‬لو آخذني اللّه بها‬
‫مع ما بي من المرض والشّدّة ظلمني ‪ ،‬فإنّه يكون مرتدّا ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪14‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬ردّة ف‬
‫الغيبة للشّكوى من الظّلم ‪:‬‬
‫‪ -‬ل تباح الغيبة إلّ عند الضّرورة ‪ ،‬ومن بينها التّظلّم عند الحاكم والقاضي وغيرهما‬ ‫‪14‬‬

‫ممّن له ولية أو قدرة على إنصافه ممّن ظلمه ‪ ،‬فيقول ‪ :‬ظلمني فلن ‪ ،‬أو فعل بي كذا ‪.‬‬
‫سوَءِ ِمنَ ا ْل َق ْولِ ِإلّ مَن ظُ ِلمَ } ‪.‬‬
‫جهْ َر بِال ّ‬
‫ب الّلهُ ا ْل َ‬
‫وذلك لقوله تعالى ‪ { :‬لّ ُيحِ ّ‬
‫و من ب ين الضّرورات المبي حة للغي بة ال ستفتاء ‪ ،‬بأن يقول للمف تي ‪ :‬ظلم ني فلن بكذا وكذا‬
‫ف ما طر يق الخلص ؟ وال سلم أن يقول ‪ :‬ما قولك في ر جل ظل مه أبوه أو اب نه أو أ حد من‬
‫ن التّ صريح مباح بهذا القدر ‪ ،‬ل نّ المف تي قد يدرك مع تعيي نه ما ل‬
‫النّاس كذا وكذا ‪ ،‬ولك ّ‬
‫يدرك مع إبهامه ‪ ،‬وقد جاء في الحديث المتّفق عليه ‪ :‬أ نّ هند بنت عتبة رضي ال عنها‬
‫ن أبا سفيان رجل شحيح ‪ ،‬وليس يعطيني ما يكفيني‬
‫قالت للنّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إ ّ‬
‫وولدي إلّ ما أخذت منه وهو ل يعلم ‪ ،‬فقال ‪ » :‬خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف « ‪.‬‬
‫وانظر مصطلح ‪ ( :‬غيبة ) ‪.‬‬
‫الدّعاء على الظّالم ‪:‬‬
‫‪ -‬للمظلوم أن يدعو على ظالمه بقدر ما يوجبه ألم ظلمه ‪ ،‬ول يجوز له الدّعاء على من‬ ‫‪15‬‬

‫شتمه أو أخذ ماله بالكفر لنّه فوق ما يوجبه ألم الظّلم ‪ ،‬ولو كذب ظالم عليه فل يجوز له‬
‫أن يفتري عليه ‪ ،‬بل يدعو اللّه فيمن يفتري عليه نظير افترائه عليه ‪ ،‬وكذا إن أفسد عليه‬
‫دينه فل يفسد عليه دينه ‪ ،‬بل يدعو اللّه عليه فيمن يفسد عليه دينه ‪ ،‬هذا مقتضى‬
‫التّشبيه ‪ ،‬والتّورّع عنه أفضل ‪ ،‬قال المام أحمد ‪ :‬الدّعاء قصاص ومن دعا على من ظلمه‬
‫فما صبر يريد أنّه انتصر لنفسه لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬من دعا على من ظلمه فقد‬
‫انتصر «‪ .‬وذهب العلمة ابن قاسم من الشّافعيّة إلى جواز الدّعاء على الظّالم بسوء الخاتمة‬
‫)‪.‬‬ ‫‪18‬‬ ‫‪ .‬وللتّفصيل انظر مصطلح ( دعاء‬
‫ولية المظالم ‪:‬‬
‫‪ -‬ولية المظالم هي إحدى وظائف الدّولة ‪ ،‬وتختصّ بالنّظر في المظالم وردّها إلى‬ ‫‪16‬‬

‫أصحابها ‪.‬‬
‫قال الماورديّ ‪ :‬ونظر المظالم هو قود المتظالمين إلى التّناصف بالرّهبة ‪ ،‬وزجر المتنازعين‬
‫عن التّجاحد بالهيبة ‪.‬‬
‫فمدار المر في العمل بهذه الولية قائم على قوّة السّلطان ومنعته ‪ ،‬ولذا يشترط في النّاظر‬
‫في المظالم ‪ :‬أن يكون جليل القدر مهابا ‪ ،‬نافذ المر ‪ ،‬ظاهر العفّة ‪ ،‬قليل الطّمع ‪ ،‬كثير‬
‫الورع ‪ ،‬لنّه يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة وثبت القضاة ‪ ،‬وإذا كان النّاظر في المظالم‬
‫ممّن يملك المور العامّة كالوزراء والمراء لم يحتج النّظر فيها إلى تقليد وتولية ‪ ،‬فإن كان‬
‫ممّن لم يفوّض إليه النّظر العامّ احتاج إلى تقليد وتولية ‪.‬‬
‫يقول ابن خلدون في بيان هذه الوظيفة ‪ :‬النّظر في المظالم وظيفة ممتزجة من سطوة‬
‫السّلطنة ونصفة القضاء ‪ ،‬وتحتاج إلى عل ّو يد وعظيم رهبة تقمع الظّالم من الخصمين‬
‫وتزجر المعتدي ‪ ،‬وكأنّه يمضي ما عجز القضاة أو غيرهم عن إمضائه ‪.‬‬
‫وقد تولّى النّبيّ صلى ال عليه وسلم النّظر في المظالم بنفسه ‪ ،‬وذلك في الشّرب الّذي‬
‫تنازع فيه الزّبير بن العوّام رضي ال عنه ورجل من النصار فقال صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫» اسق يا زبير ‪ ،‬ثمّ أرسل الماء إلى جارك فغضب النصاريّ ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا رسول اللّه أن كان‬
‫ابن عمّتك؟ فتلوّن وجه النّبيّ صلى ال عليه وسلم ثمّ قال ‪ :‬يا زبير اسق ثمّ احبس الماء‬
‫حتّى يرجع إلى الجدر « ‪.‬‬
‫وإنّما قال له هذا أدبا له لجرأته عليه ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬ولية المظالم ) ‪.‬‬
‫تكريم الظّالم وإعانته ‪:‬‬
‫‪ -‬يقصد بذلك التّصرّفات الّتي تد ّل على تكريم الظّالم وإعانته على ظلمه ‪ ،‬كإجابة‬ ‫‪17‬‬

‫دعوته‪ ،‬وتقبيل يده ‪ ،‬ودفع رشوة له ‪ ،‬وإعانته على ظلمه ‪ ،‬فتنظر أحكامها في‬
‫)‪.‬‬ ‫‪7‬‬ ‫‪ ،‬ردء ف ‪- 4‬‬ ‫‪11‬‬ ‫إعانة ف‬ ‫‪7‬‬ ‫‪ ،‬تقبيل ف ‪ ، 8‬رشوة ف‬ ‫‪27‬‬ ‫مصطلحاتها‪ ( :‬دعوة ف‬

‫ظنّ *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الظّنّ في اللّغة ‪ :‬مصدر ظنّ ‪ ،‬من باب قتل وهو خلف اليقين ‪ ،‬وقد يستعمل بمعنى‬ ‫‪1‬‬

‫ن أَ ّنهُم مّلَقُوا رَ ّب ِهمْ } ومنه ال َمظِنّة بكسر الظّاء للمعلم‬


‫اليقين ‪ ،‬كقوله تعالى ‪ { :‬الّذِينَ َيظُنّو َ‬
‫وهو حيث يعلم الشّيء ‪ ،‬والجمع المظانّ ‪ ،‬قال ابن فارس مظنّة الشّيء موضعه ومألفه ‪،‬‬
‫والظّنّة بالكسر ‪ :‬التّهمة ‪.‬‬
‫والظّنّ في الصطلح ‪ -‬كما عرّفه الجرجانيّ ‪ -‬هو ‪ :‬العتقاد الرّاجح مع احتمال النّقيض ‪،‬‬
‫ك بصفة الرّجحان ‪ ،‬وذكر صاحب‬
‫ن أحد طرفي الشّ ّ‬
‫ويستعمل في اليقين والشّكّ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الظّ ّ‬
‫ن الظّنّ من الضداد ‪ ،‬لنّه يكون يقينا ويكون شكّا ‪ ،‬كالرّجاء يكون أمنا وخوفا ‪،‬‬
‫الكلّيّات ‪ :‬أ ّ‬
‫ن الظّنّ عند الفقهاء من قبيل الشّكّ ‪ ،‬لنّهم يريدون به التّردّد بين وجود الشّيء‬
‫ثمّ ذكر أ ّ‬
‫وعدمه ‪ ،‬سواء استويا أو ترجّح أحدهما ‪.‬‬
‫ومثله ما قاله ابن نجيم ‪.‬‬
‫ونقل أبو البقاء أنّ الزّركشيّ أورد ضابطين للفرق بين الظّنّ الوارد في القرآن بمعنى‬
‫ن الوارد فيه بمعنى الشّكّ ‪:‬‬
‫اليقين‪ ،‬والظّ ّ‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّه حيث وجد الظّنّ محمودا مثابا عليه فهو اليقين ‪ ،‬وحيث وجد مذموما متوعّدا‬
‫ك‪.‬‬
‫عليه بالعذاب فهو الشّ ّ‬
‫ك نحو قوله تعالى ‪َ { :‬بلْ ظَنَن ُتمْ أَن لّن‬
‫ن كلّ ظنّ يتّصل به " أن " المخفّفة فهو ش ّ‬
‫الثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫يَنقَلِبَ ال ّرسُولُ وَا ْل ُم ْؤمِنُونَ إِلَى أَهْلِي ِهمْ أَبَدا } ‪.‬‬
‫ت أَنّي مُلقٍ‬
‫ن " المشدّدة فهو يقين ‪ ،‬كقوله تعالى ‪ { :‬إِنّي ظَنَن ُ‬
‫وك ّل ظنّ يتّصل به " إ ّ‬
‫حسَابِيهْ} ‪.‬‬
‫ِ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الشّكّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الشّكّ في اللّغة ‪ :‬الرتياب ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬هو التّردّد بين النّقيضين بل ترجيح لحدهما على الخر عند الشّاكّ ‪.‬‬
‫ك ما استوى طرفاه ‪ ،‬وهو الوقوف بين شيئين ل يميل‬
‫ك ‪ :‬أنّ الشّ ّ‬
‫والصّلة بين الظّنّ والشّ ّ‬
‫القلب إلى أحدهما ‪ ،‬فإذا ترجّح أحدهما ولم يطرح الخر فهو ظنّ ‪ ،‬فإذا طرحه فهو غالب‬
‫الظّنّ وهو بمنزلة اليقين ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الوهم ‪:‬‬
‫‪ -‬الوهم في اللّغة ‪ :‬سبق القلب إلى الشّيء مع إرادة غيره ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬هو إدراك الطّرف المرجوح ‪ ،‬أي ما يقابل الظّنّ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬اليقين ‪:‬‬
‫‪ -‬اليقين في اللّغة ‪ :‬العلم الحاصل عن نظر واستدلل ‪ ،‬ولهذا ل يسمّى علم اللّه يقينا ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫وأمّا في الصطلح فهو ‪ :‬جزم القلب بوقوع الشّيء أو عدم وقوعه ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الظّنّ على أضرب ‪ :‬محظور ‪ ،‬ومأمور به ‪ ،‬ومندوب إليه ‪ ،‬ومباح ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫ن حسن الظّنّ باللّه تعالى فرض وواجب‬


‫فأمّا المحظور ‪ :‬فمنه سوء الظّنّ باللّه تعالى ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن به تعالى محظور منهيّ عنه ‪ ،‬فعن جابر رضي ال عنه قال ‪:‬‬
‫مأمور به ‪ ،‬وسوء الظّ ّ‬
‫سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قبل موته بثلث يقول ‪ » :‬ل يموتنّ أحدكم إ ّل وهو‬
‫يحسن الظّنّ باللّه ع ّز وجلّ « ‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة رضي ال عنه عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬حسن الظّنّ من‬
‫حسن العبادة « ‪.‬‬
‫ن المحظور المنهيّ عنه سوء الظّنّ بالمسلمين الّذين ظاهرهم العدالة ‪ ،‬فعن صفيّة‬
‫ومن الظّ ّ‬
‫رضي ال عنها قالت ‪ » :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم معتكفا ‪ ،‬فأتيته أزوره ليلً ‪،‬‬
‫فحدّثته ثمّ قمت فانقلبت ‪ ،‬فقام معي ليقلبني ‪ ،‬وكان سكنها في دار أسامة بن زيد رضي ال‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أسرعا ‪ ،‬فقال النّبيّ‬
‫عنهما ‪ ،‬فمرّ رجلن من النصار ‪ ،‬فلمّا رأيا النّب ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ :‬على رسلكما ‪ ،‬إنّها صفيّة بنت حييّ ‪ ،‬فقال ‪ :‬سبحان اللّه يا رسول‬
‫اللّه ‪ ،‬قال ‪ :‬إنّ الشّيطان يجري من النسان مجرى الدّم ‪ ،‬وإنّي خشيت أن يقذف في قلوبكما‬
‫سوءا أو قال ‪ :‬شيئا « ‪.‬‬
‫ن فيما له سبيل إلى معرفته ممّا تعبّد بعلمه فهو محظور ‪ ،‬لنّه لمّا كان متعبّدا‬
‫ثمّ إنّ كلّ ظ ّ‬
‫بعلمه ‪ ،‬ونصب له الدّليل عليه ‪ ،‬فلم يتبع الدّليل وحصل على الظّنّ كان تاركا للمأمور به ‪.‬‬
‫وأمّا ما لم ينصب له عليه دليل يوصله إلى العلم به ‪ ،‬وقد تعبّد بتنفيذ الحكم فيه ‪ ،‬فالقتصار‬
‫على غالب الظّنّ وإجراء الحكم عليه واجب ‪ ،‬وذلك نحو ما تعبّدنا به من قبول شهادة‬
‫العدول‪ ،‬وتحرّي القبلة ‪ ،‬وتقويم المستهلكات وأروش الجنايات الّتي لم يرد بمقاديرها‬
‫توقيف‪ ،‬فهذه وما كان من نظائرها قد تعبّدنا فيها بتنفيذ أحكام غالب الظّنّ ‪.‬‬
‫وأمّا الظّنّ المندوب إليه فهو ‪ :‬حسن الظّنّ بالخ المسلم ‪ ،‬وهو مندوب إليه مثاب عليه ‪،‬‬
‫وإنّما كان هذا الضّرب من الظّنّ مندوبا ولم يكن واجبا كما كان سوء الظّنّ محظورا لوجود‬
‫ن به شيئا فكان مندوبا ‪.‬‬
‫الواسطة بينهما ‪ ،‬وهي احتمال أن ل يظ ّ‬
‫ك في الصّلة ‪ ،‬فإنّه مأمور بالتّحرّي والعمل على ما يغلب‬
‫وأمّا الظّنّ المباح فمنه ‪ :‬ظنّ الشّا ّ‬
‫في ظنّه ‪ ،‬فإن عمل بما غلب عليه ظنّه كان مباحا ‪ ،‬وإن عدل عنه إلى البناء على اليقين‬
‫كان جائزا ‪.‬‬
‫ن الظّنّ ينقسم في الشّرع إلى واجب ومندوب وحرام ومباح ‪،‬‬
‫وذكر الرّمليّ من الشّافعيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫فالواجب حسن الظّنّ باللّه تعالى ‪ ،‬والحرام سوء الظّنّ به تعالى ‪ ،‬وبكلّ من ظاهره العدالة‬
‫ن بمن اشتهر بين المسلمين بمخالطة الرّيب والمجاهرة‬
‫من المسلمين ‪ ،‬والمباح الظّ ّ‬
‫ن من ستر على نفسه لم‬
‫ن السّوء به ‪ ،‬لنّه قد دلّ على نفسه ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫بالخبائث فل يحرم ظ ّ‬
‫يظنّ النّاس به إ ّل خيرا ‪ ،‬ومن دخل مدخل السّوء اتّهم ‪ ،‬ومن هتك نفسه ظننّا به السّوء ‪،‬‬
‫ن الشّاهدان في التّقويم وأروش الجنايات ‪ ،‬وما‬
‫ومن الظّنّ الجائز بإجماع المسلمين ما يظ ّ‬
‫يحصل بخبر الواحد في الحكام بالجماع ‪.‬‬
‫الحكم بالظّنّ ‪:‬‬
‫ن للظّنّ حالتين ‪ :‬حالة تعرف وتقوى بوجه من وجوه الدلّة فيجوز‬
‫‪ -‬ذكر القرطبيّ أ ّ‬ ‫‪6‬‬

‫ن ‪ ،‬كالقياس وخبر الواحد ‪ ،‬وغير‬


‫الحكم بها ‪ ،‬وأكثر أحكام الشّريعة مبنيّة على غلبة الظّ ّ‬
‫ذلك من قيم المتلفات وأروش الجنايات ‪.‬‬
‫والحالة الثّانية أن يقع في النّفس شيء من غير دللة ‪ ،‬فل يكون ذلك أولى من ضدّه ‪ ،‬فهذا‬
‫ك ‪ ،‬فل يجوز الحكم به ‪ ،‬وهو المنهيّ عنه في قوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُوا‬
‫هو الشّ ّ‬
‫اجْتَنِبُوا كَثِيرا مّنَ الظّنّ } ‪ ،‬وفي قوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إيّاكم والظّنّ ‪ ،‬فإنّ الظّنّ‬
‫أكذب الحديث « ‪.‬‬
‫وذكر النّوويّ والخطّابيّ أنّه ليس المراد ترك العمل بالظّنّ الّذي تناط به الحكام غالبا ‪ ،‬بل‬
‫ن الّذي يض ّر بالمظنون به ‪ ،‬وكذا ما يقع في القلب بغير دليل ‪ ،‬وذلك أنّ‬
‫المراد تحقيق الظّ ّ‬
‫أوائل الظّنون إنّما هي خواطر ل يمكن دفعها ‪ ،‬وما ل يقدر عليه ل يكلّف به ‪ ،‬ويؤيّده‬
‫ن اللّه تجاوز لمّتي ما حدّثت به أنفسها « ‪.‬‬
‫حديث ‪ » :‬إ ّ‬
‫عدم اعتبار الظّنّ إذا ظهر خطؤه ‪:‬‬
‫ن الّذي يظهر‬
‫ن البيّن خطؤه ‪ ،‬ومعناها أنّ الظّ ّ‬
‫‪ -‬من القواعد الفقهيّة أنّه ‪ :‬ل عبرة بالظّ ّ‬ ‫‪7‬‬

‫خطؤه ل أثر له ول يعتدّ به ‪.‬‬


‫ومن الفروع الّتي تتخرّج على هذه القاعدة عند الشّافعيّة أنّ المكلّف لو ظنّ في الواجب‬
‫الموسّع أنّه ل يعيش إلى آخر الوقت تضيّق عليه ‪ ،‬فلو لم يفعله ثمّ عاش وفعله فأداء على‬
‫الصّحيح ‪.‬‬
‫ومن فروعها عند الحنفيّة ما ذكروه في باب قضاء الفوائت من أنّ من لم يصلّ العشاء في‬
‫ن أنّ وقت الفجر ضاق ‪ ،‬فصلّى الفجر ‪ ،‬ثمّ تبيّن أنّه كان في الوقت سعة بطل‬
‫وقتها ‪ ،‬وظ ّ‬
‫الفجر ‪ ،‬فإذا بطل ينظر ‪ ،‬فإن كان في الوقت سعة يصلّي العشاء ثمّ يعيد ‪ ،‬فإن لم يكن فيه‬
‫سعة يعيد الفجر فقط ‪.‬‬
‫ويستثنى من هذه القاعدة مسائل ‪:‬‬
‫منها ‪ :‬لو صلّى خلف من يظنّه متطهّرا ‪ ،‬ثمّ بان أنّه كان محدثا فصلته صحيحة عملً‬
‫ن أنّ معهم ما ًء بطل تيمّمه وإن لم يكن معهم ماء‬
‫بظنّه‪ .‬ومنها ‪ :‬ما لو رأى المتيمّم ركبا فظ ّ‬
‫‪ ،‬لتوجّه الطّلب عليه ‪.‬‬
‫وذكر الزّركشيّ في المنثور أنّ القادر على اليقين ليس له أن يأخذ بالظّنّ فيما يتعبّد فيه‬
‫ص قطعا ‪ ،‬كالمجتهد القادر على النّصّ ل يجتهد ‪ ،‬وكذا إن كان بمكّة ل يجتهد في‬
‫بالنّ ّ‬
‫ص ‪ ،‬كالجتهاد بين الطّاهر والنّجس من‬
‫القبلة‪ ،‬وله أن يأخذ بالظّنّ فيما لم يتعبّد فيه بالنّ ّ‬
‫الثّياب والواني ‪ ،‬مع القدرة على طاهر بيقين في الصحّ ‪ ،‬ولو اجتهد في دخول الوقت‬
‫جازت الصّلة مع تمكّنه من علمه في الصحّ ‪.‬‬
‫ظنّ في التّعارض والتّرجيح بين الدلّة ‪:‬‬
‫أثر ال ّ‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الصوليّين من غير الحنفيّة إلى أنّ التّعارض ل يقع بين دليلين قطعيّين‬ ‫‪8‬‬

‫اتّفاقا ‪ ،‬سواء كانا عقليّين أو نقليّين ‪ ،‬وكذلك التّرجيح ل يجوز في الدلّة اليقينيّة ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه ل يشترط في التّعارض تساوي الدّليلين قوّةً ‪ ،‬ويثبت التّعارض في‬
‫دليلين قطعيّين ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫استعمال الماء المظنون نجاسته ‪:‬‬
‫‪ -‬ذكر الحنفيّة أنّه لو توضّأ بماء ظ نّ نجاسته ث مّ تبيّن له بعد ذلك أنّه كان طاهرا جاز‬ ‫‪9‬‬

‫وضوءه ‪.‬‬
‫ن أنّ الّذي غيّره ممّا يسلب‬
‫وذكر المالكيّة أنّه إذا تغيّر ماء البئر ونحوها ‪ ،‬وتحقّق أو ظ ّ‬
‫الطّهوريّة والطّاهريّة لقربها من المراحيض ورخاوة أرضها فإنّه يض ّر ‪ ،‬وإن تحقّق أو ظنّ‬
‫أنّ مغيّره ممّا ل يسلب الطّهوريّة فالماء طهور ‪.‬‬
‫ك هل هو قلّتان أم ل ؟ فالّذي‬
‫ن الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ‪ ،‬وش ّ‬
‫وذكر الشّافعيّة أ ّ‬
‫جزم به صاحب الحاوي وآخرون أنّه نجس ‪ ،‬لتحقّق النّجاسة ‪ ،‬ولمام الحرمين فيه‬
‫احتمالن ‪ ،‬والمختار بل الصّواب الجزم بطهارته ‪ ،‬لنّ الصل طهارته وشككنا في نجاسة‬
‫منجّسه – أي في تنجّس الماء الّذي وقعت فيه النّجاسة – ول يلزم من النّجاسة التّنجيس ‪.‬‬
‫ك في نجاسته فل‬
‫وذكر الحنابلة أنّ استعمال الماء الّذي ظنّ نجاسته مكروه ‪ ،‬بخلف ما ش ّ‬
‫يكره ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬نجاسة ) ‪.‬‬
‫الظّنّ في دخول وقت الصّلة ‪:‬‬
‫ك في دخول وقت العبادة فأتى بها ‪ ،‬فبان أنّه فعلها في الوقت لم‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬لو ش ّ‬ ‫‪10‬‬

‫يجزه ‪ ،‬ويكفي في ذلك أذان الواحد لو عدلً ‪ ،‬وإلّ تحرّى ‪ ،‬وبنى على غالب ظنّه ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه إذا تردّد المصلّي هل دخل وقت الصّلة أو ل على حدّ سواء ؟ أو‬
‫ي ‪ ،‬أو ظنّ عدم الدّخول وتوهّم الدّخول ‪ ،‬سواء حصل له ما ذكر‬
‫ظنّ دخوله ظنّا غير قو ّ‬
‫قبل الدّخول في الصّلة أو طرأ له ذلك بعد الدّخول فيها فإنّ صلته ل تجزيه ‪ ،‬لتردّد النّيّة‬
‫وعدم تيقّن براءة ال ّذمّة ‪ ،‬سواء تبيّن بعد فراغ الصّلة أنّها وقعت قبله أو وقعت فيه أو لم‬
‫يتبيّن شيء ‪ ،‬اللّهمّ إ ّل أن يكون ظنّه بدخول الوقت قويّا ‪ ،‬فإنّها تجزئ إذا تبيّن أنّها وقعت‬
‫فيه ‪ ،‬كما ذكر صاحب الرشاد ‪ ،‬وهو المعتمد ‪.‬‬
‫ن من اشتبه عليه وقت الصّلة لغيم أو حبس في مظلم أو غيرهما اجتهد ‪،‬‬
‫وذكر الشّافعيّة أ ّ‬
‫مستدلً بالدّرس والعمال والوراد وشبهها ‪ ،‬وحيث لزم الجتهاد فصلّى بل اجتهاد وجبت‬
‫العادة وإن صادف الوقت ‪ ،‬وإذا لم تكن دللة أو كانت فلم يغلب على ظنّه شيء صبر إلى‬
‫أن يغلب على قلبه دخول الوقت ‪ ،‬والحتياط أن يؤخّر إلى أن يغلب على ظنّه أنّه لو أخّر‬
‫خرج الوقت ‪.‬‬
‫وذكر الحنابلة أنّ من شكّ في دخول وقت الصّلة لم يص ّل حتّى يغلب على ظنّه دخوله ‪ ،‬لنّ‬
‫ك فعليه العادة وإن وافق الوقت ‪ ،‬لعدم صحّة‬
‫الصل عدم دخوله ‪ ،‬فإن صلّى مع الشّ ّ‬
‫صلته‪ ،‬كما لو صلّى من اشتبهت عليه القبلة من غير اجتهاد ‪.‬‬
‫وأمّا الصّلة على ظنّ بقاء الوقت فإنّها صحيحة نظرا للصل ‪ ،‬إذ الصل بقاء الوقت ‪.‬‬
‫ظنّ في جهة القبلة ‪:‬‬
‫الخذ بال ّ‬
‫‪ -‬من اشتبهت عليه القبلة فإنّه يجتهد ويصلّي إلى الجهة الّتي يغلب على ظنّه أنّها‬ ‫‪11‬‬

‫القبلة ‪ ،‬فإن تغيّر رأيه بعد الدّخول في الصّلة إلى جهة أخرى فإنّه يتوجّه إليها ‪ ،‬حتّى لو‬
‫ن الجتهاد ل‬
‫صلّى أربع ركعات إلى أربع جهات بالجتهاد صحّت صلته ول إعادة عليه ل ّ‬
‫ينقض بالجتهاد ‪ ،‬لما ورد ‪ » :‬أنّ أهل قباء كانوا متوجّهين إلى بيت المقدس في صلة‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫الفجر ‪ ،‬فأخبروا بتحويل القبلة فاستداروا إلى القبلة ‪ ،‬وأقرّهم النّب ّ‬
‫على ذلك « ‪.‬‬
‫ن أنّها‬
‫ويلزمه عند الحنفيّة في حال تغيّر ظنّه الستدارة على الفور إلى الجهة الّتي يظ ّ‬
‫القبلة‪ ،‬فإن لم يفعل ومكث قدر ركن فسدت صلته ‪.‬‬
‫وتبطل الصّلة إن أدّاه اجتهاده إلى جهة وخالفها بصلته لغيرها عامدا عند المالكيّة إن لم‬
‫يصادف القبلة في الّتي صلّى إليها ‪ ،‬بل وإن صادفها في الجهة الّتي صلّى إليها ‪ ،‬فيعيدها‬
‫أبدا ‪ ،‬لدخوله على الفساد وتعمّده إيّاه ‪.‬‬
‫وذكر النّوويّ ثلثة أحوال للمجتهد في جهة القبلة إذا ظهر له الخطأ في اجتهاده ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن يظهر له الخطأ قبل الشّروع في الصّلة ‪ ،‬فإن تيقّن الخطأ في اجتهاده أعرض‬
‫ن أنّ الصّواب جهة‬
‫عنه واعتمد الجهة الّتي يعلمها أو يظنّها الن ‪ ،‬وإن لم يتيقّن ‪ ،‬بل ظ ّ‬
‫أخرى ‪ ،‬فإن كان دليل الجتهاد الثّاني عنده أوضح من الوّل الن اعتمد الثّاني ‪ ،‬وإن كان‬
‫الوّل أوضح اعتمده ‪ ،‬وإن تساويا فله الخيار فيهما على الصحّ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يصلّي إلى‬
‫الجهتين مرّتين ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أن يظهر له الخطأ بعد الفراغ من الصّلة ‪ ،‬فإن تيقّنه وجبت العادة على الظهر ‪،‬‬
‫سواء تيقّن الصّواب أيضا أم ل ‪ ،‬وقيل ‪ :‬القولن إذا تيقّن الخطأ وتيقّن الصّواب ‪ ،‬أمّا إذا لم‬
‫يتيقّن الصّواب فل إعادة قطعا ‪ ،‬والمذهب الوّل ‪.‬‬
‫وأمّا إذا لم يتيقّن الخطأ بل ظنّه فل إعادة عليه ‪ ،‬فلو صلّى أربع صلوات إلى أربع جهات‬
‫باجتهادات فل إعادة على الصّحيح ‪ ،‬وعلى وجه شا ّذ يجب إعادة الربع ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يجب‬
‫إعادة غير الخيرة ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬أن يظهر له الخطأ في أثناء الصّلة ‪ ،‬وهو ضربان ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬أن يظهر الصّواب مقترنا بظهور الخطأ فإن كان الخطأ متيقّنا فيبني على القولين‬
‫في تيقّن الخطأ بعد الفراغ من الصّلة ‪ ،‬وإن لم يكن متيقّنا بل مظنونا فالصحّ أنّه ينحرف‬
‫ويبني حتّى لو صلّى أربع ركعات إلى أربع جهات فل إعادة كالصّلوات ‪ ،‬وخصّ ذلك بما إذا‬
‫كان الدّليل الثّاني أوضح من الوّل ‪ ،‬فإن استويا تمّم صلته إلى الجهة الولى ول إعادة ‪.‬‬
‫الضّرب الثّاني ‪ :‬أن ل يظهر الصّواب مع الخطأ فإن عجز عن الصّواب بالجتهاد على‬
‫القرب بطلت صلته وإن قدر عليه على القرب ‪ ،‬فهل ينحرف ويبني أم يستأنف ؟ فيه خلف‬
‫مرتّب على الضّرب الوّل ‪ ،‬والولى الستئناف ‪ ،‬قال النّوويّ وهو الصّواب ‪.‬‬
‫وذكر الحنابلة أنّ من اشتبهت عليه القبلة فإن كان في قرية ففرضه التّوجّه إلى محاريبهم ‪،‬‬
‫فإن لم تكن لهم محاريب لزمه السّؤال عن القبلة ‪ ،‬فإن كان جاهلً بأدلّتها ففرضه الرّجوع‬
‫إلى من يخبره عن يقين إن وجده ‪ ،‬ول يجتهد قياسا على الحاكم إذا وجد النّصّ ‪ ،‬وإن كان‬
‫الّذي وجده يخبره عن ظنّ ففرضه تقليده إن كان من أهل الجتهاد وكان عالما بأداتها‬
‫وضاق الوقت وإلّ لزمه التّعلّم والعمل باجتهاده ‪ .‬وإن اشتبهت عليه القبلة في السّفر‬
‫‪ -‬وكان عالما بأداتها ‪ -‬ففرضه الجتهاد في معرفتها لنّ ما وجب اتّباعه عند وجوده‬
‫وجب الستدلل عليه عند خفائه كالحكم في الحادثة فإذا اجتهد وغلب على ظنّه جهة أنّها‬
‫القبلة صلّى إليها لتعيّنها قبلةً له ‪ ،‬إقامةً للظّنّ مقام اليقين لتعذّره ‪ ،‬فإن تركها ‪ -‬أي الجهة‬
‫الّتي غلبت على ظنّه ‪ -‬وصلّى إلى غيرها أعاد ما صله إلى غيرها وإن أصاب لنّه ترك‬
‫فرضه ‪ ،‬كما لو ترك القبلة المتيقّنة ‪ ،‬وإن تعذّر عليه الجتهاد ‪ -‬لغيم ونحوه كما لو كان‬
‫مطمورا أو كان به مانع من الجتهاد كرمد ونحوه أو تعادلت عنده المارات ‪ -‬صلّى على‬
‫حسب حاله بل إعادة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪20‬‬ ‫‪ ،‬واشتباه ف‬ ‫‪28‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬استقبال ف‬
‫القتداء بمن ظنّ أنّه مسافر ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬إذا اقتدى بإمام ل يدري أمسافر هو أم مقيم ؟ ل يصحّ ‪ ،‬لنّ العلم بحال‬ ‫‪12‬‬

‫المام شرط الداء بجماعة ‪.‬‬


‫ن أنّهم مسافرون فظهر خلفه ‪ ،‬أعاد أبدا إن‬
‫وذكر المالكيّة أنّه إذا دخل مصلّ على قوم ظ ّ‬
‫كان الدّاخل مسافرا ‪ ،‬لمخالفة إمامه ن ّي ًة وفعلً إن سلّم من اثنتين ‪ ،‬وإن أتمّ فقد خالفه ن ّيةً ‪،‬‬
‫وفعل خلف ما دخل عليه ‪ ،‬وتبطل صلته أيضا إذا لم يظهر شيء ‪ ،‬لحصول الشّكّ في‬
‫صحّة وهو يوجب البطلن ‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫أمّا إذا كان الدّاخل مقيما فإنّه يت ّم صلته ‪ ،‬ول يضرّه كونهم على خلف ظنّه ‪ ،‬لموافقته‬
‫للمام ن ّي ًة وفعلً كعكسه وهو أن يظنّهم مقيمين فينوي التمام فيظهر أنّهم مسافرون أو لم‬
‫يتبيّن شيء فإنّه يعيد أبدا إن كان مسافرا ‪ ،‬وهو ظاهر إن قصر لمخالفة فعله لنيّته ‪ ،‬وأمّا‬
‫صحّة كاقتداء مقيم بمسافر ‪.‬‬
‫إن أتمّ فكان مقتضى القياس ال ّ‬
‫وفرّق بأنّ المسافر لمّا دخل على الموافقة فتبيّن له المخالفة لم يغتفر له ذلك ‪ ،‬بخلف‬
‫المقيم فإنّه داخل على المخالفة من أوّل المر فاغتفر له ‪ ،‬وإن كان الدّاخل مقيما صحّت ول‬
‫إعادة ‪ ،‬لنّه مقيم اقتدى بمسافر ‪.‬‬
‫وذكر الشّافعيّة أنّه لو اقتدى بمن ظنّه مسافرا فنوى القصر الّذي هو الظّاهر من حال‬
‫المسافر أن ينويه فبان مقيما أتمّ لتقصيره في ظنّه إذ شعار القامة ظاهر ‪ ،‬أو اقتدى ناويا‬
‫ك في أنّه مسافر أو مقيم أتمّ ‪ -‬وإن بان مسافرا قاصرا ‪،‬‬
‫القصر بمن جهل سفره ‪ -‬أي ش ّ‬
‫لتقصيره في ذلك ‪ ،‬لظهور شعار المسافر والمقيم ‪ ،‬والصل التمام ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يجوز له‬
‫القصر إذا بان كما ذكر ‪.‬‬
‫وذكر الحنابلة أنّ من أحرم مع من يظنّه مقيما أو شكّ فيه لزمه التمام وإن قصر إمامه‬
‫اعتبارا بالنّيّة ‪ ،‬وإن غلب على ظنّه أنّه مسافر لدليل فله أن ينوي القصر ويتبع إمامه ‪،‬‬
‫ن الظّاهر‬
‫فيقصر بقصره ويتمّ بإتمامه ‪ ،‬وإن أحدث إمامه قبل علمه بحاله فله القصر ‪ ،‬ل ّ‬
‫أنّه مسافر ‪.‬‬
‫ظنّ الخوف المرخّص في صلة الخوف ‪:‬‬
‫‪ -‬لو رأى المسلمون سوادا فظنّوه عدوّا فصلّوا صلة الخوف ‪ ،‬ثمّ تبيّن خلف ذلك ‪،‬‬ ‫‪13‬‬

‫فذهب الحنفيّة إلى أنّ اشتداد الخوف ليس شرطا في أداء صلة الخوف ‪ ،‬بل الشّرط حضور‬
‫عدوّ أو سبع فلو رأوا سوادا ظنّوه عدوّا صلّوها ‪ ،‬فإن تبيّن كما ظنّوا جازت لتبيّن سبب‬
‫الرّخصة ‪ ،‬وإن ظهر خلفه لم تجز إلّ إن ظهر بعد أن انصرفت الطّائفة من نوبتها في‬
‫الصّلة قبل أن تتجاوز الصّفوف ‪ ،‬فإنّ لهم أن يبنوا استحسانا ‪ ،‬كمن انصرف على ظنّ‬
‫الحدث يتوقّف الفساد إذا ظهر أنّه لم يحدث على مجاوزة الصّفوف ‪.‬‬
‫ويكفي عند المالكيّة في عدم العادة مجرّد الخوف ‪ ،‬سواء أكان محقّقا أم مظنونا ‪ ،‬وهو‬
‫ن برؤية أو بإخبار‬
‫قول للشّافعيّة في مقابل الظهر ‪ ،‬لوجود الخوف عند الصّلة ‪ ،‬كسواد ظ ّ‬
‫ثقة أنّه عدوّ فصلّوا صلة التحام أو صلة قسم ثمّ ظهر خلف ذلك فل إعادة ‪ ،‬والظّنّ البيّن‬
‫خطؤه ل عبرة به إذا أدّى إلى تعطيل حكم ‪ ،‬ل إلى تغيّر كيفيّة ‪ ،‬وهذا بخلف المتيمّم‬
‫ص ونحوه ثمّ يظهر خلفه ‪ ،‬فإنّه يعيد ‪ ،‬لنّه أخ ّل بشرط ‪.‬‬
‫الخائف من ل ّ‬
‫وذكر الشّافعيّة أنّهم لو صلّوا لسواد ظنّوه عدوّا فبان بخلف ظنّهم كإبل أو شجر قضوا في‬
‫الظهر ‪ ،‬لتركهم فروضا من الصّلة بظنّهم الّذي تبيّن خطؤه ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬ل يجب القضاء‬
‫خفْتُمْ فَ ِرجَا ًل َأوْ ُركْبَانا } وسواء في‬
‫ن ِ‬
‫لوجود الخوف عند الصّلة وقد قال تعالى ‪ { :‬فَإ ْ‬
‫جريان القولين أكانوا في دار الحرب أم دار السلم ‪ ،‬استند ظنّهم إلى إخبار أم ل ‪ ،‬وقيل ‪:‬‬
‫إن كانوا في دار السلم أو لم يستند ظنّهم إلى إخبار وجب القضاء قطعا ‪.‬‬
‫وذكر الحنابلة أنّ من رأى سوادا فظنّه عدوّا فصلّى صلة الخوف ‪ ،‬ثمّ بان أنّه غير عدوّ ‪،‬‬
‫أو بينه وبينه ما يمنع العبور أعاد ‪ ،‬لنّه لم يوجد المبيح ‪ ،‬فأشبه من ظنّ أنّه متطهّر فصلّى‬
‫ثمّ علم بحدثه ‪.‬‬
‫ظنّ الصّائم غروب الشّمس أو طلوع الفجر ‪:‬‬
‫ن أنّ الفجر لم يطلع فإذا هو قد طلع ‪ ،‬أو أفطر‬
‫‪ -‬يرى الفقهاء أنّ من تسحّر وهو يظ ّ‬ ‫‪14‬‬

‫ن صومه يبطل ‪.‬‬


‫ن أنّ الشّمس قد غربت فإذا هي لم تغرب فإ ّ‬
‫وهو يظ ّ‬
‫وفي ذلك تفصيل ينظر في ‪ ( :‬صوم ) ‪.‬‬
‫ظنّ في المسروق الّذي يقطع به السّارق ‪:‬‬
‫ال ّ‬
‫ن ظنّ السّارق في تعيين نوع ما سرقه ل يؤثّر في القطع ‪،‬‬
‫‪ -‬ذكر المالكيّة والشّافعيّة أ ّ‬ ‫‪15‬‬

‫فلو سرق دنانير ظنّها فلوسا ‪ ،‬أو سرق ثلثة دراهم وهو يظنّها حين أخرجها من الحرز‬
‫أنّها فلوس ل تساوي قيمتها النّصاب قطع ول يعذر بظنّه ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة الشّكّ في قيمة المسروق في كونه هل يبلغ نصابا أو ل ل يوجب القطع ‪.‬‬
‫ظنّ المكره سقوط القصاص والدّية ‪:‬‬
‫‪ -‬قال النّوويّ ‪ :‬لو أكره رجل رجلً على أن يرمي إلى طلل علم المر أنّه إنسان ‪ ،‬وظنّه‬ ‫‪16‬‬

‫المأمور حجرا أو صيدا ‪ ،‬أو أكرهه على أن يرمي إلى سترة وراءها إنسان وعلمه المر‬
‫دون المأمور ‪ ،‬فل قصاص على المأمور ‪ ،‬ويجب القصاص على المر على الصّحيح ‪ ،‬فإنّه‬
‫آلة له ‪ ،‬ووجه المنع أنّه شريك مخطئ ‪ ،‬فإن آل المر إلى الدّية فوجهان ‪:‬‬
‫أحدهما تجب كلّها على المر واختاره البغويّ ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬عليه نصفها وعلى عاقلة‬
‫المأمور‪ ،‬نصفها ‪.‬‬
‫ل أثر للظّنّ في المور الثّابتة بيقين ‪:‬‬
‫ن ما ثبت بيقين ل يرتفع إلّ بيقين ‪ ،‬وقد استنبط الشّافعيّ هذه‬
‫‪ -‬من القواعد الفقهيّة أ ّ‬ ‫‪17‬‬

‫القاعدة من الحديث المرويّ عن عبّاد بن تميم عن عمّه ‪ » :‬أنّه شكا إلى رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم الرّجل الّذي يخيّل إليه أنّه يجد الشّيء في الصّلة فقال ‪ :‬ل ينفتل أو ل‬
‫ينصرف حتّى يسمع صوتا أو يجد ريحا « ‪.‬‬
‫ومن فروعها ‪ :‬أنّ من تيقّن طهار ًة أو حدثا وشكّ في ضدّه فإنّه يعمل بيقينه ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬ما لو نسي صل ًة من الخمس وجب عليه الخمس ‪ ،‬لشتغال ذمّته بكلّ منها يقينا ‪.‬‬
‫ك هل طلّق أم ل ؟ لم يقع‬
‫ن النّكاح مستيقن ‪ ،‬فإذا ش ّ‬
‫شكّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ومنها ‪ :‬أنّ الطّلق ل يقع بال ّ‬
‫شيء ‪ ،‬وهل طلّق ثنتين أو واحدةً فواحدةً ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أنّ المفقود ل يقسم ماله ول تنكح زوجته ما لم تمض مدّة يتيقّن أنّه ل يعيش‬
‫أمثاله فيها ‪ ،‬لنّ بقاء الحياة متيقّن ‪ ،‬فل نرفعه إلّ بيقين ‪.‬‬
‫أثر الظّنّ في مصارف الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا دفع الزّكاة لمن ظنّه من أهلها ‪ ،‬فبان خطؤه ‪ :‬اختلف فيه على قولين ‪:‬‬ ‫‪18‬‬

‫أحدهما ‪ :‬الجزاء ول تجب عليه العادة ‪.‬‬


‫والخر ‪ :‬ل يجزئه ‪ ،‬وفي السترداد قولن ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫يراجع مصطلح ‪ ( :‬خطأ ف‬
‫ظنّ في الوقوف بعرفة ‪:‬‬
‫أثر ال ّ‬
‫‪ -‬لو وقف الحجيج العاشر من ذي الحجّة ظنّا منهم أنّه التّاسع ‪ ،‬ففي ذلك تفصيل ينظر‬ ‫‪19‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪42‬‬ ‫في مصطلح ‪ ( :‬خطأ ف‬

‫ظهَار *‬
‫ِ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الظّهار بكسر الظّاء المعجمة لغ ًة ‪ :‬مأخوذ من الظّهر ‪ ،‬لنّ صورته الصليّة أن يقول‬ ‫‪1‬‬

‫الرّجل لزوجته ‪ :‬أنت عليّ كظهر أمّي ‪ ،‬وإنّما خصّوا الظّهر ‪ -‬دون البطن والفخذ‬
‫وغيرهما‪ -‬لنّ الظّهر من الدّابّة موضع الرّكوب ‪.‬‬
‫وفي الصطلح هو تشبيه الرّجل زوجته ‪ ،‬أو جزءا شائعا منها ‪ ،‬أو جزءا يعبّر به عنها‬
‫بامرأة محرّمة عليه تحريما مؤبّدا ‪ ،‬أو بجزء منها يحرم عليه النّظر إليه ‪ ،‬كالظّهر والبطن‬
‫والفخذ ‪.‬‬
‫ص باسم الظّهار تغليبا للظّهر ‪ ،‬لنّه كان الصل في استعمالهم ‪.‬‬
‫وفي فتح القدير إنّما خ ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الطّلق ‪:‬‬
‫‪ -‬الطّلق لغةً ‪ :‬حلّ القيد والطلق ‪ ،‬وشرعا ‪ :‬ح ّل عقدة النّكاح بلفظ الطّلق ‪ ،‬ونحوه ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وكان الظّهار طلقا في الجاهليّة فجاء السلم بأحكام خاصّة بكلّ منهما ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬اليلء ‪:‬‬
‫‪ -‬اليلء لغةً ‪ :‬الحلف مطلقا سواء أكان على ترك قربان الزّوجة أم على شيء آخر ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫وشرعا ‪ :‬أن يحلف الزّوج باللّه تعالى أو بصفة من صفاته الّتي يحلف بها ألّ يقرب زوجته‬
‫أربعة أشهر أو أكثر ‪.‬‬
‫وكان اليلء طلقا في الجاهليّة ‪ ،‬فغيّر الشّرع حكمه ‪ ،‬وخصّه بأحكام غير أحكام الظّهار ‪.‬‬
‫مشروعيّة أحكام الظّهار ‪:‬‬
‫‪ -‬كان النّاس قبل السلم إذا غضب الرّجل على زوجته لمر من المور ‪ ،‬ولم يرد أن‬ ‫‪4‬‬

‫ي كظهر أمّي ‪ ،‬فتحرم عليه تحريما مؤبّدا ل‬


‫تتزوّج بغيره آلى منها ‪ ،‬أو قال لها ‪ :‬أنت عل ّ‬
‫تحلّ له بحال ‪ ،‬وتبقى كالمعلّقة ‪ ،‬ل هي بالمتزوّجة ول بالمطلّقة ‪.‬‬
‫واستمرّوا على ذلك في صدر السلم حتّى ‪ » :‬غضب أوس بن الصّامت رضي ال عنه‬
‫ي كظهر أمّي ‪ ،‬فذهبت إلى‬
‫على زوجته خولة بنت ثعلبة رضي ال عنها فقال لها ‪ :‬أنت عل ّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم تشكو إليه ما صنع زوجها ‪ ،‬فقالت ‪ :‬إنّ أوسا تزوّجني وأنا‬
‫شابّة مرغوب في ‪ ،‬فلمّا كبرت سنّي ونثرت له بطني جعلني عليه كظهر أمّه ‪ ،‬فقال لها‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬قد حرمت عليه فقالت ‪ :‬إنّ لي منه أولدا إن ضممتهم إليه‬
‫ي جاعوا ‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ما أراك إلّ وقد حرمت‬
‫ضاعوا ‪ ،‬وإن ضممتهم إل ّ‬
‫سمِ َع الّلهُ َق ْولَ‬
‫عليه ‪ ،‬فقالت ‪ :‬أشكو إلى اللّه فاقتي ووجدي ‪ .‬فنزل قول اللّه تعالى ‪ { :‬قَدْ َ‬
‫سمِي ٌع بَصِي ٌر ‪ ،‬الّذِينَ‬
‫ن الّلهَ َ‬
‫سمَ ُع َتحَاوُ َر ُكمَا إِ ّ‬
‫جهَا وَ َتشْ َتكِي إِلَى الّل ِه وَالّلهُ َي ْ‬
‫الّتِي ُتجَادُِلكَ فِي َز ْو ِ‬
‫ن مِنكُم مّن ّنسَا ِئهِم مّا ُهنّ ُأ ّمهَا ِت ِهمْ إِنْ ُأ ّمهَا ُت ُهمْ إِل اللئِي وَلَدْ َن ُهمْ َوإِ ّنهُمْ لَ َيقُولُونَ‬
‫ُيظَاهِرُو َ‬
‫ن مِن ّنسَا ِئ ِهمْ ُثمّ َيعُودُونَ ِلمَا‬
‫ن ُيظَاهِرُو َ‬
‫غفُورٌ ‪ ،‬وَالّذِي َ‬
‫ن ا ْلقَ ْولِ َوزُورا َوإِنّ الّل َه َل َع ُفوّ َ‬
‫مُنكَرا مّ َ‬
‫عظُونَ ِب ِه وَالّلهُ ِبمَا َت ْعمَلُونَ خَبِيرٌ ‪َ ،‬فمَن ّلمْ‬
‫قَالُوا فَ َتحْرِيرُ َرقَ َبةٍ مّن قَ ْب ِل أَن يَ َتمَاسّا ذَ ِل ُكمْ تُو َ‬
‫ن ِمسْكِينا ذَلِكَ‬
‫طعَامُ سِتّي َ‬
‫ن مُتَتَا ِبعَيْنِ مِن قَ ْب ِل أَن يَ َتمَاسّا َفمَن ّلمْ َيسْ َتطِعْ فَ ِإ ْ‬
‫شهْرَيْ ِ‬
‫َيجِدْ فَصِيَامُ َ‬
‫لِ ُت ْؤمِنُوا بِالّل ِه وَ َرسُو ِلهِ وَتِ ْلكَ حُدُودُ الّل ِه وَلِ ْلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } «‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الظّهار محرّم ‪ ،‬ول يعتبر طلقا ‪ ،‬وصرّح بعض الفقهاء بأنّه من الكبائر لكونه منكرا‬ ‫‪5‬‬

‫ن ُأ ّمهَا ِتهِ ْم إِنْ‬


‫ن مِنكُم مّن ّنسَا ِئهِم مّا هُ ّ‬
‫من القول وزورا ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬الّذِينَ ُيظَاهِرُو َ‬
‫غفُورٌ } ‪.‬‬
‫ُأ ّمهَا ُتهُمْ إِل اللئِي وَلَدْ َن ُهمْ َوإِ ّن ُهمْ لَ َيقُولُونَ مُنكَرا مّنَ ا ْل َق ْولِ وَزُورا َوإِنّ الّلهَ َلعَ ُفوّ َ‬
‫ولحديث أوس بن الصّامت حين ظاهر من زوجته خولة بنت مالك بن ثعلبة فجاءت إلى‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم تشتكي فأنزل اللّه أوّل سورة المجادلة ‪.‬‬
‫التّوقيت والتّأبيد في الظّهار ‪:‬‬
‫‪ -‬الظّهار يصحّ أن يكون مؤبّدا ‪ ،‬مثل أن يقول الرّجل لزوجته ‪ :‬أنت عليّ كظهر أمّي ول‬ ‫‪6‬‬

‫يذكر مدّ ًة معيّنةً كأسبوع أو شهر أو سنة ‪ ،‬ويصحّ أن يكون مؤقّتا بمدّة معيّنة ‪ ،‬مثل أن‬
‫ي كظهر أمّي شهرا ‪ ،‬فإذا قال لها ذلك كان مظاهرا منها في‬
‫يقول الرّجل لزوجته ‪ :‬أنت عل ّ‬
‫تلك المدّة ‪ ،‬فإذا عزم على قربانها فيها وجبت عليه الكفّارة ‪ ،‬فإذا مضى الوقت زال الظّهار‬
‫وحلّت المرأة بل كفّارة ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة في الظهر ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة ‪ ،‬وهو قول للشّافعيّة ‪ ،‬وقول ابن عبّاس رضي ال عنهما ‪ ،‬وعطاء وقتادة‬
‫والثّوريّ وإسحاق وأبي ثور إلى أنّه ل يصحّ الظّهار إلّ مؤبّدا ‪ ،‬فإن ذكر الوقت فيه كان‬
‫ذكره لغوا ‪ ،‬فإذا قال الرّجل لزوجته ‪ :‬أنت عليّ كظهر أمّي هذا الشّهر كان الظّهار مؤبّدا ‪،‬‬
‫ص بذلك الشّهر الّذي عيّنه ‪ ،‬وعلى هذا تحرم المرأة على زوجها في ذلك الشّهر‬
‫ول يخت ّ‬
‫وبعده ‪ ،‬ول تحلّ له حتّى يكفّر ‪.‬‬
‫وفي قول ثالث للشّافعيّة وابن أبي ليلى واللّيث ‪ :‬إنّ التّوقيت في الظّهار ل يعتبر ظهارا ‪.‬‬
‫قد استد ّل الجمهور بما روي في حديث سلمة بن صخر ‪ » :‬أنّه ظاهر من امرأته حتّى‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه أصابها في الشّهر فأمره‬
‫ينسلخ شهر رمضان ‪ ،‬وأنّه أخبر النّب ّ‬
‫ن الظّهار يصحّ أن يكون مؤقّتا بالشّهر ونحوه ‪ ،‬ولو كان‬
‫بالكفّارة « ‪ ،‬فإنّه يدلّ على أ ّ‬
‫الظّهار ل يصحّ إلّ إذا كان مؤبّدا لبيّن النّبيّ صلى ال عليه وسلم هذا الحكم ‪ ،‬ولنّ الظّهار‬
‫شبيه باليمين من ناحية أنّ المنع من قربان الزّوجة ينتهي بالكفّارة في كلّ منهما ‪ ،‬واليمين‬
‫يصحّ فيه التّأبيد والتّوقيت ‪ ،‬فيكون الظّهار مثله في هذا الحكم ‪.‬‬
‫ن كلً منهما يقتضي‬
‫ن الظّهار يشبه الطّلق من ناحية أ ّ‬
‫واستدلّ المالكيّة ومن وافقهم بأ ّ‬
‫ح أن يكون مؤقّتا ‪ ،‬ولو أقّت بوقت كان التّوقيت لغوا ‪،‬‬
‫تحريم الزّوجة ‪ ،‬والطّلق ل يص ّ‬
‫فكذلك الظّهار ‪.‬‬
‫ن التّأقيت في الظّهار ل يعتبر ظهارا بأنّه لم يؤبّد التّحريم ‪ ،‬فأشبه ما إذا‬
‫واستدلّ من قال ‪ :‬إ ّ‬
‫شبّهها بامرأة ل تحرم على التّأبيد ‪.‬‬
‫أركان الظّهار ‪:‬‬
‫‪ -‬ركن الظّهار ‪ -‬عند الحنفيّة ‪ -‬اللّفظ الدّالّ عليه ‪ ،‬وهو التّعبير المشتمل على تشبيه‬ ‫‪7‬‬

‫الزّوجة بامرأة محرّمة على الزّوج تحريما مؤبّدا كأنت عليّ كظهر أمّي أو ما يقوم مقامه ‪،‬‬
‫فالظّهار ل يقوم إلّ بالتّعبير المنشئ له عندهم ‪.‬‬
‫وأركان الظّهار عند المالكيّة والشّافعيّة أربعة هي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬مشبّه وهو الزّوج المظاهر ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬مشبّه وهو الزّوجة المظاهر منها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬مشبّه به وهو المحرّم بطريق الصالة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الصّيغة ‪.‬‬
‫شروط الظّهار ‪:‬‬
‫يشترط في الظّهار ما يلي ‪:‬‬
‫الشّرط الوّل ‪:‬‬
‫‪ -‬أن يكون التّشبيه موجّها إلى الزّوجة كلّها أو إلى جزء منها ‪ ،‬فإن كان التّشبيه موجّها‬ ‫‪8‬‬

‫إلى المرأة كلّها صحّ الظّهار باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬وصورته ‪ :‬أن يقول الرّجل لزوجته ‪ :‬أنت‬
‫ي كظهر أمّي ‪.‬‬
‫عل ّ‬
‫أمّا إن كان التّشبيه موجّها إلى جزء من المرأة ‪ ،‬فإن كان من الجزاء الشّائعة كالنّصف‬
‫والرّبع ‪ ،‬أو كان من الجزاء الّتي يعبّر بها عن الكلّ مجازا فالظّهار يكون صحيحا ‪.‬‬
‫وإن كان الجزء المشبّه ل يعبّر به عن الكلّ مجازا مثل اليد والرّجل ونحوهما فل يصحّ‬
‫الظّهار عند الحنفيّة ‪ ،‬وقال المالكيّة يصحّ الظّهار سواء كان ذلك الجزء المشبّه جزءا حقيقةً‬
‫كاليد والرّجل ‪ ،‬أو كان جزءا حكما كالشّعر والرّيق والكلم ‪.‬‬
‫ح الظّهار إذا كان الجزء المشبّه كاليد والرّجل ‪،‬‬
‫وقال الشّافعيّة في الجديد والحنابلة يص ّ‬
‫وأضاف الحنابلة أنّه ل يصحّ الظّهار إذا كان من الجزاء المنفصلة غير الثّابتة كالدّمع‬
‫والرّيق والكلم ‪.‬‬
‫الشّرط الثّاني ‪:‬‬
‫‪ -‬أن يكون التّشبيه بامرأة محرّمة على الزّوج ‪.‬‬ ‫‪9‬‬

‫والمرأة المحرّمة على الرّجل إمّا أن يكون تحريمها عليه مؤبّدا ‪ ،‬وإمّا يكون مؤقّتا ‪.‬‬
‫فإن شبّه الزّوج زوجته بامرأة محرّمة عليه على سبيل التّأبيد بلفظ يدلّ على الظّهار ‪ ،‬بأن‬
‫ي كظهر أمّي ‪ ،‬فقد ذهب الفقهاء إلى أنّ ذلك ظهار ‪.‬‬
‫قال لها ‪ :‬أنت عل ّ‬
‫أمّا إذا شبّهها بمن تحرم عليه على سبيل التّأقيت ‪ ،‬كأخت الزّوجة ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء ‪:‬‬
‫ن تشبيه الزّوج زوجته بمن تحرم عليه‬
‫فذهب الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬ورواية عن أحمد ‪ :‬إلى أ ّ‬
‫على سبيل التّأقيت لغو وليس بظهار ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه يكون كناية ظهار ‪ ،‬إن نوى به ظهارا وقع ‪ ،‬وإلّ فل ‪ ،‬وعند‬
‫الحنابلة كما ذكر البهوتيّ ‪ ،‬ورواية عن أحمد أوردها ابن قدامة أنّه يكون ظهارا ‪.‬‬
‫‪ -‬وإذا شبّه الرّجل زوجته بعضو يحرم النّظر إليه من امرأة محرّمة عليه تحريما مؤبّدا‬ ‫‪10‬‬

‫ي كظهر أمّي ‪ ،‬فل خلف بين‬


‫فإن كان هذا العضو هو ظهر المّ مثل أن يقول لها ‪ :‬أنت عل ّ‬
‫ن صريح الظّهار أن‬
‫الفقهاء في صحّة الظّهار به ‪ ،‬قال ابن المنذر ‪ :‬أجمع أهل العلم على أ ّ‬
‫ي كظهر أمّي ‪ ،‬وفي حديث خولة امرأة أوس بن الصّامت أنّه قال لها ‪ :‬أنت‬
‫يقول ‪ :‬أنت عل ّ‬
‫ي كظهر أمّي ‪ ،‬فذكر ذلك لرسول اللّه صلى ال عليه وسلم فأمره بالكفّارة ‪ ،‬ومثل المّ‬
‫عل ّ‬
‫في هذا الجدّة ‪ ،‬لنّها أمّ أيضا ‪.‬‬
‫وإن كان العضو المشبّه به " ظهر " غير المّ والجدّة ‪ ،‬ممّن تحرم على الرّجل تحريما مؤبّدا‬
‫بنسب أو رضاع أو مصاهرة ‪ ،‬كأخته وخالته وعمّته نسبا أو رضاعا ‪ ،‬وزوجة أبيه وابنه ‪،‬‬
‫فالظّهار يكون صحيحا ‪.‬‬
‫أمّا إن كان العضو المشبّه به ليس هو الظّهر فالتّشبّه به يكون ظهارا إذا كان من العضاء‬
‫الّتي يحرم النّظر إليها مثل البطن والفخذ ‪ ،‬فإن كان من العضاء الّتي يحلّ النّظر إليها‬
‫ن المشبّه‬
‫كالرّأس والوجه واليد فل يكون ظهارا ‪ ،‬وهذا عند الحنفيّة ‪ ،‬وحجّتهم في ذلك ‪ :‬أ ّ‬
‫به إذا كان يحلّ النّظر إليه ل يتحقّق بالتّشبيه به معنى الظّهار ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬التّشبيه بغير الظّهر يكون ظهارا مطلقا ‪ ،‬سواء أكان المشبّه به جزءا حقيقةً‬
‫كالرّأس واليد والرّجل أم كان جزءا حكما كالشّعر والرّيق والدّمع والعرق ‪ ،‬فلو قال الرّجل‬
‫ي كرأس أمّي أو كيدها أو رجلها ‪ ،‬أو قال لها ‪ :‬أنت عليّ كشعر أمّي أو‬
‫لزوجته ‪ :‬أنت عل ّ‬
‫كريقها كان ظهارا ‪ ،‬لنّ هذه الجزاء وإن كان يحلّ النّظر إليها إلّ أنّها ل يحلّ التّلذّذ أو‬
‫الستمتاع بها ‪ ،‬والتّلذّذ أو الستمتاع هو المستفاد بعقد الزّواج ‪ ،‬فيكون التّشبيه بجزء منها‬
‫ظهارا ‪ ،‬مثل التّشبيه بالظّهر والبطن والفخذ وغيرها ممّا ل يحلّ النّظر إليه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا شبّبها ببعض أجزاء ال ّم ‪ -‬غير الظّهر ‪ -‬فإن كان ممّا ل يذكر في‬
‫معرض الكرامة والعزاز ‪ ،‬كاليد والرّجل والصّدر والبطن والفرج والشّعر ‪ ،‬فقولن ‪:‬‬
‫أظهرهما ‪ -‬وهو الجديد ‪ -‬أنّه ظهار ‪ ،‬وإن كان ممّا يذكر في معرض العزاز والكرام ‪،‬‬
‫ي كعين أمّي ‪ ،‬فإن أراد الكرامة فليس بظهار ‪ ،‬وإن أراد الظّهار وقع ظهارا‬
‫كقوله ‪ :‬أنت عل ّ‬
‫قطعا ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إنّ التّشبيه بجزء غير الظّهر يكون ظهارا متى كان من الجزاء الثّابتة كاليد‬
‫والرّجل والرّأس ‪ ،‬أمّا لو كان من الجزاء غير الثّابتة كالرّيق والعرق والدّمع والكلم أو‬
‫كالشّعر والسّنّ والظّفر فل يصحّ الظّهار إذا كان التّشبيه بواحد منها ‪ ،‬لنّها ليست من‬
‫العضاء الثّابتة ‪ ،‬ول يقع الطّلق إذا أضيف إلى شيء منها فكذلك الظّهار ‪.‬‬
‫الشّرط الثّالث ‪:‬‬
‫‪ -‬أن يكون التّشبيه مشتملً على معنى التّحريم ‪.‬‬ ‫‪11‬‬
‫ي كظهر أمّي مثلً ‪ ،‬يقصد من ذلك تحريم إتيان زوجته‬
‫فإذا قال الرّجل لزوجته ‪ :‬أنت عل ّ‬
‫كتحريم إتيان أمّه ‪ ،‬أو تحريم التّلذّذ والستمتاع بها كتحريم التّلذّذ بالمّ والستمتاع بها ‪،‬‬
‫ن ذلك يكون ظهارا ‪.‬‬
‫فإ ّ‬
‫وإذا كان التّشبيه ل يشتمل على التّحريم ل يكون ظهارا ‪ ،‬وذلك كما إذا كان لرجل‬
‫ن كلً من الزّوجتين يحلّ للزّوج قربانها ‪ ،‬فل‬
‫زوجتان ‪ ،‬فشبّه إحداهما بظهر الخرى ‪ ،‬ل ّ‬
‫يكون تشبيه واحدة منهما بالخرى متضمّنا للتّحريم حتّى يكون ظهارا ‪.‬‬
‫وكذا إذا قالت الزّوجة لزوجها ‪ :‬أنت عليّ كظهر أمّي ‪ ،‬أو ‪ :‬أنا عليك كظهر أمّك فهو لغو ‪،‬‬
‫لنّ التّحريم ليس إليها ‪.‬‬
‫‪ -‬وإن شبّه الرّجل زوجته بشيء محرّم من غير النّساء فقال الحنفيّة ‪ :‬ل يكون ظهارا ‪،‬‬ ‫‪12‬‬

‫كأن يقول لها ‪ :‬أنت عليّ كالخمر أو الخنزير أو الميتة ‪ ،‬فإنّه ل يكون ظهارا ‪ ،‬ولكن يرجع‬
‫فيه إلى نيّته وقصده ‪ ،‬فإن قال ‪ :‬قصدت الطّلق كان طلقا بائنا ‪ ،‬وإن قال ‪ :‬قصدت التّحريم‬
‫ل كان إيلءً ‪.‬‬
‫أو ‪ :‬لم أقصد شيئا أص ً‬
‫ي ككلّ شيء حرّمه الكتاب تطلق عليه طلقا بائنا‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن قال لزوجته ‪ :‬أنت عل ّ‬
‫وهو مذهب ابن القاسم وابن نافع ‪ ،‬وفي المدوّنة ‪ :‬قال ربيعة ‪ :‬من قال ‪ :‬أنت عليّ مثل كلّ‬
‫شيء حرّمه الكتاب ‪ ،‬فهو مظاهر ‪ ،‬وعندهم يلزم الظّهار بأيّ كلم نوى به الظّهار ‪ ،‬نحو ‪:‬‬
‫كلي ‪ ،‬أو اشربي ‪ ،‬أو اسقني ‪ ،‬أو اخرجي ‪.‬‬
‫ي كالميتة ‪ ،‬أو الدّم ففيه‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن شبّه زوجته بشيء محرّم ‪ :‬كأن يقول ‪ :‬أنت عل ّ‬
‫روايتان عن أحمد ‪ :‬إحداهما أنّه ظهار ‪ ،‬والرّواية الثّانية ‪ :‬أنّه ليس بظهار ‪ ،‬وقال ابن‬
‫قدامة‪ :‬وهو قول أكثر العلماء ‪ ،‬لنّه تشبيه بما ليس بمحلّ للستماع ‪ ،‬فأشبه ما لو قال ‪:‬‬
‫أنت عليّ كمال زيد ‪ ،‬وهل فيه كفّارة ؟ على روايتين ‪:‬‬
‫إحداهما ‪ :‬فيه كفّارة ‪ ،‬لنّه نوع تحريم ‪ ،‬وإن لم يكن ظهارا ‪ ،‬فأشبه ما لو حرّم ماله ‪،‬‬
‫ي كالميتة والدّم ‪ :‬إن نوى‬
‫والثّانية ‪ :‬ليس فيه شيء وقال أبو الخطّاب ‪ :‬في قوله ‪ :‬أنت عل ّ‬
‫به الطّلق كان طلقا ‪ ،‬وإن نوى الظّهار كان ظهارا ‪ ،‬وإن نوى يمينا كان يمينا ‪ ،‬وإن لم‬
‫ينو شيئا ففيه روايتان ‪:‬‬
‫إحداهما ‪ :‬هو ظهار ‪ ،‬والخرى ‪ :‬هو يمين ‪.‬‬
‫الشّرط الرّابع ‪:‬‬
‫‪ -‬أن تكون صيغة الظّهار داّلةً على إرادته ‪ :‬الظّهار الّذي تترتّب عليه أحكامه هو ما‬ ‫‪13‬‬

‫يكون بصيغة تدلّ على إرادة وقوعه ‪.‬‬


‫والصّيغة ‪ :‬إمّا أن تكون صريحةً أو كنايةً ‪ ،‬وإمّا أن تكون تنجيزا أو تعليقا أو إضافةً ‪.‬‬
‫فصريح الظّهار عند الفقهاء ما دلّ على الظّهار دللةً واضحةً ول يحتمل شيئا آخر سواه ‪،‬‬
‫ومثاله أن يقول الرّجل لزوجته ‪ :‬أنت عليّ كظهر أمّي ‪ ،‬فالظّهار يفهم من هذا الكلم‬
‫بوضوح ‪ ،‬بحيث يسبق إلى أفهام السّامعين بدون احتياج إلى نيّة أو دللة حال ‪.‬‬
‫وحكم الصّريح وقوع الظّهار به بدون توقّف على القصد والرادة ‪ ،‬فلو قال الرّجل هذه‬
‫العبارة ولم يقصد الظّهار كان ظهارا ‪ ،‬ولو قال ‪ :‬إنّه نوى به غير الظّهار ل يصدّق قضاءً ‪،‬‬
‫ويصدّق ديانةً ‪ ،‬لنّه إذا نوى غير الظّهار فقد أراد صرف اللّفظ عمّا وضع له إلى غيره فل‬
‫ينصرف إليه ‪ ،‬فإذا ادّعى إرادة غير الظّهار ل يسمع القاضي دعواه ‪ ،‬لنّها خلف الظّاهر ‪،‬‬
‫ولكن يصدّق ديان ًة أي ‪ :‬فيما بينه وبين اللّه تعالى ‪ ،‬لنّه نوى ما يحتمله كلمه ‪.‬‬
‫والكناية عند جمهور الفقهاء ما يحتمل الظّهار وغيره ولم يغلب استعماله في الظّهار‬
‫ي كأمّي أو ‪ :‬مثل أمّي ‪ ،‬فإنّه كناية في‬
‫عرفا ‪ ،‬ومثاله أن يقول الرّجل لزوجته ‪ :‬أنت عل ّ‬
‫الظّهار ‪ ،‬لنّه يحتمل أنّها مثل أمّه في الكرامة والمنزلة ‪ ،‬ويحتمل أنّها مثلها في التّحريم ‪،‬‬
‫فإن قصد أنّها مثلها في الكرامة والمنزلة فل يكون ظهارا ول شيء عليه ‪ ،‬وإن نوى به‬
‫الطّلق كان طلقا ‪ ،‬وإن نوى به الظّهار كان ظهارا ‪ ،‬لنّ اللّفظ يحتمل كلّ هذه المور ‪،‬‬
‫فأي واحد منها أراده كان صحيحا وحمل اللّفظ عليه ‪ ،‬وإن قال ‪ :‬لم أقصد شيئا ل يكون‬
‫ن هذا اللّفظ يستعمل في التّحريم وغيره فل ينصرف إلى التّحريم إلّ بنيّة ‪.‬‬
‫ظهارا ‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ -‬والظّهار تار ًة يكون خاليا من الضافة إلى زمن مستقبل ‪ ،‬ومن التّعليق على حصول‬ ‫‪14‬‬

‫أمر في المستقبل ‪ ،‬وتار ًة يكون مشتملً على التّعليق على حصول أمر في المستقبل أو‬
‫الضافة إلى زمن مستقبل ‪ ،‬فإذا خل التّعبير عن التّعليق والضافة كان الظّهار منجّزا ‪ ،‬وإن‬
‫اشتمل على الضافة إلى زمن مستقبل كان مضافا ‪ ،‬وإن اشتمل على التّعليق كان معلّقا ‪.‬‬
‫فالظّهار المنجّز هو ‪ :‬ما خلت صيغة إنشائه عن الضافة إلى زمن مستقبل وعن التّعليق‬
‫ي كظهر أمّي ‪ ،‬وهذا‬
‫على حصول أمر في المستقبل مثل أن يقول الرّجل لزوجته ‪ :‬أنت عل ّ‬
‫يعتبر ظهارا في الحال ‪ ،‬ويترتّب عليه أثره بمجرّد صدوره بدون توقّف على حصول شيء‬
‫آخر ‪.‬‬
‫والظّهار المعلّق هو ‪ :‬ما رتّب حصوله على أمر في المستقبل بأداة من أدوات الشّرط‬
‫المعروفة مثل " إن " " وإذا " " ولو " " ومتى " ونحوها ‪.‬‬
‫ومن أمثلة الظّهار المعلّق ‪ :‬أن يقول الرّجل ‪ :‬لزوجته ‪ :‬أنت عليّ كظهر أمّي إن سافرت‬
‫إلى بلد أهلك ‪.‬‬
‫وفي هذه الحالة ل يعتبر ما صدر عن الرّجل ظهارا قبل وجود الشّرط المعلّق عليه ‪ ،‬لنّ‬
‫التّعليق يجعل وجود التّصرّف المعلّق مرتبطا بوجود الشّرط المعلّق عليه ‪ ،‬ففي المثال‬
‫المتقدّم ل يكون الرّجل مظاهرا قبل أن تسافر زوجته إلى بلد أهلها ‪ ،‬فإذا سافرت إلى ذلك‬
‫البلد صار مظاهرا ‪ ،‬ولزمه حكم الظّهار ‪.‬‬
‫وإذا علّق الظّهار بمشيئة اللّه تعالى بطل عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬ووجه عند الحنابلة ‪ :‬أنّ‬
‫الظّهار يمين مكفّرة ‪ ،‬فصحّ فيها الستثناء ‪.‬‬
‫وإذا علّقه بمشيئة فلن ‪ ،‬أو بمشيئتها ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه يقع في التّعليق‬
‫على المشيئة في المجلس ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى عدم وقوع الظّهار إذا علّق على مشيئة فلن ‪ ،‬وتقدّم توجيه قولهم ‪.‬‬
‫‪ -‬والظّهار المضاف هو ‪ :‬ما كانت صيغة إنشائه مقرونةً بوقت مستقبل يقصد الزّوج‬ ‫‪15‬‬

‫ي كظهر أمّي بعد‬


‫تحريم زوجته عند حلوله ‪ ،‬وذلك مثل أن يقول الرّجل لزوجته ‪ :‬أنت عل ّ‬
‫الشّهر القادم ‪ ،‬وفي هذه الحالة يعتبر ما صدر عن الزّوج ظهارا من وقت صدوره ‪ ،‬ولكنّ‬
‫الحكم ل يترتّب عليه إلّ عند وجود الوقت الّذي أضيف الظّهار إليه ‪ ،‬لنّ الضافة ل تمنع‬
‫انعقاد التّصرّف سببا لحكمه ‪ ،‬ولكنّها تؤخّر حكمه ‪ ،‬إلى الوقت الّذي أضيف إليه ‪ ،‬ففي قول‬
‫الرّجل لزوجته ‪ :‬أنت عليّ كظهر أمّي بعد الشّهر القادم يعتبر مظاهرا من الوقت الّذي‬
‫صدرت فيه هذه الصّيغة ‪ ،‬ولهذا لو كان الرّجل قد حلف باللّه تعالى ‪ :‬ألّ يظاهر من‬
‫زوجته ‪ ،‬وقال لها هذه العبارة السّابقة حكم بحنثه في اليمين ‪ ،‬ووجبت عليه كفّارة يمين‬
‫بمجرّد صدور الصّيغة المضافة ‪ ،‬ولكن ل يحرم عليه معاشرة زوجته إلّ عند حلول الزّمن‬
‫الّذي أضاف الظّهار إليه ‪ ،‬وهذا عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫ح أن يكون‬
‫ن الظّهار مثل الطّلق في تحريم المرأة على زوجها ‪ ،‬والطّلق يص ّ‬
‫ووجهه ‪ :‬أ ّ‬
‫مضافا ومعلّقا ‪ ،‬فكذلك الظّهار ‪.‬‬
‫ن الظّهار إذا كان مضافا إلى زمن مستقبل ‪ ،‬أو كان معلّقا على حصول أمر‬
‫ويرى المالكيّة أ ّ‬
‫في المستقبل ‪ ،‬وكان المعلّق عليه محقّق الحصول أو غالب الحصول في المستقبل ‪ ،‬فإنّه‬
‫يكون منجّزا ويترتّب عليه حكمه في الحال ‪ ،‬فإذا قال الرّجل لزوجته ‪ :‬أنت عليّ كظهر أمّي‬
‫بعد سنة ‪ ،‬أو قال لها ‪ :‬أنت عليّ كظهر أمّي إن جاء شهر رمضان أو هبّت الرّيح ‪ ،‬كان‬
‫ن الظّهار كالطّلق‬
‫مظاهرا في الحال ‪ ،‬وحرمت عليه زوجته بمجرّد صدور الصّيغة ‪ ،‬ل ّ‬
‫كلهما يترتّب عليه تحريم الزّوجة ‪ ،‬والطّلق المضاف أو المعلّق على أمر محقّق الوقوع‬
‫في المستقبل ‪ ،‬أو غالب الوقوع فيه ‪ ،‬يكون منجّزا ‪ ،‬فكذلك الظّهار ‪.‬‬
‫الشّرط الخامس ‪:‬‬
‫‪ -‬أن يكون المظاهر قاصدا الظّهار ‪.‬‬ ‫‪16‬‬

‫ويتحقّق هذا الشّرط بإرادة الزّوج النّطق بالعبارة الدّالّة على الظّهار أو ما يقوم مقامها ‪،‬‬
‫ى صحيح ‪ ،‬وإن‬
‫فإذا كان مع هذه الرادة رغبة في الظّهار كان الظّهار صادرا عن رض ً‬
‫وجدت الرادة وحدها ‪ ،‬وانتفت الرّغبة في الظّهار لم يتحقّق الرّضا ‪ ،‬وذلك كأن يكون‬
‫الزّوج مكرها على الظّهار بتهديده بالقتل أو الضّرب الشّديد أو الحبس المديد ‪ ،‬فيصدر‬
‫ن صدور الصّيغة من الزّوج في هذه‬
‫الظّهار عنه خوفا من وقوع ما هدّد به لو امتنع ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الحالة يكون عن قصد لكنّه ليس عن رضىً صحيح ‪.‬‬
‫والظّهار في هذه الحالة ‪ -‬حالة الكراه ‪ -‬يكون معتبرا عند الحنفيّة تترتّب عليه آثاره ‪،‬‬
‫لنّ الظّهار من التّصرّفات الّتي تصحّ مع الكراه كالطّلق ‪ ،‬واستدلّوا على ذلك بقياس‬
‫ل منهما تصدر عنه صيغة التّصرّف عن قصد واختيار ‪ ،‬لكنّه ل‬
‫المكره على الهازل ‪ ،‬لنّ ك ً‬
‫يريد الحكم الّذي يترتّب عليه ‪.‬‬
‫ن جدّ ‪،‬‬
‫وظهار الهازل معتبر كطلقه ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ثلث جدّه ّ‬
‫وهزلهنّ جدّ ‪ :‬النّكاح ‪ ،‬والطّلق ‪ ،‬والرّجعة « فيكون ظهار المكره معتبرا بالقياس على‬
‫الهازل ‪.‬‬
‫ح ظهار المكره واستدلّوا على ذلك بما روي عن‬
‫وقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬ل يص ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬إنّ اللّه وضع عن‬
‫ابن عبّاس رضي ال تعالى عنهما أ ّ‬
‫أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه « ‪.‬‬
‫‪ -‬وإذا صدرت صيغة الظّهار من الزّوج ‪ ،‬لكنّه لم يرد موجبها ‪ ،‬بل أراد اللّهو واللّعب ‪-‬‬ ‫‪17‬‬

‫ن الظّهار يكون معتبرا عند الفقهاء ‪.‬‬


‫وهذا هو الهازل ‪ -‬فإ ّ‬
‫ن جدّ ‪ :‬النّكاح والطّلق‬
‫ن جدّ وهزله ّ‬
‫وذلك لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ثلث جدّه ّ‬
‫والرّجعة « والظّهار كالطّلق فيكون حكمه حكمه ‪ ،‬ولنّ الهازل يصدر عنه السّبب ‪ -‬وهو‬
‫الصّيغة ‪ -‬وهو قاصد مختار ‪ ،‬إلّ أنّه ل يريد الحكم الّذي يترتّب عليه ‪ ،‬وترتيب الحكام‬
‫على أسبابها موكول إلى الشّارع ل إلى العاقد ‪.‬‬
‫‪ -‬ولو أراد الزّوج أن يتكلّم بغير الظّهار ‪ ،‬فجرى على لسانه الظّهار من غير قصد أصلً‬ ‫‪18‬‬

‫‪ -‬وهذا هو المخطئ ‪ -‬فل يعتبر ظهارا ديان ًة ‪ ،‬ويعتبر ظهارا قضا ًء ‪ ،‬ومعنى اعتباره في‬
‫القضاء دون الدّيانة أنّه إذا لم يعلم بالظّهار إلّ الزّوج كان له أن يستمرّ في معاشرة زوجته‬
‫بدون حرج ول كفّارة عليه في ذلك ‪ ،‬وإذا سأل فقيها عمّا صدر منه جاز له أن يفتيه بألّ‬
‫شيء عليه ‪ ،‬متى علم صدقه فيما يقول ‪ ،‬فإذا تنازع الزّوجان ‪ ،‬ورفع المر إلى القاضي‬
‫حكم بتحريم المرأة على الرّجل حتّى يكفّر ‪ ،‬لنّ القاضي يبني أحكامه على الظّاهر ‪ ،‬واللّه‬
‫يتولّى السّرائر ‪ ،‬ولو قبل في القضاء دعوى أنّ ما جرى على لسانه لم يكن مقصودا ‪،‬‬
‫وإنّما المقصود شيء آخر لنفتح الباب أمام المحتالين الّذين يقصدون النّطق بالصّيغة الدّالّة‬
‫على الظّهار ‪ ،‬ثمّ يدّعون أنّه كان سبق لسان ‪ ،‬وهذا مذهب الحنفيّة ‪.‬‬
‫ومذهب المالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬كما يؤخذ ممّا نصّوا عليه في الطّلق ‪ -‬إذا ثبت أنّ الزّوج لم‬
‫يقصد النّطق بصيغة الظّهار ‪ ،‬بل قصد التّكلّم بشيء آخر ‪ ،‬فز ّل لسانه وتكلّم بالصّيغة الدّالّة‬
‫على الظّهار ل يكون ظهارا في القضاء ‪ ،‬كما ل يكون ظهارا في الدّيانة والفتوى ‪.‬‬
‫ويتّضح ممّا تقدّم الفرق بين الكراه والهزل والخطأ ‪ ،‬وهو أنّه في الكراه تكون العبارة‬
‫صادرةً عن قصد واختيار ‪ ،‬ولكنّه اختيار غير سليم لوجود الكراه ‪ ،‬وهو يؤثّر في الرادة‬
‫ويجعلها ل تختار ما ترغب فيه وترتاح إليه ‪ ،‬بل تختار ما يدفع الذى والضّرر ‪.‬‬
‫ن حكمها ل‬
‫وفي الهزل تكون العبارة مقصودةً ‪ ،‬لنّها تصدر برضا الزّوج واختياره ‪ ،‬ولك ّ‬
‫يكون مقصودا ‪ ،‬لنّ الزّوج ل يريد هذا الحكم ‪ ،‬بل يريد شيئا آخر هو اللّهو واللّعب ‪.‬‬
‫وفي الخطأ ل تكون العبارة الّتي نطق بها الزّوج مقصود ًة أصلً ‪ ،‬بل المقصود عبارة أخرى‬
‫وصدرت هذه بدلً عنها ‪.‬‬
‫الشّرط السّادس ‪:‬‬
‫‪ -‬قيام الزّوجيّة بينهما حقيقةً أو حكما ‪.‬‬ ‫‪19‬‬

‫قيام الزّواج حقيقةً يتحقّق بعقد الزّواج الصّحيح بين الرّجل والمرأة وعدم حصول الفرقة‬
‫بينهما من غير توقّف على الدّخول ‪ ،‬فإذا تزوّج رجل امرأةً زواجا صحيحا ‪ ،‬ثمّ ظاهر منها‬
‫كان الظّهار صحيحا ‪ ،‬دخل بها قبل الظّهار أو لم يدخل ‪ ،‬وهذا عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫ن مِن‬
‫وحجّة الجمهور على عدم اشتراط الدّخول ‪ :‬قول اللّه تعالى ‪ { :‬وَالّذِينَ ُيظَا ِهرُو َ‬
‫ّنسَا ِئ ِهمْ } فإنّه يد ّل دللةً واضحةً على أنّ الشّرط في الظّهار ‪ :‬أن تكون المرأة المظاهر منها‬
‫من نساء الرّجل ‪ ،‬والمرأة تعتبر من نساء الرّجل بالعقد الصّحيح ‪ ،‬دخل بها أو لم يدخل ‪.‬‬
‫وقيام الزّواج حكما يتحقّق بوجود العدّة من الطّلق الرّجعيّ ‪ ،‬فإذا طلّق الرّجل زوجته طلقا‬
‫رجعيّا كان الزّواج بعده قائما طوال مدّة العدّة ‪ ،‬لنّ الطّلق الرّجعيّ ل يزيل رابطة الزّوجيّة‬
‫إلّ بعد انقضاء العدّة ‪ ،‬فالمطلّقة طلقا رجعيّا تكون محلً للظّهار ‪ ،‬كما تكون محلً للطّلق‬
‫ما دامت في العدّة ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬أنت عليّ‬
‫وعلى هذا لو قال الرّجل لمرأة ليست زوجته ول معتدّةً له من طلق رجع ّ‬
‫كظهر أمّي ل يكون ظهارا ‪ ،‬حتّى لو تزوّجها بعد ذلك حلّ له وطؤها ‪ ،‬ول يلزمه شيء‬
‫وهذا هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫ن الظّهار إنّما‬
‫ن مِن ّنسَا ِئ ِهمْ } وهو يفيد أ ّ‬
‫ن ُيظَاهِرُو َ‬
‫ن اللّه تعالى قال ‪ { :‬وَالّذِي َ‬
‫ووجهه ‪ :‬أ ّ‬
‫يكون من نساء الرّجل ‪ ،‬والجنبيّة أو المعتدّة من طلق غير رجعيّ ل تعتبر من نسائه ‪ ،‬فل‬
‫يكون الظّهار منها صحيحا ‪.‬‬
‫ي كظهر أمّي كان ظهارا ‪ ،‬فلو‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إذا قال الرّجل لمرأة أجنبيّة ‪ :‬أنت عل ّ‬
‫ن الظّهار يمين تنتهي بالكفّارة ‪،‬‬
‫تزوّجها ل يحلّ له وطؤها حتّى يأتي بالكفّارة ‪ ،‬ووجهه ‪ :‬أ ّ‬
‫فصحّ انعقاده قبل النّكاح كاليمين باللّه تعالى ‪.‬‬
‫‪ -‬وإذا علّق الظّهار من الجنبيّة على الزّواج بها ‪ ،‬مثل أن يقول رجل لمرأة أجنبيّة ‪:‬‬ ‫‪20‬‬

‫أنت عليّ كظهر أمّي إن تزوّجتك ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء في انعقاده ‪:‬‬
‫فقال الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ :‬إنّه ينعقد ‪ ،‬وعلى هذا لو تزوّج الرّجل المرأة الّتي علّق‬
‫الظّهار منها على الزّواج بها كان مظاهرا ‪ ،‬فل تحلّ له حتّى يكفّر ‪ ،‬وحجّتهم في ذلك ما‬
‫رواه أحمد بإسناده عن عمر بن الخطّاب أنّه قال في رجل قال ‪ :‬إن تزوّجت فلنة فهي عليّ‬
‫كظهر أمّي فتزوّجها ‪ ،‬قال ‪ :‬عليه كفّارة الظّهار ‪.‬‬
‫ولنّ المعلّق بالشّرط كالمنجّز عند وجود الشّرط ‪ ،‬والمرأة عند وجود الشّرط زوجة ‪ ،‬فتكون‬
‫محلً للظّهار كما تكون محلً للطّلق ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬الظّهار المعلّق على الزّواج ل ينعقد ‪ ،‬وتأسيسا على هذا ‪ :‬لو تزوّج الرّجل‬
‫المرأة الّتي علّق الظّهار منها على الزّواج بها ل يكون مظاهرا ‪ ،‬فيحلّ له قربانها ‪ ،‬ول‬
‫يلزمه شيء ‪ ،‬وحجّتهم في ذلك ‪:‬‬
‫ن مِن ّنسَا ِئ ِهمْ } فهو سبحانه إنّما جعل الظّهار من‬
‫أ ّولً ‪ :‬قول اللّه تعالى ‪ { :‬وَالّذِينَ ُيظَا ِهرُو َ‬
‫نساء الرّجل ‪ ،‬والمرأة الّتي يعلّق الظّهار منها على الزّواج بها ل تعتبر من نساء الرّجل‬
‫عند إنشاء الظّهار ‪ ،‬فل يكون الظّهار منها صحيحا ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬ل طلق قبل نكاح ول عتق قبل ملك « م فإنّه‬
‫ثانيا ‪ :‬قول النّب ّ‬
‫يدلّ على بطلن الطّلق قبل الزّواج على سبيل العموم ‪ ،‬فيشمل ك ّل طلق قبل الزّواج سواء‬
‫كان منجّزا أو معلّقا ‪ ،‬والظّهار مثل الطّلق كلهما يفيد تحريم الزّوجة ‪ ،‬فل يصحّ قبل‬
‫الزّواج منجّزا كان أو معلّقا ‪ ،‬اعتبارا بالطّلق ‪.‬‬
‫الشّرط السّابع ‪:‬‬
‫‪ -‬التّكليف ‪ :‬يشترط في الرّجل لكي يكون ظهاره صحيحا أن يكون مكلّفا ‪ ،‬وذلك يتحقّق‬ ‫‪21‬‬

‫بأمور ‪:‬‬
‫ي ولو كان مميّزا ‪ ،‬لنّ حكم الظّهار التّحريم ‪،‬‬
‫أ ‪ -‬البلوغ ‪ :‬فل يصحّ الظّهار من الصّب ّ‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫ي حتّى يبلغ ‪ ،‬يدلّ على ذلك قول النّب ّ‬
‫وخطاب التّحريم مرفوع عن الصّب ّ‬
‫وسلم ‪ » :‬رفع القلم عن ثلثة ‪ :‬عن المجنون حتّى يبرأ ‪ ،‬وعن النّائم حتّى يستيقظ ‪ ،‬وعن‬
‫الصّبيّ حتّى يعقل « ‪.‬‬
‫يل‬
‫ويترتّب على الظّهار تحريم الزّوجة ‪ ،‬فهو كالطّلق من هذه النّاحية ‪ ،‬وطلق الصّب ّ‬
‫يعتبر‪ ،‬فكذلك ظهاره ل يعتبر ‪.‬‬
‫ي الّذي ل يعقل ‪،‬‬
‫ب ‪ -‬العقل ‪ :‬فل يصحّ الظّهار من المجنون حال جنونه ‪ ،‬ول من الصّب ّ‬
‫لنّ العقل أداة التّفكير ومناط التّكليف وهو غير متحقّق في المجنون والصّبيّ غير العاقل ‪.‬‬
‫ومثل المجنون في الحكم ‪ :‬المعتوه والمبرسم والمدهوش والمغمى عليه والنّائم ‪.‬‬
‫ن ظهاره ل يعتبر إن كان سكره من طريق غير‬
‫وأمّا السّكران فقد اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫ن السّكران ل وعي‬
‫محرّم‪ ،‬وذلك كما إذا شرب المسكر للضّرورة أو تحت ضغط الكراه ‪ ،‬ل ّ‬
‫عنده ‪ ،‬ول إدراك فهو كالمجنون أو كالنّائم ‪ ،‬فكما ل يعتبر الظّهار الصّادر من المجنون‬
‫والنّائم فكذلك ل يعتبر الظّهار الصّادر من السّكران في هذه الحالة ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان سكره من طريق محرّم ‪ ،‬بأن شرب المسكر باختياره من غير حاجة أو ضرورة‬
‫حتّى سكر ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء في اعتبار ظهاره بنا ًء على اختلفهم في اعتبار طلقه ‪،‬‬
‫فمن قال منهم باعتبار طلقه قال باعتبار ظهاره ‪ ،‬وهم أكثر الحنفيّة ‪ ،‬ومالك ‪ ،‬والشّافعيّ‬
‫وأحمد في رواية ‪.‬‬
‫ووجهه ‪ :‬أنّه لمّا تناول المحرّم باختياره كان متسبّبا في زوال عقله ‪ ،‬فيجعل عقله موجودا‬
‫حكما عقوبةً له وزجرا عن ارتكاب المعصية ‪.‬‬
‫ومن قال من الفقهاء بعدم اعتبار طلق السّكران قال ل يعتبر ظهاره ‪ ،‬وهم زفر من الحنفيّة‬
‫وأحمد في رواية ‪ ،‬وهو منقول عن عثمان بن عفّان وعمر بن عبد العزيز ‪ ،‬وحجّتهم في‬
‫ذلك أنّ صحّة التّصرّف تعتمد على القصد والرادة الصّحيحة ‪ ،‬والسّكران قد غلب السّكر‬
‫على عقله فل يكون عنده قصد ول إرادة صحيحة ‪ ،‬فل يعتدّ بالعبارة الصّادرة منه ‪ ،‬كما ل‬
‫يعتدّ بالعبارة الصّادرة من المجنون والنّائم والمغمى عليه ‪.‬‬
‫ح ظهاره سواء كان كتابيّا أم غير كتابيّ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬السلم ‪ :‬فلو كان الزّوج غير مسلم ل يص ّ‬
‫وهذا مذهب الحنفيّة والمالكيّة وروايةً عن أحمد ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة وهو المذهب عند الحنابلة ‪ :‬إسلم الزّوج ليس بشرط في صحّة الظّهار ‪،‬‬
‫فيصحّ الظّهار من المسلم وغير المسلم ‪.‬‬
‫ن الخطاب‬
‫ن ُيظَا ِهرُونَ مِنكُم مّن ّنسَا ِئهِم } فإ ّ‬
‫وحجّة الحنفيّة والمالكيّة قول اللّه تعالى ‪ { :‬الّذِي َ‬
‫ن الظّهار مخصوص بهم دون غيرهم من الكافرين ‪.‬‬
‫فيه للمسلمين ‪ ،‬فيدلّ على أ ّ‬
‫ن مِنكُم مّن ّنسَا ِئهِم}‬
‫والزواج المذكورون في الية التّالية لهذه الية وهي ‪ { :‬الّذِينَ ُيظَاهِرُو َ‬
‫ل يراد بهم المسلمون وغير المسلمين بل المراد بهم الزواج المذكورون في الية‬
‫السّابقة ‪ ،‬لنّ هذه الية إنّما جاءت لبيان حكم الظّهار المذكور في الية الّتي قبلها ‪ ،‬وهو‬
‫الظّهار الّذي يكون من المسلمين ل من غيرهم ‪.‬‬
‫وأيضا فإنّ الظّهار يقتضي تحريم الزّوجة تحريما ينتهي بالكفّارة ‪ ،‬والكافر ليس أهلً‬
‫ح العبادة منه ‪.‬‬
‫للكفّارة‪ ،‬لنّها عبادة ‪ ،‬والكافر ل تص ّ‬
‫ن مِنكُم مّن ّنسَا ِئهِم } فإنّه‬
‫وحجّة الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬قول اللّه تعالى ‪ { :‬الّذِينَ ُيظَاهِرُو َ‬
‫عامّ‪ ،‬فيشمل المسلمين وغير المسلمين ‪ ،‬وتوجيه الخطاب للمسلمين في الية السّابقة ل‬
‫ن المسلمين هم الصل في التّكاليف الشّرعيّة ‪،‬‬
‫يدلّ على أنّ الظّهار مخصوص بهم ‪ ،‬ل ّ‬
‫وغيرهم تابع لهم في ذلك ‪ ،‬ول يثبت التّخصيص إ ّل بدليل يدلّ عليه ‪ ،‬ول يوجد هذا الدّليل‬
‫هنا ‪.‬‬
‫ح منه‬
‫ح منه بعض أنواع الكفّارة وهو العتق والطعام ‪ ،‬وإن كان ل يص ّ‬
‫والكافر يص ّ‬
‫الصّيام ‪ ،‬وامتناع صحّة بعض النواع من الكافر ل يجعله غير أهل للظّهار ‪ ،‬قياسا على‬
‫الرّقيق ‪ ،‬فإنّه أهل للظّهار مع أنّه يمتنع منه العتاق ‪.‬‬
‫أثر الظّهار ‪:‬‬
‫إذا تحقّق الظّهار وتوافرت شروطه ترتّب عليه الثار التية ‪:‬‬
‫‪ -‬أ ‪ -‬حرمة المعاشرة الزّوجيّة قبل التّكفير عن الظّهار ‪ ،‬وهذه الحرمة تشمل حرمة‬ ‫‪22‬‬

‫الوطء ودواعيه من تقبيل أو لمس أو مباشرة فيما دون الفرج ‪.‬‬


‫أمّا حرمة الوطء قبل التّكفير فل خلف فيها بين الفقهاء ‪ ،‬وذلك لتّفاقهم ‪ ،‬على إرادة‬
‫ن مِن ّنسَا ِئ ِهمْ ُثمّ َيعُودُونَ ِلمَا قَالُوا فَ َتحْرِيرُ‬
‫ن ُيظَاهِرُو َ‬
‫الوطء في قول اللّه تعالى ‪ { :‬وَالّذِي َ‬
‫رَقَ َب ٍة مّن قَ ْبلِ أَن يَ َتمَاسّا } ‪.‬‬
‫ولما روي ‪ » :‬أنّ رجلً ظاهر من امرأته ث ّم واقعها قبل أن يكفّر ‪ ،‬فسأل النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم عن ذلك ؟ فقال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬استغفر اللّه ول تعد حتّى تكفّر « أمره‬
‫بالستغفار من الوقاع ‪ ،‬وهو إنّما يكون من الذّنب ‪ ،‬فد ّل هذا على حرمة الوطء قبل‬
‫التّكفير ‪ ،‬كما أنّه صلى ال عليه وسلم نهاه عن العود إلى الوقاع حتّى يكفّر ‪ ،‬ومطلق النّهي‬
‫ل على حرمة الوقاع قبل التّكفير ‪ ،‬وكذلك يحرم‬
‫ي عنه ‪ ،‬فيكون دلي ً‬
‫يدلّ على تحريم المنه ّ‬
‫عليها تمكينه من نفسها قبل ذلك ‪.‬‬
‫وأمّا حرمة دواعي الوطء فهو مذهب الحنفيّة وأكثر المالكيّة وإحدى الرّوايتين عن المام‬
‫أحمد ‪ ،‬وذلك لقول اللّه تعالى ‪ { :‬فَ َتحْرِيرُ رَقَ َبةٍ مّن قَ ْبلِ أَن يَ َتمَاسّا } فإنّه أمر المظاهر‬
‫س يصدق على المسّ باليد وغيرها من أجزاء الجسم ‪ ،‬كما‬
‫س " والتّما ّ‬
‫بالكفّارة قبل " التّما ّ‬
‫يصدق على الوطء ‪ ،‬والوطء قبل التّكفير حرام بالتّفاق ‪ ،‬فالمسّ باليد وما في معناه يكون‬
‫س والتّقبيل بشهوة والمباشرة فيما دون الفرج تدعو إلى الوطء ‪،‬‬
‫حراما مثله ‪ ،‬ولنّ الم ّ‬
‫ومتى كان الوطء حراما كانت الدّواعي إليه حراما أيضا ‪ ،‬بناءً على القاعدة الفقهيّة ‪ " :‬ما‬
‫أدّى إلى الحرام حرام " ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة في الظهر وبعض المالكيّة وأحمد في رواية إلى إباحة الدّواعي في‬
‫س في قول اللّه تعالى ‪ { :‬مّن قَ ْبلِ أَن يَ َتمَاسّا }‬
‫الوطء ‪ ،‬ووجه ذلك ‪ :‬أنّ المراد من الم ّ‬
‫ن مِن قَ ْبلِ أَن َت َمسّوهُنّ } فل يحرم‬
‫الجماع ‪ ،‬وذلك كما في قول اللّه تعالى ‪َ { :‬وإِن طَّلقْتُمُوهُ ّ‬
‫س بشهوة والمباشرة فيما دون الفرج ‪ ،‬ولنّ تحريم الوطء بالظّهار‬
‫ما عداه من التّقبيل والم ّ‬
‫ل منهما وطء محرّم ول يخلّ بالنّكاح ‪،‬‬
‫يشبه تحريم الوطء بالحيض ‪ ،‬من ناحية أنّ ك ً‬
‫وتحريم الوطء في الحيض ل يقتضي تحريم الدّواعي إليه ‪ ،‬فكذلك تحريم الوطء بالظّهار ل‬
‫يقتضي تحريم الدّواعي إليه بالقياس عليه ‪.‬‬
‫ولو وطئ المظاهر المرأة الّتي ظاهر منها قبل التّكفير أو استمتع بها بغير الوطء عصى‬
‫ربّه‪ ،‬لمخالفة أمره الوارد في قوله تعالى ‪ { :‬فَ َتحْرِيرُ رَقَ َبةٍ مّن قَ ْبلِ أَن يَ َتمَاسّا } ول يلزمه‬
‫إ ّل كفّارة واحدة ‪ ،‬وتبقى زوجته حراما عليه كما كانت حتّى يكفّر ‪ ،‬وهذا قول جمهور‬
‫الفقهاء ‪ ،‬ووجهه ما روي عن عكرمة عن ابن عبّاس رضي ال عنهما ‪ » :‬أنّ رجلً أتى‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم قد ظاهر من امرأته فوقع عليها ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا رسول اللّه إنّي قد‬
‫ظاهرت من زوجتي فوقعت عليها قبل أن أكفّر ‪ ،‬فقال ‪ :‬وما حملك على ذلك يرحمك اللّه ؟‬
‫قال ‪ :‬رأيت خلخالها في ضوء القمر ‪ ،‬قال ‪ :‬فل تقربها حتّى تفعل ما أمرك اللّه به « ‪.‬‬
‫ن المظاهر إذا وطئ قبل أن يكفّر لزمته الكفّارة ول تسقط عنه‬
‫فالحديث واضح الدّللة على أ ّ‬
‫ن زوجته تبقى حراما كما كانت حتّى يكفّر ‪.‬‬
‫بالوطء قبل التّكفير ‪ ،‬وأ ّ‬
‫‪ -‬ب ‪ -‬إنّ للمرأة الحقّ في مطالبة الزّوج بالوطء ‪ ،‬وعليها أن تمنع الزّوج من الوطء‬ ‫‪23‬‬

‫حتّى يكفّر ‪ ،‬فإن امتنع عن التّكفير كان لها أن ترفع المر إلى القاضي ‪ ،‬وعلى القاضي أن‬
‫يأمره بالتّكفير ‪ ،‬فإن امتنع أجبره بما يملك من وسائل التّأديب حتّى يكفّر أو يطلّق ‪ ،‬وهذا‬
‫عند الحنفيّة ‪ ،‬ووجهه ‪ :‬أنّ الزّوج قد أض ّر بزوجته بتحريمها عليه بالظّهار ‪ ،‬حيث منعها‬
‫حقّها في الوطء مع قيام الزّواج بينهما ‪ ،‬فكان للزّوجة المطالبة بإيفاء حقّها ودفع الضّرر‬
‫عنها ‪ ،‬والزّوج في وسعه إيفاء حقّ الزّوجة بإزالة الحرمة بالكفّارة ‪ ،‬فيكون ملزما بذلك‬
‫شرعا ‪ ،‬فإذا امتنع من القيام بذلك أجبره القاضي على التّكفير أو الطّلق ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إذا عجز المظاهر عن الكفّارة كان لزوجته أن تطلب من القاضي الطّلق ‪،‬‬
‫لتضرّرها من ترك الوطء ‪ ،‬وعلى القاضي أن يأمر الزّوج بالطّلق ‪ ،‬فإن امتنع طلّق‬
‫القاضي عليه في الحال ‪ ،‬وكان الطّلق رجعيّا ‪ ،‬فإن قدر الزّوج على الكفّارة قبل انقضاء‬
‫العدّة كفّر وراجعها ‪.‬‬
‫وإذا كان المظاهر قادرا على الكفّارة وامتنع عن التّكفير ‪ ،‬فللزّوجة طلب الطّلق ‪ ،‬فإن‬
‫طلبت الطّلق من القاضي ل يطلّقها إلّ إذا مضت أربعة أشهر كما في اليلء ‪ ،‬فإن مضت‬
‫الربعة أشهر أمر القاضي الزّوج بالطّلق أو التّكفير ‪ ،‬فإن امتنع طلّق القاضي عليه ‪ ،‬وكان‬
‫الطّلق رجعيّا ‪.‬‬
‫وتأجيل الطّلق إلى مضيّ الربعة أشهر ل خلف فيه ‪ ،‬ولكنّ الخلف في ابتداء هذه‬
‫الربعة‪ ،‬ففي قول تبدأ من يوم الظّهار ‪ ،‬وعليه اقتصر أبو سعيد البراذعيّ في اختصاره‬
‫للقوال بالمدوّنة ‪ ،‬وفي قول تبدأ من يوم الحكم وهو لمالك أيضا والرجح عند ابن يونس ‪،‬‬
‫وفي قول ثالث ‪ :‬تبدأ من وقت تبيّن الضّرر ‪ ،‬وهو يوم المتناع من التّكفير وعليه تؤوّلت‬
‫المدوّنة ‪.‬‬
‫‪ -‬ج ‪ -‬وجوب الكفّارة على المظاهر قبل وطء المظاهر منها ودواعي الوطء ‪ ،‬وذلك لنّ‬ ‫‪24‬‬

‫اللّه تعالى أمر المظاهرين بالكفّارة إذا عزموا على معاشرة زوجاتهم اللتي ظاهروا منهنّ‬
‫حرِيرُ رَقَ َب ٍة مّن‬
‫ن ِلمَا قَالُوا فَ َت ْ‬
‫ن مِن ّنسَا ِئ ِهمْ ُثمّ َيعُودُو َ‬
‫في قوله جلّ شأنه ‪ { :‬وَالّذِينَ ُيظَا ِهرُو َ‬
‫ن الظّهار معصية لما فيه من‬
‫قَ ْبلِ أَن يَ َتمَاسّا } والمر يدلّ على وجوب المأمور به ‪ ،‬ول ّ‬
‫المنكر والزّور ‪ ،‬فأوجب اللّه الكفّارة على المظاهر حتّى يغطّي ثوابها وزر هذه المعصية ‪.‬‬
‫والكلم عن كفّارة الظّهار يتناول المور التية ‪:‬‬
‫المر الوّل ‪ :‬سبب وجوب الكفّارة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في سبب وجوب الكفّارة ‪ ،‬فقال بعض الحنفيّة والحنابلة ‪ :‬سبب‬ ‫‪26‬‬

‫وجوبها الظّهار ‪.‬‬


‫وقال بعض الحنفيّة والحنابلة ‪ :‬إنّها تجب بالظّهار ‪ ،‬والعود شرط لتقرير وجوب الكفّارة ‪،‬‬
‫ووجه أنّ السّبب يتكرّر الحكم بتكرّره ‪ ،‬والكفّارة تكرّر بتكرّر الظّهار ‪ ،‬فدلّ هذا على أنّ‬
‫الظّهار هو سبب وجوب الكفّارة ‪.‬‬
‫وقال بعض الفقهاء ‪ :‬سبب وجوب الكفّارة هو العزم على وطء المظاهر منها ‪ ،‬وإلى هذا‬
‫ن اللّه تعالى أوجب الكفّارة بالعود وقبل‬
‫ذهب المالكيّة ‪ ،‬وبعض الحنفيّة ‪ ،‬ووجهه ‪ :‬أ ّ‬
‫ن مِن ّنسَا ِئ ِهمْ ُثمّ َيعُودُونَ ِلمَا قَالُوا فَ َتحْرِيرُ‬
‫ن ُيظَاهِرُو َ‬
‫التّماسّ‪ ،‬وذلك بقوله سبحانه ‪ { :‬وَالّذِي َ‬
‫س الّذي هو الوطء ‪ ،‬وذلك‬
‫رَقَ َب ٍة مّن قَ ْبلِ أَن يَ َتمَاسّا } وهو صريح في أنّ العود غير التّما ّ‬
‫إنّما هو العزم عليه ‪ ،‬فيكون هو السّبب في وجوب الكفّارة ‪ ،‬ولنّ الزّوج قصد تحريم‬
‫الزّوجة بالظّهار ‪ ،‬فالعزم على وطئها عود فيما قصده ‪.‬‬
‫وقال بعض الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة في أحد الوجه ‪ ،‬رجّحه الشّربينيّ الخطيب ‪ ،‬وهو ما رجّحه‬
‫ابن قدامة في مذهب الحنابلة ‪ :‬سبب وجوب الكفّارة هو الظّهار والعود معا ‪ ،‬ووجهه ‪ :‬أنّ‬
‫اللّه تعالى أوجب الكفّارة بأمرين ‪ :‬ظهار وعود ‪ ،‬وذلك في قوله ع ّز وجلّ ‪ { :‬وَالّذِينَ‬
‫ن مِن ّنسَا ِئ ِهمْ ُثمّ َيعُودُونَ ِلمَا قَالُوا فَ َتحْرِيرُ رَقَ َبةٍ } فل تثبت الكفّارة بأحدهما دون‬
‫ُيظَاهِرُو َ‬
‫الخر ‪.‬‬
‫المر الثّاني ‪ :‬استقرار الكفّارة في ال ّذمّة ‪:‬‬
‫‪ -‬كفّارة الظّهار تثبت في ذمّة المظاهر حتّى يؤدّيها فإن مات قبل أن يؤدّيها سقطت عند‬ ‫‪26‬‬

‫الحنفيّة والمالكيّة إ ّل إذا أوصى بها فتخرج من ثلث التّركة عندهما ‪.‬‬
‫وزاد المالكيّة أنّ المظاهر إن أشهد في صحّته أنّها بذمّته فإنّها تخرج من التّركة ‪ ،‬سواء‬
‫أوصى بإخراجها أم لم يوص ‪ ،‬وهذا إن لم يطأ ‪ ،‬فإن وطئ فل تسقط بالموت عند جميع‬
‫الفقهاء ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إنّ كفّارة الظّهار ل تسقط بالموت ‪ ،‬بل يؤدّيها الوارث عن الميّت‬
‫من التّركة ‪.‬‬
‫المر الثّالث ‪ :‬شروط كفّارة الظّهار ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط لجزاء الكفّارة عن الظّهار أمران ‪:‬‬ ‫‪27‬‬

‫ن الحكم إذا كان له سبب فل‬


‫الوّل ‪ :‬أن يكون التيان بالكفّارة بعد تحقّق سبب وجوبها ‪ ،‬ل ّ‬
‫يجوز أن يتقدّم على سببه ‪ ،‬وتأسيسا على هذا ‪ :‬لو أطعم رجل ستّين مسكينا ‪ ،‬وقال ‪ :‬هذا‬
‫الطعام عن ظهاري إن ظاهرت ‪ ،‬ثمّ ظاهر من امرأته لم يجزئه عن ظهاره ‪ ،‬لنّه قدّم‬
‫الكفّارة على سبب وجوبها ‪ ،‬والحكم ل يجوز تقديمه على سبب وجوبه ‪ ،‬كما لو كفّر عن‬
‫اليمين قبل الحلف ‪ ،‬أو كفّر عن القتل قبل القدام عليه ‪.‬‬
‫ي كظهر أمّي ‪ ،‬لم يجز له التّكفير قبل‬
‫وإذا قال رجل لمرأته ‪ :‬إن دخلت دار فلن فأنت عل ّ‬
‫ن الظّهار معلّق على شرط وهو دخول الدّار ‪ ،‬والمعلّق على‬
‫أن تدخل زوجته تلك الدّار ‪ ،‬ل ّ‬
‫شرط ل يوجد قبل وجود ذلك الشّرط ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬النّيّة ‪ :‬وذلك بأن يقصد العتاق أو الصّيام أو الطعام عن الكفّارة الّتي عليه ‪ ،‬وأن‬
‫يكون هذا القصد مقارنا لفعل أيّ نوع منها ‪ ،‬أو سابقا على فعله بزمن يسير ‪ ،‬وذلك لقول‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إنّما العمال بالنّيّات « ‪.‬‬
‫ن كلّ نوع من النواع الواجبة في الكفّارة يحتمل أن يكون التيان به للتّكفير ‪ ،‬ويحتمل‬
‫ول ّ‬
‫أن يكون لغيره ‪ ،‬فل يتعيّن التّكفير إلّ بالنّيّة ‪ ،‬وعلى هذا لو أعتق المظاهر أو صام أو أطعم‬
‫بدون نيّة ‪ ،‬ثمّ نوى أن يكون العتق أو الصّوم أو الطعام عن الكفّارة الّتي عليه فل يجزئه ‪،‬‬
‫وكذلك لو نوى الصمّيام ولم يقصمد أنّه عمن كفّارة الظّهار الّتمي عليمه لم يجزه عمن الصمّيام‬
‫ن الو قت الّذي صام ف يه ي صلح لل صّيام عن الكفّارة و عن غير ها ‪،‬‬
‫الوا جب في الكفّارة ‪ ،‬ل ّ‬
‫مثل النّذر المطلق وقضاء رمضان ‪ ،‬فل يتعيّن الصّوم للكفّارة إلّ بالنّيّة ‪.‬‬
‫المر الرّابع ‪ :‬خصال كفّارة الظّهار ‪:‬‬
‫‪ -‬خصال كفّارة الظّهار ثلثة ‪ ،‬وهي واجبة باتّفاق الفقهاء على التّرتيب التي ‪:‬‬ ‫‪28‬‬

‫أ ‪ -‬العتاق ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الصّيام ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الطعام ‪.‬‬
‫ن ِلمَا قَالُوا‬
‫ن مِن ّنسَا ِئ ِهمْ ُثمّ َيعُودُو َ‬
‫والصل في ذلك قول اللّه تعالى ‪ { :‬وَالّذِينَ ُيظَا ِهرُو َ‬
‫ن ِبهِ وَالّلهُ ِبمَا َت ْعمَلُونَ خَبِيرٌ ‪َ ،‬فمَن ّلمْ َيجِدْ‬
‫عظُو َ‬
‫فَ َتحْرِيرُ رَقَ َبةٍ مّن قَ ْبلِ أَن يَ َتمَاسّا ذَ ِل ُكمْ تُو َ‬
‫سكِينا ذَِلكَ‬
‫طعَا ُم سِتّينَ ِم ْ‬
‫ن مِن قَ ْبلِ أَن يَ َتمَاسّا َفمَن ّلمْ َيسْ َتطِعْ فَ ِإ ْ‬
‫شهْرَ ْينِ مُتَتَا ِبعَيْ ِ‬
‫فَصِيَامُ َ‬
‫لِ ُت ْؤمِنُوا بِالّل ِه وَ َرسُو ِلهِ } ‪.‬‬
‫ولقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم لوس بن الصّامت حين ظاهر من امرأته ‪ » :‬يعتق‬
‫رقب ًة ‪ ،‬قيل له ‪ :‬ل يجد قال ‪ :‬يصوم « ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك ينظر في مصطلح ‪ ( :‬كفّارة ) ‪.‬‬
‫انتهاء الظّهار ‪:‬‬
‫‪ -‬ينتهي الظّهار بعد انعقاده موجبا لحكمه بواحد من المور التية ‪:‬‬ ‫‪29‬‬

‫أ ‪ -‬الكفّارة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الموت ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬مضيّ المدّة ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬انتهاء الظّهار بالكفّارة ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا ظاهر الرّجل من زوجته ‪ ،‬وتحقّق ركن الظّهار ‪ ،‬وتوافرت شروطه ترتّب عليه‬ ‫‪30‬‬

‫تحريم المرأة على زوجها ‪ ،‬ول ينتهي هذا التّحريم إ ّل بالكفّارة متى كان الظّهار مطلقا عن‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لمن وطئ زوجته الّتي ظاهر‬
‫التّقييد بزمن معيّن ‪ ،‬وذلك لقول النّب ّ‬
‫منها قبل أن يكفّر ‪ » :‬ل تقربها حتّى تفعل ما أمرك اللّه ع ّز وجلّ « ‪ ،‬إذ نهاه عن العود إلى‬
‫ن الظّهار ل ينتهي حكمه إلّ‬
‫وطئها ‪ ،‬وجعل لهذا النّهي غايةً هي التّكفير ‪ ،‬فد ّل هذا على أ ّ‬
‫بالكفّارة ‪ ،‬ولهذا قال الفقهاء ‪ :‬إنّ الرّجل إذا ظاهر من زوجته وفارقها بطلق بائن بينونةً‬
‫صغرى ‪ ،‬ثمّ عادت إليه بعقد جديد ل يحلّ له وطؤها حتّى يكفّر ‪ ،‬سواء رجعت إليه بعد‬
‫زوج آخر أو قبله ‪ ،‬وكذلك إذا طلّقها ثلثا وتزوّجت برجل آخر ‪ ،‬ثمّ عادت إليه ‪ ،‬ل يحلّ له‬
‫ن الظّهار قد انعقد موجبا لحكمه‬
‫ي في البدائع بأ ّ‬
‫وطؤها قبل أن يكفّر ‪ ،‬وعلّل ذلك الكاسان ّ‬
‫ي إذا انعقد مفيدا لحكمه فإنّه يبقى متى كان في‬
‫وهو الحرمة والصل أنّ التّصرّف الشّرع ّ‬
‫بقائه فائدة محتملة ‪ ،‬واحتمال عودة المرأة بعد الطّلق إلى زوجها الوّل قائم ‪ ،‬فيبقى‬
‫الظّهار ‪ ،‬وإذا بقي فإنّه يبقى على ما انعقد عليه ‪ ،‬وهو ثبوت الحرمة الّتي ترتفع بالكفّارة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬انتهاء الظّهار بالموت ‪:‬‬
‫‪ -‬وينتهي الظّهار أيضا بموت الزّوجين أو أحدهما ‪ ،‬فلو ظاهر الرّجل من زوجته ثمّ مات‬ ‫‪31‬‬

‫أو ماتت زوجته انتهى الظّهار وانتهى حكمه باتّفاق الفقهاء جميعا ‪ ،‬لنّ موجب الظّهار‬
‫الحرمة ‪ ،‬وهي متعلّقة بالرّجل والمرأة ‪ ،‬فالرّجل يحرم عليه الستمتاع بالمرأة الّتي ظاهر‬
‫منها ‪ ،‬والمرأة عليها أ ّل تمكّنه من نفسها حتّى يكفّر ‪ ،‬ول يتصوّر بقاء الحكم بدون من‬
‫تعلّق به ‪.‬‬
‫هذا بالنّسبة للظّهار وأثر الموت فيه ‪ ،‬أمّا بالنّسبة للكفّارة والمطالبة بها بعد الموت ‪ ،‬فقد‬
‫‪.‬‬ ‫‪26‬‬ ‫سبق بيانه ف‬
‫ج ‪ -‬مضيّ المدّة ‪:‬‬
‫‪ -‬وينحلّ الظّهار المؤقّت بمضيّ مدّته عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬وقد سبق بيان التّوقيت‬ ‫‪32‬‬

‫والتّأبيد في الظّهار في فقرة ( ‪. ) 6‬‬

‫ظهْر *‬
‫ُ‬
‫انظر ‪ :‬الصّلوات الخمس المفروضة ‪.‬‬

‫عَائِلَة *‬
‫انظر ‪ :‬أسرة ‪.‬‬

‫عَائِن *‬
‫انظر ‪ :‬عين ‪.‬‬

‫عَاج *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬العاج في اللّغة ‪ :‬أنياب الفيل ‪ ،‬ول يسمّى غير النّاب عاجا ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫والعوّاج ‪ :‬بائع العاج ‪ ،‬حكاه سيبويه ‪ ،‬وفي الصّحاح ‪ :‬والعاج ‪ :‬عظم الفيل ‪ ،‬الواحدة‬
‫عاجة‪ ،‬وقال شمر ‪ :‬ويقال للمسك عاج ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬والدّليل على صحّة ما قال شمر في العاج ‪ :‬إنّه المسك ‪ ،‬ما جاء في حديث‬
‫قال الزهر ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال لثوبان ‪ » :‬اشتر لفاطمة قلد ًة من عصب‬
‫مرفوع أ ّ‬
‫ن أنيابها ميتة ‪ ،‬وإنّما‬
‫وسوارين من عاج « ‪ ،‬لم يرد بالعاج ما يخرط من أنياب الفيلة ‪ ،‬ل ّ‬
‫العاج الذّبل ‪ ،‬وهو ظهر السّلحفاة البحريّة ‪ ،‬فأمّا العاج الّذي هو للفيل فنجس عند الشّافعيّ‬
‫وطاهر عند أبي حنيفة ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللّغويّ ‪ ،‬فالشّافعيّة قالوا عن العاج ‪ :‬إنّه الذّبل‬
‫وهو عظم السّلحفاة البحريّة ‪ ،‬والحنفيّة والمالكيّة والحنابلة قالوا إنّه المأخوذ من ناب‬
‫الفيل ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الذّبل ‪:‬‬
‫‪ -‬في لسان العرب ‪ :‬الذّبل ‪ :‬ظهر السّلحفاة ‪ ،‬وفي المحكم ‪ :‬جلد السّلحفاة البرّيّة ‪ ،‬وقيل‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫البحريّة يجعل منه المشاط ‪ ،‬ويجعل منه المسك أيضا ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الذّبل ‪ :‬عظام ظهر دابّة من‬
‫دوابّ البحر تتّخذ منه نساء أسورةً ‪ ،‬وقال ابن شميل ‪ :‬الذّبل القرون يسوّى منه المسك ‪.‬‬
‫وفي المصباح ‪ :‬الذّبل ‪ :‬شيء كالعاج ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المسك ‪:‬‬
‫‪ -‬في اللّسان ‪ :‬المسك ‪ :‬الذّبل ‪ ،‬والمسك ‪ :‬السورة والخلخيل من الذّبل والقرون‬ ‫‪3‬‬

‫والعاج ‪ ،‬واحدته مسكة ‪.‬‬


‫قال الجوهريّ ‪ :‬المسك بالتّحريك أسورة من ذبل أو عاج ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالعاج ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬حكمه من حيث الطّهارة والنّجاسة ‪:‬‬
‫اختلفت أقوال الفقهاء في طهارة العاج أو نجاسته على ثلثة أقوال ‪:‬‬
‫‪ -‬الوّل ‪ :‬أنّه نجس ‪ ،‬وهو المذهب عند الحنابلة ‪ ،‬والصّحيح عند الشّافعيّة ‪ ،‬وقول محمّد‬ ‫‪4‬‬

‫ن عظمه نجس ‪،‬‬


‫بن الحسن من الحنفيّة ‪ ،‬قالوا ‪ :‬إنّ العاج المتّخذ من عظم الفيل نجس ل ّ‬
‫ن ما أبين من حيّ فهو ميّت ‪،‬‬
‫ي أو وهو ميّت ‪ ،‬ل ّ‬
‫وسواء أخذ العظم من الفيل وهو ح ّ‬
‫وسواء أخذ منه بعد ذكاته أو بعد موته ‪.‬‬
‫واستدلّوا على نجاسته بقول اللّه تعالى ‪ { :‬حُ ّرمَتْ عَلَ ْي ُكمُ ا ْلمَيْ َتةُ } والعظم من جملتها فيكون‬
‫محرّما والفيل ل يؤكل لحمه ‪ ،‬فهو نجس على ك ّل حال ‪.‬‬
‫واحتجّ الشّافعيّ كذلك بما روى عمرو بن دينار عن ابن عمر رضي ال تعالى عنهما أنّه‬
‫كره أن يدهن في عظم فيل ‪ ،‬لنّه ميتة ‪ ،‬والسّلف يطلقون الكراهة ويريدون بها التّحريم ‪،‬‬
‫ولنّه جزء متّصل بالحيوان اتّصال خلقة فأشبه العضاء ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم امتشط بمشط من عاج « ‪ ،‬وما روي‬
‫وأمّا ما روي من ‪ » :‬أنّ النّب ّ‬
‫من ‪ » :‬أنّه صلى ال عليه وسلم طلب من ثوبان أن يشتري لفاطمة رضي ال تعالى عنها‬
‫قلد ًة من عصب وسوارين من عاج « ‪ ،‬فل دليل في ذلك على الطّهارة ‪ ،‬لنّ العاج هو‬
‫الذّبل وهو عظم ظهر السّلحفاة البحريّة ‪ ،‬كذا قاله الصمعيّ وابن قتيبة وغيرهما من أهل‬
‫ي البغداديّ ‪ :‬العرب تسمّي كلّ عظم عاجا ‪.‬‬
‫اللّغة ‪ ،‬وقال أبو عل ّ‬
‫‪ -5‬القول الثّاني ‪ :‬أنّه طاهر ‪ ،‬قال بذلك الحنفيّة ‪ -‬غير محمّد بن الحسن ‪ -‬وهو طريق عند‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬وهو رواية عن أحمد ‪ ،‬ذكرها صاحب الفروع ‪ ،‬وخرّج أبو الخطّاب من الحنابلة‬
‫أيضا الطّهارة ‪ ،‬قال في الفائق واختاره الشّيخ تقيّ الدّين بن تيميّة ‪ ،‬قال ابن تيميّة ‪ :‬القول‬
‫بالطّهارة هو الصّواب ‪.‬‬
‫وهو قول ابن وهب من المالكيّة ‪.‬‬
‫ن الميتة من الحيوان في عرف الشّرع اسم لما زالت‬
‫واستدلّوا بأنّ العظم ليس بميّت ‪ ،‬ل ّ‬
‫حياته ل بصنع أحد من العباد ‪ ،‬أو بصنع غير مشروع ول حياة في العظم فل يكون ميتةً ‪،‬‬
‫كما أنّ نجاسة الميتات ليست لعيانها ‪ ،‬بل لما فيها من الدّماء السّائلة والرّطوبات‬
‫النّجسة ‪ ،‬ولم توجد في العظم ‪.‬‬
‫واستدلّوا من السّنّة بما رواه عبد اللّه بن عبّاس قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫ط َع ُمهُ } ‪ ،‬أل كلّ شيء من‬
‫عمٍ َي ْ‬
‫ي إِلَيّ ُمحَرّما عَلَى طَا ِ‬
‫وسلم قال ‪ { » :‬قُل ّل َأجِدُ فِي مَا ُأوْحِ َ‬
‫الميتة حلل إ ّل ما أكل منها « ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يمتشط بمشط من عاج « ‪.‬‬
‫وبما روي عن أنس ‪ » :‬أ ّ‬
‫‪ -6‬القول الثّالث ‪ :‬وهو التّفصيل بين ذكاة الحيوان المأخوذ منه العاج ‪ -‬وهو الفيل ‪ -‬أو‬
‫عدم ذكاته ‪ ،‬وهو ما ذهب إليه المالكيّة في المشهور عندهم ‪ ،‬جاء في الدّردير وحاشية‬
‫الدّسوقيّ ‪ :‬الظّاهر ما ذكّي من الحيوان ذكاةً شرع ّيةً ‪ ،‬وكذلك جزؤه من عظم لحم وظفر‬
‫ن الذّكاة ل تنفع فيها ‪،‬‬
‫وسنّ وجلد إلّ محرّم الكل كالخيل والبغال والحمير والخنزير ‪ ،‬فإ ّ‬
‫والنّجس ما أبين من حيوان نجس الميتة حيّا أو ميّتا من قرن وعظم وظلف وظفر وعاج‬
‫أي سنّ فيل ‪.‬‬
‫وفي الموّاق ‪ :‬قال ابن شاس ‪ :‬كلّ حيوان غير الخنزير يطهر بذكاته كلّ أجزائه من لحم‬
‫وعظم وجلد ‪.‬‬
‫ك فهو نجس ‪ ،‬وإذا‬
‫وعلى ذلك فإذا أخذ العاج من عظام الفيل وهو حيّ ‪ ،‬أو وهو ميّت لم يذ ّ‬
‫أخذ بعد ذكاته فهو طاهر هذا هو المشهور عند المالكيّة ‪.‬‬
‫وهو وجه شا ّذ عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ن الفيل يؤكل لحمه ‪ ،‬فعلى هذا إذا ذكّي كان‬
‫قال النّوويّ في باب الطعمة ‪ :‬وجه شاذّ أ ّ‬
‫عظمه طاهرا ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬حكم النتفاع بالعاج ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬اتّخاذ النية منه ‪:‬‬
‫‪ -‬القائلون بطهارة عظم الفيل ‪ -‬الّذي يتّخذ منه العاج ‪ -‬وهم الحنفيّة ومن معهم يجوز‬ ‫‪7‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم كان يمتشط بمشط من عاج ‪،‬‬


‫عندهم اتّخاذ النية منه ‪ ،‬لنّ النّب ّ‬
‫وهذا يدلّ على جواز اتّخاذ النية من عظم الفيل ‪.‬‬
‫والمستفاد من كلم الشّافعيّة وهم القائلون بنجاسته أنّه يجوز اتّخاذ النية منه ‪ ،‬لكن ل‬
‫ن الوضوء‬
‫يجوز استعماله في شيء رطب ويجوز في يابس مع الكراهة ‪ ،‬ولذلك قالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫من الناء المعوّج ‪ -‬أي المضبّب بقطعة من عظم الفيل ‪ -‬إن أصاب الماء تعويجه لم يجز ‪،‬‬
‫وإلّ فيجوز ‪ ،‬والصّورة فيما دون القلّتين ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬لو اتّخذ مشطا من عظم الفيل فاستعمله في رأسه أو لحيته فإن كانت رطوبة من‬
‫أحد الجانبين تنجّس شعره وإلّ فل ‪ ،‬ولكنّه يكره ول يحرم ولو جعل الدّهن في عظم الفيل‬
‫للستصباح أو غيره من الستعمال في غير البدن فالصّحيح جوازه ‪.‬‬
‫وكره المام مالك الدهان في أنياب الفيل والمشط بها ‪.‬‬
‫وقال النّفراويّ في الفواكه الدّواني ‪ :‬وقع الخلف بين الشّيوخ في نجاسة الزّيت الموضوع‬
‫في إناء العاج ‪ ،‬والّذي تحرّر من كلم أهل المذهب أنّه إن كان ل يتحلّل منه شيء يقينا فإنّه‬
‫باق على طهارته ‪ ،‬وإن كان يمكن أن يتحلّل منه شيء فل شكّ في نجاسته ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬حكم بيعه والتّجارة فيه ‪:‬‬
‫‪ -‬القائلون بطهارة عظم الفيل أجازوا بيعه والنتفاع به ‪.‬‬ ‫‪8‬‬

‫جاء في ابن عابدين ‪ :‬يجوز بيع عظم الفيل والنتفاع به في الحمل والرّكوب والمقاتلة ‪.‬‬
‫وفي النصاف ‪ :‬وعلى القول بطهارته يجوز بيعه ‪.‬‬
‫وفي المغني ‪ :‬ورخّص في النتفاع به محمّد بن سيرين وغيره وابن جريج لما روى أبو‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم اشترى لفاطمة رضي ال‬
‫داود بإسناده عن ثوبان ‪ » :‬أ ّ‬
‫تعالى عنها قلد ًة من عصب وسوارين من عاج « ‪.‬‬
‫‪ -9‬أمّا القائلون بنجاسته وهم الشّافعيّة والمذهب عند الحنابلة فل يجوز بيعه عندهم ‪.‬‬
‫قال النّوويّ في المجموع ‪ :‬ل يجوز بيعه ول يحلّ ثمنه ‪ ،‬وبهذا قال طاوس وعطاء بن أبي‬
‫رباح وعمر بن عبد العزيز ‪.‬‬
‫‪ -‬واختلفت أقوال المالكيّة في النتفاع به وسبب اختلفهم ما جاء في المدوّنة عن مالك‬ ‫‪10‬‬

‫أنّه كره الدهان في أنياب الفيل والمشط بها والتّجارة فيها أي بيعها وشراءها ولم يحرّمه‬
‫فحمل بعضهم الكراهة على التّحريم وحملها بعضهم الخر على التّنزيه ‪ ،‬قال الدّسوقيّ ‪:‬‬
‫حمل الكراهة على التّنزيه أحسن خصوصا وقد نقل حملها على ذلك أبو الحسن عن ابن‬
‫رشد ‪ ،‬ونقله ابن فرحون عن ابن الموّاز وابن يونس وغيرهم من أهل المذهب ‪.‬‬
‫ن العاج وإن كان من ميتة لكن ألحق بالجواهر في التّزيّن فأعطي‬
‫وسبب هذه الكراهة أ ّ‬
‫حكما وسطا وهو كراهة التّنزيه مراعاةً لما قاله ابن شهاب وربيعة وعروة من جواز‬
‫المتشاط به‪ .‬وهذا الخلف في الحرمة والكراهة إنّما هو في العاج المتّخذ من فيل ميّت‬
‫بغير ذكاة أمّا المذكّى فل خلف في جواز استعماله عند المالكيّة ‪.‬‬

‫عَادَة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬العادة مأخوذة من العود ‪ ،‬أو المعاودة ‪ ،‬بمعنى التّكرار ‪ ،‬وهي في اللّغة ‪ :‬المور‬ ‫‪1‬‬

‫المتكرّرة من غير علقة عقليّة ‪.‬‬


‫وعرّفها بعضهم ‪ :‬بأنّها تكرار الشّيء وعوده مرّةً بعد أخرى تكرارا كثيرا يخرج عن كونه‬
‫واقعا بطريق الصّدفة والتّفاق ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬عبارة عمّا استقرّ في النّفوس من المور المتكرّرة المقبولة عند الطّبائع‬
‫السّليمة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العرف ‪:‬‬
‫‪ -‬العرف في اللّغة ‪ :‬ضدّ النّكر ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬ما استق ّر في النّفوس من جهة شهادة العقول وتلقّته الطّباع بالقبول ‪.‬‬
‫والصّلة بين العادة والعرف ‪ ،‬أنّهما بمعنىً واحد من حيث الما صدق ‪ ،‬وإن اختلفا في‬
‫المفهوم ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالعادة ‪:‬‬
‫ن العادة مستند لكثير من الحكام العمليّة واللّفظيّة ‪ ،‬وأنّها‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪3‬‬

‫تحكّم فيما ل ضابط له شرعا ‪ ،‬كأق ّل مدّة الحيض والنّفاس ‪ ،‬وفي أق ّل سنّ الحيض‬
‫والبلوغ ‪ ،‬وفي حرز المال المسروق ‪ ،‬وفي ضابط القليل والكثير في الضّبّة من الفضّة‬
‫والذّهب ‪ ،‬وفي قصر الزّمان وطوله عند موالة الوضوء ‪ ،‬وفي البناء على الصّلة ‪ ،‬وكثرة‬
‫الفعال المنافية للصّلة ‪ ،‬وفي التّأخير المانع من الرّ ّد بالعيب ‪ ،‬وفي الشّرب وسقي الدّوابّ‬
‫من الجداول والنهار المملوكة المجرى إذا كان ل يضير مالكها ‪ ،‬فتحكّم العادة في هذه‬
‫المسائل إقامةً لها مقام الذن اللّفظيّ ‪ ،‬وكذا الثّمار السّاقطة من الشجار المملوكة ‪ ،‬وفي‬
‫عدم ردّ ظرف الهديّة إذا لم تجر العادة بردّه ‪.‬‬
‫وما جهل حاله في الوزن والكيل في عهد رسول اللّه رجع فيه إلى عادة بلد البيع ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬العوائد الجارية ضروريّة العتبار شرعا ‪ ،‬سواء كانت شرع ّيةً في أصلها ‪،‬‬
‫وقال الشّاطب ّ‬
‫أو غير شرعيّة ‪.‬‬
‫دليل اعتبار العادة في الحكام ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل في اعتبار العادة ما روي عن ابن مسعود رضي ال عنه موقوفا ‪ :‬ما رآه‬ ‫‪4‬‬

‫المسلمون حسنًا فهو عند اللّه حسن ‪.‬‬


‫وفي كتب أصول الفقه ‪ ،‬وكتب القواعد ما يدلّ على أنّ العادة من المعتبر في الفقه ‪ ،‬ومن‬
‫ذلك ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬قولهم ‪ :‬العادة محكّمة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الممتنع عاد ًة كالممتنع حقيقةً ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الحقيقة تترك بدللة العادة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬إنّما تعتبر العادة إذا اطّردت أو غلبت ‪.‬‬
‫وقلّما يوجد باب من أبواب الفقه ليس للعادة مدخل في أحكامه ‪.‬‬
‫أقسام العادة ‪:‬‬
‫تنقسم العادة إلى أقسام باعتبارات مختلفة ‪:‬‬
‫‪ -‬فباعتبار مصدرها تنقسم إلى ‪ :‬عادة شرعيّة ‪ ،‬وعادة جارية بين الخلئق ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫فالعادة الشّرعيّة ‪ :‬هي الّتي أقرّها الشّارع أو نفاها ‪ ،‬أي ‪ :‬أن يكون الشّارع أمر بها إيجابا‬
‫أو ندبا ‪ ،‬أو نهى عنها تحريما أو كراهيةً ‪ ،‬أو أذن فيها فعلً أو تركا ‪.‬‬
‫والثّانية ‪ :‬هي العادة الجارية بين الخلئق بما ليس في نفيه ول إثباته دليل شرعيّ ‪.‬‬
‫فالعادة الشّرعيّة ‪ :‬ثابتة أبدا ‪ ،‬كسائر المور الشّرعيّة كالمر بإزالة النّجاسات ‪ ،‬والطّهارة‬
‫للصّلة ‪ ،‬وستر العورة ‪ ،‬وما أشبه ذلك من العوائد الجارية بين النّاس ‪ :‬أمر الشّارع بها أو‬
‫نهى عنها ‪ ،‬فهي من المور الدّاخلة تحت أحكام الشّرع ‪ ،‬فل تبديل لها ‪ ،‬وإن اختلفت آراء‬
‫المكلّفين فيها ‪ ،‬فل ينقلب الحسن منها قبيحا للمر به ‪ ،‬ول القبيح حسنا للنّهي عنه حتّى‬
‫ل ‪ :‬إنّ كشف العورة ليس بعيب الن ول قبيح ‪ ،‬إذ لو صحّ ذلك لكان نسخا للحكام‬
‫يقال مث ً‬
‫المستقرّة المستمرّة ‪ ،‬والنّسخ بعد موت النّبيّ صلى ال عليه وسلم باطل ‪.‬‬
‫أمّا الثّانية فقد تكون ثابتةً ‪ ،‬وقد تتبدّل ‪ ،‬ومع ذلك فهي أسباب تترتّب عليها أحكام ‪.‬‬
‫فالثّابتة هي الغرائز الجبلّيّة كشهوة الطّعام ‪ ،‬والوقاع ‪ ،‬والكلم ‪ ،‬والبطش ‪ ،‬وأشباه ذلك ‪.‬‬
‫والمتبدّلة منها ما يكون متب ّد ًل من حسن إلى قبيح وبالعكس ‪ ،‬مثل ‪ :‬كشف الرّأس ‪ ،‬فإنّه‬
‫يختلف باختلف البقاع ‪ ،‬فهو لذوي المروآت قبيح في بعض البلد ‪ ،‬وغير قبيح في‬
‫بعضها‪ ،‬فيختلف الحكم الشّرعيّ باختلف ذلك ‪ ،‬فيكون في بعض البلدان قادحا في العدالة ‪،‬‬
‫مسقطا للمروءة ‪ ،‬وفي بعضها غير قادح لها ‪ ،‬ول مسقط للمروءة ‪.‬‬
‫ى إلى معنى عبارة‬
‫ومنها ما يختلف في التّعبير عن المقاصد ‪ ،‬فتنصرف العبارة عن معن ً‬
‫أخرى ‪ ،‬ومنها ما يختلف في الفعال في المعاملت ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬عرف ) ‪.‬‬
‫‪ -‬وتنقسم العادة باعتبار وقوعها إلى ‪ :‬عامّة وخاصّة ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫فالعادة العامّة ‪ :‬هي الّتي تكون فاشيةً في جميع البقاع بين جميع النّاس ‪ ،‬ول تختلف‬
‫باختلف الماكن ‪ ،‬كالستصناع في كثير من الشياء الّتي يحتاج إليها النّاس في كلّ‬
‫الماكن ‪ -‬وفي جميع البلدان ‪ -‬كالحذية واللبسة والدوات الّتي ل يمكن الستغناء عنها‬
‫في بلد من البلدان ول في زمن من الزمان ‪.‬‬
‫صةً في بلد ‪ ،‬أو بين فئة خاصّة من النّاس ‪ ،‬كاصطلح‬
‫أمّا الخاصّة ‪ :‬فهي الّتي تكون خا ّ‬
‫أهل الحرف المختلفة بتسمية شيء باسم معيّن في محيطهم المهنيّ ‪ ،‬أو تعاملهم في بعض‬
‫المعاملت بطريقة معيّنة حتّى تصير هذه الطّريقة هي المتعارف فيما بينهم ‪ ،‬وهذه تختلف‬
‫الحكام فيها باختلف الماكن والبقاع ‪.‬‬
‫ما تستقرّ به العادة ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى الفقهاء أنّ العادة يختلف استقرارها بحسب الشّيء ‪ ،‬فالعادة في الحيض والطّهر‬ ‫‪7‬‬

‫تستقرّ بمرّة عند بعض الفقهاء ‪ ،‬وبثلث مرّات عند آخرين ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪16‬‬ ‫انظر مصطلح ‪ ( :‬حيض فقرة‬
‫واختبار الجارحة في الصّيد ل بدّ من تكرار عدم الكل من الصّيد تكرارا يغلب على الظّنّ‬
‫حصول التّعلّم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يشترط ثلث مرّات ‪ ،‬والصحّ أنّ مرجع ذلك أهل الخبرة ‪.‬‬
‫انظر مصطلح ‪ ( :‬صيد ) ومصطلح ‪ ( :‬كلب ) ‪.‬‬
‫وللعادة جملة أحكام مرتبطة بالعرف ينظر تفصيلها في مصطلح ‪ ( :‬عرف ) ‪.‬‬

‫عَارِض *‬
‫انظر ‪ :‬أهليّة ‪.‬‬

‫عَارِية *‬
‫انظر ‪ :‬إعارة ‪.‬‬

‫عَاشِر *‬
‫انظر ‪ :‬عُشر ‪.‬‬

‫عَاشُورَاء *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬عاشوراء ‪ :‬هو اليوم العاشر من المحرّم ‪ ،‬لما روي عن ابن عبّاس رضي ال عنهما ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫» أمر رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بصوم عاشوراء ‪ :‬يوم العاشر « ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫تاسوعاء ‪:‬‬
‫‪ -‬تاسوعاء ‪ :‬هو اليوم التّاسع من شهر المحرّم ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫والصّلة بين تاسوعاء وعاشوراء أنّ صوم كلّ منهما مستحبّ ‪ ،‬استدللً بالحديث الصّحيح ‪:‬‬
‫ن اليهود والنّصارى تعظّمه ‪ ،‬فقال‬
‫» أنّه صلى ال عليه وسلم صام عاشوراء ‪ ،‬فقيل له ‪ :‬إ ّ‬
‫‪ :‬فإذا كان العام المقبل إن شاء اللّه صمنا اليوم التّاسع « ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬صوم يوم عاشوراء مسنون ‪ ،‬أو مستحبّ ‪ ،‬كصوم يوم تاسوعاء ‪ ،‬فقد روي أنّ النّبيّ‬ ‫‪3‬‬

‫صلى ال عليه وسلم كان يصوم عاشوراء ‪ ،‬وقال عليه الصلة والسلم ‪ » :‬صيام يوم‬
‫عرفة أحتسب على اللّه أن يكفّر السّنة الّتي قبله والسّنة الّتي بعده ‪ ،‬وصيام يوم عاشوراء‬
‫أحتسب على اللّه أن يكفّر السّنة الّتي قبله « ‪ ،‬وفي رواية لمسلم ‪ :‬أنّ رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم قال ‪ » :‬فإذا كان العام المقبل إن شاء اللّه صمنا اليوم التّاسع « قال ابن عبّاس‬
‫‪ :‬فلم يأت العام المقبل حتّى توفّي رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وفي فضل يوم عاشوراء ‪ ،‬وحكمة مشروعيّة الصّيام فيه قال ابن عبّاس رضي ال عنهما ‪:‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما هذا‬
‫» قدم النّب ّ‬
‫قالوا ‪ :‬هذا يوم صالح ‪ ،‬هذا يوم نجّى اللّه بني إسرائيل من عدوّهم فصامه موسى ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫فأنا أحقّ بموسى منكم ‪ ،‬فصامه وأمر بصيامه « ‪.‬‬
‫ومعنى تكفير سنة ‪ :‬أي ذنوب سنة من الصّغائر ‪ ،‬فإن لم يكن صغائر خفّف من كبائر السّنة‬
‫وذلك التّخفيف موكول لفضل اللّه ‪ ،‬فإن لم يكن كبائر رفع له درجات ‪.‬‬
‫وعن عطاء أنّه سمع ابن عبّاس رضي ال عنهما يقول في يوم عاشوراء ‪ :‬خالفوا اليهود‬
‫وصوموا التّاسع والعاشر ‪.‬‬
‫وقد ذكر العلماء في حكمة استحباب صيام تاسوعاء مع صيام عاشوراء أوجها ‪:‬‬
‫ن المراد منه مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر ‪.‬‬
‫أحدها ‪ :‬أ ّ‬
‫ن المراد وصل يوم عاشوراء بصوم ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫والثّالث ‪ :‬الحتياط في صوم العا شر خش ية ن قص الهلل ووقوع غلط ‪ ،‬فيكون التّا سع في‬
‫العدد هو العاشر في نفس المر ‪.‬‬
‫وللمزيد من التّفصيل في ذلك ‪ ( :‬ر ‪ :‬صوم التّطوّع ) ‪.‬‬
‫التّوسعة في عاشوراء ‪:‬‬
‫‪ -‬قال بعض الفقهاء تستحبّ التّوسعة على العيال والهل في عاشوراء ‪ ،‬واستدلّوا بما‬ ‫‪4‬‬

‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ » :‬من وسّع‬


‫روي عن أبي هريرة رضي ال عنه أ ّ‬
‫على أهله يوم عاشوراء وسّع اللّه عليه سائر سنته « ‪.‬‬
‫قال ابن عيينة ‪ :‬قد جرّبناه منذ خمسين سن ًة أو ستّين فما رأينا إ ّل خيرا ‪.‬‬
‫‪ -‬أمّا غير التّوسعة على العيال ممّا يحدث من الحتفال والكتحال والختضاب يوم العاشر‬ ‫‪5‬‬

‫أنم‬
‫وليلتمه ‪ :‬فقمد ذهمب جمهور الفقهاء ممن الحنفي ّة والمالكي ّة والشّافعي ّة والحنابلة إلى ّ‬
‫الحتفال في ليلة العاشر من محرّم أو في يومه بدعة ‪ ،‬وأنّه ل يستحبّ شيء منه ‪ ،‬بل ما‬
‫روي في هذا الباب إنّما هو من وضع الوضّاعين أهل البدع تشجيعا لبدعتهم الّتي يصنعونها‬
‫في هذا اليوم ‪.‬‬
‫ولم يثبت في فضل هذا اليوم إلّ الصّيام فقط ‪.‬‬

‫عَاصِب *‬
‫انظر ‪ :‬عصبة ‪.‬‬
‫عَاقِر *‬
‫انظر ‪ :‬عقم‬

‫عَاقِلة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬العاقلة ‪ :‬جمع عاقل ‪ ،‬وهو دافع الدّية ‪ ،‬وسمّيت الدّية عقلً تسميةً بالمصدر ‪ ،‬لنّ‬ ‫‪1‬‬

‫البل كانت تعقل بفناء وليّ المقتول ‪ ،‬ثمّ كثر الستعمال حتّى أطلق العقل على الدّية وإن لم‬
‫تكن من البل ‪.‬‬
‫ل لنّها تعقل لسان وليّ المقتول ‪ ،‬أو من العقل وهو المنع ‪ ،‬لنّ‬
‫وقيل ‪ :‬إنّما سمّيت عق ً‬
‫العشيرة كانت تمنع القاتل بالسّيف في الجاهليّة ‪ ،‬ثمّ منعت عنه في السلم بالمال ‪.‬‬
‫حكم تحمّل العاقلة للدّية ‪:‬‬
‫ن دية الخطأ تجب على العاقلة ‪.‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪2‬‬

‫والصل في وجوب الدّية على العاقلة قضاء النّبيّ صلى ال عليه وسلم بدية المرأة الهذليّة‬
‫ودية جنينها على عصبة القاتلة ‪ ،‬فقد روي عن أبي هريرة رضي ال عنه أنّه قال ‪:‬‬
‫» اقتتلت امرأتان من هذيل ‪ ،‬فرمت إحداهما الخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها ‪،‬‬
‫فاختصموا إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقضى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّ‬
‫دية جنينها غرّة عبد أو وليدة ‪ ،‬وقضى بدية المرأة على عاقلتها ‪ ،‬وورثها ولدها ومن‬
‫معهم « ‪.‬‬
‫ن الخطأ يعذر فيه النسان ‪ ،‬وإيجاب الدّية في‬
‫وأنّ النّفس محترمة فل وجه لهدارها ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ماله ضرر كبير عليه من غير ذنب تعمّده ‪ ،‬فل ب ّد من إيجاب بدله ‪ ،‬فكان من محاسن‬
‫الشّريعة السلميّة وقيامها بمصالح العباد أن أوجبت بدله على من عليه نصرة القاتل ‪،‬‬
‫فأوجبت عليهم إعانته على ذلك كإيجاب النّفقات على القارب ‪.‬‬
‫عاقلة النسان ‪:‬‬
‫‪ -‬عاقلة النسان عصبته ‪ ،‬وهم القرباء من جهة الب كالعمام وبنيهم ‪ ،‬والخوة‬ ‫‪3‬‬

‫وبنيهم‪ ،‬وتقسم الدّية على القرب فالقرب ‪ ،‬فتقسم على الخوة وبنيهم ‪ ،‬والعمام وبنيهم ‪،‬‬
‫ثمّ أعمام الب وبنيهم ‪ ،‬ثمّ أعمام الج ّد وبنيهم ‪ ،‬وذلك لنّ العاقلة هم العصبة » وأنّ‬
‫الرّسول صلى ال عليه وسلم قضى بالدّية على العصبة « ‪.‬‬
‫روى أبو هريرة رضي ال عنه قال ‪ » :‬اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الخرى‬
‫بحجر فقتلتها فاختصموا إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقضى بدية المرأة على‬
‫عاقلتها ‪ ،‬وورثها ولدها ومن معهم « ‪.‬‬
‫وفي رواية ‪ » :‬ثمّ إنّ المرأة الّتي قضى عليها بالغرّة توفّيت ‪ ،‬فقضى رسول اللّه صلى ال‬
‫ن العقل على عصبتها « ‪.‬‬
‫عليه وسلم بأنّ ميراثها لبنيها وزوجها ‪ ،‬وأ ّ‬
‫وقضى عمر بن الخطّاب رضي ال عنه على عليّ رضي ال عنه بأن يعقل عن موالي‬
‫صفيّة بنت عبد المطّلب رضي ال عنها لنّه ابن أخيها دون ابنها الزّبير ‪ ،‬واشتهر ذلك‬
‫بينهم ‪ ،‬وأنّ أقاربه أخصّ ‪ ،‬إذ لهم غنم الرث فيلزمهم الغرم ‪ ،‬وبهذا قال الشّافعيّة‬
‫والمالكيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ن العاقلة هم أهل الدّيوان إن كان القاتل منهم ‪ ،‬وتؤخذ الدّية‬
‫وذهب الحنفيّة إلى القول ‪ :‬إ ّ‬
‫ن عمر بن الخطّاب رضي ال عنه عندما‬
‫من عطاياهم في ثلث سنين ‪ ،‬وحجّتهم في ذلك أ ّ‬
‫دوّن الدّواوين جعل الدّية على أهل الدّيوان فإن لم يكن القاتل من أهل الدّيوان فعاقلته قبيلته‬
‫من النّسب ‪.‬‬
‫ول يؤدّي الجاني من الدّية شيئا مع العاقلة لنّ الرّسول صلى ال عليه وسلم قضى بالدّية‬
‫على العاقلة ولم يكن الجاني من ضمنها ‪ ،‬وهذا ما ذهب إليه الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ن الجاني يلزمه من الدّية مثل ما يلزم أحد العاقلة ‪ ،‬لنّ الوجوب‬
‫وقال الحنفيّة والمالكيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫عليهم باعتبار النّصرة ‪ ،‬ول شكّ أنّه ينصر نفسه كما ينصر غيره ‪ ،‬وأنّ العاقلة تتحمّل‬
‫جنايةً وجدت منه وضمانا وجب عليه ‪ ،‬فكان هو أحقّ بالتّحمّل ‪.‬‬
‫ن العقل‬
‫ويدخل الباء والبناء مع العاقلة ‪ ،‬لنّهم من العصبة فأشبهوا الخوة والعمام ول ّ‬
‫موضوع على التّناصر وهم من أهله ‪ ،‬وإنّ العصبة في تحمّل العقل مرتّبون كما هم في‬
‫الميراث في تقديم القرب فالقرب ‪ ،‬والباء والبناء أحقّ العصبات بميراثه فكانوا أولى‬
‫بتحمّل عقله ‪ ،‬وهذا ما ذهب إليه المالكيّة ‪ ،‬الحنفيّة في قول لهم ‪ ،‬والحنابلة في إحدى‬
‫الرّوايتين ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ -‬وهو الرّواية الثّانية عند الحنابلة ‪ -‬وقول عند الحنفيّة ‪ :‬ل يدخل الباء‬
‫والبناء مع العاقلة لنّهم أصوله وفروعه فكما ل يتحمّل الجاني ل يتحمّلون ‪.‬‬
‫مقدار الدّية الّتي تتحمّلها العاقلة فيما دون النّفس ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬تتحمّل العاقلة كلّ ما كان أرشه نصف عشر الدّية فأكثر » لقضاء‬ ‫‪4‬‬

‫الرّسول صلى ال عليه وسلم بالغرّة في الجنين على العاقلة « ومقدارها نصف عشر الدّية‬
‫‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬تتحمّل العاقلة القليل والكثير ‪ ،‬لنّ من حمل الكثير حمل القليل كالجاني‬
‫في العمد ‪.‬‬
‫ي سنة ‪ ،‬فإن كان أكثر من الثّلث فعليها أن تؤدّي‬
‫وتلزم العاقلة بدفع الثّلث فما دونه في مض ّ‬
‫الثّلث في مضيّ سنة وما زاد على الثّلث تؤدّيه في مضيّ السّنة الثّانية إلى الثّلثين ‪ ،‬فما‬
‫ي السّنة الثّالثة ‪.‬‬
‫جاوز الثّلثين فيؤدّي في مض ّ‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل تتحمّل العاقلة إذا كان الواجب أق ّل من ثلث الدّية ‪ ،‬لنّ الصل وجوب‬
‫الضّمان على الجاني ‪ ،‬لنّه موجب جنايته وبدل متلفه ‪ ،‬فكان عليه كسائر المتلفات ‪ ،‬ولما‬
‫روي عن عمر بن الخطّاب رضي ال عنه أنّه قضى في الدّية أن ل يحمل منها شيء حتّى‬
‫تبلغ عقل المأمومة وأنّ الصل في الضّمان أنّه يجب على المتلف ‪ ،‬وإنّما خولف في الثّلث‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬الثّلث كثير «‬
‫فصاعدا تخفيفا عن الجاني لكونه كثيرا ‪ ،‬قال النّب ّ‬
‫فيبقى ما دون الثّلث على الصل ‪.‬‬
‫القتل الّذي ل تتحمّل العاقلة ديته ‪:‬‬
‫‪ -‬ل تحمل العاقلة دية القتل العمد ‪ ،‬ول دية القتل الخطأ وشبه العمد الّذي يقرّ به الجاني‬ ‫‪5‬‬

‫على نفسه ‪ ،‬ول القتل الّذي ينكره الجاني ويصالح المدّعي على مال عليه ‪ ،‬لحديث ابن‬
‫عبّاس رضي ال عنهما عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ » :‬ل تحمل العاقلة عمدا‬
‫ول عبدا ول صلحا ول اعترافا « ولنّه لو وجب عليهم بإقراره لوجب بإقرار غيره ول يقبل‬
‫إقرار شخص على غيره ‪ ،‬ولنّه يتّهم في أن يكون متواطئا مع من يقرّ له ‪ ،‬فيأخذ الدّية من‬
‫ن بدل الصّلح ثبت بمصالحته واختياره ‪ ،‬فل تحمله العاقلة كالمال‬
‫عاقلته فيقاسمه إيّاها ‪ ،‬ول ّ‬
‫الّذي يثبت بالعتراف ‪.‬‬
‫ول تحمل العاقلة شيئا عن القتل العمد ‪ ،‬لنّه عامد فل يستحقّ التّخفيف ول المعاونة ‪.‬‬
‫مقدار ما يؤخذ من كلّ واحد من العاقلة ‪:‬‬
‫ص فيه ‪ ،‬بل يرجع ذلك إلى‬
‫‪ -‬قال المالكيّة والحنابلة ‪ :‬ليس هناك مقدار معيّن ‪ ،‬لنّه ل ن ّ‬ ‫‪6‬‬

‫اجتهاد الحاكم ‪ ،‬فيفرض على كلّ واحد منهم حسب حالته الماليّة كالنّفقة قال تعالى ‪ { :‬لَ‬
‫سعَهَا } ‪.‬‬
‫ُيكَلّفُ الّلهُ َنفْسا ِإلّ ُو ْ‬
‫ج َعلَ‬
‫ولنّ تعيين مقدار فيه حرج عليهم ‪ ،‬فربّما تحمّلوا ما ل يطيقونه ‪ ،‬قال تعالى ‪َ { :‬ومَا َ‬
‫حرَجٍ } ‪.‬‬
‫ن مِنْ َ‬
‫عَلَ ْي ُكمْ فِي الدّي ِ‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬يؤخذ من كلّ واحد من العاقلة ثلثة دراهم أو أربعة دراهم ‪ ،‬ول يزاد على‬
‫ن الخذ منهم على وجه الصّلة والتّبرّع تخفيفا عن القاتل ‪ ،‬فل يجوز التّغليظ عليهم‬
‫ذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫يضمم‬
‫ّ‬ ‫بالزّيادة ‪ ،‬ويجوز أن ينقمص عمن هذا القدر إذا كانمت العاقلة كثيرةً ‪ ،‬فإن قلت العاقلة‬
‫إليهم أقرب القبائل إليهم من النّسب ‪ ،‬حتّى ل يصيب الواحد أكثر من ذلك ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة يؤ خذ من كلّ وا حد ن صف دينار إذا كانوا أغنيا ًء ‪ ،‬و في الو سط ر بع دينار ‪،‬‬
‫لنّ ما دون ذلك تافه ‪.‬‬
‫وقال الفقهاء ‪ :‬ل يؤ خذ من النّ ساء وال صّبيان والمجان ين ‪ ،‬ل نّ الدّ ية الّ تي تحمل ها العاقلة‬
‫ن الدّ ية صلة و تبرّع بالعا نة‬
‫في ها مع نى التّنا صر ‪ ،‬وهؤلء لي سوا من أ هل النّ صرة ‪ ،‬ول ّ‬
‫والصّبيان والمجانين ليسوا من أهل التّبرّع ‪.‬‬
‫س َعهَا } ‪.‬‬
‫وكذلك ل يؤخذ من الفقير لقوله تعالى ‪ { :‬لَ ُيكَلّفُ الّل ُه َنفْسا ِإلّ ُو ْ‬
‫سعَ ِتهِ } ‪.‬‬
‫س َعةٍ مّن َ‬
‫ق ذُو َ‬
‫وقوله تعالى ‪ { :‬لِيُنفِ ْ‬
‫ول نّ تحمّل الدّية مواساة فل يلزم الفقير كالزّكاة ‪ ،‬ولنّها وجبت للتّخفيف عن القاتل ‪ ،‬فل‬
‫يجوز التّثقيل بها على من ل جناية منه ‪ ،‬وفي إيجابها على الفقير تثقيل عليه وتكليف بما‬
‫ل يقدر عليه ‪ ،‬وربّما كان الواجب عليه جميع ماله أو أكثر منه ‪ ،‬وقد ل يكون عنده شيء‬
‫‪.‬‬
‫عاقلة اللّقيط وال ّذمّيّ الّذي يسلم ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا لم يكن للجاني عاقلة كاللّقيط وال ّذمّيّ الّذي أسلم فعاقلته بيت المال لقول النّبيّ‬ ‫‪7‬‬

‫صلى ال عليه وسلم { أنا وارث من ل وارث له أعقل عنه وأرثه }‬

‫عامٌ *‬
‫انظر ‪ :‬سنة‬

‫عَامِل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬العامل في اللّغة بوزن فاعل من عمل ‪ ،‬يقال ‪ :‬عملت على الصّدقة ‪ :‬سعيت في جمعها‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫ويطلق العامل ويراد به ‪ :‬الوالي ‪ ،‬والجمع عمّال وعاملون ‪ ،‬ويتعدّى إلى المفعول الثّاني‬
‫ل ‪ ،‬أو سألته أن يعمل ‪ ،‬وعمّلته‬
‫بالهمزة ‪ ،‬فيقال ‪ :‬أعملته كذا ‪ ،‬واستعملته أي ‪ :‬جعلته عام ً‬
‫على البلد بالتّشديد ‪ :‬ولّيته عمله ‪.‬‬
‫والعمالة ‪ -‬بضمّ العين ‪ : -‬أجرة العامل ‪ ،‬والكسر لغة ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬العامل على الزّكاة هو ‪ :‬المتولّي على الصّدقة والسّاعي لجمعها من‬
‫أرباب المال ‪ ،‬والمفرّق على أصنافها إذا فوّضه المام بذلك ‪.‬‬
‫والعامل بمعنى الوالي ‪ :‬هو من يقلّده الخليفة أميرا على إقليم أو بلد ‪ ،‬أو يستعمله في‬
‫عمل معيّن ‪.‬‬
‫صةً بعامل الزّكاة ‪ ،‬أمّا العامل بمعنى الوالي فتنظر أحكامه في ‪:‬‬
‫وأحكام هذا المصطلح خا ّ‬
‫( إمارة ‪ ،‬وولية ) ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫العاشر ‪:‬‬
‫‪ -‬العاشر ‪ :‬هو من نصّبه المام على الطّريق ليأخذ الصّدقات من ال ّتجّار ممّا يمرّون به‬ ‫‪2‬‬

‫عليه عند اجتماع شرائط الوجوب ‪ ،‬وهو مأخوذ من ‪ :‬عشرت المال عشرا ‪ -‬من باب قتل‬
‫‪ -‬وعشورا ‪ :‬أخذت عشره واسم الفاعل عاشر وعشّار ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬تعيين العمّال لقبض الزّكاة وتفريقها على مستحقّيها واجب على المام ‪ ،‬لنّ » رسول‬ ‫‪3‬‬

‫اللّه صلى ال عليه وسلم كان يولّي العمّال ذلك ‪ ،‬ويبعثهم إلى أصحاب الموال « ‪ ،‬وقد‬
‫استعمل عمر بن الخطّاب رضي ال عنه عليها وكذلك الخلفاء الرّاشدون كانوا يرسلون‬
‫ن في النّاس من يملك المال ول يعرف ما يجب عليه فيه ‪ ،‬ومنهم من‬
‫عمّالهم لقبضها ‪ ،‬ول ّ‬
‫يبخل بالزّكاة ‪.‬‬
‫من يشمله لفظ العامل ‪:‬‬
‫ن العامل على الزّكاة مصرف من مصارفها الثّمانية لقوله تعالى ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫ن عَلَ ْيهَا } ‪.‬‬


‫{ وَا ْلعَامِلِي َ‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّه يدخل في اسم العامل ‪:‬‬
‫السّاعي ‪ :‬وهو الّذي يجبي الزّكاة ويسعى في القبائل لجمعها ‪.‬‬
‫والحاشر ‪ :‬وهو اثنان ‪ ،‬أحدهما ‪ :‬من يجمع أرباب الموال ‪.‬‬
‫وثانيهما ‪ :‬من يجمع ذوي السّهام من الصناف ‪.‬‬
‫والعريف ‪ :‬وهو كالنّقيب للقبيلة ‪ ،‬وهو الّذي يعرّف السّاعي أهل الصّدقات إذا لم يعرفهم ‪.‬‬
‫والكاتب ‪ :‬وهو الّذي يكتب ما أعطاه أرباب الصّدقات من المال ‪ ،‬ويكتب لهم براءةً بالداء ‪،‬‬
‫ويكتب كذلك ما يدفع للمستحقّين ‪.‬‬
‫والقاسم ‪ :‬وهو الّذي يقسم أموال الزّكاة بين مستحقّيها ‪.‬‬
‫ويدخل في اسم العامل كذلك ‪ :‬الحاسب ‪ ،‬والخازن ‪ ،‬وحافظ المال ‪ ،‬والعدّاد ‪ ،‬والكيّال ‪،‬‬
‫والوزّان ‪ ،‬والرّاعي لمواشي الصّدقة ‪ ،‬والحمّال ‪ ،‬وكلّ من يحتاج إليه في شأن الصّدقة ‪،‬‬
‫حتّى إذا لم تقع الكفاية بساع واحد ‪ ،‬أو كاتب واحد ‪ ،‬أو حاسب واحد ‪ ،‬أو حاشر أو نحوه‬
‫زيد في العدد بقدر الحاجة ‪.‬‬
‫مؤنة جمع الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ -‬أجرة كيل أموال الصّدقة ووزنها ‪ ،‬ومؤنة دفعها من المالك إلى السّاعي على ربّ‬ ‫‪5‬‬

‫المال‪ ،‬وكذا أجرة الكيّال والوزّان والعادّ الّذي يميّز الزّكاة من المال ‪ ،‬لنّها لتوفية الواجب ‪،‬‬
‫كالبائع عليه مؤنة الكيل والوزن عند البيع ‪.‬‬
‫أمّا أجرة الكيّال والوزّان والعادّ الّذي يميّز بين مستحقّات الصناف فعلى سهم العامل بل‬
‫خلف ‪ .‬إذ لو ألزمناها المالك لزدنا في قدر الواجب عليه‬
‫شروط العامل ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط في العامل أن يكون مسلما عاقلً بالغا عدلً سميعا ذكرا ‪ ،‬وأن يكون عالما‬ ‫‪6‬‬

‫ل يأخذ غير الواجب ‪ ،‬أو يسقط‬


‫بأبواب الزّكاة ‪ ،‬ليعلم ما يأخذه ‪ ،‬ومن يأخذ منه ‪ ،‬ولئ ّ‬
‫ق ‪ ،‬وهذا إذا كان مفوّضا من المام‬
‫الواجب ‪ ،‬ولئلّ يدفع لغير مستحقّ ‪ ،‬أو يمنع عن مستح ّ‬
‫لعموم أمر الزّكاة ‪ ،‬أي ‪ :‬أخذها من أرباب الموال وتوزيعها على مستحقّيها وغير ذلك ممّا‬
‫تدعو إليه الحاجة في جمع الزّكاة ‪ ،‬أمّا إذا لم يكن مفوّضا تفويضا عامّا ‪ ،‬كأن يكون منفّذا‬
‫فقط ‪ ،‬عيّن له المام ما يأخذه ومن يعطيه ‪ ،‬فل يشترط أن يكون عالما بأبواب الزّكاة ‪ ،‬لنّ‬
‫النّبيّ كان يبعث العمّال ويكتب لهم ما يأخذون ‪ ،‬وكذلك فعل أبو بكر رضي ال عنه لعمّاله ‪،‬‬
‫ولنّ هذه رسالة ل ولية ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في شرطين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬الحرّيّة ‪ ،‬فقد ذهب الجمهور إلى اشتراط الحرّيّة ‪ ،‬فل يصحّ عندهم أن يكون‬
‫العامل عبدا ‪ ،‬لعدم الولية ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى عدم اشتراط الحرّيّة ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬اسمعوا وأطيعوا‬
‫وإن استعمل عليكم عبد « الحديث ‪.‬‬
‫‪،‬‬ ‫‪144‬‬ ‫ثانيهما ‪ :‬أن ل يكون هاشميّا ‪ ،‬وفي ذلك تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬زكاة ف‬
‫)‪.‬‬ ‫‪13‬‬ ‫وجباية ف‬
‫ما يأخذه العامل ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا تولّى المزكّي إخراج زكاة ماله بنفسه سقط حقّ العامل منها ‪ ،‬لنّ العامل يستحقّ‬ ‫‪7‬‬

‫ق له فيها ‪ ،‬وتوزّع الزّكاة حينئذ على الصناف‬


‫الزّكاة بعمله ‪ ،‬فإذا لم يعمل فيها شيئا فل ح ّ‬
‫السّبعة الخرى ‪.‬‬
‫والمام مخيّر في العامل ‪ ،‬إن شاء أرسله لخذ الزّكاة من غير عقد ول تسمية شيء ‪ ،‬بل‬
‫يدفع إليه أجرة مثله ‪ ،‬لما رواه ابن السّاعديّ قال ‪ :‬استعملني عمر بن الخطّاب رضي ال‬
‫عنه على الصّدقة ‪ ،‬فلمّا فرغت منها وأدّيتها إليه أمر لي بعمالة ‪ ،‬فقلت ‪ :‬إنّما عملت للّه‬
‫وأجري على اللّه ‪ ،‬قال ‪ :‬خذ ما أعطيت ‪ ،‬فإنّي عملت على عهد رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم فعمّلني ‪ ،‬فقلت مثل قولك ‪ ،‬فقال لي رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬إذا أعطيت‬
‫شيئا من غير أن تسأل فكل وتصدّق « ‪.‬‬
‫وإن شاء عقد له عقدا واستأجره إجار ًة صحيحةً سمّى له فيها قدر أجرته ‪ ،‬ثمّ دفع إليه ما‬
‫سمّى له من أموال الزّكاة ‪.‬‬
‫‪ -8‬وإذا زاد سهم العاملين على أجرته ر ّد الفاضل على سائر الصناف ‪ ،‬وقسم على‬
‫سهامهم ‪.‬‬
‫أمّا إن كان سهم العاملين أق ّل من أجرته ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء في ذلك فذهب الحنفيّة إلى أنّه‬
‫يكمّل له من أموال الزّكاة الّتي بيده ‪ ،‬بشرط ألّ يزيد على نصف ما قبضه ‪ ،‬لنّ التّنصيف‬
‫هو عين النصاف ‪ ،‬ول يعطى من بيت المال شيئا ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه يتمّم له من أموال الزّكاة وإن استغرق جميع أموال الزّكاة الّتي بيده‬
‫لنّها أجرة عمله ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يتمّم له ‪ ،‬ولكنّهم اختلفوا من أين يتمّم له ؟ فالمذهب عندهم ‪ :‬أنّه‬
‫يتمّم من حقّ سائر الصناف ‪ ،‬لنّه يعمل لهم ‪ ،‬فكانت أجرته عليهم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يتمّم من سهم‬
‫ن اللّه تعالى جعل لك ّل صنف سهما ‪ ،‬فلو قسمنا ذلك على الصناف ونقصنا‬
‫المصالح ‪ ،‬ل ّ‬
‫حقّهم فضّلنا العامل عليهم ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬المام بالخيار ‪ ،‬إن شاء تمّمه من سهم المصالح وإن شاء تمّمه من سهام الصناف‬
‫الخرى ‪ ،‬لنّه يشبه الحاكم حيث يستوفي به حقّ الغير على وجه المانة ‪ ،‬ويشبه الجير ‪،‬‬
‫فخيّر بين حقّيهما ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬إن كان المام بدأ بنصيب العامل ‪ ،‬فوجده ينقص تمّم من سهام الصناف الخرى ‪،‬‬
‫وإن كان بدأ بسهام الصناف الخرى فأعطاهم ‪ ،‬ثمّ وجد سهم العامل ينقص تمّمه من سهم‬
‫المصالح ‪ ،‬لنّه يشقّ عليه استرجاع ما دفع إليهم ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬إن فضل عن قدر حاجة الصناف شيء تمّم من الفضل ‪ ،‬فإن لم يفضل عنهم شيء‬
‫تمّم من سهم المصالح ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬والخلف في جواز التّكميل من أموال الزّكاة ‪ ،‬ولكنّهم اتّفقوا على جواز‬
‫التّكميل من سهم المصالح مطلقا ‪ ،‬بل لو رأى المام أن يجعل أجرة العامل كلّها في بيت‬
‫ن بيت المال لمصالح المسلمين ‪ ،‬وهذا‬
‫المال ‪ ،‬ويقسم الزّكاة على سائر الصناف جاز ‪ ،‬ل ّ‬
‫من المصالح ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه يتمّم له من أموال الزّكاة وإن كانت أجرته أكثر من ثمن أموال‬
‫الزّكاة‪ ،‬لنّ ما يأخذه العامل أجرة ‪ ،‬إلّ أنّ المام إذا رأى إعطاء العامل أجرته من بيت‬
‫المال‪ ،‬ويوفّر الزّكاة على باقي الصناف جاز له ‪ ،‬وإن رأى أن يجعل له رزقا ثابتا في بيت‬
‫المال نظير عمالته ‪ ،‬ول يعطيه من أموال الزّكاة شيئا جاز كذلك ‪.‬‬
‫تلف مال الزّكاة في يد العامل ‪:‬‬
‫‪ -‬لو تلف مال الزّكاة في يد العامل بل تفريط أو تقصير لم يضمن ‪ ،‬لنّه أمين كالوكيل ‪:‬‬ ‫‪9‬‬

‫وناظر مال اليتيم إذا تلف في يده شيء بل تفريط لم يضمن ‪.‬‬
‫أمّا إذا تلف المال بتفريط منه ‪ ،‬بأن قصّر في حفظه أو عرف المستحقّين وأمكنه التّفريق‬
‫عليهم فأخّر من غير عذر ضمنه ‪ ،‬لنّه متعدّ بذلك ‪.‬‬
‫واختلفوا في دفع أجرته إذا تلف المال بدون تفريط منه ‪:‬‬
‫فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يستحقّ أجرته ‪ ،‬وتعطى من بيت المال ‪ ،‬لنّه أجير ‪ ،‬ولنّ‬
‫بيت المال لمصالح المسلمين ‪ ،‬وهذا منها ‪.‬‬
‫وعندهم أيضا ‪ :‬يستحقّ العامل الزّكاة بعمله على سبيل الجرة ‪ ،‬وإلى هذا ذهب كلّ من‬
‫المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ن حقّه يسقط ‪ ،‬كنفقة المضارب تكون في مال المضاربة ‪ ،‬فإذا هلك‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ن العامل عندهم يستحقّ الزّكاة بعمله على سبيل الكفاية لشتغاله بها ‪ ،‬ل‬
‫سقطت نفقته ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الجرة مجهولة ‪.‬‬
‫على سبيل الجرة ‪ ،‬ل ّ‬
‫بيع العامل مال الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الفقهاء ‪ :‬ل يجوز للسّاعي بيع شيء من مال الزّكاة من غير ضرورة ‪ ،‬بل‬ ‫‪10‬‬

‫يوصلها إلى المستحقّين بأعيانها إذا كان مفوّضا للتّفريق عليهم ‪ ،‬لنّ أهل الزّكاة أهل رشد‬
‫ل ولية عليهم ‪ ،‬فلم يجز بيع مالهم بدون إذنهم ‪ ،‬أو يوصلها إلى المام إذا لم يكن مفوّضا‬
‫للتّفريق عليهم ‪ ،‬وإن باع بل ضرورة ضمن ‪.‬‬
‫فإن وقعت ضرورة البيع ‪ ،‬كأن خاف هلك بعض الماشية ‪ ،‬أو كان في الطّريق خطر ‪ ،‬أو‬
‫احتاج إلى ردّ جبران ‪ ،‬أو إلى مؤنة النّقل ‪ ،‬أو ما أشبه ذلك جاز البيع للضّرورة ‪.‬‬
‫ما يستحبّ في جمع الزّكاة وتفريقها ‪:‬‬
‫‪ -‬يستحبّ للمام أو العامل أن يعيّن للنّاس شهرا يأتيهم فيه لخذ الزّكاة من أموالهم‬ ‫‪11‬‬

‫الّتي يشترط في وجوب الزّكاة فيها حولن الحول عليها ‪ ،‬كالمواشي والنّقود وعروض‬
‫التّجارة ونحوها ‪.‬‬
‫ويستحبّ أن يكون ذلك الشّهر من السّنة هو شهر المحرّم ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫» هذا شهر زكاتكم « ولنّه أوّل السّنة القمريّة ‪ ،‬وليتهيّأ أرباب الموال لدفع زكاة أموالهم ‪،‬‬
‫ويتهيّأ المستحقّون لخذ الزّكاة ‪ ،‬والفضل أن يخرج إليهم قبل شهر المحرّم ‪ ،‬ليصل إليهم‬
‫في أوّله ‪.‬‬
‫أمّا فيما ل يعتبر فيه الحول من أموال الزّكاة كالزّروع والثّمار ‪ ،‬فيبعث المام العمّال لخذ‬
‫زكواتها وقت وجوبها ‪ ،‬وهو وقت الجذاذ والحصاد ‪.‬‬
‫ويستحبّ للسّاعي كذلك ‪ :‬أن يعدّ الماشية على الماء إن كانت ترد الماء ‪ ،‬وفي أفنيتهم إن‬
‫لم تكن ترد الماء ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬تؤخذ صدقات المسلمين عند مياههم أو‬
‫عند أفنيتهم « ‪.‬‬
‫فإن أخبره صاحب المال بعددها ‪ -‬وهو ثقة ‪ -‬فله أن يصدّقه ويعمل بقوله ‪ ،‬لنّه أمين ‪،‬‬
‫وإن لم يصدّقه ‪ ،‬أو أراد الحتياط بعدها عدّها ‪.‬‬
‫فإن اختلفا في العدّ بعد العدّ ‪ ،‬وكان الفرض يختلف بذلك ‪ ،‬أعاد العدّ ثاني ًة ‪.‬‬
‫ب المال في حولن الحول كأن يقول المالك ‪ :‬لم يحلّ الحول بعد ‪،‬‬
‫وإن اختلف السّاعي ور ّ‬
‫ويقول السّاعي ‪ :‬بل حال الحول ‪ ،‬أو قال المالك ‪ :‬هذه السّخال تولّدت بعد الحول ‪ ،‬وقال‬
‫السّاعي ‪ :‬بل تولّدت قبله ‪ ،‬أو قال السّاعي ‪ :‬كانت ماشيتك نصابا ثمّ توالدت ‪ ،‬وقال المالك‬
‫‪ :‬بل ماشيتي تمّت نصابا بالتّوليد ‪ ،‬فالقول قول المالك في جميع هذه الصّور ونظائرها ممّا‬
‫ن الصل براءته ‪ ،‬ولنّ الزّكاة موضوعة على الرّفق ‪.‬‬
‫ل يخالف الظّاهر ‪ ،‬ل ّ‬
‫وإن رأى السّاعي ‪ -‬المفوّض في قبض الزّكاة وتفريقها ‪ -‬المصلحة في أن يوكّل من‬
‫يأخذها من المزكّي عند حلولها ويفرّقها على أهلها فعل ‪.‬‬
‫وإن وثق بصاحب المال ‪ ،‬ورأى أن يفوّض إليه تفريقها على المستحقّين فعل أيضا ‪ ،‬لنّ‬
‫المالك يجوز له أن يفرّق زكاته على المستحقّين بغير إذن العامل ‪ ،‬فمع إذنه أولى ‪.‬‬
‫ويستحبّ أن يخرج مع السّاعي ‪ -‬لخذ زكاة الزّروع والثّمار ‪ -‬من يخرص ما يحتاج إلى‬
‫خرصه ‪ ،‬وينبغي أن يكون معه خارصان ذكران حرّان ‪.‬‬
‫كما يستحبّ للمام ‪ -‬أو العامل إن كان مفوّضا للقسمة ‪ -‬أن يكون عارفا عدد المستحقّين‬
‫وقدر حاجتهم ‪ ،‬ليتعجّل حقوقهم ‪ ،‬وليأمن هلك المال عنده ‪.‬‬
‫ويبدأ في القسمة بالعاملين ‪ ،‬لنّ استحقاقهم أقوى ‪ ،‬لكونهم يأخذون على وجه العوض ‪،‬‬
‫وغيرهم يأخذ على وجه المواساة ‪.‬‬

‫عامّ *‬
‫انظر ‪ :‬عموم ‪.‬‬

‫عَانِس *‬
‫انظر ‪ :‬عنوس ‪.‬‬

‫عَانَة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬العانة في اللّغة ‪ :‬هي الشّعر النّابت فوق الفرج ‪ ،‬وتصغيرها عوينة وقيل ‪ :‬هي‬ ‫‪1‬‬

‫المنبت ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ لهذا اللّفظ عن معناه اللّغويّ ‪ ،‬قال العدويّ والنّفراويّ ‪:‬‬
‫العانة ‪ :‬هي ما فوق العسيب والفرج وما بين الدّبر والنثيين ‪.‬‬
‫ّوويم ‪ :‬المراد بالعانمة الشّعمر الّذي فوق ذكمر الرّجمل وحواليمه وكذلك الشّعمر الّذي‬
‫ّ‬ ‫وقال الن‬
‫حوالي فرج المرأة ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالعانة ‪:‬‬
‫حلق العانة ‪:‬‬
‫ن حلق العانة سنّة ‪ ،‬ويرى الشّافعيّة على أصحّ القولين وجوب‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪2‬‬

‫حلق العانة على الزّوجة إذا أمرها زوجها بذلك ‪.‬‬


‫المفاضلة بين حلق العانة وغيره من طرق الزالة ‪:‬‬
‫ص ونتف‬
‫ي مزيل من حلق وق ّ‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في جواز إزالة شعر العانة بأ ّ‬ ‫‪3‬‬

‫ن الحلق‬
‫ن أصل السّنّة يتأدّى بالزالة بأيّ مزيل ‪ ،‬كما أنّه ل خلف بينهم في أ ّ‬
‫ونورة ‪ ،‬ل ّ‬
‫أفضل لزالة شعر العانة في حقّ الرّجل ‪.‬‬
‫ن الولى في حقّها النّتف ‪.‬‬
‫أمّا المرأة فيرى الحنفيّة والشّافعيّة أ ّ‬
‫وذهب جمهور المالكيّة والنّوويّ في قول إلى ترجيح الحلق في حقّ المرأة ‪ ،‬لحديث جابر‬
‫ل حتّى تمتشط الشّعثة وتستحدّ المغيّبة « ‪.‬‬
‫في » النّهي عن طروق النّساء لي ً‬
‫ي شيء ويؤخذ من عباراتهم أنّهم يرون أفضليّة الحلق ‪.‬‬
‫قال الحنابلة ‪ :‬ل بأس بالزالة بأ ّ‬
‫توقيت حلق العانة ‪:‬‬
‫ب حلق العانة في كلّ أسبوع مرّةً ‪ ،‬وجاز في كلّ خمسة عشر ‪ ،‬وكره تركه وراء‬
‫‪ -‬يستح ّ‬ ‫‪4‬‬

‫ص الشّارب وتقليم الظفار ونتف‬


‫الربعين ‪ ،‬لحديث أنس رضي ال عنه ‪ » :‬وُقّت لنا في ق ّ‬
‫البط وحلق العانة أن ل نترك أكثر من أربعين ليلةً « ‪.‬‬
‫قال القرطبيّ في المفهم ‪ :‬ذكر الربعين تحديد لكثر المدّة ‪ ،‬ول يمنع تفقّد ذلك من الجمعة‬
‫إلى الجمعة ‪ ،‬والضّابط في ذلك ‪ :‬الحتياج ‪.‬‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬ينبغي أن يختلف ذلك باختلف الحوال والشخاص ‪ ،‬والضّابط ‪ :‬الحاجة في‬
‫هذا وفي جميع الخصال المذكورة ‪ -‬أي خصال الفطرة ‪. -‬‬
‫دفن شعر العانة ‪:‬‬
‫‪ -‬يستحبّ دفن ما أخذ من شعر العانة ومواراته في الرض ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫قال مهنّا ‪ :‬سألت أحمد عن الرّجل يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يلقيه ؟ قال يدفنه ‪،‬‬
‫قلت ‪ :‬بلغك فيه شيء ؟ قال ‪ :‬كان ابن عمر يدفنه ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ » :‬أنّه أمر بدفن الشّعر والظفار « ‪.‬‬
‫وروي عن النّب ّ‬
‫قال ابن حجر ‪ :‬وقد استحبّ أصحابنا دفنها لكونها أجزاءً من الدميّ ‪.‬‬
‫حلق عانة الميّت ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬ل يؤخذ شيء من شعر الميّت ‪ ،‬وهذا ما يفهم من عبارات المالكيّة ‪ ،‬فقد‬ ‫‪6‬‬

‫أورد الزّرقانيّ أثرا بلفظ ‪ :‬يصنع بالميّت ما يصنع بالعروس غير أنّه ل يحلق ول ينوّر ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى تحريم حلق شعر عانته لما فيه من لمس عورته وربّما احتاج إلى‬
‫نظرها وهو محرّم فل يرتكب من أجل مندوب ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة على الجديد استحباب أخذ شعر عانة الميّت ‪ ،‬وعلى القول الثّاني يقولون‬
‫بكراهته ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ( ر ‪ :‬شعر ) ‪.‬‬
‫النظر إلى العانة للضرورة ‪:‬‬
‫– يجوز النظ ُر إلى العانةِ وإلى العورة عامةً لحاجةٍ ملجئةٍ ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪ :‬يباح للطبيب‬ ‫‪7‬‬

‫النظرُ إلى ما تدعو إليه الحاجة من بدنِها – بدن المراة – من العورة وغيرها فإنه موضعُ‬
‫حاجةٍ – ومثل ذلك النظر إلى عورة الرجل – لحديث عطيةَ القرظي قال ‪ » :‬كنتُ من سبي‬
‫بني قُريظة ‪،‬ومَن لم يُنبت لم يُقتل فكنتُ فيمن لم يُنبت ‪ ،‬وزاد في رواية ‪ :‬فكشفوا عانتي‬
‫فوجدوها لم تُنبت ‪ ،‬فجعلوني مِن السبي « ‪.‬‬
‫ن أ نه أُ تي بغل مٍ قد سرق فقال انظروا إلى مؤتزرِه فلم يجدوه أن بت الشع َر فلم‬
‫و عن عثما َ‬
‫يقطعه ‪.‬‬
‫وقال الشربيني الخطيبُ ‪ :‬وأما عند الحاجةِ فالنظ ُر واللمسُ مباحان لفصدٍ وحجامةٍ وعلجٍ‬
‫ج للحاجةِ الملجئة إلى ذلك ‪ ،‬لنّ في التحريم حينئذٍ حرَجا ‪ ،‬فللرجلِ مداواة المرأةِ‬
‫ولو في فر ٍ‬
‫وعكسه ‪ ،‬وليكنْ ذلك بحضر ِة مَحرمٍ أو زوجٍ أو امرأة ثقةٍ ‪.‬‬
‫وللتفصيل في شروطِ جَواز معالجةِ الطبيبِ امرأةً أجنبية ينظرُ ‪ ( :‬عورة ) ‪.‬‬
‫ق العانةِ لمن ل يُحسنه ضمنَ الضروراتِ التي تجيزُ النظ َر إلى‬
‫هذا وقد ذكر الحنابلةُ حل َ‬
‫العورةِ ‪.‬‬
‫دللة ظهور شعر العانة على البلوغ ‪:‬‬
‫ن النبات ‪ -‬وهو‬
‫‪ -‬يرى المالكيّة على المذهب والحنابلة واللّيث وإسحاق وأبو ثور أ ّ‬ ‫‪8‬‬

‫ظهور الشّعر الخشن للعانة ‪ -‬علمة البلوغ مطلقا ‪.‬‬


‫ولم يعتبر أبو حنيفة النبات علمة البلوغ مطلقا ‪.‬‬
‫وأمّا الشّافعيّ فقد اعتبر النبات أمارةً على البلوغ في حقّ الكافر ‪ ،‬واختلف قوله في‬
‫المسلم ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪10‬‬ ‫وللتّفصيل ( ر ‪ :‬بلوغ فقرة‬
‫الجناية على العانة ‪:‬‬
‫‪ -‬تجب حكومة العدل في قطع عانة المرأة وكذلك عانة الرّجل ‪ ،‬لنّه جناية ليس فيها‬ ‫‪9‬‬

‫أرش مقدّر من جهة الشّرع ول يمكن إهدارها فتجب فيها حكومة العدل ‪.‬‬
‫وللتّفصيل في شروط وجوب حكومة العدل وكيفيّة تقديرها ينظر مصطلح ‪ ( :‬حكومة عدل‬
‫ف ‪ 5‬وما بعدها ) ‪.‬‬

‫عَا َهةٌ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬العاهة لغةً ‪ :‬الفة ‪ ،‬يقال ‪ :‬عيه الزّرع على ما لم يسمّ فاعله ‪ -‬فهو معيوه ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫وعاه المال يعيه ‪ :‬أصابته العاهة ‪ -‬أي الفة ‪ -‬وأرض معيوهة ‪ :‬ذات عاهة ‪ ،‬وأعاهوا‬
‫وأعوهوا وعوّهوا ‪ :‬أصابت ماشيتهم أو زرعهم العاهة ‪.‬‬
‫ول يخرج معنى العاهة الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المرض ‪:‬‬
‫صحّة ‪ ،‬وقال الفيّوميّ ‪ :‬المرض‬
‫‪ -‬المرض في اللّغة كما قال ابن منظور ‪ :‬السّقم نقيض ال ّ‬ ‫‪2‬‬

‫حالة خارجة عن الطّبع ضارّة بالفعل ‪ ،‬واللم والورام أعراض عن المرض ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬ما يعرض للبدن فيخرجه عن حالة العتدال الخاصّ ‪.‬‬
‫والعلقة بين المرض والعاهة عموم وخصوص مطلق ‪ ،‬يجتمعان فيما نزل بالنسان من‬
‫اضطراب شأنه أنّه يزول ‪ ،‬سواء أكان ذلك في شخصه أم كان في المال ‪ ،‬يقول الجوهريّ ‪:‬‬
‫يقال ‪ :‬أمرض الرّجل إذا وقع في ماله عاهة ‪.‬‬
‫وتنفرد العاهة بما من شأنه أن يبقى ‪ ،‬كالقطع في حدّ مثلً ‪ ،‬فهي عاهة ليست بسبب‬
‫مرض ‪ ،‬ويترتّب عليها أحكامها في الشّريعة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العيب ‪:‬‬
‫‪ -‬العيب يستعمل بمعنى ‪ :‬الشّين ‪ ،‬وبمعنى الوصمة ‪ ،‬وبمعنى العاهة ‪ ،‬وقد استعمله‬ ‫‪3‬‬

‫الفقهاء في المعنى الخير كثيرا ‪ ،‬سواء أكان في النسان أم الحيوان أم الزّرع أم غيرها ‪.‬‬
‫فالعيب أعمّ من العاهة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الجائحة ‪:‬‬
‫‪ -‬الجائحة ‪ :‬كلّ شيء ل يستطاع دفعه لو علم به كسماويّ كالبرد والحرّ والجراد‬ ‫‪4‬‬

‫والمطر والعلقة بين العاهة والجائحة علقة المسبّب بالسّبب ‪ ،‬فالجائحة سبب لبعض أنواع‬
‫العاهات وليست هي العاهة ذاتها ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالعاهة ‪:‬‬
‫العاهة وأثرها في أحكام الطّهارة ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬استعانة من به عاهة بمن يصبّ عليه كالقطع والشلّ ‪:‬‬
‫ن من به عاهة تمنعه من استعمال الماء بنفسه ‪ ،‬كالقطع والشلّ ‪،‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫ووجد من يستعين به للوضوء أو الغسل متبرّعا يجب عليه الستعانة ‪.‬‬


‫كما ذهبوا إلى أنّه إذا وجد من يستعين به بأجرة مثل ‪ ،‬وهو قادر عليها ‪ ،‬لزمه الستعانة ‪،‬‬
‫إلّ ما قاله ابن عقيل من الحنابلة ‪ :‬أنّه ل يلزمه كما لو عجز عن القيام في الصّلة لم يلزمه‬
‫استئجار من يقيمه ويعتمد عليه ‪.‬‬
‫واختلفوا في مسائل استعانة ذي العاهة في الحضر والسّفر ‪:‬‬
‫ن حكم الستعانة في السّفر‬
‫‪ -6‬ذهب جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫والحضر سواء ‪ ،‬لنّه عاجز عن الستعانة ‪ ،‬فهو عاجز عن استعمال الماء فيجوز له التّيمّم‬
‫ي ‪ :‬إنّه ظاهر مذهب الحنفيّة ‪.‬‬
‫لتحقّق عجزه عن الوضوء ‪ ،‬وقال السّرخس ّ‬
‫ويفرّق محمّد بن الحسن بينهما حيث قال ‪ :‬إن لم يجد من يعينه في الوضوء من الخدم‬
‫فليس له أن يتيمّم في الحضر إلّ أن يكون مقطوع اليد ‪.‬‬
‫ن الظّاهر أنّه في الحضر يجد من يستعين به من قريب أو من بعيد ‪ ،‬والعجز‬
‫ووجهه ‪ :‬أ ّ‬
‫بعارض على شرف الزّوال ‪ ،‬فإن لم يجد من يوضّئه جاز له التّيمّم ‪.‬‬
‫أمّا من لم يجد من يستعين به في الوضوء وتيمّم وصلّى ‪ ،‬ففي إعادة الصّلة قولن‬
‫للفقهاء‪ :‬أحدهما ‪ :‬أنّه ل يعيد وهو ما ذهب إليه الجمهور من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪،‬‬
‫وينقل العدويّ عن مالك أنّه يعيد إذا تمكّن من استعمال الماء في الوقت ‪.‬‬
‫ي في المّ ‪ ،‬وقاسه‬
‫ثانيهما ‪ :‬أنّه يعيد الصّلة وهو قول الشّافعيّة ‪ ،‬أو نصّ عليه الشّافع ّ‬
‫الشّيرازيّ على فاقد الطّهورين وعبارته ‪ :‬وإن لم يقدر القطع على الوضوء ووجد من‬
‫يوضّئه بأجرة المثل لزمه ‪ ،‬كما يلزمه شراء الماء بثمن المثل ‪ ،‬وإن لم يجد صلّى وأعاد ‪،‬‬
‫كما لو لم يجد ماءً ول ترابا ‪.‬‬
‫ومن لم يجد معينا يعينه على استعمال الماء أو التّراب فإنّه يعامل معاملة فاقد الطّهورين ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬غسل مكان القطع من القطع ‪:‬‬
‫ن المكلّف إذا‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ :‬الحنفيّة والشّافعيّة والمذهب عند المالكيّة إلى أ ّ‬ ‫‪7‬‬

‫كان على طهارة وقطع منه عضو أو شعر أو ظفر ل يلزمه غسل ما ظهر ‪ ،‬إلّ إذا أراد‬
‫ابتداء طهارة جديدة ‪ ،‬لنّ الفرض قد سقط بغسله أو مسحه فل يعود بزواله ‪ ،‬كما إذا مسح‬
‫وجهه في التّيمّم أو غسله في الوضوء ثمّ قطع أنفه ‪ ،‬وفي قول عند المالكيّة يعيد‬
‫الطّهارة ‪ ،‬واتّفقوا على أنّه إذا قطع محلّ الفرض بكماله أو أكثر منه لم يجب عليه شيء ‪.‬‬
‫وذهبوا إلى أنّه إذا بقي شيء من محلّ الفرض وجب غسله إذا كان ممّا يغسل ومسحه إذا‬
‫كان ممّا يمسح ‪.‬‬
‫ولكن هل يدخل عظم المرفق بتمامه في محلّ الفرض ؟ وهل يدخل عظم الكعبين كذلك ؟‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة في المشهور إلى أنّه إذا تيمّم وهو مقطوع اليدين‬ ‫‪8‬‬

‫من المرفقين فعليه مسح موضع القطع من المرفق خلفا لزفر ‪ ،‬وإن كان القطع من فوق‬
‫المرفق لم يكن عليه مسحه ‪ ،‬فإنّ ما فوق المرفق ليس بموضع للطّهارة ‪ ،‬وينصّ‬
‫ي على أنّ المرفقين والكعبين يدخلن في الغسل خلفا لزفر ‪ ،‬وحكى النّوويّ أنّه‬
‫المرغينان ّ‬
‫إن فكّ عظام المرفق فأصبح عظم الذّراع منفصلً عن عظم العضد ‪ ،‬وجب غسل رأس‬
‫العضد على المشهور في مذهب الشّافعيّة ‪ ،‬ومقابله يقول ‪ :‬ل ‪ ،‬وإنّما وجب غسله حالة‬
‫التّصال لضرورة غسل المرفق ومنهم من قطع بالوجوب ‪ ،‬وصحّحه في أصل الرّوضة ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة ‪ :‬فيفرّقون بين المرفقين والكعبين تبعا لنصّ مالك وابن القاسم في المدوّنة ‪:‬‬
‫قال مالك فيمن قطعت رجله إلى الكعبين ‪ :‬إذا توضّأ غسل ما بقي من الكعبين وغسل‬
‫موضع القطع أيضا ‪.‬‬
‫وقال سحنون لبن القاسم ‪ :‬أيبقى من الكعبين شيء ؟ قال نعم ‪ ،‬إنّما يقطع من تحت‬
‫الكعبين ‪.‬‬
‫ويسأل سحنون ابن القاسم فيقول ‪ :‬فإن هو قطعت يداه من المرفقين ‪ ،‬أيغسل ما بقي من‬
‫المرفقين ‪ ،‬ويغسل موضع القطع ؟ قال ‪ :‬ل يغسل موضع القطع ولم يبق من المرفقين‬
‫ن القطع قد أتى على‬
‫شيء ‪ ،‬فليس عليه أن يغسل شيئا من يديه إذا قطعتا من المرفق ل ّ‬
‫جميع الذّراعين ‪ ،‬ولنّ المرفقين في الذّراعين فلمّا ذهب المرفقان مع الذّراعين ‪ ،‬لم يكن‬
‫عليه أن يغسل موضع القطع ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬العضاء الزّائدة ‪:‬‬
‫‪ -‬العضاء الزّائدة يجب غسلها في رفع الحدث الكبر لجنابة أو حيض أو غيرهما ‪ ،‬وكذا‬ ‫‪9‬‬

‫في الغسل المسنون ‪ ،‬وهذا ممّا ل خلف فيه بين العلماء ‪.‬‬
‫أمّا غسلها أو مسحها في رفع الحدث الصغر ‪ :‬فقد ذهب الفقهاء إلى أنّ من خلق له‬
‫عضوان متماثلن كاليدين على منكب واحد ولم يمكن تمييز الزّائدة من الصليّة ‪ ،‬وجب‬
‫غسلهما جميعا للمر به في قوله تعالى ‪َ { :‬وأَيْدِ َيكُمْ إِلَى ا ْلمَرَافِق } ‪.‬‬
‫أمّا إذا أمكن تمييز الزّائدة من الصليّة ‪ ،‬وجب غسل الصليّة باتّفاق وكذا الزّائدة إذا نبتت‬
‫على محلّ الفرض ‪.‬‬
‫أمّا إذا نبتت في غير محلّ الفرض ولم تحاذ محلّ الفرض فالتّفاق واقع على عدم وجوب‬
‫غسلها في الوضوء ول مسحها في التّيمّم ‪.‬‬
‫أمّا إذا كانت الزّائدة نابت ًة في غير محلّ الفرض وحاذت كلّها أو بعضها محلّ الفرض ‪،‬‬
‫فجمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والقاضي أبو يعلى من الحنابلة يوجبون‬
‫غسل ما حاذى محلّ الفرض منها ‪ ،‬أو كلّها عند المالكيّة إذا كان لها مرفق ‪ ،‬أمّا الحنابلة‬
‫فلهم فيها قولن ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬مع الجمهور وهو قول أبي يعلى ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬قول ابن حامد وابن عقيل ‪ :‬إنّ‬
‫النّابتة في غير محلّ الفرض ل يجب غسلها ‪ ،‬قصيرةً أو طويل ًة ‪ ،‬لنّها أشبهت شعر الرّأس‬
‫ي ‪ ،‬حيث قال ‪ :‬فيما يجب غسله منهما ‪ :‬ويد في‬
‫إذا نزل عن حدّ الوجه ‪ ،‬ورجّحه الفتوح ّ‬
‫محلّ الفرض أو بغيره ولم تتميّز ‪.‬‬
‫الجلدة الّتي كشطت ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا كشطت الجلدة وانفصلت عن الجسم عومل ما ظهر من الجسم بعد كشطها معاملة‬ ‫‪10‬‬

‫الظّاهر مطلقا ‪.‬‬


‫أمّا إذا كشطت وبقيت متعلّقةً متّصلةً بالجسم ‪ ،‬ففي الغسل يجب غسلها ‪ ،‬وتعامل كسائر‬
‫البشرة ‪.‬‬
‫أمّا في الوضوء فإن تقلّع الجلد من الذّراع وتدلّى منها لزم المكلّف غسله مع غسل اليد ‪،‬‬
‫لنّه في محلّ الفرض فأشبه الصبع الزّائدة ‪.‬‬
‫وإن تقلّع من الذّراع وبلغ التّقلّع العضد ثمّ تدلّى منه ‪ ،‬لم يلزمه غسله ‪ ،‬لنّه صار من‬
‫العضد ‪.‬‬
‫وإن تقلّع من العضد ‪ ،‬وبلغ التّقلّع إلى الذّراع ثمّ تدلّى منه ‪ ،‬لزمه ‪ ،‬لنّه صار من الذّراع‬
‫فهو في محلّ الفرض ‪.‬‬
‫وإن تقلّع من أحدهما والتحم بالخر ‪ ،‬لزمه غسل ما حاذى محلّ الفرض لنّه بمنزلة الجلد‬
‫الّذي على الذّراع ‪ ،‬فإن كان ذلك متجافيا عن ذراعه لزمه غسل ما تحته مع غسله ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬الصابع الملتفّة ونحوها ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا كانت هذه الصابع الملتفّة يصل الماء إلى باطنها فجمهور الفقهاء من الحنفيّة‬ ‫‪11‬‬

‫ن تخليل الصابع في هذه الحالة يكون س ّن ًة سواء أصابع‬


‫والشّافعيّة والحنابلة يقولون ‪ :‬إ ّ‬
‫اليدين أو أصابع الرّجلين ‪.‬‬
‫وخالف المالكيّة فقالوا بوجوب تخليل أصابع اليدين قولً واحدا ‪ ،‬وبوجوب تخليل أصابع‬
‫الرّجلين على الرّاجح ‪ ،‬وإن كان المشهور أنّ تخليل أصابع الرّجلين سنّة ‪.‬‬
‫أمّا إذا كانت الصابع الملتفّة ل يصل الماء إلى باطنها إلّ بالتّخليل وجب التّخليل عند‬
‫الجميع‪ .‬فإن كانت هذه الصابع ملتصقةً وملتحمةً فل يجوز فتقها لتخلّل ‪ ،‬بل يحرم ذلك ‪،‬‬
‫لنّه مضرّة ‪ ،‬وقد صارت كالصبع الواحدة ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬سلس البول ونحوه ‪:‬‬
‫‪ -‬من عاهته سلس بول ونحوه كاستحاضة وسلس مذي وخروج ريح دائم وناصور‬ ‫‪12‬‬

‫وباسور وغيرها من الجروح الدّائمة الفوران ‪ :‬فقد اختلف الفقهاء في حكم هذه المسائل ‪،‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪30‬‬ ‫وينظر تفصيله في مصطلح ( سلس ف ‪ ، 5‬واستحاضة ف‬
‫سادسا ‪ :‬الخارج من فتحة قامت مقام السّبيلين ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا كانت العاهة تتمثّل في فتحة غير السّبيلين ‪ ،‬يخرج منها ما يخرج من السّبيلين من‬ ‫‪13‬‬

‫بول أو غائط أو دم أو دود أو غير ذلك ممّا هو معتاد أو غير معتاد فقد اختلف الفقهاء فيه‬
‫‪:‬‬
‫فالمالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬قصروا التّعميم بالقول بنقض الوضوء على صورة واحدة متّفق عليها‬
‫بينهم وهي ما إذا انسدّ المخرج الصليّ وكانت الفتحة تحت السّرّة ‪ ،‬لنّه ل بدّ للنسان من‬
‫مخرج تخرج منه هذه الفضلت ‪ ،‬فأقيم المنفتح تحت السّرّة مكان المخرج وهو القبل‬
‫والدّبر‪ ،‬فأخذ الخارج من هذا المخرج حكم الخارج منهما فنقض الوضوء قولً واحدا ‪.‬‬
‫أمّا ما عدا هذه الصّورة فلهم فيها خلف ينظر في مصطلح ‪ ( :‬نواقض الوضوء ) ‪.‬‬
‫والحنفيّة عمّموا القول بنقض الوضوء من كلّ خارج نجس ‪ ،‬سواء خرج من السّبيلين أم‬
‫من غيرهما بشروطه ‪ ،‬وسواء كان منفذا منفتحا كالنف والفم أم لم يكن ‪ ،‬كالفتحة تحت‬
‫السّرّة أم فوقها ‪ ،‬حيث قاسوا ما خرج من غير السّبيلين على الخارج منهما ‪.‬‬
‫والحنابلة يوافقون الحنفيّة في نقض الوضوء بما خرج من بول أو غائط من أيّ مكان في‬
‫الجسم ‪ ،‬سواء كانت الفتحة تحت السّرّة أو فوقها ‪ ،‬لنّ الخارج بول وغائط بصرف النّظر‬
‫عن المحلّ ‪ ،‬ولكنّهم فارقوهم في غير البول والغائط ‪ ،‬كالرّيح والدّم وغيرهما إذا خرج من‬
‫غير السّبيلين ‪ .‬فقالوا ‪ :‬إن كان الخارج من غير السّبيلين طاهرا فل ينقض الوضوء‬
‫بحال ‪ ،‬وإن كان نجسا ينقض الوضوء في الجملة روايةً واحد ًة إن كان كثيرا دون اليسير ‪.‬‬
‫سابعا ‪ :‬البول قائما لمن به عاهة ‪:‬‬
‫ن من به عاهة تمنعه من القعود له أن يبول قائما ‪ ،‬كمن‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪14‬‬

‫به عاهة في رجله ل يستطيع الجلوس أو به باسور فإذا جلس مرّات كثير ًة ضايقه ذلك‬
‫ونزف منه باسوره أو غير ذلك من العاهات والعلل ‪.‬‬
‫وقد فعل ذلك رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فبال قائما فيما رواه حذيفة رضي ال عنه ‪:‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم انتهى إلى سباطة قوم فبال قائما « ‪.‬‬
‫» أنّ النّب ّ‬
‫وما ورد عن جابر رضي ال عنه أنّه قال ‪ » :‬نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أن‬
‫يبول الرّجل قائما « ‪.‬‬
‫وقد جمع العلماء المحدّثون والفقهاء بين الحديثين بأوجه كثيرة ‪ ،‬منها ‪ :‬أنّه صلى ال عليه‬
‫وسلم فعل ذلك لجرح كان في مأبضه كما رواه ابن الثير ‪ ،‬فقد روى أبو هريرة رضي ال‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بال قائما من جرح كان بمأبضه « والمأبض‬
‫عنه ‪ » :‬أ ّ‬
‫ما تحت الرّكبة ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬إنّما بال صلى ال عليه وسلم قائما لوجع في صلبه ‪ ،‬روي ذلك عن الشّافعيّ ‪ ،‬أمّا‬
‫غير صاحب العاهة فالبول قائما مكروه له تنزيها ‪.‬‬
‫ثامنا ‪ :‬من به عاهة تمنعه من استعمال الماء ‪:‬‬
‫ن من به مرض يمنعه من استعمال الماء فإنّه يتيمّم لقوله سبحانه‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪15‬‬

‫غسِلُواْ ُوجُو َه ُكمْ َوأَيْدِيَ ُكمْ إِلَى ا ْلمَرَا ِفقِ‬


‫ن آمَنُواْ إِذَا ُقمْ ُت ْم إِلَى الصّلةِ فا ْ‬
‫وتعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫علَى‬
‫طهّرُواْ َوإِن كُنتُم مّرْضَى َأوْ َ‬
‫سكُمْ َوأَ ْرجُ َل ُكمْ إِلَى ا ْل َكعْبَينِ َوإِن كُن ُتمْ جُنُبا فَا ّ‬
‫سحُواْ بِ ُرؤُو ِ‬
‫وَامْ َ‬
‫صعِيدا طَيّبا } ‪.‬‬
‫سفَرٍ َأوْ جَاء َأحَدٌ مّنكُم مّنَ ا ْلغَا ِئطِ َأوْ َل َمسْ ُتمُ ال ّنسَاء َفَلمْ َتجِدُو ْا مَاء فَتَ َي ّممُواْ َ‬
‫َ‬
‫قال الشّافعيّ ‪ :‬فد ّل حكم اللّه ع ّز وجلّ على أنّه أباح التّيمّم في حالتين ‪ ،‬أحدهما ‪ :‬السّفر‬
‫والعواز من الماء ‪ ،‬والخر ‪ :‬للمريض في حضر كان أو سفر ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪22‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪21‬‬ ‫وقد اختلفوا بعد ذلك في المرض المبيح وغيره من الفروع ( ر ‪ :‬تيمّم ف‬
‫العاهة وأثرها في أحكام الصّلة ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬أذان العمى ‪:‬‬
‫ن أذان العمى جائز إذا علم دخول الوقت ‪ ،‬وذلك على التّفصيل‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء ‪ :‬إلى أ ّ‬ ‫‪16‬‬

‫التي ‪:‬‬
‫ن أذان البصير أفضل من أذان العمى ‪ ،‬فيكره كراهة تنزيه أذان العمى ‪،‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫إلّ إذا كان معه بصير يعلمه أوقات الصّلة فل كراهة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يجوز أذان العمى إن كان تابعا لغيره في أذانه أو قلّد ثقةً في دخول‬
‫الوقت‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬يكره أن يكون المؤذّن أعمى ‪ ،‬لنّه ربّما غلط في الوقت ‪ ،‬فإن كان‬
‫معه بصير لم يكره لنّ ابن أمّ مكتوم وهو أعمى كان يؤذّن مع بلل ‪.‬‬
‫ن العمى ل يعرف الوقت فربّما غلط ‪،‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يستحبّ أن يكون المؤذّن بصيرا ‪ ،‬ل ّ‬
‫فإن أذّن العمى صحّ أذانه ‪ ،‬قال في المبدع ‪ :‬كره ابن مسعود وابن الزّبير رضي ال‬
‫عنهما أذان العمى ‪ ،‬وكره ابن عبّاس إقامته ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬استقبال العمى للقبلة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ :‬الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ العمى عليه أن يسأل‬ ‫‪17‬‬

‫ن معظم الدلّة تتعلّق بالمشاهدة ‪ ،‬قال الحنفيّة ‪ :‬فإن لم يجد من يسأله عنها‬
‫عن القبلة ‪ ،‬ل ّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪36‬‬ ‫تحرّى ‪ ،‬وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬استقبال ف‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل يجوز للعمى المجتهد أن يقلّد غيره بل يسأل عن الدلّة ليهتدي بها إلى‬
‫القبلة ‪.‬‬
‫أمّا غير المجتهد ‪ ،‬وهو الجاهل بالدلّة أو يكفيه الستدلل بها ‪ ،‬فيجب عليه أن يقلّد مكلّفا‬
‫عدلً عارفا بطريق الجتهاد أو محرابا ‪ ،‬فإن لم يجد من يرشده إلى القبلة فإنّه يتخيّر جهةً‬
‫من الجهات الربع ويصلّي إليها مرّ ًة واحدةً ‪.‬‬
‫‪ -‬أمّا من به عاهة أخرى كالمشلول ومن ل يستطيع مفارقة سريره لعاهة في عينيه ‪،‬‬ ‫‪18‬‬

‫أو لجرح في جسده لو حرّك لنزف ‪ ،‬فإنّ هؤلء ونحوهم إذا وجدوا من يوجّههم إلى القبلة‬
‫دون ضرر يلحق بهم وجب عليهم التّوجّه إلى القبلة ‪ ،‬فلو صلّوا إلى غير القبلة في هذه‬
‫الحالة بطلت صلتهم وهذا باتّفاق الفقهاء ‪.‬‬
‫أمّا من لم يجد من يوجّهه إلى القبلة ‪ ،‬أو وجد ولكن ل يمكن تحويله إلى القبلة لعاهة تمنع‬
‫من ذلك ‪ ،‬يخشى عليه من الضّرر إن تحرّك سريره ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء فيه على ثلثة‬
‫أقوال ‪:‬‬
‫أوّل ها ‪ :‬أنّه ي صلّي على حاله ويع يد ‪ ،‬و هو قول الشّافعيّة ‪ ،‬ومحمّد بن مقا تل الرّاز يّ من