You are on page 1of 246

‫الموسوعة الفقهية ‪ /‬الجزء الحادي والثلثين‬

‫عُموم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬العموم ‪ :‬مصدر من ع ّم يعمّ عموما فهو عامّ‪ ،‬ومن معانيه في اللّغة ‪ :‬الشّمول‬ ‫‪1‬‬

‫والتّناول‪ ،‬يقال ‪ :‬ع ّم المطر البلد ‪ :‬شملها ‪ ،‬ومنه قول العرب ‪ :‬عمّهم بالعطيّة أي شملهم ‪،‬‬
‫ويقال ‪ :‬خصب عام إذا شمل البلدان والعيان ‪.‬‬
‫وفي الصطلح عرّفه بعض الصوليّين بأنّه ‪ :‬إحاطة الفراد دفعةً ‪.‬‬
‫وقال المازريّ ‪ :‬العموم عند أئمّة الصول هو القول المشتمل على شيئين فصاعدا ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العامّ ‪:‬‬
‫‪ -‬العامّ ‪ :‬هو اللّفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بوضع واحد من غير حصر ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وعرّف بعض الصوليّين العامّ بأنّه ‪ :‬لفظ يتناول أفرادا متّفقة الحدود على سبيل الشّمول ‪.‬‬
‫والفرق بين العموم والعامّ ‪ :‬أنّ العامّ هو اللّفظ المتناول ‪ ،‬والعموم تناول اللّفظ لما صلح له‬
‫‪.‬‬
‫ق من هذا المصدر ‪ ،‬وهما متغايران " لنّ المصدر‬
‫فالعموم مصدر ‪ ،‬والعامّ اسم فاعل مشت ّ‬
‫الفعل ‪ ،‬والفعل غير الفاعل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الخصوص ‪:‬‬
‫‪ -‬الخصوص ‪ :‬كون اللّفظ متناولً لبعض ما يصلح له ل لجميعه ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫وعلى ذلك فالخصوص ض ّد العموم ‪.‬‬


‫ج ‪ -‬المشترك ‪:‬‬
‫‪ -‬المشترك ‪ :‬مأخوذ من الشتراك ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫وعرّفه الصوليّون بأنّه ‪ :‬كلّ لفظ يتناول أفرادا مختلفة الحدود على سبيل البدل ‪ ،‬مثل كلمة‬
‫قرء فإنّه مشترك يصدق على الحيض والطّهر على سبيل البدل ‪ ،‬وكذلك كلمة العين فإنّها‬
‫اسم للنّاظر وعين الشّمس وعين الرّكبة وعين الماء ‪ ،‬وللنّقد من المال ‪ ،‬تطلق على كلّ‬
‫واحد منها على سبيل البدل ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ن العا ّم يوجب الحكم فيما يتناوله ‪ ،‬فإذا ورد في النّصّ‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الصوليّين إلى أ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫لفظ عامّ ثبت الحكم لما يتناوله ‪ ،‬ما لم يقم دليل على خلفه ‪.‬‬
‫واختلف الصوليّون فيما وراء ذلك من أحكام العموم ‪ ،‬والتّفصيل في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫عُموم البَلْوى *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني العموم في اللّغة ‪ :‬الشّمول والتّناول ‪ ،‬يقال ‪ :‬عمّ المطر البلد ‪ ،‬شملها ‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫فهو عامّ ‪.‬‬


‫والبلوى في اللّغة ‪ :‬اسم بمعنى الختبار والمتحان‪ ،‬يقال ‪ :‬بلوت الرّجل بلوا وبل ًء وابتليته‬
‫‪ :‬اختبرته ‪ ،‬ويقال ‪ :‬بلى فلن وابتلى إذا امتحن ‪.‬‬
‫ن المراد بعموم البلوى ‪ :‬الحالة أو الحادثة‬
‫أمّا في الصطلح فيفهم من عبارات الفقهاء أ ّ‬
‫الّتي تشمل كثيرا من النّاس ويتعذّر الحتراز عنها ‪ ،‬وعبّر عنه بعض الفقهاء بالضّرورة‬
‫العامّة وبعضهم بالضّرورة الماسّة ‪ ،‬أو حاجة النّاس ‪.‬‬
‫وفسّره الصوليّون بما تمسّ الحاجة إليه في عموم الحوال ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بعموم البلوى ‪:‬‬
‫بنى الفقهاء والصوليّون على عموم البلوى أحكاما فقه ّيةً وأصول ّيةً في مختلف البواب‬
‫والمسائل منها ما يلي ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الحكام الفقهيّة ‪:‬‬
‫ي أنّ المشقّة تجلب التّيسير ‪ ،‬وإذا ضاق المر‬
‫‪ -‬من القواعد العامّة في الفقه السلم ّ‬ ‫‪2‬‬

‫سرَ َولَ ُيرِيدُ ِب ُكمُ ا ْل ُعسْرَ } وقال صلى ال عليه‬


‫اتّسع ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ُ { :‬يرِيدُ الّل ُه ِبكُمُ الْ ُي ْ‬
‫وسلم « بعثت بالحنيفيّة السّمحة » ‪.‬‬
‫ويتخرّج على هذه القاعدة جميع رخص الشّرع وتخفيفاته ‪.‬‬
‫وقد ذكر الفقهاء أسباب التّخفيف من المرض والسّفر والكراه والنّسيان والجهل والعسر‬
‫وعموم البلوى ونحوها ‪ ،‬وبيّنوا أثرها في مختلف الحكام والمسائل الفقهيّة ‪.‬‬
‫ومن الرّخص الّتي شرعت بسبب العسر وعموم البلوى ما ذكره السّيوطيّ وابن نجيم من‬
‫جواز الصّلة مع النّجاسة المعفوّ عنها ‪ ،‬كدم القروح والدّمامل والبراغيث ‪ ،‬وطين الشّارع‬
‫وذرق الطّيور إذا ع ّم في المساجد والمطاف ‪ ،‬وما ل نفس له سائلة ‪ ،‬وأثر نجاسة عسر‬
‫زواله ‪ ،‬والعفو عن غبار السّرقين وقليل الدّخان النّجس وأمثالها ‪ ،‬وهي كثيرة مفصّلة في‬
‫كتب الفقه ‪.‬‬
‫ومن هذا القبيل ما ذكره الحنفيّة من العفو عن بول الشّخص أو بول غيره الّذي انتضح‬
‫على ثيابه كرءوس إبر ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬والعلّة الضّرورة قياسا على ما عمّت به البلوى‬
‫ممّا على أرجل الذّباب ‪ ،‬فإنّه يقع على النّجاسة ث ّم يقع على الثّياب ‪ ،‬ومثله الدّم على ثياب‬
‫القصّاب ‪ ،‬فإنّ في التّحرّز عنه حرجا ظاهرا ‪.‬‬
‫‪ -‬ومن الحكام المبنيّة على عموم البلوى طهارة الخفّ والنّعل بالدّلك على الرض‬ ‫‪3‬‬

‫ونحوها من الشياء الطّاهرة ‪ ،‬كما ذكره بعض الفقهاء ‪ ،‬قال التّمرتاشيّ ‪ :‬ويطهر خفّ‬
‫ونحوه‪ ،‬كنعل تنجّس بذي جرم بدلك ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬وإن كان رطبا على قول أبي‬
‫يوسف ‪ .‬وهو الصحّ المختار ‪ ،‬وعليه الفتوى لعموم البلوى ‪ .‬ولعموم حديث أبي داود ‪« :‬‬
‫إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر ‪ ،‬فإن رأى في نعليه قذرا أو أذىً فليمسحه ‪ ،‬وليصلّ‬
‫فيهما » ‪.‬‬
‫ي من الحكام المبنيّة على عموم البلوى في غير العبادات ‪ :‬جواز أكل‬
‫‪ -‬وذكر السّيوط ّ‬ ‫‪4‬‬

‫ي من مال اليتيم بقدر أجرة عمله‬


‫الميتة ومال الغير مع ضمان الضّرر إذا اضطرّ ‪ ،‬وأكل الول ّ‬
‫إذا احتاج ‪ ،‬ومشروعيّة الرّدّ بالخيارات في البيع ‪.‬‬
‫وكذلك مشروعيّة العقود الجائزة ( غير اللّازمة ) لنّ لزومها يشقّ ‪ ،‬كما ذكر منها إباحة‬
‫النّظر للخطبة والتّعليم والشهاد والمعاملة والمعالجة ونحوها ‪.‬‬
‫‪24/‬‬ ‫وما بعدها ‪ ،‬وحاجة ف‬ ‫‪48/‬‬ ‫ولتفصيل هذه الحكام وأمثالها ينظر مصطلح ‪ ( :‬تيسير ف‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬
‫‪ -5‬ومن هذا القبيل ما ذكره الفقهاء من جواز عقد الستصناع ‪ -‬وهو عقد مقاولة مع أهل‬
‫الصّنعة على أن يعمل شيئا ‪ -‬مع أنّه يخالف القواعد لنّه عقد على المعدوم ‪ ،‬إلّ أنّه أجيز‬
‫للحاجة الماسّة إليه وفي منعه مشقّة وإحراج ‪.‬‬
‫ومن المسائل الّتي بناها الحنفيّة على عموم البلوى جواز إجارة القناة والنّهر مع الماء ‪،‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬جاز إجارة القناة والنّهر أي مجرى الماء مع الماء تبعا ‪ ،‬به يفتى لعموم‬
‫البلوى ‪ .‬لكنّ المشقّة والحرج إنّما يعتبران في موضع ل نصّ فيه ‪ ،‬وكذلك البلوى كما‬
‫صرّح به الحنفيّة ‪ ،‬قال ابن نجيم ‪ :‬ل اعتبار عند أبي حنيفة بالبلوى في موضع النّصّ ‪،‬‬
‫كما في بول الدميّ ‪ ،‬فإنّ البلوى فيه أعمّ ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬المسائل الصوليّة ‪:‬‬
‫ذكر الصوليّون أثر عموم البلوى في مسائل منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬خبر الواحد فيما تعمّ فيه البلوى ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الصوليّون في خبر الواحد فيما تعمّ فيه البلوى ‪ ،‬هل يوجب العمل أم ل ؟‬ ‫‪6‬‬

‫فذهب عامّة الصوليّين إلى أنّه يقبل خبر الواحد إذا صحّ سنده ‪ ،‬ولو كان مخالفا لما تعمّ به‬
‫البلوى ‪ ،‬وهذا ما ذهب إليه الكثر من الشّافعيّة والمالكيّة ‪ ،‬واستدلّوا بعمل الصّحابة رضي‬
‫ال عنهم ‪ ،‬فإنّهم عملوا به فيما تعمّ به البلوى ‪ ،‬مثل رجوعهم إلى خبر عائشة رضي ال‬
‫ن خبر الواحد العدل في هذا الباب ظنّيّ‬
‫عنها في وجوب الغسل بالتقاء الختانين وبأ ّ‬
‫الصّدق ‪ ،‬فيجب قبوله ‪ ،‬كما إذا لم تعمّ به البلوى ‪ ،‬أل ترى أنّ القياس يقبل فيه مع أنّه‬
‫أضعف من الخبر ‪ .‬فإذا قبل فيما تعمّ به البلوى ‪ ،‬ما هو دون الخبر ‪ -‬أي القياس ‪ -‬فلن‬
‫يقبل فيه الخبر أولى ‪.‬‬
‫ن خبر الواحد فيما يتكرّر وقوعه وتعمّ به البلوى ‪ ،‬كخبر ابن مسعود رضي‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫س الذّكر أنّه ينقض الوضوء ‪ ،‬ل يثبت الوجوب دون اشتهار أو تلقّي المّة‬
‫ال عنه في م ّ‬
‫ن ما تعمّ به البلوى يكثر السّؤال عنه من حيث احتياج النّاس إليه ‪ ،‬فتقضي‬
‫بالقبول ‪ .‬ل ّ‬
‫العادة بنقله متواترا ‪ ،‬لتوفّر الدّواعي على نقله ‪ ،‬فل يعمل بالحاد فيه ‪ ،‬قال في كشف‬
‫ن العادة تقتضي استفاضة نقل ما تعمّ به البلوى ‪ ،‬وذلك لنّ ما تعمّ به البلوى ‪،‬‬
‫السرار ‪ :‬إ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ولم يقتصر‬
‫كمسّ الذّكر لو كان ممّا تنتقض به الطّهارة لشاعه النّب ّ‬
‫على مخاطبة الحاد ‪ ،‬بل يلقيه إلى عدد يحصل به التّواتر أو الشّهرة مبالغةً في إشاعته ؛‬
‫ل يفضي إلى بطلن صلة كثير من المّة من غير شعور به ‪ ،‬ولهذا تواتر نقل القرآن‬
‫لئ ّ‬
‫واشتهرت أخبار البيع والنّكاح والطّلق وغيرها ‪ ،‬ولمّا لم يشتهر علمنا أنّه سهو أو منسوخ‬
‫‪ ،‬ومن أحاديث الحاد الّتي لم يأخذ بها الحنفيّة لمخالفة عموم البلوى حديث الجهر بالتّسمية‬
‫في الصّلة الجهريّة فإنّه قد ثبت عمل الخلفاء الرّاشدين خلف ذلك مدّة عمرهم ‪ ،‬والصّحابة‬
‫كلّهم كانوا يصلّون خلفهم ‪ ،‬ومن البيّن أنّ شأنهم أجلّ من أن يتركوا السّنّة مدّة عمرهم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬قول الصّحابة فيما تعمّ به البلوى ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الصوليّين من الحنفيّة ‪ ،‬وهو قول مالك والشّافعيّ في القديم ورواية عن‬ ‫‪7‬‬

‫أحمد إلى أنّ قول الصّحابيّ فيما يمكن فيه الرّأي ملحق بالسّنّة لغير الصّحابيّ ‪ ،‬فيجب عليه‬
‫ق صحابيّ آخر ‪.‬‬
‫تقليده وترك رأيه ‪ ،‬ل في ح ّ‬
‫ي وقول مجتهد‬
‫ن قول الصّحاب ّ‬
‫ي وجماعة ‪ :‬إ ّ‬
‫وقال الشّافعيّ في الجديد وأبو الحسن الكرخ ّ‬
‫آخر سواء فل يلحق بالسّنّة ‪.‬‬
‫وهذا الخلف فيما لم تع ّم بلواه ‪ ،‬وأمّا فيما عمّت البلوى به وورد قول الصّحابيّ مخالفا‬
‫لعمل المبتلين فل يجب الخذ به بالتّفاق ‪.‬‬
‫وتفصيل الموضوع في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫عُموم المُقتضى *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني العموم ‪ :‬الشّمول والتّناول ‪ ،‬يقال ‪ :‬عمّ المطر البلد إذا شملها فهو عامّ ‪.‬‬ ‫‪1‬‬
‫والمقتضى ‪ :‬ما استدعاه صدق الكلم أو صحّته ‪ ،‬من غير أن يكون مذكورا في اللّفظ ‪ ،‬أي‬
‫‪ :‬المر غير المذكور ‪ ،‬اعتبر لجل صدق الكلم أو صحّته ‪ .‬ولوله لختلّ أحدهما ‪.‬‬
‫أو هو ‪ :‬أمر اقتضاه النّصّ لصحّة ما تناوله ‪ ،‬ويقال ‪ :‬المقتضى جعل غير المذكور مذكورا‬
‫تصحيحا للمذكور ‪ ،‬فل يعمل النّصّ إلّ بشرط تقدّمه على النّصّ ‪.‬‬
‫‪ -‬والمراد بعموم المقتضى عند الصوليّين هو ‪ :‬أنّه إن كان ثمّ تقديرات لتصحيح الكلم‬ ‫‪2‬‬

‫وصدقه ‪ ،‬فإنّه يضمر الكلّ ‪ ،‬فيكون متناولً لجميع ما يصحّ تقديره ‪.‬‬
‫قال البنانيّ ‪ :‬ل عموم للمقتضى على اسم المفعول ‪ ،‬أي اللّازم الّذي اقتضاه الكلم تصحيحا‬
‫ن الضّرورة ترفع بإثبات فرد ‪.‬‬
‫له إذا كان تحته أفراد ل يجب إثبات جميعها ‪ .‬ل ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫عموم المجاز ‪:‬‬
‫‪ -‬المقصود بعموم المجاز عند الصوليّين هو ‪ :‬إرادة معنىً مجازيّ شامل للحقيقيّ وغيره‬ ‫‪3‬‬

‫ومتناول له بما أنّه فرد منه ‪.‬‬


‫وعموم المجاز متعلّق بشمول اللّفظ ‪ ،‬أمّا عموم المقتضى فمتعلّق بالمعنى والحكم ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الصوليّون في كون المقتضى له عموم أو ل ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫فذهب الحنفيّة إلى أنّ المقتضى ل عموم له ؛ لنّ العموم والخصوص من عوارض اللفاظ ‪،‬‬
‫والمقتضى معنىً وليس لفظا ‪.‬‬
‫ن المقتضى عندهم‬
‫ن المقتضى يجري فيه العموم والخصوص ؛ ل ّ‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫كالمحذوف الّذي يقدّر ‪.‬‬
‫‪ -5‬وقد بنى الصوليّون على هذا الخلف أحكاما وفروعا ‪ ،‬منها قوله صلى ال عليه وسلم‬
‫« إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » لم يرد به عين الخطأ‬
‫ن عينهما غير مرفوع حقيقةً ‪ ،‬فلو أريد عينهما لصار كذبا ‪ ،‬وهو عليه‬
‫والنّسيان ؛ ل ّ‬
‫الصلة والسلم معصوم عنه فاقتضى ضرورة زيادة تقدير " حكم " ليصير مفيدا ‪ ،‬وصار‬
‫المرفوع حكمهما‪ ،‬فقال الشّافعيّة ‪ :‬يثبت رفع الحكم عامّا في الخرة ‪ ،‬وهو المؤاخذة‬
‫ل بعموم المقتضى كما لو نصّ عليه ‪،‬‬
‫صحّة شرعا ‪ ،‬عم ً‬
‫بالعقاب ‪ ،‬وفي الدّنيا من حيث ال ّ‬
‫ولهذا الصل قالوا‪ :‬ل يقع طلق المكره والمخطئ ‪ ،‬ول يفسد الصّوم بالكل مكرها أو‬
‫مخطئا أو ناسيا ‪.‬‬
‫ن المقتضى ل عموم له ‪ ،‬وحكم‬
‫وقال بعض الحنفيّة ‪ :‬إنّما يرتفع به حكم الخرة ل غير ؛ ل ّ‬
‫الخرة وهو الثم مراد بالجماع ‪ ،‬وبهذا القدر يصير مفيدا ‪ ،‬فتزول الضّرورة ‪ ،‬فل يتعدّى‬
‫إلى حكم آخر ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫عمْياء *‬
‫َ‬
‫انظر ‪ :‬عمى ‪.‬‬

‫عنَان *‬
‫َ‬
‫انظر ‪ :‬شركة ‪.‬‬

‫عنَب *‬
‫ِ‬
‫انظر ‪ :‬أشربة ‪ ،‬زكاة ‪.‬‬

‫عنَت *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني العنت في اللّغة ‪ :‬الخطأ والمشقّة والهلك ‪ ،‬والثم والزّنا ‪ ،‬يقال ‪ :‬أعنته إذا‬ ‫‪1‬‬

‫أوقعه في العنت أي المشقّة ‪ ،‬ويقال ‪ :‬فلن يتعنّت فلنا ويعنّته أي يشدّد عليه ويلزمه ما‬
‫يصعب عليه أداؤه يقول اللّه تعالى ‪ { :‬وَ َلوْ شَاء الّل ُه لعْنَ َتكُمْ } أي لو شاء لشدّد عليكم‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫وتعبّدكم بما يصعب عليكم أداؤه ‪ ،‬ومنه قوله تعالى في أوصاف النّب ّ‬
‫س ُكمْ عَزِيزٌ عَلَ ْيهِ مَا عَنِ ّتمْ } أي شديد عليه ما يشقّ عليكم ‪،‬‬
‫ن أَنفُ ِ‬
‫‪َ { :‬لقَ ْد جَاءكُمْ َرسُولٌ مّ ْ‬
‫ويعزّ عليه مشقّتكم ‪ ،‬فأصل العنت ‪ :‬الشّدّة والمشقّة ‪ ،‬ثمّ استعمل في الهلك والفساد والزّنا‬
‫‪.‬‬
‫خشِيَ‬
‫ن َ‬
‫ك ِلمَ ْ‬
‫ومن معانيه في الصطلح ‪ :‬الزّنا والفجور ‪ ،‬وبهذا فسّروا قوله تعالى ‪ { :‬ذَلِ َ‬
‫ا ْلعَنَتَ مِ ْنكُمْ } ‪ ،‬أي نكاح المة لمن خشي العنت ( الزّنا ) ولم يجد طولً لنكاح الحرّة ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على جواز نكاح المة المسلمة لمن لم يجد طولً ‪ ،‬أي قدر ًة على أن ينكح‬ ‫‪2‬‬

‫حرّةً ‪ ،‬وخاف العنت ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪ :‬وهذا قول عامّة العلماء ‪ ،‬ل نعلم بينهم اختلفا فيه ‪.‬‬
‫ت ا ْل ُم ْؤمِنَاتِ َفمِن‬
‫ط ْولً أَن يَن ِكحَ ا ْل ُمحْصَنَا ِ‬
‫والصل فيه قوله تعالى ‪َ { :‬ومَن ّل ْم َيسْ َتطِعْ مِن ُكمْ َ‬
‫خشِيَ ا ْلعَنَتَ مِ ْن ُكمْ }‬
‫ن َ‬
‫ك ِلمَ ْ‬
‫ت أَ ْيمَا ُنكُم مّن فَتَيَا ِت ُكمُ ا ْل ُم ْؤمِنَاتِ } إلى قوله سبحانه ‪ { :‬ذَلِ َ‬
‫مّا مَ َلكَ ْ‬
‫‪.‬‬
‫ومع ذلك فالصّبر عن نكاح المة خير وأفضل ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬وأَن تَصْبِرُو ْا خَيْرٌ ّل ُكمْ وَالّلهُ‬
‫غفُورٌ ّرحِيمٌ } ‪.‬‬
‫َ‬
‫وقال جمهور الفقهاء " الشّافعيّة والحنابلة وهو المشهور عند المالكيّة " ‪ :‬إنّ الصل تحريم‬
‫هذا النّوع من النّكاح ما لم يجتمع فيه شروط ‪ .‬وإنّ الجواز إذا اجتمعت الشّروط من باب‬
‫الرّخصة ‪.‬‬
‫ن الولد تبع لمّه‬
‫ق الولد ؛ ل ّ‬
‫ن هذا النّوع من الزّواج يؤدّي إلى ر ّ‬
‫والحكمة في التّحريم ‪ :‬أ ّ‬
‫في الحرّيّة وال ّرقّ ‪.‬‬
‫ويشترط لجواز نكاح الح ّر للمة ما ورد في الية الكريمة من عدم القدرة على نكاح حرّة ؛‬
‫لعدم وجود حرّة ‪ ،‬أو لعدم وجود ما يتزوّج به حرّةً من الصّداق ‪ -‬وقيل ‪ :‬الصّداق والنّفقة‬
‫معا ‪ -‬وخوف العنت ‪ ،‬أي ‪ :‬الوقوع في الزّنا إن لم يتزوّج ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬يجوز نكاح المة مطلقا ‪ ،‬سواء أكانت مسلمةً أم كتاب ّيةً ‪ ،‬ول يشترط في‬
‫ذلك عدم القدرة على نكاح الحرّة ول خوف العنت ‪ ،‬وذلك لعموم قوله تعالى ‪ { :‬فَانكِحُواْ مَا‬
‫حلّ َلكُم مّا وَرَاء ذَ ِل ُكمْ } فل يخرج منه شيء إلّ‬
‫ن ال ّنسَاء } وقوله سبحانه ‪َ { :‬وأُ ِ‬
‫طَابَ َلكُم مّ َ‬
‫ط ْولً } إلى قوله‬
‫ن قوله تعالى ‪َ { :‬ومَن ّل ْم َيسْ َتطِعْ مِن ُكمْ َ‬
‫بما يوجب التّخصيص ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫ي ا ْلعَنَتَ } ل يدلّ على المنع إلّ بمفهوم الشّرط والصّفة ‪ ،‬وهما‬
‫خشِ َ‬
‫سبحانه ‪َ { :‬ذلِكَ ِلمَنْ َ‬
‫ليسا بحجّة ‪ ،‬وعلى تقدير الحجّيّة فإنّه يمكن حمله على الكراهة ‪ ،‬ل على التّحريم ‪.‬‬
‫ونقل ابن رشد في المقدّمات عن مالك جواز نكاح المة ‪ ،‬وإن كان ل يخاف عنتا وهو واجد‬
‫للطّول ‪ ،‬قال ‪ :‬وهو المشهور عن ابن القاسم ‪.‬‬
‫وهذا كلّه فيما إذا لم تكن المة مملوكةً له أو لولده ‪ ،‬أمّا إذا كانت المة مملوكةً له فل‬
‫ن النّكاح ما شرع إلّ مثمرا ثمرات مشتركةً بين المتناكحين ‪،‬‬
‫يجوز له نكاحها ؛ ل ّ‬
‫والمملوكيّة تنافي المالكيّة ‪ ،‬كما قال المرغينانيّ ‪ ،‬ولنّ ملك الرّقبة يفيد ملك المنفعة وإباحة‬
‫البضع ‪ ،‬كما قال ابن قدامة ‪.‬‬

‫عنْفَقة *‬
‫َ‬
‫انظر ‪ :‬لحية ‪.‬‬

‫عنّة *‬
‫ُ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ن عن امرأته ‪:‬‬
‫‪ -‬العنّة في اللّغة ‪ :‬عجز يصيب الرّجل فل يقدر على الجماع ‪ ،‬يقال ‪ :‬ع ّ‬ ‫‪1‬‬

‫إذا حكم القاضي عليه بذلك ‪ ،‬أو منع عنها بالسّحر ‪.‬‬
‫ن العنّين اعترضه ما يحبسه عن النّساء ‪ ،‬وسمّي‬
‫والعنّة مأخوذة من معنى العتراض ‪ ،‬كأ ّ‬
‫ن ذكره لقبل المرأة عن يمينه وشماله فل يقصده ‪.‬‬
‫عنّينا لنّه يع ّ‬
‫وفي اصطلح الفقهاء ‪ :‬العنّة هي العجز عن الوطء في القبل لعدم انتشار اللة ‪ ،‬وسمّي‬
‫العنّين بذلك للين ذكره وانعطافه ‪ ،‬مأخوذ من عنان الدّابّة ‪.‬‬
‫ويشمل العنّين من كان له امرأتان فعنّ عن إحداهما دون الخرى ‪ ،‬بل لو كان له أربع‬
‫نسوة فوطئ ثلثا منهنّ ثمّ عنّ عن الرّابعة كان عنّينا بالنّسبة لها ‪ ،‬وقد توجد هذه الحالة‬
‫لنحباس الشّهوة عن امرأة معيّنة بسبب نفرة أو حياء ‪ ،‬ويقدر على غيرها لميل أو أنس ‪،‬‬
‫أمّا العجز خلقةً وجبّلةً فل يختلف باختلف النّسوة ‪ ،‬ويشمل من عجز عن البكر وقدر على‬
‫الثّيّب ‪ ،‬ويشمل من عجز عن القبل وقدر على الدّبر ‪ ،‬ويشمل الخصيّ مقطوع النثيين إذا‬
‫وجدت العنّة عنده ‪ .‬وهذا بناءً على أنّه ل خيار بالخصاء ‪ ،‬أو أنّها رضيت به ووجدته مع‬
‫الخصاء عنّينا ‪ ،‬ويشمل مقطوع الذّكر إذا بقي قدر رأس الذّكر فأكثر وعجز عن الجماع به‬
‫‪.‬‬
‫ى من معاني العنّين‬
‫والعنّين بهذا المعنى يسمّى عند المالكيّة ‪ :‬المعترض ‪ ،‬والمعترض معن ً‬
‫كما سبق ‪ ،‬أمّا لفظ العنّين فيطلق عندهم على من كان ذكره صغيرا جدّا كال ّزرّ ل يمكن‬
‫الجماع به ‪ ،‬ويختلف حكمه عن المعترض ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الجَبّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الجبّ في اللّغة ‪ :‬القطع ‪ ،‬ومنه المجبوب ‪ ،‬وهو الّذي استؤصل ذكره ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وفي الصطلح عند جمهور الفقهاء هو ‪ :‬قطع الذّكر كلّه أو بعضه بحيث لم يبق منه ما‬
‫يتأتّى به الوطء ‪.‬‬
‫ب يكون لقطع الذّكر ‪ ،‬والعجز عن‬
‫والفرق بين الجبّ والعنّة ‪ :‬أنّ عدم إتيان النّساء في الج ّ‬
‫إتيان الزّوجة في العنّة لعدم النتشار ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الخِصاء ‪:‬‬
‫‪ -‬الخصاء ‪ :‬فقد الخصيتين خلقةً أو بقطع ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫ن العنّة تكون بعدم انتشار اللة ‪ ،‬أمّا الخصاء فل يمنع من‬


‫والفرق بين العنّة والخصاء ‪ :‬أ ّ‬
‫انتشار اللة ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالعنّة ‪:‬‬
‫تتعلّق بالعنّة أحكام منها ‪:‬‬
‫ثبوت الخيار بالعنّة ‪:‬‬
‫‪ -‬العنّة عيب يجعل للزّوجة الخيار في طلب الفرقة عن زوجها بعد إمهال الزّوج سنةً عند‬ ‫‪4‬‬

‫جمهور الفقهاء ‪.‬‬


‫ن لها الفسخ في الحال ‪.‬‬
‫واختار جماعة من الحنابلة منهم أبو بكر والمجد أ ّ‬
‫واستدلّ الجمهور بما روي أنّ عمر رضي ال عنه أجّل العنّين سن ًة ولنّ مقصود الزّوجة‬
‫ل يثبت‬
‫أن تستعفّ بالزّواج وتحصل به صفة الحصان لنفسها ‪ ،‬وفوات المقصود بالعقد أص ً‬
‫للعاقد حقّ رفع العقد ‪ ،‬وقد أجمعوا على ثبوت الخيار في البيع بالعيوب لفوات ماليّة‬
‫يسيرة ‪ ،‬ففوات مقصود النّكاح أولى ‪ ،‬ولنّ العنّة كقطع الذّكر في الرّجل ‪ ،‬وانسداد الفرج‬
‫في المرأة ‪.‬‬
‫ثبوت العنّة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء فيما تثبت به العنّة ‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫فذهب الحنفيّة إلى أنّ العنّة تثبت بإقرار الزّوج بعدم الوصول إليها ‪ ،‬ولو اختلف الزّوج‬
‫والمرأة في الوصول إليها فإن كانت ثيّبا فالقول قوله مع يمينه ؛ لنّه ينكر استحقاق حقّ‬
‫الفرقة ‪ ،‬والصل السّلمة في الجبلّة ‪ ،‬فإن حلف بطل حقّها وإن نكل يؤجّل سنةً ‪ ،‬وإن كانت‬
‫بكرا نظر إليها النّساء ‪ ،‬فإن قلن ‪ :‬هي بكر أجّل سنةً لظهور كذبه ‪ ،‬وإن قلن ‪ :‬هي ثيّب‬
‫ق لها ‪ ،‬وإن نكل يؤجّل سنةً ‪.‬‬
‫يحلف الزّوج ‪ ،‬فإن حلف ل ح ّ‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ الزّوجة إذا ادّعت على زوجها ع ّنةً فإن أق ّر بها يؤجّل سن ًة وإن‬
‫أنكرها فالقول قوله بيمينه ‪ .‬وصدّق في نفيها سواء كانت الزّوجة بكرا أو ثيّبا على‬
‫ن النّساء ينظرن إلى البكر ‪ ،‬ويديّن في الثّيّب ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل‬
‫المشهور ‪ ،‬وروي عن مالك أ ّ‬
‫يديّن فيها ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬تثبت العنّة بإقرار الزّوج بها عند الحاكم كغيرها من الحقوق ‪ ،‬أو ببيّنة‬
‫تقام عند الحاكم على إقراره ‪ ،‬وكذا تثبت العنّة بيمينها المردودة بعد إنكاره العنّة ونكوله‬
‫عن اليمين في الصحّ ‪ ،‬وإنّما جاز لها الحلف لنّها تعرف ذلك بالقرائن والممارسة ‪،‬‬
‫ومقابل الصحّ أنّه ل يردّ اليمين عليها ويقضي بنكوله ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬تثبت العنّة بالقرار بها أو بالبيّنة على إقراره ‪ ،‬فإن لم يوجد إقرار ول بيّنة‬
‫عليه وادّعت الزّوجة عجز زوجها لعنّة فأنكر ‪ ،‬والمرأة عذار فالقول قولها ‪ ،‬وإن كانت ثيّبا‬
‫ن هذا أمر ل يعلم إلّ من جهته ‪ ،‬والصل‬
‫فالقول قوله مع يمينه في ظاهر المذهب ‪ ،‬ل ّ‬
‫السّلمة ‪.‬‬
‫وقال القاضي ‪ :‬هل يستحلف أو ل ؟ على وجهين ‪ .‬وإن أقرّ بالعجز أو ثبت ببيّنة على‬
‫إقراره أو أنكر وطلبت يمينه فنكل ثبت عجزه ‪.‬‬
‫ما يترتّب على ثبوت العنّة ‪:‬‬
‫ن المرأة إذا ادّعت أنّ زوجها عنّين ل يصل إليها وثبتت عنّته‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء أ ّ‬ ‫‪6‬‬

‫أجّل سنةً ‪ ،‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل يؤجّل سن ًة إلّ إذا طلبت الزّوجة ‪ ،‬فإن سكتت لم تضرب‬
‫المدّة‪ ،‬فإن كان سكوتها لدهشة أو غفلة أو جهل ‪ ،‬فل بأس بتنبيهها ‪.‬‬
‫واستدلّ الجمهور بقضاء عمر رضي ال عنه ‪ ،‬قال في النّهاية ‪ :‬أجمع المسلمون على‬
‫اتّباع عمر رضي ال عنه في قاعدة الباب ‪ ،‬وبأنّ التّأجيل لبلء العذر ‪ ،‬وتأجيل السّنة عذر‬
‫ن العجز قد يكون لعنّة وقد يكون لمرض ‪ ،‬فضربت السّنة ليتبيّن أنّه عنّة ل‬
‫كاف ‪ ،‬وبأ ّ‬
‫مرض ‪ ،‬فإذا مضت السّنة ولم يصل إليها علم أنّه لفة أصليّة ‪ ،‬فقد تكون علّة العجز هي‬
‫الرّطوبة فيستطيع في فصل الحرّ ‪ ،‬والعكس ‪ ،‬أي إن كان المرض من برودة أزاله حرّ‬
‫الصّيف ‪ ،‬أو من رطوبة أزاله يبس الخريف ‪ ،‬أو من حرارة أزاله برد الشّتاء ‪ ،‬أو من يبس‬
‫أزالته رطوبة الرّبيع ‪ ،‬على ما علم عادةً ‪ ،‬أو ربّما أثّر الدّواء في فصل دون فصل ‪،‬‬
‫ويعالج نفسه في هذه السّنة ‪.‬‬
‫ي أو استمرار العجز هي علّة ظنّيّة ‪ ،‬فيعمل بها حتّى في حالة‬
‫وعلّة تبيّن العجز الخلق ّ‬
‫التّخلّف أحيانا ‪ ،‬كحالة من أتى زوج ًة دون أخرى ‪.‬‬
‫الّذي يحكم بالتّأجيل ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط الشّافعيّة والحنابلة حكم الحاكم بالتّأجيل ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫وقال الحنفيّة ‪ :‬يحكم بالتّأجيل قاضي مصر أو مدينة يجوز قضاؤه ‪ ،‬فإن أجّلته المرأة ‪ ،‬أو‬
‫أجّله غير القاضي ل يعتبر ذلك التّأجيل ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة يجوز التّأجيل من المير الّذي يولّي القاضي ومن صاحب الشّرطة إذا لم‬
‫يوجد قاض ‪.‬‬
‫حكم التّأجيل لمن به عجز خلقيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنابلة إلى أنّ من علم أنّ عجزه عن الوطء لعارض من صغر أو مرض يرجو‬ ‫‪8‬‬

‫زواله لم تضرب له المدّة ؛ لنّ ذلك عارض يزول ‪ ،‬والعنّة خلقة وجبلّة ل تزول ‪ ،‬وإن كان‬
‫لكبر أو مرض ل يرجى زواله ضربت له المدّة ؛ لنّه في معنى من خلق كذلك ‪ ،‬وإن كان‬
‫لجبّ أو شلل ثبت الخيار في الحال ؛ لنّ الوطء ميئوس منه ول معنى لنتظاره ‪ ،‬وإن كان‬
‫قد بقي من الذّكر ما يمكن الوطء به فالولى ضرب المدّة له ‪ ،‬لنّه في معنى العنّين خلقةً ‪.‬‬
‫ن التّأجيل ليس إلّ ليعرف أنّه عنّين‬
‫وقال ابن الهمام ‪ :‬لو اعتبر علم فل يؤجّل سنةً ؛ ل ّ‬
‫ن التّأجيل ل ب ّد منه لنّه حكمه ‪ ،‬إذ‬
‫على ما قالوا ‪ .‬وإلّ فل فائدة فيه إن أجّل مع ذلك ‪ ،‬لك ّ‬
‫التّفريق سبب إبلء العذر وهو ل يكون إلّ بالسّنة ‪.‬‬
‫وقال الشبراملسي ‪ :‬إنّه يؤخذ من كلم بعض العلماء أنّه ل بدّ من ضرب السّنة ؛ لنّ‬
‫الشّرع ناط الحكم بها ‪.‬‬
‫المراد بالسّنة ‪:‬‬
‫‪ -‬تعارف الفقهاء على أنّه إذا أطلقت الشهر فإنّما يقصد بها الهلليّة ‪ ،‬قال ابن الهمام ‪:‬‬ ‫‪9‬‬

‫الصّحيح أنّ المراد بالسّنة السّنة القمريّة وإذا أطلق لفظ السّنة انصرف إلى ذلك ما لم‬
‫يصرّحوا بخلفه ‪ ،‬وقال صاحب النصاف ‪ :‬المراد اثنا عشر شهرا هلل ّي ًة ‪ ،‬قال الشّيخ تقيّ‬
‫الدّين ‪ :‬هو هذا ‪ ،‬ولكن تعليلهم بالفصول يوهم خلف ذلك ‪.‬‬
‫وقال السّرخسيّ ‪ :‬السّنة قد فسّرت بالشّمسيّة أخذا بالحتياط ‪ ،‬فربّما تزول العلّة في اليّام‬
‫الّتي يقع فيها التّفاوت بين القمريّة والشّمسيّة ‪ ،‬وقد روى هذا التّفسير ابن سماعة عن‬
‫محمّد في النّوادر وتعتبر باليّام ‪ ،‬وتزيد على القمريّة أحد عشر يوما ‪.‬‬
‫ونقل ابن رجب ‪ :‬أنّ المراد بالسّنة هنا هي الشّمسيّة الرّوميّة ‪ ،‬وأنّها هي الجامعة للفصول‬
‫الربعة الّتي تختلف الطّباع باختلفها ‪ ،‬بخلف الهلليّة ‪ ،‬قال صاحب النصاف ‪ :‬الخطب في‬
‫ذلك يسير والمدّة متقاربة ‪ ،‬فإنّ زيادة السّنة الشّمسيّة على السّنة الهلليّة أحد عشر يوما‬
‫وربع يوم أو خمس يوم ‪.‬‬
‫بدء أجل العنّين ‪:‬‬
‫‪ -‬يعتبر بدء السّنة من وقت ضرب القاضي الجل عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬وضرب السّنة‬ ‫‪10‬‬

‫ثبت باجتهاد عمر رضي ال عنه ‪ ،‬وقد ابتدأها هو من وقت ضربها ‪ ،‬وأجمعوا على ما‬
‫فعله‪ ،‬وعند المالكيّة إذا لم يترافعا وتراضيا على ذلك فمن يوم التّراضي بها ‪ ،‬فإن كان بدء‬
‫السّنة بدء شهر احتسبت السّنة بالشهر ‪ ،‬وإن لم يكن بدء شهر احتسب ما بعده بالشهر ‪،‬‬
‫وأكمل هو بعد ذلك إلى ثلثين يوما ‪.‬‬
‫نقص السّنة ‪:‬‬
‫‪ -‬قد توجد موانع من الجماع في السّنة غير مانع العنّة ‪ ،‬وتستغرق هذه الموانع أوقاتا‬ ‫‪11‬‬

‫في السّنة ‪ ،‬فهل يضاف إلى السّنة أوقات تقابلها أم ل ؟‬


‫فمن هذه الموانع الحيض والصّوم في رمضان ‪.‬‬
‫فعند الحنفيّة ل يعطى الزّوج بدلً عن أيّام الحيض والصّوم ‪ ،‬لنّ الصّحابة رضي ال عنهم‬
‫قدّروا الجل بسنة ‪ ،‬مع علمهم أنّ السّنة ل تخلو من هذه عاد ًة ‪.‬‬
‫ن السّنة قد تخلو عنه ‪ ،‬هذا‬
‫أمّا المرض الّذي يمنع الجماع عنده أو عندها فل يحتسب ؛ ل ّ‬
‫هو المذهب عند الحنفيّة ‪ ،‬قال البابرتيّ ‪ :‬وعليه فتوى المشايخ ‪ ،‬وعن أبي يوسف قال ‪:‬‬
‫إذا كان المرض أكثر من نصف الشّهر ل تحسب مدّة المرض على الزّوج ‪ ،‬سواء كان‬
‫المرض عنده أو عندها ‪ ،‬ويعطى بد ًل منها من العام الثّاني ‪ ،‬وإن كان المرض أقلّ من‬
‫نصف الشّهر يحسب على الزّوج قياسا على أيّام شهر رمضان ‪ ،‬فإنّه في النّهار يمتنع عليه‬
‫غشيانها ‪ ،‬ومع ذلك محسوب عليه رمضان ‪ ،‬فعرفنا أنّ نصف الشّهر وما دونه عفو ل‬
‫يعطى بد ًل منه ‪.‬‬
‫وفي رواية عن أبي يوسف يحتسب عليه المرض القلّ من السّنة وإن كان يوما ‪.‬‬
‫وقال محمّد ‪ :‬أقلّ من شهر ل يعطى بدله ‪ ،‬أمّا الشّهر فيعطى بدله ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إذا أحرمت الزّوجة بحجّة السلم ‪ ،‬يعطي الزّوج مدّ ًة بدلً من مدّة حجّها ؛‬
‫لنّه ل يستطيع أن يمنعها من تمام حجّها ‪ .‬ولذلك فإنّها إذا كانت محرمةً عند رفع أمرها‬
‫ل حتّى تفرغ زوجته من الحجّ ول يكون هناك مانع من‬
‫للحاكم ‪ ،‬فإنّه ل يضرب للزّوج أج ً‬
‫جماعه لها ‪ ،‬وإن حجّ الزّوج احتسبت عليه مدّة حجّه لنّ هذا من فعله ‪ ،‬ويمكنه أن‬
‫يخرجها معه أو يؤخّر الحجّ ‪.‬‬
‫وإذا رفعت الزّوجة خصومتها والزّوج مظاهر منها ‪ ،‬فإن كان الزّوج يقدر على العتق ضرب‬
‫له الجل ليبدأ في الحال ‪ ،‬وإن كان ل يقدر على العتق أمهل له بدء الجل شهرين ‪ ،‬لنّ‬
‫الزّوج ممنوع من جماع زوجته الّتي ظاهر منها حتّى يكفّر ‪ ،‬والعاجز عن العتق كفّارته‬
‫صوم شهرين ‪ ،‬أمّا إذا ظاهر الزّوج من زوجته أثناء الجل ‪ ،‬وكفّر بصوم شهرين ل يجامع‬
‫فيهما بمنع الشّرع ‪ ،‬فإنّه ل يعطى بد ًل منهما ‪ ،‬لنّه كان يستطيع ألّ يظاهر منها ‪.‬‬
‫ومثل الحجّ لكلّ منهما الغياب والهروب ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إذا مرض المعترض بعد الحكم بالجل جميع السّنة أو بعضها ‪ ،‬وسواء كان‬
‫يقدر في مرضه هذا على علج أو ل ‪ ،‬فل يزاد على السّنة ‪ ،‬بل يطلّق عليه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو اعتزلت زوجة العنّين زوجها أو مرضت أو حبست في المدّة جميعها لم‬
‫تحسب المدّة وتستأنف سنةً أخرى ‪ ،‬ولو سافرت حسبت على الصحّ ‪ ،‬بخلف ما لو وقع‬
‫ن المدّة تحسب عليه ‪ ،‬واعتمد الذرعيّ في حبسه ومرضه وسفره كرها عدم‬
‫له ذلك فإ ّ‬
‫حسبانه لعدم تقصيره ‪ ،‬وإذا عرض ما يمنع الحتساب في أثناء السّنة وزال فالقياس أن‬
‫يستأنف السّنة أو ينتظر مثل ذلك الفصل في السّنة الخرى ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬من أجّل سن ًة لعنّته فل يحتسب عليه منها ما اعتزلته المرأة له بالنّشوز أو‬
‫ن المانع منها ‪ ،‬ولو عزل الزّوج نفسه عنها أو سافر لحاجة أو غيرها حسب عليه‬
‫غيره ل ّ‬
‫ذلك من المدّة ‪.‬‬
‫الختلف في الوطء أثناء السّنة أو بعدها ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا أجّل الزّوج الّذي ثبتت عنّته ث ّم اختلف الزّوجان في الوطء ‪:‬‬ ‫‪12‬‬
‫فقال الحنفيّة ‪ :‬إذا أجّل ومضت السّنة فاختلفا إن كانت بكرا نظر النّساء إليها فإن قلن ‪ :‬بكر‬
‫خيّرت للحال بين القامة والفرقة ‪ ،‬وإن قلن ‪ :‬ثيّب حلف ‪ ،‬فإن نكل خيّرت وإن حلف استقرّ‬
‫النّكاح ‪ ،‬وإن كانت ثيّبا في الصل فاختلف قبل التّأجيل أو بعده فالقول له ‪ ،‬فإن حلف استقرّ‬
‫النّكاح ولو نكل أجّل وخيّرت بعده ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬لو أجّل المعترض وادّعى الوطء وأنكرته الزّوجة ‪ ،‬فإن كانت الدّعوى في‬
‫الجل ‪ ،‬أو بعد الجل ‪ :‬أنّه وطئ في الجل ‪ ،‬فالقول قوله بيمينه ‪ ،‬فإن نكل حلفت وكان‬
‫القول قولها ‪ ،‬فإن لم تحلف بقيت زوج ًة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا تمّت السّنة المضروبة للزّوج فإن قال ‪ :‬وطئت حلف بعد طلبها أنّه‬
‫ن الصل عدم الوطء لعسر بيّنته على‬
‫وطئ كما ذكر ‪ ،‬وإنّما صدّق بيمينه في ذلك مع أ ّ‬
‫الجماع ‪ ،‬والصل السّلمة ودوام النّكاح ‪ ،‬هذا في الثّيّب أمّا البكر إذا شهد أربع نسوة‬
‫ببكارتها فالقول قولها للظّاهر ‪ ،‬فإن نكل حلفت أنّه لم يطأها ‪ ،‬فإن حلفت على ذلك أو أقرّ‬
‫هو بذلك فقد ثبت حقّ الفسخ ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إذا أجّل العنّين سنةً وادّعى الوطء في المدّة فالقول قولها إن كانت بكرا‬
‫وشهدت ثقة ببقاء بكارتها عملً بالظّاهر ‪ ،‬وإن كانت ثيّبا وادّعى وطأها بعد ثبوت عنّته‬
‫ن الصل عدم الوطء ‪.‬‬
‫وأنكرته فالقول قولها ل ّ‬
‫التّفريق بالعنّة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال كثير من الحنفيّة ‪ :‬إن لم يجامع الزّوج في المدّة ‪ ،‬واختارت الزّوجة عدم استمرار‬ ‫‪13‬‬

‫الزّواج ‪ ،‬أمر القاضي الزّوج أن يطلّقها ‪ ،‬فإن أبى الزّوج ‪ ،‬فرّق القاضي بينهما بأن يقول ‪:‬‬
‫ن النّكاح عقد لزم ‪،‬‬
‫فرّقت بينكما ‪ ،‬ول يكفي في الفرقة اختيار الزّوجة عدم الستمرار ؛ ل ّ‬
‫وملك الزّوج فيه معصوم ‪ ،‬فل يزول إلّ بإزالته دفعا للضّرر عنه ‪ ،‬لكن لمّا وجب عليه‬
‫المساك بمعروف أو التّسريح بإحسان ‪ ،‬وقد عجز عن الوّل بالعنّة ‪ ،‬ول يمكن القاضي‬
‫النّيابة فيه ‪ ،‬فوجب عليه التّسريح بإحسان ‪ ،‬فإذا امتنع منه ناب القاضي منابه ‪ ،‬لنّه نصّب‬
‫لدفع الظّلم ‪ ،‬فل تبين بدون تفريق القاضي ‪ ،‬وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة ؛ ولنّ‬
‫الفسخ مختلف فيه فل يجوز إلّ بحكم حاكم ‪.‬‬
‫وعن أبي يوسف ومحمّد رواية أخرى أنّها إذا اختارت نفسها تقع الفرقة بينهما اعتبارا‬
‫بالمخيّرة بتخيير الزّوج أو بتخيير الشّرع ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة إذا ثبت اعتراض الزّوج بعد الجل فللزّوجة طلب الطّلق ‪ ،‬فيأمره الحاكم‬
‫بالطّلق ‪ ،‬فإن طلّقها فواضح ‪ ،‬وإن أبى أن يطلّقها فقيل ‪ :‬يطلّق عليه الحاكم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يأمر‬
‫الحاكم الزّوجة بإيقاع الطّلق ‪ ،‬فتقول للزّوج ‪ :‬طلّقت نفسي منك ‪ ،‬فيكون بائنا ‪ ،‬ثمّ يحكم‬
‫به الحاكم ليرفع خلف من ل يرى أمر القاضي لها حكما ‪ ،‬وللزّوجة الرّضا بالبقاء مع‬
‫زوجها على حالته هذه ‪ ،‬ولها أن ترجع عن ذلك الرّضا بعد ذلك وتطلب الطّلق ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا تمّت السّنة المضروبة للعنّين ورفع المر إلى القاضي فإن قال الزّوج ‪:‬‬
‫وطئت حلف ‪ ،‬فإن نكل حلفت ‪ ،‬فإن حلفت أو أقرّ استقلّت بالفسخ كما يستقلّ بالفسخ من‬
‫ق الفسخ‬
‫وجد بالبيع عيبا ‪ ،‬وإنّما تفسخ بعد قول القاضي لها ‪ :‬ثبتت العنّة أو ثبت ح ّ‬
‫فاختاري ‪ ،‬وهو الصحّ ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل تستقلّ بالفسخ ‪ ،‬ويحتاج إلى إذن القاضي لها بالفسخ‬
‫أو إلى فسخه؛ لنّه محلّ نظر واجتهاد ‪ ،‬فيتعاطاه بنفسه أو بإذن فيه ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إذا انقضى الجل المحدّد للعنّين ولم يطأ فيه فللزّوجة الخيار ‪ ،‬فإن اختارت‬
‫الفسخ لم يجز إ ّل بحكم الحاكم لنّه مختلف فيه ‪ ،‬فإمّا أن يفسخ وإمّا أن يردّه إليها فتفسخ‬
‫هي ‪ ،‬ول يفسخ حتّى تختار الفسخ وتطلبه ؛ لنّه لحقها ‪ ،‬فل تجبر على استيفائه ‪.‬‬
‫الفرقة بالعنّة فسخ أم طلق ‪:‬‬
‫‪ -‬الفرقة بالعنّة طلق عند الحنفيّة والمالكيّة ‪:‬‬ ‫‪14‬‬

‫ن الحقّ الّذي على الزّوج أحد شيئين ‪ :‬إمّا إمساك بمعروف أو تسريح‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫بإحسان‪ ،‬فإذا عجز عن أحدهما ‪ -‬وهو المساك بمعروف ‪ -‬تعيّن الخر وهو التّسريح‬
‫بإحسان ‪ ،‬فإذا امتنع الزّوج من هذا التّسريح ناب القاضي منابه فيه ‪ ،‬والتّسريح طلق ‪،‬‬
‫ولنّ عمر رضي ال عنه جعلها تطليقةً بائن ًة ‪ ،‬والطّلق بائن لنّ المقصود ل يحصل‬
‫بالطّلق الرّجعيّ ‪ ،‬إذ المقصود إزالة ظلم الزّوجة ‪ ،‬ولو كان الطّلق رجعيّا لراجعها قهرا‬
‫عنها واستم ّر الظّلم ؛ ولنّ الطّلق ل يكون رجعيّا إلّ إذا كان في عدّة واجبة بعد حقيقة‬
‫الدّخول وذلك غير موجود هنا ‪ ،‬ولنّ النّكاح الصّحيح التّا ّم النّافذ اللّازم ل يقبل الفسخ عند‬
‫ن هذه الفرقة تطليق ؛ لنّها لو شاءت أن تقيم معه أقامت وكان‬
‫الحنفيّة ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫النّكاح صحيحا ‪ ،‬فلمّا اختارت فراقه كانت تطليقةً ‪ .‬وهما كانا يتوارثان قبل أن تختار‬
‫فراقه ‪ ،‬فيأمر الحاكم الزّوج أن يطلّق ‪ ،‬فإن أبى الزّوج طلّق الحاكم طلقةً بائن ًة ‪ ،‬أو يأمر‬
‫الزّوجة بإيقاع الطّلق فتوقعه ثمّ يحكم بذلك ‪ ،‬وفائدة حكم الحاكم بما أوقعته المرأة‬
‫صيرورته بائنا ‪ ،‬وقال العدويّ ‪ :‬فيه نظر بل هو بائن لكونه قبل البناء ‪ ،‬بل الحكم لرفع‬
‫خلف من ل يرى أمر القاضي لها في هذه الصّورة ‪.‬‬
‫ن الفرقة بالعنّة تعتبر فسخا ل طلقا ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة في الصحّ والحنابلة إلى أ ّ‬
‫النجاب قبل سنتين ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬إذا فرّق القاضي بين الزّوج العنّين وزوجته وهو يقول ‪ :‬إنّه جامعها ‪،‬‬ ‫‪15‬‬

‫ن النّسب يثبت ‪ ،‬ويعني هذا‬


‫ثمّ أنجبت الزّوجة قبل أن يكتمل مرور سنتين على التّفرقة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫أنّه جامعها وأنّ التّفرقة الّتي حكم بها باطلة ‪.‬‬
‫الشّهادة على إقرار الزّوجة قبل التّفرقة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬لو شهد شاهدان بعد التّفريق على إقرار الزّوجة قبل التّفريق بأنّه‬ ‫‪16‬‬

‫جامعها ‪ ،‬بطل تفريق القاضي بينهما ‪ ،‬لكن إذا كان إقرارها بعد التّفريق أنّه كان جامعها قبل‬
‫التّفريق فإنّ إقرارها ل يقبل ؛ لكونها متّهمةً في ذلك ‪.‬‬
‫اختيار الزّوجة الستمرار في النّكاح ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬إذا اختارت المرأة زوجها بحاله صراحةً لم يكن لها بعد ذلك خيار ‪،‬‬ ‫‪17‬‬

‫ومثله الختيار بالدّللة ‪ ،‬وهذا فيما إذا قامت من مجلسها أو أقامها أعوان القاضي أو قام‬
‫القاضي قبل أن تختار في كلّ هذه الحوال ؛ لنّ اختيارها مؤقّت بالمجلس ‪ ،‬كتخيير الزّوج‬
‫زوجته ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬لو رضيت الزّوجة بعد مضيّ السّنة الّتي ضربت لها بالقامة مع الزّوج مدّةً‬
‫لتتروّى وتنظر في أمرها أو رضيت رضا مطلقا من غير تحديد بمدّة ثمّ رجعت عن ذلك‬
‫الرّضا فلها ذلك ول تحتاج إلى ضرب أجل ثان ‪ ،‬ولها الفراق بعد الرّضا بإقامتها مع‬
‫الزّوج ‪ ،‬وقال ابن القاسم ‪ :‬لو رضيت بالمقام معه أبدا ثمّ أرادت الفراق فليس لها ذلك ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا اختارت الزّوجة المقام مع الزّوج بعد انتهاء سنة التّأجيل وتخيير الحاكم‬
‫لها تستمرّ زوج ًة له ‪ ،‬ويسقط حقّها في الخيار ؛ لنّها تركت حقّها في فرقته ‪ ،‬أمّا إذا‬
‫ن حقّها ل يبطل ولها الفسخ بعد المدّة ؛ لنّها‬
‫رضيت في أثناء المدّة أو قبل ضربها ‪ ،‬فإ ّ‬
‫رضيت بإسقاط حقّها قبل ثبوته ‪ ،‬فلم يسقط ‪ ،‬كالعفو عن الشّفعة قبل البيع ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن قالت في وقت من الوقات ‪ :‬رضيت به عنّينا لم يكن لها المطالبة بعد‬
‫ذلك بالفسخ لسقاطها حقّها منه ‪.‬‬
‫وقت الختيار بعد المدّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الخيار على التّراخي ‪ ،‬أي إنّ الرّفع إلى القاضي ل يجب‬ ‫‪18‬‬

‫ق المرأة بترك المرافعة زمانا ‪ ،‬فسكوتها بعد العقد ليس دليلً‬


‫وجوبا فوريّا ‪ ،‬فل يسقط ح ّ‬
‫على رضاها بعنّته ؛ لنّها قبل الرّفع إلى الحاكم ل تملك الفسخ ول تملك المتناع من‬
‫استمتاع الزّوج بها ‪ ،‬وحقّها على التّراخي ‪ ،‬حتّى إن علمت أنّه عنّين بعد الدّخول ‪ ،‬فسكتت‬
‫عن المطالبة ثمّ طالبت بعده فلها ذلك ‪ ،‬كما ل يسقط حقّها بتأخير الخصومة بعد مضيّ‬
‫الجل ‪ ،‬فإنّ ذلك اختبار منها له ل رضا منها به ‪ ،‬والنسان ل يتمكّن من الخصومة في كلّ‬
‫وقت خصوصا في هذه الحالة ‪ ،‬حتّى وإن طاوعته في المضاجعة في تلك اليّام ‪ ،‬والخيار‬
‫ل يثبت للزّوجة إلّ بعد رفع المر للحاكم وثبوت عجز الزّوج ‪ ،‬فل يضرّ سكوتها قبله ‪ ،‬وإن‬
‫ي السّنة الّتي ضربت لها ‪ ،‬ثمّ رجعت عن ذلك الرّضا‬
‫رضيت باستمرار الزّواج مدّ ًة بعد مض ّ‬
‫فلها ذلك‪ ،‬ول تحتاج لضرب أجل بعد ‪ ،‬ويوجد قول عند الحنابلة بالفور ‪.‬‬
‫ويقول الشّافعيّة ‪ :‬إنّ الخيار في عيب التّعنّن كغيره من عيوب النّكاح على الفور ‪ ،‬كخيار‬
‫العيب في البيع ‪ ،‬هذا هو المذهب وبه قطع جمهور الشّافعيّة ‪ ،‬قال القفّال ‪ :‬إنّ الخيار لو لم‬
‫يكن على الفور وكان ممتدّا لم يدر الزّوجان هل تستمرّ الزّوجيّة ؟ فل تدوم صحبة ول تقوم‬
‫معاشرة ‪ ،‬وتصير المرأة في معنى غير المنكوحة ‪ ،‬ومعنى كون الخيار على الفور المبادرة‬
‫بالرّفع إلى الحاكم بالفسخ بعد ثبوت العنّة بعد المدّة ‪.‬‬
‫أثر العلم بالعنّة قبل العقد ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّها إذا تزوّجته وهي تعلم أنّه عنّين ل يصل إلى‬ ‫‪19‬‬

‫ق الخصومة ول حقّ الخيار ‪ ،‬كما لو علم المشتري بالعيب وقت البيع‬


‫النّساء ل يكون لها ح ّ‬
‫‪ ،‬فهي صارت راضيةً به حين أقدمت على العقد مع علمها بحاله ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن علمت الزّوجة قبل أن تتزوّج العنّين ‪ ،‬ثمّ رضيت أن تتزوّجه ‪ ،‬فإنّه ل‬
‫يسقط حقّها في الخيار لنّها رضيت بإسقاط حقّها قبل ثبوته فلم يسقط ‪.‬‬
‫أثر الجنون على الحكم بالعنّة ‪:‬‬
‫ن الجنون ل يمنع من الحكم بالعنّة ‪ ،‬فيحضر خصم‬
‫‪ -‬عند الحنفيّة وقول عند الحنابلة ‪ ،‬أ ّ‬ ‫‪20‬‬

‫عن الزّوج ‪ ،‬ويكون القول حينئذ قول الزّوجة في عدم الوطء في هذه الحالة ولو كانت ثيّبا‬
‫‪ .‬وتضرب مدّة للزّوج ‪ ،‬وهذا لنّ مشروعيّة ملك الفسخ لدفع الضّرر الحاصل بالعجز عن‬
‫الوطء ‪ ،‬وذلك يستوي فيه المجنون والعاقل ‪ ،‬وكان القول قول الزّوجة لنّ قول المجنون‬
‫ل حكم له ‪.‬‬
‫ن دعوى العنّة‬
‫أمّا عند الشّافعيّة وقول عند الحنابلة ‪ ،‬فالزّوج المجنون ل تضرب له مدّة ؛ ل ّ‬
‫على المجنون ل تسمع أصلً ‪،‬إذ الحكم بالعنّة وضرب المدّة ‪ ،‬يعتمد على إقرار الزّوج‬
‫بالعنّة‪ ،‬أو يمين الزّوجة بعد رفض الزّوج القرار واليمين ‪ ،‬وهو مجنون ل يعتبر إقراره ول‬
‫رفضه اليمين ‪ ،‬فل يمكن الحكم بالعنّة ‪ ،‬وحدوث الجنون للزّوج أثناء المدّة كحدوثه قبلها‬
‫بالنّسبة للخيار ‪ ،‬فيه الخلف السّابق ‪.‬‬
‫أثر الصّبا على الحكم بالعنّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ عدم البلوغ مانع من الحكم بالعنّة ‪.‬‬ ‫‪21‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إلّ في صورة الغلم الّذي هو ابن أربع عشرة سن ًة ‪ ،‬إذا لم يصل إلى امرأته‬
‫‪ ،‬وله امرأة أخرى يجامعها ‪ ،‬كان للمرأة أن تخاصمه ويؤجّل سنةً ‪.‬‬
‫أثر الرّتق على الحكم بالعنّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه لو كانت المرأة رتقاء ‪ -‬الرّتق هو انسداد فرج المرأة باللّحم ‪-‬‬ ‫‪22‬‬

‫ق لها في المطالبة بالجماع مع قيام‬


‫والزّوج عنّينا ؛ لم يكن لها أن تخاصمه ؛ لنّه ل ح ّ‬
‫ق لها في الوطء ‪.‬‬
‫المانع فيها ؛ إذ ل ح ّ‬
‫أمّا الشّافعيّة فالمعتمد عندهم أنّه ل فرق في ثبوت الخيار بين أن يجد أحد الزّوجين بالخر‬
‫مثل ما به من العيب أم ل ‪ ،‬فالرّتقاء لها حقّ الخيار ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل خيار عند تماثل العيبين ‪.‬‬
‫والمالكيّة يجعلون للرّتقاء أيضا حقّ الخيار ‪.‬‬
‫ويرى الحنابلة أنّ الخيار يثبت لكلّ منهما إذا وجد بالخر عيبا مثل عيبه أو غيره ‪ ،‬إ ّل أن‬
‫يجد المجبوب المرأة رتقاء فل ينبغي أن يثبت لهما خيار لمتناع الستمتاع بعيب نفسه ‪.‬‬
‫سبق الوطء على العنّة ‪:‬‬
‫ق التّأجيل أو‬
‫‪ -‬إذا جامع الزّوج امرأته ولو مرّةً واحدةً ‪ ،‬ثمّ عنّ عنها فليس لها ح ّ‬ ‫‪23‬‬

‫الخيار في هذا الزّواج ‪ ،‬حتّى ولو كان طلّقها ثمّ راجعها ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪ :‬وعلى هذا أكثر‬
‫ي وعمرو بن دينار‬
‫أهل العلم ومنهم عطاء وطاوس والحسن ويحيى النصاريّ والزّهر ّ‬
‫ي والشّافعيّ والحنفيّة والحنابلة وأبو عبيد ‪.‬‬
‫وقتادة ومالك والوزاع ّ‬
‫والسّبب في عدم الحكم بالعنّة في هذه الحالة أنّ الزّوجة حصلت بالوطء على حقّها من‬
‫مقصود النّكاح وهو المهر ‪ ،‬أي تقريره ‪ ،‬والحصانة وقد عرفت قدرته على الوطء ‪ ،‬ولم‬
‫يبق إلّ التّلذّذ وهو شهوة ل يجبر الزّوج عليها مع احتمال زوال العنّة ‪ ،‬ووجود الدّاعية‬
‫عند الزّوج للنّكاح ‪.‬‬
‫وقال أبو ثور ‪ :‬لو وطئ الزّوج امرأته ‪ ،‬ثمّ عجز عن وطئها ‪ ،‬ضرب له أجل ‪.‬‬
‫الجماع الّذي يمنع التّأجيل ‪:‬‬
‫‪ -‬أق ّل ما يمنع التّأجيل هو تغييب الحشفة في الفرج ‪ ،‬فهذا النّوع من الوطء تتعلّق به‬ ‫‪24‬‬

‫أحكام الوطء ‪ ،‬من الحصان ومن الحلل للزّوج الوّل ‪ ،‬وتعتبر حشفته إن لم تكن مقطوعةً‬
‫‪ ،‬وإن جاوزت العادة في الكبر أو الصّغر ‪ ،‬وتقدّر بأمثاله إذا كانت مقطوعةً ‪ ،‬ويعتبر‬
‫دخولها ولو مرّةً وبإعانة بنحو إصبع في دخولها ‪ ،‬كما يعتبر ولو كانت الزّوجة حائضا أو‬
‫محرمةً أو صائم ًة ‪ ،‬أو كان الزّوج نفسه محرما أو صائما ‪ ،‬فالحرمة شيء ومنع التّأجيل‬
‫شيء آخر ‪ .‬أمّا جماع الزّوج زوجته في دبرها ‪ ،‬فهو ل يمنع الحكم بالتّأجيل ؛ لنّه غير‬
‫الجماع المعروف‪ ،‬ول تتعلّق به أحكام الوطء من إحصان أو إحلل للزّوج الوّل ‪ ،‬واختار‬
‫ن الوطء في الدّبر تنتفي به العنّة لنّه أصعب ‪ .‬فمن قدر عليه فهو على غيره‬
‫ابن عقيل أ ّ‬
‫أقدر ‪.‬‬
‫كما أنّ عند الحنابلة قولً باشتراط إدخال جميع الذّكر ‪.‬‬
‫مهر زوجة العنّين ‪:‬‬
‫‪ -‬زوجة العنّين لها جميع المهر عند الحنفيّة ‪ ،‬وعند الحنابلة لها المهر المسمّى على‬ ‫‪25‬‬

‫الصّحيح من المذهب ‪ ،‬ونقل عن أحمد أنّ لها مهر المثل ‪ ،‬والخلوة من العنّين كالخلوة من‬
‫أيّ زوج توجب عندهم المهر ‪.‬‬
‫ل بعد انتهاء السّنة ؛ لنّها مكّنت من‬
‫ن لها أيضا الصّداق كام ً‬
‫أمّا المالكيّة فالمشهور عندهم أ ّ‬
‫نفسها ‪ ،‬وطال مقامه معها ‪ ،‬وتلذّذ بها وأخلق شورتها ‪.‬‬
‫وقال أبو عمر من المالكيّة ‪ :‬إن جعل مالك الحجّة في التّكميل التّلذّذ وإخلق الشّورة ظاهره‬
‫أنّه متى انخرم أحدهما ل تكميل ‪ ،‬ومقابل المشهور عند المالكيّة هو ما روي عن مالك ‪ :‬أنّ‬
‫لها نصف الصّداق ‪ ،‬أمّا إذا طلّق قبل انتهاء السّنة فللزّوجة نصف المهر ‪ ،‬وتعوّض المتلذّذ‬
‫بها زيادةً على ذلك بالجتهاد ‪ ،‬ويتصوّر وقوع الطّلق قبل تمام السّنة فيما إذا رضي‬
‫بالفراق قبل تمام السّنة ‪ ،‬وفيما إذا قطع ذكره أثناءها ‪ ،‬وقد احتجّ ابن الحاجب لستحقاق‬
‫امرأة المعترض الصّداق بعد السّنة بالقياس على المجبوب والعنّين إذا طلّقا باختيارهما ‪،‬‬
‫والجامع حصول النتفاع لكلّ منهم بحسب المكان ‪ ،‬وقد يفرّق بأنّ المجبوب إنّما دخل على‬
‫التّلذّذ وقد حصل ‪ ،‬بخلف المعترض فإنّه إنّما دخل على الوطء التّامّ ولم يحصل ‪ ،‬وبأنّ‬
‫مسألة المجبوب ومن معه خرجت بالجماع ‪ ،‬أي فهي مسألة سماعيّة ‪ ،‬فما عداها باق على‬
‫أصله فل يخرج عليها شيء ‪ ،‬والمراد بالعنّين المقيس عليه هنا هو صغير الذّكر ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّ ‪ :‬ليس للمرأة إن استمتع بها زوجها إذا قالت ‪ :‬لم يصبني ليس لها إ ّل نصف‬
‫المهر لنّها مفارقة قبل أن تصاب ‪.‬‬
‫عدّة زوجة العنّين ‪:‬‬
‫‪ -‬تجب على زوجة العنّين العدّة عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬كما تجب عند المالكيّة احتياطا‪،‬‬ ‫‪26‬‬

‫ول يملك الزّوج الرّجعة في العدّة أو بعدها ‪.‬‬


‫أمّا عند الشّافعيّة فليس عليها عدّة ما دام لم يصبها ‪.‬‬

‫عُنوس *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬العنوس في اللّغة ‪ :‬من عنست المرأة تعنِس عنوسا إذا طال مكثها في بيت أهلها بعد‬ ‫‪1‬‬

‫إدراكها ولم تتزوّج حتّى خرجت من عداد البكار ‪ .‬فإن تزوّجت مرّةً فل يقال عنست ‪.‬‬
‫والسم ‪ :‬العناس ‪،‬والتّعنيس ‪ :‬مصدر عنست الجارية إذا صارت عانسا ولم تتزوّج ‪،‬‬
‫والجمع‪ :‬عنّس وعوانس ‪.‬‬
‫ويقال ‪ :‬عنس الرّجل إذا أسنّ ولم يتزوّج فهو عانس ‪.‬‬
‫وأكثر ما يستعمل للنّساء فيقال ‪ :‬عنّسها أهلها أي أمسكوها عن التّزويج ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫العضل ‪:‬‬
‫‪ -‬العضل ‪ :‬منع الرّجل حريمته من التّزويج ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫والعضل قد يكون سببا للعنوس ‪.‬‬


‫ما يتعلّق بالعنوس من أحكام ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في نكاح العانس هل تعامل كالبكار في الجبار ‪ ،‬وفي الكتفاء بسكوتها‬ ‫‪3‬‬

‫أم كالثّيّب ؟‬
‫ن العانس تعامل كالبكر في دوام الجبر عليها وإن زالت بكارتها بطول‬
‫فذهب الجمهور إلى أ ّ‬
‫التّعنيس لبقائها على حيائها ؛ لنّها لم تمارس الرّجال بالوطء في محلّ البكارة فهي على‬
‫حيائها ‪.‬‬
‫وفي قول عند المالكيّة ‪ -‬وهو مقابل الصحّ عند الشّافعيّة ‪ -‬أنّها تعامل معاملة الثّيّب إذا‬
‫ي المجبر أن يزوّجها إلّ بإذنها‬
‫زالت بكارتها بالتّعنيس لزوال العذرة‪ ،‬فل يجوز للول ّ‬
‫الصّريح‪.‬‬
‫ن الّتي تعتبر المرأة فيها عانسا عند المالكيّة أقوال هي ‪ :‬ثلثون سنةً ‪ ،‬أو‬
‫‪ -‬وفي السّ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫ثلث وثلثون ‪ ،‬أو خمس وثلثون ‪ .‬أو أربعون ‪ .‬أو خمس وأربعون ‪ .‬أو منها إلى السّتّين‬
‫ن العنوسة يعود إلى العرف ‪ ،‬فالعانس عند هؤلء هي البنت المقيمة‬
‫‪ .‬وقال بعضهم ‪ :‬س ّ‬
‫عند أهلها بعد بلوغها سنّ الزّواج مدّ ًة طويلةً عرفت فيها مصالح نفسها وبروز وجهها ولم‬
‫تتزوّج ‪.‬‬
‫نفقة العانس ‪:‬‬
‫ن البنت الفقيرة تجب نفقتها على أبيها حتّى تنكح زوجا تستحقّ‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫عليه النّفقة وإن وصلت حدّ التّعنيس أو جاوزتها ‪.‬‬


‫عنْوة *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬العنوة ‪ -‬بفتح العين ‪ -‬في اللّغة ‪ :‬القهر والغلبة ‪ ،‬يقال ‪ :‬أخذت الشّيء عنوةً ‪ :‬أي‬ ‫‪1‬‬

‫قهرا وغلبةً ‪ ،‬وفتحت هذه البلدة عنوةً وتلك صلحا أي ‪ :‬قهرا وغلبةً ‪ ،‬وقال الزهريّ ‪:‬‬
‫قولهم ‪ :‬أخذته عنو ًة يكون غلب ًة ‪ ،‬ويكون عن تسليم وطاعة ممّن يؤخذ منه شيء ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬يستعمل الفقهاء كلمة " عنوة " عند الكلم على أحكام الراضي الّتي تئول‬
‫إلى المسلمين من أهل الحرب ‪ ،‬فيقسمونها إلى أرض فتحت عنوةً وأرض فتحت صلحا ؛‬
‫لختلف بعض أحكامهما ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ن الراضي الّتي يستولي عليها المسلمون بالقتال من جملة‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪2‬‬

‫الغنائم ‪ ،‬واختلفوا بم تنتقل الملكيّة إلى المسلمين ؟‬


‫ل ‪ ،‬وجعلها‬
‫ض ّم إلى دار السلم ‪ ،‬أو حيازتها فع ً‬
‫فقال الحنفيّة ‪ :‬ل يملكها المسلمون إلّ بال ّ‬
‫جزءا من دار السلم ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة والحنابلة ‪ :‬يملكها المسلمون بمجرّد الحيازة ؛ لنّها مال زال عنه ملك أهل‬
‫الحرب بالستيلء عليه فصار كالمباح ‪ ،‬تسبق إليه اليد فيتمّ تملّكه بإحرازه والستيلء‬
‫عليه‪ ،‬من غير احتياج إلى حكم حاكم على المعتمد ‪ ،‬ول تقسم على الجيش كبقيّة الغنائم ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل يتمّ انتقال الملكيّة بالستيلء ‪ ،‬بل بالقسمة مع الرّضا بها ‪.‬‬
‫واختلفوا أيضا فيمن يكون الملك له بعد انتقاله إلى المسلمين ‪.‬‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أنّ المام بالخيار ‪ ،‬إن شاء قسمها بين المسلمين كما فعل رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم بخيبر وإن شاء أقرّ أهلها عليها ‪ ،‬ووضع على رءوسهم الجزية‬
‫وعلى أرضيهم الخراج ‪ ،‬فتكون أرض خراج وأهلها أهل ذمّة ‪ .‬وقال ابن عابدين ‪ :‬قسّمها‬
‫بين الجيش إن شاء أو أقرّ أهلها عليها بجزية على رءوسهم وخراج على أرضيهم ‪،‬‬
‫والوّل أولى عند حاجة الغانمين ‪ ،‬وتركها بيد أهلها عند عدم الحاجة لتكون عدّةً للمسلمين‬
‫‪.‬‬
‫وقال المالكيّة في المشهور عندهم ‪ :‬تصبح هذه الرض وقفا على المسلمين بمجرّد الحيازة‬
‫بل حاجة إلى وقف المام ‪ ،‬ول تكون ملكا لحد ‪ ،‬ويصرف خراجها في مصالح المسلمين ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬الخمس من الراضي لمن ذكرتهم آية الغنائم ‪ ،‬والربعة الخماس الباقية‬
‫ي المر على مصالح‬
‫للغانمين ‪ .‬فإن طابت بتركها نفوس الغانمين بعوض أو غيره وقفها ول ّ‬
‫المسلمين ‪ .‬وللتّفصيل ( ر ‪ :‬غنيمة ) ‪.‬‬
‫عهْد *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬العهد في اللّغة ‪ :‬الوصيّة ‪ ،‬يقال ‪ :‬عهد إليه إذا أوصاه ‪ ،‬والعهد ‪ :‬المان والموثق‬ ‫‪1‬‬

‫وال ّذمّة واليمين ‪ ،‬وكلّ ما عوهد اللّه عليه ‪ ،‬وكلّ ما بين العباد من المواثيق فهو عهد ‪،‬‬
‫والعهد ‪ :‬العلم ‪ ،‬يقال ‪ :‬هو قريب العهد بكذا أي قريب العلم به ‪ ،‬وعهدي بك مساعدا‬
‫للضّعفاء ‪ :‬أنّي أعلم ذلك ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العقد ‪:‬‬
‫‪ -‬العقد هو كما قال الجرجانيّ ‪ :‬ربط أجزاء التّصرّف باليجاب والقبول شرعا ‪ ،‬والصّلة ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫أنّ العقد إلزام باستيثاق بخلف العهد فإنّه قد يكون باستيثاق وقد ل يكون ‪ ،‬ولذا يقال ‪:‬‬
‫عاهد العبد ربّه ‪ ،‬ول يقال ‪ :‬عاقد العبد ربّه ‪ ،‬إذ ل يجوز أن يقال ‪ :‬استوثق من ربّه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الوعد ‪:‬‬
‫‪ -‬الوعد كما قال ابن عرفة ‪ :‬إخبار عن إنشاء المخبر معروفا في المستقبل ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫قال أبو هلل العسكريّ ‪ :‬والفرق بين الوعد والعهد أنّ العهد ما كان من الوعد مقرونا‬
‫بشرط نحو إن فعلت كذا فعلت كذا ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬البيعة ‪:‬‬
‫‪ -‬البيعة صفة على إيجاب المبايعة والطّاعة ‪ ،‬أي التّولية وعقدها ‪ ،‬والبيعة صفة أيضا‬ ‫‪4‬‬

‫ص من العهد ‪.‬‬
‫على إيجاب البيع ‪ ،‬والبيعة بالمعنى الوّل أخ ّ‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬أوجب السلم الوفاء بالعهد ‪ ،‬والتزمه رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬في جميع‬ ‫‪5‬‬

‫عهوده ‪ ،‬تحقيقا لقوله تعالى ‪َ { :‬وَأوْفُواْ ِب َعهْدِ الّلهِ إِذَا عَاهَد ّتمْ } ونفى الدّين عمّن ل عهد له‬
‫فقال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل دين لمن ل عهد له » ومن صور التزامه العهد ‪ :‬وفاؤه‬
‫بالوثيقة الّتي عقدها لليهود عندما هاجر إلى المدينة ‪ ،‬وصلح الحديبية ‪ .‬وغيرهما ‪.‬‬
‫ومن صور الوفاء بالعهد ‪ :‬ما يعهد به الحاكم إلى من بعده ‪ ،‬كما عهد أبو بكر إلى عمر ‪-‬‬
‫رضي ال عنهما ‪ -‬وعهد عمر إلى أهل الشّورى رضي ال عنهم ونقض العهد محرّم قطعا‬
‫‪ .‬ول يصحّ من مؤمن أبدا للية السّابقة ولحديث ‪ « :‬أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا ‪،‬‬
‫ن كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها ‪ :‬إذا اؤتمن خان ‪ ،‬وإذا‬
‫ومن كانت فيه خصلة منه ّ‬
‫حدّث كذب ‪ ،‬وإذا عاهد غدر ‪ ،‬وإذا خاصم فجر » ‪.‬‬
‫تحريم ظلم المعاهد ‪:‬‬
‫‪ -‬أمر اللّه تعالى بالوفاء بالعهد كما أمر بإتمام مدّة العهد في قوله تعالى ‪ { :‬فَأَ ِتمّواْ إِلَ ْي ِهمْ‬ ‫‪6‬‬

‫عهْدَ ُهمْ إِلَى مُدّ ِتهِمْ } ووصف الّذين ينقصون عهدهم بالخسران في قوله تعالى ‪ { :‬الّذِينَ‬
‫َ‬
‫صلَ وَ ُي ْفسِدُونَ فِي الَ ْرضِ‬
‫عهْ َد الّلهِ مِن َبعْدِ مِيثَا ِق ِه وَ َي ْقطَعُونَ مَا َأمَ َر الّلهُ ِب ِه أَن يُو َ‬
‫يَنقُضُونَ َ‬
‫ن} ‪.‬‬
‫أُولَـئِكَ ُهمُ ا ْلخَاسِرُو َ‬
‫ونهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن ظلم المعاهد بقوله ‪ « :‬من ظلم معاهدا أو‬
‫انتقصه أو كلّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة » ‪.‬‬
‫كما نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن نقض العهد حتّى ينقضي أمده ‪ ،‬أو ينبذ العهد‬
‫إلى المعاهدين جهرا ‪ -‬ل سرّا ‪ -‬حتّى ل يغدر بهم ‪ .‬فقال ‪ « :‬من كان بينه وبين قوم عهد‬
‫فل يشدّ عقد ًة ول يحلّها حتّى ينقضي أمدها ‪ ،‬أو ينبذ إليهم على سواء » ‪.‬‬
‫ونقض العهد يعدّ من الغدر ‪ ،‬وقد شهّر رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بالغادر في قوله ‪:‬‬
‫« لكلّ غادر لواء يوم القيامة يعرف به » ‪.‬‬
‫وللمعاهد أحكام أخرى ‪ ،‬منها أخذ الجزية ‪ ،‬ومقدارها ‪ ،‬ومقدار ديته ‪ ،‬ينظر في مصطلح ‪:‬‬
‫‪ ،‬ومعاهد ) ‪.‬‬ ‫‪22‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪21/‬‬ ‫( جزية ف‬
‫اليمين بعهد اللّه وآثاره ‪:‬‬
‫ن الحلف بعهد اللّه يمين ‪ ،‬ويترتّب على الحلف به جميع الثار الّتي‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪7‬‬

‫تترتّب على كلّ يمين ‪ ،‬من وجوب الب ّر بها ‪ ،‬أو الكفّارة الواجبة بسبب الحنث ‪.‬‬
‫واشترط الشّافعيّة في اعتبارها يمينا أن ينوي الحالف بها اليمين ‪ ،‬ل استحقاق اللّه للعهد‬
‫الّذي أخذه على بني آدم ‪.‬‬

‫عهْدة *‬
‫ُ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬العهدة في اللّغة ‪ :‬من العهد ‪ ،‬وهو بمعنى الوصيّة والمان والموثق وال ّذمّة ‪ ،‬وتطلق‬ ‫‪1‬‬

‫العهدة على الوثيقة والمرجع للصلح ‪ ،‬يقال ‪ :‬في المر عهدة أي مرجع للصلح ‪،‬‬
‫وتسمّى وثيقة المتبايعين عهد ًة ؛ لنّه يرجع إليها عند اللتباس ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ ،‬عرّفها الحنفيّة في باب الشّفعة بأنّها ‪ :‬ضمان الثّمن عند الستحقاق ‪.‬‬
‫ي من المالكيّة بأنّها ‪ :‬ضمان ثمن حصّة من حضر بعد غيبته إن ظهر‬
‫وعرّفها البيّ الزهر ّ‬
‫فيها عيب أو استحقّت ‪.‬‬
‫وعرّفها الدّردير بأنّها ‪ :‬تعلّق ضمان المبيع بالبائع في زمن معيّن ‪ ،‬وهي قسمان ‪ :‬عهدة‬
‫سنة ‪ ،‬وعهدة ثلث ‪ .‬وقال البهوتيّ من الحنابلة ‪ :‬المراد بالعهدة هنا ( أي في باب‬
‫الشّفعة ) رجوع من انتقل الملك إليه من شفيع أو مشتر على من انتقل عنه الملك من بائع‬
‫أو مشتر بالثّمن أو الرش عند استحقاق الشّقص أو عيبه ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫بحث الفقهاء مسائل العهدة في الشّفعة ‪ ،‬وخيار العيب ‪.‬‬
‫أ ّولً ‪ -‬العهدة في الشّفعة ‪:‬‬
‫ن الشّفعة إذا ثبتت لكثر من واحد ‪ ،‬وحضر بعضهم فإنّها تعطى‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪2‬‬

‫لمن حضر إذا طلبها ‪ ،‬لكنّها ل تتجزّأ ‪ ،‬فإمّا أن يأخذها جميعها ‪ ،‬أو يتركها جميعها ؛ لنّ‬
‫في تجزئتها تفريق الصّفقة ‪ ،‬وهو ضرر للبائع والمشتري ‪ ،‬فإذا أخذها أحد الشّريكين ‪ ،‬ثمّ‬
‫حضر الخر وطلب حصّته من الشّفعة يقضى له بالنّصف ‪ ،‬ولو كانوا ثلثةً فحضر الثّالث‬
‫أيضا يقضى له بثلث ما في يد كلّ واحد ‪ ،‬وهكذا تحقيقا للتّسوية ‪.‬‬
‫وهل يقضي القاضي بكتب العهدة ‪ -‬أي ضمان الثّمن عند الستحقاق ‪ -‬على البائع أو على‬
‫المشتري أو على الشّفيع الوّل إذا حضر الغائب وأخذ منه حصّته ؟‬
‫اختلف الفقهاء في ذلك ‪ ،‬فقال المالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬عهدة الشّفيع على المشتري ل على‬
‫البائع ‪ ،‬سواء أأخذ الشّفعة من يد البائع قبل القبض أم من يد المشتري بعد القبض ‪ ،‬لنّ‬
‫الملك انتقل إليه من المشتري ‪.‬‬
‫وزاد المالكيّة أنّه إذا أخذ الحاضر الجميع بالشّفعة ‪ ،‬ثمّ جاء الغائب كان مخيّرا في كتب‬
‫عهدته إن شاء على المشتري ‪ ،‬وإن شاء على الشّفيع الوّل ‪ ،‬لنّه كان مخيّرا في الخذ ‪،‬‬
‫فهو كمشتر من المشتري ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إن بيعت الدّار للمشتري وقضى القاضي للشّفيع بالشّفعة ‪ ،‬فإن كانت أخذت‬
‫من يد البائع فالعهدة على البائع ‪ .‬لنّه هو القابض للثّمن ‪ ،‬وقد انفسخ البيع بين البائع‬
‫والمشتري ‪ ،‬أمّا إذا أخذت الدّار بالشّفعة من يد المشتري ‪ ،‬فالبيع الوّل صحيح ‪ ،‬ويدفع‬
‫الشّفيع الثّمن إلى المشتري ‪ ،‬وعهدة الشّفيع على المشتري ‪ ،‬لنّه هو القابض للثّمن ؛ ولنّ‬
‫الشّيء انتقل من ملك المشتري ‪.‬‬
‫ن عهدة الشّفيع على المشتري ‪ ،‬لنّ الشّفيع ملك الشّقص من‬
‫أمّا الحنابلة فالصل عندهم أ ّ‬
‫جهته ‪ ،‬فهو كبائعه ‪ ،‬وعهدة المشتري على البائع ‪ ،‬إلّ إذا أق ّر البائع وحده بالبيع ‪ ،‬وأنكر‬
‫المشتري الشّراء وأخذ الشّفيع الشّقص من البائع ‪ ،‬ففي هذه الحالة العهدة على البائع ‪،‬‬
‫لحصول الملك للشّفيع من جهته ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬العهدة في خيار العيب ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا وجد المشتري في المبيع عيبا قديما ينقص الثّمن عند ال ّتجّار وأرباب الخبرة فله‬ ‫‪3‬‬

‫خيار الفسخ بالعيب ‪.‬‬


‫صةً ‪ -‬ذكرا أو أنثى ‪ -‬الرّدّ في عهدة الثّلث‬
‫ن للمشتري إذا اشترى رقيقا خا ّ‬
‫وذكر المالكيّة أ ّ‬
‫أي ثلثة أيّام بكلّ عيب حادث ‪ ،‬وهو ‪ :‬ما يحدث في المبيع عند المشتري ‪ ،‬والقديم وهو ‪:‬‬
‫ما كان فيه وهو عند البائع ‪ ،‬كزنا وسرقة وعمىً وجنون ‪ ،‬إلّ أن يستثنى عيب معيّن ‪ ،‬كما‬
‫أنّ له الرّدّ في عهدة السّنة بثلثة أدواء خاصّة ‪ ،‬وهي ‪ :‬الجذام والبرص والجنون ‪ ،‬دون‬
‫سائر العيوب ‪.‬‬
‫قال الدّردير ‪ :‬ومحلّ العمل بالعهدتين إن شرطا عند البيع أو اعتيدا بين النّاس ‪ ،‬أو حمل‬
‫السّلطان عليهما النّاس ‪ ،‬وقال بعضهم ‪ :‬يعمل بهما ولو لم تجر بهما عادة ‪ ،‬ول وقع بهما‬
‫شرط ‪ .‬وتفصيل الموضوع في مصطلح ‪ ( :‬عيب ) ‪.‬‬

‫عَوارض الهليّة *‬
‫انظر ‪ :‬أهليّة ‪.‬‬

‫عوَامِل *‬
‫َ‬
‫انظر ‪ :‬زكاة ‪.‬‬

‫عوَر *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني العور في اللّغة ‪ :‬ذهاب حسّ إحدى العينين ‪ ،‬يقال عور الرّجل ‪ :‬ذهب بصر‬ ‫‪1‬‬

‫إحدى عينيه ‪ ،‬فهو أعور وهي عوراء والجمع عور ‪.‬‬


‫والفقهاء يستعملونه بالمعنى اللّغويّ نفسه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العشا ‪:‬‬
‫‪ -‬العشا ‪ -‬مقصور ‪ -‬سوء البصر باللّيل والنّهار يكون في النّاس والدّوابّ والطّير ‪،‬‬ ‫‪2‬‬

‫يقال‪ :‬عشي عشىً ‪ :‬ضعف بصره فهو أعشى والمرأة عشواء ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬العشا يكون سوء البصر من غير عمىً ‪ ،‬ويكون الّذي ل يبصر باللّيل ويبصر‬
‫بالنّهار‪.‬‬
‫ن العور ذهاب حسّ إحدى العينين ‪ ،‬والعشا سوء البصر ‪.‬‬
‫والفرق بين العور والعشا ‪ :‬أ ّ‬
‫ب ‪ -‬العمش ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني العمش ضعف رؤية العين مع سيلن دمعها في أكثر أوقاتها ‪ ،‬يقال ‪ :‬عمش‬ ‫‪3‬‬

‫فلن عمشا ‪ :‬ضعف بصره مع سيلن دمع عينه في أكثر الوقات فهو أعمش وهي عمشاء‬
‫ن العور ذهاب حسّ إحدى العينين والعمش ضعف الرّؤية مع‬
‫‪ .‬والفرق بين العور والعمش أ ّ‬
‫سيلن الدّمع ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬الحول ‪:‬‬
‫‪ -‬الحول ‪ -‬بفتحتين ‪ -‬أن يظهر البياض في العين في مؤخّرها ‪ ،‬ويكون السّواد من قبل‬ ‫‪4‬‬

‫الماقّ وطرف العين من قبل النف ‪.‬‬


‫والفرق بين العور والحول ‪ :‬أنّ العور ذهاب حسّ إحدى العينين ‪ ،‬والحول عيب في العين ل‬
‫يذهب حسّها ‪.‬‬
‫د ‪ -‬العمى ‪:‬‬
‫‪ -‬العمى ذهاب البصر كلّه فالرّجل أعمى والمرأة عمياء والجمع عمي ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫والفرق بين العمى والعور أنّ العمى ل يقع إلّ على العينين جميعا ‪ ،‬في حين أنّ العور هو‬
‫ذهاب حسّ إحدى العينين ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالعور ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّضحية بالعوراء ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه ل تجزئ التّضحية بالعوراء البيّن عورها ‪ ،‬لما روى‬ ‫‪6‬‬

‫البراء رضي ال عنه عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال « ل يضحّى بالعرجاء‬
‫بيّن ظلعها ول بالعوراء بيّن عورها ‪ ،‬ول المريضة بيّن مرضها ‪ ،‬ول بالعجفاء الّتي ل‬
‫تنقي» ولنّها قد ذهبت عينها ‪.‬‬
‫ثمّ اختلفوا في جواز التّضحية بعوراء ل تبصر بإحدى عينيها مع قيام صورة العين ‪ ،‬فذهب‬
‫الحنابلة وهو المقابل للصحّ عند الشّافعيّة ‪ ،‬والعينيّ من الحنفيّة إلى إجزاء العوراء الّتي‬
‫على عينها بياض وهي قائمة لم تذهب ؛ لنّ عورها ليس ببيّن ‪ ،‬ول ينقص ذلك لحمها ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة والشّافعيّة في أصحّ الوجهين أنّ العوراء ل تجزئ في الضحيّة ولو كانت‬
‫صورة العين قائم ًة ‪ ،‬وهو ما يؤخذ من إطلق عبارات الحنفيّة ‪ .‬فإن كان بعينها بياض ل‬
‫يمنعها النّظر أجزأت ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬فسخ النّكاح بالعور ‪:‬‬
‫ق فسخ النّكاح لحد الزّوجين ما لم‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ العور ل يثبت به ح ّ‬ ‫‪7‬‬

‫يشترط السّلمة منه ‪.‬‬


‫أمّا إذا اشترط أحد الزّوجين على صاحبه السّلمة من العور ونحوه حتّى ولو كان شرط‬
‫ي ‪ ،‬أو وصف غيره بحضرته وسكت بأنّها صحيحة العينين ‪ ،‬فبان‬
‫السّلمة بوصف الول ّ‬
‫خلف ذلك ‪ ،‬فيرى المالكيّة والحنابلة على أحد القولين ‪ -‬وهو المذهب عندهم ‪ -‬أنّ له‬
‫الفسخ ‪ .‬وذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا اشترط أحد الزّوجين على صاحبه السّلمة من العور‬
‫ونحوه كالعمى والشّلل والزّمانة فوجد بخلف ذلك ل يثبت له الخيار ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة أنّه إن كان المشروط سلمة الزّوج فبان دون المشروط ‪ ،‬فلها الخيار ‪ ،‬وإن‬
‫شرطت السّلمة في الزّوجة ففي ثبوت الخيار للزّوج قولن لتمكّنه من الطّلق ‪ ،‬قال النّوويّ‬
‫‪ :‬الظهر ثبوته ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إعتاق العور في الكفّارات ‪:‬‬
‫ن المقصود تكميل الحكام وتمليك‬
‫‪ -‬يجزئ إعتاق العور في الكفّارات دون العمى ؛ ل ّ‬ ‫‪8‬‬

‫العبد المنافع والعور ل يمنع ذلك ؛ ولنّه ل يض ّر بالعمل فأشبه قطع إحدى الذنين ‪.‬‬
‫ن العور نقص يمنع‬
‫ونقل أبو بكر من الحنابلة قولً بعدم إجزاء العور في الكفّارات ؛ ل ّ‬
‫التّضحية والجزاء في الهدي فأشبه العمى ‪.‬‬
‫د ‪ -‬جناية صحيح العينين على العور ‪:‬‬
‫‪ -‬ل تؤخذ العين السّليمة بالحدقة العمياء ؛ لعدم المماثلة ‪ ،‬بل تجب فيها حكومة عدل‬ ‫‪9‬‬

‫بالجتهاد ‪ ،‬وكذلك في العين القائمة الذّاهب ضوءها حكومة كاليد الشّلّاء ‪ ،‬بهذا يقول‬
‫جمهور الفقهاء ‪ :‬أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ وأبو ثور وابن المنذر ‪.‬‬
‫وروي عن زيد بن ثابت رضي ال عنه أنّه قال ‪ :‬في عين العور الّتي ل يبصر بها مائة‬
‫دينار ‪ ،‬وعن عمر بن الخطّاب رضي ال عنه أنّه قال ‪ :‬فيها ثلث ديتها ‪ ،‬وبه قال إسحاق ‪،‬‬
‫وقال مجاهد ‪ :‬فيها نصف ديتها ‪.‬‬
‫ن المجنيّ‬
‫وإذا قلع صحيح العينين عين العور المبصرة فيرى المالكيّة والحنابلة في وجه أ ّ‬
‫عليه مخيّر بين القصاص وبين أخذ دية كاملة من مال الجاني ‪.‬‬
‫ي عليه القصاص من مثلها‬
‫ص عليه أحمد ‪ -‬أنّ للمجن ّ‬
‫والمذهب عند الحنابلة ‪ -‬وهو ما ن ّ‬
‫ويأخذ نصف الدّية ؛ لنّه ذهب بجميع بصره وأذهب الضّوء الّذي بدله دية كاملة ‪ ،‬وقد‬
‫تعذّر استيفاء جميع الضّوء ‪ ،‬إذ ل يمكن أخذ عينين بعين واحدة ‪ ،‬ول أخذ يمين بيسرى ‪،‬‬
‫فوجب الرّجوع ببدل نصف الضّوء ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّ عين العور السّليمة يجب فيها نصف الدّية ‪.‬‬
‫ويرى الحنفيّة على الصحّ أنّ الخطأ والعمد في ذلك سواء ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬جناية العور على صحيح العينين ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والثّوريّ إلى أنّه إذا فقأ أعور من سالم مماثلته السّالمة‬ ‫‪10‬‬

‫يقتصّ منه ‪ .‬وروي ذلك عن عليّ وهو قول مسروق وابن سيرين وابن معقل واختاره ابن‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫ن اللّه تعالى قال ‪ { :‬وَا ْلعَيْنَ بِا ْلعَيْنِ } وقال النّب ّ‬
‫المنذر وابن العربيّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫وسلم ‪ « :‬في العينين الدّية » ففي العين نصف الدّية ‪ ،‬والقصاص من صحيح العين‬
‫والعور كهيئته بين سائر النّاس ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة بأنّه ل تؤخذ العين السّليمة بالحدقة العمياء ‪ ،‬وتؤخذ القائمة بالصّحيحة إذا‬
‫رضي المجنيّ عليه ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فيخيّرون المجنيّ عليه بين القصاص وبين أخذ الدّية كاملةً ‪ ،‬بمعنى أنّ للمجنيّ‬
‫عليه أن يفقأ عين الجاني السّالمة فيصيّره أعمى أو يترك القصاص ويأخذ من الجاني دية‬
‫ما تركه ‪.‬‬
‫ويرى الحنابلة أنّه إذا قلع العور عين الصّحيح فل قود وعليه دية كاملة ‪ .‬وروي ذلك عن‬
‫عمر وعثمان رضي ال عنهما ‪ ،‬وبه قال سعيد بن المسيّب وعطاء ‪.‬‬
‫وإن فقأ العور من السّالم غير المماثلة لعينه السّليمة بأن فقأ من السّالم مماثلة العوراء‬
‫ص لعدم المحلّ المماثل ‪ ،‬بهذا قال‬
‫فتلزم الجاني نصف دية فقط وليس للمجنيّ عليه أن يقت ّ‬
‫المالكيّة ‪ ،‬وهو ما يؤخذ من عبارات الحنفيّة حيث قالوا ‪ :‬إذا كانت العين اليمنى بيضاء‬
‫فأذهب العين اليمنى من رجل آخر فالمفقوءة يمناه بالخيار إن شاء أخذ عينه النّاقصة إذا‬
‫كان يستطاع فيها القصاص بأن يبصر شيئا قليلً وإن شاء أخذ دية عينه ‪.‬‬
‫ق المجنيّ عليه بأن يفقأ المماثلة من الجاني‬
‫وإن فقأ العور عيني السّالم عمدا بالقود ح ّ‬
‫فيصيّره أعمى لبقاء سالمته ‪ ،‬ونصف الدّية يأخذه المجنيّ عليه من الجاني بدل ما ليس‬
‫لها مماثله ‪ ،‬ولم يخيّر سالم العينين في المماثلة بحيث يكون له القصاص أو أخذ الدّية لئلّ‬
‫يلزم عليه أخذ دية ونصف ‪ ،‬وهو خلف ما ورد عن الشّارع صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬بهذا‬
‫يقول المالكيّة ‪.‬‬
‫ويرى القاضي من الحنابلة أنّ المجنيّ عليه مخيّر إن شاء اقتصّ ول شيء له سوى ذلك ؛‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫لنّه قد أخذ جميع بصره ‪ ،‬فإن اختار الدّية فله دية واحدة لقول النّب ّ‬
‫‪ « :‬وفي العينين الدّية » ولنّه لم يتعذّر القصاص فلم تتضاعف الدّية كما لو قطع الشلّ يد‬
‫ج أصغر أو يد القاطع أنقص ‪.‬‬
‫صحيح أو كان رأس الشّا ّ‬
‫و ‪ -‬جناية العور على العور ‪:‬‬
‫‪ -‬لو قلع العور العين السّليمة لمثله ففيه القصاص لتساويهما من كلّ وجه إذا كانت‬ ‫‪11‬‬

‫العين مثل العين في كونها يمينا أو يسارا ‪ ،‬وإن عفا إلى الدّية فله جميعها ‪.‬‬

‫عوْرة *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬العورة في اللّغة ‪ :‬الخلل في الثّغر وفي الحرب ‪ ،‬وقد يوصف به منكّرا ‪ ،‬فيكون للواحد‬ ‫‪1‬‬

‫ن بُيُوتَنَا‬
‫ي َيقُولُونَ إِ ّ‬
‫والجمع بلفظ واحد ‪ .‬وفي القرآن الكريم ‪ { :‬وَ َيسْتَأْذِنُ َفرِيقٌ مّ ْن ُهمُ النّبِ ّ‬
‫عوْرَ ٌة َومَا هِيَ ِب َعوْرَ ٍة إِن ُيرِيدُونَ إِلّا ِفرَارا } فهنا ورد الوصف مفردا والموصوف جمعا ‪.‬‬
‫َ‬
‫وتطلق على السّاعة الّتي تظهر فيها العورة عادةً للّجوء فيها إلى الرّاحة والنكشاف ‪ ،‬وهي‬
‫ساعة قبل الفجر ‪ ،‬وساعة عند منتصف النّهار ‪ ،‬وساعة بعد العشاء الخر ‪ ،‬وفي التّنزيل‬
‫ن مَ َلكَتْ أَ ْيمَا ُن ُكمْ وَالّذِينَ َل ْم يَبُْلغُوا ا ْلحُُلمَ‬
‫ن آمَنُوا لِ َيسْتَأْذِنكُمُ الّذِي َ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫ظهِيرَةِ َومِن َبعْدِ صَلَاةِ‬
‫ن ال ّ‬
‫ضعُونَ ثِيَا َبكُم مّ َ‬
‫مِنكُمْ َثلَاثَ َمرّاتٍ مِن قَ ْب ِل صَلَاةِ ا ْل َفجْ ِر َوحِينَ تَ َ‬
‫علَى‬
‫ن عَلَ ْيكُم َبعْضُ ُكمْ َ‬
‫طوّافُو َ‬
‫ح َبعْدَهُنّ َ‬
‫س عَلَ ْي ُكمْ وَلَا عَلَ ْي ِهمْ جُنَا ٌ‬
‫ع ْورَاتٍ ّل ُكمْ لَيْ َ‬
‫ث َ‬
‫ا ْلعِشَاء ثَلَا ُ‬
‫حكِيمٌ } وكلّ شيء يستره النسان أنفةً وحياءً‬
‫ت وَالّلهُ عَلِيمٌ َ‬
‫ن الّلهُ َل ُكمُ الْآيَا ِ‬
‫ك يُبَيّ ُ‬
‫َبعْضٍ كَذَلِ َ‬
‫فهو عورة ‪ .‬وهي في الصطلح ‪ :‬ما يحرم كشفه من الجسم سواء من الرّجل أو المرأة ‪،‬‬
‫أو هي ما يجب ستره وعدم إظهاره من الجسم ‪ ،‬وحدّها يختلف باختلف الجنس وباختلف‬
‫العمر ‪ ،‬كما يختلف من المرأة بالنّسبة للمحرم وغير المحرم على التّفصيل الّذي يأتي ‪،‬‬
‫وقال الشّربينيّ الخطيب ‪ :‬هي ما يحرم النّظر إليه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫السّتر ‪:‬‬
‫ضمّ مثله ‪ ،‬ويقال لما ينصبه المصلّي قدّامه‬
‫‪ -‬السّتر لغةً ‪ :‬ما يستر به ‪ ،‬والسّترة بال ّ‬ ‫‪2‬‬

‫علمةً لمصلّاه من عصا وغيرها سترة ؛ لنّه يستر الما ّر من المرور أي يحجبه ‪ ،‬والصّلة‬
‫ن السّتر مطلوب لتغطية العورة ‪.‬‬
‫بين العورة والسّتر أ ّ‬
‫الحكام المتعلّقة بالعورة ‪:‬‬
‫تتعلّق بالعورة أحكام ذكرها الفقهاء في مواطن منها ‪:‬‬
‫عورة المرأة بالنّسبة للرّجل الجنبيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ جسم المرأة كلّه عورة بالنّسبة للرّجل الجنبيّ عدا الوجه‬ ‫‪3‬‬

‫ن المرأة تحتاج إلى المعاملة مع الرّجال وإلى الخذ والعطاء لكن جواز كشف‬
‫والكفّين ؛ ل ّ‬
‫ذلك مقيّد بأمن الفتنة ‪.‬‬
‫وورد عن أبي حنيفة القول بجواز إظهار قدميها ؛ لنّه سبحانه وتعالى نهى عن إبداء‬
‫الزّينة واستثنى ما ظهر منها ‪ .‬والقدمان ظاهرتان ‪ ،‬ويقول ابن عابدين ‪ :‬إنّ ظهر الكفّ‬
‫عورة ؛ لنّ الكفّ عرفا واستعما ًل ل يشمل ظهره ‪.‬‬
‫وورد عن أبي يوسف القول بجواز إظهار ذراعيها أيضا لنّهما يبدوان منها عاد ًة ‪.‬‬
‫ن إِلّا مَا‬
‫وجاز كشف الوجه والكفّين والنّظر إليهما بدليل قوله تعالى ‪ { :‬وَلَا يُبْدِينَ زِينَ َتهُ ّ‬
‫ظهَرَ مِ ْنهَا } أي مواضعها ‪ ،‬فالكحل زينة الوجه ‪ ،‬والخاتم زينة الكفّ ‪ ،‬بدليل ما روي « أنّ‬
‫َ‬
‫أسماء بنت أبي بكر رضي ال تعالى عنهما ‪ ،‬دخلت على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها ‪ ،‬وقال ‪ :‬يا أسماء إنّ المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح‬
‫أن يرى منها إ ّل هذا وهذا ‪ ،‬وأشار إلى وجهه وكفّيه » ‪.‬‬
‫ظهَ َر مِ ْنهَا } اختلف النّاس‬
‫ي في معنى قوله تعالى ‪ { :‬وَلَا يُبْدِينَ زِينَ َت ُهنّ إِلّا مَا َ‬
‫وقال القرطب ّ‬
‫في قدر المستثنى فقال ابن مسعود ‪ :‬ظاهر الزّينة هو الثّياب ‪ ،‬وزاد ابن جبير الوجه ‪ ،‬وقال‬
‫ي ‪ :‬الوجه والكفّان والثّياب ‪ ،‬وقال ابن عبّاس وقتادة‬
‫سعيد بن جبير أيضا وعطاء والوزاع ّ‬
‫والمسور بن مخرمة ‪ :‬ظاهر الزّينة هو الكحل والسّوار والخضاب إلى نصف الذّراع والقرط‬
‫والفتخ ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬إذا عركت المرأة لم يحلّ‬
‫وذكر الطّبريّ حديثا عن النّب ّ‬
‫لها أن تظهر إلّ وجهها ‪ ،‬وإلّ ما دون هذا ‪ ،‬وقبض على ذراع نفسه ‪ ،‬فترك بين قبضته‬
‫وبين الكفّ مثل قبضة أخرى » ‪.‬‬
‫وقال الشّربينيّ الخطيب ‪ :‬وشرط السّاتر منع إدراك لون البشرة ل حجمها ‪ ،‬فل يكفي ثوب‬
‫رقيق ول مهلهل ل يمنع إدراك اللّون ‪.‬‬
‫ي عنها حتّى‬
‫وظاهر مذهب أحمد بن حنبل أنّ كلّ شيء من المرأة عورة بالنّسبة للجنب ّ‬
‫ن من يُبِينُ زوجته ل يجوز أن يأكل معها لنّه‬
‫ظفرها‪ ،‬وروي عن المام أحمد أنّه قال ‪ :‬إ ّ‬
‫مع الكل يرى كفّها ‪ ،‬وقال القاضي من الحنابلة ‪ :‬يحرم نظر الجنبيّ إلى الجنبيّة ما عدا‬
‫الوجه والكفّين ‪ ،‬ويباح له النّظر إلى هذين العضوين مع الكراهة عند أمن الفتنة ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال‬
‫وممّا يحتجّ به للحرمة ما روي عن عليّ رضي ال عنه أنّ النّب ّ‬
‫ي ل تتبع النّظرة النّظرة فإنّ لك الولى ‪ ،‬وليست لك الخرة » وما ورد من «‬
‫له‪ « :‬يا عل ّ‬
‫أنّ الفضل بن عبّاس رضي ال عنهما كان رديف رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في الحجّ‬
‫فجاءته الخثعميّة تستفتيه ‪ ،‬فأخذ الفضل ينظر إليها وتنظر هي إليه ‪ ،‬فصرف عليه الصلة‬
‫والسلم وجه الفضل عنها » ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬العجوز الّتي ل يشتهى مثلها ل بأس بالنّظر إلى ما يظهر منها غالبا ‪،‬‬
‫ن ِنكَاحا } وفي معنى العجوز الشّوهاء‬
‫لقوله تعالى ‪ { :‬وَا ْلقَوَاعِدُ ِمنَ ال ّنسَاء اللّاتِي لَا يَ ْرجُو َ‬
‫الّتي ل تشتهى ‪ ،‬ومن ذهبت شهوته من الرّجال لكبر أو عنّة أو مرض ل يرجى برؤه‬
‫والخصيّ والشّيخ والمخنّث الّذي ل شهوة له فحكمه حكم ذوي المحارم في النّظر ‪ ،‬لقوله‬
‫تعالى ‪َ { :‬أوِ التّا ِبعِينَ غَ ْيرِ ُأوْلِي الْإِرْ َب ِة } ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة حكمه حكم الجنبيّ ‪ ،‬إذ يحرم عليه النّظر حتّى إلى الوجه والكفّين عند‬
‫خوف الفتنة ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة والشّافعيّة ‪ :‬ظهور المرأة بالزّينة للصّغير الّذي لم يظهر على عورات‬
‫طفْلِ الّذِينَ‬
‫النّساء ‪ ،‬والّذي ل يعرف العورة من غير العورة ل بأس به لقوله تعالى ‪َ { :‬أوِ ال ّ‬
‫ت ال ّنسَاء } ‪ ،‬وأمّا الّذي يعرف التّمييز بين العورة وغيرها وقارب‬
‫عوْرَا ِ‬
‫علَى َ‬
‫ظهَرُوا َ‬
‫َلمْ َي ْ‬
‫الحلم فل يجوز لها إبداء زينتها له ‪.‬‬
‫وقال الفقهاء ‪ :‬من أراد خطبة امرأة فله أن ينظر إليها سواء أذنت هي أو وليّها به أم لم‬
‫يأذنا به ‪ ،‬لنّ الرّسول صلى ال عليه وسلم قال للمغيرة بن شعبة رضي ال عنه حينما‬
‫خطب امرأةً ‪ « :‬انظر إليها ‪ ،‬فإنّه أحرى أن يؤدم بينكما » ‪.‬‬
‫وللمرأة أيضا النّظر إلى ما هو غير عورة من الرّجل إن أرادت القتران به ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪29‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪26/‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( خطبة ف‬
‫أمّا صوت المرأة فليس بعورة عند الشّافعيّة ‪ ،‬ويجوز الستماع إليه عند أمن الفتنة ‪،‬‬
‫وقالوا‪ :‬وندب تشويهه إذا قرع بابها فل تجيب بصوت رخيم ‪.‬‬
‫عورة المرأة المسلمة بالنّسبة للجنبيّة الكافرة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ " :‬الحنفيّة والمالكيّة وهو الصحّ عند الشّافعيّة " إلى أنّ المرأة‬ ‫‪4‬‬

‫الجنبيّة الكافرة كالرّجل الجنبيّ بالنّسبة للمسلمة ‪ ،‬فل يجوز أن تنظر إلى بدنها ‪ ،‬وليس‬
‫ن َأوْ‬
‫ن َأوْ آبَا ِئهِ ّ‬
‫ن إِلّا لِ ُبعُولَ ِتهِ ّ‬
‫للمسلمة أن تتجرّد بين يديها ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَلَا يُبْدِينَ زِينَ َتهُ ّ‬
‫ن َأوْ‬
‫خوَا ِتهِ ّ‬
‫خوَا ِنهِنّ َأوْ بَنِي َأ َ‬
‫ن َأوْ بَنِي إِ ْ‬
‫خوَانِهِ ّ‬
‫ن َأوْ أَبْنَاء ُبعُولَ ِتهِنّ َأوْ ِإ ْ‬
‫آبَاء ُبعُولَ ِتهِنّ َأوْ أَبْنَا ِئهِ ّ‬
‫ِنسَا ِئهِنّ } أي النّساء المسلمات فلو جاز نظر المرأة الكافرة لما بقي للتّخصيص فائدة ‪ ،‬وقد‬
‫صحّ عن عمر رضي ال عنه المر بمنع الكتابيّات من دخول الحمّام مع المسلمات ‪.‬‬
‫ومقابل الصحّ عند الشّافعيّة أنّه يجوز أن ترى الكافرة من المسلمة ما يبدو منها عند‬
‫المهنة‪ ،‬وفي رأي آخر عندهم أنّه يجوز أن ترى منها ما تراه المسلمة منها وذلك لتّحاد‬
‫الجنس كالرّجال ‪.‬‬
‫والمذهب عند الحنابلة أنّه ل فرق بين المسلمة وال ّذمّيّة ول بين المسلم وال ّذمّيّ في النّظر ‪،‬‬
‫وقال المام أحمد في رواية عنه ‪:‬ل تنظر الكافرة إلى الفرج من المسلمة ول تكون قابلةً‬
‫ن المسلمة ل تكشف قناعها عند ال ّذمّيّة ول تدخل معها الحمّام‬
‫لها‪ .‬وفي رواية أخرى عنه أ ّ‬
‫‪.‬‬
‫عورة المرأة بالنّسبة للمرأة المسلمة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّ عورة المرأة بالنّسبة للمرأة هي كعورة الرّجل إلى الرّجل ‪ ،‬أي‬ ‫‪5‬‬

‫ما بين السّرّة والرّكبة ‪ ،‬ولذا يجوز لها النّظر إلى جميع بدنها عدا ما بين هذين العضوين ‪،‬‬
‫وذلك لوجود المجانسة وانعدام الشّهوة غالبا ‪ ،‬ولكن يحرم ذلك مع الشّهوة وخوف الفتنة ‪.‬‬
‫عورة المرأة بالنّسبة للمحارم ‪:‬‬
‫‪ -‬المراد بمحرم المرأة من يحرم عليه نكاحها على وجه التّأبيد لنسب أو سبب" مصاهرة"‬ ‫‪6‬‬

‫أو رضاع ‪.‬‬


‫قال المالكيّة والحنابلة في المذهب ‪ :‬إنّ عورة المرأة بالنّسبة إلى رجل محرم لها هي غير‬
‫الوجه والرّأس واليدين والرّجلين ‪ ،‬فيحرم عليها كشف صدرها وثدييها ونحو ذلك عنده ‪،‬‬
‫ويحرم على محارمها كأبيها رؤية هذه العضاء منها وإن كان من غير شهوة وتلذّذ ‪.‬‬
‫وذكر القاضي من الحنابلة أنّ حكم الرّجل مع ذوات محارمه هو كحكم الرّجل مع الرّجل‬
‫والمرأة مع المرأة ‪.‬‬
‫وعورة المرأة بالنّسبة لمن هو محرم لها عند الحنفيّة هي ما بين سرّتها إلى ركبتها ‪ ،‬وكذا‬
‫ظهرها وبطنها ‪ ،‬أي يحلّ لمن هو محرّم لها النّظر إلى ما عدا هذه العضاء منها عند أمن‬
‫الفتنة وخلوّ نظره من الشّهوة ‪ ،‬والصل فيه قوله تعالى ‪ { :‬وَلَا يُبْدِينَ زِينَ َت ُهنّ إِلّا لِ ُبعُولَ ِتهِنّ‬
‫ن النّظر إلى أصل الزّينة مباح‬
‫ن } والمراد بالزّينة مواضعها ل الزّينة نفسها ل ّ‬
‫َأوْ آبَا ِئهِ ّ‬
‫مطلقا‪ ،‬فالرّأس موضع التّاج ‪ ،‬والوجه موضع الكحل ‪ ،‬والعنق والصّدر موضعا القلدة‬
‫والذن موضع القرط ‪ ،‬والعضد موضع الدّملوج ‪ ،‬والسّاعد موضع السّوار ‪ ،‬والكفّ موضع‬
‫الخاتم ‪ ،‬والسّاق موضع الخلخال ‪ ،‬والقدم موضع الخضاب ‪ ،‬بخلف الظّهر والبطن والفخذ‬
‫لنّها ليست بموضع للزّينة ‪ ،‬ولنّ الختلط بين المحارم أمر شائع ول يمكن معه صيانة‬
‫مواضع الزّينة عن الظهار والكشف ‪.‬‬
‫ن دون حائل جاز لمسه عند أمن الفتنة وإلّ لم يجز ‪ ،‬وكذلك‬
‫وك ّل ما جاز النّظر إليه منه ّ‬
‫المر بالنّسبة للخلوة بإحداهنّ منفردين تحت سقف واحد ‪ ،‬فالرّسول صلى ال عليه وسلم‬
‫كان يقبّل فاطمة رضي ال عنها ‪.‬‬
‫ولم يجز للرّجل النّظر إلى ظهر أو بطن أو فخذ من هي محرم له فضلً عن حرمة النّظر إلى‬
‫ما بين سرّتها وركبتها ‪ ،‬كما لم يحلّ لمس أيّ من هذه العضاء لعموم قوله تعالى ‪ { :‬قُل‬
‫ن أَبْصَا ِر ِهمْ } ؛ ولنّه سبحانه وتعالى جعل الظّهار منكرا من القول‬
‫ن َيغُضّوا مِ ْ‬
‫لّ ْل ُم ْؤمِنِي َ‬
‫ق الحرمة ‪ ،‬ولو لم يكن النّظر‬
‫وزورا‪ ،‬وهو ‪ -‬أي الظّهار ‪ -‬تشبيه الزّوجة بظهر المّ في ح ّ‬
‫إلى ظهر المّ وبطنها أو لمسها حراما لم يكن الظّهار منكرا من القول وزورا ‪.‬‬
‫وك ّل ما يحلّ للرّجل من النّظر واللّمس من ذوات محارمه يحلّ مثله لها بالنّسبة لمن هو‬
‫محرم لها ‪ ،‬وكلّ ما يحرم عليه يحرم عليها ‪.‬‬
‫والشّافعيّة يرون جواز نظر الرّجل إلى ما عدّا ما بين السّرّة والرّكبة من محارمه من النّساء‬
‫من نسب أو رضاع أو مصاهرة صحيحة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يح ّل له النّظر فقط إلى ما يظهر منها‬
‫عاد ًة في العمل داخل البيت ‪ ،‬أي إلى الرّأس والعنق واليد إلى المرفق والرّجل إلى الرّكبة ‪.‬‬
‫وهم يقرّرون هذين التّجاهين أيضا بالنّسبة لنظرها إلى من هو محرم لها ‪.‬‬
‫ن أبا سفيان أتى المدينة وهو مشرك فدخل‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬الكافر محرم لقريبته المسلمة ل ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لئلّ يجلس عليه ‪ ،‬ولم تحتجب‬
‫على ابنته أ ّم حبيبة فطوت فراش النّب ّ‬
‫منه ول أمرها بذلك الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫عورة المة بالنّسبة للرّجل الجنبيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في عورة المة بالنّسبة للرّجل الجنبيّ ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫فقال المالكيّة وهو الصحّ عند الشّافعيّة ‪ :‬إنّ عورتها هي ما بين سرّتها وركبتها ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬عورتها مثل عورة الحرّة بالنّسبة لمحارمها ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إنّ عورتها كعورة الحرّة ل يجوز أن ينظر منها إلّ ما يجوز النّظر إليه من‬
‫الحرّة ‪.‬‬
‫عورة الرّجل بالنّسبة للرّجل ‪:‬‬
‫‪ -‬عورة الرّجل بالنّسبة إلى رجل آخر ‪ -‬سواء كان قريبا له أو أجنبيّا عنه ‪ -‬هي ما بين‬ ‫‪8‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه قال‬


‫سرّته إلى ركبته عند الحنفيّة ‪ ،‬ويستدلّون بما روي عن النّب ّ‬
‫‪ « :‬ما تحت السّرّة عورة » والسّرّة عندهم ليست بعورة استدل ًل بما روي أنّ الحسن بن‬
‫ي رضي ال عنهما أبدى سرّته فقبّلها أبو هريرة رضي ال عنه ‪ ،‬ولكنّ الرّكبة عورة‬
‫عل ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬الرّكبة من العورة » ‪.‬‬
‫عندهم ‪ ،‬بدليل ما روي عن النّب ّ‬
‫وما جاز نظره من الرّجل بالنّسبة للرّجل جاز لمسه ‪.‬‬
‫والشّافعيّة والحنابلة في المذهب يرون أنّ الرّكبة والسّرّة ليستا من العورة في الرّجل ‪،‬‬
‫وإنّما العورة ما بينهما فقط ‪.‬‬
‫لما روي عن أبي أيّوب النصاريّ رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ « :‬ما فوق الرّكبتين من العورة ‪ ،‬وما أسفل السّرّة وفوق الرّكبتين من العورة » ‪.‬‬
‫والرّواية الخرى عند الحنابلة أنّها الفرجان استدللً بما روى أنس رضي ال عنه « أنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم حسر يوم خيبر الزار عن فخذه حتّى أنّي لنظر إلى بياض فخذه‬
‫عليه الصلة والسلم » ‪.‬‬
‫وجواز نظر الرّجل من الرّجل إلى ما هو غير عورة منه مشروط بعدم وجود الشّهوة وإلّ‬
‫حرم ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة في المشهور عندهم أنّ عورة الرّجل بالنّسبة للرّجل ما بين السّرّة والرّكبة ‪،‬‬
‫ن الفخذ عورة ل يجوز النّظر إليها في المشهور عندهم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل يحرم وإنّما‬
‫وعليه فإ ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كشف‬
‫يكره‪ ،‬وقيل ‪ :‬يكره عند من يستحيى منه ‪ ،‬بدليل « أ ّ‬
‫فخذه عند أبي بكر وعمر رضي ال عنهما ‪ .‬ولمّا دخل عثمان رضي ال عنه ستره وقال ‪:‬‬
‫أل أستحي من رجل تستحي منه الملئكة » ‪.‬‬
‫عورة الرّجل بالنّسبة للجنبيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في عورة الرّجل بالنّسبة للجنبيّة ‪.‬‬ ‫‪9‬‬

‫ن لها النّظر إلى ما عدا ما بين السّرّة إلى الرّكبة إن أمنت على نفسها‬
‫فيرى الحنفيّة أ ّ‬
‫ن لها النّظر إلى ما يراه الرّجل من محرمه وهو الوجه والطراف‬
‫الفتنة‪ .‬والمالكيّة يرون أ ّ‬
‫عند أمن الفتنة ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة فل يجيزون لها النّظر إلى ما هو عورة وإلى ما هو غير عورة منه من غير‬
‫ن أَبْصَارِ ِهنّ } وبدليل ما روت أمّ‬
‫ت َيغْضُضْنَ مِ ْ‬
‫سبب ‪ ،‬بدليل عموم آية ‪ { :‬وَقُل لّ ْل ُم ْؤمِنَا ِ‬
‫سلمة رضي ال عنها قالت « كنت عند رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وعنده ميمونة ‪،‬‬
‫فأقبل ابن أمّ مكتوم وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب فقال صلى ال عليه وسلم ‪ :‬احتجبا منه‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫فقلنا ‪ :‬يا رسول اللّه أليس أعمى ل يبصرنا ول يعرفنا ؟ فقال النّب ّ‬
‫أفعمياوان أنتما ‪ ،‬ألستما تبصرانه » ‪.‬‬
‫والقول الرّاجح عند الحنابلة يجيز نظر المرأة إلى ما ليس بعورة من الجنبيّ ‪ ،‬لحديث‬
‫عائشة رضي ال عنها « كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يسترني بردائه ‪ ،‬وأنا أنظر‬
‫إلى الحبشة يلعبون في المسجد » ‪.‬‬
‫عورة الصّغير والصّغيرة ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى الحنفيّة أن ل عورة للصّغير والصّغيرة جدّا ‪ ،‬وحدّد بعضهم هذا الصّغر بأربع‬ ‫‪10‬‬

‫سنوات فما دونها ‪ ،‬ثمّ إلى عشر سنين يعتبر في عورته ما غلظ من الكبير ‪ ،‬وتكون عورته‬
‫بعد العشر كعورة البالغين ‪ ،‬ونقل ابن عابدين أنّه ينبغي اعتبار السّبع ‪ ،‬لمرهما بالصّلة إذا‬
‫ن‪.‬‬
‫بلغا هذه السّ ّ‬
‫ن الصّغير ابن ثمان سنوات فأقلّ ل عورة له ‪ ،‬فللمرأة النّظر إلى جميع بدنه‬
‫ويرى المالكيّة أ ّ‬
‫حيّا وأن تغسّله ميّتا ‪ ،‬ولها النّظر إلى جميع بدن من هو بين التّاسعة والثّانية عشرة ولكن‬
‫ليس لها غسله ‪ ،‬والبالغ ثلث عشرة سنةً فما فوق عورته كعورة الرّجل ‪.‬‬
‫أمّا الصّغيرة فهي إلى سنّ السّنتين وثمانية أشهر فل عورة لها إذا كانت رضيعةً ‪ ،‬وأمّا‬
‫غير الرّضيعة إن كانت لم تبلغ حدّ الشّهوة فل عورة لها بالنّسبة للنّظر ‪ ،‬أمّا بالنّسبة للمسّ‬
‫فعورتها كعورة المرأة فليس للرّجل أن يغسّلها ‪ ،‬أمّا المشتهاة فعورتها كعورة المرأة‬
‫بالنّسبة للنّظر والتّغسيل ‪.‬‬
‫وعورة الصّغير في الصّلة السّوأتان والعانة والليتان ‪ ،‬فيندب له سترها ‪ ،‬أمّا عورة‬
‫الصّغيرة فهي بين السّرّة والرّكبة ‪ ،‬وما زاد على ذلك ممّا يجب ستره على الحرّة فمندوب‬
‫لها فقط ‪.‬‬
‫والصحّ عند الشّافعيّة حلّ النّظر إلى صغيرة ل تشتهى لنّها ليست مظنّة الشّهوة ‪ ،‬إلّ‬
‫الفرج فل يح ّل النّظر إليه ‪ ،‬وفرج الصّغير كفرج الصّغيرة على المعتمد ‪ ،‬واستثنى ابن‬
‫القطّان المّ زمن الرّضاع والتّربية للضّرورة ‪ ،‬وينبغي أن تكون المرضعة غير المّ كالمّ‬
‫ح أنّ الصّبيّ المراهق في نظره للجنبيّة كالرّجل البالغ الجنبيّ ‪ ،‬فل يجوز للمرأة أن‬
‫والص ّ‬
‫عوْرَاتِ ال ّنسَاء } ‪ ،‬ومقابل الصحّ‬
‫ظهَرُوا عَلَى َ‬
‫طفْ ِل الّذِينَ َل ْم َي ْ‬
‫تبرز له لقوله تعالى ‪َ { :‬أوِ ال ّ‬
‫أنّه معها كالبالغ من ذوي محارمها ‪ ،‬وأمّا غير المراهق فإن لم يبلغ حدّا يحكي ما يراه‬
‫فكالعدم ‪ ،‬أو بلغه من غير شهوة كالمحرم ‪ ،‬أو بشهوة فكالبالغ ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنّ عورة الصّغير‬
‫في الصّلة ذكرا كان أو أنثى ‪ ،‬مراهقا كان أو غير مراهق كعورة المكلّف في الصّلة ‪.‬‬
‫والحنابلة قالوا ‪ :‬إنّ الصّغير الّذي هو أق ّل من سبع سنين ل عورة له ‪ ،‬فيجوز النّظر إلى‬
‫جميع بدنه ومسّه ‪ ،‬ومن زاد عن ذلك إلى ما قبل تسع سنين فإن كان ذكرا فعورته القبل‬
‫والدّبر في الصّلة وخارجها ‪ ،‬وإن كان أنثى فعورتها ما بين السّرّة والرّكبة بالنّسبة للصّلة‬
‫‪ .‬وأمّا خارجها فعورتها بالنّسبة للمحارم هي ما بين السّرّة والرّكبة ‪ ،‬وبالنّسبة للجانب من‬
‫الرّجال جميع بدنها إ ّل الوجه والرّقبة والرّأس واليدين إلى المرفق والسّاق والقدم ‪.‬‬
‫عورة كلّ من الزّوجين بالنّسبة للخر ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه ليس أي جزء من بدن الزّوجة عورةً بالنّسبة للزّوج‬ ‫‪11‬‬

‫وكذلك أي جزء من بدنه بالنّسبة لها ‪ ،‬وعليه يحلّ لكلّ واحد منهما النّظر إلى جميع جسم‬
‫الخر ومسّه حتّى الفرج ؛ لنّ وطأها مباح ‪ ،‬فيكون نظر كلّ منهما إلى أيّ جزء من أجزاء‬
‫الخر مباحا بشهوة وبدون شهوة بطريق الولى ‪ ،‬والصل فيه قوله تعالى ‪ { :‬وَالّذِينَ ُهمْ‬
‫جهِمْ حَا ِفظُونَ ‪ ،‬إِلّا عَلَى أَ ْزوَاجِ ِهمْ أوْ مَا مَ َلكَتْ أَ ْيمَا ُن ُهمْ فَإِ ّن ُهمْ غَيْ ُر مَلُومِينَ } وما ورد‬
‫ِلفُرُو ِ‬
‫عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه قال ‪ « :‬قلت ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ :‬عوراتنا ما نأتي منها‬
‫وما نذر؟ قال ‪ :‬احفظ عورتك إلّ من زوجتك أو ما ملكت يمينك » ‪.‬‬
‫لكنّ الشّافعيّة والحنابلة قالوا ‪ :‬يكره نظر كلّ منهما إلى فرج الخر ‪ ،‬ونصّ الشّافعيّة على‬
‫أنّ النّظر إلى باطن الفرج أشدّ كراه ًة ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬من الدب أن يغضّ كلّ من الزّوجين النّظر عن فرج صاحبه ‪ ،‬واستدلّوا بما‬
‫روي عنه صلى ال عليه وسلم أنّه قال « إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ‪ ،‬ول يتجرّد تجرّد‬
‫العيرين » ‪.‬‬
‫عورة الخنثى المشكل ‪:‬‬
‫‪ -‬الخنثى المشكل الرّقيق عند الحنفيّة كالمة ‪ ،‬والحرّ كالحرّة ‪ ،‬أي فيما هو عورة منها‬ ‫‪12‬‬

‫وفيما هو ليس بعورة ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬ينبغي أن ل تكشف الخنثى للستنجاء ول للغسل‬
‫عند أحد أصلً ؛ لنّها إن كشفت عند رجل احتمل أنّها أنثى ‪ ،‬وإن كشفت عند أنثى احتمل‬
‫أنّها ذكر ‪.‬‬
‫ل ومع‬
‫والشّافعيّة يرون أنّ الخنثى المشكل يعامل بأش ّد الحتمالين ‪ ،‬فيجعل مع النّساء رج ً‬
‫الرّجال امرأةً ‪ ،‬ول يجوز أن يخلو به أجنبيّ ول أجنبيّة ‪ ،‬وإن كان مملوكا لمرأة فهو معها‬
‫كعبدها ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬الخنثى المشكل كالرّجل ‪ ،‬لنّ ستر ما زاد على عورة الرّجل محتمل فل‬
‫ن أحدهما‬
‫نوجب عليه حكما بأمر محتمل متردّد فيه ‪ ،‬والعورة الفرجان اللّذان في قبله ل ّ‬
‫فرج حقيقيّ‪ ،‬وليس يمكنه تغطيته يقينا إلّ بتغطيتهما ‪ ،‬فوجب عليه ذلك كما يجب ستر ما‬
‫قرب من الفرجين ضرورة سترهما ‪.‬‬
‫العورة في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬يجب ستر العورة في الصّلة لكل الجنسين في حال توفّر السّاتر ‪ ،‬لقوله تعالى ‪:‬‬ ‫‪13‬‬

‫سجِدٍ } قال ابن عبّاس رضي ال عنهما ‪ :‬المراد بالزّينة في الية‬


‫{ خُذُواْ زِينَ َتكُمْ عِندَ ُكلّ َم ْ‬
‫الثّياب في الصّلة ‪ .‬ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل يقبل اللّه صلة حائض إلّ بخمار »‬
‫‪ ،‬أي البالغة ‪ ،‬والثّوب الرّقيق الّذي يصف ما تحته من العورة ل تجوز الصّلة فيه لنكشاف‬
‫)‪.‬‬ ‫‪12/‬‬ ‫العورة ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬صلة ف‬
‫ما تستره المرأة في الحرام ‪:‬‬
‫ن المرأة ما دامت محرمةً ليس لها أن تغطّي وجهها إذ ورد عن‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪14‬‬

‫ابن عمر رضي ال عنهما موقوفا عليه ‪ :‬إحرام الرّجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها‬
‫)‪.‬‬ ‫‪68‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪67/‬‬ ‫‪ .‬وليس لها أن تلبس القفّازين ‪ .‬والتّفصيل ينظر في ( إحرام‬
‫لمس الجنبيّ أو الجنبيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى عدم جواز مسّ الرّجل شيئا من جسد المرأة‬ ‫‪15‬‬

‫ن رسول اللّه صلى ال عليه‬


‫الجنبيّة الحيّة ‪ ،‬سواء أكانت شا ّبةً أم عجوزا ‪ ،‬لما ورد « أ ّ‬
‫ط » ‪ .‬ولنّ المسّ أبلغ من النّظر في اللّذّة وإثارة الشّهوة ‪.‬‬
‫س يده يد امرأة ق ّ‬
‫وسلم لم تم ّ‬
‫ووافقهم الحنفيّة في حكم لمس الجنبيّة الشّابّة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬ل بأس بمصافحة العجوز ومسّ‬
‫يدها لنعدام خوف الفتنة ‪.‬‬
‫عورة الميّت ‪:‬‬
‫ن عورة الميّت يحرم النّظر إليها كحرمة النّظر إلى عورة الحيّ «‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪16‬‬

‫لقوله صلى ال عليه وسلم لعليّ رضي ال عنه ‪ :‬ل تنظر إلى فخذ حيّ ول ميّت » ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪11/‬‬ ‫أمّا لمس الميّت لتغسيله فينظر في مصطلح ( تغسيل الميّت ف‬
‫النّظر إلى العورة لتحمّل الشّهادة ‪:‬‬
‫‪ -‬يصرّح المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بجواز النّظر إلى وجه المرأة الجنبيّة عند‬ ‫‪17‬‬

‫الشّهادة وعند البيع والشّراء ‪ ،‬وكذلك لها النّظر ‪.‬‬


‫ل وأداءً ‪ ،‬هذا كلّه إن لم يخف الفتنة فإن‬
‫قال الشّربينيّ الخطيب ‪ :‬يجوز النّظر للشّهادة تحمّ ً‬
‫خافها لم ينظر إلّ إن تعيّن عليه فينظر ويضبط نفسه ‪ ،‬كما يجوز النّظر إلى الفرج للشّهادة‬
‫على الزّنى والولدة ‪ ،‬وإلى الثّدي للشّهادة على الرّضاع ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬وللشّاهد النّظر إلى وجه المشهود عليها لتكون الشّهادة واقعةً على‬
‫عينها‪ ،‬قال أحمد ‪ :‬ل يشهد على امرأة إ ّل أن يكون قد عرفها بعينها ‪ ،‬وإن عامل امرأةً في‬
‫بيع أو إجارة فله النّظر إلى وجهها ليعلمها بعينها ‪ ،‬وقد روي عن أحمد كراهة ذلك في حقّ‬
‫الشّابّة دون العجوز ‪ ،‬ولعلّه كرهه لمن يخاف الفتنة أو يستغني عن المعاملة ‪ ،‬فأمّا مع‬
‫الحاجة وعدم الشّهوة فل بأس ‪.‬‬
‫ويصرّح الحنفيّة أنّه يجوز للقاضي إذا أراد أن يحكم على امرأة ‪ ،‬وللشّاهد إذا أراد أن يشهد‬
‫عليها النّظر إلى وجهها وإن خاف الشتهاء ‪ ،‬للحاجة إلى إحياء الحقوق عن طريق القضاء‬
‫وأداء الشّهادة ‪.‬‬
‫أمّا النّظر لتحمّل الشّهادة فقيل يباح وإن أدّى إلى الشتهاء ‪ ،‬والصحّ أنّه ل يباح لنتفاء‬
‫الضّرورة ‪ ،‬إذ يوجد من يؤدّيها دون الشتهاء بخلف حالة الداء وفي حالة الزّنى تنهض‬
‫الحاجة للنّظر إلى العورة الغليظة لتحمّل الشّهادة ثمّ أدائها ‪ ،‬إذ ل يمكن الشّهادة على الزّنى‬
‫بدون النّظر إلى هذه العورة ‪ ،‬والحرمة تسقط لمكان الضّرورة ‪.‬‬
‫كشف العورة للحاجة الملجئة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يجوز عند الحاجة الملجئة كشف العورة من الرّجل أو‬ ‫‪18‬‬

‫المرأة ‪ ،‬ليّ من جنسهما أو من الجنس الخر ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنّه يجوز للقابلة النّظر إلى الفرج‬
‫عند الولدة أو لمعرفة البكارة في امرأة العنّين أو نحوها ‪ ،‬ويجوز للطّبيب المسلم إن لم‬
‫توجد طبيبة أن يداوي المريضة الجنبيّة المسلمة ‪ ،‬وينظر منها ويلمس ما تلجئ الحاجة‬
‫إلى نظره أو لمسه ‪ ،‬فإن لم توجد طبيبة ول طبيب مسلم جاز للطّبيب ال ّذمّيّ ذلك ‪.‬‬
‫ويجوز للطّبيبة أن تنظر وتلمس من المريض ما تدعو الحاجة الملجئة إلى نظره إن لم‬
‫يوجد طبيب يقوم بمداواة المريض ‪.‬‬
‫واستدلّوا بما ورد عن عثمان بن عفّان رضي ال تعالى عنه أنّه أتي بغلم قد سرق فقال ‪:‬‬
‫انظروا إلى مؤتزره ‪ ،‬فنظروا ولم يجدوه أنبت الشّعر فلم يقطعه ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يجوز نظر الطّبيب إلى محلّ المرض من المرأة الجنبيّة إذا كان في الوجه‬
‫أو اليدين ‪ ،‬قيل ولو بفرجها للدّواء ‪ ،‬كما يجوز للقابلة نظر الفرج ‪ ،‬قال التّتّائيّ ‪ :‬ولي فيه‬
‫وقفة‪ ،‬إذ القابلة أنثى وهي يجوز لها نظر فرج النثى إذا رضيت ‪.‬‬
‫كشف العورة عند الغتسال ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى جواز كشف العورة عند الغتسال في حال النفراد ‪.‬‬ ‫‪19‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪« :‬‬


‫واستدلّوا بما ورد عن أبي هريرة رضي ال عنه أنّ النّب ّ‬
‫كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراةً ينظر بعضهم إلى بعض وكان موسى يغتسل وحده ‪» ...‬‬
‫‪.‬‬
‫أمّا في غير هذه الحالة فينظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬استتار ف ‪ 8/‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫السّلم على مكشوف العورة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه يكره السّلم على مكشوف العورة ولو كان النكشاف لضرورة ‪،‬‬ ‫‪20‬‬

‫وأنّه ل يسلّم على من يقضي حاجته ‪ ،‬وإن سلّم عليه أحد فل ير ّد عليه لما روى ابن عمر‬
‫رضي ال عنهما « أنّ رجلً م ّر على النّبيّ صلى ال عليه وسلم وهو يبول ‪ ،‬فسلّم عليه‬
‫)‪.‬‬ ‫‪17/‬‬ ‫فلم يردّ عليه صلى ال عليه وسلم » ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ( سلم ف‬
‫النكار على مكشوف العورة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال ابن عابدين ‪ :‬لو رأى شخص غيره مكشوف الرّكبة ينكر عليه برفق ول ينازعه‬ ‫‪21‬‬

‫ج ‪ ،‬وفي السّوأة يؤدّبه إن لجّ‬


‫ج ‪ ،‬وفي الفخذ يعنّفه إن قدر على ذلك ‪ .‬ول يضربه إن ل ّ‬
‫إن ل ّ‬
‫‪ .‬وقال ابن تيميّة يلزمه النكار على مكشوف العورة ؛ إذ هو من المر بالمعروف ‪.‬‬

‫عوَض *‬
‫ِ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ضةً وهو البدل ‪ ،‬تقول ‪ :‬عضت فلنا‬
‫‪ -‬ال ِعوَض مصدر عاضه عوضا وعياضا و َمعْو َ‬ ‫‪1‬‬

‫وأعضته وعوّضته ‪ :‬إذا أعطيته بدل ما ذهب منه ‪ ،‬وتعوّض منه واعتاض ‪ :‬أخذ العوض‬
‫واعتاضه منه واستعاضه وتعوّضه ‪ :‬سأله العوض ‪ ،‬والجمع أعواض ‪.‬‬
‫وال ِعوَض في اصطلح الفقهاء هو مطلق البدل ‪ ،‬وهو ما يبذل في مقابلة غيره ‪.‬‬
‫ومن إطلقات ال ِعوَض ثواب الخرة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الثّمن ‪:‬‬
‫ق به الشّيء ‪ ،‬وثمن كلّ شيء قيمته ‪ ،‬والثّمن ‪ :‬العوض ‪ ،‬والجمع‬
‫‪ -‬الثّمن ‪ :‬ما تستح ّ‬ ‫‪2‬‬

‫أثمان وأثمن ‪.‬‬


‫وقال صاحب المغرب ‪ :‬الثّمن اسم لما هو عوض من المبيع ‪ ،‬فالثّمن أخصّ من العوض ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ي للعوض يدور بين الوجوب والحرمة ‪ ،‬فهو واجب في بعض التّصرّفات‬
‫‪ -‬الحكم التّكليف ّ‬ ‫‪3‬‬

‫ومحرّم في بعض التّصرّفات ‪.‬‬


‫ل فيكون إلى أجله ‪.‬‬
‫فيجب أداء العوض في عقد البيع إلّ أن يذكر المتبايعان له أج ً‬
‫)‪.‬‬ ‫‪61/‬‬ ‫( ر ‪ :‬بيع ف‬
‫وهذا إذا كان العوض من النّقدين ‪ ،‬فإن كان عينا ‪ ،‬قال ابن رشد الحفيد ‪ :‬أجمعوا على أنّه‬
‫ل يجوز بيع العيان إلى أجل ‪ ،‬ومن شرطها تسليم المبيع إلى المبتاع بإثر عقد الصّفقة ‪.‬‬
‫ويجب على المؤجّر في عقد الجارة تسليم العين للمستأجر وتمكينه من النتفاع بها ‪ ،‬كما‬
‫يجب على المستأجر دفع الجرة للمؤجّر وتسليمها عند تسلّمه للعين ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪48‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪45/‬‬ ‫( ر ‪ :‬إجارة‬
‫ويجب على الزّوج أداء المهر المسمّى لزوجته ‪ ،‬لقول اللّه تعالى { وَآتُواْ ال ّنسَاء صَدُقَا ِت ِهنّ‬
‫ِنحْ َلةً } ويجب على من أتلف شيئا الضّمان بردّ مثله إن كان مثليّا وقيمته إن كان قيميّا ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬ضمان ف ‪. ) 6/‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪12/‬‬ ‫ويجب على من جنى على شخص الدّية إذا تحقّق شروط وجوبها ‪ ( .‬ر ‪ :‬ديات ف‬
‫وقد يكون العوض محرّما وذلك عند فقد شرط من شروط صحّته ‪ ،‬كما في بيع الرّبويّات من‬
‫الجنس الواحد إذا حصل فيها تفاضل عند بيع بعضها ببعض ‪ ،‬كبيع درهم بدرهمين نقدا ‪،‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪14/‬‬ ‫أو بيع صاع قمح بصاعين من القمح ونحو ذلك ‪ ( .‬ر ‪ :‬رباب ف‬
‫وقد اعتبر جمهور الفقهاء العواض في عقود المعاوضات من أركان العقد ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪18/‬‬ ‫‪ ،‬وبيع ف‬ ‫‪10/‬‬ ‫( ر ‪ :‬إجارة ف‬
‫أنواع العوض ‪:‬‬
‫ينقسم العوض إلى عدّة أنواع باعتبارات مختلفة ‪:‬‬
‫ح أن يكون عوضا وما ل يصحّ ‪ ،‬فما يصحّ‬
‫‪ -‬فينقسم باعتبار الحكم الشّرعيّ إلى ما يص ّ‬ ‫‪4‬‬

‫ح هو ‪ :‬ما اختلّت فيه‬


‫أن يكون عوضا هو ‪ :‬ما كان مستوفيا لشروطه الشّرعيّة ‪ ،‬وما ل يص ّ‬
‫شروطه الشّرعيّة أو بعضها ‪.‬‬
‫فمن العواض الّتي ل تصحّ في عقد البيع الدّم والميتة ‪ ،‬والكلب والخنزير والخمر‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫والمتنجّس الّذي ل يمكن تطهيره ‪ ،‬والصل فيه ما ورد أ ّ‬
‫ن اللّه ورسوله حرّم‬
‫ي صلى ال عليه وسلم وسلّم « إ ّ‬
‫نهى عن ثمن الكلب » ‪ ،‬وقول النّب ّ‬
‫بيع الخمر والميتة والخنزير والصنام » ‪ .‬قال الشّربينيّ الخطيب ‪ :‬وقيس بها ما في معناها‬
‫‪ .‬وممّا ل يصحّ أن يكون عوضا في عقد الجارة الشجار لتجفيف الثّياب عليها والمصحف‬
‫للنّظر فيه والقراءة منه كما يقول الحنفيّة ‪ ،‬وكذا الشّجر لخذ ثمرته والشّاة لخذ لبنها كما‬
‫يقول المالكيّة ‪.‬‬
‫وممّا ل يصحّ عوضا في عقد النّكاح جعل البضع مهرا ‪ ،‬وهو ما يسمّى بنكاح الشّغار ‪،‬‬
‫ن مهر كلّ منهما بضع‬
‫وهو أن يزوّج الرّجل وليّته على أن يزوّجه الخر وليّته على أ ّ‬
‫الخرى ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬شغار ف ‪ 2/‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫ي‪.‬‬
‫ي وعوض غير مال ّ‬
‫‪ -‬وينقسم العوض باعتبار الماليّة وعدمها إلى عوض مال ّ‬ ‫‪5‬‬

‫وقد مثّل الفقهاء للعوض غير الماليّ بعدّة أمثلة نذكر منها ما يلي ‪:‬‬
‫قال ابن عابدين معلّقا على مسألة استبدال مال التّجارة بغير مال التّجارة في الزّكاة ‪ :‬شمل‬
‫ما لو استبدله بعوض ليس بمال أصلً بأن تزوّج عليه امرأةً أو صالح به عن دم العمد أو‬
‫اختلعت به المرأة ‪.‬‬
‫ي فهو ‪ :‬العوض القائم بالمال ‪ ،‬والمال كما قال الحنفيّة ‪ :‬ما يميل إليه‬
‫وأمّا العوض المال ّ‬
‫الطّبع ويمكن ادّخاره لوقت الحاجة ‪.‬‬
‫‪ -6‬وينقسم العوض أيضا باعتبار ذاته إلى عين ودين ومنفعة وحقّ وتنظر في مصطلحاتها‬
‫‪.‬‬
‫شروط العوض ‪:‬‬
‫ح كونه عوضا ويجري عليه التّعاقد‬
‫‪ -‬وضع الشّارع للعوض شروطا معيّنةً حتّى يص ّ‬ ‫‪7‬‬

‫والتّبادل ‪.‬‬
‫وهذه الشّروط تختلف باختلف التّصرّفات ‪.‬‬
‫ففي عقد البيع هناك شروط خاصّة بالمبيع وشروط خاصّة بالثّمن يجب مراعاتها حتّى يصحّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪50‬‬ ‫وما بعدها ‪-‬‬ ‫‪28/‬‬ ‫عقد البيع ‪ ( .‬ر ‪ :‬بيع ف‬
‫وإذا كانت هذه العواض تجري فيها علّة الرّبا فهناك شروط أخرى يجب مراعاتها ليصحّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪26/‬‬ ‫العقد ‪ ( .‬ر ‪ :‬ربا ف‬
‫ونصّ الفقهاء على شروط معيّنة للمنفعة المعقود عليها والجرة في عقد الجارة ليصحّ‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪27/‬‬ ‫العقد عليها ‪ ( .‬ر ‪ :‬إجارة ف‬
‫ح أن يكون صداقا للمرأة في عقد النّكاح ‪ ،‬فهناك شروط في الصّداق‬
‫وليس كلّ شيء يص ّ‬
‫ليصحّ كونه صداقا ‪ ،‬قال النّوويّ ‪ :‬وما صحّ مبيعا صحّ صداقا ‪ ،‬وقال الحنفيّة ‪ :‬أقلّه‬
‫عشرة دراهم ‪.‬‬
‫والدّيات محدّدة ومقدّرة شرعا من ناحية العدد والمال الّذي تجب فيه ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪29/‬‬ ‫( ر ‪ :‬ديات ف‬
‫أسباب ثبوت العوض ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬عقود المعاوضات ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا تمّت عقود المعاوضات مستوفي ًة لشروطها الشّرعيّة فإنّه يثبت للمتعاقدين البدلن‬ ‫‪8‬‬

‫اللّذان تمّ التّفاق عليهما ‪.‬‬


‫ففي عقد البيع مثلً إذا انعقد صحيحا مستوفيا لشروطه فإنّه يثبت المبيع للمشتري والثّمن‬
‫للبائع ‪ ،‬قال الكاسانيّ ‪ :‬الحكم الصليّ للبيع هو ثبوت الملك للمشتري في البيع وللبائع في‬
‫الثّمن للحال ‪.‬‬
‫ويقول ابن عابدين ‪ :‬وحكمه ‪ -‬أي البيع ‪ -‬ثبوت الملك في البدلين لكلّ منهما ‪ ،‬وكذا إذا‬
‫وقعت الجارة صحيحةً ترتّب عليها حكمها وهو ثبوت الملك في المنفعة للمستأجر ‪ ،‬وفي‬
‫الجرة المسمّاة للمؤجّر ‪.‬‬
‫قال الكاسانيّ معلّلً ذلك ‪ :‬لنّها عقد معاوضة إذ هي بيع المنفعة ‪ ،‬والبيع عقد معاوضة‬
‫فيقتضي ثبوت الملك في العوضين ‪.‬‬
‫ويقول الشّربينيّ الخطيب ‪ :‬كما يملك المؤجّر الجرة بالعقد يملك المستأجر المنفعة المعقود‬
‫عليها ‪ ،‬وتحدث في ملكه بدليل جواز تصرّفه فيها في المستقبل ‪.‬‬
‫وكذلك في عقد السّلم إذا قبض المسلّم إليه رأس المال كان له أن يتصرّف فيه بكلّ‬
‫التّصرّفات السّائغة شرعا لنّه ملكه وتحت يده ‪ .‬ويملك ربّ السّلم المسلم فيه أيضا بمقتضى‬
‫العقد ‪ ،‬وفي جواز التّصرّف في المسلم فيه قبل القبض تفصيل ينظر في مصطلح ( سلم ف‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪29/‬‬

‫ب ‪ -‬عقد النّكاح ‪:‬‬


‫‪ -‬عقد النّكاح الصّحيح يترتّب عليه وجوب المهر للزّوجة ‪ ،‬وحلّ الستمتاع بها للزّوج ‪،‬‬ ‫‪9‬‬

‫فكلّ منهما عوض عن الخر ‪.‬‬


‫يقول الكاسانيّ ‪ :‬المهر في النّكاح الصّحيح يجب بالعقد لنّه إحداث الملك ‪ ،‬والمهر يجب‬
‫بمقابلة إحداث الملك ؛ ولنّه عقد معاوضة وهو معاوضة البضع بالمهر فيقتضي وجوب‬
‫العوض كالبيع ‪ .‬ويقول ابن رشد ‪ :‬ل يحلّ استباحة الفرج إلّ بعقد النّكاح ‪ ،‬ول يكون النّكاح‬
‫إلّ بصداق ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬وَآتُواْ ال ّنسَاء صَدُقَا ِتهِنّ ِنحْ َل ًة } وقال البهوتيّ ‪ :‬المعقود عليه في‬
‫عقد النّكاح منفعة الستمتاع ل ملك المنفعة ‪ ،‬والصّداق هو العوض في النّكاح ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الجنايات ‪:‬‬
‫‪ -‬الجناية هي كلّ فعل محظور يتضمّن ضررا على النّفس أو غيرها ‪.‬‬ ‫‪10‬‬

‫والجناية قد تكون سببا لثبوت العوض على الجاني أو عاقلته ‪ ،‬ففي القتل العمد تجب الدّية‬
‫مغلّظةً على القاتل إذا سقط القصاص بسبب من أسباب سقوطه كالعفو ‪ ،‬وفي القتل شبه‬
‫العمد تجب الدّية مغلّظةً على عاقلة الجاني ‪ .‬وفي القتل الخطأ تجب الدّية على عاقلة الجاني‬
‫مؤجّلةً في ثلث سنين ‪ ،‬ومثله القتل بالتّسبّب عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪12‬‬ ‫( ر ‪ :‬ديات ‪ :‬ف ‪، 8/‬‬
‫كذلك تجب الدّية في العتداء على ما دون النّفس ‪ ،‬والعتداء قد يكون بإبانة الطراف أو‬
‫إتلف المعاني أو الشّجاج والجروح ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪34/‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( ديات ‪ :‬ف‬
‫والدّية ما هي إلّ عوض لما تسبّب به الجاني ‪.‬‬
‫د ‪ -‬التلفات ‪:‬‬
‫‪ -‬من أسباب ثبوت العوض التلفات ‪ .‬حيث يجب على المتلف عوض ما أتلفه وهو ما‬ ‫‪11‬‬

‫يعبّر عنه الفقهاء بالضّمان ‪ ،‬وقد صرّح الفقهاء بكون التلف سببا لوجوب الضّمان ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬أسباب الضّمان ثلثة ‪ :‬أحدها ‪ :‬التّفويت مباشر ًة كإحراق الثّوب وقتل‬
‫ففي الفروق للقراف ّ‬
‫الحيوان وأكل الطّعام ونحو ذلك ‪ ،‬وثانيها ‪ :‬التّسبّب للتلف كحفر بئر في موضع لم يؤذن‬
‫فيه ووضع السّموم في الطعمة ووقود النّار بقرب الزّرع ونحو ذلك ممّا شأنه في العادة أن‬
‫يفضي غالبا للتلف ‪.‬‬
‫وقال السّيوطيّ ‪ :‬أسباب الضّمان أربعة ‪ ...‬الثّالث ‪ :‬التلف نفسا أو مالً ‪.‬‬
‫وقال ابن رجب ‪ :‬أسباب الضّمان ثلثة ‪ :‬عقد ويد وإتلف ‪ ،‬والمراد بالتلف أن يباشر‬
‫التلف بسبب يقتضيه كالقتل والحراق ‪ ،‬أو ينصب سببا عدوانا فيحصل به التلف بأن‬
‫يحفر بئرا في غير ملكه أو يؤجّج نارا في يوم ريح عاصف ‪ ،‬فيتعدّى إلى إتلف مال‬
‫الغير ‪ ،‬أو كان الماء محتبسا بشيء وعادته النطلق فيزيل احتباسه ‪ ،‬وسواء كان له‬
‫اختيار في انطلقه أو لم يكن ‪.‬‬
‫والضّمان كما في المجلّة ‪ :‬هو إعطاء مثل الشّيء إن كان من المثليّات وقيمته إن كان من‬
‫القيميّات ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬تفويت البضع ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح الفقهاء بأنّه إذا فوّت إنسان على امرأة منفعة بضعها بنكاح فاسد أو وطء‬ ‫‪12‬‬

‫بشبهة فإنّه يجب عليه مهر مثلها بالغا ما بلغ عوضا لما فوّته ‪ .‬ففي متن تنوير البصار ‪:‬‬
‫ويجب مهر المثل في نكاح فاسد ‪.‬‬
‫وقال الدّردير ‪ :‬وضمن الغاصب منفعة البضع بالتّفويت ‪ ،‬فعليه في وطء الحرّة صداق مثلها‬
‫ولو ثيّبا ‪ ،‬وفي وطء المة ما نقصها ‪.‬‬
‫ويقول الشّربينيّ الخطيب ‪ :‬ول تضمن منفعة البضع إلّ بتفويت بالوطء فيضمنه بمهر المثل‬
‫‪ .‬ومثل ذلك عند الحنابلة ‪ ،‬قال البهوتيّ ‪ :‬يجب مهر المثل للموطوءة بشبهة كمن وطئ‬
‫امرأةً ليست زوجةً له ول مملوكةً يظنّها زوجته أو مملوكته ‪.‬‬
‫و ‪ -‬عقد الجزية ‪:‬‬
‫‪ -‬الجزية ‪ :‬اسم لما يؤخذ من أهل ال ّذمّة سواء بالتّراضي أو بالقهر والغلبة وفتح البلد‬ ‫‪13‬‬

‫عنوةً ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في حقيقة الجزية هل هي عقوبة أم عوض أم صلة ؟‬
‫فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الجزية تجب على أهل ال ّذمّة عوضا عن معوّض ‪ ،‬على خلف‬
‫بينهم في ذلك المعوّض الّذي تجب الجزية بدلً عنه ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪19/‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( جزية ف‬
‫ز ‪ -‬تلف الزّكاة والضحيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الضّمان على المزكّي إذا تلف مال الزّكاة ‪ ،‬فذهب المالكيّة‬ ‫‪14‬‬

‫والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الزّكاة ل تسقط بتلف المال بعد الحول ‪ ،‬ويجب على المزكّي‬
‫الضّمان أي إخراج بدلها ‪ ،‬وذلك لنّها مال وجب في ال ّذمّة ‪ ،‬فلم يسقط بتلف النّصاب‬
‫كالدّين‪ .‬وذهب الحنفيّة إلى سقوط الزّكاة بتلف المال بعد الحول ول ضمان على المزكّي ‪.‬‬
‫وفي المسألة تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬تلف ف ‪. ) 4/‬‬
‫وذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ تلف المال بعد وجوب زكاة الفطر وبعد التّمكّن‬
‫من أدائها ل يسقطها بل تستقرّ في ذمّته ‪ ،‬وخالف في ذلك المالكيّة وقالوا بسقوط زكاة‬
‫الفطر بالتّلف ‪ ،‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تلف ف ‪. ) 5/‬‬
‫كما أوجب الحنفيّة على الموسر إذا تلفت أضحيّته المعيّنة أن يضحّي بشاة أخرى ‪ ،‬وخصّ‬
‫الشّافعيّة والحنابلة القول بالضّمان بما إذا تلفت بعد التّمكّن من ذبحها أو بتفريط منه ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تلف ‪. ) 6/‬‬
‫ح ‪ -‬ارتكاب المحظورات ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه يجب في صيد الحرم الضّمان بالمثل فيما له مثل من النّعم أو‬ ‫‪15‬‬

‫القيمة فيه ‪ ،‬وفيما ل مثل له بتقويم رجلين عدلين يتصدّق بها على المساكين ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪13/‬‬ ‫وحرم ف‬ ‫‪164‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪16/‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( إحرام ف‬
‫وأوجب الشّارع في الحنث في اليمين كفّار ًة هي ‪ :‬إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو‬
‫تحرير رقبة ‪ ،‬وعند العجز عن الثّلث يجب عليه صيام ثلثة أيّام ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪138/‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬أيمان ف‬
‫وتجب الكفّارة على المظاهر ‪ ،‬وهي باتّفاق الفقهاء على التّرتيب التي ‪ :‬العتاق ثمّ الصّيام‬
‫)‪.‬‬ ‫‪28/‬‬ ‫ثمّ الطعام ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬ظهار ف‬
‫ط ‪ -‬التّفريط والتّعدّي ‪:‬‬
‫‪ -‬من أسباب ثبوت العوض التّعدّي ‪ ،‬وهو الظّلم ومجاوزة الحدّ ‪ ،‬والتّفريط وهو‬ ‫‪16‬‬

‫التّقصير والتّضييع ‪ ،‬وهما يوجبان الضّمان في عقود المانات كالوديعة ‪ ،‬وذلك كإهمال‬
‫حفظها في حرز مثلها أو إيداعها عند غير أمين ‪ ،‬ومثلها العاريّة والرّهن عند من يعدّهما‬
‫ن الصل في الوكيل أنّه‬
‫من المانات ‪ .‬والتّفريط يوجب الضّمان في عقد الوكالة ‪ ،‬ذلك أ ّ‬
‫أمين ‪ ،‬فل ضمان عليه فيما تلف في يده بغير تفريط منه ول تعدّ ‪ ،‬فإذا ثبت تفريطه أو‬
‫تعدّيه وجب عليه الضّمان ‪.‬‬
‫وإذا فرّط الجير فيما وكّل إليه من عمل فتلف ما في يده وجب عليه الضّمان ‪ ،‬ومثله‬
‫الوصيّ فإنّه يضمن إذا فرّط في مال الموصى عليه ‪.‬‬
‫وانفرد المالكيّة بالقول بإيجاب الضّمان على من فرّط في إنقاذ مال غيره من الضّياع أو‬
‫التّلف ‪ ،‬وعلى من فرّط في إنقاذ حياة إنسان ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تلف ف ‪ 5/‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫والتّعدّي والتّفريط أيضا سبب لثبوت العوض على المضارب ‪ ،‬فإذا هلك مال المضاربة في‬
‫ب المال دون‬
‫يد المضارب بسبب تعدّيه أو تقصيره فإنّه يضمنه ‪ ،‬وإلّ فالخسران على ر ّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪53/‬‬ ‫العامل لنّه أمين كالوديع ‪ ( .‬ر ‪ :‬ضمان ف‬
‫ما ل يجوز أخذ العوض عنه ‪:‬‬
‫ص الفقهاء على أنّه ل يجوز أخذ العوض عنها ‪ .‬نذكر منها ما يلي ‪:‬‬
‫‪ -‬هناك تصرّفات ن ّ‬ ‫‪17‬‬

‫أ ‪ -‬ل يجوز أخذ العوض عن المنافع المحرّمة كالزّنا والنّوح والغناء والملهي المحرّمة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪108/‬‬ ‫( ر ‪ :‬إجارة ف‬
‫ب ‪ -‬ل يجوز أخذ العوض على الطّاعات الواجبة على المسلم كالصّلة والصّوم والحجّ ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪109/‬‬ ‫( ر ‪ :‬إجارة ف‬
‫قال الزّركشيّ ‪ :‬ولهذا ل يجوز الستئجار للجهاد ؛ لنّه إذا حضر الصّفّ تعيّن عليه ؛ ولنّ‬
‫منفعة الجهاد تعود إليه فالمنفعة حاصلة له ‪.‬‬
‫ولو خلّص مشرفا على الهلك بالوقوع في ماء أو نار ل تثبت له أجرة المثل ‪ ،‬قاله القاضي‬
‫حسين ‪.‬‬
‫ولو كان رجلن في بادية فمرض أحدهما وجب على الخر تعهّده ‪ ،‬زاد المام ‪ :‬ول أجرة‬
‫له‪ ،‬وإذا وجب بذل الماء الفاضل عنه ل يجوز أخذ العوض عنه في الصحّ ‪ ،‬وإذا تحمّل‬
‫شهادةً وطلب أداؤها منه ل يجوز له أخذ الجرة للنّهي ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ل يجوز أخذ العوض عند جمهور الفقهاء عن الحقوق المجرّدة ‪ ،‬كحقّ الشّفعة وحقّ‬
‫القسم للزّوجة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪26/‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( حقّ ف‬
‫تقدير العوض ‪:‬‬
‫يختلف حكم تقدير العوض باختلف التّصرّف الواقع فيه كما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّصرّفات الّتي يجب أن يكون العوض فيها مقدّرا ومعلوما ‪:‬‬
‫‪ -‬اشترط الشّارع في بعض التّصرّفات أن يكون العوض فيها مقدّرا ومعلوما للمتعاقدين‬ ‫‪18‬‬

‫وذلك كعقود المعاوضات حسما لمادّة النّزاع ‪.‬‬


‫ففي البيع يجب أن يكون الثّمن معلوما والمبيع معلوما ‪.‬‬
‫قال التّمرتاشيّ ‪ :‬وشرط لصحّته ‪ -‬أي البيع ‪ -‬معرفة قدر مبيع وثمن ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬ل ب ّد من كون الثّمن والمثمّن معلومين للبائع والمشتري وإلّ فسد البيع ‪،‬‬
‫وقال الدّسوق ّ‬
‫وجهل أحدهما كجهلهما على المذهب ‪.‬‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬وللمبيع شروط ‪ ..‬الخامس ‪ :‬العلم به ‪ ..‬ومتى كان العوض معيّنا كفت‬
‫معاينته ‪.‬‬
‫وقال البهوتيّ ‪ :‬يشترط لصحّة عقد البيع أن يكون المبيع والثّمن معلومين للمتعاقدين حال‬
‫العقد ‪.‬‬
‫وفي عقد الجارة اشترط الفقهاء لصحّتها أن يكون كلّ من المنفعة والجرة معلوما عند‬
‫)‪.‬‬ ‫‪40‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪31/‬‬ ‫المتعاقدين ‪ ( .‬ر ‪ :‬إجارة ف‬
‫وفي عقد السّلم اشترط الفقهاء في رأس مال السّلم والمسلم فيه أن يكونا معلومين ‪ ،‬وذلك‬
‫لنّ كلّا منهما بدل في عقد معاوضة ماليّة فل ب ّد من كونه معلوما ‪ :‬كسائر عقود‬
‫)‪.‬‬ ‫‪22‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪15/‬‬ ‫المعاوضات‪ ( .‬ر ‪ :‬سلم ف‬
‫واختلف الفقهاء في عوض الخلع هل يشترط أن يكون مقدّرا معلوما أم ل ؟‬
‫فاشترط الشّافعيّة أن يكون مقدّرا معلوما ‪ ،‬ولم يشترط ذلك جمهور الفقهاء حيث قالوا‬
‫)‪.‬‬ ‫‪26/‬‬ ‫بصحّة الخلع بالمجهول ‪ ( .‬ر ‪ :‬خلع ف‬
‫ب ‪ -‬التّصرّفات الّتي ل يجب فيها تقدير العوض ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على صحّة النّكاح ولو مع عدم ذكر المهر وتقديره ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬لّ‬ ‫‪19‬‬

‫ضةً } ‪ ،‬ويسمّى النّكاح في‬


‫جُنَاحَ عَلَ ْيكُ ْم إِن طَّلقْ ُتمُ ال ّنسَاء مَا َلمْ َت َمسّو ُهنّ َأوْ َتفْرِضُواْ َلهُنّ فَرِي َ‬
‫هذه الحالة نكاح التّفويض ‪.‬‬
‫بل ذهب جمهور الفقهاء إلى صحّة عقد النّكاح مع اشتراط عدم المهر ‪ ،‬قال الكاسانيّ ‪ :‬ل‬
‫ح عَلَ ْي ُكمْ إِن‬
‫ح من غير ذكر المهر ومع نفيه لقوله تعالى ‪ { :‬لّ جُنَا َ‬
‫ن النّكاح يص ّ‬
‫خلف في أ ّ‬
‫ضةً } ‪ ،‬رفع سبحانه الجناح عمّن طلّق‬
‫ن َأوْ َتفْرِضُواْ َلهُنّ َفرِي َ‬
‫طَّلقْتُمُ ال ّنسَاء مَا َلمْ َت َمسّوهُ ّ‬
‫في نكاح ل تسمية فيه ‪ ،‬والطّلق ل يكون إلّ بعد النّكاح فدلّ على جواز النّكاح بل تسمية ‪.‬‬
‫وخالفهم المالكيّة في مسألة اشتراط عدم المهر ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( تفويض ف ‪ 5/‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل يشترط في عوض الخلع أن يكون معلوما ومقدّرا ‪،‬‬
‫ونصّوا على صحّة الخلع مع جهالة العوض وخالفهم في ذلك الشّافعيّة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪26/‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( خلع ف‬
‫العواض الّتي قدّرها الشّارع ‪:‬‬
‫‪ -‬قام الشّارع بتقدير بعض العواض ‪ ،‬ولم يترك تقديرها لحد وذلك حسما لمادّة‬ ‫‪20‬‬

‫النّزاع‪ ،‬وتقدير الشّارع للعوض إمّا أن يكون بتحديده ‪ ،‬أو بوضع ضابط يرجع إليه في‬
‫تقدير العوض ‪.‬‬
‫ل مائةً من البل أو‬
‫ومن العواض الّتي حدّدها الشّارع الدّية ‪ ،‬فقدّر الشّارع دية الخطأ مث ً‬
‫ألف دينار من الذّهب أو اثني عشر ألف درهم من الورق ‪ ،‬وكذلك دية القتل شبه العمد ‪،‬‬
‫والقتل العمد إذا سقط القصاص ‪ ،‬لكن مع التّغليظ في الحالين ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪12/‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( ديات ف‬
‫وأيضا قدّر الشّارع دية الطراف وإتلف المعاني والشّجاج والجروح ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪34/‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( ديات ف‬
‫ومن العواض المقدّرة من الشّارع فدية الحامل والمرضع والشّيخ الهرم في صيام رمضان‬
‫‪ ،‬وهي م ّد من طعام لمسكين إذا كان من الب ّر ‪ ،‬أو نصف صاع إذا كان من غيره وذلك عن‬
‫)‪.‬‬ ‫‪90/‬‬ ‫كلّ يوم حصل فيه إفطار ‪ ( .‬ر ‪ :‬صوم ف‬
‫وفي كفّارات محظورات الحرام الفدية ‪ ،‬وهي أن يذبح هديا أو يتصدّق بإطعام ستّة مساكين‬
‫)‪.‬‬ ‫‪148/‬‬ ‫أو يصوم ثلثة أيّام ‪ ( .‬ر ‪ :‬إحرام ف‬
‫ومن العواض الّتي قدّرها الشّارع بوضع ضابط يرجع إليه عند تقديرها العوض في‬
‫التلفات ‪ ،‬والضّابط فيه ‪ :‬ر ّد مثل الهالك ( المتلف ) إن كان مثليّا أو قيمته إن كان قيميّا ‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إناء مثل إناء وطعام مثل طعام » ‪.‬‬
‫والصل فيه قول النّب ّ‬
‫قال الكاسانيّ ‪ :‬وأمّا بيان ماهيّة الضّمان الواجب بإتلف ما سوى بني آدم ‪ ،‬فالواجب به ما‬
‫هو الواجب بالغصب ‪ ،‬وهو ضمان المثل إن كان المتلف مثليّا ‪ ،‬وضمان القيمة إن كان ممّا‬
‫ن ضمان التلف ضمان اعتداء ‪ ،‬والعتداء لم يشرع إلّ بالمثل ‪ ،‬فعند‬
‫ل مثل له ‪ ،‬ل ّ‬
‫المكان يجب العمل بالمثل المطلق ‪ ،‬وهو المثل صور ًة ومعنىً ‪ ،‬وعند التّعذّر يجب المثل‬
‫)‪.‬‬ ‫‪91‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪18‬‬ ‫معنىً وهو القيمة ‪ ( .‬ر ‪ :‬ضمان ف ‪، 6/‬‬
‫ومن ذلك أيضا الصّداق في نكاح التّفويض ‪ ،‬والضّابط فيه ‪ :‬وجوب مهر المثل ‪ ،‬ويتقرّر‬
‫هذا المهر بالموت أو الوطء ‪ ( .‬ر ‪ :‬تفويض ف ‪. ) 8/‬‬
‫ومن ذلك أيضا جزاء قتل الصّيد على المحرم ‪ ،‬والضّابط فيه بيّنه قوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا‬
‫ن ال ّنعَمِ‬
‫الّذِينَ آمَنُواْ لَ َتقْتُلُواْ الصّيْدَ َوأَن ُتمْ حُ ُرمٌ َومَن قَ َتَلهُ مِنكُم مّ َت َعمّدا َفجَزَاء مّ ْث ُل مَا قَ َتلَ مِ َ‬
‫طعَامُ َمسَاكِينَ أَو عَ ْدلُ ذَِلكَ صِيَاما لّيَذُوقَ‬
‫حكُمُ ِب ِه َذوَا عَ ْدلٍ مّن ُكمْ هَدْيا بَالِغَ ا ْل َكعْ َبةِ َأوْ َكفّارَةٌ َ‬
‫َي ْ‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪161/‬‬ ‫وَبَالَ َأمْرِ ِه } ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ( إحرام ف‬
‫تجزئة العوض ‪:‬‬
‫ل حسب ما يقدّره العاقدان ‪ -‬كما في العقود ‪ -‬أو بحسب ما قدّره‬
‫‪ -‬يثبت العوض كام ً‬ ‫‪21‬‬

‫الشّارع ‪ -‬كما في الجنايات والتلفات ‪.‬‬


‫ل ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫لكن هناك حالت ل يثبت فيها العوض كام ً‬
‫أ ‪ -‬حالة ما إذا تلف بعض المبيع بفعل البائع قبل القبض ‪ ،‬فالمذهب عند الحنفيّة بطلن‬
‫البيع بقدره ويسقط عن المشتري حصّة التّالف من الثّمن ‪ ،‬وهو مذهب الحنابلة في المبيع‬
‫ن المشتري مخيّر بين‬
‫ل أو موزونا ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪ :‬قياس قول أصحابنا أ ّ‬
‫إذا كان مكي ً‬
‫الفسخ والرّجوع بالثّمن ‪ ،‬وبين أخذه والرّجوع على البائع بعوض ما أتلف أو عيّب ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪14/‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( تلف ف‬
‫ص إذا عمل لغير مستأجره بغير إذنه ‪ ،‬فإنّه ينقص من أجره بقدر ما‬
‫ب ‪ -‬حالة الجير الخا ّ‬
‫ب العمل أن يسقط من أجره بقدر قيمة ما عمل لغيره ‪ ،‬ولو كان عمله لغيره‬
‫عمل ‪ .‬فلر ّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪106/‬‬ ‫مجّانا‪ ( .‬ر ‪ :‬إجارة ف‬
‫ج ‪ -‬حالة الطّلق قبل الدّخول عند تسمية المهر ‪ ،‬فإنّه في تلك الحالة يجب للمطلّقة نصف‬
‫ن وَقَدْ فَرَضْ ُتمْ َلهُنّ‬
‫ن مِن قَ ْبلِ أَن َت َمسّوهُ ّ‬
‫المهر المسمّى ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬وإِن طَّلقْتُمُوهُ ّ‬
‫ف مَا فَرَضْ ُتمْ } ‪.‬‬
‫ضةً فَنِصْ ُ‬
‫فَرِي َ‬
‫د ‪ -‬في الخلع إذا قالت طلّقني ثلثا بألف ‪ ،‬فطلّقها واحدةً فعليها ثلث اللف ؛ لنّها لمّا‬
‫ن حرف الباء يصحب‬
‫طلبت الثّلث بألف فقد طلبت كلّ واحدة بثلث اللف ‪ ،‬وهذا ل ّ‬
‫العواض ‪ ،‬والعوض ينقسم على المعوّض ‪.‬‬
‫تسليم العوض ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا ثبت العوض في ذمّة شخص نتيجة ما قام به من تصرّف ‪ ،‬فإنّه يجب عليه تسليم‬ ‫‪22‬‬

‫العوض إلى مستحقّه ‪.‬‬


‫ويختلف وقت تسليم العوض باختلف التّصرّف الواقع فيه ‪.‬‬
‫ففي بعض التّصرّفات اشترط الشّارع تسليم العوض حالّا وفي مجلس العقد ‪ ،‬لنّها أعواض‬
‫حالّة بحكم الشّرع ‪ ،‬وذلك كما في بيع الموال الرّبويّة بعضها ببعض عند اتّحاد العلّة ‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫والصل في ذلك حديث عبادة بن الصّامت رضي ال تعالى عنه أنّ النّب ّ‬
‫وسلم قال ‪ « :‬الذّهب بالذّهب والفضّة بالفضّة والبرّ بالب ّر والشّعير بالشّعير والتّمر بالتّمر‬
‫والملح بالملح مثلً بمثل سواءً بسواء يدا بيد ‪ ،‬فإذا اختلفت هذه الصناف فبيعوا كيف شئتم‬
‫إذا كان يدا بيد » ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪26/‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( ربا ف‬
‫وفي عقد السّلم اشترط الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة لصحّته تسليم رأس المال في مجلس‬
‫العقد ‪ ،‬فلو تفرّقا قبله بطل العقد ‪ ،‬وأجاز المالكيّة تأخيره اليومين والثّلثة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪16/‬‬ ‫( ر ‪ :‬سلم ف‬
‫وفي الشّفعة يرى الحنفيّة والشّافعيّة أنّه يجب أن يكون ثمن المشفوع فيه حالّا ولو كان‬
‫ل أخذه‬
‫الثّمن مؤجّلً على المشتري ‪ ،‬وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه إذا بيع العقار مؤجّ ً‬
‫)‪.‬‬ ‫‪41/‬‬ ‫الشّفيع إلى أجله ‪ ( .‬ر ‪ :‬أجل ف‬
‫ن الثّمن إذا كان حالّا فأجّله المشتري عند القالة ‪ ،‬فإنّ‬
‫وفي القالة يرى جمهور الفقهاء أ ّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪39‬‬ ‫التّأجيل يبطل وتصحّ القالة ‪ .‬ر ‪ ( :‬أجل ف‬
‫وفي دية القتل العمد يرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّها تجب في مال القاتل حاّل ًة غير‬
‫مؤجّلة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪43/‬‬ ‫وعند الحنفيّة تفصيل ينظر في مصطلح ( أجل ف‬
‫ل بحكم الشّرع ‪.‬‬
‫‪ -‬وفي بعض التّصرّفات يكون العوض مؤجّ ً‬ ‫‪23‬‬

‫ومن هذه العواض الدّية في القتل شبه العمد والقتل الخطأ ‪ ،‬حيث تكون الدّية فيهما‬
‫)‪.‬‬ ‫‪45‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪44/‬‬ ‫مؤجّلةً لمدّة ثلث سنوات ‪ ( .‬ر ‪ :‬أجل ف‬
‫ومنها المسلم فيه ‪ ،‬فقد اشترط الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة لصحّة السّلم أن يكون المسلم‬
‫فيه مؤجّلً إلى أجل معلوم ول يصحّ السّلم الحالّ ‪ ،‬ويرى الشّافعيّة جواز السّلم في الحالّ ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪46/‬‬ ‫( ر ‪ :‬أجل ف‬
‫ن المكاتبة ل تكون إلّ‬
‫ومنها العوض المكاتب به حيث يرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أ ّ‬
‫بمال مؤجّل منجّم تيسيرا على المكاتب ‪ ،‬ويرى الحنفيّة جواز الكتابة بمال مؤجّل وبمال‬
‫)‪.‬‬ ‫‪47/‬‬ ‫حالّ‪ ( .‬ر ‪ :‬أجل ف‬
‫‪ -‬وفي بعض التّصرّفات أجاز الشّارع تأخير تسليم العوض بحسب ما يتّفق عليه‬ ‫‪24‬‬

‫العاقدان ‪ ،‬فقد اتّفق الفقهاء على جواز تأجيل الثّمن في البيع ‪ ،‬لحديث عائشة رضي ال‬
‫عنها أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم « اشترى من يهوديّ طعاما بنسيئة ورهنه درعا‬
‫له من حديد » ‪.‬‬
‫وأجاز المالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في الرّأي المرجوح تأجيل تسليم العين المبيعة إلى المدّة‬
‫الّتي يحدّدها العاقدان ‪ ،‬كما لو باع دارا على أن يسكنها البائع شهرا ثمّ يسلّمها إليه ‪ ،‬ومنع‬
‫ذلك الحنفيّة والشّافعيّة في الرّأي الرّاجح ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪33/‬‬ ‫( وتفصيل ذلك في أجل ف‬
‫موانع تسليم العوض ‪:‬‬
‫‪ -‬أجاز الفقهاء ‪ -‬في عقود المعاوضات ‪ -‬حبس العوض لستيفاء بدله ‪ ،‬فيجوز للبائع‬ ‫‪25‬‬

‫أن يمتنع عن تسليم المبيع إلى المشتري حتّى يقضي الثّمن المعجّل ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪20/‬‬ ‫( ر ‪ :‬استيفاء ف‬
‫وإن كانت الجرة معجّلةً في عقد الجارة كان للمؤجّر حبس ما وقع عليه العقد حتّى‬
‫)‪.‬‬ ‫‪56/‬‬ ‫يستوفي الجرة ‪ ( .‬ر ‪ :‬إجارة ف‬
‫وللزّوجة أن تمتنع عن تسليم نفسها إلى أن يدفع لها الزّوج صداقها المعجّل ‪ ،‬وذلك لنّ‬
‫حقّ الزّوج قد تعيّن في المبدل فوجب أن يتعيّن حقّها في البدل تسوي ًة بينهما ‪.‬‬
‫ومن موانع تسليم الزّوجة لزوجها الصّغر ‪ ،‬فل تسلّم صغيرة ل تحتمل الوطء إلى زوجها‬
‫حتّى تكبر ؛ لنّه قد يحمله فرط الشّهوة على الجماع فتتضرّر به ‪.‬‬
‫ومن موانع تسليم الزّوجة المرض الّذي يمنع من الجماع ‪ ،‬وتمهل المرأة إلى حين زوال‬
‫مرضها ‪.‬‬
‫مسقطات العوض ‪:‬‬
‫هناك أسباب تؤدّي إلى سقوط العوض بعد ثبوته ‪ ،‬منها ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬هلك المعقود عليه ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ هلك المعقود عليه يؤدّي إلى سقوط ما يقابله من‬ ‫‪26‬‬

‫العوض في الجملة ‪.‬‬


‫فإذا تلف المبيع قبل القبض بآفة سماويّة أو بفعل المبيع انفسخ البيع وسقط الثّمن عن‬
‫المشتري ‪ ( .‬ر ‪ :‬تلف ف ‪. ) 9/‬‬
‫وإذا هلكت العين المستأجرة بحيث تفوت المنافع المقصودة منها كلّ ّيةً كالدّار إذا انهدمت‬
‫وصارت أنقاضا ‪ ،‬والسّفينة إذا نقضت وصارت ألواحا انفسخ عقد الجارة وسقطت الجرة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬البراء ‪:‬‬
‫‪ -‬البراء ‪ :‬هو إسقاط الشّخص حقّا له في ذمّة آخر أو قِبَله ‪ ،‬فالبراء سبب من أسباب‬ ‫‪27‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪12/‬‬ ‫سقوط العوض عن ال ّذمّة ‪ ،‬والحكم الغالب للبراء هو النّدب ‪ ( .‬ر ‪ :‬إبراء ف‬
‫ج ‪ -‬العفو ‪:‬‬
‫‪ -‬العفو سبب من أسباب سقوط العوض ‪ ،‬ويأتي ذلك في القصاص والجنايات ‪ ،‬فإذا‬ ‫‪28‬‬

‫ثبتت الدّية على الجاني ‪ ،‬كان العفو مسقطا لها ‪ ،‬فقد اتّفق الفقهاء على أنّ دية النّفس‬
‫ق من عفا‬
‫تسقط بعفو جميع الورثة المستحقّين لها ‪ ،‬وإذا عفا بعضهم دون البعض يسقط ح ّ‬
‫‪ ،‬وتبقى حصّة الخرين في مال الجاني إن كانت الجناية عمدا ‪ ،‬وعلى العاقلة إن كانت خطأً‬
‫‪ .‬وإذا عفا المجنيّ عليه عن دية الجناية على ما دون النّفس من القطع وإتلف المعاني‬
‫تسقط ديتها ‪ ،‬لنّها من حقوق العباد الّتي تسقط بعفو من له حقّ العفو ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪83‬‬ ‫( ر ‪ :‬ديات ف ‪/‬‬
‫د ‪ -‬السلم ‪:‬‬
‫‪ -‬قد يكون السلم سببا من أسباب سقوط العوض ‪ ،‬وذلك في الجزية ‪ ،‬فقد اتّفق‬ ‫‪29‬‬

‫ن الجزية تسقط عمّن دخل في السلم من أهل ال ّذمّة ‪ ،‬فل يطالب بها فيما‬
‫الفقهاء على أ ّ‬
‫يستقبل من الزّمان ‪ ،‬لحديث ابن عبّاس رضي ال عنهما قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬ليس على المسلم جزية » ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪69/‬‬ ‫وهناك مسقطات أخرى للجزية سبق تفصيلها في ( مصطلح جزية ف‬

‫عوْل *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬العول مصدر عال يعول ‪ ،‬ومن معانيه في اللّغة الرتفاع والزّيادة يقال ‪ :‬عالت‬ ‫‪1‬‬

‫الفريضة إذا ارتفع حسابها ‪ ،‬وزادت سهامها ‪ ،‬فنقصت النصباء ‪.‬‬


‫وفي الصطلح هو أن يزاد على المخرج شيء من أجزائه ‪ ،‬كسدسه أو ثلثه أو نحو ذلك‬
‫من الكسور الموجودة فيه إذا ضاق المخرج عن فرض ‪ ،‬أو هو زيادة سهام الفروض عن‬
‫أصل المسألة بزيادة كسورها عن الواحد ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الرّدّ ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني الرّدّ الرّجوع ‪ ،‬يقال ‪ :‬ر ّد عليه الوديعة ورددته إلى منزله فارتدّ إليه ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬دفع ما فضل من فروض ذوي الفروض إلى ذوي الفروض النّسبيّة بقدر‬
‫حقوقهم عند عدم استحقاق الغير ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فالرّ ّد ض ّد العول ‪ ،‬إذ بالعول تنتقص سهام ذوي الفروض ويزداد أصل المسألة ‪،‬‬
‫وبالرّ ّد تزداد السّهام وينتقص أصل المسألة ‪ ،‬وفي العول تفضل السّهام على المخرج ‪ ،‬وفي‬
‫الرّ ّد يفضل المخرج على السّهام ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬العول مشروع ويؤخذ به إذا ضاق المخرج عن الوفاء بسهام جميع أهل الفروض ‪،‬‬ ‫‪3‬‬

‫فإذا ماتت امرأة عن زوج وأمّ وأخت شقيقة ‪ ،‬فالورثة كلّهم من أصحاب الفروض ‪ ،‬للزّوج‬
‫النّصف ‪ ،‬وللمّ الثّلث ‪ ،‬وللخت النّصف فرضا ‪ ،‬وقد زادت الفروض عمّا تنقسم إليه التّركة‬
‫‪ ،‬لنّنا لو أعطينا الزّوج النّصف فالباقي ل يسع النّصف والثّلث ‪ ،‬وهكذا في حالة إعطاء‬
‫الخرين فروضهم ‪ ،‬فل ب ّد من العول ‪ ،‬أي زيادة أصل السّهام في أصل المسألة أي المخرج‬
‫‪ ،‬قال في شرح السّراجيّة ‪ :‬إنّ المخرج إذا ضاق عن الوفاء بالفروض المجتمعة فيه ترفع‬
‫التّركة إلى عدد أكثر من ذلك المخرج ثمّ تقسم حتّى يدخل النّقصان في فرائض جميع الورثة‬
‫على نسبة واحدة ‪ ،‬لنّ المستحقّين من أصحاب الفروض قد تساووا في سبب الستحقاق‬
‫ص ‪ ،‬فيتساوون في الستحقاق ‪ ،‬فيأخذ كلّ واحد منهم جميع حقّه إذا اتّسع المحلّ‬
‫وهو النّ ّ‬
‫وينقص من حقّه إذا ضاق المحلّ ‪ ،‬كالغرماء في التّركة ‪ ،‬فإذا أوجب اللّه تعالى في مال‬
‫ل ‪،‬علم أنّ المراد الضّرب بهذه الفروض في ذلك المال ‪ ،‬لستحالة وفائه‬
‫نصفين وثلثا مث ً‬
‫بها‪ .‬وأوّل من حكم بالعول عمر رضي ال تعالى عنه ‪ ،‬فإنّه وقع في عهده صورة ضاق‬
‫مخرجها عن فروضها ‪ ،‬فشاور الصّحابة فيها فأشار العبّاس رضي ال عنه بالعول ‪ ،‬وقال‬
‫‪ :‬أعيلوا الفرائض ‪ ،‬فتابعوه على ذلك ولم ينكره أحد ‪ .‬وفي خلفة عثمان رضي ال عنه‬
‫أظهر ابن عبّاس رضي ال عنهما خلفه في العول فقال ‪ :‬لو أنّهم قدّموا من قدّم اللّه‬
‫ط ‪ ،‬فقيل له ‪ :‬من قدّمه اللّه ومن أخّره ؟ فقال ‪ :‬قدّم‬
‫وأخّروا من أخّر اللّه ما عالت فريضة ق ّ‬
‫اللّه الزّوج والزّوجة والمّ والجدّة ‪ ،‬وأخّر اللّه البنات ‪ ،‬وبنات البن ‪ ،‬والخوات ‪.‬‬
‫ن مجموع المخارج سبعة ‪ :‬أربعة منها ل تعول أصلً وهي‬
‫وقد ثبت في علم الفرائض أ ّ‬
‫ن الفروض المتعلّقة بهذه المخارج إمّا أن يفي المال‬
‫الثنان والثّلثة والربعة والثّمانية ‪ ،‬ل ّ‬
‫بها أو يبقى منه شيء زائد عليها ‪ ،‬وثلثة من هذه المخارج قد تعول ‪ ،‬وهي ستّة ‪ ،‬واثنا‬
‫عشر ‪ ،‬وأربعة وعشرون ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪62‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪56/‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إرث ف‬

‫عوْم *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬العوم في اللّغة السّباحة ‪ ،‬يقال رجل عوّام ‪ :‬ماهر في السّباحة ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫وفي الصطلح ل يخرج عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬


‫الحكام المتعلّقة بالعوم ‪:‬‬
‫ث على تعلّمها كركوب الخيل والرّماية‬
‫‪ -‬العوم من المور الّتي رغّب فيها السلم وح ّ‬ ‫‪2‬‬

‫وغير ذلك ممّا يقوّي الجسم ‪ ،‬وينمّي المهارات المشروعة ‪ ،‬ويدفع الكسل والخمول عن‬
‫المسلم ‪.‬‬
‫وعن ابن عمر رضي ال تعالى عنه مرفوعا ‪ « :‬علّموا أبناءكم السّباحة والرّمي » ‪.‬‬
‫ويجوز المسابقة في العوم بل جعل عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ( سباق ف ‪ 6/‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫ضمان العوّام لمن غرق بيده ‪:‬‬
‫ي ‪ ،‬وجبت ديته ‪ ،‬لنّ‬
‫‪ -‬قال الشّافعيّة ‪ :‬إذا سلّم صبيّ إلى عوّام ليعلّمه العوم فغرق الصّب ّ‬ ‫‪3‬‬

‫غرقه بإهمال السّبّاح ‪ ،‬وهي دية شبه العمد ‪ ،‬وهي على العاقلة ‪.‬‬

‫عِيادة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬العيادة لغةً ‪ :‬الزّيارة مطلقا ‪ ،‬واشتهر استعمالها في زيارة المريض ‪ ،‬حتّى صارت‬ ‫‪1‬‬

‫كأنّها مختصّة به ‪.‬‬


‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم عيادة المريض على أقوال ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫ق بعض الفراد دون‬


‫فمذهب الجمهور أنّها سنّة أو مندوبة ‪ ،‬وقد تصل إلى الوجوب في ح ّ‬
‫بعض ‪.‬‬
‫وقال ابن علّان من الشّافعيّة ‪ :‬هي سنّة كفاية ‪ ،‬وقيل ‪ :‬فرض كفاية ‪.‬‬
‫وذهب آخرون إلى أنّها واجبة ‪ ،‬وذهب آخرون إلى أنّها واجبة على الكفاية ‪ ،‬ونقل النّوويّ‬
‫الجماع على عدم الوجوب على العيان ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إنّها مندوبة إذا قام بها الغير ‪ ،‬وإلّ وجبت لنّها من المور الواجبة على‬
‫الكفاية ‪ ،‬إلّ على من تجب نفقته عليه فيجب عيادته عليه عينا ‪.‬‬
‫وتكره عيادة ذي بدعة دينيّة ‪ ،‬وتحرم على العالم عيادة المريض ذي البدعة الدّينيّة لما‬
‫يترتّب على عيادته له من المفاسد وإغراء العامّة باتّباعه وحسن طريقته ‪.‬‬
‫وتجوز عيادة الفاسق في الصحّ لنّه مسلم ‪ ،‬والعيادة من حقوق المسلمين ‪.‬‬
‫والصل في مشروعيّة عيادة المريض حديث ‪ « :‬حقّ المسلم على المسلم خمس ‪ :‬ردّ‬
‫السّلم‪ ،‬وعيادة المريض ‪ ،‬واتّباع الجنائز ‪ ،‬وإجابة الدّعوة ‪ ،‬وتشميت العاطس » وحديث‬
‫البراء رضي ال عنه « أمرنا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم باتّباع الجنائز وبعيادة‬
‫ص ًة إن رجي إسلمه ‪ ،‬لما روى أنس رضي ال‬
‫المريض » ‪ .‬كما تجوز عيادة الكافر خا ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فمرض فأتاه النّبيّ صلى ال‬
‫عنه « أنّ غلما ليهود كان يخدم النّب ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم عاد‬
‫عليه وسلم يعوده‪ ،‬فقال ‪ :‬أسلم ‪ ،‬فأسلم » ‪،‬وورد « أنّ النّب ّ‬
‫ي ؛ لنّه نوع برّ في حقّ أهل ال ّذمّة ‪ ،‬وما نهينا‬
‫يهوديّا مرض بجواره »‪ .‬وتجوز عيادة ال ّذمّ ّ‬
‫عن ذلك ‪.‬‬
‫وفي عيادة المجوس قولن ‪.‬‬
‫فضل عيادة المريض ‪:‬‬
‫‪ -‬ورد في فضل عيادة المريض أحاديث كثيرة منها ‪ :‬حديث عن أبي هريرة رضي ال‬ ‫‪3‬‬

‫ن اللّه تعالى يقول يوم القيامة ‪ :‬يا ابن‬


‫عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم « إ ّ‬
‫ب العالمين ؟ قال ‪ :‬أما علمت أنّ‬
‫ب كيف أعودك وأنت ر ّ‬
‫آدم مرضت فلم تعدني ‪ ،‬قال ‪ :‬يا ر ّ‬
‫عبدي فلنا مرض فلم تعده ؟ أما علمت أنّك لو عدته لوجدتني عنده ؟ » ومنها قوله عليه‬
‫ن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنّة حتّى يرجع » ‪،‬‬
‫الصلة والسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫ومنها ما رواه عليّ رضي ال عنه قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪« :‬‬
‫ما من مسلم يعود مسلما غدوةً إ ّل صلّى عليه سبعون ألف ملك حتّى يمسي ‪ ،‬وإن عاده‬
‫عش ّيةً إلّ صلّى عليه سبعون ألف ملك حتّى يصبح ‪ ،‬وكان له خريف في الجنّة » ‪.‬‬
‫آداب عيادة المريض ‪:‬‬
‫‪ -‬من آداب عيادة المريض ‪ :‬أن ل يطيل الجلوس إلّ إذا علم أنّه ل يشقّ عليه ويأنس‬ ‫‪4‬‬

‫به‪ ،‬وأن يدنو منه ‪ ،‬ويضع يده على جسمه ‪ ،‬ويسأله عن حاله ‪ ،‬وينفّس له في الجل بأن‬
‫يقول ما يس ّر به ‪ ،‬ويوصيه بالصّبر على مرضه ‪ ،‬ويذكر له فضله إن صبر عليه ‪ ،‬ويسأل‬
‫منه الدّعاء فدعاؤه مجاب كما ورد ‪.‬‬
‫ومن الداب ‪ :‬أن يستصحب معه ما يستروح به كريحان أو فاكهة ‪ ،‬وأن يتصدّق عليه إن‬
‫كان محتاجا لذلك ‪ ،‬وأن يرغّبه في التّوبة والوصيّة إن لم يتأ ّذ بذلك وإن لم تظهر عليه‬
‫أمارات موت على الوجه ‪ ،‬وأن يتأمّل حال المريض وكلماته ‪ ،‬فإن رأى الغالب عليه‬
‫الخوف أزاله عنه بذكر محاسن عمله له ‪.‬‬
‫وروى ابن عبّاس رضي ال عنهما قال ‪ « :‬كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم إذا عاد‬
‫ب العرش العظيم أن‬
‫المريض جلس عند رأسه ثمّ قال سبع مرّات ‪ :‬أسأل اللّه العظيم ر ّ‬
‫يشفيك فإن كان في أجله تأخير عوفي من وجعه » ‪.‬‬
‫وقت عيادة المريض ‪:‬‬
‫ن العيادة في كلّ وقت قابل لها بأن ل يشقّ على المريض الدّخول عليه فيه ‪ ،‬وهي‬
‫‪ -‬تس ّ‬ ‫‪5‬‬

‫غير مقيّدة بوقت يمضي من ابتداء مرضه ‪ ،‬وهو قول الجمهور ‪ ،‬وليّ مرض كان ‪.‬‬
‫وكراهتها في بعض اليّام ل أصل له ‪.‬‬
‫وتكون عقب العلم بالمرض وإن لم تطل مدّة النقطاع ‪.‬‬
‫من تشرع له زيارة المريض ؟‬
‫‪ -‬تشرع عيادة المريض للمسلمين كا ّف ًة ‪ ،‬يستوي في ذلك من يعرف المريض ومن ل‬ ‫‪6‬‬

‫يعرفه ‪ ،‬ويستوي في ذلك القريب والجنبيّ ‪ ،‬إلّ أنّها للقريب ومن يعرفه آكد وأفضل لعموم‬
‫الحاديث ‪ ،‬فالجار هو القريب من محلّه بحيث تقضي العادة بودّه وتفقّده ولو مرّ ًة ‪.‬‬
‫ن كراهة المريض لدخول محلّه وأنّه يحصل له‬
‫وأمّا العدوّ فإنّه إن أراد العيادة وعلم أو ظ ّ‬
‫برؤيته ضرر ل يحتمل عادةً حرمت العيادة أو كرهت ‪.‬‬
‫الدّعاء للمريض ‪:‬‬
‫‪ -‬كان صلى ال عليه وسلم إذا عاد مريضا يدعو له بالشّفاء والعافية ‪ ،‬فقد ورد عن‬ ‫‪7‬‬

‫سعد رضي ال عنه قال ‪ « :‬تشكّيت بمكّة فجاءني النّبيّ صلى ال عليه وسلم يعودني ‪،‬‬
‫فوضع يده على جبهتي ‪ ،‬ث ّم مسح يده على وجهي وبطني ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬اللّهمّ اشف سعدا وأتمّ‬
‫ي حتّى السّاعة » ‪.‬‬
‫له هجرته ‪ .‬قال ‪ :‬فما زلت أجد برده على كبدي فيما يخال إل ّ‬
‫وقد أمر صلى ال عليه وسلم كلّ من يعود أخاه المسلم أن يدعو له ما لم يحضر أجله ‪ ،‬فقد‬
‫روي عن ابن عبّاس رضي ال عنهما عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ما من مسلم‬
‫يعود مريضا لم يحضر أجله فيقول سبع مرّات ‪ :‬أسأل اللّه العظيم أن يشفيك إلّ عوفي » ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان إذا أتى مريضا أو أتي‬
‫وعن عائشة رضي ال عنها « أ ّ‬
‫ب النّاس ‪ ،‬اشف أنت الشّافي ل شفاء إلّ شفاؤك ‪ ،‬شفا ًء ل يغادر‬
‫به إليه قال أذهب البأس ر ّ‬
‫سقما » ‪.‬‬
‫وقال ابن بطّال ‪ :‬في وضع اليد على المريض تأنيس له ‪ ،‬وتعرّف لشدّة مرضه ‪ ،‬ليدعو له‬
‫بالعافية على حسب ما يبدو له منه ‪ ،‬وربّما رقاه بيده ومسح على ألمه بما ينتفع به العليل‬
‫‪.‬‬
‫إطعام المريض ما يشتهي ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا اشتهى المريض شيئا من الطّعام على العائد أطعمه إيّاه لحديث ابن عبّاس رضي‬ ‫‪8‬‬

‫ل فقال له ما تشتهي ؟ فقال ‪ :‬أشتهي‬


‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم عاد رج ً‬
‫ال عنهما « أ ّ‬
‫خبز برّ ‪ ،‬فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬من كان عنده خبز برّ فليبعث إلى أخيه ‪ ،‬ثمّ‬
‫قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إذا اشتهى مريض أحدكم شيئا فليطعمه » ‪ ،‬وهذا إذا كان‬
‫ل يضرّه ‪ ،‬أمّا إذا كان فيه ضرر له فليسوّفه عنه برفق ول يؤسّيه ‪.‬‬
‫وليس للعائد أن يكرهه على تناول شيء ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تكرهوا‬
‫ن اللّه عزّ وجلّ يطعمهم ويسقيهم » ‪.‬‬
‫مرضاكم على الطّعام ‪ ،‬فإ ّ‬

‫عِيافة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬تطلق العيافة في اللّغة على معان ‪ :‬منها ‪ :‬الكراهية للطّعام أو الشّراب ‪ ،‬يقال ‪ :‬عاف‬ ‫‪1‬‬

‫الطّعام أو الشّراب يعافه عيفا وعيافةً ‪ :‬كرهه فلم يأكله والعائف للشّيء ‪ :‬الكاره المتقذّر له‬
‫‪ .‬وتطلق العيافة على زجر الطّير للتّشاؤم أو التّفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرّها ‪ .‬ومنها‬
‫العائف الّذي يعيف الطّير فيزجره ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬العيافة بمعنى زجر الطّير والتّفاؤل أو التّشاؤم بأسمائها وبأصواتها وممرّاتها كانت‬ ‫‪2‬‬

‫عادةً للعرب في الجاهليّة ‪ ،‬فأبطل السلم ذلك ونهى عنه ‪ ،‬وأرجع المر إلى مشيئة اللّه‬
‫المطلقة ‪ ،‬وسننه الثّابتة في الكون ‪.‬‬
‫جاء في الثر ‪ « :‬العيافة ‪ ،‬والطّيرة ‪ ،‬والطّرق من الجبت » ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬تطيّر ف ‪ 5/‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫أمّا العيافة بمعنى كراهة الطّعام والمتناع عن تناوله ‪ ،‬فقد ورد من حديث خالد بن الوليد‬
‫رضي ال عنه « أنّه دخل مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بيت ميمونة فأتي بضبّ‬
‫محنوذ فأهوى إليه رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بيده ‪ ،‬فقال بعض النّسوة ‪ :‬أخبروا‬
‫ب يا رسول اللّه ‪ ،‬فرفع يده ‪ ،‬فقلت ‪ :‬أحرام يا‬
‫رسول اللّه بما يريد أن يأكل ‪ ،‬فقالوا هو ض ّ‬
‫رسول اللّه ؟ فقال ‪ :‬ل ‪ ،‬ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه قال خالد ‪ :‬فاجتزرته‬
‫فأكلته ‪ ،‬ورسول اللّه صلى ال عليه وسلم ينظر » ‪.‬‬
‫ن تركه له لعدم‬
‫فقد أكل الضّبّ بحضرته صلى ال عليه وسلم ولم ينه عنه فتبيّن حلّه وأ ّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪54/‬‬ ‫إلفه‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬أطعمة ف‬

‫عِيال *‬
‫انظر ‪ :‬أسرة ‪.‬‬
‫عيْب *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬العيب لغ ًة ‪ :‬الوصمة والنّقيصة ‪ ،‬والجمع أعياب وعيوب ‪ ،‬ورجل عيّاب وعيّابة‬ ‫‪1‬‬

‫وعيب‪ :‬كثير العيب ‪ ،‬يقال ‪ :‬عيّب الشّيء فعاب ‪ :‬إذا صار ذا عيب فهو معيب ‪ ،‬أو هو ‪ :‬ما‬
‫يخلو عنه أصل الفطرة السّليمة ‪.‬‬
‫واصطلحا يختلف تعريف العيب باختلف أقسامه ‪ ،‬قال النّوويّ ‪ :‬حدودها مختلفة ‪ ،‬فالعيب‬
‫المؤثّر في البيع الّذي يثبت بسببه الخيار ‪ :‬هو ما نقصت به الملكيّة أو الرّغبة أو الغبن ‪،‬‬
‫والعيب في الكفّارة ‪ :‬ما أضرّ بالعمل ضررا بيّنا ‪ ،‬والعيب في الضحيّة ‪ :‬هو ما نقص به‬
‫اللّحم ‪ ،‬والعيب في النّكاح ‪ :‬ما ينفّر عن الوطء ويكسر ثورة التّواق ‪ ،‬والعيب في الجارة ‪:‬‬
‫ما يؤثّر في المنفعة تأثيرا يظهر به تفاوت الجرة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الغشّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الغشّ نقيض النّصح ‪ ،‬يقال ‪ :‬غشّه يغشّه غشّا إذا ترك نصحه وزيّن له غير‬ ‫‪2‬‬

‫المصلحة ‪ ،‬والغشّ يكون عيبا قد يؤثّر في العقد ‪.‬‬


‫ب ‪ -‬الكذب ‪:‬‬
‫‪ -‬الكذب ‪ :‬هو الخبار عن الشّيء على خلف ما هو عليه ‪ ،‬عمدا كان أو سهوا ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫والكذب أخصّ من العيب ‪.‬‬


‫ج ‪ -‬الغبن ‪:‬‬
‫‪ -‬الغبن الوكس والخديعة ‪ ،‬وأكثر ما يكون في البيع والشّراء ‪ ،‬قال الرّاغب ‪ :‬الغبن أن‬ ‫‪4‬‬

‫تبخس صاحبك في معاملة بينك وبينه بضرب من الخفاء ‪.‬‬


‫والغبن إذا كان فاحشا يكون عيبا يؤثّر في عقود المعاوضات ‪.‬‬
‫د ‪ -‬العاهة ‪:‬‬
‫‪ -‬العاهة ‪ :‬هي ما يصيب النسان في نفسه أو ماله من البليا والفات ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫والعيب أعمّ من العاهة ؛ لنّه يكون بالعاهة أو بغيرها ‪.‬‬


‫الحكام المتعلّقة بالعيب ‪:‬‬
‫يتعلّق بالعيب وما يترتّب عليه أحكام ذكرها الفقهاء في أبواب متعدّدة ‪ ،‬حصرها النّوويّ في‬
‫ستّة أقسام ‪ ،‬والقليوبيّ في ثمانية ‪.‬‬
‫العيب في المبيع ‪:‬‬
‫‪ -‬ضابط العيب في المبيع عند الحنفيّة والحنابلة أنّه ما أوجب نقصان الثّمن في عادة‬ ‫‪6‬‬

‫ال ّتجّار ؛ لنّ التّضرّر بنقصان الماليّة ‪ ،‬وذلك بانتقاص القيمة ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ‪ :‬هو كلّ ما ينقص العين أو القيمة نقصا يفوت به غرض صحيح إذا غلب‬
‫في جنس المبيع عدمه ‪ ،‬سواء قارن العقد أم حدث بعده قبل القبض ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬هو وجود نقص في المبيع أو الثّمن ‪ ،‬العادة السّلمة منه‬
‫العيوب الّتي يردّ بها المبيع ‪:‬‬
‫ذكر الفقهاء جمل ًة من العيوب الّتي ير ّد بها المبيع نذكر منها ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬العيوب الظّاهرة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬عيوب الدّوابّ ‪:‬‬
‫‪ -‬عيوب الدّوابّ هي الّتي تزهّد فيها ‪ ،‬وتنقص من أثمانها ‪ ،‬وهي كالعور والحرد‬ ‫‪7‬‬

‫والرّمص والدّبر والفحج والمشش والدّخس والعضّ والجفل والجماح ومقطوعة الذن‬
‫للضحيّة ‪ ،‬وإن اشتراها لغير الضحيّة فليس له الرّدّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬عيوب الرض ‪:‬‬
‫‪ -‬من عيوب الرض وما اتّصل بها كالبئر ‪ :‬ما يضرّ بالزّرع كغور ماء البئر أو زعاق‬ ‫‪8‬‬

‫مائها وفقدان المسيل وتعذّر النبات فيها ‪ ،‬والخراج إذا كانت الرض المجاورة ليس عليها‬
‫خراج ‪ ،‬وملح ماء البئر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬عيوب الدّور ‪:‬‬
‫‪ -‬من عيوب الدّور ‪ ،‬تصدّع الجدران أو انكسار الخشاب أو سوء جارها أو شؤمها أو‬ ‫‪9‬‬

‫جنّها ‪ ،‬أو أنّه ل مرحاض لها أو عدم الطّريق أو المسيل أو مجاورة موضع صنعة تضرّ‬
‫بالبناء أو السّاكن ‪.‬‬
‫واعتبر المالكيّة أنّ عيوب الدّار ثلثة أضرب ‪.‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن تستغرق العيوب معظم الثّمن فير ّد به ويرجع بالثّمن ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أن ل ينقص من الثّمن ‪ ،‬فهذا ل ير ّد به ول يرجع بقيمة العيب ‪ ،‬كسقوط شرافة‬
‫ف أو خلع بلطة أرض ‪.‬‬
‫أو كسر عتبة أو ر ّ‬
‫الثّالث ‪ :‬أن ينقص من الثّمن ‪ ،‬ول ينقص معظمه ‪ ،‬فهذا يرجع بقيمة العيب ول تر ّد به‬
‫الدّار ‪ -‬وعند بعض الندلسيّين أنّه تر ّد به ‪ -‬وهو ما دون الثّلث ‪ ،‬والثّلث كثير ‪ ،‬وهو‬
‫الرّاجح ‪ .‬ووجه ذلك عند المالكيّة ‪ :‬أنّ الدّار تخالف سائر المبيعات ‪ ،‬بدليل أنّه إذا استحقّ‬
‫منها اليسير لزم الباقي بالثّمن ‪.‬‬
‫ولو استحقّ من العبد اليسير لم يلزم الباقي ‪.‬‬
‫ن هذا مبيع وجد به عيب ينقص الثّمن فيثبت فيه‬
‫ووجه من سوّى بين الدّار وغيرها ‪ :‬أ ّ‬
‫الرّ ّد بالعيب ما لم يفت ‪.‬‬
‫د ‪ -‬عيوب الكتب ‪:‬‬
‫‪ -‬من عيوب الكتب تلف الورق واختلفه وكثرة الخطأ فيه ‪.‬‬ ‫‪10‬‬

‫هـ ‪ -‬عيوب الثّياب ‪:‬‬


‫‪ -‬من عيوب الثّياب ‪ :‬الخرق واختلف النّسخ ‪ ،‬وتنجّس ما يفسده الغسل أو ينقص من‬ ‫‪11‬‬

‫ثمنه ‪ ،‬وثوب الجرب ووجود الدّهن بالثّوب ونحوها ‪.‬‬


‫ثانيا ‪ -‬العيوب الخفيّة في المبيع ‪:‬‬
‫‪ -‬من العيوب الخفيّة ما يكون في جوف المبيع ‪ ،‬وللفقهاء فيها التّفصيل التّالي ‪:‬‬ ‫‪12‬‬

‫إذا اشترى إنسان ما مأكوله في جوفه كالرّانج والبطّيخ وال ّرمّان واللّوز والبيض فوجده‬
‫فاسدا ‪ ،‬فإمّا أن ل يكون لفاسده قيمة ‪ ،‬أو يكون له قيمة ‪ ،‬أو وجد بعضه فاسدا والبعض‬
‫صحيحا ‪.‬‬
‫‪ -‬فإن لم يكن لفاسده مكسورا قيمة ‪ ،‬فذهب جمهور الفقهاء ‪ ،‬وهو مقابل المشهور عند‬ ‫‪13‬‬

‫ن هذا تبيّن به فساد العقد من‬


‫ن المشتري يرجع على البائع بالثّمن كلّه ‪ ،‬ل ّ‬
‫المالكيّة إلى أ ّ‬
‫أصله ‪ ،‬لكونه وقع على ما ل نفع فيه ‪ ،‬ول يصحّ بيع ما ل نفع فيه كالحشرات والميتات ‪،‬‬
‫وليس عليه أن ير ّد البيع إلى البائع ؛ لنّه ل فائدة فيه ‪ .‬إذ ل قيمة له ‪.‬‬
‫ن ما ل يمكن الطّلع على عيبه إلّ بتغيّر في ذات‬
‫وذهب المالكيّة في المشهور ‪ :‬إلى أ ّ‬
‫المبيع كسوس الخشب والجوز واللّوز والبطّيخ والقثّاء المرّ ‪ ،‬فإنّه ل يكون عيبا ‪ ،‬ول قيمة‬
‫للمشتري على البائع في نظير ذلك ‪ ،‬إلّ أن يشترط الرّدّ فيعمل به ؛ لنّه شرط فيه غرض‬
‫وماليّة ‪ ،‬والعادة في الرّدّ كالشّرط ‪.‬‬
‫‪ -‬وإن كان لفاسده قيمة يمكن النتفاع به في الجملة فذهب الحنفيّة ‪ ،‬وهو القول الثّاني‬ ‫‪14‬‬

‫ي إلى أنّ هذا الفاسد ما دام يمكن النتفاع به في الجملة فليس للمشتري ردّه ؛ لنّ‬
‫للشّافع ّ‬
‫شرط الرّدّ أن يكون المردود وقت الرّدّ على الوصف الّذي كان عليه وقت القبض ‪ ،‬ولم‬
‫يوجد؛ لنّه تعيّب بعيب زائد بالكسر ‪ ،‬فلو ردّ لر ّد معيبا بعيبين ‪ ،‬فانعدم شرط الرّ ّد ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة ‪ :‬إلى أنّ العيب إن كان ممّا يمكن الطّلع عليه قبل التّغيّر كالبيض ‪ ،‬فكسره‬
‫ووجده فاسدا منتنا ل يؤكل فإنّه يرجع على البائع بجميع الثّمن ‪ ،‬ول شيء على المشتري‬
‫في كسره ‪ ،‬دلّس البائع أم ل ‪ .‬وكذلك إن كانت له قيمة كالبيض الممروق إن دلّس البائع –‬
‫كسره المشتري أم ل – أو لم يدلّس البائع ولم يكسره المشتري رجع بجميع الثّمن ‪ ،‬فإن‬
‫كسره ردّه وما نقصه ‪ ،‬ما لم يفت بنحو قلي فل ردّ ‪ ،‬ورجع المشتري بما بين القيمتين ‪،‬‬
‫فيقوّم سالما يوم البيع على أنّه صحيح غير معيب وصحيح معيب ‪ ،‬فإذا قيل ‪ :‬قيمته‬
‫صحيحا غير معيب عشرة ‪ ،‬وصحيحا معيبا ثمانية ‪ ،‬فإنّه يرجع بنسبة ذلك من الثّمن وهو‬
‫الخمس ‪ ،‬وهذا إن كان له قيمة يوم البيع بعد الكسر وإلّ رجع بالثّمن كلّه ‪ .‬قال ابن القاسم‬
‫‪ :‬هذا إذا كسره بحضرة البائع ‪ ،‬وإن كان بعد أيّام لم يردّه ‪ ،‬إذ ل يدري أفسد عند البائع أو‬
‫المبتاع ‪ ،‬قاله مالك ‪ ،‬قال ابن ناجي ‪ :‬ظاهرها ولو بيض النّعام ‪ ،‬وقال بعضهم ‪ :‬ل يردّ‬
‫بيض النّعام لكثافة قشره ‪ ،‬فل يعرف فساده وصحّته ‪.‬‬
‫ن المشتري له الرّدّ قهرا كالمصرّاة‬
‫وذهب الشّافعيّة ‪ :‬في القول الظهر عند الكثرين إلى أ ّ‬
‫إن كان ل يوقف على ذلك الفساد إلّ بكسره ‪ ،‬ول يغرم أرش الكسر على الظهر ؛ لنّه‬
‫معذور ‪ .‬ومقابل الظهر ‪ :‬يغرم ما بين قيمته صحيحا فاسد اللّبّ ‪ ،‬ومكسورا فاسد اللّبّ ‪،‬‬
‫ول ينظر إلى الثّمن ‪.‬‬
‫وإن كان يمكن الوقوف على ذلك الفساد بأقلّ من ذلك الكسر فل ردّ على المذهب كسائر‬
‫العيوب وقيل ‪ :‬يطّرد القولن ‪ ،‬وعلى هذا فكسر الجوز ونحوه وثقب الرّانج من صور الحال‬
‫الوّل ‪ ،‬وكسر الرّانج وترضيض بيض النّعام من صور الحال الثّاني ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة ‪ :‬إلى أنّه إن كان لمعيبه قيمة مكسورا ‪ ،‬فإن كان ل يمكن استعلم المبيع‬
‫بدون الكسر فالمشتري مخيّر بين ردّه وردّ أرش الكسر وأخذ الثّمن ‪ ،‬وبين أخذ أرش عيبه‬
‫ي ؛ لنّه نقص لم يمنع الرّدّ ‪،‬‬
‫وهو قسط ما بين صحيحه ومعيبه ‪ ،‬وهذا ظاهر كلم الخرق ّ‬
‫فلزم ر ّد أرشه ؛ كلبن المصرّاة إذا حلبها ‪ ،‬والبكر إذا وطئها ‪.‬‬
‫وقال القاضي ‪ :‬ل أرش عليه لكسره لنّ ذلك حصل بطريق استعلم العيب ‪ ،‬والبائع سلّطه‬
‫عليه ‪ ،‬حيث علم أنّه ل تعلم صحّته من فساده بغير ذلك ‪.‬‬
‫وإن كان كسرا يمكن استعلم المبيع بدونه إلّ أنّه ل يتلف بالكلّيّة ‪ ،‬فالحكم فيه كالّذي قبله‬
‫في قول الخرقيّ وهو قول القاضي أيضا ‪ ،‬فالمشتري مخيّر بين ردّه وأرش الكسر وأخذ‬
‫الثّمن ‪ ،‬وبين أخذ أرش العيب وهو إحدى الرّوايتين عن أحمد ‪ ،‬والرّواية الثّانية ‪ :‬ليس له‬
‫ردّه وله أرش العيب ‪ .‬وإن كسره كسرا ل يبقى له قيمة فله أرش العيب ل غير هذا إذا كان‬
‫كلّ المبيع فاسدا ‪.‬‬
‫‪ -‬أمّا إن وجد المشتري بعض المبيع فاسدا دون البعض ‪ ،‬فذهب الحنفيّة إلى أنّه إن كان‬ ‫‪15‬‬

‫الفاسد كثيرا رجع على البائع بجميع الثّمن ؛ لنّه ظهر أنّ البيع وقع في القدر الفاسد‬
‫باطلً ‪ ،‬لنّه تبيّن أنّه ليس بمال ‪ ،‬وإذا بطل في ذلك القدر يفسد في الباقي ‪.‬‬
‫وإن كان الفاسد قليلً فكذلك في القياس ‪ ،‬وفي الستحسان صحّ البيع في الكلّ ‪ ،‬وليس له‬
‫أن يردّ ول أن يرجع فيه بشيء ; لنّ قليل الفساد فيه ممّا ل يمكن التّحرّز عنه ‪.‬‬
‫ومن الحنفيّة من فصّل تفصيلً آخر فقال ‪ :‬إذا وجد البيع كلّه فاسدا ‪ ،‬فإن لم يكن لقشره‬
‫قيمة فالبيع باطل لنّه تبيّن أنّه باع ما ليس بمال ‪ ،‬وإن كان لقشره قيمة كال ّرمّان ونحوه ‪،‬‬
‫فالبيع ل يبطل ؛ لنّه إذا كان لقشره قيمة كان القشر مالً ‪ ،‬ولكنّ البائع بالخيار إن شاء‬
‫رضي به ناقصا وقبل قشره وردّ جميع الثّمن ‪ ،‬وإن شاء لم يقبل ؛ لنّه تعيّب بعيب زائد ‪،‬‬
‫وردّ على المشتري حصّة المعيب جبرا لحقّه ‪.‬‬
‫وإن وجد بعضه فاسدا فعلى هذا التّفصيل أيضا ؛ لنّه إن لم يكن لقشره قيمة رجع على‬
‫البائع بحصّته من الثّمن ‪ ،‬وإن كان لقشره قيمة رجع بحصّة العيب دون القشر اعتبارا‬
‫للبعض بالكلّ ‪ ،‬إلّ إذا كان الفاسد منه قليلً قدر ما ل يخلو مثله عن مثله فل يردّ ول يرجع‬
‫بشيء ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬إن كان لبعضه قيمة ‪ -‬كالبيض الممروق ‪ -‬فإن دلّس بائعه رجع‬
‫بجميع الثّمن ‪ ،‬كسره المشتري أم ل ‪ ،‬أو لم يدلّس ولم يكسره ‪.‬‬
‫فإن كسره فله ردّه وما نقصه ‪ ،‬ما لم يفت بنحو قلي ‪ ،‬وإلّ فل ردّ ‪ ،‬ورجع المشتري بما‬
‫بين القيمتين سالما ومعيبا ‪ .‬فيقوم على أنّه صحيح غير معيب وصحيح معيب ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن كان الفاسد من بيض وجوز ولوز ونحوه في بعضه دون كلّه رجع بقسط‬
‫الفاسد من الثّمن ‪ ،‬فإن كان الفاسد النّصف رجع بنصف الثّمن ‪ ،‬وإن كان الرّبع رجع بربعه‬
‫‪.‬‬
‫أثر العيب في عقد البيع ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا وجد العيب بشروطه ثبت حقّ الرّ ّد باتّفاق الفقهاء ويرجع في معرفة العيب إلى‬ ‫‪16‬‬

‫ن آمَنُواْ لَ َت ْأكُلُواْ َأ ْموَا َلكُمْ بَيْ َن ُكمْ‬


‫أهل الخبرة والعرف ‪ ،‬ودليل ذلك قوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫طلِ ِإ ّل أَن َتكُونَ ِتجَارَةً عَن َترَاضٍ مّن ُكمْ } وما روي عن عائشة رضي ال عنها « أنّ‬
‫بِالْبَا ِ‬
‫رجلً ابتاع غلما فاستغلّه ‪ ،‬ثمّ وجد به عيبا فردّه بالعيب ‪ ،‬فقال البائع ‪ :‬غلّة عبدي ‪ ،‬فقال‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم الغلّة بالضّمان » وفي رواية ‪ « -‬الخراج بالضّمان » وما ورد‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم م ّر برجل يبيع طعاما‬
‫عن أبي هريرة رضي ال عنه « أ ّ‬
‫فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول ‪ ،‬فقال ‪ :‬من غشّ فليس منّي » ‪.‬‬
‫ول خلف بين الفقهاء في ردّ السّلعة المباعة للعيب وكان العيب منقصا للقيمة أو مفوّتا‬
‫غرضا صحيحا شرعا ‪.‬‬
‫وقد قاس الفقهاء العيب على المصرّاة ‪ ،‬لما ورد عن ابن مسعود رضي ال عنه قال ‪ :‬قال‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ «:‬من اشترى شا ًة محفّلةً فردّها فليردّ معها صاعا من‬
‫تمر»‬
‫ن المشتري بذل الثّمن ليسلّم له المبيع سليما‬
‫وهذا يدلّ على ثبوت العيب والرّ ّد به ؛ ول ّ‬
‫ولمّا لم يسلّم له ذلك كان له الرّ ّد ‪ ،‬ولنّ السّلمة في المبيع مطلوبة المشتري عاد ًة ؛ لنّ‬
‫غرض المشتري النتفاع بالمبيع ‪ ،‬ول يتكامل النتفاع إ ّل بسلمته ؛ ولنّه لم يدفع جميع‬
‫الثّمن إلّ ليسلّم له جميع المبيع ‪ ،‬فكانت السّلمة مشروطةً في العقد دللةً ‪ ،‬فهي‬
‫كالمشروطة نصّا ‪ ،‬فإذا فاتت المساواة كان له الخيار ‪.‬‬
‫إعلم المشتري بالعيب ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه يجب على البائع إذا علم شيئا بالمبيع يكرهه المشتري أن يبيّنه‬ ‫‪17‬‬

‫بيانا مفصّلً ‪ ،‬وأن يصفه وصفا شافيا زيادةً على البيان ‪ ،‬إن كان شأنه الخفاء ؛ لنّه قد‬
‫يغتفر في شيء دون شيء ‪ ،‬يحرم عليه عدم البيان ويكون آثما عاصيا لحديث عقبة بن‬
‫عامر رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل يحلّ لمسلم باع من‬
‫ي صلى‬
‫أخيه بيعا فيه عيب إلّ بَيّ َنهُ له » ولما روى حكيم بن حزام رضي ال عنه عن النّب ّ‬
‫ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا ‪ ،‬فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في‬
‫ش حرام لحديث أبي‬
‫ش والغ ّ‬
‫بيعهما‪ ،‬وإن كَذَبا وكتما ُمحِقتْ بركةُ بيعهما » وكتمان العيب غ ّ‬
‫هريرة رضي ال عنه ‪ « :‬من غشّنا فليس منّا » ‪.‬‬
‫‪ -‬ول يقتصر العلم بالعيب على البائع ‪ ،‬بل يمت ّد إلى كلّ من علم بالعيب ‪ ،‬ويتأكّد‬ ‫‪18‬‬

‫الوجوب في حقّه إذا انفرد بعلم العيب دون البائع ‪.‬‬


‫ي قبل البيع ‪ ،‬ليكون المشتري على علم وبيّنة ‪،‬‬
‫ق البائع والجنب ّ‬
‫ووقت العلم بالعيب في ح ّ‬
‫فإن لم يكن الجنبيّ حاضرا أو لم يتيسّر له فبعد العقد ‪ ،‬ليتمكّن المشتري من الرّ ّد بالعيب ‪.‬‬
‫وإذا وقع البيع مع كتمان العيب فالبيع صحيح مع الثم والمعصية عند جمهور الفقهاء ‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم « نهى عن التّصرية » وصحّح البيع ‪.‬‬
‫لنّ النّب ّ‬
‫ي عنه ‪ ،‬والنّهي يقتضي الفساد‬
‫وحكي عن أبي بكر بن عبد العزيز أنّ البيع باطل ؛ لنّه منه ّ‬
‫‪.‬‬
‫شروط الرّ ّد بالعيب ‪:‬‬
‫اتّفق الفقهاء على أنّه يشترط في العيب الّذي ير ّد به المبيع ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن يكون العيب قديما ‪:‬‬
‫‪ -‬وذلك بمعنى ‪ :‬أنّه حدث عند البائع سواء حدث قبل العقد أو معه ‪ ،‬أو بعده قبل‬ ‫‪19‬‬

‫القبض وتسلّم المبيع ‪ ،‬فيكون للمشتري الرّ ّد إذا لم يتمكّن من إزالته بل مشقّة ‪ ،‬فإن تمكّن‬
‫من إزالته فل ر ّد ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إنّ كلّ عيب حدث عند المشتري في مدّة لحقة معيّنة فضمانه من البائع ل‬
‫من المشتري ‪ ،‬ويسمّى هذا عندهم بالعهدة ‪ .‬وقد عرّفها الباجيّ وغيره بأنّها ‪ :‬تعلّق المبيع‬
‫بضمان بائعه مدّةً معيّنةً ‪ ،‬وهو بمثابة قيد على شريطة قدم العيب المتّفق عليها بين‬
‫ن العيب لم يبن بحسب الظّاهر إلّ بعد إبرام العقد وتمامه بالقبض ‪ ،‬فكان الصل‬
‫الفقهاء‪ ،‬ل ّ‬
‫أن يضمن المشتري ذلك العيب الحادث في ملكه وتحت يده ‪ ،‬وقد ذكر ابن رشد أنّه ل خلف‬
‫بين الفقهاء في أنّ المبيع من ضمان المشتري بعد القبض إلّ في العهدة والجوائح ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬عهدة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬عدم اشتراط البراءة ‪:‬‬
‫‪ -‬وصورة البراءة أن يقول ‪ :‬بعت على أنّي بريء من كلّ عيب ‪ ،‬وفيها مذاهب ‪.‬‬ ‫‪20‬‬

‫فذهب الحنفيّة ‪ ،‬والرّواية الثّالثة عن مالك ‪ ،‬والقول الثّاني للشّافعيّة ‪ :‬أنّ البيع بشرط‬
‫البراءة من كلّ عيب جائز ‪ ،‬ويبرأ من كلّ عيب ‪ ،‬ول يردّ بحال ‪ ،‬وذلك لنّ الرّدّ بالعيب حقّ‬
‫من حقوق المشتري قبل البائع ‪ .‬فإذا أسقطه سقط كسائر الحقوق الواجبة ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة في رواية ‪ ،‬وهو القول الثّالث للشّافعيّة إلى أنّه ل يبرأ سواء علم به البائع‬
‫ش إذا‬
‫أو لم يعلم ‪ ،‬وذلك لنّه من باب الغرر فيما لم يعلمه البائع ‪ ،‬ومن باب الغبن والغ ّ‬
‫علمه وذلك لثر ابن عمر رضي ال عنهما ‪ ،‬وقد باع غلما له بثمانمائة درهم وباعه على‬
‫البراءة‪ ،‬فقال الّذي ابتاعه لعبد اللّه بن عمر ‪ :‬بالغلم داء لم تسمّه ‪ ،‬وقال عبد اللّه ‪ :‬بعته‬
‫بالبراءة‪ .‬فقضى عثمان رضي ال عنه على عبد اللّه بن عمر أن يحلف له ‪ :‬لقد باعه العبد‬
‫بالبراءة وما به داء يعلمه ‪ ،‬فأبى عبد اللّه أن يحلف وارتجع العبد ‪ ،‬فصحّ العبد عنده ‪،‬‬
‫فباعه عبد اللّه بعد ذلك بألف وخمسمائة درهم ‪.‬‬
‫والقول الظهر عند الشّافعيّة ‪ ،‬والصحّ عند المالكيّة ‪ ،‬ورواية عند الحنابلة أنّه يبرأ البائع‬
‫من كلّ عيب في الحيوان ل يعلمه دون ما ل يعلمه ‪ ،‬ول يبرأ في غير الحيوان بحال ‪.‬‬
‫رضا البائع في الرّدّ بالعيب ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الرّدّ بالعيب ل يحتاج إلى رضا البائع ول إلى حكم حاكم‪،‬‬ ‫‪21‬‬

‫سواء كان المبيع في يد المشتري أو البائع ‪ ،‬وإنّما يثبت بإرادة المشتري المنفردة وذلك‬
‫بالقياس على الطّلق ‪ ،‬فإنّه ل يتوقّف على رضا الزّوجة ‪ ،‬ول يحتاج إلى حكم حاكم ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة ‪ :‬إلى أنّه يشترط للرّدّ بالعيب رضا البائع أو حكم حاكم إذا كان المبيع في يد‬
‫المشتري ‪ ،‬أمّا إذا كان باقيا في يد البائع فهم مع الجمهور في حصول الرّ ّد بقول المشتري‬
‫دون حاجة إلى قضاء قاض أو تراض ‪.‬‬
‫تمسّك المشتري بالمبيع المعيب مع الرش ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا تمسّك المشتري بالمبيع المعيب والمطالبة بأرش العيب ‪ .‬دون أن يطرأ على‬ ‫‪22‬‬

‫المبيع زيادة أو نقصان أو تصرّف يمنع الرّ ّد ويعطي للمشتري الحقّ في المطالبة بالرش‬
‫فقد اختلف الفقهاء في هذا على ثلثة مذاهب ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّ المشتري ليس له أن يتمسّك بالمبيع المعيب ويأخذ‬
‫ن الفائت وصف ‪ ،‬والوصاف ل تقابل بشيء من الثّمن في مجرّد العقد ؛‬
‫نقصان العيب ؛ ل ّ‬
‫ولنّ البائع لم يرض بزوال المبيع عن ملكه بأقلّ من المسمّى فيتضرّر به ‪ ،‬ودفع الضّرر‬
‫ن التّمسّك بالمعيب دللة على الرّضا به‬
‫عن المشتري أيضا ممكن بالرّدّ بدون تضرّره ‪ ،‬ول ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم جعل لمشتري المصرّاة الخيار‬
‫ويمتنع الرّجوع بالنّقصان ‪ ،‬ل ّ‬
‫بين المساك من غير أرش أو الرّدّ ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إن وجد المشتري العيب ببعض المبيع قبل القبض لشيء منه فالمشتري‬
‫بالخيار إن شاء رضي بالكلّ ولزمه جميع الثّمن ‪ ،‬وإن شاء ر ّد الكلّ وليس له أن يردّ‬
‫صةً بحصّته من الثّمن ؛ لنّ الصّفقة ل تمام لها قبل القبض ‪ ،‬وتفريق الصّفقة‬
‫المعيب خا ّ‬
‫قبل تمامها باطل ‪.‬‬
‫ن المشتري إن شاء‬
‫وإن كان العيب بعد القبض فإن كان المبيع شيئا واحدا حقيقةً وتقديرا فإ ّ‬
‫رضي بالكلّ بكلّ الثّمن ‪ ،‬وإن شاء ر ّد الكلّ واستردّ جميع الثّمن ‪ ،‬وليس له أن يردّ قدر‬
‫صةً بحصّته من الثّمن ‪.‬‬
‫المعيب خا ّ‬
‫وإن كان أشياء حقيقةً وتقديرا فليس له أن ير ّد الكلّ إلّ عند التّراضي ‪ ،‬وله أن يردّ المعيب‬
‫صةً بحصّته من الثّمن ‪.‬‬
‫خا ّ‬
‫ومذهب الشّافعيّة أنّه ليس لمشتري شيئين في صفقة واحدة ر ّد البعض إن كان الباقي ما‬
‫زال ملكه ‪ ،‬لما فيه من التّشقيص على البائع ‪ ،‬فإن رضي به البائع جاز على الصحّ ‪ ،‬وإن‬
‫كان الباقي زال عن ملكه بأن عرف العيب بعد بيع بعض المبيع ‪ ،‬ففي ردّ الباقي طريقان‬
‫أصحّهما‪ :‬القطع بالمنع كما لو كان باقيا في ملكه ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬ذهب المالكيّة إلى أنّ المشتري إذا وجد عيبا في المبيع ‪ ،‬ولم يتغيّر بشيء من‬
‫العيوب عنده ‪ .‬فل يخلو ‪ :‬إمّا أن يكون عقارا أو عروضا أو حيوانا ‪.‬‬
‫ن المشتري يخيّر بين أن يردّ المبيع ويأخذ ثمنه‬
‫فإن كان العيب في الحيوان فل خلف في أ ّ‬
‫أو يمسك ول شيء له ‪.‬‬
‫وإن كان عقارا فمالك يفرّق بين العيب اليسير والكثير ‪ ،‬فيقول ‪ :‬إن كان يسيرا لم يجب الرّدّ‬
‫ووجبت قيمة العيب وهو الرش ‪ ،‬وإن كان كثيرا وجب الرّ ّد بجميع الثّمن أو يتمسّك بإسقاط‬
‫العيب بجميع الثّمن ‪.‬‬
‫وأمّا العروض ‪ ،‬فالمشهور في المذهب أنّها ليست في هذا الحكم بمنزلة الصول ‪ ،‬وقيل ‪:‬‬
‫إنّها بمنزلة الصول في المذهب ‪ ،‬وهو الّذي اختاره الفقيه أبو بكر بن رزق ‪ ،‬وكان يقول ‪:‬‬
‫إنّه ل فرق في هذا المعنى بين الصول والعروض ‪ ،‬وعلى هذا يلزم من يفرّق بين العيب‬
‫الكثير والقليل في الصول أن يفرّق في العروض ‪.‬‬
‫وإذا قلنا ‪ :‬إنّ المشتري يخيّر بين أن يردّ المبيع ويأخذ ثمنه أو يمسك ول شيء له ‪ ،‬فإن‬
‫اتّفقا على أن يمسك المشتري سلعته ويعطيه البائع قيمة العيب فعامّة الفقهاء يجيزون ذلك‬
‫إلّ ابن سريج من أصحاب الشّافعيّ ‪ ،‬فإنّه قال ‪ :‬ليس لهما ذلك ‪ ،‬وعلى هذا فإذا كان‬
‫المعيب الكثر والسّالم القلّ باقيا عند المشتري لم يفت فالجميع يردّه ‪ ،‬ويأخذ جميع الثّمن ‪،‬‬
‫وليس له التّمسّك بالقلّ السّالم وردّ الكثر المعيب ‪ ،‬ولو فات عند المشتري لكان له ردّ‬
‫المعيب مطلقا ‪ ،‬ق ّل أو كثر ‪ ،‬ويأخذ حصّته من الثّمن إلى جميع المبيع من قيمة السّلعة إن‬
‫وقعت ثمنا‪ ،‬أو بنسبة قيمة المعيب من قيمة السّلعة ‪.‬‬
‫وقال أشهب ‪ :‬يرجع شريكا في الثّمن المقوّم بما يقابل المعيب ‪.‬‬
‫وقال ابن القاسم ‪ :‬ل يرجع شريكا في الثّمن لضرر الشّركة ‪ ،‬وإنّما يرجع بالقيمة ‪ ،‬وشبّه‬
‫في ر ّد الجميع أو التّمسّك بالجميع ‪ ،‬أو يتمسّك بالبعض السّالم بجميع الثّمن وإن لم يكن‬
‫الكثر كأحد مزدوجين من خفّين ونعلين وسوارين وقرطين ومصراعي باب ‪ -‬من كلّ ما ل‬
‫يستغنى بأحدهما عن الخر ‪ -‬فليس له ر ّد المعيب بحصّته من الثّمن إلّ أن يتراضيا بذلك ‪.‬‬
‫ولو كان المعيب أمّا وولدها ‪ ،‬فليس له ر ّد المعيب منهما والتّمسّك بالسّليم ولو تراضيا‬
‫على ذلك ‪ ،‬لما فيه من التّفريق بين المّ وولدها ‪ ،‬ما لم ترض المّ بذلك ‪.‬‬
‫كما ل يجوز التّمسّك بالقلّ إن استحقّ الكثر إن كان المبيع مقوّما متعدّدا معيّنا في صفقة‬
‫ق من‬
‫ص ما استح ّ‬
‫والباقي لم يفت عند المشتري ‪ ،‬فإن فات فله التّمسّك به ‪ ،‬ويرجع بما يخ ّ‬
‫الثّمن ‪.‬‬
‫ق الكثر تعيّن الفسخ بر ّد القلّ والرّجوع بجميع الثّمن ‪ ،‬أو‬
‫وإذا منع التّمسّك بالق ّل إذا استح ّ‬
‫ي ؛ لنّه كإنشاء عقد بثمن‬
‫يتمسّك بالبعض الباقي بجميع الثّمن ‪ ،‬وبه قال أبو ثور والوزاع ّ‬
‫مجهول ؛ لنّ العقد الوّل انحلّ من أصله حيث استحقّ الكثر أو تعيّب ‪ ،‬لنّ استحقاق‬
‫الكثر كاستحقاق الكلّ ‪ ،‬وإذا تعيّب الكثر وردّه كان كر ّد الكلّ ‪ ،‬فكان تمسّك المشتري بالقلّ‬
‫السّالم كإنشاء عقد بثمن مجهول الن ‪ ،‬بخلف ر ّد غير الكثر أو استحقاقه ‪.‬‬
‫وأجاز ابن حبيب ر ّد الكثر بحصّته من الثّمن بالتّقدير قائلً ‪ :‬هذه جهالة طارئة وهذا إذا لم‬
‫يكن قد سمّى لكلّ واحد من النواع قيمةً ‪ ،‬فإن كان قد سمّى لكلّ واحد من تلك النواع قيمةً‬
‫فل خلف في ردّ المعيب بعينه فقط وكلّ ما تقدّم في المقوّم المعيّن المتعدّد ‪.‬‬
‫ي والمقوّم المتّحد والموصوف فحكمه مغاير لذلك ‪ ،‬فلو اشترى رجل عشرة أثواب‬
‫وأمّا المثل ّ‬
‫موصوفةً أو عشرة أرطال أو أوسق من قمح فاستحقّ أكثرها أو أقلّها أو وجد به عيبا فل‬
‫ينقض البيع ‪ ،‬بل يرجع بمثل الموصوف أو المثليّ ‪ ،‬وله أن يتمسّك بالباقي بحصّته من‬
‫الثّمن في الستحقاق ‪ ،‬وبالسّالم والمعيب في العيب ‪.‬‬
‫وأمّا إذا كان المبيع متّحدا كدار وغيره فاستحقّ البعض قلّ أو كثر فالمشتري مخيّر بين‬
‫التّمسّك والرّ ّد ‪.‬‬
‫وجاز ردّ أحد المشتريين غير الشّركة نصيبه من بيع متّحد أو متعدّد ‪ ،‬اشترياه في صفقة‬
‫ن العقد‬
‫واحدة واطّلعا فيه على عيب ولو أبى البائع فقال ‪ :‬ل أقبل إلّ جميعه ‪ ،‬بنا ًء على أ ّ‬
‫يتعدّد بتعدّده ‪.‬‬
‫وأمّا الشّريكان في التّجارة إذا اشتريا معيبا في صفقة وأراد أحدهما الرّدّ فلصاحبه منعه‬
‫وقبول الجميع ؛ لنّ كلّ واحد منهما وكيل عن الخر ‪.‬‬
‫وجاز لمشتر من بائعين غير شريكين ر ّد نصيبه دون الرّ ّد على الخر ‪.‬‬
‫ن المشتري إذا أراد إمساك المعيب وأخذ أرش النّقص فله ذلك ‪،‬‬
‫ثالثا ‪ :‬ذهب الحنابلة إلى أ ّ‬
‫ولو لم يتعذّر الرّدّ ‪ ،‬رضي البائع بدفع الرش أو سخط به ؛ لنّه ظهر على عيب لم يعلم به‬
‫‪ ،‬فكان له الرش كما لو تعيّب عنده ‪ .‬ولنّه فات عليه جزء من المبيع ‪ ،‬فكانت له المطالبة‬
‫ن المتبايعين تراضيا على أنّ‬
‫بعوضه ‪ ،‬كما لو اشترى عشرة أقفزة فبانت تسعةً ‪ ،‬ول ّ‬
‫العوض في مقابلة المعوّض ‪ ،‬فكلّ جزء من العوض يقابله جزء من المعوّض ‪ ،‬ومع العيب‬
‫فات جزء منه فيرجع ببدله وهو الرش ما لم يفض إلى الرّبا ‪ ،‬كشراء حليّ بفضّة بزنته ‪.‬‬
‫وإن اشترى رجل معيبين صفقةً واحدةً ‪ ،‬أو اشترى طعاما أو نحوه في وعاءين صفقةً‬
‫واحدةً‪ ،‬فليس له إلّ ردّهما معا أو إمساكهما والمطالبة بالرش ؛ لنّ في ردّ أحدهما تفريقا‬
‫للصّفقة على البائع مع إمكان أن ل يفرّقها ‪ -‬أشبه ردّ بعض المعيب الواحد ‪ -‬فإن تلف أحد‬
‫المعيبين وبقي الخر فللمشتري ر ّد الباقي بقسطه من الثّمن لتعذّر ر ّد التّالف ‪ ،‬والقول قول‬
‫المشتري في قيمة التّالف مع يمينه ؛ لنّه منكر لما يدّعيه البائع من زيادة قيمته ‪.‬‬
‫وإذا كان أحدهما معيبا والخر سليما ‪ ،‬وأبى المشتري أخذ الرش عن العيب فله ردّه‬
‫بقسطه من الثّمن ؛ لنّه ردّ للمبيع المعيب من غير ضرر على البائع ‪ ،‬ول يملك المشتري‬
‫ر ّد السّليم لعدم عيبه إ ّل أن ينقصه تفرّق كمصراعي باب وزوجي خفّ ‪ ،‬أو يحرم تفريق‬
‫كجارية وولدها ونحوه كأخيها ‪ ،‬فليس للمشتري ر ّد أحدهما وحده ‪ ،‬بل له ردّهما معا أو‬
‫الرش دفعا لضرر البائع أو لتحريم التّفريق ‪.‬‬
‫وأمّا طرق إثبات العيب وموانع الرّدّ به فتفصيل ذلك في مصطلح ‪.‬‬
‫( خيار العيب ف ‪ 6/‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫العيب في الصّرف ‪:‬‬
‫‪ -‬الصّرف ‪ :‬إمّا أن يكون معيّنا بمعيّن أو في ال ّذمّة ‪.‬‬ ‫‪23‬‬

‫والعيب إمّا أن يكون من نفس الجنس أو من غير الجنس ‪ ،‬والعوضان إمّا أن يكونا من‬
‫جنس واحد أو من جنسين ‪ ،‬وفي كلّ ‪ :‬إمّا أن يظهر العيب قبل القبض أو بعده ‪ ،‬فهذه‬
‫ثمانية‪ :‬أربعة في الصّرف المعيّن ‪ ،‬ومثلها في الصّرف في ال ّذمّة ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ -‬العيب من نفس الجنس ‪ ،‬اتّحد الجنس أو اختلف ‪ ،‬قبل القبض أو بعده ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا كان الصّرف معيّنا والعيب في جميع العوض ‪ ،‬كأن يقول بعتك هذه الدّنانير بهذه‬ ‫‪24‬‬

‫الدّراهم ‪ ،‬أو بهذه الدّنانير ‪ ،‬ويشير إلى العوضين ‪ .‬فهذا هو المعيّن بمعيّن ‪ ،‬ول خلف في‬
‫جواز هذا القسم بشروطه وهو الحلول والتّقابض ‪.‬‬
‫ثمّ إذا ظهر أحد البدلين معيبا ‪ ،‬مثل كون الفضّة سوداء أو خشنةً تنفطر عند الضّرب ‪ ،‬أو‬
‫كانت سكّتها تخالف سكّة السّلطان ‪ ،‬أو وجدت الدّراهم زيوفا ‪ ،‬فهل يصحّ العقد ول شيء‬
‫لواجد العيب إذا رضي به ‪ ،‬أم له البدل ؟‬
‫اختلف الفقهاء في ذلك على مذهبين ‪:‬‬
‫المذهب الوّل لجمهور الفقهاء ‪ :‬من الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬وهو أنّه متى كان‬
‫العيب من نفس الجنس فالعقد صحيح ‪ ،‬والمشتري بالخيار بين أن يمسك الجميع وبين أن‬
‫يفسخ العقد ‪ ،‬وليس له البدل ‪ ،‬وإلى هذا ذهب الحنفيّة فيما يعيّن عندهم من غير الدّراهم‬
‫والدّنانير ‪ ،‬ففي المبسوط ‪ :‬لو كانت الفضّة سوداء أو حمراء فيها رصاص أو صفر ‪ -‬وهو‬
‫ن المشار إليه من جنس‬
‫الّذي أفسدها ‪ -‬فهو بالخيار ‪ ،‬إن شاء أخذها وإن شاء ردّها ؛ ل ّ‬
‫ن مثله يسمّى إناء فضّة في النّاس ‪ ،‬إلّ أنّه معيب لما فيه من الغشّ ‪ ،‬فيجوز‬
‫المسمّى ‪ .‬فإ ّ‬
‫العقد على المشار إليه بالتّسمية ‪ ،‬ويتخيّر المشتري للعيب ‪.‬‬
‫وإن كان رديئ ًة من غير غشّ فيها لم يكن له أن يردّها ; لنّ الرّداءة ليست بعيب ‪.‬‬
‫وفي تكملة المجموع ‪ :‬وإن كان العيب من جنس المعقود عليه ‪ ،‬كخشونة الفضّة ورداءة‬
‫المعدن ‪ ،‬فالبيع صحيح ‪ ،‬فإن ظهر العيب والمبيع باق فهو بالخيار بين أن يردّ ويسترجع‬
‫الثّمن ‪ ،‬وبين أن يرضى به ‪ ،‬نصّ عليه الشّافعيّ والصحاب ‪ ،‬وليس له أن يطالب ببدله ‪،‬‬
‫ن مورد العقد معيّن ‪ ،‬اتّفقت كلمة الصحاب على ذلك ‪ ،‬ول‬
‫سواء قبل التّفرّق أو بعده ‪ ،‬فإ ّ‬
‫يأخذ أرش المعيب ؛ لنّ الرش ل يستحقّ مع القدرة على الرّدّ ‪.‬‬
‫ن المغشوش المعيّن من الجهتين كهذا الدّينار بهذه‬
‫المذهب الثّاني للمالكيّة ‪ :‬فهم يرون أ ّ‬
‫العشرة الدّراهم ‪ ،‬فيه طريقان ‪ :‬الوّل أنّ المذهب كلّه على إجازة البدل ‪.‬‬
‫والثّاني أنّه كغير المعيّن ‪ .‬فيكون فيه قولن ‪ ،‬والمشهور منهما النّقض ‪ ،‬وعلى هذا القول‬
‫يكون متّفقا مع المذهب الوّل ‪.‬‬
‫ن النّقود‬
‫والقول الثّاني ‪ :‬جواز البدل وهو لبن وهب وهو قول عند الحنابلة ‪ ،‬على أساس أ ّ‬
‫ل تتعيّن بالتّعيين ‪ ،‬وذلك لنّ المصطرفين لم يفترقا وفي ذمّة أحدهما للخر شيء ولم يزل‬
‫المعيّن مقبوضا لوقت البدل ‪ ،‬فلم يلزم على البدل صرف مؤخّر بخلف غير المعيّن فيفترقان‬
‫وذمّة أحدهما مشغولة لصاحبه ‪ ،‬ففي البدل صرف مؤخّر ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬أخذ الرش عن المعيب ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إذا كان العوضان من جنسين ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى القول برجوعه بنقصان العيب إذا هلك في يده أو حدث فيه عيب‬ ‫‪25‬‬

‫آخر ‪ ،‬ما لم يقل البائع ‪ :‬أنا أقبله كذلك ‪ ،‬وهو مذهب الحنابلة إذا كان أخذ الرش قبل‬
‫التّفرّق‪ ،‬أو كان الرش من غير جنس الثّمن ‪.‬‬
‫ففي الفتاوى الهنديّة ‪ :‬لو اشترى قلب فضّة بذهب ‪ ،‬فوجد فيه عيبا فله أن يردّه ‪ ،‬فإن هلك‬
‫في يده أو حدث فيه عيب آخر كان له أن يرجع بنقصان العيب ‪ ،‬وللبائع أن يقول ‪ :‬أنا أقبله‬
‫كذلك ‪.‬‬
‫ضةً لم يرجع بالنّقصان ‪.‬‬
‫وإن كان الثّمن ف ّ‬
‫ن المماثلة غير‬
‫وفي المغني ‪ :‬وإن كان الصّرف بغير جنسه فله أخذ الرش في المجلس ؛ ل ّ‬
‫معتبرة ‪ ،‬وتخلّف قبض بعض العوض عن بعض ما داما في المجلس ل يضرّ ‪ ،‬فجاز كما‬
‫في سائر البيع ‪ ،‬وإن كان بعد التّفرّق لم يجز ؛ لنّه يفضي إلى حصول التّفرّق قبل القبض‬
‫لحد العوضين ‪ ،‬إلّ أن يجعل الرش من غير جنس الثّمن كأنّه أخذ أرش عيب الفضّة قفيز‬
‫حنطة فيجوز ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة ‪ :‬إلى القول بعدم جواز أخذ الرش ‪ ،‬وهو مذهب الحنابلة إذا كان أخذ‬
‫الرش بعد التّفرّق ‪.‬‬
‫واستدلّ الشّافعيّة على ذلك ‪ :‬بأنّه ل يجوز له أخذ الرش مع القدرة على الرّدّ ‪ ،‬بمعنى أنّه‬
‫إذا كان له أن يردّ المعيب ويسترجع الثّمن الّذي دفعه فل حاجة إلى القول بأخذ الرش ‪،‬‬
‫فإمّا أن يرضى به بجميع الثّمن ‪ ،‬وإمّا أن يفسخ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا كان العوضان من جنس واحد ‪:‬‬
‫‪ -‬وذلك كدنانير بدنانير ‪ ،‬أو دراهم بدراهم ‪ ،‬أو فضّة بفضّة ‪ ،‬أو ذهب بذهب فهل يجوز‬ ‫‪26‬‬

‫له أخذ الرش في متّحدي الجنس ؟‬


‫ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى القول بعدم أخذ الرش عن المعيب في متّحدي‬
‫ن الرش يؤدّي إلى حصول الزّيادة في أحد العوضين ‪ ،‬وهذا يؤدّي إلى فوات‬
‫الجنس؛ ل ّ‬
‫المماثلة المشترطة في الجنس الواحدة ‪ ،‬فيتحقّق ربا الفضل وهو ل يجوز ‪.‬‬
‫وذهب القاضي من الحنابلة إلى تخريج وجه بجواز أخذ الرش في المجلس ‪ ،‬لنّ الزّيادة‬
‫طرأت بعد العقد ‪ ،‬وأمّا المالكيّة ‪ :‬فيجوز عندهم أخذ البدل فل حاجة إلى القول بالرش ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬الصّرف معيّن والعيب من نفس الجنس والمعيب البعض ‪:‬‬
‫‪ -‬لقد سبق الحكم فيما إذا كان العيب في جميع العوض ‪ ،‬فليس له إلّ المساك أو الرّدّ ‪.‬‬ ‫‪27‬‬

‫وكذلك الحكم في أخذ الرش ‪ ،‬سواء كان في متّحدي الجنس أو مختلفيه ‪.‬‬
‫وأيضا إذا كان العيب في بعض العوض فله إمّا ردّ الكلّ أو إمساك الكلّ ‪.‬‬
‫وهنا نتناول الحكم في إمساك الجيّد ور ّد المعيب ‪.‬‬
‫فإذا وجد البعض معيبا ‪ ،‬فهل له إمساك الجيّد ور ّد المعيب وحده ؟ أو ير ّد الجميع ؟ أو‬
‫يمسك الجميع وليس له شيء غير ذلك ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلثة مذاهب ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا وجد بالمبيع عيبا فله أن يردّه كلّه أو يأخذه كلّه ‪ ،‬وذلك‬
‫فيما لو كان حليّ ذهب فيه جوهر مفضّض ‪ ،‬فوجد بالجوهر عيبا ‪ ،‬فإن أراد أن يردّه دون‬
‫الحليّ لم يكن له ذلك ‪ ،‬لنّ الكلّ كشيء واحد ‪ ،‬لما في تمييز البعض من البعض من الضّرر‬
‫‪ .‬ومنع الحنفيّة ر ّد البعض هنا ‪ ،‬ليس على أساس تفريق الصّفقة وإنّما على أصل آخر‬
‫ن الّذي يتعيّن بالتّعيين غير الدّراهم والدّنانير كالحليّ والتّبر وغير ذلك فهو‬
‫عندهم‪ ،‬وهو أ ّ‬
‫بمنزلة الشّيء الواحد ل يمكن فصله ‪.‬‬
‫وقد وافقهم المالكيّة فيما لو كانت الدّنانير مختلفة الجناس والقيم ‪ ،‬ففي المنتقى ‪ :‬وإن‬
‫كانت الدّنانير مختلفة الجناس والقيم ففي العتبيّة من رواية أبي زيد عن ابن القاسم فيمن‬
‫اشترى حليّا مصوغا ‪ :‬أسور ًة وخلخل وغير ذلك بدراهم فوجد بها درهما زائفا ‪ ،‬أنّه‬
‫ينتقض الصّرف كلّه ‪.‬‬
‫ثمّ قال ‪ :‬ولو وجد في جميع الحليّ مسمار نحاس فقد روى أبو زيد عن ابن القاسم أنّ ذلك‬
‫ن السّوارين جميعا‬
‫ي انتقض الصّرف في السّوارين جميعا ؛ ل ّ‬
‫إن كان في سوارين من الحل ّ‬
‫بمنزلة الشّيء الواحد ‪ .‬فإذا انتقض الصّرف في أحدهما انتقض فيهما ‪ ،‬لنّه ل يجوز أن‬
‫يفترقا في الرّ ّد على من باعهما مجتمعين ‪ ،‬لما في ذلك من الفساد ‪ ،‬ولنّ النّقض لمّا طرأ‬
‫من جهتهما والعوض الّذي يقارب مساو لم يدخله التّقسيط ‪.‬‬
‫المذهب الثّاني ‪ ،‬وهو قول عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬أنّه إذا وجد بعض العوض معيبا فله‬
‫إمّا إمساك الكلّ أو ردّ الكلّ ‪ ،‬وليس له ردّ المعيب وحده ‪ ،‬فإذا صرف الرّجل من الرّجل‬
‫دينارا بعشرة دراهم ‪ ،‬أو دنانير بدراهم ‪ ،‬فوجد فيها درهما زائفا ‪ ،‬فإن كان زاف من قبل‬
‫السّكّة أو قبح الفضّة فل بأس على المشتري أن يقبله ‪ ،‬وله ردّه ‪ ،‬فإن ردّه ر ّد البيع كلّه ؛‬
‫لنّها بيعة واحدة ‪ ،‬وإن شرط عليه أنّ له ردّه فالبيع جائز ‪ ،‬وذلك له شرطه أو لم يشرطه ‪.‬‬
‫وإن شرط أنّه ل يردّ الصّرف ‪ ،‬فالبيع باطل إذا عقد على هذا عقدة البيع ‪.‬‬
‫ن الصّفقة إذا لم يمكن تصحيحها في‬
‫واستدلّوا أيضا بالقياس على عدم تفريق الصّفقة ؛ ل ّ‬
‫جميع المعقود عليه بطلت في الكلّ ‪ ،‬كالجمع بين الختين وبيع درهم بدرهمين ‪ ،‬وعليه‬
‫فليس له إلّ إمساك الكلّ أو فسخ الكلّ ‪.‬‬
‫ويقول السّبكيّ ‪ :‬وهذا الكلم قد يوهم أنّه ليس له التّفريق ‪ ،‬وهو الّذي جزم به أبو حامد‬
‫في مسألة العبدين ‪ ،‬وأكثر الصحاب أطبقوا على تخريجه على قولي تفريق الصّفقة في‬
‫الدّراهم‪ .‬وفي المغني ‪ :‬وهل له ر ّد المعيب وإمساك الصّحيح ؟ على وجهين‪ ،‬بناءً على‬
‫تفريق الصّفقة‪ .‬المذهب الثّالث ‪ :‬للمالكيّة في المشهور ‪ -‬وهو قول عند الشّافعيّة والحنابلة‬
‫‪ -‬أنّ الصّرف ينقض في المعيب بقدره من الثّمن ويمسك الجيّد ‪ ،‬وقيل بالنّقض بعد الطّول ‪،‬‬
‫فإذا كان الصّرف دنانير بدراهم ‪ ،‬فوجد بالدّراهم زيفا فأصغر دينار ‪ ،‬ما لم يكن الزّيف يزيد‬
‫عن أصغر دينار فأكبر دينار ‪ ،‬وهكذا كلّما زاد الزّيف ينقص من الصّرف ما يقابله على‬
‫التّرتيب السّابق‪ .‬لنّ كلّ دينار كأنّه مفرد بنفسه ‪ ،‬إذ ل تختلف قيمته عن قيمة مصاحبه ‪.‬‬
‫ومقابل المشهور عند المالكيّة ما روي عن ابن القاسم أنّه ينتقض الجميع بناءً على أنّ‬
‫المجموع مقابل المجموع ‪ ،‬ولكن يستوي في المشهور عند المالكيّة أن يسمّوا عند العقد‬
‫لكلّ دينار عددا من الدّراهم أو لم يسمّوا لكلّ دينار عددا ‪ ،‬بل جعلوا كلّ الدّراهم في مقابلة‬
‫كلّ الدّنانير ‪.‬‬
‫وإن تساوت الدّنانير في الصّغر والكبر والجودة والرّداءة فواحد منها ينتقض ‪ ،‬ما لم يزد‬
‫موجب النّقض فآخر وهكذا ‪.‬‬
‫والقول بجواز ردّ المعيب وحده بنا ًء على القول بجواز تفريق الصّفقة ‪ ،‬وذلك لنّ لكلّ واحد‬
‫منهما له حكم لو كان مفردا ‪ ،‬فإذا جمع بينهما ثبت لكلّ واحد حكمه ‪ ،‬كما لو باع شقصا‬
‫وسيفا ؛ ولنّ البيع سبب اقتضى الحكم في محلّين فامتنع حكمه في أحد المحلّين فيصحّ في‬
‫الخر ‪ ،‬كما لو وصّى بشيء لدميّ وبهيمة ‪.‬‬
‫رابعا ‪ -‬إذا تلف العوض بعد العقد ثمّ علم عيبه ‪:‬‬
‫إذا تلف العوض بعد العقد ثمّ علم عيبه ‪ ،‬والصّرف معيّن والعيب من نفس الجنس ‪ ،‬ولم‬
‫ح العقد أو يفسخ وير ّد مثل التّالف ؟ ولو‬
‫يعلم العيب إلّ بعد تلف العوض المعيب ‪ ،‬فهل يص ّ‬
‫أمسك هل له أخذ الرش ؟ بيان ذلك فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حكم العقد من حيث المضاء أو الفسخ ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في ذلك على مذهبين ‪:‬‬ ‫‪28‬‬

‫المذهب الوّل للشّافعيّة والحنابلة وأبي يوسف من الحنفيّة ‪ ،‬وهو أنّ العوض في الصّرف‬
‫إذا تلف بعد القبض ثمّ علم عيبه فسخ العقد وردّ الموجود ‪ ،‬وتبقى قيمة المعيب في ذمّة من‬
‫تلف في يده ‪ .‬سواء كان الصّرف بجنسه أو بغير جنسه ‪ ،‬كما إذا صارف ذهبا بذهب أو‬
‫ورقا بورق ‪ .‬ول يأخذ الرش ؛ لنّه يحصل معه في البيع تفاضل ‪ ،‬ول يمكن الرّدّ ؛ لنّ‬
‫ذلك تالف ل يمكن ردّه ‪ ،‬يمكن أن يقال ‪ :‬إنّه يق ّر العقد ول شيء له ؛ لنّه قد علم بالعيب ‪،‬‬
‫فل بدّ له من استدراك ظلمته ‪ ،‬فدعت الضّرورة إلى فسخ العقد وردّ الموجود ‪ ،‬وتبقى‬
‫قيمة المعيب في ذمّة من تلف في يده ‪ ،‬فيردّ مثلها أو عوضها ‪.‬‬
‫وفي المغني إن تلف العوض في الصّرف بعد القبض ثمّ علم عيبه ‪ ،‬فسخ العقد وردّ‬
‫الموجود‪ ،‬وتبقى قيمة المعيب في ذمّة من تلف في يده ‪ .‬فيردّ مثلها أو عوضها إن اتّفقا‬
‫على ذلك ‪ ،‬سواء كان الصّرف بجنسه أو بغير جنسه ‪ .‬ذكره ابن عقيل ‪.‬‬
‫المذهب الثّاني لبي حنيفة ومحمّد ‪ ،‬وهو أنّ البيع صحيح ‪ ،‬وليس له شيء على البائع ‪،‬‬
‫فلو اشترى دينارا بعشرة دراهم وتقابضا والدّراهم زيوف فأنفقها المشتري وهو ل يعلم ‪،‬‬
‫فل شيء له على البائع ‪ ،‬وقال أبو يوسف ‪ :‬ير ّد مثل ما قبض ويرجع بالجياد ‪.‬‬
‫وذكر فخر السلم وغيره أنّ قولهما قياس ‪ ،‬وقول أبي يوسف استحسان ‪.‬‬
‫وحيث إنّ الحنفيّة ذكروا المثلة في الدّراهم والدّنانير ‪ ،‬وهي ل تتعيّن عندهم ‪ ،‬والكلم في‬
‫المعيّن ‪ ،‬لم نجد لهم نصّا صريحا في هذا ‪ ،‬ولكنّ الحكم ل يختلف ؛ لنّه سواء كان العوض‬
‫معيّنا أو غير معيّن فبالتّلف تساويا في عدم القدرة على الرّدّ أو الستبدال إن قيل به ‪،‬‬
‫وليس هناك طريق آخر يمكن القول به غير هذا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬حكم أخذ الرش في المعيب التّالف بعد القبض ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا كان الصّرف من جنس واحد ‪ ،‬كذهب بذهب أو فضّة بفضّة ‪ ،‬ففيه مذهبان ‪:‬‬ ‫‪29‬‬

‫المذهب الوّل للحنفيّة وأكثر الشّافعيّة والولى عند الحنابلة ‪ :‬أنّه ل يجوز أخذ الرش أو‬
‫نقصان العيب في متّحدي الجنس لنّ أخذ الرش في متّحدي الجنس يؤدّي إلى التّفاضل في‬
‫الجنس الواحد ‪.‬‬
‫المذهب الثّاني ‪ :‬للقاضي حسين من الشّافعيّة ‪ :‬إذا فسخ العقد في المعيب التّالف ‪ ،‬فإنّه‬
‫يرجع بأرش العيب ‪ ،‬مثل أن يكون التّالف معيبا بعشر قيمته ‪ ،‬فإنّه يستر ّد منه عشر القيمة‬
‫؛ لنّ المماثلة في مال الرّبا تشترط حالة العقد ‪ ،‬واسترجاع بعض الثّمن حقّ ثبت له‬
‫ابتداءً ‪ ،‬فل يراعى فيه معنى الرّبا ‪.‬‬
‫والقول بأخذ الرش رواية عند الحنابلة وإن كانت خلف الولى ‪.‬‬
‫‪ -‬إذا كان الصّرف من جنسين ‪ ،‬كدنانير بدراهم ففيه مذهبان ‪.‬‬ ‫‪30‬‬

‫المذهب الوّل للحنفيّة وهو وجه عند الشّافعيّة ‪ :‬يجوز أخذ الرش ‪.‬‬
‫وأجاز ذلك الحنابلة ‪ :‬إذا كان ذلك في المجلس ؛ لنّه ل يترتّب عليه تأخير في قبض‬
‫ن المماثلة في مختلفي الجنس غير معتبرة فل‬
‫العوض‪ ،‬بل يتمّ القبض قبل التّفرّق ‪ ،‬ول ّ‬
‫مانع من أخذ الرش مع عدم إمكان الرّدّ لتلف العوض ‪.‬‬
‫المذهب الثّاني ‪ :‬ل يجوز الرّجوع بأرش عيب الدّراهم والدّنانير ‪ ،‬قال السّبكيّ ‪ :‬هذا قول‬
‫ن الصّرف أضيق من البياعات ‪،‬‬
‫الشّيوخ من أصحابنا البصريّين والجمهور من غيرهم ؛ ل ّ‬
‫فلم يتّسع لدخول الرش فيه ‪.‬‬
‫خامسا ‪ -‬العيب عن غير الجنس ‪:‬‬
‫‪ -‬الصّرف هنا معيّن ‪ ،‬سواء كان من جنس واحد ‪ ،‬كدنانير بدنانير أو دراهم بدراهم ‪،‬‬ ‫‪31‬‬

‫أو من جنسين كدنانير بدراهم ‪ ،‬والعيب من غير الجنس كأن يجد الدّنانير نحاسا أو يجد‬
‫الدّراهم رصاصا أو ستّوقا ‪ ،‬وسواء وجد ذلك قبل القبض أو بعده ‪ ،‬فهل يبطل الصّرف‬
‫مطلقا؟ أو يجوز له البدال في المجلس وبعده ؟ أو يجوز له الرّضا به ؟ وهل له الرّدّ‬
‫والبدال لو كان علم بهذا العيب عند العقد أو عند القبض ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على‬
‫أربعة أقوال ‪:‬‬
‫ن الصّرف باطل ويسترجع جميع الثّمن ‪ ،‬وهذا هو مذهب الحنفيّة ‪ ،‬وما نصّ‬
‫القول الوّل ‪ :‬أ ّ‬
‫ص عليه أحمد بن حنبل والطّريقة‬
‫عليه الشّافعيّ ‪ ،‬وتبعه على ذلك معظم الصحاب ‪ ،‬وما ن ّ‬
‫الثّانية عند المالكيّة ‪ ،‬سواء كان المغشوش عندهم نقص عدد أو وزن أو رصاص أو نحاس‬
‫خالصين أو مغشوشين ‪.‬‬
‫فالمغشوش المعيّن فيه قولن ‪ :‬المشهور منهما نقض الصّرف وعدم إجازة البدل ؛ لنّ‬
‫المشار إليه ليس من جنس المسمّى والعقد إنّما يتعلّق بالمسمّى ‪ ،‬لنّ انعقاده بالتّسمية ‪،‬‬
‫والمسمّى معدوم ‪ ،‬فل بيع بينهما ‪ ،‬قاله الحنفيّة والشّافعيّة ‪ .‬ولنّه باعه غير ما سمّى له‬
‫ح ‪ ،‬كما لو قال ‪ :‬بعتك هذه البغلة فإذا هو حمار ‪ ،‬أو هذا الثّوب القزّ فوجده كتّانا ‪.‬‬
‫فلم يص ّ‬
‫القول الثّاني ‪ :‬أنّ البيع صحيح والمشتري مخيّر بين المساك والرّدّ وأخذ البدل ‪ .‬ويصحّ‬
‫أيضا إذا رضي المشتري بالعيب مجّانا ‪ ،‬سواء قبل التّفرّق أو بعده ‪ ،‬أو رضي البائع‬
‫ي الطّبريّ في الفصاح فقد قال ‪ :‬من أصحابنا من‬
‫بإبداله‪ ،‬قاله المالكيّة وهو ما رواه أبو عل ّ‬
‫قال ‪ :‬البيع صحيح يثبت فيه الخيار ؛ لنّ العقد ورد على عينه ‪ .‬وهو الرّواية الثّانية الّتي‬
‫ن المشتري إذا رضي بالعيب فالبيع صحيح وليس له غير ذلك‬
‫رواها أبو بكر عن أحمد ؛ ل ّ‬
‫‪.‬‬
‫أمّا إذا لم يرض فالعقد وارد على عينه ‪ ،‬وللمشتري الخيار بين المساك أو الرّدّ وأخذ‬
‫البدل‪.‬‬
‫القول الثّالث ‪ :‬يفرّق أصحاب هذا القول بين ما إذا ظهر العيب في المجلس قبل التّفرّق أو‬
‫بعد التّفرّق ‪.‬‬
‫فإذا كان قبل التّفرّق كان له البدل أو الفسخ ‪ ،‬وبعده ل يجوز ويبطل الصّرف ولو بدّل بعد‬
‫المجلس ‪ ،‬قال بذلك الحنفيّة ؛ لنّ العقد ل يتمّ بينهما إلّ بالتّفرّق بالبدان أو التّخيير ‪ ،‬فإذا‬
‫ردّها في المجلس وقبض الجياد جاز ‪ ،‬وجعل كأنّه أخّر القبض إلى آخر المجلس ‪ .‬أمّا بعد‬
‫التّفريق فل يجوز والصّرف باطل ‪.‬‬
‫ن العقد يلزم وليس له ردّ ول إبدال على خلف بين القائلين به ‪.‬‬
‫القول الرّابع ‪ :‬أ ّ‬
‫فذهب الحنفيّة إلى ذلك بشرط علم المشتري عند القبض بالعيب ‪ ،‬وكذا عند العقد ‪ ،‬فل‬
‫يجوز له أن يردّها ويأخذ الدّراهم الجياد ‪.‬‬
‫والرّواية الثّالثة الّتي رواها أبو بكر عن أحمد أنّه يلزمه العقد وليس له ردّه ول إبداله ؛‬
‫لنّ العقد وارد على معيّن ‪ ،‬وقد رضي المشتري بعينها مع العلم بعيبها ولهذا لو كان ل‬
‫يعلم أحدهما ‪ ،‬أو ل يعلمان بعيبها ل يتعلّق العقد بعينها ولنّه أتى بلفظ البيع وعيّن ‪ ،‬فهو‬
‫ل بالعيب ‪.‬‬
‫مطلق بيع إن كان له قيمة ‪ ،‬ول يكون له الرّ ّد إلّ إذا كان جاه ً‬
‫حكم العيب في الصّرف في ال ّذمّة وأخذ البدل والرش فيه ‪:‬‬
‫‪ -‬العيب إمّا أن يظهر قبل الفتراق أو بعده ‪ ،‬وإمّا أن يكون العيب من نفس الجنس أو‬ ‫‪32‬‬

‫من غير الجنس ‪.‬‬


‫والحكم هنا بالنّسبة لخذ البدل يختلف فيما إذا ظهر العيب قبل الفتراق أو بعده ونبيّن ذلك‬
‫في ثلث مسائل ‪:‬‬
‫المسألة الولى ‪ :‬إذا ظهر العيب قبل التّفرّق والعيب من جنسه أو من غيره ‪.‬‬
‫‪ -‬اتّ فق الفقهاء على أنّه إذا ظ هر الع يب في المجلس ق بل التّفرّق له المطال بة بالبدل‬ ‫‪33‬‬

‫سواء كان العيب من جنسه أو من غير جنسه وأضاف المالكيّة أنّه يجبر الممتنع عن إتمام‬
‫الصّرف بدفع البدل ‪.‬‬
‫ح الصّرف إذا كان العيب ل يخرجه‬
‫كما اتّفق الفقهاء على أنّه إذا رضي واجد العيب به ص ّ‬
‫عن الجنس ‪ ،‬أمّا إذا كان العيب يخرجه عن الجنس فليس له الرّضا به ‪ ،‬إلّ ما قاله المالكيّة‬
‫ن له أن يرضى به ‪.‬‬
‫من أ ّ‬
‫وفي حالة ما إذا رضي بالعيب الّذي لم يخرجه عن الجنس فليس له أخذ أرش العيب إذا‬
‫كان الصّرف متّحد الجنس ‪ ،‬نصّ على ذلك الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ص عليه الحنابلة ‪.‬‬
‫وإذا كان الصّرف في مختلف الجنس جاز أخذ الرش ‪ ،‬ن ّ‬
‫واستدلّوا على ذلك بأنّ العقد وقع على مطلق ل عيب فيه ‪ .‬فله المطالبة بما وقع عليه‬
‫العقد‪ ،‬كالمسلم فيه ‪ ،‬وبأنّ المعقود عليه ما في ال ّذمّة ‪ -‬وقد قبض قبل التّفرّق أو كأنّه أخّر‬
‫القبض إلى آخر المجلس ‪ .‬وبأنّ ما في ال ّذمّة صحيح ل عيب فيه ‪ ،‬فإذا قبض معيبا كان له‬
‫أن يطالب بما في ذمّته ممّا يتأوّله العقد ‪ ،‬كما إذا قبض المسلم فيه ثمّ وجد به عيبا ‪ ،‬فإنّ‬
‫ن شرط المماثلة في متّحد الجنس يمنع من أخذ الرش لما يؤدّي‬
‫له أن يطالب ببدله ‪ ،‬وبأ ّ‬
‫إلى المفاضلة غير الجائزة ‪ .‬ول يشترط ذلك في مختلف الجنس إذا كان ذلك في المجلس‬
‫قبل التّفرّق لنّه ل يترتّب عليه تأخير في قبض بعض العوض ‪.‬‬
‫المسألة الثّانية ‪ :‬إذا ظهر العيب بعد التّفرّق والعيب من نفس الجنس والفرض أنّ‬
‫الصّرف في ال ّذمّة فهل له أخذ البدل كما كان قبل التّفرّق ؟ أو يبطل الصّرف إن لم يرض به‬
‫؟‬
‫‪ -‬للفقهاء في هذه المسألة مذهبان ‪:‬‬ ‫‪34‬‬

‫المذهب الوّل لبي يوسف ومحمّد من الحنفيّة ‪ :‬أنّه إذا رضي به جاز سواء كان قبل‬
‫الفتراق أو بعده ؛ لنّ الزّيوف من جنس حقّه ‪.‬‬
‫ن استبدالها قبل الفتراق جائز إجماعا ‪.‬‬
‫وإن استبدلها في مجلس الرّ ّد جاز أيضا ‪ ،‬ل ّ‬
‫ح القولين عند الشّافعيّة ‪ ،‬ورواية عند الحنابلة اختارها‬
‫والقول بجواز أخذ البدل هو أص ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫الخلّال والخرق ّ‬
‫ن القبض في الزّيوف وقع صحيحا ؛ لنّه قبض جنس حقّه ‪ ،‬أل ترى‬
‫واستدلّوا على ذلك ‪ :‬بأ ّ‬
‫أنّه لو تجوّز بها جاز ‪ ،‬ولو لم يكن من جنس حقّه لما جاز كالسّتّوق ‪ ،‬إلّ أنّه فاتته صفة‬
‫ل ل وصفا فكانت الزّيافة فيها عيبا ‪ ،‬والعيب ل‬
‫الجودة بالزّيافة فكانت من جنس حقّه أص ً‬
‫يمنع صحّة القبض ‪ ،‬كما في بيع العين إذا كان المبيع معيبا ‪.‬‬
‫وبالرّ ّد ينتقض القبض لكن مقصورا على حالة الرّدّ ‪ .‬ول يستند النتقاض إلى وقت القبض‬
‫فيبقى القبض صحيحا ‪.‬‬
‫ن المستحقّ بعقد السّلم القبض مرّةً‬
‫وكان ينبغي أن ل يشترط قبض بدله في مجلس الرّدّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن للرّدّ شبها بالعقد ‪ ،‬حيث ل يجب القبض في مجلس الرّ ّد إلّ‬
‫واحدةً ‪ ،‬إ ّل أنّه شرط ؛ ل ّ‬
‫بالرّدّ‪ ،‬كما ل يجب القبض في مجلس العقد إلّ بالعقد ‪ ،‬فألحق مجلس الرّ ّد بمجلس العقد ‪،‬‬
‫وهذا وجه قول الصّاحبين ‪.‬‬
‫ن ما جاز إبداله قبل التّفرّق جاز إبداله مع صحّة العقد بعد التّفرّق كالسّلم ‪،‬‬
‫كما استدلّوا بأ ّ‬
‫وكما أنّ ما لم يجز إبداله قبل التّفرّق من المعيّن لم يجز إبداله بعد التّفرّق ‪.‬‬
‫واستدلّوا كذلك بأنّه مضمون في ال ّذمّة ‪ ،‬فجاز إبدال معيبه مع صحّة العقد اعتبارا بما قبل‬
‫التّفرّق ؛ ولنّ قبض الثّاني يدلّ على الوّل قال بهذا الوجه والّذي قبله الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫المذهب الثّاني لبي حنيفة وزفر ‪ ،‬وهو مذهب المالكيّة والقول الثّاني عند الشّافعيّة واختاره‬
‫المزنيّ ‪ .‬والرّواية الثّانية عند الحنابلة ‪ ،‬وهو أنّه إذا رضي به جاز ‪ ،‬وإن لم يرض به بطل‬
‫الصّرف ‪ .‬واستدلّوا على ذلك من وجوه ‪.‬‬
‫ل ل وصفا ‪ .‬ولهذا ثبت له‬
‫الوجه الوّل ‪ :‬أنّ الزّيوف من جنس حقّ المسلم إليه لكن أص ً‬
‫حقّ الرّدّ بفوات حقّه عن الوصف ‪ ،‬فكان حقّه في الصل والوصف جميعا ‪ ،‬فصار بقبض‬
‫الزّيوف قابضا حقّه من حيث الصل ل من حيث الوصف إ ّل أنّه إذا رضي به فقد أسقط حقّه‬
‫عن الوصف وتبيّن أنّ المستحقّ هو قبض الصل دون الوصف لبرائه عن الوصف ‪ ،‬فإذا‬
‫قبضه‬
‫فقد قبض حقّه فيبطل المستحقّ ‪.‬‬
‫وإن لم يرض به تبيّن أنّه لم يقبض حقّه ؛ لنّ حقّه في الصل والوصف جميعا فتبيّن أنّ‬
‫الفتراق حصل ل عن قبض رأس مال السّلم " أو يقال تفرّق ل عن قبض بدل الصّرف " قال‬
‫بهذا الوجه أبو حنيفة وزفر ‪.‬‬
‫ن القول بالبدل في غير المعيّن يترتّب عليه أن يفترقا وذمّة أحدهما‬
‫والوجه الثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫مشغولة لصاحبه ‪ ،‬ففي البدل صرف مؤخّر ‪ ،‬قاله المالكيّة ‪.‬‬
‫ن الصّرف يتعيّن بالقبض كما يتعيّن بالعقد ‪ ،‬فلمّا لم يجز أن يبدل ما تعيّن‬
‫والوجه الثّالث ‪ :‬أ ّ‬
‫بالعقد لم يجز أن يبدل ما تعيّن بالقبض ‪ ،‬لنّه لو أبدل بعد التّفرّق لبطل القبض قبل‬
‫التّفرّق ‪ ،‬وإذا لم يت ّم القبض قبل التّفرّق بطل الصّرف ‪ ،‬فكان في إثبات البدل إبطال العقد ‪،‬‬
‫فمنع من البدل ليصحّ العقد ؛ ولنّه لمّا كان الصّرف المعيّن وما في ال ّذمّة يستويان في‬
‫صحّة بالقبض قبل التّفرّق ‪ ،‬وجب أن يستويا في‬
‫الفساد بالتّفرّق قبل القبض ويستويان في ال ّ‬
‫حكم العيب ‪ .‬فلمّا لم يجز أن يبدل معيب ما كان معيبا لم يجز أن يبدل معيب ما كان في‬
‫ال ّذمّة ‪ ،‬وهذا هو القول الثّاني عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫والوجه الرّابع ‪ :‬أنّه إذا تمّ البدال بعد التّفرّق صار القبض بعد التّفرّق ‪ ،‬وذلك ل يجوز في‬
‫الصّرف ‪ ،‬قاله الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫المسألة الثّالثة ‪ :‬إذا ظهر العيب بعد التّفرّق وكان من غير الجنس ‪:‬‬
‫‪ -‬سبق أنّ الصّرف في ال ّذمّة إذا ظهر معيبا في المجلس كان له إبداله ‪ ،‬سواء كان‬ ‫‪35‬‬

‫العيب من الجنس أو غير الجنس ‪.‬‬


‫أمّا بعد التّفرّق فإمّا أن يكون العيب من الجنس وقد مرّت آراء الفقهاء فيه ‪.‬‬
‫وإمّا أن يكون العيب من غير الجنس ‪ ،‬كأن يكون الذّهب نحاسا أو الفضّة رصاصا ‪.‬‬
‫فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى القول ببطلن الصّرف في هذه الحالة إذا وجد العوض كلّه‬
‫معيبا ‪ ،‬وإلى هذا ذهب الحنفيّة ‪.‬‬
‫وهو أيضا مذهب الشّافعيّة ومذهب الحنابلة ‪ ،‬وهو كذلك قول ابن الحاجب من المالكيّة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إذا طالب بالبدل ‪ ،‬أو تتميم النّاقص وأخذ البدل بالفعل ‪ ،‬نقض الصّرف ‪.‬‬
‫وإذا رضي به مجّانا صحّ ‪ .‬وقيل عن أحمد أنّه إذا أخذ البدل في مجلس الرّدّ لم يبطله كما‬
‫لو كان العيب من جنسه ‪ ،‬ودليل البطلن عند القائلين به أنّ السّتّوق ‪ -‬وكذا الرّصاص ‪-‬‬
‫ليس من جنس الدّراهم ‪ .‬لنّها ل تروج في معاملت النّاس ‪ ،‬فلم تكن من جنس حقّه أصلً‬
‫ووصفا‪ ،‬فكان الفتراق عن المجلس ل عن قبض حتّى لو رضي به ل يجوز لنّه يكون‬
‫استبدالً قبل القبض ‪ ،‬وهو ل يجوز ‪.‬‬
‫كما أنّهما إن افترقا قبل ردّه فالصّرف فيه فاسد ؛ لنّهما تفرّقا قبل قبض المعقود عليه ‪،‬‬
‫ولم يقبض ما يصلح عوضا عن المعقود عليه ؛ لنّ الّذي قبضه غير العوض الّذي وقع‬
‫عليه العقدة ول يجوز له إمساكه ‪.‬‬
‫كذلك استدلّوا بأنّه إذا كان الصّرف من جنس واحد فإنّه يؤدّي إلى التّفاضل في الجنس‬
‫الواحد‪ ،‬وهو ل يجوز ‪ ،‬وهذا إذا كان العيب في جميع العوض ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان في بعضه بطل الصّرف في هذا البعض وصحّ في الباقي ‪ ،‬كما ذهب إليه‬
‫ي من الشّافعيّة‬
‫الحنفيّة والشّافعيّة على الصّحيح من المذهب ‪ ،‬وإن كان أبو إسحاق المروز ّ‬
‫يخرّجه على قولين من تفريق الصّفقة ‪.‬‬
‫الستحقاق في الصّرف ‪:‬‬
‫‪ -‬تعرّض الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة لمسألة الستحقاق في الصّرف ‪ ،‬ولكلّ منهم فيها‬ ‫‪36‬‬

‫تفصيل يحسن معه إفراد كلّ مذهب على حدة ‪.‬‬


‫وحاصل مذهب الحنفيّة فيما لو استحقّ العوض في الصّرف أنّه لو أجاز المستحقّ جاز ‪،‬‬
‫ق قائم إلّ أنّه إذا كان المستحقّ دراهم أو‬
‫سواء كانت الجازة قبل التّفرّق أو بعده والمستح ّ‬
‫ن الدّراهم والدّنانير عندهم‬
‫دنانير وكان ذلك قبل القبض فوجود الجازة وعدمها سواء ‪ ،‬ل ّ‬
‫ق‪.‬‬
‫ل تتعيّن ‪ ،‬فله أن يأخذ غيرها ‪ ،‬وإن لم يجز بطل الصّرف في المستح ّ‬
‫فإذا كان العقد واردا على غير معيّن ‪ ،‬والمستحقّ البعض‪ ،‬صحّ الصّرف في الباقي ول‬
‫خيار‪ .‬أمّا إذا كان معيبا ‪ -‬كالناء المصوغ أو قلب فضّة بذهب ‪ -‬فإن شاء المشتري إمساك‬
‫الباقي كان له ذلك ‪ ،‬وإلّ فله الرّدّة ; لنّ الشّركة في الناء أو القلب عيب ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إذا وقع الصّرف على غير المصوغ ‪ -‬وهو يشمل المسكوك وغيره عدا‬
‫الصّوغ ‪ -‬فإن كان الستحقاق بعد مفارقة أحدهما المجلس أو بعد طول فإنّ عقد الصّرف‬
‫ينقض ‪ ،‬سواء كان المستحقّ معيّنا حال العقد أم ل على المشهور ‪.‬‬
‫وإن كان بحضرة العقد صحّ عقد الصّرف ‪ ،‬سواء كان معيّنا أم ل ‪ ،‬إلّ أنّ غير المعيّن يجبر‬
‫فيه على البدل من أراد نقض الصّرف ‪ ،‬وأمّا المعيّن فإنّ صحّة العقد فيه بما إذا تراضيا‬
‫على البدل ‪ ،‬ول جبر فيه ‪ ،‬وقيل ‪ :‬غير مقيّدة ‪.‬‬
‫ق نقض الصّرف كان استحقاقه بحضرة العقد أو بعد طول ‪ ،‬معيّنا‬
‫أمّا المصوغ ‪ ،‬فإن استح ّ‬
‫ن الصّوغ يراد لعينه وغيره ل يقوم مقامه ‪ .‬هذا إذا لم يجز المستحقّ ‪.‬‬
‫أم ل ؛ ل ّ‬
‫أمّا إذا أجازه فله إجازته ‪ ،‬ويأخذ مقابله ولو في الحالة الّتي ينقض فيها في المصوغ مطلقا‬
‫‪ ،‬وفي غيره بعد المفارقة أو الطّول ‪.‬‬
‫ن لهم‬
‫وعند الحنابلة ذكروا أثناء الكلم على الدّراهم والدّنانير هل تتعيّن بالتّعيين أم ل ؟ أ ّ‬
‫ن الدّراهم والدّنانير تتعيّن‬
‫في ذلك روايتين إحداهما ‪ :‬وهي المشهورة في المذهب ‪ :‬أ ّ‬
‫بالتّعيين ‪ .‬وممّا يترتّب على ذلك أنّه لو بان الثّمن مستحقّا فعلى الصّحيح في المذهب تبطل‬
‫العقد لنّه وقع على ملك الغير ‪.‬‬
‫العيب في السّلم ‪:‬‬
‫‪ -‬إن كان العيب في رأس مال السّلم بأن وجد في الثّمن زيوفا بعد التّفرّق ردّه ولو بعد‬ ‫‪37‬‬

‫شهر ‪ ،‬ويجب على المسلم أن يعجّل له البدل ‪ ،‬وإلّ فسد ما يقابله ‪.‬‬
‫ويغتفر التّأخير ثلثة أيّام ولو بالشّرط ‪ ،‬وأمّا التّأخير بأكثر منها فل يجوز ‪.‬‬
‫وهذا هو مذهب المالكيّة ‪ :‬ففي المدوّنة الكبرى ‪ :‬إن أسلمت في حنطة ‪ .‬فلمّا تفرّقنا أصاب‬
‫رأس المال نحاسا أو رصاصا أو زيوفا بعد شهر أو شهرين فجاء ليبدّل فيبدّل ول ينتقض‬
‫السّلف ‪ ،‬وكذلك لو أسلمت دراهم في عروض أو طعام ‪ .‬فأتى البائع ببعض الدّراهم بعد‬
‫شهر أو أيّام فقال ‪ :‬أصبتها زيوفا ‪ ،‬فقلت ‪ :‬دعها فأنا أبدلها لك بعد يوم أو يومين ل بأس‬
‫بذلك ‪.‬‬
‫وإلى هذا ذهب أبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة ‪ .‬وهو الوجه الوّل للحنابلة بشرط قبض‬
‫ن القبض الوّل كان صحيحا ‪ ،‬ولنّ للرّ ّد شبها بالعقد حيث ل يجب‬
‫البدل في مجلس الرّدّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫القبض في مجلس الرّدّ إلّ بالرّ ّد ‪ ،‬كما ل يجب القبض في مجلس العقد إ ّل بالعقد ‪ ،‬فألحق‬
‫مجلس الرّ ّد بمجلس العقد ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة وزفر ‪ ،‬وهو الوجه الثّاني عند الحنابلة ‪ :‬إن وجد في الثّمن زيوفا بعد‬
‫التّفرّق فردّه بطل السّلم سواء استبدل في مجلس الرّدّ أو ل ؛ لنّ الزّيوف من جنس حقّ‬
‫المسلم إليه‪ .‬لكن أصلً ل وصفا ‪ ،‬ولهذا ثبت له حقّ الرّ ّد بفوات حقّه عن الوصف ‪ ،‬فكان‬
‫حقّه في الصل والوصف جميعا ‪ ،‬فصار بقبض الزّيوف قابضا حقّه من حيث الصل ل من‬
‫حيث الوصف ‪ ،‬إلّ أنّه إذا رضي به ‪ ،‬فقد أسقط حقّه عن الوصف ‪ ،‬وتبيّن أنّ المستحقّ هو‬
‫قبض الصل دون الوصف لبرائه إيّاه عن الوصف فإذا قبضه فقد قبض حقّه ‪ ،‬فيبطل‬
‫المستحقّ ‪ .‬وإن لم يرض به تبيّن أنّه لم يقبض حقّه ؛ لنّ حقّه في الصل والوصف‬
‫جميعا ‪ ،‬فتبيّن أنّ الفتراق حصل ل عن قبض رأس مال السّلم ‪.‬‬
‫العيب في الجارة ‪:‬‬
‫‪ -‬لو اطّلع المستأجر على عيب في الشّيء المستأجر في مدّة العقد ‪ ،‬وكان هذا العيب‬ ‫‪38‬‬

‫يخلّ بالنتفاع بالمعقود عليه ويفوّت المقصود بالعقد مع بقاء العين ‪ ،‬فله الفسخ سواء أكان‬
‫العيب قديما أم حديثا ‪ ،‬وسواء أكان قبل القبض أم بعده ‪.‬‬
‫فكلّ ما يحول بين المستأجر والمنفعة من تلف العين المستأجرة أو غصبها أو تعيّبها‬
‫كجموح الدّابّة وحدوث خوف عامّ يمنع من سكنى الدّار أو كان الجار سوءا تفسخ به‬
‫)‪.‬‬ ‫‪74/‬‬ ‫الجارة ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ( إجارة ف‬
‫العيب في القسمة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إلى أنّه إذا وجد أحد المتقاسمين‬ ‫‪39‬‬

‫عيبا في نصيبه فله الرّدّ بالعيب كما في البيع ‪ ،‬فيشترط فيه شروط البيع ‪.‬‬
‫وفي قسمة المنافع يشترط فيها ما يشترط في الجارة ‪.‬‬
‫وكذلك في الستحقاق ‪ ،‬بأن يستحقّ بعض معيّن من نصيب واحد فقط فله الخيار إن شاء‬
‫رجع بقسطه وإن شاء نقض القسمة ‪.‬‬
‫وأمّا المالكيّة فقد توسّعوا في مبدأ الرّ ّد بالعيب من غير فرق بين عقار ومنقول ‪ ،‬أو قسمة‬
‫إجبار أو قسمة اختيار ‪ ،‬ثمّ فرّقوا في الرّ ّد بين أن يكون العيب في أكثر نصيبه أو أقلّه ‪.‬‬
‫ويرون أنّ المستحقّ منه إن شاء تمسّك لم يرجع بشيء على شريكه ‪ ،‬وإن شاء رجع عليه‬
‫شريكا في نصيبه بقدر ما يخصّه هو فيما استحقّ منه ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( قسمة ) ‪.‬‬
‫العيب في بدل الصّلح ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا وجد ببدل الصّلح عيبا ثبت الرّ ّد من الجانبين إن كان الصّلح‬ ‫‪40‬‬

‫عن إقرار ‪ ،‬لنّه بمنزلة البيع ‪ ،‬وإن كان عن إنكار يثبت في جانب المدّعي ول يثبت في‬
‫ق المدّعى عليه ‪.‬‬
‫جانب المدّعى عليه ‪ ،‬لنّ هذا بمنزلة البيع في حقّه ‪ ،‬ل في ح ّ‬
‫ولو وجد ببدل الصّلح عيبا فلم يقدر على ردّه لمانع كالهلك أو الزّيادة أو النّقصان في هذا‬
‫البدل في يد المدّعي ‪ ،‬فإن كان الصّلح عن إقرار يرجع على المدّعى عليه بحصّة العيب في‬
‫المدّعي ‪ ،‬وإن كان عن إنكار رجع بحصّة العيب على المدّعى عليه في دعواه " أي فيرجع‬
‫إلى دعواه الولى " ‪ ،‬فإن أقام البيّنة أخذ حصّة العيب ‪ ،‬وكذلك إذا حلّفه فنكل ‪ ،‬وإن حلف‬
‫فل شيء عليه ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن وجد المصالح فيما صالح به من عبد أو ترس أو ثوب عيبا ظهر فيه‬
‫ق الصّلح به ‪ ،‬أو أخذ بشفعة ثبت حقّ الرّدّ ‪ ،‬ورجع بقيمته يوم عقد‬
‫بعد الصّلح‪ ،‬أو استح ّ‬
‫ن الصّلح قد يجري بين المتداعيين عن إقرار على عين غير‬
‫الصّلح‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫المدّعاة ‪ ،‬فيكون بيعا بلفظ الصّلح تثبت فيه أحكامه ‪ ،‬ومنها الرّدّ بالعيب ‪.‬‬
‫ي عن العين لنفسه بعين ماله أو بدين في‬
‫وقد يجري بين المدّعي والجنبيّ ‪ ،‬فيصالح الجنب ّ‬
‫ح الصّلح للجنبيّ وكأنّه اشتراه ‪.‬‬
‫ذمّته ‪ ،‬فيص ّ‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬لو صالح المدّعى عليه عن دار أو عبد بعوض فبان العوض مستحقّا ‪ ،‬أو‬
‫بان العبد حرّا ‪ ،‬رجع المدّعي في الدّار المصالح عنها إن كان باقيا ‪ ،‬أو بقيمته إن كان‬
‫ن الصّلح هنا بيع حقيقةً إذا كان عن إقرار ‪.‬‬
‫المصالح عنه تالفا ‪ .‬وإن كان مثليّا فبمثله ؛ ل ّ‬
‫فإن كان الصّلح عن إنكار وظهر العوض مستحقّا رجع المدّعي بالدّعوى قبل الصّلح لتبيّن‬
‫بطلن الصّلح ‪.‬‬
‫العيب في المال المغصوب ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا تعيّب المغصوب عند الغاصب بما يوجب نقصانا في قيمته أو‬ ‫‪41‬‬

‫يفوّت جزءا منه ‪ ،‬أو يفوّت صفةً مرغوبا فيها أو معنًى مرغوبا فيه ضمن ذلك كلّه ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬إذا غصب الرّجل ثوبا فلبسه فأبله ‪ ،‬فنقص نصف قيمته لزمه ردّه وأرش‬
‫نقصه ‪ ،‬فلو غصب ثوبا قيمته عشرة ‪ ،‬فنقصه لبسه حتّى صارت قيمته خمسةً ثمّ زادت‬
‫ن ما تلف قبل غلء الثّوب ثبتت قيمته في ال ّذمّة‬
‫قيمته فصارت عشرةً ردّه ور ّد خمسةً ؛ ل ّ‬
‫خمسةً ‪ ،‬فل يعتبر ذلك بغلء الثّوب ول رخصه ‪.‬‬
‫وكذلك لو رخصت الثّياب فصارت قيمته ثلثةً لم يلزم الغاصب إلّ خمسة مع ر ّد الثّوب ‪.‬‬
‫ولو تلف الثّوب كلّه وقيمته عشرة ‪ ،‬ثمّ غلت الثّياب فصارت قيمة الثّوب عشرين ‪ ،‬لم‬
‫يضمن إلّ عشر ًة ؛ لنّها ثبتت في ال ّذمّة عشرةً فل تزداد بغلء الثّياب ول تنقص برخصها ‪.‬‬
‫العيب في الزّوج والزّوجة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الئمّة الربعة على جواز التّفريق بين الزّوج للعيوب المنصوص عليها عندهم‬ ‫‪42‬‬

‫وإن اختلفوا في تفصيل ذلك وفي تعيين العيوب الّتي يفسخ بها النّكاح ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪93/‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( طلق ف‬
‫العيب في الضحيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على جواز التّضحية من جميع بهيمة النعام وإن اختلفوا في الفضل‬ ‫‪43‬‬

‫منها ‪.‬‬
‫كما اتّفق الفقهاء على أنّ الحيوان المصاب بعيب من العيوب الربعة ل يجوز ذبحه في‬
‫الضحيّة ‪ ،‬وهي العيوب الّتي ورد فيها حديث رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن البراء‬
‫بن عازب قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أربع ل تجوز في الضاحيّ ‪،‬‬
‫العوراء بيّن عورها ‪ ،‬والمريضة بيّن مرضها ‪ ،‬والعرجاء بيّن ظلعها ‪ ،‬والكسير الّتي ل‬
‫ي وابن رشد الجماع على أنّ هذه الربع ل تجزي في الضحيّة ‪،‬‬
‫تنقي » ‪ ،‬ونقل النّوو ّ‬
‫ن ما كان أخفّ من هذه العيوب الربعة ل يؤثّر ‪ ،‬وما كان من العيوب أشدّ‬
‫وأجمعوا على أ ّ‬
‫من هذه العيوب الربعة فهي أحرى أن تمنع كالعمى وكسر السّاق مثلً ‪.‬‬
‫واختلفوا فيما كان من العيوب مساويا لها في نقص اللّحم ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪24/‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( أضحيّة ف‬
‫العيب في الهدي ‪:‬‬
‫‪ -‬الهدي إن كان تطوّعا غير واجب فقد ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا تعيّب بعيب يمنع‬ ‫‪44‬‬

‫الجزاء أو عطب أو ضلّ لم يلزمه شيء ؛ لنّه نوى الصّدقة بشيء من ماله لما روى ابن‬
‫عمر رضي ال عنهما قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪ « :‬من أهدى‬
‫تطوّعا ثمّ ضلّت ‪ ،‬فإن شاء أبدلها وإن شاء ترك ‪ ،‬وإن كانت في نذر فليبدل » ‪ ،‬وفي رواية‬
‫قال ‪ « :‬من أهدى بدنةً تطوّعا فعطبت فليس عليه بدل ‪ ،‬وإن كان نذرا فعليه البدل » ‪.‬‬
‫وأمّا الهدي الواجب ‪ ،‬سواء كان واجبا بالنّذر في ذمّته أو واجبا بغيره ‪ ،‬كهدي التّمتّع ‪ ،‬أو‬
‫بترك واجب أو فعل محظور من محظورات الحجّ ‪ ،‬فإن كان غير معيّن فتعيّب أو عطب لم‬
‫يجزئه ذبحه ‪ ،‬وعليه الهدي الّذي كان واجبا ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( هدي ) ‪.‬‬
‫العيب في الحيوان المأخوذ في الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ -‬الحيوان المصاب بعيب كالعمى والعور والهرم وغيرها من العيوب ‪ ،‬اختلف الفقهاء‬ ‫‪45‬‬

‫في أخذه في الزّكاة ‪.‬‬


‫فذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والصّحيح من مذهب الحنابلة إلى أنّ حيوانات‬
‫النّصاب إذا كانت كلّها معيبةً فإنّ فرض الزّكاة يؤخذ من المعيب ‪ ،‬ويراعى الوسط ‪ ،‬ول‬
‫ب المال شراء صحيحة لخراجها في الزّكاة ‪.‬‬
‫يكلّف ر ّ‬
‫واستدلّوا على هذا بقول الرّسول صلى ال عليه وسلم فيما رواه ابن عبّاس رضي ال‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم لمّا بعث معاذا إلى اليمن قال له إيّاك وكرائم‬
‫عنهما « إ ّ‬
‫أموالهم » وقوله صلى ال عليه وسلم في حديث آخر عن عبد اللّه بن معاوية الغاضريّ‬
‫من غاضرة قيس رضي ال عنه وفيه ‪ « :‬ول يعطي الهرمة ول الدّرنة ‪ ،‬ول المريضة ‪،‬‬
‫ول الشّرط اللّئيمة ‪ ،‬ولكن من وسط أموالكم فإنّ اللّه لم يسألكم خيره ‪ ،‬ولم يأمركم بشرّه »‬
‫‪.‬‬
‫وأيضا فإنّ أخذ الصّحيحة عن المراض إخلل بالمواساة ‪ ،‬والزّكاة على المواساة ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة وأبو بكر من الحنابلة إلى أنّه ل تجزئ إلّ صحيحة ‪ ،‬ففي المنتقى للباجيّ ‪:‬‬
‫ول يخرج في زكاة الحيوان معيبةً كتيس وهرمة ول ذات عوار ‪ -‬بالفتح وهو العيب ‪-‬‬
‫وإنّما يأخذ في الزّكاة ما فيه منفعة النّسل ‪ ،‬فما كان من النعام مريضا أو جربا أو أعور‬
‫فليس على المصدّق أخذه ‪ ،‬إلّ أن يرى المصدّق أنّها أغبط وأفضل ممّا يجزئ عنه من‬
‫ن له أخذها ‪ ،‬ويجزئ عن ربّها ذلك ‪.‬‬
‫الصّحيح فإ ّ‬
‫وإن كانت الغنم كلّها تيوسا أو هرمةً أو ذات عوار فإنّ على ربّ الغنم أن يأتيه بما يجزئ ‪.‬‬
‫واستدلّ المالكيّة على عدم الخذ من النعام المعيبة بقوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ‬
‫ن الَرْضِ َو َل تَ َي ّممُواْ ا ْلخَبِيثَ مِ ْنهُ تُن ِفقُونَ‬
‫ت مَا َكسَبْتُمْ َو ِممّا َأخْ َرجْنَا َلكُم مّ َ‬
‫أَن ِفقُواْ مِن طَيّبَا ِ‬
‫وَ َلسْتُم بِآخِذِيهِ ِإلّ أَن ُت ْغمِضُواْ فِيهِ } ‪.‬‬
‫وأيضا فإنّ هذا حيوان يخرج على وجه القربة فكان من شرطه السّلمة كالضّحايا ‪.‬‬
‫ب الغنم كلّ ذات عوار ‪ ،‬ول يأخذ‬
‫ونقل عن المام مالك في المدوّنة قوله ‪ :‬يحسب على ر ّ‬
‫منها ‪ ،‬والعمياء من ذوات العوار ‪ ،‬ول تؤخذ منها ول من ذوات العوار ‪.‬‬
‫وهذا كلّه إذا كانت حيوانات النّصاب كلّها مريض ًة معيبةً ‪ ،‬أمّا إذا كانت صحيحةً فقد ذهب‬
‫الفقهاء إلى أنّه ل يجوز إخراج المعيبة عن الصّحيحة للحديث السّابق ‪.‬‬
‫وإن كان بعضها معيبا وبعضها صحيحا ل يقبل إلّ الصّحيح عنها في الزّكاة ‪.‬‬

‫عِيد *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬العيد لغ ًة مشتقّ من العود ‪ ،‬وهو الرّجوع والمعاودة لنّه يتكرّر ‪.‬‬ ‫‪1‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪ ،‬وهو يومان ‪ :‬يوم الفطر من رمضان‬
‫وهو أوّل يوم من شوّال ‪ ،‬ويوم الضحى وهو اليوم العاشر من ذي الحجّة ‪ ،‬ليس للمسلمين‬
‫عيد غيرهما ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالعيد ‪:‬‬
‫تتعلّق بالعيد أحكام منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬صلة العيد ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم صلة العيد ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫فذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّها سنّة مؤكّدة ‪ ،‬لحديث العرابيّ « الّذي ذكر له النّبيّ صلى‬
‫طوّع » ‪.‬‬
‫ال عليه وسلم الصّلوات الخمس فقال ‪ :‬هل عليّ غيرهنّ ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬إلّ أن ت ّ‬
‫وذلك مع فعل النّبيّ صلى ال عليه وسلم لها ومداومته عليها ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫وذهب الحنفيّة ‪ -‬على المفتى به عندهم ‪ -‬إلى أنّها واجبة ‪ ،‬لمواظبة النّب ّ‬
‫وسلم عليها من دون تركها ولو مرّ ًة ؛ ولنّها تؤدّى بجماعة ‪ ،‬فلو كانت س ّن ًة ولم تكن‬
‫واجبةً لستثناها الشّارع ‪ ،‬كما استثنى التّراويح وصلة الخسوف ‪.‬‬
‫ص ّل لِرَبّكَ وَا ْنحَرْ } ولمداومة النّبيّ‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّها فرض كفاية لقوله تعالى ‪ { :‬فَ َ‬
‫صلى ال عليه وسلم على فعلها ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ( صلة العيدين ف ‪ 2/‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّكبير في العيدين ‪:‬‬
‫‪ -‬التّكبير في العيدين يكون في أثناء الصّلة وفي الطّريق إليها وبعد انقضائها ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫أمّا التّكبير في الغدوّ إليها ‪ ،‬فقد ذهب الفقهاء إلى مشروعيّته عند الغدوّ إلى الصّلة في‬
‫المنازل والسواق والطّرق إلى أن تبدأ الصّلة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪13/‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬صلة العيدين ف‬
‫أمّا التّكبير في أثناء صلة العيد ( التّكبيرات الزّوائد ) فهي سنّة عند جمهور الفقهاء ‪،‬‬
‫واجبة عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫وفي بيان عدد هذه التّكبيرات وموضعها في الصّلة اختلف وتفصيل ينظر في مصطلح ‪:‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪12‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪11/‬‬ ‫( صلة العيدين ف‬
‫أمّا التّكبير في أدبار الصّلة فل خلف بين الفقهاء في مشروعيّته في أيّام التّشريق ‪ ،‬وهو‬
‫مندوب عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬واجب عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫وللتّفصيل في صفة تكبير التّشريق ووقته ومحلّ أدائه ينظر مصطلح ‪ ( :‬أيّام التّشريق ف‪/‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪13‬‬
‫ج ‪ -‬الضحيّة في العيد ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على مشروعيّة الضحيّة في عيد الضحى ‪ ،‬واختلفوا في حكمها ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫فذهب الجمهور إلى أنّها سنّة وقال الحنفيّة بوجوبها ‪.‬‬


‫‪7/‬‬ ‫وفي بيان شروطها وأحكامها ووقتها اختلف وتفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬أضحيّة ف‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬ما يستحبّ فعله في العيدين ‪:‬‬
‫ب إحياء ليلتي العيد بطاعة اللّه تعالى من ذكر وصلة وتلوة وتكبير وتسبيح‬
‫‪ -‬يستح ّ‬ ‫‪5‬‬

‫واستغفار ‪ ،‬لحديث « من أحيا ليلة الفطر وليلة الضحى محتسبا لم يمت قلبه يوم تموت‬
‫القلوب » ‪.‬‬
‫ن رسول‬
‫ويستحبّ الغسل للعيد لما روى ابن عبّاس والفاكه بن سعد رضي ال عنهم « أ ّ‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم كان يغتسل يوم الفطر والضحى » ولنّه يوم يجتمع النّاس فيه‬
‫ب الغسل فيه كيوم الجمعة ‪ ،‬وإن اقتصر على الوضوء أجزأه ‪ ،‬ويستحبّ أن‬
‫للصّلة فاستح ّ‬
‫يتزيّن ويتنظّف ويحلق شعره ويلبس أحسن ما يجد ويتطيّب ويتسوّك ‪ ،‬لما روي عن ابن‬
‫عبّاس رضي ال عنهما « كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يلبس في العيدين بردي‬
‫حبرة » ‪ .‬وروي عن عائشة رضي ال عنها قالت ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم «‬
‫ما على أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوب مهنته لجمعته أو لعيده » ‪،‬وقال مالك ‪ :‬سمعت‬
‫ق ‪ ،‬لنّه منظور إليه من‬
‫أهل العلم يستحبّون الطّيب والزّينة في كلّ عيد ‪ ،‬والمام بذلك أح ّ‬
‫بينهم ‪ .‬وأفضل ألوان الثّياب البياض ‪ ،‬فعلى هذا إن استوى ثوبان في الحسن والنّفاسة‬
‫فالبيض أفضل ‪ ،‬فإن كان الحسن غير أبيض فهو أفضل من البيض في هذا اليوم ‪.‬‬
‫فإن لم يجد إلّ ثوبا استحبّ أن يغسله للعيد ‪.‬‬
‫ويستوي في استحباب تحسين الثّياب والتّنظيف والتّطيّب وإزالة الشّعر والرّائحة الكريهة ‪،‬‬
‫الخارج إلى الصّلة والقاعد في بيته ‪ ،‬لنّه يوم الزّينة فاستووا فيه ‪ ،‬وهذا في حقّ غير‬
‫النّساء ‪.‬‬
‫وأمّا النّساء إذا خرجن فإنّهنّ ل يتز ّينّ ‪ ،‬بل يخرجن في ثياب البذلة ‪ ،‬ول يلبسن الحسن من‬
‫الثّياب ول يتطيّبن لخوف الفتتان بهنّ ‪ ،‬وكذلك المرأة العجوز وغير ذوات الهيئة يجري‬
‫ذلك في حكمها ‪ ،‬ول يخالطن الرّجال بل يكنّ في ناحية منهم ‪.‬‬
‫ويستحبّ تزيين الصّبيان ذكورا كانوا أو إناثا بالمصبّغ وبحليّ الذّهب ولبس الحرير في‬
‫ي الذّهب والفضّة يوم العيد لنّه‬
‫العيد‪ ،‬قال النّوويّ ‪ :‬اتّفقوا على إباحة تزيينهم بالمصبّغ وحل ّ‬
‫يوم زينة ‪ ،‬وليس على الصّبيان تعبّد فل يمنعون لبس الذّهب وغيره ‪ ،‬وأمّا في غير يوم‬
‫العيد ففي تحليتهم بالذّهب ولباسهم الحرير ثلثة أوجه ‪ ،‬أصحّها ‪ :‬جوازه ‪ .‬والثّاني ‪:‬‬
‫تحريمه ‪ ،‬والثّالث ‪ :‬جوازه قبل سبع سنين ومنعه بعدها ‪.‬‬
‫وتستحبّ العمامة في العيد ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬التّهنئة بيوم العيد ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى مشروعيّة التّهنئة بالعيد من حيث الجملة ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪10/‬‬ ‫وللتّفصيل انظر مصطلح ( تهنئة ف‬


‫و ‪ -‬التّزاور في العيدين ‪:‬‬
‫‪ -‬التّزاور مشروع في السلم ‪ ،‬وقد ورد ما يدلّ على مشروعيّة الزّيارة في العيد ‪ ،‬فقد‬ ‫‪7‬‬

‫روي عن عائشة رضي ال عنها قالت ‪ « :‬دخل عليّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫وعندي جاريتان تغنّيان بغناء بعاث ‪ ،‬فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه ‪ ،‬ودخل أبو بكر‬
‫فانتهرني ‪ ،‬وقال مزمار الشّيطان عند النّبيّ صلى ال عليه وسلم ؟ فأقبل عليه رسول اللّه‬
‫ن لكلّ قوم‬
‫صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬دعهما » زاد في رواية هشام ‪ « :‬يا أبا بكر إ ّ‬
‫عيدا ‪ ،‬وهذا عيدنا » قال في الفتح ‪ :‬قوله ‪ « :‬وجاء أبو بكر " وفي رواية هشام بن عروة‬
‫" دخل عليّ أبو بكر " وكأنّه جاء زائرا لها بعد أن دخل النّبيّ صلى ال عليه وسلم بيته ‪.‬‬
‫ونقل في فتح الباري في الحكمة من مخالفته صلى ال عليه وسلم الطّريق يوم العيد أقوالً‬
‫منها ‪ :‬ليزور أقاربه من الحياء والموات ولم يضعّفه كما فعل مع بعضها ومثله في عمدة‬
‫ي صلى ال عليه وسلم إذا‬
‫القاريّ ‪ ،‬وذلك تعليقا على حديث جابر رضي ال عنه « كان النّب ّ‬
‫كان يوم عيد خالف الطّريق » ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬الغناء واللّعب والزّفن يوم العيد ‪:‬‬
‫‪ -‬يجوز الغناء واللّعب والزّفن في أيّام العيدين ‪ ،‬لما ورد عن عائشة رضي ال عنها‬ ‫‪8‬‬

‫ي رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وعندي جاريتان تغنّيان بغناء بعاث ‪،‬‬
‫قالت‪ « :‬دخل عل ّ‬
‫فاضطجع على الفراش ‪ ،‬وحوّل وجهه ‪ ،‬ودخل أبو بكر فانتهرني ‪ ،‬وقال ‪ :‬مزمار الشّيطان‬
‫عند النّبيّ صلى ال عليه وسلم ؟ فأقبل عليه رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقال ‪:‬‬
‫دعهما‪ .‬فلمّا غفل غمزتهما فخرجتا ‪ ،‬وكان يوم عيد يلعب السّودان بالدّرق والحراب ‪ ،‬فإمّا‬
‫سألت النّبيّ صلى ال عليه وسلم وإمّا قال ‪ :‬تشتهين تنظرين ؟ فقلت نعم ‪ ،‬فأقامني‬
‫وراءه ‪ ،‬خدّي على خدّه ‪ ،‬وهو يقول ‪ :‬دونكم يا بني أرفدة ‪ ،‬حتّى إذا مللت قال ‪ :‬حسبك ؟‬
‫قلت نعم ‪ ،‬قال ‪ :‬فاذهبي »‬
‫وروي عن أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ « :‬بينما الحبشة يلعبون عند رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم بحرابهم إذ دخل عمر بن الخطّاب رضي ال عنه فأهوى إلى الحصباء‬
‫يحصبهم بها ‪ ،‬فقال له رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬دعهم يا عمر » ‪.‬‬
‫وعن أنس رضي ال عنه ‪ « :‬كانت الحبشة يزفنون بين يدي رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم ويرقصون ويقولون ‪ :‬محمّد عبد صالح ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ما‬
‫يقولون ؟ قالوا ‪ :‬يقولون ‪ :‬محمّد عبد صالح » ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬زيارة المقابر في العيد ‪:‬‬
‫ب في العيد زيارة القبور والسّلم على أهلها والدّعاء لهم ‪ ،‬لحديث ‪ « :‬نهيتكم‬
‫‪ -‬تستح ّ‬ ‫‪9‬‬

‫عن زيارة القبور فزوروها » وفي رواية « فإنّها تذكّر الخرة » وحديث أبي هريرة‬
‫مرفوعا‪ « :‬زوروا القبور فإنّها تذكّر الموت » ‪.‬‬
‫وكره زيارتها ابن سيرين وإبراهيم النّخعيّ والشّعبيّ ‪.‬‬
‫ط ‪ -‬عظة النّساء ‪:‬‬
‫ن بما يجب‬
‫ن أحكام السلم ‪ ،‬وتذكيره ّ‬
‫ب وعظ النّساء بعد صلة العيد ‪ ،‬وتعليمه ّ‬
‫‪ -‬يستح ّ‬ ‫‪10‬‬

‫ن ‪ ،‬ويستحبّ حثّهنّ على الصّدقة ‪ ،‬وتخصيصهنّ بذلك في مجلس منفرد ‪ ،‬ومحلّ ذلك‬
‫عليه ّ‬
‫كلّه إذا أمنت الفتنة والمفسدة " قال ابن جريج ‪ :‬أخبرني عطاء عن جابر بن عبد اللّه رضي‬
‫ي صلى ال عليه وسلم يوم الفطر فصلّى ‪ ،‬فبدأ‬
‫ال عنهما قال ‪ :‬سمعته يقول « قام النّب ّ‬
‫ن وهو يتوكّأ على يد بلل ‪ ،‬وبلل‬
‫بالصّلة ثمّ خطب ‪ ،‬فلمّا فرغ نزل فأتى النّساء ‪ ،‬فذكّره ّ‬
‫باسط ثوبه يلقي فيه النّساء الصّدقة » قلت ‪ " :‬يعني ابن جريج لعطاء " أترى حقّا على‬
‫ق عليهم ‪ ،‬ومالهم ل يفعلونه ؟ قال في الفتح ‪ :‬ظاهره‬
‫ن ؟ قال ‪ :‬إنّه لح ّ‬
‫المام ذلك ويذكّره ّ‬
‫أنّ عطاءً كان يرى وجوب ذلك ‪ ،‬ولهذا قال عياض ‪ :‬لم يقل بذلك غيره ‪ ،‬وأمّا النّوويّ‬
‫فحمله على الستحباب ‪ ،‬وقال ‪ :‬ل مانع من القول به إذا لم يترتّب على ذلك مفسدة ‪.‬‬

‫عَين *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬تطلق العين في اللّغة على معان كثيرة ضبطتها كتب اللّغة ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫والعين في موضوعنا يقصد بها العين الّتي تسبّب الصابة بها ‪ ،‬يقال ‪ :‬عانه يعينه عينا‬
‫أصابه بعينه فهو عائن والمصاب مَعين ‪ -‬بفتح الميم ‪ -‬وما أعينه ! ‪ ..‬أي ‪ :‬ما أشدّ‬
‫إصابته بالعين ‪ ،‬والعيون ‪ -‬بفتح العين ‪ -‬والمعيان الشّديد الصابة بالعين ‪ ،‬والمعين‬
‫والمعيون المصاب بها والعائنة مؤنّث العائن ‪.‬‬
‫واستعمل العرب مادّة ‪ :‬نجأ ‪ ،‬للدّللة على الصابة بالعين فيقال ‪ :‬نجأه نج ًأ أصابه بالعين‬
‫ورجل نجوء العين أي خبيثها شديد الصابة بها ‪ ،‬وأيضا يقال ‪ :‬رجل مسفوع أي أصابته‬
‫سفعة ‪ -‬بالفتح ‪ -‬أي عين ‪ ،‬ويقال أيضا ‪ :‬رجل نفوس إذا كان حسودا يتعنّ أموال النّاس‬
‫ليصيبها بعين وأصابت فلنا نفس أي عين ‪.‬‬
‫وفي الصطلح عرّفها ابن حجر بقوله ‪ :‬نظر باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطّبع‬
‫يحصل للمنظور منه ضرر ‪.‬‬
‫وعرّفها أبو الحسن المنوفيّ بأنّها ‪ :‬سمّ جعله اللّه في عين العائن إذا تعجّب من شيء‬
‫ونطق به ولم يبارك فيما تعجّب منه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الحسد ‪:‬‬
‫‪ -‬الحسد في اللّغة ‪ :‬كره النّعمة عند الغير وتمنّي زوالها ‪ ،‬يقال ‪ :‬حسدته النّعمة ‪ :‬إذا‬ ‫‪2‬‬

‫كرهتها عنده ‪.‬‬


‫ي بأنّها تمنّي زوال نعمة المحسود إلى الحاسد ‪.‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬عرّفها الجرجان ّ‬
‫ن الحسد أصل الصابة بالعين ‪.‬‬
‫والصّلة أ ّ‬
‫ب ‪ -‬الحقد ‪:‬‬
‫‪ -‬الحقد لغةً ‪ :‬النطواء على العداوة والبغضاء ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫ن في القلب على الخلئق لجل العداوة ‪.‬‬


‫واصطلحا ‪ :‬سوء الظّ ّ‬
‫ن الحقد قد يكون سببا للصابة بالعين ‪.‬‬
‫والصّلة أ ّ‬
‫ثبوت العين ‪:‬‬
‫‪ -‬الصابة بالعين ثابت موجود أخبر الشّرع بوقوعه في الكتاب والسّنّة فقال اللّه تعالى ‪:‬‬ ‫‪4‬‬

‫ن كَفَرُوا لَ ُيزْ ِلقُونَكَ بِأَبْصَارِ ِه ْم } أي يعتانونك بعيونهم فيزيلونك عن مقامك‬


‫{ َوإِن َيكَادُ الّذِي َ‬
‫الّذي أقامك اللّه فيه عداوةً وبغضا فيك ‪ ،‬فهم كانوا ينظرون إليه نظر حاسد شديد العداوة‬
‫يكاد يزلقه لول حفظ اللّه وعصمته له ‪.‬‬
‫وقد أرادوا بالفعل أن يصيبوه بالعين فنظر إليه قوم من قريش كانوا مشتهرين بذلك فقالوا ‪:‬‬
‫ما رأينا مثله ول مثل حججه ‪ ،‬بقصد إصابته بالعين ‪ ،‬فعصمه اللّه من شرورهم وأنزل عليه‬
‫هذه الية الكريمة ‪.‬‬
‫وروى أبو هريرة رضي ال عنه عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬العين حقّ »‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬العين تدخل الرّجل‬
‫وروى أبو ذرّ رضي ال عنه عن النّب ّ‬
‫القبر والجمل القدر » ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬إنّ اللّه يخلق عند نظر‬
‫وإنّما يكون ذلك بإرادة اللّه تعالى ومشيئته ‪ ،‬قال ابن العرب ّ‬
‫العائن إلى المعاين وإعجابه به إذا شاء ما شاء من ألم أو هلكة ‪ ،‬وكما يخلقه بإعجابه‬
‫وبقوله فيه فقد يخلقه ثمّ يصرفه دون سبب ‪ ،‬وقد يصرفه قبل وقوعه بالستعاذة ‪ ،‬فقد كان‬
‫عليه الصلة والسلم يعوّذ الحسن والحسين رضي ال عنهما بما كان يعوّذ به إبراهيم ابنيه‬
‫إسماعيل وإسحاق عليهم السلم بقوله ‪ « :‬أعوذ بكلمات اللّه التّامّة من كلّ شيطان وهامّة‬
‫ومن كلّ عين لمّة » ‪.‬‬
‫ما يستطبّ به من العين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّبريك ‪:‬‬
‫‪ -‬المقصود بالتّبريك هنا الدّعاء من العائن للمعين بالبركة عند نظره إليه فذلك ‪ -‬بإرادة‬ ‫‪5‬‬

‫اللّه تعالى ومشيئته ‪ -‬يحول دون إحداث أيّ ضرر بالمعين ويبطل كلّ أثر من آثار العين‬
‫روي عن محمّد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنّه سمع أباه يقول ‪ « :‬اغتسل أبي سهل‬
‫بن حنيف بالخرّار ‪ ،‬فنزع ج ّب ًة كانت عليه وعامر بن ربيعة ينظر إليه ‪ ،‬قال ‪ :‬وكان سهل‬
‫ل أبيض حسن الجلد قال ‪ :‬فقال له عامر بن ربيعة ‪ :‬ما رأيت كاليوم ول جلد عذراء قال‬
‫رج ً‬
‫‪ :‬فوعك سهل مكانه واشتدّ وعكه ‪ -‬أي صرع ‪ -‬فأتي رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫ل وعك ‪ ،‬وأنّه غير رائح معك يا رسول اللّه ‪ ،‬فأتاه رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫فأخبر أنّ سه ً‬
‫وسلم " فأخبره سهل بالّذي كان من شأن عامر بن ربيعة ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ { :‬علم يقتل أحدكم أخاه ؟ ألّ برّكت » ‪ -‬مخاطبا بذلك عامرا متغيّظا عليه ومنكرا‬
‫‪ -‬أي قلت ‪ :‬بارك اللّه فيك فإنّ ذلك يبطل المعنى الّذي يخاف من العين ويذهب تأثيره ‪ ،‬ثمّ‬
‫ق ‪ ،‬توضّأ له فتوضّأ له عامر ‪ ،‬فراح سهل مع رسول اللّه صلى ال‬
‫ن العين ح ّ‬
‫قال ‪ « :‬إ ّ‬
‫عليه وسلم ليس به بأس » ‪.‬‬
‫قال ابن عبد الب ّر ‪ :‬يقول له ‪ :‬تبارك اللّه أحسن الخالقين ‪ ،‬اللّهمّ بارك فيه ول تضرّه ‪،‬‬
‫وأيضا روي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم « من رأى شيئا فأعجبه فقال ‪ :‬ما شاء اللّه ل‬
‫قوّة إلّ باللّه لم يضرّه » ‪.‬‬
‫قال العدويّ ‪ :‬فواجب على كلّ من أعجبه شيء عند رؤيته أن يبارك ليأمن من المحذور‬
‫وذلك بأن يقول ‪ :‬تبارك اللّه أحسن الخالقين ‪ ،‬اللّهمّ بارك فيه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الغسل ‪:‬‬
‫‪ -‬يجب على العائن إذا دعاه المعين للغتسال أن يغتسل لما روى ابن عبّاس رضي ال‬ ‫‪6‬‬

‫عنهما عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬العين حقّ ‪ ،‬ولو كان شيء سابق القدر‬
‫لسبقته العين ‪ ،‬وإذا استغسلتم فاغسلوا » ‪.‬‬
‫قال الذّهبيّ ‪ :‬قوله صلى ال عليه وسلم ‪ :‬استغسلتم أي إذا طلب منكم من أصبتموه بالعين‬
‫أن تغسلوا له فأجيبوه وهو أن يغسل العائن وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه‬
‫وداخلة إزاره في قدح ثمّ يصبّ على المعين ويكفأ القدح وراءه على ظهر الرض وقيل ‪:‬‬
‫يغسله بذلك حين يصبّه عليه فيبرأ بإذن اللّه تعالى ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الرّقية ‪:‬‬
‫ي ممّا يستطبّ به للصابة بالعين مشروع لما روي عن عائشة رضي ال عنها‬
‫‪ -‬الرّق ّ‬ ‫‪7‬‬

‫قالت ‪ « :‬أمرني النّبيّ صلى ال عليه وسلم أو أمر أن يسترقى من العين » ‪.‬‬
‫وعن أمّ سلمة رضي ال عنها زوج النّبيّ صلى ال عليه وسلم « أنّه رأى في بيتها جاريةً‬
‫في وجهها سفعةً فقال ‪ :‬استرقوا لها فإنّ بها النّظرة » ‪.‬‬
‫ي والتّعاوذ إنّما تفيد إذا أخذت بقبول وصادفت إجابةً وأجلً ‪ ،‬فالرّقيّ‬
‫وقال الذّهبيّ ‪ :‬الرّق ّ‬
‫والتّعوّذ التجاء إلى اللّه سبحانه وتعالى ليهب الشّفاء كما يعطيه بالدّواء ‪.‬‬
‫وقال ابن القيّم ‪ :‬إنّما يسترقى من العين إذا لم يعرف العائن ‪ ،‬أمّا إذا عرف العائن الّذي‬
‫أصابه بعينه فإنّه يؤمر بالغتسال ‪.‬‬
‫عقوبة العائن ‪:‬‬
‫‪ -‬قال المالكيّة ‪ :‬إذا أتلف العائن شيئا فإنّه يضمنه أمّا إذا قتل بعينه فعليه القصاص أو‬ ‫‪8‬‬

‫الدّية إذا تكرّر منه ذلك بحيث يصير عاد ًة ‪.‬‬


‫ونقل ابن حجر عن النّوويّ قوله ‪ :‬ل يقتل العائن ول دية ول كفّارة عليه لنّ الحكم إنّما‬
‫ص ببعض النّاس وبعض الحوال ممّا ل‬
‫يترتّب على المر المنضبط العامّ دون ما يخت ّ‬
‫انضباط له ‪ ،‬كيف ولم يقع منه فعل أصلً ‪ ،‬وإنّما غايته حسد وتمنّ لزوال النّعمة ‪ ،‬وأيضا‬
‫فالّذي ينشأ عن الصابة بالعين حصول مكروه لذلك الشّخص ول يتعيّن ذلك المكروه في‬
‫زوال الحياة ‪ ،‬فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين ‪.‬‬
‫والنّقول من مختلف المذاهب متضافرة على ما ذكره ابن بطّال من كون المام يمنع العائن‬
‫ن ضرره أشدّ من ضرر‬
‫من مخالطة النّاس إذا عرف بذلك ويجبره على لزوم بيته ل ّ‬
‫المجذوم وآكل البصل والثّوم في منعه من دخول المساجد ‪ ،‬وإن افتقر فبيت المال تكفيه‬
‫الحاجة لما في ذلك من المصلحة وكفّ الذى ‪.‬‬

‫عِينَة *‬
‫انظر ‪ :‬بيع العينة ‪.‬‬

‫غَائب *‬
‫انظر ‪ :‬غيبة ‪.‬‬

‫غَائط *‬
‫انظر ‪ :‬قضاء الحاجة ‪.‬‬

‫غَارِمون *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الغارمون جمع غارم ‪ ،‬وهو في اللّغة ‪ :‬المدين ‪ ،‬وقيل ‪ :‬هو الّذي يلتزم ما ضمنه ‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫وتكفّل به " قال ال ّزجّاج ‪ :‬الغارمون هم الّذين لزمهم الدّين في الحمالة ‪.‬‬
‫وفي الثر ‪ « :‬الدّين مقضيّ والزّعيم غارم » ‪.‬‬
‫وفي الصطلح الغارمون هم ‪ :‬المدينون العاجزون عن وفاء ديونهم ‪.‬‬
‫وقال مجاهد ‪ :‬الغارمون هم قوم ركبتهم الدّيون من غير فساد ول تبذير ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الكفيل ‪:‬‬
‫ن كلّا منهما تحمّل دينا‬
‫‪ -‬الكفيل ‪ :‬هو من التزم دينا ‪ ،‬أو إحضار عين أو بدن والصّلة أ ّ‬ ‫‪2‬‬

‫ويزيد الكفيل تحمّله إحضار عين أو بدن ‪.‬‬


‫استحقاق الغارمين من الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ -‬الغارمون من الصناف الثّمانية الّذين بيّنتهم آية مصارف الصّدقة ‪ ،‬وهي قوله تعالى ‪:‬‬ ‫‪3‬‬

‫ب وَا ْلغَا ِرمِينَ‬


‫ت لِ ْل ُفقَرَاء وَا ْل َمسَاكِينِ وَا ْلعَامِلِينَ عَلَ ْيهَا وَا ْل ُمؤَّل َفةِ ُقلُو ُبهُمْ َوفِي الرّقَا ِ‬
‫{ إِ ّنمَا الصّدَقَا ُ‬
‫ن الّلهِ } ‪.‬‬
‫ضةً مّ َ‬
‫ن السّبِيلِ َفرِي َ‬
‫وَفِي سَبِيلِ الّلهِ وَابْ ِ‬
‫ول خلف بين الفقهاء في استحقاقهم سهما من الزّكاة ‪.‬‬
‫وفي الغارمين الّذين هم من مصارف الزّكاة ‪ ،‬وبيان الدّيون الّتي لزمتهم ‪ ،‬ومقدار ما يدفع‬
‫)‪.‬‬ ‫‪17/‬‬ ‫إليهم تفصيل في مصطلح ( زكاة ف‬
‫دفع الزّكاة لغريم المدين ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح الحنابلة أنّه إذا أراد المزكّي دفع زكاة ماله إلى الغارم فله أن يسلّمها إليه‬ ‫‪4‬‬

‫ليدفعها إلى غريمه ‪ ،‬وإن أحبّ أن يدفعها إلى الغريم قضاءً عن دين الغارم فعن أحمد‬
‫روايتان ‪ :‬إحداهما ‪ :‬يجوز ذلك ‪ ،‬قال أبو الحارث ‪ :‬قلت لحمد ‪ :‬رجل عليه ألف دينار ‪،‬‬
‫وكان على رجل ألف من زكاة ماله ‪ ،‬فأدّاها عن هذا الّذي عليه الدّين يجزئ هذا عن‬
‫زكاته ؟ قال ‪ :‬نعم ل أرى بذلك بأسا ‪ ،‬وذلك لنّه دفع الزّكاة في قضاء دينه ‪ ،‬فأشبه ما لو‬
‫دفعها إليه يقضي بها دينه ‪.‬‬
‫والرّواية الثّانية ‪ :‬ل يجوز دفعه إلى الغريم ‪ ،‬قال أحمد ‪ :‬أحبّ إليّ أن يدفعه إليه حتّى‬
‫يقيض هو عن نفسه ‪ ،‬قيل ‪ :‬هو محتاج يخاف إن دفع إليه أن يأكله ول يقضي دينه ‪ ،‬قال‬
‫ن المزكّي ل يدفع الزّكاة إلى الغريم إلّ‬
‫فليوكّل الغارم المزكّي ليقضي عنه ‪ ،‬فظاهر هذا أ ّ‬
‫ن الدّين إنّما هو على الغارم ‪ ،‬فل يصحّ قضاؤه عنه إلّ بتوكيله أو إذنه ‪،‬‬
‫بوكالة الغارم ؛ ل ّ‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬يحتمل أن يحمل هذا على الستحباب ‪ ،‬ويكون قضاؤه عنه جائزا ‪ ،‬وإن‬
‫ن للمام وليةً عليه في‬
‫كان دافع الزّكاة المام جاز أن يقضي بها دينه من غير توكيله ; ل ّ‬
‫إيفاء الدّين‪ ،‬ولهذا يجبره عليه إن امتنع منه ‪.‬‬
‫ادّعاء الغرم ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا ادّعى شخص أنّ عليه دينا ‪ ،‬فإن خفي ذلك لم يقبل منه إلّ ببيّنة ‪ ،‬سواء أكان‬ ‫‪5‬‬

‫ن الصل عدم الغرم وبراءة ال ّذمّة ‪.‬‬


‫الغرم لمصلحة نفسه أم لصلح ذات البين ل ّ‬
‫ومن الغارم الضّامن لغيره ل لتسكين فتنة وهو معسر ‪ ،‬بما على معسر فيعطى ‪ ،‬فإن وفّى‬
‫فل رجوع ‪ ،‬كمعسر ملتزم بما على موسر بل إذن ‪ ،‬وصرف الصّدقة إلى الصيل المعسر‬
‫أولى أو هو موسر بما على موسر فل يعطى ‪.‬‬
‫الستدانة لعمارة مسجد ونحوه ‪:‬‬
‫‪ -‬قال بعض الشّافعيّة ‪ :‬إن استدان لنحو عمارة مسجد وقرى ضيف وفكّ أسير يعطى عند‬ ‫‪6‬‬

‫العجز عن النّقد ‪ ،‬ل عن غيره كالعقار ‪ .‬وقال آخرون منهم ‪ :‬حكمه حكم المستدين لمصلحة‬
‫نفسه ‪.‬‬
‫وقال صاحب نهاية المحتاج ‪ :‬لو قيل ‪ :‬ل أثر لغناه بالنّقد أيضا حملً على هذه المكرمة العامّ‬
‫نفعها لم يكن بعيدا ‪.‬‬

‫غَالِب *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الغالب اسم فاعل من الغلبة أو الغلب ‪ ،‬ومن معانيه في اللّغة ‪ :‬القهر والكثرة ‪ ،‬يقال ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫غلبه إذا قهره ‪ ،‬وغلب على فلن الكرم ‪ :‬كان أكثر خصاله ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بلفظ غالب ‪:‬‬
‫وردت الحكام المتعلّقة بمصطلح غالب في مواطن منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬غالب مدّة الحيض ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ غالب مدّة الحيض ستّة أيّام أو سبعة ‪ ،‬لقول النّبيّ‬ ‫‪2‬‬

‫صلى ال عليه وسلم لحمنة بنت جحش رضي ال عنها « تحيّضي ستّة أيّام أو سبعة أيّام‬
‫في علم اللّه ‪ ،‬ثمّ اغتسلي » ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬غالب مدّة النّفاس ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة إلى أنّ غالب النّفاس أربعون يوما لحديث أمّ سلمة رضي ال عنها «‬ ‫‪3‬‬

‫كانت النّفساء تجلس على عهد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أربعين يوما » وهو‬
‫محمول على الغالب أو على نسوة مخصوصات ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬غالب مدّة الحمل ‪:‬‬
‫‪ -‬نصّ الشّافعيّة على أنّ غالب مدّة الحمل تسعة أشهر ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫د ‪ -‬استعمال ما غالب حاله النّجاسة ‪:‬‬


‫ص الشّافعيّة على أنّه يجوز استعمال ما الصل فيه الطّهارة وإن كان الغالب فيه‬
‫‪ -5‬ن ّ‬
‫النّجاسة كأواني وملبس الكفّار ‪ ،‬وأواني وملبس الخمّارين ‪ ،‬وملبس المجانين والصّبيان‬
‫والجزّارين وأمثالهم ‪ ،‬وكأواني وألبسة المتديّنين بالنّجاسة كالمجوس ‪ ،‬وكطين الشّارع‬
‫ن الصل‬
‫والمقابر المنبوشة ‪ ،‬وعرق الدّوابّ ولعابها ‪ ،‬ولعاب الصّبيان ‪ ،‬وما أشبه ذلك ؛ ل ّ‬
‫ك‪.‬‬
‫بقاء ما كان على ما كان ؛ ولنّ اليقين ل يزول بالشّ ّ‬
‫وقال الع ّز بن عبد السّلم ‪ :‬في المسألة قولن أحدهما ‪ :‬ل يجوز الستعمال لغلبة النّجاسة ‪،‬‬
‫ن الصل الطّهارة ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬يجوز ل ّ‬
‫أمّا إذا تيقّن من حصول النّجاسة في الشّيء فيجب التّجنّب منه ول يجوز استعماله ‪.‬‬
‫وللتّفصيل انظر مصطلح ( نجاسة ‪ ،‬وعموم البلوى ) ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬زكاة البل ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الشّاة الواجبة فيما دون الخمس والعشرين من البل هل تجب أن‬ ‫‪6‬‬

‫تكون من غالب غنم البلد أم أنّ المزكّي مخيّر بين الغنام ؟‬


‫ن المزكّي بالخيار ‪ ،‬فيجوز أن يخرج‬
‫فذهب الحنفيّة والحنابلة وهو قول عند الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫ل شاةً من الضّأن أو شا ًة من المعز ‪ ،‬وأيّهما أخرج أجزاه لتناول اسم‬
‫عن البل الخمس مث ً‬
‫الشّاة لهما ‪ ،‬ول يشترط كونهما من جنس غنمه ول من جنس غنم بلده ؛ لطلق الخبار‬
‫في ذلك ‪ ،‬ومنها قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا بلغت خمسا من البل ففيها شاة » ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة وهو مقابل الصحّ عند الشّافعيّة إلى أنّه يتعيّن إخراج غالب أغنام بلده كما‬
‫يتعيّن غالب قوت البلد في الكفّارة ‪ ،‬والقول الصحّ عند الشّافعيّة ‪ :‬أنّه مخيّر بين أغنام‬
‫البلد‪ ،‬ولكن ل يجوز له النتقال إلى غنم بلد آخر إلّ أن تكون مثلها في القيمة أو خيرا منها‬
‫‪.‬‬
‫ولدى الشّافعيّة قول رابع ‪ :‬أنّه يتعيّن عليه إخراج غنم نفسه إذا كان له غنم ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪43/‬‬ ‫وللتّفصيل انظر مصطلح ( زكاة ف‬
‫و ‪ -‬زكاة الفطر ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الواجب من القوات في صدقة الفطر ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫ن الواجب في صدقة الفطر هو غالب‬


‫فذهب المالكيّة وهو الوجه الرّاجح عند الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫ق وجب في ال ّذمّة وتعلّق بالطّعام ‪ ،‬فوجب من غالب قوت البلد ‪،‬‬
‫قوت بلد المخرج ؛ لنّه ح ّ‬
‫فإن عدل عن قوت البلد إلى قوت بلد آخر نظر ‪ :‬فإن كان الّذي انتقل إليه أجود أجزأه ‪،‬‬
‫وإن كان دونه لم يجزه ‪.‬‬
‫وإن كان أهل البلد يقتاتون أجناسا مختلفةً من الطعمة ليست بعضها بأغلب من بعض فأيّها‬
‫ن الفضل أن يخرج من أحسنها لقوله تعالى ‪ { :‬لَن تَنَالُو ْا الْبِرّ حَتّى‬
‫أخرج أجزأه ‪ ،‬ولك ّ‬
‫تُنفِقُواْ ِممّا ُتحِبّونَ } ‪.‬‬
‫قال الغزاليّ رحمه ال ‪ :‬المعتبر هو غالب قوت البلد وقت وجوب الفطرة ل في جميع السّنة‬
‫وفي قول له ‪ :‬العتبار هو غالب قوت البلد يوم عيد الفطرة ‪ ،‬إلّ أنّ الرّاجح عندهم أنّ‬
‫العتبار هو غالب قوت البلد في جميع السّنة ‪.‬‬
‫والوجه الثّاني عند الشّافعيّة ‪ :‬أنّه يتعيّن على المزكّي غالب قوت نفسه ؛ لنّه لمّا وجب‬
‫عليه إخراج ما فضل عن قوته وجب أن يكون من قوته ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة والحنابلة وهو الوجه الثّالث لدى الشّافعيّة إلى أنّه مخيّر بين القوات الّتي‬
‫تصحّ بها زكاة الفطرة ‪ ،‬فيخرج ما شاء وإن كان غير قوته وغير قوت أهل بلده ‪ ،‬لظاهر‬
‫حديث أبي سعيد الخدريّ رضي ال عنه قال ‪ « :‬كنّا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام ‪ ،‬أو‬
‫صاعا من شعير ‪ ،‬أو صاعا من تمر ‪ ،‬أو صاعا من أقط ‪ ،‬أو صاعا من زبيب » ‪.‬‬
‫ن ذلك كلّه لم يكن قوت أهل المدينة فدلّ على أنّه مخيّر بين الجميع ‪.‬‬
‫ومعلوم أ ّ‬
‫ز ‪ -‬الطعام الواجب في الكفّارات ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ الواجب هو غالب قوت البلدة ‪ ،‬في حين ذهب الحنفيّة‬ ‫‪8‬‬

‫والحنابلة إلى أنّه مخيّر بين أقوات البلد ‪.‬‬


‫والتّفصيل في مصطلح ( كفّارة ) ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬غالب النّقد في البيع ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا كان في البلد نقدان فأكثر نظر فإن كان واحد منها غالبا‬ ‫‪9‬‬

‫انصرفت العقود إليه عند الطلق ؛ لنّه هو المتعيّن عرفا ‪ ،‬وإن كان في البلد نقدان فأكثر‬
‫‪ -‬ولم يغلب أحدها ‪ -‬اشترط التّعيين لفظا ول يكفي التّعيين بالنّيّة ‪ ،‬أمّا إذا اتّفقت النّقود بأن‬
‫لم تتفاوت في القيمة والغلبة فإنّ العقد يصحّ بها من غير تعيين ‪ ،‬ويسلّم المشتري أيّها‬
‫ن تقويم المتلفات‬
‫شاء ‪ ،‬وإن عيّن في العقد غير النّقد الغالب تعيّن ‪ ،‬ونصّ الشّافعيّة على أ ّ‬
‫يكون بالنّقد الغالب ‪ ،‬فإن كان ل غالب فيها عيّن القاضي واحدا من النّقود للتّقويم بها ‪.‬‬
‫معاملة من غالب ماله حرام ‪:‬‬
‫‪ -‬من القواعد الفقهيّة أنّه إذا اجتمع الحلل والحرام غلب الحرام ‪ ،‬قال الجوينيّ ‪ :‬لم‬ ‫‪10‬‬

‫يخرج عن هذه القاعدة إلّ ما ندر ‪.‬‬


‫قال السّيوطيّ ‪ :‬خرج عن هذه القاعدة فروع منها ‪ :‬معاملة من أكثر ماله حرام إذا لم يعرف‬
‫ح لكن يكره ‪ ،‬وكذا الخذ من عطايا السّلطان إذا غلب الحرام‬
‫عن الحرام ل يحرم في الص ّ‬
‫في يده ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬إذا اشترى ممّن في ماله حرام وحلل كالسّلطان الظّالم والمرابي ‪ ،‬فإن‬
‫ن الظّاهر أنّ ما‬
‫علم أنّ المبيع من حلل ماله فهو حلل وإن علم أنّه حرام فهو حرام ؛ ل ّ‬
‫في يد النسان ملكه ‪ ،‬فإن لم يعلم من أيّهما هو كرهناه لحتمال التّحريم فيه ‪ ،‬ولم يبطل‬
‫البيع ؛ لمكان الحلل ‪ ،‬ق ّل الحرام أو كثر ‪ ،‬وهذا هو الشّبهة ‪ ،‬وبقدر قلّة الحرام وكثرته‬
‫تكون كثرة الشّبهة وقلّتها ‪ ،‬قال أحمد ‪ :‬ل يعجبني أن يأكل منه ‪ ،‬لما روى النّعمان بن بشير‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬الحلل بيّن ‪ ،‬والحرام بيّن وبينهما‬
‫ن النّب ّ‬
‫رضي ال عنهما أ ّ‬
‫مشبّهات ل يعلمها كثير من النّاس فمن اتّقى المشبّهات استبرأ لدينه وعرضه ‪ ،‬ومن وقع‬
‫في الشّبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ‪ ،‬أل إنّ لكلّ ملك حمًى ‪ ،‬أل إنّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه‬
‫حمى اللّه في أرضه محارمه » ‪ .‬وروى الحسن بن عليّ عن النّب ّ‬
‫قال ‪ « :‬دع ما يريبك إلى ما ل يريبك » ‪.‬‬
‫ي إلى أنّه يحرم التّعامل مع من غالب ماله من‬
‫وذهب بعض الفقهاء ومن بينهم الغزال ّ‬
‫ن أكثر ماله حرام ‪ :‬إن غلب‬
‫الحرام‪ .‬وقال العزّ بن عبد السّلم في معاملة من اعترف بأ ّ‬
‫الحرام عليه بحيث يندر الخلص منه لم تجز معاملته ‪ ،‬مثل أن يق ّر إنسان بأنّ في يده ألف‬
‫دينار كلّها حرام إلّ دينارا واحدا ‪ ،‬فهذا ل تجوز معاملته بدينار لندرة الوقوع في الحلل ‪،‬‬
‫كما ل يجوز الصطياد إذا اختلطت حمامة برّيّة بألف حمامة بلديّة ‪ ،‬وإن عومل بأكثر من‬
‫الدّينار أو اصطيد بأكثر من حمامة فل شكّ في تحريم ذلك ‪ ،‬وإن غلب الحلل بأن اختلط‬
‫درهم حرام بألف درهم حلل جازت المعاملة كما لو اختلطت أخته من الرّضاع بألف امرأة‬
‫أجنبيّة ‪ ،‬أو اختلطت ألف حمامة برّيّة بحمامة بلديّة فإنّ المعاملة صحيحة جائزة لندرة‬
‫الوقوع في الحرام‪ ،‬وكذلك الصطياد ‪ .‬ثمّ قال ‪ :‬وبين هاتين الرّتبتين من قلّة الحرام وكثرته‬
‫مراتب محرّمة ومكروهة ومباحة ‪ ،‬وضابطها ‪ :‬أنّ الكراهة تشت ّد بكثرة الحرام وتخفّ بكثرة‬
‫الحلل ‪ ،‬فاشتباه أحد الدّينارين بآخر سبب تحريم بيّن ‪ ،‬واشتباه دينار حلل بألف دينار‬
‫حرام سبب تحريم بيّن ‪ ،‬وبينهما أمور مشتبهات مبنيّة على قلّة الحرام وكثرته بالنّسبة إلى‬
‫الحلل ‪ ،‬فكلّما كثر الحرام تأكّدت الشّبهة ‪ ،‬وكلّما قلّ خفّت الشّبهة ‪ ،‬إلى أن يساوي الحلل‬
‫الحرام فتستوي الشّبهات ‪.‬‬

‫غَاية *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني الغاية في اللّغة ‪ :‬المدى والمنتهى ‪ ،‬يقال ‪ :‬غايتك أن تفعل كذا ‪ ،‬أي نهاية‬ ‫‪1‬‬

‫طاقتك أو فعلك ‪.‬‬


‫وقالوا ‪ :‬هذا الشّيء غاية في الحسن ‪ ،‬أو في القيمة ‪ ،‬أي بلغ الحدّ القصى ‪.‬‬
‫والمغيّا ‪ :‬ذو الغاية ‪ ،‬أي الحكم الّذي ينتهي إلى الغاية ‪.‬‬
‫أمّا في الصطلح فالغاية عند الصوليّين تطلق على معنيين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬المنتهى ‪ ،‬كما يقولون ‪ ( :‬إلى ) للغاية ‪ ،‬أي دالّة على أنّ ما بعدها منتهى حكم ما‬
‫قبلها ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬نهاية الشّيء من طرفيه ‪ ،‬أي أوّله وآخره كما يقولون ‪ :‬ل تدخل الغايتان في‬
‫الحكم‪ ،‬قال ابن الهمام ‪ :‬تطلق الغاية بالشتراك عرفا بين المنتهى ونهاية الشّيء من طرفيه‬
‫ن الحكم ينتهي إليها ‪ ،‬كما يقول فخر‬
‫‪ .‬والمراد بالغاية هنا هو المعنى الوّل وسمّيت غايةً ل ّ‬
‫السلم ‪ ،‬كما في قوله تعالى ‪ُ { :‬ث ّم أَ ِتمّواْ الصّيَامَ إِلَى الّل ْيلِ } فاللّيل غاية للصّيام ؛ لنّ‬
‫حكمه ينتهي إليه ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ن كلمتي ‪ ( :‬إلى وحتّى ) للغاية ‪ ،‬أي دالّتان على أنّ ما‬
‫‪ -‬ذكر أهل اللّغة والصوليّون أ ّ‬ ‫‪2‬‬

‫بعدهما منتهى حكم ما قبلهما ‪ ،‬واختلفوا في دخول الغاية " أي ما بعد حرفي حتّى وإلى "‬
‫في المغيّا ‪ " ،‬أي حكم ما قبلهما " إلى مذاهب ‪:‬‬
‫قال بعضهم ‪ :‬تدخل مطلقا ‪ ،‬وقال آخرون ‪ :‬ل تدخل مطلقا ‪ ،‬وفصّل بعضهم فقالوا ‪ :‬إن‬
‫كانت الغاية من جنس المغيّا ‪ ،‬بأن تناولها صدر الكلم ‪ ،‬أي قبل كلمتي ( حتّى وإلى )‬
‫غسِلُواْ‬
‫فتدخل في حكم المغيّا ‪ ،‬أي قبل هاتين الكلمتين ‪ ،‬كالمرافق في قوله تعالى ‪ { :‬فا ْ‬
‫ق } وإن لم تكن الغاية من جنس المغيّا ‪ ،‬بأن لم يتناولها صدر‬
‫ُوجُو َهكُمْ َوأَيْدِ َيكُمْ إِلَى ا ْلمَرَافِ ِ‬
‫الكلم ‪ ،‬أي ما قبل كلمة إلى كاللّيل في قوله تعالى ‪ُ { :‬ثمّ أَ ِتمّواْ الصّيَا َم إِلَى الّل ْيلِ } فل تدخل‬
‫في حكم المغيّا ‪ ،‬لنّها كانت خارجةً ‪ ،‬فبقيت كذلك ‪.‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬دخول الغاية في حكم المغيّا وعدم دخولها فيه مرتبط بالقرينة فإذا وجدت‬
‫قرينة الدّخول دخلت وإذا وجدت قرينة الخروج خرجت ‪ ،‬وهذا ما رجّحه التّفتازانيّ في‬
‫التّلويح ‪ ،‬لكنّ الشهر في ( حتّى ) الدّخول ‪ ،‬وفي ( إلى ) عدم الدّخول ‪ ،‬كما نصّ عليه في‬
‫مسلّم الثّبوت وهذا يحمل عند عدم القرينة ‪ ،‬كما هو ظاهر كلم ابن الهمام في التّحرير ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫غباء‬
‫التّعريف‬
‫‪ -‬الغباء في اللّغة ‪ :‬قلّة الفطنة ‪ ،‬والغبيّ على وزن فعيل ‪ :‬الغافل القليل الفطنة ‪ ،‬وفلن‬ ‫‪1‬‬

‫ذو غباوة ‪ :‬أي تخفى عليه المور ‪ ،‬وفي حديث الصّوم ‪ « :‬فإن غبي عليكم " أي خفي‬
‫عليكم ‪ ،‬وجمع الغبيّ ‪ :‬أغبياء ‪ .‬ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫( اللفاظ ذات الصّلة ) ‪ .‬الخلبة ‪:‬‬
‫‪ -‬الخلبة ‪ :‬المخادعة ‪ .‬وقيل ‪ :‬المخادعة باللّسان ‪ ،‬ومنه قوله صلى ال عليه وسلم في‬ ‫‪2‬‬

‫ن كلّا منهما قد يكون سببا للغبن‬


‫الحديث { فقل ل خلبة } ‪ .‬والصّلة بين الغباء والخلبة أ ّ‬
‫في البيع والشّراء وغيرهما من العقود ‪.‬‬

‫ما يتّصل بالغباء من أحكام أ ‪ ( -‬الزّكاة للغبيّ ) ‪:‬‬


‫‪ -‬نصّ بعض الفقهاء على أنّ الزّكاة تصرف للفقير القادر على الكسب إذا منعه اشتغاله‬ ‫‪3‬‬

‫بطلب العلم عن الكسب ‪ ،‬بشرط أن يكون نجيبا يرجى تفقّهه ونفع المسلمين بعلمه ‪ ،‬وذلك‬
‫كأن تكون فيه قوّة بحيث إذا راجع الكلم فهم كلّ مسائله ‪ ،‬أو بعضها ‪ ،‬وإلّ فل يستحقّ‬
‫ن نفعه حينئذ قاصر عليه فل فائدة في اشتغاله بطلب العلم إلّ حصول الثّواب له‬
‫الزّكاة ; ل ّ‬
‫)‬ ‫‪162‬‬ ‫فيكون كنوافل العبادات ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ( زكاة ف‬

‫ب ‪ ( -‬سكوت المدّعى عليه لغبائه ) ‪:‬‬


‫ن المدّعى عليه إذا سكت عن الجواب لدهشة أو غباوة وجب على‬
‫‪ -‬نصّ الشّافعيّة على أ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫القاضي أن يشرح له الحال ‪ ،‬وكذا لو نكل ولم يعرف ما يترتّب على النّكول يجب الشّرح له‬
‫‪ ،‬ثمّ يحكم عليه بعد ذلك ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ( قضاء )‬

‫غبار‬
‫التّعريف‬
‫‪ -‬الغبار لغةً هو ‪ :‬ما دقّ من التّراب ‪ ،‬أو الرّماد ‪ ،‬وهو أيضا ما يبقى من التّراب المثار‬ ‫‪1‬‬

‫‪ .‬ول يخرج معناه الصطلحيّ عن معناه اللّغويّ ‪.‬‬

‫ما يتعلّق بالغبار من أحكام ‪ :‬أورد الفقهاء أحكام الغبار في أبواب منها ‪:‬‬
‫أ ‪ ( -‬النّجاسة ) ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والحنابلة في الجملة إلى أنّ غبار النّجاسة نجس إلّ أنّه يعفى عن يسيره‬ ‫‪2‬‬

‫إذا وقع في الماء أو في اللّبن ونحوهما من المائعات ‪ ،‬وكذا إذا علق بشيء رطب كالثّوب‬
‫المبلول لعسر التّحرّز عن ذلك بشرط أن ل تظهر له صفة في الشّيء الطّاهر ‪ .‬وتفصيل‬
‫ذلك في مصطلح ‪ ( :‬نجاسة )‬

‫ب ‪ ( -‬التّيمّم ) ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في اشتراط وجود الغبار فيما يتيمّم به ‪ ،‬فذهب الشّافعيّة ‪ .‬والحنابلة‬ ‫‪3‬‬

‫وأبو يوسف من الحنفيّة وإسحاق إلى أنّه يشترط أن يكون في التّراب الّذي يتيمّم به غبار‬
‫يعلق على الوجه واليدين ‪ ،‬لقول اللّه تعالى ‪ { :‬فتيمّموا صعيدا طيّبا فامسحوا بوجوهكم‬
‫وأيديكم منه } قال ابن عبّاس رضي ال عنهما في تفسير هذه الية ‪ :‬الصّعيد تراب الحرث‬
‫ي رحمه ال ‪ :‬الصّعيد تراب له غبار ; ولنّه ل يحصل‬
‫وهو التّراب الخالص ‪ ،‬وقال الشّافع ّ‬
‫المسح بشيء منه ‪ -‬أي الصّعيد ‪ -‬إلّ أن يكون ذا غبار يعلق باليد ‪ ،‬فإن كان جرشا أو نديّا‬
‫ل يرتفع له غبار لم يكف التّيمّم به ‪ .‬ويجوز أن يتيمّم من غبار تراب على صخرة أو مخدّة‬
‫أو ثوب أو حصير أو جدار أو أداة ‪ ،‬قالوا ‪ :‬لو ضرب بيده على حنطة أو شعير فيه غبار ‪،‬‬
‫أو على لبد أو ثوب أو جوالق أو برذعة فعلق بيديه غبار فتيمّم به جاز ‪ ،‬لنّهم يعتبرون‬
‫التّراب حيث هو ‪ ،‬فل فرق بين أن يكون على الرض أو على غيرها ‪ ،‬ومثل هذا لو ضرب‬
‫بيده على حائط أو على حيوان أو على أيّ شيء كان فصار على يده غبار ‪ ،‬لحديث أبي‬
‫جهم بن الحارث رضي ال عنه عنه ‪ { :‬أقبل النّبيّ صلى ال عليه وسلم من نحو بئر‬
‫جمل ‪ ،‬فلقيه رجل فسلّم عليه ‪ ،‬فلم ير ّد عليه النّبيّ صلى ال عليه وسلم حتّى أقبل على‬
‫الجدار فمسح بوجهه ويديه ‪ ،‬ثمّ ر ّد عليه السّلم } أمّا إذا لم يكن على هذه الشياء غبار‬
‫يعلق على اليد فل يجوز التّيمّم بها إلّ أنّ أبا يوسف يرى أنّ الغبار وحده ل يكفي بل يجب‬
‫ن المأمور به عنده هو التّراب الخالص ‪ ،‬والغبار ليس بتراب خالص‬
‫أن يكون معه تراب ل ّ‬
‫بل هو تراب من وجه دون وجه ‪ .‬وأجاز الحنفيّة ‪ -‬ما عدا أبا يوسف ‪ -‬والمالكيّة التّيمّم‬
‫ي ل يعلق منه باليد غبار ‪ ،‬وبكلّ ما هو من جنس‬
‫بصخرة ل غبار عليها ‪ ،‬وبتراب ند ّ‬
‫)‬ ‫‪26‬‬ ‫الرض وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تيمّم ف‬

‫ح ‪ ( -‬الصّوم ) ‪.‬‬
‫ن الصّائم ل يفطر بوصول غبار الطّريق إلى جوفه إذا لم يتعمّد ذلك‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫وإن أمكنه ذلك بتكليفه إطباق فمه أو نحوه عند الغبار ‪ ،‬لما في ذلك من الحرج والمشقّة‬
‫الشّديدة ; ولنّه ممّا ل يمكن الحتراز عنه ‪ ،‬سواء أكان الصّوم فرضا أم نفلً وسواء أكان‬
‫ل أم كثيرا ماشيا أو غير ماش ‪ .‬أمّا إذا تعمّد ذلك بأن فتح فمه عمدا حتّى دخله‬
‫الغبار قلي ً‬
‫الغبار ووصل إلى جوفه فعند جمهور الفقهاء يفطر بذلك ‪ ،‬لتقصيره وإمكان التّحرّز من ذلك‬
‫ح الوجهين عند الشّافعيّة أنّه ل يفطر بذلك لنّه معفوّ عن جنسه ‪ .‬وقال الحنابلة ‪:‬‬
‫‪ .‬وأص ّ‬
‫غبار الطّريق ل يفطر الصّائم وإن قصد ابتلعه ; لنّ اتّقاء ذلك يشقّ ‪ .‬وقال المرداويّ من‬
‫الحنابلة ‪ :‬وحكى في الرّعاية قولً ‪ :‬إنّه يفطر من طار إلى حلقه غبار إذا كان غير ماش أو‬
‫غير نخّال أو غير وقّاد وهو ضعيف جدّا ‪ - 5‬ومثل غبار الطّريق عند جمهور الفقهاء غبار‬
‫غربلة الدّقيق سواء كان الصّائم نخّالً أو لم يكن نخّا ًل ; لنّه أمر غالب وكذا غبار الجبس‬
‫لصانعه وبائعه ‪ ،‬وكذا غبار الكتّان والفحم والشّعير والقمح ‪ ،‬قال الحطّاب ‪ :‬قال البرزليّ ‪:‬‬
‫مسألة ‪ ،‬الحكم في غبار الكتّان وغبار الفحم وغبار خزن الشّعير والقمح كالحكم في غبار‬
‫الجبّاسين ‪ .‬وقال أشهب ‪ :‬إنّ غبار الدّقيق ونحوه يفطر به الصّائم إذا كان الصّوم فرضا أو‬
‫واجبا ‪ .‬ول يفطر به إذا كان نفلً ‪ .‬وقال ابن بشير ‪ :‬أمّا غبار الجبّاسين وما في معناه ممّا‬
‫ل يغذّي وينفرد بالضطرار إليه بعض النّاس فهل يكون كغبار الدّقيق ‪ ،‬أو كغبار الطّريق ؟‬
‫فإن علّلنا غبار الطّريق بأنّه من جنس ما ل يغذّي فهذا مثله ‪ ،‬وإن علّلناه بعموم الضطرار‬
‫فهذا بخلفه ‪ .‬وقال بعض الحنابلة ‪ :‬إنّ غبار الدّقيق ونحوه يفطر به غير ال ّنخّالين‬
‫والوقّادين ونحوهما ‪.‬‬

‫غبطة‬
‫التّعريف‬
‫‪ -‬الغبطة في اللّغة ‪ :‬حسن الحال والمسرّة ‪ ،‬وقد تسمّى الغبطة حسدا مجازا ‪ .‬وفي‬ ‫‪1‬‬

‫الصطلح ‪ :‬أن يتمنّى الرّجل أن يكون له مثل ما لغيره من نعمة ‪ ،‬من غير أن تزول عن‬
‫ي أن يبيع عقار مولّيه‬
‫الغير ‪ .‬وتأتي بمعنى الصلح والنفع والحظّ ‪ ،‬فيقولون مثلً ‪ :‬للول ّ‬
‫إن كان له فيه غبطة ‪ :‬مصلحة ومنفعة وحظّ للمولّى عليه ‪.‬‬
‫( اللفاظ ذات الصّلة ) ‪ :‬الحسد ‪:‬‬
‫‪ -‬الحسد هو أن يتمنّى الحاسد زوال نعمة المحسود ‪ .‬والفرق بين الحسد والغبطة ‪ :‬أنّ‬ ‫‪2‬‬

‫الحاسد يتمنّى زوال نعمة المحسود وتحوّلها عنه ‪ ،‬والغابط يتمنّى أن يكون له مثل ما لغيره‬
‫ي ‪ :‬اعلم أنّه ل حسد إلّ على‬
‫‪ ،‬ول يتمنّى زوال النّعمة ول تحوّلها عن المغبوط ‪ .‬قال الغزال ّ‬
‫نعمة ‪ ،‬فإذا أنعم اللّه على أخيك بنعمة فلك فيها حالتان ‪ :‬إحداهما ‪ :‬أن تكره تلك النّعمة‬
‫وتحبّ زوالها ‪ .‬وهذه الحالة تسمّى حسدا ‪ ،‬فالحسد حدّه كراهة النّعمة وحبّ زوالها عن‬
‫المنعم عليه ‪ .‬الحالة الثّانية ‪ :‬أن ل تحبّ زوالها ‪ ،‬ول تكره وجودها ودوامها ‪ ،‬ولكن‬
‫تشتهي لنفسك مثلها وهذه تسمّى غبطةً ‪.‬‬

‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬


‫‪ -‬الغبطة إن كانت في الطّاعة فهي محمودة ‪ ،‬وإن كانت في المعصية فهي مذمومة ‪،‬‬ ‫‪3‬‬

‫وإن كانت في الجائزات فهي مباحة ‪ .‬فتكون واجب ًة إن كانت النّعمة دين ّي ًة واجب ًة كاليمان‬
‫باللّه تعالى والصّلة والزّكاة ; لنّه يجب على المسلم أن يحبّ لنفسه ذلك ‪ ،‬وإلّ كان راضيا‬
‫بعكسه وهو حرام ‪ .‬وقد تكون مندوبةً كأن كانت النّعمة من الفضائل ‪ ،‬كإنفاق الموال في‬
‫المكارم والصّدقات ‪ ،‬فالغبطة فيها مندوب إليها ‪ .‬وقد تكون مباحةً ‪ ،‬كأن تكون النّعمة ينتفع‬
‫بها على وجه مباح ‪ ،‬فالمنافسة فيها مباحة ‪ .‬وقد تحرم ‪ ،‬كأن يكون عند غيره مال ينفقه‬
‫في المعاصي ‪ ،‬فيقول ‪ :‬لو أنّ لي ما ًل مثل مال فلن لكنت أنفقه في مثل ما ينفقه في‬
‫المعاصي ‪.‬‬

‫غَبن *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الغبن في اللغة ‪ :‬الغلب والخدع والنقص ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫قال الكفوي ‪ :‬الغبن بالموحدة السّاكنة يستعمل في الموال ‪ ،‬وبالمتحركة في الراء ‪.‬‬
‫وقال ابن السّكيت ‪ :‬وأكثر ما يستعمل في الشّراء والبيع بالفتح ‪ ،‬وفي الرأي بالسكان ‪.‬‬
‫وفي الصطلح قال الحطّاب ‪ :‬الغبن عبارة عن بيع السّلعة بأكثر مما جرت العادة أنّ النّاس‬
‫ل يتغابنون بمثله إذا اشتراها كذلك ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التدليس ‪:‬‬
‫‪ -‬التدليس ‪ :‬كتمان عيب السّلعة عن المشتري ‪ ،‬يقال ‪ :‬دلّس البائع تدليسا ‪ :‬كتم عيب‬ ‫‪2‬‬

‫السّلعة عن المشتري وأخفاه ‪ ،‬ومنه التدليس في السناد ‪.‬‬


‫والفقهاء يستعملون هذا اللّفظ بالمعنى اللغوي نفسه ‪.‬‬
‫والصلة بين التدليس والغبن هو ‪ :‬أنّ التدليس قد يكون سببا للغبن ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الغشّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الغشّ هو السم من الغشّ مصدر غشّه ‪ :‬إذا لم يمحضه النصح وزيّن له غير‬ ‫‪3‬‬

‫المصلحة‪ ،‬أو أظهر له خلف ما أضمره ‪ .‬وقد يكون الغشّ سببا من أسباب الغبن ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الغرر ‪:‬‬
‫‪ -‬الغرر في اللّغة اسم من التغرير وهو الخطر والخدعة وتعريض المرء نفسه أو ماله‬ ‫‪4‬‬

‫للهلكة ‪.‬‬
‫وقال الجرجاني ‪ :‬الغرر ما يكون مجهول العاقبة ‪ ،‬ل يدرى أيكون أم ل ؟‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الغبن محرّم لما فيه من التّغرير للمشتري والغشّ المنهيّ عنه ‪ ،‬ويحرم تعاطي أسبابه‬ ‫‪5‬‬

‫ن الغبن في‬
‫‪ .‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من غشّنا فليس منّا » قال ابن العربيّ ‪ :‬إ ّ‬
‫الدّنيا ممنوع بإجماع في حكم الدّنيا إذ هو من باب الخداع المحرّم شرعا في كلّ ملّة ‪ ،‬لكنّ‬
‫اليسير منه ل يمكن الحتراز منه لحد فمضى في البيوع ‪ ،‬إذ لو حكمنا بردّه ما نفذ بيع أبدا‬
‫؛ لنّه ل يخلو منه ‪ ،‬حتّى إذا كان كثيرا أمكن الحتراز منه وجب الرّ ّد به ‪.‬‬
‫والفرق بين القليل والكثير أصل في الشّريعة معلوم ‪.‬‬
‫أنواع الغبن ‪:‬‬
‫ن الغبن نوعان ‪ :‬غبن يسير وغبن فاحش ‪.‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪6‬‬

‫وللفقهاء في تحديد كلّ من الغبن الفاحش واليسير أقوال ‪:‬‬


‫فذهب الحنفيّة إلى أنّ اليسير ‪ :‬ما يدخل تحت تقويم المقوّمين ‪ ،‬والفاحش ‪ :‬ما ل يدخل‬
‫تحت تقويم المقوّمين ‪ ،‬لنّ القيمة تعرف بالحزر والظّنّ بعد الجتهاد ‪ ،‬فيعذر فيما يشتبه ؛‬
‫لنّه يسير ل يمكن الحتراز عنه ‪ ،‬ول يعذر فيما ل يشتبه لفحشه ‪ ،‬ولمكان الحتراز عنه ‪،‬‬
‫لنّه ل يقع في مثله عاد ًة إلّ عمدا ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬ح ّد الفاحش في العروض نصف عشر القيمة ‪ ،‬وفي الحيوان عشر القيمة ‪ ،‬وفي‬
‫العقار خمس القيمة ‪ ،‬وفي الدّراهم ربع عشر القيمة ؛ لنّ الغبن يحصل بقلّة الممارسة في‬
‫التّصرّف ‪ ،‬والصّحيح الوّل ‪.‬‬
‫هذا كلّه إذا كان سعره غير معروف بين النّاس ويحتاج فيه إلى تقويم المقوّمين ‪ ،‬وأمّا إذا‬
‫كان معروفا كالخبز واللّحم والموز ل يعفى فيه الغبن وإن قلّ وإن كان فلسا ‪.‬‬
‫ن النّاس ل‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ الغبن عبارة عن بيع السّلعة بأكثر ممّا جرت العادة أ ّ‬
‫يتغابنون بمثله ‪ ،‬وهي الزّيادة على الثّلث وقيل ‪ :‬الثّلث وأمّا ما جرت به العادة فل يوجب‬
‫الرّ ّد باتّفاق ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬الغبن اليسير هو ما يحتمل غالبا فيغتفر فيه ‪ ،‬والغبن الفاحش هو ما ل‬
‫يحتمل غالبا ‪ ،‬والمرجع في ذلك عرف بلد البيع والعادة ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يرجع في الغبن إلى العرف والعادة ‪ ،‬وهو الصّحيح من المذهب نصّ عليه ‪،‬‬
‫وهو قول جماهير الصحاب ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يقدّر الغبن بالثّلث وهو اختيار أبي بكر ‪ ،‬وجزم به في‬
‫الرشاد ‪.‬‬
‫ن الغبن المثبت للفسخ ما ل يتغابن النّاس‬
‫ي عن المستوعب ‪ :‬المنصوص أ ّ‬
‫ونقل المرداو ّ‬
‫بمثله ‪ ،‬وحدّه أصحابنا بقدر ثلث قيمة البيع ‪.‬‬
‫أثر الغبن في العقود ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا كان الغبن المصاحب للعقد يسيرا فل يؤثّر في صحّته عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫ن الغبن في البيع بما ل يوحش ل يؤثّر في صحّته ‪.‬‬


‫قال ابن هبيرة ‪ :‬اتّفقوا على أ ّ‬
‫إلّ أنّ الفقهاء استثنوا بعض المسائل ‪ ،‬واعتبروا الغبن يؤثّر فيها حتّى لو كان يسيرا ‪.‬‬
‫أمّا الغبن الفاحش فقد اختلف الفقهاء في أثره على العقود حسب التّجاهات التيّة ‪:‬‬
‫التّجاه الوّل ‪ :‬ذهب الحنفيّة في ظاهر الرّواية والشّافعيّة والمالكيّة على المشهور إلى أنّ‬
‫مجرّد الغبن الفاحش ل يثبت الخيار ‪ ،‬ول يوجب الرّ ّد ‪.‬‬
‫قال الحصكفيّ ‪ :‬ل ر ّد بغبن فاحش في ظاهر الرّواية وبه أفتى بعضهم مطلقا ‪.‬‬
‫وقال الدّردير ‪ :‬ول ير ّد المبيع بغبن بأن يكثر الثّمن أو يقلّ جدّا ‪ ،‬ولو خالف العادة بأن‬
‫خرج عن معتاد العقلء ‪.‬‬
‫وجاء في روضة الطّالبين ‪ :‬مجرّد الغبن ل يثبت الخيار وإن تفاحش ‪ ،‬ولو اشترى زجاجةً‬
‫ن التّقصير‬
‫بثمن كبير يتوهّمها جوهرةً فل خيار له ‪ ،‬ول نظر إلى ما يلحقه من الغبن ؛ ل ّ‬
‫منه حيث لم يراجع أهل الخبرة ‪.‬‬
‫وقد استثنى الحنفيّة والمالكيّة بعض العقود والتّصرّفات ‪ ،‬وقالوا بأثر الغبن الفاحش فيها‬
‫وإن لم يصاحبه تغرير ‪ ،‬ومن هذه العقود ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تصرّف الب والجدّ والوصيّ والمتولّي والمضارب والوكيل بشراء شيء بعينه ‪ ،‬يعفى‬
‫فيه يسير الغبن دون فاحشه كما قال ابن نجيم ‪.‬‬
‫وقال الموّاق نقلً عن أبي عمر المالكيّ ‪ :‬اتّفقوا على أنّ النّائب عن غيره في بيع وشراء‬
‫ي إذا باع أو اشترى ما ل يتغابن النّاس بمثله أنّه مردود ‪.‬‬
‫من وكيل أو وص ّ‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪13/‬‬ ‫وللتّفصيل في أحكام خيار غبن القاصر وشبهه ر ‪ ( :‬خيار الغبن ف‬
‫ب ‪ -‬بيع المستسلم المستنصح ‪ ،‬قال الدّردير ‪ :‬ول ردّ بغبن ولو خالف العادة ‪ ،‬إلّ أن‬
‫يستسلم أحد المتبايعين صاحبه بأن يخبره بجهله ‪ ،‬كأن يقول المشتري ‪ :‬أنا ل أعلم قيمة‬
‫هذه السّلعة ‪ ،‬فبعني كما تبيع النّاس فقال البائع ‪ :‬هي في العرف بعشرة فإذا هي بأقلّ ‪ :‬أو‬
‫يقول البائع ‪ :‬أنا ل أعلم قيمتها فاشتر منّي كما تشتري من النّاس فقال ‪ :‬هي في عرفهم‬
‫بعشرة ‪ ،‬فإذا هي بأكثر ‪ ،‬فللمغبون الرّدّ على المعتمد ‪ ،‬بل باتّفاق ‪.‬‬
‫التّجاه الثّاني ‪ :‬ذهب بعض الحنفيّة وبعض المالكيّة ‪ -‬منهم ابن القصّار ‪ -‬والحنابلة إلى‬
‫أنّ للمغبون حقّ الخيار بين إمضاء العقد أو فسخه وإن لم يصاحب الغبن تغرير ‪.‬‬
‫ل عن الحمويّ ‪ :‬فقد تحرّر أنّ المذهب عدم الرّ ّد به " بالغبن الفاحش "‬
‫قال ابن عابدين نق ً‬
‫ولكن بعض مشايخنا أفتى بالرّ ّد مطلقا ‪.‬‬
‫وقال الموّاق نقلً عن المتيطيّ ‪ :‬تنازع البغداديّون في هذا ‪ ،‬وقال بعضهم ‪ :‬إن زاد‬
‫المشتري في المبيع على قيمة الثّلث فأكثر فسخ البيع ‪ ،‬وكذلك إن باع بنقصان النّاس من‬
‫ن مذهب مالك ‪:‬‬
‫قيمته على ما قاله القاضي أبو محمّد وغيره ‪ ،‬وحكى ابن القصّار أ ّ‬
‫للمغبون الرّ ّد إذا كان فاحشا وهذا إذا كان المغبون جاهلً بالقيم ‪.‬‬
‫والحنابلة يقولون بإعطاء العاقد المغبون حقّ الخيار في ثلث صور ‪:‬‬
‫إحداها ‪ :‬تلقّي الرّكبان ‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬ل تلقّوا الجلَب ‪ ،‬فمن تلقّاه‬
‫فاشترى منه فإذا أتى سيّده " أي صاحبه " السّوق فهو بالخيار » ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪131‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪129/‬‬ ‫ي عنه ف‬
‫( ر ‪ :‬بيع منه ّ‬
‫والثّانية ‪ :‬بيع النّاجش ولو بل مواطأة من البائع ‪ ،‬ومنه أعطيت كذا وهو كاذب ‪.‬‬
‫ن واستأنس وغبن ‪ ،‬ثبت له الخيار ول أرش مع إمساك ‪.‬‬
‫والثّالثة ‪ :‬المسترسل إذا اطمأ ّ‬
‫التّجاه الثّالث ‪ :‬إعطاء المغبون حقّ الخيار إذا صاحب الغبن تغرير بهذا يقول بعض‬
‫الحنفيّة وصحّحه الزّيلعيّ وأفتى به صدر السلم وغيره ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪12/‬‬ ‫( ر ‪ :‬خيار الغبن ف‬

‫غَدْر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الغدر لغةً ‪ :‬نقض العهد وترك الوفاء به ‪ ،‬وغدر به غدرا من باب ضرب ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬


‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ال َغوْل ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني الغول ‪ :‬إهلك الشّيء من حيث ل يحسّ به ‪ ،‬وكلّ ما أخذ النسان من حيث‬ ‫‪2‬‬

‫ل يدري فأهلكه فهو غول ‪ ،‬والسم ‪ :‬الغيلة ‪.‬‬


‫والغدر قد يكون سببا للغول ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الخدعة ‪:‬‬
‫‪ -‬الخديعة والخدعة ‪ :‬إظهار النسان خلف ما يخفيه ‪ ،‬أو هو بمعنى الختل وإرادة‬ ‫‪3‬‬

‫المكروه ‪ ،‬وما يخدع به النسان ‪.‬‬


‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫والخدعة أعمّ من الغدر ‪ ،‬إذ الغدر حرام ‪ ،‬أمّا الخدعة فتباح أحيانا كما في قوله صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬الحرب خدعة » ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الخيانة ‪:‬‬
‫ق ونقض العهد وعدم أداء المانة كلّها أو‬
‫‪ -‬من معاني الخيانة في اللّغة ‪ :‬نقص الح ّ‬ ‫‪4‬‬

‫بعضها ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫والخيانة أعمّ من الغدر ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬الخيانة ف ‪. ) 1/‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى تحريم الغدر لنّه من علمات النّفاق ومن كبائر الذّنوب ‪ ،‬ول سيّما‬ ‫‪5‬‬

‫ن ضرر غدره يتعدّى إلى خلق كثير ‪ .‬وقيل ‪:‬‬


‫إذا كان الغادر من أصحاب الوليات العامّة ؛ ل ّ‬
‫لنّه غير مضط ّر إلى الغدر لقدرته على الوفاء ‪.‬‬
‫واستدلّوا على تحريم الغدر بأدلّة منها ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬وَأوْفُو ْا بِا ْل َعهْدِ إِنّ ا ْل َعهْدَ كَانَ‬
‫ن فيه كان منافقا خالصا ‪ ،‬ومن‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أربع من ك ّ‬
‫سؤُولً} ‪ ،‬وقول النّب ّ‬
‫َم ْ‬
‫ن كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها ‪ :‬إذا اؤتمن خان ‪ ،‬إذا حدّث‬
‫كانت فيه خصلة منه ّ‬
‫كذب ‪ .‬وإذا عاهد غدر ‪ ،‬وإذا خاصم فجر » ‪.‬‬
‫والغدر محرّم بشتّى صوره ‪ ،‬سواء كان مع فرد الجماعة ‪ ،‬وسواء أكان مع مسلم أم ذمّيّ‬
‫أم معاهد ‪.‬‬
‫‪ -6‬ويجب على المسلمين الوفاء بشروط العهد مع أهل ال ّذمّة والمعاهدين ‪ ،‬ما لم ينقضوا‬
‫ن أبا بصير رضي‬
‫العهد ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم « المسلمون على شروطهم » ول ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم وجاء الكفّار في طلبه ‪ -‬حسب العهد ‪-‬‬
‫ال عنه لمّا جاء إلى النّب ّ‬
‫ن هؤلء القوم قد صالحونا على ما قد‬
‫ي صلى ال عليه وسلم « يا أبا بصير إ ّ‬
‫قال له النّب ّ‬
‫علمت وإنّا ل نغدر ‪ ،‬فالحق بقومك ‪ ...‬فإنّ اللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين من‬
‫المؤمنين فرجا ومخرجا » ‪ ،‬ولما روي من أنّه كان بين معاوية رضي ال عنه وبين الرّوم‬
‫عهد ‪ ،‬وكان يسير في بلدهم ‪ ،‬حتّى إذا انقضى العهد أغار عليهم ‪ ،‬فإذا رجل على دابّة أو‬
‫فرس وهو يقول ‪ :‬اللّه أكبر ‪ ،‬اللّه أكبر وفاء ل غدر ‪ ،‬فإذا هو عمرو بن عبسة رضي ال‬
‫عنه ‪ .‬فسأله معاوية عن ذلك فقال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪ « :‬من‬
‫كان بينه وبين قوم عهد ‪ ،‬فل يحلّنّ عهدا ول يشدّنّه حتّى يمضي أمده ‪ ،‬أو ينبذ إليهم على‬
‫سواء »‬
‫قال ‪ :‬فرجع معاوية بالنّاس ‪.‬‬
‫ولنّ المسلمين إذا غدروا وعلم ذلك منهم ‪ ،‬ولم ينبذوا بالعهد على سواء لم يأمنهم أحد‬
‫على عهد ول صلح ‪ ،‬ويكون ذلك منفّرا عن الدّخول في الدّين ‪ ،‬وموجبا لذمّ أئمّة المسلمين‬
‫‪.‬‬
‫‪ -7‬واتّفق الفقهاء على أنّه إذا دخل كافر حربيّ دار السلم بأمان فيجب على المسلمين‬
‫الوفاء له والكفّ عنه ‪ ،‬حتّى تنتهي مدّة المان ويبلغ مأمنه ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬وإِنْ َأحَدٌ مّنَ‬
‫ك بِأَ ّن ُهمْ َق ْومٌ لّ‬
‫لمَ الّلهِ ُث ّم أَبْلِ ْغهُ َم ْأمَ َنهُ ذَلِ َ‬
‫سمَ َع كَ َ‬
‫ا ْل ُمشْ ِركِينَ اسْ َتجَارَكَ فَ َأجِرْ ُه حَتّى َي ْ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ‪،‬‬
‫َيعْ َلمُونَ } ‪ ،‬ولقول النّب ّ‬
‫فمن أخفر مسلما فعليه لعنة اللّه والملئكة والنّاس أجمعين ‪،‬ل ُيقْبل منه يوم القيامة صرف‬
‫ول عدل »‪.‬‬
‫‪ -8‬كما اتّفقوا على أنّه يجب على من دخل من المسلمين دار الحرب بأمان منهم أن ل‬
‫يغدرهم ول يخونهم ‪ ،‬لنّهم إنّما أعطوه المان مشروطا بتركه خيانتهم ‪ ،‬وإن لم يكن ذلك‬
‫مذكورا في اللّفظ فهو معلوم في المعنى ‪ ،‬فإن خانهم أو سرق منهم أو اقترض منهم شيئا‬
‫وجب عليه ر ّد ما أخذ إلى أربابه ؛ لنّه أخذه على وجه حرام ‪ ،‬فلزمه ردّه كما لو أخذ مال‬
‫ق‪.‬‬
‫مسلم بغير ح ّ‬
‫وقالوا ‪ :‬لو أطلق الكفّار السير المسلم على أنّهم في أمانه ‪ ،‬أو على أنّه في أمانهم ‪ ،‬حرام‬
‫عليه اغتيالهم والتّعرّض لولدهم ونسائهم وأموالهم وفا ًء بما التزمه ‪ ،‬وكذا لو اشترى‬
‫منهم شيئا ليبعث إليهم ثمنه ‪ ،‬أو التزم لهم قبل خروجه مالً فداءً ‪ -‬وهو مختار ‪ -‬فعليه‬
‫الوفاء للدلّة السّابقة ‪ ،‬وليعتمدوا الشّرط في إطلق أسرانا بعد ذلك ‪.‬‬
‫إلّ أنّ الفقهاء اختلفوا فيما لو شرطوا عليه ‪ :‬أن ل يخرج من دارهم أو ل يهرب إلى دار‬
‫السلم فوافق على ذلك مختارا ‪ ،‬فالجمهور يرى أنّه إن لم يمكنه إظهار دينه وإقامة‬
‫شعائره لم يجز له الوفاء بالشّرط ‪ ،‬بل يجب عليه الخروج والهرب إلى دار السلم إن‬
‫س ِهمْ قَالُواْ فِيمَ كُن ُتمْ قَالُواْ‬
‫ن َتوَفّا ُهمُ ا ْلمَل ِئ َكةُ ظَا ِلمِي أَنْ ُف ِ‬
‫ن الّذِي َ‬
‫أمكنه ذلك ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬إِ ّ‬
‫ك مَ ْأوَا ُهمْ‬
‫س َعةً فَ ُتهَاجِرُواْ فِيهَا فَُأوْلَـئِ َ‬
‫ض الّلهِ وَا ِ‬
‫ن أَرْ ُ‬
‫ضعَفِينَ فِي الَرْضِ قَا ْل َواْ أَ َلمْ َتكُ ْ‬
‫كُنّا ُمسْتَ ْ‬
‫جهَنّمُ َوسَاءتْ مَصِيرا } ‪ .‬ولنّ في ذلك ترك إقامة الدّين والتزام ما ل يجوز ‪.‬‬
‫َ‬
‫أمّا إن أمكنه إقامة شعائر دينه وإظهاره في ديار الكفر فل يحرم عليه الوفاء بالشّرط ‪ ،‬لكن‬
‫يستحبّ له أن ل يوفّيه ‪ .‬لئلّ يكثر سواد الكفّار ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه يجب عليه الوفاء بمثل هذا الشّرط ‪ ،‬فل يجوز له الهرب ؛ لنّ ذلك‬
‫من الغدر وهو حرام ‪.‬‬
‫ن السير إذا أطلقه العدوّ على أن يأتيه‬
‫ذكر ابن حبيب عن مطرّف وابن الماجشون ‪ :‬أ ّ‬
‫بفدائه ‪ -‬من دار السلم ‪ -‬فله بعث المال دون رجوعه ‪ ،‬وإن لم يجد فدا ًء فعليه أن‬
‫يرجع ‪ ،‬أمّا لو عوهد على أن يبعث بالمال فعجز عنه فليجتهد فيه أبدا ول يرجع ‪.‬‬
‫وأمّا إذا وافق على مثل هذا الشّرط مكرها فل يجب الوفاء ‪ ،‬سواء حلف أو لم يحلف ‪ ،‬حتّى‬
‫لو حلف بالطّلق لم يحنث بتركه لعدم انعقاد اليمين ‪ ،‬وهذا باتّفاق الفقهاء ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪82/‬‬ ‫وللتّفصيل انظر مصطلح ‪ ( :‬أسرى ف‬
‫الجهاد مع المام الغادر ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف فقهاء المالكيّة في الجهاد مع الوالي أو المام الغادر ‪ ،‬وذلك بعد ما اتّفقوا في‬ ‫‪9‬‬

‫فرض الجهاد مع غيره وإن كان فاسقا أو جائرا ‪.‬‬


‫ن القتال معه إعانة له على غدره ‪.‬‬
‫والصحّ عندهم أنّه ل يقاتل معه ؛ ل ّ‬
‫وقيل ‪ :‬إنّه يقاتل معه لنّ ترك الجهاد معه خذلن للسلم ‪ ،‬ونصرة الدّين واجبة ‪ ،‬ولحديث‬
‫‪ « :‬الجهاد ماض منذ أن بعث اللّه نبيّه إلى آخر عصابة تقاتل ال ّدجّال ‪ ،‬ل ينقضه جور من‬
‫جار ول غدر من غدر » ‪ .‬ولقول الصّحابة رضي ال عنهم حين أدركوا ما حدث من الظّلم‬
‫‪ :‬اغْ ُز معهم على حظّك من الخرة ‪ ،‬ول تفعل ما يفعلون من فساد وخيانة وغلول ‪.‬‬

‫غُدّة *‬
‫انظر ‪ :‬أطعمة ‪.‬‬

‫غَدِير *‬
‫انظر ‪ :‬مياه ‪.‬‬

‫غُراب *‬
‫انظر ‪ :‬أطعمة ‪.‬‬

‫غِراس *‬
‫انظر ‪ :‬غرس ‪.‬‬

‫غَرامَات *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الغرامات جمع غرامة وهي في اللّغة ‪ :‬ما يلزم أداؤه ‪ ،‬وكذلك المغرم والغرم ‪ ،‬والغريم‬ ‫‪1‬‬

‫المدين وصاحب الدّين أيضا ‪ ،‬وفي الحديث في التّمر المعلّق ‪ « :‬فمن خرج بشيء منه‬
‫فعليه غرامة مثليه » ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الضّمان ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني الضّمان في اللّغة اللتزام والغرامة ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وفي الصطلح عند الجمهور هو ‪ :‬التزام دين أو إحضار عين أو بدن ‪.‬‬
‫ن الضّمان أعمّ من الغرامة ‪.‬‬
‫والعلقة بين الغرامة والضّمان أ ّ‬
‫الحكام المتعلّقة بالغرامات ‪:‬‬
‫موجب الغرامات ‪:‬‬
‫‪ -‬موجب الغرامة في الصل ‪ :‬التّعدّي ‪ -‬وهو الظّلم ومجاوزة الحدّ المشروع في الفعال‬ ‫‪3‬‬

‫والتّصرّفات ‪ -‬ويقع على الموال والفروج والنفس أو البدان ‪.‬‬


‫‪ -‬وأسبابها في الموال ‪ :‬عقد ويد وإتلف وحيلولة ‪:‬‬ ‫‪4‬‬

‫فالعقد كالمبيع والثّمن المعيّن ‪ ،‬فإن تلف المبيع قبل القبض بفعل البائع أو بآفة سماويّة فل‬
‫غرامة على أحد وينفسخ العقد ‪ ،‬وإن تلف المبيع بفعل المشتري ‪ ،‬فهو قبض للمبيع ‪ ،‬وإن‬
‫تلف بفعل أجنبيّ فالمشتري بالخيار إن شاء غرّم الجنبيّ وإن شاء فسخ العقد ورجع على‬
‫ي قيمة المتلف إن كان قيميّا ‪ ،‬ومثله إن كان مثليّا ‪.‬‬
‫البائع بالثّمن ‪ ،‬ويغرم الجنب ّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪33‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪31/‬‬ ‫‪ ،‬وضمان ف‬ ‫‪59‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪56/‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلحي ‪ ( :‬بيع ف‬
‫‪ -‬أمّا اليد كما قال الزّركشيّ فهي ضربان ‪ :‬مؤتمنة ‪ ،‬وغير مؤتمنة ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫فاليد غير المؤتمنة كيد الغاصب والسّارق والمنتهب والمستعير والخذ للسّوم والمشتري‬
‫فاسدا ‪ ،‬فعليهم ردّ المال إلى مالكه إن كانت عين المال قائمةً ‪ ،‬وإن هلك فقيمتها إن كانت‬
‫قيم ّيةً ‪ ،‬وغرامة مثلها إن كانت مثل ّيةً ‪ ،‬وكذا التلف للمال ‪ ،‬كأن يقتل حيوانا أو يحرق ثوبا‬
‫أو يقطع أشجارا أو يستهلك طعاما وشبه ذلك فمن فعل شيئا من ذلك فعليه غرامة ما أفسده‬
‫أو أتلفه أو استهلكه ‪ ،‬ول فرق بين أن يكون الفعل عمدا أو خطأً ‪ ،‬كما ل فرق بين أن‬
‫يكون المتعدّي مكلّفا أم غير مكلّف كصبيّ ومجنون ‪ ،‬فيحكم على غير المكلّف في التّعدّي‬
‫على الموال حكم المكلّف ‪ ،‬فيغرم من ماله إن كان له مال ‪ ،‬وإ ّل أتبع به ‪ .‬ويجري مجرى‬
‫المباشرة التّسبّب ‪ ،‬كأن فتح حانوتا وتركه مفتوحا فسرق ‪ ،‬أو قفص طائر فطار ‪ ،‬أو حلّ‬
‫دا ّبةً مربوطةً فندّت ‪ ،‬أو حفر بئرا تعدّيا فتردّى فيها إنسان أو بهيمة ‪ ،‬أو قطع وثيقةً وضاع‬
‫ما فيها من حقوق ‪ ،‬وما أشبه ذلك ‪.‬‬
‫أمّا يد المانة فكيد الوديع والشّريك والمضارب والوكيل ‪ ،‬ول غرامة فيما تلف بتلك اليد إلّ‬
‫إن كان منها تعدّ أو تقصير ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪66/‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( ضمان ف‬
‫‪ -‬أمّا التّعدّي في الفروج فمن اغتصب امرأةً وزنى بها فعليه حدّ الزّنا ‪ ،‬وغرامة صداق‬ ‫‪6‬‬

‫منها ‪ .‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬مهر ) ‪.‬‬


‫‪ -‬والغرامة بسبب الحيلولة ‪ ،‬كأن غصب ثوبا أو بهيمةً فضاع ‪ ،‬أو نقله إلى بلد آخر‬ ‫‪7‬‬

‫فيغرم الغاصب القيمة للحيلولة بين المالكيّة وملكه ‪.‬‬


‫أمّا التّعدّي على النفس أو البدان ‪ ،‬فإمّا أن يكون موجبه القصاص أو الدّية أو الرش أو‬
‫الحكومة أو الغرّة ‪ ،‬على تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬قصاص ‪ ،‬ودية ف ‪ ، 7/‬وأرش‪ /‬ف‬
‫‪ ،‬وحكومة عدل ف ‪. ) 4/‬‬ ‫‪4‬‬

‫غرَر *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الغرر في اللّغة اسم مصدر من التّغرير ‪ ،‬وهو الخطر ‪ ،‬والخدعة ‪ ،‬وتعريض المرء‬ ‫‪1‬‬

‫نفسه أو ماله للهلكة ‪ ،‬يقال ‪ :‬غرّه غرّا وغرورا وغرّةً فهو مغرور وغرير ‪ :‬خدعه وأطمعه‬
‫بالباطل ‪ ،‬وغرّته الدّنيا غرورا ‪ :‬خدعته بزينتها ‪ ،‬وغرّر بنفسه تغريرا وتغرّةً ‪ :‬عرّضها‬
‫للهلكة ‪.‬‬
‫والتّغرير ‪ :‬حمل النّفس على الغرر ‪.‬‬
‫وعرّفه الجرجانيّ ‪ :‬بأنّه ما يكون مجهول العاقبة ل يدرى أيكون أم ل ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الجهالة ‪:‬‬
‫ل بغير علم ‪.‬‬
‫‪ -‬الجهالة لغةً ‪ :‬أن تفعل فع ً‬ ‫‪2‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬هي الجهل المتعلّق بخارج عن النسان كمبيع ومشترًى وإجارة وإعارة‬
‫وغيرها‪ ( .‬ر ‪ :‬جهالة ف ‪. ) 3 - 1/‬‬
‫ي بين الغرر والجهالة فقال ‪ :‬أصل الغرر هو الّذي ل يدرى هل يحصل أم ل ؟‬
‫وفرّق القراف ّ‬
‫كالطّير في الهواء والسّمك في الماء ‪ ،‬وأمّا ما علم حصوله وجهلت صفته فهو الجهول ‪،‬‬
‫كبيعه ما في كمّه ‪ ،‬فهو يحصل قطعا ‪ ،‬لكن ل يدرى أي شيء هو ؟ فالغرر والمجهول كلّ‬
‫واحد منهما أعمّ من الخر من وجه وأخصّ من وجه فيوجد كلّ واحد منهما مع الخر‬
‫وبدونه أمّا وجود الغرر بدون الجهالة ‪ :‬فكشراء العبد البق المعلوم قبل الباق ل جهالة‬
‫فيه ‪ ،‬وهو غرر ‪ ،‬لنّه ل يدرى هل يحصل أم ل ؟‬
‫والجهالة بدون الغرر ‪ :‬كشراء حجر يراه ل يدري أزجاج هو أم ياقوت ‪ ،‬مشاهدته تقتضي‬
‫القطع بحصوله فل غرر ‪ ،‬وعدم معرفته يقتضي الجهالة به ‪.‬‬
‫وأمّا اجتماع الغرر والجهالة فكالعبد البق ‪ ،‬المجهول الصّفة قبل الباق ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الغبن ‪:‬‬
‫‪ -‬الغبن في اللّغة ‪ :‬النّقصان ‪ ،‬يقال ‪ :‬غبنه في البيع والشّراء غبنا أي ‪ :‬نقصه ‪ ،‬وغبن‬ ‫‪3‬‬

‫رأيه غبنا ‪ :‬قلّت فطنته وذكاؤه ‪.‬‬


‫قال الفيروزآبادي ‪ : .‬غبنه في البيع يغبنه غبنا ‪ -‬ويحرّك ‪ -‬أو بالتّسكين في البيع‬
‫وبالتّحريك في الرّأي ‪ :‬خدعه ‪.‬‬
‫ويقسّم الفقهاء الغبن إلى فاحش ويسير ‪ ،‬والحدّ الفاصل بينهما ‪ -‬كما يقول صاحب‬
‫الكلّيّات‪ -‬هو الدّخول تحت التّقويم في الجملة من بعض المقوّمين ‪ ،‬فالفاحش ما ل يدخل‬
‫تحت تقويم المقوّمين ‪ ،‬واليسير ما يدخل تحت تقويم بعض المقوّمين ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّدليس ‪:‬‬
‫‪ -‬التّدليس لغةً واصطلحا ‪ :‬كتم عيب السّلعة ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫ي ‪ :‬سمعت أعرابيّا يقول ‪ :‬ليس لي في المر ولس ول دلس أي ‪ :‬ل خيانة ول‬
‫قال الزهر ّ‬
‫خديعة ‪.‬‬
‫والغرر أعمّ من التّدليس ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الغرر الّذي يتضمّن خديعةً أو تدليسا حرام ومنهيّ عنه ‪ ،‬ومنه النّهي عن بيع الغرر‬ ‫‪5‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم « نهى عن بيع‬


‫فيما رواه أبو هريرة رضي ال عنه أنّ النّب ّ‬
‫الحصاة ‪ ،‬وعن بيع الغرر » ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬النّهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع ‪ ،‬يد ّل فيه مسائل‬
‫كثيرة غير منحصرة ‪ ،‬وقال ‪ :‬وبيع ما فيه غرر ظاهر يمكن الحتراز عنه ول تدعو إليه‬
‫الحاجة باطل ‪.‬‬
‫أقسام الغرر ‪:‬‬
‫‪ -‬ينقسم الغرر من حيث تأثيره على العقد إلى ‪ :‬غرر مؤثّر في العقدة وغرر غير مؤثّر ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫ن الغرر ينقسم إلى مؤثّر في البيوع وغير مؤثّر ‪.‬‬


‫قال ابن رشد الحفيد ‪ :‬اتّفقوا على أ ّ‬
‫شروط الغرر المؤثّر ‪:‬‬
‫يشترط في الغرر حتّى يكون مؤثّرا الشّروط التية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن يكون الغرر كثيرا ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط في الغرر حتّى يكون مؤثّرا أن يكون كثيرا ‪ ،‬أمّا إذا كان الغرر يسيرا فإنّه ل‬ ‫‪7‬‬

‫تأثير له على العقد ‪.‬‬


‫قال القرافيّ ‪ :‬الغرر والجهالة ‪ -‬أي في البيع ‪ -‬ثلثة أقسام ‪ :‬كثير ممتنع إجماعا ‪ ،‬كالطّير‬
‫في الهواء ‪ ،‬وقليل جائز إجماعا ‪ ،‬كأساس الدّار وقطن الجبّة ‪ ،‬ومتوسّط اختلف فيه ‪ ،‬هل‬
‫يلحق بالوّل أم بالثّاني ؟‬
‫وقال ابن رشد الحفيد ‪ :‬الفقهاء متّفقون على أنّ الغرر الكثير في المبيعات ل يجوز وأنّ‬
‫القليل يجوز ‪.‬‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬نقل العلماء الجماع في أشياء غررها حقير ‪ ،‬منها ‪ :‬أنّ المّة أجمعت على‬
‫صحّة بيع الجبّة المحشوّة وإن لم ير حشوها ‪ ،‬وأجمعوا على جواز إجارة الدّار وغيرها‬
‫شهرا ‪ ،‬مع أنّه قد يكون ثلثين يوما وقد يكون تسعةً وعشرين ‪ ،‬وأجمعوا على جواز دخول‬
‫الحمّام بأجرة ‪ ،‬وعلى جواز الشّرب من ماء السّقاء بعوض مع اختلف أحوال النّاس في‬
‫استعمال الماء أو مكثهم في الحمّام ‪ ،‬قال ‪ :‬قال العلماء ‪ :‬مدار البطلن بسبب الغرر‬
‫صحّة مع وجوده هو أنّه إذا دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ‪ ،‬ول يمكن الحتراز عنه إلّ‬
‫وال ّ‬
‫بمشقّة ‪ ،‬أو كان الغرر حقيرا جاز البيع ‪ ،‬وإلّ فل ‪.‬‬
‫وقد وضع أبو الوليد الباجيّ ضابطا للغرر الكثير فقال ‪ :‬الغرر الكثير هو ما غلب على العقد‬
‫حتّى أصبح العقد يوصف به ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكون الغرر في المعقود عليه أصالةً ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط في الغرر حتّى يكون مؤثّرا في صحّة العقد أن يكون في المعقود عليه أصالةً ‪،‬‬ ‫‪8‬‬

‫أمّا إذا كان الغرر فيما يكون تابعا للمقصود بالعقد فإنّه ل يؤثّر في العقد ‪.‬‬
‫ومن القواعد الفقهيّة المقرّرة ‪ :‬أنّه يغتفر في التّوابع ما ل يغتفر في غيرها ومن أمثلة‬
‫ذلك‪:‬‬
‫ي صلى ال‬
‫أولً ‪ -‬أنّه ل يجوز أن تباع الثّمرة الّتي لم يبد صلحها مفردةً ‪ « ،‬لنهي النّب ّ‬
‫عليه وسلم عن بيع الثّمار حتّى يبدو صلحها » ‪ ،‬ولكن لو بيعت مع أصلها جاز ‪ ،‬لقول‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من ابتاع نخلً بعد أن تؤبّر ‪ ،‬فثمرتها للبائع ‪ ،‬إ ّل أن يشترط‬
‫المبتاع» وقد نقل ابن قدامة الجماع على جواز هذا البيع ‪ ،‬وقال ‪ :‬ولنّه إذا باعها مع‬
‫الصل حصلت تبعا في البيع ‪ ،‬فلم يض ّر احتمال الغرر فيها ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬ل يجوز بيع الحمل في البطن ‪ ،‬لما روى ابن عمر رضي ال عنهما ‪ « :‬أنّ النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم نهى عن المجْر » ‪.‬‬
‫ونقل ابن المنذر والماورديّ والنّوويّ إجماع العلماء على بطلن بيع الجنين ؛ لنّه غرر ‪،‬‬
‫ل بيعا مطلقا صحّ البيع ‪ ،‬ودخل الحمل في البيع بالجماع ‪.‬‬
‫لكن لو باع حام ً‬
‫ثالثا ‪ -‬ل يجوز بيع اللّبن في الضّرع ‪ ،‬لما روى ابن عبّاس رضي ال عنهما أنّه قال ‪« :‬‬
‫ل تشتروا اللّبن في ضروعها ‪ ،‬ول الصّوف على ظهورها » ولنّه مجهول القدر ‪ ،‬لنّه قد‬
‫يرى امتلء الضّرع من السّمن فيظنّ أنّه من اللّبن ‪ ،‬ولنّه مجهول الصّفة ‪ ،‬لنّه قد يكون‬
‫اللّبن صافيا وقد يكون كدرا ‪ ،‬وذلك غرر من غير حاجة فلم يجز ‪ ،‬لكن لو بيع اللّبن في‬
‫الضّرع مع الحيوان جاز ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬أجمع المسلمون على جواز بيع حيوان في ضرعه لبن ‪ ،‬وإن كان اللّبن‬
‫مجهولً؛ لنّه تابع للحيوان ‪ ،‬ودليله من السّنّة حديث المصرّاة ‪.‬‬
‫ونقل صاحب تهذيب الفروق عن مالك أنّه أجاز بيع لبن الغنم أيّاما معدودةً إذا كان ما يحلب‬
‫فيها معروفا في العادة ‪ ،‬ولم يجز ذلك في الشّاة الواحدة ‪ ،‬وجاء في المدوّنة عن مالك ‪ :‬أنّه‬
‫ل شهرا أو شهرين ‪ ،‬إذا كان ذلك‬
‫ل بأس ببيع لبن الغنم إذا كانت كثيرةً ‪ ،‬وضرب لذلك أج ً‬
‫في أبان لبنها وعلم أنّ لبنها ل يقطع إلى ذلك الجل ‪ ،‬إذا كان قد عرف وجه حلبها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ألّ تدعو للعقد حاجة ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط في الغرر حتّى يكون مؤثّرا في العقد ‪ :‬ألّ يكون للنّاس حاجة في ذلك العقد ‪،‬‬ ‫‪9‬‬

‫فإن كان للنّاس حاجة لم يؤثّر الغرر في العقد ‪ ،‬وكان العقد صحيحا ‪.‬‬
‫ق الحكم للحال‬
‫ن شرط الخيار يمنع انعقاد العقد في ح ّ‬
‫قال الكاسانيّ عن خيار الشّرط ‪ :‬إ ّ‬
‫فكان شرطا مغيّرا مقتضى العقد وأنّه مفسد للعقد في الصل ‪ ،‬وهو القياس ‪ ،‬وإنّما جاز‬
‫ص وهو ما ورد أنّ حبّان بن منقذ رضي ال عنه كان يغبن في التّجارات ‪ ،‬فشكا أهله‬
‫بالنّ ّ‬
‫إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقال له ‪ « :‬إذا بايعت فقل ‪ :‬ل خلبة » وزاد في‬
‫رواية ‪ « :‬ثمّ أنت في ك ّل سلعة تبتاعها بالخيار ثلث ليال » وللحاجة إلى دفع الغبن بالتّأمّل‬
‫والنّظر ‪.‬‬
‫وقال الكمال عن عقد السّلم ‪ :‬ول يخفى أنّ جوازه على خلف القياس ‪ ،‬إذ هو بيع‬
‫المعدوم ‪ ،‬وجب المصير إليه بالنّصّ والجماع للحاجة من كلّ من البائع والمشتري ‪ ،‬فإنّ‬
‫المشتري يحتاج إلى السترباح لنفقة عياله ‪ ،‬وهو بالسّلم أسهل ‪ ،‬إذ ل ب ّد من كون البيع‬
‫ناز ًل عن القيمة فيربحه المشتري ‪ ،‬والبائع قد يكون له حاجة في الحال إلى السّلم ‪ ،‬وقدرة‬
‫في المال على البيع بسهولة ‪ ،‬فتندفع به حاجته الحاليّة إلى قدرته المآليّة ‪ ،‬فلهذه المصالح‬
‫ي ‪ :‬إنّما جوّز الجعل في العمل المجهول والغرر للضّرورة ‪.‬‬
‫شرع ‪ .‬وقال الباج ّ‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬الصل أنّ بيع الغرر باطل ‪ ،‬لما روى أبو هريرة رضي ال تعالى عنه « أنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم نهى عن بيع الغرر » ‪ ،‬والمراد ما كان فيه غرر ظاهر يمكن‬
‫الحتراز عنه ‪ ،‬فأمّا ما تدعو إليه الحاجة ‪ ،‬ول يمكن الحتراز عنه كأساس الدّار ‪ ،‬وشراء‬
‫الحامل مع احتمال أنّ الحمل واحد أو أكثر ‪ ،‬وذكر أو أنثى ‪ ،‬وكامل العضاء أو ناقصها ‪،‬‬
‫وكشراء الشّاة في ضرعها لبن ‪ ،‬ونحو ذلك ‪ ،‬فهذا يصحّ بيعه بالجماع ‪.‬‬
‫وبعد أن قرّر ابن قدامة عدم جواز بيع اللّبن في الضّرع قال ‪ :‬وأمّا لبن الظّئر فإنّما جاز‬
‫للحضانة ‪ ،‬لنّه موضع الحاجة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أن يكون الغرر في عقد من عقود المعاوضات الماليّة ‪:‬‬
‫‪ -‬وقد اشترط هذا الشّرط المالكيّة فقط ‪ ،‬حيث يرون أنّ الغرر المؤثّر هو ما كان في‬ ‫‪10‬‬

‫عقود المعاوضات ‪ ،‬وأمّا عقود التّبرّعات فل يؤثّر فيها الغرر ‪.‬‬


‫قال القرافيّ ‪ :‬فصل مالك بين قاعدة ما يجتنب فيه الغرر والجهالة ‪ ،‬وهو باب المماكسات‬
‫والتّصرّفات الموجبة لتنمية الموال وما يقصد به تحصيلها ‪ ،‬وقاعدة ما ل يجتنب فيه الغرر‬
‫والجهالة ‪ ،‬وهو ما ل يقصد لذلك ‪.‬‬
‫ويرى جمهور الفقهاء أنّ الغرر يؤثّر في التّبرّعات كما يؤثّر في المعاوضات من حيث‬
‫الجملة‪ ،‬لكنّهم يستثنون الوصيّة من ذلك وسيأتي تفصيل القول في ذلك ‪.‬‬
‫الغرر في العقود ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ -‬الغرر في عقود المعاوضات الماليّة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الغرر في عقد البيع ‪:‬‬
‫الغرر في عقد البيع إمّا أن يكون في صيغة العقد ‪ ،‬أو يكون في مح ّل العقد ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الغرر في صيغة العقد ‪:‬‬
‫ن الغرر يتعلّق بنفس العقد ‪-‬‬
‫‪ -‬قد ينعقد عقد البيع على صفة تجعل فيه غررا ‪ ،‬بمعنى أ ّ‬ ‫‪11‬‬

‫اليجاب والقبول ‪ -‬ل بمحلّه ‪ -‬المعقود عليه ‪. -‬‬


‫ويدخل في الغرر في صيغة العقد عدّة بيوع نهى الشّارع عنها صراحةً ‪ ،‬منها البيعتان في‬
‫بيعة ‪ ،‬لحديث أبي هريرة رضي ال تعالى عنه قال ‪ « :‬نهى رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم عن بيعتين في بيعة » ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬بيعتان في بيعة ف ‪ 1/‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫ومنها بيع الحصاة ‪ ،‬كأن يقول البائع ‪ :‬إذا رميت هذه الحصاة فهذا الثّوب مبيع منك بكذا ‪،‬‬
‫وذلك بالتّفسير الّذي يجعل الرّمي صيغة البيع ‪ ،‬لحديث أبي هريرة رضي ال تعالى عنه قال‬
‫« نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر » ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬بيع الحصاة ف ‪. ) 4/‬‬
‫ن رسول اللّه‬
‫ومنها بيع الملمسة والمنابذة ‪ ،‬لحديث أبي هريرة رضي ال تعالى عنه « أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم نهى عن الملمسة والمنابذة » ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬بيع الملمسة ف ‪ 3/‬و ‪ ، 4‬وبيع المنابذة ف ‪. ) 2/‬‬
‫ويدخل أيضا في الغرر في صيغة العقد تعليق البيع وإضافته للزّمن المستقبل ‪.‬‬
‫قال الشّيرازيّ ‪ :‬ول يجوز تعليق البيع على شرط مستقبل ‪ ،‬كمجيء الشّهر وقدوم الحاجّ ؛‬
‫لنّه بيع غرر من غير حاجة ‪ ،‬فلم يجز ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الغرر في محلّ العقد ‪:‬‬
‫‪ -‬محلّ العقد هو المعقود عليه ‪ ،‬وهو في عقد البيع يشمل المبيع والثّمن ‪.‬‬ ‫‪12‬‬

‫والغرر في مح ّل العقد يرجع إلى الجهالة به‪ ،‬لذا شرط الفقهاء لصحّة عقد البيع العلم‬
‫بالمحلّ‪ .‬والغرر في المبيع يرجع إلى أحد المور التّالية ‪ :‬الجهل بذات البيع أو جنسه أو‬
‫نوعه أو صفته أو مقداره أو أجله ‪ ،‬أو عدم القدرة على تسليمه ‪ ،‬أو التّعاقد على المحلّ‬
‫المعدوم ‪ ،‬أو عدم رؤيته ‪.‬‬
‫‪ -‬فمثال الجهل بذات المبيع ‪ :‬بيع شاة من قطيع ‪ ،‬أو ثوب من ثياب مختلفة ‪ ،‬فالمبيع‬ ‫‪13‬‬

‫هنا ‪ -‬وإن كان معلوم الجنس ‪ -‬إلّ أنّه مجهول الذّات ‪ ،‬ممّا يؤدّي إلى حصول نزاع في‬
‫تعيينه ‪.‬‬
‫وأجاز المالكيّة البيع إن جعل للمشتري خيار التّعيين ‪ ،‬ويسمّى عندهم بيع الختيار ‪ ،‬وكذا‬
‫أجازه الحنفيّة إن جعل للمشتري خيار التّعيين وكان اختياره من ثلثة فما دون ‪.‬‬
‫ومثال الجهل بجنس المحلّ ‪ :‬بيع الحصاة على بعض التّفاسير ‪ ،‬وبيع المرء ما في كمّه "‬
‫وأن يقول بعتك سلعةً من غير أن يسمّيها ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬بيع الحصاة ف ‪. ) 3/‬‬
‫ومثال الجهل بنوع المحلّ ‪ :‬ما ذكره ابن عابدين من أنّه لو قال بعتك كرّا ‪ -‬وهو كيل ‪ -‬من‬
‫حنطة " فإن لم يكن كلّ الك ّر في ملكه بطل ‪ ،‬ولو بعضه في ملكه بطل في المعدوم وفسد في‬
‫الموجودة ‪ ،‬ولو كلّه في ملكه لكن في موضعين ‪ ،‬أو من نوعين مختلفين ل يجوز ‪ ،‬ولو‬
‫من نوع واحد في موضع واحد جاز وإن لم يضف البيع إلى تلك الحنطة ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬الغرر والجهالة يقعان في سبعة أشياء ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬رابعها النّوع ‪ ،‬كعبد لم‬
‫وقال القراف ّ‬
‫يسمّه ‪.‬‬
‫وقال الشّيرازيّ ‪ :‬ول يجوز بيع العين الغائبة إذا جهل جنسها أو نوعها ‪ ،‬لحديث أبي‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم « نهى عن بيع الغرر » ‪ ،‬وفي‬
‫هريرة رضي ال عنه أ ّ‬
‫بيع ما ل يعرف جنسه أو نوعه غرر كثير ‪.‬‬
‫ومثال الجهل بصفة المحلّ ‪ :‬بيع الحمل ‪ ،‬وبيع المضامين ‪ ،‬وبيع الملقيح ‪ ،‬وبيع المجر ‪،‬‬
‫وبيع عسب الفحل ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪69‬‬ ‫ي عنه ف ‪، 6 ، 5/‬‬
‫( ر ‪ :‬بيع منه ّ‬
‫ومثال الجهل بمقدار المبيع ‪ :‬بيع المزابنة ‪ ،‬والمحاقلة ‪ ،‬وبيع ضربة الغائص ‪.‬‬
‫ومثال الجهل بالجل ‪ .‬بيع حبل الحبلة ‪.‬‬
‫ي عنه ف ‪. ) 5/‬‬
‫( ر ‪ :‬بيع منه ّ‬
‫ومثال عدم القدرة على تسليم المحلّ ‪ :‬بيع البعير الشّارد ‪ ،‬والطّير في الهواء ‪ ،‬وبيع‬
‫النسان ما ليس عنده ‪ ،‬وبيع الدّين ‪ ،‬وبيع المغصوب ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪32/‬‬ ‫ي عنه ف‬
‫( ر ‪ :‬بيع منه ّ‬
‫ومثال التّعاقد على المحلّ المعدوم ‪ :‬بيع الثّمرة الّتي لم تخلق ‪ ،‬وبيع المعاومة والسّنين ‪،‬‬
‫وبيع نتاج النّتاج ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪88‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪72/‬‬ ‫ي عنه ف‬
‫( ر ‪ :‬بيع منه ّ‬
‫‪ -‬كما أنّ الغرر في الثّمن يرجع إلى الجهل به ‪.‬‬ ‫‪14‬‬

‫والجهل بالثّمن قد يكون جهلً بالذّات ‪ ،‬كما لو باع سلع ًة بمائة شاة من هذا القطيع ‪ ،‬فل‬
‫يجوز لجهالة الثّمن ‪.‬‬
‫وقد يكون جهلً بالنّوع قال النّوويّ ‪ :‬إذا قال ‪ :‬بعتك بدينار في ذمّتك أو قال ‪ :‬بعشرة دراهم‬
‫في ذمّتك ‪ ،‬أو أطلق الدّراهم ‪ ،‬فل خلف في أنّه يشترط العلم بنوعها ‪.‬‬
‫وقد يكون جهلً بصفة الثّمن ‪ ،‬فل يصحّ البيع بثمن مجهول الصّفة ؛ لنّ الصّفة إذا كانت‬
‫مجهولةً تحصل المنازعة ‪ ،‬فالمشتري يريد دفع الدون والبائع يطلب الرفع ‪ ،‬فل يحصل‬
‫مقصود شرعيّة البيع ‪ ،‬وهو دفع الحاجة بل منازعة ‪.‬‬
‫وقد يكون جهلً بمقدار الثّمن ‪ ،‬إذ يشترط الفقهاء العلم بمقدار الثّمن إذا لم يكن مشارا إليه‬
‫‪ .‬فل يصحّ البيع بثمن مجهول القدر اتّفاقا ‪.‬‬
‫وقد يكون جهلً بأجل الثّمن ‪ ،‬قال النّوويّ اتّفقوا على أنّه ل يجوز البيع بثمن إلى أجل‬
‫مجهول ‪.‬‬
‫وقال الكمال ‪ :‬جهالة الجل تفضي إلى المنازعة في التّسلّم والتّسليم ‪ ،‬فهذا يطالبه في قريب‬
‫المدّة وذاك في بعيدها ‪ ،‬ولنّه عليه الصلة والسلم في موضع شرط الجل ‪ -‬وهو السّلم ‪-‬‬
‫أوجب فيه التّعيين ‪ ،‬حيث قال ‪ « :‬من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم‬
‫إلى أجل معلوم » ‪.‬‬
‫وعلى كلّ ذلك انعقد الجماع‬
‫ب ‪ -‬الغرر في عقد الجارة ‪:‬‬
‫‪ -‬الغرر في عقد الجارة قد يرد على صيغة العقد ‪ ،‬وقد يرد على محلّ العقد ‪.‬‬ ‫‪15‬‬

‫ح أن يقول ‪ :‬إن قدم زيد فقد آجرتك ‪،‬‬


‫فمن الغرر في صيغة عقد الجارة ‪ :‬التّعليق ‪ ،‬فل يص ّ‬
‫ن انتقال الملك يعتمد الرّضا ‪ ،‬والرّضا إنّما يكون مع الجزم ‪ ،‬ول جزم مع‬
‫بسبب أ ّ‬
‫التّعليق ‪ ،‬فإنّ شأن المعلّق عليه أن يعترضه عدم الحصول ‪ ،‬وفي ذلك غرر ‪.‬‬
‫وأمّا الغرر في محلّ العقد فل يختلف عمّا ذكر في البيع ‪ ،‬لذا يشترط الفقهاء في محلّ‬
‫الجارة ما يشترطونه في محلّ البيع ‪ ،‬ومن ذلك أن تكون الجرة والمنفعة معلومتين ‪ ،‬لنّ‬
‫ن النّبيّ‬
‫جهالتهما تفضي إلى المنازعة ‪ ،‬ففي حديث أبي سعيد رضي ال تعالى عنه « أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم نهى عن استئجار الجير حتّى يبيّن له أجره » ‪.‬‬
‫ومن ذلك أيضا ‪ :‬أن يكون محلّ الجارة مقدورا على تسليمه ‪ ،‬فل تجوز إجارة متعذّر‬
‫التّسليم حسّا ‪ ،‬كإجارة البعير الشّارد ‪ ،‬أو شرعا كإجارة الحائض لكنس المسجد ‪ ،‬والطّبيب‬
‫لقلع سنّ صحيح ‪ ،‬والسّاحر على تعليم السّحر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الغرر في عقد السّلم ‪:‬‬
‫‪ -‬القياس عدم جواز بيع السّلم ‪ ،‬إذ هو بيع المعدوم ‪ ،‬وإنّما جوّزه الشّارع للحاجة ‪.‬‬ ‫‪16‬‬

‫قال الكمال ‪ :‬ول يخفى أنّ جوازه على خلف القياس ‪ ،‬إذ هو بيع المعدوم ‪ ،‬وجب المصير‬
‫إليه بال ّنصّ والجماع للحاجة من ك ّل من البائع والمشتري ‪.‬‬
‫ويشترط في السّلم ما يشترط في البيع ‪.‬‬
‫وزاد الفقهاء شروطا أخرى لتخفيف الغرر فيه منها ‪ :‬تسليم رأس المال في مجلس العقد ‪،‬‬
‫قال الغزاليّ ‪ :‬من شرائطه تسليم رأس المال في المجلس جبرا للغرر في الجانب ‪.‬‬
‫وأجاز المالكيّة تأخير التّسليم إلى يومين أو ثلثة ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أن يكون المسلم فيه عامّ الوجود عند محلّه ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪ :‬لنّه إذا كان كذلك‬
‫أمكن تسليمه عند وجوب تسليمه ‪ ،‬وإذا لم يكن عامّ الوجود لم يكن موجودا عند المحلّ‬
‫ن السّلم احتمل فيه‬
‫ح كبيع البق بل أولى ‪ ،‬فإ ّ‬
‫بحكم الظّاهر ‪ ،‬فلم يمكن تسليمه ‪ ،‬فلم يص ّ‬
‫أنواع من الغرر للحاجة ‪ ،‬فل يحتمل فيه غرر آخر ؛ لئلّ يكثر الغرر فيه ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬معرفة أوصاف المسلم فيه ‪ ،‬وأن يكون ممّا ينضبط بالصّفات ‪ ،‬قال الرّافعيّ ‪ :‬لنّ‬
‫البيع ل يحتمل جهالة المعقود عليه وهو عين ‪ ،‬فلن ل يحتملها السّلم وهو دين كان أولى ‪.‬‬
‫وعلّل ابن عابدين ذلك بنفس العلّة ‪ ،‬فقال ‪ :‬لنّه دين وهو ل يعرف إلّ بالوصف ‪ ،‬فإذا لم‬
‫يمكن ضبطه به يكون مجهولً جهالةً تفضي إلى المنازعة ‪ ،‬فل يجوز كسائر الدّيون ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الغرر في الجعالة ‪:‬‬
‫‪ -‬القياس عدم جواز عقد الجعالة لما فيه من الغرر ؛ لجهالة العمل وجهالة الجل حيث‬ ‫‪17‬‬

‫ق الجعل بعد فراغه من العمل ‪ ،‬وهو وقت مجهول ‪ ،‬إلّ أنّه جوّز استثناءً‬
‫إنّ العامل يستح ّ‬
‫للحاجة إليه ‪.‬‬
‫قال ابن رشد ‪ :‬هو في القياس غرر ‪ ،‬إلّ أنّ الشّرع قد جوّزه ‪.‬‬
‫لكن منعت بعض الصّور من الجعالة ‪ ،‬منها ‪ :‬ما لو قال لرجل ‪ :‬بع لي ثوبي ولك من كلّ‬
‫دينار درهم ‪ ،‬فإنّه ل يجوز ؛ لنّه لم يسمّ ثمنا يبيعه به ‪ ،‬وإذا لم يكن الثّمن معلوما كأن‬
‫جعل العامل مجهولً ‪ ،‬إذ يشترط لصحّة الجهالة أن يكون الجعل معلوما ‪ .‬قال مالك ‪ :‬كلّما‬
‫نقص دينار من ثمن السّلعة نقص في حقّه الّذي سمّى له ‪ ،‬فهذا غرر ل يدري كم جعل له ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬ما لو قال لخر ‪ :‬بع هذا الثّوب فما زاد على عشرة دراهم فهو لك فل يجوز ‪،‬‬
‫قال مالك ‪ :‬ل يجوز لنّ الجعل مجهول قد دخله غرر ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬الغرر في عقود التّبرّعات ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬عقد الهبة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في تأثير الغرر على عقد الهبة ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‬ ‫‪18‬‬

‫إلى أنّ الغرر يؤثّر في صحّة عقد الهبة ‪ ،‬كما يؤثّر في البيع ‪ ،‬يدلّ لذلك أنّهم اشترطوا في‬
‫الموهوب ما اشترطوه في المبيع ‪.‬‬
‫قال الكاسانيّ ‪ :‬الشّرائط الّتي ترجع إلى الموهوب أنواع ‪ :‬منها أن يكون موجودا وقت‬
‫الهبة‪ ،‬فل تجوز هبة ما ليس بموجود وقت العقد ‪ ،‬بأن وهب ما يثمر نخله العام ‪ ،‬وتلده‬
‫أغنامه السّنة ‪.‬‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬وما جاز بيعه جاز هبته ‪ ،‬وما ل ‪ -‬كمجهول ومغصوب وضالّ ‪ -‬فل ‪.‬‬
‫وعرّف الحنابلة الهبة ‪ :‬بأنّها التّبرّع بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيره ‪ ،‬قال‬
‫البهوتيّ ‪ :‬خرج بالمال نحو الكلب ‪ ،‬وبالمعلوم المجهول ‪ ،‬وبالموجود المعدوم ‪ ،‬فل تصحّ‬
‫الهبة فيها ‪.‬‬
‫كما ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز عقد الهبة في حالة التّعليق والضافة ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ الغرر ل تأثير له في صحّة عقد الهبة ‪ ،‬قال ابن رشد ‪ :‬ول خلف‬
‫في المذهب في جواز هبة المجهول والمعدوم المتوقّع الوجود ‪ ،‬وبالجملة ك ّل ما ل يصحّ‬
‫بيعه في الشّرع من جهة الغرر ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬انقسمت‬
‫والقاعدة عند المالكيّة ‪ :‬أنّه ل تأثير للغرر على عقود التّبرّعات ‪ ،‬قال القراف ّ‬
‫التّصرّفات في قاعدة ما يجتنب فيه الغرر والجهالة وما ل يجتنب إلى ثلثة أقسام ‪ :‬طرفان‬
‫وواسطة ‪ ،‬فالطّرفان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬معاوضة صرفة ‪ ،‬فيجتنب فيها ذلك إلى ما دعت الضّرورة‬
‫إليه عادةً ‪ ،‬وثانيهما ‪ :‬ما هو إحسان صرف ل يقصد به تنمية المال كالصّدقة والهبة‬
‫والبراء ‪ ،‬فإنّ هذه التّصرّفات ل يقصد بها تنمية المال ‪ ،‬بل إن فاتت على من أحسن إليه‬
‫بها ل ضرر عليه ‪ ،‬فإنّه لم يبذل شيئا ‪ ،‬بخلف القسم الوّل إذا فات بالغرر والجهالت‬
‫ضاع المال المبذول في مقابلته ‪ ،‬فاقتضت حكمة الشّرع منع الجهالة فيه ‪ ،‬أمّا الحسان‬
‫الصّرف فل ضرر فيه ‪ ،‬فاقتضت حكمة الشّرع وحثّه على الحسان التّوسعة فيه بكلّ طريق‬
‫بالمعلوم والمجهول ‪ ،‬فإنّ ذلك أيسر لكثرة وقوعه قطعا ‪ ،‬وفي المنع من ذلك وسيلة إلى‬
‫تقليله ‪ ،‬فإذا وهب له عبده البق جاز أن يجده فيحصل له ما ينتفع به ‪ ،‬ول ضرر عليه إن‬
‫ن الحاديث لم يرد فيها ما يعمّ هذه القسام حتّى نقول‬
‫لم يجده ‪ ،‬لنّه لم يبذل شيئا ‪ ،‬ثمّ إ ّ‬
‫يلزم منه مخالفة نصوص صاحب الشّرع ‪ ،‬بل إنّما وردت في البيع ونحوه ‪ ،‬وأمّا الواسطة‬
‫بين الطّرفين فهو النّكاح ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الوصيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل تأثير للغرر على الوصيّة ‪ ،‬لذا لم يشترطوا في الموصى به‬ ‫‪19‬‬

‫ن الوصيّة ‪ -‬كما قال ابن‬


‫ما اشترطوه في المبيع ‪ ،‬وتجوز الوصيّة بالمعدوم والمجهول ‪ ،‬ل ّ‬
‫عابدين ‪ -‬ل تمتنع بالجهالة ‪ ،‬ولنّها ‪ -‬كما قال الشّربينيّ الخطيب ‪ -‬احتمل فيها وجوه من‬
‫الغرر رفقا بالنّاس وتوسعةً عليهم ‪.‬‬
‫وأجاز الشّافعيّة كذلك الوصيّة بما ل يقدر على تسليمه كالطّير في الهواء ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬الغرر في عقد الشّركة ‪:‬‬
‫‪ -‬منع الشّافعيّة شركة البدان لما فيها من الغرر ‪ ،‬إذ ل يدري أنّ صاحبه يكسب أم ل ‪.‬‬ ‫‪20‬‬

‫ومنعوا أيضا شركة المفاوضة ‪ .‬قال الشّافعيّ ‪ :‬إن لم تكن شركة المفاوضة باطلةً فل باطل‬
‫أعرفه في الدّنيا ‪ .‬يشير بذلك إلى كثرة ما فيها من الغرر ‪.‬‬
‫ن كلّ واحد من الشّريكين‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى عدم جواز شركة الوجوه للغرر ‪ ،‬ل ّ‬
‫عاوض صاحبه بكسب غير محدود بصناعة ول عمل مخصوص ‪.‬‬
‫كما يرى كثير من الفقهاء أنّ المضاربة ل تجوز في القياس ‪.‬‬
‫قال الكاسانيّ ‪ :‬القياس أنّ المضاربة ل تجوز ؛ لنّها استئجار بأجر مجهول ‪ -‬بل معدوم ‪-‬‬
‫ولعمل مجهول ‪ ،‬لكنّا تركنا القياس بالكتاب والسّنّة والجماع ‪.‬‬
‫وقال ابن جزيّ ‪ :‬القراض جائز مستثنًى من الغرر والجارة المجهولة ‪.‬‬
‫وقد اشترط الفقهاء عدّة شروط في عقد الشّركة باختلف أنواعها منعا لوقوع الغرر فيها ‪.‬‬
‫وللوقوف على تعريف الشّركات وما يعتريه الغرر منها ومذاهب الفقهاء في ذلك ينظر‬
‫مصطلح ‪ ( :‬شركة ) ‪.‬‬
‫رابعا ‪ -‬الغرر في عقد الرّهن ‪:‬‬
‫ح بيعه ل يصحّ رهنه ‪ ،‬لنّ‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ ما ل يص ّ‬ ‫‪21‬‬

‫مقصود الرّهن استيفاء الدّين من ثمنه ‪ ،‬وما ل يجوز بيعه ل يمكن ذلك فيه ‪ ،‬ومن ثمّ‬
‫يرون أنّ الغرر يؤثّر في صحّة عقد الرّهن ‪ ،‬لذا يشترطون في المرهون أن يكون معلوما‬
‫وموجودا ومقدورا على تسليمه ‪.‬‬
‫وجوّز المالكيّة الغرر في الرّهن ‪ .‬فقد نصّوا على جواز رهن ما ل يحلّ بيعه في وقت‬
‫الرتهان كالبعير الشّارد ‪ ،‬والزّرع والثّمر الّذي لم يبد صلحه ‪ ،‬ول يباع في أداء الدّين إلّ‬
‫إذا بدا صلحه ‪ ،‬وإن حلّ أجل الدّين ‪.‬‬
‫وقيّد الدّردير الغرر الّذي يجوز في الرّهن بالغرر اليسيرة ومثّل له بالبعير الشّارد ‪ ،‬ونصّ‬
‫على أنّه إذا اشتدّ الغرر ‪ -‬كالجنين في البطن ‪ -‬فل يجوز الرّهن ‪.‬‬
‫خامسا ‪ -‬الغرر في عقد الكفالة ‪:‬‬
‫ح الكفالة بالمال المجهول عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة لنّها مبنيّة على التّوسّع‬
‫‪ -‬تص ّ‬ ‫‪22‬‬

‫‪ ،‬كما يقول ابن عابدين ‪.‬‬


‫ح في المجهول ‪ ،‬قاله ابن قدامة ‪.‬‬
‫ولنّها التزام حقّ في ال ّذمّة من غير معاوضة فص ّ‬
‫وتصحّ الكفالة عند الحنفيّة مع جهالة المكفول إذا كان واحدا غير معيّن من أشخاص‬
‫معيّنين‪ ،‬نحو ‪ :‬كفلت مالك على فلن أو فلن ويكون التّعيين للكفيل ‪ ،‬ونحو ‪ :‬إن غصب‬
‫مالك واحد من هؤلء القوم فأنا ضامن ‪.‬‬
‫ح ‪ ،‬كما ل تصحّ عندهم‬
‫أمّا لو عمّم فقال ‪ :‬إن غصبك إنسان شيئا فأنا له ضامن ل يص ّ‬
‫الكفالة مع جهالة المكفول له ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى صحّة الضّمان مع جهالة المكفول له نحو ‪ :‬أنا ضامن زيدا في الدّين‬
‫الّذي عليه للنّاس ‪.‬‬
‫واشترط الشّافعيّة العلم بالمضمون جنسا وقدرا وصفةً وعينا ‪ ،‬فل يصحّ ضمان المجهول ‪.‬‬
‫والحنابلة ل يشترطون معرفة الضّامن للمضمون ول للمضمون له ‪.‬‬
‫سادسا ‪ -‬الغرر في عقد الوكالة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الوكالة العامّة ‪ ،‬فأجازها الحنفيّة والمالكيّة من حيث الجملة ‪.‬‬ ‫‪23‬‬

‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى منع الوكالة العامّة ؛ لكثرة الغرر فيها ‪.‬‬
‫قال الشّافعيّة ‪ :‬لو قال ‪ :‬وكّلتك في كلّ قليل وكثير ‪ ،‬وفي كلّ أموري ‪ ،‬أو فوّضت إليك كلّ‬
‫شيء ‪ ،‬لم يصحّ التّوكيل لكثرة الغرر فيه ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬إنّ في هذا غررا عظيما وخطرا كبيرا ; لنّه تدخل فيه هبة ماله وطلق‬
‫نسائه وإعتاق رقيقه وتزوّج نساء كثيرة ‪ ،‬ويلزمه المهور الكثيرة والثمان العظيمة فيعظم‬
‫الغرر ‪.‬‬
‫وأمّا الوكالة الخاصّة فاتّفق الفقهاء على جوازها ‪.‬‬
‫واشترط الحنفيّة فيها العلم بالموكّل به علما تنتفي به الجهالة الفاحشة والمتوسّطة ‪ ،‬أمّا‬
‫الجهالة اليسيرة فل تض ّر والجهالة الفاحشة هي جهالة الجنس ‪ ،‬فلو وكّله بشراء دابّة لم‬
‫ن الدّابّة تشمل الفرس والحمار والبغل ‪.‬‬
‫يصحّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫والجهالة المتوسّطة هي جهالة النّوع الّذي تتفاوت قيم آحاده تفاوتا فاحشا ‪ ،‬كأن يوكّله‬
‫ح أيضا إلّ إذا بيّن الثّمن أو الصّفة لتقلّ الجهالة ‪.‬‬
‫بشراء دار ‪ ،‬فهذه الوكالة ل تص ّ‬
‫والجهالة اليسيرة هي جهالة النّوع المحض ‪ -‬النّوع الّذي ل تتفاوت قيم آحاده تفاوتا‬
‫ح‪.‬‬
‫فاحشا‪ -‬كأن يوكّله بشراء فرس فإنّ الوكالة تص ّ‬
‫وتجوز عند المالكيّة الوكالة الخاصّة مع جهالة الموكّل عليه ويعيّنه العرف ‪.‬‬
‫ويشترط الشّافعيّة في الموكّل فيه أن يكون معلوما من بعض الوجوه ‪ ،‬ول يشترط علمه من‬
‫كلّ وجه ‪ ،‬لنّ تجويز الوكالة للحاجة يقتضي المسامحة ‪ ،‬فيكفي أن يكون الموكّل فيه‬
‫معلوما علما يقلّ معه الغرر ‪.‬‬
‫ويشترطون في الوكالة بالشّراء بيان النّوع ‪ ،‬وإذا تباينت أوصاف نوع وجب بيان الصّنف‬
‫أيضا ‪ ،‬ولكن ل يشترط استيفاء جميع الوصاف ‪ ،‬وهذا فيما يشترى لغير التّجارة ‪ ،‬أمّا ما‬
‫يشترى للتّجارة فل يجب فيه ذكر النّوع ول غيره ‪ ،‬بل يكفي أن يقول ‪ :‬اشتر لي ما شئت‬
‫من العروض ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬لو قال اشتر لي فرسا بما شئت لم يصحّ التّوكيل حتّى يذكر النّوع وقدر‬
‫الثّمن ; لنّه ما يمكن شراؤه والشّراء به يكثر ‪ ،‬فيكثر فيه الغرر ‪ ،‬فإن ذكر النّوع وقدّر‬
‫الثّمن صحّ لنتفاء الغرر ‪ ،‬واقتصر القاضي على ذكر النّوع ‪ ،‬لنّه إذا ذكر نوعا فقد أذن في‬
‫أعله ثمنا فيقلّ الغرر ‪.‬‬
‫وإن وكّله في بيع ماله كلّه صحّ ؛ لنّه يعرف ماله فيقلّ الغرر ‪.‬‬
‫سابعا ‪ :‬الغرر في عقد الزّواج ‪:‬‬
‫ن النّكاح عقد ل يبطل‬
‫‪ -‬يرد الغرر في عقد النّكاح على المهر ‪ ،‬ول يؤثّر على العقد ؛ ل ّ‬ ‫‪24‬‬

‫بجهالة العوض ‪ .‬وقد ذكر الفقهاء صورا للغرر في المهر ‪ ،‬منها ما ذكره الحنفيّة من أنّ‬
‫جهالة نوع المهر تفسد التّسمية ‪ ،‬كما لو تزوّجها على دابّة أو ثوب أو دار ‪ ،‬فالتّسمية‬
‫فاسدة للجهالة الفاحشة ويجب حينئذ على الزّوج مهر المثل ‪.‬‬
‫كما صرّحوا بعدم ثبوت الجل إذا كانت جهالته متفاحشةً ‪ ،‬ويجب المهر حالّا ‪ ،‬وذلك‬
‫كالتّأجيل إلى هبوب الرّياح أو إلى أن تمطر السّماء ‪ ،‬أو إلى الميسرة ‪.‬‬
‫وقسّم المالكيّة ‪ -‬كما سبق ‪ -‬التّصرّفات من حيث تأثير الغرر فيها وعدمه إلى ثلثة أقسام‬
‫‪ :‬طرفان وواسطة ‪.‬‬
‫فالطّرفان ‪ :‬معاوضة صرفة ‪ ،‬فيجتنب فيها الغرر ‪ ،‬إ ّل ما دعت الضّرورة إليه عادةً ‪.‬‬
‫وإحسان صرف ل يقصد به تنمية المال ‪ ،‬فيغتفر فيه الغرر ‪.‬‬
‫ن المال فيه ليس‬
‫وأمّا الواسطة بين الطّرفين فهو النّكاح ‪ ،‬قال القرافيّ ‪ :‬هو من جهة أ ّ‬
‫مقصودا ‪ ،‬وإنّما مقصده المودّة واللفة والسّكون ‪ ،‬يقتضي أن يجوز فيه الجهالة والغرر‬
‫ن صاحب الشّرع اشترط فيه المال بقوله تعالى ‪ { :‬أَن تَبْ َتغُواْ بِ َأ ْموَا ِلكُم }‬
‫مطلقا ‪ ،‬ومن جهة أ ّ‬
‫الية ‪ .‬يقتضي امتناع الجهالة والغرر فيه ‪ ،‬فلوجود الشّبهين توسّط مالك فجوّز فيه الغرر‬
‫القليل دون الكثير ‪ ،‬نحو عبد من غير تعيين ‪ ،‬وشورة بيت ‪ ،‬ول يجوز على العبد البق‬
‫والبعير الشّارد ؛ لنّ الوّل يرجع فيه إلى الوسط المتعارف ‪ ،‬والثّاني ليس له ضابط فامتنع‬
‫‪ ،‬وصرّحوا بعدم جواز تأجيل المهر إلّ لزمن محدّد ‪ ،‬فل يجوز عندهم التّأجيل للموت أو‬
‫الفراق‪ ،‬إ ّل أنّهم جوّزوا تأجيل المهر إلى الميسرة إذا كان الزّوج مليّا ‪.‬‬
‫ن الصّداق عوض‬
‫واشترط الحنابلة في الصّداق أن يكون معلوما كالثّمن ‪ ،‬قال البهوتيّ ‪ :‬ل ّ‬
‫ن غير المعلوم مجهول ل يصحّ عوضا في البيع ‪ ،‬فلم‬
‫في حقّ معاوضة فأشبه الثّمن ; ول ّ‬
‫تصحّ تسميته كالمحرّم ‪ ،‬وصرّحوا بأنّه ل يض ّر الجهل اليسير والغرر الّذي يرجى زواله ‪،‬‬
‫ومثّلوا لذلك بالزّواج على البق ‪ ،‬والمغصوب ‪ ،‬ودين السّلم ‪ ،‬والمبيع قبل قبضه ولو مكيلً‬
‫ونحوه ‪ ،‬قال البهوتيّ ‪ :‬لنّ الصّداق ليس ركنا في النّكاح ‪ ،‬فاغتفر الجهل اليسير والغرر‬
‫الّذي يرجى زواله ‪.‬‬
‫ن الغرر يؤثّر في المهر كما يؤثّر في المبيع من غير فرق ‪ ،‬لذا‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫ح مبيعا صحّ صداقا ‪.‬‬
‫يشترطون في المهر شروط المبيع ‪ .‬قال النّوويّ ‪ :‬ما ص ّ‬
‫ولو سمّى صداقا فاقدا لحد شروط المبيع فسد الصّداق وتبطل التّسمية ‪ ،‬ويجب للزّوجة‬
‫مهر المثل ‪.‬‬
‫الغرر في الشّروط ‪:‬‬
‫‪ -‬يمكن تقسيم الشّروط من حيث تأثير الغرر فيها إلى ثلثة أقسام ‪ :‬شرط في وجوده‬ ‫‪25‬‬

‫غرر ‪ ،‬وشرط يحدث غررا في العقد ‪ ،‬وشرط يزيد من الغرر الّذي في العقد ‪.‬‬
‫أ ّولً ‪ -‬الشّرط الّذي في وجوده غرر ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الكاسانيّ ‪ :‬من شرائط صحّة البيع الخل ّو عن الشّروط الفاسدة ‪ ،‬وهي أنواع ‪،‬‬ ‫‪26‬‬

‫منها شرط في وجوده غرر ‪ ،‬نحو ما إذا اشترى ناقةً على أنّها حامل ؛ لنّ المشروط‬
‫يحتمل الوجود والعدم ‪ ،‬ول يمكن الوقوف عليه للحال ‪ ،‬لنّ عظم البطن والتّحرّك يحتمل أن‬
‫يكون لعارض داء أو غيره ‪ ،‬فكان في وجوده غرر ‪ ،‬فيوجب فساد البيع ‪.‬‬
‫وقد وافق المالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬في قول ‪ -‬الحنفيّة على عدم صحّة البيع بهذا الشّرط ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة في الصحّ والحنابلة إلى صحّة البيع بهذا الشّرط ‪.‬‬
‫ن كونها حاملً بمنزلة شرط كون‬
‫صحّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة قولً بال ّ‬
‫العبد كاتبا أو خيّاطا ونحو ذلك ‪ ،‬وذا جائز فكذا هذا ‪ ،‬وهو قول أشهب من المالكيّة ‪.‬‬
‫ومن الشّروط الّتي في وجودها غرر ‪ ،‬ما لو اشترى ناق ًة وهي حامل على أنّها تضع حملها‬
‫ن في وجود هذا الشّرط غررا ‪ ،‬وكذا‬
‫إلى شهر أو شهرين ‪ ،‬قال الكاسانيّ ‪ :‬فالبيع فاسد ؛ ل ّ‬
‫لو اشترى بقرةً على أنّها تحلب كذا وكذا رطلً ‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬لو شرط كونها تد ّر ك ّل يوم قدرا معلوما من اللّبن بطل البيع بل خلف ؛ لنّ‬
‫ذلك ل يمكن معرفته وضبطه فلم يصحّ ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬الشّرط الّذي يحدث غررا في العقد ‪:‬‬
‫‪ -‬من الشّروط الّتي تحدث غررا في العقد أن يبيع الرّجل شيئا ويستثني بعضه غير‬ ‫‪27‬‬

‫المعلوم ‪ ،‬وهو ما يعرف ببيع الثّنيا ‪.‬‬


‫ي صلى ال عليه‬
‫ن النّب ّ‬
‫وبيع الثّنيا من البيوع المنهيّ عنها ‪ ،‬لما روى جابر رضي ال عنه أ ّ‬
‫وسلم « نهى عن المحاقلة والمزابنة والثّنيا إلّ أن تعلم » ‪.‬‬
‫وقد صرّح الفقهاء بعدم صحّة بيع الثّنيا إن كان المستثنى مجهولً ؛ لنّ استثناء المجهول‬
‫من المعلوم يجعل الباقي مجهولً ‪.‬‬
‫ومن أمثلة بيع الثّنيا ‪ :‬أن يبيع الشّاة على أن يكون له ما في بطنها ‪ ،‬فإنّ هذا البيع ل‬
‫يصحّ‪ ،‬لما فيه من الغرر النّاشئ عن جهالة المبيع ‪.‬‬
‫وقال محمّد بن الحسن ‪ :‬وإذا باع الرّجل بقرةً أو ناقةً أو شاةً وهنّ حوامل ‪ ،‬واستثنى ما في‬
‫بطونها ‪ ،‬فإنّ البيع على هذا فاسد ل يجوز ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬الشّرط الّذي يزيد الغرر في العقد ‪:‬‬
‫‪ -‬هذا الشّرط يكون في العقود الّتي في أصلها غرر ‪ ،‬والصل منعها ‪ ،‬لكنّها جازت‬ ‫‪28‬‬

‫استثناءً وذلك كعقد المضاربة ‪.‬‬


‫قال ابن رشد الحفيد ‪ :‬أجمعوا بالجملة على أنّه ل يقترن به ‪ -‬أي القراض ‪ -‬شرط يزيد في‬
‫مجهلة الرّبح أو في الغرر الّذي فيه ‪.‬‬
‫ر ‪ ( :‬مضاربة ) ‪.‬‬

‫غرّاوان *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الغرّاوان تثنية غرّاء بمعنى البيضاء ‪ ،‬وهو مؤنّث الغرّ أي البيض ‪ ،‬يقال ‪ :‬فرس‬ ‫‪1‬‬

‫أغرّ‪ ،‬ومهرة غرّاء أي بيضاء الجبهة ‪.‬‬


‫وفي الصطلح ‪ :‬المراد بالغرّاوين مسألتان من مسائل الميراث ‪ :‬يموت في إحداهما زوج‬
‫عن زوجة فأكثر وأبوين ‪ ،‬وفي الخرى تموت عن زوج وأبوين ‪.‬‬
‫وتسمّى هاتان المسألتان بالغرّاوين لشهرتهما ووضوحهما ‪ ،‬تشبيها لهما بالكوكب الغرّ ‪.‬‬
‫وتلقّبان كذلك بالعمريّتين لقضاء عمر رضي ال تعالى عنه فيهما ‪ ،‬كما تلقّبان بالغريبتين‬
‫لغرابتهما وعدم النّظير لهما ‪.‬‬
‫الحكم في المسألتين ‪:‬‬
‫‪ -‬ترث المّ سدس التّركة فرضا إذا كان للميّت فرع وارث ‪ ،‬وترث ثلث التّركة إذا لم يكن‬ ‫‪2‬‬

‫للميّت فرع وارث ‪.‬‬


‫وهناك حالتان هما الغرّاوان ل تأخذ فيهما المّ الثّلث من جميع التّركة مع عدم وجود الفرع‬
‫الوارث ‪ ،‬بل تأخذ ثلث الباقي بعد فرض الزّوج أو الزّوجة ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬إذا توفّي الزّوج عن أمّ وأب وزوجة فأكثر ‪ ،‬ففي هذه الحالة تأخذ الزّوجة الرّبع ‪،‬‬
‫والمّ ثلث الباقي ‪ ،‬وهو الرّبع أيضا من أصل التّركة ‪ ،‬ويأخذ الب ثلثي الباقي أي نصف‬
‫أصل التّركة ‪ ،‬وهذا باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬وتكون أصل المسألة في هذه الحالة من أربعة ‪.‬‬
‫الثّانية ‪ :‬إذا توفّيت الزّوجة عن أمّ وأب وزوج ‪ ،‬ففي هذه الحالة يأخذ الزّوج النّصف‬
‫فرضا ‪ ،‬وتأخذ المّ ثلث ما بقي من التّركة ‪ ،‬ويأخذ الب ثلثي ما بقي ‪ ،‬وتكون أصل‬
‫المسألة من ستّة‪ :‬النّصف وهو ثلثة للزّوج ‪ ،‬وثلث الباقي وهو واحد للمّ ‪ ،‬وثلثا الباقي‬
‫وهما اثنان للب ‪ ،‬وهذا باتّفاق فقهاء المذاهب ‪ ،‬لقضاء عمر رضي ال عنه في المسألتين‬
‫بذلك ‪.‬‬
‫ن للمّ الثّلث كاملً في‬
‫ونقل عن ابن عبّاس رضي ال عنهما الخلف في ذلك قائلً ‪ :‬بأ ّ‬
‫ث}‪.‬‬
‫ل ّمهِ الثّلُ ُ‬
‫الحالين لظاهر الية ‪ ،‬وهي ‪ { :‬فَإِن ّلمْ َيكُن ّلهُ وَلَ ٌد َووَرِ َث ُه أَ َبوَاهُ فَ ُ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪28/‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( عمريّة ف ‪ 2/‬وما بعدها ) ‪ ،‬وفي مصطلح ( إرث ف‬

‫غرّة *‬
‫ُ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ضمّ ‪ -‬في اللّغة ‪ :‬بياض في الجبهة فوق الدّرهم ‪ ،‬وفي الحديث‬
‫‪ -‬من معاني الغرّة ‪ -‬بال ّ‬ ‫‪1‬‬

‫النّبويّ ‪ « :‬أنتم الغ ّر المحجّلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء » يريد بياض وجوههم‬
‫بنور الوضوء يوم القيامة ‪.‬‬
‫والغرّ من الخيل هو ‪ :‬الّذي غرّته أكبر من الدّرهم ‪ ،‬والغرّة ‪ :‬العبد والمة ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬تطلق على ما فوق الواجب من الوجه في الوضوء ‪ ،‬وتطلق أيضا على ما‬
‫يجب في الجناية على الجنين ‪ ،‬وهو أمة أو عبد مميّز سليم من عيب مبيع ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الدّية ‪:‬‬
‫ي أو طرف منه ‪.‬‬
‫‪ -‬الدّية اسم لضمان مقدّر يجب بالجناية على الدم ّ‬ ‫‪2‬‬

‫وعلى ذلك فهي أعمّ من الغرّة ‪.‬‬


‫ب ‪ -‬الرش ‪:‬‬
‫‪ -‬الرش يطلق غالبا على المال الواجب في الجناية على ما دون النّفس ‪ ،‬والغرّة ما‬ ‫‪3‬‬

‫تجب في الجناية على الجنين ‪.‬‬


‫ج ‪ -‬حكومة العدل ‪:‬‬
‫‪ -‬حكومة العدل تطلق عند الفقهاء على الواجب الّذي يقدّره عدل في جناية ليس فيها‬ ‫‪4‬‬

‫تقدير من الشّرع ‪.‬‬


‫فهي تختلف عن الغرّة في أنّ الغرّة مقدّرة شرعا ‪ ،‬وحكومة العدل غير مقدّرة شرعا ‪ ،‬بل‬
‫تقدّر من قبل أهل الخبرة أو الحاكم ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ -‬إطالة الغرّة في الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬المراد بإطالة الغرّة في الوضوء ‪ :‬غسل فوق الواجب من الوجه أي الزّيادة على الحدّ‬ ‫‪5‬‬

‫المحدود ‪ ،‬وبذلك قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬


‫لكنّ الحنفيّة ذكروها في آداب الوضوء ‪ ،‬قال الحصكفيّ ‪ :‬ومن الداب إطالة غرّته وتحجيله‬
‫‪ .‬وهي عند الشّافعيّة من سنن الوضوء ‪ ،‬واستدلّوا على سنّيّتها بحديث الشّيخين أنّ النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إنّ أمّتي يأتون يوم القيامة غرّا محجّلين من أثر الوضوء ‪،‬‬
‫فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل » وإطالة التّحجيل غسل فوق الواجب من اليدين‬
‫والرّجلين ‪.‬‬
‫أمّا الحنابلة فقد اعتبروا الزّيادة في غسل الوجه واليدين والرّجلين من المستحبّات في‬
‫الوضوء ‪.‬‬
‫ول يندب عند المالكيّة إطالة الغرّة ‪ ،‬بل تكره عندهم ‪ ،‬واعتبروها من الغلوّ في الدّين ‪.‬‬
‫وتفصيل الموضوع في ( وضوء ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬الغرّة في الجناية على الجنين ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على وجوب الغرّة في الجناية على الجنين إذا سقط وانفصل عن أمّه‬ ‫‪6‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي ال عنه «‬


‫ميّتا‪ ،‬وذلك لما ثبت عن النّب ّ‬
‫أنّ امرأتين من هذيل رمت إحداهما الخرى فطرحت جنينها ‪ ،‬فقضى رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم فيها بغرّة ‪ :‬عبد أو أمة » ‪.‬‬
‫ويشترط في الجناية لوجوب الغرّة ‪ :‬أن يترتّب عليها انفصال الجنين عن أمّه ميّتا ‪ ،‬سواء‬
‫أكانت الجناية نتيجة فعل أم قول ‪ ،‬وسواء أكانت عمدا أم خط ًأ ‪.‬‬
‫ول يختلف هذا الحكم فيما إذا كانت الجناية من الحامل نفسها أو زوجها أو غيرهما ‪ ،‬ففي‬
‫كلّ هذه الحالت تجب الغرّة ‪.‬‬
‫والغرّة تكون عبدا أو وليدةً يبلغ مقدارها نصف عشر الدّية ‪.‬‬
‫‪ -7‬واختلف الفقهاء في وجوب الغرّة في حال انفصال الجنين ميّتا عن المّ الميّتة ‪.‬‬
‫فقال الحنفيّة والمالكيّة ‪ :‬يشترط لوجوب الغرّة أن ينفصل الجنين عن أمّه ميّتا وهي حيّة ‪،‬‬
‫فإن خرج جنين ميّت بعد موت المّ فل غرّة فيه ؛ لنّ موت ال ّم سبب لموته ظاهرا ‪،‬‬
‫واعتبر الحنفيّة انفصال أكثر الجنين كانفصال الكلّ ‪.‬‬
‫ول يشترط عند الشّافعيّة والحنابلة ذلك ‪ ،‬فتثبت الغرّة ‪ ،‬سواء أكان انفصال الجنين ميّتا‬
‫حدث حال حياة المّ أم بعد موتها ؛ لنّه جنين تلف بجناية ‪ ،‬فوجب ضمانه ‪ ،‬كما لو سقط‬
‫في حياتها ‪ .‬وهذا إذا ألقي الجنين ميّتا نتيجةً للجناية ‪.‬‬
‫أمّا إذا ألقته حيّا حيا ًة مستقرّةً ‪ ،‬ثمّ مات نتيجةً للجناية ‪ ،‬كأن مات بعد خروجه مباشر ًة ‪ ،‬أو‬
‫دام ألمه ثمّ مات ففيه دية كاملة عند جميع الفقهاء ؛ لنّه قتل إنسان حيّ ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪33/‬‬ ‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬ديات ف‬
‫تعدّد الغرّة بتعدّد الجنّة ‪:‬‬
‫ن الحامل إذا ألقت جنينين أو أكثر بسبب الجناية عليها ففي كلّ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪8‬‬

‫ي تتعدّد بتعدّد الجنّة ‪،‬‬


‫ن الغرّة ضمان آدم ّ‬
‫واحد غرّة مستقلّة إذا توافرت شروط وجوبها ؛ ل ّ‬
‫كالدّيات ‪.‬‬
‫من تجب عليه الغرّة ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى الحنفيّة والشّافعيّة في الصّحيح عندهم أنّ الغرّة تجب على عاقلة الجاني في سنة‬ ‫‪9‬‬

‫ن الجناية على الجنين ل عمد فيها ‪ ،‬سواء أكانت الجناية على أمّه عمدا أم خط ًأ أم شبه‬
‫;لّ‬
‫عمد ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّها تجب في مال الجاني في العمد والخطأ ‪ ،‬إلّ أن تبلغ ثلث ديته فأكثر‬
‫ن الغرّة الواجبة‬
‫في الخطأ فعلى العاقلة ‪ ،‬كما لو ضرب مجوسيّ حرّ ًة حبلى فألقت جنينا ‪ ،‬فإ ّ‬
‫أكثر من ثلث دية الجاني ‪.‬‬
‫وفصّل الحنابلة فقالوا ‪ :‬الغرّة على العاقلة إذا مات الجنين مع أمّه وكانت الجناية عليها خطأً‬
‫أو شبه عمد ‪ ،‬وإن كان قتل المّ عمدا أو مات الجنين وحده فالغرّة في مال الجاني نفسه ‪،‬‬
‫ول تحمله العاقلة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪15/‬‬ ‫وتفصيل الموضوع في مصطلح ‪ ( :‬إجهاض ف‬

‫غرْس *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الغرس في اللّغة مصدر غرس يغرس ‪ ،‬يقال ‪ :‬غرس الشّجر غرسا إذا أثبته في‬ ‫‪1‬‬

‫الرض‪ ،‬كأغرسه ‪ ،‬والغراس ما يغرس من الشّجر ‪ ،‬ووقت الغرس ‪ ،‬ويطلق الغرس على‬
‫نفس الشّرجة والفسيلة أو القضيب الّذي يغرس ‪.‬‬
‫ول يخرج معنى الغرس في الصطلح عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الزّرع ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّرع طرح البذر ‪ ،‬ويطلق الزّرع على المزروع أيضا ‪ ،‬أي ما استنبت بالبذر ‪ ،‬تسميةً‬ ‫‪2‬‬

‫سهُ ْم } ‪.‬‬
‫خرِجُ ِبهِ َزرْعًا تَ ْأ ُكلُ مِ ْنهُ أَ ْنعَا ُم ُهمْ َوأَن ُف ُ‬
‫بالمصدر ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬فَ ُن ْ‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬ل يسمّى زرعا إ ّل وهو غضّ طريّ ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالغرس ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬فضل الغرس ‪:‬‬
‫‪ -‬ورد في فضل الغرس والزّرع أحاديث منها ‪ :‬ما رواه أنس رضي ال عنه عن النّبيّ‬ ‫‪3‬‬

‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ما من مسلم يغرس غرسا ‪ ،‬أو يزرع زرعا فيأكل منه طير ‪،‬‬
‫أو إنسان ‪ ،‬أو بهيمة إلّ كان له به صدقة » ‪.‬‬
‫ن أجر ذلك يستم ّر ما دام الزّرع والغرس مأكولً منه ولو مات‬
‫ومقتضى هذا الحديث أ ّ‬
‫زارعه وغارسه ‪ ،‬ولو انتقل ملكه إلى غيره ‪ ،‬وظاهر الحديث أنّ الجر يحصل للغارس ولو‬
‫كان ملكه لغيره ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬عقد المغارسة ‪:‬‬
‫‪ -‬المغارسة عقد على غرس شجر في أرض بعوض معلوم ‪ ،‬وتسمّى أيضا ‪ :‬المناصبة ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫وجعلها الحنابلة قسما من المساقاة ‪ ،‬حيث قالوا ‪ :‬المساقاة دفع أرض وشجر له ثمر مأكول‬
‫لمن يغرسه ‪ ،‬وهي المناصبة ‪ ،‬أو شجر مغروس معلوم لمن يعمل عليه ‪.‬‬
‫وقد اتّفق الفقهاء في الجملة على صحّة المغارسة في الشجار على سبيل الجارة ‪ ،‬كأن‬
‫يقول له ‪ :‬اغرس لي هذه الرض نخلً أو عنبا أو زيتونا ولك كذا ‪ ،‬وتجري عليها أحكام‬
‫الجارة ‪.‬‬
‫أمّا المغارسة على سبيل الشّركة ‪ ،‬بأن تعطى الرض للعامل لغرس الشجار ‪ ،‬وتكون‬
‫الرض والشجار بينهما ‪ ،‬أو الشجار وحدها بينهما ‪ ،‬فاختلفوا فيه ‪ :‬فأمّا المغارسة على‬
‫سبيل الشّركة في الشجار وحدها فهي كما يلي ‪:‬‬
‫ن ما تحصل‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬لو دفع إليه أرضا مدّ ًة معلومةً على أن يغرس فيها غراسا على أ ّ‬
‫من الغراس والثّمار بينهما جاز ‪.‬‬
‫ومثله ما قاله الحنابلة ‪ ،‬حيث صرّحوا بجواز دفع أرض وشجر له ثمر مأكول لمن يغرسه‬
‫ويعمل عليه بجزء مشاع معلوم من ثمرته أو منه ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل تصحّ المغارسة على وجه الشّركة بجزء معلوم في أحدهما ‪ ،‬أي الرض‬
‫أو الشّجر ‪.‬‬
‫كما صرّح الشّافعيّة بعدم جواز المناصبة ‪ ،‬بأن يسلّم إليه أرضا ليغرسها من عنده ‪،‬‬
‫والشّجرة بينهما ‪.‬‬
‫وفي فتاوى القفّال ‪ :‬أنّ الحاصل في هذه الصّورة للعامل ‪ ،‬ولمالك الرض أجرة مثلها عليه‬
‫‪ .‬وأمّا المغارسة على وجه الشّركة بينهما في الرض والشجار معا فل تجوز عند الحنفيّة‬
‫والحنابلة ‪ .‬وذلك لشتراط الشّركة فيما هو موجود قبل الشّركة ‪ ،‬لنّه نظير من استأجر‬
‫صبّاغا يصبغ ثوبه بصبغ نفسه على أن يكون نصف المصبوغ للصّبّاغ ‪ ،‬فكان كقفيز‬
‫طحّان‪ ،‬كما علّله الحنفيّة ‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫ب الرض تبعا لرضه ‪ ،‬لنّها هي‬
‫وإذا فسدت المغارسة بهذه الصّورة ‪ ،‬فالثّمر والغرس لر ّ‬
‫الصل وللخر قيمة غرسه يوم الغرس ‪ ،‬وأجر مثل عمله ‪ ،‬كما صرّح به الحنفيّة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬تجوز المغارسة بشركة جزء معلوم في الرض والشّجر ‪.‬‬
‫ولتفصيل أحكام المغارسة ونوعيّة الغراس وسائر شروطها ‪ ،‬ينظر مصطلح ‪ ( :‬مساقاة ) ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬الغرس في الرض الّتي يتعلّق بها حقّ الغير ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الغرس في الرض المغصوبة ‪:‬‬
‫‪ -‬من غصب أرضا ‪ ،‬فغرس فيها أو بنى ‪ ،‬كلّف بقلع الغرس ‪ ،‬وذلك لقوله صلى ال‬ ‫‪5‬‬

‫عليه وسلم « ليس لعرق ظالم حقّ » وفي حديث آخر عن عروة بن الزّبير رضي ال عنه‬
‫قال « إنّ رجلين اختصما إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬غرس أحدهما نخلً في أرض‬
‫الخر ‪ ،‬فقضى لصاحب الرض بأرضه ‪ ،‬وأمر صاحب النّخل أن يخرج نخله منها » قال‬
‫عروة ‪ :‬فلقد رأيتها وإنّها لتضرب أصولها بالفؤوس ‪ ،‬وإنّها لنخل ع ّم ؛ ولنّ ملك صاحب‬
‫الرض باق ‪ ،‬فإنّ الرض لم تصر مستهلكةً ‪ ،‬فيؤمر الشّاغل بتفريغها ‪ ،‬كما إذا شغل ظرف‬
‫غيره بطعامه ‪ ،‬وتكليف الغاصب بقلع الشجار متّفق عليه بين الفقهاء ‪ ،‬إذا أراد مالك‬
‫الرض ذلك ‪.‬‬
‫وهل لمالك الرض أن يضمن للغاصب قيمة الغرس فيتملّكه ؟ فيه تفصيل ‪ :‬إن اتّفقا ‪ -‬أي‬
‫ق ل يعدوهما ‪.‬‬
‫مالك الرض ومالك الغراس ‪ -‬على ذلك جاز ‪ ،‬لنّ الح ّ‬
‫وكذلك إن وهب الغاصب الغراس لمالك الرض ليتخلّص من تكلفة قلعه ‪ .‬فقبله المالك ‪.‬‬
‫أمّا إذا اختلفا ‪:‬‬
‫فقال الحنفيّة ‪ :‬إن كانت الرض تنقص بقلع ذلك ‪ ،‬فللمالك أن يضمن له قيمة الغرس‬
‫مقلوعا‪ ،‬ويكون الغرس له ؛ لنّ فيه نظرا لهما ‪ ،‬ودفع الضّرر عنهما ‪ ،‬فتقوم الرض بدون‬
‫ق القلع ‪ ،‬فيضمن فضل ما بينهما ‪.‬‬
‫شجر ‪ ،‬ثمّ بالشّجر مستح ّ‬
‫ومثله ما قاله المالكيّة ‪ ،‬من أنّ مالك الرض له الخيار ‪ :‬بين أن يأخذ الرض مع الغرس‬
‫مقابل دفع قيمة نقضه ‪ ،‬وبين إلزام الغاصب قلعه ‪ ،‬إلّ أنّهم لم يقيّدوا أخذ الغرس مقابل‬
‫القيمة بما إذا كانت الرض تنقص بقلع الغرس ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة فقد نصّوا على أنّه لو أراد المالك تملّك الغراس بالقيمة ‪ ،‬أو إبقاءها بأجرة ‪،‬‬
‫لم يلزم إجابته في الصحّ ‪.‬‬
‫ونظيره ما قاله الحنابلة ‪ ،‬حيث نصّوا على أنّه لو أراد مالك الرض الغراس من الغاصب‬
‫مجّانا أو بالقيمة ‪ ،‬وأبى مالكه ‪ ،‬أي الغاصب ‪ ،‬لم يكن لمالك الرض ذلك ؛ لنّه عين مال‬
‫الغاصب ‪ ،‬كما لو وضع فيها أثاثا أو نحوه ‪.‬‬
‫ن الغاصب إذا كلّف بقلع الغراس فإنّ تكلفة القلع وتسوية‬
‫وقد صرّح جمهور الفقهاء بأ ّ‬
‫الرض كما كانت على نفقة الغاصب ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ( غصب ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الغرس في الرض المستعارة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على جواز إعارة الرض للغرس لمدّة معيّنة ‪ ،‬أو مطلقا بدون ذكر مدّة ‪،‬‬ ‫‪6‬‬

‫وللمستعير أن يغرس فيها ما يشاء من الغراس في داخل المدّة المشروطة في العقد أو‬
‫المعتادة إذا كانت العاريّة مطلقةً ‪ ،‬وليس له بعد انقضاء المدّة المشروطة أو المعتادة أن‬
‫يغرس فيها ‪ ،‬وإذا فعل ذلك فحكمه حكم من غرس في أرض مغصوبة ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو رأي عند الشّافعيّة ‪ ،‬إلى أنّ من أعار أرضا للبناء‬
‫فللمستعير أن يغرس فيها؛ لنّ البناء والغرس متشابهان في قصد الدّوام والضرار‬
‫بالرض‪ .‬والصّحيح عند الشّافعيّة أن ل يغرس مستعير لبناء ‪ ،‬ول يبني مستعيرا لغراس ؛‬
‫لنّ البناء والغراس يختلفان في الضّرر ‪ ،‬فإنّ ضرر البناء في ظاهر الرض أكثر من باطنها‬
‫‪ ،‬والغراس بالعكس ؛ لنتشار عروقه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الغرس في الرض المرهونة ‪:‬‬
‫ن للرّاهن أن يغرس في الرض المرهونة إذا كان الدّين مؤجّلً ؛ لنّ‬
‫ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪7‬‬

‫تعطيل منفعتها إلى حلول الدّين تضييع للمال ‪ ،‬وقد نهى عنه ‪ ،‬بخلف الحال ‪.‬‬
‫فإذا غرس الرّاهن في الرض المرهونة تدخل الغراس في الرّهن ‪ ،‬كما صرّح به الحنفيّة‬
‫والحنابلة ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ‪ :‬إذا رهن أرضا ‪ ،‬وأذن الرّاهن للمرتهن في غراسها بعد شهر ‪ ،‬فالرض‬
‫قبل الشّهر أمانة بحكم الرّهن ‪ ،‬وبعده عاريّة مضمونة بحكم العاريّة ‪.‬‬
‫كما يجوز للرّاهن غرسها بإذن المرتهن ‪.‬‬
‫)‬ ‫‪62/‬‬ ‫ولتفصيل أحكام الرّهن ‪ ،‬وهل هو أمانة ‪ ،‬أو مضمون ؟ ينظر مصطلح ‪ ( :‬ضمان ف‬
‫‪.‬‬
‫د ‪ -‬الغرس في الرض المشفوع فيها ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا أحدث المشتري في المشفوع بنا ًء أو غراسا قبل قيام الشّفيع بطلب الشّفعة ‪ ،‬ثمّ‬ ‫‪8‬‬

‫طالب الشّفيع بشفعته ‪ ،‬فاختلف الفقهاء في ذلك ‪:‬‬


‫فقال الحنفيّة ‪ :‬الشّفيع بالخيار ‪ ،‬إن شاء أخذها بالثّمن الّذي اشتراها به المشتري وقيمة‬
‫البناء أو الغرس ‪ ،‬وإن شاء كلّف المشتري بقلعه ‪ ،‬لنّه غرس تعلّق به حقّ متأكّد للغير من‬
‫غير تسليط من جهة من له الحقّ ‪ ،‬فينقض ‪ ،‬كالرّاهن إذا بنى أو غرس في الرّهن ‪.‬‬
‫ومثله ما ذكره الحنابلة ‪ :‬أنّ للشّفيع الخيار بين أخذ المشفوع مع الغراس مقابل دفع قيمة‬
‫الغراس ‪ ،‬وبين القلع ‪ ،‬لكنّهم أضافوا ‪ :‬إن أحبّ الشّفيع قلع الغراس يضمن نقصه من‬
‫القيمة بالقلع ‪ ،‬وهي ما بين قيمة الرض مغروس ًة وبين قيمتها خالي ًة ‪.‬‬
‫وقال مالك ‪ :‬ل شفعة إ ّل أن يعطي المشتري قيمة ما بنى وما غرس ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ‪ :‬لو بنى أو غرس المشتري في المشفوع ولم يعلم الشّفيع بهما ‪ ،‬ثمّ علم ‪،‬‬
‫قلع ذلك مجّانا ؛ لعدوان المشتري ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪48/‬‬ ‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬شفعة ف‬
‫رابعا ‪ :‬غرس الشّجر في المسجد والرض الموقوفة ‪:‬‬
‫‪ -9‬اختلف الفقهاء في حكم غرس الشجار في المسجد والرض الموقوفة ‪:‬‬
‫ل غرس شجر ًة في المسجد فهي للمسجدة أو في أرض موقوفة‬
‫فقال الحنفيّة ‪ :‬لو أنّ رج ً‬
‫على رباط مثلً فهي للوقف إن قال للقيّم ‪ :‬تعاهدها ‪ ،‬ولو لم يقل فهي له يرفعها لنّه ليس‬
‫له هذه الولية ‪ ،‬ول يكون غارسا للوقف ‪ .‬وقيّد الحصكفيّ هذا الجواز بأن يكون الغرس‬
‫لنفع المسجد ‪ ،‬كتقليل ن ّز ‪ ،‬وهو ما يتحلّب من الرض من الماء ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إن كان لنفع النّاس بظلّه ‪ ،‬ول يضيق على النّاس ‪ ،‬ول يفرّق الصّفوف ‪ ،‬ل‬
‫بأس به ‪ ،‬وإن كان لنفع نفسه بورقة أو ثمره ‪ ،‬أو يفرّق الصّفوف ‪ ،‬أو كان في موضع تقع‬
‫به المشابهة بين البيعة والمسجد ‪ ،‬يكره ‪.‬‬
‫ن ما غرسه‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن بنى أو غرس محبس أو أجنبيّ في أرض الوقف ‪ ،‬فإن بيّن أ ّ‬
‫وقف كان الغرس والبناء وقفا ‪ ،‬وكذلك إن لم يبيّن قبل موته بأنّه وقف ‪ ،‬أمّا إذا بيّن أنّه‬
‫ملك له ‪ ،‬كان له أو لوارثه ‪ ،‬فيؤمر بنقضه ‪ ،‬أو يأخذ قيمته منقوضا بعد إسقاط كلفة لم‬
‫يتولّها ‪ .‬وقال النّوويّ ‪ :‬ينبغي أن ل تغرس الشجار في المسجد وفي موضع آخر قال ‪:‬‬
‫يكره غرس الشّجر في المسجد ‪ ،‬فإن غرس قطعه المام ‪.‬‬
‫وفصّل الزّركشيّ في الموضوع فقال ‪ :‬يكره غرس الشّجر والنّخل وحفر البار في‬
‫المساجد ‪ ،‬لما فيه من التّضييق على المصلّين ‪ ،‬والصّحيح تحريمه ‪ ،‬لما فيه من تحجير‬
‫موضع الصّلة‪ ،‬والضّيق وجلب النّجاسات من ذرق الطّيور ‪.‬‬
‫أمّا الحنابلة فقد نصّوا على عدم جواز الغرس في المسجد ‪ ،‬وقال أحمد ‪ :‬إن كانت غرست‬
‫ق ‪ ،‬فل أحبّ الكل منها ‪ ،‬ولو قلعها المام‬
‫النّخلة بعد أن صار مسجدا فهذه غرست بغير ح ّ‬
‫لجاز ‪ ،‬وذلك لنّ المسجد لم يبن لهذا ‪ ،‬وإنّما بني لذكر اللّه والصّلة وقراءة القرآن ؛ ولنّ‬
‫الشّجرة تؤذي المسجد ‪ ،‬وتمنع المصلّين من الصّلة في موضعها ‪ ،‬ويسقط ورقها في‬
‫المسجد وثمرها ‪ ،‬وتسقط عليها العصافير والطّيور فتبول في المسجد ‪ ،‬وربّما اجتمع‬
‫الصّبيان في المسجد لجلها ورموها بالحجارة ليسقط ثمرها ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬الغرس في الرض الموات ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق فقهاء الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة على أنّ غرس الشّجرة في الرض الموات‬ ‫‪10‬‬

‫سبب من أسباب إحيائها ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪24/‬‬ ‫وتفصيل مسائل إحياء الموات في مصطلحه ( ف‬

‫غرَة *‬
‫غرْ َ‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الغرغرة والتّغرغر في اللّغة ‪ :‬أن يردّد الشّخص الماء في الحلق ول يسيغه ‪ ،‬والغرور‬ ‫‪1‬‬

‫‪ :‬ما يتغرغر به من الدوية ‪ ،‬وتغرغرت عيناه ‪ :‬تردّد فيهما الدّمع ‪ ،‬وأيضا الغرغرة ‪ :‬تردّد‬
‫الرّوح في الحلق ‪.‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬ل يخرج استعمال الفقهاء للفظ غرغرة عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المضمضة ‪:‬‬
‫‪ -‬المضمضة ‪ :‬تحريك الماء في الفم ثمّ مجّه ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫أمّا الغرغرة فهي تحريك الماء وإدارته مع وصوله إلى أعماق الفم ‪ ،‬فهي كما يقول‬
‫الفقهاء‪ :‬مبالغة في المضمضة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الحتضار ‪:‬‬
‫‪ -‬الحتضار ‪ :‬الشراف على الموت بظهور علماته ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫أمّا الغرغرة فهي تردّد الرّوح في الحلق ‪.‬‬


‫انظر مصطلح ( احتضار ف ‪. ) 2 - 1/‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ذكر الفقهاء الغرغرة في سنن الوضوء وفي التّوبة ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬في الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬من مستحبّات الوضوء عند المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو الظّاهر عند الحنفيّة ‪ :‬المبالغة‬ ‫‪4‬‬

‫في المضمضة ‪ ،‬وذلك يكون بالغرغرة ‪.‬‬


‫ن المبالغة في المضمضة سنّة من سنن الوضوء ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة وفي قول آخر للحنفيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫ب ‪ -‬أثر الغرغرة في قبول التّوبة ‪:‬‬
‫ن توبة الكافر ‪ -‬أي إسلمه ‪ -‬مقبولة إذا كانت قبل الغرغرة ‪.‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫واختلف الفقهاء في قبول توبة المؤمن العاصي عند الغرغرة ‪.‬‬


‫ن توبته ل تقبل في‬
‫فذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫هذه الحالة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪10/‬‬ ‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ( توبة ف‬

‫غرَق *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الغرق في اللّغة ‪ :‬الرّسوب في الماء ‪ ،‬يقال ‪ :‬رجل غرق وغريق ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الغرق ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫الرّاسب في الماء ‪ ،‬والغريق ‪ :‬الميّت فيه ‪.‬‬


‫وقال أبو عدنان ‪ :‬الغرق الّذي غلبه الماء ولمّا يغرق ‪ ،‬فإذا غرق فهو الغريق ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ للغرق عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الغمر ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني الغمر ‪ :‬الماء الكثير ‪ ،‬قال ابن سيده وغيره ‪ :‬يقال ماء غمر ‪ :‬كثير مغرق ‪،‬‬ ‫‪2‬‬

‫ومن معانيه ‪ :‬التّغطية ‪ ،‬يقال غمره الماء غمرا ‪ :‬إذا غطّاه ‪.‬‬
‫والصّلة ‪ :‬أنّ الغمر قد يكون سببا للغرق ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالغرق ‪:‬‬
‫تتعلّق بالغرق أحكام ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬اعتبار الغرق من أسباب الشّهادة ‪:‬‬
‫‪ -‬الغرق من أسباب الشّهادة ‪ ،‬فمن مات غرقا نال منازل الشّهداء في الخرة ‪ ،‬إن لم‬ ‫‪3‬‬

‫يتعمّد ذلك ‪ ،‬جاء في الحديث الصّحيح ‪ « :‬الشّهداء خمسة ‪ :‬المطعون ‪ ،‬والمبطون ‪،‬‬
‫والغرق‪ ،‬وصاحب الهدم ‪ ،‬والشّهيد في سبيل اللّه » ‪.‬‬
‫والغريق من شهداء الخرة ؛ لنّه ينال منازل الشّهداء في الخرة ‪ ،‬ولكن تختلف أحكامه‬
‫في الدّنيا عن أحكام الشّهيد في سبيل اللّه ‪ ،‬وهو الّذي يموت في قتال الكفّار ‪ ،‬فيغسّل‬
‫الغريق ويصلّى عليه ‪ ،‬بخلف الشّهيد في سبيل اللّه ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬شهيد ف ‪. ) 4 - 3/‬‬
‫ب ‪ -‬قتال العداء بإغراقهم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يجوز في قتال العداء إغراقهم بالماء ‪ ،‬وقيّد الحنفيّة‬ ‫‪4‬‬

‫جواز ذلك بما إذا لم يتمكّن المسلمون من الظّفر بهم بل مشقّة عظيمة بدون إرسال الماء‬
‫عليهم لغراقهم ‪ ،‬فإن تمكّنوا من الظّفر فل يجوز إغراقهم ؛ لنّ في ذلك إهلك أطفالهم‬
‫ونسائهم ومن عندهم من المسلمين ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪32/‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( جهاد ف‬
‫ج ‪ -‬القتل بالغراق ‪:‬‬
‫ن من القتل العمد ما إذا ألقى الجاني شخصا في ماء مغرق لمثله‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء أ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫ل يخلص منه عادةً كلجّة وقت هيجانها ‪ ،‬وكان ل يخلص بسباحة لعجزه عنها ‪ ،‬أو ل‬
‫يحسنها ‪ ،‬أو كان مكتوفا ‪ ،‬أو زمنا فغرق فهو عمد ‪ ،‬ويجب فيه القصاص ‪ ،‬أمّا إذا كان‬
‫يحسن السّباحة ومنع منها عارض بعد إلقائه كريح وموج فشبه عمد ‪ ،‬بخلف ما إذا كان‬
‫إلقاؤه وقت هيجان البحر ؛ لنّه مهلك غالبا ل يمكنه الخلص منه ‪ ،‬وأمّا إذا ألقى مميّزا‬
‫قادرا على الحركة في ماء جار أو راكد ل يعدّ مغرقا عرفا بقصد الغراق ‪ ،‬فمكث فيه‬
‫مضطجعا ‪ ،‬فمات غرقا فل ضمان ول كفّارة ‪ ،‬لنّه المهلك لنفسه ‪.‬‬

‫غرْقى *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الغرقى في اللّغة ‪ :‬جمع غريق وغرق ‪ ،‬وهو الرّاسب في الماء ‪ ،‬وحكي عن الخليل‬ ‫‪1‬‬

‫الغرق ‪ :‬الرّاسب في الماء من غير موت ‪ ،‬فإن مات فهو غريق ‪.‬‬
‫والفقهاء يستعملون لفظ غريق بالمعنيين اللّذين حكيا عن الخليل ‪ ،‬فهم يستعملون لفظ‬
‫الغريق بمعنى الرّاسب في الماء ولم يمت ويحتاج إلى النقاذ ‪ ،‬جاء في الختيار ‪ :‬من رأى‬
‫أعمى كاد أن يتردّى في البئر وجب عليه إنقاذه وصار هذا كإنجاء الغريق ‪ ،‬ويستعملونه‬
‫كذلك بمعنى الرّسوب في الماء والموت فعلً ‪ ،‬وذلك في كلمهم عن ميراث الغرقى ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالغرقى ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬قطع الصّلة لنقاذ غريق ‪:‬‬
‫‪ -‬إغاثة الغريق والعمل على إنجائه من الغرق واجب على كلّ مسلم متى استطاع ذلك ‪،‬‬ ‫‪2‬‬

‫يقول الفقهاء ‪ :‬يجب قطع الصّلة لغاثة غريق إذا قدر على ذلك ‪ ،‬سواء أكانت الصّلة‬
‫فرضا أم نفلً ‪ ،‬وسواء استغاث الغريق بالمصلّي أو لم يعيّن أحدا في استغاثته ‪ ،‬حتّى ولو‬
‫ن الصّلة يمكن تداركها بالقضاء بخلف الغريق ‪.‬‬
‫ضاق وقت الصّلة ؛ ل ّ‬
‫ب ‪ -‬حكم ترك إنقاذ الغريق ‪:‬‬
‫ن المسلم يأثم بتركه إنقاذ الغريق معصوم الدّم ‪ ،‬لكنّهم اختلفوا في‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪3‬‬

‫حكم تركه إنقاذه هل يجب عليه القصاص أو الدّية أو شيء عليه ؟‬


‫فعند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬عدا أبي الخطّاب ‪ -‬على ما يفهم من كلمهم أنّه ل‬
‫ضمان على الممتنع من إنقاذ الغريق إذا مات غرقا ؛ لنّه لم يهلكه ‪ ،‬ولم يحدث فيه فعلً‬
‫مهلكا ‪ ،‬لكنّه يأثم ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة وأبي الخطّاب من الحنابلة يضمن ؛ لنّه لم ينجه من الهلك مع إمكانه ‪ ،‬قال‬
‫المالكيّة ‪ :‬وتكون الدّية في ماله إن ترك التّخليص عمدا ‪ ،‬وعلى عاقلته إن تركه متأ ّولً ‪.‬‬
‫أمّا الجناية بالتّغريق فينظر التّفصيل في مصطلح ( غرق ف ‪. ) 5/‬‬
‫ج ‪ -‬اعتبار الغرقى من الشّهداء ‪:‬‬
‫‪ -‬يعتبر الفقهاء أنّ الغرقى من الشّهداء للثر الصّحيح ‪ « :‬الشّهداء خمسة ‪ :‬المطعون ‪،‬‬ ‫‪4‬‬

‫والمبطون والغرق وصاحب الهدم والشّهيد في سبيل اللّه » ‪.‬‬


‫وينظر التّفصيل في مصطلحي ( شهيد ف ‪ ، 4/‬وغرق ف ‪. ) 3/‬‬
‫د ‪ -‬إرث الغرقى ‪:‬‬
‫‪ -‬الغرقى إذا لم يعلم أيّهم مات أ ّولً فل يرث بعضهم من بعض ‪ ،‬وإنّما يحصل ميراث كلّ‬ ‫‪5‬‬

‫واحد منهم لورثته الحياء ‪ ،‬وهذا قول أبي بكر الصّدّيق وعمر بن الخطّاب ‪.‬‬

‫غرْم *‬
‫ُ‬
‫انظر ‪ :‬غرامات ‪.‬‬

‫غرَماء *‬
‫ُ‬
‫انظر ‪ :‬إفلس ‪.‬‬

‫غُروب *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الغروب لغةً ‪ :‬البعد ‪ ،‬يقال ‪ :‬غربت الشّمس تغرب غربا وغروبا ‪ :‬أي بعدت وتوارت‬ ‫‪1‬‬

‫في مغيبها ‪.‬‬


‫ضمّ ‪ -‬غرابةً ‪ :‬بعد عن وطنه فهو غريب ‪ ،‬وأغرب الرّجل ‪ :‬أي أتى‬
‫وغرُب الشّخص ‪ -‬بال ّ‬
‫الغرب ‪ ،‬وغرّب القوم ‪ :‬أي ذهبوا ناحية المغرب ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الشّروق ‪:‬‬
‫‪ -‬الشّروق لغةً ‪ :‬طلوع الشّمس ‪ ،‬يقال ‪ :‬شرقت الشّمس شروقا من باب قعد ‪ :‬أي طلعت‬ ‫‪2‬‬

‫وأضاءت على الرض ‪ ،‬وأشرقت الرض ‪ :‬أنارت بإشراق الشّمس ‪.‬‬


‫وأشرق ‪ :‬أي دخل في وقت الشّروق ‪.‬‬
‫ن لحوم الضاحيّ تشرق فيها ‪ :‬أي تقدّد في الشّرقة ‪ ،‬وهي‬
‫وأيّام التّشريق سمّيت بذلك ل ّ‬
‫الشّمس ‪.‬‬
‫والشّرق والمشرق ‪ :‬جهة الشّروق ‪.‬‬
‫والمشرق مصلّى العيد ‪ ،‬سمّي بذلك لقيام الصّلة فيه عند شروق الشّمس ‪.‬‬
‫والشّروق ض ّد الغروب ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالغروب من أحكام ‪:‬‬
‫تتعلّق بالغروب جملة من الحكام منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬يخرج وقت العصر بغروب الشّمس ‪ ،‬ويبدأ بغروبها وقت المغرب ‪ ،‬ومع ذلك فقد أجمع‬ ‫‪3‬‬

‫ن من أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشّمس فقد أدركها ‪ ،‬سواء أخّرها‬
‫الفقهاء على أ ّ‬
‫لعذر أو لغير عذر ‪ .‬لقوله صلى ال عليه وسلم « من أدرك ركعةً من الصّبح قبل أن تطلع‬
‫الشّمس فقد أدرك الصّبح ‪ ،‬ومن أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشّمس فقد أدرك‬
‫العصر » ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬أوقات الصّلة ‪ ،‬ف ‪. ) 9/‬‬
‫ب ‪ -‬غروب الشّفق ‪:‬‬
‫‪ -‬غروب الشّفق علمة على خروج وقت المغرب ودخول وقت العشاء عند جمهور‬ ‫‪4‬‬

‫الفقهاء خلفا للمالكيّة والشّافعيّة في الجديد ‪.‬‬


‫واختلف الفقهاء في المراد بالشّفق أهو البياض أم الحمرة ؟‬
‫)‪.‬‬ ‫‪12‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪11/‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬أوقات الصّلة ف‬
‫ج ‪ -‬كراهة الصّلة عند غروب الشّمس ‪:‬‬
‫‪ -‬من الوقات الّتي تكره فيها الصّلة ‪ :‬بعد صلة العصر حتّى تغرب الشّمس ‪ ،‬وعند‬ ‫‪5‬‬

‫غروبها حتّى يتكامل غروبها ويختفي قرصها ‪ ،‬لنهيه صلى ال عليه وسلم عن ذلك ‪ ،‬فعن‬
‫عمر رضي ال عنه قال ‪ « :‬نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن الصّلة بعد العصر‬
‫حتّى تغرب الشّمس » ‪.‬‬
‫ولقوله صلى ال عليه وسلم لمن سأله عن الصّلة في حديث طويل ‪ « :‬ثمّ أقصر عن‬
‫الصّلة حتّى تغرب الشّمس ‪ ،‬فإنّها تغرب بين قرني شيطان ‪ ،‬وحينئذ يسجد لها الكفّار » ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪23/‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬أوقات الصّلة ف‬
‫د ‪ -‬في زكاة الفطر ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وقت وجوب زكاة الفطر ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫فقال الجمهور تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان ‪ ،‬وقال آخرون ‪ :‬تجب بطلوع فجر‬
‫يوم العيد ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬زكاة الفطر‪ /‬ف ‪. ) 8‬‬
‫هـ ‪ -‬في الصّيام ‪:‬‬
‫ن الصّائم يجب عليه أن يمسك عن المفطرات من طلوع الفجر يوم‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪7‬‬

‫صومه حتّى تغرب الشّمس ويتأكّد من غروبها ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ُ { :‬ثمّ أَ ِتمّواْ الصّيَامَ إِلَى‬
‫ي صلى ال‬
‫ن الصّوم ينقضي ويتمّ بغروب الشّمس ‪ ،‬لقول النّب ّ‬
‫الّل ْيلِ }‪ .‬كما أجمعوا على أ ّ‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬إذا أقبل اللّيل من هاهنا ‪ ،‬وأدبر النّهار من هاهنا ‪ ،‬وغربت الشّمس ‪ ،‬فقد‬
‫أفطر الصّائم » ‪ .‬وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا رأيتم اللّيل أقبل من هاهنا فقد أفطر‬
‫الصّائم » ‪ ،‬قال الرّاوي ‪ :‬وأشار بيده قبل المشرق ‪.‬‬
‫قال النّوويّ رحمه ال ‪ :‬قال أصحابنا ‪ :‬ويجب إمساك جزء من اللّيل بعد الغروب ؛ ليتحقّق‬
‫به استكمال النّهار ‪.‬‬
‫وعليه فإذا أفطر الصّائم للفرض وهو يظنّ غروب الشّمس ‪ ،‬فبان خلفه لزم عليه القضاء ‪،‬‬
‫لما روى عليّ بن حنظلة عن أبيه قال ‪ " :‬كنت عند عمر رضي ال عنه في رمضان فأفطر‬
‫وأفطر النّاس فصعد المؤذّن ليؤذّن فقال ‪ :‬أيّها النّاس هذه الشّمس لم تغرب ‪ ،‬فقال عمر‬
‫رضي ال عنه ‪ :‬من كان أفطر فليصم يوما مكانه " وفي رواية " فقال عمر ‪ :‬ل نبالي واللّه‬
‫يوما نقضي مكانه " ‪.‬‬
‫ولنّ الصل بقاء النّهار فلزمه القضاء ‪.‬‬
‫وقال إسحاق بن راهويه وبعض علماء السّلف ‪ :‬صومه صحيح ول قضاء عليه ؛ لحديث «‬
‫إنّ اللّه تعالى تجاوز عن أمّتي الخطأ والنّسيان ‪ ،‬وما استكرهوا عليه » ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إمساك ف ‪. ) 5/‬‬

‫غُرور *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ضمّ ‪ -‬في اللّغة الباطل ‪ ،‬قال الكفويّ ‪ :‬الغرور ‪ :‬هو تزيين الخطأ بما‬
‫‪ -‬الغرور ‪ -‬بال ّ‬ ‫‪1‬‬

‫يوهم أنّه صواب ‪.‬‬


‫والغَرور ‪ -‬بالفتح ‪ -‬ك ّل ما يغ ّر النسان من مال وجاه وشهوة وشيطان ‪ ،‬وفسّر‬
‫بالشّيطان ‪ ،‬إذ هو أخبث الغارّين ‪ ،‬وبالدّنيا لما قيل ‪ :‬الدّنيا تغرّ وتض ّر وتمرّ ‪.‬‬
‫وفي الصطلح قال ابن عرفة ‪ :‬الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبّه ‪ ،‬وفيه باطن مكروه أو‬
‫ب النّفس ‪ ،‬ووراء ذلك ما يسوء ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫مجهول ‪ ،‬والشّيطان غرور ؛ لنّه يحمل على محا ّ‬
‫ومن هذا بيع الغرر ‪ ،‬وهو ما كان له ظاهر بيع يغ ّر وباطن مجهول ‪.‬‬
‫والغرور عند علماء الداب الشّرعيّة هو سكون النّفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه‬
‫الطّبع عن شبهة وخدعة من الشّيطان ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الخدع ‪:‬‬
‫‪ -‬الخدع هو أن يستر عن إنسان وجه الصّواب فيوقعه في مكروه ‪ ،‬وأمّا الغرور فهو‬ ‫‪2‬‬

‫إيهام يحمل النسان على فعل ما يضرّه ‪ ،‬مثل أن يرى السّراب فيحسبه ماءً فيضيّع ماءه‬
‫فيهلك عطشا ‪ ،‬وتضييع الماء فعل أدّاه إليه غرور السّراب إيّاه ‪.‬‬
‫والغرور قد يسمّى خدعا ‪ ،‬والخدع يسمّى غرورا على التّوسّع ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الكبر ‪:‬‬
‫‪ -‬الكبر اسم من التّكبّر ‪ ،‬وهو استعظام النّفس واحتقار الغير ‪ ،‬وسببه عل ّو اليد والتّمييز‬ ‫‪3‬‬

‫بالمنصب والنّسب ‪ ،‬أو الفضل ‪.‬‬


‫ن النسان بنفسه أنّه أكبر من غيره ‪ ،‬والتّكبّر إظهار‬
‫وقال الرّاغب الصفهانيّ ‪ :‬الكبر هو ظ ّ‬
‫لذلك ‪ ،‬وهذه صفة ل يستحقّها إلّ اللّه تعالى ‪ ،‬ومن ادّعاها من المخلوقين فهو فيها كاذب ‪.‬‬
‫ن الكبر يتولّد من‬
‫والصّلة بين الكبر والغرور هو أنّ المتكبّر والمغرور كلهما جاهل ؛ ل ّ‬
‫العجاب ‪ ،‬والعجاب من الجهل بحقيقة المحاسن ‪ ،‬والجهل رأس النسلخ من النسانيّة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العُجب ‪:‬‬
‫‪ -‬العجب هو استعظام النّعمة والرّكون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫ن النسان في نفسه استحقاق منزلة هو غير مستحقّ لها ‪،‬‬


‫قال الرّاغب ‪ :‬العجب هو ظ ّ‬
‫وأصل العجاب من حبّ النسان نفسه ‪ ،‬وقد قال عليه الصلة والسلم ‪ « :‬حبّك الشّيء‬
‫يعمي ويصمّ » ومن عمي وصمّ تعذّر عليه رؤية عيوبه ‪.‬‬
‫والصّلة بين الغرور والعجب أنّهما من الوصاف الرّديئة ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الغرور مذموم شرعا ‪ ،‬ورد بذمّه القرآن الكريم والسّنّة النّبويّة المطهّرة ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫ومن ذلك قول اللّه سبحانه وتعالى ‪ { :‬فَلَا َتغُرّ ّنكُمُ ا ْلحَيَا ُة الدّنْيَا وَلَا َيغُرّ ّنكُم بِالّل ِه ا ْلغَرُورُ } ‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ‪ ،‬والعاجز‬
‫وقول النّب ّ‬
‫من أتبع نفسه هواها وتمنّى على اللّه » ‪.‬‬
‫أقسام الغرور ‪:‬‬
‫الغرور بفهم فاسد من نصوص القرآن والسّنّة ‪:‬‬
‫‪ -‬من المغرورين من يغترّ بفهم فاسد فهمه من نصوص القرآن والسّنّة فيتّكل عليه ‪،‬‬ ‫‪6‬‬

‫جمِيعا } ‪ .‬وهذا من أقبح الجهل‬


‫كاتّكال بعضهم على قوله تعالى ‪ { :‬إِنّ الّل َه َيغْفِ ُر الذّنُوبَ َ‬
‫ن الشّرك داخل في هذه الية ‪ ،‬وإنّه رأس الذّنوب وأساسها ‪ ،‬ول خلف أنّ هذه الية في‬
‫فإ ّ‬
‫حقّ التّائبين ‪ ،‬فإنّه يغفر ذنب كلّ تائب من أيّ ذنب كان ‪ ،‬ولو كانت الية في حقّ غير‬
‫التّائبين لبطلت نصوص الوعيد كلّها ‪ ،‬وكاتّكال بعضهم على قوله صلى ال عليه وسلم‬
‫ن بي ما شاء » ‪ ،‬يعني ما كان في ظنّه فإنّي‬
‫ن عبدي بي ‪ ،‬فليظ ّ‬
‫حاكيا عن ربّه « أنا عند ظ ّ‬
‫ن حسن الظّنّ إنّما يكون مع الحسان ‪ ،‬وأمّا المسيء المصرّ على‬
‫فاعله به ول ريب أ ّ‬
‫الكبائر والظّلم والمخالفات فإنّ وحشة المعاصي والظّلم والحرام تمنعه من حسن الظّنّ‬
‫ن المؤمن أحسن الظّنّ بربّه فأحسن العمل ‪ ،‬وإنّ الفاجر‬
‫بربّه ‪ ،‬قال الحسن البصريّ ‪ :‬إ ّ‬
‫أساء الظّنّ بربّه فأساء العمل ‪.‬‬
‫ن اللّه كريم ‪ ،‬وإنّما نتّكل على عفوه ‪،‬‬
‫‪ -7‬من العصاة من يغت ّر بعفو اللّه وكرمه فيقول ‪ :‬إ ّ‬
‫فقد اعتمد هؤلء المغرورون على رحمة اللّه وعفوه وكرمه فضيّعوا أمره ونهيه ‪ ،‬ونسوا‬
‫أنّه شديد العقاب ‪ ،‬وأنّه ل ير ّد بأسه عن القوم المجرمين ‪ ،‬ومن اعتمد على العفو مع‬
‫الصرار على الذّنب فهو كالمعاندة قال معروف ‪ :‬رجاؤك لرحمة من ل تطيعه من الخذلن‬
‫والحمق ‪ .‬وقال بعض العلماء ‪ :‬من قطع عضوا منك في الدّنيا بسرقة ثلثة دراهم ل تأمن‬
‫أن تكون عقوبته في الخرة على نحو هذا ‪.‬‬
‫ن اللّه تعالى مع سعة رحمته شديد العقاب ‪ ،‬وقد قضى بتخليد‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬وليعلم أ ّ‬
‫الكفّار في النّار ‪ ،‬مع أنّه ل يضرّه كفرهم ‪.‬‬
‫الغرور بالطّاعات والقرب ‪:‬‬
‫‪ -‬يغت ّر بعض المغرورين بالعتماد على مثل صوم يوم عاشوراء أو يوم عرفة ‪ ،‬حتّى‬ ‫‪8‬‬

‫يقول بعضهم ‪ :‬صوم يوم عاشوراء يكفّر ذنوب العام كلّها ويبقى صوم عرفة زيادة في‬
‫الجر‪ .‬قال ابن القيّم ‪ :‬لم يدر هذا المغت ّر أنّ صوم رمضان والصّلوات الخمس أعظم وأجلّ‬
‫من صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء ‪ ،‬وهي إنّما تكفّر ما بينهما إذا اجتنبت الكبائر ‪،‬‬
‫فرمضان إلى رمضان ‪ ،‬والجمعة إلى الجمعة ل يقويان على تكفير الصّغائر إلّ مع انضمام‬
‫ترك الكبائر إليها ‪ ،‬فيقوى مجموع المرين على تكفير الصّغائر ‪.‬‬
‫ن طاعاته أكثر من معاصيه ‪ ،‬لنّه ل يحاسب نفسه على سيّئاته‬
‫ومن المغرورين من يظنّ أ ّ‬
‫ول يتفقّد ذنوبه ‪ ،‬وإذا عمل طاعةً حفظها واعتدّ بها ‪ ،‬كالّذي يستغفر اللّه بلسانه أو يسبّح‬
‫اللّه في اليوم مائة مرّة ‪ ،‬ثمّ يغتاب المسلمين ويمزّق أعراضهم ‪ ،‬ويتكلّم بما ل يرضاه اللّه‬
‫طول نهاره ‪ ،‬فهذا أبدا يتأمّل في فضائل التّسبيحات والتّهليلت ول يلتفت إلى ما ورد من‬
‫عقوبة المغتابين والكذّابين وال ّنمّامين ‪ ،‬إلى غير ذلك من آفات اللّسان ‪ ،‬وذلك محض غرور‬
‫‪.‬‬
‫الغرور بصلح الباء والسلف ‪:‬‬
‫‪ -‬من المغرورين من يغترّ بآبائه وأسلفه ‪ ،‬وأنّ لهم عند اللّه مكانا وصلحا ‪ ،‬فل يدعوه‬ ‫‪9‬‬

‫أن يخلّصوه ‪.‬‬


‫قال الغزاليّ ‪ :‬ينسى المغرور أنّ نوحا عليه السلم أراد أن يستصحب ولده معه في السّفينة‬
‫ب إِنّ ابُنِي ِمنْ أَهْلِي َوإِنّ‬
‫‪ ،‬فلم يرض الولد فكان من المغرقين { وَنَادَى نُوحٌ رّ ّبهُ َفقَالَ رَ ّ‬
‫ع َملٌ غَ ْيرُ صَا ِلحٍ } ‪.‬‬
‫س مِنْ أَ ْهلِكَ إِ ّن ُه َ‬
‫ح إِ ّنهُ لَيْ َ‬
‫حكَمُ ا ْلحَا ِكمِينَ ‪ ،‬قَالَ يَا نُو ُ‬
‫ك ا ْلحَقّ َوأَنتَ َأ ْ‬
‫وَعْدَ َ‬
‫الغرور بتتابع النّعم ‪:‬‬
‫‪ -‬ربّما اتّكل بعض المغترّين على ما يرى من نعم اللّه عليه في الدّنيا ‪ ،‬ويظنّ أنّ ذلك‬ ‫‪10‬‬

‫من محبّة اللّه له ‪ ،‬وأنّه يعطيه في الخرة أفضل من ذلك ‪ ،‬وهذا من الغرور ‪.‬‬
‫قال الغزاليّ ‪ :‬والمغرور إذا أقبلت عليه الدّنيا ظنّ أنّها كرامة من اللّه ‪ ،‬وإذا صرفت عنه‬
‫ن إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَ ّبهُ َفَأكْ َر َمهُ‬
‫ظنّ أنّها هوان ‪ ،‬كما أخبر اللّه تعالى عنه ‪ ،‬إذ قال ‪ { :‬فَ َأمّا الْإِنسَا ُ‬
‫وَ َن ّعمَهُ فَ َيقُولُ رَبّي َأكْ َرمَنِ ‪َ ،‬وَأمّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ َفقَدَ َر عَلَ ْيهِ رِ ْز َقهُ فَ َيقُولُ رَبّي أَهَانَنِ } فأجاب‬
‫اللّه عن ذلك ‪ { :‬كَلّا } ‪ ،‬أي ليس كما قال ‪ ،‬إنّما هو ابتلء ‪ ،‬قال الحسن ‪ :‬كذّبهما جميعا‬
‫بقوله ‪ { :‬كَلّا } يقول ‪ :‬هذا ليس بإكرامي ول هذا بهواني ‪ ،‬ولكنّ الكريم من أكرمته‬
‫بطاعتي غنيّا كان أو فقيرا ‪ ،‬والمهان من أهنته بمعصيتي غنيّا كان أو فقيرا ‪.‬‬
‫ب ‪ ،‬ول يعطي‬
‫ن اللّه يعطي الدّنيا من يحبّ ومن ل يح ّ‬
‫وعن النّبيّ صلى ال عليه وسلم « إ ّ‬
‫الدّين إ ّل من يحبّ » ‪.‬‬
‫أصناف المغرورين ‪:‬‬
‫ق أربعة أصناف ‪ :‬العلماء ‪ ،‬والعبّاد ‪ ،‬والمتصوّفة ‪،‬‬
‫‪ -‬يقع الغترار في الغلب في ح ّ‬ ‫‪11‬‬

‫والغنياء ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬غرور أهل العلم ‪:‬‬
‫‪ -‬المغرورون من أهل العلم فرق ‪ :‬منهم فرقة أحكموا العلوم الشّرعيّة والعقليّة وتعمّقوا‬ ‫‪12‬‬

‫فيها واشتغلوا بها ‪ ،‬وأهملوا تفقّد الجوارح وحفظها من المعاصي وإلزامها الطّاعات ‪،‬‬
‫واغترّوا بعلمهم ‪ ،‬وظنّوا أنّهم عند اللّه بمكان ‪ ،‬وأنّهم قد بلغوا من العلم مبلغا ل يعذّب اللّه‬
‫مثلهم ‪ ،‬بل يقبل في الخلق شفاعتهم ‪ ،‬وهم مغرورون ‪ ،‬فإنّهم لو نظروا بعين البصيرة‬
‫ن علم العاملة ل يراد به إلّ العمل ولول العمل لم يكن له قدر ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪:‬‬
‫علموا أ ّ‬
‫ح مَن َزكّاهَا } ولم يقل ‪ :‬قد أفلح من تعلّم كيف يزكّيها ‪.‬‬
‫{ قَدْ أَفْ َل َ‬
‫ثانيا ‪ :‬المغرورون من أرباب التّعبّد والعمل ‪:‬‬
‫‪ -‬المغرورون من أرباب التّعبّد والعمل فرق كثيرة ‪ :‬فمنهم من غروره في الصّلة ‪،‬‬ ‫‪13‬‬

‫ومنهم من غروره في تلوة القرآن ‪ ،‬ومنهم من غروره في الحجّ ‪ ،‬ومنهم من غروره في‬
‫الزّهد ‪ ،‬وكذلك كلّ مشغول بمنهج من مناهج العمل فليس خاليا عن غرور إلّ الكياس ‪،‬‬
‫وقليل ما هم ‪.‬‬
‫وما من عمل من العمال وعبادة من العبادات إلّ وفيها آفات ‪ ،‬فمن لم يعرف مداخل آفاتها‬
‫واعتمد عليها فهو مغرور ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬غرور المتصوّفة ‪:‬‬
‫ي بعد أن ذكر أنواع غرور المتصوّفة ‪:‬‬
‫‪ -‬المغرورون من المتصوّفة فرق ‪ ،‬قال الغزال ّ‬ ‫‪14‬‬

‫أنواع الغرور في طريق السّلوك إلى اللّه تعالى ل تحصى ول تستقصى إلّ بعد شرح جميع‬
‫علوم المكاشفة ‪ ،‬إذ السّالك لهذا الطّريق ل يحتاج إلى أن يسمعه من غيره ‪ ،‬والّذي لم‬
‫يسلكه ل ينتفع بسماعه ‪ ،‬بل ربّما يستض ّر به ‪ ،‬إذ يورثه ذلك دهش ًة من حيث يسمع ما ل‬
‫ن المر‬
‫يفهم ‪ ،‬ولكن فيه فائدة وهي إخراجه من الغرور الّذي هو فيه ‪ ،‬بل ربّما يصدق بأ ّ‬
‫أعظم ممّا يظنّه وممّا يتخيّله بذهنه المختصر وخياله القاصر وجدله المزخرف ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬غرور أرباب الموال ‪:‬‬
‫‪ -‬المغرورون من أرباب الموال فرق ‪ :‬ففرقة منهم يحرصون على بناء المساجد‬ ‫‪15‬‬

‫والمدارس والرّباطات والقناطر ‪ ،‬ويكتبون أسماءهم عليها ليخلّد ذكرهم ‪ ،‬ويبقى بعد الموت‬
‫أثرهم ‪ ،‬ولو كلّف أحدهم أن ينفق دينارا ول يكتب اسمه في الموضع الّذي أنفق عليه لشقّ‬
‫عليه ‪ ،‬ولول أنّه يريد وجه النّاس ل وجه اللّه ‪ ،‬لما شقّ عليه ذلك ‪ ،‬فإنّ اللّه يطّلع عليه‬
‫سواء كتب اسمه أم لم يكتبه ‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬ثمّ يشتغلون بالعبادات البدنيّة الّتي ل‬
‫وفرقة أخرى يحفظون الموال ويمسكونها بخ ً‬
‫تحتاج إلى نفقة المال ‪ ،‬كصيام النّهار وقيام اللّيل وختم القرآن ‪ ،‬وهم مغرورون ‪ ،‬لنّ‬
‫البخل مهلك ‪ ،‬وقد استولى على قلوبهم ‪ ،‬فهم محتاجون إلى قمعه بإخراج المال ‪ ،‬فقد‬
‫اشتغلوا عنه بفضائل ل تجب عليهم ‪.‬‬
‫التّخلّص من الغرور ‪:‬‬
‫‪ -‬يستعان على التّخلّص من الغرور بثلثة أشياء ‪:‬‬ ‫‪16‬‬

‫أ ‪ -‬العقل ‪ :‬وهو النّور الّذي يدرك به النسان حقائق الشياء ‪.‬‬


‫ب ‪ -‬المعرفة ‪ :‬والمراد بالمعرفة أن يعرف النسان أربعة أمور ‪ :‬يعرف نفسه ويعرف‬
‫ربّه ويعرف الدّنيا ويعرف الخرة ‪ ،‬فيعرف نفسه بالعبوديّة وال ّذلّ ‪ ،‬وبكونه غريبا في هذا‬
‫العالم وأجنبيّا من هذه الشّهوات البهيميّة ‪ ،‬وإنّما الموافق له طبعا هو معرفة اللّه تعالى‬
‫والنّظر إلى وجهه فقط ‪ ،‬فل يتصوّر أن يعرف هذا ما لم يعرف نفسه ولم يعرف ربّه ‪ ،‬فإذا‬
‫حصلت هذه المعارف نار من قلبه بمعرفة اللّه حبّ اللّه وبمعرفة الخرة شدّة الرّغبة فيها ‪،‬‬
‫وبمعرفة الدّنيا الرّغبة عنها ‪ ،‬ويصير أه ّم أموره ما يوصّله إلى اللّه تعالى وينفعه في‬
‫الخرة ‪ ،‬وإذا غلبت هذه الرادة على قلبه صحّت نيّته في المور كلّها ‪ ،‬واندفع عنه كلّ‬
‫الغرور ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العلم ‪ :‬والمراد أنّه إذا غلب ح ّ‬
‫ب اللّه تعالى على قلب النسان لمعرفته به وبنفسه‬
‫احتاج إلى العلم بما يقرّبه من اللّه وما يبعده عنه ‪ ،‬فإذا أحاط بجميع ذلك أمكنه الحذر من‬
‫الغرور ‪.‬‬

‫غَريم *‬
‫انظر ‪ :‬إفلس ‪ ،‬قسمة ‪.‬‬

‫غزَل *‬
‫َ‬
‫انظر ‪ :‬تشبيب ‪.‬‬

‫غزْو *‬
‫َ‬
‫انظر ‪ :‬جهاد ‪.‬‬

‫غسَالة *‬
‫ُ‬
‫انظر ‪ :‬مياه ‪.‬‬

‫غسْل *‬
‫ُ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ضمّ اسم ‪.‬‬
‫‪ -‬الغسل لغةً ‪ :‬مصدر غسله يغسله ويضمّ ‪ ،‬أو بالفتح مصدر وبال ّ‬ ‫‪1‬‬

‫والغِسل بالكسر ‪ :‬ما يغسل به الرّأس من خطميّ ونحو ذلك ‪.‬‬


‫ويأتي الغسل بمعنى التّطهير ‪ ،‬يقال ‪ :‬غسل اللّه حوبتك أي خطيئتك ‪.‬‬
‫والغسل في الصطلح ‪ :‬استعمال ماء طهور في جميع البدن على وجه مخصوص بشروط‬
‫وأركان ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الطّهارة ‪:‬‬
‫‪ -‬الطّهارة لغةً ‪ :‬النّظافة والنّزاهة عن النجاس والدناس ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫واصطلحا عرّفها الحنابلة بأنّها ‪ :‬ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال النّجس ‪.‬‬
‫فالطّهارة أعمّ من الغسل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬الوَضوء ‪ -‬بالفتح ‪ -‬في اللّغة الماء الّذي يتوضّأ به ‪ ،‬وهو أيضا المصدر من توضّأت‬ ‫‪3‬‬

‫ض ّم ‪ -‬الفعل ‪.‬‬
‫للصّلة ‪ .‬والوُضوء ‪ -‬بال ّ‬
‫واصطلحا هو ‪ :‬استعمال ماء طهور في العضاء الربعة على صفة مخصوصة ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫طهّرُواْ }‬
‫‪ -‬الغسل مشروع بالكتاب والسّنّة ‪ ،‬أمّا الكتاب فقوله تعالى ‪َ { :‬وإِن كُنتُمْ جُنُبا فَا ّ‬ ‫‪4‬‬

‫طهّ ْرنَ } أي اغتسلن ‪.‬‬


‫طهُرْنَ فَإِذَا َت َ‬
‫ن حَ ّتىَ َي ْ‬
‫وقوله تعالى { َو َل َتقْرَبُوهُ ّ‬
‫س الختان‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا جلس بين شعبها الربع ‪ ،‬وم ّ‬
‫وأمّا السّنّة فقول النّب ّ‬
‫الختان ‪ ،‬فقد وجب الغسل » ‪.‬‬
‫والغسل قد يكون واجبا كغسل الجنابة والحائض ‪ ،‬وقد يكون س ّن ًة كغسل الجمعة والعيدين ‪.‬‬
‫ويفرد الفقهاء للغسال المسنونة فصلً خاصّا ‪ ،‬وستأتي في مصطلحاتها ‪.‬‬
‫موجبات الغسل ‪:‬‬
‫أسباب وجوب الغسل هي ‪:‬‬
‫الوّل ‪ -‬خروج المنيّ ‪:‬‬
‫ي من موجبات الغسل ‪ ،‬بل نقل النّوويّ الجماع على‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ خروج المن ّ‬ ‫‪5‬‬

‫ذلك ‪ ،‬ول فرق في ذلك بين الرّجل والمرأة في النّوم أو اليقظة ‪ ،‬والصل في ذلك حديث أبي‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إنّما الماء من‬
‫سعيد الخدريّ رضي ال تعالى عنه أ ّ‬
‫الماء » ‪ ،‬ومعناه ‪ -‬كما حكاه النّوويّ ‪ -‬يجب الغسل بالماء من إنزال الماء الدّافق وهو‬
‫ي اللّه صلى ال عليه وسلم عن‬
‫المنيّ ‪ ،‬وعن أمّ سليم رضي ال عنها « أنّها سألت نب ّ‬
‫المرأة ترى في منامها ما يرى الرّجل ؟ فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إذا رأت‬
‫ذلك المرأة فلتغتسل ‪ ،‬فقالت أمّ سليم واستحييت من ذلك ‪ ،‬قالت ‪ :‬وهل يكون هذا ؟ فقال‬
‫نبيّ اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬نعم ‪ ،‬فمن أين يكون الشّبه ؟ ‪ ،‬إنّ ماء الرّجل غليظ‬
‫أبيض ‪ ،‬وماء المرأة رقيق أصفر ‪ ،‬فمن أيّهما عل أو سبق يكون منه الشّبه » ‪ ،‬وفي لفظ‬
‫ق ‪ ،‬فهل على المرأة من غسل إذا‬
‫أنّها قالت ‪ « :‬يا رسول اللّه إنّ اللّه ل يستحيي من الح ّ‬
‫احتلمت ؟ فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬نعم إذا رأت الماء » ‪.‬‬
‫واشترط الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ليجاب الغسل بخروج المنيّ كونه عن شهوة ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬لو انفصل ‪ -‬أي المنيّ ‪ -‬بضرب أو حمل ثقيل على ظهره فل غسل‬
‫عندنا‪ .‬وقال الدّردير ‪ :‬وإن خرج بل لذّة بل سلسا أو بضربة أو طربة أو لدغة عقرب فل‬
‫ص المالكيّة على أنّه إذا خرج المنيّ بلذّة غير معتادة فإنّه ل يجب الغسل ‪،‬‬
‫غسل ‪ .‬ون ّ‬
‫كنزوله بماء حارّ فأحسّ بمبادئ اللّذّة واستدام حتّى أنزل ‪ ،‬وكحكّة لجرب بذكره ‪ ،‬أو هزّ‬
‫دا ّبةً له ‪ ،‬فل غسل عليه إلّ أن يحسّ بمبادئ اللّذّة فيستديم فيها حتّى يمني فيجب عليه‬
‫الغسل ‪ ،‬أمّا لو كان الجرب بغير ذكره فالظّاهر عدم وجوب الغسل ‪.‬‬
‫ولم يشترط الشّافعيّة الشّهوة ‪ ،‬وقالوا بوجوب الغسل بخروج المنيّ مطلقا ‪.‬‬
‫وشرط أبو يوسف الدّفق أيضا ‪ ،‬ولم يشترطه أبو حنيفة ومحمّد ‪ ،‬وأثر الخلف يظهر فيما‬
‫لو احتلم أو نظر بشهوة ‪ ،‬فأمسك ذكره حتّى سكنت شهوته ‪ ،‬ثمّ أرسله فأنزل ‪ ،‬وجب‬
‫الغسل عندهما ل عنده ‪ ،‬قال الحصكفيّ ‪ :‬وبقول أبي يوسف يفتى في ضيف خاف ريبةً أو‬
‫استحيا ‪ ،‬وقال ابن عابدين ‪ :‬قول أبي يوسف قياس وقولهما استحسان ‪ ،‬وإنّه الحوط‬
‫فينبغي الفتاء بقوله في مواضع الضّرورة فقط ‪.‬‬
‫كما اشترط الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ليجاب الغسل خروج المنيّ من العضو ‪ -‬ذكر‬
‫الرّجل وفرج المرأة الدّاخل قال النّوويّ ‪ :‬لو قبّل امرأةً فأحسّ بانتقال المنيّ ونزوله ‪،‬‬
‫فأمسك ذكره فلم يخرج منه في الحال شيء ‪ ،‬ول علم خروجه بعد ذلك فل غسل عليه‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّما الماء من‬
‫عندنا ‪ ،‬وبه قال العلماء كا ّفةً ‪ ،‬ودليله قول النّب ّ‬
‫ن من أحسّ بالحدث كالقرقرة والرّيح ‪ ،‬ولم يخرج منه‬
‫ن العلماء مجمعون على أ ّ‬
‫الماء » ول ّ‬
‫شيء ل وضوء عليه ‪ ،‬فكذا هنا ‪.‬‬
‫ولم يشترط الحنابلة الخروج ‪ ،‬بل أوجبوا الغسل بالحساس بالنتقال ‪ ،‬فلو أحسّ رجل أو‬
‫ي فحبسه فلم يخرج ‪ ،‬وجب الغسل كخروجه ؛ لنّ الجنابة أصلها البعد ‪،‬‬
‫امرأة بانتقال المن ّ‬
‫ب } أي البعيد ‪ ،‬ومع النتقال قد باعد الماء محلّه ‪ ،‬فصدق‬
‫لقوله تعالى ‪ { :‬وَا ْلجَارِ ا ْلجُنُ ِ‬
‫عليه اسم الجنب ‪ ،‬وإناطةً للحكم بالشّهوة ‪ ،‬وتعليقا له على المظنّة ‪ ،‬إذ بعد انتقاله يبعد‬
‫عدم خروجه ‪ ،‬وأنكر أحمد أن يكون الماء يرجع ‪.‬‬
‫وهناك مسائل تتعلّق بخروج المنيّ منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬رؤية المنيّ من غير تذكّر الحتلم ‪:‬‬
‫ي ‪ ،‬ولم يذكر احتلما فعليه الغسل ‪ ،‬ومن احتلم ولم يجد‬
‫‪ -‬لو استيقظ النّائم ووجد المن ّ‬ ‫‪6‬‬

‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬


‫منيّا فل غسل عليه ‪ ،‬لما روت عائشة رضي ال عنها « أ ّ‬
‫سئل عن الرّجل يجد البلل ول يذكر احتلما ؟ قال ‪ :‬يغتسل ‪ ،‬وعن الرّجل يرى أنّه قد احتلم‬
‫ولم يجد بللً ؟ قال ‪ :‬ل غسل عليه » ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪9‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬احتلم ف ‪- 6/‬‬
‫ب ‪ -‬خروج المنيّ بعد الغسل ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في إيجاب الغسل في حالة خروج المنيّ بعد الغتسال ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫ي ‪ ،‬فإن كان خروجه بعد النّوم أو البول أو‬


‫فذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا اغتسل ثمّ خرج المن ّ‬
‫المشي الكثير فل غسل عليه اتّفاقا ‪ ،‬وإن خرج المنيّ بل شهوة قبل النّوم أو البول أو‬
‫المشي فإنّه يعيد الغسل عند أبي حنيفة ومحمّد خلفا لبي يوسف ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه إن كانت اللّذّة ناشئةً عن غير جماع ‪ ،‬بل بملعبة ‪ ،‬فيجب إعادة‬
‫الغسل عند خروج المنيّ ولو اغتسل قبل خروجه ؛ لنّ غسله لم يصادف محلّا ‪ ،‬وإن كانت‬
‫اللّذّة ناشئةً عن جماع ‪ ،‬بأن غيّب الحشفة ولم ينزل ‪ ،‬ثمّ اغتسل ثمّ أمنى ‪ ،‬فل غسل عليه ؛‬
‫لنّ الجنابة ل يتكرّر غسلها ‪ ،‬ولكن يتوضّأ ‪.‬‬
‫ي على القرب بعد غسله لزمه الغسل‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا أمنى واغتسل ثمّ خرج منه من ّ‬
‫ي أو بعد بوله ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫ثانيا‪ ،‬سواء كان ذلك قبل أن يبول بعد المن ّ‬
‫‪ « :‬إنّما الماء من الماء » ‪ ،‬ولم يفرّق ؛ ولنّه نوع حدث فنقض مطلقا ‪ ،‬كالبول والجماع‬
‫وسائر الحداث ‪.‬‬
‫ي بعد الغسل فل يجب الغسل ثانيا ‪ ،‬لما روى سعيد عن‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه إذا خرج المن ّ‬
‫ابن عبّاس رضي ال عنهما أنّه سئل عن الجنب يخرج منه الشّيء بعد الغسل ؟ قال ‪:‬‬
‫ي واحد فأوجب غسلً واحدا‬
‫يتوضّأ‪ ،‬وكذا ذكره أحمد عن عليّ رضي ال عنه ؛ ولنّه من ّ‬
‫كما لو خرج دفقةً واحدةً ؛ ولنّه خارج لغير شهوة أشبه الخارج لبرد ‪ ،‬وبه علّل أحمد ‪،‬‬
‫قال لنّ الشّهوة ماضية ‪ ،‬وإنّما هو حدث أرجو أن يجزيه الوضوء ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬خروج المنيّ من غير مخرجه المعتاد ‪:‬‬
‫‪ -‬نصّ الحنابلة والشّافعيّة في أصحّ الوجهين على أنّه لو انكسر صلب الرّجل فخرج منه‬ ‫‪8‬‬

‫المنيّ ‪ ،‬ولم ينزل من الذّكر ‪ ،‬فإنّه ل يجب عليه الغسل ‪.‬‬


‫وصرّح الحنابلة بأنّ حكمه كالنّجاسة المعتادة ‪.‬‬
‫قال المتولّي من الشّافعيّة ‪ :‬إذا خرج المنيّ من ثقب في الذّكر غير الحليل ‪ ،‬أو من ثقب في‬
‫النثيين أو الصّلب ‪ ،‬فحيث نقضنا الوضوء بالخارج منه أوجبنا الغسل ‪ ،‬وقطع البغويّ‬
‫بوجوب الغسل بخروجه من غير الذّكر ‪ ،‬قال النّوويّ والصّواب تفصيل المتولّي ‪.‬‬
‫وصرّح ابن عابدين بأنّه لو خرج المنيّ من جرح في الخصية ‪ ،‬بعد انفصاله عن مقرّه‬
‫بشهوة ‪ ،‬فالظّاهر افتراض الغسل ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ -‬التقاء الختانين ‪:‬‬
‫‪ -‬التقاء الختانين من موجبات الغسل بالتّفاق ‪ ،‬لما روى أبو هريرة مرفوعا ‪ « :‬إذا‬ ‫‪9‬‬

‫جلس بين شعبها الربع ‪ ،‬ثمّ جهدها فقد وجب الغسل » وزاد في رواية ‪ « :‬وإن لم ينزل‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا جلس بين‬
‫»‪ ،‬ولما روت عائشة رضي ال عنها أ ّ‬
‫شعبها الربع ‪ ،‬ومسّ الختان الختان فقد وجب الغسل » ‪.‬‬
‫ن ختان الرّجل هو الجلد الّذي‬
‫والتقاء الختانين يحصل بتغييب الحشفة في الفرج ‪ ،‬ذلك أ ّ‬
‫يبقى بعد الختان ‪ ،‬وختان المرأة جلدة كعرف الدّيك فوق الفرج فيقطع منها في الختان ‪،‬‬
‫فإذا غابت الحشفة في الفرج حاذى ختانه ختانها ‪ ،‬وإذا تحاذيا فقد التقيا ‪ ،‬وليس المراد‬
‫بالتقاء الختانين التصاقهما وضمّ أحدهما إلى الخر ‪ ،‬فإنّه لو وضع موضع ختانه على‬
‫موضع ختانها ولم يدخله في مدخل الذّكر لم يجب الغسل ‪ ،‬وقال الدّردير ‪ :‬الحشفة رأس‬
‫الذّكر ‪.‬‬
‫ول ب ّد ليجاب الغسل من تغييب الحشفة بكمالها في الفرج ‪ ،‬فإن غيّب بعضها فل غسل‬
‫عليه‪ ،‬وإن كان مقطوع الحشفة أو كان ممّن لم تخلق له حشفة فيعتبر قدرها ‪ ،‬قال النّوويّ‬
‫‪ :‬إذا قطع بعض الذّكر ‪ ،‬فإن كان الباقي دون قدر الحشفة لم يتعلّق به شيء من الحكام ‪،‬‬
‫وإن كان قدرها فقط تعلّقت الحكام بتغييبه كلّه دون بعضه ‪ ،‬وإن كان أكثر من قدر الحشفة‬
‫فوجهان مشهوران ‪ :‬أحدهما ‪ :‬أنّه ل يتعلّق الحكم ببعضه ‪ ،‬ول يتعلّق إلّ بتغييب جميع‬
‫ي ونقله الماورديّ عن نصّ الشّافعيّ ‪ ،‬ثانيهما ‪ :‬تعلّق الحكم‬
‫الباقي ‪ ،‬وهذا ما رجّحه الشّاش ّ‬
‫بقدر الحشفة منه ‪ ،‬ورجّحه الكثرون ‪ ،‬وقطع به الفورانيّ وإمام الحرمين والغزاليّ‬
‫والبغويّ وصحّحه الرّافعيّ وغيره ‪ ،‬ونقل صاحب الدّ ّر عن الشباه أنّه لو لم يبق منه قدر‬
‫الحشفة لم يتعلّق به حكم ‪.‬‬
‫‪ -‬واختلف الفقهاء في تحديد الفرج الّذي يجب الغسل بتغييب الحشفة فيه ‪ ،‬فذهب‬ ‫‪10‬‬

‫المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يجب الغسل بتغييب الحشفة في مطلق الفرج ‪ ،‬سواء‬
‫كان لنسان أو حيوان ‪ ،‬قبل أو دبر ‪ ،‬ذكر أو أنثى ‪ ،‬حيّ أو ميّت ‪.‬‬
‫لكنّ المالكيّة شرطوا إطاقة ذي الفرج سواء كان آدميّا أو غيره ‪ ،‬فإن لم يطق فل غسل‬
‫على ذي الحشفة المغيّب ما لم ينزل ‪.‬‬
‫ووافق الحنفيّة الجمهور في ذلك ‪ ،‬إلّ أنّهم استثنوا فرج البهيمة والميتة ‪ ،‬والصّغيرة غير‬
‫المشتهاة ‪ ،‬والعذراء إن لم يزل عذرتها إذا لم يحصل إنزال ‪ ،‬وذلك لقصور الشّهوة في‬
‫البهيمة والميتة والصّغيرة غير المشتهاة الّتي أقيمت مقام النزال في وجوب الغسل عند‬
‫اليلج ‪ ،‬وعلمة الصّغيرة غير المشتهاة ‪ :‬أن تصير مفضاةً بالوطء ‪.‬‬
‫‪ -‬واختلف الفقهاء في اشتراط التّكليف في وجوب الغسل ‪.‬‬ ‫‪11‬‬

‫فذهب الحنفيّة إلى اشتراط التّكليف ‪ -‬العقل والبلوغ ‪ -‬في وجوب الغسل ‪ ،‬فإن كان أحدهما‬
‫مكلّفا فعليه الغسل فقط دون الخر ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬المغيّب إن كان بالغا وجب الغسل عليه ‪ ،‬وكذا على المغيّب فيه إن كان‬
‫بالغا‪ ،‬وإلّ وجب على المغيّب دون المغيّب فيه فإن كان المغيّب غير بالغ لم يجب عليه ول‬
‫على من غيّب فيه ‪ ،‬سواء كان بالغا أم ل ما لم ينزل بذلك المغيّب فيه ‪ ،‬وإلّ وجب عليه‬
‫الغسل للنزال‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬الصّبيّ إذا أولج في امرأة أو دبر رجل ‪ ،‬أو أولج رجل في دبره ‪ ،‬يجب‬
‫ي فعليها الغسل ‪ ،‬ويصير‬
‫الغسل على المرأة والرّجل ‪ ،‬وكذا إذا استدخلت امرأة ذكر صب ّ‬
‫ي ‪ ،‬وكذا لو أولج‬
‫الصّبيّ في كلّ هذه الصّور جنبا ‪ ،‬وكذا الصّبيّة إذا أولج فيها رجل أو صب ّ‬
‫ح صلته ما‬
‫ي المميّز وغيره ‪ ،‬وإذا صار جنبا ل تص ّ‬
‫صبيّ في صبيّ ‪ ،‬وسواء في هذا الصّب ّ‬
‫لم يغتسل ‪ ،‬ول يقال ‪ :‬يجب عليه الغسل ‪ ،‬كما ل يقال ‪ :‬يجب عليه الوضوء ‪ ،‬بل يقال ‪:‬‬
‫ي أن يأمره بالغسل إن كان مميّزا ‪.‬‬
‫صار محدثا ‪ ،‬ويجب على الول ّ‬
‫ولم يشترط الحنابلة التّكليف لوجوب الغسل ‪ ،‬فيجب الغسل على المجامع غير البالغ ‪ -‬إن‬
‫ل كان أو مفعولً به إذا أراد ما يتوقّف على‬
‫كان يجامع مثله كابنة تسع وابن عشر ‪ -‬فاع ً‬
‫الغسل ‪ ،‬قال البهوتيّ ‪ :‬وليس معنى وجوب الغسل في حقّ الصّغير التّأثيم بتركه ‪ ،‬بل معناه‬
‫س المصحف ‪ ،‬كما نصّوا على وجوب الغسل‬
‫أنّه شرط لصحّة الصّلة أو الطّواف أو إباحة م ّ‬
‫ن موجب الطّهارة ل يشترط فيه القصد كسبق الحدث ‪.‬‬
‫على المجنون والمجنونة ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫وهناك مسائل تتعلّق بالتقاء الختانين نذكر منها ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬اليلج بحائل ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الغسل من اليلج بحائل ‪.‬‬ ‫‪12‬‬

‫فذهب المالكيّة وبعض الحنفيّة إلى أنّه ل يجب الغسل على من أولج حشفته أو قدرها‬
‫ملفوفةً بخرقة كثيفة تمنع اللّذّة ‪ ،‬فإن كانت الخرقة رقيقةً بحيث يجد معها اللّذّة وحرارة‬
‫الفرج فإنّه يجب عليه الغسل ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة في الصّحيح وبعض الحنفيّة إلى أنّه يجب عليه الغسل في الخرقة الكثيفة ؛‬
‫س الختان‬
‫لنّه يسمّى مولجا ‪ ،‬ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا التقى الختانان ‪ ،‬أو م ّ‬
‫الختان فقد وجب الغسل » قال الحصكفيّ ‪ :‬والحوط الوجوب ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬والظّاهر‬
‫أنّه اختيار للقول بالوجوب ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه ل يجب الغسل على من أولج بحائل مطلقا ‪ ،‬من غير أن ينصّوا على‬
‫كون الحائل رقيقا أو كثيفا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬اليلج في فرج غير أصليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اشترط الفقهاء في وجوب الغسل باليلج في الفرج ‪ :‬أن يكون الفرج أصليّا ‪،‬‬ ‫‪13‬‬

‫احترازا من فرج الخنثى المشكل ‪ ،‬وصرّح الفقهاء بأنّه ل غسل على الخنثى المشكل‬
‫بإيلجه في قبل أو دبر ؛ لجواز كونه امرأةً وهذا الذّكر منه زائد ‪ ،‬فيكون كالصبع الزّائد ‪،‬‬
‫كما أنّه ل غسل على من جامعه في قبله ؛ لجواز أن يكون رجلً ‪ ،‬ففرجه كالجرح ‪ ،‬فل‬
‫يجب باليلج فيه غسل بمجرّده ‪ ،‬أمّا لو جامعه رجل في دبره وجب الغسل عليهما لعدم‬
‫الشكال في الدّبر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وطء الجنّ ‪:‬‬
‫ن‪.‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الغسل من وطء الج ّ‬ ‫‪14‬‬

‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه ل يجب الغسل من إتيان الجنّ للمرأة ‪ ،‬وإتيان الرّجل‬
‫للجنّيّة‪ ،‬إذا لم يكن إنزال ‪.‬‬
‫ل عن المحيط ‪ :‬لو قالت ‪ :‬معي جنّيّ يأتيني مرارا وأجد ما أجد إذا‬
‫قال ابن عابدين نق ً‬
‫جامعني زوجي ل غسل عليها لنعدام سببه ‪ ،‬وهو اليلج أو الحتلم ‪.‬‬
‫واستثنى الحنفيّة ما إذا ظهر لها في صورة الدميّ فإنّه يجب الغسل ‪ ،‬وكذا إذا ظهر للرّجل‬
‫جنّيّة في صورة آدميّة فوطئها ‪ ،‬وذلك لوجود المجانسة الصّوريّة المفيدة لكمال السّببيّة ‪.‬‬
‫ي النسيّة فهل يجب عليها الغسل ؟ لم يذكر‬
‫وقال السّيوطيّ من الشّافعيّة ‪ :‬لو وطئ الجنّ ّ‬
‫ذلك أصحابنا ‪ ،‬وعن بعض الحنفيّة والحنابلة أنّه ل غسل عليها ؛ لعدم تحقّق اليلج‬
‫والنزال فهو كالمنام بغير إنزال ‪ ،‬قال السّيوطيّ ‪ :‬وهو الجاري على قواعدنا ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى وجوب الغسل على المرأة لو قالت ‪ :‬بي جنّيّ يجامعني كالرّجل ‪ ،‬وكذا‬
‫الرّجل لو قال ‪ :‬بي جنّيّة أجامعها كالمرأة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬إيلج ذكر غير الدميّ ‪:‬‬
‫ي‪.‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الغسل من إيلج ذكر غير الدم ّ‬ ‫‪15‬‬

‫فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى وجوب الغسل من إيلج ذكر غير الدميّ كالبهيمة ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه ل غسل من إيلج ذكر غير الدميّ ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬وطء الميّت ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى وجوب الغسل على المولج في فرج الميّت‬ ‫‪16‬‬

‫لعموم الدلّة ‪ ،‬ول يعاد غسل الميّت المغيّب فيه عند المالكيّة ‪ ،‬وفي الصحّ عند الشّافعيّة‬
‫لعدم التّكليف ‪ ،‬وقال الحنابلة ‪ :‬يعاد غسل الميّتة الموطوءة ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه ل غسل في وطء الميّتة ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في وجوب الغسل على المرأة فيما لو استدخلت ذكر ميّت في فرجها ‪:‬‬
‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه ل يجب الغسل على المرأة لو أدخلت ذكر ميّت في فرجها‬
‫ما لم تنزل ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى وجوب الغسل عليها ‪.‬‬
‫و ‪ -‬وصول المنيّ إلى الفرج من غير إيلج ‪:‬‬
‫ي إلى‬
‫‪ -‬نصّ الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة على أنّه ل غسل على المرأة إذا وصل المن ّ‬ ‫‪17‬‬

‫فرجها ما لم تنزل ؛ لفقد اليلج والنزال ‪.‬‬


‫قال الحنفيّة ‪ :‬فإن حبلت منه وجب الغسل لنّه دليل النزال ‪ ،‬وتظهر فائدته في إعادة ما‬
‫صلّت بعد وصول المنيّ إلى فرجها إلى أن اغتسلت بسبب آخر ‪ ،‬قال صاحب القنية ‪ :‬ول‬
‫شكّ أنّه مبنيّ على وجوب الغسل عليها بمجرّد انفصال منيّها إلى رحمها وهو خلف الصحّ‬
‫الّذي هو ظاهر الرّواية ‪.‬‬
‫ن حملها منه بعد‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إذا حملت اغتسلت وأعادت الصّلة من يوم وصوله ‪ ،‬ل ّ‬
‫ي على ضعيف‬
‫انفصال منيّها من محلّه بلذّة معتادة ‪ ،‬قال الدّسوقيّ ‪ :‬هذا الفرع مشهور مبن ّ‬
‫‪.‬‬
‫وهناك مسائل ذكرها بعض الفقهاء نذكر منها ما يلي ‪:‬‬
‫أولً ‪ -‬صرّح المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بأنّه ل يجب الغسل في السّحاق ‪ -‬إتيان المرأة‬
‫المرأة ‪ -‬إذا لم يحصل إنزال ‪.‬‬
‫ن في وجوب الغسل بإدخال الصبع في القبل أو‬
‫ثانيا ‪ -‬قال صاحب القنية من الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫الدّبر خلفا ‪ ،‬والولى أن يوجب إذا كان في القبل إذا قصد الستمتاع لغلبة الشّهوة ؛ لنّ‬
‫الشّهوة فيهنّ غالبة ‪ ،‬فيقام السّبب مقام المسبّب ‪ ،‬وهو النزال ‪ ،‬دون الدّبر لعدمها ‪ ،‬ومثل‬
‫هذا ما يصنع من خشب ونحوه على صورة الذّكر ‪ ،‬ووافقه على ذلك ابن عابدين ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل ينقض وضوء المرأة بمسّها لفرجها ولو ألطفت ‪ ،‬أي أدخلت أصبعا أو‬
‫أكثر من أصابعها في فرجها ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ -‬الحيض والنّفاس ‪:‬‬
‫ن الحيض والنّفاس من موجبات الغسل ‪ ،‬ونقل ابن المنذر وابن‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪18‬‬

‫جرير الطّبريّ وآخرون الجماع عليه ‪.‬‬


‫ن ا ْل َمحِيضِ ُقلْ ُه َو أَذًى‬
‫ك عَ ِ‬
‫ودليل وجوب الغسل في الحيض قوله تعالى ‪ { :‬وَ َيسْأَلُونَ َ‬
‫ن مِنْ حَيْثُ‬
‫طهّ ْرنَ فَأْتُوهُ ّ‬
‫طهُرْنَ فَإِذَا َت َ‬
‫ن حَ ّتىَ َي ْ‬
‫فَاعْ َتزِلُواْ ال ّنسَاء فِي ا ْل َمحِيضِ َو َل َتقْرَبُوهُ ّ‬
‫َأمَ َركُمُ الّل ُه } أي إذا اغتسلن ‪ ،‬فمنع الزّوج من وطئها قبل غسلها ‪ ،‬فدلّ على وجوبه‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش ‪ « :‬إذا أقبلت الحيضة‬
‫عليها ‪ ،‬ولقول النّب ّ‬
‫فدعي الصّلة ‪ ،‬وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدّم وصلّي » ‪.‬‬
‫ودليل وجوبه في النّفاس الجماع ‪ -‬حكاه ابن المنذر وابن جرير الطّبريّ والمرغيناني من‬
‫الحنفيّة صاحب الهداية ‪ -‬ولنّه حيض مجتمع ؛ ولنّه يحرّم الصّوم والوطء ويسقط فرض‬
‫الصّلة ‪ ،‬فأوجب الغسل كالحيض ‪.‬‬
‫‪ -‬واختلف الفقهاء في الموجب للغسل ‪ ،‬هل هو وجود الحيض والنّفاس أو انقطاعه أو‬ ‫‪19‬‬

‫شيء آخر ؟‬
‫ن الموجب للغسل وجود الحيض ل انقطاعه ‪ ،‬والنقطاع إنّما هو شرط‬
‫فذهب المالكيّة إلى أ ّ‬
‫في صحّة الغسل ‪.‬‬
‫ومثل المالكيّة الحنابلة ‪ ،‬قال البهوتيّ ‪ :‬يجب بالخروج ‪ ،‬وإنّما وجب بالخروج إناطةً للحكم‬
‫ي يدلّ على أنّه يجب بالنقطاع وهو ظاهر‬
‫بسببه ‪ ،‬والنقطاع شرط لصحّته ‪ ،‬وكلم الخرق ّ‬
‫الحاديث ‪.‬‬
‫وقال بعض الحنفيّة ‪ :‬الحيض موجب بشرط انقطاعه ‪.‬‬
‫وقال ابن عابدين ‪ :‬سبب وجوب الغسل إرادة فعل ما ل يحلّ إ ّل به عند عدم ضيق الوقت ‪،‬‬
‫أو عند وجوب ما ل يصحّ معه وذلك عند ضيق الوقت ‪.‬‬
‫ن موجبه النقطاع ‪ ،‬وقال‬
‫واختلفت عبارات الشّافعيّة ‪ ،‬فصحّح النّوويّ في المجموع أ ّ‬
‫ي الخطيب ‪ :‬ويعتبر مع‬
‫القليوبيّ ‪ :‬الخروج موجب والنقطاع شرط لصحّته ‪ ،‬وقال الشّربين ّ‬
‫خروج كلّ منهما ‪ -‬الحيض والنّفاس ‪ -‬وانقطاعه القيام إلى الصّلة أو نحوها كما في‬
‫الرّافعيّ والتّحقيق ‪ ،‬وقال إمام الحرمين وغيره ‪ :‬وليس في هذا الخلف فائدة فقهيّة ‪ ،‬وقال‬
‫ن الحائض إذا أجنبت وقلنا ‪ :‬ل يجب غسل الحيض إ ّل بانقطاع الدّم ‪،‬‬
‫النّوويّ ‪ :‬فائدته أ ّ‬
‫وقلنا بالقول الضّعيف إنّ الحائض ل تمنع قراءة القرآن ‪ ،‬فلها أن تغتسل عن الجنابة‬
‫لستباحة قراءة القرآن ‪.‬‬
‫وذكر صاحب البحر فائدةً أخرى قال ‪ :‬لو استشهدت الحائض في قتال الكفّار قبل انقطاع‬
‫حيضها ‪ ،‬فإن قلنا يجب بالنقطاع لم تغسل ‪ ،‬وإن قلنا بالخروج فهل تغسل ؟ فيه الوجهان‬
‫في غسل الجنب الشّهيد ‪.‬‬
‫وذكر هذه المسألة أيضا البهوتيّ من الحنابلة في شرحه على القناع ‪.‬‬
‫ي الخطيب فائدةً ثالثةً ‪ ،‬وهي فيما إذا قال لزوجته ‪ :‬إن وجب عليك غسل‬
‫وذكر الشّربين ّ‬
‫فأنت طالق ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ -‬الموت ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة وبعض المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الموت من موجبات الغسل ‪،‬‬ ‫‪20‬‬

‫لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم حين توفّيت إحدى بناته ‪ « :‬اغسلنها ثلثا أو خمسا أو‬
‫أكثر من ذلك » ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬وجوب غسل الميّت هو قول‬
‫وذهب بعض المالكيّة إلى سنّيّة غسل الميّت ‪ ،‬قال الدّسوق ّ‬
‫عبد الوهّاب وابن محرز وابن عبد الب ّر ‪ ،‬وشهره ابن راشد وابن فرحون ‪ ،‬وأمّا سنّيّته‬
‫فحكاها ابن أبي زيد وابن يونس وابن الجلّاب وشهره ابن بزيزة ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬تغسيل الميّت ف ‪. ) 2/‬‬
‫الخامس ‪ -‬إسلم الكافر ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ إسلم الكافر موجب للغسل ‪ ،‬فإذا أسلم الكافر وجب‬ ‫‪21‬‬

‫عليه أن يغتسل ‪ ،‬لما روى أبو هريرة رضي ال عنه « أنّ ثمامة بن أثال رضي ال عنه‬
‫ي صلى ال عليه وسلم اذهبوا به إلى حائط بني فلن فمروه أن يغتسل »‬
‫أسلم فقال النّب ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أن يغتسل بماء‬
‫وعن « قيس بن عاصم أنّه أسلم ‪ :‬فأمره النّب ّ‬
‫وسدر » ؛ ولنّه ل يسلم غالبا من جنابة ‪ ،‬فأقيمت المظنّة مقام الحقيقة كالنّوم والتقاء‬
‫الختانين ‪ ،‬ولم يفرّقوا في ذلك بين الكافر الصليّ والمرتدّ ‪ ،‬فيجب الغسل على المرت ّد أيضا‬
‫إذا أسلم ‪ .‬وصرّح المالكيّة بصحّة الغسل قبل النّطق بالشّهادة إذا أجمع بقلبه على السلم ؛‬
‫لنّ إسلمه بقلبه إسلم حقيقيّ متى عزم على النّطق من غير إباء ‪ ،‬لنّ النّطق ليس ركنا‬
‫من اليمان ول شرط صحّة على الصّحيح ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬لو نوى بغسله الجنابة أو الطّهارة أو‬
‫السلم كفاه ؛ لنّ نيّته الطّهر من كلّ ما كان في حال كفره ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬وسواء وجد منه في كفره ما يوجب الغسل من نحو جماع أو إنزال أو ل ‪،‬‬
‫وسواء اغتسل قبل إسلمه أو ل ‪ ،‬فيكفيه غسل السلم سواء نوى الكلّ أو نوى غسل‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لم يستفصل ‪ ،‬ولو‬
‫السلم إلّ أن ينوي ألّ يرتفع غيره ‪ ،‬لنّ النّب ّ‬
‫اختلف الحال لوجب الستفصال ‪ ،‬ووقت وجوب الغسل إذا أسلم أي بعد النّطق بالشّهادتين ‪.‬‬
‫‪ -‬وذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى استحباب الغسل للكافر إذا أسلم وهو غير جنب ‪ ،‬لما‬ ‫‪22‬‬

‫روي أنّه « لمّا أسلم قيس بن عاصم رضي ال عنه أمره رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫أن يغتسل » ‪ ،‬ول يجب ذلك ؛ لنّه أسلم خلق كثير ولم يأمرهم النّب ّ‬
‫بالغسل ‪.‬‬
‫وإذا أسلم الكافر وهو جنب وجب عليه الغسل ‪ ،‬قال النّوويّ ‪ :‬نصّ عليه الشّافعيّ واتّفق‬
‫عليه جماهير الصحاب ‪.‬‬
‫وقال الكمال بن الهمام ‪ :‬الصحّ وجوب الغسل عليه لبقاء صفة الجنابة السّابقة بعد‬
‫السلم ‪ ،‬فل يمكنه أداء المشروط بزوالها إلّ به ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل يجب لنّهم غير مخاطبين‬
‫بالفروع ولم يوجد بعد السلم جنابة ‪.‬‬
‫ونصّ الحنفيّة على أنّه لو حاضت الكافرة فطهرت ثمّ أسلمت فل غسل عليها ‪ ،‬ولو أسلمت‬
‫ن صفة الجنابة باقية بعد‬
‫حائضا ث ّم طهرت وجب عليها الغسل ‪ ،‬والفرق بينها وبين الجنب أ ّ‬
‫السلم فكأنّه أجنب بعده ‪ ،‬والنقطاع في الحيض هو السّبب ولم يتحقّق بعده ‪ .‬قال قاضي‬
‫خان ‪ :‬والحوط وجوب الغسل ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة وجهان فيما لو اغتسل حال كفره هل يجب إعادته ؟ أحدهما ‪ :‬ل تجب‬
‫إعادته لنّه غسل صحيح ‪ ،‬بدليل أنّه تعلّق به إباحة الوطء في حقّ الحائض إذا طهرت فلم‬
‫تجب إعادته كغسل المسلمة ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬وهو الصحّ ‪ -‬تجب إعادته لنّه عبادة محضة فلم‬
‫تصحّ من الكافر في حقّ اللّه تعالى كالصّوم والصّلة ‪ ،‬نصّ عليه الشّافعيّ وقطع به القاضي‬
‫أبو الطّيّب وآخرون ‪ ،‬قال النّوويّ ‪ :‬ول فرق في هذا بين الكافر المغتسل في الكفر والكافرة‬
‫المغتسلة لحلّها لزوجها المسلم ‪ ،‬فالصحّ في الجميع وجوب العادة ‪.‬‬
‫فرائض الغسل ‪:‬‬
‫الولى ‪ -‬ال ّنيّة ‪:‬‬
‫ي صلى‬
‫ن النّيّة فرض في الغسل ‪ ،‬لقول النّب ّ‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬ ‫‪23‬‬

‫ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّما العمال بالنّيّات » ويكفي فيها نيّة رفع الحدث الكبر أو استباحة‬
‫الصّلة ونحوها ‪.‬‬
‫ن النّيّة في الغسل سنّة وليست بفرض ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬نيّة )‬
‫الثّانية ‪ -‬تعميم الشّعر والبشرة بالماء ‪:‬‬
‫ن تعميم الشّعر والبشرة بالماء من فروض الغسل لحديث عائشة‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪24‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل‬


‫ن النّب ّ‬
‫رضي ال عنها « أ ّ‬
‫يديه ‪ ،‬ثمّ يتوضّأ كما يتوضّأ للصّلة ‪ ،‬ثمّ يدخل أصابعه في الماء فيخلّل بها أصول شعره ‪،‬‬
‫ثمّ يصبّ على رأسه ثلث غرف بيديه ‪ ،‬ثمّ يفيض على جلده كلّه » وعن ميمونة رضي ال‬
‫عنها قالت « توضّأ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وضوءه للصّلة غير رجليه ‪ ،‬وغسل‬
‫فرجه وما أصابه من الذى ‪ ،‬ثمّ أفاض عليه الماء ‪ ،‬ثمّ نحّى رجليه فغسلهما ‪ ،‬هذه غسله‬
‫من الجنابة » ولما روى جبير بن مطعم رضي ال عنه قال ‪ « :‬تذاكرنا غسل الجنابة عند‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أمّا أنا فآخذ ملء‬
‫كفّي ثلثا فأصبّ على رأسي ‪ ،‬ثمّ أفيضه بعد على سائر جسدي » ‪.‬‬
‫ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ تحت كلّ شعرة جنابةً ‪ ،‬فاغسلوا الشّعر وأنقوا البشر‬
‫»‪.‬‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬إفاضة الماء على جميع البدن شعره وبشره واجب بل خلف ‪ ،‬ومن ثمّ يجب‬
‫إيصال الماء إلى كلّ ظاهر الجسد ومنه ما تحت الشّعرة ‪ ،‬سواء كان الشّعر الّذي على‬
‫البشرة خفيفا أو كثيفا يجب إيصال الماء إلى جميعه وجميع البشرة تحته بل خلف ‪.‬‬
‫سرّة ‪ ،‬وتحت ذقنه ‪ .‬وتحت‬
‫وقد نبّه الفقهاء إلى مواضع قد ل يصل إليها الماء كعمق ال ّ‬
‫جناحيه ‪ ،‬وما بين أليتيه ‪ ،‬وما تحت ركبتيه ‪ ،‬وأسافل رجليه ‪ ،‬ويخلّل أصابع يديه ورجليه ‪.‬‬
‫ويخلّل شعر لحيته وشعر الحاجبين والهدب والشّارب والبط والعانة ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬يجب غسل كلّ ما يمكن بل حرج ‪ ،‬كأذن وسرّة وشارب وحاجب وإن كثف ‪،‬‬
‫ولحية وشعر رأس ولو متلبّدا ‪ ،‬وفرج خارج ‪ ،‬وأمّا الفرج الدّاخل فل يغسل لنّه باطن ‪،‬‬
‫ول تدخل أصبعها في قبلها ‪ ،‬ول يجب غسل ما فيه حرج كعين وثقب انضمّ بعد نزع القرط‬
‫وصار بحال إن أمرّ عليه الماء يدخله ‪ ،‬وإن غفل ل ‪ ،‬فل ب ّد من إمراره ‪ ،‬ول يتكلّف لغير‬
‫المرار من إدخال عود ونحوه فإنّ الحرج مرفوع ‪.‬‬
‫وهناك مسائل تتعلّق بتعميم البشرة والشّعر بالماء نذكر منها ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المضمضة والستنشاق ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى وجوب المضمضة والستنشاق في الغسل ‪ ،‬قال الحنابلة ‪:‬‬ ‫‪25‬‬

‫الفم والنف من الوجه لدخولهما في حدّه فتجب المضمضة والستنشاق في الطّهارة الكبرى‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫والصّغرى فل يسقط واحد منهما ‪ .‬لما روت عائشة رضي ال عنها أ ّ‬
‫وسلم قال ‪ « :‬المضمضة والستنشاق من الوضوء الّذي ل بدّ منه » ‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة رضي ال عنه أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم « أمر بالمضمضة‬
‫والستنشاق » ‪ .‬ولنّ الفم والنف في حكم الظّاهر ‪ ،‬بدليل أنّ الصّائم ل يفطر بوصول‬
‫شيء إليهما ‪ ،‬ويفطر بعود القيء بعد وصوله إليهما ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى عدم وجوب المضمضة والستنشاق في الغسل ‪ ،‬لنّ الفم‬
‫والنف ليسا من ظاهر الجسد فل يجب غسلهما ‪ ،‬واعتبروا غسلهما من سنن الغسل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬نقض الضّفائر ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه ل يجب نقض الضّفائر في الغسل إذا كان‬ ‫‪26‬‬

‫الماء يصل إلى أصولها ‪ ،‬والصل فيه حديث أمّ سلمة رضي ال عنها قالت ‪ « :‬قلت ‪ :‬يا‬
‫رسول اللّه إنّي امرأة أشدّ ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬إنّما يكفيك أن‬
‫تحثي على رأسك ثلث حثيات ‪ ،‬ثمّ تفيضين عليك الماء فتطهرين » فإذا لم يصل الماء إلى‬
‫أصول الضّفائر فإنّه يجب نقضها في الجملة ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬وإذا لم يبت ّل أصلها ‪ ،‬بأن كان متلبّدا أو غزيرا أو مضفورا ضفرا شديدا ل‬
‫ينفذ فيه الماء يجب نقضها ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل يجب نقض الضّفائر ما لم يشت ّد بنفسه أو ضفّر بخيوط كثيرة ‪ -‬سواء‬
‫اشتدّ الضّفر أم ل ‪ -‬والمراد بها ما زاد على الثنين في الضّفيرة ‪ ،‬وكذا ما ضفر بخيط أو‬
‫خيطين مع الشتداد ‪ ،‬وصرّحوا بوجوب ضغث مضفور الشّعر ‪ -‬أي جمعه وضمّه‬
‫ي ‪ :‬وإن كانت عروسا تزيّن شعرها ‪ ،‬وفي البنانيّ‬
‫وتحريكه‪ -‬ليداخله الماء ‪ ،‬قال الدّسوق ّ‬
‫وغيره ‪ :‬أنّ العروس الّتي تزيّن شعرها ليس عليها غسل رأسها لما في ذلك من إتلف‬
‫المال ‪ ،‬ويكفيها المسح عليه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يجب نقض الضّفائر إن لم يصل الماء إلى باطنها إلّ بالنّقض ‪ ،‬بخلف ما‬
‫تعقّد بنفسه فل يجب نقضه وإن كثر ‪ ،‬فإن كان بفعل عفي عن قليله ‪ ،‬ولو بقي من أطراف‬
‫ل شيء ولو واحدةً بل غسل ‪ ،‬ثمّ أزالها بقصّ أو نتف مثلً لم يكف ‪ ،‬فل بدّ من‬
‫شعره مث ً‬
‫ي رضي ال عنه أنّ‬
‫غسل موضعها ‪ ،‬بخلف ما لو أزاله بعد غسلها ‪ .‬لما روي عن عل ّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل به كذا‬
‫وكذا من النّار » قال عليّ ‪ :‬فمن ثمّ عاديت شعر رأسي ‪.‬‬
‫ونصّ المالكيّة والشّافعيّة على أنّ الرّجل كالمرأة في ذلك ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬ل يكفي للرّجل ب ّل ضفيرته فينقضها وجوبا لعدم الضّرورة وللحتياط‬
‫ولمكان حلقه ‪ ،‬وفي رواية ل يجب نظرا إلى العادة ‪.‬‬
‫ووافق الحنابلة الجمهور في عدم وجوب نقض الشّعر المضفور في غسل الجنابة إذا روت‬
‫أصوله ‪ ،‬وخالفوهم في غسل الحيض والنّفاس حيث قالوا بوجوب النّقض ‪ ،‬ودليل ذلك‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال لها ‪ «:‬انقضي شعرك‬
‫حديث عائشة رضي ال عنها أنّ النّب ّ‬
‫وامتشطي»‪ ،‬ول يكون المشط إلّ في شعر غير مضفور ؛ ولنّ الصل وجوب نقض الشّعر‬
‫لتحقّق وصول الماء إلى ما يجب غسله ‪ .‬فعفي عنه في غسل الجنابة ؛ لنّه يكثر فشقّ ذلك‬
‫فيه ‪ ،‬والحيض بخلفه ‪ ،‬فبقي على الصل في الوجوب ‪ ،‬والنّفاس في معنى الحيض ‪ ،‬وقال‬
‫ابن قدامة ‪ :‬قال بعض أصحابنا هذا مستحبّ غير واجب وهو قول أكثر الفقهاء ‪ ،‬وهو‬
‫الصّحيح إن شاء اللّه لنّ في بعض ألفاظ حديث أمّ سلمة أنّها قالت للنّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم « إنّي امرأة أشدّ ضفر رأسي فأنقضه للحيضة والجنابة ؟ فقال ‪ :‬ل ‪ ،‬إنّما يكفيك أن‬
‫تحثي على رأسك ثلث حثيات ‪ ،‬ثمّ تفيضين عليك الماء فتطهرين » وهي زيادة يجب قبولها‬
‫‪ ،‬وهذا صريح في نفي الوجوب ‪.‬‬
‫الثّالثة ‪ -‬الموالة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الموالة هل هي من فرائض الغسل أو من سننه ؟‬ ‫‪27‬‬

‫فذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى سنّيّة الموالة في غسل جميع أجزاء البدن لفعل‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ونصّ الحنابلة على أنّه إذا فاتت الموالة قبل إتمام الغسل ‪ ،‬بأن جفّ ما غسله من بدنه‬
‫بزمن معتدل وأراد أن يت ّم غسله ‪ ،‬جدّد لتمامه ن ّي ًة وجوبا ‪ ،‬لنقطاع النّيّة بفوات الموالة ‪،‬‬
‫فيقع غسل ما بقي بدون نيّة ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ الموالة من فرائض الغسل ‪.‬‬
‫الرّابعة ‪ -‬الدّلك ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ دلك العضاء في الغسل سنّة وليس بفرض‪،‬‬ ‫‪28‬‬

‫« لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم لبي ذرّ رضي ال عنه ‪ :‬فإذا وجدت الماء فأمسّه جلدك‬
‫» ولم يأمره بزيادة ‪ ،‬ولقوله صلى ال عليه وسلم لمّ سلمة « إنّما يكفيك أن تحثي على‬
‫رأسك ثلث حثيات ‪ ،‬ثمّ تفيضين عليك الماء فتطهرين » ‪ ،‬ولنّه غسل فل يجب إمرار اليد‬
‫فيه ‪ ،‬كغسل الناء من ولوغ الكلب ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والمزنيّ من الشّافعيّة إلى أنّ الدّلك فريضة من فرائض الغسل ‪ ،‬واحتجّوا‬
‫ن التّيمّم‬
‫ن الغسل هو إمرار اليد ‪ ،‬ول يقال لواقف في المطر اغتسل ‪ ،‬وقال المزنيّ ‪ :‬ول ّ‬
‫بأ ّ‬
‫يشترط فيه إمرار اليد فكذا هنا ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬هو واجب لنفسه ل ليصال الماء للبشرة ‪ ،‬فيعيد تاركه أبدا ‪ ،‬ولو تحقّق‬
‫وصول الماء للبشرة لطول مكثه مثلً في الماء ‪ ،‬قال الدّسوقيّ ‪ :‬هذا هو المشهور في‬
‫ي الجهوريّ لقوّة‬
‫المذهب ‪ ،‬وقال بعضهم ‪ :‬إنّه واجب ليصال الماء للبشرة ‪ ،‬واختاره عل ّ‬
‫مدركه ‪ ،‬ونصّوا على أنّه ل يشترط مقارنة الدّلك للماء ‪ ،‬بل يجزئ ولو بعد صبّ الماء‬
‫وانفصاله ما لم يجفّ الجسد ‪ ،‬فل يجزئ الدّلك في هذه الحالة لنّه صار مسحا ل غسلً ‪،‬‬
‫وصرّحوا بجواز الدّلك بالخرقة ‪ ،‬يمسك طرفها بيده اليمنى والطّرف الخر باليسرى ويدلّك‬
‫بوسطها ‪ ،‬فإنّه يكفي ذلك ولو مع القدرة على الدّلك باليد ‪ ،‬وكذا لو لفّ الخرقة على يده‬
‫أو أدخل يده في كيس فدلّك به ‪ ،‬والمعتمد أنّه متى تعذّر الدّلك باليد سقط عنه ‪ ،‬ول يجب‬
‫عليه الدّلك بالخرقة ول الستنابة ‪.‬‬
‫سنن الغسل ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّسمية ‪:‬‬
‫ن التّسمية سنّة من سنن الغسل ‪ ،‬وعدّها المالكيّة من‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أ ّ‬ ‫‪29‬‬

‫المندوبات ‪ ،‬لعموم حديث ‪ « :‬كلّ أمر ذي بال ل يبدأ فيه ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم فهو‬
‫أقطع» ‪.‬‬
‫ب التّسمية‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬وفيه وجه حكاه القاضي حسين والمتولّي وغيرهما أنّه ل تستح ّ‬
‫ن التّسمية ذكر ‪ ،‬ول يكون قرآنا إلّ بالقصد ‪.‬‬
‫للجنب ‪ ،‬وهذا ضعيف ل ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل وضوء لمن لم‬
‫وذهب الحنابلة إلى وجوب التّسمية لقول النّب ّ‬
‫يذكر اسم اللّه عليه » قياسا لحدى الطّهارتين على الخرى ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬ظاهر مذهب أحمد أنّ التّسمية مسنونة في طهارة الحداث كلّها ‪ ،‬وعنه‬
‫أنّها واجبة فيها كلّها ‪ :‬الغسل والوضوء والتّيمّم ‪.‬‬
‫وقال الخلّال ‪ :‬الّذي استقرّت الرّوايات عنه أنّه ل بأس بترك التّسمية ‪.‬‬
‫ولفظ التّسمية عند الحنفيّة باسم اللّه العظيم والحمد للّه على دين السلم ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الفضل‬
‫بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ‪.‬‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬صفة التّسمية بسم اللّه ‪ ،‬فإذا زاد الرّحمن الرّحيم جاز‪ ،‬ول يقصد بها‬
‫القرآن‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬صفتها بسم اللّه ‪ ،‬ول يقوم غيرها مقامها ‪ ،‬فلو قال ‪ :‬بسم الرّحمن‬
‫‪ ،‬أو القدّوس ‪ ،‬أو نحوه لم يجزئه ‪ ،‬لكن قال البهوتيّ ‪ :‬الظّاهر إجزاؤها بغير العربيّة ولو‬
‫ممّن يحسنها ‪ -‬كما في التّذكية ‪ -‬إذ ل فرق ‪.‬‬
‫ويستحبّ عند الشّافعيّة أن يبتدئ النّيّة مع التّسمية ‪ ،‬ومصاحب ًة لها عند الحنفيّة والحنابلة‬
‫‪ .‬قال البهوتيّ ‪ :‬وقتها عند أوّل الواجبات وجوبا ‪ ،‬وأوّل المسنونات استحبابا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬غسل الكفّين ‪:‬‬
‫ن في الغسل غسل اليدين إلى الرّسغين ثلثا ابتدا ًء قبل‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه يس ّ‬ ‫‪30‬‬

‫ي صلى ال عليه‬
‫إدخالهما في الناء ‪ ،‬لحديث ميمونة رضي ال عنها قالت ‪ « :‬وضعت للنّب ّ‬
‫وسلم ما ًء للغسل ‪ ،‬فغسل يديه مرّتين أو ثلثا » ‪.‬‬
‫قال الدّسوقيّ ‪ :‬هذا إذا كان الماء غير جار وكان يسيرا وأمكن الفراغ منه ‪ ،‬وإلّ فل‬
‫تتوقّف سنّيّة غسلهما على الوّليّة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إزالة الذى ‪:‬‬
‫ي ‪ ،‬أو نجسا كودي‬
‫‪ -‬قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬أكمل الغسل إزالة القذر طاهرا كان كالمن ّ‬ ‫‪31‬‬

‫استظهارا ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه يسنّ بعد غسل اليدين البدء بإزالة الخبث عن جسده ‪ ،‬سواء كان‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫بفرج أو غيره ‪ ،‬لحديث ميمونة رضي ال عنها في صفة غسل النّب ّ‬
‫‪ « :‬ثمّ أفرغ على شماله فغسل مذاكيره » ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬السّنّة نفس البداءة بغسل‬
‫النّجاسة ‪ ،‬وأمّا نفس غسلها فل ب ّد منه ولو قليل ًة ‪.‬‬
‫ن غسل الفرج مع البداءة بغسل اليدين ‪ ،‬وذلك بأن يفيض الماء‬
‫وصرّح الحنفيّة بأنّه يس ّ‬
‫بيده اليمنى عليه فيغسله باليسرى ‪ ،‬ثمّ ينقّيه وإن لم يكن به خبث اتّباعا للحديث ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة يندب البدء بإزالة الذى أي النّجاسة في الغسل ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الوضوء ‪:‬‬
‫ن في الغسل الوضوء كاملً ‪ ،‬لحديث عائشة رضي‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يس ّ‬ ‫‪32‬‬

‫ال عنها « كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ‪ ،‬ثمّ‬
‫توضّأ وضوءه للصّلة » ‪.‬‬
‫وعدّه المالكيّة من المندوبات ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في محلّ غسل الرّجلين ‪ ،‬هل يغسلهما في وضوئه أو في آخر غسله ؟‬
‫فذهب الحنفيّة ‪ ،‬والشّافعيّة في الصحّ ‪ ،‬والحنابلة في الصّحيح من المذهب إلى أنّه ل يؤخّر‬
‫غسل قدميه إلى آخر الغسل ‪ ،‬بل يكمل الوضوء بغسل الرّجلين ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬ولو كان واقفا في محلّ يجتمع فيه ماء الغسل ‪ ،‬وهو ظاهر حديث عائشة‬
‫‪ ،‬وعند الحنفيّة قول إنّه يؤخّر غسل قدميه مطلقا ‪ ،‬وهو مقابل الصحّ عند الشّافعيّة ورواية‬
‫عن أحمد ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬وهو ظاهر إطلق الكثر ‪ ،‬وإطلق حديث ميمونة ‪ ،‬قال النّوويّ عن قولي‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬وهذان القولن إنّما هما في الفضل ‪ ،‬وإلّ فكيف فعل حصل الوضوء ‪ ،‬وقد ثبت‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫المران في الصّحيح من فعل النّب ّ‬
‫وعند الحنفيّة قول ثالث ‪ ،‬وهو إن كان في مكان يجتمع فيه الماء فيؤخّر غسل قدميه ‪ .‬وإلّ‬
‫غسلهما في الوضوء ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬صحّحه في المجتبى ‪ ،‬وجزم به في الهداية‬
‫والمبسوط والكافي ‪.‬‬
‫ن غسل رجليه مع الوضوء وتأخير غسلهما حتّى‬
‫وعند الحنابلة رواية عن المام أحمد بأ ّ‬
‫يغتسل سواء في الفضليّة ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة في الرّاجح إلى ندب تأخير غسل الرّجلين بعد فراغ الغسل ؛ لنّه قد جاء‬
‫التّصريح بتأخير غسلهما في الحاديث كحديث ميمونة ‪ ،‬ووقع في بعض الحاديث الطلق ‪،‬‬
‫والمطلق يحمل على المقيّد ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬البدء باليمين ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على استحباب البدء باليمين عند غسل الجسد ‪ ،‬وهو من مندوبات‬ ‫‪33‬‬

‫الغسل عند المالكيّة ‪ ،‬لحديث أنّه صلى ال عليه وسلم « كان يعجبه التّيمّن في طهوره »‬
‫وفي حديث عائشة رضي ال عنها « كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إذا اغتسل من‬
‫ق رأسه اليمن ثمّ اليسر » ‪.‬‬
‫الجنابة دعا بشيء نحو الحلب ‪ ،‬فأخذ بكفّه ‪ ،‬ثمّ بدأ بش ّ‬
‫و ‪ -‬البدء بأعلى البدن ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة إلى أنّه يسنّ عند غسل الجسد البدء بأعله ‪.‬‬ ‫‪34‬‬

‫ووافقهم المالكيّة في ذلك ‪ ،‬لكنّهم عدّوه من المندوبات ‪.‬‬


‫ز ‪ -‬تثليث الغسل ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ تثليث غسل العضاء في الغسل سنّة ‪،‬‬ ‫‪35‬‬

‫لحديث ميمونة رضي ال عنها ‪ « :‬ثمّ أفرغ على رأسه ثلث حفنات » ‪ ،‬وفي حديث عائشة‬
‫رضي ال عنها ‪ « :‬ث ّم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشّعر ‪ ،‬حتّى إذا رأى أن قد‬
‫استبرأ ‪ ،‬حفن على رأسه ثلث حفنات » ‪ ،‬وأمّا باقي أعضاء الجسد فقياسا على الوضوء ‪.‬‬
‫قال الشّربينيّ الخطيب ‪ :‬إن كان الماء جاريا كفى في التّثليث أن يمرّ عليه ثلثا جريات ‪،‬‬
‫وإن كان راكدا انغمس فيه ثلثا ‪ ،‬بأن يرفع رأسه منه وينقل قدميه ‪ ،‬أو ينتقل فيه من‬
‫مقامه إلى آخر ثلثا ‪ ،‬ول يحتاج إلى انفصال جملته ول رأسه ‪ ،‬فإنّ حركته تحت الماء‬
‫كجري الماء عليه ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى ندب تثليث غسل الرّأس فقط ‪ ،‬وأمّا بقيّة العضاء فاعتمد الدّردير كراهة‬
‫غسلها أكثر من مرّة ‪ ،‬واعتمد البنانيّ تكرار غسل العضاء ‪.‬‬
‫‪ -‬وهناك سنن أخرى منها ‪ :‬أن يكون قدر الماء المغتسل به صاعا لحديث سفينة رضي‬ ‫‪36‬‬

‫ال تعالى عنه ‪ « :‬أنّه صلى ال عليه وسلم كان يغسّله الصّاع من الماء من الجنابة‬
‫ويوضّئه الم ّد » ‪.‬‬
‫ي وهو ثمانية أرطال ‪ ،‬وقدّره صاحباه بالصّاع الحجازيّ‬
‫وقدّره أبو حنيفة بالصّاع العراق ّ‬
‫وهو خمسة أرطال وثلث ‪.‬‬
‫ن ما يجزئ في الوضوء والغسل‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬نقل غير واحد إجماع المسلمين على أ ّ‬
‫ن أدنى ما يكفي في الغسل صاع وفي‬
‫غير مقدّر بمقدار ‪ ،‬وما في ظاهر الرّواية من أ ّ‬
‫الوضوء م ّد لحديث ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يغتسل بالصّاع إلى خمسة‬
‫ن من‬
‫أمداد ‪ ،‬ويتوضّأ بالمدّ » ليس بتقدير لزم ‪ ،‬بل هو بيان أدنى القدر المسنون ‪ ،‬حتّى إ ّ‬
‫أسبغ بدون ذلك أجزأه ‪ ،‬وإن لم يكفه زاد عليه ‪ ،‬لنّ طباع النّاس وأحوالهم مختلفة ‪.‬‬
‫وقال الدّردير ‪ :‬المدار على الحكام ‪ ،‬وهو يختلف باختلف الجسام ‪.‬‬
‫ن أن ل ينقص ماء الغسل عن صاع ‪ ،‬قالوا ‪ :‬ول حدّ له فلو‬
‫وبعد أن قرّر الشّافعيّة أنّه يس ّ‬
‫نقص عن ذلك وأسبغ كفى ‪.‬‬
‫ن سنن الغسل كسنن الوضوء سوى التّرتيب والدّعاء ‪ ،‬وآدابه‬
‫ص الحنفيّة على أ ّ‬
‫‪ -‬ون ّ‬ ‫‪37‬‬

‫كآداب الوضوء ‪.‬‬


‫ونصّوا على أنّه يسنّ أن يبتدئ في حال صبّ الماء برأسه ‪ ،‬ث ّم على ميامنه ‪ ،‬ثمّ على‬
‫ن السّواك أيضا في الغسل ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ويس ّ‬
‫مياسره كما فعله النّب ّ‬
‫ويستحبّ أن ل يتكلّم بكلم مطلقا ‪ ،‬أمّا كلم النّاس فلكراهته حال الكشف ‪ ،‬وأمّا الدّعاء‬
‫فلنّه في مصبّ المستعمل ومحلّ القذار والوحال ‪.‬‬
‫ن من آداب الغسل ‪ :‬أن يغتسل بمكان ل يراه فيه أحد ل يحلّ له النّظر لعورته ؛‬
‫وصرّحوا بأ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ‬
‫لحتمال ظهورها في حال الغسل أو لبس الثّياب ‪ ،‬لقول النّب ّ‬
‫ي ستّير يحبّ الحياء والسّتر ‪ ،‬فإذا اغتسل أحدكم فليستتر » ‪.‬‬
‫اللّه عزّ وجلّ حي ّ‬
‫ويستحبّ أيضا أن يصلّي ركعتين سبحةً بعد الغسل كالوضوء لنّه يشمله ‪.‬‬
‫ن مسح صماخ ( ثقب ) الذنين في الغسل ‪ ،‬وذلك بأن‬
‫ص المالكيّة على أنّه يس ّ‬
‫‪ -‬ون ّ‬ ‫‪38‬‬

‫يحمل الماء في يديه وإمالة رأسه حتّى يصيب الماء باطن أذنيه ول يصبّ الماء في أذنيه‬
‫صبّا ؛ لنّه يورث الضّرر ‪ ،‬قال الدّسوقيّ ‪ :‬السّنّة هنا مسح الثّقب الّذي هو الصّماخ ‪ ،‬وأمّا‬
‫ما زاد على ذلك فيجب غسله ‪.‬‬
‫‪ -‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬من السّنن استصحاب النّيّة إلى آخر الغسل ‪ ،‬وأن ل يغتسل في الماء‬ ‫‪39‬‬

‫ي‪.‬‬
‫الرّاكد ولو كثر ‪ ،‬وأن يكون اغتساله من الجنابة بعد بول لئلّ يخرج بعده من ّ‬
‫ويسنّ أن يقول بعد فراغه ‪ :‬أشهد أن ل إله إلّ اللّه وحده ل شريك له ‪ ،‬وأشهد أنّ محمّدا‬
‫عبده ورسوله ‪ ،‬وأن يستقبل القبلة ويترك الستعانة والتّنشيف ‪.‬‬
‫ونصّ الحنابلة على أنّه يستحبّ أن يخلّل أصول شعر رأسه ولحيته بماء قبل إفاضته عليه ‪.‬‬
‫مكروهات الغسل ‪:‬‬
‫ن من مكروهات الغسل السراف في الماء ‪.‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪40‬‬

‫ومن المكروهات ضرب الوجه بالماء ‪ ،‬والتّكلّم بكلم النّاس ‪ ،‬والستعانة بالغير من غير‬
‫عذر‪ ،‬ورجّح الطّحطاويّ أنّه ل بأس بالستعانة ‪ ،‬وتنكيس الفعل ‪ ،‬وتكرار الغسل بعد‬
‫السباغ‪ ،‬والغسل في الخلء وفي مواضع القذار ‪ ،‬وترك الوضوء أو المضمضة أو‬
‫الستنشاق والغتسال داخل ماء كثير كالبحر خشية أن يغلب عليه الموج فيغرقه ‪.‬‬
‫صفة الغسل ‪:‬‬
‫‪ -‬للغسل صفتان ‪ :‬صفة إجزاء وصفة كمال ‪.‬‬ ‫‪41‬‬

‫فصفة الجزاء تحصل بالنّيّة عند من يشترطها ‪ ،‬وتعميم جميع الشّعر والبشرة بالماء ‪.‬‬
‫وصفة الكمال تحصل بذلك وبمراعاة واجبات الغسل وسننه وآدابه الّتي سبق بيانها ‪.‬‬

‫غِشّ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الغشّ بالكسر في اللّغة نقيض النّصح ‪،‬يقال ‪ :‬غشّ صاحبه ‪ :‬إذا زيّن له غير‬ ‫‪1‬‬

‫المصلحة‪ ،‬وأظهر له غير ما أضمر ‪ ،‬ولبن مغشوش ‪ :‬أي مخلوط بالماء ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّدليس ‪:‬‬
‫‪ -‬التّدليس ‪ :‬الخديعة وهو مصدر دلّس ‪ ،‬والدّلسة ‪ :‬الظّلمة ‪ ،‬والتّدليس في البيع ‪ :‬كتمان‬ ‫‪2‬‬

‫عيب السّلعة عن المشتري ‪ ،‬يقال ‪ :‬دلّس البائع تدليسا ‪ :‬كتم عيب السّلعة عن المشتري‬
‫وأخفاه ‪ ،‬ومنه التّدليس في السناد ‪.‬‬
‫فالتّدليس من أنواع الغشّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّغرير ‪:‬‬
‫‪ -‬التّغرير هو ‪ :‬الخطر والخدعة ‪ ،‬وتعريض المرء نفسه أو ماله للهلكة ‪ ،‬وقال‬ ‫‪3‬‬

‫الجرجانيّ‪ :‬الغرر ‪ :‬ما يكون مجهول العاقبة ل يدرى أيكون أم ل ‪.‬‬


‫وفي الصطلح ‪ :‬التّغرير توصيف المبيع للمشتري بغير صفته الحقيقيّة ‪.‬‬
‫وبيع الغرر هو البيع الّذي فيه خطر انفساخه بهلك المبيع ‪.‬‬
‫والتّغرير من أنواع الغشّ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الخِلبة ‪:‬‬
‫‪ -‬الخِلبة بالكسر ‪ :‬المخادعة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الخديعة باللّسان ‪ ،‬وقد ورد في الحديث عن النّبيّ‬ ‫‪4‬‬

‫صلى ال عليه وسلم أنّه قال لرجل كان يخدع في البيوع ‪ « :‬إذا بايعت فقل ‪ :‬ل خلبة » ‪.‬‬
‫والخلبة نوع من الغشّ ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ن الغشّ حرام سواء أكان بالقول أم بالفعل ‪ ،‬وسواء أكان بكتمان‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫العيب في المعقود عليه أو الثّمن أم بالكذب والخديعة ‪ ،‬وسواء أكان في المعاملت أم في‬
‫غيرها من المشورة والنّصيحة ‪.‬‬
‫وقد ورد في تحريم الغشّ ما روى أبو هريرة رضي ال تعالى عنه أنّ رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم « مرّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها ‪ ،‬فنالت أصابعه بللً ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما هذا يا‬
‫صاحب الطّعام ؟ قال ‪ :‬أصابته السّماء يا رسول اللّه ‪ ،‬قال ‪ :‬أفل جعلته فوق الطّعام كي‬
‫يراه النّاس من غشّنا فليس منّي » ‪ .‬وفي حديث آخر ‪ « :‬من غشّنا فليس منّا » ‪.‬‬
‫وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ هذا الحديث وأمثاله غير محمول على الظّاهر ‪ ،‬فالغشّ ل‬
‫ي ‪ :‬معناه ليس على سيرتنا ومذهبنا ‪.‬‬
‫يخرج الغاشّ عن السلم ‪ ،‬قال الخطّاب ّ‬
‫ومثله ما ذكره ابن رشد الجدّ في معنى الحديث ‪ ،‬حديث قال ‪ :‬من غشّ فليس منّا أي ‪:‬‬
‫ليس على مثل هدانا وطريقتنا ‪ ،‬إلّ أنّ الغشّ ل يخرج الغاشّ من اليمان ‪ ،‬فهو معدود في‬
‫جملة المؤمنين ‪ ،‬إلّ أنّه ليس على هداهم وسبيلهم ؛ لمخالفته إيّاهم في التزام ما يلزمه في‬
‫شريعة السلم لخيه المسلم ‪ ..‬فل يح ّل لمرئ مسلم أن يبيع سلعةً من السّلع أو دارا أو‬
‫ضةً أو شيئا من الشياء ‪ -‬وهو يعلم فيه عيبا قلّ أو كثر ‪ -‬حتّى يبيّن‬
‫عقارا أو ذهبا أو ف ّ‬
‫ذلك لمبتاعه‪ ،‬ويقفه عليه وقفا يكون علمه به كعلمه ‪ ،‬فإن لم يفعل ذلك وكتمه العيب وغشّه‬
‫بذلك لم يزل في مقت اللّه ولعنة ملئكة اللّه ‪ .‬ثمّ قال ‪ :‬وقد يحتمل أن يحمل قوله ‪ « :‬من‬
‫ن من استحلّ التّدليس‬
‫ش المسلمين مستحلّا لذلك ؛ ل ّ‬
‫غشّنا فليس منّا» على ظاهره فيمن غ ّ‬
‫بالعيوب والغشّ في البيوع وغيرها ‪ ،‬فهو كافر حلل الدّم يستتاب ‪ ،‬فإن تاب وإلّ قتل ‪.‬‬
‫ول تختلف كلمة الفقهاء في أنّ النّصح في المعاملة واجب ‪.‬‬
‫ي ضابط النّصح المأمور به في المعاملة في أربعة أمور ‪ :‬أن ل يثني على‬
‫وقد بيّن الغزال ّ‬
‫السّلعة بما ليس فيها ‪ ،‬وأن ل يكتم من عيوبها وخفايا صفاتها شيئا أصلً ‪ ،‬وأن ل يكتم في‬
‫وزنها ومقدارها شيئا ‪ ،‬وأن ل يكتم من سعرها ما لو عرفه المعامل لمتنع عنه ‪ ،‬ثمّ قال ‪:‬‬
‫فإن أخفاه كان ظالما غاشّا ‪،‬والغشّ حرام ‪ ،‬وكان تاركا للنّصح في المعاملة ‪ ،‬والنّصح‬
‫واجب‪ .‬وقد رجّح أكثر الفقهاء القول بأنّ الغشّ كبيرة ‪ ،‬وصرّح بعضهم بأنّه يفسق فاعله‬
‫ن الغشّ من أكل أموال النّاس‬
‫وتر ّد شهادته ‪ ،‬وقد علّل ابن عابدين هذا التّرجيح بقوله ‪ :‬ل ّ‬
‫بالباطل‪.‬‬
‫الغشّ في المعاملت ‪:‬‬
‫ش كثيرا في المعاملت الماليّة الّتي تتعلّق بالمعاوضات ‪ ،‬وقد ذكر بعض‬
‫‪ -‬يحصل الغ ّ‬ ‫‪6‬‬

‫الفقهاء صورا للغشّ الواقع في زمانهم بين ال ّتجّار والصّنّاع ‪.‬‬


‫ن للغشّ آثارا‬
‫وللغشّ صور مختلفة كالغشّ بالتّدليس والخيانة والكذب ونحو ذلك ‪ ،‬كما أ ّ‬
‫متنوّعةً كالغبن والغرر ونحوها ‪.‬‬
‫ش بالتّدليس والتّصرية ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬الغ ّ‬
‫‪ -‬يقع الغشّ في المعاملت كثيرا بصورة التّدليس القوليّ ‪ ،‬كالكذب في سعر المبيع ‪ ،‬أو‬ ‫‪7‬‬

‫ي ككتمان عيوب المعقود عليه ‪ ،‬أو بصورة التّصرية كأن يترك البائع حلب النّاقة أو‬
‫الفعل ّ‬
‫غيرها مدّ ًة قبل بيعها ليوهم المشتري كثرة اللّبن ‪ ،‬وإذا وقع ذلك يخدع المشتري ‪ ،‬فيبرم‬
‫العقد وهو غير راض بذلك إذا علم الحقيقة ‪.‬‬
‫وقد ذهب الفقهاء إلى أنّ التّدليس عيب ‪ ،‬فإذا اختلف الثّمن لجله في المعاملت يثبت به‬
‫الخيار ‪،‬بشرط أن ل يعلم المدلّس عليه العيب قبل العقد أو عنده ‪ ،‬وأن ل يكون العيب‬
‫ظاهرا‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تدليس ف ‪ 7/‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫وفي الغشّ بصورة التّصرية ‪ :‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف من الحنفيّة‬
‫إلى أنّ تصرية الحيوان عيب يثبت به الخيار للمشتري وذلك لحديث ‪ « :‬ل تُصَرّوا البل‬
‫والغنم ‪ ،‬فمن ابتاعها بعد فإنّه بخير النّظرين بعد أن يحلبها ‪ :‬إن شاء أمسك وإن شاء‬
‫ردّها وصاع تمر » ‪.‬‬
‫ول يعتبر أبو حنيفة التّصرية عيبا مثبتا للخيار بدليل أنّه لو لم تكن مصرّاةً فوجدها أقلّ لبنا‬
‫من أمثالها لم يملك ردّها ‪ ،‬ويرجع على البائع بأرشها ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تصرية ف ‪ 3/‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬الغشّ المسبّب للغبن ‪:‬‬
‫‪ -‬الغشّ يؤثّر كثيرا في المعاوضات الماليّة بصورة الغبن ‪ ،‬فيحصل النّقص في ثمن‬ ‫‪8‬‬

‫المبيع أو بدل المعقود عليه في سائر العقود ‪.‬‬


‫وقد ذهب الفقهاء إلى أنّ الغبن اليسير ‪ -‬وهو ما يحتمل غالبا ‪ ،‬أو يدخل تحت تقويم‬
‫المقوّمين ‪ -‬ل يثبت خيارا للمغبون ‪.‬‬
‫أمّا الغبن الفاحش فاختلف الفقهاء في أثره على العقد وثبوت الخيار للمغبون ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬غرر ‪ ،‬وغبن ‪ ،‬وخيار الغبن ف ‪ 3/‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫التّعامل بالنّقد المغشوش ‪:‬‬
‫‪ -‬أجاز جمهور الفقهاء إنفاق المغشوش من النّقود إذا اصطلحوا عليه وظهر غشّه ‪،‬‬ ‫‪9‬‬

‫ولهم في المسألة التّفصيل التّالي ‪:‬‬


‫ذهب الحنفيّة إلى أنّ الشّراء بالدّراهم المغشوشة جائز ‪ ،‬وذلك فيما إذا كان الغشّ فيها غالبا‬
‫والفضّة مغلوبةً ‪ ،‬سواء أكان بالوزن أو العدد حسب تعامل النّاس لها كالفلوس الرّائجة ‪.‬‬
‫ش ‪ ،‬إلّ أنّها هنا إذا قوبلت بجنسها‬
‫وكذلك إذا كانت الفضّة فيها غالبةً أو متساوي ًة مع الغ ّ‬
‫ن الفضّة وزنيّة في الصل والغالب له حكم الكلّ ‪ ،‬أمّا في‬
‫جاز التّعامل بها وزنا ل عددا ؛ ل ّ‬
‫صور التّساوي فالحكم بالفساد عند تعارض جهتي الجواز والفساد أحوط ‪،‬كما علّله‬
‫ن العامّة إذا اصطلحت على سكّة ‪،‬‬
‫الكاسانيّ‪ .‬أمّا عند المالكيّة فقد نقل الحطّاب عن العتبيّة أ ّ‬
‫ن ذلك يؤدّي إلى إتلف رءوس‬
‫وإن كانت مغشوشةً فل تقطع " أي ل تمنع من التّداول " ل ّ‬
‫أموال النّاس‪ ،‬ثمّ ذكر الفتوى على قطع الدّراهم الزّائفة الّتي يزاد في غشّها حتّى صارت‬
‫نحاسا ‪ .‬وكذا الذّهب المحلّاة لعدم ضبطها في الغشّ ‪.‬‬
‫ل يغشّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يكره للمام ضرب المغشوش لخبر ‪ « :‬من غشّنا فليس منّا » ولئ ّ‬
‫بها بعض النّاس بعضا ‪ ،‬فإن علم معيارها صحّت المعاملة بها معيّنةً وفي ال ّذمّة اتّفاقا ‪،‬‬
‫صحّة مطلقا كبيع الغالية والمعجونات ‪ ،‬ولنّ‬
‫وإن كان مجهولً ففيه أربعة أوجه ‪ :‬أصحّها ال ّ‬
‫المقصود رواجها وهي رائجة ‪ ،‬ولحاجة المعاملة بها ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬ل يصحّ مطلقا كاللّبن‬
‫المخلوط بالماء ‪ ،‬والثّالث ‪ :‬وإن كان الغشّ مغلوبا صحّ التّعامل بها ‪ ،‬وإن كان غالبا لم‬
‫يصحّ‪ ،‬والرّابع ‪ :‬يصحّ التّعامل بها في العين دون ال ّذمّة ‪.‬‬
‫وللحنابلة في المغشوش من النّقود روايتان ‪ :‬أظهرهما الجواز ‪ ،‬قال ابن قدامة ‪ :‬نقل صالح‬
‫عن أحمد في درهم يقال لها المسيّبيّة عامّتها نحاس إلّ شيئا فيها فضّة ‪ ،‬فقال ‪ :‬إذا كان‬
‫شيئا اصطلحوا عليه ‪ -‬مثل الفلوس ‪ -‬واصطلحوا عليها فأرجو أن ل يكون بها بأس ‪.‬‬
‫والثّانية ‪ :‬التّحريم ‪ :‬نقل حنبل في دراهم مخلوطة يشترى بها ويباع فل يجوز أن يبتاع بها‬
‫أحد ‪ ،‬كلّ ما وقع عليه اسم الغشّ فالشّراء به والبيع حرام ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬والولى أن يحمل كلم أحمد في الجواز على الخصوص فيما ظهر غشّه‬
‫ن المعاملة به جائزة ‪ ،‬إذ ليس فيه أكثر من اشتماله على جنسين ل‬
‫واصطلح عليه ‪ ،‬فإ ّ‬
‫غرر فيهما ‪ ،‬فل يمنع من بيعهما كما لو كانا متميّزين ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬فلوس ) ‪.‬‬
‫صرف المغشوش بجنسه أو بالذّهب والفضّة ‪:‬‬
‫ن ما غلب ذهبه أو فضّته حكمه حكم النّقود الخالصة ‪ ،‬فل يجوز‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬ ‫‪10‬‬

‫صرف بعضه ببعض ‪ ،‬ول بالخالصة إلّ متساويا وزنا مع التّقابض ‪.‬‬
‫وما غلب غشّه على الذّهب أو الفضّة فحكمه حكم العروض ‪ ،‬يصحّ بيعه بالخالص إن كان‬
‫ش والفضّة ‪ ،‬فيصرف فضّة كلّ‬
‫الخالص أكثر ممّا في المغشوش ‪ ،‬وكذلك حكم متساوي الغ ّ‬
‫واحد منهما إلى غشّ الخر وبالعكس ‪.‬‬
‫ويجوز عند المالكيّة بيع نقد مغشوش بمثله ولو لم يتساو غشّهما ‪ ،‬ويؤخذ من كلمهم‬
‫جواز بيع المغشوش بصنفه الخالص أيضا إذا كان يجري بين النّاس ‪.‬‬
‫ل كان أم كثيرا ‪ ،‬فل‬
‫أمّا الشّافعيّة فالغشّ المخالط في الموزون ممنوع عندهم مطلقا ‪ ،‬قلي ً‬
‫تباع فضّة خالصة بمغشوشة ‪ ،‬ول فضّة مغشوشة بفضّة مغشوشة ‪ ،‬ومثله الذّهب ‪.‬‬
‫وأجاز الحنابلة بيع الثمان المغشوشة بالمغشوشة إذا كان الغشّ فيهما متساويا ومعلوم‬
‫المقدار ‪ ،‬ول يجوز عندهم إذا كان الغشّ في الثّمن أو المثمّن متفاوتا أو غير معلوم‬
‫المقدار‪ ،‬كما ل يجوز بيع الثمان المغشوشة بأثمان خالصة من جنسها ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪44‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪41/‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬صرف ف‬
‫الغشّ في المكيال والميزان ‪:‬‬
‫‪ -‬لقد عظّم اللّه تعالى أمر الكيل والوزن ‪ ،‬وأمر بالوفاء فيهما ‪ ،‬ونهى عن الغشّ‬ ‫‪11‬‬

‫بالبخس والتّطفيف فيهما ‪ ،‬وذلك في عدّة آيات ‪ ،‬منها قوله تعالى ‪َ { :‬أوْفُوا ا ْلكَيْلَ وَلَا‬
‫س َأشْيَاء ُهمْ وَلَا َتعْ َثوْا‬
‫خسُوا النّا َ‬
‫سطَاسِ ا ْل ُمسْ َتقِيمِ ‪ ،‬وَلَا تَ ْب َ‬
‫ن ‪ ،‬وَزِنُوا بِا ْل ِق ْ‬
‫خسِرِي َ‬
‫ن ا ْل ُم ْ‬
‫َتكُونُوا مِ َ‬
‫ض ُم ْفسِدِينَ } ‪ ،‬وتوعّد المطفّفين بالويل وهدّدهم بعذاب يوم القيامة في قوله تعالى‬
‫فِي الْأَرْ ِ‬
‫ن ‪َ ،‬وإِذَا كَالُو ُهمْ أَو وّزَنُو ُهمْ‬
‫س َيسْ َتوْفُو َ‬
‫ن إِذَا اكْتَالُو ْا عَلَى النّا ِ‬
‫طفّفِينَ ‪ ،‬الّذِي َ‬
‫‪ { :‬وَ ْيلٌ لّ ْل ُم َ‬
‫عظِيمٍ } ‪.‬‬
‫ن ‪ ،‬لِ َي ْومٍ َ‬
‫ك أَ ّنهُم مّ ْبعُوثُو َ‬
‫خسِرُونَ ‪ ،‬أَلَا َيظُنّ أُولَئِ َ‬
‫ُي ْ‬
‫ي في الكبائر وقال ‪ :‬وذلك ضرب من السّرقة والخيانة وأكل المال بالباطل ‪.‬‬
‫وذكره الذّهب ّ‬
‫ن ممّا هو عمدة نظره المنع من التّطفيف والبخس‬
‫وقد ذكر الفقهاء في وظائف المحتسب أ ّ‬
‫في المكاييل والموازين والصّنجات ‪ ،‬وأن يطبع عليها طابعه ‪ ،‬وله الدب عليه والمعاقبة‬
‫فيه‪ ،‬فإن زوّر قوم على طابعه كان الزّور فيه كالمبهرج على طابع الدّراهم والدّنانير ‪ ،‬فإن‬
‫ش كان النكار عليه والتّأديب مستحقّا من وجهين ‪ :‬أحدهما في حقّ‬
‫قرن التّزوير بغ ّ‬
‫السّلطنة من جهة التّزوير ‪ ،‬والثّاني من جهة الشّرع في الغشّ ‪ ،‬وهو أغلظ المنكرين ‪ ،‬وإن‬
‫صةً ‪.‬‬
‫ق السّلطنة خا ّ‬
‫ش تفرّد بالنكار لح ّ‬
‫سلم التّزوير من غ ّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪34/‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تطفيف ف ‪ ، 4 ، 3/‬وحسبة ف‬
‫الغشّ في المرابحة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة في الظهر عندهم والحنابلة إلى أنّه لو باع شيئا مرابحةً فقال ‪ :‬هو‬ ‫‪12‬‬

‫ي بمائة بعتك بها وبربح عشرة ‪ ،‬ثمّ علم أنّ رأس ماله تسعون ‪ ،‬فالبيع صحيح ‪،‬‬
‫عل ّ‬
‫وللمشتري الرّجوع على البائع بما زاد على رأس المال وهو عشرة وحظّها من الرّبح ‪-‬‬
‫وهو درهم ‪ -‬فيبقى على المشتري بتسعة وتسعين ‪.‬‬
‫وقريب منه ما قاله أبو يوسف من الحنفيّة بأنّه إذا اشتراه بعشرة دراهم وباعه بربح‬
‫خمسة‪ ،‬ثمّ ظهر أنّ البائع اشتراه بثمانية فإنّه يحطّ قدر الخيانة من الصل وهو الخمس ‪-‬‬
‫أي درهمان وما قابله من الرّبح ‪ -‬وهو درهم ‪ ،‬فيأخذ الثّوب باثني عشر درهما ‪.‬‬
‫وقد علّل الشّافعيّة حطّ الزّيادة وربحها بقولهم ‪ :‬لنّه تمليك باعتماد الثّمن الوّل فتحطّ‬
‫الزّيادة عنه ‪.‬‬
‫والقول الثّاني عند الشّافعيّة ‪ :‬ل يحطّ شيء ؛ لنّه قد سمّى عوضا وعقد به ‪.‬‬
‫وبناءً على الحطّ فهل للمشتري خيار ؟ الظهر عند الشّافعيّة أنّه ل خيار للمشتري ول‬
‫للبائع‪ ،‬سواء أكان المبيع باقيا أم تالفا ‪ ،‬أمّا المشتري فلنّه إذا رضي بالكثر فبالقلّ من‬
‫باب أولى ‪ ،‬وأمّا البائع فلتدليسه ‪.‬‬
‫وهذا ظاهر كلم الخرقيّ ‪ ،‬كما قال ابن قدامة ‪.‬‬
‫والمنصوص عن أحمد أنّ المشتري مخيّر بين أخذ المبيع برأس ماله وحصّته من الرّبح ‪،‬‬
‫وبين تركه ‪ ،‬لنّه ل يأمن الخيانة في هذا الثّمن أيضا ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن كذب البائع في إخباره ‪ ،‬كأن يخبره أنّه اشتراه بخمسين وقد كان اشتراه‬
‫بأربعين ‪ -‬سواء أكان عمدا أم خطأً ‪ -‬لزم البيع المشتري إن حطّ البائع الزّائد المكذوب ‪.‬‬
‫وإلّ خيّر بين التّماسك والرّدّ ‪ ،‬وإذا غشّ بأن اشتراه بثمانية مثلً ويرقّم عليها عشرةً ‪ ،‬ثمّ‬
‫يبيعها مرابحةً فالمشتري مخيّر بين أن يتماسك بجميع الثّمن الّذي نقده ‪ -‬وهو الثّمانية‬
‫وربحها ‪ -‬أو يردّها على البائع ويرجع بثمنه ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة ‪ :‬إن ظهرت خيانة البائع في مرابحة أخذه المشتري بكلّ ثمنه أو ردّه لفوات‬
‫الرّضا ‪.‬‬
‫وللغشّ في المرابحة صور وأحكام ينظر تفصيلها في مصطلح ‪ ( :‬مرابحة ) ‪.‬‬
‫الغشّ في التّولية ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا ظهرت الخيانة في التّولية في صفة الثّمن بأن اشترى شيئا نسيئةً ‪ ،‬ثمّ باعه توليةً‬ ‫‪13‬‬

‫على الثّمن الوّل ‪ ،‬ولم يبيّن أنّه اشتراه نسيئةً ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ‬
‫للمشتري الخيار في ردّ المبيع وأخذه إن كان قائما ‪ ،‬وإذا هلك أو استهلك فل خيار له‬
‫ويلزمه جميع الثّمن حالّا مع تفصيل في ذلك ‪.‬‬
‫ل بالجل الّذي اشتراه البائع‬
‫وعند الحنابلة في المذهب يأخذ المشتري المبيع بالثّمن مؤجّ ً‬
‫إليه‪ ،‬ول خيار له ‪.‬‬
‫وإن ظهرت الخيانة في قدر الثّمن ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والشّافعيّة في الظهر والحنابلة إلى أنّه‬
‫يحطّ قدر الخيانة ‪ ،‬ويلزم العقد بالثّمن الباقي دون خيار ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬إن حطّ البائع الزّائد يلزم المشتري البيع ‪ ،‬وإلّ يخيّر بين أن يردّ السّلعة أو‬
‫يأخذها بجميع الثّمن ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪19‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪18/‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تولية ف‬
‫الغشّ في الوضيعة ‪:‬‬
‫‪ -‬حكم الغشّ والخيانة في الوضيعة يشبه حكم الغشّ في المرابحة ؛ لنّها في الحقيقة‬ ‫‪14‬‬

‫ربح المشتري ‪.‬‬


‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬وضيعة ) ‪.‬‬
‫غشّ الزّوج أو الزّوجة في النّكاح ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا غشّ أحد الزّوجين الخر بكتمان عيب فيه ينافي الستمتاع أو كمال الستمتاع ‪،‬‬ ‫‪15‬‬

‫يثبت للمتضرّر منهما خيار الفسخ عند جمهور الفقهاء في الجملة ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪93/‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬طلق ف‬
‫غشّ ولة المور لرعيّتهم ‪:‬‬
‫‪ -‬المراد بأولي المر المراء والحكّام وكلّ من تقلّد شيئا من أمر المسلمين ‪ ،‬وقد حمله‬ ‫‪16‬‬

‫كثير من العلماء على ما يعمّ المراء والعلماء ‪.‬‬


‫وقد ورد في التّحذير من غشّهم للرّعيّة أحاديث ‪ ،‬منها ‪ ،‬ما رواه معقل بن يسار رضي ال‬
‫عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل يسترعي اللّه عبدا رع ّيةً يموت حين‬
‫ش لها إلّ حرّم اللّه عليه الجنّة » ‪ ،‬وفي رواية ‪ « :‬ما من وال يلي رَعِ ّيةً‬
‫يموت وهو غا ّ‬
‫من المسلمين فيموت وهو غاشّ لهم إلّ حرّم اللّه عليه الجنّة » ‪.‬‬
‫ش محروم من الجنّة أبدا ‪ ،‬لكنّ النّوويّ قال في‬
‫وظاهر الحديث أنّ الرّاعي والوالي الغا ّ‬
‫معنى‪ « :‬حرّم اللّه عليه الجنّة » فيه تأويلن ‪ :‬أحدهما ‪ :‬أنّه محمول على المستحلّ ‪،‬‬
‫والثّاني ‪ :‬حرّم عليه دخولها مع الفائزين السّابقين ‪ ،‬ومعنى التّحريم هنا المنع ‪.‬‬
‫وقال ابن حجر ‪ :‬الولى أنّه محمول على غير المستحلّ ‪ ،‬وإنّما أريد به الزّجر والتّغليظ ‪،‬‬
‫ن اللّه إنّما ولّاه على عباده ليديم لهم‬
‫والمراد أنّه ل يدخل الجنّة في وقت دون وقت ؛ ل ّ‬
‫ق أن يعاقب ‪.‬‬
‫النّصيحة ‪ -‬ل ليغشّهم ‪ -‬حتّى يموت على ذلك ‪ ،‬فلمّا قلب القضيّة استح ّ‬
‫ونقل النّوويّ عن القاضي عياض قوله ‪ :‬معناه بيّن في التّحذير من غشّ المسلمين لمن‬
‫قلّده اللّه شيئا من أمرهم واسترعاه عليهم ونصّه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم ‪ ،‬فإذا خان‬
‫فيما اؤتمن عليه فلم ينصح فيما قلّده ‪ :‬إمّا بتضييعه تعريفهم ما يلزمهم من دينهم وأخذهم‬
‫ب عنها لكلّ متصدّ لدخاله داخلةً‬
‫به ‪ ،‬وإمّا بالقيام بما يتعيّن عليه من حفظ شرائعهم ‪ ،‬والذّ ّ‬
‫فيها أو تحريف لمعانيها أو إهمال حدودهم أو تضييع حقوقهم أو ترك حماية حوزتهم‬
‫ومجاهدة عدوّهم أو ترك سيرة العدل فيهم فقد غشّهم ‪.‬‬
‫ن مرتكب الكبيرة فاسق ‪،‬‬
‫ش الولة من الكبائر ‪ ،‬ومن المقرّر أ ّ‬
‫‪ -‬وقد ع ّد الذّهبيّ غ ّ‬ ‫‪17‬‬

‫والفسق مناف للعدالة ‪.‬‬


‫ويختلف أثر فسق الولة حسب نوعيّة الولية ومدى سلطتهم على الرّعيّة ‪.‬‬
‫ن الجمهور‬
‫ففي المامة الكبرى اشترط جمهور الفقهاء العدالة ‪ ،‬فل يجوز تقليد الفاسق ‪ ،‬لك ّ‬
‫على عدم اشتراط العدالة في دوام المامة ‪ ،‬فل ينعزل السّلطان بالظّلم والفسق وتعطيل‬
‫ن بعضهم‬
‫الحقوق ‪ ،‬ول يجب الخروج عليه ‪ ،‬ويجب وعظه ودعوته إلى الصّلح ‪ ،‬بل إ ّ‬
‫قالوا بحرمة الخروج على المام الجائر تحرّزا عن الفتنة ‪ ،‬وتقديما لخفّ المفسدتين ‪ ،‬إلّ‬
‫أن يقوم عليه إمام عدل فيجوز الخروج عليه وإعانة ذلك القائم ‪.‬‬
‫وتختلف هذه الحكام في سائر الوليات كالقضاء والمارة ونحوهما حسب اختلف طبيعتها‬
‫‪ ،‬وعزل ‪ ،‬وقضاء ) ‪.‬‬ ‫‪12/‬‬ ‫‪ .‬وينظر التّفصيل في مصطلحات ( المامة الكبرى ف‬
‫الغشّ في المشورة والنّصيحة ‪:‬‬
‫‪ -‬ينبغي على المستشار أن يشير إلى ما فيه رشد المستشير وخيره ‪ ،‬فإن أشار عليه‬ ‫‪18‬‬

‫بغير صواب فقد غشّه في مشورته ‪ ،‬وخانه بكتمان مصلحته ‪ ،‬وذلك لما روى أبو هريرة‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬من استشاره أخوه المسلم فأشار‬
‫ن النّب ّ‬
‫رضي ال عنه أ ّ‬
‫عليه بغير رشد فقد خانه » ‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة رضي ال تعالى عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم «‬
‫المستشار مؤتمن » ‪ ،‬أي الّذي طلب منه المشورة والرّأي فيما فيه المصلحة أمين فيما‬
‫يسأل من المور ‪ ،‬فل ينبغي أن يخون المستشير بكتمان مصلحته ‪.‬‬
‫التّعزير على الغشّ ‪:‬‬
‫ش يؤدّب بالتّعزير بما يراه الحاكم زاجرا ومؤدّبا له ‪ ،‬فالمقرّر عند الفقهاء أنّ‬
‫‪ -‬الغا ّ‬ ‫‪19‬‬

‫عقوبة المعصية الّتي ل حدّ فيها ول كفّارة التّعزير ‪ ،‬ول يمنع التّعزير عن الحكم بالرّدّ‬
‫وفسخ العقد المبنيّ على الغشّ إذا تحقّقت شروط الرّ ّد ‪.‬‬
‫ش أخاه‬
‫ونقل الحطّاب عن ابن رشد قوله ‪ :‬ممّا ل اختلف فيه أنّ الواجب على من غ ّ‬
‫المسلم أو غرّه أو دلّس له بعيب أن يؤدّب على ذلك مع الحكم عليه بالرّ ّد ‪ ،‬لنّهما حقّان‬
‫مختلفان ‪.‬‬

‫غصْب *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الغصب لغةً ‪ :‬هو أخذ الشّيء ظلما وقهرا ‪ ،‬والغتصاب مثله ‪ ،‬يقال ‪ :‬غصبه منه‬ ‫‪1‬‬

‫وغصبه عليه بمعنىً واحد ‪.‬‬


‫واصطلحا عرّفه أبو حنيفة وأبو يوسف بأنّه ‪ :‬إزالة يد المالك عن ماله المتقوّم على سبيل‬
‫المجاهرة والمغالبة بفعل في المال ‪.‬‬
‫وعرّفه المالكيّة بأنّه ‪ :‬أخذ مال قهرا تعدّيا بل حرابة ‪.‬‬
‫ق‪.‬‬
‫ق الغير عدوانا ‪ ،‬أي بغير ح ّ‬
‫وعرّفه الشّافعيّة بأنّه ‪ :‬الستيلء على ح ّ‬
‫وعرّفه الحنابلة بأنّه ‪ :‬الستيلء على مال الغير قهرا بغير حقّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّعدّي ‪:‬‬
‫ق ‪ ،‬فهو أعمّ من الغصب ‪.‬‬
‫‪ -‬التّعدّي هو ‪ :‬مجاوزة الح ّد والح ّ‬ ‫‪2‬‬

‫ب ‪ -‬التلف ‪:‬‬
‫‪ -‬التلف هو ‪ :‬إخراج الشّيء من أن يكون منتفعا به منفعةً مطلوبةً منه عادةً ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫والقدر المشترك بين التلف والغصب هو تفويت المنفعة على المالك ‪.‬‬
‫ن الغصب ل يتحقّق إ ّل بزوال يد المالك أو تقصير يده ‪.‬‬
‫ويختلفان في أ ّ‬
‫أمّا التلف فقد يتحقّق مع بقاء اليد ‪.‬‬
‫كما يختلفان في الثار من حيث المشروعيّة أو ترتّب الضّمان ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الختلس ‪:‬‬
‫‪ -‬الختلس لغةً ‪ :‬أخذ الشّيء مخادعةً عن غفلة ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫واصطلحا ‪ :‬أخذ الشّيء بحضرة صاحبه جهرا مع الهرب به ‪ ،‬سواء جاء المختلس جهارا‬
‫أو سرّا ‪.‬‬
‫ن الوسيلة فيهما تختلف ‪.‬‬
‫ن في كلّ منهما أخذ مال الغير بغير حقّ ‪ ،‬لك ّ‬
‫والصّلة أ ّ‬
‫د ‪ -‬السّرقة ‪:‬‬
‫‪ -‬السّرقة ‪ :‬هي أخذ مال الغير من حرز مثله على وجه الخفية والستتار ‪ ،‬وهي توجب‬ ‫‪5‬‬

‫الحدّ ‪.‬‬
‫ن الغصب أخذ مال الغير علني ًة دون استخفاء ‪ ،‬بخلف السّرقة فإنّها تكون خفيةً‬
‫والصّلة أ ّ‬
‫واستتارا ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬الحرابة ‪:‬‬
‫‪ -‬الحرابة ‪ :‬أخذ المال على وجه القهر بحيث يتعذّر معه الغوث أو النّجدة وحكمها يختلف‬ ‫‪6‬‬

‫عن حكم الغصب في الجملة ‪ ،‬لنّ المحارب يقتل أو يصلب أو يقطع من خلف أو ينفى من‬
‫الرض ‪ ،‬ول يفعل بالغاصب شيء من ذلك ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الغصب حرام إذا فعله الغاصب عن علم ؛ لنّه معصية ‪ ،‬وقد ثبت تحريمه بالقرآن‬ ‫‪7‬‬

‫والسّنّة والجماع ‪.‬‬


‫طلِ‬
‫ن آمَنُواْ َل تَ ْأكُلُو ْا َأمْوَا َلكُ ْم بَيْ َنكُمْ بِالْبَا ِ‬
‫أمّا القرآن الكريم ‪ :‬فقول اللّه تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫ض مّنكُمْ } ‪.‬‬
‫ن ِتجَارَ ًة عَن تَرَا ٍ‬
‫ِإلّ أَن َتكُو َ‬
‫وأمّا السّنّة الشّريفة ‪ :‬فمنها قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ دماءكم وأموالَكم وأعراضَكم‬
‫حرامٌ عليكم ‪ ،‬كحُرْمةِ يومِكم هذا ‪ ،‬في بلدكم هذا في شهركم هذا »‬
‫ئ إلّ بطيبِ نفسِه » ‪.‬‬
‫وقوله ‪ « :‬ل يحلّ مالُ امر ٍ‬
‫وأمّا الجماع ‪ :‬فقد أجمع المسلمون على تحريم الغصب ‪ ،‬وإن لم يبلغ المغصوب نصاب‬
‫سرقة ‪.‬‬
‫ما يتحقّق به الغصب ‪:‬‬
‫‪ -‬في بيان ما يتحقّق به الغصب اتّجاهان ‪:‬‬ ‫‪8‬‬

‫الوّل ‪ :‬للمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ومحمّد وزفر من الحنفيّة ‪ :‬وهو أنّ الغصب يتحقّق‬
‫بمجرّد الستيلء ‪ ،‬أي إثبات يد العدوان على الشّيء المغصوب ‪ ،‬بمعنى إثبات اليد على مال‬
‫الغير بغير إذنه ‪ ،‬ول يشترط إزالة يد المالك ‪.‬‬
‫وليس المقصود من الستيلء ‪ ،‬الستيلء الحسّيّ بالفعل ‪ ،‬وإنّما يكفي الحيلولة بين المال‬
‫وبين صاحبه ‪ ،‬ولو أبقاه بموضعه الّذي وضعه فيه ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬لبي حنيفة وأبي يوسف ‪ ،‬وبرأيهما يفتى في المذهب ‪ :‬وهو أنّ الغصب إزالة يد‬
‫المالك عن ماله المتقوّم على سبيل المجاهرة والمغالبة ‪ ،‬بفعل في المال ‪ ،‬أي أنّ الغصب ل‬
‫يتحقّق إلّ بأمرين اثنين هما ‪ :‬إثبات يد الغاصب " وهو أخذ المال " وإزالة يد المالك ‪ ،‬أي‬
‫بالنّقل والتّحويل ‪.‬‬
‫والمراد باليد ‪ :‬القدرة على التّصرّف ‪ ،‬وعدم اليد ‪ :‬عدم القدرة على التّصرّف ‪.‬‬
‫ما يتحقّق فيه الغصب ‪:‬‬
‫‪ -‬ما يتحقّق فيه الغصب منه ما هو متّفق عليه ‪ ،‬ومنه ما هو مختلف فيه ‪.‬‬ ‫‪9‬‬

‫أمّا المتّفق عليه فهو المال المنقول المتقوّم المعصوم المملوك لصاحبه غير المباح ‪ ،‬فما‬
‫يملكه المسلم أو ال ّذمّيّ من غير الخمر والخنزير والصّلبان ‪ ،‬كالمتعة الشّخصيّة والكتب‬
‫والحليّ والدّوابّ والسّيّارات ‪ ،‬يتصوّر فيه الغصب ‪.‬‬
‫وأمّا المختلف في تحقّق الغصب فيه ‪ ،‬فهو ما يأتي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العقار ‪:‬‬
‫‪ -‬العقار هو ‪ :‬كلّ ما ل يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر كالرض والدّار ‪.‬‬ ‫‪10‬‬

‫وقد ذهب جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ومحمّد وزفر من الحنفيّة إلى‬
‫أنّه يتصوّر غصب العقار من الراضي والدّور ‪ ،‬ويجب ضمانها على غاصبها ؛ لنّه يكفي‬
‫عندهم لتوافر معنى الغصب إثبات يد الغاصب على الشّيء بالسّكنى ووضع المتعة‬
‫وغيرها ‪ ،‬ويترتّب عليه ضمنا بالضّرورة إزالة يد المالك ؛ لستحالة اجتماع اليدين على‬
‫محلّ واحد في حالة واحدة ‪.‬‬
‫واستدلّوا بقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من ظلم قيد شبر من الرض طوّقه من سبع‬
‫أرضين » فإنّه يدلّ على تحقّق الغصب في العقار ‪ ،‬قال ابن حجر ‪ :‬وفي الحديث إمكان‬
‫غصب الرض ‪.‬‬
‫ن حقيقة‬
‫وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنّ الغصب ل يتحقّق إلّ فيما ينقل ويحوّل ؛ ل ّ‬
‫الغصب في رأيهما ‪ -‬وهو إزالة يد المالك بالنّقل ‪ -‬ل تتحقّق إلّ فيه دون غيره ‪.‬‬
‫وأمّا العقار كالرض والدّار فل يتصوّر وجود معنى الغصب فيه ؛ لعدم إمكان نقله‬
‫وتحويله ‪ ،‬فمن غصب عقارا فهلك في يده بآفة سماويّة ‪ ،‬كغلبة سيل أو حريق أو‬
‫صاعقة ‪ ،‬لم يضمنه عندهما ؛ لعدم تحقّق الغصب بإزالة اليد ؛ لنّ العقار في محلّه لم‬
‫ينقل ‪ ،‬فصار كما لو حال بين المالك وبين متاعه ‪ ،‬فتلف المتاع ‪ ،‬فل يضمن عندهما ‪ ،‬أمّا‬
‫لو كان الهلك بفعل الغاصب كأن هدمه ‪ ،‬فيضمنه ‪ ،‬لنّ الغصب إذا لم يتحقّق في العقار ‪،‬‬
‫فيعتبر التلف ‪ ،‬والتلف مضمون على المتلف ‪.‬‬
‫وذكر في المبسوط ‪ :‬والصحّ أن يقال ‪ :‬جحود الوديعة لو كانت عقارا بمنزلة الغصب ‪ ،‬فل‬
‫يكون موجبا للضّمان في العقار في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما ال ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العين المؤجّرة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في غصب العين المؤجّرة ‪.‬‬ ‫‪11‬‬

‫فذهب بعضهم إلى أنّه إذا غصبت العين المؤجّرة ثبت الخيار للمستأجر في فسخ الجارة‬
‫لذهاب محلّ استيفاء المنفعة ‪ ،‬أو عدم الفسخ ‪.‬‬
‫وفصّل آخرون في الحكم ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪54/‬‬ ‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ( إجارة ف‬
‫ج ‪ -‬زوائد المغصوب وغلّته ومنافعه ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في تحقّق غصب زوائد المغصوب وغلّته ومنافعه أو عدم تحقّقه ‪،‬‬ ‫‪12‬‬

‫فذهب فريق منهم إلى وقوع ذلك ‪ ،‬وخالفه آخرون ‪ ،‬وتوسّط فريق ثالث ورتّبوا على ذلك‬
‫خلفهم في الضّمان وسيأتي تفصيل ذلك ‪.‬‬
‫غصب غير المتقوّم ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬ل تضمن الخمر والخنزير ‪ ،‬سواء أكان متلفها مسلما أم‬ ‫‪13‬‬

‫ي إذ ل قيمة لها ‪ ،‬كالدّم والميتة وسائر العيان النّجسة ‪،‬‬


‫ذمّيّا‪ ،‬وسواء أكانت لمسلم أم لذمّ ّ‬
‫وما حرم النتفاع به لم يضمن ببدل عنه ‪ ،‬لنّ الرّسول صلى ال عليه وسلم حرّم بيع‬
‫الخمر‪ ،‬وأمر بإراقتها ‪ ،‬فما ل يحلّ بيعه ول تملّكه ‪ ،‬ل ضمان فيه ‪.‬‬
‫ي ما زالت باقيةً عند الغاصب ‪ ،‬يجب ردّها عليه ؛ لنّه يقرّ على‬
‫لكن إذا كانت خمر ال ّذمّ ّ‬
‫شربها ‪.‬‬
‫فإن غصبها من مسلم لم يلزم عند الحنابلة ردّها ‪ ،‬ويجب إراقتها ‪ ،‬لنّه ل يقرّ على اقتنائها‬
‫‪ ،‬ويحرم ردّها إلى المسلم إذا لم يكن صانع خلّ ( خلّالً ) ؛ لنّه إعانة له على ما يحرم‬
‫عليه ‪ .‬وفصّل الشّافعيّة في المر ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬تردّ الخمر المحترمة ‪ -‬وهي الّتي عصرت‬
‫بقصد الخلّيّة‪ ،‬أو بغير قصد الخمريّة وهو المعتمد ‪ -‬المغصوبة من مسلم إليه ‪ ،‬ول تردّ‬
‫الخمر غير المحترمة ‪ ،‬بل تراق ‪.‬‬
‫ن الخلّ للمالك ‪ ،‬وعلى‬
‫ولو غصب عصيرا ‪ ،‬فتخمّر ‪ ،‬ثمّ تخلّل ‪ ،‬فالصحّ عند الشّافعيّة أ ّ‬
‫الغاصب أرش ما نقص من قيمة العصير إن كان الخلّ أنقص قيم ًة من العصير ‪ ،‬لحصوله‬
‫في يده ‪ ،‬وقال الحنابلة ‪ :‬إنّه يجب عليه مثل العصير ‪.‬‬
‫ن الجلد للمغصوب منه ‪،‬‬
‫ولو غصب شخص جلد ميتة فدبغه ‪ ،‬فالصحّ عند الشّافعيّة أيضا أ ّ‬
‫كالخمر الّتي تخلّلت ‪ ،‬فإذا تلفا بيده ضمنهما ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة ‪ :‬ل يلزم الغاصب ردّ جلد الميتة ولو دبغه ؛ لنّه ل يطهر بدبغه عندهم ‪ ،‬ول‬
‫قيمة له ؛ لنّه ل يصحّ بيعه ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه ل يضمن الغاصب خمر المسلم أو خنزيره إذا غصبه وهلك في يده ‪،‬‬
‫ن الخمر ليست بمال‬
‫أو استهلكه ‪ ،‬أو خلّل الخمر ‪ ،‬سواء أكان الغاصب مسلما أم ذمّيّا ؛ ل ّ‬
‫ق المسلم ‪ ،‬ويجب إراقتها ‪ ،‬وكذا الخنزير غير متقوّم ‪.‬‬
‫متقوّم في ح ّ‬
‫لكن لو قام الغاصب بتخليل خمر المسلم ‪ ،‬ثمّ استهلكها يضمن خلّا مثلها ل خمرا ؛ لنّه وجد‬
‫منه سبب الضّمان ‪ ،‬وهو إتلف خلّ مملوك للمغصوب منه ‪ ،‬فيضمن ‪ ،‬ولصاحب الخمر أن‬
‫يأخذ الخلّ بغير شيء ؛ وكذلك يضمن الغاصب جلد الميتة إذا دبغه الغاصب ‪ ،‬ويأخذ جلد‬
‫الميتة وير ّد عليه ما زاد الدّباغ فيه إن دبغها بما له قيمة‪ ،‬وكذلك إذا خلّل الخمر بما له‬
‫ي خمر ال ّذمّيّ أو خنزيره إذا استهلكه ؛ لنّ كلّا منهما مال‬
‫قيمة‪ .‬ويضمن المسلم أو ال ّذمّ ّ‬
‫عند أهل ال ّذمّة ‪ ،‬فالخمر عندهم كالخلّ عندنا ‪ ،‬والخنزير عندهم كالشّاة عندنا ‪ ،‬ونحن أمرنا‬
‫بتركهم وما يدينون ‪ ،‬وبه يقرّون على بيعهما ‪.‬‬
‫لكن تجب على المسلم قيمة الخمر ل ردّ مثلها وإن كانت الخمر من المثليّات ؛ لنّ المسلم‬
‫ممنوع من تملّكها ‪ ،‬وغير المسلم يجوز له تسليم المثل ؛ لنّه يجوز له تملّك الخمر‬
‫وتمليكها بالبيع وغيره ‪.‬‬
‫أمّا الميتة والدّم ولو لذمّيّ ‪ ،‬فل يضمنان بالغصب ؛ لنّهما ليسا بمال ‪ ،‬ول يدين أحد من‬
‫أهل الديان تموّلهما ‪.‬‬
‫وكذلك يضمن من المسلم قيمة صليب غصبه من نصرانيّ ‪ ،‬فهلك في يده ؛ لنّه مقرّ على‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫ومذهب المالكيّة كمذهب الحنفيّة فيما ذكر ‪ ،‬فإنّهم قالوا ‪ :‬ل تضمن خمر المسلم أو‬
‫ن اللّه تعالى‬
‫خنزيره ‪ ،‬ول آلت الملهي والصنام ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والصنام » ‪ .‬ولنّه ل قيمة لها ‪ ،‬وما ل قيمة له‬
‫ل يضمن ‪.‬‬
‫لكن يضمن الغاصب خمر ال ّذمّيّ لتعدّيه عليه ؛ ولنّها مال محترم عند غير المسلمين‬
‫يتموّلونها ‪.‬‬
‫وإذا تخلّلت الخمر وكانت لمسلم ‪ ،‬خيّر صاحبها بين أخذها خلّا ‪ ،‬أو مثل عصيرها إن علم‬
‫قدرها وإ ّل فقيمتها ‪ .‬أمّا خمر غير المسلم إذا تخلّلت فيخيّر صاحبها بين أخذ قيمتها يوم‬
‫الغصب ‪ ،‬أو أخذ الخلّ ‪ ،‬على المفتى به عند المالكيّة ‪.‬‬
‫وإن كان المغصوب جلد ميتة دبغ أو لم يدبغ ‪ ،‬أو كلبا مأذونا في اتّخاذه مثل كلب صيد أو‬
‫ماشية أو حراسة فأتلفه الغاصب ‪ ،‬فإنّه يغرم القيمة ولو لم يجز بيع الجلد أو الكلب ‪ ،‬وأمّا‬
‫الكلب غير المأذون فيه ‪ ،‬فل قيمة له ‪.‬‬
‫آثار الغصب ‪:‬‬
‫للغصب آثار تتعلّق بكلّ من الشّيء المغصوب والغاصب والمالك المغصوب منه ‪.‬‬
‫أ ّولً ‪ -‬ما يلزم الغاصب ‪:‬‬
‫‪ -‬يلزم الغاصب الثم إذا علم أنّه مال الغير ‪ ،‬وردّ العين المغصوبة ما دامت قائمةً ‪،‬‬ ‫‪14‬‬

‫وضمانها إذا هلكت ‪.‬‬


‫أ ‪ -‬الثم والتّعزير ‪:‬‬
‫ق الغاصب المؤاخذة في الخرة ‪ ،‬إذا فعل الغصب عالما أنّ المغصوب مال الغير؛‬
‫‪ -‬يستح ّ‬ ‫‪15‬‬

‫لنّ ذلك معصية ‪ ،‬وارتكاب المعصية عمدا موجب للمؤاخذة ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم‬
‫في الحديث المتقدّم ‪ « :‬من ظلم قيد شبر من الرض ‪ ،‬طوّقه من سبع أرضين » ‪.‬‬
‫وصرّح الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة بأنّه يؤدّب بالضّرب والسّجن غاصب مميّز ‪ ،‬صغيرا أو‬
‫ق اللّه تعالى ولو عفا عنه المغصوب منه ‪ ،‬باجتهاد الحاكم ؛ لدفع الفساد‬
‫كبيرا ؛ رعايةً لح ّ‬
‫وإصلح حاله وزجرا له ولمثاله ‪.‬‬
‫أمّا غير المميّز ‪ ،‬من صغير ومجنون ‪ ،‬فل يعزّر ‪.‬‬
‫ن الشّيء ملكه فل إثم ول‬
‫فإن حدث الغصب والشّخص جاهل بكون المال لغيره ‪ ،‬بأن ظنّ أ ّ‬
‫مؤاخذة عليه ؛ لنّه خطأ ل مؤاخذة عليه شرعا ‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬إنّ اللّه‬
‫تجاوز عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » ‪ ،‬وعليه ردّ العين ما دامت قائمةً ‪،‬‬
‫والغرم إذا صارت هالكةً ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ردّ العين المغصوبة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه يجب على الغاصب ردّ العين المغصوبة إلى صاحبها حال قيامها‬ ‫‪16‬‬

‫ووجودها بذاتها ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي » وقوله‬
‫أيضا ‪ « :‬ل يأخذنّ أحدكم متاع أخيه لعبا ول جادّا ‪ ،‬ومن أخذ عصا أخيه فليردّها » ‪.‬‬
‫وتر ّد العين المغصوبة إلى مكان الغصب لتفاوت القيم باختلف الماكن ‪.‬‬
‫ومؤنة الرّدّ على الغاصب ؛ لنّها من ضرورات الرّدّ ‪ ،‬فإذا وجب عليه الرّدّ ‪ ،‬وجب عليه ما‬
‫هو من ضروراته ‪ ،‬كما في ردّ العاريّة ‪.‬‬
‫قال الكاسانيّ ‪ :‬الصل أنّ المالك يصير مستردّا للمغصوب بإثبات يده عليه ؛ لنّه صار‬
‫الشّيء مغصوبا بتفويت يده عنه ‪ ،‬فإذا أثبت يده عليه فقد أعاده إلى يده ‪ ،‬وزالت يد‬
‫الغاصب عنه ‪ ،‬إلّ أن يغصبه مرّةً أخرى ‪.‬‬
‫ن إثبات‬
‫ويبرأ الغاصب من الضّمان بالرّدّ ‪ ،‬سواء علم المالك بحدوث الرّ ّد أم لم يعلم ؛ ل ّ‬
‫ي ‪ ،‬ل يختلف بالعلم أو الجهل بحدوثه ‪.‬‬
‫اليد على الشّيء أمر حسّ ّ‬
‫فإن كان المغصوب قد فات ‪ ،‬كأن هلك أو فقد أو هرب ‪ ،‬ردّ الغاصب إلى المغصوب منه‬
‫مثله إن كان له مثل ‪ ،‬بأن كان مكيلً أو موزونا أو معدودا من الطّعام والدّنانير والدّراهم‬
‫وغير ذلك ‪ ،‬أو قيمته إن لم يكن له مثل ‪ .‬كالعروض والحيوان والعقار ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬حقوق المغصوب منه ‪:‬‬
‫‪ -‬للمالك المغصوب منه حقوق تقابل ما يلزم الغاصب من الحكام السّابقة ‪ ،‬وهذه‬ ‫‪17‬‬

‫الحقوق هي ‪ :‬ر ّد عين المغصوب والثّمار والغلّة ‪ ،‬والتّضمين ‪ ،‬وحقّه في الهدم والقلع لما‬
‫أحدثه الغاصب في ملكه ‪ ،‬والجمع بين أخذ القيمة والغلّة ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬ردّ أو استرداد عين المغصوب وزوائده وغلّته ومنافعه ‪:‬‬
‫ن من حقّ المغصوب منه أن ير ّد إليه الغاصب عين ماله الّذي‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪18‬‬

‫غصبه إذا كان باقيا بحاله ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬على اليد ما أخذت حتّى‬
‫ع أخيه لعبا أو جادّا ‪ ،‬فإذا أخذ أحدكم عصا أخيه‬
‫ن أحدُكم متا َ‬
‫تؤدّي » وقوله ‪ « :‬ل يأخذ ّ‬
‫ق المغصوب‬
‫فليردّها » ؛ ولنّ ردّ عين المغصوب هو الموجب الصليّ للغصب ؛ ولنّ ح ّ‬
‫منه معلّق بعين ماله وماليّته ‪ ،‬ول يتحقّق ذلك إلّ بردّه ‪ ،‬والواجب الرّدّ في المكان الّذي‬
‫غصبه ؛ لتفاوت القيم بتفاوت الماكن ‪.‬‬
‫وأمّا زوائد المغصوب ففيه التّفصيل التي ‪:‬‬
‫ن زوائد المغصوب في يد الغاصب‬
‫ذهب الشّافعيّة والحنابلة ومحمّد من الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫تضمن‪ ،‬سواء أكانت متّصل ًة كالسّمن ونحوه ‪ ،‬أم منفصلةً كثمرة الشّجرة وولد الحيوان ‪،‬‬
‫متى تلف شيء منها في يد الغاصب ؛ لتحقّق إثبات اليد العادية " الضّامنة " لنّه بإمساك‬
‫الصل تسبّب في إثبات يده على هذه الزّوائد ‪ ،‬وإثبات يده على الصل محظور ‪.‬‬
‫ويرى أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما اللّه تعالى أنّ زوائد المغصوب ل تضمن إذا هلكت بل‬
‫تعدّ ‪ ،‬وإنّما هي أمانة في يد الغاصب ل تضمن إلّ بالتّعدّي أو بالتّقصير ‪ ،‬سواء أكانت‬
‫ن الغصب في رأيهما هو‬
‫منفصلةً كالولد واللّبن والثّمرة ‪ ،‬أم متّصل ًة كالسّمن والجمال ‪ ،‬ل ّ‬
‫إثبات يد الغاصب على مال الغير على وجه يزيل يد المالك ‪ ،‬كما تقدّم بيانه ‪ ،‬ويد المالك لم‬
‫ن عنصر " إزالة يد المالك " لم‬
‫تكن ثابتةً على هذه الزّيادة حتّى يزيلها الغاصب ‪ ،‬والمراد أ ّ‬
‫يتحقّق هنا ‪ ،‬كما لم يتحقّق في غصب العقار ‪.‬‬
‫فإن تعدّى الغاصب على الزّيادة ‪ ،‬بأن أتلفها أو أكلها أو باعها ‪ ،‬أو طلبها مالكها فمنعها‬
‫عنه‪ ،‬ضمنها ‪ ،‬لنّه بالتّعدّي أو المنع صار غاصبا ‪.‬‬
‫وفصّل المالكيّة في الرجح عندهم في نوع الزّيادة ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إذا كانت الزّيادة الّتي بفعل اللّه‬
‫متّصلةً كالسّمن والكبر ‪ ،‬فل تكون مضمونةً على الغاصب ‪ ،‬وأمّا إذا كانت الزّيادة منفصلةً ‪،‬‬
‫ولو نشأت من غير استعمال الغاصب كاللّبن والصّوف وثمر الشّجر ‪ ،‬فهي مضمونة على‬
‫ي على صاحبها ‪.‬‬
‫الغاصب إن تلفت أو استهلكت ‪ ،‬ويجب ردّها مع المغصوب الصل ّ‬
‫أمّا منافع المغصوب ففيه التّفصيل التي ‪:‬‬
‫ن الغاصب يضمن منفعة المغصوب ‪ ،‬وعليه أجر المثل ‪،‬‬
‫ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫سواء استوفى المنافع أم تركها تذهب ‪ ،‬وسواء أكان المغصوب عقارا كالدّار ‪ ،‬أم منقولً‬
‫كالكتاب والحليّ ونحوهما ؛ لنّ المنفعة مال متقوّم ‪ ،‬فوجب ضمانه كالعين المغصوبة ذاتها‬
‫‪.‬‬
‫ن الغاصب ل يضمن منافع ما غصبه من ركوب الدّابّة ‪ ،‬وسكنى‬
‫وذهب متقدّمو الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ن المنفعة الحادثة‬
‫ن المنفعة ليست بمال عندهم ؛ ول ّ‬
‫الدّار ‪ ،‬سواء استوفاها أو عطّلها ؛ ل ّ‬
‫على يد الغاصب لم تكن موجودةً في يد المالك ‪ ،‬فلم يتحقّق فيها معنى الغصب ؛ لعدم إزالة‬
‫يد المالك عنها ‪.‬‬
‫وأوجب متأخّرو الحنفيّة ضمان أجر المثل في ثلثة مواضع ‪ -‬والفتوى على رأيهم ‪ -‬وهي‬
‫‪ :‬أن يكون المغصوب وقفا ‪ ،‬أو ليتيم ‪ ،‬أو معدّا للستغلل ‪ ،‬بأن بناه صاحبه أو اشتراه لذلك‬
‫الغرض ‪.‬‬
‫وإن نقص المغصوب ‪ -‬أي ذاته ‪ -‬باستعمال الغاصب غرم النّقصان ‪ ،‬لستهلكه بعض‬
‫أجزاء العين المغصوبة ‪.‬‬
‫وأمّا غلّة المغصوب ‪:‬‬
‫فل تطيب في رأي أبي حنيفة ومحمّد للغاصب ؛ لنّه ل يحلّ له النتفاع بملك الغير ‪ ،‬وقال‬
‫أبو يوسف وزفر ‪ :‬تطيب له ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬للمغصوب منه غلّة مغصوب مستعمل إذا استعمله الغاصب أو أكراه ‪ ،‬سواء‬
‫كان عبدا أو دا ّبةً أو أرضا أو غير ذلك على المشهور ‪ ،‬فإذا لم يستعمل فل شيء عليه ولو‬
‫فوّت على ربّه استعماله ‪ ،‬إلّ إذا نشأ من غير استعمال كلبن وصوف وثمر ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الضّمان ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا تلف المغصوب في يد الغاصب أو نقص أو أتلفه ‪ ،‬أو حدث‬ ‫‪19‬‬

‫عيب مفسد فيه ‪ ،‬أو صنع شيء منه حتّى سمّي باسم آخر ‪ ،‬كخياطة القماش ‪ ،‬وصياغة‬
‫ق للمالك المغصوب‬
‫الفضّة حليّا ‪ ،‬وصناعة النّحاس قدرا ‪ ،‬وجب على الغاصب ضمانه ‪ ،‬وح ّ‬
‫منه تضمينه ‪ ،‬بأن يدفع له مثله إن كان من المثليّات ‪ ،‬وهي المكيلت كالحبوب ‪،‬‬
‫والموزونات كالقطان والحديد ‪ ،‬والذّرعيّات كالقمشة ‪ ،‬والعدديّات المتقاربة كالجوز واللّوز‬
‫ن الواجب الصليّ في الضّمانات هو المثل ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬ف َمنِ اعْتَدَى عَلَ ْيكُمْ فَاعْتَدُواْ‬
‫;لّ‬
‫عَلَ ْي ِه ِبمِ ْثلِ مَا اعْتَدَى عَلَ ْي ُكمْ } ولنّ المثل أعدل ‪ ،‬لما فيه من مراعاة الجنس والماليّة ‪،‬‬
‫فكان أدفع للضّرر وأقرب إلى الصل ‪ ،‬فالمثل أقرب إلى الشّيء من القيمة ‪ ،‬وهو مماثل له‬
‫صور ًة ومعنًى ‪ ،‬فكان اللزام به أعدل وأتمّ لجبران الضّرر ‪ ،‬والواجب في الضّمان القتراب‬
‫من الصل بقدر المكان تعويضا للضّرر ‪ ،‬ولما روي عن عائشة رضي ال عنها « أنّها‬
‫قالت ‪ :‬ما رأيت صانعة طعام مثل صفيّة ‪ :‬أهدت إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم إناءً فيه‬
‫طعام ‪ ،‬فما ملكت نفسي أن كسرته ‪ ،‬فسألت النّبيّ صلى ال عليه وسلم عن كفّارته ؟ فقال‬
‫‪ :‬إناء كإناء وطعام كطعام » ‪.‬‬
‫‪ -‬فإن لم يقدر الغاصب على المثل أو كان المال قيميّا كالرض والدّار والثّوب والحيوان‪،‬‬ ‫‪20‬‬

‫وجب عليه ضمان القيمة ‪ ،‬وذلك في ثلث حالت ‪:‬‬


‫ي ‪ ،‬كالحيوانات والدّور والمصوغات ‪ ،‬فلكلّ واحد منها‬
‫الولى ‪ :‬إذا كان الشّيء غير مثل ّ‬
‫قيمة تختلف عن الخرى باختلف الصّفات المميّزة لكلّ واحد ‪.‬‬
‫ي بغير جنسه كالحنطة مع الشّعير ‪.‬‬
‫الثّانية ‪ :‬إذا كان الشّيء خليطا ممّا هو مثل ّ‬
‫ي حسّيّ ‪ ،‬كانقطاع وجود‬
‫الثّالثة ‪ :‬إذا كان الشّيء مثليّا تعذّر وجود مثله ‪ ،‬والتّعذّر إمّا حقيق ّ‬
‫المثل في السّوق بعد البحث عنه وإن وجد في البيوت ‪ ،‬أو حكميّ ‪ ،‬كأن لم يوجد إلّ بأكثر‬
‫من ثمن المثل ‪ ،‬أو شرعيّ بالنّسبة للضّامن ‪ ،‬كالخمر بالنّسبة للمسلم ‪ ،‬يجب عليه لل ّذمّيّ‬
‫عند الحنفيّة والمالكيّة ضمان القيمة وإن كانت الخمر من المثليّات لنّه يحرم على المسلم‬
‫تملّكها‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الهدم والقلع ‪:‬‬
‫ن الغاصب يلزم بر ّد المغصوب إلى صاحبه كما أخذه ‪ ،‬كما يلزم‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪21‬‬

‫بإزالة ما أحدث فيه من بناء ‪ ،‬أو زرع أو غرس ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ليس‬
‫ق » وللمالك المطالبة بهدم البناء الّذي بناه الغاصب على المغصوب ‪ ،‬وقلع‬
‫لعرق ظالم ح ّ‬
‫الشّجر الّذي غرسه أو الزّرع الّذي زرعه بل إذن المالك ‪.‬‬
‫غير أنّ فقهاء المذاهب فصّلوا في المر كما يلي ‪:‬‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أنّ من غصب ساجةً " خشبةً عظيمةً تستعمل في أبواب الدّور وبنائها "‬
‫فبنى عليها أو حولها ‪ ،‬وكانت قيمة البناء أكثر من قيمتها ‪ ،‬زال ملك مالكها عنها ‪ ،‬ولزم‬
‫الغاصب قيمتها ‪ ،‬لصيرورتها شيئا آخر ‪ ،‬وفي القلع ضرر ظاهر لصاحب البناء ( الغاصب )‬
‫من غير فائدة تعود للمالك ‪ ،‬وضرر المالك ينجبر بالضّمان ‪ ،‬ول ضرر في السلم ‪ ،‬أمّا إذا‬
‫كانت قيمة السّاجة أكثر من البناء ‪ ،‬فلم يزل ملك مالكها ‪ ،‬لنّه " يرتكب أخفّ الضّررين‬
‫وأهون الشّرّين " ‪.‬‬
‫وعقّب قاضي زاده على هذه التّفرقة ‪ ،‬فقال ‪ :‬ل فرق في المعنى بين أن تكون قيمة البناء‬
‫أكثر من قيمة السّاجة وبين العكس ؛ لنّ ضرر المالك مجبور بالقيمة ‪ ،‬وضرر الغاصب‬
‫ضرر محض ‪ ،‬ول ريب أنّ الضّرر المجبور دون الضّرر المحض ‪ ،‬فل يرتكب الضّرر‬
‫العلى عند إمكان العمل بالضّرر الدنى ‪ ،‬فيعمل بقاعدة ‪ " :‬الضّرر الشدّ يزال بالخفّ " في‬
‫مسألة السّاجة ‪ ،‬أي أنّه يعوّض المالك ‪ ،‬وتزول ملكيّته عن السّاجة ‪.‬‬
‫وأمّا مسألة السّاجة فهي ‪ ..‬لو غصب غاصب أرضا فغرس فيها ‪ ،‬أو بنى فيها ‪ ،‬وكانت‬
‫قيمة الرض ( السّاجة ) أكثر ‪ ،‬أجبر الغاصب على قلع الغرس ‪ ،‬وهدم البناء ‪ ،‬وردّ الرض‬
‫فارغةً إلى صاحبها كما كانت ؛ لنّ الرض ل تغصب حقيقةً عندهم ‪ ،‬فيبقى فيها حقّ المالك‬
‫ق » كما‬
‫كما كان‪ ،‬والغاصب جعلها مشغولةً ‪ ،‬فيؤمر بتفريغها ‪ ،‬إذ « ليس لعرق ظالم ح ّ‬
‫تقدّم ‪ ،‬فإن كانت قيمة البناء أكثر ‪ ،‬فللغاصب أن يضمن للمالك قيمة الرض ويأخذها ‪.‬‬
‫وإذا كانت الرض تنقص بقلع الغرس منها أو هدم البناء ‪ ،‬فللمالك أن يضمن للغاصب قيمة‬
‫البناء والغرس مقلوعا " أنقاضا " رعاي ًة لمصلحة الطّرفين ‪ ،‬ودفعا للضّرر عنهما فتقوّم‬
‫الرض بدون الشّجر والبناء ‪ ،‬وتقوّم وبها شجر وبناء مستحقّ القلع والهدم ‪ ،‬فيضمن‬
‫الفرق بينهما ‪.‬‬
‫وإذا زرع الغاصب الرض ‪ ،‬فإن كانت الرض ملكا فإن أعدّها صاحبها للزّراعة ‪ ،‬فيكون‬
‫المر مزارعةً بين المالك والغاصب ‪ ،‬ويحتكم إلى العرف في حصّة كلّ منهما ‪ ،‬النّصف أو‬
‫ل ‪ ،‬وإن كانت معدّةً لليجار فالنّاتج للزّارع ‪ ،‬وعليه أجر مثل الرض ‪ ،‬وإن لم يكن‬
‫الرّبع مث ً‬
‫شيء ممّا ذكر ‪ ،‬فعلى الغاصب نقصان ما نقص الزّرع ‪ ،‬وأمّا إذا كانت الرض وقفا أو مال‬
‫يتيم ‪ ،‬اعتبر العرف إذا كان أنفع ‪ ،‬وإن لم يكن العرف أنفع ‪ ،‬وجب أجر المثل ‪ ،‬لقولهم ‪:‬‬
‫يفتى بما هو أنفع للوقف ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة في حالة البناء ‪ :‬أنّ من غصب أرضا أو عمودا أو خشبا ‪ ،‬فبنى فيها أو بها‬
‫‪ .‬يخيّر المالك بين المطالبة بهدم البناء على المغصوب ‪ ،‬وبين إبقائه على أن يعطي‬
‫الغاصب قيمة النقاض ‪ ،‬بعد طرح أجرة القلع أو الهدم ‪ ،‬ول يعطيه قيمة التّجصيص‬
‫والتّزويق ونحوهما ممّا ل قيمة له ‪ ،‬أي إنّهم يرجّحون مصلحة المالك ‪ ،‬لنّه صاحب الحقّ‬
‫‪.‬‬
‫ومن غصب ساريةً أو خشبةً فبنى عليها ‪ ،‬فلصاحبها أخذها وإن هدم البنيان ‪.‬‬
‫أمّا في حالة الغرس ‪ :‬فمن غصب أرضا ‪ ،‬فغرس فيها أشجارا ‪ ،‬فل يؤمر بقلعها ‪،‬‬
‫وللمغصوب منه أن يعطيه قيمتها بعد طرح أجرة القلع كالبنيان ‪ ،‬فإن غصب أشجارا ‪،‬‬
‫فغرسها في أرضه ‪ ،‬أمر بقلعها ‪.‬‬
‫وأمّا في حالة الزّرع ‪ :‬فمن زرع في الرض المغصوبة زرعا ‪ ،‬فإن أخذها صاحبها في إبّان‬
‫الزّراعة ‪ ،‬فهو مخيّر بين أن يقلع الزّرع ‪ ،‬أو يتركه للزّارع ويأخذ الكراء ‪ ،‬وإن أخذها بعد‬
‫إبّان الزّراعة فللمالكيّة رأيان ‪ :‬رأي أنّ المالك يخيّر كما ذكر ‪ ،‬ورأي ليس له قلعه وله‬
‫الكراء ‪ ،‬والزّرع لزارعه ‪.‬‬
‫ن الغاصب يكلّف بهدم البناء وقلع الغراس على الرض المغصوبة ‪،‬‬
‫وقرّر الشّافعيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫وعليه أرش النّقص إن حدث ‪ ،‬وإعادة الرض كما كانت ‪ ،‬وأجرة المثل في مدّة الغصب إن‬
‫كان لمثلها أجرة ‪ ،‬ولو أراد المالك تملّكها بالقيمة ‪ ،‬أو إبقاءها بأجرة ‪ ،‬لم يلزم الغاصب‬
‫إجابته في الصحّ ; لمكان القلع بل أرش ‪ .‬ولو بذر الغاصب بذرا في الرض وكان البذر‬
‫والرض مغصوبين من شخص واحد ‪ ،‬فللمالك تكليفه إخراج البذر منها وأرش النّقص ‪،‬‬
‫وإن رضي المالك ببقاء البذر في الرض ‪ ،‬لم يكن للغاصب إخراجه ‪ ،‬كما ل يجوز للغاصب‬
‫قلع تزويق الدّار المغصوبة إن رضي المالك ببقائه ‪.‬‬
‫ووافق الحنابلة والشّافعيّة في مسألتي البناء والغرس على الرض المغصوبة ‪ ،‬للحديث‬
‫ق » أمّا في حالة زرع الرض فقالوا ‪ :‬يخيّر المالك بين‬
‫المتقدّم ‪ « :‬ليس لعرق ظالم ح ّ‬
‫إبقاء الزّرع إلى الحصاد ‪ ،‬وأخذ أجر الرض وأرش النّقص من الغاصب ‪ ،‬وبين أخذ الزّرع‬
‫له ‪ ،‬ودفع النّفقة للغاصب ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من زرع في أرض قوم بغير‬
‫إذنهم ‪ ،‬فليس له من الزّرع شيء ‪ ،‬وله نفقته » وقوله عليه السلم في حديث آخر ‪« :‬‬
‫خذوا زرعكم‪ ،‬وردّوا إليه نفقته » أي للغاصب ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الجمع بين أخذ القيمة والغلّة ‪:‬‬
‫‪ -‬للفقهاء اتّجاهان في مسألة جمع المالك بين أخذ القيمة إذا تلف المغصوب ‪ ،‬وبين أخذ‬ ‫‪22‬‬

‫الغلّة كالجرة المستفادة من إيجار العيان المغصوبة ‪.‬‬


‫التّجاه الوّل ‪ -‬للحنفيّة والمالكيّة ‪ :‬وهو أنّه ل يجمع المالك بين أخذ قيمة وغلّة ؛ لنّ‬
‫المضمونات تملك بأداء الضّمان مستندا ‪ ،‬أي بأثر رجعيّ إلى وقت الغصب ‪ ،‬فتكون الغلّة‬
‫ق الغاصب إذا أدّى قيمة المغصوب إلى المالك ‪ ،‬ول يلزم الغاصب بالقيمة إلّ بتلف‬
‫من ح ّ‬
‫المغصوب أو فواته ‪.‬‬
‫والتّجاه الثّاني ‪ -‬للشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬وهو أنّه يجمع المالك بين أخذ القيمة عند التّلف‬
‫والغلّة ؛ لنّه تلفت عليه منافع ماله بسبب كان في يد الغاصب ‪ ،‬فلزمه ضمانها ‪ ،‬كما لو لم‬
‫يدفع القيمة ‪ ،‬والجرة أو الغلّة في مقابلة ما يفوت من المنافع ‪ ،‬ل في مقابلة أجزاء الشّيء‬
‫المغصوب ‪ ،‬فتكون القيمة واجبةً في مقابلة ذات الشّيء ‪ ،‬والغلّة في مقابلة المنفعة ‪ ،‬وإن‬
‫تلف المغصوب فعلى الغاصب أجرته إلى حين تلفه ‪ ،‬لنّه من حين التّلف لم تبق له منفعة‬
‫حتّى يتوجّب عليه ضمانها ‪.‬‬
‫ومنشأ الخلف ‪ :‬هل يملك الغاصب الشّيء المغصوب بأداء الضّمان ‪ ،‬فقال أرباب التّجاه‬
‫الوّل ‪ :‬الضّامن يملك المال المضمون بالضّمان من وقت قبضه ‪.‬‬
‫وقال أصحاب التّجاه الثّاني ‪ :‬ل يملك الغاصب الشّيء المغصوب بأداء الضّمان ؛ لنّ‬
‫الغصب عدوان محض ‪ ،‬فل يصلح سببا للملك ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬ما يتعلّق بالضّمان من أحكام ‪:‬‬
‫يتعلّق بضمان المغصوب المسائل التّالية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬كيفيّة الضّمان ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا هلك المغصوب عند الغاصب ‪ ،‬وكان من المنقولت عند الحنفيّة ‪ ،‬أو من العقارات‬ ‫‪23‬‬

‫أو المنقولت عند الجمهور ‪ ،‬بفعله أو بغير فعله ‪ ،‬فعليه ضمانه ‪ ،‬أي غرامته أو تعويضه ‪،‬‬
‫لكن إذا كان الهلك بتعدّ من غيره ‪ ،‬ل بآفة سماويّة ‪ ،‬رجع الغاصب عليه بما ضمن‬
‫للمالك ؛ لنّه يستق ّر عليه الضّمان ‪ ،‬وعبارة الفقهاء ‪ ،‬في ذلك ‪ :‬الغاصب ضامن لما‬
‫غصبه ‪ ،‬سواء تلف بأمر اللّه أو من مخلوق ‪.‬‬
‫وكيفيّة الضّمان ‪ :‬أنّه يجب الضّمان بالمثل باتّفاق الفقهاء إذا كان المال مثليّا ‪ ،‬وبقيمته إذا‬
‫‪20‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪19/‬‬ ‫كان قيميّا ‪ ،‬فإن تعذّر وجود المثل وجبت القيمة للضّرورة على ما سبق بيانه ( ف‬
‫)‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وقت الضّمان ‪:‬‬
‫‪ -‬للفقهاء في وقت الضّمان مذاهب ‪:‬‬ ‫‪24‬‬

‫ذهب الحنفيّة في تقدير قيمة التّعويض ووقت وجوب ضمان المثليّ إذا انقطع من السّوق‬
‫وتعذّر الحصول عليه ثلثة أقوال ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬وجوب القيمة يوم الغصب ‪ ،‬وهو يوم انعقاد السّبب عند أبي يوسف ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬يوم النقطاع ‪ ،‬وهو قول محمّد ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬يوم الخصومة وهو يوم حكم الحاكم ‪ ،‬وهذا قول أبي حنيفة ‪ ،‬وهو المعتبر في‬
‫)‪.‬‬ ‫‪891:‬‬ ‫المتون والمختار ‪ ،‬واختارت المجلّة قول أبي يوسف ‪ ( .‬المادّة‬
‫وأمّا القيميّ فتجب قيمته يوم غصبه بالتّفاق بين الحنفيّة ‪.‬‬
‫ن الضّمان يجب بالغصب ‪،‬‬
‫وذهب المالكيّة ‪ :‬إلى أنّه تقدّر قيمة المغصوب يوم الغصب ؛ ل ّ‬
‫ن سبب الضّمان لم‬
‫فتقدّر قيمة المغصوب يوم الغصب ‪ ،‬فل يتغيّر التّقدير بتغيّر السعار ؛ ل ّ‬
‫يتغيّر ‪ ،‬كما لم يتغيّر محلّ الضّمان ‪.‬‬
‫لكن فرّق المالكيّة بين ضمان الذّات وضمان الغلّة ‪ ،‬فتضمن الولى يوم الستيلء عليها ‪،‬‬
‫وتضمن الغلّة من يوم استغللها ‪ ،‬وأمّا المتعدّي وهو غاصب المنفعة ‪ ،‬فيضمن المنفعة‬
‫بمجرّد فواتها على صاحبها وإن لم يستعملها ‪.‬‬
‫ن المعتبر في الضّمان هو أقصى قيمة للمغصوب من‬
‫وذهب الشّافعيّة في الصحّ ‪ :‬إلى أ ّ‬
‫وقت الغصب في بلد الغصب إلى وقت تعذّر وجود المثل ‪ ،‬وإذا كان المثل مفقودا عند التّلف‬
‫ح وجوب الكثر قيم ًة من الغصب إلى التّلف ‪ ،‬سواء أكان ذلك بتغيّر السعار ‪ ،‬أم‬
‫فالص ّ‬
‫بتغيّر المغصوب في نفسه ‪.‬‬
‫وأمّا المال القيميّ ‪ :‬فيضمن بأقصى قيمة له من يوم الغصب إلى يوم التّلف ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة ‪ :‬إلى أنّه إذا كان المغصوب من المثليّات ‪ ،‬وفقد المثل ‪ ،‬وجبت قيمته يوم‬
‫ن القيمة وجبت في ال ّذمّة حين انقطاع المثل ‪ ،‬فقدّرت القيمة حينئذ كتلف‬
‫انقطاع المثل ؛ ل ّ‬
‫المتقوّم ‪ ،‬وإن كان المغصوب من القيميّات وتلف ‪ ،‬فالواجب القيمة أكثر ما كانت من حين‬
‫الغصب إلى حين الرّدّ ‪ ،‬إذا كان التّغيّر في المغصوب نفسه من كبر وصغر ‪ ،‬وسمن وهزال‬
‫ونحوها من المعاني الّتي تزيد بها القيمة وتنقص ؛ لنّ هذه المعاني مغصوبة في الحال‬
‫الّتي زادت فيها ‪ ،‬والزّيادة لمالكها مضمونة على الغاصب ‪ .‬وإن كانت زيادة القيمة بتغيّر‬
‫ن نقصان القيمة لهذا السّبب ل يضمن إذا ردّت العين‬
‫السعار لم تضمن الزّيادة ؛ ل ّ‬
‫المغصوبة بذاتها‪ ،‬فل يضمن عند تلفها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬انتهاء عهدة الغاصب ‪:‬‬
‫‪ -‬تبرأ ذمّة الغاصب وتنتهي عهدته بأحد أمور أربعة ‪:‬‬ ‫‪25‬‬

‫الوّل ‪ :‬ردّ العين المغصوبة إلى صاحبها ما دامت باقيةً بذاتها ‪ ،‬لم تشغل بشيء آخر ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أداء الضّمان إلى المالك أو نائبه إذا تلف المغصوب ؛ لنّ الضّمان مطلوب أصالةً ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬البراء من الضّمان إمّا صراحةً مثل ‪ :‬أبرأتك من الضّمان ‪ ،‬أو أسقطته عنك ‪ ،‬أو‬
‫وهبته منك ونحوه ‪ ،‬أو بما يجري مجرى الصّريح ‪ :‬وهو أن يختار المالك تضمين أحد‬
‫الغاصبين ‪ ،‬فيبرأ الخر ؛ لنّ اختيار تضمين أحدهما إبراء للخر ضمنا ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬إطعام الغاصب المغصوب لمالكه أو لدابّته ‪ ،‬وهو يعلم أنّه طعامه ‪ ،‬أو تسلّم‬
‫الغاصب المغصوب على وجه المانة كاليداع أو الهبة أو الجارة أو الستئجار على‬
‫قصارته أو خياطته ‪ ،‬وعلم المالك أنّه ماله المغصوب منه ‪ ،‬أو على وجه ثبوت بدله في‬
‫ذمّته ‪ ،‬كالقرض‪ ،‬وعلم أنّه ماله ‪ ،‬فإن لم يعلم بذلك لم يبرأ الغاصب ‪ ،‬حتّى تتغيّر صفة‬
‫الغصب ‪.‬‬
‫د ‪ -‬تعذّر ردّ المغصوب ‪:‬‬
‫‪ -‬قد يتعذّر ر ّد المغصوب لتغيّره عند الغاصب ‪ ،‬وللفقهاء في ذلك أقوال ‪:‬‬ ‫‪26‬‬

‫قال الحنفيّة والمالكيّة ‪ :‬تغيّر المغصوب عند الغاصب ‪ :‬إمّا بنفسه أو بفعل الغاصب ‪.‬‬
‫والتّغيّر بفعله قد يكون تغيّرا في الوصف أو تغيّرا في السم والذّات ‪ ،‬وكلّ حالت التّغيّر‬
‫يكون المغصوب فيها موجودا ‪.‬‬
‫فإذا تغيّر المغصوب بنفسه ‪ ،‬كما لو كان عنبا فأصبح زبيبا ‪ ،‬أو رطبا فأصبح تمرا ‪ ،‬فيتخيّر‬
‫المالك بين استرداد عين المغصوب ‪ ،‬وبين تضمين الغاصب قيمته ‪.‬‬
‫وإذا تغيّر وصف المغصوب بفعل الغاصب من طريق الضافة أو الزّيادة ‪ ،‬كما لو صبغ‬
‫الثّوب‪ ،‬أو خلط الدّقيق بسمن ‪ ،‬أو اختلط المغصوب بملك الغاصب بحيث يمتنع تمييزه ‪،‬‬
‫كخلط البرّ بالب ّر ‪ ،‬أو يمكن بحرج ‪ ،‬كخلط البرّ بالشّعير ‪ ،‬فيجب إعطاء الخيار للمالك ‪ :‬إن‬
‫شاء ضمّن الغاصب قيمة المغصوب قبل تغييره ‪ ،‬وإن شاء أخذه وأعطى الغاصب قيمة‬
‫ن في التّخيير رعايةً للجانبين ‪.‬‬
‫الزّيادة ‪ ،‬مثلما زاد الصّبغ في الثّوب ؛ ل ّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬زيادة المغصوب إن كان أثرا محضا ‪ ،‬كقصارة لثوب وخياطة بخيط منه‬
‫ونحو ذلك ‪ ،‬فل شيء للغاصب بسببها لتعدّيه بعمله في ملك غيره ‪ ،‬وللمالك تكليفه ردّ‬
‫المغصوب كما كان إن أمكن ‪ ،‬فإن لم يمكن فيأخذه بحاله وأرش النّقص إن نقص ‪ ،‬وإن‬
‫كانت الزّيادة عينا كبناء كلّف القلع وأرش النّقص إن كان ‪ ،‬وإعادة المغصوب كما كان ‪،‬‬
‫وأجرة المثل إن مضت مدّة لمثلها أجرة ‪ ،‬وإن صبغ الغاصب الثّوب المغصوب بصبغه‬
‫وأمكن فصله أجبر عليه في الصحّ ‪ ،‬وإن لم يمكن فإن لم تزد قيمة المغصوب بالصّبغ ولم‬
‫تنقص فل شيء للغاصب ول شيء عليه ‪ ،‬وإن نقصت قيمته لزمه الرش ‪ ،‬وإن زادت‬
‫قيمته اشترك فيه أثلثا ‪ :‬ثلثاه للمغصوب منه وثلثه للغاصب ‪.‬‬
‫ومذهب الحنابلة كالشّافعيّة إجمالً ‪ ،‬إلّ أنّهم قالوا ‪ :‬ل يجبر الغاصب على قلع الصّبغ من‬
‫الثّوب ؛ لنّ فيه إتلفا لملكه وهو الصّبغ ‪ ،‬وإن حدث نقص ضمن الغاصب النّقص ؛ لنّه‬
‫حصل بتعدّيه ‪ ،‬فضمنه كما ذكر الشّافعيّة ‪ ،‬وإن حصلت زيادة ‪ ،‬فالمالك والغاصب شريكان‬
‫بقدر ملكيهما ‪ ،‬فيباع الشّيء ‪ ،‬ويوزّع الثّمن على قدر القيمتين ‪.‬‬
‫واتّفق المذهبان على أنّ الغاصب إذا غصب شيئا ‪ ،‬فخلطه بما يمكن تمييزه منه ‪ ،‬كحنطة‬
‫بشعير أو سمسم ‪ ،‬أو صغار الحبّ بكباره ‪ ،‬أو زبيب أسود بأحمر ‪ ،‬لزمه تمييزه وردّه‬
‫ق ولم يمكن‬
‫وأجر المميّز عليه ‪ ،‬وإن لم يمكن تمييز جميعه وجب تمييزه ما أمكن ‪ ،‬وإن ش ّ‬
‫تمييزه فهو كالتّالف ‪ ،‬وللمالك تغريم الغاصب ‪ :‬المثل في المثليّ ‪ ،‬والقيمة في القيميّ ‪.‬‬
‫والخلصة ‪ :‬أنّ الفقهاء متّفقون على ضمان النّقص ‪ ،‬وعلى حقّ الغاصب في الزّيادة ‪.‬‬
‫وقد تتغيّر ذات المغصوب واسمه بفعل الغاصب ‪ ،‬بحيث زال أكثر منافعه المقصودة ‪ ،‬كما لو‬
‫غصب شاةً فذبحها وشواها ‪ ،‬أو طبخها ‪ ،‬أو غصب حنطةً فطحنها دقيقا ‪ ،‬أو حديدا فاتّخذه‬
‫سيفا ‪ ،‬أو نحاسا فاتّخذه آنيةً ‪ ،‬فإنّه يزول ملك المغصوب منه عن المغصوب عند الحنفيّة‬
‫ي ‪ ،‬ولكن ل‬
‫ي ‪ ،‬والقيمة في القيم ّ‬
‫والمالكيّة ‪ ،‬ويملكه الغاصب ويضمن بدله ‪ :‬المثل في المثل ّ‬
‫ن في إباحة النتفاع بعد ارتضاء المالك‬
‫يحلّ له النتفاع به حتّى يؤدّي بدله استحسانا ؛ ل ّ‬
‫بأداء البدل أو إبرائه حسما لمادّة الفساد ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن نقص المغصوب نقصانا تنقص به القيمة ‪ ،‬كأن كان ثوبا فتمزّق ‪ ،‬أو‬
‫إناءً فانكسر ‪ ،‬أو شا ًة فذبحت ‪ ،‬أو طعاما فطحن ونقصت قيمته ‪ ،‬ردّه وردّ معه أرش ما‬
‫نقص؛ لنّه نقصان عين في يد الغاصب ‪ ،‬نقصت به القيمة فوجب ضمانه ‪.‬‬
‫فإن ترك المغصوب منه المغصوب على الغاصب وطالبه ببدله لم يكن له ذلك ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة ‪ -‬في الصّحيح من المذهب ‪ -‬لم يزل ملك صاحبه عنه ‪ ،‬ويأخذه وأرش‬
‫نقصه إن نقص ‪ ،‬ول شيء للغاصب في زيادته ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬نقصان المغصوب ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الجمهور غير الحنفيّة ‪ :‬ل يضمن نقص المغصوب بسبب هبوط السعار ؛ لنّ‬ ‫‪27‬‬

‫النّقص كان بسبب فتور رغبات النّاس ‪ ،‬وهي ل تقابل بشيء ‪ ،‬والمغصوب لم تنقص عينه‬
‫ول صفته ‪.‬‬
‫وذكر المالكيّة أنّه ل اعتبار بتغيّر السّعر في السّوق في غصب الذّوات ‪ ،‬أمّا التّعدّي فيتأثّر‬
‫بذلك ‪ ،‬فللمالك إلزام الغاصب قيمة الشّيء إن تغيّر سوقها عمّا كان يوم التّعدّي ‪ ،‬وله أن‬
‫يأخذ عين شيئه ‪ ،‬ول شيء على المتعدّي ‪.‬‬
‫وأمّا النّقص الحاصل في ذات المغصوب أو في صفته ‪ ،‬فيكون مضمونا سواء حصل النّقص‬
‫بآفة سماويّة أو بفعل الغاصب ‪.‬‬
‫إلّ أنّ المالكيّة في المشهور عندهم قالوا ‪ :‬إذا كان النّقص بآفة سماويّة ‪ ،‬فليس للمغصوب‬
‫منه إلّ أن يأخذ المغصوب ناقصا كما هو ‪ ،‬أو يضمن الغاصب قيمة المغصوب كلّه يوم‬
‫الغصب ‪ ،‬ول يأخذ قيمة النّقص وحدها ‪ .‬وإن كان النّقص بجناية الغاصب ‪ ،‬فالمالك مخيّر‬
‫في المذهب بين أن يضمّن الغاصب القيمة يوم الغصب ‪ ،‬أو يأخذه مع ما نقصته الجناية ‪،‬‬
‫أي يأخذ قيمة النّقص يوم الجناية عند ابن القاسم ‪ ،‬ويوم الغصب عند سحنون ‪ ،‬ولم يفرّق‬
‫أشهب بين نقص بآفة سماويّة وجناية الغاصب ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة فقد ذكروا أحوالً أربعةً لنقص المغصوب في يد الغاصب ‪ ،‬وجعلوا لكلّ حالة في‬
‫الضّمان حكما ‪ ،‬وهي ما يأتي ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬أن يحدث النّقص بسبب هبوط السعار في السواق ‪ ،‬وهذا ل يكون مضمونا إذا ردّ‬
‫العين إلى مكان الغصب ؛ لنّ نقصان السّعر ليس نقصا مادّيّا في المغصوب بفوات جزء من‬
‫العين ‪ ،‬وإنّما يحدث بسبب فتور الرّغبات الّتي تتأثّر بإرادة اللّه تعالى ‪ ،‬ول صنع للعبد فيها‬
‫‪ .‬الثّانية ‪ :‬أن يكون النّقص بسبب فوات وصف مرغوب فيه ‪ ،‬كضعف الحيوان ‪ ،‬وزوال‬
‫سمعه أو بصره ‪ ،‬أو طروء الشّلل أو العرج أو العور ‪ ،‬أو سقوط عضو من العضاء ‪،‬‬
‫فيجب على الغاصب ضمان النّقص في غير مال الرّبا ‪ ،‬ويأخذ المالك العين المغصوبة ؛‬
‫لبقاء العين على حالها ‪.‬‬
‫فإن كان المغصوب من أموال الرّبا ‪ ،‬كتعفّن الحنطة ‪ ،‬وكسر إناء الفضّة ‪ ،‬فليس للمالك إلّ‬
‫أخذ المغصوب بذاته ‪ ،‬ول شيء له غيره بسبب النّقصان ؛ لنّ الرّبويّات ل يجيزون فيها‬
‫ضمان النّقصان ‪ ،‬مع استرداد الصل ; لنّه يؤدّي إلى الرّبا ‪.‬‬
‫الثّالثة ‪ :‬أن يكون النّقص بسبب فوات معنًى مرغوب فيه في العين ‪ ،‬مثل الشّيخوخة بعد‬
‫الشّباب ‪ ،‬والهرب ‪ ،‬ونسيان الحرفة ‪ ،‬فيجب ضمان النّقص في كلّ الحوال ‪.‬‬
‫لكن إن كان النّقص يسيرا ‪ ،‬كالخرق اليسير في الثّوب ‪ ،‬فليس للمالك سوى تضمين‬
‫الغاصب مقدار النّقصان لبقاء العين بذاتها ‪.‬‬
‫وإن كان النّقص فاحشا كالخرق الكبير في الثّوب بحيث يبطل عامّة منافعه ‪ ،‬فالمالك بالخيار‬
‫بين أخذه وتضمينه النّقصان لتعيّبه ‪ ،‬وبين تركه للغاصب وأخذ جميع قيمته لنّه أصبح‬
‫مستهلكا له من وجه ‪.‬‬
‫والصّحيح في ضابط الفرق بين اليسير والفاحش ‪ ،‬هو أنّ اليسير ‪ :‬ما ل يفوت به شيء‬
‫من المنفعة ‪ ،‬وإنّما يدخل فيه نقصان في المنفعة ‪ ،‬والفاحش ‪ :‬ما يفوت به بعض العين‬
‫وجنس المنفعة ‪ ،‬ويبقى بعض العين وبعض المنفعة ‪.‬‬
‫) اليسير ‪ :‬بما لم يكن بالغا ربع قيمة المغصوب ‪ ،‬والفاحش ‪ :‬بما‬ ‫‪900‬‬ ‫وقدّرت المجلّة ( م‬
‫ساوى ربع قيمة المغصوب أو أزيد ‪.‬‬
‫وإذا وجب ضمان النّقصان ‪ ،‬قوّمت العين صحيحةً يوم غصبها ‪ ،‬ثمّ تقوّم ناقصةً ‪ ،‬فيغرم‬
‫الغاصب الفرق بينهما ‪.‬‬
‫وإذا كان العقار مغصوبا ‪ ،‬فإنّه وإن لم تضمن عينه بهلكه بآفة سماويّة عند الحنفيّة ‪ ،‬فإنّ‬
‫النّقص الطّارئ بفعل الغاصب أو بسكناه أو بسبب زراعة الرض مضمون لنّه إتلف وتعدّ‬
‫منه عليه ‪.‬‬
‫اختلف الغاصب والمالك في الغصب والمغصوب ‪:‬‬
‫‪ -‬إن اختلف الغاصب والمغصوب منه في أصل الغصب وأحوال المغصوب ‪ ،‬فعند‬ ‫‪28‬‬

‫الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إن اختلف الغاصب والمغصوب منه في قيمة المغصوب ‪ ،‬بأن قال‬
‫ن الصل‬
‫الغاصب ‪ :‬قيمته عشرة ‪ ،‬وقال المالك ‪ :‬اثنا عشر ‪ ،‬صدّق الغاصب بيمينه ؛ ل ّ‬
‫ن القيمة أكثر‬
‫براءة ذمّته من الزّيادة ‪ ،‬وعلى المالك البيّنة ‪ ،‬فإن أقام المالك البيّنة على أ ّ‬
‫ممّا قاله الغاصب من غير تقدير سمعت ‪ ،‬وكلّف الغاصب الزّيادة على ما قاله إلى ح ّد ل‬
‫تقطع البيّنة بالزّيادة عليه ‪ ،‬وإن اختلفا في تلف المغصوب ‪ ،‬فقال المغصوب منه ‪ :‬هو‬
‫باق ‪ ،‬وقال الغاصب ‪ :‬تلف ‪ ،‬فالقول قول الغاصب بيمينه على الصّحيح ؛ لنّه قد يتعذّر‬
‫إقامة البيّنة على التّلف ‪.‬‬
‫وكذلك لو اختلفا في قدر المغصوب أو في صناعة فيه ‪ ،‬ول بيّنة لحدهما ‪ ،‬فالقول قول‬
‫الغاصب بيمينه ‪ ،‬لنّه منكر لما يدّعيه المالك عليه من الزّيادة ‪.‬‬
‫وإن اختلفا في ر ّد المغصوب ‪ ،‬فقال الغاصب ‪ :‬رددته ‪ ،‬وأنكره المالك ‪ ،‬فالقول قول المالك‬
‫لنّ الصل معه ‪ ،‬وهو عدم الرّدّ ‪ ،‬وكذا لو اختلفا في عيب في المغصوب بعد تلفه ‪ ،‬بأن‬
‫قال الغاصب ‪ :‬كان مريضا أو أعمى مثلً ‪ ،‬وأنكره المالك ‪ ،‬فالقول قول المالك بيمينه ‪ ،‬لنّ‬
‫الصل السّلمة من العيوب ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة ‪ :‬إلى أنّه إذا قال الغاصب ‪ :‬هلك المغصوب في يدي ‪ ،‬أي قضاءً وقدرا ولم‬
‫يصدّقه المغصوب منه ‪ ،‬ول بيّنة للغاصب ‪ ،‬فالقاضي يحبس الغاصب مدّ ًة يظهر فيها‬
‫ي للغصب هو‬
‫المغصوب عاد ًة لو كان قائما ‪ ،‬ثمّ يقضي عليه بالضّمان ؛ لنّ الحكم الصل ّ‬
‫وجوب ر ّد عين المغصوب ‪ ،‬وأمّا القيمة فهي بدل عنه ‪ ،‬وإذا لم يثبت العجز عن الصل ‪ ،‬ل‬
‫يقضي بالقيمة الّتي هي خلف ‪.‬‬
‫ولو اختلف الغاصب والمالك في أصل الغصب ‪ ،‬أو في جنس المغصوب ونوعه ‪ ،‬أو قدره ‪،‬‬
‫أو صفته ‪ ،‬أو قيمته يوم الغصب ‪ ،‬فالقول قول الغاصب بيمينه في ذلك كلّه ؛ لنّ المالك‬
‫ن اليمين في الشّرع على من‬
‫يدّعي عليه الضّمان ‪ ،‬وهو ينكر ‪ ،‬فكان القول قوله بيمينه ؛ ل ّ‬
‫أنكر ‪.‬‬
‫ولو ادّعى الغاصب ر ّد المغصوب إلى المالك ‪ ،‬أو ادّعى أنّ المالك هو الّذي أحدث العيب في‬
‫المغصوب ‪ ،‬فل يصدّق الغاصب إلّ بالبيّنة ‪ ،‬لنّ البيّنة في الشّرع على المدّعي ‪.‬‬
‫ولو تعارضت البيّنتان ‪ ،‬فأقام المالك البيّنة على أنّ الدّابّة أو السّيّارة مثلً تلفت عند الغاصب‬
‫من ركوبه ‪ ،‬وأقام الغاصب البيّنة على أنّه ردّها إلى المالك فتقبل بيّنة المالك ‪ ،‬وعلى‬
‫الغاصب قيمة المغصوب ؛ لنّ بيّنة الغاصب ل تدفع بيّنة المغصوب منه ؛ لنّها قامت على‬
‫ر ّد المغصوب ‪ ،‬ومن الجائز أنّه ردّها ‪ ،‬ثمّ غصبها ثانيا وركبها ‪ ،‬فتلفت في يده ‪.‬‬
‫ولو أقام المغصوب منه البيّنة أنّه غصب الدّابّة ونفقت عنده ‪ .‬وأقام الغاصب البيّنة أنّه‬
‫ن شهود المغصوب منه‬
‫ن من الجائز أ ّ‬
‫ردّها إليه وأنّها نفقت عنده ‪ ،‬فل ضمان عليه ؛ ل ّ‬
‫اعتمدوا في شهادتهم على استصحاب الحال ‪ ،‬لما أنّهم علموا بالغصب وما علموا بالرّدّ ‪،‬‬
‫فبنوا المر على ظاهر بقاء المغصوب في يد الغاصب إلى وقت الهلك ‪ ،‬وشهود الغاصب‬
‫اعتمدوا في شهادتهم بالرّ ّد حقيقة المر وهو الرّدّ ؛ لنّه أمر لم يكن ‪ ،‬فكانت الشّهادة‬
‫القائمة على الرّدّ أولى ‪.‬‬
‫ن الغاصب ضامن ‪.‬‬
‫وعن أبي يوسف أ ّ‬
‫ورأى المالكيّة ما رآه الحنفيّة فقالوا ‪ :‬إن اختلف الغاصب والمغصوب منه في دعوى تلف‬
‫المغصوب ‪ ،‬أو في جنسه ‪ ،‬أو صفته ‪ ،‬أو قدره ‪ ،‬ولم يكن لحدهما بيّنة القول قول الغاصب‬
‫مع يمينه إن أشبه في دعواه ‪ ،‬سواء أشبه ربّه أم ل ‪ ،‬فإن كان قول الغاصب لم يشبه‬
‫فالقول لربّه بيمينه ‪.‬‬
‫ضمان المغصوب إذا تصرّف فيه الغاصب أو غصب منه ‪:‬‬
‫‪ -‬قد يتصرّف الغاصب في المغصوب بالبيع أو الرّهن أو الجارة أو العارة أو الهبة أو‬ ‫‪29‬‬

‫اليداع ‪ ،‬علما بأنّ هذه التّصرّفات حرام ‪ ،‬فيهلك المغصوب في يد المتصرّف إليه ‪ ،‬وقد‬
‫يحدث تكرار الغصب ‪ ،‬فيغصب الشّيء غاصب آخر فمن الضّامن للمغصوب حينئذ ؟‬
‫يرى الحنفيّة ‪ :‬أنّه إذا تصرّف الغاصب في المغصوب بالبيع ونحوه ‪ ،‬فللمالك تضمين‬
‫الغاصب الوّل ‪ ،‬أو المرتهن ‪ ،‬أو المستأجر ‪ ،‬أو المستعير ‪ ،‬أو المشتري من الغاصب ‪ ،‬أو‬
‫الوديع الّذي أودعه الغاصب الشّيء المغصوب ‪ ،‬فهلك في يده ‪ ،‬فإن ضمن الغاصب الوّل ‪،‬‬
‫استق ّر الضّمان عليه ‪ ،‬ولم يرجع بشيء على أحد ‪ ،‬وإن ضمن المرتهن أو المستأجر أو‬
‫الوديع أو المشتري ‪ ،‬رجعوا على الغاصب بالضّمان لنّهم عملوا له ‪ ،‬والمشتري إذا ضمن‬
‫القيمة يرجع بالثّمن على الغاصب البائع ؛ لنّ البائع ضامن استحقاق المبيع ‪ ،‬وردّ القيمة‬
‫كردّ العين ‪.‬‬
‫وأمّا المستعير من الغاصب أو الموهوب له ‪ ،‬أو المتصدّق عليه منه ‪ ،‬فيستق ّر الضّمان‬
‫ل الغصب ‪ ،‬لنّه يعمل في القبض لنفسه ‪.‬‬
‫عليه‪ ،‬وإن كان جاه ً‬
‫وإذا غصب شخص شيئا من آخر ‪ ،‬فجاء غيره وغصبه منه فهلك في يده ‪ ،‬فالمالك بالخيار‬
‫‪ :‬إن شاء ضمّن الغاصب الوّل ؛ لوجود فعل الغصب منه ‪ ،‬وهو إزالة يد المالك عنه ‪ ،‬وإن‬
‫ن الغاصب الثّاني‬
‫شاء ضمّن الغاصب الثّاني أو المتلف ‪ ،‬سواء علم بالغصب أم لم يعلم ‪ ،‬ل ّ‬
‫أزال يد الغاصب الوّل الّذي هو بحكم المالك في أنّه يحفظ ماله ‪ ،‬ويتمكّن من ردّه عليه "‬
‫أي على المالك " ولنّه أثبت يده على مال الغير بغير إذنه ‪ ،‬والجهل غير مسقط للضّمان ؛‬
‫ولنّ المتلف أتلف الشّيء المغصوب فضمنه بفعل نفسه ‪.‬‬
‫فإن اختار المالك تضمين الوّل ‪ ،‬وكان هلك المغصوب في يد الغاصب الثّاني ‪ ،‬رجع‬
‫الغاصب الوّل بالضّمان على الثّاني ؛ لنّه بدفعه قيمة الضّمان ملك الشّيء المضمون " أي‬
‫المغصوب" من وقت غصبه ‪ ،‬فكان الثّاني غاصبا لملك الوّل ‪.‬‬
‫وإن اختار المالك تضمين الثّاني أو المتلف ‪ ،‬ل يرجع هذا بالضّمان على أحد ‪ ،‬ويستقرّ‬
‫الضّمان في ذمّته ؛ لنّه ضمن فعل نفسه ‪ ،‬وهو إزالة يد المالك أو استهلكه وإتلفه ‪.‬‬
‫وللمالك أن يأخذ بعض الضّمان من شخص ‪ ،‬وبعضه الخر من الشّخص الخر ‪ ،‬واستثنى‬
‫الحنفيّة من مبدأ تخيير المالك في هذه الحالة الموقوف المغصوب إذا غصب ‪ ،‬وكان‬
‫ن متولّي الوقف يضمّن الثّاني وحده ‪.‬‬
‫الغاصب الثّاني أمل من الوّل ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن المالك متى اختار تضمين الغاصب الوّل أو الثّاني يبرأ الخر عن‬
‫والرّاجح عند الحنفيّة أ ّ‬
‫الضّمان بمجرّد الختيار ‪ ،‬فلو أراد تضمينه بعدئذ لم يكن له ذلك ‪ ،‬وإذا ردّ الغاصب الثّاني‬
‫المغصوب على الوّل برئ من الضّمان ‪ ،‬وإذا ردّه إلى المالك برئ الثنان ‪.‬‬
‫وصرّح المالكيّة بأنّه يجب على الحاكم إذا رفعت له حادثة الغصب أن يمنع الغاصب من‬
‫التّصرّف في المال المثليّ ببيع أو غيره حتّى يتوثّق برهن أو حميل ( أي كفيل ) ‪ ،‬وإذا‬
‫غصب المغصوب شخص آخر ضمن ‪ ،‬وكذلك يضمن آكل المغصوب سواء علم بالغصب أو‬
‫لم يعلم ‪ ،‬لنّه بعلمه بالغصب صار غاصبا حكما من حيث الضّمان ‪ ،‬وبأكله المغصوب‬
‫يصبح متعدّيا فيضمن ‪ ،‬والمشتري من الغاصب ووارثه وموهوب الغاصب كالغاصب إن‬
‫علموا بالغصب ‪ ،‬فعليهم ضمان المثليّ بمثله والقيميّ بقيمته ‪ ،‬ويضمنون الغلّة والحادث‬
‫السّماويّ ; لنّهم غصّاب بعلمهم بالغصب ‪ ،‬وللمالك أن يتبع بالضّمان أيّهما شاء ‪.‬‬
‫ن اليدي المترتّبة على يد الغاصب أيدي ضمان وإن جهل صاحبها‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫الغصب ؛ لنّ واضع اليد وضع يده على ملك غيره بغير إذنه ‪ ،‬والجهل ليس مسقطا‬
‫للضّمان‪ ،‬بل يسقط الثم فقط ‪ ،‬فيطالب المالك من شاء منهما ‪ ،‬لكن ل يستق ّر الضّمان على‬
‫الخذ من الغاصب إلّ بعلمه بالغصب ‪ ،‬حتّى يصدق عليه معنى الغصب ‪ ،‬أو إن جهل به‬
‫وكانت يد الواضع في أصلها يد ضمان ‪ ،‬كالمستعير والمشتري والمقترض والسّائم ؛ لنّه‬
‫تعامل مع الغاصب على الضّمان ‪ ،‬فلم َيغُرّه ‪.‬‬
‫أمّا إن جهل الواضع يده على المغصوب بالغصب ‪ ،‬وكانت يده يد أمانة بل اتّهاب ‪ ،‬كوديع‬
‫وشريك مضارب ‪ ،‬فيستقرّ الضّمان على الغاصب دون الخذ ؛ لنّه تعامل مع الغاصب على‬
‫أنّ يده نائبة عن يد الغاصب ‪ ،‬وأمّا الموهوب له فقرار الضّمان عليه في الظهر ؛ لنّه وإن‬
‫ن أخذه الشّيء للتّملّك ‪.‬‬
‫كانت يده ليست يد ضمان بل يد أمانة ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫وذكر الحنابلة أنّ تصرّفات الغاصب في الشّيء المغصوب حرام وغير صحيحة ‪ ،‬لحديث ‪« :‬‬
‫من عمل عملً ليس عليه أمرنا فهو ردّ » أي مردود ‪ ،‬وتكون الرباح للمالك وللمالك‬
‫ن الغاصب حال بين المالك وبين‬
‫تضمين أيّ الشّخصين شاء ‪ :‬الغاصب أو المتصرّف له ؛ ل ّ‬
‫ملكه وأثبت اليد العادية " الضّامنة " عليه ‪ ،‬وأمّا المتصرّف له فلنّه أثبت يده على ملك‬
‫معصوم بغير حقّ ‪.‬‬
‫ويستق ّر الضّمان على الغاصب إذا كان المتصرّف له غير عالم بالغصب ‪ ،‬فإن علم‬
‫المتصرّف له بالغصب استق ّر الضّمان عليه ‪ ،‬ولم يرجع على الغاصب بشيء ‪ ،‬وكذلك‬
‫ن يده يد ضمان عندهم ‪ ،‬وإذا ردّ المتصرّف له الشّيء‬
‫يستقرّ الضّمان على المستعير ؛ ل ّ‬
‫إلى الغاصب برئ من الضّمان ‪.‬‬
‫وأمّا غاصب الغاصب فيستق ّر الضّمان عليه ‪ ،‬وللمالك تضمينه كالغاصب الوّل ‪ ،‬ومن‬
‫غصب طعاما فأطعمه غيره ‪ ،‬فللمالك تضمين أيّهما شاء ؛ لنّ الغاصب حال بينه وبين ماله‬
‫‪ ،‬والكل أتلف مال غيره بغير إذنه ‪ ،‬وقبضه عن يد ضامنه بغير إذن مالكه ‪ ،‬فإن كان الكل‬
‫عالما بالغصب ‪ ،‬استق ّر الضّمان عليه ‪ ،‬لكونه أتلف مال غيره بغير إذن عالما من غير‬
‫تغرير ‪ ،‬وإذا ضمن الغاصب رجع عليه ‪ ،‬وإن ضمن الكل لم يرجع على أحد ‪ ،‬وإن لم يعلم‬
‫الكل بالغصب‪ ،‬استق ّر الضّمان على الكل في رواية ؛ لنّه ضمن ما أتلف ‪ ،‬فلم يرجع به‬
‫على أحد ‪ ،‬وفي رواية أخرى وهي ظاهر كلم الخرقيّ ‪ :‬يستق ّر الضّمان على الغاصب ؛‬
‫لنّه غرّ الكل وأطعمه على أنّه ل يضمنه ‪.‬‬
‫تملّك الغاصب المغصوب بالضّمان ‪:‬‬
‫‪ -‬للفقهاء اتّجاهان في تملّك الغاصب الشّيء المغصوب بالضّمان ‪.‬‬ ‫‪30‬‬

‫فقال الحنفيّة ‪ :‬يملك الغاصب الشّيء المغصوب بعد ضمانه من وقت حدوث الغصب ‪ ،‬حتّى‬
‫ل يجتمع البدل والمبدل في ملك شخص واحد ‪ ،‬وهو المالك ‪ ،‬وينتج عن التّملّك أنّ الغاصب‬
‫لو تصرّف في المغصوب بالبيع أو الهبة أو الصّدقة قبل أداء الضّمان ينفذ تصرّفه ‪ ،‬كما‬
‫تنفذ تصرّفات المشتري في المشترى شرا ًء فاسدا ‪ ،‬وكما لو غصب شخص عينا فعيّبها ‪،‬‬
‫فضمّنه المالك قيمتها ‪ ،‬ملكها الغاصب ؛ لنّ المالك ملك البدل كلّه ‪ ،‬والمبدل قابل للنّقل ‪،‬‬
‫فيملكه الغاصب ؛ لئلّ يجتمع البدلن في ملك شخص واحد ‪ ،‬لكن ل يحلّ في رأي أبي حنيفة‬
‫ومحمّد للغاصب النتفاع بالمغصوب ‪ ،‬بأن يأكله بنفسه أو يطعمه غيره قبل أداء الضّمان ‪،‬‬
‫وإذا حصل فيه فضل يتصدّق بالفضل استحسانا ‪ ،‬وغلّة المغصوب المستفادة من إركاب‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم لم يبح النتفاع بالمغصوب قبل‬
‫سيّارة مثلً ل تطيب له ‪ ،‬ل ّ‬
‫إرضاء المالك ‪ ،‬لما في حديث رجل من النصار ‪ « :‬أنّ امرأ ًة دعت رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم وجيء بالطّعام فوضع يده ‪ ،‬ثمّ وضع القوم فأكلوا ‪ ،‬فنظر آباؤنا رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم يلوك لقمةً في فمه ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها‬
‫فأرسلت المرأة قالت ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ ،‬إنّي أرسلت إلى البقيع يشتري لي شاةً ‪ ،‬فلم أجد ‪،‬‬
‫ي بها بثمنها فلم يوجد ‪ ،‬فأرسلت إلى‬
‫فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاةً أن أرسل إل ّ‬
‫ي بها ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أطعميه السارى » ‪.‬‬
‫امرأته فأرسلت إل ّ‬
‫فقد حرّم عليهم النتفاع بها ‪ ،‬مع حاجتهم إليها ؛ ولو كانت حل ًل لطلق لهم إباحة النتفاع‬
‫بها ‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف وزفر ‪ :‬يحلّ للغاصب النتفاع بالمغصوب بالضّمان ‪ ،‬ول يلزمه التّصدّق‬
‫بالفضل إن كان فيه فضل ؛ لنّ المغصوب مملوك للغاصب من وقت الغصب ‪ ،‬عملً‬
‫بالقاعدة‪ " :‬المضمونات تملك بأداء الضّمان مستندا إلى وقت الغصب " فتطيب بناءً عليه‬
‫غلّة المغصوب للغاصب ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يملك الغاصب المغصوب إن اشتراه من مالكه أو ورثه عنه ‪ ،‬أو غرم له‬
‫قيمته بسبب التّلف أو الضّياع أو النّقص أو نقص في ذاته ‪ ،‬لكن يمنع الغاصب من‬
‫ق المالك ‪ ،‬ول يجوز لمن وهب له‬
‫التّصرّف في المغصوب برهن أو كفالة خشية ضياع ح ّ‬
‫منه شيء قبوله ول الكل منه ول السّكنى فيه ‪ ،‬مثل أيّ شيء حرام ‪.‬‬
‫أمّا إن تلف المغصوب عند الغاصب أو استهلكه " فات عنده " فالرجح عندهم أنّه يجوز‬
‫للغاصب النتفاع به ‪ ،‬لنّه وجبت عليه قيمته في ذمّته ‪ .‬فقد أفتى بعض المحقّقين بجواز‬
‫الشّراء من لحم الغنام المغصوبة إذا باعها الغاصب للجزّارين ‪ ،‬فذبحوها ؛ لنّه بذبحها‬
‫ترتّبت القيمة في ذمّة الغاصب ‪ ،‬إلّ أنّهم قالوا ‪ :‬ومن اتّقاه فقد استبرأ لدينه وعرضه ‪،‬‬
‫ن الغاصب يتملّك بالضّمان الشّيء المغصوب من يوم التّلف ‪.‬‬
‫والمعنى أ ّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن ذهب المغصوب من يد الغاصب وتعذّر ردّه كان للمغصوب منه المطالبة‬
‫بالقيمة لنّه حيل بينه وبين ماله ‪ ،‬فوجب له البدل كما لو تلف المال ‪ ،‬وإذا قبض المغصوب‬
‫منه البدل ملكه لنّه بدل ماله فملكه كبدل التّالف ‪ ،‬ول يملك الغاصب المغصوب لنّه ل‬
‫يصحّ تملّكه بالبيع ‪ ،‬فل يملك بالتّضمين كالتّالف ‪ .‬فإن رجع المغصوب وجب على الغاصب‬
‫ردّه على المالك ‪ ،‬فإذا ردّه وجب على المغصوب منه ردّ البدل ؛ لنّه ملكه بالحيلولة بينه‬
‫وبين ماله المغصوب ‪ ،‬وقد زالت الحيلولة فوجب الرّدّ ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة ‪ :‬إلى أنّه ل يملك الغاصب العين المغصوبة بدفع القيمة ؛ لنّه ل يصحّ أن‬
‫يتملّكه بالبيع لغيره ؛ لعدم القدرة على التّسليم ‪ ،‬فل يصحّ أن يتملّكه بالتّضمين ‪ ،‬كالشّيء‬
‫التّالف ل يملكه بالتلف ؛ ولنّه غرم ما تعذّر عليه ردّه بخروجه عن يده ‪ ،‬فل يملكه‬
‫بذلك ‪ ،‬وليس هذا جمعا بين البدل والمبدل ؛ لنّ المالك ملك القيمة لجل الحيلولة بينه وبين‬
‫ملكه ‪ ،‬ل على سبيل العوض ‪ ،‬ولهذا إذا ردّ المغصوب إليه ‪ ،‬ردّ القيمة عليه ‪.‬‬
‫نفقة المغصوب ‪:‬‬
‫‪ -‬قال المالكيّة ‪ :‬ما أنفق الغاصب على المغصوب ‪ ،‬كعلف الدّابّة ‪ ،‬وسقي الرض‬ ‫‪31‬‬

‫وعلجها وخدمة شجر ونحو ذلك ممّا ل ب ّد للمغصوب منه ‪ ،‬يكون في نظير الغلّة الّتي‬
‫استغلّها الغاصب من يد المغصوب ؛ لنّه وإن ظلم ل يظلم ‪ .‬فإن تساوت النّفقة مع الغلّة‬
‫فواضح ‪ ،‬وإن زادت النّفقة على الغلّة ‪ ،‬فل رجوع للغاصب بالزّائد ‪ ،‬كما أنّه إذا كان ل غلّة‬
‫للمغصوب ‪ ،‬فل رجوع له بالنّفقة لظلمه ‪ ،‬وإن زادت الغلّة على النّفقة فللمالك الرّجوع على‬
‫الغاصب بزائدها ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن زرع الغاصب الرض المغصوبة وأدركها ربّها والزّرع قائم فليس له‬
‫إجبار الغاصب على قلعه ‪ ،‬ويخيّر مالك الرض بين ترك الزّرع إلى الحصاد بأجرة مثله‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من زرع في أرض قوم من‬
‫وبين أخذ الزّرع بنفقته ‪ ،‬لقول النّب ّ‬
‫غير إذنهم فليس له من الزّرع شيء ‪ ،‬وله نفقته » ‪.‬‬

‫غصّة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ضمّ ‪ -‬لغةً ‪ :‬ما اعترض في الحلق فأشرق ‪ ،‬يقال ‪ :‬غصصت بالماء أغصّ‬
‫‪ -‬الغصّة ‪ -‬بال ّ‬ ‫‪1‬‬

‫غصصا ‪ :‬إذا شرقت به ‪ ،‬أو وقف في حلقك فلم تكد تسيغه ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الساغة ‪:‬‬
‫ي منه ساغ ‪ ،‬يقال ‪ :‬ساغ الشّراب في‬
‫‪ -‬الساغة في اللّغة ‪ :‬مصدر أساغ ‪ ،‬والثّلث ّ‬ ‫‪2‬‬

‫الحلق‪ :‬سهل مدخله منه ‪ ،‬ويقال ‪ :‬أسغ لي غصّتي أي ‪ :‬أمهلني ول تعجلني ‪.‬‬
‫وعلى ذلك تكون الساغة عكس الغصّة فالساغة سهولة نزول الطّعام في الحلق ‪ ،‬بينما‬
‫الغصّة وقوفها فيه ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬إزالة الغصّة أمر واجب لنقاذ النّفس من الهلك ‪ ،‬وتزال بكلّ ما يمكن إزالتها به من‬ ‫‪3‬‬

‫ماء طاهر أو نجس ‪ -‬ولو كان بو ًل أو خمرا إن لم يجد ما يزيلها به غير الخمر ‪ -‬يقول‬
‫ص بها ‪ ،‬وليس عنده ما يسيغها به‬
‫الفقهاء ‪ :‬لمضطرّ خاف التّلف على نفسه لدفع لقمة غ ّ‬
‫ضطُرّ‬
‫نا ْ‬
‫غير الخمر تناوله ما يلزم لزالة الغصّة دون تجاوز ‪ ،‬لعموم قوله تعالى ‪َ { :‬فمَ ِ‬
‫غ َولَ عَادٍ فَل إِ ْثمَ عَلَ ْيهِ } ولنّ حفظ النّفس مطلوب بدليل إباحة الميتة عند الضطرار‬
‫غَيْ َر بَا ٍ‬
‫‪ ،‬وهو موجود هنا ‪.‬‬
‫وإساغة الغصّة بالخمر عند عدم غيرها من قبيل الرّخصة الواجبة عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ول حدّ على من شرب المسكر في هذه الحالة ‪ ،‬وهذا باتّفاق الفقهاء ‪.‬‬
‫كما أنّ الثم يرتفع أيضا عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬خلفا لبن عرفة الّذي يرى أنّ ضرورة‬
‫الغصّة تدرأ الحدّ ‪ ،‬ول تمنع الحرمة ‪.‬‬
‫غضَب *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الغضب مصدر ‪ :‬غضب ‪ ،‬يقال ‪ :‬غضب عليه يغضب غضبا وغضب ًة ‪ ،‬ومغضبةً ‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫وغضب له ‪ :‬أي غضب على غيره من أجله ‪ ،‬هذا إذا كان حيّا ‪ ،‬فإن كان ميّتا يقال ‪:‬‬
‫غضب به ‪ .‬وهو في اللّغة ‪ :‬نقيض الرّضا ‪ ،‬وقال أبو البقاء ‪ :‬الغضب إرادة الضرار‬
‫بالمغضوب عليه ‪ ،‬وقال الجرجانيّ ‪ :‬الغضب تغيّر يحصل عند غليان دم القلب ليحصل عنه‬
‫ي ل يخرج عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫التّشفّي للصّدر ‪ .‬والمعنى الصطلح ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة به ‪:‬‬
‫الفرك ‪:‬‬
‫‪ -‬الفرك مصدر فرك بالكسر ‪ :‬يقال فركت المرأة زوجها تفركه فركا أي ‪ :‬أبغضته وكذلك‬ ‫‪2‬‬

‫فركها زوجها ‪ ،‬ويقال رجل مفرّك للّذي تبغضه النّساء ‪.‬‬


‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫ن الفرك قد يكون سببا للغضب ‪.‬‬
‫والصّلة أ ّ‬
‫الحكام المتعلّقة بالغضب ‪:‬‬
‫‪ -‬الغضب بحسب السباب المحرّكة له قد يكون محمودا أو مذموما ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫ب عن الحُرَم ‪ ،‬والغضب في هذه‬


‫ق والدّين ‪ ،‬والذّ ّ‬
‫فالغضب المحمود ما كان في جانب الح ّ‬
‫المواقف محمود ‪ ،‬وضعفه من ثمراته عدم الغيرة على الحُرَم ‪ ،‬والرّضا بال ّذلّ ‪ ،‬وترك‬
‫المنكرات تنتشر وتنمو ‪ ،‬جاء في الحديث ‪ « :‬ما انتقم رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫لنفسه في شيء قطّ ‪ ،‬إ ّل أن تنتهك حرمة اللّه فينتقم بها للّه » ‪.‬‬
‫وورد عنه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬أتعجبون من غيرة سعد ؟ لنا أغير منه واللّه‬
‫أغير منّي » ‪.‬‬
‫والمذموم ما كان في سبيل الباطل ‪ ،‬ويهيّجه الكبر ‪ ،‬والستعلء ‪ ،‬والنفة ‪ ،‬وهذا الغضب‬
‫مذموم شرعا ‪ ،‬قال تعالى في وصف الّذين يتمادون في الباطل ‪ ،‬ويغضبون له ‪َ { :‬وإِذَا قِيلَ‬
‫ق الّلهَ َأخَذَ ْتهُ ا ْلعِزّ ُة بِالِ ْثمِ } ‪ .‬وقال في ذمّ الكفّار بما تظاهروا من الحميّة الصّادرة‬
‫َلهُ اتّ ِ‬
‫حمِ ّيةَ ا ْلجَاهِلِ ّي ِة } وهذا مذموم ‪.‬‬
‫حمِ ّيةَ َ‬
‫ن كَفَرُوا فِي قُلُو ِب ِهمُ ا ْل َ‬
‫ج َعلَ الّذِي َ‬
‫بالباطل ‪ { :‬إِذْ َ‬
‫أمّا إذا كان لنفسه كأن يجهل عليه أحد أو يسيء إليه ‪ ،‬فالفضل له كظم الغيظ ‪ ،‬والعفو‬
‫ظمِينَ ا ْلغَ ْيظَ وَالْعَافِينَ عَنِ‬
‫عمّن ظلمه أو أساء إليه ‪ .‬قال تعالى في معرض المدح ‪ { :‬وَا ْلكَا ِ‬
‫حسِنِينَ } ‪.‬‬
‫النّاسِ وَالّل ُه ُيحِبّ ا ْل ُم ْ‬
‫آثار الغضب في تصرّفات الغضبان ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الغضبان مكلّف في حال غضبه ‪ ،‬ويؤاخذ بما يصدر عنه‬ ‫‪4‬‬

‫ق ‪ ،‬وطلق ‪ ،‬وغير ذلك من عتاق ويمين ‪ ،‬قال‬


‫من كفر ‪ ،‬وقتل نفس ‪ ،‬وأخذ مال بغير ح ّ‬
‫ابن رجب في شرح الربعين النّوويّة ‪ :‬ما يقع من الغضبان من طلق ‪ ،‬وعتاق ‪ ،‬ويمين ‪،‬‬
‫فإنّه يؤاخذ به ‪.‬‬
‫واستدلّوا لذلك بأدلّة منها ‪ :‬حديث « خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصّامت ‪ ،‬وفيه ‪:‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم فأخبرته بذلك وقالت ‪ :‬لم يرد‬
‫غضب زوجها فظاهر منها ‪ ،‬فأتت النّب ّ‬
‫الطّلق ‪ ،‬فقال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ما أعلم إلّ قد حرمت عليه » ‪ .‬فجعل اللّه‬
‫الطّلق ظهارا ولكن إن غضب حتّى أغمي أو أغشي عليه ‪ ،‬لم يقع طلقه لزوال عقله ‪،‬‬
‫فأشبه المجنون في هذه الحالة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪22/‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( طلق ف‬

‫غَفْلة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الغفلة في اللّغة غيبة الشّيء عن بال النسان وعدم تذكّره له ‪ ،‬ورجل مغفّل على لفظ‬ ‫‪1‬‬

‫اسم المفعول من التّغفيل ‪ ،‬وهو الّذي ل فطنة له ‪.‬‬


‫والغفلة في اصطلح الفقهاء ضدّ الفطانة ‪ ،‬وذو الغفلة ( المغفّل ) هو من اختلّ ضبطه‬
‫وحفظه ‪ ،‬ول يهتدي إلى التّصرّفات الرّابحة ‪ ،‬فيغبن في البياعات لسلمة قلبه ‪ ،‬وعدم‬
‫استعماله القوّة المنبّهة مع وجودها ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫سفَه ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ال ّ‬
‫‪ -‬السّفه ‪ :‬خفّة تبعث النسان على العمل في ماله بخلف مقتضى العقل ‪ ،‬مع عدم‬ ‫‪2‬‬

‫اختلله‪ ،‬فالسّفيه يصرف ماله في غير موضعه ‪ ،‬ويبذّر في مصارفه ‪ ،‬ويضيّع أمواله‬
‫ويتلفها بالسراف ‪.‬‬
‫والصّلة أنّ تصرّفات كلّ من ذي الغفلة والسّفيه قد تكون مضيّعةً للمال ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العته ‪:‬‬
‫‪ -‬العته ‪ :‬نقص العقل من غير جنون أو دهش ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫ن العته يكون خللً في العقل بخلف الغفلة فإنّها تكون‬


‫ويختلف العته عن الغفلة ‪ :‬بأ ّ‬
‫بالنّسيان أو عدم الهتداء إلى التّصرّفات الرّابحة ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫تعرّض الفقهاء لحكام الغفلة في موضعين ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ -‬الحجر بسبب الغفلة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الحجر على ذي الغفلة على أقوال ‪ :‬فمنهم من ذهب إلى الحجر‬ ‫‪4‬‬

‫عليه لغفلته ‪ ،‬ومنهم من ذهب إلى عدم الحجر عليه مطلقا ‪ ،‬ومنهم من ذهب إلى عدم‬
‫الحجر عليه ما لم يصل في غفلته إلى حدّ السّفه ‪.‬‬
‫)‬ ‫‪15/‬‬ ‫حجْر ف‬
‫والتّفصيل في مصطلح ( َ‬
‫ثانيا ‪ -‬شهادة المغفّل ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء في الجملة على أنّه يشترط في قبول الشّهادة ‪ :‬الحفظ والضّبط ‪ .‬فالمغفّل‬ ‫‪5‬‬

‫أي من ل يستعمل القوّة المنبّهة مع وجودها ل تقبل شهادته ‪ ،‬كما ل تقبل شهادة من كان‬
‫معروفا بكثرة الغلط والنّسيان ؛ لنّ الثّقة ل تحصل بقوله ؛ لحتمال أن تكون شهادته ممّا‬
‫غلط فيه ‪.‬‬
‫واستثنى المالكيّة من هذا الحكم ما ل يختلط فيه من البديهيّات ‪ ،‬كرأيت هذا يقطع يد هذا ‪،‬‬
‫أو يأخذ مال هذا ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪23/‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬شهادة ف‬

‫غَلء *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ق من الغلوّ الّذي هو مجاوزة الحدّ ‪.‬‬
‫‪ -‬الغلء نقيض الرّخص ‪ ،‬مشت ّ‬ ‫‪1‬‬

‫وهو في اللّغة ‪ :‬الرتفاع ومجاوزة القدر في كلّ شيء ‪.‬‬


‫يقال ‪ :‬غل السّعر يغلو غلءً زاد وارتفع ‪ ،‬وغالى بالشّيء ‪ :‬اشتراه بثمن غال ‪ ،‬وأغله ‪:‬‬
‫جعله غاليا ‪ ،‬ومنه قول عمر رضي ال عنه ‪ " :‬أل ل تغلوا صدق النّساء " ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالغلء ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حبس الطّعام لغلئه ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّ اشتراء الطّعام ونحوه ممّا تعمّ الحاجة إليه ‪ ،‬ثمّ حبسه عن النّاس‬ ‫‪2‬‬

‫مع شدّة الحاجة إليه لبيعه في زمن الغلء محظور ‪ ،‬وإن اختلفوا في درجة الحظر ‪ ،‬من‬
‫تحريم أو كراهة ‪.‬‬
‫ونصّ الشّافعيّة على أنّه يسنّ لمن عنده طعام زائد عن حاجته أن يبيعه للنّاس ‪ ،‬في زمن‬
‫الغلء ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬احتكار ف ‪ 3/‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬مراعاة الغلء عند تقدير عطاء الجند ‪:‬‬
‫‪ -‬يراعي المام الغلء عند تقدير عطاءات الجنود المرصدين للجهاد ‪ ،‬فيعطيهم كفايتهم‬ ‫‪3‬‬

‫مع مراعاة الغلء والرّخص ‪ ،‬ويزيد لهم كلّما حدث غلء وارتفعت السعار ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬فيء ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أثر الغلء في نفقة الزّوجة ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا فرض للزّوجة نفقةً ‪ ،‬ثمّ حدث غلء كان لها أن تطلب زيادة النّفقة ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬نفقة ) ‪.‬‬

‫غلَبة *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الغلبة في اللّغة ‪ :‬القهر والستيلء ‪ ،‬يقال ‪ :‬غلبه غلبا من باب ضرب ‪ :‬قهره ‪ ،‬وغلب‬ ‫‪1‬‬

‫فلنا على الشّيء ‪ :‬أخذه منه كرها ‪ ،‬فهو غالب وغلّاب ‪ ،‬وغالبته مغالبةً وغلبا أي ‪ :‬حاول‬
‫كلّ منّا مغالبة الخر ‪ ،‬وتغالبوا على البلد أي ‪ :‬غالب بعضهم بعضا عليه ‪ ،‬والغلبيّة ‪:‬‬
‫الكثرة‪ ،‬يقال ‪ :‬غلب على فلن الكرم أي كان أكثر خصاله ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫السّلطة ‪:‬‬
‫‪ -‬السّلطة في اللّغة ‪ :‬السّيطرة والتّحكّم والتّمكّن ‪ ،‬يقال ‪ :‬سلّطه عليه مكّنه منه وحكّمه‬ ‫‪2‬‬

‫فيه‪ ،‬وسلّطه ‪ :‬أطلق له السّلطان والقدرة ‪.‬‬


‫والسّلطة أعمّ من الغلبة ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫الغلبة على الحكم ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على أنّه ل يجوز الخروج على من اتّفق المسلمون على إمامته وبايعوه‬ ‫‪3‬‬

‫‪ .‬واختلفوا في صحّة إمامة رجل مسلم خرج على المام الّذي ثبتت إمامته بالبيعة ‪ ،‬فقهره‬
‫وغلب بسيفه ‪.‬‬
‫فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه إذا غلب على النّاس رجل وقهرهم بسيفه ‪ ،‬حتّى أقرّوا له ‪،‬‬
‫وأذعنوا بطاعته وتابعوه ‪ ،‬صار إماما يحرم قتاله والخروج عليه ‪ ،‬إذ المدار على درء‬
‫المفاسد وارتكاب أخفّ الضّررين ‪ ،‬وصونا لراقة دماء المسلمين وذهاب أموالهم ‪ ،‬قال‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬بشرط أن تكون غلبته بعد موت المام الّذي ثبتت إمامته ببيعة أهل الختيار ‪ ،‬أو‬
‫أن يتغلّب على متغلّب مثله ‪ ،‬أمّا إذا تغلّب على إمام حيّ ثبتت بيعته عن طريق أهل الختيار‬
‫فل تنعقد إمامته ‪ .‬زاد الشّافعيّة في قول عندهم أيضا ‪ :‬ويشترط أن يكون التّغلّب جامعا‬
‫للشّروط المعتبرة في المامة ‪ ،‬وإلّ فل تصحّ إمامته ‪.‬‬
‫ن الحقّ في المامة‬
‫ح ول تنعقد ؛ ل ّ‬
‫ن إمامة ذلك المتغلّب ل تص ّ‬
‫وذهب بعض الفقهاء إلى أ ّ‬
‫للمسلمين ول تنعقد بدون رضاهم ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬المامة الكبرى ) ‪.‬‬
‫ظنّ ‪:‬‬
‫غلبة ال ّ‬
‫‪ -‬بحث الفقهاء أحكام غلبة الظّنّ في باب الطّهارة في تمييز الطّاهر من الواني‬ ‫‪4‬‬

‫والملبس والمياه والماكن إذا اختلط بنجس مشابه له ‪ ،‬وتمييز أيّام الحيض من أيّام الطّهر‬
‫بالنّسبة لمن نسيت عدد أيّام حيضها واشتبه عليها المر بسبب الستحاضة ‪ ،‬وفي معرفة‬
‫ن القبلة في جهة ‪ ،‬وفي دخول‬
‫جهة القبلة لمن اشتبهت عليه إذا اجتهد وغلب على ظنّه أ ّ‬
‫وقت الصّلة لمن اشتبه عليه ولم يهتد إليه لكونه محبوسا أو لوجود غيم ونحوه ‪ ،‬وفي من‬
‫شكّ في الصّلة كم ركعة صلّاها ‪ ،‬وفي تمييز الفقير وغيره من أصناف الزّكاة عن غيره ‪،‬‬
‫وفي معرفة دخول شهر رمضان وطلوع الفجر ‪ ،‬وغروب الشّمس للصّائم إذا اشتبه عليه‬
‫ك الحاجّ هل أحرم بالفراد أو بالتّمتّع أو بالقران ‪،‬‬
‫ذلك بحبس ونحوه ‪ ،‬وفي الحجّ إذا ش ّ‬
‫وفي من التبست عليه المذكّاة بالميتة أو وجد شاةً مذبوحةً ببلد فيه من تحلّ ذبيحته من‬
‫ك في ذابحها ‪ ،‬وفي الدّماء دماء‬
‫المسلمين وأهل الكتاب ومن ل تحلّ ذبيحته ‪ ،‬ووقع الشّ ّ‬
‫اللّوث في باب القسامة ‪.‬‬
‫‪،37 -‬‬ ‫‪27/‬‬ ‫‪ ،‬واستقبال ف‬ ‫‪17‬‬ ‫وتفصيل كلّ هذه المسائل في مصطلحات ‪ ( :‬تحرّي ف ‪- 7/‬‬
‫‪ ،‬ولوث ) ‪.‬‬ ‫‪21‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪20‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪19‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪13/‬‬ ‫واشتباه ف‬

‫غلبة الظّنّ *‬
‫انظر ‪ :‬ظنّ ‪ ،‬غلبة ‪.‬‬

‫غلَس *‬
‫َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الغلس في اللّغة ‪ :‬ظلم آخر اللّيل ‪ ،‬أو إذا اختلط بضوء الصّباح ‪ ،‬أو أوّل الصّبح حين‬ ‫‪1‬‬

‫ينتشر في الفاق ‪ ،‬وفي حديث الفاضة ‪ « :‬كنّا نغلس من جمع إلى منىً » ‪ ،‬أي نسير إليها‬
‫ذلك الوقت ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫السفار ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني السفار في اللّغة ‪ :‬الكشف والضاءة ‪ ،‬يقال ‪ :‬سفر الصّبح ‪ ،‬وأسفر ‪ :‬أي‬ ‫‪2‬‬

‫أضاء ‪ ،‬وسفرت المرأة ‪ :‬كشفت عن وجهها ‪.‬‬


‫واستعمله الفقهاء في ظهور الضّوء ‪ ،‬يقال ‪ :‬أسفر بالصّبح ‪ :‬إذا صلّاها وقت السفار أي‬
‫عند ظهور الضّوء ‪ .‬وعلى ذلك فالسفار مقابل الغلس والتّغليس ‪.‬‬
‫الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫ن الفضل تعجيل صلة الصّبح في أوّل وقتها ‪،‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬ ‫‪3‬‬

‫أي في الغلس ‪ ،‬قال النّوويّ ‪ :‬وهذا مذهب عمر وعثمان وابن الزّبير وأبي موسى وأبي‬
‫هريرة رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫واستدلّوا على أفضليّة التّغليس بالفجر بما روته عائشة رضي ال عنها ‪ » :‬إن كان رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم ليصلّي الصّبح فينصرف النّساء متلفّعات بمروطهنّ ‪ ،‬ما يعرفن‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫ي رضي ال عنه ‪ « :‬أ ّ‬
‫من الغلس » وبحديث أبي مسعود البدر ّ‬
‫وسلم صلّى الصّبح مرّةً بغلس ‪ ،‬ثمّ صلّى مرّةً أخرى فأسفر بها ‪ ،‬ثمّ كانت صلته بعد ذلك‬
‫التّغليس حتّى مات ‪ ،‬ولم يعد إلى أن يسفر » ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة فقد ذهبوا إلى أنّه يستحبّ السفار بصلة الفجر ‪ ،‬وتأخيرها إلى أن ينتشر‬
‫الضّوء‪ ،‬ويتمكّن كلّ من يريد الصّلة بجماعة في المسجد من أن يسير في الطّريق بدون أن‬
‫يلحقه ضرر ‪ ،‬من نزول قدمه أو وقوعه في حفرة بسبب السّير في الظّلم ‪.‬‬
‫واحتجّ الحنفيّة على استحباب السفار بقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أسفروا بالفجر ‪ ،‬فإنّه‬
‫أعظم للجر » ‪.‬‬
‫وقالوا في تحديد السفار ‪ :‬أن يكون بحيث لو ظهر فسادها أعادها بقراءة مسنونة ‪ ،‬قبل‬
‫طلوع الشّمس ‪ ،‬أي بعد ما يتمكّن من الوضوء أو الغسل عند اللّزوم ‪.‬‬
‫واستدلّ الحنفيّة لفضيلة السفار بالمعقول كذلك ‪ ،‬حيث قالوا ‪ :‬إنّ في السفار تكثير‬
‫الجماعة‪ ،‬وفي التّغليس تقليلها ‪ ،‬وما يؤدّي إلى التّكثير أفضل ‪.‬‬
‫والسفار عند الحنفيّة مستحبّ سفرا وحضرا ‪ ،‬شتا ًء وصيفا ‪ ،‬منفردا أو مؤتمّا أو إماما‬
‫ن التّغليس لهم أفضل للتّفرّغ لواجب الوقوف ‪ ،‬كما أنّ‬
‫للرّجال ‪ ،‬إلّ في مزدلفة للحاجّ ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن على التّستّر ‪ ،‬وهو في التّغليس أكثر وأتمّ ‪.‬‬
‫التّغليس أفضل للنّساء ؛ لنّ حاله ّ‬
‫ونقل عن أبي جعفر الطّحاويّ أنّه يبدأ بالتّغليس ويختم بالسفار ‪ ،‬جمعا بين أحاديث‬
‫التّغليس والسفار ‪.‬‬
‫ونقل ابن عابدين عن الخانيّة استحباب التّغليس بفجر يوم عرفة ‪ ،‬والكثرون على إسفاره ‪.‬‬

‫غَ ْلصَمة *‬
‫انظر ‪ :‬ذبائح ‪.‬‬

‫غلَط *‬
‫َ‬
‫انظر ‪ :‬خطأ ‪.‬‬

‫غلْق *‬
‫َ‬
‫انظر ‪ :‬إغلق ‪.‬‬

‫غَلّة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الغَلّة في اللّغة ‪ :‬الدّخل من كراء دار وأجر حيوان وفائدة أرض ‪ ،‬والدّخل الّذي يحصل‬ ‫‪1‬‬

‫من الزّرع والثّمر واللّبن والجارة والنّتاج ونحو ذلك ‪ ،‬والجمع ‪ :‬غلّات ‪ ،‬وغلل ‪.‬‬
‫وأغلت الضّيعة ‪ :‬أعطت الغلّة فهي مغلّة ‪ :‬إذا أتت بشيء وأصلها باق ‪ ،‬وفلن يغلّ على‬
‫عياله ‪ ،‬أي يأتيهم بالغلّة ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عند الفقهاء عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الرّبح ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّبح والرّبح لغ ًة ‪ :‬النّماء في التّجارة ويسند الفعل إلى التّجارة مجازا ‪ ،‬فيقال ‪ :‬ربحت‬ ‫‪2‬‬

‫تجارته فهي رابحة ‪.‬‬


‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫ن الغلّة أعمّ ‪.‬‬
‫والعلقة بين الرّبح والغلّة أ ّ‬
‫ب ‪ -‬النّماء ‪:‬‬
‫‪ -‬النّماء ‪ :‬الزّيادة ‪ ،‬وهو نوعان ‪ :‬حقيقيّ وتقديريّ ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫فالحقيقيّ ‪ :‬الزّيادة والتّوالد والتّناسل والتّجارات ‪.‬‬


‫ي ‪ :‬تمكّنه من الزّيادة بكون المال في يده أو يد نائبه ‪.‬‬
‫والتّقدير ّ‬
‫والعلقة بين النّماء والغلّة أنّ النّماء من أسباب الغلّة ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالغلّة من أحكام ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬غلّة الموصى به ‪:‬‬
‫‪ -‬الو صيّة تن فذ ب عد موت المو صي ل نّ الو صيّة ‪ :‬تمل يك ل ما ب عد الموت ‪ ،‬وينت قل ملك‬ ‫‪4‬‬

‫الموصى به إلى الموصى له إذا تمّ قبول الموصى له بعد موت الموصي مباشرةً ‪.‬‬
‫فإن تأخّر قبول الموصى له للوصيّة بعد موت الموصي ‪ ،‬فقد اختلف الفقهاء فيما يحدث‬
‫من غلّة الموصى به بعد موت الموصي إلى وقت القبول ‪،‬هل تكون للموصى له أم تكون‬
‫للورثة؟ فعند الحنفيّة ‪ ،‬وهو الظهر عند الشّافعيّة ‪ ،‬وأحد القوال عند المالكيّة والحنابلة‬
‫تكون الغلّة الحادثة بعد موت الموصي وقبل القبول للموصى له ‪ ،‬لنّ الموصى له يملك‬
‫الموصى به بالموت ‪ ،‬ويثبت الملك بالقبول ‪.‬‬
‫ن الغلّة الحادثة تكون‬
‫والصّحيح عند الحنابلة ‪ ،‬وهو أحد القوال عند المالكيّة والشّافعيّة أ ّ‬
‫للورثة ؛ لنّ الملك في الوصيّة ل يثبت للموصى له إلّ بقبوله بعد الموت ‪ ،‬فتكون الغلّة‬
‫للورثة لنّها نماء ملكهم ‪.‬‬
‫ن المعتبر في‬
‫والمشهور عند المالكيّة أنّه يكون للموصى له ثلث الغلّة فقط ‪ ،‬بنا ًء على أ ّ‬
‫تنفيذ الوصيّة المران معا ( وقت الموت ووقت القبول ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬غلّة المشفوع فيه ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في غلّة المشفوع فيه الّتي تحدث عند المشتري قبل الخذ منه‬ ‫‪5‬‬

‫بالشّفعة ‪ ،‬هل تكون للشّفيع ‪ ،‬أو تكون للمشتري ؟‬


‫فذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ غلّة الشّقص المشفوع فيه الّتي تحدث عند المشتري قبل‬
‫أخذه منه بالشّفعة ‪ ،‬تكون له ؛ لنّ هذه الغلّة حدثت في ملكه ؛ ولنّه كان ضامنا للمشفوع‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الخراج بالضّمان » ‪.‬‬
‫فيه ‪ ،‬وقد قال النّب ّ‬
‫وإن زرع المشتري في الرض فللشّفيع الخذ بالشّفعة ويبقى زرع المشتري إلى أوان‬
‫الحصاد ول أجرة عليه ؛ لنّه زرعه في ملكه ؛ ولنّ الشّفيع اشترى الرض وفيها زرع‬
‫للبائع ‪ ،‬فكان له مبقّى إلى الحصاد بل أجرة كغير المشفوع ‪ ،‬وإن كان في الشّجر ثمر ظاهر‬
‫أثمر في ملك المشتري فهو له مبقًى إلى الجذاذ كالزّرع ‪.‬‬
‫ل ولم يكن عليه ثمر وقت البيع ثمّ أثمر عند‬
‫ن المشفوع فيه لو كان نخ ً‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫المشتري فللشّفيع أخذه بالثّمرة ؛ لنّ البيع سرى إليها فكانت تبعا ‪ ،‬فإذا جذّها المشتري‬
‫ن الثّمرة لم تكن موجودةً وقت العقد فلم تكن‬
‫فللشّفيع أن يأخذ النّخل بجميع الثّمن ‪ ،‬ل ّ‬
‫مقصودةً ‪ ،‬فل يقابلها شيء من الثّمن ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن اشترى شقصا وحدث فيه زيادة قبل أن يأخذ الشّفيع ‪ ،‬فإن كانت زيادةً‬
‫ن الشّفيع يأخذه مع زيادته ؛ لنّ ما ل يتميّز يتبع‬
‫ل تتميّز ‪ -‬كالفصيل إذا طال وامتل ‪ -‬فإ ّ‬
‫الصل في الملك ‪ ،‬وإن كانت متميّز ًة ‪ -‬كالثّمرة ‪ -‬فإن كانت ثمرة ظاهرة لم يكن للشّفيع‬
‫فيها حقّ لنّها ل تتبع الصل ‪ ،‬وإن كانت غير ظاهرة ففي الجديد ل تتبع لنّه استحقاق‬
‫بغير تراض ‪ ،‬فل يؤخذ به إلّ ما دخل بالعقد ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬غلّة المرهون ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّ غلّة المرهون ملك للرّاهن لنّها نماء ملكه ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫واختلفوا في غلّة المرهون الّتي تحدث عند المرتهن ‪ ،‬هل تدخل في الرّهن أم ل ؟‬
‫فذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ الغلّة " الزّوائد المنفصلة " الّتي تحدث عند المرتهن ل‬
‫تدخل في الرّهن ؛ لنّ الرّهن عقد ل يزيل الملك عن الرّقبة فل يسري إلى الغلّة ‪.‬‬
‫لكنّ المالكيّة قالوا ‪ :‬لو اشترط المرتهن دخولها في الرّهن دخلت فيه ‪ ،‬وإن رهن النّخل‬
‫اندرج في رهنها فرخ النّخل مع الصل ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو شرط المرتهن أن تكون زوائد المرهون من صوف وثمرة وولد مرهونةً‬
‫مثل الصل ‪ ،‬فالظهر فساد الشّرط لنّها معدومة ومجهولة ‪ ،‬ومقابل الظهر ل يفسد الشّرط‬
‫; لنّ الرّهن عند الطلق إنّما لم يتعدّ للزّوائد لضعفه ‪ ،‬فإذا قوي بالشّرط سرى ‪.‬‬
‫وفصّل الحنفيّة بين ما يتولّد من الصل وما لم يتولّد منه ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إنّ ما تولّد من الصل‬
‫كالولد واللّبن والثّمرة يصير رهنا مع الصل ؛ لنّ الرّهن حقّ لزم فيسري إلى التّبع ‪ ،‬أمّا‬
‫ما لم يتولّد من الصل كغلّة العقار وكسب الرّهن فل يندرج في الرّهن ؛ لنّه غير متولّد منه‬
‫‪ .‬وعند الحنابلة يكون نماء الرّهن جميعه وغلّاته رهنا في يد من الرّهن في يده كالصل ‪،‬‬
‫لنّه حكم يثبت في العين لعقد المالك ‪ ،‬فيدخل فيه النّماء والمنافع ‪.‬‬

‫غُ ْلمَة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الغلمة في اللّغة ‪ -‬وزان غرفة ‪ -‬شدّة الشّهوة للجماع ‪ ،‬وغلم غلما فهو غلم ‪ -‬من‬ ‫‪1‬‬

‫باب تعب ‪ -‬إذا اشتدّ شبقه وشهوته للجماع ‪ ،‬وأغلمه الشّيء ‪ :‬أي هيّج غلمته ‪ ،‬ويقال ‪:‬‬
‫اغتلم الغلم ‪ :‬إذا بلغ حدّ الغلومة من عمره ‪ ،‬قال الرّاغب الصفهانيّ ‪ :‬ولمّا كان من بلغ‬
‫هذا الحدّ كثيرا ما يغلب عليه الشّبق قيل للشّبق ‪ :‬غلمة ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الشّهوة ‪:‬‬
‫‪ -‬أصل الشّهوة نزوع النّفس واشتياقها إلى الشّيء الّذي تريده ‪ ،‬وهي حركة للنّفس طلبا‬ ‫‪2‬‬

‫للملئم ‪ ،‬ويقال ‪ :‬رجل شهوان وشهواني ‪ :‬أي شديد الرّغبة في الملذّات ‪ ،‬وهو نسبة إلى‬
‫الشّهوة ‪ ،‬وامرأة شهوى ‪.‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬ل يخرج المعنى الصطلحيّ عن المعنى اللّغويّ ‪.‬‬
‫ن الغلمة نوع من الشّهوة ‪.‬‬
‫والصّلة أ ّ‬
‫الحكام المتعلّقة بالغلمة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الشّافعيّة في الصحّ عندهم ‪ :‬يجوز للمكفّر المفطر في رمضان بالجماع العدول عن‬ ‫‪3‬‬

‫ل يقع فيه أثناء الصّوم‬


‫الصّوم إلى الطعام لشدّة الغلمة ‪ ،‬أي حاجته الشّديدة للوطء ؛ لئ ّ‬
‫فيحتاج إلى استئنافه مرّةً ثانيةً ‪ ،‬وهو حرج شديد ‪ .‬قالوا ‪ :‬لنّ حرارة الصّوم وشدّة الغلمة‬
‫قد يفضيان به إلى الوقاع ‪ ،‬ولو في يوم واحد من الشّهرين ‪ ،‬وذلك يبطل التّتابع ‪ ،‬ولنّه‬
‫ورد أنّه صلى ال عليه وسلم « لمّا أمر المكفّر بالصّوم قال له الرّجل ‪ :‬وهل أصبت الّذي‬
‫أصبت إلّ من الصّيام ‪ ،‬فأمره بالطعام » ‪ ،‬قالوا ‪ :‬وإنّما لم يجز له ترك رمضان لسبب‬
‫الغلمة لنّ رمضان ل بديل عنه ‪ ،‬ولنّه يمكنه الوطء فيه ليلً ‪ ،‬بخلفه في كفّارة الظّهار‬
‫مثلً لستمرار حرمته إلى الفراغ من صيام الشّهرين ‪.‬‬
‫ومقابل الصحّ ‪ :‬ليس له ذلك ؛ لنّه قادر على الصّوم ‪ ،‬فلم يجز له العدول عنه كصوم‬
‫رمضان ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يجوز لصاحب الغلمة ومن به شبق أن يجامع في نهار رمضان إذا خاف‬
‫تشقّق ذكره من الغلمة ‪ ،‬أو تشقّق أنثييه أو مثانته للضّرورة ‪ ،‬ول تجب عليه كفّارة ‪ ،‬بل‬
‫يقضي يوما مكان اليوم الّذي أفطر فيه ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬وإن اندفعت شهوته بغير الجماع كالستمناء بيده ‪ ،‬أو يد زوجته وكالمفاخذة أو‬
‫المضاجعة لم يجز له الوطء ‪ ،‬فهو كالصّائل يندفع بالسهل فالسهل ‪.‬‬
‫ويجوز له إفساد صوم زوجته المسلمة البالغة للضّرورة كأكل الميتة للمضط ّر ‪ ،‬لكن إن‬
‫أمكنه أن ل يفسد صوم زوجته فل يباح له ذلك لنتفاء الضّرورة ‪.‬‬
‫وإن اضطرّ إلى وطء حائض وصائمة بالغة ‪ -‬بأن لم يكن له غيرها ‪ -‬فوطء الصّائمة أولى‬
‫من وطء الحائض ؛ لنّ تحريم وطء الحائض ثبت بنصّ القرآن ‪ ،‬أمّا إذا لم تكن الصّائمة‬
‫بالغةً فيجب اجتناب الحائض للستغناء عنها بوطء الصّغيرة ‪ ،‬وكذا المجنونة ‪.‬‬
‫وإن تعذّر على صاحب الغلمة قضاء ما فاته لدوام شبقه ‪ ،‬فحكمه كحكم الكبير الّذي عجز‬
‫عن الصّوم ‪ ،‬فيطعم عن كلّ يوم مسكينا ‪.‬‬
‫وتجري أحكام صاحب الغلمة أو الشّبق عند الحنابلة ‪ -‬في جواز الوطء وإفساد صوم‬
‫زوجته المسلمة البالغة إذا لم يكن عنده غيرها ‪ -‬على من به مرض ينتفع بالجماع ‪.‬‬
‫وكما يجوز لصاحب الشّبق أن يفطر بالجماع في رمضان عند الحنابلة يجوز له عندهم أن‬
‫ينتقل إلى الطعام بدل الصّيام في الكفّارات المرتّبة ككفّارة الظّهار مثلً ‪ ،‬فمذهبهم في ذلك‬
‫كمذهب الشّافعيّة ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬كفّارة ) ‪.‬‬

‫غُلُول *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني الغلول في اللّغة ‪ :‬الخيانة ‪ ،‬يقال ‪ :‬غلّ من المغنم غلولً أي خان ‪ ،‬وأغلّ‬ ‫‪1‬‬

‫مثله ‪.‬‬
‫والغلول في الصطلح ‪ :‬أخذ شيء من الغنيمة قبل القسمة ولو ق ّل ‪ ،‬أو الخيانة من الغنيمة‬
‫ن صاحبه يغلّه أي يخفيه في متاعه ‪ ،‬أو هو السّرقة‬
‫قبل حوزها ‪ ،‬أو الخيانة من المغنم ‪ ،‬ل ّ‬
‫من المغنم ‪.‬‬
‫وعرّف ابن قدامة الغالّ بأنّه ‪ :‬الّذي يكتم ما يأخذه من الغنيمة ‪ ،‬فل يطّلع المام عليه ول‬
‫يضعه مع الغنيمة ‪.‬‬
‫صةً في الخيانة في الغنيمة ‪.‬‬
‫وقال النّوويّ ‪ :‬وأصل الغلول الخيانة مطلقا وغلب استعماله خا ّ‬
‫الحكم التّكليفيّ ‪:‬‬
‫ي أَن َي ُغلّ َومَن َيغُْللْ‬
‫ن لِنَبِ ّ‬
‫ن الغلول حرام لقوله تعالى ‪َ { :‬ومَا كَا َ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪2‬‬

‫حلّ لمرئ يؤمنُ‬


‫غ ّل َي ْومَ ا ْلقِيَا َمةِ } ‪ ،‬ولقول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل َي ِ‬
‫ت ِبمَا َ‬
‫يَأْ ِ‬
‫بالّل ِه واليومِ الخ ِر أن يسقي ماءَه زرعَ غيره ‪ ،‬ول أن يبتاعَ َمغْنَما حتّى ُي ْقسَم ‪ ،‬ول أن‬
‫س ثوبا من فيء المسلمين حتّى إذا َأخْ َلقَه ردّه فيه ‪ ،‬ول يركب دا ّبةً من فيء المسلمين‬
‫يلب َ‬
‫جفَها ردّه فيه » ‪.‬‬
‫عَ‬‫حتّى إذا أَ ْ‬
‫قال النّوويّ ‪ :‬أجمع المسلمون على تغليظ تحريم الغلول ‪ ،‬وأنّه من الكبائر ‪ ،‬وأجمعوا على‬
‫أنّ عليه ردّ ما غلّه ‪.‬‬
‫عقوبة الغالّ ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الغالّ من الغنيمة يعزّر ول يقطع ؛ لنّ له حقّا في‬ ‫‪3‬‬

‫الغنيمة‪ ،‬فيكون ذلك مانعا من قطعه ؛ لنّ الحدود تدرأ بالشّبهات ‪ ،‬فأشبه ما لو سرق من‬
‫مال مشترك بينه وبين غيره ‪.‬‬
‫ووافقهم المالكيّة فيما كان قبل الحوز أو دون النّصاب ‪ ،‬والمذهب أنّه يقطع إذا سرق نصابا‬
‫بعد الحوز ‪ ،‬ولم يجعلوا كونه من الغانمين الّذين لهم حقّ في الغنيمة شبهةً تدرأ عنه الحدّ ‪.‬‬
‫ورجّح بعضهم أنّه يقطع إذا سرق بعد الحوز نصابا فوق منابه من الغنيمة ‪.‬‬
‫ن الحراق إضاعة للمال ‪ ،‬وقد « نهى النّبيّ‬
‫والجمهور أنّه ل يحرق رحله ول متاعه ؛ ل ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم عن ذلك » ‪.‬‬
‫ن من غ ّل من الغنيمة حرق رحله كلّه ومتاعه كلّه ‪ ،‬إلّ‬
‫يأّ‬
‫ويرى الحنابلة والوزاع ّ‬
‫المصحف وما فيه روح ‪ ،‬واستدلّوا بحديث ‪ « :‬إذا وجدتم الرّجل قد غلّ فاحرقوا متاعه‬
‫واضربوه » ‪.‬‬
‫ما يؤخذ من الغنيمة ول يعتبر غلولً ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى جواز النتفاع من الغنيمة قبل قسمها بالطّعام والعلف للدّوابّ ‪ ،‬سواء‬ ‫‪4‬‬

‫أذن المام أو لم يأذن ‪.‬‬


‫وتفصيل ذلك فيما يلي ‪:‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬وينتفع الغانم منها ‪ ،‬ل التّاجر ول الدّاخل لخدمة الغانم بأجر ‪ ،‬إلّ أن يكون‬
‫خبز الحنطة أو طبخ اللّحم فل بأس به لنّه ملكه بالستهلك ‪ ،‬وينتفع الغانم من الغنيمة في‬
‫دار الحرب بل قسمة بالسّلح والرّكوب واللّبس ‪ -‬إن احتيج للسّلح والدّابّة واللّبس ‪ -‬إذا‬
‫لم يجد غيرها ‪ ،‬يجوز أن يستعمل كلّ ذلك ‪ ،‬وإلّ فل ‪ ،‬وبالعلف والدّهن والطّيب مطلقا ‪ ،‬أي‬
‫ينتفع بها سواءً وجد الحتياج أم لم يوجد ‪ .‬وفي الكافي وغيره ‪ :‬ول بأس أن يعلف العسكر‬
‫دوابّهم ويأكلوا ما وجدوا من الطّعام كالخبز واللّحم وما يستعمل فيه كالسّمن والزّيت ‪،‬‬
‫ن الحاجة تمسّ إليها ‪ ،‬ويجوز استعمال كلّ ذلك للغنيّ والفقير بل‬
‫ويستعملوا الحطب ؛ ل ّ‬
‫قسمة بشرط الحاجة كما في السّير الصّغير ‪ ،‬وفي السّير الكبير لم يشترط الحاجة استحسانا‬
‫‪ ،‬ووجه الستحسان ‪ :‬قوله عليه الصلة والسلم « في طعام خيبر ‪ :‬كلوا واعلفوا ول‬
‫تحملوا» ‪ ،‬ولنّ الحكم يدار على دليل الحاجة وهو كونه في دار الحرب ‪ ،‬بخلف السّلح‬
‫ب ل يستصحبها فل يوجد دليل الحاجة في أكثر المعتبرات ‪ ،‬وقيّد جواز النتفاع بما‬
‫والدّوا ّ‬
‫إذا لم ينههم المام عن النتفاع بالمأكول والمشروب ‪ ،‬وأمّا إذا نهاهم فل يجوز النتفاع به‬
‫لكن يعتبر هذا الشّرط بما إذا لم تكن حاجتهم إليه موجودةً وإلّ ل يعمل بنهيه ‪.‬‬
‫وظاهر كلمهم أنّ السّلح ل يجوز أخذه إلّ بشرط الحاجة اتّفاقا ‪ ،‬وأطلق في الطّعام مهيّأً‬
‫للكل أم ل ‪ ،‬فيجوز ذبح الماشية ‪ ،‬وتردّ جلودها للغنيمة ‪.‬‬
‫واستدلّ الحنفيّة بما روي عن عبد اللّه بن مغفّل رضي ال عنه ‪ « :‬أصبنا جرابا من شحم‬
‫يوم خيبر فالتزمته ‪ ،‬فقلت ‪ :‬ل أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا ‪ ،‬فالتفتّ فإذا رسول اللّه‬
‫ي صلى ال عليه وسلم بردّه في الغنيمة ‪.‬‬
‫مبتسما » ‪ .‬ولم يأمر النّب ّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يجوز للمحتاج أن يأخذ من الغنيمة ‪ -‬ل على وجه الغلول ‪ -‬نعلً ينتعل‬
‫به ‪ ،‬وحزاما يش ّد به ظهره ‪ ،‬وطعاما يأكله ونحوه كعلف لدابّته وإبرة ومخياط وخيط‬
‫وقصعة ودلو‪ ،‬وإن نعما يذبحه ليأكله أو يحمل عليه متاعا ‪ ،‬وير ّد جلده للغنيمة إن لم يحتج‬
‫إليه ‪ .‬ومن الجائز ثوب يحتاج للبسه أو يتغطّى به ‪ ،‬وسلح يحارب به إن احتاج ودابّة‬
‫يركبها أو يقاتل عليها ‪ ،‬ويأخذ الثّوب وما ذكرناه بعده إن احتاج وقصد الرّ ّد لها بعد قضاء‬
‫حاجته ‪ ،‬ل إن قصد التّملّك فل يجوز ‪.‬‬
‫وك ّل ما فضل عن حاجته من كلّ ما أخذه ‪ -‬سواء اشترط في أخذه الحاجة أم ل ‪ -‬يجب ردّ‬
‫ما زاد من