You are on page 1of 294

‫الموسوعة الفقهية ‪ /‬الجزء الخامس والثلثون‬

‫كِفاية *‬

‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الكفاية لغ ًة ‪ :‬من كفى يكفي كفايةً ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫ومن معانيها ‪ :‬ما يحصل به الستغناء عن غيره ‪ ,‬ويقال ‪ :‬اكتفيت بالشّيء ‪ :‬أي استغنيت‬
‫به ‪ ,‬ومنه قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من قرأ باليتين من آخر سورة البقرة في ليلةٍ‬
‫كفتاه » ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬القيام بالمر ‪ ،‬فيقال ‪ :‬استكفيته أمرا فكفانيه ‪ :‬أي قام به مقامي ‪ ,‬ويقال ‪ :‬كفاه‬
‫ف وكفيّ ‪ ,‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬أَلَيْسَ الّل ُه ِبكَافٍ عَبْدَهُ } ‪.‬‬
‫المر إذا قام مقامه فيه فهو كا ٍ‬
‫ومنها ‪ :‬سد الخلّة أي الحاجة وبلوغ المر في المراد ‪ ,‬فيقال ‪ :‬كفاه مئونته يكفيه كفايةً ‪,‬‬
‫ومنه الكفيّة ‪ :‬وهي ما يكفي النسان من العيش ‪.‬‬
‫وفي اصطلح الفقهاء للكفاية عدّة استعمالتٍ منها ‪:‬‬
‫الكفاية بمعنى ‪ :‬الفعال المهمّة الّتي قصد الشّارع وجودها دون النّظر إلى شخص فاعلها ‪,‬‬
‫وذلك لتعلقها بمصالح المّة ‪ ,‬ويطلق على تلك الفعال فروض الكفايات كالجهاد في سبيل‬
‫اللّه وإنقاذ الغريق ‪.‬‬
‫وبمعنى ‪ :‬أهليّة الشّخص للقيام بالفعال المهمّة المتعلّقة بمصالح المّة ‪ ,‬كالوليات العامّة‬
‫والوظائف الخاصّة ‪ ,‬وهي تختلف باختلف مقصود الولية ووسائل تحقيق ذلك المقصود ‪.‬‬
‫وبمعنى ‪ :‬سد الحاجات الصليّة للشّخص من مطعمٍ وملبسٍ ومسكنٍ وغيرها ‪ ,‬ممّا ل ب ّد له‬
‫منه على ما يليق بحاله وحال من في نفقته من غير إسرافٍ ول تقتيرٍ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الكفاف ‪:‬‬
‫ف بمعنى ‪ :‬ترك ‪ ,‬يقال ‪ :‬كفّ عن الشّيء كفّا ‪ :‬تركه ‪ ,‬ويقال ‪ :‬كففته‬
‫‪ -‬الكفاف لغ ًة من ك ّ‬ ‫‪2‬‬

‫كفّا ‪ :‬منعته ‪ ,‬ويقال ‪ :‬قوته كفاف ‪ :‬أي مقدار حاجته من غير زياد ٍة ول نقصٍ ‪ ,‬سمّي بذلك‬
‫ف وتكفّف إذا أخذ ببطن كفّه ‪ ,‬أو‬
‫لنّه يكف عن سؤال النّاس ويغني عنهم ‪ ,‬ويقال ‪ :‬استك ّ‬
‫سأل كفّا من الطّعام ‪ ,‬أو ما يكف به الجوع ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫وعلى ذلك عرّفه الشّريف الجرجاني بأنّه ‪ :‬ما كان بقدر الحاجة ول يفضل منه شيء ‪,‬‬
‫ويكف عن السؤال ‪.‬‬
‫ويختلف حد الكفاف في النسان عن حدّ الكفاية ‪ ,‬من أنّ ح ّد الكفاف يقتصر على سدّ‬
‫س ‪ ,‬أما حد الكفاية فيتعدّى ذلك إلى ما ل بدّ‬
‫الضّروريّات القصوى من مطعمٍ ومسكنٍ وملب ٍ‬
‫ن ‪ ,‬وما يتزيّن به من‬
‫ج وقضاء دي ٍ‬
‫للنسان منه على ما يليق بحاله ‪ ,‬من نكاحٍ وتعليمٍ وعل ٍ‬
‫ملبس وحليّ وغير ذلك ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الحاجة ‪:‬‬
‫‪ -‬الحاجة لغةً ‪ :‬الفتقار إلى الشّيء والضطرار إليه ‪ ,‬جمعها حاجات وحوائج ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬الحاجة ما يفتقر النسان إليه مع أنّه يبقى بدونه ‪.‬‬
‫وعرّفها علماء الصول بأنّها ‪ :‬ما يفتقر إليها من حيث التّوسعة ورفع الضّيق المؤدّي في‬
‫الغالب إلى الحرج والمشقّة اللحقة بفوت المطلوب ‪ ,‬فإذا لم تراع دخل على المكلّفين ‪ -‬في‬
‫الجملة ‪ -‬الحرج والمشقّة ‪.‬‬
‫والصّلة بين الحاجة والكفاية التّضاد ‪.‬‬
‫الكفاية في حاجات المّة ومصالحها العامّة ‪:‬‬
‫ص الشّارع على حاجات المّة ومصالحها ‪ ,‬وطلب من النّاس القيام بها دون النّظر‬
‫‪-‬ن ّ‬ ‫‪4‬‬

‫ي " ‪ ,‬وفيما يلي تفصيل لذلك ‪.‬‬


‫إلى شخص من يقوم بها ‪ ,‬وهي تسمّى " المر الكفائ ّ‬
‫أقسام المر الكفائيّ ‪:‬‬
‫الكفاية في حاجات المّة كما تتصوّر في الفروض والواجبات تتصوّر في المندوبات والسنن‬
‫‪ ,‬ولذلك ينقسم المر الكفائي إلى ‪ :‬فرض كفايةٍ ‪ ,‬وسنّة كفاي ٍة ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬فرض الكفاية ‪:‬‬
‫ي تتعلّق به مصالح دينيّة ودنيويّة ل ينتظم المر إل‬
‫‪ -‬فرض الكفاية هو ‪ :‬أمر مهمّ كلّ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫بحصولها ‪ ,‬قصد الشّارع حصولها من مجموع المكلّفين ل من جميعهم ‪ ,‬وليس من شخصٍ‬


‫معيّنٍ ‪ ,‬فإذا قام به من فيه كفاية سقط الحرج عن الباقين ‪.‬‬
‫وهو بهذا المعنى يختلف عن فرض العين ‪ ,‬وهو ‪ :‬ما طلب الشّارع حصوله من كلّ فر ٍد من‬
‫الفراد المكلّفين به ‪ ,‬مثل الصّلة والصّيام وغير ذلك ‪ ,‬وإذا قام به البعض ل يسقط الثم‬
‫عن الباقين ‪.‬‬
‫وأهم وجوه الختلف بينهما ‪:‬‬
‫ن مصلحتها الخضوع‬
‫أ ‪ -‬أنّ فرض العين تتكرّر مصلحته بتكرره ‪ ,‬كصلة الظهر مثلً ‪ ,‬فإ ّ‬
‫للّه تعالى وتعظيمه ومناجاته والتّذلل إليه والمثول بين يديه والتّفهم لخطابه والتّأدب بأدبه ‪,‬‬
‫وهذه مصالح تتكرّر كلّما تكرّرت الصّلة فتجب على كلّ مكلّفٍ ‪.‬‬
‫أمّا فرض الكفاية فل تتكرّر مصلحته بتكرره كنزول البحر لنقاذ الغريق ‪ ,‬فإنّ مصلحته ل‬
‫تتكرّر بنزول كلّ مكلّفٍ ‪ ,‬فإذا أنقذ الغريق إنسان تحقّقت المصلحة بنزوله ‪ ,‬والنّازل بعد ذلك‬
‫إلى البحر ل تحصل منه مصلحة إنقاذ ذلك الغريق ‪ ,‬فجعله صاحب الشّرع على الكفاية نفيا‬
‫للعبث في الفعال ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬فرض العين يقصد منه امتحان المكلّفين به في حين أنّ المقصود من فرض الكفاية‬
‫حصول الفعل دون النّظر إلى الفاعل ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬فرض العين يؤدّي إلى تحقيق مصلحة الفرد ورفع شأنه في مجال المر المطلوب منه‬
‫‪ ,‬في حين أنّ فرض الكفاية يؤدّي إلى تحقيق مصلحة المجتمع ورفع شأنه ‪.‬‬
‫د ‪ -‬فرض العين يطالب به جميع المكلّفين ‪ ,‬ول يسقط الثم عن التّاركين له بأداء البعض ‪,‬‬
‫لبقاء التّكليف به على التّاركين له ‪ ,‬في حين أنّ فرض الكفاية يسقط عن التّاركين له إذا قام‬
‫به البعض وكان كافيا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬سنّة الكفاية ‪:‬‬
‫‪ -‬سنّة الكفاية مثل ابتداء السّلم من جماع ٍة ‪ ,‬وتشميت العاطس من جماعةٍ وهي تختلف‬ ‫‪6‬‬

‫عن سنّة العين كركعتي الفجر وصيام اليّام الفاضلة والطّواف في غير النسك ‪.‬‬
‫المصالح الّتي تتحقّق بطريق الكفاية ‪:‬‬
‫من مصالح المّة ما يتحقّق بطريق الكفاية وهو أقسام ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬المصالح الدّينيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬منها الشتغال بالعلم الشّرعيّ كطلب العلم وتصنيف كتبه ‪ ,‬وحفظ القرآن الكريم وحفظ‬ ‫‪7‬‬

‫السنّة النّبويّة وإقامة الحجج والبراهين على العقيدة السلميّة ‪ ,‬ودفع الشبهات وحلّ‬
‫المشكلت والجتهاد في القضايا المستجدّة ‪.‬‬
‫ومنها إقامة الشّعائر الدّينيّة كصلة الجماعة ‪ ,‬وصلة التّراويح في جماعةٍ ‪ ,‬والذان وصلة‬
‫الجمعة وصلة العيدين وصلة الكسوف والخسوف ‪ ,‬وصلة الستسقاء والعتكاف وإحياء‬
‫الكعبة بالحجّ والعمرة والصّلة والطّواف والضحيّة ‪.‬‬
‫ومنها الجهاد في سبيل اللّه والمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واستنقاذ أسرى المسلمين‬
‫وإفشاء السّلم ورده ‪ ,‬وتشميت العاطس ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬المصالح الدنيويّة ‪:‬‬
‫‪ -‬منها الشتغال بالعلوم الحياتيّة وتعلم أصول الصّناعات والحرف كالصّناعة والزّراعة ‪.‬‬ ‫‪8‬‬

‫ثالثا ‪ :‬المصالح المشتركة ‪:‬‬


‫‪ -‬بالضافة إلى المصالح الدّينيّة والدنيويّة توجد مصالح مشتركة تجمع بين الدّينيّة‬ ‫‪9‬‬

‫والدنيويّة طلب الشّرع من المّة فعلها ‪.‬‬


‫منها تحمل الشّهادة وأداؤُها ‪ ,‬والتقاط اللّقيط ‪ ,‬وعيادة المريض ‪ ,‬وغسل الميّت وتكفينه ‪,‬‬
‫والقيام بالوليات والوظائف ‪ ,‬وبيانها كالتّالي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تحمل الشّهادة وأداؤُها ‪:‬‬
‫‪ -‬تحمل الشّهادة ‪ :‬هو العلم بما يشهد به من الحقوق كالنّكاح والبيع وغير ذلك ‪ ,‬وقد‬ ‫‪10‬‬

‫ن تحمل الشّهادة فرض كفايةٍ ‪ ,‬إذا كان الشهود جماعةً ‪ ,‬فلو امتنع‬
‫اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫ن ذلك يؤدّي إلى ضياع الحقوق ‪ ,‬أمّا إذا كان الشّاهد‬
‫الجميع عن التّحمل أثموا جميعا ‪ ,‬ل ّ‬
‫ن التّحمل يفتقر إليه ويخشى ضياع‬
‫ن‪,‬لّ‬
‫واحدا فيتعيّن التّحمل فيه ويكون فرض عي ٍ‬
‫شهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ } ‪ ,‬فقد جمعت هذه الية المرين ‪:‬‬
‫ب ال ّ‬
‫الحقوق ‪ ,‬قال تعالى ‪َ { :‬ولَ يَأْ َ‬
‫التّحمل والداء ‪.‬‬
‫وأمّا أداء الشّهادة من المتحمّل إذا طلبها المدّعي ففرض كفاي ٍة إذا كان المتحمّلون جماعةً ‪,‬‬
‫فإذا امتنعوا أثموا جميعا باتّفاق الفقهاء ‪ ,‬وإذا كان المتحمّل واحدا تعيّن الداء فيه ويكون‬
‫شهَادَةَ َومَن َيكْ ُت ْمهَا َفإِ ّنهُ آثِم‬
‫ن ‪ ,‬ودليل الفرضيّة قوله تعالى ‪َ { :‬و َل َتكْ ُتمُواْ ال ّ‬
‫فرض عي ٍ‬
‫قَلْ ُبهُ } ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪5‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬شهادة ف‬
‫ب ‪ -‬التقاط اللّقيط ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّقيط ‪ :‬هو الطّفل المنبوذ الّذي ل قدرة له على القيام بمصالح نفسه ‪ ,‬وهو نفس‬ ‫‪11‬‬

‫محترمة في الشّرع السلميّ تستحق الحفظ والرّعاية ‪ ,‬ولهذا اتّفق الفقهاء على أنّ التقاطه‬
‫فرض كفاي ٍة إذا كان الواجدون له جماعةً ‪ ,‬أمّا إذا كان الواجد فردا واحدا وخاف عليه‬
‫ن ول يحل له تركه ‪.‬‬
‫الهلك إن تركه صار التقاطه فرض عي ٍ‬
‫والتّفصيل في ‪ ( :‬لقيط ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬عيادة المريض ‪:‬‬
‫‪ -‬المريض ‪ :‬هو الّذي أصيب بمرض يضعف جسمه ويؤثّر في نفسه ‪ ,‬فيحتاج إلى من‬ ‫‪12‬‬

‫يواسيه ويطيّب نفسه ويقوم على خدمته وتمريضه ‪ ,‬وقد اتّفق الفقهاء على مشروعيّة‬
‫عيادة المريض لحديث ‪ « :‬حق المسلم على المسلم ستّ ‪ ،‬قيل وما هي يا رسول اللّه ؟ قال‬
‫إذا لقيته فسلّم عليه ‪ ،‬وإذا دعاك فأجبه ‪ ،‬وإذا استنصحك فانصح له ‪ ،‬وإذا عطس فشمّته ‪،‬‬
‫وإذا مرض فعده ‪ ،‬وإذا مات فاتبعه » ‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء في حكم عيادة المريض ‪:‬‬
‫فذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وبعض الحنابلة إلى أنّ عيادة‬
‫المريض سنّة مستحبّة للحديث السّابق ‪.‬‬
‫وذهب المام البخاري والحنابلة في قولٍ إلى أنّ العيادة واجبّة على العيان ‪ ,‬لنّها من‬
‫حقوق المريض على المسلمين كما في الحديث السّابق ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة في قولٍ إلى أنّها فرض كفايةٍ ‪ ,‬قاله ابن مفلحٍ في الرّعاية الكبرى ‪ ,‬وقال به‬
‫ابن تيميّة وصوّبه ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ‪ ( :‬عيادة ف ‪ 2‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬غسل الميّت وتكفينه والصّلة عليه وتشييعه ودفنه ‪:‬‬
‫‪ -‬غسل الميّت غير الشّهيد واجب على الكفاية عند جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة‬ ‫‪13‬‬

‫فمات ‪« :‬‬ ‫والشّافعيّة والحنابلة ‪ ,‬لقوله صلى ال عليه وسلم في الّذي سقط عن بعيره‬
‫اغسلوه بماء وسدرٍ » ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪2‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬تغسيل الميّت ف‬
‫وأمّا تكفين الميّت غير الشّهيد ففرض كفايةٍ عند جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة‬
‫والشّافعيّة والحنابلة ‪ ,‬لقوله صلى ال عليه وسلم في الّذي سقط عن بعيره ‪ « :‬اغسلوه‬
‫بماء وسد ٍر وكفّنوه في ثوبين ول تمسوه طيبا ول تخمّروا رأسه فإنّ اللّه يبعثه يوم القيامة‬
‫ملبّيا » ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪3‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬تكفين ف ‪, 2‬‬
‫وأمّا الصّلة على الميّت ففرض كفايةٍ عند جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‬
‫والمشهور عند المالكيّة ‪ ,‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬صلوا على من قال ل إله إل‬
‫اللّه » ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪20‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬جنائز ف‬
‫وأمّا تشييع الجنازة ففرض كفايةٍ باتّفاق الفقهاء ‪ ,‬لحديث ‪ « :‬حق المسلم على المسلم ستّ‬
‫‪ . .‬وإذا مات فاتبعه » ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪14‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬جنائز ف‬
‫وأمّا دفن الميّت فمن فروض الكفايات باتّفاق الفقهاء ‪ ,‬لقوله تعالى ‪ُ { :‬ثمّ َأمَا َتهُ فَأَقْ َبرَهُ } ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ‪ ( :‬دفن ف ‪. ) 2‬‬
‫الكفاية في الوليات والوظائف ‪:‬‬
‫‪ -‬الولية ضروريّة للنسان لتنظيم ما ينشأ بين النّاس من تعاونٍ ‪ ,‬ومنع التّظالم ‪,‬‬ ‫‪14‬‬

‫وحفظ الحقوق لصحابها ‪ ,‬وإعانة الضّعيف وحمايته ‪ ,‬ووقف المعتدي عن عدوانه ‪.‬‬
‫ن نصب المام فرض كفايةٍ فيجب على المّة السلميّة أو‬
‫وقد اتّفق فقهاء المذاهب على أ ّ‬
‫من ينوب عنها من أهل الحلّ والعقد تنصيب إمامٍ للمسلمين يقوم بحراسة الدّين والدنيا ‪,‬‬
‫واستدلوا لذلك بقوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ َأطِيعُواْ الّلهَ َوَأطِيعُواْ ال ّرسُو َل َوأُوْلِي ا َلمْرِ‬
‫مِن ُكمْ } ‪.‬‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا كان ثلثة في سفرٍ فليؤمّروا أحدهم » ‪.‬‬
‫المكلّف بتحقيق فرض الكفاية في المامة العظمى ‪:‬‬
‫ن المامة العظمى فرض كفايةٍ ‪ ,‬فيترتّب على ذلك أنّه إذا قام بها من هو أهل‬
‫‪ -‬إذا ثبت أ ّ‬ ‫‪15‬‬

‫حرّج النّاس جميعا ‪ ,‬ويطالب بها فريقان‬


‫لذلك سقط الثم عن الباقين ‪ ,‬وإذا لم يقم بها أحد ُ‬
‫من النّاس هما ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أهل الختيار ‪ ,‬أو أهل الحلّ والعقد ‪ :‬وهم الّذين ينوبون عن المّة في اختيار الخليفة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أهل المامة ‪ :‬وهم الّذين توافرت فيهم الشروط المعتبرة في المامة ‪.‬‬
‫وكذلك الحكم في سائر الوليات الخرى والوظائف العامّة ‪.‬‬
‫وما بعدها ‪ ,‬والمامة‬ ‫‪5‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلحات ‪ ( :‬إمارة ف ‪ , 4‬وإمامة الصّلة ف‬
‫وما بعدها ‪ ,‬وقضاء ‪ ,‬وفتوى ) ‪.‬‬ ‫‪6‬‬ ‫الكبرى ف‬
‫الكفاية في حاجات الفراد الخاصّة ‪:‬‬
‫‪ -‬تكون كفاية النسان بس ّد حاجاته الصليّة ‪ ,‬وهي ما يدفع عن النسان الهلك تحقيقا‬ ‫‪16‬‬

‫أو تقديرا ممّا ل بدّ منه ‪ ,‬على ما يليق بحاله وحال من في نفقته من غير إسرافٍ ول‬
‫تقتي ٍر ‪.‬‬
‫وتوفير ح ّد الكفاية للفراد مطلوب شرعا ‪ ,‬وذلك على الفرد نفسه أ ّولً ثمّ على أقاربه ثمّ‬
‫على المسلمين ‪.‬‬
‫ن بحسب حاله‬
‫وتوفير الكفاية الّتي يكون بها قوام العيش وسداد الخلّة معتبر في كلّ إنسا ٍ‬
‫ومعيشته وهو من فروض الكفايات ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬توفير الكفاية من قبل الفرد نفسه ‪:‬‬
‫‪ -‬بالرّغم من أنّ النسان جبل على الهتمام بنفسه وتوفير ما يحتاج إليه إل أنّ‬ ‫‪17‬‬

‫ن إِذَا‬
‫النصوص الشّرعيّة بيّنت وجوب النّفقة وحدودها على النّفس فقال تعالى ‪ { :‬وَالّذِي َ‬
‫ن ذَلِكَ َقوَاما } ‪ ,‬وقال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ابدأ‬
‫ن بَيْ َ‬
‫سرِفُوا وَ َلمْ َيقْتُرُوا َوكَا َ‬
‫أَن َفقُوا َلمْ ُي ْ‬
‫ن لنفسك عليك حقّا » ‪.‬‬
‫بنفسك فتصدّق عليها » ‪ ,‬وقال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫وقد اتّفق الفقهاء على أنّ الغنيّ أو القادر على العمل يكلّف بالقيام بس ّد حاجاته الصليّة‬
‫ي ول لذي‬
‫بنفسه ول يعطى من الزّكاة لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تحل الصّدقة لغن ّ‬
‫ي»‪.‬‬
‫مرّةٍ قو ّ‬
‫ب ‪ -‬توفير الكفاية من قبل القارب ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ نفقة القريب الواجبة على قريبه هي نفقة كفاي ٍة بحسب حاجته‬ ‫‪18‬‬

‫وما يليق بحاله ‪ ,‬لقوله صلى ال عليه وسلم لهند زوجة أبي سفيان ‪ « :‬خذي من ماله ما‬
‫يكفيك وولدك بالمعروف » ‪ ,‬فيجب له بذلك المأكل والمشرب والملبس والسكنى والرّضاع‬
‫ن كان رضيعا والخادم إنّ كان يحتاج إلى خدمةٍ ‪.‬‬
‫إّ‬
‫واختلفوا فيمن تجب عليه منهم على مذاهب ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ‪ ( :‬نفقة ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬توفير كفاية الزّوجة ‪:‬‬
‫ن نفقة الزّوجة على زوجها مقدّرة بالكفاية وتختلف‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪19‬‬

‫باختلف من تجب له النّفقة في مقدارها لقوله لهند زوجة أبي سفيان ‪ « :‬خذي ما يكفيك‬
‫وولدك بالمعروف » ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة ‪ :‬إلى أنّه يجب على الزّوج الموسر لزوجته مدّان ‪ ,‬وعلى المعسر مدّ‬
‫واحد ‪ ,‬وعلى المتوسّط م ّد ونصف من غالب قوت البلد ‪ ,‬فإن اختلف وجب اللئق بالزّوج ‪,‬‬
‫ن كانت‬
‫ويجب أدم غالب البلد وكسوة تكفيها ‪ ,‬وما تقعد عليه أو تنام عليه ‪ ,‬وإخدامها إ ّ‬
‫ممّن ل يليق بها خدمة نفسها ‪ ,‬ويجب مسكن يليق بها ‪ ,‬ويجب في المسكن إمتاع ل تمليك‬
‫‪ .‬وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬نفقة ) ‪.‬‬
‫طرق توفير الكفاية ‪:‬‬
‫تتعدّد طرق توفير الكفاية على النّحو التّالي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬توفير الكفاية عن طريق الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّ الفقير يعطى أقلّ من النّصاب ‪ ,‬فإذا أعطي نصابا جاز مع الكراهة‬ ‫‪20‬‬

‫عند جمهور الحنفيّة ‪ ,‬وقال زفر ‪ :‬ل يجوز إعطاؤُه نصابا ‪ ,‬لنّ الغنى قارن الداء فكأنّ‬
‫الداء حصل للغنى وهو ل يجوز ‪.‬‬
‫واستثنى الحنفيّة من ذلك صاحب العيال بحيث لو فرّق عليهم ل يخص كلً منهم نصابا‬
‫وكذلك المديون ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة وأحمد في روايةٍ ‪ ,‬وبعض الشّافعيّة كالغزاليّ والبغويّ إلى أنّه يعطى ما‬
‫يكفيه مدّة سن ٍة ولو كان أكثر من النّصاب ‪ ,‬لنّ الزّكاة تتكرّر كلّ سنةٍ فيحصل كفايته منها‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬كان يحبس لهله قوت سنتهم » ‪.‬‬
‫سن ًة بسنة ‪ ,‬ولنّ النّب ّ‬
‫ن الفقير يعطى كفاية‬
‫وذهب الشّافعيّة وأحمد في روايةٍ ‪ -‬وهي المذهب ‪ -‬وأبو عبي ٍد إلى أ ّ‬
‫العمر الغالب بحيث يخرج من الفقر إلى أدنى مراتب الغنى ول يرجع إلى أخذ الزّكاة مرّةً‬
‫أخرى ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬توفير الكفاية عن طريق بيت المال ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّ الفقراء الّذين ل يعطون من الزّكاة لعدم كفايتها أو لعدم تحقق‬ ‫‪21‬‬

‫شروط استحقاقهم لها كفقراء أهل ال ّذمّة يصرف لهم من بيت المال ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬توفير الكفاية عن طريق توظيف الضّرائب على الغنياء ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّ للمام فرض ضرائب على القادرين لوجوه المصالح العامّة ولسدّ‬ ‫‪22‬‬

‫حاجات المسلمين ‪.‬‬


‫قال القرطبي ‪ :‬اتّفق العلماء على أنّه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزّكاة فإنّه يجب‬
‫صرف المال إليها ‪.‬‬

‫كُفْر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الكفر في اللغة ‪ :‬السّتر ‪ ,‬يقال ‪ :‬كفر النّعمة ‪ ,‬أي ‪ :‬غطّاها ‪ ,‬مستعار من كفر الشّيء ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫إذا غطّاه ‪ ,‬وهو أصل الباب ‪.‬‬


‫والكفر نقيض اليمان ‪ ,‬والكفر ‪ :‬كفر النّعمة ‪ ,‬وهو نقيض الشكر ‪ ,‬وكَفَر النّعمة وبالنّعمة ‪:‬‬
‫جحدها ‪ ,‬وكفر بكذا تبرّأ منه ‪ ,‬وفي التّنزيل ‪ { :‬إِنّي َكفَرْتُ ِبمَا َأشْ َركْ ُتمُونِ مِن قَ ْبلُ } ‪,‬‬
‫ويقال ‪ :‬كفر بالصّانع ‪ :‬نفاه وعطّل ‪ ,‬وهو الدّهري الملحد ‪ ,‬وكفّره – بالتّشديد ‪ : -‬نسبه‬
‫إلى الكفر ‪ ,‬وكفّر عن يمينه ‪ :‬إذا فعل الكفّارة ‪ ,‬وأكفرته إكفارا ‪ :‬جعلته كافرا ‪.‬‬
‫والكفر شرعا ‪ :‬هو إنكار ما علم ضرور ًة أنّه من دين محمّدٍ صلى ال عليه وسلم كإنكار‬
‫وجود الصّانع ‪ ,‬ونبوّته عليه الصّلة والسّلم ‪ ,‬وحرمة الزّنا ونحو ذلك ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الرّدّة ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّدّة لغةً ‪ :‬الرجوع عن الشّيء ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬هي كفر المسلم بقول صريحٍ أو لفظٍ يقتضيه أو فعلٍ يتضمّنه ‪.‬‬
‫والكفر أعم من الرّدّة ‪ ,‬لنّه قد يكون كفرا أصليا بخلف الرّدّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الشراك ‪:‬‬
‫‪ -‬الشراك مصدر أشرك ‪ ,‬وهو ‪ :‬اتّخاذ الشّريك ‪ ,‬يقال ‪ :‬أشرك باللّه ‪ ,‬جعل له شريكا في‬ ‫‪3‬‬

‫ملكه ‪ ،‬والسم ‪ :‬الشّرك ‪.‬‬


‫والفقهاء يستعملون الشراك بمعنى الشتراك في المعاملت ‪ ,‬وبمعنى الكفر باللّه تعالى ‪.‬‬
‫والشراك أعم من الكفر ‪ ,‬لنّه يشمل الشراك في المعاملت ويشمل الكفر باللّه تعالى ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬اللحاد ‪:‬‬
‫‪ -‬اللحاد في اللغة ‪ :‬الميل والعدول عن الشّيء ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬قال ابن عابدين ‪ :‬اللحاد في الدّين ‪ :‬هو الميل عن الشّرع القويم إلى جهةٍ‬
‫من جهات الكفر ‪.‬‬
‫ومن اللحاد ‪ :‬الطّعن في الدّين مع ادّعاء السلم ‪ ,‬أو التّأويل في ضرورات الدّين لجراء‬
‫الهواء ‪.‬‬
‫ن اللحاد قد يكون نوعا من الكفر ‪.‬‬
‫والصّلة بين الكفر واللحاد ‪ :‬أ ّ‬
‫الحكم التّكليفي ‪:‬‬
‫عظِيم } ‪ ,‬وفي‬
‫‪ -‬الكفر حرام وهو أعظم الذنوب قال اللّه تعالى ‪ { :‬إِنّ الشّ ْركَ َلظُلْم َ‬ ‫‪5‬‬

‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬أل أنبّئكم بأكبر الكبائر الشراك باللّه‬
‫الحديث أ ّ‬
‫وعقوق الوالدين » ‪.‬‬
‫جزاء الكافر في الخرة والدنيا ‪:‬‬
‫‪ -‬جزاء الكافر في الخرة الخلود في النّار لقول اللّه تعالى ‪ { :‬وَالّذِينَ َكفَرُوا َوكَذّبُوا‬ ‫‪6‬‬

‫س ا ْلمَصِيرُ } ‪.‬‬
‫صحَابُ النّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْ َ‬
‫ك أَ ْ‬
‫بِآيَاتِنَا ُأوْلَئِ َ‬
‫وأمّا في الدنيا فيختلف حكم الكافر في حالة العهد عنه في غير حالة العهد ‪ :‬ففي غير حالة‬
‫العهد يجوز قتل المقاتلين من الكفّار ‪ ,‬لنّ كلّ من يقاتل يجوز قتله ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫( ر ‪ :‬أهل الحرب ف‬
‫ول يجوز قتل النّساء والصّبيان والمجانين والخنثى المشكل باتّفاق الفقهاء ‪ ,‬وكذلك ل يجوز‬
‫قتل الشيوخ عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫ن الفلح الّذي ل يقاتل ل ينبغي أنّ يقتل لما روي عن عمر رضي ال‬
‫وصرّح الحنابلة بأ ّ‬
‫عنه أنّه قال ‪ :‬اتّقوا اللّه في الفلحين الّذين ل ينصبون لكم الحرب ‪.‬‬
‫وقال الوزاعي ‪ :‬ل يقتل الحرّاث إذا علم أنّه ليس من المقاتلة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪29‬‬ ‫( ر ‪ :‬جهاد ف‬
‫وأمّا في حالة العهد فيعصم دم الكافر وماله بتفصيل في مصطلحات ‪ ( :‬أهل ال ّذمّة ‪,‬‬
‫مستأمن ‪ ,‬هدنة ) ‪.‬‬
‫الكراه على الكفر ‪:‬‬
‫‪ -‬من أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر لم يصر كافرا لقول اللّه تعالى ‪ { :‬مَن َكفَرَ بِالّلهِ‬ ‫‪7‬‬

‫ن وَلَـكِن مّن شَ َرحَ بِا ْلكُفْ ِر صَدْرا َفعَلَ ْيهِمْ‬


‫طمَئِن بِالِيمَا ِ‬
‫مِن َبعْدِ إيمَا ِنهِ ِإ ّل مَنْ ُأكْرِ َه وَقَلْ ُبهُ ُم ْ‬
‫عظِيم } ‪.‬‬
‫ن الّلهِ وَ َل ُهمْ عَذَاب َ‬
‫غَضَب مّ َ‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫وورد أنّ عمّارا رضي ال عنه أخذه المشركون فلم يتركوه حتّى سبّ النّب ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم فأخبره فقال له النّبي ‪ « :‬إنّ‬
‫وسلم وذكر آلهتهم بخير ثمّ أتى النّب ّ‬
‫عادوا فعد » ‪.‬‬
‫ن الكفّار كانوا يعذّبون المستضعفين من المؤمنين فما منهم أحد إل‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬وروي أ ّ‬
‫أجابهم إل بللً فإنّه كان يقول ‪ :‬أحد أحد ‪ ,‬وقال النّبي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ اللّه‬
‫وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » ‪ ,‬ولنّه قول أكره عليه بغير حقّ فلم‬
‫يثبت حكمه ‪ ,‬كما لو أكره على القرار ‪.‬‬
‫ب إلى مذهبٍ‬
‫ن للفقهاء تفصيلتٍ وقيودا تختلف من مذه ٍ‬
‫وهذا أصل متّفق عليه ‪ ,‬إل أ ّ‬
‫وبيانها كما يأتي ‪:‬‬
‫ن الكراه على الكفر ل بدّ أن يكون إكراها تامّا ‪ ,‬جاء في الهداية‬
‫ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ب رسول اللّه صلى ال‬
‫وشروحها ‪ :‬إن أكره على الكفر باللّه تعالى ‪ -‬والعياذ باللّه ‪ -‬أو س ّ‬
‫ب لم يكن ذلك إكراها حتّى يكره بأمر يخاف منه على‬
‫س أو ضر ٍ‬
‫عليه وسلم بقيد أو حب ٍ‬
‫نفسه ‪ ,‬أو على عض ٍو من أعضائه ‪ ,‬فإذا خاف على ذلك وسعه أنّ يظهر ما أمر به ‪.‬‬
‫وجاء في الدرّ المختار وحاشية ابن عابدين عليه ‪ :‬ويورّي وقلبه مطمئن باليمان ‪ ,‬ثمّ إن‬
‫ورّى ل يكفر كما إذا أكره على السجود للصّليب ‪ ,‬أو سبّ محمّدٍ صلى ال عليه وسلم ففعل‬
‫وقال ‪ :‬نويت به الصّلة للّه تعالى ومحمّدا آخر غير النّبيّ ‪ ,‬وبانت منه امرأته قضا ًء ل‬
‫ديان ًة ‪.‬‬
‫وإن خطر بباله التّورية ولم يورّ كفر وبانت منه زوجته ديان ًة وقضاءً ‪ ,‬لنّه أمكنه دفع ما‬
‫أكره عليه عن نفسه ووجد مخرجا عمّا أبتلي به ثمّ لمّا ترك ما خطر على باله وشتم محمّدا‬
‫صلى ال عليه وسلم كان كافرا ‪ ,‬وإن وافق المكره فيما أكرهه ‪ ,‬لنّه وافقه بعدما وجد‬
‫مخرجا عمّا أبتلي به ‪ ,‬فكان غير مضطرّ ‪.‬‬
‫ن لم يخطر بباله شيء وفعل ما يكفر به وقلبه مطمئن باليمان لم يكفر ولم تبن زوجته ل‬
‫وإ ّ‬
‫قضا ًء ول ديان ًة ‪ ,‬لنّه تعيّن ما أكره عليه ولم يمكنه دفعه عن نفسه إذ لم يخطر بباله‬
‫غيره ‪.‬‬
‫ن الكفر محرّم في نفسه مع ثبوت الرخصة به فأثر الرخصة في تغير حكم‬
‫ويقول الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫الفعل وهو المؤاخذة ‪ ,‬ل في تغير وصفه وهو الحرمة ‪ ,‬لنّ كلمة الكفر ممّا ل يحتمل‬
‫الباحة بحال فكانت الحرمة قائم ًة ‪ ,‬إل أنّه سقطت المؤاخذة لعذر الكراه لقوله تعالى ‪ِ { :‬إلّ‬
‫ن الّلهِ وَ َل ُهمْ‬
‫ح بِا ْل ُكفْرِ صَدْرا َفعَلَ ْي ِهمْ غَضَب مّ َ‬
‫طمَئِن بِالِيمَانِ وَلَـكِن مّن شَرَ َ‬
‫ن ُأكْرِهَ وَ َقلْ ُبهُ ُم ْ‬
‫مَ ْ‬
‫عظِيم } ‪.‬‬
‫عَذَاب َ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل يجوز للمكره القدام على الكفر إل إذا كان الكراه بالقتل فقط ‪ ,‬فمن خاف‬
‫على نفسه أنّ يقتل جاز له القدام على الكفر ما دام قلبه مطمئنّا باليمان ‪.‬‬
‫أمّا الكراه بغير القتل كالضّرب وقتل الولد ونهب المال وقطع عضوٍ فل يجوز معه القدام‬
‫على الكفر ‪ ,‬ولو فعل ذلك كان مرتدّا ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يباح بالكراه التّكلم بكلمة الكفر ما دام قلبه مطمئنّا باليمان لقوله تعالى ‪:‬‬
‫طمَئِن بِالِيمَانِ } ‪.‬‬
‫ن أُكْرِ َه وَقَلْ ُب ُه ُم ْ‬
‫{ ِإلّ مَ ْ‬
‫وقال الذرعي يظهر القول بالوجوب في بعض الحوال على بعض الشخاص إذا كان فيه‬
‫صيانة للحرم والذرّيّة وعلم منه أنّ الصّبر يؤدّي إلى استباحتهم أو استئصالهم ‪ ,‬وقس على‬
‫هذا ما في معناه أو أعظم منه ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة قال ابن قدامة ‪ :‬من أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر لم يصر كافرا لقوله‬
‫طمَئِن بِالِيمَانِ } ‪ ,‬ثمّ قال ‪ :‬من كان محبوسا عند الكفّار‬
‫ن أُكْرِ َه وَقَلْ ُب ُه ُم ْ‬
‫تعالى ‪ِ { :‬إلّ مَ ْ‬
‫ومقيّدا عندهم في حالة خوفٍ ‪ ,‬وقامت عليه بيّنة أنّه نطق بكلمة الكفر لم يحكم بردّته ‪ ,‬لنّ‬
‫ذلك ظاهر في الكراه وإن شهدت البيّنة أنّه كان آمنا حال نطقه حكم بردّته ‪.‬‬
‫ومن نطق بكلمة الكفر لكراه وقع عليه ‪ ,‬ثمّ زال عنه الكراه أمر بإظهار إسلمه ‪ ,‬فإن‬
‫ق على إسلمه ‪ ,‬وإن أظهر الكفر حكم أنّه كفر من حين نطق به ‪ ,‬لنّنا تبيّنّا‬
‫أظهره فهو با ٍ‬
‫بذلك أنّه كان منشرح الصّدر بالكفر من حين نطق به مختارا له ‪.‬‬
‫ن الصّبر والثّبات‬
‫‪ -‬ويتّفق الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وهو الصح عند الشّافعيّة على أ ّ‬ ‫‪8‬‬

‫على اليمان مع الكراه ولو كان بالقتل أفضل من القدام على الكفر حتّى لو قتل كان‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬قد كان من قبلكم يؤخذ‬
‫مأجورا ‪ ,‬لما ورد أ ّ‬
‫الرّجل فيحفر له في الرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين‬
‫ويمشّط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه » ‪.‬‬
‫ومقابل الصحّ عند الشّافعيّة أوجه ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬الفضل التيان بكلمة الكفر صيانةً لنفسه ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬إن كان من العلماء المقتدى بهم فالفضل الثبوت ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬إن كان يتوقّع منه النكاء والقيام بأحكام الشّرع فالفضل أن ينطق بها لمصلحة‬
‫بقائه ‪ ,‬وإل فالفضل الثبوت ‪.‬‬
‫أصناف الكفّار ‪:‬‬
‫‪ -‬ذكر الكاساني أنّ الكفرة أصناف أربعة ‪:‬‬ ‫‪9‬‬

‫صنف منهم ينكرون الصّانع أصلً ‪ ,‬وهم الدّهريّة المعطّلة ‪.‬‬


‫وصنف منهم يقرون بالصّانع ‪ ,‬وينكرون توحيده ‪ ,‬وهم الوثنيّة والمجوس ‪.‬‬
‫وصنف منهم يقرون بالصّانع وتوحيده ‪ ,‬وينكرون الرّسالة رأسا ‪ ,‬وهم قوم من الفلسفة ‪.‬‬
‫وصنف منهم يقرون الصّانع وتوحيده والرّسالة في الجملة ‪ ,‬لكنّهم ينكرون رسالة نبيّنا‬
‫محمّدٍ صلى ال عليه وسلم وهم اليهود والنّصارى ‪.‬‬
‫ما أتفق على اعتباره كفرا وما اختلف فيه ‪:‬‬
‫‪ -‬الكفر قسمان ‪ :‬قسم يكون بأحد أمورٍ متّفقٍ عليها ‪ ,‬وقسم يكون بأمور مختلفٍ فيها ‪.‬‬ ‫‪10‬‬

‫فالوّل ‪ :‬نحو الشّرك باللّه وجحد ما علم من الدّين بالضّرورة ‪ ,‬كجحد وجوب الصّلة‬
‫والصّوم ونحوهما ‪ ,‬والكفر الفعلي كإلقاء المصحف في القاذورات ‪ ,‬وكذلك جحد البعث أو‬
‫النبوّات ‪.‬‬
‫والقسم الثّاني ‪ :‬فمنه ما يكون بالعتقاد أو بالقول أو بالفعل أو بالتّرك ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪21‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪10‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬ردّة ف‬
‫مخاطبة الكفّار بفروع الشّريعة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الزّركشي ‪ :‬حصول الشّرط العقليّ من التّمكن والفهم ونحوهما شرط في صحّة‬ ‫‪11‬‬

‫ي فل يشترط في صحّة التّكليف بالمشروط خلفا للحنفيّة‬


‫التّكليف ‪ ,‬أمّا حصول الشّرط الشّرع ّ‬
‫وهي ‪ -‬المسألة ‪ -‬مفروضة في تكليف الكفّار بالفروع وإن كانت أعمّ منه ‪.‬‬
‫والجمهور على جواز خطاب الكفّار بالفروع عقلً ‪.‬‬
‫أمّا خطاب الكفّار بالفروع شرعا ففيه ‪ -‬كما قال الزّركشي ‪ -‬مذاهب ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬أنّ الكفّار مخاطبون بفروع الشّريعة مطلقا في الوامر والنّواهي بشرط تقديم‬
‫اليمان بالمرسل كما يخاطب المحدث بالصّلة بشرط تقديم الوضوء ‪.‬‬
‫ن ا ْلمُصَلّينَ } ‪ ,‬فأخبر‬
‫ك مِ َ‬
‫سقَرَ ‪ ،‬قَالُوا َلمْ نَ ُ‬
‫والدّليل على ذلك قوله تعالى ‪ { :‬مَا سَ َل َك ُكمْ فِي َ‬
‫سبحانه وتعالى أنّه عذّبهم بترك الصّلة وحذّر المسلمين به ‪ ,‬وقوله تعالى ‪ { :‬وَالّذِينَ ََل‬
‫ن َومَن َي ْف َعلْ‬
‫ح ّرمَ الّلهُ إََِل بِا ْلحَقّ وََل يَزْنُو َ‬
‫ن ال ّنفْسَ الّتِي َ‬
‫يَدْعُونَ مَ َع الّلهِ إِلَها آخَ َر وََل َيقْتُلُو َ‬
‫ف َلهُ ا ْلعَذَابُ َي ْومَ ا ْلقِيَا َمةِ } ‪.‬‬
‫ذَِلكَ يَ ْلقَ أَثَاما ‪ ،‬يُضَاعَ ْ‬
‫فالية نصّ في مضاعفة عذاب من جمع بين الكفر والقتل والزّنا ‪ ,‬ل كمن جمع بين الكفر‬
‫والكل والشرب ‪.‬‬
‫وكذلك ذمّ اللّه تعالى قوم شعيبٍ بالكفر ونقص المكيال ‪ ,‬وذمّ قوم لوطٍ بالكفر وإتيان الذكور‬
‫‪ .‬كما استدلوا بانعقاد الجماع على تعذيب الكافر على تكذيب الرّسول صلى ال عليه وسلم‬
‫كما يعذّب على الكفر باللّه تعالى ‪.‬‬
‫وقد ذهب إلى هذا القول الشّافعيّة والحنابلة في الصّحيح ‪ ,‬وهو مقتضى قول مالكٍ وأكثر‬
‫أصحابه ‪ ,‬وهو قول المشايخ العراقيّين من الحنفيّة ‪.‬‬
‫ن الكفّار غير مخاطبين بالفروع وهو قول الفقهاء البخاريّين من الحنفيّة ‪,‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬إ ّ‬
‫وبهذا قال عبد الجبّار من المعتزلة والشّيخ أبو حامدٍ السفراييني من الشّافعيّة ‪ ,‬وقال‬
‫البياري ‪ :‬إنّه ظاهر مذهب مالكٍ ‪ ,‬وقال الزّركشي ‪ :‬اختاره ابن خويزمنداد المالكي ‪.‬‬
‫قال السّرخسي ‪ :‬ل خلف أنّهم مخاطبون باليمان والعقوبات والمعاملت في الدنيا والخرة‬
‫‪ ,‬وأمّا في العبادات فبالنّسبة إلى الخرة كذلك ‪.‬‬
‫أمّا في حقّ الداء في الدنيا فهو موضع الخلف ‪.‬‬
‫ن العبادة ل تتصوّر مع الكفر ‪ ,‬فكيف يؤمر بها‬
‫واستدلّ القائلون بعدم مخاطبتهم بالفروع بأ ّ‬
‫فل معنى لوجوب الزّكاة وقضاء الصّلة عليه مع استحالة فعله في الكفر ومع انتفاء وجوبه‬
‫لو أسلم ‪ ,‬فكيف يجب ما ل يمكن امتثاله ؟ ‪.‬‬
‫القول الثّالث ‪ :‬إنّ الكفّار مخاطبون بالنّواهي دون الوامر ‪ ,‬لنّ النتهاء ممكن في حالة‬
‫الكفر ‪ ,‬ول يشترط فيه التّقرب فجاز التّكليف بها دون الوامر ‪ ,‬فإنّ شرط الوامر العزيمة ‪,‬‬
‫وفعل التّقريب مع الجهل بالمقرّب إليه محال فامتنع التّكليف بها ‪.‬‬
‫وقد حكى النّووي في التّحقيق أوجها ‪ ,‬وقال الزّركشي ‪ :‬ذهب بعض أصحابنا إلى أنّه ل‬
‫خلف في تكليف الكفّار بالنّواهي وإنّما الخلف في تكليفهم بالوامر ‪.‬‬
‫ونقل ذلك القول صاحب اللباب من الحنفيّة عن أبي حنيفة وعامّة أصحابه ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬إنّهم مخاطبون بالوامر فقط ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬إنّ المرت ّد مكلّف دون الكافر الصليّ ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬إنّهم مكلّفون بما عدا الجهاد ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬بالتّوقف ‪.‬‬
‫واجب المسلمين تجاه الكفّار ‪:‬‬
‫‪ -‬يجب على المسلمين دعوة الكفّار إلى السلم لقول اللّه تبارك وتعالى ‪ { :‬ادْعُ إِلِى‬ ‫‪12‬‬

‫ي َأحْسَنُ } ‪ ,‬ول يقاتلون قبل‬


‫حسَ َنةِ َوجَادِ ْلهُم بِالّتِي هِ َ‬
‫ظةِ ا ْل َ‬
‫عَ‬‫ح ْك َمةِ وَا ْل َموْ ِ‬
‫ك بِا ْل ِ‬
‫سَبِيلِ رَبّ َ‬
‫الدّعوة إلى السلم لنّ قتال الكفّار لم يفرض لعين القتال بل للدّعوة إلى السلم ‪.‬‬
‫والدّعوة دعوتان ‪ :‬دعوة بالبنان وهي القتال ودعوة بالبيان وهو اللّسان ‪ ,‬وذلك بالتّبليغ ‪,‬‬
‫ن في القتال مخاطرة الروح والنّفس والمال ‪,‬‬
‫والدّعوة بالبيان أهون من الدّعوة بالقتال ل ّ‬
‫وليس في دعوة التّبليغ شيء من ذلك ‪ ,‬فإذا احتمل حصول المقصود بأهون الدّعوتين لزم‬
‫الفتتاح بها ‪ ,‬وقد روي ‪ « :‬أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم لم يكن يقاتل الكفرة حتّى‬
‫يدعوهم إلى السلم » ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫ثمّ إذا دعاهم المسلمون إلى السلم فإن أسلموا كفوا عنهم القتال لقول النّب ّ‬
‫وسلم ‪ « :‬أمرت أن أقاتل النّاس حتي يشهدوا أن ل إله إل اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه فإذا‬
‫ق السلم وحسابهم على اللّه » ‪ ,‬فإن أبوا‬
‫فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إل بح ّ‬
‫الجابة إلى السلم دعوهم إلى ال ّذمّة إن كانوا ممّن تقبل منهم الجزية ‪ ,‬فإن أجابوا كفوا‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل‬
‫عنهم لقول النّب ّ‬
‫منهم وكفّ عنهم » وإن أبوا استعانوا باللّه سبحانه وتعالى على قتالهم ووثقوا بنصر اللّه‬
‫سبحانه وتعالى لهم بعد أن بذلوا جهدهم واستفرغوا وسعهم ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪24‬‬ ‫‪ ,‬وجهاد ف‬ ‫‪30‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪25‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬جزية ف‬
‫ما يلزم الكافر إذا أسلم ‪:‬‬
‫‪ -‬قال القرافي ‪ :‬أحوال الكافر مختلفة إذا أسلم ‪ ,‬فيلزمه ثمن البياعات وأجر الجارات‬ ‫‪13‬‬

‫ودفع الديون الّتي اقترضها ونحو ذلك ‪.‬‬


‫ول يلزمه من حقوق الدميّين القصاص ول الغصب ول النّهب إن كان حربيا ‪ ,‬وأمّا ال ّذمّي‬
‫ض بمقتضى عقد ال ّذمّة ‪ ,‬وأمّا الحربي‬
‫فيلزمه جميع المظالم وردها لنّه عقد ال ّذمّة وهو را ٍ‬
‫فلم يرض بشيء ‪ ,‬فلذلك أسقطنا عنه الغصوب والنهوب والغارات ونحوها ‪.‬‬
‫وأمّا حقوق اللّه تعالى فل يلزمه ‪ -‬ولو كان ذمّيا ‪ -‬ممّا تقدّم في كفره ل ظهار ول نذر ول‬
‫يمين من اليمان ول قضاء الصّلوات ول الزّكوات ول شيء فرّط فيه من حقوق اللّه تعالى‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬السلم يهدم ما كان قبله » ‪.‬‬
‫لقول النّب ّ‬
‫وحقوق العباد قسمان ‪ :‬قسم منها رضي به حال كفره واطمأنّت نفسه بدفعه لمستحقّه ‪,‬‬
‫ن إلزامه إيّاه ليس منفّرا له عن السلم لرضاه ‪.‬‬
‫فهذا ل يسقط بالسلم ‪ ,‬ل ّ‬
‫أمّا ما لم يرض بدفعه لمستحقّه كالقتل والغصب ونحوه فإنّ هذه المور إنّما دخل عليها‬
‫ن في إلزامه ما لم يعتقد لزومه تنفيرا‬
‫معتمدا على أنّه ل يوفّيها أهلها ‪ ,‬فهذا كله يسقط ‪ ,‬ل ّ‬
‫له عن السلم فقدّمت مصلحة السلم على مصلحة ذوي الحقوق ‪.‬‬
‫وأمّا حقوق اللّه تعالى فتسقط مطلقا رضي بها أم لم يرض ‪ ,‬والفرق بينها وبين حقوق‬
‫الدميّين من وجهين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّ السلم حقّ للّه تعالى ‪ ,‬والعبادات ونحوها حقّ للّه تعالى كذلك ‪ ,‬ولمّا كان‬
‫الحقّان لجهة واحدةٍ ناسب أن يقدّم أحدهما على الخر ‪ ,‬ويسقط أحدهما الخر لحصول‬
‫ق الثّاني لجهة الحقّ السّاقط ‪.‬‬
‫الح ّ‬
‫وأمّا حق الدميّين فلجهة الدميّين والسلم ليس حقّا لهم ‪ ,‬بل لجهة اللّه تعالى فناسب أن‬
‫ق غيرهم ‪.‬‬
‫ل يسقط حقهم بتحصيل ح ّ‬
‫وثانيهما ‪ :‬أنّ اللّه تعالى كريم جواد تناسب رحمته المسامحة ‪ ,‬والعبد بخيل ضعيف فناسب‬
‫ذلك التّمسك بحقّه ‪ ,‬فسقطت حقوق اللّه تعالى مطلقا وإن رضي بها كالنذور واليمان ‪ ,‬أو‬
‫لم يرض بها كالصّلوات والصّيام ‪ ,‬ول يسقط من حقوق العباد ما تقدّم الرّضا به ‪.‬‬
‫معاملة البوين الكافرين ‪:‬‬
‫‪ -‬أمر السلم ببرّ الوالدين والحسان إليهما سواءً أكان الوالدان مسلمين أم كافرين ‪.‬‬ ‫‪14‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪3‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬بر الوالدين ف‬


‫نجاسة الكافر وطهارته ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّ الكافر الحيّ طاهر لنّه آدميّ ‪ ,‬والدمي طاهر سواء أكان مسلما‬ ‫‪15‬‬

‫أم كافرا ‪ ,‬لقول اللّه سبحانه وتعالى ‪ { :‬وَ َلقَدْ كَ ّرمْنَا بَنِي آ َدمَ } ‪ ,‬وليس المراد من قوله‬
‫تعالى ‪ { :‬إِ ّنمَا ا ْل ُمشْ ِركُونَ َنجَس } ‪ ,‬نجاسة البدان وإنّما المراد نجاسة ما يعتقدونه ‪ ,‬وقد‬
‫ربط النّبي صلى ال عليه وسلم السير في المسجد ‪.‬‬
‫مس الكافر المصحف ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف من الحنفيّة إلى أنّه ل يجوز للكافر‬ ‫‪16‬‬

‫مس المصحف لنّ في ذلك إهانةً للمصحف ‪.‬‬


‫س الكافر المصحف إذا اغتسل ‪ ,‬لنّ المانع هو‬
‫وقال محمّد بن الحسن ‪ :‬ل بأس أن يم ّ‬
‫الحدث وقد زال بالغسل ‪ ,‬وإنّما بقي نجاسة اعتقاده وذلك في قلبه ل في يده ‪.‬‬
‫ن ولو بساتر لنّه يؤدّي إلى‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يمنع الكافر من أن يحمل حرزا من قرآ ٍ‬
‫امتهانه ‪.‬‬
‫دخول الكافر المسجد ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ومحمّد من الحنفيّة إلى أنّه ل يجوز للكافر دخول‬ ‫‪17‬‬

‫سجِدَ ا ْلحَرَامَ َبعْدَ‬


‫ن َنجَس فَلَ َيقْرَبُواْ ا ْل َم ْ‬
‫المسجد الحرام لقول اللّه تعالى ‪ { :‬إِ ّنمَا ا ْل ُمشْ ِركُو َ‬
‫عَا ِمهِمْ هَـذَا } والمسجد الحرام مراد به الحرم لقول اللّه تعالى ‪ { :‬سُ ْبحَانَ الّذِي َأسْرَى‬
‫سجِدِ الَقْصَى } ‪ ,‬وإنّما أسري به من بيت أمّ هانئٍ من‬
‫سجِدِ ا ْلحَرَامِ إِلَى ا ْل َم ْ‬
‫ِبعَبْدِهِ لَيْلً مّنَ ا ْل َم ْ‬
‫خارج المسجد ‪.‬‬
‫أمّا المساجد الخرى غير المسجد الحرام فقد ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ل يحل لهم‬
‫دخولها بغير إذن المسلمين لما روى عياض الشعري أنّ أبا موسى رضي ال عنه وفد إلى‬
‫عمر رضي ال عنه ومعه نصرانيّ فأعجب عمر خطه فقال قل لكاتبك هذا يقرأ لنا كتابا فقال‬
‫إنّه ل يدخل المسجد فقال لم ؟ أجنب هو ؟ قال ل هو نصرانيّ قال فانتهره عمر ‪.‬‬
‫فإن دخل من غير إذنٍ عزّر لما روت أم غرابٍ قالت رأيت عليا كرّم اللّه وجهه على المنبر‬
‫وبصر بمجوسيّ فنزل فضربه وأخرجه من باب كندة ‪.‬‬
‫وإن وفد قوم من الكفّار ولم يكن للمام موضع ينزلهم فيه جاز أن ينزلهم في المسجد ‪ ,‬لما‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنزل سبي بني قريظة والنّضير في مسجد المدينة‬
‫روي ‪ « :‬أنّ النّب ّ‬
‫» « وربط ثمامة بن أثالٍ في المسجد » ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة يمنع الكافر من دخول المسجد وإن أذن له مسلم في الدخول ‪ ,‬وهذا ما لم‬
‫تدع ضرورة لدخوله بأن لم يوجد نجّار أو بنّاء وغيره والمسجد محتاج إلى ذلك ‪ ,‬أو وجد‬
‫مسلم لكن كان الكافر أتقن للصّنعة ‪ ,‬فلو وجد مسلم مماثل له في إتقان الصّنعة لكن كانت‬
‫أجرة المسلم أزيد من أجرة الكافر فإن كانت الزّيادة يسير ًة لم يكن هذا من الضّرورة وإل‬
‫كان منها على الظّاهر ‪.‬‬
‫وإذا دخل الكافر المسجد للعمل فيندب أن يدخل من جهة عمله ‪.‬‬
‫وما ذهب إليه المالكيّة هو رواية عند الحنابلة ‪ ,‬قال ابن قدامة ‪ :‬وفيه رواية أخرى ‪ :‬ليس‬
‫لهم دخوله بحال ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة يجوز للكافر دخول المسجد ‪ ,‬سواء أكان المسجد الحرام أم غيره من‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنزل وفد ثقيفٍ في مسجده وهم‬
‫المساجد ‪ ,‬لما روي ‪ « :‬أنّ النّب ّ‬
‫ن الخبث في اعتقادهم فل يؤدّي إلى تلويث المسجد ‪ ,‬وقوله تعالى ‪ { :‬إِ ّنمَا‬
‫كفّار » ‪ ,‬ول ّ‬
‫سجِدَ ا ْلحَرَامَ َبعْدَ عَا ِم ِهمْ هَـذَا } محمول على الحضور‬
‫ل َيقْرَبُواْ ا ْل َم ْ‬
‫ا ْل ُمشْ ِركُونَ َنجَس فَ َ‬
‫استيل ًء واستعل ًء ‪ ,‬أو طائفين عراةً كما كانت عادتهم في الجاهليّة فليس الممنوع نفس‬
‫الدخول ‪.‬‬
‫تلقين الكافر المحتضر ‪:‬‬
‫‪ -‬قال السنوي ‪ :‬لو كان ‪ -‬أي المحتضر ‪ -‬كافرا لقّن الشّهادتين وأمر بهما ‪ ,‬لما روى‬ ‫‪18‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم فمرض‬


‫أنس رضي ال عنه قال ‪ « :‬كان غلم يهودي يخدم النّب ّ‬
‫فأتاه النّبي صلى ال عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له ‪ :‬أسلم فنظر إلى أبيه وهو‬
‫عنده فقال له ‪ :‬أطع أبا القاسم صلى ال عليه وسلم فأسلم فخرج النّبي صلى ال عليه وسلم‬
‫وهو يقول ‪ :‬الحمد للّه الّذي أنقذه من النّار » ‪.‬‬
‫وتلقين الكافر المحتضر الشّهادة يكون وجوبا إن رجي إسلمه ‪ ,‬وإن لم يرج إسلمه فيندب‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫قال الجمل ‪ :‬وظاهر هذا أنّه يلقّن إن رجي إسلمه وإن بلغ الغرغرة ول بعد فيه ‪ ,‬لحتمال‬
‫أن يكون عقله حاضرا وإن ظهر لنا خلفه وإن كنّا ل نرتّب عليه أحكام المسلمين حينئذٍ ‪.‬‬
‫ولية الكافر على المسلم وولية المسلم على الكافر ‪:‬‬
‫ج َعلَ الّلهُ‬
‫‪ -‬ل يعتبر الكافر من أهل الولية بالنّسبة للمسلم لقول اللّه تعالى ‪ { :‬وَلَن َي ْ‬ ‫‪19‬‬

‫ن عَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِينَ سَبِيلً } ‪ ,‬وليس للمسلم ولية بالنّسبة للكافر إل بالسّبب العامّ‬
‫ِل ْلكَافِرِي َ‬
‫كولية السلطان أو نائبه وهذا في الجملة ‪.‬‬
‫ومن أمثلة ذلك ‪:‬‬
‫ن الموالة‬
‫أ ‪ -‬ل يجوز للكافر أنّ يزوّج ابنته المسلمة ‪ ,‬ول للمسلم أنّ يزوّج ابنته الكافرة ل ّ‬
‫ض ُهمْ َأوْلِيَاء َبعْضٍ } ‪ ,‬وقوله‬
‫منقطعة بينهما لقوله تعالى ‪ { :‬وَا ْل ُم ْؤمِنُونَ وَا ْل ُم ْؤمِنَاتُ َبعْ ُ‬
‫ضهُمْ َأوْلِيَاء َبعْضٍ } ‪.‬‬
‫تعالى ‪ { :‬وَالّذينَ َكفَرُواْ َبعْ ُ‬
‫ب ‪ -‬القضاء من الوليات العامّة ‪ ,‬ويشترط في القاضي أن يكون مسلما ‪ ,‬ول يجوز تولية‬
‫ن سَبِيلً } ‪ ,‬وسواء‬
‫الكافر القضاء لقوله تعالى ‪ { :‬وَلَن َيجْ َعلَ الّل ُه لِ ْلكَا ِفرِينَ عَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِي َ‬
‫أكانت تولية الكافر القضاء بين المسلمين ‪ ,‬أم بين أهل دينه ‪.‬‬
‫وأجاز أبو حنيفة أن يتولّى الكافر القضاء بين أهل دينه ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪22‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬قضاء ف‬
‫أنكحة الكفّار ‪:‬‬
‫‪ -‬أنكحة الكفّار صحيحة ويقرون عليها إن أسلموا ‪ ,‬أو تحاكموا إلينا إذا كانت المرأة‬ ‫‪20‬‬

‫ممّن يجوز ابتداء نكاحها في الحال ‪ ,‬ول ينظر صفة عقدهم وكيفيّته ‪ ,‬ول يعتبر له شروط‬
‫ي والشهود وصيغة اليجاب والقبول وأشباه ذلك ‪.‬‬
‫أنكحة المسلمين من الول ّ‬
‫قال ابن عبد البرّ ‪ :‬أجمع العلماء على أنّ الزّوجين إذا أسلما في الحال معا أنّ لهما المقام‬
‫على نكاحهما ما لم يكن بينهما نسب ول رضاع ‪ ,‬وقد أسلم خلق كثير في عهد رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬فأقرّهم على أنكحتهم ولم يسألهم رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫عن شروط النّكاح ول كيفيّته ‪ ,‬وهذا أمر عرف بالتّواتر والضّرورة فكان يقينا ‪ ,‬ولكن ينظر‬
‫في الحال فإن كانت المرأة على صف ٍة يجوز له ابتداء نكاحها أقرّ ‪ ,‬وإن كانت ممّا ل يجوز‬
‫ابتداء نكاحها كإحدى المحرّمات بالنّسب أو السّبب أو المعتدّة والمرتدّة والوثنيّة والمجوسيّة‬
‫والمطلّقة ثلثا لم يق ّر ‪.‬‬
‫وإن أسلم الحر وتحته أكثر من أربع نسوةٍ وأسلمن معه لزمه أن يختار أربعا منهنّ ويفارق‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لغيلن لمّا أسلم على تسع نسوةٍ ‪ « :‬أن‬
‫ما زاد على ذلك لمر النّب ّ‬
‫ن أربعا » ‪.‬‬
‫يختار منه ّ‬
‫وللفقهاء تفصيل في ذلك وفيما إذا أسلم أحد الزّوجين ولم يسلم الخر أو أسلم أحدهما ثمّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪5‬‬ ‫أسلم الخر في العدّة أو بعدها ‪ ,‬وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬نكاح وإسلم ف‬
‫نكاح المسلم كافرةً ونكاح الكافر مسلمةً ‪:‬‬
‫‪ -‬يحرم على المسلم أن يتزوّج ممّن ل كتاب لها من الكفّار لقول اللّه تعالى ‪َ { :‬ولَ‬ ‫‪21‬‬

‫تَن ِكحُواْ ا ْل ُمشْ ِركَاتِ حَتّى ُي ْؤمِنّ } وهذا باتّفاق ‪.‬‬


‫قال ابن قدامة ‪ :‬ل خلف بين أهل العلم في تحريم نسائهم وذبائحهم ‪.‬‬
‫والعلّة في تحريم نكاح المشركات كما يقول الكاساني ‪ :‬إنّ ازدواج الكافرة والمخالطة معها‬
‫مع قيام العداوة الدّينيّة ل يحصل السكن والمودّة الّتي هي قوام مقاصد النّكاح ‪.‬‬
‫‪ -‬ويجوز للمسلم زواج الحرائر من نساء أهل الكتاب وهم اليهود والنّصارى لقول اللّه‬ ‫‪22‬‬

‫ن الّذِينَ أُوتُواْ ا ْلكِتَابَ مِن قَبْ ِل ُكمْ } ‪ ,‬ولنّ الصّحابة رضي ال تعالى‬
‫تعالى ‪ { :‬وَا ْل ُمحْصَنَاتُ مِ َ‬
‫عنهم تزوّجوا من أهل ال ّذمّة فتزوّج عثمان رضي ال عنه نائلة بنت الفرافصة الكلبيّة وهي‬
‫نصرانيّة وأسلمت عنده ‪ ,‬وتزوّج حذيفة رضي ال تعالى عنه بيهوديّة من أهل المدائن ‪.‬‬
‫وإنّما جاز نكاح الكتابيّة لرجاء إسلمها ‪ ,‬لنّها آمنت بكتب النبياء والرسل في الجملة ‪.‬‬
‫ومع الحكم بجواز نكاح الكتابيّة ‪ ,‬فإنّه يكره الزّواج منها ‪ ,‬لنّه ل يؤمن أن يميل إليها‬
‫فتفتنه عن الدّين ‪ ,‬أو يتولّى أهل دينها ‪ ,‬فإن كانت حرب ّيةً فالكراهية أشد ‪ ,‬لنّه ل تؤمن‬
‫الفتنة أيضا ‪ ,‬ولنّه يكثر سواد أهل الحرب ‪ ,‬ولنّه ل يؤمن أن يسبى ولده منها فيسترق ‪.‬‬
‫وقد قال عمر بن الخطّاب رضي ال عنه للّذين تزوّجوا من نساء أهل الكتاب ‪ :‬طلّقوهنّ‬
‫ن إل حذيفة رضي ال عنه ‪ ،‬فقال له عمر ‪ :‬طلّقها قال ‪ :‬تشهد أنّها حرام ؟ قال ‪:‬‬
‫فطلّقوه ّ‬
‫هي خمرة طلّقها ‪ ،‬قال ‪ :‬تشهد أنّها حرام ؟ قال ‪ :‬هي خمرة ‪ ،‬قال ‪ :‬قد علمت أنّها خمرة‬
‫ولكنّها لي حلل ‪ ،‬فلمّا كان بعد طلّقها ‪ ،‬فقيل له ‪ :‬أل طلّقتها حين أمرك عمر ؟ قال ‪ :‬كرهت‬
‫أن يرى النّاس أنّي ركبت أمرا ل ينبغي لي ‪.‬‬
‫وقد كره ذلك أيضا مالك لنّها تتغذّى بالخمر والخنزير ‪ ,‬وتغذّي ولده بهما ‪ ,‬وهو يقبّلها‬
‫ويضاجعها وليس له منعها من ذلك التّغذّي ‪ ,‬ولو تضرّر برائحته ‪ ,‬ول من الذّهاب للكنيسة‬
‫‪ ,‬وقد تموت وهي حامل فتدفن في مقبرة الكفّار وهي حفرة من حفر النّار ‪.‬‬
‫‪ -‬ول يجوز للكافر أنّ يتزوّج مسلمةً لقول اللّه تعالى ‪َ { :‬و َل تُنكِحُواْ ا ْل ُمشِ ِركِينَ حَتّى‬ ‫‪23‬‬

‫ُي ْؤمِنُواْ } ‪ ,‬ولنّ في نكاح المؤمنة الكافر خوف وقوع المؤمنة في الكفر ‪ ,‬لنّ الزّوج‬
‫يدعوها إلى دينه ‪ ,‬والنّساء في العادات يتبعن الرّجال فيما يؤثرون من الفعال ويقلّدنهم في‬
‫ن إِلَى‬
‫ك يَدْعُو َ‬
‫الدّين ‪ ,‬وقد وقعت الشارة إلى ذلك في آخر الية بقوله ع ّز وجلّ ‪ُ { :‬أوْلَـئِ َ‬
‫ن الكفر‬
‫النّارِ } لنّهم يدعون المؤمنات إلى الكفر ‪ ,‬والدعاء إلى الكفر دعاء إلى النّار ‪ ,‬ل ّ‬
‫يوجب النّار ‪ ,‬فكان نكاح الكافر المسلمة سببا داعيا إلى الحرام فكان حراما ‪ ,‬والنّص وإن‬
‫ورد في المشركين لكن العلّة وهي الدعاء إلى النّار تعم الكفرة أجمع ‪ ,‬فيعم الحكم بعموم‬
‫العلّة ‪.‬‬
‫‪ -‬واختلف الفقهاء في زواج المسلم من المجوسيّة باعتبار شبهها بأهل الكتاب ‪.‬‬ ‫‪24‬‬

‫كما اختلفوا في الزّواج من السّامرة والصّابئة ‪.‬‬


‫واختلفوا فيما إذا كان أحد أبويّ الكافرة كتابيا والخر وثنيا ‪.‬‬
‫ن آخر من أهل الكتاب ‪ ,‬أو من غير أهل الكتاب‬
‫وكذلك فيما إذا تزوّج كتاب ّيةً فانتقلت إلى دي ٍ‬
‫‪ .‬وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬نكاح ) ‪.‬‬
‫وصيّة الكافر والوصيّة له ‪:‬‬
‫‪ -‬إسلم الموصي ليس بشرط لصحّة الوصيّة باتّفاق فتصح الوصيّة من الكافر بالمال‬ ‫‪25‬‬

‫ن الكفر ل ينافي أهليّة التّمليك ‪ ,‬ولنّه يصح بيعه وهبته فكذا وصيّته ‪.‬‬
‫للمسلم والكافر ‪ ,‬ل ّ‬
‫وكما جازت الوصيّة من الكافر فإنّها تجوز له من مسلمٍ أو كافرٍ في الجملة ‪ ,‬وروي ذلك‬
‫أيضا عن شريحٍ والشّعبيّ والثّوريّ وإسحاق ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬وصيّة ) ‪.‬‬
‫الجارة والستئجار من الكافر ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الكاساني ‪ :‬إسلم العاقد في الجارة ليس بشرط أصلً ‪ ,‬فتجوز الجارة والستئجار‬ ‫‪26‬‬

‫ن هذا من عقد المعاوضات فيملكه المسلم والكافر‬


‫ي والمستأمن ل ّ‬
‫من المسلم وال ّذمّيّ والحرب ّ‬
‫جميعا كالبياعات ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪98‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬إجارة ف‬
‫ب وقصارته‬
‫‪ -‬أمّا استئجار ال ّذمّيّ للمسلم فإن كان في عملٍ معيّنٍ في ال ّذمّة كخياطة ثو ٍ‬ ‫‪27‬‬

‫ن عليا رضي ال عنه أجّر نفسه من يهوديّ‬


‫ف نعلمه ‪ ,‬ل ّ‬
‫جاز ‪ ,‬قال ابن قدامة ‪ :‬بغير خل ٍ‬
‫يسقي له كلّ دل ٍو بتمرة وأخبر النّبي صلى ال عليه وسلم بذلك فلم ينكره ‪.‬‬
‫ص أحمد في رواية الثرم ‪ :‬أنّه ل يجوز ‪ ,‬لنّه عقد يتضمّن حبس‬
‫أمّا إجارته لخدمته فقد ن ّ‬
‫المسلم عند الكافر وإذلله له واستخدامه ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪104‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬إجارة ف‬
‫الشّركة بين المسلم والكافر ‪:‬‬
‫‪ -‬أجاز المالكيّة والحنابلة الشّركة بين المسلم والكافر بشرط أن ل يتصرّف الكافر إل‬ ‫‪28‬‬

‫ن ارتكابه المحظورات الشّرعيّة في تصرفاته للشّركة يؤمن‬


‫بحضور شريكه المسلم ‪ ,‬ل ّ‬
‫حينئذٍ ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة وأبو يوسف من الحنفيّة إلى الجواز أيضا لكن مع الكراهة ‪ ,‬لنّ الكافر ل‬
‫يهتدي إلى وجوه التّصرفات المشروعة في السلم ‪ ,‬وعند أبي حنيفة ومحمّدٍ ‪ :‬ل تجوز‬
‫ن الكافر يسعه أن يشتري الخمر والخنزير ويبيعهما ‪ ,‬وليس‬
‫الشّركة بين المسلم والكافر ‪ ,‬ل ّ‬
‫كذلك المسلم ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪41‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬شركة ف‬
‫الستعانة بالكافر في الجهاد ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه ل يجوز الستعانة بالكفّار في الجهاد في غير حاجةٍ لما روت‬ ‫‪29‬‬

‫عائشة رضي ال تعالى عنها قالت ‪ « :‬خرج رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قبل بدرٍ فلمّا‬
‫كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة ففرح أصحاب رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم حين رأوه فلمّا أدركه قال لرسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬جئت لتبعك‬
‫وأصيب معك فقال له رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أتؤمن باللّه ورسوله ؟ قال ‪ :‬ل ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬فارجع فلن أستعين بمشرك ‪ ،‬قالت ثمّ مضى حتّى إذا كنّا بالشّجرة أدركه الرّجل فقال‬
‫له كما قال له أوّل مرّ ٍة فقال له النّبي صلى ال عليه وسلم كما قال أوّل مرّةٍ ‪ :‬قال ‪ :‬فارجع‬
‫فلن أستعين بمشرك ‪ ،‬قال ثمّ رجع فأدركه بالبيداء فقال له كما قال أوّل مرّ ٍة ‪ :‬تؤمن باللّه‬
‫ورسوله ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬فقال له رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬فانطلق » ‪.‬‬
‫وأمّا إذا احتاج المسلمون إلى الستعانة بالكافر ففي ذلك تفصيل ينظر في ‪ ( :‬استعانة‬
‫)‪.‬‬ ‫‪26‬‬ ‫‪ ,‬جهاد ف‬ ‫‪11‬‬ ‫ف ‪ , 5‬أهل الكتاب ف‬
‫الوقف من الكافر وله ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى جواز وقف الكافر على المسلم وغير المسلم بشرط أن ل يكون في‬ ‫‪30‬‬

‫معصيةٍ ‪.‬‬
‫كما يجوز وقف المسلم على ال ّذمّيّ في غير معصيةٍ ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬وقف ) ‪.‬‬

‫َكفّ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الكف في اللغة ‪ :‬راحة اليد مع الصابع ‪ ,‬يؤنّث ‪ ,‬وزعم بعضهم أنّه يذكّر ‪ ,‬وجمعها‬ ‫‪1‬‬

‫كفوف وأكفّ ‪ ,‬مثل فلسٍ وفلوسٍ وأفلسٍ ‪.‬‬


‫سمّيت بذلك ‪ ,‬لنّها تكف الذى عن البدن ‪.‬‬
‫وتكفّف الرّجل النّاس واستكفّهم ‪ :‬م ّد كفّه إليهم بالمسألة ‪ ,‬ومنه قوله صلى ال عليه وسلم‬
‫في الحديث ‪ « :‬إنّك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالةً يتكفّفون النّاس » ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬معنى استكفّ النّاس ‪ :‬أخذ الشّيء بيده ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الصبع ‪:‬‬
‫‪ -‬الصبع اسم يقع على السلمى والظفر والنملة والطرة والبرجمة معا ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫ن إصبع كقولك ‪ :‬لك عليه يد ‪ ,‬والجمع أصابع ‪.‬‬


‫ويستعار للمر الحسّيّ فيقال ‪ :‬لك على فل ٍ‬
‫والصبع مؤنّثة وكذلك سائر أسمائها مثل الخنصر والبنصر ‪ ,‬قال الصّغاني ‪ :‬يذكّر ويؤنّث‬
‫والغالب التّأنيث ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫والعلقة بين الكفّ والصبع الجزئيّة حيث إنّ الصبع أحد أطراف الكفّ ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالكفّ ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬غسل الكفّين في أوّل الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على مشروعيّة غسل الكفّين إلى الكوعين في أوّل الوضوء لفعل النّبيّ‬ ‫‪3‬‬

‫صلى ال عليه وسلم ذلك ‪ ,‬فقد روى عثمان بن عفّان رضي ال عنه وصف وضوء النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم فقال ‪ « :‬دعا بإناء فأفرغ على كفّيه ثلث مرارٍ فغسلهما ثمّ أدخل‬
‫يمينه في الناء » ‪.‬‬
‫ن غسلهما من‬
‫ولكنّهم اختلفوا في حكم الغسل عند القيام من النوم وذلك بعدما اتّفقوا على أ ّ‬
‫سنن الوضوء لغير القائم من النوم ‪:‬‬
‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وهو رواية عن أحمد إلى أنّ غسل الكفّين سنّة من سنن‬
‫الوضوء سواء قام المتوضّئ من نومٍ أو لم يقم من نومٍ ‪ ,‬وسواء كان هذا النّوم من نوم‬
‫ن آية الوضوء لم تذكر غسل الكفّين من بين الفروض‬
‫اللّيل أو من نوم النّهار ‪ ,‬ل ّ‬
‫والواجبات ‪ ,‬ولنّ الحديث يدل على الستحباب لتعليله بما يقتضي ذلك وهو قوله صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬إذا استيقظ أحدكم من نومه فل يغمس يده في الناء حتّى يغسلها ثلثا فإنّه‬
‫ل يدري أين باتت يده » ‪ ,‬حيث إنّ طروء الشّكّ على اليقين ل يؤثّر فيه ‪.‬‬
‫والرّواية الخرى عن أحمد هي وجوب غسل الكفّين عند القيام من النّوم للمر به في‬
‫الحديث السّابق ‪ ,‬وأمره صلى ال عليه وسلم يقتضي الوجوب ‪.‬‬
‫وإلى هذا ذهب ابن عمر وأبو هريرة والحسن البصري ‪.‬‬
‫ي نو ٍم يجب منه الغسل ؟‬
‫ثمّ اختلف الموجبون في أ ّ‬
‫ن وجوب الغسل يكون عند القيام من نوم اللّيل‬
‫فذهب أحمد في الرّواية عنه بالوجوب إلى أ ّ‬
‫ول يجب غسلهما من نوم النّهار بدللة الحديث على ذلك ‪ ,‬حيث قال ‪ « :‬فإنّه ل يدري أين‬
‫باتت يده » ‪ ,‬والمبيت ل يكون إل بليل ‪ ,‬ولنّ نوم اللّيل مظنّة الستغراق فإصابته فيه‬
‫بالنّجاسة أكثر احتمالً ‪.‬‬
‫وسوّى الحسن بين نوم اللّيل ونوم النّهار في الوجوب لعموم قوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫« إذا استيقظ أحدكم من نومه ‪ . . .‬إلخ » ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬غسل الكفّين مع اليدين في الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ غسل الكفّين مع اليدين إلى المرفقين من أركان الوضوء لقول‬ ‫‪4‬‬

‫غسِلُواْ ُوجُو َه ُكمْ َوأَيْدِيَ ُكمْ إِلَى‬


‫ن آمَنُواْ إِذَا ُقمْ ُت ْم إِلَى الصّلةِ فا ْ‬
‫اللّه تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫ا ْلمَرَا ِفقِ } ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ومنها ‪ « :‬أنّه صلى ال‬
‫وللحاديث الواردة في وصف وضوء النّب ّ‬
‫عليه وسلم توضّأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ث ّم غسل يده اليمنى حتّى أشرع في العضد ثمّ‬
‫يده اليسرى حتّى أشرع في العضد ‪. » . . .‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬وضوء ) ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬مسح الكفّين في التّيمم ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على وجوب مسح الكفّين بالتراب عند التّيمم وأنّ هذا ركن من أركان‬ ‫‪5‬‬

‫ن ا ْلغَا ِئطِ َأوْ‬


‫سفَرٍ َأوْ جَاء َأحَدٌ مّنكُم مّ َ‬
‫علَى َ‬
‫التّيمم ‪ ,‬لقوله تعالى ‪َ { :‬وإِن كُنتُم مّرْضَى َأوْ َ‬
‫سحُواْ ِب ُوجُو ِهكُمْ َوأَيْدِيكُم مّ ْنهُ } ‪,‬‬
‫صعِيدا طَيّبا فَا ْم َ‬
‫َل َمسْ ُتمُ ال ّنسَاء فَ َلمْ َتجِدُواْ مَاء فَتَ َي ّممُو ْا َ‬
‫وللحاديث الواردة في هذا الباب ‪ ,‬منها ‪ :‬عن عمّارٍ رضي ال عنه قال ‪ « :‬بعثني النّبي‬
‫صلى ال عليه وسلم في حاجةٍ فأجنبت فلم أجد الماء فتمرّغت في الصّعيد كما تمرّغ الدّابّة‬
‫ثمّ أتيت النّبيّ صلى ال عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال ‪ :‬إنّما كان يكفيك أنّ تقول بيديك‬
‫هكذا ثمّ ضرب بيديه الرض ضرب ًة واحدةً ثمّ مسح الشّمال على اليمين وظاهر كفّيه‬
‫ووجهه » ‪.‬‬
‫ولكنّهم اختلفوا في مسح ما عدا الكفّين من السّاعد والمرفق ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬تيمم ف ‪- 7‬‬
‫رابعا ‪ :‬غسل الكفّين قبل الكل وبعده ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى استحباب غسل الكفّين قبل الكل وبعده وإن كان على وضوءٍ‬ ‫‪6‬‬

‫لما روي عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬من أحبّ أن يكثر اللّه خير بيته‬
‫فليتوضّأ إذا حضر غذاؤُه وإذا رفع » ‪.‬‬
‫وعنه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من بات وفي يده ريح غمرٍ فأصابه شيء فل يلومن إل‬
‫نفسه » ‪.‬‬
‫قال العلماء ‪ :‬المراد بالوضوء في هذه الحاديث هو غسل اليدين ل الوضوء الشّرعي ‪.‬‬
‫وقال الصّاوي من المالكيّة ‪ :‬غسل اليد قبل الطّعام وإنّ لم يكن س ّنةً عندنا فهو بدعة حسنة‬
‫‪ ,‬أمّا بعد الكل فيندب الغسل ‪.‬‬
‫وفي رواي ٍة عن المام أحمد ‪ :‬أنّه يكره الغسل قبل الطّعام وبعده ‪ ,‬واختاره القاضي ‪ ,‬وفي‬
‫رواي ٍة عنه يكره قبله ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬قطع الكفّ في القصاص ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على وجوب القصاص في قطع الكفّ إذا توفّرت في الجناية شروط‬ ‫‪7‬‬

‫ف‪.‬‬
‫القصاص ‪ ,‬لوجوب المماثلة ولمكان الستيفاء فيه من غير حي ٍ‬
‫فإذا قطعت يد المجنيّ عليه من مفصل الكوع وجب القصاص للمجنيّ عليه ‪ ,‬وله قطع يد‬
‫الجانّي من مفصل الكوع ‪ ,‬لنّه أمكنه استيفاء حقّه دون الخوف من حيفٍ ‪.‬‬
‫وقال الفقهاء ليس له التقاط ‪ -‬أي قطع ‪ -‬أصابع الجانّي لنّ هذا غير محلّ الجناية فل‬
‫يجوز الستيفاء من غيره مع قدرته على محلّ الجناية ‪ ,‬ومهما أمكنه المماثلة فليس له‬
‫العدول عنها ‪.‬‬
‫قال الشّافعيّة ‪ :‬حتّى لو طلب قطع أنملةٍ واحدةٍ لم يمكّن من ذلك فإن فعل وقطع الصابع‬
‫عزّر لعدوله عن المستحقّ ول غرم لنّ له إتلف الجملة فل يلزمه بإتلف البعض غرم ‪.‬‬
‫ن له قطع الكفّ بعد ذلك ‪.‬‬
‫والصح أ ّ‬
‫سادسا ‪ :‬دية الكفّ ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على وجوب نصف ديةٍ في قطع اليد من مفصل الكفّ الصّحيح إذا كانت‬ ‫‪8‬‬

‫الجناية عمدا ‪ ,‬وعفي عن القصاص أو كانت خطأً أو شبه عم ٍد لحديث معاذ بن جبلٍ رضي‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬وفي اليدين الدّية » الحديث ‪ ,‬ولما‬
‫ال عنه قال ‪ :‬إنّ النّب ّ‬
‫ورد في كتاب النّبيّ صلى ال عليه وسلم لعمرو بن حزمٍ رضي ال عنه ‪ « :‬وفي اليد‬
‫خمسون من البل » ‪.‬‬
‫والمراد من اليد الّتي تجب فيها الدّية الواردة في الحديثين هي الكف ‪ ,‬لنّ اسم اليد عند‬
‫طعُواْ‬
‫ق وَالسّارِ َقةُ فَا ْق َ‬
‫ن اللّه تعالى لمّا قال ‪ { :‬وَالسّارِ ُ‬
‫الطلق ينصرف إليها بدليل ‪ :‬أ ّ‬
‫أَيْدِ َي ُهمَا } كان الواجب قطعهما من الكوع ‪ ,‬ولنّ فيهما جما ًل ظاهرا ومنفعةً كاملةً ‪ ,‬وليس‬
‫في البدن من جنسهما غيرهما ‪ ,‬فكان فيهما الدّية كالعينين ‪ ,‬ولنّ المنفعة المقصودة في‬
‫اليد من البطش والخذ والدّفع وغير ذلك تتم بالكفّ ‪ ,‬وما زاد تابع للكفّ ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪43‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬ديات ف‬
‫سابعا ‪ :‬قطع كفّ السّارق ‪:‬‬
‫ن يد السّارق‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬ ‫‪9‬‬

‫ن رسول اللّه‬
‫تقطع عند استيفاء شروط السّرقة من مفصل الكفّ وهو الكوع لما روي من أ ّ‬
‫ق من المفصل » ‪ ,‬ولما روي عن أبي بك ٍر الصّدّيق ‪,‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬قطع يد سار ٍ‬
‫وعمر رضي ال عنهما أنّهما قال ‪ :‬إذا سرق السّارق فاقطعوا يمينه من الكوع ‪ ,‬ولما روي‬
‫عن عمر وعليّ رضي ال عنهما ‪ :‬أنّهما قطعا اليد من المفصل ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قطع يد السّارق من مفصل الزّند ‪ ,‬فكان‬
‫قال الكاساني ‪ :‬روي أنّ النّب ّ‬
‫ص سبحانه وتعالى فقال ‪ :‬فاقطعوا أيديهما من‬
‫فعله بيانا للمراد من الية الشّريفة ‪ ,‬كأنّه ن ّ‬
‫مفصل الزّند ‪ ,‬وعليه عمل المّة من لدن رسول اللّه إلى يومنا هذا ‪.‬‬
‫ن يد السّارق تقطع من المرفق ‪ ,‬وقال بعضهم ‪ :‬تقطع من‬
‫وحكي عن بعض العلماء ‪ :‬أ ّ‬
‫منبت الصابع ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬تقطع من المنكب ‪ ,‬وأدلّة هؤُلء جميعا ظاهر آية السّرقة وهي قوله تعالى ‪:‬‬
‫ن اسم اليد يقع على هذا العضو إلى‬
‫طعُواْ أَيْدِ َي ُهمَا } الية ‪ ,‬قالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫ق وَالسّارِ َقةُ فَا ْق َ‬
‫{ وَالسّارِ ُ‬
‫المنكب بدليل أنّ عمّار بن ياسرٍ رضي ال عنهما فهم هذا المعنى من قوله تعالى ‪:‬‬
‫سحُواْ ِب ُوجُو ِهكُمْ َوأَيْدِيكُم مّ ْنهُ } ‪ ,‬فمسح بالتراب إلى المنكب ‪ ,‬ولم يخطأ من طريق‬
‫{ فَا ْم َ‬
‫اللغة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪66‬‬ ‫و‬ ‫‪65‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬سرقة ف‬
‫ثامنا ‪ :‬قطع كفّ قاطع الطّريق ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب عامّة الفقهاء إلى أنّ يد قاطع الطّريق الّذي تتوفّر فيه شروط القطع تقطع من‬ ‫‪10‬‬

‫مفصل الكفّ ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪33‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬حد ف‬

‫َكفّ النّفس *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني الكفّ في اللغة التّرك والمنع ‪ ,‬يقال ‪ :‬كفّ عن الشّيء كفا من باب قتل ‪ ,‬إذا‬ ‫‪1‬‬

‫تركه ‪ ,‬وكففته كفا منعته ‪.‬‬


‫ي عنه ‪ ,‬قال في التّقرير‬
‫وأمّا في الصطلح فعرّفه الصوليون بأنّه النتهاء عن المنه ّ‬
‫والتّحبير ‪ :‬إنّ الفعل المكلّف به في النّهي هو كفه النّفس عن المنهيّ ‪ ,‬أي انتهاؤُه عن‬
‫ي عنه ‪ ,‬فقوله تعالى ‪َ { :‬و َل َتقْرَبُواْ الزّنَى } نهي يقتضي انتهاء المكلّف عن المنهيّ‬
‫المنه ّ‬
‫عنه ‪ ,‬أي الزّنا إذا طلبته نفسه ‪.‬‬
‫فل يحصل الكف عن المنهيّ عنه إل بعد إقبال النّفس عليه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫التّرك ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني التّرك التّخلية والسقاط وعدم الفعل ‪ ,‬يقال ‪ :‬تركت الشّيء إذا خلّيته ‪ ,‬وترك‬ ‫‪2‬‬

‫حقّه إذا أسقطه ‪ ,‬وترك ركعةً من الصّلة إذا لم يأت بها ‪.‬‬
‫ي عنه من‬
‫فالتّرك قد يستعمل في المأمور به من الواجب أو السنّة ‪ ,‬وقد يستعمل في المنه ّ‬
‫الحرام أو المكروه ‪.‬‬
‫كما يستعمل في الحقوق ونحوها ‪.‬‬
‫ي عنه ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فالتّرك أعم من كفّ النّفس الّذي ل يستعمل إل في المنه ّ‬
‫الحكم الجمالي ‪:‬‬
‫‪ -‬عرّف الصوليون الحكم بأنّه خطاب اللّه تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين اقتضاءً أو‬ ‫‪3‬‬

‫تخييرا أو وضعا ‪ ,‬وقالوا ‪ :‬إن كان الخطاب حتما لفعل غير كفّ فاليجاب ‪ ،‬أو ترجيحا‬
‫فالنّدب ‪ ,‬وإن كان حتما لكفّ فالتّحريم ‪ ,‬أو غير حتمٍ فالكراهة ‪.‬‬
‫وصرّحوا بأنّه ل تكليف ‪ -‬أمرا كان أو نهيا ‪ -‬إل بفعل كسبيّ للمكلّف ‪ ,‬والفعل المكلّف به‬
‫في النّهي كفه النّفس عن المنهيّ ‪ ,‬ويستلزم النّهي عن الشّيء سبق الدّاعية أي داعية‬
‫ن معناه‬
‫ي إلى فعله ‪ ,‬فل تكليف قبل الدّاعية ‪ ,‬فإذا قال الشّارع ‪ :‬ل تزن ‪ ,‬والغرض أ ّ‬
‫المنه ّ‬
‫كف نفسك من الزّنا لزم أن ل يتعلّق التّكليف قبل طلب النّفس للزّنا ‪ ,‬لنّه إذا لم يخطر طلبها‬
‫للزّنا كيف يتصوّر كفها عنه ؟ فلو طلب منه كفّ النّفس في حال عدم طلبها طلب ما هو‬
‫محال ‪.‬‬
‫وعلى هذا يكون نحو ‪َ { :‬و َل َتقْرَبُواْ الزّنَى } تعليق التّكليف ‪ ,‬أي إذا طلبته نفسك فكفّها ‪.‬‬
‫وبناءً على ذلك فسّر أكثر الصوليّين القادر الموجّه إليه التّكليف بأنّه إن شاء فعل وإن شاء‬
‫لم يفعل ‪ ,‬ل إن شاء فعل وإن شاء ترك ‪ ,‬فيدخل في المقدور عدم الفعل إذا ترتّب على عدم‬
‫المشيئة ‪ ,‬وكان الفعل ممّا يصح ترتبه على المشيئة ‪ ,‬فتخرج العدميّات الّتي ليست كذلك ‪,‬‬
‫فالمكلّف به في النّهي ليس مجرّد عدم الفعل ‪ ,‬كما ذهب إليه كثير من المعتزلة ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فكف النّفس فعل يتعلّق به التّكليف كما يتعلّق بالعمل في المأمور به ‪ ,‬أمّا عدم‬
‫الفعل ‪ ,‬فكان متحقّقا من قبل واستمرّ ‪ ,‬فل يتعلّق به التّكليف أصلً ‪ ,‬كما حقّقه الشّيخ عبد‬
‫ي‪.‬‬
‫الرّحمن الشّربيني على حاشية العلمة البنان ّ‬
‫ف فعل ‪ ,‬أحدهما‬
‫ن الك ّ‬
‫ي أنّه وقف على دليلين يدلن على أ ّ‬
‫ج عن السبك ّ‬
‫ونقل ابن أمير الحا ّ‬
‫ن َم ْهجُورا } إذ التّخاذ‬
‫ب إِنّ َق ْومِي ا ّتخَذُوا هَذَا ا ْلقُرْآ َ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬وَقَالَ ال ّرسُولُ يَا رَ ّ‬
‫افتعال ‪ ,‬والمهجور المتروك ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫والثّاني ما رواه أبو جحيفة السّوائي رضي ال عنه أ ّ‬
‫« أي العمال أحب إلى اللّه ؟ فسكتوا فلم يجبه أحد قال ‪ :‬هو حفظ اللّسان » ‪.‬‬
‫وتفصيل الموضوع في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫ترتب الثّواب على كفّ النّفس ‪:‬‬
‫‪ -‬لقد تقدّم أنّ كفّ النّفس فعل يتعلّق به التّكليف ‪ ,‬ومن المقرّر عند الصوليّين أنّ ممتثل‬ ‫‪4‬‬

‫التّكليف مطيع ‪ ,‬والطّاعة حسنة والحسنة مستلزمة للثّواب على ما قال تعالى ‪ { :‬مَن جَاء‬
‫عشْ ُر َأمْثَا ِلهَا } ‪.‬‬
‫حسَ َنةِ فَ َل ُه َ‬
‫بِا ْل َ‬
‫حسْنَى } ‪.‬‬
‫ن َأحْسَنُوا بِا ْل ُ‬
‫عمِلُوا وَ َيجْ ِزيَ الّذِي َ‬
‫ن َأسَاؤُوا ِبمَا َ‬
‫وقال تعالى ‪ { :‬لِ َيجْ ِزيَ الّذِي َ‬
‫وعلى ذلك فالكف عن المنهيّ عنه بالمعنى الّذي تقدّم موجب للثّواب ‪ ,‬كما حقّقه المدي في‬
‫ن الكفّ فعل ‪ ,‬لكن يشترط بعضهم للثّواب أن يكون الكف‬
‫معرض أدلّة المتكلّمين على أ ّ‬
‫بقصد المتثال ‪.‬‬
‫ن في التّكليف بالنّهي ثلثة أمورٍ ‪:‬‬
‫قال الشّربيني في تقريراته على حاشية البنانيّ ‪ :‬إ ّ‬
‫الوّل ‪ :‬المكلّف به ‪ ,‬وهو مطلق التّرك ‪ ,‬ول يتوقّف على قصد المتثال بالفعل ‪ ,‬بل مداره‬
‫على إقبال النّفس على الفعل ثمّ كفها عنه ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬المكلّف به المثاب عليه ‪ ,‬وهو التّرك للمتثال ‪.‬‬
‫ي عنه ‪ ,‬وهو المقصود ‪ ,‬لكنّه ليس مكلّفا به لعدم قدرة المكلّف عليه ‪,‬‬
‫الثّالث ‪ :‬عدم المنه ّ‬
‫وهذا هو التّحقيق ‪.‬‬
‫ي‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في الملحق الصول ّ‬

‫كفّار *‬
‫انظر ‪ :‬كفر ‪.‬‬

‫كفّارة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الكفّارة في اللغة ‪ :‬مأخوذة من الكفر وهو السّتر ‪ ,‬لنّها تغطّي الذّنب وتستره ‪ ,‬فهي‬ ‫‪1‬‬

‫اسم من كفّر اللّه عنه الذّنب ‪ ,‬أي محاه لنّها تكفّر الذّنب ‪ ,‬وكأنّه غطّى عليه بالكفّارة ‪.‬‬
‫ت ‪ ,‬لنّها تكفّر الذنوب ‪ ,‬أي تسترها مثل كفّارة‬
‫وفي التّهذيب ‪ :‬سمّيت الكفّارات كفّارا ٍ‬
‫اليمان ‪ ,‬وكفّارة الظّهار ‪ ,‬والقتل الخطأ ‪ ,‬وقد بيّنها اللّه تعالى في كتابه وأمر بها عباده ‪.‬‬
‫والكفّارة ‪ :‬ما كفّر به من صدقةٍ أو صومٍ أو نحو ذلك ‪.‬‬
‫وتكفير اليمين فعل ما يجب بالحنث فيها ‪ ,‬والتّكفير في المعاصي ‪ :‬كالحباط في الثّواب ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬قال النّووي ‪ :‬الكفّارة من الكَفر ‪ -‬بفتح الكاف ‪ -‬وهو السّتر لنّها تستر‬
‫الذّنب وتذهبه ‪ ,‬هذا أصلها ‪ ,‬ثمّ استعملت فيما وجد فيه صورة مخالفة أو انتهاك وإن لم‬
‫يكن فيه إثم كالقتل خطأً وغيره ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الستغفار ‪:‬‬
‫‪ -‬الستغفار في اللغة ‪ :‬طلب المغفرة ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وشرعا ‪ :‬سؤال المغفرة والتّجاوز بها عن الذّنب وعدم المؤاخذة به ‪.‬‬


‫وقد يأتي الستغفار بمعانٍ أخرى ‪ ,‬فيأتي بمعنى السلم ‪ ,‬كما في قوله تعالى ‪َ { :‬ومَا كَانَ‬
‫ن الّل ُه ُمعَذّبَ ُهمْ وَ ُهمْ َيسْ َت ْغفِرُونَ } ‪.‬‬
‫الّل ُه لِ ُيعَذّ َبهُمْ َوأَنتَ فِي ِهمْ َومَا كَا َ‬
‫يقول مجاهد وعكرمة ‪ :‬أي يسلمون ‪.‬‬
‫كما يأتي بمعنى الدعاء والتّوبة ‪ ,‬هكذا يقول القرطبي ‪.‬‬
‫والصّلة أنّ كلً من الكفّارة والستغفار يكون ‪ -‬بمشيئة اللّه تعالى ‪ -‬سببا لمغفرة الذّنب ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّوبة ‪:‬‬
‫‪ -‬التّوبة في اللغة ‪ :‬العود والرجوع عن المعصية ‪.‬‬ ‫‪3‬‬
‫يقال ‪ :‬تاب عن ذنبه ‪ ,‬إذا رجع عنه وأقلع ‪ ,‬وتاب اللّه عليه ‪ :‬وفّقه للتّوبة ‪.‬‬
‫وشرعا ‪ :‬هي النّدم والقلع عن المعصية والعزم على عدم العود إليها إذا قدر ‪.‬‬
‫والصّلة بين الكفّارة والتّوبة أنّ كلً منهما ‪ -‬بمشيئة اللّه تعالى ‪ -‬سبب لمغفرة الذّنب ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬العقوبة ‪:‬‬
‫‪ -‬العقوبة في اللغة ‪ :‬مأخوذة من العقب ‪ ,‬وهو الجري بعد الجري والولد بعد الولد ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫ضمّ ‪ :‬النّوبة والبدل واللّيل والنّهار ‪ ,‬لنّهما يتعاقبان ‪.‬‬


‫والعقبة بال ّ‬
‫وفي الصطلح هي ‪ :‬زواجر شرعها اللّه ‪ -‬ع ّز وجلّ ‪ -‬للرّدع عن ارتكاب ما حظر وترك‬
‫ما أمر ‪ ,‬ليردع بها ذوي الجهالة حذرا من ألم العقوبة ‪.‬‬
‫وهذه الزّواجر ‪ :‬إمّا أن تكون مقدّرةً ‪ ,‬فتسمّى حدا وإمّا أن تكون غير مقدّرةٍ فتسمّى‬
‫تعزيرا ‪.‬‬
‫والصّلة بين الكفّارة والعقوبة أنّ الكفّارة فيها معنى العبادة ‪ ,‬وليست العقوبة كذلك ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفي ‪:‬‬
‫‪ -‬الكفّارة مشروعة باتّفاق الفقهاء وهي واجبة جبرا لبعض الذنوب والمخالفات‬ ‫‪5‬‬

‫الشّرعيّة ‪.‬‬
‫ودليل ذلك الكتاب والسنّة والجماع ‪:‬‬
‫عقّد ّتمُ‬
‫أمّا الكتاب ‪ :‬فقوله تعالى ‪ { :‬لَ ُيؤَاخِ ُذكُمُ الّل ُه بِالّل ْغوِ فِي أَ ْيمَا ِن ُكمْ وَلَـكِن ُيؤَاخِ ُذكُم ِبمَا َ‬
‫حرِيرُ‬
‫سوَ ُتهُمْ َأوْ َت ْ‬
‫ط ِعمُونَ أَهْلِي ُكمْ َأوْ ِك ْ‬
‫ن َأ ْوسَطِ مَا ُت ْ‬
‫عشَرَ ِة َمسَاكِينَ مِ ْ‬
‫طعَامُ َ‬
‫الَ ْيمَانَ َف َكفّارَ ُتهُ ِإ ْ‬
‫ك كَفّارَ ُة أَ ْيمَا ِنكُمْ إِذَا حَ َلفْ ُتمْ } ‪.‬‬
‫رَقَ َبةٍ َفمَن ّلمْ َيجِدْ فَصِيَامُ ثَلَ َث ِة أَيّامٍ ذَلِ َ‬
‫خطَئا فَ َتحْرِيرُ رَقَ َبةٍ‬
‫خطَئا َومَن قَ َتلَ ُم ْؤمِنا َ‬
‫ن ِل ُم ْؤمِنٍ أَن َيقْ ُتلَ ُم ْؤمِنا ِإ ّل َ‬
‫وقوله تعالى ‪َ { :‬ومَا كَا َ‬
‫ن مِن َق ْومٍ عَ ُد ّو ّل ُكمْ وَ ُهوَ ْم ْؤمِنٌ فَ َتحْرِيرُ‬
‫ّم ْؤمِ َنةٍ وَدِ َي ٌة ّمسَّل َمةٌ إِلَى أَهْ ِل ِه ِإلّ أَن يَصّدّقُواْ َفإِن كَا َ‬
‫ن مِن َق ْومٍ بَيْ َنكُمْ وَبَيْ َن ُهمْ مّيثَاقٌ فَدِ َي ٌة ّمسَّل َمةٌ إِلَى أَهْ ِلهِ وَ َتحْرِيرُ رَقَ َبةٍ‬
‫رَقَ َبةٍ ّم ْؤمِ َن ٍة َوإِن كَا َ‬
‫حكِيما } ‪.‬‬
‫ن مُتَتَا ِبعَيْنِ َتوْ َب ًة مّنَ الّل ِه َوكَانَ الّل ُه عَلِيما َ‬
‫شهْرَيْ ِ‬
‫ّم ْؤمِ َنةً َفمَن ّلمْ َيجِدْ فَصِيَامُ َ‬
‫حرِيرُ رَقَ َب ٍة مّن قَ ْبلِ أَن‬
‫ن ِلمَا قَالُوا فَ َت ْ‬
‫ن مِن ّنسَا ِئ ِهمْ ُثمّ َيعُودُو َ‬
‫وقوله تعالى ‪ { :‬وَالّذِينَ ُيظَا ِهرُو َ‬
‫ن مِن‬
‫شهْرَ ْينِ مُتَتَا ِبعَيْ ِ‬
‫عظُونَ ِب ِه وَالّلهُ ِبمَا َت ْعمَلُونَ خَبِيرٌ ‪َ ،‬فمَن ّلمْ َيجِدْ فَصِيَامُ َ‬
‫يَ َتمَاسّا ذَ ِل ُكمْ تُو َ‬
‫سكِينا } ‪.‬‬
‫ن ِم ْ‬
‫قَ ْبلِ أَن يَ َتمَاسّا َفمَن ّل ْم َيسْ َتطِعْ َفِإطْعَامُ سِتّي َ‬
‫وأمّا السنّة ‪ :‬فما ورد عن عبد الرّحمن بن سمرة رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تسأل المارة فإنّك إن أعطيتها من غير مسأل ٍة أعنت عليها ‪ ،‬وإن‬
‫أعطيتها عن مسألةٍ وكلت إليها ‪ ،‬وإذا حلفت على يمينٍ فرأيت غيرها خيرا منها فأت الّذي‬
‫هو خير ‪ ،‬وكفّر عن يمينك » ‪.‬‬
‫وأمّا الجماع ‪ :‬فقد أجمع المسلمون من عصر الرّسول صلى ال عليه وسلم إلى يومنا هذا‬
‫على مشروعيّة الكفّارة ‪.‬‬
‫الوصف الشّرعي للكفّارة ‪:‬‬
‫ن الكفّارة فيها معنى العقوبة ومعنى العبادة ‪.‬‬
‫ص الحنفيّة على أ ّ‬
‫‪-‬ن ّ‬ ‫‪6‬‬

‫قال ابن نجيمٍ ‪ :‬وأمّا صفتها أي الكفّارة مطلقا فهي عقوبة وجوبا ‪ ,‬لكونها شرعت أجزيةً‬
‫لفعال فيها معنى الحظر ‪ ,‬عبادة أداءٍ ‪ ,‬لكونها تتأدّى بالصّوم والعتاق والصّدقة وهي‬
‫قرب ‪ ,‬والغالب فيها معنى العبادة ‪ ,‬إل كفّارة الفطر في رمضان فإنّ جهة العقوبة فيها غالبة‬
‫بدليل أنّها تسقط بالشبهات كالحدود ‪ ,‬ول تجب مع الخطأ ‪ ,‬بخلف كفّارة اليمين لوجوبها‬
‫ن معنى العبادة فيها غالب‬
‫مع الخطأ ‪ ,‬وكذا كفّارة القتل الخطأ ‪ ,‬وأمّا كفّارة الظّهار فقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫‪ .‬وقال الشّربيني الخطيب من الشّافعيّة ‪ :‬وهل الكفّارات بسبب حرامٍ زواجر كالحدود‬
‫والتّعازير للخلل الواقع ؟ وجهان ‪ ,‬أوجههما الثّاني كما رجّحه ابن عبد السّلم ‪ ,‬لنّها‬
‫عبادات ولهذا ل تصح إل بالنّيّة ‪.‬‬
‫وقال الشّيخ محمّد علي من المالكيّة ‪ :‬وقد اختلف في بعض الكفّارات هل هي زواجر لما‬
‫ق تحمل الموال وغيرها ‪ ,‬أو هي جوابر لنّها عبادات ل تصح إل بالنّيّات ‪,‬‬
‫فيها من مشا ّ‬
‫وليس التّقرب إلى اللّه تعالى زجرا ‪ ,‬بخلف الحدود والتّعزيرات فإنّها ليست قربات ‪ ,‬لنّها‬
‫ليست فعلً للمزجورين ‪.‬‬
‫أسباب وجوب الكفّارة ‪:‬‬
‫لوجوب الكفّارة أسباب عدّة ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬الحنث في اليمين ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ كفّارة اليمين ل تجب إل بالحنث فيه ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫ن موجب الحنث هو المخالفة لما انعقدت عليه اليمين ‪ ,‬وذلك بفعل ما‬
‫ول خلف بينهم في أ ّ‬
‫حلف على عدم فعله ‪ ,‬أو ترك ما حلف على فعله ‪ ,‬إذا علم أنّه قد تراخى عن فعل ما حلف‬
‫ت ل يمكنه فيه فعله ‪.‬‬
‫على فعله ‪ ,‬إلى وق ٍ‬
‫ول خلف على وجوب الكفّارة بالحنث في اليمين المعقودة على أمرٍ في المستقبل ‪ ,‬نفيا كان‬
‫أو إثباتًا ‪.‬‬
‫كما ل خلف بينهم على عدم وجوبها في اليمين اللّغو في الزّمن الماضي أو الحال ‪ ,‬نفيا‬
‫كان أو إثباتًا ‪.‬‬
‫وإنّما الخلف بينهم في وجوبها في اليمين الغموس ‪ ,‬وهي المعقودة على أمرٍ في الماضي‬
‫أو الحال كاذبة يتعمّد صاحبها ذلك ‪.‬‬
‫وفي وجوبها في اليمين اللّغو في الزّمن المستقبل ‪.‬‬
‫وفي تعدد الكفّارات بتعدد اليمان ‪ ,‬وفي رفع الكفّارة الحنث ‪.‬‬
‫الكفّارة في اليمين الغموس ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة في اليمين الغموس على قولين ‪:‬‬ ‫‪8‬‬

‫القول الوّل ‪ :‬عدم وجوب الكفّارة في اليمين الغموس ‪.‬‬


‫ي وأهل‬
‫وإليه ذهب جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ -‬وهو قول سفيان الثّور ّ‬
‫العراق وأبي ثو ٍر وأبي عبي ٍد وإسحاق وأصحاب الحديث والوزاعيّ ومن وافقه من أهل‬
‫الشّام ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬وجوب الكفّارة في اليمين الغموس ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الشّافعيّة والحكم وعطاء ومعمر ‪.‬‬
‫وسبب اختلف الفقهاء في ذلك معارضة عموم الكتاب للثر ‪ ,‬وذلك أنّ قوله تعالى ‪:‬‬
‫عشَرَ ِة َمسَاكِينَ } توجب أن يكون في‬
‫طعَامُ َ‬
‫عقّد ّتمُ الَ ْيمَانَ َف َكفّارَ ُتهُ ِإ ْ‬
‫{ وَلَـكِن ُيؤَاخِ ُذكُم ِبمَا َ‬
‫اليمين الغموس كفّارة لكونها من اليمان المنعقدة ‪.‬‬
‫وقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬من اقتطع حقّ امرئ مسل ٍم بيمينه فقد أوجب اللّه له النّار‬
‫وحرّم عليه الجنّة » يوجب أنّ اليمين الغموس ليس فيها كفّارة ‪.‬‬
‫وقد استدلّ كل فريقٍ بأدلّة تؤيّد ما ذهب إليه ‪.‬‬
‫ك لَ‬
‫ل ُأوْلَـئِ َ‬
‫ن ِب َعهْدِ الّلهِ َوأَ ْيمَا ِن ِهمْ َثمَنا قَلِي ً‬
‫ن َيشْتَرُو َ‬
‫فاستدلّ الجمهور بقوله تعالى ‪ { :‬إِنّ الّذِي َ‬
‫ق َل ُهمْ فِي الخِرَ ِة َولَ ُيكَّل ُم ُهمُ الّلهُ َو َل يَنظُ ُر إِلَ ْيهِمْ َي ْومَ ا ْلقِيَا َمةِ َو َل يُ َزكّي ِهمْ وَ َل ُهمْ عَذَابٌ‬
‫خَلَ َ‬
‫أَلِيمٌ } ‪ ,‬فقد بيّن اللّه ع ّز وجلّ فيها جزاء اليمين الغموس بالوعيد في الخرة ‪ ,‬ولم يذكر‬
‫ن الكفّارة لو وجبت إنّما تجب‬
‫كفّارةً ‪ ,‬فلو كانت الكفّارة فيها واجبةً لكان الولى بيانها ‪ ,‬ول ّ‬
‫لرفع هذا الوعيد المنصوص عليه في الية فيسقط جرمه ‪ ,‬ويلقى اللّه تعالى وهو عنه‬
‫ق الوعيد المتوعّد عليه ‪ ,‬وهو ما ل يقول به أحد ‪.‬‬
‫راضٍ ‪ ,‬ولم يستح ّ‬
‫قال القرطبي ‪ :‬وكيف ل يكون ذلك ‪ ,‬وقد جمع هذا الحالف ‪ :‬الكذب ‪ ,‬واستحلل مال الغير ‪,‬‬
‫والستخفاف باليمين باللّه تعالى والتّهاون بها وتعظيم الدنيا ؟ فأهان ما عظّمه اللّه ‪ ,‬وعظّم‬
‫ما حقّره اللّه ‪ ,‬وحسبك ‪.‬‬
‫ولهذا قيل ‪ :‬إنّما سمّيت اليمين غموسا لنّها تغمس صاحبها في النّار ‪.‬‬
‫وقد روى سحنون عن ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما في هذه الية قال ‪ :‬فهذه اليمين في‬
‫الكذب واقتطاع الحقوق ‪ ,‬فهي أعظم من أن تكون فيها كفّارة ‪.‬‬
‫وقد روى ابن مهديّ عن العوّام بن حوشبٍ عن إبراهيم السّكسكيّ عن ابن أبي أوفى رضي‬
‫ال عنه ‪ :‬أنّ رجلً حلف على سلع ٍة فقال ‪ :‬واللّه لقد أعطى بها كذا وكذا ولم يعط ‪ ،‬فنزلت‬
‫ن ِب َعهْدِ الّلهِ َوأَ ْيمَا ِن ِهمْ َثمَنا قَلِيلً } ‪.‬‬
‫ن َيشْتَرُو َ‬
‫هذه الية ‪ { :‬إِنّ الّذِي َ‬
‫واستدلّ الجمهور كذلك بما ورد عن أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى‬
‫ن كفّارة الشّرك باللّه عزّ وجلّ وقتل النّفس بغير حقّ‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬خمس ليس له ّ‬
‫وبهت مؤمنٍ والفرار يوم الزّحف ويمين صابرة يقتطع بها مالً بغير حقّ » ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫وبحديث ابن عمرٍو رضي ال عنهما قال ‪ « :‬جاء أعرابي إلى النّب ّ‬
‫فقال ‪ :‬يا رسول اللّه ما الكبائر ؟ قال ‪ :‬الكبائر الشراك باللّه ‪ ،‬قال ‪ :‬ثمّ ماذا ؟ قال ‪ :‬ثمّ‬
‫عقوق الوالدين ‪ ،‬قال ‪ :‬ثمّ ماذا ؟ قال ‪ :‬ثمّ اليمين الغموس ‪ ،‬قلت ‪ :‬وما اليمين الغموس ؟‬
‫قال ‪ :‬الّذي يقتطع مال امرئ هو فيها كاذب » ‪.‬‬
‫ن اليمين الغموس ليس فيها كفّارة لنّ الرّسول صلى ال‬
‫ففي الحديثين دللة واضحة على أ ّ‬
‫ن الشّرك‬
‫عليه وسلم عدّها من الكبائر ‪ ,‬والكبائر ل كفّارة فيها ‪ ,‬فقد اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫وعقوق الوالدين ل كفّارة فيها ‪ ,‬وإنّما كفّارتها التّوبة منها ‪ ,‬فكذلك اليمين الغموس حكمها‬
‫حكم ما ذكرت معه ‪.‬‬
‫واستدلّ الجمهور كذلك باتّفاق الصّحابة عليه من غير مخالفٍ ‪ ,‬فقد روى آدم بن أبي إياسٍ‬
‫في مسند شعبة ‪ ,‬وإسماعيل القاضي في الحكام عن ابن مسعودٍ رضي ال عنه ‪ :‬كنّا نعد‬
‫الذّنب الّذي ل كفّارة له اليمين الغموس ‪ ،‬أن يحلف الرّجل على مال أخيه كاذبا ليقتطعه ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬ول مخالف له من الصّحابة ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّ الغموس محظور محض ‪ ,‬فل يصلح سببا لوجوب الكفّارة لكونها أعظم من أن‬
‫تكفّر ‪ ,‬كالزّنا والرّدّة ‪.‬‬
‫واستدلّ الشّافعيّة ومن وافقهم على وجوب الكفّارة لقوله تعالى ‪ّ { :‬ل ُيؤَاخِ ُذ ُكمُ الّلهُ بِالّل ْغوِ‬
‫فِيَ أَ ْيمَا ِن ُكمْ وَ َلكِن ُيؤَاخِ ُذكُم ِبمَا َكسَبَتْ قُلُو ُب ُكمْ } مع قوله تعالى ‪ { :‬لَ ُيؤَاخِ ُذكُمُ الّل ُه بِالّل ْغوِ فِي‬
‫عقّد ّتمُ الَ ْيمَانَ } ‪.‬‬
‫أَ ْيمَا ِن ُكمْ وَلَـكِن ُيؤَاخِ ُذكُم ِبمَا َ‬
‫ن اللّه ع ّز وج ّل نفى المؤاخذة عن اليمين اللّغو ‪ ,‬وهي‬
‫ووجه الدّللة من هاتين اليتين ‪ :‬أ ّ‬
‫عقّدتّمُ } أي قصدتم‬
‫اليمين من غير قص ٍد ‪ ,‬وأثبت المؤاخذة لليمين المقصودة بقوله ‪ِ { :‬بمَا َ‬
‫ك أنّ اليمين الغموس مقصودة فتجب فيها الكفّارة ‪.‬‬
‫وصمّمتم ‪ ,‬ول ش ّ‬
‫وبما رواه عبد الرّحمن بن سمرة قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في حديث ‪:‬‬
‫« ل تسأل المارة وإذا حلفت على يمينٍ فرأيت غيرها خيرا منها فأت الّذي هو خير وكفّر‬
‫عن يمينك » ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّ الحالف كذبا أحوج للكفّارة من غيره ‪ ,‬كما أنّ الكفّارة ل تزيده إل خيرا ‪ ,‬والّذي‬
‫ق ورد المظلمة ‪ ,‬فإن لم يفعل وكفّر ‪ ,‬فالكفّارة ل ترفع عنه حكم‬
‫يجب عليه الرجوع إلى الح ّ‬
‫التّعدّي بل تنفعه في الجملة ‪.‬‬
‫الكفّارة في اليمين اللّغو على أمرٍ في المستقبل ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة في اليمين اللّغو على أمرٍ في المستقبل ‪ -‬نفيا كان‬ ‫‪9‬‬

‫أو إثباتًا ‪ -‬على قولين ‪:‬‬


‫القول الوّل ‪ :‬إنّها لغو ‪ ,‬وإليه ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ,‬وبه قال ربيعة ومكحول‬
‫والوزاعي واللّيث ‪.‬‬
‫س وغيرهما من الصّحابة رضوان اللّه‬
‫ونقله ابن المنذر وغيره عن ابن عمر وابن عبّا ٍ‬
‫عليهم ‪ ,‬وعن القاسم وعطا ٍء والشّعبيّ وطاوسٍ والحسن ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إنّه ل كفّارة فيها ‪.‬‬
‫واختلف المالكيّة في وجوب الكفّارة فيها ‪ ,‬فقال ابن الحاجب ‪ :‬ول كفّارة في لغو اليمين ‪,‬‬
‫ل‪.‬‬
‫وهي اليمين على ما يعتقده ثمّ تبيّن خلفه ‪ ,‬ماضيا أو مستقب ً‬
‫قال في التّوضيح ‪ :‬مثال الماضي ‪ :‬واللّه ما جاء زيد وهو يعتقد ذلك ‪ ,‬ومثال المستقبل ‪:‬‬
‫واللّه ما يأتي غدا وهو يعتقده ‪.‬‬
‫ض ‪ ,‬وفيهما الكفّارة إن تعلّقا‬
‫وقال الدّردير ‪ :‬اللّغو والغموس ل كفّارة فيهما إن تعلّقا بما ٍ‬
‫بالمستقبل ‪.‬‬
‫ي أَ ْيمَا ِنكُمْ وَ َلكِن‬
‫واستدلّ القائلون بعدم الكفّارة بقوله تعالى ‪ّ { :‬ل ُيؤَاخِ ُذ ُكمُ الّلهُ بِالّل ْغوِ فِ َ‬
‫ُيؤَاخِ ُذكُم ِبمَا َكسَبَتْ قُلُو ُب ُكمْ } ‪.‬‬
‫ووجه الستدلل من الية ‪ :‬أنّ اللّه تعالى قابل يمين اللّغو باليمين المكسوبة بالقلب ‪,‬‬
‫واليمين المكسوبة هي المقصودة ‪ ,‬فكانت اليمين غير المقصودة داخلةً في قسم اللّغو تحقيقا‬
‫للمقابلة ‪.‬‬
‫وبما روي عن عائشة رضي ال عنها قالت ‪ :‬أنزلت هذه الية ‪ { :‬لّ ُيؤَاخِ ُذكُمُ الّل ُه بِالّل ْغوِ‬
‫فِيَ أَ ْيمَا ِن ُكمْ } في قول الرّجل ‪ :‬ل واللّه وبلى واللّه ‪.‬‬
‫ن اللّه تعالى رفع المؤاخذة عن اللّغو مطلقا ‪ ,‬فيلزم منه أنّه ل‬
‫ووجه الدّللة من الحديث ‪ :‬أ ّ‬
‫إثم فيه ول كفّارة ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬إنّها ليست لغوا وفيها الكفّارة ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪.‬‬
‫س رضي ال تعالى عنهم في روايةٍ‬
‫وهو مروي عن زرارة بن أبي أوفى ‪ ,‬وعن ابن عبّا ٍ‬
‫ثاني ٍة عنه ‪.‬‬
‫عقّد ّتمُ الَ ْيمَانَ } ‪.‬‬
‫واستدلوا بقوله تعالى ‪ { :‬وَلَـكِن ُيؤَاخِ ُذكُم ِبمَا َ‬
‫ح َفظُواْ أَ ْيمَا َن ُكمْ } ‪.‬‬
‫وقوله تعالى ‪ { :‬وَا ْ‬
‫ووجه الدّللة من الية ‪ :‬أنّ المراد باليمان المعقودة ‪ :‬هي اليمين في المستقبل ‪ ,‬لنّ‬
‫الحفظ عن الحنث وهتك حرمة اسم اللّه تعالى ل يتصوّر إل في المستقبل ‪ ,‬واليمين في‬
‫المستقبل يمين معقود سواء وجد القصد أم ل ‪ ,‬ووجوب الحفظ يقتضي المؤاخذة عند عدمه‬
‫‪ ,‬فوجبت الكفّارة ‪.‬‬
‫كما استدلوا بما ورد أنّ المشركين لمّا أخذوا حذيفة بن اليمان وأباه رضي ال عنه‬
‫واستحلفوهما أن ل ينصر محمّدا صلى ال عليه وسلم وأخبر بذلك رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم فقال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين باللّه عليهم »‪.‬‬
‫ووجه الدّللة ‪ :‬أنّ الرّسول صلى ال عليه وسلم أمر حذيفة بالوفاء رغم أنّه مكره غير‬
‫قاصدٍ فدلّ ذلك على أنّ عدم القصد ل يمنع انعقاد اليمين ممّن هو من أهله ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬كذلك اللّغو ما يكون خاليا عن الفائدة ‪ ,‬والخبر الماضي خالٍ عن فائدة اليمين فكان‬
‫ن عدم القصد ل يعدم فائدة اليمين ‪ ,‬وقد ورد الشّرع بأنّ‬
‫لغوا ‪ ,‬وأمّا الخبر في المستقبل فإ ّ‬
‫الهزل والجدّ في اليمين سواء ‪.‬‬
‫تعدد كفّارة اليمين ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّ من حلف على أمو ٍر شتّى بيمين واحدةٍ فكفّارته كفّارة يمينٍ‬ ‫‪10‬‬

‫واحدةٍ ‪ ,‬كما لو قال ‪ :‬واللّه لن آكل ولن أشرب ولن ألبس ‪ ,‬فحنث في الجميع فكفّارته‬
‫ن اليمين واحدة والحنث واحد ‪ ,‬فإنّه بفعل واحدٍ من المحلوف عليه يحنث وتنحل‬
‫واحدة ‪ ,‬ل ّ‬
‫اليمين ‪.‬‬
‫واختلفوا فيما إذا حلف بأيمان شتّى على شي ٍء واح ٍد بعينه ‪ ,‬أو حلف بأيمان شتّى على‬
‫أشياء متعدّدةٍ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الحلف على الشّيء بعينه مرّاتٍ كثيرةً ‪:‬‬
‫ت كثيرةً‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء فيما يجب بالحنث في الحلف على الشّيء الواحد بعينه مرّا ٍ‬ ‫‪11‬‬

‫كأن قال ‪ :‬واللّه ل أفعل كذا ‪ ,‬واللّه ل أفعل كذا ‪ ,‬ثمّ يفعل المحلوف عليه ‪ ,‬على قولين ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬إنّه يجب في ذلك كفّارة يمينٍ واحدةٍ ‪ ,‬وإليه ذهب المالكيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة وهو قول قتادة والحسن وعطا ٍء ‪.‬‬
‫ففي المدوّنة قال ‪ :‬قلت ‪ :‬أرأيت إن قال ‪ :‬واللّه ل أجامعك ‪ ,‬واللّه ل أجامعك ‪ ,‬أيكون على‬
‫ن واحدةٍ في قول مالكٍ ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬قلت ‪ :‬أرأيت الرّجل يحلف أن ل يدخل‬
‫هذا كفّارة يمي ٍ‬
‫س آخر ‪ :‬أنّه ل يدخل دار فلنٍ لتلك الدّار بعينها الّتي‬
‫دار فلنٍ ‪ ,‬ثمّ يحلف بعد ذلك في مجل ٍ‬
‫حلف عليها أوّل مرّةٍ ؟ قال ‪ :‬قال مالك ‪ :‬إنّما عليه كفّارة واحدة ‪.‬‬
‫ي عهد اللّه وميثاقه وذمّته وأمانته وكفالته لفعلن كذا ‪ ,‬فإن‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا قال ‪ :‬عل ّ‬
‫نوى اليمين فيمين واحدة ‪ ,‬والجمع بين اللفاظ تأكيد ‪ ,‬كقوله ‪ :‬واللّه الرّحمن الرّحيم ل‬
‫يتعلّق بالحنث فيها إل كفّارة واحدة ‪.‬‬
‫وقال البهوتي ‪ :‬ومن كرّر يمينا موجبها واحد على فعلٍ واحدٍ كقوله ‪ :‬واللّه ل آكل واللّه ل‬
‫ن سببها واحد والظّاهر أنّه أراد التّأكيد ‪.‬‬
‫آكل فكفّارة واحدة ل ّ‬
‫القول الثّاني ‪ :‬وهو للحنفيّة ‪ ,‬وقد فرّقوا بين ما إذا كرّر المقسم به ‪ -‬وهو اسم اللّه تعالى‬
‫‪ -‬ولم يذكر المقسم عليه حتّى ذكر اسم اللّه تعالى ثانيا ‪ ,‬ثمّ ذكر المقسم عليه ‪ ,‬كأن يقول ‪:‬‬
‫واللّه اللّه ل أفعل كذا وكذا ‪ ,‬أو يقول ‪ :‬واللّه واللّه ل أفعل كذا وكذا ‪ ,‬وبين ما إذا ذكرهما‬
‫جميعا ‪ ,‬ثمّ أعادهما جميعا ‪ ,‬كأن يقول ‪ :‬واللّه ل أفعل كذا اللّه ل أفعل كذا ‪ ,‬أو يقول ‪ :‬واللّه‬
‫ل أفعل كذا واللّه ل أفعل كذا ‪.‬‬
‫وفي الحالتين إمّا أن يكون التّكرار بحرف العطف أو بدونه ‪ ,‬كما ذكر في المثلة ‪.‬‬
‫ف ‪ -‬كما في المثال الوّل ‪ -‬كانت يمينا واحدةً بل‬
‫فإذا كان تكرار المقسم به بدون حرف عط ٍ‬
‫خلفٍ في المذهب ‪ ,‬سواء كان السم متّفقا كما ذكر أو مختلفا كقوله ‪ :‬واللّه الرّحمن ل‬
‫أفعل كذا وكذا ‪.‬‬
‫ف ‪ -‬كما في المثال الثّاني ‪ -‬فهما يمينان عند محمّدٍ ‪,‬‬
‫أمّا إذا دخل بين القسمين حرف عط ٍ‬
‫وهو إحدى الرّوايتين عن أبي حنيفة وأبي يوسف ‪.‬‬
‫وإذا كان تكرارهما جميعا ‪ ,‬كما إذا ذكرهما جميعا ثمّ أعادهما فهما يمينان ‪ ,‬سواء ذكرهما‬
‫بحرف العطف أو بدونه ‪ ,‬كما في المثلة المذكورة ‪ ,‬سواء كان ذلك في مجلسين أو في‬
‫س واحدٍ ‪ ,‬بل خلفٍ في المذهب ‪.‬‬
‫مجل ٍ‬
‫الدلّة ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬استدلّ جمهور الفقهاء بأنّ سبب الكفّارة واحد ‪ ,‬فتلزم عنه كفّارة واحدة ‪ ,‬أمّا الجمع‬
‫بين اللفاظ فإنّه للتّأكيد ‪ ,‬لنّ الثّانية ل تفيد إل ما أفادته الولى ‪ ,‬فلم يجب أكثر من كفّارةٍ‬
‫واحدةٍ ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬واستدلّ الحنفيّة بأنّه إذا لم يذكر حرف العطف والسم مختلف نحو أن يقول ‪ :‬واللّه‬
‫صفّة‬
‫الرّحمن ل أفعل كذا وكذا ‪ ,‬فإنّ السم الثّاني يصلح صفةً للوّل ‪ ,‬ومنه يعلم أنّه أراد ال ّ‬
‫صفّة على حدةٍ ‪.‬‬
‫‪ ,‬فيكون حالفا بذات موصوفٍ ‪ ,‬ل باسم الذّات على حدةٍ ‪ ,‬ول باسم ال ّ‬
‫أمّا إذا كان السم متّفقا نحو أن يقول ‪ :‬واللّه اللّه ل أفعل كذا ‪ ,‬فإنّ الثّاني ل يصلح نعتا‬
‫للوّل ‪ ,‬إنّما يصلح تأكيدا له ‪ ,‬فيكون يمينا واحدةً ‪ ,‬إل أن ينوي به يمينين ‪ ,‬فيصير قوله ‪:‬‬
‫ن بحذف حرف القسم ‪ ,‬وهو قسم صحيح ‪.‬‬
‫اللّه ابتداء يمي ٍ‬
‫وهذا بخلف ما إذا ذكر حرف العطف بين القسمين بأن قال ‪ :‬واللّه والرّحمن ل أفعل كذا ‪,‬‬
‫فقد استدلّ من قال إنّهما يمينان بأنّه لمّا عطف أحد اليمينين على الخر ‪ ,‬كان الثّاني غير‬
‫ن المعطوف غير المعطوف عليه ‪ ,‬فكان كل واحدٍ منهما يمينا على حد ٍة ‪.‬‬
‫الوّل ‪ ,‬ل ّ‬
‫أمّا إذا لم يعطف ‪ ,‬أحدهما على الخر فيجعل الثّاني صفةً للوّل ‪ ,‬لنّه يصلح صفةً ‪ ,‬لنّ‬
‫السم يختلف ‪ ,‬ولهذا يستحلف القاضي بالسماء والصّفّات من غير حرف العطف فيقول ‪:‬‬
‫واللّه الرّحمن الرّحيم الطّالب المدرك ‪ ,‬ول يجوز أن يستحلف مع حرف العطف ‪ ,‬لنّه ليس‬
‫على المدّعى عليه إل يمين واحدة ‪.‬‬
‫أمّا إذا أعاد المقسم عليه مع السم الثّاني ‪ ,‬علم أنّه أراد به يمينا أخرى ‪ ,‬إذ لو أراد الصّفة‬
‫أو التّأكيد لما أعاد المقسم عليه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الحلف بأيمان متعدّدةٍ على أمو ٍر شتّى ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء فيما يجب بالحنث في الحلف بأيمان متعدّدةٍ على أمو ٍر شتّى ‪ ،‬نحو أن‬ ‫‪12‬‬

‫ن ‪ ,‬واللّه ل أكلّم فلنا ففعل ذلك كلّه على قولين ‪:‬‬


‫يقول ‪ :‬واللّه ل أدخل دار فل ٍ‬
‫القول الوّل ‪ :‬أنّه يجب على الحالف لك ّل يمينٍ كفّارة ‪ ,‬وإليه ذهب الحنفيّة والمالكيّة‬
‫والشّافعيّة ‪ ,‬وهو ظاهر كلم الخرقيّ ‪ ,‬ورواية المروزيّ عن أحمد ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬أنّه يجب على الحالف كفّارة واحدة ‪ ,‬وبه قال أحمد في رواية ابن منصورٍ ‪,‬‬
‫قال القاضي ‪ :‬وهي الصّحيحة وهو قول محمّدٍ من الحنفيّة ‪.‬‬
‫وقد استدلّ القائلون بتعدد الكفّارات بأنّهنّ أيمان ل يحنث في إحداهنّ بالحنث في الخرى ‪,‬‬
‫فلم تتكفّر إحداها بكفّارة الخرى ‪ ,‬كما لو كفّر عن إحداها قبل الحنث في الخرى ‪,‬‬
‫وكاليمان المختلفة الكفّارة ‪ ,‬وبهذا فارق اليمان على شيءٍ واحدٍ ‪ ,‬فإنّه متى حنث في‬
‫إحداها كان حانثا في الخرى ‪ ,‬فإن كان الحنث واحدا كانت الكفّارة واحدةً ‪ ,‬وهاهنا تعدّد‬
‫الحنث ‪ ,‬فتعدّدت الكفّارات ‪.‬‬
‫ن الحدود عقوبة‬
‫وفارق الحدود فإنّها وجبت للزّجر وتندرئ بالشبهات بخلف مسألتنا ‪ ,‬ول ّ‬
‫بدنيّة ‪ ,‬فالموالة بينها ربّما أفضت إلى التّلف فاجتزئ بإحداها ‪ ,‬وهاهنا الواجب إخراج مالٍ‬
‫يسي ٍر أو صيام ثلثة أيّامٍ ‪ ,‬فل يلزم الضّرر الكثير بالموالة فيه ‪ ,‬ول يخشى منه التّلف ‪.‬‬
‫بينما استدلّ أصحاب القول الثّاني بأنّها كفّارات من جنسٍ فتداخلت كالحدود من جنسٍ ‪ ,‬وإن‬
‫اختلف محالها بأن يسرق من جماعةٍ أو يزني بنساء ‪.‬‬
‫تقديم كفّارة اليمين قبل الحنث ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في عدم جواز التّكفير قبل اليمين ‪ ,‬لنّه تقديم الحكم قبل سببه ‪,‬‬ ‫‪13‬‬

‫كتقديم الزّكاة قبل ملك النّصاب ‪ ,‬وكتقديم الصّلة قبل دخول وقتها ‪.‬‬
‫ول خلف بينهم في جواز تأخير الكفّارة بعد اليمين والحنث ‪.‬‬
‫كما ل خلف بينهم ‪ -‬أيضا ‪ -‬في عدم وجوب الكفّارة قبل الحنث ‪.‬‬
‫وإنّما الخلف بينهم في جواز التّكفير بعد اليمين وقبل الحنث ‪.‬‬
‫وقد اختلفوا في ذلك على قولين ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬يرى أصحابه جواز التّكفير قبل الحنث ‪ ,‬وإليه ذهب المالكيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪ ,‬وهو مروي عن عمر وعبد اللّه بن عمر وعبد اللّه بن عبّاسٍ ‪ ,‬وسلمان وعبد‬
‫الرّحمن بن سمرة رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫ك واللّيث وسائر فقهاء المصار ‪ ,‬وذكر‬
‫قال ابن المنذر ‪ :‬وهو رأي ربيعة والوزاعيّ ومال ٍ‬
‫عياض وجماعة ‪ :‬أنّ عدّة من قال بجواز تقديم الكفّارة أربعة عشر صحابيا ‪.‬‬
‫وقيّد الشّافعيّة جواز التّكفير قبل الحنث بما إذا كفّر بغير الصّوم ولم يكن الحنث معصيةً ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬يستحب أن يؤخّر التّكفير عند الحنث خروجا من الخلف ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬يرى أصحابه عدم جواز التّكفير قبل الحنث ‪ ,‬إليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬وأشهب من‬
‫ك‪.‬‬
‫المالكيّة ‪ ,‬ونقله الباجي عن مال ٍ‬
‫ك كَفّارَ ُة أَ ْيمَا ِنكُ ْم إِذَا‬
‫واستدلّ القائلون بأنّ الكفّارة تجزئ قبل الحنث ‪ ,‬بقوله تعالى ‪ { :‬ذَلِ َ‬
‫حَ َلفْ ُتمْ } ‪.‬‬
‫ن التّقدير ‪ :‬إذا حلفتم‬
‫ووجه الدّللة من الية ‪ :‬أنّ اللّه تعالى أوجب الكفّارة بإرادة الحنث ل ّ‬
‫ن الكفّارة وجبت بنفس اليمين فيجوز التّكفير قبل‬
‫فأردتم الحنث ‪ ,‬كما أنّ ظاهر الية يفيد أ ّ‬
‫الحنث ‪ ,‬لتكون الكفّارة محلّلةً لليمين ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫كما استدلوا بما ورد عن عبد الرّحمن بن سمرة رضي ال عنه أنّ النّب ّ‬
‫وسلم قال ‪ « :‬يا عبد الرّحمن إذا حلفت على يمينٍ فرأيت غيرها خيرا منها فكفّر عن يمينك‬
‫وائت الّذي هو خير » وفي روايةٍ ‪ « :‬ثمّ ائت الّذي هو خير » ‪.‬‬
‫ووجه الدّللة من هذا الحديث ‪ :‬أنّه صريح في تقديم الكفّارة على الحنث ‪ ,‬حيث أمر صلى‬
‫ال عليه وسلم بالتّكفير عن اليمين ‪ ,‬ثمّ عطف التيان بغير المحلوف عليه بثمّ الّتي تفيد‬
‫التّرتيب والتّراخي ‪ ,‬فدلّ هذا دللةً واضحةً على إجزاء الكفّارة قبل الحنث ‪.‬‬
‫كما استدلوا بالقياس على كفّارة الظّهار والقتل بعد الجراح ‪ ,‬فكما يجوز تقديم كفّارة الظّهار‬
‫على العود ‪ ,‬والقتل الخطأ بعد الجراح وقبل الموت كذلك يجوز تقديم كفّارة اليمين قبل‬
‫الحنث ‪ ,‬لنّه كفّر بعد سببه فجاز ‪.‬‬
‫ن عقد اليمين لمّا كان يحله الستثناء وهو كلم ‪ ,‬فلن تحلّه الكفّارة وهو فعل مالي أو‬
‫وبأ ّ‬
‫بدني أولى ‪.‬‬
‫عقّدتّمُ‬
‫واستدلّ القائلون بعدم جواز التّكفير قبل الحنث ‪ :‬بقوله تعالى ‪ { :‬وَلَـكِن ُيؤَاخِذُكُم ِبمَا َ‬
‫ك كَفّارَ ُة أَ ْيمَا ِنكُ ْم إِذَا حَ َلفْ ُتمْ } ‪.‬‬
‫الَ ْيمَانَ } مع قوله تعالى ‪ { :‬ذَلِ َ‬
‫ن الكفّارة للحنث وليست لليمين من وجهين ‪:‬‬
‫ووجه الدّللة من هذه الية واضح على أ ّ‬
‫الوّل ‪ :‬تصويره في صدر الية نفي مؤاخذتنا عن لغو اليمين وأنّه سبحانه وتعالى يؤاخذنا‬
‫ن َبعْدَ َت ْوكِيدِهَا } ‪,‬‬
‫بما عقّدنا من اليمان والوفاء بها ‪ ,‬كقوله ع ّز وجلّ ‪َ { :‬و َل تَنقُضُواْ الَ ْيمَا َ‬
‫فإن تركتم ذلك فكفّارته كذا ‪.‬‬
‫وكذلك قوله تعالى ‪ { :‬ذَِلكَ َكفّارَ ُة أَ ْيمَانِ ُكمْ إِذَا حَ َلفْ ُتمْ } تقديره ‪ :‬أي فتركتم المحافظة ‪ ,‬أل‬
‫ح َفظُواْ أَ ْيمَا َن ُكمْ } ‪ ,‬والمحافظة تكون بالب ّر ‪.‬‬
‫ترى أنّه قال عزّ وجلّ ‪ { :‬وَا ْ‬
‫الثّاني ‪ :‬أن يكون على إضمار الحنث ‪ ,‬أي ولكن يؤاخذكم بحنثكم فيما عقّدتم ‪ ,‬وكذا في‬
‫ك كَفّارَ ُة أَ ْيمَا ِنكُ ْم إِذَا حَ َلفْ ُتمْ } ‪ ,‬أي إذا حلفتم وحنثتم ‪ ,‬كما في قوله تعالى ‪:‬‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬ذَلِ َ‬
‫سهِ َففِدْ َيةٌ مّن صِيَامٍ َأوْ صَ َد َقةٍ َأوْ ُنسُكٍ } ‪ ,‬معناه ‪:‬‬
‫{ َفمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضا َأوْ ِب ِه أَذًى مّن ّر ْأ ِ‬
‫فحلق عامدا أو غطّى رأسه ففدية من صيامٍ ‪.‬‬
‫ن ُأحْصِرْ ُتمْ َفمَا اسْتَ ْيسَرَ ِمنَ ا ْلهَ ْديِ } ‪ ,‬معناه ‪ :‬فتحلّل ‪.‬‬
‫وقولـه عزّ وجلّ ‪ { :‬فَإِ ْ‬
‫ن أَيّامٍ ُأخَرَ } ‪ ,‬فأفطر فعدّة‬
‫سفَرٍ َفعِدّةٌ مّ ْ‬
‫علَى َ‬
‫وقوله عزّ وجلّ ‪َ { :‬فمَن كَانَ مِنكُم مّرِيضا َأوْ َ‬
‫ن ظاهر الملفوظ وهو القدر الّذي هو سبب التّخفيف ل يصلح سببا للوجوب‬
‫من أيّامٍ أخر ‪ ,‬ل ّ‬
‫ب جلّ‬
‫فصار استعمال الرخصة مضمرا فيه ‪ ,‬كذلك هاهنا ل تصلح اليمين الّتي هي تعظيم الرّ ّ‬
‫جلله سببا لوجوب التّكفير ‪ ,‬فيجب إضمار ما هو صالح وهو الحنث ‪.‬‬
‫كما استدلوا بما ورد عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬من حلف على يمينٍ‬
‫فرأى غيرها خيرا منها فليأت الّذي هو خير وليكفّر عن يمينه » ‪.‬‬
‫وفي حديثٍ آخر ‪ « :‬إنّي واللّه إن شاء اللّه ل أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيرا منها إل‬
‫أتيت الّذي هو خير وتحلّلتها » ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بيّن أنّ الكفّارة تجب‬
‫ووجه الدّللة من هذا الحديث ‪ :‬أ ّ‬
‫بالحنث ‪ ,‬لنّها لو كانت واجبةً بنفس اليمين لقال عليه الصلة والسلم ‪ :‬من حلف على‬
‫ن فليكفّر ‪ ،‬من غير التّعرض لمّا وقع عليه اليمين وألزم الحنث إذا كان خيرا ثمّ التّكفير ‪.‬‬
‫يمي ٍ‬
‫ص اليمين على ما كان الحنث خيرا من البرّ بالنّقض والكفّارة ‪ ,‬علم أنّها تختص‬
‫فلمّا خ ّ‬
‫بالحنث دون اليمين نفسها ‪ ,‬وأنّها ل تجب بعقد اليمين دون الحنث ‪.‬‬
‫ن الكفّارة‬
‫وقالوا ‪ :‬ل يصح التّكفير قبل الحنث في اليمين ‪ ,‬سواء كان بالمال أو بالصّوم ل ّ‬
‫لستر الجناية ول جناية ‪ ,‬واليمين ليست بسبب ‪ ,‬لنّها مانعة من الحنث غير مفضي ٍة بخلف‬
‫التّكفير بعد الجرح قبل الموت لنّه مفضي ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬القتل ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في وجوب الكفّارة في القتل شبه العمد والخطأ وما أجري مجرى‬ ‫‪14‬‬

‫الخطأ ‪.‬‬
‫وإنّما الخلف بينهم في وجوبها في القتل العمد والقتل بسبب ‪.‬‬
‫الكفّارة في القتل العمد ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة في القتل العمد على قولين ‪:‬‬ ‫‪15‬‬

‫القول الوّل ‪ :‬عدم وجوب الكفّارة في القتل العمد ‪ ,‬وإليه ذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ ,‬وهو‬
‫مشهور مذهب الحنابلة وبه قال الثّوري وأبو ثورٍ وابن المنذر ‪.‬‬
‫خطَئا فَ َتحْرِيرُ رَقَ َبةٍ ّم ْؤمِ َن ٍة وَدِ َيةٌ ّمسَّل َمةٌ إِلَى أَهْ ِلهِ‬
‫واستدلوا بقوله تعالى ‪َ { :‬ومَن قَ َتلَ ُم ْؤمِنا َ‬
‫جهَنّمُ } ‪.‬‬
‫ِإلّ أَن يَصّدّقُواْ } ‪ ,‬وقوله تعالى ‪َ { :‬ومَن َيقْ ُتلْ ُم ْؤمِنا مّ َت َعمّدا َفجَزَآؤُ ُه َ‬
‫ن اللّه عزّ وجلّ أوجب في الية الولى كفّارة القتل الخطأ ثمّ ذكر‬
‫وجه الدّللة من اليتين ‪ :‬أ ّ‬
‫في الية الثّانية القتل العمد ‪ ,‬ولم يوجب فيه كفّارةً ‪ ,‬وجعل جزاءه جهنّم ‪ ,‬فلو كانت الكفّارة‬
‫ل على أنّه ل كفّارة فيه ‪.‬‬
‫فيه واجبةً لبيّنها وذكرها ‪ ,‬فكان عدم ذكرها دلي ً‬
‫ن الحارث بن سويد رضي ال عنه قتل رجلً ‪ ,‬فأوجب النّبي صلى‬
‫كما استدلوا بما روي أ ّ‬
‫ال عليه وسلم عليه القود ولم يوجب كفّارةً ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّ القتل العمد فعل يوجب القتل فل يوجب كفّارةً ‪ ,‬كزنا المحصن ‪ ,‬وإنّ الكفّارة‬
‫دائرة بين العبادة والعقوبة ‪ ,‬فل ب ّد من أن يكون سببها دائرا بين الحظر والباحة لتعلق‬
‫العبادة بالمباح والعقوبة بالمحظور ‪ ,‬وقتل العمد كبيرة محضة ‪ ,‬فل تناط به كسائر الكبائر ‪,‬‬
‫مثل الزّنا والسّرقة والرّبا ‪ ,‬ولعدم جواز قياسه على الخطأ ‪ ,‬لنّه دونه في الثم ‪ ,‬فشرعه‬
‫ن في القتل العمد وعيدا محكما ‪ ,‬ول يمكن أن يقال‬
‫لدفع الدنى ل يدل على دفع العلى ‪ ,‬ول ّ‬
‫يرتفع الثم فيه بالكفّارة مع وجود التّشديد في الوعيد بنصّ قاط ٍع ل شبهة فيه ‪ ,‬ومن ادّعى‬
‫غير ذلك كان تحكما منه بل دلي ٍل ‪ ,‬ولنّ الكفّارة من المقدّرات فل يجوز إثباتها بالقياس‬
‫جهَ ّنمُ } هو كل موجبه ‪ ,‬وهو‬
‫على ما عرف في موضعه ‪ ,‬ولنّ قوله تعالى ‪َ { :‬فجَزَآؤُهُ َ‬
‫مذكور في سياق الجزاء للشّرط ‪ ,‬فتكون الزّيادة عليه نسخا ‪ ,‬ول يجوز نسخ القرآن بالرّأي‬
‫‪ .‬القول الثّاني ‪ :‬وجوب الكفّارة في القتل العمد ‪ ,‬وإليه ذهب الشّافعيّة وهو رواية عن أحمد‬
‫‪ ,‬وإليه ذهب الزهري ‪.‬‬
‫واستدلوا بما روى واثلة بن السقع رضي ال عنه قال ‪ « :‬كنّا مع النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم في غزوة تبوك فأتاه نفر من بني سليمٍ ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬يا رسول اللّه إنّ صاحبا لنا قد‬
‫أوجب فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬اعتقوا عنه رقبةً يعتق اللّه بكلّ عضوٍ منها‬
‫عضوا منه من النّار » ‪ ,‬فقد أوجب الرّسول صلى ال عليه وسلم الكفّارة فيما يستوجب‬
‫النّار ‪ ,‬ول تستوجب النّار إل في قتل العمد ‪ ,‬فدلّ هذا على أنّ القتل العمد يوجب الكفّارة ‪.‬‬
‫كما استدلوا بأنّ الكفّارة إذا وجبت في قتل الخطأ مع عدم المأثم ‪ ,‬فلن تجب في العمد وقد‬
‫تغلّظ بالثم أولى ‪ ,‬لنّه أعظم إثما وأكبر جرما وحاجة القاتل إلى تكفير ذنبه أعظم ‪.‬‬
‫الكفّارة في القتل بالتّسبب ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة في القتل بالتّسبب على قولين ‪:‬‬ ‫‪16‬‬

‫فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى وجوب الكفّارة في القتل بالتّسبب ‪.‬‬
‫خطَئا فَ َتحْرِيرُ رَقَ َبةٍ ّم ْؤمِ َنةٍ } ‪ ,‬فقد أوجب اللّه‬
‫واستدلوا بقوله تعالى ‪َ { :‬ومَن قَ َتلَ ُم ْؤمِنا َ‬
‫تعالى الكفّارة في القتل الخطأ دون تفرقةٍ بين كون القتل قد وقع على سبيل المباشرة أو‬
‫التّسبب ‪.‬‬
‫ولنّه قتل آدميا ممنوعا من قتله لحرمته ‪ ,‬فوجب عليه الكفّارة كما لو قتله بالمباشرة ‪.‬‬
‫ن السّبب كالمباشرة في إيجاب الضّمان ‪ ,‬فكان كالمباشرة في إيجاب الكفّارة ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫ي يتعلّق به ضمانه ‪ ,‬فتعلّقت به الكفّارة ‪ ,‬كما لو كان‬
‫ن فعل القاتل سبب لتلف الدم ّ‬
‫ول ّ‬
‫راكبا فأوطأ دابّته إنسانا ‪.‬‬
‫ن الكفّارة إنّما تجب‬
‫وذهب الحنفيّة إلى عدم وجوب الكفّارة في القتل بالتّسبب ‪ ,‬واستدلوا بأ ّ‬
‫بتحقق القتل ‪ ,‬وهذا إنّما يكون في القتل بالمباشرة ‪ ,‬أمّا القتل بالتّسبب ‪ ,‬فإنّه غير داخلٍ في‬
‫عقده ‪ ,‬فلم يستند الفعل إليه ‪.‬‬
‫الكفّارة في الجناية على الجنين ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في وجوب الكفّارة فيما إذا ضرب بطن امرأ ٍة أو ضربت امرأة‬ ‫‪17‬‬

‫بطن نفسها ‪ ,‬أو شربت دواءً لتسقط ولدها عمدا ‪ ,‬فألقت جنينا حيا ث ّم مات ‪.‬‬
‫وإنّما الخلف بينهم في وجوب الكفّارة فيما إذا ألقت المرأة جنينا ميّتا بعدوان ‪:‬‬
‫فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ,‬وهو قول عمر والحسن وعطاءٍ والزهريّ والنّخعيّ‬
‫والحكم وحمّا ٍد وإسحاق إلى وجوب الكفّارة ‪ ,‬واستدلوا بقوله تعالى ‪َ { :‬ومَن قَ َتلَ ُم ْؤمِنا‬
‫خطَئا فَ َتحْرِيرُ َرقَ َبةٍ ّم ْؤمِ َنةٍ } ‪ ,‬وذلك أنّ اللّه ع ّز وجلّ أوجب الكفّارة في كلّ قت ٍل خطأٍ دون‬
‫َ‬
‫تفرقةٍ بين جنينٍ وغيره ‪ ,‬والجنين مقتول ‪ ,‬فوجب أن يدخل في هذا العموم ‪ ,‬لنّنا حكمنا له‬
‫ص ول يخرجه إل دليل آخر ولم يوجد‬
‫ل في عموم هذا النّ ّ‬
‫باليمان تبعا لبويه ‪ ,‬فيكون داخ ً‬
‫بعد ‪ ,‬ولنّه آدمي معصوم وبذلك قضى عمر رضي ال عنه ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال‬
‫وذهب الحنفيّة إلى عدم وجوب الكفّارة في الجنين ‪ ,‬واستدلوا بما ورد أ ّ‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬قضى بالغرّة في الجنين » ‪ ,‬فقد قضى صلى ال عليه وسلم بالغرّة ولم يذكر‬
‫ن هذا بيان لحكم الشّرع ول يجوز تأخير البيان عن‬
‫الكفّارة ‪ ,‬ولو وجبت الكفّارة لذكرها ‪ ,‬ل ّ‬
‫وقت الحاجة ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّ الكفّارة فيها معنى العقوبة ‪ ,‬لنّها شرعت زاجر ًة ‪ ,‬وفيها معنى العبادة ‪ ,‬لنّها‬
‫تتأدّى بالصّوم ‪ ,‬وقد عرف وجوبها في النّفوس المطلقة ‪ -‬والجنين نفس من وجهٍ دون‬
‫ن العقوبة ل يجري فيها القياس ‪.‬‬
‫وجهٍ‪ -‬فل يتعدّاها ‪ ,‬ل ّ‬
‫ص ولهذا لم يجب فيه كل‬
‫ن الجنين جزء أو عض ٌو من وجهٍ ‪ ,‬فل يدخل تحت مطلق النّ ّ‬
‫وإ ّ‬
‫البدل ‪ ,‬فكذا ل تجب فيه الكفّارة ‪ ,‬لنّ العضاء ل كفّارة فيها ‪ ,‬لنّه ارتكب محظورا ‪ ,‬فإذا‬
‫تقرّب بها إلى اللّه تعالى كان أفضل له ‪ ,‬ويستغفر اللّه تعالى ممّا صنع من الجريمة‬
‫العظيمة ‪.‬‬
‫ن القتل غير متحقّقٍ لجواز أنّ الحياة لم تخلق فيه ‪ ,‬حيث لم تعرف حياته ول‬
‫وكذلك فإ ّ‬
‫سلمته ‪ ,‬والكفّارة إنّما تجب بتحقق القتل ‪.‬‬
‫تعدد الكفّارة بتعدد القاتل ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في تعدد الكفّارة بتعدد القاتلين واتّحاد المقتول على قولين ‪:‬‬ ‫‪18‬‬

‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في الصحّ عندهم والحنابلة إلى أنّه تجب الكفّارة على‬
‫كلّ من اشترك في قت ٍل يوجب الكفّارة ‪ ,‬وبه قال الحسن وعكرمة والنّخعي والحارث العكلي‬
‫والثّوري ‪.‬‬
‫واستدلوا بأنّها كفّارة وجبت ل على سبيل البدل عن النّفس ‪ ,‬فوجب أن يكون على كلّ واحدٍ‬
‫ن ما كان يجب على الواحد إذا انفرد يجب على كلّ‬
‫من الجماعة إذا اشتركوا في سببها ‪ ,‬ل ّ‬
‫واحدٍ من الجماعة إذا اشتركوا ‪ ,‬ككفّارة الطّيب للمحرم ‪.‬‬
‫ق كلّ واحدٍ من المشتركين‬
‫وبأنّها ل تتبعّض ‪ ,‬وهي من موجب قتل الدميّ ‪ ,‬فكملت في ح ّ‬
‫كالقصاص ‪.‬‬
‫وذهب أبو ثو ٍر وعثمان البتّي إلى أنّه يجب على الجميع كفّارة واحدة ‪ ,‬وهو حكاية عن‬
‫ي ‪ ,‬وحكاه أبو الخطّاب عن أحمد ‪.‬‬
‫الوزاع ّ‬
‫خطَئا فَ َتحْرِيرُ رَقَ َبةٍ ّم ْؤمِ َنةٍ } ‪.‬‬
‫واستدلوا بقوله تعالى ‪َ { :‬ومَن قَ َتلَ ُم ْؤمِنا َ‬
‫ن لفظة " من " تتناول كلّ قاتلٍ ‪ ,‬الواحد والجماعة ولم توجب الية إل كفّارةً واحدةً‬
‫وذلك أ ّ‬
‫وديةً ‪ ,‬والدّية ل تتعدّد فكذلك ل تتعدّد الكفّارة ‪.‬‬
‫ي‪.‬‬
‫ولنّها كفّارة قت ٍل فلم تتعدّد بتعدد القاتلين مع اتّحاد المقتول ‪ ,‬ككفّارة الصّيد الحرم ّ‬
‫تعدد الكفّارة بتعدد القتلى والقاتل واحد ‪:‬‬
‫ن الكفّارة تتعدّد بتعدد المقتولين ‪,‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة في الصّحيح عندهم والحنابلة إلى أ ّ‬ ‫‪19‬‬

‫قال الشّافعيّة ‪ :‬لو اصطدمت حاملن وأسقطتا جنينيهما وماتتا فعلى كلّ منهما في تركتها‬
‫ن الكفّارة تجب على قاتل نفسه ‪ ,‬وأنّها ل تتجزّأ ‪,‬‬
‫أربع كفّاراتٍ على الصّحيح بناءً على أ ّ‬
‫فتجب على كلّ واحدةٍ منهما كفّارة لنفسها وثانية لجنينها وثالثة لصاحبتها ورابعة لجنينها‬
‫لنّهما اشتركتا في إهلك أربعة أنفسٍ ‪ ,‬ومقابل الصّحيح ‪ :‬تجب كفّارتان ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬الفطار في نهار رمضان ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في وجوب الكفّارة على من جامع في الفرج في نهار رمضان‬ ‫‪20‬‬

‫عامدا بغير عذ ٍر أنزل أم لم ينزل ‪.‬‬


‫كما ل خلف بينهم في عدم وجوبها على من جامع في الفرج في نهار رمضان لعذر كمرض‬
‫ونحوه ‪.‬‬
‫وإنّما الخلف بينهم في وجوبها على من جامع فيما دون الفرج إذا اقترن به إنزال ‪.‬‬
‫كما اختلفوا في وجوبها على من جامع ناسيا أو مكرها أو مخطئا أو جاهلً ‪ ,‬وفي وجوبها‬
‫بتعمد الفطار بغير الجماع كالكل والشرب ونحوهما لغير عذ ٍر ‪.‬‬
‫وسنعرض هذا الخلف في الفروع التية ‪:‬‬
‫الكفّارة بالوطء في الدبر ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة بالوطء في الدبر ‪:‬‬ ‫‪21‬‬

‫فذهب مالك والشّافعي وأحمد ‪ ,‬ورواه أبو يوسف ومحمّد عن أبي حنيفة إلى أنّه ل فرق في‬
‫وجوب الكفّارة بين كون الفرج قبلً أو دبرا ‪ ,‬من ذكرٍ أو أنثى ‪.‬‬
‫واستدلوا بأنّه أفسد صوم رمضان بجماع في الفرج فأوجب الكفّارة كالوطء ‪.‬‬
‫ن الجميع وطء ‪ ,‬ولنّ الجميع في إيجاب الحدّ واحد ‪ ,‬فكذلك إفساد الصّوم وإيجاب‬
‫وبأ ّ‬
‫الكفّارة ‪ ,‬وبأنّه محل مشتهىً ‪ ,‬فتجب فيه الكفّارة كالوطء في القبل ‪.‬‬
‫ن الوطء في الدبر ل يوجب كفّار ًة ‪ ,‬لقصور الجناية لنّ‬
‫وروى الحسن عن أبي حنيفة أ ّ‬
‫المحلّ مستقذر ‪ ,‬ومن له طبيعة سليمة ل يميل إليه ‪ ,‬فل يستدعي زاجرا ‪ ,‬للمتناع بدونه ‪,‬‬
‫فصار كالحدّ في عدم الوجوب ‪.‬‬
‫الكفّارة بوطء البهيمة ‪:‬‬
‫‪ -‬وجوب الكفّارة بالوطء في فرج البهيمة فيه قولن ‪:‬‬ ‫‪22‬‬

‫الوّل ‪ :‬ل تجب فيه الكفّارة ‪ ,‬وهو قول الحنفيّة وبعض الشّافعيّة والحنابلة وذكره أبو‬
‫الخطّاب ‪ ,‬وحكاه الدّارمي عن أبي عليّ بن خيران وأبي إسحاق المروزيّ ‪.‬‬
‫واستدلوا ‪ :‬بأنّه ل نصّ فيه ‪ ,‬ول هو في معنى المنصوص عليه ‪ ,‬فإنّه مخالف لوطء‬
‫الدميّة في إيجاب الحدّ وفي كثي ٍر من أحكامه ‪.‬‬
‫وسواء في هذا كلّه أنزل أم ل ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬تجب فيه الكفّارة ‪ ,‬ذكره القاضي وهو الصح عند الشّافعيّة ‪ ,‬وبه قال المالكيّة ‪,‬‬
‫ج موجبٍ للغسل ‪ ,‬مفسد للصّوم ‪ ,‬فأشبه وطء الدميّة ‪.‬‬
‫لنّه وطء في فر ٍ‬
‫وجوب الكفّارة على من باشر فيما دون الفرج ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ المباشرة فيما دون الفرج إذا لم يقترن بها النزال ل‬ ‫‪23‬‬

‫توجب الكفّارة ‪.‬‬


‫وإنّما الخلف بينهم فيما إذا اقترن بها النزال على قولين ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬عدم وجوب الكفّارة بالنزال بالمباشرة فيما دون الفرج ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬والشّافعيّة ‪ ,‬وأحمد في روايةٍ ‪.‬‬
‫واستدلّ الحنفيّة والشّافعيّة بأنّه أفطر بغير جماعٍ تامّ فأشبه القبلة ‪ ,‬ولنّ الصل عدم وجوب‬
‫الكفّارة ‪ ,‬ول نصّ في وجوبها ‪ ,‬ول إجماع ول قياس ‪ ,‬ول يصح القياس على الجماع في‬
‫الفرج ‪ ,‬لنّه أبلغ بدليل أنّه يوجبها من غير إنزالٍ ‪ ,‬ويجب به الحد إذا كان محرّما ‪ ,‬ويتعلّق‬
‫ن العلّة في الصل الجماع بدون النزال ‪ ,‬والجماع هاهنا غير‬
‫به اثنا عشر حكما ‪ ,‬ول ّ‬
‫موجبٍ فلم يصحّ اعتباره به ‪.‬‬
‫قال النّووي ‪ :‬إذا أفسد صومه بغير الجماع كالكل والشرب ‪ ,‬والستمناء والمباشرات‬
‫ن النّصّ ورد في الجماع ‪ ,‬وهذه الشياء ليست في‬
‫المفضيات إلى النزال ‪ ,‬فل كفّارة ‪ ,‬ل ّ‬
‫معناه ‪.‬‬
‫وقال الزّيلعي ‪ :‬ول كفّارة بالنزال فيما دون الفرج ‪ ,‬لنعدام الجماع صورةً ‪ ,‬وعليه القضاء‬
‫لوجوده معنىً ‪ ,‬والمراد بما دون الفرج غير القبل والدبر كالفخذ والبط والبطن ‪ ,‬وهو في‬
‫معنى اللّمس والمباشرة والقبلة ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬ولو أنزل بقبلة فعليه القضاء لوجود معنى الجماع وهو النزال بالمباشرة ‪ ,‬دون‬
‫الكفّارة لقصور الجناية ‪ ,‬فانعدم صورة الجماع ‪ ,‬وهذا لنّ القضاء يكفي لوجوبه وجود‬
‫المنافي صور ًة أو معنىً ‪ ,‬ول يكفي ذلك لوجوب الكفّارة ‪ ,‬فل بدّ من وجود المنافي صورةً‬
‫ومعنىً ‪ ,‬لنّها تندرئ بالشبهات ‪ ,‬بخلف سائر الكفّارات حيث تجب مع الشبهة ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬وجوب الكفّارة بالنزال بالمباشرة فيما دون الفرج ‪ ,‬وهو مذهب المالكيّة ‪,‬‬
‫قالوا ‪ :‬ولو تعمّد إنزال منيّ بتقبيل أو مباشرةٍ أو بإدامة فكرٍ أو نظرٍ وكان عادته النزال ‪.‬‬
‫ف الطّبريّ‬
‫وهو قول عطاءٍ والحسن وابن المبارك وإسحاق ‪ ,‬ورواية عن أحمد ‪ ,‬وأبي خل ٍ‬
‫من تلمذة القفّال المروزيّ ‪.‬‬
‫واستدلوا بأنّه فطر بجماع فأوجب الكفّارة كالجماع في الفرج ‪.‬‬
‫وجوب الكفّارة على من جامع ناسيا وما أشبهه ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في وجوب الكفّارة على من جامع في القبل متعمّدا لغير عذرٍ ‪,‬‬ ‫‪24‬‬

‫وإنّما الخلف بينهم في وجوبها على من جامع ناسيا أو مخطئا أو جاهلً على قولين ‪:‬‬
‫ل‪.‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬ل كفّارة على من جامع ناسيا أو مخطئا أو جاه ً‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬والمالكيّة ‪ ,‬والشّافعيّة ‪ ,‬وبه قال ‪ :‬إسحاق واللّيث والوزاعي ‪ ,‬وهو‬
‫قول ابن المنذر والحسن ومجاه ٍد والثّوريّ ‪.‬‬
‫خطَأْتُم ِبهِ } ‪.‬‬
‫واستدلوا بقوله تعالى ‪ { :‬وَلَيْسَ عَلَ ْيكُ ْم جُنَاحٌ فِيمَا َأ ْ‬
‫ن اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا‬
‫وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫عليه » ‪.‬‬
‫ن كلّ‬
‫ففي الية والحديث نص على رفع الخطأ والنّسيان والكراه ‪ ,‬والمراد رفع الحكم ‪ ,‬ل ّ‬
‫واحدٍ من الثّلثة موجود حسا ‪ ,‬والحكم نوعان ‪ :‬دنيوي وهو الفساد ‪ ,‬وأخروي وهو الثم ‪,‬‬
‫ن الكفّارة لرفع الثم‬
‫ومسمّى الحكم يشملهما ‪ ,‬فيتناول الرّفع الحكمين ‪ ,‬فل كفّارة عليه ‪ ,‬ل ّ‬
‫وهو محطوط عن النّاس ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬من أفطر‬
‫وبما ورد عن أبي هريرة رضي ال عنه أنّ النّب ّ‬
‫في شهر رمضان ناسيا فل قضاء عليه ول كفّارة » ‪.‬‬
‫والدّللة من هذا الحديث ظاهرة في عدم وجوب الكفّارة على من أفطر في رمضان ناسيا‬
‫سواء كان الفطر بالجماع أو غيره ‪.‬‬
‫ن كفّارة الفطر في نهار رمضان تختلف عن سائر الكفّارات حيث تجب هذه الكفّارات مع‬
‫وبأ ّ‬
‫الشبهة ‪ ,‬أمّا كفّارة الفطر في نهار رمضان فتسقط مع الشبهة ‪.‬‬
‫والفرق ‪ :‬أنّ الكفّارة إنّما تجب لجل جبر الفائت ‪ ,‬وفي الصّوم حصل الجبر بالقضاء ‪,‬‬
‫فكانت الكفّارة زاجر ًة فقط ‪ ,‬فشابهت الحدود فتندرئ بالشبهات ‪.‬‬
‫ن من أكل أو شرب ناسيا ل تجب عليه الكفّارة‬
‫وبقياس الجماع على الكل والشرب ‪ ,‬فكما أ ّ‬
‫‪ ,‬كذلك من جامع ناسيا أو مخطئا أو جاهلً ل تجب عليه الكفّارة ‪.‬‬
‫ل‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬وجوب الكفّارة على من جامع ناسيا أو مخطئا أو جاه ً‬
‫وإليه ذهب الحنابلة ‪ ,‬وهو رواية عن عطا ٍء ‪ ,‬وهو قول ابن الماجشون وابن عبد الملك ‪.‬‬
‫واستدلّ الحنابلة ومن معهم بحديث أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ « :‬بينا نحن جلوس عند‬
‫ي صلى ال عليه وسلم إذا جاءه رجل فقال ‪ :‬يا رسول اللّه هلكت ‪ ،‬قال ‪ :‬ما لك ؟ قال ‪:‬‬
‫النّب ّ‬
‫وقعت على امرأتي وأنا صائم ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬هل تجد رقبةً‬
‫تعتقها ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬قال ‪ :‬فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬قال ‪ :‬فهل‬
‫تجد إطعام ستّين مسكينا ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬قال ‪ :‬فمكث النّبي صلى ال عليه وسلم فبينا نحن على‬
‫ي النّبي صلى ال عليه وسلم بعَرَق فيها تمر ‪ -‬والعرق المكتل – قال ‪ :‬أين‬
‫ذلك ‪ ،‬أُتِ َ‬
‫السّائل ؟ فقال ‪ :‬أنا ‪ ،‬قال ‪ :‬خذ هذا فتصدّق به ‪ ،‬فقال الرّجل ‪ :‬على أفقر منّي يا رسول‬
‫ت أفقر من أهل بيتي ‪ ،‬فضحك النّبي‬
‫اللّه ؟ فواللّه ما بين لبتيها ‪ -‬يريد الحرّتين ‪ -‬أهل بي ٍ‬
‫صلى ال عليه وسلم حتّى بدت أنيابه ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬أطعمه أهلك » ‪.‬‬
‫فهذا الحديث نص في وجوب الكفّارة على من جامع في نهار رمضان مطلقا ‪ ,‬سواء أكان‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫ل أم مخطئا مختارا كان أو مكرها ‪ ,‬لنّ النّب ّ‬
‫عامدا أم ساهيا أم جاه ً‬
‫لم يستفصل العرابيّ ولو اختلف الحكم بذلك لستفصله ‪ ,‬لنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة‬
‫ل يجوز ‪ ,‬والسؤال معاد في الجواب ‪ ,‬كأنّه قال ‪ :‬إذا واقعت في صوم رمضان فكفّر ‪.‬‬
‫ن الصّوم عبادة يحرم الوطء فيه ‪ ,‬فاستوى عمده وغيره كالحجّ ‪.‬‬
‫وبأ ّ‬
‫ن إفساد الصّوم ووجوب الكفّارة حكمان يتعلّقان بالجماع ‪ ,‬ل تسقطهما الشبهة ‪ ,‬فاستوى‬
‫وبأ ّ‬
‫فيهما العمد والسّهو كسائر أحكامه ‪.‬‬
‫وجوب الكفّارة بتعمد الفطار بالكل والشرب ونحوهما ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في عدم وجوب الكفّارة على من أكل أو شرب في نهار رمضان‬ ‫‪25‬‬

‫ناسيا أو جاهلً أو مخطئا ‪.‬‬


‫وإنّما الخلف بينهم في وجوبها بتعمد الكل أو الشرب ونحوهما على قولين ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬وجوب الكفّارة بتعمد الكل والشرب ونحوهما في نهار رمضان ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬والمالكيّة ‪ ,‬وبه قال عطاء والحسن والزهري والثّوري والوزاعي‬
‫وإسحاق وأبو ثو ٍر ‪.‬‬
‫واستدلوا بما روي عن أبي هريرة رضي ال عنه ‪ « :‬أنّ رجلً أفطر في رمضان فأمره‬
‫عليه الصلة والسلم أن يعتق رقب ًة » ‪.‬‬
‫وبما روي من قول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من أفطر في رمضان متعمّدا فعليه ما‬
‫على المظاهر » ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أمر في الحديث الوّل من‬
‫ووجه الدّللة من هذين الحديثين أنّ النّب ّ‬
‫أفطر في نهار رمضان أن يعتق رقب ًة دون أن يفرّق بين إفطارٍ وإفطا ٍر ‪ ,‬وجعل جزاء الفطر‬
‫متعمّدا في الحديث الثّاني جزاء المظاهر مطلقا ‪ ,‬والمظاهر تجب عليه الكفّارة ‪ ,‬فتجب على‬
‫كلّ من أفطر بأكل أو بغيره ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّ الكفّارة تتعلّق بالفساد لهتك حرمة الشّهر على سبيل الكمال ل بالجماع ‪ ,‬لنّ‬
‫المحرّم هو الفساد دون الجماع ‪ ,‬ولهذا تجب عليه بوطء منكوحته ومملوكته إذا كان‬
‫بالنّهار لوجود الفساد ‪ ,‬ل باللّيل لعدمه ‪ ,‬بخلف الحدّ ‪ ,‬أل ترى أنّه عليه الصلة والسلم‬
‫جعل عّل ًة لها بقوله ‪ « :‬من أفطر في رمضان ‪ » . . .‬الحديث ‪ ,‬فبطل القول بتعلقها‬
‫بالجماع ‪.‬‬
‫ول نسلّم أنّ شهوة الفرج أشد هيجانا ول الصّبر عن اقتضائه أشد على المرء ‪ ,‬بل شهوة‬
‫البطن أشد ‪ ,‬وهو يفضي إلى الهلك ‪ ,‬ولهذا رخّص فيه في المحرّمات عند الضّرورة لئل‬
‫ن الصّوم يضعف شهوة الفرج ‪ ,‬ولهذا أمر عليه الصلة والسلم‬
‫يهلك ‪ ,‬بخلف الفرج ‪ ,‬ول ّ‬
‫العزب بالصّوم والكل يقوّي شهوة البطن ‪ ,‬فكان أدعى إلى الزّاجر ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬عدم وجوب الكفّارة بتعمد الكل والشرب ونحوهما في نهار رمضان ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الشّافعيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وبه قال سعيد بن جبي ٍر والنّخعي وابن سيرين وحمّاد‬
‫وداود ‪.‬‬
‫ن الصل عدم الكفّارة إل فيما ورد به الشّرع ‪ ,‬وقد ورد الشّرع بإيجاب الكفّارة‬
‫واستدلوا بأ ّ‬
‫ن الجماع أغلظ ‪ ,‬ولهذا يجب به الحد في ملك‬
‫في الجماع ‪ ,‬وما سواه ليس في معناه ‪ ,‬ل ّ‬
‫الغير ‪ ,‬ول يجب فيما سواه فبقي على الصل ‪ ,‬وإن بلغ ذلك السلطان عزّره ‪ ,‬لنّه محرّم‬
‫ليس فيه حد ول كفّارة ‪ ,‬فثبت فيه التّعزير ‪ ,‬كالمباشرة فيما دون الفرج من الجنبيّة ‪.‬‬
‫ع ‪ ,‬فلم يوجب ذلك الكفّارة ‪ ,‬كبلع الحصاة أو التراب ‪ ,‬أو كالرّدّة عند‬
‫وبأنّه أفطر بغير جما ٍ‬
‫ص في إيجاب الكفّارة بهذا ‪ ,‬ول إجماع ‪.‬‬
‫مالكٍ ‪ ,‬ولنّه ل ن ّ‬
‫ن الحاجة إلى الزّجر عنه أمس ‪ ,‬والحكم في التّعدّي به‬
‫ول يصح قياسه على الجماع ‪ ,‬ل ّ‬
‫ج دون سائر محظوراته ‪,‬‬
‫آكد ‪ ,‬ولهذا يجب به الحد إذا كان محرما ويختص بإفساد الح ّ‬
‫ووجوب البدنة ‪ ,‬ولنّه في الغالب يفسد صوم اثنين بخلف غيره ‪.‬‬
‫وجوب الكفّارة بالكراه على الجماع ‪:‬‬
‫اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة على الرّجل أو المرأة إذا أكرها على الجماع في نهار‬
‫رمضان ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إذا كان المكرَه رجلً ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة على الرّجل المكرَه على الجماع في نهار رمضان‬ ‫‪26‬‬

‫على قولين ‪:‬‬


‫القول الوّل ‪ :‬عدم وجوب الكفّارة على الرّجل المكره على الجماع في نهار رمضان ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬والمالكيّة ‪ ,‬والشّافعيّة ‪ ,‬وهو رواية أبي الخطّاب عن المام أحمد ‪.‬‬
‫ن اللّه وضع عن أمّتي الخطأ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬إ ّ‬
‫واستدلوا بما ورد عن النّب ّ‬
‫والنّسيان وما استكرهوا عليه » ‪.‬‬
‫ن الكفّارة إمّا أن تكون عقوبةً أو ماحيةً للذّنب ‪ ,‬ول حاجة إليها مع إكراهٍ ‪ ,‬لعدم الثم‬
‫وبأ ّ‬
‫فيه ‪.‬‬
‫ن الشّرع لم يرد بوجوب الكفّارة فيه ‪ ,‬ول يصح قياسه على ما ورد الشّرع فيه ‪,‬‬
‫وبأ ّ‬
‫لختلفهما في وجود العذر وعدمه ‪.‬‬
‫ن فساد الصّوم يتحقّق باليلج ‪ ,‬وهو مكره فيه ‪ ,‬لنّه ليس كل من انتشرت آلته يجامع‬
‫وبأ ّ‬
‫‪ .‬القول الثّاني ‪ :‬وجوب الكفّارة على الرّجل المكره على الجماع في نهار رمضان ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنابلة ‪ ,‬وابن الماجشون وابن عبد الملك من المالكيّة ‪.‬‬
‫واستدلوا بحديث أبي هريرة قال ‪ « :‬بينا نحن جلوس عند النّبيّ صلى ال عليه وسلم إذا‬
‫جاءه رجل فقال ‪ :‬يا رسول اللّه هلكت ‪ ،‬قال ‪ :‬ما لك ؟ قال ‪ :‬وقعت على امرأتي وأنا‬
‫صائم ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬هل تجد رقب ًة تعتقها ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬قال ‪ :‬فهل‬
‫تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬قال ‪ :‬فهل تجد إطعام ستّين مسكينا ؟ قال ‪:‬‬
‫ي النّبي صلى ال‬
‫ل ‪ ،‬قال ‪ :‬فمكث النّبي صلى ال عليه وسلم فبينا نحن على ذلك ‪ ،‬أُتِ َ‬
‫عليه وسلم بعَرَق فيها تمر ‪ -‬والعرق المكتل – قال ‪ :‬أين السّائل ؟ فقال ‪ :‬أنا ‪ ،‬قال ‪ :‬خذ‬
‫هذا فتصدّق به ‪ ،‬فقال الرّجل ‪ :‬على أفقر منّي يا رسول اللّه ؟ فواللّه ما بين لبتيها ‪ -‬يريد‬
‫الحرّتين ‪ -‬أهل بيتٍ أفقر من أهل بيتي ‪ ،‬فضحك النّبي صلى ال عليه وسلم حتّى بدت‬
‫أنيابه ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬أطعمه أهلك » ‪.‬‬
‫ففي الحديث دللة على وجوب الكفّارة على كلّ من جامع في نهار رمضان مختارا كان أو‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لم يستفصل العرابي ‪ ,‬ولو اختلف الحكم بذلك‬
‫ن النّب ّ‬
‫مكرها ل ّ‬
‫لستفصله ‪ ,‬لنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة ل يجوز ‪ ,‬والسؤال معاد في الجواب ‪ ,‬كأنّه‬
‫قال ‪ :‬إذا واقعت في صوم رمضان فكفّر ‪.‬‬
‫وبأنّه عبادة يحرم الوطء فيه ‪ ,‬فاستوى عمده وغيره كالحجّ ‪.‬‬
‫ن الكراه على الوطء ل يمكن ‪ ,‬لنّه ل يطأ حتّى ينتشر ‪ ,‬ول ينتشر إل عن شهوةٍ ‪,‬‬
‫وبأ ّ‬
‫فكان كغير المكره ‪ ,‬لنّه ملتذ بالجماع ‪ ,‬لنّ النتشار أمارة الختيار ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا كان المكره امرأةً ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة على المرأة إذا أكرهت على الجماع في نهار‬ ‫‪27‬‬

‫رمضان على قولين ‪:‬‬


‫القول الوّل ‪ :‬عدم وجوب الكفّارة عليها إذا أكرهت على الجماع في نهار رمضان ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬والشّافعيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وبه قال الحسن والثّوري والوزاعي ‪.‬‬
‫واستدلوا بأنّها لم يوجد منها فعل ‪ ,‬فلم تفطر كما لو صبّ في حلقها ماء بغير اختيارها ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لم يأمر العرابيّ الّذي واقع إل بكفّارة واحدةٍ ‪ ,‬مع مساس‬
‫ن النّب ّ‬
‫وبأ ّ‬
‫الحاجة إلى البيان ‪.‬‬
‫ن صوم المرأة ناقص ‪ ,‬لنّه يعرض أن يبطل بعروض الحيض ‪ ,‬وإذا كان كذلك لم يكن‬
‫وبأ ّ‬
‫كامل الحرمة ‪ ,‬فلم تتعلّق به الكفّارة ‪.‬‬
‫ن الواجب لو تعلّق بها لمرت بإخراجه ‪ ,‬فعدم أمرها بإخراجه دليل على عدم وجوبه ‪.‬‬
‫وبأ ّ‬
‫القول الثّاني ‪ :‬وجوب الكفّارة على المرأة المكرَهة على الجماع في نهار رمضان ويتحمّلها‬
‫الزّوج عنها ‪.‬‬
‫وإليه ذهب المالكيّة ‪ ,‬والشّافعيّة في مقابل الصحّ عندهم ‪.‬‬
‫واستدلّ المالكيّة ومن وافقهم بأنّ الزّوج بإكراه زوجته على الجماع في نهار رمضان ‪,‬‬
‫أوجب على الزّوجة ما لم يكن واجبا عليها ‪ ,‬فيتحمّله هو ‪ ,‬وتلزمه الكفّارة عنها‬
‫وجوب الكفّارة على من طلع عليه الفجر وهو مجامع ‪:‬‬
‫فرّق الفقهاء بين النّزع في الحال مع أوّل طلوع الفجر ‪ ,‬وبين استدامة الجماع ‪ ,‬وخصوا‬
‫كلّ حال ٍة بأحكامها ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬النّزع مع أوّل طلوع الفجر ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة على من نزع مع أوّل طلوع الفجر على قولين ‪:‬‬ ‫‪28‬‬

‫القول الوّل ‪ :‬ل كفّارة عليه ‪.‬‬


‫ص من الحنابلة ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ ,‬وبه قال أبو حف ٍ‬
‫ن النّزع ترك للجماع ‪ ,‬فل يتعلّق به ما يتعلّق بالجماع ‪ ,‬لنّ ما تعلّق بفعل شيءٍ‬
‫واستدلوا بأ ّ‬
‫ل يتعلّق بتركه ‪ ,‬كما لو حلف ل يدخل دارا وهو فيها ‪ ,‬فخرج منها ‪ ,‬أو حلف ل يلبس هذا‬
‫الثّوب وهو عليه فبدأ ينزعه ‪ ,‬فل يحنث فكذلك ها هنا ‪.‬‬
‫ن النزال من مباشر ٍة مباحةٍ ‪ ,‬فلم يجب فيه شيء ‪ ,‬كما لو قطع يد رجلٍ قصاصا فمات‬
‫وبأ ّ‬
‫المقتص منه ‪.‬‬
‫ن ذلك ممّا ل يستطاع المتناع عنه ‪ ,‬وممّا ل يمكن التّحرز عنه فكان عفوا ‪.‬‬
‫وبأ ّ‬
‫القول الثّاني ‪ :‬عليه الكفّارة ‪.‬‬
‫وبه قال ابن حامدٍ والقاضي وجمهور الحنابلة ‪ ,‬وزفر من الحنفيّة ‪.‬‬
‫ن النّزع جماع يتلذّذ به ‪ ,‬فتعلّق به ما يتعلّق‬
‫واستدلوا بأنّه في حال النّزع مباشر للجماع ‪ ,‬ل ّ‬
‫بالستدامة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬استدامة الجماع مع طلوع الفجر‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الواجب على من طلع عليه الفجر وهو مجامع ‪ ,‬فاستدام الجماع‬ ‫‪29‬‬

‫على قولين ‪:‬‬


‫القول الوّل ‪ :‬عليه كفّارة ‪.‬‬
‫وإليه ذهب ‪ :‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫واستدلوا بأنّه منع صوم يومٍ من رمضان بجماع من غير عذرٍ ‪ ,‬فأثم به لحرمة الصّوم ‪,‬‬
‫فوجبت عليه الكفّارة ‪ ,‬كما لو وطئ بعد طلوع الفجر أو في أثناء النّهار ‪.‬‬
‫ن ابتداء الفعل هنا لم يتعلّق به كفّارة ‪ ,‬فوجبت الكفّارة باستدامته ‪ ,‬لئل يخلو جماع في‬
‫وبأ ّ‬
‫نهار رمضان عمدا من كفّار ٍة ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬ل كفّارة عليه ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪.‬‬
‫ن الموجب للكفّارة عندهم هو الفطر على وجهٍ تتكامل به الجناية وذلك لم يوجد‬
‫واستدلوا بأ ّ‬
‫فيما إذا طلع الفجر ‪ ,‬وهو مخالط لهله ‪ ,‬فداوم على ذلك ‪ ,‬لنّ شروعه في الصّوم لم يصحّ‬
‫مع المجامعة ‪ ,‬والفطر إنّما يكون بعد الشروع في الصّوم ‪ ,‬ولم يوجد ‪.‬‬
‫وقالوا أيضا ‪ :‬ولئن كان الموجب للكفّارة الجماع المعدم للصّوم فالجماع هو إدخال الفرج في‬
‫الفرج ‪ ,‬ولم يوجد منه بعد التّذكر ول بعد طلوع الفجر إدخال الفرج في الفرج ‪ ,‬وإنّما وجد‬
‫منه الستدامة وذلك غير الدخال ‪ ,‬أل ترى أنّ من حلف ل يدخل دارا وهو فيها لم يحنث‬
‫وإن مكث في الدّار ساعةً ‪ ,‬فهذا مثله ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬كفّارة من جامع يظن عدم طلوع الفجر ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء فيما يجب على من جامع وهو يظن أنّ الفجر لم يطلع بعد ‪ ,‬فتبيّن أنّه‬ ‫‪30‬‬

‫قد طلع ‪ ,‬على مذهبين ‪:‬‬


‫المذهب الوّل ‪ :‬ل كفّارة عليه ‪.‬‬
‫س ومعاوية بن أبي سفيان‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬والمالكيّة ‪ ,‬والشّافعيّة ‪ ,‬وبه قال ابن عبّا ٍ‬
‫رضي ال عنهم ‪ ,‬وعطاء ‪ ,‬وسعيد بن جبيرٍ ‪ ,‬ومجاهد والثّوري والزهري ‪ ,‬وأبو ثورٍ ‪,‬‬
‫وإسحاق بن راهويه ‪ ,‬وعروة بن الزبير والحسن ‪.‬‬
‫ن اللّه وضع عن أمّتي الخطأ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬إ ّ‬
‫واستدلوا بما ورد عن النّب ّ‬
‫والنّسيان وما استكرهوا عليه » ‪.‬‬
‫ن الكفّارة لرفع المأثم وهو محطوط عن المخطئ ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫وبأنّه جامع وهو يعتقد أنّه يحل له ذلك ‪ ,‬وكفّارة الصّوم عقوبة تجب مع المأثم ‪ ,‬فل تجب‬
‫مع اعتقاد الباحة كالحدّ ‪ ,‬لنّه معذور ‪.‬‬
‫وأنّه بنى المر على الصل ‪ ,‬فل تجب الكفّارة لتصور الجناية لنّه لم يتعمّد انتهاك حرمة‬
‫الصّوم بالجماع ‪.‬‬
‫المذهب الثّاني ‪ :‬عليه الكفّارة ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنابلة ‪.‬‬
‫واستدلوا بحديث المجامع المذكور آنفا حيث أمره النّبي صلى ال عليه وسلم بالتّكفير من‬
‫غير تفريقٍ ول تفصيلٍ ‪.‬‬
‫وبأنّه أفسد صوم رمضان بجماع تامّ ‪ ,‬فوجبت الكفّارة كما لو علم ‪.‬‬
‫أثر العارض في سقوط الكفّارة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في سقوط الكفّارة عمّن جامع في أوّل النّهار ‪ ,‬ثمّ مرض أو جنّ ‪ ,‬أو‬ ‫‪31‬‬

‫كانت امرأة فحاضت أو نفست في أثناء النّهار على قولين ‪:‬‬


‫القول الوّل ‪ :‬عدم سقوط الكفّارة بحدوث العارض ‪.‬‬
‫وإليه ذهب المالكيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬والشّافعيّة في الظهر ‪ ,‬وبه قال اللّيث وإسحاق ‪ ,‬وابن‬
‫أبي ليلى ‪ ,‬وأبو ثو ٍر ‪.‬‬
‫واستدلوا بأنّه معنى طرأ بعد وجوب الكفّارة ‪ ,‬فلم يسقطها كالسّفر ‪.‬‬
‫وبأنّه أفسد صوما واجبا في رمضان بجماع تامّ ‪ ,‬فاستقرّت الكفّارة عليه كما لو لم يطرأ‬
‫عذر ‪.‬‬
‫وأنّه قصد هتك حرمة الصّوم أ ّولً بما فعل ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬سقوط الكفّارة بحدوث العارض ‪ ,‬وإليه ذهب الحنفيّة وبه قال الثّوري ‪ ,‬وهو‬
‫القول الخر عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ن الصّوم لم يقع مستحقا ‪ ,‬لنّ‬
‫ن المرض الطّارئ يبيح الفطر ‪ ,‬فتبيّن به أ ّ‬
‫واستدلوا بأ ّ‬
‫المرض معنىً يوجب تغير الطّبيعة إلى الفساد ‪ ,‬يحدث أ ّولً في الباطن ‪ ,‬ثمّ يظهر أثره ‪ ,‬فلمّا‬
‫مرض في ذلك اليوم ‪ ,‬ظهر أنّه كان المرخّص موجودا وقت الفطر ‪ ,‬فمنع انعقاده موجبا‬
‫للكفّارة ‪.‬‬
‫ن وجود أصل المرض شبهة ‪ ,‬والكفّارة ل تجب معها ‪.‬‬
‫وبأ ّ‬
‫ن الحيض دم يجتمع في الرّحم شيئا فشيئا ‪ ,‬حتّى يتهيّأ للبروز فلمّا برز من يومه ‪ ,‬ظهر‬
‫وبأ ّ‬
‫تهيؤُه ويجب الفطر ‪ ,‬أو تهيؤُ أصله فيورث الشبهة ‪.‬‬
‫ن الجنون ينافي الصّوم ‪ ,‬فتبيّن بعروضه أنّه لم يكن صائما في ذلك اليوم ‪.‬‬
‫وبأ ّ‬
‫ن الحنفيّة خصوا ذلك بالعارض السّماويّ الّذي ل صنع له فيه ول في سببه فإن كان‬
‫إل أ ّ‬
‫العارض بصنعه كالسّفر وجرح نفسه فالمعتمد لزومها ‪.‬‬
‫وجوب الكفّارة بالجماع في صوم غير رمضان ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في عدم وجوب الكفّارة على من جامع في صوم التّطوع ‪ ,‬أو‬ ‫‪32‬‬

‫في صومٍ هو كفّارة الجماع ‪.‬‬


‫وإنّما الخلف بينهم في وجوبها على من جامع في صوم قضاء رمضان ‪ ,‬أو صوم النّذر ‪,‬‬
‫على ثلثة أقوالٍ ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬ل كفّارة عليه مطلقا ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬والمالكيّة ‪ ,‬والشّافعيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪.‬‬
‫ن الكفّارة وردت في هتك حرمة رمضان ‪ ,‬إذ ل يجوز إخلؤُه عن الصّوم بخلف‬
‫واستدلوا بأ ّ‬
‫غيره من الزّمان ‪.‬‬
‫وبأنّه جامع في غير رمضان ‪ ,‬فلم تلزمه الكفّارة ‪ ,‬كما لو جامع في صيام الكفّارة ‪ ,‬ويفارق‬
‫القضاء الداء ‪ ,‬لنّه متعيّن بزمان محترمٍ فالجماع فيه هتك له ‪ ,‬بخلف القضاء ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬وجوب الكفّارة على من أفسد قضاء رمضان بالجماع ‪ ,‬وبه قال قتادة ‪.‬‬
‫واستدلّ على وجوب الكفّارة على من جامع في قضاء رمضان بالمعقول فقال ‪ :‬إنّ قضاء‬
‫رمضان عبادة تجب الكفّارة في أدائها ‪ ,‬فوجبت في قضائها كالحجّ ‪.‬‬
‫القول الثّالث ‪ :‬تجب الكفّارة على من أفطر عامدا في نذر صوم الدّهر كلّه ‪.‬‬
‫وإليه ذهب سحنون ‪ ,‬وابن الماجشون من المالكيّة ‪.‬‬
‫واستدلوا بأنّه لمّا أفطر متعمّدا فيما ل يجبر بقضاء ‪ ,‬أشبه الفطر في رمضان متعمّدا ‪ ,‬فإنّه‬
‫ل يجبر بقضاء ‪ ,‬إذ قد جاء فيه أنّه ل يقضيه بصيام الدّهر وإن صامه ‪.‬‬
‫تعدد الكفّارة بتعدد الجماع في نهار رمضان ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ من تكرّر جماعه في نهار يو ٍم واحدٍ من رمضان قبل‬ ‫‪33‬‬

‫ن الواجب عليه كفّارة واحدة ‪.‬‬


‫تكفيره ‪ ,‬فإ ّ‬
‫ن الواجب عليه كفّارة‬
‫كما ل خلف بينهم في أنّ من كفّر ‪ ,‬ثمّ جامع ثانيةً في يومٍ آخر فإ ّ‬
‫ثانية ‪.‬‬
‫وإنّما الخلف بينهم في تعدد الكفّارة على من جامع في يومين ولم يكفّر ‪.‬‬
‫كما اختلفوا في تعدد الكفّارة على من جامع ث ّم كفّر ‪ ,‬ثمّ جامع ثانيةً في نفس اليوم ‪ ,‬وإليك‬
‫ما قاله الفقهاء في ذلك ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تعدد الكفّارة على من جامع في يومين ولم يكفّر ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا جامع في يومين من رمضان ولم يكفّر ‪ ,‬فقد اختلف الفقهاء فيما يلزمه بذلك على‬ ‫‪34‬‬

‫قولين ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬تلزمه كفّارتان ‪.‬‬
‫وإليه ذهب المالكيّة ‪ ,‬والشّافعيّة ‪ ,‬وهو قول اللّيث وابن المنذر ‪ ,‬وروي ذلك عن عطاءٍ‬
‫ومكحولٍ ‪ ,‬واختاره القاضي وأحمد في أصحّ الرّوايتين عنه ‪.‬‬
‫ن صوم كلّ يومٍ عبادة منفردة ‪ ,‬فإذا وجبت الكفّارة بإفساده ‪ ,‬لم‬
‫وقد استدلّ الجمهور بأ ّ‬
‫تتداخل كفّاراتها ‪ ,‬كرمضانين ‪ ,‬وكالحجّتين ‪ ,‬وكالعمرتين ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬تجزئه كفّارة واحدة ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬وبه قال الزهري والوزاعي ‪ ,‬وهو ظاهر إطلق الخرقيّ ‪ ,‬واختيار‬
‫أبي بكرٍ من الحنابلة ‪.‬‬
‫ت تكرّر سببها قبل استيفائها فيجب أن‬
‫واستدلّ الحنفيّة ومن معهم بأنّها جزاء عن جنايا ٍ‬
‫تتداخل كالحدّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تعدد الكفّارة على من جامع فكفّر ثمّ جامع ثانيةً في نفس اليوم ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا جامع في نهار رمضان فكفّر ‪ ,‬ثمّ جامع ثاني ًة في نفس اليوم فقد اختلف الفقهاء‬ ‫‪35‬‬

‫فيما يلزمه بالجماع الثّاني على قولين ‪:‬‬


‫القول الوّل ‪ :‬ل شيء عليه بذلك الجماع ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬والمالكيّة ‪ ,‬والشّافعيّة ‪.‬‬
‫ن الجماع الثّاني لم يصادف صوما منعقدا ‪ ,‬ولم يمنع صحّته ‪ ,‬فلم يوجب شيئا‬
‫واستدلوا بأ ّ‬
‫كالجماع في اللّيل ‪ ,‬بخلف الجماع الوّل ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬تلزمه كفّارة ثانية ‪ ,‬نصّ عليه أحمد ‪.‬‬
‫واستدلّ الحنابلة بأنّ الصّوم في رمضان عبادة تجب الكفّارة بالجماع فيها ‪ ,‬فتكرّرت بتكرر‬
‫الوطء إذا كان بعد التّكفير كالحجّ ‪.‬‬
‫وبأنّه وطء محرّم لحرمة رمضان فأوجب الكفّارة كالوّل ‪ ,‬وفارق الوطء في اللّيل فإنّه غير‬
‫مح ّرمٍ ‪.‬‬
‫من تقيّأ عمدا في نهار رمضان ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ من ذرعه القيء ‪ ,‬ل قضاء عليه ول كفّارة ‪ ,‬وإنّما‬ ‫‪36‬‬

‫الخلف بينهم في وجوب الكفّارة على من تقيّأ عمدا في نهار رمضان على قولين ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬ل كفّارة عليه ‪ ,‬وإنّما عليه القضاء ‪.‬‬
‫وإليه ذهب ‪ :‬الحنفيّة ‪ ,‬والمالكيّة ‪ ,‬والشّافعيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وبه قال علي وابن عمر وزيد‬
‫ابن أرقم وعلقمة والزهري وإسحاق والثّوري والوزاعي ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬من‬
‫واستدلوا بما ورد عن أبي هريرة رضي ال عنه أ ّ‬
‫ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدا فليقض » ‪.‬‬
‫ووجه الدّللة من هذا الحديث ‪ :‬أنّه نص في وجوب القضاء على من استقاء دون الكفّارة ‪,‬‬
‫لنّها لو كانت واجبةً لبيّنها الرّسول صلى ال عليه وسلم لنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة‬
‫ل يجوز ‪.‬‬
‫ن الفطار عمدا في نهار رمضان لم يتحقّق صورةً فقصرت ‪ ,‬فانتفت الكفّارة ‪ ,‬لنّ‬
‫وبأ ّ‬
‫ن في نقصانها شبهة العدم‬
‫الكفّارة أقصى عقوبةٍ في الفطار ‪ ,‬فيحتاج إلى كمال الجناية ‪ ,‬ل ّ‬
‫وهي تندرئ بالشبهات ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬عليه القضاء والكفّارة ‪ ,‬وبه قال عطاء وأبو ثو ٍر ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬محظورات الحجّ أو الحرام ‪:‬‬
‫‪ -‬قد يعرض لقاصد الحجّ ما يمنعه من إتمامه أو التيان به على الوجه الكمل ‪ ,‬كمرض‬ ‫‪37‬‬

‫ت أو غير ذلك ‪ ,‬ولجبر ذلك شرعت‬


‫أو عذ ٍر أو موتٍ ‪ ,‬أو فوات وقتٍ أو تجاوز ميقا ٍ‬
‫الكفّارة ‪ ,‬والكفّارات الواجبة في ذلك إمّا منصوص عليها ‪ ,‬وإمّا غير منصوصٍ عليها ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪13‬‬ ‫وحرم ف‬ ‫‪33‬‬ ‫وإحصار ف‬ ‫‪185‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪145‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬الحرام ف‬
‫تعدد الجزاء بتعدد الصّيد ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في تحريم قتل الصّيد والدّللة عليه في الحرم ‪ ,‬كما ل خلف‬ ‫‪38‬‬

‫ن المحرم إذا قتل الصّيد ‪ ,‬أو اصطاد أو دلّ عليه فعليه الجزاء للنّصّ على ذلك‬
‫بينهم على أ ّ‬
‫‪ .‬وإنّما اختلف الفقهاء في تعدد الجزاء بتعدد الصّيد على قولين ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬في كلّ صيدٍ جزاء ‪ ,‬وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬والمالكيّة ‪ ,‬والشّافعيّة ‪ ,‬وهو أظهر‬
‫الرّوايتين عن المام أحمد وبه قال الثّوري وإسحاق وابن المنذر ‪.‬‬
‫واستدلوا بقوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ لَ َتقْتُلُواْ الصّيْدَ َوأَن ُتمْ حُ ُرمٌ َومَن قَ َتَلهُ مِنكُم‬
‫مّ َت َعمّدا َفجَزَاء مّ ْثلُ مَا قَ َت َل مِنَ ال ّن َعمِ } ‪.‬‬
‫ووجه الدّللة من الية ‪ :‬أنّها أوجبت الجزاء على العامد بعمومها ‪ ,‬وذكر العقوبة في الثّانية‬
‫ظةٌ مّن رّ ّبهِ فَان َت َهىَ فَ َلهُ مَا سَلَفَ‬
‫عَ‬‫ل يمنع الوجوب ‪ ,‬كما قال اللّه تعالى ‪َ { :‬فمَن جَاء ُه َموْ ِ‬
‫ب النّارِ ُهمْ فِيهَا خَالِدُونَ } ‪.‬‬
‫ك أَصْحَا ُ‬
‫ن عَادَ فَُأوْلَـئِ َ‬
‫َوَأمْرُ ُه إِلَى الّلهِ َومَ ْ‬
‫ن العائد لو انتهى كان له ما سلف وأمره إلى اللّه ‪.‬‬
‫فأثبت أ ّ‬
‫يقول النّووي ‪ :‬وفي هذه الية دللتان ‪:‬‬
‫ن اللف واللم يدخلن للجنس أو للعهد ‪,‬‬
‫ن لفظ الصّيد إشارة إلى الجنس ‪ ,‬ل ّ‬
‫الولى ‪ :‬أ ّ‬
‫وليس في الصّيد معهود ‪ ,‬فتعيّن الجنس وأنّ الجنس يتناول الجملة والفراد ‪ ,‬فقوله تعالى ‪:‬‬
‫{ َومَن قَتَ َلهُ مِنكُم } يعود إلى جملة الجنس وآحاده ‪.‬‬
‫ن ال ّنعَمِ } وحقيقة‬
‫جزَاء مّ ْث ُل مَا قَ َتلَ مِ َ‬
‫الثّانية ‪ :‬أنّ اللّه تعالى قال ‪َ { :‬ومَن قَتَ َل ُه مِنكُم مّ َت َعمّدا َف َ‬
‫المماثلة ‪ :‬أن يفدي الواحد بواحد ‪ ,‬والثنين باثنين ‪ ,‬والمائة بمائة ‪ ,‬ول يكون الواحد من‬
‫ل لجماعة صيود ‪.‬‬
‫النّعم مث ً‬
‫وقالوا إنّ الصّيد نفس تضمن بالكفّارة ‪ ,‬فتكرّرت بتكرر القتل ‪ ,‬فيستوي فيه المبتدئ والعائد‬
‫كقتل الدميّ ‪.‬‬
‫ي‪.‬‬
‫ف يجب به المثل أو القيمة ‪ ,‬فتكرّر بتكرر التلف ‪ ,‬كما في الدم ّ‬
‫وإنّها غرامة متل ٍ‬
‫وإنّه ل يصح قياس جزاء الصّيد على غيره ‪ ,‬لنّ جزاءه مقدّر به ويختلف بصغره وكبره ‪,‬‬
‫وإنّما يقاس على من أتلف صيدين معا ‪ ,‬حيث يجب جزاؤُهما عليه ‪ ,‬وكذلك إذا تفرّقا ‪.‬‬
‫قال القاضي أبو الطّيّب ‪ :‬ولنّا أجمعنا على أنّه لو قتل صيدين دفعةً واحدةً لزمه جزاءان ‪,‬‬
‫فإذا تكرّر قتلهما معا ‪ ,‬وجب تكرره بقتلهما مرتّبا كالعبدين وسائر الموال ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬يجب الجزاء بالصّيد الوّل دون ما بعده ‪ ,‬وهذا مروي عن ابن عبّاسٍ ‪ ,‬وبه‬
‫قال شريح والحسن وسعيد بن جبيرٍ ومجاهد والنّخعي وقتادة وهي الرّواية الثّانية عن‬
‫أحمد‪ .‬وعن أحمد رواية أخرى ‪ :‬إن كفّر عن الوّل فعليه الكفّارة ‪ ,‬وإل فل شيء للثّاني ‪.‬‬
‫واستدلوا بقوله تعالى ‪َ { :‬ومَن قَتَ َلهُ مِنكُم مّ َت َعمّدا َفجَزَاء مّ ْثلُ مَا قَ َتلَ } ووجه الدّللة من هذه‬
‫الية ‪ :‬أنّ اللّه تعالى علّق وجوب الجزاء على لفظ " مَن " ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬وما علّق على لفظ " مَن " ل يقتضي تكرارا ‪ ,‬كما لو قال ‪ :‬من دخل الدّار فله درهم‬
‫ق إل درهما بالدخول الوّل ‪ ,‬وإذا‬
‫‪ ,‬أو من دخلت الدّار فهي طالق فإذا تكرّر دخوله لم يستح ّ‬
‫ن اللّه‬
‫تكرّر دخولها ل يقع إل طلقة بالدخول الوّل ‪ ,‬فل يتكرّر الجزاء بتكرار القتل ‪ ,‬ول ّ‬
‫تعالى قال ‪َ { :‬ومَنْ عَادَ فَيَن َتقِمُ الّل ُه مِ ْنهُ } ‪ ,‬ولم يرتّب على العود غير النتقام ‪ ,‬إذ لو كان‬
‫ل على عدم وجوبه‬
‫تكرر الجزاء واجبا لرتّبه على العود مع النتقام ‪ ,‬فكان عدم ذكره دلي ً‬
‫وتكرره ‪.‬‬
‫صيد حرم المدينة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الجزاء بقتل صيد حرم المدينة على قولين ‪:‬‬ ‫‪39‬‬

‫القول الوّل ‪ :‬ل جزاء فيه ‪.‬‬


‫ي في الجديد ‪ ,‬والرّواية الولى عن المام‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة والمالكيّة وهو قول الشّافع ّ‬
‫أحمد ‪.‬‬
‫واستدلوا بعموم قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬المدينة حرم ما بين عيرٍ إلى ثو ٍر فمن أحدث‬
‫فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة اللّه والملئكة والنّاس أجمعين ل يقبل اللّه منه يوم‬
‫القيامة صرفا ول عد ًل » ‪.‬‬
‫ن المدينة حرم ‪ ,‬وبأنّ‬
‫ووجه الدّللة من الحديث ‪ :‬أنّ الرّسول صلى ال عليه وسلم أخبر بأ ّ‬
‫كلّ من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا استحق الطّرد من رحمة اللّه واستحق الوعيد‬
‫الشّديد ‪ ,‬ولم يذكر كفّارةً ‪ ,‬ولو كانت الكفّارة واجبةً لذكرها لنّ تأخير البيان عن وقت‬
‫الحاجة ل يجوز ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أعطى بعض الصّبيان بالمدينة طائرا ‪,‬‬
‫وبما روي من أ ّ‬
‫فطار من يده ‪ ,‬فجعل يتأسّف على ذلك ‪ ,‬ورسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪ « :‬يا أبا‬
‫عميرٍ ما فعل النغير » ‪ -‬اسم ذلك الطّير وهو طير صغير مثل العصفور ‪ -‬فهذا الحديث يدل‬
‫على عدم وجوب الجزاء بصيد حرم المدينة ‪ ,‬لنّه لو كان لصيد المدينة حرمة الحرم ‪ ,‬لما‬
‫ناوله رسول اللّه صلى ال عليه وسلم صبيا ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّ هذه بقعة يجوز دخولها بغير إحرامٍ فل يجب بصيد حرمها جزاء قياسا على‬
‫سائر البلدان ‪ ,‬بخلف الحرم فإنّه ليس لحد أن يدخله إل محرما ‪.‬‬
‫ب وابن‬
‫القول الثّاني ‪ :‬وجوب الجزاء بقتل صيد حرم المدينة ‪ ,‬وهذا مروي عن ابن أبي ذئ ٍ‬
‫ي في القديم ‪ ,‬والرّواية الثّانية عن المام أحمد ‪.‬‬
‫المنذر ‪ ,‬وهو قول الشّافع ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬إنّ إبراهيم حرّم مكّة ودعا‬
‫واستدلوا بما ورد عن النّب ّ‬
‫لهلها وإنّي حرّمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكّة » ‪.‬‬
‫ووجه الدّللة ‪ :‬أنّ الرّسول صلى ال عليه وسلم أخبر بأنّه حرّم المدينة ‪ ,‬كما حرّم إبراهيم‬
‫مكّة ‪ ,‬فيجب في قتل صيده الجزاء كما يجب في قتل صيد حرم مكّة ‪ ,‬لستوائهما في‬
‫التّحريم ‪.‬‬
‫تعدد الجزاء بقتل الصّيد والكل منه ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ المحرم إذا قتل صيدا أو ذبحه فأكل منه أثم ‪.‬‬ ‫‪40‬‬

‫وإنّما الخلف بينهم في الجزاء الواجب عليه ‪ ,‬إذا قتل صيدا أو ذبحه فأكل منه على قولين ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬عليه جزاء واحد ‪.‬‬
‫وإليه ذهب المالكيّة ‪ ,‬والشّافعيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وصاحبا أبي حنيفة ‪.‬‬
‫واستدلوا بأنّه صيد مضمون بالجزاء ‪ ,‬فلم يضمن ثانيا كما لو أتلفه بغير الكل ‪.‬‬
‫وبالقياس على صيد الحرم إذا قتله أو أكله ‪.‬‬
‫وبالقياس على ما لو قتله محرم آخر ‪ ,‬ثمّ أكل هذا منه ‪.‬‬
‫ن الميتة ل تضمن بالجزاء ‪ ,‬وإنّما‬
‫ن تحريم أكله لكونه ميتةً ‪ ,‬فأشبه سائر الميتات ‪ ,‬ل ّ‬
‫وبأ ّ‬
‫توجب الستغفار ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬عليه جزاءان ‪.‬‬
‫وبه قال أبو حنيفة ‪ ,‬وعطاء ‪.‬‬
‫ن قتل هذا الصّيد من محظورات إحرامه ‪ ,‬والقتل غير مقصودٍ لعينه بل للتّناول‬
‫واستدل بأ ّ‬
‫من الصّيد ‪ ,‬فإذا كان ما ليس بمقصود من محظورات إحرامه يلزمه الجزاء به ‪ ,‬فما هو‬
‫مقصود بذلك أولى ‪.‬‬
‫منشأ الخلف بين الفقهاء ‪:‬‬
‫ويرجع سبب اختلف الفقهاء في ذلك إلى اختلفهم في اعتبار أكل الصّيد تعدّيا ثانيا عليه‬
‫سوى تعدّي القتل أم ل ؟‬
‫وإذا كان تعدّيا فهل هو مساوٍ للتّعدّي الوّل أم ل ؟ ‪.‬‬
‫وقد استدلّ كل فريقٍ بأدلّة تؤيّد ما ذهب إليه ‪.‬‬
‫الجزاء في إتلف بيض الصّيد ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في ضمان بيض الصّيد المحرّم على المحرم إذا كسره على قولين ‪:‬‬ ‫‪41‬‬

‫القول الوّل ‪ :‬وجوب الجزاء فيه ‪.‬‬


‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬والمالكيّة ‪ ,‬والشّافعيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إنّ الجزاء في إتلف المحرم بيض الصّيد هو القيمة‬
‫واستدلوا بما روي من أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬في بيض النّعام يصيبه‬
‫المحرم ثمنه » ‪ ,‬ولنّ البيض ل مثل له فتجب قيمته ‪ ,‬فإن لم تكن له قيمة لكونه مذرا فل‬
‫ن لقشره قيمةً في الجملة ‪.‬‬
‫شيء فيه ‪ ,‬إل بيض النّعام فإ ّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إنّ الجزاء الواجب في إتلف بيض الصّيد هو عشر قيمة أمّه ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬ل جزاء في إتلف المحرم بيض الصّيد ‪ ,‬وبه قال المزني من الشّافعيّة‬
‫واستدلّ بأنّه ل روح فيه فل جزاء عليه ‪.‬‬
‫إزالة الشّعر ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في تحريم إزالة الشّعر قبل التّحلل وأنّه يجب به الفدية‬ ‫‪42‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪155‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إحرام ف‬


‫ما يجب على المحرم بلبس المخيط ‪ ,‬وإماطة الذى من غير ضرورةٍ ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء فيما يجب على المحرم بلبس المخيط وما في معناه وإماطة الذى من‬ ‫‪43‬‬

‫غير ضرورةٍ على قولين ‪:‬‬


‫القول الوّل ‪ :‬عليه الفدية المنصوص عليها ‪.‬‬
‫وإليه ذهب ‪ :‬المالكيّة ‪ ,‬والشّافعيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وبه قال الوزاعي ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬عليه دم فقط ‪.‬‬
‫س ورواية عن المام أحمد ‪.‬‬
‫وبه قال الحنفيّة ‪ ,‬وهو مروي عن ابن عبّا ٍ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪159‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪152‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إحرام ف‬
‫الكفّارات الواجبة بالجماع ودواعيه ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ الجماع من مفسدات الحجّ لقوله سبحانه وتعالى ‪َ { :‬فمَن‬ ‫‪44‬‬

‫حجّ } ‪.‬‬
‫ق َولَ جِدَالَ فِي ا ْل َ‬
‫حجّ فَلَ َرفَثَ َولَ ُفسُو َ‬
‫ن ا ْل َ‬
‫فَرَضَ فِيهِ ّ‬
‫كما ل خلف بينهم في أنّ من وطئ قبل الوقوف بعرفة فقد أفسد حجّه ‪ ,‬وعليه الكفّارة ‪,‬‬
‫وكذلك من وطئ من المعتمرين قبل أن يطوف ويسعى ‪ ،‬ول خلف بينهم أيضا في وجوب‬
‫ي أو بهيمةٍ ‪ ,‬أنزل أو لم‬
‫الكفّارة بالوطء قبل التّحلل الكبر في الفرج أو دونه ‪ ,‬من آدم ّ‬
‫ينزل ‪.‬‬
‫كما ل خلف بينهم في وجوب الكفّارة بمباشرة مقدّمات الجماع من القبلة واللّمس والنّظر‬
‫وتكراره وغيرها من محظورات الحرام ‪.‬‬
‫وإنّما الخلف بينهما في وجوب الكفّارة على المرأة إذا طاوعته وفي تعدد الكفّارة بتعدد‬
‫الجماع ودواعيه وأثر النّسيان والجهل في سقوطها ‪.‬‬
‫وجوب الكفّارة على المرأة الموطوءة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة على المرأة إذا طاوعت زوجها على الوطء على‬ ‫‪45‬‬

‫قولين ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬وجوب الكفّارة عليها كما هي واجبة عليه ‪.‬‬
‫س وسعيد بن المسيّب‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬والمالكيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وبه قال ابن عبّا ٍ‬
‫ضحّاك ‪ ,‬والحكم وحمّاد وهو قول للشّافعيّة حكاه الخراسانيون ‪.‬‬
‫والنّخعي وال ّ‬
‫س رضي ال عنهما قال ‪ :‬اهد ناق ًة ولتهد ناقةً ‪.‬‬
‫واستدلوا بما روي عن ابن عبّا ٍ‬
‫ولنّها أحد المتجامعين من غير إكراهٍ ‪ ,‬فلزمها الكفّارة كالرّجل ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬عدم وجوب الكفّارة عليها ‪ ,‬ويجزئهما كفّارة واحدة ‪.‬‬
‫وإليه ذهب أكثر الشّافعيّة وهو الصح ‪ ,‬وروي ذلك عن عطا ٍء ‪ ,‬وهو رواية عن المام‬
‫أحمد ‪.‬‬
‫واستدلوا بأنّه جماع واحد فلم يوجب أكثر من كفّارةٍ واحدةٍ كحالة الكراه ‪.‬‬
‫تعدد الكفّارة بتعدد الجماع ودواعيه ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين جمهور الفقهاء في تعدد الكفّارة إذا كان الوطء الثّاني بعد التّكفير عن‬ ‫‪46‬‬

‫الوّل ‪.‬‬
‫وإنّما الخلف بينهم في تعدد الكفّارة بتعدد الجماع ودواعيه قبل التّكفير على قولين ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬عدم تعدد الكفّارة بتعدد الجماع أو دواعيه ‪.‬‬
‫وإليه ذهب المالكيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وقول للشّافعيّة ‪ ,‬وروي ذلك عن عطاءٍ ‪ ,‬وبه قال محمّد‬
‫ابن الحسن من الحنفيّة ‪.‬‬
‫واستدلوا بأنّه جماع موجب للكفّارة ‪ ,‬فإذا تكرّر قبل التّكفير عن الوّل ‪ ,‬لم يوجب كفّارةً‬
‫ثاني ًة كالصّيام ‪.‬‬
‫وأنّه إذا لم يكفّر عن الوّل ‪ ,‬تتداخل كفّارته ‪ ,‬كما يتداخل حكم المهر والحدّ ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬تعدد الكفّارة بتعدد الجماع أو دواعيه ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة وهو المشهور عند الشّافعيّة ‪ ,‬ورواية عن المام أحمد ‪.‬‬
‫ن كلّ وطءٍ سبب للكفّارة بانفراده ‪ ,‬فأوجبها كالوطء الوّل ‪.‬‬
‫واستدلوا بأ ّ‬
‫ن الحرام ووجوب الفدية باقيان بارتكاب سائر المحظورات ‪ ,‬بخلف الصّوم ‪ ,‬فإنّه‬
‫وأ ّ‬
‫بالجماع الوّل قد خرج عنه ‪.‬‬
‫أثر النّسيان والجهل في سقوط الكفّارة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في سقوط الكفّارة عمّن جامع ناسيا أو جاهلً لحرامه على قولين ‪:‬‬ ‫‪47‬‬

‫القول الوّل ‪ :‬عدم سقوط الكفّارة بالجهل أو النّسيان ‪.‬‬


‫ي في القديم ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬والمالكيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وهو قول الشّافع ّ‬
‫ن الوطء ل يكاد يتطرّق النّسيان إليه بخلف غيره ‪.‬‬
‫واستدلوا بأ ّ‬
‫ن الجماع مفسد للصّوم دون غيره ‪ ,‬فاستوى عمده وسهوه ‪ ,‬بخلف ما دونه ‪.‬‬
‫وأ ّ‬
‫وأنّه سبب يتعلّق به وجوب القضاء في الحجّ ‪ ,‬فاستوى عمده وسهوه كالفوات ‪.‬‬
‫ن الصّوم يحصل الفطر فيه قبل‬
‫وبعدم القياس فيه على الصّوم ‪ ,‬لنّه قياس مع الفارق ‪ ,‬فإ ّ‬
‫تمام حقيقة الجماع ‪ ,‬وغير الجماع في الصّوم ل يوجب الكفّارة ‪ ,‬وإنّما تجب الكفّارة‬
‫بخصوص الجماع فافترقا ‪.‬‬
‫ن المنهيّ عنه في الحرام الرّفث والرّفث اسم للجماع ‪,‬‬
‫ن الحكم تعلّق بعين الجماع ‪ ,‬ل ّ‬
‫وأ ّ‬
‫وبسبب النّسيان ل ينعدم عين الجماع ‪ ,‬وهذا لنّه قد اقترن بحالة ما يذكره ‪ ,‬وهو هيئة‬
‫المحرمين ‪ ,‬فل يعذر بالنّسيان كما في الصّلة إذا أكل أو شرب ‪ ,‬بخلف الصّوم فإنّه لم‬
‫يقترن بحالة ما يذكره ‪ ,‬فجعل النّسيان فيه عذرا في المنع من إفساده ‪ ,‬بخلف القياس ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬سقوط الكفّارة عن الجاهل والنّاسي ‪.‬‬
‫وبه قال الشّافعي في الجديد ‪ ,‬وهو الصح عندهم ‪.‬‬
‫ن الحجّ عبادة تتعلّق الكفّارة بإفسادها فيختلف حكمها بالعمد والسّهو كالصّوم ‪.‬‬
‫واستدلوا بأ ّ‬
‫مجاوزة الميقات بدون إحرامٍ ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في تحريم مجاوزة الميقات بدون إحرامٍ سواء كان من أهل تلك‬ ‫‪48‬‬

‫النّاحية أو من غيرها ‪ ,‬كالشّاميّ يمر بميقات المدينة ‪ ,‬وسواء تجاوزه عالما به أو جاهلً ‪,‬‬
‫علم تحريم ذلك أو جهله ‪ ,‬وأنّه يلزمه العود إليه والحرام منه إن لم يكن له عذر ‪ ,‬ول‬
‫خلف بينهم في أنّ من جاوز الميقات بدون إحرامٍ ثمّ عاد إليه قبل أن يحرم فأحرم منه فإنّه‬
‫ل كفّارة عليه ‪.‬‬
‫وإنّما الخلف بينهم في وجوب الكفّارة على من جاوز الميقات بدون إحرامٍ ثمّ أحرم على‬
‫ثلثة أقوالٍ ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬عليه الدّم مطلقا ‪ ,‬أي وإن رجع إلى الميقات ‪.‬‬
‫وإليه ذهب المالكيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وابن المبارك ‪ ,‬وهو رواية عن الثّوريّ ‪ ,‬وبه قال زفر‬
‫من الحنفيّة ‪.‬‬
‫س رضي ال عنهما عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه‬
‫واستدلوا بما روي عن ابن عبّا ٍ‬
‫قال ‪ « :‬من ترك نسكا فعليه دم » ‪ ,‬ولنّه أحرم دون ميقاته فاستق ّر عليه الدّم كما لو لم‬
‫يرجع ‪.‬‬
‫ن وجوب الدّم بجنايته على الميقات بمجاوزته إيّاه من غير إحرامٍ ‪ ,‬وجنايته ل تنعدم‬
‫ول ّ‬
‫بعوده فل يسقط الدّم الّذي وجب ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬وجوب الكفّارة إن أحرم وتلبّس بنسك ثمّ رجع إلى الميقات ‪ ,‬فإن لم يتلبّس‬
‫ورجع إلى الميقات فأحرم منه سقط الدّم عنه في الصحّ عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وهو قول أبي يوسف ومحمّدٍ من الحنفيّة ‪.‬‬
‫واستدلوا على سقوط الدّم إذا لم يتلبّس بنسك بأنّه قطع المسافة من الميقات محرما وأدّى‬
‫المناسك كلّها بعده فكان كما لو أحرم منه ‪.‬‬
‫ن الواجب عليه أن يكون محرما عند الميقات ل أن ينشئ الحرام عند الميقات فإنّه لو‬
‫وبأ ّ‬
‫ب عند الميقات ل يلزمه شيء‬
‫أحرم قبل أن ينتهي إلى الميقات ثمّ مرّ بالميقات محرما ولم يل ّ‬
‫ب لنّه تدارك ما هو واجب عليه وهو كونه‬
‫وكذلك إذا عاد إلى الميقات بعد ما أحرم ولم يل ّ‬
‫محرما عند الميقات ‪.‬‬
‫ن النسك تؤدّى بإحرام ناقصٍ ‪.‬‬
‫وعلّلوا عدم سقوط الدّم بعد تلبسه بنسك بأ ّ‬
‫القول الثّالث ‪ :‬عدم وجوب الكفّارة إن رجع قبل أن يتلبّس بأعمال الحجّ ولبّى ‪ ,‬فإن تلبّس‬
‫أو رجع ولم يلبّ كان عليه الدّم ‪ ,‬وبه قال أبو حنيفة ‪ ,‬واستدلّ بما روي عن ابن عبّاسٍ‬
‫رضي ال عنه أنّه قال لذلك الرّجل ارجع إلى الميقات وإل فل حجّ لك ‪.‬‬
‫ن المعنى فيه أنّه لمّا انتهى إلى الميقات حللً وجب عليه التّلبية عند الميقات والحرام ‪,‬‬
‫ول ّ‬
‫فإذا ترك ذلك بالمجاوزة حتّى أحرم وراء الميقات ‪ ,‬ثمّ عاد فإن لبّى فقد أتى بجميع ما هو‬
‫المستحق عليه ‪ ,‬فيسقط عنه الدّم ‪ ,‬وإن لم يلبّ فلم يأت بجميع ما استحق عليه ‪.‬‬
‫ن ميقاته هناك موضع إحرامه ‪ ,‬وقد‬
‫وهذا بخلف من أحرم قبل أن ينتهي إلى الميقات ‪ ,‬ل ّ‬
‫لبّى عنده ‪ ,‬فقد خرج الميقات المعهود من أن يكون ميقاتا للحرام في حقّه ‪ ,‬فلهذا ل يضره‬
‫ترك التّلبية عنده ‪ ,‬بخلف ما نحن فيه ‪.‬‬
‫وجوب الكفّارة على من غسل رأسه بالخطميّ والسّدر ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في جواز اغتسال المحرم بالماء والنغماس فيه للنّصّ ‪.‬‬ ‫‪49‬‬

‫كما ل خلف بينهم في كراهية غسل الرّأس واللّحية بالسّدر والخطميّ ونحوهما ‪.‬‬
‫وإنّما الخلف بينهم في وجوب الفدية على من غسل رأسه ولحيته بهما أو بأيّهما على‬
‫قولين ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬عدم وجوب الفدية ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الشّافعيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وبه قال أبو ثو ٍر وابن المنذر والثّوري ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه قال في المحرم الّذي وقصه بعيره ‪:‬‬
‫واستدلوا بما ورد عن النّب ّ‬
‫« اغسلوه بماء وسدرٍ ‪ ،‬وكفّنوه في ثوبين ‪ -‬أو قال ‪ :‬ثوبيه ‪ -‬ول تحنّطوه ‪ ،‬ول تخمّروا‬
‫ن اللّه يبعثه يوم القيامة ملبّيا » فقد أمر الرّسول صلى ال عليه وسلم بغسله‬
‫رأسه ‪ ،‬فإ ّ‬
‫بالسّدر مع إثبات حكم الحرام في حقّه ‪ ,‬والخطمي كالسّدر ‪ ,‬فل فدية في غسل الرّأس أو‬
‫اللّحية بهما ‪.‬‬
‫وقالوا إنّه ليس بطيب ‪ ,‬فلم تجب الفدية باستعماله كالتراب ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬وجوب الفدية ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬والمالكيّة ‪ ,‬وهو رواية عن المام أحمد ‪.‬‬
‫ن الخطميّ من الطّيب ‪ ,‬فله رائحة وإن لم تكن زكيّة ‪ ,‬وهو يقتل الهوامّ أيضا‬
‫واستدلوا بأ ّ‬
‫فتتكامل الجناية باعتبار المعنيين ‪ ,‬فلهذا يلزمه الدّم ‪.‬‬
‫شم العصفر واستعماله ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الفدية باستعمال العصفر أو ما صبغ به على قولين ‪:‬‬ ‫‪50‬‬

‫القول الوّل ‪ :‬عدم وجوب الفدية باستعمال العصفر أو ما صبغ به ‪.‬‬


‫وإليه ذهب المالكيّة ‪ ,‬والشّافعيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وهو قول جاب ٍر وابن عمر وعبد اللّه بن‬
‫جعفرٍ وعقيل بن أبي طالبٍ ‪ ,‬ورواية عن عائشة وأسماءٍ رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫واستدلوا بما ورد عن ابن عمر رضي ال عنهما أنّه سمع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫ينهى النّساء في إحرامهنّ عن القفّازين والنّقاب وما مسّ الورس والزّعفران من الثّياب ‪,‬‬
‫ولتلبس بعد ذاك ما أحبّت من ألوان الثّياب ‪ ,‬من معصف ٍر أو خ ّز أو حليّ أو سراويل ‪ ,‬أو‬
‫ص‪.‬‬
‫خفّ أو قمي ٍ‬
‫ن أزواج النّبيّ صلى ال عليه وسلم يحرمن في‬
‫وبما روي عن عائشة بنت سعدٍ قالت ‪ « :‬ك ّ‬
‫المعصفرات » ‪.‬‬
‫فقد أباح رسول اللّه صلى ال عليه وسلم للمرأة أن تلبس ما أحبّت من ألوان الثّياب‬
‫المعصفرة وهي محرِمة ‪ ,‬فدلّ ذلك على أنّه ل فدية في لبسه ‪.‬‬
‫ولنّه قول جماع ٍة من الصّحابة ‪ ,‬ولم يعرف لهم مخالف ‪ ,‬فكان إجماعا ‪.‬‬
‫ولنّه ليس بطيب ‪ ,‬فلم يكره ما صبغ به كالسّواد والمصبوغ بالمغرة ‪ ,‬ول يقاس على‬
‫ل منهما طيب بخلف مسألتنا ‪.‬‬
‫الورس والزّعفران ‪ ,‬لنّ ك ً‬
‫القول الثّاني ‪ :‬وجوب الفدية باستعمال العصفر أو ما صبغ به ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬وبه قال الثّوري ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم نهى عن‬
‫واستدلوا بما رواه علي رضي ال تعالى عنه ‪ « :‬أ ّ‬
‫لبس القسيّ المعصفر » ‪.‬‬
‫وبالقياس على المورّس والمزعفر ‪ ,‬لنّه صبغ طيّب الرّائحة فأشبه ذلك ‪.‬‬
‫وجوب الفدية بلبس السّراويل عند عدم الزار ‪:‬‬
‫‪ -‬المحرم ممنوع من لبس القمص والعمائم والسّراويلت والخفاف والبرانس وتجب به‬ ‫‪51‬‬

‫الفدية ‪ ,‬لنّه فعل محظور في الحرام فتجب به الفدية كالحلق ‪.‬‬


‫واختلف الفقهاء في وجوب الفدية على من لبس السّراويل عند عدم الزار على قولين ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬عدم وجوب الفدية ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الشّافعيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وبه قال عطاء وعكرمة والثّوري ‪ ,‬وإسحاق وأبو ثورٍ‬
‫وغيرهم ‪.‬‬
‫واستدلوا بما رواه ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم يخطب بعرفات يقول ‪ « :‬من لم يجد النّعلين فليلبس الخفّين ‪ ،‬ومن لم يجد إزارا‬
‫فليلبس سراويل » ‪.‬‬
‫وهو صريح في الباحة ‪ ,‬ظاهر في إسقاط الفدية ‪ ,‬لنّه أمر بلبسه ولم يذكر فيه فديةً ‪.‬‬
‫كما يقتضي تجويز اللبس عند فقد الزار ‪ ,‬والصل في مباشرة الجائزات نفي المؤاخذة ‪,‬‬
‫فدلّ هذا على عدم وجوب الفدية باستعمال السّراويل للمحرم عند عدم وجود الزار ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬لبس السّراويل مختص بحالة عدم وجود غيره " الزار " فلم تجب به فدية ‪ ,‬قياسا‬
‫ن له لبس الخفّين المقطوعين ‪ ,‬ول فدية عليه بالتّفاق ‪ ,‬والفرق‬
‫على من عدم النّعلين ‪ ,‬فإ ّ‬
‫بينه وبين ما قاسوا عليه من تحريم لبس القميص إذا لم يجد الرّداء ل يجب عليه لبسه ‪,‬‬
‫فل ضرورة إليه ‪ ,‬بخلف الزار فإنّه يجب لبسه لستر العورة ‪ ,‬فإذا لم يجد عدل إلى‬
‫ن السّراويل ل يمكنه أن يتّزر به ‪ ,‬ويمكنه أن يرتدي القميص " لذا قلنا " لو‬
‫السّراويل ول ّ‬
‫أمكنه أن يتّزر بالسّراويل لم يجز لبسه ‪.‬‬
‫وقالوا إنّ حديث عبد اللّه بن عمر رضي ال عنهما الّذي ورد فيه النّهي مطلقا عن لبس‬
‫هذه الشياء عام مخصوص بحديث ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما فيحمل العام على الخاصّ ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬وجوب الفدية ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪.‬‬
‫واستدلوا بالقياس على لبس القميص ‪ ,‬فكما يحرم لبسه إذا لم يجد الرّداء وتجب الفدية به‬
‫‪ ,‬فكذا السّراويل إذا لم يجد الزار فإنّه تجب الفدية بلبسه ‪.‬‬
‫لبس الخفّين لعدم النّعلين ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في جواز لبس الخفّين عند عدم النّعلين ‪.‬‬ ‫‪52‬‬

‫وإنّما الخلف بينهم في وجوب الفدية على من لم يقطعهما إذا لبسهما لعدم النّعلين ‪ ,‬وفي‬
‫وجوبها على من لبسهما مقطوعين مع وجود النّعلين ‪.‬‬
‫وجوب الكفّارة لعدم قطع الخفّين ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الفدية على من لم يقطع الخفّين عند لبسهما لعدم النّعلين‬ ‫‪53‬‬

‫على قولين ‪:‬‬


‫القول الوّل ‪ :‬وجوب الفدية بعدم قطع الخفّين ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬والمالكيّة ‪ ,‬والشّافعيّة ‪ ,‬وهو الرّواية الثّانية عن المام أحمد ‪ ,‬وبه‬
‫قال عروة بن الزبير والنّخعي والثّوري وإسحاق وابن المنذر وهو مروي عن عمر بن‬
‫الخطّاب وعبد اللّه بن عمر رضي ال عنهما ‪.‬‬
‫واستدلوا بما روي عن ابن عمر أنّ رجلً سأل النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ما يلبس‬
‫المحرم من الثّياب ؟ فذكر الحديث إلى أن قال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إل أحد ل يجد‬
‫النّعلين فليلبس الخفّين وليقطعهما أسفل من الكعبين » ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أمر بقطعهما ‪ ,‬والمر‬
‫وهو نص في وجوب قطع الخفّين ‪ ,‬لنّ النّب ّ‬
‫للوجوب ‪ ,‬فإذا لم يقطعه فقد خالف واجبا من واجبات الحجّ ‪ ,‬فتجب عليه الفدية ‪ ,‬كما أنّه‬
‫تضمّن زيادةً على حديث ابن عبّاسٍ ‪ ,‬والزّيادة من الثّقة مقبولة ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬عدم وجوب الفدية بعدم قطع الخفّين ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنابلة ‪ ,‬وهو قول عطا ٍء وعكرمة وسعيد بن سالم القدّاح ‪ ,‬وهو مروي عن‬
‫عليّ بن أبي طالبٍ رضي ال عنهما وهو الرّواية المشهورة عن أحمد ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫س رضي ال عنهما أنّ النّب ّ‬
‫واستدلوا بحديث ابن عبّا ٍ‬
‫« السّراويل لمن لم يجد الزار والخفّان لمن لم يجد النّعلين » ‪.‬‬
‫وعن جابر بن عبد اللّه رضي ال عنهما قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من‬
‫لم يجد نعلين فليلبس خفّين ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل » ‪.‬‬
‫فقد أباح النّبي صلى ال عليه وسلم لبس الخفّين مطلقا لمن لم يجد النّعلين ‪ ,‬والسّراويل‬
‫لمن لم يجد الزار ‪ ,‬فدلّ هذا بعمومه على عدم وجوب الفدية على من لم يقطع الخفّين ‪ ,‬إذا‬
‫ب رضي ال عنه قطع الخفّين‬
‫ي بن أبي طال ٍ‬
‫لبسهما عند عدم النّعلين ‪ ,‬ويؤيّد هذا قول عل ّ‬
‫فساد ‪ ،‬يلبسهما كما هما ‪.‬‬
‫وقالوا إنّه ملبوس أبيح لعدم غيره ‪ ,‬فأشبه السّراويل ‪.‬‬
‫ن لبس المقطوع محرّم مع القدرة على النّعلين‬
‫وإن قطعه ل يخرجه عن حالة الحظر ‪ ,‬فإ ّ‬
‫كلبس الصّحيح ‪.‬‬
‫ن في القطع إتلف المال وإضاعته ‪ ,‬وقد نهى النّبي صلى ال عليه وسلم عن إضاعة‬
‫وإ ّ‬
‫المال ‪.‬‬
‫لبس الخفّين مقطوعين مع وجود النّعلين ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الفدية على من لبس الخفّين مقطوعين مع وجود النّعلين‬ ‫‪54‬‬

‫على قولين ‪:‬‬


‫القول الوّل ‪ :‬وجوب الفدية بلبس المقطوع مع وجود النّعل ‪.‬‬
‫وإليه ذهب المالكيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وهو الصح عند الشّافعيّة وبه قال أبو ثورٍ ‪.‬‬
‫واستدلوا بالحاديث السّابقة المرويّة عن ابن عمر وابن عبّاسٍ وجاب ٍر رضي ال عنهم ‪ ,‬فقد‬
‫شرط النّبي صلى ال عليه وسلم في إباحة لبس الخفّين عدم النّعلين ‪ ,‬فدلّ هذا على أنّه ل‬
‫يجوز اللبس مع وجودهما ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّه مخيط لعضو على قدره ‪ ,‬فوجبت على المحرم الفدية بلبسه كالقفّازين ‪ ,‬ولنّه‬
‫يترفه بلبس الخفّين في دفع الحرّ والبرد والذى ‪ ,‬فتجب به الفدية ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬عدم وجوب الفدية بلبس المقطوع مع وجود النّعل ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬وبه قال بعض الشّافعيّة ‪.‬‬
‫واستدلوا بأنّه صار كالنّعل بدليل عدم جواز المسح عليه لنّه بالقطع صار في معنى النّعلين‬
‫لنّه ل يستر الكعب ‪.‬‬
‫لبس القفّازين ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في وجوب الفدية على الرّجل بلبس القفّازين ‪.‬‬ ‫‪55‬‬

‫وإنّما الخلف بينهم في وجوبها على المرأة إذا لبست القفّازين على قولين ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬وجوب الفدية على المرأة بلبس القفّازين ‪.‬‬
‫وإليه ذهب المالكيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وهو الصح عند الشّافعيّة ‪ ,‬وبه قال عطاء وطاوس‬
‫ومجاهد والنّخعي وإسحاق ‪.‬‬
‫واستدلوا بما روى ابن عمر رضي ال عنهما عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬ل‬
‫تنتقب المحرمة ول تلبس القفّازين » ‪.‬‬
‫والحديث نص في تحريم لبس القفّازين على المرأة في حال إحرامها ‪ ,‬ويلزم منه وجوب‬
‫الفدية عليها ‪ ,‬لنّها لبست ما نهيت عن لبسه في الحرام ‪ ,‬فلزمتها الفدية كالنّقاب ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّ اليد عضو ل يجب على المرأة ستره في الصّلة ‪ ,‬فل يجوز لها ستره في‬
‫الحرام كالوجه ‪.‬‬
‫وإنّ الرّجل لمّا وجب عليه كشف رأسه تعلّق حكم إحرامه بغيره ‪ ,‬فمنع من لبس المخيط في‬
‫سائر بدنه ‪ ,‬كذلك المرأة لمّا لزمها كشف وجهها ‪ ,‬ينبغي أن يتعلّق حكم الحرام بغير ذلك‬
‫البعض ‪ ,‬وهو اليدان ‪.‬‬
‫ن الحرام تعلّق بيدها تعلقه بوجهها ‪ ,‬لنّ واحدا منهما ليس بعورة ‪.‬‬
‫وإ ّ‬
‫القول الثّاني ‪ :‬عدم وجوب الفدية على المرأة إذا لبست القفّازين ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬وهو قول للشّافعيّة ‪ ,‬وروي ذلك عن عليّ وعائشة وسعد بن أبي‬
‫وقّاصٍ رضي ال عنهم ‪ ,‬وبه قال الثّوري ‪.‬‬
‫واستدلوا بما روي أنّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إحرام المرأة في وجهها » ‪.‬‬
‫وهو صريح في أنّ إحرام المرأة الّذي يجب كشفه إل لضرورة هو وجهها ‪ ,‬وهذا يدل على‬
‫ص الوجه بالحكم ‪ ,‬فدلّ على أنّ ما عداه‬
‫عدم وجوب الفدية بتغطية ما عدا الوجه لنّه خ ّ‬
‫بخلفه ‪.‬‬
‫ص رضي ال عنه أنّه كان يلبس بناته القفّازين وهنّ‬
‫وبما روي عن سعد بن أبي وقّا ٍ‬
‫محرمات ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّه عض ٌو يجوز ستره بغير المخيط ‪ ,‬فجاز ستره به كالرّجلين ‪.‬‬
‫تخمير المحرم وجهه ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ إحرام المرأة في وجهها ‪ ,‬وأنّ لها أن تغطّي رأسها‬ ‫‪56‬‬

‫وتستر شعرها ‪ ,‬كما ل خلف بينهم في أنّ الرّجل المحرم ل يخمّر رأسه ‪.‬‬
‫وإنّما الخلف في وجوب الفدية على الرّجل المحرم بتخمير وجهه على قولين ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬عدم وجوب الفدية بتخمير الوجه ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الشّافعيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وروي ذلك عن عثمان بن عفّان وعبد الرّحمن بن عوفٍ‬
‫ت وابن الزبير وسعد بن أبي وقّاصٍ وجابرٍ رضي ال عنهم والقاسم وطاوسٍ‬
‫وزيد بن ثاب ٍ‬
‫والثّوريّ وأبي ثورٍ ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إحرام المرأة في وجهها وإحرام‬
‫واستدلوا بما روي أ ّ‬
‫الرّجل في رأسه » ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال في الرّجل‬
‫وبما روي في حديث ابن عبّاسٍ المذكور آنفا أ ّ‬
‫الّذي وقصه بعيره ‪ « :‬خمّروا وجهه ول تخمّروا رأسه » ‪.‬‬
‫ن عثمان بن عفّان وزيد بن ثابتٍ رضي ال عنهما ومروان بن الحكم كانوا‬
‫وبما روي أ ّ‬
‫يخمّرون وجوههم وهم حرم ‪.‬‬
‫وبما ورد عن عبد اللّه بن عامر بن ربيعة قال ‪ :‬رأيت عثمان بن عفّان بالعرج وهو محرم‬
‫ن‪.‬‬
‫ف قد غطّى وجهه بقطيفة أرجوا ٍ‬
‫في يومٍ صائ ٍ‬
‫يقول ابن قدامة ‪ :‬فبهذا عمل عثمان بن عفّان وزيد بن ثابتٍ ومروان بن الحكم ‪ ,‬وهو قول‬
‫غيرهم ممّن سمّينا من الصّحابة ‪ ,‬ولم يعرف لهم مخالف ‪ ,‬فكان إجماعا ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬وجوب الفدية بتخمير الوجه ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬والمالكيّة ‪ ,‬وهو الرّواية الثّانية عن المام أحمد ‪.‬‬
‫س رضي ال عنهما ‪ :‬أنّ رجلً وقع عن راحلته ‪ -‬وهو‬
‫واستدلوا بما روي عن ابن عبّا ٍ‬
‫محرم ‪ -‬فوقصته ‪ ,‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬اغسلوه بماء وسدرٍ ‪ ،‬وكفّنوه‬
‫في ثوبيه ‪ ،‬ول تخمّروا رأسه ول وجهه ‪ ،‬فإنّه يبعث يوم القيامة يلبّي » ‪.‬‬
‫فهو نص في أنّ المحرم ل يغطّي رأسه ول وجهه ‪ ,‬فمن فعل خلف ذلك يكون مرتكبا‬
‫لمحظور تجب به الفدية ‪.‬‬
‫ن ما فوق الذّقن من الرّأس ل يخمّره المحرم ‪.‬‬
‫وروى مالك عن ابن عمر رضي ال عنهما أ ّ‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّ المرأة يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها ‪ ,‬فيحرم على الرّجل تغطية‬
‫رأسه ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬كفّارة الظّهار ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ المسلم الح ّر إذا قال لمرأته ‪ :‬أنت عليّ كظهر أمّي ‪,‬‬ ‫‪57‬‬

‫يكون مظاهرا منها ‪ ,‬ويلزمه للعود إليها كفّارة الظّهار ‪.‬‬


‫كما ل خلف بينهم في عدم وجوب الكفّارة بالظّهار المعلّق على شرطٍ إل إذا تحقّق الشّرط ‪.‬‬
‫ن من ظاهر من أربع نسو ٍة له بكلمة واحدةٍ أو بكلمات يكون مظاهرا‬
‫ول خلف بينهم في أ ّ‬
‫ن جميعا ‪.‬‬
‫منه ّ‬
‫ول خلف بينهم في تعدد الكفّارة على من ظاهر من زوجته فكفّر ثمّ ظاهر ‪.‬‬
‫ول خلف بينهم على توافر شرط القدرة على أداء الكفّارة ‪.‬‬
‫ن من‬
‫ول خلف بينهم أيضا على أنّ المظاهر يحرم عليه وطء زوجته قبل التّكفير ‪ ,‬وعلى أ ّ‬
‫جامع قبل التّكفير يكون آثما وعاصيا لمخالفته أمر اللّه ع ّز وجلّ ‪ { :‬مّن قَ ْبلِ أَن يَ َتمَاسّا } ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪8‬‬ ‫واختلفوا فيما عدا ذلك على تفصيلٍ ينظر في مصطلح ‪ ( :‬ظهار ف‬
‫وجوب الكفّارة على المرأة إذا ظاهرت من زوجها ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة على المرأة إذا ظاهرت من زوجها كأن تقول‬ ‫‪58‬‬

‫ي كظهر أبي ‪ ,‬وذلك‬


‫لزوجها ‪ :‬أنت عليّ كظهر أبي ‪ ,‬أو تقول ‪ :‬إن تزوّجت فلنا فهو عل ّ‬
‫على ثلثة أقوالٍ ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬عدم وجوب الكفّارة عليها لعدم صحّة الظّهار منها ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ ,‬وهو رواية عند الحنابلة ‪ ,‬وبه قال إسحاق وأبو‬
‫ثو ٍر والثّوري وسالم ويحيى بن سعيدٍ وربيعة وأبو الزّناد ‪.‬‬
‫ن مِن ّنسَا ِئ ِهمْ } ووجه الدّللة من الية ‪ :‬أنّ‬
‫واستدلوا بقولـه تعالى ‪ { :‬وَالّذِينَ ُيظَا ِهرُو َ‬
‫ن اللّه ع ّز وجلّ قال ‪ { :‬وَالّذِينَ ُيظَا ِهرُونَ }‬
‫الخطاب فيها موجّه للرّجال ‪ ,‬وليس للنّساء ‪ ,‬ل ّ‬
‫ن الظّهار إنّما هو خاص‬
‫ولم يقل ‪ :‬واللئي تظاهرن منكم من أزواجهنّ ‪ ,‬فدلّ ذلك على أ ّ‬
‫بالرّجال ‪.‬‬
‫وقالوا إنّ الظّهار قول يوجب التّحريم في الزّوجة ‪ ,‬ويملك الزّوج رفعه ‪ ,‬لنّه مختص‬
‫ص به الرّجل دون المرأة ‪ ,‬لنّها ل تملك التّحريم بالقول كالطّلق ‪.‬‬
‫بالنّكاح ‪ ,‬فاخت ّ‬
‫ن الحلّ والعقد ‪ -‬التّحليل والتّحريم ‪ -‬في النّكاح بيد الرّجال وليس بيد المرأة منه‬
‫وأضافوا إ ّ‬
‫شيء ‪ ,‬فهو حق للرّجل ‪ ,‬فلم تملك المرأة إزالته كسائر حقوقه ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬إنّه ليس بظهار وهذا عند الحنابلة ‪.‬‬
‫قال القاضي ‪ :‬ل تكون مظاهرةً رواية واحدة ‪ ,‬واختلف عن أحمد في الكفّارة ‪.‬‬
‫ن عائشة بنت‬
‫فنقل عنه جماعة ‪ :‬عليها كفّارة الظّهار لما روى الثرم بإسناده عن إبراهيم أ ّ‬
‫ي كظهر أبي ‪ ,‬فسألت أهل المدينة فرأوا‬
‫طلحة قالت ‪ :‬إنّي تزوّجت مصعب بن الزبير فهو عل ّ‬
‫ن عليها الكفّارة ‪ ,‬ولنّها زوج أتى بالمنكر من القول والزور فلزمه كفّارة الظّهار ‪.‬‬
‫أّ‬
‫والرّواية الثّانية عن أحمد ‪ :‬ليس عليها كفّارة ‪ ,‬لنّه قول منكر وزور وليس بظهار ‪ ,‬فلم‬
‫يوجب كفّار ًة ‪.‬‬
‫والرّواية الثّالثة ‪ ,‬عليها كفّارة اليمين ‪ :‬قال ابن قدامة وهذا أقيس على مذهب أحمد وأشبه‬
‫بأصوله ‪ ,‬لنّه ليس بظهار ‪ ,‬ومجرّد القول من المنكر والزور ل يوجب كفّارة الظّهار ‪.‬‬
‫القول الثّالث ‪ :‬إنّه ظهار وعليها كفّارة الظّهار ‪ ,‬وهذا قول أبي يوسف والحسن بن زيادٍ ‪,‬‬
‫ن المعنى في جانب الرّجل تشبيه المحلّلة بالمحرّمة وذلك يتحقّق في جانبها ‪ ,‬والحل‬
‫لّ‬
‫مشترك بينهما ‪.‬‬
‫سقوط الكفّارة بالستثناء بالمشيئة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في سقوط الكفّارة بالستثناء بالمشيئة في الظّهار على قولين ‪:‬‬ ‫‪59‬‬

‫القول الوّل ‪ :‬سقوط الكفّارة بالستثناء بالمشيئة في الظّهار وعدم انعقاده ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬والشّافعيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وبه قال أبو ثو ٍر واستدلوا بما ورد أنّ النّبيّ‬
‫ث »‪.‬‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬من حلف فاستثنى فإن شاء مضى وإن شاء ترك غير حن ٍ‬
‫ن فقال إن شاء اللّه فقد استثنى فل حنث عليه » ‪.‬‬
‫وفي لفظٍ ‪ « :‬من حلف على يمي ٍ‬
‫ن قصد التّعليق بالمشيئة يمنع النعقاد‬
‫وجه الدّللة من هذا الحديث ‪ :‬أنّه يدل بعمومه على أ ّ‬
‫في الطّلق والظّهار وغيرهما من اليمان لنّها داخلة في عموم الحديث ‪.‬‬
‫واستدلوا بقياس الظّهار على اليمين باللّه تعالى بجامع التّكفير في كلّ ‪ ,‬ولمّا كانت اليمين‬
‫باللّه تعالى يصح الستثناء فيها ويمنع انعقادها ‪ ,‬فكذلك الظّهار ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬عدم سقوط الكفّارة بالستثناء بالمشيئة في الظّهار لنعقاده وإليه ذهب‬
‫المالكيّة ‪.‬‬
‫ن الطّلق والعتاق والمشي والصّدقة ‪ ,‬وكذلك الظّهار ‪ ,‬ليست أيمانا شرع ّيةً ‪ ,‬بل‬
‫واستدلوا بأ ّ‬
‫ن حروف القسم ل تدخل عليها وأنّ الحلف بها ممنوع ‪ ,‬فلو قال ‪:‬‬
‫هي إلزامات ‪ ,‬بدليل أ ّ‬
‫يلزمه الطّلق إن شاء اللّه ‪ ,‬أو يلزمه الظّهار إن شاء اللّه ‪.‬‬
‫لزمه ول اعتبار لمشيئته ‪.‬‬
‫سقوط الكفّارة بمضيّ الوقت في الظّهار المؤقّت ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في سقوط الكفّارة بمضيّ الوقت في الظّهار المؤقّت كأن يقول الزّوج ‪:‬‬ ‫‪60‬‬

‫ي كظهر أمّي شهرا ‪ ,‬أو حتّى ينسلخ الشّهر أو شهر رمضان على تفصيلٍ ينظر في‬
‫أنت عل ّ‬
‫‪ ( :‬ظهار ف ‪. ) 6‬‬
‫تعدد الكفّارة بتعدد الظّهار ‪:‬‬
‫اختلف الفقهاء في تعدد الكفّارة على من ظاهر من زوجته مرارا ولم يكفّر ‪ ,‬وفي تعددها ‪,‬‬
‫على من ظاهر من أربع نسوةٍ له بلفظ واحدٍ أو بكلمات ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬تعدد الكفّارة على من ظاهر من امرأته مرارا ولم يكفّر ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في تعدد الكفّارة على من ظاهر من زوجته مرارا ولم يكفّر على‬ ‫‪61‬‬

‫قولين ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬عدم تعدد الكفّارة على من ظاهر من زوجته مرارا ولم يكفّر مطلقا سواء كان‬
‫س أو في مجالس ‪ ,‬نوى بذلك التّأكيد أو الستئناف أو أطلق ‪.‬‬
‫في مجل ٍ‬
‫وإليه ذهب المالكيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وبه قال عطاء وجابر بن زي ٍد وطاوس والشّعبي والزهري‬
‫وإسحاق وأبو عبي ٍد وأبو ثو ٍر ‪ ,‬واختاره أبو بك ٍر وابن حام ٍد والقاضي ‪ ,‬وروي ذلك عن‬
‫ي في القديم ‪.‬‬
‫عليّ رضي ال عنه ‪ ,‬وهو قول الشّافع ّ‬
‫حرِيرُ رَقَ َبةٍ }‪.‬‬
‫ن ِلمَا قَالُوا فَ َت ْ‬
‫ن مِن ّنسَا ِئ ِهمْ ُثمّ َيعُودُو َ‬
‫واستدلوا بقوله تعالى ‪ { :‬وَالّذِينَ ُيظَا ِهرُو َ‬
‫ففيها دللة على عدم تعدد الكفّارة على من ظاهر من زوجته مرارا ‪ ,‬لنّها عامّة تتناول من‬
‫ظاهر مرّةً واحدةً ‪ ,‬ومن ظاهر مرارا كثيرةً ‪ ,‬فإنّ اللّه تعالى أوجب عليه تحرير رقبةٍ فتبيّن‬
‫ف في الظّهار ‪ ,‬سواء كان مرّ ًة واحدةً أم مرارا كثير ًة ‪.‬‬
‫ن التّكفير الواحد كا ٍ‬
‫بذلك أ ّ‬
‫كما استدلوا بأنّه قول لم يؤثّر تحريما في الزّوجة ‪ ,‬لنّها قد حرمت بالقول الوّل ‪ ,‬فلم تجب‬
‫به كفّارة الظّهار كاليمين باللّه تعالى ‪.‬‬
‫وأنّه لفظ يتعلّق به كفّارة ‪ ,‬فإذا كرّره كفاه واحدة ‪ ,‬كاليمين باللّه تعالى ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬تعدد الكفّارة على من ظاهر من زوجته مرارا ولم يكفّر إذا لم يرد به التّأكيد‬
‫‪ .‬وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬وروي ذلك عن عليّ رضي ال عنه ‪ ,‬وعمرو بن دينارٍ وقتادة ‪.‬‬
‫حرِيرُ‬
‫ن ِلمَا قَالُوا فَ َت ْ‬
‫ن مِن ّنسَا ِئ ِهمْ ُثمّ َيعُودُو َ‬
‫واستدلّ هؤُلء بقوله تعالى ‪ { :‬وَالّذِينَ ُيظَا ِهرُو َ‬
‫رَقَ َبةٍ } ‪.‬‬
‫وجه الدّللة من الية ‪ :‬أنّها تفيد تعدد الكفّارة بتعدد الظّهار لنّها تقتضي كون الظّهار عّلةً‬
‫ليجاب الكفّارة ‪ ,‬فإذا وجد الظّهار الثّاني وجدت علّة وجوب الكفّارة ‪ ,‬وهذا الظّهار الثّاني ‪:‬‬
‫ن الكفّارة الولى وجبت‬
‫إمّا أن يكون عّلةً للكفّارة الولى ‪ ,‬أو لكفّارة ثانيةٍ والوّل باطل ل ّ‬
‫ن تأخر العلّة عن الحكم محال ‪ ,‬فثبت أنّ الظّهار‬
‫بالظّهار الوّل ‪ ,‬فتكوين الكائن محال ‪ ,‬كما أ ّ‬
‫الثّاني يوجب كفّار ًة ثانيةً ‪.‬‬
‫كما استدلوا بقياس الظّهار على الطّلق ‪ ,‬فإذا نوى الستئناف تعلّق بكلّ مرّةٍ حكم كالطّلق ‪.‬‬
‫ن كلّ ظهارٍ يوجب تحريما ل يرتفع إل بالكفّارة ‪ ,‬فيجب في كلّ ظها ٍر كفّارة ‪.‬‬
‫وأ ّ‬
‫ن كفّارةً ‪,‬‬
‫وأنّ تكرار الظّهار في امرأةٍ واحدةٍ كتكرار اليمين ‪ ,‬فكما يجب باعتبار كلّ يمي ٍ‬
‫فكذلك يجب باعتبار كلّ ظها ٍر كفّارةً ‪.‬‬
‫ن النسان قد يكرّر اللّفظ ‪ ,‬ويقصد به التّغليظ‬
‫وإنّما اشترطوا أن ل يقصد به التّأكيد ‪ ,‬ل ّ‬
‫والتّشديد دون إرادة التّجديد ‪.‬‬
‫ن الظّهار ل يوجب نقصان العدد في الطّلق ‪ ,‬لنّه ليس بطلق ول يوجب البينونة وإن‬
‫ول ّ‬
‫طالت المدّة ‪ ,‬كما أنّه ل يوجب زوال الملك وإنّما يحرم الوطء قبل التّكفير مع قيام الملك ‪.‬‬
‫وفصّل الشّافعيّة فقالوا ‪ :‬لو كرّر لفظ الظّهار في امرأةٍ واحدةٍ تكريرا متّصلً وقصد به تأكيدا‬
‫فظهار واحد ‪ ,‬وإن قصد به استئنافا فالظهر الجديد التّعدد ‪ ,‬وإن فصل بين ألفاظ الظّهار‬
‫المكرّر وقصد بتكرير الظّهار استئنافا فالظهر التّعدد وكذا لو قصد تأكيدا فإنّه ل يقبل في‬
‫الصحّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تعدد الكفّارة على من ظاهر من أربع نسوةٍ له بلفظ واحدٍ ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في تعدد الكفّارة على من ظاهر من أربع نسوةٍ له بلفظ واحدٍ على‬ ‫‪62‬‬

‫قولين ‪:‬‬
‫القول الوّل ‪ :‬عدم تعدد الكفّارة على من ظاهر من أربع نسوةٍ له بلفظ واحدٍ ‪.‬‬
‫ي وعمر وعروة وطاوسٍ وعطا ٍء وربيعة‬
‫وإليه ذهب المالكيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وهو قول عل ّ‬
‫ي وإسحاق وأبي ثو ٍر ‪ ,‬والشّافعيّ في القديم ‪.‬‬
‫والوزاع ّ‬
‫وقيّد المالكيّة عدم التّعدد بما إذا لم ينو كفّاراتٍ وإل تعدّدت ‪.‬‬
‫ي رضي ال عنهم حيث قال ‪ :‬إذا كان‬
‫واستدلّ هذا الفريق بما حكي من عموم قول عمر وعل ّ‬
‫تحت الرّجل أربع نسوةٍ فظاهر منهنّ يجزيه كفّارة واحدة ‪ ,‬رواه الدّارقطنيّ عن ابن عبّاسٍ‬
‫عن عمر ‪ -‬رضي اللّه عنهم جميعا ‪ -‬ورواه الثرم عن عمر وعليّ رضي ال عنهم ول‬
‫نعرف لهما في الصّحابة مخالفا ‪ ,‬فكان إجماعا ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّها يمين واحدة ‪ ,‬فلم يجب بها أكثر من كفّارةٍ واحدةٍ كاليمين باللّه تعالى ‪.‬‬
‫ن الظّهار كلمة تجب بمخالفتها الكفّارة ‪ ,‬فإذا وجدت في جماع ٍة أوجبت كفّار ًة واحدةً‬
‫وإ ّ‬
‫كاليمين باللّه تعالى ‪.‬‬
‫ن الظّهار هاهنا بكلمة واحدةٍ ‪ ,‬والكفّارة الواحدة ترفع حكمها وتمحو إثمها ‪ ,‬فل يبقى لها‬
‫وإ ّ‬
‫حكم ‪.‬‬
‫ن بلفظ واحدٍ ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬تعدد الكفّارة بتعدد النّسوة اللئي ظاهر منه ّ‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬والشّافعي في الجديد ‪ ,‬وبه قال الحسن ‪ ,‬والنّخعي والزهري ويحيى‬
‫النصاري والحكم والثّوريّ ‪.‬‬
‫حرِيرُ رَقَ َبةٍ‬
‫ن ِلمَا قَالُوا فَ َت ْ‬
‫ن مِن ّنسَا ِئ ِهمْ ُثمّ َيعُودُو َ‬
‫واستدلوا بقوله تعالى ‪ { :‬وَالّذِينَ ُيظَا ِهرُو َ‬
‫مّن قَ ْب ِل أَن يَ َتمَاسّا } ‪.‬‬
‫ووجه الدّللة من هذه الية أنّها أفادت تعدد الكفّارة بتعدد اللّواتي ظاهر منهنّ ‪ ,‬لنّها‬
‫تقتضي كون الظّهار عّلةً ليجاب الكفّارة ‪ ,‬فإذا وجد الظّهار وجدت علّة وجوب الكفّارة ‪,‬‬
‫ن بكلمة واحدةٍ لزمه كفّارات بعدد اللّواتي ظاهر منهنّ ‪.‬‬
‫فإذا ظاهر منه ّ‬
‫وبيانه ‪ :‬أنّه ظاهر من هذه ‪ ,‬فلزمه كفّارة بسبب هذا الظّهار ‪ ,‬وظاهر أيضا من الثّانية ‪,‬‬
‫فالظّهار الثّاني ل بدّ وأن يوجب كفّارةً أخرى وهكذا ‪.‬‬
‫وقالوا إنّ الظّهار يوجب تحريما مؤقّتًا يرتفع بالكفّارة ‪ ,‬فإذا أضافه إلى محالّ مختلفةٍ ‪ ,‬يثبت‬
‫في كلّ محلّ حرمة ل ترتفع إل بالكفّارة كالتّطليقات الثّلث لما كانت توجب حرمةً مؤقّتةً‬
‫ترتفع بزوج آخر ‪ ,‬فإذا أوجبها في أربع نسوةٍ بكلمة واحدةٍ ‪ ,‬تثبت في حقّ كلّ واحدةٍ منهنّ‬
‫حرمة ل ترتفع إل بزوج ‪.‬‬
‫ن الظّهار وإن كان بكلمة واحدةٍ ‪ ,‬فإنّها تتناول كلّ واحدةٍ منهنّ على حيالها ‪ ,‬فصار‬
‫وإ ّ‬
‫مظاهرا من كلّ واحدةٍ منهنّ ‪ ,‬والظّهار ل يرتفع إل بالكفّارة ‪ ,‬فإذا تعدّد التّحريم تتعدّد‬
‫الكفّارة ‪.‬‬
‫وإنّه وجب الظّهار والعود في حقّ كلّ امرأ ٍة منهنّ ‪ ,‬فوجب عليه عن كلّ واحد ٍة كفّارة ‪ ,‬كما‬
‫لو أفردها به ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬تعدد الكفّارة على من ظاهر من نسائه بكلمات ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في تعدد الكفّارة على من ظاهر من نسائه بكلمات ‪ ,‬كأن قال لكلّ‬ ‫‪63‬‬

‫ي كظهر أمّي ‪ ,‬على قولين ‪:‬‬


‫ن ‪ :‬أنت عل ّ‬
‫واحدةٍ منه ّ‬
‫القول الوّل ‪ :‬تعدد الكفّارة على من ظاهر من نسائه بكلمات ‪.‬‬
‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬والمالكيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬والشّافعيّة ‪.‬‬
‫وبه قال عروة وعطاء والوزاعي وإسحاق والثّوري وأبو ثو ٍر ‪ ,‬والحكم ويحيى النصاري ‪,‬‬
‫وعامّة فقهاء المصار ‪.‬‬
‫وفصّل الشّافعيّة فقالوا ‪ :‬لو ظاهر من نسائه الربع بأربع كلماتٍ فإن لم يوالها كان مظاهرا‬
‫ن فعائد منهنّ ‪ ,‬وتجب‬
‫ن لوجود لفظ الظّهار الصّريح ‪ ,‬فإن أمسكهنّ زمنا يسع طلقه ّ‬
‫منه ّ‬
‫ن‪.‬‬
‫عليه أربع كفّاراتٍ لوجود الظّهار والعود في حقّ كلّ واحدةٍ منه ّ‬
‫وإن والها صار بظهار الثّانية عائدا في الولى ‪ ,‬وبظهار الثّالثة عائدا في الثّانية وبظهار‬
‫الرّابعة عائدا في الثّالثة ‪ ,‬فإن فارق الرّابعة عقب ظهارها فعليه ثلث كفّاراتٍ ‪ ,‬وإل فأربع ‪.‬‬
‫ن متفرّقةٍ فكان لك ّل واحدةٍ كفّارة كما لو كفّر ثمّ‬
‫واستدلوا بأنّها أيمان متكرّرة على أعيا ٍ‬
‫ظاهر ‪.‬‬
‫وأنّها أيمان ل يحنث في إحداها بالحنث في الخرى ‪ ,‬فل تكفّرها كفّارة واحدة كالصل ‪.‬‬
‫ن الظّهار معنىً يوجب الكفّارة ‪ ,‬فتتعدّد الكفّارة بتعدده في المحالّ المختلفة كالقتل ‪.‬‬
‫وأ ّ‬
‫القول الثّاني ‪ :‬ل تتعدّد الكفّارة وتجزئه كفّارة واحدة ‪.‬‬
‫قال أبو بكرٍ ‪ :‬هو رواية ثانية عن أحمد واختارها ‪ ,‬وقال ‪ :‬هذا الّذي قلناه اتّباعا لعمر بن‬
‫الخطّاب والحسن وعطاءٍ وإبراهيم وربيعة وقبيصة ‪.‬‬
‫ن كفّارة الظّهار حق للّه تعالى فلم تتكرّر بتكرر سببها كالحدّ ‪.‬‬
‫واستدلوا بأ ّ‬
‫د ‪ -‬تعدد الكفّارة بالوطء قبل التّكفير ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في تعدد الكفّارة بالجماع قبل التّكفير ‪ ,‬وعدم تعددها على قولين ‪:‬‬ ‫‪64‬‬

‫القول الوّل ‪ :‬عدم تعدد الكفّارة بالجماع قبل التّكفير ‪.‬‬


‫وإليه ذهب جمهور الفقهاء ‪ :‬الحنفيّة والمالكيّة ‪ ,‬والشّافعيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وروي ذلك عن‬
‫ق العجليّ وأبي مجل ٍز والنّخعيّ وعبد‬
‫سعيد بن المسيّب وعطاءٍ وطاوسٍ وجابر بن زي ٍد ومورّ ٍ‬
‫اللّه بن أذينة والثّوريّ والوزاعيّ وإسحاق وأبي ثورٍ ‪.‬‬
‫حرِيرُ رَقَ َبةٍ‬
‫ن ِلمَا قَالُوا فَ َت ْ‬
‫ن مِن ّنسَا ِئ ِهمْ ُثمّ َيعُودُو َ‬
‫واستدلوا بقوله تعالى ‪ { :‬وَالّذِينَ ُيظَا ِهرُو َ‬
‫مّن قَ ْب ِل أَن يَ َتمَاسّا } ‪.‬‬
‫فهذه الية قد دلّت على تعدد الكفّارة بالجماع قبل التّكفير لنّها أفادت أنّه يجب على المظاهر‬
‫كفّارة قبل العود ‪ ,‬فإذا جامع قبل التّكفير فقد فاتت صفة القبليّة ‪ ,‬فيبقى أصل الوجوب ‪,‬‬
‫ن ترك تقديم الكفّارة على الجماع ‪ ,‬يوجب كفّار ًة أخرى ‪.‬‬
‫ولنّه ل دللة فيها على أ ّ‬
‫كما استدلوا بما روي ‪ « :‬أنّ رجلً ظاهر من زوجته فوقع عليها قبل أن يكفّر ‪ ,‬فقال له‬
‫النّبي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ما حملك على هذا ؟ فقال ‪ :‬رأيت خلخالها في ضوء القمر ‪،‬‬
‫فقال له الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ :‬فاعتزلها حتّى تكفّر عنك » ‪.‬‬
‫فهذا الحديث نص في عدم تعدد الكفّارة بالوطء قبل التّكفير ‪ ,‬لنّ الرّسول صلى ال عليه‬
‫وسلم أمره باعتزال زوجته حتّى يكفّر ولم يأمره بتكرار التّكفير لجماعه زوجته قبل أن يكفّر‬
‫عن ظهاره ‪ ,‬وإنّما أمره أن يكفّر تكفيرا واحدا ‪ ,‬إذ لو كان الواجب متعدّدا لبيّنه له رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم لنّه ل يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬تعدد الكفّارة بالجماع قبل التّكفير ‪.‬‬
‫وبه قال عمرو بن العاص وسعيد بن جبيرٍ وقبيصة بن ذؤيبٍ والزهري وقتادة وابن شهابٍ‬
‫وعبد الرّحمن بن مهديّ ‪.‬‬
‫ن الكفّارة الولى للظّهار الّذي اقترن به العود ‪ ,‬والثّانية وجبت للوطء المحرّم ‪,‬‬
‫واستدلوا بأ ّ‬
‫كالوطء في نهار رمضان ‪.‬‬
‫ن الكفّارة تتعدّد عقوب ًة له على إقدامه على الحرام ‪.‬‬
‫وبأ ّ‬
‫وجوب الكفّارة بمجرّد الظّهار دون العود ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة بمجرّد الظّهار دون العود على قولين ‪:‬‬ ‫‪65‬‬

‫القول الوّل ‪ :‬عدم وجوب الكفّارة دون العود ‪.‬‬


‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬والمالكيّة ‪ ,‬والشّافعيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وبه قال عطاء والنّخعي‬
‫والوزاعي والثّوري والحسن وأبو عبي ٍد ‪.‬‬
‫حرِيرُ رَقَ َبةٍ‬
‫ن ِلمَا قَالُوا فَ َت ْ‬
‫ن مِن ّنسَا ِئ ِهمْ ُثمّ َيعُودُو َ‬
‫واستدلوا بقوله تعالى ‪ { :‬وَالّذِينَ ُيظَا ِهرُو َ‬
‫مّن قَ ْب ِل أَن يَ َتمَاسّا } ‪.‬‬
‫ن الكفّارة‬
‫ووجه الدّللة من الية ‪ :‬أنّها نص في معنى وجوب تعلق الكفّارة بالعود ‪ ,‬ل ّ‬
‫وجبت في الية بأمرين هما ‪ :‬ظهار وعود ‪ ,‬فل تثبت بأحدهما ‪.‬‬
‫وبقياس كفّارة الظّهار على كفّارة اليمين ‪ ,‬فكما أنّ الكفّارة في اليمين إنّما تلزم بالمخالفة أو‬
‫بإرادة المخالفة ‪ ,‬فكذلك المر في الظّهار ‪.‬‬
‫ن الكفّارة في الظّهار كفّارة يمينٍ ‪ ,‬فل يحنث بغير الحنث كسائر اليمان ‪ ,‬والحنث فيها‬
‫وبأ ّ‬
‫هو العود ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬وجوب الكفّارة بمجرّد الظّهار دون العود وبه قال طاوس ومجاهد والشّعبي‬
‫والزهري وقتادة ‪.‬‬
‫حرِيرُ رَقَ َبةٍ‬
‫ن ِلمَا قَالُوا فَ َت ْ‬
‫ن مِن ّنسَا ِئ ِهمْ ُثمّ َيعُودُو َ‬
‫واستدلوا بقوله تعالى ‪ { :‬وَالّذِينَ ُيظَا ِهرُو َ‬
‫مّن قَ ْب ِل أَن يَ َتمَاسّا } ‪.‬‬
‫ووجه الدّللة من الية ‪ :‬أنّها تفيد وجوب الكفّارة بمجرّد الظّهار ‪ ,‬لنّ اللّه ع ّز وجلّ قال ‪:‬‬
‫{ ُثمّ َيعُودُونَ ِلمَا قَالُوا } والعود ‪ :‬هو العود بالظّهار في السلم ‪ ,‬لنّ معنى الية ‪ :‬أنّ‬
‫الظّهار كان طلق الجاهليّة ‪ ,‬فنسخ تحريمه بالكفّارة ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّ الظّهار سبب للكفّارة ‪ ,‬وقد وجد فتجب الكفّارة وأنّه معنىً يوجب الكفّارة العليا ‪,‬‬
‫فوجب أن يوجبها بنفسه ل بمعنى زائدٍ ‪ ,‬تشبيها بكفّارة القتل والفطر ‪.‬‬
‫ن الكفّارة وجبت لقول المنكر والزور ‪ ,‬وهذا يحصل بمجرّد الظّهار ‪.‬‬
‫وإ ّ‬
‫العود الموجب للكفّارة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في بيان معنى العود على أربعة أقوالٍ ‪:‬‬ ‫‪66‬‬

‫القول الوّل ‪ :‬العود هو العزم على الوطء ‪.‬‬


‫وإليه ذهب الحنفيّة ‪ ,‬وهي الرّواية الصّحيحة المشهورة عند أصحاب مالكٍ وبه قال القاضي‬
‫وأصحابه ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬العود هو الوطء ‪.‬‬
‫ك لكنّها‬
‫وإليه ذهب الحنابلة ‪ ,‬وحكي ذلك عن الحسن وطاوسٍ والزهريّ وهو رواية عن مال ٍ‬
‫ضعيفة عند أصحابه ‪.‬‬
‫القول الثّالث ‪ :‬العود هو أن يمسكها في النّكاح زمنا يمكنه فيه مفارقتها ‪ ,‬وإليه ذهب‬
‫الشّافعيّة ‪.‬‬
‫القول الرّابع ‪ :‬العود هو تكرار لفظ الظّهار وإعادته ‪.‬‬
‫وإليه ذهب بكير بن الشجّ وأبو العالية ‪ ,‬وهو قول الفرّاء ‪.‬‬
‫ن مِن ّنسَا ِئ ِهمْ ُثمّ َيعُودُونَ‬
‫ن ُيظَاهِرُو َ‬
‫وقد استدلّ أصحاب القول الوّل ‪ :‬بقوله تعالى ‪ { :‬وَالّذِي َ‬
‫ِلمَا قَالُوا فَ َتحْرِيرُ رَقَ َب ٍة مّن قَ ْبلِ أَن يَ َتمَاسّا } ‪.‬‬
‫ووجه الدّللة من الية أنّها نص في وجوب الكفّارة عند العزم على الوطء ‪ ,‬كأنّه تعالى‬
‫قال ‪ :‬إذا عزمت على الوطء فكفّر قبله ‪ ,‬كما قال سبحانه وتعالى ‪ { :‬إِذَا ُقمْ ُتمْ إِلَى الصّلةِ‬
‫غسِلُواْ ُوجُو َهكُمْ } ‪.‬‬
‫فا ْ‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّه قصد بالظّهار تحريمها ‪ ,‬فالعزم على وطئها عود فيما قصد ‪.‬‬
‫ن الظّهار تحريم ‪ ,‬فإذا أراد استباحتها فقد رجع في ذلك التّحريم ‪ ,‬فكان عائدا ‪.‬‬
‫وإ ّ‬
‫ن المفهوم من الظّهار هو أنّ وجوب الكفّارة فيه ‪ ,‬إنّما يكون بإرادته العودة إلى ما حرّم‬
‫وإ ّ‬
‫على نفسه بالظّهار ‪ ,‬وهو الوطء ‪ ,‬وإذا كان ذلك كذلك ‪ ,‬وجب أن تكون العودة إمّا الوطء‬
‫نفسه ‪ ,‬أو العزم عليه وإرادته ‪.‬‬
‫ن العود فعل ضد قوله ‪ ,‬ومنه العائد في هبته هو الرّاجع‬
‫واستدلّ أصحاب القول الثّاني ‪ :‬بأ ّ‬
‫في الموهوب ‪ ,‬والعائد في عدته ‪ :‬التّارك للوفاء بها ‪ ,‬والعائد فيما نهي عنه ‪ :‬فاعل‬
‫ي عنه ‪ ,‬قال تعالى ‪ُ { :‬ثمّ َيعُودُونَ ِلمَا ُنهُوا عَ ْنهُ } فالمظاهر محرّم للوطء على نفسه ‪,‬‬
‫المنه ّ‬
‫ومانع لها منه ‪ ,‬فالعود فعله ‪ ,‬أي فعل الوطء الّذي حرّمه على نفسه بظهاره ‪.‬‬
‫ن الظّهار يمين مكفّرة ‪ ,‬فل تجب الكفّارة بالحنث فيها ‪ ,‬وهو فعل ما حلف على تركه‬
‫وبأ ّ‬
‫كسائر اليمان وإنّما تجب بالوطء ‪ ,‬لنّها يمين تقتضي ترك الوطء ‪ ,‬فل تجب كفّارتها إل به‬
‫كاليلء ‪.‬‬
‫واستدلّ أصحاب القول الثّالث ‪ :‬بأنّه لمّا ظاهر فقد قصد التّحريم ‪ ,‬فإن وصل ذلك بالطّلق ‪,‬‬
‫فقد تمّم ما شرع فيه من التّحريم ‪ ,‬ول كفّارة عليه ‪ ,‬فإذا سكت عن الطّلق ‪ ,‬فذلك يدل على‬
‫أنّه ندم على ما ابتدأ به من التّحريم ‪ ,‬فحينئ ٍذ تجب عليه الكفّارة ‪.‬‬
‫واستدلّ أصحاب القول الرّابع ‪ :‬بقوله تعالى ‪ُ { :‬ثمّ َيعُودُونَ ِلمَا قَالُوا } ‪.‬‬
‫وهذه الية تدل على أنّ العود هو إعادة ما فعلوه ‪ ,‬وهذا ل يكون إل بالتّكرار ‪ ,‬لنّ العود‬
‫في الشّيء إعادته ‪.‬‬
‫وقالوا إنّ الّذي يعقل من لغة العرب في العود إلى الشّيء ‪ ,‬إنّما هو فعل مثله مرّةً ثانيةً ‪,‬‬
‫ن العود في القول عبارة عن‬
‫كما قال تعالى ‪ { :‬وَ َلوْ رُدّواْ َلعَادُواْ ِلمَا ُنهُواْ عَ ْنهُ } ‪ ,‬كما أ ّ‬
‫جوَى ُثمّ َيعُودُونَ ِلمَا ُنهُوا عَ ْنهُ } فكان‬
‫عنِ ال ّن ْ‬
‫تكراره ‪ ,‬قال تعالى ‪ { :‬أَ َلمْ َترَ إِلَى الّذِينَ ُنهُوا َ‬
‫معنى قوله ‪ُ { :‬ثمّ َيعُودُونَ ِلمَا قَالُوا } أي يرجعون إلى القول الوّل فيكرّرونه ‪.‬‬
‫ن عودهم لما نهوا عنه ‪ ,‬هو إتيانهم مرّ ًة ثانيةً بمثل ما نهوا‬
‫وقد اتّفق أهل التّأويل على أ ّ‬
‫عنه ‪ ,‬وما فعلوه أوّل مرّ ٍة ‪.‬‬
‫شروط الكفّارة ‪:‬‬
‫صةً تتعلّق بكلّ سببٍ من أسبابها ‪:‬‬
‫ذكر الفقهاء للكفّارة شروطا عا ّم ًة وأخرى خا ّ‬
‫أ ّولً ‪ :‬الشروط العامّة في الكفّارات ‪:‬‬
‫يشترط في الكفّارات عموما شروط ‪ ,‬منها ‪:‬‬
‫الشّرط الوّل ‪ :‬ال ّنيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على اشتراط النّيّة في الكفّارة لصحّتها ولهم في ذلك تفصيل ‪:‬‬ ‫‪67‬‬

‫فقال الحنفيّة ‪ :‬من وجبت عليه كفّارتا ظهارٍ فأعتق رقبتين ل ينوي عن إحداهما بعينها جاز‬
‫ن الجنس متّحد‬
‫عنهما ‪ ,‬وكذا إذا صام أربعة أشهرٍ أو أطعم مائةً وعشرين مسكينا جاز ‪ ,‬ل ّ‬
‫فل حاجة إلى ن ّيةٍ معيّنةٍ ‪ ,‬وإن أعتق عنهما رقبةً واحدةً أو صام شهرين كان له أن يجعل‬
‫ن نيّة التّعيين‬
‫ذلك عن أيّهما شاء ‪ ,‬وإن أعتق عن ظهارٍ وقت ٍل لم يجز عن واحدٍ منهما ‪ ,‬ل ّ‬
‫في الجنس المتّحد غير مفيدٍ فتلغو وفي الجنس المختلف مفيد ‪ ,‬وقال زفر ل يجزيه عن‬
‫أحدهما في الفصلين ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬لو أعتق رقبتين عن كفّارتي ظهارٍ أو قتلٍ أو فطرٍ في رمضان وأشرك‬
‫بينهما في كلّ واحدةٍ منهما لم يجزه ‪.‬‬
‫وهو بمنزلة من أعتق رقب ًة واحدةً عن كفّارتين ‪ ,‬وكذلك لو صام عنهما أربعة أشه ٍر حتّى‬
‫يصوم عن كلّ واحدةٍ منهما شهرين ‪ ,‬وقد قيل ‪ :‬إنّ ذلك يجزيه ‪.‬‬
‫ولو ظاهر من امرأتين له فأعتق رقب ًة عن إحداهما بغير عينها لم يجز له وطء واحدةٍ منهما‬
‫حتّى يكفّر كفّار ًة أخرى ‪ ,‬ولو عيّن الكفّارة عن إحداهما جاز له أن يطأها قبل أن يكفّر‬
‫الكفّارة عن الخرى ‪ ,‬ولو ظاهر من أربع نسوةٍ فأعتق عنهنّ ثلث رقابٍ ‪ ,‬وصام شهرين ‪,‬‬
‫لم يجزه العتق ول الصّيام ‪ ,‬لنّه إنّما صام عن كلّ واحدةٍ خمسة عشر يوما ‪ ,‬فإن كفّر‬
‫ن ‪ ,‬وإن لم يقدر فرّق بخلف العتق والصّيام‬
‫ن مائتي مسكي ٍ‬
‫عنهنّ بالطعام جاز أن يطعم عنه ّ‬
‫ن صيام الشّهرين ل يفرّق والطعام يفرّق ‪.‬‬
‫‪,‬لّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يشترط لصحّة الكفّارة نيّة الكفّارة بأن ينوي العتق أو الصّوم أو الطعام‬
‫عن الكفّارة لنّها حق مالي يجب تطهيرا كالزّكاة ‪ ,‬والعمال بالنّيّات ول يشترط تعيينها بأن‬
‫تقيّد بظهار أو غيره ‪ ,‬كما ل يشترط في زكاة المال تعيين المال المزكّى بجامع أنّ كلً منهما‬
‫عبادة ماليّة بل تكفي نيّة أصلها ‪ ,‬فلو أعتق رقبتين بنيّة الكفّارة وكان عليه كفّارة قتلٍ‬
‫وظها ٍر أجزأه عنهما ‪ ,‬وإن أعتق واحدةً وقعت عن إحداهما ‪ ,‬وإنّما لم يشترط تعيينها في‬
‫النّيّة كالصّلة لنّها في معظم خصالها نازعة إلى الغرامات فاكتفي فيها بأصل النّيّة ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل يجزئ إطعام وعتق وصوم إل بنيّة ‪ ,‬بأن ينويه عن الكفّارة ‪ ,‬لقوله صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّما العمال بالنّيّات » ‪ ,‬ولنّه حق واجب على سبيل الطهرة فافتقر إلى‬
‫النّيّة كالزّكاة فإن كانت عليه كفّارة واحدة فنوى عن كفّارتين أجزأه ‪ ,‬ولم يلزمه تعيين‬
‫سببها سواء علمه أو جهله ‪ ,‬لنّ النّيّة تعيّنت لها ‪ ,‬ولنّه نوى عن كفّارته ول مزاحم لها‬
‫فوجب تعليق النّيّة بها ‪ ,‬وإن كان عليه كفّارات من جنسٍ واحدٍ لم يجب تعيين سببها فلو‬
‫ن وحلّت له واحدة من نسائه‬
‫كان مظاهرا من أربعٍ فأعتق عبدا عن ظهاره أجزأه عن إحداه ّ‬
‫س واحدٍ فأجزأته نيّة مطلقة ‪ ,‬كما لو كان عليه صوم يومين‬
‫غير معيّنةٍ ‪ ,‬لنّه واجب من جن ٍ‬
‫من رمضان فتخرج بقرعة كما تقدّم في نظائره ‪ ,‬فإن كان الظّهار من ثلث نسوةٍ فأعتق‬
‫عن ظهار إحداهنّ وصام عن ظهار أخرى لعدم من يعتقه ومرض فأطعم ظهار أخرى أجزأه‬
‫ن التّكفير حصل عن الثّلث ‪.‬‬
‫لما تقدّم وحلّ له الجميع من غير قرعةٍ ول تعيينٍ ‪ ,‬ل ّ‬
‫وإن كانت الكفّارات من أجناسٍ كظهار وقت ٍل وجماعٍ في نهار رمضان ويمينٍ لم يجب تعيين‬
‫السّبب أيضا ‪ ,‬لنّها عبادة واجبة فلم تفتقر صحّة أدائها إلى تعيين سببها كما لو كانت من‬
‫س‪.‬‬
‫جن ٍ‬
‫ي كظهر أمّي أو كان‬
‫وإن كانت عليه كفّارتان من ظهارٍ بأن قال لكلّ من زوجتيه ‪ :‬أنت عل ّ‬
‫عليه كفّارتان من ظهارٍ وقتلٍ فقال ‪ :‬أعتقت هذا عن هذه الزّوجة أو أعتقت هذا عن هذه‬
‫الزّوجة الخرى ‪ ,‬أو قال ‪ :‬أعتقت هذا عن كفّارة الظّهار وهذا عن كفّارة القتل أجزأه ‪ ,‬أو‬
‫قال أعتقت هذا عن إحدى الكفّارتين وأعتقت هذا عن الكفّارة الخرى من غير تعيين أجزأه‬
‫لما تقدّم ‪ ,‬أو أعتقهما أي العبدين عن الكفّارتين معا أو قال أعتقت كلّ واحدٍ منهما أي من‬
‫المعنيين عنهما أي الكفّارتين جميعا أجزأه ذلك لما تقدّم ‪.‬‬
‫الشّرط الثّاني ‪ :‬القدرة ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط قدرة المكفّر على التّكفير ‪ ,‬لنّ إيجاب الفعل على غير القادر ممتنع ‪.‬‬ ‫‪68‬‬

‫فإذا كانت الكفّارة مرتّبةً فل يجزئه النتقال من خصلةٍ إلى ما بعدها حتّى يعجز عن الولى ‪,‬‬
‫فمن ملك رقبةً مثلً ل يجزئه النتقال عن العتق إلى الصّيام ‪ ,‬ومن استطاع الصّيام ل يمكنه‬
‫النتقال إلى الطعام وذلك في الجملة ‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء في الوقت الّذي يعتبر المكفّر فيه قادرا أو عاجزًا عن التّكفير ‪ ,‬فذهب‬
‫الحنفيّة والمالكيّة ‪ ,‬والشّافعيّة في أظهر القوال إلى أنّ الوقت المعتبر للقدرة واليسار هو‬
‫ن الكفّارة عبادة لها بدل من غير جنسها فاعتبر حال أدائها ‪.‬‬
‫وقت الداء ‪ ,‬قالوا ‪ :‬ل ّ‬
‫ن الوقت المعتبر هو وقت الوجوب ‪ ,‬لنّ الكفّارة‬
‫وذهب الحنابلة والشّافعيّة في قولٍ إلى أ ّ‬
‫تجب على وجه الطهرة ‪ ,‬فكان العتبار بحالة الوجوب كالحدّ ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬شروط الكفّارات الخاصّة ‪:‬‬
‫تختلف هذه الشروط باختلف أسبابها ووجوب الكفّارة ‪:‬‬
‫شروط وجوب كفّارة اليمين ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ البلوغ والعقل والنعقاد شروط لوجوب الكفّارة باليمين فل كفّارة‬ ‫‪69‬‬

‫ن القلم ‪ -‬أي التّكليف ‪ -‬مرفوع عنهما لقوله‬


‫ي أو مجنونٍ حنث في يمينه ‪ ,‬ل ّ‬
‫على صب ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬رفع القلم عن ثلثةٍ ‪ :‬عن النّائم حتّى يستيقظ ‪ ،‬وعن المبتلى حتّى‬
‫يبرأ ‪ ،‬وعن الصّبيّ حتّى يكبر » ‪.‬‬
‫كما ل كفّارة على من لغا في يمينه لقوله تعالى ‪ { :‬لَ ُيؤَاخِ ُذكُمُ الّل ُه بِالّل ْغوِ فِي أَ ْيمَا ِن ُكمْ‬
‫عقّدتّ ُم الَ ْيمَانَ } والمراد بالعقد القصد ‪.‬‬
‫وَلَـكِن ُيؤَاخِذُكُم ِبمَا َ‬
‫واختلفوا بعد ذلك في السلم ‪ ,‬والختيار ‪ ,‬والعمد ‪ ,‬هل تعتبر شروطا لوجوب الكفّارة أم‬
‫ل؟‬
‫)‪.‬‬ ‫‪54‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪51‬‬ ‫وتفصيل ذلك في ‪ ( :‬أيمان ف‬
‫شروط وجوب كفّارة الظّهار ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ البلوغ والعقل شرطان في وجوب الكفّارة على المظاهر ‪ ,‬لنّ‬ ‫‪70‬‬

‫عبّارة الصّبيّ والمجنون لغوٌ فل تكون موجبةً لها ‪.‬‬


‫واختلفوا في وجوبها على غير المسلم وعلى المكره وغير العامد ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪21‬‬ ‫‪,‬‬ ‫‪16‬‬ ‫وتفصيل ذلك في ‪ ( :‬ظهار ف‬
‫شروط وجوب كفّارة القتل الخطأ ‪:‬‬
‫من الشروط المختلف فيها بين الفقهاء ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬السلم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى اشتراط السلم في القاتل ليجاب الكفّارة عليه ‪ ,‬لنّها‬ ‫‪71‬‬

‫عبادة تحتاج إلى النّيّة ‪ ,‬والكفّار ليسوا من أهلها ‪.‬‬


‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى عدم اشتراطه في إيجاب الكفّارة على القاتل ‪ ,‬لنّ الكافر‬
‫مخاطب بفروع الشّريعة والكفّارة من فروعها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬البلوغ والعقل ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة عدم اشتراط البلوغ والعقل في وجوب الكفّارة على‬ ‫‪72‬‬

‫القاتل ‪ ,‬فتجب على الصّبيّ والمجنون عندهم ‪.‬‬


‫واحتجوا بأنّ الكفّارة حق مالي فتجب في مالهما ‪ ,‬فيعتق الولي عنهما من مالهما ول يصوم‬
‫بحال ‪ ,‬وإن صام الصّبي المميّز أجزأه ‪.‬‬
‫ن الكفّارة من خطاب الوضع أي جعل الشّيء سببا ‪ ,‬فالشّارع جعل القتل سببا لتحرير‬
‫ول ّ‬
‫الرّقبة عند القدرة ‪ ,‬والصّوم شهرين متتابعين عند العجز ولم يجعل ذلك على الفور ‪,‬‬
‫فالصّبي أهل للصّوم باعتبار المستقبل ‪.‬‬
‫ن سببها قول والقول غير معتبرٍ‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّ كفّارة اليمين لم تجب على الصّبيّ والمجنون ل ّ‬
‫ن سببها فعل وهو معتبر من الجميع ‪.‬‬
‫منهما ‪ ,‬بخلف كفّارة القتل فإ ّ‬
‫ن البلوغ والعقل شرطان لوجوب الكفّارة في القتل ‪ ,‬فل كفّارة على القاتل‬
‫ويرى الحنفيّة أ ّ‬
‫ن القتل معدوم منهما حقيقةً ‪.‬‬
‫ي أو المجنون لرفع القلم عنهما ‪ ،‬ول ّ‬
‫الصّب ّ‬
‫ج ‪ -‬الختيار ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب هذا الشّرط على قولين ‪:‬‬ ‫‪73‬‬

‫الوّل ‪ :‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّه يشترط في وجوب الكفّارة على القاتل أن‬
‫يكون مختارا ‪ ,‬وأنّها ل تجب على القاتل المكره لنّه مسلوب الرادة ‪ ,‬ولقوله صلى ال‬
‫ن اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » ‪ ,‬فهذا‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫الحديث يدل على نفي الثم عن المكره والمخطئ ‪ ,‬ونفي الثم يوجب نفي الكفّارة ‪ ,‬لنّها‬
‫شرعت لمحوه ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬ذهب الشّافعيّة إلى أنّه ل يشترط في وجوب الكفّارة الختيار فتجب الكفّارة عندهم‬
‫على المكره لنّه باشر القتل ‪ ,‬ولنّ الكفّارة عبادة وهو من أهلها ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الحرّيّة في القاتل ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في اشتراط الحرّيّة على قولين ‪:‬‬ ‫‪74‬‬

‫ن العبد عندهم‬
‫الوّل ‪ :‬يرى الحنفيّة والمالكيّة اشتراط حرّيّة القاتل لوجوب الكفّارة عليه ل ّ‬
‫ليس من أهل الكفّارة ‪ ,‬لنّه وما ملك ملك لسيّده ‪ ,‬والصّوم شهرين متتابعين يضعفه فيضر‬
‫بسيّده ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬يرى الشّافعيّة والحنابلة أنّه ل يشترط حرّيّة القاتل لوجوب الكفّارة عليه فتجب‬
‫خطَئا فَ َتحْرِيرُ رَقَ َبةٍ‬
‫عندهم على العبد كما تجب على غيره ‪ ,‬لقوله تعالى { َومَن قَ َتلَ ُم ْؤمِنا َ‬
‫ّم ْؤمِ َنةٍ } الية ‪ ,‬فالية عامّة لم تفرّق بين الحرار والعبيد لنّ " من " من صيغ العموم ول‬
‫تخصّص إل بدليل ‪.‬‬
‫شروط وجوب كفّارة الجماع في نهار رمضان ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ السلم والبلوغ والعقل شروط لوجوب الكفّارة بسبب انتهاك‬ ‫‪75‬‬

‫حرمة الصّوم بالجماع في نهار رمضان ‪ ,‬لنّ الكافر ل يعتبر صومه شرعا والمجنون‬
‫كذلك ‪ ,‬أمّا الصّبي فهو وإن كان يصح صومه لكنّه ل يعقل حرمة هذا الشّهر ‪.‬‬
‫ن رمضان شرط في وجوب الكفّارة فل تجب في غيره كقضائه أو صوم‬
‫كما اتّفقوا على أ ّ‬
‫ن الكفّارة إنّما وجبت لهتك حرمة الشّهر ‪ ,‬وليست هذه الحرمة موجودةً في‬
‫النّذر ونحوه ‪ ,‬ل ّ‬
‫غيره ‪.‬‬
‫‪ -‬واختلفوا في اشتراط العمد والختيار ‪:‬‬ ‫‪76‬‬

‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ العمد والختيار شرطان في وجوبها ‪ ,‬فلم يوجبوا‬
‫الكفّارة بالجماع الحادث على وجه الكراه أو الخطأ ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة ‪ :‬إلى عدم اشتراط العمد والختيار لوجوب الكفّارة بالجماع في نهار‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم لم‬
‫رمضان ‪ ,‬فتجب عندهم على من جامع ناسيا أو مكرها ل ّ‬
‫يستفصل السّائل عن حاله ولو كان الحكم يختلف لستفصله ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪27‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪25‬‬ ‫وقد سبق القول في ذلك عند ذكر أسباب الكفّارة بالفطر في رمضان ‪ ( :‬ف‬
‫ما يشترط لجزاء الكفّارات ‪:‬‬
‫وهي الشروط الّتي يجب توافرها في أفراد الكفّارات حتّى تكون مجزئةً ‪.‬‬
‫الشروط الخاصّة بالطعام في الكفّارات ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬من حيث الكيفيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬التّمليك ‪ :‬اختلف الفقهاء في اشتراط التّمليك في الطعام إلى فريقين ‪:‬‬ ‫‪77‬‬

‫الفريق الوّل ‪ :‬وهم المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يشترطون أن يكون الطعام على وجه‬
‫التّمليك ‪ ,‬ككلّ الواجبات الماليّة فإذا قدّم المكفّر الطّعام إلى الفقراء والمساكين على وجه‬
‫الباحة لم يجزئه ‪.‬‬
‫ن التّكفير واجب مالي فل بدّ أن يكون معلوم القدر ليتمكّن الفقير من أخذه ‪,‬‬
‫واستدلوا بأ ّ‬
‫ن الفقير قد يأخذ حقّه كاملً وقد ل يأخذه ل‬
‫والقول بالباحة والتّمكين ل يفيد ذلك ‪ ,‬حيث إ ّ‬
‫سيّما وأنّ كلّ مسكينٍ يختلف عن الخر صغرا وكبرا ‪ ,‬جوعا وشبعا ‪.‬‬
‫ن الطّعام على سبيل الباحة يهلك على ملك المكفّر ول كفّارة بما هلك في ملكه ‪.‬‬
‫وأ ّ‬
‫الفريق الثّاني ‪ :‬وهم الحنفيّة ‪ :‬ل يشترطون تمليك الطّعام في الكفّارات ‪ ,‬بل الشّرط هو‬
‫التّمكين ‪ ,‬فيكفي عندهم دعوة المساكين إلى قوت يومٍ ‪ -‬غداءً وعشا ًء ‪ -‬فإذا حضروا‬
‫وتغدّوا وتعشّوا كان ذلك مجزئا ‪.‬‬
‫عشَرَ ِة َمسَاكِينَ } والطعام في اللغة ‪ :‬اسم للتّمكين‬
‫طعَامُ َ‬
‫واستدلوا بقوله تعالى ‪َ { :‬ف َكفّارَ ُتهُ ِإ ْ‬
‫من الطّعام ل أن يمتلكه ‪ ,‬والمسكنة ‪ :‬الحاجة ‪ ,‬فهو محتاج إلى أكل الطّعام دون تملكه ‪.‬‬
‫ن أَهْلِي ُكمْ } ‪ ,‬والطعام للهل يكون على سبيل الباحة‬
‫ط ِعمُو َ‬
‫سطِ مَا ُت ْ‬
‫وبقوله تعالى ‪ { :‬مِنْ َأ ْو َ‬
‫ل على سبيل التّملك ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬من حيث المقدار ‪:‬‬
‫ن مدا واحدا من‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يشترط أن يعطى ك ّل مسكي ٍ‬ ‫‪78‬‬

‫عشَرَةِ‬
‫طعَامُ َ‬
‫ص الية ‪َ { :‬ف َكفّارَ ُتهُ ِإ ْ‬
‫غالب قوت البلد ‪ ,‬ول يجوز إخراج قيمة الطّعام عملً بن ّ‬
‫َمسَاكِينَ } ‪.‬‬
‫ويشترط أن ل ينقص الحصص ‪ ,‬فل يجوز أن يعطى عشرين مسكينا عشرة أمدادٍ لكلّ واحدٍ‬
‫منهم نصف مدّ إل أن يكمل لعشرةٍ منهم ما نقص ‪.‬‬
‫كما يشترط أن يكون الطعام للعشرة فل يصح التّلفيق ‪ ,‬فلو أطعم خمس ًة وكسا خمسةً ل‬
‫يجزئ ‪.‬‬
‫ويشترط أيضا أن يعطي المدّ لكلّ واحدٍ من العشرة على وجه التّمليك ‪ ,‬ول يجزئ عند‬
‫المالكيّة تكرر العطاء لواحدٍ ‪ ,‬فلو أطعم واحدا عشرة أمدادٍ في عشرة أيّامٍ ل يجزئه ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه يشترط أن يعطى لكلّ مسكينٍ مدّان أي نصف صاعٍ من القمح أو‬
‫صاع من تم ٍر أو شعيرٍ أو قيمة ذلك من النقود أو من عروض التّجارة ‪ ,‬لنّ المقصود دفع‬
‫الحاجة ‪ ,‬وذلك يمكن تحققه بالقيمة ‪.‬‬
‫أمّا مقدار طعام الباحة عندهم ‪ :‬فأكلتان مشبعتان ‪ ,‬أي يشترط أن يغدّي ك ّل مسكينٍ‬
‫ويعشّيه ‪ ,‬وكذلك إذا عشّاهم وسحّرهم ‪ ,‬أو غدّاهم غداءين ونحو ذلك ‪ ,‬لنّهما أكلتان‬
‫مقصودتان ‪.‬‬
‫أمّا إذا غدّى واحدا ‪ ,‬وعشّى واحدا آخر لم يصحّ ‪ ,‬لنّه يكون قد فرّق طعام العشرة على‬
‫عشرين ‪ ,‬وهو ل يصح ‪.‬‬
‫كذلك يشترطون أن ل يعطي الكفّارة كلّها لمسكينٍ واحدٍ في يومٍ واحدٍ دفع ًة واحدةً أو متفرّقةً‬
‫ت‪.‬‬
‫على عشر مرّا ٍ‬
‫أمّا لو أطعم مسكينا واحدا عشرة أيّامٍ غداءً وعشا ًء ‪ ,‬أو أعطى مسكينا واحدا عشرة أيّا ٍم كلّ‬
‫يومٍ نصف صاعٍ جاز لنّ تجدد الحاجة كلّ يومٍ يجعله كمسكينٍ آخر فكأنّه صرف القيمة‬
‫لعشرة مساكين ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬من حيث الجنس ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّ المجزئ في الطعام هو البر ‪ ,‬أو الشّعير ‪ ,‬أو التّمر ‪ ,‬دقيق كلّ‬ ‫‪79‬‬

‫ل أي نصف صاعٍ في دقيق البرّ وصاع في دقيق الشّعير ‪ ,‬وقيل ‪ :‬المعتبر‬


‫واحدٍ كأصله كي ً‬
‫في الدّقيق القيمة ‪ ,‬ل الكيل ‪ ,‬ويجوز إخراج القيمة من غير هذه الصناف ‪.‬‬
‫ن الطعام يكون من القمح إن اقتاتوه ‪ ,‬فل يجزئ غيره من شعيرٍ أو‬
‫وذهب المالكيّة إلى أ ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫ذرةٍ أو غيرهما ‪ ,‬فإن اقتاتوا غير القمح فما يعدله شبعا ل كي ً‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّ الطعام يكون من الحبوب والثّمار الّتي تجب فيها الزّكاة ‪ ,‬لنّ‬
‫البدان تقوم بها ‪ ,‬ويشترط أن يكون من غالب قوت البلد ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى اشتراط أن يكون الطعام من البرّ والشّعير ودقيقهما والتّمر والزّبيب ول‬
‫يجزئ غير ذلك ولو كان قوت بلده إل إذا عدمت تلك القوات ‪.‬‬
‫طعَامُ‬
‫ول يجوز إخراج القيمة عند الجمهور غير الحنفيّة عملً بقوله تعالى ‪َ { :‬ف َكفّارَ ُتهُ ِإ ْ‬
‫شرَةِ َمسَاكِينَ } ‪.‬‬
‫ع َ‬
‫َ‬
‫ن ِمسْكِينا } ‪.‬‬
‫طعَامُ سِتّي َ‬
‫وقوله سبحانه ‪ { :‬فَ ِإ ْ‬
‫رابعا ‪ :‬المستحق للطعام ‪:‬‬
‫‪ -‬اشترط الفقهاء في المحلّ المنصرف إليه الطّعام شروطا منها ‪:‬‬ ‫‪80‬‬

‫أ ‪ -‬أن ل يكون من تصرف إليه الكفّارة ممّن يلزم المكفّر نفقته ‪ ,‬كالصول والفروع ‪ ,‬لنّ‬
‫القصد إشعار المكفّر بألمٍ حين يخرج جزءا من ماله كفّار ًة عن الذّنب الّذي ارتكبه ‪ ,‬وهذا‬
‫المعنى ل يتحقّق إذا أطعم من تلزمه نفقته ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكونوا مسلمين ‪ ,‬فل يجوز عند الجمهور إطعام الكافر من الكفّارات ذمّيا كان أو‬
‫حربيا ‪ ,‬وأجاز أبو حنيفة ومحمّد إعطاء فقراء أهل ال ّذمّة من الكفّارات ‪ ,‬لعموم قوله تعالى‬
‫عشَرَ ِة َمسَاكِينَ } ‪ ,‬من غير تفرقةٍ بين المؤمن وغيره ‪.‬‬
‫طعَامُ َ‬
‫‪َ { :‬ف َكفّارَ ُتهُ ِإ ْ‬
‫ن اللّه تعالى جعل لهم ما يكفيهم من خمس الغنائم ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن ل يكون هاشميا ‪ ,‬ل ّ‬
‫ما يشترط في التّكفير بالكسوة ‪:‬‬
‫‪ -‬اشترط الفقهاء للتّكفير بالكسوة شروطا مجملها ‪ -‬على اختلفهم في بعضها ‪ -‬ما يلي‬ ‫‪81‬‬

‫‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن تكون الكسوة على سبيل التّمليك ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن تكون الكسوة بحيث يمكن النتفاع بها ‪ ,‬فلو كان الثّوب قديما أو جديدا رقيقا ل‬
‫ينتفع به فإنّه ل يجزئ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن تكون ممّا يسمّى كسوةً ‪ ,‬فتجزئ الملءة والجبّة والقميص ونحو ذلك ‪ ,‬ول تجزئ‬
‫العمامة ول السّراويل على الصّحيح عند الحنفيّة ‪ ,‬وكذلك المالكيّة والحنابلة ‪ ,‬لنّ لبسها ل‬
‫يسمّى مكتسيا عرفا بل يسمّى عريانا خلفا للشّافعيّة الّذين أجازوا الكسوة بالعمامة‬
‫والسّراويل ‪ ,‬لنّه يقع عليها اسم الكسوة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أن يعطى للمرأة ثوبا ساترا وخمارا يجزئها أن تصلّي فيه ‪.‬‬
‫ما يشترط في التّكفير بالصّوم ‪:‬‬
‫‪ -‬اشترط الفقهاء لجواز الصّيام في الكفّارات ما يلي ‪:‬‬ ‫‪82‬‬

‫أ ‪ -‬النّيّة ‪ :‬فل يجوز صوم الكفّارة من غير ن ّيةٍ من اللّيل لنّه صوم واجب ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّتابع في صوم كفّارة الظّهار والقتل وجماع نهار رمضان فإن قطع التّتابع ولو في‬
‫اليوم الخير وجب الستئناف ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء فيما ينقطع به التّتابع ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪17‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪9‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬تتابع ف ‪, 3‬‬
‫ما يشترط في التّكفير بالعتاق ‪:‬‬
‫‪ -‬اشترط الفقهاء في الرّقبة المجزئة في الكفّارة ما يلي ‪:‬‬ ‫‪83‬‬

‫ك للغير ‪ ,‬كما ل يجوز‬


‫أ ‪ -‬أن تكون مملوكةً ملكا كاملً للمعتق ‪ ,‬فل يجوز إعتاق عبدٍ مملو ٍ‬
‫ك بينه وبين غيره ‪.‬‬
‫للمكفّر أن يعتق نصف عبدٍ مشتر ٍ‬
‫ب ‪ -‬أن تكون الرّقبة كاملة ال ّرقّ ‪ ,‬فل يجوز إعتاق المدبّر ‪ ,‬لنّه سيصبح حرا بعد وفاة‬
‫سيّده ‪ ,‬وكذلك أم الولد ‪.‬‬
‫أمّا المكاتب فيجوز التّكفير به عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن تكون الرّقبة سليمةً من العيوب المخلّة بالعمل والكسب ‪ ,‬فل يجوز إعتاق مقطوع‬
‫اليدين أو الرّجلين أو أشلّهما إلى غير ذلك ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أن تكون الرّقبة مؤمنةً ‪ ,‬خلفا للحنفيّة حيث يرون جواز إعتاق الرّقبة الكافرة في غير‬
‫كفّارة القتل ‪.‬‬
‫خصال الكفّارة ‪:‬‬
‫‪ -‬خصال الكفّارة في الجملة هي ‪ :‬العتق والصّيام والطعام والكسوة ‪.‬‬ ‫‪84‬‬

‫ن كلً من كفّارة الصّوم والظّهار والقتل مرتّبة‬


‫وذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫ابتداءً وانتها ًء فعلى المكفّر أن يعتق رقبةً إذا استطاع إلى ذلك سبيلً ‪ ,‬فإن لم يجد بأن لم‬
‫يتيسّر له ذلك حسا كأن يكون في مسافة القصر ‪ ,‬أو شرعا كأن لم يقدر على ثمنها زائدا‬
‫على ما يفي بمؤنه فعليه صيام شهرين متتابعين ‪ ,‬فإن عجز المظاهر أو المجامع في نهار‬
‫ض فعليه إطعام ستّين‬
‫رمضان عن الصّوم لهرمٍ أو مرضٍ أو خاف من الصّوم زيادة مر ٍ‬
‫مسكينا ‪.‬‬
‫ن كفّارة إفساد الصّوم على التّخيير وأنّ أفضل خصالها الطعام لكثرة‬
‫وذهب المالكيّة إلى أ ّ‬
‫تعدّي نفعه ‪.‬‬
‫وأمّا كفّارتا الظّهار والقتل فهما مرتّبتان ‪.‬‬
‫فإن عجز عن الجميع استقرّت في ذمّته عند جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والظهر‬
‫عند الشّافعيّة وإحدى الرّوايتين لحمد ‪ ,‬وهذا بالنّسبة لكفّارة الصّوم عند الشّافعيّة بخلف‬
‫سائر الكفّارات فتستقر عندهم ‪.‬‬
‫وفي إحدى الرّوايتين لحمد ‪ ,‬ومقابل الظهر عند الشّافعيّة ‪ :‬أنّ الكفّارة تسقط عنه بالعجز‬
‫عن المور الثّلثة كزكاة الفطر بدليل أنّ العرابيّ لم يأمره النّبي صلى ال عليه وسلم‬
‫بكفّار ٍة أخرى لمّا دفع إليه التّمر ‪.‬‬
‫أمّا كفّارة القتل فليس فيها إطعام بل هي عتق رقبةٍ ‪ ,‬فإن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين‬
‫للية الكريمة ‪.‬‬
‫وقال الفقهاء ‪ :‬إنّ كفّارة اليمين على التّخيير ابتدا ًء ومرتّبة انتهاءً فيختار في أوّلها بين‬
‫إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبةٍ ‪ ,‬فإن لم يجد فعليه صيام ثلثة أيّامٍ ‪,‬‬
‫سوَ ُت ُهمْ َأوْ‬
‫ن أَهْلِيكُمْ َأ ْو كِ ْ‬
‫سطِ مَا ُتطْ ِعمُو َ‬
‫ن مِنْ َأ ْو َ‬
‫شرَةِ َمسَاكِي َ‬
‫ع َ‬
‫لقوله تعالى ‪َ { :‬فكَفّارَ ُت ُه ِإطْعَامُ َ‬
‫َتحْرِيرُ رَقَ َبةٍ َفمَن ّلمْ َيجِدْ فَصِيَامُ ثَلَ َث ِة أَيّامٍ } ‪.‬‬
‫وذهب جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ل يجزئ في العتق إل‬
‫تحرير رقب ٍة مؤمنةٍ سالمةٍ من العيوب المضرّة بالعمل وذلك في جميع الكفّارات ‪ ,‬لقوله‬
‫خطَئا فَ َتحْرِيرُ رَقَ َب ٍة ّم ْؤمِ َنةٍ } وما عدا كفّارة القتل‬
‫تعالى في كفّارة القتل ‪َ { :‬ومَن قَ َت َل ُم ْؤمِنا َ‬
‫فبالقياس عليها ‪ ,‬ولقوله صلى ال عليه وسلم فيمن أراد أن يعتق أمةً ‪ « :‬أعتقها فإنّها‬
‫مؤمنة » ‪ .‬وذهب الحنفيّة إلى أنّه يجزئ تحرير رقبةٍ وإن كانت غير مؤمنةٍ إل في كفّارة‬
‫القتل لطلق النصوص في غير القتل ‪ ,‬ولمتناع جواز قياس المنصوص بعضه على بعضٍ‬
‫ص وهو يوجب النّسخ عندهم ‪ ,‬وإلى هذا ذهب الثّوري‬
‫ن في ذلك إيجاب زيادةٍ في النّ ّ‬
‫‪ ,‬ول ّ‬
‫ح‪.‬‬
‫والحسن بن صال ٍ‬

‫كَفَن *‬
‫انظر ‪ :‬تكفين ‪.‬‬

‫كَفِيل *‬
‫انظر ‪ :‬كفالة ‪.‬‬
‫كَل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬يطلق الكل في اللغة على معانٍ منها ‪ :‬العشب رطبا كان أم يابسا ‪ ,‬والجمع أكلء مثل‬ ‫‪1‬‬

‫ب وأسبابٍ ‪ ,‬يقال ‪ :‬مكان مكلئ ‪ :‬فيه كل ‪.‬‬


‫سب ٍ‬
‫وفي الصطلح قال الكاساني ‪ :‬الكل حشيش ينبت من غير صنع العبد ‪.‬‬
‫وقال ابن عابدين ‪ :‬هو ما ينبسط وينتشر ول ساق له كالذخر ونحوه ‪ ,‬وقال الدّردير ‪:‬‬
‫الكل ‪ :‬العشب ‪.‬‬
‫حكم النتفاع بالكل ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّ ما نبت من الكل في الماكن المباحة كالودية ‪ ,‬والجبال‬ ‫‪2‬‬

‫والراضي الّتي ل مالك لها مشترك بين النّاس ‪ ,‬ول يمنع أحد من أخذ كلئها ول رعي‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬المسلمون شركاء في ثلثٍ الماء والنّار‬
‫ماشيته فيها ‪ ,‬لقول النّب ّ‬
‫والكل » ‪.‬‬
‫وقال عليه الصلة والسلم ‪ « :‬ثلث ل يمنعن الماء والكل والنّار » ‪.‬‬
‫ن النّاس شركاء في هذه الثّلث ‪ ,‬وهو إجماع في الكل النّابت في‬
‫والحديثان دليل على أ ّ‬
‫أرضٍ مباحةٍ ل مالك لها ‪ ,‬وفي الجبال والودية ‪ ,‬وعلى أنّه ليس لحدٍ من عامّة النّاس أن‬
‫ض مملوكةٍ أو‬
‫يحميه لنفسه ‪ ,‬ويمنع غيره من أخذه أو رعي ماشيته ‪ ,‬أمّا النّابت في أر ٍ‬
‫محجّر ٍة ففي جواز حماه خلف بين الفقهاء ‪ :‬قال ابن عابدين ‪ :‬ما نبت ‪ -‬أي من الكل ‪-‬‬
‫في أرضٍ مملوكةٍ بل إنبات صاحبها حكمه كما سبق ‪ ,‬أي ل يمنع أحد من الخذ منه ول‬
‫رعي ماشيته فيه ‪ ,‬إل أنّ لربّ الرض المنع من الدخول في أرضه ‪ ,‬قال الكاساني ‪ :‬لو‬
‫أراد أحد أن يدخل ملك غيره لحتشاش الكل فإذا كان يجده في موضعٍ آخر فلصاحب الرض‬
‫أن يمنعه من الدخول وإن كان ل يجده في موض ٍع آخر يقال لصاحب الرض ‪ :‬إمّا أن تأذن‬
‫له بالدخول وإمّا أن تحشّ بنفسك فتدفعه إليه ‪.‬‬
‫ت كان أنبته في‬
‫وقال ابن عابدين ‪ :‬إذا احتشّ مالك آخر الكل الّذي نبت في أرضه دون إنبا ٍ‬
‫أرضه فهو ملك له ‪ ,‬وليس لحدٍ أخذه بوجهٍ لحصوله بكسبه ‪.‬‬
‫ن أهل قريةٍ لهم مروج يرعون فيها ‪ ,‬ويحتطبون‬
‫وفي كتاب الخراج لبي يوسف ‪ :‬ولو أ ّ‬
‫منها ‪ ,‬وقد عرف أنّها لهم فهي لهم على حالها ‪ ,‬يتبايعونها ‪ ,‬ويتوارثونها ‪ ,‬ويحدثون فيها‬
‫ما يحدث الرّجل في ملكه ‪ ,‬وليس لهم أن يمنعوا الكل ول الماء ‪ ,‬ولصحاب المواشي أن‬
‫يرعوا في تلك المروج ويستقوا من تلك المياه ‪ ,‬وليست الجام كالمروج ‪ ,‬فليس لحدٍ أن‬
‫ن صاحب بقرٍ رعى بقره في أجمة غيره لم يكن له‬
‫يحتطب من أجمة أحدٍ إل بإذنه ‪ ,‬ولو أ ّ‬
‫ذلك ‪ ,‬وضمن ما رعى وأفسد ‪.‬‬
‫والكل ل يباع ول يدفع معامل ًة ‪ .‬ثمّ قال ‪ :‬ولو لم يكن لهل هذه القرية الّذين تكون لهم هذه‬
‫ى لدوابّهم ومواشيهم غير هذه المروج ‪ ,‬وكانوا‬
‫المروج ‪ ,‬وفي ملكهم موضع مسرحٍ ومرع ً‬
‫متى أذنوا للنّاس في رعي هذه المروج أضرّ ذلك بهم وبمواشيهم ودوابّهم كان لهم أن‬
‫يمنعوا كلّ من أراد أن يرعى أو يحتطب منها ‪ ,‬وإن كان لهم مرعىً وموضع احتطابٍ‬
‫حولهم ليس له مالك فإنّه ل ينبغي لهم ول يحل لهم أن يمنعوا الحتطاب والرّعي من النّاس‬
‫‪.‬‬
‫ل لم‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل يمنع مالك أرضٍ تركها استغناءً عنها ولم يبوّرها للرّعي من رعي ك ٍ‬
‫ل نبت في أرضٍ له ل تقبل الزّرع ‪ ,‬وليس له منع من يريد‬
‫يزرعه فيها ‪ ,‬ول يمنع رعي ك ٍ‬
‫رعي ماشيته من هذين الموضعين ‪ ,‬ومحل عدم منعهما ‪ ,‬حيث لم يكتنفه زرع له يخشى أن‬
‫ض يملكها ‪.‬‬
‫تفسده المواشي ‪ ,‬فإن اكتنفه فله منعه ‪ ,‬وله منع كل مرج دوابّه من أر ٍ‬
‫وحماه الّذي بوّره من أرضه للمرعى ‪ ,‬له منع غيره من رعي كل هذين الموضعين وبيعه ‪,‬‬
‫هذا وما قبله في الرض المملوكة له ‪ ,‬أمّا غيرها كالفيافي ‪ ,‬فقال ابن رشدٍ ‪ :‬النّاس فيه‬
‫سواء اتّفاقا ‪.‬‬
‫وإن سبق شخص إلى موضعٍ فيه كل وقصده من بعدٍ ‪ ,‬فتركه ورعى ما حوله فهل له أن‬
‫يمنع غيره من الرّعي فيه ؟‬
‫قال المالكيّة فيه ثلثة أقوالٍ ‪:‬‬
‫ك في المدوّنة ‪.‬‬
‫ليس له أن يمنع ‪ ,‬قاله ابن القاسم في روايته عن مال ٍ‬
‫وفي قو ٍل ‪ :‬يكون أحقّ به بقدر حاجته ‪.‬‬
‫وفي قو ٍل ‪ :‬إن حفر بئرا في الموضع فهو أحق به ‪.‬‬
‫قال الزرقاني ‪ :‬وهو أعدل القوال وأولها بالصّواب ‪ :‬لنّه ل يقدر على المقام على الماء إذا‬
‫ى فتذهب نفقته في البئر باطلً ‪.‬‬
‫لم يكن له في ذلك مرع ً‬
‫ما يحمى من مواضع الكل ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وهو الظهر عند الشّافعيّة إلى أنّ للمام أن يحمي‬ ‫‪3‬‬

‫بقعة مواتٍ لرعي نعم جزي ٍة وصدقةٍ وضاّلةٍ وضعيفٍ عن النجعة بأن يمنع النّاس من رعي‬
‫ما حماه بحيث ل يضرهم ‪ ,‬أن يكون قليلً من كثيرٍ تكفي بقيّته النّاس ‪ ,‬لنّه صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬حما النّقيع لخيل المسلمين » ‪.‬‬
‫ومقابل الظهر عند الشّافعيّة ‪ :‬المنع لخبر ‪ « :‬ل حمى إل للّه ورسوله » ‪.‬‬
‫وفي شروط الجواز وغير ذلك من مسائل الحمى تفصيل في مصطلح ‪ ( :‬حمىً ف ‪ 6‬وما‬
‫بعدها ) ‪.‬‬
‫رعي نبات الحرم ‪:‬‬
‫‪ -‬يجوز عند جمهور الفقهاء رعي حشيش الحرم وكلئه لنّ الهدايا كانت تساق في‬ ‫‪4‬‬

‫عصره صلى ال عليه وسلم وأصحابه رضي ال عنهم ‪ ,‬وما كانت تسد أفواهها في الحرم ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪12‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪10‬‬ ‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬حرم ف‬

‫كللة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الكللة في اللغة ‪ :‬مصدر بمعنى الكلل ‪ :‬وهو التّعب وذهاب القوّة من العياء ‪ ,‬أو هو‬ ‫‪1‬‬

‫مشتق من الكليل ‪ :‬بمعنى الحاطة ‪ :‬من تكلّله أحاط به ‪.‬‬


‫أمّا في الصطلح ‪ :‬فقد اختلف أهل العلم في المراد من الكللة فقيل ‪ :‬الكللة اسم للورثة ما‬
‫عدا الوالدين والمولودين ‪ ,‬وقالت طائفة ‪ :‬الكللة اسم للميّت الّذي ل والد له ول ولد ‪,‬‬
‫فالب والبن طرفان للميّت فإذا ذهبا تكلّله النّسب أي أطافوا بالميّت من جوانبه ‪ ,‬وروي أنّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم سئل عن الكللة فقال ‪ « :‬من مات وليس له ولد و ل والد » ‪.‬‬
‫النّب ّ‬
‫قال الرّاغب فجعله اسما للميّت ‪ ,‬وكل القولين صحيح ‪.‬‬
‫‪ -‬وقد ذكر اللّه سبحانه وتعالى الكللة في موضعين في سورة النّساء ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫ث كَلَ َلةً أَو امْ َرأَةٌ وَ َل ُه أَخٌ َأوْ ُأخْتٌ فَ ِل ُكلّ وَاحِدٍ‬
‫جلٌ يُورَ ُ‬
‫أحدهما قوله تعالى ‪َ { :‬وإِن كَانَ َر ُ‬
‫مّ ْن ُهمَا السّدُسُ } إلخ الية ‪.‬‬
‫س َلهُ‬
‫ك لَيْ َ‬
‫والموضع الثّاني قوله تعالى ‪َ { :‬يسْ َتفْتُونَكَ ُق ِل الّلهُ ُيفْتِيكُمْ فِي ا ْلكَلَ َل ِة إِنِ امْ ُرؤٌ هَلَ َ‬
‫ك وَ ُهوَ َيرِ ُثهَا إِن ّلمْ َيكُن ّلهَا وَلَدٌ َفإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَ َل ُهمَا‬
‫ف مَا تَرَ َ‬
‫وَلَ ٌد وَ َلهُ ُأخْتٌ فَ َلهَا نِصْ ُ‬
‫ن الّلهُ َل ُكمْ أَن‬
‫ن يُبَيّ ُ‬
‫حظّ الُنثَيَيْ ِ‬
‫خوَةً ّرجَا ًل وَ ِنسَاء فَلِل ّذكَ ِر مِ ْثلُ َ‬
‫ك َوإِن كَانُواْ ِإ ْ‬
‫الثّلُثَانِ ِممّا تَرَ َ‬
‫تَضِلّواْ وَالّل ُه ِب ُكلّ شَيْ ٍء عَلِيمٌ } ‪.‬‬
‫ميراث الكللة ‪:‬‬
‫‪ -‬الّذين يرثون كللةً أصناف من الورثة يجمعهم أنّهم من عدا والد الميّت وولده ‪,‬‬ ‫‪3‬‬

‫وهؤُلء منهم ‪ :‬الخوة الشقّاء أو لبٍ أو لمّ وغيرهم من الورثة ‪.‬‬


‫وما بعدها‬ ‫‪45‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪42‬‬ ‫وينظر تفصيل ما يستحقه كل منهم من التّركة في مصطلح ‪ ( :‬إرث ف‬
‫)‪.‬‬
‫كَلم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الكلم اسم من كلّمته تكليما ‪ ,‬والكلم في أصل اللغة ‪ :‬عبارة عن أصواتٍ متتابعةٍ‬ ‫‪1‬‬

‫لمعنىً مفهومٍ ‪.‬‬


‫وفي اصطلح النّحويّين ‪ :‬هو اسم لما تركّب من مسن ٍد ومسندٍ إليه ‪.‬‬
‫قال الفيومي ‪ :‬والكلم في الحقيقة هو المعنى القائم بالنّفس لنّه يقال في نفسي كلم ‪ ,‬وقال‬
‫سهِمْ } ‪.‬‬
‫اللّه تعالى ‪ { :‬وَ َيقُولُونَ فِي أَن ُف ِ‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬اللّفظ ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّفظ في اللغة له معانٍ ‪ ,‬يقال ‪ :‬لفظ ريقه وغيّره لفظا ‪ :‬رمى به ‪ ,‬ولفظ بقولٍ حسنٍ ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫تكلّم به ‪ ,‬وتلفّظ به كذلك ‪ ,‬واستعمللمصدر اسما وجمع على ألفاظٍ ‪.‬‬


‫ل كان أو مستعملً‬
‫واللّفظ في اصطلح الفقهاء ‪ :‬ما ينطق به النسان أو من في حكمه مهم ً‬
‫‪ .‬والصّلة بين اللّفظ والكلم ‪ :‬أنّ اللّفظ أعم من الكلم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الشارة ‪:‬‬
‫‪ -‬الشارة في اللغة ‪ :‬التّلويح بشي ٍء يفهم منه ما يفهم من النطق ‪ ,‬كاليماء بالرّأس ‪,‬‬ ‫‪3‬‬

‫والكفّ والعين ‪ ,‬ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬


‫والصّلة بين الشارة والكلم أنّهما وسيلة لفادة المعنى ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬السكوت ‪:‬‬
‫‪ -‬السكوت في اللغة الصّمت وانقطاع الكلم ‪ ,‬والسكوت خلف النطق وهما مصدران ‪,‬‬ ‫‪4‬‬

‫قال الرّاغب الصفهاني ‪ :‬السكوت مختص بترك الكلم ‪.‬‬


‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫والعلقة بين السكوت والكلم التّضاد ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الخطاب ‪:‬‬
‫‪ -‬الخطاب في اللغة الكلم بين متكّلمٍ وسامعٍ ‪ ,‬وفي اصطلح الفقهاء هو ‪ :‬الكلم‬ ‫‪5‬‬

‫المقصود منه إفهام من هو متهيّئ للفهم ‪.‬‬


‫والخطاب أخص من الكلم ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفي ‪:‬‬
‫‪ -‬كلم العاقل البالغ مباح في الصل للقاعدة الفقهيّة الكلّيّة ‪ " :‬الصل في الشياء‬ ‫‪6‬‬

‫الباحة " إل أنّه بالنّظر لما قد يحيط به من قرائن الحوال تعتريه الحكام فيكون واجبا ‪ ,‬أو‬
‫مندوبا ‪ ,‬أو مكروها ‪ ,‬أو حراما ‪ ,‬إلى جانب حكمه الصليّ وهو الباحة وذلك كما يلي ‪:‬‬
‫فمن الكلم الواجب ‪ :‬النطق بالشّهادتين للدخول في السلم لغير المسلم ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪17‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إسلم ف‬
‫ومن الكلم الواجب تكبيرة الحرام ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪2‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تكبيرة الحرام ف‬
‫ومن الكلم المندوب التّسبيح والذّكر في بعض أفعال الصّلة ‪ ,‬كالفتتاح والركوع ‪,‬‬
‫والسجود ‪ ,‬والتّلبية بعد الحرام ‪ ,‬وغير ذلك ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪12‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬تسبيح ف‬
‫ومن الكلم المكروه ‪ :‬الكلم أثناء خطبة الجمعة عند بعض الفقهاء ‪ ,‬وهو حرام عند البعض‬
‫الخر ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪27‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬صلة الجمعة ف‬
‫ومن الكلم المحرّم ‪ :‬القذف والتّلفظ بالكفر والسّبّ ‪.‬‬
‫وأمّا كلم المجنون والصّغير غير المميّز فهو لغو ول حكم له لنعدام التّكليف في حقّهما‬
‫لقول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬رفع القلم عن ثلث ٍة الصّغير حتّى يكبر وعن‬
‫المجنون حتّى يعقل وعن النّائم حتّى يستيقظ » ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪27‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪14‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬أهليّة ف‬
‫اشتراط الكلم في بعض العبادات والمعاملت ‪:‬‬
‫‪ -‬الكلم قد يكون ركنا في بعض العبادات والمعاملت ونحوها كقراءة القرآن في‬ ‫‪7‬‬

‫الصّلة ‪ ,‬وتكبيرة الحرام ‪ ,‬واليجاب والقبول في عقد الزّواج وسائر العقود الخرى فإنّ‬
‫الكلم فيها ركن ما دام ممكنا ‪ ,‬ول تصح بدونه ول تنعقد ‪ ,‬فإذا تعذّر الكلم كالخرس‬
‫والغائب قامت الكتابة والشارة مقامه بشروطٍ مخصوصةٍ ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪6‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬عقد ف‬
‫أنواع الكلم وطرق دللته على معناه ‪:‬‬
‫‪ -‬للكلم أنواع لدى العلماء تختلف باختلف علمهم ‪ ,‬فعلماء النّحو يقسّمونه إلى اسمٍ‬ ‫‪8‬‬

‫ف‪.‬‬
‫وفعلٍ وحر ٍ‬
‫ل منهما إلى أقسامٍ‬
‫وعلماء أصول الفقه يقسّمون الكلم إلى خب ٍر وإنشاءٍ ‪ ,‬ثمّ يقسّمون ك ً‬
‫مختلفةٍ ‪ ,‬كالمر والنّهي ‪ ,‬والمطلق والمقيّد ‪ ,‬كما يقسّمون الكلم من حيث دللته على معناه‬
‫إلى حقيقةٍ ومجا ٍز وكناي ٍة ‪ ,‬ومنهم من يدخل الكناية في الحقيقة أو في المجاز ول يجعلها‬
‫قسيما لها ‪ ,‬ثمّ إنّهم يقسّمون الكلم إلى عبار ٍة وإشار ٍة ودللةٍ ‪ ,‬واقتضا ٍء ‪ ,‬وإلى مجملٍ‬
‫صلٍ ‪ ,‬وإلى مشكلٍ ومشتركٍ ‪ ,‬وإلى منطوقٍ ومفهومٍ ‪.‬‬
‫ومف ّ‬
‫وتفصيل ذلك في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫هل يعد السكوت كلما ؟ ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل أنّ السكوت ل يعد كلما ‪ ,‬ول يبنى عليه حكم شرعي ممّا يبنى على القول‬ ‫‪9‬‬

‫للقاعدة الفقهيّة الكلّيّة ‪ " :‬ل ينسب إلى ساكتٍ قول " ‪.‬‬
‫إل أنّه يستثنى من ذلك أحوال ينزل السّاكت فيها منزلة المتكلّم ‪ ,‬ويبنى على سكوته أحكام‬
‫القائل المتكلّم للقاعدة الفقهيّة الكلّيّة " السكوت في معرض الحاجة بيان " ‪.‬‬
‫ن فسكتت ‪ ,‬عدّ‬
‫فإذا استأذن الب ابنته البكر العاقلة البالغة في أمر زواجها من شخصٍ معيّ ٍ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬وإذنها صماتها »‬
‫ذلك دليلً على رضاها بالزّواج ‪ ,‬لحديث النّب ّ‬
‫وذلك ما لم يرافق السكوت من القرائن ما يدل على الرّفض كالبكاء والعراض ‪ ,‬وإل لم يعدّ‬
‫رضا ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬سكوت ف‬
‫ما يقوم مقام الكلم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّ الشارة المفهمة والكتابة تقوم مقام العبارة والكلم ‪.‬‬ ‫‪10‬‬

‫فقال الحنفيّة ‪ :‬الشارة معتبرة وقائمة مقام العبارة في كلّ شيءٍ ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ينعقد البيع بالكلم وبغيره من كلّ ما يدل على الرّضا ‪.‬‬
‫وقال الخطيب ‪ :‬إشارة الخرس وكتابته العقد كالنطق للضّرورة ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬الشارة كالكلم وتقوم مقام اللّفظ والكلم ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪15‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إشارة ف ‪ , 4‬وعقد ف‬
‫الكلم حال قضاء الحاجة وفي الخلء ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى كراهة الكلم أثناء‬ ‫‪11‬‬

‫قضاء الحاجة وفي الخلء ول يتكلّم إل لضرورةٍ بأن رأى ضريرا يقع في بئرٍ ‪ ,‬أو ح ّيةً أو‬
‫غيرها تقصد إنسانا أو غيره من المحترمات فل كراهة في الكلم في هذه المواضع ‪ .‬وقال‬
‫ن اللّه تعالى ذكره محمود على كلّ حالٍ ‪.‬‬
‫ابن سيرين والنّخعي ‪ :‬ل بأس بذكر اللّه ‪ ,‬ل ّ‬
‫الكلم أثناء الوضوء ‪:‬‬
‫ن التّكلم بكلم النّاس بغير حاجةٍ أثناء الوضوء خلف‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪12‬‬

‫الولى ‪ ,‬وإن دعت إلى الكلم حاجة يخاف فوتها بتركه لم يكن فيه ترك الدب ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى كراهة الكلم حال الوضوء بغير ذكر اللّه تعالى ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬وضوء ) ‪.‬‬
‫الكلم أثناء الذان ‪:‬‬
‫ن الفصل بين‬
‫‪ -‬صرّح جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بأ ّ‬ ‫‪13‬‬

‫كلمات الذان بأيّ شيءٍ كسكوتٍ أو كلمٍ أو غيره إن كان يسيرا فل يبطل الذان ويبني على‬
‫ما مضى ‪.‬‬
‫ويرى جمهور الفقهاء كراهة الكلم اليسير إن كان لغير سببٍ أو ضرورةٍ ‪ ,‬وقالوا ‪ :‬يكره‬
‫الكلم أثناء الذان حتّى ولو بردّ السّلم ويكره السّلم على المؤذّن ‪ ,‬ويرد السّلم بعد فراغه‬
‫من الذان ‪ ,‬ويبطله الكلم الطّويل لنّه يقطع الموالة المشروطة في الذان عند الجمهور‬
‫غير الحنفيّة ‪ ,‬وأجاز الحنابلة ر ّد السّلم في أثناء الذان ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪23‬‬ ‫وانظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬أذان ف‬
‫الكلم بين القامة والصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في كراهة الكلم في القامة لغير ضرور ٍة إذا كان كثيرا ‪ ,‬أمّا إذا‬ ‫‪14‬‬

‫كان الكلم في القامة لضرور ٍة مثل ما لو رأى أعمى يخاف وقوعه في بئرٍ أو رأى من‬
‫قصدته حيّة وجب إنذاره ويبني على إقامته ‪.‬‬
‫أمّا الكلم القليل لغير ضرورةٍ فقد اختلف فيه ‪:‬‬
‫فذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه ل يكره الكلم بل يؤدّي إلى ترك الفضل ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والحنابلة ووافقهم الزهري إلى أنّه يكره الكلم أثناء القامة وبين القامة‬
‫والصّلة ‪ ,‬ويبني على إقامته ‪ ,‬لنّ القامة حدر وهذا يخالف الوارد ويقطع بين كلماتها ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪16‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إقامة ف‬
‫الكلم بعد ال ّنيّة وقبل تكبيرة الحرام ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الكلم بعد النّيّة وقبل تكبيرة الحرام ‪:‬‬ ‫‪15‬‬

‫فقال الحنفيّة ‪ :‬ينوي الصّلة الّتي يدخل فيها بن ّيةٍ ل يفصل بينها وبين التّحريمة بعملٍ ‪.‬‬
‫وقال بعض الحنفيّة ‪ :‬إذا قال المؤذّن قد قامت الصّلة وجب على المام التّكبير ممّا يدل على‬
‫كراهة الكلم بعد النّيّة وقبل تكبيرة الحرام ‪ ,‬هذا إذا كان لغير ضرور ٍة ‪ ,‬وأمّا إذا كان لمرٍ‬
‫من أمور الدّين فل يكره ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة ‪ :‬كراهة الكلم حين القامة وحرمته بعد إحرام المام ‪ ,‬ول يختص ذلك‬
‫بالجمعة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬الكلم بعد النّيّة وقبل تكبيرة الحرام ل يجوز ويبطل الصّلة ‪ ,‬ولو قال ‪:‬‬
‫ن قوله " نويت " بعد التّكبير كلم أجنبي‬
‫نويت أصلّي الظهر اللّه أكبر نويت ‪ ,‬بطلت صلته ل ّ‬
‫عن الصّلة وقد طرأ بعد انعقاد الصّلة فأبطلها ‪.‬‬
‫ن الكلم ل ينافي العزم‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ولو تكلّم بعد النّيّة وقبل التّكبير صحّت صلته ل ّ‬
‫المتقدّم ول يناقض النّيّة المتقدّمة فتستمر إلى أن يوجد مناقض ‪.‬‬
‫الكلم في الصّلة ‪:‬‬
‫ن الصّلة تبطل بالكلم لما روى زيد بن أرقم رضي ال‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪16‬‬

‫عنه قال ‪ « :‬كنّا نتكلّم في الصّلة ‪ ،‬يكلّم الرّجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصّلة حتّى‬
‫نزلت { وَقُومُواْ لِّلهِ قَانِتِينَ } فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلم » ‪ ,‬وعن معاوية بن الحكم‬
‫ي رضي ال عنه قال ‪ « :‬بينا أنا أصلّي مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إذ‬
‫السلم ّ‬
‫عطس رجل من القوم ‪ ،‬فقلت ‪ :‬يرحمك اللّه ‪ ،‬فرماني القوم بأبصارهم ‪ ،‬فلمّا صلّى رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم فبأبي هو وأمّي ما رأيت معلّما قبله ول بعده أحسن تعليما منه ‪،‬‬
‫فواللّه ما كهرني ول ضربني ول شتمني ‪ ،‬قال ‪ :‬إنّ هذه الصّلة ل يصلح فيها شيء من‬
‫كلم النّاس إنّما هو التّسبيح والتّكبير وقراءة القرآن » ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪107‬‬ ‫وتفصيل ذلك في ‪ ( :‬صلة ف‬
‫الكلم أثناء الخطبة وقبلها وبعدها وبين الخطبتين ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في القديم إلى أنّ‬ ‫‪17‬‬

‫الكلم يحرم أثناء خطبة الجمعة ويجب النصات من حين يأخذ المام في الخطبة فل يجوز‬
‫الكلم لحدٍ من الحاضرين ‪ ,‬ونهى عن ذلك عثمان وابن عمر ‪ ,‬وقال ابن مسعودٍ ‪ :‬إذا رأيته‬
‫يتكلّم والمام يخطب فأقرع رأسه بالعصا ‪ ,‬واستدلوا بقوله تعالى ‪َ { :‬وإِذَا ُق ِرئَ ا ْلقُرْآنُ‬
‫فَاسْ َت ِمعُواْ َل ُه َوأَنصِتُواْ } قال أكثر المفسّرين نزلت في الخطبة وسمّيت الخطبة قرآنا‬
‫لشتمالها على القرآن الّذي يتلى فيها ‪ ,‬ولقوله صلى ال عليه وسلم في حديث أبي هريرة‬
‫رضي ال عنه ‪ « :‬إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والمام يخطب فقد لغوت » واللّغو‬
‫الثم ‪.‬‬
‫قال الكمال بن الهمام ‪ :‬يحرم في الخطبة كلم وإن كان أمرا بمعروفٍ أو تسبيحا والكل‬
‫والشرب والكتابة ‪ ,‬ويكره تشميت العاطس ورد السّلم ‪.‬‬
‫وعن أبي يوسف ل يكره الرّد لنّه فرض ‪.‬‬
‫غ أو إشار ٍة له‬
‫س ‪ ،‬ونهي ل ٍ‬
‫وصرّح الدّردير بحرمة ر ّد السّلم أثناء الخطبة وتشميت عاط ٍ‬
‫ب‪.‬‬
‫وأكلٍ أو شر ٍ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬إذا سمع النسان متكلّما لم ينهه بالكلم لقول النّب ّ‬
‫ص عليه أحمد ‪ ,‬فيضع أصبعه‬
‫« إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت » ولكن يشير إليه ‪ ,‬ن ّ‬
‫على فيه ‪ ,‬وممّن رأى أن يشير ول يتكلّم زيد بن صوحان وعبد الرّحمن بن أبي ليلى‬
‫والثّوري والوزاعي وابن المنذر ‪ ,‬وكره الشارة طاووس ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعي في الجديد وأحمد في روايةٍ أخرى إلى أنّه ل يحرم الكلم ‪ ,‬والنصات سنّة‬
‫ي صلى ال عليه وسلم دخل عليه رجل وهو يخطب يوم الجمعة ‪،‬‬
‫‪ ,‬لما ورد ‪ « :‬أنّ النّب ّ‬
‫فقال ‪ :‬متى السّاعة ؟ فأومأ النّاس إليه بالسكوت فلم يفعل وأعاد الكلم فقال رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم بعد الثّالثة ‪ :‬ويحك ما أعددت لها ؟ قال ‪ :‬حب اللّه ورسوله ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫إنّك مع من أحببت » ‪.‬‬
‫ولم ينكر عليهم النّبي صلى ال عليه وسلم كلمهم ولو حرم عليهم لنكره عليهم ‪.‬‬
‫وروى أنس رضي ال عنه قال ‪ « :‬بينما النّبي صلى ال عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ‬
‫قام رجل فقال ‪ :‬يا رسول اللّه هلك الكراع وهلك الشّاة فادع اللّه أن يسقينا ‪ » . .‬وذكر‬
‫الحديث ‪.‬‬
‫وورد أنّ عثمان دخل وعمر يخطب فقال عمر ‪ :‬ما بال رجالٍ يتأخّرون بعد النّداء ‪ ،‬فقال‬
‫عثمان ‪ :‬يا أمير المؤمنين ما زدت حين سمعت النّداء أن توضّأت ‪ ,‬فدلّت الحاديث على‬
‫جواز الكلم حال الخطبة ‪.‬‬
‫‪ -‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬يجوز الكلم قبل الشروع في الخطبة وبعد الفراغ منها وقبل الصّلة‬ ‫‪18‬‬

‫‪ ,‬وفيما بين الخطبتين خلف ‪ ,‬والظّاهر أنّه ل يحرم وجزم به في المهذّب ‪ ,‬هذا في الكلم‬
‫الّذي ل يتعلّق به غرض مهم ‪ ,‬فأمّا إذا رأى أعمى يقع في بئ ٍر أو عقربا تدب على إنسانٍ‬
‫ف أو نهى عن منكرٍ فإنّه ل يحرم قطعا وقد‬
‫فأنذره فل يحرم بل خلفٍ ‪ ,‬وكذا لو أمر بمعرو ٍ‬
‫ص على ذلك الشّافعي واتّفق عليه الصحاب ‪.‬‬
‫ن ّ‬
‫ووافق الحنابلة الشّافعيّة في جواز الكلم قبل الخطبتين وبعدهما وبينهما إذا سكت المام ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة ‪ :‬إذا خرج المام يوم الجمعة ترك النّاس الصّلة والكلم حتّى يفرغ من‬
‫خطبته ‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف ومحمّد ‪ :‬ل بأس بالكلم إذا خرج المام قبل أن يخطب وإذا نزل قبل أن‬
‫يكبّر ‪ ,‬واختلفا في جلوسه إذا سكت ‪ :‬فعند أبي يوسف يباح الكلم في هذه الحالة لنّ‬
‫الكراهة للخلل بفرض الستماع ول استماع هنا ‪.‬‬
‫وعند محمّدٍ ل يباح الكلم لطلق المر ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة يحرم الكلم بين الخطبتين ويجوز بعد الخطبة ‪.‬‬
‫الكلم في المساجد ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الكلم في المساجد ‪:‬‬ ‫‪19‬‬

‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى كراهة الكلم في المساجد بأمرٍ من أمور الدنيا ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬والكلم المباح فيه مكروه يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب فإنّه مكروه‬
‫ن المساجد لم تبن له ‪.‬‬
‫والكراهة تحريميّة ‪ ,‬ل ّ‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ويكره أن يخوض في حديث الدنيا ‪ ,‬ويشتغل بالطّاعة من الصّلة والقراءة‬
‫والذّكر ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى جواز الكلم المباح في المسجد ‪ ,‬قال النّووي ‪ :‬يجوز التّحدث بالحديث‬
‫المباح في المسجد وبأمور الدنيا وغيرها من المباحات وإن حصل فيها ضحك ونحوه ما دام‬
‫مباحا لحديث جابر بن سمرة رضي ال عنه قال ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ل‬
‫يقوم من مصله الّذي يصلّي فيه الصبح حتّى تطلع الشّمس ‪ ،‬فإذا طلعت الشّمس قام ‪،‬‬
‫وكانوا يتحدّثون فيأخذون في أمر الجاهليّة فيضحكون ويتبسّم » ‪.‬‬
‫الكلم عند قراءة القرآن ‪:‬‬
‫ن استماع‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة في ظاهر المذهب إلى حرمة الكلم عند قراءة القرآن فإ ّ‬ ‫‪20‬‬

‫القرآن والنصات له أي المساك عن الكلم عند قراءته واجب مطلقا سواء في الصّلة أو‬
‫ئ الْقُرْآنُ فَاسْ َت ِمعُواْ َلهُ َوأَنصِتُواْ‬
‫خارجها سواء فهم المعنى أو ل ‪ ,‬لقوله تعالى ‪َ { :‬وإِذَا قُ ِر َ‬
‫حمُونَ } ‪.‬‬
‫َلعَّل ُكمْ تُ ْر َ‬
‫ويكره السّلم عندهم تحريما عند قراءة القرآن على القارئ جهرا كان أو خفيةً ‪ ,‬أمّا غير‬
‫القارئ فيكره السّلم عليه إذا كانت القراءة جهرا ‪.‬‬
‫قال الحليمي ‪ :‬يكره الكلم عند قراءة القرآن ‪ ,‬ويكره أيضا قطع القراءة لمكالمة أحدٍ ‪,‬‬
‫واستدلّ بما ورد عن ابن عمر رضي ال عنهما أنّه كان إذا قرأ القرآن لم يتكلّم حتّى يفرغ‬
‫منه ‪ ,‬ولنّ كلم اللّه ل ينبغي أن يؤثر عليه كلم غيره ‪.‬‬
‫ويسن الستماع لقراءة القرآن وترك الكلم واللّغط والحديث لحضور القراءة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪16‬‬ ‫‪ ,‬وقرآن ف‬ ‫‪17‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬استماع ف ‪ 3‬وما بعدها ‪ ,‬وتلوة ف‬
‫الكلم في الطّواف ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح الحنفيّة بكراهة الكلم أثناء الطّواف لكنّه محمول على ما ل حاجة فيه ‪ ,‬لنّ‬ ‫‪21‬‬

‫ذلك يشغله عن الدعاء ‪ ,‬وإلى هذا ذهب المالكيّة ‪.‬‬


‫وذهب الشّافعيّة إلى جواز الكلم في الطّواف ول يبطل به ول يكره ‪ ,‬لكن الولى والفضل‬
‫ي عن منكرٍ أو تعليم‬
‫ترك الكلم في الطّواف إل أن يكون كلما في خيرٍ كأم ٍر بمعروفٍ أو نه ٍ‬
‫جاه ٍل أو جواب فتوى ‪ ,‬لحديث النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الطّواف بالبيت صلة إل أنّ‬
‫اللّه تعالى أحلّ لكم فيه الكلم فمن يتكلّم فل يتكلّم إل بخيرٍ » ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ويستحب أن يدع الحديث والكلم في الطّواف إل ذكر اللّه تعالى ‪ ,‬أو قراءة‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫القرآن أو أمرا بمعروفٍ أو نهيا عن منكرٍ أو ما ل ب ّد منه ‪ ,‬لقول النّب ّ‬
‫وسلم ‪ « :‬الطّواف بالبيت صلة فأقلوا من الكلم » ‪ ,‬وفي لفظٍ آخر عن ابن عبّاسٍ رضي‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬الطّواف حول البيت مثل الصّلة إل أنّكم‬
‫ال عنهما أنّ النّب ّ‬
‫تتكلّمون فيه فمن تكلّم فيه فل يتكلّمن إل بالخير » ‪ ,‬قال التّرمذي ‪ :‬العمل على هذا عند‬
‫أكثر أهل العلم ‪ ,‬يستحبون أن ل يتكلّم الرّجل في الطّواف إل لحاجةٍ أو بذكر اللّه تعالى أو‬
‫من العلم ‪.‬‬
‫والكلم المباح الّذي يحتاج إليه ل بأس به ‪ ,‬أمّا الكلم غير المحتاج إليه فإنّه يكره لقول ابن‬
‫عمر رضي ال عنهما ‪ :‬أقلوا الكلم في الطّواف فإنّما أنتم في صلةٍ ‪.‬‬
‫وروي عن عطا ٍء قال ‪ :‬طفت خلف ابن عمر وابن عبّاسٍ رضي ال عنهم فما سمعت واحدا‬
‫منهما متكلّما ‪.‬‬
‫الحلف على أن يكلّم أو ل يكلّم ‪ ,‬والنّذر كذلك ‪:‬‬
‫ي كذا إذا تكلّمت مع‬
‫‪ -‬إذا حلف إنسان على أنّه ل يكلّم فلنا أو يكلّمه أو قال ‪ :‬للّه عل ّ‬ ‫‪22‬‬

‫ن أو لم أتكلّم معه فله حالت ‪.‬‬


‫فل ٍ‬
‫وما بعدها ‪ ,‬ونذر ) ‪.‬‬ ‫‪136‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬أيمان ف‬
‫الكلم على الطّعام ‪:‬‬
‫‪ -‬قال ابن الجوزيّ ‪ :‬من آداب الكل أن ل يسكتوا على الطّعام بل يتكلّمون بالمعروف‬ ‫‪23‬‬

‫ويستحب أن يباسط الخوان بالحديث الطّيّب عند الكل والحكايات الّتي تليق بالحال إذا كانوا‬
‫منقبضين ليحصل لهم النبساط ويطول جلوسهم ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬ول يتكلّم بما يستقذر بل يذكر نحو حكايات الصّالحين فإنّ من آداب الكل‬
‫ن السكوت المحض من سير العاجم ‪ ,‬بل عليه‬
‫الكلم على الطّعام ول يسكت عن الكلم فإ ّ‬
‫أن يتحدّث بالمباح وحكايات الصّالحين ومن هذا قيل ‪ :‬الصّمت على الطّعام من سيرة‬
‫الجهلء واللّئام ‪ ,‬ل من سيرة العلماء الكرام ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يسن الحديث غير المحرّم كحكايات الصّالحين على الطّعام ‪ ,‬وتقليل الكلم‬
‫أولى ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يكره لمن يأكل مع غيره أن يتكلّم بما يستقذر أو بما يضحكهم أو يخزيهم ‪,‬‬
‫ويستحب أن يتكلّم بالحديث الطّيّب أثناء الطّعام ‪.‬‬
‫الكلم عند الجماع ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى كراهة الكلم عند الجماع ‪.‬‬ ‫‪24‬‬

‫قال الحنفيّة ‪ :‬يكره الكلم عند الجماع للنّهي عنه ‪ ,‬وقيل مكروه تنزيها ‪ ,‬وقيل تحريما ‪,‬‬
‫وقالوا ‪ :‬يكره الكلم في ثلثة مواضع ‪:‬‬
‫بعد طلوع الفجر والخلء وعند الجماع لنّه أقوى في إساءة الدب ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬المجامع يكره له التّكلم إل لضرورةٍ ‪ ,‬فإن عطس عند قضاء الحاجة أو‬
‫ع حمد اللّه بقلبه ول يحرّك لسانه ‪.‬‬
‫لجما ٍ‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬وتكره كثرة الكلم حال الوطء ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬ويكره الكثار من الكلم حال الجماع لنّه يكره الكلم حال البول وحال‬
‫الجماع في معناه ‪.‬‬
‫وروي عن ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما أنّه يكره أن يذكر اللّه على حالين على الخلء‬
‫والرّجل يواقع أهله ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬للرّجل أن يكلّم امرأته عند الوطء ول إشكال في جوازه ول وجه للكراهة ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬وطء ) ‪.‬‬
‫هجر الكلم مع الزّوجة وغيرها ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يجوز للزّوج أن يهجر زوجته بالكلم ‪.‬‬ ‫‪25‬‬

‫فقال الرّملي ‪ :‬يحرم هجر الزّوجة بالكلم فيما زاد على ثلثة أيّامٍ لكلّ أحدٍ منهما إل إن قصد‬
‫به ردّها عن المعصية وإصلح دينها ل حظّ نفسه ‪ ,‬ول المرين فيما يظهر ‪ ,‬لجواز الهجر‬
‫ق أو مبتدعٍ وكصلح دينه أو دين الهاجر ‪ ,‬ولو علم‬
‫لعذرٍ شرعيّ ككون المهجور نحو فاس ٍ‬
‫أنّ هجره يحمله على زيادة الفسق فينبغي امتناعه عن الهجر ‪.‬‬
‫وقال الرّحيباني ‪ :‬هجر الزّوجة في الكلم ثلثة أيّامٍ ل فوقها ‪ ,‬لحديث أبي أيوب رضي ال‬
‫عنه مرفوعا ‪ « :‬ل يحل لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلثٍ » ‪.‬‬
‫ق أو‬
‫ويحرم الهجران بين المسلمين فوق ثلثة أيّامٍ إل لبدع ٍة في المهجور أو تظاهرٍ بفس ٍ‬
‫نحو ذلك ‪ ,‬وقد هجر رسول اللّه صلى ال عليه وسلم الثّلثة الّذين خلّفوا ونهى الصّحابة‬
‫عن كلمهم كما جاء في صحيح البخاريّ ‪.‬‬
‫وانظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬هجر ‪ ,‬ونشوز ) ‪.‬‬
‫منع الزّوجة من كلم أبويها ‪:‬‬
‫‪ -‬نصّ الحنابلة على أنّه ليس للزّوج منع الزّوجة من كلم أبويها ‪.‬‬ ‫‪26‬‬
‫قال في كشّاف القناع ‪ :‬ول يملك الزّوج منعها من كلم أبويها ‪ ,‬ول يملك منعهما من‬
‫ق في معصية الخالق إل مع ظنّ حصول ضر ٍر يعرف بقرائن‬
‫زيارتها ‪ ,‬لنّه ل طاعة لمخلو ٍ‬
‫الحال بسبب زيارتهما ‪.‬‬
‫وللفقهاء تفصيل في زيارة المرأة لبويها وسائر أهلها ينظر في ‪ ( :‬زيارة ف ‪. ) 8‬‬
‫الكلم مع المرأة الجنبيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه ل يجوز التّكلم مع الشّابّة الجنبيّة بل حاجةٍ لنّه مظنّة الفتنة ‪,‬‬ ‫‪27‬‬

‫وقالوا إنّ المرأة الجنبيّة إذا سلّمت على الرّجل إن كانت عجوزا ردّ الرّجل عليها لفظا أمّا‬
‫إن كانت شا ّب ًة يخشى الفتتان بها أو يخشى افتتانها هي بمن سلّم عليها فالسّلم عليها‬
‫وجواب السّلم منها حكمه الكراهة عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ,‬وذكر الحنفيّة أنّ‬
‫الرّجل يرد على سلم المرأة في نفسه إن سلّمت عليه وترد هي في نفسها إن سلّم عليها ‪,‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة بحرمة ردّها عليه ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪19‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬سلم ف‬
‫الغيبة بالكلم ‪:‬‬
‫‪ -‬الغيبة حرام باتّفاق الفقهاء ‪ ,‬وهي تكون بالكلم ‪ ,‬وتكون بغيره كالشارة واليماء‬ ‫‪28‬‬

‫والغمز والهمز والكتابة والحركة وكل ذلك داخل في الغيبة ‪.‬‬


‫‪.)8,‬‬ ‫‪7‬‬ ‫وللتّفصيل انظر ‪ ( :‬غيبة ف‬
‫قطع كلم الغير ‪:‬‬
‫‪ -‬يكره قطع كلم الغير من غير ضرور ٍة لكلمه خصوصا إذا كان الكلم المقطوع في‬ ‫‪29‬‬

‫مذاكرة العلم أو تكرار الفقه فهو أشد كراهةً ‪.‬‬


‫الكلم أثناء الذّكر والتّسبيح ‪:‬‬
‫‪ -‬يكره الكلم أثناء الذّكر والتّسبيح والدعاء وقراءة القرآن وتفسيره وكذا بين السنن‬ ‫‪30‬‬

‫والفرائض حتّى قيل ‪ :‬التّكلم بين السنّة والفرض ينقص الثّواب ول يسقطه ‪.‬‬
‫تخلل الكلم الجنبيّ بين اليجاب والقبول ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يجب أن ل يتخلّل العقد كلم أجنبي ‪.‬‬ ‫‪31‬‬

‫وصرّح المالكيّة ‪ :‬بأنّه ل يضر في البيع الفصل بين اليجاب والقبول إل أن يخرج عن البيع‬
‫لغيره عرفا ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪18‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬عقد ف‬
‫ما يجب في إذهاب الكلم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه ل قصاص في إذهاب الكلم إن بقي اللّسان وذهبت الجناية‬ ‫‪32‬‬

‫بالكلم وحده ‪ ,‬لعدم إمكان المماثلة في القصاص ‪ ,‬وتجب الدّية كاملةً بإذهاب الكلم ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪22‬‬ ‫وجناية على ما دون النّفس ف‬ ‫‪57‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( ديات ف‬
‫كلم القاضي مع أحد الخصمين سرا ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه يحرم على القاضي الكلم مع أحد الخصمين سرا دون الخر لما‬ ‫‪33‬‬

‫فيه من كسر قلب صاحبه وربّما أضعفه ذلك عن إقامة حجّته ‪ ,‬ول يجوز له أن يلقّنه‬
‫ن عليه أن يعدل بينهما ولما فيه من الضّرر على صاحبه ‪ ,‬وعلى القاضي العدل‬
‫حجّته ‪ ,‬ل ّ‬
‫بين الخصمين في كلّ شيءٍ من الكلم ‪ ,‬واللّحظ ‪ ,‬واللّفظ ‪ ,‬والشارة والقبال ‪ ,‬والدخول‬
‫عليه ‪ ,‬والنصات إليهما والستماع منهما ‪ ,‬والقيام لهما ‪ ,‬وردّ التّحيّة عليهما ‪ ,‬وطلقة‬
‫الوجه لهما ‪ ,‬قال ابن قدامة ‪ :‬ول أعلم فيه مخالفا ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪41‬‬ ‫وقضاء ف‬ ‫‪9‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تسوية ف‬

‫كَلْب *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الكلب في اللغة ‪ :‬كل سب ٍع عقورٍ ‪ ,‬وهو معروف ‪ ,‬وجمعه أكلب وكلب ‪ ,‬وجمع‬ ‫‪1‬‬

‫الجمع ‪ :‬أكالب ‪ ,‬والنثى كلبة وجمعها كلب أيضا وكلبات ‪.‬‬


‫وفي الصطلح ‪ :‬هو ذلك الحيوان النّبّاح ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ – الخنزير ‪:‬‬
‫‪ -‬الخنزير حيوان خبيث ‪ ،‬ويشترك الخنزير مع الكلب في نجاسة العين ‪ ,‬ونجاسة كلّ ما‬ ‫‪2‬‬

‫نتج عنهما وحرمة أكل لحمهما والنتفاع بألبانهما وأشعارهما وجلودهما ولو بعد الدّبغ عند‬
‫الجمهور ‪.‬‬
‫ويفترقان في جواز اقتناء الكلب للصّيد والحراسة أمّا الخنزير فل يجوز اقتناؤُه بحا ٍل ‪.‬‬
‫ب – السّبع ‪:‬‬
‫‪ -‬السّبُْع بضمّ الباء وسكونها ‪ ,‬وقرئ بهما قوله تعالى ‪َ { :‬ومَا أَ َكلَ السّبُعُ } أي وما أكل‬ ‫‪3‬‬

‫منه السّبع ‪.‬‬


‫ويجمع على سباعٍ ‪ ,‬مثل رجلٍ ورجا ٍل ول جمع له غير ذلك ‪.‬‬
‫والسّبع ‪ :‬كل ما له ناب يعدو به ويفترس ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬هو كل منتهبٍ جارحٍ قاتلٍ عادةً ‪.‬‬
‫والسّبع أعم من الكلب فكل كلبٍ سبع وليس كل سب ٍع كلبا ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالكلب ‪:‬‬
‫هناك أحكام تتعلّق بالكلب من حيث اقتناؤُه وتعليمه وحل صيده ‪ ,‬والتّصرف فيه وغير ذلك‬
‫ممّا سيرد تفصيله فيما يلي ‪:‬‬
‫اقتناء الكلب ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل يجوز اقتناء الكلب إل لحاج ٍة ‪ :‬كالصّيد والحراسة ‪ ,‬وغيرهما‬ ‫‪4‬‬

‫من وجوه النتفاع الّتي لم ينه الشّارع عنها ‪.‬‬


‫وقال المالكيّة ‪ :‬يكره اتّخاذه لغير زرعٍ أو ماشي ٍة أو صيدٍ ‪ ,‬وقال بعضهم بجوازه ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬من اتّخذ كلبا إل كلب‬
‫وقد ورد عن أبي هريرة عن النّب ّ‬
‫ع أنتقص من أجره كلّ يومٍ قيراط » ‪.‬‬
‫ماشي ٍة أو صيدٍ أو زر ٍ‬
‫وعن ابن عمر رضي ال عنهما عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬من اقتنى كلبا إل‬
‫كلب صيدٍ أو ماشي ٍة نقص من أجره كلّ يومٍ قيراطان » ‪.‬‬
‫وأمّا اقتناؤُه لحفظ البيوت فقد قال ابن قدامة ‪ :‬ل يجوز على الصحّ للخبر المتقدّم ‪ ,‬ويحتمل‬
‫الباحة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا زالت الحاجة الّتي يجوز اقتناء الكلب لها فإنّه يجب زوال اليد عن الكلب‬
‫بفراغها ‪ ,‬وقالوا يجوز تربية الجرو الّذي يتوقّع تعليمه لذلك ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة ‪ -‬كما في المغني ‪ -‬أنّ من اقتنى كلبا لصي ٍد ‪ ,‬ثمّ ترك الصّيد مدّ ًة ‪ ,‬وهو‬
‫يريد العود إليه ‪ ,‬لم يحرم اقتناؤُه في مدّة تركه ‪ ,‬لنّ ذلك ل يمكن التّحرز منه ‪ ,‬وكذلك‬
‫صاحب الزّرع ‪.‬‬
‫ولو هلكت ماشيته ‪ ,‬فأراد شراء غيرها فله إمساك كلبها لينتفع به في الّتي يشتريها ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫ن النّب ّ‬
‫وإن اقتنى كلبا لصيدٍ من ل يصيد به ‪ ,‬احتمل الجواز ‪ ,‬ل ّ‬
‫استثنى كلب الصّيد مطلقا ‪ ,‬واحتمل المنع ‪ ,‬لنّه اقتناه لغير حاجةٍ ‪ ,‬أشبه غيره من الكلب‬
‫‪ .‬وقال الرّحيباني ‪ :‬يحرم اقتناؤُه لمره عليه الصلة والسلم بقتله ‪ ,‬وإذا لم يجز اقتناؤُه لم‬
‫ن التّعليم إنّما يجوز مع جواز المساك ‪ ,‬فيكون التّعليم حراما ‪ ,‬والحل ل‬
‫يجز تعليمه ‪ ,‬ل ّ‬
‫يستفاد من المحرّم ‪ ,‬ولنّه علّل بكونه شيطانا ‪ ,‬وما قتله الشّيطان ل يباح أكله كالمنخنقة ‪.‬‬
‫وتجوز تربية الجرو الصّغير لحد المور الثّلثة ‪ -‬في أقوى الوجهين ‪ -‬عند الحنابلة ‪ ,‬لنّه‬
‫قصده لذلك ‪ ,‬فيأخذ حكمه ‪ ,‬كما يجوز بيع الجحش الصّغير الّذي ل نفع فيه في الحال لمآله‬
‫إلى النتفاع ‪ ,‬ولنّه لو لم يتّخذ الصّغير ما أمكن جعل الكلب كذلك ‪ ,‬إذ ل يصير معلّما إل‬
‫بالتّعليم ‪ ,‬ول يمكن تعليمه إل بتربيته واقتنائه مدّةً يعلّمه فيها ‪.‬‬
‫التقاط الكلب ‪:‬‬
‫ن ل يمتنع بنفسه من صغار السّباع ‪.‬‬
‫‪ -‬يباح التقاط كلّ حيوا ٍ‬ ‫‪5‬‬

‫وعند المالكيّة ‪ :‬يجوز التقاط الكلب المأذون فيه وعلى ملتقطه أن يعرّفه لمدّة سنةٍ ‪ ,‬فإن لم‬
‫يوجد صاحبه صار ملكا لملتقطه ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ‪ :‬ما ليس بمالٍ ككلبٍ يقتنى ‪ ,‬فميل المام والخذين عنه إلى أنّه ل يؤخذ إل‬
‫ن الختصاص به بعوضٍ ممتنع ‪ ,‬وبل عوضٍ يخالف وضع‬
‫على قصد الحفظ أبدا ‪ ,‬ل ّ‬
‫اللقطة ‪ ,‬وقال الكثرون ‪ :‬يعرّفه سنةً ‪ ,‬ثمّ يختص وينتفع به ‪ ,‬فإن ظهر صاحبه بعد ذلك‬
‫وقد تلف فل ضمان ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة ‪ :‬ل يجوز التقاط ما يقوى على المتناع بنفسه ‪ :‬لكبر جثّته كالبل ‪ ,‬أو‬
‫لطيرانه أو لسرعته كالظّباء ‪ ,‬أو بنابه كالكلب والفهود ‪.‬‬
‫الوصيّة بالكلب ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الشّافعيّة ‪ :‬تصح الوصيّة بنجاس ٍة يحل النتفاع بها لثبوت الختصاص فيها ‪ ,‬ككلبٍ‬ ‫‪6‬‬

‫معّلمٍ أي قابلٍ للتّعليم بخلف الكلب العقور ‪.‬‬


‫ولو أوصى بكلبٍ من كلبه المنتفع بها في صيدٍ أو ماشي ٍة أو زرعٍ أعطى للموصى له‬
‫أحدها بتعيين الوارث أي حسب اختياره ‪ ,‬فإن لم يكن للموصي كلب منتفع به لغت وصيّته ‪.‬‬
‫ولو كان له مال وكلب منتفع بها ‪ ,‬ووصّى بها أو ببعضها ‪ ,‬فالصح نفوذها وإن كثرت‬
‫الكلب الموصى بها وق ّل المال ‪ ,‬لنّه خير منها ‪ ,‬إذ ل قيمة لها ‪.‬‬
‫والثّاني وهو مقابل الصحّ ‪ ,‬ل تنفذ إل في ثلثها ‪ ,‬كما لو لم يكن معها مال ‪ ,‬لنّها ليست‬
‫من جنسه حتّى تضمّ إليه ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬تقوّم بتقدير الماليّة فيها ‪ ,‬وتضم إلى المال ‪ ,‬وتنفذ الوصيّة في ثلث الجميع ‪ ,‬أي‬
‫في قدره من الكلب ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬تصح الوصيّة بالكلب الّذي يباح اقتناؤُه ‪ ,‬لنّها نقل لليد فيه من غير‬
‫عوضٍ ‪ ,‬وتصح هبته لذلك ‪ ,‬وقال القاضي ‪ :‬ل تصح ‪ ,‬لنّها تمليك في الحياة ‪ ,‬أشبه البيع‬
‫‪ ,‬والوّل أصح ‪ ,‬ويفارق البيع لنّه يؤخذ عوضه ‪ ,‬وهو محرّم ‪.‬‬
‫ب شاءوا ‪.‬‬
‫ب وله كلب ‪ ,‬فللورثة إعطاؤُه أيّ كل ٍ‬
‫وقال الرّحيباني ‪ :‬وإن وصّى بكل ٍ‬
‫وإن وصّى لزي ٍد بكلبه ‪ ,‬ووصّى لخر بثلث ماله ‪ ,‬فللموصى له بالثلث ثلث المال ‪,‬‬
‫ن ما حصل للورثة من ثلثي المال قد‬
‫وللموصى له بالكلب ثلثها ‪ ,‬إن لم تجز الورثة ‪ ,‬ل ّ‬
‫جازت الوصيّة فيما يقابله من حقّ الموصى له وهو ثلث المال ‪ ,‬ولم يحتسب على الورثة‬
‫بالكلب ‪.‬‬
‫سرقة الكلب ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل قطع في سرقة الكلب مطلقا ‪ ,‬ولو كان معلّما أو‬ ‫‪7‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬نهى عن بيعه » ‪ ،‬بخلف غيره من الجوارح‬


‫لحراسةٍ ‪ ,‬لنّ النّب ّ‬
‫المعلّمة ‪ ,‬ولو كانت قيمته نصابا ‪.‬‬
‫وعلّله الحنفيّة بأنّه يوجد من جنسه مباح الصل وباختلف العلماء في ماليّته فأورث شبهةً‬
‫ي ‪ ,‬لنّ القطع‬
‫‪ .‬وعلّل الشّافعيّة عدم القطع بأنّه ليس بمالٍ كالخنزير والخمر ‪ -‬ولو من ذمّ ّ‬
‫جعل لصيانة الموال ‪ ,‬وهذه الشياء ليست بمالٍ ‪.‬‬
‫وهذا خلفا لشهب من المالكيّة القائل بالقطع في المأذون في اتّخاذه ‪.‬‬
‫غصب الكلب ‪:‬‬
‫‪ -‬مذهب الجمهور أنّ غصب الكلب المأذون فيه مضمون بقيمته ويجب رده ‪ ,‬بخلف غير‬ ‫‪8‬‬

‫المأذون فيه ‪ ,‬فإنّه ل يغرم إذ ل قيمة له ‪ ,‬وعند الحنابلة يجب رد المأذون فيه وإذا أتلفه لم‬
‫يغرمه ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪13‬‬ ‫( ر ‪ :‬مصطلح غصب ف‬
‫ما يشترط لحلّ صيد الكلب ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط لح ّل الصّيد أن يكون كلب الصّيد معلّما باتّفاق الفقهاء ‪ ,‬لقوله تعالى ‪َ { :‬ومَا‬ ‫‪9‬‬

‫علَ ْيكُمْ } ‪.‬‬


‫سكْنَ َ‬
‫ح ُمكَلّبِينَ ُتعَّلمُو َنهُنّ ِممّا عَّل َم ُكمُ الّلهُ َفكُلُواْ ِممّا َأ ْم َ‬
‫جوَارِ ِ‬
‫عّلمْتُم مّنَ ا ْل َ‬
‫َ‬
‫ولحديث عديّ بن حاتمٍ رضي ال عنه قال ‪ « :‬قلت يا رسول اللّه ‪ ,‬إنّي أرسل الكلب‬
‫ي ‪ ,‬وأذكر اسم اللّه عليه ‪ ،‬فقال ‪ :‬إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم‬
‫المعلّمة فيمسكن عل ّ‬
‫اللّه عليه فكل ‪ ،‬قلت ‪ :‬وإن قتلن ؟ قال ‪ :‬وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس معها » ‪.‬‬
‫ويعتبر في تعليم الكلب شروط إذا أرسله صاحبه استرسل ‪ ,‬وإذا زجره انزجر وإذا أمسك لم‬
‫يأكل ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪38‬‬ ‫( والتّفصيل ‪ :‬في مصطلح صيد ف‬
‫النتفاع بالكلب ‪:‬‬
‫‪ -‬تقدّم جواز اقتناء الكلب لحاجةٍ كالصّيد والحراسة وغيرهما من وجوه النتفاع به الّتي‬ ‫‪10‬‬

‫لم ينه الشّارع عنها‬


‫استئجار الكلب ‪:‬‬
‫ب أو غيره ‪,‬‬
‫‪ -‬منع الحنفيّة إجارة الكلب لنّه ل يمكن حمله على منفعة الحراسة بضر ٍ‬ ‫‪11‬‬

‫نصّ عليه في الهنديّة ‪ ,‬وفي بعض الرّوايات أنّه يجوز إذا بيّن لذلك وقتًا معلوما ‪.‬‬
‫وقال النّووي ‪ :‬استئجار الكلب المعلّم للصّيد والحراسة باطل على الصحّ ‪ ,‬وقيل يجوز ‪,‬‬
‫كالفهد والبازي ‪ ,‬والشّبكة للصطياد ‪ ,‬والهرّة لدفع الفأر ‪ ,‬وقال ابن قدامة ‪ :‬ل تجوز‬
‫إجارته نصّ عليه أحمد لنّه حيوان محرّم بيعه لخبثه ‪ ,‬فحرمت إجارته كالخنزير ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪101‬‬ ‫والتّفصيل ينظر في ‪ ( :‬مصطلح إجارة ف‬
‫بيع الكلب ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى عدم جواز بيع الكلب مطلقا ‪ « ،‬لنهي النّبيّ صلى ال‬ ‫‪12‬‬

‫عليه وسلم عن ثمن الكلب ‪ ,‬ومهر البغيّ ‪ ,‬وحلوان الكاهن » ‪.‬‬


‫وذهب الحنفيّة وسحنون من المالكيّة إلى جواز بيع الكلب مطلقا لنّه مال منتفع به حقيقةً ‪,‬‬
‫إل في روايةٍ عن أبي حنيفة رواها أبو يوسف عنه في الكلب العقور فإنّه ل يجوز بيعه ‪.‬‬
‫ل بين الكلب المأذون فيه ‪ ,‬وبين غيره ‪,‬‬
‫وحكى في الفواكه الدّواني أنّ عند المالكيّة تفصي ً‬
‫فمنعوا باتّفاقٍ بيع غير المأذون فيه ‪ ,‬للحديث المرويّ سابقا ‪.‬‬
‫وأمّا المأذون فيه ‪ ,‬ففيه ثلثة أقوالٍ عندهم ‪ :‬المنع ‪ ,‬والكراهة ‪ ,‬والجواز ‪.‬‬
‫ك المنع ‪.‬‬
‫والمشهور منها عن مال ٍ‬
‫بيع جلد الكلب ‪:‬‬
‫ن جلد الكلب ل يطهر‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة وهو المشهور عند المالكيّة إلى أ ّ‬ ‫‪13‬‬

‫بالدّباغة لنّه نجس العين فل يباع ولو دبغ ‪.‬‬


‫ن جلود جميع الحيوانات تطهر بالدّباغة حتّى‬
‫وفي رواي ٍة عن سحنونٍ وابن عبد الحكم أ ّ‬
‫الخنزير ‪ ,‬لحديث ‪ « :‬إذا دبغ الهاب فقد طهر » فيجوز بيع جلد الكلب بعد الدّباغة ‪.‬‬
‫والحنفيّة يقولون بطهارة جلد جميع الحيوانات غير مأكولة اللّحم بالدّبغ ما عدا الخنزير لنّه‬
‫نجس العين ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪10‬‬ ‫‪ ,‬دباغة ف ‪ , 8‬جلد ف‬ ‫‪12‬‬ ‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬بيع منهي عنه ف‬
‫الستصباح بدهنه وودكه ‪:‬‬
‫‪ -‬جمهور الفقهاء على عدم جواز الستصباح بما كان نجسا بعينه ‪ ,‬في المسجد وغيره‬ ‫‪14‬‬

‫‪.‬‬
‫أمّا ما كان متنجّسا فالجمهور على عدم جواز الستصباح به في المسجد دون غيره ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يجوز ‪ -‬مع الكراهة ‪ -‬في غير المسجد الستصباح بالدهن النّجس وكذلك‬
‫دهن الدّوابّ ‪ ,‬كما يجوز له ذلك بالمتنجّس على المشهور ‪ ,‬لما روي من أنّه صلى ال عليه‬
‫وسلم سئل عن فأر ٍة وقعت في سمنٍ فقال ‪ « :‬إن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان‬
‫مائعا فاستصبحوا به » ‪.‬‬
‫أمّا في المسجد فل ‪ ,‬لما فيه من تنجيسه ‪ ,‬كذا جزم به ابن المقري تبعا للذرعيّ‬
‫والزّركشيّ ‪ ,‬وصرّح بذلك المام ‪ ،‬وهو المعتمد ‪.‬‬
‫قال الرّملي ‪ :‬ومحل ذلك في غير ودك نحو الكلب ‪ ,‬فل يجوز الستصباح به لغلظ نجاسته ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬مصطلح استصباح ف ‪. ) 4‬‬
‫نجاسة الكلب ‪:‬‬
‫ن الكلب ليس بنجس العين ‪ ,‬ولكن سؤره ورطوباته نجسة ‪.‬‬
‫‪ -‬يرى الحنفيّة أ ّ‬ ‫‪15‬‬

‫ويرى المالكيّة ‪ :‬أنّ الكلب طاهر العين لقولهم ‪ :‬الصل في الشياء الطّهارة ‪.‬‬
‫فكل حيّ ‪ -‬ولو كلبا وخنزيرا ‪ -‬طاهر ‪ ,‬وكذا عرقه ودمعه ومخاطه ولعابه ‪ ,‬وإل ما خرج‬
‫من الحيوان من بيضٍ أو مخاطٍ أو دم ٍع أو لعابٍ بعد موته بل ذكاةٍ شرع ّيةٍ ‪ ،‬فإنّه يكون‬
‫نجسا ‪ ,‬فهذا في الحيوان الّذي ميتته نجسة ‪.‬‬
‫ن الكلب نجس العين ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة والحنابلة أ ّ‬
‫حكم شعر الكلب من حيث الطّهارة والنّجاسة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في نجاسة شعر الكلب أو طهارته سواء أخذ منه في حال حياته أو بعد‬ ‫‪16‬‬

‫موته ‪:‬‬
‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة وهو رواية عن أحمد إلى طهارته ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة على المذهب إلى نجاسته ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪19‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬مصطلح شعر وصوف ووبر ف‬
‫حكم معضّ كلب الصّيد من حيث النّجاسة والطّهارة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في نجاسة معضّ كلب الصّيد ‪ ,‬ممّا يصيده فذهب بعضهم إلى طهارة‬ ‫‪17‬‬

‫ض الكلب ‪.‬‬
‫مع ّ‬
‫وذهب آخرون إلى نجاسته ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪44‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬صيد ف‬
‫تطهير الناء من ولوغ الكلب ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يجب غسل الناء سبعا إحداهنّ بالتراب إذا ولغ الكلب‬ ‫‪18‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله‬
‫فيه ‪ ,‬لقول النّب ّ‬
‫ت أولهنّ بالتراب » ‪.‬‬
‫سبع مرّا ٍ‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه يندب غسل الناء سبعا ول تتريب مع الغسل ‪.‬‬
‫ومذهب الحنفيّة وجوب غسل الناء ثلثا ‪ ,‬ولهم قول بغسله ثلثا أو خمسا أو سبعا ‪.‬‬
‫ن تعدد الغسل تعبد ‪ ,‬وهذا هو المشهور من مذهب المالكيّة ‪ ,‬لطهارة‬
‫ويرى بعض الفقهاء أ ّ‬
‫الكلب ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬لقذارته ‪ ,‬وقيل ‪ :‬لنجاسته ‪ ,‬وعليهما فكونه سبعا ‪ ,‬تعبدا ‪ ,‬وقيل ‪ :‬لتشديد المنع ‪.‬‬
‫واختار ابن رش ٍد كون المنع مخافة أن يكون الكلب كلبا ‪ ,‬فيكون قد داخل من لعابه الماء ما‬
‫يشبه السمّ ‪ ,‬قال ‪ :‬ويدل على صحّة هذا التّأويل تحديده بالسّبع ‪ ,‬لنّ السّبع من العدد‬
‫مستحب فيما كان طريقه التّداوي ‪ ,‬ل سيّما فيما يتوقّى منه السم ‪ ,‬كقوله صلى ال عليه‬
‫ت عجوةٍ لم يضرّه ذلك اليوم سم ول سحر » ‪.‬‬
‫وسلم ‪ « :‬من تصبّح بسبع تمرا ٍ‬
‫ن الكلب الكلِب يمتنع عن ولوغ الماء ‪.‬‬
‫قال ابن عرفة ‪ :‬ور ّد عليه بنقل الطبّاء أ ّ‬
‫وأجاب حفيد ابن رشدٍ ‪ ,‬أنّه يمتنع إذا تمكّن منه الكلب ‪ ,‬أمّا في أوائله ‪ ,‬فل ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪2‬‬ ‫( ر ‪ :‬مصطلح تتريب ف‬
‫تعدد الولوغ ‪:‬‬
‫ب واحدٍ مرّاتٍ في إناءٍ واحدٍ أو‬
‫‪ -‬قال المالكيّة ‪ :‬ل يتعدّد الغسل سبعا بسبب ولوغ كل ٍ‬ ‫‪19‬‬

‫ولوغ كلبٍ في إناءٍ واحدٍ قبل غسله ‪ ,‬لتداخل مسبّبات السباب المتّفقة في المسبّب‬
‫كنواقض الوضوء وموجبات الحدود والقصاص ‪.‬‬
‫وذكر النّووي أنّه لو ولغ كلبان ‪ ,‬أو كلب واحد مرّاتٍ في إنا ٍء ففيه ثلثة أوجهٍ ‪:‬‬
‫الصّحيح ‪ ,‬أنّه يكفيه للجميع سبع مرّاتٍ إحداهنّ بالتراب ‪ ,‬والثّاني ‪ :‬يجب لك ّل ولغةٍ سبع ‪,‬‬
‫والثّالث ‪ :‬يكفي لولغات الكلب الواحد سبع ‪ ,‬ويجب لكلّ كلبٍ سبع ‪.‬‬
‫ت مقام‬
‫ول تقوم الغسلة الثّامنة ‪ ,‬ول غمس الناء في ماءٍ كثي ٍر ومكثه فيه قدر سبع غسل ٍ‬
‫التراب على الصحّ ‪.‬‬
‫قال الشّيخ زكريّا النصاري ‪ :‬وكفت السّبع مع التّتريب في إحداها وإن تعدّدت الكلب ‪.‬‬
‫وقال النّووي ‪ :‬ولو كانت نجاسة الكلب دمه أو روثه ‪ ,‬فلم يزل عنه إل بستّ غسلتٍ ‪ ,‬فهل‬
‫ت ‪ ,‬أم غسلة واحدة ‪ ,‬أم ل يحسب من السّبع ؟ ثلثة أوجهٍ ‪ ,‬أصحها‬
‫يحسب ذلك ستّة غسل ٍ‬
‫واحدة ‪.‬‬
‫مرور الكلب السود بين يدي المصلّي ‪:‬‬
‫ن الصّلة ل تبطل بمرور شيءٍ بين المصلّي والسترة‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪20‬‬

‫وقالوا ‪ :‬إنّ المراد بقطع الصّلة بمرور شي ٍء إنّما هو نقص الصّلة لشغل قلب المصلّي بما‬
‫يمر بين يديه وليس المراد إبطال الصّلة ‪.‬‬
‫ونقل الجماعة عن المام أحمد رحمه ال أنّ الصّلة ل يقطعها إل الكلب السود البهيم ‪ ,‬قال‬
‫الثرم ‪ :‬سئل أبو عبد اللّه ‪ ,‬ما يقطع الصّلة ؟ قال ‪ :‬ل يقطعها عندي شيء إل الكلب‬
‫السود البهيم ‪.‬‬
‫والبهيم الّذي ليس في لونه شيء سوى السّواد ‪ ,‬وإن كان بين عينيه نكتتان تخالفان لونه‬
‫لم يخرج بهذا عن كونه بهيما تتعلّق به أحكام السود البهيم ‪ ,‬من قطع الصّلة ‪ ,‬وتحريم‬
‫صيده وإباحة قتله ‪ ,‬فإنّه قد ورد في حديث ‪ « :‬عليكم بالسود البهيم ذي النقطتين فإنّه‬
‫شيطان »‪ .‬وقطعه للصّلة قول عائشة رضي ال عنها ‪ ,‬وهو محكي عن طاووسٍ ومجاهدٍ ‪,‬‬
‫ومروي عن أنسٍ وعكرمة والحسن وأبي الحوص ‪.‬‬
‫ووجه هذا القول ما روى أبو هريرة ‪ ,‬قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬يقطع‬
‫الصّلة المرأة والحمار والكلب ويقي ذلك مثل مؤخّرة الرّحل » ‪.‬‬
‫وعن أبي ذرّ رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا قام أحدكم‬
‫يصلّي فإنّه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرّحل فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرّحل‬
‫فإنّه يقطع صلته الحمار والمرأة والكلب السود » ‪.‬‬
‫قال عبد اللّه بن الصّامت ‪ :‬يا أبا ذ ّر ‪ ,‬ما بال الكلب السود من الكلب الحمر من الكلب‬
‫الصفر ؟ قال ‪ :‬يا ابن أخي ‪ ,‬سألت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كما سألتني فقال ‪:‬‬
‫« الكلب السود شيطان » ‪.‬‬
‫أكل لحم الكلب ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء حرمة أكل لحم كلّ ذي نابٍ يفترس به ‪ ,‬سواء أكانت أهل ّيةً‬ ‫‪21‬‬

‫ي ‪ ,‬أم وحش ّيةً كالسد والذّئب ‪.‬‬


‫كالكلب والسّنّور الهل ّ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫استدلوا لذلك بحديث أبي هريرة رضي ال عنه أ ّ‬
‫« كل ذي نابٍ من السّباع فأكله حرام » ‪.‬‬
‫وللمالكيّة في أكل لحم الكلب قولن ‪ :‬الحرمة ‪ ,‬والكراهة ‪ ,‬وصحّح ابن عبد البرّ التّحريم ‪,‬‬
‫قال الحطّاب ولم أر في المذهب من نقل إباحة أكل الكلب ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪24‬‬ ‫وللتّفصيل ر ‪ ( :‬أطعمة ف‬
‫هبة الكلب ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والحنابلة وهو مقابل الصحّ من الوجهين عند الشّافعيّة ‪ -‬كما قال‬ ‫‪22‬‬

‫النّووي ‪ -‬إلى صحّة هبة الكلب لنّها تبرع وأخف من البيع ‪.‬‬
‫والصح من الوجهين عند الشّافعيّة ‪ -‬كما قال النّووي ‪ -‬بطلن هبة الكلب قياسا على‬
‫بطلن بيعه ‪.‬‬
‫وقف الكلب ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى الحنفيّة والحنابلة عدم جواز وقف الكلب ‪.‬‬ ‫‪23‬‬

‫وعند المالكيّة يجوز وقف الكلب المأذون في اتّخاذه ‪.‬‬


‫والصح عند الشّافعيّة أنّه ل يصح وقف الكلب المعلّم أو الّذي يقبل التّعليم لنّه غير مملوكٍ‬
‫‪ ,‬والثّاني يصح على رأيٍ ‪ ,‬أمّا غير المعلّم أو القابل للتّعليم فل يصح عندهم وقفه جزما ‪.‬‬
‫رهن الكلب ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ل يصح رهن الكلب لنّ ما ل يجوز بيعه ل‬ ‫‪24‬‬

‫يجوز رهنه ‪ ,‬وما يجوز بيعه يجوز رهنه ‪.‬‬


‫ومذهب الحنفيّة جواز رهنه باعتباره مالً ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬رهن ف ‪. ) 9‬‬
‫ضمان عقر الكلب ‪:‬‬
‫‪ -‬للفقهاء خلف وتفصيل في ضمان جناية الكلب العقور وكلّ حيوانٍ خطرٍ ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪109‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬ضمان ف‬


‫قتل الكلب ‪:‬‬
‫‪ -‬قال المالكيّة ‪ :‬يجب قتل كلّ كلبٍ أض ّر وما عداه جائز قتله لنّه ل منفعة فيه ‪ ,‬ول‬ ‫‪26‬‬

‫اختلف في أنّه ل يجوز قتل كلب الماشية والصّيد والزّرع ‪.‬‬


‫قال الحطّاب ‪ :‬ذهب كثير من علماء المالكيّة ‪ :‬إلى أنّه ل يقتل من الكلب أسود ول غيره ‪,‬‬
‫إل أن يكون عقورا ‪ ,‬مؤذيا ‪ ,‬وقالوا ‪ :‬المر بقتل الكلب منسوخ بقوله صلى ال عليه‬
‫ص كلبا من غيره ‪.‬‬
‫وسلم ‪ « :‬ل تتّخذوا شيئا فيه الروح غرضا » فعمّ ولم يخ ّ‬
‫واحتجوا ‪ -‬كذلك ‪ -‬بالحديث الصّحيح في الكلب الّذي كان يلهث عطشا ‪ ,‬فسقاه الرّجل ‪,‬‬
‫فشكر اللّه له وغفر له ‪ ,‬وقال ‪ :‬قال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬في كلّ كبدٍ رطبةٍ أجر » ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬فإذا كان الجر في الحسان إليه ‪ ,‬فالوزر في الساءة إليه ‪ ,‬ول إساءة إليه أعظم‬
‫من قتله ‪.‬‬
‫وليس في قوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬الكلب السود شيطان » ما يدل على قتله ‪ ,‬لنّ‬
‫شياطين النس والجنّ كثير ‪ ,‬ول يجب قتلهم ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّ ما ل يظهر فيه منفعة ول ضرر ‪ -‬كالكلب الّذي ليس بعقورٍ ‪ -‬يكره‬
‫قتله كراهة تنزي ٍه ‪ ,‬ومقتضى كلم بعضهم التّحريم ‪.‬‬
‫والمراد الكلب الّذي ل منفعة فيه مباحةً ‪ ,‬فأمّا ما فيه منفعة مباحة ‪ ,‬فل يجوز قتله بل‬
‫ك ‪ ,‬سواء في ذلك السود وغيره ‪ .‬والمر بقتل الكلب منسوخ ‪.‬‬
‫شّ‬
‫ومذهب الحنابلة أنّه ‪ :‬يحرم قتل الكلب المعلّم ‪ ،‬وقاتله مسيء ظالم ‪ ,‬وكذلك كل كلبٍ مباح‬
‫إمساكه ‪ ,‬لنّه محل منتفع به ‪ ,‬يباح اقتناؤُه ‪ ,‬فحرم إتلفه ‪ ,‬كالشّاة ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬ول نعلم في هذا خلفا ‪ ,‬ول غرم على قاتله ‪.‬‬
‫قال الرّحيباني ‪ :‬ل يباح قتل شي ٍء من الكلب سوى السود والعقور للنّهي عنه في حديث‬
‫عبد اللّه بن مغ ّفلٍ قال ‪ « :‬أمر رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بقتل الكلب ثمّ قال ‪ :‬ما‬
‫بالهم وبال الكلب ؟ » ويباح قتل الكلب العقور ‪.‬‬
‫فكل ما آذى النّاس وضرّهم في أنفسهم وأموالهم يباح قتله ‪ ,‬لنّه يؤذي بل نفعٍ ‪ ,‬أشبه‬
‫الذّئب ‪ ,‬وما ل مضرّة فيه ل يباح قتله ‪ ,‬وقال الرّحيباني ‪ :‬يجب قتله ‪.‬‬
‫‪ -‬والفقهاء متّفقون على جواز قتل الكلب العقور في الحرم للحديث ‪ « :‬خمس من‬ ‫‪27‬‬

‫الدّوابّ كلهنّ فاسق يقتلن في الحرم ‪ :‬الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور » ‪.‬‬
‫ص الحديث الشّريف ‪.‬‬
‫ص الحنابلة على وجوب قتله ‪ ,‬عملً بن ّ‬
‫ون ّ‬
‫دفع الضّرر عن الكلب ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه يجب دفع الضّرر عن الكلب غير العقور وحفظ حياته لما روى‬ ‫‪28‬‬

‫أبو هريرة رضي ال عنه أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬بينا رجل يمشي ‪،‬‬
‫فاشتدّ عليه العطش ‪ ،‬فنزل بئرا فشرب منها ثمّ خرج ‪ ،‬فإذا هو بكلبٍ يلهث يأكل الثّرى من‬
‫العطش ‪ ،‬فقال ‪ :‬لقد بلغ هذا مثل الّذي بلغ بي ‪ ،‬فمل خفّه ثمّ أمسكه بفيه ‪ ،‬ثمّ رقا فسقى‬
‫الكلب ‪ ،‬فشكر اللّه له فغفر له ‪ ،‬قالوا ‪ :‬يا رسول اللّه إنّ لنا في البهائم أجرا ؟ قال ‪ :‬في كلّ‬
‫كبدٍ رطبةٍ أجر » ‪.‬‬
‫وقال جمهور الفقهاء ‪ :‬يجب التّيمم على من معه ماء وخاف ‪ -‬باستعماله ‪ -‬مرضا ‪ ,‬أو‬
‫زيادته ‪ ,‬أو تأخر برءٍ ‪ ,‬أو عطش محترمٍ معه أي محرّم قتله ‪ ,‬آدميا كان أو بهيميا ‪ ,‬ومنه‬
‫كلب الصّيد والحراسة ‪ ,‬أي فيجب سقيه ‪ ,‬ولو دعاه ذلك إلى التّيمم ‪.‬‬
‫وقال النّووي ‪ :‬كما يجب بذل المال لبقاء الدميّ المعصوم يجب بذله لبقاء البهيمة‬
‫المحترمة ‪ ,‬وإن كانت ملكا للغير ‪ ,‬ول يجب البذل للحربيّ ‪ ,‬والمرتدّ ‪ ,‬والكلب العقور ‪.‬‬
‫ولو كان لرجلٍ كلب ‪ -‬غير عقورٍ ‪ -‬جائع ‪ ,‬وشاة ‪ ,‬لزمه ذبح الشّاة لطعام الكلب ‪.‬‬

‫كلب الماء *‬
‫انظر ‪ :‬أطعمة ‪.‬‬

‫ُكّليّات *‬
‫انظر ‪ :‬ضروريّات ‪.‬‬
‫ِكنَايَة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الكناية في اللغة ‪ :‬أن يتكلّم بشيءٍ يستدل به على المكنيّ عنه كالرّفث والغائط ‪ ,‬وهي‬ ‫‪1‬‬

‫اسم مأخوذ من كنيت بكذا عن كذا من باب رمى ‪.‬‬


‫وفي الصطلح ‪ :‬هو كلم استتر المراد منه بالستعمال ‪ ,‬وإن كان معناه ظاهرا في اللغة ‪,‬‬
‫سواء أكان المراد به الحقيقة أم المجاز ‪ ,‬فيكون تردد فيما أريد به ‪ ,‬فل ب ّد من النّيّة أو ما‬
‫يقوم مقامها من دللة الحال ‪.‬‬
‫ن الكناية ما خفي المراد به لتوارد الحتمالت عليه بخلف‬
‫وذكر صاحب فتح القدير ‪ :‬أ ّ‬
‫الصّريح ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الصّريح ‪:‬‬
‫ضمّ ‪ -‬خلص من تعلقات غيره فهو صريح ‪,‬‬
‫‪ -‬الصّريح في اللغة من صرح الشّيء ‪ -‬بال ّ‬ ‫‪2‬‬

‫ص صريح ‪ ,‬ومنه القول الصّريح ‪ ,‬وهو الّذي ل يفتقر إلى إضما ٍر أو تأويلٍ ‪.‬‬
‫وكل خال ٍ‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬الصّريح هو اللّفظ الموضوع لمعنىً ل يفهم منه غيره عند الطلق ‪.‬‬
‫والصّلة بينهما المقابلة ‪.‬‬
‫فالصّريح يدرك المراد منه بمجرّد النطق به ل يحتاج إلى النّيّة ‪ ,‬بخلف الكناية فتحتاج إلى‬
‫النّيّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المجاز ‪:‬‬
‫‪ -‬المجاز اسم لما أريد به غير ما وضع له مناسبةً بينهما ‪ ,‬كتسمية الشجاع أسدا ‪,‬‬ ‫‪2‬‬

‫وسمّي مجازا لنّه جاوز وتعدّى محلّه ومعناه الموضوع له إلى غيره ‪.‬‬
‫والصّلة أنّ الكناية قد يراد بها المجاز ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬التّعريض ‪:‬‬
‫ح‪.‬‬
‫‪ -‬التّعريض هو ‪ :‬ما يفهم به السّامع مراد المتكلّم من غير تصري ٍ‬ ‫‪4‬‬

‫والصّلة بين الكناية والتّعريض ‪ :‬أنّ التّعريض هو تضمين الكلم دللةً ليس فيها ذكر ‪,‬‬
‫كقول المحتاج ‪ :‬جئتك لسلّم عليك ‪ ,‬فيقصد من اللّفظ السّلم ومن السّياق طلب الحاجة ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالكناية ‪:‬‬
‫‪ -‬التّعبير المعتبر شرعا قد يكون بالصّريح من القول أو بالكناية ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫واختلف الفقهاء في تمييز الكناية من الصّريح وفي بعض أحكام الكناية ‪ ,‬وما يلزم فيها ‪.‬‬
‫التّمييز بين الكناية والصّريح ‪:‬‬
‫‪ -‬للشّافعيّة ضابط في التّمييز بين الكناية والصّريح من ألفاظ العقد والفسوخ وما جرى‬ ‫‪6‬‬

‫مجراها ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬إنّ ما ورد في الشّرع من اللفاظ إمّا أن يتكرّر أو ل ‪ ,‬فإن تكرّر حتّى اشتهر‬
‫‪ -‬كالبيع والطّلق ‪ -‬فهو صريح إذا استعمل في هذه التّصرفات وإن لم يشع في العادة ‪,‬‬
‫ن عرف الشّرع هو المتّبع ‪ ,‬وعلى هذا قالوا ‪ :‬يحمل الدّراهم في القارير على النّقرة‬
‫لّ‬
‫الخالصة قطعا وإن غلب العرف بخلفها ‪ ,‬وألحقوا الفراق والسّراح بصريح الطّلق ‪.‬‬
‫وإن لم يتكرّر ‪ ,‬بل ذكر في لسان الشّرع مرّ ًة فقط ولم يشع على لسان الفقهاء كالمفاداة في‬
‫ح عَلَ ْي ِهمَا فِيمَا افْتَ َدتْ ِبهِ } ‪ ,‬والمساك في الرّجعة في قوله‬
‫ل جُنَا َ‬
‫الخلع في قوله تعالى ‪ { :‬فَ َ‬
‫ن ِب َمعْرُوفٍ } ‪ ,‬فوجهان ‪ :‬والصح اللتحاق بالصّريح في الكلّ ‪.‬‬
‫سكُوهُ ّ‬
‫تعالى ‪ { :‬فَ َأ ْم ِ‬
‫أمّا ما لم يرد في الكتاب ول في السنّة ‪ ,‬وشاع في العرف كقوله لزوجته ‪ :‬أنت عليّ حرام‬
‫فإنّه شاع في العرف في الطّلق ‪ ,‬ولكنّه لم يرد شرعا في الطّلق فوجهان ‪ ,‬والصح‬
‫عندهم ‪ :‬التحاقه بالكناية ‪.‬‬
‫وما لم يرد على لسان الشّارع ‪ ,‬ولكن شاع على ألسنة حملة الشّرع وكان هو المقصود من‬
‫العقد كلفظ التّمليك في البيع ‪ ,‬ولفظ الفسخ في الخلع ففي كونه كناية وجهان ‪ ,‬والصح‬
‫عندهم ‪ :‬صراحته ‪.‬‬
‫وقال جمهور الفقهاء ل يكون اللّفظ صريحا إل فيما ل يستعمل إل في ما وضع له ‪.‬‬
‫ي‪.‬‬
‫وفي ذلك تفصيل ينظر في الملحق الصول ّ‬
‫ما يقع فيه الكناية من التّصرفات ‪:‬‬
‫ف يستقل به الشّخص كالطّلق والعتاق والبراء ينعقد‬
‫ن كلّ تصر ٍ‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬ ‫‪7‬‬

‫بالكناية مع النّيّة بل خلفٍ كما ينعقد بالصّريح ‪ ,‬وأمّا ما ل يستقل به الشّخص بل يفتقر إلى‬
‫إيجابٍ وقبولٍ فضربان ‪:‬‬
‫ن الشّاهد ل‬
‫أحدهما ‪ :‬ما يشترط فيه الشهاد كالنّكاح ‪ ,‬فهذا ل ينعقد بالكناية مع النّيّة ‪ ,‬ل ّ‬
‫يعلم النّيّة ‪.‬‬
‫ثانيهما ‪ :‬ما ل يشترط فيه الشهاد وهو نوعان ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬ما يقبل مقصوده التّعليق بالغرر كالكتابة والخلع ‪ ,‬فينعقد بالكناية مع النّيّة ‪ ,‬لنّ‬
‫مقصود الكتابة العتق ‪ ,‬ومقصود الخلع الطّلق ‪ ,‬وهما يصحّان بالكناية مع النّيّة ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬ما ل يقبله كالبيع والجارة والمساقاة وغيرها ‪ ,‬وفي انعقاد هذه العقود بالكناية‬
‫مع النّيّة وجهان أصحهما النعقاد ‪.‬‬
‫ونقل ابن رجبٍ اختلف الحنابلة في انعقاد العقود بالكنايات ‪.‬‬
‫قال القاضي ‪ :‬ل كناية إل في الطّلق والعتاق ‪ ,‬وذكر أبو الخطّاب في النتصار نحوه ‪,‬‬
‫وزاد ‪ :‬ول تحل العقود بالكنايات غير النّكاح والرّقّ ‪ ,‬وقال في موضعٍ آخر منه ‪ :‬تدخل‬
‫الكنايات في سائر العقود سوى النّكاح لشتراط الشّهادة عليه وهي ل تقع على النّيّة ‪,‬‬
‫وأشار إليه صاحب المغني أيضا ‪ ,‬وكلم كثيرٍ من الصحاب يدل عليه ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬عقد ف ‪ ) 6‬والملحق الصولي ‪.‬‬
‫ألفاظ الكناية ‪:‬‬
‫تختلف ألفاظ الكناية باختلف التّصرفات المتعلّقة بها على الوجه التي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬كنايات الطّلق ‪:‬‬
‫‪ -‬كنايات الطّلق كثيرة ‪ ,‬بل ل تكاد تنحصر ‪ ,‬وذكر الفقهاء أمثلةً لها ‪ ,‬اتّفقوا في أكثرها‬ ‫‪8‬‬

‫مثل ‪ :‬أنت بائن ‪ ,‬أنت عليّ حرام ‪ ,‬خليّة ‪ ,‬بريّة ‪ ,‬بريئة ‪ ,‬بتّة ‪ ,‬أمرك بيدك ‪ ,‬اختاري ‪,‬‬
‫اعتدّي ‪ ,‬استبرئي رحمك ‪ ,‬خلّيت سبيلك ‪ ,‬حبلك على غاربك ‪ ,‬خالعتك ‪ -‬بدون ذكر‬
‫العوض ‪ -‬ل سبيل لي عليك ‪ ,‬أنت حرّة ‪ ,‬قومي ‪ ,‬أخرجي ‪ ,‬أغربي ‪ ,‬أعزبي ‪ ,‬انطلقي ‪,‬‬
‫انتقلي ‪ ,‬تقنّعي ‪ ,‬استتري ‪ ,‬تزوّجي ‪ ,‬ونحو ذلك ‪.‬‬
‫واختلفوا في لفظين هما ‪ :‬سرّحتك ‪ ,‬وفارقتك ‪ ,‬فقال الجمهور ‪ :‬إنّهما كنايتان في الطّلق ‪,‬‬
‫لنّهما لم يشتهرا فيه اشتهار الطّلق ‪ ,‬ويستعملن فيه وفي غيره ‪ ,‬وهو مقابل المشهور‬
‫عند الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة في القول المشهور والخرقي من الحنابلة ‪ :‬إنّهما صريحان في الطّلق ‪,‬‬
‫جمِيلً } ‪.‬‬
‫ن سَرَاحا َ‬
‫لشتهارهما فيه وورودهما في القرآن في قوله تعالى ‪َ { :‬وُأسَ ّرحْكُ ّ‬
‫سعَ ِتهِ } مرادان بالطّلق مع تكرر الفراق فيه ‪,‬‬
‫ن الّلهُ كُلّ مّن َ‬
‫وقوله تعالى ‪َ { :‬وإِن يَ َتفَرّقَا ُيغْ ِ‬
‫وإلحاق ما لم يتكرّر فيه منهما بما تكرّر ‪ ,‬وإلحاق ما لم يرد من مشتقّاتهما في القرآن بما‬
‫ورد فيه لنّه بمعناه ‪.‬‬
‫‪ -‬وألفاظ الكناية هذه ونحوها تحتمل الطّلق ‪ ,‬وتحتمل غيره ‪ ,‬فاستتر المراد منها عند‬ ‫‪9‬‬

‫السّامع ‪ ,‬فافتقرت إلى النّيّة لتعيين المراد منها فقوله ‪ :‬أنت بائن ‪ :‬يحتمل البينونة عن الشّرّ‬
‫أو الخير أو النّكاح ‪ ,‬وخليّة ‪ :‬يحتمل الخلوّ عن الزّوج ‪ ,‬والنّكاح ‪ ,‬ويحتمل الخلوّ عن‬
‫المراض أو العيب ‪ ,‬وفارقتك ‪ :‬يحتمل المفارقة عن النّكاح ‪ ,‬ويحتمل المفارقة عن المضجع‬
‫والمكان ‪ ,‬وقوله ‪ :‬أنت بريئة من البراءة ‪ ,‬يحتمل البراءة من النّكاح ‪ ,‬ويحتمل البراءة عن‬
‫ت وهو القطع ‪ ,‬فيحتمل القطع عن النّكاح ويحتمل‬
‫الشّ ّر أو الخير ‪ ,‬وقوله ‪ :‬بتّة من الب ّ‬
‫القطع عن الشّرّ وقوله ‪ :‬أمرك بيدك ‪ ,‬يحتمل الطّلق ‪ ,‬ويحتمل أمرا آخر ‪ ,‬وهكذا ‪.‬‬
‫ن الطّلق يقع بالكناية مع النّيّة ‪.‬‬
‫ول خلف بين جمهور الفقهاء في أ ّ‬
‫واختلفوا في بعض مسائل الكناية ‪:‬‬
‫ن الكناية كل لفظٍ يستعمل في الطّلق وغيره نحو قوله ‪ :‬أنت‬
‫‪ -‬فذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬ ‫‪10‬‬

‫بائن ‪ ,‬وأنت عليّ حرام ‪ ,‬وخليّة ‪ ,‬وبريّة ‪ ،‬ونحو ذلك فإنّه يحتمل الطّلق وغيره ‪ ,‬وإذا‬
‫احتملت هذه اللفاظ الطّلق وغيره فقد استتر المراد منها عند السّامع فافتقرت إلى النّيّة‬
‫لتعيين المراد ‪.‬‬
‫ول يقع الطّلق بشي ٍء من هذه اللفاظ إل بالنّيّة ‪ ,‬فإن نوى الطّلق وقع فيما بينه وبين اللّه‬
‫تعالى ‪ ,‬وإن لم ينو لم يقع فيما بينه وبين اللّه تعالى ‪.‬‬
‫وإن ذكر شيئًا من ذلك ثمّ قال ‪ :‬ما أردت به الطّلق يدين فيما بينه وبين اللّه تعالى ‪ ,‬وهل‬
‫يدين في القضاء ؟ هناك تفصيل ‪:‬‬
‫فإن كانت الحال حال الرّضا وابتدأ الزّوج بالطّلق يدين في القضاء ‪.‬‬
‫وإن كانت الحال حال مذاكرة الطّلق وسؤاله أو حالة الغضب والخصومة فالكنايات أقسام‬
‫ثلثة ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬ما كان بأحد هذه اللفاظ الخمسة وهي ‪ :‬أمرك بيدك ‪ ,‬واختاري ‪ ,‬واعتدّي ‪,‬‬
‫واستبرئي رحمك ‪ ,‬وأنت واحدة ‪ ,‬فهذه ل يدين فيها ‪ ,‬ويقع الطّلق في حالتي المذاكرة‬
‫والغضب ‪ ,‬ول يعتد قضاءً بإنكاره النّيّة ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬ما كان بأحد هذه اللفاظ الخمسة ‪ :‬وهي ‪ :‬خليّة ‪ ,‬وبريئة ‪ ,‬وبتّة ‪ ,‬وبائن ‪,‬‬
‫وحرام ‪ ,‬فهذه يدين فيها في حالة الخصومة والغضب ‪ ,‬ول يدين في حالة ذكر الطّلق ‪,‬‬
‫ويلزمه الطّلق قضاءً ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬وهو بقيّة ألفاظ الكناية ‪ ,‬ويدين فيها جميعا في كلّ الحوال ‪.‬‬
‫‪ -‬وقسّم المالكيّة الكناية في الطّلق إلى نوعين ‪ :‬كناية ظاهرة ‪ ,‬وكناية خفيّة ‪.‬‬ ‫‪11‬‬

‫وألفاظ الكناية الظّاهرة عندهم هي ‪ :‬بتّة ‪ ,‬وحبلك على غاربك ‪ ,‬وواحدة بائنة ‪.‬‬
‫ن البتّ القطع ‪ ,‬وقطع العصمة‬
‫ويلزم بهما أو بأحدهما الثّلث مطلقا ‪ ,‬دخل بها أم ل ‪ ,‬ل ّ‬
‫شامل للثّلث ولو لم يدخل ‪ ,‬والحبل عبارة عن العصمة وهو إذا رمى العصمة على كتفها لم‬
‫يبق له فيها شيء مطلقا ‪.‬‬
‫ض إنّما تكون ثلثا ‪ ,‬فاعتبر لفظ بائنة ‪ ,‬وألغي لفظ واحدة ‪.‬‬
‫والبينونة بعد الدخول بغير عو ٍ‬
‫ومن الكناية الظّاهرة ‪ :‬خلّيت سبيلك ‪.‬‬
‫ويلزمه في قوله ‪ :‬خلّيت سبيلك الثّلث مطلقا ‪ ,‬دخل بها أم لم يدخل ما لم ينو أقلّ من‬
‫الثّلث ‪ ,‬فإن نوى الق ّل لزمه ما نواه ‪.‬‬
‫ي كالميتة والدّم ولحم الخنزير ‪,‬‬
‫وهناك عندهم ألفاظ تشبه الواحدة البائنة ‪ ،‬وهي ‪ :‬أنت عل ّ‬
‫ووهبتك لهلك ‪ ,‬أو رددتك ‪ ,‬أو ل عصمة لي عليك ‪ ,‬وأنت حرام ‪ ,‬أو خليّة لهلك ‪ ,‬أو‬
‫بريّة ‪ ,‬أو خالصة ‪ ,‬أو بائنة ‪ ,‬أو أنا بائن منك ‪ ,‬أو خلي ‪ ,‬أو بريء ‪ ,‬أو خالص ‪ ,‬فيلزمه‬
‫الثّلث في المدخول بها ‪ ,‬وفي غير المدخول بها إن لم ينو أقلّ ‪ ,‬فإن نوى القلّ لزمه ما‬
‫نواه وحلف إن أراد نكاحها ‪ :‬أنّه ما أراد إل القلّ ‪ ,‬ل إن لم يرده ‪.‬‬
‫أمّا اللفاظ التّالية ‪ :‬وجهي من وجهك حرام ‪ ,‬أو وجهي على وجهك حرام ‪ -‬ول فرق بين‬
‫من وعلى ‪ -‬وقوله ‪ :‬ل نكاح بيني وبينك ‪ ,‬أو ل ملك لي عليك ‪ ,‬أو ل سبيل لي عليك ‪,‬‬
‫فيلزمه الثّلث في المدخول بها فقط ‪.‬‬
‫وقيّد المالكيّة الصّيغ الثّلث الخيرة بأن لم يقصد بها العتاب ‪ ,‬فإن قصد العتاب فل شيء‬
‫عليه ‪ ,‬فالعتاب قرينة وبساط دال على عدم إرادته الطّلق ‪.‬‬
‫أمّا لفظ ‪ :‬فارقتك فيلزمه واحدة مطلقا دخل أو لم يدخل ‪ ,‬إل لن ّيةٍ أكثر وهي رجعيّة في‬
‫المدخول بها ‪.‬‬
‫أمّا ألفاظ الكناية الخفيّة عند المالكيّة فهي ‪ :‬ادخلي واذهبي وانطلقي إن نوى واحدةً بائنةً‬
‫لزمه الثّلث في المدخول بها ‪ ,‬وواحدة فقط في غيرها ما لم ينو أكثر ‪.‬‬
‫ن الكناية يقع بها الطّلق مع النّيّة ول يقع بل ن ّي ٍة ‪.‬‬
‫‪ -‬وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬ ‫‪12‬‬

‫وهي ألفاظ كثيرة ‪ ,‬بل ل تنحصر ‪ :‬كأنت خليّة ‪ ,‬وبريّة ‪ ,‬وبتّة ‪ ,‬وبتلة ‪ ,‬وبائن ‪ ,‬واعتدّي ‪,‬‬
‫واستبرئي رحمك ‪ ,‬وألحقي بأهلك ‪ ,‬وحبلك على غاربك ‪ ,‬واعزبي ‪ ,‬واغربي ‪ ,‬ودعيني ‪,‬‬
‫وودّعيني ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّ الكناية هي ما احتمل الطّلق وغيره ‪ ,‬ولكن بن ّيةٍ ليقاعه ‪ ,‬ومع قصد حروفه ‪.‬‬
‫وأمّا اللفاظ الّتي ل تحتمل الطّلق إل على تقدي ٍر متعسّفٍ فل أثر لها ‪ ,‬فل يقع بها طلق‬
‫وإن نوى ‪ ,‬وذلك كقوله ‪ :‬بارك اللّه فيك ‪ ,‬وأحسن اللّه جزاءك ‪.‬‬
‫وأضاف الشّافعيّة قولهم ‪ :‬إنّ شرط نيّة الكناية اقترانها بكلّ اللّفظ ‪ ,‬وقيل ‪ :‬يكفي بأوّله ‪.‬‬
‫ويقع الطّلق ‪ -‬عندهم ‪ -‬بالكناية حسب ما نواه عددا ‪ ,‬كأنت بائن إذا نوى فيها عددا وقع‬
‫ما نواه لحتمال اللّفظ له ‪ ,‬فإن نوى واحدةً أو لم ينو شيئا وقعت واحدة لنّه المتيقّن ‪.‬‬
‫‪ -‬والكنايات في الطّلق عند الحنابلة نوعان ‪ :‬ظاهرة ‪ ,‬وخفيّة ‪.‬‬ ‫‪13‬‬

‫فالظّاهرة ‪ :‬هي اللفاظ الموضوعة للبينونة ‪ ,‬لنّ معنى الطّلق فيها أظهر ‪ ,‬وهي ست‬
‫عشرة كنايةً ‪ :‬أنت خليّة ‪ ,‬وبريئة ‪ ,‬وبائن ‪ ,‬وبتّة ‪ ,‬وبتلة ‪ ,‬أنت حرّة ‪ ,‬وأنت الحرج ‪,‬‬
‫وحبلك على غاربك ‪ ,‬وتزوّجي من شئت ‪ ,‬وحللت للزواج ‪ ,‬ول سبيل لي عليك ‪ ,‬ول‬
‫سلطان لي عليك ‪ ,‬وأعتقتك ‪ ,‬وغطّي شعرك ‪ ,‬وتقنّعي ‪ ,‬وأمرك بيدك ‪.‬‬
‫والخفيّة ‪ :‬هي اللفاظ الموضوعة للطّلقة الواحدة ما لم ينو أكثر نحو ‪ :‬اخرجي ‪ ,‬واذهبي ‪,‬‬
‫وتجرّعي ‪ ,‬والحقي بأهلك ‪ ,‬ول حاجة لي فيك ‪.‬‬
‫ن الكناية لمّا قصرت رتبتها عن‬
‫والكناية ‪ -‬ولو ظاهر ًة ‪ -‬ل يقع بها طلق إل أن ينويه ‪ ,‬ل ّ‬
‫الصّريح وقف عملها على نيّة الطّلق تقويةً لها ‪ ,‬ولنّها لفظ يحتمل غير معنى الطّلق ‪ ,‬فل‬
‫يتعيّن له بدون النّيّة ‪ ,‬ويشترط أن تكون النّيّة مقارنةً للّفظ الكناية ‪ ,‬فلو تلفّظ بالكناية غير‬
‫نا ٍو للطّلق ثمّ نوى بها الطّلق بعد ذلك لم يقع ‪ ,‬أو يأتي مع الكناية بما يقوم مقام نيّة‬
‫ب وجواب سؤالها الطّلق ‪ ,‬فيقع الطّلق ممّن أتى بكنايةٍ إذن‬
‫الطّلق كحال خصومةٍ وغض ٍ‬
‫ن دللة الحال كالنّيّة ‪ ,‬فلو ادّعى في هذه الحوال ‪ -‬أي حال الغضب‬
‫ولو بل ن ّي ٍة ‪ ,‬ل ّ‬
‫والخصومة وسؤالها الطّلق ‪ -‬أنّه ما أراد الطّلق ‪ ,‬أو ادّعى أنّه أراد غيره دين لحتمال‬
‫صدقه ‪ ,‬ولم يقبل في الحكم لنّه خلف ما دلّت عليه الحال ‪.‬‬
‫ويقع مع النّيّة بالكناية الظّاهرة ثلث وإن نوى واحدةً ‪ ,‬روي ذلك عن عليّ وابن عمر وزيد‬
‫ت وابن عبّاسٍ وأبي هريرة رضي ال عنهم في وقائع مختلفةٍ ‪.‬‬
‫بن ثاب ٍ‬
‫ب ‪ -‬ألفاظ الكناية في اليلء ‪:‬‬
‫‪ -‬الكناية في اليلء كل ما يحتمل الجماع وغيره ولم يغلب استعماله في الجماع عرفا ‪,‬‬ ‫‪14‬‬

‫كأن يقول ‪ :‬واللّه ل يجتمع رأسك ورأسي بشيءٍ ‪ ,‬ول قربت فراشك ‪ ,‬ولسوءنك ‪,‬‬
‫ولغيظنك ‪ ,‬ولتطولن غيبتي عنك ‪ ,‬ول يمس جلدي جلدك ‪ ,‬ول أويت معك ‪ ,‬ول أنام معك‬
‫ن هذه اللفاظ تستعمل في الجماع وفي غيره ‪ ,‬فل ب ّد من النّيّة ‪ ,‬ليكون إيل ًء ‪.‬‬
‫‪,‬لّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪5‬‬ ‫وللتّفصيل ر ‪ ( :‬إيلء ف‬
‫ج ‪ -‬كنايات الظّهار ‪:‬‬
‫ي كعين أمّي ‪ ,‬أو رأسها أو روحها ‪ ,‬وكل‬
‫‪ -‬كنايات الظّهار كثيرة ‪ :‬كأنت أمّي ‪ :‬أنت عل ّ‬ ‫‪15‬‬

‫لفظٍ يحتمل التّحريم ويحتمل الكرامة فهو كناية فيه ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪13‬‬ ‫ر ‪ ( :‬ظهار ف‬
‫د ‪ -‬كنايات القذف ‪:‬‬
‫كنايات القذف كقوله يا فاجر ‪ ,‬يا فاسق ‪ ,‬يا خبيث ‪ ,‬أو أنت تحبّين الخلوة ‪ ,‬ل تردّين يد‬
‫س ‪ ,‬لم أجدك عذراء ‪ ,‬ونحو ذلك ‪.‬‬
‫لم ٍ‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪7‬‬ ‫وللتّفصيل ر ‪ ( :‬قذف ف‬
‫هـ ‪ -‬كنايات الوقف ‪:‬‬
‫‪ -‬كنايات الوقف كقوله ‪ :‬تصدّقت ‪ ,‬وحرّمت ‪ ,‬وأبّدت ‪ ,‬فإن قصد الوقف صار موقوفا ‪,‬‬ ‫‪11‬‬

‫وإل فل يكون ‪ ,‬لتردد اللّفظ بين الوقف وغيره ‪.‬‬


‫وللتّفصيل ر ‪ ( :‬وقف ) ‪.‬‬
‫و ‪ -‬كنايات الخلع ‪:‬‬
‫‪ -‬كنايات الخلع كقوله ‪ :‬بارأتك ‪ ,‬وأبرأتك ‪ ,‬وأبنتك ‪ ,‬ول يقع الخلع بالكناية إل بنيّة من‬ ‫‪18‬‬

‫تلفّظ به ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪30‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬خلع ف‬

‫َكنْز *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬يطلق الكنز في اللغة على عدّ ٍة معانٍ أوّلها ‪ :‬الجمع والدّخار ‪ ,‬ومن ذلك قولهم ‪ :‬ناقة‬ ‫‪1‬‬

‫كنّاز اللّحم أي مجتمعة ‪ ,‬وكنزت التّمر في وعائه أكنزه ‪ ,‬وزمن الكناز هو أوان كنز التّمر‬
‫وجمعه ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬المال المدفون تحت الرض تسميةً بالمصدر ‪ ,‬وجمعه كنوز ‪ ,‬مثل فلسٍ وفلوسٍ ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬كل كثي ٍر مجموعٍ يتنافس فيه ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الرّكاز ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّكاز لغةً بمعنى المركوز وهو من الرّكز أي الثبات ‪ ,‬وهو المدفون في الرض إذا‬ ‫‪2‬‬

‫خفي ‪ ,‬والرّكز بكسر الرّاء هو الصّوت الخفي ‪.‬‬


‫وفي الصطلح عند الجمهور ‪ :‬ما دفنه أهل الجاهليّة ‪ ,‬كما يطلق على كلّ ما كان مالً على‬
‫اختلف أنواعه ‪.‬‬
‫وخصّه الشّافعيّة بالذّهب والفضّة ‪.‬‬
‫وعرّفه الحنفيّة بأنّه مال مركوز تحت أرضٍ أعم من كون راكزه الخالق أو المخلوق ‪.‬‬
‫والعلقة بين الكنز والرّكاز أنّ الكنز أعم من الرّكاز ‪.‬‬
‫‪.)3-‬‬ ‫‪1‬‬ ‫( ر ‪ :‬ركاز ف‬
‫ب ‪ -‬المعدن ‪:‬‬
‫‪ -‬المعدن لغةً ‪ :‬مكان كلّ شيءٍ فيه أصله ومركزه ‪ ,‬وموضع استخراج الجوهر من ذهبٍ‬ ‫‪3‬‬

‫ونحوه ‪.‬‬
‫وهو في الصطلح قال الكمال ‪ :‬أصل المعدن المكان بقيد الستقرار فيه ‪ ,‬ثمّ اشتهر في‬
‫نفس الجزاء المستقرّة الّتي ركّبها اللّه تعالى في الرض يوم خلق الرض حتّى صار‬
‫النتقال من اللّفظ إليه ابتداءً بل قرينةٍ ‪.‬‬
‫أنواع الكنز ‪:‬‬
‫ت متنوّعةً بالنّظر إلى عدي ٍد من العتبارات الّتي تؤثّر في الحكم ‪.‬‬
‫يقسّم الفقهاء الكنز تقسيما ٍ‬
‫وفيما يلي تفصيل ما يتعلّق بهذه التّقسيمات ‪.‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬تقسيم الكنز بالنّظر لنسبته التّاريخيّة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الكنوز السلميّة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الكنوز السلميّة هي الّتي يغلب في الظّنّ نسبتها إلى أحدٍ من المسلمين ‪ ,‬وذلك إذا كان‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫عليها نقش من النقوش السلميّة ‪ ,‬ككلمة التّوحيد أو الصّلة على النّب ّ‬
‫ك من ملوك السلم أو أيّة علمةٍ أخرى من العلمات الدّالّة على نسبة‬
‫وسلم ‪ ,‬أو اسم مل ٍ‬
‫الكنز إلى أحدٍ من المسلمين ‪.‬‬
‫وفي الحكم على هذا النّوع اتّجاهان ‪:‬‬
‫أوّلهما ‪ :‬أنّه ل يأخذ حكم اللقطة ويلزم واجده أن يحفظه أبدا ‪ ,‬قال النّووي ‪ :‬فعلى هذا‬
‫يمسكه الواجد أبدا وللسلطان حفظه في بيت المال كسائر الموال الضّائعة ‪ ,‬فإن رأى المام‬
‫حفظه أبدا فعل ‪ ,‬وإن رأى اقتراضه لمصلحةٍ فعل ‪ ,‬وعلى هذا الوجه ل يملكه الواجد بحالٍ ‪,‬‬
‫قال أبو عليّ ‪ :‬والفرق بينه وبين اللقطة أنّ اللقطة تسقط من مالكها في مضيعةٍ ‪ ,‬فجوّز‬
‫الشّارع لواجدها تملكها بعد التّعريف ترغيبا للنّاس في أخذها وحفظها ‪ ,‬وأمّا الكنز المذكور‬
‫فمحرز بالدّفن غير مض ّيعٍ ‪ ,‬فأشبه البل الممتنعة من السّباع إذا وجدها في الصّحراء ‪ ,‬فإنّه‬
‫ل يجوز أخذها للتّمليك ‪.‬‬
‫أمّا التّجاه الخر ‪ :‬فهو إلحاق ما يعد من هذه الكنوز باللقطة في الرّدّ على المالك إن‬
‫عرف ‪ ,‬وفي التّعريف ‪ ,‬وفي التّصرف فيها التّصرف الواجب في اللقطة ‪ ,‬ويوضّح إلحاق‬
‫الكنز باللقطة عند أكثر الفقهاء إغفالهم للرّأي السّابق وعدم إشارتهم إليه في أكثر الكتب‬
‫ن هذا الكنز بمنزلة اللقطة ‪ ,‬فعليه ‪ -‬أي على واجده ‪ -‬أن يعرّف‬
‫الفقهيّة ‪ ,‬جاء في المغني أ ّ‬
‫ما يجده منه ‪.‬‬
‫أمّا وجوب التّعريف بها وعدم كتمانها أو إخفائها فل خلف فيه بين الفقهاء ‪ ,‬إل أن يضرّ‬
‫به هذا التّعريف فيعذر عنه فيما نصّ عليه الشبراملسي وأوضحه بقوله ‪ :‬اطّردت العادة في‬
‫زماننا بأنّ من نسب له شيء من ذلك تسلّطت عليه الظلمة بالذى واتّهامه أنّ هذا بعض ما‬
‫وجده ‪ ,‬فهل يكون ذلك عذرا في عدم العلم ‪ ,‬ويكون في يده كالوديعة ‪ ,‬فيجب حفظه‬
‫ومراعاته أبدا ‪ ,‬أو يجوز له صرفه مصرف بيت المال كمن وجد مالً أيس من مالكه ‪,‬‬
‫ن أمين بيت المال ل يصرفه مصرفه ؟ فيه نظر ‪ ,‬ول‬
‫وخاف من دفعه لمين بيت المال أ ّ‬
‫يبعد الثّاني للعذر المذكور ‪ ,‬وينبغي له إن أمكن دفعه لمن ملك منه تقديمه على غيره إن‬
‫كان مستحقا لبيت المال ‪.‬‬
‫ومدّة التّعريف عند الحنفيّة سنة فيما تزيد قيمته على عشرة دراهم ‪ ,‬وما قلّت قيمته عن‬
‫ذلك يعرّف أيّاما عندهم ‪.‬‬
‫ول خلف بين أحدٍ من الفقهاء في وجوب دفع الكنز لصاحبه إن وجد أمّا إن لم يوجد‬
‫صاحبه فقد اختلفوا في حكمه بناءً على اختلفهم فيما يجب في اللقطة الّتي ل يدرى‬
‫صاحبها بعد تعريفها التّعريف الواجب ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪14‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬لقطة ف‬
‫ب ‪ -‬كنوز الجاهليّة ‪:‬‬
‫‪ -‬يطلق اصطلح كنوز الجاهليّة على ما ينتسب إلى ما قبل ظهور السلم ‪ ,‬سواء انتسب‬ ‫‪5‬‬

‫إلى قومٍ أهل جهلٍ ل يعرفون شيئا عن الدّين ممّن عاشوا في فترات الرسل ‪ ,‬أو انتسب إلى‬
‫قو ٍم من اليهود أو النّصارى ‪ ,‬ويتقيّد هذا النّوع من الكنوز بمقتضى هذا الوصف بكونه‬
‫ي‪.‬‬
‫دفين غير مسلمٍ ول ذمّ ّ‬
‫وعلى الرّغم من إشارة أكثر الفقهاء إلى هذا النّوع من الكنوز بأنّه دفين الجاهليّة فإنّ هذا‬
‫ل يعني اشتراط كونه مدفونا في باطن الرض لترتب الحكام الفقهيّة الخاصّة به ‪ ,‬إذ يذكر‬
‫ن ما وجد فوق الرض من أموالهم فهو ركاز ‪ ,‬وأنّ‬
‫أكثر الشرّاح فيما نصّ عليه الدسوقي أ ّ‬
‫التّقييد بالدّفن لنّه شأن الجاهليّة في الغالب ‪ ,‬ومع ذلك فقد ذكر بعض العلماء اشتراط الدّفن‬
‫لعتباره من الرّكاز حقيقةً ‪ ,‬ولكن غير المدفون من الموال يلتحق بالمدفون قياسا عليه ‪,‬‬
‫ي ‪ :‬أنّ غير المدفون ليس بركازٍ وإن كان فيه‬
‫يدل على هذا الرّأي ما جاء في حاشية الدسوق ّ‬
‫الخمس قياسا عليه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل بدّ أن يكون الموجود مدفونا ‪ ,‬فلو وجده ظاهرا وعلم أنّ السّيل أو السّبع‬
‫ك كان لقطةً كما لو تردّد‬
‫أو نحو ذلك أظهره فركاز ‪ ,‬أو علم أنّه كان ظاهرا فلقطة ‪ ,‬فإن ش ّ‬
‫في كونه ضرب الجاهليّة أو السلم ‪ ,‬قاله الماورديّ ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم الشارة إلى هذا النّوع من الكنوز بهذا‬
‫وقد ورد في سنّة النّب ّ‬
‫الصطلح الّذي اتّبعه الفقهاء فيما بعد ‪ ,‬فعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ‪ « :‬أنّ رجلً‬
‫من مزينة سأل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬يا رسول اللّه الكنز نجده في الخرب‬
‫وفي الرام ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬فيه وفي الرّكاز الخمس » ‪.‬‬
‫والضّابط في التحاق ما يكتشف من الموال بكنوز الجاهليّة أن يعلم أنّها من دفنهم ‪ ,‬ولم‬
‫تدخل في ملك أحدٍ من المسلمين ول من أهل ال ّذمّة ‪ ,‬وإنّما يظن ذلك ظنا غالبا بأن تكون‬
‫عليه علماتهم أو نقوشهم أو أي شيءٍ آخر يدل عليهم ‪ ,‬جاء في المغني اعتبار الكنز دفنا‬
‫جاهليا بأن ترى عليه علماتهم كأسماء ملوكهم وصورهم وصلبهم وصور أصنامهم ونحو‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫ص عليه البعض أن يوجد في قبورهم ‪ ,‬أو أن يوجد في قلعهم‬
‫ومن هذه العلمات فيما ن ّ‬
‫وخرائبهم ‪.‬‬
‫ص على هذا‬
‫وحكم هذا الكنز وجوب الخمس فيه باتّفاق الفقهاء إذا توافرت شروطه للنّ ّ‬
‫الوجوب ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الكنز المشتبه الصل ‪:‬‬
‫‪ -‬وهو النّوع الثّالث من الكنوز فهي الّتي ل نعرف حقيقتها ‪ ,‬بأن ل يوجد عليها أثر‬ ‫‪6‬‬

‫مطلقا كتب ٍر وآني ٍة وحليّ ‪ ,‬أو كان عليها أثر ل يكشف عن أصلها ‪ ,‬كما إذا كانت نقدا يضرب‬
‫مثله في الجاهليّة والسلم ‪.‬‬
‫وإنّما يصدق هذا إذا لم يمكن معرفة حقيقة الكنز من المكان الّذي وجد فيه ‪ ,‬كما إذا وجد‬
‫في قري ٍة لم يسكنها مسلم فإنّه يعد جاهليا ‪ ,‬وإذا كان المسلمون هم الّذين اختطوها ولم‬
‫ن الموجود يعد كنزًا إسلميا ‪.‬‬
‫يسكنها جاهلي فإ ّ‬
‫واختلف الفقهاء في حكم هذا الكنز ‪ ,‬فألحقه الحنفيّة في ظاهر المذهب والمالكيّة والحنابلة‬
‫وهو قول عند الشّافعيّة بكنوز الجاهليّة فيعطى حكم الرّكاز ‪.‬‬
‫وألحقه بعض الحنفيّة والشّافعيّة في الصحّ بالكنوز السلميّة فيعطى حكم اللقطة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬تقسيم الكنز الجاهليّ بالنّظر إلى الدّار الّتي وجد فيها ‪:‬‬
‫يفرّق الفقهاء بين الكنز الّذي يجده الواجد في دار السلم ‪ ,‬وبين ذلك الّذي يوجد في دار‬
‫الحرب ‪ ,‬وفيما يلي بيان هذا التّقسيم ‪.‬‬
‫النّوع الوّل ‪ :‬الكنز الّذي يوجد في دار السلم ‪:‬‬
‫‪ -‬تختلف أحكام الكنوز الّتي توجد في دار السلم تبعا لختلف ملكيّة الرض الّتي وجدت‬ ‫‪7‬‬

‫فيها وسبيل هذه الملكيّة ‪ ,‬ويختلف النّظر الفقهي إلى ما يوجد من هذه الكنوز في أرضٍ ل‬
‫ض ملكها صاحبها بشرا ٍء أو بميراثٍ ‪ ,‬أو‬
‫ك ‪ ,‬أو في أر ٍ‬
‫مالك لها ‪ ,‬أو في طريقٍ غير مسلو ٍ‬
‫في أرضٍ ملكها صاحبها بالحياء ‪ ,‬على التّفصيل التّالي بين هذه النواع ‪:‬‬
‫ي الّذي يوجد في مواتٍ أو في أرضٍ ل يعلم‬
‫أ ‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الكنز الجاهل ّ‬
‫لها مالك مثل الرض الّتي توجد فيها آثار الملك كالبنية القديمة والتلول وجدران الجاهليّة‬
‫ق غير‬
‫وقبورهم ‪ ،‬فهذا فيه الخمس ولو وجده في هذه الرض على وجهها أو في طري ٍ‬
‫ب عن أبيه عن‬
‫ب فهو كذلك في الحكم ‪ ,‬لما روى عمرو بن شعي ٍ‬
‫ك أو في قريةٍ خرا ٍ‬
‫مسلو ٍ‬
‫جدّه قال ‪ « :‬سئل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن اللقطة فقال ‪ :‬ما كان في طريقٍ‬
‫ي أو في قريةٍ عامرةٍ فعرّفها سنةً ‪ ،‬فإن جاء صاحبها وإل فلك ‪ ،‬وما لم يكن في طريقٍ‬
‫مأت ّ‬
‫ي ول في قريةٍ عامر ٍة ففيه وفي الرّكاز الخمس » ‪.‬‬
‫مأت ّ‬
‫ض غير مملوكةٍ لحدٍ كالجبال والمفاوز ‪.‬‬
‫ومنه كذلك ما يوجد في بلد السلم في أر ٍ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يملك الواجد الرّكاز وتلزمه الزّكاة فيه إذا وجده في مواتٍ أو في خرائب‬
‫أهل الجاهليّة أو قلعهم أو قبورهم ‪.‬‬
‫ض أو دا ٍر يملكها الواجد نفسه بشراءٍ أو ميراثٍ أو‬
‫ب ‪ -‬وأمّا ما يوجد من الكنوز في أر ٍ‬
‫هبةٍ فالتّفاق على وجوب الخمس باعتباره كان مال الكفرة استولى عليه على طريق القهر‬
‫فيخمّس ‪.‬‬
‫وأمّا الربعة الخماس الباقية فهي لصاحب الخطّة عند أبي حنيفة ومحمّدٍ إن كان حيا ‪ ,‬وإن‬
‫كان ميّتًا فلورثته إن عرفوا ‪ ,‬وإن كان ل يعرف صاحب الخطّة ول ورثته تكون لقصى‬
‫مالكٍ للرض أو لورثته ‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف ‪ :‬أربعة أخماسه للواجد ‪.‬‬
‫ن ملكيّة الخماس الربعة في الكنز الموجود في أرضٍ‬
‫وذهب أبو حنيفة ومحمّد إلى أ ّ‬
‫مملوكةٍ للواجد أو غيره ليست للواجد ول لمالك الرض ‪ ,‬وإنّما يرجع هذا الملك إلى المختطّ‬
‫له الوّل الّذي انتقلت إليه ملكيّة الرض بما فيها بعد تقسيم المام لها عقب فتحها على‬
‫أيدي الجيش المسلم ‪ ,‬ويعرّف المرغيناني المختطّ له بأنّه هو الّذي ملّكه المام هذه البقعة‬
‫ن المام يملّك المختطّ له الكنز‬
‫أوّل الفتح ‪ ,‬ويعقّب الكمال على هذا بقوله ‪ :‬ل نقول إ ّ‬
‫بالقسمة ‪ ,‬بل يملّكه البقعة ويقرّر يده فيها ويقطع مزاحمة سائر الغانمين فيها ‪ ,‬وإذا صار‬
‫مستوليا عليها أقوى الستيلءات ‪ ,‬وهو بيد خصوص الملك السّابقة فيملك بها ما في‬
‫ن الغانمين لم يعتبر لهم ملك في هذا الكنز بعد‬
‫الباطن من المال المباح ‪ ,‬للتّفاق على أ ّ‬
‫الختطاط ‪ ,‬وإل لوجب صرفه إليهم أو إلى ذراريّهم ‪ ,‬فإن لم يعرفوا وضع في بيت المال‬
‫واللزم منتفٍ ‪ ,‬ثمّ إذا ملكه ‪ -‬أي الكنز ‪ -‬لم يصر مباحا فل يدخل في بيع الرض ‪ ,‬فل‬
‫يملكه مشتري الرض كالدرّة في بطن السّمكة يملكها الصّائد لسبق يد الخصوص إلى‬
‫السّمكة حال إباحتها ‪ ,‬ثمّ ل يملكها مشتري السّمكة لنتفاء الباحة ‪ ,‬وما ذكر في السّمكة‬
‫من الطلق ظاهر الرّواية ‪.‬‬
‫ك يعرف في‬
‫أمّا إن لم يعرف هذا المختط له ول ورثته فإنّما يستحق الكنز أقصى مال ٍ‬
‫السلم ‪ ,‬وهو اختيار السّرخسيّ ‪ ,‬خلفا لبي اليسر البزدويّ الّذي اختار استحقاق بيت‬
‫المال للكنز ‪ ,‬يقول السّرخسي ‪ :‬إن كان المختط له باقيا أو وارثه دفع إليه ‪ ,‬وإل فهو‬
‫ك يعرف لهذه البقعة في السلم ‪ ,‬وهذا قول أبي حنيفة ومحمّدٍ ‪ ,‬ولع ّل أبا اليسر‬
‫لقصى مال ٍ‬
‫قد نظر إلى تعذر التّعرف على المختطّ له في عصره فأوجب ملك الربعة الخماس لبيت‬
‫المال ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن ملّكت الرض بإرثٍ فأربعة الخماس الباقية لمالكها ‪ ,‬وإن ملّكت بشراءٍ‬
‫ي أو الواهب إن علم وإل فلقطة ‪ ,‬وقيل لمالكها في الحال ‪.‬‬
‫أو هبةٍ فهي للبائع الصل ّ‬
‫ض مملوكةٍ بشرا ٍء أو ما يشبهه يختص بمالك‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّ ملك ما يوجد من الكنوز في أر ٍ‬
‫تلك الرض حكما وهو الجيش الّذي فتحها عنه ‪ ,‬فيدفع الباقي لمن وجد منهم ‪ ,‬فإن لم‬
‫يوجد الجيش فلوارثه إن وجد ‪ ,‬فإن انقرض الوارث فقال سحنون ‪ :‬إنّه لقطة فيجوز‬
‫التّصدق به عن أربابه ويُعمل فيه ما يعمل في اللقطة ‪ ,‬وقال بعضهم ‪ :‬إذا انقرض الوارث‬
‫حلّ محلّه بيت المال من أوّل المر ‪ ,‬لنّه مال جهلت أربابه ‪ ,‬وهذا هو المعتمد وهو ما‬
‫مشى عليه الشّارح ‪ ,‬وكان مالك يقول ‪ :‬كل كنزٍ وجد من دفن الجاهليّة في بلد قومٍ‬
‫صالحوا عليها فأراه لهل تلك الدّار الّذين صالحوا عليها ‪ ,‬وليس هو لمن أصابه ‪ ,‬وما‬
‫أصيب في أرض العتق فأراه لجماعة مسلمي أهل تلك البلد الّذين افتتحوها ‪ ,‬وليس هو‬
‫ن ما في داخلها بمنزلة ما في خارجها فهو لجميع أهل تلك البلد ‪,‬‬
‫لمن أصابه دونهم ‪ ,‬ل ّ‬
‫ويخمّس ‪.‬‬
‫ض انتقلت إلى واجده من غيره لم يحلّ للواجد أخذه ‪,‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا كان الرّكاز في أر ٍ‬
‫بل يلزمه عرضه على من ملك الرض عنه ‪ ,‬ثمّ الّذي قبله إن لم يدعه ‪ ,‬ثمّ هكذا حتّى‬
‫ينتهي إلى المحيي ‪.‬‬
‫ح إلى أنّ الربعة الخماس لواجدها لنّها مال كاف ٍر مظهورٍ عليه في‬
‫وذهب الحنابلة في الص ّ‬
‫السلم ‪ ,‬فكان لمن ظهر عليه كالغنائم ‪ ,‬وهذا قد ظهر عليه فوجب أن يملكه ‪ ,‬وفي روايةٍ‬
‫ثانيةٍ للحنابلة هي للمالك قبله إن اعترف به ‪ ,‬وإن لم يعترف به فهي للّذي قبله كذلك إلى‬
‫ك فهو كالمال الضّائع الّذي ل يعرف له مالك ‪.‬‬
‫أوّل مالكٍ ‪ ,‬فإن لم يعرف له أوّل مال ٍ‬
‫ض ملكها صاحبها بالحياء فيخمّس ما‬
‫ج ‪ -‬ما يوجد من الكنز في بلد السلم في أر ٍ‬
‫يوجد ‪ ,‬ويستحق المحيي الخماس الربعة الباقية ‪.‬‬
‫ض ملكها بالحياء أو انتقلت إليه‬
‫ن الكنز للواجد إن وجده في أر ٍ‬
‫ص الحنابلة على أ ّ‬
‫ون ّ‬
‫بميراثٍ أو بي ٍع أو غير ذلك ‪.‬‬
‫د ‪ -‬ما يوجد من الكنز في بلد السلم في أرضٍ موقوفةٍ فالكنز لمن في يده الرض ‪ ,‬كذا‬
‫ذكره البغوي ‪.‬‬
‫النّوع الثّاني ‪ :‬الكنوز الّتي يجدها المسلم أو ال ّذمّي في دار الحرب ‪:‬‬
‫‪ -‬فصّل الفقهاء أنواع ما يجده المسلم أو ال ّذمّي من كنوزٍ في دار الحرب على النّحو‬ ‫‪8‬‬

‫التّالي ‪:‬‬
‫فقال المالكيّة والحنابلة ‪ :‬هو كموات دار السلم فيه الخمس لعموم قوله صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬وفي الرّكاز الخمس » ‪.‬‬
‫ض ليست بمملوكةٍ لحدٍ في دار الحرب فهو للواجد ‪,‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إذا وجد الكنز في أر ٍ‬
‫ول يخمّس ‪ ,‬لنّه مال أخذه ل عن طريق القهر والغلبة لنعدام غلبة أهل السلم على ذلك‬
‫الموضع فلم يكن غنيمةً ‪ ,‬ول خمس فيه ‪ ,‬ويكون الكل له ‪ ,‬لنّه مباح استولى عليه بنفسه‬
‫ن حكم المان يظهر في‬
‫ن أو بغير أمانٍ ‪ ,‬ل ّ‬
‫فيملكه كالحطب والحشيش ‪ ,‬وسواء دخل بأما ٍ‬
‫المملوك ل في المباح ‪.‬‬
‫وفصّل الشّافعيّة فقالوا ‪ :‬إذا وجده في دار الحرب في مواتٍ ل يذبون عنه فهو كموات دار‬
‫السلم فيه الخمس ‪ ,‬لعموم قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬وفي الرّكاز الخمس » ‪.‬‬
‫وإن وجده في مواتٍ في دار الحرب يذبون عنه ذبّهم عن العمران فالصّحيح أنّه ركاز كالّذي‬
‫ل يذبون عنه لعموم الحديث ‪.‬‬
‫‪ -‬أمّا إن وجد الكنز في أرضٍ مملوكةٍ لهل هذه الدّار فيفرّق الفقهاء بين حالين ‪:‬‬ ‫‪9‬‬

‫ن فل يحل له أخذ الكنز ل بقتالٍ ول غيره ‪ ,‬وليس له خيانتهم في‬


‫أوّلهما ‪ :‬أن يدخل بأما ٍ‬
‫أمتعتهم ‪ ,‬فإن أخذه لزمه رده ‪ ,‬قال الحنفيّة ‪ :‬ويرده إلى صاحب الرض ‪ ,‬وإل ملكه ملكا‬
‫خبيثا ‪ ,‬لتمكن خبث الخيانة فيه فسبيله التّصدق به ‪ ,‬ولو باعه يجوز بيعه لكن ل يطيب‬
‫للمشتري ‪ ,‬بخلف بيع المشترى شراءً فاسدا ‪ ,‬ويعد سارقا إن أخذه خفيةً ‪ ,‬ومختلسا إن‬
‫أخذه جهارا ‪.‬‬
‫ن فيحل للواجد أن يأخذ ما يظفر به من كنوزهم ول‬
‫والثّاني ‪ :‬أن يكون قد دخل بغير أما ٍ‬
‫شيء فيه عند الحنفيّة إن كان أخذه بغير قتالٍ ‪ ,‬أمّا إن كان أخذه على سبيل القهر والغلبة‬
‫ب كما لو دخل جماعة ممتنعون في دار الحرب فظفروا بشيءٍ من كنوزهم يجب‬
‫بقتالٍ وحر ٍ‬
‫فيه الخمس ‪ ،‬لكونه غنيم ًة لحصول الخذ عن طريق القهر والغلبة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن وجد في موض ٍع مملوكٍ لهم نظر ‪ :‬إن أخذ بقهرٍ وقتا ٍل فهو غنيمة كأخذ‬
‫أموالهم ونقودهم من بيوتهم فيكون خمسه لهل خمس الغنيمة وأربعة أخماسه لواجده ‪,‬‬
‫وإذا أخذ بغير قتالٍ ول قه ٍر فهو فيء ومستحقه أهل الفيء ‪ ,‬كذا ذكره إمام الحرمين ‪.‬‬
‫ملكيّة الكنز ‪:‬‬
‫تناول الفقهاء أحكام ملكيّة الكنز من حيث طبيعة ملكيّة الخمس وسبب ملكيّة الربعة أخماس‬
‫الباقية والعلقة بين ملكيّة الرض وملكيّة الكنوز الّتي توجد فيها ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬ملكيّة الخمس ‪:‬‬
‫‪ -‬يميّز فقهاء الحنفيّة بين نوعين من الحقوق ‪:‬‬ ‫‪10‬‬

‫أوّلهما ‪ :‬الحقوق المتعلّقة بذمّة أحدٍ من العباد ‪ ,‬كدين القرض في ذمّة المقترض ‪ ,‬والثّمن‬
‫في ذمّة المشتري ‪ ,‬والجرة في ذمّة المستأجر ‪ ,‬وقيمة المغصوب أو مثله في ذمّة‬
‫الغاصب ‪ ,‬والمهر والنّفقة في ذمّة الزّوج ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬الحقوق القائمة بنفسها المتعلّقة بالشياء ذاتها ل في ذمّة أحدٍ ‪ ,‬وهي الّتي عرّفها‬
‫صدر الشّريعة بأنّها حقوق قائمة بنفسها ل تجب في ذمّة أحدٍ كخمس الغنائم والمعادن ‪,‬‬
‫فالخمس فيهما مفروض على عين الغنائم والمعادن قبل الستيلء أو الكشف ‪ ,‬دون نظرٍ‬
‫ن الخمس للفقراء ‪ ,‬والواجد‬
‫ص الحنفيّة على أ ّ‬
‫إلى شخص الغانم أو الواجد للمعدن ‪ .‬وقد ن ّ‬
‫منهم ‪ ,‬والربعة الخماس للواجد إذا لم تبلغ مائتي درهمٍ ‪ ,‬فإن بلغت لم يجز له الخذ من‬
‫الخمس ‪.‬‬
‫قال السّرخسي ‪ :‬من أصاب كنزا أو معدنا وسعه أن يتصدّق بخمسه على المساكين ‪ ,‬فإذا‬
‫اطلع المام على ذلك أمضى له ما صنع ‪ ,‬لنّ الخمس حق الفقراء وقد أوصله إلى‬
‫مستحقّه ‪.‬‬
‫وقال الكاساني ‪ :‬يجوز دفع الخمس إلى الوالدين والمولودين إذا كانوا فقراء بخلف الزّكاة‬
‫والعشر ‪ ,‬ويجوز للواجد أن يصرفه في مصالحه إذا كان محتاجا ول تغنيه الربعة الخماس‬
‫الباقية بأن كانت تقل عن المائتين ‪ ,‬أمّا إذا بلغت الخماس الربعة المائتين فليس للواجد‬
‫الخذ من الخمس لغناه ‪ ,‬ول يقال ينبغي أل يجب الخمس مع الفقر كاللقطة ‪ ,‬لنّا نقول إنّ‬
‫ص عام فيتناوله ‪.‬‬
‫النّ ّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬خمس الرّكاز مصرفه ليس كمصرف الزّكاة وإنّما هو كخمس الغنائم يحل‬
‫للغنياء وغيرهم ‪ ,‬ويجب الخمس في الرّكاز ولو كان الواجد عبدا أو كافرا أو صبيا أو‬
‫مدينا ‪ ,‬وإن احتاج إلى كبير عملٍ في تخليصه وإخراجه من الرض ففيه الزّكاة ربع العشر‬
‫‪ ,‬ول يشترط لوجوب الزّكاة بلوغ النّصاب ول غيره من شروط الزّكاة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬في الرّكاز الخمس يصرف مصرف الزّكاة على المشهور ‪ ,‬لنّه حق واجب‬
‫في المستفاد من الرض ‪ ,‬فأشبه الواجب في الزّرع والثّمار ‪ ,‬ول بدّ أن يكون الواجد أهلً‬
‫للزّكاة ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬أنّه يصرف لهل الخمس ‪ ,‬لنّه مال جاهلي حصل الظّفر به من غير إيجاف خيلٍ‬
‫ول ركابٍ ‪ ,‬فكان كالفيء ‪ ,‬وعليه فيجب على المكاتب والكافر من غير احتياجٍ لن ّيةٍ ‪.‬‬
‫ضمّ ‪ -‬والنّقد أي الذّهب والفضّة وإن لم يكن مضروبا على‬
‫وشرطه النّصاب ‪ -‬ولو بال ّ‬
‫ص بما تجب فيه الزّكاة قدرا ونوعا كالمعدن ‪.‬‬
‫المذهب ‪ ,‬لنّه مال مستفاد من الرض فاخت ّ‬
‫والثّاني ‪ :‬ل يشترطان للخبر المارّ ‪ ,‬ول يشترط الحول بل خلفٍ ‪.‬‬
‫والمذهب عند الحنابلة ‪ :‬أنّ الخمس يكون مصرفه مصرف الفيء ‪ ,‬اختاره ابن أبي موسى‬
‫والقاضي وابن عقيلٍ ‪ ,‬ويجب الخمس على كلّ من وجده من مسلمٍ وذمّيّ وح ّر وعبدٍ‬
‫ن الواجد له إذا كان عبدا فهو لسيّده ‪ ,‬وإن‬
‫ومكاتبٍ وكبي ٍر وصغيرٍ وعاقلٍ ومجنونٍ ‪ ,‬إل أ ّ‬
‫كان صبيا أو مجنونا فهو لهما ويخرج عنهما وليهما ‪.‬‬
‫وفي رواي ٍة عن أحمد ‪ :‬أنّه زكاة ‪ ,‬جزم به الخرقي ‪ ,‬وإن تصدّق به على المساكين أجزأه‬
‫ن عليّ بن أبي طالبٍ رضي ال عنه أمر صاحب الكنز أن يتصدّق به على المساكين ‪.‬‬
‫لّ‬
‫وإذا كان الخمس زكاةً فل تجب على من ليس من أهلها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ملكيّة الخماس الربعة ‪:‬‬
‫‪ -‬يملك واجد الكنز ما يبقى منه بعد صرف الخمس بالشروط التّالية ‪:‬‬ ‫‪11‬‬

‫أ ّولً ‪ :‬أن يكون الواجد مسلما أو ذمّيا ‪ ,‬فإن كان حربيا اشترط سبق إذن المام له بالعمل‬
‫في التّنقيب عن الكنوز ‪ ,‬ويتقيّد حقه في الكنز باتّفاقه مع المام ‪ ,‬وقد نصّ فقهاء المذهب‬
‫الحنفيّ على أنّ الحربيّ إذا عمل في المفاوز بإذن المام على شرطٍ فله المشروط ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬أن يكون الكنز من دفين الجاهليّة لم يدخل في ملك مسلمٍ ول ذمّيّ وإل أخذ الكنز حكم‬
‫اللقطة ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬أن يوجد الكنز في أرضٍ غير مملوكةٍ لح ٍد كالجبال والمفاوز والطرق المهجورة الّتي‬
‫ل يأتيها المسلمون ول أهل ال ّذمّة ‪.‬‬
‫ص الشّافعيّة على أنّ الواجد يملك الرّكاز ‪ ,‬لنّه كسب له فيملكه بالكتساب ‪ ,‬وإذا ملكه‬
‫ون ّ‬
‫وجبت الزّكاة فيه وهي الخمس لنّه من أهلها ‪.‬‬
‫ض مملوكةٍ لغير معيّنٍ ‪:‬‬
‫ج ‪ -‬ملكيّة الكنز الموجود في أر ٍ‬
‫ن أو‬
‫ض مملوكةٍ فإمّا أن تكون مملوكةً لغير معيّ ٍ‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬إذا وجد الكنز في أر ٍ‬ ‫‪12‬‬

‫ن هي الّتي آلت إلى المسلمين بل قتالٍ ول‬


‫ن ‪ ,‬والراضي المملوكة لغير معيّ ٍ‬
‫مملوكةً لمعيّ ٍ‬
‫ب ‪ ,‬وكذا الّتي آلت إلى بيت المال لموت المالك من غير وارثٍ ‪ ,‬كما‬
‫إيجاف خيلٍ ول ركا ٍ‬
‫صرّح به بعض الفقهاء فيما يتعلّق بأراضي مصر ‪ ,‬وتنتقل ملكيّة هذا النّوع من الرضين‬
‫إلى بيت المال وتصير أملك دولةٍ ‪ ,‬فيملكها جميع المسلمين ‪ ,‬واعتبرها بعض الفقهاء‬
‫وقفا ‪ ,‬وحكم ما يوجد من كنزٍ في هذا النّوع من الراضي أن يذهب خمسه لبيت المال أمّا‬
‫الباقي وهو الربعة الخماس فالقياس أن يذهب إلى الواجد على مذهب أبي يوسف‬
‫ط له الوّل إن عرف ‪ ,‬وإل فلبيت المال أو للجيش وورثته عند‬
‫والحنابلة ‪ ,‬أو إلى المخت ّ‬
‫القائلين به حسبما يأتي تفصيله ‪ ,‬وفي هذا يذكر ابن عابدين أنّه لم ير حكم ما وجد في‬
‫ن الكلّ لبيت المال ‪ ,‬أمّا الخمس‬
‫أرضٍ مملوكةٍ لغير معيّنٍ ‪ ,‬ثمّ يقول ‪ :‬والّذي يظهر لي أ ّ‬
‫فظاهر ‪ ,‬وأمّا الباقي فلوجود المالك ‪ -‬وهو جميع المسلمين ‪ -‬فيأخذه وكيلهم وهو‬
‫السلطان‪ .‬وهو مذهب المالكيّة بنا ًء على أصلهم في صرف الباقي بعد الخمس أو دفع نسبة‬
‫الزّكاة إلى مالك الرض ‪ ,‬ويفسّر الخرشي هذا الصل بقوله ‪ :‬باقي الرّكاز سواء وجب فيه‬
‫الخمس أو الزّكاة ‪ ,‬وهو الربعة الخماس في الوّل والباقي بعد ربع العشر في الثّاني لمالك‬
‫الرض ‪ ,‬وأراد بالمالك حقيقةً أو حكما ‪ ,‬بدليل قوله ‪ :‬ولو جيشًا ‪ ,‬فإنّ الرض ل تملّك‬
‫للجيش ‪ ,‬لنّها بمجرّد الستيلء تصير وقفا ‪ ,‬فإن لم يوجد فهو مال جهلت أربابه ‪ ,‬قال‬
‫س عن سحنونٍ أنّه كاللقطة ‪,‬‬
‫مطرّف وابن الماجشون وابن ناف ٍع ‪ :‬لواجده ‪ ,‬وحكى ابن شا ٍ‬
‫ن‪.‬‬
‫ن الربعة الخماس تذهب إلى مالك الرض ‪ ,‬سواء كان معيّنا أو غير معيّ ٍ‬
‫ومفاده أ ّ‬
‫ملكيّة الكنوز السلميّة ‪:‬‬
‫‪ -‬تأخذ هذه الكنوز حكم اللقطة في المذاهب المختلفة ‪ ,‬لنّها مال مسلمٍ ل يعرف على‬ ‫‪13‬‬

‫التّعيين ‪ ,‬من حيث وجوب اللتقاط ‪ ,‬والتّعريف ومدّته والتّملك والنتفاع بها ‪ ,‬وضمانها بعد‬
‫التّصدق ‪ ,‬وما إلى ذلك ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬لقطة ) ‪.‬‬
‫مسائل فقهيّة خاصّة بالكنز ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حكم التّنقيب عن الكنوز ‪:‬‬
‫‪ -‬بحث الفقهاء المسلمون حكم التّنقيب عن الكنوز ولم يروا حرمته فيما نصوا عليه ‪,‬‬ ‫‪14‬‬

‫ليجاب الشّريعة الخمس فيما خرج منها ‪ ,‬ممّا يدل بوجه القتضاء على حلّ استخراجه‬
‫وجواز البحث عنه ‪ ,‬وما روي عنهم من الكراهة أو الحرمة فإنّما هو لمعنىً آخر ‪ ,‬من ذلك‬
‫ن مالكا قد كره الحفر في القبور ولو كانت لموتى الجاهليّة تعظيما لحرمة الموت ‪ ,‬ففي‬
‫أّ‬
‫المدوّنة ‪ :‬قال مالك ‪ :‬أكره حفر قبور الجاهليّة والطّلب فيها ولست أراه حراما ‪ ,‬فما نيل‬
‫فيها من أموال الجاهليّة ففيه الخمس ‪ ,‬وذلك ‪ -‬كما جاء في حاشية الدسوقيّ ‪ -‬لخلله‬
‫ي ‪ ,‬واعلم أنّ مثل قبر الجاهليّ في‬
‫ي أو ول ّ‬
‫بالمروءة ‪ ,‬وخوف مصادفة قبر صالحٍ من نب ّ‬
‫كراهة الحفر لجل أخذ ما فيه من المال قبر من ل يعرف هل هو من المسلمين أو الكفّار ‪,‬‬
‫وكذا قبور أهل ال ّذمّة ‪ ,‬أي الكفّار تحقيقا ‪ ,‬وأمّا نبش قبور المسلمين فحرام ‪ ,‬وحكم ما وجد‬
‫ي وأخذ ما فيه‬
‫فيها حكم اللقطة ‪ ,‬وقد خالف أشهب في هذا ‪ ,‬ورأى جواز نبش قبر الجاهل ّ‬
‫ض ‪ ,‬وفيه الخمس ‪ ,‬وهو مذهب الحناف ‪ ,‬فعندهم أنّه ل بأس بنبش قبور‬
‫من مالٍ وعر ٍ‬
‫الكفّار طلبا للمال ‪.‬‬
‫ول يشترط إذن المام في التّنقيب عن الكنوز والمعادن ليأخذ الواجد حقّه عند الحناف ‪,‬‬
‫ففي السّير ‪ :‬أنّه إن أصاب ال ّذمّي أو العبد أو المكاتب أو الصّبي أو المرأة معدنا في دار‬
‫السلم أو ركازا خمّس ما أصاب ‪ ,‬وكانت البقيّة لمن أصابه ‪ ,‬إن كان ذلك بغير إذن المام‬
‫‪ ,‬لنّ هؤلء يثبت لهم في الغنيمة حق وإن أصابوها بغير إذن المام ‪ ,‬فإنّهم لو غزوا مع‬
‫عسك ٍر من المسلمين بغير إذن المام رضخ لهم من الغنيمة ‪ ,‬فكذلك ثبت لهم حق فيما‬
‫أصابوا في دار السلم ‪.‬‬
‫ولو أذن المام لحدٍ في استخراج المعادن أو الكنوز على شرطٍ لزم هذا الشّرط ‪ ,‬فكل شيءٍ‬
‫ل من الصول‬
‫قدّره المام صار كالّذي ظهر تقديره بالشّريعة ‪ ,‬فيما ل يصادم نصا ول أص ً‬
‫الشّرعيّة ‪ ,‬ولذا ل يجوز للمام التّفاق على إسقاط شيءٍ من الخمس الّذي أوجبه الشّارع‬
‫ن مسلما حرا أو عبدا أو مكاتبا أو امرأةً أذن له المام في طلب الكنوز‬
‫لحظّ الفقراء ‪ ,‬فلو أ ّ‬
‫والمعادن من الذّهب والفضّة وغير ذلك على أنّ ما أصاب من ذلك فهو له ل خمس فيه‬
‫ن ما‬
‫فأصاب مالً كثيرا من المعادن فليس ينبغي للمام أن يسلّم ذلك له إن كان موسرا ‪ ,‬ل ّ‬
‫يصاب من الرّكاز والمعدن هو غنيمة ‪ ,‬والخمس حق الفقراء في الغنيمة ‪ ,‬ول يجوز له أن‬
‫ق الفقراء ‪ ,‬فإن كان الّذي أصابه محتاجا عليه دين كثير ل يصير غنيا بالربعة‬
‫يبطل ح ّ‬
‫ن الخمس حق الفقراء ‪ ,‬هذا الّذي‬
‫الخماس فرأى المام أن يسلّم ذلك الخمس له جاز ‪ ,‬ل ّ‬
‫أصابه فقير ‪ ,‬فقد صرف الحقّ إلى مستحقّه فيجوز ‪ ,‬والدّليل عليه ما روي عن عليّ رضي‬
‫ض خربةٍ فالخمس لنا‬
‫ال عنه أنّه قال لذلك الرّجل الّذي أصاب الرّكاز ‪ :‬إن وجدتها في أر ٍ‬
‫وأربعة أخماسه لك ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬وسنتمها لك ‪ ,‬وإنّما قال ذلك لنّه رآه أهلً للصّدقة ‪ ,‬ولو‬
‫ن المام إذا أذن لمسلمٍ‬
‫اشترط الزّيادة على الخمس لم يجز هذا الشّرط ‪ ,‬ففي السّير الكبير أ ّ‬
‫ي في طلب الكنوز والمعادن على أنّ له النّصف وللمسلمين النّصف فأصاب كنزا أو‬
‫أو ذمّ ّ‬
‫أموالً من المعادن ‪ ,‬فإنّ المام يأخذ منه الخمس وما بقي فهو لمن أصابه ‪ ,‬وهذا لنّ‬
‫استحقاقه بالصابة ل بالشّرط ‪ ,‬ولذا ل يعتبر الشّرط ‪.‬‬
‫احتفار ال ّذ ّميّ والمستأمن للكنوز ‪:‬‬
‫‪ -‬ال ّذمّي كالمسلم في إيجاب الخمس وفي عدم اشتراط إذن المام لستحقاق الملك ‪.‬‬ ‫‪15‬‬

‫ض ٍة أو‬
‫ب أو ف ّ‬
‫يقول الشّيباني ‪ :‬وما أصاب ال ّذمّي من ركا ٍز في دار السلم أو معدنٍ ذه ٍ‬
‫ق فهو والمسلم فيه سواء ‪ ,‬يخمّس ما أصاب وما بقي فهو له ‪ ,‬سواء كان‬
‫ص أو زئب ٍ‬
‫رصا ٍ‬
‫بإذن المام أو بغير إذن المام ‪ ,‬لنّه من أهل دارنا ويجري عليه حكمنا فكان بمنزلة المسلم‬
‫أمّا الحربي المستأمن فقال الشّيباني ‪ :‬إذا دخل الحربي دار السلم بأمانٍ فأصاب ركازا أو‬
‫ن إمام المسلمين يأخذه منه كلّه ‪ ,‬ول يكون‬
‫معدنا ‪ ,‬فاستخرج منه ذهبا أو ورقا أو حديدا فإ ّ‬
‫ن المسلم لو كان‬
‫ن المسلمين أوجفوا عليها الخيل ‪ ,‬أل ترى أ ّ‬
‫له شيء ‪ ,‬لنّ هذا غنيمة ‪ ,‬فإ ّ‬
‫هو الّذي أصاب يخمّس والباقي له ‪ ,‬ولو لم يكن غنيمةً لكان ل خمس فيه ‪ ,‬والحربي ل حقّ‬
‫له في غنائم المسلمين ‪ ,‬فإن كان الحربي المستأمن استأذن إمام المسلمين في طلب ذلك‬
‫والعمل فيه حتّى يستخرجه فأذن له في ذلك ‪ ,‬فعمل فأصاب شيئا خمّس ما أصاب وكان ما‬
‫ي المستأمن لو قاتل المشركين بإذن المام صار له في‬
‫ي المستأمن ‪ ,‬لنّ الحرب ّ‬
‫بقي للحرب ّ‬
‫الغنيمة نصيب ‪ ,‬حتّى أنّه يرضخ له كما يرضخ لل ّذمّيّ ‪.‬‬
‫ي المستأمن استأذن المام في طلب الكنوز والمعادن ‪ ,‬فأذن له المام‬
‫وقال ‪ :‬لو أنّ الحرب ّ‬
‫ن للمسلمين ممّا يصيب النّصف وله النّصف ‪ ,‬فعمل على هذا فأصاب ركازا معدنا فإنّ‬
‫على أ ّ‬
‫المام يأخذ نصف ما أصاب والحربي نصفه ‪ ,‬وذلك لنّ الحربيّ المستأمن إنّما يستحق من‬
‫الرّكاز الّذي أصابه في دار السلم ما استحقه بشرط إذن المام ‪ ,‬فإنّه لو أصابه بعد إذن‬
‫المام أخذ منه ‪ ,‬وإذا كان استحقاقه بالشّرط ‪ ،‬والمام شرط له النّصف فل يستحق أكثر من‬
‫النّصف ‪.‬‬
‫ي فيجعله للفقراء ‪,‬‬
‫ثمّ المام يأخذ خمس ما أصاب الحربي من النّصف الّذي أخذه من الحرب ّ‬
‫ويجعل النّصف للمقاتلة ‪ ,‬وذلك لنّ إذن المام يصيّر ما أصابه الحربي غنيمةً يجب فيها‬
‫الخمس ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الستئجار على العمل في استخراج الكنوز ‪:‬‬
‫‪ -‬أجاز جمهور الفقهاء الستئجار على العمل في استخراج الكنوز شريطة استجماع‬ ‫‪1‬‬

‫ن أو‬
‫شروط صحّة الجارة ‪ ,‬وهي أن تكون الجرة معلومةً وأن يكون العمل مضبوطا بزم ٍ‬
‫غيره ممّا يحصل به الضّبط ‪ ,‬كحفر كذا وإزالة جدارٍ أو نقل قد ٍر معيّنٍ من التراب ‪,‬‬
‫ويستحق العامل الجر ويذهب ما يخرج من الكنوز إلى المستأجر ‪ ,‬جاء في البحر الرّائق ‪:‬‬
‫أنّه إذا استأجر أجراء للعمل في المعدن فالمصاب للمستأجر لنّهم يعملون له ‪.‬‬
‫ي أنّه يجوز دفعه أي المعدن لمن يعمل فيه بأجر ٍة معلومةٍ يأخذها من‬
‫وفي حاشية الدسوق ّ‬
‫ن أو عم ٍل خاصّ‬
‫العامل في نظير أخذه ما يخرجه من المعدن بشرط كون العمل مضبوطا بزم ٍ‬
‫كحفر قامةٍ أو قامتين نفيا للجهالة في الجارة ‪ ,‬وسمّي العوض المدفوع أجر ًة لنّه ليس في‬
‫مقابلة ذاتٍ ‪ ,‬بل في مقابلة إسقاط الستحقاق ‪ ,‬ويرى المالكيّة أنّه إذا استأجره على أنّ ما‬
‫يخرج لربّه والجرة يدفعها ربه للعامل فيجوز ولو بأجرة نق ٍد ‪.‬‬
‫وفي جواز دفع المعدن بجز ٍء للعامل ممّا يخرج منه كنصفٍ أو رب ٍع كالقراض ومنعه ‪. .‬‬
‫قولن رجّح كل منهما ‪.‬‬
‫وإنّما جازت الجارة في استخراج الكنوز لجواز المعاوضة على هذه المنفعة ‪ ,‬يقول‬
‫السّرخسي ‪ :‬وإذا تقبّل الرّجل من السلطان معدنا ثمّ استأجر فيه أجراء ‪ ,‬واستخرجوا منه‬
‫ن عملهم صار‬
‫ما ًل قال يخمّس ‪ ,‬وما بقي فهو للمتقبّل ‪ ,‬لنّ عمل أجرائه كعمله بنفسه ‪ ,‬ول ّ‬
‫مسلّما إليه حكما بدليل وجوب الجرة لهم عليه ‪ ,‬وإن كان عملوا فيه بغير أمره فالربعة‬
‫الخماس لهم دونه ‪ ,‬لنّهم وجدوا المال ‪ ,‬والربعة الخماس للواجد ‪ ,‬والتّقبل من السلطان‬
‫ن المقصود منه ما هو عين ‪ ,‬والتّقبل في مثله ل يصح ‪ ,‬كمن تقبّل‬
‫لم يكن صحيحا ‪ ,‬ل ّ‬
‫أجمةً فاصطاد فيها السّمك غيره كان للّذي اصطاده ‪ ,‬وكذلك من تقبّل بعض المقانص من‬
‫السلطان فاصطاد فيها غيره كان الصّيد لمن أخذه ‪ ,‬ول يصح ذلك التّقبل منه ‪ ,‬فهذا مثله ‪.‬‬
‫ومعنى التّقبل اللتزام بالعمل بعقدٍ ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫( ر ‪ :‬تقبل ف‬
‫لكن لو فسدت الجارة فالقياس أل تجب الجرة للجير وأن يكون عمله في استخراج الكنوز‬
‫ص ابن عابدين فيما لو لم يتّفقا على تعيين العمل بما ل يضبطه ‪ -‬كأن ل‬
‫لنفسه ‪ ,‬وقد ن ّ‬
‫يذكرا وقتا يحدّدانه لهذا العمل ‪ -‬أنّ الرّكاز هنا للعامل أيضا ‪ ,‬إذا لم يوقّتا ‪ ,‬لنّه إذا فسد‬
‫الستئجار بقي مجرّد التّوكيل ‪ ,‬والتّوكيل في أخذ المباح ل يصح بخلف ما إذا حصّله‬
‫ن للمعين أجر مثله ‪ ,‬لنّه عمل له غير متب ّرعٍ ‪ ,‬هذا ما ظهر لي‬
‫أحدهما بإعانة الخر ‪ ,‬فإ ّ‬
‫فتأمّله ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الشتراك في استخراج الكنوز ‪:‬‬
‫‪ -‬انقسم الفقهاء في حكم الشتراك في استخراج الكنوز إلى فريقين ‪:‬‬ ‫‪17‬‬

‫ك من‬
‫الوّل ‪ :‬الحكم بفساد الشّركة في استخراج الكنوز ورجوع ما يستخرجه كل شري ٍ‬
‫الشركاء لنفسه وهو مذهب الحنفيّة ‪ ,‬قال الحصكفي ‪ :‬لو عمل رجلن في طلب الرّكاز فهو‬
‫للواجد ‪ ,‬قال ابن عابدين ‪ :‬ظاهره أنّه ل شيء عليه للخر وهذا ظاهر فيما إذا حفر أحدهما‬
‫ل ‪ ,‬ثمّ جاء آخر وأتمّ الحفر واستخرج الرّكاز ‪ ,‬أمّا لو اشتركا في طلب ذلك فسيذكر في‬
‫مث ً‬
‫ش واصطيا ٍد واستقاءٍ وسائر مباحاتٍ كاجتناء‬
‫باب الشّركة الفاسدة أنّها ل تصح في احتشا ٍ‬
‫ثمارٍ من جبالٍ وطلب معدنٍ من كنزٍ وطبخ آج ّر من طينٍ مباحٍ لتضمنها الوكالة ‪ ,‬والتّوكيل‬
‫في أخذ المباح ل يصح ‪ ,‬وما حصّله أحدهما فله ‪ ,‬وما حصّله معا فلهما نصفين إن لم يعلم‬
‫ما لكلّ ‪ ,‬وما حصّله أحدهما بإعانة صاحبه فله ‪ ,‬ولصاحبه أجر مثلٍ بالغا ما بلغ عند‬
‫محمّدٍ ‪ ,‬وعند أبي يوسف ل يجاوز به نصف ثمن ذلك ‪ ,‬وإنّما كانت شركةً في تحصيل‬
‫ن هذه الموال من المباحات فل‬
‫المعادن الخلقيّة أو الكنوز الجاهليّة فاسدةً عند الحنفيّة ل ّ‬
‫تقبل التّوكيل في أخذها ‪ ,‬والشّركة إنّما تقوم على معنى الوكالة ‪ ,‬فكل من الشّريكين وكيل‬
‫عن الخر في التّقبل والعمل حتّى يشتركا في الرّبح الحاصل لهما ‪ ,‬ول فرق في ذلك بين‬
‫ت مشتركةٍ ‪.‬‬
‫الشتراك في التّحصيل بآل ٍة يستخدمها كل منهما في عمله أو بآل ٍ‬
‫الثّاني ‪ :‬جواز الشتراك في استخراج المعادن والكنوز ‪ ,‬وهو مذهب المالكيّة والحنابلة ‪,‬‬
‫ي جواز الشتراك في الحفر على الرّكاز والمعدن‬
‫خلفا لتّجاه الحنفيّة ‪ ,‬ففي حاشية الدسوق ّ‬
‫والبار والعيون وكذا البنيان بشرط اتّحاد الموضع ‪ ,‬فل يجوز أن يحفر هذا في غارٍ فيه‬
‫معدن وهذا في غارٍ آخر ‪ ,‬وقد ذكر ابن قدامة جواز الشتراك في المباح كالحطب‬
‫والحشيش والثّمار المأخوذة من الجبال والمعادن والتّلصص على دار الحرب ‪ ,‬فهذا جائز ‪,‬‬
‫ص عليه أحمد ‪.‬‬
‫ن ّ‬
‫ويستدل الحنابلة لمذهبهم من المنقول بما روي عن عبد اللّه بن مسعودٍ قال ‪ :‬اشتركت أنا‬
‫وعمّار وسعد يوم بدرٍ فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمّار بشيءٍ ‪ ,‬قال ابن قدامة ‪:‬‬
‫ومثل هذا ل يخفى عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وقد أقرّهم عليه ‪.‬‬
‫أمّا من المعقول فيستدلون بأنّ العمل أحد جهتي المضاربة وصحّة الشّركة عليه كالمال ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الختصاص والمزاحمة ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يتوقّف العمل في استخراج الكنوز والمعادن على إذن المام إل عند المالكيّة الّذين‬ ‫‪18‬‬

‫اشترطوا إذن المام للعمل في المعادن منعا للهرج والنّزاع بين العامّة ‪ ,‬وذلك لنّ المعادن‬
‫قد يجدها شرار النّاس ‪ ,‬فلو لم يكن حكمه إلى المام لدّى ذلك إلى الفتن والهرج ول يعني‬
‫عدم اشتراط إذن المام في العمل في الكنوز والمعادن إثبات حقّ كلّ أحدٍ في مزاحمة العامل‬
‫ي فيما لو‬
‫فيها ‪ ,‬فل تجوز مزاحمته فيما أختصّ به بسبق يده عليه ‪ ,‬جاء في الصل للشّيبان ّ‬
‫كان الرّجل يعمل في المكان يوما فيجئ آخر من الغد فيعمل في ذلك المكان ويصيب منه‬
‫المال معتبرا أحقّيّته ‪ ,‬قال محمّد ‪ :‬يخمّس وما بقي بعد الخمس فهو للّذي عمل فيه بعد ذلك‬
‫ن المستخرج الوّل ترك مكان الحفر في الفترة الّتي عمل فيها‬
‫أخيرا ‪ ,‬إذ فرض المسألة أ ّ‬
‫الخر ‪.‬‬
‫ق لحدٍ في مزاحمته ‪ ,‬لسبق اختصاصه به‬
‫أمّا إذا لم ينقطع عن العمل فيه فإنّه ل ح ّ‬
‫ن للبحث عمّا فيه من كنوزٍ أو معادن ل يوجب ملك ما‬
‫ن مجرّد العمل في مكا ٍ‬
‫ومقتضاه أ ّ‬
‫يوجد فيه ‪ ,‬إذ الواقع أنّ من ملك أن يملك لم يعد مالكا ‪ ,‬طبقا لما حرّره القرافي ‪.‬‬
‫إقطاع المعادن ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم إقطاع المعادن وهي البقاع الّتي أودعها اللّه تعالى جواهر‬ ‫‪19‬‬

‫الرض ‪ ,‬بعد أن قسّموها إلى معادن ظاهر ٍة ومعادن باطنةٍ ‪ ,‬فأجاز ذلك بعضهم ومنعه‬
‫آخرون ‪ ,‬وفرّق بعضهم بين المعادن الظّاهرة والمعادن الباطنة ‪.‬‬
‫ومعدن ) ‪.‬‬ ‫‪18‬‬ ‫‪,‬‬ ‫‪17‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬إقطاع ف‬
‫أثر النّفقة في وجوب الخمس ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى المالكيّة في المعتمد طبقا لما ذكره الدسوقي أنّ الرّكاز فيه الخمس إل في حالتين‬ ‫‪20‬‬

‫وهما ‪ :‬إذا ما توقّف إخراجه من الرض على كبير نفقةٍ ‪ ,‬أو عملٍ ‪ ,‬وأمّا فيهما فالواجب‬
‫إخراج ربع العشر ‪ ,‬ويخالف ابن يونس في هذا التّفسير ويوجب الخمس في الرّكاز مطلقا ‪,‬‬
‫سواء افتقر إخراجه من الرض إلى كبير نفقةٍ وإلى كبير جهدٍ وعملٍ أم لم يفتقر ‪ .‬وقال‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬الواجب في الرّكاز الخمس ‪ ,‬ول اعتبار بالنّفقة أو العمل في الحصول عليه حيث‬
‫إنّه ل نفقة لتحصيله غالبا ‪ ,‬لنّه يصل إلى الواجد من غير نفقةٍ ول تعبٍ ‪ ,‬أو بقلي ٍل من ذلك‬
‫خلفا للذّهب والفضّة المستخرجين من المعدن فاعتبرت النّفقة والعمل في مقدار ما يجب‬
‫ن الواجب يزداد بقلّة المؤنة وينقص بكثرتها كالمعشّرات ‪.‬‬
‫فيهما ‪ ,‬ل ّ‬
‫نوع وجوب الخمس ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في تكييف الخمس الّذي يجب في الكنز ‪ ,‬هل هو كالزّكاة أو كخمس‬ ‫‪21‬‬

‫الغنيمة ؟‬
‫فقال بعضهم ‪ :‬إنّه من قبيل الغنيمة ‪ ,‬وقال آخرون ‪ :‬إنّه من قبيل الزّكاة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪15‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪10‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬ركاز ف‬
‫شروط وجوب الخمس ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّمول والتّقوم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى اشتراط تمول الخارج من الرض لوجوب الخمس فيه ‪ ,‬أمّا ما ل‬ ‫‪22‬‬

‫يتموّلـه النّاس في العادة ول يبذلون الثمان للحصول عليه فل شيء فيه ‪.‬‬
‫واختلفوا في اشتراط كون الخارج من الثمان لوجوب الخمس فيه أو في عدم اشتراط ذلك ‪:‬‬
‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وهو مقابل المذهب عند الشّافعيّة إلى أنّه ل يشترط في‬
‫ن الخمس يجب في الخارج عينا‬
‫الكنز الّذي يجب فيه الخمس كونه من الثمان بل قالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫كان أو عرضا كنحاسٍ وحديدٍ وجوهرٍ ورخامٍ وصخورٍ ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يشترط لوجوب الخمس في الخارج من الرض أن يكون نقدا أي ذهبا‬
‫ض ًة ‪ ,‬سواء أكانا مضروبين أم غير مضروبين كالسّبائك على المذهب ‪ ,‬لنّه مال مستفاد‬
‫وف ّ‬
‫ص بما تجب فيه الزّكاة قدرا ونوعا كالمعدن ‪.‬‬
‫من الرض ‪ ,‬فاخت ّ‬
‫ب ‪ -‬سبق اليد الجاهليّة على ملك الكنز ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط لعتبار المال المدفون في باطن الرض من الكنوز الّتي يجب تخميسها أن‬ ‫‪23‬‬

‫ي صلى‬
‫ن أنّها كانت ملكا لهل الجاهليّة والمراد بالجاهليّة ما قبل مبعث النّب ّ‬
‫يغلب على الظّ ّ‬
‫ال عليه وسلم ‪ ,‬وليس المقصود أن يكون المال من ضرب الجاهليّة وصناعتهم ‪ ,‬بل أن‬
‫يكون من دفنهم ‪ ,‬ليعلم أنّه كان في ملكهم ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬استخراج الكنز من دار السلم ل من دار الحرب ‪:‬‬
‫‪ -‬أوجب الحنفيّة والحنابلة استخراج الكنز من دار السلم لوجوب الخمس فيه ‪ ,‬فعندهم‬ ‫‪24‬‬

‫أنّه ل يخمّس ركاز معدنا كان أو كنزا وجد في صحراء دار الحرب ‪ ,‬بل كله للواجد ‪ ,‬ولو‬
‫مستأمنا ‪ ,‬لنّه كالمتلصّص ‪.‬‬
‫ويخالف المالكيّة والشّافعيّة في هذا ‪ ,‬فيخمّس عند المالكيّة ما يوجد من الكنوز في أرضٍ‬
‫غير مملوكةٍ لح ٍد كموات أرض السلم وأرض الحرب ‪ ,‬ولواجده الباقي بعد الخمس ‪ ,‬وفي‬
‫نهاية المحتاج أنّ الرّكاز هو الموجود الجاهلي في مواتٍ مطلقا ‪ ,‬سواء كان بدار السلم أم‬
‫بدار الحرب إن كانوا يذبونا عنه ‪ ,‬وسواء أحياه الواجد أم أقطعه أم ل ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الستخراج من البرّ ل من البحر ‪:‬‬
‫‪ -‬اشترط بعض الفقهاء أخذ الكنز من البرّ لوجوب الخمس فيه على حين لم يشترط‬ ‫‪25‬‬

‫بعضهم هذا الشّرط ‪ ,‬ومبناه اختلفهم في إلحاق الكنوز بالغنيمة أو بالزروع والثّمار وفي‬
‫تحقيق الستيلء على الكنوز ‪ ,‬وهي في البحر ‪ ,‬على النّحو الّذي يرد توضيحه فيما يلي ‪:‬‬
‫يحكي الكاساني اختلف الحنفيّة في حكم ما يستخرج من البحر بقوله ‪ :‬أمّا المستخرج من‬
‫البحر كاللؤلؤ والمرجان والعنبر وكلّ حليةٍ تستخرج من البحر فل شيء فيه في قول أبي‬
‫حنيفة ومحمّدٍ ‪ ,‬وهو للواجد ‪.‬‬
‫ن عامل عمر رضي ال عنه كتب إليه في‬
‫وعند أبي يوسف فيه الخمس ‪ ,‬واحتجّ بما روي أ ّ‬
‫لؤلؤ ٍة وجدت ما فيها قال فيها الخمس ‪ ,‬وروي عنه أنّه أيضا أخذ الخمس من العنبر ‪. .‬‬
‫ن المعنى هو كون ذلك مالً منتزعا من أيدي الكفّار بالقهر ‪ ,‬إذ الدنيا كلها برها وبحرها‬
‫ول ّ‬
‫كانت تحت أيديهم ‪ ,‬انتزعناها من بين أيديهم ‪ ,‬فكان ذلك غنيمةً فيجب الخمس كسائر‬
‫الغنائم ‪ ,‬ولهما ما روي عن ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما أنّه سئل عن العنبر فقال هو‬
‫ن يد الكفرة لم تثبت على باطن البحار الّتي يستخرج‬
‫شيء دسره البحر ل خمس فيه ‪ ,‬ول ّ‬
‫منها اللؤلؤُ والعنبر ‪ ,‬فلم يكن المستخرج منها مأخوذا من أيدي الكفرة على سبيل القهر ‪,‬‬
‫فل يكون غنيمةً فل يكون فيه الخمس ‪ ,‬وعلى هذا قال أصحابنا ‪ :‬إن استخرج من البحر‬
‫ضةً فل شيء فيه ‪.‬‬
‫ذهبا أو ف ّ‬
‫وما روي عن عمر رضي ال عنه في اللؤلؤ والعنبر محمول على لؤلؤٍ وعنبرٍ وجد في‬
‫خزائن ملوك الكفرة ‪ ,‬فكان مالً مغنوما فأوجب فيه الخمس ‪ ,‬وهذا هو الرّاجح في المذهب‬
‫‪ ,‬ففي حاشية ابن عابدين ‪ :‬والحاصل أنّ الكنز يخمّس كيف كان ‪ ،‬سواء كان من جنس‬
‫الرض أو ل بعد أن كان مالً متقوّما ‪ ,‬ويستثنى منه جميع ما يستخرج من البحر من حليةٍ‬
‫ولو ذهبا كان كنزا في قعر البحر ‪ ،‬أي ولو كان ما يستخرج من البحر ذهبا مكنوزًا بصنع‬
‫العباد في قعر البحر ‪ ,‬فإنّه ل خمس فيه ‪ ,‬وكله للواجد ‪ ،‬لنّه لم يرد عليه القهر ‪ ,‬فلم يكن‬
‫غنيم ًة ‪.‬‬
‫ن هذا مخصوص فيما ليس عليه علمة السلم ‪.‬‬
‫والظّاهر أ ّ‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه ل زكاة في المستخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان ونحوه في ظاهر‬
‫ي واختيار أبي بكرٍ ‪ ,‬وروي نحو ذلك عن ابن عبّاسٍ ‪ ,‬وبه قال عمر بن عبد‬
‫قول الخرق ّ‬
‫العزيز وعطاء والثّوري وابن أبي ليلى والحسن بن صالحٍ وأبو ثورٍ وأبو عبي ٍد ‪ ,‬وعن أحمد‬
‫رواية أخرى أنّ فيه الزّكاة لنّه خارج من معدنٍ فأشبه الخارج من معدن البرّ والرّاجح‬
‫عندهم أنّه ل زكاة فيما يخرج من البحر لنّه لم تأت فيه سنّة صحيحة ‪ ,‬والصل عدم‬
‫الوجوب ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ما لفظه البحر كعنبرٍ ممّا لم يسبق عليه ملك لحدٍ فلواجده بل تخميسٍ ‪,‬‬
‫فإن تقدّم ملك عليه فإن كان لجاهليّ أو شكّ فيه فركاز ‪ ,‬وإن كان لمسل ٍم أو ذمّيّ فلقطة ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬النّصاب ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يشترط جمهور الفقهاء النّصاب لوجوب الخمس في الكنوز فكل ما يوجد منه ‪ ,‬قليلً‬ ‫‪26‬‬

‫ص عليه الحنفيّة والحنابلة وهو‬


‫أو كثيرا محل لوجوب الخمس فيه كالغنيمة في ذلك ‪ ,‬ن ّ‬
‫مقابل المذهب عند الشّافعيّة ‪ ,‬وهو المشهور عند المالكيّة ‪ ,‬ومقابله ما قاله ابن سحنونٍ‬
‫من أنّ اليسير الّذي يقل عن النّصاب ل يخمّس ‪.‬‬
‫ضمّ لنّه مال مستفاد من الرض فاختصّ‬
‫والمذهب عند الشّافعيّة اشتراط النّصاب ‪ ,‬ولو بال ّ‬
‫بما تجب فيه الزّكاة قدرا ونوعا كالمعادن ‪.‬‬
‫و ‪ -‬حولن الحول ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه ل يشترط لوجوب الخمس حولن الحول على الخارج لحصوله‬ ‫‪27‬‬

‫ن اشتراط الحول للنّماء وهذا كله نماء ‪.‬‬


‫دفعةً واحدةً كالزّرع والثّمار فلم يناسبه الحول ل ّ‬
‫ز ‪ -‬إسلم الواجد ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يشترط جمهور الفقهاء إسلم الواجد لوجوب الخمس ‪ ,‬فمذهب الحنفيّة أنّه إن‬ ‫‪28‬‬

‫أصاب ال ّذمّي أو المسلم كنزا خمّس ما أصاب وكانت البقيّة لمن أصابه ‪ ,‬ويستوي ‪ -‬كما‬
‫قال السّرخسي ‪ -‬أن يكون الواجد مسلما أو ذمّيا ‪ ,‬صبيا أو بالغا ‪ ,‬لنّ استحقاق هذا المال‬
‫كاستحقاق الغنيمة ‪ ,‬ولجميع من سمّينا حق في الغنيمة إمّا سهما وإمّا رضخا ‪.‬‬
‫وفي المدوّنة أنّه يخمّس ما يصيب الرّجل من كنو ٍز ول يلتفت إلى دينه ‪ ,‬وفي النصاف أنّه‬
‫يجب أن يخمّس كل أحدٍ وجد ذلك من مسلمٍ أو ذمّيّ ‪.‬‬
‫ي لبيت المال ول خمس عليه ‪ ,‬والمذهب هو‬
‫واختار ابن حام ٍد أن يؤخذ الرّكاز كله من ال ّذمّ ّ‬
‫الوّل وهو أنّه ل فرق بين المسلم وال ّذمّيّ في وجوب الخمس ‪.‬‬
‫ن حكم ال ّذمّيّ في الرّكاز حكمه في المعدن ‪ .‬فل يمكّن من أخذه في دار‬
‫وقد ذكر النّووي أ ّ‬
‫السلم ‪ ,‬فإن وجده ملكه على المذهب ‪.‬‬
‫واشترط الشّافعيّة لوجوب الخمس في الرّكاز كون واجده مسلما لنّ خمس الرّكاز يصرف‬
‫ي من أهل الزّكاة فل يجب عليه ‪.‬‬
‫مصرف الزّكاة عندهم ‪ ,‬وليس غير المسلم كال ّذمّ ّ‬
‫ي الخمس بنا ًء على أنّ مصرفه مصرف الفيء‬
‫وأوجب الخراسانيون من الشّافعيّة على ال ّذمّ ّ‬
‫‪ ,‬فل يشترط أن يكون من أهل الزّكاة لوجوب الخمس عليه ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬أهليّة الواجد ‪:‬‬
‫‪ -‬يقصد بهذه الهليّة صلحية الواجد للستحقاق من الغنيمة ‪ ,‬وهذا هو تفسير الحنفيّة‬ ‫‪29‬‬

‫ومن وافقهم من المالكيّة والحنابلة ‪ ,‬ولذا يجب الخمس على الواجد وأربعة أخماسه له‬
‫لتعلق الواجب بالعين ‪ ,‬فيستوي عندهم أن يكون الواجد حرا أو عبدا مسلما أو ذمّيا صبيا‬
‫ل أو امرأةً ‪ ,‬فإنّه يؤخذ منه الخمس ‪ ,‬والباقي يكون للواجد ‪ ,‬سواء وجده في‬
‫أو بالغا رج ً‬
‫أرض العشر أو أرض الخراج ‪ ,‬لنّ استحقاق هذا المال كاستحقاق الغنيمة ‪ ,‬ولجميع من‬
‫ي والعبد وال ّذمّيّ والمرأة يرضخ لهم‬
‫سمّينا حق في الغنيمة إمّا سهما وإمّا رضخا فإنّ الصّب ّ‬
‫‪ ,‬ويستدل الجمهور على مذهبهم بعموم قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬وفي الرّكاز الخمس‬
‫»‪ ,‬ولنّه أشبه بالغنيمة في تعلق الواجب بعينها ‪ ,‬ولنّه اكتساب مالٍ فكان لمكتسبه حرا أو‬
‫عبدا صغيرا أو كبيرا أو امرأ ًة ‪.‬‬
‫موانع وجوب الخمس في الكنز ‪:‬‬
‫يمتنع وجوب الخمس أو بعضه لعدّة أسبابٍ أهمها ‪:‬‬
‫تلف الكنز بعد خروجه تلفا جزئيا أو كلّيا وظهور مالكه ‪ ,‬واشتراط المام على الواجد العمل‬
‫في احتفار الكنوز واستخراجها لبيت المال ‪ ,‬وما إلى ذلك ‪ ,‬وفيما يلي توضيح هذه الموانع‬
‫بوجه الجمال واليجاز ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تلف الكنز جزئيا أو كلّيا ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى المالكيّة أنّ الرّكاز يأخذ مأخذ الزّكاة إذا احتاج لكبير نفقةٍ أو عملٍ في تخليصه‬ ‫‪30‬‬

‫فإذا تلف بعضه أو كله بعد إمكان الداء ل تسقط عنه الزّكاة ‪ ,‬وإن كان التّلف قبل التّمكن‬
‫من الداء فل شيء عليه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا تلف الرّكاز قبل التّمكن من إخراج الواجب فيه ‪ ,‬وكان التّلف بدون‬
‫ط في حفظه ‪ ,‬فل يجب الخمس ‪ ,‬قياسا على المال المزكّى قبل أن يتمكّن المالك من‬
‫تفري ٍ‬
‫إخراج زكاته ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪140‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪139‬‬ ‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬زكاة‬
‫ب ‪ -‬مديونيّة الواجد ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يمنع الدّين على الواجد وجوب الخمس عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ,‬وعند الحنفيّة يجوز‬ ‫‪31‬‬

‫للواجد أن يكتم الخمس لنفسه ول يخرجه إذا كان فقيرا أو مدينا محتاجا ‪ ,‬بمعنى أنّه يتأوّل‬
‫ن له حقا في بيت المال ونصيبا في الفيء فأجازوا له أن يأخذ الخمس لنفسه عوضا عن‬
‫أّ‬
‫ذلك ‪ ,‬ل أنّهم أسقطوا الخمس عن المعادن ‪.‬‬
‫ن الدّين ل يمنع وجوب الزّكاة ‪ ,‬والمرجوح عندهم أنّ‬
‫أمّا الشّافعيّة فأظهر القوال عندهم أ ّ‬
‫الدّين يمنع الواجب في المال الباطن وهو النّقد ‪ ,‬والرّكاز والعرض ‪ ,‬ول يمنع في الظّاهر ‪,‬‬
‫ن الظّاهر ينمو بنفسه ‪ ,‬والباطن إنّما‬
‫وهو الماشية والزروع والثّمار والمعدن ‪ ,‬والفرق أ ّ‬
‫ينمو بالتّصرف فيه ‪ ,‬والدّين يمنع من ذلك ويحوج إلى صرفه في قضائه ‪ ,‬ومحل الخلف‬
‫كما جاء في حاشية الجمل أل يزيد المال على الدّين بمقدار النّصاب ‪ ,‬فإن زاد بما يبلغ‬
‫النّصاب زكّى الزّائد ‪ ,‬وأل يكون له ما يؤدّي دينه منه غير المال المزكّى ‪ ,‬فإن كان لم يمنع‬
‫قطعا عند جمهورهم ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة ‪ :‬الدّين يمنع وجوب الزّكاة في الموال الباطنة رواي ًة واحدةً ‪ ,‬وهي الثمان‬
‫وعروض التّجارة ‪ ,‬وبه قال عطاء وسليمان بن يسا ٍر والحسن والنّخعي واللّيث والثّوري‬
‫والوزاعي وإسحاق وأبو ثورٍ ‪ ,‬وقال ربيعة وحمّاد بن أبي سليمان ل يمنع ‪ ,‬لنّه حر مسلم‬
‫ملك نصابا حولً فوجبت عليه الزّكاة كمن ل دين عليه ‪ ,‬ودليل القول بمنع الدّين زكاة ما‬
‫يقابله قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل صدقة إل عن ظهر غنىً » ‪.‬‬
‫أمّا الموال الظّاهرة وهي المواشي والحبوب والثّمار ففيها روايتان ‪:‬‬
‫ن الدّين يمنع وجوب الزّكاة فيها لما ذكرنا ‪ ,‬قال أحمد في رواية إسحاق بن‬
‫إحداهما أ ّ‬
‫إبراهيم ‪ :‬يبتدئ بالدّين فيقضيه ثمّ ينظر ما بقي عنده بعد إخراج النّفقة فيزكّيه ‪ ,‬ول يكون‬
‫على أحدٍ دينه أكثر من ماله ‪ ,‬صدقة في إبلٍ أو بق ٍر أو غنمٍ أو زرعٍ ‪ ,‬وهذا قول عطاءٍ‬
‫والحسن والنّخعيّ وسليمان بن يسا ٍر والثّوريّ واللّيث وإسحاق ‪.‬‬
‫والرّواية الثّانية ‪ :‬ل يمنع الزّكاة فيها ‪ ,‬وهو قول الوزاعيّ ‪.‬‬
‫والرّواية الثّالثة ‪ :‬أنّه ل يمنع الدّين الزّكاة في الموال الظّاهرة إل في الزروع والثّمار فيما‬
‫ي‪.‬‬
‫صةً ‪ ,‬وهذا ظاهر كلم الخرق ّ‬
‫استدانه للنفاق عليها خا ّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪34‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪33‬‬ ‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬زكاة ف‬
‫ج ‪ -‬الشّرط والتّفاق مع المام ‪:‬‬
‫صةٍ كأن يأخذ الواجد أجرةً‬
‫‪ -‬إذا لم يأذن المام في العمل لستخراج الكنوز إل بشروطٍ خا ّ‬ ‫‪32‬‬

‫معيّنةً ويكون الخارج لبيت مال المسلمين فإنّ مثل هذا الشّرط يصح ويجب الوفاء به لنّ‬
‫المسلمين على شروطهم ‪.‬‬
‫يقول الكاساني ‪ :‬في الرّكاز الخمس ‪ ،‬سواء كان الواجد حرا أو عبدا مسلما أو ذمّيا كبيرا‬
‫أو صغيرا ‪ . .‬إل إذا كان ذلك بإذن المام وقاطعه على شي ٍء فله أن يفي بشرطه لقول النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬المسلمون على شروطهم » ‪ ,‬ولنّه إذا قاطعه على شي ٍء فقد جعل‬
‫المشروط أجر ًة لعمله فيستحقه بهذا الطّريق ‪ ,‬ويذكر الخرشي اعتبار هذا النّوع من التّفاق‬
‫‪ -‬هبةً للثّواب ‪ -‬حتّى ل ينازع في صحّة الجارة لجهالة الجرة أو المأجور عليه ‪.‬‬
‫كنز المال ‪:‬‬
‫ت ثلث ًة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّجه الفقهاء في تحديد مفهوم كنز المال اتّجاها ٍ‬ ‫‪33‬‬

‫التّجاه الوّل ‪ :‬تعريف الكنز بأنّه هو ‪ " :‬ما فضل عن الحاجة " ‪ ,‬وأشهر من دعا إلى هذا‬
‫التّجاه أبو ذرّ رضي ال عنه ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬المال الكثير إذا جمع فهو الكنز المذموم سواء أدّيت زكاته أو لم تؤ ّد لعموم‬
‫قال الرّاز ّ‬
‫ضةَ } فظاهر الية دليل على المنع من جمع‬
‫ب وَالْفِ ّ‬
‫ن الذّهَ َ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬وَالّذِينَ َيكْنِزُو َ‬
‫المال ‪ ,‬ولما روى ثوبان لمّا نزلت هذه الية قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬تبا‬
‫للذّهب والفضّة ‪ ،‬قالوا يا رسول اللّه فأي مالٍ نكنز ؟ قال ‪ :‬قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجةً‬
‫صالحةً » ‪.‬‬
‫التّجاه الثّاني ‪ :‬تعريف الكنز بأنّه جمع المال الّذي ل تؤدّى زكاته ‪ ,‬أمّا ما تؤدّى زكاته‬
‫فليس بكن ٍز ‪ ,‬قال ابن عمر ما أدّي زكاته فليس بكن ٍز وإن كان تحت سبع أرضين وكل ما لم‬
‫تؤ ّد زكاته فهو كنز وإن كان فوق الرض ‪.‬‬
‫وهو الكنز المذموم كما قال الكثرون ‪.‬‬
‫س في قوله تعالى ‪َ { :‬ولَ يُن ِفقُونَهَا فِي سَبِيلِ الّلهِ } ‪ ,‬يريد الّذين‬
‫واستدلوا بما قال ابن عبّا ٍ‬
‫ل يؤدون زكاة أموالهم ‪ ,‬وبعموم قوله تعالى ‪َ { :‬لهَا مَا َكسَبَتْ } ‪ ,‬فإنّ ذلك يدل على أنّ كلّ‬
‫ما اكتسبه النسان فهو حقه ‪ ,‬وبقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬نعم المال الصّالح للمرء‬
‫الصّالح » ‪.‬‬
‫ك السير وإطعام‬
‫التّجاه الثّالث ‪ :‬تعريف الكنز للمال بأنّه ما لم تؤ ّد منه الحقوق العارضة كف ّ‬
‫الجائع وغير ذلك ‪.‬‬

‫َكنِيسَة *‬
‫انظر ‪ :‬معابد ‪.‬‬

‫ُكنْيَة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ص وأبي الحسن ‪ ,‬أو علمةً‬
‫‪ -‬الكنية اسم يطلق على الشّخص للتّعظيم والتّكريم كأبي حف ٍ‬ ‫‪1‬‬

‫عليه كأبي ترابٍ ‪ ,‬وهو ما كنّى به النّبي صلى ال عليه وسلم عليّ بن أبي طالبٍ رضي ال‬
‫عنه أخذا من حالته عندما وجده مضطجعا إلى جدار المسجد وفي ظهره تراب ‪.‬‬
‫قال ابن منظورٍ ‪ :‬الكنية على ثلثة أوجهٍ ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن يكنّى عن الشّيء الّذي يستفحش ذكره ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬أن يكنّى الرّجل باسمٍ توقيرا وتعظيما ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬أن تقوم الكنية مقام السم فيعرف صاحبها بها كما يعرف باسمه كأبي لهبٍ اسمه‬
‫عبد العزّى عرف بكنيته فسمّاه اللّه تعالى بها ‪.‬‬
‫والكنية ‪ :‬ما صدّر بأبٍ أو بأمّ ‪ ,‬كأبي عبد اللّه وأمّ الخير ‪ ,‬وقال الجرجاني ‪ :‬الكنية ما صدّر‬
‫ن أو بنتٍ ‪.‬‬
‫ب أو أمّ أو اب ٍ‬
‫بأ ٍ‬
‫وتكون علما غير السم واللّقب وتستعمل معهما أو بدونهما تفخيما لشأن صاحبها أن يذكر‬
‫اسمه مجرّدا وتكون لشراف النّاس ‪.‬‬
‫ب وأبي لهبٍ‬
‫وقد اشتهرت الكنى في العرب حتّى ربّما غلبت على السماء كأبي طال ٍ‬
‫وغيرهما ‪ ,‬وقد يكون للواحد كنية واحدة فأكثر وقد يشتهر باسمه وكنيته جميعا ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬اللّقب ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّقب في اللغة هو ما يسمّى به النسان بعد اسمه العلم من لفظٍ يدل على المدح أو‬ ‫‪2‬‬

‫ال ّذمّ لمعنىً فيه ‪.‬‬


‫ول يخرج معناه الصطلحي عن معناه اللغويّ ‪.‬‬
‫ن اللّقب يفهم مدحا أو‬
‫واللّقب والكنية مشتركان في تعريف المدع ّو بهما ‪ ,‬ويفترقان في أ ّ‬
‫ب أو أمّ ‪.‬‬
‫ذما ‪ ,‬والكنية ما صدّر بأ ٍ‬
‫ب ‪ -‬السم ‪:‬‬
‫‪ -‬السم في اللغة ‪ :‬ما يعرف به الشّيء ويستدل به عليه ‪ ,‬وهو من السموّ وهو العلو ‪,‬‬ ‫‪3‬‬

‫ف بين أهل اللغة ‪.‬‬


‫أو من الوسم وهو العلمة على خل ٍ‬
‫ن كرجلٍ وفرسٍ ‪ ,‬والسم‬
‫وهو عند النحاة ما دلّ على معنىً في نفسه غير مقترنٍ بزم ٍ‬
‫العظم السم الجامع لمعاني صفات اللّه ع ّز وجلّ ‪ ,‬واسم الجللة اسمه سبحانه وتعالى ‪.‬‬
‫ب أو أمّ ونحوهما ‪ ,‬والسم ليس كذلك ‪.‬‬
‫والفرق بين الكنية والسم أنّ الكنية ما صدّر بأ ٍ‬
‫الحكام المتعلّقة بالكنية ‪:‬‬
‫حكم التّكنّي بكنية النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫اختلف العلماء في هذه المسألة إلى خمسة مذاهب ‪:‬‬
‫‪ -‬الوّل ‪ :‬ل يجوز التّكنّي بكنية النّبيّ صلى ال عليه وسلم وهي ‪ :‬أبو القاسم وهو اسم‬ ‫‪4‬‬

‫ولده القاسم وكان أكبر أولده صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم في زمن حياته ‪,‬‬
‫ويجوز بعد وفاته سواء كان اسم صاحب الكنية محمّدا أو لم يكن ‪ ,‬لقوله صلى ال عليه‬
‫ن من أسباب ورود هذا الحديث ‪ « :‬أنّ‬
‫وسلم ‪ « :‬سموا باسمي ول تكنّوا بكنيتي » ‪ ,‬حيث إ ّ‬
‫رجلً قال في السوق والنّبي صلى ال عليه وسلم موجود فيه ‪ :‬يا أبا القاسم فالتفت إليه‬
‫النّبي صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬إنّما دعوت هذا ‪ ،‬فقال النّبي صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫سموا باسمي ول تكنّوا بكنيتي » ففهموا أنّ علّة النّهي خاصّة بزمن حياته للسّبب المذكور‬
‫‪ ,‬وقد زالت العلّة بوفاته صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬ولحديث عليّ رضي ال عنه قال ‪ « :‬قلت‬
‫يا رسول اللّه إن وُلِد لي من بعدك ولد أسمّيه باسمك وأكنّيه بكنيتك ؟ قال ‪ :‬نعم » ‪ ,‬ولنّ‬
‫بعض الصّحابة سمّى ابنه محمّدا ‪ ,‬وكنّاه أبا القاسم منهم أبو بك ٍر الصّدّيق ‪ ,‬وطلحة بن عبيد‬
‫ف ‪ ,‬وحاطب بن أبي بلتعة ‪,‬‬
‫اللّه ‪ ,‬وسعد ‪ ,‬وجعفر بن أبي طالبٍ ‪ ,‬وعبد الرّحمن بن عو ٍ‬
‫والشعث بن قيسٍ رضي ال عنهم ممّا يدل على أنّهم فهموا النّهي الوارد في قوله صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬سموا باسمي ول تكنّوا بكنيتي » ‪ ,‬مخصّص بزمن حياته صلى ال عليه‬
‫وسلم ل ما بعده ‪.‬‬
‫وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة ‪ ,‬وهو أحد القوال عند كلّ من‬
‫الشّافعيّة والحنابلة رجّحه النّووي ‪.‬‬
‫ن قوله صلى ال عليه‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬ومن كان اسمه محمّدا ل بأس بأن يكنّى أبا القاسم ل ّ‬
‫وسلم ‪ « :‬سموا باسمي ول تكنّوا بكنيتي » قد نسخ وعلّق ابن عابدين على النّسخ بقوله ‪:‬‬
‫لعلّ وجهه زوال علّة النّهي بوفاته صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وقال عياض من المالكيّة ‪ :‬جمهور السّلف والخلف وفقهاء المصار على جواز التّسمية‬
‫والتّكنية بأبي القاسم ‪ ,‬والنّهي عنه منسوخ ‪.‬‬
‫‪ -‬الثّاني ‪ :‬ل يجوز التّكنّي بكنيته صلى ال عليه وسلم مطلقا ‪ ,‬أي سواء كان اسم‬ ‫‪5‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم أم ل ‪,‬‬


‫صاحب الكنية محمّدا أم ل ‪ ,‬وسواء أكان ذلك في زمن النّب ّ‬
‫لحديث ‪ « :‬سموا باسمي ول تكنّوا بكنيتي » ‪.‬‬
‫وهو قول الشّافعيّ والمشهور في مذهبه ‪ ,‬وهو رواية عند الحنابلة ‪.‬‬
‫‪ -‬الثّالث ‪ :‬ل يجوز التّكنّي بكنيته صلى ال عليه وسلم لمن اسمه محمّد ‪ ,‬ويجوز لغيره ‪,‬‬ ‫‪6‬‬

‫سواء أكان ذلك في زمن حياته صلى ال عليه وسلم أم بعد وفاته صلى ال عليه وسلم‬
‫لحديث ‪ « :‬ل تجمعوا بين اسمي وكنيتي » ‪ ,‬ولحديث ‪ « :‬سموا باسمي ول تكنّوا بكنيتي »‬
‫ولما ورد من حديث أبي هريرة أنّه قال ‪ « :‬نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أن نجمع‬
‫بين اسمه وكنيته وقال ‪ :‬أنا أبو القاسم واللّه يعطي وأنا أقسم » ‪ ,‬ولحديث ‪ « :‬من تسمّى‬
‫باسمي فل يكنّى بكنيتي » ‪.‬‬
‫ن النّاس لم يزالوا يفعلونه في جميع‬
‫قال الرّافعي ‪ :‬يشبه أن يكون هذا هو الصح ‪ ,‬ل ّ‬
‫العصار من غير إنكا ٍر ‪.‬‬
‫وهو رواية عند الحنابلة ‪.‬‬
‫‪ -‬الرّابع ‪ :‬ل يجوز التّسمية بمحمّدٍ مطلقا ول التّكنّي بأبي القاسم مطلقا ‪ ,‬حكاه الطّبريّ‬ ‫‪7‬‬

‫واحتجّ لصاحب هذا القول بما روي عن أنسٍ رضي ال عنه مرفوعا ‪ « :‬تسمونهم محمّدا‬
‫ثمّ تلعنونهم » ‪ ,‬ولما روي من أنّ عمر رضي ال عنه كتب ل تسموا أحدا باسم نبيّ ‪ ,‬قال‬
‫ن عمر رضي ال عنه إنّما فعل ذلك إعظاما لسم النّبيّ صلى ال عليه‬
‫عياض ‪ :‬والشبه أ ّ‬
‫وسلم ‪ ,‬لئل ينتهك ‪ ,‬وقد سمع رجلً يقول لمحمّد بن زيد بن الخطّاب يا محمّد فعل اللّه بك‬
‫وفعل فدعاه وقال ‪ :‬ل أرى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يسب بك فغيّر اسمه ‪ ,‬وسمّاه‬
‫عبد الرّحمن ‪.‬‬
‫‪ -‬الخامس ‪ :‬ل يجوز التّكنّي بكنيته صلى ال عليه وسلم في حياته صلى ال عليه وسلم‬ ‫‪8‬‬

‫مطلقا ‪ ,‬أي سواء أكان اسم صاحب الكنية محمّدا أم ل ‪ ,‬ويفصل بعد وفاته صلى ال عليه‬
‫وسلم بين من اسمه محمّد أو أحمد فل يجوز أن يكنّى بكنيته صلى ال عليه وسلم وبين من‬
‫ليس اسمه محمّدا أو أحمد فيجوز أن يكنّى بكنيته صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫قال ابن حجرٍ العسقلني ‪ :‬هو أعدل المذاهب مع غرابته ‪.‬‬
‫حكم التّكنّي ‪:‬‬
‫‪ -‬قال جمهور الفقهاء ‪ :‬يسن أن يكنّى أهل الفضل من الرّجال والنّساء لنّ الرّسول صلى‬ ‫‪9‬‬

‫ال عليه وسلم كان يكنّى وكذا كبار الصّحابة رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫كما يسن أن يكنّى الرّجل بأكبر أولده إذا كان له أولد وكذلك المرأة يسن أن تكنّى بأكبر‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يكنّى أبا القاسم بولده‬
‫أولدها إذا كان لها أولد ‪ ,‬ل ّ‬
‫القاسم وكان أكبر أولده ‪ ,‬ولما ورد عن هانئ بن يزيد ‪ « :‬أنّه لمّا وفد إلى رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم ‪ ،‬فدعاه رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم فقال ‪ :‬إنّ اللّه هو الحكم وإليه الحكم فلم تكنّى أبا الحكم ؟ فقال ‪ :‬إنّ قومي إذا‬
‫اختلفوا في شيءٍ أتوني فحكمت بينهم فرضي كل الفريقين ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ :‬ما أحسن هذا ‪ ،‬فما لك من الولد ؟ قال ‪ :‬لي شريح ومسلم وعبد اللّه ‪ ،‬قال ‪ :‬فمن‬
‫ح»‪.‬‬
‫أكبرهم ؟ قلت ‪ :‬شريح قال ‪ :‬فأنت أبو شري ٍ‬
‫ن الولى أن يكنّى النسان‬
‫قال ابن مفلحٍ من الحنابلة بعد هذا الحديث ‪ :‬وهذا يدل على أ ّ‬
‫بأكبر أولده ‪ ,‬إل أنّه يجوز التّكنّي بغيره من الولد لحديث أنسٍ رضي ال عنه ‪ « :‬أنّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬السّلم عليك يا أبا إبراهيم » ‪ ,‬وقد‬
‫جبريل عليه السلم قال للنّب ّ‬
‫ولد له إبراهيم في المدينة المنوّرة من مارية القبطيّة ‪.‬‬
‫أمّا إذا لم يكن للرّجل والمرأة ولد فيجوز تكنّيهما بولد غيرهما لحديث عائشة رضي ال‬
‫عنها حين وجدت على كونها لم يكن لها ولد تتكنّى به فقال لها عليه الصلة والسلم ‪« :‬‬
‫فاكتني بابنك عبد اللّه يعني ابن أختها » قال مسدّد ‪ -‬راوي الحديث ‪ -‬عبد اللّه بن الزبير‬
‫رضي ال عنهما ‪.‬‬
‫وكذلك تجوز الكنى بالحالة الّتي يتّصف بها الشّخص كأبي ترابٍ ‪ ,‬وأبي هريرة وما‬
‫أشبههما ‪.‬‬
‫الكنية للعاصي ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الفقهاء ‪ :‬ل يكنّى كافر ول فاسق ول مبتدع لنّهم ليسوا من أهل التّعظيم والتّكريم‬ ‫‪10‬‬

‫بل أمرنا بالغلظ عليهم إل لخوف فتن ٍة من ذكره باسمه ‪ ,‬أو تعريفٍ كما قيل به في أبي‬
‫ب في قوله تعالى ‪ { :‬تَبّتْ يَدَا أَبِي َلهَبٍ } واسمه عبد العزّى ‪.‬‬
‫له ٍ‬
‫الكنية للصّبيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم كنية الصّغير وكذا كل من ل يولد له ‪ ,‬فذهب الجمهور إلى أنّه‬ ‫‪11‬‬

‫ل بأس بكنية الصّغير ‪ ,‬أو من ل يولد له لحديث أنسٍ رضي ال عنه قال ‪ « :‬كان النّبي‬
‫صلى ال عليه وسلم أحسن النّاس خلقا وكان لي أخ يقال له أبو عميرٍ ‪ -‬قال ‪ :‬أحسبه‬
‫فطيما‪ -‬وكان إذا جاء قال ‪ :‬يا أبا عمي ٍر ما فعل النغير ؟ » ‪.‬‬
‫ولقول عمر رضي ال عنه عجّلوا بكنى أولدكم ل تسرع إليهم اللقاب السوء ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كنّاه أبا عبد الرّحمن‬
‫وعن ابن مسعودٍ رضي ال عنه ‪ « :‬أ ّ‬
‫قبل أن يولد له » ‪.‬‬
‫قال العلماء ‪ :‬كانوا يكنون الصّبيّ تفا ُؤلً بأنّه سيعيش حتّى يولد له وللمن من التّلقيب ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬ولو كنّى ابنه الصّغير بأبي بكرٍ وغيره كرهه بعضهم ‪ ,‬وعامّتهم ل يكره ‪,‬‬
‫ن النّاس يريدون به التّفاؤُل ‪.‬‬
‫لّ‬

‫َكهَانة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الكهانة في اللغة ‪ :‬من كهن يكهن كهانةً ‪ :‬قضى له بالغيب ‪ ,‬والكاهن ‪ :‬هو الّذي‬ ‫‪1‬‬

‫يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزّمان ‪ ,‬ويدّعي معرفة السرار ومطالعة الغيب ‪.‬‬
‫وتطلق العرب على الّذي يقوم بأمر الرّجل ويسعى في حاجته ‪ :‬كاهنا ‪ ,‬كما يسمون كلّ من‬
‫يتعاطى علما دقيقا كاهنا ‪.‬‬
‫ومنهم من يسمّي المنجّم والطّبيب كاهنا ‪.‬‬
‫والمعنى الصطلحي ل يخرج عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫التّنجيم ‪:‬‬
‫‪ -‬التّنجيم علم يعرف به الستدلل بالتّشكلت الفلكيّة على الحوادث السفليّة ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫والتّنجيم بهذا المعنى ضرب من الكهانة ‪.‬‬


‫الحكام المتعلّقة بالكهانة ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على أنّ التّكهن والكهانة بمعنى ادّعاء علم الغيب والكتساب به حرام ‪,‬‬ ‫‪3‬‬

‫ن التّصديق بما‬
‫كما أجمعوا على أنّ إتيان الكاهن للسؤال عن عواقب المور حرام ‪ ,‬وأ ّ‬
‫يقوله كفر ‪ ,‬لما ورد عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬من أتى كاهنا أو‬
‫عرّافا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمّدٍ صلى ال عليه وسلم » ‪ ,‬ونهى عن‬
‫ي ‪ ,‬روى‬
‫ع ‪ ,‬كأجرة البغ ّ‬
‫ق غير مشرو ٍ‬
‫أكل ما اكتسبه بالكهانة ‪ ,‬لنّه سحت ‪ ,‬جاء عن طري ٍ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬نهى عن‬
‫أبو مسعودٍ النصاري رضي ال عنه ‪ :‬أ ّ‬
‫ثمن الكلب ومهر البغيّ وحلوان الكاهن » ‪ ,‬وهو ما يأخذه على كهانته ‪ ,‬وتشمل الكهانة كلّ‬
‫ادّعاءٍ بعلم الغيب الّذي استأثر اللّه بعلمه ‪ ,‬ويشمل اسم الكاهن ‪ :‬كلّ من يدّعي ذلك من‬
‫جمٍ وعرّافٍ وضرّابٍ بالحصباء ونحو ذلك ‪.‬‬
‫من ّ‬
‫وكان للعرب في الجاهليّة كهانة قبل مبعث الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬وكان لهم كهنة ‪,‬‬
‫فكان منهم من يزعم ‪ :‬أنّ تابعا من الجنّ ورئيا ‪ ,‬يلقي إليه الخبار ‪.‬‬
‫ويروى أنّ الشّياطين كانت تسترق السّمع فتلقيه إلى الكهنة فتزيد فيه ما تزيده فيقبله الكفّار‬
‫منهم ‪.‬‬
‫س رضي ال عنهما قال ‪ :‬تصعد الشّياطين أفواجا تسترق السّمع فينفرد المارد‬
‫عن ابن عبّا ٍ‬
‫منها فيعلو فيرمى بالشّهاب فيصيب جبهته أو جنبه حيث يشاء اللّه منه فيلتهب فيأتي‬
‫أصحابه وهو يلهب فيقول ‪ :‬إنّه كان من المر كذا وكذا فيذهب أولئك إلى إخوانهم من‬
‫الكهنة فيزيدون عليه أضعافه من الكذب فيخبرونهم به ‪ ،‬فإذا رأوا شيئا ممّا قالوا قد كان ‪،‬‬
‫صدّقوهم بما جاءوهم من الكذب ‪ ،‬فلمّا بعث النّبي صلى ال عليه وسلم وحرست السّماء‬
‫بطلت الكهانة بالقرآن الّذي فرّق اللّه به بين الحقّ والباطل ‪ ،‬وأطلع اللّه نبيّه عليه الصّلة‬
‫والسّلم بالوحي على ما يشاء من علم الغيوب الّتي عجزت الكهانة عن الحاطة به وأغناه‬
‫بالتّنزيل ‪ ،‬وأزهق أباطيل الكهانة ‪.‬‬
‫ن الغيب ل يعلمه إل اللّه ‪ ,‬فقال‬
‫وأبطل السلم الكهانة بأنواعها ‪ ,‬وحرّم مزاولتها وقرّر أ ّ‬
‫ت وَالَرْضِ ا ْلغَيْبَ إََِل الّلهُ } ‪ ,‬وكذّب مزاعم‬
‫سمَاوَا ِ‬
‫عزّ من قائلٍ ‪ { :‬قُل ََل َيعْ َلمُ مَن فِي ال ّ‬
‫الكهنة أنّ الشّياطين تأتي لهم بخبر السّماء ‪ ,‬وقال تعالى ‪َ { :‬ومَا يَن َبغِي َل ُهمْ َومَا‬
‫سمْعِ َل َمعْزُولُونَ } ‪.‬‬
‫ن ال ّ‬
‫َيسْ َتطِيعُونَ ‪ ،‬إِ ّن ُهمْ عَ ِ‬
‫حكم الكاهن من حيث الرّدّة وعدمها ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الفقهاء ‪ :‬الكاهن يكفر بادّعاء علم الغيب ‪ ,‬لنّه يتعارض مع نصّ القرآن ‪ ,‬قال‬ ‫‪4‬‬

‫ظهِرُ عَلَى غَيْ ِب ِه َأحَدا ‪ ،‬إََِل مَنِ ارْتَضَى مِن ّرسُولٍ } أي عالم‬
‫تعالى ‪ { :‬عَا ِلمُ ا ْلغَيْبِ فََل ُي ْ‬
‫الغيب هو اللّه وحده فل يطلع عليه أحدا من خلقه إل من ارتضاه للرّسالة ‪ ,‬فإنّه يطلعه على‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من أتى كاهنا أو عرّافا فصدّقه‬
‫ما يشاء في غيبه ‪ ,‬وعن النّب ّ‬
‫بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمّ ٍد » ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين نقلً عن التتارخانية ‪ :‬يكفر بقوله أنا أعلم المسروقات ‪ ,‬أو أنا أخبر عن‬
‫إخبار الجنّ إيّاي ‪ ,‬وقال ‪ :‬كل مسلمٍ ارتدّ فإنّه يقتل إن لم يتب ول تقبل توبة أحد عشر ‪,‬‬
‫وذكر منهم الكاهن ‪.‬‬
‫وقال القرطبي ‪ :‬ليس المنجّم ومن ضاهاه ممّن يضرب بالحصى وينظر في الكتب ويزجر‬
‫بالطّير ممّن ارتضاه اللّه تعالى من رسولٍ فيطلعه على ما يشاء من غيبه بل هو كافر باللّه‬
‫مفت ٍر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه ‪.‬‬
‫وقال القرافي ‪ :‬وأمّا ما يخبر به المنجّم من الغيب من نزول المطار وغيره فقيل ذلك كفر‬
‫يقتل بغير استتابةٍ لقوله عليه السّلم ‪ « :‬قال اللّه ع ّز وجلّ أصبح من عبادي مؤمن بي‬
‫وكافر بي فأمّا من قال ‪ :‬مطرنا بفضل اللّه ورحمته فهو مؤمن بي كافر بالكوكب ‪ ،‬وأمّا من‬
‫قال ‪ :‬مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب » ‪ ,‬وقيل ‪ :‬يستتاب فإن تاب وإل‬
‫قتل قاله أشهب ‪ ,‬وقيل يزجر عن ذلك ويؤدّب وليس اختلفا في قولٍ بل اختلف في حالٍ ‪,‬‬
‫ن الكواكب مستقلّة بالتّأثير قتل ولم يستتب إن كان يسره لنّه زنديق وإن أظهره‬
‫فإن قال إ ّ‬
‫فهو مرتد يستتاب ‪ ,‬وإن اعتقد أنّ اللّه تعالى هو الفاعل عندها زجر عن العتقاد الكاذب ‪,‬‬
‫لنّه بدعة تسقط العدالة ‪.‬‬
‫وعن أحمد روايتان ‪ :‬يقول في إحداهما ‪ :‬يستتاب ‪ ,‬قيل له أيقتل ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬يحبس لعلّه‬
‫يرجع ‪ ,‬وفي رواي ٍة عنه ‪ :‬السّاحر ‪ ,‬والكاهن حكمهما ‪ :‬القتل ‪ ,‬أو الحبس حتّى يتوبا ‪,‬‬
‫لنّهما يلبسان أمرهما ‪ ,‬وحديث عمر رضي ال عنه ‪ ":‬أقتلوا كلّ ساحرٍ وكاهنٍ وليس هو‬
‫من أمر السلم " ‪.‬‬
‫ن ابن عقي ٍل فسّقه فقط إن قال‬
‫وجاء في الفروع ‪ :‬الكاهن والمنجّم كالسّاحر عند أصحابنا وإ ّ‬
‫أصبت بحدسي وفراهتي ‪ ,‬فإن أوهم قوما بطريقته أنّه يعلم الغيب ‪ ,‬فللمام قتله لسعيه‬
‫بالفساد ‪.‬‬

‫َك ْوسَج *‬
‫انظر ‪ :‬أمرد ‪.‬‬

‫كُوع *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الكوع في اللغة ‪ :‬طرف الزّند الّذي يلي البهام ‪ ,‬والجمع أكواع ‪ ,‬والكاع لغة ‪ ,‬قال‬ ‫‪1‬‬

‫الزهري ‪ :‬الكوع طرف العظم الّذي يلي رسغ اليد المحاذي للبهام ‪ ,‬وهما عظمان‬
‫متلصقان في السّاعد ‪ ,‬أحدهما أدق من الخر وطرفاهما يلتقيان عند مفصل الكفّ ‪ ,‬فالّذي‬
‫يلي الخنصر يقال له ‪ :‬الكرسوع ‪ ,‬والّذي يلي البهام يقال له ‪ :‬الكوع ‪ ,‬وهما عظما ساعد‬
‫الذّراع ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالكوع ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬غسل الكوع في الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على مشروعيّة غسل الكفّين إلى الكوعين في أوّل الوضوء لفعل النّبيّ‬ ‫‪2‬‬

‫صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪3‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬كف ف‬
‫ب ‪ -‬مسح اليدين إلى الكوعين في التّيمم ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ من أركان التّيمم مسح الوجه واليدين ثمّ اختلفوا في الحدّ الّذي‬ ‫‪3‬‬

‫يبلغه بالتّيمم في اليدين ‪:‬‬


‫فيرى الحنفيّة والشّافعيّة والثّوري وابن أبي سلمة واللّيث بلوغ المرفقين بالتّيمم فرضا‬
‫واجبا ‪ ,‬وبه قال محمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم وابن نافعٍ ‪ ,‬وإليه ذهب إسماعيل‬
‫القاضي ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه يبلغ به إلى الكوعين وهما الرسغان ‪ ,‬وروي هذا عن عليّ‬
‫بن أبي طالبٍ والوزاعيّ وعطاءٍ والشّعبيّ في روايةٍ ‪ ,‬وبه قال إسحاق بن راهويه‬
‫والطّبري ‪ ,‬وقال ابن شهابٍ ‪ :‬يبلغ به إلى المناكب ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬أنّ الكوعين فرض والباط فضيلة ‪.‬‬
‫وحكي عن الدّراورد ّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬تيمم ف‬
‫ج ‪ -‬قطع اليد من الكوع في السّرقة ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ أوّل ما يقطع من السّارق يده اليمنى من‬ ‫‪4‬‬

‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قطع يد سارقٍ من المفصل‬


‫مفصل الكفّ وهو الكوع ‪ ,‬وروي أ ّ‬
‫‪ -‬الكوع ‪ , -‬وقد ورد عن أبي بك ٍر الصّدّيق وعمر رضي ال عنهما أنّهما قال ‪ :‬إذا سرق‬
‫سارق فاقطعوا يمينه من الكوع ول مخالف لهما في الصّحابة ‪ ,‬ولنّ كلّ من قطع من الئمّة‬
‫قطع من الرسغ فصار إجماعا سكوتيا فل يجوز خلفه ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪66‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬سرقة ف‬

‫َكوّة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ضمّ مع تشديد الواو ‪ -‬في اللغة بمعنى الثقبة في الحائط ‪ ,‬وجمع‬
‫‪ -‬الكوّة ‪ -‬بالفتح وال ّ‬ ‫‪1‬‬

‫ت ‪ ,‬وكِواة أيضا بالكسر مثل ظبيةٍ وظباءٍ ‪ ,‬وجمع‬


‫المفتوح على لفظه كوّاتٍ مثل ح ّبةٍ وحبّا ٍ‬
‫ضمّ والقصر مثل مديةٍ ومدىً ‪ ,‬ويطلق عليها الرّوشن ‪.‬‬
‫المضموم كُوىً بال ّ‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬قال ابن عابدين ‪ :‬المراد بها ‪ -‬بالكوّة ‪ -‬ما يفتح في حائط البيت لجل‬
‫الضّوء أو ما يخرق فيه بل نفا ٍذ لجل وضع متاعٍ ونحوه ‪.‬‬
‫وفسّر بعض الفقهاء الكوّة بالطّاقة ‪.‬‬
‫قال أبو الحسن ‪ :‬كوّة بالفتح والضّمّ ‪ ,‬والفتح أشهر وهو عبارة عن الطّاق ‪.‬‬
‫الحكم الجمالي ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في تصرف النسان في ملكه بما يضر بجاره كفتح كوّةٍ نافذةٍ ‪ ,‬فذهب‬ ‫‪2‬‬

‫بعضهم إلى جوازه ‪ ,‬وذهب بعضهم إلى منعه ‪ ,‬وفصّل آخرون الحكم في ذلك ‪ ,‬وبيانه ينظر‬
‫في مصطلح ‪ ( :‬جوار فقرة ‪ , ) 5‬ومصطلح ‪ ( :‬حائط فقرة ‪ , ) 3‬ومصطلح ‪ ( :‬ارتفاق فقرة‬
‫)‪.‬‬ ‫‪4‬‬ ‫) ‪ ,‬ومصطلح ‪ ( :‬إشراف فقرة‬ ‫‪17‬‬

‫َكيْل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ل من باب باع ‪ ,‬وكال‬
‫‪ -‬الكيل في اللغة مصدر كال يكيل ‪ ,‬يقال ‪ :‬كلت زيدا الطّعام كي ً‬ ‫‪1‬‬

‫الطّعام كيلً ‪ :‬عرف مقداره ‪ ,‬وكال الشّيء بالشّيء ‪ :‬قاسه به ‪.‬‬


‫ويطلق الكيل على ما يعرف به المقدار بالقفيز والمدّ والصّاع ‪ ,‬والسم الكيلة ‪ -‬بالكسر ‪, -‬‬
‫والمكيال ما يكال به ‪ ,‬قال الفيومي ‪ :‬والكيل مثله ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فالكيل يطلق على المعنى المصدريّ ‪ ,‬كما يطلق على وعاءٍ يكال به من حديدٍ أو‬
‫خشبٍ أو نحوهما ‪ ,‬والكيلي ما يقدّر بالكيل ‪ ,‬وكذلك المكيل ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ للكيل ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الوزن ‪:‬‬
‫‪ -‬الوزن في اللغة ‪ :‬التّقدير ‪ ,‬يقال ‪ :‬وزن الشّيء ‪ :‬قدّره بوساطة الميزان ‪ ,‬وقال‬ ‫‪1‬‬

‫الصفهاني ‪ :‬الوزن معرفة قدر الشّيء ‪ ,‬والمتعارف في الوزن عند العامّة ما يقدّر بالقسط‬
‫والقبّان ‪.‬‬
‫ول يختلف معنى الوزن في الصطلح عن معناه اللغويّ ‪.‬‬
‫ن الكيل يعرف به مقدار الشّيء من حيث الحجم ‪ ,‬والوزن يعرف‬
‫والفرق بين الكيل والوزن أ ّ‬
‫به مقدار الشّيء من حيث الثّقل ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالكيل الحث على إيفاء الكيل ‪:‬‬
‫‪ -‬حثّ الشّارع الحكيم على إيفاء الكيل ‪ ,‬قال تعالى ‪َ { :‬أوْفُوا ا ْلكَ ْيلَ وََل َتكُونُوا مِنَ‬ ‫‪3‬‬

‫خسِرِينَ } ‪.‬‬
‫ا ْل ُم ْ‬
‫علَى‬
‫ن إِذَا اكْتَالُواْ َ‬
‫ط ّففِينَ ‪ ،‬الّذِي َ‬
‫وتوعّد المطفّفين بالعذاب الشّديد ‪ ,‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬وَ ْيلٌ لّ ْل ُم َ‬
‫خسِرُونَ } ‪.‬‬
‫س َيسْ َتوْفُونَ ‪َ ،‬وإِذَا كَالُو ُهمْ أَو وّزَنُو ُهمْ ُي ْ‬
‫النّا ِ‬
‫ل عن ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما أنّه قال ‪ :‬هي أوّل سور ٍة نزلت على‬
‫قال القرطبي نق ً‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ساعة نزل المدينة ‪ ،‬وكان هذا فيهم ‪ ،‬كانوا إذا اشتروا‬
‫استوفوا بكيلٍ راجحٍ ‪ ،‬فإذا باعوا بخسوا المكيال والميزان ‪ ،‬فلمّا نزلت هذه السورة انتهوا ‪،‬‬
‫ل إلى يومهم هذا ‪.‬‬
‫فهم أوفى النّاس كي ً‬
‫ونقل القرطبي عن ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما قال ‪ :‬ما نقص قوم المكيال والميزان إل‬
‫قطع منهم الرّزق ‪ ،‬وعدّ بعض العلماء البخس في الكيل من الكبائر ‪.‬‬
‫أجرة الكيّال ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ أجرة كيل المبيع في بيع المكيل وأجرة وزنه في بيع الموزون‬ ‫‪4‬‬

‫ن عليه تقبيض المبيع ‪ ,‬والقبض ل يحصل إل بذلك ‪ ,‬قال القرطبي في تفسير‬


‫على البائع ل ّ‬
‫ف لَنَا ا ْلكَ ْيلَ } كان يوسف ‪ -‬عليه السّلم ‪ -‬هو الّذي يكيل ‪ ,‬وكذلك‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬فَ َأوْ ِ‬
‫الوزّان والعدّاد ‪ ,‬لنّ الرّجل إذا باع عدةً معلوم ًة من طعامه وأوجب العقد عليه وجب عليه‬
‫ق المشتري من حقّه ‪ ,‬أل ترى أنّه ل يستحق البائع الثّمن إل بعد‬
‫أن يبرزها ويميّز ح ّ‬
‫التّوفية ‪ ,‬وإن تلف فهو منه قبل التّوفية ‪.‬‬
‫أمّا أجرة كيل الثّمن ومؤنة إحضاره إلى مح ّل العقد إذا كان غائبا فهي على المشتري لنّه‬
‫هو المكلّف بتسليم الثّمن ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪58‬‬ ‫وينظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬بيع ف‬
‫اعتبار الكيل في علّة تحريم الرّبا ‪:‬‬
‫‪ -‬ورد النّص على تحريم الرّبا في الشياء السّتّة الواردة في قوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫« الذّهب بالذّهب والفضّة بالفضّة والبر بالبرّ والشّعير بالشّعير والتّمر بالتّمر والملح بالملح‬
‫ل بمثلٍ سوا ًء بسوا ٍء » ‪.‬‬
‫مث ً‬
‫وقال الفقهاء ‪ :‬إنّ تحريم الرّبا في الجناس المنصوص عليها إنّما هو لعّل ٍة ‪ ,‬وإنّ الحكم‬
‫بالتّحريم يتعدّى إلى ما تثبت فيه هذه العلّة ‪.‬‬
‫واختلفوا في هذه العلّة الّتي يتعدّى الحكم بها إلى سائر الجناس ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬العلّة هي الجنس والقدر ‪ ,‬وعرف الجنس بقوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫« التّمر بالتّمر ‪ ,‬والحنطة بالحنطة » ‪ ,‬وعرف القدر بقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬مثلً‬
‫بمث ٍل » ‪ ,‬ويعنى بالقدر الكيل فيما يكال ‪ ,‬والوزن فيما يوزن ‪ ,‬وذلك لما ورد في آخر‬
‫الحديث ‪ « :‬وكذلك كل ما يكال ويوزن » ‪ ,‬ولحديث ‪ « :‬ل صاعين بصاعٍ ول درهمين‬
‫بدرهمٍ » ‪ ,‬وهذا عام في كلّ مكيلٍ سواء أكان مطعوما أم غير مطعومٍ ‪ ,‬فحرم الرّبا في كلّ‬
‫ن بيع بجنسه ‪.‬‬
‫مكيلٍ أو موزو ٍ‬
‫وقريب من هذا ما قاله الحنابلة في أشهر الرّوايات عندهم ‪ ,‬قال الخرقي ‪ :‬وكل ما كيل أو‬
‫وزن من سائر الشياء ل يجوز فيه التّفاضل إذا كان جنسا واحدا ‪.‬‬
‫ن أنّ علّة الرّبا في الذّهب‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬روي عن أحمد في ذلك ثلث رواياتٍ أشهره ّ‬
‫والفضّة كونهما موزوني جنسٍ ‪ ,‬وعلّة العيان الربعة مكيل جنسٍ ‪.‬‬
‫فعلى هذه الرّواية يجري الرّبا في كلّ مكيلٍ أو موزونٍ بجنسه مطعوما كان أو غير مطعومٍ ‪,‬‬
‫ول يجري في مطعومٍ ل يكال ول يوزن ‪.‬‬
‫ثمّ علّل هذا القول بأنّ قضيّة البيع المساواة ‪ ,‬والمؤثّر في تحقيقها الكيل والوزن والجنس ‪,‬‬
‫فإنّ الوزن أو الكيل يسوّي بينهما صور ًة ‪ ,‬والجنس يسوّي بينهما معنىً ‪ ,‬فكانا عّلةً ‪.‬‬
‫والرّواية الثّانية أنّ العلّة في الثمان الثّمنيّة وفيما عداها كونه مطعوم جنسٍ فيختص‬
‫بالمطعومات ويخرج منه ما عداها ‪.‬‬
‫والرّواية الثّالثة عند الحنابلة العلّة فيما عدا الذّهب والفضّة كونه مطعوم جنسٍ مكيلً أو‬
‫موزونا ‪ ,‬فل يجري الرّبا في مطعومٍ ل يكال ول يوزن ‪.‬‬
‫وهذا قول الشّافعيّة في القديم ‪ ،‬وأمّا في الجديد عندهم فالعلّة في الجناس الربعة غير‬
‫الذّهب والفضّة أنّها مطعومة ‪ ,‬وأمّا فيهما فالعلّة كونهما جنس الثمان غالبا ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬العلّة في النقود غلبة الثّمنيّة ‪ ,‬أو مطلق الثّمنيّة ‪ ,‬وأمّا في الطّعام فالقتيات‬
‫والدّخار ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪25‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪21‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬ربا ف‬
‫تعيين المسلم فيه بالكيل ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه يشترط لصحّة السّلم أن يكون المسلم فيه معلوما مبيّنا بما يرفع‬ ‫‪6‬‬

‫الجهالة ويسد باب المنازعة عند تسليمه ‪ ,‬كما يشترط بيان قدره ‪ ,‬وذلك لقوله صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬من أسلف في شي ٍء ففي كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ إلى أج ٍل معلومٍ » ‪.‬‬
‫وهل يشترط تعيين المقدار بالكيل في المكيلت ؟ اختلفوا في ذلك ‪:‬‬
‫فقال الحنفيّة والشّافعيّة ‪ :‬ل يشترط تقدير المكيل بالكيل ‪ ,‬وإنّما يشترط معرفة قدره سواء‬
‫بالكيل أو الوزن ‪ ,‬قال الكاساني ‪ :‬لو كان المسلم فيه مكيلً فأعلم قدره بالوزن المعلوم ‪ ,‬أو‬
‫كان موزونا فأعلم قدره بالكيل المعلوم جاز ‪ ,‬لنّ الشّرط كونه معلوم القدر بمعيارٍ يؤمن‬
‫ن متساويا في الوزن أو باع‬
‫فقده وقد وجد ‪ ,‬بخلف ما إذا باع المكيل بالمكيل وزنا بوز ٍ‬
‫الموزون بالموزون كيلً بكيلٍ متساويا في الكيل أنّه ل يجوز ما لم يتساويا في الكيل أو‬
‫ن شرط السّلم كون المسلم فيه معلوم القدر ‪ ,‬والعلم بالقدر كما يحصل بالكيل‬
‫الوزن ‪ ,‬ل ّ‬
‫يحصل بالوزن ‪.‬‬
‫فأمّا شرط الكيل والوزن في الشياء الّتي ورد الشّرع فيها باعتبار الكيل والوزن في بيع‬
‫العين فثبت نصا ‪ ,‬فكان بيعها بالكيل أو الوزن مجازفةً فل يجوز ‪.‬‬
‫ومثله ما ذكره الشّافعيّة ‪ ,‬لكن استثنى بعضهم بعض الجناس ‪ ,‬فل يسلم فيها إل بالوزن ‪,‬‬
‫قال الشّربيني الخطيب ‪ :‬ويصح سلم المكيل وزنا ‪ ,‬وعكسه أي الموزون الّذي يتأتّى كيله‬
‫ل ‪ ,‬وحمل المام إطلق الصحاب جواز كيل الموزون على ما يعد الكيل في مثله ضابطا ‪,‬‬
‫كي ً‬
‫بخلف نحو فتات المسك والعنبر لنّ للقدر اليسير منه مال ّيةً كثير ًة والكيل ل يعد ضابطا‬
‫فيه ‪.‬‬
‫واستثنى الجرجاني وغيره النّقدين أيضا ‪ ,‬فل يسلم فيهما إل بالوزن ‪ ,‬وينبغي أن يكون‬
‫الحكم كذلك في كلّ ما فيه خطر في التّفاوت بين الكيل والوزن ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬من شروط السّلم علم قدر المسلم فيه بمعياره العاديّ فل يصح إل أن يكون‬
‫المسلم فيه مقدّرا بكيلٍ أو وزنٍ أو عددٍ ممّا جرت به عادته ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة في جواز سلم المكيل وزنا أو بالعكس روايتان ‪:‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬إن أسلم فيما يكال وزنا ‪ ,‬أو فيما يوزن كيلً فنقل الثرم أنّه سأل أحمد في‬
‫ن النّاس هاهنا ل يعرفون الكيل ‪ ,‬قال ‪ :‬وإن كانوا‬
‫التّمر وزنا ‪ ,‬فقال ‪ :‬ل ‪ ,‬إل كيلً ‪ ,‬قلت ‪ :‬إ ّ‬
‫ل يعرفون الكيل ‪ ,‬فيحتمل هذا أنّه ل يجوز في المكيل إل كيلً ‪ ,‬ول في الموزون إل وزنا ‪.‬‬
‫ل أو وزنا ‪.‬‬
‫ي عن أحمد أنّه يجوز السّلم في اللّبن كي ً‬
‫ثمّ نقل قول المروز ّ‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬وهذا يدل على إباحة السّلم في المكيل وزنا ‪ ,‬وفي الموزون كيلً ‪ ,‬لنّ‬
‫اللّبن ل يخلو من كونه مكيلً أو موزونا ‪ ,‬وقد أجاز السّلم فيه بكلّ واحدٍ منهما ‪.‬‬
‫اشتراط الكيل في بيع المكيل ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء في الجملة على عدم جواز بيع المكيلت قبل القبض ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫وقال الحنفيّة ‪ :‬من اشترى مكيلً مكايلةً أو موزونا موازنةً فاكتاله أو اتّزنه ثمّ باعه مكايلةً‬
‫أو موازن ًة لم يجز للمشتري منه أن يبيعه ‪ ,‬ول أن يأكله حتّى يعيد الكيل والوزن ‪ ,‬لنّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬نهى عن بيع الطّعام حتّى يجري فيه الصّاعان ‪ :‬صاع البائع‬
‫النّب ّ‬
‫وصاع المشتري » ‪.‬‬
‫واعتبر الشّافعيّة كيل المبيع من تمام القبض فقالوا ‪ :‬لو بيع الشّيء تقديرا ‪ ،‬كحنطةٍ كيلً‬
‫اشترط في قبضه مع النّقل كيله بأن يكال ‪ ,‬وذلك لورود النّصّ في قوله صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬من ابتاع طعاما فل يبعه حتّى يكتاله » ‪ ,‬قال الشّربيني ‪ :‬فد ّل على أنّه ل يحصل‬
‫فيه القبض إل بالكيل ‪ .‬فتعيّن فيما قدّر بكيلٍ الكيل ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن أخبره البائع بكيله ثمّ باعه بذلك الكيل فالبيع صحيح ‪ ,‬ولو كان طعاما‬
‫ن ‪ ,‬لنّه شاهد كيله أشبه ما لو كيل له ‪,‬‬
‫وآخر يشاهده فلمن شاهد الكيل شراؤُه بغير كيلٍ ثا ٍ‬
‫وعن أحمد أنّه يحتاج إلى كيلٍ للخبر ‪.‬‬

‫َكيْلي *‬
‫انظر ‪ :‬مثلي ‪.‬‬

‫َكيّ *‬
‫انظر ‪ :‬تداوي ‪.‬‬

‫ُل ْؤلُؤ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬اللؤلؤُ معروف وهو في اللغة جمع لؤلؤةٍ ‪ ,‬وهي الدرّة ‪ ,‬ويجمع أيضا على للئ ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫ويقال تلل النّجم والقمر والنّار والبرق ‪ :‬أضاء ولمع ‪.‬‬


‫وفي المعجم الوسيط ‪ :‬يتكوّن اللؤل ُؤ في الصداف من رواسب أو جوامد صلبةٍ لمّاعةٍ‬
‫مستدير ٍة في بعض الحيوانات المائيّة الدّنيّا من الرّخويّات ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫الحكم الجمالي ‪:‬‬
‫يتعلّق باللؤلؤ أحكام منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬زكاة اللؤلؤ ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل زكاة في لؤلؤٍ وسائر الجواهر ‪ -‬وإن ساوت ألوفا كما‬ ‫‪2‬‬

‫يقول الحنفيّة ‪ -‬لنّها معدّة للستعمال فأشبهت الماشية العاملة ‪ ,‬إل أن تكون للتّجارة فيجب‬
‫فيها ما يجب في عروض التّجارة ‪.‬‬
‫وقال النّووي ‪ :‬ل زكاة فيما سوى الذّهب والفضّة من الجواهر كالياقوت والفيروزج واللؤلؤ‬
‫والمرجان والزمرد والزّبرجد ‪ ،‬وإن حسنت صنعتها وكثرت قيمتها ‪.‬‬
‫وقال الزهري ‪ :‬يجب الخمس في اللؤلؤ ‪.‬‬
‫وعن أحمد رواية ‪ :‬أنّ فيه الزّكاة ‪ ,‬لنّه خارج عن معدنٍ ‪ ,‬فأشبه الخارج عن معدن‬
‫الرض ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬والصّحيح أنّه ل شيء فيه ‪ ,‬لنّه صيد فلم يجب فيه زكاة كصيد البرّ ‪,‬‬
‫ص ول إجماع على الوجوب فيه ‪ ,‬ول يصح قياسه على ما فيه الزّكاة ‪ ,‬فل وجه‬
‫ولنّه ل ن ّ‬
‫ليجابها فيه ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪120‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬زكاة ف‬
‫ب ‪ -‬رمي الجمار باللؤلؤ ‪:‬‬
‫ي من‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه ل يجزئ اللؤلؤُ في رمي الجمار ‪ ,‬لشتراط كون المرم ّ‬ ‫‪3‬‬

‫أجزاء الرض ‪ ,‬وكون المرميّ حجرا ‪ ,‬ولنّ رمي الجمار باللؤلؤ فيه إعزاز ل إهانة كما‬
‫يقول الحنفيّة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬السّلم في اللؤلؤ ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه ل يصح السّلم فيما لو استقصى وصفه ‪ -‬الّذي ل بدّ‬ ‫‪4‬‬

‫منه في السّلم ‪ -‬ع ّز وجوده كاللؤلؤ الكبار واليواقيت ‪ ,‬لنّه ل بدّ فيها من التّعرض للحجم‬
‫والشّكل والوزن والصّفاء ‪ ,‬واجتماع ما يذكر فيها من هذه الوصاف نادر ‪ ,‬أمّا اللؤلؤُ‬
‫ل ووزنا ‪ ,‬ول نظر لصغرٍ أو كبرٍ فيها ‪.‬‬
‫الصّغار فيصح السّلم فيها كي ً‬
‫وذهب المالكيّة إلى جواز السّلم في اللؤلؤ إل أن يندر وجوده لكونه كبيرا كبرا خارجا عن‬
‫المعتاد فل يصح السّلم فيه ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى عدم صحّة السّلم في اللؤلؤ مطلقا ‪ ,‬لنّه ل ينضبط كالجواهر كلّها ‪ ,‬لنّه‬
‫يختلف اختلفا متباينا بالكبر والصّغر والحسن والتّدوير وزيادة ضوئها ‪.‬‬
‫د ‪ -‬اللؤلؤُ في بطن السّمكة المبيعة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم اللؤلؤ في بطن السّمكة المبيعة ‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫فقال الحنفيّة ‪ :‬لو اشترى سمكةً فوجد في بطنها لؤلؤةً فإن كانت في الصّدف تكون‬
‫للمشتري ‪ ,‬وإن لم تكن في الصّدف ‪ ,‬فإن كان البائع اصطاد السّمكة يردها المشتري على‬
‫البائع ‪ ,‬وتكون عند البائع بمنزلة اللقطة يعرّفها حولً ثمّ يتصدّق بها ‪ ,‬ولو وجد لؤلؤةً في‬
‫بطن السّمكة الّتي في بطن السّمكة فهي للبائع ‪ ,‬ولو وجد في بطنها صدفا فيه لحم وفي‬
‫اللّحم لؤلؤة كما تكون اللؤل ُؤ في الصداف فهي للمشتري ‪ ,‬وكذا لو اشترى أصدافا ليأكل ما‬
‫فيها من اللّحم فوجد في بعضها لؤلؤةً في اللّحم فهي له ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬ولو اشترى دجاجةً فوجد فيها لؤلؤةً فهي للبائع ‪.‬‬
‫ص المالكيّة على أنّه لو اشترى سمكةً فوجد في بطنها لؤلؤةً ‪ ,‬فإن كانت مثقوبةً فلقطة‬
‫ون ّ‬
‫موضعها بيت المال ‪ ,‬وإل فقيل للبائع وهو الصّواب ‪ ,‬وقيل للمشتري ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل تدخل في البيع لؤلؤة وجدت في بطن سمكةٍ على المعتمد ‪ ,‬بل هي‬
‫ن يد المشتري مبنيّة‬
‫ك كثقبٍ ولم يدّعها فتكون لقطةً له ‪ ,‬ل ّ‬
‫للصّيّاد إل إن كان فيها أثر مل ٍ‬
‫على يده ‪ ,‬وهذا كله إن صادها في بحر الجواهر وإل فهي لقطة مطلقا ‪.‬‬
‫ص الحنابلة على أنّه إن اصطاد سمكةً في البحر فوجد في بطنها درّة غير مثقوبةٍ فهي‬
‫ون ّ‬
‫ن الظّاهر ابتلعها من معدنها لنّ الدرّ يكون في البحر ‪ ,‬قال تعالى ‪:‬‬
‫للصّائد ‪ ,‬ل ّ‬
‫{ وَ َتسْ َتخْ ِرجُواْ مِ ْن ُه حِلْ َيةً تَلْ َبسُو َنهَا } ‪ ،‬وإن باع الصّائد السّمكة غير عالمٍ بالدرّة لم يزل ملكه‬
‫عنها فترد إليه ‪ ,‬لنّه إذا علم ما في بطنها لم يبعه ولم يرض بزوال ملكه عنه فلم يدخل في‬
‫ض ٍة أو غيرها فلقطة ل يملكها الصّيّاد‬
‫ب أو ف ّ‬
‫البيع ‪ ,‬وإن كانت الدرّة مثقوبةً أو متّصلةً بذه ٍ‬
‫ن أو نهرٍ ‪ -‬ولو كان النّهر متّصلً بالبحر ‪ -‬فلقطة ‪,‬‬
‫بل يعرّفها ‪ ,‬وكذا لو وجدها في عي ٍ‬
‫على الصّيّاد تعريفها ‪.‬‬
‫ن ما وجد في‬
‫ن أو نهرٍ غير متّصلٍ بالبحر فكالشّاة في أ ّ‬
‫ومثله لو اصطاد السّمكة من عي ٍ‬
‫ن العين والنّهر غير المتّصل ليس معدنا للدرّ ‪ ,‬فإن كان‬
‫بطنها من درّةٍ مثقوبةٍ لقطة ‪ ,‬ل ّ‬
‫ل بالبحر وكانت الدرّة غير مثقوبةٍ فهي للصّيّاد ‪.‬‬
‫النّهر متّص ً‬
‫هـ ‪ -‬لبس اللؤلؤ للرّجال ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في جواز لبس اللؤلؤ للرّجال ‪:‬‬ ‫‪6‬‬

‫ي النّساء ففي لبسه‬


‫فذهب الحنفيّة على المعتمد إلى حرمة لبس اللؤلؤ للرّجال لكونه من حل ّ‬
‫تشبه بهنّ ‪.‬‬
‫ي النّساء ‪.‬‬
‫ي كراهة لبس اللؤلؤ للرّجال ‪ ,‬وعلّله بأنّه من ز ّ‬
‫ونقل الرّملي عن الشّافع ّ‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه يباح للرّجل أن يتحلّى باللؤلؤ والياقوت ونحوها من الجواهر ‪.‬‬

‫لحِق *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬اللحق في اللغة ‪ :‬اسم فاعلٍ من لحق ‪ ,‬يقال ‪ :‬لحقت به ألحق لَحاقا ‪ :‬أدركته ‪,‬‬ ‫‪1‬‬

‫وألحقت زيدا بعمرٍو ‪ :‬أتبعته إيّاه ‪.‬‬


‫وفي الصطلح ‪ :‬عرّفه الحنفيّة ‪ -‬وهو اصطلح خاص بهم ‪ -‬بأنّه من فاتته الرّكعات كلها‬
‫أو بعضها بعد اقتدائه بعذرٍ ‪ ,‬كغفلةٍ وزحمةٍ وسبق حدثٍ ونحوها ‪ ,‬أو بغير عذرٍ بأن سبق‬
‫إمامه في ركوعٍ وسجودٍ ‪.‬‬
‫وعرّفه بعضهم بأنّه هو الّذي أدرك أوّل الصّلة وفاته من الخر بسبب النّوم أو الحدث ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المسبوق ‪:‬‬
‫‪ -‬المسبوق ‪ -‬عند الحنفيّة ‪ -‬من سبقه المام بكلّ الرّكعات ‪ ,‬بأن اقتدى به بعد ركوع‬ ‫‪2‬‬

‫الرّكعة الخيرة ‪ ,‬أو ببعضها بأن اقتدى به بعد ركوع الرّكعة الولى ‪.‬‬
‫ن المسبوق تفوته ركعة أو أكثر من أوّل الصّلة ‪ ,‬واللحق‬
‫والفرق بين اللحق والمسبوق أ ّ‬
‫تفوته ركعة أو أكثر من آخر الصّلة أو وسطها ‪ ,‬وهذا إذا كان اقتداؤُه في أوّل الصّلة ‪,‬‬
‫وأمّا إن كان اقتداؤُه في الرّكعة الثّانية ثمّ فاته بعض الصّلة بالنّوم أو نحوه يكون لحقا‬
‫مسبوقا ‪ ,‬كما حرّره ابن عابدين ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المدرك ‪:‬‬
‫‪ -‬المدرك ‪ -‬عند الحنفيّة ‪ -‬من صلّى الصّلة كاملةً مع المام ‪ ,‬أي أدرك جميع ركعاتها‬ ‫‪3‬‬

‫معه ‪ ,‬سواء أدرك معه التّحريمة ‪ ,‬أو أدركه في جز ٍء من ركوع الرّكعة الولى إلى أن قعد‬
‫معه القعدة الخيرة ‪.‬‬
‫فالمدرك لم يفته شيء من ركعات صلته بخلف اللحق والمسبوق ‪.‬‬
‫الحالت الّتي يشملها حكم اللحق ‪:‬‬
‫ت مختلفةً في بعضها يكون التّخلف بعذرٍ ‪ ,‬كما إذا‬
‫ن اللحق يشمل حال ٍ‬
‫‪ -‬ذكر الحنفيّة أ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫نام المؤتم بعد القتداء بالمام نوما ل ينقض به الوضوء ‪ ,‬أو زوحم بسبب كثرة النّاس في‬
‫الجمعة فلم يقدر على أداء الرّكعة الولى مع المام وقدر على الباقي ‪ ,‬أو سبقه حدث فخرج‬
‫من الصّفّ للوضوء ففاتته ركعة أو أكثر ثمّ عاد ‪ ,‬أو الطّائفة الولى في صلة الخوف الّذين‬
‫صلّى بهم المام أوّل الصّلة فرجعوا إلى مكان الطّائفة الثّانية أو نحو ذلك ‪.‬‬
‫ع وسجودٍ فيقضي‬
‫ويكون التّخلف في بعض الحالت بغير عذرٍ كما إذا سبق إمامه في ركو ٍ‬
‫ن الركوع والسجود قبل المام لغو فينتقل ما في الرّكعة الثّانية إلى الولى فبقيت‬
‫ركعةً ‪ ,‬ل ّ‬
‫عليه ركعة هو لحق فيها ‪ ,‬كما ذكره ابن عابدين ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة باللحق ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬كيفيّة إتمام صلة اللحق ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في كيفيّة إتمام المأموم الصّلة إذا سبقه المام بركنٍ أو ركعةٍ أو أكثر‬ ‫‪5‬‬

‫وهما في الصّلة ويسمّيه الحنفيّة لحقا بينما ل يصطلح سائر الفقهاء على هذه التّسمية ‪,‬‬
‫وفيما يلي حكم المسألة عند الحنفيّة بوصفه لحقا ‪ ,‬وعند غيرهم بدون هذا الوصف ‪.‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬اللحق في حكم المصلّي خلف المام فيصلّي على ترتيب صلة المام ‪,‬‬ ‫‪6‬‬

‫فيبدأ بقضاء ما فاته بعذرٍ بل قراء ٍة ‪ ,‬ول يسجد للسّهو إذا سها فيه ‪ ,‬ثمّ يتابع المام إن لم‬
‫يكن قد فرغ عكس المسبوق ‪ ,‬فإنّه يتابع إمامه ثمّ يقضي ما فاته ويقرأ ويسجد للسّهو إذا‬
‫سها فيه ‪ ,‬ول يتغيّر فرض اللحق بنيّة القامة لو كان مسافرا بخلف المسبوق ‪.‬‬
‫ووجه التّفرقة في هذه المسائل أنّ اللحق في حكم المصلّي خلف المام فحكمه حكم المؤتمّ‬
‫‪ ,‬والمؤتم ل قراءة عليه ‪ ,‬وإذا سها ل يسجد للسّهو وأمّا المسبوق إذا سها فيما يقضي‬
‫وجبت عليه السّجدة والقراءة لنّه في حكم المنفرد ‪.‬‬
‫وإذا كان اللحق مسبوقا أيضا بأن اقتدى في أثناء صلة المام وسبق بركعةٍ يصلّي ما سبق‬
‫به في آخر صلته ‪ ,‬قال ابن عابدين نقلً عن شرح المنية ‪ :‬لو سبق بركعةٍ من ذوات‬
‫الربع ‪ ,‬ونام في ركعتين يصلّي أ ّولً ما نام فيه ‪ ,‬ث ّم ما أدركه مع المام ثمّ ما سبق به‬
‫فيصلّي ركع ًة ممّا نام فيه مع المام ويقعد متابعةً له لنّها ثانية إمامه ‪ ,‬ثمّ يصلّي الخرى‬
‫ممّا نام فيه ويقعد لنّها ثانيته ثمّ يصلّي الّتي انتبه فيها ‪ ,‬ويقعد متابعةً لمامه لنّها رابعة ‪,‬‬
‫وكل ذلك بغير قراء ٍة ‪ ,‬لنّه مقتدٍ ‪ ,‬ثمّ يصلّي الرّكعة الّتي سبق بها بقراءة الفاتحة وسورةٍ ‪.‬‬
‫وهذا التّرتيب في إتمام صلة اللحق واجب عند الحنفيّة وليس بفرضٍ ‪ -‬خلفا لزفر ‪ -‬حتّى‬
‫لو صلّى الرّكعة الّتي أدركها مع المام ثمّ ما نام فيه ‪ ,‬ثمّ ما سبق به ‪ ,‬أو صلّى أ ّولً ما‬
‫عكَس جاز مع الكراهة ول تفسد صلته‬
‫سبق به ث ّم ما نام فيه ث ّم ما أدركه مع المام أو َ‬
‫عندهم خلفا لزفر ‪.‬‬
‫ع مع إمامٍ حتّى رفع المام رأسه منه معتدلً‬
‫‪ -‬وقال المالكيّة ‪ :‬إن زوحم مؤتم عن ركو ٍ‬ ‫‪7‬‬

‫مطمئنا قبل إتيان المأموم بأدنى الركوع ‪ ,‬أو نعس أي نام المؤتم نوما خفيفا ل ينقض‬
‫الوضوء أو حصل له نحوه كسهوٍ وإكراهٍ وحدوث مرضٍ منعه من الركوع مع إمامه اتّبع‬
‫المأموم المام أي فعل ما فاته به إمامه ليدركه فيما هو فيه من سجو ٍد أو جلوسٍ بين‬
‫السّجدتين وجوبا ‪ ,‬وهذا إذا حصل المانع للمأموم في غير الرّكعة الولى ‪ ,‬لثبوت مأموميّته‬
‫ن أنّه‬
‫بإدراك الرّكعة الولى ما لم يرفع المام رأسه من سجود غير الولى بأن اعتقد أو ظ ّ‬
‫يدرك المام في ثانية سجدتيه ‪ ,‬فإن اعتقد ذلك أو ظنّه فاتّبعه فرفع المام من السّجدة الثّانية‬
‫قبل أن يلحقه فيها ألغى ما فعله وانتقل مع المام فيما هو فيه ‪ ,‬ويقضي ركعةً بعد سلم‬
‫المام ‪ ,‬هذا في غير الولى ‪.‬‬
‫أمّا في الولى فمتى رفع المام من الركوع معتدلً مطمئنا ترك الركوع الّذي فاته معه فيخر‬
‫ساجدا إن كان المام متلبّسا به ‪ ,‬ويقضي ركعةً بعد سلم المام ‪ ,‬فإن خالف وركع ولحقه‬
‫بطلت إن اعت ّد بالرّكعة لنّه قضاء في صلب صلة المام ‪ ,‬وإن ألغاه لم تبطل ويحمله عنه‬
‫المام ‪.‬‬
‫وإذا زوحم عن سجدةٍ أو سجدتين من الولى أو غيرها فلم يسجدها حتّى قام المام لما تليها‬
‫فإن لم يطمع في سجودها قبل عقد إمامه الرّكعة الّتي تليها تمادى وجوبا على ترك السّجدة‬
‫أو السّجدتين وتبع إمامه فيما هو فيه ‪ ,‬وقضى ركعةً بعد سلم إمامه ‪ ,‬وإن طمع فيها قبل‬
‫عقد إمامه سجدها وتبعه في عقد ما بعدها ‪ ,‬فإن تخلّف ظنه فلم يدركه بطلت عليه الرّكعة‬
‫الولى لعدم التيان بسجودها ‪ ,‬والثّانية لعدم إدراك ركوعها معه ‪.‬‬
‫وإن تمادى على ترك السّجدة وقضى ركعةً ل سجود عليه بعد سلمه لزيادة ركعة النّقص إذ‬
‫المام يحملها عنه ‪ ,‬وذلك إن تيقّن أنّه تركه ‪ ,‬وأمّا إن شكّ في تركها وقضى الرّكعة فإنّه‬
‫يسجد بعد السّلم لحتمال زيادة الرّكعة الّتي أتى بها بعد سلم إمامه ‪.‬‬
‫ب في أنّه يباح معها قضاء ما‬
‫ول فرق بين الغفلة والنعاس والمزاحمة عند أشهب وابن وه ٍ‬
‫فات ‪ ,‬ونقل الموّاق عن عبد الملك أنّ المزاحم أعذر ‪ ,‬لنّه مغلوب ‪.‬‬
‫ن المزاحمة بخلف الغفلة والنعاس ‪ ,‬فل يباح معها قضاء ما فات‬
‫وذهب ابن القاسم إلى أ ّ‬
‫ي يمكن الحتراز منه فعدّ المزاحم عن الركوع مقصّرا‬
‫من الركوع ‪ ,‬لنّ الزّحام فعل آدم ّ‬
‫فتلغى تلك الرّكعة ‪ ,‬والنّاعس والغافل مغلوبان بفعل اللّه سبحانه وتعالى فعذرا ‪.‬‬
‫‪ -‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن تخلّف بركنٍ فعليّ عامدا بل عذرٍ بأن فرغ المام منه وهو فيما‬ ‫‪8‬‬

‫قبله ‪ ,‬كأن رفع المام رفع العتدال والمأموم في قيام القراءة لم تبطل صلته في الصحّ ‪,‬‬
‫ل كالمثال المتقدّم أم قصيرا كأن رفع المام رأسه من‬
‫لنّه تخلف يسير ‪ ,‬سواء أكان طوي ً‬
‫السّجدة الولى وهوى من الجلسة بعدها للسجود والمأموم في السّجدة الولى ‪.‬‬
‫والقول الثّاني وهو مقابل الصحّ ‪ :‬تبطل لما فيه من المخالفة من غير عذ ٍر ‪.‬‬
‫أمّا إذا تخلّف بدون ركنٍ ‪ ,‬كأن ركع المام دون المأموم ثمّ لحقه قبل أن يرفع رأسه من‬
‫الركوع ‪ ,‬أو تخلّف بركنٍ بعذ ٍر لم تبطل صلته قطعا ‪.‬‬
‫وإن تخلّف بركنين فعليّين بأن فرغ المام منهما وهو فيما قبلهما فإن لم يكن عذر ‪ ,‬كأن‬
‫تخلّف لقراءة السورة أو لتسبيحات الركوع والسجود بطلت صلته ‪ ,‬لكثرة المخالفة ‪ ,‬سواء‬
‫أكانا طويلين أو طويلً وقصيرا ‪.‬‬
‫ل ‪ ,‬أو كان المأموم بطيء القراءة وركع المام‬
‫وإن كان عذر بأن أسرع المام قراءته مث ً‬
‫قبل إتمام المأموم الفاتحة فقيل يتبعه لتعذر الموافقة ‪ ,‬وتسقط البقيّة للعذر فأشبه المسبوق‬
‫‪ ,‬والصّحيح ‪ :‬ل يتبعه بل يتمها وجوبا ‪ ,‬ويسعى خلف المام على نظم صلة نفسه ما لم‬
‫ن بل بثلث ٍة فما دونها ‪ -‬كما قال الشّربيني الخطيب ‪ -‬مقصودة‬
‫يسبق بأكثر من ثلثة أركا ٍ‬
‫في نفسها وهي الطّويلة أخذا من صلته صلى ال عليه وسلم بعسفان ‪ ,‬فل يعد منهما‬
‫القصير ‪ ,‬وهو العتدال والجلوس بين السّجدتين ‪ ,‬فإن سبق بأكثر من الثّلثة فقيل ‪ :‬يفارقه‬
‫بالنّيّة لتعذر الموافقة ‪.‬‬
‫والصح ‪ :‬ل تلزمه المفارقة بل يتبعه فيما هو فيه ‪ ,‬ثمّ يتدارك بعد سلم المام ما فاته‬
‫كالمسبوق ‪.‬‬
‫ولو لم يتمّ المأموم الفاتحة لشغله بدعاء الفتتاح أو التّعوذ وقد ركع المام فمعذور في‬
‫التّخلف لتمامها كبطيء القراءة فيأتي فيه ما مرّ ‪.‬‬
‫‪ -‬وصرّح الحنابلة بأنّ المام إذا سبق المأموم بركنٍ كاملٍ ‪ ,‬مثل أن يركع ويرفع قبل‬ ‫‪9‬‬

‫ن المأموم يفعل ما سبق‬


‫س أو غفلةٍ أو زحامٍ أو عجلة المام فإ ّ‬
‫ركوع المأموم لعذرٍ من نعا ٍ‬
‫ص عليه أحمد ‪ ,‬وحكى في المستوعب روايةً أنّه ل يعتد‬
‫به ويدرك إمامه ول شيء عليه ‪ ,‬ن ّ‬
‫بتلك الرّكعة ‪.‬‬
‫وإن سبقه بركع ٍة كاملةٍ أو أكثر فإنّه يتبع إمامه ‪ ,‬ويقضي ما سبقه به كالمسبوق ‪ ,‬قال‬
‫أحمد في رجلٍ نعس خلف المام حتّى صلّى ركعتين ‪ :‬قال كأنّه أدرك ركعتين ‪ ,‬فإذا سلّم‬
‫المام صلّى ركعتين ‪ ,‬وعنه ‪ :‬يعيد الصّلة ‪.‬‬
‫ن وأقلّ من ركعةٍ ثمّ زال عذره فالمنصوص عن أحمد أنّه يتبع‬
‫وإن سبقه بأكثر من رك ٍ‬
‫إمامه ‪ ,‬ول يعتد بتلك الرّكعة ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬وظاهر هذا أنّه إن سبقه بركنين بطلت تلك الرّكعة ‪ ,‬وإن سبقه بأق ّل من‬
‫ذلك فعله وأدرك إمامه ‪ ,‬ثمّ نقل عن بعض الحنابلة فيمن زحم عن السجود يوم الجمعة أنّه‬
‫ينتظر زوال الزّحام ثمّ يسجد ويتبع المام ما لم يخف فوات الركوع في الثّانية مع المام ‪,‬‬
‫فعلى هذا يفعل ما فاته وإن كان أكثر من ركنٍ ‪.‬‬
‫حكم صلة اللحق بمحاذاة المرأة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه إن حاذت المقتدي مشتهاة في صل ٍة مطلقةٍ مشتركةٍ تحريمةً‬ ‫‪10‬‬

‫ن اللحق‬
‫ن واحدٍ بل حائلٍ تفسد صلته ‪ ,‬والمدرك واللحق في ذلك سواء ‪ ,‬ل ّ‬
‫وأداءً في مكا ٍ‬
‫ن أداءه فيما يقضيه‬
‫بانٍ تحريمته على تحريمة المام حقيقةً للتزامه متابعته ‪ ,‬كما أنّه با ٍ‬
‫على أداء المام تقديرا بالتزامه المتابعة ‪ ,‬فتثبت الشّركة بينهما ما لم تنته أفعال الصّلة‬
‫فاللحق فيما يقضي كأنّه خلف المام تقديرا ‪ ,‬ولهذا ل يقرأ ول يلزمه السجود بسهوه ‪.‬‬
‫بخلف ما إذا كانا مسبوقين وحاذته فيما يقضيان حيث ل تفسد صلته وإن كانا بانيين في‬
‫ق التّحريمة ‪ ,‬لنّهما منفردان فيما يقضيان ‪ ,‬ولهذا يقرآن ‪ ,‬ويلزمهما السجود بسهوهما ‪.‬‬
‫حّ‬
‫استخلف اللحق ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه لو صلّى المام ركعةً ث ّم أحدث فاستخلف رجلً نام عن هذه‬ ‫‪11‬‬

‫الرّكعة وقد أدرك أوّلها أو كان ذهب ليتوضّأ جاز لكن ل ينبغي للمام أن يقدّمه ‪ ,‬ول لذلك‬
‫الرّجل أن يتقدّم ‪ ,‬وإن قدّم ينبغي أن يتأخّر ‪ ,‬ويقدّم هو غيره ‪ ,‬لنّ غيره أقدر على إتمام‬
‫صلة المام ‪ ,‬فإنّه يحتاج إلى البداية بما فاته ‪ ,‬فإن لم يفعل وتقدّم جاز ‪ ,‬لنّه قادر على‬
‫التمام في الجملة ‪ ,‬وإذا تقدّم ينبغي أن يشير إليهم بأن ينتظروه ليصلّي ما فاته وقت نومه‬
‫أو ذهابه للتّوضؤ ‪ ,‬ثمّ يصلّي بهم بقيّة الصّلة ‪ ,‬لنّه مدرك فينبغي أن يصلّي الوّل فالوّل ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪31‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪27‬‬ ‫( ر ‪ :‬استخلف ف‬

‫لزم *‬
‫انظر ‪ :‬لزوم ‪.‬‬

‫لطِية *‬
‫انظر ‪ :‬شجاج ‪ ,‬وسمحاق ‪.‬‬

‫ِلبَأ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّبَأ على وزن فع ٍل بكسر الفاء ‪ ,‬وفتح العين ‪ ,‬في اللغة ‪ :‬أوّل ما ينزل من اللّبن بعد‬ ‫‪1‬‬

‫ت ‪ ,‬وأقله حلبة ‪ ,‬يقال ‪ :‬لبأت الشّاة‬


‫الولدة ‪ ,‬وقال أبو زيدٍ ‪ :‬وأكثر ما يكون ثلث حلبا ٍ‬
‫ولدها ‪ :‬أرضعته اللّبأ ‪ ,‬ولبأت الشّاة حلبت لبأها ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الفصح ‪:‬‬
‫‪ -‬الفصح هو من أفصح اللّبن ‪ :‬ذهب عنه اللّبأ ‪ ,‬يقال ‪ :‬أفصحت الشّاة ‪ ,‬والنّاقة ‪ :‬خلص‬ ‫‪2‬‬

‫لبنها ‪ :‬صفا ‪ ,‬وأفصحت النّاقة إذا انقطع لبؤُها ‪ ,‬وجاء اللّبن بعده ‪.‬‬
‫الحكم الجمالي ‪:‬‬
‫ص الشّافعيّة على أنّه يجب على المّ إرضاع ولدها اللّبأ وإن وجدت غيرها ‪ ,‬وقالوا ‪:‬‬
‫‪-‬ن ّ‬ ‫‪3‬‬

‫ن الولد ل يعيش أو ل يقوى غالبا بدونه ‪.‬‬


‫لّ‬
‫ومدّته يسيرة ‪ :‬قيل يقدّر بثلثة أيّامٍ ‪ ,‬وقيل بسبعةٍ ‪ ,‬وقيل ‪ :‬يرجع في مدّته لهل الخبرة ‪,‬‬
‫ومع وجوبه عليها ‪ ,‬لها طلب الجرة إن كان لمثله أجرة ‪ ,‬كما يجب إطعام المضطرّ بالبدل‬
‫‪ -‬ثمن المثل ‪ -‬وهل تضمن إن امتنعت ومات ؟‬
‫جاء في حاشية الشبراملسي ‪ :‬الّذي ذكره ابن أبي شريفٍ عدم الضّمان ‪ ,‬لنّه لم يحصل‬
‫منها فعل يحال عليه سبب الهلك ‪ ,‬قياسا على ما لو أمسك الطّعام عن المضط ّر وهلك فإنّه‬
‫ل يضمنه ‪.‬‬

‫لِباس *‬
‫انظر ‪ :‬ألبسة ‪.‬‬

‫لِباس المرأة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّباس ما يستر الجسم ‪ ،‬جمعه ألبسة ولُبُس ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫يقال ‪ :‬لبس الثّوب لبسا استتر به ‪ ,‬والزّوج والزّوجة كل منهما لباس للخر ‪ ,‬وفي التّنزيل‬
‫س ّلهُنّ } ‪ ،‬ولباس كلّ شي ٍء غشاؤُه ‪ ,‬ولباس التّقوى‬
‫العزيز ‪ { :‬هُنّ لِبَاسٌ ّلكُمْ َوأَن ُتمْ لِبَا ٌ‬
‫اليمان أو الحياء أو العمل الصّالح ‪.‬‬
‫ويقال ‪ :‬رجل لباس ‪ :‬كثير اللّباس وكثير اللبس ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الزّينة ‪:‬‬
‫‪ -‬الزّينة في اللغة ما يتزيّن به ‪ ,‬ويوم الزّينة يوم العيد ‪ ,‬والزّين ضد الشّين ‪ ,‬ول يخرج‬ ‫‪2‬‬

‫المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬


‫والزّينة أعم من اللّباس ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفي ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه يجب على المرأة أن تلبس من الملبس ما يغطّي جميع عورتها‬ ‫‪3‬‬

‫جهُنّ وََل يُبْدِينَ‬


‫ح َفظْنَ ُفرُو َ‬
‫ن أَبْصَارِ ِهنّ وَ َي ْ‬
‫ت َيغْضُضْنَ مِ ْ‬
‫لقول اللّه ع ّز وجلّ ‪ { :‬وَقُل لّ ْل ُم ْؤمِنَا ِ‬
‫ن َأوْ‬
‫ن إََِل لِ ُبعُولَ ِتهِ ّ‬
‫ن وََل يُبْدِينَ زِينَ َتهُ ّ‬
‫ن عَلَى جُيُوبِهِ ّ‬
‫خ ُمرِهِ ّ‬
‫ضرِبْنَ ِب ُ‬
‫ظهَ َر مِ ْنهَا وَلْيَ ْ‬
‫زِينَ َتهُنّ إََِل مَا َ‬
‫خوَا ِنهِنّ َأوْ بَنِي‬
‫خوَا ِنهِنّ َأ ْو بَنِي ِإ ْ‬
‫ن َأوْ ِإ ْ‬
‫ن َأوْ أَبْنَاء ُبعُولَ ِتهِ ّ‬
‫آبَا ِئهِنّ َأوْ آبَاء ُبعُولَ ِتهِنّ َأوْ أَبْنَا ِئهِ ّ‬
‫ط ْفلِ‬
‫ن غَيْ ِر ُأوْلِي الِرْ َب ِة مِنَ ال ّرجَالِ َأوِ ال ّ‬
‫ت أَ ْيمَا ُنهُنّ َأوِ التّا ِبعِي َ‬
‫ن َأوْ مَا مَ َلكَ ْ‬
‫ن َأوْ ِنسَا ِئهِ ّ‬
‫خوَاتِهِ ّ‬
‫َأ َ‬
‫خفِينَ مِن زِينَ ِتهِنّ‬
‫ع ْورَاتِ ال ّنسَاء وََل يَضْرِ ْبنَ بِ َأ ْرجُ ِلهِنّ لِ ُيعْلَ َم مَا ُي ْ‬
‫ظهَرُوا عَلَى َ‬
‫ن َلمْ َي ْ‬
‫الّذِي َ‬
‫جمِيعا أَ ّيهَا ا ْل ُم ْؤمِنُونَ َلعَّل ُكمْ ُتفْ ِلحُونَ } ‪.‬‬
‫وَتُوبُوا إِلَى الّل ِه َ‬
‫ظهَرَ مِ ْنهَا } أي ل يظهرن شيئا من‬
‫ن إََِل مَا َ‬
‫قال ابن كثيرٍ ‪ :‬قوله تعالى ‪ { :‬وََل يُبْدِينَ زِينَ َتهُ ّ‬
‫الزّينة للجانب إل ما ل يمكن إخفاؤُه ‪ ,‬قال ابن مسعودٍ ‪ :‬كالرّداء والثّياب يعني على ما كان‬
‫يتعاطاه نساء العرب من المقنّعة الّتي تجلّل ثيابها وما يبدو من أسافل الثّياب فل حرج عليها‬
‫ن هذا ل يمكن إخفاؤُه ‪.‬‬
‫فيه ل ّ‬
‫ن أسماء بنت أبي بك ٍر رضي ال تعالى عنهما دخلت‬
‫ولحديث عائشة رضي ال عنها ‪ « :‬أ ّ‬
‫على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وعليها ثياب رقاق ‪ ،‬فأعرض عنها رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،‬وقال ‪ :‬يا أسماء إنّ المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إل‬
‫هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفّيه » ‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء في عورة المرأة الحرّة ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪3‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬ستر العورة ف ‪ 2‬وما بعدها ‪ ،‬و عورة ف‬
‫اللّباس الّذي يصف أو يشف ‪:‬‬
‫‪ -‬لباس المرأة قد يكشف عن العورة ‪ ,‬وقد يسترها ولكنّه يصف حجمها ‪ ,‬وهو في كلتا‬ ‫‪4‬‬

‫الحالتين غير شرعيّ ‪.‬‬


‫فإن كان يكشف عنها بحيث يرى لون الجلد من تحته ‪ ,‬فإمّا أن يكون ذلك أمام زوجها وإمّا‬
‫أن يكون أمام الجانب ‪ ,‬وإمّا أن يكون في الصّلة أو خارجها ‪.‬‬
‫‪ ،‬وستر العورة ف ‪ 2‬وما بعدها ‪ ,‬و صلة ف ‪,120‬‬ ‫‪15‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬ألبسة ف‬
‫و عورة ف ‪ 3‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫اللّباس المنسوج بالذّهب والفضّة ‪:‬‬
‫‪ -‬يجوز للمرأة أن تلبس اللّباس المنسوج بالذّهب والفضّة سواء للحاجة أو لغيرها ‪,‬‬ ‫‪5‬‬

‫وسواء كثر أو ق ّل ‪ ,‬وسواء زاد الطّرز على قدر أربع أصابع أو ل ‪ ,‬وسواء أكان المطرّز‬
‫قدر العادة أم ل ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال‬
‫واستدلّ الفقهاء على ذلك بما ورد عن أبي موسى رضي ال عنه أ ّ‬
‫عليه وسلم قال ‪ « :‬أحلّ الذّهب والحرير لناث أمّتي وحرّم على ذكورها » ‪.‬‬
‫ففي هذا الحديث دليل على جواز استعمال الذّهب وكذلك الحرير للنّساء بسائر وجوه‬
‫الستعمال ‪.‬‬
‫تشبه النّساء بالرّجال في اللّباس ‪:‬‬
‫‪ -‬يحرم تشبه النّساء بالرّجال في زيّهنّ فل يجوز للمرأة أن تلبس لباسا خاصا بالرّجال ‪,‬‬ ‫‪6‬‬

‫لنّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬لعن المتشبّهين من الرّجال بالنّساء والمتشبهات من النّساء‬
‫بالرّجال » ‪.‬‬
‫ن زي مخصوص في إقليمٍ ‪ ,‬وغلب في‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬فلو اختصّت النّساء أو غلب فيه ّ‬
‫غيره تخصيص الرّجال بذلك ال ّزيّ ‪ -‬كما قيل إنّ نساء قرى الشّام يتزيّنّ بزيّ الرّجال الّذين‬
‫يتعاطون الحصاد والزّراعة ويفعلن ذلك ‪ -‬فهل يثبت في كلّ إقليمٍ ما جرت عادة أهله به ‪,‬‬
‫أو ينظر لكثر البلد ؟ فيه نظر ‪ ,‬والقرب الوّل ‪.‬‬
‫ي كلّ من النّوعين حتّى يحرم التّشبه بهنّ فيه‬
‫ن العبرة في لباس وز ّ‬
‫وقد صرّح السنوي بأ ّ‬
‫بعرف كلّ ناحيةٍ حسن ‪.‬‬
‫لباس المرأة أمام الخاطب ‪:‬‬
‫‪ -‬المخطوبة أجنبيّة عن الخاطب وعلى ذلك يجب عليها أن تلبس ما يستر جميع بدنها‬ ‫‪7‬‬

‫خل القدر الّذي يباح للخاطب أن ينظر إليه ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪29‬‬ ‫وقد اختلف الفقهاء في هذا القدر ‪ ,‬والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬خطبة ف‬
‫لباس المرأة في الحداد ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في لبس المرأة المحدّة لبعض الثّياب على وجه الزّينة ‪ ,‬وفي لبس‬ ‫‪8‬‬

‫ي‪.‬‬
‫الحل ّ‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪13‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إحداد ف‬
‫لباس المرأة في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬يجب ستر العورة في الصّلة للرّجل والمرأة في حال توفر السّاتر ‪ ,‬لقوله تعالى ‪:‬‬ ‫‪9‬‬

‫س رضي ال عنهما ‪ :‬المراد بالزّينة الثّياب‬


‫سجِدٍ } ‪ ,‬قال ابن عبّا ٍ‬
‫{ خُذُواْ زِينَ َت ُكمْ عِن َد كُ ّل َم ْ‬
‫ض إل بخما ٍر » أي‬
‫في الصّلة ‪ ,‬ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل يقبل اللّه صلة حائ ٍ‬
‫البالغة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪13‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬عورة ف‬
‫لباس المرأة في الحرام ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يحرم على المرأة المحرمة لبس‬ ‫‪10‬‬

‫ما يغطّي وجهها ‪.‬‬


‫قال ابن قدامة ‪ :‬ل نعلم في هذا خلفا بين أهل العلم ‪ ,‬إل ما روي عن أسماء أنّها كانت‬
‫تغطّي وجهها وهي محرمة ‪ ,‬ويحتمل أنّها كانت تغطّيه بالسّدل عند الحاجة فل يكون اختلفا‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪66‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إحرام ف‬

‫َلبّة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّبّة في اللغة وسط الصّدر والمنحر وموضع القلدة من الصّدر ‪ ,‬والجمع لبّات‬ ‫‪1‬‬

‫ولباب ‪.‬‬
‫واللّبّة في الصطلح ‪ :‬هي المنحر من الصّدر ‪ ,‬وهي الوهدة الّتي بين أصل العنق والصّدر‬
‫‪ .‬الحكم الجمالي ‪:‬‬
‫ن السنّة في التّذكية الشّرعيّة للبل تحصل بالنّحر في اللّبّة‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪2‬‬

‫في حال الختيار ‪ ,‬لما روى أبو هريرة رضي ال عنه قال ‪ « :‬بعث رسول اللّه صلى ال‬
‫ى أل إنّ الذّكاة في الحلق‬
‫عليه وسلم بديل بن ورقاء على جملٍ أورق يصيح في فجاج من ً‬
‫واللّبّة » ‪.‬‬
‫وحقيقة النّحر عندهم قطع الوداج في اللّبّة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يجب تذكية البل بالنّحر وحقيقته الطّعن في اللّبّة طعنا يفضي إلى الموت‬
‫وإن لم تقطع الحلقوم والودجان ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪43‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬ذبائح ف‬

‫َلبْس *‬
‫انظر ‪ :‬التباس ‪.‬‬

‫ُلبْس *‬
‫انظر ‪ :‬ألبسة ‪.‬‬

‫َلبَن *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّبن في اللغة ‪ :‬سائل أبيض يكون في إناث الدميّين والحيوان ‪ ,‬وهو اسم جنسٍ ‪,‬‬ ‫‪1‬‬

‫والجمع ألبان ‪ ,‬وواحدته لبنة ‪.‬‬


‫واللّبأ ‪ :‬أوّل اللّبن عند الولدة ‪ ,‬ولبن كلّ شجر ٍة ‪ :‬ماؤُها على التّشبيه ‪ ,‬وشاة لبون ‪ :‬ذات‬
‫اللّبن غزير ًة كانت أو بكيئةً ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫ما يتعلّق باللّبن من أحكامٍ ‪:‬‬
‫يتعلّق باللّبن أحكام متعدّدة منها ‪:‬‬
‫الطّاهر والنّجس من اللبان وما يحل شربه منها ‪:‬‬
‫ي مأكول اللّحم كالبقر‬
‫ن أو من آدميّ فإن كان من حيوانٍ ح ّ‬
‫‪ -‬اللّبن إمّا أن يكون من حيوا ٍ‬ ‫‪2‬‬

‫سقِيكُم ّممّا فِي‬


‫ف ‪ ,‬لقوله تعالى ‪َ { :‬وإِنّ َل ُكمْ فِي الَ ْنعَا ِم َلعِبْرَةً ّن ْ‬
‫والغنم فهو طاهر بل خل ٍ‬
‫ُبطُو ِنهِ مِن بَيْنِ َفرْثٍ وَ َدمٍ لّبَنا خَالِصا سَآئِغا لِلشّارِبِينَ } ‪.‬‬
‫ن الفقهاء اختلفوا في طهارة لبن بعض الحيوانات ‪ ,‬تبعا لختلفهم في حلّ أكلها ‪ ,‬فما‬
‫إل أ ّ‬
‫حلّ أكله كان لبنه طاهرا ‪ ,‬ومن أمثلة ذلك ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬لبن الفرس ‪:‬‬
‫‪ -‬لبن الفرس طاهر حلل عند الشّافعيّة والحنابلة وأبي يوسف ومحمّدٍ من الحنفيّة ‪،‬‬ ‫‪3‬‬

‫واختلف النّقل عن أبي حنيفة فروى الحسن عنه الكراهة في سؤره كما في لبنه ‪ ,‬وقيل ‪ :‬ل‬
‫بأس بلبنه ‪ ,‬لنّه ليس في شربه تقليل آلة الجهاد ‪.‬‬
‫ولبن الفرس نجس عند المالكيّة بنا ًء على تبعيّة اللّبن للّحم ‪ ,‬فقد قالوا ‪ :‬لبن غير الدميّ‬
‫تابع للحمه في الطّهارة بعد التّذكية فإن كان لحمه طاهرا بعد التّذكية وهو المباح والمكروه‬
‫الكل فلبنه طاهر وإن كان نجسا بعد التّذكية وهو محرّم الكل فلبنه نجس ‪ ,‬والفرس من‬
‫الحيوانات المحرّمة عندهم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬لبن الحمر الهليّة ‪:‬‬
‫‪ -‬رخّص في ألبان الحمر الهليّة عطاء وطاووس والزهري ‪ ,‬بينما هي نجسة محرّمة‬ ‫‪4‬‬

‫عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وهي مكروهة عند الحنفيّة ‪.‬‬


‫ج ‪ -‬لبن الجللة ‪:‬‬
‫‪ -‬الجللة ذات اللّبن ممّا يؤكل لحمه كالبل أو البقر أو الغنم الّتي يكون أغلب أكلها‬ ‫‪5‬‬

‫النّجاسة كره شرب لبنها الحنفيّة والحنابلة وهو الصح عند الشّافعيّة ‪ -‬كما قال النّووي ‪-‬‬
‫إذا ظهر نتن ما تأكله في ريحها وعرقها ‪.‬‬
‫ومقابل الصحّ عند الشّافعيّة أنّ شرب لبنها حرام ‪ ,‬والصل في ذلك ما رواه ابن عمر‬
‫رضي ال عنهما قال ‪ « :‬نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن أكل الجللة وألبانها » ‪.‬‬
‫ن لحمها إذا تغيّر يتغيّر لبنها ‪.‬‬
‫ول ّ‬
‫وعند المالكيّة لبن الجللة طاهر ‪ ,‬ول يكره شربه ‪ ,‬كما رخّص الحسن في لحومها وألبانها‬
‫ن الحيوانات ل تنجس بأكل النّجاسات بدليل أنّ شارب الخمر ل يحكم بتنجيس أعضائه ‪.‬‬
‫‪,‬لّ‬
‫د ‪ -‬لبن ميتة مأكول اللّحم ‪:‬‬
‫‪ -‬لبن ميتة مأكول اللّحم من الحيوان نجس وذلك عند المالكيّة والشّافعيّة ‪ ,‬وهو ظاهر‬ ‫‪6‬‬

‫ن اللّبن مائع في‬


‫المذهب عند الحنابلة ‪ ,‬وهو قول أبي يوسف ومحمّدٍ من الحنفيّة ‪ ,‬وذلك ل ّ‬
‫س فكان نجسا كما لو حلب في وعا ٍء نجسٍ ‪.‬‬
‫وعاءٍ نج ٍ‬
‫وعند أبي حنيفة وهو رواية عند الحنابلة لبن ميتة مأكول اللّحم طاهر لقول اللّه تعالى ‪:‬‬
‫سقِيكُم ّممّا فِي ُبطُو ِنهِ مِن بَيْنِ َفرْثٍ وَ َدمٍ لّبَنا خَالِصا سَآئِغا‬
‫{ َوإِنّ َل ُكمْ فِي الَ ْنعَا ِم َلعِبْرَةً ّن ْ‬
‫ث ودمٍ ‪ ,‬وهذا‬
‫لِلشّارِبِينَ } ‪ ,‬وصف اللّبن مطلقا بالخلوص والسيوغ مع خروجه من بين فر ٍ‬
‫آية الطّهارة ‪ ,‬وكذا الية خرجت مخرج المتنان ‪ ,‬والمنّة في موضع النّعمة تدل على‬
‫الطّهارة ‪ ,‬والصّحابة رضي ال تعالى عنهم أكلوا الجبن لمّا دخلوا المدائن ‪ ,‬وهو يعمل‬
‫بالنفحة ‪ ,‬وهي تؤخذ من صغار المعز فهو بمنزلة اللّبن ‪ ,‬وذبائحهم ميتة ‪.‬‬
‫ما سبق إنّما هو بالنّسبة للحيوان الحيّ المأكول اللّحم وميتته ‪.‬‬
‫‪ -‬وذهب الفقهاء إلى أنّ لبن الحيوانات المتّفق على حرمة أكلها نجس ح ّيةً كانت أو‬ ‫‪7‬‬

‫ميّت ًة ‪ ,‬يقول ابن قدامة ‪ :‬حكم اللبان حكم اللّحمان ‪ ,‬وفي نهاية المحتاج ‪ :‬لبن ما ل يؤكل‬
‫كلبن التان نجس لكونه من المستحيلت في الباطن فهو نجس ‪ ,‬وفي جواهر الكليل ‪ :‬لبن‬
‫ي المحلوب في حال الحياة أو بعد موته تابع للحمه في الطّهارة وعدمها ‪ ,‬وفي‬
‫غير الدم ّ‬
‫الفتاوى الهنديّة ‪ :‬الحمار الهلي لحمه حرام فكذلك لبنه ‪.‬‬
‫لبن الدميّ ‪:‬‬
‫ق ‪ ,‬سواء أكان من امرأةٍ أم من رجلٍ إذ ل يليق بكرامته‬
‫‪ -‬لبن الدميّ الحيّ طاهر باتّفا ٍ‬ ‫‪8‬‬

‫أن يكون منشؤُه نجسا ‪.‬‬


‫أمّا لبن الدميّ الميّت فهو طاهر عند الحنفيّة والشّافعيّة وهو الظّاهر من مذهب الحنابلة ‪,‬‬
‫ن اللّبن ل ينجس بالموت بل هو طاهر بعد الموت وإن تنجّس الوعاء الصلي له ‪,‬‬
‫لّ‬
‫ونجاسة الظّرف إنّما توجب نجاسة المظروف إذا لم يكن الظّرف معدنا للمظروف وموضعا‬
‫له في الصل ‪ ,‬فأمّا إذا كان في الصل موضعه ومظانه فنجاسته ل توجب نجاسة المظروف‬
‫‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إنّ لبن الدميّ الميّت نجس ‪ ,‬وقيل ‪ :‬إنّه طاهر ‪.‬‬
‫بيع اللّبن ‪:‬‬
‫‪ -‬بيع لبن الحيوان المأكول اللّحم بعد حلبه جائز بل خلفٍ بين الفقهاء ‪ ,‬لنّه طاهر‬ ‫‪9‬‬

‫منتفع به مقدور على تسليمه ‪.‬‬


‫واختلف الفقهاء في عدّة مسائل ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬بيع اللّبن في الضّرع ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى عدم جواز بيع اللّبن في الضّرع‬ ‫‪10‬‬

‫‪.‬‬
‫وقد علّله الشّافعيّة والحنابلة بأنّه مجهول الصّفة والمقدار ‪ ,‬فقد يرى امتلء الضّرع من‬
‫ن اللّبن قد يكون صافيا وقد يكون كدرا ‪ ,‬وذلك غرر من‬
‫السّمن فيظن أنّه من اللّبن ‪ ,‬ول ّ‬
‫غير حاج ٍة فلم يجز ‪ ,‬ولنّه بيع عينٍ لم تخلق ‪.‬‬
‫وعلّل الحنفيّة المنع بأنّ اللّبن ل يجتمع في الضّرع دفعةً واحدةً ‪ ,‬بل شيئا فشيئا فيختلط‬
‫المبيع بغيره على وجهٍ يتعذّر التّمييز بينهما ‪ ,‬فكان المبيع معجوز التّسليم عند البيع فل‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ينعقد البيع ‪ ,‬وقد روى ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما أ ّ‬
‫« نهى أن يباع صوف على ظهر غنمٍ أو لبن في ضرعٍ » ‪.‬‬
‫وأجاز المالكيّة بيع اللّبن في الضّرع لشياهٍ بأعيانها في إبّان لبنها إذا سمّى شهرا أو شهرين‬
‫أو ثلثةً وكان قد عرف وجه حلبها وكانت الغنم كثير ًة ‪.‬‬
‫أمّا إن كان الشّاة أو الشّاتين فاشترى رجل حلبها على كذا وكذا شهرا بكذا وكذا درهما‬
‫ط بكذا وكذا ‪.‬‬
‫فل ‪ ,‬إل أن يبيع لبنها كيلً كل قس ٍ‬
‫وكذلك أجاز بيع اللّبن في الضّرع الحسن وسعيد بن جبي ٍر ومحمّد بن مسلمة ‪ ,‬وكرهه‬
‫طاووس ومجاهد ‪.‬‬
‫بيع لبن الدميّ ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة وهو الصح عند الحنابلة إلى جواز بيع لبن الدميّة إذا حلب‬ ‫‪11‬‬

‫‪ ,‬لنّه لبن طاهر منتفع به ‪ ,‬ولنّه لبن أبيح شربه ‪ ,‬فأبيح بيعه قياسا على سائر النعام ‪,‬‬
‫ولنّه يجوز أخذ العوض عنه في إجارة الظّئر ‪ ,‬فأشبه المنافع ‪.‬‬
‫ول يجوز بيعه عند الحنفيّة وهو قول جماعةٍ من الحنابلة ‪ ,‬لنّ اللّبن ليس بمالٍ فل يجوز‬
‫بيعه ‪ ,‬والدّليل على أنّه ليس بما ٍل إجماع الصّحابة رضي ال عنهم والمعقول ‪ ,‬أمّا إجماع‬
‫الصّحابة فما روي عن عمر وعليّ رضي ال تعالى عنهما أنّهما حكما في ولد المغرور‬
‫بالقيمة وبالعقر بمقابلة الوطء ‪ ,‬وما حكما بوجوب قيمة اللّبن بالستهلك ‪ ,‬ولو كان مالً‬
‫لحكما ‪ ,‬وكان ذلك بمحضرٍ من الصّحابة ولم ينكر عليهما أحد فكان إجماعا ‪ ,‬وأمّا المعقول‬
‫فلنّه ل يباح النتفاع به شرعا على الطلق ‪ ,‬بل لضرورة تغذية الطّفل ‪ ,‬وما حرم النتفاع‬
‫به شرعا إل لضرور ٍة ل يكون ما ًل ‪ ,‬والدّليل عليه أنّ النّاس ل يعدونه مالً ‪ ,‬ول يباع في‬
‫ي ‪ ,‬والدمي بجميع أجزائه محترم مكرّم ‪ ,‬وليس‬
‫ق من السواق ‪ ,‬ولنّه جزء من الدم ّ‬
‫سو ٍ‬
‫من الكرامة والحترام ابتذاله بالبيع والشّراء ‪.‬‬
‫وكره بيعه أحمد ‪.‬‬
‫وفي ظاهر الرّواية عند الحنفيّة ل فرق بين لبن الحرّة ولبن المة في عدم جواز البيع ‪ ,‬لنّ‬
‫ي لم يجعل محلً للبيع إل بحلول الرّقّ فيه ‪ ,‬والرّق ل يحل إل في الحيّ ‪ ,‬واللّبن ل‬
‫الدم ّ‬
‫حياة فيه ‪ ,‬فل يحله الرّق ‪ ,‬فل يكون محلً للبيع ‪.‬‬
‫وعند أبي يوسف يجوز بيع لبن المة لنّه جزء من آدميّ هو مال ‪ ,‬فكان محلً للبيع كسائر‬
‫أجزائه ‪.‬‬
‫السّلم في اللّبن ‪:‬‬
‫‪ -‬يجوز السّلم في اللّبن عند الشّافعيّة ‪ ,‬وفي الصحّ عند الحنابلة ‪ ,‬ويشترط ذكر جنس‬ ‫‪12‬‬

‫حيوانه ونوعه ومأكوله من مرعىً أو علفٍ معيّنٍ بنوعه ‪.‬‬


‫واللّبن المطلق يحمل على الحلو وإن جفّ ‪.‬‬
‫ويصح السّلم في اللّبن كيلً ووزنا عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ,‬ويوزن برغوته ‪ ,‬ول يكال بها‬
‫لنّها ل تؤثّر في الميزان ‪.‬‬
‫ي عن أحمد أنّه يجوز السّلم في اللّبن إذا كان كيلً أو وزنا ‪.‬‬
‫ونقل المروز ّ‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬وهذا أصح إن شاء اللّه تعالى ‪ ,‬لنّ الغرض معرفة قدره وخروجه من‬
‫الجهالة وإمكان تسليمه من غير تنازعٍ ‪ ,‬فبأيّ قدرٍ قدّره جاز ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ل يصح السّلم في حامض اللّبن لنّ حموضته عيب إل في مخيضٍ ل ماء‬
‫فيه ‪ ,‬فيصح فيه ول يضر وصفه بالحموضة لنّها مقصودة فيه ‪.‬‬
‫ويصح السّلم في المخيض عند الحنابلة ولو كان فيه ماء ‪ ,‬لنّ الماء يسير يترك لجل‬
‫المصلحة ‪ ,‬وقد جرت العادة به ‪ ,‬فلم يمنع صحّة السّلم فيه ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة نقل الموّاق عن المدوّنة ‪ :‬ل بأس بالسّلم في اللّبن والجصّ والزّرنيخ وشبه‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫واختلفت النقول عند الحنفيّة ‪ ,‬ففي البدائع ‪ :‬يشترط في المسلم فيه أن يكون موجودا من‬
‫وقت العقد إلى وقت الجل ‪ ,‬فإن لم يكن موجودا عند العقد أو عند محلّ الجل ‪ ,‬أو كان‬
‫موجودا فيهما لكنّه انقطع من أيدي النّاس فيما بين ذلك كالثّمار والفواكه واللّبن وأشباه‬
‫ذلك ‪ ,‬ل يجوز السّلم عندنا ‪.‬‬
‫بينما جاء في الفتاوى الهنديّة ‪ :‬إذا أسلم في اللّبن في حينه كيلً أو وزنا معلوما إلى أجلٍ‬
‫معلومٍ جاز ‪.‬‬
‫النتفاع بلبن ماشية الغير ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة وهو قول المالكيّة ورواية عن أحمد إلى أنّ من م ّر بماشية غيره وهو‬ ‫‪13‬‬

‫غير مضطرّ لم يكن له أن يحلبها ليشرب لبنها إل بإذن صاحبها ‪ ,‬لما روى ابن عمر رضي‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل يحلبن أحد ماشية امرئٍ‬
‫ال تعالى عنهما أ ّ‬
‫بغير إذنه ‪ ،‬أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينتقل طعامه ‪ ،‬فإنّما تخزن لهم‬
‫ن ما‬
‫ضروع ماشيتهم أطعماتهم ‪ ،‬فل يحلبن أحد ماشية أح ٍد إل بإذنه » وفي روايةٍ ‪ « :‬فإ ّ‬
‫في ضروع مواشيهم مثل ما في مشاربهم » ‪ ,‬ولقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل يحل‬
‫لمرئ من مال أخيه إل ما أعطاه عن طيب نفسٍ » ‪.‬‬
‫واستثنى كثير من السّلف ما إذا علم بطيب نفس صاحبه وإن لم يقع منه إذن خاص ول‬
‫عام ‪.‬‬
‫وفي الرّواية الثّانية لحمد وهو قول عند المالكيّة أنّه يجوز لمن م ّر بماشية أن يحلب‬
‫ن النّبيّ صلى ال‬
‫ويشرب ول يحمل معه شيئا ‪ ,‬لما روى الحسن عن سمرة رضي ال عنه أ ّ‬
‫عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا أتى أحدكم على ماشيةٍ فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه ‪ ،‬فإن أذن‬
‫له فليحتلب وليشرب ‪ ،‬وإن لم يكن فيها أحد فيصوّت ثلثا فإن أجابه أحد فليستأذنه ‪ ،‬فإن لم‬
‫يجبه أحد فليحتلب وليشرب ول يحمل » ‪.‬‬
‫وقال ابن حجرٍ ‪ :‬ذهب كثير من السّلف إلى الجواز مطلقا في الكل والشرب ‪ ,‬سواء علم‬
‫بطيب نفس صاحبه أو لم يعلم ‪.‬‬
‫والقوال الّتي ردّت عند المالكيّة هي بالنّسبة لغير المحتاج ‪ ,‬أما بالنّسبة للمحتاج فقد قالوا ‪:‬‬
‫ف ‪ -‬أي بين فقهاء المذهب ‪. -‬‬
‫إن كان محتاجا جاز له ذلك من غير خل ٍ‬
‫بيع اللّبن بعضه ببعض ‪:‬‬
‫‪ -‬اللبان من الرّبويّات الّتي ل يجوز بيع بعضها ببعض إذا كانت جنسا واحدا إل مثلً‬ ‫‪14‬‬

‫بمثل يدا بيد ‪.‬‬


‫وقد اختلف الفقهاء فيما يعتبر جنسا واحدا من اللبان وما ل يعتبر ‪.‬‬
‫فعند جمهور الفقهاء الحنفيّة وهو الظهر عند الشّافعيّة وفي روايةٍ عند الحنابلة اللبان‬
‫أجناس ‪ ,‬لنّها تتولّد من الحيوان ‪ ,‬والحيوان أجناس ‪ ,‬فالضّأن والمعز جنس واحد ل يباع‬
‫ل بمثل يدا بيد ‪ ,‬والبقر والجواميس جنس واحد ل يباع أحدهما بالخر‬
‫أحدهما بالخر إل مث ً‬
‫إل مثلً بمثل ‪ ,‬وعلى ذلك يجوز بيع لبن البقر بلبن الغنم متفاضلً ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة والرّواية الثّانية عند الحنابلة ومقابل الظهر عند الشّافعيّة أنّ اللبان جنس‬
‫واحد ‪ ,‬ألبان الضّأن والمعز والبقر والجواميس فل يباع بعضها ببعض إل مثلً بمثل يدا‬
‫بيد ‪.‬‬

‫لِثام *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّثام في اللغة هو ما على الفم أو الشّفة من النّقاب ‪ ,‬والجمع لُثم ‪ ,‬والتّلثم هو شد‬ ‫‪1‬‬

‫اللّثام ‪ ,‬والمَلْثَم ‪ :‬موضع اللّثم وهو النف ما حوله ‪.‬‬


‫ول يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القناع ‪:‬‬
‫ب تغطّي رأسها ومحاسنها ‪.‬‬
‫‪ -‬القناع والمقنعة ما تتقنّع به المرأة من ثو ٍ‬ ‫‪2‬‬

‫والتّقنع ‪ -‬كما عرّفه العيني ‪ -‬هو تغطية الرّأس وأكثر الوجه برداء أو غيره ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الخِمار ‪:‬‬
‫‪ -‬الخِمار بكسر الخاء هو ما تغطّي به المرأة رأسها ‪ ,‬وكل ما ستر شيئا فهو خمار ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫الحكم الجمالي ‪:‬‬


‫شد اللّثام في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في كراهة التّلثم ‪ -‬وهو تغطية النف والفم ‪ -‬في الصّلة ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫قال ابن المنذر ‪ :‬كل من أحفظ عنه من أهل العلم يكره التّلثم وتغطية الفم في الصّلة إل‬
‫الحسن ‪ ,‬فإنّه كره التّلثم ورخّص في تغطية الفم ‪.‬‬
‫وكره ابن عمر وسعيد والحسن البصري والوزاعي ومالك وأحمد وإسحاق التّلثم في‬
‫الصّلة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪86‬‬ ‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬صلة ف‬
‫شد اللّثام للمرأة المحرمة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّ إحرام المرأة في وجهها فل يجوز لها ستر وجهها ‪ ,‬وإذا احتاجت‬ ‫‪5‬‬

‫إلى ستر الوجه لمنع أبصار الجانب سدلت ثوبا على وجهها متجافيا عن بشرة الوجه ‪,‬‬
‫قالت عائشة رضي ال عنها ‪ « :‬كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول اللّه صلى ال‬
‫ت ‪ ،‬فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها ‪ ،‬فإذا‬
‫عليه وسلم محرما ٍ‬
‫جاوزنا كشفناه » وقالت كذلك ‪ « :‬المحرمة تلبس من الثّياب ما شاءت إل ثوبا مسّه ورس‬
‫أو زعفران ‪ ،‬ول تتبرقع ول تلثّم وتسدل الثّوب على وجهها إن شاءت » ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪67‬‬ ‫وللتّفصيل ( ر ‪ :‬إحرام ف‬

‫لَحاق *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّحاق واللحوق واللّحق لغةً الدراك ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫حقْتُ به ألحق ‪ :‬من باب تعب‬


‫يقال ‪ :‬لحق الشّيء وألحقه ولحق به وألحق لحاقا أدركه ‪ ,‬و َل ِ‬
‫‪ ,‬ومصدره لحاق بالفتح ‪ ,‬وألحقت زيدا بعمرو أتبعته إيّاه فلحق هو به وألحق أيضا ‪ :‬وفي‬
‫ن عذابك الجد بالكفّار ملحق ‪.‬‬
‫الدعاء ‪ :‬إ ّ‬
‫وألحق القائف الولد بأبيه ‪ :‬أخبر بأنّه ابنه لشبه بينهما يظهر له ‪ ,‬واستلحقت الشّيء‬
‫ادّعيته ‪.‬‬
‫ولحقه الثّمن لحوقا لزمه ‪ ,‬فاللحوق اللزوم ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الستلحاق ‪:‬‬
‫‪ -‬الستلحاق لغةً مصدر استلحق ‪ :‬يقال استلحقه ادّعاه ‪ ,‬والستلحاق أيضا طلب لحوق‬ ‫‪2‬‬

‫الشّيء ‪.‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬ادّعاء رج ٍل أنّه أب لهذا الولد ‪.‬‬
‫والصّلة بين اللّحاق والستلحاق العموم والخصوص ‪ ,‬فاللّحاق يكون في النّسب وغيره‬
‫والستلحاق ل يكون إل في النّسب ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة باللّحاق ‪:‬‬
‫تتعلّق باللّحاق أحكام متنوّعة بحسب اختلف موضوعها ومن ذلك ‪:‬‬
‫لحاق الولد في اللّعان بأمّه ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ الرّجل إذا قذف زوجته البالغة الحرّة بالزّنا أو نفى الحمل ولعنها‬ ‫‪3‬‬

‫لم يلحق الولد به ولحق بأمّه ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪25‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬لعان ف‬
‫لحاق الولد لقصى مدّة الحمل ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في تحديد أقصى مدّة الحمل وما يترتّب على ذلك من لحاق الولد‬ ‫‪4‬‬

‫بالزّوج ‪:‬‬
‫ن المرأة المعتدّة‬
‫فذهب الشّافعيّة وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة وقول عند المالكيّة ‪ :‬إلى أ ّ‬
‫ق أو موتٍ ولم تنكح حتّى أتت بولد لربع سنين فإنّه يلحق بالزّوج وتنقضي عدّتها‬
‫من طل ٍ‬
‫به ‪.‬‬
‫ن أقصى مدّة الحمل سنتان فيثبت نسب ولد المبتوتة‬
‫وذهب الحنفيّة وأحمد في روايةٍ إلى أ ّ‬
‫والمتوفّى عنها زوجها إذا أتت به في السّنتين ‪.‬‬
‫والقول المشهور عند المالكيّة ‪ :‬أنّ أقصى مدّة الحمل خمس سنين ‪ ,‬وقال محمّد بن عبد‬
‫ن أقصى مدّة الحمل تسعة أشهرٍ ‪.‬‬
‫الحكم من المالكيّة إ ّ‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬حملٍ ف ‪ , 7‬ونسبٍ ) ‪.‬‬
‫لحاق اللّقيط بالرّجل ‪:‬‬
‫ط لحق به ‪ ,‬وهناك خلف وتفصيل بين‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا ادّعى رجل نسب لقي ٍ‬ ‫‪5‬‬

‫الفقهاء فيما إذا أقام مدّعي نسب اللّقيط بيّنةً أو كانت دعواه مبن ّيةً على مجرّد القرار ‪،‬‬
‫وفيما إذا كان مدّعي النّسب مسلما أو ذمّيا ‪ ,‬وفيما إذا ادّعاه رجلن أو أكثر ‪.‬‬
‫‪ ,‬ونسبٍ ) ‪.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫وبيان ذلك في مصطلح ‪ ( :‬لقيطٍ ‪ ,‬ف‬
‫لحاق اللّقيط بالمرأة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء فيما إذا ادّعت امرأة نسب لقيطٍ هل يلحق ويثبت نسبه منها وهل يلحق‬ ‫‪6‬‬

‫بزوجها ؟ وهل للمرأة أن تستلحق مجهول النّسب ؟‬


‫‪ ,‬ونسبٍ ) ‪.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬لقيطٍ ف‬
‫ي بغير جماعٍ ‪:‬‬
‫لحاق الولد الّذي تخلّق من من ّ‬
‫ع كحمّام ونحوه فيلحق‬
‫‪ -‬قال المالكيّة إذا حملت المرأة من منيّ دخل فرجها من غير جما ٍ‬ ‫‪7‬‬

‫الولد بزوجها إن كانت ذات زوجٍ وأمكن إلحاقه به ‪ ,‬بأن مضى من يوم تزوّجها ستّة أشهرٍ‬
‫ج أو كانت ولكن ل يمكن إلحاقه به لم يلحقه ‪.‬‬
‫فأكثر ‪ ,‬فإن لم تكن ذات زو ٍ‬
‫لحاق ولد المرتدّ ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّ ولد المرت ّد إذا حمل به في السلم يكون مسلما ‪ ,‬وكذا من حمل‬ ‫‪8‬‬

‫به في حال ردّة أحد أبويه والخر مسلم ‪ ,‬أما إذا كان حمله خلل ردّة أبويه كليهما ففيه‬
‫)‪.‬‬ ‫‪46‬‬ ‫خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬ردّةٍ ف‬
‫لحاق الطّلق للمطلّقة رجعيا ‪:‬‬
‫ن المرأة المطلّقة الّتي يملك مطلّقها رجعتها يلحقها الطّلق‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ :‬إلى أ ّ‬ ‫‪9‬‬

‫ن الطّلق الرّجعيّ ل يزيل الملك‬


‫سواء كان صريحا أو كنايةً ‪ ,‬ويلحقها الظّهار واللّعان ‪ ,‬ل ّ‬
‫ول الحلّ لبقاء الولية عليها ‪ ,‬والرّجعيّة زوجة ‪.‬‬
‫وفي قو ٍل عند الشّافعيّة رجّحه الغزالي ‪ :‬أنّ الطّلق الرّجعيّ يقطع النّكاح ويزيل الملك بدليل‬
‫تحريم الوطء ووجوب المهر ومنع الخلع على قولٍ ‪.‬‬
‫ولهم قول آخر ‪ :‬أنّ الطّلق الرّجعيّ موقوف فإن لم يراجعها حتّى انقضت العدّة تبيّن زوال‬
‫الملك بالطّلق ‪ ,‬وإن راجع تبيّن بقاء الزّوجيّة ‪.‬‬
‫لحاق ولد المجبوب ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في إلحاق ولد المجبوب ‪:‬‬ ‫‪10‬‬

‫فذهب أبو حنيفة وأبو سليمان من الحنفيّة والصطخري وغيره من الشّافعيّة ويحكى قولً‬
‫للشّافعيّ والقاضي من الحنابلة ‪ :‬إلى أنّ امرأة المجبوب إذا أتت بولد يلحق به ويثبت‬
‫النّسب ‪ ,‬لتوهم شغل رحمها بمائه بالسّحق ‪ ,‬وقد أتت به وعليها العدّة احتياطا استحسانا‬
‫لتوهم الشّغل ‪ ,‬والعدّة والولد حق الشّرع ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة على المذهب وهو الصّحيح عند الحنابلة إلى أنّ مقطوع الذّكر والنثيين ل‬
‫يلحقه الولد من امرأته لنّه ل ينزل ولم تجر العادة بأن يخلق له ولد ‪.‬‬
‫وأضاف الشّافعيّة أنّه إن كان مجبوبا بقي أنثياه وكذا مسلول خصيتاه وبقي ذكره يلحق به‬
‫الولد على المذهب ‪ ,‬وقيل ‪ :‬ل يلحقه ‪.‬‬
‫ن الخصيّ والمجبوب أرى أن يسأل أهل المعرفة بذلك ‪ ,‬فإن كان يولد لمثله‬
‫وقال مالك إ ّ‬
‫يلحق به الولد وإل لم يلحق به ‪.‬‬
‫لحاق صلة الجمعة ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا انعقدت الجمعة صحيحةً وانفضّ عدد من المأمومين ممّن تنعقد بهم الجمعة ثمّ‬ ‫‪11‬‬

‫لحق بالمام ما يكمل به العدد الّذي تنعقد به الجمعة ‪ ،‬ففي ذلك للفقهاء خلف وتفصيل ينظر‬
‫)‪.‬‬ ‫‪20‬‬ ‫في مصطلح ‪ ( :‬صلة الجمعة ف‬
‫النّادر هل يلحق بالغالب ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل أنّ " العبرة للغالب الشّائع ل للنّادر " ‪.‬‬ ‫‪12‬‬

‫وقال عليّ حيدر في تعليقه على هذه القاعدة ‪ :‬الشّائع هو المر الّذي يصبح معلوما للنّاس‬
‫سنةٍ من عمره مستند على الشّائع‬ ‫‪90‬‬ ‫ن الحكم بموت المفقود لمرور‬
‫وذائعا بينهم ‪ ,‬مثال ‪ :‬إ ّ‬
‫الغالب بين النّاس من أنّ النسان ل يعيش أكثر من تسعين عاما ‪ ,‬على أنّ البعض قد يعيش‬
‫أكثر من ذلك إل أنّه نادر والنّادر ل حكم له بل يحكم بموته على العرف الشّائع وتقسّم‬
‫أمواله بين ورثته ‪ ,‬كذلك يحكم ببلوغ من له من العمر خمس عشرة سن ًة لنّه هو السّن‬
‫الشّائع للبلوغ وإن كان البعض ل يبلغ إل في السّابعة عشرة أو الثّامنة عشرة إل أنّه نادر‬
‫فل ينظر إليه ‪ ,‬كذلك الحكم بسبع سنين لمدّة حضانة الصّبيّ وتس ٍع لحضانة البنت مبني على‬
‫ن له في لباسه‬
‫ن الصّبيّ إذا بلغ السّابعة من عمره يستغني عن معي ٍ‬
‫الشّائع المتعارف من أ ّ‬
‫وأكله واستنجائه مثلً ‪ ,‬والبنت إذا صار عمرها تسع سنواتٍ تصبح مشتهاةٍ في الغالب ‪,‬‬
‫واختلف النموّ في البعض زياد ًة ونقصانا بتأثير التّربية والقليم ل عبرة له بل المعتبر‬
‫ي والتّسع للبنت ‪ ,‬لنّه الشّائع الغالب ‪.‬‬
‫السّبع سنواتٍ للصّب ّ‬
‫ن الفقهاء استثنوا من هذه القاعدة مسائل وألحقوا النّادر فيها بالغالب ‪ ,‬فقد ذكر‬
‫إل أ ّ‬
‫القرافي عند شرح قاعدة ما اعتبر من الغالب وبين ما لغي من الغالب أمثلة لما لغي فيه‬
‫الغالب وقدّم النّادر عليه وأثبت حكمه دونه منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬غالب الولد أن يوضع لتسعة أشهرٍ فإذا جاء بعد خمس سنين من امرأ ٍة طلّقها زوجها‬
‫دار بين أن يكون زنا وهو الغالب وبين أن يكون تأخّر في بطن أمّه وهو نادر بالنّسبة إلى‬
‫وقوع الزّنا في الوجود ‪ ,‬ألغى الشّارع الغالب وأثبت حكم النّادر وهو تأخر الحمل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬طين المطر الواقع في الطرقات وممرّ الدّوابّ والمشي بالحذية الّتي يجلس بها في‬
‫المراحيض الغالب عليها وجود النّجاسة من حيث الجملة وإن كنّا ل نشاهد عينها والنّادر‬
‫سلمتها منها ومع ذلك ألغى الشّارع حكم الغالب وأثبت حكم النّادر توسعةً ورحمةً بالعباد‬
‫فيصلّى به من غير غسلٍ ‪.‬‬
‫وقال الزّركشي ‪ :‬ينقسم هذا على أربعة أقسامٍ ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬ما يلحق قطعا ‪ ,‬كمن خلقت بل بكارةٍ داخل ٍة في حكم البكار قطعا في الستئذان في‬
‫الزّواج ‪ ,‬وكما إذا خلق له وجهان ولم يتميّز الزّائد يجب غسلهما قطعا ‪ ,‬وكذلك إلحاق الولد‬
‫بعد أربع سنين ‪ ,‬فإنّ بقاءه في بطن أمّه نادر جدا فألحقوه بالغالب ‪ ,‬وكذلك إذا أتت به لستّة‬
‫أشه ٍر ولحظتين من زمن الوطء لحقه مع أنّ ذلك نادر جدا ولكنّ الشّارع أعمل النّادر في‬
‫هذه الصور سترا للعباد ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬ما ل يلحق قطعا ‪ ،‬كالصبع الزّائدة ل تلحق بالصليّة في حكم الدّية قطعا ونكاح من‬
‫بالمشرق مغرب ّيةً ل يلحقه الولد ‪.‬‬
‫س الذّكر المقطوع إلحاقا بالغالب‬
‫الثّالث ‪ :‬ما يلحق به على الصحّ كنقص الوضوء بم ّ‬
‫س العضو المبان من المرأة ل ينقض ‪ ,‬وكالنّقض‬
‫المتّصل ‪ ,‬وقيل ل ‪ ,‬للندرة بخلف م ّ‬
‫بخروج النّادر من الفرج وجواز الحجر من المذي والودي ونحوهما ‪ ,‬وكذلك دم البراغيث‬
‫يعفى عن قليله قطعا ‪ ,‬وكذا كثيره في الصحّ ‪ ,‬لنّ هذا الجنس يشق الحتراز منه في‬
‫الغالب فألحق نادره بغالبه ‪ ,‬وكذا لو طال مدّة اجتماع المتبايعين أيّاما وأشهرا وهو نادر ‪,‬‬
‫فالمذهب بقاء خيارهما إذا لم يتفرّقا ‪ ,‬وقيل ‪ :‬ل يزيد على ثلثة أيّامٍ كالغالب ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬ما ل يلحق به على الصحّ ‪ ,‬كالّذي يتسارع إليه الفساد في مدّة الخيار ل يثبت فيه‬
‫خيار الشّرط في الصحّ ‪ ,‬ولو راجت الفلوس رواج النقود فهل تعطى حكمها في باب الرّبا ؟‬
‫وجهان أصحهما ل اعتبارا بالغالب ‪.‬‬
‫لحاق التّمر بأصول الشّجر عند بيعه ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في لحاق التّمر بأصول الشّجر عند بيعه في مواضع ‪ ,‬منها ‪:‬‬ ‫‪13‬‬
‫اشتراط التّأبير وعدمه ‪ ,‬ومنها اشتراط بدوّ الصّلح ‪ ,‬ومنها لحاق بروز النور أو الثّمر‬
‫بتشقق الطّلع في النّخل ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪14‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬ثمارٍ ف‬
‫ما يلحق بالثّمن ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الزّيادة على ثمن المبيع أو الحطّ منه هل يلتحقان بأصل العقد أم‬ ‫‪14‬‬

‫ل‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪25‬‬ ‫وما بعدها ‪ ,‬ثمنٍ ف‬ ‫‪56‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلحي ‪ ( :‬بي ٍع ف‬

‫لَحْد *‬
‫انظر ‪ :‬قبر ‪.‬‬

‫لَحْم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الّلحْم والّلحَم لغتان ‪ ,‬وهو من جسم الحيوان والطّير ‪ :‬الجزء العضلي الرّخو بين الجلد‬ ‫‪1‬‬

‫والعظم ‪.‬‬
‫ولحم كلّ شي ٍء لبه ‪ ,‬واللّحمة القطعة منه ‪ ,‬وجمعه ألحم ولحوم ولحام ولحمان ‪.‬‬
‫ول يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الطّعام ‪:‬‬
‫‪ -‬الطّعام لغةً ‪ :‬كل ما يؤكل مطلقا ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬


‫والطّعام يعم اللّحم وغيره ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفي ‪:‬‬
‫ق َلكُم‬
‫‪ -‬الصل في اللحوم الحل ول يصار إلى التّحريم إل لدليل خاصّ لقوله تعالى ‪ { :‬خَلَ َ‬ ‫‪3‬‬

‫حلّ َل ُهمُ الطّيّبَاتِ } ‪.‬‬


‫جمِيعا } ‪ ,‬وقوله تعالى ‪ { :‬وَ ُي ِ‬
‫ض َ‬
‫مّا فِي الَرْ ِ‬
‫وقد اختلف الفقهاء في حكم بعض اللحوم من حيث الحلّ والحرمة والطّهارة والنّجاسة ‪,‬‬
‫وبيان ذلك فيما يلي ‪:‬‬
‫اللّحم المقطوع من حيوانٍ ‪:‬‬
‫ي مأكولٍ ‪ -‬غير الصوف‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء في الجملة على أنّ ما أبين أو قطع من حيوانٍ ح ّ‬ ‫‪4‬‬

‫والشّعر ‪ -‬فهو كميتته فل يجوز أكله لنجاسته ‪.‬‬


‫لحديث ‪ « :‬ما قطع من البهيمة وهي حيّة فهي ميتة » ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪74‬‬ ‫وفي المسألة تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬أطعمةٍ ف‬
‫أكل اللّحم النّتن ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى حرمة أكل اللّحم إذا أنتن لنّه يضر ل لنّه نجس ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫والمذهب عند الحنابلة عدم كراهة أكل اللّحم المنتن كما جزم به صاحب المنتهى ‪ ,‬وكره‬
‫المرداوي أكل اللّحم المنتن ‪.‬‬
‫واللّحم المنتن إن كان لحم جللةٍ فالصح عند الشّافعيّة أنّه يكره ‪ ,‬وقيل ‪ :‬يحرم ‪.‬‬
‫وإن كان لحم غير الجللة وذكّي تذكيةً شرع ّيةً فإنّه يكره على الصّحيح إذا نتن وتروّح كما‬
‫قال الشّربيني الخطيب ‪.‬‬
‫اللّحم المطبوخ بنجس ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة في الرّاجح عندهم والحنابلة في الصّحيح من المذهب إلى أنّ‬ ‫‪6‬‬

‫اللّحم المطبوخ بنجس ل يطهر لنّ أجزاء النّجاسة قد تأصّلت فيه ‪.‬‬
‫وفي قولٍ للمالكيّة وروايةٍ عند الحنابلة أنّه يطهر ‪ ,‬ولهم تفصيل في كيفيّة التّطهير ينظر في‬
‫)‪.‬‬ ‫‪31‬‬ ‫مصطلح ‪ ( :‬طهار ٍة فقرة‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو طبخ لحم بماء نجسٍ كفى غسله ‪ ,‬قال النّووي وهو الّذي اختاره‬
‫الشّاشي وهو المنصوص ‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف ‪ :‬يطبخ بالماء ثلث مرّاتٍ ويجفّف في كلّ مرّ ٍة ‪.‬‬
‫الوضوء من أكل لحم الجزور ‪:‬‬
‫ن أكل لحم الجزور ل ينقض‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وأحمد في روايةٍ إلى أ ّ‬ ‫‪7‬‬

‫الوضوء لما رواه جابر قال ‪ « :‬كان آخر المرين من رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ترك‬
‫الوضوء ممّا غيّرت النّار » ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة في المذهب والشّافعي في القديم وأبو بكر بن خزيمة إلى أنّه ينقض‬
‫ل سأل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫الوضوء ‪ ,‬لما روى جابر بن سمرة ‪ « :‬أنّ رج ً‬
‫أأتوضّأ من لحوم الغنم ؟ قال ‪ :‬إن شئت فتوضّأ وإن شئت فل توضّأ ‪ ،‬قال ‪ :‬أتوضّأ من‬
‫لحوم البل ؟ قال ‪ :‬نعم فتوضّأ من لحوم البل » ‪ ,‬ومقتضى المر اليجاب ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬وضوءٍ ) ‪.‬‬
‫لحم الضحيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه من مسنونات الضحيّة أن يأكل المضحّي من لحم أضحيّته ويطعم‬ ‫‪8‬‬

‫ويدّخر ‪ ,‬والفضل أن يتصدّق بالثلث ويتّخذ الثلث ضيافةً لقاربه وأصدقائه ويدّخر الثلث ‪.‬‬
‫أما الضحيّة المنذورة فل يجوز الكل منها عند الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ,‬وذهب المالكيّة‬
‫والحنابلة إلى أنّ المنذورة كغيرها في جواز الكل ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪59‬‬ ‫وتفصيل ذلك ينظر في مصطلح ‪ ( :‬أضح ّيةٍ ف‬
‫لحم العقيقة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يستحب طبخ لحم العقيقة كلّها حتّى ما يتصدّق به ‪.‬‬ ‫‪9‬‬

‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه يجوز في العقيقة تفريقها نيئ ًة ومطبوخةً ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪13‬‬ ‫انظر ‪ ( :‬عقيقة ف‬
‫لحم الخيل ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة وهو قول للمالكيّة إلى إباحة أكل لحم الخيل لحديث جاب ٍر قال‬ ‫‪10‬‬

‫‪ « :‬نهى النّبي صلى ال عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الهليّة ورخّص في لحوم‬
‫الخيل » ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة ‪ -‬وعليه الفتوى عندهم ‪ -‬وهو قول ثانٍ للمالكيّة إلى حلّ أكلها مع الكراهة‬
‫التّنزيهيّة لختلف الحاديث المرويّة في الباب لختلف السّلف ‪.‬‬
‫والمذهب عند المالكيّة أنّ أكل لحم الخيل محرّم ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪44‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬أطعمةٍ ف‬
‫لحم الحمار الهليّ ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وهو القول الرّاجح للمالكيّة إلى حرمة أكل لحم‬ ‫‪11‬‬

‫ي ‪ ,‬واستدلوا بحديث جابرٍ رضي ال عنه ‪ « :‬نهى رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫الحمار الهل ّ‬
‫وسلم عن لحوم الحمر الهليّة » ‪.‬‬
‫ن لحم الحمار الهليّ يؤكل مع الكراهة التّنزيهيّة ‪.‬‬
‫والقول الثّاني للمالكيّة أ ّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪46‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬أطعمةٍ ف‬
‫لحم الخنزير ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على حرمة أكل لحم الخنزير لقوله تعالى ‪ { :‬قُل لّ َأجِدُ فِي مَا ُأ ْوحِيَ إِلَيّ‬ ‫‪12‬‬

‫حمَ خِنزِيرٍ فَإِ ّنهُ ِرجْسٌ } ‪.‬‬


‫سفُوحا َأوْ َل ْ‬
‫ن مَيْ َتةً َأوْ دَما ّم ْ‬
‫ط َع ُمهُ ِإلّ أَن َيكُو َ‬
‫عمٍ َي ْ‬
‫ُمحَرّما عَلَى طَا ِ‬
‫انظر مصطلح ‪ ( :‬خنزي ٍر ف ‪. ) 3‬‬
‫لحم البغل ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى حرمة أكل لحم البغل لنّه متولّد من أصلين اجتمع فيهما‬ ‫‪13‬‬

‫الحل والحرمة فيغلّب جانب الحرمة احتياطا ‪.‬‬


‫وعند الحنفيّة البغل يتبع أمّه في الحلّ والحرمة ‪.‬‬
‫والمالكيّة يقولون بقاعدة التّبعيّة لل ّم في الحكم ‪ ,‬مع بعض الختلف ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪60‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪59‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬أطعمةٍ ف‬
‫لحم الكلب ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وهو قول المالكيّة ‪ -‬صحّحه ابن عبد البرّ ‪ -‬إلى‬ ‫‪14‬‬

‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬


‫حرمة أكل لحم الكلب لحديث أبي هريرة رضي ال عنه أ ّ‬
‫قال ‪ « :‬كل ذي نابٍ من السّباع فأكله حرام » ‪.‬‬
‫والقول الخر للمالكيّة أنّه يكره أكل لحم الكلب ‪.‬‬
‫) ومصطلح ‪ ( :‬كلبٍ ) ‪.‬‬ ‫‪29‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪24‬‬ ‫وفي المسألة تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬أطعمةٍ ف‬
‫لحم النسان في غير حالة الضّرورة ‪:‬‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على حرمة أكل لحم النسان لقوله تعالى ‪ { :‬وَ َلقَدْ كَ ّرمْنَا بَنِي آ َدمَ }‬ ‫‪15‬‬

‫وورد الخلف في حكم أكل المضط ّر لحم النسان ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪10‬‬ ‫وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬ضرور ٍة ف‬
‫غسل الفم واليد من أكل اللّحم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء في الجملة إلى استحباب غسل اليدين بعد الطّعام لحديث ‪ « :‬من بات‬ ‫‪16‬‬

‫ن إل نفسه » ‪.‬‬
‫وفي يده ريح غمرٍ فأصابه شيء فل يلوم ّ‬
‫صةً ‪ ,‬لما جاء عن النّبيّ‬
‫وصرّح بعض المالكيّة باستحباب غسل الفم واليد من أكل اللّحم خا ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أنّه تمضمض من السّويق » ‪ ,‬وهو أيسر من اللّحم ‪ ,‬ولما ورد‬
‫عن عثمان بن عفّانٍ رضي ال عنه أنّه غسل يده من اللّحم وتمضمض منه ‪.‬‬
‫‪ ,‬ويدٍ ) ‪.‬‬ ‫‪15‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪14‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬أكلٍ ف‬
‫الحلف على عدم أكل اللّحم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ الحالف على ترك اللّحم يحنث بأكل ما ليس بلحم من‬ ‫‪17‬‬

‫الشّحم ونحوه لنّه لحم حقيقةً ويتّخذ منه ما يتّخذ من اللّحم ‪.‬‬
‫واستثنى الحنفيّة شحم اللية إل إذا نواه في اليمين ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ل يحنث لنّه ل يسمى لحما وينفرد عنه باسمه وصفته ‪.‬‬
‫بيع اللّحم بالحيوان ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى عدم جواز بيع اللّحم بحيوان من جنسه كلحم‬ ‫‪18‬‬

‫شا ٍة بشاة ح ّي ٍة لحديث ‪ « :‬نهى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن بيع الحيوان باللّحم »‬
‫‪ .‬وأجاز الحنفيّة هذا البيع ‪ ,‬ولهم تفصيل في ذلك ينظر في مصطلح ‪ ( :‬بيع منهي عنه‬
‫)‪.‬‬ ‫‪60‬‬ ‫ف‬
‫وهناك خلف بين الفقهاء في بيع اللّحم بحيوان من غير جنسه وبحيوان غير مأكولٍ ينظر‬
‫)‪.‬‬ ‫‪62‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪60‬‬ ‫في مصطلح ‪ ( :‬بيع منهي عنه ف‬
‫السّلم في اللّحم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وهو قول أبي يوسف ومحمّدٍ من الحنفيّة إلى صحّة‬ ‫‪19‬‬

‫« من‬ ‫السّلم في اللّحم بشرط ضبط صفاته بذكر الجنس والنّوع والصّفة ‪ ,‬وذلك لحديث ‪:‬‬
‫ن معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ » ‪ ,‬ولنّه إذا جاز السّلم في‬
‫أسلف في شيءٍ ففي كي ٍل معلومٍ ووز ٍ‬
‫الحيوان فاللّحم أولى ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة إلى عدم صحّة السّلم في اللّحم لوجود الجهالة ‪.‬‬
‫بيع اللّحم باللّحم ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في بيع اللّحم باللّحم وهو خلف مبني على كون اللّحم جنسا واحدا أو‬ ‫‪20‬‬

‫أجناسا مختلفةً ‪ ,‬فمن قال بأنّ اللّحم جنس واحد لم يجز عنده بيع لحمٍ بلحم إل متماثلً ‪,‬‬
‫ومن جعله أجناسا مختلفةً جاز عنده بيعه متفاضلً ‪ ,‬على تفصيلٍ في كلّ مذهبٍ ينظر في‬
‫)‪.‬‬ ‫‪30‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪27‬‬ ‫مصطلح ‪ ( :‬ربا ف‬

‫لَحْن *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّحن ‪ :‬في اللغة يطلق على معانٍ عدّةٍ ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫يقال ‪ :‬لحن فلن لفلن لحنا ‪ :‬قال له قولً يفهمه عنه ‪ ,‬ويخفى على غيره ‪ ,‬ويطلق على‬
‫الخطأ في العراب ومخالفة الصّواب فيه ‪ ,‬يقال ‪ :‬لحن القارئ في القراءة والمتكلّم في‬
‫كلمه ‪ ,‬يلحن لحنا ‪ :‬أخطأ في العراب ‪ ,‬وخالف وجه الصّواب ‪.‬‬
‫ويطلق على الفطنة ‪ ,‬ففي الثر ‪ « :‬إنّكم تختصمون إليّ ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته‬
‫من بعضٍ ‪ » . .‬أي أفطن بحجّته ‪ ,‬قال ابن حج ٍر ‪ :‬المراد أنّه إذا كان أفطن كان قادرا على‬
‫أن يكون أبلغ في حجّته من الخر ‪ ,‬ويطلق على الصوات المصوغة الموضوعة الّتي فيها‬
‫تغريد ‪ ,‬وتطريب ‪ ,‬وجمعه ألحان ‪ ,‬ولحون ‪ ,‬ويقال ‪ :‬لحن القول أي فحواه ومعناه ‪.‬‬
‫وفي اصطلح النّحويّين هو ‪ :‬الخطأ في إعراب الكلمة ‪ ,‬أو تصحيح المفرد ‪.‬‬
‫وعند القرّاء هو ‪ :‬خلل يطرأ على اللّفظ فيخل بالمعنى ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة باللّحن ‪:‬‬
‫تعمد اللّحن في قراءة القرآن ‪:‬‬
‫‪ -‬القرآن كلم اللّه المعجز المنزّل على رسول اللّه صلى ال عليه وسلم المنقول‬ ‫‪2‬‬

‫بالتّواتر ‪ ,‬فيحرم تعمد اللّحن فيه ‪ ,‬سواء أغيّر المعنى أم لم يغيّر ‪ ,‬لنّ ألفاظه توقيفيّة نقلت‬
‫إلينا بالتّواتر ‪ ,‬فل يجوز تغيير لفظٍ منه بتغيير العراب أو بتغيير حروفه بوضع حرفٍ مكان‬
‫آخر ‪.‬‬
‫ن في تعمد اللّحن عبثا بكلم اللّه ‪ ,‬واستهزاءً بآياته ‪ ,‬وهو كفر بواح ‪ ,‬قال تعالى ‪ُ { :‬قلْ‬
‫ول ّ‬
‫ن ‪ ،‬لَ َتعْتَذِرُواْ قَدْ َكفَرْتُم َبعْدَ إِيمَا ِن ُكمْ } ‪.‬‬
‫أَبِالّل ِه وَآيَا ِت ِه وَ َرسُو ِلهِ كُن ُتمْ َتسْ َتهْزِئُو َ‬
‫قال جمهور الفقهاء بجواز قراءة القرآن باللحان إذا لم تتغيّر الكلمة عن وضعها ‪ ,‬ولم‬
‫يحصل باللّحن تطويل بحيث يصير الحرف حرفين ‪ ,‬أو يصل به إلى ما لم يقله أحد من‬
‫القرّاء بل كان لمجرّد تحسين الصّوت ‪ ,‬وتزيين القراءة ‪ ,‬بل يستحب ذلك ‪ ,‬وفي أثرٍ عن‬
‫عمر رضي ال عنه ‪ " :‬تعلّموا الفرائض واللّحن والسنن كما تعلّمون القرآن " ‪.‬‬
‫ونقل النّووي عن الماورديّ أنّه قال ‪ :‬القراءة باللحان الموضوعة إن أخرجت لفظ القرآن‬
‫عن صيغته بإدخال حركاتٍ فيه أو إخراج حركاتٍ منه أو قصر ممدودٍ أو م ّد مقصورٍ ‪ ,‬أو‬
‫تمطيطٍ يخفى به بعض اللّفظ ويلتبس المعنى فهو حرام يفسق به القارئ ويأثم به المستمع ‪,‬‬
‫لنّه عدل به عن نهجه القويم إلى العوجاج واللّه تعالى يقول ‪ { :‬قُرآنًا عَرَبِيّا غَ ْيرَ ذِي‬
‫عوَجٍ } ‪.‬‬
‫ِ‬
‫قال ‪ :‬وإن لم يخرجه اللّحن عن لفظه وقراءته على ترتيله كان مباحا ‪ ,‬لنّه زاد بألحانه في‬
‫تحسينه ‪.‬‬
‫ي ما قاله الماورديّ ‪.‬‬
‫ي أنّه نسب في حليته إلى الشّافع ّ‬
‫ونقل ابن حجرٍ الهيتمي عن الشّاش ّ‬
‫وقال في الفتاوى الهنديّة ‪ :‬إن قرأ باللحان في غير الصّلة إن غيّر الكلمة ويقف في موضع‬
‫الوصل أو فصل في موضع الوقف يكره وإل ل يكره ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلحات ‪ ( :‬قراء ٍة ف ‪ , 9‬غنا ٍء ف‬
‫اللّحن في القراءة في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّ تعمد اللّحن في الصّلة إن كان في الفاتحة يبطل الصّلة واختلفوا‬ ‫‪3‬‬

‫فيه إذا لم يتعمّد ‪ ,‬أو كان في غير الفاتحة ‪:‬‬


‫قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إن كان اللّحن ل يغيّر المعنى كرفع هاء الحمد للّه كانت إمامته‬
‫مكروه ًة كراهةً تنزيه ّيةً وصحّت صلته وصلة من اقتدى به ‪.‬‬
‫وإن غيّر المعنى كضمّ " تاء " أنعمت ‪ ,‬وكسرها ‪ ,‬وكقوله ‪ :‬اهدنا الصّراط المستقين بدل‬
‫" المستقيم " ‪.‬‬
‫فإن كان يمكن له التّعلم فهو مرتكب للحرام ‪ ,‬ويلزمه المبادرة بالتّعلم ‪ ,‬فإن قصّر ‪ ,‬وضاق‬
‫الوقت لزمه أن يصلّي ‪ ,‬ويقضي ‪ ,‬ول يصح القتداء به ‪ ,‬وإن لم يمكنه التّعلم لعجز في‬
‫لسانه ‪ ,‬أو لم تمض مدّة يمكن له التّعلم فيها فصلته صحيحة ‪ ,‬وكذا صلة من خلفه ‪ ,‬هذا‬
‫إذا وقع اللّحن في الفاتحة ‪ ,‬وإن لحن في غير الفاتحة كالسورة بعد الفاتحة صحّت صلته ‪,‬‬
‫وصلة كلّ أحدٍ صلّى خلفه ‪ ,‬لنّ ترك السورة ل يبطل الصّلة فل يمنع القتداء به ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬تفسد الصّلة باللّحن الّذي يغيّر المعنى تغييرا يكون اعتقاده كفرا سواء وجد‬
‫مثله في القرآن أم ل ‪ ,‬إل ما كان في تبديل الجمل مفصولً بوقف تامّ ‪ ,‬وإن لم يكن مثله في‬
‫القرآن ‪ ,‬والمعنى بعيد ‪ ,‬ويتغيّر به المعنى تغييرا فاحشًا تفسد الصّلة به أيضا ‪ ,‬كـ " هذا‬
‫الغبار " بدل " هذا الغراب " وكذا إن لم يوجد مثله في القرآن ‪ ,‬ول معنى له مطلقا ‪,‬‬
‫كالسّرائل ‪ ,‬بدل " السّرائر " ‪.‬‬
‫وإن كان في القرآن مثله وكان المعنى بعيدا ولكن ل يغيّر المعنى تغييرا فاحشا تفسد الصّلة‬
‫به عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ‪ ,‬وقال بعض الحنفيّة ‪ :‬ل تفسد لعموم البلوى ‪ ,‬وهو قول أبي‬
‫يوسف وإن لم يكن في القرآن ولكن لم يتغيّر به المعنى نحو ‪ " :‬قيّامين " بدل ‪ " :‬قوّامين "‬
‫فالخلف بينهم بالعكس ‪ :‬فالمعتبر في عدم الفساد عند عدم تغير المعنى كثيرا وجود المثل‬
‫في القرآن عند أبي يوسف ‪ ،‬والموافقة في المعنى عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ‪ ,‬فهذه قواعد‬
‫المتقدّمين من أئمّة الحنفيّة ‪ ,‬وأمّا المتأخّرون ‪ :‬كابن مقاتلٍ ‪ ,‬وابن سلمٍ ‪ ,‬وإسماعيل‬
‫الزّاهد ‪ ,‬وأبي بك ٍر البلخيّ ‪ ,‬والهندوانيّ ‪ ,‬وابن الفضل فاتّفقوا على أنّ الخطأ في العراب ل‬
‫يفسد الصّلة مطلقا ‪ ,‬وإن أدّى اعتقاده كفرا ‪ ,‬ككسر " ورسوله " ‪ ,‬في قوله تعالى ‪ { :‬أَنّ‬
‫ن أكثر النّاس ل يميّزون بين وجوه العراب ‪ ,‬وإن‬
‫ن ا ْل ُمشْ ِركِينَ وَ َرسُوُلهُ } ل ّ‬
‫الّل َه بَرِي ٌء مّ َ‬
‫كان الخطأ بإبدال حرفٍ بحرف ‪ :‬فإن أمكن الفصل بينهما بل كلفةٍ كالصّاد مع الطّاء بأن قرأ‬
‫الطّالحات ‪ ,‬بدل " الصّالحات " فهو مفسد باتّفاق أئمّتهم ‪ ,‬وإن لم يمكن التّمييز بينهما إل‬
‫بمشقّة كالظّاء مع الضّاد والصّاد مع السّين فأكثرهم على عدم الفساد لعموم البلوى ‪ ,‬ولم‬
‫يفرّق الحنفيّة بين أن يقع اللّحن في القراءة في الصّلة في الفاتحة أو في غيرها ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة في أصحّ القوال عندهم ‪ :‬ل تبطل الصّلة بلحن في القراءة ولو بالفاتحة ‪,‬‬
‫وإن غيّر المعنى ‪ ,‬وأثم المقتدي به إن وجد غيره ‪ ,‬ممّن يحسن القراءة ‪.‬‬
‫اللّحن بمعنى التّغريد والتّطريب ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّحن بهذا المعنى إن كان بل آلةٍ ‪ ,‬ولم يكن في ألفاظه ما يحرم كوصف امرأةٍ ‪ ,‬أو‬ ‫‪4‬‬

‫أمرد معيّنين حيّين ‪ ,‬ووصف الخمر المهيّج إليها وهجاء مسلمٍ ‪ ,‬أو ذمّيّ فهو مكروه في‬
‫الجملة لشغله عن ذكر اللّه ‪ ,‬ولما فيه من لهوٍ ‪ ,‬وإن كان فيه شيء ممّا ذكر من آلةٍ ‪,‬‬
‫وفحش القول فهو حرام ‪.‬‬
‫وإن كان فيه حكم ‪ ,‬ومواعظ وخل من اللة فل بأس به ‪ ,‬وإن قصد منه الستشهاد ‪ ,‬أو‬
‫ليعلم فصاحته ‪ ,‬وبلغته ‪ ,‬أو أنشد في خلوةٍ وحده ليطرد عن نفسه الملل ‪ ,‬فل بأس به‬
‫أيضا ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪3‬‬ ‫بف‪-2‬‬
‫‪ ,‬تشبي ٍ‬ ‫‪17‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬غناءٍ ‪ ,‬شعرٍ ف‬

‫لُحُوق *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬اللحوق في اللغة ‪ :‬الدراك ‪ ,‬من لحق به لحقا ولحاقا ‪ :‬أدركه ‪ ,‬وكل شيءٍ أدرك شيئا‬ ‫‪1‬‬

‫فهو لحق به ‪.‬‬


‫أمّا في الصطلح فيختلف معناه باختلف البواب الّتي يستعمل فيها ‪ ,‬ويستعمل الفقهاء‬
‫مادّة لحق ومشتقّاتها في مسائل ثبوت النّسب ‪ ,‬والتحاق ال ّذمّيّ والمرتدّ بدار الحرب ‪,‬‬
‫وإلحاق جنين المذكّاة بأمّه في الحلّ ‪ ,‬وإلحاق صغار السّائمة في الزّكاة ‪ ,‬ولحوق توابع‬
‫المبيع به في البيع ‪ ,‬كما استعمله الصوليون بمعنى القياس وهو إلحاق الفرع بالصل في‬
‫الحكم لعلّة مشتركةٍ بينهما ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة باللحوق ‪:‬‬
‫تتعلّق باللحوق أحكام منها ‪:‬‬
‫اللحوق في النّسب ‪:‬‬
‫‪ -‬اللحوق في النّسب هو ثبوت نسب الولد ‪ ,‬وانتسابه لمن يمكن أن يكون منه ‪ ,‬لسبب‬ ‫‪2‬‬

‫من أسباب ثبوت النّسب ‪ ,‬وأسباب ذلك ما يأتي ‪:‬‬


‫أولً ‪ :‬الزّواج الصّحيح ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ الولد الّذي تأتي به المرأة المتزوّجة زواجا صحيحا يلحق‬ ‫‪3‬‬

‫زوجها ‪ ,‬لحديث ‪ « :‬الولد للفراش » ‪ ,‬والمراد بالفراش الزّوجة وما في حكمها ‪ ,‬وذلك‬
‫بالشروط التية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن يكون الزّوج ممّن يتصوّر منه الحمل عاد ًة ‪ ,‬بأن يكون بالغا عند بعض الفقهاء ‪,‬‬
‫ض ‪ ,‬وعشر سنواتٍ عند آخرين ‪ ,‬فل يلحق بالزّوج إن‬
‫وأن يبلغ اثنتي عشرة سنةً عند بع ٍ‬
‫كان طفلً دون التّاسعة باتّفاق الفقهاء ‪ ,‬كما ل يلحق بالمجبوب وهو مقطوع الذّكر عند‬
‫بعض الفقهاء ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪9‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬جب ف‬
‫ب ‪ -‬أن تأتي به في مدّة الحمل ستّة أشهرٍ فأكثر من وقت الزّواج عند بعض الفقهاء ‪,‬‬
‫ومن وقت إمكان الوطء عند آخرين ‪ ,‬فإن أتت به لقلّ من الحدّ الدنى لمدّة الحمل ل يلحقه‬
‫‪ ,‬وكذا إن أتت به لكثر مدّة الحمل من تاريخ الفراق وهي سنتان عند الحناف ورواية عند‬
‫الحنابلة ‪ ,‬وأربع عند الشّافعيّة والحنابلة في المذهب ‪ ,‬وخمس عند المالكيّة على المشهور‬
‫ن أقصى الحمل تسعة أشهرٍ ‪.‬‬
‫‪ ,‬وقال محمّد بن عبد الحكم إ ّ‬
‫‪.)7,‬‬ ‫‪6‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬حمل ف‬
‫ج ‪ -‬إمكان تلقي الزّوجين بعد العقد فإن طلّقها في مجلس العقد أو جرى العقد والزّوجان‬
‫متباعدان ‪ :‬أحدهما بالمشرق ‪ ,‬والخر بالمغرب لم يلحقه عند الجمهور خلفا للحنفيّة ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬نسب ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬النّكاح الفاسد ‪:‬‬
‫‪ -‬النّكاح الفاسد كالصّحيح في لحوق النّسب بالشروط المذكورة ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫والتّفصيل في مصطلح ( نسب ‪ ,‬نكاح ) ‪.‬‬


‫ثالثا ‪ :‬الوطء بشبهة ‪:‬‬
‫ي ستّة أشهرٍ فأكثر من وقت‬
‫‪ -‬إن وطئ امرأةً ل زوج لها بشبهة فأتت بولد بعد مض ّ‬ ‫‪5‬‬

‫الوطء لحق نسبه به عند جمهور الفقهاء ‪ ,‬وقال القاضي أبو يعلى من الحنابلة ‪ ,‬وعزاه إلى‬
‫ح صحيحٍ ‪ ,‬أو فاسدٍ ‪,‬‬
‫ن النّسب ل يلحق إل في نكا ٍ‬
‫أبي بكرٍ ‪ -‬منهم ‪ : -‬أنّه ل يلحق به ‪ ,‬ل ّ‬
‫أو ملكٍ ‪ ,‬أو شبهة ملكٍ ‪ ,‬ولم يوجد شيء من ذلك ‪ ,‬ولنّه وطء ل يستند إلى عقدٍ ‪ ,‬فلم‬
‫يلحق الولد فيه كالزّنا ‪.‬‬
‫وقال أحمد ‪ :‬كل من درأت عنه الحدّ في وط ٍء ألحقت الولد به ‪ ,‬ولنّه وطء اعتقد الواطئ‬
‫حلّه ‪ ,‬فلحق به النّسب ‪ ,‬وإن وطئ ذات زوجٍ بشبهة في طهرٍ لم يصبها فيه زوجها ‪,‬‬
‫فاعتزلها بعد الوطء بالشبهة حتّى أتت بولد لستّة أشهرٍ من حين الوطء بالشبهة لحق‬
‫الواطئ ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬نسب ‪ ,‬نكاح ) ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬القرار أو الستلحاق ‪:‬‬
‫‪ -‬وهو مع الصّدق واجب ‪ ,‬ومع الكذب ‪ :‬في إلحاقه أو نفيه حرام ‪ ,‬وهو نوعان ‪:‬‬ ‫‪6‬‬

‫إقرار على نفس المق ّر ‪.‬‬


‫وإقرار على غيره ‪.‬‬
‫والقرار على نفس المقرّ أن يقول ‪ :‬هذا ابني ‪ ,‬أو أنا أبوه ‪ ,‬أو هذا أبي ‪ ,‬فيشترط في‬
‫صحّة اللحوق بهذا القرار ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن يكون المقر مكلّفا مختارا وإن كان سفيها أو قنا أو كافرا ‪.‬‬
‫واختلف في اشتراط الذكورة في المق ّر ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪68‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إقرار ف‬
‫ن يمكن أن يكون منه ‪ ,‬فإن كذّبه الحس بأن‬
‫ب ‪ -‬أن ل يكذّبه الحس ‪ ,‬بأن كان المقر في س ّ‬
‫يكون في سنّ ل يتصوّر أن يولد لمثله مثل المستلحق ‪ :‬بأن يكون أكبر منه سنا أو يكون‬
‫في سنّه ‪ ,‬أو طرأ على المستلحق قطع ذكره وأنثييه قبل إمكان علوق ذلك الولد لم يلحقه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أل يكذّبه الشّرع ‪ ,‬فإن كذّبه ‪ :‬بأن كان معروف النّسب من غيره لم يلحق به وإن‬
‫ن النّسب ل يقبل النّقل ‪.‬‬
‫صدّقه المستلحق به ‪ ,‬ل ّ‬
‫د ‪ -‬وأن يصدّق المستلحق إن كان أهلً للتّصديق ‪ ,‬فإن كذّبه لم يلحقه إل ببيّنة أو بيمين ‪,‬‬
‫كسائر الحقوق ‪ ,‬وإنّ استلحق صغيرا ‪ ,‬أو مجنونا لحق به بالشروط السّابقة ‪ ,‬ما عدا‬
‫التّصديق ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬نسب ) ‪.‬‬
‫ويجوز أنّ يستلحق ميّتا صغيرا أو كبيرا إن لم يكن متّهما بطلب الرث ‪ ,‬أو لسقوط القود ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪63‬‬ ‫( ر ‪ :‬نسب ‪ -‬إقرار ف‬
‫ح صحيحٍ ‪ ،‬لما فيه من‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل يجوز استلحاق منفيّ بلعان ولدٍ على فراش نكا ٍ‬
‫ن هذا الولد ل يؤثّر فيه نفي قائفٍ ول‬
‫ق النّافي ‪ ,‬إذ للملعن استلحاقه بعد نفيه ‪ ,‬وأ ّ‬
‫إبطال ح ّ‬
‫انتساب يخالف حكم الفراش ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪63‬‬ ‫‪ ،‬إقرار ف‬ ‫‪29‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬نسب ‪ ,‬لعان ف‬
‫‪ -‬أما إذا ألحق النّسب بغيره ممّا يتعدّى النّسب منه إلى نفسه بواسطة واحدةٍ وهي الب‬ ‫‪7‬‬

‫كهذا أخي ‪ ,‬أو بثنتين كالبّ والجدّ كهذا عمّي ‪ ,‬أو بثلثة ‪ :‬كهذا ابن عمّي لحق نسبه من‬
‫ن الوارث يخلف مورّثه في حقوقه والنّسب منها بالشروط السّابقة فيما إذا‬
‫الملحق به ‪ ,‬ل ّ‬
‫ألحقه بنفسه ‪.‬‬
‫ويشترط زياد ًة على الشروط السّابقة ‪ :‬كون الملحق به ميّتًا ‪ ,‬فيمتنع اللحاق بالحيّ ‪ ,‬وإن‬
‫كان مجنونا ‪ ,‬لنّه قد يتأهّل ‪ ,‬فلو ألحق حيا ‪ ,‬ثمّ صدّقه لحقه بتصديقه دون اللحاق ‪.‬‬
‫‪ ,‬نسب ) ‪.‬‬ ‫‪63‬‬ ‫( ر ‪ :‬إقرار ف‬
‫ول يقر الحنفيّة لحوق النّسب بالقرار بواسطة الغير سواء كان بواسطة واحدةٍ أو أكثر ‪,‬‬
‫وسواء صدّقه المقر بنسبه أو كذّبه ‪ ,‬لنّ إقرار النسان حجّة على نفسه ل على غيره ‪,‬‬
‫لنّه على غيره شهادة أو دعوى ‪ ,‬والدّعوى المفردة ليست بحجّة ‪ ,‬وشهادة الفرد فيما‬
‫يطّلع عليه الرّجال ‪ -‬وهو من باب حقوق العباد ‪ -‬غير مقبولةٍ ‪ ,‬والقرار الّذي فيه حمل‬
‫نسب الغير على غيره ‪ -‬ل على نفسه ‪ -‬شهاد ًة أو دعوى ‪ ,‬وذلك ل يقبل إل بحجّة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪63‬‬ ‫( ر ‪ :‬نسب ‪ ,‬إقرار ف‬
‫خامسا ‪ :‬القيافة ‪:‬‬
‫‪ -‬لو استلحق اثنان صغيرا مجهول النّسب ولم يكن لحدهما بيّنة عرض على القافة‬ ‫‪8‬‬

‫فيلحق بمن ألحقته به منهما ‪.‬‬


‫انظر ‪ ( :‬لقيط ‪ ,‬قيافة ) ‪.‬‬
‫وإن استلحقا بالغا عاقلً ‪ ,‬ووجدت الشروط لحق بمن يصدّقه المستلحَق ‪ ,‬فإن سكت ‪ ,‬ولم‬
‫يصدّق واحدا منهما عرض على القافة فيلحق بمن تلحقه به القافة ‪.‬‬
‫‪ ,‬قيافة ) ‪.‬‬ ‫‪63‬‬ ‫( ر ‪ :‬نسب ‪ ,‬إقرار ف‬
‫سادسا ‪ :‬الشّهادة ‪:‬‬
‫‪ -‬يلحق النّسب بالشّهادة بشروطها ‪.‬‬ ‫‪9‬‬

‫‪ ,‬ونسب ‪ ,‬وتسامع ف ‪ 7‬وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪37‬‬ ‫‪,‬‬ ‫‪29‬‬ ‫انظر ‪ ( :‬شهادة ف‬
‫سابعا ‪ :‬الستفراش بملك اليمين ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا عاشر مملوكته وأتت بولد لمدّة الحمل من يوم الوطء لحقه ‪ ,‬بهذا قال مالك‬ ‫‪10‬‬

‫والشّافعي وأحمد ‪ ,‬وقال أبو حنيفة الثّوري ‪ :‬ل تصير فراشا حتّى يقرّ بولدها ‪ ,‬فإذا أقرّ به‬
‫صارت فراشا له ولحقه أولدها بعد ذلك ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪18‬‬ ‫( ر ‪ :‬تسرّي ف‬
‫لحوق ال ّذمّيّ بدار الحرب ‪:‬‬
‫‪ -‬ينتقض عهد ال ّذمّة بلحوق ال ّذمّيّ بدار الحرب ‪ ,‬لنّه صار بلحوقه دار الحرب حربا‬ ‫‪11‬‬

‫علينا ‪ ,‬فيخلو عقد ال ّذمّة عن الفائدة ‪ ,‬وهو دفع شرّه عنّا ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪42‬‬ ‫( ر ‪ :‬أهل ال ّذمّة ف‬
‫لحوق المرتدّ بدار الحرب وأثره في تصرفاته ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬إذا لحق المرتد بدار الحرب في مدّة الخيار في البيع ‪ ,‬وقضى القاضي‬ ‫‪12‬‬

‫بلحاقه صار البيع لزما ‪ ,‬وإن ارتدّ في المضاربة رب المال ولحق بدار الحرب بطلت‬
‫ن اللحوق بدار الحرب بمنزلة الموت ‪ ,‬وإن كان المضارب هو المرت ّد اللحق‬
‫المضاربة ‪ ,‬ل ّ‬
‫بدار الحرب فالمضاربة على حالها ‪ ,‬لنّ له عبارة صحيحة ول يوقف ملك ربّ المال فبقيت‬
‫المضاربة ‪.‬‬
‫ن الشّركة تتضمّن الوكالة ‪,‬‬
‫وإن ارتدّ أحد الشّريكين ولحق بدار الحرب بطلت الشّركة ‪ ,‬ل ّ‬
‫ول بدّ منها لتحقق الشّركة ‪ ,‬واللحوق بدار الحرب بمنزلة الموت ‪.‬‬
‫وتبطل الوكالة بلحوق الوكيل بدار الحرب مرتدا لنّ الوكالة تصرف غير لزمٍ فيكون لدوامه‬
‫حكم ابتدائه ‪ ,‬فل بدّ من بقاء المر فبطل بعارض الرّدّة ‪ ,‬لنّ تصرفات المرتدّ موقوفة ‪,‬‬
‫فكذا وكالته ‪ ,‬فإن أسلم نفذت ‪ ,‬وإن قتل أو لحق بدار الحرب بطلت الوكالة عند أبي حنيفة ‪,‬‬
‫وعند صاحبيه ‪ :‬تصرفاته نافذة فل تبطل وكالته إل أن يقتل بالرّدّة أو يحكم بلحاقه ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬وكالة ) ‪.‬‬

‫لِحْية *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬اللّحية لغةً ‪ :‬الشّعر النّابت على الخدّين والذّقن ‪ ,‬والجمع اللّحى واللّحى ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫ورجل ألحى ولحياني ‪ :‬طويل اللّحية ‪ ,‬واللّحي واحد اللّحيين وهما ‪ :‬العظمات اللّذان فيهما‬
‫السنان من النسان والحيوان ‪ ,‬وعليهما تنبت اللّحية ‪.‬‬
‫واللّحية في الصطلح ‪ ,‬قال ابن عابدين ‪ :‬المراد باللّحية كما هو ظاهر كلمهم الشّعر النّابت‬
‫على الخدّين من عِذارٍ ‪ ,‬وعارضٍ ‪ ,‬والذّقن ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العِذار ‪:‬‬
‫‪ -‬العذاران كما في لسان العرب ‪ :‬جانبا اللّحية ‪ ,‬وكان الفقهاء أكثر تحديدا للعذار من أهل‬ ‫‪2‬‬

‫اللغة ‪ ,‬فقد فسّره ابن حج ٍر الهيتمي من الشّافعيّة ‪ ,‬وابن قدامة والبهوتي من الحنابلة بأنّه‬
‫الشّعر النّابت على العظم النّاتئ المحاذي لصماخ الذن ‪ -‬أي خرقها ‪ -‬يتّصل من العلى‬
‫بالصدغ ‪ ,‬ومن السفل بالعارض ‪ ,‬وقال القليوبيّ ‪ :‬الّذي تصرّح به عباراتهم أنّه إذا جعل‬
‫خيط مستقيم على أعلى الذن وأعلى الجبهة فما تحت ذلك الخيط من الملصق للذن ‪,‬‬
‫المحاذي للعارض هو العذار ‪ ,‬وما فوقه هو الصدغ ‪ ,‬ويقول ابن عابدين ‪ :‬هو القدر‬
‫المحاذي للذن ‪.‬‬
‫ن العذار جزء من اللّحية ‪ ,‬وعليه فتنطبق عليه أحكامها ‪.‬‬
‫ويصرّح ابن عابدين بأ ّ‬
‫وقال البهوتيّ ‪ :‬ل يدخل منتهى العذار ‪ -‬أي أعله الّذي فوق العظم النّاتئ ‪ -‬لنّه شعر‬
‫متّصل بشعر الرّأس لم يخرج عن حدّه ‪ ,‬أشبه الصدغ ‪ ,‬والصدغ من الرّأس ‪ -‬وليس من‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬مسح برأسه وصدغيه مرّةً‬
‫الوجه ‪ -‬لحديث الرّبيع أنّ النّب ّ‬
‫واحدةً » ‪ ,‬ولم ينقل أحد أنّه غسله مع الوجه ‪.‬‬
‫والصّلة بينهما العموم والخصوص المطلق فكل عذا ٍر لحية ول عكس ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العارض ‪:‬‬
‫‪ -‬العارض في اللغة ‪ :‬الخد ‪ ,‬وعارضتا النسان ‪ :‬صفحتا خدّيه ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫وعند الفقهاء العارض الشّعر النّابت على الخ ّد ويمتد من أسفل العذار حتّى يلقي الشّعر‬
‫النّابت على الذّقن ‪ ,‬قال ابن قدامة ‪ :‬العارض هو ما نزل عن حدّ العذار ‪ ,‬وهو الشّعر النّابت‬
‫على اللّحيين ‪ ,‬ونقل عن الصمعيّ والمفضّل بن سلمة ‪ :‬ما جاوز وتد الذن عارض ‪,‬‬
‫فالعارضان من اللّحية ‪.‬‬
‫وقيل له العارض ‪ -‬فيما أشار إليه ابن الثير ‪ -‬لنّه ينبت على عرض اللّحي فوق الذّقن ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الذّقن ‪:‬‬
‫‪ -‬الذّقَن والذّقْن ‪ :‬مجتمع اللّحيين من أسفلهما ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫د ‪ -‬العنفقة ‪:‬‬
‫‪ -‬العنفقة ‪ :‬ما بين الشّفة السفلى والذّقن ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫قال ابن منظورٍ ‪ :‬سمّيت بذلك لخفّة شعرها ‪ ,‬والعنفق ‪ :‬قلّة الشّيء وخفّته ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬العنفقة ما نبت على الشّفة السفلى من الشّعر ‪.‬‬
‫ويجاوز العنفقة يمينا وشمالً الفنيكان ‪ ,‬وهما ‪ :‬الموضعان الخفيفا الشّعر بين العنفقة‬
‫والعارضين وقيل ‪ :‬هما جانبا العنفقة ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬السّبال ‪:‬‬
‫‪ -‬السّبال لغةً ‪ :‬جمع السّبلة ‪ ,‬وسبلة الرّجل ‪ :‬الدّائرة الّتي في وسط شفته العليا ‪ ,‬وقيل ‪:‬‬ ‫‪6‬‬

‫السّبلة ما على الشّارب من الشّعر ‪ ,‬وقيل ‪ :‬طرفه ‪ ,‬وقيل ‪ :‬هي مقدّم اللّحية ‪ ,‬وقيل ‪ :‬هي‬
‫اللّحية ‪ ,‬وعلى كونه بمعنى ما على الشّارب من الشّعر ورد الحديث ‪ « :‬قصوا سبالكم‬
‫ووفّروا عثانينكم وخالفوا أهل الكتاب » ‪ ,‬وعلى كونه بمعنى اللّحية ورد قول جاب ٍر ‪ " :‬كنّا‬
‫نعفي السّبال إل في حجّ أو عمر ٍة " ‪.‬‬
‫أمّا الفقهاء فقد جعلوا السّبال مفردا ‪ ,‬وهو عندهم ‪ :‬طرف الشّارب ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬السّبالن طرفا الشّارب ‪ ,‬قال ‪ :‬قيل ‪ :‬وهما من الشّارب ‪ ,‬وقيل من‬
‫اللّحية ‪.‬‬
‫وقال ابن حج ٍر مثل ذلك ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة باللّحية ‪:‬‬
‫تتعلّق باللّحية أحكام منها ‪:‬‬
‫إعفاء اللّحية ‪:‬‬
‫‪ -‬إعفاء اللّحية مطلوب شرعا اتّفاقا ‪ ,‬للحاديث الواردة بذلك ‪ ,‬منها حديث ابن عمر‬ ‫‪7‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬خالفوا المشركين وفّروا اللّحى‬


‫رضي ال تعالى عنهما عن النّب ّ‬
‫وأحفوا الشّوارب » ‪ ,‬ومثله حديث أبي هريرة رضي ال تعالى عنه بلفظ ‪ « :‬جزوا‬
‫الشّوارب وأرخوا اللّحى خالفوا المجوس » ‪ ,‬ومنها حديث عائشة رضي ال عنها عن النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬عشر من الفطرة » ‪ ,‬فعدّ منها إعفاء اللّحية ‪.‬‬
‫قال ابن حجرٍ ‪ :‬المراد بقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬خالفوا المشركين » مخالفة المجوس‬
‫فإنّهم كانوا يقصون لحاهم ‪ ,‬ومنهم من كان يحلقها ‪ ,‬وقال ‪ :‬ذهب الكثرون إلى أن " أعفوا"‬
‫بمعنى كثّروا ‪ ,‬أو وفّروا ‪ ,‬ونقل عن ابن دقيق العيد ‪ :‬تفسير العفاء بالتّكثير من إقامة‬
‫السّبب مقام المسبّب لنّ حقيقة العفاء التّرك ‪ ,‬وترك التّعرض للّحية يستلزم تكثيرها ‪.‬‬
‫وقال ابن عابدين من الحنفيّة ‪ :‬إعفاء اللّحية تركها حتّى تكثّ وتكثر ‪.‬‬
‫تكثير اللّحية بالمعالجة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال ابن دقيق العيد ‪ :‬ل أعلم أحدا فهم من المر في قوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬ ‫‪8‬‬

‫« أعفوا اللّحى » تجويز معالجتها بما يغزرها ‪ ,‬كما يفعله بعض النّاس ‪ ,‬قال ‪ :‬وكأنّ‬
‫الصّارف عن ذلك قرينة السّياق في قوله في بقيّة الخبر ‪ « :‬وأحفوا الشّوارب »‬
‫قال ابن حجرٍ ‪ :‬ويمكن أن يؤخذ ذلك من بقيّة طرق الحديث الدّالّة على مجرّد التّرك ‪.‬‬
‫الخذ من اللّحية ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب بعض الفقهاء ‪ ,‬منهم النّووي إلى أن ل يتعرّض للحيّة ‪ ,‬فل يؤخذ من طولها أو‬ ‫‪9‬‬

‫عرضها لظاهر الخبر في المر بتوفيرها ‪ ,‬قال ‪ :‬المختار تركها على حالها ‪ ,‬وأن ل يتعرّض‬
‫لها بتقصير ول غيره ‪.‬‬
‫وذهب آخرون منهم الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه إذا زاد طول اللّحية عن القبضة يجوز أخذ‬
‫ن ابن عمر رضي ال عنهما كان إذا حلق رأسه في حجّ أو عمرةٍ أخذ من‬
‫الزّائد ‪ ,‬لما ثبت أ ّ‬
‫لحيته وشاربه ‪ ,‬وفي رواي ٍة كان إذا حجّ أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه ‪.‬‬
‫قال ابن حجرٍ ‪ :‬الّذي يظهر أنّ ابن عمر كان ل يخص هذا بالنسك بل كان يحمل المر‬
‫بالعفاء على غير الحالة الّتي تتشوّه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللّحية أو عرضه ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬إنّ أخذ ما زاد عن القبضة سنّة ‪ ,‬جاء في الفتاوى الهنديّة ‪ :‬القص سنّة‬
‫فيها ‪ ,‬وهو أن يقبض الرّجل على لحيته ‪ ,‬فإن زاد منها عن قبضته شيء قطعه ‪ ,‬كذا ذكره‬
‫محمّد رحمه ال عن أبي حنيفة ‪ ,‬قال ‪ :‬وبه نأخذ ‪.‬‬
‫ي ‪ ,‬الثم‬
‫وفي قو ٍل للحنفيّة ‪ :‬يجب قطع ما زاد عن القبضة ومقتضاه كما نقله الحصكف ّ‬
‫بتركه ‪.‬‬
‫ص عليه أحمد ‪ ,‬ونقلوا عنه أنّه‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل يكره أخذ ما زاد عن القبضة منها ‪ ,‬ون ّ‬
‫أخذ من عارضيه ‪.‬‬
‫وذهب آخرون من الفقهاء إلى أنّه ل يأخذ من اللّحية شيئا إل إذا تشوّهت بإفراط طولها أو‬
‫عرضها ‪ ,‬نقله الطّبريّ عن الحسن وعطاءٍ ‪ ,‬واختاره ابن حج ٍر وحمل عليه فعل ابن عمر ‪,‬‬
‫وقال ‪ :‬إنّ الرّجل لو ترك لحيته ل يتعرّض لها حتّى أفحش طولها أو عرضها لعرّض نفسه‬
‫لمن يسخر به ‪ ,‬وقال عياض ‪ :‬الخذ من طول اللّحية وعرضها إذا عظمت حسن ‪ ,‬بل تكره‬
‫ن النّبيّ صلى‬
‫الشهرة في تعظيمها كما تكره في تقصيرها ‪ ,‬ومن الحجّة لهذا القول ما ورد أ ّ‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها » ‪ ,‬أمّا الخذ من اللّحية وهي‬
‫دون القبضة لغير تشوهٍ ففي حاشية ابن عابدين ‪ :‬لم يبحه أحد ‪.‬‬
‫حلق اللّحية ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ :‬الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ,‬وهو قول عند الشّافعيّة ‪ ,‬إلى‬ ‫‪10‬‬

‫أنّه يحرم حلق اللّحية لنّه مناقض للمر النّبويّ بإعفائها وتوفيرها ‪ ,‬وتقدّم قول ابن عابدين‬
‫في الخذ منها وهي دون القبضة ‪ :‬لم يبحه أحد ‪ ,‬فالحلق أشد من ذلك ‪.‬‬
‫ي المالكيّ ‪ :‬يحرم على الرّجل حلق لحيته ‪ ,‬ويؤدّب فاعل ذلك ‪ ,‬وقال‬
‫وفي حاشية الدسوق ّ‬
‫أبو شامة من الشّافعيّة ‪ :‬قد حدث قوم يحلقون لحاهم ‪ ,‬وهو أشد ممّا نقل عن المجوس أنّهم‬
‫كانوا يقصونها ‪.‬‬
‫ثمّ قد جاء في الفتاوى الهنديّة ‪ :‬ول يحلق شعر حلقه ‪ ,‬ونصّ الحنابلة كما في شرح‬
‫المنتهى على أنّه ل يكره أخذ الرّجل ما تحت حلقه من الشّعر أي لنّه ليس من اللّحية ‪.‬‬
‫ن حلق اللّحية مكروه ‪.‬‬
‫والصح عند الشّافعيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫قصّ السّبالين ‪:‬‬
‫ن السّبالين قد اختلف فيهما هل هما من الشّاربين أم من اللّحية ‪ ,‬وعليه ينبني‬
‫‪ -‬تقدّم أ ّ‬ ‫‪11‬‬

‫الخلف فيهما ‪ ,‬قال ابن عابدين ‪ :‬أمّا طرفا الشّارب وهما السّبالن ‪ ,‬فقيل ‪ :‬هما من‬
‫الشّارب وقيل ‪ :‬من اللّحية ‪ ,‬وعليه فقد قيل ‪ :‬ل بأس بتركهما ‪ ,‬وقيل ‪ :‬يكره لما فيه من‬
‫التّشبه بالعاجم وأهل الكتاب ‪ ,‬قال ‪ :‬وهذا أولى بالصّواب ‪.‬‬
‫وقال ابن حج ٍر ‪ :‬اختلف في السّبالين فقيل ‪ :‬هما من الشّارب ويشرع قصهما معه ‪ ,‬وقيل ‪:‬‬
‫هما من جملة شعر اللّحية ‪ ,‬وأمّا القص فهو الّذي في أكثر الحاديث ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّ السّبالين من الشّارب فيشرع قصهما معه ‪.‬‬
‫قال ابن عمر رضي ال تعالى عنهما ‪ :‬ذكر رسول اللّه صلى ال عليه وسلم المجوس فقال‬
‫‪ « :‬إنّهم يوفون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم » قال ‪ :‬فكان ابن عمر يستعرض سبلته‬
‫فجزّها ‪.‬‬
‫العناية باللّحية ‪:‬‬
‫‪ -‬العناية باللّحية بأخذ ما طال منها وتشوّه أمر مشروع على ما تقدّم تفصيله ‪.‬‬ ‫‪12‬‬

‫ويسن إكرامها لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من كان له شعر فليكرمه » ‪ ,‬قال‬
‫الغزالي والنّووي ‪ :‬ويكره للرّجل ترك لحيته شعثةً إيهاما للزهد ‪.‬‬
‫لما روي عن جابر بن عبد اللّه رضي ال عنهما قال ‪ « :‬أتانا رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫ل شعثا قد تفرّق شعره ‪ ،‬فقال ‪ :‬أما كان يجد هذا ما يسكن به شعره » ‪.‬‬
‫وسلم فرأى رج ً‬
‫ويسن ترجيلها ‪ ,‬قال ابن بطّالٍ ‪ :‬التّرجيل تسريح شعر الرّأس واللّحية ودهنه ‪ ,‬وهو من‬
‫سجِدٍ‬
‫النّظافة وقد ندب الشّرع إليه ‪ ,‬وقال اللّه تعالى ‪ { :‬يَا بَنِي آ َدمَ خُذُواْ زِينَ َت ُكمْ عِن َد ُكلّ َم ْ‬
‫}‪ ,‬وفي حديث عائشة رضي ال عنها ‪ « :‬كان ل يفارق النّبيّ صلى ال عليه وسلم سواكه‬
‫ومشطه ‪ ،‬وكان ينظر في المرآة إذا سرّح لحيته » ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫ويسن تطييبها لقول عائشة رضي ال عنها ‪ « :‬كنت أطيّب النّب ّ‬
‫بأطيب ما يجد ‪ ،‬حتّى أجد وبيص الطّيب في رأسه ولحيته » ‪.‬‬
‫وفي الفتاوى الهنديّة ‪ :‬ل بأس بغالية الرّأس واللّحية ‪ ,‬والغالية ‪ :‬طيب يجمع طيوبا ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪16‬‬ ‫وانظر ‪ ( :‬ترجيل ف ‪ 2‬وما بعدها ‪ ,‬شعر ف‬
‫صبغ اللّحية ‪:‬‬
‫‪ -‬يسن صبغ اللّحية بغير السّواد إذا ظهر فيها الشّيب ‪ ,‬أمّا بالسّواد فذهب جمهور‬ ‫‪13‬‬

‫الفقهاء إلى أنّه يكره صبغها بالسّواد في غير الحرب ‪ ,‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬تحرم لغير‬
‫المجاهدين ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫وانظر مصطلح ‪ ( :‬اختضاب ف ‪- 9‬‬
‫أمور تكره في اللّحية ‪:‬‬
‫‪ -‬قال ابن حج ٍر ‪ :‬ذكر النّووي ممّا يكره ‪ :‬تبييض اللّحية استعجالً للشّيخوخة لقصد‬ ‫‪14‬‬

‫التّعاظم على القران ‪ ,‬ونتفها إبقا ًء للمرودة وكذا تحذيفها ونتف الشّيب ‪ ,‬ورجّح النّووي‬
‫تحريمه لثبوت الزّجر عنه ‪ ,‬وتصفيفها طاقةً فوق طاقةٍ تصنعا ومخيلةً ‪ ,‬وعقدها لحديث‬
‫ن محمّدا منه بريء » ‪ ,‬قال‬
‫ت رضي ال عنه مرفوعا ‪ « :‬من عقد لحيته فإ ّ‬
‫رويفع بن ثاب ٍ‬
‫الخطّابيّ ‪ :‬قيل ‪ :‬المراد عقدها في الحرب ‪ ,‬وهو من زيّ العاجم ‪ ,‬وقيل ‪ :‬المراد معالجة‬
‫الشّعر حتّى ينعقد وذلك من فعل أهل التّأنيث ‪.‬‬
‫غسل اللّحية في الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬تتّفق المذاهب الربعة على أنّه يجب في الوضوء غسل بشرة الوجه من شعر اللّحية‬ ‫‪15‬‬

‫إن كان خفيفا تظهر البشرة من تحته ‪ ,‬فيغسل البشرة ويغسل اللّحية ظاهرا وباطنا ‪,‬‬
‫والمراد بظهور البشرة ظهورها في مجلس المخاطبة ‪ ,‬ووجه الوجوب أنّ اللّه تعالى فرض‬
‫في الوضوء غسل الوجه ‪ ,‬والوجه من المواجهة ‪ ,‬والمواجهة تحصل في اللّحية ذات الشّعر‬
‫الخفيف ببشرة الوجه وبالشّعر الّذي عليها ‪.‬‬
‫وهذا التّفاق إنّما هو فيما كان من الشّعر في حيّز دائرة الوجه ‪ ,‬دون المسترسل من اللّحية‬
‫ن في هذا خلفا يأتي بيانه ‪.‬‬
‫تحت الذّقن طولً ‪ ,‬ودون الخارج عن حدّ الوجه عرضا ‪ ,‬فإ ّ‬
‫أمّا اللّحية الكثيفة فتتّفق القوال المعتمدة في المذاهب الربعة على أنّه ل يجب في الوضوء‬
‫غسل باطنها ول إيصال الماء إلى البشرة ومنابت الشّعر ‪ ,‬لعدم حصول المواجهة به لنّه ل‬
‫يرى في مجلس المخاطبة ‪ ,‬فل يكون من الوجه المأمور بغسله ‪ ,‬وفي نيل المآرب ‪ :‬لو‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أخذ‬
‫اجتزأ بغسل باطنها عن غسل ظاهرها لم يجزئه ‪ ,‬ولنّ النّب ّ‬
‫غرف ًة من ماءٍ فغسل بها وجهه » ‪ ،‬قالوا ‪ :‬والغرفة ل تكفي لغسل الوجه وظاهر اللّحية‬
‫الكثيفة وباطنها ‪ ,‬وفي هذه الحال ينتقل حكم ما تحت اللّحية إليها عند الجمهور ‪ ,‬فيجب‬
‫غسل ظاهر ما في حدّ الوجه منها ‪.‬‬
‫ول يسن غسل باطن اللّحية الكثيفة على ما صرّح به الحنفيّة والحنابلة لما فيه من العسر ‪,‬‬
‫ن غسل باطنها‬
‫على ما قال ابن قدامة من الحنابلة ‪ ,‬ورجّح صاحب النصاف من الحنابلة أ ّ‬
‫مكروه وتبعه صاحب القناع ‪.‬‬
‫وفي رواي ٍة عن أبي حنيفة وروايةٍ عن أحمد ‪ :‬ل يغسل اللّحية الكثيفة في الوضوء ول‬
‫يغسل ما تحتها أيضا ‪ ,‬لنّ اللّه تعالى إنّما أمر بغسل الوجه ‪ ,‬والوجه اسم للبشرة الّتي‬
‫تحصل بها المواجهة ‪ ,‬والشّعر ليس ببشرة ‪ ,‬وما تحته من البشرة ل تحصل به المواجهة ‪.‬‬
‫وقد نقل ابن عابدين أنّ الرّواية الولى هي المذهب الصّحيح المفتى به ‪ ,‬وما عداها مرجوع‬
‫ن ابن قدامة ضعّف رواية عدم الغسل عن أحمد وأوّلها ‪.‬‬
‫عنه ‪ ,‬كما أ ّ‬
‫ونقل ابن قدامة عن عطاءٍ وأبي ثورٍ أنّه يجب غسل البشرة وباطن اللّحية الكثيفة ‪ -‬كغير‬
‫ن اللّه تعالى أمر بغسل الوجه ‪ ,‬وهو حقيقة في‬
‫الكثيفة ‪ -‬في الوضوء كما في الغسل ‪ ,‬ل ّ‬
‫البشرة ‪ ,‬وتدخل اللّحية تبعا ‪ ,‬ونقل القرافي قولً مثل هذا للمالكيّة ‪.‬‬
‫ن الخطاب متناول له بالصالة ‪ ,‬ولغيره بالرخصة ‪ ,‬والصل عدمها ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬ل ّ‬
‫وعلى القول الوّل ‪ ,‬وهو قول الكثرين ‪ ,‬يكون غسل ظاهر اللّحية ‪ -‬على ما نصّ عليه‬
‫الحنفيّة على الصحّ عندهم ‪ -‬بإمرار الماء على ظاهرها ‪ ,‬وقال المالكيّة ‪ :‬المراد بغسل‬
‫ن الشّعر يدفع بعضه عن بعضٍ ‪ ,‬فإذا حرّكه‬
‫ظاهرها إمرار اليد عليها بالماء وتحريكها به ل ّ‬
‫حصل الستيعاب ‪ ,‬قالوا ‪ :‬وهذا التّحريك خلف التّخليل ‪.‬‬
‫ما استرسل من اللّحية أو خرج عن حدّ الوجه ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في غسل ما خرج عن حدّ الفرض من اللّحية في الوضوء ‪:‬‬ ‫‪16‬‬

‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة في قو ٍل والشّافعيّة في قو ٍل ‪ ,‬وهو رواية عن أحمد ‪ ,‬إلى أنّه ل‬


‫يجب غسله ول مسحه ول تخليله ‪ ,‬لنّه ليس من الوجه ‪ ,‬لنّه شعر خارج عن محلّ‬
‫الفرض ‪ ,‬فأشبه ما نزل من شعر الرّأس عن الرّأس ‪ ,‬ل يجب مسحه مع مسح الرّأس ‪.‬‬
‫ثمّ قد قال الحنفيّة ‪ :‬إنّ غسل هذا الشّعر المسترسل من اللّحية مسنون ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة في قو ٍل ذكره القرافي والشّافعيّة في المعتمد ‪ ,‬وهو ظاهر مذهب أحمد الّذي‬
‫عليه أصحابه ‪ ,‬إلى وجوب غسل ظاهر اللّحية الكثيفة كلّها ممّا هو نابت في محلّ الفرض‬
‫سواء حاذى محلّ الفرض أو جاوزه ‪ ,‬قال الشّافعيّة ‪ :‬وإنّما يجب غسل ما جاوز محلّ‬
‫ن اللّحية تشارك الوجه في معنى التّوجه والمواجهة ‪,‬‬
‫الفرض بالتّبع ‪ ,‬وقال الحنابلة ‪ :‬ل ّ‬
‫بخلف ما نزل من شعر الرّأس عنه ‪ ,‬فإنّه ل يشارك الرّأس في التّرؤّس ‪.‬‬
‫حلق شعر اللّحية بعد غسله في الوضوء ‪:‬‬
‫إذا توضّأ فغسل ظاهر لحيته ‪ ,‬أو ظاهرها وباطنها ‪ ,‬ثمّ أزالها بحلق أو غيره لم يلزمه إعادة‬
‫الوضوء على ما صرّح به الحنفيّة وهو الرّاجح عند المالكيّة ‪.‬‬
‫وانظر ‪ ( :‬وضوء ) ‪.‬‬
‫تخليل اللّحية الكثيفة في الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬يسن لغير المحرم تخليل اللّحية الكثيفة في الوضوء عند كلّ من الشّافعيّة والحنابلة ‪,‬‬ ‫‪17‬‬

‫ن النّبيّ صلى ال‬


‫وهو قول أبي يوسف من الحنفيّة وقول للمالكيّة ‪ ,‬وذلك للحديث الوارد أ ّ‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬كان إذا توضّأ خلّل لحيته » ‪ ,‬وفعله ابن عمر وابن عبّاسٍ وأنس والحسن‬
‫رضي ال عنهم ‪ ,‬وقال أبو حنيفة ومحمّد ‪ :‬هو فضيلة ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬ورجّح في‬
‫المبسوط قول أبي يوسف ‪ ,‬والدلّة ترجّحه وهو الصّواب ‪ .‬ا هـ ‪.‬‬
‫ي وطاووسٍ والنّخعيّ‬
‫وقد ور ّد التّرخيص في ترك التّخليل عن ابن عمر والحسن بن عل ّ‬
‫وغيرهم ‪ ,‬وقال من لم يوجبه ‪ :‬إنّ اللّه تعالى أمر بغسل الوجه ولم يأمر بالتّخليل ‪ ,‬وإنّ‬
‫أكثر من حكى وضوء النّبيّ صلى ال عليه وسلم لم يحك أنّه خلّل لحيته مع أنّه كان كثيفها‬
‫‪ ,‬فلو كان واجبا لما أخلّ به ‪.‬‬
‫وفي قولٍ للمالكيّة ‪ :‬التّخليل مكروه ‪ ,‬وهو الرّاجح عندهم على ظاهر ما في المدوّنة من قول‬
‫مالكٍ ‪ :‬تحرّك اللّحية من غير تخلي ٍل ‪.‬‬
‫والقول الثّالث للمالكيّة ‪ ,‬وهو قول إسحاق بن راهويه ‪ :‬التّخليل واجب ‪ ,‬والتّخليل عند من‬
‫ص أحمد أنّ التّخليل يكون مع‬
‫ن الحنابلة نقلوا عن ن ّ‬
‫قال به يكون مع غسل الوجه ‪ ,‬إل أ ّ‬
‫غسل الوجه أو إن شاء مع مسح الرّأس ‪.‬‬
‫وصفته على ما في شرح منتهى الرادات أن يأخذ كفا من ما ٍء يضعه من تحتها فيخلّلها‬
‫بأصابعه مشتبكةً ‪ ,‬أو يضعه من جانبيها ويعرّكها به ‪.‬‬
‫غسل العنفقة في الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬يجب في الوضوء غسل العنفقة والبشرة تحتها إن كانت خفيفةً ‪ ,‬فإن كانت كثيفةً‬ ‫‪18‬‬

‫فالكثر من العلماء على أنّه يجب غسل ظاهرها فقط ‪ ,‬كاللّحية ‪ ,‬وقيل ‪ :‬يجب غسلها ظاهرا‬
‫وباطنا بكلّ حالٍ لنّها ل تستر ما تحتها عاد ًة ‪ ,‬وإن وجد ذلك كان نادرا فل يتعلّق به حكم ‪.‬‬
‫غسل اللّحية في الغسل من الجنابة ‪:‬‬
‫‪ -‬يجب في الغسل من الجنابة عند جمهور الفقهاء غسل البشرة تحت اللّحية سواء كان‬ ‫‪19‬‬

‫ي صلى ال عليه‬
‫الشّعر كثيفا أو خفيفا ‪ ,‬وذلك لما روي عن عليّ رضي ال عنه عن النّب ّ‬
‫وسلم قال ‪ « :‬من ترك موضع شعرةٍ من جنابةٍ لم يغسلها فعل به كذا وكذا من النّار » ‪،‬‬
‫ي صلى‬
‫قال علي ‪ :‬فمن ثمّ عاديت شعري ‪ ،‬وكان يجز شعره ‪ ,‬ولحديث أبي هريرة أنّ النّب ّ‬
‫ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إنّ تحت ك ّل شعر ٍة جنابة فاغسلوا الشّعر ‪ ،‬وأنقوا البشر » ‪.‬‬
‫والشّعر نفسه يجب غسله وإيصال الماء إلى أثنائه حتّى ما استرسل منه ‪ ,‬وفي وجهٍ عند‬
‫الحنابلة ‪ :‬ل يجب ذلك ‪ ,‬ويجب عند المالكيّة تخليل شعر اللّحية ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪24‬‬ ‫وانظر مصطلح ‪ ( :‬غسل ف‬
‫مسح اللّحية في التّيمم ‪:‬‬
‫‪ -‬يجب في التّيمم مسح اللّحية مع مسح الوجه عند جميع الفقهاء ‪ ,‬فيمسح على ظاهر‬ ‫‪20‬‬

‫الشّعر سواء كان الشّعر خفيفا أو كثيفا ‪ ,‬فل يجب ول يندب إيصال التراب إلى الشّعر الباطن‬
‫ن المسح مبني على التّخفيف ‪.‬‬
‫ول إلى البشرة لعسره ‪ ,‬ول ّ‬
‫واشترط الحنفيّة على الصّحيح عندهم ‪ ,‬والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة استيعاب ظاهر شعر‬
‫الوجه ‪ ,‬قال في الدرّ المختار ‪ :‬حتّى لو ترك شعر ًة لم يجز ‪ ,‬قال المالكيّة ‪ :‬ويجب مسح ما‬
‫طال من اللّحية ‪ ,‬ول يخلّلها لنّ المسح مبني على التّخفيف ‪.‬‬
‫ما يتعلّق باللّحية من الحكام في الحرام ‪:‬‬
‫ل ‪ ,‬إل لعذر‬
‫‪ -‬ل يجوز للمحرم حلق لحيته في الحرام ول الخذ منها كثيرا أو قلي ً‬ ‫‪21‬‬

‫إجماعا ‪ ,‬وقياسا على تحريم حلق الرّأس المنصوص عليه في قوله تعالى ‪َ { :‬و َل َتحْ ِلقُواْ‬
‫ُرؤُوسَ ُكمْ حَتّى يَبُْلغَ ا ْلهَ ْديُ َمحِّلهُ } ‪.‬‬
‫فإن حلق لحيته وهو محرم لعذر أو لغير عذرٍ فعليه دم ‪ ,‬وإن أخذ أق ّل من ذلك ففيه تفصيل‬
‫)‪.‬‬ ‫‪155‬‬ ‫‪,‬‬ ‫‪71‬‬ ‫وخلف يرجع إليه في مصطلح ‪ ( :‬إحرام ف‬
‫ويحرم على المحرم دهن لحيته ولو بدهن غير مطيّبٍ ‪ ,‬ويحرم عليه أيضا تطييبها ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪153‬‬ ‫‪,‬‬ ‫‪76‬‬ ‫‪,‬‬ ‫‪73‬‬ ‫وانظر مصطلح ‪ ( :‬إحرام ف‬
‫الخذ من اللّحية عند التّحلل من الحرام ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة إلى أنّه يندب للمحرم عند تحلله من الحرام إذا لم يكن برأسه شعر أن‬ ‫‪22‬‬

‫يأخذ من شاربه أو من شعر لحيته ‪.‬‬


‫وروي عن عطا ٍء وطاووسٍ أنّه يستحب لو أخذ من لحيته شيئا ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه يستحب للمحرم عند تحلله قص أظافره وشاربه واستحداده بعد حلق‬
‫رأسه ول يأخذ من لحيته شيئا ‪ ,‬ولكن إن أخذ منها لم يجب عليه شيء ‪.‬‬
‫الدّية أو الرش في إتلف شعر اللّحية ‪:‬‬
‫ف أو‬
‫‪ -‬تتّفق المذاهب الربعة على أنّ من أزال لحية رجلٍ عمدا أو خطأً ‪ ,‬بحلق أو نت ٍ‬ ‫‪23‬‬

‫معالجةٍ بدواء أو غير ذلك ‪ ,‬فإنّه إن عاد الشّعر فنبت كما كان فل شيء من دي ٍة أو غيرها‬
‫إل الدب في العمد ‪.‬‬
‫أمّا إن لم ينبت الشّعر ‪ ,‬لفساد منبته ‪ ,‬كما لو صبّ عليه ماءً حارا ‪ ,‬فقد اختلف الفقهاء‬
‫فيه ‪:‬‬
‫فذهبت الحنفيّة والحنابلة إلى أنّ فيها دي ًة كاملةً إن أذهبها كلّها ‪ ,‬سواء كانت خفيفةً أو‬
‫كثيفةً ‪ ,‬قالوا ‪ :‬لنّه أزال الجمال على الكمال ‪ ,‬وفي نصفها نصف الدّية ‪.‬‬
‫ثمّ قال الحنفيّة ‪ :‬وما كان أقلّ من ذلك ففيه حكومة عدلٍ ‪ ,‬وفي قولٍ عندهم ‪ :‬تجب كل الدّية‬
‫لنّه في الشّين فوق من ل لحية له أصلً ‪ ,‬قال في شرح الكافي ‪ :‬هو الصّحيح ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يعتبر قدر الذّاهب منها بالمساحة ‪ ,‬فيعطى من الدّية بنسبة ذلك ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬ول شيء في إذهاب لحية كوسجٍ على ذقنه شعرات معدودة ‪ ,‬قالوا ‪ :‬لنّها‬
‫تشينه ول تزينه ‪.‬‬
‫ن فيه بعض الجمال ‪ ,‬ولو متّصلً‬
‫ولو كان على خدّه أيضا ولكنّه غير متّصلٍ فحكومة عدلٍ ل ّ‬
‫ففيه كل الدّية ‪ ,‬لنّه ليس بكوسج وفيه معنى الجمال ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن أزالها وبقي منها ما ل جمال فيه فعليه الدّية كاملةً لذهابه المقصود منه‬
‫كلّه ‪.‬‬
‫واستدلوا على إيجاب الدّية في شعر اللّحية بقول عليّ وزيد بن ثابتٍ رضي ال عنهما ‪ :‬في‬
‫الشّعر الدّية ‪.‬‬
‫ويؤجّل سنةً ليتحقّق من عدم نباتها ‪ ,‬فإن مات فيها فعند أبي حنيفة تسقط الدّية ‪ ,‬وقال‬
‫الصّاحبان ‪ :‬فيها حكومة عدلٍ ‪.‬‬
‫وإن نبت الشّعر أبيض قال أبو حنيفة كذلك ‪ :‬ل شيء فيها ‪ ,‬وقال الصّاحبان ‪ :‬فيها حكومة‬
‫عد ٍل ‪.‬‬
‫فإن عاد الشّعر فنبت بعد أن أخذ المجني عليه ما فيه من ديةٍ أو بعضها أو حكومة العدل‬
‫ردّه ‪ ,‬وإن لم يعد ورجي عوده انتظر ما يقوله أهل الخبرة ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه ل تجب الدّية في إذهاب شعر اللّحية بل فيه حكومة عدلٍ ‪.‬‬
‫التّعزير بحلق اللّحية ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يجوز التّعزير بحلق اللّحية لكونه أمرا محرّما في ذاته عند الجمهور ‪ ,‬والّذين قالوا‬ ‫‪24‬‬

‫بأنّ الحلق في ذاته مكروه ‪ ,‬وهو الصح عند الشّافعيّة ‪ ,‬قالوا ‪ :‬ل يجوز التّعزير بحلقها ‪.‬‬
‫لحية الميّت ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه يكره تسريح لحية الميّت أو قص شعره أو حلقه لعدم الحاجة‬ ‫‪25‬‬

‫إليه ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يكره حلق شعر الميّت الّذي ل يحرم حلقه حال الحياة كشعر الرّأس ‪ ,‬فإن‬
‫كان يحرم حلقه حال الحياة ‪ -‬وهو شعر اللّحية ‪ -‬حرم ‪ ,‬قال الدّردير ‪ :‬وهو بدعة قبيحة لم‬
‫تعهد من السّلف ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يكره تسريح شعره رأسا كان أو لحي ًة لنّه يقطعه من غير حاجةٍ إليه ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬ويحرم حلق رأسه ولحيته ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة فيرون أنّ تسريح لحية الميّت غير المحرم حسن لزالة ما في أصول الشّعر‬
‫من الوسخ أو بقايا السّدر ‪ ,‬ويكون ذلك بمشط واسع السنان ‪ ,‬برفق ليق ّل النتتاف ‪.‬‬
‫ح يجعل الزّائد مع الميّت في كفنه ‪.‬‬
‫ص أو تسري ٍ‬
‫ثمّ إن أزيل بعض الشّعر بحلق أو ق ّ‬

‫لُزوم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬اللزوم في اللغة ‪ :‬مصدر ‪ ,‬فعله لزِم يلزَم ‪.‬‬ ‫‪1‬‬
‫يقال ‪ :‬لزم فلن فلنا أي ‪ :‬كان معه فلم يفارقه ‪ ,‬ومثله في المعنى لزمه ملزمةً ولزاما ‪,‬‬
‫والتزمه بمعنى ‪ :‬اعتنقه ‪ ,‬واللزوم أيضا ‪ :‬الملزمة للشّيء والتّمسك به أو المداومة عليه ‪,‬‬
‫ومنه حديث عائشة رضي ال عنها أنّها ‪ :‬كانت إذا عملت العمل لزمته ‪.‬‬
‫ولزمه المال ‪ :‬وجب عليه ‪ ,‬ولزمه الطّلق وجب حكمه وهو قطع الزّوجيّة ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الجواز ‪:‬‬
‫صحّة والنّفاذ يقال ‪ :‬جاز العقد ‪ :‬نفذ ومضى على‬
‫‪ -‬من معاني الجواز في اللغة ‪ :‬ال ّ‬ ‫‪2‬‬

‫صحّة ‪ ,‬وأجزت العقد ‪ :‬جعلته جائزا نافذا ‪.‬‬


‫ال ّ‬
‫وفي الصطلح قال الزّركشي ‪ :‬يطلق على أمورٍ ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬على رفع الحرج ‪ ,‬أعم من أن يكون واجبا أو مندوبا أو مكروها ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬على مستوى الطّرفين ‪ ,‬وهو التّخيير بين الفعل والتّرك ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬على ما ليس بلزم ‪ ,‬وهو اصطلح الفقهاء في العقد ‪.‬‬
‫والصّلة بين اللزوم والجواز أنّ الجواز في بعض معانيه يضاد اللزوم ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة باللزوم ‪:‬‬
‫لزوم المر والمداومة عليه ‪:‬‬
‫‪ -‬منه ما أمر به النّبي صلى ال عليه وسلم من لزوم الجماعة في الفتن ‪ ,‬كما في حديث‬ ‫‪3‬‬

‫حذيفة بن اليمان رضي ال عنه أنّه صلى ال عليه وسلم قال له في شأن الفتن ‪ « :‬تلزم‬
‫جماعة المسلمين وإمامهم ‪ ،‬فقال حذيفة ‪ :‬فإن لم يكن لهم جماعة ول إمام ؟ قال ‪ :‬فاعتزل‬
‫تلك الفرق كلّها » ‪.‬‬
‫قال ابن بطّالٍ ‪ :‬فيه حجّة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج‬
‫على الئمّة ‪ ,‬وقال عمر بن الخطّاب رضي ال عنه في خطبته بالجابية ‪ :‬عليكم بالجماعة‬
‫وإيّاكم والفرقة ‪.‬‬
‫ي صلى‬
‫ومنه لزوم العمل ‪ ،‬بمعنى المداومة عليه ‪ ,‬وهو مندوب إليه في التّطوعات لقول النّب ّ‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬أحب العمال إلى اللّه أدومها وإن ق ّل » ‪ ,‬وتقدّم الحديث عن عائشة‬
‫ل لزمته ‪.‬‬
‫رضي ال عنها أنّها كانت إذا عملت عم ً‬
‫لكن إن كان ذلك العمل الّذي دخل فيه المكلّف على نيّة اللتزام له من شأنه أن يكون فيه‬
‫ل ‪ ,‬فقد ذكر الشّاطبيّ أنّه يكون مكروها ابتداءً ‪,‬‬
‫مشقّة خارجة عن المعتاد ‪ ,‬أو يورث مل ً‬
‫ن الدّين يسر ‪ ,‬ولخوف التّقصير أو العجز عن القيام بما هو أولى وآكد في الشّرع ‪.‬‬
‫لّ‬
‫وقد نبّه النّبي صلى ال عليه وسلم إلى هذا ‪ ,‬ففي الحديث عن عبد اللّه بن عمرو بن‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال له ‪ « :‬ألم أخبر أنّك تصوم‬
‫العاص رضي ال عنهما أ ّ‬
‫النّهار وتقوم اللّيل ؟ فقلت ‪ :‬بلى يا رسول اللّه ‪ ،‬قال ‪ :‬فل تفعل ‪ ،‬صم وأفطر ‪ ،‬وقم ونم ‪،‬‬
‫ن لعينك عليك حقا ‪ ،‬وإنّ لزوجك عليك حقا ‪ ،‬وإنّ لزورك عليك‬
‫ن لجسدك عليك حقا ‪ ،‬وإ ّ‬
‫فإ ّ‬
‫ن بحسبك أن تصوم كلّ شهرٍ ثلثة أيّامٍ » ‪.‬‬
‫حقا ‪ ،‬وإ ّ‬
‫وذكر ابن القيّم أنّه ليس للنسان أن يلزم طريقةً واحدةً مخترعةً في العبادة بحيث يراها‬
‫لزمةً كلزوم الفرائض ‪ ,‬فل يخرج عنها ‪ ,‬ويقدح فيمن خرج عنها ويذمه ‪ ,‬أو يلزم مكانا‬
‫في المسجد للصّلة ل يصلّي إل فيه ‪ ,‬واحتجّ بالحديث ‪ « :‬نهى النّبي صلى ال عليه وسلم‬
‫أن يُوطِنَ الرّجل المكان في المسجد كما يوطن البعير » ‪.‬‬
‫لزوم الغريم ‪:‬‬
‫ك رضي ال‬
‫‪ -‬لزوم الغريم نوع من العقوبة ثبت في السنّة النّبويّة ‪ ,‬فعن كعب بن مال ٍ‬ ‫‪4‬‬

‫عنه ‪ « :‬أنّه كان له على عبد اللّه بن أبي حَ ْدرَد السلميّ دين فلقيه فلزمه فتكلّما حتّى‬
‫ارتفعت أصواتهما ‪ ،‬فم ّر بهما النّبي صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬يا كعب وأشار بيده كأنّه‬
‫يقول النّصف ‪ ،‬فأخذ نصف ما عليه وترك نصفا » ‪.‬‬
‫ويأخذ فقهاء المذاهب بعقوبة الملزمة ‪ ,‬وجعلوها حقا لصاحب الدّين ‪ ,‬وقد تعرّض الحنفيّة‬
‫ق أن يلزم غريمه حتّى يقضيه‬
‫لذلك في أبواب الحبس من كتاب القضاء ‪ ,‬فلصاحب الح ّ‬
‫ق أن يلزم الغريم ‪ ,‬وإن‬
‫ن له ملزمته ليلً ونهارا ‪ ,‬ولطالب الح ّ‬
‫حقّه ‪ ,‬وذكر ابن عابدين أ ّ‬
‫لم يأمره القاضي بملزمته ‪ ,‬ول فلّسه ‪ ,‬وهذا إن كان مقرا بالحقّ ‪ ,‬أو ثبت عند القاضي‬
‫وأطلقه لعساره ‪ ,‬أو لم يكن ثمّة قاضٍ ‪ ,‬والرّأي في الملزمة لصاحب الحقّ ‪ ,‬إن شاء لزم‬
‫المدين بنفسه ولو كره المدين ذلك ‪ ,‬وإن شاء وكّل غيره بملزمته ‪ ,‬فإن وكّل أحدا‬
‫بملزمته لم يكن وكيلً بالقبض ول بالخصومة ‪ ,‬ما لم يجعل إليه ذلك ‪.‬‬
‫وصفة الملزمة على ما يذكره الحنفيّة أنّه يلزمه في قيامه وقعوده ‪ ,‬ول يمنعه من الدخول‬
‫إلى أهله ‪ ,‬أو دخول بيته لطعام ونحوه ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬ول يلزمه في المسجد ‪ ,‬على المذهب ‪ ,‬ول يقيمه في الشّمس ‪ ,‬أو على الثّلج ‪ ,‬أو‬
‫في موض ٍع يضر به ‪ ,‬ول يمنعه من عملٍ يكتسب منه رزقه ‪ ,‬بل يلزمه وهو يعمل ‪ ,‬أو‬
‫يعطيه نفقته ونفقة عياله ويمنعه من العمل ‪.‬‬
‫ل فله أن يلزمها حيث ل تخشى الفتنة ‪ ,‬كالسوق‬
‫قالوا ‪ :‬وإن كان المدين امرأ ًة والطّالب رج ً‬
‫ونحوه ‪ ,‬أمّا حيث تخشى الفتنة فإنّه يوكّل امرأةً بملزمتها ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ‪ :‬لو أراد مستحق الدّين لزوم المدين بد ًل عن الحبس مكّن ما لم يقل تشق‬
‫عليّ الطّهارة والصّلة مع ملزمته ‪ ,‬ويختار الحبس ‪ ,‬فيجيبه القاضي إلى ذلك ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة ‪ :‬يحرم مطالبة المعسر وملزمته ويجوز ملزمة الموسر المماطل إن خيف‬
‫هروبه ‪.‬‬
‫وكذا عند المالكيّة يحرم ملزمة المعسر ‪ ,‬قالوا ‪ :‬يحرم ملزمته بحيث كلّما يأتيه شيء يأخذ‬
‫منه ‪ ,‬لنّ اللّه تعالى أوجب إنظار المعسر إلى الميسرة ‪.‬‬
‫اللزوم بمعنى الوجوب والتّحتم ‪:‬‬
‫ي ‪ :‬الواجب هو اللزم المستحق ‪.‬‬
‫‪ -‬يأتي اللزوم بمعنى الوجوب والتّحتم ‪ ,‬قال الطوف ّ‬ ‫‪5‬‬

‫مصادر اللزوم ‪:‬‬


‫اللزوم إمّا أن يكون بإلزام اللّه تعالى ‪ ,‬أو إلزام الغير ‪ ,‬أو إلزام المرء نفسه ‪.‬‬
‫وبيان ذلك فيما يأتي ‪:‬‬
‫اللزوم بإلزام اللّه تعالى ‪:‬‬
‫‪ -‬يلزم العبد فعل ما أوجبه اللّه تعالى عليه من الفرائض والواجبات من العبادات عند‬ ‫‪6‬‬

‫وجود أسبابها ‪ ,‬وتحقق شروط الوجوب ‪ ,‬وانتفاء موانعه ‪ ,‬وإذا فسدت لزم قضاؤُها ‪.‬‬
‫ويستتبع ذلك إلزامه بكلّ ما ل يتم الواجب إل به ‪ ,‬ممّا هو مقدور له ‪ ,‬كالسّفر بالنّسبة‬
‫للحجّ ‪ ,‬والطّهارة بالنّسبة للصّلة ‪ ,‬وغير ذلك ممّا هو مبيّن في قاعدة " ما ل يتم الواجب إل‬
‫به فهو واجب " ‪.‬‬
‫ويلزم المكلّف الكف عن كلّ ما حرّمه اللّه عليه من الفعال ‪.‬‬
‫اللزوم بإلزام الغير ‪:‬‬
‫‪ -‬ممّن تلزم طاعته شرعا ‪ ,‬وتلزم تصرفاته على الغير ‪ ,‬من يلي ‪:‬‬ ‫‪7‬‬

‫أ ‪ -‬ولي المر ‪ ,‬وهو المام الّذي صحّت وليته شرعا ‪ ,‬فتلزم طاعته الرّعيّة ‪ ,‬لقول اللّه‬
‫تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ َأطِيعُواْ الّلهَ َوَأطِيعُواْ ال ّرسُولَ َوأُوْلِي ا َلمْرِ مِن ُكمْ } ‪ ,‬ونوّاب‬
‫المام تلزم طاعتهم فيما أنابهم المام فيه ‪ ,‬كأمير الجيش ‪ ,‬والوالي ‪ ,‬والمتولّي جباية‬
‫الزّكاة ‪.‬‬
‫والطّاعة اللزمة هنا هي ما كان في غير معصيةٍ ‪ ,‬فإن أمر بمعصية اللّه فل طاعة له ‪ ,‬لنّ‬
‫طاعة اللّه ألزم ‪ ,‬ول طاعة لمخلوق في معصية الخالق ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬أولو المر ف ‪. ) 5‬‬
‫ن في خصومةٍ لزمه‬
‫ب ‪ -‬القاضي الّذي وله المام الحكم بين النّاس ‪ ,‬فما حكم به على إنسا ٍ‬
‫س لزمته أحكام الحجر ‪ ،‬وإذا تصرّف في ما ٍل ضالّ‬
‫الحكم ‪ ,‬وكذا إذا حجر على سفيهٍ أو مفل ٍ‬
‫ببيع أو نحوه لزم تصرفه ‪ ,‬وللقاضي إلزام النّاس بأحكام اللّه تعالى ‪ ,‬كالكفّارات والنذور ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪27‬‬ ‫( ر ‪ :‬قضاء ف‬
‫ج ‪ -‬الزّوج فيما يأمر به زوجته من المعروف ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪10‬‬ ‫( ر ‪ :‬طاعة ف‬
‫ب في مال ولده الصّغير أو المجنون بما فيه‬
‫د ‪ -‬التّصرف بالولية الشّرعيّة ‪ ,‬كتصرف ال ّ‬
‫ي كذلك ‪.‬‬
‫مصلحتهما ‪ ,‬وتصرف الوص ّ‬
‫( ر ‪ :‬ولية ) ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬التّصرف بالوكالة ‪ ,‬فتصرفات الوكيل لزمة للموكّل فيما وكّله فيه ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬وكالة ) ‪.‬‬
‫اللزوم بإلزام المرء نفسه ‪:‬‬
‫‪ -‬قد يلزم النسان نفسه بأمر فيلزمه ذلك شرعا إن لم يخالف الشّرع ‪ ,‬بمعنى أنّ الشّرع‬ ‫‪8‬‬

‫جعل التزامه سببا للزوم ‪ ,‬ومن ذلك ‪:‬‬


‫ل يلزم به انتقال ملكيّة‬
‫أ ‪ -‬العقد ‪ ,‬فإذا عقدا بينهما عقدا لزمهما حكمه ‪ ,‬كعقد البيع مث ً‬
‫المبيع إلى المشتري ‪ ,‬وملكيّة الثّمن إلى البائع ‪ ,‬وكعقد الجارة يلزم به الجير العمل ‪,‬‬
‫ويلزم المستأجر الجرة ‪.‬‬
‫ومن هذا القبيل أيضا كل شرطٍ صحيحٍ التزمه العاقد في العقد ‪ ,‬فيلزمه ‪ ,‬وذلك لقول اللّه‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ َأوْفُواْ بِا ْل ُعقُودِ } ‪ ,‬وقول النّب ّ‬
‫ل فيما يصح من‬
‫« المسلمون على شروطهم » ‪ ,‬على أنّ بين الفقهاء اختلفا وتفصي ً‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫الشروط وما ل يصح ‪ ,‬وينظر ذلك في مصطلح ‪ ( :‬اشتراط ف‬
‫ب ‪ -‬تصرفات فرديّة قوليّة تلزم المتصرّف أحكامها بمجرّد صدور القول عنه ‪ ,‬ومن ذلك‬
‫الوقف والكفالة والعهد والنّذر واليمين والعتق والطّلق والرّجعة ‪ ,‬ويرجع لمعرفة أحكام كلّ‬
‫منها إلى مصطلحه ‪.‬‬
‫ودخول الكافر في السلم التزام إجمالي لحكامه ‪.‬‬
‫لزوم العقود وجوازها ‪:‬‬
‫‪ -‬يقصد بلزوم العقد عدم جواز فسخه من قبل أحد العاقدين إل برضا العاقد الخر ‪ ,‬وما‬ ‫‪9‬‬

‫جاز للعاقد فسخه بغير رضا العاقد الخر يسمّى عقدا جائزا ‪.‬‬
‫فالبيع والسّلم والجارة عقود لزمة ‪ ,‬إذ أنّها متى صحّت ل يجوز فسخها بغير التّقايل ‪ ,‬ولو‬
‫امتنع أحد العاقدين عن الوفاء بها أجبر ‪.‬‬
‫وعقد النّكاح لزم ل يقبل الفسخ بالتّراضي أصلً ‪ ,‬دون غيره من سائر العقود اللزمة ‪,‬‬
‫لنّه وضع على الدّوام والتّأبيد ‪ ,‬وإنّما يفسخ لضرورة عظيمةٍ ‪ ,‬وفي قولٍ ‪ :‬يقبل الفسخ‬
‫بالتّراضي ‪.‬‬
‫والوديعة والشّركة والوكالة عقود جائزة ‪ ,‬لكلّ من الطّرفين فسخها ولو بغير رضا العاقد‬
‫الخر ‪ ,‬ومثلها المساقاة والمضاربة والمسابقة والعارية والقرض والستصناع ‪.‬‬
‫وقد يكون العقد لزما من أحد الطّرفين جائزا بالنّسبة للخر ‪ ,‬كالرّهن فللمرتهن فسخه دون‬
‫الرّاهن ‪.‬‬
‫وقد يعرض للعقد اللزم ما يجعله جائزا كالبيع إذا اشترط فيه خيار ‪ ,‬أو تبيّن في المبيع‬
‫عيب ‪ ,‬فيكون لمن له الخيار الفسخ ‪ ,‬كالجارة إذا طرأ عذر كما لو استأجر مرضعا لطفله‬
‫فمات الطّفل ‪.‬‬
‫وقد يعرض للعقد الجائز ما يجعله لزما ومثال ذلك الوكالة ‪ ,‬فهي في الصل جائزة ‪,‬‬
‫ن للموكّل أن يعزله ‪ ,‬لكن إن تعلّق حق‬
‫فللوكيل أن يفسخها ويعزل نفسه عنها ‪ ,‬كما أ ّ‬
‫الوكيل بما وكّل فيه لم يكن للموكّل أن يعزله ‪ ,‬كما لو وكّل المستقرض المقرض بقبض دينٍ‬
‫له ليكون وفاءً للقرض فل يكون للمستقرض عزله ‪ ,‬وكالرّهن المشترط فيه توكيل المدين‬
‫للمرتهن في بيع المرهون ‪ ,‬فل يكون للرّاهن عزله لما في عزله من إبطال حقّ المرتهن ‪،‬‬
‫وكالمضاربة إذا شرع العامل في العمل تلزم عند المالكيّة ‪ ,‬ول تلزم عند الحنفيّة والشّافعيّة‬
‫‪ .‬ومن أثبت خيار المجلس في عقد البيع مثلً ‪ ,‬وهم الشّافعيّة والحنابلة ‪ ,‬فإنّ العقد في مدّة‬
‫ض المجلس دون أن يختار أحد العاقدين الفسخ ‪ ,‬ابتدأ لزوم‬
‫المجلس يكون جائزا ‪ ,‬فإن انف ّ‬
‫العقد من حينئذٍ ‪.‬‬
‫ك أنّها تلزم‬
‫وقد يكون العقد مختلفا في مدى لزومه أو جوازه كالهبة مثلً ‪ ,‬فمذهب مال ٍ‬
‫ي وأحمد أنّها ل تلزم إل بالقبض بإذن الواهب ‪ ,‬وفي روايةٍ‬
‫بمجرّد العقد ‪ ,‬ومذهب الشّافع ّ‬
‫عن أحمد أنّها قبل القبض جائزة في المكيل والموزون ل غير ‪ ,‬ومذهب أبي حنيفة أنّها‬
‫جائزة بعد القبض أيضا ‪ ,‬فللواهب الرجوع فيها ‪ ,‬ما لم يكن مانع ‪ ,‬كأن يكون الواهب زوجا‬
‫ض‪.‬‬
‫أو ذا رحمٍ مح ّرمٍ للموهوب له ‪ ,‬ول يصح الرجوع إل برضاهما أو قضاء قا ٍ‬
‫وفي كثي ٍر من هذه العقود تفصيلت في مدى لزومها أو جوازها ‪ ,‬فيرجع في كلّ منها إلى‬
‫مصطلحه ‪.‬‬
‫العقد الفاسد عند الحنفيّة غير لزمٍ ‪:‬‬
‫‪ -‬العقد الفاسد عند غير الحنفيّة بمعنى الباطل ‪ ,‬فلم ينعقد ‪ ,‬أمّا عند الحنفيّة فالعقد‬ ‫‪10‬‬

‫الفاسد منعقد من حيث الصل لصدوره عن أهله في محلّه وتمام ركنه وهو الصّيغة ‪ ,‬لكن‬
‫صحّة ‪ ,‬كاشتمال البيع على جهالة المبيع أو‬
‫فسد لوصفه أي لفقده شرطا من شروط ال ّ‬
‫الجل ‪ ,‬أو على شرطٍ مفسدٍ ‪ ,‬أو ربا ‪.‬‬
‫والعقد الفاسد ل يكون لزما ‪ ,‬لنّه مستحق الفسخ لحقّ اللّه تعالى ‪ :‬لمخالفته الشّرع ‪ ,‬لكن‬
‫قد يصح ويلزم إن قام العاقدان بإزالة الوصف المفسد ‪ ،‬كإسقاط الجل المجهول ممّن له‬
‫الحق فيه ‪ ,‬وكذا لو باع المشتري ما اشتراه فاسدا أو رهنه ‪ ,‬فإنّ شراءه يلزم ‪ ,‬فلو عاد‬
‫إليه بفسخ أو إقالةٍ ‪ ,‬عاد الجواز ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪10‬‬ ‫( ر ‪ :‬بطلن ف‬
‫حكم الوعد من حيث الجواز أو اللزوم ‪:‬‬
‫‪ -‬الوعد عند جمهور العلماء غير لزمٍ ‪ ,‬وقيل يلزم الواعد الوفاء بالوعد ديانةً ول يلزم‬ ‫‪11‬‬

‫قضاءً ‪