You are on page 1of 298

‫الموسوعة الفقهية ‪ /‬الجزء السادس والثلثون‬

‫مأتَم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ص به اجتماع النّساء‬
‫‪ -‬المأتم في اللغة ‪ :‬مجتمع الرّجال والنّساء في الغمّ والفرح ‪ ,‬ثمّ خ ّ‬ ‫‪1‬‬

‫للموت ‪ ,‬وقيل ‪ :‬هو للشّوابّ من النّساء ل غير ‪ ,‬والعامّة تخصه بالمصيبة ‪.‬‬
‫والمأتم عند الفقهاء هو ‪ :‬اجتماع النّاس في الموت ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫التّعزية ‪:‬‬
‫‪ -‬التّعزية في اللغة ‪ :‬مصدر عَزّى والثلثي منه عَزِي أي ‪ :‬صبر على ما نابه ‪ ,‬يقال ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫عزّيته تعزيةً ‪ :‬قلت له ‪ :‬أحسن اللّه عزاءك ‪ ,‬أي رزقك الصّبر الحسن ‪ ,‬والعزاء اسم من‬
‫ذلك ‪ ,‬ويقال تعزّى هو ‪ :‬تصبّر ‪ ,‬وشعاره أن يقول ‪ :‬إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ‪.‬‬
‫قال الزهري ‪ :‬أصلها التّعبير لمن أصيب بمن يعز عليه ‪.‬‬
‫والتّعزية اصطلحا ‪ :‬المر بالصّبر والحمل عليه بوعد الجر والتّحذير من الوزر بالجزع ‪,‬‬
‫والدعاء للميّت بالمغفرة ‪ ,‬وللمصاب بجبر المصيبة ‪.‬‬
‫والتّعزية أخص من المأتم ‪.‬‬
‫الحكم الجمالي ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى الشّافعيّة والحنابلة وكثير من متأخّري الحنفيّة كراهة المأتم ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫ص الشّافعي وسائر الصحاب على كراهته ‪,‬‬


‫جاء في المجموع ‪ :‬وأمّا الجلوس للتّعزية فن ّ‬
‫قالوا ‪ :‬يعنى بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميّت في بيتٍ فيقصدهم من أراد التّعزية ‪ ,‬قالوا ‪:‬‬
‫بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم ‪ ,‬فمن صادفهم عزّاهم ‪ ,‬ول فرق بين الرّجال والنّساء‬
‫في كراهة الجلوس لها ‪ ,‬قال الشّافعي في المّ ‪ :‬وأكره المأتم وهي الجماعة ‪ ,‬وإن لم يكن‬
‫ن ذلك يجدّد الحزن ويكلّف المؤنة ‪.‬‬
‫لهم بكاء فإ ّ‬
‫ن يعزوه ‪ ,‬أو‬
‫ي ‪ :‬ويكره الجلوس لها أي للتّعزية ‪ ,‬بأن يجلس المصاب في مكا ٍ‬
‫وقال البهوت ّ‬
‫يجلس المعزّي عند المصاب للتّعزية ‪ ,‬لما في ذلك من استدامة الحزن ‪ ,‬وقال نقلً عن‬
‫الفصول ‪ :‬يكره الجتماع بعد خروج الروح لتهييجه الحزن ‪.‬‬
‫ل عن المداد ‪ :‬وقال كثير من متأخّري أئمّتنا ‪ :‬يكره الجتماع عند‬
‫وقال ابن عابدين نق ً‬
‫صاحب البيت ‪ ,‬ويكره له الجلوس في بيته حتّى يأتي إليه من يعزّي ‪ ,‬بل إذا فرغ ورجع‬
‫النّاس من الدّفن فليتفرّقوا ويشتغل النّاس بأمورهم وصاحب البيت بأمره ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة وبعض الحنفيّة ‪ :‬يجوز أن يجلس الرّجل للتّعزية كما فعل النّبي صلى ال عليه‬
‫وسلم حين جاء خبر جعفرٍ ‪ ,‬وزيد بن حارثة ‪ ,‬وعبد اللّه بن رواحة ‪ ,‬ومن قتل معهم رضي‬
‫ي إلى بيته ‪,‬‬
‫ال عنهم بمؤتة ‪ ,‬وواسع كونها قبل الدّفن وبعده ‪ ,‬والولى عند رجوع الول ّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬كره اجتماع نساءٍ لبكاء سرّا ‪ ,‬ومنع جهرا كالقول القبيح مطلقا ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه يجوز الجلوس للمصيبة ثلثة أيّامٍ ‪ ,‬وهو خلف الولى ‪ ,‬ويكره في‬
‫المسجد ‪ ,‬وفي الحكام عن خزانة الفتاوى ‪ :‬الجلوس في المصيبة ثلثة أيّامٍ للرّجال جاءت‬
‫الرخصة فيه ‪ ,‬ول تجلس النّساء قطعا ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬تعزية ف ‪. ) 6‬‬

‫مأدبة *‬
‫انظر ‪ :‬وليمة ‪.‬‬

‫مأذون *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المأذون في اللغة ‪ :‬اسم مفعولٍ من أذن ‪ ,‬يقال ‪ :‬أذن له في الشّيء ‪ :‬أي أباحه له ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫والسم ‪ :‬الذن ‪ ,‬ويكون المر إذنا ‪ ,‬وكذا الرادة نحو بإذن اللّه ‪ ,‬ويقال ‪ :‬أذنت للصّغير في‬
‫التّجارة ‪ ,‬فهو مأذون له ‪.‬‬
‫والفقهاء يحذفون الصّلة تخفيفا ‪ ,‬فيقولون ‪ :‬العبد المأذون ‪ ,‬لفهم المعنى ‪.‬‬
‫ب مّنَ الّل ِه وَ َرسُو ِلهِ } ‪.‬‬
‫وتأتي أذن بمعنى ‪ :‬علم ‪ ,‬على مثل قوله تعالى ‪ { :‬فَأْذَنُواْ ِبحَرْ ٍ‬
‫حقّتْ } ‪.‬‬
‫وبمعنى استمع كما في قوله تعالى ‪َ { :‬وأَذِنَتْ لِرَ ّبهَا َو ُ‬
‫والمأذون اصطلحا ‪ :‬هو الّذي فكّ الحجر عنه ‪ ,‬وأذن للتّجارة ‪ ,‬وأطلق له التّصرف من‬
‫موله إنّ كان عبدا ‪ ,‬ومن وليّه إن كان صغيرا ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫المحجور ‪:‬‬
‫‪ -‬المحجور لغ ًة واصطلحا ‪ :‬هو الممنوع من نفاذ التّصرف والصّلة بين المأذون‬ ‫‪2‬‬

‫والمحجور التّضاد ‪.‬‬


‫حكم الذن للمأذون ‪:‬‬
‫‪ -‬الذن بالتّصرف للمأذون جائز عند جمهور الفقهاء إذا قام مبرّر لذلك كالقاصر إذا قارب‬ ‫‪3‬‬

‫البلوغ فإنّه يؤذن له بالتّصرف ‪.‬‬


‫والصح عند الشّافعيّة أنّه ل يجوز الذن له بالتّجارة ‪ ,‬وإنّما يتولّى وليه العقد ‪.‬‬
‫شروط المأذون له ‪:‬‬
‫– للمأذون له شروط معيّنة منها ‪ :‬التّمييز ‪ ,‬وإيناس الخبرة في التّجارة والتّصرفات‬ ‫‪4‬‬

‫الماليّة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪39‬‬ ‫وفي ذلك خلف وتفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬صغر ف‬
‫تقيد الذن بالزّمان والمكان ونوعيّة التّصرف ‪:‬‬
‫‪ -‬الذن للصّغير قد يكون عامّا في كلّ أنواع التّجارة ‪ ,‬وقد يكون خاصّا بأن يكون في نوعٍ‬ ‫‪5‬‬

‫من أنواع التّجارة ‪ ,‬ل يتعدّاه إلى غيره ‪.‬‬


‫ن الذن إن كان عامّا في جميع أنواع التّجارة ‪ ,‬أو لم يحدّد بوقت كان عامّا‬
‫فالحنفيّة يرون أ ّ‬
‫في جميع النواع وتوابعها ‪ ,‬وما يترتّب عليها من رهنٍ وإعارةٍ ‪.‬‬
‫ع من التّجارة ‪ ,‬أو حدّد الذن بوقت ‪ -‬كشهر أو عدّة أشهرٍ ‪ -‬فإنّ‬
‫وإن كان خاصّا في نو ٍ‬
‫الذن عام في جميع أنواع التّجارات وتوابعها وضروراتها ‪ ,‬فينقلب الذن الخاص عامّا ‪ ,‬ول‬
‫ع ‪ ,‬ونهاه عن غيره ‪ ,‬لم يكن‬
‫يتحدّد بنوع من التّجارات ‪ ,‬ول بوقت بل لو أذن له في نو ٍ‬
‫الصّغير ملزما بهذا النّهي ‪ ,‬وكان له الحق أن يتصرّف فيما نهاه عنه الولي خلفا لزفر ‪.‬‬
‫ولـه أن يبيع وإن كان بغبن فاحشٍ عند المام أبي حنيفة ‪ ,‬ولم يجوّز الصّاحبان ذلك ‪,‬‬
‫وجوّزاه في الغبن اليسير المحتمل عاد ًة ‪.‬‬
‫ي ‪ ,‬وأنّ هذا الذن ل يعدو أن يكون اختبارا‬
‫ن الذن موقوف على إجازة الول ّ‬
‫ويرى المالكيّة أ ّ‬
‫ي أن يدفع إلى الصّبيّ مقدارا محدودا وقليلً من المال ‪ ,‬وأن يأذن له‬
‫وتمرينا للصّغير ‪ ,‬فللول ّ‬
‫أن يتصرّف بهذا المبلغ ‪ ,‬ولكن حتّى بعد هذا الذن ‪ ,‬فلن يكون عقد الصّغير لزما نافذا ‪ ,‬بل‬
‫هو موقوف على إجازة وليّه ‪.‬‬
‫وأمّا الشّافعيّة فعندهم وجهان في وقت اختبار الصّبيّ ‪ ,‬أحدهما ‪ :‬بعد البلوغ ‪ ,‬وأصحهما‬
‫قبله ‪ ,‬وعلى هذا ففي كيفيّة اختباره وجهان ‪ ,‬أصحهما ‪ :‬يدفع إليه قدر من المال ‪ ,‬ويمتحن‬
‫في المماكسة والمساومة ‪ ,‬فإذا آل المر إلى العقد عقد الولي ‪ ,‬والثّاني ‪ :‬يعقد الصّبي‬
‫ويصح منه هذا العقد للحاجة ‪.‬‬
‫ن الذن محل اعتبارٍ ‪ ,‬فإن كان عامّا كان للصّغير أن يمارس التّجارة‬
‫وذهب الحنابلة ‪ :‬إلى أ ّ‬
‫بشكل عامّ ‪ ,‬وإن كان خاصّا التزم الصّغير به ‪ ,‬فللوليّ أن يأذن للصّغير في التّجارة وعلى‬
‫الصّغير أن يلتزم بما حدّده له الولي قدرا ونوعا ‪ ,‬فإذا حدّد له التّجار في نوعٍ ‪ ,‬فليس له‬
‫أن يتعدّاه ‪ ,‬أو مبلغا فليس له أن يتجاوزه ‪ ,‬وإذا أذن له في التّجارة إذنا مطلقا ‪ ,‬فليس له‬
‫أن يتصرّف في غيرها من وكالةٍ أو توكيلٍ ‪ ,‬أو رهنٍ أو إعار ٍة ‪.‬‬
‫من له حق الذن ‪:‬‬
‫‪ -‬حق الذن بالتّصرف للمأذون يكون لمن يملك التّصرف عنه وهو الولي ‪ ,‬والوصي ‪,‬‬ ‫‪6‬‬

‫والقاضي ‪ ,‬وذلك بشروط وضوابط بيّنها الفقهاء في مواضعها ‪.‬‬


‫ي ‪ ,‬وصيّ ) ‪.‬‬
‫‪ ,‬ول ّ‬ ‫‪27‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلحات ‪ ( :‬إذن ف‬
‫تصرفات الصّغير المأذون ‪:‬‬
‫‪ -‬تصرفات الصّغير تعتريها حالت ثلث ‪:‬‬ ‫‪7‬‬

‫فإمّا أن تكون نافعةً ‪ ,‬وإمّا أن تكون ضارّةً ‪ ,‬وإمّا أن تكون متأرجح ًة بين النّفع والضّرر ‪.‬‬
‫وهذه التّصرفات بعضها تصح بإذن وليّه ‪ ,‬وبعضها ل تصح ولو بالذن ‪ ,‬وبعضها ل يحتاج‬
‫إلى إذنٍ ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬فالتّصرفات الّتي تكون نافعةً للصّغير ‪ ,‬ول تحتمل الضّرر ‪ :‬من تملك مالٍ ‪ ,‬أو منفعةٍ‬
‫دون مقابلٍ ‪ ,‬ل تحتاج إلى إذنٍ ‪ ,‬ويصح تصرفه عند جمهور الفقهاء غير الشّافعيّة ‪,‬‬
‫ورواية عند الحنابلة ‪.‬‬
‫ي المميّز يصح له أن يقبل الهبة‬
‫ن الحنفيّة والمالكيّة ‪ ,‬قالوا ‪ :‬بأنّ الصّب ّ‬
‫وتفصيل ذلك ‪ :‬أ ّ‬
‫المطلقة ‪ ,‬وأن يقبضها ‪ ,‬ويملكها بقبضه ‪ ,‬وإن لم يأذن له وليه ‪ ,‬وهو اختيار بعض‬
‫الحنابلة ‪.‬‬
‫ي من غير إذن‬
‫ولمّا كان قبول الهبة وقبضها نفعا محضا ل يشوبه ضرر ‪ ,‬صحّ من الصّب ّ‬
‫الوليّ ‪ ,‬لجل مصلحته ‪.‬‬
‫ي ل يصح منه قبول الهبة ول يقبضها ‪ ,‬وإن أذن له وليه ‪,‬‬
‫وذهب الشّافعيّة ‪ :‬إلى أنّ الصّب ّ‬
‫حتّى لو قبضها لم يملكها بهذا القبض ‪ ,‬لبطالهم سائر تصرفات الصّغير ‪ ,‬لنّه محجور‬
‫ل لبرام العقود ‪ ,‬وإن تمحّض نفعا ‪.‬‬
‫عليه ‪ ,‬ولو كان عقد هب ٍة ‪ ,‬لنّه ليس أه ً‬
‫ن الصّغير يصح قبوله الهبة وقبضها ‪ ,‬إذا أذن له الولي في ذلك ‪,‬‬
‫وذهب الحنابلة ‪ :‬إلى أ ّ‬
‫ح قبوله ول قبضه ‪ ,‬لنّ الهبة عقد ‪ ,‬ول ب ّد لمن يقبل ‪ ,‬أن يكون أهلً‬
‫فإن لم يأذن له لم يص ّ‬
‫لبرام العقود ‪ ,‬والصّبي ليس أهلً لذلك إل بإذن الوليّ ‪.‬‬
‫ولنّه بالقبض يصير مستوليا على المال ‪ ,‬وهناك احتمال تضييعه أو التّفريط في حفظه ‪,‬‬
‫فينبغي أن يحفظ عنه ويمنع من قبضه ‪ ,‬أمّا إذا كان بالذن ‪ ,‬فإنّ الحتمال هذا مدفوع ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أما التّصرفات الضّارّة الّتي تؤدّي إلى ضر ٍر محضٍ ‪ ,‬ول تحتمل النّفع كالهبة والوقف‬
‫والقرض ‪ ,‬فل تصح من الصّغير ‪ ,‬ولو أذن له وليه ‪.‬‬
‫ن الوليّ ل يملك هذه التّصرفات ‪ ,‬فل يملك الذن بها ‪.‬‬
‫وهذا باتّفاق الفقهاء ل ّ‬
‫أما الوصيّة ‪ ,‬والصلح ‪ ,‬والعارة ‪ ,‬فقد اختلف الفقهاء في جوازها نظرا لما رأوه فيها من‬
‫نفعٍ أو ضر ٍر ‪.‬‬
‫ي ‪ ,‬أو بعد إذنه‬
‫ج ‪ -‬أمّا تصرف الصّغير المميّز في المعاوضات فإمّا أن تكون قبل إذن الول ّ‬
‫‪ ,‬فتصرفه قبل الذن ينعقد صحيحا ‪ ,‬ويكون نفاذه موقوفا على إجازة وليّه ‪ ,‬إن أجازه لزم ‪,‬‬
‫وإن ردّه فسخ ‪ ,‬وهذا مذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ ,‬ورواية عند الحنابلة ‪.‬‬
‫وتعليل ذلك ‪ :‬أنّ عبارة الصّغير المميّز صحيحة ‪ ,‬لنّه قاصد لها ‪ ,‬فاهم لمعناها ‪ ,‬وما يترتّب‬
‫ن في تصحيح عبارته تعويدا له على التّجارة ‪ ,‬ومرانا‬
‫عليها ‪ ,‬فل معنى للغائها ‪ ,‬ول ّ‬
‫ك ‪ ,‬ممّا يسهّل الحكم برشده ‪ ,‬أو عدم رشده بعد‬
‫واختبارا لمدى ما وصل إليه من إدرا ٍ‬
‫البلوغ ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬في رواي ٍة ‪ -‬إلى عدم صحّة تصرفه بدون إذن وليّه ‪ ,‬لنّ‬
‫عبارته ملغاة ‪ ,‬فل تصح بها العقود ‪ ,‬ولنّه محجور عليه ‪ ,‬فل يصح تصرفه كالسّفيه ‪,‬‬
‫ولنّ في تصحيح تصرفه ضياعا لماله ‪ ,‬وضررا عليه ‪ ,‬لنّه ل يحسن التّصرف ‪ ,‬فل يصح‬
‫منه ‪.‬‬
‫أما تصرفاته بعد الذن ‪ ,‬فقد اختلف فيها الفقهاء ‪:‬‬
‫ي أن يأذن للصّغير المميّز في المعاوضات ‪,‬‬
‫فالحنفيّة ‪ ,‬والمالكيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ :‬يرون أنّ للول ّ‬
‫وأنّ تصرفه حينئ ٍذ صحيح نافذ ‪ ,‬واستدلوا بقوله تعالى ‪ { :‬وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَ ّتىَ إِذَا َبَلغُواْ‬
‫ال ّنكَاحَ َفإِنْ آ َنسْتُم مّ ْن ُهمْ ُرشْدا فَادْ َفعُواْ إِلَ ْيهِمْ َأ ْموَا َل ُهمْ } والبتلء يكون قبل البلوغ ‪ ,‬ولنّ‬
‫الصّبيّ عاقل مميّز ‪ ,‬فيصح تصرفه بإذن وليّه ‪ ,‬كما يصح تصرف العبد المحجور عليه بإذن‬
‫سيّده ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة في الصحّ وروايةٍ عن أحمد ‪ :‬إلى أنّه ليس للوليّ أن يأذن للصّغير في‬
‫ح إذنه ‪ ,‬فل يصح تصرفه بعد الذن ‪ ,‬كما لم يصحّ قبل الذن ‪,‬‬
‫التّجارة ‪ ,‬ولو أذن له لم يص ّ‬
‫لقولـه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬رفع القلم عن ثلثةٍ ‪ :‬عن النّائم حتّى يستيقظ ‪ ,‬وعن‬
‫الصّغير حتّى يكبر ‪ ,‬وعن المجنون حتّى يعقل أو يفيق » ‪ ,‬فلو صحّ بيعه لزمه تسليم‬
‫ي بأيّ شيءٍ ‪ ,‬فالقول‬
‫المبيع ‪ ,‬وما يترتّب على العقد من عهد ٍة ‪ ,‬والحديث ينفي التزام الصّب ّ‬
‫بصحّة تصرفاته يتنافى مع الحديث ‪ ,‬فل يجوز القول به ‪.‬‬
‫وفي روايةٍ أخرى عند الشّافعيّة يصح من المأذون للحاجة ‪.‬‬
‫والصّحيح أنّ الصّغير المميّز يمكن أن يؤدّي المبيع أو الثّمن ويمكن أن ينوب عنه وليه ‪.‬‬
‫تصرفات السّفيه المأذون ‪:‬‬
‫ن السّفيه المأذون له بالبيع والشّراء ينفذ تصرفه هذا ‪.‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أ ّ‬ ‫‪8‬‬

‫وأمّا الشّافعيّة في الصحّ عندهم ‪ ,‬والحنابلة في أحد وجهين فقد ذهبوا إلى عدم صحّة ذلك‬
‫العقد ‪.‬‬
‫وفي القول المقابل للصحّ عند الشّافعيّة والوجه الخر عند الحنابلة يصح عقده ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪26‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬سفه ف‬
‫وفاة الذن وأثره في بطلن الذن ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا مات الذن ‪ :‬إن كان أبا ‪ ,‬انتهت الولية ‪ ,‬وترتّب على ذلك بطلن الذن واستمرار‬ ‫‪9‬‬

‫الحجر عليه ‪.‬‬


‫وإن كان الذن وصيّا ‪ ,‬فتنتهي الوصاية بوفاته ‪ ,‬وينتهي الذن أيضا ‪ ,‬وما يفعله المأذون‬
‫ت بعد موت الذن ‪ ,‬ل تصح ‪ ,‬ول يترتّب عليها أي آثا ٍر ‪.‬‬
‫من تصرفا ٍ‬
‫) ومصطلح ‪ ( :‬ولية ووصيّة ) ‪.‬‬ ‫‪65‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إذن ف‬

‫المؤلّفة قلوبهم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المؤلّفة في اللغة ‪ :‬جمع مؤلّفٍ وهو اسم مفعولٍ من اللفة ‪ ,‬يقال ‪ :‬ألّفت بينهم تأليفا‬ ‫‪1‬‬

‫إذا جمعت بينهم بعد تفرقٍ ‪ ,‬والمراد بتأليف قلوبهم ‪ :‬استمالة قلوبهم بالحسان والمودّة ‪.‬‬
‫والمؤلّفة قلوبهم في الصطلح ‪ :‬هم الّذين يراد تأليف قلوبهم بالستمالة إلى السلم ‪ ,‬أو‬
‫تقريرا لهم على السلم ‪ ,‬أو كف شرّهم عن المسلمين ‪ ,‬أو نصرهم على عدوّ لهم ‪ ,‬ونحو‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫حكمة تأليف القلوب ‪:‬‬
‫ث السلم أتباعه بالحسان إلى خصومهم وأعدائهم ‪ ,‬وبذلك يفتح السلم القلوب‬
‫‪-‬ح ّ‬ ‫‪2‬‬

‫حسَ َنةُ وََل‬


‫بالحسان ‪ ,‬كما يفتح العقول بالحجّة والبرهان ‪ ,‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬وََل َتسْ َتوِي ا ْل َ‬
‫حسَنُ } ‪.‬‬
‫ي َأ ْ‬
‫السّيّ َئةُ ادْفَ ْع بِالّتِي هِ َ‬
‫ولذلك شرع السلم نصيبا من مال الزّكاة لتأليف القلوب ‪ ,‬قال القرطبي ‪ :‬قال بعض‬
‫المتأخّرين ‪ :‬اختلف في صفة المؤلّفة قلوبهم ‪ ،‬فقيل ‪ :‬هم صنف من الكفّار يعطون ليتألّفوا‬
‫على السلم ‪ ,‬وكانوا ل يسلمون بالقهر والسّيف ‪ ,‬ولكن يسلمون بالعطاء والحسان ‪,‬‬
‫وقيل ‪ :‬هم قوم من عظماء المشركين لهم أتباع يعطون ليتألّفوا أتباعهم على السلم ‪ ,‬قال ‪:‬‬
‫هذه القوال متقاربة ‪ ,‬والقصد بجميعها العطاء لمن ل يتمكّن إسلمه حقيقةً إل بالعطاء‬
‫فكأنّه ضرب من الجهاد ‪.‬‬
‫ف ‪ :‬صنف يرجع بإقامة البرهان ‪ ,‬وصنف بالقهر ‪ ,‬وصنف‬
‫وقال ‪ :‬المشركون ثلثة أصنا ٍ‬
‫ف ما يراه سببا لنجاته وتخليصه‬
‫بالحسان ‪ ,‬والمام النّاظر للمسلمين يستعمل مع كلّ صن ٍ‬
‫من الكفر ‪ ,‬وقد فقّه الرّسول صلى ال عليه وسلم أمّته في تأليف النّاس على السلم‬
‫ي منه خشية أن يُكبّ في النّار على وجهه » ‪.‬‬
‫بقوله ‪ « :‬إنّي لعطي الرّجل وغيره أحب إل ّ‬
‫سهم المؤلّفة قلوبهم ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في سهم الزّكاة المخصّص للمؤلّفة قلوبهم ‪:‬‬ ‫‪3‬‬

‫ن سهمهم باقٍ ‪.‬‬


‫فجمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على أ ّ‬
‫ن سهمهم منقطع لعزّ السلم ‪ ,‬لكن إذا احتيح إلى تألفهم أعطوا ‪.‬‬
‫وذهب بعضهم إلى أ ّ‬
‫وقال الحنفيّة بسقوط سهم المؤلّفة قلوبهم ‪.‬‬
‫‪ -‬ثمّ اختلف الفقهاء في أقسامهم ‪:‬‬ ‫‪4‬‬

‫فقال المالكيّة ‪ :‬المؤلّفة قلوبهم كفّار يتألّفون ‪.‬‬


‫ل‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل يعطى من هذا السّهم لكافر أص ً‬
‫وجوّز الحنابلة العطاء لمؤلّف مسلما كان أو كافرا ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬المؤلّفة قلوبهم ضربان ‪ :‬كفّار ومسلمون ‪ ,‬والكفّار صنفان ‪ ,‬والمسلمون‬
‫أربعة أصنافٍ ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪168‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪167‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬زكاة ف‬

‫مأمومة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المأمومة في اللغة ‪ :‬هي الشّجّة الّتي تبلغ أمّ الرّأس ‪ ,‬وهي الجلدة الّتي تجمع الدّماغ ‪,‬‬ ‫‪1‬‬

‫شجّة آمّة ومأمومة على معنى ذات أمّ‬


‫ويقال لها ‪ :‬آمّة أيضا ‪ ,‬قال المطرّزيّ ‪ :‬إنّما قيل لل ّ‬
‫كعيشة راضي ٍة ‪ ,‬وجمعها أوام ومأمومات ومآميم ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫شجّة ‪:‬‬
‫ال ّ‬
‫شجّة في الجبين ‪.‬‬
‫شجّة في اللغة ‪ :‬الجراحة في الوجه أو الرّأس ‪ ,‬والشّجج أثر ال ّ‬
‫‪ -‬ال ّ‬ ‫‪2‬‬

‫شجّة عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬


‫ول يخرج استعمال الفقهاء للفظ ال ّ‬
‫شجّة أعم من المأمومة ‪ ,‬لنّ المأمومة واحدة من شجاج الوجه والرّأس ‪.‬‬
‫ن ال ّ‬
‫والصّلة ‪ :‬أ ّ‬
‫الحكم الجمالي ‪:‬‬
‫ن في المأمومة ثلث الدّية وذلك لما ورد في حديث عمرو بن حزمٍ‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪3‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬وفي المأمومة ثلث الدّية » ‪.‬‬


‫ن النّب ّ‬
‫رضي ال عنه أ ّ‬
‫‪ ,‬وشجاج ف ‪ 4‬وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪68‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬ديات ف‬

‫ُمؤْنة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المؤْنة ‪ -‬بهمزة ساكنةٍ ‪ -‬في اللغة ‪ :‬الثّقل والمؤونة مثله ‪ ,‬والمؤونة ‪ :‬القوت ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫والمؤنة عند الفقهاء ‪ :‬الكُلْفة ‪ ,‬أي ما يتكلّفه النسان من نفقةٍ ونحوها ‪.‬‬
‫وكثيرا ما يعبّر الفقهاء عن النّفقة بالمؤنة وعن المؤنة بالنّفقة ‪.‬‬
‫ن المؤنة في اللغة ‪ :‬القيام ‪.‬‬
‫وصرّح بعضهم بأنّ المؤنة أعم من النّفقة ‪ ,‬قال الشّرقاويّ ‪ :‬ل ّ‬
‫بالكفاية قوتا أو غيره ‪ ,‬والنفاق النّفقة بل ذو القوت فقط ‪.‬‬
‫والفقهاء يعقدون بابا خاصّا للنّفقة ويقصدون بها نفقة الزّوجة والقارب والمماليك ‪,‬‬
‫فيقولون ‪ :‬أسباب النّفقة ثلثة ‪ :‬النّكاح والقرابة والملك ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالمؤنة من أحكامٍ ‪:‬‬
‫المؤنة في الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في احتساب المؤنة الّتي تتكلّفها الزروع والثّمار الّتي تجب فيها الزّكاة‬ ‫‪2‬‬

‫‪:‬‬
‫فذهب المالكيّة إلى أنّه يحسب من نصاب الزّكاة ‪ -‬خمسة أوسقٍ فأكثر ‪ -‬ما استأجر المالك‬
‫به من الزّرع في حصاده أو دراسته ‪ ,‬أو تذريته حال كونه قتّا ‪ -‬أي محزوما ‪ -‬ويحسب‬
‫كذلك الكيل الّذي استأجر به ‪ ,‬ولقط اللّقاط الّذي مع الحصاد لنّه من الجرة ‪ ,‬ل لقط ما تركه‬
‫ربه ‪ ,‬ول يحسب أكل دا ّبةٍ في حال دوسها لعسر الحتراز منها ‪ ,‬فنزل منزلة الفات‬
‫السّماويّة وأكل الوحوش ‪ ,‬ويحسب ما تأكله حال استراحتها ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬مؤنة تجفيف التّمر وجذاذ الثّمار وحصاد الحبّ ‪ ,‬وحمله ودياسه وتصفيته‬
‫وحفظه ‪ ,‬وغير ذلك من مؤن الثّمر والزّرع ‪ ,‬تكون كلها على المالك ل من مال الزّكاة ‪.‬‬
‫ح أنّه قال ‪ :‬تكون المؤنة من وسط المال ل‬
‫وحكى صاحب الحاوي عن عطاء بن أبي ربا ٍ‬
‫ن المال للجميع فوزّعت المؤنة عليه ‪.‬‬
‫يختص بتحملها المالك دون الفقراء ‪ ,‬ل ّ‬
‫وقال أحمد ‪ :‬من استدان ما أنفق على زرعه ‪ ,‬واستدان ما أنفق على أهله ‪ ,‬احتسب ما‬
‫أنفق على زرعه دون ما أنفق على أهله ‪ ,‬لنّه من مؤنة الزّرع ‪ ,‬وعندهم في ذلك تفصيل ‪.‬‬
‫ويرى الحنفيّة وجوب إخراج زكاة الزّرع بل رفع مؤنةٍ من أجرة العمّال ونفقة البقر ‪ ,‬وكري‬
‫النهار وأجرة الحافظ وبل رفع إخراج البذر ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪116‬‬ ‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬زكاة ف‬
‫المؤنة في الجارة ‪:‬‬
‫‪ -‬المؤنة في الجارة إمّا أن تكون بالنّسبة لكلفة ر ّد العين المستأجرة ‪ ,‬وإمّا أن تكون‬ ‫‪3‬‬

‫بالنّسبة لما يحتاجه المستأجر من مؤنةٍ أثناء الجارة ‪.‬‬


‫وبيان ذلك فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬مؤنة ردّ العين المستأجرة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة ‪ -‬على ما قال محمّد في الصل ‪ -‬إلى أنّه ليس على المستأجر رد ما‬ ‫‪4‬‬

‫استأجر على المالك ‪ ,‬وعلى الّذي آجر أن يقبض من منزل المستأجر ‪ ,‬قال محمّد في‬
‫الصل ‪ :‬إذا استأجر الرّجل رحىً يطحن عليها شهرا بأجر مس ّمىً ‪ ,‬فحمله إلى منزله فمؤنة‬
‫ب المال ‪,‬‬
‫الرّدّ على ربّ الرّحى ‪ ,‬والمصر وغير المصر في ذلك سواء ‪ ,‬فمؤنة الرّدّ على ر ّ‬
‫ب المال ‪ ,‬فأمّا إذا حصل الخراج بغير إذن ربّ المال فمؤنة‬
‫لكنّ هذا إذا كان الخراج بإذن ر ّ‬
‫الرّدّ على المستأجر ‪.‬‬
‫وأمّا الرّد بالنّسبة للجير المشترك نحو القصّار والصّبّاغ وال ّنسّاج فهو على الجير ‪ ,‬لنّ‬
‫الرّ ّد نقض القبض ‪ ,‬فيجب على من كان منفعة القبض له ‪ ,‬ومنفعة القبض في هذه‬
‫ب الثّوب المنفعة ‪ ,‬والعين خير من‬
‫المواضع للجير ‪ ,‬لنّ للجير عينا وهو الجرة ‪ ,‬ولر ّ‬
‫المنفعة فكان الرّد عليه ‪.‬‬
‫والشّافعيّة يبنون تحمل مؤنة ر ّد الشّيء المستأجر على لزوم الرّدّ وعدم لزومه ‪.‬‬
‫جاء في المهذّب ‪ :‬اختلف أصحابنا في ردّ المستأجَر بعد انقضاء الجارة فمنهم من قال ‪ :‬ل‬
‫ن المستأجَر أمانة فل يلزمه ردها قبل الطّلب كالوديعة‬
‫يلزم المستأجِر الرّد قبل المطالبة ‪ ,‬ل ّ‬
‫‪ ,‬ومنهم من قال ‪ :‬يلزمه لنّه بعد انقضاء الجارة غير مأذونٍ له في إمساكها ‪ ,‬فلزمه الرّد‬
‫كالعارية المؤقّتة بعد انقضاء وقتها ‪ ,‬فإن قلنا ‪ :‬ل يلزمه الرّد لم يلزمه مؤنة الرّدّ كالوديعة‬
‫‪ ,‬وإن قلنا ‪ :‬يلزمه الرّد لزمه مؤنة الرّ ّد كالعارية ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل يلزم المستأجر رد الشّيء المستأجر ‪ ,‬ول مؤنته كالمودَع ‪ ،‬لنّ الجارة‬
‫عقد ل يقتضي الضّمان ‪ ,‬فل يقتضي الرّ ّد ول مؤنته ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬مؤنة المستأجر أثناء الجارة ‪:‬‬
‫ن مؤنة الشّيء المستأجَر كعلف الدّابّة وسقيها تكون على المؤجّر‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫أثناء مدّة الجارة ‪ ,‬لنّ ذلك من مقتضى التّمكين فكان عليه ‪ ,‬إل أنّ الفقهاء يختلفون في‬
‫التّفصيل كما يلي ‪:‬‬
‫ن نفقة المستأجَر على الجر عينا كانت أو منفعةً ‪ ,‬وعلف الدّابّة‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬ ‫‪6‬‬

‫المستأجرة وسقيها على المؤجّر ‪ ,‬لنّها ملكه فإن علفها المستأجر بغير إذنه فهو متطوّع ‪,‬‬
‫ل يرجع به على المؤجّر ‪.‬‬
‫وليس على المستأجِر طعام الجير إل أن يتطوّع بذلك ‪ ,‬أو يكون فيه عرف ظاهر ‪.‬‬
‫وقد ذكر الحنفيّة حكم ما إذا شرط المؤجّر على المستأجر الطّعام أو العلف ‪ ,‬جاء في الفتاوى‬
‫الهنديّة ‪ :‬رجل استأجر عبدا كلّ شه ٍر بكذا ‪ ,‬على أن يكون طعامه على المستأجر ‪ ,‬أو دا ّبةً‬
‫على أن يكون علفها على المستأجر ‪ ,‬ذكر في الكتاب أنّه ل يجوز ‪.‬‬
‫وفي الفتاوى الهنديّة ‪ :‬كل إجارةٍ فيها رزق أو علف فهي فاسدة إل في استئجار الظّئر‬
‫بطعامها وكسوتها ‪ ،‬كذا في المبسوط ‪.‬‬
‫ل أن ينفق على الحمار ففعل‬
‫وإذا اكترى رجل حمارا فعيي في الطّريق ‪ ,‬فأمر المكتري رج ً‬
‫المأمور ‪ ,‬فإن علم المأمور أنّ الحمار لغير المر ل يرجع بما أنفق على أحدٍ ‪ ,‬لنّه متبرّع ‪,‬‬
‫وإن لم يعلم المأمور أنّ الحمار لغير المر له أن يرجع على المر ‪ ,‬وإن لم يقل المر على‬
‫أنّي ضامن ‪.‬‬
‫‪ -‬وأجاز المالكيّة اشتراط المؤنة على المستأجر ‪ ,‬جاء في منح الجليل ‪ :‬جاز كراء الدّابّة‬ ‫‪7‬‬

‫ل من رجلٍ على أنّ عليه رحلتها ‪ ,‬أو‬


‫على أنّ على المكتري علفها ‪ ,‬ول بأس أن يكتري إب ً‬
‫يكتري دا ّبةً بعلفها أو أجيرا بطعامه ‪ ,‬فذلك جائز وإن لم توصف النّفقة لنّه معروف ‪ ,‬قال‬
‫مالك ‪ :‬ل بأس أن يؤاجر الحر والعبد أجلً معلوما بطعامه في الجل أو بكسوته فيه ‪.‬‬
‫وجاء في منح الجليل أيضا ‪ :‬وإذا اكتريت من رج ٍل إبله ‪ ,‬ثمّ هرب الجمّال وتركها في يديك‬
‫‪ ,‬فأنفقت عليها فلك الرجوع بذلك ‪ ,‬وكذلك إن اكتريت من يرحّلها رجعت بكرائه ‪ ,‬وتأوّل أبو‬
‫ب البل هو الّذي يرحّلها ‪ ,‬قال ابن عرفة ‪ :‬والظهر بمقتضى‬
‫إسحاق ذلك بكون العادة أنّ ر ّ‬
‫القواعد ‪ :‬أن يلزم المكري البرذعة والسّرج ونحوهما ‪ ,‬ل مؤنة الحطّ والحمل ‪.‬‬
‫ي ‪ ,‬ول يلزم المستأجر غير ما‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ل بأس بإجارة الظّئر على إرضاع الصّب ّ‬
‫استأجرها به من أجرةٍ ‪ ,‬إل أن يشترط أن يكون على المستأجر طعامها وكسوتها ‪ ,‬فذلك‬
‫جائز ‪ ,‬قال ابن حبيبٍ ‪ :‬وطعامها وكسوتها على قدرها وقدر هيئتها وقدر أبي الصّبي في‬
‫غناه وفقره ‪.‬‬
‫ويجوز أن يكون طعام الجير وحده هو الجرة أو مع دراهم ‪.‬‬
‫ن ذلك من مقتضى التّمكين فكان‬
‫‪ -‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬على المكري علف الظّهر وسقيه ‪ ,‬ل ّ‬ ‫‪8‬‬

‫عليه ‪ ,‬ومن اكترى جمالً فهرب الجمّال وتركها عند المكتري فل فسخ له ول خيار ‪ ,‬بل إن‬
‫شاء تبرّع بمؤنتها ‪ ,‬وإن لم يتبرّع رفع المر إلى القاضي ‪ :‬ليموّنها القاضي ويموّن من‬
‫يقوم بحفظها من مال الجمّال إن كان له مال ‪ ,‬فإن لم يكن للجمّال مال ولم يكن في الجمال‬
‫ي أو من بيت المال ‪ ,‬فإن وثق‬
‫فضل ‪ ,‬اقترض القاضي على الجمّال من المكتري أو من أجنب ّ‬
‫القاضي بالمكتري دفع ما اقترضه إليه ‪ ,‬وإن اقترضه منه لينفقه عليها ‪ ,‬وإن لم يثق به‬
‫جعل القاضي ما اقترضه عند ثقةٍ ينفق عليها ‪.‬‬
‫وإذا لم يجد القاضي مالً يقترضه فله أن يبيع من الجمال قدر النّفقة عليها وعلى من‬
‫يتعهّدها ‪ ,‬وإذا كان في الجمال المتروكة زيادة على حاجة المستأجر فل يقترض القاضي‬
‫على الجمال ‪ ,‬كما صرّح به العراقيون بل يبيع الفاضل عن الحاجة ‪.‬‬
‫ولو أذن القاضي للمكتري في النفاق على الجمال ‪ ,‬وعلى متعهّدها من ماله أو من مال‬
‫غيره ‪ ,‬ليرجع بما أنفقه عليها وعلى متعهّدها ‪ ,‬جاز في الظهر ‪ ,‬كما لو اقترض ثمّ دفع‬
‫إليه ‪ ,‬ولنّه محل ضرورةٍ ‪ ,‬فقد ل يجد القاضي من يقرضه أو ل يراه ‪ ,‬ومقابل الظهر‬
‫المنع ويجعل متبرّعا ‪.‬‬
‫وإذا أنفق المستأجر بغير إذن الحاكم فإنّه ل يرجع بما أنفق ويعتبر متبرّعا ‪ ,‬لكنّ محلّ هذا‬
‫إذا أمكن إذن الحاكم ‪ ,‬فإذا لم يمكن إذن الحاكم كأن لم يكن حاكم ‪ ,‬أو عسر إثبات الواقعة‬
‫عنده ‪ ,‬فأنفق وأشهد على ما أنفق ليرجع رجع ‪ ,‬والقول قوله في قدر ما أنفق إذا ادّعى‬
‫نفقة مثله في العادة ‪ ,‬لنّه أمين ‪.‬‬
‫وإن كانت الجارة في ال ّذمّة فمؤنة الدّليل وسائق الدّابّة وأجرة الخفير على المكري ‪ ,‬لنّ‬
‫ن الّذي‬
‫ذلك من مؤن التّحصيل ‪ ,‬وإن كانت الجارة على ظه ٍر بعينه فهو على المكتري ‪ ,‬ل ّ‬
‫يجب على المكري تسليم الظّهر وقد فعل ‪.‬‬
‫وطعام المرضعة وشرابها عليها ‪ ,‬وعليها أن تأكل وتشرب ما يدر به اللّبن ويصلح به ‪,‬‬
‫وللمستأجر أن يطالبها بذلك ‪ ,‬لنّه من مقتضى التّمكين من الرّضاع ‪ ,‬وفي تركه إضرار‬
‫ي‪.‬‬
‫بالصّب ّ‬
‫‪ -‬وذهب الحنابلة إلى ما ذهب إليه الشّافعيّة في الجملة ‪ ,‬وذلك بالنّسبة للنفاق على‬ ‫‪9‬‬

‫الجمال الّتي تركها المكري عند المستأجر دون أن يكون له مال وحينئذٍ يرفع المستأجر المر‬
‫للقاضي ليقترض له ‪ ,‬أو ليأذن له في النفاق ويكون دينا على المكري ‪ ,‬وفي النفاق عند‬
‫عدم الحاكم مع الشهاد وعدمه ‪ ,‬وهذا على ما سبق من التّفصيل في مذهب الشّافعيّة ‪.‬‬
‫واختلفت الرّواية عن أحمد فيمن استأجر أجيرا بطعامه وكسوته ‪ ,‬أو جعل له أجرا وشرط‬
‫طعامه وكسوته ‪ ,‬فروي عنه جواز ذلك ‪ ,‬وروي عن أبي بكرٍ وعمر وأبي موسى رضي ال‬
‫عنهم أنّهم استأجروا الجراء بطعامهم وكسوتهم ‪ ,‬وروي عن أحمد أنّ ذلك جائز في الظّئر‬
‫ن ذلك مجهول ‪ ,‬وإنّما جاز في الظّئر لقول‬
‫دون غيرها ‪ ,‬واختار القاضي هذه الرّواية ‪ ,‬ل ّ‬
‫ن النّفقة والكسوة على‬
‫سوَتُهُنّ } فأوجب له ّ‬
‫ن َو ِك ْ‬
‫اللّه تعالى ‪ { :‬وَعلَى ا ْل َموْلُو ِد َلهُ رِزْ ُقهُ ّ‬
‫الرّضاع ‪.‬‬
‫وروي عن أحمد رواية ثالثة ‪ :‬أنّه ل يجوز ذلك بحال ل في الظّئر ول في غيرها ‪.‬‬
‫واستدلّ ابن قدامة على رواية جواز استئجار الجير بطعامه وكسوته بما روى عتبة بن‬
‫المنذر رضي ال عنه قال ‪ « :‬كنّا عند رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقرأ ‪ { :‬طسم }‬
‫حتّى إذا بلغ قصّة موسى قال ‪ :‬إنّ موسى صلى ال عليه وسلم آجر نفسه ثماني سنين أو‬
‫عشرا على عفّة فرجه وطعام بطنه » ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة أيضا ‪ :‬وإن شرط الجير كسوةً معلومةً ونفقةً موصوف ًة كما يوصف في‬
‫السّلم جاز ذلك ‪ ,‬وإن لم يشترط طعاما ول كسوةً فنفقته وكسوته على نفسه ‪ ,‬وكذلك الظّئر‪.‬‬
‫ولو استأجر دا ّبةً بعلفها أو بأج ٍر مس ّمىً وعلفها لم يجز ‪ ,‬لنّه مجهول ‪ ,‬ول عرف له يرجع‬
‫إليه إل أن يشترطه موصوفا فيجوز ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬أجرة الدّليل تكون على المكتري ‪ ,‬لنّ ذلك خارج عن البهيمة المكتراة‬
‫وآلتها فلم يلزمه كالزّاد ‪ ,‬وقيل ‪ :‬إن كان اكترى منه بهيمةً بعينها فأجرة الدّليل على‬
‫المكتري ‪ ,‬لنّ الّذي عليه أن يسلّم الظّهر وقد سلّمه ‪ ,‬وإن كانت الجارة على حمله إلى‬
‫مكانٍ معيّنٍ في ال ّذمّة فهو على المكري ‪ ,‬لنّه من مؤنة إيصاله إليه وتحصيله فيه ‪.‬‬
‫مؤنة ردّ المغصوب ‪:‬‬
‫‪ -‬من غصب شيئا وجب رده لصاحبه متى كان باقيا لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬ ‫‪10‬‬

‫« على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي » ‪.‬‬


‫والرّد واجب على الفور عند التّمكن ‪ ,‬ومؤنة الرّدّ تكون على الغاصب ‪ ,‬باتّفاق الفقهاء في‬
‫الجملة ‪ ,‬وإن عظمت المؤنة في ردّه كما قالت الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ومن غصب شيئا ونقله إلى بل ٍد أخرى ولقيه المغصوب منه في هذا المكان ‪ ,‬والعين في يد‬
‫الغاصب ‪ ,‬فملخّص ما قاله الحنفيّة ‪ :‬أنّه إن كان نقل المغصوب يحتاج إلى حملٍ ومؤنةٍ‬
‫فالمالك بالخيار إن شاء طالبه بالقيمة ‪ ,‬وإن شاء انتظر إلى أن يردّه الغاصب إلى مكان‬
‫الغصب ‪ ,‬وإن لم يكن له حمل ومؤنة كما لو كان المغصوب دراهم أو دنانير فليس‬
‫للمغصوب منه مطالبة الغاصب بالقيمة ‪ ,‬وإنّما له أخذ عين شيئه ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن كان المغصوب مثليّا فل يلزم الغاصب إل مثله في بلد الغصب ‪ ,‬وقال‬
‫أشهب ‪ :‬ويخيّر المغصوب منه بين أخذه في هذا البلد أو في مكان الغصب ‪ ,‬وإذا طلب‬
‫المغصوب من الغاصب ردّ المثليّ لبلد الغصب ليأخذه بعينه فل يجبر الغاصب على ردّه‬
‫لبلده ‪ ,‬قال في الذّخيرة ‪ :‬نقل المغصوب تباينت فيه الراء بنا ًء على ملحظة أصولٍ وقواعد‬
‫ن ماله معصوم كمال المغصوب منه ‪.‬‬
‫ن الغاصب ل ينبغي أن يغرم كلفة النّقل ل ّ‬
‫منها ‪ :‬أ ّ‬
‫وإن كان المغصوب متقوّما فإن كان ل يحتاج في نقله إلى كبير حملٍ كالدّوابّ أخذه‬
‫المغصوب منه من الغاصب ‪ ,‬وإن كان يحتاج إلى كبير حملٍ فيخيّر ربه بين أخذه أو أخذ‬
‫قيمته يوم غصبه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو لقي المالك الغاصب بمفازة والمغصوب معه فإن استردّه لم يكلّف‬
‫الغاصب أجرة النّقل ‪ ,‬وإن امتنع المالك من قبوله فوضعه الغاصب بين يديه برئ إن لم يكن‬
‫لنقله مؤنة ‪.‬‬
‫ولو أخذه المالك وشرط على الغاصب مؤنة النّقل لم يجز ‪ ,‬لنّه نقل ملك نفسه ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إذا غصب إنسان شيئا ببلد فلقيه المالك ببلد آخر فإن كان من المثليّات‬
‫وكانت قيمته مختلفةً في البلدين فإن لم يكن له حمل ومؤنة فله المطالبة بمثله ‪ ,‬لنّه يمكن‬
‫رد المثل من غير ضررٍ ‪ ,‬وإن كان لحمله مؤنة وقيمته في البلد الّذي غصبه فيه أقلّ فليس‬
‫عليه رده ول رد مثله ‪ ,‬لنّنا ل نكلّفه مؤنة النّقل إلى بل ٍد ل يستحق تسليمه فيه ‪,‬‬
‫وللمغصوب منه الخيرة بين الصّبر إلى أن يستوفيه في بلده وبين المطالبة في الحال بقيمته‬
‫في البلد الّذي غصبه فيه ‪ ,‬وإن كان من المتقوّمات فله المطالبة بقيمته في بلد الغصب ‪.‬‬
‫وإن قال رب المغصوب ‪ :‬دعه مكانه وأعطني أجرة ردّه إلى مكانه ‪ ,‬وإل ألزمتك بردّه لم‬
‫يلزمه لنّها معاوضة فل يجبر عليها ‪ ,‬وإن قال الغاصب ‪ :‬خذ منّي أجر ردّه وتسلمه منّي‬
‫ههنا أو بذل له أكثر من قيمته لم يلزم المالك قبول ذلك لنّها معاوضة فل يجبر عليها ‪.‬‬
‫مؤنة الموقوف ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يرجع إلى شرط الواقف في نفقة الموقوف ومؤن‬ ‫‪11‬‬

‫تجهيزه وعمارته ‪ ,‬وسواء شرطها الواقف من ماله أو من مال الوقف ‪ ,‬كأن يقول الواقف ‪:‬‬
‫ينفق عليه أو يعمّر من جهة ‪ ,‬كذا فإن عيّن الواقف النفاق من غلّته أو من غيرها عمل به‬
‫رجوعا إلى شرطه ‪ ,‬وإن لم يشرط الواقف شيئا كان النفاق عليه من غلّته ‪ ,‬لنّ الوقف‬
‫يقتضي تحبيس الصل وتسبيل منفعته ‪ ,‬ول يحصل ذلك إل بالنفاق عليه ‪ ,‬فكان ذلك من‬
‫ضروراته ‪.‬‬
‫فإن تعطّلت منافعه ‪ ,‬فقد قال الشّافعيّة ‪ :‬تكون النّفقة ومؤن التّجهيز ‪ -‬ل العمارة ‪ -‬من بيت‬
‫المال ‪ ,‬كمن أعتق من ل كسب له ‪ ,‬أمّا العمارة فل تجب على أحدٍ حينئذٍ كالملك المطلق‬
‫بخلف الحيوان لصيانة روحه وحرمته ‪.‬‬
‫ن مثل العمارة أجرة الرض الّتي بها بناء أو غراس موقوف ولم تف منافعه‬
‫قالوا ‪ :‬وظاهر أ ّ‬
‫بالجرة ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن لم يكن للموقوف غلّة فنفقته على الموقوف عليه المعيّن ‪ ,‬فإن عدم الغلّة‬
‫لكونه ليس من شأنه أن يؤجّر كالعبد الموقوف عليه ليخدمه والفرس يغزو عليه أو جرّ‬
‫بنفقته دفعا للضّرورة ‪ ,‬وإن كان الوقف على غير معيّنٍ كالمساكين فنفقته في بيت المال ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬يبدأ من غلّة الوقف بالصّرف على عمارته وإصلح ما وهى من بنائه ‪,‬‬
‫ن الوقف صدقة‬
‫وسائر مؤناته الّتي ل ب ّد منها سواء شرط الواقف ذلك أو لم يشرط ‪ ,‬ل ّ‬
‫جارية في سبيل اللّه تعالى ول تجري إل بهذا الطّريق ‪ ,‬قال الكمال بن الهمام ‪ :‬فكانت‬
‫العمارة مشروطةً اقتضاءً ‪ ,‬ولهذا ذكر محمّد في الصل في شيءٍ من رسم الصكوك ‪:‬‬
‫فاشترط أن يرفع الوالي من غلّة الوقف كلّ عامٍ ما يحتاج إليه لداء العشر والخراج والبذر‬
‫وأرزاق الولة عليها والعملة وأجور الحرّاس والحصادين والدّراس ‪ ,‬لنّ حصول منفعتها‬
‫ت ل يتحقّق إل بدفع هذه المؤن من رأس الغلّة ‪.‬‬
‫في كلّ وق ٍ‬
‫ن المنفعة‬
‫وقال الكاساني ‪ :‬لو وقف داره على سكنى ولده فالعمارة على من له السكنى ‪ ,‬ل ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الخراج بالضّمان » ‪.‬‬
‫له فكانت المؤنة عليه لقول النّب ّ‬
‫فإن امتنع من العمارة أو لم يقدر عليها بأن كان فقيرا آجرها القاضي وعمّرها بالجرة ‪,‬‬
‫لنّ استبقاء الوقف واجب ‪ ,‬ول يبقى إل بالعمارة ‪ ,‬فإذا امتنع عن ذلك أو عجز عنه ناب‬
‫القاضي منابه في استبقائه بالجارة ‪ ,‬كالدّابّة إذا امتنع صاحبها عن النقاق عليها أنفق‬
‫القاضي عليها بالجارة ‪ ,‬وإن كان الوقف على الفقراء فالمؤنة من الغلّة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يبدأ بإصلح الوقف وعمارته من غلّته ‪ ,‬ولو شرط الواقف غير ذلك بطل‬
‫شرطه ‪ ,‬وإن احتاج العقار الموقوف على معيّنٍ لسكناه لصلحه ولم يصلحه الموقوف عليه‬
‫من ماله أخرج السّاكن الموقوف عليه للسكنى ليكري لغيره مدّةً مستقبلةً بشرط تعجيل‬
‫كرائها وإصلحه بما يكري به ‪.‬‬
‫والفرس الموقوف للغزو ينفق عليه من بيت المال ول تلزم نفقته المحبس ول المحبس‬
‫عليه ‪ ,‬فإن عُدِم بيت المال بيع وعوّض بثمنه سلح ونحوه ممّا ل يحتاج لنفقة ‪ ,‬وقال ابن‬
‫جزي ‪ :‬تبتنى الرّباع المحبسة من غلتها ‪ ,‬فإن لم تكن فمن بيت المال ‪.‬‬
‫مؤنة العارية ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء فيما تحتاجه العارية من مؤنةٍ وهي عند المستعير ‪ ,‬هل هي واجبة‬ ‫‪12‬‬

‫على المستعير باعتبار أنّه المنتفع ‪ ,‬أم هي واجبة على المعير وهو المالك باعتبار أنّ ذلك‬
‫من المعروف وجعل المؤنة على المستعير ينفي المعروف وتصير كرا ًء ؟ ‪.‬‬
‫كذلك اختلف الفقهاء في مؤنة ر ّد العارية هل هي على المستعير أو المعير ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪21‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪20‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إعارة ف‬

‫مائع *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المائع في اللغة ‪ :‬السّائل والذّائب ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫وماع الجسم يميع ميعا وموعا ‪ -‬من بابي باع وقال ‪ -‬ذاب وسال ‪.‬‬
‫ويتعدّى بالهمزة فيقال ‪ :‬أمعته ‪ ,‬ويقال ماع الشّيء انماع أي سال ‪ ,‬ومنه قول سعيد بن‬
‫المسيّب ‪ :‬في جهنّم وادٍ يقال له ويل لو سيّرت فيه جبال الدنيا لنماعت من شدّة حرّه ‪ ،‬أي‬
‫‪ :‬ذابت وسالت ‪.‬‬
‫ومعناه الصطلحي ل يخرج عن معناه اللغويّ ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمائع ‪:‬‬
‫يتعلّق بالمائع أحكام مختلفة في عدّة مواضع منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّطهير بالمائع ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في رفع المائع للحدث وإزالته للخبث عن الجسد والثّياب ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫فقال جمهور الفقهاء ‪ :‬ل يرفع الحدث ول يزيل الخبث إل الماء المطلق ‪ ,‬وقال غيرهم ‪:‬‬
‫يرفع الحدث ويزيل الخبث كل مائعٍ طاهرٍ قالع في الجملة ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬طهارة ف ‪ 9‬وما بعدها ‪ ,‬ومياه ‪ ,‬ونجاسة ‪ ,‬ووضوء ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تنجس المائعات ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة في أولى الرّوايات عندهم إلى أنّ ما سوى الماء‬ ‫‪3‬‬

‫المطلق من المائعات كالخلّ وماء الورد ‪ ,‬واللّبن والزّيت والعسل والسّمن والمرق والعصير‬
‫ل ل يبلغ القلّتين أو كثيرا يبلغ‬
‫وغيرها تتنجّس بملقاة النّجاسة سواء كان هذا المائع قلي ً‬
‫القلّتين وسواء أعسر الحتراز منها أم لم يعسر ‪ ,‬لنّه ليس لهذه المائعات خاصّيّة دفع‬
‫الخبث كما هو شأن الماء لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم عندما سئل عن الفأرة تموت في‬
‫السّمن ‪ « :‬إن كان جامدا فألقوها وما حولها ‪ ,‬وإن كان مائعا فل تقربوه وفي روايةٍ‬
‫فأريقوه » ‪ ,‬ولنّ الماء يدفع الخبث عن نفسه ول يحملها ‪ ,‬لقول النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬الماء ل ينجّسه شيء إل ما غلب ريحه وطعمه ولونه » ‪ ,‬وهذا ليس في المائعات‬
‫الخرى فهي كالماء القليل ‪ ,‬فكل ما نجّس الماء القليل نجّس المائع ‪ ,‬وإن كان المائع‬
‫كثيرا ‪ ,‬أو كان جاريا ‪ ,‬أمّا ما لم ينجّس الماء القليل فإنّه ل ينجّس المائع أيضا وذلك كالميتة‬
‫الّتي ل نفس لها سائلة إذا وقعت في المائع لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا وقع‬
‫الذباب في إناء أحدكم فامقلوه فإنّ في أحد جناحيه داء وفي الخر شفاء » وفي روايةٍ ‪:‬‬
‫« فليغمسه ثمّ لينزعه » ‪.‬‬
‫قال النّووي ‪ :‬الدود المتولّد في الطعمة والماء كدود التّين ‪ ,‬والتفّاح والباقلء والجبن‬
‫ف‪.‬‬
‫والخلّ وغيرها ل ينجّس ما مات فيه بل خل ٍ‬
‫وذهب الحنفيّة وهو رواية عن أحمد إلى أنّ المائع كالماء ل ينجس إل بما ينجس به الماء ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬وحكم سائر المائعات كالماء في الصحّ ‪ -‬في القلّة والكثرة ‪ -‬حتّى لو‬
‫وقع بول في عصيرٍ عشر في عش ٍر لم يفسد ‪ ,‬ولو سال دم رجله مع العصير ل ينجس ما لم‬
‫يطهّر فيه أثر الدّم ‪ -‬فكل ما ل يفسد الماء ل يفسد غير الماء ‪ -‬من سائر المائعات ‪ ,‬وقال‬
‫ن كلّ ما ل يفسد الماء ل يفسد غير الماء ثمّ قال ‪ :‬ثمّ‬
‫الكاساني ‪ :‬ذكر الكرخي عن أصحابنا أ ّ‬
‫الحيوان إذا مات في المائع القليل فل يخلو إمّا أن يكون له دم سائل أو ل يكون ‪ ,‬ول يخلو‬
‫إمّا أن يكون برّيا أو مائيا ‪ ,‬ول يخلو إمّا أن يموت في الماء أو في غير الماء ‪ ,‬فإن لم يكن‬
‫له دم سائل كالذباب والزنبور والعقرب والسّمك والجراد ونحوها ل ينجس بالموت ‪ ,‬ول‬
‫ينجّس ما يموت فيه من المائع سواء كان ماءً أو غيره من المائعات كالخلّ واللّبن والعصير‬
‫وأشباه ذلك ‪ ,‬وسواء كان برّيا أو مائيا كالعقرب ونحوه ‪ ,‬وسواء كان السّمك طافيا أو غير‬
‫ن نجاسة الميتة ليست لعين الموت ‪ ,‬فإنّ الموت موجود في السّمك والجراد ول‬
‫طافٍ ل ّ‬
‫يوجب التّنجيس ولكن لما فيها من الدّم المسفوح ول دم في هذه الشياء ‪ ,‬وإن كان له دم‬
‫سائل فإن كان برّيا ينجس بالموت ‪ ,‬وينجّس المائع الّذي يموت فيه سواء كان ما ًء أو‬
‫ن الدّم‬
‫غيره‪ ,‬وسواء مات في المائع أو في غيره ثمّ وقع فيه كسائر الحيوانات الدّمويّة ‪ ,‬ل ّ‬
‫السّائل نجس فينجّس ما يجاوره ‪ ,‬وإن كان مائيا كالضفدع المائيّ والسّرطان ونحو ذلك فإن‬
‫مات في الماء ل ينجّسه في ظاهر الرّواية وإن مات في غير الماء فإن قيل ‪ :‬إنّ العلّة أنّ‬
‫هذا ممّا يعيش في الماء فل يمكن صيانة المياه عن موت هذه الحيوانات يوجب التّنجيس‬
‫لنّه يمكن صيانة سائر المائعات عن موتها فيها ‪ ,‬وإن قيل ‪ :‬إنّ العلّة أنّها إذا كانت تعيش‬
‫في الماء ل يكون لها دم إذ الدّموي ل يعيش في الماء فل يوجب التّنجيس لنعدام الدّم‬
‫المسفوح ‪ .‬والرّواية الثّانية عن أحمد ‪ :‬أنّ المائعات ل يتنجّس منها ما بلغ القلّتين إل إذا‬
‫تغيّر ‪.‬‬
‫قال حرب ‪ :‬سألت أحمد قلت ‪ :‬كلب ولغ في سمنٍ أو زيتٍ ؟ قال ‪ :‬إذا كان في آنيةٍ كبيرةٍ‬
‫مثل حبّ أو نحوه رجوت أن ل يكون به بأس ويؤكل ‪ ,‬لنّه كثير فلم ينجس بالنّجاسة من‬
‫غير تغيرٍ كالماء ‪ ,‬وإن كان في آن ّيةٍ صغير ٍة فل يعجبني ذلك ‪.‬‬
‫وهناك رأي آخر للحنابلة وهو ‪ :‬ما أصله الماء ‪ -‬من المائعات ‪ -‬كالخلّ التّمريّ يدفع‬
‫ن الغالب فيه الماء ‪ ,‬وما ل يكون أصله الماء فل يدفع النّجاسة ‪.‬‬
‫النّجاسة ل ّ‬
‫تطهير المائع المتنجّس ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في إمكانيّة تطهير المائعات المتنجّسة أو عدم إمكان ذلك ‪:‬‬ ‫‪4‬‬

‫فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه لو تنجّس مائع غير الماء كاللّبن والخ ّل ونحوهما تعذّر‬
‫تطهيره ‪ ,‬إذ ل يأتي الماء على كلّه ‪ ,‬لنّه بطبعه يمنع إصابة الماء ولقول النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم عندما سئل في فأرةٍ وقعت في سمنٍ ‪ « :‬إن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن‬
‫كان مائعا فل تقربوه » وفي روايةٍ ‪ « :‬فأريقوه » ‪ ,‬فلو أمكن تطهيره شرعا ‪ ,‬أو كان إلى‬
‫تطهيره طريق لم يأمر بالبتعاد عنه ‪ ,‬أو بإراقته ‪ ,‬بل أمر بغسله وبيّن لهم طريقة تطهيره ‪,‬‬
‫لما في ذلك من إضاعة المال ‪.‬‬
‫وعليه فإذا تنجّس لبن أو مرق أو زيت أو سمن مائع أو دهن من سائر الدهان أو غير ذلك‬
‫من المائعات فل طريق لتطهيرها للحديث المتقدّم ‪ ,‬ولنّه ل يمكن غسله ‪.‬‬
‫ن المتنجّس منه إن أصابته نجاسة‬
‫واستثنى بعض الشّافعيّة والحنابلة من هذا الزّئبق ‪ ,‬فإ ّ‬
‫ب الماء عليه ‪ ,‬وإن انقطع فهو كالدهن ول يمكن تطهيره‬
‫ولم ينقطع بعد إصابتها طهّر بص ّ‬
‫على الصحّ ‪.‬‬
‫وقال ابن عقيلٍ من الحنابلة ‪ :‬الزّئبق لقوّته وتماسكه يجري مجرى الجامد ‪.‬‬
‫كما استثني في قو ٍل عند كلّ من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة الزّيت والسّمن وسائر الدهان‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّها تطهر بالغسل قياسا على الثّوب ‪ ,‬قالوا ‪ :‬وطريق تطهيرها أن نجعل الدهن في‬
‫إناءٍ ويصب عليه الماء ويكاثر به ويحرّك بخشبة ونحوها تحريكا يغلب على الظّنّ أنّه وصل‬
‫إلى جميع أجزائه ‪ ,‬ث ّم يترك حتّى يعلو الدهن على الماء فيأخذه ‪ ,‬أو يفتح أسفل الناء‬
‫فيخرج الماء ويطهر الدهن ويسد الفتحة بيده أو بغيرها ‪ ,‬وذكر ابن عرفة ‪ -‬من المالكيّة ‪-‬‬
‫في كيفيّة التّطهير أنّه يطبخ ‪ -‬الزّيت المخلوط بالنّجس ‪ -‬بالماء مرّتين أو ثلثا ‪ ,‬قال‬
‫الحطّاب بعد ذكر هذا القول ‪ :‬وقال في التّوضيح كيفيّته ‪ -‬أي التّطهير ‪ -‬على القول به أن‬
‫يؤخذ إناء فيوضع فيه شيء من الزّيت ويوضع عليه ماء أكثر منه ‪ ,‬وينقب الناء من‬
‫أسفله ويسده بيده أو بغيرها ث ّم يمخّض الناء ‪ ،‬ثمّ يفتح الناء فينزل الماء ‪ ,‬ويبقى الزّيت‬
‫يفعل ذلك مرّةً بعد مرّةٍ حتّى ينزل الماء صافيا ‪ ,‬قال المالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬محل الخلف إذا‬
‫ل أما إذا كانت دهن ّي ًة كودك‬
‫ي غير دهن ّيةٍ كالبول مث ً‬
‫كانت النّجاسة الّتي أصابت المائع الدهن ّ‬
‫الميتة فل تقبل التّطهر بل خلفٍ لممازجتها له ‪.‬‬
‫والفتوى عند الحنفيّة على أنّه يطهر لبن وعسل ودبس ودهن يغلى ثللً ‪ ,‬وقال في الدرر ‪:‬‬
‫ولو تنجّس العسل فتطهيره أن يصبّ فيه ماء بقدره فيغلى حتّى يعود إلى مكانه والدهن‬
‫يصب عليه الماء فيغلي فيعلو الدهن الماء فيرفع بشيء هكذا ثلث مرّاتٍ ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬نجاسة ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬النتفاع بالمائعات النّجسة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة ‪ ,‬والمالكيّة ‪ ,‬والحنابلة إلى أنّه ل يجوز النتفاع بودك الميتة أو شحمها‬ ‫‪5‬‬

‫في طلي السفن ونحوها ‪ ,‬أو الستصباح بها أو ليّ وجهٍ آخر من وجوه الستعمال ما عدا‬
‫ي صلى ال عليه وسلم عن جابر بن‬
‫جلدها إذا دبغ ‪ ,‬لعموم النّهي عن ذلك في حديث النّب ّ‬
‫ن اللّه‬
‫عبد اللّه رضي ال عنهما أنّه سمع رسول اللّه يقول عام الفتح وهو بمكّة ‪ « :‬إ ّ‬
‫ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والصنام ‪ ،‬فقيل ‪ :‬يا رسول اللّه أرأيت شحوم‬
‫الميتة فإنّه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها النّاس ؟ فقال ‪ :‬ل هو حرام ‪،‬‬
‫ن اللّه ع ّز وجلّ لمّا‬
‫ثمّ قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عند ذلك ‪ :‬قاتل اللّه اليهود إ ّ‬
‫حرّم عليهم شحومها أجملوه ثمّ باعوه فأكلوا ثمنه » إل أنّ ابن قدامة قال ‪ :‬ولبن الميتة‬
‫وإنفَحتها روي أنّها طاهرة وهو قول أبي حنيفة لنّ الصّحابة رضي ال عنهم ‪ :‬أكلوا الجبن‬
‫لمّا دخلوا المدائن وهو يعمل بالنفَحة وهي تؤخذ من صغار المعز فهو بمنزلة اللّبن‬
‫ح وابن الماجشون من المالكيّة ‪,‬‬
‫وذبائحهم ميّتة ‪ .‬وذهب أحمد بن حنبلٍ ‪ ,‬وأحمد بن صال ٍ‬
‫وابن المنذر وهو مقابل المشهور عند الشّافعيّة إلى أنّه ل يجوز النتفاع بشيء من ذلك كلّه‬
‫في شي ٍء من الشياء للحديث المتقدّم ‪ ,‬ولما على النسان من التّعبد في اجتناب النّجاسة ‪,‬‬
‫ولجل دخان النّجاسة ‪ -‬بالنّسبة للستصباح ‪ -‬فإنّه قد يصيب بدنه أو ثوبه عند القرب من‬
‫السّراج ‪ ،‬نقل عن ابن الماجشون من المالكيّة ‪ :‬أنّه ل ينتفع بشيء من النّجاسات في وجهٍ‬
‫من الوجوه ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬يحل مع الكراهة في غير المسجد الستصباح بالدهن النّجس‬
‫عينه كودك ميتةٍ ‪ ,‬أو بعارض كزيت ونحوه وقعت فيه نجاسة على المشهور في المذهب ‪,‬‬
‫لنّه صلى ال عليه وسلم سئل عن فأرةٍ وقعت في سمنٍ ؟ فقال ‪ « :‬إن كان جامدا فألقوها‬
‫وما حولها ‪ ,‬وإن كان مائعا فاستصبحوا به أو فانتفعوا به » ‪ ,‬وعلى هذا يعفى عمّا يصيب‬
‫النسان من دخان المصباح لقلّته ‪.‬‬
‫ومقابل المشهور ‪ :‬أنّه ل يجوز لجل دخان النّجاسة فإنّه قد يصيب بدنه أو ثوبه عند القرب‬
‫من السّراج ‪.‬‬
‫أمّا في المسجد فل يجوز لما فيه من تنجيسه كما جزم ابن المقري تبعا للذرعيّ‬
‫ي إلى الجواز ‪.‬‬
‫والزّركشيّ‪ ,‬وإن كان ميل السنو ّ‬
‫ويستثنى أيضا ودك نحو الكلب كما قاله في البيان ونقله الغ ّزيّ عن المام ‪.‬‬
‫قال الغ ّزيّ ‪ :‬ويجوز أن يجعل الزّيت المتنجّس صابونا أيضا للستعمال أي ل للبيع ‪.‬‬
‫قال في المجموع ‪ :‬ويجوز طلي السفن بشحم الميتة وإطعامها للكلب والطيور وإطعام‬
‫الطّعام المتنجّس للدّوابّ ‪.‬‬
‫وفرّق المالكيّة بين نجس العين كالبول وبين المتنجّس فقالوا ‪ :‬بجواز النتفاع بالمتنجّس‬
‫لغير المسجد والبدن قال خليل ‪ :‬وينتفع بمتنجّس ل نجسٍ في غير مسجدٍ وآدميّ ‪ ،‬قال‬
‫الحطّاب في شرحه ‪ :‬مراده بالمتنجّس ما كان طاهرا في الصل وأصابته نجاسة كالزّيت‬
‫والسّمن تقع فيه فأرة أو نجاسة ‪ ,‬وبالنّجس ما كانت عينه نجس ًة كالبول والعذرة والميتة‬
‫والدّم ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬نجاسة ) ‪.‬‬

‫مارِن *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني المارن في اللغة ‪ :‬النف ‪ ,‬أو ‪ :‬طرفه ‪ ,‬أو ‪ :‬ما لن من النف ‪ ,‬وقيل ‪ :‬ما‬ ‫‪1‬‬

‫لن من النف منحدرا عن العظم وفضل عن القصبة ‪.‬‬


‫والمارن في اصطلح الفقهاء ‪ :‬طرف النف أو ما لن منه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬النف ‪:‬‬
‫‪ -‬النف هو عضو التّنفس والشّمّ ‪ ,‬وهو اسم لمجموع المنخرين والحاجز ‪ ,‬والجمع أنوف‬ ‫‪2‬‬

‫وآناف وآنُف ‪.‬‬


‫فالنف أعم من المارن اصطلحا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الوترة ‪:‬‬
‫‪ -‬الوترة والوتيرة في النف صلة ما بين المنخرين ‪ ,‬وقيل ‪ :‬الوتيرة من النف الحاجز‬ ‫‪3‬‬

‫بين المنخرين من مقدّم النف دون الغضروف ‪.‬‬


‫قال العدويّ ‪ :‬هي الحاجز بين طاقتي النف ‪ ,‬وقال الحطّاب ‪ :‬الوَتَرة بفتح الواو والتّاء‬
‫المثنّاة الفوقيّة هي الحاجز بين ثقبي النف ‪.‬‬
‫والوترة والمارن جزء من النف ‪.‬‬
‫الحكام المتعقّلة بالمارن ‪:‬‬
‫غسل المارن في الوضوء ‪:‬‬
‫ن غسل ظاهر المارن واجب في الوضوء والطّهارة بصفّة عا ّمةٍ ‪,‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫غسِلُو ْا ُوجُو َه ُكمْ } ‪,‬‬


‫لنّه من الوجه الّذي فرض غسله في الوضوء بقول اللّه تعالى ‪ { :‬فا ْ‬
‫قال الفقهاء والوجه ما تقع به المواجهة ومنه ظاهر المارن ‪.‬‬
‫وأمّا غسل المارن من داخل النف فقد اختلف الفقهاء في حكمه ‪:‬‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أنّ إيصال الماء إلى المارن في الوضوء سنّة ‪ ,‬وأمّا في الغسل فهو‬
‫فرض عندهم ‪.‬‬
‫ن إيصال الماء إلى المارن داخل النف سنّة في الوضوء والغسل ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة أ ّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل يجب في الوضوء غسل داخل النف قطعا ‪ ,‬ولكن يجب غسل ذلك إن‬
‫تنجّس ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يجب الستنشاق في الوضوء والغسل ‪ ,‬وهو اجتذاب الماء بالنّفس إلى باطن‬
‫النف ‪ ,‬ول يجب إيصال الماء إلى جميع باطن النف ‪ ,‬وإنّما ذلك مبالغة مستحبّة في حقّ‬
‫غير الصّائم ‪.‬‬
‫دية المارن ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ المارن إذا قطع من النف في غير عم ٍد ففيه دية كاملة لخبر‬ ‫‪5‬‬

‫عمرو بن حزمٍ ‪ « :‬في النف إذا أوعب جدعه الدّية » ‪ ,‬ولنّ فيه جمالً ومنفعةً زالتا‬
‫بالقطع فوجبت الدّية الكاملة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪35‬‬ ‫وفي المسألة تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬ديات ف‬
‫القصاص في المارن ‪:‬‬
‫‪ -‬الجناية على المارن عمدا موجبة للقصاص عند الئمّة الربعة ‪ ,‬لقوله تعالى ‪:‬‬ ‫‪6‬‬

‫{ وَالَنفَ بِالَنفِ } ‪.‬‬


‫ولنّ استيفاء المثل فيه ممكن لنّ له حدا معلوما وهو ما لن منه ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪20‬‬ ‫وفي المسألة تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬جناية على ما دون النّفس ف‬
‫هل انفراق أرنبة المارن من علمات البلوغ ؟ ‪:‬‬
‫ن من علمات البلوغ في الذّكر والنثى فرق أرنبة المارن ‪.‬‬
‫‪ -‬ذكر المالكيّة أ ّ‬ ‫‪7‬‬

‫ن انفراق الرنبة ليس من علمات البلوغ ‪.‬‬


‫وصرّح الشّافعيّة بأ ّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪16‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬بلوغ ف‬
‫ماشية *‬
‫‪0‬‬ ‫انظر ‪ :‬أنعام‬

‫ماعز *‬
‫انظر ‪ :‬أنعام ‪.‬‬

‫مال *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬يطلق المال في اللغة ‪ :‬على كلّ ما تملّكه النسان من الشياء ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬اختلف الفقهاء في تعريف المال وذلك على النّحو التّالي ‪:‬‬
‫عرّف فقهاء الحنفيّة المال بتعريفات عديد ٍة ‪ ,‬فقال ابن عابدين ‪ :‬المراد بالمال ما يميل إليه‬
‫الطّبع ‪ ,‬ويمكن ادّخاره لوقت الحاجة ‪.‬‬
‫والماليّة تثبت بتمول النّاس كا ّفةً أو بعضهم ‪.‬‬
‫وعرّف المالكيّة المال بتعريفات مختلفةٍ ‪ ,‬فقال الشّاطبيّ ‪ :‬هو ما يقع عليه الملك ‪ ,‬ويستبد‬
‫به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه ‪.‬‬
‫وقال ابن العربيّ ‪ :‬هو ما تمتد إليه الطماع ‪ ,‬ويصلح عادةً وشرعا للنتفاع به ‪.‬‬
‫وقال عبد الوهّاب البغدادي ‪ :‬هو ما يتموّل في العادة ويجوز أخذ العوض عنه ‪.‬‬
‫وعرّف الزّركشي من الشّافعيّة المال بأنّه ما كان منتفعا به ‪ ,‬أي مستعدا لن ينتفع به ‪.‬‬
‫وحكى السيوطيّ عن الشّافعيّ أنّه قال ‪ :‬ل يقع اسم المال إل على ما له قيمة يباع بها ‪,‬‬
‫وتلزم متلفه ‪ ,‬وإن قلت ‪ ,‬وما ل يطرحه النّاس مثل الفلس وما أشبه ذلك ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬المال شرعا ما يباح نفعه مطلقا ‪ ,‬أي في كلّ الحوال ‪ ,‬أو يباح اقتناؤه بل‬
‫حاجةٍ ‪.‬‬
‫ما اختلف في ماليّته ‪:‬‬
‫اختلف الفقهاء في ماليّة المنافع كما تباينت أنظارهم حول ماليّة الديون ‪ ,‬وبيان ذلك فيما‬
‫يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ماليّة المنافع ‪:‬‬
‫‪ -‬المنافع ‪ :‬جمع منفعةٍ ‪ .‬ومن أمثلتها عند الفقهاء ‪ :‬سكنى الدّار ولبس الثّوب وركوب‬ ‫‪2‬‬

‫الدّابّة ‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء في ماليّتها على قولين ‪:‬‬
‫ن صفة الماليّة‬
‫أحدهما للحنفيّة ‪ :‬وهو أنّ المنافع ليست أموالً متقوّمةً في حدّ ذاتها ‪ ,‬ل ّ‬
‫للشّيء إنّما تثبت بالتّمول ‪ ,‬والتّمول يعني صيانة الشّيء وادّخاره لوقت الحاجة ‪ ,‬والمنافع‬
‫ل تبقى زمانين ‪ ,‬لكونها أعراضا ‪ ,‬فكلّما تخرج من حيّز العدم إلى حيّز الوجود تتلشى ‪ ,‬فل‬
‫يتصوّر فيها التّمول ‪.‬‬
‫غير أنّ الحنفيّة يعتبرون المنافع أموا ًل متقوّمةً إذا ورد عليها عقد معاوضةٍ ‪ ,‬كما في‬
‫الجارة ‪ ,‬وذلك على خلف القياس ‪ ,‬وما كان على خلف القياس فغيره عليه ل يقاس ‪.‬‬
‫ن المنافع أموال بذاتها ‪,‬‬
‫والثّاني لجمهور الفقهاء من الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ :‬وهو أ ّ‬
‫لنّ العيان ل تقصد لذاتها ‪ ,‬بل لمنافعها ‪ ,‬وعلى ذلك أعراف النّاس ومعاملتهم ‪.‬‬
‫ولنّ الشّرع قد حكم بكون المنفعة ما ًل عندما جعلها مقابلةً بالمال في عقد الجارة ‪ ,‬وهو‬
‫من عقود المعاوضات الماليّة ‪ ,‬وكذا عندما أجاز جعلها مهرا في عقد النّكاح ‪ ,‬ولنّ في عدم‬
‫اعتبارها أموالً تضييعا لحقوق النّاس وإغرا ًء للظّلمة في العتداء على منافع العيان الّتي‬
‫يملكها غيرهم ‪ ,‬وفي ذلك من الفساد والجور ما يناقض مقاصد الشّريعة وعدالتها ‪.‬‬
‫ب من التّوسع‬
‫وقال الشّربيني الخطيب ‪ :‬المنافع ليست أموالً على الحقيقة بل على ضر ٍ‬
‫والمجاز بدليل أنّها معدومة ل قدرة عليها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ماليّة الديون‬
‫‪ -‬الدّين في الصطلح الفقهيّ هو لزوم حقّ في ال ّذمّة ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫وقد يكون محله ما ًل كما أنّه قد يكون عملً أو عبادةً كصوم وصل ٍة وحجّ وغير ذلك ‪.‬‬
‫‪ ,‬دين اللّه ف ‪. ) 3‬‬ ‫‪37‬‬ ‫( ر ‪ :‬دين ف‬
‫ن الحقّ الواجب في ال ّذمّة إذا لم يكن ماليا ‪ ,‬فإنّه ل يعتبر مالً ‪,‬‬
‫ول خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫ول يترتّب عليه شيء من أحكامه ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان الدّين الشّاغل لل ّذمّة ماليا ‪ ,‬فقد اختلف الفقهاء في اعتباره ما ًل حقيقةً ‪ ,‬وذلك‬
‫على قولين ‪:‬‬
‫أحدهما للحنفيّة ‪ :‬وهو أنّ الدّين في ال ّذمّة ليس ما ًل حقيقيا ‪ ,‬إذ هو عبارة عن وصفٍ شاغلٍ‬
‫لل ّذمّة ‪ ,‬ول يتصوّر قبضه حقيقةً ‪ ,‬ولكن نظرا لصيرورته مالً في المآل سمّي مالً مجازا ‪.‬‬
‫والثّاني قال الزّركشي من الشّافعيّة ‪ :‬الدّين ‪ :‬هل هو مال في الحقيقة أو هو حق مطالبةٍ‬
‫يصير مالً في المآل ؟ ‪.‬‬
‫فيه طريقان حكاهما المتولّي ‪ ,‬ووجه الوّل ‪ :‬أنّه يثبت به حكم اليسار حتّى تلزمه نفقة‬
‫الموسرين وكفّارتهم ول تحل له الصّدقة ‪.‬‬
‫ووجه الثّاني ‪ :‬أنّ الماليّة من صفات الموجود ‪ ,‬وليس ههنا شيء موجود ‪ ,‬قال ‪ :‬وإنّما‬
‫استنبط هذا من قول الشّافعيّ ‪ :‬فمن ملك ديونا على النّاس ‪ ,‬هل تلزمه الزّكاة ؟ المذهب‬
‫الوجوب ‪ ,‬وفي القديم قول أنّها ل تجب ويتفرّع عليه فروع ‪:‬‬
‫منها ‪ :‬هل يجوز بيع الدّين من غير من عليه الدّين ؟ إن قلنا ‪ :‬إنّه مال جاز ‪ ،‬أو حق فل ‪,‬‬
‫لنّ الحقوق ل تقبل النّقل إلى الغير ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أنّ البراء عن الدّين إسقاط أو تمليك ؟‬
‫ومنها ‪ :‬حلف ل مال له ‪ ,‬وله دين حال على ملي ٍء ‪ ,‬حنث على المذهب ‪ ,‬وكذا المؤجّل ‪ ,‬أو‬
‫على المعسر في الصحّ ‪.‬‬
‫أقسام المال ‪:‬‬
‫قسّم الفقهاء المال تقسيماتٍ كثير ًة بحسب العتبارات الفقهيّة المتعدّدة ‪ ,‬وذلك على النّحو‬
‫التّالي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬بالنّظر إلى التّقوم ‪:‬‬
‫‪ -‬لم يجعل الحنفيّة من عناصر الماليّة إباحة النتفاع شرعا ‪ ,‬واكتفوا باشتراط العينيّة‬ ‫‪4‬‬

‫والنتفاع المعتاد وتمول النّاس في اعتبار الشّيء ما ًل ‪ ,‬وقد حداهم التزام هذا المفهوم للمال‬
‫إلى تقسيمه إلى قسمين ‪ :‬متقوّمٍ ‪ ,‬وغير متق ّومٍ ‪.‬‬
‫فالمال المتقوّم عندهم ‪ :‬هو ما يباح النتفاع به شرعا في حالة السّعة والختيار ‪.‬‬
‫والمال غير المتقوّم ‪ :‬هو ما ل يباح النتفاع به في حالة الختيار ‪ ,‬كالخمر والخنزير‬
‫بالنّسبة للمسلم ‪ .‬أما بالنّسبة لل ّذمّيّين فهي مال متقوّم ‪ ,‬لنّهم ل يعتقدون حرمتها‬
‫ويتموّلونها ‪ ,‬وقد أمرنا بتركهم وما يدينون ‪.‬‬
‫وقد بنوا على ذلك التّقسيم ‪ :‬أنّ من اعتدى على ما ٍل متق ّومٍ ضمنه ‪ ,‬أمّا غير المتقوّم‬
‫فالجناية عليه هدر ‪ ,‬ول يلزم متلفه ضمان ‪.‬‬
‫ي بالمال منوطة بتقومه ‪ ,‬فالمال المتقوّم يصح التّصرف فيه‬
‫كما أنّ إجازة التّصرف الشّرع ّ‬
‫بالبيع والهبة والوصيّة والرّهن وغيرها ‪.‬‬
‫ي نوعٍ من هذه التّصرفات ونحوها ‪.‬‬
‫أمّا غير المتقوّم فل يصح التّصرف فيه شرعا بأ ّ‬
‫على أنّه ل تلزم بين التّقوم بهذا المعنى وبين الماليّة في نظر الحنفيّة ‪ ,‬فقد يكون الشّيء‬
‫متقوّما ‪ ,‬أي مباح النتفاع ‪ ,‬ول يكون ما ًل ‪ ,‬لفقدان أحد عناصر الماليّة المتقدّمة عندهم ‪,‬‬
‫وذلك كالحبّة من القمح والكسرة الصّغيرة من فتات الخبز والتراب المبتذل ونحو ذلك ‪.‬‬
‫نقل ابن نجيمٍ عن الكشف الكبير ‪ :‬الماليّة تثبت بتمول النّاس كا ّف ًة أو بعضهم ‪ ,‬والتّقوم يثبت‬
‫بها وبإباحة النتفاع به شرعا ‪ ,‬فما يباح بل تمولٍ ل يكون ما ًل ‪ ,‬كحبّة حنطةٍ ‪ ,‬وما يتموّل‬
‫ع ل يكون متقوّما كالخمر ‪ ,‬وإذا عدم المران لم يثبت واحد منهما كالدّم ‪.‬‬
‫بل إباحة انتفا ٍ‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬وحاصله أنّ المال أعم من المتقوّم ‪ ,‬لنّ المال ما يمكن ادّخاره ولو غير‬
‫ح كالخمر ‪ ,‬والمتقوّم ما يمكن ادّخاره مع الباحة ‪ ,‬فالخمر مال ‪ ,‬ل متقوّم ‪.‬‬
‫مبا ٍ‬
‫ويرى الحنفيّة من جهةٍ أخرى أنّ عدم التّقوم ل ينافي الملكيّة ‪ ,‬فقد تثبت الملكيّة للمسلم‬
‫على مالٍ غير متق ّومٍ ‪ ,‬كما لو تخمّر العصير عنده ‪ ,‬أو عنده خمر أو خنزير مملوكين له‬
‫وأسلم عليهما ‪ ,‬ومات قبل أن يزيلهما وله وارث مسلم فيرثهما ‪ ,‬واصطاد الخنزير ‪ ,‬وذلك‬
‫لنّ الملكيّة تثبت على المال ‪ ,‬والماليّة ثابتة في غير المتقوّم ‪ ,‬ولكنّ عدم التّقوم ينافي‬
‫ورود العقود من المسلم على المال غير المتقوّم ‪.‬‬
‫وقد يراد أحيانا بالمتقوّم على ألسنة فقهاء الحنفيّة معنى المحرز ‪ ,‬حيث إنّهم يطلقون‬
‫مصطلح " غير المتقوّم " أيضا على المال المباح قبل الحراز ‪ ,‬كالسّمك في البحر ‪ ,‬والوابد‬
‫من الحيوان ‪ ,‬والشجار في الغابات ‪ ,‬والطّير في ج ّو السّماء ‪ ,‬فإذا اصطيد أو احتطب صار‬
‫متقوّما بالحراز ‪.‬‬
‫أما جمهور الفقهاء من الشّافعيّة والمالكيّة الحنابلة فقد اعتبروا إباحة النتفاع عنصرا من‬
‫عناصر الماليّة ‪ ,‬فالشّيء إذا لم يكن مباح النتفاع به شرعا فليس بمال أصلً ‪ ,‬ولذلك لم‬
‫يظهر عندهم تقسيم المال إلى متق ّومٍ وغير متقوّمٍ بالمعنى الّذي قصده الحنفيّة ‪ ,‬وهم إذا‬
‫أطلقوا لفظ " المتقوّم " أرادوا به ما له قيمة بين النّاس و " غير المتقوّم " ما ليس له قيمةً‬
‫في عرفهم ‪.‬‬
‫ن المعتبر في التّقويم إنّما هو‬
‫وعلى ذلك جاء في شرح الرّصّاع على حدود ابن عرفة ‪ :‬أ ّ‬
‫مراعاة المنفعة الّتي أذن الشّارع فيها ‪ ,‬وما ل يؤذن فيه فل عبرة به ‪ ,‬فل تعتبر قيمته ‪,‬‬
‫لنّ المعدوم شرعا كالمعدوم حسا ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فلم يعتبر جمهور الفقهاء من الشّافعيّة والحنابلة الخمر والخنزير في عداد‬
‫الموال أصلً بالنّسبة للمسلم وال ّذمّيّ على حدّ سواءٍ ‪ ,‬ولم يوجبوا الضّمان على متلفهما‬
‫ق ال ّذمّيّ ‪ ,‬وألزموا متلفهما مسلما كان أم‬
‫مطلقا ‪ ,‬في حين عدّهما الحنفيّة ما ًل متقوّما في ح ّ‬
‫ذمّيا الضّمان ‪.‬‬
‫وقد وافق المالكيّة الحنفيّة في وجوب الضّمان على متلف خمر ال ّذمّيّ ‪ ,‬لعتباره مالً في‬
‫ق المسلم عندهم ‪ ,‬دون أن يوافقوا الحنفيّة على تقسيمهم المال إلى‬
‫ي ل في ح ّ‬
‫حقّ ال ّذمّ ّ‬
‫متقوّمٍ وغير متق ّومٍ بالمعنى الّذي أرادوه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬بالنّظر إلى كونه مثليا أو قيميا ‪:‬‬
‫‪ -‬قسّم الفقهاء المال إلى قسمين ‪ :‬مثليّ ‪ ,‬وقيميّ ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫ت يعتد به ‪.‬‬
‫فالمال المثلي ‪ :‬هو ما يوجد مثله في السوق بدون تفاو ٍ‬
‫وهو في العادة ‪ :‬إمّا مكيل ‪ -‬أي مقدّر بالكيل ‪ -‬كالقمح والشّعير ونحوهما ‪ ,‬أو موزون‬
‫ض ٍة وحديدٍ ونحوها ‪ ,‬أو مذروع كأنواع من المنسوجات الّتي ل تفاوت‬
‫ب وف ّ‬
‫كالمعادن من ذه ٍ‬
‫بينها ‪ ,‬أو معدود كالنقود المتماثلة والشياء الّتي تقدّر بالعدد ‪ ,‬وليس بين أفرادها تفاوت‬
‫يعتد به ‪ ,‬كالبيض والجوز ونحوهما ‪.‬‬
‫والمال القيمي ‪ :‬هو ما ل يوجد له مثل في السوق ‪ ,‬أو يوجد لكن مع التّفاوت المعتدّ به في‬
‫القيمة ‪ ,‬وقد سمّي هذا النّوع من الموال قيميا نسبةً للقيمة الّتي يتفاوت بها كل فردٍ منه‬
‫عن سواه ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬كل الشياء القائمة على التّغاير في النّوع أو في القيمة أو فيهما معا‬
‫ومن أمثلة القيم ّ‬
‫كالحيوانات المتفاوتة الحاد من الخيل والبل والبقر والغنم ونحوها ‪ ,‬وكذا الدور‬
‫ي الّتي تتفاوت في أوصافها ومقوّماتها ‪,‬‬
‫ي وأدواتٍ وأثاثٍ منزل ّ‬
‫والمصنوعات اليدويّة من حل ّ‬
‫ويتميّز كل فر ٍد منها بمزايا ل توجد في غيره ‪ ,‬حتّى أصبح له قيمة خاصّة به ‪.‬‬
‫ومنها أيضا ‪ :‬المثليّات الّتي فقدت من السواق أو أصبحت نادرةً ‪ ,‬كبعض المصنوعات‬
‫القديمة الّتي انقطعت من السواق ‪ ,‬وأصبح لها اعتبار خاص في قيمتها ينقلها إلى زمرة‬
‫ي ‪ ,‬بأن نقصت قيمتها‬
‫القيميّات وكذا كل وحدةٍ لم تعدّ متساويةً مع نظائرها من وحدات المثل ّ‬
‫لعيب أو استعمالٍ أو غير ذلك ‪ ,‬فإنّها تصبح من القيميّات ‪ ,‬كالدوات واللت والسّيّارات بعد‬
‫استعمالها ‪ ,‬وذلك لتغير أوصافها وقيمها ‪.‬‬
‫والواجب في إتلف المثليّات هو ضمان المثل ‪ ,‬لنّه البدل المعادل ‪ ,‬بخلف القيميّات فإنّها‬
‫تضمن بالقيمة ‪ ,‬إذ ل مثل لها ‪.‬‬
‫والمثلي يصح كونه دينا في ال ّذمّة باتّفاق الفقهاء ‪ ,‬أمّا القيمي فهناك تفصيل وخلف في‬
‫جواز جعله دينا في ال ّذمّة ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬دين ف ‪. ) 8‬‬
‫ج ‪ -‬بالنّظر إلى تعلق حقّ الغير به ‪:‬‬
‫ق الغير به إلى قسمين ‪:‬‬
‫‪ -‬ينقسم المال بالنّظر إلى تعلق ح ّ‬ ‫‪6‬‬

‫ما تعلّق به حق غير المالك ‪ ,‬وما لم يتعلّق به حق لغير مالكه ‪.‬‬


‫ق مقرّرٍ لغير ملكه ‪,‬‬
‫فالمال الّذي تعلّق به حق الغير ‪ :‬هو الّذي ارتبطت عينه أو ماليّته بح ّ‬
‫كالمال المرهون ‪ ,‬فل يكون لمالكه أن يتصرّف فيه بما يخل بحقوق المرتهن ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪17‬‬ ‫( ر ‪ :‬رهن ف‬
‫وأمّا المال الّذي لم يتعلّق به حق الغير ‪ :‬فهو المال الخالص لمالكه ‪ ,‬دون أن يتعلّق به حق‬
‫أحدٍ غيره ولصاحبه أن يتصرّف فيه ‪ -‬رقب ًة ومنفعةً ‪ -‬بكلّ وجوه التّصرف المشروعة ‪,‬‬
‫ق الغير به ‪.‬‬
‫بدون توقفٍ على إذن أحدٍ أو إجازته لسلمته وخلوصه من ارتباط ح ّ‬
‫د ‪ -‬بالنّظر إلى النّقل والتّحويل ‪:‬‬
‫‪ -‬قسّم الفقهاء المال بالنّظر إلى إمكان نقله وتحويله إلى قسمين ‪ :‬منقول ‪ ,‬وعقار ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫فالمال المنقول ‪ :‬هوّ كل ما يمكن نقله وتحويله ‪ ،‬فيشمل النقود والعروض والحيوانات‬
‫والمكيلت والموزونات وما أشبه ذلك ‪.‬‬
‫والعقار ‪ :‬هو ما له أصل ثابت ل يمكن نقله وتحويله ‪ ،‬كالراضي والدور ونحوها ‪.‬‬
‫قال أبو الفضل الدّمشقي ‪ :‬العقار صنفان ‪ ,‬أحدهما ‪ :‬المسقّف ‪ ,‬وهو الدور والفنادق‬
‫والحوانيت والحمّامات والرحية والمعاصر والفواخير والفران والمدابغ والعراص ‪.‬‬
‫والخر ‪ :‬المذدرع ‪ ,‬ويشتمل على البساتين والكروم والمراعي والغياض والجام وما تحويه‬
‫من العيون والحقوق في مياه النهار ‪.‬‬
‫‪ -‬وقد اختلف الفقهاء في البناء والشّجر الثّابت ‪ ,‬هل يعتبران من العقار أم المنقول ؟‬ ‫‪8‬‬

‫فذهب جمهور الفقهاء من الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّهما من العقار ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬يعتبران من المنقولت ‪ ,‬إل إذا كانا تابعين للرض ‪ ,‬فيسري عليهما حينئذٍ‬
‫حكم العقار بالتّبعيّة ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬بالنّظر إلى النّقديّة ‪:‬‬
‫‪ -‬قسّم الفقهاء المال بالنّظر إلى اتّصافه بالنّقديّة إلى قسمين ‪ :‬نقود ‪ ,‬وعروض ‪.‬‬ ‫‪9‬‬

‫فالنقود ‪ :‬جمع نقدٍ ‪ ,‬وهو الذّهب والفضّة وعلى ذلك نصّت مجلّة الحكام العدليّة على أنّ‬
‫النّقد هو ‪ :‬عبارة عن الذّهب والفضّة ‪ ,‬سواء كانا مسكوكين أو لم يكونا كذلك ‪ ,‬ويقال‬
‫للذّهب والفضّة النّقدان ‪.‬‬
‫ويلحق بالذّهب والفضّة في الحكم الوراق الرّائجة في العصر الحاضر ‪.‬‬
‫ض ‪ ,‬وهو كل ما ليس بنقد من المتاع ‪.‬‬
‫والعروض ‪ :‬جمع عر ٍ‬
‫قال في المغني ‪ :‬العرض هو غير الثمان من المال على اختلف أنواعه ‪ ,‬من النّبات‬
‫والحيوان والعقار وسائر المال ‪.‬‬
‫وقد أدخل بعض فقهاء الحنابلة النّقد في العروض إذا كان متّخذا للتّجار به ‪ ,‬تأسيسا على‬
‫ي ‪ :‬سمّي‬
‫أنّ العرض هو كل ما أعدّ لبيع وشرا ٍء لجل الرّبح ‪ ,‬ولو من نقدٍ ‪ ,‬قال البهوت ّ‬
‫عرضا ‪ ,‬لنّه يعرض ليباع ويشترى ‪ ,‬تسميةً للمفعول بالمصدر ‪ ,‬كتسمية المعلوم علما ‪ ,‬أو‬
‫لنّه يعرض ثمّ يزول ويفنى ‪.‬‬
‫و ‪ -‬بالنّظر إلى رجاء صاحبه في عوده إليه ‪:‬‬
‫‪ -‬قسّم الفقهاء المال بالنّظر إلى رجاء صاحبه في عوده إليه بعد زوال يده عنه إلى‬ ‫‪10‬‬

‫قسمين ‪ :‬ضمار ‪ ,‬ومرجوّ ‪.‬‬


‫فالمال الضّمار ‪ :‬هو المال الّذي ل يتمكّن صاحبه من استنمائه لزوال يده عنه ‪ ,‬وانقطاع‬
‫أمله في عوده إليه ‪.‬‬
‫وأصله من الضمار ‪ ,‬وهو في اللغة ‪ :‬التّغيب والختفاء ‪.‬‬
‫وعلى ذلك عرّفه صاحب المحيط من الحنفيّة بقوله ‪ :‬هو كل ما بقي أصله في ملكه ‪ ,‬ولكن‬
‫زال عن يده زوالً ل يرجى عوده في الغالب ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬وتفسير الضّمار أن يكون المال قائما ‪ ,‬وينسدّ طريق الوصول‬
‫وقال سبط بن الجوز ّ‬
‫إليه ‪.‬‬
‫ومن أمثلته ‪ :‬المال المغصوب إذا لم يكن لصاحبه على الغاصب بيّنة ‪ ,‬والمال المفقود كبعير‬
‫ضالّ وعبدٍ آبقٍ ‪ ,‬إذ هو كالهالك لعدم قدرة صاحبه عليه ‪ ،‬وكذا المال السّاقط في البحر ‪,‬‬
‫لنّه في حكم العدم ‪ ,‬والمال المدفون في برّ ّيةٍ أو صحراء إذا نسي صاحبه مكانه ‪ ,‬والدّين‬
‫المجحود إذا جحده المدين علني ًة ‪ ,‬ولم يكن لصاحبه عليه بيّنة ‪.‬‬
‫والمال المرجو ‪ :‬هو المال الّذي يرجو صاحبه عوده إليه ‪ ,‬لقرار صاحب اليد له بالملك ‪,‬‬
‫وعدم امتناعه عن الرّدّ عند الطّلب أو عند حلول الجل المضروب لردّه ‪ ،‬ومنه الدّين‬
‫المقدور عليه ‪ ,‬الّذي يأمل الدّائن اقتضاءه ‪ ,‬لكون المدين حاضرا مقرا به مليئا باذلً له ‪ ,‬أو‬
‫جاحدا له ‪ ,‬لكن لصاحبه عليه بيّنة ‪.‬‬
‫وإنّما سمّي كذلك من الرّجاء ‪ ,‬الّذي هو في اللغة ‪ :‬ظنّ يقتضي حصول ما فيه مسرّة ‪.‬‬
‫وتظهر ثمرة هذا التّقسيم في باب الزّكاة ‪ ,‬حيث اختلف الفقهاء في زكاة المال الضّمار وما‬
‫يتعلّق بها من الحكام ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪12‬‬ ‫( ر ‪ :‬ضمار ف‬
‫ز ‪ -‬بالنّظر إلى نمائه ‪:‬‬
‫‪ -‬قسّم الفقهاء المال بالنّظر إلى نمائه أو عدم نمائه إلى قسمين ‪ :‬نامٍ ‪ ,‬وقنية ‪.‬‬ ‫‪11‬‬

‫فالمال النّامي ‪ :‬هو الّذي يزيد ويكثر ‪ ،‬من النّماء الّذي يعني في اللغة الزّيادة والكثرة ‪.‬‬
‫وهو في الشّرع نوعان ‪ :‬حقيقي ‪ ,‬وتقديري ‪.‬‬
‫فالحقيقي ‪ :‬الزّيادة بالتّوالد والتّناسل والتّجارات ‪.‬‬
‫والتّقديري ‪ :‬تمكنه من الزّيادة ‪ ,‬بكون المال في يده أو يد نائبه ‪.‬‬
‫ومال القنية ‪ :‬هو الّذي يتّخذه النسان لنفسه ل للتّجارة ‪.‬‬
‫قال الزهري ‪ :‬القنية ‪ :‬المال الّذي يؤثّله الرّجل ويلزمه ول يبيعه ليستغلّه ‪.‬‬
‫ويظهر أثر التّقسيم في الزّكاة إذ أنّها تجب في المال النّامي دون مال القنية وذلك في الجملة‬
‫)‪.‬‬ ‫‪27‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬زكاة ف‬
‫الزّكاة في الموال الظّاهرة والباطنة ‪:‬‬
‫‪ -‬الموال بالنّظر إلى وجوب دفع زكاتها إلى وليّ المر لتوزيعها على مستحقّيها قسمان‬ ‫‪12‬‬

‫‪ :‬باطنة وظاهرة ‪.‬‬


‫وجمهور الفقهاء على أنّ أداء زكاة الموال الباطنة مفوّض إلى أربابها ‪ ,‬أمّا الموال‬
‫)‪.‬‬ ‫‪143‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪142‬‬ ‫الظّاهرة ففيها تفصيل ينظر في ‪ ( :‬زكاة ف‬
‫التّخلص من المال الحرام ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا كان المال الّذي في يد المسلم حراما فإنّه ل يجوز له إمساكه ويجب عليه التّخلص‬ ‫‪13‬‬

‫منه ‪ ,‬وهذا المال إمّا أن يكون حراما محضا وقد سبق بيان حكمه وطريقة التّخلص منه في‬
‫)‪.‬‬ ‫‪17‬‬ ‫مصطلح ‪ ( :‬كسب ف‬
‫وإمّا أن يكون مختلطا بأن كان بعضه حللً وبعضه حراما ول يتميّز بعضه عن بعضٍ‬
‫فجمهور الفقهاء على أنّه يجب على من بيده هذا المال أن يخرج قدر الحرام ويدفعه‬
‫لمستحقّه ويكون الباقي في يده حل ًل ‪.‬‬
‫قال أحمد في المال المشتبه حلله بحرامه ‪ :‬إن كان المال كثيرا أخرج منه قدر الحرام‬
‫وتصرّف في الباقي ‪ ,‬وإن كان المال قليلً اجتنبه كلّه ‪ ,‬وهذا لنّ القليل إذا تناول منه شيئا‬
‫فإنّه تبعد معه السّلمة من الحرام بخلف الكثير ‪.‬‬
‫ن المال الحلل إذا خالطه‬
‫ي إلى أ ّ‬
‫وذهب بعض الغلة من أرباب الورع كما قال ابن العرب ّ‬
‫حرام حتّى لم يتميّز ثمّ أخرج منه مقدار الحرام المختلط به لم يحلّ ولم يطب ‪ ,‬لنّه يمكن أن‬
‫يكون الّذي أخرج هو الحلل والّذي بقي هو الحرام ‪.‬‬
‫حرمة مال المسلم وال ّذ ّميّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على حرمة مال المسلم وال ّذمّيّ ‪ ,‬وأنّه ل يجوز غصبه ول الستيلء‬ ‫‪14‬‬

‫ل ‪ ,‬لقوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ لَ تَ ْأكُلُواْ‬


‫عليه ‪ ,‬ول أكله بأيّ شكلٍ كان وإن كان قلي ً‬
‫ض مّن ُكمْ } ‪.‬‬
‫طلِ ِإلّ أَن َتكُونَ ِتجَارَ ًة عَن تَرَا ٍ‬
‫َأ ْموَا َل ُكمْ بَيْ َنكُمْ بِالْبَا ِ‬
‫وقوله عليه الصّلة والسّلم ‪ « :‬إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم‬
‫هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا » ‪.‬‬
‫وقوله ‪ « :‬أل من ظلم معاهدا أو انتقصه حقّه أو كلّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير‬
‫طيب نفسٍ منه ‪ ,‬فأنا حجيجه يوم القيامة » ‪.‬‬
‫غصب ف ‪ 7‬وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪20‬‬ ‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬أهل ال ّذمّة ف‬
‫دفع مال المحجور إليه ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل تسلّم للصّغير أمواله حتّى يبلغ راشدا لقوله تعالى ‪{ :‬‬ ‫‪15‬‬

‫وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَ ّتىَ إِذَا بَ َلغُواْ ال ّنكَاحَ َفإِنْ آ َنسْتُم مّ ْن ُهمْ ُرشْدا فَادْ َفعُواْ إِلَ ْيهِمْ َأ ْموَا َل ُهمْ } ‪.‬‬
‫ن رشيدا وماله في يد وصيّه أو وليّه فإنّه يدفع إليه‬
‫وقال أبو حنيفة ‪ :‬الصّغير إذا بلغ بالسّ ّ‬
‫ماله ‪ ,‬وإن بلغ غير رشي ٍد ل يدفع إليه ماله حتّى يبلغ خمسا وعشرين سنةً ‪ ,‬فإذا بلغ خمسا‬
‫وعشرين سنةً يدفع إليه ماله عند أبي حنيفة يتصرّف فيه ما شاء ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪10‬‬ ‫‪ ,‬ورشد ف ‪- 7‬‬ ‫‪37‬‬ ‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬صغر ف‬
‫ن الحجر عليه في ماله ل يفك إل‬
‫وذهب جمهور الفقهاء القائلين بالحجر على السّفيه إلى أ ّ‬
‫بعد إيناس الرشد منه ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬حجر ف ‪, 8‬‬
‫اكتساب المال ‪:‬‬
‫ن اكتساب المال بقدر الكفاية لنفسه وعياله وقضاء ديونه ونفقة من‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪16‬‬

‫تجب عليه نفقته فرض ‪.‬‬


‫فإن ترك الكتساب بعد ذلك وسعه ‪ ,‬وإن اكتسب ما يدّخره لنفسه وعياله فهو في سعةٍ ‪,‬‬
‫وتستحب الزّيادة على الفرض ليواسي به فقيرا أو يجازي به قريبا فإنّه أفضل من التّخلّي‬
‫لنفل العبادة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪10‬‬ ‫وللكتساب طرق مختلقة تنظر في مصطلح ‪ ( :‬كسب ف‬
‫أكل الوصيّ أو القيّم مِنْ مال مَنْ عليه الوصاية أو القوامة ‪:‬‬
‫ن الوصيّ والقيّم ‪ ,‬إذا شغل أي منهما عن كسب قوته بتدبير مال‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪17‬‬

‫من عليه الوصاية أو القوامة ‪ ,‬أو لم يكن ليّ منهما مال يأكل منه فإنّه يجوز له أن يأكل‬
‫من مال اليتيم بالمعروف ‪ ,‬فإن لم يشغل أي منهما عن كسب قوته أو كان له مال يأكل منه‬
‫فالمستحب له التّعفف عن الكل من مال من عليه الوصاية أو القوامة ‪.‬‬
‫ن غَنِيّا فَلْ َيسْ َت ْعفِفْ َومَن كَانَ َفقِيرا فَلْيَ ْأ ُكلْ بِا ْل َمعْرُوفِ } ‪.‬‬
‫لقول اللّه تعالى ‪َ { :‬ومَن كَا َ‬
‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬ولية ويتيم ) ‪.‬‬
‫تنمية المال ‪:‬‬
‫‪ -‬شرع السلم تنمية المال حفاظا عليه لمصلحة مالكه ومصلحة الجماعة ‪ ,‬والحفاظ‬ ‫‪18‬‬

‫على المال مقصد من مقاصد الشّريعة وتنمية المال تكون بتجارة أو زراعةٍ أو صناعةٍ أو‬
‫غيرها في حدود ما شرعه اللّه تعالى ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪12‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إنماء ف‬
‫ما يتعلّق بالمال من حقوقٍ ‪:‬‬
‫‪ -‬الحقوق المتعلّقة بالمال إمّا حقوق للّه تعالى وإمّا حقوق للعباد ‪.‬‬ ‫‪19‬‬

‫أما حقوق اللّه تعالى فهي ما يتعلّق به النّفع العام فل يختص به أحد ‪ ,‬وإنّما هو عائد على‬
‫المجموع ‪ ,‬ونسب هذا الحق إلى اللّه تعالى تعظيما لشأنه ‪.‬‬
‫ومن هذه الحقوق ‪ :‬زكاة المال وصدقة الفطر والكفّارات والخراج على الرض الزّراعيّة‬
‫وغيرها من الحقوق ‪.‬‬
‫وأمّا حقوق العباد فهي ما لبعض العباد على غيرهم من الحقوق الماليّة كثمن المبيع والدّين‬
‫والنّفقات وغيرها من الحقوق ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪12‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬حق ف‬
‫الموال الرّبويّة وغيرها ‪:‬‬
‫‪ -‬الموال تنقسم إلى قسمين ‪:‬‬ ‫‪20‬‬

‫أ ‪ -‬الموال الرّبويّة ‪ :‬وقد اتّفق الفقهاء منها على الصناف السّتّة الّتي ورد بها حديث أبي‬
‫سعيدٍ الخدريّ رضي ال عنه عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬الذّهب بالذّهب‬
‫والفضّة بالفضّة والبر بالب ّر والشّعير بالشّعير والتّمر بالتّمر والملح بالملح ‪ ,‬مثلً بمثل ‪ ,‬يدا‬
‫بيد ‪ ,‬فمن زاد أو استزاد فقد أربى ‪ ,‬الخذ والمعطي فيه سواء » ‪.‬‬
‫وما‬ ‫‪35‬‬ ‫واختلف الفقهاء فيما وراء هذه الصناف السّتّة والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬ربا ف‬
‫بعدها ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الموال غير الرّبويّة ‪ :‬وهي ما عدا الصناف السّتّة الواردة في الحديث والصناف‬
‫الّتي ألحقها الفقهاء بهذه الصناف لوجود علّة التّحريم ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪20‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬ربا ف‬

‫مَا ِليّة *‬
‫انظر ‪ :‬مال ‪.‬‬

‫مُبَاح *‬
‫انظر ‪ :‬إباحة ‪.‬‬
‫مُبَارَأة *‬
‫انظر ‪ :‬إبراء ‪ ,‬خلع ‪.‬‬

‫مُبارَزة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المبارزة في اللغة ‪ :‬مفاعلة من برز ‪ ,‬يقال برز الرّجل بروزا ‪ :‬أي خرج إلى البراز أي‬ ‫‪1‬‬

‫الفضاء ‪ ,‬وظهر بعد الخفاء ‪ ,‬وبرز له ‪ :‬انفرد عن جماعته لينازله ‪.‬‬


‫ويقال ‪ :‬بارزه مبارزةً وبرازا ‪ :‬برز إليه ونازله ‪.‬‬
‫صفّين للقتال ‪.‬‬
‫والمبارزة في الصطلح ‪ :‬ظهور اثنين من ال ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الجهاد ‪:‬‬
‫‪ -‬الجهاد مصدر جاهد ‪ ,‬يقال ‪ :‬جاهد العدوّ جهادا ومجاهدةً ‪ :‬قاتله ‪ ,‬وهو من الجهد ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫والجهاد في الصطلح ‪ :‬قتال مسلمٍ كافرا غير ذي عه ٍد بعد دعوته للسلم وإبائه ‪ ,‬إعلءً‬
‫لكلمة اللّه تعالى ‪.‬‬
‫والصّلة بين المبارزة والجهاد أنّ المبارزة ‪ -‬غالبا ‪ -‬تكون بين واحدٍ أو أفرا ٍد معيّنين‬
‫محصورين من المسلمين ومثلهم من الكفّار ‪ ,‬أمّا الجهاد فإنّه يكون بين جيش المسلمين‬
‫ن أو حصرٍ لفرد أو أفرادٍ من الجيشين ‪ ,‬فالجهاد أعم من المبارزة ‪.‬‬
‫وجيش الكفّار دون تعيي ٍ‬
‫الحكم التّكليفي ‪:‬‬
‫ن المبارزة في الجهاد مشروعة ‪ ,‬واستدلوا على ذلك بفعل النّبيّ‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪3‬‬

‫صلى ال عليه وسلم يوم أحدٍ ‪ ,‬فقد دعا أبي بن خلفٍ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إلى‬
‫البراز فبرز إليه فقتله ‪.‬‬
‫كما استدلوا بإقراره صلى ال عليه وسلم أصحابه عليها وندبهم لها ‪ ,‬فعن عليّ بن أبي‬
‫طالبٍ رضي ال عنه أنّه قال عن غزوة بدرٍ ‪ « :‬برز عتبة وأخوه وابنه الوليد حم ّيةً ‪,‬‬
‫وقالوا ‪ :‬من يبارز ؟ فخرج فتية من النصار ستّة فقال عتبة ‪ :‬ل نريد هؤلء ‪ ,‬ولكن يبارزنا‬
‫من بني عمّنا من بني عبد المطّلب ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬قم يا علي ‪,‬‬
‫وقم يا حمزة ‪ ,‬وقم يا عبيدة بن الحارث بن المطّلب ‪ ,‬فقتل اللّه تعالى عتبة وشيبة ابني‬
‫ربيعة ‪ ,‬والوليد بن عتبة ‪ ,‬وجرح عبيدة ‪ ,‬فقتلنا منهم سبعين وأسرنا سبعين » ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬ولم يزل أصحاب النّبيّ صلى ال عليه وسلم يبارزون في عصره وبعده‬
‫ولم ينكره منكر فكان ذلك إجماعا ‪.‬‬
‫وذهب الفقهاء إلى أنّ المبارزة في الصل جائزة ‪ ,‬وقيّد بعضهم الجواز بإذن المام مطلقا ‪,‬‬
‫أو بإذن المام العدل ‪ ,‬أو بإذن المام إن أمكن أو إن كان له رأي ‪ ,‬كما قيّده بعضهم بقوّة‬
‫المسلم الّذي يخرج إليها وقدرته عليها ‪ ,‬وبكونه لم يطلبها ‪.‬‬
‫ونقل ابن قدامة عن الحسن أنّه لم يعرف المبارزة ‪ ,‬وكرهها ‪.‬‬
‫ومع ذلك قد تندب المبارزة أو تكره أو تحرم ‪.‬‬
‫على تفصيلٍ يأتي إن شاء اللّه تعالى ‪.‬‬
‫إذن المام في المبارزة ‪:‬‬
‫ن إذن المام أو أمير الجيش في المبارزة معتبر شرعا ‪ ,‬ولهم في‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫ذلك تفصيل ‪:‬‬


‫ن المبارزة تجوز ‪ ,‬وشرط بعضهم إذن المام العدل ‪ ,‬ولم يشترطه غيرهم ‪,‬‬
‫فقال المالكيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫وروي عن مالكٍ ‪ :‬إن دعا العدو للمبارزة فأكره أن يبارزه أحد إل بإذن المام العدل‬
‫واجتهاده ‪ ,‬وقال ابن وهبٍ ‪ :‬ل يجوز أن يبارز إل بإذن المام إن كان عدلً ‪ ,‬وقال ابن‬
‫ن المام إذا كان غير عدلٍ لم يلزم استئذانه في مبارز ٍة ول قتا ٍل إذ قد ينهاه عن‬
‫رشدٍ ‪ :‬إ ّ‬
‫غرّ ٍة قد تبيّنت له فيلزم طاعته ‪ ,‬فإنّما يفترق العدل من غير العدل في الستئذان ل في‬
‫ن الطّاعة للمام من فرائض الغزو فواجب على‬
‫طاعته إذا أمر بشيء أو نهى عنه ‪ ,‬ل ّ‬
‫الرّجل طاعة المام فيما أحبّ أو كره ‪ ,‬وإن كان غير عدلٍ ‪ ,‬ما لم يأمره بمعصية ‪.‬‬
‫ن إذن المام أو أمير الجيش في المبارزة شرط في استحبابها ‪ ,‬لنّ‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫للمام أو أمير الجيش نظرا في تعيين البطال ‪ ,‬والستحباب حينئذٍ إن كان الكافر قد طلب‬
‫المبارزة ‪ ,‬لما في تركها من الضّعف للمسلمين والتّقوية للكافرين ‪ ,‬فإن لم يطلب الكفّار‬
‫المبارزة كان إذن المام أو أمير الجيش شرطا في إباحتها ‪ ,‬فإن لم يؤذن من أيّهما في‬
‫المبارزة جازت مع الكراهة ‪.‬‬
‫ن المسلم المجاهد ل يبارز علجا إل بإذن المير لنّه أعلم بحال النّاس‬
‫وذهب الحنابلة إلى أ ّ‬
‫وحال العدوّ ومكامنهم وقوّتهم ‪ ,‬فإن بارز بغير إذنٍ فقد يكون ضعيفا ل يقوى على مبارزة‬
‫من ل يطيقه فيظفر به العدو ‪ ,‬فتنكسر قلوب المسلمين بخلف ما إذا أذن له ‪ ,‬فإنّه ل يكون‬
‫ن المير يختار للمبارزة من يرضاه لها فيكون أقرب إلى الظّفر‬
‫إل مع انتفاء المفاسد ‪ ,‬إذ أ ّ‬
‫وجبر قلوب المسلمين وكسر قلوب المشركين ‪.‬‬
‫وقيّد بعضهم اشتراط الذن بأن يكون ممكنا ‪.‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬إن كان المير ل رأي له فعلت المبارزة بغير إذنه ‪.‬‬
‫وإذن المام يعتبر في المبارزة قبل التحام الحرب لنّ قلوب المسلمين تتعلّق بالمبارز‬
‫ن من يفعل ذلك يطلب‬
‫وترتقب ظفره ‪ ,‬بخلف النغماس في الكفّار فل يتوقّف على إذنٍ ل ّ‬
‫الشّهادة ول يترقّب منه ظفر ول مقاومة ‪.‬‬
‫طلب المبارزة والجابة إليها ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ إجابة المسلم لطلب الكافر المبارزة جائزة إن كان كفء‬ ‫‪5‬‬

‫الكافر ‪ ,‬وقال بعضهم إنّها حينئذٍ تكون مستح ّبةً ‪ ,‬وقيّد ذلك بعضهم بإذن المام ‪ ,‬ولكلّ من‬
‫الفقهاء تفصيل في الجابة إليها أو طلبها ابتداءً ‪.‬‬
‫صفّين يدعو‬
‫قال المالكيّة ‪ :‬الدّعوة إلى المبارزة ‪ :‬جائزة ‪ ,‬وروى أشهب في الرّجل بين ال ّ‬
‫إلى المبارزة ‪ :‬ل بأس به إن صحّت نيّته ‪ ,‬قال سحنون ‪ :‬ووثق بنفسه خوف إدخال الوهن‬
‫على النّاس ‪.‬‬
‫والجابة إلى المبارزة عندهم جائزة ‪ ,‬على ما سبق بيانه ‪.‬‬
‫قال ابن المنذر ‪ :‬أجمع كل من أحفظ عنه على جواز المبارزة والدّعوة إليها وشرط بعضهم‬
‫فيها إذن المام ‪ .‬ولم يشترطه غيرهم ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬تستحب الجابة إلى طلب المبارزة ممّن عرف من نفسه القوّة والجراءة‬
‫ن في تركها حينئذٍ إضعافا للمسلمين وتقويةً للكافرين ‪.‬‬
‫وذلك بإذن المام ‪ ,‬ل ّ‬
‫ويجوز طلب المبارزة وإن لم يطلبها الكافر ‪ ,‬وعرف من يخرج إليها من نفسه القوّة‬
‫والجراءة وأذن له المام ‪.‬‬
‫وقال الرّملي ‪ :‬تجوز من غير إذن المام لنّ التّغرير بالنّفس في الجهاد جائز ‪.‬‬
‫ويكره طلب المبارزة والجابة إليها ممّن لم يعرف من نفسه القدرة عليها وبغير إذن المام ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬تحرم المبارزة على فرعٍ ومدينٍ ورقيقٍ لم يؤذن لهم في خصوصها ‪ ,‬أي أذن لهم‬
‫في الجهاد من غير تصريحٍ بالذن في المبارزة ‪.‬‬
‫ونقل الشّبراملسي عن البلقينيّ وغيره في العبد والفرع المأذون لهما في الجهاد من غير‬
‫ح في الذن في البراز أنّه يكره لهما المبارزة ابتداءً وإجابةً ‪ ,‬ونقل عن شرح الرّوض‬
‫تصري ٍ‬
‫أنّ مثلهما فيما يظهر المدين ‪ ,‬وقال ‪ :‬يؤيّده ما قالوه إنّه يستحب له توقّي مظانّ الشّهادة ‪.‬‬
‫ونقل الرّملي عن الماورديّ تحريم المبارزة على من يؤدّي قتله إلى هزيمة المسلمين ‪.‬‬
‫وقال الماورديّ ‪ :‬لتمكين المبارزة شرطان ‪:‬‬
‫أحدهما أن يكون ذا نجدةٍ وشجاع ٍة يعلم من نفسه أنّه لن يعجز عن مقاومة عدوّه ‪ ,‬فإن كان‬
‫ن فقد الزّعيم المدبّر‬
‫بخلفه منع ‪ ,‬والثّاني ‪ :‬أن ل يكون زعيما للجيش يؤثّر فقده فيهم ‪ ,‬فإ ّ‬
‫مفضٍ إلى الهزيمة ‪ ,‬ورسول اللّه صلى ال عليه وسلم أقدم على البراز ثقةً بنصر اللّه‬
‫سبحانه وإنجاز وعده وليس ذلك لغيره ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن دعا كافر إلى البراز استحب لمن يعلم من نفسه القوّة والشّجاعة مبارزته‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ومن بعده ‪ ,‬قال قيس‬
‫بإذن المير ‪ ,‬لمبارزة الصّحابة في زمن النّب ّ‬
‫صمُوا فِي رَ ّب ِهمْ }‬
‫ن اخْتَ َ‬
‫صمَا ِ‬
‫بن عبّادٍ ‪ « :‬سمعت أبا ذ ّر يقسم قسما أنّ هذه الية ‪ { :‬هَذَانِ خَ ْ‬
‫نزلت في الّذين برزوا يوم بدرٍ ‪ :‬حمزة وعليّ وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابني ربيعة‬
‫والوليد بن عتبة » وكان ذلك بإذنه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ولنّ في الجابة إلى المبارزة في‬
‫هذه الحالة ‪ ،‬ردا عن المسلمين وإظهارا لقوّتهم وجلدهم على الحرب ‪.‬‬
‫وطلب المسلم المجاهد الشجاع الكافر لمبارزته يباح ول يستحب ‪ ,‬لنّه ل حاجة إلى‬
‫المبارزة ‪ ,‬ول يأمن أن يغلب فيكسر قلوب المسلمين ‪ ,‬إل أنّه لمّا كان شجاعا واثقا من‬
‫نفسه أبيح له ‪ ,‬لنّه بحكم الظّاهر غالب ‪.‬‬
‫أما الضّعيف الّذي ل يثق من نفسه ‪ ,‬ول يعرف فيها القوّة والشجاعة فإنّه تكره له‬
‫المبارزة ‪ ,‬لما فيها من كسر قلوب المسلمين لقتله ظاهرا ‪.‬‬
‫سلب المبارز ‪:‬‬
‫ن السّلب ليس مختصّا بالقاتل المبارز وإنّما هو للمسلم الّذي‬
‫‪ -‬قال جمهور الفقهاء ‪ :‬إ ّ‬ ‫‪6‬‬

‫يقتل الكافر في المبارزة أو في غيرها ‪.‬‬


‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬سلب ف ‪ 6‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬لو خرج عشرة من المشركين للقتال والمبارزة ‪ ,‬فقال المير لعشرة من‬
‫المسلمين ‪ :‬أبرزوا إليهم ‪ ,‬إن قتلتموهم فلكم أسلبهم ‪ ,‬فبرزوا إليهم فقتل كل رج ٍل منهم‬
‫ل ‪ ,‬كان لكلّ رجلٍ سلب قتيله استحسانا ‪.‬‬
‫رج ً‬
‫ن المسلم إن قتل الكافر المبارز أو أثخنه فله‬
‫ونصّ الحنابلة ‪ -‬كما قال البهوتيّ ‪ -‬على أ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫سلبه ‪ ,‬لحديث أنسٍ وسمرة رضي ال تعالى عنهما أنّ النّب ّ‬
‫« من قتل قتيلً له عليه بيّنة فله سلبه » وظاهره ‪ :‬ولو كانت المبارزة بغير إذنٍ وقطع به‬
‫في المغني ‪ ,‬لعموم الدلّة ‪ ,‬وفي الرشاد ‪ :‬إن بارز بغير إذن المام فل يستحق السّلب ‪,‬‬
‫وجزم به ناظم المفردات ‪.‬‬
‫الخدعة في المبارزة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال ابن قدامة ‪ :‬تجوز الخدعة في الحرب للمبارز وغيره ‪ ,‬لقول النّبيّ صلى ال عليه‬ ‫‪7‬‬

‫ب رضي ال تعالى عنه لمّا بارز‬


‫ي بن أبي طال ٍ‬
‫وسلم ‪ « :‬الحرب خدعة » ‪ ,‬ولما روي أنّ عل ّ‬
‫عمرو بن عبد و ّد قال له علي ‪ :‬ما برزت لقاتل اثنين ‪ ,‬فالتفت عمرو ‪ ,‬فوثب علي‬
‫فضربه ‪ ,‬فقال عمرو ‪ :‬خدعتني ‪ ,‬فقال علي كرّم اللّه وجهه ‪ :‬الحرب خدعة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪12‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬خديعة ف‬
‫شروط المبارز ‪:‬‬
‫‪ -‬يجب الوفاء بما شرطه الكافر المبارز على قرنه المسلم عند طلب المبارزة أو الخروج‬ ‫‪8‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬المسلمون على شروطهم » ‪.‬‬


‫إليها ‪ -‬في الجملة ‪ -‬لقول النّب ّ‬
‫قال الدسوقيّ ‪ :‬إذا برز للميدان واحد من شجعان المسلمين وطلب أنّ قرينه فلنا الكافر يبرز‬
‫له ‪ ,‬فقال ذلك الكافر ‪ :‬بشرط أن نتقاتل ماشيين أو راكبين ‪ ,‬على خيلٍ أو إبلٍ ‪ ,‬أو نتقاتل‬
‫بالسيوف أو الرّماح ‪ ,‬فيجب على المسلم أن يوفي لقرنه بما شرطه عليه ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إنّ المسلم إذا خرج لمبارزة كاف ٍر بشرط أن ل يعين المبارز على خصمه‬
‫سواه ‪ ,‬وجب الوفاء بشرطه ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬إن أعين الكافر المبارز من واحدٍ أو جماع ٍة بإذنه قتل المعين والمبارز ‪ ,‬وإن كانت‬
‫العانة بغير إذنٍ قتل المعين وحده ‪ ,‬وترك المبارز المعان مع قرنه على حكم ما دخل عليه‬
‫من الشروط ‪ ,‬ولو جهل هل أذن في العانة أم ل ؟ فالظّاهر الحمل على الذن إن دلّت قرينة‬
‫عليه ‪ ,‬كما إذا راطنه بلسانه ولم يعرف ما يقول فجاء عقب ذلك فورا ‪ ,‬وإل فالصل عدم‬
‫الذن ‪.‬‬
‫وإن انهزم المسلم المبارز وفرّ تاركا المبارزة فتبعه الكافر ليقتله أو أثخن الكافر المسلم‬
‫وأراد قتله منع من ذلك ‪.‬‬
‫ن مبارزته كالعهد على أن ل يقتله إل‬
‫قال الزرقانيّ ‪ :‬ل يقتل المبارز غير من بارزه ل ّ‬
‫واحد ‪ ,‬لكن قال البساطيّ ‪ :‬لو سقط المسلم وأراد الجهاز عليه منعه المسلمون من ذلك‬
‫على الصّحيح أي بغير القتل إن أمكن ‪ ,‬وإل فبه ‪ ,‬وقال الشّارح ‪ :‬لو أثخن المسلم وقصد‬
‫تذفيفه منعناه على أحد القولين قال الزرقانيّ ‪ :‬وهو الرّاجح ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬إن خيف على المسلم المبارز القتل من قرنه الكافر ‪ ,‬فنقل الباجيّ عن ابن‬
‫وقال الدسوق ّ‬
‫ب ‪ :‬يجوز‬
‫ن المسلم ل يعان بوجه لجل الشّرط ‪ ,‬وقال أشهب وابن حبي ٍ‬
‫القاسم وسحنونٍ أ ّ‬
‫ن مبارزته عهد على أن ل يقتله إل من‬
‫إعانة المسلم ودفع المشرك عنه بغير القتل ل ّ‬
‫بارزه ‪ ,‬قال الموّاق ‪ :‬وهذا هو الّذي تجب به الفتوى ‪ ,‬أل ترى أنّ العلج المكافئ لو أراد أن‬
‫يأسره لوجب علينا إنقاذه منه ‪ ,‬فإن لم يمكن دفعه إل بالقتل قتل كما في البساطيّ ‪.‬‬
‫ولكنّ الموّاق ذكر أنّه ‪ :‬إن خيف على المسلم القتل فأجاز أشهب وسحنون أن يدفع عنه‬
‫المشرك ول يقتل ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬للمسلم الّذي خرج للمبارزة في جماع ٍة مسلمين لمثلها من الحربيّين معاقدةً‬
‫من الطّائفتين للمبارزة من غير تعيين شخصٍ لخر عند العقد ‪ ,‬ولكن إذا برز عند نشوب‬
‫القتال كل واح ٍد من المسلمين لكلّ واحدٍ من الكفّار فيجوز إذا فرغ المسلم من قرنه العانة‬
‫ن كلّ جماعةٍ بمنزلة‬
‫ن الجماعة خرجت لجماعة ‪ ,‬فإ ّ‬
‫لمسلم آخر أراد قرنه قتله ‪ ,‬نظرا إلى أ ّ‬
‫قرنٍ واحدٍ ‪ ,‬لقضيّة عليّ وحمزة وعبيدة بن الحارث بن عبد المطّلب رضي ال تعالى عنهم‬
‫‪ ,‬بارزوا يوم بد ٍر الوليد بن عتبة وعتبة بن ربيعة وأخاه شيبة بن ربيعة ‪ ,‬فقتل علي الوليد‬
‫بن عتبة ‪ ,‬وقتل حمزة عتبة بن ربيعة ‪ ,‬وأمّا شيبة بن ربيعة فضرب عبيدة فقطع رجله فكرّ‬
‫عليه علي وحمزة فاستنقذاه من شيبة وقتله ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو تبارز مسلم وكافر بشرط أن ل يعين المسلمون المسلم ول الكافرون‬
‫الكافر إلى انقضاء القتال ‪ ,‬أو كان عدم العانة عاد ًة فقتل الكافر المسلم ‪ ,‬أو ولّى أحدهما‬
‫منهزما ‪ ,‬أو أثخن الكافر جاز لنا قتله ‪ ,‬لنّ المان كان إلى انقضاء الحرب وقد انقضى ‪,‬‬
‫وإن شرط أن ل نتعرّض للمثخن وجب الوفاء بالشّرط ‪ ,‬وإن شرط المان إلى دخوله الصّفّ‬
‫وجب الوفاء به ‪ ,‬وإن فرّ المسلم عنه فتبعه ليقتله أو أثخنه الكافر منعناه من قتله وقتلنا‬
‫الكافر ‪ ,‬وإن خالفنا شرط تمكينه من إثخانه لنقضه المان في الولى وانقضاء القتال في‬
‫الثّانية ‪ ,‬فإن شرط له التّمكين من قتله فهو شرط باطل لما فيه من الضّرر ‪ ,‬وهل يفسد‬
‫أصل المان أو ل ؟ وجهان ‪ :‬أوجههما الوّل ‪.‬‬
‫فإن أعانه أصحابه قتلناهم وقتلناه أيضا إن لم يمنعهم ‪ ,‬أما إذا لم يشرط عدم العانة ولم‬
‫تجر به عادة فيجوز قتله مطلقا ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن شرط الكافر المبارز أن ل يقاتله غير الخارج إليه ‪ ,‬أو كان هو العادة ‪,‬‬
‫لزمه الشّرط لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬المسلمون على شروطهم » ‪ ,‬والعادة بمنزلة‬
‫الشّرط ‪ ,‬ويجوز رميه وقتله قبل المبارزة ‪ ,‬لنّه كافر ل عهد له ول أمان ‪ ,‬فأبيح قتله‬
‫كغيره إل أن تكون العادة جاري ًة بينهم ‪ ,‬أي بين المسلمين وأهل الحرب ‪ ,‬أنّ من يخرج‬
‫يطلب المبارزة ل يتعرّض له ‪.‬‬
‫فيجري ذلك مجرى الشّرط ‪ ,‬ويعمل بالعادة وإن انهزم المسلم تاركا للقتال أو أثخن المسلم‬
‫ن المسلم إذا صار‬
‫بالجراح ‪ ,‬جاز لك ّل مسلمٍ الدّفع عنه ‪ ,‬والرّمي أي رمي الكافر وقتله ‪ ,‬ل ّ‬
‫ن حمزة وعليا أعانا عبيدة‬
‫إلى هذا الحال فقد انقضى قتاله ‪ ,‬وزال المان ‪ ,‬وزال القتال ‪ ,‬ل ّ‬
‫ابن الحارث على قتل شيبة ‪ ,‬حين أثخن عبيدة ‪ ,‬وإن أعان الكفّار صاحبهم فعلى المسلمين‬
‫أن يعينوا صاحبهم ويقاتلوا من أعان عليه ل المبارز لنّه ليس بسبب من جهته ‪.‬‬
‫وذكر الوزاعي أنّه ليس للمسلمين معاونة صاحبهم ‪ ,‬وإن أثخن بالجراح ‪ ,‬وخاف‬
‫المسلمون على صاحبهم ‪ ,‬لنّ المبارزة إنّما تكون هكذا ‪ ,‬ولكن لو حجزوا بينهما وخلّوا‬
‫سبيل العلج الكافر ‪ ,‬قال ‪ :‬فإن أعان العدو صاحبهم فل بأس أن يعين المسلمون صاحبهم ‪.‬‬
‫ضرب وجه المبارز الكافر ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬لو توجّه لحد ضرب وجه من يبارزه وهو في مقابلته حال الحملة ل‬ ‫‪9‬‬

‫يكف عنه إذ قد يمتنع عليه بعد ذلك ويقتله ‪.‬‬


‫القود في المبارزة على وجه الملعبة أو التّعليم ‪:‬‬
‫‪ -‬نقل ابن عابدين عن صاحب المحيط أنّه لو بارز اثنان على وجه الملعبة أو التّعليم‬ ‫‪10‬‬

‫فأصابت الخشبة عين أحدهما فذهبت يقاد إن أمكن ‪.‬‬


‫تحريض المبارزين بالتّكبير ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يستحب عند الحنفيّة رفع الصّوت بالتّكبير والتّهليل في الحرب إل إذا كان فيه‬ ‫‪11‬‬

‫تحريض للمبارزين فل بأس به ‪.‬‬

‫مَبارِك الِبل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المبارك جمع مبركٍ ‪ ,‬وهو موضع البروك ‪ ,‬يقال ‪ :‬برك البعير بروكا ‪ :‬وقع على بركه‬ ‫‪1‬‬

‫وهو صدره ‪ ,‬ويقال ‪ :‬أبركته أنا ‪ ,‬والكثر ‪ :‬أنخته فبرك ‪.‬‬


‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪ ,‬وبعض الفقهاء يسوون بين المبارك‬
‫والمعاطن ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المرابض ‪:‬‬
‫ض ‪ ,‬وهو مأوى الغنم ‪ ,‬وهو كالمبرك للبل ‪.‬‬
‫‪ -‬المرابض جمع مرب ٍ‬ ‫‪2‬‬

‫والصّلة بينهما المغايرة والمباينة ‪.‬‬


‫ب ‪ -‬المرابد ‪:‬‬
‫‪ -‬المرابد ‪ ,‬جمع مِربد ‪ ,‬بوزن مِقود ‪ ,‬وهو موقف البل ‪ ,‬أو الّذي تحبس فيه البل‬ ‫‪3‬‬

‫والمربد أعم من المبرك ‪.‬‬


‫الحكام المتعلّقة بمبارك البل ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الصّلة في مبارك البل ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الصّلة في مبارك البل مكروهة ولو طاهر ًة أو فرشت‬ ‫‪4‬‬

‫بفراش طاهرٍ ‪ ,‬وعن أحمد روايتان ‪ :‬إحداهما أنّ الصّلة ل تصح فيها بحال ‪ ,‬وتلزم العادة‬
‫إن صلّى فيها ‪ ,‬والرّواية الثّانية كالجمهور والصّلة صحيحة ‪ ,‬ما لم تكن المبارك نجسةً ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪105‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬صلة ف‬
‫ب ‪ -‬علّة النّهي عن الصّلة في مبارك البل ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة والشّافعيّة ‪ :‬علّة النّهي عن الصّلة في مبارك البل ما في البل من‬ ‫‪5‬‬

‫النفور ‪ ,‬فربّما نفرت وهو في الصّلة فتؤدّي إلى قطعها ‪ ,‬أو أذىً يحصل منها ‪ ,‬أو تشوش‬
‫الخاطر الملهي عن الخشوع في الصّلة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬النّهي تعبدي ل لعلّة معقولةٍ ‪ ,‬وهو قول عند الحنابلة ‪ ,‬وفي قولٍ عندهم ‪:‬‬
‫إنّ المنع معلّل بأنّها مظنّة للنّجاسات ‪ ,‬لنّ البعير البارك كالجدار يمكن أن يستتر به ويبول ‪,‬‬
‫وهذا ل يتحقّق في حيوانٍ سواها ‪ ,‬لنّه في حالٍ ربضه يستر ‪ ,‬وفي حال قيامه ل يثبت ‪,‬‬
‫ن ابن عمر رضي ال عنهما ‪ :‬أناخ راحلته ‪ ,‬مستقبل القبلة ثمّ جلس‬
‫ول يستر ‪ ,‬وقد ورد أ ّ‬
‫يبول إليها ‪.‬‬

‫مُباشرة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني المباشرة في اللغة ‪ :‬الملمسة ‪ ،‬وأصله من لمس بشرة الرّجل بشرة المرأة‬ ‫‪1‬‬

‫ومن معانيها ‪ -‬أيضا ‪ : -‬الجماع ‪.‬‬


‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن ذلك ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمباشرة ‪:‬‬
‫تتعلّق بالمباشرة أحكام منها ‪:‬‬
‫مباشرة الحائض في زمن الحيض ‪:‬‬
‫ن وطء الحائض في الفرج حرام لقوله تعالى ‪ { :‬فَاعْتَ ِزلُواْ‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪2‬‬

‫طهُ ْرنَ } كما ل خلف بينهم في جواز مباشرتها‬


‫ال ّنسَاء فِي ا ْل َمحِيضِ َولَ َتقْرَبُو ُهنّ حَ ّتىَ َي ْ‬
‫ي صلّى اللّه عليه وسلّم ‪ « :‬سئل عمّا يحل‬
‫فيما فوق السرّة ودون الركبة لحديث ‪ :‬أنّ النّب ّ‬
‫للرّجل من امرأته وهي حائض ؟ فقال ‪ :‬ما فوق الزار » ‪.‬‬
‫واختلفوا في مباشرتها فيما بين السرّة والركبة ‪:‬‬
‫فذهب الجمهور إلى أنّه حرام واستدلوا بحديث عائشة رضي ال عنها قالت ‪ « :‬كانت إحدانا‬
‫إذا كانت حائضا فأراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يباشرها أمرها أن تتّزر في فور‬
‫حيضتها ثمّ يباشرها » ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يجوز أن يصنع كلّ شي ٍء ما عدا الوطء ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪42‬‬ ‫وللتّفصيل ينظر ‪ ( :‬حيض ف‬
‫مباشرة الصّائم ‪:‬‬
‫‪ -‬يجوز للصّائم أن يباشر زوجته بما دون الفرج ‪ ،‬إن أمن من الوقوع في المحظور ‪ ،‬ول‬ ‫‪3‬‬

‫يبطل صومه إن لم ينزل ‪ ،‬لحديث عائشة رضي ال عنها قالت ‪ « :‬كان النّبي صلّى اللّه‬
‫عليه وسلّم يقبّل ويباشر وهو صائم وكان أملككم لربه » ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪39‬‬ ‫( ر ‪ :‬صوم ف‬
‫ن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ‪ :‬رخّص‬
‫وتحرم المباشرة إن كانت تحرّك شهوته لخبر ‪ « :‬أ ّ‬
‫في القبلة للشّيخ وهو صائم ‪ ،‬ونهى عنها الشّابّ وقال ‪ :‬الشّيخ يملك إربه والشّاب يفسد‬
‫صومه » ‪.‬‬
‫قال الرّملي ‪ :‬ففهمنا من التّعليل أنّه دائر مع تحريك الشّهوة وعدمها ولنّ فيه تعريضا‬
‫لفساد العبادة ‪.‬‬
‫والمباشرة والمعانقة كالقبلة ‪.‬‬
‫مباشرة المعتكف ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّ المباشرة بمعنى الوطء يحرم على المعتكف لقوله تعالى ‪:‬‬ ‫‪4‬‬

‫ن َوأَن ُتمْ عَا ِكفُونَ فِي ا ْل َمسَاجِدِ } ‪.‬‬


‫{ َو َل تُبَاشِرُوهُ ّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪27‬‬ ‫وأمّا المباشرة بل وط ٍء ففيها تفصيل ينظر في ‪ ( :‬اعتكاف ف‬
‫مباشرة المحرم ‪:‬‬
‫‪ -‬يحرم على المحرم مباشرة النّساء بأنواعها ‪ :‬الجماع والقبلة والمعانقة واللّمس بشهوةٍ‬ ‫‪5‬‬

‫حجّ } ‪.‬‬
‫ق َولَ جِدَالَ فِي ا ْل َ‬
‫ث َولَ ُفسُو َ‬
‫ولو مع عدم النزال لقوله تعالى ‪ { :‬فَلَ رَفَ َ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪93‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إحرام ف‬
‫التّعدّي على الغير بالمباشرة ‪:‬‬
‫ن التّعدّي على الغير مباشر ًة هو من أقوى أسباب الضّمان ‪.‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪6‬‬

‫كما اتّفقوا في الجملة ‪ :‬على أنّه إذا اجتمع المباشر والمتسبّب أضيف الحكم إلى المباشر‬
‫وإن اختلفوا في بعض الجزئيّات ‪.‬‬
‫فالقاعدة ‪ :‬إذا اجتمع السّبب والمباشرة أو الغرور والمباشرة قدّمت المباشرة ‪.‬‬
‫ُمبَالَغة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المبالغة في اللغة ‪ :‬مصدر بالغ يقال ‪ :‬بالغ يبالغ مبالغةً وبلغًا ‪ :‬إذا اجتهد في المر‬ ‫‪1‬‬

‫ولم يقصّر ‪ ،‬والمبالغة ‪ :‬المغالة ‪.‬‬


‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمبالغة ‪:‬‬
‫المبالغة في المضمضة والستنشاق في الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬المبالغة في المضمضة إدارة الماء في أعماق الفم وأقاصيه وأشداقه والمبالغة في‬ ‫‪2‬‬

‫الستنشاق اجتذاب الماء بالنّفس إلى أقصى النف ‪.‬‬


‫ن المبالغة في المضمضة والستنشاق سنّة لغير الصّائم ‪.‬‬
‫واتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫أمّا للصّائم فالمبالغة فيهما مكروهة بالنّسبة له لحديث لقيط بن صبرة أنّ رسول اللّه صلّى‬
‫اللّه عليه وسلّم قال ‪ « :‬وبالغ في الستنشاق إل أن تكون صائما » ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪83‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬وضوء ‪ ,‬صوم ف‬
‫المبالغة في غسل أعضاء الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يستحب إسباغ الوضوء أي غسل ما فوق الواجب من‬ ‫‪3‬‬

‫أعضاء الوضوء أو مسحه لما روى نعيم المجمّر أنّه رأى أبا هريرة رضي ال عنه يتوضّأ‬
‫فغسل وجهه ويديه حتّى كاد يبلغ المنكبين ثمّ غسل رجليه حتّى رفع إلى السّاقين ثمّ قال ‪:‬‬
‫ن أمّتي يأتون يوم القيامة غرا محجّلين‬
‫سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول ‪ « :‬إ ّ‬
‫من أثر الوضوء ‪ ,‬فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل » ‪ ,‬والغرّة ‪ :‬بياض في وجه‬
‫الفرس ‪ ،‬والتّحجيل في يديه ورجليه ‪ ،‬ومعنى الحديث ‪ :‬يأتون بيض الوجوه واليدي‬
‫والرجل ‪.‬‬
‫وصرّح الحنابلة بأنّه يستحب المبالغة في أعضاء الوضوء والمبالغة عندهم في غير‬
‫المضمضة والستنشاق هي دلك المواضع الّتي ينبو عنها الماء أي ل يطمئن عليها وعركها‬
‫بالماء ‪.‬‬
‫وصرّح المالكيّة بأنّه يجب دلك أعضاء الوضوء والدّلك ‪ -‬في الرّاجح ‪ -‬عندهم ‪ :‬هو إمرار‬
‫اليد على العضو ‪.‬‬
‫كما صرّحوا بأنّه ل تندب إطالة الغرّة وهي الزّيادة في مغسول الوضوء على محلّ الفرض ‪.‬‬
‫المبالغة في دلك العقب في الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح جمهور الفقهاء باستحباب دلك العقب في الوضوء ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫قال مالك ‪ :‬وينبغي أن يتعاهد عقبيه ‪.‬‬


‫وقال البغوي ‪ :‬ويجتهد في دلك العقب ل سيّما في الشّتاء فإنّ الماء يتجافى عنها ‪.‬‬
‫وصرّح الشّربيني الخطيب ‪ :‬بأنّه يستحب أن يدلك أعضاء الوضوء ويبالغ في العقب‬
‫خصوصا في الشّتاء فقد ورد ‪ « :‬ويل للعقاب من النّار » ‪.‬‬
‫وذكر نحو هذا الحطّاب وابن قدامة ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬وضوء ) ‪.‬‬
‫المبالغة في الغُسل ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في كراهة السراف والمبالغة في الغسل فما زاد على الكفاية أو‬ ‫‪5‬‬

‫بعد تيقن الواجب فهو سرف مكروه إل إذا كان الماء موقوفا فإنّه يحرم الزّيادة على الكفاية‬
‫ن فيها ‪.‬‬
‫لكونها غير مأذو ٍ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪40‬‬ ‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬إسراف ف ‪ 8‬غسل ف‬
‫المبالغة في رفع الصّوت بالذان ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه يستحب رفع الصّوت بالذان بل إجها ٍد لنفسه لئل يضرّ‬ ‫‪6‬‬

‫ي صلّى اللّه عليه وسلّم لبي سعي ٍد الخدريّ ‪ « :‬إنّي أراك تحب الغنم والبادية ‪،‬‬
‫بها لقول النّب ّ‬
‫فإذا كنت في غنمك أو باديتك ‪ ،‬فأذّنت بالصّلة فارفع صوتك بالنّداء ‪ ،‬فإنّه ل يسمع مدى‬
‫صوت المؤذّن جن ول إنس ول شيء إل شهد له يوم القيامة » ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬يسن الجهر بالذان ورفع الصّوت به ول ينبغي أن يجهد نفسه لنّه يخاف‬
‫حدوث بعض العلل ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬رفع الصّوت بالذان ركن ويستحب رفع صوته بقدر طاقته وتكره الزّيادة‬
‫فوق طاقته خشية الضّرر ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪25‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪24‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬أذان ف‬
‫المبالغة في الدعاء ورفع اليدين في الستسقاء ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء في الجملة إلى استحباب المبالغة في الدعاء ‪ ،‬وفي رفع اليدين في‬ ‫‪7‬‬

‫الستسقاء لما جاء في حديث أنسٍ رضي ال عنه ‪ « :‬كان صلّى اللّه عليه وسلّم يرفع يديه‬
‫حتّى يرى بياض إبطيه » ‪.‬‬
‫ن معنى المبالغة في الدعاء يحتمل أمرين ‪ :‬إمّا الطالة في الدعاء وإمّا‬
‫وذكر الزرقاني أ ّ‬
‫التيان بأجوده وأحسنه أو يحتملهما معا وذكر ‪ -‬أيضا ‪ -‬أنّ المبالغة في الدعاء تكون من‬
‫المام ومن معه من الحاضرين ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪8‬‬ ‫دعاء ف‬ ‫‪19‬‬ ‫( ر ‪ :‬استسقاء ف‬
‫المبالغة في المدح ‪:‬‬
‫‪ -‬قال النّووي ‪ :‬وردت أحاديث في النّهي عن المدح وأحاديث في الصّحيحين بالمدح في‬ ‫‪8‬‬

‫الوجه ‪.‬‬
‫قال العلماء ‪ :‬وطريق الجمع بينها أنّ النّهي محمول على المجازفة في المدح والزّيادة في‬
‫ب ونحوه إذا سمع المدح ‪ ،‬أمّا من ل‬
‫الوصاف ‪ ،‬أو على من يخاف عليه فتنة من إعجا ٍ‬
‫يخاف عليه ذلك لكمال تقواه ورسوخ عقله ومعرفته ‪ ،‬فل نهي في مدحه في وجهه إذا لم‬
‫يكن فيه مجازفة ‪ ،‬بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشطه للخير ‪ ،‬والزدياد منه ‪ ،‬أو الدّوام‬
‫عليه ‪ ،‬أو القتداء به ‪ ،‬كان مستحبا ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬مدح ) ‪.‬‬

‫مُبَا َهلَة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المباهلة في اللغة ‪ :‬من باهله مباهلةً لعن كل منهما الخر ‪ ،‬وابتهل إلى اللّه ‪ :‬ضرع‬ ‫‪1‬‬

‫ل ‪ :‬لعنه ومنه قول أبي بكرٍ رضي ال عنه ‪ " :‬من ولي من أمر النّاس شيئا‬
‫إليه وبهله به ً‬
‫فلم يعطهم كتاب اللّه فعليه بهلة اللّه " أي لعنته ‪ ،‬وباهل بعضهم بعضا ‪ :‬اجتمعوا فتداعوا‬
‫فاستنزلوا لعنة اللّه على الظّالم منهم ‪ ،‬وفي أثر ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما ‪ :‬من شاء‬
‫باهلته أنّه ليس للمة ظهار ‪.‬‬
‫ول يخرج معناه الصطلحي عن معناه اللغويّ ‪.‬‬
‫الحكم الجمالي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المباهلة في الفرائض ‪:‬‬
‫‪ -‬ذكر بعض الفقهاء في باب الفرائض مسألةً سمّيت بالمباهلة وهي ‪ :‬زوج وأم وأخت‬ ‫‪2‬‬

‫ب ‪ ،‬حكم فيها سيّدنا عمر بن الخطّاب رضي ال عنه في زمن خلفته بالعول ‪،‬‬
‫لبوين أو ل ٍ‬
‫بل قيل ‪ :‬إنّها أوّل فريضةٍ أعيلت في زمن عمر رضي ال عنه ‪ ،‬فخالفه فيها ابن عبّاسٍ‬
‫رضي ال عنهما بعد وفاته ‪ ،‬وكان ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما صغيرا ‪ ،‬فلمّا كبر أظهر‬
‫الخلف بعد موت عمر رضي ال عنه ‪ ،‬وجعل للزّوج النّصف وللمّ الثلث وللخت ما بقي‬
‫ول عول حينئذٍ ‪ ،‬فقيل له ‪ :‬لم لم تقل هذا لعمر ؟ فقال ‪ :‬كان رجلً مهابا فهبته ‪ ،‬ثمّ قال ‪:‬‬
‫إنّ الّذي أحصى رمل عالجٍ عددا لم يجعل في المال نصفا ونصفا وثلثا ‪ ،‬ذهب النّصفان‬
‫بالمال فأين موضع الثلث ؟ ثمّ قال له علي رضي ال عنه ‪ :‬هذا ل يغني عنك شيئا ‪ ،‬لو متّ‬
‫أو متّ لقسم ميراثنا على ما عليه النّاس من خلف رأيك ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬فإن شاءوا فلندع أبناءنا وأبناءهم ونساءنا ونساءهم وأنفسنا وأنفسهم ‪ ،‬ثمّ نبتهل‬
‫فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين ‪ ،‬فسمّيت المباهلة لذلك ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪56‬‬ ‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬إرث ف‬
‫ب ‪ -‬مشروعيّة المباهلة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال ابن عابدين ‪ :‬المباهلة بمعنى الملعنة مشروعة في زماننا وقد وردت المباهلة في‬ ‫‪3‬‬

‫ب ِثمّ قَا َل َل ُه كُن‬


‫ن مَ َثلَ عِيسَى عِندَ الّل ِه َكمَ َثلِ آ َدمَ خَ َل َقهُ مِن تُرَا ٍ‬
‫الصل في قوله تعالى ‪ { :‬إِ ّ‬
‫ن ا ْلعِلْمِ‬
‫ك مِ َ‬
‫ن حَآجّكَ فِيهِ مِن َبعْدِ مَا جَاء َ‬
‫ل َتكُن مّن ا ْل ُممْتَرِينَ ‪َ ،‬فمَ ْ‬
‫ق مِن رّبّكَ فَ َ‬
‫فَ َيكُونُ ‪ ،‬ا ْلحَ ّ‬
‫جعَل ّلعْ َنةُ‬
‫س ُكمْ ُثمّ نَبْ َت ِهلْ فَ َن ْ‬
‫ع أَبْنَاءنَا َوأَبْنَاءكُ ْم وَ ِنسَاءنَا وَ ِنسَاءكُمْ َوأَن ُفسَنَا وأَنفُ َ‬
‫َف ُقلْ َتعَا َل ْواْ نَدْ ُ‬
‫علَى ا ْلكَاذِبِينَ } ‪.‬‬
‫الّلهِ َ‬
‫حيث نزلت هذه اليات بسبب وفد نجران حين لقوا نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسألوه‬
‫ي له أب ‪ ،‬فما شأن عيسى ل أب له ؟‬
‫عن عيسى فقالوا ‪ :‬كل آدم ّ‬
‫وروي ‪ « :‬أنّه عليه الصّلة والسّلم لمّا دعا أسقف نجران والعاقب إلى السلم قالوا ‪ :‬قد‬
‫كنّا مسلمين قبلك ‪ ،‬فقال ‪ :‬كذبتما منع السلم منكما ثلث ‪ :‬قولكما ‪ :‬اتّخذ اللّه ولدا ‪،‬‬
‫وسجودكما للصّليب ‪ ،‬وأكلكما الخنزير ‪ ،‬قال ‪ :‬من أبو عيسى ؟ فلم يدر ما يقول فأنزل اللّه‬
‫جعَل ّلعْ َنةُ الّلهِ‬
‫ن مَ َثلَ عِيسَى عِندَ الّل ِه َكمَ َثلِ آ َدمَ خَ َل َقهُ مِن تُرَابٍ } إلى قوله ‪ { :‬فَ َن ْ‬
‫تعالى ‪ { :‬إِ ّ‬
‫عَلَى ا ْلكَاذِبِينَ } فدعاهم النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المباهلة ‪ ،‬فقال بعضهم لبعض ‪:‬‬
‫إن فعلتم اضطرم الوادي عليكم نارا ‪ . .‬فإنّ محمّدا نبي مرسل ولقد تعلمون أنّه جاءكم‬
‫بالفصل في أمر عيسى ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬أما تعرض علينا سوى هذا ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم ‪:‬‬
‫السلم أو الجزية أو الحرب ‪ ،‬فأقروا بالجزية وانصرفوا إلى بلدهم على أن يؤدوا في كلّ‬
‫صفَ ٍر ‪ ،‬وألف حّلةٍ في رجبٍ ‪ ،‬فصالحهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم‬
‫عامٍ ألف حّلةٍ في َ‬
‫على ذلك بدلً من السلم » ‪.‬‬
‫قال العلماء ‪ :‬وفي هذه اليات دحض لشبه النّصارى في أنّ عيسى إله أو ابن الله ‪ ،‬كما‬
‫ي صلّى اللّه عليه وسلّم لنّه لمّا دعاهم إلى المباهلة أبوا ورضوا‬
‫أنّها من أعلم نبوّة النّب ّ‬
‫بالجزية بعد أن أعلمهم كبيرهم العاقب ‪ :‬أنّهم إن باهلوه اضطرم عليهم الوادي نارا ‪ ،‬ولم‬
‫يبق نصراني ول نصرانيّة إلى يوم القيامة ‪ ،‬ولول أنّهم عرفوا يقينا أنّه نبي ما الّذي كان‬
‫يمنعهم من المباهلة ؟ فلمّا أحجموا وامتنعوا عنها دلّ على أنّهم قد كانوا عرفوا صحّة نبوّته‬
‫صلّى اللّه عليه وسلّم بالدّلئل المعجزات ‪ ،‬وبما وجدوا من نعته في كتب النبياء المتقدّمين ‪.‬‬
‫ُمبْتدِعة *‬
‫انظر ‪ :‬بدعة ‪.‬‬

‫مَبتُوتة *‬
‫انظر ‪ :‬طلق ‪.‬‬

‫َمبْطُون *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المبطون في اللغة ‪ :‬هو عليل البطن ‪ ،‬من البطَن بفتح الطّاء يقال ‪ :‬بطِن ‪ -‬بكسر الطّاء‬ ‫‪1‬‬

‫ن بصيغة البناء للمفعول ‪ :‬اعتلّ بطنه فهو‬


‫‪ -‬بطنا إذا أصابه مرض البطن ‪ ،‬ويقال ُبطِ َ‬
‫مبطون ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬قال النّووي ‪ :‬المبطون صاحب داء البطن وهو السهال وقيل ‪ :‬هو الّذي‬
‫به الستسقاء وانتفاخ البطن وقيل ‪ :‬هو الّذي يشتكي بطنه وقيل ‪ :‬هو الّذي يموت بداء بطنه‬
‫مطلقا ‪ ،‬أي شاملً لجميع أمراض البطن ‪ ،‬وقال ابن عبد البرّ ‪ :‬قيل هو صاحب السهال ‪،‬‬
‫وقيل ‪ :‬إنّه صاحب القولنج والبطين ‪ :‬العظيم البطن ‪.‬‬
‫الحكم الجمالي ‪:‬‬
‫‪ -‬المبطون مريض ومعذور فتجري عليه أحكام المرضى وأصحاب العذار ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪32‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلحات ‪ ( :‬مرض وتيسير ف‬


‫ي صلّى اللّه عليه‬
‫وقد نصّ الفقهاء على ع ّد المبطون شهيدا إذا مات في بطنته لقول النّب ّ‬
‫وسلّم ‪ « :‬الشهداء خمسة ‪ :‬المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشّهيد في سبيل‬
‫اللّه عزّ وجلّ » ‪.‬‬
‫وقسّموا الشهداء إلى أقسامٍ ثلث ٍة ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬شهيد الدنيا والخرة ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬شهيد الدنيا ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬شهيد الخرة ‪.‬‬
‫ن المبطون من شهداء الخرة ‪.‬‬
‫واتّفقوا على أ ّ‬
‫واتّفقوا على تغسيل المبطون مع عدّه شهيدا ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪21‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬شهيد ف ‪ 5، 3‬وتغسيل الميّت ف‬

‫ُمبَلّغ *‬
‫انظر ‪ :‬تبليغ ‪.‬‬

‫َمبِيت *‬
‫انظر ‪ :‬مزدلفة ‪ ،‬منىً ‪ ،‬قسم بين الزّوجات ‪.‬‬

‫مُتارَكة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المتاركة في اللغة ‪ :‬مصدر تارك من التّرك وهو التّخلية والمفارقة ‪ ،‬يقال ‪ :‬تتاركوا‬ ‫‪1‬‬

‫المر بينهم أي تركه كل منهم ‪ ،‬وتاركه البيع متاركةً إذا خله كل منهم ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬لم يعرّف الفقهاء المتاركة تعريفا واضحا ‪ ،‬ولم يستعمل جمهور الفقهاء‬
‫لفظ المتاركة بل استعاضوا عنه بلفظ الفسخ ‪ ،‬ولكن الحنفيّة استعملوا لفظ المتاركة في‬
‫ي في الجملة ‪.‬‬
‫بعض العقود الفاسدة بمعناه اللغو ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫البطال ‪:‬‬
‫‪ -‬البطال لغةً ‪ :‬إفساد الشّيء وإزالته ‪ ،‬حقا كان ذلك الشّيء أو باطلً ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬هو الحكم على الشّيء بالبطلن ‪ ،‬سواء وجد صحيحا ثمّ طرأ عليه سبب‬
‫البطلن ‪ ،‬أو وجد وجودا حسّيا ل شرعيا ‪ ،‬ويستعمله الفقهاء بمعنى الفسخ والفساد‬
‫والزالة والنّقض والسقاط مع اختلفٍ في بعض الوجوه ‪.‬‬
‫ركن المتاركة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬الصل في المتاركة أن تكون باللّفظ المعبّر به عنها من المتعاقدين‬ ‫‪3‬‬

‫كتركت وفسخت ونقضت وتصح بلفظ الطّلق في النّكاح الفاسد ول ينقص بها عدد الطّلقات‬
‫على الزّوج ‪.‬‬
‫ويحل محلّ اللّفظ في أغلب الحوال الفعل المعبّر به عنها ‪ ،‬مثل ردّ المشتري المبيع بيعا‬
‫فاسدا على بائعه بهب ٍة أو صدق ٍة ‪ ،‬أو بي ٍع أو بوجهٍ من الوجوه ‪ ،‬كإعارةٍ وإجارةٍ فإنّ ذلك‬
‫كلّه متاركة للبيع فتصح ويبرأ المشتري من ضمانه ‪.‬‬
‫هذا في المعاوضات عا ّمةً ‪.‬‬
‫وهل يكون ذلك في النّكاح أيضا ؟ ‪.‬‬
‫ن المتاركة في النّكاح الفاسد ل تتحقّق بعد الدخول‬
‫ن الحنفيّة صرّحوا بأ ّ‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬إ ّ‬
‫إل بالقول كتركتك وخلّيت سبيلك ‪ ،‬وأمّا غير المدخول بها فقيل ‪ :‬تكون المتاركة بالقول أو‬
‫بالتّرك على قصد عدم العود إليها ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ل تكون إل بالقول كحال ما بعد الدخول ‪ ،‬حتّى‬
‫لو تركها ومضى على عدّتها سنون لم يكن لها أن تتزوّج بآخر ‪ ،‬هذا إذا تركها مع العزم‬
‫على عدم العود إليها ن فإذا تركها من غير عزمٍ على ذلك لم تكن متاركةً عند الحنفيّة ‪،‬‬
‫وخالف زفر في ذلك وعدّها متاركةً أيضا ‪ ،‬وأوجب عليها العدّة من تاريخ آخر لقاءٍ له بها ‪.‬‬
‫ما يترتّب على المتاركة من أحكامٍ ‪:‬‬
‫ن كلّ مبيعٍ ببيعٍ فاسدٍ ردّه المشتري على بائعه بهبةٍ أو صدقةٍ أو بيعٍ‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫أو بوجهٍ من الوجوه ‪ :‬كإعار ٍة وإجارةٍ ‪ ،‬ووقع في يد بائعه فهو متاركة للبيع ‪ ،‬وبرئ‬
‫المشتري من ضمانه ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬يثبت لكلّ واحدٍ من الزّوجين في النّكاح الفاسد فسخه ولو بغير محض ٍر من‬
‫صاحبه ‪ ،‬دخل بها أو ل في الصحّ خروجا عن المعصية ‪ ،‬فل ينافي وجوبه بل يجب على‬
‫القاضي التّفريق بينهما ‪ ،‬وتجب العدّة بعد الوطء ل الخلوة للطّلق ل للموت ‪ ،‬من وقت‬
‫التّفريق أو متاركة الزّوج وإن لم تعلم المرأة بالمتاركة في الصحّ ‪.‬‬
‫وإذا تمّت المتاركة بين المتعاقدين ‪ ،‬وتحقّق ركنها انقضت كل آثار العقد الّذي وردت عليه‬
‫لنتقاضه بها ‪ ،‬ووجب رد المتعاقدين بعدها إلى الحالة الّتي كانا عليها قبل التّعاقد ما أمكن ‪،‬‬
‫فيترا ّد المتعاقدان البدلين ‪ ،‬ويتفرّق الزّوجان ويكون كل لقاءٍ لهما بعده حراما وزنا يوجب‬
‫الحدّ ‪.‬‬
‫فإذا تعذّر ذلك ‪ ،‬كما لو هلك المبيع بعد القبض في البيع الفاسد ‪ ،‬أو ولدت المرأة بعد‬
‫الدخول في النّكاح الفاسد ‪ ،‬ثمّ تمّت المتاركة وجب على المشتري رد قيمة المبيع بالغًا ما‬
‫بلغ لتعذر ر ّد عينه ‪ ،‬كما وجب على الزّوجين التّفرق إثر المتاركة مع ثبوت نسب الولد ‪،‬‬
‫ق الشّرع في المهر والعدّة ‪ ،‬وحقّ‬
‫وكذلك إثبات المهر ‪ ،‬ووجوب العدّة ‪ ،‬وذلك كله حفظا لح ّ‬
‫الولد في النّسب ‪ ،‬وهي من الحقوق الّتي ل تقبل اللغاء ‪.‬‬

‫مَتَاع *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المتاع في اللغة ‪ :‬اسم لكلّ شي ٍء ينتفع به ‪ ،‬فيتناول ‪ :‬متعة الحجّ ‪ ،‬ومتعة الطّلق ‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫وما يستمتع به النسان في حوائجه ممّا يلبسه ويفرشه والستور والمرافق كلها ‪.‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬كل ما ينتفع به من عروض الدنيا قليلها وكثيرها ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمتاع ‪:‬‬
‫متاع البيت ‪:‬‬
‫‪ -‬عبّر بعض الفقهاء عمّا يجب على الزّوج توفيره لزوجته بمتاع البيت وعدّد الخرون ما‬ ‫‪2‬‬

‫ت أو أدواتٍ للنّوم أو للطّبخ وغيرها ‪،‬‬


‫يجب على الزّوج لزوجته في البيت ‪ ،‬وسمّوه آل ٍ‬
‫وقالوا ‪ :‬إنّه يجب للزّوجة على زوجها آلت أكلٍ وشربٍ وطبخٍ ‪ ،‬ولها أيضا مسكن يليق بها‬
‫إلى غير ذلك من النّفقة الواجبة للزّوجة على زوجها ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬نفقة ) ‪.‬‬
‫التّنازع على ملكيّة المتاع ‪:‬‬
‫ن وضع اليد على الشّيء من أسباب التّرجيح في دعوى‬
‫‪ -‬القاعدة عند الفقهاء ‪ :‬أ ّ‬ ‫‪3‬‬

‫الملكيّة ‪ ،‬إن لم يوجد حجّة أقوى منها كالبيّنة ‪ ،‬فيقضى لصاحب اليد بيمينه باتّفاق الفقهاء ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تنازع اليدي ف ‪. ) 2‬‬
‫وإذا كان الشّيء في يدهما ولم يكن لحدهما بيّنة يحلف كل منهما للخر فيجعل بينهما ‪.‬‬
‫وإن حلف أحدهما ونكل الخر عن اليمين فالمدّعى به للحالف ‪ ،‬هذا إذا لم يكن لحدهما ما‬
‫يصلح للتّرجيح في عرفٍ أو ظاهر حالٍ فيقضى له به بيمينه ‪.‬‬
‫وعلى ذلك إذا اختلف الزّوجان في متاع بيت الزّوجيّة أو بعضه ‪ ،‬فادّعى كل منهما أنّه ملكه‬
‫أو شريك فيه ‪ ،‬ولم توجد بيّنة يحكم لكلّ منهما بما يليق به في العرف ‪ ،‬نظرا إلى الظّاهر‬
‫المستفاد من العادة ‪.‬‬
‫فإذا تنازعا فيما يصلح للرّجال ‪ :‬كالعمامة والسّيف وقمصان الرّجال وأقبيتهم والسّلح‬
‫وأشباهها فهي للزّوج ‪ ,‬وإن نازعها الزّوج فيما يختص بالنّساء كالمكحلة والمقانع فهو‬
‫للزّوجة ‪ ،‬استنادا إلى الظّاهر المستفاد من العادة ‪.‬‬
‫أمّا إذا تنازعا فيما يصلح لهما فقد اختلف الفقهاء فيه ‪:‬‬
‫ن القول في الدّعاوى لصاحب اليد بخلف ما يختص‬
‫فقال الحنفيّة والمالكيّة ‪ :‬إنّه للرّجل ل ّ‬
‫بها لنّه يعارضه ظاهر أقوى منه ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إنّه بينهما إذا كان ممّا يصلح لهما ‪.‬‬
‫وإذا اختلف أحدهما وورثة الخر فما يصلح لحدهما فهو كاختلفهما ‪ ،‬فما كان خاصّا‬
‫بالرّجال فهو للرّجل أو لورثته ‪ ،‬وما يصلح للنّساء فهو لها أو لورثتها ‪.‬‬
‫أمّا ما يصلح لهما فقد اختلف الفقهاء ‪:‬‬
‫فقال الحنفيّة ‪ :‬هو للحيّ منهما لنّه ل يد للميّت ‪.‬‬
‫ي وبين ورثة الميّت منهما ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬هو بين الح ّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّ تنازع الزّوجين في متاع البيت كتنازع أجنبيّين في شيءٍ بيدهما ‪:‬‬
‫فيتحالفان فيجعل بينهما إن حلفا وإن نكل أحدهما فهو للحالف ‪ ،‬ول فرق عندهم بين ما‬
‫يصلح لحدهما وما يصلح لهما ‪ ،‬وما ل يصلح لواحدٍ منهما ‪.‬‬
‫فإذا نازعها على مقانعها ‪ ،‬أو نازعته على العمامة وقمصان الرّجال والسّلح ‪ ،‬فإنّهما‬
‫يتحالفان إن لم تكن بيّنة ‪ ،‬وكذا إن تنازعا ما ل يصلح لواح ٍد منهما ككتب الفقه وهما غير‬
‫فقيهين ومصحفٍ وهما أمّيّان ‪.‬‬
‫ول فرق في الحكام السّابقة بين مفارق ٍة ومن في عصمة الزّوج ‪.‬‬
‫اختلف زوجات رجلٍ في متاع البيت ‪:‬‬
‫ت واحدٍ فإنّ المتاع الخاصّ‬
‫‪ -‬إذا تنازعت زوجات الرّجل في متاع البيت ‪ ،‬فإن كنّ في بي ٍ‬ ‫‪4‬‬

‫ت على حدةٍ فما في‬


‫ن على السّواء ‪ ،‬وإن كانت كل واحدةٍ منهنّ في بي ٍ‬
‫بالنّساء يكون بينه ّ‬
‫بيت كلّ امرأ ٍة هو بينها وبين زوجها ‪ ،‬أو بينها وبين ورثته على ما سبق ذكره ‪.‬‬
‫تخلية العقار المبيع من متاع غير المشتري ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط في قبض غير المنقول تخليته لمشترٍ وتفريغه من متاع غيره ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫والتّفصيل في ‪ ( :‬قبض ف ‪. ) 6‬‬


‫إلقاء المتاع لخوف غرق نفسٍ أو حيوانٍ محترمٍ ‪:‬‬
‫ق وخيف غرقها ‪ ،‬جاز إلقاء متاعها في‬
‫‪ -‬إذا أشرفت سفينة بها متاع وراكب على غر ٍ‬ ‫‪6‬‬

‫البحر رجاء سلمتها ‪ ،‬ويجب إلقاء المتاع لرجاء نجاة الرّاكب المحترم ‪.‬‬
‫وكذلك يجب إلقاء الحيوان المحترم لنجاة الدميّ المحترم ‪.‬‬
‫فإن ألقى متاع غيره بل إذنٍ منه ضمنه ‪ ،‬وإن ألقاه بإذنه فل ضمان ‪ ،‬ولو قال شخص ‪:‬‬
‫ألق متاعك في البحر وعليّ ضمانه ‪ ،‬أو قال ‪ :‬على أنّي ضامن ضمن ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪10‬‬ ‫سفينة ف‬ ‫‪145‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬ضمان ف‬
‫سرقة متاع المسجد ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ل يقام حد السّرقة على من سرق ما أع ّد لنتفاع‬ ‫‪7‬‬

‫النّاس به من متاع المسجد ‪ ،‬كالحصر والبسط وقناديل الضاءة ولو كانت محرزةً بحافظٍ ‪،‬‬
‫ق السّارق في النتفاع بها يعتبر شبهةً تدرأ عنه الحدّ ‪.‬‬
‫لنّ ح ّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪40‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪38‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬سرقة ف‬

‫مُ ّتهَم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المتّهم لغةً ‪ :‬من وقعت عليه التهمة ‪ ،‬والتهمة هي ‪ :‬الشّك والرّيبة ‪ ،‬واتّهمته ‪ :‬ظننت‬ ‫‪1‬‬

‫به سوءا فهو تهيم ‪ ،‬واتّهم الرّجل اتّهاما ‪ :‬أتى بما يتّهم عليه ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫المدّعى عليه ‪:‬‬
‫ن أو حقّ ‪ ،‬والمدّعي ‪ :‬هو من‬
‫ن أو عي ٍ‬
‫‪ -‬المدّعى عليه ‪ :‬هو من يدفع عن نفسه دعوى دي ٍ‬ ‫‪2‬‬

‫يلتمس لنفسه ذلك قبل المدّعى عليه ‪.‬‬


‫والصّلة بين المتّهم وبين المدّعى عليه عموم وخصوص مطلق ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالمتّهم من أحكامٍ ‪:‬‬
‫تتعلّق بالمتّهم أحكام مختلفة منها ‪:‬‬
‫المتّهم بالكذب في حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ‪:‬‬
‫‪ -‬عدّ الحافظ العراقي المتّهم بالكذب في المرتبة الثّانية بعد الكذّاب من مراتب ألفاظ‬ ‫‪3‬‬

‫التّجريح عند المحدّثين ‪.‬‬


‫وقال ابن أبي حاتمٍ ‪ :‬تجوز رواية حديث من كثرت غفلته في غير الحكام ‪ ،‬وأمّا رواية أهل‬
‫التهمة بالكذب فل تجوز إل مع بيان حالهم ‪.‬‬
‫والّذي يتبيّن من عمل المام أحمد وكلمه أنّه يترك الرّواية عن المتّهمين والّذين غلب‬
‫عليهم كثرة الخطأ للغفلة وسوء الحفظ ‪.‬‬
‫ن المتّهم بالفسق المبتدع الّذي لم يكفر ببدعته إذا كان داعي ًة إلى‬
‫وذكر الحافظ العراقي أ ّ‬
‫بدعته لم تقبل روايته ‪ ،‬وإن لم يكن داعي ًة قبل ‪ ،‬وإليه ذهب أحمد كما قال الخطيب ‪ ،‬وقال‬
‫ابن الصّلح ‪ :‬وهذا مذهب الكثير أو الكثر وهو أعدلها وأولها ‪.‬‬
‫المتّهم في الجرائم ‪:‬‬
‫ن الحدود ل تقام على المتّهم بالتهمة ‪.‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫أمّا التّعزير بالتهمة فقد ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ للقاضي تعزير المتّهم إذا قامت قرينة‬
‫على أنّه ارتكب محظورا ولم يكتمل نصاب الحجّة ‪ ،‬أو استفاض عنه أنّه يعيث في الرض‬
‫فسادا ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنّ المتّهم بذلك إن كان معروفا بالبرّ والتّقوى فل يجوز تعزيره بل يعزّر‬
‫متّهمه ‪ ،‬وإن كان مجهول الحال فيحبس حتّى ينكشف أمره ‪ ،‬وإن كان معروفا بالفجور‬
‫فيعزّر بالضّرب حتّى يقرّ أو بالحبس ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬وهو الّذي يسع النّاس وعليه العمل ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪14‬‬ ‫( ر ‪ :‬تهمة ف‬
‫وقال الماورديّ ‪ :‬الجرائم محظورات شرعيّة زجر اللّه تعالى عنها بحدّ أو تعزي ٍر ‪ ،‬ولها عند‬
‫التهمة حال استبرا ٍء تقتضيه السّياسة الدّينيّة ‪ ،‬ولها عند ثبوتها وصحّتها حال استيفاءٍ‬
‫توجبه الحكام الشّرعيّة ‪.‬‬
‫فأمّا حالها بعد التهمة وقبل ثبوتها وصحّتها فمعتبر بحال النّظر فيها ‪ ،‬فإن كان حاكما رفع‬
‫إليه رجل قد اتهم بسرقةٍ أو زنا لم يكن لتهم ٍة بها تأثير عنده ‪ ،‬ولم يجز أن يحبسه لكشفٍ‬
‫ول استبراءٍ ‪ ،‬ول أن يأخذه بأسباب القرار إجبارا ‪ ،‬ولم يسمع الدّعوى عليه في السّرقة إل‬
‫من خصمٍ مستحقّ لما قرف ‪ ،‬وراعى ما يبدو من إقرار المتهوم أو إنكاره ‪ ،‬إن اتهم بالزّنا‬
‫لم يسمع الدّعوى عليه إل بعد أن يذكر المرأة الّتي زنى بها ‪ ،‬ويصف ما فعله بها بما يكون‬
‫زنا موجبا للحدّ ‪ ،‬فإن أق ّر حدّه بموجب إقراره ‪ ،‬وإن أنكر وكانت بيّن ًة سمعها عليه ‪ ،‬وإن لم‬
‫تكن أحلفه في حقوق الدميّين دون حقوق اللّه تعالى ‪ ،‬إذا طلب الخصم اليمين ‪.‬‬
‫وإن كان النّاظر الّذي رفع إليه هذا المتهوم أميرا كان له مع هذا المتهوم من أسباب الكشف‬
‫والستبراء ما ليس للقضاة والحكّام وذلك من تسعة أوجهٍ ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أنّه ل يجوز للمير أن يسمع قرف المتهوم من أعوان المارة من غير تحقيقٍ‬
‫للدّعوى المقرّرة ‪ ،‬ويرجع إلى قولهم في الخبار عن حال المتهوم وهل هو من أهل الرّيب ؟‬
‫وهل هو معروف بمثل ما قرف به أم ل ؟ فإن برّءوه من مثل ذلك خفّت التهمة ووضعت ‪،‬‬
‫وعجّل إطلقه ولم يغلظ عليه ‪ ،‬وإن قرّفوه بأمثاله وعرّفوه بأشباهه غلظت التهمة وقويت ‪،‬‬
‫واستعمل فيها من حال الكشف ما يناسبه وليس هذا للقضاة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أنّ للمير أن يراعي شواهد الحال وأوصاف المتهوم في قوّة التهمة وضعفها ‪ ،‬فإن‬
‫كانت التهمة زنا وكان المتهوم مطيعا للنّساء ذا فكاه ٍة وخلبةٍ قويت التهمة ‪ ،‬وإن كان‬
‫بضدّه ضعفت ‪ ،‬وإن كانت التهمة بسرق ٍة وكان المتهوم بها ذا عيارةٍ أو في بدنه آثار لضربٍ‬
‫أو كان معه حين أخذ منقّب قويت التهمة ‪ ،‬وإن كان بضدّه ضعفت وليس هذا للقضاة أيضا ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬أنّ للمير أن يعجّل حبس المتهوم للكشف والستبراء ‪ ،‬واختلف في مدّة حبسه‬
‫ي أنّ حبسه للستبراء والكشف مقدّر‬
‫لذلك ‪ ،‬فذكر عبد اللّه الزبيري من أصحاب الشّافع ّ‬
‫بشهرٍ واحدٍ ل يتجاوزه ‪ ،‬وقال غيره ‪ :‬بل ليس بمقدّرٍ وهو موقوف على رأي المام‬
‫ق وجب ‪.‬‬
‫واجتهاده وهذا أشبه ‪ ،‬وليس للقضاة أن يحبسوا أحدا إل بح ّ‬
‫الرّابع ‪ :‬أنّه يجوز للمير مع قوّة التهمة أن يضرب المتهوم ضرب التّعزير ل ضرب الحدّ‬
‫ليأخذ بالصّدق عن حاله فيما قرف به واتهم ‪ ،‬فإن أق ّر وهو مضروب اعتبرت حاله فيما‬
‫ضرب عليه ‪ ،‬فإن ضرب ليق ّر لم يكن لقراره تحت الضّرب حكم ‪ ،‬وإن ضرب ليصدق عن‬
‫حاله وأقرّ تحت الضّرب ‪ ،‬قطع ضربه واستعيد إقراره ‪ ،‬فإذا أعاده كان مأخوذا بالقرار‬
‫الثّاني دون الوّل ‪ ،‬فإن اقتصر على القرار الوّل ولم يستعده لم يضيّق عليه أن يعمل‬
‫بالقرار الوّل وإن كرهناه ‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬أنّه يجوز للمير فيمن تكرّرت منه الجرائم ولم ينزجر عنها بالحدود أن يستديم‬
‫حبسه إذا استضرّ النّاس بجرائمه حتّى يموت ‪ ,‬بعد أن يقوم بقوته وكسوته من بيت المال ‪,‬‬
‫ليدفع ضرره عن النّاس ‪ ,‬وإن لم يكن ذلك للقضاة ‪.‬‬
‫السّادس ‪ :‬أنّه يجوز للمير إحلف المتهوم استبراءً لحاله ‪ ,‬وتغليظا عليه في الكشف عن‬
‫أمره في التهمة بحقوق اللّه تعالى وحقوق الدميّين ‪ ,‬ول يضيّق عليه أن يجعله بالطّلق‬
‫ق ‪ ,‬ول أن يجاوزوا اليمان باللّه إلى‬
‫والعتاق ‪ ,‬وليس للقضاة إحلف أحدٍ على غير ح ّ‬
‫الطّلق أو العتق ‪.‬‬
‫السّابع ‪ :‬أنّ للمير أن يأخذ أهل الجرائم بالتّوبة إجبارا ويظهر من الوعيد عليهم ما يقودهم‬
‫إليها طوعا ‪ ,‬ول يضيّق عليهم الوعيد بالقتل فيما ل يجب فيه القتل ‪ ,‬لنّه وعيد إرهابٍ‬
‫يخرج عن حدّ الكذب إلى حيّز التّعزير والدب ‪ ,‬ول يجوز أن يحقّق وعيده بالقتل فيقتل فيما‬
‫ل يجب فيه القتل ‪.‬‬
‫الثّامن ‪ :‬أنّه يجوز للمير أن يسمع شهادات أهل المهن ومن ل يجوز أن يسمع منه القضاة‬
‫إذا كثر عددهم ‪.‬‬
‫التّاسع ‪ :‬أنّ للمير النّظر في المواثبات وإن لم توجد غرما ول حدا ‪ ،‬فإن لم يكن بواحد‬
‫منهما أثر سمع قول من سبق بالدّعوى ‪ ,‬وإن كان بأحدهما أثر فقد ذهب بعضهم إلى أنّه‬
‫يبدأ بسماع دعوى من به الثر ول يراعى السّبق ‪ ,‬والّذي عليه أكثر الفقهاء أنّه يسمع قول‬
‫أسبقهما بالدّعوى ‪ ,‬ويكون المبتدئ بالمواثبة أعظمهما جرما وأغلظهما تأديبا ‪ ,‬ويجوز أن‬
‫يخالف بينهما في التّأديب من وجهين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬بحساب اختلفهما في القتراف والتّعدّي ‪ ,‬والثّاني ‪ :‬بحسب اختلفهما في الهيبة‬
‫والتّصاون ‪.‬‬
‫وإذا رأى من الصّلح في ردع السّفلة أن يشهّرهم ‪ ,‬وينادي عليهم بجرائمهم ‪ ,‬ساغ له‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫فهذه أوجه يقع بها الفرق في الجرائم بين نظر المراء والقضاة في حال الستبراء وقبل‬
‫ثبوت الحدّ لختصاص المير بالسّياسة واختصاص القضاة بالحكام ‪.‬‬
‫‪ -‬وقال ابن القيّم ‪ :‬دعاوى التهم وهي دعوى الجناية والفعال المحرّمة كدعوى القتل‬ ‫‪5‬‬

‫وقطع الطّريق والسّرقة والقذف والعدوان ينقسم المدّعى عليه فيها إلى ثلثة أقسامٍ ‪:‬‬
‫ن المتّهم إمّا أن يكون بريئا ليس من أهل تلك التهمة ‪ ,‬أو فاجرا من أهلها ‪ ,‬أو مجهول‬
‫فإ ّ‬
‫الحال ل يعرف الوالي والحاكم حاله ‪.‬‬
‫فإن كان بريئا لم تجز عقوبته اتّفاقا ‪.‬‬
‫واختلفوا في عقوبة المتّهم له على قولين ‪:‬‬
‫أصحهما يعاقب صيانةً لتسلط أهل الشّ ّر والعدوان على أعراض البرياء ‪.‬‬
‫القسم الثّاني ‪ :‬أن يكون المتّهم مجهول الحال ل يعرف ببرّ ول فجورٍ ‪ ,‬فهذا يحبس حتّى‬
‫ينكشف حاله عند عامّة علماء السلم ‪ ,‬والمنصوص عليه عند أكثر الئمّة أنّه يحبسه‬
‫القاضي والوالي ‪ ,‬وقال أحمد ‪ :‬قد حبس النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم في تهمةٍ ‪ ,‬قال أحمد ‪:‬‬
‫وذلك حتّى يتبيّن للحاكم أمره ‪ ,‬وقد ورد من حديث بهز بن حكيمٍ عن أبيه عن جدّه ‪ « :‬أنّ‬
‫النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حبس في تهمةٍ » ‪.‬‬
‫ومنهم من قال ‪ :‬الحبس في التهم إنّما هو لوالي الحرب دون القاضي ‪.‬‬
‫واختلفوا في مقدار الحبس في التهمة هل هو مقدّر أو مرجعه إلى اجتهاد الوالي والحاكم‬
‫على قولين ‪ :‬ذكرهما الماورديّ وأبو يعلى وغيرهما فقال الزبيري ‪ :‬هو مقدّر بشهر ‪ ,‬وقال‬
‫الماورديّ ‪ :‬غير مقدّ ٍر ‪.‬‬
‫القسم الثّالث ‪ :‬أن يكون المتّهم معروفا بالفجور كالسّرقة وقطع الطّريق والقتل ونحو ذلك ‪,‬‬
‫فإذا جاز حبس المجهول فحبس هذا أولى ‪ ,‬قال ابن تيميّة ‪ :‬وما علمت أحدا من الئمّة‬
‫س ول غيره فليس هذا‬
‫يقول إنّ المدّعى عليه في جميع هذه الدّعاوى يحلف ويرسل بل حب ٍ‬
‫على إطلقه مذهبا لحد من الئمّة الربعة ول غيرهم من الئمّة ‪.‬‬
‫ويسوغ ضرب هذا النّوع من المتّهمين كما أمر النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم الزبير بتعذيب‬
‫المتّهم الّذي غيّب ماله حتّى أقرّ به في قصّة كنانة بن الرّبيع بن أبي الحقيق ‪ ,‬قال ابن‬
‫تيميّة ‪ :‬واختلفوا فيه هل الّذي يضربه الوالي دون القاضي أو كلهما أو ل يسوغ ضربه‬
‫على ثلثة أقوالٍ ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أنّه يضربه الوالي والقاضي ‪ ,‬وهو قول طائفةٍ من أصحاب أحمد وغيرهم ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أنّه يضربه الوالي دون القاضي وهذا قول بعض أصحاب أحمد ‪.‬‬
‫ص عليه أحمد في‬
‫والقول الثّالث ‪ :‬ل يضرب ‪ ,‬ثمّ قالت طائفة ‪ :‬إنّه يحبس حتّى يموت ‪ ,‬ون ّ‬
‫المبتدع الّذي لم ينته عن بدعته أنّه يحبس حتّى يموت ‪.‬‬
‫المتّهم في القسامة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في كيفيّة القسامة فمنهم من قال ‪ :‬إنّ اليمان توجّه إلى المدّعين ‪ ,‬فإن‬ ‫‪6‬‬

‫نكلوا عنها وجّهت اليمان إلى المتّهمين ‪ ,‬ومنهم من قال ‪ :‬توجّه تلك اليمان إلى المتّهمين‬
‫ابتداءً ‪ ,‬فإن حلفوا لزم أهل المحلّة الدّية ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪17‬‬ ‫وتفصيل ذلك ينظر في مصطلح ‪ ( :‬قسامة ف‬
‫تحليف المتّهم في المانات ‪:‬‬
‫‪ -‬يحلف المودع والوكيل والمضارب وكل من يصدّق قوله على تلف ما أؤتمن عليه إذا‬ ‫‪7‬‬

‫قامت قرينة على خيانته كخفاء سبب التّلف ونحوه ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪15‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬تهمة ف‬
‫وإذا ادّعى المودع أنّه ردّ الوديعة فقد قال ابن يونس من المالكيّة ‪ :‬يفرّق بين دعوى الرّدّ‬
‫ب الوديعة في دعوى الرّ ّد يدّعي يقينا أنّ المودع كاذب ‪ ,‬فيحلف ‪,‬‬
‫ودعوى الضّياع ‪ ,‬إذ أنّ ر ّ‬
‫ب الوديعة بحقيقة دعوى‬
‫سواء أكان متّهما أم غير متّهمٍ ‪ ,‬وفي دعوى الضّياع ل علم لر ّ‬
‫الضّياع ‪ ,‬وإنّما هو معلوم من جهة المودع فل يحلف إل أن يكون متّهما ‪.‬‬
‫وقال ابن رش ٍد ‪ :‬الظهر أن تلحق اليمين إذا قويت التهمة ‪ ,‬وتسقط إذا ضعفت ‪.‬‬
‫وقال مالك ‪ :‬إن كان المودع محلّ تهمةٍ فوجّهت إليه اليمين ونكل عنها ضمن ول ترد اليمين‬
‫هنا ‪.‬‬
‫وصفة يمين المتّهم أن يقول ‪ :‬لقد ضاع وما فرّطت ‪ ,‬وغير المتّهم ما فرّطت إل أن يظهر‬
‫كذبه ‪.‬‬
‫رد شهادة المتّهم ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء في الجملة على ردّ شهادة المتّهم إذا كان متّهما بالمحبّة واليثار أو‬ ‫‪8‬‬

‫بالعداوة أو بالغفلة والغلط ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪26‬‬ ‫‪ ,‬شهادة ف‬ ‫‪10‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬تهمة ف ‪- 8‬‬
‫الشّك ينتفع به المتّهم ‪:‬‬
‫ن الحدود تدرأ بالشبهات ‪ ,‬والصل في ذلك حديث عائشة رضي ال‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪9‬‬

‫عنها قالت ‪ :‬قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ‪ « :‬ادرءوا الحدود عن المسلمين ما‬
‫استطعتم ‪ ,‬فإن كان له مخرج فخلوا سبيله ‪ ,‬فإنّ المام أن يخطئ في العفو خير من أن‬
‫يخطئ في العقوبة » ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪38‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬شك ف‬
‫رجوع المتّهم في إقراره ‪:‬‬
‫ق من الحقوق الّتي عليه ثمّ رجع عن إقراره ‪ ,‬فإن كان القرار بحقّ‬
‫‪ -‬إذا أقرّ المتّهم بح ّ‬ ‫‪10‬‬

‫من حقوق اللّه تعالى الّتي تسقط بالشبهة كالحدود ‪ ,‬فالجمهور على أنّ الح ّد يسقط‬
‫بالرجوع ‪ ,‬وذهب الحسن وسعيد بن جبيرٍ وابن أبي ليلى إلى أنّه يحد ول يقبل رجوعه ‪.‬‬
‫ق من حقوق اللّه تعالى الّتي ل تسقط بالشبهة كالقصاص‬
‫أمّا إذا أق ّر بحقوق العباد ‪ ,‬أو بح ّ‬
‫وحدّ القذف والزّكاة ‪ ,‬ثمّ رجع في إقراره فإنّه ل يقبل رجوعه عنها من غير خلفٍ ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪60‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪59‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إقرار ف‬
‫صحّة إقرار المتّهم ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط في المقرّ عا ّم ًة شروط منها ‪ :‬عدم التهمة ‪ ,‬بمعنى أنّه يشترط في المق ّر لصحّة‬ ‫‪11‬‬

‫إقراره ‪ :‬أن يكون غير متّهمٍ في إقراره ‪ ،‬لنّ التهمة تخل برجحان الصّدق على جانب الكذب‬
‫في القرار ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪22‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إقرار ف‬

‫حيّرَة *‬
‫ُمتَ َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المتحيّرة في اللغة ‪ :‬مشتق من مادّة حير ‪ ,‬والتّحير ‪ :‬التّردد ‪ ,‬وتحيّر الماء ‪ :‬اجتمع‬ ‫‪1‬‬

‫ودار ‪ ,‬وتحيّر الرّجل ‪ :‬إذا ضلّ فلم يهتد لسبيله ‪ ,‬وتحيّر السّحاب ‪ :‬لم يتّجه جهةً ‪ ,‬واستحار‬
‫المكان بالماء وتحيّر ‪ :‬تمل ‪.‬‬
‫والمتحيّرة في الصطلح ‪:‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬هي من نسيت عادتها وتسمّى المضلّة والضّالّة ‪.‬‬
‫وقال النّووي ‪ :‬ول يطلق اسم المتحيّرة إل على من نسيت عادتها قدرا ووقتا ول تمييز لها‬
‫‪ ,‬وأمّا من نسيت عددا ل وقتا وعكسها فل يسمّيها الصحاب متحيّرةً ‪ ,‬وسمّاها الغزالي‬
‫متحيّرةً ‪ ,‬والوّل هو المعروف ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬المتحيّرة هي من نسيت عادتها ولم يكن لها تمييز ‪.‬‬
‫وسمّيت المرأة في هذه الحالة متحيّر ًة لتحيرها في أمرها وحيضها ‪ ,‬وتسمّى أيضا المحيّرة‬
‫‪ -‬بكسر الياء المشدّدة ‪ -‬لنّها حيّرت الفقيه في أمرها ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المستحاضة ‪:‬‬
‫‪ -‬المستحاضة ‪ :‬من يسيل دمها ول يرقأ ‪ ,‬في غير أيّامٍ معلومةٍ ‪ ,‬ل من عرق الحيض بل‬ ‫‪2‬‬

‫ق يقال له ‪ :‬العاذل ‪.‬‬


‫من عر ٍ‬
‫والمستحاضة أعم من المتحيّرة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المبتدأة ‪:‬‬
‫ض أو نفاسٍ ‪.‬‬
‫‪ -‬المبتدأة من كانت في أوّل حي ٍ‬ ‫‪3‬‬

‫ن المبتدأة قد تكون متحيّرةً ‪.‬‬


‫والصّلة بين المتحيّرة والمبتدأة أ ّ‬
‫ج ‪ -‬المعتادة ‪:‬‬
‫‪ -‬المعتادة ‪ :‬من سبق منها من حين بلوغها دم وطهر صحيحان ‪ ,‬أو أحدهما بأن رأت‬ ‫‪4‬‬

‫دما صحيحا وطهرا فاسدا ‪.‬‬


‫أنواع المتحيّرة ‪:‬‬
‫ن المتحيّرة هي المعتادة النّاسية لعادتها ‪ -‬كما مرّ آنفا في تعريف الفقهاء‬
‫‪ -‬الصل أ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫للمتحيّرة ‪ -‬لكن الشّافعيّة أطلقوا على المبتدأة إذا لم تعرف وقت ابتداء دمها متحيّر ًة أيضا ‪.‬‬
‫قال النّووي ‪ :‬اعلم أنّ حكم المتحيّرة ل يختص بالنّاسية بل المبتدأة إذا لم تعرف وقت ابتداء‬
‫دمها كانت متحيّرةً وجرى عليها أحكامها ‪.‬‬
‫والتّحير كما يقع في الحيض يقع في النّفاس أيضا فيطلق على النّاسية لعادتها في النّفاس ‪:‬‬
‫متحيّرةً ‪.‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬المتحيّرة في الحيض ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل أنّه يجب على كلّ امرأةٍ حفظ عادتها في الحيض والطهر عددا ومكانا ‪ ,‬ككونه‬ ‫‪6‬‬

‫خمسةً مثلً من أوّل الشّهر أو آخره مثلً ‪.‬‬


‫فإذا نسيت عادتها فإنّها ل تخلو من ثلثة أحوالٍ ‪:‬‬
‫لنّها إمّا أن تكون ناسي ًة للعدد ‪ ,‬أي عدد أيّامها في الحيض مع علمها بمكانها من الشّهر‬
‫أنّها في أوّله أو آخره مثلً ‪ ,‬أو ناسيةً للمكان أي مكانها من الشّهر على التّعيين مع علمها‬
‫عدد أيّام حيضها ‪ ,‬أو ناسيةً للعدد والمكان ‪ ,‬أي بأن لم تعلم عدد أيّامها ول مكانها من‬
‫الشّهر ‪ ,‬هذا ما نصّ عليه جمهور الفقهاء ‪ -‬الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬ويعبّر‬
‫الشّافعيّة عن العدد بالقدر ‪ ,‬وعن المكان بالوقت ‪ ,‬كما يعبّر الحنابلة عن المكان بالموضع ‪.‬‬
‫ويسمّي الحنفيّة حالة النّسيان في العدد والمكان إضللً عاما ‪ ,‬وحالة النّسيان في العدد فقط‬
‫أو المكان فقط إضل ًل خاصّا ‪.‬‬
‫الضلل الخاص ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬النّاسية للعدد فقط " الضلل بالعدد " ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم المتحيّرة النّاسية للعدد فقط ‪ ,‬فالصل عند الحنفيّة أنّ المتحيّرة‬ ‫‪7‬‬

‫بأنواعها تتحرّى ‪ ,‬فإن وقع تحرّيها على طهرٍ تعطى حكم الطّاهرات ‪ ,‬وإن كان على حيضٍ‬
‫ن الظّنّ من الدلّة الشّرعيّة ‪ ,‬فإن لم يغلب ظنها على شيءٍ فعليها الخذ‬
‫تعطى حكمه ‪ ,‬ل ّ‬
‫بالحوط في الحكام ‪.‬‬
‫ويختلف حكم المضلّة بالعدد باختلف علمها بالمكان ‪ ,‬فإن علمت أنّها تطهر آخر الشّهر‬
‫فإنّها تصلّي إلى عشرين في طه ٍر بيقين ويأتيها زوجها ‪ ,‬لنّ الحيض ل يزيد على عشرةٍ ‪,‬‬
‫ك في الدخول في‬
‫ثمّ في سبعةٍ بعد العشرين تصلّي بالوضوء ‪ -‬أيضا ‪ -‬لوقت كلّ صل ٍة للشّ ّ‬
‫الحيض ‪ ,‬حيث إنّها في كلّ يومٍ من هذه السّبعة متردّدة بين الطهر والدخول في الحيض ‪,‬‬
‫لحتمال أنّ حيضها الثّلثة الباقية فقط أو شيء ممّا قبلها أو جميع العشرة ‪ ,‬وتترك الصّلة‬
‫ل واحدا ‪ ,‬لنّ وقت‬
‫في الثّلثة الخيرة للتّيقن بالحيض ‪ ,‬ثمّ تغتسل في آخر الشّهر غس ً‬
‫ن أوّل‬
‫الخروج من الحيض معلوم لها ‪ ,‬وإن علمت أنّها ترى الدّم إذا جاوز العشرين ‪ -‬أي أ ّ‬
‫ن الحيض ل‬
‫حيضها اليوم الحادي والعشرون ‪ -‬فإنّها تدع الصّلة ثلثةً بعد العشرين ‪ ,‬ل ّ‬
‫يكون أقلّ من ثلث ٍة ‪ ,‬ثمّ تصلّي بالغسل إلى آخر الشّهر لتوهم الخروج من الحيض ‪ ,‬وتعيد‬
‫صوم هذه العشرة في عشر ٍة أخرى من شهرٍ آخر ‪ ,‬وعلى هذا يخرج سائر المسائل ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة في المتحيّرة ‪ :‬سئل ابن القاسم عمّن حاضت في شه ٍر عشرة أيّامٍ ‪ ,‬وفي آخر‬
‫ستّة أيّامٍ ‪ ,‬وفي آخر ثمانية أيّا ٍم ثمّ استحيضت كم تجعل عادتها ؟ قال ‪ :‬ل أحفظ عنه في‬
‫ذلك شيئا ‪ ,‬ولكنّها تستظهر على أكثر أيّامها ‪ ,‬قال صاحب الطّرّاز ‪ :‬قال ابن حبيبٍ تستظهر‬
‫على أقلّ أيّامها إن كانت هي الخيرة لنّها المستقرّة ‪ ,‬ويقول ابن القاسم لعلّ عادتها الولى‬
‫ك الوّل إنّها تمكث خمسة عشر يوما‬
‫عادت إليها بسبب زوال سدّ من المجاري ‪ ,‬وقول مال ٍ‬
‫‪ ,‬لنّ العادة قد تنتقل ‪.‬‬
‫ووضع الشّافعيّة قاعد ًة للمتحيّرة النّاسية للعدد والمتحيّرة النّاسية للمكان ‪ ,‬فقرّروا أنّ‬
‫المتحيّرة إن حفظت شيئا من عادتها ونسيت شيئا كأن ذكرت الوقت دون القدر أو العكس ‪,‬‬
‫فلليقين من الحيض والطهر حكمه ‪ ,‬وهي في الزّمن المحتمل للطهر والحيض كحائض في‬
‫الوطء ونحوه ‪ ,‬وطاه ٍر في العبادات ‪ -‬وسيأتي تفصيل ذلك ‪ -‬وإن احتمل انقطاعا وجب‬
‫الغسل لكلّ فرضٍ للحتياط ‪ ,‬وإن لم يحتمله وجب الوضوء فقط ‪.‬‬
‫مثال الحافظة للوقت دون القدر كأن تقول ‪ :‬كان حيضي يبتدئ أوّل الشّهر ‪ ,‬فيوم وليلة منه‬
‫حيض بيقين ‪ ,‬لنّه أقل الحيض ‪ ,‬ونصفه الثّاني طهر بيقين ‪ ,‬لنّ أكثر الحيض خمسة‬
‫عشر ‪ ,‬وما بين ذلك يحتمل الحيض والطهر والنقطاع ‪.‬‬
‫ومثال الحافظة للقدر دون الوقت كأن تقول ‪ :‬حيضي خمسة في العشرة الول من الشّهر ‪ ,‬ل‬
‫أعلم ابتداءها ‪ ,‬وأعلم أنّي في اليوم الوّل طاهر ‪ ,‬فالسّادس حيض بيقين ‪ ,‬والوّل طهر‬
‫بيقين كالعشرين الخيرين ‪ ,‬والثّاني إلى آخر الخامس محتمل للحيض والطهر ‪ ,‬والسّابع إلى‬
‫آخر العاشر محتمل لهما وللنقطاع ‪.‬‬
‫قال النّووي ‪ :‬قال أصحابنا ‪ :‬الحافظة لقدر حيضها إنّما ينفعها حفظها ‪ ,‬وتخرج عن التّحير‬
‫المطلق إذا حفظت مع ذلك قدر الدّور وابتداءه ‪ ,‬فإن فقدت ذلك بأن قالت ‪ :‬كان حيضي‬
‫خمسة عشر أضللتها في دوري ‪ ,‬ول أعرف سوى ذلك ‪ ,‬فل فائدة فيما ذكرت لحتمال‬
‫ت ‪ ,‬وكذا لو قالت ‪ :‬حيضي خمسة عشر ‪ ,‬وابتداء‬
‫الحيض والطهر والنقطاع في كلّ وق ٍ‬
‫دوري يوم كذا ول أعرف قدره ‪ ,‬فل فائدة فيما حفظت للحتمال المذكور ‪ ,‬ولها في هذين‬
‫المثالين حكم المتحيّرة في كلّ شي ٍء ‪.‬‬
‫ن النّاسية للعدد فقط تجلس غالب الحيض إن اتّسع شهرها له ‪ ,‬وشهر‬
‫وذهب الحنابلة إلى أ ّ‬
‫المرأة هو الزّمن الّذي يجتمع لها فيه حيض وطهر صحيحان ‪ ,‬وأقل ذلك أربعة عشر يوما‬
‫بلياليها ‪ ,‬يوما بليلة للحيض ‪ -‬لنّه أقله ‪ -‬وثلثة عشر يوما بلياليها للطهر ‪ -‬لنّه أقله ‪-‬‬
‫ول حدّ لكثر شهر المرأة ‪ ,‬لنّه ل حدّ لكثر الطهر بين الحيضتين ‪ ,‬لحديث حمنة بنت‬
‫جحشٍ رضي ال عنها قالت ‪ « :‬يا رسول اللّه إنّي أستحاض حيضةً شديد ًة كبيرةً ‪ ,‬قد‬
‫منعتني الصّوم والصّلة ‪ ,‬فقال ‪ :‬تحيّضي ستّة أيّامٍ أو سبعة أيّامٍ في علم اللّه ثمّ اغتسلي »‬
‫‪.‬‬
‫وحمنة امرأة كبيرة ‪ -‬قاله أحمد ‪ -‬ولم يسألها عن تمييزها ول عادتها فلم يبق إل أن تكون‬
‫ناسيةً فترد إلى غالب الحيض إناط ًة للحكم بالكثر ‪ ,‬كما ترد المعتادة لعادتها ‪.‬‬
‫وإن لم يتّسع شهرها لغالب الحيض جلست الفاضل من شهرها بعد أقلّ الطهر ‪ ,‬كأن يكون‬
‫شهرها ثمانية عشر يوما ‪ ,‬فإنّها تجلس الزّائد عن أق ّل الطهر بين الحيضتين فقط ‪ -‬وهو‬
‫خمسة أيّامٍ ‪ -‬لئل ينقص الطهر عن أقلّه فيخرج عن كونه طهرا ‪ ,‬حيث إنّ الباقي من‬
‫الثّمانية عشر بعد الثّلثة عشر ‪ -‬وهو أقل الطهر عند الحنابلة ‪ -‬خمسة أيّام فتجلسها فقط ‪,‬‬
‫ي‪.‬‬
‫وإن جهلت شهرها جلست غالب الحيض من كلّ شهرٍ هلل ّ‬
‫بـ _ النّاسية للمكان فقط " الضلل بالمكان " ‪:‬‬
‫‪ -‬سبق بيان مذهب الشّافعيّة في النّاسية للمكان فقط في الضلل بالعدد ‪.‬‬ ‫‪8‬‬

‫ن المرأة إن علمت أيّام حيضها ونسيت موضعها ‪ :‬بأن لم تدر أكانت‬


‫وذهب الحنابلة إلى أ ّ‬
‫تحيض في أوّل الشّهر أو وسطه أو آخره ‪ ,‬فإنّها تجلس أيّام حيضها من أوّل ك ّل شهر‬
‫هلليّ ‪ ,‬لن النبي صلى ال عليه وسلم جعل حيضة حمنة من أول الشهر والصلة في‬
‫بقيته ‪ ,‬ولن دم الحيض جبلة ‪ ,‬والستحاضة عارضة ‪ ,‬فإذا رأته وجب تقديم دم الحيض ‪.‬‬
‫وإن علمت المستحاضة عدد أيامها في وقت من الشهر ونسيت موضعها ‪ ,‬بأن لم تدر أهي‬
‫في أوله أم آخره ‪ ,‬فإنها ل تخلو ‪ :‬إما أن تكون أيامها نصف الوقت الذي علمت أن حيضها‬
‫فيه أو أقل ‪ ,‬أو أكثر ‪ ,‬فإن كانت أيامها نصف الوقت الذي علمت أن حيضها فيه فأقل‬
‫فحيضها من أولها ‪ ,‬كأن تعلم أن حيضها كان في النصف الثاني من الشهر ‪ ,‬فإنها تجلس‬
‫من أوله ‪ ,‬وعلى هذا الكثر ‪ ,‬وهناك وجه أنها تتحرى ‪ ,‬وليس لها حيض بيقين بل حيضها‬
‫مشكوك فيه ‪ ,‬وإن زادت أيامها على النصف ‪ ,‬مثل أن تعلم أن حيضها ستة أيام من العشر‬
‫الول ‪ ,‬من الشهر ضم الزائد إلى النصف ‪ -‬وهو في المثال يوم ‪ -‬إلى مثله مما قبله‬
‫‪ -‬وهو يوم ‪ -‬فيكونان حيضا بيقين ‪ ,‬وهما اليوم الخامس والسادس في هذا المثال ثم يبقى‬
‫لها أربعة أيام تتمة عادتها ‪ ,‬فإن جلستها من الول على قول الكثر كان حيضها من أول‬
‫العشرة إلى آخر السادس ‪ ,‬منها يومان هما الخامس والسادس حيض بيقين ‪.‬‬
‫والربعة حيض مشكوك فيه ‪ ,‬والربعة الباقية طهر مشكوك فيه ‪ ,‬وإن جلست بالتحري على‬
‫الوجه المقابل لقول الكثر فأداها اجتهادها إلى أنها من أول العشرة فهي كالتي ذكرنا ‪ ,‬وإن‬
‫جلست الربعة من آخر العشرة كانت الربعة حيضا مشكوكا فيه ‪ ,‬واليومان قبلها حيض‬
‫بيقين ‪ ,‬والربعة الول طهر مشكوك فيه ‪ ,‬وإن قالت ‪ :‬حيضتي سبعة أيام من العشرة ‪ ,‬فقد‬
‫زادت أيامها يومين على نصف الوقت فتضمهما إلى يومين قبلهما فيصير لها أربعة أيام‬
‫حيضا بيقين ‪ ,‬من أول الرابع إلى آخر السابع ‪ ,‬ويبقى لها ثلثة أيام تجلسها من أول‬
‫العشرة أو بالتحري على الوجهين ‪ ,‬وهي حيض مشكوك فيه كما تقدم ‪.‬‬
‫والناسية للمكان فقط عند الحنفية ل تخلو ‪ :‬إما أن تضل أيامها في ضعفها أو أكثر ‪ ,‬أو في‬
‫أقل من ضعفها ‪ ,‬فإن أضلت أيامها في ضعفها أو أكثر فل تيقن في يوم منها بحيض ‪ ,‬كما‬
‫إذا كانت أيامها ثلثة فأضلتها في ستة أو أكثر ‪ ,‬وإن أضلت أيامها في أقل من الضعف فإنها‬
‫تيقن بالحيض في يوم أو أيام ‪ ,‬كما إذا أضلت ثلثة في خمسة فإنها تيقن بالحيض في اليوم‬
‫الثالث من الخمسة ‪ ,‬فإنه أول الحيض أو آخره أو وسطه بيقين فتترك الصلة فيه ‪.‬‬
‫ويتفرع على ذلك ‪ :‬أنها إن علمت أن أيامها ثلثة فأضلتها في العشرة الخيرة من الشهر ‪,‬‬
‫فإنها تصلي من أول العشرة بالوضوء لوقت كل صلة ثلثة أيام ‪ ,‬للتردد فيها بين الحيض‬
‫والطهر ‪ ,‬ثم تصلي بعدها إلى آخر الشهر بالغتسال لوقت كل صلة للتردد فيه بين الحيض‬
‫والطهر والخروج من الحيض ‪ ,‬إل إذا تذكرت وقت خروجها من الحيض فتغتسل في كل يوم‬
‫في ذلك الوقت مرة ‪ ,‬كأن تذكرت أنها كانت تطهر في وقت العصر مثل ول تدري من أي‬
‫يوم ‪ ,‬فتصلي الصبح والظهر بالوضوء للتردد بين الحيض والطهر ‪ ,‬ثم تصلي العصر‬
‫بالغسل للتردد بين الحيض والخروج منه ‪ ,‬ثم تصلي المغرب والعشاء والوتر بالوضوء‬
‫للتردد بين الحيض والطهر ‪ ,‬ثم تفعل هكذا في كل يوم مما بعد الثلثة ‪.‬‬
‫وإن أضلت أربعة في عشرة فإنها تصلي أربعة من أول العشرة بالوضوء ‪ ,‬ثم بالغتسال‬
‫إلى آخر العشرة ‪ ,‬وكذلك الخمسة إن أضلتها في ضعفها فتصلي خمسة من أول العشرة‬
‫بالوضوء والباقي بالغسل ‪.‬‬
‫وما سبق من المثلة في إضلل العدد في الضعف أو أكثر ‪ ,‬وأمثلة إضلل العدد في أقل من‬
‫ضعفه فكما لو أضلت ستة في عشرة ‪ ,‬فإنها تتيقن بالحيض في الخامس والسادس ‪ ,‬فتدع‬
‫الصلة فيهما ‪ ,‬لنهما آخر الحيض أو أوله أو وسطه ‪ ,‬وتفعل في الباقي مثل ما تفعل في‬
‫إضلل العدد في الضعف أو أكثر ‪ ,‬فتصلي أربعة من أول العشرة بالوضوء ‪ ,‬ثم أربعة من‬
‫آخرها بالغسل لتوهم خروجها من الحيض في كل ساعة منها ‪ ,‬وإن أضلت سبعة في العشرة‬
‫فإنها تتيقن في أربعة بعد الثلثة الول بالحيض ‪ ,‬فتصلي ثلثة من أول العشرة بالوضوء ‪,‬‬
‫ثم تترك أربعة ‪ ,‬ثم تصلي ثلثة بالغسل ‪ ,‬وفي إضلل الثمانية في العشرة تتيقن بالحيض‬
‫في ستة بعد اليومين الولين ‪ ,‬فتدع الصلة فيها ‪ ,‬وتصلي يومين قبلها بالوضوء ‪ ,‬ويومين‬
‫بعدها بالغسل ‪ ,‬وفي إضلل التسعة في عشرة تتيقن بثمانية بعد الول أنها حيض ‪ ,‬فتصلي‬
‫أول العشرة بالوضوء وتترك ثمانية ‪ ,‬وتصلي آخر العشرة بالغسل ‪ ,‬ول يتصور إضلل‬
‫العشرة في مثلها ‪.‬‬
‫الضلل العام ‪:‬‬
‫النّاسية للعدد والمكان ‪:‬‬
‫ن النّاسية للعدد والمكان عليها الخذ وجوبا بالحوط في‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أ ّ‬ ‫‪9‬‬

‫الحكام ‪ ,‬لحتمال كلّ زمانٍ يمر عليها للحيض والطهر والنقطاع ‪ ,‬ول يمكن جعلها حائضا‬
‫دائما لقيام الجماع على بطلنه ‪ ,‬ول طاهرا دائما لقيام الدّم ‪ ,‬ول التّبعيض لنّه تحكم ‪,‬‬
‫فتعيّن الحتياط للضّرورة ل لقصد التّشديد عليها ‪ .‬وستأتي كيفيّة الحتياط في الحكام‬
‫بالتّفصيل ‪.‬‬
‫ن النّاسية للعدد والمكان تجلس غالب الحيض من أوّل كلّ شهرٍ هلليّ ‪,‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أ ّ‬
‫فإن عرفت ابتداء الدّم بأن علمت أنّ الدّم كان يأتيها في أوّل العشرة الوسط من الشّهر ‪,‬‬
‫وأوّل النّصف الخير منه ونحوه ‪ ,‬فهو أوّل دورها فتجلس منه سواء كانت ناسي ًة للعدد‬
‫فقط ‪ ,‬أو للعدد والموضع وقد صرّح الحنابلة بأنّ ما تجلسه النّاسية للعدد ‪ ,‬أو الموضع أو‬
‫ض مشكوكٍ فيه كحيض يقينا فيما يوجبه ويمنعه ‪ ,‬وكذا الطهر مع الشّكّ فيه‬
‫هما من حي ٍ‬
‫كطهر يقينا ‪ ,‬وما زاد على ما تجلسه إلى أكثر الحيض كطهر متيقّنٍ ‪.‬‬
‫وغير زمن الحيض وما زاد عليه إلى أكثر الحيض استحاضة ‪.‬‬
‫وإذا ذكرت المستحاضة النّاسية لعادتها رجعت إليها وقضت الواجب زمن العادة المنسيّة ‪,‬‬
‫وقضت الواجب أيضا زمن جلوسها في غيرها ‪.‬‬
‫كيفيّة الحتياط في الحكام عند من يقول به ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الحتياط في الطّهارة والصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬نصّ الحنفيّة والشّافعيّة على أنّ المتحيّرة تصلّي الفرائض أبدا وجوبا لحتمال طهرها‬ ‫‪10‬‬

‫‪ ,‬ولها فعل النّفل مطلقا ‪ :‬صلته وطوافه وصيامه في الصحّ عند الشّافعيّة ‪ ,‬قالوا ‪ :‬لنّه‬
‫من مهمّات الدّين فل وجه لحرمانها منه وكذا لها فعل الواجب والسنن المؤكّدة عند الحنفيّة‬
‫‪ ,‬قال ابن عابدين ‪ :‬وإنّما ل تترك السنن المؤكّدة ومثلها الواجب بالولى لكونها شرعت‬
‫جبرا لنقصان تمكّن في الفرائض ‪ ,‬فيكون حكمها حكم الفرائض ‪.‬‬
‫ض إن جهلت وقت انقطاع الدّم ولم يكن دمها‬
‫ومذهب الشّافعيّة أنّها تغتسل وجوبا لكلّ فر ٍ‬
‫متقطّعا ‪ ,‬ويكون الغسل بعد دخول الوقت لحتمال النقطاع حينئذٍ ‪ ,‬وإنّما تفعله بعد دخول‬
‫وقته لنّها طهارة ضروريّة كالتّيمم ‪ ,‬فإن علمت وقت النقطاع كعند الغروب لم يلزمها‬
‫الغسل في كلّ يومٍ وليلةٍ إل عقب الغروب ‪ ,‬وذات التّقطع ل يلزمها الغسل زمن النّقاء لنّ‬
‫الغسل سببه النقطاع والدّم منقطع ‪ ,‬ول يلزمها المبادرة للصّلة إذا اغتسلت على الصحّ‬
‫لكن لو أخّرت لزمها الوضوء ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّها تتوضّأ لكلّ صلةٍ كلّما تردّدت بين الطهر ودخول الحيض ‪ ,‬وتغتسل‬
‫لكلّ صل ٍة إن تردّدت بين الطهر والخروج من الحيض ‪ ,‬ففي الوّل يكون طهرها بالوضوء ‪,‬‬
‫وفي الثّاني بالغسل ‪.‬‬
‫مثال ذلك ‪ :‬امرأة تذكر أنّ حيضها في كلّ شهرٍ مرّة ‪ ,‬وانقطاعه في النّصف الخير ‪ ,‬ول‬
‫تذكر غير هذين ‪ ,‬فإنّها في النّصف الوّل تتردّد بين الدخول والطهر فيكون طهرها‬
‫بالوضوء ‪ ,‬وفي النّصف الخير تتردّد بين الطهر والخروج فيكون طهرها بالغسل ‪ ,‬وأمّا إذا‬
‫ن بين الطهر والدخول فحكمها حكم التّردد بين‬
‫لم تذكر شيئا أصلً فهي متردّدة في كلّ زم ٍ‬
‫ق ‪ ,‬ثمّ إنّها إذا اغتسلت في وقت صل ٍة وصلّت ‪ ,‬ثمّ اغتسلت في وقت‬
‫الطهر والخروج بل فر ٍ‬
‫الخرى أعادت الولى قبل الوقتيّة ‪ ,‬وهكذا تصنع في وقت كلّ صلةٍ احتياطا ‪ ,‬لحتمال‬
‫حيضها في وقت الولى وطهرها قبل خروجه ‪ ,‬فيلزمها القضاء احتياطا ‪ ,‬وهذا قول أبي‬
‫سهلٍ واختاره البركوي ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ المبتدأة الّتي استمرّ بها الدّم إن كانت استوفت تمام حيضها بنصف‬
‫شهرٍ أو بالستظهار فذلك الدّم استحاضة وإل ضمّته للوّل حتّى يحصل تمامه بالخمسة عشر‬
‫يوما أو بالستظهار ‪ ,‬وما زاد فاستحاضة ‪.‬‬
‫وأمّا المعتادة الّتي استم ّر بها الدّم فإنّها تزيد ثلثة أيّامٍ على أكثر عادتها استظهارا ‪ ,‬ومحل‬
‫الستظهار بالثّلثة ما لم تجاوز نصف الشّهر ‪ ,‬ثمّ بعد أن مكثت المبتدأة نصف شه ٍر ‪ ,‬وبعد‬
‫أن استظهرت المعتادة بثلثة أو بما يكمل نصف شهرٍ ‪ ,‬تصير إن تمادى بها الدّم‬
‫مستحاضةً ‪ ,‬ويسمّى الدّم النّازل بها دم استحاضةٍ ودم عّلةٍ وفسا ٍد ‪ ,‬وهي في الحقيقة طاهر‬
‫تصوم وتصلّي وتوطأ ‪.‬‬
‫وإذا ميّزت المستحاضة الدّم بتغير رائحةٍ أو لونٍ أو ر ّق ٍة أو ثخنٍ أو نحو ذلك بعد تمام طهرٍ‬
‫فذلك الدّم المميّز حيض ل استحاضة ‪ ,‬فإن استمرّ بصفة التّميز استظهرت بثلثة أيّامٍ ما لم‬
‫تجاوز نصف شه ٍر ‪ ,‬ثمّ هي مستحاضة ‪ ,‬وإل ‪ -‬بأن لم يدم بصفة التّميز بأن رجع لصله ‪-‬‬
‫مكثت عادتها فقط ول استظهار ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الحتياط في صوم رمضان وقضائه ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة في المشهور عندهم على أنّ المتحيّرة تصوم رمضان كاملً‬ ‫‪11‬‬

‫وجوبا ‪ ,‬لحتمال طهارتها في كلّ يومٍ ‪.‬‬


‫وقد أجاز الشّافعيّة لها صيام التّطوع خلفا للحنفيّة حيث منعوها منه ‪.‬‬
‫واختلفوا في كيفيّة قضاء رمضان بناءً على اختلفهم في أكثر الحيض ‪:‬‬
‫فذهب الشّافعيّة إلى أنّها تصوم بعد رمضان شهرا آخر كاملً ثلثين يوما متواليةً ‪ ,‬فيحصل‬
‫لها من كلّ منهما أربعة عشر يوما ‪ ,‬وهذا إذا كان رمضان كاملً ‪ ,‬فإن كان ناقصا فإنّه‬
‫ل أو ناقصا ‪ ,‬وذلك‬
‫يحصل لها منه ثلثة عشر يوما فيبقى لها يومان سواء كان رمضان كام ً‬
‫ل كأن اعتادته نهارا ‪ ,‬أو شكّت لحتمال أن تحيض فيهما أكثر‬
‫إن لم تعتد النقطاع لي ً‬
‫الحيض ‪ ,‬ويطرأ الدّم في يومٍ وينقطع في يومٍ آخر ‪ ,‬فيفسد ستّة عشر يوما من ك ّل من‬
‫الشّهرين ‪ ,‬بخلف ما إذا اعتادت النقطاع ليلً فإنّه ل يبقى عليها شيء ‪.‬‬
‫وإذا بقي عليها يومان فأكثر أو أقل فلها في قضائه طريقان ‪:‬‬
‫إحداهما ‪ :‬طريقة الجمهور ‪ :‬وتجرى في أربعة عشر يوما فما دونها ‪ ,‬وذلك أن تضعّف ما‬
‫عليها وتزيد عليه يومين ‪ ,‬وتقسم الجميع نصفين فتصوم نصفه في أوّل الشّهر ‪ ,‬ونصفه‬
‫في أوّل النّصف الخر ‪ ,‬والمقصود بالشّهر هنا ثلثون يوما متى شاءت ابتدأت ‪ ,‬وعلى هذا‬
‫إذا أرادت صوم يومين فإنّها تصوم من ثمانية عشر يوما ثلثةً أوّلها وثلثةً من آخرها‬
‫فيحصل اليومان لنّ غاية ما يفسده الحيض ستّة عشر يوما فيحصل لها يومان على كلّ‬
‫ن الحيض إن طرأ في أثناء اليوم الوّل من صومها انقطع في أثناء السّادس عشر‬
‫تقديرٍ ‪ ,‬ل ّ‬
‫فيحصل اليومان بعده ‪ ,‬أو في اليوم الثّاني انقطع في السّابع عشر فيحصل الوّل والخير أو‬
‫في اليوم الثّالث فيحصل اليومان الوّلن ‪ ,‬أو في اليوم السّادس عشر انقطع اليوم الوّل‬
‫فيحصل لها الثّاني والثّالث ‪ ,‬أو في السّابع عشر انقطع في الثّاني فيحصل لها السّادس عشر‬
‫والثّالث ‪ ,‬أو في الثّامن عشر انقطع في الثّالث فيحصل لها السّادس عشر والسّابع عشر ‪.‬‬
‫ي ‪ ،‬واستحسنها النّووي في المجموع ‪ ,‬وتجرى في سبعة‬
‫والطّريقة الثّانية ‪ :‬طريقة الدّارم ّ‬
‫ق بأيّ وجهٍ شاءت في خمسة‬
‫أيّامٍ فما دونها ‪ ,‬أن تصوم بقدر ما عليها بزيادة يومٍ متفرّ ٍ‬
‫عشر ‪ ,‬ثمّ تعيد الصّوم كلّ يومٍ غير الزّيادة يوم سابع عشر ‪ ,‬ولها تأخيره إلى خامس عشر‬
‫ثانيةً ‪ ,‬فيمكن قضاء يومٍ بصوم يومٍ ‪ ,‬ثمّ الثّالث من الوّل ‪ ,‬والسّابع عشر منه ‪ ,‬لنّها قد‬
‫صامت بقدر ما عليها أ ّولً بزيادة يومٍ متفرّقا في خمسة عشر يوما ‪ ,‬وبقدر ما عليها في‬
‫سابع عشر فيقع لها في يومٍ من اليّام الثّلث في الطهر على كلّ تقدي ٍر ‪.‬‬
‫وهذا في غير الصّوم المتتابع ‪ ,‬أمّا المتتابع بنذر أو غيره ‪ :‬فإن كان سبعةً فما دونها صامته‬
‫ولءً تصوم ثلث مرّاتٍ ‪ ,‬الثّالثة منها في سابع عشر شروعها في الصّوم بشرط أن تفرّق‬
‫بين كلّ مرّتين من الثّلث بيوم فأكثر حيث يتأتّى الكثر ‪ ,‬وذلك فيما دون السّبع فلقضاء‬
‫يومين ول ًء تصوم يوما وثانيه ‪ ,‬ولسابع عشرة وثامن عشرة ويومين بينهما ولءً غير‬
‫ح صومهما ‪ ,‬وإن‬
‫متّصلين بشيء من الصّومين فتبرأ ‪ ,‬لنّ الحيض إن فقد في الوّلين ص ّ‬
‫وجد فيهما صحّ الخيران إذ لم يفد فيهما ‪ ,‬وإل فالمتوسطان ‪ ,‬وإن وجد في الوّل دون‬
‫الثّاني صحّا ‪ -‬أيضا ‪ -‬أو بالعكس ‪.‬‬
‫فإن انقطع قبل السّابع عشر صحّ مع ما بعده ‪ ,‬وإن انقطع فيه صحّ الوّل والثّامن عشر ‪,‬‬
‫وتخلل الحيض ل يقطع الولء ‪ ,‬وإن كان الصّوم الّذي تخلّله قدرا يسع وقت الطهر لضرورة‬
‫تحير المستحاضة ‪ ,‬فإن كان المتتابع أربعة عشر فما دونها صامت له ستّة عشر ولءً ‪ ,‬ثمّ‬
‫تصوم قدر المتتابع أيضا ولءً بين أفراده وبينها وبين السّتّة عشر ‪ ,‬فلقضاء ثمانيةٍ متتابعةٍ‬
‫تصوم أربعةً وعشرين ول ًء فتبرأ إذ الغاية بطلن ستّة عشر ‪ ,‬فيبقى لها ثمانية من الوّل أو‬
‫من الخر أو منهما أو من الوسط ‪ ,‬ولقضاء أربعة عشر تصوم ثلثين ‪ ,‬وإن كان ما عليها‬
‫شهران متتابعان صامت مائةً وأربعين يوما ولءً فتبرأ ‪ ,‬إذ يحصل من كلّ ثلثين أربعة‬
‫عشر يوما فيحصل من مائةٍ وعشرين ستّة وخمسون ‪ ,‬ومن عشرين الربعة الباقية ‪.‬‬
‫وإنّما وجب الولء لنّها لو فرّقت احتمل وقوع الفطر في الطهر فيقطع الولء ‪.‬‬
‫ن المتحيّرة ل تفطر في رمضان أصلً ‪ ,‬لحتمال طهارتها كلّ يومٍ ثمّ إنّ‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫ن حيضها في كلّ شهرٍ مرّ ًة أو ل ‪ ,‬وعلى كلّ إمّا أن تعلم أنّ‬
‫ت ‪ ,‬لنّها إمّا أن تعلم أ ّ‬
‫لها حال ٍ‬
‫ل أو‬
‫ابتداء حيضها باللّيل أو بالنّهار ‪ ,‬أو ل تعلم ‪ ,‬وعلى كلّ إمّا أن يكون الشّهر كام ً‬
‫ناقصا ‪ ,‬وعلى ك ّل إمّا أن تقضي موصولً أو مفصولً ‪.‬‬
‫ن ابتداء حيضها باللّيل أو النّهار ‪ ,‬أو علمت أنّه‬
‫ن دورتها في كلّ شهرٍ مرّة وأ ّ‬
‫فإن لم تعلم أ ّ‬
‫بالنّهار وكان شهر رمضان ثلثين يجب عليها قضاء اثنين وثلثين إن قضت موصولً‬
‫برمضان ‪ ,‬وثمانيةٍ وثلثين إن قضت مفصولً ‪ ,‬لنّها إذا علمت أنّ ابتداءه بالنّهار يكون‬
‫تمام حيضها في الحادي عشر وإذا لم تعلم أنّه باللّيل أو النّهار يحمل على أنّه بالنّهار أيضا‬
‫لنّه الحوط ‪ ,‬وحينئذٍ فأكثر ما فسد من صومها في الشّهر ستّة عشر ‪ ،‬إمّا أحد عشر من‬
‫أوّله وخمسة من آخره أو بالعكس ‪ ,‬فعليها قضاء ضعفها وذلك على احتمال أن تحيض في‬
‫رمضان مرّتين ‪ ,‬وأمّا على احتمال أن تحيض مرّ ًة واحدةً فإنّه يقع لها فيه طهر كامل‬
‫وبعض طهرٍ ‪ ,‬وذلك بأن تحيض في أثناء الشّهر ‪ ,‬وحينئذٍ فيصح لها صوم أكثر من أربعة‬
‫عشر فتعامل بالضرّ احتياطا فتقضي ستّة عشر ‪ ,‬لكن ل تتيقّن بصحّتها كلّها إل بقضاء‬
‫ن صوم يوم العيد ل يجوز ‪,‬‬
‫اثنين وثلثين ‪ ,‬والمراد بالموصول أن تبتدئ من ثاني شوّالٍ ل ّ‬
‫وبيان ذلك أنّه إذا كان رمضان ابتداء حيضها ‪ ,‬فيوم الفطر هو السّادس من حيضها الثّاني‬
‫فل تصومه ‪ ,‬ثمّ ل يجزيها صوم خمسةٍ بقيّة حيضها ثمّ يجزيها في أربعة عشر ‪ ,‬ثمّ ل‬
‫يجزيها في أحد عشر ‪ ,‬ثمّ يجزيها في يومين ‪ ,‬وجملة ذلك اثنان وثلثون ‪ ,‬وإنّما كان قضاء‬
‫ن ابتداء القضاء وافق أوّل يومٍ من حيضها فل‬
‫ثمانيةٍ وثلثين في المفصول لحتمال أ ّ‬
‫يجزيها الصّوم في أحد عشر ‪ ,‬ث ّم يجزي في أربعة عشر ‪ ,‬ثمّ ل يجزي في أحد عشر ‪ ,‬ثمّ‬
‫يجزي في يومين ‪ ,‬فالجملة ثمانية وثلثون يجب عليها صومها لتتيقّن بجواز ستّة عشر‬
‫منها ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين في شرح رسالة البركويّ ‪ :‬إنّه ل يلزم قضاء ثماني ٍة وثلثين إل إذا فرضنا‬
‫فساد ستّة عشر من رمضان مع فرض مصادفة أوّل القضاء لوّل الحيض حتّى لو لم يمكن‬
‫اجتماع الفرضين ل يلزم قضاء ثماني ٍة وثلثين بل أقل ‪ ,‬وكأنّهم أرادوا طرد بعض الفصل‬
‫بالتّسوية تيسيرا على المفتي والمستفتي بإسقاط مؤنة الحساب ‪ ,‬فمتى قاست مؤنته فلها‬
‫العمل بالحقيقة ‪.‬‬
‫وإن كانت المسألة السّابقة بحالها وكان شهر رمضان تسعةً وعشرين فإنّها تقضي في‬
‫الوصل اثنين وثلثين ‪ ,‬وفي الفصل سبعةً وثلثين ‪ ,‬وإنّما تقضي في الوصل اثنين وثلثين‬
‫لنّا تيقّنّا بجواز الصّوم في أربعة عشر وبفساده في خمسة عشر فيلزمها قضاء خمسة‬
‫عشر ‪ ,‬ثمّ ل يجزيها الصّوم في سبعةٍ من أوّل شوّالٍ لنّها بقيّة حيضها على تقدير حيضها‬
‫بأحد عشر ‪ ,‬ثمّ يجزيها في أربعة عشر ول يجزيها في أحد عشر ثمّ يجزيها في يومٍ ‪.‬‬
‫وكان قضاؤها في الفصل سبعةً وثلثين لجواز أن يوافق صومها ابتداء حيضها فل يجزيها‬
‫في أحد عشر ثمّ يجزيها في أربعة عشر ثمّ ل يجزيها في أحد عشر ثمّ يجزيها في يومٍ ‪,‬‬
‫وقول ابن عابدين السّابق يجري هنا أيضا ‪.‬‬
‫ن ابتداء حيضها باللّيل وشهر رمضان ثلثون فتقضي في الوصل والفصل‬
‫وإن علمت أ ّ‬
‫خمسةً وعشرين ‪ ,‬وإن كان تسعةً وعشرين تقضي في الوصل عشرين وفي الفصل أربعةً‬
‫وعشرين ‪ ,‬وإنّما كان قضاؤها خمسةً وعشرين في الوصل والفصل ‪ ,‬أمّا في الوصل‬
‫فلحتمال أنّ حيضها خمسةً من أوّل رمضان بقيّة الحيض ‪ ,‬ثمّ طهرها خمسة عشر ‪ ,‬ثمّ‬
‫حيضها عشرة ‪ ,‬فالفاسد خمسة عشر ‪ ,‬فإذا قضتها موصولةً فيوم العيد أوّل طهرها ول‬
‫تصومه ‪ ,‬ثمّ يجزيها الصّوم في أربعة عشر ثمّ ل يجزي في عشرةٍ ثمّ يجزي في يومٍ‬
‫والجملة خمسة وعشرون ‪ ,‬وإن فرض أنّ حيضها عشرة من أوّل رمضان وخمسة من‬
‫آخره تصوم أربعةً من أوّل شوّالٍ بعد يوم الفطر ل تجزيها لنّها بقيّة حيضها ‪ ,‬ثمّ خمسة‬
‫عشر تجزيها ‪ ,‬والجملة تسعة عشر ‪ ,‬والحتمال الوّل أحوط فيلزمها خمسة وعشرون ‪,‬‬
‫وأمّا في الفصل فلحتمال أنّ ابتداء القضاء وافق أوّل يومٍ من حيضها فل يجزيها الصّوم في‬
‫عشر ٍة ثمّ يجزي في خمسة عشر ‪ ,‬ثمّ إنّها تقضي في الوصل عشرين إن كان رمضان تسعةً‬
‫وعشرين ‪ ,‬لنّها يحتمل أن تحيض خمسةً من أوّل رمضان وتسعةً من آخره ‪ ,‬أو عشرةً‬
‫من أوّله وأربعةً من آخره ‪ ,‬فالفاسد فيهما أربعة عشر ويحتمل أن تحيض في أثنائه كأن‬
‫حاضت ليلة السّادس وطهرت ليلة السّادس عشر والفاسد فيه عشرة ‪ ,‬فعلى الوّل يكون أوّل‬
‫القضاء وهو ثاني شوّالٍ أوّل طهرها فتصوم أربعة عشر وتجزيها ‪ ,‬وعلى الثّاني يكون ثاني‬
‫شوّالٍ سادس يومٍ من حيضها فتصوم خمس ًة ل تجزيها ‪ ,‬ثمّ أربعة عشر فتجزيها ‪ ,‬والجملة‬
‫تسعة عشر ‪ ,‬وعلى الثّالث يكون أوّل القضاء أوّل الحيض فتصوم عشر ًة ل تجزي ثمّ عشرةً‬
‫من الطهر فتجزيها عن العشرة الّتي عليها والجملة عشرون ‪ ,‬فعلى الوّل يجزيها قضاء‬
‫أربعة عشر ‪ ,‬وعلى الثّاني تسعة عشر ‪ ,‬وعلى الثّالث عشرين فتلزمها احتياطا ‪ ,‬كما أنّها‬
‫ن القضاء وافق أوّل يومٍ‬
‫ن الفاسد أربعة عشر وأ ّ‬
‫تقضي في الفصل أربعةً وعشرين لحتمال أ ّ‬
‫من حيضها فتصوم عشرةً ل تجزي ثمّ أربعة عشر تجزي والجملة أربعة وعشرون ‪.‬‬
‫ن ابتداءه بالنّهار أو لم تعلم أنّه بالنّهار‬
‫ن حيضها في كلّ شهرٍ مرّة وعلمت أ ّ‬
‫وإن علمت أ ّ‬
‫فإنّها تقضي اثنين وعشرين مطلقا بالوصل والفصل ‪ ,‬لنّه إذا كان بالنّهار يفسد من صومها‬
‫أحد عشر ‪ ,‬فإذا قضت مطلقا احتمل أن يوافق أوّل القضاء أوّل الحيض فتصوم أحد عشر ل‬
‫تجزئ ثمّ أحد عشر تجزئ ‪ ,‬والجملة اثنان وعشرون تخرج بها عن العهدة بيقين ‪.‬‬
‫ن ابتداءه باللّيل تقضي عشرين مطلقا ‪ ,‬لنّ الفاسد من صومها عشرة فتقضي‬
‫وإن علمت أ ّ‬
‫ضعفها لحتمال موافقة القضاء أو الحيض ‪ ,‬وصلت أو فصلت ‪ ,‬هذا كله إن لم تعلم المرأة‬
‫ن حيضها في كلّ شه ٍر تسعة وطهرها بقيّة‬
‫عدد أيّامها في الحيض والطهر ‪ ،‬أمّا إن علمت أ ّ‬
‫الشّهر ‪ ,‬وعلمت أنّ ابتداءه باللّيل ‪ ,‬فإنّها تقضي ثمانية عشر مطلقا وصلت أو فصلت ‪ ,‬وإن‬
‫لم تعلم ابتداءه أو علمت أنّه بالنّهار فإنّها تقضي عشرين مطلقا ‪ ,‬لنّ أكثر ما فسد من‬
‫صومها في الوجه الوّل تسعة وفي الثّاني عشرة ‪ ,‬فتقضي ضعف ذلك ‪ ,‬لحتمال اعتراض‬
‫الحيض في أوّل يومٍ من القضاء ‪.‬‬
‫ن حيضها ثلثة أيّامٍ ونسيت طهرها فإنّه يحمل طهرها على القلّ خمسة عشر‬
‫وإن علمت أ ّ‬
‫يوما ‪ ,‬ثمّ إن كان رمضان تاما وعلمت ابتداء حيضها باللّيل فإنّها تقضي تسعةً مطلقا ‪,‬‬
‫وصلت أو فصلت ‪ ,‬لنّه يحتمل أنّها حاضت في أوّل رمضان ثلث ًة ثمّ طهرت خمسة عشر ‪,‬‬
‫ثمّ حاضت ثلثةً ثمّ طهرت خمسة عشر ‪ ,‬فقد فسد من صومها ستّة ‪ ,‬فإذا وصلت القضاء‬
‫جاز لها بعد الفطر خمسة ثمّ تحيض ثلث ًة فتفسد ‪ ,‬ثمّ تصوم يوما فتصير تسعةً ‪ ,‬وإذا‬
‫فصلت احتمل اعتراض الحيض في أوّل يوم القضاء ‪ ,‬فيفسد صومها في ثلث ٍة ثمّ يجوز في‬
‫س ّتةٍ فتصير تسعةً ‪ ,‬وأمّا إذا كان رمضان ناقصا فإذا وصلت جاز لها بعد الفطر ستّة‬
‫تكفيها ‪ ,‬وأمّا إذا فصلت فتقضي تسعةً كما في التّمام ‪.‬‬
‫وإن لم تعلم ابتداءه ‪ ,‬أو علمت أنّه بالنّهار فإنّها تقضي اثني عشر مطلقا ‪ ,‬لنّه يحتمل أنّها‬
‫حاضت في أوّل رمضان فيفسد صومها في أربع ٍة ثمّ يجوز في أربعة عشر ثمّ يفسد في‬
‫أربعةٍ فقد فسد ثمانيةً ‪ ,‬فإذا قضت موصولً جاز بعد يوم الفطر خمسة تكملة طهرها الثّاني ‪,‬‬
‫ثمّ يفسد أربعة ثمّ يجوز ثلثة تمام الثني عشر ‪ ,‬وإذا فصلت احتمل عروض الحيض في‬
‫أوّل القضاء ‪ ,‬فيفسد في أربعةٍ ثمّ يجوز في ثمانيةٍ والجملة اثنا عشر ‪ ,‬وأمّا إذا كان‬
‫رمضان ناقصا فإذا وصلت جاز بعد يوم الفطر ستّة تكملة طهرها الثّاني ‪ ,‬ثمّ يفسد أربعة ‪,‬‬
‫ثمّ يجوز يومان تمام الثني عشر وإذا فصلت احتمل عروض الحيض في أوّل القضاء فيفسد‬
‫في أربعةٍ ثمّ يجوز في ثمانيةٍ فالجملة اثنا عشر ‪.‬‬
‫وأمّا مذهب المالكيّة في الموضوع فقد سبق تفصيله عند الكلم عن الحتياط في الطّهارة‬
‫والصّلة ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬النّاسية لوقتها وعددها تجلس في كلّ شه ٍر ستّة أيّامٍ أو سبعةً يكون ذلك‬
‫حيضها ثمّ تغتسل وهي فيما بعد ذلك مستحاضة تصوم وتصلّي وتطوف ‪,‬‬
‫وعن أحمد أنّها تجلس أق ّل الحيض ‪.‬‬
‫ثمّ إنّ كانت تعرف شهرها وهو مخالف للشّهر المعروف جلست ذلك من شهرها ‪ ,‬وإن لم‬
‫تعرف شهرها جلست من الشّهر المعروف لنّه الغالب ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الحتياط في قراءة القرآن ومسّ المصحف ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة في المشهور إلى أنّ المتحيّرة يحرم عليها قراءة القرآن في‬ ‫‪12‬‬

‫غير الصّلة لحتمال الحيض ‪ ,‬وأمّا في الصّلة فأجاز الشّافعيّة لها أن تقرأ القرآن مطلقا‬
‫فاتحةً أو غيرها ‪.‬‬
‫ومذهب الحنفيّة على الصّحيح أنّها تقرأ الفاتحة وسورةً قصيرةً في كلّ ركعةٍ من الفرائض‬
‫والسنن إل الخيرة أو الخيرتين من الفرض ‪ ,‬فل تقرأ في شيءٍ من ذلك السورة بل تقرأ‬
‫الفاتحة فقط لوجوبها ‪ ,‬كما صرّحوا بجواز قراءتها للقنوت ‪ ,‬قال ابن عابدين ‪ :‬وهو ظاهر‬
‫المذهب وعليه الفتوى للجماع القطعيّ على أنّه ليس بقرآن ‪ ,‬وكذا تقرأ سائر الدّعوات‬
‫والذكار ‪.‬‬
‫ومقابل المشهور عند الشّافعيّة أنّها تباح لها القراءة مطلقا خوف النّسيان بخلف الجنب‬
‫لقصر زمن الجنابة ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬تحرم الزّيادة على الفاتحة في الصّلة كالجنب الفاقد للطّهورين ‪.‬‬
‫كما اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة في المشهور إلى حرمة مسّها للمصحف ‪ ,‬وزاد الشّافعيّة حمله‬
‫بطريق الولى ‪.‬‬
‫وقال ابن جزيّ من المالكيّة ‪ :‬ل تمنع الستحاضة شيئا ممّا يمنع منه الحيض ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الحتياط في دخول المسجد والطّواف ‪:‬‬
‫ن المتحيّرة ل يجوز لها أن تدخل المسجد ‪.‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬ ‫‪13‬‬

‫وأجاز الشّافعيّة لها أن تدخل المسجد وتصلّي فيه لكن يحرم عليها أن تمكث فيه ‪ ,‬قال في‬
‫المهمّات ‪ :‬وهو متّجه إن كان لغرض دنيويّ أو ل لغرض ‪ ,‬ومحل ذلك إن أمنت التّلويث ‪.‬‬
‫وأمّا الطّواف فذهب الحنفيّة إلى أنّها ل تطوف إل للزّيارة والوداع ‪ ,‬أمّا الزّيارة فلنّه ركن‬
‫الحجّ فل يترك لحتمال الحيض ‪ ,‬وأمّا الوداع فلنّه واجب على غير المكّيّ ‪ ,‬ثمّ إنّها تعيد‬
‫طواف الزّيارة دون الوداع بعد عشرة أيّامٍ ليقع أحدهما في طه ٍر بيقين ‪.‬‬
‫ل وكيفيّة طوافها أن تفعله ثلث‬
‫ن لها أن تطوف مطلقا فرضا أو نف ً‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫مرّاتٍ بشرط المهال كما في الصّوم ‪ ,‬فإذا أرادت طوافا واحدا أو عددا اغتسلت وطافت ثلث‬
‫مرّاتٍ وصلّت ركعتين ث ّم تمهل قدرا يسع مثل طوافها وغسله وركعتيه ثمّ تفعل ذلك ثانيةً ‪,‬‬
‫ثمّ تمهل حتّى يمضي تمام خمسة عشر يوما من أوّل اشتغالها بغسل الطّواف الوّل ‪ ,‬وتمهل‬
‫بعد الخمسة عشر لحظة تسع الغسل والطّواف وركعتيه ويكون قدر المهال الوّل ‪ ,‬ثمّ‬
‫تغتسل وتطوف وتصلّي ركعتيه مرّةً ثالثةً ‪ ,‬والغسل واجب في كلّ مرّةٍ للطّواف ‪.‬‬
‫وأمّا الرّكعتان فإن قلنا هما سنّة كفى لها غسل الطّواف وإن قلنا واجبتان فثلثة أوجهٍ ‪:‬‬
‫الصّحيح المشهور وبه قطع الجمهور ‪ :‬يجب للصّلة وضوء ل تجديد غس ٍل ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬ل يجب تجديد غسلٍ ول وضوء لنّها تابعة للطّواف كجزء منه وبهذا قطع‬
‫المتولّي ‪.‬‬
‫ي السّنجي ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬يجب تجديد الغسل حكاه أبو عل ّ‬
‫هـ ‪ -‬الحتياط في الوطء والعدّة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة على أنّه ل يجوز وطء المتحيّرة لحتمال الحيض ‪ ,‬وعند‬ ‫‪14‬‬

‫ن الستحاضة علّة مزمنة والتّحريم دائما موقع في‬


‫الشّافعيّة قول ضعيف بأنّه يجوز ذلك ‪ ,‬ل ّ‬
‫الفساد ‪.‬‬
‫وهذا هو مذهب الحنابلة ‪ ,‬إذ أنّهم يرون على المذهب أنّ المستحاضة ل يباح وطؤها حتّى‬
‫ن بها أذىً فيحرم وطؤها كالحائض ‪,‬‬
‫ولو لم تكن متحيّر ًة إل أن يخاف الزّوج على نفسه ‪ ,‬ل ّ‬
‫ن اللّه تعالى منع وطء الحائض معلّلً بالذى بقوله ‪ُ { :‬قلْ ُه َو أَذىً فَاعْ َتزِلُواْ ال ّنسَاء فِي‬
‫فإ ّ‬
‫ا ْل َمحِيضِ } أمر باعتزالهنّ عقيب الذى مذكورا بفاء التّعقيب ‪ ,‬ولنّ الحكم إذا ذكر مع‬
‫وصفٍ يقتضيه ويصلح له علّل به ‪ ,‬والذى يصلح أن يكون عّلةً فيعلّل به ‪ ,‬وهو موجود في‬
‫المستحاضة فيثبت التّحريم في حقّها ‪.‬‬
‫نفقة المتحيّرة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الشّافعيّة ‪ :‬يجب على الزّوج نفقة زوجته المتحيّرة ‪ ,‬وممّن نصّ عليه الغزالي في‬ ‫‪15‬‬

‫الخلصة ‪.‬‬
‫ص الحنفيّة على أنّ المعتبر في إيجاب‬
‫وهذا ما يؤخذ من عبارات الحنفيّة والحنابلة ‪ ,‬فقد ن ّ‬
‫النّفقة احتباس ينتفع به الزّوج بالوطء أو بدواعيه ‪ ,‬والثّاني موجود في المتحيّرة ‪ ,‬ومن‬
‫هذا المنطلق فإنّهم أوجبوا نفقة الرّتقاء والقرناء ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬إن بذلت الرّتقاء أو الحائض أو النفساء أو النّضوة الخلق الّتي ل يمكن‬
‫وطؤها أو المريضة تسليم نفسها لزمته نفقتها ‪ ,‬وإن حدث بها شيء من ذلك لم تسقط‬
‫نفقتها لنّ الستمتاع ممكن ول تفريط من جهتها ‪.‬‬
‫والمالكيّة تخرج المتحيّرة عندهم من تحيرها باستيفاء تمام حيضها بنصف شهرٍ أو‬
‫بالستظهار ث ّم هي مستحاضة وهي في الحقيقة طاهر تصوم وتصلّي وتوطأ فتجب لها النّفقة‬
‫لنّ شروط وجوب النّفقة عند المالكيّة هي ‪ :‬السّلمة من الشراف على الموت ‪ ,‬وبلوغ‬
‫الزّوج ‪ ,‬وإطاقة الزّوجة للوطء ‪ ،‬والمستحاضة صالحة للوطء ‪.‬‬
‫عدّة المتحيّرة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة في الصحّ والحنابلة على الصّحيح من المذهب والحنفيّة في قولٍ‬ ‫‪16‬‬

‫ن المتحيّرة تعتد بثلثة أشهرٍ لشتمال كلّ شهرٍ على طهرٍ‬


‫وعكرمة وقتادة وأبو عبي ٍد إلى أ ّ‬
‫وحيضٍ غالبا ‪ ,‬ولعظم مشقّة النتظار إلى سنّ اليأس ‪ ,‬ولنّها في هذه الحالة مرتابة ‪,‬‬
‫ي صلّى اللّه عليه وسلّم أمر‬
‫ن ثََل َثةُ } ‪ ,‬ولنّ النّب ّ‬
‫ن ارْتَبْ ُتمْ َفعِدّ ُتهُ ّ‬
‫فدخلت في قوله تعالى ‪ { :‬إِ ِ‬
‫حمنة بنت جحشٍ رضي ال عنها أن تجلس في كلّ شهرٍ ستّة أيّامٍ أو سبعةً فجعل لها حيضةً‬
‫في كلّ شهرٍ تترك فيها الصّلة والصّيام ويثبت فيها سائر أحكام الحيض فيجب أن تنقضي به‬
‫العدّة ‪ ,‬لنّ ذلك من أحكام الحيض ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة بأنّه إن بقي من الشّهر الّذي طلقت فيه أكثر من خمسة عشر يوما عدّت‬
‫البقيّة قرءا لشتمالها على طه ٍر ل محالة ‪ ,‬وتعتد بعده بهللين ‪ ,‬فإن بقي خمسة عشر يوما‬
‫ن الشهر ليست‬
‫فأقل لم تحتسب تلك البقيّة لحتمال أنّها حيض فتبتدئُ العدّة من الهلل ‪ ،‬ل ّ‬
‫ض وطهرٍ‬
‫متأصّلةً في حقّ المتحيّرة ‪ ,‬وإنّما حسب كل شه ٍر في حقّها قرءا لشتماله على حي ٍ‬
‫غالبا بخلف من لم تحض واليسة حيث يكملن المنكسر ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّ هذا في شأن المتحيّرة الّتي لم تحفظ قدر دورتها ‪ ,‬أمّا إذا حفظت قدر‬
‫الدوار فإنّها تعتد بثلثة منها ‪ ,‬سواء أكانت أكثر من ثلثة أشه ٍر أم أق ّل لشتمالها على‬
‫ثلثة أطها ٍر ‪ ,‬وكذا لو شكّت في قدر أدوارها ولكنّها قالت ‪ :‬أعلم أنّها ل تجاوز سن ًة مثلً ‪:‬‬
‫أخذت بالكثر وتجعل السّنة دورها ‪ ,‬ذكره الدّارمي ووافقه النّووي ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬تعتد المتحيّرة بما ذكر بعد اليأس لنّها قبله متوقّعة للحيض المستقيم ‪ .‬وأضافوا ‪:‬‬
‫إنّ محلّ الخلف المذكور في المتحيّرة بالنّسبة لتحريم نكاحها ‪ ,‬أمّا الرّجعة وحق السكنى ‪,‬‬
‫فإلى ثلثة أشه ٍر فقط قطعا ‪.‬‬
‫ن إطلقهم في النقضاء بثلثة أشه ٍر في المستحاضة النّاسية‬
‫وقال ابن الهمام ‪ :‬اعلم أ ّ‬
‫لعادتها ل يصح إل فيما إذا طلّقها أوّل الشّهر ‪ ,‬أمّا لو طلّقها بعدما مضى من الشّهر قدر ما‬
‫يصح حيضةً ينبغي أن يعتبر ثلثة أشه ٍر غير باقي هذا الشّهر والوجه ظاهر ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والحنابلة في قو ٍل وإسحاق إلى أنّ المتحيّرة تعتد سنةً بمنزلة من رفعت‬
‫حيضتها ل تدري ما رفعها ‪ ,‬قال أحمد ‪ :‬إذا كانت قد اختلطت ولم تعلم إقبال الدّم وإدباره‬
‫اعتدّت لما ورد عن عمر أنّه قال في رجلٍ طلّق امرأته فحاضت حيضةً أو حيضتين فارتفع‬
‫حيضها ل تدري ما رفعه ؟ تجلس تسعة أشهرٍ ‪ ,‬فإذا لم يستبن بها حمل تعتد بثلثة أشهرٍ‬
‫فذلك سنة ‪.‬‬
‫ن المتحيّرة تعتد بتسعة أشهرٍ استبراءً لزوال الرّيبة لنّها مدّة الحمل غالبا‬
‫وصرّح المالكيّة بأ ّ‬
‫ثمّ تعتد بثلثة أشهرٍ ‪ ,‬وتحل بعد السّنة ‪ ,‬حرّ ًة كانت أم أمةً ‪ ,‬وقيل ‪ :‬إنّ السّنة كلّها عدّة ‪,‬‬
‫قال الدسوقي ‪ :‬والصّواب أنّ الخلف لفظي ‪.‬‬
‫ن المتحيّرة تنقضي عدّتها بسبعة أشه ٍر ‪ ,‬قال ابن عابدين ‪ :‬وأمّا‬
‫والمفتى به عند الحنفيّة أ ّ‬
‫ممتدّة الحيض أي ممتدّة الدّم أو المستحاضة ‪ ,‬والمراد بها المتحيّرة الّتي نسيت عادتها ‪,‬‬
‫فالمفتى به كما في فتح القدير تقدير طهرها بشهرين فستّة أشهرٍ للطهار ‪ ,‬وثلث حيضٍ‬
‫بشهر احتياطا قال ابن عابدين حاصله ‪ :‬أنّ المتحيّرة تنقضي عدّتها بسبعة أشهرٍ ‪.‬‬
‫ويرى الميداني من الحنفيّة ‪ -‬وعليه الكثر ‪ -‬أنّ المتحيّرة يقدّر حيضها بعشرة وطهرها‬
‫بستّة أشهرٍ إل ساعةً فتنقضي عدّتها بتسعة عشر شهرا وعشرة أيّامٍ غير أربع ساعاتٍ ‪,‬‬
‫لحتمال أنّ الطّلق كان بعد ساع ٍة من حيضها فل تحسب هذه الحيضة وذلك عشرة أيّامٍ إل‬
‫ض‪.‬‬
‫ساعةً ‪ ,‬ث ّم يحتاج إلى ثلثة أطها ٍر وثلث حي ٍ‬
‫وقال في عمد الدلّة ‪ :‬المستحاضة النّاسية لوقت حيضها تعتد بستّة أشه ٍر ‪.‬‬
‫ن حيضها سبعة أيّامٍ من كلّ شهرٍ‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬ينبغي أن يقال ‪ :‬إنّنا متى حكمنا بأ ّ‬
‫فمضى لها شهران بالهلل وسبعة أيّامٍ من أوّل الثّالث فقد انقضت عدّتها ‪ ,‬وإن قلنا القروء‬
‫الطهار فطلّقها في آخر شهرٍ ثمّ مرّ لها شهران وهلّ الثّالث انقضت عدّتها ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬المتحيّرة في النّفاس ‪:‬‬
‫‪ -‬يجب على ك ّل امرأةٍ حفظ عادتها في الحيض والنّفاس عددا ومكانا فإن أضلّت عادتها‬ ‫‪17‬‬

‫ن كلّه نفاس كيف كانت عادتها وتترك‬


‫في النّفاس ولم يجاوز الدّم أربعين ‪ ,‬فيرى الحنفيّة أ ّ‬
‫الصّلة والصّوم ‪ ,‬فل تقضي شيئا من الصّلة بعد الربعين ‪.‬‬
‫فإن جاوز الربعين تتحرّى ‪ ,‬فإن لم يغلب ظنها على شي ٍء من الربعين أنّه كان عاد ًة لها‬
‫ن نفاسها كان ساعةً ‪ ,‬ولنّها لم تعلم كم عادتها حتّى تر ّد إليها‬
‫قضت صلة الربعين لجواز أ ّ‬
‫عند المجاوزة على الكثر ‪ ,‬فإن قضتها في حال استمرار الدّم تعيد بعد عشرة أيّا ٍم لحتمال‬
‫حصول القضاء أوّل مرّ ٍة في حالة الحيض ‪ ,‬والحتياط في العبادات واجب ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬لم أر من ذكر حكم صومها إذا أضلّت عادتها في النّفاس والحيض معا ‪,‬‬
‫وتخريجه على ما مرّ أنّها إذا ولدت أوّل ليل ٍة من رمضان وكان الشّهر كاملً ‪ ,‬وعلمت أنّ‬
‫ن نفاسها ساعة ‪ ,‬ث ّم إذا قضت موصولً‬
‫حيضها يكون باللّيل أيضا تصوم رمضان لحتمال أ ّ‬
‫تقضي تسعةً وأربعين لنّها تفطر يوم العيد ثمّ تصوم تسعةً يحتمل أنّها تمام نفاسها فل‬
‫تجزيها ث ّم خمسة عشر وهي طهر فتجزي ‪ ,‬ثمّ عشرةً تحتمل الحيض فل تجزي ‪ ,‬ثمّ خمسة‬
‫ح منها ثلثون ‪.‬‬
‫عشر هي طهر فتجزي ‪ ,‬والجملة تسعة وأربعون ص ّ‬
‫ن حيضها بالنّهار أو لم تعلم تقضي اثنين وستّين لنّها تفطر يوم‬
‫ولو ولدت نهارا وعلمت أ ّ‬
‫العيد ‪ ,‬ثمّ تصوم عشر ًة ل تجزئ لحتمال أنّها آخر نفاسها ثمّ تصوم خمسةً وعشرين يوما‬
‫يجزيها منها أربعة عشر ول تجزي أحد عشر ‪ ,‬ثمّ تصوم خمسةً وعشرين كذلك فقد صحّ‬
‫لها في الطهرين ثمانية وعشرون ‪ ,‬ثمّ تصوم يومين تمام الثّلثين ‪ ,‬والجملة اثنان وستون ‪.‬‬
‫وعلى هذا يستخرج حكم ما إذا قضته مفصولً وما إذا كان الشّهر ناقصا وما إذا علمت عدد‬
‫أيّام حيضها فقط ‪.‬‬
‫ل أو منقطعا ستون يوما‬
‫ويرى المالكيّة على المشهور أنّ أكثر زمن النّفاس إذا تمادى متّص ً‬
‫ثمّ هي مستحاضة ول تستظهر على السّتّين كبلوغ الحيض خمسة عشر ‪ ,‬وقال الخرشي بعد‬
‫نقل هذا القول ‪ :‬وظاهره أنّها ل تعوّل على عادتها خلفا لما في الرشاد ‪ ،‬وفي الرشاد ‪:‬‬
‫تعوّل على عادتها ‪.‬‬
‫ن المعتادة النّاسية لعادتها في النّفاس يجري فيها الخلف الجاري في‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫المتحيّرة في الحيض ‪ ,‬ففي قو ٍل هي كالمبتدأة فترد إلى لحظةٍ في قولٍ ‪ ,‬وإلى أربعين يوما‬
‫في قولٍ ‪ ,‬وعلى المذهب تؤمر بالحتياط ‪ ,‬ورجّح إمام الحرمين ‪ -‬هنا ‪ -‬الرّ ّد إلى مردّ‬
‫المبتدأة لنّ أوّل النّفاس معلوم وتعيين أوّل الهلل للحيض تحكم ل أصل له ‪.‬‬
‫ن أوّل‬
‫قال الرّافعي ‪ :‬فإذا قلنا بالحتياط فإن كانت مبتدأةً في الحيض وجب الحتياط أبدا ‪ ,‬ل ّ‬
‫حيضها مجهول ‪ ,‬والمبتدأة إذا جهلت ابتداء دمها كانت كالمتحيّرة ‪ ,‬وإن كانت معتاد ًة ناسيةً‬
‫لعادتها استمرّت ‪ -‬أيضا ‪ -‬على الحتياط أبدا ‪ ,‬وإن كانت ذاكر ًة لعادة الحيض فقد التبس‬
‫عليها الدّور للتباس آخر النّفاس فهي كمن نسيت وقت الحيض دون قدره ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن زاد دم النفساء على أربعين يوما فصادف عادة الحيض فهو حيض ‪,‬‬
‫وإن لم يصادف عادة الحيض فهو استحاضة ‪ ,‬قال أحمد ‪ :‬إذا استم ّر بها الدّم فإن كان في‬
‫أيّام حيضها الّذي تقعده أمسكت عن الصّلة ولم يأتها زوجها ‪ ,‬وإن لم يكن لها أيّام كانت‬
‫بمنزلة المستحاضة تتوضّأ لكلّ صلةٍ وتصوم وتصلّي إن أدركها رمضان ول تقضي ويأتيها‬
‫زوجها ‪.‬‬

‫مُ َترَدّية *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المتردّية في اللغة هي الّتي تقع من جبلٍ أو تطيح في بئ ٍر أو تسقط من موض ٍع مشرفٍ‬ ‫‪1‬‬

‫فتموت ‪ ,‬قال اللّيث ‪ :‬التّردّي هو التّهور في مهواةٍ ‪ ,‬وتردّى في الهوّة ونحوها ‪ ,‬أو من‬
‫عالٍ ‪ :‬سقط ‪ ,‬وردّى في البئر أو النّهر ‪ :‬سقط كتردّى ‪ ,‬والرّدى ‪ :‬الهلك ‪ ,‬وأرديته ‪:‬‬
‫أهلكته ‪.‬‬
‫ويقال رديته بالحجارة أرديه ‪ :‬رميته ‪.‬‬
‫والمعنى الصطلحي ل يخرج عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المنخنقة ‪:‬‬
‫‪ -‬المنخنقة هي الّتي تموت خنقا ‪ ,‬وهو حبس النّفس سواء فعل بها ذلك آدميّ أو اتّفق‬ ‫‪2‬‬

‫لها ذلك في حبلٍ أو بين عودين أو نحوه ‪.‬‬


‫ب ‪ -‬الموقوذة ‪:‬‬
‫‪ -‬الموقوذة هي الشّاة تضرب حتّى تموت من غير تذكيةٍ ‪ ,‬وقد وقذ الشّاة وقذا وهي‬ ‫‪3‬‬

‫موقوذة ووقيذ ‪ :‬قتلها بالخشب ‪.‬‬


‫ج ‪ -‬النّطيحة ‪:‬‬
‫‪ -‬النّطيحة فعيلة بمعنى مفعولةٍ ‪ ,‬وهي الشّاة تنطحها أخرى أو غير ذلك فتموت قبل أن‬ ‫‪4‬‬

‫تذكّى ‪.‬‬
‫والصّلة بين هذه اللفاظ الثّلثة والمتردّية أنّها جميعا ل تؤكل ما لم تدرك بالتّذكية الشّرعيّة‬
‫‪ .‬الحكم الجمالي ‪:‬‬
‫{‬ ‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى حرمة أكل المتردّية إذا لم تدرك بالذّكاة قبل موتها لقوله تعالى ‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫حمُ ا ْلخِنْزِي ِر َومَا أُ ِه ّل ِلغَيْرِ الّل ِه ِبهِ وَا ْلمُ ْنخَ ِن َقةُ وَا ْل َموْقُوذَةُ‬
‫حُ ّرمَتْ عَلَ ْي ُكمُ ا ْلمَيْ َتةُ وَالْ ّدمُ وَ َل ْ‬
‫حةُ َومَا َأ َكلَ السّبُ ُع ِإلّ مَا َذكّيْ ُتمْ } ‪.‬‬
‫وَا ْلمُتَرَدّ َيةُ وَال ّنطِي َ‬
‫وذهبوا ‪ -‬أيضا ‪ -‬إلى أنّ المتردّية إذا أدركت ذكاتها قبل أن تموت وهي حيّة فهي حلل ‪,‬‬
‫إل أنّهم اختلفوا في ضابط الحياة الّتي تؤثّر معها الذّكاة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪17‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬ذبائح ف‬

‫ُم َتشَابِه *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المتشابه لغةً ‪ :‬اسم فاعلٍ ‪ ,‬فعله تشابه ‪ ,‬يقال ‪ :‬تشابها ‪ ,‬واشتبها ‪ ,‬أشبه كل منهما‬ ‫‪1‬‬

‫الخر حتّى التبسا ‪.‬‬


‫ويقال ‪ :‬شبّهه إيّاه وبه تشبيها ‪ :‬مثّله ‪.‬‬
‫ويقال ‪ :‬أمور مشتبهة ومشبّهة ‪ :‬مشكلة ‪.‬‬
‫والشبهة ‪ :‬اللتباس ‪ ,‬والمثل ‪.‬‬
‫وشبّه عليه المر تشبيها ‪ :‬لبّس عليه ‪.‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬اختلف في تعريف المتشابه ‪ ,‬والصّحيح كما قال أبو منصورٍ ‪ :‬ما ل يعلم تأويله‬
‫إل اللّه ‪.‬‬
‫وقال ابن السّمعانيّ ‪ :‬إنّه أحسن القاويل ‪ ,‬وهو المختار على طريقة السنّة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫المحكم ‪:‬‬
‫‪ -‬المحكم ‪ :‬لغ ًة هو غير المنسوخ ‪ ,‬أو ما ل يحتاج سامعه إلى تأويله لبيانه ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫واصطلحا ‪ :‬اختلف فيه ‪ ,‬والصّحيح ‪ -‬كما قال أبو منصورٍ ‪ -‬أنّه ما أمكن معرفة المراد‬
‫بظاهره ‪ ,‬أو بدللة تكشف عنه ‪.‬‬
‫الحكم الجمالي ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف العلماء في مقتضى المتشابه هل هو اليمان به والوقوف في تأويله ‪ ,‬أو العمل‬ ‫‪3‬‬

‫به ‪:‬‬
‫قال الزّركشي ‪ :‬محكم القرآن يعمل به ‪ ,‬والمتشابه ‪ :‬يؤمن به ‪ ,‬ويوقف في تأويله ‪ ,‬إن لم‬
‫يعيّنه دليل قاطع ‪.‬‬
‫وقال أبو إسحاق ‪ :‬ول يجري هذا الخلف في أحكام الشّريعة إذ ليس شيء منها إل وعرف‬
‫بيانه ‪.‬‬
‫والتّفصيل في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫مُتْعَة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ض ّم والكسر ‪ -‬في اللغة اسم للتّمتيع ‪ ,‬كالمتاع ‪ ,‬وأن تتزوّج امرأةً تتمتّع‬
‫‪ -‬المتعة ‪ -‬بال ّ‬ ‫‪1‬‬

‫بها أيّاما ثمّ تخلّي سبيلها ‪ ,‬وأن تضمّ عمر ًة إلى حجّك وقد تمتّعت واستمتعت ‪ ,‬وما يتبلّغ به‬
‫من الزّاد ‪.‬‬
‫وفي الصطلح معنى لفظ المتعة يختلف باختلف ما يضاف إليه ‪ ,‬فمتعة العمرة ‪ :‬أن يحرم‬
‫من الميقات بالعمرة في أشهر الحجّ ‪ ,‬ويفرغ منها ‪ ,‬ثمّ ينشئ حجا من مكّة أو من الميقات‬
‫الّذي أحرم منه بالعمرة ‪ ,‬وسمّيت متعةً لتمتع صاحبها بمحظورات الحرام بين النسكين ‪ ,‬أو‬
‫لتمتعه بسقوط العودة إلى الميقات للحجّ ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪30‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬إحرام ف‬
‫وأمّا متعة النّكاح فهي أن يقول الرّجل لمرأة خالي ٍة من الموانع أتمتّع بك كذا مدّ ًة بكذا من‬
‫المال ‪.‬‬
‫وأمّا متعة الطّلق فهي كما عرّفها الشّربيني الخطيب ‪ :‬مال يجب على الزّوج دفعه لمرأته‬
‫المفارقة في الحياة بطلق وما في معناه بشروط ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمتعة ‪:‬‬
‫تتعلّق بالمتعة أحكام تختلف باختلف نوع المتعة على النّحو التّالي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المتعة للطّلق ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى مشروعيّة المتعة للمطلّقة قبل الدخول بها ولم يفرض لها مهر ‪ ,‬لقول‬ ‫‪2‬‬

‫ضةً‬
‫ن َأوْ َتفْرِضُواْ َلهُنّ فَرِي َ‬
‫ح عَلَ ْي ُكمْ إِن طَّلقْتُمُ ال ّنسَاء مَا َلمْ َت َمسّوهُ ّ‬
‫اللّه تعالى ‪ { :‬لّ جُنَا َ‬
‫حسِنِينَ } ‪.‬‬
‫ف حَقّا عَلَى ا ْل ُم ْ‬
‫ن عَلَى ا ْلمُوسِعِ قَدَرُ ُه وَعَلَى ا ْل ُمقْتِرِ قَدْرُ ُه مَتَاعا بِا ْل َمعْرُو ِ‬
‫َومَ ّتعُوهُ ّ‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬متعة الطّلق ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬متعة الحجّ ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في مشروعيّة التّمتع بالعمرة إلى الحجّ لقول اللّه تعالى ‪َ { :‬فمَن‬ ‫‪3‬‬

‫ن ا ْلهَ ْديِ } ‪.‬‬


‫حجّ َفمَا اسْتَيْسَ َر مِ َ‬
‫َتمَتّ َع بِا ْل ُعمْرَةِ إِلَى ا ْل َ‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬تمتع ف ‪ 4‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬متعة النّكاح ‪:‬‬
‫‪ -‬ويطلق عليها الفقهاء نكاح المتعة وقد ذهب إلى حرمة هذا النّكاح الحنفيّة ‪ ,‬والمالكيّة ‪,‬‬ ‫‪4‬‬

‫والشّافعيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬وكثير من السّلف ‪.‬‬


‫والتّفصيل في ‪ ( :‬نكاح المتعة ) ‪.‬‬

‫ُمتْعَة الطّلق *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المتعة لغةً ‪ :‬اسم مشتق من المتاع ‪ ,‬وهو جميع ما ينتفع أو يستمتع به ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬قال الشّربيني الخطيب ‪ :‬مال يجب على الزّوج دفعه لمرأته المفارقة في‬
‫الحياة بطلق وما في معناه بشروط ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفي ‪:‬‬
‫ي للمتعة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الحكم التّكليف ّ‬ ‫‪2‬‬

‫ن المتعة تجب لمطلّقة قبل الدخول إن لم يجب لها‬


‫فذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫شطر مه ٍر بأن كانت مفوّضةً ولم يفرض لها شيء لقول اللّه تعالى ‪ّ { :‬ل جُنَاحَ عَلَ ْيكُ ْم إِن‬
‫ضةً َومَ ّتعُوهُنّ عَلَى ا ْلمُوسِعِ قَدَرُ ُه وَعَلَى‬
‫ن َأوْ َتفْرِضُواْ َلهُنّ َفرِي َ‬
‫طَّلقْتُمُ ال ّنسَاء مَا َلمْ َت َمسّوهُ ّ‬
‫حسِنِينَ } ‪.‬‬
‫علَى ا ْل ُم ْ‬
‫حقّا َ‬
‫ا ْل ُمقْتِرِ قَ ْدرُهُ مَتَاعا بِا ْل َمعْرُوفِ َ‬
‫ن أداء‬
‫حقّا عَلَى ا ْل ُمحْسِنِينَ } ل ّ‬
‫قال البهوتي ‪ :‬والمر يقتضي الوجوب ول يعارضه قوله ‪َ { :‬‬
‫الواجب من الحسان ‪ ,‬وقال الشّربيني الخطيب ‪ :‬ولنّ المفوّضة لم يحصل لها شيء فتجب‬
‫لها متعة لليحاش أمّا إذا فرض لها في التّفويض شيء فل متعة لها لنّه لم يستوف منفعة‬
‫بضعها فيكفي شطر مهرها لما لحقها من الستيحاش والبتذال ‪.‬‬
‫وأضاف الحنفيّة إلى حالة وجوب المتعة حالتين أخريين ‪:‬‬
‫إحداهما ‪ :‬تكون المتعة فيها مستح ّبةً وهي المطلّقة المدخول بها ‪ ،‬سواء سمّي لها مهر أو‬
‫لم يسمّ ‪.‬‬
‫والحالة الثّانية ‪ :‬تكون المتعة فيها غير مستح ّبةٍ وهي الّتي طلّقها قبل الدخول وقد سمّى لها‬
‫مهرا ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬تجب المتعة للمطلّقة ونحوها الموطوءة في الظهر الجديد سواء أفوّض‬
‫ت مَتَاعٌ‬
‫طلقها إليها فطلقت أم علّقه بفعلها ففعلت ‪ ,‬لعموم قوله تعالى ‪ { :‬وَلِ ْل ُمطَّلقَا ِ‬
‫بِا ْل َمعْرُوفِ } ومقابل الظهر وهو القديم ل متعة لها لستحقاقها المهر وفيه غنيّة عن‬
‫المتعة ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬وكل فرق ٍة ل بسببها بأن كانت من الزّوج كردّته ولعانه وإسلمه ‪ ,‬أو من أجنبيّ‬
‫كإرضاع أمّ الزّوج أو بنت زوجته ووطء أبيه أو ابنه لها بشبهة حكمها كالطّلق في إيجاب‬
‫المتعة وعدمه أي إذا لم يسقط بها الشّطر ‪ ,‬أمّا إذا كانت الفرقة منها أو بسببها كردّتها‬
‫وإسلمها ولو تبعا أو فسخه بعيبها فل متعة لها ‪ ,‬سواء أكانت قبل الدخول أم بعده لنّ‬
‫المهر يسقط بذلك ووجوبه آكد من وجوب المتعة بدليل أنّهما لو ارتدّا معا ل متعة ويجب‬
‫الشّطر ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬تستحب المتعة لكلّ مطلّقةٍ غير المفوّضة الّتي لم يفرض لها لقوله تعالى ‪:‬‬
‫ع بِا ْل َمعْرُوفِ } ‪.‬‬
‫ت مَتَا ٌ‬
‫{ وَلِ ْل ُمطَّلقَا ِ‬
‫ح لزمٍ ‪ ,‬إل المختلعة والمفروض‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬تندب المتعة لكلّ مطلّقةٍ طلقا بائنا في نكا ٍ‬
‫لها صداق وطلقت قبل البناء ومختارةً لعيب الزّوج ومخيّرةً ومملّكةً في الطّلق وطلّقت‬
‫ن اللّه‬
‫حقّا عَلَى ا ْلمُ ّتقِينَ } ل ّ‬
‫حقّا عَلَى ا ْل ُمحْسِنِينَ } ‪ ،‬وقوله ‪َ { :‬‬
‫نفسها ‪ ,‬لقوله تعالى ‪َ { :‬‬
‫تعالى جعل المتعة حقا على المتّقين والمحسنين ل على غيرهما ‪.‬‬
‫مقدار متعة الطّلق ‪:‬‬
‫‪ -‬لم يرد نص في تحديد مقدار المتعة ول نوعها ‪.‬‬ ‫‪3‬‬
‫والوارد إنّما هو اعتبار حال الزّوج من العسار واليسار ‪ ,‬والخذ بالمعروف ‪.‬‬
‫ن عَلَى ا ْلمُوسِعِ قَدَرُ ُه وَعَلَى ا ْل ُمقْتِرِ قَدْرُ ُه مَتَاعا بِا ْل َمعْرُوفِ } ‪.‬‬
‫قال اللّه تعالى ‪َ { :‬ومَ ّتعُوهُ ّ‬
‫واختلف الفقهاء فيمن تعتبر بحاله المتعة ‪:‬‬
‫فذهب الحنفيّة في المفتى به عندهم والشّافعيّة إلى أنّه يعتبر في تقدير القاضي المتعة حال‬
‫الزّوجين كليهما ‪.‬‬
‫ونصّ الحنفيّة على أنّه يعتبر حالهما من العسار واليسار كالنّفقة وقالوا ‪ :‬المتعة درع‬
‫ن المتعة خلفه فإن كانا سواءً فالواجب‬
‫وخمار وملحفة ل تزيد على نصف مهر المثل ‪ ,‬ل ّ‬
‫المتعة لنّها الفريضة بالكتاب العزيز وإن كان النّصف أق ّل من المتعة فالواجب القل ‪ ,‬ول‬
‫تنقص المتعة عن خمسة دراهم ‪.‬‬
‫واعتبر الكرخي حال الزّوجة واختاره القدوري واعتبر السّرخسي حال الزّوج وصحّحه في‬
‫الهداية ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يعتبر حالهما أي ما يليق بيساره ونحو نسبها وصفاتها المعتبرة في مهر‬
‫المثل ‪ ,‬وقيل ‪ :‬حاله لظاهر الية ‪ ,‬وقيل ‪ :‬حالها لنّها كالبدل عن المهر وهو معتبر بها‬
‫وحدها ‪ ،‬وقيل ‪ :‬أقل ما ٍل يجوز فعله صداقا ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬ويستحب أن ل تنقص المتعة عن ثلثين درهما أو مساويها ويسن أل تبلغ نصف‬
‫مهر المثل وإن بلغته أو جاوزته جاز ‪ ,‬وقال البلقيني وغيره ‪ :‬ل تزيد وجوبا على مهر‬
‫المثل ‪.‬‬
‫ومحل ذلك ما إذا فرض الحاكم المتعة ‪ ,‬أمّا إذا اتّفق عليها الزّوجان فل يشترط ذلك أي عدم‬
‫مجاوزتها مهر المثل ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة والحنابلة ‪ :‬المتعة معتبرة بحال الزّوج المطلّق في يساره وإعساره على‬
‫الموسع قدره وعلى المقتر قدره للية السّابقة بخلف النّفقة فإنّها تقدّر بحالهما ‪.‬‬
‫ونصّ الحنابلة على أنّ أعلى المتعة خادم إذا كان الزّوج موسرا وأدناها إذا كان فقيرا كسوة‬
‫س ‪ :‬أعلى المتعة خادم ثمّ‬
‫تجزئُها في صلتها وهي درع وخمار أو نحو ذلك لقول ابن عبّا ٍ‬
‫ن ذلك أقل‬
‫دون ذلك النّفقة ثمّ دون ذلك الكسوة ‪ ,‬وقيّدت الكسوة بما يجزئُها في صلتها ل ّ‬
‫الكسوة ‪.‬‬

‫حمَة *‬
‫ُمتَل ِ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫شجّة إذا أخذت في اللّحم ‪ ,‬أو تلحمت إذا‬
‫‪ -‬المتلحمة في اللغة اسم فاعلٍ من تلحمت ال ّ‬ ‫‪1‬‬

‫برأت والتحمت ‪ ,‬قال الفيومي ‪ :‬المتلحمة من الشّجاج الّتي تشق اللّحم ول تصدع العظم ‪,‬‬
‫ثمّ تلتحم بعد شقّها ‪ ,‬وقيل ‪ :‬الّتي أخذت في اللّحم ولم تبلغ السّمحاق ‪ -‬أي القشرة الّتي‬
‫تفصل بين اللّحم والعظم ‪. -‬‬
‫وفي الصطلح عرّفها أكثر الفقهاء بما يقرب من المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫قال الزّيلعي ‪ :‬المتلحمة هي الّتي تأخذ في اللّحم فتقطعه كلّه ثمّ يتلحم بعد ذلك أي يلتئم‬
‫ويتلصق ‪ ,‬سمّيت بذلك تفاؤلً على ما يؤوّل إليه وتسمّى أيضا ملحمةً ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬هي الّتي غاصت في اللّحم بتعدد أي يمينا وشمالً ولم تقرب للعظم ‪ ,‬فإن‬
‫انتفى التّعدد فباضعة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬الحارصة والدّامعة والدّامية والباضعة والسّمحاق كلها شجاج لم تصل إلى العظم‬ ‫‪2‬‬

‫شجّة في كلّ منها عن الخر ‪.‬‬


‫وتختص بالرّأس والوجه ‪ ,‬يختلف مقدار ال ّ‬
‫وتشترك هذه الشّجاج مع المتلحمة من الحكم في الجملة ‪ ,‬وهو أنّ في كلّ منها حكومة‬
‫عدلٍ ول يجب فيها القصاص عند جمهور الفقهاء ‪ ,‬كما هو مفصّل في مصطلحاتها ‪.‬‬
‫الحكم الجمالي ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة في الصّحيح والحنابلة وهو رواية عند الحنفيّة إلى عدم وجوب القصاص‬ ‫‪3‬‬

‫في المتلحمة وإن كانت عمدا ‪ ,‬لنّه ل يمكن اعتبار المساواة فيها ‪ ,‬وليس لها حد ينتهي‬
‫سكّين ‪ ,‬كما علّله الزّيلعي وإنّما تجب فيها حكومة عد ٍل لنّها ليس فيها أرش مقدّر من‬
‫إليه ال ّ‬
‫جهة الشّرع ‪ ,‬ول يمكن إهدارها ‪ ,‬فتجب فيها حكومة عدلٍ ‪ ,‬قال الزّيلعي ‪ :‬وهو مأثور عن‬
‫إبراهيم النّخعيّ وعمر بن عبد العزيز ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى وجوب القصاص في المتلحمة وأخواتها ما قبل الموضحة إذا كانت‬
‫عمدا ‪ ,‬وذلك بالقياس طولً وعرضا وعمقا ‪.‬‬
‫وهذا قول الحنفيّة في ظاهر الرّواية وقول ضعيف عند الشّافعيّة إذا تيسّر استيفاؤه ‪ ,‬لظاهر‬
‫قولـه تعالى ‪ { :‬وَا ْلجُرُوحَ قِصَاص } ‪ ,‬قال الزّيلعي ‪ :‬إنّه هو الصّحيح ‪ ,‬لن يمكن اعتبار‬
‫المساواة فيه ‪ ,‬إذ ليس فيه كسر العظم ‪ ,‬ول خوف التّلف كالجائفة ‪ ,‬فيسبر غورها بمسبار‬
‫ثمّ يتّخذ حديد ًة بقدر ذلك فيقطع بها مقدار ما قطع فيتحقّق استيفاء القصاص بذلك ‪.‬‬
‫ولتفصيل أحكام المتلحمة وسائر أنواع الشّجاج ينظر مصطلح ‪ ( :‬شجاج ف ‪. ) 6‬‬

‫مُتَولّي *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المتولّي في اللغة اسم فاع ٍل من تولّى المر إذا تقلّده ‪ ,‬ويقال ‪ :‬توله ‪ :‬اتّخذه وليا ‪,‬‬ ‫‪1‬‬

‫وتولّيت فلنا اتّبعته ورضيت به ‪ ,‬وأصله من الوليّ بمعنى القرب والنصرة ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬هو من فوّض إليه التّصرف في مال الوقف ‪.‬‬
‫وعرّفه بعضهم ‪ :‬بأنّه من تولّى أمر الوقاف وقام بتدبيرها ‪.‬‬
‫واستعمل الشّافعيّة هذه الكلمة في بيع التّولية ‪ ,‬فالمشتري الوّل مولّ ‪ ,‬ومن قبل التّولية‬
‫واشترى منه متولّ ‪.‬‬
‫والمراد بالبحث هنا المتولّي بالمعنى الوّل ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬النّاظر ‪:‬‬
‫‪ -‬النّاظر اسم فاع ٍل من النّظر وهو الفكر والتّدبر ‪ ,‬يقال ‪ :‬نظر في المر ‪ :‬تدبّر وفكّر ‪,‬‬ ‫‪2‬‬

‫ويستعمل النّظر كذلك بمعنى الحفظ ‪ ,‬يقال ‪ :‬نظر الشّيء ‪ :‬حفظه ‪.‬‬
‫وفي الصطلح قال البهوتي ‪ :‬النّاظر هو الّذي يلي الوقف وحفظه ‪ ,‬وحفظ ريعه ‪ ,‬وتنفيذ‬
‫شرطه ‪.‬‬
‫ونقل ابن عابدين عن الخيريّة أنّ القيّم والمتولّي والنّاظر في كلمهم واحد ثمّ قال ‪ :‬هذا‬
‫ظاهر عند الفراد ‪ ,‬أمّا لو شرط الواقف متولّيا وناظرا عليه كما يقع كثيرا فيراد بالنّاظر‬
‫المشرف ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فالنّاظر أعم من المتولّي ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المشرف ‪:‬‬
‫‪ -‬المشرف اسم فاع ٍل من أشرف ‪ ,‬يقال ‪ :‬أشرفت عليه ‪ :‬اطّلعت عليه ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫وفي الصطلح يطلق الفقهاء لفظ المشرف على من يكون له حفظ مال الوقف دون التّصرف‬
‫فيه ‪ ,‬قال ابن عابدين ‪ :‬ويحتمل أن يراد بالحفظ مشارفته ‪ -‬أي مراقبته ‪ -‬للمتولّي عند‬
‫التّصرف لئل يفعل ما يضر ‪.‬‬
‫والعلقة بين المشرف والمتولّي هي أنّ كلّ واحدٍ منهما يعمل لصالح الوقف ‪ ,‬المتولّي‬
‫بالتّصرف والمعاملة ‪ ,‬والمشرف بالحفظ والمراقبة ‪.‬‬
‫مشروعيّة نصب المتولّي ‪:‬‬
‫ن الموال ل تترك سائبةً ‪ ,‬وأموال الوقف تحتاج إلى رعايةٍ وإدارةٍ‬
‫‪ -‬من المقرّر شرعا أ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫كسائر الموال ‪ ,‬فل بدّ أن يكون هناك شخص يحفظها ويدير شؤونها ‪ ,‬ويقوم بعمارتها‬
‫وإيجارها وزرعها واستغللها وتحصيل ريعها ‪ ,‬وصرف غلّتها إلى مستحقّيها ‪ ,‬وهو‬
‫المتولّي ‪.‬‬
‫ول ب ّد أن يكون المتولّي أمينا قادرا على إدارة شؤون الوقف حتّى تتحقّق مقاصد الوقف‬
‫وأغراض الواقف على الوجه المشروع ‪.‬‬
‫من يكون له حق الولية ونصب المتولّي ‪:‬‬
‫ن الواقف إذا اشترط الولية لشخص يؤخذ بشرطه سواء أكان‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫المشروط له من أقارب الواقف أم من الجانب ‪ ,‬وسواء أكان من المستحقّين في الغلّة أم‬


‫ص الشّارع ما لم يكن مخالفا للشّرع ‪ ,‬وهذا إذا كان المشروط‬
‫ن شرط الواقف كن ّ‬
‫ل ‪ ,‬وذلك ل ّ‬
‫له أهلً للتّولّي مستكملً لشروط الولية على الوقف ‪.‬‬
‫أمّا إذا لم يشترط الواقف الولية لحد أو شرطها فمات المشروط له فاختلف الفقهاء في‬
‫ذلك ‪:‬‬
‫فقال الحنفيّة ‪ :‬ولية نصب القيّم إلى الواقف ‪ ,‬ثمّ لوصيّه لقيامه مقامه وإذا مات المشروط‬
‫ن ولية النّصب للواقف ‪ ,‬وإذا مات بعد وفاة الواقف ولم‬
‫له قبل وفاة الواقف فالرّاجح أ ّ‬
‫يوص ‪ -‬أي المشروط له ‪ -‬لحد فولية النّصب للقاضي ‪.‬‬
‫وما دام أحد يصلح للتّولّية من أقارب الواقف ل يجعل المتولّي من الجانب لنّه أشفق ‪,‬‬
‫ومن قصده نسبة الوقف إليه ‪.‬‬
‫وقريب منه ما قاله المالكيّة ‪ ,‬لكنّهم صرّحوا بأنّ النّاظر ليس له اليصاء بالنّظر إلى غيره‬
‫إل أن يجعل له الواقف ذلك ‪.‬‬
‫فإن لم يعيّن الواقف ناظرا يتولّى أمر الوقف الموقوف عليه إذا كان رشيدا ‪ ,‬وإن كان‬
‫المستحق غير معيّنٍ ‪ ,‬فالحاكم يولّي عليه من شاء ‪.‬‬
‫ق‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة إن وقف ولم يشترط التّولية لحد ثلثة طر ٍ‬
‫قال النّووي ‪ :‬والّذي يقتضي كلم معظم الصحاب الفتوى به أن يقال ‪ :‬إن كان الوقف على‬
‫جهةٍ عا ّمةٍ فالتّولية للحاكم ‪ ,‬كما لو وقف على مسجدٍ أو رباطٍ ‪ ,‬وإن كان على معيّنٍ فكذلك‬
‫إن قلنا ‪ :‬الملك ينتقل إلى اللّه تعالى وإن جعلناه للواقف أو الموقوف عليه فكذلك التّولية ‪.‬‬
‫أمّا الحنابلة فقالوا ‪ :‬إن شرط النّظر لنسان فمات المشروط له فليس للواقف ولية النّصب‬
‫لنتفاء ملكه ‪ ,‬ويكون النّظر للموقوف عليه إن كان آدميا معيّنا كزيد ‪ ,‬أو جمعا محصورا ‪,‬‬
‫كأولده أو أولد زي ٍد كل واحدٍ على حصّته ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان الموقوف عليه غير محصورٍ كالوقف على الفقراء والمساكين والغزاة أو‬
‫ط أو قنطرةٍ فالنّظر للحاكم أو من يستنيبه ‪.‬‬
‫الموقوف على مسجدٍ أو مدرس ٍة أو ربا ٍ‬
‫ما يشترط في المتولّي ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط في المتولّي عند أكثر الفقهاء العدالة والقدرة على التّصرف والمانة وهذا في‬ ‫‪6‬‬

‫الجملة ‪ ,‬واشترط بعضهم السلم والتّكليف أيضا ‪ ,‬وفصّل بعضهم على النّحو التّالي ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه يشترط في المتولّي المانة والعدالة ‪ ,‬فل يولّى إل أمين قادر‬ ‫‪7‬‬

‫ن الولية مقيّدة بشرط النّظر ‪ ,‬وليس من النّظر تولية الخائن ‪ ,‬لنّه يخل‬
‫بنفسه أو بنائبه ‪ ,‬ل ّ‬
‫بالمقصود ‪ ,‬وكذا تولية العاجز لنّ المقصود ل يحصل به ‪ ,‬ويستوي فيه الذّكر والنثى ‪,‬‬
‫وكذا العمى والبصير ‪.‬‬
‫وكذا المحدود في قذفٍ إذا تاب لنّه أمين ‪.‬‬
‫وقالوا من طلب التّولية على الوقف ل يعطى له ‪ ,‬وهو كمن طلب القضاء ل يقلّد ‪.‬‬
‫ن النّاظر إذا فسق‬
‫صحّة ‪ ,‬وأ ّ‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬والظّاهر أنّها شرائط الولويّة ل شرائط ال ّ‬
‫ق العزل ‪ ,‬ول ينعزل ‪ ,‬كالقاضي إذا فسق ل ينعزل على الصّحيح المفتى به ‪.‬‬
‫استح ّ‬
‫صحّة ‪ -‬أي صحّة تولية الواقف ‪ -‬بلوغه وعقله ‪ ,‬ل حرّيّته وإسلمه ‪,‬‬
‫ثمّ قال ‪ :‬ويشترط لل ّ‬
‫وعلى ذلك فالصّبي ل يصلح ناظرا ‪.‬‬
‫ثمّ نقل عن بعضهم القول بصحّة تولية الصّبيّ ‪ ,‬ووفّق بين القولين بحمل عدم الجواز على‬
‫ما إذا كان الصّبي غير أهلٍ للحفظ ‪ ,‬بأن كان ل يقدر على التّصرف ‪ ,‬أمّا القادر عليه فتكون‬
‫ن القاضي يملك إذن الصّبيّ ‪ ,‬وإن كان الولي‬
‫توليته من القاضي إذنا له في التّصرف ‪ ,‬كما أ ّ‬
‫ل يأذن له ‪.‬‬
‫ص ًة لكنّهم قالوا ‪ :‬يجعله المحبس لمن يوثق‬
‫أمّا المالكيّة فلم يشترطوا في النّاظر شروطا خا ّ‬
‫به في دينه وأمانته ‪ ,‬فإن غفل المحبس عن ذلك كان النّظر فيه للقاضي يقدّم له من‬
‫يقتضيه ‪ ,‬وقال الحطّاب ‪ :‬يقدّم له من يرتضيه ‪.‬‬
‫ن النّظر‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬شرط النّاظر العدالة وإن كان الوقف على رشداء معيّنين ‪ ,‬ل ّ‬
‫ي والقيّم ‪ ,‬والوجه عندهم أنّه يعتبر في منصوب الحاكم العدالة‬
‫ولية ‪ ,‬كما في الوص ّ‬
‫الباطنة ‪ ,‬وينبغي أن يكتفى في منصوب الواقف بالعدالة الظّاهرة ‪.‬‬
‫ويشترط فيه كذلك الكفاية ‪ ,‬وفسّروها بقوّة الشّخص وقدرته على التّصرف فيما هو ناظر‬
‫فيه ‪ ,‬فإن اختلّت إحداهما نزع الحاكم الوقف منه وإن كان المشروط له النّظر الواقف ‪.‬‬
‫وذكر النّووي شرطا آخر وهو الهتداء إلى التّصرف ‪ ,‬وإن كان الشّربيني الخطيب قال ‪ :‬إنّ‬
‫في ذكر الكفاية كفايةً عن هذا الشّرط ‪.‬‬
‫أمّا الحنابلة فقد فصّلوا بين النّاظر المشروط وبين من يتولّى النّظر من قبل الحاكم فقالوا ‪:‬‬
‫يشترط في النّاظر المشروط ‪ :‬السلم والتّكليف والكفاية في التّصرف والخبرة به والقوّة‬
‫عليه ‪ ,‬لنّ مراعاة حفظ الوقف مطلوبة شرعا ‪ ,‬وإن لم يكن النّاظر متّصفا بهذه الصّفة لم‬
‫يمكنه مراعاة حفظ الوقف ‪.‬‬
‫ول تشترط فيه الذكوريّة ول العدالة ‪ ,‬ويضم إلى الفاسق عدل ‪ ,‬وإلى الضّعيف قوي أمين ‪.‬‬
‫وظيفة المتولّي ‪:‬‬
‫‪ -‬وظائف المتولّي غير محصور ٍة عند التّولية المطلقة ‪ ,‬فله أن يعمل كلّ ما يراه مصلحةً‬ ‫‪8‬‬

‫للوقف وذكر بعض الفقهاء في ذلك ضابطا فقالوا ‪ :‬يتحرّى في تصرفاته النّظر للوقف‬
‫ن الولية مقيّدة به ‪.‬‬
‫والغبطة ‪ ,‬ل ّ‬
‫وذكر بعض الفقهاء أمثل ًة لهذه الوظائف ‪ ,‬قال الشّربيني الخطيب ‪ :‬وظيفته عند الطلق أو‬
‫تفويض جميع المور ‪ :‬العمارة والجارة وتحصيل الغلّة وقسمتها على مستحقّيها ‪ ,‬وحفظ‬
‫الصول والغلت على الحتياط ‪ ,‬لنّه المعهود في مثله ‪ ,‬فإن فوّض له بعض هذه المور لم‬
‫يتعدّه اتّباعا للشّرط كالوكيل ‪.‬‬
‫ومثله ما ذكره الحنابلة ‪ ,‬وأضافوا عليها وظائف أخرى ‪ ,‬قال الحجّاوي ‪ :‬وظيفة النّاظر حفظ‬
‫الوقف وعمارته وإيجاره وزرعه ومخاصمة فيه ‪ ,‬وتحصيل ريعه من أجر ٍة أو زرعٍ أو ثمرٍ‬
‫ق ونحوه ‪,‬‬
‫‪ ,‬والجتهاد في تنميته ‪ ,‬وصرفه في جهاته من عمارةٍ وإصلحٍ وإعطاء مستح ّ‬
‫وله وضع يده عليه ‪ ,‬والتّقرير في وظائفه ‪ ,‬وناظر الوقف ينصب من يقوم بوظائفه من إمامٍ‬
‫ومؤذّنٍ وق ّيمٍ وغيرهم ‪ ,‬كما أنّ للنّاظر الموقوف عليه نصب من يقوم بمصلحته ‪.‬‬
‫عزل المتولّي ‪:‬‬
‫ن المتولّي وكيل عن الغير ‪ ,‬يتصرّف بإذنه لكنّهم اختلفوا فيمن‬
‫‪ -‬الصل عند الفقهاء أ ّ‬ ‫‪9‬‬

‫يكون هذا الغير ‪ ,‬هل هو الواقف أو الموقوف عليهم والمستحقون ؟ ‪.‬‬


‫للفقهاء في المسألة اتّجاهان ‪:‬‬
‫التّجاه الوّل ‪ :‬أنّ المتولّي وكيل عن الواقف حال حياته فله عزله واستبداله مطلقا ‪ ,‬بسبب‬
‫ب ‪ ,‬وهذا ما يراه فقهاء المالكيّة ‪.‬‬
‫أو دون سب ٍ‬
‫قال الدسوقي نقلً عن القرافيّ ‪ :‬القاضي ل يعزل ناظرا إل بجنحة وللواقف عزله ولو بغير‬
‫جنحةٍ ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة قال النّووي ‪ :‬للواقف أن يعزل من وله ‪ ,‬وينصب غيره ‪ ,‬كما يعزل الوكيل ‪,‬‬
‫وكأنّ المتولّي نائب عنه ‪ :‬هذا هو الصّحيح ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة قال في السعاف ‪ :‬المتولّي وكيل الواقف ‪ ,‬فله عزله ‪ ,‬وإن شرط على نفسه‬
‫ل عن الواقف فله أحكام الوكيل في حالة وفاة موكّله‬
‫عدم العزل ‪ ,‬وإذا كان النّاظر وكي ً‬
‫أيضا ‪ ,‬فينعزل بموت الواقف ‪ ,‬كما ينعزل بعزل نفسه إذا علم به الواقف ‪.‬‬
‫قال في السعاف ‪ :‬لو جعل الولية لرجل ث ّم مات بطلت وليته بناءً على الوكالة إل أن‬
‫يجعلها له في حياته وبعد مماته فيصير وصيا بعد موته ‪.‬‬
‫ن النّاظر وكيل عن المستحقّين والموقوف عليهم ‪ ,‬وهذا هو الظّاهر‬
‫التّجاه الثّاني هو ‪ :‬أ ّ‬
‫عند الحنابلة ورأي محمّد بن الحسن من الحنفيّة ‪ ,‬وعلى هذا فإذا شرط الواقف النّظر لغيره‬
‫ليس للواقف أن يعزله إل إذا كان قد شرط لنفسه ولية عزل المتولّي ‪ ,‬كما نصّ عليه في‬
‫السعاف ‪ ,‬والسّبب في ذلك أنّ المتولّي قائم مقام أهل الوقف ومقتضى ذلك أنّ المتولّي ل‬
‫ينعزل بوفاة الواقف أيضا ‪.‬‬
‫وهذا كله في حالة العزل العادي الّتي لم يصدر من المتولّي فيها ما يستوجب عزله ‪.‬‬
‫أمّا إذا صدر منه عمل يستوجب عزله كالخيانة مثلً فللقاضي عزله وإن كان المتولّي هو‬
‫الواقف ‪ ,‬أو شرط عدم عزل المتولّي ‪ ,‬لنّ الولية مقيّدة بشرط النّظر والصّلحيّة لشغل‬
‫التّولية فإذا فقدت انتزع الحاكم الوقف منه ‪.‬‬
‫قال ابن نجيمٍ في البحر ‪ :‬ويعزل القاضي الواقف المتولّي على وقفه لو كان خائنا كما يعزل‬
‫الوصي الخائن نظرا للوقف واليتم ‪ ,‬ول اعتبار بشرط الواقف أن ل يعزله القاضي أو‬
‫السلطان ‪ ,‬لنّه شرط مخالف لحكم الشّرع فبطل ‪.‬‬
‫واستفيد منه أنّ للقاضي عزل المتولّي الخائن غير الواقف بالولى ‪.‬‬
‫ن عزل القاضي للخائن واجب عليه يأثم بتركه لكنّهم قالوا ‪ :‬ل يعزل‬
‫وصرّح بعض الفقهاء بأ ّ‬
‫القاضي النّاظر بمجرّد الطّعن في أمانته ول يخرجه إل بخيانة ظاهرةٍ بيّن ٍة ‪ ,‬وله إدخال غيره‬
‫معه إذا طعن في أمانته ‪ ,‬وإذا أخرجه ثمّ تاب وأناب أعاده ‪.‬‬

‫مِثْقَال *‬
‫انظر ‪ :‬مقادير ‪.‬‬

‫مِثْل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المثل في اللغة ‪ :‬الشّبه ‪ ,‬يقال ‪ :‬هذا مثله ومثيله ‪ ,‬كما يقال شبيهه وشبهه ‪ ,‬وقال في‬ ‫‪1‬‬

‫اللّسان ‪ :‬مثل ‪ :‬كلمة تسويةٍ ‪.‬‬


‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المساوي ‪:‬‬
‫‪ -‬المساوي ‪ :‬اسم فاعلٍ من المساواة وهي لغ ًة مصدر ‪ :‬ساوى ‪ ,‬وقد فرّق بعض‬ ‫‪2‬‬

‫اللغويّين بينها وبين المماثلة فقالوا ‪ :‬إنّ المساواة تكون بين المختلفين في الجنس‬
‫والمتّفقين ‪ ,‬وأمّا المماثلة فل تكون إل في المتّفقين ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬القيمة ‪:‬‬
‫‪ -‬القيمة لغةً ‪ :‬الثّمن الّذي يقوّم به المتاع ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫ن‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬ما قوّم به الشّيء بمنزلة المعيار من غير زياد ٍة ول نقصا ٍ‬
‫الحكام المتعلّقة بالمثل ‪:‬‬
‫يتعلّق بالمثل أحكام منها ‪:‬‬
‫عوض المثل ‪:‬‬
‫‪ -‬عوض المثل هو ‪ :‬بدل مثل شي ٍء مطلوب بالشّرع غير مقدّرٍ فيه ‪ ,‬أو بالعقد لكنّه لم‬ ‫‪4‬‬

‫يذكر أو ذكر لكنّه فسد المسمّى ‪ ,‬أو كان بسبب عقدٍ فاسدٍ ‪.‬‬
‫يقول ابن تيميّة ‪ :‬عوض المثل كثير الدّوران في كلم العلماء مثل قولهم ‪ :‬قيمة المثل ‪,‬‬
‫وأجرة المثل ‪ ,‬ومهر المثل ‪ ,‬ونحو ذلك ‪ ,‬ويحتاج إليه فيما يضمن بالتلف من النفوس‬
‫والموال والبضاع والمنافع ‪.‬‬
‫ويشمل عوض المثل ما يأتي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إذا لم يذكر في عقد النّكاح مهر ‪ ،‬أو ذكر ولكنّه ل يعتد به الشّرع مثل كون المسمّى‬
‫محرّما أو ليس بمتقوّم ‪ ,‬وهذا يسمّى ‪ :‬مهر المثل ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا كان بين العاقدين اتّفاق ولكنّه لم يذكر فيه المسمّى ‪ ,‬أو أصبح المسمّى معدوما ‪,‬‬
‫أو فاسدا ‪ ,‬أو أصبح العقد فاسدا ‪ ,‬أو منسوخا ولكنّه ترتّب عليه أنّ أحد العاقدين كان قد نفذ‬
‫من العقد شيئا ‪ ,‬أو أهلك المعقود عليه ‪ ,‬أو كان العقد قرضا ووجب فيه رد القيمة ‪ ,‬أو نحو‬
‫ذلك ‪ ,‬وهذا النّوع يدخل فيه أجر المثل في الجارة الفاسدة ‪ ,‬أو المضاربة الفاسدة أو‬
‫نحوهما ‪ ,‬وكذلك يدخل فيه ثمن المثل ‪.‬‬
‫ص الشّرع على تحديد مقدار الضّمان فيه ‪ ,‬وهذا ما‬
‫ج ‪ -‬ما كان نتيجة إتلفٍ لكنّه لم ين ّ‬
‫يسمّى بضمان المثل ‪.‬‬
‫ضابط عوض المثل ‪:‬‬
‫‪ -‬ضابط عوض المثل ما تتحقّق به العدالة ‪ ,‬يقول ابن تيميّة ‪ :‬عوض المثل ‪ .‬أمر ل بدّ‬ ‫‪5‬‬

‫منه في العدل الّذي به تتم مصلحة الدنيا والخرة ‪ .‬ومداره على القياس والعتبار للشّيء‬
‫بمثله ‪ ,‬وهو نفس العدل ‪ ,‬ونفس العرف الدّاخل في قوله تعالى ‪ { :‬يَ ْأمُ ُرهُم بِا ْل َمعْرُوفِ }‬
‫وقوله ‪َ { :‬و ْأمُرْ بِا ْلعُرْفِ } وهو معنى القسط الّذي أرسل اللّه له الرسل وأنزل له الكتب ‪.‬‬
‫ولذلك يدخل في اعتباره كل الظروف والملبسات الّتي تحيط به ‪ ,‬ويراعى فيه الزّمان‬
‫والمكان والعرف السّائد ‪ ,‬ورغبات النّاس ‪ ,‬ولذلك يقال ‪ :‬قيمة المثل ‪ :‬ما يساوي الشّيء في‬
‫نفوس ذوي الرّغبات ‪ ,‬مع ملحظة الزّمان والمكان والعرض والطّلب ونحو ذلك ‪.‬‬
‫النّقد المعتبر في التّقويم في عوض المثل ‪:‬‬
‫ن التّقويم في المغصوب يعتبر بغالب النقود ل بأدناها ‪ ,‬وفي‬
‫‪ -‬نصّ الشّافعيّة على أ ّ‬ ‫‪6‬‬

‫السّرقة قال الماورديّ ‪ :‬إن كان في البلد نقدان من الذّهب ‪ ,‬وأحدهما أعلى قيمةً اعتبرت‬
‫القيمة بالقلّ في زمان السّرقة ‪.‬‬
‫ضمان القيمة عند عدم المثل ‪:‬‬
‫ن ما وجب فيه الضّمان إن كان ممّا ل مثل له فعليه قيمته ‪ ,‬لنّه‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪7‬‬

‫تعذّر إيجاب المثل صور ًة ومعنىً فيجب المثل معنىً وهو القيمة لنّها المثل الممكن ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬قيمة ف ‪. ) 7‬‬
‫متى يضمن بالمثل والقيمة معا ‪:‬‬
‫‪ -‬من المضمونات ما تجب فيه القيمة والمثل معا ‪ ,‬وذلك في الصّيد المملوك إذا قتله‬ ‫‪8‬‬

‫المحرم أو قتله الحلل في الحرم ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬قيمة ف‬
‫مهر المثل ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّ الزّوجة يجب لها مهر المثل في أحوالٍ منها ‪ :‬إذا دخل بها الزّوج‬ ‫‪9‬‬

‫ولم يفرض لها صداقا فإنّه يتقرّر لها بالدخول مهر المثل ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬مهر ) ‪.‬‬
‫ثمن المثل ‪:‬‬
‫‪ -‬قال السيوطيّ ‪ :‬ثمن المثل ذكر في مواضع ‪ :‬في شراء الماء في التّيمم ‪ ,‬وشراء الزّاد‬ ‫‪10‬‬

‫ونحوه في الحجّ ‪ ,‬وفي بيع مال المحجور والمفلس ونحوهما ‪ ,‬ومثل المغصوب ‪ ,‬وإبل الدّية‬
‫وغيرها ‪ ,‬ويلحق بها كل موض ٍع اعتبرت فيه القيمة فإنّها عبارة عن ثمن المثل ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬وحقيقته أنّه يختلف باختلف المواضع والتّحقيق أنّه راجع إلى الختلف في وقت‬
‫اعتباره أو مكانه ‪.‬‬
‫أجرة المثل ‪:‬‬
‫‪ -‬لجرة المثل تطبيقات كثيرة ول سيّما في أبواب الجارة والشّركة والمساقاة ‪,‬‬ ‫‪11‬‬

‫والمضاربة ‪ ,‬والجعالة إذا أصبحت فاسدةً وكان الجير أو العامل قد قام بعمل ‪ ,‬وكذلك في‬
‫ج ل يطالب أن يعطى الجير أكثر من أجرة المثل ‪ ,‬وكذلك في باب الغصب إذا فاتت‬
‫باب الح ّ‬
‫في يد الغاصب المنافع ‪ -‬عند الجمهور ‪ -‬وكذلك النّاظر على الوقف إذا لم يحدّد له الواقف‬
‫شيئا فإنّه يستحق أجرة المثل ‪ ,‬وكذلك العامل على الزّكاة ‪ ,‬والقسّام ‪ ,‬والقاضي ‪ ,‬والدّلل‬
‫ونحوهم إذا لم يحدّد لهم أجر معيّن ‪.‬‬
‫قراض المثل ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يجب للعامل في المضاربة الفاسدة أجر مثله‬ ‫‪12‬‬

‫‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ العامل في القراض الفاسد قد يكون له أجر مثله ‪ ,‬وقد يكون له‬
‫قراض مثله في ربح المال ‪ ,‬وقد يكون له أجر مثله وقراض مثله في ربحه ‪.‬‬
‫ب المال ‪ ,‬وأمّا قراض المثل فيكون من ربح‬
‫ن أجرة المثل تثبت للعامل في ذمّة ر ّ‬
‫وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫مال المضاربة إن ربح ‪ ,‬فإن لم يربح فل شيء للعامل ‪.‬‬
‫والضّابط عندهم ‪ :‬أنّ كلّ مسأل ٍة خرجت عن حقيقة القراض من أصلها ففيها أجرة المثل ‪,‬‬
‫وأمّا إن شملها القراض لكن اختلّ منها شرط ففيها قراض المثل ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬مضاربة ) ‪.‬‬

‫ُمثَلّث *‬
‫انظر ‪ :‬أشربة ‪.‬‬

‫مُثْلة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المثلة ‪ :‬بفتح الميم وض ّم الثّاء أو بضمّ الميم وسكون الثّاء ‪ : -‬العقوبة والتّنكيل ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫ي ‪ :‬المثلة العقو بة المبي نة من المعا قب شيئا و هو تغي ير ال صورة ‪ ,‬فتب قى‬


‫قال ا بن النبار ّ‬
‫قبيحةً من قولهم ‪ :‬مثّل فلن بفلن ‪ :‬إذا قبّح صورته إمّا بقطع أذنه أو جدع أنفه أو سمل‬
‫عينيه أو بقر بطنه ‪ ,‬هذا هو الصل ‪ ,‬ثمّ يقال للعار الباقي والخزي اللزم مثلةً ‪.‬‬
‫لتُ } ‪.‬‬
‫حسَ َنةِ وَقَ ْد خَلَتْ مِن قَبْ ِل ِهمُ ا ْلمَثُ َ‬
‫ك بِالسّيّ َئةِ قَ ْبلَ ا ْل َ‬
‫وفي التّنزيل ‪ { :‬وَ َيسْتَ ْعجِلُونَ َ‬
‫قال الرّازيّ ‪ :‬معنى الية ‪ :‬ويستعجلونك بالعذاب الّذي لم يعاجلهم به ‪ ,‬وقد علموا ما نزل‬
‫من عقوباتنا بالمم الخالية فلم يعتبروا بها ‪ ,‬وكان ينبغي أن يردعهم خوف ذلك عن الكفر‬
‫اعتبارا بحال من سبق ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬المثلة ‪ :‬العقوبة الشّنيعة كرضّ الرّأس وقطع الذن أو النف ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫العذاب ‪:‬‬
‫‪ -‬هو في أصل اللغة ‪ :‬الضّرب الشّديد ‪ ,‬ثمّ استعمل في كلّ عقوبةٍ مؤلمةٍ ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وفي الصطلح قال الرّاغب الصفهاني ‪ :‬العذاب هو اليجاع الشّديد والمثلة نوع من العذاب‬
‫وهي أخص منه ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفي ‪:‬‬
‫ي حرام ‪ ,‬وبالنسان ميّتا كذلك ‪,‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء في الجملة إلى أنّ المثلة ابتداءً بالح ّ‬ ‫‪3‬‬

‫واستدلوا بما روى عمران بن حصينٍ رضي ال عنه ‪ :‬قال ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم يحثنا على الصّدقة ‪ ,‬وينهانا عن المثلة » ‪.‬‬
‫وبما روى صفوان بن عسّالٍ قال ‪ « :‬بعثنا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في سر ّي ٍة فقال‬
‫‪ :‬سيروا باسم اللّه وفي سبيل اللّه ‪ ,‬قاتلوا من كفر باللّه ول تمثّلوا » ‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ اللّه كتب الحسان على كلّ شيءٍ فإن قتلتم فأحسنوا‬
‫القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبح ‪ ,‬وليحدّ أحدكم شفرته فليرح ذبيحته » ‪.‬‬
‫س رضي ال عنه على الحكم بن أيوب فرأى‬
‫وبما روى هشام بن زيدٍ ‪ :‬قال ‪ :‬دخلت مع أن ٍ‬
‫غلمانا أو فتيانا نصبوا دجاجةً يرمونها ‪ ,‬فقال أنس رضي ال عنه ‪ « :‬نهى النّبي صلى ال‬
‫عليه وسلم أن تصبر البهائم » ‪.‬‬
‫وعن ابن عمر رضي ال عنهما أنّه قال ‪ « :‬لعن النّبي صلى ال عليه وسلم من مثّل‬
‫بالحيوان » ‪.‬‬
‫المثلة بالعدوّ ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الفقهاء ‪ :‬يحرم التّمثيل بالكفّار بقطع أطرافهم وقلع أعينهم وبقر بطونهم بعد القدرة‬ ‫‪4‬‬

‫عليهم ‪ ,‬أمّا قبل القدرة فل بأس به ‪.‬‬


‫ن الكفّار إن مثّلوا بمسلم مثّل بهم كذلك معاملةً بالمثل ‪.‬‬
‫ونصّ المالكيّة على أ ّ‬
‫ب رضي ال عنه‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يكره المثلة بقتل الكفّار وتعذيبهم ‪ ,‬لما روى سمرة بن جند ٍ‬
‫قال ‪ « :‬كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحثنا على الصّدقة وينهانا عن المثلة » ‪.‬‬
‫حمل رأس العدوّ ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يكره حمل رأس الكافر العدوّ لما روى عقبة بن عامرٍ قال ‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫إنّ عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة بعثا بريدا إلى أبي بك ٍر الصّدّيق رضي ال عنه‬
‫برأس يناق بطريق الشّام فلمّا قدم على أبي بكرٍ رضي ال عنه أنكر ذلك فقال له عقبة ‪ :‬يا‬
‫خليفة رسول اللّه ‪ :‬فإنّهم يصنعون ذلك ‪ ،‬فقال ‪ :‬أفاستنان بفارس والروم ؟ ل يحمل إليّ‬
‫رأس فإنّما يكفي الكتاب والخبر ‪.‬‬
‫ولحديث سمرة بن جندبٍ السّابق ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يحرم حمل رأس كاف ٍر عدوّ من بلد قتله إلى بل ٍد آخر ‪ ,‬أو لمير جيشٍ في‬
‫بلد القتال ‪.‬‬
‫واعتبروا ذلك مثلةً ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬ل بأس بحمل رأس المشرك إذا كان في ذلك غيظهم ‪ :‬بأن كان المشرك من‬
‫عظمائهم ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬وقد حمل ابن مسعودٍ يوم بدرٍ رأس أبي جهلٍ وألقاه بين يديه عليه الصلة‬
‫والسلم ‪.‬‬
‫تسخيم الوجه ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء أنّه ل يجوز تسخيم الوجه أي تسويده بالسخام وهو السّواد الّذي‬ ‫‪6‬‬

‫يتعلّق بأسفل القدر ومحيطه ‪ ,‬من كثرة الدخان ‪.‬‬


‫ن الوجه أشرف العضاء ومعدن جمال النسان ‪ ,‬ومنبع حوّاسه فوجب الحتراز‬
‫وقالوا ‪ :‬ل ّ‬
‫عن تجريحه وتقبيحه ‪ ,‬وهو الصورة الّتي خلقها اللّه وكرّم بها بني آدم فيعتبر كل تغييرٍ‬
‫فيها مثلةً ‪.‬‬
‫قال السّرخسي ‪ :‬الدّليل قد قام على انتساخ حكم التّسخيم للوجه فإنّ ذلك مثلة ‪ ,‬وقد نهى‬
‫النّبي صلّى اللّه عليه سلّم عن المثلة ولو بالكلب العقور ‪.‬‬
‫ن للمام أن يعزّر بما يراه مناسبا من ضربٍ غير مب ّرحٍ‬
‫وقال الشّافعيّة وبعض الحنابلة ‪ :‬إ ّ‬
‫س وتسويد وجهٍ ‪.‬‬
‫وحبسٍ وصفعٍ وكشف رأ ٍ‬
‫‪.)7-‬‬ ‫‪6‬‬ ‫‪ ،‬وشهادة الزور ف‬ ‫‪16‬‬ ‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬تسويد ف‬

‫مِثْ ِليّات *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المثليّات في اللغة ‪ :‬جمع المثليّ ‪ ,‬والمثلي منسوب إلى المثل بمعنى الشّبه ‪ ,‬قال ابن‬ ‫‪1‬‬

‫منظورٍ ‪ :‬المثل كلمة تسوي ٍة ‪ ,‬يقال ‪ :‬هذا مِثله ومَثَله كما يقال ‪ :‬شبهه وشَبَهه بمعنى ‪.‬‬
‫وفي الصطلح المثلي ‪ :‬كل ما يوجد له مثل في السواق بل تفاوتٍ يعتد به ‪ ,‬بحيث ل‬
‫يختلف بسببه الثّمن ‪.‬‬
‫ي وجوها ‪ ,‬ث ّم اختار بأنّه ما حصره كيل أو وزن وجاز السّلم‬
‫وذكر النّووي في ضبط المثل ّ‬
‫فيه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫القيميّات ‪:‬‬
‫‪ -‬القيميّات جمع القيميّ ‪ ,‬والقيمي منسوب إلى القيمة ‪ ,‬وهي ثمن الشّيء بالتّقويم ‪ ,‬قال‬ ‫‪2‬‬

‫الفيومي ‪ :‬القيمة ‪ :‬الثّمن الّذي يقاوم به المتاع أي يقوم مقامه ‪.‬‬


‫والقيمي في الصطلح ما ل يوجد له مثل في السواق ‪ ,‬أو يوجد لكن مع التّفاوت المعتدّ به‬
‫في القيمة ‪.‬‬
‫وعلى ذلك فالقيميّات مقابل المثليّات من الموال ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمثليّات ‪:‬‬
‫للمثليّات أحكام منها ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬في العقود ‪:‬‬
‫ن من العقود ما يصح في القيميّات كما يصح في المثليّات ومن هذه‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪3‬‬

‫العقود عقد البيع وعقد الجارة وعقد الهبة ونحوها ‪.‬‬


‫واختلفوا في اشتراط كون المعقود عليه من الموال المثليّة في بعض العقود كعقد السّلم‬
‫وعقد القرض ‪ ,‬وشركة الموال ونحوها ‪ ,‬وبيان ذلك فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬عقد السّلم ‪:‬‬
‫‪ -‬اشترط الفقهاء لصحّة السّلم أن يكون المعقود عليه ‪ -‬المسلم فيه ‪ -‬دينا موصوفا في‬ ‫‪4‬‬

‫ال ّذمّة ‪ -‬ذمّة المسلم إليه ‪ , -‬وبناءً على ذلك قالوا ‪ :‬إنّ ما يصح أن يكون مسلما فيه من‬
‫الموال هو المثليّات ‪ ,‬كالمكيلت والموزونات وذلك لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من‬
‫ن معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ » ‪.‬‬
‫أسلف في تم ٍر فليسلف في كي ٍل معلومٍ ووز ٍ‬
‫وقد عدّ جمهور الفقهاء المذروعات المتماثلة الحاد ‪ ,‬والعدديّات المتقاربة أو المتساوية من‬
‫جملة المثليّات الّتي تقبل الثبوت في ال ّذمّة دينا في عقد السّلم ‪ ,‬فيصح كونها مسلما فيها ‪,‬‬
‫قياسا على المكيلت والموزونات للعلّة الجامعة بينها ‪ ,‬وهي رفع الجهالة بالمقدار ‪.‬‬
‫واستثنى الحنفيّة من المثليّات النقود وقالوا بعدم جواز كون المسلم فيه نقدا ‪ ,‬قال الكاساني‬
‫في شروط المسلم فيه ‪ :‬ومنها أن يكون ممّا يتعيّن بالتّعيين فإن كان ممّا ل يتعيّن بالتّعيين‬
‫ن المسلم فيه مبيع ‪ .‬والمبيع ممّا يتعيّن بالتّعيين‬
‫كالدّراهم والدّنانير ل يجوز السّلم فيه ‪ ,‬ل ّ‬
‫والدّراهم والدّنانير ل تتعيّن بالتّعيين في عقود المعاوضات ‪.‬‬
‫أمّا القيميّات فما يمكن ضبط صفاته يصح السّلم فيه ‪ ,‬وما ل يمكن ضبطه بالصّفات فل يصح‬
‫السّلم فيه ‪ ,‬لنّه يفضي إلى المنازعة ‪ ,‬وعدمها مطلوب شرعا ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪21‬‬ ‫‪,‬‬ ‫‪20‬‬ ‫وينظر التّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬سلم ف‬
‫ب ‪ -‬عقد القرض ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على جواز القرض في الموال المثليّة لنّ القرض يقتضي ر ّد المثل وهذا‬ ‫‪5‬‬

‫ميسّر في الموال المثليّة من المكيلت والموزونات ‪ ,‬وكذا العدديّات والمذروعات المتقاربة‬


‫الّتي يمكن ضبطها ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في صحّة قرض غير المثليّات ‪:‬‬
‫فذهب المالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في الظهر عندهم ‪ ,‬إلى جواز قرض ك ّل ما يصح فيه‬
‫ض وحيوانٍ ومثليّ وذلك لصحّة ثبوته في ال ّذمّة ‪ ,‬ولما ورد في الثر ‪ « :‬أنّ‬
‫السّلم من عر ٍ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم استسلف من رجلٍ بكرا » أي ثنيا من البل ‪ ,‬وذلك ليس بموزون‬
‫ول مكيلٍ ‪.‬‬
‫واستثنى الجمهور من جواز قرض كلّ ما يصح فيه السّلم الجارية الّتي تحل للمقترض ‪ ,‬فل‬
‫يصح قرضها لما فيه من معنى إعارة الجواري للوطء وهو ممتنع ‪.‬‬
‫ن ما ل ينضبط أو يندر وجوده يتعذّر أو‬
‫أمّا ما ل يسلم فيه ‪ ,‬فل يجوز إقراضه عندهم ل ّ‬
‫يتعسّر رد مثله ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة ل يجوز القرض في غير المثليّات ‪ ,‬كحيوان وحطبٍ وعقارٍ وكلّ متفاوتٍ لتعذر‬
‫ر ّد المثل الّذي هو مقتضى عقد القرض ‪ ,‬قال ابن عابدين ‪ :‬القرض ل يمكن النتفاع به إل‬
‫باستهلك عينه ‪ ,‬فيستلزم إيجاب المثل في ال ّذمّة وهذا ل يتأتّى في غير المثليّ ‪.‬‬
‫ونقل عن البحر أنّ قرض ما ل يجوز قرضه عارية ‪ ,‬أي أنّ قرض ما ل يجوز قرضه من‬
‫الموال غير المثليّة حكمه حكم العارية فيجب رد عينه ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪14‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬قرض ف‬
‫ج ‪ -‬شركة الموال ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يشترط في الشّركة أن تكون الموال المخلوطة ‪ -‬رأس‬ ‫‪6‬‬

‫المال ‪ -‬من المثليّات ‪ ,‬حتّى إنّ أكثرهم اشترط أن تكون هذه الموال من الثمان ‪.‬‬
‫قال في الدرّ ‪ :‬ل تصح الشّركة بغير النّقدين والفلوس النّافقة والتّبر والنقرة إن جرى‬
‫التّعامل بها ‪ ,‬وعلى ذلك فالعروض ل تصلح أن تكون مال شركةٍ ولو كانت من المثليّات‬
‫كالمكيلت والموزونات والعدديّات المتقاربة قبل الخلط بجنسه ‪ ,‬وكذلك بعده في ظاهر‬
‫الرّواية عند الحنفيّة ‪ ,‬وهو قول أبي يوسف ‪.‬‬
‫وقريب منه ما ذهب إليه أكثر الحنابلة ‪ ,‬والشّافعيّة في قو ٍل من اختصاص الشّركة بالنّقد‬
‫المضروب ‪.‬‬
‫والظهر عند الشّافعيّة ‪ -‬وهو قول محمّدٍ من الحنفيّة ‪ -‬جواز عقد الشّركة في غير النّقدين‬
‫من المثليّات ‪ ,‬كالب ّر والشّعير ونحوهما بشرط الختلط بجنسه وعلّله الشّربيني بقوله ‪ :‬لنّه‬
‫إذا اختلط بجنسه ارتفع التّمييز فأشبه النّقدين ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪44‬‬ ‫وللمالكيّة في المسألة تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬شركة ف‬
‫د ‪ -‬القسمة ‪:‬‬
‫ن القسمة من جهةٍ إفراز أي تمييز لحصص الشركاء ومن جهةٍ‬
‫‪ -‬ذكر فقهاء الحنفيّة أ ّ‬ ‫‪7‬‬

‫ن جهة الفراز في المثليّات المشتركة غالبة وراجحة ‪ ,‬فلذلك لك ّل واحدٍ من‬


‫مبادلة ‪ ,‬لك ّ‬
‫الشّريكين في المثليّات أخذ حصّته في غيبة الخر ودون إذنه ‪ ,‬وهذا إذا كانت تلك المثليّات‬
‫تحت وضع يد الشّريكين ‪.‬‬
‫وعلّلوا جواز أخذ الشّريك حصّته من المثليّات المشتركة في غياب الشّريك الخر ودون إذنه‬
‫ن هذا الخذ هو أخذ لعين حقّه فل يتوقّف على حضور الخر ورضاه ‪.‬‬
‫بقولهم ‪ :‬إ ّ‬
‫ن جهة المبادلة فيها راجحة فل تكون إل بالتّراضي أو بحكم‬
‫وهذا بخلف القيميّات حيث إ ّ‬
‫القاضي ‪ ,‬ول يجوز لحد الشّريكين في العيان المشتركة من غير المثليّات أخذ حصّته منها‬
‫في غيبة الخر بدون إذنه ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪46‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪45‬‬ ‫ولسائر الفقهاء في المسألة تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬قسمة‬
‫ثانيا ‪ :‬التلف ‪:‬‬
‫ق فعليه ضمانه ‪.‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه إذا أتلف شخص مال غيره بغير ح ّ‬ ‫‪8‬‬

‫والمتلف إن كان من المثليّات يضمن بمثله ‪ ,‬وإن كان من القيميّات يضمن بقيمته ‪ ,‬والمعتبر‬
‫في القيمة مكان التلف ‪.‬‬
‫ي إلى‬
‫وإذا فقد المثلي بأن لم يوجد في السواق فاتّفقوا كذلك على أنّه يعدل عن المثل ّ‬
‫القيمة ‪.‬‬
‫ثمّ اختلفوا في تقدير هذه القيمة ‪ :‬أيراعى وقت التلف ؟ أم وقت النقطاع عن السواق ؟‬
‫أم وقت المطالبة ؟ أم وقت الداء ؟ ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪36‬‬ ‫للفقهاء فيه تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬إتلف ف‬
‫ي بالمثل إل أنّ هناك بعض الشياء المثليّة يكون الرّد فيها بالقيمة‬
‫ن القاعدة رد المثل ّ‬
‫ومع أ ّ‬
‫ب يكون الرّد فيها‬
‫‪ ,‬فقد ذكر تاج الدّين السبكي والسيوطي عدّة صورٍ للتلف بل غص ٍ‬
‫بالقيمة وهي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إتلف ماءٍ في مفازةٍ ‪ ,‬ثمّ اجتمع المتلف وصاحب الماء على شطّ نه ٍر ‪ ,‬أو بل ٍد حيث ل‬
‫يكتفي الرّد بمثله ‪ ,‬بل تجب عليه قيمته في المفازة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إتلف الجمد والثّلج في الصّيف ‪ ,‬ث ّم أراد المتلف ردّه في الشّتاء فتجب عليه قيمته في‬
‫الصّيف ‪.‬‬
‫ي مصنوعٍ حيث يكون الضّمان بقيمته ‪ ,‬حتّى تلحظ فيها قيمة الصّنعة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إتلف حل ّ‬
‫وذكر ابن نجيمٍ عدّة أمثلةٍ روعيت فيها القيمة مع كونها مثل ّي ًة ‪ ,‬ومنها ‪:‬‬
‫إذا اختلف المتبايعان ‪ ,‬وتحالفا ‪ ,‬وتفاسخا وكان المبيع هالكا فإنّ البيع يفسخ على قيمة‬
‫الهالك دون النّظر إلى كونه مثليا ‪ ,‬هذا على رأي محمّدٍ صاحب أبي حنيفة ‪.‬‬
‫ومنها المقبوض بعقد فاس ٍد تعتبر قيمته يوم القبض ‪ ,‬لنّه به دخل في ضمانه ‪ ,‬وعند محمّدٍ‬
‫تعتبر قيمته يوم التّلف ‪.‬‬
‫ومنها المغصوب المثلي إذا انقطع تعتبر قيمته عند أبي حنيفة وأصحابه لكنّهم اختلفوا في‬
‫اعتبار اليوم الّذي تحسب فيه ‪.‬‬
‫ي سببٍ كان فيكون الرّد بالقيمة ‪.‬‬
‫ومن المتّفق عليه إذا تعذّر الرّد بالمثل ل ّ‬
‫ثالثا ‪ :‬قتل صيدٍ من المثليّات في الحرم ‪:‬‬
‫ن المحرم إذا قتل صيدا في الحرم فعليه جزاء مثل ما قتل من‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪9‬‬

‫ن آمَنُواْ َل َتقْتُلُو ْا الصّيْدَ َوأَن ُتمْ حُ ُرمٌ َومَن قَتَ َل ُه مِنكُم‬


‫النّعم ‪ ,‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫ن ال ّنعَمِ } ثمّ اختلفوا في نوعيّة هذا الجزاء وكيفيّته ‪:‬‬
‫مّ َت َعمّدا َفجَزَاء مّ ْث ُل مَا قَ َتلَ مِ َ‬
‫فقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬الصّيد إذا كان من المثليّات – أي له مثل من النّعم‬
‫مشابه في الخلقة ‪ -‬فجزاؤه على التّخيير والتّعديل ‪ ,‬فيخيّر القاتل بين ثلثة أمو ٍر ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ذبح المثل المشابه للصّيد في الحرم والتّصدق به على مساكين الحرم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تقويم الصّيد بدراهم ثمّ شراء الطّعام بها والتّصدق به على مساكين الحرم ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الصّيام عن كلّ مدّ يوما وإذا لم يكن الصّيد من المثليّات فيجب عليه قيمته ‪.‬‬
‫وأمّا الحنفيّة فلم يفرّقوا بين صيد الحرم إذا كان من المثليّ أو القيميّ ففي كلتا الصورتين‬
‫تجب قيمة الصّيد وتقدّر القيمة عندهم بتقويم رجلين عدلين في موضع قتله ‪ ,‬ثمّ يخيّر القاتل‬
‫بين أن يشتري بها هديا ويذبحه في الحرم ‪ ,‬أو يشتري بها طعاما فيتصدّق به على مساكين‬
‫ن يوما ‪.‬‬
‫الحرم ‪ ,‬أو يصوم عن طعام كلّ مسكي ٍ‬
‫رابعا ‪ :‬الغصب والضّمان ‪:‬‬
‫ن من غصب مال إنسانٍ يضمنه ثمّ إذا كان المغصوب موجودا‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪10‬‬

‫قائما بحاله فعلى الغاصب رد عينه ما لم يدخله عيب ينقص من منفعته ‪ ,‬لما روى سمرة بن‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬على اليد ما أخذت حتّى‬
‫جندبٍ رضي ال عنه عن النّب ّ‬
‫تؤدّي » ‪.‬‬
‫أمّا إذا لم يكن المغصوب موجودا بحاله أو هلك أو أتلف فإن كان من المثليّات فعلى الغاصب‬
‫رد مثله ‪ ,‬لقوله تعالى ‪َ { :‬فمَنِ اعْتَدَى عَلَ ْي ُكمْ فَاعْتَدُو ْا عَلَ ْيهِ ِبمِ ْث ِل مَا اعْتَدَى عَلَ ْي ُكمْ } ‪.‬‬
‫ولنّ المثل أعدل لما فيه من مراعاة الجنس والماليّة ‪ ,‬فكان أدفع للضّرر كما علّله‬
‫المرغيناني ‪.‬‬
‫ف في وقت تقويم القيمة بين الفقهاء ‪.‬‬
‫فإن لم يقدر على مثله فعليه قيمته على اختل ٍ‬
‫أمّا إن كان المغصوب من القيميّات فعلى الغاصب قيمته ‪ ,‬مع تفصيلٍ في ذلك عند الفقهاء ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪16‬‬ ‫‪ ،‬غصب ف‬ ‫‪92‬‬ ‫–‬ ‫‪91‬‬ ‫وينظر التّفصيل في مصطلحي ‪ ( :‬ضمان‬

‫مُجَازَفة *‬
‫انظر ‪ :‬بيع الجزاف ‪.‬‬

‫علَة *‬
‫مُجَا َ‬
‫انظر ‪ :‬جعالة ‪.‬‬

‫مجَاعَة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المجاعة في اللغة ‪ :‬من الجوع ‪ ,‬وهو نقيض الشّبع ‪ ,‬والفعل جاع يجوع جوعا وجوعةً‬ ‫‪1‬‬

‫ومجاعةً فهو جائع وجوعان ‪ ,‬والمرأة جوعى ‪ ,‬والجمع جوعى وجياع وجوّع وجيّع ‪.‬‬
‫والمجاعة والمجوعة والمجوعة ‪ :‬عام الجوع والجدب ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ‪ -‬الفقر ‪:‬‬
‫‪ -‬الفَقر والفُقر في اللغة ‪ :‬ضد الغنى والفقر الحاجة ‪ ,‬ورجل فقير من المال وقد فقر فهو‬ ‫‪2‬‬

‫فقير ‪ ,‬والجمع فقراء والنثى فقيرة ‪.‬‬


‫والفقير في الصطلح ‪ :‬من ل يملك شيئا ألبتّة أو يجد شيئا يسيرا من ما ٍل أو كسبٍ ل يقع‬
‫موقعا من كفايته ‪.‬‬
‫ن الفقر سبب من أسباب المجاعة ‪.‬‬
‫والصّلة بين الفقر والمجاعة هي أ ّ‬
‫ب ‪ -‬الجدب ‪:‬‬
‫‪ -‬الجدب ‪ :‬القحط ‪ ,‬وهو نقيض الخصب ‪ ,‬وأجدب القوم أصابهم الجدب وأجدبت السّنة‬ ‫‪3‬‬

‫صار فيها جدب ‪.‬‬


‫والجدبة ‪ :‬الرض الّتي ليس بها قليل ول كثير ول مرتع ول كل ‪.‬‬
‫والجدب ‪ :‬انقطاع المطر ويبس الرض ‪.‬‬
‫والجدب سبب من أسباب المجاعة ‪.‬‬
‫الحكم الجمالي ‪:‬‬
‫‪ -‬ذكر الفقهاء المجاعة في مواطن متعدّدةٍ من أبواب الفقه منها ‪:‬‬ ‫‪4‬‬

‫حل طلب الصّدقة في المجاعة وأفضليّة الصّدقة في المجاعة على حجّ التّطوع ‪ ,‬وفي إرضاع‬
‫الطّفل الجائع ‪ ,‬وحل أكل الميتة ‪ ,‬ورفع ح ّد السّرقة ‪.‬‬
‫‪14‬‬ ‫‪ ,‬ضرورة ف ‪ , 8‬سرقة ف‬ ‫‪17‬‬ ‫‪ ,‬رضاع ف‬ ‫‪18‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلحات ‪ ( :‬صدقة ف‬
‫‪ ,‬سؤال ف ‪. ) 9‬‬

‫مُجَاهَرة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني المجاهرة في اللغة ‪ :‬الظهار ‪ ,‬يقال ‪ :‬جاهره بالعداوة مجاهرةً وجهارا‬ ‫‪1‬‬

‫أظهرها ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫قال عياض ‪ :‬الجهار والجهار والمجاهرة كله صواب بمعنى الظهور والظهار ‪ ,‬يقال ‪ :‬جهر‬
‫وأجهر بقوله وقراءته ‪ :‬إذا أظهر وأعلن ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الظهار ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني الظهار في اللغة ‪ :‬التّبيين والبراز بعد الخفاء ‪ ,‬يقال ‪ :‬أظهر الشّيء ‪ :‬بيّنه‬ ‫‪2‬‬

‫‪ ,‬وأظهر فلنا على السّرّ ‪ :‬أطلعه عليه ‪.‬‬


‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫والفرق بين المجاهرة والظهار ‪ :‬أنّ المجاهرة أعم من الظهار ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفي ‪:‬‬
‫‪ -‬المجاهرة قد تكون منهيا عنها ‪ ,‬كالمجاهرة بالمعصية والتّبجح والفتخار بها بين‬ ‫‪3‬‬

‫الصحاب ‪ ,‬وقد تكون مشروعةً ‪ ,‬كمن قوي إخلصه وصغر النّاس في عينيه واستوى عنده‬
‫ن التّرغيب في الخير خير ‪.‬‬
‫مدحهم وذمهم فيجوز له إظهار الطّاعات ‪ ,‬ل ّ‬
‫الحكام المتعلّقة بالمجاهرة ‪:‬‬
‫المجاهرة بالمعاصي ‪:‬‬
‫‪ -‬المجاهرة بالمعاصي منهي عنها ‪ ,‬قال النّبي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬كل أمّتي معافىً‬ ‫‪4‬‬

‫ل ثمّ يصبح وقد ستره اللّه‬


‫إل المجاهرين ‪ ,‬وإنّ من المجاهرة أن يعمل الرّجل باللّيل عم ً‬
‫فيقول ‪ :‬يا فلن عملت البارحة كذا وكذا ‪ ,‬وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر اللّه‬
‫عنه » ‪.‬‬
‫وقال النّووي ‪ :‬يكره لمن ابتلي بمعصية أن يخبر غيره بها ‪ ,‬بل يقلع عنها ويندم ويعزم أن‬
‫ل يعود ‪ ,‬فإن أخبر بها شيخه أو نحوه ممّن يرجو بإخباره أن يعلمه مخرجا منها ‪ ,‬أو ما‬
‫يسلم به من الوقوع في مثلها ‪ ,‬أو يعرّفه السّبب الّذي أوقعه فيها ‪ ,‬أو يدعو له ‪ ,‬أو نحو‬
‫ذلك فهو حسن ‪ ,‬وإنّما يكره لنتفاء المصلحة ‪ ,‬وقال الغزالي ‪ :‬الكشف المذموم هو الّذي إذا‬
‫وقع على وجه المجاهرة والستهزاء ‪ ,‬ل على وجه السؤال والستفتاء ‪ ,‬بدليل خبر من‬
‫واقع امرأته في رمضان فجاء فأخبر المصطفى صلى ال عليه وسلم فلم ينكر عليه ‪.‬‬
‫‪ -‬وجعل ابن جماعة من المجاهرة بالمعصية إفشاء ما يكون بين الزّوجين من المباح‬ ‫‪5‬‬

‫لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ من أشرّ النّاس عند اللّه منزلةً يوم القيامة الرّجل‬
‫يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثمّ ينشر سرّها » ‪ ،‬والمراد من نشر السّ ّر ذكر ما يقع بين‬
‫الرّجل وامرأته من أمور الوقاع ووصف تفاصيل ذلك ‪ ,‬وما يجري من المرأة من قولٍ أو‬
‫فعلٍ ونحو ذلك ‪ ,‬وأمّا مجرّد ذكر الوقاع إذا لم يكن لحاجة فذكره مكروه ‪ ,‬فإن دعت إلى‬
‫ذكره حاجة وترتّبت عليه فائدة فهو مباح كما لو ادّعت الزّوجة على زوجها أنّه عنّين ‪.‬‬
‫سرّ ف ‪. ) 6‬‬
‫( ر ‪ :‬إفشاء ال ّ‬
‫الصّلة خلف المجاهر بالفسق ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى الحنفيّة والشّافعيّة أنّه تصح الصّلة مع الكراهة خلف الفاسق بالجارحة ‪ ,‬وقالوا ‪:‬‬ ‫‪6‬‬

‫ق يكون محرزا ثواب الجماعة ‪ ,‬لكن ل ينال ثواب من يصلّي خلف إمامٍ‬
‫من صلّى خلف فاس ٍ‬
‫تقيّ ‪ ,‬ولم يفرّقوا بين ما إذا كان الفاسق مجاهرا بفسقه أو لم يكن كذلك ‪.‬‬
‫وقال الحطّاب من المالكيّة ‪ :‬اختلف في إمامة الفاسق بالجوارح ‪ ،‬فقال ابن بزيزة ‪ :‬المشهور‬
‫إعادة من صلّى خلف صاحب كبيرةٍ أبدا ‪ ,‬وقال البهري ‪ :‬هذا إذا كان فسقه مجمعا عليه‬
‫كالزّنا وترك الطّهارة ‪ ,‬وإن كان بتأويل أعاد في الوقت ‪ ,‬وقال اللّخمي ‪ :‬إن كان فسقه ل‬
‫تعلق له بالصّلة كالزّنا وغصب المال أجزأته ‪ ,‬ل إن تعلّق بها كالطّهارة ‪ ,‬وقال ابن حبيبٍ ‪:‬‬
‫من صلّى خلف شارب الخمر أعاد أبدا ‪ ,‬إل أن يكون الوالي الّذي تؤدّى إليه الطّاعة فل‬
‫إعادة عليه ‪ ,‬إل أن يكون سكران حينئذٍ ‪ ,‬وسئل ابن أبي زيدٍ عمّن يعمل المعاصي هل‬
‫يكون إماما ؟ فأجاب ‪ :‬أمّا المصر والمجاهر فل ‪ .‬والمستور المعترف ببعض الشّيء فالصّلة‬
‫خلف الكامل أولى ‪ ,‬وخلفه ل بأس بها ‪.‬‬
‫وسئل عمّن يعرف منه الكذب العظيم ‪ ,‬أو قتّات كذلك ‪ ,‬هل تجوز إمامته ؟ فأجاب ‪ :‬ل يصلّى‬
‫خلف المشهور بالكذب والقتّات والمعلن بالكبائر ول يعيد من صلّى خلفه ‪ ,‬وأمّا من تكون‬
‫ك ‪ :‬من هذا الّذي ليس فيه شيء ؟‬
‫منه الهفوة والزّلّة فل يتبع عورات المسلمين ‪ ,‬وعن مال ٍ‬
‫وليس المصر والمجاهر كغيره ‪.‬‬
‫ق مطلقا ‪ ,‬سواء كان فسقه بالعتقاد أو بالفعال‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل تصح إمامة فاس ٍ‬
‫المحرّمة ‪ ,‬وسواء أعلن فسقه أو أخفاه ‪.‬‬
‫واختار الشّيخان أنّ البطلن مختص بظاهر الفسق دون خفيّه ‪ ,‬وقال في الوجيز ‪ :‬ل تصح‬
‫خلف الفاسق المشهور فسقه ‪.‬‬
‫عيادة المجاهر بمعصية ‪:‬‬
‫‪ -‬تسن عيادة مريضٍ مسلمٍ غير مبتدعٍ لحديث أبي هريرة مرفوعا ‪ « :‬خمس تجب‬ ‫‪7‬‬

‫للمسلم على أخيه ‪ :‬رد السّلم ‪ ,‬وتشميت العاطس ‪ ,‬وإجابة الدّعوة ‪ ,‬وعيادة المريض ‪,‬‬
‫واتّباع الجنائز » ‪.‬‬
‫ول تسن عيادة متجاه ٍر بمعصية إذا مرض ليرتدع ويتوب ‪ ,‬وقال البهوتي بعد ذكر هذا‬
‫الحكم ‪ :‬وعلم منه أنّ غير المتجاهر بمعصية يعاد ‪.‬‬
‫الصّلة على المجاهر بالمعاصي ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يصلّى على الفاسق ‪.‬‬ ‫‪8‬‬

‫قال ابن يونس من المالكيّة ‪ :‬يكره للمام ولهل الفضل أن يصلوا على البغاة وأهل البدع ‪,‬‬
‫قال أبو إسحاق ‪ :‬وهذا من باب الرّدع ‪ ,‬قال ‪ :‬ويصلّي عليهم النّاس ‪ ,‬وكذلك المشتهر‬
‫بالمعاصي ومن قتل في قصاصٍ أو رج ٍم ل يصلّي عليهم المام ول أهل الفضل ‪.‬‬
‫وقال تقي الدّين ابن تيميّة ‪ :‬ينبغي لهل الخير أن يهجروا المظهر للمنكر ميّتا إذا كان فيه‬
‫كف لمثاله ‪ ,‬فيتركون تشييع جنازته ‪.‬‬
‫ل وهو قول عمر بن عبد العزيز ‪.‬‬
‫وقال الوزاعي ‪ :‬ل يصلّى على الفاسق تصريحا أو تأوي ً‬
‫)‪.‬‬ ‫‪40‬‬ ‫( ر ‪ :‬جنائز ف‬
‫السّتر على المجاهر بالمعصية ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه يندب السّتر فيما كان حقا للّه ع ّز وجلّ على المسلم من ذوي‬ ‫‪9‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من‬


‫الهيئات ونحوهم ممّن لم يعرف بأذى أو فسادٍ ‪ ,‬لقول النّب ّ‬
‫ستر مسلما ستره اللّه يوم القيامة » ‪.‬‬
‫وأمّا المجاهر والمتهتّك فيستحب أن ل يستر عليه ‪ ,‬بل يظهر حاله للنّاس حتّى يتوقّوه ‪ ,‬أو‬
‫ن السّتر‬
‫يرفعه لوليّ المر حتّى يقيم عليه واجبه من ح ّد أو تعزي ٍر ‪ ,‬ما لم يخش مفسدةً ‪ ,‬ل ّ‬
‫عليه يطمعه في مزيدٍ من الذى والفساد ‪.‬‬
‫قال النّووي ‪ :‬من جاهر بفسقه أو بدعته جاز ذكره بما جاهر به دون من لم يجاهر به ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪2‬‬ ‫وستر ف‬ ‫‪10‬‬ ‫وللتّفصيل في أحكام ستر عيوب المؤمن ‪ ( :‬ر ‪ :‬إفشاء السّ ّر ف‬
‫غيبة المجاهر بالمعصية ‪:‬‬
‫ن الفقهاء‬
‫‪ -‬الغيبة حرام باتّفاق الفقهاء ‪ ,‬وذهب بعضهم إلى أنّها من الكبائر ‪ ,‬إل أ ّ‬ ‫‪10‬‬

‫أجازوا غيبة المجاهر بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر ومصادرة النّاس وأخذ المكس‬
‫وجباية الموال ظلما وتولّي المور الباطلة ‪ ,‬وقالوا ‪ :‬يجوز ذكره بما يجاهر به ويحرم ذكره‬
‫بغيره من العيوب ‪ ,‬إل أن يكون لجوازه سبب آخر ‪.‬‬
‫قال الخلل ‪ :‬أخبرني حرب سمعت أحمد يقول ‪ :‬إذا كان الرّجل معلنا بفسقه فليست له غيبة‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ .‬قال ابن مفلحٍ ‪ :‬ذكر ابن عبد الب ّر في كتاب بهجة المجالس عن النّب ّ‬
‫‪ « :‬ثلثة ل غيبة فيهم ‪ :‬الفاسق المعلن بفسقه وشارب الخمر والسلطان الجائر » ‪.‬‬
‫هجر من جهر بالمعاصي ‪:‬‬
‫‪ -‬يسن هجر من جهر بالمعاصي الفعليّة والقوليّة والعتقادية ‪ ,‬وقيل ‪ :‬يجب إن ارتدع‬ ‫‪11‬‬

‫به ‪ ,‬وإل كان مستحبا ‪ ,‬وقيل ‪ :‬يجب هجره مطلقا إل من السّلم بعد ثلثة أيّامٍ ‪ ,‬وقيل ‪ :‬ترك‬
‫السّلم على من جهر بالمعاصي حتّى يتوب منها فرض كفايةٍ ‪ ,‬ويكره لبقيّة النّاس تركه ‪,‬‬
‫وظاهر ما نقل عن أحمد ترك الكلم والسّلم مطلقا ‪.‬‬
‫وقال أحمد في رواية حنبلٍ عنه ‪ :‬ليس لمن يسكر ويقارف شيئا من الفواحش حرمة ول‬
‫صلة إذا كان معلنا مكاشفا ‪.‬‬
‫قال ابن علن في تعليقه على حديث ‪ « :‬ل يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلثٍ ‪ ,‬فإن‬
‫مرّت به ثلث فليلقه فليسلّم عليه ‪ ,‬فإن ر ّد عليه السّلم فقد اشتركا في الجر ‪ ,‬وإن لم يردّ‬
‫عليه فقد باء بالثم » إذا كان الهجر من المؤمن للمؤمن للّه تعالى بأن ارتكب المهجور‬
‫بدعةً أو تجاهر بمعصية فليس من هذا في شيءٍ ‪ ,‬والوعيد ل يتناوله أصلً ‪ ,‬بل هو مندوب‬
‫إليه ‪.‬‬
‫إجابة دعوة المجاهر بالفسق ‪:‬‬
‫ن إجابة الدّعوة إلى الوليمة واجبة ‪ ,‬وأمّا سائر الدّعوات غير‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء أ ّ‬ ‫‪12‬‬

‫الوليمة فإنّ الجابة إليها مستحبّة غير واجبةٍ ‪.‬‬


‫ص الحنفيّة وقالوا ‪ :‬ل يجيب دعوة الفاسق‬
‫وأمّا الجابة إلى دعوة المجاهر بالفسق فقد ن ّ‬
‫المعلن ‪ ,‬ليعلم أنّه غير راضٍ بفسقه ‪ ,‬وكذا دعوة من كان غالب ماله من حرامٍ ما لم يخبر‬
‫أنّه حلل ‪.‬‬
‫إنكار ما يجاهر به من محظوراتٍ ومباحاتٍ ‪:‬‬
‫‪ -‬قال ابن الخوة ‪ :‬إذا جاهر رجل بإظهار الخمر فإن كان مسلما أراقها المحتسب وأدّبه‬ ‫‪13‬‬

‫‪ ,‬وإن كان ذمّيا أدّب على إظهارها ‪ ,‬واختلف الفقهاء في إراقتها عليه ‪:‬‬
‫فذهب أبو حنيفة إلى أنّها ل تراق عليه ‪ ,‬لنّها من أموالهم المضمونة في حقوقهم ‪.‬‬
‫ق المسلم ول الكافر ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعي إلى أنّها تراق عليهم ‪ ,‬لنّها ل تضمن عنده في ح ّ‬
‫فأمّا المجاهرة بإظهار النّبيذ فعند أبي حنيفة أنّه من الموال الّتي يقر المسلمون عليها ‪,‬‬
‫فيمنع من إراقته ومن التّأديب على إظهاره ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّ أنّه ليس بمال كالخمر وليس في إراقته غرم ‪ ,‬فيعتبر والي الحسبة شواهد‬
‫الحال فيه فينهى عن المجاهرة ويزجر عليه ول يريقه إل أن يأمره بإراقته حاكم من أهل‬
‫الجتهاد ‪ ,‬لئل يتوجّه عليه غرم إن حوكم فيه ‪.‬‬
‫ومن قبيل إنكار ما يجاهر به من مباحاتٍ ما نقله البهوتي عن القاضي من أنّه ينكر على من‬
‫أكل في رمضان ظاهرا ‪ ,‬وإن كان هناك عذر ‪.‬‬
‫قال ابن الخوة ‪ :‬وأمّا المجاهرة بإظهار الملهي المحرّمة ‪ ,‬مثل الزّمر والطنبور والعود‬
‫والصّنج وما أشبه ذلك من آلت الملهي ‪ ,‬فعلى المحتسب أن يفصلها حتّى تصير خشبا‬
‫يصلح لغير الملهي ‪ ,‬ويؤدّب على المجاهرة عليها ‪ ,‬ول يكسرها إن كان خشبها يصلح لغير‬
‫الملهي ‪ ,‬فإن لم يصلح لغير الملهي كسرها ول يجوز بيعها ‪ ,‬والمنفعة الّتي فيها لمّا كانت‬
‫محظورةً شرعا كانت ملحقةً بالمنافع المعدومة ‪ ,‬وأمّا ما لم يظهر من المحظورات فليس‬
‫للمحتسب أن يتجسّس عنها ‪ ,‬ول أن يهتك الستار حذرا من الستسرار بها ‪ ,‬قال النّبي‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬اجتنبوا هذه القاذورة الّتي نهى اللّه عنها ‪ ,‬فمن ألمّ فليستتر بستر‬
‫اللّه ‪ ,‬وليتب إلى اللّه ‪ ,‬فإنّه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب اللّه عزّ وجلّ »‬
‫المفاضلة بين المجاهرة بالطّاعات والسرار بها ‪:‬‬
‫‪ -‬جاء في قواعد الحكام ‪ :‬الطّاعات ثلثة أضربٍ ‪:‬‬ ‫‪14‬‬

‫أحدها ‪ :‬ما شرع مجهورا به ‪ ,‬كالذان والقامة والتّكبير والجهر بالقراءة في الصّلة‬
‫والخطب الشّرعيّة والمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وإقامة الجمعة والجماعات والعياد‬
‫والجهاد وعيادة المرضى وتشييع الموات ‪ ,‬فهذا ل يمكن إخفاؤه ‪ .‬فإن خاف فاعله الرّياء‬
‫جاهد نفسه في دفعه إلى أن تحضره نيّة إخلصه فيأتي به مخلصا كما شرع ‪ ,‬فيحصل على‬
‫أجر ذلك الفعل وعلى أجر المجاهد لما فيه من المصلحة المتعدّية ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬ما يكون إسراره خيرا من إعلنه كإسرار القراءة في الصّلة وإسرار أذكارها ‪,‬‬
‫فهذا إسراره خير من إعلنه ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬ما يخفى تار ًة ويظهر أخرى كالصّدقات ‪ ,‬فإن خاف على نفسه الرّياء أو عرف من‬
‫خفُوهَا وَ ُتؤْتُوهَا ا ْلفُقَرَاء َف ُهوَ خَ ْيرٌ‬
‫عادته كان الخفاء أفضل من البداء لقوله تعالى ‪َ { :‬وإِن ُت ْ‬
‫ّل ُكمْ } ومن أمن من الرّياء فله حالن ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أن ل يكون ممّن يقتدى به ‪ ,‬فإخفاؤها أفضل إذ ل يأمن من الرّياء عند الظهار ‪,‬‬
‫وإن كان ممّن يقتدى به كان البداء أولى ‪ ,‬لما فيه من سدّ خلّة الفقراء مع مصلحة‬
‫القتداء ‪ ,‬فيكون قد نفع الفقراء بصدقته وبتسببه إلى تصدق الغنياء عليهم ‪ ,‬وقد نفع‬
‫الغنياء بتسببه إلى اقتدائهم به في نفع الفقراء ‪.‬‬

‫مُجَا َورَة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المجاورة في اللغة ‪ :‬تقارب المحالّ ‪ ,‬من قولك ‪ :‬أنت جاري وأنا جارك وبيننا جوار‬ ‫‪1‬‬

‫والجار من يقرب مسكنه منك ‪ ,‬وهو من السماء المتضايفة ‪.‬‬


‫قال بعض البلغاء ‪ :‬الجوار قرابة بين الجيران ‪ ,‬ثمّ استعملت المجاورة في موضع الجتماع‬
‫ضمّ ‪ :‬إذا لصقه في‬
‫مجازا ويقال ‪ :‬جاوره مجاور ًة وجوارا من باب قاتل ‪ ,‬والسم الجُوار بال ّ‬
‫السّكن ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمجاورة ‪:‬‬
‫للمجاورة أحكام متعدّدة نجملها فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬مجاورة الماء لغيره ‪:‬‬
‫‪ -‬قال جمهور الفقهاء ل يضر في طهوريّة الماء إذا تغيّر بمجاور طاه ٍر غير مختلطٍ به‬ ‫‪2‬‬

‫كالعود والدهن ‪ ,‬على اختلف أنواعه ‪ ,‬والشّمع ونحو ذلك من الطّاهرات الصلبة كالكافور‬
‫والعنبر إذا لم يهلك في الماء ويمع فيه ‪ ,‬لنّ تغيره بذلك لكونه تروحا ل يمنع إطلق اسم‬
‫الماء عليه كتغير الماء بجيفة ملقا ٍة على شطّ نهرٍ ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬ول نعلم في هذه النواع خلفا ‪ ,‬ثمّ قال ‪ :‬وفي معنى المتغيّر بالدهن ما تغيّر‬
‫بالقطران والزّفت والشّمع ‪ ,‬لنّ في ذلك دهن ّيةً يتغيّر بها الماء تغير مجاورةٍ فل يمنع‬
‫كالدهن ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬الكافور نوعان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬خليط كالدّقيق والزّعفران ‪ ,‬والثّاني ‪ :‬مجاور ل ينماع في الماء فهو كالعود فلذلك‬
‫قيّد الكافور بالصّلبة وكذا القطران ‪.‬‬
‫ن تغيره بالمجاورة ل‬
‫ن الماء إذا تغيّر بمجاورة شيءٍ له فإ ّ‬
‫وقال الحطّاب من المالكيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫يسلبه الطّهوريّة ‪ ,‬سواء كان المجاور منفصلً عن الماء أو ملصقا له ‪ ,‬فالوّل كما لو كان‬
‫إلى جانب الماء جيفة أو عذرة أو غيرهما فنقلت الرّيح رائحة ذلك إلى الماء فتغيّر ول‬
‫خلف في هذا ‪ ,‬قال بعضهم ‪ :‬ومنه إذا س ّد فم الناء بشجر ونحوه فتغيّر منه الماء من غير‬
‫مخالطةٍ لشيء منه ‪ ,‬وأمّا الثّاني وهو المجاور الملصق فمثّله ابن الحاجب بالدهن ‪ ,‬وتبعه‬
‫المصنّف على ذلك وقيّده بالملصق ‪.‬‬
‫ولم يوجد عند الحنفيّة في هذا الموطن لفظ مجاورةٍ وإنّما وجد عندهم لفظ المخالطة ‪ ,‬فقال‬
‫ي ‪ :‬ل يضر تغير أوصاف الماء بجامد خالطه بدون طبخٍ كزعفران وورق شجرٍ ‪.‬‬
‫الشرنبلل ّ‬
‫وفي اللباب على القدوريّ ‪ :‬لو خرج الماء عن طبعه ‪ -‬بالخلط ‪ -‬أو حدث له اسم على حدةٍ‬
‫ل تجوز به الطّهارة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬مجاورة الحرمين الشّريفين ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم مجاورة الحرمين الشّريفين في مكّة والمدينة المنوّرة ‪:‬‬ ‫‪3‬‬

‫فذهب بعض الفقهاء ومنهم أبو حنيفة إلى أنّ المجاورة بمكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة‬
‫مكروهة ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬وبقول أبي حنيفة قال الخائفون المحتاطون من العلماء كما في الحياء‬
‫ن كراهة القيام تناقض فضل البقعة ‪ ,‬لنّ هذه الكراهة علّتها ضعف الخلق‬
‫قال ‪ :‬ول يظن أ ّ‬
‫وقصورهم عن القيام بحقّ الموضع ‪ ,‬قال في الفتح ‪ :‬وعلى هذا فيجب كون الجوار في‬
‫ن تضاعف السّيّئات ‪ ,‬أو تعاظمها إن فقد‬
‫المدينة المشرّفة كذلك يعني مكروها عنده ‪ ,‬فإ ّ‬
‫فيها ‪ ,‬فمخافة السّآمة وقلّة الدب المفضي إلى الخلل بوجوب التّوقير والجلل قائم ‪ ,‬قال‬
‫بعضهم ‪ :‬وهو وجيه فينبغي أن ل يقيّد بالوثوق اعتبارا للغالب من حال النّاس ل سيّما أهل‬
‫هذا الزّمان ‪.‬‬
‫وقال بعض الحنفيّة ‪ :‬ل تكره المجاورة بالمدينة المنوّرة وكذا بمكّة المكرّمة لمن يثق‬
‫بنفسه ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬واختار في اللباب ‪ :‬أنّ المجاورة بالمدينة أفضل منها بمكّة المكرّمة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬عدم المجاورة بمكّة أفضل ‪.‬‬
‫قال مالك ‪ :‬القفل أي الرجوع أفضل من الجوار ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة ‪ :‬إلى استحباب المجاورة‬
‫بالحرمين الشّريفين إل أن يغلب على ظنّه الوقوع في المحظورات ‪ ,‬أو أن تسقط حرمتهما‬
‫عنده ‪ ,‬لما ورد من مضاعفة العمل الصّالح فيهما كحديث ‪ « :‬صلة في مسجدي هذا أفضل‬
‫من ألف صل ٍة فيما سواه من المساجد إل المسجد الحرام ‪ ,‬وصلة في المسجد الحرام أفضل‬
‫من مائة صلةٍ في هذا » ‪.‬‬
‫ى لّ ْلعَا َلمِينَ } ‪.‬‬
‫س لَلّذِي بِ َب ّكةَ مُبَارَكا وَهُد ً‬
‫ت وُضِ َع لِلنّا ِ‬
‫وقال اللّه تعالى ‪ { :‬إِنّ َأ ّولَ بَيْ ٍ‬
‫قال القرطبي ‪ :‬جعله مباركا لتضاعف العمل فيه ‪.‬‬
‫قال أحمد ‪ :‬كيف لنا بالجوار بمكّة ؟ قال النّبي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬واللّه إنّك لخير‬
‫أرض اللّه وأحب أرض اللّه إلى اللّه ‪ ,‬ولول أنّي أخرجت منك ما خرجت » ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬وإنّما كره الجوار بمكّة لمن هاجر منها ‪ ,‬وجابر بن عبد اللّه رضي ال‬
‫عنهما جاور بمكّة وجميع أهل البلد ومن كان من أهل اليمن ليس بمنزلة من يخرج ويهاجر‬
‫أي ل بأس به وابن عمر رضي ال عنهما كان يقيم بمكّة قال ‪ :‬والمقام بالمدينة أحب إليّ‬
‫من المقام بمكّة لمن قوي عليه ‪ ,‬لنّها مهاجر المسلمين ‪ ،‬وقال النّبي صلى ال عليه وسلم‬
‫‪ « :‬ل يصبر على لوائها وشدّتها أحد إل كنت له شهيدا شفيعا يوم القيامة » ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬استحقاق الشفعة بالمجاورة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم ثبوت الشفعة بسبب المجاورة ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫وذهب الحنفيّة والثّوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة إلى إثبات الشفعة للجار الملصق‬
‫فالمجاورة سبب للشفعة عندهم مثل الشّركة ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫والتّفاصيل في مصطلح ‪ ( :‬شفعة ف‬
‫د ‪ -‬الوصيّة للجار ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء فيمن يدخل في الوصيّة للجار ‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫ب من جوانب داره‬
‫فقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬لو أوصى لجيرانه فلربعين دارا من كلّ جان ٍ‬
‫الربعة ‪ ,‬لحديث ‪ « :‬حق الجوار إلى أربعين دارا هكذا وهكذا وهكذا وهكذا ‪ ,‬وأشار قدّاما‬
‫وخلفا ويمينا وشما ًل » ‪.‬‬
‫وقال المحلّي نقلً عن الرّوضة ‪ :‬ويقسم المال على عدد الدور ل على عدد سكّانها ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة بعد ذكر الحديث المتقدّم ذكره هذا نص ل يجوز العدول عنه ‪ ,‬إن صحّ ‪ ,‬وإن‬
‫لم يثبت الخبر ‪ ,‬فالجار هو المقارب ‪ ,‬ويرجع في ذلك إلى العرف ‪.‬‬
‫وعند أبي حنيفة هو الملصق ‪ ,‬وعند الصّاحبين هو من يسكن في محلّته ويجمعهم مسجد‬
‫ن الصّحيح قول المام ‪ ,‬وهو ممّا رجّح فيه القياس على‬
‫المحلّة ‪ ,‬وهذا استحسان لك ّ‬
‫الستحسان لحديث ‪ « :‬الجار أحق بسقبه » ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬لو أوصى لجيرانه فإنّه يعطي الجار وزوجته ‪ ,‬وأمّا زوجة الموصي فل‬
‫تعطى لنّها ليست جارا وحد الجار الّذي ل شكّ فيه ما كان يواجهه وما لصق بالمنزل من‬
‫ورائه وجانبيه والمعتبر في الجار يوم القسم ‪ ,‬فلو انتقل بعضهم أو كلهم وحدث غيرهم أو‬
‫ل ثمّ كثروا أعطوا جميعهم ‪.‬‬
‫بلغ صغير فذلك لمن حضر ‪ ,‬ولو كانوا يوم الوصيّة قلي ً‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬وصيّة ) ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬مجاورة الصّالحين ‪:‬‬
‫‪ -‬ينبغي للمسلم مجالسة أهل الخير ‪ ,‬والصّالحين وملزمة مجالسهم والصّبر معهم‬ ‫‪6‬‬

‫ن يَدْعُونَ رَ ّبهُم بِا ْلغَدَاةِ وَا ْل َعشِيّ‬


‫ومصاحبتهم لقول اللّه تعالى ‪ { :‬وَاصْبِرْ َن ْفسَكَ َمعَ الّذِي َ‬
‫غفَلْنَا قَلْ َب ُه عَن‬
‫ج َههُ وََل َتعْدُ عَيْنَاكَ عَ ْن ُهمْ تُرِيدُ زِي َن َة ا ْلحَيَاةِ الدّنْيَا وََل ُتطِ ْع مَنْ أَ ْ‬
‫ن َو ْ‬
‫يُرِيدُو َ‬
‫ن َأمْرُهُ فُ ُرطًا } ‪.‬‬
‫ِذكْرِنَا وَاتّبَعَ َهوَاهُ َوكَا َ‬
‫وعن سعد بن أبي وقّاصٍ رضي ال عنه قال ‪ « :‬كنّا مع النّبيّ صلى ال عليه وسلم ستّة‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أطرد هؤلء ل يجترئُون علينا ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫نفرٍ ‪ ,‬فقال المشركون للنّب ّ‬
‫وكنت أنا وابن مسعودٍ ورجل من هذيلٍ وبلل ورجلن لست أسمّيهما ‪ ,‬فوقع في نفس‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ما شاء اللّه أن يقع ‪ ,‬فحدّث نفسه ‪ ,‬فأنزل اللّه ع ّز وجلّ ‪:‬‬
‫ج َههُ } » ‪.‬‬
‫ن يَدْعُونَ رَ ّبهُم بِا ْلغَدَاةِ وَا ْل َعشِيّ ُيرِيدُونَ َو ْ‬
‫{ َو َل َتطْرُدِ الّذِي َ‬
‫قال ابن علن الصّدّيقي من الشّافعيّة ‪ :‬مجالسة أهل الخير وهم حزب اللّه المنقطعون إليه‬
‫اللئذون به الحائزون لشرف العلم والعمل به مع الخلص فيه مستحبّة ‪ ,‬لنّ من تشبّه‬
‫بقوم فهو منهم ‪ ,‬ولنّهم هم القوم ل يشقى جليسهم قال ‪ :‬وأقل ثمرات مجالستهم حفظ نفسه‬
‫في ذلك الزّمن عن المخالفة لموله عزّ وجلّ وعن أبي موسى الشعريّ رضي ال عنه أنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬مثل الجليس الصّالح والسوء كحامل المسك ونافخ‬
‫الكير ‪ ,‬فحامل المسك إمّا أن يحذيك ‪ ,‬وإمّا أن تبتاع منه ‪ ,‬وإمّا أن تجد منه ريحا طيّبةً ‪,‬‬
‫ونافخ الكير إمّا أن يحرق ثيابك ‪ ,‬وإمّا أن تجد ريحا خبيثةً » أي فجليس الخيار إمّا أن‬
‫يعطى بمجالستهم من الفيوض اللهيّة أنواع الهبات حياءً وعطاءً ‪ ,‬وإمّا أن يكتسب من‬
‫المجالس خيرا وأدبا يكتسبها عنه ويأخذها منه ‪ ،‬وإمّا أن يكتسب حسن الثّناء بمخاللته ‪,‬‬
‫ومخالطته ‪ ,‬وأمّا جليس السوء فإمّا أن يحترق بشؤم معاصيه كما قال اللّه تعالى ‪ { :‬وَاتّقُواْ‬
‫صةً } وإمّا أن يدنّس ثناءه بمصاحبته وقد ورد ‪:‬‬
‫ن ظَ َلمُواْ مِن ُكمْ خَآ ّ‬
‫ن الّذِي َ‬
‫فِتْ َن ًة لّ تُصِيبَ ّ‬
‫« الرّجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل » ‪.‬‬

‫مَجْبوب *‬
‫انظر ‪ :‬جب ‪.‬‬

‫ج َتهِد *‬
‫مُ ْ‬
‫انظر ‪ :‬اجتهاد ‪.‬‬

‫مَجْذُوم *‬
‫انظر ‪ :‬جذام ‪.‬‬

‫جرَى الماء *‬
‫مَ ْ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المجرى في اللغة بوزن مفعلٍ ‪ :‬ظرف مكانٍ من فعل جرى يجري ‪ :‬بمعنى سال خلف‬ ‫‪1‬‬

‫وقف وسكن ‪ ،‬والماء الجاري هو ‪ :‬المتدافع في انحدارٍ أو في استواءٍ ‪.‬‬


‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بمجرى الماء ‪:‬‬
‫أقسام مجرى الماء ‪:‬‬
‫‪ -‬يقسّم الفقهاء مجرى الماء إلى قسمين ‪ :‬المجرى العام والمجرى الخاص ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫ض مباحةٍ ول صنيع‬
‫وأمّا المجرى العام ‪ :‬وهو ما ل يختص بأحد ‪ :‬بأن يكون في أر ٍ‬
‫للدميّين في حفره ول في إجراء الماء فيه كالنهار الكبيرة كالنّيل والفرات ونحوهما الّتي ل‬
‫تزاحم فيها لسعتها وكثرة الماء فيها ول يتضرّر بالتّصرف فيه أحد فهذا ل ملك لحد على‬
‫رقبة المجرى ‪ ،‬ول حق خاصا في النتفاع بمائه بل الحق فيه عام لجميع المسلمين ‪ ،‬فلكلّ‬
‫أن ينتفع بهذه النهار بمختلف أوجه النتفاع إن لم يض ّر بتصرفه مصلحةً عا ّمةً للمسلمين ‪،‬‬
‫وليس للمام ول لغيره منعه إن لم يض ّر أحدا ‪.‬‬
‫وله نصب رحىً عليه أو دالي ًة أو ساقي ًة ‪ ،‬بشرط أن ل يضرّ النّهر وأن يكون مكان البناء‬
‫ملكا له أو مواتا محضا ل يتعلّق به حق للغير ‪.‬‬
‫وأمّا المجرى الخاص فهو أن يكون المجرى مملوكا بأن يحفر نهرا يدخل فيه الماء من‬
‫ق على إباحته لكنّ مالك النّهر أحق به‬
‫الوادي العظيم ‪ ،‬أو من النّهر المنخرق منه فالماء با ٍ‬
‫كالسّيل يدخل ملكه فليس لحد مزاحمته لسقي الرضين ‪ ،‬وأمّا للشرب والستعمال وسقي‬
‫الدّوابّ فليس له المنع ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ‪ ( :‬شرب ف ‪ 9 - 3‬ومياه ونهر ) ‪.‬‬
‫إجراء ماءٍ في أرض الغير ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يجوز إجراء ماءٍ في أرض الغير بل ضرورةٍ بغير إذنه بالتّفاق لنّه تصرف في ملك‬ ‫‪3‬‬

‫الغير بل إذنٍ ‪ ،‬وإن كان لضرورة كأن تكون له أرض للزّراعة لها ماء ل طريق له إليها إل‬
‫أرض جاره فهل له إجراء الماء في أرض جاره لتوصيل الماء إلى أرضه بغير إذن الجار ؟‬
‫اختلف فيه ‪:‬‬
‫فذهب الشّافعيّة على المذهب وأحمد في إحدى روايتين له ومالك في رواية ابن القاسم‬
‫ن مثل هذه الحاجة ل تبيح له مال‬
‫واختارها عيسى بن دينارٍ إلى أنّه ليس له ذلك ‪ ،‬ل ّ‬
‫غيره ‪ ،‬وهي كما لو لم تدع إليه حاجة ‪ ،‬بدليل أنّه ل يباح له الزّرع في أرض غيره والبناء‬
‫فيها ول النتفاع بشيء من منافعها المحرّمة عليه قبل هذه الحاجة ‪ ،‬فإن أذن له جاز ‪.‬‬
‫ضحّاك بن خليفة‬
‫والرّواية الخرى عن أحمد وقول عن مالكٍ أنّه يجوز له ذلك لما ورد أنّ ال ّ‬
‫ساق خليجا له من العريض ‪ ،‬فأراد أن يم ّر به في أرض محمّد بن مسلمة فأبى محمّد ‪ ،‬فقال‬
‫ضحّاك ‪ :‬لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب به أ ّولً وآخرا ول يضرك فأبى محمّد ‪ ،‬فكلّم‬
‫له ال ّ‬
‫ضحّاك عمر بن الخطّاب رضي ال عنه ‪ ،‬فدعا عمر بن الخطّاب محمّد بن مسلمة‬
‫فيه ال ّ‬
‫فأمره أن يخلّي سبيله فقال محمّد ‪ :‬ل ‪ ،‬فقال عمر ‪ :‬لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع ‪،‬‬
‫تسقي به أ ّولً وآخرا وهو ل يضرك ‪ .‬فقال ‪ :‬محمّد ‪ :‬ل واللّه ‪ ،‬فقال عمر ‪ :‬واللّه ليمرّن‬
‫ضحّاك ‪.‬‬
‫ولو على بطنك فأمره عمر أن يم ّر به ففعل ال ّ‬
‫ولمالك قول ثالث وهو أنّه يختلف حكم المسألة باختلف أحوال النّاس ‪ ،‬فإذا كان أهل الزّمن‬
‫كأهل زمن عمر رضي ال عنه يعمهم أو يغلب عليهم الصّلح والدّين والتّحرج عمّا ل يحل‬
‫يقضى بإمراره ‪ ،‬وإن كان يعم أو يغلب عليهم استحلل أموال النّاس بغير الحقّ وجب أن‬
‫يحكم بالمنع في ذلك ‪ ،‬لنّه قد يطول المر فيدّعي صاحب الماء الممرّ في أرض من قضي له‬
‫بإمراره في أرضه ‪ ،‬فيدّعي ملك رقبة المم ّر أو يدّعي حقوقا فيه فيشهد له ما قضي له به ‪،‬‬
‫فيمنع المرار سدا للذّريعة وسد الذّريعة من أدلّة الشّريعة عند المالكيّة وهذه رواية أشهب‬
‫عنه ‪.‬‬
‫ض مملوكةٍ للغير أو على سطح الجار ‪:‬‬
‫الصلح على إجراء ماءٍ في أر ٍ‬
‫ل على إجراء ماء سطحه من المطر على‬
‫‪ -‬قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إن صالح رج ً‬ ‫‪4‬‬

‫سطحه ‪ ,‬أو في أرضه عن سطحه ‪ ،‬أو في أرضه عن أرضه ‪ ،‬جاز إذا كان ما يجري ماءً‬
‫معلوما إمّا بالمشاهدة وإمّا بمعرفة المساحة ‪ ،‬لنّ الماء يختلف بصغر السّطح وكبره ول‬
‫يمكن ضبطه بغير ذلك ‪.‬‬
‫ويشترط معرفة الموضع الّذي يجري منه الماء إلى السّطح ‪ ،‬لنّ ذلك يختلف ول يفتقر إلى‬
‫ذكر مدّ ٍة ‪ ،‬لنّ الحاجة تدعو إلى هذا ‪ ،‬ويجوز العقد على المنفعة في موضع الحاجة غير‬
‫مقدّرٍ كما كان في النّكاح ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬أمّا غسّالة الثّياب والواني فل يجوز الصلح على إجرائها على ما ٍل لنّه‬
‫مجهول ل تدعو الحاجة إليه وإن خالف في ذلك البلقيني ‪ ،‬وشرط المصالحة على إجراء ماء‬
‫المطر على سطح غيره ‪ :‬أن ل يكون له مصرف إلى الطّريق إل بمروره على سطح جاره ‪،‬‬
‫قاله السنوي ومحل الجواز في الثّلج إذا كان في أرض الغير ل في سطحه لما فيه من‬
‫الضّرر ‪ ،‬وليس لمن أذن له في إجراء المطر على السّطح أن يطرح الثّلج عليه ول أن يترك‬
‫الثّلج حتّى يذوب ويسيل إليه ومن أذن له في إلقاء الثّلج ل يجري المطر ول غيره ‪.‬‬
‫والملك ليس قيدا بل يجوز ذلك في الرض الموقوفة والمستأجرة لكن يعتبر هنا التّأقيت ‪،‬‬
‫لنّ الرض غير مملوكةٍ فل يمكنه العقد عليها مطلقا ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن كان السّطح الّذي يجري عليه الماء مستأجرا أو عاري ًة مع إنسانٍ لم يجز‬
‫أن يصالح على إجراء الماء عليه لنّه يتضرّر بذلك ‪ ،‬ولم يؤذن له فيه ‪.‬‬
‫تغير الماء بطاهر في مجراه ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا تغيّر الماء بطاهر في مجراه تغيرا ل يمنع إطلق اسم الماء عليه فل يسلب‬ ‫‪5‬‬

‫الطّهوريّة في الماء فيصح التّطهر به لتعذر صون الماء عمّا ذكر ‪.‬‬
‫ر ‪ :‬مصطلح ‪ ( :‬تغيير ف ‪. ) 3‬‬

‫مَجْلِس *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المجلِس ‪ -‬بكسر اللم ‪ -‬موضع الجلوس وبفتحها ‪ :‬مصدر والجلوس ‪ :‬القعود وهو‬ ‫‪1‬‬

‫نقيض القيام ‪.‬‬


‫والجِلسة ‪ :‬الحال الّتي يكون عليها الجالس ‪.‬‬
‫والجليس ‪ :‬من يجالسك فعيل بمعنى فاع ٍل ‪.‬‬
‫وجمع المجلس ‪ :‬مجالس ‪.‬‬
‫وقد يطلق المجلس على أهله مجازا تسميةً للحال باسم المحلّ فيقال ‪ :‬اتّفق المجلس ‪.‬‬
‫وتستعمل المجالس بمعنى الجلوس كما في حديث ‪ « :‬فإذا أتيتم إلى المجالس ‪. » . . .‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الحلقة ‪:‬‬
‫‪ -‬الحلقة ‪ :‬الجماعة من النّاس مستديرون كحلقة الباب وغيرها ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫والتّحلق ‪ :‬على وزن تفع ٍل وهو تعمد الجلوس مستديرين كالحلقة ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫ن المجلس قد يكون على هيئة الحلقة ‪.‬‬
‫والصّلة أ ّ‬
‫صفة المجلس وهيئة أهله ‪:‬‬
‫‪ -‬لم تفرض في المجلس صفة معيّنة وإنّما شرعت له آداب ‪ ،‬وهناك إشارات تدل على أنّ‬ ‫‪3‬‬

‫بعض مجالس السّلف كانت بصفة الحلقة ‪ ،‬وكان النّبي صلى ال عليه وسلم يرشد إلى‬
‫توسعة المجلس ‪ ،‬فعن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي ال عنه قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم يقول ‪ « :‬خير المجالس أوسعها » ‪ ،‬وكان عمر يقول ‪ :‬يصفي لك و ّد أخيك‬
‫ثلث ‪ . . .‬ويعد منها أن توسّع له في المجلس ‪.‬‬
‫أمّا هيئة الجالس مع غيره فلم يمنع منها إل ما كان مفضيا إلى كشف العورة أو جز ٍء منها‬
‫‪ .‬وهناك هيئة في الجلوس تدل على التّكبر والتّجبر والقسوة نهى عنها الرّسول صلى ال‬
‫عليه وسلم فيما رواه الشّريد بن سويد رضي ال عنه قال ‪ « :‬م ّر بي رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم وأنا جالس ‪ ،‬وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري واتّكأت على ألية يدي ‪،‬‬
‫فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أتقعد قعدة المغضوب عليهم » ‪.‬‬
‫وأخرجه ابن حبّان بزيادة ‪ :‬قال ابن جريجٍ ‪ :‬وضع راحتيك على الرض ‪.‬‬
‫قال العظيم آبادي ‪ :‬الَلية بفتح الهمزة ‪ :‬اللّحمة الّتي في أصل البهام وقال ‪ :‬الظهر أن يراد‬
‫بالمغضوب عليهم أعم من الكفّار والفجّار المتكبّرين المتجبّرين ممّن تظهر آثار العجب‬
‫والكبر عليهم من قعودهم ومشيهم ونحوهما ‪.‬‬
‫وللجلوس للكل هيئات وآداب مستحبّة منها ‪ :‬عدم التّكاء في الجلسة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪19‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬أكل ف‬
‫‪ -‬وممّا عرف من هيئات جلوس الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬ ‫‪4‬‬

‫أ ‪ -‬التّربع ففي حديث جابر بن سمرة رضي ال عنه ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم إذا صلّى الفجر تربّع في مجلسه حتّى تطلع الشّمس حسناء » ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّكاء وقد أشارت إليه أحاديث منها حديث جابر بن سمرة رضي ال عنه ‪ « :‬رأيت‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم متّكئا على وسادةٍ » ‪.‬‬
‫ن منه فهو متّكئ ‪.‬‬
‫قال الخطّابي ‪ :‬كل معتمدٍ على شي ٍء متمكّ ٍ‬
‫قال المهلّب ‪ :‬يجوز للعالم والمفتي والمام التّكاء في مجلسه بحضرة النّاس للم يجده في‬
‫بعض أعضائه أو لراحة يرتفق بذلك ‪ ،‬ول يكون ذلك في عامّة جلوسه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الضطجاع وهو ‪ :‬وضع الجنب على الرض فقد ورد من حديث عائشة رضي ال‬
‫عنها ‪ « :‬كان النّبي إذا صلّى ركعتي الفجر اضطجع على شقّه اليمن » ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الحتباء ‪ :‬وهو أن يجلس على أليتيه رافعا ركبتيه محتويا عليهما بيديه أو غيرهما ‪.‬‬
‫فعن ابن عمر رضي ال عنهما قال ‪ « :‬رأيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بفناء الكعبة‬
‫محتبيا بيده هكذا ‪. » . .‬‬
‫هـ ‪ -‬الستلقاء هو الضطجاع على القفا ووضع الظّهر على الرض سواء كان معه نوم أم‬
‫ي صلى ال عليه وسلم مستلقيا في المسجد‬
‫ل فعن عبّاد بن تميمٍ عن عمّه ‪ « :‬أنّه رأى النّب ّ‬
‫واضعا إحدى رجليه على الخرى » ‪.‬‬
‫وقد عرف من عادة الرّسول صلى ال عليه وسلم أنّه كان يجلس بين أصحابه بالوقار التّامّ‬
‫فما ورد من استلقائه عليه السلم إنّما كان لبيان الجواز وكان في وقت الستراحة ل عند‬
‫مجتمع النّاس ‪.‬‬
‫مكان المجلس ‪:‬‬
‫ب لها ‪ ،‬مع مراعاة المصالح وتجنب الماكن الّتي قد‬
‫‪ -‬تعقد المجالس في كلّ مكانٍ مناس ٍ‬ ‫‪5‬‬

‫يفضي الجلوس بها إلى مفاسد ومضارّ ‪.‬‬


‫وصرّح جمهور الفقهاء بأنّه يكره الجلوس على الطرقات ‪ ،‬واستدلوا بما روي عن النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬اجتنبوا مجالس الصّعدات ‪ ،‬فقلنا ‪ :‬إنّما قعدنا لغير ما بأسٍ ‪ ،‬قعدنا‬
‫نتذاكر ونتحدّث ‪ ،‬قال ‪ :‬أما ل فأدوا حقّها ‪ :‬غضوا البصر ‪ ،‬وردوا السّلم ‪ ،‬وحسّنوا‬
‫الكلم » ‪.‬‬
‫وزاد أبو داود " وإرشاد السّبيل " وفي روايةٍ له أيضا ‪ « :‬وتغيثوا الملهوف وتهدوا‬
‫الضّالّ » ‪.‬‬
‫ولما فيه من التّعرض للفتن والذى ‪.‬‬
‫قال ابن مفلحٍ ‪ :‬أمّا الطّريق الواسع فالمروءة والنّزاهة اجتناب الجلوس فيه ‪ ،‬فإن جلس كان‬
‫ق الطّريق ‪ :‬غض البصر ‪ ،‬وإرشاد الضّالّ ‪ ،‬ورد السّلم ‪ ،‬وجمع اللقطة‬
‫عليه أن يؤدّي ح ّ‬
‫للتّعريف ‪ ،‬والمر بالمعروف ‪ ،‬والنّهي عن المنكر ‪ ،‬ومن جلس ولم يعط الطّريق حقّها فقد‬
‫استهدف لذيّة النّاس ‪.‬‬
‫آداب المجلس ‪:‬‬
‫من آداب المجلس ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّفسح في المجلس وعدم الجلوس وسط الحلقة ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح جمهور الفقهاء بأنّه يكره الجلوس في وسط الحلقة ‪ ،‬كحلقة الذّكر والعلم والطّعام‬ ‫‪6‬‬

‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم لعن من جلس‬


‫وغير ذلك ‪ ،‬واستدلوا بما روي ‪ « :‬أ ّ‬
‫وسط الحلقة » ‪ ،‬وكان أحمد بن حنب ٍل إذا كان في الحلقة فجاء رجل فقعد خلفه يتأخّر ‪ ،‬قال‬
‫ابن مفلحٍ ‪ :‬يعني أنّه يكره أن يكون في وسط الحلقة ‪ ،‬ويتوجّه تحريم ذلك ‪.‬‬
‫والجلوس في وسط الحلقة معناه ‪ :‬أن يأتي حلقةً فيتخطّى رقاب النّاس ويقعد وسط القوم ول‬
‫يقعد حيث ينتهي المجلس أو أن يقعد وسط الحلقة مقابلً بين وجوه المتحلّقين فيحجب‬
‫ض وإنّما لعن لنّهم يلعنونه ويذمونه لتأذّيهم ‪.‬‬
‫بعضهم عن بع ٍ‬
‫وقيل ‪ :‬اللّعن مختص بمن يجلس استهزا ًء كالمضحك وبمن يجلس لخذ العلم نفاقا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬تجنب إقامة شخصٍ من مجلسه ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه يكره للمصلّي تخصيص مكانٍ لنفسه في المسجد لنّه يخل‬ ‫‪7‬‬

‫بالخشوع ‪ ،‬أي لنّه إذا اعتاده ثمّ صلّى في غيره يبقى باله مشغولً بالوّل ‪ ،‬بخلف ما إذا لم‬
‫يألف مكانا معيّنا ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬ليس لمن له في المسجد موضع معيّن يواظب عليه ‪ -‬ولو مدرّسا ‪ -‬وقد شغله‬
‫غيره إزعاج هذا الغير منه ‪ ،‬لنّ المسجد ليس ملكا لحد ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬وينبغي تقييده‬
‫ل ‪ ،‬ول سيّما إذا وضع‬
‫بما إذا لم يقم عنه على نيّة العود بل مهلةٍ ‪ ،‬كما لو قام للوضوء مث ً‬
‫فيه ثوبه لتحقق سبق يده ‪.‬‬
‫وقال الخير الرّملي ‪ :‬مثل المسجد مقاعد السواق الّتي يتّخذها المحترفون ‪ :‬من سبق لها‬
‫فهو الحق بها ‪ ،‬وليس لمتّخذها أن يزعجه إذ ل حقّ له فيها ما دام فيها ‪ ،‬فإذا قام عنها‬
‫استوى هو وغيره فيها مطلقا ‪ ،‬قال ابن عابدين ‪ :‬والمراد بها ‪ -‬بالمقاعد ‪ -‬الّتي ل تضر‬
‫العامّة وإل أزعج فيها مطلقا ‪.‬‬
‫س ‪ ،‬وكذا‬
‫وصرّحوا بأنّه إذا ضاق المسجد فللمصلّي إزعاج القاعد ولو مشتغلً بقراءة أو در ٍ‬
‫إذا لم يضق لكن في قعود القاعد قطع للصّفّ ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬وكذا كل ما يكون المسلمون فيه سواءً ‪ ،‬كالنزول في‬
‫وفي شرح السّير الكبير للسّرخس ّ‬
‫ت للحجّ حتّى لو ضرب‬
‫الرّباطات ‪ ،‬والجلوس في المساجد للصّلة والنزول بمنى أو عرفا ٍ‬
‫ن كان ينزل فيه غيره فهو أحق ‪ ،‬وليس للخر أن يحوّله ‪ ،‬فإن أخذ موضعا‬
‫فسطاطه في مكا ٍ‬
‫فوق ما يحتاجه فللغير أخذ الزّائد منه ‪.‬‬
‫وسئل مالك عن الرّجل يقوم من المجلس فقيل له ‪ :‬إنّ بعض النّاس يزعم أنّه إذا قام الرّجل‬
‫من مجلسه ثمّ رجع إليه إنّه أحق به ‪ ،‬فقال ‪ :‬سمعت في ذلك شيئا ‪ ،‬وإنّه لحسن إن كان‬
‫إتيانه قريبا ‪ ،‬وإن تباعد ذلك حتّى يذهب بعيدا ونحو ذلك فل أرى ذلك له ‪ ،‬وإنّ هذا لمن‬
‫محاسن الخلق ‪ ،‬قال محمّد بن رشدٍ معناه ‪ :‬إذا قام عنه على أن ل يرجع إليه وأمّا إن قام‬
‫عنه على أن يرجع إليه فهو أحق به إن رجع بالقرب ‪ ،‬فتحصيل هذا أنّه إن قام عنه على‬
‫أن ل يرجع إليه فرجع بالقرب ‪ ،‬حسن أن يقوم له عنه من جلس بعده فيه ‪ ،‬وإن لم يرجع‬
‫بالقرب لم يكن ذلك عليه في الستحسان ‪ ،‬وإن قام عنه على أن يعود إليه فعاد إليه بالقرب‬
‫ق به ‪ ،‬ووجب على من جلس فيه بعده أن يقوم له عنه ‪ ،‬وإن لم يعد إليه بالقرب ‪،‬‬
‫كان أح ّ‬
‫حسن أن يقوم له عنه من جلس فيه بعده ولم يجب ذلك عليه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يحرم أن يقيم أحدا ولو في غير المسجد ليجلس مكانه لخبر ‪ « :‬نهى أن‬
‫يقام الرّجل من مجلسه ويجلس فيه آخر ولكن تفسّحوا وتوسّعوا » ‪.‬‬
‫فإن قام الجالس باختياره وأجلس غيره فل كراهة في جلوس غيره ‪ ،‬وأمّا هو فإن انتقل إلى‬
‫مكانٍ أقرب إلى المام أو مثله لم يكره ‪ ،‬وإل كره إن لم يكن عذر كإيثار نحو عالمٍ وقارئٍ‬
‫لنّ اليثار بالقرب مكروه ‪.‬‬
‫وقال النّووي ‪ :‬استثنى أصحابنا من ألف من المسجد موضعا يفتي فيه أو يقرئ فيه قرآنا أو‬
‫علما فله أن يقيم من سبقه إلى القعود فيه وفي معناه ‪ -‬كما قال ابن حج ٍر ‪ -‬من سبق إلى‬
‫موضعٍ من الشّوارع ومقاعد السواق لمعاملة ‪.‬‬
‫ن ليقوم عنه إذا جاء هو ‪.‬‬
‫ويجوز أن يبعث من يقعد له في مكا ٍ‬
‫وإذا فرش لحد ثوب أو نحوه فلغيره تنحيته والصّلة مكانه ل الجلوس عليه بغير رضا‬
‫صاحبه ول يرفعه بيده أو غيرها لئلّا يدخل في ضمانه ‪.‬‬
‫ومن جلس في موض ٍع من المسجد أو غيره لصلة مثلً ثمّ فارقه ليعود إليه ‪ -‬بعد وضوءٍ‬
‫مثلً أو شغلٍ يسيرٍ ‪ -‬ل يبطل اختصاصه به ‪ ،‬وله أن يقيم من قعد فيه ‪ ،‬وعلى القاعد أن‬
‫ح وقيل ‪ :‬يستحب ‪.‬‬
‫يطيعه وجوبا على الص ّ‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يحرم أن يقيم غيره فيجلس مكانه ‪ ،‬ولو عبده الكبير أو ولده الكبير لنّه‬
‫ليس بمال ‪ ،‬وإنّما هو حق ديني فاستوى فيه السّيّد وعبده ‪ ،‬والوالد وولده ‪ ،‬أو كانت عادته‬
‫الصّلة فيه ‪ ،‬حتّى المعلّم ونحوه كالمفتي والمحدّث ومن يجلس للمذاكرة في الفقه إذا جلس‬
‫ي صلى ال‬
‫إنسان موضع حلقته حرم عليه إقامته لما روى ابن عمر رضي ال عنه أنّ النّب ّ‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬نهى أن يقام الرّجل من مجلسه ويجلس فيه آخر ولكن تفسّحوا وتوسّعوا »‬
‫ولكن يقول ‪ :‬افسحوا ولنّ المسجد بيت اللّه والنّاس فيه سواء إل الصّغير فيؤخّر ‪.‬‬
‫وقواعد المذهب ‪ :‬تقتضي عدم صحّة صلة من أخّر مكلّفا وجلس مكانه ‪ ،‬لشبهه الغاصب إل‬
‫ن النّائب يقوم باختياره ‪ ،‬ولنّه قعد فيه‬
‫من جلس بموضع يحفظه لغيره بإذنه أو دونه ل ّ‬
‫لحفظه له ول يحصل ذلك إل بإقامته ‪ ،‬لكن إن جلس في مكان المام أو طريق المارّة أو‬
‫ن ضيّقٍ أقيم ‪.‬‬
‫استقبل المصلّين في مكا ٍ‬
‫ويكره إيثاره غيره بمكانه الفضل كالصّفّ الوّل ونحوه وكيمين المام ويتحوّل إلى ما‬
‫دونه ‪ ،‬لما في ذلك من الرّغبة عن المكان الفضل ‪ ،‬وظاهره ‪ :‬ولو آثر به والده ونحوه ‪،‬‬
‫ول يكره للمؤثر قبول المكان الفضل ول رده ‪ ،‬فلو آثر ‪ -‬الجالس بمكان أفضل ‪ -‬زيدا‬
‫ى مفروشا فليس له رفعه‬
‫فسبقه إليه عمرو ‪ ،‬حرم على عمرٍو سبقه إليه ‪ ،‬وإن وجد مصّل ً‬
‫لنّه كالنّائب عنه ‪ ،‬ولما فيه من الفتيات على صاحبه والتّصرف في ملكه بغير إذنه‬
‫والفضاء إلى الخصومة ‪ ،‬وقاسه في الشّرح على رحبة المسجد ومقاعد السواق ما لم‬
‫تحضر الصّلة فله رفعه والصّلة مكانه ‪ ،‬لنّه ل حرمة له بنفسه وإنّما الحرمة لربّه ولم‬
‫يحضر ‪ ،‬ول الجلوس ول الصّلة عليه ‪.‬‬
‫قال في الفروع ‪ :‬ويتوجّه إن حرم رفعه فله فرشه ‪ ،‬وإل كره ومنع من الفرش الشّيخ ‪،‬‬
‫لتحجره مكانا من المسجد ‪ ،‬ومن قام من موضعه من المسجد لعارض لحقه ثمّ عاد إليه‬
‫قريبا ‪ ،‬فهو أحق به لما روي عن أبي أيوب رضي ال عنه مرفوعا ‪ « :‬من قام من مجلسه‬
‫ثمّ رجع إليه فهو أحق به » وقيّده في الوجيز بما إذا عاد ولم يتشاغل بغيره ما لم يكن صبيا‬
‫قام في صفّ فاض ٍل أو في وسط الصّفّ ث ّم قام لعارض ثمّ عاد ‪ ،‬فيؤخّر كما لو لم يقم منه‬
‫بالولى فإن لم يصل العائد إليه إل بالتّخطّي جاز له التّخطّي كمن رأى فرج ًة ل يصل إليها‬
‫إل به ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬السّلم ‪:‬‬
‫ل يعمهم سلم واحد فسلّم‬
‫ي ‪ :‬لو دخل شخص مجلسا ‪ ،‬فإن كان الجمع قلي ً‬
‫‪ -‬قال الماورد ّ‬ ‫‪8‬‬

‫كفاه ‪ ،‬فإن زاد فخصّص بعضهم فل بأس ‪ ،‬ويكفي أن يردّ منهم واحد فإن زاد فل بأس ‪،‬‬
‫وإن كانوا كثيرا بحيث ل ينتشر فيهم فيبتدأ أوّل دخوله إذا شاهدهم وتتأدّى سنّة السّلم في‬
‫حقّ جميع من يسمعه ‪ ،‬ويجب على من سمعه الرّد على الكفاية ‪ ،‬وإذا جلس سقط عنه سنّة‬
‫السّلم فيمن لم يسمعه من الباقين ‪.‬‬
‫وفي مجلس القضاء ل يسلّم القاضي على الخصوم ول هم يسلّمون عليه لنّهم لو سلّموا‬
‫عليه ل يلزمه الرّد وذلك لنّه اشتغل بأمر هو أعظم وأهم ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه‬
‫ومن قام من المجلس فعليه أن يسلّم أيضا فعن أبي هريرة رضي ال عنه أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا انتهى أحدكم إلى مجلسٍ فليسلّم ‪ ،‬فإن بدا له أن يجلس‬
‫ق من الخرة » ‪.‬‬
‫فليجلس ‪ ،‬ثمّ إذا قام فليسلّم ‪ ،‬فليست الولى بأح ّ‬
‫كفّارة المجلس والدعاء فيه ‪:‬‬
‫‪ -‬يستحب للرّجل إذا قام من مجلسه أن يقول ‪ :‬سبحانك اللّهمّ وبحمدك أشهد أن ل إله إل‬ ‫‪9‬‬

‫أنت أستغفرك وأتوب إليك فإنّه يغفر له ما كان في مجلسه ‪ ،‬لما روي عن أبي هريرة رضي‬
‫ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من جلس في مجلسٍ فكثر فيه لغطه‬
‫فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك ‪ :‬سبحانك اللّهمّ وبحمدك ‪ ،‬أشهد أن ل إله إل أنت ‪،‬‬
‫أستغفرك وأتوب إليك ‪ ،‬إل غفر له ما كان في مجلسه ذلك » ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫واحتجّ أبو بك ٍر الجري في كفّارة المجلس بما رواه جبير بن مطعمٍ عن النّب ّ‬
‫وسلم أنّه قال ‪ « :‬كفّارة المجلس أن ل يقوم حتّى يقول ‪ :‬سبحانك اللّهمّ وبحمدك ل إله إل‬
‫ي واغفر لي » يقولها ثلث مرّاتٍ ‪ ،‬فإن كان مجلس لغطٍ كانت كفّار ًة له ‪ ،‬وإن‬
‫أنت تب عل ّ‬
‫كان مجلس ذكرٍ كانت طابعا عليه ‪.‬‬
‫وروي عن جماع ٍة من أهل العلم منهم مجاهد وأبو الحوص ويحيى بن جعدة وعطاء قالوا ‪:‬‬
‫ن َتقُومُ } أي ‪ :‬حين تقوم من مجلسٍ تقول ‪:‬‬
‫حمْدِ رَبّكَ حِي َ‬
‫في تأويل قوله تعالى ‪َ { :‬وسَ ّبحْ ِب َ‬
‫سبحانك اللّهمّ وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬من قالها غفر اللّه له ما كان في‬
‫المجلس ‪ ،‬وقال عطاء ‪ :‬إن كنت أحسنت ازددت إحسانا وإن كنت غير ذلك كان كفّار ًة ‪.‬‬
‫قال ابن علن في شرح حديث أبي هريرة ‪ :‬عمومه مخصوص بما عدا الكبائر فإنّها ل تكفّر‬
‫إل بالتّوبة أو بالفضل اللهيّ ‪ ،‬وبما عدا تبعات العباد ‪ ،‬لنّ إسقاطها عند التّلوث بها‬
‫ق وهذا التّخصيص مأخوذ من أحاديث أخر ‪.‬‬
‫موقوف على رضا ذي الح ّ‬
‫ثمّ قال ‪ :‬وإنّما ترتّب على هذا الذّكر غفر ما كسب في ذلك المجلس لما فيه من تنزيه المولى‬
‫سبحانه والثّناء عليه بإحسانه والشّهادة بتوحيده ‪ ،‬ثمّ سؤال المغفرة من جنابه وهو الّذي ل‬
‫يخيّب قاصد بابه ‪.‬‬
‫أمانة المجلس ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الخادمي في شرح حديث ‪ « :‬المجالس بالمانة » أي ل يشيع حديث جليسه ‪،‬‬ ‫‪10‬‬

‫وفيه إشارة إلى مجالسة أهل المانة وتجنب أهل الخيانة ‪ ،‬وعن العسكريّ ‪ :‬يريد أنّ الرّجل‬
‫يجلس إلى القوم فيخوضون في حديثٍ ربّما كان فيه ما يكرهون ‪ ،‬فيأمنونه على سرّهم ‪،‬‬
‫ن المجالس إنّما تحسن بالمانة لحاضريها‬
‫فذلك الحديث كالمانة عنده ‪ ،‬وفسّر أيضا ‪ :‬بأ ّ‬
‫على ما يقع فيها من قولٍ أو فعلٍ ‪.‬‬
‫وقال رجب بن أحمد ‪ :‬يعني جميع المجالس ما وقع فيها من القوال والفعال ملبس‬
‫بالمانات على أهلها دون الخيانة فل يجوز إظهار ما فيها وإفشاؤه بين النّاس ‪.‬‬
‫وقال الغزالي ‪ :‬إفشاء السّرّ منهي عنه لما فيه من اليذاء والتّهاون بحقّ المعارف‬
‫والصدقاء ‪ ،‬قال النّبي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا حدّث الرّجل الحديث ثمّ التفت فهي‬
‫أمانة » ‪.‬‬
‫سرّ حرام إذا كان فيه إضرار ‪ ،‬ولؤم إن لم يكن فيه إضرار ‪.‬‬
‫وإفشاء ال ّ‬
‫وقال ابن مفلحٍ ‪ :‬ل يجوز الستماع إلى كلم قومٍ يتشاورون ‪ ،‬ويجب حفظ س ّر من يلتفت في‬
‫حديثه حذرا من إشاعته ‪ ،‬لنّه كالمستودع لحديث جابر بن عبد اللّه رضي ال عنهما عن‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا حدّث الرّجل بالحديث ثمّ التفت فهي أمانة » ‪.‬‬
‫واستثني من خطر إفشاء السّ ّر ثلثة مجالس ‪ ،‬وردت في الحديث الّذي رواه جابر رضي ال‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬المجالس بالمانة إل ثلثة مجالس ‪ :‬سفك‬
‫عنه أ ّ‬
‫دمٍ حرامٍ ‪ ،‬وفرجٍ حرامٍ ‪ ،‬واقتطاع مالٍ بغير حقّ » ‪.‬‬
‫ق ‪ ،‬ويلحقه ما يتعلّق بالضّرب‬
‫قال الخادمي ‪ :‬فيفشي ما سمع عمّا يتعلّق بإهراق دمٍ بغير ح ّ‬
‫س يقتطع فيه مال مسلمٍ أو ذمّيّ بغير حقّ‬
‫والجرح ‪ ،‬ويفشي ما سمع عن الزّنا ‪ ،‬وعن مجل ٍ‬
‫ي مبيحٍ ‪ ،‬فيظهر ما يتعلّق بالسّرقة والغصب أو التّلف أو الهدار ‪ ،‬فل يجوز للسّامع‬
‫شرع ّ‬
‫كتمه ‪ ،‬قال في الفيض ‪ :‬قال القاضي ‪ :‬يريد أنّ المؤمن ينبغي إذا حضر مجلسا ووجد أهله‬
‫على منكرٍ أن يستر عوراتهم ول يشيع ما يرى منهم ‪ ،‬إل أن يكون أحد هذه الثّلثة فإنّه‬
‫فساد كبير وإخفاؤه ضرر عظيم ‪.‬‬
‫مجالس اللّهو ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه ل يجوز حضور مجلس اللّهو إذا كان فيه معصية ‪.‬‬ ‫‪11‬‬

‫ت الّذِينَ َيخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فََأعْرِضْ‬


‫قال ابن العربيّ في تفسير قول اللّه تعالى ‪َ { :‬وإِذَا َرأَيْ َ‬
‫عَ ْن ُهمْ حَتّى َيخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } هذا دليل على أنّ مجالسة أهل الكبائر ل تحل ‪.‬‬
‫وقال البخاري ‪ :‬كل لهوٍ باطل إذا شغله عن طاعة اللّه ‪ ،‬قال ابن حج ٍر ‪ :‬كمن التهى بشيء‬
‫من الشياء المطلقة سواء كان مأذونا في فعله أو منهيا عنه ‪ ،‬كمن اشتغل بصلة نافل ٍة أو‬
‫ل حتّى خرج وقت الصّلة المفروضة عمدا ‪ ،‬فإنّه‬
‫بتلوة أو ذك ٍر أو تفكرٍ في معاني القرآن مث ً‬
‫يدخل تحت هذا الضّابط ‪ ،‬وإذا كان هذا من الشياء المرغّب فيها المطلوب فعلها فكيف حال‬
‫ما دونها ‪.‬‬
‫وتفصيل الحكام المتعلّقة باللّهو في مصطلح ‪ ( :‬له ٌو ف ‪ 3‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫مجلس القضاء ‪:‬‬
‫‪ -‬مجلس القضاء يستقبل القاضي فيه الخصوم ووكلءهم والشهود ‪ ،‬ويستمع إلى‬ ‫‪12‬‬

‫دعاويهم وحججهم ويصدر فيه الحكام ‪.‬‬


‫ولهذا المجلس آداب وأحكام فقهيّة ‪ ،‬تتعلّق بالمكان ‪ ،‬وبالقاضي ‪ ،‬والمتقاضين ‪ ،‬ووكلئهم ‪،‬‬
‫وبالشّهادة والقرار فيه ‪ ،‬وبمن يحضره ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪37 32‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬قضاء ف‬

‫حكْم *‬
‫مَجْلِس ال ُ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬مجلس الحكم ‪ :‬مركّب إضافي من كلمتين ‪ :‬هما مجلس وحكم ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫والمجلس في اللغة ‪ :‬موضع الجلوس والحكم مصدر ‪ :‬حكم ‪.‬‬


‫ومن معانيه ‪ :‬القضاء والعلم والفقه ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬مجلس الحكم هو المكان الّذي يقعد فيه القاضي لفصل القضاء وإصدار‬
‫الحكم ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫مجلس العقد ‪:‬‬
‫‪ -‬مجلس العقد ‪ :‬هو الجتماع للعقد ‪ ،‬جاء في مجلّة الحكام العدليّة مجلس البيع ‪ :‬هو‬ ‫‪2‬‬

‫الجتماع الواقع لعقد البيع ‪.‬‬


‫الحكام المتعلّقة بمجلس الحكم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه ينبغي للقاضي أن يجعل مجلس حكمه في موض ٍع بارزٍ للنّاس ل‬ ‫‪3‬‬

‫يكون دونه حجاب بغير عذرٍ ‪ ،‬وأن يكون في وسط البلد ليتساوى النّاس في القرب منه ‪،‬‬
‫ق ‪ ،‬وأن يكون في أشهر الماكن ومجامع النّاس ‪ ،‬وأن‬
‫وأن يكون واسعا فسيحا غير ضيّ ٍ‬
‫يكون مصونا عمّا يؤذي من حرّ وبر ٍد وريحٍ ‪ ،‬وأن يكون مناسبا للقضاء ‪ ،‬وأن ل يحتجب‬
‫القاضي بغير عذ ٍر ‪.‬‬
‫اتّخاذ المساجد مجلسا للحكم ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في اتّخاذ المساجد مجلسا للحكم ‪:‬‬ ‫‪4‬‬

‫فقال جمهور الفقهاء ‪ :‬يجوز أن يتّخذ القاضي المسجد مجلس حكمه بل ينبغي أن يجلس في‬
‫المسجد الجامع ‪ ،‬وجاء في المدوّنة ‪ :‬القضاء في المسجد من المر القديم وهو الحق ‪.‬‬
‫قال مالك ‪ :‬لنّه يرضى فيه بالدون من المجلس وهو أقرب على النّاس في شهودهم ‪ ،‬ويصل‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم كان يفصل‬
‫إليه الضّعيف والمرأة ‪ ،‬يدل على ذلك أ ّ‬
‫الخصومات في المسجد ‪ ،‬وكذا الخلفاء الرّاشدون كانوا يجلسون في المساجد لفصل‬
‫الخصومات ‪.‬‬
‫ولنّ القضاء عبادة فيجوز إقامتها فيه كالصّلة ‪ ،‬والحسن أن يكون مجلس قضائه حيث‬
‫الجماعة ‪ :‬جماعة النّاس وفي المسجد الجامع إل أن يعلم ضرر ذلك بالنّصارى وأهل الملل ‪،‬‬
‫والنّساء الحيّض فيجلس في رحبة المسجد ‪ ،‬وقال سحنون ‪ :‬فإن دخل عليه ضرر بجلوسه‬
‫في المسجد لكثرة النّاس حتّى شغله ذلك عن النّظر والفهم فليكن له موضع في المسجد‬
‫يحول بينه وبينهم حائل ‪.‬‬
‫وعند الجمهور يجوز له أن يجلس في داره فإن دعته ضرورة فليفتح أبوابها وليجعل سبيلها‬
‫سبيل المواضع المتاحة لذلك من غير منعٍ ول حجابٍ ‪.‬‬
‫ك ‪ :‬ل بأس أن يقضي القاضي في داره وحيث أحبّ ‪.‬‬
‫وحكي عن مال ٍ‬
‫وقال صاحب تبصرة الحكّام وعزاه إلى صاحب تنبيه الحكّام ‪ :‬يكره للقاضي الجلوس في‬
‫منزله للقضاء والحكم ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يكره اتّخاذ المسجد مجلسا للحكم ‪ ،‬لنّ مجلس القاضي ل يخلو عن اللّغط‬
‫وارتفاع الصوات ‪ ،‬وقد يحتاج لحضار المجانين والطفال والحيّض والكفّار والدّوابّ‬
‫والمسجد يصان عن ذلك ‪.‬‬
‫فإن اتّفقت قضيّة أو قضايا وقت حضوره في المسجد فل بأس بها ‪.‬‬
‫وإن جلس في المسجد مع الكراهة أو دونها منع الخصوم من الخوض فيه بالمخاصمة‬
‫والمشاتمة ونحو ذلك ‪ ،‬بل يقعدون خارج المسجد ‪ ،‬وينصب من يدخل عليه خصمين‬
‫خصمين ‪.‬‬
‫أمّا ما يتعلّق بمعاملة القاضي في مجلس الحكم بالخصوم من تسويةٍ في كلّ شيءٍ وتأديب‬
‫–‬ ‫‪41‬‬ ‫من أساء الدب في مجلس الحكم وعلقته بالشهود فيرجع إلى مصطلح ‪ ( :‬قضاء ف‬
‫)‪.‬‬ ‫‪8‬‬ ‫وما بعدها ‪ ،‬وشهادة الزور ف ‪- 5‬‬ ‫‪36‬‬ ‫‪ ،‬وشهادة ف‬ ‫‪44‬‬

‫جلِس العَقْد *‬
‫مَ ْ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬مجلس العقد مركّب إضافي من لفظين هما ‪ :‬مجلس والعقد ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫والمجلس في اللغة ‪ :‬هو موضع الجلوس ‪ ،‬أمّا العقد في اللغة فهو ‪ :‬نقيض الحلّ ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬العقد هو ربط أجزاء التّصرف باليجاب والقبول ‪.‬‬
‫ومجلس العقد في الصطلح هو الجتماع للعقد ‪ ،‬جاء في مجلّة الحكام العدليّة ‪ :‬جنس‬
‫البيع هو الجتماع الواقع لعقد البيع ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫مجلس الحكم ‪:‬‬
‫‪ -‬مجلس الحكم هو المكان الّذي يقعد فيه القاضي ‪ -‬الحاكم ‪ -‬لفصل القضاء وإصدار‬ ‫‪2‬‬

‫الحكم ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بمجلس العقد ‪:‬‬
‫يتعلّق بمجلس العقد أحكام منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬اتّحاد مجلس العقد ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه يشترط في صيغة العقد اتّحاد المجلس ‪ ،‬بأن يقع اليجاب والقبول‬ ‫‪3‬‬

‫في مجلسٍ واحدٍ ‪ ،‬فلو اختلف المجلس بأن أوجب أحدهما فقام الخر من المجلس قبل القبول‬
‫أو اشتغل بعمل يوجب اختلف المجلس ثمّ قبل لم ينعقد وبطل اليجاب ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪22‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬عقد ف‬
‫ب ‪ -‬تقابض العوضين في مجلس العقد في الصّرف ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه يشترط في الصّرف تقابض العوضين في المجلس قبضا‬ ‫‪4‬‬

‫حقيقيا لحديث ‪ « :‬الذّهب بالذّهب والفضّة بالفضّة والبر بالب ّر والشّعير بالشّعير والتّمر‬
‫ل بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الصناف فبيعوا كيف‬
‫بالتّمر والملح بالملح مث ً‬
‫شئتم إذا كان يدا بيد » ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪39‬‬ ‫‪ ،‬وتقابض ف ‪ ، 5 – 4‬وصرف ف ‪ ، 7‬وقبض ف‬ ‫‪26‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬ربا ف‬
‫ج ‪ -‬اشتراط تسليم رأس مال السّلم في مجلس العقد ‪:‬‬
‫‪ -‬قال جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إنّه يشترط لصحّة ال سّلم تسليم‬ ‫‪5‬‬

‫رأس المال في مجلس العقد فلو تفرّقا قبله بطل العقد ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪41‬‬ ‫‪ ،‬وقبض ف‬ ‫‪16‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬سلم ف‬
‫د ‪ -‬ثبوت خيار فسخ العقد في مجلس العقد ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ للعاقدين خيار فسخ العقد بعد انعقاده ما داما في مجلس‬ ‫‪6‬‬

‫العقد ولم يتفرّقا ببدنيهما في البيع ونحوه ‪.‬‬


‫واستدلوا بقولـه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا أو يقول أحدهما‬
‫لصاحبه اختر » ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬خيار المجلس ف ‪ 2‬وما بعدها ) ‪.‬‬

‫جمَل *‬
‫مُ ْ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المجمل في اللغة ‪ :‬من أجمل المر أي ‪ :‬أبهمه وأجملت الشّيء إجمالً ‪ :‬جمعته من‬ ‫‪1‬‬

‫غير تفصيلٍ والمجمل من الكلم ‪ :‬الموجز ‪ ،‬قال الرّاغب الصفهاني ‪ :‬وحقيقة المجمل ‪ :‬هو‬
‫المشتمل على جملة أشياء كثير ٍة غير ملخّصةٍ ‪ ،‬والجملة ‪ :‬الكلم الّذي لم يبيّن تفصيله فهو‬
‫مجمل ‪ ،‬والحساب الّذي لم يفصّل ‪ ،‬ومنه قول اللّه تعالى في التّنزيل ‪َ { :‬لوََْل ُن ّزلَ عَلَ ْيهِ‬
‫جمْ َلةً وَاحِدَةً } ‪.‬‬
‫ن ُ‬
‫ا ْلقُرْآ ُ‬
‫واصطلحا ‪ :‬قال المدي ‪ :‬ما له دللة على أحد معنيين ل مزيّة لحدهما على الخر بالنّسبة‬
‫إليه ‪.‬‬
‫وقال القفّال الشّاشي وابن فوركٍ ‪ :‬ما ل يستقل بنفسه في المراد منه حتّى يبان تفسيره‬
‫ح ّقهُ َي ْومَ حَصَادِهِ } ‪.‬‬
‫كقوله تعالى ‪ { :‬وَآتُواْ َ‬
‫وقوله تعالى ‪َ { :‬وأَقِيمُواْ الصّلَ َة وَآتُواْ ال ّزكَاةَ } ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إل بحقّها » ‪.‬‬
‫وقول النّب ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫المبين ‪:‬‬
‫‪ -‬المبين من البيان وهو ‪ :‬اللّفظ الدّال بالوضع على معنىً إمّا بالصالة وإمّا بعد البيان ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وقال بعضهم ‪ :‬هو إخراج الشّيء من حيّز الشكال إلى حيّز التّجلّي ‪.‬‬
‫وقال آخرون ‪ :‬المبين في مقابلة المجمل وهو الّذي يفهم منه عند الطلق مراد المتكلّم ‪ ،‬أو‬
‫هو ما احتمل أمرين في أحدهما أظهر من الخر ‪.‬‬
‫والعلقة بين المجمل والمبين التّقابل ‪.‬‬
‫حكم المجمل ‪:‬‬
‫ن حكم المجمل التّوقف فيه إلى أن يرد تفسيره وتبيينه ‪ ،‬ول يصح‬
‫‪ -‬ذكر العلماء أ ّ‬ ‫‪3‬‬

‫الحتجاج بظاهره في شي ٍء يقع فيه النّزاع ‪.‬‬


‫قال الماورديّ ‪ :‬إن كان الجمال من جهة الشتراك واقترن به تبيينه أخذ به ‪.‬‬
‫وإن تجرّد عن ذلك واقترن به عرف عمل به ‪ ،‬وإن تجرّد عن التّبيين والعرف وجب‬
‫الجتهاد في المراد منها ‪ ،‬وكان من خفيّ الحكام الّتي وكّل العلماء فيها إلى الستنباط ‪،‬‬
‫فصار داخلً في المجمل لخفائه وخارجا منه لمكان استنباطه ‪ ،‬ومثّلوا لهذا بقوله تعالى في‬
‫ق ِممّا آتَاهُ الّلهُ } حيث‬
‫علَ ْيهِ رِزْ ُقهُ فَلْيُنفِ ْ‬
‫سعَ ِتهِ َومَن قُ ِدرَ َ‬
‫س َعةٍ مّن َ‬
‫{ لِيُنفِقْ ذُو َ‬ ‫النّفقة ‪:‬‬
‫أجملت الية النّفقة في أقلّها وأوسطها وأكثرها حتّى اجتهد العلماء في تقديرها ‪.‬‬
‫ويتعلّق بالمجمل أحكام منها ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬وقوع المجمل في الكتاب والسنّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه يجوز ورود المجمل في كتاب اللّه تعالى وفي سنّة نبيّه صلى ال‬ ‫‪4‬‬

‫عليه وسلم ‪ ،‬وأنّ ذلك واقع فعلً كآيات الصّلة والزّكاة والجمعة حيث جاءت مجملةً ثمّ بيّنت‬
‫بنصوص أخرى ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬التّعبد بالمجمل قبل البيان والحكمة في ذلك ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الماورديّ والروياني ‪ :‬يجوز التّعبد بالخطاب بالمجمل قبل البيان لنّه صلى ال‬ ‫‪5‬‬

‫عليه وسلم بعث معاذا ‪ -‬رضي ال عنه ‪ -‬إلى اليمن وقال ‪ « :‬ادعهم إلى شهادة أن ل إله‬
‫ن اللّه افترض عليهم خمس‬
‫إل اللّه وأنّي رسول اللّه ‪ ،‬فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أ ّ‬
‫ن اللّه افترض عليهم صدق ًة تؤخذ‬
‫صلواتٍ في كلّ يومٍ وليل ٍة ‪ ،‬فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أ ّ‬
‫من أغنيائهم فتردّ في فقرائهم » وتعبّدهم بالتزام الزّكاة قبل بيانها ن وفي كيفيّة تعبدهم‬
‫بالتزامها وجهان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أنّهم متعبّدون قبل البيان بالتزامه بعد البيان ‪.‬‬
‫ل وبعد البيان بالتزامه مفسّرا ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬أنّهم متعبّدون قبل البيان بالتزامه مجم ً‬
‫وقال ابن السّمعانيّ ‪ :‬قالوا ‪ :‬إنّ التزام المجمل قبل بيانه واجب واختلف أصحابنا في كيفيّة‬
‫التزامه على وجهين وذكرهما ‪.‬‬
‫ح ّقهُ َي ْومَ حَصَادِهِ } يفهم من أصل اليجاب ‪ ،‬ويعزم على‬
‫قال الغزالي فقوله تعالى ‪ { :‬وَآتُواْ َ‬
‫أدائه وينتظر بيانه وقت الحصاد فالمخاطب فهم أصل المر بالزّكاة وجهل قدر الحقّ الواجب‬
‫عند الحصاد وعرف كذلك وقت اليتاء وأنّه حق في المال ‪.‬‬
‫والتّفصيل في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫‪ -‬وأمّا الحكمة في ذلك فقال الماورديّ والروياني ‪ :‬إنّما جاز الخطاب بالمجمل وإن كانوا‬ ‫‪6‬‬

‫ل يفهمونه لحد أمرين ‪:‬‬


‫الوّل ‪ :‬ليكون إجماله توطئةً للنّفس على قبول ما يتعقّبه من البيان ‪ ،‬فإنّه لو بدأ في تكليف‬
‫الصّلة وبيّنها لجاز أن تنفر النّفوس منها ول تنفر من إجمالها ‪.‬‬
‫ن اللّه تعالى جعل من الحكام جليا وجعل منها خفيا ليتفاضل النّاس في العلم‬
‫والثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫ل خفيا ‪ ،‬ثمّ‬
‫بها ‪ ،‬ويثابوا على الستنباط لها ‪ ،‬فلذلك جعل منها مفسّرا جليا وجعل منها مجم ً‬
‫قال الماورديّ ‪ :‬ومن المجمل ما ل يجب بيانه على الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وقال الغزالي رحمه ال ‪ :‬قلنا ‪ :‬إنّما يجوز الخطاب بمجمل يفيد فائد ًة ما لنّ قوله تعالى ‪:‬‬
‫ح ّقهُ َي ْومَ حَصَادِهِ } يعرف منه وجوب اليتاء ووقته وأنّه حق في المال ‪ ،‬فيمكن‬
‫{ وَآتُواْ َ‬
‫العزم فيه على المتثال والستعداد له ولو عزم على تركه عصى ‪.‬‬
‫والتّفصيل في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫مَجْنون *‬
‫انظر ‪ :‬جنون ‪.‬‬

‫جهّل *‬
‫ُم َ‬
‫انظر ‪ :‬تجهيل ‪.‬‬

‫مَجْهول *‬
‫انظر ‪ :‬جهالة ‪.‬‬

‫مَجُوس *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المجوس ‪ :‬فرقة من الكفرة يعبدون الشّمس والقمر والنّار ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬


‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أهل ال ّذمّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ال ّذمّة ‪ :‬المان لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ذمّة المسلمين واحدة يسعى بها‬ ‫‪2‬‬

‫أدناهم » ‪.‬‬
‫وال ّذمّة أيضا الضّمان والعهد ‪ ،‬وعهد ال ّذمّة ‪ :‬إقرار بعض الكفّار على كفره بشرط بذل‬
‫الجزية ‪ ،‬وأهل ال ّذمّة من أهل العهد ‪.‬‬
‫والمجوسي يكون من أهل ال ّذمّة إن عقد مع المام أو نائبه عقد ال ّذمّة ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمجوس ‪:‬‬
‫آنية المجوسيّ ‪:‬‬
‫ي لنّهم يأكلون الميتة فل يقرّب لهم‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة إلى أنّه يجب غسل آنية المجوس ّ‬ ‫‪2‬‬

‫طعام ‪ ،‬وحجّتهم حديث أبي ثعلبة الخشنيّ قال ‪ « :‬سئل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن‬
‫قدور المجوس فقال ‪ :‬أنقوها غسلً واطبخوا فيها » ‪.‬‬
‫ذبيحة المجوسيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يحل للمسلم أكل ذبيحة المجوسيّ عند جمهور الفقهاء الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة‬ ‫‪4‬‬

‫والحنابلة ‪ ،‬وهو قول ابن مسعودٍ وابن عبّاسٍ وعليّ وجابرٍ وأبو بردة وسعيد بن المسيّب‬
‫وعكرمة والحسن بن محمّدٍ وعطاءٍ ومجاه ٍد وابن أبي ليلى وسعيد بن جبي ٍر ومرّة الهمذانيّ‬
‫والزهريّ رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫ن إباحة طعام أهل‬
‫حلّ ّل ُكمْ } ل ّ‬
‫ب ِ‬
‫ن أُوتُواْ ا ْلكِتَا َ‬
‫واحتجوا بمفهوم قوله تعالى ‪َ { :‬وطَعَامُ الّذِي َ‬
‫الكتاب للمسلمين يقتضي تحريم طعام غيرهم من الكفّار ‪.‬‬
‫ي»‪.‬‬
‫وما روي أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل تؤكل ذبيحة المجوس ّ‬
‫وما روي عن قيس بن سكنٍ السديّ قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّكم‬
‫نزلتم بفارس من النّبط ‪ ،‬فإذا اشتريتم لحما ‪ ،‬فإن كان من يهوديّ أو نصرانيّ فكلوا ‪ ،‬وإن‬
‫كانت ذبيحة مجوسيّ فل تأكلوا » ‪.‬‬
‫وخالف أبو ثو ٍر وأباح ذبيحة المجوس محتجا بقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬سنوا بهم‬
‫سنّة أهل الكتاب » ‪ ،‬ومن حيث المعقول فلنّهم يقرون على الجزية كما يقر لهل الكتاب‬
‫فيقاسون عليهم في حلّ ذبائحهم ‪.‬‬
‫صيد المجوسيّ وحده أو بالشتراك مع المسلم ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬صيد المجوسيّ وحده ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا صاد المجوسي وحده بسهمه أو كلبه فإنّ العلماء اختلفوا في حكم صيده بالنّسبة‬ ‫‪5‬‬

‫للمسلم على قولين ‪:‬‬


‫القول الوّل ‪ :‬ذهب عامّة أهل العلم إلى القول بتحريم صيد المجوسيّ على المسلم إذا كان‬
‫الصّيد ممّا له زكاة أمّا ما ليست له زكاة كالسّمك والجراد فإنّهم قالوا ‪ :‬بحلّه ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬ذهب أبو ثو ٍر إلى حلّ صيد المجوسيّ كما قال بحلّ ذبيحته ودليله هو ما سبق‬
‫في قوله في ذبيحته ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬صيد المجوسيّ مشتركا مع المسلم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا اشترك مجوسي مع من هو أهل للصّيد فإنّ الصّيد حرام ل‬ ‫‪6‬‬

‫يؤكل ‪ ،‬وذلك لقاعدة تغليب جانب الحرمة على جانب الحلّ ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪40‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬صيد ‪ -‬ف‬
‫نكاح المجوسيّ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬زواج المسلم بالمجوسيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور العلماء إلى حرمة زواج المسلم من المجوسيّة واستدلوا بقوله تعالى ‪:‬‬ ‫‪7‬‬

‫عجَبَتْ ُكمْ } ‪.‬‬


‫{ َو َل تَنكِحُواْ ا ْل ُمشْ ِركَاتِ حَتّى ُي ْؤمِنّ َو َل َمةٌ ّم ْؤمِ َنةٌ خَ ْيرٌ مّن ّمشْ ِر َكةٍ وَ َل ْو أَ ْ‬
‫صمِ ا ْل َكوَافِرِ } ‪.‬‬
‫سكُوا ِبعِ َ‬
‫وبقولـه تعالى ‪ { :‬وَل ُت ْم ِ‬
‫وذهب أبو ثورٍ إلى حلّ نكاح المسلم بالمجوسيّة ‪ ،‬وقال ابن القصّار من المالكيّة ‪ :‬قال بعض‬
‫ن لهم كتابا أن تجوز مناكحتهم ‪.‬‬
‫أصحابنا ‪ :‬يجب على أحد القولين أ ّ‬
‫حلّ َل ُكمُ‬
‫ن المجوس لهم كتاب فهم من أهل الكتاب وقد قال اللّه تعالى ‪ { :‬الْ َي ْومَ ُأ ِ‬
‫واحتجوا بأ ّ‬
‫ت مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنَاتِ‬
‫حلّ ّلهُ ْم وَا ْلمُحْصَنَا ُ‬
‫طعَا ُمكُمْ ِ‬
‫حلّ ّل ُكمْ َو َ‬
‫طعَامُ الّذِينَ أُوتُواْ ا ْلكِتَابَ ِ‬
‫الطّيّبَاتُ َو َ‬
‫ن الّذِينَ أُوتُواْ ا ْلكِتَابَ مِن قَبْ ِل ُكمْ } ‪.‬‬
‫وَا ْل ُمحْصَنَاتُ مِ َ‬
‫ب ‪ -‬زواج المجوسيّ بالمسلمة ‪:‬‬
‫ن حَتّى‬
‫‪ -‬يحرم بالجماع زواج المجوسيّ بالمسلمة لقوله تعالى ‪َ { :‬ولَ تُن ِكحُواْ ا ْل ُمشِ ِركِي َ‬ ‫‪8‬‬

‫عوَ إِلَى‬
‫عجَ َبكُ ْم ُأوْلَـئِكَ يَ ْدعُونَ إِلَى النّارِ وَالّل ُه يَدْ ُ‬
‫ك وَ َلوْ أَ ْ‬
‫ُي ْؤمِنُو ْا وَ َلعَبْدٌ ّم ْؤمِنٌ خَيْ ٌر مّن ّمشْرِ ٍ‬
‫ا ْلجَ ّنةِ وَا ْلمَ ْغفِرَ ِة بِإِذْ ِنهِ } ‪.‬‬
‫وهذا الحكم ل استثناء فيه بخلف ما قبله في قوله تعالى ‪َ { :‬و َل تَنكِحُواْ ا ْل ُمشْ ِركَاتِ } حيث‬
‫استثني منه أهل الكتاب ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إسلم زوجة المجوسيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا أسلمت زوجة المجوسيّ قبل زوجها فقد اختلف العلماء في ذلك على أقوالٍ ‪.‬‬ ‫‪9‬‬

‫والتّفصيل في ‪ ( :‬إسلم ف ‪. ) 6‬‬


‫تشبيه المسلم زوجته بالمجوسيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا ظاهر الزّوج المسلم من امرأته فشبّهها بالمجوسيّة فقد اختلفت أقوال الفقهاء في‬ ‫‪10‬‬

‫حكم هذا الظّهار على القوال التية ‪:‬‬


‫القول الوّل ‪ :‬ليس ذلك بظهار وهو قول الحنفيّة والشّافعيّة ورواية عن أحمد ووجه هذا‬
‫القول أنّها غير محرّمةٍ على التّأبيد فلم تشبه ال ّم فل يكون ظهارا وبقياس حرمة وطئها‬
‫على حرمة وطء الحائض والمحرمة ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬هو ظهار وهو مذهب الحنابلة وقول لبعض المالكيّة ‪.‬‬
‫القول الثّالث ‪ :‬للمالكيّة أنّه إنّ شبّه الزّوجة بظهر المجوسيّة وهي من المحرّمات مؤقّتا فهو‬
‫كناية ظاهرة في الظّهار إن نواه يقبل قوله في الفتوى والقضاء وإن شبّه الزّوجة‬
‫بالمجوسيّة دون كلمة الظّهر فإنّه إن نوى الظّهار قبل قوله في الفتوى ‪ ،‬ووجه هذا القول‬
‫أنّ المجوسيّة ليست محرّمةً على التّأبيد فل يكون اللّفظ صريحا في الظّهار ‪.‬‬
‫ولمّا كان يقصد به الظّهار كان كنايةً فيه ‪.‬‬
‫ظهار المجوسيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا ظاهر المجوسي من زوجته فقد اختلف أهل العلم في ذلك على قولين ‪:‬‬ ‫‪11‬‬

‫القول الوّل ‪ :‬ل يصح ظهاره وهو قول الحنفيّة والمالكيّة وحجّتهم ‪:‬‬
‫ن ُأ ّمهَا ِت ِهمْ } ‪.‬‬
‫ن مِنكُم مّن ّنسَا ِئهِم مّا هُ ّ‬
‫أ ‪ -‬قوله تعالى ‪ { :‬الّذِينَ ُيظَاهِرُو َ‬
‫ن اللّه تعالى قال ‪ { :‬مِنكُم } فالخطاب للمؤمنين فيدل على اختصاص‬
‫ووجه الستدلل أ ّ‬
‫الظّهار بالمسلمين ‪.‬‬
‫ل للكفّارة فل يصح ظهاره لنّها تفتقر إلى النّيّة وهو ليس من‬
‫ب ‪ -‬المجوسي ليس أه ً‬
‫أهلها ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬يصح ظهار المجوسيّ وهو قول الشّافعيّة والحنابلة وحجّتهم ‪:‬‬
‫حرِيرُ } ‪.‬‬
‫ن ِلمَا قَالُوا فَ َت ْ‬
‫ن مِن ّنسَا ِئ ِهمْ ُثمّ َيعُودُو َ‬
‫أ ‪ -‬قول اللّه تعالى ‪ { :‬وَالّذِينَ ُيظَا ِهرُو َ‬
‫ن الية عامّة فيدخل فيها الكافر أيضا فصحّ ظهاره ‪.‬‬
‫ووجه الدّللة أ ّ‬
‫ب ‪ -‬الظّهار لفظ يقتضي التّحريم فيصح من المجوسيّ كما يصح منه الطّلق ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الكفّارة فيها شائبة غرامةٍ فيصح منه العتاق ‪.‬‬
‫وصيّة المجوسيّ والوصيّة له ‪:‬‬
‫‪ -‬تأخذ كل من وصيّة المجوسيّ والوصيّة له حكم وصيّة الكافر والوصيّة له وذلك في‬ ‫‪12‬‬

‫الجملة والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬وصيّة ) ‪.‬‬


‫وقف المجوسيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬يصح وقف المجوسيّ ما دام بالغا عاقلً أهلً للتّبرع إذا كان الموقوف عليه قربةً عند‬ ‫‪13‬‬

‫المسلمين وعند المجوس ‪.‬‬


‫ل وهذا‬
‫أما إذا كان الوقف على معصيةٍ عند المسلمين وعند المجوس فإنّ الوقف يكون باط ً‬
‫في الجملة والتّفصيل في ‪ ( :‬وقف ) ‪.‬‬
‫توارث المجوسيّ والمسلم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ المجوسيّ ل يرث المسلم ول يرثه المسلم لنّه كافر لقول‬ ‫‪14‬‬

‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل يرث المسلم الكافر ول يرث الكافر المسلم » ‪ .‬والتّفصيل‬
‫)‪.‬‬ ‫‪20 28‬‬ ‫في مصطلح ‪ ( :‬جزية ف‬
‫القصاص بين المجوسيّ وغيره ‪:‬‬
‫‪ -‬المجوسي كافر وحكمه في القصاص حكم الكافر وهو مختلف فيه في القصاص له أو‬ ‫‪15‬‬

‫وما بعدها )‬ ‫‪13‬‬ ‫منه والتّفصيل في ‪ ( :‬قصاص ف‬


‫دية المجوسيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في دية المجوسيّ ال ّذمّيّ أو المستأمن على تفصيلٍ ينظر في ‪ ( :‬ديات‬ ‫‪16‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪32‬‬ ‫ف‬


‫تولية المجوسيّ القضاء ‪:‬‬
‫ي ل يتولّى القضاء على المسلم لنّ القضاء ولية بل‬
‫ن المجوس ّ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪17‬‬

‫ج َعلَ الّلهُ‬
‫من أعظم الوليات ‪ -‬ول ولية لكافر على مسلمٍ ‪ -‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَلَن َي ْ‬
‫ن سَبِيلً } ‪.‬‬
‫لِ ْلكَا ِفرِينَ عَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِي َ‬
‫وأمّا تولية المجوسيّ القضاء على المجوسيّ فاختلف فيها الفقهاء والتّفصيل في مصطلح ‪:‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪22‬‬ ‫( قضاء ف‬
‫قضاء القاضي المسلم بين المجوس ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب قضاء القاضي المسلم بين المجوس إذا ترافعوا إلينا وكانوا‬ ‫‪18‬‬

‫أهل ذ ّم ٍة أو عدم وجوبه ‪:‬‬


‫فذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا تحاكم المجوس وهم من أهل ال ّذمّة إلى المام ليس له أن يعرض‬
‫عنهم ونصوا على أنّ المسلمين وأهل ال ّذمّة سواء في عقود المعاملت والتّجارات والحدود‬
‫إل أنّهم ل يرجمون لنّهم غير محصنين ‪.‬‬
‫واختلف الحنفيّة في مناكحاتهم ‪ ،‬فقال أبو حنيفة ‪ :‬هم مقرون على أحكامهم ل يعترض‬
‫عليهم فيها إل أن يرضوا بأحكامنا ‪.‬‬
‫وقال محمّد ‪ :‬إذا رضي أحدهما حمل جميعا على أحكامنا وإن أبى الخر إل في النّكاح بغير‬
‫صةٍ ‪ ،‬وقال أبو يوسف ‪ :‬يحملون على أحكامنا وإن أبوا إل في النّكاح بغير شهودٍ‬
‫شهودٍ خا ّ‬
‫نجيزه إذا تراضوا بها ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إذا كانت الخصومة بين ذمّيّين خيّر القاضي في الحكم بينهم وبحكم السلم‬
‫في المظالم من الغصب والتّعدّي وجحد الحقوق ‪.‬‬
‫وإن تخاصموا في غير ذلك ردوا إلى أهل دينهم إل أن يرضوا بحكم السلم ‪ ،‬وإن كانت‬
‫ي وجب على القاضي الحكم بينهما ‪.‬‬
‫الخصومة بين مسلمٍ وذمّ ّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو ترافع إلينا مجوسي ذمّي أو معاهد أو مستأمن ومسلم يجب الحكم بينهما‬
‫بشرعنا قطعا طالبا كان المسلم أو مطلوبا لنّه يجب رفع الظلم عن المسلم والمسلم ل يمكن‬
‫رفعه إلى حاكم أهل ال ّذمّة ول تركهما متنازعين ‪ ،‬فرددنا من مع المسلم إلى حاكم المسلمين‬
‫لنّ السلم يعلو ول يعلى عليه ‪.‬‬
‫ولو ترافع مجوسيّان ذمّيّان ولم نشترط في عقد ال ّذمّة لهما التزام أحكامنا وجب علينا الحكم‬
‫حكُم بَيْ َنهُم ِبمَا أَن َز َل الّلهُ } ‪.‬‬
‫ناْ‬
‫بينهما في الظهر لقوله تعالى ‪َ { :‬وأَ ِ‬
‫ولنّه يجب على المام منع الظلم عن أهل ال ّذمّة فوجب الحكم بينهم كالمسلمين ‪ ،‬والثّاني ‪:‬‬
‫وهو مقابل الظهر ل يجب على القاضي الحكم بل يتخيّر لقول اللّه تعالى ‪ { :‬فَإِن جَآؤُوكَ‬
‫ض عَ ْن ُهمْ } ‪.‬‬
‫حكُم بَيْ َنهُم َأوْ أَعْرِ ْ‬
‫فَا ْ‬
‫أما لو ترافع إلينا مجوسيّان شرط في عقد ال ّذمّة لهما التزام أحكامنا فإنّه يجب الحكم بينهما‬
‫جزما عملً بالشّرط ‪.‬‬
‫وإن ترافع إلينا ذمّيّان اختلفت ملّتهما وأحدهما مجوسي فيجب كذلك على القاضي المسلم‬
‫ل منهما ل يرضى ملّة الخر ‪.‬‬
‫الحكم بينهما جزما لنّ ك ً‬
‫واستثنى الشّربيني الخطيب وغيره ما لو ترافع إلينا أهل ال ّذمّة في شرب الخمر فإنّهم ل‬
‫يحدون وإن رضوا بحكمنا لنّهم ل يعتقدون تحريمه ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إذا تحاكم إلينا أهل ال ّذمّة أي ومنهم المجوس ال ّذمّيون إذا استعدى بعضهم‬
‫على بعضٍ فالحاكم مخيّر بين إحضارهم والحكم بينهم وبين تركهم سواء كانوا من أهل دينٍ‬
‫واح ٍد أو من أهل أديانٍ ‪.‬‬
‫وحكى أبو الخطّاب عن أحمد روايةً أنّه يجب الحكم بينهم وإن تحاكم مسلم وذمّي‬
‫ف لنّه يجب دفع الظلم كل واحدٍ منهما عن‬
‫‪ -‬مجوسي ‪ -‬وجب الحكم بينهما بغير خل ٍ‬
‫صاحبه ‪.‬‬
‫شهادة المجوسيّ على المسلم ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين العلماء في جواز شهادة المسلم على المجوسيّ وغيره من الكفّار لنّ‬ ‫‪19‬‬

‫المسلم أهل للولية على المجوسيّ ‪.‬‬


‫ول خلف بين العلماء أيضا في عدم جواز شهادة المجوسيّ على المسلم ل في حض ٍر ول‬
‫سفرٍ ول وص ّي ٍة ول غيرها ‪.‬‬
‫لقولـه تعالى ‪َ { :‬وَأشْهِدُوا َذ َويْ عَ ْد ٍل مّنكُمْ } والمجوسي ليس منّا وليس عدلً فل تجوز‬
‫شهادته على المسلم ‪.‬‬
‫( وانظر شهادة ‪ -‬ف ‪. ) 5‬‬
‫عقد ال ّذمّة للمجوسيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا دعي المجوسي إلى السلم فأبى ثمّ دعي إلى الجزية فقبلها عقدت لهم ال ّذمّة ‪.‬‬ ‫‪20‬‬

‫ن الصّحابة أجمعوا على ذلك وعمل به الخلفاء‬


‫وأخذ الجزية من المجوسيّ ثابت بالجماع فإ ّ‬
‫الرّاشدون ومن بعدهم من غير نكيرٍ ول مخالفٍ وبه يقول أهل العلم ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬سنوا بهم سنّة أهل الكتاب » ‪.‬‬
‫وذلك لما روي أنّ النّب ّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪29‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪28‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬جزية ف‬

‫مُجُون *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المجون في اللغة ‪ :‬الصّلبة والغلظة ‪ ،‬وهو مصدر مجن الشّيء يمجن مجونا ‪ :‬صلب‬ ‫‪1‬‬

‫وغلظ ‪ ،‬والوصف ماجن ‪ ،‬ومنه اشتقاق الماجن لصلبة وجهه وقلّة حيائه ‪ ،‬وقيل ‪ :‬المجون‬
‫خلط الجدّ بالهزل ‪.‬‬
‫وفي لسان العرب ‪ :‬الماجن عند العرب هو الّذي يرتكب المقابح المردية والفضائح المخزية‬
‫ول يمنعه عذل عاذله ول تقريع من يقرّعه ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬أن ل يبالي النسان بما صنع ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫السّفه ‪:‬‬
‫‪ -‬السّفه في اللغة ‪ :‬نقص في العقل ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وأصله الخفّة ‪.‬‬


‫وفي الصطلح ‪ :‬صفة ل يكون الشّخص معها مطلق التّصرف ‪.‬‬
‫ل من المجون والسّفه نقص في الشّخص ‪.‬‬
‫نكً‬
‫والصّلة أ ّ‬
‫الحكام المتعلّقة بالمجون ‪:‬‬
‫‪ -‬المجون يسقط المروءة ويخرم العدالة ‪ ،‬فل تقبل شهادة الماجن وهو من ل يبالي ما‬ ‫‪3‬‬

‫صنع ‪ ،‬ول يترفّع عن التّصرفات الدّنيئة الّتي يستحيي منها أهل المروءات ‪ ،‬وذلك إمّا لنقص‬
‫عقلٍ أو قلّة مبال ٍة وعلى التّقديرين تبطل الثّقة بقوله فل تقبل شهادته ‪.‬‬
‫الحجر على الماجن ‪:‬‬
‫‪ -‬نصّ الحنفيّة على أنّه يمنع المفتي الماجن الّذي يعلم الحيل الباطلة كتعليم المرأة الرّدّة‬ ‫‪4‬‬

‫لتبين من زوجها ‪ ،‬ويمنع طبيب جاهل وهو الّذي يسقي المرضى دوا ًء مهلكا ‪ ،‬ويمنع مكارٍ‬
‫مفلسٍ كمن يكري إبلً وليس له إبل ول مال ليشتريها به وإذا جاء أوان الخروج يخفي‬
‫ص والعامّ ‪.‬‬
‫نفسه ‪ ،‬ومنع هؤلء المفسدين للديان والبدان والموال دفع إضرارٍ بالخا ّ‬
‫وليس المراد بالمنع هنا حقيقة الحجر وهو المنع الشّرعي الّذي يمنع نفوذ التّصرف لنّ‬
‫ن المراد‬
‫المفتي لو أفتى بعد المنع وأصاب جاز وكذا الطّبيب لو باع الدوية نفذ فدلّ على أ ّ‬
‫المنع الحسّيّ ‪.‬‬

‫مُحَابَاة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المحاباة في اللغة ‪ :‬مصدر حابى يقال ‪ :‬حاباه محاباةً وحبا ًء ‪ :‬اختصّه ومال إليه‬ ‫‪1‬‬

‫ونصره ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬المحاباة هي النقصان عن قيمة المثل في الوصيّة بالبيع والزّيادة على‬
‫قال القهستان ّ‬
‫قيمته في الشّراء ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمحاباة ‪:‬‬
‫المحاباة في المعاوضات الماليّة ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬المحاباة في البيع والشّراء ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المحاباة من الصّحيح ‪:‬‬
‫‪ -‬المحاباة من الصّحيح غير المريض مرض الموت يترتّب عليها استحقاق المتبرّع له بها‬ ‫‪2‬‬

‫ن المحاباة‬
‫من جميع مال المحابي إن كان صحيحا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ق لحد في‬
‫توجب الملك في الحال فيعتبر حال التّعاقد فإذا كان المحابي صحيحا حينئذٍ فل ح ّ‬
‫ماله فتؤخذ من جميع ماله ل من الثلث ‪.‬‬
‫ن المحاباة إذا كانت من الصّحيح فإمّا أن يقبض المشتري ذلك قبضا معتبرا‬
‫ويرى المالكيّة أ ّ‬
‫شرعا أم ل ‪ ،‬فإن قبضها قبضا معتبرا ففيها قولن ‪ :‬أرجحهما اختصاص المشتري بها دون‬
‫غيرها من الورثة أو الدّائنين ‪.‬‬
‫وإن لم يقع قبض ففيه ثلثة أقوالٍ ذكرها ابن رشدٍ ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬يبطل البيع في الجميع ويرد إلى المشتري ما دفع من ثمنٍ ‪ ،‬وهذا هو ما في‬
‫الواضحة عن الخوين وأصبغ وقول ابن القاسم ‪.‬‬
‫ثانيها ‪ :‬يبطل البيع في قدر المحاباة من المبيع ويكون للمشتري من المبيع بقدر ثمنه ‪.‬‬
‫وثالثها ‪ :‬يخيّر في تملك جزءٍ من المبيع بقدر ثمنه ‪ ،‬وفي أن يدفع بقيّة الثّمن فيكون له‬
‫جميع المبيع ‪.‬‬
‫صحّة وتمامها في مرض الموت مثل ما‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬ولو كان ابتداء المحاباة في حال ال ّ‬
‫ن له خيار الفسخ خلل ثلثة أيّامٍ فمضت مدّة الخيار في مرضٍ طرأ‬
‫إذا باع بمحاباة على أ ّ‬
‫عليه خللها ومات منه فإنّه يعتبر خروج المحاباة من جميع مال المحابي ل من الثلث ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو باع بمحاباة بشرط الخيار ثمّ مرض وأجاز في مدّة الخيار ‪ ،‬أو ترك‬
‫الفسخ فيها عامدا ‪ ،‬إن قلنا الملك فيها للبائع فمن الثلث يعتبر قدر المحاباة ‪ ،‬لنّه ألزم العقد‬
‫صحّة وأقبض في المرض ‪ ،‬وإل فكمن اشترى‬
‫في المرض باختياره فأشبه من وهب في ال ّ‬
‫شيئا بمحاباة ثمّ مرض ووجده معيبا ولم يردّه مع المكان فل يعتبر من الثلث لنّه ليس‬
‫بتفويت بل امتناع من الكسب فقط ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المحاباة من المريض مرض الموت لغير وارثه ‪:‬‬
‫‪ -‬نصّ الحنفيّة على أنّه ل يجوز المحاباة ولو يسير ًة من المريض المدين بدين يحيط بكلّ‬ ‫‪3‬‬

‫ي ‪ -‬أي غير وارثٍ له ‪ -‬سواء أجازت الورثة المحاباة أم ل‬


‫ماله لو باع شيئا من ماله لجنب ّ‬
‫ويكون على المشتري حينئذٍ أن يزيل المحاباة بزيادة الثّمن إلى ثمن المثل أو يفسخ البيع ‪.‬‬
‫وإن لم يكن على المريض دين تجوز المحاباة ولو فاحشةً لكن تكون في ثلث ماله تؤخذ منه‬
‫إن وسعها ‪ ،‬بأن كانت المحاباة مساويةً للثلث أو أق ّل منه ‪ ،‬أمّا إن كانت المحاباة أكثر من‬
‫الثلث فل تجوز الزّيادة إل إذا أجازها الورثة باتّفاق المذاهب ‪.‬‬
‫وإن لم يجز الورثة ذلك كان للمشتري ‪ -‬عند الحنفيّة ‪ -‬أن يكمل بقيّة الثّمن أو يفسخ‬
‫البيع ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ثلثة أقوالٍ ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬يخيّر المشتري بين أن يكمل بقيّة الثّمن ويكون له جميع المبيع وبين أن يأخذ ما‬
‫دفع وليس له إل ثلث مال الميّت ‪.‬‬
‫وثانيها ‪ :‬يخيّر بين أن يكمل بقيّة الثّمن فيكون له جميع المبيع فإذا أبى فله ما يقابل ثمنه‬
‫من المبيع وثلث مال الميّت ‪.‬‬
‫وثالثها ‪ :‬ليس له أن يكمل جبرا على الورثة ويكون له ما يقابل ثمنه من المبيع مع ثلث مال‬
‫الميّت ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ‪ :‬للمشتري الخيار بين فسخ البيع والجازة في الثلث بما يقابله من الثّمن‬
‫لتفريق الصّفقة عليه ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة ‪ :‬إن اختار المشتري فسخ البيع فله ذلك وإن اختار إمضاء البيع ولزومه قال‬
‫ابن قدامة ‪ :‬الصّحيح عندي ‪ -‬فيما إذا باع المريض عقارا ل يملك غيره ‪ ،‬قيمته ثلثون‬
‫بعشرة ‪ -‬أنّه يأخذ نصف المبيع بنصف الثّمن ويفسخ البيع في الباقي لنّ في ذلك مقابلة‬
‫بعض المبيع بقسطه من الثّمن عند تعذر أخذ جميع المبيع بجميع الثّمن ‪.‬‬
‫واختار القاضي أبو يعلى أن يأخذ المشتري ثلثي المبيع بالثّمن كلّه ‪ ،‬لنّه يستحق الثلث‬
‫بالمحاباة والثلث الخر بالثّمن ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المحاباة من المريض مرض الموت لوارثه ‪:‬‬
‫‪ -‬إن كانت المحاباة من المريض مرض الموت لوارثه فل تجوز إل إذا أجازها باقي‬ ‫‪4‬‬

‫ن المحاباة في المرض بمنزلة الوصيّة ‪,‬‬


‫الورثة ‪ ,‬سواء كانت المحاباة يسيرةً أو فاحشةً ل ّ‬
‫والوصيّة لوارث ل تجوز إل بإجازة الورثة ‪ ,‬اتّفق على هذا الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫ن المحاباة لوارث أو لغير وارثٍ تجوز إذا كانت يسيرةً ‪ -‬أي‬
‫إل أنّ الشّافعيّة ذهبوا إلى أ ّ‬
‫يتغابن بمثله ‪ -‬ويحسب من جميع مال المريض كبيعه بثمن المثل ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬تبطل المحاباة ويبطل البيع في قدر المحاباة من المبيع ‪ ,‬وفي صحّة البيع‬
‫فيما عدا قدر المحاباة ثلثة أوجهٍ ‪ :‬أحدها ‪ :‬ل يصح ‪ ,‬لنّ المشتري بذل الثّمن في كلّ‬
‫المبيع فلم يصحّ البيع في بعضه ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬يبطل البيع في قدر المحاباة ويصح فيما يقابل الثّمن المسمّى بينهما ‪ ,‬وللمشتري‬
‫ن الصّفقة تفرّقت عليه ‪.‬‬
‫الخيار بين فسخ البيع وأخذ ما يقابل الثّمن ‪ ,‬ل ّ‬
‫الثّالث ‪ :‬يصح البيع في قدر المحاباة وغيرها ‪ ,‬ول ينفذ إل بإجازة بقيّة الورثة ‪ ,‬لنّ‬
‫الوصيّة للوارث صحيحة في أصحّ الرّوايتين ‪ ,‬وتتوقّف على إجازة بقيّة الورثة فكذلك‬
‫المحاباة ‪ ,‬فإن أجازوا المحاباة صحّ البيع ول خيار للمشتري ‪.‬‬
‫وإن لم يجز بقيّة الورثة المحاباة فعند الحنفيّة ‪ :‬يخيّر الوارث بين فسخ البيع وإزالة‬
‫المحاباة بإكمال الثّمن ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يبطل البيع في قدر المحاباة ‪ ,‬ويصح فيما بقي ‪ ,‬وللمشتري‬
‫الخيار بين فسخ البيع وأخذ ما بقي بعد قدر المحاباة ‪.‬‬
‫وللمالكيّة في ذلك ثلثة أقوالٍ منقولةٍ كلّها عن ابن القاسم ‪ :‬نقل أبو الحسن عنه أنّه يبطل‬
‫البيع والمحاباة ويرد له ما دفع من الثّمن ‪ ,‬ونقل ابن عرفة عنه أنّه تبطل المحاباة فقط ‪,‬‬
‫ويكون للوارث من المبيع بقدر ما دفع من الثّمن ‪.‬‬
‫ن للوارث أن يكمل الثّمن ‪ ,‬ويكون له جميع المبيع جبرا‬
‫ونقل عنه في المقصد المحمود أ ّ‬
‫على الورثة ‪.‬‬
‫ك ‪ :‬أنّ لبقيّة الورثة أن يأخذوا من المشتري ‪ -‬الوارث ‪ -‬بقيّة الثّمن‬
‫وروى مطرّف عن مال ٍ‬
‫الّذي وقعت فيه المحاباة ويكون له جميع المبيع ‪ ,‬قال صاحب المقصد المحمود ‪ :‬وظاهر‬
‫هذه الرّواية أن يكون له جميع المبيع جبرا عليه ‪.‬‬
‫والعبرة في قيمة المحاباة عند المالكيّة يوم فعلها ‪ ,‬فينظر إلى قيمة المبيع يوم البيع ل يوم‬
‫يموت البائع ‪ ,‬سواء كان البيع لوارث أو غير وارثٍ ‪.‬‬
‫ن المشتري يملك المبيع من يوم البيع ‪ ,‬فيجب أن ينظر في قيمته يوم البيع ‪,‬‬
‫ودليل ذلك أ ّ‬
‫فإن زادت قيمته أو نقصت فإنّما طرأ ذلك على ملكه فيكون لغوا ل اعتبار له ول يعتد به ‪.‬‬
‫د ‪ -‬المحاباة في عين المبيع ‪:‬‬
‫‪ -‬المحاباة كما تكون في ثمن المبيع تكون في عينه حتّى لو تمّ بيعه بمثل الثّمن أو أكثر ‪,‬‬ ‫‪5‬‬

‫وذلك مثل أن يختار البائع المريض أفضل ما عنده من عقا ٍر أو منقولٍ كتحفة نادرةٍ فيبيعه‬
‫لوارثه بمثل الثّمن أو أكثر ‪ .‬وهذه ل تجوز عند أبي حنيفة والمالكيّة ‪ ,‬لنّ المريض ممنوع‬
‫ن النّاس لهم أغراض في العين فل يملك إيثار بعض‬
‫من إيثار بعض الورثة بالعين ‪ ,‬ل ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫الورثة بها ‪ .‬وتجوز إن كان صحيحا ‪ ,‬أو مريضا وباعها لجنب ّ‬
‫هـ ‪ -‬محاباة الصّبيّ ‪:‬‬
‫ي حتّى ولو أذن له وليه في‬
‫‪ -‬المحاباة سواء كانت يسيرةً أم فاحشةً ل تجوز من الصّب ّ‬ ‫‪6‬‬

‫ي ل ب ّد أن تتحقّق فيها مصلحته عندهم ‪,‬‬


‫التّجارة عند المالكيّة والحنابلة ‪ ,‬لنّ تصرفات الصّب ّ‬
‫والمحاباة ل يتحقّق فيها ذلك ‪.‬‬
‫ي المأذون له ‪ -‬أي أذن له وليه ‪ -‬في التّجارة أن يبيع ويشتري‬
‫وعند الحنفيّة ‪ :‬يجوز للصّب ّ‬
‫بغبن يسي ٍر باتّفاق مشايخ المذهب ‪ ,‬لنّ ذلك من المور الضّروريّة للتّجارة ‪ ,‬ول يمكن‬
‫التّحرز عنها ‪ ,‬وكذلك يجوز له ‪ -‬عند أبي حنيفة ‪ -‬أن يبيع ويشتري بغبن فاحشٍ أيضا ‪,‬‬
‫لنّه هو الخر لزم في التّجارة ‪ ,‬فيدخل تحت الذن له بالتّجارة ‪ ،‬وعند أبي يوسف ومحمّدٍ‬
‫‪ :‬ل يجوز للصّبيّ ذلك ‪ ,‬لنّ الغبن الفاحش في معنى التّبرع ‪ ,‬والصّبي المأذون له في‬
‫التّجارة ل يجوز له التّبرع ‪.‬‬
‫ي أو اشترى منه ‪ ,‬فإن باع لبيه شيئا أو اشترى منه بغبن‬
‫هذا ما إذا باع الصّبي لجنب ّ‬
‫ش ففيه روايتان ‪ :‬الجواز وعدمه عن أبي حنيفة ‪.‬‬
‫فاح ٍ‬
‫ي ل يجوز‬
‫وإن باع الصّبي للوصيّ عليه أو اشترى منه فإن لم يكن فيهما نفع ظاهر للصّب ّ‬
‫عند الحنفيّة بدون خلفٍ ‪ .‬وإن كان فيهما نفع ظاهر للصّبيّ ومع ذلك فيهما محاباة فاحشة‬
‫‪ ,‬فعند أبي حنيفة وأبي يوسف ‪ :‬يجوز لما فيه من نفعٍ ظاهرٍ ‪ ,‬وعند محمّدٍ ‪ :‬ل يجوز لما‬
‫فيه من محابا ٍة فاحشةٍ ‪.‬‬
‫و ‪ -‬محاباة النّائب عن الصّغير وغيره ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يملك ولي الصّغير ونحوه ‪ ,‬ول وصيه المحاباة في مالهم عند الجمهور سواء كانت‬ ‫‪7‬‬

‫ن المحاباة تصرف ليس فيه مصلحة ‪ ,‬وهو أمر لزم‬


‫محاباةً يسيرةً أو محابا ًة فاحشةً ‪ ,‬ل ّ‬
‫على من يتصرّف للصّغير ‪.‬‬
‫إل أنّ المالكيّة أجازوا للب فقط بيع مال ولده الصّغير بمحاباة لنفسه ولغيره ‪ ,‬بسبب يوجب‬
‫البيع أو بدون سببٍ ‪ ,‬وذلك لنّ بيعه هذا يحمل على الصّواب والمصلحة الّتي تفوق‬
‫المحاباة ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة ‪ :‬يجوز عقده في مال الصّغير بالمحاباة اليسيرة ‪ ,‬ول تجوز بالمحاباة‬
‫الفاحشة ‪ ,‬ول يتوقّف العقد معها على الجازة بعد بلوغ الصّغير ‪ ,‬لنّه عقد ل مجيز له أثناء‬
‫التّعاقد ويكون العقد في حال الشّراء بمحاباة فاحشةٍ نافذا على العاقد النّائب ل على الصّغير‬
‫‪ .‬والّذي عليه الفتوى عند الحنفيّة ‪ :‬أنّ الب إذا باع عقار ابنه الصّغير بمحاباة يسيرةٍ يجوز‬
‫البيع إذا كان الب محمود السّيرة مستور الحال ‪.‬‬
‫أمّا إن كان مفسدا فل يجوز إل أن يكون البيع بضعف القيمة ‪.‬‬
‫والوصي في بيع عقار الصّغير كالب المفسد ‪ ,‬والقاضي كالوصيّ ‪.‬‬
‫وفي الفتاوى الصغرى للحنفيّة ‪ :‬إذا اشترى الوصي مال الصّغير لنفسه يجوز إذا كان خيرا‬
‫للصّغير ‪ ،‬ومعنى الخيريّة ‪ :‬أن يشتري ما يساوي عشر ًة بخمسة عشر فصاعدا ‪ ,‬أو يبيع له‬
‫من مال نفسه ما يساوي خمسة عشر بعشرة فقط دون أيّ زيادةٍ ‪ ,‬وبه يفتى ‪.‬‬
‫ي إذا باع مال الصّغير بمحاباة يسير ٍة لمن ل تقبل‬
‫وجاء في بعض كتب الحنفيّة ‪ :‬أنّ الوص ّ‬
‫شهادته له ‪ -‬كابنه وأبيه وزوجته ‪ -‬ل يجوز ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬محاباة الوكيل ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يجوز تصرف الوكيل بيعا وشراءً بغبن يسيرٍ‬ ‫‪8‬‬

‫أي بما يتغابن به في العرف كشراء ما يساوي تسعةً بعشرة أو بيع ما يساوي عشرةً بتسعة‬
‫إذا لم يكن الموكّل قد قدّر قيمة المثمّن للوكيل ‪ ,‬ويختلف العرف باختلف العيان من‬
‫الموال فل تعتبر النّسبة في المثال المذكور ‪ ,‬لنّه ل يمكن التّوقّي والتّحرز من ذلك في‬
‫التّعامل على الجملة ‪.‬‬
‫أمّا الغبن الفاحش مثل أن يبيع الوكيل ما يساوي عشر ًة بخمسة مثلً فإنّه ل يجوز ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬ينفذ البيع ويغرم الوكيل لموكّله ما حابى به ‪ ,‬وقيل ‪ :‬يخيّر الموكّل في فسخ‬
‫البيع وإجازته إل إذا نقص المبيع في ثمنه أو بدنه فيلزم الوكيل حينئذٍ الكثر من الثّمن أو‬
‫القيمة ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة ‪ :‬الوكيل بالشّراء فقط يصح شراؤه لموكّله بغبن يسيرٍ ول يصح بغبن فاحشٍ‬
‫ف بينهم ‪.‬‬
‫بدون خل ٍ‬
‫وكذلك حكم الوكيل بالبيع فقط عند أبي يوسف ومحمّدٍ ‪.‬‬
‫وعند أبي حنيفة ‪ :‬يصح بيع الوكيل بالبيع لموكّله بغبن فاحشٍ ‪ ,‬والفرق عند أبي حنيفة هو‬
‫ن الوكيل اشترى لنفسه ‪ ,‬فلمّا ظهرت الزّيادة‬
‫احتمال التهمة في الشّراء دون البيع ‪ ,‬لجواز أ ّ‬
‫الفاحشة في الثّمن جعل الشّراء لموكّله ‪.‬‬
‫ي عن خواهر زاده ‪ :‬أنّ جواز عقد الوكيل بالشّراء بغبن يسيرٍ يكون في سلعةٍ‬
‫ونقل التقان ّ‬
‫يحتاج فيها إلى مساومةٍ في قدر الثّمن ‪ ,‬وليس لها ثمن معروف ومحدّد بين النّاس ‪.‬‬
‫وأمّا إذا كان سعرها معلوما أو محدّدا كالخبز واللّحم وغيرهما إذا زاد الوكيل بالشّراء على‬
‫ن هذا ل يحتاج إلى رأيٍ أو‬
‫ذلك السّعر ل يلزم الموكّل ‪ ,‬سواء قلّت الزّيادة أو كثرت ‪ ,‬ل ّ‬
‫تقويمٍ ‪ ,‬للعلم به ‪ ,‬قال في بيوع التّتمّة ‪ :‬وبه يفتى ‪.‬‬
‫والوكيل بالبيع إذا باع لمن ل تقبل شهادته له ل يجوز بيعه ‪ ,‬سواء كان البيع بغبن فاحشٍ‬
‫أو يسيرٍ عند أبي حنيفة ‪.‬‬
‫وعند أبي يوسف ومحمّدٍ ‪ :‬يجوز بيعه لهم بغبن يسي ٍر ل فاحشٍ ‪.‬‬
‫وإن صرّح الموكّل للوكيل بالبيع لمن ل تقبل شهادته له ‪ ,‬وأجاز له التّصرف مع من يشاء‬
‫جاز بيعه لهم بدون خلفٍ ‪.‬‬
‫ويستثنى من ذلك أن يبيعه لنفسه أو لولده الصّغير ‪ ,‬فإنّه ل يجوز له ذلك حتّى وإن صرّح‬
‫الموكّل له بذلك ‪.‬‬
‫وكذلك حكم الوكيل بالشّراء إذا اشترى منهم ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الفسخ للمحاباة ‪:‬‬
‫‪ -‬جاء في البدائع ‪ :‬البيع بالمحاباة تصرف يحتمل الفسخ في نفسه في الجملة فيفسخ‬ ‫‪9‬‬

‫ق المتعاقدين عند أبي حنيفة‬


‫بخيار العيب والرؤية والشّرط والقالة ‪ -‬إذ هي فسخ في ح ّ‬
‫ومحمّدٍ ‪ -‬فكانت المحاباة محتملةً للفسخ في الجملة ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬المحاباة في الجارة ‪:‬‬
‫ن المحاباة في إجارة المريض معتبرة من جميع ماله ول تعتبر‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة ‪ :‬إلى أ ّ‬ ‫‪10‬‬

‫من الثلث ‪.‬‬


‫ي ‪ :‬مريض أجّر داره بأقلّ من أجرة المثل قالوا ‪ :‬جازت الجارة من جميع ماله‬
‫قال الشرنبلل ّ‬
‫ول تعتبر من الثلث لنّه لو أعارها وهو مريض جازت ‪ ,‬والجارة بأق ّل من أجر المثل أولى‬
‫‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو أجّر مريض ملكه بدون أجرة المثل ‪ ,‬فقدر المحاباة معتبر من الثلث ‪,‬‬
‫صحّة فل تعتبر قيمته من الثلث بل من رأس المال ‪.‬‬
‫بخلف ما لو أجّره في ال ّ‬
‫رابعا ‪ :‬المحاباة في الشفعة ‪:‬‬
‫‪ -‬عند الحنفيّة ‪ :‬المريض مرض الموت إذا باع دارا له مثلً وحابى المشتري ‪ :‬بأن‬ ‫‪11‬‬

‫ف ففيها ‪ .‬التّفصيل التي ‪:‬‬


‫باعها بألفين وقيمتها ثلثة آل ٍ‬
‫ك أنّه ل شفعة أصلً عند أبي حنيفة ‪,‬‬
‫إن باعها لوارث من ورثته وشفيعها غير وارثٍ فل ش ّ‬
‫لنّ بيعها للوارث بدون محاباةٍ فاسد عنده ‪ ,‬فبيعها بالمحاباة أولى ‪ ,‬ول شفعة في البيع‬
‫الفاسد ‪.‬‬
‫وعند أبي يوسف ومحمّد ‪ :‬البيع جائز ‪ ,‬لكن يدفع المشتري قدر المحاباة ‪ ,‬فتجب الشفعة ‪.‬‬
‫قال صاحب المبسوط ‪ :‬الصح هو ما ذهب إليه أبو حنيفة ‪.‬‬
‫ن الشّفيع يأخذ الدّار بنفس‬
‫وإن باعها لغير وارثٍ فكذلك ل شفعة للوارث عند أبي حنيفة ‪ ,‬ل ّ‬
‫الصّفقة مع غير الورّاث بعد تحولها إليه ‪ ,‬أو بصفقة مبتدأةٍ مقدّر ٍة بينهما ‪ ,‬فكان ذلك بيعا‬
‫للوارث بالمحاباة ‪ ,‬وسواء أجازت الورثة الشفعة أو لم يجيزوا ‪ ,‬لنّ الجارة محلها العقد‬
‫ن المحاباة في الصورة المذكورة ‪ -‬قدر‬
‫الموقوف ‪ ,‬والشّراء وقع نافذا من المشتري ‪ ,‬ل ّ‬
‫الثلث ‪ ,‬وهي نافذة في اللفين من الثّلثة للجنبيّ ‪ -‬غير الوارث فانتفت إجازة الورثة في‬
‫ق الشّفيع أيضا ‪.‬‬
‫حقّ المشتري ‪ ,‬فتنتفي في ح ّ‬
‫وعن أبي يوسف ومحمّد روايتان ‪ :‬إحداهما ‪ :‬ل شفعة له ‪ ,‬والثّانية ‪ :‬له الشفعة ‪.‬‬
‫ث فله أن يأخذ الدّار بألفين ‪.‬‬
‫وإن كان الشّفيع أجنبيا غير وار ٍ‬
‫وإذا برئ المريض من مرضه بعد البيع بالمحاباة والشّفيع وارثه ‪ ،‬فإن لم يكن علم بالبيع‬
‫ن المرض إذا زال وشفي منه المريض فهو‬
‫إلى وقت البرء فله أن يأخذ الدّار بالشفعة ‪ ,‬ل ّ‬
‫صحّة ‪ ,‬وإن كان الوارث قد علم بالبيع ولم يطلب الشفعة حتّى برأ المريض‬
‫بمنزلة حالة ال ّ‬
‫من مرضه فل شفعة له ‪.‬‬
‫وإذا اشترى المريض دارا وحابى البائع بأن اشتراها بألفين وقيمتها ألف ‪ ,‬وله سوى ذلك‬
‫ألف أخرى ‪ ,‬ثمّ مات فالبيع جائز ‪ ,‬وللشّفيع فيها الشفعة ‪ ,‬لنّه إنّما حابّاه بقدر الثلث ‪,‬‬
‫ق الجنبيّ ‪ ,‬فيجب للشّفيع فيها الشفعة ‪.‬‬
‫وذلك صحيح منه في ح ّ‬
‫ي أنّ ابن القاسم سئل عن الرّجل‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬جاء في حاشية الرهونيّ على شرح الزرقان ّ‬
‫يكون له جزء في دارٍ ليس له غيره ‪ ,‬قيمته ثلثون دينارا ‪ ,‬فيبيعه لرجل بعشرة دنانير وهو‬
‫مريض ؟ قال ‪ :‬ينظر في ذلك ‪ ,‬إذا مات البائع ولم يجز الورثة المحاباة يقال للمشتري ‪ :‬زد‬
‫الثّمن عشرةً أخرى وخذ الدّار ‪ ,‬وليس للورثة معارضة ذلك ‪ ,‬فإن فعل المشتري ذلك‬
‫فللشّفيع ‪ -‬إن كان ‪ -‬أن يأخذ الدّار بعشرين دينارا ‪ ,‬وإن أبى المشتري أن يزيد عشرةً‬
‫وأبت الورثة تسليمه الدّار كما أوصى الميّت قيل للورثة ‪ :‬أعطوه ثلث الجزء المباع له بدون‬
‫أن يأخذوا منه شيئا ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ‪ :‬إن باع المريض لوارثه جزءا من عقارٍ يساوي ألفين بألف ‪ ,‬ولم تجز‬
‫الورثة ‪ ,‬بطل البيع في نصفه ‪ ,‬لنّه قدر المحاباة ‪.‬‬
‫فإن اختار الشّفيع ‪ -‬وارثا كان أو أجنبيا ‪ -‬أن يأخذ النّصف باللف لم يكن للمشتري الخيار‬
‫ن الشّفيع أخذه بألف ‪ ,‬وإن لم يأخذه الشّفيع فللمشتري أن يفسخ‬
‫في تفريق الصّفقة ‪ ,‬ل ّ‬
‫البيع لتفرق الصّفقة عليه ‪.‬‬
‫وإن باع لجنبيّ وحاباه والشّفيع وارث واحتمل الثلث المحاباة ففيه خمسة أوجهٍ ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أنّ البيع يصح في نصف الشّقص باللف ‪ ,‬وللشّفيع أن يأخذه ويبقى النّصف‬
‫ن المحاباة وصيّة والوصيّة للمشتري تصح ‪ ,‬لنّه أجنبي ‪ ,‬ول تصح‬
‫للمشتري بل ثمنٍ ‪ ,‬ل ّ‬
‫للشّفيع لنّه وارث ‪ ,‬فيصير كأنّه وهب للمشتري النّصف وباع له النّصف بثمن المثل ‪,‬‬
‫ويأخذ الشّفيع النّصف بجميع الثّمن ويبقى النّصف للمشتري بدون ثمنٍ ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬يصح البيع في نصفه باللف ويدفع إلى الشّفيع الوارث بدون محابا ٍة ‪ ,‬ويفسخ البيع‬
‫في النّصف الباقي ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬البيع باطل ‪ ,‬لنّ المحاباة تعلّقت بالكلّ ‪ ,‬فل يجوز أن تجعل في نصفه ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬يصح البيع وتسقط الشفعة ‪ ,‬لنّ إثبات الشفعة يؤدّي إلى إبطال المبيع ‪ ,‬وإذا بطل‬
‫البيع سقطت الشفعة ‪.‬‬
‫الخامس ‪ - :‬وهو الصّحيح ‪ -‬يصح البيع في الجميع باللف ويأخذ الشّفيع الجميع باللف ‪,‬‬
‫لنّ المحاباة وقعت للمشتري دون الشّفيع ‪ ,‬والمشتري أجنبي ‪ ,‬فصحّت المحاباة له إن لم‬
‫يكن حيلة على محاباة الوارث ‪ ,‬فإن كان كذلك لم يصحّ ‪ ,‬لنّ الوسائل لها حكم الغايات ‪.‬‬
‫وإن كان المريض ل يملك شيئا آخر غير الشّقص ‪ -‬النّصيب ‪ -‬والمشتري والشّفيع أجنبيّان‬
‫‪ -‬غير وارثين ‪ -‬ولم يجز الوارث البيع صحّ البيع في ثلثي الشّقص فقط بثلثي الثّمن فيأخذه‬
‫الشّفيع ‪.‬‬
‫أمّا إذا ملك البائع المريض غير هذا الشّقص ‪ -‬السّهم والنّصيب ‪ -‬واحتمل الثلث المحاباة ‪,‬‬
‫وأجاز الورثة البيع ‪ ,‬فيصح البيع في الجميع ‪ ,‬ويأخذ الشّفيع الشّقص بكلّ الثّمن ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إنّ بيع المريض بالمحاباة ل يخلو إمّا أن يكون لوارث أو لغيره ‪ ,‬فإن كان‬
‫لوارث بطلت المحاباة لنّها في المرض بمنزلة الوصيّة ‪ ,‬والوصيّة لوارث ل تجوز ‪ ,‬ويبطل‬
‫البيع في قدر المحاباة من المبيع ‪ ,‬وهل يصح فيما عداه ؟ على ثلثة أوجهٍ ‪:‬‬
‫ن المشتري بذل الثّمن في كلّ المبيع فلم يصحّ في بيعه ‪ ,‬كما لو قال ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬ل يصح ل ّ‬
‫بعتك هذا الثّوب بعشرة ‪ ,‬فقال ‪ :‬قبلت البيع في نصفه ‪ ,‬أو قال ‪ :‬قبلته بخمسة ‪ ,‬أو قال ‪:‬‬
‫قبلت نصفه بخمسة ‪ ,‬ولنّه لم يمكن تصحيح البيع على الوجه الّذي تواجبا عليه فلم يصحّ‬
‫كتفريق الصّفقة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أنّه يبطل البيع في قدر المحاباة ويصح فيما يقابل الثّمن المسمّى ‪ ,‬وللمشتري‬
‫الخيار بين الخذ والفسخ لنّ الصّفة تفرّقت عليه ‪ ,‬وللشّفيع أخذ ما صحّ البيع فيه ‪ ,‬وإنّما‬
‫صحّة لنّ البطلن إنّما جاء من المحاباة فاختصّ بما يقابلها ‪.‬‬
‫قلنا بال ّ‬
‫الثّالث ‪ :‬أنّه يصح في الجميع ويقف على إجازة الورثة لنّ الوصيّة للوارث صحيحة في‬
‫أصحّ الرّوايتين ‪ ,‬وتقف على إجازة الورثة ‪ ,‬فكذلك المحاباة له ‪ ,‬فإن أجازوا المحاباة صحّ‬
‫البيع في الجميع ول خيار للمشتري ‪ ,‬ويملك الشّفيع الخذ به لنّه يأخذ بالثّمن ‪ ,‬وإن ردوا‬
‫ح فيما بقي ‪ ,‬ول يملك الشّفيع الخذ قبل إجازة الورثة‬
‫بطل البيع في قدر المحاباة وص ّ‬
‫وردّهم ‪ ,‬لنّ حقّهم متعلّق بالمبيع فلم يملك إبطاله ‪ ,‬وله أخذ ما صحّ البيع فيه ‪.‬‬
‫وإن اختار المشتري الرّدّ في هذه الصورة وفي الّتي قبلها واختار الشّفيع الخذ بالشفعة قدّم‬
‫الشّفيع ‪ ,‬لنّه ل ضرر على المشتري وجرى مجرى المعيب إذا رضيه الشّفيع بعيبه ‪.‬‬
‫القسم الثاني ‪ :‬إذا كان المشتري أجنبيا والشفيع أجنبي ‪ :‬فإن لم تزد المحاباة على الثلث‬
‫صح البيع ‪ ,‬وللشفيع الخذ بها بذلك الثمن لن البيع حصل به فل يمنع منها كون المبيع‬
‫مسترخصا ‪ ,‬وإن زادت على الثلث فالحكم فيه حكم أصل المحاباة في حق الوارث وإن كان‬
‫الشفيع وارثا ففيه وجهان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬له الخذ بالشفعة لن المحاباة وقعت لغيره فلم يمنع منها تمكن الوارث من‬
‫أخذها ‪.‬‬
‫والثاني ‪ :‬يصح البيع ول تجب الشفعة ‪.‬‬
‫المحاباة في التّبرعات الماليّة ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬المحاباة في الوصيّة ‪:‬‬
‫ن المحاباة ل تقدّم على غيرها من الوصايا ‪.‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬ ‫‪12‬‬

‫وعند الحنفيّة ‪ :‬تقدّم المحاباة في مرض الموت على سائر الوصايا ‪ ,‬سواء أكانت الوصايا‬
‫للعباد أو بالطّاعات والقرب للّه سبحانه كبناء المساجد فيبدأ بالمحاباة بعد موت المحابي قبل‬
‫كلّ وص ّيةٍ ‪ ,‬ثمّ يتقاسم أهل الوصايا فيما يبقى من ثلث تركة المحابي ‪ ,‬ويكون ما بقي من‬
‫ن المحاباة تستحق بعقد ضمانٍ وهو البيع ‪ ,‬إذ هو‬
‫الثلث بينهم على قدر وصاياهم ‪ ,‬وذلك ل ّ‬
‫عقد معاوضةٍ فيكون المبيع فيه مضمونا بالثّمن ‪ ,‬وأمّا الوصيّة فتبرع ‪ ,‬فكانت المحاباة‬
‫المتعلّقة بعقد أقوى فكانت أولى بالتّقديم ‪.‬‬
‫ولنّ تقديم بعض الوصايا الّتي للعباد على البعض يستدعي وجود المرجّح ولم يوجد ‪ ,‬لنّ‬
‫ن سبب استحقاق كلّ واحدٍ منهم مثل سبب‬
‫الوصايا كلّها استوت في سبب الستحقاق ‪ ,‬ل ّ‬
‫صاحبه ‪ ,‬والستواء في السّبب يوجب الستواء في الحكم ‪.‬‬
‫ولو كانت الوصيّة بمتاع معيّنٍ أو حيوانٍ معيّنٍ تنفذ الوصيّة والمحاباة من الثلث على‬
‫ن كلً منهما تمليك العين صورةً ومعنىً حتّى لو قال الشّخص ‪:‬‬
‫السّويّة ‪ ,‬إذ ل مرجّح ‪ ,‬ل ّ‬
‫أوصيت لفلن بمائة ‪ ,‬ولفلن بثلث مالي فالوصيّة بالمائة المرسلة تقدّم على الوصيّة بثلث‬
‫المال ‪.‬‬
‫جاء هذا في فتاوى رشيد الدّين ‪ ،‬قال صاحب جامع الفصولين ‪ :‬مع هذا ينبغي أن تترجّح‬
‫المحاباة لنّها عقد لزم بخلف الوصيّة ولو بمعيّن ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬المحاباة في الهبة ‪:‬‬
‫تناول كلم الفقهاء في هذا الموضوع أمرين ‪:‬‬
‫المر الوّل ‪ :‬محاباة وتفضيل الوالد بعض أولده بهبته ‪:‬‬
‫ن النسان مطالب بالتّسوية بين أولده في الهبة بدون محاباةٍ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪13‬‬

‫وتفضي ٍل لبعضهم على بعضٍ لما روى النعمان بن بشيرٍ رضي ال عنهما ‪ « :‬أنّ أباه أتى به‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬إنّي نحلت ‪ -‬أي أعطيت بغير عوضٍ ‪ -‬ابني هذا‬
‫غلما كان لي ‪ ,‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أكلّ ولدك نحلته مثل هذا ؟ فقال ‪:‬‬
‫ل فقال ‪ :‬فأرجعه » وفي رواي ٍة ‪ « :‬فل تشهدني إذا ‪ ,‬فإنّي ل أشهد على جورٍ » وفي ثالثةٍ‬
‫‪ « :‬اتّقوا اللّه واعدلوا بين أولدكم » ‪.‬‬
‫ولنّ في التّسوية بينهم تأليف قلوبهم ‪ ,‬والتّفضيل يزرع الكراهية والنفور بينهم فكانت‬
‫التّسوية أولى ‪.‬‬
‫ول يكره ذلك التّفضيل ‪ -‬في المذاهب الربعة ‪ -‬إذا كانت هناك حاجة تدعو إليه مثل‬
‫اختصاص أحد أولده بمرض أو حاج ٍة أو كثرة عائلته أو اشتغاله بالعلم ونحوه من‬
‫الفضائل ‪ ،‬أو اختصاص أحدهم بما يقتضي منع الهبة عنه لفسقه أو يستعين بما يأخذه على‬
‫معصية اللّه أو ينفقه فيها ‪ ,‬فيمنع عنه الهبة ويعطيها لمن يستحقها ‪.‬‬
‫ويكره عند غير الحنابلة إذا لم تكن هناك حاجة تدعو إلى ذلك ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يحرم التّفضيل حينئذٍ وتجب عليه التّسوية ‪ -‬إن فعل ‪ -‬إمّا بر ّد ما فضّل به‬
‫البعض ‪ ,‬وإمّا بإتمام نصيب الخر ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ :‬ل يجب عليه التّسوية ‪ ,‬ويجوز التّفضيل قضاءً ‪ ,‬لنّ‬
‫ق لحد فيه ‪ ,‬إل أنّه يكون آثما فيما صنع بدون داعٍ‬
‫الوالد تصرّف في خالص ملكه ‪ ,‬ل ح ّ‬
‫حسَانِ } ‪.‬‬
‫ن الّلهَ يَ ْأ ُمرُ بِا ْلعَ ْدلِ وَالِ ْ‬
‫له ‪ ,‬لنّه ليس بعدل ‪ ,‬وهو مأمور به في قوله تعالى ‪ { :‬إِ ّ‬
‫ولزوم ذلك مشروط عند المالكيّة بأمرين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أن يهب كلّ ماله أو أكثره ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إل يطالب أولده الخرون بمنعه كلّ ذلك مخافة أن تعود نفقته عليهم بعد افتقاره ‪,‬‬
‫فلهم رد ذلك التّصرف وإبطاله وأمّا إذا وهب الشّيء اليسير فذلك جائز غير مكروهٍ ‪.‬‬
‫وكيفيّة التّسوية المطلوبة ‪ -‬عند الحنفيّة والشّافعيّة ‪ -‬أن يعطي النثى مثل ما يعطي الذّكر‬
‫تماما بناءً على ظاهر الحديث ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة والحنابلة ‪ :‬التّسوية أن يقسم بين أولده على حسب قسمة الميراث فيجعل‬
‫للذّكر مثل حظّ النثيين ‪ ,‬لنّ ذلك نصيبه من المال لو مات عنه الواهب ‪.‬‬
‫المر الثّاني ‪ :‬المحاباة في الهبة في مرض الموت ‪:‬‬
‫‪ -‬جاء في الفتاوى الهنديّة للحنفيّة ‪ :‬لو وهب مريض شيئا قيمته ثلثمائ ٍة لرجل صحيحٍ‬ ‫‪14‬‬

‫على أن يعوّضه شيئا قيمته مائة وتقابضا ‪ ,‬ثمّ مات المريض من ذلك المرض ول مال له‬
‫غير ذلك الشّيء الّذي وهبه ‪ ,‬ورفض الورثة أن يجيزوا ما صنع الواهب ‪ ,‬كان للموهوب له‬
‫الخيار ‪ :‬إن شاء فسخ الهبة وردّ الشّيء الموهوب كلّه وأخذ عوضه ‪.‬‬
‫وإن شاء ر ّد ثلث الشّيء الموهوب إلى الورثة وسلّم له ثلثيه ولم يأخذ من العوض شيئا ‪.‬‬
‫وإن عرض الموهوب له أن يزيد في العوض بقدر الزّيادة من المحاباة على الثلث لم يكن له‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫وجاء في أسنى المطالب للشّافعيّة ‪ :‬ينفذ الوّل فالوّل من التّبرعات المرتبة المنجّزة كالبراء‬
‫والعتاق والوقف والصّدقة حتّى يتمّ الثلث عند ضيقه عنها ‪ ,‬ثمّ يبقي باقي تبرعاته موقوفا‬
‫على إجازة الورثة ‪ ,‬ول أثر لهبة بدون محاباةٍ قبل القبض ‪ ,‬فل تقدّم على ما تأخّر عنها من‬
‫ف أو محاباةٍ في بيع أو نحوه قبل قبض الموهوب ‪ ,‬لنّه إنّما يملك بالقبض ‪ ,‬بخلف‬
‫نحو وق ٍ‬
‫المحاباة في بيعٍ أو نحوه ‪ ,‬لنّها في ضمن معاوضةٍ ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬المحاباة في العارة ‪:‬‬
‫‪ -‬العارة من المريض مرض الموت تعتبر من المحاباة عند المالكيّة والشّافعيّة‬ ‫‪15‬‬

‫والحنابلة لنّها تبرع تمتد إليه أطماع الورثة فل يجوز للمريض إعارة داره مثلً إذا كانت‬
‫منافع الدّار أزيد من ثلث ماله ‪ ,‬نصّ على ذلك المالكيّة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو انقضت مدّة إعارة الدّار ولو في مرض المعير واستردّها اعتبرت الجرة‬
‫من الثلث لكونها تبرعا بما تمتد إليه أطماع الورثة ‪.‬‬
‫ومن المحاباة أيضا عند الشّافعيّة الوصيّة بالعارة ‪ ,‬أمّا إعارة المريض نفسه فليست من‬
‫المحاباة ‪ ,‬لنّها امتناع من التّحصيل ‪ ,‬وليست تفويتا للحاصل ‪ ,‬ول مطمع للورثة في‬
‫عمله ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة ‪ :‬إعارة المريض لعين من أعيان ماله إعارةً منجّز ًة ل تعتبر من المحاباة‬
‫فتجوز ‪ ,‬وتكون من جميع ماله ‪ ,‬ول تعتبر من الثلث ‪.‬‬
‫وكذلك تجوز الوصيّة بالعارة وليس للورثة الرجوع ‪.‬‬
‫المحاباة في الزّواج ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬المحاباة في المهر ‪:‬‬
‫‪ -‬المريضة مرض الموت إذا نقصت من مهرها لم يصحّ عند الحنفيّة ‪.‬‬ ‫‪16‬‬

‫وعند الشّافعيّة ‪ :‬إن تزوّجت بأق ّل من مهر مثلها فماتت وورثها الزّوج ‪ ,‬فما نقص من‬
‫المهر وصيّة لوارث ‪ ,‬وحينئذٍ يكون لورثة الزّوجة طلب تكميل مهر المثل ‪ ،‬وإن لم يرثها‬
‫‪ -‬بأن مات قبلها أو كان مسلما وهي ذمّيّة ‪ -‬فالنّاقص من مهر المثل ل يعتبر من ثلث تركة‬
‫الزّوج ول يكمل مهر المثل ‪.‬‬
‫ح الهبة إل بإجازة الورثة‬
‫وإذا وهبت المريضة مهرها لزوجها وماتت من مرضها هذا لم تص ّ‬
‫عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫وإن كانت صحيحةً أو مريضة وبرأت من مرضها بعد الهبة فإنّ هبتها تنفذ باتّفاق المذاهب‬
‫‪ ,‬مع تفصيلٍ في كون ذلك قبل الدخول أو بعد الدخول وغيره ‪.‬‬
‫وكذلك يجوز عند الحنفيّة والمالكيّة للبالغة الرّشيدة الرّضا بأق ّل من مهر مثلها ‪ ,‬واستثنى‬
‫المالكيّة البكر المهملة ‪ -‬وهي الّتي ل أب لها ول وصيّ عليها من جهة أبيها ‪ ,‬ول نائب من‬
‫جهة القاضي ‪ ,‬ول يعلم كونها رشيدةً أم سفيهةً ‪ -‬فل يجوز رضاها بأقلّ من مهر المثل‬
‫عندهم ‪ ,‬وإذا رضيت فل يلزمها ذلك الرّضا ‪.‬‬
‫وهذا قول ابن القاسم وهو المشهور في المذهب ‪.‬‬
‫أمّا النثى المعلومة السّفه فليس لها الرّضا بأقلّ من مهر المثل ‪ ,‬وينقض تصرفها اتّفاقا ‪.‬‬
‫ولو تزوّج المريض مرض الموت بأزيد من مهر المثل ث ّم مات وكانت الزّوجة وارثةً من‬
‫الورثة فالزّائد على مهر المثل ‪ -‬عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬وصيّة لوارث ل ينفذ إل إذا‬
‫أجازه الورثة ‪.‬‬
‫وإن كانت غير وارثةٍ كذمّيّة وهو مسلم فالزّائد عن مهر المثل يكون من ثلث تركة المريض‬
‫من غير توقفٍ على إجازة الورثة ‪.‬‬
‫حةٍ ‪ ,‬ثمّ مرض ففرض لزوجته مهرا أكثر من مهر المثل ‪,‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن تزوّج في ص ّ‬
‫ثمّ دخل بها ومات ‪ ,‬فإنّه يكون للزّوجة حينئ ٍذ مهر المثل من رأس مال الميّت ‪ ,‬ويبطل‬
‫الزّائد ‪ ,‬إل أن يجيزه الورثة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬المحاباة في الخلع ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الشّافعيّة ‪ :‬إن خالعت مريضة في مرض الموت بأكثر من مهر مثلها فالزّائد على‬ ‫‪17‬‬

‫مهر المثل محاباة تعتبر من الثلث ‪ ,‬فهي كالوصيّة للجنبيّ ل للوارث ‪ ,‬لخروج الزّوج عن‬
‫الرث بسبب الخلع ‪.‬‬
‫مُحَاذاة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المحاذاة في اللغة ‪ :‬المقابلة ‪ ,‬يقال ‪ :‬حاذيته محاذاةً من باب قاتل ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬كون الشّيئين في مكانين بحيث ل يختلفان في الجهات ‪.‬‬


‫قال البركتيّ ‪ :‬والمعتبر في مسألة المحاذاة السّاق والكعب ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالمحاذاة من أحكامٍ ‪:‬‬
‫للمحاذاة أحكام وردت في عدّة أبوابٍ من كتب الفقه نجملها فيما يأتي ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ :‬المحاذاة في الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬محاذاة القبلة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه ل تصح الفريضة على ظهر الكعبة وأمّا النّافلة فتصح‬ ‫‪2‬‬

‫فوقها عند الحنابلة إذا كان أمامه شاخص ‪.‬‬


‫وقال المالكيّة ‪ :‬تجوز صلة النّفل فوق الكعبة وأمّا السنن وركعتا الفجر فل تجوز صلتها‬
‫فوق ظهر الكعبة على الرّاجح ‪ ,‬لكنّها إن صلّيت على ظهر الكعبة ل تعاد بخلف الفرض‬
‫فإنّه يعاد ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬المعتبر في القبلة العرصة ل البناء بمعنى أنّه ليس المراد بالقبلة الكعبة الّتي‬
‫هي البناء المرتفع ‪ ,‬ولذا لو نقل البناء إلى موضعٍ آخر وصلّى إليه لم يجز بل تجب الصّلة‬
‫إلى أرضها ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬تصح الصّلة مع الكراهة فوق الكعبة ولو بل سترةٍ ‪ ,‬وصرّحوا بأنّه لو صلّى على‬
‫سطح الكعبة جاز إلى أيّ جهةٍ توجّه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬من صلّى على سطح الكعبة المشرّفة نظر ‪ :‬إن وقف على طرفها واستدبر‬
‫ح صلته بالتّفاق ‪ ,‬لعدم استقبال شيءٍ منها ‪ ,‬وهكذا لو انهدمت والعياذ باللّه‬
‫باقيها لم تص ّ‬
‫ح صلته ‪ ,‬ولو وقف خارج العرصة‬
‫فوقف على طرف العرصة واستدبر باقيها لم تص ّ‬
‫ح بل خلفٍ ‪.‬‬
‫واستقبلها ص ّ‬
‫أمّا إذا وقف في وسط السّطح أو العرصة فإن لم يكن بين يديه شيء شاخص لم تصحّ‬
‫صلته على الصّحيح المنصوص ‪.‬‬
‫ع صحّت صلته وإن‬
‫ومن صلّى على سطح الكعبة المشرّفة مستقبلً من بنائها قدر ثلثي ذرا ٍ‬
‫خرج بعضه ‪ ,‬عن محاذاة الشّاخص ‪ ,‬وكذا إذا استقبل شاخصا متّصلً بالكعبة وإن لم يكن‬
‫منها كشجرة نابتةٍ وعصا مسمّر ٍة وإن لم يكن قدر قامته طولً وعرضا لنّه متوجّه إلى جزء‬
‫من الكعبة ‪ ,‬أو إلى ما هو كالجزء منها ‪ ,‬حتّى ولو خرج بعضه عن محاذاة الشّاخص ‪ ,‬لنّه‬
‫مواجه ببعضه جزءا من الكعبة وبباقيه هواء الكعبة ‪ ,‬بخلف ما إذا كان الشّاخص أقلّ من‬
‫ع فل تصح الصّلة إليه ‪ ,‬لنّه كسترة المصلّى فاعتبر فيه قدرها الّذي هو مثل‬
‫ثلثي ذرا ٍ‬
‫مؤخرة الرّحل ‪.‬‬
‫قال الشّربيني الخطيب ‪ :‬وظاهر كلمهم أنّه لو استقبل الشّاخص المذكور في حال قيامه دون‬
‫ع معترضةً في باب الكعبة تحاذي صدره في‬
‫بقيّة صلته كأن استقبل خشبةً عرضها ثلثا ذرا ٍ‬
‫حال قيامه دون بقيّة صلته أنّها تصح ثمّ قال ‪ :‬بل الّذي ينبغي أنّها ل تصح في هذه الحالة‬
‫إل في الصّلة على الجنازة ‪ ,‬بخلف غيرها لنّه في حال سجوده غير مستقبلٍ لشيء منها‬
‫ولو وقف خارج العرصة ولو على جب ٍل أجزأه ولو بغير شاخصٍ لنّه يعد محاذيا إليها‬
‫بخلف المصلّى فيها ‪ ,‬ولو خرج عن محاذاة الكعبة ببعض بدنه بأن وقف بطرفها وخرج‬
‫عنه ببعضه بطلت صلته ‪ ,‬وكذا لو امتدّ صف طويل بقرب الكعبة وخرج بعضهم عن‬
‫ك أنّهم إذا بعدوا عنها حاذوها وصحّت‬
‫المحاذاة بطلت صلته ‪ ,‬لنّه ليس مستقبلً لها ول ش ّ‬
‫ن صغير الحجم كلّما زاد بعده زادت محاذاته كغرض الرماة ‪.‬‬
‫صلتهم ‪ ,‬وإن طال صفهم ‪ ,‬ل ّ‬
‫ولو أزيل الشّاخص الّذي كان يحاذيه في أثناء صلته لم يضرّ ; لنّه يغتفر في الدّوام ما ل‬
‫يغتفر في البتداء ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المحاذاة في رفع اليدين عند تكبيرة الحرام ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه يستحب أو يسن للمصلّي عند افتتاح صلته رفع يديه عند تكبيرة‬ ‫‪3‬‬

‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان يرفع يديه‬


‫الحرام لحديث ابن عمر رضي ال عنهما ‪ « :‬أ ّ‬
‫حذو منكبيه إذا افتتح الصّلة » ‪.‬‬
‫وقد نقل ابن المنذر وغيره الجماع على ذلك ‪ ,‬لكنّ الفقهاء اختلفوا في كيفيّة الرّفع ‪,‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪57‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬صلة ف‬
‫ج ‪ -‬الصّلة في محاذاة النّجاسة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في صحّة صلة من صلّى وفي محاذاته نجاسة ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫فقال بعضهم ‪ :‬ل يضر في صحّة الصّلة نجس يحاذي صدر المصلّي في الركوع والسجود‬
‫وغيرهما على الصّحيح ‪ ,‬لعدم ملقاة النّجاسة لبدنه ‪.‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬إنّ ذلك يضر في صحّة الصّلة لنّه منسوب إليه لكونه مكان صلته ‪ ,‬فتعيّن‬
‫طهارته كالّذي يلقيه ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬نجاسة ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬محاذاة المأموم إمامه في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬نصّ الشّافعيّة على أنّه لو وقف المأموم في علوٍ في غير مسجدٍ كصفّة مرتفعةٍ وسط‬ ‫‪5‬‬

‫دارٍ مثلً ‪ ,‬وإمامه في سفلٍ كصحن تلك الدّار أو عكسه شرط مع وجوب اتّصال صفّ من‬
‫أحدهما بالخر ‪ :‬محاذاة بعض بدن المأموم بعض بدن المام بأن يحاذي رأس السفل قدم‬
‫العلى مع اعتدال قامة السفل حتّى لو كان قصيرا لكنّه لو كان معتدلها لحصلت المحاذاة‬
‫صحّ القتداء ‪.‬‬
‫وكذا لو كان قاعدا ولو قام لحاذى كفى أمّا إذا كانا في المسجد فيصح القتداء مطلقا ‪.‬‬
‫إل أنّ المالكيّة قالوا ‪ :‬يجوز عدم إلصاق من على يمين المام أو يساره بمن حذوه أي خلف‬
‫ف ووصله مستحب ‪.‬‬
‫ظهر المام والمراد بالجواز عندهم خلف الولى لنّه تقطيع للصّ ّ‬
‫ونصّ الحنفيّة في مسأل ٍة أخرى أنّه إذا جاء المأموم ولم يجد في الصّفّ فرج ًة انتظر حتّى‬
‫يجيء آخر فيقفان خلفه ‪ ,‬وإن لم يجئ حتّى ركع المام يختار أعلم النّاس بهذه المسألة‬
‫فيجذبه ويقفان خلفه ولو لم يجد عالما يقف الصّف بحذاء المام للضّرورة ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬صلة الرّجل في محاذاة امرأةٍ ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الصّلة ل تفسد بمحاذاة المصلّي امرأةً ‪ ،‬سواء كانت في‬ ‫‪6‬‬

‫صل ٍة أو لم تكن في صلةٍ ‪ ،‬وسواء كان بينهما حائل أو ليس بينهما كما ل تفسد لمحاذاة‬
‫غير المرأة ‪.‬‬
‫ل أو امرأةً أو غيرهما ‪,‬‬
‫إل أنّه يكره للنسان أن يصلّي وبين يديه ما يشغله سواء كان رج ً‬
‫ومن أجل ذلك استحب للمصلّي أن يجعل في محاذاته ساترا يحول بينه وبين المارّة ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّ صلة الرّجل تفسد إذا حاذته امرأة في صلته ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬لو قامت امرأة وسط الصّفّ تفسد صلة واحدٍ عن يمينها وصلة واحدٍ عن يسارها‬
‫وصلة واحدٍ خلفها بحذائها ‪.‬‬
‫وشروط المحاذاة المفسدة عند الحنفيّة تسعة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬كون المرأة مشتهاةً ولو كانت محرما للرّجل أو زوجةً له ‪ ,‬أو كانت ماضيا كعجوز‬
‫شوهاء ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬كون المحاذاة بالسّاق والكعب في الصحّ ‪ ،‬وفي الد ّر ‪ :‬المعتبر المحاذاة بعضو واحدٍ ‪.‬‬
‫ن عند محمّدٍ وهو ما اختاره ابن الهمام في الفتح وجزم به‬
‫ج ‪ -‬كون المحاذاة في أداء رك ٍ‬
‫الحلبي أو قدّره عند أبي يوسف ‪.‬‬
‫وفي الخانيّة ‪ :‬إنّ قليل المحاذاة وكثيرها مفسد ونسب إلى أبي يوسف ‪.‬‬
‫د ‪ -‬كون المحاذاة في صلةٍ مطلقةٍ ولو باليماء فل تبطل صلة الجنازة إذ ل سجود لها‬
‫فهي ليست بصلة حقيقيّ ٍة وإنّما هي دعاء للميّت ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬كون المحاذاة في صل ٍة مشتركةٍ من حيث التّحريمة وذلك باقتداء المصلّي والمرأة‬
‫بإمام أو اقتدائها به ‪.‬‬
‫ن متّحدٍ ولو حكما ‪ ،‬فلو اختلف المكان بأن كانت المرأة على مكانٍ‬
‫و ‪ -‬كون المحاذاة في مكا ٍ‬
‫عا ٍل بحيث ل يحاذي شيء منه شيئا منها ل تفسد الصّلة ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬كون المحاذاة بل حائلٍ قدر ذراعٍ في غلظ أصب ٍع أو فرجة تسع رجلً ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬عدم إشارة المصلّي إليها لتتأخّر عنه فإن لم تتأخّر بإشاراته فسدت صلتها ل صلته‬
‫ول يكلّف بالتّقدم عنها لكراهته ‪.‬‬
‫ط ‪ -‬وتاسع شروط المحاذاة المفسدة ‪ :‬أن يكون المام قد نوى إمامتها فإن لم ينوها ل‬
‫تكون في الصّلة فانتفت المحاذاة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬المحاذاة في الحجّ ‪:‬‬
‫‪ -‬قال جمهور الفقهاء ‪ :‬يجب على الطّائف أن يجعل البيت عن يساره وأن يبدأ بالحجر‬ ‫‪7‬‬

‫السود محاذيا له كلّه أو بعضه في مروره عليه ابتدا ًء بجميع بدنه ويكتفي بمحاذاة جز ٍء من‬
‫الحجر السود بجميع بدنه كما اكتفى بمحاذاة جميع بدنه بجزء من الكعبة في الصّلة ‪.‬‬
‫وصفة المحاذاة ‪ :‬أن يستقبل البيت ويقف على جانب الحجر من جهة الركن اليمانيّ بحيث‬
‫يصير جميع الحجر عن يمينه ومنكبه اليمن عند طرفه ثمّ ينوي الطّواف ويمر مستقبلً إلى‬
‫جهة يمينه حتّى يجاوز الحجر قال الشّربيني الخطيب ‪ :‬والمحاذاة الواجبة تتعلّق بالركن الّذي‬
‫فيه الحجر السود ل بالحجر نفسه حتّى لو فرض ‪ -‬والعياذ باللّه ‪ -‬أنّه نحّى من مكانه‬
‫وجبت محاذاة الركن ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬ينبغي أن يبدأ بالطّواف من جانب الحجر الّذي يلي الركن اليمانيّ فيكون مارا‬
‫على جميع الحجر بجميع بدنه فيخرج من خلف من يشترط المرور كذلك عليه وشرحه أن‬
‫يقف مستقبلً على جانب الحجر ‪ ,‬بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه ث ّم يمشي كذلك‬
‫مستقبلً حتّى يجاوز الحجر فإذا جاوزه انفتل وجعل يساره إلى البيت وهذا في الفتتاح‬
‫صةً ولو أخذ عن يساره فهو جائز مع الساءة ‪.‬‬
‫خا ّ‬

‫مُحَارِب *‬
‫انظر ‪ :‬حرابة ‪.‬‬

‫مَحَارِم *‬
‫انظر ‪َ :‬محْرَم ‪.‬‬
‫مُحاسَبة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المحاسبة في اللغة ‪ :‬مصدر حاسب يقال ‪ :‬حاسبه محاسبةً ‪ ,‬وحسابا ‪ :‬ناقشه الحساب‬ ‫‪1‬‬

‫وجازاه ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫المساءلة ‪:‬‬
‫‪ -‬المساءلة في اللغة مصدر ساءل يقال ساءله أي سأله ويقال تساءلوا ‪ :‬سأل بعضهم‬ ‫‪2‬‬

‫بعضا ‪.‬‬
‫وفي الصطلح السؤال استدعاء معرفةٍ أو ما يؤدّي إلى المعرفة ‪ ,‬واستدعاء مالٍ أو ما‬
‫يؤدّي إلى المال ‪.‬‬
‫والمساءلة وسيلة من وسائل المحاسبة ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمحاسبة ‪:‬‬
‫يختلف حكم المحاسبة باختلف أنواعها ومن ذلك ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬محاسبة النسان نفسه ‪:‬‬
‫‪ -‬ينبغي للمسلم أن يحاسب نفسه على كلّ صغيرةٍ وكبير ٍة ‪ ,‬فمن حاسب نفسه قبل أن‬ ‫‪3‬‬

‫ن آمَنُوا ا ّتقُوا الّلهَ وَلْتَنظُرْ‬


‫يحاسب خفّ في يوم القيامة حسابه ‪ ,‬قال تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫ت ِلغَدٍ } ‪.‬‬
‫َنفْسٌ مّا قَ ّدمَ ْ‬
‫وقال عمر بن الخطّاب رضي ال عنه ‪ :‬حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ‪ ,‬وكتب إلى أبي‬
‫موسى الشعريّ ‪ :‬حاسب نفسك في الرّخاء قبل حساب الشّدّة ‪.‬‬
‫والمحاسبة تار ًة تكون قبل العمل وتارةً تكون بعد العمل ‪ ,‬وتارةً قبله للتّحذير قال تعالى ‪:‬‬
‫س ُكمْ فَاحْذَرُوهُ } ‪.‬‬
‫ن الّلهَ َيعْ َلمُ مَا فِي أَنفُ ِ‬
‫{ وَاعْ َلمُواْ أَ ّ‬
‫ثانيا ‪ :‬محاسبة ناظر الوقف ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه ل تلزم محاسبة ناظر الوقف في كلّ عامٍ ويكتفي القاضي منه‬ ‫‪4‬‬

‫بالجمال لو كان معروفا بالمانة ‪ ,‬فلو كان متّهما يجبره القاضي على التّعيين شيئا فشيئا ‪,‬‬
‫ول يحبسه بل يهدّده ‪ ,‬ولو اتّهمه يحلّفه ‪.‬‬
‫وإذا تحاسب ناظر الوقف مع المستحقّين على ما قبضه من غلّة الوقف في سن ٍة معلومةٍ وما‬
‫صرفه من مصارف الوقف الضّروريّة وما خصّ كلّ واحدٍ منهم من فاضل الغلّة ‪ ,‬وصدّقه كل‬
‫منهم على ذلك وكتب كل منهم وصو ًل بذلك فيعمل بما ذكر من المحاسبة والصّرف‬
‫والتّصديق بعد ثبوته شرعا وليس لهم نقض المحاسبة بدون وجهٍ شرعيّ ‪.‬‬
‫وإذا كان المتولّي على وقف ب ّر يكتب مقبوضه ومصروفه كلّ سنةٍ بمعرفة القاضي بموجب‬
‫دفت ٍر ممضيّ بإمضائه فيعمل بدفاتر المحاسبة الممضاة بإمضاء القضاة ول يكلّف المحاسبة‬
‫ثانيا ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه إذا مات الواقف وعدم كتاب الوقف ‪ ,‬قبل قول النّاظر إن كان أمينا ‪,‬‬
‫وإذا ادّعى النّاظر أنّه صرف الغلّة صدّق إن كان أمينا أيضا ‪ ,‬ما لم يكن عليه شهود في‬
‫أصل الوقف ل يصرف إل بمعرفتهم ‪ ,‬وإذا ادّعى أنّه صرف على الوقف مالً من ماله صدّق‬
‫من غير يمينٍ ‪ ,‬إل أن يكون متّهما فيحلف ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة ‪ :‬إلى أنّه إذا ادّعى متولّي الوقف صرف الرّيع للمستحقّين فإن كانوا معيّنين‬
‫فالقول قولهم ‪ ,‬ولهم مطالبته بالحساب ‪ ,‬وإن كانوا غير معيّنين فهل للمام مطالبته للحساب‬
‫أو ل ؟ وجهان ‪ :‬حكاهما شريح في أدب القضاء أوجههما الوّل ‪ ,‬ويصدّق في قدر ما أنفقه‬
‫عند الحتمال ‪ ,‬فإن اتّهمه القاضي حلّفه ‪ ,‬والمراد كما قال الذرعي إنفاقه فيما يرجع إلى‬
‫العادة وفي معناه الصّرف إلى الفقراء ونحوهم من الجهات العامّة ‪ ,‬بخلف إنفاقه على‬
‫الموقوف عليه المعيّن فل يصدّق فيه لنّه لم يأتمنه ‪.‬‬
‫ن لولي المر أن ينصب ديوانا لحساب أموال الوقاف عند المصلحة ‪,‬‬
‫وذهب الحنابلة ‪ :‬إلى أ ّ‬
‫ن النّاظر على الوقف إمّا أن يكون متبرّعا أو غير متبرّعٍ ‪ ,‬فإذا كان النّاظر متبرّعا‬
‫وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫في نظره على الوقف قبل قوله في الدّفع إلى المستحقّين ول يكلّف بإثبات ذلك ببيّنة ‪ ,‬أمّا إذا‬
‫ع فل يقبل قوله في الدّفع إلى المستحقّين إل ببيّنة تثبت ذلك ‪.‬‬
‫كان غير متبرّ ٍ‬
‫ثالثا ‪ :‬محاسبة المام للجباة ‪:‬‬
‫‪ -‬يجب على المام محاسبة الجباة تأسّيا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ‪ ,‬لما روى‬ ‫‪5‬‬

‫ل من السد على صدقات بني‬


‫ن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم استعمل رج ً‬
‫البخاري ‪ « :‬أ ّ‬
‫سليمٍ يدعى ابن اللّتبيّة فلمّا جاء حاسبه » ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪22‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬جباية ف‬
‫رابعا ‪ :‬محاسبة العمّال ‪:‬‬
‫‪ -‬يجب على عمّال الخراج رفع الحساب إلى كاتب الدّيوان وعليه محاسبتهم على صحّة ما‬ ‫‪6‬‬

‫رفعوه ‪ ,‬أمّا عمّال العشر فل يلزمهم على مذهب الشّافعيّ رفع الحساب ول يجب على كاتب‬
‫الدّيوان محاسبتهم عليه لنّ العشر عندهم صدقة ل يقف مصرفها على اجتهاد الولة ‪ ,‬ولو‬
‫تفرّد أهلها بمصرفها أجزأت ‪ ,‬ويلزمهم على مذهب أبي حنيفة رفع الحساب ويجب على‬
‫كاتب الدّيوان محاسبتهم عليه لنّ مصرف الخراج والعشر عنده مشترك ‪ ,‬وإذا حوسب من‬
‫وجبت محاسبته من العمّال نظر فإن لم يقع بين العامل وكاتب الدّيوان حلف كان كاتب‬
‫الدّيوان مصدّقا في بقايا الحساب ‪ ,‬فإن استراب به ولي المر كلّفه إحضار شواهده فإن‬
‫زالت الرّيبة عنه سقطت اليمين فيه ‪ ,‬وإن لم تزل الرّيبة وأراد ولي المر الحلف على ذلك‬
‫ن المطالبة متوجّهة على العامل دون الكاتب ‪ ,‬وإن‬
‫أحلف العامل دون كاتب الدّيوان ‪ ,‬ل ّ‬
‫اختلفا في الحساب نظر فإن كان اختلفهما في دخلٍ فالقول فيه قول العامل لنّه منكر ‪ ,‬وإن‬
‫كان اختلفهما في خراجٍ فالقول فيه قول الكاتب لنّه منكر ‪.‬‬
‫وإن كان اختلفهما في مساحةٍ يمكن إعادتها اعتبرت بعد الختلف وعمل فيها على ما‬
‫يخرج بصحيح العتبار ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬محاسبة المناء ‪:‬‬
‫‪ -‬قال ابن أبي الدّم ‪ :‬على القاضي أن ينظر في أمر المناء ويحاسبهم على ما هم‬ ‫‪7‬‬

‫مباشروه ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬إذا حوسب المناء على ما في أيديهم من أموال اليتامى فمن كان القاضي‬
‫وقال السّمنان ّ‬
‫ي ‪ ,‬ومن لم يقمه القاضي وصيا وإنّما جعله قيّما في‬
‫أقامه قبل قوله فيما يقبل فيه قول الوص ّ‬
‫الضّيعة وقابضا وأن ينفق على اليتيم في كلّ شه ٍر كذا قبل قوله فيما يدّعي من النّفقة على‬
‫الضّيعة إذا كان مثل ذلك ينفق في المدّة ‪ ,‬وفيما صار في يده من الثّمار والثمان ‪ ,‬وإن اتهم‬
‫أحد منهم استحلف ‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬محاسبة الوصيّ وإجباره على تقديم بيانٍ ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا عرف الوصي بالمانة وكبر الورثة وأخبر وصيهم بأنّه أنفق كلّ ما خلّفه أبوهم‬ ‫‪8‬‬

‫عليهم أو على ضياعهم ‪ ,‬أو قال لهم ما بقي عندي منه إل هذا القدر ‪ ,‬ولم يفسّر الحال‬
‫فأرادوا محاسبته وبيان مصرفه شيئا فشيئا ليعلموا أنّه هل أنفق بالمعروف ‪ ,‬وطلبوا من‬
‫الحاكم المحاسبة ‪ ,‬أو طلب الحاكم نفسه ذلك فلهم ذلك ‪ ,‬وكذا للحاكم لكن لو امتنع عن‬
‫ي فيما أنفق في الصّرف لنّه إمّا أمينهم أو‬
‫إعطائه لم يجبر عليه ويكون القول قول الوص ّ‬
‫أمين الحاكم فيعتبر قوله فيما هو أمين فيه ‪ ,‬وإن لم يعرف بها أجبر على التّفسير ‪ ,‬ومعنى‬
‫الجبر أن يحضره يومين أو ثلث ًة ويخوّفه فإن لم يفسّر لم يحبسه بل يكتفي بيمينه ‪.‬‬
‫سابعا ‪:‬‬
‫محاسبة من بيده التّركة من الورثة ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا كان بعض الورثة يحوزون التّركة أو بعضا منها جاز لباقي الورثة محاسبتهم على‬ ‫‪9‬‬

‫ما في يدهم من التّركة ونمائها ويقسم بينهم بالفريضة الشّرعيّة ‪.‬‬


‫مُحَاصّة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫صةً وحصاصا ‪ ,‬قاسمه فأخذ كل واحدٍ‬
‫‪ -‬المحاصّة في اللغة ‪ :‬مصدر ‪ ,‬يقال ‪ :‬حاصّه محا ّ‬ ‫‪1‬‬

‫منهما حصّته أي نصيبه ‪.‬‬


‫وتحاصّ الغرماء ‪ :‬اقتسموا المال بينهم حصصا ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫قال القليوبيّ ‪ :‬لو ضاق الوقف عن مستحقّيه لم يقدّم بعضهم على بعضٍ بل يقسم بينهم‬
‫بالمحاصّة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القسمة ‪:‬‬
‫‪ -‬القسمة في اللغة ‪ :‬اسم من اقتسام الشّيء ‪ ,‬يقال ‪ :‬اقتسم القوم الشّيء بينهم ‪ :‬أخذ كل‬ ‫‪2‬‬

‫منهم نصيبه منه ‪ ,‬وأطلقت على النّصيب ‪.‬‬


‫وفي الصطلح ‪ :‬هي جمع نصيبٍ شائعٍ في معيّنٍ ‪ ,‬أو هي ‪ :‬تمييز الحصص بعضها من‬
‫بعضٍ ‪.‬‬
‫والعلقة بين المحاصّة والقسمة أنّ القسمة أعم من المحاصّة لنّ المحاصّة ل تكون إل إذا‬
‫لم يف المال بالحقوق وإن كان الثنان يشتركان في التّقسيم والفراز ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العول ‪:‬‬
‫‪ -‬العول في اللغة ‪ :‬مصدر عال يعول ‪ ,‬ومن معانيه الرتفاع والزّيادة والميل إلى الجور ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬زيادة السّهام على الفريضة فتعول المسألة إلى سهام الفريضة فيدخل‬
‫النقصان على أهل الفريضة بقدر حصصهم ‪.‬‬
‫والعلقة بين المحاصّة والعول أنّ كلً من الغريم في القسمة بالمحاصّة ‪ ,‬والوارث في‬
‫المسألة العائلة آخذ أقلّ من حقّه ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالمحاصّة من أحكامٍ ‪:‬‬
‫يتعلّق بالمحاصّة أحكام منها ‪:‬‬
‫محاصّة الغرماء مال المفلس ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا حجر على المدين المفلس ‪ -‬وهو الّذي أحاط الدّين بماله ‪-‬‬ ‫‪4‬‬

‫فإنّ الغرماء يتحاصون في ماله يوزّعه القاضي عليهم بنسبة دين كلّ منهم ‪.‬‬
‫قال الدّردير ‪ :‬تقسم أموال المفلس بين الغرماء بنسبة الديون بعضها إلى بعضٍ ‪ ,‬ويأخذ كل‬
‫غري ٍم من مال المفلس بتلك النّسبة ‪ ,‬وطريق ذلك بأن تجمع الديون وينسب كل دينٍ إلى‬
‫المجموع فيأخذ كل غريمٍ من مال المفلس بتلك النّسبة فإذا كان لغريم عشرون ‪ ,‬ولخر‬
‫ثلثون ولخر خمسون فالمجموع مائة ‪ ,‬ونسبة العشرين لها خمس ‪ ,‬ونسبة الثّلثين لها‬
‫خمس وعشر ‪ ,‬ونسبة الخمسين لها نصف ‪ ,‬فإذا كان مال المفلس عشرين أخذ صاحب‬
‫الخمسين نصفها عشرةً ‪ ,‬ويأخذ صاحب الثّلثين خمسها وعشرها س ّت ًة ‪ ,‬وصاحب العشرين‬
‫خمسها أربعةً ‪.‬‬
‫ويحتمل طريقا آخر ‪ :‬وهي نسبة مال المفلس لمجموع الديون فلو كان لشخص مائة ولخر‬
‫خمسون ‪ ,‬ولخر مائة وخمسون ومال المفلس مائة وخمسون فنسبة مال المفلس لمجموع‬
‫الديون النّصف فيأخذ كل غريمٍ نصف دينه ‪.‬‬
‫هذا إذا كانت الديون من جنس مال المحجور عليه ‪ ,‬كما قال جمهور الفقهاء ‪ ,‬قالوا ‪ :‬فإن‬
‫كانت الديون مخالفةً لجنس مال المفلس وصفته فإنّ الحاكم يبيع مال المفلس ويقسمه بين‬
‫الغرماء ‪ ,‬وإن كان في الغرماء من دينه من غير جنس الثمان وليس في مال المفلس من‬
‫جنسه ورضي الغريم أن يأخذ عوضه من الثمان جاز ‪ ,‬وإن لم يرض وطلب جنس حقّه‬
‫اشترى له بحصّته من الثّمن الّتي آلت إليه بالمحاصّة من جنس دينه ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إذا كان على المفلس ديون مختلفة بعضها نقد وبعضها عرض وبعضها طعام‬
‫بأن كان لحد الغرماء دنانير ولخر عروض ولبعضهم طعام فإنّ ما خالف النّقد من مق ّومٍ‬
‫ومثليّ يقوّم يوم الحصاص ‪ -‬أي يوم قسم المال ‪ -‬فإذا كان لغريم مائة دينا ٍر على المفلس ‪,‬‬
‫ولغريم آخر عرض قيمته مائة ‪ ,‬ولخر طعام قيمته مائة ومال المفلس مائة فإنّها تقسم بين‬
‫الغرماء أثلثا فيأخذ صاحب النّقد ثلثها ‪ ,‬ولكلّ من صاحبي العرض والطّعام الثلث فيعطي‬
‫لصاحب النّقد منابه ‪ ,‬ويشتري لصاحب العرض عرضا من صفة عرضه بما نابه ‪ ,‬وكذلك‬
‫صاحب الطّعام يشتري له طعاما من صفة طعامه بالثلث الثّالث ‪ ,‬ويجوز مع التّراضي أخذ‬
‫الثّمن إن خل من مانعٍ ‪.‬‬
‫هذا تفصيل المالكيّة وقريب منه ما ذهب إليه الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ويجوز عند المالكيّة أن يقوم الغرماء بتفليس المدين الّذي أحاط الدّين بماله وقسم ماله‬
‫بينهم بالمحاصّة دون أن يحجر عليه من قبل الحاكم ‪.‬‬
‫ظهور غري ٍم بعد المحاصّة ‪:‬‬
‫‪ -‬لو تحاصّ الغرماء دين المفلس ث ّم ظهر غريم آخر فل تنقض المحاصّة ويرجع الغريم‬ ‫‪5‬‬

‫على الغرماء بقسطه عند جمهور الفقهاء وهذا في الجملة ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪53‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬إفلس ف‬
‫محاصّة أصحاب الديون المؤجّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬الدّين المؤجّل يحل بتفليس الحاكم عند المالكيّة وفي قولٍ للشّافعيّة وروايةٍ عن أحمد ‪,‬‬ ‫‪6‬‬

‫ن أصحاب الديون المؤجّلة يشاركون أصحاب الديون الحالّة في المحاصّة ‪.‬‬


‫وعلى ذلك فإ ّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪24‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬إفلس ف‬
‫وإذا وجد أحد الغرماء عين ماله الّتي باعها للمفلس جاز له أن يأخذها وجاز له أن‬
‫يحاصص الغرماء بثمن العين ‪.‬‬
‫ي صلّى اللّه عليه وسلّم ‪ « :‬من أدرك ماله بعينه عند‬
‫وهذا عند جمهور الفقهاء ‪ ,‬لقول النّب ّ‬
‫رجلٍ أو إنسانٍ قد أفلس فهو أحق به من غيره » ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬من أفلس وعنده متاع لرجل بعينه ابتاعه منه فصاحب المتاع أسوة للغرماء‬
‫فيه ‪ ,‬صورته ‪ :‬رجل اشترى من رجلٍ شيئا وقبضه فلم يؤ ّد ثمنه حتّى أفلس ‪ ,‬وليس له‬
‫غير هذا الشّيء فادّعى البائع بأنّه أحق من سائر الغرماء ‪ ,‬وادّعى الغرماء التّسوية في‬
‫ثمنه فإنّه يباع ويقسم الثّمن بينهم بالحصص إن كانت الديون كلها حاّلةً ‪ ,‬وإن كان بعضها‬
‫مؤجّلً وبعضها حالً يقسم الثّمن بين الغرماء الّذين حلّت ديونهم ‪ ,‬ثمّ إذا ح ّل الجل شاركهم‬
‫أصحاب الديون المؤجّلة فيما قبضوا بالحصص ‪ ,‬وأمّا إذا لم يقبض المبيع ثمّ أفلس فصاحب‬
‫المتاع أولى بثمنه من سائر الغرماء ‪.‬‬
‫ولرجوع الغريم في عين ماله شروط ل ب ّد من تحققها وهي اثنا عشر شرطا فإن تخلّف‬
‫ق له في عين ماله وإنّما يحاصص الغرماء ‪.‬‬
‫شرط منها فل ح ّ‬
‫)‬ ‫‪39‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪28‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬إفلس ف‬
‫محاصّة الورثة تركة مورّثهم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا كانت سهام أصحاب الفروض المقدّرة شرعا تزيد على أصل‬ ‫‪7‬‬

‫التّركة المقدّر بالواحد الصّحيح فمعنى ذلك أنّ التّركة ل تفي أصحاب الفروض ‪ ,‬فإذا ماتت‬
‫ت شقيقةٍ فإنّ للزّوج النّصف فرضا وللمّ الثلث فرضا وللخت‬
‫ج وأمّ وأخ ٍ‬
‫امرأة عن زو ٍ‬
‫الشّقيقة النّصف فرضا ‪ ,‬ففي هذه الحالة قد زادت الفروض عن أصل التّركة ‪ -‬أي الواحد‬
‫ي صلّى اللّه عليه وسلّم‬
‫ن النّب ّ‬
‫الصّحيح ‪ -‬وهنا قد تساوى الورثة في سبب الستحقاق فإ ّ‬
‫حين أمر بإلحاق الفرائض بأهلها لم يخصّ بعضهم دون بعضٍ ‪ ,‬وذلك يوجب المساواة في‬
‫الميراث فيأخذ كل واحدٍ منهم جميع حقّه إن اتّسع المحل ‪ ,‬فإن ضاق المحل تحاصوا‬
‫ق نصيبه بنصّ‬
‫ق واحدٍ من الورثة لنّه استح ّ‬
‫‪ -‬كالغرماء ‪ -‬في التّركة ول يصح إسقاط ح ّ‬
‫ثابتٍ ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪56‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬عول ف ‪ , 3‬وإرث ف‬
‫محاصّة الغرماء تركة الميّت ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬لو قسم مال التّركة فظهر غريم يجب إدخاله في القسمة شارك‬ ‫‪8‬‬

‫بالحصّة ولم تنقض القسمة ‪ ,‬لنّ المقصود يحصل بذلك ‪ ,‬وقيل تنقض القسمة كما لو‬
‫اقتسمت الورثة ثمّ ظهر وارث آخر فإنّ القسمة تنقض على الصحّ ‪ ,‬قال الرّملي ‪ :‬وفرّق‬
‫ن حقّ الوارث في عين المال بخلف حقّ الغريم فإنّه في قيمته وهو يحصل‬
‫الوّل بأ ّ‬
‫بالمشاركة ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إذا اجتمعت الديون فالغرماء يقسمون التّركة على قدر ديونهم بالحصص ‪,‬‬
‫ولو توي شيء من التّركة قبل القسمة اقتسموا الباقي بينهم بالحصص ويجعل التّاوي كأنّه‬
‫ن حقّ كلّ واحدٍ منهم تعلّق بكلّ جز ٍء من التّركة فكان الباقي بينهم على قدر‬
‫ل‪,‬لّ‬
‫لم يكن أص ً‬
‫ديونهم ‪.‬‬
‫ف الورثة من مالهم ولم يبرئ‬
‫ولو وقعت القسمة ثمّ ظهر في التّركة دين محيط ولم تو ّ‬
‫ن الدّين يمنع وقوع الملك للوارث ‪.‬‬
‫الغرماء ردّت القسمة ‪ ,‬ل ّ‬
‫وكذا إذا كان الدّين غير محيطٍ بالتّركة إل إذا بقي من التّركة ما يفي من الديون وراء ما‬
‫قسم ‪ ,‬لنّه ل حاجة إلى نقض القسمة في إيفاء حقّهم ‪ ,‬ولو أبرأه الغرماء بعد القسمة أو‬
‫أدّاه الورثة من مالهم جازت القسمة ‪ ,‬أي تبيّن جوازها سواء كان الدّين محيطا أو غير‬
‫محيطٍ ‪ ،‬لنّ المانع قد زال بخلف ما إذا ظهر له وارث أو الموصى له بالثلث أو الربع بعد‬
‫ن القسمة تنقض إن لم يرض الوارث أو‬
‫القسمة وقالت ‪ :‬الورثة نحن نقضي حقّهما ‪ ,‬فإ ّ‬
‫ن حقّهما في عين التّركة فل ينتقل إلى مالٍ آخر إل برضاهما ‪.‬‬
‫الموصى له ‪ ,‬ل ّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إذا قسم مال الميّت بين الغرماء بالحصص ثمّ ظهر غريم آخر ‪ ,‬فإنّه يرجع‬
‫على الغرماء الّذين اقتسموا المال ‪ ,‬قال مالك في رجلٍ مات وترك عليه دينا فقسم ماله بين‬
‫ن لهم على هذا الميّت وقد أعدم بعض الغرماء‬
‫الغرماء ثمّ قدم قوم فأقاموا البيّنة على دي ٍ‬
‫الوّلين الّذين أخذوا دينهم قال مالك ‪ :‬يكون لهؤلء الّذين قدموا فأحيوا على هذا الميّت دينا‬
‫ض دينهم على جميع الغرماء‬
‫أن يتّبعوا كلّ واحدٍ من الغرماء بما يصير عليه من دينهم إذا ف ّ‬
‫الّذين قبضوا دينهم ويكون ذلك على المحاصّة في مال الميّت ‪ ,‬وليس لهؤلء الّذين أحيوا‬
‫على هذا الميّت دينا أن يأخذوا كلّ ما وجدوا في يد هذا الغريم من مال الميّت الّذي لم يتلف‬
‫ما اقتضى من دينه ‪ ,‬ولكن يأخذون من هذا مقدار ما يصير عليه من ذلك ويتّبعون بقيّة‬
‫الغرماء بقدر ما يصير لهم على كلّ رجلٍ منهم ممّا اقتضى من حقّه ‪ ,‬وكذلك أبدا إنّما ينظر‬
‫إلى مال الميّت الّذي أخذه الغرماء وينظر إلى دين الغرماء الوّلين ودين هؤلء الّذين أحيوا‬
‫دينهم على هذا الميّت فيقسم بينهم مال الميّت بالحصص ‪ ,‬فما صار لهؤلء الّذين أحيوا على‬
‫الميّت الدّين كان لهم أن يتّبعوا أولئك الغرماء الّذين قبضوا دينهم ‪ ,‬قبل أن يعلموا بهؤلء ‪,‬‬
‫ول يتّبعون كلّ أحدٍ منهم إل بما أخذ من الفضل على حقّه في المحاصّة ‪ ,‬ويتّبعون العديم‬
‫والمليء بما يصير عليهم من الفضل الّذي أخذوا حين وقعت المحاصّة بينهم وبين هؤلء‬
‫الّذين أحيوا دينهم ‪.‬‬
‫ورجوع الغريم الطّارئُ على الغرماء الّذين اقتسموا المال إنّما هو إذا لم يكن الميّت مشتهرا‬
‫بالدّين ولم يعلم الوارث أو الوصي ببعض الغرماء ‪ ,‬فإذا كان الميّت مشتهرا بالدّين أو علم‬
‫الوارث أو الوصي ببعض الغرماء فتعدّى الوارث أو الوصي وأقبض التّركة لبعض الغرماء ‪,‬‬
‫ي فيأخذ منه جميع حقّه لتعدّيه‬
‫ن الطّارئ من الغرماء يرجع على الوارث أو على الوص ّ‬
‫فإ ّ‬
‫بالقسم ثمّ يرجع الوارث أو الوصي على الغرماء الّذين قبضوا أوّ ًل بقدر ما أخذ هذا الطّارئُ‬
‫منه ‪.‬‬
‫‪ -‬واختلف الفقهاء في حلول الدّين المؤجّل بالموت أو عدم حلوله ‪:‬‬ ‫‪9‬‬

‫فقال بعضهم ‪ :‬يحل ‪.‬‬


‫وقال آخرون ‪ :‬ل يحل ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪24‬‬ ‫‪ ,‬وتركة ف‬ ‫‪95‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬أجل ف‬
‫‪ -‬واختلف الفقهاء فيما إذا وجد بعض الغرماء عين ماله في التّركة كمن باع شيئا ولم‬ ‫‪10‬‬

‫يقبض ثمنه ثمّ مات المشتري وكانت الديون تحيط بالتّركة ‪ ,‬فهل لهذا الغريم أخذ عين ماله‬
‫أم يكون أسوة الغرماء ويتحاصون جميعا ؟‬
‫ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّ الغريم الّذي وجد عين ماله في التّركة ل يكون أحقّ‬
‫ن ذمّة الميّت قد خربت‬
‫بها بل يكون أسوة الغرماء فيتحاصص معهم بالثّمن الّذي له ‪ ,‬ل ّ‬
‫بالموت ‪.‬‬
‫وقد قال النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ‪ « :‬أيما رجلٍ باع متاعا فأفلس الّذي ابتاعه ولم يقبض‬
‫الّذي باعه من ثمنه شيئا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به ‪ ,‬وإن مات المشتري فصاحب‬
‫المتاع أسوة الغرماء » ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن كانت التّركة ل تفي بالدّين فالغريم بالخيار بين أن يضرب مع الغرماء‬
‫بالثّمن وبين أن يفسخ ويرجع في عين ماله ‪ ,‬لما روى أبو هريرة رضي ال تعالى عنه أنّه‬
‫قال في رجلٍ أفلس ‪ :‬هذا الّذي قضى فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ‪ « :‬أيما رجلٍ‬
‫مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه » ‪ ,‬فإن كانت التّركة تفي بالدّين‬
‫فوجهان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬له أن يرجع في عين ماله لحديث أبي هريرة ‪ ,‬والثّاني ‪ :‬ل يجوز له أن يرجع في‬
‫ن المال يفي بالدّين فلم يجز الرجوع في المبيع كالحيّ المليء ‪,‬‬
‫عين ماله ‪ ,‬وهو المذهب ل ّ‬
‫وإن خلّف وفا ًء فهو أسوة الغرماء ‪.‬‬
‫المحاصّة في الوصيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬من أوصى بوصايا تزيد على ثلث ماله ولم يجز الورثة تلك الزّيادة ‪ ,‬وكان الثلث‬ ‫‪11‬‬

‫ن الموصى لهم يتحاصون في مقدار ثلث التّركة بنسبة ما لكلّ منهم ‪,‬‬
‫يضيق بالوصايا فإ ّ‬
‫فيدخل النّقص على كلّ منهم بقدر وصيّته ‪ ,‬فمن أوصى لرجل بثلث ماله ولخر بالسّدس ولم‬
‫تجز الورثة فالثلث بينهما أثلثا فيقتسمانه على قدر حقّيهما كما في أصحاب الديون الّذين‬
‫يتحاصون مال المفلس ‪ ,‬وهذا أصل متّفق عليه بين المذاهب ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬وصيّة ) ‪.‬‬

‫مُحاطّة *‬
‫انظر ‪ :‬وضيعة ‪.‬‬

‫مُحَاقَلَة *‬
‫انظر ‪ :‬بيع المحاقلة ‪.‬‬

‫حبّة *‬
‫مَ َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المحبّة في اللغة ‪ :‬الميل إلى الشّيء السّارّ ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫قال الرّاغب الصفهاني ‪ :‬المحبّة إرادة ما تراه أو تظنه خيرا ‪ ,‬وهي على ثلثة أوجهٍ ‪:‬‬
‫محبّة للّذّة كمحبّة الرّجل للمرأة ‪ ,‬ومحبّة للنّفع كمحبّة شيءٍ ينتفع به ‪ ,‬ومنه قوله تعالى ‪:‬‬
‫صرٌ مّنَ الّل ِه وَفَ ْتحٌ قَرِيبٌ } ‪ ,‬ومحبّة للفضل كمحبّة أهل العلم بعضهم‬
‫{ َوُأخْرَى ُتحِبّو َنهَا نَ ْ‬
‫لبعض لجل العلم ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المودّة ‪:‬‬
‫‪ -‬المودّة في اللغة ‪ :‬محبّة الشّيء وتمنّي كونه ‪ ,‬ويستعمل في كلّ واحدٍ من المعنيين على‬ ‫‪2‬‬

‫أنّ التّمنّي يتضمّن معنى الو ّد ‪ ,‬لنّ التّمنّي هو تشهّي حصول ما توده ومنه قوله تعالى ‪:‬‬
‫ح َمةً } ‪.‬‬
‫ج َعلَ بَيْ َنكُم ّموَدّةً وَ َر ْ‬
‫{ َو َ‬
‫ول يخرج معناه الصطلحي عن معناه اللغويّ ‪.‬‬
‫ب يكون فيما يوجبه ميل الطّباع والحكمة جميعا ‪,‬‬
‫والفرق بين المحبّة والمودّة ‪ ,‬أنّ الح ّ‬
‫والود من جهة ميل الطّباع فقط ‪.‬‬
‫وعلى هذا فالمحبّة أعم من المودّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العشق ‪:‬‬
‫‪ -‬العشق في اللغة ‪ :‬الغرام بالنّساء والفراط في المحبّة ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫ن المحبّة‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪ ,‬والصّلة بين المحبّة والعشق أ ّ‬
‫أعم من العشق ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الرادة ‪:‬‬
‫‪ -‬الرادة في الصل قوّة مركّبة من شهوةٍ وحاجةٍ وأملٍ ‪ ,‬وجعل اسما لنزوع النّفس إلى‬ ‫‪4‬‬

‫الشّيء مع الحكم فيه بأنّه ينبغي أن يفعل أو ل يفعل ‪ ,‬ثمّ يستعمل مرّةً في المبدأ وهو نزوع‬
‫النّفس إلى الشّيء ‪ ,‬وتار ًة في المنتهى وهو الحكم فيه بأنّه ينبغي أن يفعل ‪ ,‬أو ل يفعل ‪.‬‬
‫ن عُُلوّا فِي الَ ْرضِ وََل‬
‫وقد تذكر الرادة ويراد بها القصد ‪ ,‬ومنه قوله تعالى ‪ { :‬ل يُرِيدُو َ‬
‫َفسَادا } أي ل يقصدونه ول يطلبونه ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫والصّلة بين المحبّة والرادة أنّ المحبّة أعم من الرادة ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمحبّة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬محبّة اللّه ومحبّة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ‪:‬‬
‫ب اللّه سبحانه وتعالى وحبّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم‬
‫‪ -‬أجمعت المّة على أنّ ح ّ‬ ‫‪5‬‬

‫ن هذه المحبّة من شروط اليمان ‪ ,‬لقوله تعالى ‪َ { :‬ومِنَ‬


‫فرض على كلّ مسلمٍ ومسلمةٍ وأ ّ‬
‫ن آمَنُواْ َأشَدّ حُبّا لّّلهِ } ‪ ,‬وقوله‬
‫ب الّلهِ وَالّذِي َ‬
‫ن الّلهِ أَندَادا ُيحِبّو َنهُ ْم كَحُ ّ‬
‫النّاسِ مَن يَ ّتخِذُ مِن دُو ِ‬
‫سوْفَ يَأْتِي الّلهُ ِب َق ْومٍ ُيحِ ّبهُمْ‬
‫ن آمَنُواْ مَن يَرْتَ ّد مِن ُكمْ عَن دِي ِنهِ َف َ‬
‫تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫وَ ُيحِبّو َنهُ } ‪.‬‬
‫ولقول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ‪ « :‬والّذي نفسه بيده ل يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ‬
‫إليه من والده وولده » ‪.‬‬
‫ب إليه من والده وولده‬
‫ولقوله صلّى اللّه عليه وسلّم كذلك ‪ « :‬ل يؤمن أحدكم حتّى أكون أح ّ‬
‫والنّاس أجمعين » ‪.‬‬
‫ي الّذي سأل‬
‫كما أنّ محبّة اللّه ورسوله منجاة من النّار وموجبة للجنّة لحديث العراب ّ‬
‫الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ‪ « :‬متى السّاعة ؟ فقال له الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ‪:‬‬
‫ما أعددت لها ؟ قال ‪ :‬حب اللّه ورسوله » وفي روايةٍ ‪ « :‬ما أعددت لها من كثير صل ٍة ول‬
‫صومٍ ول صدق ٍة ولكنّي أحب اللّه ورسوله ‪ ،‬قال ‪ :‬أنت مع من أحببت » ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬محبّة العلماء والصّالحين وعموم المؤمنين ‪:‬‬
‫ن من أفضل العمال الّتي تقرّب إلى اللّه حب العلماء والصّالحين‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪6‬‬

‫وأهل العدل والخير لقوله تعالى ‪ { :‬وَاصْبِ ْر َن ْفسَكَ مَ َع الّذِينَ يَ ْدعُونَ رَ ّبهُم بِا ْلغَدَاةِ وَا ْل َعشِيّ‬
‫ج َههُ } ‪.‬‬
‫ن َو ْ‬
‫يُرِيدُو َ‬
‫ن مِن قَبْ ِل ِهمْ ُيحِبّونَ َمنْ هَاجَرَ إِلَ ْي ِهمْ } ‪.‬‬
‫وقوله ‪ { :‬وَالّذِينَ تَ َب ّوؤُوا الدّارَ وَالِيمَا َ‬
‫ي صلّى اللّه عليه وسلّم ‪ « :‬الرّجل يحب القوم ولمّا يلحق بهم ؟ قال ‪:‬‬
‫ولحديث ‪ :‬قيل للنّب ّ‬
‫المرء مع من أحبّ » ‪.‬‬
‫ب إليه‬
‫ن حلوة اليمان ‪ :‬أن يكون اللّه ورسوله أح ّ‬
‫ولحديث ‪ « :‬ثلث من كنّ فيه وجد به ّ‬
‫ممّا سواهما وأن يحبّ المرء ل يحبه إل للّه » ‪.‬‬
‫ن هذا من محبّة اللّه ‪ ,‬فإنّ على‬
‫كما يجب على المؤمن أن يبغض أهل الجور والخيانة ‪ ,‬ل ّ‬
‫ب ما يحب محبوبه ويبغض ما يبغض محبوبه ‪ ,‬لحديث ‪ « :‬وأن يحبّ المرء ل‬
‫المحبّ أن يح ّ‬
‫يحبه إل للّه » ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬علمة محبّة اللّه لعبده ‪:‬‬
‫‪ -‬قال العلماء إنّ من علمات محبّة اللّه لعبده أن يضع له القبول في قلوب عباده ‪ ,‬وأن‬ ‫‪7‬‬

‫ينعم عليه بالمغفرة ‪ ,‬وأن يقبل توبته ‪ ,‬وأن يتوله بالنّصر والتّأييد والتّوفيق لما يحبه‬
‫ويرضاه ‪ ,‬وأن يحفظ جوارحه وأعضاءه حتّى يقلع عن الشّهوات ويستغرق في الطّاعات‬
‫ن آمَنُوا‬
‫بجعله له واعظا من نفسه وزاجرا من قلبه يأمره وينهاه ‪ ,‬لقوله تعالى ‪ { :‬إِنّ الّذِي َ‬
‫حمَنُ وُدّا } ‪ ,‬وقوله تعالى ‪ { :‬مَن يَرْتَ ّد مِن ُكمْ عَن دِي ِنهِ‬
‫ت سَ َيجْ َعلُ َل ُهمُ ال ّر ْ‬
‫عمِلُوا الصّا ِلحَا ِ‬
‫وَ َ‬
‫سوْفَ يَأْتِي الّل ُه ِب َقوْمٍ ُيحِ ّب ُهمْ وَ ُيحِبّو َنهُ } ‪.‬‬
‫َف َ‬
‫ي ممّا افترضته عليه وما‬
‫الية وللحديث القدسيّ ‪ « :‬وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحب إل ّ‬
‫يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه ‪ ,‬فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به وبصره‬
‫الّذي يبصر به ‪ ,‬ويده الّتي يبطش بها ‪ ,‬ورجله الّتي يمشي بها ‪ ,‬وإن سألني أعطيته ‪ ,‬ولئن‬
‫استعاذني لعيذنه » ‪.‬‬
‫ن اللّه قد‬
‫ب عبدا نادى جبريل ‪ :‬إ ّ‬
‫ي صلّى اللّه عليه وسلّم قال ‪ « :‬إنّ اللّه إذا أح ّ‬
‫ولحديث النّب ّ‬
‫أحبّ فلنا فأحبّه ‪ ,‬فيحبه جبريل ثمّ ينادي جبريل في السّماء ‪ :‬إنّ اللّه قد أحبّ فلنا فأحبوه‬
‫فيحبه أهل السّماء ‪ ,‬ويوضع له القبول في أهل الرض » وفي رواي ٍة ‪ . . . « :‬وإذا أبغض‬
‫عبدا دعا جبريل فيقول ‪ :‬إنّي أبغض فلنا فأبغضه ‪ ,‬قال ‪ :‬فيبغضه جبريل ‪ ,‬ثمّ ينادي في‬
‫أهل السّماء ‪ :‬إنّ اللّه يبغض فلنا فأبغضوه ‪ ,‬قال ‪ :‬فيبغضونه ثمّ توضع له البغضاء في‬
‫الرض » ‪.‬‬
‫د ‪ -‬محبّة إحدى الزّوجات أو أحد الولد أكثر من غيره ‪:‬‬
‫ن النسان ل يؤاخذ إذا مال قلبه إلى إحدى زوجاته وأحبّها أكثر من‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪8‬‬

‫ن المحبّة من المور القلبيّة الّتي‬


‫غيرها ‪ ,‬وكذا إذا أحبّ أحد أولده أكثر من الخرين ‪ ,‬ل ّ‬
‫ليس للنسان فيها خيار ول قدرة له على التّحكم فيها ‪ ,‬لحديث عائشة رضي ال عنها‬
‫قالت ‪ « :‬كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقسم لنسائه فيعدل ويقول ‪ :‬اللّهمّ هذه‬
‫قسمتي فيما أملك فل تلمني فيما تملك ول أملك » ‪ ,‬قال التّرمذي ‪ -‬في تفسير قوله فيما‬
‫ب والمودّة ‪.‬‬
‫تملك ول أملك ‪ -‬يعني به الح ّ‬
‫ن المحبّة ‪ ,‬وميل القلب أمر غير مقدورٍ للعبد بل هو‬
‫ي ‪ :‬والحديث يدل على أ ّ‬
‫وقال الصّنعان ّ‬
‫من اللّه تعالى ل يملكه العبد ‪.‬‬
‫وإنّما يحرم عليه أن يفضّل المحبوب على غيره بالعطايا ‪ ,‬أو بغيرها من المور الّتي يملكها‬
‫النسان بغير مسوّغٍ لقوله تعالى ‪ { :‬وَلَن َتسْ َتطِيعُواْ أَن َتعْدِلُواْ بَيْنَ ال ّنسَاء وَ َل ْو حَرَصْ ُتمْ َفلَ‬
‫َتمِيلُواْ ُكلّ ا ْلمَ ْيلِ فَتَ َذرُوهَا كَا ْل ُمعَلّ َقةِ } ‪.‬‬
‫ولقول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ‪ « :‬من كان له امرأتان يميل لحداهما جاء يوم القيامة‬
‫أحد شقّيه مائل » ‪ ,‬قال العلماء ‪ :‬المراد الميل في القسم والنفاق ل في المحبّة ‪ ,‬لما عرفت‬
‫من أنّها ممّا ل يملكه العبد ‪.‬‬
‫ولقولـه صلّى اللّه عليه وسلّم في التّسوية بين الولد بالعطايا ونحوها لبشير رضي ال‬
‫عنه ‪ « :‬أكلّ ولدك نحلت مثله ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬قال ‪ :‬فأرجعه » وفي رواي ٍة ‪ « :‬أعطيت سائر‬
‫ولدك مثل هذا ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬قال ‪ :‬فاتّقوا اللّه واعدلوا بين أولدكم » وفي ثالثةٍ ‪ « :‬أكلّهم‬
‫وهبت له مثل هذا ؟ قال ‪ :‬قال ‪ :‬فل تشهدني إذن فإنّي ل أشهد على جو ٍر » ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬محبّة أهل البيت ‪:‬‬
‫ن محبّة أهل بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والولء لهم مطلوبة‬
‫‪ -‬ذهب العلماء إلى أ ّ‬ ‫‪9‬‬

‫ن معرفة مقدارهم‬
‫من المسلمين ‪ ,‬وأنّ محبّتهم من محبّة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ‪ ,‬وأ ّ‬
‫وتوقيرهم وحرمتهم ورعاية ما يجب من حقوقهم والب ّر لهم والنصرة لهم كذلك من موجبات‬
‫الجنّة ‪.‬‬
‫كما أنّ بغضهم أو كرههم معصية تؤدّي بأصحابها إلى النّار ‪ ,‬والدلّة على ذلك كثيرة منها ‪:‬‬
‫قول اللّه تبارك وتعالى ‪ { :‬قُل ََل َأسْأَُل ُكمْ عَلَ ْي ِه أَجْرا إََِل ا ْل َموَدّةَ فِي ا ْلقُرْبَى } ‪ ,‬أي ‪ :‬ل أسألكم‬
‫أجرا إل أن تودوا قرابتي وأهل بيتي ‪.‬‬
‫وروى سعيد بن جبي ٍر عن ابن عبّاسٍ رضي ال عنهم قال ‪ « :‬لمّا نزلت ‪ { :‬قُل ل َأسْأَُل ُكمْ‬
‫عَلَ ْي ِه َأجْرا إََِل ا ْل َموَدّةَ فِي ا ْلقُرْبَى } قالوا ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ :‬من قرابتك هؤلء الّذين وجبت‬
‫علينا مودّتهم ؟ قال ‪ :‬علي وفاطمة وأبناؤهما » ‪.‬‬
‫ي صلّى اللّه عليه وسلّم ‪ « :‬أمّا بعد أل أيها النّاس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي ‪,‬‬
‫وقول النّب ّ‬
‫رسول ربّي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين ‪ ,‬أوّلهما كتاب اللّه فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب‬
‫اللّه واستمسكوا به ‪ -‬قال الرّاوي ‪ -‬فحثّ على كتاب اللّه ورغّب فيه ‪ ,‬ثمّ قال ‪ :‬وأهل بيتي‬
‫أذكّركم اللّه في أهل بيتي ‪ ,‬أذكّركم اللّه في أهل بيتي ‪ ,‬أذكّركم اللّه في أهل بيتي » ‪.‬‬
‫وكان الصّحابة رضي ال عنهم ومن تبعهم بإحسان يحبون أهل البيت ويظهرون ولءهم‬
‫واحترامهم لهم تقربا إلى اللّه سبحانه وتعالى ووفاءً للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ‪ ,‬عن أبي‬
‫بكرٍ رضي ال عنه قال ‪ :‬أرقبوا محمّدا صلى ال عليه وسلم في أهل بيته ‪ :‬قال النّووي ‪:‬‬
‫أي راعوه واحترموه وأكرموه ‪.‬‬
‫و ‪ -‬محبّة المهاجرين والنصار والخلفاء الرّاشدين ‪:‬‬
‫ن محبّة المهاجرين وتوقيرهم وبرّهم والولء لهم ومعرفة حقّهم‬
‫‪ -‬ذهب العلماء إلى أ ّ‬ ‫‪10‬‬

‫مطلوبة من المسلمين ‪ ,‬لما لهم من الفضل السّابق إلى اليمان والهجرة ‪.‬‬
‫حسَانٍ رّضِيَ‬
‫ن اتّ َبعُوهُم بِ ِإ ْ‬
‫ن وَالَنصَارِ وَالّذِي َ‬
‫وقال تعالى ‪ { :‬وَالسّا ِبقُونَ ا َلوّلُونَ ِمنَ ا ْل ُمهَاجِرِي َ‬
‫ك ا ْل َفوْزُ‬
‫ت َتجْرِي َتحْ َتهَا الَ ْنهَا ُر خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدا ذَلِ َ‬
‫الّلهُ عَ ْن ُهمْ َورَضُواْ عَ ْن ُه َوأَعَدّ َل ُهمْ جَنّا ٍ‬
‫ا ْلعَظِيمُ } ‪.‬‬
‫محبّة الخلفاء الرّاشدين رضي ال عنهم ‪ ,‬مطلوبة كذلك ‪ ,‬لنّهم خير النّاس بعد رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم وأحقهم بالمحبّة والموالة ‪ ,‬عن ابن عمر رضي ال عنهما قال ‪ :‬كنّا‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬فنخيّر أبا بكرٍ ثمّ عمر بن الخطّاب ثمّ‬
‫نخيّر بين النّاس في زمن النّب ّ‬
‫عثمان بن عفّان رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫ن عليا رضي ال عنه أفضل النّاس بعد الثّلثة ‪.‬‬
‫قال ابن عبد الب ّر ‪ :‬واتّفق أهل السنّة على أ ّ‬
‫قال القاضي عياض ‪ :‬ومن انتقص أحدا منهم فهو مبتدع مخالف للسنّة والسّلف الصّالح ‪,‬‬
‫وأخاف أن ل يصعد له عمل إلى السّماء حتّى يحبّهم جميعا ويكون قلبه سليما ‪.‬‬
‫أمّا محبّة النصار رضي ال عنهم فقد ورد في الحثّ عليها نصوص كثيرة لما لهم في‬
‫السلم من اليادي الجميلة في نصرة دين اللّه والسّعي في إظهاره وإيواء المسلمين‬
‫ق القيام وحبهم للنّبيّ صلى ال عليه وسلم وحبه صلى‬
‫وقيامهم في مهمّات دين السلم ح ّ‬
‫ال عليه وسلم إيّاهم ‪.‬‬
‫ن تَ َب ّوؤُوا الدّا َر وَالِيمَانَ‬
‫ومن هذه النصوص الواردة في حقّ النصار قوله تعالى ‪ { :‬وَالّذِي َ‬
‫ن عَلَى‬
‫جةً ّممّا أُوتُوا وَ ُيؤْثِرُو َ‬
‫مِن قَبْ ِل ِهمْ ُيحِبّونَ َمنْ هَاجَرَ إِلَ ْي ِهمْ وََل َيجِدُونَ فِي صُدُو ِر ِهمْ حَا َ‬
‫سهِ فَُأوْلَئِكَ ُهمُ ا ْل ُمفْ ِلحُونَ } ‪.‬‬
‫ح َن ْف ِ‬
‫شّ‬‫صةٌ َومَن يُوقَ ُ‬
‫ن ِب ِهمْ خَصَا َ‬
‫س ِهمْ وَ َلوْ كَا َ‬
‫أَن ُف ِ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪:‬‬
‫وحديث البراء بن عازبٍ رضي ال عنهما عن النّب ّ‬
‫« النصار ل يحبهم إل مؤمن ول يبغضهم إل منافق ‪ ,‬فمن أحبّهم أحبّه اللّه ومن أبغضهم‬
‫أبغضه اللّه » ‪.‬‬
‫ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬آية اليمان حب النصار وآية النّفاق بغض النصار » ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬محبّة لقاء اللّه تعالى ‪:‬‬
‫‪ -‬قال العلماء ‪ :‬ينبغي للمسلم أن يحبّ لقاء اللّه تعالى ‪.‬‬ ‫‪11‬‬

‫لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه ‪ ,‬ومن كره لقاء اللّه‬
‫كره اللّه لقاءه ‪ ،‬قالت عائشة رضي ال عنها ‪ -‬أو بعض أزواجه ‪ -‬رضي ال عنهن ‪ :‬إنّا‬
‫ن المؤمن إذا حضره الموت بشّر برضوان اللّه وكرامته‬
‫لنكره الموت قال ‪ :‬ليس ذلك ‪ ,‬ولك ّ‬
‫ن الكافر إذا حضر‬
‫فليس شيء أحب إليه ممّا أمامه فأحبّ لقاء اللّه وأحبّ اللّه لقاءه ‪ ,‬وإ ّ‬
‫بشّر بعذاب اللّه وعقوبته فليس شيء أكره إليه ممّا أمامه فكره لقاء اللّه وكره اللّه‬
‫لقاءه » ‪.‬‬
‫وقال العلماء ‪ :‬إنّ محبّة لقاء اللّه ل تدخل في النّهي عن تمنّي الموت الوارد في قوله صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬ل يتمنّين أحدكم الموت لض ّر نزل به ‪ ,‬فإن كان ل بدّ متمنّيا فليقل ‪:‬‬
‫اللّهمّ أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ‪ ,‬وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرا لي » ‪.‬‬
‫لنّ محبّة لقاء اللّه ممكنة مع عدم تمنّي الموت كأن تكون المحبّة حاصلةً ل يفترق حاله‬
‫فيها بحصول الموت ‪ ,‬ول بتأخره ‪ ,‬وأنّ النّهي محمول على حالة الحياة المستمرّة ‪ ,‬وأمّا‬
‫عند الحتضار والمعاينة فل تدخل تحت النّهي بل هي مستحبّة ‪ ,‬ومثله إذا تمنّى الموت‬
‫لخوف فتنةٍ في الدّين ‪ ,‬أو لتمنّي الشّهادة في سبيل اللّه أو لغرض أخرويّ آخر ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬علمات محبّة العبد للّه تعالى ‪:‬‬
‫‪ -‬قال العلماء ‪ :‬من علمات محبّة العبد لربّه أن يتنعّم بالطّاعة ول يستثقلها وأن يؤثر ما‬ ‫‪12‬‬

‫أحبّه اللّه على ما يحبه في ظاهره وباطنه ‪ ,‬فيلزم مشاقّ العمل ويجتنب اتّباع الهوى ‪,‬‬
‫ويعرض عن دعة الكسل ول يزال مواظبا على طاعة اللّه ‪ ,‬ومتقرّبا إليه بالنّوافل وطالبا‬
‫عنده مزايا الدّرجات كما يطلب المحب مزيد القرب في قلب محبوبه ‪ ,‬ولنّ من أحبّ اللّه ل‬
‫يعصيه كما قال محمّد بن المبارك ‪:‬‬
‫هذا لعمري في الفعال بديع‬ ‫تعصي الله وأنت تظهر حبّه‬
‫إنّ المحبّ لمن يحب مطيع‬ ‫لو كان حبك صادقا لطعتـه‬
‫ن الّلهَ فَاتّ ِبعُونِي } قالوا ‪ :‬نزلت في قو ٍم من أهل الكتاب‬
‫قال تعالى ‪ُ { :‬قلْ إِن كُنتُمْ ُتحِبّو َ‬
‫قالوا ‪ :‬نحن الّذين نحب ربّنا ‪ ,‬وروي أنّ المسلمين قالوا ‪ :‬يا رسول اللّه واللّه إنّا لنحب‬
‫ربّنا ‪ ,‬فأنزل اللّه ع ّز وجلّ الية ‪.‬‬
‫وقال الزهري ‪ :‬محبّة العبد للّه ورسوله طاعته لهما واتّباعه أمرهما ‪.‬‬

‫حبُوس *‬
‫مَ ْ‬
‫انظر ‪ :‬حبس ‪.‬‬

‫ح َتسِب *‬
‫مُ ْ‬
‫انظر ‪ :‬حسبة ‪.‬‬

‫مِحْراب *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المحراب في اللغة ‪ :‬الغرفة ‪ ,‬وصدر البيت وأكرم مواضعه ‪ ,‬ومقام المام من المسجد ‪,‬‬ ‫‪1‬‬

‫والموضع ينفرد به الملك فيتباعد عن النّاس ‪ ,‬والجمة ‪ ,‬وعنق الدّابّة ‪.‬‬


‫قال الفيوميّ ‪ :‬المحراب صدر المجلس ‪ ,‬ويقال ‪ :‬هو أشرف المجالس ‪ ,‬وهو حيث يجلس‬
‫الملوك والسّادات والعظماء ومنه محراب المصلّي ‪.‬‬
‫وقال ابن النباريّ عن أحمد بن عبيدٍ ‪ :‬سمّي محرابا لنفراد المام إذا قام فيه وبعده عن‬
‫القوم ‪.‬‬
‫والمحراب عند الفقهاء هو ‪ :‬مقام المام في الصّلة ‪ ,‬والجهة الّتي يصلّي نحوها‬
‫المسلمون ‪ ,‬قال الطّحطاويّ ‪ ,‬بعد تعريف القبلة تعريفا شرعيا ‪ :‬وتسمى ‪ -‬أي القبلة ‪-‬‬
‫أيضا محرابا ‪ ,‬لنّ مقابلها يحارب الشّيطان والنّفس ‪ ,‬أي بإحضار قلبه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬القبلة ‪:‬‬
‫‪ -‬القبلة في اللغة ‪ :‬الجهة ‪ ,‬يقال ‪ :‬ليس لفلن قبلة ‪ ،‬أي جهة ‪ ,‬ويقال ‪ :‬أين قبلتك ؟ أي‬ ‫‪2‬‬

‫جهتك ‪ ,‬والقبلة أيضا ‪ :‬وجهة المسجد وناحية الصّلة ‪.‬‬


‫وفي الصطلح ‪ :‬قال الشّربيني الخطيب ‪ :‬القبلة صارت في الشّرع حقيقة الكعبة ل يفهم‬
‫ن المصلّي يقابلها ‪.‬‬
‫منها غيرها ‪ ,‬سمّيت قبلةً ل ّ‬
‫والصّلة بين المحراب والقبلة ‪ :‬أنّ المحراب الّذي نصب باجتهاد علماء المسلمين يكون‬
‫‪ -‬في الجملة ‪ -‬أمار ًة على القبلة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المسجد ‪:‬‬
‫‪ -‬المسجد في اللغة ‪ :‬بيت الصّلة ‪ ,‬وموضع السجود من بدن النسان ‪ ,‬والجمع مساجد ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬الرض الّتي جعلها مالكها مسجدا بقوله ‪ :‬جعلتها مسجدا وأفرز طريقه‬
‫وأذّن بالصّلة فيه ‪.‬‬
‫والعلقة بين المحراب والمسجد ‪ :‬أنّ المحراب جزء من المسجد ‪ ,‬ومقام المام للصّلة فيه‬
‫‪ .‬ج ‪ -‬الطّاق ‪:‬‬
‫‪ -‬الطّاق في اللغة ‪ :‬ما عطف من البنية وجعل كالقوس ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬المحراب ‪ ,‬والظلّة الّتي عند باب المسجد أو حوله ‪.‬‬
‫ن كلً منهما بناء‬
‫ي الوّل ‪ ,‬وأ ّ‬
‫والصّلة بين المحراب والطّاق التّرادف على المعنى الصطلح ّ‬
‫في المسجد أو في رحبته على المعنى الثّاني ‪.‬‬
‫حكم اتّخاذ المحراب ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم اتّخاذ المحراب ‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫فقال الحنابلة ‪ :‬اتّخاذ المحراب مباح ‪ ,‬نصّ عليه ‪ ,‬وقيل ‪ :‬يستحب ‪ ,‬أومأ إليه أحمد واختاره‬
‫الجري وابن عقي ٍل وابن الجوزيّ وابن تميمٍ ‪ ,‬ليستدلّ به الجاهل ‪ ,‬وكان أحمد يكره كلّ‬
‫محدثٍ ‪ ,‬واقتصر ابن البنّاء عليه فد ّل على أنّه قال به ‪.‬‬
‫وقال الزّركشي ‪ :‬كره بعض السّلف اتّخاذ المحاريب في المسجد ‪.‬‬
‫وعبارة الحنفيّة والمالكيّة تدل على إباحته ‪.‬‬
‫ن المام ‪ -‬الرّاتب ‪ -‬لو ترك المحراب وقام في غيره يكره ولو كان‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬إ ّ‬
‫قيامه وسط الصّفّ لنّه خلف عمل المّة ‪.‬‬
‫ن المام يقوم في المحراب حال صلة الفريضة كيف اتّفق ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬المشهور أ ّ‬
‫وقال الدسوق ّ‬
‫أوّل من اتّخذ المحراب ‪:‬‬
‫‪ -‬لم يكن للمسجد النّبويّ الشّريف محراب في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ‪,‬‬ ‫‪6‬‬

‫ول في عهد الخلفاء بعده ‪ ,‬وأوّل من اتّخذ المحراب عمر بن عبد العزيز ‪ ,‬أحدثه وهو عامل‬
‫الوليد بن عبد الملك على المدينة المنوّرة عندما أسّس مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه‬
‫وسلّم لمّا هدمه وزاد فيه ‪ ,‬وكان هدمه للمسجد سنة إحدى وتسعين للهجرة ‪ ,‬وقيل سنة‬
‫ثمانٍ وثمانين وفرغ منه سنة إحدى وتسعين ‪ -‬وهو أشبه ‪ -‬وفيها حجّ الوليد ‪.‬‬
‫ن هذا المحراب‬
‫ويعني بمحراب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مصله وموقفه ‪ ,‬ل ّ‬
‫المعروف لم يكن في زمن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ‪.‬‬
‫تزويق المحراب ووضع مصحفٍ فيه ‪:‬‬
‫‪ -‬نصّ المالكيّة على أنّه يكره تزويق محراب المسجد بذهب أو غيره ‪ ,‬وكذلك الكتابة فيه‬ ‫‪7‬‬

‫‪ ,‬بخلف تجصيصه فيستحب ‪ ,‬وتعمد مصحفٍ في المحراب أي جعله فيه عمدا ليصلّي له ‪,‬‬
‫أي إلى جهة المصحف أو ليصلّي متوجّها إليه ‪ ,‬فإن لم يتعمّد ذلك بأن كان المصحف في‬
‫الموضع الّذي يعلّق فيه لم تكره الصّلة لجهته ‪.‬‬
‫ك أنّه يكره أن يكتب في قبلة المسجد ‪ -‬أي محرابه ‪ -‬آية من القرآن‬
‫ونقل الزّركشي عن مال ٍ‬
‫آو شيءٍ منه ‪ ,‬وأردف الزّركشي ذلك بقوله ‪ :‬وجوّزه بعض العلماء وقال ‪ :‬ل بأس به لقوله‬
‫ن بِالّلهِ } الية ‪ ,‬ولما روي من فعل عثمان رضي ال‬
‫ن آمَ َ‬
‫تعالى ‪ { :‬إِ ّنمَا َي ْعمُرُ َمسَاجِدَ الّل ِه مَ ْ‬
‫تعالى عنه ذلك بمسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم ينكر ذلك ‪.‬‬
‫قيام المام في المحراب ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم قيام المام في المحراب أثناء صلة الجماعة ‪:‬‬ ‫‪8‬‬

‫فذهب الشّافعيّة والمالكيّة في المشهور عندهم وبعض الحنفيّة إلى أنّه يجوز للمام القيام في‬
‫المحراب حال صلة الفريضة ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة وبعض الحنفيّة إلى كراهة قيام المام في المحراب حال صلة الفريضة في‬
‫الجملة ‪.‬‬
‫وروي عن بعض فقهاء الحنفيّة أنّه يكره للمام أن يقوم في غير المحراب إل لضرورة ‪,‬‬
‫وروي عن أحمد أنّه يستحب وقوف المام في المحراب ‪.‬‬
‫وللفقهاء في ذلك وغيره تفصيل ‪:‬‬
‫لخّص ابن عابدين اختلف فقهاء الحنفيّة بقوله ‪ :‬حاصله أنّه صرّح محمّد في الجامع‬
‫الصّغير بالكراهة ولم يفصّل ‪ ,‬فاختلف المشايخ في سببها ‪ :‬فقيل ‪ :‬كونه يصير ممتازا عنهم‬
‫ن المحراب في معنى بيتٍ آخر ‪ ,‬وذلك صنيع أهل الكتاب ‪ ,‬واقتصر عليه في‬
‫في المكان ‪ ,‬ل ّ‬
‫الهداية ‪ ,‬واختاره السّرخسي وقال إنّه الوجه ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬اشتباه حاله على من في يمينه ويساره ‪.‬‬
‫فعلى الوّل يكره مطلقا ‪ ,‬وعلى الثّاني ل يكره عند عدم الشتباه ‪.‬‬
‫وأيّد الثّاني في الفتح بأنّ امتياز المام في المكان مطلوب وتقدمه واجب ‪ ,‬وغايته اتّفاق‬
‫الملّتين في ذلك ‪ ,‬وارتضاه في الحلية وأيّده ‪.‬‬
‫ن امتياز المام المطلوب‬
‫لكن نازعه في البحر بأنّ مقتضى ظاهر الرّواية الكراهة مطلقا ‪ ,‬وبأ ّ‬
‫حاصل بتقدمه بل وقوفٍ في مكانٍ آخر ‪ ,‬ولهذا قال في الولوالجيّة وغيرها ‪ :‬إذا لم يضق‬
‫المسجد بمن خلف المام ل ينبغي له ذلك ‪ ,‬لنّه يشبه تباين المكانين ‪ .‬انتهى ‪ ,‬يعني‬
‫وحقيقة اختلف المكان تمنع الجواز فشبهة الختلف توجب الكراهة ‪ ,‬والمحراب وإن كان‬
‫ن المحراب‬
‫في المسجد فصورته وهيئته اقتضت شبهة الختلف ‪ ,‬قال ابن عابدين ‪ :‬أي ل ّ‬
‫إنّما بني علم ًة لمحلّ قيام المام ليكون قيامه وسط الصّفّ كما هو السنّة ‪ ,‬ل لن يقوم في‬
‫داخله ‪ ,‬فهو وإن كان من بقاع المسجد لكن أشبه مكانا آخر فأورث الكراهة ‪ ,‬لكن التّشبه‬
‫إنّما يكره في المذموم وفيما قصد به التّشبه ل مطلقا ‪ ,‬ولعلّ هذا من المذموم ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬الّذي يظهر من كلمهم أنّها كراهة تنزي ٍه ‪.‬‬
‫وفي حاشية البحر للرّمل ّ‬
‫وقال ابن عابدين في معراج الدّراية من باب المامة ‪ :‬الصح ما روي عن أبي حنيفة أنّه‬
‫قال ‪ :‬أكره للمام أن يقوم بين السّاريتين أو زاوية أو ناحية المسجد أو إلى ساري ٍة ‪ ,‬لنّه‬
‫بخلف عمل المّة ‪.‬‬
‫ف ‪ ,‬أل ترى أنّ المحاريب ما نصبت إل‬
‫وفيه أيضا ‪ :‬السنّة أن يقوم المام إزاء وسط الصّ ّ‬
‫وسط المساجد وهي قد عيّنت لمقام المام ‪.‬‬
‫وفي التّتارخانيّة ‪ :‬ويكره أن يقوم في غير المحراب إل لضرورة ‪ ,‬ومقتضاه ‪ :‬أنّ المام لو‬
‫ترك المحراب وقام في غيره يكره ولو كان قيامه وسط الصّفّ ‪ ,‬لنّه خلف عمل المّة ‪,‬‬
‫وهو ظاهر في المام الرّاتب دون غيره والمنفرد ‪.‬‬
‫والمشهور عند المالكيّة أنّ المام يقف في المحراب حال صلته الفريضة كيفما اتّفق ‪,‬‬
‫وقيل ‪ :‬يقف خارجه ليراه المأمومون ‪ ,‬ويسجد فيه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل تكره الصّلة في المحراب ولم يزل عمل النّاس عليه من غير نكيرٍ ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يكره للمام الصّلة في المحراب إذا كان يمنع المأموم مشاهدته ‪ ,‬روي عن‬
‫ابن مسعودٍ رضي ال عنه وغيره ‪ ,‬لنّ المام يستتر عن بعض المأمومين ‪ ,‬أشبه ما لو‬
‫كان بينه وبينهم حجاب ‪ ,‬إل من حاجةٍ كضيق المسجد وكثرة الجمع فل يكره لدعاء الحاجة‬
‫إليه ‪ ,‬ول يكره سجود المام في المحراب إذا كان واقفا خارجه لنّه ليس محلّ مشاهدته ‪,‬‬
‫ويقف المام عن يمين المحراب إذا كان المسجد واسعا نصا ‪ ,‬لتميز جانب اليمين ‪.‬‬
‫ونقل الجراعيّ عن أحمد أنّه يستحب وقوف المام في المحراب ‪.‬‬
‫تنفل المام في المحراب ‪:‬‬
‫‪ -‬نصّ المالكيّة على أنّه يكره للمام التّنفل بالمحراب ‪ ,‬لنّه ل يستحقه إل حال كونه إماما‬ ‫‪9‬‬

‫‪ ,‬ولنّه قد يوهم غيره أنّه في صلةٍ فيقتدي به ‪.‬‬


‫وقالوا ‪ :‬يكره للمام الجلوس في المحراب بعد الصّلة على هيئة الصّلة ويخرج من الكراهة‬
‫بتغيير الهيئة لحديث سمرة بن جندبٍ ‪ « :‬كان النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا صلّى صلةً‬
‫أقبل علينا بوجهه » أي التفت إليهم يمينا أو شمالً ولم يستدبر القبلة لكراهة ذلك ‪.‬‬
‫دللة المحراب على القبلة ‪:‬‬
‫ن المحراب من الدلّة الّتي تعرف بها القبلة ‪ ,‬وأنّه يعتمد في الدّللة‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪10‬‬

‫عليها ‪ ,‬ول يجوز الجتهاد في القبلة أو تحرّيها مع وجود المحراب المعتمد في الدّللة عليها‬
‫وهذا في الجملة ‪ ,‬ولهم بعد ذلك تفصيل ‪:‬‬
‫فقال الحنفيّة ‪ :‬تعرف القبلة بالدّليل ‪ ,‬وهو في القرى والمصار محاريب الصّحابة والتّابعين‬
‫والمحاريب القديمة ‪ ,‬وهي ل يجوز تحرّي القبلة معها ‪ ,‬بل تعتمد هذه المحاريب في الدّللة‬
‫على القبلة ‪ ,‬لئل يلزم تخطئة السّلف الصّالح وجماهير المسلمين الّذين أقاموا هذه‬
‫المحاريب ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬المسلم الّذي يريد الصّلة وهو في غير مكّة ول ما لحق بها يجتهد في‬
‫استقبال جهة الكعبة ‪ ,‬إل أن يكون بالمدينة المنوّرة بأنوار سيّدنا محمّ ٍد صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ ,‬أو بجامع عمرٍو بمصر العتيقة فل يجوز له الجتهاد المؤدّي لمخالفة محرابهما ‪,‬‬
‫ويجب عليه تقليد محرابهما ‪ ,‬لنّ محراب المدينة بالوحي ‪ ,‬ومحراب جامع عمرٍو بإجماع‬
‫جماعةٍ من الصّحابة نحو الثّمانين ‪ ,‬ول يقلّد المجتهد محرابا منصوبا إلى جهة الكعبة إل‬
‫محرابا لمصر ‪ -‬أي بل ٍد عظيمٍ ‪ -‬حضر نصب محرابه إلى جهة الكعبة جمع من العلماء‬
‫العارفين ‪ ,‬وذلك كبغداد ومصر والسكندرية ‪ ,‬والمحاريب الّتي جهل حال ناصبيها داخلة‬
‫فيما قبل الستثناء ‪ ,‬والمحاريب الّتي قطع العارفون بخطئها ل تجوز الصّلة إليها ل لمجتهد‬
‫ول لغيره ‪.‬‬
‫وقلّد الجاهل بالدلّة الّتي تحدّد القبلة محرابا ‪ -‬ولو لغير مصرٍ ‪ -‬لم يتبيّن خطؤه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬المحراب يجب اعتماده ول يجوز معه الجتهاد ‪ ,‬قال النّووي ‪ :‬واحتجّ له‬
‫ن المحاريب ل تنصب إل بحضرة جماعةٍ من أهل المعرفة بسمت الكواكب والدلّة‬
‫أصحابنا بأ ّ‬
‫فجرى ذلك مجرى الخبر ‪ ,‬واعلم أنّ المحراب إنّما يعتمد بشرط أن يكون في بل ٍد كبيرٍ ‪ ,‬أو‬
‫في قريةٍ صغير ٍة يكثر المارون بها بحيث ل يقرونه على الخطأ ‪ ,‬فإن كان في قريةٍ صغيرةٍ‬
‫ق يقل‬
‫ل يكثر المارون بها لم يجز اعتماده ‪ ,‬قال صاحب التّهذيب ‪ :‬لو رأى علمةً في طري ٍ‬
‫فيه مرور النّاس ‪ ,‬أو في طريقٍ يمر فيه المسلمون والمشركون ول يدري من نصبها ‪ ,‬أو‬
‫رأى محرابا في قري ٍة ل يدري بناه المسلمون أو المشركون ‪ ,‬أو كانت قرية صغيرة‬
‫للمسلمين اتّفقوا على جه ٍة يجوز وقوع الخطأ لهلها فإنّه يجتهد في كلّ هذه الصور ول‬
‫يعتمده ‪ ,‬وكذا قال صاحب التّتمّة ‪ :‬لو كان في صحراء أو قريةٍ صغير ٍة أو في مسجدٍ في‬
‫برّ ّي ٍة ل يكثر به المارّة فالواجب عليه الجتهاد ‪ ,‬قال ‪ :‬ولو دخل بلدا قد خرب وانجلى أهله‬
‫فرأى فيه محاريب ‪ ,‬فإن علم أنّها من بناء المسلمين اعتمدها ولم يجتهد ‪ ,‬وإن احتمل أنّها‬
‫من بناء المسلمين واحتمل أنّها من بناء الكفّار لم يعتمدها بل يجتهد ‪ ,‬ونقل الشّيخ أبو حامدٍ‬
‫في تعليقه هذا التّفصيل في البلد الخراب عن أصحابنا كلّهم ‪.‬‬
‫وأضاف النّووي ‪ :‬قال أصحابنا إذا صلّى في مدينة رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فمحراب‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في حقّه كالكعبة ‪ ,‬فمن يعاينه يعتمده ‪ ,‬ول يجوز العدول‬
‫عنه بالجتهاد بحال ‪ ,‬وفي معنى محراب المدينة سائر البقاع الّتي صلّى فيها رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم إذا ضبط المحراب ‪ ,‬وكذا المحاريب المنصوبة في بلد المسلمين‬
‫بالشّرط السّابق فل يجوز الجتهاد في هذه المواضع في الجهة بل خلفٍ وأمّا الجتهاد في‬
‫التّيامن والتّياسر فإن كان محراب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم لم يجز بحال ‪ ,‬وإن كان‬
‫في سائر البلد ففيه أوجه ‪ :‬أصحها يجوز ‪ ،‬قال الرّافعي ‪ :‬وبه قطع الكثرون ‪.‬‬
‫ص ًة ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬ل يجوز في الكوفة خا ّ‬
‫والثّالث ‪ :‬ل يجوز فيها ول في البصرة لكثرة من دخلها من الصّحابة رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫وقال النّووي ‪ :‬قال أصحابنا ‪ :‬العمى يعتمد المحراب إذا عرفه بالمسّ حيث يعتمده البصير‬
‫‪ ,‬وكذا البصير في الظلمة ‪ ,‬وفيه وجه ‪ :‬أنّ العمى إنّما يعتمد محرابا رآه قبل العمى ‪ ,‬ولو‬
‫اشتبه على العمى مواضع لمسها صبر حتّى يجد من يخبره ‪ ,‬فإن خاف فوت الوقت صلّى‬
‫على حسب حاله وتجب العادة ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬لو أمكن من يريد الصّلة أو التّوجه إلى القبلة معرفة القبلة بالستدلل‬
‫ن اتّفاقهم‬
‫بمحاريب المسلمين لزمه العمل به إذا علمها للمسلمين ‪ ,‬عدو ًل كانوا أو فسّاقا ‪ ,‬ل ّ‬
‫عليها مع تكرار العصار إجماع عليها ول تجوز مخالفتها ‪ ,‬قال في المبدع ‪ :‬ول ينحرف‬
‫لنّ دوام التّوجه إليه كالقطع ‪ ,‬وإن وجد محاريب ببلد خرابٍ ل يعلمها للمسلمين لم يلتفت‬
‫إليها ‪ ,‬لنّها ل دللة فيها لحتمال كونها لغير المسلمين ‪ ,‬وإن كان عليها آثار السلم ‪,‬‬
‫لجواز أن يكون الباني مشركا عملها ليغ ّر بها المسلمين ‪ ,‬قال في الشّرح ‪ :‬إل أن يكون ممّا‬
‫ل يتطرّق إليه هذا الحتمال ‪ ,‬ويحصل له العلم أنّه من محاريب المسلمين فيستقبله ‪ ,‬وعلم‬
‫منه أنّه إذا علمها للكفّار ل يجوز له العمل بها ‪ ,‬لنّ قولهم ل يرجع إليه فمحاريبهم أولى ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬ل يجوز الستدلل بمحاريب الكفّار إل أن يعلم قبلتهم ‪ ,‬كالنّصارى يعلم أنّ‬
‫قبلتهم المشرق ‪ ,‬فإذا رأى محاريبهم في كنائسهم علم أنّها مستقبلة المشرق ‪.‬‬

‫حرَم *‬
‫مَ ْ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المحرم في اللغة ‪ :‬الحرام ‪ ,‬والحرام ‪ :‬ضد الحلل ‪ ,‬ويقال ‪ :‬هو ذو محرمٍ منها ‪ :‬إذا لم‬ ‫‪1‬‬

‫يحلّ له نكاحها ورحم محرم ‪ :‬محرّم تزوجها ‪ ,‬وفي المعجم الوسيط ‪ :‬المحرم ‪ :‬ذو الحرمة ‪.‬‬
‫ومن النّساء والرّجال الّذي يحرم التّزوج به لرحمه وقرابته وما حرّم اللّه تعالى ‪ ,‬والجمع‬
‫محارم ‪.‬‬
‫ع أو صهر ّيةٍ‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬المحرم من ل يجوز له مناكحتها على التّأبيد بقرابة أو رضا ٍ‬
‫‪ .‬اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الرّحم ‪:‬‬
‫‪ -‬ال ّرحِم في اللغة ‪ -‬بكسر الحاء وتسكينها ‪ -‬وهو في الصل ‪ :‬موضع تكوين الجنين‬ ‫‪2‬‬

‫ووعاؤه في البطن ‪ ,‬ثمّ أطلق على القرابة وأسبابها ‪ ,‬وعلى القارب الّذين ليسوا من‬
‫العصبة ول من ذوي الفروض ‪ ,‬كبنات الخوة وبنات العمام ‪ ,‬وهو يذكّر ويؤنّث ‪ ,‬وجمعه‬
‫أرحام ‪ .‬ولنّ الرّحم نوعان ‪ :‬محرم ‪ ,‬وغير محرمٍ ‪ ,‬فهو إذا أعم من محرمٍ ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬أرحام ف ‪. ) 1‬‬
‫ب ‪ -‬القريب ‪:‬‬
‫‪ -‬القريب في اللغة ‪ :‬الدّاني في المكان أو الزّمان أو النّسب ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫والجمع أقرباء وقرابى ‪ ,‬وفي مختار الصّحاح ‪ :‬القرابة والقربى ‪ :‬القرب في الرّحم ‪.‬‬
‫أمّا في الصطلح ‪ :‬فقد تعدّدت اتّجاهات الفقهاء في تعريف القرابة وتفصيلها في مصطلح ‪:‬‬
‫( قرابة ف ‪. ) 1‬‬
‫والصّلة بين القريب والمحرم العموم والخصوص ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬النّسب ‪:‬‬
‫ن ‪ ،‬هو منهم ‪ ،‬والجمع أنساب ‪.‬‬
‫‪ -‬النّسب ‪ :‬القرابة ‪ ,‬ويقال ‪ :‬نسبه في بني فل ٍ‬ ‫‪4‬‬

‫ويقال ‪ :‬رجل نسيب ‪ :‬شريف معروف حسبه وأصوله ‪.‬‬


‫وهو نسيبه أي قريبه ‪.‬‬
‫وفي اصطلح الفقهاء ‪ :‬النسب هو القرابة والرحم ‪.‬‬
‫وقصره بعضهم على غير ذوي الرحام ‪ ،‬وحصره آخرون في البنوّة والبوّة والخوّة‬
‫والعمومة وما تناسل منها ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬قرابة ف ‪. ) 2‬‬
‫ويمكن القول أن بين " نسب " و " محرم " عموم وخصوص وجهي ‪ ،‬فالنّسب أحد أسباب‬
‫التحريم أو المحرمية بين الرجل و المرأة ‪،‬أي أنهما – النّسب ‪ ،‬المحرم – يلتقيان في هذا‬
‫الجانب ‪ ،‬ثمّ يفترقان فيما عداه ‪ ،‬على اعتبار أنّ النّسب أو القرابة النسبية أعم من المحرم‬
‫وأقوى ‪ ،‬ولذلك ل يقاس المحرم بالرّضاع على النّسب في جميع أحكامه ‪.‬‬
‫والمحرم من جانب آخر أعم من النّسب ‪ ،‬ذلك أنّ التحريم كما يكون بسبب لحمة النّسب أو‬
‫قرابة الدّم يكون كذلك بالرّضاع والمصاهرة ‪.‬‬
‫د – الرضاع ‪:‬‬
‫– الرّضاع في الّلغة ‪ :‬اسم لمص الثّدي أو الضّرع ‪ ،‬يقال ‪ :‬رضع أمّه رضعا ورضاعا‬ ‫‪5‬‬

‫ورضاعة ‪ :‬امتص ثديها أو ضرعها ‪.‬‬


‫ويقال ‪ :‬بينهما رضاع الّلبن ‪ :‬إخوة من الرضاع ‪ ،‬وفلن رضيعي ‪ :‬أخي من الرّضاع ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬يطلق الرّضاع على مصّ الرّضيع الّلبن من ثدي أمّه بشرائط مخصوصة ‪،‬‬
‫أو هو اسم لوصول لبن امرأة أو ما حصل من لبنها في جوف طفل بشروط مخصوصة ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬قرابة ف ‪. ) 6‬‬
‫والصلة بين الرّضاع والمحرم السببيّة ‪ ،‬فإنّ الرّضاع من أسباب التّحريم ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬الصّهر ‪:‬‬
‫– الصهر ‪ :‬القريب بالزّواج ‪ ،‬وجمعه أصهار ‪ ،‬كما يطلق على المصاهرة ‪،‬وفي التنزيل‬ ‫‪6‬‬

‫صهْرا } ‪.‬‬
‫ن ا ْلمَاء َبشَرا َفجَعَ َل ُه َنسَبا وَ ِ‬
‫العزيز ‪ { :‬وَ ُهوَ الّذِي خََلقَ مِ َ‬
‫ول يخرج الصّهر في الصطلح عن معناه الّلغوي ‪.‬‬
‫ن الصّهر أنّ الصّهر أحد المحارم ‪.‬‬
‫والعلقة بين الصّهر والمحرم ‪ :‬أ ّ‬
‫ما يتعلّق بالمحرم من أحكامٍ ‪:‬‬
‫تتّصل بالمحرم أحكام كثيرة ‪ ,‬وهي تختلف بحسب موضوعها أو متعلّقها ‪ ,‬وبيان ذلك فيما‬
‫يلي ‪:‬‬
‫أسباب المحرميّة ‪:‬‬
‫‪ -‬سبب المحرميّة إمّا قرابة النّسب ‪ ,‬أو الرّضاع ‪ ,‬أو المصاهرة وثمّة اختلف حول‬ ‫‪7‬‬

‫ثبوت حرمة المصاهرة بالزّنا ‪ ,‬حتّى المس بشهوة ‪.‬‬


‫وهناك من فرّق أيضا بين النّكاح الصّحيح والنّكاح الفاسد في ثبوت هذه الحرمة أو عدم‬
‫ثبوتها ‪.‬‬
‫النّظر إلى المحرم ‪:‬‬
‫‪ -‬أباح الفقهاء نظر الرّجل إلى مواضع الزّينة من المحرم ‪ ,‬لقوله تعالى ‪ { :‬وََل يُبْدِينَ‬ ‫‪8‬‬

‫ن َأوْ‬
‫خوَانِهِ ّ‬
‫ن َأوْ أَبْنَاء ُبعُولَ ِتهِنّ َأوْ ِإ ْ‬
‫ن َأوْ آبَاء ُبعُولَ ِتهِنّ َأوْ أَبْنَا ِئهِ ّ‬
‫ن إََِل لِ ُبعُولَ ِتهِنّ َأوْ آبَا ِئهِ ّ‬
‫زِينَ َتهُ ّ‬
‫خوَا ِتهِنّ َأ ْو ِنسَا ِئهِنّ َأوْ مَا مَ َلكَتْ أَ ْيمَا ُنهُنّ } ‪.‬‬
‫خوَا ِنهِنّ َأوْ بَنِي َأ َ‬
‫بَنِي ِإ ْ‬
‫أمّا حدود الزّينة الّتي يحل النّظر إليها ولمسها ‪ ,‬فقد ذهب الفقهاء إلى حرمة النّظر إلى ما‬
‫بين السرّة والركبة للمحارم ‪ ,‬وما عدا ذلك اختلفوا فيه على أقوالٍ تفصيلها في مصطلح ‪:‬‬
‫( عورة ف ‪. ) 6‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه يجوز للرّجل أن ينظر من محرمه إلى الرّأس والوجه والصّدر‬
‫والسّاق والعضد إن أمن شهوته ‪ ,‬وشهوتها أيضا ‪ ,‬وأصله قوله تعالى ‪ { :‬وََل يُبْدِينَ‬
‫ن إََِل لِ ُبعُولَ ِتهِنّ ‪ } ...‬الية ‪ ،‬وتلك المذكورات مواضع الزّينة ‪ ,‬بخلف المظهر ونحوه‬
‫زِينَ َتهُ ّ‬
‫‪.‬‬
‫قال في الفتاوى الهنديّة ‪ :‬ول بأس للرّجل أن ينظر من أمّه وابنته البالغة وأخته وك ّل ذي‬
‫رحمٍ محرمٍ منه كالجدّات والولد وأولد الولد والعمّات والخالت إلى شعرها وصدرها‬
‫وذوائبها وثديها وعضدها وساقها ‪ ,‬ول ينظر إلى ظهرها وبطنها ‪ ,‬ول إلى ما بين سرّتها‬
‫إلى أن يجاوز الركبة وكذلك كل ذات محرمٍ برضاع أو مصاهرةٍ كزوجة الب والجدّ وإن‬
‫عل ‪ ,‬وزوجة البن وأولد الولد وإن سفلوا ‪ ,‬وابنة المرأة المدخول بها ‪ ,‬فإن لم يكن دخل‬
‫بأمّها فهي أجنبيّة ‪.‬‬
‫وإنّ كانت حرمة المصاهرة بالزّنى اختلفوا فيها ‪:‬‬
‫قال بعضهم ‪ :‬ل يثبت فيها إباحة النّظر والمسّ ‪.‬‬
‫وقال السّرخسي ‪ :‬تثبت إباحة النّظر والمسّ لثبوت الحرمة المؤبّدة كذا في فتاوى قاضيخان‬
‫وهو الصّحيح كذا في المحيط ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فيرون جواز النّظر من المحرم إلى الذّراعين والشّعر وما فوق النّحر وأطراف‬
‫القدمين ‪ ,‬ففي شرح الزرقانيّ ‪ :‬وعورة الحرّة مع رجلٍ محرمٍ لها نسبا أو صهرا أو رضاعا‬
‫غير الوجه والطراف أيّ أطراف الذّراعين والقدمين وما فوق النّحر ‪ ,‬وهو شامل لشعر‬
‫الرّأس والذّراع من المنكب إلى طرف الصبع الوسطى ‪ ,‬فليس له أن يرى ثديها ول صدرها‬
‫ول ساقها بخلف شعرها ‪ ,‬وترى المرأة من المحرم نسبا أو صهرا أو رضاعا مسلما أو‬
‫كافرا كرجل مع مثله ‪ ,‬فترى ما عدا ما بين السرّة والركبة ‪.‬‬
‫ن إل‬
‫وقال المالكيّة أيضا ‪ :‬ل يجوز ترداد النّظر وإدامته إلى شا ّب ٍة من محارمه أو غيره ّ‬
‫لحاجة أو ضرورةٍ كشهادة ونحوها ‪ ,‬ويقيّد أيضا بغير شهوةٍ وإل حرم حتّى لبنته وأمّه ‪.‬‬
‫أما الشّافعيّة فيجوز عندهم النّظر إلى جميع البدن ‪ -‬عدا ما بين السرّة والركبة ‪ -‬بشرط‬
‫أمن الفتنة ‪.‬‬
‫وفي قولٍ آخر للشّافعيّة ‪ :‬أنّه يجوز له النّظر إلى ما يبدو منها عند المهنة فقط ‪ ,‬ول‬
‫ضرورة إلى النّظر إلى ما زاد على ذلك ‪ ,‬ففي شرح منهاج الطّالبين ‪ :‬ول ينظر من محرمه‬
‫بين سرّةٍ وركبةٍ ‪ ,‬أي يحرم نظر ذلك ويحل نظر ما سواه ‪ ,‬قال تعالى ‪ { :‬وََل يُبْدِينَ زِينَ َتهُنّ‬
‫إََِل لِ ُبعُولَ ِتهِنّ ‪ } ...‬الية ‪ ،‬والزّينة مفسّرة بما عدا ما بين السرّة والركبة ‪ ,‬وقيل ‪ :‬يحل نظر‬
‫ما يبدو في المهنة ‪ ,‬أي الخدمة فقط كالرّأس والعنق والوجه والكفّ والسّاعد وطرف‬
‫السّاق ‪ ,‬إذ ل ضرورة إلى غيره ‪ ,‬وسواء فيما ذكر المحرم بالنّسب والمصاهرة والرّضاع ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة يباح للرّجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالبا كالوجه والرّقبة‬
‫والرّأس واليدين إلى المرفقين والسّاق ‪.‬‬
‫وفي النصاف ‪ :‬وهذا المذهب وعليه أكثر الصحاب ‪.‬‬
‫ويكره عندهم النّظر إلى السّاق والصّدر للتّوقّي ل للتّحريم ‪ ,‬قال ابن قدامة ‪ :‬ويجوز للرّجل‬
‫أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالبا ‪ ,‬كالرّقبة والرّأس والكفّين والقدمين ونحو‬
‫ذلك ‪ ,‬وليس له النّظر إلى ما يستر غالبا ‪ ,‬كالصّدر والظّهر ونحوهما ‪.‬‬
‫قال الثرم ‪ :‬سألت أبا عبد اللّه عن الرّجل ينظر إلى شعر امرأة أبيه أو امرأة ابنه ؟ فقال ‪:‬‬
‫هذا في القرآن ‪ { :‬وََل يُبْدِينَ زِينَ َتهُنّ } إل لكذا وكذا ‪ ،‬قلت ‪ :‬فينظر إلى ساق امرأة أبيه‬
‫وصدرها ؟ قال ‪ :‬ل ما يعجبني ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬أنا أكره أن ينظر من أمّه وأخته إلى مثل هذا ‪,‬‬
‫وإلى كلّ شي ٍء لشهوة ‪ ,‬وقال أبو بكرٍ ‪ :‬كراهية أحمد النّظر إلى ساق أمّه وصدرها على‬
‫التّوقّي ‪ ،‬لنّ ذلك يدعو إلى الشّهوة ‪ .‬يعني أنّه يكره ول يحرم ‪.‬‬
‫ضحّاك النّظر إلى شعر ذوات المحارم ‪.‬‬
‫ومنع الحسن والشّعبي وال ّ‬
‫أمّا نظر المرأة إلى الرّجل ففيه روايتان إحداهما ‪ :‬لها النّظر إلى ما ليس بعورة ‪ ,‬والخرى‬
‫‪ :‬ل يجوز لها النّظر من الرّجل إل إلى مثل ما ينظر إليه منها ‪.‬‬
‫مس ذوات المحارم ‪:‬‬
‫ن ما يجوز النّظر إليه من المحرم يجوز مسه إذا أمنت الشّهوة ‪ ,‬لما‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪9‬‬

‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬كان إذا قدم من سفرٍ قبّل ابنته فاطمة رضي‬
‫روي أ ّ‬
‫ال تعالى عنها » ‪.‬‬
‫هل الكافر أو ال ّذمّي محرم ؟‬
‫‪ -‬لم يشترط الفقهاء في المحرم أن يكون مسلما ‪.‬‬ ‫‪10‬‬

‫إل أنّ بعض الفقهاء استثنى بعض الحكام ومنهم المام أحمد حيث إنّه يعد الكافر محرما في‬
‫النّظر دون السّفر ‪ ,‬قال البهوتيّ ‪ :‬ل تسافر المسلمة مع أبيها الكافر ‪ ,‬لنّه ليس محرما لها‬
‫في السّفر نصا ‪ ,‬وإن كان محرما في النّظر ‪ ,‬ومقتضاه إلحاق سائر القرابة المحرميّة الكفّار‬
‫بالب لوجود العلّة ‪.‬‬
‫ن إثبات المحرميّة يقتضي الخلوة بها ‪ ,‬فيجب أن ل تثبت لكافر على‬
‫واستدلّ الحنابلة بأ ّ‬
‫مسلمةٍ ‪ ,‬كالحضانة للطّفل ‪ ,‬ولنّه ل يؤمن عليها أن يفتنها عن دينها كالطّفل ‪.‬‬
‫ن أبا سفيان أتى المدينة وهو مشرك فدخل على ابنته أمّ حبيبة رضي ال‬
‫كما استدلوا بأ ّ‬
‫عنها فطوت فراش رسول اللّه صلى ال عليه وسلم لئل يجلس عليه ولم تحتجب منه ‪ ,‬ول‬
‫أمرها بذلك النّبي صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫واستثنى الحنفيّة المجوسيّ من السّفر مع محرمه ‪ ,‬قال الموصلي ‪ :‬المحرم ‪ :‬كل من ل يحل‬
‫ع أو صهر ّيةٍ ‪ ,‬والعبد والحر والمسلم وال ّذمّي سواء ‪,‬‬
‫له نكاحها على التّأبيد لقرابة أو رضا ٍ‬
‫إل المجوسيّ الّذي يعتقد إباحة نكاحها ‪ ,‬والفاسق لنّه ل يحصل به المقصود ‪.‬‬
‫نظر العبد إلى سيّدته ‪:‬‬
‫‪ -‬للفقهاء في هذه المسألة قولن ‪:‬‬ ‫‪11‬‬

‫ن العبد كالجنبيّ بالنّسبة لسيّدته ‪ ,‬فل يحل له أن ينظر إليها ‪ ,‬لنّه ليس بمحرم ‪,‬‬
‫الوّل ‪ :‬أ ّ‬
‫وبهذا يقول الحنفيّة ‪ ,‬وفي قولٍ عند المالكيّة ‪ ,‬وهو مقابل الصحّ عند الشّافعيّة ‪ ,‬وهو‬
‫رواية عن أحمد ‪.‬‬
‫ي ‪ ,‬معناه أنّه ل يحل له أن‬
‫جاء في المبسوط ‪ :‬والعبد فيما ينظر من سيّدته كالح ّر الجنب ّ‬
‫ينظر إل إلى وجهها وكفّيها عندنا ‪.‬‬
‫ن نظر العبد إلى سيّدته كالنّظر إلى محرمٍ ‪ ,‬والثّاني يحرم‬
‫وفي مغني المحتاج ‪ :‬الصح أ ّ‬
‫نظرهما إلى بعضهما كغيرهما ‪.‬‬
‫ن العبد ليس محرما لسيّدته لنّه غير مأمونٍ عليها ‪ ,‬ول تحرم عليه على‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬إ ّ‬
‫التّأبيد ‪ ,‬فهو كالجنبيّ ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪:‬‬
‫وقد روي عن ناف ٍع عن ابن عمر رضي ال عنهما عن النّب ّ‬
‫« سفر المرأة مع خادمها ضيعة » ‪.‬‬
‫القول الثّاني ‪ :‬إنّ عبد المرأة كالمحرم لها ‪ ,‬فيجوز أن ينظر إلى وجهها وكفّيها ‪ ,‬وهذا عند‬
‫الحنابلة ‪ ,‬وهو قول عند المالكيّة ‪ ,‬وهو الصح عند الشّافعيّة ‪ ,‬يقول المرداوي ‪ :‬الصّحيح‬
‫ن للعبد النّظر من مولته إلى ما ينظر إليه الرّجل من ذوات محارمه ‪.‬‬
‫من المذهب أ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أتى فاطمة بعبد‬
‫واستدلوا بما روى أنس رضي ال عنه ‪ « :‬أنّ النّب ّ‬
‫وهبه لها ‪ ,‬قال ‪ :‬وعلى فاطمة رضي ال عنها ثوب إذا قنّعت به رأسها لم يبلغ رجليها ‪,‬‬
‫وإذا غطّت به رجليها لم يبلغ رأسها ‪ ,‬فلمّا رأى النّبي صلى ال عليه وسلم ما تلقى قال ‪:‬‬
‫إنّه ليس عليك بأس ‪ ,‬إنّما هو أبوك وغلمك » ‪.‬‬
‫المحرم وغسل الميّت ودفنه ‪:‬‬
‫ن المحارم يقدّمون على غيرهم في المور الّتي تجب للميّت من‬
‫‪ -‬جمهور الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪12‬‬

‫ن ‪ ,‬إل أنّ بعضهم يقدّم الزّوجين ‪ ,‬ومنهم من يقدّم الوصيّ عليهم ‪,‬‬
‫غسلٍ وصلةٍ عليه ودف ٍ‬
‫وقد يختلف الحكم في الصّلة عليه وفي الغسل والدّفن ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪6‬‬ ‫و دفن ف‬ ‫‪11‬‬ ‫و تغسيل الميّت ف‬ ‫‪41‬‬ ‫وتفصيل هذه الحكام في مصطلح ‪ ( :‬جنائز ف‬
‫لمس المحرم وأثره على الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة في المشهور ‪ ,‬وهو الظهر عند الشّافعيّة إلى أنّ لمس الرّجل‬ ‫‪13‬‬

‫امرأةً محرما ل ينقض الوضوء ‪.‬‬


‫وكذلك الحكم عند الحنابلة إن كان لغير شهوةٍ ‪.‬‬
‫أمّا إن كان بشهوة فإنّه ينقض الوضوء عند الحنابلة وفي قولٍ للمالكيّة ‪.‬‬
‫وفي قولٍ عند الشّافعيّة ينتقض الوضوء بلمس المحرم مطلقا ‪.‬‬
‫س ‪ -‬وضوءٍ ) ‪.‬‬
‫س ‪ -‬لم ٍ‬
‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬م ّ‬
‫سفر المرأة بدون محرمٍ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬سفر المرأة لغير الفرض بدون محرمٍ ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه ليس للمرأة أن تسافر لغير الفرض كحجّ التّطوع والزّيارة‬ ‫‪14‬‬

‫ج أو‬
‫والتّجارة والسّيّاحة وطلب العلم ‪ ,‬ونحو هذا من السفار الّتي ليست واجبةً إل مع زو ٍ‬
‫محرمٍ ‪.‬‬
‫قال النّووي ‪ :‬اتّفق العلماء على أنّه ليس لها أن تخرج في غير الحجّ والعمرة إل مع ذي‬
‫ن عليها أن تهاجر منها إلى دار السلم‬
‫محرمٍ ‪ ,‬إل الهجرة من دار الحرب ‪ ,‬فاتّفقوا على أ ّ‬
‫وإن لم يكن معها محرم ‪ ,‬والفرق بينهما أنّ إقامتها في دار الكفر حرام إذا لم تستطع إظهار‬
‫الدّين وتخشى على دينها ونفسها ‪ ,‬وليس كذلك التّأخر عن الحجّ فإنّهم اختلفوا في الحجّ هل‬
‫هو على الفور أم على التّراخي ‪.‬‬
‫ومستند ذلك ما وردّ عن ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫ن رجل بامرأة إل ومعها ذو محرمٍ ‪ ,‬ول تسافر المرأة إل مع ذي محرمٍ ‪,‬‬
‫وسلم ‪ « :‬ل يخلو ّ‬
‫جةً ‪ ,‬وإنّي اكتتبت في غزوة كذا وكذا ‪،‬‬
‫فقام رجل فقال ‪ :‬يا رسول اللّه إنّ امرأتي خرجت حا ّ‬
‫قال ‪ :‬فانطلق فحجّ مع امرأتك » ‪.‬‬
‫ولفظ المرأة عام بالنّسبة إلى سائر النّساء ‪ ,‬هذا ما اتّفق عليه الجمهور ‪.‬‬
‫واستثنى بعض المالكيّة المتجالّة أي العجوز الّتي ل تشتهى فلها أن تسافر كيف شاءت ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪17‬‬ ‫وللتّفصيل ‪ ( :‬ر ‪ :‬سفر ف‬
‫ب ‪ -‬سفر المرأة للحجّ بدون محرمٍ ‪:‬‬
‫ج الفريضة على المرأة إذا لم يكن لها زوج أو محرم أو‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وجوب ح ّ‬ ‫‪15‬‬

‫رفقة مأمونة ‪:‬‬


‫فذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى وجوب الحجّ عليها إذا وجدت زوجا أو محرما أو رفقةً‬
‫مأمونةً ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّ الحجّ ل يجب على المرأة إل إذا وجدت زوجا أو محرما ‪,‬‬
‫ول يعتد بالرفقة المأمونة ‪.‬‬
‫إل أنّ للحنفيّة قولين في حكم المحرم ‪ :‬قول أنّه شرط وجوبٍ ‪ ,‬وقول أنّه شرط وجوب‬
‫أداءٍ ‪ .‬كما اختلفوا في وجوب نفقة المحرم عليها إذا امتنع عن مرافقتها بدونها ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪28‬‬ ‫جف‬
‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬ح ّ‬
‫المحرم والمعاملت ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّفريق بين المحارم في البيع ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه ل يفرّق في البيع بين صغيرٍ غير بال ٍغ وذي رحمٍ محرمٍ‬ ‫‪16‬‬

‫منه ‪.‬‬
‫صةً ‪.‬‬
‫وخصّ المالكيّة المنع من البيع بالتّفريق بين المّ وولدها خا ّ‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى المنع من البيع إذا كان فيه تفريق بين الوالدين والمولودين وإن‬
‫سفلوا ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪39‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬رق ف‬
‫ب ‪ -‬الرجوع في الهبة لذوي الرّحم المحرم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه ل يجوز للواهب الرجوع في هبته بعد القبض إذا كان الموهوب‬ ‫‪17‬‬

‫له ذا رحمٍ محرمٍ من الواهب ‪.‬‬


‫وذهب المالكيّة والحنابلة إلى عدم جواز الرجوع في الهبة إلى الرّحم المحرم إل أن يكون‬
‫ابنا ‪ ,‬فيجوز للب الرجوع فيما وهبه لبنه وذهب الشّافعيّة إلى أنّه ل يجوز للواهب أن‬
‫يرجع في هبته لذي رح ٍم محرمٍ إل أن يكون ابنا له وإن نزل ‪ ,‬فيجوز للصول الرجوع فيما‬
‫وهبوه لفروعهم دون سائر المحارم ‪ ,‬وهذا في الجملة ‪.‬‬
‫و هبة ) ‪.‬‬ ‫‪140‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬أرحام ف‬
‫نكاح المحارم ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على حرمة نكاح المحارم ‪ ,‬فإنّ تزوّج ذات محرمه فالنّكاح باطل‬ ‫‪18‬‬

‫بالجماع ‪ ,‬فإن وطئها فعليه الحد في قول أكثر أهل العلم ‪ ,‬منهم الحسن وجابر بن زيدٍ‬
‫ومالك والشّافعي وأبو يوسف ومحمّد وإسحاق وأبو أيوب وابن أبي خيثمة ‪ ،‬وقال أبو حنيفة‬
‫والثّوري ‪ :‬ل ح ّد عليه ‪ ,‬لنّه وطء تمكّنت الشبهة منه للعقد ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬نكاح ومحرّمات النّكاح ) ‪.‬‬
‫الجمع بين المحارم في النّكاح ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على حرمة الجمع بين المحارم في النّكاح سواء كان ذلك بالعقد أو بملك‬ ‫‪19‬‬

‫اليمين ‪ ,‬فل يجوز للرّجل أن يجمع بين امرأتين في عق ٍد ‪ ,‬أو أمّتين في وط ٍء لو فرضت كل‬
‫منهما ذكرا لم تحلّ للخرى ‪ ,‬كالمرأة وعمّتها ‪ ,‬والمرأة وخالتها ‪ ,‬والمرأة وأختها ‪ ,‬لقوله‬
‫ن ا ُلخْتَيْنِ َإلّ مَا قَ ْد سَلَفَ } ‪.‬‬
‫جمَعُواْ بَيْ َ‬
‫تعالى ‪َ { :‬وأَن َت ْ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل تنكح المرأة على عمّتها ول على خالتها » ‪.‬‬
‫وقول النّب ّ‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬نكاح ‪ ,‬ومحرّمات النّكاح ) ‪.‬‬
‫حضانة المحرم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه يشترط في الحاضن الذّكر مع اختلف الجنس بينه‬ ‫‪20‬‬

‫وبين محضونه أن يكون محرما لها إذا كانت المحضونة مشتهاةً كالعمّ ‪ ,‬فإن لم يكن محرما‬
‫لها كابن العمّ أو كانت مشتهاةً فل حقّ له في حضانتها ‪.‬‬
‫ن ابن العمّ إذا لم يكن للمحضونة غيره فل تسقط حضانته ‪,‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫وإنّما يعيّن أمينةً توضع عندها ‪.‬‬
‫أمّا الحاضن النثى فيشترط فيه مع اختلف الجنس أن تكون ذات رحمٍ محرمٍ من المحضون‬
‫وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ,‬ول يشترط ذلك عند الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬حضانة ف ‪ 9‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫تغليظ الدّية بقتل المحرم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه من المواضع الّتي تغلظ فيها دية القتل الخطأ قتل ذي‬ ‫‪21‬‬

‫رحمٍ محرمٍ ‪.‬‬


‫وخالف في ذلك الحنفيّة والمالكيّة ولم يقولوا بالتّغليظ في قتل الرّحم المحرم ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪14‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في ‪ ( :‬ديات ف‬
‫قطع المحرم بالسّرقة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه ل يقام الحد على السّارق إذا كان ذا رحمٍ محرمٍ من المسروق‬ ‫‪22‬‬

‫ل كان أو فرعا أو غيرهما كالعمّ والخال ‪.‬‬


‫منه ‪ ,‬أص ً‬
‫أمّا المحرم غير الرّحم كالخ من الرّضاع فقد ذهب أبو حنيفة ومحمّد إلى وجوب إقامة الحدّ‬
‫على السّارق ‪ ,‬وذهب أبو يوسف إلى عدم القطع ‪.‬‬
‫وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل فرق في إقامة حدّ السّرقة بين القارب وغيرهم ‪ ,‬إل أن‬
‫يكون السّارق أصلً للمسروق منه كالب والجدّ ‪.‬‬
‫فإن كان السّارق فرعا للمسروق منه فل يقطع عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ,‬ويقطع عند‬
‫المالكيّة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪15‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬سرقة ف‬

‫ُمحَرّم *‬
‫انظر ‪ :‬الشهر الحرم ‪.‬‬

‫حرّمات النّكاح *‬
‫مُ َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المحرّمات في اللغة ‪ :‬جمع مح ّرمٍ ‪ ,‬والمحرّم والمحرّمة اسم مفعولٍ من حرّم ‪ ,‬يقال ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫حرّم الشّيء عليه أو على غيره ‪ :‬جعله حراما ‪ ,‬والمحرّم ‪ :‬ذو الحرمة ‪ ,‬والمحرم كذلك ‪:‬‬
‫ذو الحرمة ‪ ,‬ومن النّساء والرّجال ‪ :‬الّذي يحرم التّزوج به لرحمه وقرابته ‪.‬‬
‫والنّكاح ‪ :‬مصدر نكح ‪ ,‬يقال ‪ :‬نكحت المرأة تنكح نكاحا ‪ :‬تزوّجت ‪.‬‬
‫قال الزهري ‪ :‬أصل النّكاح في كلم العرب الوطء ‪ ,‬وقيل للتّزوج نكاح ‪ ,‬لنّه سبب الوطء‬
‫المباح ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي لمحرّمات النّكاح عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫أنواع المحرّمات من النّساء ‪:‬‬
‫‪ -‬المحرّمات من النّساء نوعان ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫ن سبب التّحريم ثابت‬


‫أ ‪ -‬محرّمات على التّأبيد ‪ ,‬وهنّ اللئي تكون حرمة نكاحهنّ مؤبّدةً ‪ ,‬ل ّ‬
‫ل يزول ‪ ,‬كالمومة ‪ ,‬والبنوّة ‪ ,‬والخوّة ‪.‬‬
‫ن سبب التّحريم غير‬
‫ن مؤقّتةً ‪ ,‬ل ّ‬
‫ن من تكون حرمة نكاحه ّ‬
‫ب ‪ -‬محرّمات على التّأقيت ‪ ,‬وه ّ‬
‫دائمٍ ‪ ,‬ويحتمل الزّوال كزوجة الغير ‪ ,‬ومعتدّته ‪ ,‬والمشركة باللّه ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ :‬المحرّمات تحريما مؤبّدا ‪:‬‬
‫‪ -‬أسباب تأبيد حرمة التّزوج بالنّساء ثلثة ‪ ,‬هي ‪:‬‬ ‫‪3‬‬

‫أ ‪ -‬القرابة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المصاهرة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الرّضاع ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬المحرّمات بسبب القرابة ‪:‬‬
‫يحرم على المسلم بسبب القرابة أربعة أنواعٍ ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل من النّساء وإن عل ‪ ,‬والمراد به ‪ :‬الم ‪ ,‬وأم المّ ‪ ,‬وإن علت ‪ ,‬وأم الب ‪ ,‬وأم‬ ‫‪4‬‬

‫ت عَلَ ْي ُكمْ ُأ ّمهَا ُتكُمْ } ‪.‬‬


‫الجدّ ‪ ,‬وإن علت ‪ ,‬لقوله تعالى ‪ { :‬حُ ّرمَ ْ‬
‫ن لفظ المّ‬
‫وتحريم المّ بهذه الية واضح ‪ ,‬وأمّا تحريم الجدّات فواضح أيضا إذا قلنا ‪ :‬إ ّ‬
‫يطلق على الصل ‪ ,‬فيشمل الجدّات ‪ ,‬فيكون تحريمهنّ ثابتا بالية كتحريم المّهات ‪ ,‬أو‬
‫ص ‪ ,‬لنّ اللّه حرّم العمّات والخالت ‪ ,‬وهنّ أولد الجدّات ‪,‬‬
‫تكون حرمة الجدّات بدللة النّ ّ‬
‫فتكون حرمة الجدّات من باب أولى ‪.‬‬
‫‪ -‬الفرع من النّساء وإن نزل ‪ ,‬والمراد به ‪ :‬البنت وما تناسل منها ‪ ,‬وبنت البن وإن نزل‬ ‫‪5‬‬

‫‪ ,‬وما تناسل منها ‪ ,‬لقوله تعالى ‪ { :‬حُ ّرمَتْ عَلَ ْي ُكمْ ُأ ّمهَاتُ ُكمْ وَبَنَا ُت ُكمْ } ‪.‬‬
‫وتحريم البنات الصلبيّات بنصّ الية ‪ ,‬وأمّا تحريم بنات أولدهنّ فثابت بالجماع ‪ ,‬أو بدللة‬
‫ك في أنّ بنات البنات ‪ ,‬وبنات‬
‫ن اللّه حرّم بنات الخ ‪ ,‬وبنات الخت ‪ ,‬ول ش ّ‬
‫النّصّ ‪ ,‬ل ّ‬
‫الولد وإن نزلن أقوى قرابةً من بنات الخ ‪.‬‬
‫ويحرم على النسان أن يتزوّج بنته من الزّنا بصريح الية ‪ { :‬حُ ّرمَتْ عَلَ ْي ُكمْ ُأ ّمهَاتُ ُكمْ‬
‫وَبَنَا ُتكُمْ } لنّها بنته حقيقةً ‪ ,‬ولغةً ‪ ,‬ومخلوقة من مائه ‪ ,‬ولهذا حرّم ابن الزّنا على أمّه ‪,‬‬
‫وهذا هو رأي الحنفيّة وهو المذهب عند المالكيّة ‪ ,‬والحنابلة ‪ ,‬لما روي أنّ رجلً قال ‪ « :‬يا‬
‫رسول اللّه ‪ :‬إنّي زنيت بامرأة في الجاهليّة أفأنكح ابنتها ؟ قال ‪ :‬ل أرى ذلك ‪ ,‬ول يصلح أنّ‬
‫تنكح امرأةً تطلع من ابنتها على ما تطلع عليه منها » فالبنت من الزّنا جزء من الزّاني ‪,‬‬
‫فهي بنته وإن لم ترثه ‪ ,‬ولم تجب نفقتها عليه ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة وابن الماجشون من المالكيّة إلى عدم حرمتها عليه ‪ ,‬لنّ البنوّة الّتي تبنى‬
‫عليها الحكام هي البنوّة الشّرعيّة ‪ ,‬وهي منتفية هنا ‪ ,‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الولد‬
‫للفراش وللعاهر الحجر » ‪ .‬وبه قال اللّيث وأبو ثورٍ وقد روي عن جماعةٍ من الصّحابة‬
‫والتّابعين ‪.‬‬
‫والمزنيّ بها ليست بفراش ‪ ,‬ولذلك ل يحل له أن يختلي بها ول ولية له عليها ‪ ,‬ول نفقة‬
‫لها عليه ول توارث ‪.‬‬
‫وعلى هذا الخلف أخته من الزّنا وبنت أخيه وبنت أخته وبنت ابنه من الزّنا ‪ ,‬بأن زنى أبوه‬
‫أو أخوه أو أخته أو ابنه فأولدوا بنتا ‪ ,‬فإنّها تحرّم على الخ والعمّ والخال والجدّ ‪.‬‬
‫والمنفيّة بلعان لها حكم البنت ‪ ,‬فلو لعن الرّجل زوجته ‪ ,‬فنفى القاضي نسب ابنتها من‬
‫الرّجل ‪ ,‬وألحقها بالمّ فتحرم على نافيها ولو لم يدخل بأمّها ‪ ,‬لنّها لم تنتف عنه قطعا بدليل‬
‫لحوقها به لو أكذب نفسه ‪ ,‬ولنّها ربيبة في المدخول بها ‪ ,‬وتتعدّى حرمتها إلى سائر‬
‫محارمه ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬لعان ) ‪.‬‬
‫ت ‪ ,‬أم لبٍ ‪,‬‬
‫ن شقيقا ٍ‬
‫ن الخوات ‪ ,‬سواء أك ّ‬
‫‪ -‬فروع البوين أو أحدهما ‪ ,‬وإن نزلن ‪ ,‬وه ّ‬ ‫‪6‬‬

‫أم لمّ ‪ ,‬وفروع الخوة والخوات ‪ ,‬فيحرم على الرّجل أخواته جميعا وأولد أخواته وإخوانه‬
‫خوَا ُتكُمْ‬
‫وفروعهم ‪ ,‬مهما تكن الدّرجة ‪ ,‬لقوله تعالى ‪ { :‬حُ ّرمَتْ عَلَ ْي ُكمْ ُأ ّمهَاتُ ُكمْ وَبَنَا ُت ُكمْ َوأَ َ‬
‫خوَا ُتكُم مّنَ‬
‫ضعْنَ ُكمْ َوَأ َ‬
‫ت ا ُلخْتِ َوُأمّهَا ُت ُكمُ اللّتِي أَرْ َ‬
‫ت الَخِ وَبَنَا ُ‬
‫عمّا ُت ُكمْ َوخَالَتُ ُكمْ وَبَنَا ُ‬
‫وَ َ‬
‫حجُو ِركُم مّن ّنسَآ ِئ ُكمُ اللّتِي َدخَلْتُم ِبهِنّ فَإِن ّلمْ‬
‫ع ِة َوُأ ّمهَاتُ ِنسَآ ِئ ُكمْ وَرَبَائِ ُب ُكمُ اللّتِي فِي ُ‬
‫الرّضَا َ‬
‫ج َمعُو ْا بَيْنَ‬
‫ح عَلَ ْي ُكمْ َوحَلَ ِئلُ أَبْنَا ِئ ُكمُ الّذِينَ ِمنْ أَصْلَ ِب ُكمْ َوأَن َت ْ‬
‫َتكُونُواْ َدخَلْتُم ِبهِنّ َفلَ جُنَا َ‬
‫ن ال ّنسَاء } ‪.‬‬
‫غفُورا ّرحِيما ‪ ،‬وَا ْل ُمحْصَنَاتُ مِ َ‬
‫ن َ‬
‫ن الّلهَ كَا َ‬
‫ا ُلخْتَيْنِ َإلّ مَا قَ ْد سَلَفَ إِ ّ‬
‫ن لفظ بنات الخ وبنات‬
‫ص الية بناءً على أ ّ‬
‫وتحريم فروع بنات الخ وبنات الخت ثابت بن ّ‬
‫الخت يشملهنّ ‪ ,‬أو يكون التّحريم ثابتا بالجماع إذا كان لفظ بنات الخ وبنات الخت‬
‫مقصورا عليهما ‪.‬‬
‫ن العمّات ‪ ,‬والخالت ‪ ,‬سواء‬
‫‪ -‬فروع الجداد والجدّات إذا انفصلن بدرجة واحدةٍ ‪ ,‬وه ّ‬ ‫‪7‬‬

‫ب ‪ ,‬أم لمّ ‪ ,‬وكذلك عمّات الصل ‪ ,‬وإن عل ‪ ,‬لقوله تعالى في آية‬


‫ت أم ل ٍ‬
‫ن شقيقا ٍ‬
‫أك ّ‬
‫ص ‪ ,‬وأمّا أخت الجدّ‬
‫عمّا ُت ُكمْ َوخَالَتُ ُكمْ } وتحريم العمّات والخالت ثابت بالنّ ّ‬
‫المحرّمات ‪ { :‬وَ َ‬
‫وإن علت فتحريمها ثابت إمّا بالنّصّ ‪ ,‬لنّ لفظ العمّة يشمل أخت الب ‪ ,‬وأخت الج ّد وإن‬
‫علت ‪ ,‬وإمّا بالجماع إذا كان لفظ العمّة مقصورا على أخت الب ‪ ,‬وكذا تحريم الخالة ثابت‬
‫ن لفظ الخالة‬
‫ص ‪ ,‬ومثل أخت المّ أخت الجدّة وإن علت ‪ ,‬وتحريمها ثابت إمّا بال ّنصّ ل ّ‬
‫بالنّ ّ‬
‫يشمل أخت المّ وأخت الجدّة وإن علت ‪ ,‬وإمّا بالجماع إذا كان لفظ الخالة مقصورا على‬
‫أخت المّ ‪.‬‬
‫أمّا بنات العمام والخوال ‪ ,‬وبنات العمّات والخالت ‪ ,‬وفروعهنّ ‪ ,‬فيجوز التّزوج بهنّ ‪,‬‬
‫حلّ َلكُم مّا َورَاء ذَ ِل ُكمْ } ‪.‬‬
‫لعدم ذكرهنّ في المحرّمات ‪ ,‬لقوله تعالى ‪َ { :‬وُأ ِ‬
‫ن َومَا مَ َلكَتْ َيمِينُكَ‬
‫ولقوله تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا النّبِيّ إِنّا َأحْلَلْنَا َلكَ أَ ْزوَاجَكَ الََلتِي آتَيْتَ ُأجُورَهُ ّ‬
‫ك الََلتِي هَاجَرْنَ‬
‫ت خَاََلتِ َ‬
‫ك وَبَنَاتِ خَاِلكَ وَبَنَا ِ‬
‫عمّاتِ َ‬
‫ك وَبَنَاتِ َ‬
‫عمّ َ‬
‫ت َ‬
‫ِممّا أَفَاء الّل ُه عَلَ ْيكَ وَبَنَا ِ‬
‫َمعَكَ } ‪.‬‬
‫وما أحلّه اللّه للرّسول صلى ال عليه وسلم يحل لمّته ما لم يقم دليل على أنّ الحلّ خاص‬
‫بالرّسول صلى ال عليه وسلم ول يوجد دليل على الخصوص ‪ ,‬فشمل الحكم المؤمنين‬
‫جميعا ‪.‬‬
‫حكمة التّحريم ‪:‬‬
‫‪ -‬أمر السلم بصلة الرّحم والحرص على الرّوابط الّتي تربط الفراد بعضهم ببعض‬ ‫‪8‬‬

‫وحمايتها من الخصومات والمنازعات ‪ ,‬وقد قال الكاساني ‪ :‬إنّ نكاح هؤلء يفضي إلى قطع‬
‫ن النّكاح ل يخلو من مباسطاتٍ تجري بين الزّوجين عاد ًة ‪ ,‬وبسببها تجري الخشونة‬
‫الرّحم ل ّ‬
‫بينهما ‪ ,‬وذلك يفضي إلى قطع الرّحم ‪ ,‬فكان النّكاح سببا لقطع الرّحم ‪ ,‬مفضيا إليه ‪ ,‬وقطع‬
‫الرّحم حرام ‪ ,‬والمفضي إلى الحرام حرام ‪ ,‬وقال ‪ :‬تختص المّهات بمعنى آخر ‪ ,‬وهو أنّ‬
‫احترام المّ ‪ ,‬وتعظيمها واجب ‪ ,‬ولهذا أمر الولد بمصاحبة الوالدين بالمعروف ‪ ,‬وخفض‬
‫الجناح لهما ‪ ,‬والقول الكريم ‪ ,‬ونهى عن التّأفيف لهما ‪ ,‬فلو جاز النّكاح ‪ ,‬والمرأة تكون‬
‫تحت أمر الزّوج وطاعته ‪ ,‬وخدمته مستحقّة عليها للزمها ذلك ‪ ,‬وإنّه ينافي الحترام ‪,‬‬
‫فيؤدّي إلى التّناقض ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المحرّمات بسبب المصاهرة ‪:‬‬
‫يحرم بالمصاهرة أربعة أنواعٍ ‪:‬‬
‫‪ -‬زوجة الصل وهو الب ‪ ,‬وإن عل ‪ ,‬سواء أكان من العصبات كأبي الب ‪ ,‬أم من ذوي‬ ‫‪9‬‬

‫الرحام كأبي المّ ‪ ,‬وبمجرّد عقد الب عليها عقدا صحيحا تصبح محرّمةً على فرعه ‪ ,‬وإن‬
‫ن ال ّنسَاء ِإلّ مَا قَدْ سَلَفَ } ‪.‬‬
‫لم يدخل بها ‪ ,‬لقوله تعالى ‪َ { :‬ولَ تَن ِكحُواْ مَا َن َكحَ آبَا ُؤكُم مّ َ‬
‫ول يدخل في التّحريم أصول هذه المرأة ‪ ,‬ول فروعها ‪.‬‬
‫وكما تدل الية على حرمة زوجة الب ‪ ,‬تدل على حرمة زوجة الجدّ وإن عل ‪ ,‬لنّ لفظ‬
‫ن زواج من تزوّج بهنّ الباء يتنافى مع المروءة ‪,‬‬
‫الب يطلق على الجدّ وإن عل ‪ ,‬ول ّ‬
‫وترفضه مكارم الخلق وتأباه الطّباع السّليمة ‪.‬‬
‫‪ -‬أصل الزّوجة وهي أمها وأم أمّها ‪ ,‬وأم أبيها وإن علت ‪ ,‬لقوله تعالى ‪َ { :‬وُأمّهَاتُ‬ ‫‪10‬‬

‫حجُو ِركُم مّن ّنسَآ ِئ ُكمُ اللّتِي َدخَلْتُم ِبهِنّ فَإِن ّلمْ َتكُونُواْ َدخَلْتُم ِبهِنّ‬
‫ِنسَآ ِئ ُكمْ وَرَبَائِ ُب ُكمُ اللّتِي فِي ُ‬
‫ح عَلَ ْي ُكمْ } ‪.‬‬
‫ل جُنَا َ‬
‫فَ َ‬
‫ن أصول الزّوجة تحرّم متى دخل الزّوج بزوجته ‪ ,‬ولكنّهم اختلفوا‬
‫وقد اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫فيما إذا عقد الزّوج على زوجته ولم يدخل بها ‪ ,‬بأن طلّقها أو مات عنها قبل الدخول بها ‪.‬‬
‫س وابن مسعودٍ وعمران بن‬
‫فذهب جمهور الصّحابة والفقهاء ‪ ,‬ومنهم عمر وابن عبّا ٍ‬
‫حصينٍ رضي ال عنهم إلى أنّ العقد على الزّوجة كافٍ في تحريم أصولها ‪ ,‬لما روي أنّ‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬أيما رجلٍ تزوّج امرأةً فطلّقها قبل أن يدخل بها ‪ ,‬أو‬
‫ماتت عنده ‪ ,‬فل يحل له أن يتزوّج بأمّها » ‪ ،‬وهذا معنى قول الفقهاء ‪ :‬العقد على البنات‬
‫يحرّم المّهات ‪.‬‬
‫ن النّصّ الدّالّ على التّحريم ‪ ,‬وهو قوله تعالى ‪َ { :‬وُأ ّمهَاتُ ِنسَآ ِئ ُكمْ } مطلق‬
‫وقال الفقهاء ‪ :‬إ ّ‬
‫غير مقيّدٍ بشرط الدخول لم يرد فيه شرط ول استثناء ‪ ,‬وأنّ الدخول في قوله تعالى ‪ { :‬مّن‬
‫ّنسَآ ِئ ُكمُ اللّتِي َدخَلْتُم ِبهِنّ } راجع إلى ‪ { :‬وَرَبَائِ ُبكُمُ } ل إلى المعطوف عليه ‪ ,‬وهو ‪:‬‬
‫{ َوُأ ّمهَاتُ ِنسَآ ِئ ُكمْ } فيبقى النّص على حرمة أمّهات النّساء ‪ ,‬سواء دخل بها أو لم يدخل ‪,‬‬
‫وما دام النّص جاء مطلقا فيجب بقاؤه على إطلقه ما لم يرد دليل يقيّده ‪ ,‬وروي عن عبد‬
‫ت ِنسَآ ِئ ُكمْ } ‪ :‬أبهموا ما‬
‫اللّه بن عبّاسٍ رضي ال عنهما أنّه قال في قوله تعالى ‪َ { :‬وُأمّهَا ُ‬
‫أبهمه اللّه ‪ ,‬أي أطلقوا ما أطلق اللّه ‪ ,‬كما روي عن عمران بن حصينٍ رضي ال عنه أنّه‬
‫قال ‪ :‬الية مبهمة ‪ ,‬ل تفرّق بين الدخول وعدمه ‪.‬‬
‫ن أصول‬
‫وذهب علي وزيد بن ثابتٍ رضي ال عنهما في إحدى روايتين عنه وغيرهما إلى أ ّ‬
‫الزّوجة ل تحرّم بمجرّد العقد عليها ‪ ,‬وإنّما تحرّم بالدخول بها مستدلّين بأنّ اللّه حرّم أمّهات‬
‫النّساء ‪ ,‬ث ّم عطف الرّبائب عليهنّ ‪ ,‬ثمّ أتى بشرط الدخول ‪ ,‬ولذا ينصرف شرط الدخول إلى‬
‫أمّهات النّساء ‪ ,‬وإلى الرّبائب ‪ ,‬فل يثبت التّحريم إل بالدخول ‪.‬‬
‫ويرى الحنفيّة أنّ من زنى بامرأة أو لمسها ‪ ,‬أو قبّلها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة‬
‫حرم عليه أصولها ‪ ,‬وفروعها ‪ ,‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من نظر إلى فرج امرأةٍ لم‬
‫ن حرمة المصاهرة تثبت‬
‫تحلّ له أمها ول بنتها » وتحرّم المرأة على أصوله وفروعه ‪ ,‬ل ّ‬
‫عندهم بالزّنا ومقدّماته ‪ ,‬ول تحرّم أصولها ول فروعها على ابن الزّاني وأبيه ‪.‬‬
‫وتعتبر الشّهوة عندهم عند المسّ والنّظر ‪ ,‬حتّى لو وجدا بغير شهوةٍ ثمّ اشتهى بعد التّرك ل‬
‫تتعلّق به الحرمة ‪.‬‬
‫وحد الشّهوة في الرّجل أن تنتشر آلته أو تزداد انتشارا إن كانت منتشرةً ‪.‬‬
‫س أو‬
‫ل عن التّبيين ‪ :‬وجود الشّهوة من أحدهما يكفي عند الم ّ‬
‫وجاء في الفتاوى الهنديّة نق ً‬
‫س أو النّظر لم تثبت به حرمة‬
‫النّظر ‪ ,‬وشرطه أن ل ينزل ‪ ,‬حتّى لو أنزل عند الم ّ‬
‫المصاهرة ‪ ,‬قال الصّدر الشّهيد ‪ :‬وعليه الفتوى ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة يكون التّحريم بالزّنا دون المقدّمات ‪.‬‬
‫ومناط التّحريم عند الحنفيّة والحنابلة الوطء ‪ ,‬حل ًل كان أو حراما ‪ ,‬فلو زنى رجل بأمّ‬
‫زوجته أو بنتها حرمت عليه زوجته حرم ًة مؤبّدةً ‪ ,‬ويجب عليهما أن يفترقا من تلقاء‬
‫نفسيهما ‪ ,‬وإل فرّق القاضي بينهما ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬لو أيقظ الزّوج زوجته ليجامعها ‪ ,‬فوصلت يده إلى ابنةٍ منها ‪ ,‬فقرصها‬
‫بشهوة ‪ ,‬وهي ممّن تشتهى يظن أنّها أمها ‪ ,‬حرمت عليه الم حرمةً مؤبّد ًة ‪.‬‬
‫ولم يفرّق الحنفيّة والحنابلة بين حصول الزّنا قبل الزّواج أو بعده في ثبوت حرمة‬
‫المصاهرة ‪ ,‬وذهب مالك في قوله الرّاجح ‪ ,‬والشّافعي إلى أنّ الزّنا ل تثبت به حرمة‬
‫ي بها ‪ ,‬ول فروعها على من زنى بها ‪,‬‬
‫المصاهرة ‪ ,‬فل تحرّم بالزّنا عندهما أصول المزن ّ‬
‫كما ل تحرّم المزني بها على أصول الزّاني ‪ ,‬ول على فروعه ‪ ,‬فلو زنى رجل بأمّ زوجته أو‬
‫ابنتها ل تحرّم عليه زوجته ‪ ,‬لما روي ‪ « :‬أنّ الرّسول صلى ال عليه وسلم سئل عن‬
‫الرّجل يتبع المرأة حراما ثمّ ينكح ابنتها ‪ ,‬أو البنت ثمّ ينكح أمّها ‪ ,‬فقال ‪ :‬ل يحرّم الحرام‬
‫الحلل ‪ ,‬إنّما يحرم ما كان بنكاح حل ٍل » ‪ ،‬وأنّ حرمة المصاهرة نعمة ‪ ,‬لنّها تلحق الجانب‬
‫بالقارب ‪ ,‬والزّنا محظور ‪ ,‬فل يصلح أن يكون سببا للنّعمة ‪ ,‬لعدم الملءمة بينهما ‪ ,‬ولهذا‬
‫قال الشّافعي في مناظرته لمحمّد بن الحسن ‪ :‬وطء حمدت به وأحصنت ‪ ,‬ووطء رجمت به ‪,‬‬
‫أحدهما نعمة ‪ ,‬وجعله اللّه نسبا وصهرا ‪ ,‬وأوجب به حقوقا ‪ ,‬والخر نقمة ‪ ,‬فكيف‬
‫يشتبهان ؟ ‪.‬‬
‫وروى ابن القاسم عن مالكٍ مثل قول الحنفيّة ‪ :‬إنّه يحرّم ‪ ,‬وقال سحنون ‪ :‬أصحاب مالكٍ‬
‫يخالفون ابن القاسم فيما رواه ‪ ,‬ويذهبون إلى ما في الموطّأ من أنّ الزّنا ل تثبت به حرمة‬
‫المصاهرة ‪.‬‬
‫ن من‬
‫‪ -‬فروع الزّوجة ‪ ,‬وهنّ بناتها ‪ ,‬وبنات بناتها ‪ ,‬وبنات أبنائها وإن نزلن ‪ ,‬لنّه ّ‬ ‫‪11‬‬

‫بناتها بشرط الدخول بالزّوجة ‪ ,‬وإذا لم يدخل فل تحرّم عليه فروعها بمجرّد العقد ‪ ,‬فلو‬
‫طلّقها أو ماتت عنه قبل الدخول بها ‪ ,‬فله أن يتزوّج بنتها ‪ ,‬وهذا معنى قول الفقهاء ‪:‬‬
‫الدخول بالمّهات يحرّم البنات ‪ ,‬لقوله تعالى في آية المحرّمات ‪ { :‬وَرَبَائِ ُب ُكمُ اللّتِي فِي‬
‫علَ ْيكُمْ } ‪ ،‬وذلك‬
‫ل جُنَاحَ َ‬
‫حجُو ِركُم مّن ّنسَآ ِئ ُكمُ اللّتِي َدخَلْتُم ِبهِنّ فَإِن ّلمْ َتكُونُواْ َدخَلْتُم ِبهِنّ فَ َ‬
‫ُ‬
‫عطف على قوله تعالى ‪ { :‬حُ ّرمَتْ عَلَ ْي ُكمْ ُأ ّمهَاتُ ُكمْ } فيكون المعنى تحريم التّزوج بالرّبائب‬
‫ن‪.‬‬
‫اللّاتي في حجوركم من نسائكم اللّاتي دخلتم به ّ‬
‫والرّبائب جمع ربيبةٍ ‪ ,‬وربيب الرّجل ‪ ,‬ولد امرأته من غيره ‪ ,‬سمّي ربيبا له ‪ ,‬لنّه يربه أي‬
‫يسوسه ‪ ,‬والرّبيبة ابنة الزّوجة ‪ ,‬وهي حرام على زوج أمّها بنصّ الية ‪ ,‬سواء أكانت في‬
‫الحجر أم لم تكن ‪ ,‬وهي تحظى بما تحظى به البنت الصلبيّة من عطفٍ ورعاي ٍة ‪ ,‬وأمّا تحريم‬
‫بنات الرّبيبة وبنات الرّبيب فثابت بالجماع ‪.‬‬
‫ووصف الرّبيبة بأنّها في الحجر ليس للتّقييد ‪ ,‬بل خرج مخرج الغالب لبيان قبح التّزوج‬
‫بها ‪ ,‬لنّها غالبا تتربّى في حجره كابنه وابنته ‪ ,‬فلها ما لبنته من تحريمٍ ‪.‬‬
‫‪ -‬زوجة الفرع أي زوجة ابنه ‪ ,‬أو ابن ابنه ‪ ,‬أو ابن بنته ‪ ,‬مهما بعدت الدّرجة ‪ ,‬سواء‬ ‫‪12‬‬

‫دخل الفرع بزوجته أو لم يدخل بها ‪ ,‬لقوله تعالى في آية المحرّمات ‪َ { :‬وحَلَ ِئلُ أَبْنَا ِئكُمُ‬
‫الّذِينَ ِمنْ أَصْلَ ِب ُكمْ } والحلئل جمع حليلةٍ وهي الزّوجة ‪ ,‬سمّيت حليل ًة ‪ ,‬لنّها تحل مع‬
‫الزّوج حيث تحل ‪ ,‬وقيل ‪ :‬حليلة بمعنى محلّلةً ‪ ,‬ولنّها تحل للبن ‪ ,‬وقيّدت الية أن يكون‬
‫البناء من الصلب ‪ ,‬لخراج البناء بالتّبنّي ‪ ,‬فل تحرّم زوجاتهم لنّهم ليسوا أبناءه من‬
‫الصلب ‪ ,‬وعلى هذا قصر الئمّة الربعة فهمهم للية ‪ ,‬ولم يخرجوا بها زوجة البن‬
‫الرّضاعيّ ‪ ,‬بل هي محرّمة كزوجة البن الصلبيّ ‪ ,‬مستندين إلى قول النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬يحرم من الرّضعة ما يحرم من النّسب » ‪.‬‬
‫ت على الصل ‪ ,‬فله أن يتزوّج بأ ّم زوجة‬
‫أمّا أصول زوجة الفرع ‪ ,‬وفروعها ‪ ,‬فغير محرّما ٍ‬
‫فرعه أو بابنتها ‪ .‬وقد اتّفق الفقهاء على أنّ حرمة المصاهرة كما تثبت بالعقد الصّحيح في‬
‫زوجة الصل ‪ ,‬وأصل الزّوجة ‪ ,‬وزوجة الفرع ‪ ,‬وفرع الزّوجة بشرط الدخول بأمّها تثبت‬
‫كذلك بالدخول في عقد الزّواج الفاسد ‪ ,‬وبالدخول بشبهة ‪ ,‬كما إذا عقد رجل زواجه بامرأة ‪,‬‬
‫ثمّ زفّت إليه غيرها فدخل بها ‪ ,‬كان هذا الدخول بشبهة ‪ ,‬وبالدخول بملك اليمين ‪ ,‬كما إذا‬
‫واقع السّيّد جاريته المملوكة فيحرم عليه أصولها وفروعها ‪ ,‬وتحرم هي على أصوله‬
‫وفروعه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المحرّمات بسبب الرّضاع ‪:‬‬
‫‪ -‬يحرم من الرّضاع ‪:‬‬ ‫‪13‬‬

‫أ ‪ -‬أصول الشّخص من الرّضاع ‪ ,‬أي أمه رضاعا وأمها ‪ ,‬وإن علت ‪ ,‬وأم أبيه رضاعا‬
‫وأمها وإن علت ‪ ,‬فإذا رضع طفل من امرأةٍ صارت أمّه من الرّضاع ‪ ,‬وصار زوجها الّذي‬
‫كان السّبب في درّ لبنها أبا من الرّضاع ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬فروعه من الرّضاع ‪ ,‬أي بنته رضاعا ‪ ,‬وبنتها وإن نزلت ‪ ,‬وبنت ابنها رضاعا‬
‫وبنتها ‪ ,‬وإن نزلت ‪ ,‬فإذا رضعت بنت من امرأ ٍة صارت ابنةً رضاعا من هذه المرأة ‪,‬‬
‫ولزوجها الّذي كان السّبب في درّ لبنها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬فروع أبويه من الرّضاع أي أخواته رضاعا ‪ ,‬وبناتهنّ ‪ ,‬وبنات إخوته رضاعا ‪,‬‬
‫وبناتهنّ ‪ ,‬وإن نزلن ‪ ,‬فإذا رضع طفل من امرأةٍ صارت بناتها أخواتٍ له ‪ ,‬وحرمن عليه ‪,‬‬
‫سواء البنت الّتي رضعت معه ‪ ,‬أو البنت الّتي رضعت قبله أو بعده ‪.‬‬
‫د ‪ -‬فروع جدّيه إذا انفصلن بدرجة واحدةٍ ‪ ,‬أي عمّاته ‪ ,‬وخالته رضاعا ‪ ,‬وهؤلء يحرّمن‬
‫نسبا ‪ ,‬فكذلك يحرّمن رضاعا ‪.‬‬
‫وأمّا بنات عمّاته وأعمامه رضاعا ‪ ,‬وبنات خالته وأخواله رضاعا ‪ ,‬فل يحرّمن عليه ‪.‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يحرم من الرّضاع ما يحرم من المصاهرة ‪ ,‬لما ثبت أنّ‬ ‫‪14‬‬

‫ئ صلة أمومةٍ وبنوّةٍ بين المرضع والرّضيع ‪ ,‬فتكون الّتي أرضعت كالّتي‬
‫الرّضاع ينش ُ‬
‫ولدت ‪ ,‬كل منهما أم ‪ ,‬فأم الزّوجة رضاعا كأمّها نسبا ‪ ,‬وبنتها رضاعا كبنتها نسبا ‪ ,‬وكذلك‬
‫ي كزوجة الب‬
‫يكون زوج المرضع أبا للرّضيع ‪ ,‬والرّضيع فرع له ‪ ,‬فزوجة الب الرّضاع ّ‬
‫النّسبيّ ‪ ,‬وزوجة البن الرّضاعيّ كزوجة البن النّسبيّ ‪ ,‬ولهذا يحرم بالرّضاع ما يحرم‬
‫بالمصاهرة ‪ ,‬وهنّ ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الم الرّضاعيّة للزّوجة ‪ ,‬وأمها ‪ ,‬وإن علت ‪ ,‬سواء دخل بالزّوجة أو لم يدخل بها ‪.‬‬
‫ي وبنتها ‪ ,‬وإن‬
‫ب ‪ -‬البنت الرّضاعيّة للزّوجة ‪ ,‬وبنتها ‪ ,‬وإن نزلت ‪ ,‬وبنت ابنها الرّضاع ّ‬
‫نزلت بشرط أن يكون قد دخل بالزّوجة ‪.‬‬
‫ي ‪ ,‬وأبي الب وإن عل ‪ ,‬بمجرّد العقد الصّحيح ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬زوجات الب الرّضاع ّ‬
‫ي ‪ ,‬وابن ابنه ‪ ,‬وإن نزل بمجرّد العقد الصّحيح ‪.‬‬
‫د ‪ -‬زوجات البن الرّضاع ّ‬
‫وتحريم الرّضاع ما يحرم بالمصاهرة متّفق عليه بين الئمّة الربعة ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪19‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬رضاع ف‬
‫كيفيّة معرفة قرابة الرّضاع المحرّمة ‪:‬‬
‫‪ -‬تعرف قرابات الرّضاع المحرّمة كلّها ‪ ,‬بأن يفرض انتزاع الرّضيع من أسرته النّسبيّة‬ ‫‪15‬‬

‫‪ ,‬ووضعه ‪ ,‬وفروعه فقط في أسرته الرّضاعيّة ‪ ,‬بوصفه ابنا رضاعيا لمن أرضعته ‪,‬‬
‫ولزوجها الّذي درّ لبنها بسببه ‪ ,‬فكل صلةٍ تتقرّر له أو لفروعه بهذا الوضع الجديد فهي‬
‫الّتي تجعل أساسا للتّحريم أو التّحليل بالرّضاع ‪.‬‬
‫أمّا صلة السرة الرّضاعيّة بأسرة الرّضيع النّسبيّة بسبب رضاعه فل أثر لها في تحريمٍ أو‬
‫تحليلٍ ‪ ,‬ولهذا ل يثبت لقاربه النّسبيّين غير فروعه مثل ما يثبت له هو بهذا الرّضاع ‪.‬‬
‫هذا ‪ ,‬وتوجد صور مستثناة من التّحريم بالرّضاع ‪ ,‬وإن كانت محرّمةً من النّسب منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أم الخ أو الخت من الرّضاع ‪ ,‬فإنّه يجوز الزّواج بها لنّها أجنبيّة عنه ‪ ,‬ول يجوز‬
‫الزّواج بأ ّم الخ أو الخت من النّسب ‪ ,‬لنّها إمّا أن تكون أمه ‪ ,‬أو تكون زوجة أبيه فتحرّم‬
‫عليه ‪ ,‬وهذه الصّلة منتفية في صورة أ ّم الخ أو الخت رضاعا ‪.‬‬
‫ي ‪ ,‬سواء أكانت أخت هذا البن‬
‫ب ‪ -‬أخت البن رضاعا ‪ ,‬فإنّها ل تحرّم على الب الرّضاع ّ‬
‫أو البنت الرّضاعيّة أختا له من النّسب أم أختا له من الرّضاعة من امرأةٍ أخرى ‪ ,‬لنّها‬
‫ستكون أجنب ّيةً عنه ‪.‬‬
‫فإذا رضع طفل من امرأةٍ فلبي هذا الطّفل أن يتزوّج بنت هذه المرضعة ‪ ,‬وهي أخت ابنه‬
‫من الرّضاع ‪ ,‬أمّا أخت البن أو البنت نسبا ‪ ,‬فل يجوز لنّها ستكون بنته أو بنت زوجته‬
‫المدخول بها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬جدّة ابنه أو بنته رضاعا ‪ ,‬فيجوز للب الرّضاعيّ أن يتزوّجها لعدم وجود علقةٍ‬
‫تربطها به في حين أنّ جدّة البن أو البنت نسبا ‪ ,‬إمّا أن تكون أمّه هو فتحرّم عليه ‪ ,‬وإمّا‬
‫أن تكون أمّ زوجته فتحرّم عليه أيضا ‪.‬‬
‫قال الشّربيني الخطيب ‪ :‬الحرمة تسري من المرضعة والفحل إلى أصولهما وفروعهما‬
‫وحواشيهما ومن الرّضيع إلى فروعه فقط ‪.‬‬
‫ومتى ثبت الرّضاع بين الزّوجين وجب عليهما أن يفترقا من تلقاء نفسيهما ‪ ,‬وإل فرّق‬
‫القاضي بينهما ‪ ,‬حيث تبيّن أنّ عقد الزّواج فاسد ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪34‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪27‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬رضاع ف‬
‫ثانيا ‪ :‬المحرّمات تحريما مؤقّتا ‪:‬‬
‫التّحريم على التّأقيت يكون في الحوال التية ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬زوجة الغير ومعتدّته ‪:‬‬
‫ق أو وفاةٍ‬
‫‪ -‬يحرم على المسلم أن يتزوّج من تعلّق حق غيره بها بزواج أو عدّةٍ من طل ٍ‬ ‫‪16‬‬

‫‪ ,‬أو دخولٍ في زواجٍ فاسدٍ ‪ ,‬أو دخولٍ بشبهة ‪ ,‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَا ْل ُمحْصَنَاتُ ِمنَ ال ّنسَاء ِإلّ‬
‫ت عَلَ ْي ُكمْ‬
‫ت أَ ْيمَا ُنكُمْ } عطفا على المحرّمات المذكورات في قوله تعالى ‪ { :‬حُ ّرمَ ْ‬
‫مَا مَ َلكَ ْ‬
‫ن ‪ ,‬سواء أكان زوجها مسلما أم‬
‫ُأ ّمهَاتُ ُكمْ } ‪ ،‬والمراد بالمحصنات من النّساء المتزوّجات منه ّ‬
‫غير مسلمٍ ‪ ,‬كما يحرم على المسلم أن يتزوّج معتدّة غيره من طلق رجعيّ أو بائنٍ أو وفاةٍ‬
‫‪.‬‬
‫والحكمة في هذا منع النسان من العتداء على غيره بالتّزوج من زوجته أو معتدّته ‪,‬‬
‫وحفظ النساب من الختلط والضّياع ‪.‬‬
‫وقد ألحق الفقهاء بعدّة الطّلق عدّة الدخول في زواجٍ فاسدٍ ‪ ,‬وعدّة الدخول بشبهة ‪ ,‬لنّ‬
‫النّسل من ك ّل منهما ثابت النّسب ‪.‬‬
‫ويترتّب على نكاح المعتدّة من الغير آثار منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّفريق بينهما ‪:‬‬
‫‪ -‬نكاح معتدّة الغير يعتبر من النكحة الفاسدة المتّفق على فسادها ويجب التّفريق بينهما‬ ‫‪17‬‬

‫‪ ,‬وهذا باتّفاق ‪ ,‬وقد روى سعيد بن المسيّب وسليمان بن يسا ٍر أنّ طليحة كانت تحت رشيدٍ‬
‫الثّقفيّ فطلّقها فنكحت في عدّتها فضربها عمر رضي ال عنه وضرب زوجها بمخفقة‬
‫ت ثمّ قال ‪ :‬أيما امرأ ٍة نكحت في عدّتها فإن كان زوجها الّذي تزوّجها لم يدخل بها‬
‫ضربا ٍ‬
‫فرّق بينهما ‪ ,‬ثمّ اعتدّت بقيّة عدّتها من زوجها الوّل ‪ ,‬وكان خاطبا من الخطاب ‪ ,‬وإن كان‬
‫دخل بها فرّق بينهما ‪ ,‬ث ّم اعتدّت بقيّة عدّتها من زوجها الوّل ‪ ,‬ثمّ اعتدّت من الخر ولم‬
‫ينكحها أبدا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وجوب المهر والعدّة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على عدم وجوب المهر في نكاح المعتدّة في عدّتها إذا فرّق بينهما قبل‬ ‫‪18‬‬

‫الدخول ويتّفق الفقهاء على وجوب المهر في هذا النّكاح بالدخول ‪ -‬أي بالوطء ‪ -‬وعلى‬
‫وجوب العدّة كذلك ‪ ,‬لما روى الشّعبي عن مسروقٍ قال ‪ :‬بلغ عمر بن الخطّاب رضي ال‬
‫ن امرأةً من قريشٍ تزوّجها رجل من ثقيفٍ في عدّتها ‪ ,‬فأرسل إليهما ففرّق بينهما‬
‫عنه أ ّ‬
‫وعاقبهما ‪ ,‬وقال ‪ :‬ل تنكحها أبدا وجعل صداقها في بيت المال ‪ ,‬وفشا ذلك في النّاس فبلغ‬
‫عليا رضي ال عنه فقال ‪ :‬يرحم اللّه أمير المؤمنين ! ما بال الصّداق وبيت المال ؟ إنّما‬
‫جهل فينبغي للمام أن يردّهما إلى السنّة ‪ .‬قيل ‪ :‬فما تقول أنت فيهما ؟ فقال ‪ :‬لها الصّداق‬
‫بما استحلّ من فرجها ‪ ,‬ويفرّق بينهما ول جلد عليهما ‪ ,‬وتكمل عدّتها من الوّل ‪ ,‬ثمّ تعتد‬
‫من الثّاني عدّ ًة كاملةً ثلثة أقراءٍ ثمّ يخطبها إن شاء ‪ ,‬فبلغ ذلك عمر فخطب النّاس فقال ‪:‬‬
‫ن من‬
‫أيها النّاس ‪ ,‬ردوا الجهالت إلى السنّة ‪ ,‬قال الكيا الطّبريّ ‪ :‬ول خلف بين الفقهاء أ ّ‬
‫ن النّكاح فاسد ‪ ,‬وفي اتّفاق عمر وعليّ‬
‫عقد على امرأةٍ نكاحها وهي في عدّةٍ من غيره أ ّ‬
‫ن النّكاح الفاسد ل يوجب الحدّ ‪ ,‬إل أنّه‬
‫رضي ال عنهما على نفي الحدّ عنهما ما يدل على أ ّ‬
‫مع الجهل بالتّحريم متّفق عليه ‪ ,‬ومع العلم به مختلف فيه ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬التّزوج بالزّانية ‪:‬‬
‫‪ -‬التّزوج بالزّانية إن كان العاقد عليها هو الزّاني صحّ العقد ‪ ,‬وجاز الدخول عليها في‬ ‫‪19‬‬

‫ل أم غير حاملٍ عند الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ,‬إذ ل حرمة للحمل من‬


‫الحال سواء أكانت حام ً‬
‫الزّنا ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة والحنابلة ‪ :‬إنّه ل يجوز أن يتزوّجها حتّى يستبرئها من مائه الفاسد ‪ ,‬حفاظا‬
‫على حرمة النّكاح من اختلط الماء الحلل بالحرام ‪.‬‬
‫وإن كان العاقد عليها غير الزّاني ‪ ,‬وكانت غير حام ٍل ‪ ,‬جاز العقد عليها والدخول بها في‬
‫الحال عند أبي حنيفة وأبي يوسف والشّافعيّة ‪.‬‬
‫ي بها ‪ ,‬ويكره الدخول بها حتّى يستبرئها‬
‫ويرى محمّد من الحنفيّة أنّه يصح العقد على المزن ّ‬
‫بحيضة لحتمال أن تكون قد حملت من الزّاني ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة ‪ ,‬وأحمد بن حنبلٍ إلى أنّه ل يجوز عقد الزّواج عليها إل بعد أن تعتدّ ‪ ,‬لنّ‬
‫العدّة لمعرفة براءة الرّحم ‪ ,‬ولنّها قبل العدّة يحتمل أن تكون حاملً فيكون نكاحها باطلً ‪,‬‬
‫كالموطوءة بشبهة ‪.‬‬
‫ح العقد ‪ ,‬وحرم عليه قربانها حتّى تضع حملها ‪ ,‬وهذا رأي أبي حنيفة‬
‫وإن كانت حاملً ص ّ‬
‫ومحمّدٍ ‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬من كان يؤمن باللّه واليوم الخر فل يسقي ماءه‬
‫ولد غيره » ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة يجوز نكاحها ووطؤها إن كان العاقد عليها غير زانٍ كما هو الحال بالنّسبة‬
‫للزّاني إذ ل حرمة للحمل من الزّنا ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة وأحمد بن حنبلٍ وأبو يوسف ‪ :‬أنّه ل يصح العقد على الزّانية الحامل ‪ ,‬احتراما‬
‫للحمل إذ ل جناية منه ‪ ,‬ول يحل الدخول بها حتّى تضع ‪ ,‬فإذا منع الدخول منع العقد ‪ ,‬ول‬
‫يحل الزّواج حتّى تضع الحمل ‪.‬‬
‫واشترط الحنابلة للزّواج من الزّانية غير العدّة أن تتوب من الزّنا ‪.‬‬
‫وإذا تزوّج رجل امرأةً وثبت أنّها كانت حاملً وقت العقد ‪ ,‬بأن أتت بالولد لقلّ من ستّة‬
‫أشهرٍ ‪ ,‬فإنّ العقد يكون فاسدا ‪ ,‬لحتمال أن يكون الحمل من غير زنا ‪ ,‬إذ يحمل حال‬
‫المؤمن على الصّلح ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬المطلّقة ثلثا بالنّسبة لمن طلّقها ‪:‬‬
‫‪ -‬يحرم على المسلم أن يتزوّج امرأةً طلّقها ثلث تطليقاتٍ ‪ ,‬لنّه استنفد ما يملكه من‬ ‫‪20‬‬

‫عدد طلقاتها ‪ ,‬وبانت منه بينونةً كبرى ‪ ,‬وصارت ل تحل له إل إذا انقضت عدّتها منه ‪ ,‬ثمّ‬
‫تزوّجها زوج آخر زواجا صحيحا ‪ ,‬ودخل بها حقيقةً ‪ ,‬ثمّ فارقها هذا الخر وانقضت عدّتها‬
‫حسَانٍ } ‪ ،‬ثمّ قال‬
‫ف َأوْ َتسْرِيحٌ ِبِإ ْ‬
‫ق مَرّتَانِ فَ ِإ ْمسَاكٌ ِب َمعْرُو ٍ‬
‫منه ‪ ,‬لقولـه تعالى ‪ { :‬الطّلَ ُ‬
‫ح ّل َلهُ مِن َبعْدُ حَ ّتىَ تَن ِكحَ َزوْجا غَ ْيرَهُ فَإِن طَّلقَهَا فَلَ‬
‫سبحانه وتعالى ‪ { :‬فَإِن طَّل َقهَا فَلَ َت ِ‬
‫جعَا إِن ظَنّا أَن ُيقِيمَا حُدُودَ الّلهِ } ‪.‬‬
‫جُنَاحَ عَلَ ْي ِهمَا أَن يَتَرَا َ‬
‫وبيّنت السنّة النّبويّة أنّ الزّواج الثّاني ل يحلها للوّل إل إذا دخل بها الزّوج الثّاني دخولً‬
‫حقيقيا ‪ ,‬وكان الزّواج غير مؤقّتٍ ‪ ,‬وانتهت العدّة بعد الدخول ‪ ,‬فقد جاء عن عائشة رضي‬
‫ي إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫ال عنها أنّها قالت ‪ « :‬جاءت امرأة رفاعة القرظ ّ‬
‫ن ما‬
‫فقالت ‪ :‬كنت عند رفاعة فطلّقني ‪ ,‬فبتّ طلقي ‪ ,‬فتزوّجت عبد الرّحمن بن الزبير ‪ ,‬وإ ّ‬
‫معه مثل هدبة الثّوب ‪ ,‬فتبسّم رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وقال ‪ :‬أتريدين أن ترجعي‬
‫إلى رفاعة ؟ ل ‪ ,‬حتّى تذوقي عسيلته ‪ ,‬ويذوق عسيلتك » ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬المرأة الّتي ل تدين بدين سماويّ ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل يحل للمسلم أن يتزوّج امرأةً ل تدين بدين سماويّ ‪ ,‬ول‬ ‫‪21‬‬

‫ي ‪ ,‬بأن تكون مشركةً تعبد غير اللّه كالوثنيّة والمجوسيّة ‪,‬‬


‫تؤمن برسول ‪ ,‬ول كتابٍ إله ّ‬
‫ش ِر َكةٍ وَ َلوْ‬
‫ن َو َل َمةٌ ّم ْؤمِ َنةٌ خَيْ ٌر مّن ّم ْ‬
‫ت حَتّى ُي ْؤمِ ّ‬
‫لقولـه تعالى ‪َ { :‬ولَ تَن ِكحُواْ ا ْل ُمشْ ِركَا ِ‬
‫عجَبَتْ ُكمْ } ‪.‬‬
‫أَ ْ‬
‫ولقوله صلى ال عليه وسلم في المجوس ‪ « :‬سنوا بهم سنّة أهل الكتاب غير ناكحي‬
‫نسائهم ول آكلي ذبائحهم » ‪.‬‬
‫والمشركة من ل تؤمن بكتاب من الكتب الّتي أنزلها اللّه تعالى ‪ ,‬ول برسول من الرسل‬
‫الّذين أرسلهم اللّه لهداية عباده إلى الصّراط المستقيم ‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬التّزوج بالمرتدّة ‪:‬‬
‫‪ -‬المرتدّة ‪ :‬من رجعت عن دين السلم اختيارا دون إكراهٍ على تركه ‪ ,‬ول تقر على‬ ‫‪22‬‬

‫الدّين الّذي اعتنقته ‪ ,‬ولو كان دينا سماويا ‪ ,‬ويرى الحنفيّة أنّه ل يجوز نكاح المرتدّة ل‬
‫بمسلم ول بكافر غير مرتدّ ومرتدّ مثله ‪ ,‬لنّ المرتدّة تركت السلم ‪ ,‬وتضرب وتحبس حتّى‬
‫تعود إلى السلم أو تموت ‪ ,‬فكانت الرّدّة في معنى الموت ‪ ,‬والميّت ل يكون محلً للنّكاح‬
‫ولنّ ملك النّكاح ملك معصوم ‪ ,‬ول عصمة للمرتدّة ‪.‬‬
‫ن أبى‬
‫وأمّا المرتد فيمهل ليتوب ‪ ,‬وتزال شبهته إن كانت له شبهة فيرجع إلى السلم ‪ ,‬فإ ّ‬
‫قتل بعد مضيّ مدّة المهال ‪.‬‬
‫والمرأة المرتدّة مأمورة بالعودة إلى السلم ‪ ,‬وبردّتها صارت محرّمةً ‪ ,‬والنّكاح مختص‬
‫بمحلّ الحلّ ابتداءً ‪ ,‬فلهذا ل يجوز نكاحها لحد ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة عدم جواز نكاح المرتدّة ‪ ,‬كما قالوا بفسخ النّكاح إذا ارت ّد أحد الزّوجين‬
‫ويكون الفسخ بطلقة بائنةٍ وإن رجعت المرتدّة إلى السلم ‪.‬‬
‫وأمّا الشّافعيّة فقالوا ‪ :‬إنّ المرتدّة ل تحل لحد ‪ ,‬ل لمسلم لنّها كافرة ل تقر ‪ ,‬ول لكافر‬
‫ن القصد من النّكاح الدّوام والمرتد ل دوام له ‪.‬‬
‫أصليّ لبقاء علقة السلم ‪ ,‬ول لمرت ّد ل ّ‬
‫ذهب الحنابلة إلى أنّ المرتدّة ل يحل نكاحها حتّى تعود إلى السلم ‪ ,‬لنّ النّكاح ينفسخ‬
‫بالرّدّة ويمتنع استمراره ‪ ,‬فأولى أن يمتنع ابتدا ًء ‪.‬‬
‫أمّا أهل الكتاب ‪ -‬وهم اليهود والنّصارى ‪ -‬فللمسلم أن يتزوّج من نسائهم ‪ ,‬لقوله تعالى ‪:‬‬
‫حلّ ّل ُهمْ وَا ْلمُحْصَنَاتُ‬
‫طعَا ُمكُمْ ِ‬
‫حلّ ّلكُمْ َو َ‬
‫طعَامُ الّذِينَ أُوتُواْ ا ْلكِتَابَ ِ‬
‫حلّ َل ُكمُ الطّيّبَاتُ َو َ‬
‫{ الْ َي ْومَ ُأ ِ‬
‫ن الّذِينَ أُوتُواْ ا ْلكِتَابَ مِن قَبْ ِل ُكمْ } ‪.‬‬
‫ت وَا ْل ُمحْصَنَاتُ مِ َ‬
‫مِنَ ا ْل ُم ْؤمِنَا ِ‬
‫السّادس ‪ :‬الجمع بين الختين ومن في حكمهما ‪:‬‬
‫‪ -‬يحرم على المسلم أن يجمع بين امرأتين بينهما قرابة محرّمة ‪ ,‬بحيث لو فرضت‬ ‫‪23‬‬

‫أيّتهما ذكرا حرّمت عليه الخرى ‪ ,‬وذلك كالختين ‪ ,‬فإنّنا لو فرضنا إحداهما ذكرا ل تحل‬
‫للخرى ‪ ,‬وكذلك يحرم الجمع بين المرأة وعمّتها ‪ ,‬أو بين المرأة وخالتها ‪ ,‬لقوله تعالى ‪:‬‬
‫ن ا ُلخْتَيْنِ َإلّ مَا قَ ْد سَلَفَ } ‪.‬‬
‫جمَعُواْ بَيْ َ‬
‫ت عَلَ ْي ُكمْ ُأ ّمهَا ُتكُمْ } إلى قوله ‪َ { :‬وأَن َت ْ‬
‫{ حُ ّرمَ ْ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم نهى أن تنكح المرأة على‬
‫ولحديث أبي هريرة ‪ « :‬أ ّ‬
‫عمّتها ‪ ,‬أو العمّة على ابنة أخيها ‪ ,‬أو المرأة على خالتها ‪ ,‬أو الخالة على بنت أختها » ‪،‬‬
‫وعليه الئمّة الربعة ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه كما ل يصح أن يتزوّج المسلم أخت زوجته الّتي في‬
‫عصمته ‪ ,‬كذلك ل يجوز أن يتزوّج أخت زوجته الّتي طلّقها طلقا رجعيا ‪ ,‬أو طلقا بائنا‬
‫بينونةً صغرى ‪ ,‬أو كبرى ما دامت في العدّة ‪ ,‬لنّها زوجة حكما ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ تحريم الجمع بين من ذكرن إنّما يكون حال قيام الزّوجيّة‬
‫حقيقةً ‪ ,‬أو في عدّة الطّلق الرّجعيّ ‪ ,‬أمّا لو كان الطّلق بائنا بينونةً صغرى أو كبرى فقد‬
‫انقطعت الزّوجيّة ‪ ,‬فإن تزوّج أخت مطلّقته طلقا بائنا في عدّتها ‪ ,‬فل يكون ذلك جمعا بين‬
‫محرمين ‪.‬‬
‫وإذا جمع الرّجل بين أختين مثلً ‪ ,‬فإن تزوّجهما بعقد واحدٍ ‪ ,‬وليس يأتيهما مانع ‪ ,‬كان‬
‫ل إذ ل أولويّة لحداهما عن الخرى ‪.‬‬
‫النّكاح باط ً‬
‫ل ‪ ,‬والخرى ليس بها مانع ‪,‬‬
‫أمّا إذا كان بإحداهما مانع شرعي ‪ ,‬بأن كانت زوجةً للغير مث ً‬
‫ن العقد صحيح بالنّسبة للخالية من الموانع ‪ ,‬وباطل بالنّسبة للخرى ‪.‬‬
‫فإ ّ‬
‫وأمّا إذا تزوّجهما بعقدين متعاقبين ‪ ,‬مستكملين أركان الزّواج وشروطه ‪ ,‬وعلم أسبقهما ‪,‬‬
‫ن الجمع حصل به ‪.‬‬
‫فهو الصّحيح والخر باطل ل ّ‬
‫وإذا استوفى أحدهما فقط الركان والشروط فهو الصّحيح ‪ ,‬سواء أكان الوّل أم الثّاني ‪.‬‬
‫كما يحرم الجمع بين الختين في عقدٍ واحدٍ يحرم الجمع بين الختين بملك اليمين عند عامّة‬
‫الصّحابة مثل عمر وعليّ وعبد اللّه بن مسعودٍ وعبد اللّه بن عمر رضي ال عنهم واستدلوا‬
‫ج َمعُواْ بَ ْينَ ا ُلخْتَيْنِ } والجمع بينهما في الوطء جمع ‪ ,‬فيكون‬
‫بقولـه عزّ وجلّ ‪َ { :‬وأَن َت ْ‬
‫حراما ‪ ,‬وبقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من كان يؤمن باللّه واليوم الخر فل يجمعن‬
‫ماءه في رحم أختين » ‪.‬‬
‫وروي عن عثمان رضي ال عنه أنّه قال ‪ :‬كل شي ٍء حرّمه اللّه تعالى من الحرائر حرّمه‬
‫اللّه تعالى من الماء إل الجمع في الوطء بملك اليمين ‪.‬‬
‫ل سأل عثمان رضي ال عنه عن ذلك فقال ‪ :‬ما أحب أن أحلّه ‪ ,‬ولكن أحلّتهما‬
‫وروي أنّ رج ً‬
‫آية وحرّمتهما آية ‪ ,‬وأمّا أنا فل أفعله ‪.‬‬
‫قال الكاساني ‪ :‬وقول عثمان رضي ال عنه ‪ " :‬أحلّتهما آية وحرّمتهما آية " عنى بآية‬
‫ت أَ ْيمَا ُنهُمْ فَإِ ّن ُهمْ غَ ْيرُ مَلُومِينَ } وبآية‬
‫جهِ ْم أوْ مَا مَ َلكَ ْ‬
‫التّحليل قوله ع ّز وجلّ ‪ { :‬إََِل عَلَى أَ ْزوَا ِ‬
‫ن ا ُلخْتَيْنِ َإلّ مَا قَ ْد سَلَفَ } وذلك منه إشارة إلى‬
‫جمَعُواْ بَيْ َ‬
‫التّحريم قوله ع ّز وجلّ ‪َ { :‬وأَن َت ْ‬
‫تعارض دليلي الحلّ والحرمة فل يثبت الحرمة مع التّعارض ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬وأمّا قول عثمان رضي ال عنه ‪ :‬أحلّتهما آية وحرّمتهما آية ‪ ,‬فالخذ بالمحرّم أولى‬
‫عند التّعارض احتياطا للحرمة ‪ ,‬لنّه يلحقه المأثم بارتكاب المحرّم ول مأثم في ترك المباح ‪,‬‬
‫ولنّ الصل في البضاع الحرمة ‪ ,‬والباحة بدليل ‪ ,‬فإذا تعارض دليل الحلّ والحرمة تدافعا‬
‫فيجب العمل بالصل ‪.‬‬
‫وكما ل يجوز الجمع بينهما في الوطء ل يجوز في الدّواعي من اللّمس والتّقبيل والنّظر إلى‬
‫الفرج عن شهوةٍ ‪ ,‬لنّ الدّواعي إلى الحرام حرام ‪.‬‬
‫السّابع ‪ :‬الجمع بين أكثر من أربع زوجاتٍ ‪:‬‬
‫‪ -‬يحرم على الرّجل أن يجمع بين أكثر من أربع زوجاتٍ في عصمته ‪ ,‬فل يتزوّج‬ ‫‪24‬‬

‫ن ‪ ,‬وإمّا حكما ‪,‬‬


‫بخامسة ما دامت في عصمته أربع سواها ‪ ,‬إمّا حقيقةً بأن لم يطلّق إحداه ّ‬
‫ن ول تزال في عدّته ‪ ,‬ولو كان الطّلق بائنا بينونةً صغرى أو كبرى ‪,‬‬
‫كما إذا طلّق إحداه ّ‬
‫وهذا عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫وأمّا المالكيّة والشّافعيّة ‪ ,‬فقد أجازوا التّزوج بخامسة إذا كانت إحدى الزّوجات الربع في‬
‫ن الطّلق البائن يقطع الزّوجيّة بين الزّوجين ‪ ,‬فل يكون قد جمع‬
‫العدّة من طلقٍ بائنٍ ‪ ,‬ل ّ‬
‫بين أكثر من أربع زوجاتٍ في عصمته ‪.‬‬
‫ن ال ّنسَاء‬
‫ودليل عدم الجمع بين أكثر من أربع زوجاتٍ قوله تعالى ‪ { :‬فَان ِكحُواْ مَا طَابَ َلكُم مّ َ‬
‫ث وَرُبَاعَ } ‪.‬‬
‫مَثْنَى وَثُلَ َ‬
‫ي رضي ال عنه كان عنده‬
‫وقد أيّدت السنّة النّبويّة ذلك ‪ ,‬فقد روي ‪ « :‬أنّ غيلن الثّقف ّ‬
‫عشر نسوةٍ فأسلم وأسلمن معه ‪ ,‬فأمره رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أن يختار منهنّ‬
‫أربعا » ‪.‬‬
‫الثّامن ‪ :‬الزّوجة الملعنة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء في الجملة إلى أنّه يحرم على الرّجل المسلم أن يتزوّج زوجته الّتي‬ ‫‪25‬‬

‫لعنها ‪ ,‬وفرّق القاضي بينهما ‪ ,‬ما دام مصرا على اتّهامه لها ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬لعان ) ‪.‬‬
‫التّاسع ‪ :‬تزوج المة على الحرّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء في الجملة إلى أنّه يجوز للمسلم أن يتزوّج بالمة بشروط ‪ ,‬والتّفصيل‬ ‫‪26‬‬

‫في مصطلح ‪ ( :‬نكاح ) ‪.‬‬

‫حسّر *‬
‫مُ َ‬
‫انظر ‪ :‬وادي محسّرٍ ‪.‬‬

‫حصّب *‬
‫مُ َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المحصّب في اللغة على وزن ‪ :‬مفعّل بالتّشديد والفتح من الحصبا ‪ ,‬وهي الحصى‬ ‫‪1‬‬

‫الصّغار ‪ :‬اسم مكانٍ تكثر فيه الحصباء ‪.‬‬


‫والمحصّب أو وادي المحصّب ‪ :‬موضع بمكّة المكرّمة ‪ ,‬يسمى أيضا البطح ‪ ,‬من البطحاء‬
‫وهي الحصى الصّغار ‪ ,‬وكان مسيلً لوادي مكّة تجرف إليه السيول الرّمال والحصى ‪ ,‬وقد‬
‫أصبح الن مكانا عامرا بالبنية ‪ ,‬يقع بين القصر الملكيّ وجبّانة المعلّى ‪ ,‬في منطقته شارع‬
‫واسع يحمل اسم البطح ‪.‬‬
‫ويتعلّق بالمحصّب هذا حكم من مناسك الحجّ هو التّحصيب ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪107‬‬ ‫وللتّفصيل ‪ ( :‬حج ف‬

‫حضَر *‬
‫مَ ْ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المحضر مصدر ميمي ‪ :‬بمعنى الحضور والشهود ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫ن ‪ ,‬وبحضرته ‪ :‬أي بمشهد منه ‪.‬‬


‫يقال ‪ :‬كلّمته بمحضر من فل ٍ‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬هو الّذي كتب القاضي فيه دعوى الخصمين مفصّلً ‪ ,‬ولم يحكم بما ثبت‬
‫عنده بل كتبه للتّذكر ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫السّجل ‪:‬‬
‫‪ -‬السّجل لغةً ‪ :‬الكتاب يدوّن فيه ما يراد حفظه يقال ‪ :‬سجّل القاضي ‪ :‬قضى وحكم وأثبت‬ ‫‪2‬‬

‫حكمه في السّجلّ ‪.‬‬


‫وفي الصطلح ‪ :‬السّجل ‪ :‬كتاب الحكم وقد سجّل عليه القاضي ‪.‬‬
‫ص على الحكم وإنفاذه ‪ ,‬أما‬
‫ن المحضر ل يتضمّن النّ ّ‬
‫والفرق بين المحضر والسّجلّ ‪ :‬أ ّ‬
‫السّجل ففيه حكم القاضي ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفي ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الفقهاء ‪ :‬ينبغي للقاضي كتابة محضرٍ في الدّعاوى والخصومات الّتي ترفع أمامه‬ ‫‪2‬‬

‫ن الحاجة تدعو إلى المحافظة على الدّعاوى والبيّنات ‪ ,‬ول يمكن حفظها‬
‫في مجلس حكمه ل ّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪43‬‬ ‫إل بالكتابة ويستحب أن يتّخذ كاتبا ‪ ,‬تشترط فيه شروط تفصيلها في ‪ ( :‬قضاء ف‬
‫ومحل استحباب كتابة المحضر ‪ :‬إذا لم يطلب من له المصلحة من الخصمين كتابته ‪ ,‬فإن‬
‫سأل أحد الخصمين القاضي كتابة ما جرى أمامه في مجلس الحكم وكان له في ذلك‬
‫مصلحة ‪ ,‬كأن يترافع خصمان إلى القاضي فأق ّر أحدهما لصاحبه بالمدّعى به أو نكل المدّعى‬
‫عليه عن اليمين ‪ ,‬ور ّد على المدّعي وحلف ‪ ,‬وسأل القاضي أن يكتب له ما جرى أمامه في‬
‫مجلس الحكم من غير حكمٍ ‪ ,‬فالصح عند الحنابلة يجب إجابته ‪ ,‬وهو قول عند الشّافعيّة ‪,‬‬
‫لنّه وثيقة له كالشهاد ‪ ,‬لنّ الشّاهدين ربّما نسيا الشّهادة ‪ ,‬أو نسيا الخصمين فل يذكرهما‬
‫ن الكتابة ل تثبت‬
‫إل ذوي خطّيهما ‪ ,‬والصح عند الشّافعيّة ‪ :‬يستحب للقاضي إجابته ‪ ,‬ل ّ‬
‫حقا ‪.‬‬
‫ويستحب نسختان ‪ :‬إحداهما لصاحب الحقّ ‪ ,‬والخرى تحفظ في ديوان الحكم ‪.‬‬
‫ثمن الورق الّذي تكتب فيه المحاضر ‪:‬‬
‫‪ -‬ثمن الورق الّذي تكتب فيه المحاضر والسّجلت وغيرها من بيت المال ‪ ,‬لنّه من‬ ‫‪4‬‬

‫المصالح ‪.‬‬
‫فإن لم يكن فيه مال ‪ ,‬أو احتيج إليه إلى ما هو أهم فعلى من له العمل من مدّعٍ ومدّعىً‬
‫عليه إن شاء كتابة ما جرى في خصومته ‪ ,‬وإن لم يشأ فل يجبر عليه ‪.‬‬
‫صيغة المحضر ‪:‬‬
‫‪ -‬إن اختار القاضي أن يكتب محضرا ‪ ,‬أو سأله من له مصلحة من الخصمين كتابته ‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫ذكر فيه ما يأتي ‪:‬‬


‫أ ‪ -‬اسم القاضي الّذي جرت الخصومة أمامه واسم أبيه ونسبه ‪ ,‬ومكان وليته ‪ ,‬وتاريخ‬
‫إقامة الدّعوى ‪ ,‬وأنّها أقيمت أمامه في مجلس قضائه وحكمه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬اسم المدّعي ‪ ,‬والمدّعى عليه إن كان يعرفهما باسميهما ونسبيهما ويرفع نسبيهما‬
‫حتّى يتميّزا ‪.‬‬
‫ع ذكر ‪ :‬أنّه فلن بن فلنٍ‬
‫وإن كان ل يعرفهما ‪ :‬كتب ‪ :‬حضر عندي في مجلس حكمي ‪ :‬مدّ ٍ‬
‫الفلني وأحضر معه مدّعىً عليه ذكر ‪ :‬أنّه فلن بن فلنٍ الفلني ويرفع نسبيهما ‪ ,‬ويذكر‬
‫أهمّ صفاتهما كالغمم ‪ ,‬والنّزع ‪ ,‬ولون العين ‪ ,‬وصفة النف ‪ ,‬والفم ‪ ,‬والحاجبين ‪ ,‬واللّون ‪,‬‬
‫والطول ‪ ,‬والقصر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المدّعى به ‪ ,‬ونوعه وصفته ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أقوال المدّعي ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬أقوال المدّعى عليه من إقرا ٍر أو إنكارٍ ‪ ,‬فإن أق ّر كتب ‪ :‬أقرّ للمدّعي بالمدّعى به ‪,‬‬
‫وإن أنكر كتب إنكاره ‪ ,‬وإن شهدت عليه بيّنة ذكرها ‪ ,‬وإن كتب المحضر بطلب من له‬
‫ن البيّنة أقيمت أمامه‬
‫مصلحة في كتابته ذكر في المحضر أنّه كتبه استجابةً لرغبته وذكر ‪ :‬أ ّ‬
‫في مجلس حكمه ‪ ,‬لنّ ذلك شرط لصحّة الشّهادة ‪.‬‬
‫و ‪ -‬أسماء الشهود وأنسابهم ‪ ,‬فإن لم يكن للمدّعي بيّنة ذكر في المحضر ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬فإن استحلف المنكر ذكر في المحضر ‪.‬‬
‫ن المدّعى‬
‫ح ‪ -‬فإن حلف وسأل القاضي أن يكتب له محضرا لئل يحلف ثانيا أجابه ‪ ,‬وذكر أ ّ‬
‫عليه سأل ذلك ‪ ,‬وأنّه أجاب طلبه ‪.‬‬
‫ط ‪ -‬وإن نكل عن اليمين كتب ‪ :‬فعرضت اليمين عليه فنكل منها ‪ ,‬هذه صورة المحضر ‪.‬‬
‫وإن اشتمل المحضر أسباب الحكم ‪ ,‬وقامت الحجّة على ثبوتها أمام القاضي ‪ ,‬وسأل صاحب‬
‫الحقّ القاضي أن يحكم له بما ثبت في المحضر ‪ ,‬لزم على القاضي أن يحكم له به وينفذه ‪,‬‬
‫فيقول بعد ثبوت أسباب الحكم بالحجّة الشّرعيّة في المحضر ‪ :‬حكمت له به ‪ ,‬وألزمته‬
‫الحقّ ‪.‬‬
‫لنّ الحكم من لوازم الثبوت ‪.‬‬

‫حضِر *‬
‫مُ ْ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المُحضِر بضمّ أوّله وكسر ثالثه في اللغة ‪ :‬هو من يحضر الخصم إلى مجلس القاضي ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫الحكم التّكليفي ‪:‬‬


‫‪ -‬للقاضي أن يتّخذ محضرا ليحضر الخصم بعد العذار إليه ‪ ,‬ولو جبرا بطلب المدّعي‬ ‫‪3‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪61‬‬ ‫و‬ ‫‪60‬‬ ‫‪,‬و‬ ‫‪59‬‬ ‫وللتّفصيل ينظر مصطلح ‪ ( :‬دعوى ف‬
‫أجرة المُحضِر ‪:‬‬
‫‪ -‬مؤنة المحضر على الطّالب بالحضار ابتداءً ‪ ,‬فإن امتنع وأحضره المحضر جبرا‬ ‫‪3‬‬

‫فالمؤنة عليه لتعدّيه بامتناعه عن الحضور ‪.‬‬


‫ومحل وجوب مؤنة المحضر على الطّالب أو المطلوب إذا لم يكن له رزق في بيت المال ‪,‬‬
‫فإن كان له رزق فيه فل تجب على واحدٍ منهما ‪.‬‬

‫َمحْظورات *‬
‫انظر ‪ :‬إحرام ‪ ,‬حظر ‪.‬‬

‫مُحْكَم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ح ِكمَتْ‬
‫‪ -‬المحكم اسم مفعو ٍل من أحكم الشّيء إحكاما ‪ :‬أتقنه ومنه قوله تعالى ‪ { :‬كِتَابٌ ُأ ْ‬ ‫‪1‬‬

‫ن ما كان واضح المعنى ل إشكال فيه ول تردد إنّما يكون محكما لوضوح‬
‫آيَا ُتهُ } ل ّ‬
‫مفرداته ‪ ,‬وإتقان تركيبها ‪ ,‬يقال بناء محكم ‪ :‬متقن مأمون النتقاض ‪.‬‬
‫‪ -‬وفي الصطلح ‪ :‬المحكم ما ل يحتمل في التّأويل إل وجها واحدا ‪ ,‬وقيل غير ذلك ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬


‫المتشابه ‪:‬‬
‫‪ -‬المتشابه مأخوذ من الشّبه ‪ ,‬والشّبَه والشّبِيه والشّبه ‪ :‬المثل ‪ ,‬والمتشابهان ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫المتماثلن والمشتبهات ‪ :‬المشكلت ‪.‬‬


‫وفي الصطلح قيل ‪ :‬هو ما عسر إجراؤه على ظاهره كآية الستواء ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬هو ما استأثر اللّه بعلمه كالحروف المقطّعة في أوائل بعض سور القرآن ‪.‬‬
‫والصّلة بين المحكم والمتشابه ‪ :‬التّضاد ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمحكم ‪:‬‬
‫‪ -‬المراد بالمحكم هنا ‪ :‬هو البيّن المعنى الثّابت الحكم ‪ ,‬الواضح الدّللة الّذي ل يحتمل‬ ‫‪3‬‬

‫النّسخ في آي القرآن ‪.‬‬


‫ن ُأمّ‬
‫ت ّمحْ َكمَاتٌ هُ ّ‬
‫ك ا ْلكِتَابَ مِ ْنهُ آيَا ٌ‬
‫وحكمه وجوب العمل به قال تعالى ‪ُ { :‬هوَ الّ ِذيَ أَن َز َل عَلَيْ َ‬
‫ا ْلكِتَابِ } والمراد من الكتاب القرآن ‪.‬‬
‫ن في الكتاب آيات قد أحكمن بالبيان والتّفصيل ‪ ,‬وأثبتت حججهنّ وأدلّتهنّ على‬
‫والمعنى ‪ :‬إ ّ‬
‫ما جعلن عليه أدّلةً من حللٍ وحرامٍ ‪ ,‬وغير ذلك ممّا جاء فيها ‪ ,‬ثمّ وصف جلّ ثناؤه تلك‬
‫اليات المحكمات بأنّهنّ أم الكتاب الّذي فيه عماد الدّين والفرائض والحدود وسائر ما يحتاج‬
‫الخلق إليه من أمر دينهم ودنياهم ‪ ,‬وما كلّفوا به من الفرائض في عاجلهم وآجلهم ‪,‬‬
‫ن أمّ الكتاب ‪ ,‬لنّهنّ معظم الكتاب ‪ ,‬وموضع مفزع أهله عند الحاجة إليه ‪ ,‬والعرب‬
‫وسمّاه ّ‬
‫تسمّي جامع معظم الشّيء ‪ :‬أمّه ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ‪ :‬ر ‪ :‬الملحق الصولي ‪.‬‬

‫ُمحَكّم *‬
‫انظر ‪ :‬تحكيم ‪.‬‬
‫محكوم عليه *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المحكوم في اللغة ‪ :‬اسم مفعولٍ من الحكم وهو القضاء ‪ ,‬وأصله المنع يقال ‪ :‬حكمت‬ ‫‪1‬‬

‫عليه بكذا ‪ :‬إذا منعته من خلفه فلم يقدر على الخروج من ذلك ‪ ,‬وحكمت بين القوم ‪:‬‬
‫فصلت بينهم فأنا حاكم وحكم ‪.‬‬
‫ي المحكوم عليه هو الّذي يقضى عليه لغيره ‪ .‬وفي اصطلح‬
‫وفي الصطلح الفقه ّ‬
‫الصوليّين هو المكلّف ‪ :‬وهو من تعلّق بفعله خطاب اللّه تعالى بالقتضاء أو التّخيير ‪.‬‬
‫الحكام الفقهيّة المتعلّقة بالمحكوم عليه ‪:‬‬
‫تتعلّق بالمحكوم عليه أحكام فقهيّة منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬لزوم إصدار القاضي الحكم على المحكوم عليه ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا قامت الحجّة وتوفّرت أسباب الحكم لزم القاضي إصدار الحكم على المحكوم عليه إذا‬ ‫‪2‬‬

‫طلب المحكوم له ذلك ‪.‬‬


‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪75‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬قضاء ف‬
‫ب ‪ -‬طلب المحكوم عليه فسخ الحكم ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل عند الفقهاء ‪ :‬أن ل يتتبّع أحكام القضاة ‪ ,‬ول يمكّن العامّة من خصومة قضاتهم‬ ‫‪3‬‬

‫لقضية حكموا بها ‪ ,‬ول تسمع عليهم دعواهم في هذا الموضوع ‪ ,‬لنّ في ذلك امتهانا‬
‫لمنصب القضاء ‪ ,‬وإهانةً للقضاة واتّهاما لنزاهتهم ‪ ,‬ولنّه يؤدّي إلى رغبة العلماء عن‬
‫ن الظّاهر صحّة أحكامهم وكونها صوابا ‪ ,‬لنّه ل يولّى إل من هو أهل للولية‬
‫القضاء ‪ ,‬ول ّ‬
‫‪ ,‬وتتبع أحكام القضاة تشكيك في نزاهتهم ‪ ,‬واتّهام لهم في عدالتهم ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ‪ ( :‬نقض ) ‪.‬‬
‫الحكام الصوليّة المتعلّقة بالمحكوم عليه ‪:‬‬
‫‪ -‬للمحكوم عليه ‪ -‬وهو المكلّف عند الصوليّين ‪ -‬شروط منها ‪:‬‬ ‫‪4‬‬

‫أحدها ‪ :‬الحياة ‪ ,‬فالميّت ل يكلّف ‪ ,‬ولهذا لو وصل عظمه بنجس لم ينزع على الصّحيح ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬كونه من الثّقلين ‪ :‬النس والجنّ والملئكة ‪.‬‬
‫ي ل يعقل ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬العقل ‪ ,‬فل تكليف لمجنون ول صب ّ‬
‫والتّفصيل في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫حلّ *‬
‫مَ َ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المحَل في اللغة ‪ - :‬بفتح الحاء ‪ -‬مصدر ميمي ‪ ,‬وهو المكان الّذي يحل فيه ‪ ,‬ومنه‬ ‫‪1‬‬

‫محل العراب في النّحو وهو ما يستحقه اللّفظ الواقع فيه من العراب لو كان معربا ‪.‬‬
‫والمحِل ‪ -‬بكسر الحاء ‪ -‬المكان الّذي يحل فيه ‪ ,‬والجل ‪ ,‬فمحل الدّين أجله ‪ ,‬ومحل الهدي‬
‫يوم النّحر ‪.‬‬
‫وقال الزّمخشريّ ‪ :‬في قوله تعالى ‪ُ { :‬ثمّ َمحِّلهَا إِلَى الْبَيْتِ ا ْلعَتِيقِ } أي وجوب نحرها ‪ ,‬أو‬
‫وقت وجوب نحرها في الحرم منتهيةً إلى البيت ‪.‬‬
‫والمحلّة ‪ :‬المكان ينزله القوم ‪.‬‬
‫ن المحلّ ‪ -‬بكسر الحاء ‪ -‬هو الوقت والجل ‪ ,‬وبفتح الحاء‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬يذكر الفقهاء أ ّ‬
‫الموضع والمكان ‪ ,‬كما يطلق على الشّيء الّذي يقع عليه التّصرف ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالمحلّ من أحكامٍ ‪:‬‬
‫أول ‪ :‬المحل بمعنى الموضع والمكان ‪:‬‬
‫يأتي المحل بهذا المعنى في عدّة مواضع منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬تطهير محلّ النّجاسة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء فيما يحصل به طهارة محلّ النّجاسة ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫فذهب الحنفيّة إلى التّفريق بين النّجاسة المرئيّة وغير المرئيّة ‪ ,‬فإذا كانت مرئ ّي ًة طهر‬
‫المحل المتنجّس بها بزوال عينها ‪ ,‬وإذا كانت غير مرئ ّي ٍة طهر المحل بغسلها ثلثا وجوبا‬
‫مع العصر كلّ مرّ ٍة ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ مح ّل النّجاسة يطهر بغسله من غير تحديد عددٍ مع زوال طعم‬
‫النّجاسة ولو عسر ‪ ,‬وزوال اللّون والرّيح إن تيسّر ‪.‬‬
‫وفرّق الشّافعيّة بين أن تكون النّجاسة عينا أو ليست بعين ‪.‬‬
‫فإن كانت النّجاسة عينا وجب بعد زوال عينها إزالة الطّعم ‪ ,‬فإن عسر زواله بحتّ أو‬
‫قرصٍ ثلث مرّاتٍ عفي عنه ما دام العسر ‪ ,‬ويجب إزالته إذا قدر ‪ ,‬ول يضر بقاء اللّون أو‬
‫الرّيح إن تعسّر زوالهما ‪.‬‬
‫ت منقيةٍ ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه تطهر المتنجّسات بسبع غسل ٍ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬طهارة ف‬
‫ب ‪ -‬في الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل أنّه يجب غسل أو مسح محلّ الفرض في الوضوء ‪ ,‬كما يسن غسل أو مسح ما‬ ‫‪2‬‬

‫هو سنّة ‪ ,‬وهذا أصل متّفق عليه ‪.‬‬


‫وقد اختلف الفقهاء فيما يشمله محل الفرض أو السنّة ‪:‬‬
‫ويسن عند جمهور الفقهاء الزّيادة على محلّ الفرض في الوضوء في اليدين والرّجلين لقول‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ أمّتي يأتون يوم القيامة غرا محجّلين من أثر الوضوء ‪,‬‬
‫فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل » ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يكره الزّيادة على محلّ الفرض لنّه من الغلوّ في الدّين ‪.‬‬
‫وتفصيل أحكام محلّ الوضوء ينظر في مصطلح ‪ ( :‬وضوء ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬النّظر إلى محلّ السجود في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يسن للمصلّي أن ينظر إلى موضع سجوده في جميع‬ ‫‪4‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم‬


‫صلته لقول أبي هريرة رضي ال تعالى عنه ‪ :‬كان أصحاب النّب ّ‬
‫يرفعون أبصارهم إلى السّماء في الصّلة ‪ ,‬فلمّا أنزل اللّه تعالى ‪ { :‬الّذِينَ ُهمْ فِي صَل ِت ِهمْ‬
‫ن جمع النّظر في موض ٍع أقرب إلى‬
‫شعُونَ } رمقوا بأبصارهم إلى موضع سجودهم ‪ ,‬ل ّ‬
‫خَا ِ‬
‫الخشوع ‪ ,‬وموضع سجودهم أشرف وأسهل ‪.‬‬
‫قال أحمد في رواية حنبلٍ ‪ :‬الخشوع في الصّلة أن يجعل نظره إلى موضع سجوده ‪ ,‬وروي‬
‫ذلك عن مسلمة بن يسارٍ وقتادة ‪.‬‬
‫قال الشّافعيّة ‪ :‬وهذا في غير صلة الجنازة ‪ ,‬أمّا في صلة الجنازة فإنّه ينظر إليها ‪.‬‬
‫واستثنى الشّافعيّة من النّظر إلى موضع السجود في الصّلة حالة التّشهد ‪ ,‬فإنّ السنّة إذا‬
‫رفع مسبّحته أن ل يجاوز بصره إشارته ‪.‬‬
‫قال الخطيب الشّربيني ‪ :‬وعن جماع ٍة أنّ المصلّي في المسجد الحرام ينظر إلى الكعبة ‪ ,‬لكن‬
‫ن استحباب نظره إلى الكعبة في الصّلة وجه‬
‫ي أنّه كغيره ‪ ,‬وقال السنوي ‪ :‬إ ّ‬
‫صوّب البلقين ّ‬
‫ضعيف ‪.‬‬
‫ن المصلّي ينظر في القيام إلى موضع سجوده ‪ ,‬وفي الركوع إلى‬
‫وجزم البغويّ والمتولّي بأ ّ‬
‫ظهر قدميه ‪ ,‬وفي السجود إلى أنفه ‪ ,‬وفي القعود إلى حجره ‪ ,‬لنّ امتداد البصر يلهي فإذا‬
‫قصّر كان أولى ‪.‬‬
‫وقد روي عن بعض الصّحابة أنّه قال ‪ « :‬قلت يا رسول اللّه ‪ :‬أين أجعل بصري في‬
‫الصّلة ؟ قال ‪ :‬موضع سجودك ‪ ,‬قال ‪ :‬قلت يا رسول اللّه ‪ ,‬إنّ ذلك لشديد ‪ ,‬ل أستطيع ؟‬
‫قال ‪ :‬ففي المكتوبة إذا » ‪.‬‬
‫واستثنى الحنابلة من النّظر إلى موضع السجود ما إذا كان المصلّي في صلة خوفٍ ونحوه‬
‫‪ ,‬كخائف ضياع مالٍ ونحوه ‪ ,‬فينظر إلى جهة العدوّ وإلى جهة ماله لحاجته إلى ذلك دفعا‬
‫للضّرر ‪.‬‬
‫وعدّ الحنفيّة النّظر إلى موضع السجود وغيره من الداب ‪ ,‬جاء في الدرّ المختار ‪ :‬من آداب‬
‫الصّلة نظر المصلّي إلى موضع سجوده حال قيامه ‪ ,‬وإلى ظهر قدميه حال ركوعه ‪ ,‬وإلى‬
‫أرنبة أنفه حال سجوده ‪ ,‬وإلى حجره حال قعوده ‪ ,‬وإلى منكبه اليمن عند التّسليمة الولى ‪,‬‬
‫وإلى منكبه اليسر عند التّسليمة الثّانية وذلك لتحصيل الخشوع ‪.‬‬
‫قال ابن عابدين ‪ :‬إذا كان في هذه المواضع ما ينافي الخشوع فإنّه يعدل إلى ما يحصل فيه‬
‫ن المنقول في ظاهر الرّواية أن يكون منتهى بصره في‬
‫الخشوع ‪ ,‬ثمّ نبّه ابن عابدين إلى أ ّ‬
‫صلته إلى محلّ سجوده ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة على ما جاء في منح الجليل والخرشيّ ‪ :‬يكره النّظر إلى موضع سجوده‬
‫لتأديته لنحنائه برأسه وإنّما يجعل بصره أمامه ‪ ,‬قال ابن رشدٍ ‪ :‬الّذي ذهب إليه مالك أن‬
‫يكون بصر المصلّي أمام قبلته من غير أن يلتفت إلى شي ٍء أو ينكس رأسه ‪ ,‬وهو إذا فعل‬
‫ي صلى ال عليه وسلم‬
‫ذلك خشع بصره ووقع في موضع سجوده على ما جاء عن النّب ّ‬
‫وليس بضيّق عليه أن يلحظ بصره الشّيء من غير التفاتٍ إليه ‪ ,‬فقد جاء ذلك عن النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وقال ابن العربيّ ‪ :‬قال مالك ‪ :‬ينظر أمامه فإنّه إذا أحنى رأسه ذهب بعض القيام المفروض‬
‫عليه في الرّأس وهو أشرف العضاء ‪ ,‬وإن أقام رأسه وتكلّف النّظر ببعض بصره إلى‬
‫الرض فتلك مشقّة عظيمة وحرج ‪ ,‬وإنّما أمرنا أن نستقبل جهة الكعبة ‪ ,‬وإنّما المنهي عنه‬
‫أن يرفع المصلّي رأسه إلى السّماء لنّه إعراض عن الجهة الّتي أمر بالنّظر إليها ‪ ,‬لما‬
‫ورد عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السّماء‬
‫في الصّلة أو ل ترجع إليهم » ‪.‬‬
‫لكن بعض فقهاء المالكيّة جعل نظر المصلّي إلى موضع سجوده من المستحبّات ‪.‬‬
‫د ‪ -‬اشتراط المحرم التّحلل في محلّ الحصار ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في مشروعيّة الشتراط في الحرام ‪ ,‬وهو أن يقول المحرم عند‬ ‫‪5‬‬

‫الحرام ‪ :‬إنّي أريد الحجّ أو العمرة ‪ ,‬فإن حبسني حابس فمحلّي حيث حبستني ‪.‬‬
‫ع ‪ ,‬ول أثر له في إباحة‬
‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ الشتراط في الحرام غير مشرو ٍ‬
‫التّحلل ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى مشروعيّة الشتراط في الحرام وأنّ له أثرا في التّحلل ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪45‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬إحصار ف‬
‫هـ ‪ -‬في الوديعة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال المالكيّة ‪ :‬يضمن المودَع الوديعة إن سافر وأودعها لغير زوجةٍ ‪ ,‬إل إذا كان يخشى‬ ‫‪5‬‬

‫ضياعها ببقائها في محلّها كانهدام الدّار ومجاورة من يخشى شرّه ‪ ,‬ول تضمن إن سافر‬
‫بالوديعة وردّها لمح ّل إيداعها ثمّ تلفت ‪.‬‬
‫ويجوز للمودع أخذ أجرة المحلّ الّذي تحفظ فيه ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬وديعة ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬المحل بمعنى الجل والزّمان ‪:‬‬
‫يأتي المحل بهذا المعنى في عدّة مواضع منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬في السّلم ‪:‬‬
‫‪ -‬من شروط السّلم أن يكون الجل فيه معلوما والمسلم فيه مقدور التّسليم عند الجل ‪,‬‬ ‫‪7‬‬

‫وقد عبّر بعض الفقهاء ‪ -‬كالشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬عن أجل التّسليم ووقت حلوله بالمحلّ ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪23‬‬ ‫والتّفصيل في ‪ ( :‬سلم ف‬
‫بـ ‪ -‬في الشفعة ‪:‬‬
‫جلٍ إلى أجلٍ‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة في الظهر الجديد إلى أنّه لو بيعت دار بثمن مؤ ّ‬ ‫‪8‬‬

‫معلومٍ فإنّه ل يحق للشّفيع أن يأخذ في الحال بالثّمن المؤجّل ‪ ,‬وإنّما هو مخيّر بأن يعجّل‬
‫الثّمن للمشتري ويأخذ المشفوع فيه في الحال ‪ ,‬أو يصبر إلى المح ّل ‪ -‬وهو وقت الحلول ‪-‬‬
‫ن الشّفيع إنّما‬
‫ويأخذ عند ذلك ‪ ,‬وليس له أن يأخذها في الحال بثمن مؤجّلٍ ‪ ,‬قال الحنفيّة ‪ :‬ل ّ‬
‫يأخذ بما وجب بالبيع ‪ ,‬والجل لم يجب بالبيع ‪ ,‬وإنّما وجب بالشّرط ‪ ,‬والشّرط لم يوجد في‬
‫حقّ الشّفيع ‪ ,‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو جوّزنا له الخذ في الحال بالثّمن المؤجّل لضررنا‬
‫بالمشتري لنّ الذّمم تختلف ‪ ,‬وإن ألزمناه الخذ في الحال بنظيره من الحال أضررنا‬
‫ن الجل يقابله قسط من الثّمن ‪ ,‬فكان ذلك دافعا للضّررين وجامعا للحقّين ‪.‬‬
‫بالشّفيع ‪ ,‬ل ّ‬
‫جلٍ ‪ :‬أنّه يجب على الشّفيع أن يطلب الشفعة‬
‫وروي عن أبي يوسف في شراء الدّار بثمن مؤ ّ‬
‫عند علمه بالبيع ‪ ,‬فإن سكت إلى محلّ الجل فذلك تسليم منه ‪ ,‬ثمّ رجع وقال ‪ :‬إذا طلب عند‬
‫حلّ الجل فله الشفعة ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والحنابلة وزفر من الحنفيّة إلى أنّه إن كان الثّمن عن الشّقص المشفوع‬
‫مؤجّلً إلى أجلٍ معلومٍ فللشّفيع أن يأخذه بالجل إن كان مليئا ‪ ,‬فإن كان معسرا أقام كفيلً‬
‫ن الشّفيع يستحق الخذ بقدر الثّمن وصفته والتّأجيل من‬
‫مليئا وأخذه بالثّمن المؤجّل ‪ ,‬ل ّ‬
‫صفته ‪.‬‬
‫قال المالكيّة ‪ :‬فإن لم يكن الشّفيع موسرا ول ضمنه مليء فإنّه ل شفعة له ‪ ,‬إل أن يعجّل‬
‫ي إل إذا كان الشّفيع مثل المشتري في العدم ‪ ,‬فإنّه يأخذ بالشفعة‬
‫الثّمن على ما اختاره اللّخم ّ‬
‫إلى ذلك الجل ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ‪ :‬إذا كان الثّمن مؤجّلً ورضي المشتري بدفع الشّقص وتأجيل الثّمن إلى‬
‫محلّه وأبى الشّفيع إل الصّبر إلى المحلّ بطلت الشفعة على الصحّ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬في الرّهن ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الشّافعيّة ‪ :‬لو شرط المرتهن كون المرهون مبيعا له عند حلول الدّين فسد الرّهن‬ ‫‪9‬‬

‫لتأقيته وفسد البيع لتعليقه ‪ ,‬والمرهون في هذه الصورة قبل المحلّ ‪ -‬أي وقت الحلول ‪-‬‬
‫أمانة ‪ ,‬لنّه مقبوض بحكم الرّهن الفاسد ‪ ,‬وبعده مضمون بحكم الشّراء الفاسد ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬ل يصح البيع إن رهن شيئا واتّفق مع المرتهن أنّه إن جاءه بحقّه في محلّه‬
‫‪ -‬أي حلول أجله ‪ -‬وإل فالرّهن للمرتهن لحديث ‪ « :‬ل يغلق الرّهن من صاحبه ‪. » . . .‬‬
‫ط‪.‬‬
‫ولنّه بيع معلّق على شر ٍ‬
‫ثالثا ‪ :‬المحل بمعنى الشّيء الّذي يقع عليه التّصرف ‪:‬‬
‫‪ -‬محل العقد ما يقع عليه العقد وتظهر فيه أحكامه وآثاره ويختلف باختلف العقود فقد‬ ‫‪10‬‬

‫يكون المحل عينا مال ّيةً كالمبيع والموهوب والمرهون ‪ ,‬وقد يكون المحل عملً كعمل الجير‬
‫والزّارع والوكيل ‪ ,‬وقد يكون منفعةً كمنفعة المأجور والمستعار ‪ ,‬وقد يكون غير ذلك كما‬
‫في النّكاح والكفالة ونحوها ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪42‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪33‬‬ ‫وللمحلّ شروط مختلفة تفصيلها في مصطلح ‪ ( :‬عقد ف‬
‫أثر فوات المحلّ ‪:‬‬
‫‪ -‬يترتّب على فوات محلّ التّصرف بطلنه أو الضّمان ‪ ,‬ولذلك فروع وأحوال مختلفة‬ ‫‪11‬‬

‫وما‬ ‫‪19‬‬ ‫‪ ،‬وضمان ف‬ ‫‪17‬‬ ‫‪ ،‬وفسخ ف‬ ‫‪60‬‬ ‫‪ ،‬وعقد ف‬ ‫‪59‬‬ ‫تفصيلها في مصطلحات ‪ ( :‬بيع ف‬
‫بعدها ) ‪.‬‬

‫مُحَلّل *‬
‫انظر ‪ :‬تحليل ‪.‬‬

‫مُحيط *‬
‫انظر ‪ :‬إحرام ‪.‬‬

‫مُحيل *‬
‫انظر ‪ :‬حوالة ‪.‬‬

‫حيّرة *‬
‫مُ َ‬
‫انظر ‪ :‬متحيّرة ‪.‬‬

‫مُخَابَرة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني المخابرة في اللغة ‪ :‬المزارعة على بعض ما يخرج من الرض ‪ ,‬من خبرت‬ ‫‪1‬‬

‫الرض ‪ :‬شققتها للزّراعة فقط ‪.‬‬


‫وفي الصطلح عرّفها الحنفيّة بأنّها ‪ :‬عقد على الزّرع ببعض الخارج ‪.‬‬
‫ض وحبّ لمن يزرعه ويقوم عليه ‪ ,‬أو دفع‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬هي المزارعة ‪ ,‬وهي دفع أر ٍ‬
‫حبّ مزروعٍ لمن يعمل عليه بجزء مشاعٍ معلومٍ من المتحصّل ‪.‬‬
‫ض ببعض ما يخرج منها ‪ ,‬والبذر من العامل ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬هي المعاملة على أر ٍ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫المساقاة ‪:‬‬
‫‪ -‬المساقاة هي دفع شج ٍر إلى من يصلحه بجزء معلومٍ من ثمره والصّلة ‪ :‬أنّ المخابرة‬ ‫‪2‬‬

‫تكون على العمل على الزّرع وتعهده ببعض الخارج ‪ ,‬والمساقاة تكون على شجرٍ مثمرٍ‬
‫ببعض الخارج ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمخابرة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في مشروعيّة المخابرة ‪:‬‬ ‫‪3‬‬

‫فذهب الجمهور إلى أنّها جائزة بشروط ذكروها في المزارعة ‪ ,‬لنّ المخابرة والمزارعة‬
‫عندهم بمعنى واحدٍ ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّها ل تصح ‪ ,‬واستدلوا ‪ :‬بحديث ‪ « :‬نهى النّبي صلى ال عليه وسلم عن‬
‫المخابرة » ‪.‬‬
‫وحديث ‪ « :‬من كانت له أرض فليزرعها ‪ ,‬فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه ‪ ,‬فإن لم يمنحها‬
‫أخاه فليمسكها » ‪.‬‬
‫والتّفصيل وأدلّة الفقهاء فيما ذهبوا إليه في مصطلح ‪ ( :‬مزارعة ) ‪.‬‬

‫مُخَا َدعَة *‬
‫انظر ‪ :‬خدعة ‪.‬‬
‫حيَل *‬
‫مَخَارج ال ِ‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬مخارج الحيل مركّب إضافي من مخارج وحيلٍ ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫ج وهو موضع الخروج ويقال ‪ :‬وجدت للمر مخرجا‬


‫فالمخارج في اللغة ‪ :‬جمع مخر ٍ‬
‫مخلصا ‪ ،‬وفلن يعرف موالج المور ومخارجها أي ‪ :‬متصرّف خبير بالشياء ‪.‬‬
‫والمخارج في استعمالت الفقهاء ‪ :‬هي الحيل المباحة والعمل بها لنّها مخارج بالنّسبة لمن‬
‫حلّت به نازلة وضيّق عليه في أمرٍ من المور ‪.‬‬
‫جعَل ّل ُه َمخْرَجا } قال غير واحدٍ من المفسّرين ‪ :‬مخرجا ممّا‬
‫ق الّلهَ َي ْ‬
‫قال تعالى ‪َ { :‬ومَن يَتّ ِ‬
‫ضاق على النّاس ‪.‬‬
‫ن الحيل مخارج ممّا ضاق على النّاس فالحالف يضيق عليه إلزام ما حلف عليه‬
‫ول ريب أ ّ‬
‫فيكون له بالحيلة مخرج منه والرّجل تشتد به الضّرورة إلى نفقةٍ ول يجد من يقرضه فيكون‬
‫له من هذا الضّيق مخرج بالعينة والتّورق ونحوهما ‪.‬‬
‫والحيلة لغةً ‪ :‬الحذق في تدبير المور ‪.‬‬
‫وفي الصطلح قال النّسفيّ ‪ :‬ما يتلطّف به لدفع المكروه ‪.‬‬
‫وقال ابن القيّم ‪ :‬غلب عليها بالعرف استعمالها في سلوك الطرق الخفيّة الّتي يتوصّل بها‬
‫الرّجل إلى حصول غرضه بحيث ل يتفطّن له إل بنوع من الذّكاء والفطنة وسواء كان‬
‫المقصود أمرا جائزا أو محرّما ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الرخصة ‪:‬‬
‫‪ -‬الرخصة في اللغة ‪ :‬التّسهيل في المر والتّيسير ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬ما وسّع للمكلّف في فعله لعذر وعج ٍز عنه مع قيام سبب المحرّم ‪.‬‬
‫وقال ابن عابدين ‪ :‬الرخصة ما بني على أعذار العباد ويقابلها العزيمة ‪.‬‬
‫وتشترك الرخصة مع مخارج الحيل في التّيسير في كلّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّيسير ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني التّيسير ‪ :‬التّسهيل والتّهيئة ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬


‫ن المخارج سبب في التّيسير ‪.‬‬
‫والعلقة بين مخارج الحيل والتّيسير أ ّ‬
‫الحكم التّكليفي ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في جواز الحيل ‪:‬‬ ‫‪4‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ -‬كما قال السّرخسيّ ‪ -‬إنّ الحيل في الحكام المخرجّة عن الثام جائز عند‬
‫ضغْثا فَاضْرِب ّب ِه وََل َتحْنَثْ } ‪ ,‬ووجه‬
‫جمهور العلماء واستدلّ بقوله تعالى ‪َ { :‬وخُذْ بِيَ ِدكَ ِ‬
‫ن هذا تعليم المخرج ليوب عليه السلم عن يمينه الّتي حلف ليضربن زوجته‬
‫الستدلل أ ّ‬
‫مائةً ‪.‬‬
‫وبما روي أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال يوم الحزاب لنعيم بن مسعودٍ رضي ال‬
‫عنه وقد أسلم ‪ « :‬إنّما أنت فينا رجل واحد فخذّل عنّا إن استطعت فإنّما الحرب خدعة » ‪.‬‬
‫ن ما يتخلّص به الرّجل من الحرام أو يتوصّل به إلى الحلل من الحيل‬
‫وقال ‪ :‬والحاصل أ ّ‬
‫ق شخصٍ حتّى يبطله أو في باطلٍ حتّى يموّهه‬
‫فهو حسن وإنّما يكره من ذلك أن يحتال في ح ّ‬
‫أو في حقّ حتّى يدخل فيه شبهةً فما كان على هذا السّبيل فهو مكروه وما كان على سبيل‬
‫ن اللّه تعالى قال ‪ { :‬وَ َتعَاوَنُواْ عَلَى الْب ّر وَال ّت ْقوَى َو َل َتعَاوَنُواْ عَلَى الِ ْثمِ‬
‫الوّل فل بأس به ل ّ‬
‫وَالْعُ ْدوَانِ } ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ -‬كما قال الشّاطبيّ ‪ -‬الحقيقة المشهورة للحيل أنّها ‪ :‬تقديم عملٍ ظاهر‬
‫ي وتحويله في الظّاهر إلى حكمٍ آخر ‪ ،‬فمآل العمل فيها خرم قواعد‬
‫الجواز لبطال حكمٍ شرع ّ‬
‫ن أصل الهبة على‬
‫الشّريعة في الواقع ‪ ،‬كالواهب ماله عند رأس الحول فرارا من الزّكاة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الجواز ‪ ،‬ولو منع الزّكاة من غير هبةٍ لكان ممنوعا فإنّ كلّ واحدٍ منهما ظاهر أمره في‬
‫المصلحة أو المفسدة ‪ ،‬فإذا جمع بينهما على هذا القصد صار مآل الهبة المنع من أداء‬
‫الزّكاة وهو مفسدة ‪ ،‬ولكن هذا بشرط القصد إلى إبطال الحكام الشّرعيّة والحيل في الدّين‬
‫‪ -‬بمعنى قلب الحكام الثّابتة شرعا إلى أحكامٍ أخر بفعل صحيح الظّاهر لغو في الباطن ‪-‬‬
‫غير مشروع ٍة في الجملة ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬ومرجع المر في الحيل أنّها على ثلثة أقسامٍ ‪:‬‬
‫وقال الشّاطب ّ‬
‫أحدها ‪ :‬ل خلف في بطلنه كحيل المنافقين والمرائين ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬ل خلف في جوازه كالنطق بكلمة الكفر إكراها عليها لنّه مأذون فيه لكونه‬
‫مصلحةً دنيو ّيةً ل مفسدة فيها بإطلق ل في الدنيا ول في الخرة ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬وهو محل الشكال والغموض ‪ :‬وهو ما لم يتبيّن فيه بدليل واضحٍ قطعيّ لحاقه‬
‫بالقسم الوّل أو الثّاني ‪ ،‬ول تبيّن فيه للشّارع مقصد يتّفق على أنّه مقصود له ‪ ،‬ول ظهر‬
‫أنّه على خلف المصلحة الّتي وضعت لها الشّريعة بحسب المسألة المفروضة فيه ‪ ،‬فصار‬
‫هذا القسم من هذا الوجه متنازعا فيه ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة قال ابن حجرٍ ‪ :‬الحيل عند العلماء على أقسامٍ بحسب الحامل عليها ‪ ،‬فإن‬
‫توصّل بها بطريق مباحٍ إلى إبطال حقّ أو إثبات باطلٍ فهي حرام ‪ ،‬أو إلى إثبات حقّ أو دفع‬
‫ع في مكروهٍ‬
‫ح إلى سلمةٍ من وقو ٍ‬
‫باطلٍ فهي واجبة أو مستحبّة ‪ ،‬وإن توصّل بها بطريق مبا ٍ‬
‫فهي مستحبّة أو مباحة ‪ ،‬أو إلى ترك مندوبٍ فهي مكروهة ‪ ،‬ونقل ابن حجرٍ عن الشّافعيّ‬
‫ص على كراهة تعاطي الحيل في تفويت الحقوق فقال بعض أصحابه هي كراهة تنزيهٍ ‪،‬‬
‫أنّه ن ّ‬
‫وقال كثير من محقّقيهم كالغزاليّ ‪ :‬هي كراهة تحريمٍ ويأثم بقصده ‪ ،‬ويدل عليه قوله صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬وإنّما لك ّل امرئ ما نوى » فمن نوى بعقد البيع الرّبا وقع في الرّبا ول‬
‫يخلّصه من الثم صورة البيع ‪ ،‬ومن نوى بعقد النّكاح التّحليل كان محلّلً ودخل في الوعيد‬
‫على ذلك باللّعن ‪ ,‬ول يخلّصه من ذلك صورة النّكاح وكل شي ٍء قصد به تحريم ما أحلّ اللّه‬
‫أو تحليل ما حرّم اللّه كان إثما ‪ ،‬ول فرق في حصول الثم في التّحليل على الفعل المحرّم‬
‫بين الفعل الموضوع له ‪ ,‬والفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعةً له ‪.‬‬
‫وعند الحنابلة ‪ :‬قال ابن القيّم ‪ :‬تجويز الحيل يناقض سدّ الذّرائع مناقضةً ظاهرةً فإنّ الشّارع‬
‫يسد الطّريق إلى المفاسد بكلّ ممكنٍ ‪ ،‬والمحتال يفتح الطّريق إليها بحيلة ‪ ،‬والحيل المحرّمة‬
‫مخادعة للّه ‪ ،‬ومخادعة اللّه حرام ‪ ،‬فحقيق بمن اتّقى اللّه وخاف نكاله أن يحذر استحلل‬
‫محارم اللّه بأنواع المكر والحتيال ‪ ،‬ويدل على تحريم الحيل الحديث الصّحيح وهو قوله‬
‫صلّى اللّه عليه وسلّم ‪ « :‬ل يجمع بين متفرّقٍ ول يفرّق بين مجتم ٍع خشية الصّدقة » وهذا‬
‫نص في تحريم الحيلة المفضية إلى إسقاط الزّكاة أو تنقيصها بسبب الجمع أو التّفريق ‪،‬‬
‫ن أصحاب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أجمعوا على تحريم‬
‫وممّا يدل على التّحريم ‪ :‬أ ّ‬
‫هذه الحيل وإبطالها وإجماعهم حجّة قاطعة ‪.‬‬
‫وممّا يدل على بطلن الحيل وتحريمها ‪ :‬أنّ اللّه تعالى إنّما أوجب الواجبات وحرّم المحرّمات‬
‫لما تتضمّن من مصالح عباده ومعاشهم ومعادهم ‪ ،‬فإذا احتال العبد على تحليل ما حرّم اللّه‬
‫وإسقاط ما فرض اللّه وتعطيل ما شرع اللّه كان ساعيا في دين اللّه تعالى بالفساد ‪ ،‬وأكثر‬
‫هذه الحيل ل تمشي على أصول الئمّة بل تناقضها أعظم مناقض ٍة ‪.‬‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬ل يحل الحتيال لسقاط الشفعة وإن فعل لم تسقط ‪.‬‬
‫قال أحمد في رواية إسماعيل بن سعيدٍ وقد سألته عن الحيلة في إبطال الشفعة ‪ :‬ل يجوز‬
‫شيء من الحيل في ذلك ول في إبطال حقّ مسلمٍ ‪.‬‬
‫مخارج الحيل في التّصرفات الشّرعيّة ‪:‬‬
‫تدخل الحيل في العديد من أبواب الفقه من ذلك ما يأتي ‪:‬‬
‫الحيلة في المسح على الخفّين ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه يشترط لجواز المسح على الخفّين لبسهما على طهارةٍ‬ ‫‪5‬‬

‫ئ أحد الخفّين قبل غسل الرّجل الخرى ثمّ غسل‬


‫كاملةٍ ‪ ،‬واختلفوا فيما لو لبس المتوضّ ُ‬
‫الخرى ولبس عليها الخفّ ‪:‬‬
‫فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ل يجوز المسح لنّه لم يلبس على كمال الطّهارة‬
‫والحيلة في جواز المسح عند الحنابلة كما صرّح به ابن القيّم ‪ :‬أن يخلع هذه الفردة الثّانية‬
‫ثمّ يلبسها ‪.‬‬
‫الحيلة في الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬من الحيل في الصّلة عند الحنفيّة ما صرّح به ابن نجيمٍ ‪ :‬بأنّه إذا صلّى الظهر منفردا‬ ‫‪6‬‬

‫أربعا فأقيمت الجماعة في المسجد فالحيلة أن ل يجلس على رأس الرّابعة حتّى تنقلب هذه‬
‫ل ويصلّي مع المام ‪.‬‬
‫الصّلة نف ً‬
‫قال الحمويّ ‪ :‬وإذا انقلبت هذه الصّلة نفلً يضمّ إليها ركعةً أخرى لئل يلزم التّنفل بالبتراء ‪.‬‬
‫الحيلة في قراءة الحائض ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنابلة ‪ :‬ل يحرم على الجنب قراءة بعض آيةٍ ما لم تكن طويل ًة ولو كرّره ‪ ،‬لنه‬ ‫‪7‬‬

‫ل إعجاز فيه ‪ ،‬ما لم يتحيّل على قراءةٍ تحرم عليه كقراءة آيةٍ فأكثر ‪ ،‬لنّ الحيل غير جائزةٍ‬
‫في شي ٍء من أمور الدّين ‪.‬‬
‫الحيلة في قراءة آية السّجدة ‪:‬‬
‫‪ -‬من الحيل عند الحنفيّة في قراءة آية السّجدة أن يقرأ سورة السّجدة ‪ ,‬ويدع آيتها أو‬ ‫‪8‬‬

‫يقرأها سرا بحيث ل يسمع نفسه لنّ المعتبر إسماع نفسه ل مجرّد تصحيح الحروف على‬
‫المشهور ‪.‬‬
‫واختلفوا في حكم هذه الحيلة ‪ :‬فيرى أبو يوسف بأنّها ل تكره ‪ ،‬وقال محمّد ‪ :‬تكره ‪ ،‬وعليه‬
‫الفتوى ‪.‬‬
‫الحيلة في الزّكاة ‪:‬‬
‫الكلم على الحيل في الزّكاة في موضعين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬في سقوط الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في التّحيل على إسقاط الزّكاة بإبدال النّصاب بغير جنسه قبل نهاية‬ ‫‪9‬‬

‫الحول ‪:‬‬
‫ن النّصاب نقص قبل تمام حوله ‪ ،‬فلم تجب فيه‬
‫فذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى سقوط الزّكاة ل ّ‬
‫كما لو أتلفه لحاجته ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة والحنابلة والوزاعي وإسحاق وأبو عبيدٍ إلى تحريم التّحيل لسقاط الزّكاة ‪،‬‬
‫وأنّه ل تسقط عنه الزّكاة سواء كان المبدّل ماشي ًة أو غيرها من النصب ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪114‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬زكاة ف‬
‫ب ‪ -‬في مصرف الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه ل يجوز دفع الزّكاة إلى أصله وإن عل ول إلى فرعه وإن سفل‬ ‫‪10‬‬

‫وإن كانا معسرين ‪ ،‬والحيلة عند الحنفيّة في جواز ذلك مع الكراهة أن يتصدّق بها على‬
‫الفقير ثمّ يصرفها الفقير إليهما ‪.‬‬
‫وكذلك التّمليك شرط في مصارف الزّكاة ‪ ،‬فل تصرف الزّكاة إلى بناء نحو مسجدٍ كبناء‬
‫القناطر والسّقايات وإصلح الطرقات وكري النهار والحجّ والتّكفين وكلّ ما ل تمليك فيه ‪،‬‬
‫والحيلة في جواز الدّفع لهذه الشياء مع صحّة الزّكاة عند الحنفيّة ‪ :‬أن يتصدّق على الفقير‬
‫ثمّ يأمره بفعل هذه الشياء فيكون له ثواب الزّكاة وللفقير ثواب هذه القرب ‪.‬‬
‫وصرّح الحنفيّة بأنّه ل يجوز في الزّكاة أداء الدّين عن العين ‪ ،‬والمراد بالدّين ما كان ثابتا‬
‫ض ‪ ،‬وأداء الدّين‬
‫في ال ّذمّة من مال الزّكاة ‪ ،‬وبالعين ما كان قائما في ملكه من نقودٍ وعرو ٍ‬
‫عن العين كجعله ما في ذمّة مديونه زكاةً لماله الحاضر ‪.‬‬
‫وكذلك ل يجوز أداء دينٍ عن دينٍ سيقبض ‪ ،‬كما لو أبرأ الفقير عن بعض النّصاب ناويا به‬
‫الداء عن الباقي لنّ الباقي يصير عينا بالقبض فيصير مؤدّيا الدّين عن العين ‪.‬‬
‫وحيلة الجواز عندهم فيما إذا كان له دين على معس ٍر وأراد أن يجعله زكاةً عن عينٍ عنده ‪،‬‬
‫ن له على آخر سيقبضه ‪ :‬أن يعطي مديونه الفقير زكاته ‪ ,‬ثمّ يأخذها عن دينه ‪،‬‬
‫أو عن دي ٍ‬
‫قال في الشباه ‪ :‬وهو أفضل من غيره ‪ ،‬واستدلّ ابن عابدين لهذا بقوله ‪ :‬لنّه يصير وسيلةً‬
‫إلى براءة ذمّة المديون ‪.‬‬
‫وصرّح المالكيّة والحنابلة بأنّه يجوز إل إذا كان حيلةً ‪ ،‬قال الحطّاب ‪ :‬ومحل الجواز إذا لم‬
‫يتو