You are on page 1of 314

‫الموسوعة الفقهية ‪ /‬الجزء التاسع والثلثون‬

‫ملئكة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الملئكة جمع المَلَك بفتحتين ‪ ,‬وهو واحد الملئكة ‪ ,‬قيل ‪ :‬مخفّف من مالك ‪ ,‬قال‬ ‫‪1‬‬

‫الكسائي ‪ :‬أصله مألك بتقديم الهمزة من اللوك وهي الرّسالة ‪ ,‬ثمّ قلبت وقدّمت اللّام وقيل ‪:‬‬
‫أصله الملك بفتح ث ّم سكون ‪ :‬وهو الخذ بقوّة ‪ ,‬وأصل وزنه مفعل فتركت الهمزة لكثرة‬
‫الستعمال وظهرت في الجمع ‪ ,‬وزيدت الهاء إمّا للمبالغة وإمّا لتأنيث الجمع ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬المَلَك جسم لطيف نورانيّ يتشكّل بأشكال مختلفة ‪ ,‬ومسكنها السّماوات ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬النس ‪:‬‬
‫ي وأنسيّ بالتّحريك ‪ ,‬وهم بنو آدم ‪,‬‬
‫‪ -‬النس في اللغة ‪ :‬جماعة النّاس ‪ ,‬والواحد إنس ّ‬ ‫‪2‬‬

‫والنسي يقتضي مخالفة الوحشيّ ‪ ,‬والنّاس يقولون ‪ :‬إنسيّ ووحشيّ ‪.‬‬


‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫ن الملئكة خلقوا من نور ‪ ,‬ول يأكلون ول يشربون ‪,‬‬
‫والفرق بين الملئكة والنس ‪ :‬أ ّ‬
‫ويعبدون اللّه ويطيعونه ‪ ,‬قال اللّه تعالى ‪َ { :‬بلْ عِبَادٌ ّمكْ َرمُونَ } ‪ ,‬وليس كذلك النس ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الجن ‪:‬‬
‫ن ‪ ,‬وكان أهل الجاهليّة‬
‫‪ -‬الجن في اللغة ‪ :‬خلف النس ‪ ,‬والجان ‪ :‬الواحدة من الج ّ‬ ‫‪3‬‬

‫يسمون الملئكة جنا لستتارهم عن العيون ‪ ,‬يقال ‪ :‬جنّ اللّيل ‪ :‬إذا ستر ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫ن كلً منهما له قوّة التّشكل بأشكال مختلفة ‪.‬‬
‫والصّلة بين الملئكة والجنّ أ ّ‬
‫الحكم الجمالي للملئكة ‪:‬‬
‫وردت في الملئكة أحكام منها ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ -‬اليمان بالملئكة ‪:‬‬
‫‪ -‬من أركان العقيدة السلميّة اليمان بالملئكة ‪ ,‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬آمَنَ ال ّرسُولُ ِبمَا‬ ‫‪4‬‬

‫ن أَحَ ٍد مّن‬
‫ق بَيْ َ‬
‫أُن ِزلَ إِلَ ْي ِه مِن رّ ّبهِ وَا ْل ُم ْؤمِنُونَ ُكلّ آ َمنَ بِالّلهِ َومَل ِئكَ ِتهِ َوكُتُ ِبهِ وَ ُرسُ ِلهِ َل ُنفَرّ ُ‬
‫غفْرَانَكَ رَبّنَا َوإِلَيْكَ ا ْلمَصِيرُ } ‪ ,‬وقال اللّه تعالى ‪َ { :‬ومَن َيكْفُرْ‬
‫طعْنَا ُ‬
‫س ِمعْنَا َوَأ َ‬
‫ّرسُ ِل ِه وَقَالُواْ َ‬
‫للً َبعِيدا } ‪.‬‬
‫ض ّل ضَ َ‬
‫بِالّل ِه َومَلَ ِئكَ ِتهِ َوكُتُ ِبهِ وَ ُرسُ ِلهِ وَالْ َي ْومِ الخِرِ َفقَدْ َ‬
‫وفي حديث عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه عندما سأل جبريل عليه السلم عن اليمان ‪,‬‬
‫قال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أن تؤمن باللّه وملئكته وكتبه ورسله واليوم الخر وتؤمن‬
‫بالقدر خيره وشرّه » ‪.‬‬
‫فوجود الملئكة ثابت بالدّليل القطعيّ الّذي ل يمكن أن يلحقه شك ‪ ,‬ومن هنا كان إنكار‬
‫وجودهم كفرا بإجماع المسلمين ‪ ,‬بل ينص على ذلك القرآن الكريم كما دلّت عليه الية‬
‫السّابقة ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬صفاتهم الخلقيّة ‪:‬‬
‫ن الملئكة خلقوا قبل آدم عليه السلم ‪ ,‬قال اللّه تعالى ‪َ { :‬وإِذْ‬
‫‪ -‬أخبرنا ربنا سبحانه أ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫سفِكُ ال ّدمَاء‬
‫جعَلُ فِيهَا مَن ُي ْفسِدُ فِيهَا وَ َي ْ‬
‫علٌ فِي الَرْضِ خَلِي َفةً قَالُواْ أَ َت ْ‬
‫ك لِ ْلمَلَ ِئ َكةِ إِنّي جَا ِ‬
‫قَالَ رَبّ َ‬
‫ك وَ ُنقَدّسُ لَكَ قَا َل إِنّي أَعْ َل ُم مَا َل َتعْ َلمُونَ } ‪.‬‬
‫حمْدِ َ‬
‫وَ َنحْنُ ُنسَ ّبحُ ِب َ‬
‫ن اللّه خلق الملئكة من نور ‪ ,‬فقد ورد عن عائشة‬
‫كما أخبرنا النّبي صلى ال عليه وسلم أ ّ‬
‫رضي ال عنها أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬خُلقت الملئكة من نور ‪ ,‬وخلق‬
‫الجان من مارج من نار ‪ ,‬وخلق آدم ممّا وصف لكم » ‪.‬‬
‫ن الملئكة مخلوقات نورانيّة ليس لها جسم ما ّديّ يدرك‬
‫فتدل النصوص في مجموعها على أ ّ‬
‫بالحوّاس النسانيّة ‪ ,‬وأنّهم ليسوا كالبشر فل يأكلون ول يشربون ول ينامون ول‬
‫يتزوّجون‪ ,‬مطهّرون من الشّهوات الحيوانيّة ‪ ,‬ومنزّهون عن الثام والخطايا ‪ ,‬ول يتّصفون‬
‫بشيء من الصّفات المادّيّة الّتي يتّصف بها ابن آدم غير أنّ لهم القدرة على أن يتمثّلوا‬
‫بصور البشر بإذن اللّه تعالى ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬عبادة الملئكة للّه وما وكّل إليهم من أعمال ‪:‬‬
‫‪ -‬علقة الملئكة باللّه هي علقة العبوديّة الخالصة والطّاعة والمتثال والخضوع المطلق‬ ‫‪6‬‬

‫لوامره عزّ وجلّ ‪ ,‬قال تعالى ‪ { :‬لَا َيعْصُونَ الّلهَ مَا َأمَرَ ُه ْم وَيَ ْفعَلُونَ مَا ُي ْؤمَرُونَ } ‪ ,‬وقد‬
‫عنْ عِبَادَ ِتهِ‬
‫وصفهم اللّه بأنّهم ل يستكبرون عن عبادته ‪ ,‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬لَا َيسْ َتكْبِرُونَ َ‬
‫ن اللّ ْيلَ وَال ّنهَا َر لَا َيفْتُرُونَ } ‪.‬‬
‫ن ‪ُ ،‬يسَ ّبحُو َ‬
‫حسِرُو َ‬
‫وَلَا َيسْ َت ْ‬
‫وهم منقطعون دائما لعبادة اللّه وطاعة أمره ‪ ,‬كما ورد في اليتين السّابقتين ‪.‬‬
‫وعن جابر رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ما في السّماوات‬
‫السّبع موضع قدم ول شبر ول كف إلّا وفيه ملك قائم أو ملك راكع أو ملك ساجد ‪ ,‬فإذا كان‬
‫يوم القيامة قالوا جميعا ‪ :‬سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك إلّا أنّا لم نشرك بك شيئا » ‪.‬‬
‫‪ -‬قال ابن القيّم ‪ :‬د ّل الكتاب والسنّة على أصناف الملئكة ‪ ,‬وأنّها موكّلة بأصناف‬ ‫‪7‬‬

‫المخلوقات ‪ ,‬وأنّه سبحانه وكّل بالجبال ملئكةً ‪ ,‬ووكّل بالسّحاب ملئكةً ‪ ,‬ووكّل بالرّحم‬
‫ملئكةً تدبّر أمر النطفة حتّى يت ّم خلقها ‪ ,‬ثمّ وكّل بالعبد ملئكةً لحفظه ‪ ,‬وملئكةً لحفظ ما‬
‫يعمله وإحصائه وكتابته ‪ ,‬ووكّل بالموت ملئكةً ‪ ,‬ووكّل بالسؤال في القبر ملئكةً ‪ ,‬ووكّل‬
‫بالفلك ملئكةً يحرّكونها ‪ ,‬ووكّل بالشّمس والقمر ملئكةً ‪ ,‬ووكّل بالنّار وإيقادها وتعذيب‬
‫أهلها وعمارتها ملئكةً ‪ ,‬ووكّل بالجنّة وعمارتها وغراسها وعمل النهار فيها ملئكةً ‪,‬‬
‫صفًا ‪،‬‬
‫صفَاتِ عَ ْ‬
‫ت عُرْفا‪ ،‬فَا ْلعَا ِ‬
‫فالملئكة أعظم جنود اللّه تعالى ‪ ,‬ومنهم ‪ { :‬وَا ْلمُ ْرسَلَا ِ‬
‫غرْقا‪،‬‬
‫ت َ‬
‫وَالنّاشِرَاتِ َنشْرا ‪ ،‬فَا ْلفَارِقَاتِ فَرْقا ‪ ،‬فَا ْلمُ ْلقِيَاتِ ِذكْرا } ومنهم ‪ { :‬وَالنّازِعَا ِ‬
‫ت َأمْرا } ‪,‬‬
‫شطَاتِ َنشْطا ‪ ،‬وَالسّا ِبحَاتِ سَبْحا‪ ،‬فَالسّا ِبقَاتِ سَبْقا ‪ ،‬فَا ْلمُدَبّرَا ِ‬
‫وَالنّا ِ‬
‫ت ِذكْرا } ‪.‬‬
‫صفّا ‪ ،‬فَالزّاجِرَاتِ َزجْرا ‪ ،‬فَالتّالِيَا ِ‬
‫ت َ‬
‫ومنهم ‪ { :‬وَالصّافّا ِ‬
‫ومنهم ‪ :‬ملئكة الرّحمة وملئكة العذاب ‪ ,‬وملئكة قد وكّلوا بحمل العرش ‪ ,‬وملئكة قد‬
‫وكّلوا بعمارة السّماوات بالصّلة والتّسبيح والتّقديس ‪ ,‬إلى غير ذلك من أصناف الملئكة‬
‫الّتي ل يحصيها إلّا اللّه تعالى ‪.‬‬
‫ولفظ الملك يشعر بأنّه رسول منفّذ لمر غيره ‪ ,‬فليس لهم من المر شيء ‪ ,‬بل المر كله‬
‫ن ‪َ ،‬يعْ َلمُ مَا‬
‫للّه الواحد القهّار ‪ ,‬وهم ينفّذون أمره { لَا َيسْ ِبقُو َنهُ بِا ْل َق ْولِ وَهُم ِبَأمْرِهِ َي ْعمَلُو َ‬
‫شفِقُونَ } ‪َ { ,‬يخَافُونَ‬
‫خشْيَ ِتهِ ُم ْ‬
‫ن َ‬
‫ن إِلّا ِل َمنِ ارْتَضَى وَهُم مّ ْ‬
‫شفَعُو َ‬
‫ن أَيْدِيهِمْ َومَا خَ ْل َفهُمْ وَلَا َي ْ‬
‫بَيْ َ‬
‫ن } ‪ { ,‬لَا َيعْصُونَ الّلهَ مَا َأمَرَ ُه ْم وَيَ ْفعَلُونَ مَا ُي ْؤمَرُونَ }‬
‫رَ ّبهُم مّن َفوْ ِق ِهمْ وَ َي ْفعَلُونَ مَا ُي ْؤمَرُو َ‬
‫‪.‬‬
‫ول تتنزّل الملئكة إلّا بأمر اللّه ‪ ,‬ول تفعل شيئا إلّا من بعد إذنه ‪.‬‬
‫ورؤساؤهم الملك الثّلث ‪ :‬جبريل ‪ ,‬وميكائيل ‪ ,‬وإسرافيل ‪ ,‬وكان النّبي يقول ‪ « :‬اللّهمّ‬
‫ب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ‪ ,‬فاطر السّماوات والرض ‪ ,‬عالم الغيب والشّهادة ‪ ,‬أنت‬
‫ر ّ‬
‫ق بإذنك ‪ ,‬إنّك‬
‫تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ‪ ,‬اهدني لما أختلف فيه من الح ّ‬
‫تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم » ‪.‬‬
‫فتوسّل إليه سبحانه بربوبيّته العامّة والخاصّة لهؤلء الملك الثّلثة الموكّلين بالحياة ‪.‬‬
‫فجبريل موكّل بالوحي الّذي به حياة القلوب والرواح ‪ ,‬وميكائيل وكّل بالقطر الّذي به حياة‬
‫الرض والنّبات والحيوان ‪ ,‬وإسرافيل موكّل بالنّفخ في الصور الّذي به حياة الخلق بعد‬
‫مماتهم ‪.‬‬
‫رابعا ‪ -‬تفضيل الملئكة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال ابن عابدين من الحنفيّة نقلً عن الزّندوستيّ ‪ :‬أجمعت المّة على أنّ النبياء أفضل‬ ‫‪8‬‬

‫ن نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم أفضلهم ‪ ,‬وأنّ أفضل الخلئق بعد النبياء الملئكة‬
‫الخليقة ‪ ,‬وأ ّ‬
‫ن الصّحابة والتّابعين والشّهداء‬
‫الربعة وحملة العرش والروحانيون ورضوان ومالك ‪ ,‬وأ ّ‬
‫والصّالحين أفضل من سائر الملئكة ‪.‬‬
‫واختلفوا بعد ذلك ‪ ,‬فقال المام أبو حنيفة ‪ :‬سائر النّاس من المسلمين أفضل من سائر‬
‫الملئكة ‪ ,‬وقال محمّد وأبو يوسف ‪ :‬سائر الملئكة أفضل ‪.‬‬
‫خامسا ‪ -‬سب الملئكة ‪:‬‬
‫ن من سبّ أنبياء اللّه تعالى أو ملئكته ‪ -‬الوارد ذكرهم في الكتاب‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪9‬‬

‫الكريم والسنّة الصّحيحة ‪ -‬أو استخفّ بهم أو كذّبهم فيما أتوا به أو أنكر وجودهم وجحد‬
‫نزولهم قتل كفرا ‪.‬‬
‫واختلفوا هل يستتاب أم ل ؟‬
‫فقال الجمهور ‪ :‬يستتاب وجوبا أو استحبابا على خلف بينهم ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة ‪ :‬ل يستتاب على المشهور ‪.‬‬
‫ي بل طلب أو بل قبول توبة منه ‪ -‬حدا إن تاب وإلّا قتل‬
‫قال الدسوقي ‪ :‬قتل ولم يستتب ‪ -‬أ ّ‬
‫ن السلم يجب ما قبله ‪.‬‬
‫كفرا ‪ ,‬إلّا أن يسلم الكافر فل يقتل ل ّ‬
‫قال الموّاق ‪ :‬وهذا كله فيمن تحقّق كونه من الملئكة والنّبيّين كجبريل وملك الموت‬
‫والزّبانية ورضوان ومنكر ونكير ‪ ,‬فأمّا من لم تثبت الخبار بتعيينه ول وقع الجماع على‬
‫كونه من الملئكة أو النبياء ‪ ,‬كهاروت وماروت ‪ ,‬ولقمان وذي القرنين ومريم وأمثالهم‬
‫فليس الحكم فيهم ما ذكرنا إذ لم تثبت لهم تلك الحرمة ‪ ,‬لكن يؤدّب من تنقّصهم ‪.‬‬
‫وأمّا إنكار كونهم من الملئكة أو النّبيّين فإن كان المتكلّم من أهل العلم فل حرج ‪ ,‬وإن كان‬
‫من عوامّ النّاس زجر عن الخوض في مثل هذا ‪ ,‬وقد كره السّلف الكلم في مثل هذا ممّا‬
‫ليس تحته عمل ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪35‬‬ ‫‪,‬‬ ‫‪17‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪16‬‬ ‫( ر ‪ :‬ردّة ف ‪/‬‬

‫مَلءة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ضمّ ‪-‬‬
‫‪ -‬الملءة في اللغة ‪ :‬مصدر الفعل مَُلؤَ ‪ -‬بضمّ اللّام ‪ -‬قال الفيومي ‪ :‬مَُلؤَ ‪ -‬بال ّ‬ ‫‪1‬‬

‫ل القوم أي ‪ :‬أقدرهم وأغناهم ‪ ,‬ورجل مليء – مهموز ‪ -‬على وزن فعيل ‪:‬‬
‫ملء ًة ‪ ,‬وهو أم ُ‬
‫ي مقتدر ‪.‬‬
‫غن ّ‬
‫وفي لسان العرب ‪ :‬رجل مليء ‪ :‬كثير المال بيّن الملء ‪ ,‬والجمع مِلء ‪ ,‬وقد مُلؤَ الرّجل‬
‫يمُلؤُ ملءةً فهو مليء ‪ :‬صار مليئا ‪ ,‬أي ثقةً ‪ ,‬فهو غنيّ مليء ‪ :‬بيّن الملء والملءة ‪.‬‬
‫وقد أُولِع فيه النّاس بترك الهمز وتشديد الياء ‪.‬‬
‫وفي اصطلح الفقهاء ‪ :‬الملءة ‪ :‬هي الغنى واليسار ‪.‬‬
‫وقد فسّر أحمد الملءة فقال ‪ :‬تعتبر الملءة في المال والقول والبدن ‪ ,‬فالمليء هو من كان‬
‫قادرا بماله وقوله وبدنه ‪ ,‬قال البهوتي ‪ :‬وجزم به في المحرّر والنّظم والفروع والفائق‬
‫والمنتهى وغيرها ‪ ,‬ثمّ قال البهوتي ‪ :‬زاد في الرّعاية الصغرى والحاويين ‪ :‬وفعله ‪ ,‬وزاد‬
‫في الكبرى عليهما ‪ :‬وتمكنه من الداء ‪.‬‬
‫فالملءة في المال ‪ :‬القدرة على الوفاء ‪ ,‬والملءة في القول ‪ :‬أن ل يكون مماطلً ‪.‬‬
‫والملءة في البدن ‪ :‬إمكان حضوره مجلس الحكم ‪ ,‬قال البهوتي ‪ :‬هذا معنى كلم الزّركشيّ‪.‬‬
‫ثمّ قال ‪ :‬والظّاهر أنّ ‪ " :‬فعله " يرجع إلى عدم المطل إذ الباذل غير مماطل ‪.‬‬
‫و ‪ " :‬تمكنه من الداء " يرجع إلى القدرة على الوفاء ‪ ,‬إذ من ماله غائب أو في ال ّذمّة‬
‫ونحوه غير قادر على الوفاء ‪ ,‬ولذلك أسقطهما الكثر ولم يفسّرهما ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫العسار ‪:‬‬
‫‪ -‬العسار في اللغة ‪ :‬مصدر أعسر ‪ ,‬وهو ضد اليسار ‪ ,‬والعسر ‪ :‬الضّيق والشّدّة ‪,‬‬ ‫‪2‬‬

‫والعسار والعسرة ‪ :‬قلّة ذات اليد ‪.‬‬


‫والعسار في الصطلح ‪ :‬عدم القدرة على النّفقة أو على أداء ما عليه بمال ول كسب ‪ ,‬أو‬
‫هو زيادة خرجه عن دخله ‪.‬‬
‫والعسار ضد الملءة ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالملءة من أحكام ‪:‬‬
‫يتعلّق بالملءة أحكام منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أثر الملءة في زكاة الدّين ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في زكاة الدّين إذا كان على مليء ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪21‬‬ ‫‪,‬‬ ‫‪20‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ( زكاة ف ‪/‬‬
‫ب ‪ -‬أثر الملءة في أخذ المشفوع ‪:‬‬
‫‪ -‬من أحكام الشّفعة ‪ :‬أنّ الشّفيع يأخذ الشّقص المشفوع بمثل الثّمن الّذي استقرّ عليه‬ ‫‪4‬‬

‫العقد وقت لزومه قدرا وجنسا وصفةً ‪ ,‬لحديث جابر رضي ال تعالى عنه ‪ « :‬فهو أحق بها‬
‫بالثّمن » ‪.‬‬
‫ل إلى‬
‫ل إلى أجل معلوم أخذه الشّفيع بمثل ثمنه مؤجّ ً‬
‫فإن كان ثمن الشّقص المشفوع مؤجّ ً‬
‫أجله ‪ ,‬لنّ الشّفيع يستحق الخذ بقدر الثّمن وصفته ‪ ,‬والتّأجيل من صفته ‪ ,‬وهذا عند‬
‫المالكيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫لكنّ الشّفيع ل يستحق الخذ إلّا بشروط ‪.‬‬
‫قال المالكيّة ‪ :‬إنّما يستحق الشّفيع أخذ الشّقص بالثّمن المؤجّل إذا كان موسرا بالثّمن يوم‬
‫الخذ ‪ ,‬ول يلتفت ليسره يوم حلول الجل في المستقبل ‪ ,‬ول يكفي تحقق يسره يوم حلول‬
‫الجل بنزول جامكيّة أو معلوم وظيفة في المستقبل إذا كان يوم الخذ معسرا مراعا ًة لحقّ‬
‫المشتري ‪ ,‬ول يراعى خوف طر ّو عسره قبل حلول الجل إلغا ًء للطّارئ ‪ ,‬لوجود مصحّح‬
‫العقد يوم الخذ وهو اليسر ‪.‬‬
‫فإن لم يكن الشّفيع موسرا يوم الخذ ‪ ,‬فإن أمكن أن يأتي بضامن مليء أو برهن ثقة ‪ ,‬فإنّه‬
‫يستحق الخذ ‪ ,‬وإذا لم يكن الشّفيع موسرا وقت الخذ ولم يأت بضامن مليء أو رهن ثقة‬
‫فإنّه يجب عليه تعجيل الثّمن للمشتري ولو ببيع الشّقص لجنبيّ ‪ ,‬فإن لم يعجّل الثّمن فل‬
‫شفعة له ‪.‬‬
‫لكن إذا تساوى الشّفيع والمشتري في العدم فل يلزم الشّفيع حينئ ٍذ التيان بضامن مليء ‪,‬‬
‫ويحق له أن يأخذ الشّقص بالشّفعة إلى ذلك الجل ‪ ,‬وهذا على المختار ‪.‬‬
‫ومقابل المختار ‪ :‬أنّه متى كان الشّفيع معدما فل يأخذه إلّا بضامن مليء ولو كان مساويا‬
‫للمشتري في العدم ‪ ,‬وكذلك لو كان الشّفيع أشدّ عدما من المشتري فإنّه يلزمه أن يأتي‬
‫بحميل مليء ‪ ,‬فإن أبى أسقط الحاكم شفعته ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن كان ثمن الشّقص المشفوع مؤجّلً أخذه الشّفيع بالجل إن كان الشّفيع‬
‫مليئا ‪ ,‬فإن لم يكن مليئا ‪ -‬بأن كان معسرا ‪ -‬أقام كفيلً مليئا بالثّمن وأخذ الشّقص بالثّمن‬
‫ن الشّفيع يستحق الخذ بقدر الثّمن وصفته ‪ ,‬والتّأجيل من صفته ‪ ,‬واعتبرت‬
‫مؤجّلً ‪ ,‬ل ّ‬
‫الملءة أو الكفيل دفعا لضرر المشتري ‪.‬‬
‫ل ‪ ,‬فإن كان حالً وعجز الشّفيع عنه أو عن بعضه‬
‫هذا إذا كان ثمن الشّقص المشفوع مؤجّ ً‬
‫سقطت شفعته ‪ ,‬ولو أتى الشّفيع برهن أو ضمين لم يلزم المشتري قبولهما ولو كان الرّهن‬
‫محرزا والضّمين مليئا ‪ ,‬لما على المشتري من الضّرر بتأخير الثّمن ‪ ,‬والشّفعة شرعت لدفع‬
‫الضّرر ‪ ,‬فل تثبت معه ‪.‬‬
‫وعند الحنفيّة والشّافعيّة في الظهر ‪ :‬إن كان ثمن المشفوع مؤجّلً فللشّفيع الخيار ‪ :‬إن‬
‫شاء أخذ بثمن حال ‪ ,‬وإن شاء صبر حتّى ينقضي الجل ثمّ يأخذ ‪ ,‬وليس له أن يأخذ في‬
‫ق الشّفيع ‪,‬‬
‫ق المشتري رضا به في ح ّ‬
‫الحالّ بثمن مؤجّل ‪ ,‬وليس الرّضا بالجل في ح ّ‬
‫لتفاوت النّاس في الملءة ‪.‬‬
‫وقال زفر من الحنفيّة ‪ ,‬وهو القول الثّاني عند الشّافعيّة ‪ :‬يأخذه بالثّمن المؤجّل تنزيلً له‬
‫ل وصف في الثّمن كالزّيافة ‪ ,‬والخذ بالشّفعة بالثّمن ‪,‬‬
‫ن كونه مؤجّ ً‬
‫منزلة المشتري ‪ ,‬ول ّ‬
‫فيأخذه بأصله ووصفه كما في الزيوف ‪.‬‬
‫والقول الثّالث عند الشّافعيّة ‪ :‬يأخذه بسلعة لو بيعت إلى ذلك الجل لبيعت بذلك القدر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أثر الملءة في الضّمان ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء " أبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة "‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫أنّه ل يشترط ملءة المضمون عنه ‪ ,‬ولذلك يصح ضمان كلّ من وجب عليه حق ‪ ,‬سواء‬
‫كان المضمون عنه حيّا أو ميّتا ‪ ,‬وسواء كان مليئا أو مفلسا ‪ ,‬والدّليل على ذلك ‪ :‬ما رواه‬
‫سلمة بن الكوع رضي ال عنه قال ‪ « :‬كنّا جلوسا عند النّبيّ صلى ال عليه وسلم إذ أُتي‬
‫بجنازة ‪ ,‬فقالوا ‪ :‬صلّ عليها ‪ .‬فقال ‪ :‬هل عليه دين ؟ قالوا ‪ :‬ل ‪ ,‬قال ‪ :‬فهل ترك شيئا ؟‬
‫قالوا ‪ :‬ل ‪ ,‬فصلّى عليه ‪ .‬ثمّ أتي بجنازة أخرى ‪ ,‬فقالوا ‪ :‬يا رسول اللّه صلّ عليها ‪ .‬قال ‪:‬‬
‫هل عليه دين ؟ قيل ‪ :‬نعم ‪ ,‬قال ‪ :‬فهل ترك شيئا ؟ قالوا ‪ :‬ثلثة دنانير ‪ .‬فصلّى عليها ‪ .‬ثمّ‬
‫أتي بالثّالثة فقالوا ‪ :‬صلّ عليها ‪ .‬قال ‪ :‬هل ترك شيئا ؟ قالوا ‪ :‬ل ‪ .‬قال ‪ :‬فهل عليه دين ؟‬
‫قالوا ‪ :‬ثلثة دنانير ‪ .‬قال ‪ :‬صلوا على صاحبكم ‪ .‬قال أبو قتادة ‪ :‬صلّ عليه يا رسول اللّه‬
‫ي دينه ‪ ,‬فصلّى عليه » فد ّل الحديث على أنّه يصح ضمان المدين الّذي لم يخلّف وفاءً ‪.‬‬
‫وعل ّ‬
‫ن الموت ل ينافي بقاء‬
‫وعلّل أبو يوسف ومحمّد صحّة الكفالة بالدّين عن الميّت المفلس بأ ّ‬
‫الدّين لنّه مال حكميّ ‪ ,‬فل يفتقر بقاؤه إلى القدرة على الوفاء ‪ ,‬ولهذا بقي إذا مات مليئا‬
‫حتّى تصحّ الكفالة به ‪ ,‬وكذا بقيت الكفالة بعد موته مفلسا ‪.‬‬
‫وبنى الشّافعيّة قولهم على أنّه ل يشترط معرفة المضمون عنه ‪ -‬وهو المدين ‪ -‬لنّ قضاء‬
‫دين الغير بغير إذنه جائز فالتزامه أولى ‪ ,‬كما يصح الضّمان عن الميّت وإن لم يخلّف وفاءً‬
‫‪ .‬وذهب أبو حنيفة ‪ -‬وهو قول أبي ثور ‪ -‬إلى أنّه يشترط في المكفول له أن يكون مليئا ‪,‬‬
‫حتّى يكون قادرا على تسليم المكفول به إمّا بنفسه أو بنائبه ‪ ,‬ولذلك ل يصح عنده الكفالة‬
‫بالدّين عن الميّت المفلس ‪ ,‬لنّ الدّين عبارة عن الفعل والميّت عاجزٌ عن الفعل ‪ ,‬فكانت هذه‬
‫كفالةً بدين ساقط كما إذا كفل على إنسان بدين ول دين عليه ‪ ,‬وإذا مات مليئا فهو قادر‬
‫بنائبه ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أثر الملءة في أداء الدّين ‪:‬‬
‫‪ -‬من كان عليه دين حال وكان مليئا مقرا بدينه أو عليه بيّنة وجب عليه أداء الدّين حين‬ ‫‪6‬‬

‫طلُ الغنيّ ظُ ْلمٌ » ‪ ,‬وبالطّلب يتحقّق المطل ‪ ,‬إذ‬


‫ي صلى ال عليه وسلم ‪َ « :‬م ْ‬
‫طلبه ‪ ,‬لقول النّب ّ‬
‫ل يقال ‪ :‬مطله إلّا إذا طالبه فدافعه ‪.‬‬
‫ن أداء الدّين للقادر على الداء ل يتوقّف على الطّلب ‪.‬‬
‫وذهب بعض فقهاء الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫جاء في حاشية الجمل ‪ :‬يجب على الغنيّ أداء الدّين فورا إن خاف فوت أدائه إلى المستحقّ‬
‫إمّا بموته أو مرضه أو بذهاب ماله ‪ ,‬أو خاف موت المستحقّ ‪ ,‬أو طالبه رب الدّين ‪ ,‬أو‬
‫علم حاجته إليه وإن لم يطالبه ‪ ,‬ذكر ذلك البارزي ‪.‬‬
‫‪ -‬وإذا أمره الحاكم بالداء فطلب إمهاله لبيع عروضه ليوفي دينه من ثمنها أمهل باجتهاد‬ ‫‪7‬‬

‫الحاكم ‪ ,‬لكن ل يؤجّل إلّا إذا أعطى حميلً بالمال ‪ ,‬وهذا ما ذهب إليه المالكيّة ‪.‬‬
‫ق أن يمهله‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن كان للمدين القادر على الوفاء سلعة ‪ ,‬فطلب من ربّ الح ّ‬
‫حتّى يبيعها ويوفيه الدّين من ثمنها أمهل بقدر ذلك ‪ ,‬أي بقدر ما يتمكّن من بيعها والوفاء‬
‫من ثمنها ‪.‬‬
‫وكذا إن طولب بمسجد أو سوق وماله بداره أو مودع أو ببلد آخر فيمهل بقدر ما يحضره‬
‫فيه ‪.‬‬
‫وكذلك إن أمكن المدين أن يحتال لوفاء دينه باقتراض ونحوه فيمهل بقدر ذلك ‪ ,‬ول يحبس‬
‫سعَهَا } ‪.‬‬
‫لعدم امتناعه من الداء لقوله تعالى ‪َ { :‬ل ُيكَلّفُ الّلهُ َن ْفسًا ِإلّ ُو ْ‬
‫وإن خاف رب الحقّ هربه احتاط بملزمته أو بكفيل ‪ ,‬ول يجوز منعه من الوفاء بحبسه ‪,‬‬
‫لنّ الحبس عقوبة ل حاجة إليها ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة أيضا ‪ :‬لو ماطل المدين حتّى شكاه رب الحقّ فما غرمه في شكواه فعلى‬
‫المدين المماطل إذا كان رب الحقّ قد غرّمه على الوجه المعتاد ‪ ,‬لنّه تسبّب في غرمه بغير‬
‫حق ‪.‬‬
‫‪ -‬وإذا امتنع المدين المليء من أداء الدّين بعد الطّلب وبعد إعطائه المهلة لبيع عروضه‬ ‫‪8‬‬

‫أو غير ذلك كما سبق بيانه ‪ ,‬أو لم يأت بحميل بالمال كما يقول المالكيّة ‪ ,‬فقد ذهب الحنفيّة‬
‫طلُ الغنيّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪َ « :‬م ْ‬
‫ن الحاكم يحبسه ‪ ,‬لقول النّب ّ‬
‫والمالكيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫ظُ ْلمٌ » ‪ ,‬فيحبس دفعا للظلم لقضاء الدّين بواسطة الحبس ‪ ,‬ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ي الواجد ُيحِل عِرْضه وعقوبته » ‪ .‬والحبس عقوبة كما قال الكاساني وابن قدامة ‪.‬‬
‫« لَ ُ‬
‫لكنّ الحنفيّة قالوا ‪ :‬إنّ الحبس ل يكون إلّا بطلب ربّ الدّين من القاضي ‪ ,‬فما لم يطلب رب‬
‫ن الدّين حقه ‪ ,‬والحبس وسيلة إلى حقّه ‪ ,‬ووسيلة‬
‫الدّين حبس المدين المماطل ل يحبس ل ّ‬
‫حقّ النسان هي حقه ‪ ,‬وحق المرء إنّما يطلب بطلبه ‪ ,‬فل ب ّد من الطّلب للحبس ‪ ,‬فإذا طلب‬
‫رب الدّين حبس المدين ‪ -‬وثبت عند القاضي سبب وجوب الدّين وشرائطه بالحجّة ‪ -‬حبسه‬
‫لتحقق الظلم عنده بتأخير حقّ الدّين من غير ضرورة ‪ ,‬والقاضي نصب لدفع الظلم فيندفع‬
‫الظلم عنه ‪.‬‬
‫‪ -‬ويشترط لحبس المليء المماطل أن يكون ممّن سوى الوالدين لصاحب الدّين فل يحبس‬ ‫‪9‬‬

‫الوالدون وإن علوا بدين المولودين وإن سفلوا ‪ ,‬لقول اللّه تعالى ‪ { :‬وَصَاحِ ْب ُهمَا فِي الدّنْيَا‬
‫حسَانا } ‪ ,‬وليس من المصاحبة بالمعروف‬
‫ن ِإ ْ‬
‫َمعْرُوفًا } ‪ ,‬وقوله تعالى ‪ { :‬وَبِا ْلوَالِدَيْ ِ‬
‫والحسان حبسهما بالدّين ‪ ,‬إلّا أنّه إذا امتنع الوالد من النفاق على ولده الّذي عليه نفقته‬
‫ن القاضي يحبسه ‪ ,‬لكن تعزيزا ل حبسا بالدّين ‪.‬‬
‫فإ ّ‬
‫وأمّا الولد فيحبس بدين الوالد ‪ ,‬لنّ المانع من الحبس حق الوالدين ‪.‬‬
‫وكذا سائر القارب ‪ ,‬يحبس المديون بدين قريبه كائنا من كان ‪.‬‬
‫ويستوي في الحبس الرّجل والمرأة ‪ ,‬لنّ الموجب للحبس ل يختلف بالذكورة والنوثة ‪.‬‬
‫ويحبس ولي الصّغير إذا كان ممّن يجوز له قضاء دينه ‪ ,‬لنّه إذا كان الظلم بسبيل من‬
‫قضاء دينه صار بالتّأخير ظالما ‪ ,‬فيحبس ليقضي الدّين فيندفع الظلم ‪.‬‬
‫ق الب ‪.‬‬
‫ن حقّه دون ح ّ‬
‫لكن عند المالكيّة يحبس الجد بدين ولد ولده ‪ ,‬ل ّ‬
‫‪ -‬وإذا حبس الحاكم المدين وأصرّ على المتناع عن الوفاء فقد اختلف الفقهاء فيما‬ ‫‪10‬‬

‫يفعله الحاكم به ‪.‬‬


‫قال الحنفيّة ‪ :‬إذا قامت البيّنة على يساره أبّد الحاكم حبسه لظلمه ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يضرب معلوم الملء مرّةً بعد مرّة باجتهاد الحاكم في العدد بمجلس أو‬
‫مجالس ‪ ,‬ولو أدّى إلى إتلفه لظلمه باللّدد دون أن يقصد الحاكم إتلفه ‪ ,‬أما لو ضربه‬
‫قاصدا إتلفه فإنّه يقتص منه ‪ ,‬قالوا ‪ :‬ول يبيع ماله ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن امتنع الموسر من أداء الدّين أمره الحاكم به ‪ ,‬فإن امتنع من الداء‬
‫وكان له مال ظاهر ‪ -‬وهو من جنس الدّين ‪ -‬وفّى منه ‪ ,‬وإن كان من غير جنس الدّين باع‬
‫الحاكم عليه ماله ‪ -‬وإن كان المال في غير مح ّل وليته كما صرّح به القاضي والقمولي ‪-‬‬
‫أو أكرهه على البيع بالتّعزير بحبس أو غيره ‪ ,‬لما روي عن عمر رضي ال تعالى عنه أنّه‬
‫ج ‪ ,‬إلّا أنّه قد‬
‫ي من دِينه وأمانته أن يقال ‪ :‬سبق الحا ّ‬
‫قال ‪ " :‬إنّ ا ُلسَيْفعَ أُسيْفع جهينة رَضِ َ‬
‫دان ُمعْرِضا ‪ ,‬فأصبح قد رين به ‪ ,‬فمن كان له عليه دين فليأتنا بالغداة نقسم ماله بينهم " ‪.‬‬
‫ولو التمس الغريم من الحاكم الحجر على مال الممتنع من الداء أجيب لئلّا يتلف ماله ‪.‬‬
‫وإن كان للمدين مال فأخفاه وهو معلوم ‪ ,‬وطلب غريمه حبسه حبسه الحاكم وحجر عليه‬
‫وعزّره حتّى يظهره ‪ ,‬فإن لم ينزجر بالحبس ورأى الحاكم ضربه أو غيره فعل ذلك ‪ ,‬ولو‬
‫زاد مجموع الضّرب على الحدّ ‪.‬‬
‫ول يعزّره ثانيا حتّى يبرأ من التّعزير الوّل ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن أصرّ المدين المليء على الحبس ولم يؤدّ الدّين باع الحاكم ماله وقضى‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫دينه ‪ ,‬لما روى كعب بن مالك رضي ال عنه عن أبيه « أ ّ‬
‫وسلم حجر على معاذٍ رضي ال عنه ماله وباعه في دين كان عليه » ‪.‬‬
‫وقال جماعة منهم ‪ :‬إذا أصرّ المدين على الحبس وصبر عليه ضربه الحاكم ‪ ,‬قال في‬
‫الفصول وغيره ‪ :‬يحبسه فإن أبى الوفاء عزّره ‪ ,‬ويكرّر حبسه وتعزيره حتّى يقضي الدّين ‪,‬‬
‫قال ابن تيميّة ‪ :‬نصّ عليه الئمّة من أصحاب أحمد وغيرهم ول أعلم فيه نزاعا ‪ ,‬لكن ل‬
‫يزاد في كلّ يوم على أكثر التّعزير إن قيل بتقديره ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬اختلف المدين والغريم في الملءة ‪:‬‬
‫‪ -‬لو أقام الغريم بيّنةً بملءة المدين ‪ ,‬أو ادّعى ملءته بل بيّنة ‪ ,‬وأقام المدين بيّنةً‬ ‫‪11‬‬

‫بإعساره ‪ ,‬أو ادّعى العسار بل بيّنة ‪ ,‬فقد اختلف الفقهاء فيمن تقبل بيّنته ‪ ,‬وفيمن يقبل‬
‫قوله لو لم تكن معه بيّنة ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬لو اختلف الغريم والمدين في اليسار والعسار ‪ ,‬فقال الطّالب ‪ :‬هو موسر ‪,‬‬
‫وقال المطلوب ‪ :‬أنا معسر ‪ ,‬فإن قامت لحدهما بيّنة قبلت بيّنته ‪ ,‬وإن أقاما جميعا البيّنة ‪,‬‬
‫فالبيّنة بيّنة الطّالب ‪ ,‬لنّها تثبت زيادةً وهي اليسار ‪ ,‬وإن لم يقم لهما بيّنةً فقد ذكر محمّد‬
‫في الكفالة والنّكاح والزّيادات أنّه ينظر ‪ :‬إن ثبت الدّين بمعاقدة كالبيع والنّكاح والكفالة‬
‫والصلح عن دم العمد والصلح عن المال والخلع ‪ ,‬أو ثبت تبعا فيما هو معاقدة كالنّفقة في‬
‫باب النّكاح فالقول قول الطّالب ‪ ,‬وكذا في الغصب والزّكاة ‪ ,‬وإن ثبت الدّين بغير ذلك‬
‫كإحراق الثّوب أو القتل الّذي ل يوجب القصاص ويوجب المال في مال الجاني وفي الخطأ‬
‫فالقول قول المطلوب ‪.‬‬
‫وذكر الخصّاف في آداب القاضي أنّه إن وجب الدّين عوضا عن مال سالم للمشتري ‪ ,‬نحو‬
‫ثمن المبيع الّذي سلّم له المبيع والقرض والغصب والسّلم الّذي أخذ المسلم إليه رأس المال‬
‫ل كإحراق الثّوب ‪ ,‬أو له عوض ليس‬
‫فالقول قول الطّالب ‪ ,‬وكل دين ليس له عوض أص ً‬
‫بمال كالمهر وبدل الخلع وبدل الصلح عن دم العمد والكفالة فالقول قول المطلوب ‪.‬‬
‫وقال الكاساني ‪ :‬واختلف المشايخ فيه ‪:‬‬
‫قال بعضهم ‪ :‬القول قول المطلوب على كلّ حال ول يحبس ‪ ,‬لنّ الفقر أصل في بني آدم‬
‫والغنى عارض ‪ ,‬فكان الظّاهر شاهدا للمطلوب ‪ ,‬فكان القول قوله مع يمينه ‪.‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬القول قول الطّالب على كلّ حال ‪ ,‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫ق اليد واللّسان » ‪.‬‬
‫لصاحب الح ّ‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬يحكّم زيه ‪ :‬إذا كان زيه زيّ الغنياء فالقول قول الطّالب ‪ ,‬وإن كان زيه زيّ‬
‫الفقراء فالقول قول المطلوب ‪.‬‬
‫وعن أبي جعفر الهندوانيّ أنّه يحكّم زيه فيؤخذ بحكمه في الفقر والغنى ‪ ,‬إلّا إن كان‬
‫المطلوب من الفقهاء أو العلويّة أو الشراف ‪ ,‬لنّ من عاداتهم التّكلف في اللّباس والتّجمل‬
‫بدون الغنى ‪ ,‬فيكون القول قول المديون أنّه معسر ‪.‬‬
‫ن القول في الشّرع قول من يشهد له الظّاهر ‪ ,‬فإذا وجب الدّين بدلً‬
‫ووجه ما ذكر الخصّاف أ ّ‬
‫عن مال سلّم له كان الظّاهر شاهدا للطّالب ‪ ,‬لنّه ثبتت قدرة المطلوب بسلمة المال ‪ ,‬وكذا‬
‫في الزّكاة فإنّها ل تجب إلّا على الغنيّ فكان الظّاهر شاهدا للطّالب ‪.‬‬
‫ن الظّاهر شاهد للطّالب فيما ذكرنا أيضا من طريق‬
‫ووجه قول محمّد وهو ظاهر الرّواية ‪ :‬أ ّ‬
‫الدّللة ‪ ,‬وهو إقدامه على المعاقدة ‪ ,‬فإنّ القدام على التّزوج دليل القدرة ‪ ,‬إذ الظّاهر أنّ‬
‫النسان ل يتزوّج حتّى يكون له شيء ‪ ,‬ول يتزوّج أيضا حتّى يكون له قدرة على المهر ‪,‬‬
‫وكذا القدام على الخلع لنّ المرأة ل تخالع عادةً حتّى يكون عندها شيء ‪ ,‬وكذا الصلح ل‬
‫يقدم النسان عليه إلّا عند القدرة ‪ ,‬فكان الظّاهر شاهدا للطّالب في هذه المواضع فكان القول‬
‫قوله ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن شهدت بيّنة بملءة المدين ‪ ,‬وشهدت بيّنة بعدم ملءته رجّحت بيّنة‬
‫الملء على بيّنة العدم إن بيّنت بيّنة الملء سببه ‪ ,‬بأن قالت ‪ :‬له مال يفي بدينه وقد أخفاه ‪,‬‬
‫لنّها بيّنة ناقلة ومثبتة وشاهدة بالعلم ‪.‬‬
‫وقال ابن عرفة ‪ :‬لو قالت بيّنة ‪ :‬له مال باطن أخفاه ‪ ,‬قدّمت اتّفاقا ‪ ,‬فإن لم تبيّن بيّنة الملء‬
‫سبب الملء رجّحت بيّنة العدم ‪ ,‬سواء بيّنت سبب العدم أم ل ‪.‬‬
‫ي الجهوري ‪ :‬والّذي جرى العمل به تقديم بيّنة الملء وإن لم تبيّن سببه ‪.‬‬
‫وقال عل ّ‬
‫وإن شهد شهود بعسر المدين ‪ ,‬وقالوا في شهادتهم ‪ :‬إنّهم ل يعرفون للمدين مالً ظاهرا ول‬
‫ن المشهود له يحلف على ما شهد به الشّهود ‪ ,‬فيقول ‪ :‬باللّه الّذي ل إله إلّا هو‬
‫باطنا ‪ ,‬فإ ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫لم أعرف لي مالً ظاهرا ول باطنا ‪ ,‬ويزيد ‪ :‬وإن وجدت مالً لقضين ما عل ّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو تعارضت بيّنتا إعسار وملءة كلّما شهدت إحداهما جاءت الخرى‬
‫فشهدت بأنّه في الحال على خلف ما شهدت به الولى ‪ ,‬فهل يقبل ذلك أبدا ويعمل‬
‫بالمتأخّر؟ أفتى ابن الصّلح بأنّه يعمل بالمتأخّر منهما وإن تكرّرت ‪ ,‬إذا لم ينشأ من تكرارها‬
‫ريبة ‪ ,‬ول تكاد بيّنة العسار تخلو عن ريبة إذا تكرّرت ‪.‬‬
‫وقال الشّيرازي ‪ :‬إن ادّعى المدين العسار نظر ‪ ,‬فإن لم يعرف له مال قبل ذلك فالقول قوله‬
‫ن الصل عدم المال ‪ ,‬فإن عرف له مال لم يقبل قوله ‪ :‬إنّه معسر ‪ ,‬إلّا ببيّنة ‪,‬‬
‫مع يمينه ‪ ,‬ل ّ‬
‫لنّ الصل بقاء المال ‪ ,‬فإن قال ‪ :‬غريمي يعلم أنّي معسر ‪ ,‬أو أنّ مالي هلك فحلّفوه حُلّفَ‬
‫الغريم ‪ ,‬لنّ ما يدّعيه محتمل ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن ادّعى المدين العسار وكذّبه غريمه ‪ ,‬فل يخلو إمّا أن يكون عرف له‬
‫مال أو لم يعرف ‪ :‬فإن عرف له مال ‪ ,‬ككون الدّين ثبت عن معاوضة كالقرض والبيع ‪ ,‬أو‬
‫عرف له أصل مال سوى هذا فالقول قول غريمه مع يمينه ‪ ,‬فإذا حلف الغريم أنّه ذو مال‬
‫ن الظّاهر قول الغريم ‪ ,‬فكان القول قوله كسائر‬
‫حبس المدين حتّى تشهد بيّنة بإعساره ‪ ,‬ل ّ‬
‫الدّعاوى ‪.‬‬
‫فإن شهدت البيّنة بتلف ماله قبلت شهادتهم ‪ ,‬سواء كانت من أهل الخبرة الباطنة أو لم تكن‪,‬‬
‫لنّ التّلف يطّلع عليه أهل الخبرة وغيرهم ‪ ,‬وإن طلب الغريم إحلفه على ذلك لم يجب إليه‬
‫لنّ ذلك تكذيب للبيّنة ‪.‬‬
‫وإن شهدت البيّنة بالعسار مع الشّهادة بالتّلف اكتفى بشهادتها وثبتت عسرته ‪.‬‬
‫وإن لم تشهد البيّنة بعسرته وإنّما شهدت بالتّلف ل غير ‪ ,‬وطلب الغريم يمين المدين على‬
‫عسره وأنّه ليس له مال آخر ‪ ,‬أستحلف على ذلك لنّه غير ما شهدت به البيّنة ‪.‬‬
‫وإن لم تشهد البيّنة بالتّلف ‪ ,‬وإنّما شهدت بالعسار فقط لم تقبل الشّهادة إلّا من ذي خبرة‬
‫باطنة ومعرفة متقادمة ‪ ,‬لنّ هذا من المور الباطنة ل يطّلع عليه في الغالب إلّا أهل الخبرة‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫والمخالطة ‪ ,‬وذلك لما روى قبيصة بن المخارق رضي ال عنه أ ّ‬
‫وسلم قال له ‪ « :‬يا قبيصة إنّ المسألة ل تحل إلّا لحد ثلثة ‪ . . .‬ورجل أصابته فاقة حتّى‬
‫يقوم ثلثة من ذوي الحجا من قومه ‪ :‬لقد أصابت فلنا فاقةٌ فحلّت له المسألة حتّى يصيب ‪,‬‬
‫ش ‪ ,‬أو قال ‪ :‬سدادا من عيشٍ » ‪.‬‬
‫قواما من عي ٍ‬
‫وإن لم يعرف للمدين مال الغالب بقاؤه ‪ ,‬ككون الحقّ ثبت عليه في غير مقابلة مال أخذه‬
‫المدين كأرش جناية وقيمة متلف ومهر أو ضمان أو كفالة أو عوض خلع إن كان امرأةً ‪,‬‬
‫وادّعى العسار ولم يقرّ المدين أنّه مليء ‪ ,‬فإنّه يحلف ‪ :‬أنّه ل مال له ويخلّى سبيله ‪ ,‬لنّ‬
‫الصل عدم المال ‪.‬‬
‫فإن أنكر رب الدّين إعسار المدين ‪ ,‬وأقام بيّنةً بقدرة المدين على الوفاء ‪ ,‬فإنّ المدين‬
‫يحبس لثبوت ملءته ‪.‬‬
‫ولو حلف رب الدّين ‪ :‬أنّه ل يعلم عسرة المدين ‪ ,‬أو حلف رب الدّين ‪ :‬أنّ المدين موسر ‪,‬‬
‫أو ذو مال ‪ ,‬أو أنّه قادر على الوفاء حبس المدين لعدم ثبوت عسرته ‪.‬‬
‫فإن لم يحلف رب الدّين بعد سؤال المدين حلّفه أنّه ل يعلم عسرته ‪ ,‬حلف المدين أنّه معسر‬
‫وخلّي سبيله ‪ ,‬لنّ الصل عدم المال ‪ ,‬إلّا أن يقيم رب الدّين بيّنةً تشهد له بما ادّعاه من‬
‫يساره فيحبس المدين ‪.‬‬
‫و ‪ -‬أثر الملءة في منع المدين من السّفر ‪:‬‬
‫ن المدين إذا أراد السّفر ‪ ,‬فإن كان الدّين حالً وكان المدين مليئا‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪12‬‬

‫ق الغريم منعه من السّفر حتّى يؤدّي إليه دينه ‪ ,‬وذلك ‪ -‬كما يقول الشّافعيّة ‪-‬‬
‫كان من ح ّ‬
‫ن أداء الدّين فرض‬
‫بأن يشغله عن السّفر برفعه إلى الحاكم ومطالبته حتّى يوفيه دينه ‪ ,‬ل ّ‬
‫عين بخلف السّفر ‪ ,‬لكن قال الشّافعيّة ‪ :‬إن استناب من يوفيه عنه من مال الحاضر فليس‬
‫له منعه من السّفر ‪.‬‬
‫أمّا إن كان الدّين مؤجّلً ‪ ,‬فقد ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه ل يجوز للغريم منع المدين‬
‫من السّفر ما دام الدّين مؤجّلً ‪.‬‬
‫قال الكاساني ‪ :‬ل يمنع المدين من السّفر قبل حلول الجل ‪ ,‬سواء بعد محله أو قرب ‪ ,‬لنّه‬
‫ل يملك مطالبته قبل ح ّل الجل ول يمكن منعه ‪ ,‬ولكن له أن يخرج معه ‪ ,‬حتّى إذا ح ّل الجل‬
‫منعه من المضيّ في سفره إلى أن يوفيه دينه ‪.‬‬
‫وقال الشّربيني الخطيب ‪ :‬أمّا الدّين المؤجّل فليس للغريم منع المدين من السّفر ولو كان‬
‫السّفر مخوفا كجهاد ‪ ,‬أو كان الجل قريبا ‪ ,‬إذ ل مطالبة به في الحالّ ‪ ,‬ول يكلّف من عليه‬
‫ن صاحبه هو المقصّر حيث رضي بالتّأجيل من‬
‫الدّين المؤجّل رهنا ول كفيلً ول إشهادا ‪ ,‬ل ّ‬
‫غير رهن وكفيل ‪ ,‬ولكن له أن يصاحبه في السّفر ليطالبه عند حلول الجل ‪ ,‬بشرط أن ل‬
‫يلزمه ملزمة الرّقيب لنّ فيه إضرارا به ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فقد فرّقوا بين ما إذا كان الدّين المؤجّل يحل أثناء سفر المدين وبين ما إذا كان‬
‫ل يحل أثناء سفره ‪ ,‬فقالوا ‪ :‬للغريم منع المدين من السّفر إن حلّ الدّين بغيبته وكان موسرا‬
‫ولم يوكّل مليئا على القضاء ولم يضمنه موسر ‪ ,‬فإن كان المدين معسرا أو وكّل مليئا‬
‫يقضي الدّين في غيبته من ماله أو ضمنه مليء فليس لغريمه منعه من السّفر ‪.‬‬
‫فإن كان الدّين ل يحل بغيبته فليس للغريم منعه من السّفر ‪.‬‬
‫قال اللّخمي ‪ :‬من عليه دين مؤجّل وأراد السّفر قبل حلوله فل يمنع من السّفر إذا بقي من‬
‫أجله قدر سيره ورجوعه ‪ ,‬وكان ل يخشى لدده ومقامه ‪ ,‬فإن خشي ذلك منه أو عرف‬
‫باللّدد فله منعه من السّفر إلّا أن يأتي بحميل ‪ ,‬وإن كان موسرا وله عقار فهو بالخيار بين‬
‫أن يعطى حميلً بالقضاء أو وكيلً بالبيع ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن أراد المدين سفرا طويلً فوق مسافة القصر ويحل الدّين المؤجّل قبل‬
‫فراغه من السّفر أو يحل بعده ‪ ,‬وسواء كان السّفر مخوفا أو غير مخوف ‪ ,‬وليس بالدّين‬
‫ن عليه ضررا في تأخير‬
‫رهن يفي به ول كفيل مليء بالدّين ‪ ,‬فلغريمه منعه من السّفر ‪ ,‬ل ّ‬
‫حقّه عن محلّه ‪ ,‬وقدومه عند المحلّ غير متيقّن ول ظاهر فملك منعه ‪ ,‬لكن إذا وثّق المدين‬
‫الدّين برهن يحرز الدّين أو كفيل مليء فل يمنع من السّفر لنتفاء الضّرر ‪.‬‬
‫ولو أراد المدين وضامنه معا السّفر فللغريم منعهما إلّا إذا توثّق الدّين برهن محرز أو كفيل‬
‫مليء ‪.‬‬
‫لكن إذا كان سفر المدين لجهاد متعيّن فل يمنع منه بل يمكّن من السّفر لتعينه عليه وكذلك‬
‫إذا أحرم المدين بالحجّ أو العمرة فرضا أو نفلً فل يحلّله الغريم من إحرامه لوجوب‬
‫إتمامهما بالشّروع ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬أثر الملءة في النّفقة على الزّوجة ‪:‬‬
‫ن نفقة الزّوجة تجب على زوجها بحسب يساره ويسارها ‪ ,‬فتجب‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪13‬‬

‫نفقة الموسرين إذا كانا موسرين ‪ ,‬ونفقة المعسرين إذا كانا معسرين ‪ ,‬ونفقة الوسط إذا‬
‫كان أحدهما معسرا ‪.‬‬
‫سعَ ِتهِ } ‪ ,‬وهذا في الجملة ‪.‬‬
‫س َعةٍ مّن َ‬
‫ق ذُو َ‬
‫والصل في ذلك قوله تعالى ‪ { :‬لِيُنفِ ْ‬
‫وللفقهاء تفصيل ينظر في مصطلح ‪ ( :‬نفقة ) ‪.‬‬
‫ح ‪ -‬أثر الملءة في النّفقة على القارب ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل في النّفقة على القارب ‪ -‬كالوالدين والبناء ‪ -‬الكتاب والسنّة والجماع ‪.‬‬ ‫‪14‬‬

‫سوَ ُتهُنّ بِا ْل َمعْرُوفِ } ‪ ,‬وقوله تعالى‪:‬‬


‫ن وَ ِك ْ‬
‫أمّا الكتاب فقوله تعالى ‪ { :‬وَعلَى ا ْل َموْلُودِ َلهُ ِرزْ ُقهُ ّ‬
‫حسَانًا } ‪ ,‬ومن الحسان النفاق عليهما عند‬
‫ك َألّ َتعْبُدُواْ ِإلّ إِيّاهُ وَبِا ْلوَالِدَيْنِ ِإ ْ‬
‫{ وَقَضَى رَبّ َ‬
‫حاجتهما ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم لهند رضي ال عنها ‪ « :‬خذي ما يكفيك وولدك‬
‫ومن السنّة قول النّب ّ‬
‫بالمعروف » ‪.‬‬
‫ن نفقة الوالدين الفقيرين اللّذين ل‬
‫وأمّا الجماع فقال ابن المنذر ‪ :‬أجمع أهل العلم على أ ّ‬
‫كسب لهما ول مال واجبة في مال الولد ‪.‬‬
‫ويشترط لوجوب النّفقة يسار المنفق ‪ ,‬وإعسار المنفق عليه ‪ ,‬واحتياجه إلى النّفقة ‪ ,‬وهذا‬
‫باتّفاق في الجملة ‪.‬‬
‫وللفقهاء في أصناف الّذين تجب لهم النّفقة ‪ ,‬وهل الصل الملءة فيمن طولب بالنّفقة فإذا‬
‫ادّعى العدم فعليه الثبات ‪ ,‬وغير ذلك من المسائل تفصيل وخلف ينظر في مصطلح (نفقة)‪.‬‬
‫مُل َزمَة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الملزمة في اللغة ‪ :‬مأخوذة من الفعل ‪ :‬لزم ‪ ,‬يقال ‪ :‬لزمت الغريم ملزمةً ‪ :‬تعلّقت به‬ ‫‪1‬‬

‫‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الحبس ‪:‬‬
‫‪ -‬الحبس في اللغة ‪ :‬المنع والمساك ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وفي اصطلح الفقهاء هو ‪ :‬تعويق الشّخص ومنعه من التّصرف بنفسه والخروج إلى‬
‫أشغاله ومهمّاته الدّينيّة والدنيويّة ‪.‬‬
‫ل منهما إجراء يتّخذ للتّوصل إلى أداء الحقوق ‪.‬‬
‫والعلقة بين الملزمة والحبس ‪ :‬أنّ ك ً‬
‫الحكام المتعلّقة بالملزمة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حكم ملزمة المدين‬
‫‪ -‬ل خلف بين جمهور الفقهاء في مشروعيّة أصل ملزمة المدين ‪ ,‬واختلفوا في شروط‬ ‫‪3‬‬

‫جوازها ‪.‬‬
‫فذهب أبو حنيفة وصاحباه ‪ :‬إلى أنّ للدّائن ملزمة المدين ‪ ,‬وإن ثبت إعساره عند القاضي ‪,‬‬
‫وليس للقاضي منع الدّائن عن ملزمة مدينه ‪ ,‬وقالوا ‪ :‬لنّه يتمكّن بالملزمة من حمل‬
‫المدين على قضاء الدّين ‪ ,‬ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬لصاحب الحقّ اليد واللّسان » ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬أراد عليه الصّلة والسّلم باليد ‪ :‬الملزمة ‪ ,‬وباللّسان ‪ :‬التّقاضي ‪.‬‬
‫وقالوا وإذا كان المدين امرأةً ل يلزمها منعا من الخلوة بالجنبيّة ‪ ,‬ويستأجر امرأةً تلزمها‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إذا ثبت إعسار المدين عند القاضي فليس لحد مطالبته ول‬
‫سرَةٍ } ‪.‬‬
‫ظرَةٌ إِلَى مَ ْي َ‬
‫سرَةٍ فَ َن ِ‬
‫ع ْ‬
‫ن ذُو ُ‬
‫ملزمته ‪ ,‬بل يمهل حتّى يوسر ‪ ,‬لقوله تعالى ‪َ { :‬وإِن كَا َ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال لغرماء الّذي أصيب في ثمار ابتاعها فكثرت‬
‫وقد ثبت أ ّ‬
‫ديونه ‪ « :‬خذوا ما وجدتم ‪ ,‬وليس لكم إلّا ذلك » ‪.‬‬
‫ولنّ من ليس لصاحب الحقّ مطالبته لم يكن له ملزمته ‪ ,‬كما لو كان عليه دين مؤجّل ‪,‬‬
‫ومن وجب إنظاره بال ّنصّ حرمت ملزمته ‪ ,‬أمّا إذا لم يثبت إعساره عند القاضي فيجوز‬
‫ملزمته ‪.‬‬
‫هذا ولم نقف فيما تيسّر لنا اطّلعه من كتب المالكيّة ذكرا للملزمة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬طريقة الملزمة ‪:‬‬
‫‪ -‬طريقة الملزمة عند الحنفيّة هي ‪ :‬أن يتتبّع الدّائن أو من ينوب عنه المدين ‪ ,‬فيذهب‬ ‫‪4‬‬

‫حيثما ذهب ‪ ,‬وإن رجع إلى منزله فإن أذن له بالدخول دخل معه ‪ ,‬وإلّا انتظره على الباب‬
‫ن ذلك حبسٌ وهو أمر ل‬
‫ليلزمه بعد الخروج ‪ ,‬وليس له أن يحجزه في مكان خاصّ ‪ ,‬ل ّ‬
‫يجوز لغير القاضي ‪ ,‬بل يدور معه حيثما يشاء هو ‪ ,‬لنّه بذلك يتمكّن من حمل المدين على‬
‫ق اليد واللّسان » ‪.‬‬
‫قضاء الدّين ‪ ,‬وللحديث السّابق ‪ « :‬لصاحب الح ّ‬
‫ل ‪ ,‬لنّه ليس بوقت الكسب فل يتوهّم وقوع مال في يده ‪,‬‬
‫وتكون الملزمة في النّهار ل لي ً‬
‫فالملزمة ل تفيد ‪.‬‬
‫وكذا كل وقتٍ ل يتوهّم وقوع مال في يده فيه كوقت مرضه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬حق ملزمة المكفول له الكفيل ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬إذا غاب المكفول عنه وعجز الكفيل عن إحضاره وقت الحاجة ‪ ,‬فللمكفول‬ ‫‪5‬‬

‫له ملزمة الكفيل ‪ ,‬كالدّائن مع المدين المفلس تماما ‪.‬‬


‫د ‪ -‬حق المحال في ملزمة المحال عليه ‪:‬‬
‫‪ -‬يجوز للمحال ملزمة المحال عليه ‪ ,‬وإذا ثبت له هذا الحق على المحال عليه ‪ ,‬فللمحال‬ ‫‪6‬‬

‫عليه أن يلزم المحيل ‪ ,‬ليتخلّص من ملزمة المحال ‪.‬‬


‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪112‬‬ ‫والتّفصيل في ( حوالة ف ‪/‬‬

‫مُلعَنة *‬
‫انظر ‪ :‬لعان ‪.‬‬

‫مُلمَسة *‬
‫انظر ‪ :‬بيع الملمسة ‪.‬‬

‫مَلهِي *‬
‫انظر ‪ :‬لهو ‪.‬‬

‫مُ ْل َتزَم *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الملتزم بفتح الزّاي ‪ :‬اسم مفعول من فعل التزم ‪ ,‬يقال ‪ :‬التزمت الشّيء ‪ ,‬أي ‪ :‬اعتنقته‬ ‫‪1‬‬

‫فهو ملتزَم ‪ ,‬ومنه يقال لما بين باب الكعبة والحجر السود ‪ :‬الملتزم ‪ ,‬لنّ النّاس يعتنقونه‬
‫‪ ,‬أي ‪ :‬يضمونه إلى صدورهم ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬الملتزم ما بين الركن الّذي به الحجر السود إلى باب الكعبة من حائط‬
‫الكعبة المشرّفة ‪ ,‬وعرضه علو أربعة أذرع ‪ ,‬وقال الرحيباني ‪ :‬مساحته قدر أربعة أذرع‬
‫بذراع اليد ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم التزمه ‪ ,‬وأخبر أنّ هناك ملكا يؤمّن على‬
‫وسمّي بذلك « ل ّ‬
‫الدعاء » ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفي ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه يستحب أن يلتزم الطّائف الملتزم بعد طواف الوداع اقتداءً‬ ‫‪2‬‬

‫بالرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه قال ‪ « :‬طفت مع عبد‬
‫اللّه ‪ :‬فلمّا جئنا دبر الكعبة قلت ‪ :‬أل تتعوّذ ؟ قال ‪ :‬نعوذ باللّه من النّار ‪ ,‬ثمّ مضى حتّى‬
‫استلم الحجر ‪ ,‬وأقام بين الركن والباب ‪ ,‬فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفّيه هكذا ‪,‬‬
‫وبسطهما بسطا ‪ ,‬ثمّ قال ‪ :‬هكذا رأيت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يفعله » ‪.‬‬
‫ونصّ الحنفيّة والمالكيّة على استحباب التزام الملتزم بعد طواف القدوم أيضا ‪.‬‬
‫وأطلق الشّافعيّة استحباب التزام الملتزم بعد الطّواف مطلقا ‪.‬‬
‫كيفيّة التزام الملتزم والدعاء فيه ‪:‬‬
‫‪ -‬نصّ الفقهاء على أنّ كيفيّة التزام الملتزم أن يلصق صدره ووجهه بجدار البيت ‪,‬‬ ‫‪3‬‬

‫ويضع خدّه اليمن عليه ‪ ,‬ويبسط ذراعيه وكفّيه ‪ ,‬بحيث تكون يده اليمنى إلى الباب‬
‫واليسرى إلى الركن ‪ ,‬ويتعلّق بأستار الكعبة كما يتعلّق عبد ذليل بطرف ثوب لمولى جليل‬
‫كالمتشفّع بها ‪ ,‬ودعا حال تثبته وتعلقه بالستار مجتهدا متضرّعا ‪ ,‬متخشّعا ‪ ,‬مكبّرا ‪,‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ويبكي أو يتباكى ‪ ,‬ولو لم ينل الستار يضع‬
‫مهلّلً‪ ,‬مصلّيا على النّب ّ‬
‫يديه على رأسه مبسوطتين على الجدار قائمتين ‪ ,‬والتصق بالجدار ‪ ,‬ودعا بما شاء وبما‬
‫أحبّ من خيري الدنيا والخرة ‪ ,‬ومنه ‪ :‬اللّهمّ هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك ‪,‬‬
‫حملتني على ما سخّرت لي من خلقك ‪ ,‬وسيّرتني في بلدك حتّى بلّغتني بنعمتك إلى بيتك ‪,‬‬
‫وأعنتني على أداء نسكي ‪ ,‬فإن كنت رضيت عنّي فازدد عنّي رضا ‪ ,‬وإلّا فمن الن قبل أن‬
‫تنأى عن بيتك داري ‪ ,‬فهذا أوان الفراق إن أذنت لي غير مستبدل بك ول ببيتك ‪ ,‬ول راغب‬
‫صحّة في جسمي ‪ ,‬والعصمة في‬
‫عنك ول عن بيتك ‪ ,‬اللّهمّ فاصحبني العافية في بدني ‪ ,‬وال ّ‬
‫ديني ‪ ,‬وأحسن منقلبي ‪ ,‬وارزقني طاعتك أبدا ما أبقيتني ‪ ,‬واجمع لي بين خيري الدنيا‬
‫والخرة ‪ ,‬إنّك على كلّ شيء قدير ‪.‬‬
‫وإن أحبّ دعا بغير ذلك ‪ ,‬وصلّى على النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫وقت التزام الملتزم ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وقت التزام الملتزم ‪ ,‬فذهب المالكيّة والحنابلة والحنفيّة في الصحّ‬ ‫‪4‬‬

‫والمشهور من الرّوايات إلى أنّه يستحب أن يأتي الملتزم بعد ركعتي الطّواف ‪ ,‬قبل الخروج‬
‫إلى الصّفا ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يندب أن يلتزم قبل الصّلة ‪ .‬وهو قول ثان عند الحنفيّة ‪ ,‬قال ابن عابدين ‪:‬‬
‫وهو السهل والفضل وعليه العمل ‪.‬‬

‫مِلْح *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الملح في اللغة ‪ :‬ما يطيب به الطّعام ‪ ,‬يؤنّث ويذكّر ‪ ,‬والتّأنيث فيه أكثر ‪ ,‬والجمع مِلح‬ ‫‪1‬‬

‫‪ -‬بالكسر ‪. -‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالملح ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّوضّؤ بالماء المتغيّر بالملح ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحصكفي من الحنفيّة ‪ :‬يجوز التّوضّؤ بماء ينعقد به ملح ‪ ,‬ل بماء حاصل بذوبان‬ ‫‪2‬‬

‫ملح ‪ ,‬لبقاء الوّل على طبيعته الصليّة وانقلب الثّاني إلى طبيعته الملحيّة ‪.‬‬
‫ونقل ابن عابدين عن الزّيلعي ‪ :‬ول يجوز التّوضّؤ بماء الملح ‪ ,‬وهو ما يجمد في الصّيف‬
‫ويذوب في الشّتاء عكس الماء ‪ ,‬وأقرّه صاحب البحر والمقدسي ‪ ,‬ومقتضاه أنّه ل يجوز‬
‫بماء الملح مطلقا ‪ ,‬أي سواء انعقد ملحا ث ّم ذاب أو ل ‪ ,‬وهو الصّواب عندي ‪.‬‬
‫ن تغير الماء بالملح ل يضر‬
‫والمذهب عند المالكيّة ‪ -‬كما نقل الدسوقي عن ابن أبي زيد ‪ -‬أ ّ‬
‫ولو طرح قصدا ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬الملح‬
‫وقال القابسي ‪ :‬إنّه كالطّعام فيسلب الطّهوريّة ‪ ,‬واختاره ابن يونس ‪ .‬وقال الباج ّ‬
‫المعدني ل يسلب الطّهوريّة ‪ ,‬والمصنوع كالطّعام يسلبه ‪.‬‬
‫ن الملح المعدنيّ يضر لنّه طعام فيسلب الطّهوريّة ‪ ,‬والمصنوع ل‬
‫ونقل الحطّاب عن سند أ ّ‬
‫يضر ‪ ,‬لنّ أصله التراب فل يسلب ‪ ,‬الطّهوريّة ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة في الماء المتغيّر بالملح أوجه ‪ :‬أصحها ‪ :‬يسلب الملح الجبلي الطّهوريّة منه‬
‫ي‪.‬‬
‫دون المائ ّ‬
‫والثّاني ‪َ :‬يسْلِبان ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬ل يسلبان ‪.‬‬
‫ي ‪ ,‬ول يسلب خلط هذا الملح بالماء‬
‫ويرى الحنابلة أنّه يكره التّطهر بماء متغيّر بالملح المائ ّ‬
‫ن أصله الماء ‪ ,‬بخلف الملح المعدنيّ فيسلبه الطّهوريّة ‪ ,‬وقالوا ‪ :‬الماء‬
‫طهوريّة الماء ‪ ,‬ل ّ‬
‫ي فغيّره طاهر ‪.‬‬
‫الّذي خلط فيه ملح معدن ّ‬
‫ب ‪ -‬التّيمم بالملح ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى الشّافعيّة والحنابلة أنّه ل يجوز التّيمم بالملح لنّه ل يجوز التّيمم عندهم إلّا‬ ‫‪3‬‬

‫بالتراب ‪.‬‬
‫وصرّح الحنفيّة بأنّ الملح المائيّ ل يجوز التّيمم به ‪ ,‬وإن كان الملح جبليّا ففي التّيمم به‬
‫روايتان صحّح كل منهما ‪ ,‬ولكن الفتوى على الجواز ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ الملح يجوز التّيمم به ما دام في موضعه ( معدنه ) أمّا إن نقل من‬
‫محلّه وصار ما ًل في أيدي النّاس فل يجوز التّيمم به ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬كون الملح ما ًل ربويّا ‪:‬‬
‫‪ -‬الملح من العيان الّتي نصّ على تحريم الرّبا فيها ‪ ,‬فقد روى عبادة بن الصّامت رضي‬ ‫‪4‬‬

‫ال عنه قال ‪ « :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ينهى عن بيع الذّهب بالذّهب ‪,‬‬
‫والفضّة بالفضّة ‪ ,‬والبرّ بالب ّر ‪ ,‬والشّعير بالشّعير ‪ ,‬والتّمر بالتّمر ‪ ,‬والملح بالملح ‪ ,‬إلّا‬
‫سواءً بسواء ‪ ,‬عينا بعين ‪ ,‬فمن زاد أو ازداد فقد أربى » ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪17‬‬ ‫وللتّفصيل ( ر ‪ :‬ربا ‪ ،‬ف ‪/‬‬

‫مِلْطاء *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الملطاء في اللغة بكسر الميم وبالمدّ في لغة الحجاز ‪ ,‬وباللف في لغة غيرهم ‪ ,‬هي ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫السّمحاق بكسر السّين ‪ ,‬والسّمحاق ‪ :‬قشرة رقيقة فوق عظم الرّأس بين اللّحم والعظم ‪.‬‬
‫شجّة الّتي تخرق‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬يرى جمهور الفقهاء أنّ الملطاء هي السّمحاق ‪ ,‬أو هي ال ّ‬
‫اللّحم حتّى تدنو من العظم ‪.‬‬
‫شجّة الّتي أزالت اللّحم وقربت للعظم ولم تصل إليه ‪ ,‬بل‬
‫وفرّق بينهما المالكيّة فقالوا ‪ :‬هي ال ّ‬
‫بقي بينه وبينها ستر رقيق ‪.‬‬
‫والسّمحاق ما كشطت الجلد عن اللّحم ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫السّمحاق ‪:‬‬
‫‪ -‬السّمحاق بكسر السّين في اللغة ‪ :‬قشرة رقيقة فوق عظم الرّأس ‪.‬‬ ‫‪2‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬قال المالكيّة ‪ :‬السّمحاق هي كشطة الجلد ‪ ,‬أي إزالته عن محلّه ‪.‬‬
‫ن السّمحاق من الجراحات المتعلّقة بالجلد ‪,‬‬
‫والصّلة بين الملطاء والسّمحاق عندهم ‪ :‬أ ّ‬
‫والملطاء من الجراحات المتعلّقة باللّحم ‪.‬‬
‫وأمّا عند جمهور الفقهاء فالملطاء والسّمحاق مترادفان كما سبق ‪.‬‬
‫الحكم الجمالي ‪:‬‬
‫ش مقدّر‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل تجب في الملطاء ‪ ,‬أي السّمحاق دية ول أر ٌ‬ ‫‪3‬‬

‫عندهم ‪ ,‬وإنّما تجب فيها حكومة عدل ‪ ,‬سواء كانت عمدا أم خطأً ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة وهو رواية عن محمّد وقول عند الشّافعيّة ‪ :‬إنّه يجب في عمدها القصاص‬
‫لمكان ضبطها ‪.‬‬

‫مِلْك *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الملك لغةً ‪ -‬بفتح الميم وكسرها وضمّها ‪ : -‬هو احتواء الشّيء والقدرة على الستبداد‬ ‫‪1‬‬

‫به والتّصرف بانفراد ‪.‬‬


‫ن الفقهاء قبلهم‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬يعبّر الفقهاء المحدثون بلفظ الملكيّة عن الملك ‪ ,‬لك ّ‬
‫يعبّرون بلفظ الملك ‪.‬‬
‫ي مقدّر في‬
‫وقد عرّف القرافي الملك ‪ -‬باعتباره حكما شرعيّا ‪ -‬فقال ‪ :‬الملك حكم شرع ّ‬
‫العين أو المنفعة ‪ ,‬يقتضي تمكن من يضاف إليه من انتفاعه بالمملوك والعوض عنه من‬
‫حيث هو كذلك ‪.‬‬
‫وقال ابن الشّاطّ ‪ :‬الملك هو تمكن النسان شرعا بنفسه أو بنيابة من النتفاع بالعين أو‬
‫صةً ‪.‬‬
‫بالمنفعة ومن أخذ العوض ‪ ,‬أو تمكنه من النتفاع خا ّ‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫الحق ‪:‬‬
‫‪ -‬يطلق الحق لغ ًة على نقض الباطل وعلى الحظّ ‪ ,‬والنّصيب ‪ ,‬والثّابت والموجود ‪,‬‬ ‫‪2‬‬

‫والشّيء الّذي ل ينبغي إنكاره ‪.‬‬


‫وفي الصطلح يطلق على الواجب الثّابت الّذي يشمل حقوق اللّه تعالى ‪ ,‬وحقوق العباد ‪.‬‬
‫ق أعم من الملك ‪.‬‬
‫والصّلة بين الحقّ والملك ‪ :‬أنّ الح ّ‬
‫الحكام المتعلّقة بالملك ‪:‬‬
‫يتعلّق بالملك أحكام منها ‪:‬‬
‫حرمة الملك في السلم ‪:‬‬
‫‪ -‬صان السلم الملك ‪ ,‬فحرّم العتداء عليه ‪ ,‬والدلّة على ذلك كثيرة ‪ ,‬منها قوله تعالى‬ ‫‪3‬‬

‫طلِ } وقوله سبحانه ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِينَ آمَنُواْ لَ تَ ْأكُلُواْ‬


‫‪َ { :‬و َل تَ ْأكُلُو ْا َأمْوَا َلكُم بَيْ َنكُم بِالْبَا ِ‬
‫ن دماءكم وأموالكم‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫طلِ } وقول النّب ّ‬
‫َأ ْموَا َل ُكمْ بَيْ َنكُمْ بِالْبَا ِ‬
‫وأعراضكم حرام عليكم » ‪ .‬وقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أمرت أن أقاتل النّاس حتّى‬
‫يشهدوا أن ل إله إلّا اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه ‪ ,‬ويقيموا الصّلة ‪ ,‬ويؤتوا الزّكاة ‪ ,‬فإذا‬
‫ق السلم ‪ ,‬وحسابهم على اللّه » ‪.‬‬
‫فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلّا بح ّ‬
‫قال إمام الحرمين ‪ :‬القاعدة المعتبرة أنّ الملّاك مختصون بأملكهم ‪ ,‬ل يزاحم أحد مالكا في‬
‫ملكه من غير حق مستحق ‪ ,‬ثمّ الضّرورة تحوّج ملّاك الموال إلى التّبادل فيها ‪ . . .‬فالمر‬
‫ك فيه تحريم التّسالب والتّغالب ومدّ اليدي إلى أموال النّاس من غير استحقاق ‪,‬‬
‫الّذي ل ش ّ‬
‫وقال ابن تيميّة ‪ :‬والرّجل أحق بماله من ولده ووالده والنّاس أجمعين ‪.‬‬
‫ن المالك الحقيقيّ للموال هو اللّه‬
‫وقد جعل السلم ملك الموال استخلفا ومنحةً ربّان ّيةً ‪ ,‬ل ّ‬
‫ق التّملك واستخلفه على الموال ‪ ,‬قال تعالى ‪َ { :‬وأَن ِفقُوا‬
‫تعالى ‪ ,‬ولكنّه أعطى للنسان ح ّ‬
‫جعَ َلكُم ّمسْ َتخْلَفِينَ فِيهِ } وقال تعالى ‪ { :‬وَآتُوهُم مّن مّالِ الّلهِ الّذِي آتَا ُكمْ } ‪.‬‬
‫ِممّا َ‬
‫واليات في هذا المعنى كثيرة ‪ ,‬وقيل في تفسيرها ‪ :‬إنّ الموال الّتي في أيديكم إنّما هي‬
‫أموال اللّه بخلقه وإنشائه لها ‪ ,‬وإنّما خوّلكم الستمتاع بها ‪ ,‬وجعلكم خلفاء في التّصرف‬
‫فيها ‪ ,‬فليست هي بأموالكم في الحقيقة ‪ ,‬وما أنتم فيها إلّا بمنزلة الوكلء ‪.‬‬
‫ن اللّه تعالى فرض في الموال حقوقا للفقراء والمساكين وللقارب‬
‫ويترتّب على ذلك أ ّ‬
‫ونحوهم ‪.‬‬
‫أقسام الملك ‪:‬‬
‫للملك أقسام باعتبارات مختلفة ‪:‬‬
‫‪ -‬فهو باعتبار حقيقته ‪ :‬إمّا ملك تام أو ناقص ‪.‬‬
‫‪ -‬وباعتبار المستفيد منه ‪ :‬إمّا ملك عام أو خاص ‪.‬‬
‫‪ -‬وباعتبار سببه ‪ :‬إمّا ملك اختياريّ أو جبريّ ‪.‬‬
‫‪ -‬وباعتبار احتمال سقوطه ‪ :‬إمّا ملك مستقر أو غير مستقر ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬أقسام الملك باعتبار حقيقته ‪:‬‬
‫‪ -‬ينقسم الملك باعتبار حقيقته إلى ملك تام وملك ناقصٍ ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫والملك التّام ‪ :‬هو ملك الرّقبة والمنفعة ‪ ,‬والملك النّاقص ‪ :‬هو ملك الرّقبة فقط ‪ ,‬أو المنفعة‬
‫فقط ‪ ,‬أو النتفاع فقط ‪.‬‬
‫يقول ابن تيميّة ‪ :‬الملك التّام يملك فيه التّصرف في الرّقبة بالبيع والهبة ‪ ,‬ويورث عنه ‪,‬‬
‫ويملك التّصرف في منافعه بالعارة والجارة والنتفاع وغير ذلك ‪.‬‬
‫وقد عبّر بعض الفقهاء بالملك الضّعيف بدل النّاقص ‪ ,‬يقول الزّركشي ‪ :‬الملك قسمان ‪ :‬تام‬
‫وضعيف ‪ ,‬فالتّام يستتبع جميع التّصرفات ‪ ,‬والضّعيف بخلفه ‪ ,‬ثمّ أستعمل مصطلح النّاقص‬
‫أيضا ‪.‬‬
‫ثمّ إنّ الصل في الملك هو الملك التّام ‪ ,‬وأنّ الملك النّاقص خلف الصل ‪ ,‬كما أنّ المقصود‬
‫من مشروعيّة الملك هو النتفاع بالشياء ‪.‬‬
‫ولذلك جاء ملك الرّقبة دون المنفعة ناقصا ‪ ,‬كأن يوصي بمنفعة عين لشخص ‪ ,‬أو أن‬
‫يوصي بالرّقبة لشخص وبمنفعتها لخر ‪.‬‬
‫أمّا ملك المنافع ‪ :‬فهو مشاع ‪ ,‬ويتحقّق في الجارة بالنّسبة للمستأجر ‪ ,‬والعارة بالنّسبة‬
‫للمستعير ‪ ,‬والوصيّة بالمنفعة فقط ‪ ,‬والوقف على تفصيل فيه ‪ ,‬والرض الخراجيّة المقرّة‬
‫في يد من هي في يده بالخراج ‪.‬‬
‫والوصيّة بالمنافع جائزة عند جمهور الفقهاء ما عدا ابن شبرمة وابن أبي ليلى ‪.‬‬
‫أمّا ملك النتفاع ‪ :‬فقد ذكره جمهور الفقهاء " المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة " وإن اختلفوا في‬
‫تفصيل أحكامه ‪.‬‬
‫فقد قسّم ابن رجب الحنبلي الملك إلى أربعة أنواع ‪ :‬ملك عين ومنفعة ‪ ,‬وملك عين بل‬
‫منفعة‪ ,‬وملك منفعة بل عين ‪ ,‬وملك انتفاع من غير ملك المنفعة ‪ ,‬ثمّ قال ‪:‬‬
‫أمّا النّوع الوّل ‪ :‬فهو عامّة الملك الواردة على العيان المملوكة بالسباب المقتضية لها ‪,‬‬
‫من بيعٍ وهبةٍ وإرثٍ وغير ذلك ‪.‬‬
‫النّوع الثّاني ‪ :‬ملك العين بدون منفعة ‪.‬‬
‫النّوع الثّالث ‪ :‬ملك المنفعة بدون عين وهو ثابت بالتّفاق ‪ ,‬وهو ضربان ‪:‬‬
‫الضّرب الوّل ‪ :‬ملك مؤبّد ‪ ,‬ويندرج تحته صور ‪ :‬منها الوصيّة بالمنافع ‪ ,‬ومنها الوقف ‪,‬‬
‫ن منافعه وثمراته مملوكة للموقوف عليه ‪ . . .‬ومنها الرض الخراجيّة ‪.‬‬
‫فإ ّ‬
‫والضّرب الثّاني ‪ :‬ملك غير مؤبّد ‪ ,‬فمنه الجارة ‪ ,‬ومنه منافع البيع المستثناة في العقد مدّةً‬
‫معلومةً ‪.‬‬
‫النّوع الرّابع ‪ :‬ملك النتفاع المجرّد ‪ ,‬وله صور متعدّدة ‪ :‬منها ملك المستعير ‪ ,‬فإنّه يملك‬
‫النتفاع ل المنفعة ‪ ,‬إلّا على رواية ابن منصور عن أحمد ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬المنتفع بملك جاره من وضع خشب ‪ ,‬وممر في دار ونحوه ‪ ,‬وإن كان بعقد صلح‬
‫فهو إجارة ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬إقطاع الرفاق كمقاعد السواق ونحوها ‪ ,‬ومنها ‪ :‬الطّعام في دار الحرب قبل‬
‫حيازته يملك القائمون النتفاع به بقدر الحاجة ‪ ,‬وقياسه الكل من الضحيّة والثّمر المعلّق‬
‫ونحوه ‪ ,‬ومنها أكل الضّيف لطعام المضيف فإنّه إباحة محضة ‪.‬‬
‫وقد فصّل القرافي المالكي في التّفرقة بين ملك النتفاع ‪ ,‬وملك المنفعة فقال ‪ :‬فتمليك‬
‫النتفاع نريد به أن يباشر هو بنفسه فقط ‪ ,‬وتمليك المنفعة هو أعم وأشمل ‪ ,‬فيباشر بنفسه‬
‫ويمكّن غيره من النتفاع بعوض كالجارة ‪ ,‬وبغير عوض كالعارية ‪.‬‬
‫ومثال الوّل ‪ -‬أي النتفاع ‪ -‬سكنى المدارس والرّباط والمجالس في الجوامع والمساجد‬
‫والسواق ومواضع النسك كالمطاف والمسعى ونحو ذلك ‪ ,‬فله أن ينتفع بنفسه فقط ‪. . .‬‬
‫أمّا مالك المنفعة فكمن استأجر دارا ‪ ,‬أو استعارها ‪ ,‬فله أن يؤاجرها من غيره ‪ ,‬أو يسكنه‬
‫بغير عوض ‪ ,‬ويتصرّف في هذه المنفعة تصرف الملّاك في أملكهم ‪.‬‬
‫ثمّ ذكر أربع مسائل تدخل في ملك النتفاع وهي ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬النّكاح حيث هو من باب تمليك النتفاع ‪ ,‬وليس تمليك المنفعة ‪.‬‬
‫الثّانية ‪ :‬الوكالة بغير عوض ‪ ,‬فهي من باب تمليك النتفاع ل من باب تمليك المنفعة ‪ ,‬وأمّا‬
‫الوكالة بعوض فهي من باب الجارة ‪.‬‬
‫الثّالثة ‪ :‬القراض " المضاربة " والمساقاة والمغارسة ‪ ,‬فرب المال فيها يملك من العامل‬
‫النتفاع ل المنفعة ‪ ,‬بدليل أنّه ليس له أن يعاوض على ما ملكه من العامل من غيره ‪ ,‬ول‬
‫يؤاجره ممّن أراد ‪ ,‬بل يقتصر على النتفاع بنفسه على الوجه الّذي اقتضاه عقد القراض ‪.‬‬
‫الرّابعة ‪ :‬إذا وقف شخص وقفا على أن يسكن أو على السكنى ‪ ,‬ولم يزد على ذلك ‪ ,‬فظاهر‬
‫اللّفظ يقتضي أنّ الواقف إنّما ملك الموقوف عليه النتفاع بالسكنى دون المنفعة ‪ ,‬فليس له‬
‫أن يؤاجر غيره ‪ ,‬ول يسكنه ‪.‬‬
‫وفرّق الشّافعيّة بين ملك المنفعة كالمستأجر ‪ ,‬وملك النتفاع كالمستعير ‪ ,‬وقالوا ‪ :‬من ملك‬
‫المنفعة فله الجارة والعارة ‪ ,‬ومن ملك النتفاع فليس له الجارة قطعا ‪ ,‬ول العارة في‬
‫الصحّ ‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء حول بعض المسائل الّتي تدخل عند بعضهم في ملك النتفاع ول تدخل‬
‫فيه عند الخرين ‪ ,‬بل تدخل في ملك المنفعة ‪ ,‬مثل العارية ‪ . . .‬حيث ذهب الحنفيّة ما عدا‬
‫ن العارية تمليك للمنفعة بغير عوض ‪ ,‬ولذلك‬
‫الكرخيّ والمالكيّة والحنابلة في رأي إلى أ ّ‬
‫أجازوا للمستعير إعارة العين المستعارة بالقيود الّتي وضعها الفقهاء ‪.‬‬
‫الفروق الجوهريّة بين الملك التّامّ والملك النّاقص ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة ‪ ,‬والحنابلة في الصّحيح من المذهب ‪ ,‬والكرخي إلى أنّ العارة تمليك‬ ‫‪5‬‬

‫للنتفاع ‪.‬‬
‫وتوجد فروق جوهريّة بين الملك التّامّ والملك النّاقص ‪ ,‬تلخيصها فيما يأتي ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬إنّ لصاحب الملك التّامّ الحقّ في إنشاء جميع التّصرفات المشروعة من عقود ناقلة‬
‫للملك التّامّ ‪ ,‬أو النّاقص ‪ ,‬فهو حر التّصرف في حدود عدم مخالفة الشّرع ‪ ,‬أمّا صاحب‬
‫الملك النّاقص فليس له الحق في كلّ التّصرفات ‪ ,‬وإنّما هو مقيّد في حدود النتفاع بالمنفعة‬
‫فقط ‪ ,‬لنّه ل يملك الرّقبة والمنفعة معا ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬تأبيد الملك التّامّ ‪ :‬والمقصود به أنّ الملك التّامّ دائم ومستمر ل ينتهي إلّا بسبب‬
‫مشروع قاطع ‪ ,‬وكذلك ل يجوز تأقيته ‪ ,‬ولذلك ل يجوز تأقيت العقود النّاقلة للملك التّامّ‬
‫كالبيع ونحوه ‪ ,‬فل يجوز أن يقال ‪ :‬بعت لك هذه الدّار بألف دينار لمدّة سنة ‪ ,‬إلّا إذا قصد‬
‫بها الجارة فيحمل عليها من باب ‪ :‬إنّ العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني ل باللفاظ‬
‫والمباني ‪.‬‬
‫وأمّا الملك النّاقص فالعقود الواردة على المنافع فيها ل بدّ من تأقيتها مثل الجارة والعارة‬
‫ونحوها ‪ ,‬فهي تقبل التّقييد بالزّمان والمكان ونوع النتفاع ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أقسام الملك باعتبار المستفيد منه ‪:‬‬
‫‪ -‬ينقسم الملك باعتبار المستفيد منه إلى ملك خاصّ ‪ ,‬وإلى ملك عام ‪ ,‬فالملك الخاص هو‬ ‫‪6‬‬

‫الّذي له مالك معيّن ‪ ,‬سواء أكان فردا أم جماع ًة ‪.‬‬


‫وأمّا الملك العام فهو الملك الّذي ل يختص به مالك معيّن ‪ ,‬وإنّما يشترك فيه النّاس ل على‬
‫التّعيين ‪ ,‬كملك الماء والكل والنّار ‪ ,‬لقول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬المسلمون‬
‫شركاء في ثلث في الكل والماء والنّار » ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أقسام الملك باعتبار سببه ‪:‬‬
‫‪ -‬ينقسم الملك باعتبار سببه إلى ملك اختياري أو قهري ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫يقول الزّركشي ‪ :‬الملك قسمان ‪ :‬أحدهما يحصل قهرا كما في الميراث ومنافع الوقف ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬يحصل بالختيار وهو على قسمين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬بالقوال ‪ ,‬ويكون في المعاوضات كالبيوع ‪ ,‬وفي غيرها كالهبات والوصايا ‪,‬‬
‫والوقوف إذا اشترطنا القبول ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬يحصل بالفعال كتناول المباحات كالصطياد والحياء ‪.‬‬
‫ثمّ فرّق الزّركشي بينهما فقال ‪ :‬وممّا يتخالفان فيه ‪ -‬أعني الختياريّ والقهريّ ‪ -‬أنّ‬
‫الختياريّ يملك بالعوض المعيّن ‪ ,‬أو بما في ال ّذمّة ‪ ,‬ول يتوقّف على أداء الثّمن بل خلف ‪,‬‬
‫وأمّا القهري كالخذ بالشّفعة فل يملك حتّى يقبض المشتري الثّمن ‪ ,‬أو يرضى بتأخيره على‬
‫أحد القولين ‪ ,‬والصّحيح أنّه يملك بذلك وبقضاء القاضي له ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أنّ التّملك القهريّ يحصل بالستيلء على ملك الغير كما في أموال الكفّار ‪ ,‬بخلف‬
‫الختياريّ ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أنّ التّملك القهريّ هل يشرط فيه معرفة شروطه من الرؤية ونحوها ؟ خلف ‪ -‬كما‬
‫في الشّفعة ‪ ,‬يؤخذ الشّقص الّذي لم يره ‪ -‬على قولين ‪ ,‬والختياري يشترط فيه قطعا ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أنّه يغتفر فيه ما ل يغتفر في الختياريّ ‪ ,‬كالرّ ّد بالعيب ‪ ,‬وكذا الصّيد في حقّ‬
‫المحرم ‪ ,‬ول يملك ذلك كلّه بالختيار ‪.‬‬
‫وقال القرافي ‪ :‬اختلف العلماء ‪ ,‬هل السباب الفعليّة أقوى أم القوليّة أقوى ؟ فقيل ‪ :‬الفعليّة‬
‫أقوى ‪ ,‬وقيل ‪ :‬القوليّة أقوى ‪.‬‬
‫وقد بيّن القرافي الفرق بين السّببين فقال ‪ :‬السباب الفعليّة تصح من السّفيه المحجور عليه‬
‫دون القوليّة ‪ .‬فالمحجور عليه يملك الصّيد بالصطياد ‪ ,‬والرض بالحياء ‪ ,‬في حين ل يملك‬
‫إنشاء عقود البيع والهبة ونحوهما ‪ ,‬وذلك لنّ السباب الفعليّة تعود بالنّفع عليه ‪ ,‬أمّا‬
‫السباب القوليّة فإنّها موضع المماكسة والمغابنة ‪ ,‬فقد تعود عليه بالضّرر ‪ ,‬كما أنّ فيها‬
‫طرفا آخر ينازعه ويجاذبه إلى الغبن ‪ ,‬وهو ضعيف العقل ‪ ,‬فل يستطيع تحقيق مصلحته ‪.‬‬
‫د ‪ -‬أقسام الملك باعتبار السقوط وعدمه ‪:‬‬
‫‪ -‬ينقسم الملك ‪ -‬باعتبار احتمال سقوطه وعدمه ‪ -‬إلى نوعين هما ‪:‬‬ ‫‪8‬‬

‫الملك المستقر الّذي ل يحتمل السقوط بتلف المحلّ ‪ ,‬أو تلف مقابله كثمن المبيع بعد القبض‪,‬‬
‫والصّداق بعد الدخول ‪.‬‬
‫والملك غير المستق ّر الّذي يحتمل ذلك كالجرة قبل استيفاء المنفعة ‪ ,‬والثّمن قبل قبض‬
‫المبيع ‪.‬‬
‫أسباب الملك ‪:‬‬
‫ن أسباب الملك هي ‪:‬‬
‫‪ -‬للملك أسبابه الّتي تؤدّي إلى تحقيقه ذكر ابن نجيم في الشباه أ ّ‬ ‫‪9‬‬

‫المعاوضات الماليّة ‪ ,‬والمهار ‪ ,‬والخلع ‪ ,‬والميراث ‪ ,‬والهبات ‪ ,‬والصّدقات ‪ ,‬والوصايا ‪,‬‬


‫والوقف ‪ ,‬والغنيمة ‪ ,‬والستيلء على المباح ‪ ,‬والحياء ‪ ,‬وتملك اللقطة بشرطه ‪ ,‬ودية‬
‫القتيل يملكها أ ّولً ثمّ تنتقل إلى الورثة ‪ ,‬ومنها الغرّة يملكها الجنين فتورث عنه ‪ ,‬والغاصب‬
‫ي بحيث ل‬
‫إذا فعل بالمغصوب شيئا أزال به اسمه وعظم منافعه ملكه ‪ ,‬وإذا خلط المثلي بمثل ّ‬
‫يتميّز ملكه ‪.‬‬
‫وذكر الحصكفي أنّ أسباب الملك ثلثة ‪ :‬ناقل كبيع وهبة ‪ ,‬وخلفة كإرث ‪ ,‬وأصالة وهو‬
‫الستيلء حقيقةً بوضع اليد ‪ ,‬أو حكما بالتّهيئة كنصب شبكة لصيد ‪.‬‬
‫ن أسباب الملك ثمانية ‪ :‬الميراث ‪ ,‬والمعاوضات ‪,‬‬
‫ل عن الكفاية أ ّ‬
‫وذكر السيوطيّ نق ً‬
‫والهبات‪ ,‬والوصايا ‪ ,‬والوقف ‪ ,‬والغنيمة ‪ ,‬والحياء ‪ ,‬والصّدقات ‪.‬‬
‫قال ابن السبكي ‪ :‬وبقيت أسباب أخر ‪ ,‬منها ‪ :‬تملك اللقطة بشرطه ‪ ,‬ومنها ‪ :‬دية القتيل‬
‫يملكها أ ّولً ثمّ تنقل لورثته على الصحّ ‪ ,‬ولذلك يوفّى منها دينه ‪ ,‬ومنها ‪ :‬الجنين ‪ ,‬الصح‬
‫أنّه يملك الغرّة ‪ ,‬ومنها ‪ :‬خلط الغاصب المغصوب بماله ‪ ,‬أو بمال آخر ل يتميّز فإنّه يوجب‬
‫ن الضّيف يملك ما يأكله ‪ ,‬وهل يملك بالوضع بين يديه ‪ ,‬أو‬
‫ملكه إيّاه ‪ ,‬ومنها ‪ :‬الصّحيح أ ّ‬
‫في الفم ‪ ,‬أو بالخذ ‪ ,‬أو بالزدراد يتبيّن حصول الملك قبيله ؟ أوجه ‪.‬‬
‫القيود الواردة على الملك ‪:‬‬
‫ترد على الملك قيود تتعلّق إمّا بالسباب أو بالستعمال أو بالنتقال ‪ ,‬وكذلك القيود الّتي‬
‫ي المر وللمتعاقد ‪.‬‬
‫أعطيت لول ّ‬
‫أ ّولً ‪ -‬القيود الواردة على أسباب الملك ‪:‬‬
‫‪ -‬تظهر هذه القيود من خلل كون أسباب كسب الملك في الشّريعة مقيّدة بأن تكون‬ ‫‪10‬‬

‫مشروعةً ‪ ,‬وليست مطلقةً ‪ ,‬ولذلك فالوسائل المحرّمة من سرقة ‪ ,‬وغصب ‪ ,‬أو استغلل ‪,‬‬
‫أو قمار ‪ ,‬أو ربا ‪ ,‬أو نحو ذلك ليست من أسباب التّملك ‪ ,‬حيث قطعت الشّريعة الطّريق بين‬
‫السباب المحرّمة والملك ‪ ,‬ومنعتها منعا باتا ‪ ,‬وطالبت المؤمنين جميعا أن تكون أموالهم‬
‫حللً طيّبا ‪ ,‬وبذلك وردت اليات والحاديث الكثيرة ‪ ,‬منها قوله تعالى ‪ { :‬لَ تَ ْأكُلُواْ َأ ْموَا َلكُمْ‬
‫ض مّن ُكمْ } ‪ .‬حيث منع أكل أموال النّاس إلّا عن‬
‫طلِ ِإلّ أَن َتكُونَ ِتجَارَ ًة عَن تَرَا ٍ‬
‫بَيْ َنكُمْ بِالْبَا ِ‬
‫طريق الرّضا والرادة ‪.‬‬
‫ن آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا َرزَقْنَا ُكمْ‬
‫وقد أمر اللّه بأكل الطّيّبات فقال تعالى ‪ { :‬يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫وَاشْكُرُواْ لِّل ِه إِن كُن ُتمْ إِيّا ُه َتعْبُدُونَ } ‪.‬‬
‫وقد ورد عن أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أيها‬
‫ن اللّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال ‪{ :‬‬
‫ن اللّه طيّب ل يقبل إلّا طيّبا ‪ ,‬وإ ّ‬
‫النّاس إ ّ‬
‫عمَلُوا صَا ِلحًا إِنّي ِبمَا َت ْعمَلُونَ عَلِيمٌ } ‪ ,‬وقال { يَا أَ ّيهَا‬
‫ن الطّيّبَاتِ وَا ْ‬
‫سلُ كُلُوا مِ َ‬
‫يَا أَ ّيهَا ال ّر ُ‬
‫ت مَا رَ َزقْنَا ُكمْ } ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعث أغبر يمد يديه‬
‫الّذِينَ آمَنُواْ كُلُو ْا مِن طَيّبَا ِ‬
‫إلى السّماء ‪ :‬يا ربّ يا ربّ ‪ ,‬ومطعمه حرام ‪ ,‬ومشربه حرام وملبسه حرام وغذّي بالحرام ‪,‬‬
‫فأنّى يستجاب لذلك » ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬القيود الواردة على استعمال الملك ‪:‬‬
‫‪ -‬وضعت الشّريعة قيودا على الملك من حيث الستعمال فأوجبت على المالك ‪:‬‬ ‫‪11‬‬

‫ح ّقهُ‬
‫ت ذَا ا ْلقُرْبَى َ‬
‫ل ‪ ,‬قال تعالى ‪ { :‬وَآ ِ‬
‫أ ‪ -‬أن ل يكون مبذّرا مسرفا ‪ ,‬ول مقتّرا بخي ً‬
‫ن َوكَانَ الشّ ْيطَانُ‬
‫ن كَانُواْ ِإخْوَانَ الشّيَاطِي ِ‬
‫ن ا ْلمُبَذّرِي َ‬
‫ن وَابْنَ السّبِيلِ َولَ تُبَذّرْ تَبْذِيرا ‪ ،‬إِ ّ‬
‫وَا ْل ِمسْكِي َ‬
‫سطِ فَ َت ْقعُدَ‬
‫سطْهَا ُكلّ الْ َب ْ‬
‫لِرَ ّب ِه كَفُورا } ‪ ،‬وقال سبحانه { َو َل َتجْ َعلْ يَ َدكَ َمغْلُو َلةً إِلَى عُ ُنقِكَ َو َل تَ ْب ُ‬
‫حسُورا } ‪.‬‬
‫مَلُوما ّم ْ‬
‫واليات والحاديث في هذا المجال كثيرة تدل على حرمة السراف والتّبذير وتضييع المال‬
‫بدون فائدة حتّى في مجال الكل ‪ ,‬يقول محمّد بن حسن الشّيباني ‪ :‬ثمّ الحاصل أنّه يحرم‬
‫على المرء فيما اكتسبه من الحلل الفساد ‪ ,‬والسّرف ‪ ,‬والتّقتير ‪ . . .‬ثمّ السّرف في الطّعام‬
‫أنواع ‪ :‬ومنه الستكثار في المباحات واللوان ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ألّا يستعمل المالك ما حرّمه الشّرع ‪ ,‬ومن ذلك حرمة لبس الحرير للرّجال واستعمال‬
‫الذّهب لهم واستعمال أواني الذّهب والفضّة للرّجال والنّساء ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وجوب الستنماء في الجملة وعدم تعطيل الموال حتّى تؤدّي دورها في التّداول‬
‫والتّعمير ‪ ,‬تدل على ذلك اليات والحاديث الكثيرة الّتي تطالب بالعمل والتّجارة والصّناعة‬
‫ض ذَلُولًا فَا ْمشُوا فِي‬
‫ج َعلَ َل ُكمُ الْأَرْ َ‬
‫والزّراعة بصيغ الوامر ‪ ,‬ومنها قوله تعالى ‪ُ { :‬هوَ الّذِي َ‬
‫مَنَاكِ ِبهَا َوكُلُوا مِن رّ ْز ِقهِ } ‪ ،‬وقوله تعالى ‪ { :‬فَإِذَا قُضِيَتِ الصّلَاةُ فَان َتشِرُوا فِي الْ َأرْضِ‬
‫ضلِ الّلهِ } ومن الحاديث قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من ولي يتيما له‬
‫وَابْتَغُوا مِن فَ ْ‬
‫مال فليتّجر فيه ول يتركه حتّى تأكله الصّدقة » ‪.‬‬
‫ن ما ل تتم مصالح المّة إلّا به فهو واجب على الكفاية ‪ ,‬ونصوا على‬
‫كما صرّح الفقهاء بأ ّ‬
‫ن قيام الدنيا بها ‪ ,‬وقيام‬
‫أنّ الحرف والصّنائع والتّجارة المحتاج إليها من فروض الكفايات ل ّ‬
‫الدّين يتوقّف على أمر الدنيا ‪ ,‬حتّى لو امتنع الخلق منه أثموا ‪ ,‬وكانوا ساعين في إهلك‬
‫أنفسهم ‪ ,‬لكنّ النفوس مجبولة على القيام به ‪ ,‬فل تحتاج إلى حث عليها وترغيب فيها ‪.‬‬
‫ن الكسب بقدر ما ل بدّ‬
‫وقال محمّد بن الحسن الشّيباني ‪ :‬ثمّ المذهب عند جمهور الفقهاء أ ّ‬
‫منه فريضة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪17‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪10‬‬ ‫وينظر مصطلح ( إنماء ف ‪/‬‬
‫د ‪ -‬عدم الضرار بالفرد والمجتمع ‪ :‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل يجوز للشّخص في استعماله‬
‫ملكه أن يقصد الضرار بالغير ‪ ,‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل ضرر ول ضرار » وهذا‬
‫يدل على عدم جواز الضرار بأحد ل في ماله ‪ ,‬ول في نفسه ول في عرضه ‪.‬‬
‫وكذلك ل يجوز مقابلة الضّرر بالضّرر والتلف بالتلف ‪ ,‬فكل تصرف ‪ -‬ولو كان في ملك‬
‫المالك ‪ -‬يمنع إذا أدّى إلى الضرار بالخرين ‪ ,‬ولذلك منع الفقهاء المالك من إشعال النّار‬
‫في يوم عاصف ‪ ,‬ولو كان في ملكه ‪ ,‬ما دام يترتّب عليه إحراق شيء من أموال الجيران ‪,‬‬
‫حيث يعتبر متعدّيا ‪ ,‬وعليه الضّمان ‪.‬‬
‫ن الفقهاء اختلفوا في منع الجار من التّصرفات المعتادة الّتي يترتّب عليها الضرار‬
‫‪ -‬ولك ّ‬ ‫‪12‬‬

‫بالجار على ثلثة مذاهب ‪:‬‬


‫فمنهم من لم يمنع من ذلك ‪ ,‬وهم متقدّمو الحنفيّة ‪ ,‬والشّافعيّة على الرّاجح ‪ ,‬وأحمد في‬
‫رواية ‪.‬‬
‫ومنهم من يمنع ما دام فيه قصد الضرار ‪ ,‬أو كان الضّرر فاحشا ‪ ,‬وهم المالكيّة ‪ ,‬وأحمد‬
‫في الرّواية المشهورة ‪ ,‬وبعض الشّافعيّة ‪.‬‬
‫ومنهم من فرّق بين الضّرر الفاحش فيمنع ‪ ,‬وغير الفاحش الّذي ل يمنع ‪ ,‬وهو رأي أبي‬
‫يوسف في رواية ‪ ,‬ومتأخّري الحنفيّة ‪ ,‬وبعض الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وكما منعت الشّريعة الضرار بالفراد منعت الضرار بالمجتمع ‪ ,‬ولذلك حرّمت الحتكار‬
‫والرّبا ‪ ,‬والمتاجرة المؤدية إلى الفساد ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬القيود الواردة عند انتقال الملك ‪:‬‬
‫ن لنتقال الملك شروطا وضوابط ‪ ,‬وجعلت الشّريعة وسائل النتقال‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪13‬‬

‫‪ -‬كقاعدة عامّة في حالة الحياة ‪ -‬في الرّضا والرادة ‪ ,‬بل اشترطت أن يكون الرّضا غير‬
‫ش والتّدليس والستغلل والكراه والغلط‬
‫مشوب بعيوب الرّضا وعيوب الرادة ‪ ,‬من الغ ّ‬
‫ن ِتجَارَةً عَن‬
‫ط ِل ِإلّ أَن َتكُو َ‬
‫ونحو ذلك ‪ ,‬لقول اللّه تعالى ‪ { :‬لَ تَ ْأكُلُواْ َأ ْموَا َلكُمْ بَيْ َن ُكمْ بِالْبَا ِ‬
‫ض مّنكُمْ } ‪ ,‬ولقول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّما البيع عن تراض » ‪ ,‬وقوله ‪:‬‬
‫تَرَا ٍ‬
‫« ل يحل مال امرئ مسلم إلّا ما أعطاه عن طيب نفسه » ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪13‬‬ ‫وللتّفصيل ر ‪ :‬مصطلح ( رضا ف ‪/‬‬
‫كذلك حدّد الفقهاء إرادة المالك المريض مرض الموت بالثلث إذا كانت تصرفاته عطاءً‬
‫وهبةً‪ ,‬أو محاباةً ‪ ,‬أو وص ّي ًة ‪.‬‬
‫ر ‪ :‬مصطلح ( مرض الموت ) ‪.‬‬
‫وقد قيّدت الشّريعة إرادة المحجور عليه في العقود الّتي فيها ضرر ‪ ,‬أو من شأنها الضّرر‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪26‬‬ ‫على تفصيل يراجع فيه مصطلح ‪ ( :‬حجر ‪ ,‬سفه ف ‪/‬‬
‫وأمّا في حالة الموت فإنّ جميع أموال الميّت تنتقل إلى الورثة حسب قواعد الفرائض ‪ ,‬كما‬
‫أنّ وصيّته تنفّذ في حدود الثلث ‪ ,‬وتنتقل إلى الموصى إليهم ‪.‬‬
‫‪ ,‬وصيّة ) ‪.‬‬ ‫‪14‬‬ ‫ثف‪/‬‬
‫وللتّفصيل يراجع مصطلح ( إر ٌ‬
‫رابعا ‪ -‬القيود الّتي أعطيت لوليّ المر ‪:‬‬
‫ي المر حقّ وضع قيود على الملك ومن ذلك ‪:‬‬
‫أعطت الشّريعة السلميّة ول ّ‬
‫الوّل ‪ -‬تقييد الملك الخاصّ للمصلحة العامّة ‪:‬‬
‫‪ -‬تقر الشّريعة الملك للفراد وتحميه وتصونه ‪ ,‬ومعيار تقييده فيها يقوم على المصلحة‬ ‫‪14‬‬

‫العامّة الّتي ل تختص بواحد معيّن ‪ ,‬أو جماعة معيّنة ‪ ,‬وإنّما تعم المجتمع ‪ ,‬يقول الشّاطبي‬
‫‪ :‬لنّ المصالح العامّة مقدّمة على المصالح الخاصّة ‪.‬‬
‫فحق الملك ‪ ,‬وإن كان خاصا بصاحبه ‪ ,‬ومن حقّه أن يتصرّف فيه كما يشاء ‪ ,‬إلّا أنّ حقّ‬
‫الغير مصون ومحافظ عليه شرعا ‪ ,‬فمراعاة مصالح الخرين قيد على استعمال الحقوق‬
‫ن طلب النسان لحظّه حيث أذن له ل بدّ فيه من مراعاة‬
‫ومنها الملك ‪ ,‬يقول الشّاطبي ‪ :‬ل ّ‬
‫حقّ اللّه وحقّ المخلوقين ‪.‬‬
‫وحق اللّه تعالى هو ما يتعلّق بالنّفع العامّ ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ -‬القيود الّتي أعطيت لوليّ المر على حقّ التّملك ‪:‬‬
‫ويندرج تحتها ما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إحياء الرض الموات ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في تملك الرض الموات بالحياء دون إذن المام ‪ ,‬أو أنّه يشترط إذن‬ ‫‪15‬‬

‫المام لتملكها ‪ ,‬فذهب الشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة إلى أنّه ل يشترط‬
‫في الحياء إذن المام ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪14‬‬ ‫وخالفهم أبو حنيفة والمالكيّة على تفصيل ينظر في مصطلح ( إحياء الموات ف ‪/‬‬
‫ب ‪ -‬تملك المعادن ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة إلى أنّ المعادن ‪ ,‬سواء أكانت جامدةً أم سائل ًة ‪ ,‬وسواء أكانت ظاهر ًة أم‬ ‫‪16‬‬

‫في باطن الرض ‪ ,‬وسواء أكانت في أرض مملوكة ملكا خاصا أم غير مملوكة فهي ملك‬
‫للدّولة " جميع المسلمين " تتصرّف فيها بما يحقّق المصلحة العامّة بتأجيرها لمدّة معلومة ‪,‬‬
‫أو إقطاعها ل على وجه التّمليك ‪.‬‬
‫وكذلك المر عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة في المعادن الظّاهرة في أرض الموات ‪ ,‬حيث‬
‫ل تملك عندهم بالحياء ‪ ,‬لنّ في ذلك إضرارا بعامّة المسلمين ‪ ,‬وكذلك الحكم في المعادن‬
‫الباطنة ‪ ,‬فل تملك بالحياء على الرّاجح في المذهب الشّافعيّ ‪ ,‬وعلى أشهر الرّوايتين عند‬
‫الحنابلة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪29‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( إحياء الموات ف ‪/‬‬
‫حمَى ‪:‬‬
‫ج ‪ -‬ال ِ‬
‫‪ -‬الحمى حيث هو قيد على الحياء ‪ ,‬فقد ذهب جمهور الفقهاء ‪ :‬الحنفيّة والمالكيّة‬ ‫‪17‬‬

‫والحنابلة والشّافعيّة في الصّحيح إلى أنّه ليس لغير رسول اللّه صلى ال عليه وسلم من‬
‫أئمّة المسلمين أن يحموا لنفسهم شيئا ‪ ,‬ولكن لهم أن يحموا مواضع لترعى فيها خيل‬
‫المجاهدين ‪ ,‬ونعم الجزية وإبل الصّدقة وضوال النّاس على وجهٍ ل يتضرّر به من سواهم ‪.‬‬
‫ثمّ إنّ الحمى نفسه مقيّد بالمصلحة فل يجوز التّوسع فيه ‪.‬‬
‫‪ ,‬وحمىً ف ‪. ) 6 /‬‬ ‫‪21‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( إحياء الموات ف ‪/‬‬
‫الثّالث ‪ -‬القيود الّتي أعطيت لوليّ المر على حقّ التّصرف في الملك ‪:‬‬
‫ي المر الحق في تقييد تصرفات المالك بما تقتضيه المصلحة العامّة دون ضرر ول‬
‫لول ّ‬
‫ضرار‪ ,‬ويظهر ذلك فيما يأتي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّسعير ‪:‬‬
‫‪ -‬التّسعير هو تقدير السلطان أو نائبه للنّاس سعرا وإجبارهم على التّبايع بما قدّره ‪ .‬وقد‬ ‫‪18‬‬

‫اتّفق الفقهاء على أنّ الصل في التّسعير هو الحرمة ‪ ,‬أمّا جواز التّسعير فمقيّد عندهم‬
‫بشروط معيّنة ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ( تسعير ف ‪ 5 /‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الحتكار ‪:‬‬
‫‪ -‬الحتكار هو شراء طعام ونحوه ‪ ,‬وحبسه إلى الغلء ‪.‬‬ ‫‪19‬‬

‫ن الحتكار بالقيود الّتي اعتبرها كل منهم محظور ‪ ,‬لما فيه من‬


‫وقد اتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫الضرار بالنّاس والتّضييق عليهم ‪ ,‬واتّفقوا على أنّ الحاكم يأمر المحتكر بإخراج ما احتكر‬
‫إلى السوق وبيعه للنّاس ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪12‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( احتكار ف ‪/‬‬
‫مدى سلطان الدّولة في نزع الملك ‪:‬‬
‫‪ -‬للدّولة الحق في نزع الملك استثناءً للمصلحة العامّة ‪.‬‬ ‫‪20‬‬

‫قال ابن حجر الهيتمي ‪ :‬أجمع العلماء على أنّه لو كان عند إنسان طعام واضطرّ النّاس إليه‬
‫يجبر على بيعه دفعا للضّرر عنهم ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ -‬استملك الراضي المملوكة ملكا خاصا لجل المصلحة العامّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا ضاق المسجد بالنّاس فيجوز توسعته على حساب الراضي‬ ‫‪21‬‬

‫المملوكة ملكا خاصا وكذلك المر إذا احتاج النّاس إلى شقّ طرق عامّة أو توسعتها ونحو‬
‫ذلك ولكن ل بدّ من تعويض عادل يقوم بتقديره ذوو الخبرة ‪.‬‬
‫وقد نصّت مجلّة الحكام العدليّة على أنّه ‪ :‬لدى الحاجة يؤخذ ملك كائن من كان بالقيمة بأمر‬
‫السلطان ويلحق بالطّريق ‪ ,‬لكن ل يؤخذ من يده ما لم يؤدّ له الثّمن ‪ ,‬وذلك لما روي عن‬
‫الصّحابة رضي ال تعالى عنهم لمّا ضاق المسجد الحرام أخذوا أرضين بكره من أصحابها‬
‫بالقيمة وزادوا في المسجد الحرام وبفعل عثمان رضي ال تعالى عنه في توسيعه مسجد‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬نزع الملكيّة لجل مصلحة الفراد ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أنّه إذا تعارضت مصلحة فرديّة مع مصلحة فرديّة أخرى فإنّ‬ ‫‪22‬‬

‫الشّريعة تقدّم أقواهما وأولهما بالعتبار وأكثرهما درءا للمفسدة ‪ ,‬وبناءً على ذلك فقد‬
‫أجازت الشّريعة نزع الملك الخاصّ ‪ ,‬أو التّملك القهريّ لجل مصلحة فرديّة في عدّة صور ‪,‬‬
‫منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الشّفعة ‪:‬‬
‫‪ -‬الشّفعة لغةً ‪ :‬الضّم ‪ ,‬وشرعا ‪ :‬تمليك البقعة جبرا على المشتري بما قام عليه بمثله‬ ‫‪23‬‬

‫إذا كان مثليّا ‪ ,‬وإلّا فبقيمته ‪.‬‬


‫والشّفعة ثابتة للشّريك بالتّفاق ‪ ,‬وللجار على خلف بين الفقهاء ‪ ,‬حيث ذهب جمهورهم‬
‫" المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة " إلى عدم ثبوتها للجار ‪ ,‬في حين ذهب الحنفيّة إلى ثبوتها‬
‫للجار الملصق ‪.‬‬
‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ( شفعة ف ‪ 4 /‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬بيع أموال المدين لصالح الدّائن جبرا عليه ‪:‬‬
‫‪ -‬أجاز جمهور الفقهاء ‪ -‬ما عدا أبا حنيفة ‪ -‬بيع أموال المدين لداء ديون الغرماء ما‬ ‫‪24‬‬

‫دام له مال ‪ ,‬حيث يحجر القاضي عليه إذا طلبوا ذلك ‪ ,‬ثمّ يبيع القاضي ماله ويوزّعه عليهم‬
‫حسب حصص ديونهم إذا امتنع المدين عن بيعه بنفسه ‪ ,‬وذلك يشمل جميع الديون ‪ ,‬سواء‬
‫أكانت ديون قرض أو بيع أو نفقة أو دية أو تعويض ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬بيع المرهون لداء الدّين ‪:‬‬
‫‪ -‬للحاكم أن يجبر الرّاهن على قضاء دينه ‪ ,‬أو بيع المرهون ‪ ,‬فإن أبى يقوم الحاكم‬ ‫‪25‬‬

‫ببيعه عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪24‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( رهن ف ‪/‬‬
‫د ‪ -‬الشياء الّتي ل تنقسم أو في قسمتها ضرر ‪:‬‬
‫‪ -‬يجوز للحاكم أن يجبر على البيع من أباه إذا طلب البيع أحد الشّريكين في الشياء الّتي‬ ‫‪26‬‬

‫ل تنقسم أو في قسمتها ضرر فإذا امتنع باع عنه الحاكم دفعا للضّرر اللّاحق بالطّالب ‪ ,‬لنّه‬
‫إذا باع نصيبه مفردا نقص ثمنه ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪12‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( قسمة ف ‪/‬‬

‫مِلْكيّة *‬
‫انظر ‪ :‬ملك ‪.‬‬

‫مُمَاثَلة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المماثلة في اللغة ‪ :‬مصدر ماثل ‪ ,‬يقال ‪ :‬ماثل الشّيءَ ‪ :‬شابهه ‪ ,‬ويقال ماثل فلنا ‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫شبّهه به ‪.‬‬
‫ول تكون المماثلة إلّا بين المتّفقين ‪ ,‬تقول ‪ :‬نحوه كنحوه ‪ ,‬وفقه كفقهه ‪ ,‬ولونه كلونه ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫المساواة ‪:‬‬
‫‪ -‬المساواة من ساوى الشّيء الشّيء مساواةً ‪ :‬ماثله وعادله قدرا أو قيمةً ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫والعلقة بين المماثلة والمساواة ‪ :‬أنّ المساواة تكون بين المختلفين في الجنس والمتّفقين‬
‫فيه ‪ ,‬لنّ التّساوي ‪ :‬هو التّكافؤ في المقدار ‪ :‬ل يزيد ول ينقص ‪.‬‬
‫أمّا المماثلة ‪ :‬فل تكون إلّا بين متّفقين ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمماثلة ‪:‬‬
‫تتعلّق بالمماثلة أحكام منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المماثلة في بيع الرّبويّ بجنسه ‪:‬‬
‫ي بجنسه ‪ -‬مع التّقابض في المجلس والحلول ‪ -‬المماثلة بين‬
‫‪ -‬يشترط لصحّة بيع الرّبو ّ‬ ‫‪3‬‬

‫الثّمن والمثمّن يقينا ‪ ,‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الذّهب بالذّهب ‪ ,‬والفضّة بالفضّة‬
‫ل بمثل ‪ ,‬سواء‬
‫‪ ,‬والبر بالب ّر ‪ ,‬والشّعير بالشّعير ‪ ,‬والتّمر بالتّمر ‪ ,‬والملح بالملح ‪ ,‬مث ً‬
‫بسواء ‪ ,‬يدا بيد ‪ ,‬فإذا اختلفت هذه الصناف فبيعوا كيف شئتم ‪ ,‬إذا كان يدا بيد » ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪27‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( ربا ف ‪/‬‬
‫ب ‪ -‬المماثلة بين الجاني والمجنيّ عليه لثبوت القصاص ‪:‬‬
‫ي عليه أو لورثته على الجاني ‪ :‬المماثلة بينهما في خصال ‪,‬‬
‫‪ -‬يشترك لثبوت القود للمجن ّ‬ ‫‪4‬‬

‫فإن فضّل الجاني بخصلة منها عن المجنيّ عليه لم يقتصّ له منه على اختلف بين الفقهاء‬
‫في بعض التّفاصيل ‪.‬‬
‫وما‬ ‫‪3‬‬ ‫وما بعدها ‪ ,‬جناية على ما دون النّفس ف ‪/‬‬ ‫‪13‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( قصاص ف ‪/‬‬
‫بعدها ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬المماثلة في استيفاء الحقّ الماليّ ‪:‬‬
‫ي أن يستوفي صاحب الحقّ عين حقّه إذا وجد ‪ ,‬فإن لم‬
‫‪ -‬الصل في استيفاء الحقّ المال ّ‬ ‫‪5‬‬

‫توجد العين فمثله إذا كان مثليّا ‪ ,‬فإن لم يكن له مثل فقيمته ‪ ,‬وهذا في الجملة ‪.‬‬
‫وما‬ ‫‪11‬‬ ‫قف‪/‬‬
‫) ‪ ,‬ومصطلح ( ظفر بالح ّ‬ ‫‪17‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ( استيفاء ف ‪/‬‬
‫بعدها ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬المماثلة في باب الرث ‪:‬‬
‫‪ -‬المراد بالمماثلة في حساب الفرائض كون أحد العددين مساويا للخر ‪ ,‬كالثّلثة مع‬ ‫‪6‬‬

‫الثّلثة ‪ ,‬والخمسة مع الخمسة ‪.‬‬


‫والفروض المقدّرة في كتاب اللّه ستّة ‪:‬‬
‫الثلثان ‪ ,‬والثلث ‪ ,‬والسدس ‪ ,‬والنّصف ‪ ,‬والربع ‪ ,‬والثمن ‪.‬‬
‫ثمّ إن كانت الورثة عصباتٍ قسّم المال عليهم بالسّويّة إن تمحّضوا ذكورا أو إناثا ‪ ,‬وإن‬
‫اجتمع الصّنفان قدّر كل ذكر أنثيين ‪ ,‬وأصل المسألة في هذه الحالت ‪ :‬عدد رءوس المقسوم‬
‫عليهم ‪ .‬وإن كان مع العصبات ذو فرض واحد فأصل المسألة مخرج ذلك الكسر ‪ ,‬كبنت‬
‫وعم‪ ,‬وفرض البنت النّصف ‪ ,‬وأقل مخرج للنّصف اثنان ‪ :‬فأصل المسألة إذا اثنان ‪.‬‬
‫فإن كان في الورثة ذوا فرضين ‪ :‬فإن كانا متماثلين في الفرض والمخرج ‪ :‬كأخ لمّ ‪ ,‬وأم ‪,‬‬
‫وأخ لب ‪ ,‬فأصل المسألة من مخرج ذلك الكسر ‪ ,‬وهو ستّة ‪ ,‬لنّ فرض كل من الخ للمّ‬
‫والمّ ‪ :‬السدس ‪ ,‬وأقل عدد يخرج منه السدس ‪ :‬ستّة ‪.‬‬
‫فإن لم تكن في المسألة عصبة فالمسألة أيضا من ذلك الكسر ‪ :‬ففي زوج وأختٍ شقيقة أو‬
‫لب فالمسألة من اثنين ‪ ,‬لتماثل الفرضين والمخرج ‪ ,‬وهكذا في ك ّل مسألة تماثل العددان‬
‫كثلثة وثلثة مخرّجي الثلث والثلثين ‪ ,‬كولدي أم وأختين شقيقتين أو لب ‪ ,‬ففرض ولدي‬
‫المّ الثلث ‪ ,‬وفرض الختين لغير المّ ثلثان ‪ ,‬فيكتفى بأحدهما ‪.‬‬

‫مُمَاطَلة *‬
‫انظر ‪ :‬مطل ‪.‬‬
‫مُمَاكَسة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المماكسة في اللغة مصدر ماكس ‪ ,‬وهي في البيع ‪ :‬انتقاص الثّمن واستحطاطه‬ ‫‪1‬‬

‫والمنابذة بين المتبايعين ‪.‬‬


‫وفي الصطلح ‪ :‬بمعنى المشاحّة ويختلف المراد بها من معاملة لخرى ‪.‬‬
‫فهي في البيع ‪ :‬استنقاص الثّمن عمّا طلبه البائع ‪ ,‬والزّيادة عمّا طلبه المشتري ‪.‬‬
‫وفي الجزية ‪ :‬معناها المشاحّة في قدر الجزية عند العقد ‪ ,‬والمنازعة في التّصاف بالصّفات‬
‫عند الخذ ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالمماكسة من أحكام ‪:‬‬
‫المماكسة في أخذ الجزية ‪:‬‬
‫‪ -‬نصّ الشّافعيّة على أنّه يسن للمام في وضع الجزية مماكسة غير فقير عند قوّتنا ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪47‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( جزية ف ‪/‬‬


‫اختبار رشد الصّبيّ بالمماكسة ‪:‬‬
‫‪ -‬يختبر رشد الصّبيّ بالمماكسة ‪ ,‬وتفصيل ذلك في مصطلح ( رشد ف ‪. ) 8 /‬‬ ‫‪3‬‬

‫مَ َمرّ *‬
‫انظر ‪ :‬ارتفاق ‪.‬‬

‫َم ْمسُوح *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬الممسوح لغ ًة ‪ :‬اسم مفعول من مسح ‪ ,‬ومن معانيه في اللغة ‪ :‬الخصي إذا سلّت‬ ‫‪1‬‬

‫مذاكيره ‪ ,‬والمغيّر عن خلقته ‪ .‬والمعنى الصطلحي ل يخرج عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬


‫ويعبّر الحنفيّة والمالكيّة عن الممسوح في الغالب بلفظ المجبوب ‪.‬‬
‫فقد قال البابرتيّ ‪ :‬المجبوب هو الّذي أستؤصل ذكره وخصيتاه ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬المجبوب هو مقطوع الذّكر والخصيتين ‪.‬‬
‫وقال الشّلب ّ‬
‫وقال المنوفي المالكي ‪ :‬الجب هو قطع الذّكر والنثيين ‪.‬‬
‫ويطلق الشّافعيّة والحنابلة لفظ المجبوب في غالب استعمالتهم على مقطوع الذّكر فقط ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المجبوب ‪:‬‬
‫ب بمعنى قطع وهو ‪ :‬الّذي أستؤصلت مذاكيره ‪.‬‬
‫‪ -‬المجبوب لغةً ‪ :‬اسم مفعول من ج ّ‬ ‫‪2‬‬

‫وفي الصطلح اختلف الفقهاء في معناه إلى رأيين ‪:‬‬


‫ل ‪ ,‬كما صرّح بعض الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫الوّل ‪ :‬المجبوب وهو من قطع ذكره أص ً‬
‫الثّاني ‪ :‬هو من قطع ذكره وخصيتاه كما صرّح به بعض الحنفيّة والمالكيّة ‪.‬‬
‫والصّلة بين الممسوح والمجبوب أنّ الممسوح أعم من المجبوب عند البعض ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الخصي ‪:‬‬
‫‪ -‬الخصي في اللغة على وزن فعيل بمعنى مفعول ‪ ,‬يطلق على من قطع ذكره ‪ ,‬أو سلّت‬ ‫‪3‬‬

‫خصيتاه ‪.‬‬
‫وأمّا في الصطلح ‪ :‬فقد اختلفت عبارات الفقهاء في المراد بهذا اللّفظ ‪ ,‬فقيل ‪ :‬الخصي من‬
‫قطعت أنثياه مع جلدتهما ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬الخصي من قلبت أنثياه ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬الخصي مقطوع الذّكر قائم النثيين ‪.‬‬
‫ن الممسوح قد يطلق على ذاهب الذّكر والنثيين جميعا ‪.‬‬
‫والصّلة بين الخصيّ والممسوح ‪ :‬أ ّ‬
‫ج ‪ -‬العنّين ‪:‬‬
‫‪ -‬العنّين في اللغة ‪ :‬من ل يقدر على إتيان النّساء ‪ ,‬أو ل يشتهي النّساء ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫وفي اصطلح الفقهاء ‪ :‬العنّين هو العاجز عن الوطء في القبل لعدم انتشار اللة ‪.‬‬
‫والفرق بين الممسوح والعنّين هو بقاء الذّكر والنثيين في العنّين ‪ ,‬وذهابهما في الممسوح‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالممسوح ‪:‬‬
‫تتعلّق بالممسوح عدّة أحكام ‪ ,‬منها ‪:‬‬
‫مرتبة الممسوح في إدخال النثى القبر ‪:‬‬
‫ن أحقّ النّاس في وضع النثى في قبرها الزّوج ‪ ,‬فالمحرم القرب‬
‫‪ -‬صرّح الشّافعيّة بأ ّ‬ ‫‪5‬‬

‫فالقرب ‪ ,‬فعبدها لنّه كالمحرم في النّظر ونحوه ‪ ,‬فممسوح ‪ ,‬فمجبوب ‪ ,‬فخصيّ لضعف‬
‫شهوتهم ‪ ,‬ورتّبوا كذلك لتفاوتهم في الشّهوة ‪ ,‬إذ الممسوح أضعف من المجبوب والخصيّ ‪,‬‬
‫ي لجبّ ذكره ‪.‬‬
‫لنّه لم يبق له شيء من النثيين ‪ ,‬والمجبوب أضعف من الخص ّ‬
‫وللتّفصيل ( ر ‪ :‬دفن ف ‪. ) 6 /‬‬
‫نظر الممسوح إلى الجنبيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم نظر الممسوح إلى الجنبيّة إلى ثلثة آراء ‪:‬‬ ‫‪6‬‬

‫ح ‪ -‬وهو ما يؤخذ من‬


‫الرّأي الوّل ‪ :‬ذهب الحنابلة والشّافعيّة في القول المقابل للص ّ‬
‫عبارات فقهاء المالكيّة ‪ -‬إلى أنّه يحرم نظر الممسوح إلى الجنبيّة ولو امرأة سيّده كغير‬
‫ن العضو وإن‬
‫الممسوح ‪ .‬قال ابن عقيل ‪ :‬ل تباح خلوة النّساء بالخصيان ول بالمجبوبين ل ّ‬
‫تعطّل أو عدم فشهوة الرّجال ل تزول من قلوبهم ‪ ,‬ول يؤمن التّمتع بالقبلة أو غيرها ‪,‬‬
‫ولذلك ل يباح خلوة الفحل بالرّتقاء من النّساء ‪.‬‬
‫ي الدخول على المرأة إلّا أن يكون عبدها ‪ ,‬واستخفّ إذا كان‬
‫وقال القرافي ‪ :‬ل يجوز للخص ّ‬
‫عبد زوجها للمشقّة الدّاخلة عليها في استتارها منه ‪.‬‬
‫ن الممسوح كالفحل في النّظر إلى الجنبيّة حيث قالوا ‪ :‬إنّ‬
‫الرّأي الثّاني ‪ :‬قال الحنفيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫المجبوب مطلقا ‪ -‬سواء جفّ ماؤه أو ل ‪ -‬كالفحل في النّظر إلى الجنبيّة لقوله تعالى ‪:‬‬
‫ن َيغُضّوا ِمنْ أَبْصَا ِر ِهمْ } ‪ ,‬والمجبوب من الذكور المؤمنين فيدخل تحت‬
‫{ قُل لّ ْل ُم ْؤمِنِي َ‬
‫الخطاب‪ ,‬وقالت عائشة رضي ال عنها ‪ " :‬الخصاء مثلة فل يبيح ما كان حراما قبله " ‪,‬‬
‫والمجبوب يشتهي ويسحق وينزل ولو جاءت امرأته بولد يثبت نسبه ‪.‬‬
‫ونصوا على أنّه ل يجوز أن ينظر الرّجل " الفحل " إلى الجنبيّة إلّا وجهها وكفّيها ‪ ,‬فإن كان‬
‫ل يأمن الشّهوة ل ينظر إلى وجهها إلّا لحاجة ‪.‬‬
‫ق المجبوب الّذي جفّ ماؤه الختلط بالنّساء ‪.‬‬
‫ورخّص بعض مشايخ الحنفيّة في ح ّ‬
‫قال أبو السعود ‪ :‬الصح المنع مطلقا كما في الخانيّة ‪.‬‬
‫ن نظر الممسوح إلى الجنبيّة كالنّظر إلى‬
‫الرّأي الثّالث ‪ :‬يرى الشّافعيّة في الصحّ إلى أ ّ‬
‫المحرم ‪ ,‬بمعنى أنّه يحل نظره بل شهوة نظر المحرم ‪ ,‬سواء أكان الممسوح حرا أم ل ‪,‬‬
‫لقوله تعالى ‪َ { :‬أوِ التّا ِبعِينَ غَ ْيرِ ُأوْلِي الْإِرْ َب ِة مِنَ ال ّرجَالِ } ‪ ,‬أي ‪ :‬غير أصحاب الحاجة إلى‬
‫النّكاح ‪ ,‬ويشمل الممسوح ‪.‬‬
‫وقال الشّربيني الخطيب ‪ :‬وينبغي ‪ -‬كما قال الزّركشي ‪ -‬تقييد جواز النّظر في الممسوح‬
‫بأن يكون مسلما في حقّ المسلمة ‪ ,‬فإن كان كافرا منع على الصحّ لنّ أق ّل أحواله أن يكون‬
‫كالمرأة الكافرة ‪.‬‬
‫أثر خلوة الممسوح بزوجته في تقرير المهر ‪:‬‬
‫ن خلوة الممسوح بزوجته تقرّر المهر ‪.‬‬
‫‪ -‬يؤخذ من عبارات الحنفيّة والحنابلة أ ّ‬ ‫‪7‬‬

‫فقد جاء في الفتاوى الهنديّة ‪ :‬وخلوة المجبوب خلوة صحيحة عند أبي حنيفة ‪.‬‬
‫والخلوة الصّحيحة من أحد المعاني الثّلثة الّتي يتأكّد المهر بها ‪ ,‬سواء كان مسمّى أو مهر‬
‫المثل ‪ ,‬حتّى ل يسقط منه شيء بعد ذلك إلّا بالبراء من صاحب الحقّ ‪.‬‬
‫وجاء في كشّاف القناع ‪ :‬وتقرّر الخلوة المهر ولو لم يطأ ‪ ,‬ولو كان بالزّوجين أو كان‬
‫ل إذا‬
‫بأحدهما مانع حسّيّ كجبّ ورتق ونضاوة أي هزال ‪ . . .‬فإنّ الخلوة تقرّر المهر كام ً‬
‫كانت بشروطها ‪ ,‬لنّ الخلوة نفسها مقرّرة للمهر ‪.‬‬
‫ن خلوة الممسوح بزوجته ل تقرّر المهر ول‬
‫وذهب المالكيّة والشّافعيّة على الجديد إلى أ ّ‬
‫تؤثّر فيه ‪.‬‬

‫قال الحطّاب ‪ :‬القبلة والمباشرة والتّجرد والوطء دون الفرج ل يوجب على الزّوج الصّداق ‪.‬‬
‫وقال الصّاوي في تعليقه على كلم الدّردير عن ردّ الزّوجة زوجها لعيبه ‪ :‬فإن كان الزّوج‬
‫ي مقطوع الذّكر فإنّه ل مهر على الزّوج ‪.‬‬
‫ممّن ل يتصوّر وطؤه كالمجبوب والعنّين والخص ّ‬
‫التّفريق بين الممسوح وزوجته ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على ثبوت الخيار للمرأة بين التّفريق والبقاء إذا وجدت زوجها ممسوحا‬ ‫‪8‬‬

‫لنّ فيه نقصا يمنع الوطء أو يضعفه ‪.‬‬


‫ولتفصيل أحكام التّفريق بالعيب وشروط التّفريق به ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪93‬‬ ‫( ر ‪ :‬جب ف ‪ , 8 - 5 /‬وطلق ف ‪/‬‬
‫عدّة زوجة الممسوح ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى الحنفيّة أنّ الممسوح إذا كان ينزل كالصّحيح في وجوب العدّة على الزّوجة عند‬ ‫‪9‬‬

‫الفرقة ‪.‬‬
‫وإذا مات الممسوح عن زوجته وهي حامل ‪ ,‬أو حدث الحمل بعد موته ‪ ,‬ففي إحدى‬
‫الرّوايتين هي كزوجة الفحل في انقضاء العدّة بالوضع ‪ ,‬وفي الرّواية الثّانية هي كزوجة‬
‫الصّبيّ ‪.‬‬
‫وصرّح المالكيّة بأنّه ل تجب العدّة على زوجة الممسوح ذكره وأنثياه ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّه ل تجب عدّة الطّلق على زوجة الممسوح الّذي لم يبق له شيء‬
‫أصلً ‪.‬‬
‫وأمّا إذا مات الممسوح عن حامل فتعتد زوجته بالشهر ل بالوضع ‪ ,‬إذ ل يلحقه الولد على‬
‫المذهب ‪ ,‬لنّه ل ينزل ولم تجر العادة بأن يخلق له ولد ‪.‬‬
‫وقال الصطخريّ والقاضيان والصيدلني الصّيمري وأبو عبيد بن حربويه يلحقه الولد ‪ ,‬لنّ‬
‫معدن الماء الصلب ‪ ,‬وهو ينفذ من ثقبة إلى الظّاهر وهما باقيان ‪ ,‬ويحكى ذلك قو ًل للشّافعيّ‬
‫قال المحلّي ‪ :‬فتنقضي عدّتها بالوضع على هذا القول ‪.‬‬
‫والصل عند الحنابلة أنّه إذا طلّق الرّجل زوجته وقد خل بها فعدّتها ثلث حيض غير‬
‫الحيضة الّتي طلّقها فيها ‪ ,‬وظاهر كلم الخرقيّ أنّه ل فرق بين أن يخلو بها مع المانع من‬
‫الوطء أو مع عدمه ‪ ,‬سواء كان المانع حقيقيّا كالجبّ والعنّة والفتق والرّتق ‪ ,‬أو شرعيّا‬
‫كالصّوم والحرام والحيض والنّفاس والظّهار ‪ ,‬لنّ الحكم ههنا على الخلوة الّتي هي مظنّة‬
‫الصابة دون حقيقتها ‪.‬‬
‫ثمّ قالوا ‪ :‬ل تنقضي عدّة الزّوجة من زوجها بوضع حمل لم يلحق الزّوج لصغره أو لكونه‬
‫ن الحمل ليس منه يقينا فلم تعتدّ بوضعه ‪ ,‬وتعتد بعده‬
‫خصيّا مجبوبا أو غير مجبوب ‪ ,‬ل ّ‬
‫عدّة وفاة إن كانت متوفّى عنها ‪ ,‬أو عدّة حياة إن كان فارقها في الحياة حيث وجبت عدّة‬
‫)‪.‬‬ ‫‪39‬‬ ‫الفراق ‪ .‬وللتّفصيل ( ر ‪ :‬عدّة ‪/‬‬
‫لحوق الولد بالممسوح‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في لحوق الولد بالممسوح ‪:‬‬ ‫‪10‬‬

‫ن الممسوح ل يلحقه‬
‫فيرى المالكيّة والشّافعيّة على المذهب ‪ ,‬وهو الصّحيح عند الحنابلة أ ّ‬
‫الولد ‪ ,‬لنّه ل ينزل ولم تجر العادة بأن يخلق له ولد ‪.‬‬
‫وقد فصّل المالكيّة فقالوا ‪ :‬إنّ المجبوب ينتفي عنه الولد بغير لعان لستحالة حملها منه‬
‫حينئذٍ عاد ًة ‪ ,‬ومثله مقطوع النثيين أو البيضة اليسرى فقط على الصّحيح ‪.‬‬
‫فإذا وجدت البيضة اليسرى وأنزل فل ب ّد من اللّعان مطلقا ولو كان مقطوع الذّكر ‪.‬‬
‫وإن فقدت البيضة اليسرى ولو قائم الذّكر فل لعان ولو أنزل ‪ ,‬وينتفي الولد لغيره ‪.‬‬
‫ن المجبوب والخصيّ إن لم ينزل فل لعان لعدم لحوق الولد بهما ‪ ,‬وإن‬
‫وطريقة القرافيّ أ ّ‬
‫أنزل لعنا ‪.‬‬
‫ن الولد يلحق به ‪.‬‬
‫ويرى الحنفيّة وهو قول عند الشّافعيّة وظاهر كلم أحمد أ ّ‬
‫جاء في الفتاوى الهنديّة ‪ :‬إذا فرّق القاضي بين المجبوب وبين امرأته بعد الخلوة ‪ ,‬ثمّ‬
‫جاءت بولد إلى سنتين يثبت النّسب منه ‪ ,‬ول يبطل تفريق القاضي ‪.‬‬
‫وعند التمرتاشيّ من الحنفيّة إن علم أنّ الممسوح ينزل يثبت نسب الولد منه ‪ ,‬وإن علم‬
‫بخلفه فل ‪.‬‬
‫ي وأبو عبيدة‬
‫ي والقاضيان والصيدلني والصّيمر ّ‬
‫ي ‪ :‬قال الصطخر ّ‬
‫وجاء في شرح المحلّ ّ‬
‫ن الممسوح يلحقه الولد لنّ معدن الماء الصلب وهو ينفذ‬
‫وغيرهم من فقهاء الشّافعيّة ‪ :‬إ ّ‬
‫من ثقب ٍة إلى الظّاهر وهما باقيان ‪ ,‬ويحكي ذلك قو ًل للشّافعيّ فتنقضي عدّتها بالوضع ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ( ر ‪ :‬نسب ) ‪.‬‬
‫قذف الممسوح بالزّنا ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حدّ قاذف الممسوح بالزّنا ‪.‬‬ ‫‪11‬‬

‫فذهب الجمهور إلى أنّه ل يحد ح ّد القذف ‪ ,‬وذهب الحنابلة إلى أنّه يحد ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪47‬‬ ‫وللتّفصيل ( ر ‪ :‬قذف ف ‪/‬‬

‫مموّه *‬
‫انظر ‪ :‬آنيّة ‪.‬‬

‫مم ّيزٌ *‬
‫انظر ‪ :‬تميي ٌز ‪.‬‬

‫منىً *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬مِنىً بالكسر والتّنوين ‪ :‬بليدة على فرسخ من مكّة المكرّمة ‪ ,‬سمّيت بذلك لما يمنى بها‬ ‫‪1‬‬

‫من الدّماء ‪ ,‬أي ‪ :‬يراق ‪ ,‬وحدها ‪ :‬ما بين وادي محسّر وجمرة العقبة وهي شعب طوله‬
‫نحو ميلين ‪ ,‬وعرضه يسير ‪ ,‬والجبال محيطة به ‪ :‬ما أقبل منها عليه فهو من منىً ‪ ,‬وما‬
‫أدبر منها فليس من منىً ‪.‬‬
‫ن وادي محسّر وجمرة العقبة ليسا من منىً ‪ ,‬وقال‬
‫ويرى الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة أ ّ‬
‫المالكيّة ‪ :‬إنّ جمرة العقبة من منىً ‪ ,‬وباقي العقبة ليس منها ‪ ,‬وقيل ‪ :‬إنّ العقبة كلّها من‬
‫منىً ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بمنى ‪:‬‬
‫منىً من شعائر اللّه ‪ ,‬يؤدّي الحجّاج فيها عددا من مناسك الحجّ ‪ ,‬وهي ‪:‬‬
‫رمي الجمار ‪:‬‬
‫‪ -‬ترمى جمرة العقبة يوم النّحر بعد دفع الحجّاج من مزدلفة إلى منىً ‪ ,‬ثمّ ترمى الجمار‬ ‫‪2‬‬

‫الثّلث في أيّام التّشريق بعده ‪ ,‬وترمى كل جمرة بسبع حصياتٍ ‪ ,‬والرّمي واجب من واجبات‬
‫الحجّ ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪66‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪59‬‬ ‫جف‪/‬‬
‫وللتّفصيل أنظر مصطلح ( ح ّ‬
‫ذبح الهدي يوم النّحر ‪:‬‬
‫‪ -‬يجوز ذبح الهدي في مكّة والحرم ‪ ,‬لكن في منىً أفضل ‪ ,‬إلّا ما يذبح في فدية الذى‬ ‫‪3‬‬

‫فيجب ذبحه في مكّة عند الجمهور ‪.‬‬


‫‪ ،‬و هديٌ ) ‪.‬‬ ‫‪82‬‬ ‫‪ ،‬و حجّ ف ‪/‬‬ ‫‪26‬‬ ‫وللتّفصيل أنظر مصطلح ( حرم ف ‪/‬‬
‫الحلق والتّقصير لشعر الرّأس ‪:‬‬
‫ن الحلق أو التّقصير لشعر الرّأس واجب من‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫واجبات الحجّ ‪ .‬وذهب الشّافعيّة في الرّاجح عندهم إلى أنّه ركن من أركان الحجّ ‪.‬‬
‫وأكثر ما يفعله الحجّاج في منىً ‪ ,‬للسراع في التّحلل ‪ ,‬والسنّة عند الجمهور فعله في الحرم‬
‫أيّام النّحر ‪.‬‬
‫وذهب أبو حنيفة إلى أنّ الحلق أو التّقصير يختص بمنطقة الحرم وأيّام النّحر ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪68‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪67‬‬ ‫ر ‪ ( :‬حجّ ف ‪/‬‬
‫المبيت بمنى ليلة يوم عرفة ‪:‬‬
‫ى يوم التّروية " الثّامن من ذي الحجّة " بعد طلوع‬
‫ج أن يخرج من مكّة إلى من ً‬
‫‪ -‬يسن للحا ّ‬ ‫‪5‬‬

‫الشّمس فيصلّي خمس صلواتٍ وهي ‪ :‬الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ‪ ,‬ثمّ يخرج‬
‫إلى عرفة بعد طلوع الشّمس ‪ ,‬وكل ذلك سنّة اتّفاقا ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪97‬‬ ‫ر ‪ ( :‬حجّ ف ‪/‬‬
‫المبيت بمنى ليالي أيّام التّشريق ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء ‪ ,‬ومنهم المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وعروة وإبراهيم وعطاء‬ ‫‪6‬‬

‫إلى وجوب المبيت بمنى ليالي أيّام التّشريق ‪.‬‬


‫ويلزم الفداء لمن تركه بغير عذر ‪ ,‬وهو دم لترك جلّ ليلة فأكثر عند المالكيّة ‪ ,‬ولتركه كلّه‬
‫عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ,‬ولترك ليلة مد ‪ ,‬ولترك ليلتين مدّان عند الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ن المبيت بمنى سنّة ‪ ,‬وروي ذلك عن ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫والحسن ‪.‬‬
‫ن العبّاس بن عبد المطّلب رضي ال‬
‫وقد استدلّ الجمهور بحديث ابن عمر رضي ال عنهما أ ّ‬
‫عنه « استأذن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أن يبيت بمكّة ليالي منىً من أجل سقايته ‪ ,‬فأذن‬
‫له » ولول أنّه واجب لما احتاج إلى إذن ‪.‬‬
‫وبحديث عائشة رضي ال عنها ‪ « :‬أفاض رسول اللّه صلى ال عليه وسلم من آخر يومه‬
‫حين صلّى الظهر ‪ ,‬ثمّ رجع إلى منىً ‪ ,‬فمكث بها ليالي أيّام التّشريق » ‪ ,‬وفعله صلى ال‬
‫عليه وسلم يدل بظاهره على الوجوب هنا ‪.‬‬
‫وجعل الحنفيّة هذه دللةً على السنّيّة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪128‬‬ ‫‪,‬‬ ‫‪46‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪44‬‬ ‫‪,‬‬ ‫‪69‬‬ ‫جف‪/‬‬
‫والتّفصيل في ( ح ّ‬
‫شروط المبيت بمنى ‪:‬‬
‫ى شروط هي ‪:‬‬
‫‪ -‬للمبيت في من ً‬ ‫‪7‬‬

‫أ ‪ -‬سبق الحرام بالحجّ ‪ ,‬لنّه أصل كلّ أعمال الحجّ ‪.‬‬


‫ن المبيت مرتّب عليه ‪ ,‬ولنّه ل حجّ بل وقوف ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬سبق الوقوف بعرفة ‪ ,‬ل ّ‬
‫ج ‪ -‬الزّمان ‪ ,‬وهو ليالي أيّام التّشريق الثّلثة لمن تأخّر ‪ ,‬والولى والثّانية لمن تعجّل فرمى‬
‫ى قبل غروب ثاني أيّام التّشريق ‪ ,‬أو قبل فجر ثالثها ‪ ,‬على تفصيل‬
‫الجمار الثّلث وغادر من ً‬
‫في ذلك ‪.‬‬
‫انظر مصطلح ( رميٌ ف ‪. ) 6 /‬‬
‫د ‪ -‬المكان ‪ :‬وهو منىً في الحدود المقرّرة لها ‪.‬‬
‫ركن المبيت بمنى ‪:‬‬
‫‪ -‬ركن المبيت هو مكث أكثر اللّيل ‪ ,‬فإذا مكث بمنى مدّةً تزيد على نصف اللّيلة فقد أدّى‬ ‫‪8‬‬

‫واجب المبيت ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪128‬‬ ‫( ر ‪ :‬حجّ ف ‪/‬‬
‫العفاء من المبيت بمنى ‪:‬‬
‫‪ -‬يسقط المبيت بمنى عن ذوي العذار كأهل السّقاية ورعاء البل والمرضى ومن في‬ ‫‪9‬‬

‫حكمهم ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪128‬‬ ‫على تفصيل ينظر في مصطلح ( حجّ ف ‪/‬‬
‫مستحبّات المبيت بمنى ‪:‬‬
‫ج أيّام منىً الكثار من الذّكر والدعاء والتّكبير ‪ ,‬لما جاء في الحديث ‪:‬‬
‫‪ -‬يستحب للحا ّ‬ ‫‪10‬‬

‫« أيّام التّشريق أيّام أكل وشرب وذكر اللّه » ‪.‬‬


‫أي هي أيّام إفطار ل يجوز الصّيام فيها ‪ ,‬وأيّام إكثار من ذكر اللّه تعالى بأنواع الذّكر ‪.‬‬

‫ُمنَابَذة *‬
‫انظر ‪ :‬بيع المنابذة ‪.‬‬

‫ُمنَاسَبة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المناسبة في اللغة ‪ :‬الملءمة ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫قال ابن الحاجب وغيره ‪ :‬المناسبة وصف ظاهر منضبطٌ ‪ ,‬يحصل عقلً من ترتب الحكم عليه‬
‫ما يصلح أن يكون للعقلء منه مصلحة دينيّة ‪ ,‬أو دنيويّة ‪ ,‬أو دفع مفسدة ‪.‬‬
‫الحكم الجمالي ‪:‬‬
‫‪ -‬المناسبة من الطرق المعقولة ويعبّر عنها ‪ :‬بالخالة ‪ ,‬وبالمصلحة ‪ ,‬والستدلل ‪,‬‬ ‫‪2‬‬

‫وبرعاية المقاصد ‪ ,‬ويسمّى استخراجها تخريج المناط ‪ ,‬لنّه إبداء مناط الحكم ‪.‬‬
‫دليل إفادة المناسبة للعّليّة ‪:‬‬
‫‪ -‬احتجّ إمام الحرمين على إفادة المناسبة للعلّيّة بتمسك الصّحابة بها ‪ ,‬فإنّهم يلحقون غير‬ ‫‪3‬‬

‫المنصوص بالمنصوص ‪ ,‬إذا غلب على ظنّهم أنّه يضاهيه لمعنى أو يشبهه ‪ ,‬ثمّ قال ‪:‬‬
‫فالولى العتماد لفادة المناسبة للعلّيّة على العمومات الدّالّة على المر بالقياس ‪.‬‬
‫تقسيم المناسب ‪:‬‬
‫ن المناسب إن كان‬
‫‪ -‬ينقسم المناسب من حيث الحقيقة والقناع ‪ :‬إلى حقيقي وإقناعي ‪ ,‬ل ّ‬ ‫‪4‬‬

‫بحيث ل يزول بالتّأمل فيه فهو الحقيقي وإلّا فهو القناعي ‪.‬‬
‫والحقيقي ينقسم إلى ما هو ‪ :‬واقع في محلّ الضّرورة ‪ ,‬أو محلّ الحاجة ‪ ,‬أو محلّ التّحسين‪.‬‬
‫تقسيم المناسبة من حيث العتبار الشّرعي وعدمه ‪:‬‬
‫تنقسم المناسبة باعتبار شهادة الشّرع لها بالملءمة والتّأثير وعدمها ‪ ,‬إلى ثلثة أقسام ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬أن يلغيه الشّارع ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا أورد الشّارع الفروع على عكس المناسبة ‪ ,‬فل إشكال في أنّه ل يجوز التّعليل به ‪,‬‬ ‫‪5‬‬

‫وذلك كإيجاب صوم شهرين في كفّارة الجماع في نهار رمضان على مالك الرّقبة ‪ ,‬فإنّه وإن‬
‫كان أبلغ في ردعه من العتق ‪ ,‬إلّا أنّ الشّارع بإيجابه العتاق ابتداءً ألغاه ‪ ,‬فل يجوز‬
‫اعتباره ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أن يعتبره الشّارع ‪:‬‬
‫‪ -‬وذلك بأن يورد الشّارع الفروع على وفق المناسبة ‪ ,‬وليس المراد باعتباره ‪ :‬أن ينصّ‬ ‫‪6‬‬

‫الشّارع على العلّة أو يومئ إليها ‪ ,‬وإلّا لم تكن العلّة مستفادةً من المناسبة ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬أن ل يعلم اعتبار الشّارع ول إلغاؤه ‪:‬‬
‫‪ -‬وهو الّذي ل يشهد له أصل معيّن من أصول الشّريعة بالعتبار ول باللغاء ‪ ,‬وهو‬ ‫‪7‬‬

‫المسمّى " بالمصالح المرسلة " وقد اعتبره المالكيّة من أدلّة الفقه ‪.‬‬
‫تقسيم المناسبة من حيث التّأثير والملءمة ‪:‬‬
‫تنقسم المناسبة إلى مؤثّر وملئم وغريب ‪:‬‬
‫‪ -‬الوّل ‪ :‬المؤثّر ‪ :‬وهو ما ظهر تأثيره في الحكم بنصّ أو إجماع ‪ ,‬وسمّي مؤثرا ‪,‬‬ ‫‪8‬‬

‫لظهور تأثير الوصف في الحكم ‪.‬‬


‫فالنّص كمسّ المتوضّئ ذكره ‪ ,‬فإنّه أعتبر عينه في عين الحدث بنصّ الحديث عليه ‪ « :‬من‬
‫مسّ ذكره فل يصلّ حتّى يتوضّأ » ‪,‬‬
‫والجماع ‪ :‬كقياس المة على الحرّة في سقوط الصّلة بالحيض ‪ ,‬لما فيه من مشقّة التّكرار‪,‬‬
‫إذ ظهر تأثير عينه في عين الحكم بالجماع ‪ ,‬ولكن في محل مخصوصٍ ‪ ,‬فعُدّي إلى محل‬
‫آخر ‪.‬‬
‫وهذا ل خلف في اعتباره عند القائلين بالقياس ‪.‬‬
‫‪ -‬الثّاني ‪ :‬الملئم ‪ :‬وهو أن يعتبر الشّارع عينه في عين الحكم ‪ ,‬بترتب الحكم على وفق‬ ‫‪9‬‬

‫ص ول إجماع ‪ ,‬وسمّي ملئما لكونه موافقا لما اعتبره الشّارع ‪ ,‬وهذه المرتبة‬
‫النّصّ ‪ ,‬ل بن ّ‬
‫دون ما قبلها ‪ ,‬ومثّله صاحب روضة النّاظر من أصوليّي الحنابلة ‪ :‬بظهور المشقّة في‬
‫إسقاط الصّلة عن الحائض ‪ ,‬فإنّه ظهر تأثير جنس الحرج في إسقاط قضاء الصّلة عن‬
‫الحائض كتأثير مشقّة السّفر في إسقاط الرّكعتين السّاقطتين بالقصر ‪.‬‬
‫‪ -‬الثّالث ‪ :‬الغريب ‪ :‬وهو أن يعتبر عينه في عين الحكم فترتب الحكم وفق الوصف فقط‪,‬‬ ‫‪10‬‬

‫ول يعتبر عين الوصف في جنس الحكم ول عينه ‪ ,‬ول جنسه في جنسه بنصّ أو إجماع ‪,‬‬
‫كالسكار في تحريم الخمر ‪ ,‬فإنّه أعتبر عين السكار في عين الحكم ‪ ,‬ويترتّب التّحريم على‬
‫السكار فقط ‪.‬‬
‫ومن أمثلة المناسب الغريب ‪ :‬توريث المبتوتة في مرض الموت إلحاقا بالقاتل الممنوع من‬
‫الميراث تعليلً بالمعارضة بنقيض القصد ‪ ,‬فإنّ المناسبة ظاهرة ‪ ,‬ولكن هذا النّوع من‬
‫المصلحة لم يُعهد اعتباره في غير هذا فكان غريبا ‪.‬‬
‫والتّفصيل في الملحق الصوليّ ‪.‬‬

‫ُمنَاسَخة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المناسخة في اللغة ‪ :‬مفاعلة من النّسخ وهو النّقل والتّبديل والزالة ‪ ,‬يقال ‪ :‬نسخت‬ ‫‪1‬‬

‫ظلّ ‪ :‬إذا أذهبته وحلّت محلّه ‪ ,‬ونسخت الكتاب نسخا ‪ :‬نقلت صورته المجرّدة إلى‬
‫الشّمس ال ّ‬
‫كتاب آخر ‪ ,‬وذلك ل يقتضي إزالة الصورة الولى ‪ ,‬بل يقتضي إثبات مثلها في مادّة أخرى ‪,‬‬
‫والستنساخ ‪ :‬التّقدم بنسخ الشّيء والتّرشّح للنّسخ ‪ ,‬وقد يعبّر بالنّسخ عن الستنساخ ‪,‬‬
‫خ مَا كُن ُتمْ َت ْعمَلُونَ } ونسخ الكتاب ‪ :‬إزالة الحكم بحكم‬
‫سُ‬‫ومنه قوله تعالى ‪ { :‬إِنّا كُنّا َنسْتَن ِ‬
‫ت ِبخَيْ ٍر مّ ْنهَا َأوْ مِثْ ِلهَا } ‪.‬‬
‫سهَا نَأْ ِ‬
‫سخْ مِنْ آ َي ٍة َأوْ نُن ِ‬
‫يتعقّبه ومنه قوله تعالى ‪ { :‬مَا نَن َ‬
‫وأمّا في الصطلح ‪ ,‬فقد اختلفت عبارات الفقهاء في تعريف المناسخة ‪ ,‬وهي في الجملة ‪:‬‬
‫نقل نصيب بعض الورثة بموته قبل القسمة إلى من يرث منه ‪.‬‬
‫أحوال المناسخة وأحكامها ‪:‬‬
‫ن للمناسخة أحوا ًل ثلثةً لكلّ منها حكمه ‪ ,‬قال الحجّاويّ‬
‫ذهب الفقهاء في الجملة إلى أ ّ‬
‫والبهوتي ‪ :‬المناسخة ثلثة أحوال ‪:‬‬
‫‪ -‬الحال الوّل ‪ :‬أن يكون ورثة الثّاني يرثونه على حسب ميراثهم من الوّل ‪ ,‬مثل أن‬ ‫‪2‬‬

‫يكونوا عصبةً لهما ‪ ,‬فاقسم المال بين من بقي منهم ‪ ,‬ول تنظر إلى الميّت الوّل كميّت خلّف‬
‫أربعة بنين وثلث بناتٍ ‪ ,‬ثمّ ماتت بنت ثمّ ابن ‪ ,‬ث ّم بنت أخرى ث ّم ابن آخر ‪ ,‬وبقي ابنان‬
‫وبنت ‪ .‬فاقسم المال على خمسة ‪.‬‬
‫‪ -‬الحال الثّاني ‪ :‬أن يكون ما بعد الميّت الوّل من الموتى ل يرث بعضهم بعضا ‪ ,‬كإخوة‬ ‫‪3‬‬

‫خلّف كلّ واحد منهم ‪ ,‬فاجعل مسائلهم كعدد انكسرت عليه سهامهم ‪ ,‬وصحّح على ما ذكر‬
‫في باب التّصحيح ‪.‬‬
‫مثاله ‪ :‬رجل خلّف أربعة بنين ‪ .‬فمات أحدهم عن ابنين ‪ ,‬والثّاني عن ثلثة ‪ ,‬والثّالث عن‬
‫أربعة ‪ ,‬والرّابع عن ستّة ‪ ,‬فالمسالة الولى من أربعة ‪ ,‬ومسألة البن الوّل من اثنين ‪,‬‬
‫والثّاني من ثلثة ‪ ,‬والثّالث من أربعة ‪ ,‬والرّابع من ستّة عدد البنين لك ّل منهم ‪.‬‬
‫فالحاصل من مسائل الورثة اثنان وثلثة وأربعة وستّة ‪ ,‬فالثنان تدخل في الربعة والثّلثة‬
‫تدخل في السّتّة ‪ ,‬فأسقط الثنين والثّلثة يبقى أربعة وستّة ‪ ,‬وهما متوافقان ‪ ,‬فاضرب وفق‬
‫الربعة في السّتّة تكن اثني عشر ‪ ,‬ثمّ تضربها في المسالة الولى وهي أربعة تكن ثمانيةً‬
‫وأربعين ‪ ,‬لورثة كلّ ابن اثنا عشر حاصلة من ضرب واحد في الثني عشر ‪ ,‬فلكلّ واحد من‬
‫ابني البن الوّل ستّة ‪ ,‬ولكلّ واحد من ابني البن الثّاني أربعة ‪ ,‬ولكلّ واحد من ابني البن‬
‫ن كلّ صنف منهم يختص بتركة‬
‫الثّالث ثلثة ‪ ,‬ولكلّ واحد من ابني البن الرّابع سهمان ‪ ,‬ل ّ‬
‫مورّثه ‪.‬‬
‫‪ -‬الحال الثّالث ‪ :‬ما عدا ذلك بأن تكون ورثة الثّاني ل يرثونه كالوّل ‪ ,‬ويكون ما بعد‬ ‫‪4‬‬

‫الميّت الوّل من الموتى يرث بعضهم بعضا ‪ ,‬وهو ثلثة أقسام ‪.‬‬
‫القسم الوّل ‪ :‬أن تقسم سهام الميّت الثّاني على مسألته ‪ .‬فتصح المسألتان ممّا صحّت منه‬
‫الولى ‪.‬‬
‫ن الوّل‬
‫كرجل خلّف زوجةً وبنتا وأخا لغير أم ‪ ,‬ثمّ ماتت البنت وخلّفت زوجا وبنتا وعما ‪ ,‬فإ ّ‬
‫من ثمانية ‪ :‬للزّوجة واحد وللبنت أربعة وللخ الباقي ثلثة ‪ .‬ومسألة البنت من أربعة ‪:‬‬
‫لزوجها واحد ولبنتها اثنان ولعمّها واحد ‪ .‬ولها من الولى أربعة ‪ ,‬ومسألتها من أربعة فهي‬
‫منقسمة عليها ‪ ,‬فتصح المسألتان من ثمانية ‪ ,‬للزّوجة واحد ‪ ,‬وللخ الّذي هو عم في‬
‫الثّانية أربعة ‪ ,‬ولزوج الثّانية واحد ‪ ,‬ولبنتها اثنان ‪.‬‬
‫القسم الثّاني ‪ :‬أن ل تنقسم سهام الثّاني على مسألته بل توافقها ‪ ,‬فردّ مسألته إلى وفقها ‪,‬‬
‫واضرب وفق مسألته في كلّ الولى ‪ ,‬فما بلغ فهو الجامعة للمسألتين ‪ ,‬ث ّم كل من له شيء‬
‫من المسالة الولى مضروب في وفق الثّانية ‪ ,‬ومن له شيء من الثّانية مضروب في وفق‬
‫سهام الميّت الثّاني ‪.‬‬
‫مثل ‪ :‬أن تكون الزّوجة أما للبنت في مسألتنا المذكورة فإنّ مسألتها تكون من اثني عشر ‪,‬‬
‫لنّ فيها نصفا للبنت ‪ ,‬وربعا للزّوج ‪ ,‬وسدسا للمّ توافق سهامها من الولى وهي أربعة‬
‫بالربع ‪ ,‬فترجع الثنا عشر إلى ربعها ثلثة ‪ ,‬فاضربها في الولى ‪ -‬وهي ثمانية ‪ -‬تكن‬
‫أربعةً وعشرين ‪ :‬للمرأة الّتي هي زوجة في الولى أم في الثّانية سهم من الولى مضروب‬
‫في وفق الثّانية ‪ ,‬وهو ثلثة بثلثة ‪ ,‬ومن الثّانية سهمان في وفق سهام الميّتة باثنين ‪.‬‬
‫فيكون لها خمسة ‪ ,‬وللخ من الولى ثلثة في وفق الثّانية ثلثة بتسعة ‪ ,‬وله بكونه عما‬
‫في الثّانية واحد في واحد بواحد ‪ .‬فيجتمع له عشرة ‪ ,‬ولزوج البنت من الثّانية ثلثة في‬
‫واحد بثلثة ‪ ,‬ولبنتها منها ستّة في واحد بستّة ‪ .‬ومجموع السّهام أربعة وعشرون ‪.‬‬
‫القسم الثّالث ‪ :‬أن ل تنقسم سهام الميّت الثّاني على مسألته ول توافقها ‪ .‬فاضرب المسألة‬
‫الثّانية في كلّ المسألة الولى فما حصل فهو الجامعة ‪ ,‬ثمّ كل من له شيء من الولى‬
‫مضروب في الثّانية ‪ ,‬ومن له شيء من الثّانية مضروب في سهام الميّت الثّاني ‪.‬‬
‫وذلك كأن تخلّف البنت ‪ -‬الّتي مات أبوها عنها وعن زوجة وأخ ‪ -‬بنتين وزوجا وأما ‪ ,‬فإنّ‬
‫الولى من ثمانية وسهام البنت منها أربعة ‪ ,‬ومسألتها تعول إلى ثلثة عشر ‪ :‬للبنتين‬
‫ثمانية‪ ,‬وللزّوج ثلثة ‪ ,‬وللمّ اثنان ‪ ,‬والربعة ل تنقسم عليها ول توافقها ‪ ,‬فاضربها في‬
‫المسألة الولى تكن الجامعة مائة وأربعة ‪ :‬للمرأة الّتي هي أم في الثّانية زوجة في الولى‬
‫سهم من الولى في الثّانية بثلثة عشر ‪ ,‬ولها من الثّانية سهمان في سهام الميّتة من‬
‫الولى أربعة بثمانية مجتمع لها أحد وعشرون ‪ ,‬ولخي الميّت الوّل ثلثة من الولى في‬
‫الثّانية بتسعة وثلثين ول شيء له من الثّانية لستغراق الفروض المال ‪ ,‬وللزّوج من‬
‫الثّانية ثلثة في سهام الميّتة الربعة باثني عشر ‪ ,‬ولبنيها من الثّانية ثمانية في أربعة‬
‫باثنين وثلثين ‪ .‬ومجموع السّهام مائة وأربعة ‪.‬‬
‫‪ -‬فإن مات ثالثٌ قبل القسمة جمعت سهامه ممّا صحّت منه الوليان ‪ ,‬وعملت فيها عملك‬ ‫‪5‬‬

‫في مسألة الثّاني مع الولى ‪ ,‬بأن تنظر بين سهامه ومسألته ‪ ,‬فإن انقسمت عليها لم تحتج‬
‫لضرب ‪ ,‬وإلّا فإمّا أن توافق أو تباين ‪ .‬فإن وافقت رددت الثّالثة لوفقها وضربته في‬
‫الجامع‪ ,‬وإن باينت ضربت الثّالثة في الجامعة ‪ ,‬ثمّ من له شيء من الجامعة يأخذه مضروبا‬
‫في وفق الثّالثة عند التّوافق ‪ ,‬أو كلّها عند التّباين ‪ ,‬ومن له شيء من الثّالثة يأخذه‬
‫مضروبا في وفق سهام مورّثه من الجامعة عند الموافقة أو في كلها عند المباينة ‪.‬‬
‫مثاله ‪ :‬مات عن زوجة وأم وثلث أخوات مفترقات ‪.‬‬
‫أصل المسألة من اثني عشر ‪ ,‬وتعول إلى خمسة عشر ‪ .‬ماتت الخت من البوين عن‬
‫زوجها وأمها وأختها لبيها وأختها لمها أصل مسألتها من ستة ‪ ,‬وتعول إلى ثمانية ‪,‬‬
‫وسهامها من الولى ستة متفقان بالنصف ‪ ,‬فاضرب نصف الثانية أربعة في الولى تبلغ‬
‫ستين ‪ ,‬واقسم على ما تقدم ‪ :‬للزوجة من الولى ثلثة في أربعة باثني عشر ‪ ,‬وللم من‬
‫الولى اثنان في أربعة بثمانية ومن الثانية واحد في ثلثة ‪ .‬فيجتمع لها أحد عشر ‪ ,‬ولخت‬
‫الول لبيه اثنان في أربعة بثمانية ‪ ,‬ولها من الثانية ثلثة في ثلثة بتسعة ‪ .‬يجتمع لها‬
‫سبعة عشر ‪ ,‬وللخت للم من الولى اثنان في أربعة بثمانية ‪ ,‬ومن الثانية واحد في ثلثة‬
‫يجتمع لها أحد عشر ‪ .‬ولزوج الثانية من الثانية ثلثة في ثلثة بتسعة ‪.‬‬
‫ثم ماتت الم وخلفت زوجا وأختا وبنتا وهي الخت لم ‪ .‬فمسألتها من أربعة ولها من‬
‫الجامعة أحد عشر ل تنقسم ول توافق ‪ ,‬فتضرب مسألتها أربعة في الجامعة وهي ستون‬
‫تبلغ مائتين وأربعين ‪ .‬ومنها تصح الثلث ‪ ,‬للزوجة من الجامعة اثنا عشر في أربعة بثمانية‬
‫وأربعين ‪ .‬وللخت لب سبعة عشر في أربعة بثمانية وستين ‪ ,‬وللخت لم من الجامعة أحد‬
‫عشر في أربعة بأربعة وأربعين ‪ ,‬ومن الثالثة اثنان في أحد عشر وهي سهام الثالثة باثنين‬
‫وعشرين ‪ .‬فيجتمع لها ستة وستون ‪ ,‬ولزوج الثانية تسعة من الجامعة في أربعة بستة‬
‫وثلثين ‪ ,‬ولزوج الثالثة منها واحد في أحد عشر بأحد عشر ‪ .‬وكذا أختها ‪.‬‬
‫‪ -‬وكذلك تصنع في الميت الرابع بأن تعمل له مسألة وتقابل بينها وبين سهامه من‬ ‫‪6‬‬

‫الجامعة للثلث قبلها ‪ ,‬فإما أن تنقسم أو توافق أو تباين ‪ ,‬وتتم العمل على ما تقدم ‪.‬‬
‫‪ -‬وكذا تصنع فيمن مات بعده من خامس أو أكثر بأن تعمل للخامس مسألة وتقابل بينها‬ ‫‪7‬‬

‫وبين سهامه من الجامعة للربع قبلها ‪ ,‬ثم تعمل للسادس مسألة وتقابل بينها وبين سهامه‬
‫من التي قبلها ‪ ,‬وهكذا فتكون الجامعة كالولى ‪ .‬ومسألة الميت كالثانية وتتم العمل على ما‬
‫تقدم ‪.‬‬
‫والختبار بجمع النصباء فإن ساوى حاصلها الجامعة فالعمل صحيح وإل فأعده ‪.‬‬
‫المسألة المأمونيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا قيل ‪ :‬ميّت مات عن أبوين وبنتين ‪ ,‬ثمّ لم تقسم التّركة حتّى ماتت إحدى البنتين‬ ‫‪8‬‬

‫عمّن في المسألة فقط أو مع زوج ‪ ,‬أحتيج إلى السؤال عن الميّت الوّل أذكر هو أم أنثى ‪,‬‬
‫ث في الثّانية لنّه أبو أب ‪.‬‬
‫فإن كان الميّت الوّل رجلً فالب في الولى جد وار ٌ‬
‫ن الولى من‬
‫وتصح المسألتان من أربعة وخمسين حيث ماتت عمّن في المسألة فقط ‪ .‬ل ّ‬
‫ستّة لكلّ من البوين سهم ‪ ,‬ولكلّ من البنتين سهمان ‪ .‬والثّانية من ثمانية عشر ‪ :‬للجدّة‬
‫السدس ثلثة ‪ ,‬وللجدّ عشرة ‪ ,‬وللخت خمسة ‪ ,‬وسهام الميّت اثنان ل تنقسم على الثّمانية‬
‫عشر لكن توافقها بالنّصف ‪ ,‬فردّها لتسعة واضربها في ستّة تبلغ أربعةً وخمسين ‪:‬‬
‫للمّ من الولى واحد في تسعة بتسعة ومن الثّانية ثلثة في واحد ‪ ,‬يجتمع لها اثنا عشر ‪.‬‬
‫وللب من الولى واحد في تسعة بتسعة ومن الثّانية عشرة في واحد بعشرة ‪ ,‬يجتمع له‬
‫تسعة عشر ‪.‬‬
‫وللبنت من الولى سهمان في تسعة بثمانية عشر ومن الثّانية خمسة في واحد ‪ ,‬ومجموعها‬
‫ثلثة وعشرون ‪ .‬ومجموع سهام الكلّ أربعة وخمسون ‪.‬‬
‫وإن كانت الميّت امرأةً فالب في الولى أبو أم ‪ ,‬في الثّانية ل يرث ‪ ,‬والخت إمّا أن تكون‬
‫شقيقةً أو لمّ ‪.‬‬
‫وتصح المسألتان من اثني عشر ‪ ,‬إن كانت لخت شقيقة ‪ ,‬لنّ الولى من ستّة كما علمت ‪,‬‬
‫والثّانية من أربعة بالرّدّ ‪ ,‬للجدّة واحد ‪ ,‬وللشّقيقة ثلثة ‪ ,‬وسهام الميّتة اثنان ل تنقسم على‬
‫الربعة لكن توافقها بالنّصف فترد الربعة لثنين ‪ ,‬وتضربها في ستّة باثني عشر ثمّ‬
‫تقسمها‪ ,‬للب من الولى واحد في اثنين باثنين ول شيء له من الثّانية ‪ .‬وللبنت من الولى‬
‫اثنان في اثنين بأربعة ومن الثّانية ثلثة في واحد بثلثة ‪ ,‬وللمّ من الولى واحد في اثنين‬
‫باثنين ‪ ,‬ومن الثّانية واحد في واحد فلها ثلثة ‪ ,‬ومجموع السّهام اثنا عشر ‪.‬‬
‫وإن كانت الخت لمّ فمسألة الرّدّ من اثنين وسهام الميّتة من الولى اثنان ‪ .‬فتصح‬
‫المسألتان من السّتّة ‪ :‬للب واحد ‪ ,‬وللبنت ثلثة ‪ ,‬وللجدّة اثنان ‪.‬‬
‫وهي ‪ -‬أي المسألة المسئُول عنها بأبوين وابنتين لم تقسم التّركة حتّى ماتت إحدى البنتين‬
‫ن المأمون سأل عنها يحيى بن أكثم ‪ -‬بالثّاء المثلّثة ‪ -‬لمّا أراد أن يولّيه‬
‫– " المأمونيّة " ل ّ‬
‫القضاء ‪ .‬فقال له يحيى ‪ :‬الميّت الوّل ذكر أو أنثى ؟ فعلم أنّه قد فطن لها ‪ .‬فقال له ‪ :‬إذا‬
‫عرفت التّفصيل فقد عرفت الجواب ‪ ,‬وولّاه ‪.‬‬

‫َمنَاسِك *‬
‫انظر ‪ :‬حجّ ‪ ,‬عمرة ‪.‬‬

‫ُمنَاشَدة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المناشدة في اللغة ‪ :‬مأخوذ من نشد ‪ ,‬والمناشدة ‪ :‬المناداة مع رفع الصّوت ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫يقال ‪ :‬نشدت الضّالّة ‪ :‬رفعت نشيدي ‪ :‬أي صوتي بطلبها ‪ ,‬فأنا ناشد ‪ ,‬وأنشدتها ‪ :‬أي‬
‫رفعت صوتي بتعريفها ‪ :‬فأنا منشد ‪ ,‬كما يقال ‪ :‬نشد بالشّعر ينشده ‪ :‬إذا رفع صوته به ‪,‬‬
‫وناشد المعتدي بالدّعوة إلى التّقوى والكفّ عن العتداء عليه بقوله ‪ :‬ناشدتك اللّه ونحوه ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمناشدة ‪:‬‬
‫إنشاد اللقطة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ إنشاد اللقطة واجب على الملتقط ‪ ,‬سواء أراد تملكها أو‬ ‫‪2‬‬

‫أراد حفظها لصاحبها ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪7‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ ( :‬لقطة ف ‪ , 7 /‬ومصطلح تعريف ف ‪/‬‬
‫إنشاد لقطة غير الحيوان ‪:‬‬
‫‪ -‬للقطة غير الحيوان بالنّسبة لنشادها حالتان ‪:‬‬ ‫‪3‬‬

‫إحداهما ‪ :‬أن توجد في أرض مملوكة فل يتعرّض لها ‪.‬‬


‫والحالة الثّانية ‪ :‬أن توجد في أرض غير مملوكة من مسجد ‪ ,‬أو طريق ‪ ,‬أو مواتٍ ‪ ,‬فل‬
‫يخلو من أمرين ‪ :‬إمّا أن يكون بمكّة أو بغير مكّة ‪ ,‬فإن كانت بغير مكّة من سائر البلد ‪,‬‬
‫فعلى ضربين ‪ :‬ظاهر ومدفون ‪.‬‬
‫فإن كان المال ظاهرا ‪ :‬وكان ممّا ل يبقى كالطّعام الرّطب الّذي يفسده المساك كالهريسة ‪,‬‬
‫والفواكه والبقول الّتي ل تبقى على اليّام ‪ ,‬فقد حكى المزني عن الشّافعيّ في باب اللقطة‬
‫أنّه قال في موضع ‪ :‬يأكله الواجد ‪ ,‬وقال في موضع آخر ‪ :‬أحببت أن يبيعه ‪ ,‬فاختلف‬
‫ي بن أبي هريرة وطائفة يخرّجون على قولين‬
‫ي وأبو عل ّ‬
‫أصحابه ‪ ,‬فكان أبو إسحاق المروز ّ‬
‫‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬كالشّاة الّتي لمّا تعذّر استبقاؤها أبيح لواجدها أكلها بل إنشاد ‪.‬‬
‫والقول الثّاني ‪ :‬ليس لواجده أكله ‪ ,‬بخلف الشّاة الّتي ل يجب تعريفها فأبيح له أكلها ‪,‬‬
‫والطّعام وإن كان رطبا يجب إنشاده فلم يستبح أكله ‪.‬‬
‫فإن قلنا بجواز أكله فأكله صار ضامنا بقيمته ‪ ,‬وعليه إنشاد الطّعام حولً ‪ ,‬وإن قلنا ‪ :‬ل‬
‫يجوز أكله ‪ ,‬فعليه أن يأتي الحاكم حتّى يأذن له في بيعه ‪ ,‬ول يتولّى بيعه بنفسه مع القدرة‬
‫على التيان للحاكم إلّا بعد استئذان الحاكم ‪ ,‬فإن أعوزه إذن الحاكم جاز بيعه ‪ ,‬فلو باعه‬
‫بإذن الحاكم كان الثّمن في يده أمانةً ‪ ,‬وعليه إنشاد الطّعام حولً ‪ ,‬وإن كان الطّعام الرّطب‬
‫ممّا يمكن إبقاؤه بعلج ‪ ,‬كرطب يتجفّف ‪ ,‬والعنب الّذي يتزبّب ‪ ,‬فحكمه حكم غير الطّعام في‬
‫وجوب إنشاده واستبقائه ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إن كانت اللقطة شيئا ل يبقى عرّفه حتّى إذا خاف أن يفسد تصدّق به ‪,‬‬
‫وينبغي أن يعرّفها في الموضع الّذي أصابها ‪.‬‬
‫ي والقماش ‪ ,‬فهذه هي اللقطة الّتي‬
‫أمّا إن كان ممّا يبقى كالدّراهم والدّنانير والثّياب والحل ّ‬
‫قال فيها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬اعرف عفاصها ووكاءها ثمّ عرّفها سنةً » ‪,‬‬
‫فعليه أن يأتي بشروط تعريفها ‪ ,‬ثمّ بعد الحول إن لم يأت صاحبها تملّكها إن أراد ذلك ‪.‬‬
‫ي‪.‬‬
‫ي وإسلم ّ‬
‫وإن كان المال مدفونا ‪ ,‬فضربان ‪ :‬جاهل ّ‬
‫فإن كان إسلميّا فلقطة يجري عليه أحكام اللقطة فينشد ‪.‬‬
‫وإن كان جاهليّا فهو ركازٌ ‪ ,‬ويجب فيه الخمس ‪.‬‬
‫مدّة النشاد ‪:‬‬
‫‪ -‬مدّة النشاد حول عند جمهور الفقهاء ‪ ,‬وهو ظاهر الرّواية عند الحنفيّة ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫ن أنّ صاحبها ل يطلبها ‪ ,‬وليس للنشاد مدّة‬


‫والقول الخر عندهم ‪ :‬ينشدها إلى أن يظ ّ‬
‫محدّدة ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ( لقطة ف ‪. ) 8 /‬‬
‫هذا في غير لقطة الحرم ‪ ,‬أما لقطة الحرم فقد اختلف الفقهاء ‪:‬‬
‫ن لقطة الحرم كلقطة سائر البلد في الحكام ‪.‬‬
‫ذهب الجمهور إلى أ ّ‬
‫وقال الشّافعي رحمه ال ‪ :‬إنّه ليس لواجد لقطة مكّة تملكها ‪ ,‬وينشدها أبدا ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪14‬‬ ‫والتّفصيل في ( لقطة ف ‪/‬‬
‫أماكن النشاد ‪:‬‬
‫‪ -‬أماكن النشاد هي ‪ :‬مجامع النّاس ومحافلهم من البلدان الّتي وجد اللقطة فيها ‪ ,‬ومحال‬ ‫‪5‬‬

‫الرّحال ‪ ,‬ومناخ السفار ‪ ,‬وفي السواق ‪.‬‬


‫فأمّا الضّواحي الخالية من النّاس فل يكون النشاد فيها تعريفا ‪.‬‬
‫وينشدها في أبواب المساجد عند خروج الجماعات ‪ ,‬أو أقرب البلد إلى مكان اللتقاط ‪ ,‬وإن‬
‫جازت قافلة تبعهم وأنشدها فيهم ‪.‬‬
‫إنشاد اللقطة في المساجد ‪:‬‬
‫‪ -‬يحرم أو يكره على اختلف بين الفقهاء إنشاد اللقطة في المساجد ‪ ,‬لخبر ‪ « :‬من‬ ‫‪6‬‬

‫سمع رجلً ينشد ضاّل ًة في المسجد فليقل ‪ :‬ل ردّها اللّه عليك » ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬ل بأس أن يسأل من في المسجد في غير صورة إنشاد ‪.‬‬
‫واستثنى الشّافعيّة عن حظر إنشاد اللقطة في المساجد المسجد الحرام ‪ ,‬وقالوا ‪ :‬ل يكره‬
‫ن اللّه جلّ شأنه جعل هذا البيت مثابةً للنّاس ‪ :‬أي‬
‫إنشاد اللقطة فيه ‪ ,‬والحكمة في ذلك أ ّ‬
‫يعودون إليه ‪ ,‬فربّما يرجع مالكها وإن طال الزّمن ‪.‬‬
‫إنشاد ضوالّ الحيوان ‪:‬‬
‫‪ -‬ضوال الحيوان إن وجدت في صحراء ‪ :‬فإن كانت ممّا يصل إلى الماء والرّعي بنفسه ‪,‬‬ ‫‪7‬‬

‫ويدفع عن نفسه صغار السّباع بقوّته كالبل والبقر والخيل والبغال والحمير فل يجوز‬
‫التّعرض لها للنّشدان ول للتّملك ‪ ,‬لقوله صلى ال عليه وسلم في ضوالّ البل ‪ « :‬ما لك‬
‫ولها ؟ ! معها سقاؤها وحذاؤها ‪ ,‬ترد الماء وتأكل الشّجر حتّى يلقاها ربها » ‪.‬‬
‫أما إن كانت ممّا ل يدفع عن نفسه صغار السّباع ‪ ,‬ويعجز عن الوصول إلى الماء والرّعي‬
‫كالغنم والدّجاج ‪ ,‬فللواجد أخذه وأكله من غير نشدان ‪ ,‬وعليه غرمه إذا ظهر مالكه عند‬
‫جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يجوز له أكلها بالصّحراء إذا لم يتيسّر حملها أو سوقها للعمران ‪.‬‬
‫وفي قول عندهم ‪ :‬يجوز له أكلها في الصّحراء ولو مع تيسر سوقها للعمران ‪ ,‬وإن أتى بها‬
‫ح ّيةً للعمران وجب عليه تعريفها ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ( ضالّة ف ‪ 4 - 3 /‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫النشاد بالشّعر ‪:‬‬
‫‪ -‬النشاد بالشّعر جائزٌ إذا لم يكن في المسجد وخل عن هجوٍ وإغراق في المدح والكذب‬ ‫‪8‬‬

‫المحض والغزل الحرام ‪.‬‬


‫وتفصيله في مصطلح ( شعر ف ‪. ) 7 /‬‬
‫مناشدة الظّالم ‪:‬‬
‫‪ -‬نصّ المالكيّة على أنّه إذا تعرّض المحارب للمسافر يستحب أن يناشده قبل القتال إذا‬ ‫‪9‬‬

‫أمكن ‪.‬‬
‫والمناشدة هنا أن يدعوه إلى التّقوى والكفّ عن التّعرض له ‪.‬‬
‫وصيغة المناشدة ‪ :‬ناشدتك اللّه إلّا ما خلّيت سبيلي ‪ ,‬أو ‪ :‬اتّق اللّه وكفّ عن العتداء‬
‫والظلم ‪ ,‬ونحو ذلك من التّذكير والوعظ ‪.‬‬
‫ن الدّعوة للتّقوى والتّذكير ل‬
‫وقال سحنون ‪ :‬ل يناشد المعترض له ول يدعوه للتّقوى ‪ ,‬ل ّ‬
‫يزيده إلّا إشل ًء وجرأةً ‪.‬‬

‫ُمنَاصَرة *‬
‫انظر ‪ :‬عاقلة ‪.‬‬

‫ُمنَاضَلة *‬
‫انظر ‪ :‬سباق ‪.‬‬
‫ُمنَاظَرة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المناظرة لغةً ‪ :‬يقال ‪ :‬ناظر فلنا ‪ :‬صار نظيرا له ‪ ,‬وناظر فلنا ‪ :‬باحثه وباراه في‬ ‫‪1‬‬

‫المجادلة ‪ ,‬وناظر الشّيء بالشّيء ‪ :‬جعله نظيرا له ‪.‬‬


‫فالمناظرة مأخوذة من النّظير أو من النّظر بالبصيرة ‪.‬‬
‫والمناظرة اصطلحا ‪ :‬عرّفها المدي بأنّها تردد الكلم بين الشّخصين يقصد كل منهما‬
‫تصحيح قوله وإبطال قول صاحبه ليظهر الحق ‪ ,‬وعرّفها الجرجاني بأنّها ‪ :‬النّظر بالبصيرة‬
‫من الجانبين في النّسبة بين الشّيئين إظهارا للصّواب ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ال ُمجَادَلة ‪:‬‬
‫‪ -‬المجادلة لغةً ‪ :‬المناظرة والمخاصمة ‪ ,‬يقال ‪ :‬جدل الرّجل جدلً فهو جدل من باب‬ ‫‪2‬‬

‫تعب‪ :‬إذا اشتدّت خصومته ‪ ,‬وجادل جدالً ومجادل ًة ‪ :‬إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحقّ‬
‫ووضوح الصّواب ‪.‬‬
‫والمجادلة اصطلحا ‪ :‬قال المدي ‪ :‬هي المدافعة لسكات الخصم ‪.‬‬
‫والصّلة بينهما أنّ كلً من المجادلين يريد حفظ مقاله وهدم مقال صاحبه ‪ ,‬سواء كان حقا أو‬
‫باطلً ‪.‬‬
‫أما المناظران فكل منهما يريد إظهار الحقّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المُنا َقشَة ‪:‬‬
‫‪ -‬المناقشة لغةً ‪ :‬يقال ‪ :‬نقش الشّيء نقشا ‪ :‬بحث عنه واستخرجه ‪ ,‬ويقال ‪ :‬نقش‬ ‫‪3‬‬

‫الشّوكة بالمنقاش ‪ ,‬ونقش الحقّ من فلن ‪ ,‬وناقشه مناقشةً ونقاشا استقصى في حسابه ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫ل منهما يهدف إلى بيان وجه الحقّ ‪.‬‬
‫والصّلة بين المناقشة والمناظرة أنّ ك ً‬
‫ج ‪ -‬المُكابَرة ‪:‬‬
‫‪ -‬المكابرة لغةً ‪ :‬المغالبة ‪ .‬يقال ‪ :‬كابرته مكابرةً ‪ ,‬غالبته وعاندته ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫والمكابرة اصطلحا ‪ :‬المنازعة في المسائل العلميّة مع علم المتكلّم بفساد كلمه وصحّة كلم‬
‫خصمه ‪.‬‬
‫والصّلة بين المناظرة والمكابرة التّضاد من حيث الغاية والثّمرة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬المُعانَدة ‪:‬‬
‫‪ -‬المعاندة لغ ًة ‪ :‬من باب ضرب ‪ ,‬يقال ‪ :‬عاند فلن عنادا ‪ :‬إذا ركب الخلف والعصيان ‪,‬‬ ‫‪5‬‬

‫وعانده معاندةً ‪ :‬عارضه ‪ ,‬قال الزهري ‪ :‬المعاند المعارض بالخلف ل بالوفاق ‪.‬‬
‫والمعاندة اصطلحا ‪ :‬المنازعة في المسائل العلميّة مع عدم علمه بكلمه هو وكلم صاحبه ‪.‬‬
‫والصّلة بين المناظرة والمعاندة التّباين ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬المُحاوَرة ‪:‬‬
‫‪ -‬المحاورة لغةً ‪ :‬يقال ‪ :‬حاوره محاورةً وحوارا ‪ :‬جاوبه ‪ ,‬وحاوره ‪ :‬جادله ‪ ,‬قال تعالى‪:‬‬ ‫‪6‬‬

‫{ قَالَ َل ُه صَاحِ ُبهُ وَ ُه َو ُيحَاوِرُهُ } ويقال ‪ :‬تحاوروا ‪ :‬تراجعوا الكلم بينهم وتجادلوا ‪ ,‬قال‬
‫سمَعُ َتحَاوُ َر ُكمَا } ‪.‬‬
‫تعالى ‪ { :‬وَالّل ُه َي ْ‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫ل منهما يراجع صاحبه في قوله ‪.‬‬
‫والصّلة بين المحاورة والمناظرة أنّ ك ً‬
‫مشروعيّة المناظرة ‪:‬‬
‫‪ -‬المناظرة مشروعة بالكتاب والسنّة ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫أمّا الكتاب فمنه المناظرة الّتي تمّت بين إبراهيم عليه السلم عليه السّلم عليه السلم وبين‬
‫النّمرود الّذي ادّعى الربوبيّة ‪ ,‬وذلك في قوله تعالى قوله تعالى قوله تعالى ‪ { :‬أَ َلمْ َترَ إِلَى‬
‫ك إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّيَ الّذِي ُيحْيِـي وَ ُيمِيتُ قَالَ‬
‫ج إِبْرَاهِيمَ فِي رِ ّب ِه أَنْ آتَا ُه الّلهُ ا ْلمُلْ َ‬
‫الّذِي حَآ ّ‬
‫ت ِبهَا مِنَ ا ْل َمغْرِبِ‬
‫ن ا ْل َمشْرِقِ فَأْ ِ‬
‫شمْسِ مِ َ‬
‫أَنَا ُأحْيِـي َوأُمِيتُ قَا َل إِبْرَاهِيمُ فَِإنّ الّل َه يَأْتِي بِال ّ‬
‫ت الّذِي كَفَ َر وَالّلهُ َل َيهْدِي ا ْل َقوْمَ الظّا ِلمِينَ } ‪.‬‬
‫فَ ُبهِ َ‬
‫ومناظرة موسى عليه السلم عليه السّلم عليه السلم مع فرعون وذلك في قوله تعالى قوله‬
‫سمَاوَاتِ وَالْأَ ْرضِ َومَا بَيْ َن ُهمَا‬
‫ب ا ْلعَا َلمِينَ ‪ ،‬قَالَ رَبّ ال ّ‬
‫عوْنُ َومَا رَ ّ‬
‫تعالى قوله تعالى ‪ { :‬قَالَ فِ ْر َ‬
‫حوْ َلهُ أَلَا َتسْ َت ِمعُونَ ‪ ،‬قَالَ رَ ّبكُمْ َورَبّ آبَا ِئ ُكمُ الْ َأوّلِينَ ‪ ،‬قَالَ إِنّ‬
‫ن َ‬
‫إن كُنتُم مّوقِنِينَ ‪ ،‬قَا َل ِلمَ ْ‬
‫ق وَا ْل َمغْرِبِ َومَا بَيْ َن ُهمَا إِن كُنتُ ْم َتعْقِلُونَ ‪،‬‬
‫سلَ إِلَ ْي ُكمْ َل َمجْنُونٌ ‪ ،‬قَالَ رَبّ ا ْل َمشْرِ ِ‬
‫َرسُو َل ُكمُ الّذِي أُ ْر ِ‬
‫ك ِبشَيْ ٍء مّبِينٍ ‪ ،‬قَالَ فَأْتِ‬
‫ن ا ْل َمسْجُونِينَ ‪ ،‬قَالَ َأوَ َلوْ جِئْتُ َ‬
‫ك مِ َ‬
‫جعَلَنّ َ‬
‫ن ا ّتخَذْتَ إِلَها غَ ْيرِي لَ َأ ْ‬
‫قَا َل لَئِ ِ‬
‫ي بَيْضَاء‬
‫ع يَدَهُ فَإِذَا هِ َ‬
‫ن ‪ ،‬وَنَزَ َ‬
‫ن مّبِي ٌ‬
‫ن الصّادِقِينَ ‪ ،‬فَأَ ْلقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ُثعْبَا ٌ‬
‫ِبهِ إِن كُنتَ مِ َ‬
‫لِلنّاظِرِينَ } ‪.‬‬
‫ب ا ْلعَا َلمِينَ } علم‬
‫وأشار ابن الحنبليّ إلى وجه الدّللة من ذلك أنّ فرعون لمّا قال ‪َ { :‬ومَا رَ ّ‬
‫ب العالمين ‪ ,‬ورب‬
‫موسى عليه السلم عليه السّلم عليه السلم أنّه سؤال عن ماهيّة ر ّ‬
‫العالمين ل ماهيّة له ‪ ,‬لنّه الوّل فل شيء قبله فيكون منه ‪ ,‬بل هو مكوّن ما تتكوّن الشياء‬
‫ب جلّ وعل‬
‫منه ‪ ,‬فلم يشتغل موسى بر ّد سؤاله وبيان فساده ‪ ,‬وكان المقصود تعريف الرّ ّ‬
‫ض َومَا بَيْ َن ُهمَا } فحصر الكائنات في ثلث كلماتٍ ‪,‬‬
‫سمَاوَاتِ وَالْأَرْ ِ‬
‫ب ال ّ‬
‫بصفته فقال ‪ { :‬رَ ّ‬
‫ن } ردا على فرعون قوله ‪:‬‬
‫ن } قال ‪ { :‬رَ ّب ُكمْ وَرَبّ آبَا ِئ ُكمُ الْ َأوّلِي َ‬
‫فلمّا قال ‪ { :‬أَلَا َتسْ َت ِمعُو َ‬
‫س َل إِلَ ْيكُمْ َل َمجْنُونٌ } أردف ما ذكر‬
‫{ أَنَا رَ ّب ُكمُ الْأَعْلَى } فلمّا قال ‪ { :‬إِنّ َرسُو َلكُمُ الّذِي أُ ْر ِ‬
‫بشاهدين آخرين فقال ‪ { :‬رَبّ ا ْل َمشْ ِرقِ وَا ْل َمغْرِبِ َومَا بَيْ َن ُهمَا } لنّ المشرق والمغرب آيتان‬
‫عظيمتان ل يقدر فرعون على ادّعائهما ‪ ,‬فلمّا اندحضت حجّته قال ‪ { :‬لَ ِئنِ ا ّتخَذْتَ إِلَها‬
‫سجُونِينَ } ‪.‬‬
‫جعَلَنّكَ ِمنَ ا ْل َم ْ‬
‫غَيْرِي لَ َأ ْ‬
‫ودليل ذلك من السنّة ‪ :‬مناظرة النّبيّ صلى ال عليه وسلم مع طالب الذن بالزّنا ‪ ,‬وذلك‬
‫ي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال ‪ :‬يا‬
‫فيما ورد عن أبي أمامة قال ‪ « :‬إنّ فتىً شابا أتى النّب ّ‬
‫رسول اللّه ‪ ,‬ائذن لي بالزّنا ‪ ,‬فأقبل القوم عليه فزجروه ‪ ,‬وقالوا ‪ :‬مه مه ‪ ,‬فقال ‪ :‬أدنه ‪.‬‬
‫فدنا منه قريبا ‪ ,‬قال ‪ :‬فجلس ‪ ,‬قال ‪ :‬أتحبه لمّك ؟ قال ‪ :‬ل واللّه ‪ ,‬جعلني اللّه فداءك ‪ .‬قال‬
‫‪ :‬ول النّاس يحبونه لمّهاتهم ‪ ,‬قال ‪ :‬أفتحبه لبنتك ؟ قال ‪ :‬ل واللّه يا رسول اللّه ‪ ,‬جعلني‬
‫اللّه فداءك ‪ .‬قال ‪ :‬ول النّاس يحبونه لبناتهم ‪ .‬قال ‪ :‬أفتحبه لختك ؟ قال ‪ :‬ل واللّه ‪ ,‬جعلني‬
‫اللّه فداءك ‪ .‬قال ‪ :‬ول النّاس يحبونه لخواتهم ‪ .‬قال ‪ :‬أفتحبه لعمّتك ؟ قال ‪ :‬ل واللّه ‪,‬‬
‫جعلني اللّه فداءك ‪ .‬قال ‪ :‬ول النّاس يحبونه لعمّاتهم ‪ .‬قال ‪ :‬أفتحبه لخالتك ؟ قال ‪ :‬ل واللّه‬
‫‪ ,‬جعلني اللّه فداءك ‪ .‬قال ‪ :‬ول النّاس يحبونه لخالتهم ‪ .‬قال ‪ :‬فوضع يده عليه وقال ‪:‬‬
‫اللّهمّ اغفر ذنبه وطهّر قلبه وحصّن فرجه ‪ .‬فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء » ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفي للمناظرة ‪:‬‬
‫حكم تعلم فنّ المناظرة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال المدي ‪ :‬هذا الفن ل شكّ في استحباب تحصيله ‪ ,‬وإنّما الشّك في وجوبه وجوبا‬ ‫‪8‬‬

‫كفائيّا ‪ ,‬فمن قال بوجوب معرفة مجادلت الفرق على الكفاية ‪ ,‬قال بوجوب التّحصيل ‪ ,‬لنّ‬
‫ن يعرف به كيفيّة المجادلة ‪ ,‬وإلّا فل ‪.‬‬
‫هذا الف ّ‬
‫ض إلى أنّ معرفة مجادلت الفرق الضّالّة‬
‫وقال ملّا زاده تعليقا عليه ‪ :‬واعلم أنّه ذهب بع ٌ‬
‫ضرّ عن‬
‫حسَنُ } ولنّها دفع ال ّ‬
‫ليجادلهم فرض كفاية لقوله تعالى ‪َ { :‬وجَادِ ْلهُم بِالّتِي هِيَ َأ ْ‬
‫المسلمين ‪ ,‬إذ يخاف أن يقعوا في اعتقاداتهم المضرّة ‪ ,‬وذا فرض كفاية على من لم يكن‬
‫مظنّة الوقوع فيه ‪ ,‬وفرض عين على من كان كذلك ‪.‬‬
‫ن العلم تابع للمعلوم ما لم يمنع عن التّبعيّة ‪.‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬إنّها حرام ل ّ‬
‫حكم المناظرة في الحالت الّتي تجري فيها ‪:‬‬
‫يختلف حكم المناظرة باختلف الحالت الّتي تجري فيها ‪.‬‬
‫أ ّولً ‪ -‬الوجوب ‪:‬‬
‫‪ -‬تكون المناظرة واجبةً في حالت منها ‪:‬‬ ‫‪9‬‬

‫‪ -‬نصرة الحقّ بإقامة الحجج العلميّة والبراهين القاطعة وحلّ المشكلت في الدّين ‪ ,‬لتندفع‬
‫الشّبهات وتصفو العتقادات عن تمويهات المبتدعين ومعضلت الملحدين ‪.‬‬
‫‪ -‬ومع أهل الكتاب إذا ظهرت مصلحة من إسلم من يرجى إسلمه منهم ‪ .‬وهي فرض‬
‫عين‪ ,‬إذا لم يوجد سوى عالم واحد وكان أهلً للمناظرة في الحالت الّتي تجب فيها ‪.‬‬
‫وتجب كذلك إذا عيّن الحاكم عالما لمناظرة أهل الباطل وكان أهلً لذلك ‪.‬‬
‫ت ‪ :‬منها إذا كان هناك من أهل العلم غير واحد قادر على‬
‫وتكون فرض كفاية في حال ٍ‬
‫المناظرات الواجبة ‪ ,‬وحينئذٍ فقيام واحد منهم يكفي لسقوط الحرج عن الباقين وإلّا أثم‬
‫الجميع بتركه ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬النّدب ‪:‬‬
‫ت منها ‪ :‬تأكيد الحقّ وتأييده ‪ ,‬ومع غير المسلمين‬
‫‪ -‬والمناظرة تكون مندوبةً في حال ٍ‬ ‫‪10‬‬

‫الّذين يرجى إسلمهم ‪.‬‬


‫ثالثا ‪ -‬الحرمة ‪:‬‬
‫ت منها ‪ :‬طمس الحقّ ورفع الباطل ‪ ,‬وقهر مسلم ‪,‬‬
‫‪ -‬تكون المناظرة محرّمةً في حال ٍ‬ ‫‪11‬‬

‫وإظهار علم ‪ ,‬ونيل دنيا أو مال أو قبول ‪.‬‬


‫المناظرة ومناهج استعمال الدلّة ومناسبة إيرادها ‪:‬‬
‫ن المستدلّ إذا بيّن دعواه بدليل ‪ ,‬فإن خفي على‬
‫‪ -‬قال صاحب فواتح الرّحموت ‪ :‬إ ّ‬ ‫‪12‬‬

‫الخصم مفهوم كلمه لجمال أو غرابة فيما استعمل استفسره ‪ ,‬وعلى المستدلّ بيان مراده‬
‫عند الستفسار ‪ ,‬وإلّا يبقى مجهولً فل تمكن المناظرة ‪.‬‬
‫ولو كان بل نقل من لغة أو أهل عرف أو بل ذكر قرينة فإذا اتّضح مراده ‪ :‬فإن كان جميع‬
‫ل ول إجمالً لزم النقطاع للبحث وظهر‬
‫مقدّماته مسلّمةً ول خلل فيها بوجه ل تفصي ً‬
‫الصّواب‪ .‬وإلّا ‪ ,‬فإن كان الخلل في البعض تفصيلً يمنع هذا المختل مجرّدا عن السّند أو‬
‫مقرونا مع السّند ‪ ,‬ويطالب بالدّليل عليه فيجاب بإثبات المقدّمة الممنوعة ‪.‬‬
‫وإن كان الخلل فيها إجمالً ‪ ,‬وذلك الخلل ‪ :‬إمّا أن يتخلّف الحكم عنه في صوره فيكون الدّليل‬
‫حينئذٍ أعمّ من المدّعي ‪ ,‬أو لزوم محال آخر فينقض حينئ ٍذ ويدّعي فساد الدّليل ‪ ,‬فل بدّ من‬
‫إقامة دليل ‪.‬‬
‫وإمّا بوجود دليل مقابل لدليل المستدلّ وحاكم بمنافي ما يحكم هو به فيعارض ‪.‬‬
‫وفي هذين أي النّقض والمعارضة تنقلب المناصب ‪ ,‬فيصير المعترض مستدلً والمستدل‬
‫معترضا ‪.‬‬
‫فكل بحث ‪ -‬مناظرة ‪ -‬إمّا منع أو نقضٌ أو معارضة ‪.‬‬
‫وفي ذلك يقول طاش كبرى زاده في منظومته في آداب البحث ‪:‬‬
‫والنّقض ذو الجمال والمعارضة‬ ‫ثلثة لسائل مناقضة‬
‫أو منعه الكبرى على التّفصيل‬ ‫فمنعه الصغرى من الدّليل‬
‫والتّفصيل في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫آداب المناظرة ‪:‬‬
‫‪ -‬للمناظرة آداب عشرة ‪:‬‬ ‫‪13‬‬

‫الوّل ‪ :‬إرادة إظهار الحقّ ‪ ,‬قال المام الشّافعي رحمه ال رحمه اللّه رحمه ال ‪ :‬ما ناظرت‬
‫أحدا إلّا وددت أن يظهر اللّه الحقّ على يديه ‪ ,‬وجاء في ردّ المحتار ‪ :‬المناظرة في العلم‬
‫لنصرة الحقّ عبادة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬أن يحترز المناظر عن اليجاز والختصار والكلم الجنبيّ لئلّا يكون مخلً بالفهم ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬أن يحترز عن التّطويل في المقال لئلّا يؤدّي إلى الملل ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬أن يحترز عن اللفاظ الغريبة في البحث ‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬أن يحترز عن استعمال اللفاظ المحتملة لمعنيين ‪.‬‬
‫السّادس ‪ :‬أن يحترز عن الدخول في كلم الخصم قبل الفهم بتمامه ‪ ,‬وإن افتقر إلى إعادته‬
‫ثانيا فل بأس بالستفسار عنه إذ الدّاخل في الكلم قبل الفهم أقبح من الستفسار ‪.‬‬
‫السّابع ‪ :‬أن يحترز عمّا ل مدخل له في المقصود بألّا يلزم البعد عن المقصود ‪.‬‬
‫ن الجهّال يسترون بها جهلهم ‪.‬‬
‫الثّامن ‪ :‬أن يحترز عن الضّحك ورفع الصّوت والسّفاهة ‪ ,‬فإ ّ‬
‫التّاسع ‪ :‬أن يحترز عن المناظرة مع من كان مهيبا ومحترما كالستاذ إذ مهابة الخصم‬
‫واحترامه ربّما تزيل دقّة نظر المناظر وحدّة ذهنه ‪.‬‬
‫العاشر ‪ :‬أن يحترز عن أن يحسب الخصم حقيرا لئلّا يصدر عنه كلم يغلب به الخصم عليه‬
‫‪.‬‬
‫أنواع المناظرة ‪:‬‬
‫للمناظرة أنواع مختلفة باعتبارات متعدّدة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬أنواع المناظرة باعتبار وسيلة أدائها ‪:‬‬
‫المناظرة بهذا العتبار نوعان ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬المناظرة الخطابيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬وتكون المناظرة الخطابيّة بالتقاء المتناظرين في مجلس علم ‪ ,‬وكثيرا ما كان يحضر‬ ‫‪14‬‬

‫المراء هذه المناظرات ‪.‬‬


‫ومن ذلك المناظرة بين المامين مالك وأبي يوسف صاحب أبي حنيفة في المدينة المنوّرة‬
‫بحضور هارون الرّشيد حول صداق المرأة تصنع به ما تشاء ‪.‬‬
‫قال القاضي عياضٌ ‪ :‬فلمّا تناظر مالك وأبو يوسف في صداق المرأة وقال أبو يوسف ‪ :‬لها‬
‫ص ‪ ,‬وإن شاءت جعلته في خيط‬
‫أن تصنع به ما شاءت ‪ :‬إن شاءت رمت به وجاءته في قمي ٍ‬
‫ن أمير المؤمنين خطب امرأةً من أهله وأصدقها مائة ألف درهم‬
‫ال ّدوّامة ‪ ,‬فقال مالك ‪ :‬لو أ ّ‬
‫ص لم يحكم لها بذلك ‪ ,‬ولكن يأمرها أن تتجهّز وتتهيّأ له بما يشتهيه ممّا‬
‫فجاءته في قمي ٍ‬
‫يتجهّز به النّساء ‪ ,‬فقال هارون ‪ :‬أصبت ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬المناظرة الكتابيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬وتكون المناظرة الكتابيّة بمخاطبة المتناظرين كتابيّا حول مسألة علميّة أو أمر يحتاج‬ ‫‪15‬‬

‫إلى ذلك ‪ .‬ومن ذلك رسالة المام مالك إلى المام اللّيث بن سعد ‪ -‬رحمهما ال ‪ -‬في‬
‫مخالفة أهل المدينة ‪ ,‬وردّ اللّيث على ذلك ‪.‬‬
‫وفيما يلي نص الرّسالتين ‪ :‬من مالك بن أنسٍ إلى اللّيث بن سعد ‪ .‬سلم اللّه عليكم ‪ ,‬فإنّي‬
‫أحمد اللّه إليك الّذي ل إله إلّا هو ‪.‬‬
‫أمّا بعد عصمنا اللّه وإيّاك بطاعته في السّ ّر والعلنية ‪ ,‬وعافانا وإيّاك من كلّ مكروهٍ ‪.‬‬
‫اعلم رحمك اللّه أنّه بلغني أنّك تفتي النّاس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة النّاس عندنا‬
‫وببلدنا الّذي نحن فيه ‪ ,‬وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك وحاجة من قبلك‬
‫إليك واعتمادهم على ما جاءهم منك ‪ ,‬حقيق بأن تخاف على نفسك وتتّبع ما ترجو النّجاة‬
‫ن وَالَنصَارِ }‬
‫ن اللّه تعالى يقول في كتابه ‪ { :‬وَالسّا ِبقُونَ ا َلوّلُونَ ِمنَ ا ْل ُمهَاجِرِي َ‬
‫باتّباعه ‪ ,‬فإ ّ‬
‫ن َأحْسَ َنهُ } فإنّما النّاس‬
‫الية ‪ ،‬وقال تعالى ‪ { :‬فَ َبشّ ْر عِبَا ِد ‪ ،‬الّذِينَ َيسْ َت ِمعُونَ ا ْل َق ْولَ فَيَتّ ِبعُو َ‬
‫تبع لهل المدينة ‪ ,‬إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن وأحلّ الحلل وحرّم الحرام إذ رسول‬
‫اللّه بين أظهرهم يحضرون الوحي والتّنزيل ويأمرهم فيطيعونه ويسن لهم فيتّبعونه ‪ ,‬حتّى‬
‫توفّاه اللّه واختار له ما عنده صلوات اللّه عليه وبركاته ‪.‬‬
‫ثمّ قام من بعده أتبع النّاس له من أمّته ممّن ولي المر من بعده ‪ ,‬فما نزل بهم ممّا علموا‬
‫أنفذوه ‪ ,‬وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه ‪ ,‬ثمّ أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في‬
‫اجتهادهم وحداثة عهدهم ‪ ,‬وإن خالفهم مخالف أو قال امرؤ غيره أقوى منه وأولى ترك‬
‫قوله وعمل بغيره ‪ ,‬ث ّم كان التّابعون من بعدهم يسلكون تلك السّبيل ويتّبعون تلك السنن ‪.‬‬
‫فإذا كان المر بالمدينة ظاهرا معمولً به لم أر لحد خلفه للّذي في أيديهم من تلك الوراثة‬
‫الّتي ل يجوز لحد انتحالها ول ادّعاؤها ‪ ,‬ولو ذهب أهل المصار يقولون ‪ :‬هذا العمل ببلدنا‬
‫وهذا الّذي مضى عليه من مضى منّا ‪ ,‬لم يكونوا من ذلك على ثقة ‪ ,‬ولم يكن لهم من ذلك‬
‫الّذي جاز لهم ‪ ,‬فانظر رحمك اللّه فيما كتبت إليك فيه لنفسك ‪ ,‬واعلم أنّي أرجو أن ل يكون‬
‫دعائي إلى ما كتبت به إليك إلّا النّصيحة للّه تعالى وحده ‪ ,‬والنّظر لك والظّنّ بك ‪ ,‬فأنزل‬
‫كتابي منك منزلته ‪ ,‬فإنّك إن فعلت تعلم أنّي لم آلك نصحا ‪ ,‬وفّقنا اللّه وإيّاك لطاعته وطاعة‬
‫رسوله في ك ّل أمر وعلى كلّ حال ‪ ,‬والسّلم عليك ورحمة اللّه ‪.‬‬
‫وكان من جواب اللّيث عن هذه الرّسالة ‪ :‬وأنّه بلغك عنّي أنّي أفتي بأشياء مخالفة لما عليه‬
‫ي الخوف على نفسي لعتماد من قبلي فيما أفتيهم به ‪,‬‬
‫جماعة النّاس عندكم ‪ ,‬وإنّه يحق عل ّ‬
‫وأنّ النّاس تبع لهل المدينة الّتي إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن ‪ ,‬وقد أصبت بالّذي‬
‫كتبت من ذلك إن شاء اللّه ‪ ,‬ووقع منّي بالموقع الّذي ل أكره ‪ ,‬ول أشد تفضيلً منّي لعلم‬
‫أهل المدينة الّذين مضوا ول آخذ بفتواهم منّي والحمد للّه ‪ ,‬وأمّا ما ذكرت من مقام رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم بالمدينة ونزول القرآن عليه بين ظهراني أصحابه وما علّمهم اللّه‬
‫منه ‪ ,‬وأنّ النّاس صاروا تبعا لهم فكما ذكرت ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أنواع المناظرات باعتبار موضوعها ‪:‬‬
‫‪ -‬تتنوّع المناظرات باعتبار موضوعها إلى أنواع أهمها المناظرات الفقهيّة ‪ :‬وهذه‬ ‫‪16‬‬

‫المناظرات موضوعها مسائل الفقه وقد تكون بين أتباع مذهب ومذهب وقد تكون بين أتباع‬
‫المذهب الواحد ‪ ,‬ومنها على سبيل المثال المناظرة بين المامين الشّافعيّ وأحمد في تارك‬
‫الصّلة ‪ ,‬وفيها قال الشّافعي ‪ :‬يا أحمد أتقول ‪ :‬إنّه يكفر ؟ قال نعم ‪ ,‬قال ‪ :‬إذا كان كافرا فبم‬
‫يسلم ؟ قال ‪ :‬يقول ‪ :‬ل إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬قال الشّافعي ‪:‬‬
‫فالرّجل مستديم لهذا القول لم يتركه ‪ ,‬قال ‪ :‬يسلم بأن يصلّي ‪ ,‬قال ‪ :‬صلة الكافر ل تصح‬
‫ول يحكم بالسلم بها ‪ ,‬فانقطع أحمد وسكت ‪.‬‬
‫ثمرة المناظرة ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل في المناظرة ‪ -‬كما هو وارد في تعريفها ‪ -‬التّوصل إلى إظهار الحقّ ‪.‬‬ ‫‪17‬‬

‫وهذه المناظرة إمّا أن تنتهي إلى عجز المعلّل وسكوته عن دفع اعتراض السّائل ‪ ,‬وهذا‬
‫يسمى إفحاما ‪.‬‬
‫وإمّا أن تنتهي إلى عجز السّائل عن العتراض على جواب المعلّل إذ ل يمكن جريان البحث‬
‫بينهما إلى غير نهاية ‪ ,‬وهذا يسمّى إلزاما ‪.‬‬
‫وفي ذلك يقول طاش كبرى زاده في منظومته ‪:‬‬
‫محقّقا إحداهما في البين‬ ‫مآلها البحث عن أمرين‬
‫وعن إقامة الدّليل يعدل‬ ‫إمّا بأن قد يعجز المعَلّل‬
‫وذا هو الفحام عنهم ثابت‬ ‫لمدّعاه وهو عنها ساكت‬
‫إلى دليل الخصم والمعترض‬ ‫أو يعجز السّائل عن تعرض‬
‫ضرورة القبول أو مسلّمة‬ ‫فينتهي الدّليل مِن مقدّمة‬
‫فتنتهي القدرة والكلم‬ ‫وذلك العجز هو اللزام‬

‫مُنَافَسة *‬
‫انظر ‪ :‬سباق ‪.‬‬

‫َمنَافِع *‬
‫انظر ‪ :‬منفعة ‪.‬‬

‫مُنَاوَلة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المناولة في اللغة تطلق على ‪ :‬كلّ ما يعطى باليد ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫يقال ‪ :‬ناولت فلنا الشّيء مناولةً ‪ :‬إذا عاطيته ‪ ,‬وتناولت من يده شيئا ‪ :‬إذا تعاطيته ‪,‬‬
‫والتّناول ‪ :‬أخذ الشّيء باليد ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عند الفقهاء عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫وفي اصطلح علماء مصطلح الحديث ‪ :‬المناولة ‪ :‬أن يدفع الشّيخ إلى الطّالب أصل سماعه‬
‫أو فرعا مقابلً به ‪ ,‬ويقول ‪ :‬هذا سماعي ‪ ,‬أو روايتي عن فلن فاروه عنّي ‪ ,‬أو نحو ذلك ‪,‬‬
‫كأن يقول ‪ :‬أجزت لك روايته عنّي ‪ ,‬ثمّ يملّكه إيّاه ‪ ,‬أو يقول ‪ :‬خذه وانسخه وقابل به ثمّ‬
‫ردّه إليّ ‪ ,‬وهي صيغة استعملها المحدّثون ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬السّماع ‪:‬‬
‫‪ -‬السّماع مصدر سمع سماعا وسمعا وسماع ًة ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫والسّمع في اللغة ‪ :‬قوّة مودعة في العصب المفروش في مقعد الصّماخ تدرك بها الصوات‬
‫‪ .‬وفي اصطلح أهل الحديث ‪ :‬أن يقول الرّاوي في رواية الحديث ‪ :‬أخبرنا فلن ‪ ,‬أو حدّثنا‬
‫فلن ‪ ,‬أو سمعت منه ‪ ,‬ونحو ذلك ‪ ,‬كذكر لنا فلن ‪.‬‬
‫والسّماع ممّا تشتمل عليه المناولة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الجازة ‪:‬‬
‫‪ -‬الجازة في اللغة ‪ :‬من أجاز المر ‪ :‬نفّذه ‪ ,‬سوّغه ‪.‬‬ ‫‪3‬‬
‫وفي اصطلح المحدّثين ‪ :‬أن يقول الشّيخ للطّالب ‪ :‬أجزت لك أن تروي عنّي هذا الحديث‬
‫بعينه أو هذا الكتاب ‪ ,‬والجازة ممّا تشتمل عليها المناولة ‪.‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬المناولة عند الصوليّين والمحدّثين ‪:‬‬
‫مشروعيّة المناولة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال البخاري ‪ :‬احتجّ بعض أهل الحجاز في المناولة بحديث النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬ ‫‪4‬‬

‫أنّه « كتب كتابا لمير السّريّة وأمره أن ل يقرأه حتّى يبلغ مكان كذا وكذا فلمّا بلغ ذلك‬
‫المكان قرأه على النّاس وأخبرهم بأمر النّبيّ صلى ال عليه وسلم » ‪.‬‬
‫قال الزّركشي ‪ :‬وأشار البيهقيّ إلى أنّه ل حجّة في ذلك ‪.‬‬
‫أنواع المناولة ‪:‬‬
‫المناولة نوعان ‪:‬‬
‫‪ -‬أحدهما ‪ :‬المناولة المقرونة بالجازة ‪ ,‬وهي أعلى أنواع الجازات على الطلق ‪ ,‬ولها‬ ‫‪5‬‬

‫صور ‪ ,‬منها ‪:‬‬


‫أن يدفع الشّيخ إلى الطّالب أصل سماعه ‪ ,‬أو فرعا مقابلً به ويقول ‪ :‬هذا سماعي من فلن‪,‬‬
‫أو روايتي عنه فاروه عنّي ‪ ,‬أو أجزت لك روايته عنّي ‪ .‬ث ّم يملّكه إيّاه ‪ ,‬أو يقول ‪ :‬خذه‬
‫وانسخه وقابل به ثمّ ردّه إليّ ‪ ,‬ونحو ذلك ‪.‬‬
‫‪ -‬الثّاني ‪ :‬المناولة المجرّدة عن الجازة كأن يناول الشّيخ الطّالب الكتاب ويقتصر على‬ ‫‪6‬‬

‫قوله ‪ :‬هذا من حديثي ‪ ,‬أو من سماعاتي ‪ .‬ول يقول ‪ :‬اروه عنّي ‪ ,‬أو أجزت لك روايته‬
‫عنّي ‪ .‬قال ابن الصّلح والنّووي ‪ :‬ل يجوز الرّواية بها على الصّحيح عند الصوليّين‬
‫والفقهاء ‪.‬‬
‫وقال ابن الصّلح ‪ :‬هذه مناولة مختلّة ‪ ,‬ول يجوز الرّواية بها ‪ .‬وعابها بعض الفقهاء‬
‫الصوليّين على المحدّثين الّذين أجازوها وسوّغوا الرّواية بها ‪ ,‬وحكى الخطيب عن طائفة‬
‫من أهل العلم أنّهم صحّحوها وأجازوا روايةً بها ‪.‬‬
‫وينظر التّفصيل في الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬المناولة عند الفقهاء ‪:‬‬
‫حصول قبض المعقود عليه بالمناولة ‪:‬‬
‫‪ -‬يكون قبض المنقولت الّتي تتناول باليد عادةً ‪ -‬كالمجوهرات والحليّ والنقود والثّياب‬ ‫‪7‬‬

‫وما إلى ذلك ‪ -‬بمناولة أحد العاقدين للخر المعقود عليه ‪ ,‬وتناول الخر منه ‪ ,‬أو إذنه له‬
‫بالتّناول ‪ ,‬أو وضعه قريبا منه بحيث يمكن له تناوله وهو في مكانه باليد ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬يحصل قبض سائر المنقولت أيضا بالمناولة ‪ ,‬كما يحصل بنقله أو تحويله‬
‫من مكان العقد ‪.‬‬
‫ضف‪.)9/‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ( قب ٌ‬

‫ِمنْبَر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المنبر في اللغة ‪ :‬مرقاة يرتقيها الخطيب أو الواعظ ليخاطب الجمع ‪ ،‬مشتق من النّبر‬ ‫‪1‬‬

‫وهو الرتفاع ‪ ،‬وسمّي منبرا لرتفاعه وعلوّه ‪ ،‬ويقال ‪ :‬انتبر الخطيب أي ‪ :‬ارتقى المنبر ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫منبر النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم اتّخذ منبره سنة سبع من الهجرة وقيل ‪:‬‬
‫‪ -‬قال العلماء ‪ :‬إنّ النّب ّ‬ ‫‪2‬‬

‫ثمان من الهجرة ‪.‬‬


‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫والصل في ذلك ما رواه سهل بن سعد رضي ال عنه « أ ّ‬
‫ن إذا‬
‫أرسل إلى امرأة من النصار ‪ :‬مري غلمك ال ّنجّار أن يعمل لي أعوادا أجلس عليه ّ‬
‫ي ‪ :‬وفي الصّحيح « أنّه عمل من أثل الغابة ‪ ،‬فكان يرتقي‬
‫كلّمت النّاس » ‪ ،‬يقول البهوت ّ‬
‫عليه » ‪ .‬قال ‪ :‬وكان ثلث درج ‪ « ،‬وكان النّبي صلى ال عليه وسلم يجلس على الدّرجة‬
‫الثّالثة الّتي تلي مكان الستراحة » ‪ ،‬ثمّ وقف أبو بكر رضي ال تعالى عنه على الثّانية ‪ ،‬ثمّ‬
‫عمر رضي ال تعالى عنه على الولى تأدبا ‪ ،‬ثمّ وقف عثمان رضي ال عنه مكان أبي بكر‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ثمّ قلعه‬
‫رضي اللّه عنه ‪ ،‬ثمّ عليّ رضي ال تعالى عنه موقف النّب ّ‬
‫مروان بن الحكم أمير المدينة في زمن معاوية وزاد فيه ستّ درج ‪ ،‬فكان الخلفاء يرتقون‬
‫ستا ‪ ،‬ويقفون مكان عمر رضي ال عنه ‪ ،‬أي ‪ :‬على السّابعة ول يتجاوزون ذلك تأدبا ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمنبر ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬اتّخاذ المنبر وموقعه ‪:‬‬
‫ن اتّخاذ المنبر سنّة مجمع عليها ‪ ،‬كما أنّه يسن أن تكون الخطبة‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪3‬‬

‫على المنبر ‪ ،‬وكذلك الجلوس على المنبر قبل الشّروع في الخطبة ‪.‬‬
‫ويستحب أن يكون المنبر على يمين المحراب بالنّسبة للمصلّين ‪.‬‬
‫وزاد الشّافعيّة فقالوا ‪ :‬ويكره المنبر الكبير جدا الّذي يضيق على المصلّين إذا لم يكن‬
‫المسجد متّسعا ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪10‬‬ ‫والتّفصيل في ( خطبة ف ‪/‬‬
‫ب ‪ -‬تسليم الخطيب على النّاس إذا صعد المنبر ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يستحب للخطيب إذا صعد المنبر فاستقبل الحاضرين أن‬ ‫‪4‬‬

‫يسلّم عليهم ‪ ،‬واحتجوا بما رواه جابر رضي ال عنه قال ‪ « :‬كان رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم إذا صعد المنبر سلّم » ‪ ،‬ورواه الثرم عن أبي بكر وعمر وابن مسعود والزبير‬
‫رضي ال عنهم ‪ ،‬ورواه البخاري عن عثمان رضي ال عنه ‪ ،‬وفعله عمر بن عبد العزيز ‪،‬‬
‫وبه قال الوزاعي ‪ ،‬ولنّه استقبال بعد استدبار ‪ ،‬فأشبه من فارق قوما ثمّ عاد إليهم ‪.‬‬
‫وأضاف الشّافعيّة أن يسلّم على من عند المنبر ندبا إذا انتهى إليه ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه ل يسن السّلم بعد الصعود على المنبر ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬يندب أن يسلمّ الخطيب عند خروجه ليرقى المنبر ‪ ،‬فإذا انتهى من صعوده‬
‫ن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا ‪ ،‬خلفا للقرافيّ الّذي‬
‫فل يندب بل يكره ‪ ،‬ول يجب رده ل ّ‬
‫أوجب ردّه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬نزول المام عن المنبر للحاجة ‪:‬‬
‫‪ -‬نصّ الشّافعيّة على أنّه ل بأس أن ينزل المام عن المنبر للحاجة قبل أن يتكلّم ث ّم يعود‬ ‫‪5‬‬

‫إليه ‪.‬‬
‫واستدلوا بما ورد ‪ « :‬أنّه لمّا وضع المنبر وضعوه موضعه الّذي هو فيه ‪ ،‬فلمّا أراد رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم أن يقوم إلى المنبر م ّر إلى الجذع الّذي كان يخطب إليه ‪ ،‬فلمّا‬
‫جاوز الجذع خار حتّى تصدّع وانشقّ ‪ ،‬فنزل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم لمّا سمع‬
‫صوت الجذع فمسحه بيده حتّى سكن ‪ ،‬ثمّ رجع إلى المنبر » ‪ ،‬وفي حديث ‪ « :‬فاعتنقها‬
‫فسكتت » ‪.‬‬
‫قال الشّافعي ‪ :‬وإن نزل عن المنبر بعد ما تكلّم استأنف الخطبة ‪ ،‬لنّ الخطبة ل تعد خطبةً‬
‫إذا فصل بينها بنزول يطول ‪ ،‬أو بشيء يكون قاطعا لها ‪.‬‬
‫د ‪ -‬صلة ركعتين عند منبر النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪:‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم يصلّي تحيّة المسجد‬
‫‪ -‬نصّ بعض الفقهاء على أنّ زائر قبر النّب ّ‬ ‫‪6‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم ركعتين يقف بحيث يكون عمود المنبر بحذاء منكبه‬
‫عند منبر النّب ّ‬
‫اليمن إن أمكنه ‪ ،‬وهو موقفه عليه الصلة والسلم قبل أن يغيّر المسجد ‪ ،‬وهو بين قبره‬
‫ومنبره ‪ ،‬ويجتهد أن يحيي ليله مدّة مقامه بقراءة القرآن وذكر اللّه والدعاء عند المنبر‬
‫وبينهما سرا وجهرا لحديث ‪ « :‬ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة » ‪.‬‬
‫ويقف عند المنبر ويدعو ‪.‬‬
‫ففي الحديث ‪ « :‬قوائم منبري رواتب في الجنّة » وفي رواية ‪ « :‬منبري على ترعة من‬
‫ترع الجنّة » ‪ ،‬وكان السّلف يستحبون أن يضع أحدهم يده على رمّانة المنبر النّبويّ الّتي‬
‫كان النّبي عليه الصلة والسلم يضع يده الكريمة عليها عند الخطبة ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬الدعاء على المنبر والتّأمين عليه ‪:‬‬
‫‪ -‬نصّ بعض الفقهاء على أنّه إذا دعا المذكّر على المنبر دعا ًء مأثورا ‪ ،‬والقوم يدعون‬ ‫‪7‬‬

‫معه ذلك ‪ ،‬فإن كان لتعليم القوم فل بأس به ‪ ،‬وإن لم يكن لتعليم القوم فهو مكروه ‪.‬‬
‫و ‪ -‬إخراج المنبر إلى الجبّانة وبناؤه ‪:‬‬
‫‪ -‬نصّ الحنفيّة على أنّه ل يخرج المنبر إلى الجبانة " المصلّى العامّ في الصّحراء " ‪ ،‬لما‬ ‫‪8‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم لم يفعل ذلك ‪ ،‬وقد صحّ « أنّه صلى ال عليه وسلم‬
‫ورد أنّ النّب ّ‬
‫خطب يوم النّحر على ناقته » وبه جرى التّوارث من لدن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم‬
‫إلى يومنا هذا ‪ ،‬وقد عاب النّاس على مروان بن الحكم إخراجه المنبر في العيدين ‪ ،‬ونسبوه‬
‫إلى خلف السنّة ‪.‬‬
‫وأمّا بناء المنبر في الجبّانة فذهب الحنفيّة في الصّحيح من المذهب والمالكيّة في قول إلى‬
‫الجواز ‪.‬‬
‫قال الحنفيّة ‪ :‬ولهذا اتّخذوا في المصلّى منبرا على حدة من اللّبن والطّين ‪ ،‬واتّباع ما اشتهر‬
‫به العمل في النّاس واجب ‪.‬‬
‫وفي قول عند بعض الحنفيّة كراهة بناء المنبر في الجبّانة " المصلّى العامّ في الصّحراء " ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬تغليظ اليمين عند المنبر ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة مشروعيّة تغليظ اليمان بالمكان ‪ ،‬ومنه ‪ :‬عند المنبر‬ ‫‪9‬‬

‫ن المالكيّة يرون وجوبه ‪ ،‬ويرى الشّافعيّة استحبابه ‪ ،‬كما يرى الحنابلة أنّه إذا رأى‬
‫‪ ،‬إلّا أ ّ‬
‫الحاكم تغليظها بالمكان عند منبر الجامع في ك ّل مدينة جاز ولم يستحبّ ‪ ،‬لما روي عن‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من حلف على منبري هذا على يمين آثمة فليتبوّأ‬
‫مقعده من النّار » ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة فل يرون التّغليظ ل بالمكان ول بالزّمان ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬مصطلح تغليظ ف ‪. ) 6 /‬‬

‫ال ِمنْبَريّة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المنبريّة نسبةً إلى المنبر وهو معروف ‪ ،‬وهي مسألة من المسائل الملقّبات في‬ ‫‪1‬‬

‫المواريث ‪ ،‬وهي المسائل الّتي لقّبت كل منها بلقب أو أكثر ‪ :‬كالكدريّة والدّيناريّة وغيرهما‪.‬‬
‫صورة المسألة وحكمها ‪:‬‬
‫‪ -‬المنبريّة مسألة من مسائل العول ‪ ،‬وصورتها ‪ :‬أن يترك الميّت زوجةً وبنتين وأبوين ‪،‬‬ ‫‪2‬‬

‫وقد سئل عنها علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه وهو على المنبر فأجاب عنها أثناء خطبته‬
‫ل ‪ :‬صار ثمنها تسعا ‪ .‬ومضى في خطبته ‪.‬‬
‫قائ ً‬
‫‪ ، /‬ولكلّ من‬ ‫‪16‬‬ ‫‪ : /‬للزّوجة الثّمن ‪ ، / 3 /‬وللبنتين الثلثان ‪/‬‬ ‫‪24/‬‬ ‫والمسألة أصلها من‬
‫‪ ، /‬فيكون نصيب الزّوجة‬ ‫‪24‬‬ ‫‪ /‬بدلً من ‪/‬‬ ‫‪27‬‬ ‫البوين السدس ‪ . / 4 /‬فتعول المسألة إلى ‪/‬‬
‫‪ ، /‬وهو يمثّل التسع من المسألة بعد العول ‪ ،‬وهذا يفسّر قول علي‬ ‫‪27‬‬ ‫ثلثة أسهم من ‪/‬‬
‫رضي ال عنه صار ثمنها تسعا ‪.‬‬

‫مَنْبوذ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المنبوذ لغ ًة ‪ :‬اسم مفعول لفعل نبذ ‪ ،‬يقال ‪ :‬نبذته نبذا ‪ ،‬من باب ضرب ‪ :‬ألقيته فهو‬ ‫‪1‬‬

‫سمّي النّبيذ ‪ :‬نبيذا ‪ ،‬لنّه يُنبذ ‪ ،‬أي ‪ :‬يترك حتّى يشتدّ ‪.‬‬
‫منبوذ ‪ ،‬أي مطروح ‪ ،‬ومنه ُ‬
‫ت العهد إليهم ‪ :‬نقضته ‪.‬‬
‫ومنه َنقْضُ العهد يقال ‪ :‬نبذ ُ‬
‫ويقال ‪ :‬نبذت المر ‪ :‬أهملته ‪ ،‬والمنبوذ ‪ :‬ولد الزّنا ‪ ،‬والصّبي تلقيه أمه في الطّريق ‪.‬‬
‫والمنبوذ شرعا ‪ :‬اسم لحيّ مولود طرحه أهله خوفا من العيلة أو فرارا من تهمة الرّيبة ‪،‬‬
‫أو هو طفل منبوذ بنحو شارع ل يعرف له مدّع ‪.‬‬
‫وذكر الطّفل للغالب ‪ ،‬فالمجنون يلتقط كما يلتقط المميّز في الصحّ عند الشّافعيّة ‪،‬‬
‫لحتياجهما إلى التّعهد ‪.‬‬
‫حكم التقاط المنبوذ ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل في مشروعيّة التقاط المنبوذ قوله تعالى ‪َ { :‬ومَنْ َأحْيَاهَا َفكَأَ ّنمَا َأحْيَا النّاسَ‬ ‫‪2‬‬

‫جمِيعا } ‪ ،‬وقوله عزّ من قائل ‪ { :‬وَا ْفعَلُوا ا ْلخَيْرَ } ‪ ،‬والتقاط المنبوذ وإنقاذه من المهالك من‬
‫َ‬
‫أهمّ فعل الخيرات ‪.‬‬
‫وقد اختلف الفقهاء في حكم التقاط المنبوذ ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في ( مصطلح لقيطٌ ف ‪. ) 4 /‬‬
‫الشهاد على التقاط المنبوذ ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم الشهاد على التقاط المنبوذ ‪.‬‬ ‫‪3‬‬
‫وتفصيل ذلك في ( مصطلح لقيطٌ ف ‪. ) 5 /‬‬
‫من له ولية اللتقاط ‪:‬‬
‫ن السّعي لقوته ل يشغله عن حفظه ‪-‬‬
‫‪ -‬تثبت ولية اللتقاط لح ّر مكلّف ولو فقيرا ‪ -‬ل ّ‬ ‫‪4‬‬

‫مسلم إن حكم بإسلم المنبوذ ‪ ،‬ظاهر العدالة فيشمل مستور العدالة الّذي ل يعرف منه حقيقة‬
‫العدالة ول الخيانة ‪ ،‬على اختلف بين الفقهاء ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪7‬‬ ‫وتفصيل ذلك في ( مصطلح لقيطٌ ف ‪، 6 /‬‬
‫ازدحام اثنين فأكثر على التقاط المنبوذ ‪:‬‬
‫‪ -‬لو ازدحم اثنان كل منهما أهل لللتقاط على التقاط المنبوذ ‪ ،‬وذلك بأن يقول كل منهما‪:‬‬ ‫‪5‬‬

‫أنا آخذه ‪ ،‬جعله الحاكم عند من يراه منهما ‪ ،‬أو عند من يراه من غيرهما ‪ ،‬لنّه ل حقّ‬
‫لهما قبل أخذه فيفعل الحظّ له ‪.‬‬
‫وإن سبق أحدهما فالتقطه مُنِعَ الخر من مزاحمته ‪ ،‬لثبوت حقّه بالسّبق لقوله صلّى اللّه‬
‫عليه وسلّم ‪ « :‬من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له » ‪.‬‬
‫وإن التقطاه في زمن واحد ‪ -‬وهما أهل التقاطه ‪ -‬فالصح عند الشّافعيّة يقدّم غنيّ على‬
‫فقير ‪ ،‬لنّه قد يواسيه بماله ‪ .‬ولو تفاوتا في الغنى لم يقدّم أغناهما ‪.‬‬
‫ل والخر جوادا ‪ ،‬فقياس تقديم الغنيّ على الفقير يقتضي أن يقدّم‬
‫فإن كان أحدهما بخي ً‬
‫الجواد‪ ،‬لنّ حفظ اللّقيط عنده أكثر ‪ ،‬ويقدّم عدل على مستور ‪ ،‬وإن تساويا في العدالة‬
‫والحرّيّة والغنى أقرع بينهما ‪.‬‬
‫فإن ازدحم على أخذ المنبوذ ببلد ‪ ،‬أو قرية ‪ ،‬ظاعن إلى بادية أو قرية وآخرُ مقيمٌ في البلد ‪:‬‬
‫فالمقيم بالبلد أولى بأخذه وحضانته ‪ ،‬لنّه أرفق به وأحوط لنسبه ‪ ،‬ول يقدّم المقيم على‬
‫ظاعن إلى بلد آخر ‪ ،‬بل يستويان بنا ًء على أنّه يجوز للمنفرد بحضانته نقله إلى بلده ‪.‬‬
‫واختار النّووي تقديم قروي مقيم بالقرية الّتي وجد المنبوذ فيها على بلدي ظاعن إلى بلد‬
‫ي على بدوي ‪ ،‬إذا وجداه بمهلكة ‪.‬‬
‫آخر ‪ ،‬ويقدّم حضر ّ‬
‫والتّفصيل في ( لقيطٌ ف ‪. ) 8 /‬‬
‫ويستويان إذا وجداه بمحلّة أو قبيلة ‪ ،‬ويقدّم البصير على العمى ‪ ،‬والسّليم على المجذوم‬
‫والبرص إذا قلنا بأهليّتهما لللتقاط ‪.‬‬
‫وإذا وجد اللّقيط في بلد فل يجوز نقله إلى بادية ‪ ،‬سواء كان الملتقط بلديّا أو بدويّا أو‬
‫قرويّا‪ ،‬لخشونة عيش البادية ‪ ،‬وتفويت تعلم الدّين والعلم والصّنعة ‪ ،‬وضياع النّسب ‪.‬‬
‫كما يمتنع نقله من بلد إلى قرية ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ( لقيط ف ‪ ) 8 /‬وما بعدها ‪.‬‬
‫الحكم بإسلم المنبوذ أو كفره ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يخلو المنبوذ من أن يوجد في دار السلم أو في دار الكفر ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫فأمّا دار السلم فضربان ‪:‬‬


‫أحدهما ‪ :‬دار اختطّها المسلمون فلقيط هذه محكوم بإسلمه ‪ -‬وإن كان فيها معهم أهل ذمّة‬
‫ن السلم يعلو ول يعلى عليه ‪.‬‬
‫أو معاهدون ‪ -‬تغليبا للسلم ولظاهر الدّار ‪ ،‬ول ّ‬
‫الثّاني ‪ :‬دار فتحها المسلمون فهذه إن كان فيها مسلم واحد حكم بإسلم لقيطها ‪ ،‬لنّه يحتمل‬
‫أن يكون لذلك المسلم تغليبا للسلم ‪.‬‬
‫ن تغليب حكم السلم إنّما‬
‫وإن لم يكن فيها مسلم ‪ ،‬بل كل أهلها أهل ذمّة حكم بكفره ‪ ،‬ل ّ‬
‫يكون مع الحتمال ‪ ،‬ول احتمال هنا ‪.‬‬
‫أمّا بلد الكفّار ‪ :‬فإن كان بلدا للمسلمين فغلب الكفّار عليه فهو كالوّل ‪ :‬إن كان فيه مسلم‬
‫واحد حكم بإسلمه ‪ ،‬وإن لم يكن فيه فهو كافر ‪.‬‬
‫وإن وجد في دار لم تكن للمسلمين أصلً فإن لم يكن فيها مسلم فمنبوذه كافر ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪10‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( لقيطٌ ف ‪/‬‬
‫وإن وجد المنبوذ ببرّيّة فمسلم إذا كانت برّيّة دارنا ‪ ،‬أو كانت برّ ّيةً ل يد لحد عليها ‪.‬‬
‫أمّا برّيّة دار الحرب الّتي ل يطرقها مسلم فل يحكم بإسلم منبوذها ‪.‬‬
‫ومن حكم بإسلمه بالدّار كان مسلما باطنا أيضا إن لم يكن ثمّ ذمّيّ ‪ ،‬فإذا بلغ وأفصح بالكفر‬
‫كان مرتدا ‪.‬‬
‫وإن كان َثمّ ذمّيّ كان مسلما ظاهرا ‪ ،‬فإن بلغ وأفصح كفرا فهو كافر أصليّ لضعف الدّار ‪.‬‬
‫ي بيّنةً على نسب المنبوذ لحقه ‪ ،‬لنّه كالمسلم في النّسب ‪ ،‬وتبعه‬
‫ي أو حرب ّ‬
‫وإن أقام ذمّ ّ‬
‫بالكفر ‪ ،‬وارتفع ما ظننّاه من إسلمه ‪ ،‬لنّ الدّار حكم باليد ‪ ،‬والبيّنة أقوى من مجرّد يد ‪.‬‬
‫وتصور علوقه من مسلمة وطئت بشبهة نادر ل يعوّل عليه مع البيّنة ‪ ،‬وتشمل البيّنة محض‬
‫النّسوة ‪.‬‬
‫وإن ألحقه قائف قال ابن حجر الهيتمي ‪ :‬الّذي يتّجه اعتبار إلحاقه ‪ ،‬لنّه حكم فهو كالبيّنة‬
‫بل أقوى ‪.‬‬
‫ن النّسب تبعه بالكفر ‪ ،‬وإلّا فل ‪.‬‬
‫وفي النّسوة ‪ :‬أنّه إن ثبت به ّ‬
‫وإن اقتصر على الدّعوى بأنّه ابنه ول حجّة له ‪ ،‬فالمذهب عند الشّافعيّة ‪ :‬أنّه ل يتبعه‬
‫ن الحكم بإسلمه ل يغيّر بمجرّد دعوى كافر مع إمكان تلك‬
‫بالكفر وإن لحقه نسبه ‪ ،‬ل ّ‬
‫الشّبهة النّادرة ‪ ،‬ومحل هذا الخلف إن لم يصدر منه نحو صلة ‪ ،‬وإلّا ‪ -‬بأن يصدر منه ما‬
‫يدل على أنّه مسلم كالصّلة والصّوم ‪ -‬لم يغيّر ادّعاء الكافر نسبه شيئا عن حكم السلم‬
‫بالدّار ‪ ،‬وتقوى بالصّلة ونحوها قطعا ‪ ،‬ويحال بينهما وجوبا ‪.‬‬
‫ومقتضى حكمهم بإسلم المنبوذ تارةً وكفره تار ًة أخرى ‪ :‬أنّ لقاض رفع إليه أمر منبوذٍ‬
‫الحكم بكفره فيما نصوا على كفره فيه ‪.‬‬
‫وقال ابن حجر الهيتمي ‪ :‬ول معنى لما قال بعضهم من أنّه ل يجوز لقاض أن يحكم بكفر‬
‫ن الحكم بالكفر رضا به ‪ ،‬والرّضا بالكفر كفر ‪.‬‬
‫أحد‪ ،‬ل ّ‬
‫استلحاق المنبوذ ‪:‬‬
‫‪ -‬إن استلحق المنبوذ المحكوم بإسلمه من هو أهل لللتقاط ‪ ،‬بأن يكون حرا ذكرا مسلما‬ ‫‪7‬‬

‫لحقه بشروط الستلحاق ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪14‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪11‬‬ ‫وتفصيل ذلك في ( استلحاق ف ‪/‬‬
‫رق المنبوذ وح ّريّته ‪:‬‬
‫‪ -‬المنبوذ حر في قول عامّة أهل العلم ‪.‬‬ ‫‪8‬‬

‫وقال ابن المنذر ‪ :‬أجمع عامّة أهل العلم على أنّ اللّقيط حر ‪ ،‬وروي عن عمر وعلي رضي‬
‫ال عنهما ‪ ،‬وبه قال عمر بن عبد العزيز والشّعبي وحمّاد ومالك والشّافعي والحنفيّة ‪ ،‬لنّ‬
‫الصل في الدميّين الحرّيّة ‪ ،‬فإنّ اللّه تعالى خلق آدم وذرّيّته أحرارا ‪ ،‬وإنّ الرّقّ للعارض ‪،‬‬
‫فإن لم يعلم ذلك العارض فله حكم الصل ‪ ،‬هذا إذا لم يقم أحد بيّنةً برقّه ‪ ،‬وتتعرّض لسباب‬
‫الملك فيعمل بها ‪.‬‬
‫ق لشخص فصدّقه قبل إن لم يسبق منه إقرار بحرّيّة كسائر‬
‫وإن أق ّر المنبوذ المكلّف بالرّ ّ‬
‫القارير ‪ .‬فإن كذّبه المقر له ل يثبت الرّق ‪ ،‬وكذا إن سبق إقرار بحرّيّة فل يقبل إقراره بعده‬
‫‪ ،‬لنّه بالقرار الوّل التزم أحكام الحرار فل يملك إسقاطها ‪.‬‬
‫ق ألّا يسبقه تصرف يقتضي نفوذه حرّيّة كبيع ونكاح ‪ ،‬بل‬
‫ول يشترط في صحّة القرار بالرّ ّ‬
‫ق وأحكامه الماضية المضرّة به والمستقبلة فيها له ‪ ،‬ل في الحكام‬
‫يقبل إقراره في أصل الرّ ّ‬
‫الماضية المضرّة بغيره ‪ ،‬فل يقبل إقراره بالنّسبة إليها ‪ ،‬كما ل يقبل القرار على الغير‬
‫بدين‪ ،‬فلو لزمه دين فأقرّ برقّ وفي يده مال قضى منه ‪ ،‬ثمّ إن فضل شيء فللمقرّ له ‪.‬‬
‫ق المنبوذ مَنْ ليس بيده ‪:‬‬
‫ادّعاء ر ّ‬
‫‪ -‬إن ادّعى رقّ المنبوذ من ليس في يده بل بيّنة لم يقبل بل خلف ‪ ،‬لنّ الصل والظّاهر‬ ‫‪9‬‬

‫الحرّيّة فل تترك بل حجّة ‪ ،‬بخلف النّسب لما فيه من الحتياط والمصلحة ‪ .‬وكذا إن ادّعاه‬
‫الملتقط كما ذكر ‪ ،‬ويجب انتزاعه منه لخروجه بدعوى الرّقّ عن المانة ‪ ،‬وقد يسترقه فيما‬
‫بعد ‪ ،‬قاله الماورديّ وأيّده الذرعي ‪.‬‬
‫وخالف الزّركشي تعليل الماورديّ وقال ‪ :‬لم يتحقّق كذبه حتّى يخرج عن المانة ‪ .‬وقال ابن‬
‫ن اتّهامه صيّره كغير المين ‪ ،‬لنّ يده صارت مظنّة الضرار بالمنبوذ ‪.‬‬
‫حجر الهيتمي ‪ :‬إ ّ‬
‫نفقة المنبوذ ‪:‬‬
‫‪ -‬نفقة المنبوذ تكون من ماله إن وجد معه مال ‪ ،‬أو كان مستحقا في مال عام ‪،‬‬ ‫‪10‬‬

‫كالموال الموقوفة على اللقطاء أو الموصى بها لهم ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪16‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪15‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في ( مصطلح لقيط ف ‪/‬‬
‫جناية المنبوذ والجناية عليه ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في جناية المنبوذ والجناية عليه ‪.‬‬ ‫‪11‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪18‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪17‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ( لقيط ف ‪/‬‬

‫مُ ْنتَقِل *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المنتقل في اللغة ‪ :‬اسم فاعل من الفعل " انتقل " ‪ ،‬والنتقال ‪ :‬التّحول ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬


‫ويختص البحث هنا بتحول الكافر من دين إلى دين ‪ ،‬أمّا النتقال من مكان إلى مكان فينظر‬
‫)‪.‬‬ ‫‪9‬‬ ‫في مصطلح ( تحول ف ‪- 7 /‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫المرتد ‪:‬‬
‫‪ -‬من معاني المرتدّ في اللغة الرّاجع عن الشّيء ‪ ،‬والرّدّة الرجوع عن الشّيء إلى غيره‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫والمرتد شرعا ‪ :‬هو الرّاجع عن دين السلم ‪.‬‬


‫ن كلً منهما خرج عن دينه ‪ ،‬إلّا أنّ المرت ّد خرج من دين‬
‫والعلقة بين المنتقل والمرتدّ أ ّ‬
‫الحقّ إلى الباطل ‪ ،‬والمنتقل خرج من الباطل إلى الباطل ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمنتقل ‪:‬‬
‫الدّين الّذي يُقَرّ عليه المنتقل ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الدّين الّذي يقر عليه المنتقل إلى عدّة آراء ‪:‬‬ ‫‪3‬‬

‫ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه تقبل الجزية من كتابي ومجوسي ‪ ،‬ووثني عجمي ‪.‬‬
‫كما ذهبوا إلى أنّه إذا انتقل واحد منهم من دينه إلى دين آخر غير السلم ‪ ،‬فإنّه ل يجبر‬
‫ن الكفر كلّه ملّة واحدة ‪.‬‬
‫على العود للدّين الّذي كان عليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ن المنتقل يقتل لخروجه عن العهد الّذي انعقد له إلّا‬
‫وحكى القاضي أبو بكر المالكي روايةً ‪ :‬أ ّ‬
‫أن يسلم ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة في الظهر والحنابلة في إحدى الرّوايتين ‪ -‬اقتصر عليها البهوتيّ ‪ -‬إلى‬
‫ي يتهوّد لم‬
‫ي إلى دين آخر من أهل الكتاب كاليهوديّ يتنصّر أو النّصران ّ‬
‫أنّه إذا انتقل كتاب ّ‬
‫لمِ دِينًا فَلَن ُيقْ َبلَ مِ ْنهُ } ‪ ،‬وقد أحدث دينا‬
‫يقرّ بالجزية لقوله تعالى ‪َ { :‬ومَن يَبْتَ ِغ غَيْ َر ا ِلسْ َ‬
‫باطلً بعد اعترافه ببطلنه فل يقر عليه ‪.‬‬
‫قال الخطيب من الشّافعيّة ‪ :‬محل عدم قبول غير السلم فيما بعد عقد الجزية كما بحثه‬
‫الزّركشي ‪ ،‬أمّا لو تهوّد نصرانيّ بدار الحرب ثمّ جاءنا وقبل الجزية فإنّه يقر لمصلحة‬
‫قبولها‪.‬‬
‫ومقابل الظهر عند الشّافعيّة والرّواية الثّانية للحنابلة ‪ -‬نصّ عليه أحمد وهو ظاهر كلم‬
‫ي واختيار الخلّال ‪ -‬أنّه يقر على الدّين الّذي انتقل إليه لنّه لم يخرج عن دين أهل‬
‫الخرق ّ‬
‫الكتاب ‪ ،‬ولتساويهما في التّقرير بالجزية وكل منهما خلف الحقّ ‪.‬‬

‫وفي قول عند الشّافعيّة ‪ :‬يقبل منه السلم أو دينه الوّل لنّه كان مقرا عليه ‪.‬‬
‫وصرّح الحنابلة والشّافعيّة بأنّه إذا انتقل الكتابي إلى غير دين أهل الكتاب كما لو توثّن‬
‫ي لم يقرّ بالجزية قطعا ‪.‬‬
‫يهوديّ أو نصران ّ‬
‫وفيما يقبل منه قولن عند الشّافعيّة ‪ :‬أظهرهما السلم ‪ .‬والثّاني ‪ :‬هو أو دينه الوّل ‪.‬‬
‫وانفرد المحلّي ‪ -‬في شرح المنهاج ‪ -‬بإضافة قول ثالث في هذه المسألة وهو أنّه يقر على‬
‫مساويه ‪.‬‬
‫ي أو تنصّر لم يقرّ بالجزية ويتعيّن السلم في حقّه‬
‫ونصّ الشّافعيّة على أنّه لو تهوّد وثن ّ‬
‫لنتقاله عمّا ل يقر عليه إلى باطل والباطل ل يفيد القرار ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إذا انتقل مجوسيّ إلى دين ل يقر أهله عليه لم يقرّ كأهل ذلك الدّين ‪ .‬وإنّ‬
‫انتقل إلى دين أهل الكتاب ‪ ،‬خرج فيه الرّوايتان ‪:‬‬
‫إحداهما ‪ :‬ل يقر ‪.‬‬
‫والثّانية ‪ :‬يقر عليه ‪.‬‬
‫نكاح المنتقل ‪:‬‬
‫اختلف الفقهاء في حكم نكاح اليهوديّة إذا تنصّرت والنصرانية إذا تهوّدت والمجوسيّة إذا‬
‫تهوّدت أو تنصّرت ‪.‬‬
‫وتوضيح ذلك فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬نكاح المسلم للمنتقلة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم نكاح المسلم للمنتقلة ‪:‬‬ ‫‪4‬‬

‫فذهب الجمهور إلى أنّه يجوز للمسلم نكاح المنتقلة إلى اليهوديّة أو النّصرانيّة دون‬
‫ن الكفر كلّه ملّة واحدة ‪ ،‬ولنّ المنتقلة تقر على ما انتقلت إليه ‪ ،‬ولعموم‬
‫المجوسيّة ‪ ،‬ل ّ‬
‫ب مِن قَبْ ِل ُكمْ } ‪.‬‬
‫ن أُوتُواْ ا ْلكِتَا َ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬وَا ْل ُمحْصَنَاتُ ِمنَ الّذِي َ‬
‫وذهب الشّافعيّة في الصحّ والحنابلة إلى أنّه ل يجوز للمسلم نكاح المنتقلة من اليهوديّة إلى‬
‫النّصرانيّة أو العكس وإن كانت منكوحة مسلم فإنّ تهودها أو تنصرها كردّة مسلمة تحته‬
‫فتنجّز الفرقة في الحال ول مهر لها لنّ الفسخ من قبلها وذلك إذا كان قبل الدخول ‪ ،‬وإن‬
‫كان بعد الدخول وقف نكاحها على انقضاء العدّة فإن أسلمت قبل انقضاء العدّة أو عادت إلى‬
‫دينها الوّل عند الشّافعيّة في قول دام النّكاح ‪ ،‬وإلّا بان حصول الفرقة من وقت النتقال ‪،‬‬
‫وهو إحدى الرّوايتين عند الحنابلة ‪ ،‬وفي رواية أخرى ينفسخ في الحال ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬انتقال أحد الزّوجين ال ّذمّيّين إلى غير دين السلم ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا انتقل أحد الزّوجين ال ّذمّيّين إلى دين كفر آخر فيرى الحنفيّة أنّهما على نكاحهما ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫ن الكفر كلّه ملّة واحدة‬


‫قال ابن عابدين ‪ :‬النّصرانيّة إذا تهوّدت أو عكسه ل يلتفت إليهم ل ّ‬
‫وكذا لو تمجّست زوجة النّصرانيّ فهما على نكاحهما كما لو كانت مجوس ّيةً في البتداء ‪،‬‬
‫ي‪.‬‬
‫والمراد بالمجوسيّ من ليس له كتاب سماويّ فيشمل الوثنيّ والدّهر ّ‬
‫وهذا ما تقتضيه عبارات فقهاء المالكيّة حيث يصرّحون بفساد أنكحة الكفّار ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة أنّ المنتقلة إن كانت منكوحة كافر ل يرى حلّ المنتقلة فهي كالمرتدّة فتتنجّز‬
‫الفرقة قبل الوطء وكذا بعده إن لم تعد إلى دينها قبل انقضاء العدّة ‪.‬‬
‫أمّا إن كان الزّوج الكافر يرى نكاحها فتقر ‪.‬‬
‫وصرّح الحنابلة بأنّه إذا انتقل أحد الزّوجين ال ّذمّيّين إلى دين ل يقر عليه كاليهوديّ يتنصّر‬
‫أو النّصرانيّ يتهوّد ‪ ،‬أو تمجّس أحد الزّوجين الكتابيّين فكالرّدّة فينفسخ النّكاح قبل الدخول‬
‫ويتوقّف بعده على انقضاء العدّة ‪ ،‬لنّه انتقال إلى دين باطل قد أق ّر ببطلنه فلم يقرّ عليه‬
‫كالمرتدّ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬انتقال أحد الزّوجين ال ّذمّيّين إلى السلم ‪:‬‬
‫‪ -‬للفقهاء في الثار المترتّبة على انتقال أحد الزّوجين الكافرين إلى السلم خلف‬ ‫‪6‬‬

‫وتفصيل ينظر في مصطلح ( إسلم ف ‪. ) 5 /‬‬


‫ذبيحة المنتقل ‪:‬‬
‫ن من انتقل من الكتابيّين إلى غير دين أهل الكتاب ل تؤكل ذبيحته ‪.‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪7‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪27‬‬ ‫انظر ‪ ( :‬ذبائح ف ‪/‬‬


‫واختلف الفقهاء في ذبيحة الكتابيّ إذا انتقل من دينه إلى دين أهل كتاب آخرين كيهوديّ‬
‫تنصّر أو العكس ‪.‬‬
‫فذهب جمهور الفقهاء الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في قول والحنابلة في الجملة إلى حلّ‬
‫ذبيحته ‪ ،‬وعلّل الحنفيّة ذلك بأنّه يقر على ما انتقل إليه فيعتبر ذلك عند الذّبح حتّى لو‬
‫تمجّس يهوديّ ل تحل ذبيحته ‪.‬‬
‫وعلّل الشّافعيّة ذلك بأنّه يقر لتساويهما في التّقرير بالجزية ‪.‬‬
‫والظهر عند الشّافعيّة أنّه ل تحل ذبيحته ‪ ،‬لنّه ل يقر على ما انتقل إليه ‪.‬‬
‫ي أصالةً أو انتقالً شروطا ثلث ًة وهي ‪:‬‬
‫واشترط المالكيّة لحلّ ذبيحة الكتاب ّ‬
‫أ ‪ -‬أن يكون المذبوح مملوكا للكتابيّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يكون المذبوح ممّا يحل له بشرعنا ل إن ذبح اليهودي ذا الظفر فل يحل أكله ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن ل يذبحه على صنم ‪.‬‬
‫وقال صاحب الرّعاية الكبرى من الحنابلة ‪ :‬إن انتقل كتابيّ أو غيره إلى دين يقر أهله بكتاب‬
‫وجزية وأق ّر عليه حلّت ذكاته وإلّا فل ‪.‬‬
‫وأمّا الشّافعيّة فإنّهم يشترطون لح ّل الذّبح أن يكون الذّابح ممّن يحل نكاحنا لهل ملّته ‪ ،‬فل‬
‫تحل عندهم ذبيحة الكتابيّ إذا انتقل من دين إلى دين أهل كتاب آخرين ‪ ،‬وسبق أن ذكرنا أنّه‬
‫ل يجوز عند الشّافعيّة نكاح المسلم للمنتقلة من اليهوديّة إلى النّصرانيّة أو العكس ‪.‬‬
‫عقوبة المنتقل ‪:‬‬
‫‪ -‬على ضوء ما أوضحناه من اختلف الفقهاء في الدّين الّذي يقر عليه المنتقل فقد‬ ‫‪8‬‬

‫اختلفوا في إيقاع العقوبة عليه إلى رأيين ‪:‬‬


‫الرّأي الوّل ‪ :‬ذهب جمهور الفقهاء الحنفيّة والمالكيّة وهو القول المقابل للظهر عند‬
‫ن المنتقل تقبل منه الجزية ويظل ذمّيّا ول عقوبة عليه لنّ‬
‫الشّافعيّة والحنابلة في قول إلى أ ّ‬
‫أهل الكفر كلهم ملّة واحدة ‪.‬‬
‫الرّأي الثّاني ‪ :‬يفرّق بين ما إذا انتقل إلى دين يقر أهله عليه ‪ ،‬أو انتقل إلى دين ل يقر أهله‬
‫عليه وهم الشّافعيّة في الظهر والحنابلة في رواية ‪ ،‬والمالكيّة في رواية حكاها القاضي أبو‬
‫بكر ‪ ،‬فإن انتقل إلى دين يقر أهله عليه تقبل منه الجزية ‪.‬‬
‫أمّا إذا انتقل إلى دين ل يقر أهله عليه كما لو انتقل من اليهوديّة أو النّصرانيّة إلى‬
‫المجوسيّة أو الوثنيّة أو انتقل من اليهوديّة إلى النّصرانيّة أو من النّصرانيّة إلى اليهوديّة‬
‫فهو كمسلم ارت ّد فيتعيّن عليه السلم فقط ‪ ،‬أو يتعيّن عليه السلم أو الرجوع إلى دينه‬
‫الوّل عند بعضهم ‪ ،‬أو إلى دين مساوٍ لدينه الوّل عند البعض الخر ‪ ،‬فإن أبى فقد نصّ‬
‫الشّافعيّة في أحد القولين على أنّه يقتل في الحال كالمرتدّ المسلم ‪ ،‬والثّاني وهو الصح أنّه‬
‫يلحق بمأمنه إن كان له مأمن كمن نبذ العهد ثمّ بعد ذلك هو حربيّ إن ظفرنا به قتلناه ‪ ،‬وإن‬
‫لم يكن له أمان قتلناه ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه يجبر على ترك ما انتقل إليه ‪ ،‬وفي صفة إجباره عندهم روايتان ‪:‬‬
‫ل كان أو امرأةً لعموم قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من‬
‫إحداهما ‪ :‬أنّه يقتل إن لم يرجع رج ً‬
‫ي نقض العهد فأشبه ما لو نقضه بترك التزام ال ّذمّة وهل‬
‫بدّل دينه فاقتلوه » ‪ ،‬ولنّه ذمّ ّ‬
‫يستتاب ؟ يحتمل وجهين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬يستتاب ‪ ،‬لنّه يسترجع عن دين باطل انتقل إليه فيستتاب كالمرت ّد ‪.‬‬
‫والوجه الثّاني ‪ :‬ل يستتاب ‪ ،‬لنّه كافر أصليّ أبيح قتله فأشبه الحربيّ ‪ ،‬فعلى هذا إن بادر‬
‫وأسلم أو رجع إلى ما يقر عليه عصم دمه وإلّا قتل ‪.‬‬
‫والرّواية الثّانية ‪ :‬عن أحمد قال ‪ :‬إذا دخل اليهودي في النّصرانيّة رددته إلى اليهوديّة ولم‬
‫أدعه فيما انتقل إليه فقيل له ‪ :‬أتقتله ؟ قال ‪ :‬ل ولكن يضرب ويحبس ‪ ،‬قال ‪ :‬وإن كان‬
‫نصرانيّا أو يهوديّا فدخل في المجوسيّة كان أغلظ ‪ ،‬لنّه ل تؤكل ذبيحته ‪ ،‬ول تنكح له امرأة‬
‫ول يترك حتّى يردّ إليها فقيل له ‪ :‬تقتله إذا لم يرجع ؟ قال ‪ :‬إنّه لهل ذلك ‪ ،‬قال ابن قدامة‬
‫ي المنتقل إلى دين آخر من دين أهل الكتاب ل يقتل بل يكره‬
‫‪ :‬وهذا نص في أنّ الكتاب ّ‬
‫بالضّرب والحبس ‪.‬‬
‫إرث المنتقل ‪:‬‬
‫ن الفقهاء الّذين يجيزون لل ّذمّيّ أن ينتقل من دينه إلى دين كفر آخر ‪ ،‬قد اختلفوا في‬
‫‪-‬إّ‬ ‫‪9‬‬

‫ن الكفر كلّه ملّة واحدة ‪ ،‬وحينئذٍ فيرث بعضهم البعض‬


‫إرث المنتقل فذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫مطلقا ‪.‬‬
‫ن الكفر ثلث ملل ‪ :‬اليهوديّة ‪ ،‬والنصرانية ‪ ،‬ودين سائرهم ‪ ،‬وهو رأي‬
‫ويرى البعض أ ّ‬
‫ن أهل كلّ ملّة يتوارثون فيما بينهم ‪.‬‬
‫المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬وحينئذٍ يرون أ ّ‬
‫وأمّا الفقهاء الّذين ل يرون جواز النتقال من دين كفر إلى آخر ول يقبل من المنتقل إلّا‬
‫السلم ‪ ،‬وهم الشّافعيّة في الظهر والحنابلة في رواية فإنّهم ل يجيزون أن يرث المنتقل‬
‫أحدا أو يرثه آخر ‪.‬‬
‫ن المنتقل من دين إلى دين آخر كيهوديّ تنصّر أو نصراني تهوّد‬
‫وقد نصّ الشّافعيّة على أ ّ‬
‫أو نحو ذلك ل يرث أحدا ول يرثه أحد بمعنى ل يرثه أهل الدّين الّذي انتقل عنه ول يرثهم ‪،‬‬
‫ول يرثه أهل الدّين الّذي انتقل إليه ول يرثهم ‪ ،‬لنّه ل يقر على واحد منهما كالمسلم إذا‬
‫ارتدّ ‪ ،‬ومال المنتقل يكون فيئا لبيت مال المسلمين إذا مات كما هو شأن مال المرتدّ إذا مات‬
‫‪.‬‬

‫مِنْحة *‬
‫انظر ‪ :‬هبة ‪.‬‬

‫َمنْدُوب *‬
‫انظر ‪ :‬ندب ‪.‬‬

‫مَ ْنسَك *‬
‫انظر ‪ :‬حجّ ‪ ،‬عمرة ‪.‬‬

‫م ه من يمنعه من عشيرته أو في عزّ قومه فل يقدر عليه من يريده ‪.‬‬


‫ويقال ‪ :‬أزال منعة الطّير أي قوّته الّتي يمتنع بها على من يريده ‪.‬‬
‫ومنه ما ورد في غنائم بدر أنّها كانت بمنعة السّماء أي بقوّة الملئكة لنّ اللّه تعالى أمدّهم‬
‫في ذلك اليوم بجنود من السّماء ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمنعة ‪:‬‬
‫اشتراط المنعة في البغي والحرابة ‪:‬‬
‫‪ -‬من الشّروط الّتي اشترطها الفقهاء لتحقق وصف البغي والحرابة ‪ :‬أن يكون للبغاة‬ ‫‪2‬‬

‫والمحاربين منعة ‪.‬‬


‫وللتّفصيل أنظر ‪ :‬مصطلح ( بغاة ف ‪ ، 6 /‬حرابة ف ‪. ) 8 /‬‬
‫استعانة البغاة بالمستأمنين وكانت لهم منعة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّة إذا استعان البغاة بالمستأمنين فمتى أعانوهم‬ ‫‪3‬‬

‫كانوا ناقضين للعهد وصاروا كأهل حرب ؛ لنّهم تركوا الشّرط وهو كفهم عن المسلمين؛‬
‫وعهدهم مؤقّت بخلف ال ّذمّيّين ‪ ،‬فإذا فعلوا ذلك مكرهين وكانت لهم منعة لم ينتقض‬
‫)‪.‬‬ ‫‪33‬‬ ‫عهدهم‪ .‬وللتّفصيل انظر ‪ :‬مصطلح ( بغاة ف ‪/‬‬

‫مَنْفَعة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المنفعة في اللغة ‪ :‬كل ما ينتفع به ‪ ،‬والجمع منافع ‪.‬‬ ‫‪1‬‬
‫ن المنفعة‬
‫والمنفعة في الصطلح هي ‪ :‬الفائدة الّتي تحصل باستعمال العين ‪ ،‬فكما أ ّ‬
‫تستحصل من الدّار بسكناها تستحصل من الدّابّة بركوبها ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الغلّة ‪:‬‬
‫‪ -‬الغلّة في اللغة ‪ :‬كل شيء يحصل من ريع الرض أو أجرتها ونحو ذلك ‪ ،‬والجمع غلل‬ ‫‪2‬‬

‫وغلّات ‪.‬‬
‫ويستعمل الفقهاء هذا اللّفظ بالمعنى اللغويّ نفسه ‪.‬‬
‫فقد فسّر البعلي الغلّة بالثّمرة والكسب ونحوهما ‪.‬‬
‫وفي مرشد الحيران ‪ :‬المراد بالغلّة كل ما يحصل من ريع الرض وكرائها وثمرة البستان ‪.‬‬
‫ويؤخذ من عبارات القليوبيّ أنّ الغلّة ‪ :‬هي الفائدة العينيّة الحاصلة عن شيء ما ‪ ،‬في حين‬
‫أنّ المنفعة ‪ :‬هي الفائدة غير العينيّة ‪.‬‬
‫وقال السبكي في الصّلة بين المنفعة والغلّة ‪ :‬المنافع والغلّة متقاربان ‪ ،‬وكل عين فيها منفعة‬
‫فقد يحصل منها شيء غير تلك المنفعة إمّا بفعله كالستغلل ‪ ،‬أو بعوض عن فعل غيره ‪،‬‬
‫أو من عند اللّه تعالى ‪ ،‬وذلك الشّيء يسمّى غّل ًة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العين ‪:‬‬
‫‪ -‬العين لها عدّة معان في اللغة منها ما ضرب من الدّنانير والنّقد ‪ ،‬وعين الماء ‪ ،‬والعين‬ ‫‪3‬‬

‫الباصرة ‪ ،‬والجاسوس ‪ .‬وعين الشّيء ‪ :‬نفسه ‪.‬‬


‫وفي الصطلح ‪ :‬المقصود بالعين هنا هي الشّيء المعيّن المشخّص كبيت وحصان ‪.‬‬
‫والصّلة بينهما أنّ العين أصل للمنفعة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬النتفاع ‪:‬‬
‫‪ -‬النتفاع لغ ًة ‪ :‬مصدر انتفع من النّفع وهو الخير وهو ما يتوصّل به النسان إلى‬ ‫‪4‬‬

‫مطلوبه ‪ ،‬وقال الزّركشي ‪ :‬المراد بالنّفع المُكْنَة أو ما يكون وسيل ًة إليها ‪.‬‬
‫والنتفاع في الصطلح ‪ :‬هو حق المنتفع في استعمال العين واستغللها ما دامت قائمةً على‬
‫حالها وإن لم تكن رقبتها مملوكةً ‪.‬‬
‫وأمّا الصّلة بين المنفعة والنتفاع فقد قال القرافي عند بيان الفرق بين قاعدة تمليك النتفاع‬
‫وقاعدة تمليك المنفعة ‪ :‬تمليك النتفاع نريد به أن يباشر هو بنفسه فقط ‪ ،‬وتمليك المنفعة‬
‫هو أعم وأشمل ‪ ،‬فيباشر بنفسه ويمكّن غيره من النتفاع بعوض كالجارة وبغير عوض‬
‫كالعارية ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬انتفاع ف ‪. ) 3 /‬‬
‫ماليّة المنفعة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في ماليّة المنفعة ‪ ،‬فذهب المالكيّة والشّافعيّة في المذهب والحنابلة إلى‬ ‫‪5‬‬

‫أنّ المنافع أموال متقوّمة ‪.‬‬


‫وذهب الحنفيّة إلى أنّها ليست أموالً متقوّمةً في حدّ ذاتها ‪ ،‬إلّا إذا ورد عليها العقد ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ( مال ف ‪. ) 2 /‬‬
‫الثار المترتّبة على الختلف في ماليّة المنفعة ‪:‬‬
‫يترتّب على اختلف الفقهاء في ماليّة المنفعة اختلفهم في بعض المسائل ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ضمان المنافع ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ المنافع تضمن بالتلف والغصب كما تضمن العيان ‪ .‬وقد‬ ‫‪6‬‬

‫ن المال اسم لما هو‬


‫استدلوا بأدلّة منها ‪ :‬أنّ الشّارع أجاز أن تكون مهرا في النّكاح ‪ ،‬ول ّ‬
‫ن المنفعة مباحة متقوّمة‬
‫مخلوق لقامة مصالح العباد به ‪ ،‬والمنافع يصدق عليها ذلك ‪ ،‬ول ّ‬
‫فتجبر في العقود الصّحيحة والفاسدة ‪.‬‬
‫ن المنافع ل تضمن ل بالغصب ول بالتلف وإنّما تضمن بالعقد أو‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫شبهة العقد ‪.‬‬
‫أمّا عدم ضمان المنافع بالغصب فلنّها حدثت بفعل الغاصب وكسبه والكسب للكاسب لقوله‬
‫عليه الصّلة والسّلم ‪ « :‬من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به » فل يضمن ملكه ولنّ‬
‫الغصب إزالة يد المالك بإثبات اليد العادية ‪ ،‬ول يتصوّر ذلك في الغصب لنّ المنافع أعراضٌ‬
‫ل تبقى زمانين فيستحيل غصبها ‪.‬‬
‫وأمّا عدم ضمان المنافع بالتلف فلنّها ل تخلو إمّا أن يرد عليها التلف قبل وجودها أو‬
‫حال وجودها أو بعد وجودها وكل ذلك محال ‪ ،‬أمّا قبل وجودها فلنّ إتلف المعدوم ل يمكن‪،‬‬
‫وأمّا حال وجودها فلنّ التلف إذا طرأ على الوجود رفعه ‪ ،‬فإذا قارنه منعه ‪ ،‬وأمّا بعد‬
‫وجودها فلنّها تنعدم كلّما وجدت فل يتصوّر إتلف المعدوم ‪.‬‬
‫وقد استثنى الحنفيّة من أصل عدم تضمين المنافع ثلثة مسائل وهي ‪ :‬مال اليتيم ومال‬
‫الوقف والمعد للستغلل ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪18‬‬ ‫‪ ،‬وغصب ف ‪/‬‬ ‫‪22‬‬ ‫( ر ‪ :‬ضمان ف ‪/‬‬
‫ب ‪ -‬جعل المنفعة صداقا ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة في المشهور والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يجوز أن تكون المنفعة صداقا‬ ‫‪7‬‬

‫ن ك ّل ما يجوز أخذ العوض عنه يصح تسميته صداقا والمنافع يجوز‬


‫جريا على أصلهم من أ ّ‬
‫أخذ العوض عنها فتصح تسميتها صداقا ‪.‬‬
‫وللحنفيّة في المسألة تفصيل ‪ :‬فقد جاء في الفتاوى الهنديّة ‪ :‬المهر إنّما يصح بكلّ ما هو‬
‫مال متقوّم والمنافع تصلح مهرا غير أنّ الزّوج إذا كان حرا وقد تزوّجها على خدمته إيّاها‬
‫جاز النّكاح ويقضي لها بمهر المثل عند أبي حنيفة وأبي يوسف ‪.‬‬
‫وقال الكاساني في معرض الستدلل لما ذهب إليه الشّيخان ‪ :‬إنّ المنافع ليست بأموال‬
‫متقوّمة على أصل أصحابنا ‪ ،‬ولهذا لم تكن مضمون ًة بالغصب والتلف وإنّما يثبت لها حكم‬
‫التّقوم في سائر العقود شرعا ضرورةً دفعا للحاجة بها ول يمكن في دفع الحاجة بها هاهنا ؛‬
‫ن استخدام الحرّة زوجها الحرّ‬
‫لنّ الحاجة ل تندفع إلّا بالتّسليم وأنّه ممنوع عنه شرعا ل ّ‬
‫حرام لكونه استهانةً وإذللً وهذا ل يجوز ‪.‬‬
‫ولو تزوّجها على منافع سائر العيان من سكنى داره وخدمة عبيده وركوب دابّته والحمل‬
‫عليها وزراعة أرضها ونحو ذلك من منافع العيان مدّ ًة معلومةً صحّت التّسمية ؛ لنّ هذه‬
‫المنافع أموال أو ألتحقت بالموال شرعا في سائر العقود لمكان الحاجة والحاجة في النّكاح‬
‫متحقّقة ‪ ،‬وإمكان الدّفع بالتّسليم ثابت بتسليم محالّها ‪ ،‬إذ ليس فيه استخدام المرأة زوجها‬
‫فجعلت أموالً والتحقت بالعيان فصحّت تسميتها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ثبوت الشّفعة عند معاوضة المشفوع فيه بمنفعة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في ثبوت الشّفعة عند معاوضة المشفوع فيه بمنفعة ‪.‬‬ ‫‪8‬‬

‫فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه ل تجب الشّفعة في معاوضة عين المال بما ليس بعين المال‬
‫لنّ الشّفيع يتملّك بما يتملّك به المشتري وتملك الشّفيع بما تملّكه به المشتري هنا غير‬
‫ل ول تكون الشّفعة‬
‫ممكن ‪ ،‬والتّملك بعين المال ليس تملكا بما تملّك به المشتري فامتنع أص ً‬
‫فيها مشروعةً ‪ ،‬وعلى هذا يخرج ما إذا جعل الدّار مهرا بأن تزوّج على دار ‪ ،‬أو جعلها بدل‬
‫ن هذا‬
‫الخلع بأن خالع امرأته على دار ‪ ،‬أو جعلها أجر ًة في الجارات بأن استأجر بدار ل ّ‬
‫ن حكم الجارة ثبت في المنفعة وكذا حكم النّكاح ‪ ،‬والمنفعة ‪ -‬كما‬
‫معاوضة المال بالمنفعة ل ّ‬
‫صرّح الحنفيّة ‪ -‬ليس بمال إذ المنافع في الصل ل قيمة لها والصل فيها أن ل تكون‬
‫ن الشّيء يضمن بمثله في الصل والعرض ل يماثل العين ولهذا ل تضمن‬
‫مضمونةً ل ّ‬
‫بالغصب والتلف إلّا أنّها تتقوّم بالعقد بطريق الضّرورة ولحاجة النّاس فبقي ما وراء ذلك‬
‫ق الشّفيع ‪.‬‬
‫على الصل فل يظهر تقومها في ح ّ‬
‫ويرى المالكيّة والشّافعيّة أنّه إذا كانت المعاوضة بشيء غير متموّل كمن جعل الشّقص‬
‫صداقا أو عوض خلع أو عتق أو صلح عن دم في جناية العمد ثبتت الشّفعة في كلّ ذلك‬
‫ويأخذه الشّفيع بقيمة الشّقص ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪55‬‬ ‫وللتّفصيل ( ر ‪ :‬شفعة ف ‪/‬‬
‫د ‪ -‬وراثة المنافع ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء أنّ المنافع تورث مثل بقيّة الموال المملوكة جريا على أصلهم من‬ ‫‪9‬‬

‫أنّ المنافع أموال متقوّمة ‪.‬‬


‫وأمّا الحنفيّة فقد صرّحوا بأنّ المنافع بانفرادها ل تحتمل الرث وإن كان المورّث تملّكها‬
‫بعوض ‪.‬‬
‫‪ ،‬وإرث ف ‪. ) 6 /‬‬ ‫‪42‬‬ ‫( ر ‪ :‬حق ف ‪/‬‬
‫العقود الواردة على المنافع ‪:‬‬
‫‪ -‬المنافع تملك بطريقين ‪:‬‬ ‫‪10‬‬

‫أحدهما ‪ :‬أن تكون تابعةً لملك الرّقبة ‪.‬‬


‫والثّاني ‪ :‬أن يكون ورد عليها عقد وحدها ‪.‬‬
‫والعقود الواردة على المنافع ثلثة أقسام ‪:‬‬
‫منها ‪ :‬ما هو بعوض ‪ ،‬وهو الجارة والجعالة والقراض والمساقاة والمزارعة ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬ما هو بغير عوض كالوقف والشّركة والوديعة والعارية وحفظ اللّقيط ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬نوعان متردّدان بين هذين القسمين وهما الوكالة والقيام على الطفال ‪ ،‬فإنّه تارةً‬
‫يكون بعوض وتارةً بغير عوض ‪.‬‬
‫ومنه ‪ :‬المسابقة والمناضلة وهي قسم مفرد إذ المراد تمليك منفعته ‪.‬‬
‫وللتّفصيل في أحكام هذه العقود ومعرفة موقع عنصر المنفعة فيها تنظر المصطلحات‬
‫الخاصّة بهذه العقود ‪.‬‬
‫حكم اشتراط منفعة في القرض ‪:‬‬
‫‪ -‬من شروط صحّة القرض أن ل يكون فيه جر منفعة فإن كان لم يجز ‪ ،‬نحو ما إذا‬ ‫‪11‬‬

‫أقرضه وشرط شرطا له فيه منفعة أو أقرضه دراهم غّلةً على أن ير ّد عليه صحاحا ؛ لما‬
‫ن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال ‪ « :‬كل قرض ج ّر منفع ًة فهو ربا » هذا إذا‬
‫روي أ ّ‬
‫كانت الزّيادة مشروطةً في القرض أو ملحوظةً أو معروف ًة ‪ ،‬وأمّا إذا لم تكن فل بأس بذلك ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪28‬‬ ‫وللتّفصيل ينظر ( قرضٌ ف ‪/‬‬
‫رهن المنفعة ‪:‬‬
‫ن ما يجوز بيعه يجوز رهنه ‪ ،‬وما ل يجوز بيعه ل يجوز رهنه‪.‬‬
‫‪ -‬الصل عند الفقهاء أ ّ‬ ‫‪12‬‬

‫بنا ًء على هذا الصل ل يجوز رهن المنافع عند الحنفيّة لعدم جواز بيعها إذ المنافع ليست‬
‫بمال عندهم ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة والحنابلة فإنّهم وإن كانوا يجيزون بيع المنافع لكنّهم صرّحوا بعدم جواز رهن‬
‫ن مقصود الرّاهن استيفاء الدّين من ثمن الرّهن والمنافع تهلك إلى حلول الحقّ فل‬
‫المنافع ل ّ‬
‫يحصل بها الستيثاق ‪.‬‬
‫وعند المالكيّة في جواز رهن المنفعة قولن ‪:‬‬
‫جاء في جواهر الكليل فيما يجوز رهنه ‪ ،‬قال ‪ :‬كظهور حبس دار رهنت على أنّها‬
‫مملوكة ‪ ،‬فثبت تحبيسها على راهنها ‪ ،‬فقيل يبطل رهنها ‪ ،‬ول ينتقل الرّهن إلى منفعتها ‪،‬‬
‫وقيل يصح رهنها ‪ ،‬وينتقل إليها ‪ ،‬لجواز بيع المنفعة ورهنها ‪ ،‬فل يبطل رهنها ببطلن‬
‫رهن الدّار ‪.‬‬
‫قسمة المنافع ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في جواز قسمة المنافع إذا تراضى الشّركاء عليها " وهي‬ ‫‪13‬‬

‫المهايأة " ‪.‬‬


‫كما ل خلف بينهم في أنّه إذا طلب أحد الشّركاء قسمة العيان والخر قسمة المنافع يقسم‬
‫القاضي العيان لنّه أبلغ في التّكميل ‪.‬‬
‫وللفقهاء في إجبار الشّريك الممتنع عن قسمة المنافع وصفة قسمة المنافع من حيث اللزوم‬
‫وعدمه وأنواع قسمة المنافع ومحلّها وفيما تصح فيه هذه القسمة وما ل تصح خلف‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪55‬‬ ‫وتفصيل ينظر في ( قسمة ف ‪/‬‬
‫ملك المنفعة ‪:‬‬
‫‪ -‬الملك أربعة أنواع ‪ :‬ملك عين ومنفعة ‪ ،‬وملك عين بل منفعة ‪ ،‬وملك منفعة بل عين‪،‬‬ ‫‪14‬‬

‫وملك انتفاع من غير ملك المنفعة ‪.‬‬


‫إسقاط ملك المنفعة والعتياض عنه ‪:‬‬
‫ق منفعتها ‪،‬‬
‫‪ -‬الصل في المنافع أنّها تقبل السقاط من مالك العين المنتفع بها أو مستح ّ‬ ‫‪15‬‬

‫إذ كل جائز التّصرف ل يمنع من إسقاط حقّه في المنفعة بدون عوض ما لم يكن هناك مانع‪،‬‬
‫من ذلك وهذا باتّفاق ‪.‬‬
‫أمّا إسقاطه بعوض فإنّه يجوز عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫أمّا الحنفيّة فإنّ العتياض عن المنافع عندهم ل يجوز إلّا لمالك الرّقبة والمنفعة أو لمالك‬
‫المنفعة بعوض ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪25‬‬ ‫‪ ،‬وحق ف ‪/‬‬ ‫‪36‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪35‬‬ ‫وللتّفصيل ينظر ( إسقاط ف ‪/‬‬
‫انتهاء ملك المنفعة ‪:‬‬
‫‪ -‬تنتهي ملكيّة المنفعة بأمور منها ‪:‬‬ ‫‪16‬‬
‫أ ‪ -‬هلك محلّ المنفعة حيث تنفسخ الجارة والعارة والوصيّة بهلك العين المنتفع بها أو‬
‫تلفها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬انتهاء المدّة المحدّدة لها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وفاة المنتفع على خلف بين الفقهاء في ذلك ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪65‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلحاتها ‪ ،‬وانظر ( إذن ف ‪/‬‬
‫الوصيّة بالمنفعة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى جواز الوصيّة بالمنافع ؛ لنّ الموصي‬ ‫‪17‬‬

‫لمّا ملك تمليك المنافع حال حياته بعقد الجارة والعارة فلن يملكها بعقد الوصيّة أولى لنّه‬
‫ن الوصيّة تحتمل ما ل يحتمله سائر العقود من عدم المحلّ والخطر‬
‫أوسع العقود ‪ ،‬أل ترى أ ّ‬
‫والجهالة ‪.‬‬
‫ويرى ابن أبي ليلى أنّه ل تجوز الوصيّة بالمنافع لنّها معدومة ‪.‬‬
‫وللتّفصيل في الحكام المتعلّقة بالوصيّة بالمنفعة ( ر ‪ :‬وصيّة ) ‪.‬‬
‫وقف المنفعة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في جواز وقف المنفعة ‪.‬‬ ‫‪18‬‬

‫فيرى الجمهور من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة عدم جواز وقف المنفعة ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة جواز وقفها ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ( وقف ) ‪.‬‬
‫الختصاص بالمنافع ‪:‬‬
‫‪ -‬قال عز الدّين بن عبد السّلم ‪ :‬الختصاص بالمنافع أنواع ‪:‬‬ ‫‪19‬‬

‫أحدها ‪ :‬الختصاص بإحياء الموات بالتّحجر والقطاع ‪.‬‬


‫الثّاني ‪ :‬الختصاص بالسّبْق إلى بعض المباحات ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬الختصاص بالسّبق إلى مقاعد السواق ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬الختصاص بمقاعد المساجد للصّلة والعزلة والعتكاف ‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬الختصاص بالسّبق إلى المدارس والربط والوقاف ‪.‬‬
‫السّادس ‪ :‬الختصاص بمواقع النسك كالمطاف والمسعى وعرفة والمزدلفة ومنى ومرمى‬
‫الجمار ‪.‬‬
‫السّابع ‪ :‬الختصاص بالخانات المسبّلة في الطرقات ‪.‬‬
‫الثّامن ‪ :‬الختصاص بالكلب والمحترم من الخمور ‪.‬‬
‫‪9‬‬ ‫وما بعدها ‪ ،‬وطريق ف ‪/‬‬ ‫‪19‬‬ ‫واستيلء ‪ ،‬ف ‪/‬‬ ‫‪20‬‬ ‫وللتّفصيل ينظر ( إحياء الموات ف ‪/‬‬
‫وما بعدها ‪ ،‬وتحجير ف ‪. ) 1 /‬‬ ‫‪64‬‬ ‫وما بعدها ‪ ،‬ومجلسٌ ف ‪ ، 7 /‬واختصاص ف ‪/‬‬
‫تعطيل النسان عن منافعه ‪:‬‬
‫‪ -‬ل يجوز تعطيل النسان عن منافعه وأشغاله ‪ ،‬واستثني من ذلك تعطيل المدّعى عليه‬ ‫‪20‬‬

‫إذا استدعاه الحاكم بطلب خصمه لحضاره لما فيه من المصلحة العامّة ‪ ،‬وكذلك تعطيل‬
‫الشّهود إذا أستحضروا لما تعيّن عليهم أداؤه ‪ ،‬وكذلك استحضارهم لما ل يتم إلّا بالشّهادة‬
‫كالنّكاح لنّها حقوق واجبة فصار كتعطيلهم فيما ل يتم من حقوق اللّه إلّا بالتّعطيل كالغزوات‬
‫والجمعات وتغيير المنكرات ‪.‬‬
‫إذهاب منافع أعضاء النسان ‪:‬‬
‫‪ -‬الجناية المؤدّية إلى إذهاب منفعة العضو إمّا أن تكون عمدا أو خطأً ‪.‬‬ ‫‪21‬‬

‫فإذا كانت الجناية المؤدّية إلى إذهاب منفعة العضو عمدا فقد اختلف الفقهاء في وجوب‬
‫القصاص فيها ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪35‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في ( جناية على ما دون النّفس ف ‪/‬‬
‫أمّا إذا كانت الجناية المؤدّية إلى فوت منفعة العضو خطأً فللفقهاء في وجوب الدّية تفصيل‬
‫)‪.‬‬ ‫‪62‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪55‬‬ ‫ينظر في ( ديات ف ‪/‬‬
‫الصل في المنافع الذن ‪:‬‬
‫ي ‪ :‬الصل في المنافع الذن ‪ ،‬وفي المضارّ المنع بأدلّة الشّرع ‪،‬‬
‫‪ -‬قال فخر الدّين الرّاز ّ‬ ‫‪22‬‬

‫فإنّ ذينك أصلن نافعان في الشّرع ‪.‬‬


‫أمّا الصل الوّل " الصل في المنافع الذن " فالدّليل عليه وجوه ‪:‬‬
‫جمِيعا } و " اللّام " تقتضي‬
‫ق َلكُم مّا فِي الَرْضِ َ‬
‫المسلك الوّل ‪ :‬التّمسك بقوله تعالى ‪ { :‬خَلَ َ‬
‫الختصاص بجهة النتفاع ‪.‬‬
‫ج ِلعِبَادِهِ وَا ْلطّيّبَاتِ ِمنَ‬
‫ي َأخْرَ َ‬
‫ن حَ ّرمَ زِي َن َة الّلهِ الّتِ َ‬
‫المسلك الثّاني ‪ :‬قوله تعالى ‪ُ { :‬قلْ مَ ْ‬
‫الرّ ْزقِ} أنكر اللّه تعالى على من حرّم زينة اللّه ‪ ،‬فوجب أن ل تثبت حرمة زينة اللّه ‪ ،‬وإذا‬
‫ن المطلق‬
‫لم تثبت حرمة زينة اللّه ‪ ،‬امتنع ثبوت الحرمة في كلّ فرد من أفراد زينة اللّه ل ّ‬
‫جزء من المقيّد ‪ ،‬فلو ثبتت الحرمة في فرد من أفراد زينة اللّه لثبتت الحرمة في زينة اللّه‬
‫تعالى ‪ ،‬وذلك على خلف الصل ‪ ،‬وإذا انتفت الحرمة بالكلّيّة ثبتت الباحة ‪.‬‬
‫حلّ َل ُكمُ الطّيّبَاتُ } وليس المراد من الطّيّب الحلل‬
‫المسلك الثّالث ‪ :‬أنّ اللّه تعالى قال ‪ُ { :‬أ ِ‬
‫وإلّا لزم التّكرار فوجب تفسيره بما يستطاب وذلك يقتضي حلّ المنافع بأسرها ‪.‬‬
‫المسلك الرّابع ‪ :‬القياس ‪ :‬وهو أنّه انتفاع بما ل ضرر فيه على المالك قطعا وعلى المنتفع‬
‫ظاهرا فوجب أن ل يمنع كالستضاءة بضوء سراج الغير والستظلل بظلّ جداره ‪.‬‬
‫إنّما قلنا ‪ :‬إنّه ل ضرر فيه على المالك لنّ المالك هو اللّه تعالى والضّرر عليه محال ‪.‬‬
‫وأمّا ملك العباد فقد كان معدوما والصل بقاء ذلك العدم ‪ ،‬ترك العمل به فيما وقع اتّفاق‬
‫الخصم على كونه مانعا فيبقى في غيره على الصل ‪.‬‬
‫المسلك الخامس ‪ :‬وهو أنّ اللّه تعالى خلق العيان إمّا ل لحكمة أو لحكمة ‪ ،‬والوّل باطل‬
‫حسِبْ ُتمْ أَ ّنمَا‬
‫سمَاء وَالْأَ ْرضَ َومَا بَيْ َن ُهمَا لَاعِبِينَ } وقوله ‪ { :‬أَ َف َ‬
‫لقوله تعالى ‪َ { :‬ومَا خَ َلقْنَا ال ّ‬
‫ث والعبث ل يليق بالحكيم ‪.‬‬
‫خَ َلقْنَا ُكمْ عَبَثًا } ولنّ الفعل الخالي عن الحكمة عب ٌ‬
‫وأمّا إن كان خلقها لحكمة فتلك الحكمة إمّا عود النّفع إليه أو إلينا ‪.‬‬
‫والوّل محال لستحالة النتفاع عليه فتعيّن أنّه تعالى إنّما خلقها لينتفع بها المحتاجون وهذا‬
‫يقتضي أن يكون المقصود من الخلق نفع المحتاج وإذا كان كذلك كان نفع المحتاج مطلوب‬
‫الحصول أينما كان ‪.‬‬
‫فإن منع منه فإنّما يمنع لنّه بحيث يلزمه رجوع ضرر إلى محتاج ‪ ،‬فإذا نهانا اللّه تعالى‬
‫عن بعض النتفاعات علمنا أنّه تعالى إنّما منعنا منها لعلمه باستلزامها للمضا ّر إمّا في الحال‬
‫ن ذلك على خلف الصل فثبت أنّ الصل في المنافع الباحة ‪.‬‬
‫أو في المآل ولك ّ‬
‫وأورد الزّركشي دليل الصل في المنافع الذن وفي المضا ّر المنع ضمن الدلّة المختلف فيها‬
‫وذكر الخلف في الحتجاج به وصرّح بأنّه ليس المراد بالمنافع هنا مقابل العيان بل كل ما‬
‫ينتفع به وعدّ من القواعد المترتّبة على هذا الصل ‪ :‬القول بالبراءة الصليّة ‪ ،‬واستصحاب‬
‫حكم النّفي في كلّ دليل مشكوك فيه حتّى يدلّ دليل على الوجوب ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ينظر الملحق الصولي ‪.‬‬

‫مُنَقّلة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫شجّة الّتي تنقل العظم أي تكسره حتّى يخرج‬
‫‪ -‬المنقّلة ‪ -‬بكسر القاف المشدّدة ‪ -‬لغةً ‪ :‬ال ّ‬ ‫‪1‬‬

‫منها فراش العظام أي رقاقها ‪.‬‬


‫واصطلحا ‪ :‬عرّفها الحنفيّة بأنّها ‪ :‬الّتي تقتصر الجناية على نقل العظم وتحويله ‪ ،‬من غير‬
‫وصوله إلى الجلدة الّتي بين العظم والدّماغ ‪.‬‬
‫وعرّفها المالكيّة بأنّها ‪ :‬ما ينقل بها فراش العظم أي العظم الرّقيق الكائن فوق العظم كقشر‬
‫البصل ‪ ،‬أي ما يزيل منها الطّبيب فراش العظم للدّواء ‪.‬‬
‫وعرّفها الشّافعيّة بأنّها ‪ :‬هي الّتي تنقل العظم سواء أوضحته وهشّمته أو ل ‪.‬‬
‫وعرّفها الحنابلة بأنّها ‪ :‬هي الّتي توضّح العظم وتهشّمه ‪ ،‬وتنقل عظامها بتكسيرها ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمنقّلة ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ -‬عدم وجوب القصاص ‪:‬‬
‫ن المنقّلة ل يجب فيها قصاص لعدم انضباطها ‪ ،‬وللخطر‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪2‬‬

‫الشّديد في القتصاص فيها ‪.‬‬


‫وقد روى أبو بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جدّه ‪ :‬قال ‪ :‬كتب رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم كتابا لهل اليمن ‪ :‬وفيه ‪ « :‬وفي المنقّلة خمسة عشرة من البل » ‪.‬‬
‫وحكى ابن المنذر إجماع أهل العلم على ذلك ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬شروط وجوب دية المنقّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الشّروط اللّازمة ليجاب هذه الدّية ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫وهذه الشّروط هي ما ورد في تعريف كلّ مذهب ‪.‬‬


‫غير أنّ للشّافعيّة تفصيلً آخر ‪:‬‬
‫شجّة المنقّلة بالذّكر الحرّ المسلم مع إيضاح وهشم خمسة عشر بعيرا ‪.‬‬
‫فقالوا ‪ :‬في ال ّ‬
‫ق ودون‬
‫ونصّ بعضهم على أنّه إذا حدثت المنقّلة الهاشمة دون إيضاح ودون إحواج إليه بش ّ‬
‫سراية فالصح أنّ فيها عشرة أبعرة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬فيها حكومة ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬تعدد المنقّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬للفقهاء تفصيل في تعدد المنقّلة بيانه فيما يأتي ‪:‬‬ ‫‪4‬‬

‫قال المالكيّة ‪ :‬ويتعدّد الواجب في المنقّلة بتعددها إن لم تتّصل ببعضها ‪ ،‬بل كان بين كلّ‬
‫واحدة فاصل ‪ ،‬فإن اتّصلت المنقّلت بأن صارت شيئا واحدا فل يتعدّد الواجب لنّها واحدة‬
‫متّسعة إن كان بضربة واحدة أو ضرباتٍ في فور ‪ ،‬فلو تعدّدت المنقّلة بضربات في زمن‬
‫متراخٍ فلكلّ جرح حكمه ولو اتّصل ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة في تفصيل المنقّلة ما في تفصيل الموضحة والهاشمة ‪ ،‬وقد فصّل حكم‬
‫الموضحة على الوجه التّالي ‪:‬‬
‫إن عمّت الموضحة الرّأس ونزلت إلى الوجه فموضحتان ‪ ،‬أو لم تعمّ الرّأس ونزلت إلى‬
‫الوجه فموضحتان ؛ لنّه أوضحه في عضوين ‪ ،‬فكان لك ّل واحد منهما حكم نفسه ‪.‬‬
‫وإن أوضحه موضحتين بينهما حاجزٌ فعلى الجاني أرش موضحتين ‪ :‬عشرة أبعرة ‪.‬‬
‫فإن خرق بينهما الجاني أو ذهب ما بينهما بسراية صارتا موضحةً واحدةً ‪ ،‬كما لو أوضحه‬
‫الك ّل من غير حاجز ‪.‬‬
‫وإن اندملت الموضحتان ثمّ أزال الجاني الحاجز بينهما فعليه أرش ثلث مواضح ؛ لنّه‬
‫استقرّ عليه أرش الوليين بالندمال ‪ ،‬ثمّ لزمه أرش الثّالثة ‪.‬‬
‫وإن اندملت إحداهما ثمّ زال الحاجز بفعله أي الجاني أو بسراية الخرى الّتي لم تندمل‬
‫فموضحتان ؛ لنّه استق ّر عليه أرش الّتي اندملت ‪ ،‬وما عداها موضحة واحدة كما لو لم يكن‬
‫معها غيرها ‪.‬‬
‫ي فعلى الوّل أرش موضحتين وعلى الثّاني‬
‫وإن خرقه ‪ -‬أي الحاجز ‪ -‬بين الموضحتين أجنب ّ‬
‫ن فعل كلّ واحد منهما ل ينبني على فعل الخر فانفرد كل منهما‬
‫أرش موضحة واحدة ؛ ل ّ‬
‫بجنايته ‪.‬‬
‫ن ذلك وجب‬
‫وإن أزال الحاجز بين الموضحتين المجنيّ عليه فعلى الوّل أرش موضحتين ؛ ل ّ‬
‫عليه بجنايته ‪ ،‬فلم يسقط عنه شيء بفعل غيره ‪.‬‬
‫فإن اختلفا فيمن خرقه ‪ -‬أي ‪ :‬الحاجز بين الموضحتين ‪ -‬وقال المجني عليه ‪ :‬أنا الخارق‬
‫لما بينهما ‪.‬‬
‫وقال الجاني ‪ :‬بل أنا شققت لما بينهما ‪ ،‬أو قال المجني عليه للجاني ‪ :‬أزالها آخر سواك‬
‫ن سبب أرش الموضحتين قد وُجد والجاني يدّعي زواله‬
‫صُدّق المجني عليه بيمينه ؛ ل ّ‬
‫ن الصل معه ‪.‬‬
‫والمجروح ينكره والقول قول المنكر ل ّ‬
‫وإن خرق الجاني ما بينهما في الباطن بأن قطع اللّحم الّذي بينهما وترك الجلد الّذي فوقهما‬
‫صارا موضح ًة واحدةً لتّصالهما من الباطن كما لو خرقه ظاهرا وباطنا ‪.‬‬
‫وإن خرق الحاجز في الظّاهر فقط فثنتان ‪ ،‬لعدم اتّصالهما باطنا ‪.‬‬
‫وإن جرح جراحةً واحدةً في طرفيها فموضحتان ‪.‬‬
‫شجّة منقّل ًة وما دونها فعليه أرش منقّلة فقط ‪.‬‬
‫فإن كانت ال ّ‬

‫مَنْقُول *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المنقول في اللغة اسم مفعول من نقل ينقل نقلً ‪ ،‬والنّقل ‪ :‬تحويل الشّيء من موضع‬ ‫‪1‬‬

‫إلى موضع وبابه نصر ‪.‬‬


‫وفي الصطلح ‪ :‬اختلف الفقهاء في المنقول على رأيين ‪:‬‬
‫الرّأي الوّل ‪ :‬يرى جمهور الفقهاء أنّ المنقول هو الشّيء الّذي يمكن نقله من محل إلى‬
‫آخر‪ ،‬سواء أبقي على صورته وهيئته الولى أم تغيّرت صورته وهيئته بالنّقل والتّحويل ‪،‬‬
‫ويشمل النقود والعروض والحيوانات والمكيلت والموزونات ‪.‬‬
‫وغير المنقول هو ‪ :‬ما ل يمكن نقله من محل إلى آخر كالدور والراضي ممّا يسمّى بالعقار‪.‬‬
‫الرّأي الثّاني ‪ :‬وهو رأي المالكيّة ‪ :‬أنّ المنقول يطلق على ما يمكن نقله من مكان إلى آخر‬
‫مع بقائه على صورته وهيئته الولى كالملبس والكتب ونحوها ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمنقول ‪:‬‬
‫تتعلّق بالمنقول أحكام منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬بيع المنقول قبل قبضه ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في بيع المنقول قبل قبضه ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪ ،‬بيع ما لم يقبض ف ‪ ، 1 /‬وما بعدها‬ ‫‪16‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( البيع الفاسد ف ‪/‬‬
‫ض ‪ ،‬ف ‪ ، 7 /‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫قب ٌ‬
‫ب ‪ -‬الشّفعة في المنقول ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في ثبوت الشّفعة في المنقول ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪26 25 23‬‬ ‫والتّفصيل في ( شفعة ف ‪/‬‬


‫ج ‪ -‬بيع الوصيّ من المال المنقول ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى جواز بيع الوصيّ من المال الموصى عليه إذا كان المال من‬ ‫‪4‬‬

‫المنقولت وكان البيع والشّراء بمثل القيمة ‪ ،‬أو بغبن يسير وهو ما يتغابن فيه النّاس عادةً‪،‬‬
‫لنّ الغبن اليسير ل بدّ من حصوله في المعاملت الماليّة ‪ ،‬فإذا لم يتسامح فيه أدّى ذلك إلى‬
‫ن العقد ل‬
‫سدّ باب التّصرفات ‪ ،‬أمّا إذا كان البيع والشّراء بما ل يتغابن فيه النّاس عادةً فإ ّ‬
‫يكون صحيحا ‪.‬‬
‫أمّا إذا كان المال الموصى عليه عقارا فل يجوز للوصيّ أن يبيع إذا لم يكن هناك مسوّغٌ‬
‫ي‪.‬‬
‫شرع ّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪14‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( إيصاء ف ‪/‬‬
‫د ‪ -‬غصب المنقول ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يتصوّر الغصب‬ ‫‪5‬‬

‫في المنقول ‪ ,‬ثمّ اختلفوا في غصب العقار على مذاهب ‪.‬‬


‫وتفصيله في ( غصب ف ‪ 9 /‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬وقف المنقول ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء من الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو المعتمد عند المالكيّة وزفر من‬ ‫‪6‬‬

‫س على الغزاة وسلح وغيرهما ‪ ،‬لحديث أبي‬


‫الحنفيّة إلى جواز وقف المنقول ‪ ،‬كوقف فر ٍ‬
‫هريرة رضي ال تعالى عنه ‪ « :‬من احتبس فرسا في سبيل اللّه إيمانا باللّه وتصديقا بوعده‬
‫ن شِ َبعَه ورَيّه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة » ‪ ،‬ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫فإ ّ‬
‫وأمّا خالد فإنّكم تظلمون خالدا ‪ ،‬فإنّه احتبس أدراعه وأعتده في سبيل اللّه » ‪ ،‬وروى الخلّال‬
‫ن حفصة رضي ال عنها ابتاعت حليّا بعشرين ألفا حبسته على نساء آل‬
‫عن نافع ‪ :‬إ ّ‬
‫الخطّاب فكانت ل تخرج زكاته ‪.‬‬
‫وفي القياس عند الحنفيّة ل يجوز وقف المنقول لنّ شرط الوقف التّأبيد والمنقول ل يتأبّد‬
‫فترك القياس للثار الّتي وردت فيه ‪.‬‬
‫وأمّا وقف المنقول قصدا فل يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف ‪ ،‬ويجوز عند محمّد إذا كان‬
‫ن التّعامل بين النّاس يترك به القياس ‪ ،‬لقول ابن مسعود ‪ :‬ما رأى‬
‫متعارفا بين النّاس ؛ ل ّ‬
‫المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن ‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف ومحمّد ‪ :‬يجوز وقف المنقول تبعا للرض وذلك استحسانا ؛ لنّه قد يثبت‬
‫من الحكم تبعا ما ل يثبت مقصودا ‪ ،‬كما إذا وقف ضيعةً ببقرها وأكرتها ‪ ،‬وكذلك سائر آلت‬
‫الحراثة لنّها تبع للرض في تحصيل ما هو المقصود ‪ ،‬وكذا وقف السّلح والخيل يجوز‬
‫استحسانا ‪.‬‬
‫ونقل في المجتبى عن السّير جواز وقف المنقول مطلقا عند محمّد ‪ ،‬وإذا جرى فيه التّعامل‬
‫عند أبي يوسف ‪ ،‬والمشهور الوّل ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ( وقف ) ‪.‬‬
‫و ‪ -‬كيفيّة قبض المنقول ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في كيفيّة قبض المنقول فقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إنّ قبض‬ ‫‪7‬‬

‫المنقول يكون بالنّقل والتّحويل ‪.‬‬


‫وقال الحنفيّة ‪ :‬قبض المنقول يكون بالتّناول باليد أو بالتّخلية على وجه التّمكين ‪.‬‬
‫ض ف ‪ 7 /‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( قب ٌ‬

‫مَنْكِب *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المنكب في اللغة كالمجلس هو مجتمع رأس العضد والكتف من يد النسان ‪ ،‬وجمع‬ ‫‪1‬‬

‫المنكب مناكب ‪ ،‬ومنه أستعير للرض في قوله تعالى ‪ { :‬فَا ْمشُوا فِي مَنَاكِ ِبهَا } ‪.‬‬
‫ويستعمل الفقهاء هذا اللّفظ بالمعنى اللغويّ نفسه ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمنكب ‪:‬‬
‫تتعلّق بالمنكب أحكام منها ‪:‬‬
‫أحكام المنكب في الوضوء ‪:‬‬
‫لبيان حكم المنكب في الوضوء أحوال ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬غسل المنكب في الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم غسل المنكب عند الوضوء على رأيين ‪:‬‬ ‫‪2‬‬

‫الرّأي الوّل ‪ :‬يرى الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة استحباب الزّيادة في غسل اليدين عند‬
‫الوضوء لما ورد عن أبي هريرة رضي ال عنه قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫ن أمّتي يأتون يوم القيامة غرا محجّلين من أثر الوضوء فمن استطاع منكم‬
‫وسلم يقول ‪ « :‬إ ّ‬
‫أن يطيل غرّته فليفعل » ‪ .‬ولقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أنتم الغر المحجّلون يوم القيامة‬
‫من إسباغ الوضوء فمن استطاع منكم فليطل غرّته وتحجيله » ‪ ،‬ومعنى غرا محجّلين ‪:‬‬
‫ض ‪ ،‬والمحجّل هو‬
‫بيض الوجوه واليدين والرّجلين كالفرس الغرّ ‪ ،‬وهو الّذي في وجهه بيا ٌ‬
‫ض‪.‬‬
‫الّذي قوائمه بي ٌ‬
‫وممّن ذهب إلى استحباب غسل اليدين في الوضوء حتّى المنكبين من الصّحابة أبو هريرة‬
‫وعبد اللّه بن عمر رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫ثمّ اختلف العلماء في القدر المستحبّ من التّطويل في التّحجيل ‪.‬‬
‫فأمّا الحنفيّة والحنابلة وجماعة من الشّافعيّة فلم يحدوا للزّيادة في غسل العضاء في‬
‫الوضوء حدا ‪.‬‬
‫وللشّافعيّة أقوال أخرى في تحديد حدّ الزّيادة ‪ ،‬فقال جماعة منهم يستحب الزّيادة في‬
‫الوضوء إلى نصف السّاق والعضد ‪.‬‬
‫وقال البغوي ‪ :‬نصف العضد فما فوقه ونصف السّاق فما فوقه ‪.‬‬
‫وقال القاضي حسين وآخرون ‪ :‬يبلغ به البط والركبة ‪ ،‬وذكر النّووي أنّ القاضي حسين قال‬
‫في تعليقه ‪ :‬إسباغ الوضوء سنّة إطالةً للغرّة وهو أن يستوعب جميع الوجه بالغسلة حتّى‬
‫يغسل جزءا من رأسه ويغسل اليدين إلى المنكبين والرّجلين إلى الركبتين ‪.‬‬
‫الرّأي الثّاني ‪ :‬وهو للمالكيّة فقد نصوا على أنّه تكره كثرة الزّيادة على محلّ الفرض وقالوا‪:‬‬
‫وأمّا أصل الزّيادة فل ب ّد منها لنّه من باب ما ل يتم الواجب إلّا به فهو واجب ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬غسل عضوٍ نابتٍ في المنكب عند الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم غسل العضو النّابت في المنكب عند الوضوء ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫فيرى الحنفيّة أنّه لو خلق له يدان على المنكب فالتّامّة هي الصليّة يجب غسلها والخرى‬
‫زائدة فما حاذى منها محلّ الفرض وجب غسله وإلّا فل يجب بل يندب غسله ‪.‬‬
‫ئ يديه مع المرفقين ويغسل بقيّة معصم إن قطع المعصم كما‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬ويغسل المتوضّ ُ‬
‫يغسل كفا خلقت بمنكب أي مفصل العضد من الكتف إذا لم يكن له يد غيرها ‪ ،‬فإن كان له يد‬
‫غيرها وكان لها مرفق أو نبتت في محلّ الفرض وجب غسلها أيضا ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن نبت بغير محلّ الفرض إصبع زائدة أو سَلعة وجب غسل ما حاذى منها‬
‫محلّ الفرض لوقوع اسم اليد عليه مع محاذاته لمح ّل الفرض بخلف ما لم يحاذه ‪ ،‬فإن لم‬
‫تتميّز الزّائدة عن الصليّة بأن كانتا أصليّتين أو إحداهما زائدةً ولم تتميّز بنحو فحش قصر‬
‫ونقص أصابع وضعف بطشٍ غسلهما وجوبا سواء أخرجتا من المنكب أم من غيره ليتحقّق‬
‫التيان بالفرض بخلف نظيره في السّرقة ‪ .‬وإن كانت له يدان متساويتان في البطش‬
‫والخلقة على منكب ‪ ،‬أو مرفق لزمه غسلهما ‪ ،‬لوقوع اسم اليد عليهما ‪ .‬وإن كانت إحداهما‬
‫تا ّمةً والخرى ناقصةً فالتّامّة هي الصليّة ‪ ،‬فيجب غسلها ‪ ،‬وأمّا النّاقصة فإن خلقت في‬
‫محلّ الفرض وجب غسلها بل خلف عندهم أيضا كالصبع الزّائدة ‪ ،‬قال الرّافعي وغيره ‪:‬‬
‫وسواء جاوز طولها الصليّة أم ل ‪ ،‬قال ‪ :‬ومن العلمات المميّزة للزّائدة أن تكون فاحشة‬
‫القصر والخرى معتدلةً ‪ ،‬ومنها ‪ :‬فقد البطش وضعفه ونقص الصابع ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬وإن خلقت له إصبع زائدة أو يد زائدة في محلّ الفرض وجب غسلها مع‬
‫الصليّة لنّها نابتة فيه ‪ ،‬شبهت الثؤلول ‪ ،‬وإن كانت نابت ًة في غير محلّ الفرض كالعضد أو‬
‫المنكب لم يجب غسلها سواء كانت قصيرةً أو طويل ًة ؛ لنّها في غير محلّ الفرض فأشبهت‬
‫شعر الرّأس إذا نزل عن الوجه قال ابن قدامة ‪ :‬وهذا قول ابن حامد وابن عقيل ‪ ،‬وقال‬
‫القاضي ‪ :‬إن كان بعضها يحاذي مح ّل الفرض غسل ما يحاذيه منها والوّل أصح ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬غسل المنكب عند قطع اليد من المرفق ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم غسل المنكب في الوضوء عند قطع اليد من المرفق ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫ن من قطعت يده ولم يبق من المرفق شيء سقط‬


‫فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫الغسل لعدم محلّه ‪ ،‬وإن قطعت يده من دون المرفق وجب غسل ما بقي من محلّ الفرض ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة أنّ من قطع من منكبيه ندب غسل محلّ القطع بالماء ‪.‬‬
‫أحكام المنكب في الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬رفع اليدين حذو المنكبين عند تكبيرة الحرام ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في المدى الّذي ترفع إليه اليدان عند تكبيرة الحرام هل ترفع إلى‬ ‫‪5‬‬

‫شحمتي الذنين أو إلى المنكبين ‪ ،‬وهل يستوي في ذلك الرّجل والمرأة ؟‬


‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪57‬‬ ‫ينظر تفصيله في ( صلة ف ‪/‬‬
‫ب ‪ -‬رفع اليدين حذو المنكبين عند تكبيرات النتقال ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق القائلون برفع اليدين عند تكبيرات النتقال على كون حكم رفعها كحكم الرّفع في‬ ‫‪6‬‬

‫تكبيرة الحرام واختلفوا في صفة محاذاة اليدين إلى المنكبين عند الرّفع ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪73‬‬ ‫‪،‬‬ ‫‪61‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪60‬‬ ‫والتّفصيل في ( صلة ف ‪/‬‬
‫ج ‪ -‬وضع اليدين حذو المنكبين في السجود ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الموضع الّذي يضع فيه المصلّي يديه عند سجوده ‪:‬‬ ‫‪7‬‬

‫فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يستحب للسّاجد أن يضع يديه حذو منكبيه ‪ :‬أي مقابلهما‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الرض‬
‫لحديث ‪ « :‬أ ّ‬
‫ونحّى يديه عن جنبيه ووضع يديه حذو منكبيه » ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه يسن للمصلّي أن يضع وجهه بين كفّيه بحيث يكون إبهاماه حذاء‬
‫حجْ ٍر ‪ « :‬أنّه عليه الصّلة والسّلم كان إذا سجد وضع وجهه بين‬
‫أذنيه لحديث وائل بن ُ‬
‫كفّيه» ‪ ،‬وقال ابن الهمام ‪ :‬ومن يضع كذلك تكون يداه حذاء أذنيه ؛ ولما ورد عن أبي‬
‫إسحاق قال ‪ « :‬سألت البراء بن عازب ‪ :‬أين كان رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يضع‬
‫جبهته إذا صلّى ؟ قال بين كفّيه » ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّه يندب للسّاجد أن يضع يديه حذو أذنيه أو قربهما ‪.‬‬
‫قال الخرشي ‪ :‬وظاهر كلم خليل كالرّسالة تساوي الحالتين في الحكم ‪ ،‬ولم يعلم من كلمهما‬
‫مقدار القرب الّذي يقوم مقام المحاذاة في النّدب فإنّه يحتمل أن يكون بحيث تكون أطراف‬
‫أصابعه محاذيةً لهما ‪ ،‬ويحتمل غير ذلك ‪.‬‬
‫وقال ابن ناجي ‪ :‬ويحتمل أنّ في المسألة قولين ‪ ،‬قال العدوّي ‪ :‬نعم قول القيروانيّ " أو‬
‫دون ذلك " يحتمل المنكبين أو الصّدر وهو القرب ‪ ،‬فقد قال بحذو المنكبين ابن مسلمة ‪،‬‬
‫وقال بحذو الصّدر ابن شعبان ‪.‬‬
‫د ‪ -‬محاذاة المناكب في صفوف صلة الجماعة ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه يستحب في تسوية صفوف صلة الجماعة محاذاة المناكب‬ ‫‪8‬‬

‫وإلزاق كلّ واحد منكبه بمنكب صاحبه في الصّفّ وذلك حتّى ل يكون خلل أو فرجٌ في‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬أقيموا‬
‫الصفوف لحديث أنسٍ رضي ال عنه عن النّب ّ‬
‫صفوفكم فإنّي أراكم من وراء ظهري ‪ ،‬وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه‬
‫» ‪ .‬ولحديث النعمان بن بشير رضي ال عنهما قال ‪ « :‬أقبل رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم على النّاس بوجهه فقال ‪ :‬أقيموا صفوفكم ثلثا واللّه لتقيمنّ صفوفكم أو ليخالفن اللّه‬
‫بين قلوبكم ‪ ،‬قال ‪ :‬فرأيت الرّجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه ‪ ،‬وركبته بركبة صاحبه ‪،‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وكعبه بكعبه » ‪ ،‬ولحديث ابن عمر رضي ال عنهما قال ‪ :‬إ ّ‬
‫وسلم قال ‪ « :‬أقيموا الصفوف ‪ ،‬وحاذوا بين المناكب ‪ ،‬وسدوا الخلل ‪ ،‬ولينوا بأيدي إخوانكم‬
‫ت للشّيطان ‪ ،‬ومن وصل صفا وصله اللّه ومن قطع صفا قطعه اللّه » ‪.‬‬
‫‪ ،‬ول تذروا فرجا ٍ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪24‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( صلة الجماعة ف ‪/‬‬
‫الجناية على المنكب ‪:‬‬
‫‪ -‬الجناية على المنكب إمّا أن تكون عمدا أو خطأً ‪.‬‬ ‫‪9‬‬

‫فإذا كانت الجناية على المنكب عمدا وكان القطع من مفصل المنكب يجب القصاص عند‬
‫توافر شروطه ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪13‬‬ ‫( ر ‪ :‬جناية على ما دون النّفس ف ‪/‬‬
‫أمّا إذا أدّت الجناية إلى قطع اليد من المنكب خطأً فقد اتّفق الفقهاء على وجوب نصف الدّية‬
‫ف إلى المنكب ‪.‬‬
‫فيها واختلفوا في وجوب حكومة عدل فيما زاد على الك ّ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪43‬‬ ‫وللتّفصيل ( ر ‪ :‬ديات ف ‪/‬‬

‫مُنْكَر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المنكر لغةً ‪ :‬بضمّ الميم وسكون النون اسم مفعول من أنكر وهو ‪ :‬خلف المعروف ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫والمنكر ‪ :‬المر القبيح ‪.‬‬


‫وأنكرت عليه فعله إنكارا ‪ :‬إذا عبته ونهيته ‪ ،‬وأنكرت حقّه ‪ :‬جحدته ‪.‬‬
‫والمنكر في الصطلح ‪ :‬ما ليس فيه رضا اللّه من قول أو فعل ‪.‬‬
‫والمنكر من الحديث ‪ :‬الفرد الّذي ل يعرف متنه من غير جهة راويه فل متابع له فيه بل ول‬
‫شاهد ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المعروف ‪:‬‬
‫‪ -‬المعروف في اللغة ‪ :‬الخير والرّفق والحسان ‪ ،‬وهو ضد المنكر ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫المعروف اصطلحا ‪ :‬هو ما قبله العقل وأقرّه الشّرع ووافقه كرم الطّبع ‪.‬‬
‫والصّلة بين المنكر والمعروف التّضاد ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المعصية ‪:‬‬
‫‪ -‬المعصية لغةً ‪ :‬الخروج من الطّاعة ومخالفة المر ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫واصطلحا ‪ :‬مخالفة المر قصدا ‪.‬‬


‫والعلقة بين المنكر والمعصية أنّ المنكر أعم من المعصية ‪.‬‬
‫الحكم التّكليفي ‪:‬‬
‫ن المنكر منهيّ عنه ‪ ،‬وقد ثبت النّهي عن المنكر بالكتاب والسنّة‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫والجماع ‪.‬‬
‫ن بِا ْل َمعْرُوفِ وَيَ ْن َهوْنَ‬
‫ن إِلَى ا ْلخَيْ ِر وَيَ ْأمُرُو َ‬
‫فمن الكتاب قوله تعالى ‪ { :‬وَلْ َتكُن مّن ُكمْ ُأ ّمةٌ يَدْعُو َ‬
‫ن ا ْلمُنكَرِ } ‪.‬‬
‫عَ ِ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده ‪ ،‬فإن لم‬
‫ومن السنّة قول النّب ّ‬
‫يستطع فبلسانه ‪ ،‬فإن لم يستطع فبقلبه ‪ ،‬وذلك أضعف اليمان » ‪.‬‬
‫وحكى النّووي الجماع على وجوب النّهي عن المنكر ‪.‬‬
‫وانظر تفصيل ذلك في مصطلح ( المر بالمعروف والنّهي عن المنكر ف ‪. ) 3 /‬‬
‫‪ -‬واختلف الفقهاء في حكم النّهي عن المنكر هل هو فرض عين أو فرض كفاية ‪ ،‬أو‬ ‫‪5‬‬

‫نافلة ؟‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( المر بالمعروف والنّهي عن المنكر ف ‪. ) 3 /‬‬
‫شروط المنكر ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط في المنكر المطلوب تغييره ما يلي ‪:‬‬ ‫‪6‬‬

‫الشّرط الوّل ‪ :‬أن يكون محظورا في الشّرع ‪.‬‬


‫الشّرط الثّاني ‪ :‬أن يكون المنكر موجودا في الحال ‪ ،‬بأن يكون الفاعل مستمرا على فعل‬
‫المنكر ‪ ،‬فإن علم من حاله ترك الستمرار على الفعل لم يجز إنكار ما وقع على الفعل ‪.‬‬
‫س‪.‬‬
‫الشّرط الثّالث ‪ :‬أن يكون المنكر ظاهرا بغير تجس ٍ‬
‫الشّرط الرّابع ‪ :‬أن يكون المنكر معلوما بغير اجتهاد ‪ ،‬أي أن يكون المنكر مجمعا على‬
‫تحريمه ‪.‬‬
‫وقال الغزالي ‪ :‬ول يقتصر النكار على الكبيرة ‪ ،‬بل يجب النّهي عن الصّغائر أيضا ‪.‬‬
‫قال الزرقاني ‪ :‬يشترط في المنكر الّذي يجب تغييره معرفته ‪ ،‬وأن ل يؤدّي ذلك إلى ما هو‬
‫أعظم منه مفسدةً ‪ ،‬وأن يظنّ الفادة ‪.‬‬
‫والوّلن شرطان للجواز ‪ ،‬فيحرم عند فقدهما ‪ ،‬والثّالث للوجوب ‪ ،‬فيسقط عند عدم ظنّ‬
‫الفادة ‪ ،‬ويبقى الجواز إن لم يتأذّ في بدنه أو عرضه ‪ ،‬وإلّا انتفى الجواز أيضا ‪.‬‬
‫ويشترط أيضا في المنكر الّذي يجب تغييره ‪ :‬أن يكون ممّا أجمع على تحريمه ‪ ،‬أو ضعف‬
‫مدرك القائل بجوازه ‪ ،‬وأمّا ما اختلف فيه فل ينكر على مرتكبه إن علم أنّه يعتقد تحليله‬
‫بتقليده القائل بالحلّ ‪.‬‬
‫ول يشترط في النّهي عن المنكر إذن المام ول عدالة المر أو النّاهي على المشهور ‪،‬‬
‫لحديث أنس بن مالك قال ‪ « :‬قلنا يا رسول اللّه ل نأمر بالمعروف حتّى نعمل به ول ننهى‬
‫عن المنكر حتّى نجتنبه كلّه فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬بل مروا بالمعروف وإن‬
‫لم تعملوا به وانهوا عن المنكر وإن لم تجتنبوه كلّه » ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪33‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪28‬‬ ‫وينظر تفصيل ذلك في مصطلح ( حسبة ف ‪/‬‬
‫شروط النكار ‪:‬‬
‫‪ -‬من شروط النكار ‪ :‬أن يغلب على ظنّه أنّه ل يفضي إلى مفسدة ‪ ،‬وأن يأمن على نفسه‬ ‫‪7‬‬

‫وماله خوف التّلف ‪.‬‬


‫وللتّفصيل انظر ( المر بالمعروف والنّهي عن المنكر ف ‪. ) 4 /‬‬
‫النكار بغلبة الظّنّ ‪:‬‬
‫‪ -‬قال القرطبي ‪ :‬للظّنّ حالتان ‪ ،‬حالة تعرف وتقوى بوجه من وجوه الدّللة فيجوز الحكم‬ ‫‪8‬‬

‫بها ‪ ،‬وأكثر أحكام الشّريعة مبنيّة على غلبة الظّنّ ‪ ،‬كالقياس وخبر الواحد وغير ذلك من قيم‬
‫المتلفات وأروش الجنايات ‪.‬‬
‫والحالة الثّانية أن يقع في النّفس شيء من غير دللة ‪ ،‬فل يكون ذلك أولى من ضدّه ‪ ،‬فهذا‬
‫هو الشّك ‪ ،‬فل يجوز الحكم به ‪ ،‬وهو المنهي عنه ‪.‬‬
‫وقال العز بن عبد السّلم ‪ :‬يجب إنكار المنكر في مثل الحالت التّالية ‪:‬‬
‫الولى ‪ :‬لو رأى إنسانا يسلب ثياب إنسان لوجب عليه النكار عليه بنا ًء على الظّنّ المستفاد‬
‫من ظاهر يد المسلوب ‪.‬‬
‫الثّانية ‪ :‬لو رأى رجلً يجر امرأةً إلى منزله ‪ ،‬يزعم أنّها زوجته وهي تنكر ذلك ‪ ،‬فإنّه يجب‬
‫ن الصل عدم ما ادّعاه ‪.‬‬
‫النكار عليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫ي دخل إلى دار السلم بغير أمان‬
‫الثّالثة ‪ :‬لو رأى إنسانا يقتل إنسانا ‪ ،‬يزعم أنّه كافر حرب ّ‬
‫ن اللّه خلق عباده حنفاء ‪ ،‬والدّار دالّة على‬
‫وهو يكذّبه في ذلك لوجب عليه النكار ؛ ل ّ‬
‫إسلم أهلها لغلبة المسلمين عليها ‪ ،‬ففي هذه الحالت وأمثالها يعمل بالظنون ‪ ،‬فإن أصاب‬
‫من قام بها فقد أدّى ما أوجب اللّه عليه إذا قصد بذلك وجه اللّه تعالى ‪ ،‬وإن لم يصب كان‬
‫معذورا ول إثم عليه في فعله ‪.‬‬
‫أقسام المنكر ‪:‬‬
‫‪ -‬المنكر ينقسم إلى ثلثة أقسام ‪:‬‬ ‫‪9‬‬

‫أحدها ‪ :‬ما كان من حقوق اللّه تعالى ‪.‬‬


‫والثّاني ‪ :‬ما كان من حقوق الدميّين ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬ما كان مشتركا بين الحقّين ‪.‬‬
‫فأمّا النّهي عن المنكر في حقوق اللّه تعالى فعلى ثلثة أقسام ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬ما تعلّق بالعبادات ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬ما تعلّق بالمحظورات ‪ ،‬والثّالث ‪ :‬ما تعلّق‬
‫بالمعاملت‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪34‬‬ ‫وانظر تفصيل حكم كلّ فرع منها في مصطلح ( حسبة ف ‪/‬‬
‫وجود المنكر في الوليمة ‪:‬‬
‫ن وجود المنكر في الوليمة يبيح عدم إجابة المدعوّ إليها ‪ ،‬إلّا إذا‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪10‬‬

‫غلب على ظنّه أنّه يستطيع إزالة هذا المنكر وذلك في الجملة ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ( وليمة ) ‪.‬‬
‫إباحة الغيبة لتغيير المنكر ‪:‬‬
‫‪ -‬قال النّووي ‪ :‬تباح الغيبة بستّة أسباب ‪ ،‬وع ّد منها ‪ :‬الستعانة على تغيير المنكر وردّ‬ ‫‪11‬‬

‫العاصي إلى الصّواب ‪ ،‬فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر ‪ :‬فلن يعمل كذا فازجره‬
‫عنه ونحو ذلك ‪ ،‬ويكون مقصوده إزالة المنكر ‪ ،‬فإن لم يقصد ذلك كان حراما ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪10‬‬ ‫وانظر مصطلح ( غيبة ف ‪/‬‬
‫الكتابة إلى ذي ولية لتغيير المنكر ‪:‬‬
‫‪ -‬جاء في الفتاوى الهنديّة للحنفيّة ‪ :‬رجل علم أنّ فلنا يتعاطى من المنكر هل يحل له‬ ‫‪12‬‬

‫أن يكتب إلى أبيه بذلك ؟ قالوا ‪ :‬إن كان يعلم أنّه لو كتب إلى أبيه يمنعه الب من ذلك ويقدر‬
‫عليه يحل له أن يكتب ‪ ،‬وإن كان يعلم أنّ أباه لو أراد منعه ل يقدر عليه فإنّه ل يكتب ‪.‬‬
‫وكذلك فيما بين الزّوجين وبين السلطان والرّعيّة والحشم إنّما يجب المر بالمعروف إذا علم‬
‫أنّهم يستمعونه ‪ .‬كذا في فتاوى قاضي خان ‪.‬‬
‫ولو أراد الب أن يأمر ولده بشيء ويخاف أنّه لو أمره ل يمتثل أمره يقول له ‪ :‬يا ولدي إن‬
‫فعلت كذا أو إن لم تفعل كذا يكون حسنا ‪ ،‬ول يأمره حتّى ل يلحقه عقوبة العقوق ‪.‬‬
‫إظهار أهل ال ّذمّة المنكر في دار السلم ‪:‬‬
‫‪ -‬يتضمّن عقد ال ّذمّة شروطا يلزم أهل ال ّذمّة اللتزام بها ومنها عدم إظهار المنكر ‪.‬‬ ‫‪13‬‬

‫وللتّفصيل أنظر مصطلح ( أهل ال ّذمّة ف ‪. ) 9 /‬‬


‫التّدرج في النّهي عن المنكر ‪:‬‬
‫‪ -‬تغيير المنكر له مراتب إذ يتدرّج من التّنبيه والتّذكير إلى الوعظ والتّخويف ‪ ،‬ثمّ الزّجر‬ ‫‪14‬‬

‫والتّأنيب ‪ ،‬ثمّ التّغيير باليد ‪ ،‬ثمّ إيقاع العقوبة بالنّكال والضّرب ‪ ،‬وأخيرا الستعداء ورفع‬
‫المر إلى الحاكم ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪48‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪42‬‬ ‫وللتّفصيل أنظر مصطلح ( حسبة ف ‪/‬‬
‫صور من المنكرات ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬منكرات المساجد ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الغزالي ‪ :‬ممّا يشاهد كثيرا في المساجد إساءة الصّلة بترك الطمأنينة في الركوع‬ ‫‪15‬‬

‫والسجود وهو منكر مبطل للصّلة فيجب النّهي عنه ‪ ،‬ومن رأى مسيئا في صلته فسكت‬
‫عليه فهو شريكه في الحرمة ‪ ،‬هكذا ورد الثر عن بعض الصّحابة ‪ ،‬وفي الخبر النّبويّ ما‬
‫يدل عليه فقد ورد في الحديث ‪ « :‬المغتاب والمستمع شريكان في الثم » ‪.‬‬
‫وكذلك كل ما يقدح في صحّة الصّلة من نجاسة على ثوبه أو بدنه أو موضع الصّلة ل‬
‫يراها ‪ ،‬أو انحراف عن سمت القبلة بسبب ظلم أو عمى البصر فكل ذلك تجب الحسبة فيه‬
‫ويجب إرشاده بذلك ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬قراءة القرآن باللّحن أي بالخطأ يجب النّهي عنه ‪ ،‬ويجب تلقين الصّحيح وتكراره‬
‫له حتّى يعرفه ‪.‬‬
‫ومنها تراسل المؤذّنين في الذان وتطويلهم في كلماته ‪ ،‬بحيث يضطرب على الحاضرين‬
‫جواب الذان لتداخل الصوات ‪ ،‬فكل ذلك منكرات مكروهة يجب تعريفها إيّاهم وإرشادهم إلى‬
‫ما يسن في الذان وآدابه ‪.‬‬
‫ومن منكرات المساجد ‪ :‬كلم القصّاص والوعّاظ الّذين يمزجون بكلمهم البدعة ممّا ليس في‬
‫سيرة السّلف ‪ ،‬فالقاص إن كان يكذب في أخباره للحاضرين فهو فسق ‪ ،‬والنكار عليه‬
‫واجب لئلّا يعتمد على ما يذكره ‪.‬‬
‫وكذا الواعظ المبتدع يجب منعه ‪ ،‬ول يجب حضور مجلسه إلّا على قصد النكار والرّدّ عليه‬
‫في بدعته ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬قراءة القرآن بين يدي الوعّاظ على الرض أو على الكراسيّ ‪ ،‬مع التّمديد المفرط‬
‫وهو تمطيط الحروف حتّى تتجاوز عن مخارجها الصليّة ‪ ،‬على وجهٍ بغير نظم القرآن‬
‫ويجاوز ح ّد التّرتيل المأمور به ‪ ،‬فهذا منكر قبيح مكروه شديد الكراهة أنكره جماعة من‬
‫السّلف منهم أحمد بن حنبل ‪.‬‬
‫ومنها الحلق أي اتّخاذها يوم الجمعة وهي جمع حلقة لبيع الدوية والطعمة والتّعويذات‬
‫والمصنوعات من الحليّ والخرز ‪.‬‬
‫سؤّال في وسط الصفوف ‪ ،‬أو على البواب ‪ ،‬وقراءتهم القرآن ونشيدهم الشعار ‪،‬‬
‫وكقيام ال ّ‬
‫فهذه الشياء منها ما هو حرام لكونه تلبيسا أو كذبا ‪ ،‬فهذا حرام في المسجد وخارج‬
‫المسجد ‪ ،‬ويجب المنع منه ‪ ،‬وخصوصا في المسجد فإنّه لم يبن لذلك ‪ ،‬بل كل بيع فيه كذب‬
‫وتلبيسٌ وإخفاء عيب من عيوبه على المشتري فهو حرام ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬دخول المجانين والصّبيان والسّكارى في المسجد ‪ ،‬فإنّ هؤلء مسلوبو الختيار ل‬
‫يتحفّظون على أنفسهم ‪ ،‬فالمجانين قد يخشى منهم تلويث المسجد بنحو مخاط أو بول ‪ ،‬أو‬
‫ش ‪ ،‬أو تعاطيهم لما هو منكر ككشف العورة ‪.‬‬
‫شتمهم ونطقهم بما هو فح ٌ‬
‫ومنها ‪ :‬خروج المرأة إلى المسجد متزيّنةً متعطّرةً ‪ ،‬فهذا منكر ل يسكت عليه ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أن يأكل الثوم أو البصل ويأتي إلى المسجد ‪ .‬وقد نهى رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم عن ذلك كما في حديث جابر رضي ال عنه ‪ « :‬من أكل من هذه الشّجرة المنتنة فل‬
‫يقربن مسجدنا فإنّ الملئكة تتأذّى ممّا يتأذّى منه النس» ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬منكرات السواق ‪:‬‬
‫‪ -‬من المنكرات المعتادة في السواق ‪ :‬الكذب في المرابحة ‪ ،‬وإخفاء العيب في السّلع‪،‬‬ ‫‪16‬‬

‫وكذا في الشّروط الفاسدة المعتادة بين النّاس يجب النكار فيها فإنّها مفسدة للعقود أو مبطلة‬
‫على رأي ‪ ،‬وكذا في الرّبويّات كلّها وهي غالبة في السواق ‪ ،‬وكذا سائر التّصرفات الفاسدة‬
‫فإنّه يجب النكار فيها ‪ ،‬ومنها بيع الملهي أي آلتها كالعود والقانون والطنبور والرّبابة‪،‬‬
‫فلذلك يجب كسرها والمنع من بيعها كالملهي ‪ ،‬وكذا بيع ثياب الحرير وقلنس الذّهب‬
‫والحرير الّتي ل تصلح للرّجال ‪ ،‬ويعلم بعادة البلد أنّه ل يشتريه إلّا الرّجال ‪ ،‬فكل ذلك منكر‬
‫محظور يجب المنع عنه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬منكرات الشّوارع ‪:‬‬
‫‪ -‬الشّوارع هي الطرق العامّة شرعت لسلوك النّاس ومرورهم فيها لحاجاتهم ‪.‬‬ ‫‪17‬‬

‫فمن المعتاد فيها وضع السطوانات وهي العمدة سواء كانت من حجر أو خشب أو بناء ‪،‬‬
‫وكذا غرس الشجار ‪ ،‬ووضع الخشب ‪ ،‬ووضع أحمال الحبوب والطعمة على الطرق ‪ ،‬فكل‬
‫ذلك منكر إن كان يؤدّي إلى تضييق الطرق واستضرار المارّة بها ‪.‬‬
‫وكذلك ربط الدّوابّ على الطّريق بحيث يضيق على المارّة وينجّس المجتازين بالبول‬
‫والرّوث‪ ،‬فهذا منكر يجب المنع منه إلّا بقدر حاجة النزول والركوب ‪.‬‬
‫وكذلك تحميل الدّوابّ من الحمال ما ل تطيقها منكر يجب منع الملّاك منه ‪ ،‬ويؤمر‬
‫بتخفيفها‪ .‬وكذلك القصّاب إذا كان يذبح في الطّريق ‪،‬فيلوّث الطّريق بالدّم والفرث منكر يجب‬
‫المنع منه‪ .‬وكذلك طرح القمامة مثل الحيوان الميّت من هرّة أو دجاجة على جوانب الطّريق‬
‫كل ذلك من المنكرات ‪.‬‬
‫وكذلك إرسال الماء من المزاريب ‪ ،‬وهي مسايل المياه من السطوح ‪.‬‬
‫وكذلك إن كان له كلب عقور على باب داره يؤذي النّاس ويعقرهم فهذا منكر يجب منعه‬
‫منه؛ لنّ الشّوارع إنّما جعلت مشتركة المنافع بين النّاس ‪.‬‬
‫د ‪ -‬منكرات الحمّامات ‪:‬‬
‫‪ -‬منكرات الحمّامات كثيرة ‪ ،‬منها ‪ :‬الصور الّتي تكون على باب الحمّام ‪ ،‬أو داخل‬ ‫‪18‬‬

‫الحمام يجب إزالتها على كلّ من يدخلها إن قدر ‪ ،‬فإنّه منكر ‪.‬‬
‫ومن منكرات الحمّامات كشف العورات والنّظر إليها قصدا ‪ ،‬ومن جملتها كشف الدّلّاك عن‬
‫ن مسّ‬
‫الفخذ وما تحت السرّة في تنحية الوسخ ‪ ،‬بل من جملتها إدخال اليد تحت الزار ‪ ،‬فإ ّ‬
‫عورة الغير حرام كالنّظر إليها ‪ ،‬فهذا كله مكروه ومنكر ‪.‬‬
‫وكذلك كشف العورة للحجّام والفصّاد ال ّذمّيّ ‪ ،‬فإنّ المرأة ل يجوز لها أن تكشف بدنها‬
‫لل ّذمّيّات في الحمّام ‪.‬‬
‫س مزلقة للقدام ‪ ،‬فهو‬
‫ومنها أن يكون في مداخل بيوت الحمّام ومجاري مياهها حجارة مل ٌ‬
‫منكر يجب قلعه وإزالته وينكر على الحمّاميّ إهماله ‪.‬‬
‫وكذلك ترك السّدر والصّابون المزلق للقدام على أرض الحمّام منكر يجب إزالته ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬منكرات الضّيافة ‪:‬‬
‫‪ -‬من منكرات الضّيافة فرش الحرير للرّجال فهو حرام ‪ ،‬وكذلك تبخير البخور في مجمرة‬ ‫‪19‬‬

‫فضّة أو ذهب ‪ ،‬أو الشّرب منهما أو استعمال ماء الورد منهما ‪.‬‬
‫ومنها إسدال الستور وعليها الصور ‪.‬‬
‫ومنها سماع الوتار أو سماع القينات فإنّه منكر مسقطٌ لوجوب الدّعوة ‪.‬‬
‫ومنها اجتماع النّساء على السطوح وفي الرّواشن المشرفة على مقاعد الرّجال للنّظر‬
‫للرّجال‪ ،‬فكل ذلك محظور ومنكر يجب تغييره ‪.‬‬
‫ومن عجز عن تغييره لزمه الخروج عن ذلك المجلس ‪ ،‬فل رخصة في مشاهدة المنكرات ‪.‬‬
‫ومنها أن يكون في الضّيافة مبتدع يتكلّم في بدعته ‪ ،‬ويحمل النّاس عليها ‪ ،‬فإن كان المتكلّم‬
‫يضحك بالفحش والكذب لم يجب الحضور ‪ ،‬وعند الحضور يجب النكار ‪.‬‬
‫ومنها السراف في الطّعام فإنّه منكر ‪.‬‬
‫ومنها صرف المال إلى النّائحة في الموت ‪ ،‬والغناء والطّرب في الفراح فهذه منكرات كلها‪.‬‬
‫و ‪ -‬المنكرات العامّة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الغزالي ‪ :‬اعلم أنّ كلّ قاعد في بيته أينما كان فليس خاليا في هذا الزّمان عن‬ ‫‪20‬‬

‫منكر ‪ ،‬من حيث التّقاعد عن إرشاد النّاس وتعليمهم وحملهم على المعروف ‪ ،‬وكل من رأى‬
‫منكرا من مناكير الشّرع على الدّوام ‪ ،‬أي من تيقّن أنّ في السوق منكرا ‪ ،‬أو في وقتٍ‬
‫بعينه‪ ،‬وهو قادر على تغييره باليد أو باللّسان فل يجوز له أن يسقط ذلك عن نفسه بالقعود‬
‫في البيت ‪ ،‬بل يلزمه الخروج ‪.‬‬
‫فإن كان ل يقدر على تغيير الجميع ‪ ،‬وهو يحترز عن مشاهدته ‪ ،‬ويقدر على تغيير البعض‬
‫لزمه الخروج ‪ .‬وإنّما يمنع الحضور لمشاهدة المنكر إذا كان من غير غرض صحيح ‪.‬‬
‫فحق على كلّ مسلم أن يبدأ بنفسه فيصلحها بالمواظبة على الفرائض وترك المحرّمات ‪ ،‬ثمّ‬
‫يعلّم ذلك أهل بيته ‪ :‬زوجته وولده وخادمه ‪ ،‬ث ّم يتعدّى عند الفراغ منهم إلى جيرانه ثمّ إلى‬
‫محلّته ‪ ،‬ثمّ إلى أهل بلده ‪ ،‬ث ّم إلى السّواد ‪ -‬أي الرّيف ‪ -‬المكتنف لبلده ‪ ،‬أي ‪ :‬المحيط به ‪،‬‬
‫فينهى عن المنكر بقدر استطاعته ‪ ،‬فإنّه مأجور ومثاب إن شاء اللّه ‪.‬‬

‫مَنّ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ن لغةً يطلق على معانٍ عدّة ‪ :‬فيطلق على النعام ‪ ،‬وعلى تِعداد الصّنائع ‪ ،‬كأن‬
‫‪ -‬الم ّ‬ ‫‪1‬‬

‫يقول‪ :‬أعطيتك كذا وفعلت بك كذا ‪.‬‬


‫كما يطلق على مكيال أو ميزان ‪.‬‬
‫وعلى قطع الشّيء ‪ :‬من مننت الحبل ‪ :‬قطعته فهو ممنون ‪.‬‬
‫وعلى شيء ينزل من السّماء يشبه العسل قال تعالى في معرض المتنان على بني إسرائيل‬
‫ن وَالسّ ْلوَى } ‪.‬‬
‫‪َ { :‬وأَنزَلْنَا عَلَ ْي ُكمُ ا ْلمَ ّ‬
‫ضمّ ‪ :‬الضّعف والقوّة من أسماء الضداد ‪.‬‬
‫والمنّة بال ّ‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمنّ ‪:‬‬
‫تتعلّق بالمنّ أحكام منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المن باعتباره مقدارا شرعيّا ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في تحديد مقدار المنّ فذهب الحنفيّة إلى أنّ المدّ رطلن ‪ ،‬والرّطل نصف‬ ‫‪2‬‬

‫منّ ‪ ،‬والمن بالدّراهم مائتان وستون درهما ‪ ،‬وبالمثاقيل أربعة ونصف فالمد والمن سواء ‪،‬‬
‫كل منهما ربع صاع ‪ ،‬رطلن بالعراقيّ والرّطل مائة وثلثون درهما ‪.‬‬
‫ن ‪ ،‬ولم‬
‫وضبط المام الرّافعي من أئمّة الشّافعيّة الوسق الخمسة الّتي هي نصاب القوت بالم ّ‬
‫يضبطها بالرطال ل بالبغدادية ول الدّمشقيّة بقوله ‪ :‬والوسق الخمسة بالمنّ الصّغير ‪:‬‬
‫ن الكبير الّذي وزنه ستمائة درهم ‪ :‬ثلثمائة وأربعون منا وثلثا منّ ‪،‬‬
‫ثمانمائة من ‪ ،‬وبالم ّ‬
‫ن الكبير ‪ ،‬وأنّ‬
‫وقال الخطيب الشّربيني ‪ :‬واستفدنا من ذلك أنّ الرّطل الدّمشقيّ مساوٍ للم ّ‬
‫المنّ الصّغير مساوٍ رطلين بالبغداديّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المن بمعنى ذكر النّعمة على الغير ‪:‬‬
‫حكم المنّ ‪:‬‬
‫ن إن كان من اللّه فهو تذكير المخلوق بخالقه الّذي أنعم عليه ‪ ،‬وتنبيهه ليشكره ‪،‬‬
‫‪ -‬الم ّ‬ ‫‪3‬‬

‫وفي الدعاء المأثور ‪ « :‬اللّهمّ إنّي أسألك بأنّ لك الحمد ل إله إلّا أنت المنّان » ‪.‬‬
‫وإن كان المن من العبد فهو تعداد الصّنائع والتّقريع بها والتّعيير وهي من الكبائر ‪ ،‬وتبطل‬
‫ثواب الصّدقة ‪.‬‬
‫ن والذى يبطلن ثواب الصّدقة ‪ ،‬حيث بيّن‬
‫ص واليماء بأنّ الم ّ‬
‫فقد دلّ القرآن الكريم بالنّ ّ‬
‫فضل النفاق في سبيل اللّه في قوله تعالى ‪ { :‬مَ َث ُل الّذِينَ يُن ِفقُونَ َأ ْموَا َلهُمْ فِي سَبِي ِل الّلهِ‬
‫ف ِلمَن َيشَاء وَالّلهُ وَاسِعٌ‬
‫َكمَ َثلِ حَ ّبةٍ أَنبَتَتْ سَبْ َع سَنَا ِبلَ فِي ُكلّ سُنبُ َل ٍة مّ َئةُ حَ ّب ٍة وَالّلهُ يُضَاعِ ُ‬
‫عَلِيمٌ } ثمّ أخبر في الية التّالية أنّ النفاق المذكور الّذي يضاعف ثوابه لصاحبه هو النفاق‬
‫ن َأ ْموَا َل ُهمْ فِي سَبِيلِ الّل ِه ُثمّ‬
‫ن يُن ِفقُو َ‬
‫ن والذى ‪ ،‬فقال عزّ من قائل ‪ { :‬الّذِي َ‬
‫الّذي يخلو عن الم ّ‬
‫حزَنُونَ }‬
‫علَ ْي ِهمْ َولَ ُهمْ َي ْ‬
‫خوْفٌ َ‬
‫لَ يُتْ ِبعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّا َولَ أَذًى ّل ُهمْ َأجْرُ ُه ْم عِندَ رَ ّب ِهمْ َولَ َ‬
‫ن الّذين يتبعون ما أنفقوا منا وأذًى ليس لهم عند ربّهم أجر ول أمن من‬
‫والمفهوم من ذلك أ ّ‬
‫الخوف والحزن ‪.‬‬
‫ن كلمةً طيّبةً وردا جميلً والدعاء للسّائل والتّأنيس والتّرجية بما‬
‫ثمّ بيّن سبحانه وتعالى أ ّ‬
‫ن ذكر القول‬
‫عند اللّه خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة ‪ ،‬وفي حقيقتها ل شيء ؛ ل ّ‬
‫المعروف فيه أجر ‪ ،‬وهذه ل أجر لها ‪ ،‬قال صلى ال عليه وسلم ‪ «:‬الكلمة الطّيّبة صدقة »‪،‬‬
‫و « ل تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق » ‪ ،‬فيتلقّى المسئُول السّائل‬
‫بالبشر والتّرحيب ويقابله بالطّلقة والتّقريب ؛ ليكون مشكورا إن أعطى ‪ ،‬ومعذورا إن‬
‫منع ‪ ،‬فالسّتر منه عليه لما علم من خلّته وسوء حاله خير عند اللّه من صدقة يتصدّقها‬
‫ى ومنا ‪ .‬قال عزّ من قائل ‪َ { :‬ق ْولٌ ّمعْرُوفٌ َو َمغْفِرَ ٌة خَيْ ٌر مّن صَ َد َقةٍ يَتْ َب ُعهَا‬
‫عليه ‪ ،‬ويتبعها أذ ً‬
‫ي حَلِيمٌ } ‪.‬‬
‫أَذًى وَالّلهُ غَنِ ّ‬
‫ص حكم الصّدقة الّتي يتبعها المن والذى في قوله تعالى ‪:‬‬
‫ثمّ ذكر القرآن الكريم بعد ذلك بالنّ ّ‬
‫ق مَا َلهُ رِئَاء النّاسِ َولَ‬
‫ن آمَنُواْ َل تُ ْبطِلُواْ صَدَقَا ِتكُم بِا ْل َمنّ وَالذَى كَالّذِي يُنفِ ُ‬
‫{ يَا أَ ّيهَا الّذِي َ‬
‫ص ْفوَانٍ عَلَ ْيهِ ُترَابٌ َفأَصَا َبهُ وَا ِبلٌ فَ َت َر َكهُ صَلْدًا ّل َيقْدِرُونَ‬
‫ُي ْؤمِنُ بِالّلهِ وَالْ َي ْومِ الخِرِ َفمَثَُل ُه َكمَثَلِ َ‬
‫عَلَى شَيْءٍ ّممّا َكسَبُو ْا وَالّلهُ لَ َيهْدِي الْ َق ْومَ ا ْلكَافِرِينَ } ‪.‬‬
‫فشبّه سبحانه الّذي يمن ويؤذي في صدقته بالّذي ينفق ماله رئاء النّاس ل لوجه اللّه ‪،‬‬
‫وبالكافر الّذي ينفق ماله ليقال ‪ :‬إنّه جواد ويثنى عليه أنواع الثّناء ‪.‬‬
‫ومثّل سبحانه المنفق المنّان بصفوان ‪ -‬حجر أملس ‪ -‬عليه تراب ‪ ،‬فيظنه الرّائي أرضا‬
‫منبتةً طيّبةً ‪ ،‬فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب وبقي صلدا ‪ ،‬فكذلك المرائي‬
‫والمنّان ‪ ،‬فالمن والرّياء والذى تكشف عن النّيّة في الخرة كما يكشف المطر الغزير عن‬
‫الحجر الملس ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬المراد بالية إبطال الفضل دون أصل الثّواب ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إنّما يبطل من ثواب صدقته‬
‫ن وأذى انقطع التّضعيف ؛‬
‫من وقت منّه وإيذائه ‪ ،‬وما قبل ذلك يكتب له ويضاعف ‪ ،‬فإذا م ّ‬
‫لنّه ورد « أنّ الصّدقة تربّى لصاحبها حتّى تكون أعظم من الجبل » ‪ ،‬فإذا خرجت من يد‬
‫صاحبها خالص ًة لوجه اللّه ضوعفت ‪ ،‬فإذا جاء المن بها والذى وقف بها هناك وانقطع‬
‫التّضعيف عنها ‪ ،‬والقول الوّل أظهر ‪.‬‬
‫ن المنّان ل يكلّمه اللّه ول ينظر إليه ‪ ،‬كما في حديث أبي ذر‬
‫وقد جاء في السنّة الصّحيحة أ ّ‬
‫رضي ال عنه ‪ « :‬ثلثة ل يكلّمهم اللّه يوم القيامة ول ينظر إليهم ول يزكّيهم ولهم عذاب‬
‫أليم ‪ .‬قال أبو ذر ‪ :‬خابوا وخسروا ‪ ،‬من هم يا رسول اللّه ؟ قال ‪ :‬المسبل ‪ ،‬والمنّان ‪،‬‬
‫والمُنَفّق سلعته بالحلف الكاذب » ‪.‬‬
‫رفض التّبرع خوفا من المنّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يجوز للمكلّف عدم قبول التّبرع وإن تعيّن لداء فرض‬ ‫‪4‬‬

‫حيث قالوا ‪ :‬إذا لم يجد المكلّف ماءً للطّهارة بعد دخول الوقت أو لم يجد ما يشتري به‬
‫فوهب له شخص الثّمن لم يجب قبوله لما فيه من المنّة ‪.‬‬
‫قال الشّافعيّة ‪ :‬لو وهب ثمن الماء أو ثمن آلة الستقاء أو أقرض ثمن ذلك ‪ -‬وإن كان‬
‫موسرا بمال غائب ‪ -‬فل يجب قبوله لعظم المنّة ولو من الوالد لولده ‪.‬‬
‫أمّا إن وُهب له الماء أو أعير آلة الستسقاء فيجب عليه قبوله عند المالكيّة والشّافعيّة في‬
‫ن المسامحة بذلك غالبة فل تعظم فيه المنّة ‪.‬‬
‫الصحّ والحنابلة ل ّ‬
‫ن المالكيّة قيّدوا اللزوم بما إذا لم يتحقّق منه منّة قالوا ‪ :‬وهذا في منّة يظهر لها أثر‬
‫إلّا أ ّ‬
‫وأمّا التّافه فيلزمه قبوله ‪.‬‬
‫والقول الثّاني عند الشّافعيّة ‪ :‬ل يجب قبول الماء للمنّة كالثّمن ‪.‬‬
‫وقال أبو حنيفة في ظاهر الرّواية وأبو يوسف ومحمّد ‪ :‬يجب عليه سؤال رفيقه الماء‬
‫والدّلو ول يتيمّم حتّى يسأله فإن منعه تيمّم لنّ الماء مبذول عادةً فكان الغالب العطاء وقال‬
‫الحسن بن زياد من الحنفيّة بناءً على ما رواه عن أبي حنيفة في غير ظاهر الرّواية ‪ :‬ل‬
‫يجب عليه السؤال لنّ في السؤال ذ ًل وفيه بعض الحرج وما شرع التّيمم إلّا لدفع الحرج ‪.‬‬
‫ل عن الجصّاص ‪ :‬أنّه ل خلف ‪ -‬في غير ظاهر الرّواية ‪ -‬بين أبي حنيفة‬
‫وفي الذّخيرة نق ً‬
‫وصاحبيه فمراد أبي حنيفة من عدم اللزوم فيما إذا غلب على ظنّه منعه إيّاه ومراد‬
‫الصّاحبين في لزومه عند غلبة الظّنّ بعدم المنع ‪.‬‬
‫جاء في البحر ‪ :‬أنّه إذا كان له مال غائب وأمكنه الشّراء بثمن مؤجّل وجب عليه الشّراء‬
‫ن الجل لزم في الشّراء ول مطالبة قبل‬
‫بخلف ما إذا وجد من يقرضه فإنّه ل يجب عليه ل ّ‬
‫حلوله بخلف القرض ‪.‬‬
‫‪ -‬نصّ الشّافعيّة على أنّه إن تبرّع رجل بنفقة زوجه المعسر العاجز عن إنفاقها لم يلزمها‬ ‫‪5‬‬

‫القبول ولها الفسخ لعدم النّفقة لعظم المنّة كما لو كان لها دين على شخصٍ فتبرّع غيره‬
‫بأدائه لها ل يلزمه القبول لما فيه من المنّة وحكى ابن كج وجها ‪ :‬أنّه ل خيار لها وبه أفتى‬
‫ن المنّة على الزّوج ل عليها ولو سلّمها المتبرّع للزّوج ثمّ سلّمه الزّوج لها لم‬
‫الغزالي ل ّ‬
‫يفسخ ولو كان المتبرّع أبا أو جدا والزّوج تحت حجره وجب عليها القبول ‪.‬‬
‫المنّ على السرى ‪:‬‬
‫ن للمام أن يمنّ على أسرى الحرب من الرّجال البالغين إن‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪6‬‬

‫رأى مصلحةً في المنّ عليهم ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪17‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬أسرى ف ‪/‬‬

‫مَنِيحَة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المنيحة في اللغة يقال ‪ :‬منحته منحا من باب نفع وضرب ‪ :‬أعطيته والسم المنيحة‬ ‫‪1‬‬

‫والمنيحة كالمِنْحة بكسر الميم ‪ :‬هي الشّاة أو النّاقة يعطيها صاحبها رجلً يشرب لبنها ثمّ‬
‫يردها إذا انقطع اللّبن ثمّ كثر استعماله حتّى أطلق على كلّ عطاء ‪.‬‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬هي ما يعطى من النّخل والنّاقة والشّاة وغيرها ليتناول ما يتولّد منه‬
‫كالثّمر واللّبن وهي عارية وقد تكون تمليكا ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬العارية ‪:‬‬
‫‪ -‬العارية مأخوذة من عار ‪ :‬ذهب وجاء بسرعة أو من التّعاور ‪ :‬أي التّناوب ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫والعارية في الصطلح عرّفها الفقهاء بتعريفين ‪:‬‬


‫أوّلهما ‪ :‬هي إباحة النتفاع بما يحل النتفاع به مع بقاء عينه ليردّه ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬هي تمليك المنافع بغير عوض ‪.‬‬
‫والصّلة بينهما أنّ المنيحة نوع من أنواع العارية ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العمرى ‪:‬‬
‫‪ -‬العمرى هي ‪ :‬تمليك منفعة شيء مملوك ‪ -‬عقارا أو غيره ‪ -‬إنسانا أو غيره في حياة‬ ‫‪3‬‬

‫المعطى ‪ -‬بفتح الطّاء ‪ -‬بغير عوض ‪.‬‬


‫ن المنيحة خاصّة بلبن شاة أو بقرة أو ناقة وترد لصاحبها أمّا العمرى‬
‫والصّلة بينهما ‪ :‬أ ّ‬
‫فتكون منفعتها مدّة العمر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الهبة ‪:‬‬
‫‪ -‬الهبة ‪ :‬تمليك عين بل عوض في حالة الحياة تطوعا ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫ن الهبة أعم من المنيحة ‪.‬‬


‫والصّلة بينها وبين المنيحة ‪ :‬أ ّ‬
‫الحكام المتعلّقة بالمنيحة ‪:‬‬
‫يتعلّق بالمنيحة أحكام منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬التّرغيب في المنيحة ‪:‬‬
‫‪ -‬إعطاء المنيحة من أعمال الب ّر والحسان رغّب الشّارع إليها قال تعالى ‪ { :‬إِنّ الّل َه يَ ْأمُرُ‬ ‫‪5‬‬

‫حسَانِ َوإِيتَاء ذِي ا ْلقُرْبَى } ‪.‬‬


‫بِا ْلعَ ْدلِ وَا ِل ْ‬
‫وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل إعطاء المنيحة فعن أبي هريرة رضي ال عنه أنّه قال ‪:‬‬
‫صفِي‬
‫صفِي منحةً ‪ ،‬والشّاة ال ّ‬
‫قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬نعم المنيحة اللّقحة ال ّ‬
‫تغدو بإناء وتروح بإناء » ‪ ،‬وعن عبد اللّه بن عمرو رضي ال عنهما قال ‪ :‬سمعت رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪ « :‬أربعون خصل ًة أعلهنّ منيحة العنز ‪ ،‬ما من عامل يعمل‬
‫بخصلة منها رجاء ثوابها ‪ ،‬وتصديق موعودها إلّا أدخله اللّه بها الجنّة » ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬صيغة إعطاء المنيحة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال بعض مشايخ الحنفيّة ‪ :‬صيغة المنيحة أن يقول ‪ :‬منحتك هذه الشّاة أو النّاقة ؛ لنّ‬ ‫‪6‬‬

‫المنح صريح في العارية ‪ ،‬فتنفّذ بها من غير توقف على نيّة ‪ ،‬ومجاز في الهبة إذا نوى‬
‫انعقدت به ‪.‬‬
‫وفضّل أبو بكر المعروف بخواهر زاده ‪ ،‬وقال ‪ :‬إذا قال ‪ :‬منحتك أرضي ونحو ذلك ‪ ،‬فإنّ‬
‫هذا اللّفظ إن كان مضافا إلى ما يمكن النتفاع به مع بقاء عينه يكون عاريةً ‪ ،‬وإن كان‬
‫مضافا إلى ما ل يمكن النتفاع به مع بقاء عينه كالدّراهم والطّعام تكون هبةً ؛ لنّ المنحة‬
‫تذكر ويراد بها العارية ‪ ،‬وفي الحديث ‪ « :‬المنحة مردودة » ‪ ،‬وأراد عليه السلم ‪ :‬العارية؛‬
‫لنّ الهبة ل تكون مردودةً ‪ ،‬وإنّما المردودة العارية ‪ .‬وتذكر ويراد بها الهبة ‪ ،‬يقال ‪ :‬فلن‬
‫منح فلنا أي ‪ :‬وهب له ‪ ،‬وإذا كانت اللّفظة صالحةً للمرين جميعا والعمل بهما متعذّر في‬
‫عين واحدة ‪ -‬لنّ العين الواحدة ل يتصوّر أن تكون في محلّين ‪ :‬هبة وعارية في وقتٍ‬
‫واحد ‪ -‬عملنا بهما مختلفين ‪ ،‬فقلنا ‪ :‬إذا أضيفت المنحة إلى عين يمكن النتفاع به مع بقاء‬
‫عينه جُعل عاريةً ‪ ،‬وإن أضيفت إلى عين ل يمكن النتفاع بها مع بقاء عينها جعلت هبةً ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّ المنح من صرائح صيغ الهبة ‪ ،‬وعليه إذا قال ‪ :‬منحتك هذه النّاقة أو‬
‫الشّاة تكون هبةً عندهم ؛ لنّه لفظ صريح في محلّه ونافذ في موضعه ‪ ،‬فل يكون صريحا‬
‫في غيره ول مجازا ‪.‬‬
‫وطريقة إعارة ذوات اللبان أن يقول ‪ :‬أعرتك هذه الشّاة أو النّاقة ‪ -‬وهي المنيحة ‪ -‬لخذ‬
‫درّها ونسلها كإباحة ما ذُكر ‪ ،‬وصحّت العارية لنّها تتضمّن ‪ :‬إعارة أصلها وهو العين‬
‫المعارة ‪ ،‬والفوائد إنّما جعلت بطريق الباحة والتّبع وليست مستفادةً بالعارية ‪ ،‬بل‬
‫ن العارية بالمنافع ل بالعيان ‪ ،‬واللّبن والنّسل أعيان ‪ ،‬والمعار هو الشّاة أو‬
‫بالباحة ؛ ل ّ‬
‫النّاقة ‪.‬‬
‫جاء في الحاوي الكبير ‪ :‬وما كانت منافعه عينا كذوات اللّبن من المواشي كالغنم والبل فل‬
‫يجوز أن يعار ول أن يؤجّر ؛ لختصاص العارية والجارة بالمنافع دون العيان ‪ ،‬ولكن‬
‫يجوز أن يمنح ‪.‬‬
‫قال الشّافعي ‪ :‬المنحة أن يدفع الرّجل ناقته أو شاته لرجل ليحلبها تمّ يردّها فيكون اللّبن‬
‫ممنوحا ‪ ،‬ول ينتفع بغير اللّبن ‪.‬‬
‫ح ؛ لنّه أخذها بهبة فاسدة ؛ لنّ‬
‫وإن أعار شا ًة أو دفعها له وملّكه درّها ونسلها لم يص ّ‬
‫اللّبن والنّسل مجهولن غير مقدوري التّسليم فل يصح تمليكهما ‪ ،‬ويضمن الشّاة بحكم‬
‫العارية الفاسدة ‪ ،‬وللعقود الفاسدة حكم صحيحها في الضّمان وعدمه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬ضمان المنيحة ‪:‬‬
‫‪ -‬المنيحة عارية يجري عليها أحكام العارية ‪ ،‬فيجب ردها إن كانت باقيةً بغير خلف ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫ويضمن المستعير إن تلفت بتعد بالجماع ‪ ،‬وإن تلفت بل تعدّ فمضمونة عند الشّافعيّة‬
‫والحنابلة إذا لم تتلف بالستعمال المأذون ‪ ،‬وغير مضمونة عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ‪ ( :‬إعارة ف ‪. ) 5 /‬‬

‫مَ ِنيّ *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المني في اللغة ‪ -‬مشدّدة الياء والتّخفيف لغة ‪ -‬ماء الرّجل والمرأة وجمعه مُنْيٌ ‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫ي ُيمْنَى } ‪.‬‬
‫ك ُنطْ َفةً مّن مّنِ ّ‬
‫ومنه قوله تعالى ‪ { :‬أَ َلمْ يَ ُ‬
‫وفي الصطلح ‪ :‬هو الماء الغليظ الدّافق الّذي يخرج عند اشتداد الشّهوة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬المذي ‪:‬‬
‫‪ -‬المذي في اللغة ‪ :‬ماء رقيق يخرج عند الملعبة أو التّذكر ‪ ،‬ويضرب إلى البياض ‪،‬‬ ‫‪2‬‬

‫ت الولى ‪ :‬سكون الذّال والثّانية ‪ :‬كسرها مع تثقيل الياء‬


‫وقال الفيومي ‪ :‬فيه ثلث لغا ٍ‬
‫والثّالثة ‪ :‬الكسر مع التّخفيف ‪.‬‬
‫والمذّاء فعّال للمبالغة في كثرة المذي ‪ ،‬من مذى يمذي ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫ن المنيّ يخرج على وجه الدّفق بشهوة ‪ ،‬وأمّا المذي فيخرج‬
‫والصّلة بين المذي والمنيّ ‪ :‬أ ّ‬
‫ل على وجه الدّفق ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الودي ‪:‬‬
‫‪ -‬الودي في اللغة بإسكان الدّال المهملة وتخفيف الياء وتشديدها ‪ :‬الماء الثّخين البيض‬ ‫‪3‬‬

‫الّذي يخرج في إثر البول ‪.‬‬


‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫والصّلة بينهما أنّ المنيّ يخرج بشهوة وأنّ الودي يخرج بل شهوة عقب البول ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمنيّ ‪:‬‬
‫حكم إنزال المنيّ باليد ‪:‬‬
‫ن الستمناء‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم إنزال المنيّ باليد ‪ ،‬فذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫باليد حرام وفيه التّعزير ‪.‬‬


‫وقال الحنفيّة ‪ :‬يكره تحريما الستمناء بالكفّ ونحوه بدون عذر ؛ لقوله تعالى ‪ { :‬وَالّذِينَ‬
‫ن ‪ ،‬إِلّا عَلَى أَ ْزوَاجِ ِهمْ أوْ مَا مَ َلكَتْ أَ ْيمَا ُن ُهمْ فَإِ ّن ُهمْ غَيْ ُر مَلُومِينَ } ‪ ،‬فلم‬
‫ج ِهمْ حَا ِفظُو َ‬
‫ُهمْ ِلفُرُو ِ‬
‫يبح الستمتاع إلّا بالزّوجة والمة ‪ ،‬وأيضا فإنّ فيه سلخ الماء ‪ ،‬وتهييج الشّهوة في غير‬
‫محلّها بغير عذر ‪.‬‬
‫أمّا إذا وجد عذر كما إذا تعيّن الخلص من الزّنا بالستمناء وكان عزبا ل زوجة له ول أمة‪،‬‬
‫أو كان إلّا أنّه ل يقدر على الوصول إليها لعذر فإنّه يجب ؛ لنّه أخف ‪ ،‬وعبارة صاحب فتح‬
‫القدير ‪ :‬فإن غلبته الشّهوة ففعل إرادة تسكينها به فالرّجاء ألّا يعاقب ‪.‬‬
‫والمذهب عند الحنابلة أنّ الستمناء باليد لغير حاجة حرام وفيه التّعزير ‪ ،‬وفي رواية عن‬
‫المام أحمد أنّه يكره ‪.‬‬
‫وإن كان الستمناء خوفا من الزّنى جاز ول شيء عليه ‪ ،‬وهذا هو المذهب ‪.‬‬
‫قال صاحب النصاف ‪ :‬لو قيل بوجوبه في هذه الحالة لكان له وجه كالمضطرّ ‪.‬‬
‫وفي رواية عن المام أحمد أنّه يحرم ولو خاف الزّنى ‪ .‬قال في النصاف ‪ :‬ل يباح‬
‫الستمناء إلّا عند الضّرورة ‪ ،‬ثمّ قال ‪ :‬وحكم المرأة في ذلك حكم الرّجل ‪.‬‬
‫ويجوز عند جميع الفقهاء الستمناء بيد الزّوجة‬
‫طهارة المنيّ ونجاسته ‪:‬‬
‫ي نجسٌ ولهم في‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة وهو قول عند الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ المن ّ‬ ‫‪5‬‬

‫ذلك تفصيل ‪.‬‬


‫ي نجسٌ سواء من النسان أو من الحيوانات كلّها دون التّفرقة بين‬
‫فقال الحنفيّة ‪ :‬إنّ المن ّ‬
‫مأكول اللّحم وغير مأكوله ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬المني نجسٌ إذا كان من آدمي أو من حيوان محرّم الكل بغير خلف ‪ ،‬أمّا‬
‫مني مباح الكل ففيه خلف ‪.‬‬
‫فقيل بطهارته ‪ ،‬وقيل بنجاسته ؛ للستقذار والستحالة إلى فساد ‪ ،‬وهو المشهور ‪.‬‬
‫ي بحديث عائشة رضي ال عنها قالت ‪ « :‬كنت أغسل‬
‫واستدلّ الحنفيّة على نجاسة المن ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم فيخرج إلى الصّلة وإن بقّع الماء في ثوبه » ‪.‬‬
‫الجنابة من ثوب النّب ّ‬
‫وجه الدّللة من هذا الحديث أنّ عائشة رضي ال عنها قد غسلت المنيّ من ثوب رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬والغسل شأن النّجاسات وأنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قد علم‬
‫بهذا فأقرّه ولم يقل لها أنّه طاهر ؛ ولنّه خارجٌ من أحد السّبيلين فكان نجسا كسائر‬
‫النّجاسات ‪.‬‬
‫واستدلوا بآثار عن بعض الصّحابة رضي ال عنهم ‪ ،‬منها ما روي عن أبي هريرة رضي‬
‫ي يصيب الثّوب ‪ " :‬إن رأيته فاغسله وإلّا فاغسل الثّوب كلّه " ومن التّابعين‬
‫ال عنه في المن ّ‬
‫ن المنيّ بمنزلة البول ‪.‬‬
‫ما روي عن الحسن ‪ :‬أ ّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إنّ سبب نجاسة المنيّ أنّه دم مستحيل إلى نتن وفساد ‪ ،‬فحكم بنجاسة المنيّ‬
‫من الحيوانات كلّها لنّ مناط التّنجيس كونه دما مستحيلً إلى نتن وفساد ‪ ،‬وهذا ل يختلف‬
‫بين الحيوانات كلّها كما قال الدردير ‪.‬‬
‫ن المنيّ يخرج من مخرج البول موجبا لتنجيسه فألحق المني بالبول طهارةً ونجاسةً ‪.‬‬
‫وبأ ّ‬
‫ي النسان طاهر سواء أكان من‬
‫ن من ّ‬
‫وقال الشّافعيّة في الظهر والحنابلة وهو المذهب ‪ :‬إ ّ‬
‫الذّكر أم النثى ‪.‬‬
‫ي من ثوب رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫لحديث عائشة رضي ال عنها « أنّها كانت تفرك المن ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم شرع في الصّلة والمني على‬
‫وسلم ثمّ يصلّي فيه » فدلّ أ ّ‬
‫س رضي ال عنهما قال ‪ « :‬سئل رسول اللّه‬
‫ثوبه‪ ،‬وهذا شأن الطّاهرات ‪ ،‬وعن ابن عبّا ٍ‬
‫ي يصيب الثّوب ‪ ،‬فقال إنّما هو بمنزلة البصاق أو المخاط ‪،‬‬
‫صلى ال عليه وسلم عن المن ّ‬
‫إنّما كان يكفيك أن تمسحه بخرقة أو إذخر » ‪.‬‬
‫فيدل هذا الحديث بظاهره أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قد شبّه المنيّ بالمخاط‬
‫والبصاق ممّا يدل على طهارته وأمر بإماطته بأيّ كيفيّة كانت ‪ -‬ولو بإذخر ‪ -‬لنّه مستقذر‬
‫طبعا وعن سعد بن أبي وقّاصٍ " أنّه كان إذا أصاب ثوبه المني إن كان رطبا مسحه ‪ ،‬وإن‬
‫كان يابسا حتّه ثمّ صلّى فيه " ؛ ولنّه مبدأ خلق النسان فكان طاهرا كالطّين وكذلك مني‬
‫الحيوانات الطّاهرة حال حياتها فإنّه مبدأ خلقها ويخلق منه حيوان طاهر ‪.‬‬
‫س وهو قول عند الحنابلة ‪.‬‬
‫وفي مقابل الظهر عند الشّافعيّة أنّه نج ٌ‬
‫س من المرأة دون الرّجل بناءً على نجاسة رطوبة فرجها‬
‫وفي قول عند الشّافعيّة أنّه نج ٌ‬
‫وهو قول عند الحنابلة ‪.‬‬
‫ي ونحو الكلب‬
‫ي فقد ذهب الشّافعيّة في الصحّ إلى أنّ منيّ غير الدم ّ‬
‫أمّا مني غير الدم ّ‬
‫نجسٌ كسائر المستحيلت ‪.‬‬
‫ن الصحّ طهارة منيّ غير الكلب والخنزير وفرع أحدهما لنّه أصل حيوان‬
‫وقال النّووي ‪ :‬إ ّ‬
‫ي‪.‬‬
‫طاهر فأشبه منيّ الدم ّ‬
‫وفي مقابل الصحّ عند الشّافعيّة وقول الحنابلة أنّه طاهر من المأكول نجسٌ من غيره كلبنه‬
‫‪.‬‬
‫الوضوء من المنيّ ‪:‬‬
‫ي ينقض الوضوء ‪.‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ خروج المن ّ‬ ‫‪6‬‬

‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّ خروج المنيّ ل ينقض الوضوء ‪.‬‬


‫والتّفصيل في مصطلح ( حدثٌ ف ‪ 6 /‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫الغسل من المنيّ ‪:‬‬
‫ن أمّ‬
‫ي من الرّجل والمرأة موجب للغسل ‪ .‬لما ورد ‪ :‬أ ّ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ خروج المن ّ‬ ‫‪7‬‬

‫ي اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬عن المرأة ترى‬


‫سليم رضي ال عنها حدّثت ‪ « :‬أنّها سألت نب ّ‬
‫في منامها ما يرى الرّجل ؟ فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬إذا رأت ذلك المرأة‬
‫فلتغتسل ‪ :‬فقالت أم سليم ‪ -‬واستحييت من ذلك ‪ -‬قالت ‪ :‬وهل يكون هذا ؟ فقال نبي اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ :‬نعم ‪ ،‬فمن أين يكون الشّبه ؟ إنّ ماء الرّجل غليظ أبيض ‪ ،‬وماء‬
‫المرأة رقيق أصفر فمن أيّهما عل أو سبق يكون منه الشّبه » ‪ ،‬وفي رواية أنّها قالت ‪:‬‬
‫« هل على المرأة من غسل إذ هي احتلمت ؟ فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬نعم إذا‬
‫رأت الماء » ‪.‬‬
‫قال ابن قدامة ‪ :‬وإن رأى في ثوبه منيّا وكان ممّا ل ينام فيه غيره فعليه الغسل ؛ لنّ عمر‬
‫وعثمان رضي ال عنهما اغتسل حين رأياه في ثوبيهما ؛ ولنّه ل يحتمل أن يكون إلّا منه ‪،‬‬
‫ويُعيد الصّلة من أحدث نومةٍ نامها فيه إلّا أن يرى إمار ًة تدل على أنّه قبلها فيعيد من أدنى‬
‫ي منه كابن اثنتي عشرة‬
‫نومةٍ يحتمل أنّه منها ‪ ،‬وإن كان الرّائي له غلما يمكن وجود المن ّ‬
‫سنةً فهو كالرّجال ؛ لنّه وجد دليله وهو محتمل للوجود وإن كان أق ّل من ذلك فل غسل‬
‫عليه لنّه ل يحتمل فيتعيّن حمله على أنّه من غيره ‪ ،‬فأمّا إن وجد الرّجل منيّا في ثوب ينام‬
‫ن كلّ واحد منهما بالنّظر إليه مفردا‬
‫فيه هو وغيره ممّن يحتلم فل غسل على واحد منهما ل ّ‬
‫يحتمل أن ل يكون منه فوجوب الغسل عليه مشكوك فيه ‪ ،‬وليس لحدهما أن يأتمّ بصاحبه‬
‫لنّ أحدهما جنب يقينا فل تصح صلتهما ‪ ،‬كما لو سمع كل واحد منهما صوت ريح يظن‬
‫أنّها من صاحبه أو ل يدري من أيّهما هي ‪.‬‬
‫والتّفصيل في ( غسل ف ‪. ) 5 /‬‬
‫المني وأثره في الصّوم ‪:‬‬
‫ن الصّائم إذا قبّل ولم يمن ل يفسد صومه لما روت عائشة رضي ال‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪8‬‬

‫عنها ‪ « :‬كان النّبي صلى ال عليه وسلم يقبّل ويباشر وهو صائم ‪ ،‬وكان أملككم لربه»‬
‫وورد عن عمر رضي ال عنه أنّه قال ‪ « :‬هششت فقبّلت وأنا صائم ‪ ،‬فقلت ‪ :‬يا رسول اللّه‬
‫صنعت اليوم أمرا عظيما ‪ ،‬قبّلت وأنا صائم ‪ ،‬فقال ‪ :‬أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت‬
‫صائم ؟ قلت ‪ :‬ل بأس به ‪ ،‬قال ‪ :‬فمه » ‪.‬‬
‫شبّه القبلة بالمضمضة من حيث إنّها من مقدّمات الشّهوة وأنّ المضمضة إذا لم يكن معها‬
‫نزول الماء لم يفطر ‪.‬‬
‫وإن قبّل الصّائم فأمنى فسد صومه لنّه إنزال بالمباشرة ‪ ،‬فأشبه النزال بالجماع لوجود‬
‫معنى الجماع وهو قضاء الشّهوة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن خرج المني من الصّائم يقظةً بلذّة معتادة فسد الصّوم ووجب القضاء‬
‫والكفّارة وأمّا إن خرج بل لذّة أو خرج بلذّة غير معتادة فل يفسد الصّوم ‪ ،‬وقال عبد الوهّاب‬
‫من المالكيّة ‪ :‬إنّما يرى أصحابنا القضاء على من أمنى من لمسٍ وقبلة استحبابا وليس‬
‫ي عن موضعه ‪ ،‬فأمّا إن سلم من ذلك فل شيء‬
‫بإيجاب لجواز أن تكون القبلة حرّكت المن ّ‬
‫عليه ‪.‬‬
‫ولو استمنى الصّائم بيده فأنزل فسد صومه لنّه في معنى القبلة في إثارة الشّهوة ‪ ،‬وإن‬
‫نزل لغير شهوة كالّذي يخرج منه المني أو المذي لمرض فل شيء عليه ؛ لنّه خارجٌ لغير‬
‫شهوة أشبه البول ؛ ولنّه عن غير اختيار منه ول تسبب إليه فأشبه الحتلم ‪ ،‬ولو احتلم لم‬
‫يفسد صومه ؛ لنّه عن غير اختيار منه فأشبه ما لو دخل حلقه شيء وهو نائم ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إذا نظر إلى امرأة بشهوة إلى وجهها أو فرجها فأمنى ‪ -‬كرّر النّظر أو ل ‪-‬‬
‫ل يفطر فصار كالمتفكّر في امرأة حسناء إذا أمنى ‪.‬‬
‫ن عليه القضاء والكفّارة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن أمنى بتعمد إدامة النّظر والفكر فإ ّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن خرج المني بمجرّد فكر ونظر بشهوة لم يفطر ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن كرّر النّظر فله حالتان ‪:‬‬
‫الحالة الولى ‪ :‬أن ل يقترن به إنزال فل يفسد الصّوم بغير خلف ‪.‬‬
‫الحالة الثّانية ‪ :‬أن يقترن به إنزال المنيّ فيفسد الصّوم ‪ ،‬وبه قال عطاء والحسن البصري‬
‫والحسن بن صالح ؛ لنّه إنزال بفعل يتلذّذ به ويمكن التّحرز منه فأفسد الصّوم كالنزال‬
‫باللّمس ‪ ،‬والفكر ل يمكن التّحرز منه بخلف تكرار النّظر ‪.‬‬
‫تطهير الثّوب من المنيّ ‪:‬‬
‫ي وطهارته فقد بيّن القائلون بأنّه نجسٌ‬
‫‪ -‬نظرا لنّه قد اختلف الفقهاء في نجاسة المن ّ‬ ‫‪9‬‬

‫وسيلة تطهيره ‪.‬‬


‫ي إذا أصاب الثّوب فإن كان رطبا يجب غسله ‪ ،‬وإن جفّ على‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أنّ المن ّ‬
‫الثّوب أجزأ فيه الفرك ‪.‬‬
‫ي يكون بغسله ‪ .‬لما ورد عن زُبَيْد بن الصّلت ‪ :‬أنّه‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ تطهير محلّ المن ّ‬
‫قال ‪ " :‬خرجت مع عمر بن الخطّاب رضي ال عنه إلى الجرف فنظر فإذا هو قد احتلم‬
‫وصلّى ولم يغتسل فقال ‪ :‬واللّه ما أراني إلّا احتلمت وما شعرت ‪ ،‬وصلّيت وما اغتسلت ‪،‬‬
‫سلَ ما رأى في ثوبه ونضح ما لم ير وأذّن أو أقام ث ّم صلّى بعد ارتفاع‬
‫غ َ‬
‫س َل و َ‬
‫قال ‪ :‬فاغْ َت َ‬
‫الضّحى متمكّنا " ‪.‬‬
‫أمّا القائلون بأنّه طاهر فقد بيّنوا كيفيّة تنظيفه ‪.‬‬
‫فقال الشّافعيّة على الظهر والحنابلة ‪ :‬أنّه يستحب غسل المنيّ للخبار الصّحيحة الواردة‬
‫فيه وخروجا من الخلف ‪.‬‬
‫ي في ثبوت الخيار للزّوجة ‪:‬‬
‫أثر انقطاع المن ّ‬
‫‪ -‬يرى الحنفيّة والشّافعيّة أنّ الخصاء ل يكون عيبا فل خيار للزّوجة طالما يستطيع‬ ‫‪10‬‬

‫الخصي الوقاع ؛ لثر علي رضي ال عنه ‪ " :‬يرد النّكاح لربع ‪ :‬من الجذام والجنون‬
‫والبرص والقرن " ‪ ،‬وجه الدّللة أنّه لم يردّ للخصاء ذكر بخصوصه ولم يدخل تحت عموم‬
‫ما نصّ عليه مع وجود الخصاء في الرّجال وإمكان الطّلع عليه أو معرفته فيهم ‪ ،‬وأنّ‬
‫الزّواج انعقد بيقين فل يفرّق بين الزّوجين إلّا بدليل متيقّن ‪ ،‬ولمّا كان التّصال من الخصيّ‬
‫موجودا كان الضّرر في معاشرته منتفيا فلم يصحّ قياسه على العنّة للضّرر ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة والحنابلة ‪ :‬إنّ الخصاء عيب يثبت الخيار للمرأة ويبرّر طلب التّفريق ‪.‬‬
‫ن المالكيّة قيّدوا ذلك بعدم إنزال المنيّ فإن أنزل منيّا فل يعتبر خصاءً يبرّر التّفريق ‪.‬‬
‫إلّا أ ّ‬
‫وللتّفصيل ر ‪ :‬مصطلح ( خصاء ف ‪. ) 7 /‬‬
‫ي بالجناية ‪:‬‬
‫أثر انقطاع المن ّ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّه لو جنى شخص جنايةً على رجل فكسر صلبه فأبطل قوّة إمنائه‬ ‫‪11‬‬

‫وجبت الدّية كامل ًة ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪62‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( ديات ف ‪/‬‬

‫ُمهَاجِر *‬
‫انظر ‪ :‬هجرة ‪.‬‬

‫ُمهَايأة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المهايأة في اللغة ‪ :‬مفاعلة من هايأ ‪ .‬وهي المر المتهايأ عليه وتهايأ القوم تهايؤًا من‬ ‫‪1‬‬

‫الهيئة ‪ :‬جعلوا لك ّل واحد هيئةً معلومةً والمراد النّوبة ‪.‬‬


‫واصطلحا ‪ :‬عرّفها الفقهاء ‪ :‬بأنّها قسمة المنافع على التّعاقب والتّناوب ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫القسمة ‪:‬‬
‫‪ -‬القسمة لغةً ‪ :‬من القسم وهو الفرز ‪ ،‬يقال قسمته قسمين من باب ضرب ‪ ،‬فرزته‬ ‫‪2‬‬

‫أجزاءً فانقسم ‪ ،‬والموضع مقسّم ‪ ،‬مثل المسجد ‪ ،‬وقسّمه ‪ :‬جزّأه ‪ ،‬وتقسّموا الشّيء‬
‫واقتسموه وتقاسموه ‪ :‬قسموه بينهم ‪.‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬تمييز بعض النصباء عن بعض ‪ ،‬وإفرازها عنها ‪.‬‬
‫والصّلة بينهما العموم والخصوص المطلق ‪ ،‬فالمهايأة أخص من القسمة ‪.‬‬
‫مشروعيّة المهايأة ‪:‬‬
‫‪ -‬المهايأة مشروعة وثابتة بالكتاب والسنّة والجماع ‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪56‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( قسمة ف ‪/‬‬


‫محل المهايأة ‪:‬‬
‫ن محلّ المهايأة هو المنافع دون العيان ‪ ،‬وذلك ‪ :‬كدار منفعتها‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫لشريكين ‪ ،‬مثل دار وقف عليهما ‪ ،‬أو مستأجرة لهما أو لمورّثهما ‪ ،‬أو ملك لهما ‪.‬‬
‫وللفقهاء تفصيلت أخرى في محلّ المهايأة ‪.‬‬
‫من مصطلح قسمة ) ‪.‬‬ ‫‪57/‬‬ ‫انظر ( ف‬
‫أقسام المهايأة ‪:‬‬
‫‪ -‬المهايأة تنقسم إلى قسمين ‪ :‬الوّل بحسب الزّمان والمكان ‪ ،‬والثّاني بحسب التّراضي‬ ‫‪5‬‬

‫والجبار ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪58‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( قسمة ف ‪/‬‬
‫صفة المهايأة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ المهايأة غير لزمة ‪،‬‬ ‫‪6‬‬

‫وأنّها عقد جائزٌ ‪ ،‬ويرى المالكيّة أنّها تكون كذلك إذا كانت غير معيّنة المدّة ‪ :‬كدارين يأخذ‬
‫كل واحد منهما سكنى دار من غير تعيين مدّة ‪ ،‬أمّا إذا كانت في زمن معيّن فإنّها تكون‬
‫لزمةً كالجارة ‪.‬‬
‫وعلى قول الجمهور يجوز لكلّ منهما الرجوع عنها ‪ ،‬ول تبطل بموت أحدهما ‪.‬‬
‫التّنازع في المهايأة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم المهايأة إذا تنازع أطرافها ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫فعند الحنفيّة ‪ :‬إذا اختلفا في التّهايؤ من حيث الزّمان والمكان في محل يحتملهما يأمرهما‬
‫ن التّهايؤ في المكان أعدل ‪ ،‬وفي الزّمان أكمل ‪ ،‬فلمّا اختلفت الجهة ل‬
‫القاضي بأن يتّفقا ؛ ل ّ‬
‫بدّ من التّفاق ‪ ،‬فإن اختاراه من حيث الزّمان يقرع في البداية نفيا للتهمة ‪.‬‬
‫وعند الشّافعيّة ‪ :‬إن تراضيا بالمهايأة وتنازعا في البداءة بأحدهما أقرع بينهما ‪ ،‬ولكلّ‬
‫منهما الرجوع عن المهايأة ‪ ،‬بناءً على أنّه ل إجبار فيها ‪ ،‬فإن رجع أحدهما عنها بعد‬
‫استيفاء المدّة أو بعضها لزم المستوفي للخر نصف أجرة المثل لما استوفى ‪ ،‬كما إذا تلفت‬
‫العين المستوفي أحدهما منفعتها فإنّه يلزم المستوفي نصف أجرة المثل ‪ ،‬فإن تمانعا وأصرّا‬
‫أجّرها القاضي عليهما ‪ ،‬ووزّع الجرة عليهما بقدر حصّتهما ‪ ،‬ول يبيعها عليهما ‪ ،‬وإن‬
‫اقتسماها بالتّراضي ثمّ ظهر عيب بنصيب أحدهما فلهما الفسخ ‪.‬‬
‫وذكر ابن البنّاء من الحنابلة في الخصال ‪ :‬أنّ الشّركاء إذا اختلفوا في منافع دار بينهما أنّ‬
‫الحاكم يجبرهم على قسمها بالمهايأة أو يؤجّرها عليهم ‪.‬‬
‫أثر المهايأة ‪:‬‬
‫ن للمتهايئين استغلل محلّ المهايأة ‪ ،‬والنتفاع بها كل في قسمه ‪،‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬ ‫‪8‬‬

‫زمان ّي ًة كانت أم مكان ّيةً ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪61‬‬ ‫وتفصيل ذلك في ‪ ( :‬قسمة ف ‪/‬‬
‫واختلفوا في الكساب النّادرة للعبد المشترك بين مالكين أو فيمن بعضه حر بينه وبين مالك‬
‫باقيه ‪ ،‬كاللقطة والهبة والرّكاز والوصيّة ‪ ،‬وكذا المؤن النّادرة كأجرة الطّبيب والحجّام ‪.‬‬
‫فالظهر عند الشّافعيّة ووجه عند الحنابلة أنّها تدخل في المهايأة ‪ ،‬كما تدخل الكساب العامّة‬
‫والمؤن العامّة ‪ ،‬فتكون ‪ -‬أي الكساب النّادرة ‪ -‬لذي النّوبة ‪ ،‬والمؤن عليه إلّا أرش‬
‫الجناية ‪.‬‬
‫ن الكسب النّادر ل يدخل في المهايأة ‪ ،‬فل يختص به‬
‫ومقابل الظهر والوجه الثّاني للحنابلة أ ّ‬
‫من هو في نوبته ‪.‬‬
‫واختلفوا في كسوة العبد المشترك ‪ :‬فذهب الحنفيّة إلى أنّ الشّريكين إن شرطا طعام العبد‬
‫ن العادة جرت بالمسامحة من الطّعام دون‬
‫على من يخدمه جاز ‪ ،‬وفي الكسوة ل يجوز ؛ ل ّ‬
‫الكسوة ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة ‪ :‬إلى أنّها تدخل في المهايأة ‪ ،‬ويراعى فيها قدر النّوبة حتّى تبقى على‬
‫الشتراك ‪ ،‬إن جرت المهايأة مياومةً ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة في نفقة الحيوان ‪ :‬إنّها تجب مدّة كلّ واحد عليه ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إن كان بينهما نهر‬
‫ق ك ّل واحد منهما من الماء‬
‫أو قناة أو عين نبع ماؤها فالنّفقة لحاجة بقدر حقّهما ‪ ،‬أي ح ّ‬
‫كالعبد المشترك ‪ ،‬والماء بينهما على ما شرطاه عندما استخرجاه ‪.‬‬
‫الضّمان في المهايأة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في يد المتهايئين على محلّ المهايأة هل هي يد ضمان أو يد أمانة ؟‬ ‫‪9‬‬

‫فذهب الحنفيّة والشّافعيّة ‪ :‬إلى أنّ يد كلّ واحد من المتهايئين يد أمانة ‪ ،‬ولذا ل ضمان عليه‬
‫إذا عطب أحد الخادمين في خدمة من شرط له هذا الخادم ‪ ،‬وكذا لو انهدم المنزل من سكنى‬
‫من شرطت له ‪ ،‬أو احترق من نار أوقدها فيه ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّ المهايأة كالعارية ‪ ،‬ولذا فتكون اليد فيها يد ضمان ‪.‬‬
‫وفي مطالب أولي النهى ‪ :‬ويتّجه أنّه لو تلف الحيوان المتهايأ عليه يضمن ‪ ،‬أي يضمنه من‬
‫تلفت تحت يده في مدّته ؛ لنّه كالعارية بالنّسبة لنصيب شريكه ‪ ،‬وهو مضمون على كلّ حال‬
‫إلّا في صورة أوردها صاحب القناع وهي ‪ :‬إن سلّم شريك إلى شريكه الدّابّة المشتركة‬
‫فتلفت بل تفريط ول تعد من غير انتفاع ونحوه لم يضمن ‪.‬‬

‫َمهْر *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المهر في اللغة ‪ :‬صداق المرأة ‪ ،‬وهو ‪ :‬ما يدفعه الزّوج إلى زوجته بعقد الزّواج ‪،‬‬ ‫‪1‬‬

‫والجمع مهور ومهورة ‪ .‬يقال ‪ :‬مهرت المرأة مهرا ‪ :‬أعطيتها المهر ‪ ،‬وأمهرتها ‪ -‬باللف‪-‬‬
‫كذلك ‪ ،‬والثلثي لغة بني تميم وهي أكثر استعمالً ‪.‬‬
‫وأمّا في الصطلح فقد عرّفه الشّافعيّة فقالوا ‪ :‬هو ما وجب بنكاح أو وطء أو تفويت بضع‬
‫قهرا ‪.‬‬
‫وللمهر تسعة أسماء ‪ :‬المهر ‪ ،‬والصّداق ‪ ،‬والصّدقة ‪ ،‬والنّحلة ‪ ،‬والفريضة ‪ ،‬والجر ‪،‬‬
‫والعلئق ‪ ،‬والعقر ‪ ،‬والحباء ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫النّفقة ‪:‬‬
‫‪ -‬النّفقة في اللغة اسم من النفاق ومن معانيها ‪ :‬ما ينفق من الدّراهم ونحوها ‪ ،‬والزّاد ‪،‬‬ ‫‪2‬‬

‫وما يفرض للزّوجة على زوجها من مال للطّعام والكساء والسكنى والحضانة ونحوها ‪،‬‬
‫والجمع ‪ :‬نفقات ونفاق ‪.‬‬
‫والنّفقة شرعا هي ‪ :‬الطّعام والكسوة والسكنى ‪.‬‬
‫والصّلة بين المهر والنّفقة وجوب كل منهما للزّوجة ‪ ،‬إلّا أنّ النّفقة تجب جزاءً للحتباس‬
‫في حين يجب المهر إبان ًة لشرف المحلّ ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمهر ‪:‬‬
‫يتعلّق بالمهر أحكام منها ‪:‬‬
‫حكم ذكر المهر في عقد النّكاح‬
‫حلّ َلكُم مّا َورَاء ذَ ِل ُكمْ أَن تَبْ َتغُواْ ِبَأ ْموَا ِلكُم }‬
‫‪ -‬المهر واجب في كلّ نكاح لقوله تعالى ‪َ { :‬وُأ ِ‬ ‫‪3‬‬

‫ن ذكر المهر في العقد ليس شرطا لصحّة النّكاح فيجوز إخلء‬


‫فقد قيّد الحلل به ‪ ،‬إلّا أ ّ‬
‫النّكاح عن تسميته باتّفاق الفقهاء لقوله تعالى ‪ّ { :‬ل جُنَاحَ عَلَ ْيكُ ْم إِن طَّلقْ ُتمُ ال ّنسَاء مَا َلمْ‬
‫ضةً } حكم بصحّة الطّلق مع عدم التّسمية ‪ ،‬ول يكون الطّلق‬
‫َت َمسّوهُنّ َأ ْو َتفْرِضُواْ َلهُنّ فَرِي َ‬
‫إلّا في النّكاح الصّحيح ‪.‬‬
‫ن ابن مسعود رضي اللّه عنه « سئل عن رجل تزوّج امرأةً ولم يفرض لها صداقا‬
‫وروي أ ّ‬
‫ولم يدخل بها حتّى مات ‪ ،‬فقال ابن مسعود ‪ :‬لها مثل صداق نسائها ل وكس ول شطط‬
‫وعليها العدّة ولها الميراث ‪ ،‬فقام معقل بن سنان الشجعي فقال ‪ « :‬قضى رسول اللّه صلّى‬
‫اللّه عليه وسلّم في ِبرْوع بنت واشق امرأة منّا مثل ما قضيت » ‪ ،‬ولنّ القصد من النّكاح‬
‫الوصلة والستمتاع دون الصّداق فصحّ من غير ذكره كالنّفقة ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّه يستحب تسمية المهر للنّكاح ‪ ،‬لنّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم‬
‫يخلّ نكاحا عنه ‪ ،‬ولنّه أدفع للخصومة ‪.‬‬
‫‪ -‬وأمّا إذا شرط نفي المهر في النّكاح كأن تزوّجها بشرط أن ل مهر لها فقد اختلف‬ ‫‪4‬‬

‫الفقهاء في حكم هذا النّكاح ‪:‬‬


‫فذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى صحّة النّكاح ‪.‬‬
‫وأمّا المالكيّة فل يصح النّكاح عندهم عند اشتراط نفي المهر ‪ ،‬حيث إنّهم يعتبرون المهر‬
‫ركنا من أركان النّكاح ويقولون ‪ :‬ومعنى كونه ركنا أنّه ل يصح اشتراط إسقاطه ‪.‬‬
‫وللتّفصيل فيما تستحقه الزّوجة عند التّصريح بنفي المهر أو عدم تسميته ‪.‬‬
‫ض ف ‪ ، 8 - 7 /‬مفوّضة ) ‪.‬‬
‫( ر ‪ :‬تفوي ٌ‬
‫حكمة وجوب المهر في عقد النّكاح ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الكاساني ‪ :‬لو لم يجب المهر بنفس العقد ل يبالي الزّوج عن إزالة هذا الملك بأدنى‬ ‫‪5‬‬

‫خشونة تحدث بينهما ‪ ،‬لنّه ل يشق عليه إزالته لمّا لم يخف لزوم المهر ‪ ،‬فل تحصل‬
‫المقاصد المطلوبة من النّكاح ‪ ،‬ولنّ مصالح النّكاح ومقاصده ل تحصل إلّا بالموافقة ول‬
‫تحصل الموافقة إلّا إذا كانت المرأة عزيز ًة مكرّمةً عند الزّوج ‪ ،‬ول عزّة إلّا بانسداد طريق‬
‫ن ما ضاق طريق إصابته يعز في العين فيعز به‬
‫الوصول إليها إلّا بمال له خطر عنده ‪ ،‬ل ّ‬
‫إمساكه ‪ ،‬وما تيسّر طريق إصابته يهون في العين فيهون إمساكه ‪ ،‬ومتى هانت في أعين‬
‫الزّوج تلحقها الوحشة فل تقع الموافقة ول تحصل مقاصد النّكاح ‪.‬‬
‫أنواع المهر ‪:‬‬
‫‪ -‬المهر الواجب نوعان ‪:‬‬ ‫‪6‬‬

‫أ ‪ -‬المهر المسمّى ‪ :‬وهو العوض المسمّى في عقد النّكاح والمسمّى بعده لمن لم يسمّ لها‬
‫في العقد ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬مهر المثل ‪ :‬وهو القدر الّذي يرغب به في أمثال الزّوجة ‪.‬‬
‫المعتبر في مهر المثل ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء فيمن يعتبر بها مهر المثل من قريبات الزّوجة ‪:‬‬ ‫‪7‬‬

‫ن مهر مثل الزّوجة يعتبر بأخواتها وعمّاتها‬


‫فذهب الحنفيّة وأحمد في رواية حنبل عنه إلى أ ّ‬
‫وبنات أعمامها لقول ابن مسعود رضي اللّه عنه ‪ " :‬لها مهر مثل نسائها ل وكس فيه ول‬
‫ن النسان من جنس قوم أبيه وقيمة الشّيء إنّما تعرف‬
‫ن أقارب الب ‪ ،‬ول ّ‬
‫شطط " وه ّ‬
‫بالنّظر في قيمة جنسه ‪ ،‬ول يعتبر مهر مثلها بأمّها وخالتها إذا لم تكونا من قبيلتها ‪ ،‬فإن‬
‫كانت الم من قوم أبيها بأن كانت بنت عمّه فحينئ ٍذ يعتبر بمهرها لمّا أنّها من قوم أبيها ‪.‬‬
‫وأضاف الحنفيّة ‪ :‬يعتبر في مهر المثل أن تتساوى المرأتان في السّنّ والجمال والعقل‬
‫ن مهر المثل يختلف باختلف الدّار والعصر ‪ ،‬قالوا ‪ :‬ويعتبر‬
‫والدّين والبلد والعصر ل ّ‬
‫التّساوي أيضا في البكارة لنّه يختلف بالبكارة والثيوبة ‪.‬‬
‫قال الكمال بن الهمام ‪ :‬بمجرّد تحقق القرابة المذكورة ل يثبت صحّة العتبار بالمهر حتّى‬
‫ل ودينا وبكار ًة وأدبا وكمال خلق وعدم ولد وفي‬
‫تتساويا جما ًل ومالً وبلدا وعصرا وعق ً‬
‫العلم أيضا فلو كانت من قوم أبيها لكن اختلف مكانهما أو زمانهما ل يعتبر بمهرها لنّ‬
‫البلدين تختلف عادة أهلهما في المهر في غلئه ورخصه فلو زوّجت في غير البلد الّذي‬
‫زوّج فيه أقاربها ل يعتبر بمهورهنّ ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬ل يعتبر الجمال في بيت الحسب والشّرف بل في أوساط النّاس ‪ ،‬قال ابن الهمام في‬
‫تعليقه على هذا القول ‪ :‬وهذا جيّد ‪.‬‬
‫وقالوا يعتبر حال الزّوج أيضا بأن يكون زوج هذه كأزواج أمثالها من نسائها في المال‬
‫والحسب وعدمهما ‪ ،‬فإن لم تكن واحدةً من قوم الب بهذه الصّفات فأجنبيّة موصوفة بذلك ‪،‬‬
‫وفي الخلصة ‪ :‬ينظر في قبيلة أخرى مثل قبيلة أبيها ‪.‬‬
‫وعن أبي حنيفة ل يعتبر بالجنبيات ‪ ،‬قال الكمال بن الهمام ‪ :‬ويجب حمل هذا القول على ما‬
‫إذا كان لها أقارب وإلّا امتنع القضاء بمهر المثل ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬الصل في مهر المثل اعتبار أربع صفاتٍ ‪ :‬الدّين والجمال والحسب والمال ‪،‬‬
‫ش ْرطِ التّساوي الزمنة والبلد إلّا أن تكون لهم عادة مستمرّة في تعيين المهر فيصار‬
‫ومِنْ َ‬
‫إليه ‪ ،‬وفي كتاب محمّد ‪ :‬يعتبر شبابها وجمالها في زمنها ورغبة النّاس فيها ‪ ،‬وينظر في‬
‫الزّوج فإن زوّجوه إرادة صلته ومقاربته خفّف عنه ‪ ،‬وإن كان على غير ذلك كمّل لها‬
‫صداق المثل ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬ل ينظر في تحديد مهر مثل الزّوجة إلى أختها وقرابتها إذ يزوّج الفقير لقرابته‬
‫والبعيد لغناه ‪ ،‬وإنّما ينظر لمثلها من مثله ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يراعى في مهر المثل أقرب من تنسب من نساء العصبة وأقربهنّ أخت‬
‫لبوين ثمّ لب ثمّ بنات أخ لبوين ثمّ لب ثمّ عمّات لبوين ثمّ لب ‪ ،‬فإن فقد نساء العصبة‬
‫أو لم ينكحن أو جهل مهرهنّ فيعتبر مهرها بأرحامها تقدّم القربى فالقربى كجدّات وخالتٍ ‪،‬‬
‫ويعتبر مع ما تقدّم المشاركة في الصّفات المرغّبة كسنّ وعقل ويسار وبكارة وثيوبة‬
‫ن المهور تختلف باختلف هذه الصّفات ‪.‬‬
‫ض كالعلم والشّرف ل ّ‬
‫وفصاحة وما اختلف به غر ٌ‬
‫ومتى اختصّت بفضل أو نقصٍ ليس في النّسوة المعتبرات مثله ‪ ،‬زيد أو نقص بقدر ما يليق‬
‫به ‪.‬‬
‫ويعتبر غالب عادة النّساء فلو سامحت واحدة لم يجب موافقتها إلّا أن يكون لنقص دخل في‬
‫النّسب وفترة الرّغبات ولو خفضن للعشيرة دون غيرهم أو عكسه أعتبر ذلك ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه يعتبر مهر المثل بمن يساوي الزّوجة من جميع أقاربها من جهة‬
‫ن القربى فالقربى‬
‫أبيها وأمّها كأختها وعمّتها وبنت أخيها وبنت عمّها وأمّها وخالتها وغيره ّ‬
‫ن مطلق القرابة له أثر في‬
‫لحديث ابن مسعود رضي اللّه عنه " لها مثل مهر نسائها " ؛ ول ّ‬
‫الجملة ‪.‬‬
‫ويعتبر التّساوي في المال والجمال والعقل والدب والسّنّ والبكارة أو الثيوبة والبلد‬
‫ن مهر المثل بدل متلف فاعتبرت الصّفات‬
‫وصراحة نسبها وكلّ ما يختلف لجله المهر ‪ ،‬ل ّ‬
‫المقصودة فيه ‪ ،‬فإن لم يكن في نسائها إلّا دونها زيدت بقدر فضيلتها القربى فالقربى ‪ ،‬لنّ‬
‫زيادة فضيلتها تقتضي زيادة مهرها فتقدّر الزّيادة بقدر الفضيلة ‪ ،‬وإن لم يوجد في نسائها‬
‫ن له أثرا في تنقيص المهر فوجب أن‬
‫إلّا فوقها نقصت بقدر نقصها كأرش العيب ‪ ،‬ول ّ‬
‫يترتّب بحسبه ‪.‬‬
‫وتعتبر عادة نسائها في تأجيل المهر أو بعضه وفي غيره من العادات كالتّخفيف عن‬
‫ن دون غيرهم ‪ ،‬وكذا لو كان عادتهم التّخفيف لنحو شرف الزّوج أو يساره ‪ ،‬إجراءً‬
‫عشيرته ّ‬
‫لها على عادتهنّ ‪.‬‬
‫ن في الحلول والتّأجيل أو اختلفت المهور قّلةً وكثر ًة أخذ بمهر وسط حال‬
‫فإن اختلفت عادته ّ‬
‫من نقد البلد ‪ ،‬فإن تعدّد فمن غالبه كقيم المتلفات ‪ ،‬وإن لم يكن لها أقارب من النّساء أعتبر‬
‫شبهها بنساء بلدها ‪ ،‬فإن عدمت نساء بلدها فالعتبار بأقرب النّساء شبها بها من أقرب بلد‬
‫إليها ‪.‬‬
‫شروط المخبر بمهر المثل ‪:‬‬
‫ل وامرأتين‬
‫‪ -‬صرّح الحنفيّة بأنّه يشترط أن يكون المخبر بمهر المثل رجلين أو رج ً‬ ‫‪8‬‬

‫ويشترط لفظة الشّهادة ‪ ،‬فإن لم يوجد على ذلك شهود فالقول قول الزّوج مع يمينه ‪.‬‬
‫ما يصح تسميته مهرا ‪:‬‬
‫‪ -‬الصل عند جمهور الفقهاء " المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة " أنّ كلّ ما جاز أن يكون‬ ‫‪9‬‬

‫ثمنا أو مثمّنا أو أجرةً جاز جعله صداقا ‪.‬‬


‫قال الدّردير ‪ :‬يشترط في المهر شروط الثّمن من كونه متم ّولً طاهرا منتفعا به مقدورا على‬
‫تسليمه معلوما ‪.‬‬
‫وقال الشّربيني الخطيب ‪ :‬كل ما صحّ كونه عوضا معوّضا عينا أو دينا أو منفعةً كثيرا أو‬
‫ل ‪ -‬ما لم ينته في القلّة إلى حد ل يتموّل ‪ -‬صحّ كونه صداقا ‪ ،‬وما ل فل ‪.‬‬
‫قلي ً‬
‫وقال ابن قدامة ‪ :‬كل ما جاز ثمنا في البيع أو أجرةً في الجارة من العين والدّين والحالّ‬
‫والمؤجّل والقليل والكثير ‪ ،‬ومنافع الح ّر والعبد وغيرهما جاز أن يكون صداقا ‪.‬‬
‫وصرّح الحنفيّة بأنّ المهر ما يكون مالً متقوّما عند النّاس فإذا سمّيا ما هو مال يصح‬
‫التّسمية وما ل فل ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬التّسمية ل تصح مع الجهالة الفاحشة وتصح مع الجهالة المستدركة ‪.‬‬
‫‪2‬‬ ‫وقد نشأ عن اختلف الفقهاء في مدلول المال ‪ -‬كما سبق تفصيله في مصطلح ( مال ف ‪/‬‬
‫) ‪ -‬اختلفهم في بعض ما تصح تسميته مهرا نذكرها فيما يأتي ‪:‬‬
‫جعل المنفعة مهرا ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة في المشهور والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يجوز أن تكون المنفعة صداقا‬ ‫‪10‬‬

‫ن ك ّل ما يجوز أخذ العوض عنه يصح تسميته صداقا ‪ ،‬فيصح أن‬


‫جريا على أصلهم من أ ّ‬
‫يجعل منافع داره أو دابّته أو عبده سنةً صداقا لزوجته ‪ ،‬أو يجعل صداقها خدمته لها في‬
‫زرع أو بناء دار أو خياطة ثوب ‪ ،‬أو في سفر الحجّ مثلً ‪.‬‬
‫قال ابن الحاجب ‪ :‬في كون الصّداق منافع كخدمته مدّةً معيّنةً أو تعليمه قرآنا منعه مالك‬
‫وكرهه ابن القاسم وأجازه أصبغ ‪ ،‬وإن وقع مضى على المشهور ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن تزوّج الحر امرأةً على منافعه مدّ ًة معلومةً فعلى روايتين إحداهما ‪ :‬يصح‬
‫وهو المذهب ‪ ،‬والرّواية الثّانية ‪ :‬ل يصح ‪.‬‬
‫وذكر ابن تيميّة ‪ :‬أنّ مح ّل الخلف يختص بالخدمة ‪ ،‬لما فيه من المهنة والمنافاة ‪.‬‬
‫ثمّ الّذين اتّفقوا في الجملة على جواز جعل المنافع مهرا اختلفوا فيما بينهم في عدّة مسائل‬
‫منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬جعل تعليم القرآن مهرا للمرأة ‪:‬‬
‫‪ -‬أجاز الشّافعيّة وأحمد في أحد القولين ‪ ،‬وأصبغ من المالكيّة جعل تعليم القرآن مهرا ‪.‬‬ ‫‪11‬‬

‫واشترط الشّافعيّة لجواز جعل تعليم القرآن مهرا شرطين ‪:‬‬


‫الشّرط الوّل ‪ :‬العلم بالمشروط تعليمه بأحد طريقين ‪:‬‬
‫الطّريق الوّل ‪ :‬بيان القدر الّذي يعلّمه بأن يقول كل القرآن أو السبع الوّل أو الخير ‪.‬‬
‫الطّريق الثّاني ‪ :‬التّقدير بالزّمان بأن يصدقها تعليم القرآن شهرا ويعلّمها فيه ما شاءت ‪.‬‬
‫والشّرط الثّاني ‪ :‬أن يكون المعقود على تعليمه قدرا في تعليمه كلفةً ‪.‬‬
‫وذهب مالك وأحمد في القول الثّاني وهو اختيار أبي بكر إلى أنّه ل يجوز جعل تعليم القرآن‬
‫ن تعليم القرآن ل يجوز أن يقع‬
‫أو شيء منه مهرا ‪ ،‬لنّ الفروج ل تستباح إلّا بالموال ‪ ،‬ول ّ‬
‫إلّا قربةً لفاعله فلم يصحّ أن يكون صداقا كالصّوم والصّلة ‪.‬‬
‫وكَرِه ابن القاسم ذلك في كتاب محمّد ‪ ،‬فإن وقع مضى في قول أكثر المالكيّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬نكاح المرأة على إحجاجها ‪:‬‬
‫ن الحملن مجهول‬
‫‪ -‬صرّح الحنابلة بعدم صحّة تسمية نكاح المرأة على إحجاجها مهرا ل ّ‬ ‫‪12‬‬

‫ح ‪ ،‬كما لو أصدقها شيئا ‪ ،‬فعلى هذا لها مهر المثل ‪ .‬واختلفت‬


‫ل يوقف له على حد فلم يص ّ‬
‫أقوال المالكيّة في المسألة ‪:‬‬
‫فقد روى يحيى عن ابن القاسم في نكاحها على إحجاجها أنّه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده‬
‫ويجب صداق المثل إلّا أن يكون مع الحجّة غيرها فيجوز ‪.‬‬
‫وقال ابن حبيب ‪ :‬وليس يعجبني ول رأيت أصبغ وغيره من أصحاب مالك يعجبهم ورأيتهم‬
‫يرونه جائزا ‪ ،‬لنّ ذلك يرجع إلى حجّة مثلها في النّفقة والكراء والمصلحة ‪ ،‬وقال ‪ :‬أمنعه‬
‫من الدخول حتّى يحجّها أو يعطيها مقدار ما يشبه مثلها من النّفقة والمصلحة والتّداوي في‬
‫بعد سفرها أو قربه فتكون قد قبضت صداقها فإن شاءت حجّت به وإن شاءت تركته ‪.‬‬
‫ن المنافع ليست أموالً متقوّمةً في ح ّد ذاتها ‪ ،‬إلّا أنّهم أجازوا جعل‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫المنافع مهرا في صور معيّنة نذكرها فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬منافع العيان ‪:‬‬
‫‪ -‬منافع العيان تصح تسميتها مهرا في عقد النّكاح ‪.‬‬ ‫‪13‬‬

‫قال الكاساني ‪ :‬لو تزوّجها على منافع سائر العيان من سكنى داره وخدمة عبيده وركوب‬
‫دابّته والحمل عليها وزراعة أرضها ونحو ذلك من منافع العيان مدّ ًة معلومةً صحّت‬
‫التّسمية لنّ هذه المنافع أموال ‪ ،‬والتحقت بالموال شرعا في سائر العقود لمكان الحاجة ‪،‬‬
‫والحاجة في النّكاح متحقّقة وإمكان الدّفع بالتّسليم ثابت بتسليم محالّها ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬منافع الحرّ ‪:‬‬
‫ذكر الحنفيّة عدّة صور لجعل منفعة الحرّ صداقا لزوجته منها ‪:‬‬
‫جعل الح ّر مهر زوجته خدمتها ‪:‬‬
‫‪ -‬لو تزوّج حر امرأةً على أن يخدمها سنةً فالتّسمية فاسدة ولها مهر مثلها في قول أبي‬ ‫‪14‬‬

‫حنيفة وأبي يوسف ‪.‬‬


‫وعند محمّد التّسمية صحيحة ولها قيمة خدمة سنة ‪.‬‬
‫ن المنافع‬
‫وقال الكاساني في معرض الستدلل لما ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف ‪ :‬أ ّ‬
‫ليست بأموال متقوّمة على أصل أصحابنا ولهذا لم تكن مضمونةً بالغصب والتلف وإنّما‬
‫يثبت لها حكم التّقوم في سائر العقود شرعا ضرور ًة دفعا للحاجة بها ول يمكن دفع الحاجة‬
‫ن استخدام الحرّة‬
‫ن الحاجة ل تندفع إلّا بالتّسليم ‪ ،‬وأنّه ممنوع عنه شرعا ‪ ،‬ل ّ‬
‫بها هاهنا ل ّ‬
‫زوجها الح ّر حرام لكونه استهانةً وإذللً وهذا ل يجوز ‪ ،‬ولهذا ل يجوز لبن أن يستأجر‬
‫أباه للخدمة ‪ ،‬فل تسلّم خدمته لها شرعا ‪ ،‬فل يمكن دفع الحاجة بها ‪ ،‬فلم يثبت لها التّقوم ‪،‬‬
‫فبقيت على الصل فصار كما لو سمّى ما ل قيمة له كالخمر والخنزير وهناك ل تصح‬
‫التّسمية ويجب مهر المثل كذا هاهنا ‪.‬‬
‫ودلّل علء الدّين السّمرقندي لما ذهب إليه محمّد من صحّة التّسمية ووجوب قيمة الخدمة‬
‫في هذه الصورة ‪ ،‬وقال ‪ :‬إنّ التّسمية قد صحّت لكن تعذّر التّسليم عليه ‪ ،‬لنّه ل يجوز لها‬
‫استخدامه بل عليها خدمة الزّوج فيجب قيمة الخدمة ‪ ،‬كما لو تزوّج على عبد فاستحقّ ‪،‬‬
‫تجب قيمته ل مهر المثل كهذا هذا ‪.‬‬
‫ن خدمة العبد‬
‫وإن تزوّج عبد امرأةً بإذن موله على خدمته سن ًة جاز ولها الخدمة ‪ ،‬ل ّ‬
‫خالص ملك المولى فصحّت التّسمية ‪.‬‬
‫وجاء في الفتاوى الهنديّة ‪ :‬ولو كان الزّوج عبدا فلها خدمته بالجماع ‪.‬‬
‫جعل الح ّر مهر زوجته عملً ل مهانة فيه ‪:‬‬
‫ل ل استهانة فيه ول مذلّة على الرّجل كرعي‬
‫‪ -‬قال الكاساني ‪ :‬لو كان المهر المسمّى فع ً‬ ‫‪15‬‬

‫ن ذلك من باب القيام‬


‫دوابّها وزراعة أرضها والعمال الّتي خارج البيت تصح التّسمية ‪ ،‬ل ّ‬
‫بأمر الزّوجة ل من باب الخدمة ‪.‬‬
‫ومن مشايخ الحنفيّة من جعل في رعي غنمها روايتين ‪ ،‬ومنهم من قال يصح في رعي‬
‫الغنم بالجماع ‪.‬‬
‫وجاء في الفتاوى الهنديّة ‪ :‬لو تزوّجها على أن يرعى غنمها أو يزرع أرضها ‪ ،‬في رواية‬
‫ل يجوز وفي رواية جاز ‪ ،‬والوّل رواية الصل والجامع ‪ -‬وهو الصح كما في النّهر الفائق‬
‫‪ -‬والصّواب أن يسلّم لها إجماعا ‪ ،‬استدللً بقصّة موسى وشعيب عليهما السلم ‪ ،‬وشريعة‬
‫ص اللّه تعالى أو رسوله بل إنكار ‪.‬‬
‫من قبلنا تلزمنا إذا ق ّ‬
‫جعل الح ّر مهر زوجته تعليمها القرآن ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬إذا تزوّج حر امرأ ًة على تعليم القرآن أو على تعليم الحلل والحرام من‬ ‫‪16‬‬

‫الحكام أو على الحجّ والعمرة من الطّاعات ل تصح التّسمية ‪ ،‬لنّ المسمّى ليس بمال فل‬
‫يصير شيء من ذلك مهرا ‪.‬‬
‫قال في الفتاوى الهنديّة ‪ :‬لو تزوّج امرأةً على أن يعلّمها القرآن كان لها مهر مثلها ‪.‬‬
‫الجمع بين المال والمنفعة في الصّداق ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬لو جمع بين ما هو مال وبين ما ليس بمال لكن للزّوجة فيه منفعة إن‬ ‫‪17‬‬

‫كان شيئا يباح لها النتفاع به كطلق الضّرّة والمساك في بلدها ونحو ذلك ‪ ،‬فإن وَفّى‬
‫بالمنفعة وأوصل إليها فإنّه ل يجب إلّا المسمّى إذا كان عشرة دراهم فصاعدا ‪ ،‬لنّها أسقطت‬
‫حقّها عن مهر المثل لغرض صحيح وقد حصل ‪ ،‬وإن لم يف بما َوعَدَ لها ‪ :‬إن كان ما سمّى‬
‫لها من المال مثل مهر المثل أو أكثر فل شيء لها إلّا ذلك المسمّى ‪ ،‬وإن كان ما سمّى لها‬
‫أقلّ من مهر مثلها يكمّل لها مهر مثلها ‪ ،‬لنّها لم ترض بإسقاط حقّها من كمال مهر المثل‬
‫إلّا بغرض مرغوب فيه عند النّاس وحلل شرعا ‪ ،‬فإذا لم يحصل الغرض يعود حقها إلى‬
‫المعوّض وهو المهر ‪.‬‬
‫وقال ابن القاسم من المالكيّة ‪ -‬فيما رواه عنه يحيى ‪ -‬أنّه إذا لم يكن مع المنافع صداق‬
‫يفسخ النّكاح قبل البناء ويثبت بعده ‪ ،‬ويكون لها صداق مثلها ‪ ،‬وتسقط الخدمة ‪ ،‬فإن كان‬
‫خدم رجع عليها بقيمة الخدمة ‪.‬‬
‫مقدار المهر ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أنّه ل حدّ لكثر المهر ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وَآتَيْ ُت ْم إِحْدَاهُنّ‬ ‫‪18‬‬

‫قِنطَارا } ‪.‬‬
‫وفي القنطار أقاويل منها ‪ :‬أنّه المال الكثير ‪ ،‬وهذا قول الرّبيع ‪.‬‬
‫ن عمر بن الخطّاب رضي ال عنه قام خطيبا فقال ‪ " :‬ل تُغالوا في صدقات‬
‫حكى الشّعبي أ ّ‬
‫النّساء فما بلغني أنّ أحدا ساق أكثر ممّا ساقه رسول اللّه صلى ال عليه وسلم إلّا جعلت‬
‫الفضل في بيت المال ‪ ،‬فاعترضته امرأة من نساء قريشٍ فقالت ‪ :‬يعطينا اللّه وتمنعنا ‪ ،‬كتاب‬
‫اللّه أحق أن يتّبع ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬وَآتَيْ ُتمْ ِإحْدَاهُنّ قِنطَارا فَلَ َت ْأخُذُواْ مِ ْن ُه شَيْئا } فرجع‬
‫عمر ‪ ،‬وقال ‪ :‬كل أحد يصنع بماله ما شاء " ‪.‬‬
‫‪ -‬وأمّا أقل المهر فقد اختلف الفقهاء فيه ‪:‬‬ ‫‪19‬‬

‫فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ أق ّل المهر غير مقدّر بل كل ما جاز أن يكون ثمنا أو مبيعا‬
‫أو أجرةً أو مستأجرا جاز أن يكون صداقا ق ّل أو كثر ما لم ينته في القلّة إلى حد ل يتموّل ‪.‬‬
‫وبه قال من الصّحابة عمر بن الخطّاب وعبد اللّه بن عبّاسٍ رضي ال عنهم ‪ ،‬وهو قول‬
‫ي وسعيد بن المسيّب وعطاء وعمرو بن دينار وابن أبي ليلى والثّوريّ‬
‫الحسن البصر ّ‬
‫ي واللّيث وإسحاق وأبي ثور ‪.‬‬
‫والوزاع ّ‬
‫ج ابنته على صداق درهمين وقال ‪ :‬لو أصدقها سوطا لحلّت ‪.‬‬
‫ي أنّ سعيدا زوّ َ‬
‫وحُكِ َ‬
‫وذهب الحنفيّة والمالكيّة وسعيد بن جبير والنّخعيّ وابن شبرمة إلى أنّ المهر مقدّر القلّ ‪.‬‬
‫ثمّ اختلف هذا الفريق في أدنى المقدار الّذي يصلح مهرا ‪.‬‬
‫ض ًة أو ما قيمته عشرة دراهم واستدلوا‬
‫فذهب الحنفيّة إلى أنّ أق ّل المهر عشرة دراهم ف ّ‬
‫حلّ َلكُم مّا وَرَاء ذَ ِل ُكمْ أَن تَبْ َتغُواْ بِ َأ ْموَا ِلكُم } ‪ ،‬شرط سبحانه وتعالى أن‬
‫بقوله تعالى ‪َ { :‬وأُ ِ‬
‫يكون المهر مالً ‪ ،‬ول يطلق اسم المال على الحبّة والدّانق ‪ ،‬فل يصلح مهرا ‪ ،‬وبما روي‬
‫عن جابر رضي ال عنه عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬ل مهر دون‬
‫عشرة دراهم » ‪.‬‬
‫وعن عمر وعلي وعبد اللّه بن عمر رضي ال عنهم أنّهم قالوا ‪ :‬ل يكون المهر أقلّ من‬
‫عشرة دراهم ‪ .‬قال الكاساني ‪ :‬والظّاهر أنّهم قالوا ذلك توقيفا ؛ لنّه باب ل يوصل إليه‬
‫ل بقوله تعالى ‪ { :‬قَدْ‬
‫ن المهر حق الشّرع من حيث وجوبه عم ً‬
‫بالجتهاد والقياس ‪ ،‬ول ّ‬
‫ج ِهمْ } ‪ ،‬وكان ذلك لظهار شرف المحلّ فيتقدّر بماله خطر ‪-‬‬
‫عَ ِلمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَ ْي ِهمْ فِي َأ ْزوَا ِ‬
‫وهو العشرة ‪ -‬استدللً بنصاب السّرقة ‪ ،‬لنّه يتلف به عضو محترم ‪ ،‬فلن يتلف به منافع‬
‫بضع كان أولى ‪.‬‬
‫ن أقلّ المهر عشرة ‪ ،‬فإذا سمّى أقلّ من عشرة فتصح التّسمية عند أبي حنيفة‬
‫وإذا ثبت أ ّ‬
‫وأبي يوسف ومحمّد ‪ ،‬ويكمل المهر عشرة دراهم ‪ ،‬لنّ التّقدير حق الشّرع ‪ ،‬فمتى قدّر‬
‫ق الشّرع ‪ ،‬فيجب‬
‫بأق ّل من عشرة فقد أسقطا حقّ أنفسهما ورضيا بالق ّل فل يصح في ح ّ‬
‫أدنى المقادير وهو العشرة ‪.‬‬
‫ن تسمية ما ل يصلح مهرا كانعدامه ‪ ،‬كما في تسمية الخمر‬
‫وقال زفر ‪ :‬لها مهر المثل ل ّ‬
‫والخنزير ‪.‬‬
‫ضةً خالص ًة من الغشّ ‪،‬‬
‫ن أقلّ المهر ربع دينار ذهبا شرعيّا أو ثلثة دراهم ف ّ‬
‫ويرى المالكيّة أ ّ‬
‫أو عرض مقوّم بربع دينار ‪ ،‬أو ثلثة دراهم من كلّ متموّل شرعا طاهر منتفع به معلوم ‪-‬‬
‫قدرا وصنفا وأجلً ‪ -‬مقدور على تسليمه للزّوجة ‪.‬‬
‫وقال ابن شبرمة ‪ :‬أقل المهر خمسة دراهم أو نصف دينار ‪.‬‬
‫ي ‪ :‬أقل المهر أربعون درهما ‪ ،‬وعنه ‪ :‬عشرون درهما ‪ ،‬وعنه ‪ :‬رطل‬
‫وقال إبراهيم النّخع ّ‬
‫من الذّهب ‪.‬‬
‫وقال سعيد بن جبير ‪ :‬أقله خمسون درهما ‪.‬‬
‫المغالة في المهر ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى استحباب عدم المغالة في المهور ‪ ،‬لما روت عائشة رضي ال عنها‬ ‫‪20‬‬

‫عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬مِنْ ُي ْمنِ المرأة تسهيل أمرها وقلّة صداقها» ‪،‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬خيرهنّ أيسرهنّ‬
‫ن النّب ّ‬
‫س رضي ال عنهما أ ّ‬
‫وروى ابن عبّا ٍ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬تياسروا في الصّداق ‪ ،‬إنّ الرّجل‬
‫صداقا » ‪ ،‬ورُوي أنّ النّب ّ‬
‫يعطي المرأة حتّى يبقى ذلك في نفسه عليها حسيكةً » أي عداوةً أو حقدا ‪.‬‬
‫وقال الماورديّ ‪ :‬الولى أن يعدل الزّوجان عن التّناهي في الزّيادة الّتي يقصر العمر عنها ‪،‬‬
‫وعن التّناهي في النقصان الّذي ل يكون له في النفوس موقع ‪ ،‬وخير المور أوساطها ‪،‬‬
‫وأن يقتدى برسول اللّه صلى ال عليه وسلم في مهور نسائه طلبا للبركة في موافقته صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ ،‬وهو خمسمائة درهم على ما روته السّيّدة عائشة رضي ال عنها ‪ .‬فعن‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬كم‬
‫أبي سلمة بن عبد الرّحمن أنّه قال ‪ « :‬سألت عائشة زوج النّب ّ‬
‫كان صداق رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ؟ قالت ‪ :‬كان صداقه لزواجه ثِنتي عشرة‬
‫أوق ّيةً ونشّا ‪ .‬قالت ‪ :‬أتدري ما النّشّ ؟ قال ‪ :‬قلت ‪ :‬ل ‪ ،‬قالت ‪ :‬نصف أوقيّة ‪ ،‬فتلك‬
‫خمسمائة درهم ‪ ،‬فهذا صداق رسول اللّه صلى ال عليه وسلم لزواجه » ‪.‬‬
‫الزّيادة في المهر والحط منه ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّ الزّيادة في المهر بعد العقد تلحق به ‪،‬‬ ‫‪21‬‬

‫ضةِ } ‪.‬‬
‫علَ ْيكُمْ فِيمَا َترَاضَيْتُم ِبهِ مِن َبعْدِ ا ْلفَرِي َ‬
‫واستدلوا بقوله تعالى ‪َ { :‬و َل جُنَاحَ َ‬
‫ن ما بعد العقد زمن لفرض المهر فكان‬
‫فإنّه يتناول ما تراضيا على إلحاقه وإسقاطه ‪ ،‬ول ّ‬
‫حالة الزّيادة كحالة العقد ‪.‬‬
‫جاء في الفتاوى الهنديّة ‪ :‬الزّيادة في المهر صحيحة حال قيام النّكاح عند علمائنا الثّلثة "‬
‫أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمّد " ‪ ،‬فإذا زادها في المهر بعد العقد لزمته ‪ ،‬هذا إذا قبلت‬
‫المرأة الزّيادة ‪ ،‬سواء كانت من جنس المهر أو ل ‪ ،‬من زوج أو من ولي ‪.‬‬
‫والزّيادة إنّما تتأكّد بأحد معان ثلثة ‪ :‬إمّا بالدخول وإمّا بالخلوة وإمّا بموت أحد الزّوجين ‪،‬‬
‫فإن وقعت الفرقة بينهما من غير هذه المعاني الثّلثة بطلت الزّيادة وتنصّف الصل ول‬
‫تنتصف الزّيادة ‪ ،‬وعن أبي يوسف أنّه تنتصف الزّيادة ‪.‬‬
‫وقال زفر ‪ :‬إن زاد لها في المهر بعد العقد ل تلزمه الزّيادة ‪ ،‬لنّه لو صحّ بعد العقد لزم‬
‫كون الشّيء بدل ملكه ‪.‬‬
‫ح الحط عند الحنفيّة ولو بشرط كما لو تزوّجها‬
‫وإن حطّت الزّوجة عن زوجها مهرها ص ّ‬
‫ن المهر بقاء حقّها والحط يلقيه حالة‬
‫بمائة دينار على أن تحطّ عنه خمسين منها فقبلت ل ّ‬
‫البقاء ‪ ،‬ويصح الحط ولو بعد الموت أو البينونة ‪.‬‬
‫وصرّح الحنفيّة بأنّ حطّ وليّ الزّوجة غير صحيح ‪ ،‬فإن كانت الزّوجة صغيرةً فالحط باطل ‪،‬‬
‫وإن كانت كبير ًة توقّف على إجازتها ‪.‬‬
‫ن الحطّ‬
‫ثمّ يشترط في صحّة الحطّ أن يكون المهر دراهم أو دنانير ‪ ،‬فلو كان عينا ل يصح ل ّ‬
‫ل يصح في العيان ‪ ،‬ومعنى عدم صحّته أنّ لها أن تأخذه ما دام قائما ‪ ،‬فلو هلك في يده‬
‫ن المهر صار مضمونا بالقيمة في ذمّته فيصح السقاط ‪.‬‬
‫سقط المهر عنه ل ّ‬
‫كما يشترط لصحّة حطّها أن ل تكون مريضةً مرض الموت لنّ الحطّ في مرض الموت‬
‫وصيّة تتوقّف على الجازة ‪ ،‬إلّا أن تكون مبان ًة من الزّوج وقد انقضت عدّتها فينفذ من‬
‫الثلث ‪.‬‬
‫ول ب ّد لصحّة حطّها من الرّضا حتّى لو كانت مكره ًة لم يصحّ ‪ ،‬فلو خوّف امرأته بضرب‬
‫حتّى وهبت مهرها ل يصح إن كان قادرا على الضّرب ‪.‬‬
‫ولو اختلفا في الكراهية والطّوع ‪ -‬ول بيّنة ‪ -‬فالقول لمدّعي الكراه ‪ ،‬ولو أقاما البيّنة فبيّنة‬
‫الطّواعية أولى ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إذا وهبت الزّوجة من زوجها جميع صداقها ‪ ،‬ثمّ طلّقها قبل البناء لم يرجع‬
‫عليها بشيء ‪ ،‬وكأنّها عجّلت إليه بالصّداق ‪ ،‬ولنّها لمّا لم يستق ّر ملكها عليه على‬
‫المشهور‪ ،‬وانكشف الن أنّها إنّما تملك منه النّصف ‪ ،‬وافقت هبتها ملكها وملكه ‪ ،‬فنفذت‬
‫في ملكها دون ملكه ‪.‬‬
‫ولو وهبت منه نصف الصّداق ثمّ طلّقها فله الربع ‪ ،‬وكذلك إن وهبته أكثر من النّصف أو‬
‫أقلّ‪ ،‬فله نصف ما بقي لها بعد الهبة ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬يجوز للب أن يسقط نصف صداق ابنته البكر إذا طلقت قبل البناء ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة في الظهر إلى أنّ الزّوجة لو وهبت المهر لزوجها بلفظ الهبة بعد قبضها له‬
‫‪ -‬والمهر عين ‪ -‬ثمّ طلّق ‪ ،‬أو فارق بغير طلق ‪ -‬كردّة قبل الدخول ‪ -‬فله نصف بدل‬
‫المهر من مثل أو قيمة ‪ ،‬لنّه ملك المهر قبل الطّلق من غير جهة الطّلق ‪.‬‬
‫وفي مقابل الظهر ل شيء له لنّها عجّلت له ما يستحق بالطّلق فأشبه تعجيل الدّين قبل‬
‫الدخول ‪.‬‬
‫ولو كان الصّداق دينا فأبرأته منه لم يرجع على المذهب ‪ ،‬ولو وهبت له الدّين ‪ ،‬فالمذهب‬
‫أنّه كالبراء ‪ ،‬وقيل كهبة العين ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة على الجديد بأنّه ‪ :‬ليس للوليّ العفو عن مهر موليّته كسائر ديونها ‪،‬‬
‫والقديم له ذلك بنا ًء على أنّه الّذي بيده عقدة النّكاح ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إذا طلّق الزّوج زوجته قبل الدخول والخلوة وسائر ما يقرّر الصّداق ‪ ،‬فأي‬
‫الزّوجين عفا لصاحبه عمّا وجب له من المهر ‪ -‬والعافي جائز التّصرف ‪ -‬برئ منه‬
‫صاحبه‪ ،‬سواء كان المعفو عنه عينا أو دينا ‪ ،‬فإن كان المعفو عنه دينا سقط بلفظ الهبة‬
‫والتّمليك والسقاط والبراء والعفو والصّدقة والتّرك ‪ ،‬ول يفتقر إسقاطه إلى القبول كسائر‬
‫الديون ‪.‬‬
‫وإن كان المعفو عنه عينا في يد أحدهما فعفا الّذي هو في يده فهو هبة يصح بلفظ العفو‬
‫والهبة والتّمليك ‪ ،‬ول يصح بلفظ البراء والسقاط ‪ ،‬لنّ العيان ل تقبل ذلك أصالةً ‪،‬‬
‫ويفتقر لزوم العفو عن العين ممّن هي بيده إلى القبض فيما يشترط فيه القبض ‪ ،‬لنّ ذلك‬
‫هبة حقيقة ول تلزم إلّا بالقبض ‪ ،‬والقبض في كلّ شيء بحسبه ‪.‬‬
‫ول يملك الب العفو عن نصف مهر ابنته الصّغيرة إذا طلقت ‪ -‬ولو قبل الدخول ‪ -‬كثمن‬
‫مبيعها ‪ ،‬ول يملك الب أيضا العفو عن شيء من مهر ابنته الكبيرة إذا طلقت ولو قبل‬
‫الدخول لنّه ل ولية له عليها ‪.‬‬
‫ول يملك غير الب من الولياء كالجدّ والخ والعمّ العفو عن شيء من مهر وليّته ولو طلقت‬
‫قبل الدخول لنّه ل ولية لهم في المال ‪.‬‬
‫تعجيل المهر وتأجيله ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى الحنفيّة والشّافعيّة جواز كون كلّ المهر معجّلً أو مؤجّلً وجواز كون بعضه‬ ‫‪22‬‬

‫ل وبعضه مؤجّلً ‪.‬‬


‫معجّ ً‬
‫وصرّح الحنفيّة بأنّه إذا سمّى المهر في عقد النّكاح وأطلق فالمرجع في معرفة مقدار‬
‫المعجّل من المهر هو العرف ‪ ،‬قال ابن الهمام ‪ :‬يتناول المعجّل عرفا وشرطا ‪ ،‬فإن كان قد‬
‫شرط تعجيل كلّه فلها المتناع حتّى تستوفيه كلّه ‪ ،‬أو بعضه فبعضه ‪.‬‬
‫وإن لم يشترط تعجيل شيء بل سكتوا عن تعجيله وتأجيله ‪ :‬فإن كان عرف في تعجيل بعضه‬
‫وتأخير باقيه إلى الميسرة أو الطّلق فليس لها أن تحتبس إلّا إلى تسليم ذلك القدر ‪.‬‬
‫قال في فتاوى قاضيخان ‪ :‬إن لم يبيّنوا قدر المعجّل ينظر إلى المرأة وإلى المهر ‪ :‬أنّه كم‬
‫يكون المعجّل لمثل هذه المرأة من مثل هذا المهر ؟ فيعجّل ذلك ‪ ،‬ول يتقدّر بالربع والخمس‬
‫بل يعتبر المتعارف ‪ ،‬فإنّ الثّابت عرفا كالثّابت شرطا بخلف ما إذا شرط تعجيل الك ّل إذ ل‬
‫عبرة بالعرف إذا جاء الصّريح بخلفه ‪.‬‬
‫والحنفيّة متّفقون فيما بينهم على صحّة تأجيل المهر إلى غاية معلومة نحو شهر أو سنة ‪.‬‬
‫أما إذا كان التّأجيل ل إلى غاية معلومة فقد اختلف مشايخ الحنفيّة فيه ‪:‬‬
‫ن الغاية معلومة في نفسها وهو الطّلق أو الموت‬
‫فعلى القول الصّحيح يصح هذا التّأجيل ل ّ‬
‫‪.‬‬
‫وبناءً على هذا الختلف تختلف آراء مشايخ الحنفيّة فيما إذا فرض نصف المهر معجّلً‬
‫ونصفه مؤجّلً ولم يذكر الوقت للمؤجّل ‪ ،‬إذ قال بعضهم ‪ :‬ل يجوز الجل ويجب حالً ‪ ،‬وقال‬
‫بعضهم يجوز ويقع ذلك على وقت وقوع الفرقة بالموت أو بالطّلق ‪ ،‬وروي عن أبي‬
‫يوسف ما يؤيّد هذا القول ‪.‬‬
‫والصل عند المالكيّة استحباب كون المهر معجّلً ‪.‬‬
‫ولو شرط الجل في الصّداق فقال عبد الملك ‪ :‬كان مالك وأصحابه يكرهون أن يكون شيء‬
‫من المهر مؤخّرا ‪ ،‬وكان مالك يقول ‪ :‬إنّما الصّداق فيما مضى ناج ٌز كله ‪ ،‬فإن وقع منه‬
‫شيء مؤخّرا فل أحب أن يطول الجل في ذلك ‪.‬‬
‫ويشترط فقهاء المالكيّة لجواز تأجيل الصّداق معلوميّة الجل حيث قالوا ‪ :‬وجاز تأجيل‬
‫الصّداق كلً أو بعضا للدخول إن علم وقت الدخول عندهم كالشّتاء أو الصّيف ‪ ،‬ل إن لم‬
‫يعلم‪ ،‬فيفسخ قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل على المشهور ‪.‬‬
‫ن الدخول بيد المرأة فهو‬
‫ومقابل المشهور جواز ذلك وإن لم يكن وقت الدخول معلوما ل ّ‬
‫كالحالّ متى شاءت أخذته ‪.‬‬
‫وجاز تأجيل الصّداق إلى الميسرة إن كان الزّوج مليّا بالقوّة ‪ ،‬بأن كان له سلع يرصد بها‬
‫السواق أو له معلوم في وقف أو وظيفة ‪ ،‬ل إن كان معدما ‪ ،‬ويفسخ قبل الدخول لمزيد‬
‫الجهالة ‪.‬‬
‫وذكر ابن الموّاز عن ابن القاسم في تأخير الجل إلى السّنتين والربع ‪ ،‬وذكر عن ابن وهب‬
‫إلى السّنة ‪ ،‬ثمّ حكي عن ابن وهب أنّه قال ‪ :‬ل يفسخ النّكاح إلّا أن يزيد الجل إلى أكثر من‬
‫العشرين ‪.‬‬
‫وحكي عن ابن القاسم أنّه يفسخه إلى الربعين فما فوق ‪ ،‬ثمّ حكى أنّه يفسخه إلى الخمسين‬
‫والسّتّين ‪.‬‬
‫ن الجل الطّويل مثل ما لو تزوّجها إلى موتٍ أو فراق ‪.‬‬
‫قال فضل بن سلمة ‪ :‬لنّهم قالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫وقال عبد الملك ‪ :‬وما قصر من الجل فهو أفضل وإن بعد لم أفسخه إلّا أن يجاوز ما قاله‬
‫ابن القاسم ‪ ،‬وإن كانت الربعون في ذلك كثيرا ‪.‬‬
‫وإن كان بعض الصّداق مؤخّرا إلى غير أجل فإنّ مالكا كان يفسخه قبل البناء ويمضيه بعده‪،‬‬
‫وترد المرأة إلى صداق مثلها معجّلً كله إلّا أن يكون صداق مثلها أق ّل من المعجّل فل تنقص‬
‫منه ‪ ،‬أو أكثر من المعجّل ‪ ،‬والمؤجّل فتوفّى تمام ذلك إلّا أن يرضى النّاكح بأن يجعل المؤخّر‬
‫ل كله مع النّقد منه فيمضي النّكاح ‪ ،‬فل يفسخ ل قبل البناء ول بعده ‪ ،‬ول ترد المرأة‬
‫معجّ ً‬
‫ل كله ‪ ،‬ورضيت المرأة أن تسقط المؤخّر‬
‫إلى صداق مثلها ‪ ،‬فإن كره النّاكح أن يجعله معجّ ً‬
‫وتقتصر على النّقد مضى النّكاح ول كلم للنّاكح ‪.‬‬
‫واستثنى ابن القاسم من هذا الحكم وجهاً واحدا وهو ‪ :‬إذا ردّت المرأة بعد البناء إلى صداق‬
‫ن ابن القاسم قال ‪ :‬كما ل ينقص إذا‬
‫مثلها فوجد صداق مثلها أكثر من المعجّل والمؤخّر فإ ّ‬
‫قلّ صداق مثلها من مقدار المعجّل ‪ ،‬كذلك ل يزاد إذا ارتفع على مقدار ‪ ،‬المعجّل والمؤخّر ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يجوز أن يكون المهر حالً ومؤجّلً ‪ ،‬وللزّوجة حبس نفسها ولو بل عذر‬
‫لتقبض المهر المعيّن والحالّ ‪ ،‬ل المؤجّل فل تحبس نفسها بسببه لرضاها بالتّأجيل ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه يصح جعل بعض المهر حالً وبعضه يحل بالموت أو الفراق ‪ ،‬ول‬
‫يصح تأجيل المهر إلى أجل مجهول كقدوم زيد ‪.‬‬
‫وإذا سمّى الصّداق في العقد وأطلق فلم يقيّد بحلول ول تأجيل صحّ ‪ ،‬ويكون الصّداق حالً‬
‫لنّ الصل عدم الجل ‪.‬‬
‫وإن فرض الصّداق مؤجّلً أو فرض بعضه مؤجّلً إلى وقتٍ معلوم أو إلى أوقاتٍ كل جزء‬
‫منه إلى وقتٍ معلوم صحّ لنّه عقد معاوضة فجاز ذلك فيه كالثّمن ‪ ،‬وهو إلى أجله ‪ ،‬سواء‬
‫فارقها أو أبقاها كسائر الحقوق المؤجّلة ‪.‬‬
‫وإن أجّل الصّداق أو أجّل بعضه ولم يذكر محلّ الجل صحّ نصا ومحله الفرقة البائنة فل‬
‫يحل مهر الرّجعيّة إلّا بانقضاء عدّتها ‪.‬‬
‫قبض المهر ‪:‬‬
‫ن للب والجدّ والقاضي قبض مهر البكر صغير ًة كانت أو كبير ًة إلّا‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬ ‫‪23‬‬

‫ح النّهي ‪ ،‬وليس لغيرهم ذلك ‪ ،‬والوصي يملك ذلك على الصّغيرة ‪،‬‬
‫إذا نهت وهي بالغة ص ّ‬
‫والبنت البالغة حق القبض لها دون غيرها ‪.‬‬
‫ن من يتولّى قبض المهر هو الولي المجبر " الب أو وصيه أو السّيّد " أو‬
‫ويرى المالكيّة أ ّ‬
‫ولي الزّوجة السّفيهة ‪ ،‬أما إذا لم يكن للسّفيهة وليّ ول مجبر فل يقبض صداقها إلّا‬
‫الحاكم ‪ ،‬فإن شاء قبضه واشترى لها به جهازا وإن شاء عيّن لها من يقبضه ويصرفه فيما‬
‫يأمره به ممّا يجب لها ‪.‬‬
‫فإن لم يكن حاكم ‪ ،‬أو لم يمكن الرّفع إليه ‪ ،‬أو خيف على الصّداق منه حضر الزّوج والولي‬
‫والشّهود فيشترون لها بصداقها جهازا ويدخلونه في بيت البناء ‪.‬‬
‫فإن لم يكن مجبر ول ولي سفيهة من حاكم أو مقدّم عليها منه فالمرأة الرّشيدة هي الّتي‬
‫تقبض مهرها ل من يتولّى عقدها إلّا بتوكيل منها في قبضه ‪.‬‬
‫فإن قبض المهر غير المجبر وولي السّفيهة والمرأة الرّشيدة بل توكيل ممّن له القبض‬
‫فضاع ولو ببيّنة من غير تفريط كان ضامنا له لتعدّيه بقبضه ‪ ،‬واتّبعته الزّوجة أو تبعت‬
‫الزّوج لتعدّيه بدفع المهر لغير من له قبضه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّ الب إذا قبض مهر ابنته لم يخل حالها من أحد أمرين ‪ :‬إمّا أن يكون‬
‫موّلىً عليها ‪ ،‬أو رشيد ًة ‪:‬‬
‫ى عليها لصغر أو جنون ‪ ،‬أو سفهٍ جاز له قبض مهرها لستحقاقه الولية‬
‫فإن كانت موّل ً‬
‫ح ولم يبرأ الزّوج منه إلّا أن يبادر الب إلى أخذه‬
‫على مالها ‪ ،‬ولو قبضته من زوجها لم يص ّ‬
‫منها فيبرأ الزّوج حينئذٍ منه ‪.‬‬
‫وإن كانت بالغةً عاقلةً رشيدةً فعلى ضربين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أن تكون ثيّبا ل تجبر على النّكاح ‪ ،‬فليس للب قبض مهرها إلّا بإذنها ‪ ،‬فإن‬
‫قبضه بغير إذنها لم يبرأ الزّوج منه ‪ ،‬كما لو قبض لها دينا أو ثمنا ‪.‬‬
‫والضّرب الثّاني ‪ :‬أن تكون بكرا يجبرها أبوها على النّكاح فالصّحيح أنّه ل يملك قبض‬
‫مهرها إلّا بإذنها ‪ ،‬فإن قبضه بغير إذن لم يبرأ الزّوج منه ‪ ،‬وجعل له بعض الشّافعيّة قبض‬
‫مهرها لنّه يملك إجبارها على النّكاح كالصّغيرة ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّ للب والوليّ قبض مهر المحجور عليها لصغر أو سفهٍ أو جنون لنّه‬
‫يلي مالها فكان له قبضه كثمن مبيعها ‪.‬‬
‫ول يقبض الب صداق مكلّفة رشيدة ولو بكرا إلّا بإذنها لنّها المتصرّفة في مالها فاعتبر‬
‫إذنها في قبضه كثمن مبيعها ‪ ،‬فإن سلّم زوج رشيدة الصّداق للب بغير إذنها لم يبرأ الزّوج‬
‫بتسليمه له فترجع هي على الزّوج لنّه مف ّرطٌ ويرجع هو على الب بما غرمه ‪.‬‬
‫ضمان المهر ‪:‬‬
‫ي مهر الزّوجة سواء كان ولي الزّوج أو الزّوجة‪،‬‬
‫‪ -‬صرّح الحنفيّة بأنّه يصح ضمان الول ّ‬ ‫‪24‬‬

‫ي الكبير منهما فظاهر لنّه كالجنبيّ ‪ ،‬وأمّا ولي‬


‫صغيرين كانا أو كبيرين ‪ ،‬أما ضمان ول ّ‬
‫الصّغيرين فلنّه سفير ومعبّر ‪.‬‬
‫جاء في الفتاوى الهنديّة ‪ :‬زوّج ابنته الصّغيرة أو الكبيرة ‪ -‬وهي بكر أو مجنونة ‪ -‬رجلً‬
‫ح ضمانه ‪ ،‬ثمّ هي بالخيار ‪ :‬إن شاءت طالبت زوجها أو وليّها إن‬
‫وضمن عنه مهرها ص ّ‬
‫ل لذلك ‪ ،‬ويرجع الولي بعد الداء على الزّوج إن ضمن بأمره ‪.‬‬
‫كانت أه ً‬
‫ويشترط الحنفيّة لصحّة هذا الضّمان شرطين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬أن يكون الضّمان في حال صحّة الضّامن ‪ ،‬فلو كفل في مرض موته والمكفول عنه‬
‫ح الضّمان لنّه تبرع لوارثه في مرض موته ‪.‬‬
‫أو المكفول له وارثه لم يص ّ‬
‫قال في الفتاوى الهنديّة ‪ :‬إذا حصل الضّمان في مرض الموت فهو باطل ‪ ،‬لنّه قصد بهذا‬
‫الضّمان إيصال النّفع إلى الوارث ‪ ،‬والمريض محجور عن ذلك فل يصح ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬قبول المرأة أو وليّها أو فضولي في مجلس الضّمان ‪ ،‬إذ ل تصح الكفالة بنوعيها "‬
‫بالنّفس والمال " بل قبول الطّالب أو نائبه ولو فضوليّا في مجلس العقد ‪.‬‬
‫منع الزّوجة نفسها حتّى تقبض مهرها ‪:‬‬
‫ن المهر عوضٌ عن‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ للمرأة منع نفسها حتّى تقبض مهرها ‪ ،‬ل ّ‬ ‫‪25‬‬

‫بضعها ‪ ،‬كالثّمن عوضٌ عن المبيع ‪ ،‬وللبائع حق حبس المبيع لستيفاء الثّمن فكان للمرأة‬
‫حق حبس نفسها لستيفاء المهر ‪.‬‬
‫هذا إذا كان المهر حا ًل ولم يحصل وطء ول تمكين ‪.‬‬
‫‪ -‬فإن تطوّعت المرأة بتسليم نفسها قبل قبض المهر ‪ ،‬ثمّ أرادت بعد التّسليم أن تمتنع‬ ‫‪26‬‬

‫عليه لقبض المهر فقد اختلف الفقهاء في المسألة ‪:‬‬


‫فيرى أبو حنيفة وأبو عبد اللّه بن حامد من الحنابلة أنّه لو دخل الزّوج بزوجته برضاها‬
‫ن المهر مقابل بجميع ما يستوفى من‬
‫وهي مكلّفة فلها أن تمنع نفسها حتّى تأخذ المهر ‪ ،‬ل ّ‬
‫منافع البضع في جميع الوطآت الّتي توجد في هذا الملك ‪ ،‬ل بالمستوفى بالوطأة الولى‬
‫صةً ‪ ،‬لنّه ل يجوز إخلء شيء من منافع البضع عن بدل يقابله احتراما للبضع وإبانةً‬
‫خا ّ‬
‫لخطره ‪ ،‬فكانت هي بالمنع ممتنعةً عن تسليم ما يقابله بدل ‪ ،‬فكان لها ذلك بالوطء في المرّة‬
‫الولى ‪ ،‬فكان لها أن تمنعه عن الوّل حتّى تأخذ مهرها فكذا عن الثّاني والثّالث ‪.‬‬
‫جاء في الفتاوى الهنديّة ‪ :‬في ك ّل موضع دخل بها أو صحّت الخلوة وتأكّد كل المهر لو‬
‫أرادت أن تمنع نفسها لستيفاء المعجّل كان لها ذلك عند أبي حنيفة خلفا للصّاحبين ‪.‬‬
‫ن المرأة ليس لها منع نفسها‬
‫وذهب المالكيّة في المعتمد والحنابلة وأبو يوسف ومحمّد إلى أ ّ‬
‫ن التّسليم استق ّر به‬
‫لقبض المهر الحالّ بعد أن سلّمت نفسها ومكّنته من الوطء قبل قبضه ل ّ‬
‫العوض برضا المسلم ‪ ،‬فلم يكن لها أن تمتنع منه بعد ذلك ‪ ،‬كما لو سلّم البائع المبيع ‪.‬‬
‫وهذا هو مذهب الشّافعيّة وابن عرفة من المالكيّة إذا كان الزّوج وطئها بعد التّسليم ‪ ،‬أمّا إذا‬
‫لم يجر وطء فلها العود إلى المتناع ويكون الحكم كما قبل التّمكين ‪.‬‬
‫‪ -‬أمّا إذا كان المهر مؤجّلً إلى أجل معلوم فيرى جمهور الفقهاء أنّ عليها تسليم نفسها‬ ‫‪27‬‬

‫وليس لها المتناع لقبض المهر ولو حلّ الجل قبل الدخول ‪ ،‬لنّها قد رضيت بتأخير حقّها‬
‫وتعجيل حقّه ‪ ،‬فصار كالبيع بالثّمن المؤجّل يجب على البائع تسليم المبيع قبل قبض الثّمن ‪.‬‬
‫ن حقّ الستمتاع بها بمقابلة تسليم‬
‫وقال أبو يوسف ‪ :‬لها أن تمنع نفسها بالمؤجّل ‪ ،‬ل ّ‬
‫المهر‪ ،‬فمتى طلب الزّوج تأجيل المهر فقد رضي بتأخير حقّه في الستمتاع ‪.‬‬
‫‪ -‬ولو كان بعض المهر حا ًل وبعضه مؤجّلً معلوما ‪ ،‬فيرى الحنفيّة بالتّفاق أنّه ليس لها‬ ‫‪28‬‬

‫أن تمنع نفسها ‪ ،‬أمّا عند أبي حنيفة ومحمّد فلنّ الزّوج ما رضي بإسقاط حقّه ‪ ،‬وأمّا عند‬
‫أبي يوسف فلنّه لمّا عجّل البعض لم يرض بتأخير حقّه في الستمتاع ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن نكح بنقد وآجل ‪ ،‬فإن دفع النّقد كان له البناء ‪ ،‬وإن لم يجد تلوّم له‬
‫المام وضرب له أجلً بعد أجل ‪ ،‬فإن لم يقدر فرّق بينهما ‪.‬‬
‫ل فيصح إذا كان قدر الحالّ‬
‫وصرّح الشّافعيّة بأنّه إذا كان بعض صداقها حا ًل وبعضه مؤجّ ً‬
‫منه معلوما وأجل المؤجّل معلوما ‪ ،‬ولها أن تمتنع من تسليم نفسها لقبض الحالّ ‪ ،‬وليس‬
‫لها أن تمتنع من تسليم نفسها لقبض المؤجّل ‪ ،‬فيكون حكم الحالّ منه كحكمه لو كان جميعه‬
‫حالً ‪ ،‬وحكم المؤجّل منه كحكمه لو كان جميعه مؤجّلً ‪ ،‬فلو تراخى التّسليم حتّى حلّ‬
‫المؤجّل كان لها منع نفسها على قبض المعجّل دون ما ح ّل من المؤجّل ‪.‬‬
‫وبهذا يقول الحنابلة ‪ ،‬فقد قال ابن قدامة ‪ :‬وإن كان بعضه حالً وبعضه مؤجّلً فلها منع‬
‫نفسها قبل قبض العاجل دون الجل ‪.‬‬
‫ما يتأكّد به المهر ‪:‬‬
‫ن عقد النّكاح عقد‬
‫‪ -‬الصل أنّ الزّوجة تملك الصّداق بمجرّد العقد حالً كان أو مؤجّلً ل ّ‬ ‫‪29‬‬

‫يملك الزّوج به العوض ‪ ،‬فتملك الزّوجة به المعوّض كاملً كالبيع ‪ ،‬ولكن هذا الملك عرضة‬
‫للسقوط كلً أو بعضا ما دام لم يوجد ما يؤكّد المهر ويقرّره ‪.‬‬
‫وقد اتّفق الفقهاء على اعتبار بعض المور مؤكّدةً للمهر ‪ ،‬واختلفوا في بعضها الخر ‪،‬‬
‫وفيما يلي مؤكّدات المهر مع بيان موقف المذاهب المختلفة منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الوطء " الدخول " ‪:‬‬
‫ن المهر يتأكّد بوطء الزّوج زوجته ‪ ،‬وإن كان الوطء حراما‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪30‬‬

‫لوقوعه في الحيض أو الحرام ‪ ،‬لنّ وطء الشّبهة يوجب المهر ابتداءً فذا أولى بالتّقرير‬
‫ويستقر بوطأة واحدة ‪.‬‬
‫ن المعتبر وقوع الوطء من ابن عشر فأكثر ‪ ،‬إذ من كان‬
‫وقال الرحيباني ‪ :‬ويتّجه احتمال أ ّ‬
‫سنه دونها فوجود الوطء منه كعدمه ‪ ،‬وكذا ل ب ّد من حصول الوطء في بنت تسع فأكثر‬
‫لنّها قبل ذلك لم تتأهّل لوطء الرّجل عادةً ول هي محل للشّهوة غالبا ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ( ر ‪ :‬وطء ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الموت ‪:‬‬
‫ن أحد الزّوجين إذا مات حتف أنفه قبل الدخول في نكاح فيه‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪31‬‬

‫ن المهر كان واجبا‬


‫تسمية مهر أنّه يتأكّد المسمّى ‪ ،‬سواء كانت المرأة حرّ ًة أو أمةً ‪ ،‬ل ّ‬
‫بالعقد‪ ،‬والعقد لم ينفسخ بالموت ‪ ،‬بل انتهى نهايته ‪ ،‬لنّه عقد للعمر ‪ ،‬فتنتهي نهايته عند‬
‫انتهاء العمر ‪ ،‬وإذا انتهى يتأكّد فيما مضى ويتقرّر بمنزلة الصّوم يتقرّر بمجيء اللّيل فيتقرّر‬
‫ن كلّ المهر لمّا وجب بنفس العقد فصار دينا عليه ‪ -‬والموت لم يعرف مسقطا‬
‫الواجب ‪ ،‬ول ّ‬
‫للدّين في أصول الشّرع ‪ -‬فل يسقط شيء منه بالموت كسائر الديون ‪.‬‬
‫وإذا تأكّد المهر لم يسقط منه شيء ‪.‬‬
‫‪ -‬وكذلك المهر يتأكّد عند الحنفيّة والحنابلة إذا قتل أحد الزّوجين ‪ ،‬سواء كان قتله‬ ‫‪32‬‬

‫ن النّكاح قد بلغ غايته فقام ذلك مقام‬


‫أجنبيّ أو قتل أحدهما صاحبه أو قتل الزّوج نفسه ‪ ،‬ل ّ‬
‫استيفاء المنفعة ‪.‬‬
‫وإذا قتلت المرأة نفسها فإن كانت حرّ ًة ل يسقط عن الزّوج شيء من المهر ‪ ،‬بل يتأكّد الكل‬
‫عند الحنفيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ن الموت بحكم الشّرع كالموت المتيقّن في تأكيد المهر ‪ ،‬وذلك كالمفقود‬
‫وصرّح المالكيّة بأ ّ‬
‫ي مدّة التّعمير يحكم الحكّام بموته ‪.‬‬
‫في بلد المسلمين فإنّه بعد مض ّ‬
‫ويتأكّد المهر عندهم في حالة ما إذا قتلت الزّوجة نفسها كرها في زوجها ‪ ،‬أو قتل السّيّد‬
‫أمته المتزوّجة ‪ ،‬فل يسقط الصّداق عن زوجها ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬يبقى النّظر في قتل المرأة زوجها‬
‫هل تعامل بنقيض مقصودها ول يتكمّل صداقها أو يتكمّل ؟ ‪.‬‬
‫واستظهر العدوي في حاشيته أنّه ل يتكمّل لها لتّهامها ‪ ،‬لئلّا يكون ذريعةً لقتل النّساء‬
‫ن‪.‬‬
‫أزواجه ّ‬
‫واستثنى الشّافعيّة من أصل استقرار المهر بموت أحد الزّوجين مسائل ‪.‬‬
‫قال النّووي في معرض تفصيله للمسألة ‪ :‬هلك المنكوحة بعد الدخول ل يسقط شيئا من‬
‫المهر ‪ ،‬حرّ ًة كانت أو أمةً ‪ ،‬سواء هلكت بموت أو قتل ‪.‬‬
‫فأمّا إذا هلكت قبل الدخول فإن قتل السّيّد أمته المزوّجة ‪ ،‬فالنّص في " المختصر " ‪ :‬أن ل‬
‫ص في " المّ " في الحرّة إذا قتلت نفسها ‪ :‬ل يسقط شيء من المهر ‪.‬‬
‫مهر ‪ ،‬ون ّ‬
‫ثمّ الحرّة إذا ماتت أو قتلها الزّوج أو أجنبيّ لم يسقط مهرها قطعا ‪ ،‬وكذا لو قتلت نفسها‬
‫على المذهب ‪.‬‬
‫وللتّفصيل ( ر ‪ :‬موت ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الخلوة ‪:‬‬
‫ن الخلوة الصّحيحة من المعاني الّتي يتأكّد بها المهر ‪،‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أ ّ‬ ‫‪33‬‬

‫حتّى لو خل رجل بامرأته خلو ًة صحيحةً ثمّ طلّقها قبل الدخول بها في نكاح فيه تسمية يجب‬
‫عليه كمال المسمّى ‪ ،‬وإن لم يكن في النّكاح تسمية يجب عليه كمال مهر المثل ‪.‬‬
‫وأمّا المالكيّة فالخلوة بمجرّدها ل تقرّر المهر عندهم إلّا أن يطول المقام فيتقرّر الكمال على‬
‫أحد القولين عندهم ‪ ،‬لنّ الجهاز قد تغيّر واللّذّة قد حصلت ودامت ‪.‬‬
‫ثمّ اختلف قائلو هذا القول في ضبط مدّة الطول فقيل ‪ :‬سنة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬ما يعد طولً في العادة‪.‬‬
‫س ‪ :‬ثمّ حيث قلنا إنّ الخلوة بمجرّدها ل تقرّر ‪ ،‬فإنّها تؤثّر في جعل القول قولها‬
‫قال ابن شا ٍ‬
‫في بعض الصور إذا تنازعا في الوطء لجل التّقرير ‪ ،‬كما إذا خل بها خلوة البناء ‪،‬‬
‫ن القول قولها ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إن كانت بكرا نظر إليها النّساء ‪ ،‬وتثبت خلوة البناء "‬
‫فالمذهب أ ّ‬
‫خلوة الهتداء " ولو بامرأتين أو باتّفاق الزّوجين عليها ‪.‬‬
‫وأمّا في خلوة الزّيارة فالقول قول الزّائر منهما جريا على مقتضى العادة ‪.‬‬
‫قال الدّردير ‪ :‬وإن زار أحدهما الخر وتنازعا في الوطء صدّق الزّائر منهما بيمين ‪ ،‬فإن‬
‫زارته صدّقت أنّه وطئها ول عبرة بإنكاره ‪ ،‬وإن زارها صدّق في نفيه ول عبرة بدعواها‬
‫ن له جرأةً عليها في بيته دون بيتها ‪ ،‬فليس المراد أنّ الزّائر يصدّق مطلقا في‬
‫الوطء ‪ ،‬ل ّ‬
‫النّفي والثبات ‪ ،‬فإن كان معا زائرين صدّق في نفيه ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة على الجديد أنّ الخلوة ل تقرّر المهر ول تؤثّر فيه ‪ ،‬وعلى هذا لو اتّفقا على‬
‫الخلوة وادّعت الصابة لم يترجّح جانبها ‪ ،‬بل القول قوله بيمينه ‪.‬‬
‫‪14‬‬ ‫وللتّفصيل في شروط الخلوة الّتي يترتّب عليها أثرها في تقرير المهر ( ر ‪ :‬خلوة ف ‪/‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬
‫د ‪ -‬مقدّمات الجماع ‪:‬‬
‫ن القبلة والمباشرة والتّجرد والوطء دون الفرج ل يوجب‬
‫‪ -‬صرّح المالكيّة والشّافعيّة بأ ّ‬ ‫‪34‬‬

‫عليه الصّداق ول يستقر به المهر ‪.‬‬


‫وزاد الشّافعيّة ول باستدخال مني ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن استمتع بامرأته بمباشرة فيما دون الفرج من غير خلوة كالقبلة ونحوها‬
‫فالمنصوص عن أحمد أنّه يكمّل به الصّداق فإنّه قال ‪ :‬إذا أخذها فمسّها وقبض عليها من‬
‫ل إذا نال منها شيئا ل يحل لغيره ‪ ،‬وقال في رواية مهنّا ‪.‬‬
‫غير أن يخلو بها لها الصّداق كام ً‬
‫إذا تزوّج امرأةً ونظر إليها وهي عريانة تغتسل أوجب عليه المهر ‪ ،‬ورواه عن إبراهيم ‪:‬‬
‫إذا اطّلع منها على ما يحرم على غيره فعليه المهر ‪ ،‬لنّه نوع استمتاع فهو كالقبلة ‪.‬‬
‫قال القاضي ‪ :‬يحتمل أنّ هذا ينبني على ثبوت تحريم المصاهرة بذلك ‪ ،‬وفيه روايتان ‪،‬‬
‫فيكون في تكميل الصّداق به وجهان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬يكمّل به الصّداق لما روي عن محمّد بن عبد الرّحمن بن ثوبان قال ‪ :‬قال رسول‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من كشف خمار امرأة ونظر إليها فقد وجب الصّداق دخل بها‬
‫أو لم يدخل بها » ‪ ،‬ولنّه مسيسٌ فيدخل في قوله تعالى ‪ { :‬مِن قَ ْبلِ أَن َت َمسّوهُنّ } ‪ ،‬ولنّه‬
‫استمتاع بامرأته فكمّل به الصّداق كالوطء ‪.‬‬
‫ن قوله تعالى ‪َ { :‬ت َمسّوهُنّ }‬
‫والوجه الخر ‪ :‬ل يكمّل به الصّداق وهو قول أكثر الفقهاء ل ّ‬
‫إنّما أريد به في الظّاهر الجماع ‪ ،‬ومقتضى قوله ‪َ { :‬وإِن طَّلقْ ُتمُوهُنّ مِن قَ ْبلِ أَن َت َمسّو ُهنّ }‬
‫أن ل يكمّل الصّداق لغير من وطئها ‪ ،‬ول تجب عليها العدّة ‪ ،‬ترك عمومه فيمن خل بها‬
‫للجماع الوارد عن الصّحابة ‪ ،‬فيبقى فيما عداه على مقتضى العموم ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬إزالة البكارة بغير آلة الجماع ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح الحنفيّة بأنّه لو أزال الزّوج بكارة زوجته بحجر ونحوه فإنّ لها كمال المهر‬ ‫‪35‬‬

‫ي نصف صداق‬
‫بخلف ما لو أزالها بدفعة فإنّه يجب نصف المسمّى على الزّوج وعلى الجنب ّ‬
‫مثلها ‪.‬‬
‫واستظهر ابن عابدين دخول صورة إزالة البكارة بغير آلة الجماع في الخلوة باعتبار أنّ‬
‫العادة جرت على أنّ إزالة البكارة بحجر ونحوه كإصبع إنّما تكون في الخلوة فلذا أوجب كلّ‬
‫ن المراد حصولها في غير خلوة ‪.‬‬
‫المهر بخلف إزالتها بدفعة فإ ّ‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬من دفع امرأةً فسقطت عذرتها فعليه ما نقصها بذلك من صداقها عند‬
‫الزواج ‪ ،‬وعليه الدب ‪ ،‬وكذا لو أزالها بإصبعه والدب هنا أشد ‪ ،‬وسواء فعل ذلك رجل أو‬
‫غلم أو امرأة ‪.‬‬
‫هذا في غير الزّوج ‪ ،‬وأمّا الزّوج فحكمه في الدّفعة مثل غيره عليه ما نقصها عند غيره‬
‫وإن فارقها ولم يمسكها ‪.‬‬
‫وإن فعل بها ذلك بإصبعه فاختلف ‪ :‬هل يجب عليه بذلك الصّداق أو ل يجب عليه بذلك‬
‫الصّداق ‪ ،‬وإنّما يجب عليه ما شانها عند غيره من الزواج إن طلّقها ولم يمسكها ؟ قولن ‪،‬‬
‫وقال في التّوضيح ‪ :‬إن أصابها بإصبعه وطلّقها فإن كانت ثيّبا فل شيء لها ‪ ،‬وإن كانت‬
‫بكرا وافتضّها به فقيل ‪ :‬يلزمه كل المهر ‪ ،‬وقيل ‪ :‬يلزمه ما شانها مع نصفه ‪ ،‬وقيل ‪ :‬إن‬
‫رئي أنّها ل تتزوّج بعد ذلك إلّا بمهر ثيّب فكالوّل وإلّا فكالثّاني ‪ .‬ومال أصبغ إلى الثّاني‬
‫واستحسنه اللّخمي ‪ ،‬قال في النّوادر ‪ :‬ول أدب عليه ‪ .‬ولو فعل ذلك غير زوجها فعليه الدب‬
‫وما شانها ‪ ،‬وقال في التّوضيح ‪ :‬وإذا كان الزّوج غير بالغٍ فل يتكمّل بوطئه الصّداق ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة أنّ المهر ل يستقر بإزالة البكارة بغير آلة الجماع ‪.‬‬
‫و ‪ -‬وجوب العدّة على الزّوجة من النّكاح ‪:‬‬
‫‪ -‬اعتبر بعض الحنفيّة وجوب العدّة عليها منه مؤكّدا من مؤكّدات المهر ‪ ،‬حيث قالوا ‪:‬‬ ‫‪36‬‬

‫لو طلّق الزّوج زوجته طلقا بائنا بعد الدخول ثمّ تزوّجها في العدّة وجب كمال المهر الثّاني‬
‫ن وجوب العدّة عليها فوق الخلوة ‪.‬‬
‫بدون الخلوة والدخول ل ّ‬
‫وجوب نصف المهر المسمّى ‪:‬‬
‫ن من طلّق زوجته قبل الدخول بها وقد سمّى لها مهرا يجب عليه‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪37‬‬

‫نصف المهر المسمّى لقوله تعالى ‪َ { :‬وإِن طَّلقْ ُتمُوهُنّ مِن قَ ْبلِ أَن َت َمسّو ُهنّ وَقَدْ َفرَضْ ُتمْ َلهُنّ‬
‫ف مَا فَرَضْ ُتمْ } ‪ ،‬وهو نص صريح في الباب فيجب العمل به ‪.‬‬
‫ضةً فَنِصْ ُ‬
‫فَرِي َ‬
‫وللفقهاء بعد هذا التّفاق تفصيل في أحكام تنصيف المهر ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬مواضع تنصف المهر ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬ما يسقط به نصف المهر نوعان ‪:‬‬ ‫‪38‬‬

‫نوع يسقط به نصف المهر صور ًة ومعنىً ‪ ،‬ونوع يسقط به نصف المهر معنىً والكل‬
‫صورة‪.‬‬
‫أمّا النّوع الوّل ‪ :‬فهو الطّلق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية المهر ‪ ،‬والمهر دين لم‬
‫يقبض بعد ‪.‬‬
‫ى والكل صورة فهو كل طلق تجب‬
‫وأمّا النّوع الثّاني ‪ :‬وهو ما يسقط به نصف المهر معن ً‬
‫فيه المتعة ‪.‬‬
‫وتجب المتعة عند الحنفيّة في الطّلق قبل الدخول في نكاح ل تسمية فيه ول فرض بعده ‪،‬‬
‫أو كانت التّسمية فيه فاسدةً ‪ ،‬وكذا في الفرقة باليلء واللّعان والجبّ والعنّة ‪ ،‬فكل فرقة‬
‫جاءت من قبل الزّوج قبل الدخول في نكاح ل تسمية فيه توجب المتعة ‪ ،‬لنّها توجب نصف‬
‫ض عنه كردّة الزّوج وإبائه السلم ‪.‬‬
‫المسمّى في نكاح فيه تسمية ‪ ،‬والمتعة عو ٌ‬
‫وصرّح المالكيّة بأنّ اختيار الزّوج ليقاع الطّلق قبل المسيس يوجب تشطير المهر الثّابت‬
‫بتسمية مقرونة بالعقد صحيحة ‪ ،‬أو بفرض صحيح بعد العقد في المفوّضة ‪ ،‬ويستوي فيه‬
‫عدد الموقع من الطّلق ‪ ،‬وأمّا إذا أرادت الزّوجة ر ّد زوجها بعيب به قبل البناء فطلّق عليه‬
‫لمتناعه منه ‪ ،‬أو فسخ الزّوج النّكاح لعيب بها قبل البناء فإنّه ل شيء لها على الزّوج ‪.‬‬
‫س ‪ :‬وإنّما يسقط جميع المهر قبل المسيس بالفسخ أو باختياره ردّها لعيبها ‪،‬‬
‫قال ابن شا ٍ‬
‫وفي اختيارها لردّه بعيبه خلف لنّه غار ‪ ،‬ول صداق لها فيما سوى ذلك ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬يتشطّر الصّداق بالطّلق والخلع قبل الدخول ‪ ،‬وفيما إذا طلّقت نفسها‬
‫بتفويضه إليها ‪ ،‬أو علّق طلقها بدخول الدّار فدخلت ‪ ،‬أو طلّقها بعد مدّة اليلء بطلبها ‪،‬‬
‫وبكلّ فرقة تحصل ل بسبب من المرأة ‪ ،‬بأن أسلم ‪ ،‬أو ارت ّد ‪ ،‬أو أرضعت أم الزّوجة الزّوج‬
‫وهو صغير ‪ ،‬أو أم الزّوج أو ابنته الزّوجة الصّغيرة ‪ ،‬أو وطئها أبوه أو ابنه بشبهة وهي‬
‫تظنه زوجها ‪ ،‬أو قذفها ولعن ‪.‬‬
‫فأمّا إذا كان الفراق منها أو بسبب منها بأن أسلمت ‪ ،‬أو ارتدّت أو فسخت النّكاح بعتق أو‬
‫عيب ‪ ،‬أو أرضعت زوجةً أخرى له صغير ًة ‪ ،‬أو فسخ النّكاح بعيبها فيسقط جميع المهر ‪،‬‬
‫وشراؤها زوجها يسقط الجميع على الصحّ ‪ ،‬وشراؤه زوجته يشطّر على الصحّ ‪.‬‬
‫ويرى الحنابلة أنّ المهر يتنصّف بشراء الزّوجة زوجها ‪ ،‬وفرقة من قبله كطلقه وخلعه ‪-‬‬
‫ولو بسؤالها ‪ -‬وإسلمه ما عدا مختارات من أسلم ‪ ،‬وردّته وشرائه إيّاها ولو من مستحقّ‬
‫مهر أو من قبل أجنبي ‪ -‬كرضاع ونحوه ‪ -‬قبل دخول ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬كيفيّة تنصف المهر ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬إنّ الطّلق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية قد يسقط به عن الزّوج‬ ‫‪39‬‬

‫نصف المهر ‪ ،‬وقد يعود به إليه النّصف ‪ ،‬وقد يكون له به مثل النّصف صورةً ومعنىً ‪ ،‬أو‬
‫معنىً ل صور ًة ‪.‬‬
‫وبيان هذه الجملة ‪ :‬أنّ المهر المسمّى إمّا أن يكون دينا ‪ ،‬وإمّا أن يكون عينا ‪ ،‬وكل ذلك ل‬
‫يخلو إمّا أن يكون مقبوضا ‪ ،‬وإمّا أن يكون غير مقبوض ‪.‬‬
‫فإن كان دينا فلم يقبضه حتّى طلّقها قبل الدخول بها سقط نصف المسمّى بالطّلق وبقي‬
‫النّصف ‪ ،‬وهذا طريق عامّة مشايخ الحنفيّة ‪.‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬إنّ الطّلق قبل الدخول يسقط جميع المسمّى وإنّما يجب نصف آخر ابتداءً‬
‫على طريقة المتعة ل بالعقد ‪ ،‬إلّا أنّ هذه المتعة مقدّرة بنصف المسمّى ‪ ،‬والمتعة في الطّلق‬
‫قبل الدخول في نكاح ل تسمية فيه غير مقدّرة بنصف مهر المثل ‪.‬‬
‫وإلى هذا الطّريق ذهب الكرخي والرّازي ‪ ،‬وكذا روي عن إبراهيم النّخعيّ أنّه قال في الّذي‬
‫طلّق قبل الدخول وقد سمّى لها ‪ :‬أنّ لها نصف المهر وذلك متعتها ‪.‬‬
‫وهذا إذا كان المهر دينا فقبضته أو لم تقبضه حتّى ورد الطّلق قبل الدخول ‪.‬‬
‫فأمّا إذا كان المهر عينا بأن كان معيّنا مشارا إليه ممّا يحتمل التّعيين كالعبد والجارية وسائر‬
‫العيان فل يخلو ‪ :‬إمّا إن كان بحاله لم يزد ولم ينقص ‪ ،‬وإمّا أن زاد أو نقص ‪.‬‬
‫فإن كان بحاله لم يزد ولم ينقص ‪ :‬فإن كان غير مقبوض فطلّقها قبل الدخول بها عاد الملك‬
‫في النّصف إليه بنفس الطّلق ول يحتاج للعود إليه إلى الفسخ والتّسليم منها ‪ ،‬حتّى لو كان‬
‫المهر أمةً فأعتقها الزّوج قبل الفسخ والتّسليم ينفذ إعتاقه في نصفها بل خلف ‪.‬‬
‫وإن كان مقبوضا ل يعود الملك في النّصف إليه بنفس الطّلق ول ينفسخ ملكها في النّصف‬
‫حتّى يفسخه الحاكم أو تسلّمه المرأة ‪.‬‬
‫هذا إذا كان المهر لم يزد ولم ينقص ‪.‬‬
‫فأمّا إذا زاد فالزّيادة ل تخلو ‪ :‬إمّا أن كانت في المهر أو على المهر ‪ :‬فإن كانت على المهر‬
‫بأن سمّى الزّوج لها ألفا ثمّ زادها بعد العقد مائةً ثمّ طلّقها قبل الدخول بها ‪ ،‬فلها نصف‬
‫اللف وبطلت الزّيادة في ظاهر الرّواية ‪.‬‬
‫وروي عن أبي يوسف أنّ لها نصف اللف ونصف الزّيادة أيضا ‪.‬‬
‫وإن كانت الزّيادة في المهر فالمهر ل يخلو ‪ :‬إمّا أن يكون في يد الزّوج وإمّا أن يكون في‬
‫يد المرأة ‪.‬‬
‫فإن كان في يد الزّوج فالزّيادة ل تخلو أمّا إن كانت متّصل ًة بالصل ‪ ،‬وإمّا إن كانت منفصلةً‬
‫عنه ‪.‬‬
‫والمتّصلة ل تخلو من أن تكون متولّد ًة من الصل كالسّمن والكبر والجمال والبصر والسّمع‬
‫والنطق وانجلء بياض العين وزوال الخرس والصّمم ‪ ،‬والشّجر إذا أثمر ‪ ،‬والرض إذا‬
‫زرعت ‪ ،‬أو غير متولّدة منه كالثّوب إذا صبغ ‪ ،‬والرض إذا بني فيها بناء ‪ ،‬وكذا المنفصلة‬
‫ل تخلو ‪ :‬أمّا إن كانت متولّدةً من الصل كالولد والوبر والصوف إذا ج ّز ‪ ،‬والشّعر إذا أزيل‪،‬‬
‫والثّمر إذا جدّ ‪ ،‬والزّرع إذا حصد ‪ ،‬أو كانت في حكم المتولّد منه كالرش والعقر ‪.‬‬
‫وأمّا إن كانت غير متولّدة منه ‪ ،‬ول في حكم المتولّد كالهبة والكسب ‪.‬‬
‫فإن كانت الزّيادة متولّد ًة من الصل أو في حكم المتولّد فهي مهر ‪ ،‬سواء كانت متّصلةً‬
‫بالصل أو منفصلةً عنه ‪ ،‬حتّى لو طلّقها قبل الدخول بها يتنصّف الصل والزّيادة جميعا‬
‫بالجماع ‪ ،‬لنّ الزّيادة تابعة للصل لكونها نماء الصل ‪ ،‬والرش بدل جزء هو مهر فليقوم‬
‫مقامه ‪ ،‬والعقر بدل ما هو في حكم الجزء فكان بمنزلة المتولّد من المهر ‪ .‬فإذا حدثت قبل‬
‫القبض ‪ -‬وللقبض شبه بالعقد ‪ -‬فكان وجودها عند القبض كوجودها عند العقد ‪ ،‬فكانت‬
‫محلً للفسخ ‪.‬‬
‫وإن كانت غير متولّدة من الصل ‪ :‬فإن كانت متّصلةً بالصل فإنّها تمنع التّنصيف ‪ ،‬وعليها‬
‫نصف قيمة الصل لنّ هذه الزّيادة ليست بمهر ‪ -‬ل مقصودا ول تبعا ‪ -‬لنّها لم تتولّد من‬
‫المهر فل تكون مهرا فل تتنصّف ‪ ،‬ول يمكن تنصيف الصل بدون تنصيف الزّيادة ‪ ،‬فامتنع‬
‫التّنصيف ‪ ،‬فيجب عليها نصف قيمة الصل يوم الزّيادة ‪ ،‬لنّها بالزّيادة صارت قابضةً للصل‬
‫فتعتبر قيمته يوم حكم بالقبض ‪.‬‬
‫وإن كانت الزّيادة منفصل ًة عن الصل فالزّيادة ليست بمهر ‪ ،‬وهي كلها للمرأة في قول أبي‬
‫حنيفة ول تتنصّف ويتنصف الصل ‪ ،‬وعند أبي يوسف ومحمّد هي مهر فتتنصّف مع‬
‫الصل‪.‬‬
‫وإن كانت الزّيادة متّصلةً غير متولّدة من الصل فإنّها تمنع التّنصيف ‪ ،‬وعليها نصف قيمة‬
‫الصل ‪.‬‬
‫وإن كانت منفصل ًة متولّدةً من الصل فإنّها تمنع التّنصيف في قول أبي حنيفة وأبي يوسف‬
‫ومحمّد ‪ ،‬وعليها رد نصف قيمة الصل ‪.‬‬
‫وقال زفر ‪ :‬ل تمنع وينتصف الصل مع الزّيادة ‪.‬‬
‫صةً والصل بينهما نصفان بإجماع‬
‫وإن كانت منفصلةً غير متولّدة من الصل فهي لها خا ّ‬
‫الحنفيّة ‪.‬‬
‫أمّا حكم النقصان ‪ :‬فحدوث النقصان في المهر ل يخلو إمّا أن يكون في يد الزّوج وإمّا أن‬
‫يكون في يد المرأة ‪.‬‬
‫فإن كان النقصان في يد الزّوج فل يخلو من خمسة أوجهٍ ‪ :‬إمّا أن يكون بفعل أجنبي ‪ ،‬وإمّا‬
‫أن يكون بآفة سماويّة ‪ ،‬وإمّا أن يكون بفعل الزّوج ‪ ،‬وإمّا أن يكون بفعل المهر ‪ ،‬وإمّا أن‬
‫يكون بفعل المرأة ‪.‬‬
‫وكل ذلك ل يخلو ‪ :‬إمّا أن يكون قبل قبض المهر أو بعده ‪ ،‬والنقصان فاحشٌ أو غير فاحشٍ‪.‬‬
‫فإن كان النقصان بفعل أجنبي وهو فاحشٌ قبل القبض ‪ :‬فالمرأة بالخيار إن شاءت أخذت‬
‫العبد النّاقص واتّبعت الجاني بالرش ‪ ،‬وإن شاءت تركت وأخذت من الزّوج قيمة العبد يوم‬
‫العقد ‪ ،‬ثمّ يرجع الزّوج على الجنبيّ بضمان النقصان وهو الرش ‪.‬‬
‫وإن كان النقصان بآفة سماويّة ‪ :‬فالمرأة بالخيار إن شاءت أخذته ناقصا ول شيء لها غير‬
‫ذلك ‪ ،‬وإن شاءت تركته وأخذت قيمته يوم العقد ‪.‬‬
‫وإن كان النقصان بفعل الزّوج ‪ ،‬ذكر في ظاهر الرّواية أنّ المرأة بالخيار إن شاءت أخذته‬
‫ناقصا وأخذت معه أرش النقصان ‪ ،‬وإن شاءت أخذت قيمته يوم العقد ‪.‬‬
‫وروي عن أبي حنيفة ‪ :‬أنّ الزّوج إذا جنى على المهر فهي بالخيار إن شاءت أخذته ناقصا‬
‫ول شيء لها غير ذلك ‪ ،‬وإن شاءت أخذت القيمة ‪.‬‬
‫وإن كان النقصان بفعل المهر ‪ ،‬بأن جنى المهر على نفسه ففيه روايتان ‪ :‬في رواية ‪ :‬حكم‬
‫هذا النقصان ما هو حكم النقصان بآفة سماويّة ‪ ،‬وفي رواية ‪ :‬حكمه حكم جناية الزّوج ‪.‬‬
‫وإن كان النقصان بفعل المرأة فقد صارت قابض ًة بالجناية فجعل كأنّ النقصان حصل في‬
‫يدها‪ ،‬كالمشتري إذا جنى على المبيع في يد البائع أنّه يصير قابضا له كذا هاهنا ‪.‬‬
‫هذا إذا كان النقصان فاحشا ‪.‬‬
‫فأمّا إذا كان النقصان يسيرا فل خيار لها كما إذا كان هذا العيب به يوم العقد ‪.‬‬
‫ثمّ إن كان هذا النقصان بآفة سماويّة أو بفعل المرأة أو بفعل المهر فل شيء لها ‪ ،‬وإن كان‬
‫بفعل الجنبيّ تتبعه بنصف النقصان وكذا إذا كان بفعل الزّوج ‪.‬‬
‫هذا إذا حدث النقصان في يد الزّوج ‪.‬‬
‫فأمّا إذا حدث في يد المرأة فهذا أيضا ل يخلو من القسام الّتي وصفناها ‪.‬‬
‫ش قبل الطّلق فالرش لها ‪ ،‬فإن طلّقها الزّوج فله نصف‬
‫وإن حدث بفعل أجنبي وهو فاح ٌ‬
‫القيمة يوم قبضت ول سبيل له على العين ‪ ،‬لنّ الرش بمنزلة الولد فيمنع التّنصيف كالولد‪.‬‬
‫وإن كانت جناية الجنبيّ عليه بعد الطّلق فللزّوجة نصف العبد وهو بالخيار في الرش إن‬
‫شاء أخذ نصفه من المرأة واعتبرت القيمة يوم القبض ‪ ،‬وإن شاء اتّبع الجاني وأخذ منه‬
‫نصفه ‪.‬‬
‫وكذلك إن حدث بفعل الزّوج فجنايته كجناية الجنبيّ ‪ ،‬لنّه جنى على ملك غيره ول يد له‬
‫فيه فصار كالجنبيّ ‪ ،‬والحكم في الجنبيّ ما وصفنا ‪.‬‬
‫وإن حدث بآفة سماويّة قبل الطّلق فالزّوج بالخيار إن شاء أخذ نصفه ناقصا ول شيء له‬
‫غير ذلك ‪ ،‬وإن شاء أخذ نصف القيمة يوم القبض ‪ ،‬لنّ حقّه معها عند الفسخ كحقّه معها‬
‫عند العقد ‪ ،‬ولو حدث نقصان في يده بآفة سماويّة كان لها الخيار بين أن تأخذه ناقصا أو‬
‫قيمته ‪ ،‬فكذا حق الزّوج معها عند الفسخ ‪ ،‬وإن كان ذلك بعد الطّلق فللزّوج أن يأخذ نصفه‬
‫ونصف الرش ‪ ،‬وإن شاء أخذ قيمته يوم قبضت ‪.‬‬
‫وكذلك إن حدث بفعل المرأة ‪ ،‬فالزّوج بالخيار ‪ :‬إن شاء أخذ نصفه ول شيء له من الرش‪،‬‬
‫وإن شاء أخذ نصف قيمته عبدا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمّد ‪.‬‬
‫وقال زفر ‪ :‬للزّوج أن يضمّنها الرش ‪.‬‬
‫ق الفسخ قد استقرّ ‪ .‬وكذلك إن حدث‬
‫نحّ‬
‫وإن كان ذلك بعد الطّلق ‪ :‬فعليها نصف الرش ل ّ‬
‫بفعل المهر ‪ ،‬فالزّوج بالخيار على الرّوايتين جميعا ‪ :‬إن شاء أخذ نصفه ناقصا وإن شاء‬
‫أخذ نصف القيمة لنّا إن جعلنا جناية المهر كالفة السّماويّة لم تكن مضمونةً ‪ ،‬وإن جعلناها‬
‫كجناية المرأة لم تكن مضمونةً أيضا ‪ ،‬فلم تكن مضمون ًة أيضا على الرّوايتين ‪.‬‬
‫هذا إذا كان النقصان فاحشا ‪.‬‬
‫ي أو بفعل الزّوج ل يتنصّف لنّ الرش يمنع‬
‫فأمّا إن كان غير فاحشٍ فإن كان بفعل الجنب ّ‬
‫التّنصيف ‪ ،‬وإن كان بآفة سماويّة أو بفعلها أو بفعل المهر أخذ النّصف ول خيار له ‪.‬‬
‫‪ -‬وقال المالكيّة ‪ :‬يتشطّر المهر في نكاح التّسمية أو التّفويض إذا فرض مهر المثل أو‬ ‫‪40‬‬

‫ما رضيت به قبل الدخول ‪.‬‬


‫س ‪ :‬معنى التّشطير أن يرجع الملك في شطر الصّداق إلى الزّوج بمجرّد الطّلق‬
‫وقال ابن شا ٍ‬
‫أو يبقى عليه ‪.‬‬
‫ثمّ في معنى الصّداق في التّشطير كل ما نحله الزّوج للمرأة أو لبيها أو لوصيّها الّذي يتولّى‬
‫العقد ‪ ،‬في العقد أو قبله لجله ‪ ،‬إذ هو للزّوجة إن شاءت أخذته ممّن جعل له ‪.‬‬
‫وقال ابن جزي ‪ :‬ما حدث في الصّداق من زيادة ونقصان قبل البناء فالزّيادة لهما والنقصان‬
‫عليهما وهما شريكان في ذلك فإن تلف في يد أحدهما فما ل يغاب عليه فخسارته منهما ‪،‬‬
‫وما يغاب عليه خسارته ممّن هو في يده إن لم تقم بيّنة بهلكه ‪ ،‬فإن قامت به بيّنة ‪،‬‬
‫فاختلف ‪ :‬هل يضمنه من كان تحت يده أم ل ؟‬
‫‪ -‬وأمّا كيفيّة التّشطر عند الشّافعيّة ففيها أوجه ‪:‬‬ ‫‪41‬‬

‫الصّحيح ‪ :‬أنّه يعود إليه نصف الصّداق بنفس الفراق ‪.‬‬


‫ن الفراق يثبت له خيار الرجوع في النّصف ‪ ،‬فإن شاء يملكه وإلّا فيتركه‬
‫والثّاني ‪ :‬أ ّ‬
‫كالشّفعة ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬ل يرجع إليه إلّا بقضاء القاضي ‪.‬‬
‫ولو طلّق ثمّ قال ‪ :‬أسقطت خياري ‪.‬‬
‫وقلنا ‪ :‬الطّلق يثبت الخيار ‪ ،‬فقد أشار الغزالي إلى احتمالين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬يسقط كخيار البيع ‪ ،‬وأرجحهما ‪ :‬ل ‪ ،‬كما لو أسقط الواهب خيار الرجوع ‪.‬‬
‫ولم يجر هذا التّردد فيما لو طلّق على أن يسلم لها كلّ الصّداق ‪ ،‬ويجوز أن يسوّى بين‬
‫الصورتين ‪.‬‬
‫ولو زاد المهر بعد الطّلق فللزّوج كل الزّيادة إذا عاد إليه كل الصّداق ‪ ،‬أو نصفها إذا عاد‬
‫إليه النّصف لحدوثها في ملكه ‪ ،‬سواء أكانت الزّيادة متّصل ًة أم منفصلةً ‪.‬‬
‫فإن نقص المهر بعد الفراق ولو بل عدوان وكان بعد قبضه فللزّوج كل الرش أو نصفه ‪.‬‬
‫فإن ادّعت حدوث النّقص قبل الطّلق صدّقت بيمينها ‪ ،‬وإن فارق ل بسببها ‪ -‬كأن طلّق‬
‫ي أو قيمة في المتقوّم ‪ ،‬لنّه لو كان‬
‫والمهر تالف ‪ -‬فللزّوج نصف بدله من مثل في المثل ّ‬
‫باقيا لخذ نصفه ‪ ،‬فإذا فات رجع بنصف بدله كما في الرّ ّد بالعيب ‪.‬‬
‫وإن تعيّب المهر في يد الزّوجة قبل الفراق ‪ ،‬فإن قنع الزّوج بالنّصف معيّبا فل أرش له ‪،‬‬
‫كما لو تعيّب المبيع في يد البائع ‪ ،‬وأمّا إذا لم يقنع الزّوج به فإن كان متقوّما فله نصف‬
‫قيمته سليما ‪ ،‬وإن كان مثليّا فله مثل نصفه ‪ ،‬لنّه ل يلزمه الرّضا بالمعيب فله العدول إلى‬
‫بدله ‪.‬‬
‫وإن تعيّب المهر بآفة سماويّة قبل قبضها له وقنعت به فللزّوج نصفه ناقصا بل أرشٍ ول‬
‫خيار ‪.‬‬
‫وإن صار المهر ذا عيب بجناية من أجنبي يضمن جنايته ‪ ،‬وأخذت الزّوجة أرشها أو عفت‬
‫عن أخذه فالصح أنّ للزّوج نصف الرش مع نصف العين لنّه بدل الفائت ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬ل شيء له من الرش كالزّيادة المنفصلة ‪.‬‬
‫وصرّح الشّافعيّة بأنّ الزّيادة المنفصلة الّتي حدثت بعد الصداق كثمرة وأجرة تسلّم للمرأة ‪،‬‬
‫سواء أحدثت في يده أم يدها لنّها حدثت في ملكها ‪ ،‬والطّلق إنّما يقطع ملكها من حين‬
‫وجوده ل من أصله ‪ ،‬ويختص الرجوع بنصف الصل ‪.‬‬
‫وأمّا الزّيادة المتّصلة كالسّمن وتعلم صنعة فل يستقل الزّوج بالرجوع إلى عين النّصف بل‬
‫يخيّر الزّوجة فإن أبت رجع إلى نصف القيمة بغير تلك الزّيادة ‪.‬‬
‫وإن سمحت أجبر الزّوج على القبول ولم يكن له طلب القيمة ‪.‬‬
‫وإذا تغيّر الصّداق بالزّيادة والنّقص معا إمّا بسبب واحد ‪ :‬بأن أصدقها شجر ًة فكبرت فقلّ‬
‫ثمرها وزاد حطبها ‪ ،‬وإمّا بسببين ‪ :‬بأن أصدقها عبدا فتعلّم القرآن واعورّ فيثبت لكلّ منهما‬
‫الخيار ‪ ،‬وللزّوج أن ل يقبل العين لنقصها ويعدّل إلى نصف القيمة ‪ ،‬وللزّوجة أن ل تبذلها‬
‫لزيادتها وتدفع نصف القيمة ‪.‬‬
‫فإن اتّفقا على ردّ العين جاز ول شيء لحدهما على الخر ‪.‬‬
‫وليس العتبار بزيادة القيمة ‪ ،‬بل كل ما حدث وفيه فائدة مقصودة فهو زيادة من ذلك‬
‫الوجه‪ ،‬وإن نقصت القيمة ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬وإذا أثبتنا الخيار للمرأة بسبب زيادة الصّداق أو للزّوج بنقصه أو لهما بهما لم‬
‫يملك الزّوج النّصف قبل أن يختار من له الخيار الرجوع إن كان الخيار لحدهما ‪ ،‬وقبل أن‬
‫يتوافقا إن كان الخيار لهما وإن قلنا الطّلق يشطّر الصّداق نفسه ‪.‬‬
‫وهذا الختيار ليس على الفور لكن إذا طلبه الزّوج كلّفت الزّوجة اختيار أحدهما ‪ ،‬ول يعيّن‬
‫ن التّعيين يناقض تفويض المر إليها بل يطالبها بحقّه‬
‫الزّوج في طلبه عينا ول قيمةً ‪ ،‬ل ّ‬
‫عندها ‪ ،‬فإن امتنعت من الختيار لم تحبس ونزعت منها العين ‪ ،‬فإن أصرّت بيع منها بقدر‬
‫الواجب ‪ ،‬فإن تعذّر ‪ :‬بيع الجميع وتعطى الزّائد ‪ ،‬وإن استوى نصف العين ونصف القيمة‬
‫أعطي نصف العين ‪.‬‬
‫ومتى استحقّ الرجوع في العين استقلّ به ‪.‬‬
‫ومتى وجب الرجوع بقيمة المهر في المتقوّم لهلك الصّداق أو غيره أعتبر القل من قيمة‬
‫المهر يومي الصداق والقبض ‪.‬‬
‫‪ -‬وذهب الحنابلة إلى أنّ من أقبض الصّداق الّذي تزوّج عليه ثمّ طلّق زوجته قبل‬ ‫‪42‬‬

‫الدخول بها ملك نصف الصّداق قهرا ‪ ،‬كالميراث إن بقي في ملكها بصفته حين العقد بأن لم‬
‫يزد ولم ينقص ‪ ،‬ولو كان الباقي بصفته النّصف من الصّداق مشاعا أو معيّنا من متنصّف ‪.‬‬
‫ويمنع ذلك بيع ‪ -‬ولو مع خيارها ‪ -‬وهبة أقبضت ‪ ،‬وعتق ‪ ،‬ورهن ‪ ،‬وكتابة ‪ ،‬ل إجارة‬
‫وتدبير ‪ ،‬وتزويجٌ ‪.‬‬
‫فإن كان المهر قد زاد زياد ًة منفصلةً رجع الزّوج في نصف الصل والزّيادة لها ‪ ،‬ولو كانت‬
‫ولد أمة ‪.‬‬
‫وإن كانت الزّيادة متّصلةً ‪ -‬وهي غير محجور عليها ‪ -‬خيّرت بين دفع نصفه زائدا وبين‬
‫دفع نصف قيمته يوم العقد ‪ -‬إن كان متميّزا ‪ ،‬وغير المتميّز له قيمة نصفه يوم الفرقة على‬
‫أدنى صفة من العقد إلى القبض ‪.‬‬
‫والمحجور عليها ل تعطيه ‪ -‬أي عن طريق وليّها ‪ -‬إلّا نصف القيمة ‪.‬‬
‫وإن نقص المهر بغير جناية عليه خيّر الزّوج ‪ -‬جائز التّصرف ‪ -‬بين أخذه ناقصا ول شيء‬
‫له غيره وبين أخذ نصف قيمته يوم العقد إن كان متميّزا ‪ ،‬وغير المتميّز يوم الفرقة على‬
‫أدنى صفة من العقد إلى القبض ‪.‬‬
‫وإن اختاره ناقصا بجناية فله معه نصف أرشها ‪ ،‬وإن زاد من وجهٍ ونقص من آخر فلكلّ‬
‫ض صحيح وإن لم تزد قيمته ‪.‬‬
‫الخيار ‪ ،‬ويثبت بما فيه غر ٌ‬
‫وإن تلف المهر أو أستحقّ بدين رجع في المثليّ بنصف مثله ‪ ،‬وفي غيره بنصف قيمة‬
‫المتميّز يوم العقد ‪ ،‬وفي غير المتميّز يوم الفرقة على أدنى صفة من العقد إلى القبض ‪.‬‬
‫ولو كان المهر ثوبا فصبغته ‪ ،‬أو أرضا فبنتها ‪ ،‬فبذل الزّوج قيمة الزّائد ليملكه فل ذلك ‪.‬‬
‫وإن نقص المهر في يدها بعد تنصفه ضمنت نقصه مطلقا ‪.‬‬
‫وما قبض من مسمّى بذمّة كمعيّن إلّا أنّه يعتبر في تقويمه صفته يوم قبضه ‪.‬‬
‫وجوب مهر المثل ‪:‬‬
‫هناك حالت اتّفق الفقهاء على وجوب مهر المثل في بعضها واختلفوا في البعض الخر ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ -‬التّفويض ‪:‬‬
‫‪ -‬التّفويض ضربان ‪:‬‬ ‫‪43‬‬

‫أ ‪ -‬تفويض بضع ‪:‬‬


‫وهو الّذي ينصرف الطلق إليه ‪ ،‬والمراد به ‪ :‬إخلء النّكاح عن المهر بأن يزوّج الب بنته‬
‫المجبرة بل مهر ‪.‬‬
‫أو يزوّج الب غير المجبرة بإذنها بل مهر ‪.‬‬
‫أو يزوّج غير الب كأخ موليّته بإذنها بل مهر ‪ ،‬سواء سكت عن الصّداق أو شرط نفيه ‪،‬‬
‫فيصح العقد ‪ ،‬ويجب به مهر المثل عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫وقد د ّل على هذا قول اللّه تعالى ‪ّ { :‬ل جُنَاحَ عَلَ ْيكُ ْم إِن طَّلقْ ُتمُ ال ّنسَاء مَا َلمْ َت َمسّو ُهنّ َأوْ‬
‫ضةً } رفع سبحانه الجناح عمّن طلّق في نكاح ل تسمية فيه ‪ ،‬والطّلق ل‬
‫َتفْرِضُواْ َلهُنّ فَرِي َ‬
‫يكون إلّا بعد النّكاح ‪ ،‬فد ّل على جواز النّكاح بل تسمية ‪.‬‬
‫ن ابن مسعود سئل عن رجل تزوّج امرأةً ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها حتّى‬
‫وروي أ ّ‬
‫مات فقال ابن مسعود ‪ :‬لها صداق نسائها ل وكس ول شطط وعليها العدّة ولها الميراث ‪،‬‬
‫فقام معقل بن سنان الشجعي فقال ‪ « :‬قضى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم في بروع بنت‬
‫ن القصد من النّكاح الوصلة والستمتاع دون‬
‫واشق امرأة منّا مثل ما قضيت به » ‪ ،‬ول ّ‬
‫ح من غير ذكره كالنّفقة ‪ ،‬وسواء تركا ذكر المهر أو شرطا نفيه ‪.‬‬
‫الصّداق ‪ ،‬فص ّ‬
‫ب ‪ -‬تفويض المهر ‪:‬‬
‫والمراد به جعل المهر إلى رأي أحد الزّوجين أو غيرهما كأن تقول لوليّها ‪ :‬زوّجني على أنّ‬
‫المهر ما شئت أو ما شئت أنا ‪ ،‬أو ما شاء الخاطب ‪ ،‬أو فلن ‪.‬‬
‫وللفقهاء فيما تستحقه المرأة من الصّداق في نكاح تفويض المهر خلف وتفصيل ‪ ،‬ينظر في‬
‫( تفويضٌ ف ‪ 5 /‬وما بعدها ‪ ،‬ومفوّضة ) ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬فساد تسمية المهر ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه إذا فسدت تسمية المهر ‪ -‬كما لو تزوّجها على ميتة‬ ‫‪44‬‬

‫أو دم أو خمر أو خنزير ‪ -‬يجب مهر المثل ‪ .‬وهو مذهب الحنابلة ‪ ،‬فقد قال الرحيباني ‪ :‬كل‬
‫موضع ل تصح فيه التّسمية ‪ ،‬أو خل العقد عن ذكر المهر يجب للمرأة مهر المثل بالعقد ‪،‬‬
‫لنّ المرأة ل تسلّم إلّا ببدل ‪ ،‬ولم يسلّم البدل ‪ ،‬وتعذّر رد العوض فوجب بدله كبيعه سلعةً‬
‫بخمر ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن أصدقها ما ل يجوز ففيه روايتان ‪:‬‬
‫إحداهما ‪ :‬أنّه يفسخ قبل الدخول وبعده ‪.‬‬
‫والثّانية ‪ - :‬وهي المشهورة ‪ -‬أنّه إذا عقد بذلك فسخ النّكاح قبل الدخول ‪ ،‬ويثبت بعده‬
‫بصداق المثل ‪.‬‬
‫وهل فسخه على الستحباب أو الوجوب ؟ ‪ .‬قولن ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬فساد النّكاح ‪:‬‬
‫‪ -‬صرّح الحنفيّة والشّافعيّة بأنّه ل تصح التّسمية في النّكاح الفاسد حتّى ل يلزم المسمّى‬ ‫‪45‬‬

‫‪ ،‬لنّ ذلك ليس بنكاح ‪ ،‬إلّا أنّه إذا وجد الدخول يجب مهر المثل لكن بالوطء ل بالعقد ‪.‬‬
‫ن المعتبر في إيجاب مهر المثل هو يوم الوطء ول يعتبر يوم العقد إذ ل‬
‫وأضاف الشّافعيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫حرمة للعقد الفاسد ‪.‬‬
‫ن ما فسخ من النكحة بعد البناء ول يكون فساده إلّا لعقده ‪ ،‬أو لعقده‬
‫ويرى المالكيّة أ ّ‬
‫وصداقه معا ‪ ،‬فيجب المهر المسمّى للمرأة إن كان حل ًل ‪ ،‬أمّا إذا لم يكن في العقد مهر‬
‫مس ّمىً كصريح الشّغار ‪ ،‬أو كان حراما كخمر فيجب مهر المثل ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬يسقط كل من المسمّى ومهر المثل بالفسخ قبل الدخول ولو كان العقد مختلفا فيه ‪،‬‬
‫وكذا بالموت إن فسد النّكاح لصداقه مطلقا أو فسد لعقده واتّفق عليه كنكاح المتعة ‪ ،‬أو‬
‫ل في الصّداق كالمخلّل ‪ ،‬فإن لم يؤثّر فيه كنكاح المحرم ففيه الصّداق إلّا‬
‫اختلف فيه وأثّر خل ً‬
‫نكاح الدّرهمين فنصفهما واجب عليه بالفسخ قبل الدخول ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬يجب مهر المثل بوطء ولو من مجنون في نكاح باطل إجماعا كنكاح خامسة‬
‫أو معتدّة ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬الوطء بشبهة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الفقهاء إلى وجوب مهر المثل للموطوءة بشبهة كمن وطئ امرأةً ليست زوجةً‬ ‫‪46‬‬

‫ول مملوكةً يظنها زوجته أو مملوكته ‪.‬‬


‫وأضاف الشّافعيّة والحنابلة أنّه إذا وطئ مرارا بشبهة واحدة أو في نكاح فاسد لم يجب إلّا‬
‫مهر واحد ‪ ،‬ولو وطئ بشبهة فزالت تلك الشّبهة ث ّم وطئ بشبهة أخرى وجب مهران ‪.‬‬
‫خامسا ‪ -‬الكراه على الزّنا ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى وجوب مهر المثل عند إكراه امرأة على الزّنا وقيّد‬ ‫‪47‬‬

‫الحنابلة وجوب مهر المثل بما إذا كان الوطء في القبل ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬يتعدّد المهر بتعدد الكراه على الزّنا بمكرهة كلّ مرّة ‪ ،‬لنّه إتلف فيتعدّد بتعدد‬
‫سببه ‪ ،‬ولو اتّحد الكراه وتعدّد الوطء فالواجب مهر واحد ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ -‬في المشهور عندهم ‪ : -‬المكره على الوطء يحد ‪ ،‬وعليه فإذا أكرهت امرأة‬
‫رجلً على الزّنا بها فل صداق لها ‪ ،‬وإن أكرهه غيرها غرّم لها الصّداق ورجع به على‬
‫مكرهه ‪.‬‬
‫ووجوب مهر المثل بالزّنا هو مقتضى مذهب الصّاحبين القائل بعدم وجوب الحدّ على المكره‬
‫بالزّنا إذ ل يخلو الوطء بغير ملك اليمين عن مهر أو حد ‪.‬‬
‫ويقول أبو حنيفة وزفر ‪ :‬أنّ من أكره على الزّنا بامرأة بما يخاف التّلف فزنى فعليه الحد ‪،‬‬
‫وبناءً على هذا القول ل يتصوّر وجوب المهر أصلً ‪.‬‬
‫سقوط المهر ‪:‬‬
‫يسقط المهر بأسباب ‪ ،‬منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الفرقة بغير الطّلق قبل الدخول ‪:‬‬
‫ن كلّ فرقة حصلت بغير طلق قبل الدخول وقبل الخلوة تسقط‬
‫‪ -‬يرى جمهور الفقهاء أ ّ‬ ‫‪48‬‬

‫جميع المهر ‪ ،‬سواء كانت من قبل المرأة أو من قبل الزّوج ‪.‬‬


‫وإنّما كان كذلك لنّ الفرقة بغير طلق تكون فسخا للعقد ‪ ،‬وفسخ العقد قبل الدخول يوجب‬
‫ن فسخ العقد رفعه من الصل وجعله كأن لم يكن ‪.‬‬
‫سقوط كلّ المهر ‪ ،‬ل ّ‬
‫ومن أمثلة هذا النّوع من الفرقة عند الحنفيّة خيار البلوغ ‪ ،‬وخيار العتق ‪ ،‬واختيار المرأة‬
‫نفسها لعيب والعنّة والخصاء والخنوثة ‪.‬‬
‫ومثّل الحنابلة لهذه الفرقة باللّعان قبل الدخول ‪ ،‬وفسخ الزّوج النّكاح لعيب الزّوجة قبل‬
‫الدخول وعكسه ككون الزّوج عنّينا أو أشلّ ونحوه قبل الدخول ‪.‬‬
‫والشّافعيّة يتّفقون مع جمهور الفقهاء في أصل سقوط المهر عند حصول الفرقة من جهة‬
‫الزّوجة قبل الدخول بها ‪ ،‬أو عند حصول الفرقة بسببها ‪ ،‬إلّا أنّهم يختلفون مع الجمهور في‬
‫تطبيقات هذا الصل إذ يذكرون من أمثلة النّوع الوّل ‪ :‬إسلم الزّوجة بنفسها أو بالتّبعيّة ‪،‬‬
‫وفسخها بعيبه ‪ ،‬أو بعتقها تحت رقيق ‪ ،‬أو ردّتها ‪ ،‬أو إرضاعها زوجة زوجها الصّغيرة ‪.‬‬
‫ومن ضمن أمثلة النّوع الثّاني من الفرقة ‪ :‬فسخ الزّوج النّكاح بعيبها ‪.‬‬
‫أمّا الفرقة الّتي ل تكون منها ول بسببها كالطّلق وإسلم الزّوج وردّته ولعانه وإرضاعه أمّ‬
‫الزّوج لها ‪ ،‬أو إرضاع أمّ الزّوجة له وهو صغير فإنّها تنصّف المهر ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬البراء ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّ البراء عن كلّ المهر قبل الدخول وبعده إذا كان المهر‬ ‫‪49‬‬

‫ن البراء إسقاط والسقاط ممّن هو من أهل السقاط في محل قابل‬


‫دينا فإنّه يسقطه كلّه ‪ ،‬ل ّ‬
‫للسقوط يوجب السقوط ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة إن طلّق زوجٌ زوجته قبل الدخول بها فأي الزّوجين عفا لصاحبه عمّا وجب له‬
‫بالطّلق من نصف المهر عينا كان أو دينا ‪ - ،‬والعافي جائز التّصرف ‪ -‬برئ منه صاحبه ‪،‬‬
‫وإن كان المعفو عنه عينا بيد أحدهما فلمن بيده العين أن يعفو بلفظ العفو والهبة والتّمليك ‪،‬‬
‫ول يصح بلفظ البراء والسقاط لنّ العيان ل تقبل ذلك أصالةً ‪ ،‬وإن عفا غير الّذي هو في‬
‫يده ‪ -‬زوجا كان العافي أو زوجةً ‪ -‬صحّ العفو بهذه اللفاظ كلّها ‪.‬‬
‫وإذا أبرأته من صداقها ثمّ طلّقها قبل الدخول رجع الزّوج على زوجته بنصف الصّداق ‪.‬‬
‫وإن أبرأته من نصف الصّداق ثمّ طلّقها الزّوج قبل الدخول رجع في النّصف الباقي ‪.‬‬
‫وما‬ ‫‪12‬‬ ‫وللتّفصيل في شروط البراء وألفاظه والفرق بينه وبين الهبة ( ر ‪ :‬إبراء ف ‪/‬‬
‫بعدها ‪ ،‬هبة ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الهبة ‪:‬‬
‫‪ -‬عدّ الحنفيّة هبة كلّ المهر قبل القبض من أسباب سقوط المهر كلّه ‪.‬‬ ‫‪50‬‬

‫ن المهر ل يخلو ‪ :‬إمّا أن يكون عينا وإمّا أن يكون دينا ‪ ،‬والحال ل يخلو ‪ :‬إمّا‬
‫وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫أن يكون قبل القبض وإمّا أن يكون بعد القبض ‪ ،‬وهبت ك ّل المهر أو بعضه ‪.‬‬
‫فإن وهبته كلّ المهر قبل القبض ثمّ طلّقها قبل الدخول فل شيء له عليها ‪ ،‬سواء كان المهر‬
‫عينا أو دينا ‪.‬‬
‫وإن وهبت بعد القبض ‪ :‬فإن كان الموهوب عينا فقبضه ‪ ،‬ثمّ وهبه منها لم يرجع عليها‬
‫بشيء ‪ ،‬لنّ الّذي تستحقه بالطّلق قبل الدخول هو نصف الموهوب بعينه وقد رجع إليه‬
‫بعقد ‪ ،‬ل يوجب الضّمان ‪ ،‬فلم يكن له الرجوع عليها ‪ ،‬وإن كان دينا في ال ّذمّة فإن كان‬
‫حيوانا أو عرضا فكذلك ل يرجع عليها بشيء ‪ ،‬وإن كان دراهم أو دنانير معيّنةً أو غير‬
‫معيّنة ‪ ،‬أو مكيلً أو موزونا سوى الدّراهم والدّنانير فقبضته ثمّ وهبته منه ثمّ طلّقها يرجع‬
‫عليها بنصف مثله ‪.‬‬
‫وكذلك إذا كان المهر دينا فقبضت الكلّ ثمّ وهبت البعض فللزّوج أن يرجع عليها بنصف‬
‫المقبوض ‪ ،‬لنّ له أن يرجع عليها إذا وهبت الكلّ فإذا وهبت البعض أولى ‪.‬‬
‫وإذا قبضت النّصف ‪ ،‬ثمّ وهبت النّصف الباقي ‪ ،‬أو وهبت الكلّ ‪ ،‬ثمّ طلّقها قبل الدخول بها‬
‫قال أبو حنيفة ‪ :‬ل يرجع الزّوج عليها بشيء ‪ ،‬وقال أبو يوسف ومحمّد ‪ :‬يرجع عليها بربع‬
‫المهر ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إذا وهبت الزّوجة من زوجها جميع صداقها ثمّ طلّقها قبل البناء لم يرجع‬
‫عليها بشيء وكأنّها عجّلت إليه بالصّداق ‪.‬‬
‫ولو وهبت منه نصف الصّداق ‪ ،‬ثمّ طلّقها فله الربع ‪ ،‬وكذلك إن وهبته أكثر من النّصف أو‬
‫أقلّ فله نصف ما بقي لها بعد الهبة ‪.‬‬
‫ولو وهبته لجنبيّ فقبضه مضى له ويرجع الزّوج على الزّوجة بالنّصف ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا وهبت المرأة لزوجها صداقها ثمّ طلّقها قبل الدخول طلقا يملك به نصف‬
‫الصّداق لم يخل الصّداق الموهوب من أحد أمرين ‪ :‬إمّا أن يكون عينا ‪ ،‬أو دينا ‪.‬‬
‫فإن كان عينا ‪ ،‬فسواء وهبته قبل قبضه أو بعد قبضه هل له الرجوع عليها بنصف بدله ؟‬
‫فيه قولن ‪:‬‬
‫ي في القديم ‪ ،‬وأحد قوليه في الجديد واختاره المزني أنّه ل يرجع‬
‫أحدهما ‪ :‬وهو قول الشّافع ّ‬
‫عليها بشيء ‪.‬‬
‫والقول الثّاني ‪ :‬وهو قوله في الجديد ‪ ،‬أنّه يرجع عليها بنصفه وهو الظهر ‪.‬‬
‫وإن كان الصّداق دينا لها على زوجها فأبرأته منه ‪ ،‬ثمّ طلّقها قبل الدخول لم يرجع عليها‬
‫بشيء على المذهب ‪ ،‬لنّها لم تأخذ منه مالً ولم تتحصّل منه على شيء ‪.‬‬
‫والطّريق الثّاني طرد قولي الهبة ‪ ،‬ولو قبضت الدّين ثمّ وهبته له فالمذهب أنّه كهبة العين ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إذا أصدق امرأته عينا فوهبتها له ثمّ طلّقها قبل الدخول بها فعن أحمد فيه‬
‫روايتان ‪:‬‬
‫إحداهما ‪ :‬يرجع عليها بنصف قيمتها وهو اختيار أبي بكر ‪ ،‬لنّها عادت إلى الزّوج بعقد‬
‫ي ثمّ‬
‫مستأنف فل تمنع استحقاقها بالطّلق ‪ ،‬كما لو عادت إليه بالبيع أو وهبتها لجنب ّ‬
‫وهبتها له ‪.‬‬
‫ن الصّداق عاد‬
‫والرّواية الثّانية ‪ :‬ل يرجع عليها إلّا أن تزيد العين أو تنقص ثمّ تهبها له ‪ ،‬ل ّ‬
‫إليه ولو لم تهبه لم يرجع بشيء وعقد الهبة ل يقتضي ضمانا ولنّ نصف الصّداق تعجّل له‬
‫بالهبة ‪.‬‬
‫فإن كان الصّداق دينا فأبرأته منه فإن قلنا ل يرجع ثمّ فهاهنا أولى ‪ ،‬وإن قلنا يرجع ثمّ خرج‬
‫هاهنا وجهان ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬ل يرجع لنّ البراء إسقاط حق وليس بتمليك كتمليك العيان ولهذا ل يفتقر إلى‬
‫قبول ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬يرجع لنّه عاد إليه بغير الطّلق فهو كالعين والبراء بمنزلة الهبة ولهذا يصح‬
‫بلفظها وإن قبضت الدّين منه ثمّ وهبته له ثمّ طلّقها فهو كهبة العين لنّه تعيّن بقبضه ‪،‬‬
‫ويحتمل أن ل يرجع لنّه عاد إليه ما أصدقها فأشبه ما لو كان عينا فقبضتها ثمّ وهبتها أو‬
‫وهبته العين أو أبرأته من الدّين ث ّم فسخت النّكاح بفعل من جهتها كإسلمها أو ردّتها أو‬
‫إرضاعها لمن ينفسخ نكاحها برضاعه ففي الرجوع بجميع الصّداق عليها روايتان كما في‬
‫الرجوع بالنّصف سواء ‪.‬‬
‫اقتران المهر بشرط ‪:‬‬
‫‪ -‬قد يقترن المهر بشرط ومن ذلك ‪:‬‬ ‫‪51‬‬

‫أ ‪ -‬أن يسمّي الزّوج لزوجته في العقد مهرا أقلّ من مهر مثلها ويشرط فيه منفعةً مباحةً‬
‫شرعا للزّوجة ‪ ،‬أو لحد محارمها ‪ -‬كأن يكون مهر مثلها خمسمائة دينار ‪ ،‬وسمّى لها‬
‫ثلثمائة دينار على شرط ألّا يسافر بها ‪ ،‬أو ألّا يتزوّج عليها ‪ -‬فإن تحقّق الشّرط وجب‬
‫المسمّى ‪ ،‬وإن لم يتحقّق الشّرط وجب لها مهر مثلها ‪ ،‬لنّ الزّوجة ما رضيت بما دون مهر‬
‫مثلها إلّا لتحقيق المنفعة المشروطة لها ‪.‬‬
‫وإن كان الشّرط مضرّ ًة لها ‪ ،‬كأن يتزوّج عليها ‪ ،‬أو منفعةً غير مباحة شرعا ‪ ،‬كأن يسقيها‬
‫خمرا ‪ ،‬أو كانت المنفعة لجنبيّ عنها ‪ ،‬وجب المهر المسمّى ‪ ،‬لنّ المنفعة إذا كانت غير‬
‫مباحة ل يجوز الوفاء بها ‪ ،‬ول يستحق بفواتها العوض ‪ ،‬وإذا كانت المنفعة لجنبيّ عنها‬
‫تكون غير مقصودة لحد العاقدين ‪ ،‬فيجب المهر المسمّى في العقد ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أن يسمّي الزّوج لزوجته مهرا أكثر من مهر مثلها ويشترط عليها شرطا مرغوبا فيه‬
‫كأن يكون مهر مثلها خمسمائة دينار ‪ ،‬وسمّى لها مهرا ألف دينار ‪ ،‬بشرط أن تكون بكرا ‪،‬‬
‫فإن تحقّق الشّرط وجب المسمّى ‪ ،‬وإن لم يتحقّق وجب مهر المثل ‪ ،‬لنّه ما رضي بالزّيادة‬
‫عن مهر المثل إلّا لهذا الوصف المرغوب فيه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أن يسمّي الزّوج لزوجته مهرا على شرط ‪ ،‬ويسمّي لها مهرا آخر على شرط ‪ ،‬آخر‬
‫كأن يتزوّجها على ألف دينار إن كانت متعلّمةً ‪ ،‬وعلى خمسمائة دينار إن كانت غير متعلّمة‪.‬‬
‫قال أبو حنيفة ‪ :‬التّسمية الولى صحيحة ‪ ،‬فإذا تحقّق الشّرط وجب المشروط ‪ ،‬وأمّا التّسمية‬
‫الثّانية فغير صحيحة ‪ ،‬لنّها لم تصادف محلً ‪ ،‬لوقوعها بعد الولى الصّحيحة ‪ ،‬فإن كانت‬
‫غير متعلّمة وجب مهر المثل ل المسمّى ‪ ،‬ول يزيد على ألف دينار ‪ ،‬لرضاها به ‪ ،‬ول‬
‫ينقص عن خمسمائة دينار لرضاه بها ‪.‬‬
‫وقال الصّاحبان ‪ :‬التّسميتان صحيحتان ‪ ،‬فإن كانت متعلّمةً وجب لها المسمّى الوّل ‪ ،‬وهو‬
‫ألف دينار ‪ ،‬وإن كانت غير متعلّمة وجب المسمّى الثّاني ‪ ،‬وهو خمسمائة دينار ‪ ،‬لنّهما‬
‫اتّفقا عليه ‪ ،‬وهذا هو الرّأي الرّاجح في المذهب الحنفيّ ‪.‬‬
‫عقِد بألف من الدّراهم مثلً وشُرِط على الزّوج إن كانت له زوجة‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬لو ُ‬
‫ل في الصّداق ‪ ،‬ويثبت‬
‫فألفان ‪ ،‬فيفسخ قبل البناء للشّكّ في قدر الصّداق حال العقد فأثّر خل ً‬
‫بعده بصداق المثل ‪ ،‬بخلف تزوجها بألف على أن ل يخرجها من بلدها أو ل يتزوّج‬
‫عليها ‪ ،‬أو إن أخرجها من بلدها أو بيت أبيها أو تزوّج أو تسرّى عليها فألفان فصحيح إذ ل‬
‫شكّ في قدره حال العقد ‪ ،‬والشّك في الزّائد متعلّق بالمستقبل ‪ ،‬أي من حيث المعلّق عليه‬
‫فإنّه أمر يحصل في المستقبل والصل عدمه ‪ ،‬فالغرر فيه أخف من الواقع في الحالّ ‪ ،‬ول‬
‫يلزم الزّوج الشّرط وهو عدم التّزوج والخراج ‪ ،‬وإنّما يستحب الوفاء به إن وقع ‪ ،‬وكره‬
‫هذا الشّرط لما فيه من التّحجير عليه كما يكره عدم الوفاء به فالشّرط يكره ابتداءً ‪ ،‬فإن‬
‫وقع أستحبّ الوفاء به وكره عدمه ‪ ،‬ول يلزمه اللف الثّانية إن خالف بأن أخرجها أو تزوّج‬
‫‪.‬‬
‫ن لبيها ألفا أو أن يعطيه ألفا فالمذهب فساد‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو نكح امرأةً بألف على أ ّ‬
‫الصّداق في الصورتين ‪ ،‬لنّه جعل بعض ما التزمه في مقابلة البضع لغير الزّوجة ‪ ،‬ووجوب‬
‫ن لفظ‬
‫مهر المثل فيهما لفساد المسمّى ‪ ،‬والطّريق الثّاني فساده في الولى دون الثّانية ‪ ،‬ل ّ‬
‫العطاء ل يقتضي أن يكون المعطى للب ‪.‬‬
‫ن فساد الصّداق ل يؤثّر في‬
‫ولو شرط أحد الزّوجين خيارا في المهر فالظهر صحّة النّكاح ل ّ‬
‫النّكاح ل المهر فل يصح في الظهر بل يفسد ‪ ،‬ويجب مهر المثل لنّ الصّداق ل يتمحّض‬
‫عوضا بل فيه معنى النّحلة فل يليق به الخيار ‪ ،‬والمرأة لم ترض بالمسمّى إلّا بالخيار ‪،‬‬
‫والثّاني يصح المهر أيضا لنّ المقصود منه المال كالبيع فيثبت لها الخيار ‪ ،‬والثّالث يفسد‬
‫النّكاح لفساد المهر أيضا ‪.‬‬
‫وقالوا ‪ :‬لو نكحها على ألف إن لم يخرجها من البلد وعلى ألفين إن أخرجها وجب مهر‬
‫المثل ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن تزوّجها على ألف إن كان أبوها حيّا وألفين إن كان ميّتا ‪ ،‬لم يصحّ ‪.‬‬
‫نصّ عليه وهو المذهب ‪ ،‬ونصّ أحمد على وجوب مهر المثل ‪.‬‬
‫وإن تزوّجها على ألف إن لم تكن له زوجة وألفين إن كانت له زوجة ‪ ،‬لم يصحّ ‪ .‬قال في‬
‫الخلصة ‪ :‬على الصحّ ‪ ،‬قال المرداوي ‪ :‬والمنصوص أنّه يصح ‪ ،‬وهو المذهب ‪ .‬ونصّ‬
‫أحمد على صحّة التّسمية ‪ ،‬وكذا الحكم لو تزوّجها على ألف إن لم يخرجها من دارها وعلى‬
‫ألفين إن أخرجها ‪.‬‬
‫قبض المهر وتصرف الزّوجة فيه ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬للب قبض صداق ابنته البكر صغير ًة كانت أو بالغةً ‪ ،‬ويبرأ الزّوج‬ ‫‪52‬‬

‫ن له ولية التّصرف في مالها ‪ ،‬وأمّا البالغة فلنّها‬


‫بقبضه ‪ ،‬أمّا الصّغيرة فل شكّ فيه ل ّ‬
‫تستحيي من المطالبة به بنفسها كما تستحيي عن التّكلم بالنّكاح فجعل سكوتها رضا بقبض‬
‫الب كما جعل رضا بالنّكاح ‪ ،‬ولنّ الظّاهر أنّها ترضى بقبض الب لنّه يقبض مهرها فيضم‬
‫إليه أمثاله فيجهّزها به ‪ ،‬هذا هو الظّاهر فكان مأذونا بالقبض من جهتها دلل ًة حتّى لو نهته‬
‫عن القبض ل يتملّك القبض ول يبرأ الزّوج ‪ ،‬وكذا الجد يقوم مقامه عند عدمه ‪.‬‬
‫وإن كانت ابنته عاقلةً وهي ثيّب فالقبض إليها ل إلى الب ‪ ،‬ويبرأ الزّوج بدفعه إليها ول‬
‫يبرأ بالدّفع إلى الب ‪ ،‬وما سوى الب والجدّ من الولياء ليس لهم ولية القبض سواء كانت‬
‫صغيرةً أو كبير ًة إلّا إذا كان الولي هو الوصي فله حق القبض إذا كانت صغير ًة كما يقبض‬
‫ي حق القبض إلّا إذا كانت صغير ًة ‪.‬‬
‫سائر ديونها ‪ ،‬وليس للوص ّ‬
‫وذهب المالكيّة إلى أنّ وليّ الزّوجة المجبر وهو الب أو وصيه هو الّذي يقوم بتولّي قبض‬
‫مهرها ‪ ،‬فإن لم يكن لها أب مجبر ‪ ،‬وكانت رشيد ًة ‪ ،‬فهي الّتي تقوم بقبض مهرها ‪ ،‬أو من‬
‫توكّله عنها في قبضه ‪ ،‬وإن كانت سفيهةً فالّذي يتولّى قبض مهرها ولي مالها ‪ ،‬فإن لم يكن‬
‫فالقاضي أو من ينوب عنه يقبض مهرها ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬للب قبض صداق ابنته الصّغيرة بغير إذنها وهذا بل نزاع عند‬
‫الحنابلة ‪ ،‬ول يقبض صداق ابنته الثّيّب الكبيرة إلّا بإذنها إذا كانت رشيدةً ‪ ،‬فإن كانت‬
‫محجورا عليها فله قبضه بغير إذنها ‪ ،‬وفي البكر البالغ روايتان ‪ ،‬إحداهما ‪ :‬ل يقبض إلّا‬
‫بإذنها وهو المذهب عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬والثّانية يقبضه بغير إذنها مطلقا ‪.‬‬
‫‪ -‬وللمرأة ‪ -‬سواء أكانت بكرا أم ثيّبا ‪ -‬ولية التّصرف في مهرها بك ّل التّصرفات‬ ‫‪53‬‬

‫الجائزة لها شرعا ‪ ،‬ما دامت كاملة الهليّة ‪ ،‬كما هو الشّأن في تصرف كلّ مالك في ملكه ‪،‬‬
‫ي أو لزوجها ‪ ،‬وليس لحد حق العتراض على‬
‫فلها أن تشتري به ‪ ،‬وتبيعه ‪ ،‬وتهبه لجنب ّ‬
‫تصرفها ‪ ،‬كما ليس لحد أن يجبرها على ترك شيء من مهرها لزوجها أو لغيره ‪ ،‬ولو كان‬
‫أباها أو أمّها ‪ ،‬لنّ المالك ل يجبر على ترك شيء من ملكه ‪ ،‬ول على إعطائه لغيره ‪،‬‬
‫ويورث عنها مهرها بوصفه من سائر أموالها ‪ ،‬مع مراعاة أن يكون من ضمن ورثتها ‪،‬‬
‫وهذا عند جمهور الفقهاء ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬تملك الزّوجة الصّداق المسمّى بالعقد ‪ ،‬فإن كان الصّداق معيّنا كالعبد والدّار‬
‫والماشية فلها التّصرف فيه لنّه ملكها فكان لها ذلك كسائر أملكها ونماؤه المتّصل‬
‫والمنفصل لها وزكاته ونقصه وضمانه عليها سواء قبضته أو لم تقبضه ‪ ،‬لنّ ذلك كلّه من‬
‫توابع الملك ‪ ،‬إلّا أن يتلف الصّداق المعيّن بفعلها فيكون إتلفه قبضا منها ‪ ،‬وإن كان‬
‫الصّداق غير معيّن كقفيز من صبرة ملكته بالعقد ‪ ،‬وإن لم يدخل في ضمانها إلّا بقبضه ولم‬
‫تملك التّصرف فيه إلّا بقبضه كمبيع ‪.‬‬
‫هلك المهر واستهلكه واستحقاقه ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬إذا هلك المهر في يد الزّوجة أو استهلكته بعد أن قبضته فل ترجع على‬ ‫‪54‬‬

‫الزّوج بشيء لبراءة ذمّته من المهر بعد دفعه إليها ‪.‬‬


‫وإذا استهلكه غيرها كان ضمانه على من استهلكه ‪ ،‬سواء أكان المستهلك الزّوج أم غيره ‪.‬‬
‫وأمّا إذا هلك في يد الزّوج ‪ ،‬أو استهلكه قبل أن تقبضه الزّوجة فهو ضامن لمثله ‪ ،‬أو‬
‫قيمته‪ ،‬سواء هلك من نفسه أو من فعل الزّوج ‪.‬‬
‫وإذا استهلكه أجنبيّ فهو ضامن له ‪ ،‬والزّوجة بالخيار بين تضمين الزّوج وتضمين الجنبيّ‬
‫المستهلك ‪ ،‬فإن ضمنت الزّوج رجع على المستهلك بقيمة ما استهلكه ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إذا قبضت الزّوجة الصّداق قبل الدخول ‪ ،‬وهلك بيدها فضمانه منها ‪ ،‬أمّا لو‬
‫كان فساده لعقده وكان فيه المسمّى ‪ ،‬ودخل الزّوج بزوجته كان ضمانها للصّداق بمجرّد‬
‫العقد كالصّحيح سواء قبضته أو كان بيد الزّوج كما يؤخذ من الجهوريّ ‪.‬‬
‫فالمالكيّة يرون أنّ المهر إن تلف في يد أحد الزّوجين ‪ ،‬ولم يقم دليل على هلكه فخسارته‬
‫على من هو في يده ‪ ،‬وأمّا إذا كانت هناك بيّنة على هلكه فضمانه على الزّوجين ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة في الظهر ‪ :‬إنّ الزّوج إذا أصدق زوجته عينا يمكن تقويمها ‪ ،‬فتلفت العين‬
‫في يده قبل القبض ضمنها ضمان عقد ل ضمان يد ‪ ،‬وقيل ضمان يد ‪ ،‬والفرق بين ضماني‬
‫العقد واليد في الصّداق ‪ ،‬أنّه على الوّل يضمن بمهر المثل ‪ ،‬وعلى الثّاني يضمن بالبدل‬
‫ي وهو المثل إن كان مثليّا ‪ ،‬والقيمة إن كان متقوّما ‪.‬‬
‫الشّرع ّ‬
‫وعند الحنابلة ‪ :‬الصّداق إذا كان معيّنا فوجدت به عيبا فلها رده كالمبيع المعيب ‪ ،‬قال ابن‬
‫قدامة ‪ :‬ل نعلم في هذا خلفا إذا كان العيب كثيرا ‪ ،‬فإن كان يسيرا فحكي أنّه ل يرد به ‪.‬‬
‫ن العقد ل‬
‫لنّه عيب يرد به المبيع فر ّد به الصّداق كالكثير ‪ ،‬وإذا ر ّد به فلها قيمته ‪ ،‬ل ّ‬
‫ينفسخ بردّه فيبقى سبب استحقاقه فيجب عليه قيمته كما لو غصبها إيّاه فأتلفه ‪.‬‬
‫وإن كان الصّداق مثليّا كالمكيل والموزون فردّته فلها عليه مثله لنّه أقرب إليه ‪ ،‬وإن‬
‫اختارت إمساك المعيب وأخذ أرشه فلها ذلك في قياس المذهب ‪.‬‬
‫وإذا تزوّجها على عبد بعينه تظنه عبدا مملوكا فخرج حرا أو مغصوبا فلها قيمته لنّ العقد‬
‫وقع على التّسمية فكانت لها قيمته كالمغصوب ‪ ،‬ولنّها رضيت بقيمته ‪ ،‬إذ ظنّته مملوكا‬
‫فكان لها قيمته كما لو وجدته معيبا فردّته ‪ ،‬بخلف ما إذا قال ‪ :‬أصدقتك هذا الحرّ أو هذا‬
‫المغصوب فإنّها رضيت بل شيء لرضاها بما تعلم أنّه ليس بمال أو بما ل يقدر على تمليكه‬
‫إيّاها فكان وجود التّسمية كعدمها فكان لها مهر المثل ‪.‬‬
‫فإن أصدقها مثليّا فبان مغصوبا فلها مثله لنّ المثل أقرب إليه ولهذا يضمن به في التلف ‪.‬‬
‫ن الصّداق معيب كان لها منع‬
‫وقالوا ‪ :‬إذا قبضت الزّوجة الصّداق وسلّمت نفسها ثمّ اتّضح أ ّ‬
‫نفسها حتّى تقبض بدله ‪ ،‬أو أرشه ‪ ،‬لنّها إنّما سلّمت نفسها ظنا منها أنّها قبضت صداقها ‪،‬‬
‫فتبيّن عدمه ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪33‬‬ ‫وأمّا بالنّسبة لستحقاق المهر فينظر تفصيله في مصطلح ( استحقاق ف ‪/‬‬
‫الختلف في المهر ‪:‬‬
‫الختلف في المهر أنواع ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الختلف في أصل التّسمية ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الختلف في مقدار المهر المسمّى في العقد ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الختلف في قبض شيء من المهر ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬الختلف في أصل التّسمية ‪:‬‬
‫ل ‪ ،‬وأنكر‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬إذا ادّعى أحد الزّوجين أنّه سمّى مهرا معلوما كألف دينار مث ً‬ ‫‪55‬‬

‫الخر حصول التّسمية فالبيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر ‪ ،‬فإن أقام مدّعي‬
‫التّسمية البيّنة قضي بالمسمّى الّذي ادّعاه ‪ ،‬وإن عجز عن إقامتها ‪ ،‬وجّهت اليمين بطلبه‬
‫إلى منكر التّسمية ‪ ،‬فإن نكل عن اليمين ‪ ،‬حكم عليه بسبب نكوله ‪ ،‬لنّه بمثابة اعتراف منه‬
‫بدعوى المدّعي ‪.‬‬
‫وإن حلف أنّه لم يحصل تسمية أصلً ‪ ،‬رفضت دعوى التّسمية ‪ ،‬لعدم ثبوتها ‪ ،‬وحينئذٍ يحكم‬
‫القاضي بمهر المثل باتّفاق أئمّة الحنفيّة ‪ ،‬لنّه هو الواجب الصلي بعقد الزّواج ‪ ،‬ويشترط‬
‫ألّا ينقص مهر المثل عمّا ادّعاه الزّوج إن كان هو المدّعي ‪ ،‬لرضاه بالمسمّى الّذي ادّعاه ‪،‬‬
‫وألّا يزيد عمّا ادّعته الزّوجة ‪ ،‬إن كانت هي المدّعية لرضاها بما ادّعت تسميته ‪.‬‬
‫وهذا الحكم السّابق إنّما يكون إذا كان الختلف بين الزّوجين في حالة تستحق فيها الزّوجة‬
‫ل ‪ ،‬بأن كانت الزّوجيّة الصّحيحة قائمةً ‪ ،‬أو حصلت فرقة ‪ ،‬ولكن بعد وجود ما‬
‫المهر كام ً‬
‫يوجب المهر كاملً من دخول حقيقي أو حكمي ‪.‬‬
‫وأمّا إذا كان الختلف بعد الفرقة ‪ ،‬وقبل الدخول حقيقةً أو حكما ‪ -‬وثبتت التّسمية بالبيّنة ‪،‬‬
‫أو بالنكول عن اليمين عند العجز عن إقامة البيّنة ‪ -‬حكم القاضي برفض دعوى التّسمية‬
‫لعدم ثبوتها ‪ ،‬فالواجب المتعة لنّها تجب بعد الطّلق قبل الدخول والخلوة ‪ ،‬عند عدم تسمية‬
‫مهر في العقد ‪ ،‬ولنّها تقوم مقام نصف مهر المثل ‪ ،‬على ألّا تنقص عن نصف ما سمّاه‬
‫الزّوج ‪ ،‬إن كان هو المدّعي ‪ ،‬وألّا تزيد على نصف المهر الّذي تدّعيه الزّوجة إن كانت هي‬
‫المدّعية ‪.‬‬
‫وإن كان الختلف بين أحد الزّوجين وورثة الخر ‪ ،‬أو بين ورثتهما ‪ ،‬فالحكم في هذه‬
‫الحالة كالحكم في الختلف بين الزّوجين ‪ ،‬وهذا قول الصّاحبين ‪.‬‬
‫وأمّا المام أبو حنيفة فيخالف صاحبيه فيما إذا كان الختلف بين الزّوجين ‪ ،‬وطال العهد‬
‫بموت الزّوجين وموت أقرانهما ‪ ،‬ويرى أنّه ل يحكم بشيء إن عجز ورثة الزّوجة عن إقامة‬
‫البيّنة على دعواهم ‪ ،‬لعدم معرفة مهر المثل ‪ ،‬لتقادم عهد الموت ‪.‬‬
‫وإذا أمكن معرفة المثل ‪ ،‬لعدم تقادم عهد الموت ‪ ،‬فالمام وصاحباه متّفقون على وجوب‬
‫مهر المثل بعد اليمين ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن أقام أحد الزّوجين البيّنة على دعواه قضي له بما ادّعاه ‪ ،‬وإن لم يقم‬
‫البيّنة كان القول قول من يشهد له العرف في صحّة التّسمية ‪ ،‬وعدمها مع اليمين ‪ ،‬فإذا‬
‫ادّعى الزّوج أنّه تزوّجها تفويضا عند معتاديه ‪ ،‬وادّعت هي التّسمية فالقول للزّوج بيمين ‪،‬‬
‫ولو بعد الدخول ‪ ،‬أو الموت ‪ ،‬أو الطّلق فيلزمه أن يفرض لها صداق المثل بعد البناء ‪ ،‬ول‬
‫شيء عليه في الطّلق أو الموت قبل الدخول بها ‪ ،‬فإن كان المعتاد التّسمية ‪ ،‬فالقول لها‬
‫بيمين ‪ ،‬وثبت النّكاح ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّ الزّوجة لو ادّعت تسميةً لقدر أكثر من مهر مثلها ‪ ،‬فأنكر زوجها بأن‬
‫ن حاصله الختلف في قدر‬
‫قال لم تقع تسمية ‪ ،‬ولم يدّع تفويضا ‪ ،‬تحالفا في الصحّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫المهر ‪ ،‬لنّه يقول ‪ :‬الواجب مهر المثل ‪ ،‬وهي تدّعي زياد ًة عليه ‪ ،‬والثّاني ‪ :‬يصدّق الزّوج‬
‫بيمينه ‪ ،‬لموافقته للصل ‪ ،‬ويجب مهر المثل ‪ ،‬ولو ادّعى تسميةً لقدر أقلّ من مهر المثل‬
‫فأنكرت الزّوجة ذكرها تحالفا أيضا على الصحّ ‪ ،‬وبالتّحالف تنتفي الدّعوى ‪ ،‬ويبقى العقد‬
‫بدون تسمية ‪ ،‬وحينئذٍ يجب مهر المثل ‪.‬‬
‫وذهب الحنابلة إلى أنّه إذا اختلف الزّوجان أو ورثتهما ‪ ،‬أو أحدهما وولي الخر أو وارثه‬
‫في تسمية المهر بأن قال ‪ :‬لم نسمّ مهرا ‪ ،‬وقالت ‪ :‬سمّى لي مهر المثل ‪ ،‬فالقول قول‬
‫الزّوج بيمينه في إحدى الرّوايتين ‪ ،‬لنّه يدّعي ما يوافق الصل ‪ ،‬وهو الصّواب ‪ -‬كما قال‬
‫المرداوي ‪ ، -‬ولها مهر المثل على كلتا الرّوايتين إن وجد ما يقرّره ‪ ،‬فإن طلّق ولم يدخل‬
‫ن القول قوله في عدم التّسمية فهي مفوّضة ‪.‬‬
‫بها فلها المتعة بناءً على أ ّ‬
‫وعلى الرّواية الخرى لها نصف مهر المثل لنّه المسمّى لها لقبول قولها فيه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الختلف في مقدار المهر المسمّى ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا اختلف الزّوجان في مقدار المهر المسمّى بأن ادّعت الزّوجة أنّه ألف دينار ‪،‬‬ ‫‪56‬‬

‫وادّعى الزّوج أنّه خمسمائة دينار ‪.‬‬


‫فقد اختلف فقهاء الحنفيّة في هذه القضيّة ‪ :‬فقال أبو حنيفة ومحمّد ‪ :‬إنّ كلّ واحد منهما‬
‫مدّع ومنكر ‪ ،‬فأيهما أقام بيّنةً على دعواه قضي له بها ‪.‬‬
‫وإن أقاما بيّنتين ‪ ،‬فإن كان مهر المثل يشهد لحدى البيّنتين كانت مرجوحةً ‪ ،‬والبيّنة‬
‫ن البيّنات شرعت لثبات خلف الظّاهر ‪ ،‬والظّاهر هنا مهر المثل ‪،‬‬
‫الخرى راجحة ‪ ،‬ل ّ‬
‫فالبيّنة الّتي تخالفه راجحة ‪.‬‬
‫مثال ذلك ‪ :‬إذا أقام الزّوج بيّن ًة على أنّ المهر المسمّى خمسمائة دينار ‪ ،‬وأقامت الزّوجة‬
‫بيّنةً على أنّه ألف دينار ‪ ،‬فإن كان مهر مثلها خمسمائة أو أقلّ ‪ ،‬رجحت بيّنتها ‪ ،‬وحكم لها‬
‫بألف دينار ‪ ،‬وإن كان مهر مثلها ألف دينار أو أكثر رجحت بيّنته ‪ ،‬وحكم لها بخمسمائة‬
‫دينار ‪.‬‬
‫وإن لم يشهد مهر المثل لحدى البيّنتين ‪ ،‬فإن كان أكثر ممّا ادّعى الزّوج ‪ ،‬أو أقلّ ممّا‬
‫ادّعته الزّوجة ‪ ،‬تهاترت البيّنتان ‪ ،‬وحكم بمهر المثل ‪.‬‬
‫وإن لم يكن لحدهما بيّنة كان القول لمن يشهد له مهر المثل بيمينه ‪ ،‬فإن لم يشهد لحدهما‬
‫تحالفا وبدئ بتحليف الزّوج فإن نكل أحدهما حكم عليه بما ادّعاه خصمه ‪ ،‬وإن حلفا حكم‬
‫بمهر المثل ‪.‬‬
‫وقال أبو يوسف ‪ :‬إنّ الزّوجة تدّعي الزّيادة والزّوج ينكرها ‪ ،‬فتكون البيّنة على الزّوجة ‪،‬‬
‫واليمين على الزّوج ‪ ،‬لنّه منكر للزّيادة ‪ .‬فإن قامت البيّنة على دعواها قضي لها بها ‪ ،‬وإن‬
‫عجزت عن إقامتها وطلبت تحليف الزّوج وجّهت إليه اليمين ‪ ،‬فإن نكل عن اليمين حكم لها‬
‫بدعواها ‪ ،‬وإن حلف الزّوج اليمين حكم له بالقدر الّذي ذكره إلّا إذا كان ما ادّعاه أقلّ من‬
‫مهر مثلها ‪ ،‬فيحكم بمهر المثل ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن تنازعا في قدر المهر كأن يقول الزّوج ‪ :‬عشرة وتقول هي ‪ :‬بل خمسة‬
‫عشر ‪ ،‬أو في صفته بأن قالت ‪ :‬بدنانير محمّديّة ‪ ،‬وقال ‪ :‬بل يزيديّة ‪ ،‬وكان اختلفهما قبل‬
‫البناء ‪ ,‬فالقول لمدّعي الشبه بيمينه ‪ ,‬فإن نكل حلف الخر وثبت النّكاح ول فسخ ‪.‬‬
‫وإن لم يشبه واحد منها أو أشبها معا حلفا إن كانا رشيدين ‪ ,‬وإلّا فولي غير الرّشيد كل‬
‫على طبق دعواه ‪ ,‬ونفى دعوى الخر ‪ ,‬وفسخ النّكاح بينهما ونكولهما كحلفهما ‪ ,‬وبدأت‬
‫الزّوجة بالحلف لنّها كالبائع وقضي للحالف على النّاكل ‪.‬‬
‫س أو بعير مطلقا أشبها‬
‫وفسخ النّكاح إن اختلفا في الجنس قبل البناء ‪ ,‬كذهب وثوب وفر ٍ‬
‫معا أو أحدهما أو لم يشبها ‪ ,‬إن لم يرض أحدهما بقول الخر ‪ ,‬وإلّا فل فسخ ‪.‬‬
‫وإن اختلفا بعد البناء فالقول للزّوج بيمين ‪ ,‬فإن نكل حلفت وكان القول لها في القدر أو‬
‫الصّفة ‪ ,‬وإن لم يشبه ‪ ,‬كما لو أشبه بالولى ‪ ,‬كالطّلق والموت ‪ ,‬أي ‪ :‬كما أنّ القول للزّوج‬
‫بيمين إن اختلفا في القدر أو الصّفة قبل البناء بعد الطّلق والموت أشبه أو لم يشبه ‪ ,‬فل‬
‫يراعى الشّبه وعدمه إلّا قبل البناء من غير طلق وموت ‪.‬‬
‫فإن نكل الزّوج في هذه المسائل حلفت الزّوجة وكان القول لها فيما إذا تنازعا بعد البناء أو‬
‫بعد الطّلق ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬إذا اختلف الزّوجان في قدر مهر مس ّمىً كأن قالت نكحتني بألف ‪ ,‬فقال‬
‫بخمسمائة ‪ ,‬أو في صفته كأن قالت بألف صحيحة فقال بل مكسّرة تحالفا ‪ ,‬فتحلف الزّوجة‬
‫أنّه ما نكحها بخمسمائة وإنّما نكحها بألف ويحلف الزّوج أنّه ما نكحها بألف وإنّما نكحها‬
‫بخمسمائة ‪ ,‬ويتحالف وارثاهما ووارث واحد منهما والخر إذا اختلفا فيما ذكر ويحلف‬
‫الوارث في طرف النّفي على نفي العلم وفي طرف الثبات على البتّ ‪ ,‬فيقول وارث الزّوج ‪:‬‬
‫واللّه ل أعلم أنّ مورّثي نكحها بألف إنّما نكحها بخمسمائة ‪ ,‬ويقول وارث الزّوجة ‪ :‬واللّه ل‬
‫أعلم أنّه نكح مورّثتي بخمسمائة إنّما نكحها بألف ‪ ,‬ثمّ بعد التّحالف يفسخ المهر ‪ ,‬ويجب‬
‫مهر مثل ‪ ,‬وإن زاد على ما ادّعته الزّوجة ‪ .‬وقيل ‪ :‬ليس لها في ذلك إلّا ما ادّعته ‪ ,‬ولو‬
‫ادّعت تسميةً لقدر فأنكرها ‪ ,‬والمسمّى أكثر من مهر المثل تحالفا في الصحّ لرجوع ذلك إلى‬
‫الختلف في القدر ‪ ,‬لنّه يقول ‪ :‬الواجب مهر المثل وهي تدّعي زيادةً عليه ‪ ,‬والثّاني ‪ :‬ل‬
‫تحالف ‪ ,‬والقول قوله بيمينه لموافقته للصل ‪ ,‬ولو ادّعى تسمي ًة فأنكرتها والمسمّى أقل من‬
‫مهر المثل فالقياس كما قال الرّافعي والنّووي مجيء الوجهين ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن اختلف الزّوجان في قدر الصّداق فالقول قول الزّوج مع يمينه وهو‬
‫المذهب ‪.‬‬
‫وعن أحمد القول قول من يدّعي مهر المثل منهما ‪ ,‬وعنه ‪ :‬يتحالفان ‪.‬‬
‫ن القول قول من يدّعي مهر المثل منهما لو ادّعى أقلّ منه وادّعت أكثر منه‬
‫وعلى الرّواية بأ ّ‬
‫ردّت إليه بل يمين عند القاضي في الحوال كلّها ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬يجب اليمين في الحوال كلّها ‪.‬‬
‫وكذا الحكم لو اختلف ورثتهما في قدر الصّداق ‪ ,‬وكذا لو اختلف الزّوج وولي الزّوجة‬
‫الصّغيرة في قدره ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الختلف في قبض جزء من المهر ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا اختلف الزّوجان في قبض معجّل المهر كلّه أو بعضه بعد الدخول الحقيقيّ ‪ ،‬فإن‬ ‫‪57‬‬

‫كان العرف يجري في البلد الّذي حصل فيه الزّواج بتقديم معجّل المهر إلى الزّوجة قبل أن‬
‫ف إلى زوجها فل تصدّق الزّوجة في إنكارها ؛ لنّ العرف يقوم هنا مقام البيّنة للزّوج‬
‫تز ّ‬
‫فتثبت دعواه بالعرف من غير حاجة إلى إثباتٍ آخر ‪.‬‬
‫هذا هو قول الفقيه أبي اللّيث وقد أخذ به كثير من فقهاء الحنفيّة وخالفه فيه بعض‬
‫الفقهاء ‪ ،‬حيث قالوا ‪ :‬إنّ العادة ل تثبت براءة ذمّة الزّوج بل تجعل الظّاهر معه فقط ‪،‬‬
‫فللمرأة أن تطالبه بكلّ ما عليه ‪ ،‬وعلى الزّوج أن يثبت أنّه أوفاها ما يجب الوفاء به ‪ ،‬أو‬
‫يحلف اليمين‪.‬‬
‫وإن لم يوجد عُرف يقضي بدفع معجّل الصّداق قبل الدخول بها ‪ ،‬كان الحكم مبناه البيّنة‬
‫على من ادّعى واليمين على من أنكر ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إن تنازع الزّوجان في قبض ما حلّ من الصّداق فقال الزّوج ‪ :‬دفعته لك ‪،‬‬
‫وقالت ‪ :‬لم تدفعه بل هو باق عندك ‪ ،‬فقبل البناء القول قولها ‪ ،‬وإن كان التّنازع بعده فالقول‬
‫قوله بيمين ‪ ،‬لكن بأربعة شروط ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬إن لم يكن العرفُ تأخير ما حلّ من الصّداق ‪ ،‬بأن كان عرفهم تقديمه أو ل عرف ‪،‬‬
‫لهم فإن كان العرف تأخيره فل يكون القول قوله بل قولها ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬إن لم يكن معها رهن وإلّا فالقول لها ل له ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬إن لم يكن الصّداق مكتوبا بكتاب أي وثيقة ‪ ،‬وإلّا فالقول لها ‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬إن ادّعى بعد البناء دفعه لها قبل البناء ‪ ،‬فإن ادّعى دفعه بعده فقولها وعليه البيان‪.‬‬
‫وأمّا التّنازع في مؤجّل الصّداق فالقول لها كسائر الديون من أنّ من ادّعى الدّفع فل يبرئُه‬
‫ب الدّين ‪.‬‬
‫إلّا البيّنة أو اعتراف من ر ّ‬
‫وأمّا الشّافعيّة والحنابلة في المذهب فل يفرّقون بين ما قبل الدخول وبعده ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إنّ‬
‫الزّوج إذا أنكر صداق امرأته ‪ ،‬وادّعت ذلك عليه ‪ ،‬فالقول قولها فيما يوافق مهر المثل‬
‫سواء ادّعى الزّوج أنّه وفّى لها ‪ ،‬أو أبرأته منه أو قال ‪ :‬ل تستحق عليّ شيئا ‪ ،‬وسواء كان‬
‫ذلك قبل الدخول أو بعده ‪ ،‬وبه قال سعيد بن جبير ‪ ،‬والشّعبي ‪ ،‬وابن شبرمة ‪ ،‬وابن أبي‬
‫ليلى ‪ ،‬والثّوري ‪ ،‬وإسحاق ‪.‬‬
‫والختلف بين أحد الزّوجين وورثة الخر ‪ ،‬أو بين ورثتهما ‪ ،‬كاختلف بين الزّوجين حال‬
‫حياتهما ‪.‬‬
‫س ّر ومهر العَلَن ‪:‬‬
‫د ‪ -‬مهر ال ّ‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة إذا اتّفق المتعاقدان سِرّا على مهر قبل العقد ‪ ،‬ثمّ تعاقدا علنا على مهر‬ ‫‪58‬‬

‫أكثر منه من جنسه ‪ ،‬فإن اتّفقا على أنّ المذكور في العقد للسمعة والرّياء فالواجب هو مهر‬
‫السّرّ ‪.‬‬
‫وإن اختلفا ‪ :‬فادّعى الزّوج أنّهما اتّفقا على مهر السّ ّر ‪ ،‬وأنكرت الزّوجة ذلك ‪ ،‬فإن أقام‬
‫الزّوج بيّنةً على دعواه ‪ ،‬وجب مهر السّ ّر ‪ ،‬وإن عجز عن إقامة البيّنة فالقول قول‬
‫الزّوجة ‪ ،‬ووجب مهر العلنية ؛ لنّه المسمّى في العقد ‪.‬‬
‫وإن اختلف جنس المهر ‪ ،‬كأن سمّى في العقد علنيةً بيتا ليكون مهرا للزّوجة ‪ ،‬وكان قد‬
‫سمّى سرا ألف دينار مهرا ‪ ،‬فإن اتّفقا على أنّ مهر العلن للسمعة ‪ ،‬وأنّهما قد تواضعا سرا‬
‫على ألف دينار ‪ ،‬فالواجب مهر المثل ؛ لنّ مهر المثل لم يذكر عند العقد ‪ ،‬وكذا مهر العلن‬
‫لم يتّفق عليه فيرجع إلى الصل وهو مهر المثل ‪ ،‬وإن اختلفا فقال الزّوج ‪ :‬اتّفقنا على مهر‬
‫السّرّ ‪ ،‬وأنكرت الزّوجة ذلك ‪ ،‬فإن أقام الزّوج البيّنة وجب مهر السّرّ ‪ ،‬وإن عجز عن‬
‫إقامتها وجب مهر العلن لذكره في العقد ‪.‬‬
‫وأمّا إذا تمّ العقد سرا على مهر معيّن ‪ ،‬ثمّ تعاقدا ثانيةً علنيةً على مهر أكثر منه ‪ ،‬فإن‬
‫اتّفقا أو أشهدا أنّ الزّيادة للسمعة ‪ ،‬فالمهر ما ذكر عند العقد في السّرّ ‪ ،‬وإن اختلفا ولم‬
‫يشهدا ‪ :‬فيرى أبو حنيفة وكذا محمّد وأبو يوسف في رواية عنهما أنّ المهر الواجب هو‬
‫مهر العلنية؛ لنّه المذكور في العقد الثّاني ‪ ،‬وهو الظّاهر ‪ ،‬ورجّح ابن الهمام هذا الرّأي ‪،‬‬
‫ن المهر الواجب هو ما اتّفقا عليه سرا ؛ لنّه‬
‫ويرى أبو يوسف ومحمّد في رواية أخرى أ ّ‬
‫مقصد العاقدين ‪ ،‬وما جاء يعتبر لغوا ‪ ،‬ما دام ل يقصد به نقض الوّل ‪ ،‬وروي عن أئمّة‬
‫الحنفيّة غير ذلك ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إذا اتّفق الزّوجان على صداق بينهما في السّ ّر وأظهرا في العلنية صداقا‬
‫ن المعوّل عليه والمعتبر ما اتّفقا عليه في السّرّ سواء كان‬
‫يخالفه قدرا أو صفةً أو جنسا ‪ ،‬فإ ّ‬
‫شهود السّرّ هم شهود العلنية أو غيرهم ‪ ،‬خلفا لبي حفص بن العطّار من أنّه ل بدّ من‬
‫إعلم بيّنة السّرّ بما وقع في العلنية ‪ ،‬كما في نقل الموّاق عنه ‪ ،‬فإن تنازعا وادّعت المرأة‬
‫على الرّجل أنّهما رجعا عمّا اتّفقا عليه في السّ ّر إلى ما أظهراه في العلنية وأكذبها الزّوج‬
‫كان لها أن تحلّفه على ذلك ‪ ،‬فإن حلف عمل بصداق السّ ّر ‪ ،‬وإن نكل عمل بصداق العلنية‬
‫بعد حلفها على الظّاهر كما نقله البنانيّ عن ابن عاشر ‪ ،‬ومحل حلف الزّوج ما لم تقم بيّنة‬
‫على أنّ صداق العلنية ل أصل له وإنّما هو أمر ظاهريّ والمعتبر إنّما هو صداق السّرّ ‪،‬‬
‫وإلّا عمل بصداق السّ ّر من غير تحليفه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو توافق الولي والزّوج أو الزّوجة إذا كانت بالغةً على مهر كان سرا كمائة‬
‫وأعلنوا زياد ًة كمائتين فالمذهب وجوب ما عقد به اعتبارا بالعقد ؛ لنّ الصّداق يجب به‬
‫سواء كان العقد بالقلّ أم بالكثر ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إذا كرّر العقد على صداقين سر وعلنية ‪ ،‬بأن عقد سرا على صداق‬
‫وعلنيةً على صداق آخر أخذ بالزّائد سواء كان صداق السّ ّر أو العلنية للحوق الزّيادة‬
‫بالصّداق بعد العقد ‪.‬‬
‫وإن قال الزّوج هو عقد واحد أسررته ثمّ أظهرته فل يلزمني إلّا مهر واحد ‪ ،‬وقالت الزّوجة‬
‫ن الثّاني عقد صحيح يفيد حكما‬
‫بل عقدان بينهما فرقة فالقول قولها بيمينها لنّ الظّاهر أ ّ‬
‫كالوّل ‪ ،‬ولها المهر في العقد الثّاني إن كان دخل بها ونصفه في العقد الوّل إن ادّعى‬
‫ن الصل عدم لزومه له ‪ ،‬وإن أص ّر على إنكار جريان‬
‫سقوط نصفه بالطّلق قبل الدخول ؛ ل ّ‬
‫عقدين بينهما فرقة سئلت فإن ادّعت أنّه دخل بها في النّكاح الوّل ثمّ طلّقها طلقا بائنا ثمّ‬
‫نكحها نكاحا ثانيا حلفت على ذلك واستحقّت ما ادّعته ‪ ،‬وإن أقرّت بما يسقط نصف المهر أو‬
‫جميعه لزمها ما أقرّت به ‪.‬‬
‫ولو اتّفقا قبل العقد على مهر وعقداه بأكثر منه أخذ بما عقد به لنّها تسمية صحيحة في‬
‫عقد صحيح فوجبت كما لو لم يتقدّمها اتّفاق على خلفها وكعقد النّكاح هز ًل وتلجئةً بخلف‬
‫البيع ‪.‬‬
‫ويستحب أن تفي بما وعدت به وشرطته من أنّها ل تأخذ إلّا مهر السّ ّر ‪ ،‬لكيل يحصل منها‬
‫غرور ولحديث ‪ « :‬المسلمون على شروطهم » ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬اختلف الزّوجين في المقبوض ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الحنفيّة ‪ :‬لو بعث إلى امرأته شيئا من النّقدين أو العروض أو ممّا يؤكل قبل‬ ‫‪59‬‬

‫الزّفاف أو بعده ‪ ،‬ولم يذكر جهة الدّفع ‪ -‬مهرا أو غيره ‪ -‬فقالت هو هديّة وقال ‪ :‬هو من‬
‫المهر أو من الكسوة أو عارية فالقول له بيمينه ‪ ،‬والبيّنة لها أي إذا أقام كل منهما بيّنةً‬
‫تقدّم بيّنتها ‪ ،‬فإن حلف والمبعوث قائم فلها أن تردّه لنّها لم ترض به مهرا وترجع بباقي‬
‫المهر ‪ ،‬وذلك في غير المهيّأ للكل كثياب وشاة حيّة وسمن وعسل وما يبقى شهرا ‪،‬‬
‫ن الظّاهر يكذّبه ‪.‬‬
‫والقول لها في المهيّأ للكل كخبز ولحم مشوي ل ّ‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو أعطاها ما ًل فقالت أعطيته لي هد ّيةً وقال ‪ :‬بل صداقا ‪ ،‬فالقول قوله‬
‫بيمينه ‪ ،‬وإن لم يكن المعطى من جنس الصّداق كان أو غيره لنّه أعرف بكيفيّة إزالة ملكه‬
‫فإذا حلف الزّوج ‪ ،‬فإن كان المقبوض من جنس الصّداق ‪ :‬وقع عنه ‪ ،‬وإلّا فإن رضيا ببيعه‬
‫بالصّداق فذاك ‪ ،‬وإلّا استردّه وأدّى لها الصّداق ‪ ،‬فإن كان تالفا فله البدل عليها ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن دفع الزّوج إلى زوجته ألفا أو دفع إليها عرضا فقال ‪ :‬دفعته صداقا‬
‫وقالت ‪ :‬هبةً ‪ ،‬فالقول قوله مع يمينه لنّه أعلم بنيّته ‪ ،‬ومثله النّفقة والكسوة ‪ ،‬لكن إذا كان‬
‫ما دفعه من غير جنس الواجب عليه فلها رده ومطالبته بصداقها الواجب ؛ لنّه ل يقبل قوله‬
‫في المعارضة بل بيّنة ‪.‬‬
‫الجهاز ومتاع البيت ‪:‬‬
‫‪ -‬المهر حق خالص للزّوجة ‪ ،‬تتصرّف فيه كيف تشاء ‪ ،‬فليس عليها إعداد البيت ‪ ،‬حيث‬ ‫‪60‬‬

‫ل يوجد نص من مصادر الشّريعة يوجب على الزّوجة أن تجهّز بيت الزّوجيّة ‪ ،‬كما أنّه ل‬
‫يوجد ما يدل على أنّ الجهاز واجب على أبيها ‪ ،‬وليس لحد أن يجبرها على ذلك ‪ ،‬فإذا‬
‫قامت بالجهاز وما يلزم من أثاث ‪ ،‬وأدواتٍ فهي متبرّعة ‪.‬‬
‫وإعداد البيت واجب على الزّوج ‪ ،‬فهو الّذي يجب عليه أن يقوم بكلّ ما يلزم لعداد مسكن‬
‫الزّوجيّة من فرشٍ ‪ ،‬ومتاع ‪ ،‬وأدوات منزليّة ‪ ،‬وغير ذلك ممّا يحتاج إليه البيت ؛ لنّ ذلك‬
‫من النّفقة الواجبة عليه للزّوجة ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬الصّداق كله ملك للمرأة ول يبقى للرّجل فيه شيء ‪.‬‬
‫وقال الحنفيّة ‪ :‬إذا زاد الزّوج في المهر على مهر المثل ‪ -‬ويقصد من وراء ذلك أن تقوم‬
‫الزّوجة بإعداد الجهاز ‪ -‬دون أن يفصل الزّيادة عن المهر ‪ ،‬فليس عليها مع هذا تجهيز‬
‫نفسها بقليل أو كثير ؛ لنّ المهر حق خالص للزّوجة ؛ تعظيما لشأنها ‪ ،‬ل في مقابل ما‬
‫تزف به إليه من جهاز ‪.‬‬
‫أمّا إذا دفع لزوجته مالً فوق مهرها نظير إعداد الجهاز ‪ ،‬فتكون الزّوجة ملزمةً بالجهاز في‬
‫حدود ما دفعه زيادةً على المهر ‪ ،‬وإن لم تقم بالجهاز كان له الحق في استرداد ما أعطى ‪،‬‬
‫وإذا سكت الزّوج بعد الزّفاف عن المطالبة مدّ ًة تدل على رضاه ‪ ،‬فيسقط حقه ‪ ،‬ول يرجع‬
‫عليها بشيء ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فيرون أنّ المهر ليس حقا خالصا للزّوجة ‪ ،‬ولهذا ل يجوز لها أن تنفق منه‬
‫على نفسها ‪ ،‬ول تقضي منه دينا عليها ‪ ،‬وإن كان للمحتاجة أن تنفق منه ‪ ،‬وتكتسي‬
‫بالشّيء القليل بالمعروف ‪ ،‬وأن تقضي منه الدّين القليل الدّينار إذا كان المهر كثيرا ؛ لنّ‬
‫عليها أن تتجهّز بما جرت به العادة في جهاز مثلها لمثله ‪ ،‬بما قبضته من المهر قبل‬
‫الدخول إن كان حالً ‪ ،‬ول يلزمها أن تتجهّز بأزيد منه ‪ ،‬فإن دخل بها قبل القبض فل يلزمها‬
‫التّجهيز ‪ ،‬إلّا إذا كان هناك شرطٌ ‪ ،‬أو عُرف فيتّبع ‪.‬‬
‫وعلى هذا فللزّوج أن ينتفع بجهاز زوجته ‪ ،‬ما دام النتفاع في حدود المتعارف عليه بين‬
‫النّاس ‪.‬‬
‫المهر حال مرض الموت ‪:‬‬
‫‪ -‬فرّق الحنفيّة بين ما إذا تزوّج المريض وكان مدينا ‪ ،‬وبين ما إذا تزوّج وكان غير‬ ‫‪61‬‬

‫مدين ‪.‬‬
‫الحالة الولى ‪ :‬إذا كان المريض مدينا ‪ :‬فإن تزوّج بمهر المثل جاز ‪ ،‬وتُحاصصُ الزّوجة‬
‫صحّة في مهرها بعد موته إن لم يكن نقدها إيّاه في حياته ‪ ،‬فيقسم المال عليها‬
‫غرماء ال ّ‬
‫وعليهم على قدر حصصهم ‪ ،‬وذلك لنّ مهرها دين لها على زوجها ‪ ،‬فيكون مساويا لدين‬
‫صحّة ‪ ،‬وذلك لوجوبه بأسباب معلومة ل مردّ لها ‪ ،‬حيث إنّ النّكاح لمّا جاز في المرض ‪،‬‬
‫ال ّ‬
‫وهو ل يجوز إلّا بالمهر ‪ ،‬كان وجوب المهر ظاهرا معلوما لظهور سبب وجوبه وهو‬
‫النّكاح‪ ،‬فلم يكن وجوبه محتملً ‪ ،‬فيتعلّق بماله ضرور ًة ‪.‬‬
‫أمّا إذا نقدها مهرها قبل موته ‪ ،‬فل يسلّم لها المنقود ‪ ،‬بل يتبعها ويشاركها فيه غرماؤه في‬
‫ن حقّهم تعلّق‬
‫صحّة بعد وفاته ‪ ،‬وتكون أسوة الغرماء ‪ ،‬كل على قدر حصّته ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫حال ال ّ‬
‫بماله في مرضه ‪ ،‬ولو سلّم لها كل مهرها المنقود لبطل حق الغرماء الباقين في عين المال‬
‫ن ما وصل إليه من المنفعة ‪ ،‬ل يصلح لقضاء حقوقهم ‪ ،‬فصار وجود هذا‬
‫وفي ماليّته ؛ ل ّ‬
‫العوض في حقّهم وعدمه بمنزلة واحدة ‪ ،‬وكان إبطالً لحقّهم ‪ ،‬وليست له ولية البطال ‪.‬‬
‫ولنّه أخرج عن ملكه ما تعلّق به حقهم من غير عوض يقوم مقامه في تعلق حقّهم به ‪،‬‬
‫فالمهر بدل عن ملك النّكاح وملك النّكاح ل يحتمل تعلق حقّ الغرماء به ؛ لنّه منفعة ‪،‬‬
‫فصار كما إذا قضى دين بعض الغرماء ‪ ،‬فلبقيّتهم أن يشاركوه ‪ ،‬فكذا هذا ‪.‬‬
‫أمّا إذا زاد المريض على مهر المثل ‪ ،‬فقد قال المام محمّد بن الحسن في كتابه الزّيادات ‪:‬‬
‫صحّة على الزّيادة على مهر مثلها ‪.‬‬
‫يقدّم دين ال ّ‬
‫الحالة الثّانية ‪ :‬إذا لم يكن المريض مدينا ‪ :‬وفي هذه الحالة اعتبروا الزّواج جائزا من رأس‬
‫المال إذا كان بمهر المثل ؛ لنّه صرف لماله في حوائجه الصليّة ‪ ،‬فيقدّم بذلك على وارثه ‪.‬‬
‫وإنّما قيّد التّزوج بمهر المثل ؛ لنّ الزّيادة عليه محاباة ‪ ،‬وهي باطلة إلّا أن يجيزها‬
‫ن حكمها حكم الوصيّة للزّوجة الوارثة ‪ ،‬والوصيّة ل تجوز لوارث إلّا أن يجيزها‬
‫الورثة ‪ ،‬ل ّ‬
‫الورثة ‪ ،‬وإن كان النّكاح صحيحا ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة إلى جواز النّكاح في مرض الموت ‪ ،‬حيث جاء في المّ ‪ :‬ويجوز للمريض‬
‫أن ينكح جميع ما أحلّ اللّه تعالى ‪ ،‬أربعا وما دونهنّ ‪ ،‬كما يجوز له أن يشتري ‪ ،‬لكنّهم‬
‫فرّقوا فيما يثبت للزّوجة من المهر بين موت الزّوجة وموت الزّوج ‪.‬‬
‫فإذا ماتت الزّوجة كان لها جميع ما أصدقها به ‪ ،‬صداق مثلها من رأس المال ‪ ،‬والزّيادة‬
‫عليه من الثلث ‪ ،‬كما إذا وهب لجنبيّة فقبضته ‪ ،‬فإنّه يكون من الثلث ‪.‬‬
‫أمّا إذا مات الزّوج ‪ ،‬فقد فرّقوا بين ما إذا كانت الزّوجة من أهل الميراث عند موته ‪ ،‬وبين‬
‫ما إذا لم تكن ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬فإن كانت من أهل الميراث عند موته ‪ ،‬فينظر ‪ :‬إن كان أصدقها بصداق المثل ‪ ،‬جاز لها‬
‫من جميع المال ‪ ،‬وإن زاد على صداق المثل ‪ ،‬فالزّيادة محاباة ‪.‬‬
‫ح قبل موته ‪،‬‬
‫فإن صحّ قبل أن يموت ‪ ،‬جاز لها مع الزّيادة من جميع المال ؛ لنّه لمّا ص ّ‬
‫كان كمن ابتدأ نكاحا وهو صحيح ‪.‬‬
‫وإن مات قبل أن يصحّ ‪ ،‬بطلت الزّيادة على صداق مثلها ‪ ،‬وثبت النّكاح ‪ ،‬وكان لها‬
‫الميراث‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أمّا إذا كانت ممّن ل يرث ‪ ،‬كذمّيّة وأمةٍ ثمّ مات وهي عنده ‪ ،‬جاز لها جميع الصّداق ‪،‬‬
‫صداق مثلها من جميع المال ‪ ،‬والزّيادة عليه من الثلث ؛ لنّها غير وارث ‪ ،‬ولو أسلمت‬
‫ال ّذمّيّة قبل موته أو عتقت المة قبله فصارت وارثا ‪ ،‬بطل عنها ما زاد على صداق المثل ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إذا تزوّج في مرض الموت بمهر يزيد على مهر المثل ففي المحاباة‬
‫روايتان‪ :‬إحداهما أنّها موقوفة على إجازة الورثة لنّها عطيّة لوارث ‪ ،‬والثّانية ‪ :‬تنفذ من‬
‫الثلث ‪ .‬قال ابن رجب ‪ :‬ويحتمل أن يكون مأخذه أنّ الرث المقارن للعطيّة ل يمنع نفوذها ‪،‬‬
‫كما يحتمل أن يقال ‪ :‬إنّ الزّوجة ملكتها في حال ملك الزّوج البضع ‪ ،‬وثبوت الرث مترتّب‬
‫على ذلك ‪.‬‬
‫وفرّق المالكيّة بين ما إذا تزوّج المريض صحيحةً ‪ ،‬وبين ما إذا تزوّج الصّحيح مريضةً ‪،‬‬
‫وبين ما إذا تزوّج المريض مريض ًة مثله ‪.‬‬
‫الحالة الولى ‪ :‬إذا تزوّج المريض صحيحةً فقد فرّق المالكيّة بين موته قبل الفسخ وبين‬
‫موته بعده ‪ ،‬فإن مات قبل فسخه ‪ ،‬فلها القل من الصّداق المسمّى وصداق المثل من ثلث‬
‫ماله ‪ ،‬سواء دخل بها أو لم يدخل ‪.‬‬
‫أمّا إذا مات بعد فسخه ‪ ،‬فينظر ‪ :‬إن كان الفسخ قبل موته وقبل الدخول فليس لها شيء من‬
‫المهر ‪ ،‬وإن كان الفسخ قبل موته وبعد الدخول ‪ ،‬كان لها المسمّى تأخذه من ثلثه مبدّأ إن‬
‫مات ‪ ،‬ومن رأس ماله إن صحّ ‪.‬‬
‫الحالة الثّانية ‪ :‬إذا تزوّجت المريضة صحيحا ‪ ،‬فلها مهرها المسمّى من رأس المال ‪ ،‬سواء‬
‫زاد على صداق المثل أم ل إن كانت مدخولً بها ‪ ،‬ومثل الدخول موته أو موتها قبل الفسخ‬
‫والدخول ‪.‬‬
‫الحالة الثّالثة ‪ :‬إذا تزوّج المريض مريض ًة مثله ‪ :‬فيغلب جانب الزّوج ‪ ،‬ويكون حكم المهر‬
‫إليها حكم ما لو كان الزّوج فقط هو المريض ‪.‬‬

‫ُمهْلة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المهلة في اللغة ‪ :‬السّكينة والرّفق ‪ ،‬يقال ‪ :‬مهل في فعله مهلً ‪ :‬تناوله برفق ولم يعجل‬ ‫‪1‬‬

‫‪ ،‬وأمهله ‪ :‬لم يعجّله ‪ ،‬وأنظره ‪ ،‬ورفق به ‪ ،‬ومهّله تمهيلً ‪ :‬أجّله ‪.‬‬


‫ول يخرج المعنى في الصطلح عن معناه في اللغة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الجل ‪:‬‬
‫جلُ الشّيء ‪ :‬مدّته ووقته الّذي‬
‫‪ -‬الجل لغةً ‪ :‬مصدر أجلَ الشّيء أجلً من باب تعب ‪ ،‬وأَ َ‬ ‫‪2‬‬

‫يحل فيه ‪.‬‬


‫واصطلحا ‪ :‬قال البركتي ‪ :‬هو الوقت المضروب المحدود في المستقبل ‪.‬‬
‫والعلقة بين المهلة والجل هي العموم والخصوص المطلق ‪ ،‬فكل مهلة أجل وليس كل أجل‬
‫مهلةً ‪ ،‬فقد يحدّد الشّرع أوقاتا للحكم كمدّة الحمل والعدّة والحيض والنّفاس دون تأخير في‬
‫تنفيذه دائما كما هو الحال في المهلة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المدّة ‪:‬‬
‫‪ -‬المدّة لغةً ‪ :‬البرهة من الزّمان يقع على القليل والكثير ‪ ،‬والجمع مدد مثل غرفة‬ ‫‪3‬‬

‫وغرف‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫والعلقة بين المهلة والمدّة العموم والخصوص المطلق فكل مهلة مدّة وليست كل مدّة مهلةً‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالمهلة ‪:‬‬
‫يتعلّق بالمهلة أحكام منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬إمهال الكفيل ‪:‬‬
‫ن للحاكم أن يمهل الكفيل مدّةً لحضار المكفول الغائب في بلد آخر‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪4‬‬

‫ن مدّة المهال مقدّرة بمدّة ذهابه وإيابه ‪.‬‬


‫إذا طلب الغريم منه إحضاره وأ ّ‬
‫وشرط جمهورهم من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة أن تكون غيبة المكفول في موضع معلوم‪،‬‬
‫وزاد الحنفيّة والشّافعيّة على ذلك أمن الطّريق ‪ ،‬وسواء كانت المسافة قريبةً أو بعيدةً عند‬
‫الحنفيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫وشرط المالكيّة أن يكون المكفول غائبا قريب الغيبة مثل اليوم وشبهه ‪ ،‬فإن بعدت فل إمهال‬
‫وغرم الكفيل ‪.‬‬
‫ويرى الشّافعيّة أنّه إن كان السّفر طويلً أمهل مدّة إقامة السّفر وهي ثلثة أيّام غير يومي‬
‫الدخول والخروج ‪ ،‬ثمّ إن مضت المدّة المذكورة ولم يحضره حبس ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إمهال المولي بعد مدّة اليلء ‪:‬‬
‫‪ -‬يرى المالكيّة أنّ الزّوج ل يعد موليا إذا حلف ليعزلن عن زوجته ‪ ،‬أو ل يبيتن ‪ ،‬أو‬ ‫‪5‬‬

‫ترك الوطء ضررا وإن غائبا ‪ ،‬أو سرمد العبادة بل ضرب أجل لليلء على الصحّ في‬
‫الفروع الربعة خلفا لمن قال إنّه يكون موليا في المسائل الربع فيضرب له أجل اليلء ‪،‬‬
‫فإن انقضى ولم يف طلّق عليه ‪ ،‬لكن الغائب ل ب ّد من طول غيبته سنةً فأكثر ‪ ،‬ول ب ّد من‬
‫الكتابة إليه إمّا أن يحضر أو ترحّل امرأته إليه أو يطلّق ‪ ،‬فإن امتنع تلوّم له بالجتهاد وطلّق‬
‫عليه ‪.‬‬
‫أمّا الشّافعيّة فإنّ الزّوج إذا حلف أن ل يطأ زوجته مطلقا أو مدّةً تزيد على أربعة أشهر فهو‬
‫مول ‪ ،‬ويؤجّل له بمعنى يمهل المولي وجوبا إن سألت زوجته ذاك أربعة أشهر ‪ ،‬وإذا انتهت‬
‫مدّة اليلء فل يمهل ليفئ أو يطلّق ؛ لنّه زيادة على ما أمهله اللّه ‪ ،‬والحق إذا حلّ ل يؤجّل‬
‫ثانيا ‪ ،‬إلّا إذا أستمهل لشغل أمهل بقدر ما يتهيّأ لذلك الشّغل ‪ ،‬فإن كان صائما أمهل حتّى‬
‫يفطر أو جائعا فحتّى يشبع ‪ ،‬أو ثقيلً من الشّبع فحتّى يخفّ ‪ ،‬أو عليه النعاس فحتّى يزول‬
‫والستعداد في مثل هذه الحوال بقدر يوم فما دونه ‪.‬‬
‫ن المولي الممتنع من الجماع بعد المدّة يؤمر بالطّلق وإلّا حبس وضيّق‬
‫وذهب الحنابلة إلى أ ّ‬
‫عليه حتّى يطلّق ‪ ،‬فإن قال ‪ :‬أمهلوني حتّى أصلّي فرضي أو أتغذّى أو ينهضم الطّعام عنّي‬
‫أو أنام فإنّي ناعسٌ ونحوه أمهل بقدر ذلك ويمهل المحرم حتّى يحلّ ‪.‬‬
‫وإن كان المولي مظاهرا لم يؤمر بالوطء ويقال له ‪ :‬إمّا تكفّر وتفيء وإمّا أن تطلّق ‪ ،‬فإن‬
‫طلب المهال ليطلب رقبة يعتقها أو طعاما يشتريه أمهل ثلثة أيّام وإن علم أنّه قادر على‬
‫التّكفير في الحال وإنّما قصده المدافعة لم يمهل ‪ ،‬وإن كان فرضه الصّيام لم يمهل حتّى‬
‫يصوم بل يؤمر أن يطلّق وإن كان قد بقي عليه من الصّيام مدّة يسيرة عرفا أمهل فيها ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إمهال الشّفيع لحضار الثّمن ‪:‬‬
‫ن الثّمن إذا لم يكن حاضرا وقت التّملك وطلب الشّفيع أجلً لنقد‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪6‬‬

‫الثّمن أمهله القاضي ثلثا عند المالكيّة والشّافعيّة ‪.‬‬


‫وعند الحنفيّة له أن يمهله يوما أو يومين أو ثلثا ‪ ،‬وعند الحنابلة له أن يمهله يومين أو‬
‫ثلثةً ‪.‬‬
‫د ‪ -‬إمهال المرتدّ ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في قول إلى أنّ المرتدّ يمهل ثلثة أيّام‬ ‫‪7‬‬

‫لستتابته على الخلف بين وجوب الستتابة أو استحبابها ‪ ،‬غير أنّ الحنفيّة نصوا على أنّه‬
‫يستتاب ‪ ،‬فإن أبى السلم نظر المام في ذلك ‪ ،‬فإن طمع في توبته أو سأل هو التّأجيل أجّله‬
‫ثلثة أيّام ‪ ،‬وإن لم يطمع في توبته ولم يسأل هو التّأجيل قتله من ساعته ‪ ،‬وهذا في ظاهر‬
‫الرّواية ‪ ،‬وفي النّوادر عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنّه يستحب للمام أن يؤجّله ثلثة أيّام‬
‫طلب ذلك أو لم يطلب ‪.‬‬
‫وفي الظهر عند الشّافعيّة ل يمهل وتجب الستتابة في الحال ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪35‬‬ ‫وتفصيل ذلك في ( ردّة ف ‪/‬‬
‫هـ ‪ -‬إمهال تنفيذ العقوبة خشية تعدّيها ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا كان تنفيذ العقوبة المستحقّة يخشى منه تعدّيها إلى غير المستحقّ لها ‪ ،‬كما إذا‬ ‫‪8‬‬

‫ل ‪ ،‬أو كان الجاني على ما‬


‫كانت المرأة المستحقّة للقتل رجما أو قصاصا أو غيرهما حام ً‬
‫دون النّفس عمدا موجبا لقصاص فيما دون النّفس مريضا مرضا يخشى منه على نفسه ‪،‬‬
‫أمهلت الحامل حتّى تضع ‪ ،‬والمريض حتّى يبرأ ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪41‬‬ ‫وللتّفصيل انظر مصطلح ( حدود ف ‪/‬‬
‫و ‪ -‬إمهال المكاتب ‪:‬‬
‫ن المكاتب إذا عجز عند حلول النّجم وكان له مال يرجى ُأ ْمهِل ‪ ،‬فقد‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪9‬‬

‫ن الحاكم ينظره يومين أو ثلثةً ول يزاد عليها لنّ في ذلك نظرا‬


‫ص الحنفيّة على أ ّ‬
‫ن ّ‬
‫للجانبين‪ ،‬والثّلثة مدّة تضرب لبلء العذار ‪.‬‬
‫ن للحاكم أن يمهل من يرجى يسره ‪.‬‬
‫ويرى المالكيّة أ ّ‬
‫ب له إمهاله إعانةً له‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو استمهل المكاتب سيّده عند حلول النّجم لعجز أستح ّ‬
‫على تحصيل العتق فإن أمهل السّيّد مكاتبه ثمّ أراد الفسخ فله ذلك ؛ لنّ الدّين الحالّ ل‬
‫ض وكانت الكتابة غيرها ‪ ،‬واستمهل لبيعها أمهله وجوبا‬
‫يتأجّل‪ ،‬وإن كان مع المكاتب عرو ٌ‬
‫ليبيعها لنّها مدّة قريبة ‪ ،‬ولو لم يمهلها لفات مقصود الكتابة فإن لم يمكن بيعها فورا كأن‬
‫عرض كساد فله أن ل يزيد في المهلة على ثلثة أيّام لتضرره بذلك ‪ ،‬وهو المعتمد ‪،‬‬
‫ومقتضى كلم المام عدم وجوب المهال ‪ ،‬فقد نقل عنه في الرّوضة وأصلها جواز الفسخ‬
‫وصحّحاه ‪ ،‬وإن كان ماله غائبا واستمهل لحضاره أمهله السّيّد وجوبا إلى إحضاره إن كان‬
‫غائبا فيما دون مرحلتين لنّه بمنزلة الحاضر كان غائبا بأن كان على مرحلتين فأكثر فل‬
‫يجب المهال لطول المدّة ‪.‬‬
‫ن له مالً غائبا عن‬
‫وعند الحنابلة إذا عجز المكاتب عن أداء نجم الكتابة ‪ ،‬فإذا ذكر أ ّ‬
‫المجلس في ناحية من نواحي البلد أو قريب منه لم يجز فسخ الكتابة ‪ ،‬وأمهل بقدر ما‬
‫يتمكّن فيه من الوفاء لقصر مدّته ‪ ،‬ويلزم السّيّد إنظاره ثلثا لبيع عرض أو لمال غائب‬
‫مسافة قصر يرجو قدومه ولدين حال على مليء أو قبض مودع ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬إمهال البغاة‬
‫ن أهل البغي إذا سألوا المام النظار ورجا رجوعهم عمّا هم‬
‫‪ -‬أجمع الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪10‬‬

‫عليه إلى طريق أهل العدل فعليه أن يمهلهم ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪10‬‬ ‫انظر مصطلح ( بغاة ف ‪/‬‬
‫ح ‪ -‬المهال في الدّعوى ‪:‬‬
‫المهال في الدّعوى إمّا أن يكون للمدّعي أو للمدّعى عليه ‪ ،‬وبيان ذلك فيما يلي ‪:‬‬
‫إمهال المدّعي ‪:‬‬
‫ن الحنفيّة يرون أنّه لو‬
‫‪ -‬إذا طلب المدّعي مهلةً ليقدّم البيّنة الشّاهدة على ما يدّعيه فإ ّ‬ ‫‪11‬‬

‫قال المدّعي ‪ :‬لي بيّنة حاضرة لم يستحلف ‪ ،‬وقيل لخصمه أعطه كفيلً بنفسك ثلثة أيّام كيل‬
‫يضيع حقه بتغييبه نفسه ‪ ،‬وفيه نظر للمدّعي ‪ ،‬وليس فيه كثير ضرر بالمدّعى عليه لنّ‬
‫ن الحقّ لم‬
‫الحضور واجب عليه إذا طلبه وهذا استحسان ‪ ،‬والقياس أن ل يلزم الكفيل ل ّ‬
‫يجب عليه بعد ‪.‬‬
‫والتّقدير بثلثة أيّام مرويّ عن أبي حنيفة رحمه اللّه وهو الصّحيح ‪ ،‬وعن أبي يوسف أنّه‬
‫مقدّر بما بين مجلسي القضاء ‪ ،‬حتّى إذا كان يجلس في كلّ يوم يكفل إلى اليوم الثّاني ‪ ،‬وإن‬
‫كان يجلس في كلّ عشرة أيّام يوما يكفل إلى عشرة ‪.‬‬
‫فإن أبى لزمه حيث صار ‪.‬‬
‫والشّافعيّة يرون إمهاله ثلثة أيّام ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬عند الشّافعيّة أنّه يمهل أبدا لنّ اليمين حقه فله تأخيره إلى أن يشاء كالبيّنة ‪.‬‬
‫وهل المهال عندهم واجب أو مستحب ؟ وجهان ‪.‬‬
‫أمّا المالكيّة فإنّهم تركوا تقدير مدّة المهال إلى القاضي ‪.‬‬
‫ن المدّعي لو سأل القاضي ملزمة المدّعى عليه حتّى يقيم البيّنة ‪ ،‬أجيب في‬
‫أمّا الحنابلة فإ ّ‬
‫المجلس ‪ ،‬فإن لم يحضرها في المجلس صرفه ‪ ،‬ول يجوز حبسه ‪ .‬ول يلزم بإقامة كفيل ‪،‬‬
‫ولو سأله المدّعي ذلك ‪.‬‬
‫إمهال المدّعى عليه ‪:‬‬
‫‪ -‬إذا طلب المدّعى عليه مهل ًة ليأتي بحجّة أو ينظر في حسابه ‪ ،‬فجمهور الفقهاء من‬ ‫‪12‬‬

‫المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة يرون إمهاله ‪.‬‬


‫ن المالكيّة أرجعوا تحديد مدّة المهال إلى القاضي ‪.‬‬
‫إلّا أ ّ‬
‫وأمّا الشّافعيّة والحنابلة فإنّهم يرون المهال ثلثة أيّام ‪.‬‬
‫‪ -‬وإذا اس ُتحْلِف المدّعى عليه فطلب المهال ‪ ،‬فقد نصّ الحنفيّة على أنّ المدّعى عليه‬ ‫‪13‬‬

‫بعد عرض القاضي عليه اليمين مرّتين يمهله ثلثة أيّام ‪ ،‬ث ّم إذا جاء بعد ثلثة أيّام وقال ‪ :‬ل‬
‫ت ‪ ،‬ول‬
‫ن القاضي ل يقضي عليه حتّى ينكل ثلثةً ويستقبل عليه اليمين ثلث مرّا ٍ‬
‫أحلف ‪ ،‬فإ ّ‬
‫يعتبر نكوله قبل الستمهال ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة في قول إلى أنّ المدّعى عليه إذا اس ُتحْلِف فطلب المهال لينظر حسابه فإنّ‬
‫القاضي يمهله ثلثة أيّام ‪.‬‬
‫والمعتمد عند الشّافعيّة أنّه ل يمهل إلّا برضا المدّعي لنّه مقهور على القرار واليمين‬
‫بخلف المدّعي فإنّه مختار في طلب حقّه وتأخيره ‪.‬‬
‫‪ -‬إذا طلب المدّعى عليه مهل ًة ليقدّم البيّنة المجرّحة في البيّنة الشّاهدة عليه أمهله‬ ‫‪14‬‬

‫القاضي عند جمهور العلماء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬


‫وله عند المالكيّة أن يجتهد في تقدير مدّة المهال ‪ ،‬أمّا الشّافعيّة في المعتمد ‪ ،‬والحنابلة‬
‫فإنّه يمهله ثلثة أيّام غير يومي المهال والعودة عند الشّافعيّة ‪ ،‬وفي قول للشّافعيّة أنّه‬
‫يمهله يوما فقط ‪.‬‬
‫‪ -‬وإذا قال المدّعى عليه بعد ثبوت الدّعوى ‪ :‬قضيتُه أو أبرأني ‪ ،‬وذكر له بيّنةً بالقضاء‬ ‫‪15‬‬

‫أو البراء وسأل النظار أنظر ثلثا عند الشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ونصّ الشّافعيّة على أنّه إذا ادّعى العبد أداء مال الكتابة وأنكر السّيّد وأراد العبد إقامة البيّنة‬
‫أمهل ثلثا ‪.‬‬
‫ولكن هل المهال واجب أو مستحب ؟ وجهان أوجههما الوجوب ‪.‬‬

‫ِمهْنة *‬
‫انظر ‪ :‬احتراف ‪.‬‬

‫مَوات *‬
‫انظر ‪ :‬إحياء الموات ‪.‬‬

‫ُموَا َثبَة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المواثبة لغةً ‪ :‬مصدر واثب ‪ ،‬يقال ‪ :‬واثبه مواثبةً ووثابا ‪ :‬وثب كل منهما على‬ ‫‪1‬‬

‫صاحبه‪ ،‬والثلثي ‪ :‬وثب ‪ ،‬ويأتي بمعان يقال ‪ :‬وثب يثب وثبا ‪ :‬طفر وقفز ‪ ،‬ويقال ‪ :‬وثب‬
‫إلى المكان العالي ‪ :‬بلغه ‪ ،‬والعامّة تستعمله بمعنى ‪ :‬المبادرة والمسارعة ‪.‬‬
‫واصطلحا ‪ :‬المواثبة في الشّفعة طلب الشّفعة على وجه السرعة والمبادرة ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الطّفر ‪:‬‬
‫‪ -‬الطّفر لغ ًة ‪ :‬من باب ضرب ‪ ،‬يقال ‪ :‬طفر طفرا وطفورا أيضا ‪ ،‬والطّفرة أخص من‬ ‫‪2‬‬

‫الطّفر ‪ ،‬وهو الوثوب في ارتفاع كما يطفر النسان الحائط إلى ما وراءه ‪ .‬قاله الزهري‬
‫وغيره وزاد المطّرّزي على ذلك فقال ‪ :‬ويدل على أنّه وثب خاص قول الفقهاء ‪ :‬زالت‬
‫بكارتها بوثبة أو طفرة ‪ ،‬وقيل ‪ :‬الوثبة من فوق والطّفرة إلى فوق ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المبادرة ‪:‬‬
‫‪ -‬المبادرة لغةً المسارعة ‪ ،‬من بابي ‪ :‬قعد ‪ ،‬وقاتل ‪ .‬يقال ‪ :‬بادر إلى الشّيء بدورا ‪،‬‬ ‫‪3‬‬

‫وبادر إليه مبادرةً وبدارا ‪ :‬أسرع ‪ .‬وتبادر القوم ‪ :‬أسرعوا ‪.‬‬


‫واستعمل الفقهاء المبادرة في طلب الشّفعة لفظ المواثبة ‪.‬‬
‫والعلقة بين المبادرة والمواثبة هي أنّ كلّ مواثبة مبادرة وليس كل مبادرة مواثبةً ‪.‬‬
‫مشروعيّة المواثبة ‪:‬‬
‫‪ -‬المواثبة مشروعة لما ورد في الثر ‪ « :‬الشّفعة لمن واثبها » ‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫ن طلبها ليس لثبات الحقّ في الشّفعة ‪ ،‬بل ليعلم أنّه‬


‫والحكمة من مشروعيّتها في الشّفعة أ ّ‬
‫غير معرض عن الشّفعة ‪.‬‬
‫وقت طلب المواثبة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في وقت طلب المواثبة في الشّفعة ‪ ،‬هل هي على الفور أو حتّى ينقضي‬ ‫‪5‬‬

‫مجلس العلم بالشّفعة أو أنّ وقتها متّسع إلى مدّة محدّدة أو غير محدّدة ؟ أقوال ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪32‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪29‬‬ ‫انظر تفصيل ذلك في مصطلح ( شفعة ف ‪/‬‬
‫الشهاد على طلب المواثبة ‪:‬‬
‫ن الشهاد على طلب المواثبة ‪ ،‬هو شرط صحّة لها ‪ ،‬أو هو لثبات‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪6‬‬

‫الحقّ عند الخصومة على تقدير النكار ؟‬


‫)‪.‬‬ ‫‪33‬‬ ‫انظر تفصيل ذلك في مصطلح ( شفعة ف ‪/‬‬

‫موَادَعة *‬
‫انظر ‪ :‬هدنة ‪.‬‬

‫مَواريث *‬
‫ث‪.‬‬
‫انظر ‪ :‬إر ٌ‬

‫مواضَعة *‬
‫انظر ‪ :‬وضيعة ‪.‬‬

‫مُواطأة‬
‫انظر ‪ :‬تواطؤٌ ‪.‬‬

‫مَواطِن الجابة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ن يقال ‪َ :‬وطَنَ فلنٌ بالمكان ‪،‬‬
‫‪ -‬المواطن جمع الموطن ‪ ،‬والموطن ‪ :‬اسم المكان من َوطَ َ‬ ‫‪1‬‬

‫وأوطن ‪ :‬إذا قام به ‪ ،‬وأوطنه أيضا ‪ :‬اتّخذه وطنا ‪.‬‬


‫والوَطَن ‪ :‬المنزل تقيم به ‪ ،‬وهو موطنُ النسان ومحله ‪ .‬ويقال ‪ :‬أوطَنَ فلنٌ أرض كذا ‪،‬‬
‫ل ومسكنا يقيم فيها ‪.‬‬
‫أي اتّخذها مح ً‬
‫والموطن أيضا ‪ :‬الموقف والمشهد من مشاهد الحرب ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪َ { :‬لقَدْ نَصَ َر ُكمُ الّلهُ‬
‫ن كَثِيرَةٍ وَ َي ْومَ حُنَيْنٍ } ‪ ،‬وإذا اتّخذ الرّجل مكانا معلوما من المسجد مخصوصا به‬
‫فِي َموَاطِ َ‬
‫يصلّي فيه ‪ ،‬قيل ‪ :‬أوطَنَ فيه ‪ ،‬وفي الحديث ‪ « :‬نهى النّبي صلى ال عليه وسلم صلّى اللّه‬
‫عليه وسلّم عن نُقرة الغراب ‪ ,‬وافتراش السّبع وأن يوطِنَ الرّجل المكان في المسجد كما‬
‫يوطِنُ البعير » ‪ ،‬أي كالبعير ل يأوي من العطن إلّا إلى مبركٍ قد أوطنه واتّخذه مُناخا ‪.‬‬
‫والجابة المقصودة هنا ‪ :‬إجابة اللّه تبارك وتعالى دعا َء الدّاعين ‪.‬‬
‫ن من دعا فيها استُجيب له ‪.‬‬
‫ن الّتي يغلب على الظّنّ أ ّ‬
‫ومواطن الجابة على هذا ‪ :‬هي المظا ّ‬
‫حكم تحرّي الدعاء في مواطن الجابة ‪:‬‬
‫‪ -‬تحرّي الدعاء في مواطن الجابة مستحب ‪ ،‬ويفهم الستحباب من مختلف الصّيغ‬ ‫‪2‬‬

‫سحَارِ ُهمْ‬
‫الواردة في الكتاب والسنّة ‪ ،‬كالثّناء على فاعله في مثل قول اللّه تعالى ‪ { :‬وَبِالْ َأ ْ‬
‫َيسْ َتغْفِرُونَ } ‪ ،‬وكالتّخصيص في نحو قوله تعالى في الحديث القدسيّ ‪ « :‬من يدعوني‬
‫فأستجيب له ‪ ،‬من يسألني فأعطيه ‪ ،‬من يستغفرني فأغفر له » ‪ ،‬وربّما صرّحت بعض‬
‫الحاديث بالمر المفيد للستحباب ‪ ،‬كما في حديث عمرو بن عبسة أنّه سمع النّبيّ صلى ال‬
‫عليه وسلم يقول ‪ « :‬أقرب ما يكون الرّب من العبد في جوف اللّيل الخر ‪ ،‬فإن استطعت أن‬
‫تكون ممّن يذكر اللّه في تلك السّاعة فكن » ‪.‬‬
‫قال الغزالي ‪ :‬من آداب الدعاء أن يترصّد لدعائه الوقات الشّريفة ‪ ،‬كيوم عرفة من السّنة ‪،‬‬
‫ويوم الجمعة من كلّ أسبوع ‪ ،‬ووقت السّحر من ساعات اللّيل ‪.‬‬
‫وقال النّووي ‪ :‬قال أصحابنا ‪ -‬يعني الشّافعيّة ‪ -‬يستحب أن يكثر في ليلة القدر من الدّعوات‬
‫المستحبّة ‪ ،‬وفي المواطن الشّريفة ‪.‬‬
‫وقال البهوتي ‪ :‬يتحرّى الدّاعي أوقات الجابة كالثلث الخير من اللّيل ‪ ،‬وعند الذان‬
‫والقامة‪.‬‬
‫ن حصول المطلوب‬
‫‪ -‬وليس معنى كون الزّمان المعيّن أو المكان المعيّن موطنا للجابة أ ّ‬ ‫‪3‬‬

‫بالدعاء متعيّن بكلّ حال ‪ ،‬بل المراد أنّه أرجى من غيره ‪.‬‬
‫قال ابن حجر في شرح حديث ‪ « :‬ينزل ربنا ‪ : » . . .‬ل يعترض على ذلك بتخلّفه عن‬
‫ط من شروط الدعاء ‪ ،‬كالحتراز في‬
‫بعض الدّاعين ؛ لنّ سبب التّخلّف وقوع الخلل في شر ٍ‬
‫المطعم والمشرب والملبس ‪ ،‬أو لستعجال الدّاعي ‪ ،‬أو بأن يكون الدعاء بإثم أو قطيعة‬
‫رحم‪ ،‬أو تحصل الجابة به ويتأخّر وجود المطلوب لمصلحة العبد ‪ ،‬أو لمر يريده اللّه تعالى‬
‫ي صلى ال عليه وسلم قال‬
‫‪ ،‬ويدل على ذلك حديث أبي سعيد الخدريّ رضي ال عنه أنّ النّب ّ‬
‫‪ « :‬ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ول قطيعة رحم ‪ ،‬إلّا أعطاه اللّه بها إحدى ثلث‬
‫‪ :‬إمّا أن تعجّل له دعوته ‪ ،‬وإمّا أن يدّخرها له في الخرة ‪ ،‬وإمّا أن يصرف عنه من السوء‬
‫مثلها ‪ ،‬قالوا ‪ :‬إذا نكثر ؟ قال ‪ :‬اللّه أكثر » ‪.‬‬
‫واللّه تعالى وعد الدّاعي بأن يستجيب له ‪ ،‬وعدا مطلقا غير مقيّد بزمان أو مكان أو حال ‪،‬‬
‫ب ُأجِيبُ‬
‫ب َلكُمْ } ‪ ،‬وقال { َوإِذَا سََألَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِي ٌ‬
‫قال تعالى ‪ { :‬ادْعُونِي َأسْتَجِ ْ‬
‫ع إِذَا دَعَانِ } ‪.‬‬
‫عوَةَ الدّا ِ‬
‫دَ ْ‬
‫فإجابته للدعاء في كلّ وقتٍ توجّه إليه فيه العبد بالدعاء ‪ ،‬ولذا كان تخصيص موطن معيّن‬
‫بالجابة دالً على تأكدها فيه ‪ ،‬وليس المراد الحصر ونفي الجابة عمّا عداه ‪.‬‬
‫أنواع مواطن الجابة ‪:‬‬
‫‪ -‬مواطن الجابة ثلثة أنواع ‪:‬‬ ‫‪4‬‬

‫أ ‪ -‬أوقات شريفة اختصّها اللّه تعالى بأن جعلها مواسم لهذه المّة تحصّل بها رضوان اللّه‬
‫شهَدُوا مَنَافِعَ َل ُهمْ وَيَ ْذكُرُوا اسْمَ‬
‫تعالى بذكره ودعائه ‪ ،‬كما قال تعالى في مناسك الحجّ ‪ { :‬لِ َي ْ‬
‫الّلهِ } ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬أماكن شريفة خصّها اللّه تعالى بذلك ‪ ،‬وهي مواطن محدودة يكون فيها الدّاعي متلبّسا‬
‫بعبادة أخرى ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬أحوال معيّنة يرجى فيها قبول الدعاء ‪.‬‬
‫منها الدعاء عند زحف الصفوف في سبيل اللّه تعالى ‪ ،‬وعند نزول الغيث ‪ ،‬وعند إقامة‬
‫الصّلوات المكتوبة ‪.‬‬
‫والدعاء بعرفة مثال لما اجتمع فيه شرف الزّمان وشرف المكان وشرف الحال ‪.‬‬
‫قال الغزالي ‪ :‬وبالحقيقة يرجع شرف الوقات إلى شرف الحوال ‪ ،‬إذ وقت السّحر وقت‬
‫صفاء القلب وإخلصه ‪ ،‬وفراغه من المشوّشات ‪ ،‬ويوم عرفة ويوم الجمعة وقت اجتماع‬
‫الهمم وتعاون القلوب على استدرار رحمة اللّه ع ّز وجلّ ‪ .‬قال ‪ :‬فهذا أحد أسباب شرف‬
‫الوقات ‪ ،‬سوى ما فيها من أسرار ل يطّلع البشر عليها ‪.‬‬
‫وفي كل من هذه المواطن تفصيل بيانه فيما يلي ‪:‬‬
‫أوّلً ‪ -‬المواطن الزّمانيّة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ثلث اللّيل الخر ‪:‬‬
‫‪ -‬ثلث اللّيل الخر من مواطن الجابة ‪ ،‬ودليل ذلك ما ورد عن أبي هريرة رضي ال عنه‬ ‫‪5‬‬

‫ي صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ينزل ربنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السّماء الدنيا‬
‫أنّ النّب ّ‬
‫حين يبقى ثلث اللّيل الخر ‪ ،‬يقول ‪ :‬من يدعوني فأستجيب له ‪ ،‬من يسألني فأعطيه ‪ ،‬من‬
‫يستغفرني فأغفر له » ‪ .‬وفي رواية ‪ « :‬حتّى ينفجر الفجر » ‪.‬‬
‫ونقل ابن حجر عن الزهريّ أنّه قال ‪ :‬ولذلك كانوا يفضّلون صلة آخر اللّيل على أوّله ‪.‬‬
‫وذهب بعض العلماء إلى أنّ هذا الوقت يبدأ من منتصف اللّيل إلى أن يبقى من اللّيل‬
‫سدسه ‪ ،‬ثمّ يبدأ وقت السّحر ‪ ،‬وهو موطن آخر ‪ ،‬لما روى عمرو بن عبسة رضي ال عنه‬
‫قال ‪ « :‬قلت ‪ :‬يا رسول اللّه أي اللّيل أسمع ؟ قال ‪ :‬جوف اللّيل الخر » ‪.‬‬
‫على أنّه قد ورد من حديث جابر رضي ال عنه قال ‪ :‬سمعنا رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم يقول ‪ « :‬إنّ في اللّيلة لساعةً ل يوافقها رجل مسلم يسأل اللّه خيرا من أمر الدنيا‬
‫ن اللّيل كلّه مظنّة إجابة ‪.‬‬
‫والخرة إلّا أعطاه إيّاه ‪ ،‬وذلك كلّ ليلة » ‪ ،‬وهو يعني أ ّ‬
‫ب ‪ -‬وقت السّحر ‪:‬‬
‫‪ -‬السّحر هو آخر اللّيل قبل أن يطلع الفجر ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫وقيل ‪ :‬هو من ثلث اللّيل الخر إلى طلوع الفجر ‪.‬‬


‫ويرى الغزالي أنّه السدس الخير من اللّيل ‪.‬‬
‫قال القرطبي ‪ :‬هو وقت ترجى فيه إجابة الدعاء ‪ ،‬ونقل عن الحسن في قوله تعالى ‪{ :‬‬
‫سحَارِ ُهمْ َيسْ َتغْفِرُونَ } ‪ ،‬قال ‪ :‬مدوا الصّلة من أوّل‬
‫ن ‪ ،‬وَبِا ْلَأ ْ‬
‫ن اللّ ْيلِ مَا َي ْهجَعُو َ‬
‫كَانُوا قَلِيلًا مّ َ‬
‫اللّيل إلى السّحر ‪ ،‬ثمّ استغفروا في السّحر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬بعد الزّوال ‪:‬‬
‫‪ -‬قال النّووي ‪ :‬يستحب الكثار من الذكار وغيرها من العبادات عقب الزّوال لما ُروّينا‬ ‫‪7‬‬

‫ن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يصلّي‬


‫عن عبد اللّه بن السّائب رضي ال عنه « أ ّ‬
‫أربعا بعد أن تزول الشّمس قبل الظهر ‪ ،‬وقال ‪ :‬إنّها ساعة تفتح فيها أبواب السّماء ‪ ،‬وأحب‬
‫أن يصعد لي فيها عمل صالح » ‪.‬‬
‫د ‪ -‬يوم الجمعة وليلتها وساعة الجمعة ‪:‬‬
‫‪ -‬ورد الحديث بأنّ « يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشّمس » ‪ ،‬وورد حديثٌ في قبول‬ ‫‪8‬‬

‫الدعاء يوم الجمعة من غير نظر إلى ساعة الجمعة ‪.‬‬


‫ن في يوم الجمعة ساعةً ل يسأل‬
‫أمّا ساعة الجمعة ‪ ،‬فقال الشّوكاني ‪ :‬تواترت النصوص بأ ّ‬
‫العبد فيها ربّه شيئا إلّا أعطاه إيّاه ‪.‬‬
‫ي صلّى اللّه عليه وسلّم صلى ال عليه وسلم من طرقٍ عن عدد من‬
‫وقد روي عن النّب ّ‬
‫الصّحابة رضي ال عنهم ذكر ساعة الجابة يوم الجمعة ‪ ،‬منها ما روى أبو هريرة رضي‬
‫ال عنه ‪ :‬رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذكر يوم الجمعة فقال ‪« :‬‬
‫فيه ساعة ل يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلّي يسأل اللّه تعالى شيئا إلّا أعطاه إيّاه ‪.‬‬
‫وأشار بيده يقلّلها » ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صلى ال عليه وسلم قال ‪« :‬‬
‫وعن أبي لبابة البدريّ أ ّ‬
‫إنّ يوم الجمعة سيّد اليّام وأعظمها عند اللّه ‪ . . .‬فيه خمس خلل فذكر منهنّ ‪ :‬وفيه‬
‫ساعة ل يسأل اللّه فيها العبد شيئا إلّا أعطاه ما لم يسأل حراما » ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء والمحدّثون في تعيين السّاعة المذكورة على أكثر من أربعين قولً ‪ ،‬عدّدها‬
‫الشّوكاني ‪ ،‬ونقل عن المحبّ الطّبريّ أنّه قال ‪ :‬أصح الحاديث في تعيينها حديث أبي موسى‬
‫ي صلّى اللّه عليه وسلّم صلى ال عليه وسلم يقول في ساعة‬
‫رضي ال عنه أنّه سمع النّب ّ‬
‫الجمعة ‪ « :‬هي ما بين أن يجلس المام إلى أن تقضى الصّلة » ‪ ،‬واختار ذلك النّووي‬
‫أيضا‪.‬‬
‫ي صلّى اللّه‬
‫وأمّا ليلة الجمعة ‪ ،‬فقد روي من حديث ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما أنّ النّب ّ‬
‫ن في ليلة الجمعة ساعةً‬
‫عليه وسلّم صلى ال عليه وسلم قال لعليّ رضي ال عنه ‪ « :‬إ ّ‬
‫الدعاء فيها مستجاب » ‪ .‬نقله الشّوكاني في تحفة الذّاكرين ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬أيّام رمضان ولياليه وليلة القدر ‪:‬‬
‫‪ -‬فضل رمضان معروف ‪ .‬واستدلّ بعضهم لجابة الدعاء فيه بحديث أبي هريرة رضي‬ ‫‪9‬‬

‫ال عنه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ثلثة ل ترد‬
‫دعوتهم الصّائم حتّى يفطر ‪. » . . .‬‬
‫وأمّا ليلة القدر ‪ ،‬فقد ورد فيها عن عائشة رضي ال عنها أنّها قالت ‪ « :‬يا رسول اللّه‬
‫ت أي ليلةٍ ليلةُ القدر ما أقول فيها ؟ قال ‪ :‬قولي ‪ :‬الّل ُهمّ إنّك عفو كريم تحب‬
‫أرأيتَ إن علم ُ‬
‫العفو فاعفُ عنّي » ‪.‬‬
‫وإنّما كانت موطنا ؛ لجابة الدعاء لنّها ليلة مباركة تتنزّل فيها الملئكة ‪ ،‬جعلها اللّه تعالى‬
‫شهْرٍ } ‪،‬‬
‫ف َ‬
‫لهذه المّة خيرا من ألف شهر ‪ ،‬وقال تعالى في شأنها ‪ { :‬لَيْ َل ُة الْقَدْ ِر خَيْ ٌر مّنْ أَلْ ِ‬
‫قال الشّوكاني ‪ :‬وشرفها مستلزم لقبول دعاء الدّاعين فيها ‪ ،‬ولهذا أمرهم النّبي صلّى اللّه‬
‫عليه وسلّم صلى ال عليه وسلم بالتماسها ‪ ،‬وحرّض الصّحابة على ذلك ‪.‬‬
‫وقد روي ما يدل على أنّ الدعاء فيها مجاب ‪.‬‬
‫ونقل النّووي عن الشّافعيّ ‪ :‬أستحبّ أن يكون اجتهاده في يومها كاجتهاده في ليلتها ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬المواطن المكانيّة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الملتزم ‪:‬‬
‫‪ -‬الملتزم هو ما بين الركن الّذي فيه الحجر السود وباب الكعبة ‪ ،‬جاء عن ابن عبّاسٍ‬ ‫‪10‬‬

‫رضي ال عنهما أنّه كان يلزم ما بين الركن والباب ‪ ،‬وكان يقول ‪ :‬ما بين الركن والباب ‪،‬‬
‫يُدعى الملتزم ‪ ،‬ل يلزم ما بينهما أحدٌ يسأل اللّه شيئا إلّا أعطاه إيّاه ‪.‬‬
‫ونقل ابن جماعة عن ابن حبيب من المالكيّة أنّ الملتزم الموضع الّذي يُعتَنق ويُ ِلحّ الدّاعي‬
‫فيه بالدعاء ‪ ،‬قال ‪ :‬وقد سمعت مالكا يستحب ذلك ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬عرفة ‪:‬‬
‫‪ -‬نبّه النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم صلى ال عليه وسلم إلى اغتنام الدعاء في هذا‬ ‫‪11‬‬

‫الموطن بقوله ‪ « :‬خير الدعاء دعاء يوم عرفة ‪ ،‬وخير ما قلت أنا والنّبيّون من قبلي ‪ :‬ل‬
‫إله إلّا اللّه وحده ل شريك له ‪ ،‬له الملك وله الحمد ‪ ،‬وهو على كلّ شيء قدير » ‪ ،‬قال‬
‫الشّوكاني ‪ :‬ثبت ما يدل على فضيلة هذا اليوم وشرفه حتّى كان « صومه يكفّر سنتين » ‪،‬‬
‫وورد في فضله ما هو معروف ‪ ،‬وذلك يستلزم إجابة الدّاعين فيه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬مشاعر الحجّ ‪:‬‬
‫‪ -‬الحج من أعظم العمال المقرّبة إلى اللّه تعالى ‪ ،‬نقل النّووي عن الحسن البصريّ أنّه‬ ‫‪12‬‬

‫قال ‪ :‬الدعاء هنالك يستجاب في خمسة عشر موضعا ‪ :‬في الطّواف ‪ ،‬وعند الملتزم ‪ ،‬وتحت‬
‫الميزاب ‪ ،‬وفي البيت ‪ ،‬وعند زمزم ‪ ،‬وعلى الصّفا والمروة ‪ ،‬وفي المسعى ‪ ،‬وخلف المام ‪،‬‬
‫وفي عرفاتٍ ‪ ،‬وفي المزدلفة ‪ ،‬وفي منىً ‪ ،‬وعند الجمرات الثّلث ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ -‬الحوال الّتي هي مظنّة الجابة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الدعاء بين الذان والقامة وبعدها ‪:‬‬
‫‪ -‬الذان من أعظم الشّعائر ‪ ،‬يُذك ُر فيه اللّه تعالى بالتّوحيد ‪ ،‬ويُشهد لنبيّه صلّى اللّه عليه‬ ‫‪13‬‬

‫وسلّم بالرّسالة ‪ ،‬ويُنشر ذلك على رءوس النّاس بالصّوت الرّفيع إلى المدى البعيد ‪ ،‬ويُدعى‬
‫ي صلّى‬
‫ن النّب ّ‬
‫عباد اللّه لقامة ذكر اللّه ‪ ،‬وقد ورد من حديث سهل بن سعد رضي ال عنه أ ّ‬
‫اللّه عليه وسلّم قال ‪ « :‬ثنتان ل تردّان أو قلّما تردّان ‪ :‬الدعاء عند النّداء ‪ ،‬وعند البأس‬
‫حين يلحم بعضهم بعضا » ‪.‬‬
‫وورد من حديث أنسٍ رضي ال عنه أنّه عليه الصلة والسلم قال ‪ « :‬الدعاء ل يرد بين‬
‫الذان والقامة » ‪.‬‬
‫وروي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ‪ « :‬أنّ رجلً قال ‪ :‬يا رسول اللّه إنّ المؤذّنين‬
‫يفضلوننا ‪ ،‬قال ‪ :‬قل كما يقولون ‪ ،‬فإذا انتهيت فسلْ ُت ْعطَه » ‪.‬‬
‫وورد أيضا استجابة الدعاء بعد القامة ‪ ،‬وهو حديث سهل بن سعد رضي ال عنه عن النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ساعتان تفتح فيهما أبواب السّماء ‪ :‬عند حضور الصّلة ‪ ،‬وعند‬
‫الصّفّ في سبيل اللّه » ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الدعاء حال السجود ‪:‬‬
‫ن فيه يتمثّل كمال العبوديّة والتّذلّل والخضوع للّه‬
‫‪ -‬وإنّما كان السجود مظنّة الجابة ؛ ل ّ‬ ‫‪14‬‬

‫تعالى ‪ ،‬يضع العبد أكرم ما فيه ‪ ،‬وهو جبهته ووجهه على الرض وهي موطئُ القدام ‪،‬‬
‫تعظيما لربّه تبارك وتعالى ‪ ،‬ومع كمال التّذلل والتّعظيم يزداد القرب والمكانة من ربّ‬
‫العزّة ‪ ،‬فيكون ذاك مظنّة عود اللّه تعالى على عبده بالرّحمة والمغفرة والقبول ‪ ،‬ولهذا قال‬
‫النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ‪ « :‬إنّي نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا ‪ ،‬فأمّا الركوع‬
‫فعظّموا فيه ال ّربّ عزّ وجلّ ‪ ،‬وأمّا السجود فاجتهدوا في الدعاء ‪ ،‬ف َقمِنٌ أن يستجاب لكم » ‪،‬‬
‫ي صلّى اللّه عليه وسلّم قال ‪ « :‬أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو‬
‫وروى أبو هريرة أنّ النّب ّ‬
‫ساجد فأكثروا الدعاء » ‪.‬‬
‫ول فرق في ذلك بين سجود الفرض وسجود النّفل ‪ ،‬إلّا ما قاله القاضي من الحنابلة من أنّه‬
‫ل يستحب الزّيادة على " سبحان ربّي العلى " في الفرض ‪ ،‬وفي التّطوع روايتان ‪.‬‬
‫ونصّ المالكيّة والشّافعيّة على أنّه يندب الدعاء في السجود ‪.‬‬
‫وزاد الشّافعيّة ‪ :‬بدينيّ أو دنيوي إن كان منفردا أو إماما لمحصورين ‪ ،‬أو لم يحصل بالدعاء‬
‫طول ‪ ،‬وإلّا فل ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الدعاء بعد الصّلة المفروضة ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ ما بعد الصّلة المفروضة موطن من مواطن إجابة الدعاء‬ ‫‪15‬‬

‫؛ لما روي من حديث مسلم بن الحارث رضي ال عنه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم‬
‫أنّه أسر إليه فقال ‪ « :‬إذا انصرفت من صلة المغرب ‪ ،‬فقل ‪ :‬الّل ُهمّ أجرني من النّار ‪ ،‬سبع‬
‫مرّاتٍ ‪ ،‬فإنّك إذا قلت ذلك ثمّ متّ من ليلتك كتب لك جوار منها ‪ ،‬وإذا صلّيت الصبح فقل‬
‫ت في يومك كتب لك جوار منها » ‪.‬‬
‫كذلك ‪ ،‬فإنّك إن م ّ‬
‫وورد ما يدل على أنّ الدعاء في دبر الصّلوات المكتوبة على العموم ‪ ،‬فيها أسمع من‬
‫غيرها‪ ،‬وهو ما روي من حديث أبي أمامة رضي ال عنه أنّه قال ‪ « :‬قيل ‪ :‬يا رسول اللّه ‪،‬‬
‫أيّ الدعاء أسمعُ ؟ قال ‪ :‬جوف اللّيل الخر ‪ ،‬ودبر الصّلوات المكتوبات » ‪.‬‬
‫وقد نقل الغزالي عن مجاهد قال ‪ :‬إنّ الصّلوات جعلت في خير الوقات ‪ ،‬فعليكم بالدعاء‬
‫خلف الصّلوات ‪.‬‬
‫وروي عن العرباض بن سارية رضي ال عنه مرفوعا ‪ « :‬من صلّى صلة فريضة فله‬
‫دعوة مستجابة ‪ ،‬ومن ختم القرآن فله دعوة مستجابة » ‪.‬‬
‫د ‪ -‬حال الصّوم وحال الفطار من الصّوم ‪:‬‬
‫ك عِبَادِي عَنّي فَإِنّي‬
‫‪ -‬أمر اللّه بصوم رمضان ‪ ،‬وذكر إكمال العدّة ثمّ قال ‪َ { :‬وإِذَا سَأَلَ َ‬ ‫‪16‬‬

‫عوَ َة الدّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْ َيسْ َتجِيبُو ْا لِي وَلْ ُي ْؤمِنُواْ بِي َلعَّل ُهمْ يَ ْرشُدُونَ } ‪ .‬وفي ذلك‬
‫قَرِيبٌ ُأجِيبُ دَ ْ‬
‫إشارة إلى المعنى المذكور ‪ .‬قال ابن كثير ‪ :‬في ذكره تعالى هذه الية الباعثة على الدعاء‬
‫متخلّلةً بين أحكام الصّيام إرشاد إلى الجتهاد في الدعاء عند إكمال العدّة ‪ ،‬بل وعند كلّ‬
‫فطر؛ لما روى عبد اللّه بن عمرو رضي ال عنهما قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه‬
‫وسلّم يقول ‪ « :‬للصّائم عند إفطاره دعوة مستجابة ‪ ،‬فكان عبد اللّه بن عمرو رضي ال‬
‫عنهما إذا أفطر دعا أهله وولده ثمّ دعا » ولما روي أيضا ‪ « :‬إنّ للصّائم عند فطره دعوةً‬
‫ما ُترَدّ » ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬الدعاء بعد قراءة القرآن وبعد ختمه ‪:‬‬
‫‪ -‬د ّل على استجابة الدعاء بعد قراءة القرآن وبعد ختمه ما روي من حديث عمران بن‬ ‫‪17‬‬

‫حصين رضي ال عنه أنّه قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول ‪ « :‬من قرأ‬
‫القرآن فليسأل اللّه به ‪ ،‬فإنّه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به النّاس » ‪ ,‬وحديث‬
‫العرباض بن سارية ‪ « :‬من ختم القرآن فله دعوة مستجابة » ‪.‬‬
‫و ‪ -‬دعوة المسافر ‪:‬‬
‫‪ -‬السّفر من مواطن الجابة لحديث أبي هريرة رضي ال عنه مرفوعا ‪ « :‬ثلث دعواتٍ‬ ‫‪18‬‬

‫مستجابات ‪ :‬دعوة المظلوم ‪ ،‬ودعوة المسافر ‪ ،‬ودعوة الوالد على ولده » ‪ .‬قال ابن علّان ‪:‬‬
‫المراد المسافر إن لم يكن عاصيا بسفره كما هو ظاهر ‪ ،‬والولد إن كان ظالما لبيه عاقا له‬
‫‪.‬‬
‫ز ‪ -‬الدعاء عند القتال في سبيل اللّه ‪:‬‬
‫‪ -‬القتال في سبيل اللّه موضع إجابة ؛ لنّ المجاهد في سبيل اللّه باذ ٌل نفسه وماله في‬ ‫‪19‬‬

‫مرضاة ربّه ‪ ،‬وباذل جهده كلّه لرفع كلمة اللّه تعالى ‪.‬‬
‫ي صلّى اللّه عليه وسلّم قال ‪« :‬‬
‫وقد روي من حديث سهل بن سعد رضي ال عنه أنّ النّب ّ‬
‫ساعتان تفتح فيهما أبواب السّماء ‪ :‬عند حضور الصّلة ‪ ،‬وعند الصّفّ في سبيل اللّه » ‪،‬‬
‫وفي رواية قال ‪ « :‬وعند البأس حين يُلحِم بعضهم بعضا » ‪.‬‬
‫ن النّبيّ قال ‪ « :‬أطلبوا الدعاء عند التقاء الجيوش ‪ ،‬وإقامة الصّلة ونزول الغيث‬
‫وروي أ ّ‬
‫»‪.‬‬
‫ج ‪ -‬حال اجتماع المسلمين في مجالس الذّكر ‪:‬‬
‫‪ -‬اجتماع المسلمين في مجالس الذّكر من مواطن الجابة لحديث ‪ « :‬ل يقعد قوم‬ ‫‪20‬‬

‫يذكرون اللّه عزّ وجلّ إلّا حفّتهم الملئكة وغشيتهم الرّحمة ‪ ،‬ونزلت عليهم السّكينة ‪،‬‬
‫وذكرهم اللّه فيمن عنده » ‪ .‬ولحديث ‪ « :‬إنّ اللّه تعالى يقول لملئكته ‪ :‬قد غفرت لهم ‪،‬‬
‫فيقولون ‪ :‬ربّ فيهم فلن ‪ ،‬عبد خطّاء ‪ ،‬إنّما مرّ فجلس معهم ‪ ،‬قال ‪ :‬فيقول ‪ :‬وله غفرت ‪،‬‬
‫هم القوم ل يشقى بهم جليسهم » ‪ ،‬ولحديث أمّ عطيّة في خروج النّساء يوم العيد وفيه ‪« :‬‬
‫ن مجامع المسلمين ‪-‬‬
‫يشهدن الخير ودعوة المسلمين » ‪ .‬قال الشّوكاني ‪ :‬فهذا دليل على أ ّ‬
‫أي للذّكر ‪ -‬من مواطن الدعاء ‪.‬‬
‫ط ‪ -‬دعاء المؤمن لخيه بظهر الغيب ‪:‬‬
‫‪ -‬ورد في استجابة دعاء المؤمن لخيه بظهر الغيب حديث أبي الدّرداء مرفوعا ‪« :‬‬ ‫‪21‬‬

‫دعوة المرء المسلم لخيه بظهر الغيب مستجابة ‪ ،‬عند رأسه ملكٌ موكّل ‪ ،‬كلّما دعا لخيه‬
‫بخير قال الملك الموكّل به ‪ :‬آمين ‪ ،‬ولك بمثل » ‪.‬‬
‫ي ‪ -‬دعوة الوالد لولده وعليه ‪:‬‬
‫‪ -‬ورد في حديث أبي هريرة ‪ « :‬ثلث دعواتٍ مستجابات ‪ :‬دعوة المظلوم ‪ ،‬ودعوة‬ ‫‪22‬‬

‫المسافر ‪ ،‬ودعوة الوالد على ولده » ‪.‬‬


‫قال ابن علّان في دعوة الوالد على ولده ‪ :‬أي إن كان الولد ظالما لبيه عاقا له ‪.‬‬
‫ك ‪ -‬دعوة المظلوم ودعوة المضطرّ والمكروب ‪:‬‬
‫ي صلّى اللّه عليه‬
‫‪ -‬دعوة المظلوم ورد فيها حديث أبي هريرة رضي ال عنه أنّ النّب ّ‬ ‫‪23‬‬

‫وسلّم صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬دعوة المظلوم مستجابة ‪ ،‬وإن كان فاجرا ففجوره على‬
‫نفسه » ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أرسل معاذا رضي‬
‫س رضي ال عنهما أ ّ‬
‫وفي حديث ابن عبّا ٍ‬
‫ال عنه إلى اليمن ‪ ،‬فذكر ما أوصاه به ‪ ،‬وفيه ‪ « :‬واتّق دعوة المظلوم ‪ ،‬فإنّه ليس بينها‬
‫وبين اللّه حجاب » ‪ ،‬وفي حديث أبي هريرة ‪ « :‬دعوة المظلوم يرفعها اللّه فوق الغمام‬
‫ويفتح لها أبواب السّماء ‪ ،‬ويقول الرّب ‪ :‬وعزّتي لنصرنّك ولو بعد حين » ‪.‬‬
‫ضطَرّ إِذَا دَعَاهُ } ‪.‬‬
‫ب ا ْلمُ ْ‬
‫وأمّا المضطر ‪ ،‬فقد قال اللّه تعالى ‪َ { :‬أمّن ُيجِي ُ‬
‫وأمّا المكروب الّذي ل يجد له فرجا إلّا من عند اللّه ‪ ،‬فيدل لكونه مجاب الدّعوة قوله تعالى‬
‫ت أَن لّا إِ َل َه إِلّا أَنتَ‬
‫ن إِذ ذّ َهبَ ُمغَاضِبا َفظَنّ أَن لّن ّنقْدِ َر عَلَ ْيهِ فَنَادَى فِي الظُّلمَا ِ‬
‫‪ { :‬وَذَا النّو ِ‬
‫ك نُنجِي ا ْل ُم ْؤمِنِينَ } ‪.‬‬
‫ن ا ْلغَمّ َوكَذَلِ َ‬
‫ن الظّا ِلمِينَ ‪ ،‬فَاسْ َتجَبْنَا َل ُه وَ َنجّيْنَاهُ مِ َ‬
‫سُ ْبحَانَكَ إِنّي كُنتُ مِ َ‬
‫ن هذه الستجابة عامّة لك ّل من كان في مثل حال‬
‫وفي قوله { َوكَذَلِكَ نُنجِي ا ْل ُم ْؤمِنِينَ } بيان أ ّ‬
‫يونس عليه السلم من الخلص وإفراد اللّه تعالى بالرّجاء والتّوجُه الصّادق ‪.‬‬
‫ل ‪ -‬الدعاء عند نزول الغيث ‪:‬‬
‫ل عن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫‪ -‬قال النّووي ‪ :‬روى الشّافعي في " المّ " بإسناده حديثا مرس ً‬ ‫‪24‬‬

‫وسلم قال ‪ « :‬أطلبوا إجابة الدعاء عند التقاء الجيوش ‪ ،‬وإقامة الصّلة ‪ ،‬ونزول الغيث» ‪.‬‬
‫قال الشّافعي ‪ :‬وقد حفظت عن غير واحد طلب الجابة عند نزول الغيث وإقامة الصّلة ‪.‬‬
‫وممّا يؤكّد صحّة ذلك ما في بعض روايات حديث سهل بن سعد رضي ال عنه من قوله‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬وتحت المطر » ‪.‬‬
‫م ‪ -‬دعوة المريض ‪:‬‬
‫‪ -‬المرض من مواطن الجابة لحديث عمر بن الخطّاب رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول‬ ‫‪25‬‬

‫اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا دخلت على مريض فمره فليدع لك ‪ ،‬فإنّ دعاءه كدعاء‬
‫الملئكة » ‪.‬‬
‫قال ابن علّان ‪ :‬وذلك لنّه مضطر ودعاؤه أسرع إجابةً من غيره ‪ ،‬ونقل عن المرقاة أنّه‬
‫شبه الملئكة في التّنقّي من الذنوب ‪ ،‬أو في دوام الذّكر والتّضرّع واللّجأ ‪.‬‬
‫ن ‪ -‬حال أولياء اللّه ‪:‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬يقول اللّه تعالى ‪ :‬من عادى لي وليّا فقد‬
‫‪ -‬ورد أ ّ‬ ‫‪26‬‬

‫ي ممّا افترضته عليه ‪ ،‬وما يزال عبدي‬


‫آذنته بالحرب ‪ ،‬وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إل ّ‬
‫يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه ‪ ،‬فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به ‪ ،‬وبصره الّذي يبصر‬
‫به ‪ ،‬ويده الّتي يبطش بها ‪ ،‬ورجله الّتي يمشي بها ‪ ،‬وإن سألني لعطينه ‪ ،‬ولئن استعاذ بي‬
‫لعيذنه ‪ . » . . .‬قال ابن القيّم ‪ :‬ولمّا حصلت هذه الموافقة للعبد مع ربّه تعالى في محابّه‬
‫ب لعبده في حوائجه ومطالبه ‪ ،‬أي ‪ :‬كما وافقني في مرادي بامتثال‬
‫حصلت موافقة الرّ ّ‬
‫أوامري والتّقرّب إليّ بمحابّي ‪ ،‬فأنا أوافقه في رغبته ورهبته فيما يسألني أن أفعل به ‪،‬‬
‫ويستعيذني أن يناله مكروه ‪.‬‬
‫س ‪ -‬حال المجتهد في الدعاء إذا وافق اسم اللّه العظم ‪:‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم سمع رجلً‬
‫‪ -‬يشهد لذلك حديث بريدة السلميّ « أ ّ‬ ‫‪27‬‬

‫يدعو وهو يقول ‪ :‬الّل ُهمّ إنّي أسألك بأنّي أشهد أنّك أنت اللّه ل إله إلّا أنت ‪ ،‬الحد الصّمد‬
‫الّذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ‪ . . .‬فقال ‪ :‬لقد سأل اللّه باسمه العظم الّذي إذا‬
‫سُئل به أعطى وإذا دُعي به أجاب » ‪ .‬وفي لفظٍ ‪ « :‬والّذي نفسي بيده لقد سأل اللّه باسمه‬
‫العظم » ‪.‬‬
‫ويشهد لذلك أيضا حديث أنس بن مالك رضي ال عنه « أنّه كان مع رسول اللّه صلى ال‬
‫ن لك الحمد ل إله إلّا أنت‬
‫عليه وسلم ورجل يصلّي ‪ ،‬ثمّ دعا فقال ‪ :‬الّل ُهمّ إنّي أسألك بأ ّ‬
‫المنّان بديع السّماوات والرض ‪ ،‬يا ذا الجلل والكرام ‪ ،‬يا حي يا قيّوم ‪ ،‬فقال النّبي صلى‬
‫ال عليه وسلم لصحابه ‪ :‬تدرون بما دعا ؟ قالوا ‪ :‬اللّه ورسوله أعلم ‪ .‬قال ‪ :‬والّذي نفسي‬
‫بيده‪ ،‬لقد دعا اللّه باسمه العظيم الّذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى » ‪.‬‬

‫مَواقِيت *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ت مصدر ميميّ ‪ ،‬وهو يطلق على الزّمان‬
‫‪ -‬المواقيت في اللغة ‪ :‬جمع ميقاتٍ ‪ ،‬ولفظ ميقا ٍ‬ ‫‪1‬‬

‫والمكان ‪.‬‬
‫فالميقات والموقوت بمعنى واحد ‪ ،‬وهو الشّيء المحدود زمانا أو مكانا ‪.‬‬
‫ت عَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِينَ كِتَابًا ّم ْوقُوتا } ‪ ،‬أي‬
‫ن الصّلَةَ كَانَ ْ‬
‫فمن أمثلته للزّمان قوله تعالى ‪ { :‬إِ ّ‬
‫مفروضا ‪ ،‬أو لها وقت كوقت الحجّ ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم وقّت لهل‬
‫ومن استعماله للمكان ما جاء في الحديث « أنّ النّب ّ‬
‫المدينة ذا الحليفة » ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫ما يتعلّق بالمواقيت من أحكام ‪:‬‬
‫مواقيت الصّلة ‪:‬‬
‫‪ -‬ممّا هو متّفق عليه بين أهل العلم أنّ دخول الوقت من شروط صحّة الصّلة ‪ ،‬ودليل‬ ‫‪2‬‬

‫ت عَلَى ا ْل ُم ْؤمِنِينَ كِتَابًا ّم ْوقُوتا } ‪.‬‬


‫ن الصّلَةَ كَانَ ْ‬
‫ذلك من الكتاب قوله تعالى ‪ { :‬إِ ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬أمّني‬
‫ومن السنّة حديث ابن عبّاسٍ رضي ال عنهما أ ّ‬
‫جبريل عليه السلم عند البيت مرّتين ‪ ،‬فصلّى الظهر في الولى منهما حين كان الفيء مثل‬
‫الشّراك ‪ ،‬ثمّ صلّى العصر حين كان كل شيء مثل ظلّه ‪ ،‬ثمّ صلّى المغرب حين وجبت‬
‫الشّمس وأفطر الصّائم ‪ ،‬ثمّ صلّى العشاء حين غاب الشّفق ‪ ،‬ث ّم صلّى الفجر حين برق الفجر‬
‫وحرم الطّعام على الصّائم ‪ ،‬وصلّى المرّة الثّانية الظهر حين كان ظل كلّ شيء مثله لوقت‬
‫العصر بالمس ‪ ،‬ثمّ صلّى العصر حين كان ظل كلّ شيء مثليه ‪ ،‬ثمّ صلّى المغرب لوقته‬
‫الوّل ‪ ،‬ث ّم صلّى العشاء الخرة حين ذهب ثلث اللّيل ‪ ،‬ثمّ صلّى الصبح حين أسفرت الرض‪،‬‬
‫ي جبريل فقال ‪ :‬يا محمّد ‪ ،‬هذا وقت النبياء من قبلك ‪ ،‬والوقت فيما بين هذين‬
‫ثمّ التفتَ إل ّ‬
‫الوقتين » ‪.‬‬
‫وتفصيل مواقيت الصّلة في مصطلح ( أوقات الصّلة ف ‪ 3 /‬وما بعدها ) ‪.‬‬
‫وقت الجمعة ‪:‬‬
‫‪ -‬وقت الجمعة عند الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة بعد الزّوال ‪ ،‬ول يجوز أداؤها قبل‬ ‫‪3‬‬

‫ذلك ‪.‬‬
‫ووقت الجمعة عند الحنابلة ‪ :‬جوازا قبل الزّوال ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪10‬‬ ‫وتفصيل ذلك في ( صلة الجمعة ف ‪/‬‬
‫وقت صلة العيدين ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب فقهاء الحنفيّة ‪ ،‬والمالكيّة ‪ ،‬والحنابلة ‪ ،‬وهو وجه في مذهب الشّافعيّة ‪ :‬إلى أنّ‬ ‫‪4‬‬

‫أوّل وقت صلة العيدين بعد طلوع الشّمس وابيضاضها ‪.‬‬


‫ن أوّل وقتها أوّل طلوع الشّمس ‪ ،‬وهو الصّحيح من مذهب الشّافعيّة ‪.‬‬
‫وذهب قوم إلى أ ّ‬
‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( صلة العيدين ف ‪. ) 6 /‬‬
‫الوقات الّتي نهي عن الصّلة فيها ‪:‬‬
‫‪ -‬هناك أوقات نهى الشّارع عن الصّلة فيها أتفق على بعضها ‪ ،‬واختلف في بعضها‬ ‫‪5‬‬

‫الخر ‪.‬‬
‫وما بعدها ) ‪.‬‬ ‫‪23‬‬ ‫وتفصيل ذلك في ( أوقات الصّلة ف ‪/‬‬
‫وقت زكاة الفطر ‪:‬‬
‫‪ -‬وقت وجوب زكاة الفطر عند الحنفيّة بطلوع الفجر من يوم عيد الفطر ‪ ،‬وبه قال مالك‬ ‫‪6‬‬

‫في رواية عنه ‪.‬‬


‫وذهب الشّافعيّة في الظهر والحنابلة إلى أنّ الوجوب بغروب شمس آخر يوم من رمضان‬
‫وهو أحد قولين للمالكيّة ‪.‬‬
‫وتفصيل ذلك في ( زكاة الفطر ف ‪. ) 8 /‬‬
‫وقت الضحية ‪:‬‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أنّ وقت الضحية هو يوم العاشر من ذي الحجّة ‪ ،‬ول تجوز قبله ‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪39‬‬ ‫واختلفوا في وقت مشروعيّة بدايتها على مذاهب تفصيلها في ( أضحية ف ‪/‬‬
‫وقت الهلل بالحجّ ‪:‬‬
‫ن الهلل بالحجّ يكون في أشهر الحجّ ؛ لنّها الميقات الزّمني للحجّ‬
‫‪ -‬اتّفق الفقهاء على أ ّ‬ ‫‪8‬‬

‫وأشهر الحجّ تبدأ بهلل شوّال ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪34‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( حجّ ف ‪/‬‬
‫وقت الوقوف بعرفة ‪:‬‬
‫‪ -‬الوقوف بأرض عرفة من يوم عرفة هو ميقات زمانيّ ومكانيّ ‪.‬‬ ‫‪9‬‬

‫ووقت الوقوف يبدأ من زوال التّاسع من ذي الحجّة ‪ ،‬ويستمر إلى قبل فجر العاشر من ذي‬
‫الحجّة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪55‬‬ ‫وتفصيله في ( حجّ ف ‪/‬‬
‫وقت المبيت بمزدلفة ‪:‬‬
‫ي أيضا ‪ ،‬ووقت المبيت بها يبدأ من بعد غروب يوم‬
‫‪ -‬مزدلفة ‪ :‬ميقات زمانيّ ومكان ّ‬ ‫‪15‬‬

‫التّاسع من ذي الحجّة إلى قبيل طلوع الشّمس من يوم النّحر ‪.‬‬


‫)‪.‬‬ ‫‪99‬‬ ‫وتفصيل ذلك في ( حجّ ف ‪/‬‬
‫وقت الرّمي ‪:‬‬
‫‪ -‬وقت رمي جمرة العقبة يبدأ وقت السنّيّة فيه من بعد طلوع الشّمس من يوم العاشر‬ ‫‪11‬‬

‫من ذي الحجّة إلى وقت الزّوال ‪ ،‬وما بعد الزّوال إلى الغروب فعلى الجواز ‪ ،‬وهذا ل خلف‬
‫فيه بين أهل العلم ‪.‬‬
‫ووقت رمي الجمرات يبدأ من زوال اليوم الحادي عشر ويمتد إلى الغروب ‪ .‬وهذا هو السنّة‬
‫في الرّمي ليّام التّشريق الثّلثة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪61‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪60‬‬ ‫وتفصيل ذلك في ( حجّ ف ‪/‬‬
‫وقت طواف الفاضة ‪:‬‬
‫‪ -‬طواف الفاضة هو ثاني الركنين المتّفق عليهما بين الفقهاء ‪.‬‬ ‫‪12‬‬

‫وقد اختلفوا في أوّل وقت مشروعيّته ‪ ،‬كما اختلفوا في نهاية وقته ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪55124‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪52‬‬ ‫وتفصيله في مصطلح ( حجّ ف ‪/‬‬
‫المواقيت المكانيّة في الحجّ ‪:‬‬
‫‪ -‬المواقيت المكانيّة ثلثة ‪ :‬مواقيت الفاقيّين ‪ ،‬وميقات الميقاتيّين ‪ ،‬وميقات المكّيّين ‪.‬‬ ‫‪13‬‬

‫)‪.‬‬ ‫‪41‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪39‬‬ ‫وتفصيل ذلك في ( إحرام ف ‪/‬‬

‫مُوالة *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫‪ -‬المُوالة في اللغة ‪ :‬المتابعة ‪ ،‬يقال ‪ :‬والى بين المرين مُوالةً ووِلءً ‪ -‬بالكسر ‪ -‬تابع‬ ‫‪1‬‬

‫بينهما ‪ ،‬ويقال ‪ :‬أفعل هذه الشياء على الوِلء ‪ ،‬أي متتابعةً ‪ ،‬وتوالى عليهم شهران ‪:‬‬
‫تتابعا‪ ،‬وتطلق الموالة في اللغة على المناصرة ‪.‬‬
‫ول يخرج المعنى الصطلحي عن المعنى اللغويّ ‪.‬‬
‫قال البي في تعريف الموالة بين فرائض الوضوء ‪ ،‬الموالة ‪ :‬عدم التّفريق الكثير بين‬
‫فرائض الوضوء ‪ ،‬ويسمّى فورا ‪.‬‬
‫وقال البركتي ‪ :‬الموالة في الوضوء ‪ :‬هي غسل العضاء على سبيل التّعاقب بحيث ل يجف‬
‫العضو الوّل ‪.‬‬
‫وقال الكاساني ‪ :‬المُوالة ‪ :‬هي أن ل يشتغل المتوضّئُ بين أفعال الوضوء بعمل ليس منه ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫التّرتيب ‪:‬‬
‫‪ -‬التّرتيب في اللغة ‪ :‬جعل كلّ شيء في مرتبته ‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫وفي الصطلح ‪ :‬هو جعل الشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد ‪ .‬ويكون لبعض‬
‫أجزائه نسبةً إلى البعض بالتّقدم والتّأخر ‪ ،‬وعلى ذلك فالموالة والتّرتيب متقاربان في‬
‫ن الموالة تختلف عن التّرتيب ؛ لنّ التّرتيب يكون لبعض الجزاء نسب ًة إلى‬
‫المعنى إلّا أ ّ‬
‫البعض بالتّقدم والتّأخر بخلف الموالة ‪.‬‬
‫وأنّ الموالة يشترط فيها عدم القطع والتّفريق ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالموالة ‪:‬‬
‫تتعلّق بالموالة أحكام منها ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الموالة في الوضوء ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الموالة في الوضوء ‪ ،‬فقال الحنفيّة والشّافعيّة في القول الصّحيح‬ ‫‪3‬‬

‫الجديد والحنابلة في رواية ‪ :‬إنّها سنّة ‪ ،‬وبه قال من الصّحابة عبد اللّه بن عمر رضي ال‬
‫ن التّفريق ل يمنع من امتثال‬
‫عنهما ومن التّابعين الحسن وسعيد بن المسيّب والثّوري ؛ ل ّ‬
‫غسِلُو ْا ُوجُو َه ُكمْ } الية ‪ ،‬فوجب أن ل يمنع من الجزاء ‪ ،‬وروى‬
‫المر في قوله تعالى ‪ { :‬فا ْ‬
‫نافع عن ابن عمر رضي ال عنهما أنّه توضّأ في السوق ‪ ،‬فغسل وجهه ومسح رأسه ‪ ،‬ثمّ‬
‫دعي لجنازة ليصلّي عليها حين دخل المسجد ‪ ،‬فمسح على خفّيه ‪ ،‬ثمّ صلّى عليها ‪.‬‬
‫ن كلّ عبادة جاز فيها التّفريق اليسير‬
‫ولنّه تفريق في تطهير فجاز كالتّفريق اليسير ‪ ،‬ول ّ‬
‫جاز فيها التّفريق الكثير كالحجّ ‪.‬‬
‫ي جوّز في القديم تفريق الصّلة بالعذر إذا سبقه‬
‫وقال المسعودي من الشّافعيّة ‪ :‬إنّ الشّافع ّ‬
‫الحدث ‪ ،‬فيتوضّأ ويبني ‪ ،‬فالطّهارة أولى ‪.‬‬
‫وقال الماورديّ ‪ :‬إنّ الموالة في الوضوء أفضل ومتابعة العضاء أكمل انقيادا لما يقتضيه‬
‫المر من التّعجيل ‪ ،‬واتّباعا لقول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فإن فرّق فالتّفريق‬
‫ضربان‪ :‬قريب وبعيد ‪:‬‬
‫فالقريب ‪ :‬معفو عنه ل تأثير له في الوضوء ‪ ،‬وحدّه ما لم تجفّ العضاء مع اعتدال الهواء‬
‫في غير برد ول حر مشتد ‪ ،‬وليس الجفاف معتبرا وإنّما زمانه هو المعتبر ؛ ولنّه ل يمكن‬
‫الحتراز منه ‪.‬‬
‫وأمّا البعيد ‪ :‬فهو أن يمضي زمان الجفاف في اعتدال الهواء ‪ ،‬ففيه قولن ‪ :‬أحدهما ‪ -‬وهو‬
‫الجديد ‪ : -‬أنّه جائ ٌز ‪ ،‬والوضوء معه صحيح ‪ ،‬والثّاني ‪ -‬وهو القديم ‪ : -‬ل يجوز ‪،‬‬
‫والوضوء معه غير صحيح ‪.‬‬
‫وقال السيوطيّ ‪ :‬الموالة سنّة على الصحّ في الوضوء والغسل والتّيمم ‪ . . .‬وبين أشواط‬
‫الطّواف والسّعي والجمع بين الصّلتين في وقت الثّانية ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬الموالة واجبة في كلّ ما سبق ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬إنّها واجبة على الصحّ في الجمع في وقت الولى ‪ ،‬وبين طهارة دائم الحدث‬
‫وصلته‪ ،‬وبين كلمات الذان والقامة ‪ ،‬وبين الخطبة وصلة الجمعة ‪ ،‬وتجب الموالة قطعا‬
‫بين كلمات الفاتحة ‪ ،‬والتّشهد ور ّد السّلم ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة في القول القديم ‪ ،‬والحنابلة في المذهب ‪ :‬إنّها واجبة ‪ ،‬وبه قال‬
‫من الصّحابة عمر بن الخطّاب رضي ال عنه ومن الفقهاء الوزاعي ؛ لنّ مطلق أمر اللّه‬
‫غسِلُو ْا ُوجُو َه ُكمْ َوأَيْدِ َيكُمْ } ‪ ،‬يقتضي الفور والتّعجيل ‪،‬‬
‫تعالى بالوضوء في قوله تعالى ‪ { :‬فا ْ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم توضّأ على الولء ثمّ قال ‪ « :‬هذا‬
‫وذلك يمنع من التّأجيل ؛ ول ّ‬
‫وضوء من ل يقبل اللّه منه صلةً إلّا به » ‪ ،‬يعني بمثله في الولء ‪ ،‬وروى جابر عن عمر‬
‫ل توضّأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النّبي صلى ال عليه‬
‫رضي ال عنه « أنّ رج ً‬
‫وسلم فقال ‪ " :‬ارجع فأحسن وضوءك " فرجع ثمّ صلّى » ‪.‬‬
‫ن التّفريق اليسير ل يضر مطلقا سهوا كان أو‬
‫وقال الدسوقي ‪ :‬من غير تفريق كثير ؛ ل ّ‬
‫عجزا أو عمدا ‪ ،‬وإذا لم يض ّر التّفريق اليسير فيكره إن كان عمدا على المعتمد ‪ ،‬واليسير‬
‫مقدّر بعدم الجفاف ‪.‬‬
‫وأمّا النّاسي والعاجز فل تجب الموالة في حقّهما ‪ ،‬وحينئذٍ إذا فرّق ناسيا أو عاجزا ‪ ،‬فإنّه‬
‫يبني مطلقا سواء طال أم ل ‪ ،‬لكن النّاسي يبني بنيّة جديدة ‪ ،‬وأمّا العاجز فل يحتاج لتجديد‬
‫نيّته ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الموالة في الغُسل ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الموالة في الغُسل ‪ ،‬فقال جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة‬ ‫‪4‬‬

‫على الجديد المشهور والحنابلة ‪ :‬إنّها سنّة في الغُسل بين غسل جميع أجزاء البدن لفعله‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬ول تجب الموالة في الغُسل ؛ لنّ البدن شيء واحد ‪ ،‬وقال الشّافعيّة‬
‫في وجهٍ والحنابلة ‪ :‬إن فاتت الموالة قبل إتمام الغُسل بأن جفّ ما غسله من بدنه بزمان‬
‫معتدل وأراد أن يتمّ غسله جدّد النّيّة لتمامه وجوبا لنقطاع النّيّة بفوات الموالة ‪ ،‬فيقع‬
‫غسل ما بقي بدون نيّة ‪.‬‬
‫وقال بعض الشّافعيّة ‪ :‬ل يضر تفريق الغسل قطعا بل خلف ‪.‬‬
‫وقال بعض الحنفيّة ‪ :‬إن فرّقه لعذر ‪ ،‬بأن فرغ ماء الوضوء أو انقلب الناء فذهب لطلب‬
‫الماء وما أشبهه فل بأس بالتّفريق على الصّحيح ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة ‪ :‬إنّ الموالة فرضٌ في الغُسل ‪ ،‬قال الدسوقي ‪ :‬أمّا الموالة ‪ ،‬فالظّاهر من‬
‫المذهب أنّها واجبة كنيّة في الوضوء عندهم إن قدر وذكر ‪ ،‬فإن فرّق عامدا بطل إن طال ‪،‬‬
‫وإلّا بنى على ما فعل بنيّة ‪ ،‬أمّا النّاسي والعاجز فل تجب الموالة في حقّهما ‪ ،‬وحينئذٍ إذا‬
‫فرّق ناسيا أو عاجزا فإنّه يبني مطلقا سواء طال أم ل ‪ ،‬لكن النّاسي يبني بنيّة جديدة ‪ ،‬وأمّا‬
‫العاجز فل يحتاج لتجديد نيّة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الموالة في التّيمم ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الموالة في التّيمم ‪ ،‬فقال الحنفيّة والشّافعيّة في الجديد والحنابلة في‬ ‫‪5‬‬

‫إحدى الرّوايتين إنّها سنّة ‪.‬‬


‫وقال المالكيّة والشّافعيّة في القديم ‪ :‬إنّها واجبة ‪.‬‬
‫كما تجب عند الشّافعيّة الموالة في تيمم دائم الحدث ووضوئه تخفيفا للمانع ؛ لنّ الحدث‬
‫يتكرّر وهو مستغن عنه بالموالة ‪.‬‬
‫والمذهب عند الحنابلة أنّ الموالة في التّيمم فرضٌ في الطّهارة الصغرى ‪ ،‬أمّا في الكبرى‬
‫فل يعتبر فيه ترتيب ول موالة ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪30‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( تيمم ف ‪/‬‬
‫د ‪ -‬الموالة بين كلمات الذان والقامة ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في حكم الموالة بين ألفاظ الذان والقامة ‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫ن الموالة بين ألفاظ الذان والقامة سنّة ‪.‬‬


‫فذهب الشّافعيّة والمالكيّة والشّافعيّة في قول إلى أ ّ‬
‫وذهب الشّافعيّة في الصحّ والحنابلة إلى أنّها واجبة ‪.‬‬
‫واختلفوا في الفصل الّذي يقطع الموالة ‪.‬‬
‫فيرى جمهور الفقهاء " الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة " أنّه يكره الفصل بين ألفاظ الذان‬
‫والقامة ولو بردّ سلم أو تشميت عاطسٍ أو نحوهما ؛ لما فيه من ترك سنّة الموالة ‪،‬‬
‫ولنّه ذكر معظّم كالخطبة ‪ ،‬فل يسع ترك حرمته ‪ ،‬فإن تكلّم استأنفه ‪ ،‬إلّا إذا كان الكلم‬
‫يسيرا ‪ ،‬فإنّه ل يستأنف عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫وزاد المالكيّة والشّافعيّة أنّه إذا أضط ّر المؤذّن للكلم ‪ ،‬مثل أن يخاف على صبي أو دابّة أو‬
‫أعمى أن يقع في بئر ‪ ،‬فإنّه يتكلّم ويبني ‪.‬‬
‫وفي قول عند الشّافعيّة ‪ :‬أنّه ل يضر كلم وسكوت طويلن بين كلمات الذان والقامة‬
‫كغيرهما من الذكار ‪ ،‬وهذا إذا لم يفحش الطول ‪ ،‬فإن فحش بحيث ل يسمّى مع الوّل أذانا‬
‫في الذان ول إقامةً في القامة استأنف جزما ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬يضر كثير الكلم دون كثير السكوت ‪.‬‬
‫وللحنابلة تفصيل فقالوا ‪ :‬ول يصح الذان ‪ ،‬وكذا القامة ‪ ،‬إلّا متواليا عرفا ؛ لنّه ل يحصل‬
‫المقصود منه ‪ ،‬وهو العلم بدخول الوقت بغير موالة ‪ ،‬وشرع في الصل كذلك ‪ ،‬بدليل أنّه‬
‫« صلى ال عليه وسلم عّل َم أبا محذورة الذان مرتّبا متواليا » ‪ .‬فلو فرّق بينه بسكوت‬
‫طويل ‪ ،‬ولو بسبب نوم أو إغماء أو جنون ‪ ،‬أو فرّق بينه بكلم كثير لم يعتدّ به لفوات‬
‫الموالة ‪ ،‬ولو فرّق بينه بكلم محرّم ‪ ،‬كسبّ وقذف ونحوهما وإن كان يسيرا لم يعتدّ به ؛‬
‫لنّه قد يظنه سامعه متلعبا أشبه المستهزئ ‪ ،‬ولو ارتدّ في أثنائه لم يعت ّد به لخروجه عن‬
‫أهليّة الذان ‪.‬‬
‫ويكره في الذان سكوت يسير بل حاجة وكره فيه كلم مباح يسير بل حاجة فإن كان لها لم‬
‫ن سليمان بن صرد رضي ال عنه ‪ -‬وله صحبة ‪ -‬كان يأمر غلمه بالحاجة في‬
‫يكره ؛ ل ّ‬
‫أذانه ‪.‬‬
‫ن ابتداء السّلم إذن غير‬
‫وله رد سلم في الذان والقامة ول يبطلن به ‪ ،‬ول يجب الرّد ؛ ل ّ‬
‫مسنون ‪.‬‬
‫هـ ‪ -‬الموالة بين كلمات الفاتحة ‪:‬‬
‫‪ -‬قال المالكيّة ‪ :‬يكره الدعاء في الصّلة المفروضة قبل قراءة الفاتحة وبعدها وأثنائها‬ ‫‪7‬‬

‫بأن يخلّلها به ؛ لشتماله على الدعاء ‪ ،‬ول يكره في النّفل ‪.‬‬


‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬تجب الموالة بين كلمات الفاتحة بأن يصل الكلمات بعضها ببعض ول يفصل‬
‫إلّا بقدر التّنفس للتّباع مع خبر ‪ « :‬صلوا كما رأيتموني أصلّي » ‪ ،‬فلو أخلّ بها سهوا لم‬
‫يض ّر كترك الموالة في الصّلة بأن طوّل ركنا قصيرا ناسيا ‪ ،‬بخلف ما لو ترك الفاتحة‬
‫ي ل يتعلّق بالصّلة‬
‫سهوا فإنّه يضر ؛ لنّ الموالة صفة والقراءة أصل ‪ ،‬فإن تخلّل ذكر أجنب ّ‬
‫ن الشتغال‬
‫قطع الموالة وإن ق ّل كالتّحميد عند العطاس وإجابة المؤذّن والتّسبيح للدّاخل ؛ ل ّ‬
‫به يوهم العراض عن القراءة فليستأنفها ‪ ،‬هذا إن تعمّد ‪ ،‬فإن كان سهوا فالصّحيح‬
‫المنصوص أنّه ل يقطع بل يبني ‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬إن طال الذّكر قطع الموالة وإلّا فل ‪.‬‬
‫فإن تعلّق بالصّلة كتأمينه لقراءة إمامه وفتحه عليه إذا توقّف فيها فل يقطع الموالة في‬
‫الصحّ لندب ذلك للمأموم في الصحّ ‪ ،‬والثّاني يقطعها لنّه ليس مندوبا كالحمد عند العطاس‬
‫وغيره ‪ ،‬ومحل الخلف في العامد ‪ ،‬فإن كان ساهيا لم يقطع ما ذكر جزما ‪.‬‬
‫ويقطع الموالة السكوت العمد الطّويل لشعاره بالعراض مختارا كان أو لعائق لخلله‬
‫بالموالة المعتبرة ‪ ،‬أمّا النّاسي فل يقطع على الصّحيح ‪ ،‬وكذا يقطع يسير قصد به قطع‬
‫القراءة في الصحّ لتأثير الفعل مع النّيّة كنقل الوديعة بنيّة الخيانة ‪ ،‬فإنّه يضمن ‪ ،‬وإن لم‬
‫يضمن بأحدهما منفردا ‪ ،‬والثّاني ل يقطع ؛ لنّ قصد القطع وحده ل يؤثّر ‪ ،‬والسكوت‬
‫اليسير وحده ل يؤثّر أيضا ‪ ،‬فكذا إذا اجتمعا ‪ ،‬فإن لم يقصد القطع ولم يطل السكوت لم يضرّ‬
‫كنقل الوديعة بل نيّة تعد ‪ ،‬وكذا إن نوى قطع القراءة ولم يسكت ‪.‬‬
‫ت يسيرا أو فرغ‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إن قطع قراءة الفاتحة بذكر من دعاء أو قراءة أو سكو ٍ‬
‫المام من الفاتحة في أثناء قراءة المأموم قال " آمين " ول تنقطع قراءته ؛ لقول أحمد ‪ :‬إذا‬
‫مرّت به آية رحمة سأل ‪ ،‬وإذا مرّت به آية عذاب استعاذ ‪ ،‬وإن كثر ذلك استأنف قراءتها ‪،‬‬
‫إلّا أن يكون السكوت مأمورا به كالمأموم يشرع في قراءة الفاتحة ثمّ يسمع قراءة المام‬
‫فينصت له ‪ ،‬فإذا سكت المام أتمّ قراءتها وأجزأه ‪ ،‬أومأ إليه أحمد ‪ ،‬وكذلك إن كان السكوت‬
‫نسيانا أو نوما أو لنتقاله إلى غيرها غلطا لم يبطل ‪ ،‬فمتى ذكر أتى بما بقي منها ‪ ،‬فإن‬
‫تمادى فيما هو فيه بعد ذكره أبطلها ‪ ،‬ولزمه استئنافها كما لو ابتدأ بذلك ‪ ،‬فإن نوى قطع‬
‫قراءتها من غير أن يقطعها لم تنقطع ؛ لنّ فعله مخالف لنيّته ‪ ،‬والعتبار بالفعل ل بالنّيّة ‪،‬‬
‫وكذا إن سكت مع النّيّة سكوتا يسيرا لما ذكرناه من أنّه ل عبرة بالنّيّة فوجودها كعدمها ‪،‬‬
‫وذكر القاضي في الجامع أنّه متى سكت مع النّيّة أبطلها ‪ ،‬ومتى عدل إلى قراءة غير‬
‫الفاتحة عمدا أو دعاءً غير مأمور به بطلت قراءته ‪ ،‬ولم يفرّق بين قليل أو كثير ‪ ،‬وإن قدّم‬
‫آي ًة منها في غير موضعها عمدا أبطلها ‪ ،‬وإن كان غلطا رجع إلى موضع الغلط فأتمّها ‪.‬‬
‫و ‪ -‬الموالة بين كلمات التّشهد ‪:‬‬
‫‪ -‬قال الشّافعيّة ‪ :‬تجب الموالة بين كلمات التّشهد ‪ ،‬صرّح بذلك المتولّي ‪ .‬قال ابن‬ ‫‪8‬‬

‫الرّفعة‪ :‬وهو قياس الفاتحة ‪.‬‬


‫ز ‪ -‬الموالة في تكبيرات صلة العيد ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء في الموالة في تكبيرات صلة العيد أو الفصل بينها بشيء من التّحميد‬ ‫‪9‬‬

‫والتّسبيح ونحو ذلك ‪.‬‬


‫فذهب الحنفيّة ‪ ,‬والمالكيّة إلى أنّه يوالي بينها كالتّسبيح في الركوع والسجود ‪ ،‬قالوا ‪ :‬لنّه‬
‫لو كان بينها ذكر مشروع لنقل كما نقل التّكبير ‪ ،‬وبه قال ابن مسعود وحذيفة وأبو موسى‬
‫وأبو مسعود البدري رضي ال عنهم وابن سيرين والثّوري والوزاعي والحسن ‪.‬‬
‫ن التّكبيرات يؤتى بها عقب ذكر هو‬
‫قال السّرخسي ‪ :‬وإنّما قلنا بالموالة بين القراءتين ؛ ل ّ‬
‫فرضٌ ‪ ،‬ففي الرّكعة الولى يؤتى بها عقب تكبيرة الفتتاح ‪ ،‬وفي الثّانية عقب القراءة ؛‬
‫ولنّه يجمع بين التّكبيرات ما أمكن ‪ ،‬ففي الرّكعة الولى يجمع بينها وبين تكبيرة الفتتاح ‪،‬‬
‫وفي الثّانية يجمع بينها وبين تكبيرة الركوع ‪ ،‬ولم يبيّن مقدار الفصل بين التّكبيرات في‬
‫الكتاب ‪.‬‬
‫وروي عن أبي حنيفة في مقدار الفصل بين التّكبيرات أنّه قال ‪ :‬يسكت بين كلّ تكبيرتين‬
‫ت‪.‬‬
‫بقدر ثلث تسبيحا ٍ‬
‫وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يفصل بين التّكبيرات بذكر مسنون ‪ ،‬فقال الشّافعي وأصحابه ‪:‬‬
‫يستحب أن يقف بين كلّ تكبيرتين من الزّوائد قدر قراءة آية ل طويلة ول قصيرة ‪ ،‬يهلّل‬
‫ي فيما يقوله بين التّكبيرتين‬
‫اللّه تعالى ويكبّره ويحمده ويمجّده ‪ ،‬واختلف أصحاب الشّافع ّ‬
‫فقال جمهور أصحاب الشّافعيّ ‪ :‬يقول ‪ :‬سبحان اللّه والحمد للّه ول إله إلّا اللّه واللّه أكبر ‪،‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬يقول ‪ :‬ل إله إلّا اللّه وحده ل شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو‬
‫على كلّ شيء قدير ‪.‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬إنّه يفصل بينها ‪ ،‬بقول ‪ :‬اللّه أكبر كبيرا والحمد للّه كثيرا وسبحان اللّه بكرةً‬
‫وأصيلً وصلّى اللّه على محمّد وآله وسلّم كثيرا ‪.‬‬
‫وقال بعضهم ‪ :‬يقول " سبحانك الّل ُهمّ وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك وجلّ ثناؤك ول إله‬
‫غيرك " ول يأتي بهذا الذّكر بعد السّابعة والخامسة ‪.‬‬
‫وقال الحنابلة ‪ :‬إنّه يحمد اللّه ويثني عليه ويصلّي على النّبيّ صلى ال عليه وسلم بين كلّ‬
‫تكبيرتين ‪ ،‬وإن أحبّ قال ‪ :‬اللّه أكبر كبيرا والحمد للّه بكر ًة وأصيلً ‪ ،‬وصلّى اللّه على محمّد‬
‫ي وعليه السّلم ‪ .‬وإن أحبّ قال ‪ :‬سبحان اللّه والحمد للّه ول إله إلّا اللّه واللّه‬
‫النّبيّ المّ ّ‬
‫أكبر ‪ ،‬أو ما شاء من الذّكر ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الموالة في جمع التّقديم بين الصّلتين ‪:‬‬
‫‪ -‬قال جمهور الفقهاء " الحنفيّة في ظاهر الرّواية والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة " ‪:‬‬ ‫‪10‬‬

‫ن الجمع‬
‫تشترط الموالة في جمع التّقديم بين الصّلتين بأن ل يفصل بينهما فاصل طويل ؛ ل ّ‬
‫يجعلهما كصلة واحدة ‪ ،‬فوجب الولء كركعات الصّلة ‪ ،‬أي فل يفرّق بينهما كما ل يجوز‬
‫أن يفرّق بين الرّكعات في صلة واحدة ‪ ،‬فإن فصل بينهما بفصل طويل ولو بعذر كسهو أو‬
‫إغماء بطل الجمع ووجب تأخير الصّلة الثّانية إلى وقتها لفوات الجمع ‪ ،‬وإن فصل بينهما‬
‫بفصل يسير لم يض ّر كالفصل بينهما بالذان والقامة والطّهارة ؛ لما ورد عن أسامة رضي‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم جاء المزدلفة فتوضّأ فأسبغ ‪ ،‬ثمّ أقيمت الصّلة‬
‫ال عنه ‪ « :‬إ ّ‬
‫فصلّى المغرب ‪ ،‬ثمّ أناخ كل إنسان بعيره في منزله ‪ ،‬ثمّ أقيمت الصّلة فصلّى ‪ ،‬ولم يصلّ‬
‫بينهما » ‪.‬‬
‫ض آخر إلى‬
‫وذهب بعض الحنفيّة إلى أنّه يستثنى من الموالة سنّة الظهر ‪ ،‬وذهب بع ٌ‬
‫استثناء تكبيرات التّشريق ‪.‬‬
‫وذهب بعض الشّافعيّة إلى أنّه يجوز الجمع بين الصّلتين ‪ -‬جمع تقديم ‪ -‬وإن طال بينهما‬
‫الفصل ما لم يخرج وقت الولى منهما ‪.‬‬
‫ط ‪ -‬الموالة بين أشواط الطّواف ‪:‬‬
‫ن الموالة بين أشواط الطّواف‬
‫‪ -‬ذهب المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬والشّافعيّة في قول إلى أ ّ‬ ‫‪11‬‬

‫واجبة ‪ ،‬فإن ترك الموالة وطال الفصل ابتدأ الطّواف ‪ ،‬وإن لم يطل بنى ‪ ،‬ول فرق بين ترك‬
‫الموالة عمدا وسهوا ‪ ،‬مثل من يترك شوطا من الطّواف يحسب أنّه قد أتمّه ؛ لنّ النّبيّ‬
‫صلى ال عليه وسلم والى بين طوافه وقال ‪ « :‬خذوا عنّي مناسككم » ‪ ،‬ولنّه صلة ‪ ،‬قال‬
‫النّبي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الطّواف بالبيت صلة » ‪ ،‬فاشترطت لها الموالة كالصّلة ‪،‬‬
‫ويرجع في طول الفصل وقصره إلى العرف من غير تحديد ‪.‬‬
‫ن الموالة سنّة ؛ « لنّه صلى ال عليه وسلم والى‬
‫وقال الحنفيّة والشّافعيّة في الصحّ ‪ :‬إ ّ‬
‫طوافه » ‪.‬‬
‫وصرّح الحنفيّة بأنّ التّفريق بين الشواط تفريقا كثيرا مكروه ‪.‬‬
‫ي ‪ -‬الموالة بين أشواط السّعي ‪:‬‬
‫ن الموالة بين أشواط السّعي مستحبّة ‪ ،‬فلو فرّق بينها تفريقا كثيرا‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬ ‫‪12‬‬

‫كره واستحبّ له أن يستأنف ‪.‬‬


‫وذهب الشّافعيّة إلى أنّها سنّة ‪.‬‬
‫ط لصحّة السّعي ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة والحنابلة في المعتمد ‪ :‬إنّ الموالة بين أشواط السّعي شر ٌ‬
‫)‪.‬‬ ‫‪23‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( سعيٌ ف ‪/‬‬
‫ك ‪ -‬الموالة في رمي الجمرات ‪:‬‬
‫‪ -‬الموالة في الجمرات بين الرّميات السّبع سنّة بحيث ل يزيد الفصل بينها عن الذّكر‬ ‫‪13‬‬

‫الوارد فيما بينها ‪.‬‬


‫ل ‪ -‬الموالة في تغريب الزّاني ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الشّافعيّة إلى أنّ الموالة في تغريب الزّاني شرطٌ ولو رجع إلى بلد غرّب منه‬ ‫‪14‬‬

‫أستؤنفت المدّة ليتوالى اليحاش حتّى يكمل له الحول مسافرا ‪.‬‬


‫وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه إن عاد قبل مضيّ الحول أعيد تغريبه حتّى يكمل الحول‬
‫مسافرا ويبني على ما مضى ‪.‬‬
‫م ‪ -‬الموالة بين كلمات اللّعان ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط الموالة في اللّعان بين الكلمات الخمس الواردة في قوله تعالى ‪ { :‬وَالّذِينَ‬ ‫‪15‬‬

‫ت بِالّل ِه إِ ّنهُ َلمِنَ‬


‫شهَادَا ٍ‬
‫شهَادَةُ َأحَدِ ِهمْ أَرْ َبعُ َ‬
‫س ُهمْ َف َ‬
‫شهَدَاء إِلّا أَن ُف ُ‬
‫ن أَ ْزوَاجَ ُهمْ وَ َلمْ َيكُن ّل ُهمْ ُ‬
‫يَ ْرمُو َ‬
‫ن وَيَدْ َرأُ ‪،‬عَ ْنهَا ا ْلعَذَابَ أَنْ‬
‫ن مِنَ ا ْلكَاذِبِي َ‬
‫ن َلعْنَتَ الّل ِه عَلَ ْيهِ إِن كَا َ‬
‫سةُ أَ ّ‬
‫ن ‪ ،‬وَا ْلخَا ِم َ‬
‫الصّادِقِي َ‬
‫ن مِنَ‬
‫ب الّلهِ عَلَ ْيهَا إِن كَا َ‬
‫ن ‪،‬وَا ْلخَا ِمسَ َة أَنّ غَضَ َ‬
‫شهَادَاتٍ بِالّلهِ إِ ّنهُ َل ِمنَ ا ْلكَاذِبِي َ‬
‫شهَدَ أَرْبَ َع َ‬
‫َت ْ‬
‫الصّادِقِينَ } ‪ ،‬فيؤثّر الفصل الطّويل لنّهم جعلوها كالشّيء الواحد ‪ ،‬والواحد ل تفرّق أجزاؤه‬
‫ت‪.‬‬
‫كما في الصّلة المؤلّفة من ركعا ٍ‬
‫ن ‪ -‬الموالة في البيع بين اليجاب والقبول ‪:‬‬
‫ن الموالة ل تشترط في‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء " الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة " إلى أ ّ‬ ‫‪16‬‬

‫اليجاب والقبول ‪ ،‬ول يضر تراخي القبول عن اليجاب ما داما في المجلس ولم يتشاغل بما‬
‫يقطعه ‪.‬‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬الموالة بين اليجاب والقبول في العقد شرطٌ ‪ ،‬ويشترط أن ل يطول الفصل‬
‫بينهما ‪ ،‬فإن طال ض ّر ؛ لنّ طول الفصل يخرج الثّاني عن أن يكون جوابا عن الوّل ‪ ،‬فكل‬
‫ما يشترط فيه القبول من العقود فعلى الفور ‪ ،‬أي أن يكون عقب اليجاب ‪ ،‬ول يضر عندهم‬
‫الفصل اليسير ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪24‬‬ ‫وانظر التّفصيل في مصطلح ( عقد ف ‪/‬‬
‫س ‪ -‬الموالة في الستثناء في اليمين ‪:‬‬
‫‪ -‬يشترط لصحّة الستثناء في اليمين الموالة بحيث يكون الستثناء متّصلً بالكلم‬ ‫‪17‬‬

‫السّابق ‪ ،‬فلو فصل عنه بسكوت كثير بغير عذر أو بكلم أجنبي لم يصحّ الستثناء فل‬
‫يخصّص ما قبله إن كان استثنا ًء بنحو إلّا ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪16‬‬ ‫والتّفصيل في مصطلح ( استثناء ف ‪/‬‬
‫ع ‪ -‬الموالة في ردّ السّلم ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه يجب رد السّلم على الفور ‪.‬‬ ‫‪18‬‬

‫قال ابن عابدين ‪ :‬إذا أخّر ر ّد السّلم لغير عذر كره تحريما ول يرفع الثم بالرّدّ بل بالتّوبة ‪.‬‬
‫وقال الزّركشي والسيوطي ‪ :‬ممّا تجب فيه الموالة ‪ . .‬الموالة في ردّ السّلم ‪.‬‬
‫ف ‪ -‬التّخلل القاطع للموالة ‪:‬‬
‫ل عن ابن السبكي ‪ :‬الضّابط في التّخلل المضرّ في البواب أن يُعدّ‬
‫‪ -‬قال السيوطيّ نق ً‬ ‫‪19‬‬

‫الثّاني منقطعا عن الوّل ‪.‬‬


‫هذا يختلف باختلف البواب ‪ ،‬فربّ باب يطلب فيه من التّصال ما ل يطلب في غيره ‪،‬‬
‫وباختلف المتخلّل نفسه ‪ ،‬فقد يغتفر من السكوت ما ل يغتفر من الكلم ‪ ،‬ومن الكلم‬
‫المتعلّق بالعقد ما ل يغتفر من الجنبيّ ‪ ،‬ومن المتخلّل بعذر ما ل يغتفر في غيره ‪ ،‬فصارت‬
‫مراتب أقطعها للتّصال كلم كثير أجنبيّ ‪ ،‬وأبعدها عنه سكوت يسير لعذر وبينهما مراتب ل‬
‫تخفى ‪.‬‬

‫َموْت *‬
‫التّعريف ‪:‬‬
‫ت فهو مَيّت ومَيْت ومن أسمائه ‪:‬‬
‫‪ -‬الموت في اللغة ‪ :‬ضدّ الحياة ‪ .‬يقال ‪ :‬ماتَ يمو ُ‬ ‫‪1‬‬

‫حمَام ‪ ،‬والحَيْن ‪ ،‬والرّدى ‪ ،‬والهلك ‪،‬‬


‫شعُوب ‪ ،‬والسّام ‪ ،‬وال ِ‬
‫المَنُون ‪ ،‬والمَنَا ‪ ،‬والمَنيّة ‪ ،‬وال ّ‬
‫والثُكل ‪ ،‬والوفاة ‪ ،‬والخَبَال ‪.‬‬
‫وفي مقاييس اللغة ‪ :‬الميم والواو والتّاء أصلٌ صحيحٌ يد ّل على ذهاب القوّة من الشّيء ‪،‬‬
‫ومنه الموت ‪ ،‬خلف الحياة ‪.‬‬
‫والموت في الصطلح هو ‪ :‬مفارقة الروح للجسد ‪ .‬قال الغزالي ‪ :‬ومعنى مفارقتها للجسد‬
‫انقطاعُ تصرفها عن الجسد ‪ ،‬بخروج الجسد عن طاعتها ‪.‬‬
‫علمات الموت ‪:‬‬
‫‪ -‬نظرا لتعذر إدراك كُنْه الموت ‪ ،‬فقد علّق الفقهاء الحكام الشّرعيّة المترتّبة عليه بظهور‬ ‫‪2‬‬

‫أمارته في البدن ‪ ،‬فقال ابن قدامة ‪ :‬إذا اشتبه أمر الميّت اعتبر بظهور أمارات الموت ‪ ،‬من‬
‫استرخاء رجليه ‪ ،‬وانفصال كفّيه ‪ ،‬وميل أنفه ‪ ،‬وامتداد جلدة وجهه ‪ ،‬وانخساف صدغيه ‪.‬‬
‫وجاء في روضة الطّالبين ‪ :‬تستحبّ المبادرة إلى غسله وتجهيزه إذ تحقّق موته ‪ ،‬بأن‬
‫يموت ِبعِلّة ‪ ،‬وتظهر أمارات الموت ‪ ،‬بأن تسترخي قدماه ول تنتصبا ‪ ،‬أو يميل أنفه ‪ ،‬أو‬
‫ينخسف صدغاه ‪ ،‬أو تمتدّ جلد ُة وجهه ‪ ،‬أو ينخلع كفّاه من ذراعيه ‪ ،‬أو تتقلّص خصيتاه إلى‬
‫فوق مع تدلّي الجلدة ‪ . . .‬إلخ ‪.‬‬
‫هذا ‪ ،‬وقد نبّه النّبي صلى ال عليه وسلم إلى أنّ شخوص بصر المحتضر علمة ظاهرة‬
‫على قبض روحه ومفارقتها لجسده ‪ ،‬فقد ورد عنه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬إنّ‬
‫الروح إذا قُبض تبعه البصر » ‪.‬‬
‫وقال صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر فإنّ البصر يتبع‬
‫الروح»‪.‬‬
‫هل الموت للبدن والروح أو للبدن وحده ؟‬
‫‪ -‬نصّ جمهور علماء أهل السنّة والجماعة على أنّ الرواح بعد الموت باقية غير فانية ‪،‬‬ ‫‪3‬‬

‫إمّا في نعيم مقيم ‪ ،‬وإمّا في عذاب أليم ‪ ،‬قال في الحياء ‪ :‬الّذي تشهد له طرق العتبار ‪،‬‬
‫وتنطق به اليات والخبار أنّ الموت معناه تغيرّ حال فقط ‪ ،‬وأنّ الروح باقية بعد مفارقة‬
‫الجسد ‪ ،‬إمّا معذّبة ‪ ،‬وإمّا منعّمة ‪ .‬قال الزبيدي ‪ :‬وهذا قول أهل السنّة والجماعة وفقهاء‬
‫الحجاز والعراق ومتكلّمي الصّفاتيّة ‪.‬‬
‫وقد بيّن أحمد بن قدامة ذلك بقوله ‪ :‬والّذي تدل عليه اليات والخبار أنّ الروح تكون بعد‬
‫الموت باقي ًة ‪ ،‬إمّا معذّبةً ‪ ،‬أو منعّمةً ‪ ،‬فإنّ الروح قد تتألّم بنفسها بأنواع الحزن والغمّ ‪،‬‬
‫وتتنعّم بأنواع الفرح والسرور من غير تعلق لها بالعضاء ‪ ،‬فكل ما هو وصف للروح‬
‫بنفسها ‪ ،‬يبقى معها بعد مفارقة الجسد ‪ ،‬وكل ما لها بواسطة العضاء يتعطّل بموت الجسد‬
‫إلى أن تُعاد ‪ :‬الروح إلى الجسد ‪.‬‬
‫حسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ‬
‫ن الروح ل تنعدم بالموت بقوله تعالى ‪َ { :‬و َل َت ْ‬
‫واحتجّ على أ ّ‬
‫الّلهِ َأ ْموَاتًا َبلْ َأحْيَاء عِندَ رَ ّب ِهمْ ُيرْزَقُونَ } حيث قال عليه الصلة والسلم فيه ‪ « :‬جعل اللّه‬
‫أرواحهم في أجواف طير خضر ‪ ،‬ترد أنهار الجنّة ‪ ،‬تأكل من ثمارها ‪ ،‬وتأوي إلى قناديل من‬
‫ذهب في ظلّ العرش » ‪ ،‬وبما ورد عن ابن عمر رضي ال عنهما قال ‪ ،‬قال رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ ‪ ،‬إن كان‬
‫من أهل الجنّة فمن أهل الجنّة ‪ ،‬وإن كان من أهل النّار فمن أهل النّار ‪ ،‬يقال ‪ :‬هذا مقعدك‬
‫حتّى يبعثك اللّه إليه يوم القيامة » ‪ ،‬فدلّ ذلك على نعيم الرواح وعذابها بعد المفارقة ‪ ،‬إلى‬
‫أن يرجعها اللّه في أجسادها ‪ ،‬ولو ماتت الرواح لنقطع عنها النّعيم والعذاب ‪.‬‬
‫وقد أورد المام الغزالي توضيحا لحال الروح وحياتها بعد موت البدن فقال ‪ :‬هذه الروح ل‬
‫تفنى البتّة ول تموت ‪ ،‬بل يتبدّل بالموت حالها فقط ‪ ،‬ويتبدّل منزلها ‪ ،‬فتنتقل من منزل إلى‬
‫منزل ‪ ،‬والقبر في حقّها إمّا روضة من رياض الجنّة أو حفرةً من حفر النّيران ‪ ،‬إذا لم يكن‬
‫لها مع البدن علقة سوى استعمالها البدن واقتناصها أوائل المعرفة به بواسطة شبكة‬
‫الحوّاس ‪ ،‬فالبدن آلتها ومركبها وشبكتها ‪ ،‬وبطلن اللة والمركب والشّبكة ل يوجب بطلن‬
‫الصّائد ‪.‬‬
‫وذهبت طائفة إلى أنّ الروح تفنى وتموت بموت الجسد ؛ لنّها نفسٌ ‪ ،‬وقد قال تعالى ‪ُ { :‬كلّ‬
‫ت } ‪ .‬قال الزبيدي ‪ :‬وقد قال بهذا القول جماعة من فقهاء الندلس قديما ‪،‬‬
‫َنفْسٍ ذَآ ِئ َقةُ ا ْل َموْ ِ‬
‫منهم عبد العلى بن وهب بن لبابة ‪ ،‬ومن متأخّريهم كالسهيليّ وابن العربيّ ‪.‬‬
‫وقال ابن القيّم ‪ :‬والصّواب أن يقال ‪ :‬موت النفوس هو مفارقتها لجسادها وخروجها منها ‪،‬‬
‫فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت ‪ ،‬وإن أريد بأنّها تعدم وتضمحلّ وتصير عدما‬
‫محضا ‪ ،‬فهي ل تموت بهذا العتبار ‪ ،‬بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو في عذاب ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬الروح ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب أهل السنّة من المتكلّمين والفقهاء والمحدّثين إلى أنّ الروح جسم لطيف متخلّل‬ ‫‪4‬‬

‫في البدن ‪ ،‬تذهب الحياة بذهابه ‪ ،‬وعبارة بعض المحقّقين ‪ :‬هي جسم لطيف ‪ ،‬مشتبك بالبدن‬
‫اشتباك الماء بالعود الخضر ‪ ،‬وبه جزم النّووي وابن عرفة المالكي ‪ ،‬ونقل تصحيحه عن‬
‫أصحابهم ‪.‬‬
‫وقال الفيومي ‪ :‬ومذهب أهل السنّة أنّ الروح هو النّفس النّاطقة المستعدّة للبيان وفهم‬
‫ض‪.‬‬
‫الخطاب ول تفنى بفناء الجسد وأنّه جوهر ل عر ٌ‬
‫والصّلة بين الموت وبين الروح هي التّباين ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬النّفس ‪:‬‬
‫‪ -‬ذهب جمهور أهل السنّة من فقهاء ومحدّثين ومتكلّمين إلى أنّ المراد بالنّفس الروح ‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫يقال ‪ :‬خرجت نفسه ‪ ,‬أي روحه ‪ ,‬وأنّه يعبّر عن النّفس بالروح وبالعكس ‪.‬‬
‫قال ابن تيميّة ‪ :‬الروح المدبّرة للبدن الّتي تفارقه بالموت هي الروح المنفوخة فيه ‪ ,‬وهي‬
‫النّفس الّتي تفارقه بالموت ‪ . . .‬وإنّما تسمّى نفسا باعتبار تدبيرها للبدن ‪ ,‬وتسمّى روحا‬
‫باعتبار لطفها ‪.‬‬
‫س حِينَ َموْ ِتهَا وَالّتِي َلمْ َتمُتْ فِي مَنَا ِمهَا‬
‫ودليلهم على ذلك قوله تعالى ‪ { :‬الّل ُه يَ َتوَفّى الْأَنفُ َ‬
‫س ّمىً } ‪ ،‬قال ابن القيّم ‪:‬‬
‫جلٍ ُم َ‬
‫س ُل الُْأخْرَى إِلَى َأ َ‬
‫ك الّتِي قَضَى عَلَ ْيهَا ا ْل َموْتَ وَيُ ْر ِ‬
‫فَ ُي ْمسِ ُ‬
‫والنفس هاهنا هي الرواح قطعا ‪.‬‬
‫وتقسّم النّفس إلى النّفس المّارة ‪ ,‬والّلوّامة ‪ ,‬والمطمئنّة ‪ ,‬وذكر ابن تيميّة أنّ النّفس يراد‬
‫بها عند كثير من المتأخّرين صفاتها المذمومة ‪ ,‬فيقال ‪ :‬فلن له نفسٌ ‪ :‬أي مذمومة‬
‫الحوال ‪ ,‬وأيضا ‪ :‬فإنّ النّفس لمّا كانت حال تعلقها بالبدن يكثر عليها اتّباع هواها صار لفظ‬
‫" النّفس " يُعبّر به عن النّفس المتّبعة لهواها ‪ ,‬أو عن اتّباعها الهوى ‪ ,‬بخلف لفظ " الروح"‬
‫فإنّه ل يعبّر به عن ذلك ‪.‬‬
‫وقال الفيوميّ ‪ :‬والنّفس أنثى إن أريد بها الروح ‪ ,‬قال تعالى ‪ { :‬خَ َل َقكُم مّن ّنفْسٍ وَاحِدَةٍ } ‪,‬‬
‫وإن أريد الشّخص فم ّذكّر ‪.‬‬
‫وحكى الكفويّ في الكلّيّات أنّ النسان له نفسان ‪ :‬نفسٌ حيوانيّة ‪ ,‬ونفسٌ روحانيّة ‪.‬‬
‫فالنّفس الحيوانيّة ل تفارقه إلّا بالموت ‪ ,‬والنّفس الروحانيّة ‪ -‬الّتي هي من أمر اللّه ‪ -‬هي‬
‫الّتي تفارق النسان عند النّوم ‪ ,‬وإليها الشارة بقوله تعالى ‪ { :‬الّلهُ يَ َتوَفّى الْأَنفُسَ حِينَ‬
‫َموْ ِتهَا وَالّتِي َلمْ َتمُتْ فِي مَنَا ِمهَا } ‪ ،‬ثمّ إنّه تعالى إذا أراد الحياة للنّائم ردّ عليه روحه‬
‫فاستيقظ ‪ ,‬وإذا قضى عليه بالموت أمسك عنه روحه فيموت ‪ ,‬وهو معنى قوله ‪ { :‬فَ ُي ْمسِكُ‬
‫س ّمىً } ‪ ،‬أمّا النّفس الحيوانيّة فل تفارق‬
‫جلٍ ُم َ‬
‫سلُ الُْأخْرَى إِلَى أَ َ‬
‫الّتِي قَضَى عَلَ ْيهَا ا ْل َموْتَ وَ ُي ْر ِ‬
‫النسان بالنّوم ‪ ,‬ولهذا يتحرّك النّائم ‪ ,‬وإذا مات فارقه جميع ‪ ,‬ذلك ‪.‬‬
‫والصّلة بين النّفس والموت التّباين ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الحياة ‪:‬‬
‫‪ -‬الحياة في اللغة نقيض الموت ‪ ,‬وهي في النسان عبارة عن قوّة مزاجيّة تقتضي الحسّ‬ ‫‪6‬‬

‫والحركة ‪ ,‬وهي الموجبة لتحريك من قامت به ‪ ,‬ومفهومها عند الفقهاء ‪ :‬أثر مقارنة‬
‫النّفوس للبدان ‪ ,‬وإنّها لتسري في النسان تبعا لسريان الروح في جسده ‪ .‬وحكى القزويني‬
‫ي ‪ ,‬فمتى وجد فيه يكون حيّا ‪ ,‬وإذا عدم‬
‫ض يقوم بالح ّ‬
‫ن الحياة عر ٌ‬
‫أنّ الروح هي الحياة ‪ ,‬وأ ّ‬
‫فيه فقد حصل ضدّه ‪ ,‬وهو الموت ‪.‬‬
‫وقد ذكر الرّاغب الصفهاني أنّ " الحياة " تستعمل على أوجهٍ ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬للقوّة النّامية الموجودة في النّبات والحيوان ‪ ,‬ومنه قيل ‪ :‬نبات حيّ ‪ ,‬قال تعالى ‪:‬‬
‫ن ا ْلمَاء ُكلّ شَيْ ٍء حَيّ } ‪.‬‬
‫جعَلْنَا مِ َ‬
‫{ َو َ‬
‫والثّاني ‪ :‬للقوّة الحسّاسة ‪ ,‬وبه سمّي الحيوان حيوانا ‪ ,‬قال تعالى ‪َ { :‬ومَا َيسْ َتوِي الْ َأحْيَاء‬
‫وَلَا الْ َأ ْموَاتُ } ‪.‬‬
‫ن مَيْتًا فَ َأحْيَيْنَاهُ } ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬للقوّة العالمة العاقلة ‪ ,‬كقوله ‪َ { :‬أوَ مَن كَا َ‬
‫حسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُواْ فِي‬
‫والرّابع ‪ :‬عبارة عن ارتفاع الغمّ ‪ ,‬وعلى ذلك قوله تعالى ‪َ { :‬و َل َت ْ‬
‫سَبِيلِ الّلهِ َأ ْموَاتًا َب ْل َأحْيَاء عِندَ رَ ّب ِهمْ } ‪ ،‬أي هم متلذّذون لما روي في الخبار الكثيرة عن‬
‫أرواح الشّهداء ‪.‬‬
‫والخامس ‪ :‬الحياة الخرويّة البديّة ‪ ,‬وقد جاء ذلك في قوله تعالى ‪ { :‬يَا لَيْتَنِي قَ ّدمْتُ‬
‫ِلحَيَاتِي} يعني بها الحياة الخرويّة الدّائمة ‪.‬‬
‫والسّادس ‪ :‬الحياة الّتي يوصف بها الباري تعالى ‪ ,‬فإنّه إذا قيل فيه سبحانه ‪ ,‬هو حيّ ‪,‬‬
‫فمعناه ل يصح عليه الموت ‪ ,‬وليس ذلك إلّا للّه ع ّز وجلّ ‪.‬‬
‫ثمّ إنّ الحياة باعتبار الدنيا والخرة ضربان الحياة الدنيا ‪ ,‬والحياة الخرة ‪.‬‬
‫وقوله ع ّز وجلّ ‪ { :‬وَ َل ُكمْ فِي ا ْلقِصَاصِ حَيَاةٌ } ‪ ،‬أي يرتدع بالقصاص من يريد القدام على‬
‫القتل ‪ ,‬فيكون في ذلك حياة النّاس ‪.‬‬
‫والصّلة بين الموت والحياة أنّهما نقيضان ‪.‬‬
‫د ‪ -‬الهليّة ‪:‬‬
‫‪ -‬الهليّة شرعا هي كون النسان بحيث يصح أن يتعلّق به الحكم ‪ ,‬والمعنى أنّها صفة أو‬ ‫‪7‬‬

‫قابليّة يقدّرها الشّارع في الشّخص تجعله محلً صالحا لن يتعلّق به الخطاب التّشريعي ‪.‬‬
‫ن الموت سبب من أسباب انعدام الهليّة ‪.‬‬
‫والصّلة بين الموت وبين الهليّة أ ّ‬
‫هـ ‪ -‬ال ّذمّة ‪:‬‬
‫‪ -‬ال ّذمّة كما عرّفها الجرجاني ‪ :‬وصف يصير الشّخص به أهلً لليجاب له وعليه ‪.‬‬ ‫‪8‬‬

‫ن الموت سبب من أسباب انعدام ال ّذمّة أو ضعفها أو شغلها‪.‬‬


‫والصّلة بين الموت وبين ال ّذمّة أ ّ‬
‫أقسام الموت ‪:‬‬
‫ي ‪ ,‬وحكميّ ‪ ,‬وتقديريّ ‪.‬‬
‫‪ -‬الموت عند الفقهاء على ثلثة أقسام ‪ :‬حقيق ّ‬ ‫‪9‬‬

‫فأمّا الموت الحقيقي ‪ :‬فهو مفارقة الروح للجسد على وجه الحقيقة واليقين ‪ ,‬ويعرف‬
‫بالمشاهدة ‪ ,‬ويثبت بإقامة البيّنة عليه أمام القضاء ‪.‬‬
‫ص من الشخاص ‪ -‬وإن‬
‫وأمّا الموت الحكمي ‪ :‬فهو حكم يصدر من قبل القاضي بموت شخ ٍ‬
‫كان ل يزال حيّا ‪ -‬لسبب شرعي يقتضي ذلك ‪.‬‬
‫ومن أمثلته عند الحنفيّة ‪ :‬المرتد إذا لحق بدار الحرب ‪ ,‬وصدر حكم القاضي بلحوقه بها‬
‫مرتدا ‪ ,‬فإنّه يعتبر ميّتا من حين صدور الحكم ‪ ,‬وإن كان حيّا يرزق بدار الحرب ‪ ,‬فيقسم‬
‫ن المام لو ظفر به موّته حقيقةً ‪ ,‬بأنّ‬
‫ماله بين ورثته ‪ ,‬وقد علّل ذلك السّرخسي بقوله ‪ :‬ل ّ‬
‫يقتله ‪ ,‬فإذا عجز عن ذلك بدخوله بدار الحرب موّته حكما ‪ ,‬فقسم ماله ‪.‬‬
‫ومن أمثلته عند المالكيّة ‪ :‬المفقود " وهو الّذي يعمى خبره ‪ ,‬وينقطع أثره ‪ ,‬ول يُعلم‬
‫موضعه ‪ ,‬ول تدرى حياته ول موته " إذا حكم القاضي بموته بنا ًء على ما ترجّح لديه من‬
‫الظروف وقرائن الحوال ‪ ,‬فإنّه يعتبر ميّتا من حيث الحكم ‪ ,‬قال الدسوقيّ ‪ :‬لنّ هذا تمويت‪,‬‬
‫أي حكم بالموت ‪ ,‬ل موت حقيقةً ‪ ,‬وعلى ذلك فإنّه يرثه من ورثته من كان حيّا في ذلك‬
‫الوقت ‪ ,‬دون من مات قبل ذلك ‪.‬‬
‫وأمّا الموت التّقديري ‪ :‬فهو للجنين الّذي أسقط ميّتا بجناية على أمّه ‪ .‬كما إذا ضرب إنسان‬
‫امرأةً ‪ ,‬فأسقطت جنينا ميّتا فإنّه يجب على الجاني أو عاقلته الغرّة " دية الجنين " وهذه‬
‫الدّية تكون لورثة الجنين على فرائض اللّه تعالى ‪ ,‬حيث يقدّر حيّا في بطن أمّه قبل الجناية‬
‫ثمّ موته منها ‪.‬‬
‫الحكام المتعلّقة بالموت ‪:‬‬
‫تتعلّق بالموت أحكام منها ‪:‬‬
‫انتهاء الهليّة وخراب ال ّذمّة بالموت ‪:‬‬
‫ن الموت هادم لساس التّكليف ‪ ,‬لنّه عج ٌز كله عن إتيان‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في أ ّ‬ ‫‪10‬‬

‫ن الميّت قد ذهب من دار البتلء إلى دار الجزاء ‪ ,‬قال ابن نجيم‪:‬‬
‫العبادات أدا ًء وقضاءً ‪ ,‬ول ّ‬
‫ن التّكليف يعتمد القدرة والموت عج ٌز كله ‪.‬‬
‫إنّ الموت ينافي أحكام الدنيا ممّا فيه تكليف ‪ ,‬ل ّ‬
‫وحيث إنّ ال ّذمّة خاصّة من الخصائص النسانيّة فإنّها تبدأ مع الشّخص منذ الحمل به ‪,‬‬
‫وتبقى معه طيلة حياته ‪ ,‬فإذا مات خربت ذمّته وانتهت أهليّته ‪.‬‬
‫ن الموت‬
‫غير أنّ الفقهاء اختلفوا هل تخرب ال ّذمّة وتنتهي فورا بمجرّد حصول الموت ‪ ,‬أم أ ّ‬
‫يضعفها ‪ ,‬أم أنّها تبقى كما هي بعد الموت حتّى تستوفى الحقوق من التّركة ؟‬
‫وذلك على ثلثة مذاهب ينظر تفصيلها في ( ذمّة ف ‪. ) 9 - 6 /‬‬
‫انقطاع العمل بالموت ومدى انتفاع الموتى بسعي الحياء ‪:‬‬
‫ن الموت عجزٌ‬
‫‪ -‬ل خلف بين أهل العلم في انقطاع عمل ابن آدم بموته في الجملة ‪ ,‬ل ّ‬ ‫‪11‬‬

‫كامل عن إتيان العبادات أداءً وقضا ًء ‪ ,‬ولنّ الميّت قد ارتحل من دار البتلء والتّكليف إلى‬
‫دار الجزاء ‪ ,‬ولكنّه ينتفع بما تسبّب إليه في حياته من عمل صالح ‪ ,‬لما روى أبو هريرة‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا مات النسان انقطع عمله إلّا‬
‫رضي ال عنه أ ّ‬
‫من ثلثة ‪ :‬إلّا من صدقة جارية ‪ ,‬أو علم ينتفع به ‪ ,‬أو ولد صالح يدعو له » ‪ ،‬وعن أبي‬
‫ن ممّا يلحق المؤمن من عمله‬
‫هريرة قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫وحسناته بعد موته علما علّمه ونشره ‪ ,‬أو ولدا صالحا تركه ‪ ,‬أو مصحفا ورّثه ‪ ,‬أو مسجدا‬
‫بناه ‪ ,‬أو بيتا لبن السّبيل بناه ‪ - ,‬أو نهرا أجراه ‪ ,‬أو صدقةً أخرجها من ماله في صحّته‬
‫وحياته يلحقه من بعد موته » ‪ ،‬وروى جرير بن عبد اللّه رضي ال عنه قال ‪ :‬قال رسول‬
‫ن في السلم س ّن ًة حسنةً ‪ ,‬فله أجرها وأجر من عمل‬
‫اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من س ّ‬
‫بها بعده ‪ ,‬من غير أن ينقص من أجورهم شيء ‪ ,‬ومن سنّ في السلم س ّن ًة سيّئةً ‪ ,‬كان‬
‫عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده ‪ ,‬من غير أن ينقص من أوزارهم شيء » ‪.‬‬
‫أمّا انتفاعه بغير ما تسبّب إليه في حياته من عمل صالح ‪ ,‬فقد فرّق الفقهاء في ذلك بين‬
‫أمرين ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬دعاء المسلمين له واستغفارهم ‪ ,‬وفي ذلك قال النّووي ‪ :‬أجمع العلماء على أنّ الدعاء‬
‫ن جَاؤُوا مِن َبعْدِ ِهمْ َيقُولُونَ‬
‫للموات ينفعهم ويصلهم ثوابه ‪ ,‬واحتجوا بقوله تعالى ‪ { :‬وَالّذِي َ‬
‫خوَانِنَا الّذِينَ سَ َبقُونَا بِا ْلإِيمَانِ } ‪ ,‬وغير ذلك من اليات المشهورة بمعناها ‪,‬‬
‫غفِرْ لَنَا وَلِ ِإ ْ‬
‫رَبّنَا ا ْ‬
‫وبالحاديث المشهورة كقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬اللّهمّ اغفر لهل بقيع الغرقد »‬
‫وكقوله ‪ « :‬اللّهمّ اغفر لحيّنا وميّتنا » ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ما جعل الحياء ثوابه للميّت من العمال الخرى كالحجّ والصّدقة والصّوم والصّلة‬
‫وتلوة القرآن ونحو ذلك ‪ ,‬فقد اختلف الفقهاء في مشروعيّة كلّ واحد منها ووصوله للميّت‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫‪ ،‬وقربة ف ‪/‬‬ ‫‪18‬‬ ‫‪ ,‬وقراءة ف ‪/‬‬ ‫‪14‬‬ ‫وتفصيل ذلك في مصطلح ( أداء ف ‪/‬‬
‫السّلم على الموتى وردهم ‪:‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬ما من أحد مرّ بقبر أخيه المؤمن كان‬
‫‪ -‬ورد عن النّب ّ‬ ‫‪12‬‬

‫ي صلى ال عليه‬
‫يعرفه في الدنيا ‪ ,‬فسلّم عليه إلّا عرفه وردّ عليه السّلم » ‪ ،‬وورد عن النّب ّ‬
‫وسلم « أنّه أمر بقتلى بدر ‪ ,‬فألقوا في قليب ‪ ,‬ثمّ جاء حتّى وقف عليهم وناداهم بأسمائهم ‪:‬‬
‫يا فلن ابن فلن ‪ ,‬ويا فلن ابن فلن ‪ ,‬هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ‪ ,‬فإنّي وجدت ما‬
‫وعدني ربّي حقا ‪ ,‬فقال له عمر ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ ,‬ما تخاطب من أقوام قد جيّفوا ‪ ,‬فقال‬
‫عليه الصلة والسلم ‪ :‬والّذي بعثني بالحقّ ‪ ,‬ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ‪ ,‬ولكنّهم ل‬
‫ي صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬إنّ العبد إذا وضع‬
‫يستطيعون جوابا » ‪ ،‬وورد عن النّب ّ‬
‫في قبره وتولّى عنه أصحابه إنّه ليسمع قرع نعالهم » ‪ ،‬ولهذا أمر النّبي صلى ال عليه‬
‫وسلم بالسّلم على الموتى ‪ ,‬حيث جاء أنّه صلى ال عليه وسلم كان يعلّم أصحابه إذا زاروا‬
‫القبور أن يقولوا ‪ « :‬السّلم عليكم أهل الدّيار من المؤمنين والمسلمين ‪ ,‬وإنّا إن شاء اللّه‬
‫بكم للحقون » ‪.‬‬
‫قال ابن القيّم ‪ :‬وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل ‪ ,‬ولول ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب‬
‫ن الميّت يعرف زيارة‬
‫المعدوم والجماد ‪ ,‬والسّلف مجمعون على هذا ‪ ,‬وقد تواترت الثار بأ ّ‬
‫الحيّ له ويستبشر به ‪.‬‬
‫ن الميّت يعرف الزّائر ‪ ,‬لنّا أمرنا بالسّلم‬
‫وجاء في فتاوى الع ّز بن عبد السّلم ‪ :‬والظّاهر أ ّ‬
‫عليهم ‪ ,‬والشّرع ل يأمر بخطاب من ل يسمع ‪.‬‬
‫عودة أرواح الموتى في الحياة البرزخيّة ‪:‬‬
‫‪ -‬المراد بالبرزخ هاهنا ‪ :‬الحاجز بين الدنيا والخرة ‪ ,‬قال العلماء ‪ :‬وله زمان ومكان‬ ‫‪13‬‬

‫وحال ‪ ,‬فزمانه من حين الموت إلى يوم القيامة ‪ ,‬وحاله الرواح ‪ ,‬ومكانه من القبر إلى‬
‫علّيّين لرواح أهل السّعادة ‪ ,‬أمّا أهل الشّقاوة فل تفتح لرواحهم أبواب السّماء ‪ ,‬بل هي في‬
‫ن عذاب القبر‬
‫سجّين مسجونة ‪ ,‬وبلعنة اللّه مصفودة ‪ ,‬قال ابن القيّم ‪ :‬إنّه ينبغي أن يعلم أ ّ‬
‫ونعيمه اسم لعذاب ‪ ,‬البرزخ ونعيمه ‪ ,‬وهو ما بين الدنيا والخرة ‪ .‬قال تعالى ‪َ { :‬ومِن‬
‫وَرَا ِئهِم بَرْ َزخٌ إِلَى َي ْومِ يُ ْبعَثُونَ } ‪.‬‬
‫هذا وقد اختلف العلماء في السؤال في القبر ‪ ,‬هل يقع على البدن أم على الروح أو عليهما‬
‫معا ‪ ,‬وذلك على أربعة أقوال ‪:‬‬
‫ن الروح تعاد إلى الجسد أو بعضه ‪ ,‬ول يمنع من‬
‫الوّل ‪ :‬لجمهور علماء أهل السنّة ‪ ,‬وهو أ ّ‬
‫ن اللّه قادر على أن يعيد الحياة إلى جزء من الجسد ‪,‬‬
‫ذلك كون الميّت قد تتفرّق أجزاؤه ‪ ,‬ل ّ‬
‫ويقع عليه السؤال ‪ ,‬كما هو قادر على أن يجمع أجزاءه ‪ ,‬قال ابن حجر الهيتمي ‪ :‬ويجوز‬
‫أن ترجع الروح في حال آخر وأمر ثان ‪ ,‬وبعودها يرجع الميّت حيّا ‪ ,‬وهو المعبّر عنه بحياة‬
‫القبر عند إتيان الملكين للسؤال ‪ ,‬فإذا ردّت إليه الحياة ‪ ,‬للجسم والروح ‪ ,‬تبعتها الدراكات‬
‫المشروطة بها ‪ ,‬فيتوجّه حينئذٍ على الميّت السؤال ‪ ,‬ويتصوّر منه الجواب ‪.‬‬
‫وقال ابن تيميّة ‪ :‬عود الروح إلى بدن الميّت في القبر ليس مثل عودها إليه في هذه الحياة‬
‫ن النّشأة الخرى ليس مثل‬
‫الدنيا ‪ ,‬وإن كان ذلك قد يكون أكمل من بعض الوجوه ‪ ,‬كما أ ّ‬
‫هذه النّشأة ‪ ,‬وإن كانت أكمل منها ‪ ,‬بل كل موطن في هذه الدّار وفي البرزخ والقيامة له‬
‫حكم يخصّه ‪.‬‬
‫وقال ابن حجر العسقلني ‪ :‬المراد بالحياة في القبر للمسألة ليست الحياة المستقرّة المعهودة‬
‫في الدنيا الّتي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبيره وتصرفه ‪ ,‬وتحتاج إلى ما يحتاج إليه‬
‫الحياء‪ ,‬بل هي مجرّد إعادة لفائدة المتحان الّذي وردت به الحاديث الصّحيحة ‪ ,‬فهي إعادة‬
‫عارضة ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬لبي حنيفة والغزاليّ ‪ :‬وهو التّوقف ‪ .‬قال الغنيميّ الحنفي ‪ :‬واعلم أنّ أهل الحقّ‬
‫ن اللّه يخلق في الميّت نوع حياة في القبر ‪ ,‬قدر ما يتألّم ويلتذّ ‪ ,‬لكن اختلفوا‬
‫اتّفقوا على أ ّ‬
‫في أنّه هل تعاد الروح إليه أم ل ؟‬
‫والمنقول عن المام أبي حنيفة التّوقف ‪ ,‬وقال الغزالي ‪ :‬ول يبعد أن تعاد الروح إلى الجسد‬
‫في القبر ‪ ,‬ول يبعد أن تؤخّر إلى يوم البعث ‪ ,‬واللّه أعلم بما حكم به على عبد من عباده ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬لبن جرير وجماعة ‪ ,‬وهو أنّه يقع على البدن فقط ‪ ,‬وأنّ اللّه يخلق فيه إدراكا‬
‫بحيث يسمع ويعلم ويلتذ ويألم ‪.‬‬
‫ن السؤال يقع على الروح فقط من غير عود إلى الجسد‪.‬‬
‫الرّابع ‪ :‬لبن هبيرة وغيره ‪ :‬وهو أ ّ‬
‫‪ -‬وقد تفرّع عن ذلك الخلف اختلف العلماء في نعيم القبر وعذابه في الحياة البرزخيّة‬ ‫‪14‬‬

‫‪ ,‬هل يقع على الروح فقط أم على الجسد أم على كليهما ؟‬


‫ن التّنعيم والتّعذيب إنّما هو على الروح وحدها ‪.‬‬
‫فذهب ابن هبيرة والغزالي إلى أ ّ‬
‫وقال جمهور أهل السنّة والجماعة من المتكلّمين والفقهاء ‪ :‬هو على الروح والجسد ‪.‬‬
‫قال النّووي ‪ :‬النّعيم والعذاب للجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة الروح إليه أو إلى جزء منه ‪,‬‬
‫وقال ابن تيميّة ‪ :‬العذاب والنّعيم على النّفس والبدن جميعا باتّفاق أهل السنّة والجماعة ‪,‬‬
‫تنعّم النّفس وتعذّب منفردةً عن البدن ‪ ,‬وتعذّب متّصلةً بالبدن ‪ ,‬والبدن متّصل بها ‪ ,‬فيكون‬
‫النّعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين ‪ ,‬كما يكون للروح منفردةً عن البدن ‪.‬‬
‫ن الميّت يعذّب في قبره من غير أن تردّ الروح إليه ‪ ,‬ويحس باللم‬
‫وذهب ابن جرير إلى أ ّ‬
‫وإن كان غير حي ‪.‬‬
‫مستقر أرواح الموتى ما بين الموت إلى يوم القيامة ‪:‬‬
‫ن اللّه جعل الدور ثلثا ‪ :‬دار الدنيا ‪ ,‬ودار البرزخ ‪ ,‬ودار القرار ‪,‬‬
‫‪ -‬قال ابن القيّم ‪ :‬إ ّ‬ ‫‪15‬‬

‫وجعل لكلّ دار أحكاما تختص بها ‪ ,‬وركّب هذا النسان من بدن وروح ‪ ,‬وجعل أحكام الدنيا‬
‫على البدان والرواح تبعا لها ‪ ,‬ولهذا جعل أحكامه الشّرعيّة مرتّب ًة على ما يظهر من‬
‫حركات اللّسان والجوارح ‪ ,‬وإن أضمرت النّفوس خلفه ‪ ,‬وجعل أحكام البرزخ على‬
‫الرواح‪ ,‬والبدان تبعا لها ‪ ,‬فكما تبعت الرواح البدان في أحكام الدنيا ‪ ,‬فتألّمت بألمها‬
‫ن البدان تتبع الرواح في أحكام البرزخ في نعيمها وعذابها حتّى إذا‬
‫والتذّت براحتها ‪ ,‬فإ ّ‬
‫ب العالمين ‪.‬‬
‫كان يوم القيامة أعيدت الرواح إلى الجساد ‪ ,‬وقاموا من قبورهم لر ّ‬
‫والبرزخ هو أوّل دار الجزاء ‪ ,‬وعذاب البرزخ ونعيمه أوّل عذاب الخرة ونعيمها ‪ ,‬وهو‬
‫ي صلى ال عليه‬
‫مشتق منه ‪ ,‬وواصل إلى أهل البرزخ ‪ ,‬يدل على ذلك ما ورد عن النّب ّ‬
‫وسلم في نعيم القبر وعذابه بعد سؤال الملكين ‪ « :‬فينادي مناد من السّماء ‪ -‬في حقّ‬
‫المؤمن الصّادق ‪ -‬أن صَدَق عبدي ‪ ,‬فافرشوه من الجنّة ‪ ,‬وافتحوا له بابا إلى الجنّة ‪,‬‬
‫وألبسوه من الجنّة ‪ .‬قال ‪ :‬فيأتيه من روحها وطيبها ‪ ,‬ويُفتح له فيها مدّ بصره » ‪ .‬أمّا في‬
‫حقّ الكافر ‪ « :‬فينادي منا ٍد من السّماء ‪ :‬أن كذب ‪ ,‬فافرشوه من النّار ‪ ,‬وألبسوه من النّار ‪,‬‬
‫وافتحوا له بابا إلى النّار ‪ .‬قال ‪ :‬فيأتيه من حرّها وسمومها ‪ ,‬ويضيّق عليه قبره ‪ ,‬حتّى‬
‫تختلف فيه أضلعه » ‪.‬‬
‫وقد اختلف العلماء في مستق ّر أرواح الموتى ما بين الموت إلى يوم القيامة ‪ ,‬هل هي في‬
‫السّماء أم في الرض ‪ ,‬وهل هي في الجنّة والنّار أم ل ‪ ,‬وهل تودع في أجساد أم تكون‬
‫مجرّدةً ؟ فهذه من المسائل العظام قد تكلّم فيها النّاس ‪ ,‬وهي إنّما تتلقّى من السّمع فقط ‪.‬‬
‫قال الحافظ ابن حجر ‪ :‬إنّ أرواح المؤمنين في علّيّين ‪ ,‬وأرواح الكفّار في سجّين ‪ ,‬ولكلّ‬
‫روح اتّصال ‪ ,‬وهو اتّصال معنويّ ل يشبه التّصال في الحياة الدنيا ‪ ,‬بل أشبه شيء به حال‬
‫النّائم انفصالً ‪ ,‬وشبّهه بعضهم بالشّمس ‪ ,‬أي بشعاع الشّمس ‪ ,‬وهذا مجمع ما افترق من‬
‫ن محلّ الرواح في علّيّين وفي سجّين ‪ ,‬ومن كون أفنية الرواح عند أفنية‬
‫الخبار أ ّ‬
‫قبورهم‪ ,‬كما نقله ابن عبد الب ّر عن الجمهور ‪.‬‬
‫أثر الموت على حقوق المتوفّى ‪:‬‬
‫أثر الموت على الحقوق الماليّة المحضة ‪:‬‬
‫‪ -‬الحقوق الماليّة المحضة ‪ :‬هي ما تستحيل في النّهاية إلى مال مثل الديون في ذمم‬ ‫‪16‬‬

‫الغرماء ‪ ,‬وحق حبس المبيع لستيفاء الثّمن وحق حبس الرّهن لستيفاء الدّين وحق الدّية‬
‫والرش في الطراف وحقوق الرتفاق وبيان ذلك فيما يلي ‪:‬‬
‫أ ّولً ‪ -‬الديون في ذمّة الغرماء ‪:‬‬
‫‪ -‬ل خلف بين الفقهاء في عدم تأثير موت الدّائن على الديون الّتي وجبت له في ذمّة‬ ‫‪17‬‬

‫الغرماء ‪ ,‬وأنّها تنتقل إلى ورثته كسائر الموال الّتي تركها ‪ ,‬لنّ الديون في الذّمم أموال‬
‫حقيقةً أو حكما باعتبارها تئُول إلى مال عند الستيفاء ‪.‬‬
‫‪ -‬واستثنى الحنفيّة من ذلك دين نفقة الزّوجة ‪ ,‬سواء تقرّر بالتّراضي أو بقضاء القاضي‬ ‫‪18‬‬

‫‪ ,‬وقالوا إنّه يسقط بموت الزّوجة قبل قبضه ‪ ,‬لنّ النّفقة صلة ‪ ,‬والصّلت عندهم ل تتمّ إلّا‬
‫بالتّسليم ‪ ,‬وتسقط بالموت قبله ‪ ,‬إلّا إذا استدانت النّفقة بأمر القاضي ‪ ,‬فعندئذٍ ل تسقط‬
‫بموتها ‪ ,‬بل تنتقل إلى ورثتها ‪ ,‬وكذلك دين نفقة القارب ‪ ,‬فإنّه يسقط عندهم بموت من‬
‫وجب له قبل قبضه ‪ ,‬لنّ هذه النّفقة إنّما وجبت كفايةً للحاجة ‪ . . .‬إلّا إذا أذن القاضي لمن‬
‫وجبت له بالستدانة واستدان ‪ ,‬فعندئ ٍذ ل تسقط بموته ‪ ,‬بل تنتقل إلى ورثته ‪ ,‬وهذا قول‬
‫لبعض الحنابلة أيضا في دين نفقة القارب ‪.‬‬
‫أمّا جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة فقد قالوا ‪ :‬إنّ دين نفقة الزّوجة دين‬
‫صحيح ‪ ,‬سواء وجب بالتّراضي أو بقضاء القاضي ‪ ,‬ول يسقط بموتها قبل تسلمه ‪ ,‬بل‬
‫ينتقل إلى ورثتها كسائر الديون ‪ ,‬أمّا نفقة القارب ‪ ,‬فإنّ وجوبها على سبيل المواساة وسدّ‬
‫الخلّة‪ ,‬وهي مجرّد إمتاع فل تصير دينا إلّا إذا فرضها القاضي ‪ ,‬فحينئذٍ تثبت لمن وجبت له‬
‫‪ ,‬ول تسقط بموته قبل قبضها ‪ ,‬بل تنتقل إلى ورثته ‪.‬‬
‫‪ -‬والديون عند جمهور الفقهاء تنتقل إلى الورثة بالصّفة الّتي كانت عليها حال حياة‬ ‫‪19‬‬

‫الدّائن ‪ ,‬فما كان منها حالً انتفل إلى الورثة حالً ‪ ,‬وما كان منها مؤجّلً أو مقسّطا انتقل كما‬
‫ن الجل عندهم ل يسقط بموت الدّائن ‪.‬‬
‫هو مؤخّرا إلى أجله ‪ ,‬حيث إ ّ‬
‫وحكي عن اللّيث والشّعبيّ والنّخعيّ أنّ كلّ من مات وله دين مؤجّل ‪ ,‬فإنّه ينتقل بعد موته‬
‫إلى ورثته حالً ‪ ,‬ويبطل الجل بوفاته ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬الدّية وأرش الطراف ‪:‬‬
‫ي عليه بدل الجناية عليه ‪.‬‬
‫ي يجب للمجن ّ‬
‫‪ -‬الدّية والرش كلهما حق مال ّ‬ ‫‪20‬‬

‫ويطلق الفقهاء الدّية على المال الّذي هو بدل النّفس ‪ ,‬والرش على المال الواجب على ما‬
‫دون النّفس من الطراف ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلح ( ديات ف ‪ 4‬وما بعدها ‪ ,‬أرشٌ ف ‪. ) 1 /‬‬
‫ومن المقرّر فقها أنّ الدّية والرش تكونان على الجاني في جناية العمد ‪ ,‬وعلى عاقلته في‬
‫الخطأ ‪ ,‬ولكن إذا حدث أن مات المجني عليه بسبب الجناية عليه أو توفّي بعد ما وجب له‬
‫الحق في الرش ‪ ,‬فما هو مصير هذا الحقّ هل يعتبر ملكا له ‪ ,‬ومن جملة أمواله ‪ ,‬بحيث‬
‫تقضى منه ديونه وتنفذ منه وصاياه ‪ ,‬وما بقي بعد ذلك يكون لورثته على فرائض اللّه‬
‫تعالى ‪ ,‬أم أنّه يسقط حقه في تملكه ‪ ,‬ويكون لورثته دونه ‪ ,‬بحيث ل توفّى منه ديونه ول‬
‫ينفذه منه شيء من وصاياه ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬لجمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في المعتمد ‪ ,‬وهو أنّ‬
‫دِيّة العمد والخطأ مال يحدثُ على ملك الميّت ‪ ,‬لنّها بدل نفسه ‪ ,‬ونفسه له ‪ ,‬فكذلك بدلها ‪,‬‬
‫ولنّ بدل أطرافه في حال حياته له ‪ ,‬فكذلك بدلها بعد موته ‪ ,‬ويجوز تجدد الملك له بعد‬
‫موته ‪ ,‬كمن نصب شبكةً ونحوها فسقط بها صيد بعد موته ‪ . . .‬وعلى ذلك ‪ :‬فإنّه تسدّد‬
‫منها ديونه ‪ ,‬وتنفّذ منها وصاياه ‪ ,‬وتقضى منها سائر حوائجه من تجهيز ونحوه ‪ ,‬ثمّ ما‬
‫يبقى بعد ذلك منها فإنّه يكون لورثته حسب قواعد الرث ‪.‬‬
‫واحتجوا على ذلك بما روي « أنّ عمر بن الخطّاب رضي ال عنه نشد النّاس بمنى ‪ :‬من‬
‫ي فقال ‪ :‬كتب إليّ‬
‫ضحّاك بن سفيان الكلب ّ‬
‫كان عنده علم من الدّية أن يخبرني ‪ ,‬فقام ال ّ‬
‫ي من دية زوجها ‪ . . .‬فقضى‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أن أورّث امرأة أشيم الضّباب ّ‬
‫عمر بذلك ‪ .‬قال ابن شهاب ‪ :‬وكان أشيم قتل خط ًأ » ‪.‬‬
‫قال الباجيّ ‪ :‬اقتضى ذلك تعلق هذا الحكم بقتل الخطأ ‪ ,‬إلّا أنّ دية العمد محمولة عند جميع‬
‫فقهاء المصار على ذلك ‪ ,‬ولم يفرّق أحد منهم علمناه في ذلك بين دية العمد والخطأ ‪,‬‬
‫وأنّها كسائر مال الميّت ‪ ,‬يرث منها الزّوج والزّوجة والخوة للمّ وغيرهم ‪ ,‬وهذا مرويّ‬
‫عن عمر وعلي وشريح والشّعبيّ والنّخعيّ والزهريّ ‪ .‬وعلّق المام الشّافعي على أثر عمر‬
‫وقضائه بقوله ‪ :‬ول اختلف بين أحد في أن يرث الدّية في العمد والخطأ من ورث ما سواها‬
‫من مال الميّت ‪ ,‬لنّها تملك عن الميّت ‪ ,‬وبهذا نأخذ ‪ ,‬فنورّث الدّية في العمد والخطأ من‬
‫ورث ما سواها من مال الميّت ‪ ,‬وإذا مات المجني عليه وقد وجبت ديته ‪ ,‬فمن مات من‬
‫ل جُني عليه في صدر النّهار فمات ‪,‬‬
‫ورثته بعد موته كانت له حصّته من ديته ‪ ,‬كأنّ رج ً‬
‫ومات ابن له في آخر النّهار ‪ ,‬فأخذت دية أبيه في ثلث سنين ‪ ,‬فميراث البن الّذي عاش‬
‫بعده ساع ًة قائم في ديته ‪ ,‬كما يثبت في دين لو كان لبيه ‪ ,‬وكذلك امرأته وغيرها ممّن‬
‫يرثه إذا مات ‪ .‬والثّاني ‪ :‬لسحاق وأبي ثور وأحمد في رواية عنه ‪ ,‬وهو قول عند الشّافعيّة‬
‫ن الدّية تثبت للورثة ابتداءً ‪ ,‬ول تكون ملكا للميّت أصلً ‪,‬‬
‫وروي عن مكحول وشريك وهو أ ّ‬
‫إذ المقتول ل تجب ديته إلّا بعد موته ‪ ,‬وإذا مات فقد بطل ملكه ‪ ,‬ولهذا ل يصح أن تقضى‬
‫منها ديونه ‪ ,‬ول أن تنفّذ منها وصاياه ‪.‬‬
‫ن الدّية مال حدث للهل بعد موت مورّثهم ‪,‬‬
‫وقد جاء في استدللهم على ما ذهبوا إليه ‪ :‬أ ّ‬
‫ولم يرثوه عنه قط ‪ ,‬إذ لم يجب له شيء منه في حياته ‪ ,‬فكان من الباطل أن يقضى دينه‬
‫ط في حياته ‪ ,‬وأن تنفّذ منه وصيّته ‪ . . .‬ثمّ إنّه بالموت‬
‫من مال الورثة الّذي لم يملكه هو ق ّ‬
‫تزول أملك الميّت الثّابتة له ‪ ,‬فكيف يتجدّد له بعد ذلك ملك ؟ ولهذا ل تنفّذ وصيّته من مال‬
‫ن الميّت إنّما يوصي بجزء من مال ل بمال ورثته ‪.‬‬
‫الدّية ‪ ,‬ل ّ‬
‫ثالثا ‪ -‬حقوق الرتفاق ‪:‬‬
‫‪ -‬حق الرتفاق عبارة عن حق مقرّر على عقار لمنفعة عقار آخر مملوك لغير مالك‬ ‫‪21‬‬

‫ق المجرى ‪ ,‬وحقّ‬
‫العقار الوّل ‪ ,‬وتشمل حقوق الرتفاق عند الفقهاء ‪ :‬حقّ الشّرب ‪ ,‬وح ّ‬
‫المسيل ‪ ,‬وحقّ المرور ‪ ,‬وحقّ التّعلّي ‪ ,‬وحقّ الجوار ‪.‬‬
‫وحقوق الرتفاق ليست بمفردها مالً عند الحنفيّة ‪ ,‬لنّها أمور ل يمكن حوزها وادّخارها ‪,‬‬
‫ولذلك قالوا بعدم جواز بيعها وإجارتها وهبتها استقل ًل ‪ ,‬ولكنّهم يعتبرونها حقوقا مال ّيةً‬
‫لتعلقها بأعيان ماليّة ‪ ,‬ومن هنا أجازوا بيعها تبعا للعقار الّذي ثبتت لمنفعته ‪.‬‬
‫أمّا جمهور الفقهاء من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة فقد اعتبروها من قبيل الموال ‪,‬‬
‫وأجازوا ‪ -‬في الجملة ‪ -‬بيعها وهبتها استقل ًل ‪.‬‬
‫ن هذه الحقوق ل تسقط بموت صاحب الحقّ ‪ ,‬بل تنتقل إلى‬
‫ول خلف بين الفقهاء في أ ّ‬
‫ورثته تبعا للعقار الّذي ثبتت لمصلحته ‪ ,‬لنّه حقوق ماليّة ‪ ,‬فيها معنى المال ‪ ,‬وهي متعلّقة‬
‫بأعيان ماليّة ‪ ,‬ولهذا فل تأثير للموت عليها ‪ ,‬سواء قيل إنّها أموال ذاتها أو حقوق متعلّقة‬
‫بأعيان ماليّة ‪.‬‬
‫رابعا ‪ -‬حقوق المرتهن ‪:‬‬
‫‪ -‬الرّهن هو المال الّذي يجعل وثيقةً بالدّين ‪ ,‬ليستوفى من ثمنه إن تعذّر استيفاؤه ممّن‬ ‫‪22‬‬

‫هو عليه ‪ .‬وبهذه الوثيقة يصير المرتهن أحقّ بالرّهن من سائر الغرماء بحيث إذا كان على‬
‫الرّاهن ديون أخرى ل تفي بها أمواله ‪ ,‬وبيع الرّهن لسداد ما عليه ‪ ,‬كان للمرتهن أن‬
‫يستوفي دينه من ثمنه أ ّولً ‪ ,‬فإن بقي شيء فهو لبقيّة الغرماء ‪.‬‬
‫وقد ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ حقوق المرتهن ل تبطل بموته ‪ ,‬بل‬
‫تنتقل إلى ورثته ‪ ,‬وعلى ذلك ‪ :‬فالميّت الّذي له دين به رهن ‪ ,‬فإنّه ينتقل إلى ورثته برهنه‬
‫‪ ,‬وتبقى العين رهنا عندهم ‪ ,‬وتتعلّق بها سائر حقوق المرتهن المعروفة عند الفقهاء ‪.‬‬
‫‪ -‬واختلف الفقهاء في تأثير الموت على حقوق المرتهن إذا مات قبل قبض الرّهن ‪ ,‬هل‬ ‫‪23‬‬

‫تنتقل إلى ورثته أم تسقط بوفاته ؟ وذلك على قولين ‪:‬‬


‫أحدهما ‪ :‬لجمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ,‬وهو أنّ الرّهن يبطل بموت‬
‫المرتهن قبل قبض العين المرهونة ‪ ,‬ول ينتفل إلى ورثته ‪ ,‬لنّ الرّهن ل يلزم عندهم إلّا‬
‫بالقبض ‪ ,‬فإن مات المرتهن قبل أن يلزم عقد الرّهن ‪ ,‬فإنّه يبطل ‪.‬‬
‫ن حقوق المرتهن تنتقل إلى ورثته ‪ ,‬ويجبر الرّاهن على إقباضهم‬
‫والثّاني ‪ :‬للمالكيّة ‪ :‬وهو أ ّ‬
‫العين المرهونة متى طلبوا ذلك ‪ ,‬إلّا أن يتراخى القباض حتّى يفلس الرّاهن أو يمرض أو‬
‫يموت ‪ ,‬وذلك لنّ الرّهن عند المالكيّة يلزم بمجرّد العقد دون توقف على قبض ‪.‬‬
‫خامسا ‪ -‬حق حبس المبيع لستيفاء الثّمن ‪:‬‬
‫ق حبس المبيع‬
‫‪ -‬ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ للبائع ح ّ‬ ‫‪24‬‬

‫والمتناع عن تسليمه للمشتري حتّى يستوفي ثمنه إذا كان حا ًل ‪ ,‬أو القدر الحالّ منه إذا‬
‫ل ‪ ,‬أمّا إذا كان الثّمن مؤجّلً ‪ ,‬فليس للبائع حق الحبس ‪ ,‬اعتبارا لتراضيهما‬
‫كان بعضه مؤجّ ً‬
‫على تأخيره ‪.‬‬
‫أمّا عند الحنابلة فليس للبائع حق حبس المبيع حتّى يستوفي ثمنه إذا كان الثّمن دينا حالً ‪,‬‬
‫أي مالً غير معيّن ول مؤجّل ‪ ,‬وكان حاضرا معه في المجلس ‪ ,‬أمّا إذا كان الثّمن غائبا عن‬
‫المجلس ‪ ,‬فللبائع حبس المبيع لقبض الثّمن ‪.‬‬
‫ولمّا كان حق البائع في حبس المبيع لستيفاء الثّمن من الحقوق الماليّة ‪ ,‬أي المتعلّقة‬
‫ص جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة على أنّ صاحب هذا‬
‫بالمال ‪ ,‬فقد ن ّ‬
‫ن حقّه في ذلك ل يسقط بموته بعد تقرره ‪ ,‬بل ينتقل إلى ورثته ‪ -‬كسائر‬
‫الحقّ إذا مات ‪ ,‬فإ ّ‬
‫أعيانه الماليّة ‪ -‬ول يكون للموت تأثير في سقوطه بعد ثبوته ‪.‬‬
‫أثر الموت على الحقوق الشّخصيّة المحضة ‪:‬‬
‫‪ -‬الحقوق الشّخصيّة المحضة هي الّتي تثبت للنسان باعتبار شخصه وذاته وما يتوفّر‬ ‫‪25‬‬

‫ق الولية على النّفس‬


‫ت ومعان تميّزه عن غيره ‪ ,‬مثل حقّ الحضانة ‪ ,‬وح ّ‬
‫فيه من صفا ٍ‬
‫والمال ‪ ,‬وحقّ المظاهر في العود ‪ ,‬وحقّ الفيء بعد اليلء ‪ ,‬وحقّ أرباب الوظائف في‬
‫وظائفهم فإنّها تسقط بموت ذويها أو أصحابها ول تورث عنهم ‪.‬‬
‫وينظر التّفصيل في مصطلح ( تركة ف ‪ 3 /‬وما بعدها ‪ ,‬وظيفة ) ‪.‬‬
‫واختلف الفقهاء في المطالبة بحدّ القذف وبيان تأثير موت المقذوف على هذا الحقّ ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪44‬‬ ‫وتفصيله في مصطلح ( قذف ف ‪/‬‬
‫أثر الموت على الحقوق الشّبيهة بالحقّين الماليّ والشّخصيّ ‪:‬‬
‫‪ -‬نظرا إلى أنّ هذه الحقوق تجمع بين شبهين ‪ ,‬شبه بالحقّ الماليّ ‪ ,‬وشبه بالحقّ‬ ‫‪26‬‬

‫الشّخصيّ ‪ ,‬فقد اختلف الفقهاء في تغليب أحد الشّبهين على الخر حتّى تلحق به ‪ ,‬وفيما‬
‫يلي بيان أثر الموت على هذه الحقوق ‪.‬‬
‫أوّلً ‪ -‬حق الخيار ‪:‬‬
‫‪ -‬يختلف تأثير الموت على حقوق الخيارات بحسب نوع الخيار الثّابت للعاقد وطبيعته‬ ‫‪27‬‬

‫ي أو الحقّ الشّخصيّ ‪ ,‬وذلك على النّحو‬


‫واجتهاد الفقهاء في تغليب شبهه بالحقّ المال ّ‬
‫التّالي‪:‬‬
‫أ ‪ -‬خيار المجلس ‪:‬‬
‫‪ -‬اختلف الفقهاء القائلون بخيار المجلس في أثر الموت على هذا الخيار على ثلثة‬ ‫‪28‬‬

‫أقوال ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬للشّافعيّة في الصحّ وهو انتقال الخيار بالموت إلى الوارث ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬للحنابلة في المذهب ‪ ,‬وهو سقوط الخيار بالموت ‪.‬‬
‫والثّالث ‪ :‬لبعض الحنابلة ‪ ,‬وهو التّفصيل بين وقوع المطالبة من الميّت به في حياته وبين‬
‫عدم تلك المطالبة ‪ ,‬حيث ينتقل الخيار إلى الوارث في الحالة الولى دون الثّانية ‪.‬‬
‫)‪.‬‬ ‫‪13‬‬ ‫والتّفصيل في ( خيار ف ‪/‬‬
‫ب ‪ -‬خيار القبول ‪:‬‬
‫‪ -‬خيار القبول ‪ :‬هو حق العاقد في القبول أو عدمه في المجلس بعد صدور اليجاب من‬ ‫‪29‬‬

‫الطّرف الخر ‪ ,‬وقد اختلف الفقهاء في أثر الموت عليه على قولين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬للحنفيّة والشّافعيّة ‪ ,‬وهو سقوط خيار القبول وانتهاؤه بموت أحد المتعاقدين ‪ ,‬لنّ‬
‫ن حقّ القبول ل يورث ‪.‬‬
‫موت الموجب يسقط إيجابه ‪ ,‬وأمّا موت الّذي خوطب باليجاب ‪ ,‬فل ّ‬
‫ن خيار القبول يورث ول يسقط بموت صاحبه ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬للمالكيّة ‪ ,‬وهو أ ّ‬
‫ج ‪ -‬خيار العيب ‪:‬‬
‫‪ -‬خيار العيب ‪ :‬وهو حق المشتري في ردّ المبيع بسبب وجود وصف مذموم فيه ينقص‬ ‫‪35‬‬

‫العين أو القيمة نقصانا يفوت به غرضٌ صحيح ‪ ,‬ويغلب في جنسه عدمه ‪.‬‬
‫ن خيار العيب ينتقل إلى‬
‫وقد ذهب الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أ ّ‬
‫الوارث بموت مستحقّه ‪ ,‬وذلك لتعلقه بالعيان الماليّة ولصوقه بها ‪.‬‬
‫قال الشّيرازي ‪ :‬انتقل إلى وارثه لنّه حق لزم يختص بالعين فانتقل بالموت إلى الوارث‬
‫كحبس المبيع إلى أن يحضر الثّمن ‪.‬‬
‫د ‪ -‬خيار الشّرط ‪:‬‬
‫‪ -‬خيار الشّرط ‪ :‬هو حق يثبت بالشتراط لحد المتعاقدين أو كليهما يخوّل صاحبه فسخ‬ ‫‪31‬‬

‫العقد خلل مدّة معلومة ‪.‬‬


‫وقد اختلف الفقهاء في سقوطه بموت صاحبه على ثلثة أقوال ‪.‬‬
‫أحدها ‪ :‬للمالكيّة والشّافعيّة وأبي الخطّاب من الحنابلة ‪ ,‬وهو أنّه ينتقل إلى الوارث بموت‬
‫صاحبه ‪ ,‬باعتباره من مشتملت التّركة ‪ ,‬لنّه حق ثابت لصلح المال ‪ ,‬كالرّهن وحبس‬
‫المبيع لستيفاء ثمنه ‪.‬‬
‫والثّاني ‪ :‬للحنفيّة ‪ ,‬وهو أنّه يسقط بموت صاحبه ‪ ,‬سواء أكان الخيار للبائع أم للمشتري ‪,‬‬
‫ن الخيار صفة للميّت ‪ ,‬لنّه‬
‫ل أم نائبا ‪ ,‬قال الزّيلعي ‪ :‬ل ّ‬
‫وسواء أكان صاحب الخيار أصي ً‬
‫ليس هو إلّا مشيئة وإرا