You are on page 1of 311

‫الموسوعة الفقهية ‪ /‬الجزء الثاني‬

‫أجل‬
‫التّعريف‬
‫ل من باب‬
‫‪ - 1‬أجل الشّيء لغ ًة ‪ :‬مدّته ووقته الّذي يحلّ فيه ‪ ،‬وهو مصدر أجل الشّيء أج ً‬
‫تعب ‪ ،‬وأجّلته تأجيلً جعلت له أجلً ‪ ،‬والجل ‪ -‬على وزن فاعل ‪ -‬خلف العاجل ‪ .‬إطلقات‬
‫الجل في كتاب اللّه تعالى ‪:‬‬
‫‪ - 2‬ورد إطلق الجل على أمور ‪:‬‬
‫ل أمّة أجل فإذا جاء أجلهم ل يستأخرون ساعةً‬
‫أ ‪ -‬على نهاية الحياة ‪ :‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬ولك ّ‬
‫ول يستقدمون } ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وعلى نهايبة المدّة المضروببة أجلً لنتهاء التزام أو لدائه ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬يبا أيّهبا‬
‫الّذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمّى فاكتبوه } ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وعلى المدّة أو الزّمن ‪ .‬قال جلّ شأنه ‪ { :‬ونقرّ في الرحام ما نشاء إلى أجل مسمّى } ‪.‬‬
‫الجل في اصطلح الفقهاء‬
‫‪ - 3‬الجل هو المدّة المستقبلة الّتي يضاف إليها أمر من المور ‪ ،‬سواء كانت هذه الضافة‬
‫أجلً للوفاء بالتزام ‪ ،‬أو أجلً لنهاء التزام ‪ ،‬وسببواء كانببت هذه المدّة مقرّر ًة بالشّرع ‪ ،‬أو‬
‫ّرعيب ‪،‬‬
‫ّ‬ ‫بالقضاء ‪ ،‬أو بإرادة الملتزم فردا أو أكثبر ‪ .‬وهذا التّعريبف يشمبل ‪ :‬أ ّولً ‪ :‬الجبل الش‬
‫و هو المدّة الم ستقبلة الّ تي حدّد ها المشرّع الحك يم سببا لح كم شرع يّ ‪ ،‬كالعدّة ‪ .‬ثانيا ‪ :‬ال جل‬
‫القضائ يّ ‪ :‬وهو المدّة المستقبلة الّتي يحدّدها القضاء أجلً لمر من المور كإحضار الخصم ‪،‬‬
‫ّفاقيب ‪ ،‬وهبو المدّة المسبتقبلة الّتبي يحدّدهبا الملتزم موعدا للوفاء‬
‫أو البيّنبة ‪ .‬ثالثا ‪ :‬الجبل الت ّ‬
‫بالتزامه ( أجل الضافة ) ‪ ،‬أو لنهاء تنفيذ هذا اللتزام ( أجل التّوقيت ) سواء كان ذلك فيما‬
‫يتمّ من التّصرّفات بإرادة منفردة أو بإرادتين ‪ .‬خصائص الجل ‪:‬‬
‫صيّة الزّمن‬
‫‪ - 4‬أ ‪ ( -‬الجل هو زمن مستقبل ) ب ‪ -‬الجل هو أمر محقّق الوقوع ‪ .‬وتلك خا ّ‬
‫‪ ،‬و في تحق يق ذلك يقول الكمال بن الهمام ‪ « :‬إنّه يترتّب على الضا فة تأخ ير الح كم الم سبّب‬
‫الخارجيب ‪،‬‬
‫ّ‬ ‫إلى وجود الوقبت المعيّن الّذي هبو كائن ل محالة ‪ ،‬إذ الزّمان مبن لوازم الوجود‬
‫فالضافة إليه إضافة إلى ما قطع بوجوده » ‪.‬‬
‫تتمب منجّزةً ‪،‬‬
‫أنب التّصبرّفات قبد ّ‬
‫ج ‪ -‬الجبل أمبر زائد على أصبل التّصبرّف ‪ .‬وذلك يحقّقبه ّ‬
‫وتترتّب أحكامها عليها فور صدور التّصرّف ‪ ،‬ول يلحقها تأجيل ‪ ،‬وقد يلحقها الجل ‪ ،‬كتأجيل‬
‫ح فيه ذلك ) قال ال سّرخسيّ والكاسانيّ ما‬
‫الدّين ‪ ،‬أو العين أو تأجيل تنفيذ آثار العقد ( فيما يص ّ‬
‫ن الجل يعتبر أمرا ل يقتضيه العقد ‪ ،‬وإنّما شرع رعايةً للمدين على خلف القياس‬
‫حاصله ‪ :‬إ ّ‬
‫‪.‬‬

‫( اللفاظ ذات الصّلة )‬


‫التّعليق‬
‫‪ - 5‬هو لغةً ‪ :‬ر بط أ مر بآ خر ‪ .‬وا صطلحا ‪ :‬أن ير بط أ ثر ت صرّف بوجود أ مر معدوم ‪.‬‬
‫والفرق بين التّعليق والجل أ نّ التّعليق يمنع المعلّق عن أن يكون سببا للحكم في الحال ‪ ،‬أمّا‬
‫الجل فل صلة له بالسّبب وإنّما هو لبيان زمن فعل التّصرّف ‪.‬‬

‫( الضافة )‬
‫‪ - 6‬هي لغةً ‪ :‬نسبة الشّيء إلى الشّيء مطلقا ‪ .‬واصطلحا ‪ :‬تأخير أمر التّصرّف عن وقت‬
‫التّكلّم إلى ز من م ستقبل يحدّده المت صرّف بغ ير أداة شرط ‪ .‬والفرق ب ين الضا فة وال جل أ نّ‬
‫الضافة فيها تصرّف وأجل ‪ ،‬في حين أ نّ الجل قد يخلو من إيقاع تصرّف ‪ .‬ففي كلّ إضافة‬
‫أجل ‪ .‬التّوقيت ‪:‬‬
‫‪ - 7‬هو لغةً ‪ :‬تقدير زمن الشّيء ‪ .‬واصطلحا ثبوت الشّيء في الحال وانتهاؤه في وقت معيّن‬
‫ن الجل وقت مضروب محدود في المستقبل ‪.‬‬
‫‪ .‬فالفرق بينه وبين الجل أ ّ‬
‫( المدّة ) ‪:‬‬
‫‪ - 8‬باستقصاء ما يوجد في الفقه السلميّ نجد أنّ للمدّة المستقبلة استعمالت أربعةً ‪ :‬هي مدّة‬
‫الضافة ‪ ،‬ومدّة التّوقيت ‪ ،‬ومدّة التّنجيم ‪ ،‬ومدّة الستعجال ‪ .‬وبيانها فيما يلي ‪ :‬مدّة الضافة ‪:‬‬
‫‪ - 9‬وهي المدّة المستقبلة الّتي يضاف إليها ابتداءً تنفيذ آثار العقد ‪ ،‬أو تسليم العين ‪ ،‬أو تسليم‬
‫الثّمن ( للدّين ) ‪.‬‬
‫فمثال الوّل ‪ :‬مبا إذا قال ‪ « :‬إذا جاء عيبد الضحبى فقبد وكّلتبك فبي شراء أضحيّة لي " فقبد‬
‫أضاف عقد الوكالة إلى زمن مستقبل ‪ ،‬وقد صرّح جمهور الفقهاء بصحّة ذلك ‪.‬‬
‫ومثال الثّاني ‪ :‬ما جاء في السّلم ‪ ،‬من إضافة العين المسلم فيها إلى زمن معلوم لقوله صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم » ‪.‬‬
‫ومثال الثّالث ‪ :‬مبا إذا باع بثمبن مؤجّل فإنّه يصبحّ ؛ لقوله تعالى ‪ « :‬يا أيّهبا الّذ ين آمنوا إذا‬
‫تداينتم بدين إلى أجل مسمّى فاكتبوه » ‪.‬‬
‫( مدّة التّوقيت )‬
‫‪ - 10‬وهي المدّة المستقبلة الّتي يستمرّ فيها تنفيذ اللتزام حتّى انقضائها ‪ ،‬وذلك كما في العقود‬
‫ل على مدّة معلومة ‪ ،‬أو على عمل معيّن يت مّ في‬
‫المؤقّتة ‪ ،‬كما في الجارة ‪ ،‬فإنّها ل تصحّ إ ّ‬
‫زمن ‪ ،‬وبانتهائها ينتهي عقد الجارة ومدّة عقد الجارة تعتبر أجلً ‪ .‬مصداق ذلك قوله تعالى‬
‫{ قال إنّي أريد أن أنكحك إحدى ابنت يّ هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا‬
‫فمن عندك وما أريد أن أش قّ عليك ستجدني إن شاء اللّه من ال صّالحين ‪ .‬قال ذلك بيني وبينك‬
‫ن اللّغة العربيّة تجعل‬
‫أيّما الجلين قضيت فل عدوان عل يّ واللّه على ما نقول وكيل ‪ } .‬كما أ ّ‬
‫" التّأجيل تحديد الوقت " " والتّوقيت تحديد الوقات ‪ ،‬يقال ‪ :‬وقّته ليوم كذا توقيتا مثل أجّل » ‪.‬‬
‫مدّة التّنجيم ‪:‬‬
‫‪ - 11‬جاء في مختار ال صّحّاح ‪ :‬النّجم لغةً الوقت المضروب ‪ ،‬ومنه سمّي المنجّم ‪ ،‬ويقال ‪:‬‬
‫نجّم المال تنجيما إذا أدّاه نجوما ( أقساطا ) ‪ ،‬والتّنج يم اصطلحا هو " التّأخ ير لجل معلوم ‪،‬‬
‫ل نجم ومدّته من شهر‬
‫نجما أو نجمين " أو هو " المال المؤجّل بأجلين فصاعدا ‪ ،‬يعلم قسط ك ّ‬
‫أو سنة أو نحوهما " فالتّنجيم نوع من الجل يرد على الدّين المؤجّل فيوجب استحقاق بعضه‬
‫عند زمن مستقبل معيّن ‪ ،‬ث مّ يليه البعض ال خر لز من آخر معلوم يلي الزّ من الوّل وهكذا ‪.‬‬
‫ومن بين ما برز فيه التّنجيم ‪ :‬أ ‪ -‬دين الكتابة ‪ :‬فقد اتّفق الفقهاء على جواز تنجيم مال الكتابة‬
‫سيّد وعبده على مال ينال العبد نظيره ح ّريّة التّصرّف في الحال ‪،‬‬
‫‪ ( .‬والمراد بالكتابة اتّفاق ال ّ‬
‫والرّق بة في المال ‪ ،‬ب عد أداء المال ) ‪ ،‬واختلفوا في لزوم ذلك ‪ ،‬فيرى المالكيّة على الرّا جح ‪،‬‬
‫أنب الكتاببة ل تكون إلّ بمال مؤجّل منجّم ‪ ،‬وسبيأتي التّعرّض لذلك فبي‬
‫والشّافعيّة والحنابلة ّ‬
‫ي يجعل التّنجيم نوعا من الجل ‪.‬‬
‫الدّيون المؤجّلة ‪ .‬والفقه السلم ّ‬
‫ب ‪ -‬الدّية في القتل شبه العمد والخطأ ‪ :‬تجب الدّية في القتل شبه العمد والخطأ على العاقلة‬
‫ل سبنة ثلث الدّيبة ‪ ،‬وهذا مبا صبرّح ببه فقهاء الحنفيّة‬
‫مؤجّل ًة منجّمةً على ثلث سبنوات فبي ك ّ‬
‫والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الجرة ‪ :‬جاء في المغني أنّه " إذا شرط تأجيل الجر فهو إلى أجله ‪ ،‬وإن شرطه منجّما‬
‫ن إجارة‬
‫يوما يوما ‪ ،‬أو شهرا شهرا ‪ ،‬أو أقلّ من ذلك أو أك ثر ‪ ،‬ف هو على ما اتّف قا عل يه ؛ ل ّ‬
‫العين كبيعها ‪ ،‬وبيعها يصحّ بثمن حالّ أو مؤجّل ‪ ،‬فكذلك إجارتها » ‪.‬‬
‫( مدّة الستعجال ) ‪:‬‬
‫‪ - 12‬المراد ب ها ‪ :‬الو قت الّذي يق صد بذكره في الع قد ا ستعجال آثار الع قد ‪ ،‬وذ كر الو قت‬
‫إنب الجارة على ضربيبن ‪ .‬أحدهمبا ‪ :‬أن‬
‫للسبتعجال تعرّض له الفقهاء فبي الجارة ‪ ،‬فقالوا ّ‬
‫يعقد ها على مدّة ‪ .‬والثّا ني ‪ :‬أن يعقد ها على ع مل معلوم ‪ ،‬وم تى تقدّرت المدّة لم ي جز تقد ير‬
‫الع مل ع ند أ بي حني فة والشّافعيّة والحنابلة ؛ ل نّ الج مع بينه ما يز يد الجارة غررا ؛ لنّه قد‬
‫يفرغ من الع مل ق بل انقضاء المدّة ‪ .‬فإن ا ستعمل في بقيّة المدّة ف قد زاد على ما و قع عل يه‬
‫العقد ‪ ،‬وإن لم يعمل كان تاركا للعمل في بعض المدّة ‪ ،‬وقد ل يفرغ من العمل في المدّة ‪ ،‬فإن‬
‫أتمّه عمبل فبي غيبر المدّة ‪ ،‬وإن لم يعمله لم يأت بمبا وقبع عليبه العقبد ‪ ،‬وهذا غرر ‪ ،‬أمكبن‬
‫التّحرّز عنه ‪ ،‬ولم يوجد مثله في محلّ الوفاق ‪ ،‬فلم يجز العقد معه ‪ .‬ويرى أبو يوسف ومحمّد‬
‫‪ ،‬وهبو مروي ّب عبن المام أحمبد أنّه تجوز الجارة هنبا ؛ لنّب الجارة معقودة على العمبل ‪،‬‬
‫والمدّة مذكورة للتّعجيبل فل يمتنبع ذلك ‪ .‬فعلى هذا إذا فرغ مبن العمبل قببل انقضاء المدّة لم‬
‫يلزمه شيء آخر ‪ ،‬كما لو قضى الدّين قبل أجله ‪ ،‬وإن مضت المدّة قبل العمل فللمستأجر فسخ‬
‫الجارة ؛ لنّ الجير لم يف له بشرطه ‪ ،‬وإن رضي بالبقاء عليه لم يملك الجير الفسخ ؛ لنّ‬
‫الخلل بالشّرط منه ‪ ،‬فل يكون ذلك وسيلةً إلى الفسخ ‪ ،‬كما لو تعذّر أداء المسلم فيه في وقته‬
‫فيملك الم سلم إل يه الف سخ ‪ .‬ويمل كه الم سلم ‪ ،‬فإن اختار إمضاء الع قد طال به بالع مل ل غ ير ‪،‬‬
‫كالمسلم إذا صبر عند تعذّر المسلم فيه إلى حين وجوده لم يكن له أكثر من المسلم فيه ‪ ،‬وإن‬
‫فسخ العقد قبل عمل شيء من العمل سقط الجر والعمل ‪ ،‬وإن كان بعد عمل شيء منه فله‬
‫أجر مثله ؛ لنّ العقد قد انفسخ فسقط المسمّى ‪ ،‬ورجع إلى أجل المثل ‪.‬‬

‫تقسيمات الجل باعتبار مصدره‬


‫ينقسم الجل باعتبار مصدره إلى ثلثة أقسام ‪ :‬أجل شرع يّ ‪ ،‬وأجل قضائ يّ ‪ ،‬وأجل اتّفاق يّ ‪.‬‬
‫ونتناول فيمبا يلي التّعريبف بكلّ قسبم ‪ ،‬وذكبر مبا يندرج تحتبه مبن أنواع ‪ .‬جاعليبن لكلّ قسبم‬
‫ف صلً م ستقلّا ‪ .‬الف صل الوّل ال جل الشّرع يّ ال جل الشّرع يّ ‪ :‬هو المدّة الّ تي حدّد ها الشّرع‬
‫الحكيم سببا لحكم شرعيّ ‪.‬‬
‫ويندرج تحت هذا النّوع الجال التية ‪:‬‬
‫( مدّة الحمل )‬
‫‪ - 13‬مدّة الحمل هي الزّمن الّذي يمكثه الجنين في بطن أمّه ‪ ،‬وقد بيّن الفقه السلميّ أقلّ مدّة‬
‫الح مل وأكثره ‪ ،‬و قد ا ستنبطت هذه المدّة ممّا ورد في القرآن الكر يم ‪ ،‬وذلك ل ما روى الثرم‬
‫ن امرأ ًة ولدت لستّة أشهر ‪ ،‬فه مّ عمر برجمها ‪،‬‬
‫بإسناده عن أبي السود أنّه ‪ :‬رفع إلى عمر أ ّ‬
‫ي ‪ :‬ليس لك ذلك ‪ ،‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬والوالدات يرضعن أولدهنّ حولين كاملين }‬
‫فقال له عل ّ‬
‫وقال تعالى ‪ { :‬وحمله وفصباله ثلثون شهرا } فحولن وسبتّة أشهبر ثلثون شهرا ‪ ،‬ل رجبم‬
‫عليها ‪ .‬فخلّى عمر سبيلها ‪ ،‬وولدت مرّ ًة أخرى لذلك الح ّد ‪ .‬كما بيّن الفقه السلميّ أكثر مدّة‬
‫الح مل ‪ ،‬فيرى جمهور الفقهاء ( المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة في أ صحّ الرّوايت ين ) أنّ ها أر بع‬
‫سنوات ‪ .‬و في رأي للمالكيّة أنّ ها خ مس سنوات ‪ ،‬ويرى الحنفيّة ‪ ،‬و هو روا ية في مذ هب‬
‫ن أكثر مدّة الحمل دليله الستقراء ‪ ،‬وحكي‬
‫الحنابلة ‪ ،‬أنّها سنتان ‪ .‬وقد جاء في مغني المحتاج أ ّ‬
‫عن مالك أنّه قال ‪ « :‬جارتنا امرأة محمّد بن عجلن ‪ ،‬امرأة صدق ‪ ،‬وزوجها رجل صدق ‪،‬‬
‫ل بطن أربع سنين » ‪ .‬وقد روي هذا عن‬
‫حملت ثلثة أب طن في اثنتي عشرة سن ًة ‪ ،‬تحمل ك ّ‬
‫غير المرأة المذكورة ‪ ،‬وقيل إ نّ أبا حنيفة حملت أمّه به ثلث سنين وفي صحّته كما قال ابن‬
‫ن أكثر مدّة الحمل سنتان ‪ ،‬فكيف يخالف ما وقع في نفسه ؟ " قال ابن‬
‫شيبة نظر ؛ لنّ مذهبه أ ّ‬
‫عبد السّلم ‪ :‬وهذا مشكل مع كثرة الفساد في هذا الزّمان » ‪.‬‬
‫مدّة الهدنة ‪:‬‬
‫‪ - 14‬يرى الحنفيّة والمالكيّة وهبو ظاهبر الرّوايبة عبن المام أحمبد أنّه يجوز موادعبة أهبل‬
‫الحرب ع شر سنين ‪ ،‬ك ما « وادع ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم أ هل مكّة » ‪ .‬ويجوز أن‬
‫تكون المدّة أقلّ من ذلك أو أكثر أو دون تحديد ‪ ،‬ما دامت مصلحة المسلمين في ذلك ‪ .‬أمّا إذا‬
‫لم تكبن مصبلحة المسبلمين فبي ذلك فل يجوز ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬فل تهنوا وتدعوا إلى السبّلم‬
‫وأن تم العلون } ‪ .‬ويرى المام الشّافع يّ و هو روا ية أخرى ع ند الحنابلة أنّه ل تجوز مهاد نة‬
‫المشركين أكثر من عشر سنين ‪ ،‬استنادا إلى ما يروى عن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم‬
‫ن الصل فرض‬
‫في صلح الحديبية ‪ .‬فإن هودن المشركون أكثر من ذلك فالهدنة منتقضة ؛ ل ّ‬
‫قتال المشركين حتّى يؤمنوا أو يعطوا الجزية ‪ .‬والتّفصيلت في مصطلح ( هدنة ) ‪.‬‬
‫مدّة تعريف اللّقطة ‪:‬‬
‫‪ - 15‬مدّة تعريفها ثبتت بالشّرع ‪ ،‬والصل فيها ما روي عن زيد بن خالد بن زيد الجهن يّ‬
‫صاحب رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬سئل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عن‬
‫اللّق طة الذّ هب أو الورق فقال ‪ :‬اعرف وكاء ها وعفا صها ‪ ،‬ث مّ عرّف ها سنةً ‪ .‬فإن جاء طالب ها‬
‫ن مع ها‬
‫يوما من الدّ هر فأدّ ها إل يه ‪ .‬و سأله عن ضالّة ال بل ‪ ،‬فقال ‪ :‬مالك ول ها ؟ دع ها ‪ ،‬فإ ّ‬
‫حذاءها وسقاءها ‪ ،‬ترد الماء وتأكل الشّجر ‪ ،‬حتّى يجدها ربّها ‪ .‬وسأله عن الشّاة فقال ‪ :‬خذها‬
‫فإنّمبا هبي لك ‪ ،‬أو لخيبك أو للذّئب » ‪ .‬رواه مسبلم ‪ .‬وللفقهاء فبي الزّيادة عبن هذه المدّة أو‬
‫النّقص منها حسب أه ّميّة المال أقوال يرجع إليها في مصطلح ( لقطة ) ‪.‬‬
‫مدّة وجوب الزّكاة ‪:‬‬
‫‪ - 16‬روى أبو عبد اللّه بن ماجه في ال سّنن بإسناده عن عمر عن عائشة قالت ‪ « :‬سمعت‬
‫ر سول اللّه صبلى ال عل يه و سلم يقول ‪ « :‬ل زكاة فبي مال حتّى يحول عل يه الحول » و قد‬
‫اعتببر الحول فبي زكاة السبّوائم ‪ ،‬والثمان ( الذّهبب والفضّة ) وقيبم عروض التّجارة ‪ .‬وأمّا‬
‫الزّروع والثّمار والمعدن فإنّه ل يعتبر فيها الحول ‪.‬‬
‫( مدّة تأجيل العنّين ) ‪:‬‬
‫‪ - 17‬إذا ثب تت عنّة الزّوج ضرب القا ضي له سنةً ك ما ف عل ع مر ر ضي ال ع نه ‪ ،‬رواه‬
‫الشّافعيّ والبيهقيّ وغيرهما ‪ ،‬وروي أيضا عن عليّ وابن مسعود وعثمان والمغيرة بن شعبة ‪،‬‬
‫وقال في النّها ية ‪ :‬أج مع الم سلمون على اتّباع قضاء ع مر ر ضي ال ع نه في قاعدة الباب ‪.‬‬
‫ن تعذّر الجماع قد يكون لعارض حرارة فتزول في‬
‫والمع نى ف يه مض يّ الف صول الرب عة ؛ ل ّ‬
‫الشّتاء ‪ .‬أو برودة فتزول في ال صّيف ‪ ،‬أو يبو سة فتزول في الرّب يع ‪ ،‬أو رطو بة فتزول في‬
‫الخريف ‪ .‬فإذا مضت السّنة ‪ ،‬ول إصابة ‪ ،‬علمنا أنّه عجز خلقيّ ‪.‬‬
‫مدّة المهال في اليلء ‪:‬‬
‫‪ - 18‬إذا آلى الرّ جل من زوج ته أم هل وجوبا أرب عة أش هر ‪ ،‬لقوله تعالى { للّذ ين يؤلون من‬
‫ن اللّه غفور رحيم } ‪ .‬فإن وطئها في الربعة الشهر‬
‫نسائهم تربّص أربعة أشهر فإن فاءوا فإ ّ‬
‫حنث في يمينه ولزمته الكفّارة ‪ ،‬وسقط اليلء بالجماع ‪ ،‬وإن لم يقربها حتّى مضت الربعة‬
‫أشهبر بانبت منبه بتطليقبة عنبد الحنفيّة ‪ ،‬وهبو قول اببن مسبعود ‪ ،‬ويرى المالكيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة وأ بو ثور أنّه إذا انق ضت هذه المدّة يخيّر المولى ب ين الفيئة والتّكف ير ‪ ،‬وب ين الطّلق‬
‫للمحلوف عليها ‪ ،‬وهو قول عليّ وابن عمر ‪.‬‬
‫مدّة الرّضاع‬
‫‪ - 19‬يرى جمهور الفقهاء ‪ :‬المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة ‪ ،‬أ نّ‬
‫مدّة الرّضاع الّتبي إذا وقبع الرّضاع فيهبا تعلّق ببه التّحريبم سبنتان ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وحمله‬
‫وفصاله ثلثون شهرا } ومدّة الحمل أدناها ستّة أشهر ‪ ،‬فبقي للفصال حولن ‪ .‬وروى سفيان‬
‫عبن عمرو ببن دينار عبن اببن عبّاس ‪ :‬قال ‪ :‬قال رسبول اللّه صبلى ال عليبه وسبلم ‪ « :‬ل‬
‫رضاع إلّ ما كان في الحولين » رواه الدّارقطن يّ ‪ ،‬وظاهر " أ نّ المراد نفي الحكام ‪ ،‬وقال ‪:‬‬
‫ل الهيثبم ببن جميبل ‪ ،‬وهبو ثقبة حافبظ " ويرى أببو حنيفبة أنّب مدّة‬
‫لم يسبنده عبن اببن عيينبة إ ّ‬
‫ن اللّه سبحانه‬
‫الرّضاع ثلثون شهرا ؛ لقوله تعالى { وحمله وفصاله ثلثون شهرا } ووجهه أ ّ‬
‫وتعالى ذ كر شيئ ين وضرب له ما مدّ ًة ‪ ،‬فكا نت تلك المدّة لكلّ وا حد منه ما بكمال ها ‪ ،‬كال جل‬
‫المضروب للدّين ين على شخ صين ‪ ،‬بأن قال أجّلت الدّ ين الّذي لي على فلن ‪ ،‬والدّ ين الّذي لي‬
‫ل ‪ ،‬وكالجبل المضروب للدّينيبن على‬
‫أنب السبّنة بكمالهبا لك ّ‬
‫على فلن سبن ًة ‪ ،‬فإنّه يفهبم منبه ّ‬
‫ش خص ‪ ،‬م ثل أن يقول ‪ :‬لفلن عل يّ ألف در هم وعشرة أقفزة إلى سنة ‪ ،‬ف صدّقه المقرّ له في‬
‫الجل ‪ ،‬فإذا مضت ال سّنة يت مّ أجلهما جميعا ‪ ،‬إلّ أنّه قام المنقّص في أحدهما ‪ ،‬يعني في مدّة‬
‫الحمل ‪ ،‬وهو قول عائشة رضي ال عنها الولد ل يبقى في بطن أمّه أكثر من سنتين ولو بقدر‬
‫فل كة مغزل " و في روا ية " ولو بقدر ظلّ مغزل ومثله ممّا ل يقال إلّ سماعا ؛ ل نّ المقدّرات‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الولد ل يبقى في بطن أمّه‬
‫ل يهتدي إليها العقل ‪ .‬وروي عن النّب ّ‬
‫أنب مدّة الرّضاع ثلثبة‬
‫أكثبر مبن سبنتين » فتبقبى مدّة الفصبال على ظاهرهبا ‪ .‬ويرى زفبر ّ‬
‫أحوال ‪ ،‬وذلك لنّه ل ب ّد لل صّبيّ من مدّة يتعوّد في ها غذا ًء آ خر غ ير اللّ بن ‪ ،‬لينق طع النبات‬
‫باللّ بن ‪ ،‬وذلك بزيادة مدّة يتعوّد في ها ال صّبيّ تغيّر الغذاء ‪ ،‬والحول ح سن للتّحوّل من حال إلى‬
‫حال ‪ ،‬لشتماله على الفصول الربعة ‪ ،‬فقدّر بثلثة أحوال ‪.‬‬
‫أجل العدّة‬
‫‪ - 20‬العدّة أجل ضربه الشّرع للمطلّقة أو المتوفّى عنها زوجها أو من فسخ نكاحها ‪ .‬فالحامل‬
‫في كلّ ما ذ كر عدّت ها و ضع الح مل ‪ .‬والمتوفّى عن ها زوج ها ‪ -‬ما لم ت كن حاملً ‪ -‬عدّت ها‬
‫أرب عة أشهبر وع شر ‪ ،‬سواء كا نت مدخولً ب ها أم ل ‪ .‬والمطلّ قة المدخول بهبا غيبر الحا مل‬
‫واليسبة والصبّغيرة ثلثبة أقراء ‪ ،‬على الخلف بيبن الفقهاء فبي تفسبير القرء أهبو الطّهبر أم‬
‫الح يض ‪ ،‬وعدّة ال صّغيرة الّ تي لم ت حض والي سة ثل ثة أش هر ‪ .‬وتف صيل ذلك في م صطلح‬
‫( عدّة ) ‪.‬‬
‫مدّة خيار الشّرط ) ‪:‬‬
‫‪ - 21‬يرى جمهور الفقهاء جواز خيار الشّرط واختلفوا في تحديد هذه المدّة ‪ ،‬فيرى أبو حنيفة‬
‫وزفر والشّافعيّة أنّه يجوز خيار الشّرط في البيع للبائع أو المشتري ‪ ،‬أو لهما ‪ ،‬ثلثة أيّام فما‬
‫ي رضي ال عنه كان‬
‫دونها ‪ ،‬والصل فيه ما روي « أ نّ حبّان بن من قذ بن عمرو النصار ّ‬
‫يغ بن في البياعات ‪ ،‬فقال له النّبيّ صلى ال عل يه و سلم ‪ :‬إذا باي عت ف قل ‪ :‬ل خل بة ‪ ،‬ولي‬
‫الخيار ثل ثة أيّام ‪ » .‬ويرى أ بو يو سف ومحمّد وا بن المنذر والحنابلة أنّه يجوز إذا سمّى مدّةً‬
‫معلومةً وإن طالت ‪ .‬وح كي ذلك عن الح سن بن صالح وا بن أ بي ليلى وإ سحاق وأ بي ثور ‪.‬‬
‫ن الخيار‬
‫وا ستدلّوا ب ما روي عن ا بن ع مر ر ضي ال عنه ما أنّه أجاز الب يع إلى شهر ين ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ح قّ يعت مد على الشّرط ‪ ،‬فر جع في تقديره إلى مشتر طه ‪ ،‬كال جل ‪ ،‬ولقوله صلى ال عل يه‬
‫وسلم ‪ « :‬المسلمون عند شروطهم » ‪ .‬ولنّ الخيار إنّما شرع للحاجة إلى التّروّي ليندفع الغبن‬
‫ن الجل شرع للحاجة إلى‬
‫‪ ،‬وقد تمسّ الحاجة إلى أكثر من ثلثة أيّام ‪ ،‬كالتّأجيل في الثّمن ‪ ،‬فإ ّ‬
‫التّأخيبر ‪ ،‬مخالفا لمقت ضى الع قد ‪ ،‬ث مّ جاز أ يّ مقدار تراض يا عل يه ‪ .‬ويرى المالكيّة أ نّ مدّة‬
‫ن الق صد ما تخ تبر ف يه تلك ال سّلعة ‪ ،‬وذلك يختلف باختلف‬
‫الخيار تختلف باختلف ال سّلع ‪ ،‬فإ ّ‬
‫السبّلع بقدر الحاجبة ‪ ،‬ويضرب مبن الجبل أقلّ مبا يمكبن ؛ تقليلً للغرر ‪ ،‬كشهبر فبي دار ‪،‬‬
‫وكثلث في دابّة ‪ .‬وإذا كا نت المدّة المشتر طة مجهولةً ‪ ،‬ك ما إذا شرط الخيار أبدا ‪ ،‬أو م تى‬
‫بر مدّتبه ‪ ،‬أو شرطاه إلى مدّة مجهولة كقدوم‬
‫با ‪ :‬ولي الخيار ‪ ،‬ولم يذكب‬
‫شاء ‪ ،‬أو قال أحدهمب‬
‫ز يد ‪ ،‬أو نزول الم طر ‪ ،‬أو مشاورة إن سان ‪ ،‬ون حو ذلك ‪ ،‬لم ي صحّ في ال صّحيح من مذ هب‬
‫الحنابلة ومذهب الشّافعيّة ‪ .‬وروي عن أحمد أنّه يصحّ ‪ ،‬وهما على خيارهما أبدا أو يقطعاه ‪،‬‬
‫أو تنت هي مدّته إن كان مشروطا إلى مدّة ‪ ،‬وهو قول ابن شبر مة ‪ ،‬لقول النّبيّ صلى ال عل يه‬
‫ح ‪ ،‬ويضرب لهما مدّة يختبر المبيع‬
‫و سلم ‪ « :‬الم سلمون عند شروط هم » ‪ .‬وقال مالك ‪ :‬ي ص ّ‬
‫في مثل ها في العادة ‪ ،‬ل نّ ذلك مقرّر في العادة " ‪ ،‬وقال أ بو حني فة ‪ :‬إن أ سقطا الشّرط ق بل‬
‫مض يّ الثّلث ‪ ،‬أو حذف الزّائد علي ها وبيّنّا مدّ ته ‪ ،‬صحّ ؛ لنّه ما حذ فا المف سد ق بل اتّ صاله‬
‫ح كما لو لم يشترطاه ‪.‬‬
‫بالعقد ‪ ،‬فوجب أن يص ّ‬
‫مدّة الحيض ‪:‬‬
‫‪ - 22‬أقلّ مدّة الحيض يوم وليلة عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬وأكثرها خمسة عشر يوما بلياليها ‪،‬‬
‫وذلك لنّه ورد في الشّرع مطلقا دون تحد يد ‪ ،‬ول حدّ له في اللّ غة ول في الشّري عة ‪ ،‬في جب‬
‫الرّجوع فيبه إلى العرف والعادة ‪ ،‬كمبا فبي القببض والحراز والتّفرّق وأشباههبا ‪ .‬وقبد وجبد‬
‫ح يض معتاد يوما ‪ .‬قال عطاء ‪ :‬رأ يت من النّ ساء من تح يض يوما وتح يض خم سة ع شر ‪.‬‬
‫ن أقلّ الحيض ثلثة أيّام ولياليها ‪ ،‬وما نقص عن ذلك فهو استحاضة ‪ ،‬وذلك‬
‫ويرى الحنفيّة أ ّ‬
‫لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬أقلّ حيض الجارية البكر وال ّثيّب ثلثة أيّام ‪ ،‬وأكثر ما يكون‬
‫عشرة أيّام ‪ ،‬فإذا زاد ف هي م ستحاضة » ‪ ،‬و عن أ بي يو سف أنّه يومان والك ثر من الثّالث ‪،‬‬
‫ل ‪ ،‬وأكثبر الحيبض عشرة أيّام ولياليهبا ‪ ،‬والزّائد اسبتحاضة ‪ .‬ويرى‬
‫إقام ًة للكثبر مقام الك ّ‬
‫ل الحيض بالزّمان ‪ ،‬وأكثره لمبتدأة غير حامل تمادى بها نصف شهر ‪،‬‬
‫المالكيّة أنّه ل ح ّد لق ّ‬
‫وأكثره لمعتادة غير حامل سبق لها حيض ولو مرّ ًة ثلثة أيّام زيادةً على أكثر عادتها أيّاما ل‬
‫وقوعا ‪ .‬وفي ذلك تفصيل موطنه مصطلح ( حيض ) ‪.‬‬
‫مدّة الطّهر‬
‫‪ - 23‬يرى الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والثّور يّ أ نّ أقلّ الطّ هر ب ين الحيضت ين خم سة ع شر‬
‫يوما ‪ ،‬واسبتدلّ الحنفيّة على ذلك بقول النّبيّ صبلى ال عليبه وسبلم ‪ « :‬أقلّ الحيبض ثلثبة ‪،‬‬
‫وأكثره عشرة أيّام ‪ ،‬وأقلّ ما بين الحيضتين خمسة عشر يوما » منقول عن إبراهيم النّخع يّ ‪،‬‬
‫و قد ق يل ‪ :‬أجم عت ال صّحابة عل يه ؛ ولنّه مدّة اللّزوم ‪ ،‬فكان كمدّة القا مة ‪ .‬وا ستدلّ الشّافعيّة‬
‫على ذلك بأنّ الشّهر غالبا ل يخلو عن حيض وطهر ‪ ،‬وإذا كان أكثر الحيض ‪ -‬على رأيهم ‪-‬‬
‫خمسبة عشبر يوما لزم أن يكون أقلّ الطّهبر كذلك ‪ ،‬ول حدّ لكثبر الطّهبر بالجماع ‪ ،‬فقبد ل‬
‫ن أقلّ الطّهر بين‬
‫تحيض المرأة في عمرها إلّ مرّةً ‪ ،‬وقد ل تحيض أصلً ‪ .‬ويرى الحنابلة أ ّ‬
‫ن امرأةً جاءته ‪ ،‬وقد طلّقها زوجها ‪ ،‬فزعمت‬
‫الحيضتين ثلثة عشر ‪ ،‬لما روي عن عليّ ‪ « :‬أ ّ‬
‫ل قرء و صلّت ‪ .‬فقال عل يّ لشر يح ‪ :‬قل‬
‫أنّ ها حا ضت في ش هر ثلث ح يض ‪ ،‬طهرت ع ند ك ّ‬
‫في ها ‪ .‬فقال شر يح ‪ :‬إن جاءت ببيّ نة من بطا نة أهل ها ‪ ،‬ممّن ير ضى دي نه وأمان ته ‪ ،‬فشهدت‬
‫ل فهي كاذبة ‪ .‬فقال عل يّ ‪ :‬قالون " أي جيّد ‪ ،‬بالرّوميّة ‪ .‬رواه المام أحمد بإسناده ‪.‬‬
‫بذلك ‪ ،‬وإ ّ‬
‫وهذا ل يقوله إلّ توقيفا ‪ ،‬ولنّه قول صحابيّ انتشر ‪ ،‬ولم يعلم خلفه ‪.‬‬
‫سنّ الياس ‪:‬‬
‫ن الياس اختلفا كبيرا ‪ :‬فيرى بعض هم أنّه ل تقدير ل سنّ‬
‫‪ - 24‬اختلف الفقهاء في تقدير س ّ‬
‫ن مبا ل يحيبض فيبه مثلهبا ‪ .‬فإذا بلغبت هذا‬
‫السب ّ‬
‫الياس ‪ ،‬وإياس المرأة على هذا أن تبلغ مبن ّ‬
‫المبلغ ‪ ،‬وانقطع الدّم ‪ ،‬حكم بإياسها ‪ ،‬ويمكن أن يراد بمثلها فيما ذكر المماثلة في تركيب البدن‬
‫‪ ،‬والسّمن ‪ ،‬والهزال ‪ ،‬وهو رأي في مذهب الحنفيّة ‪ .‬ويرى بعض الفقهاء تقديره بخمسين سنةً‬
‫‪ ،‬و هو قول للشّافعيّة ‪ ،‬وروا ية عن المام أح مد ‪ .‬وقال إ سحاق بن راهو يه ‪ :‬ل يكون ح يض‬
‫بعبد الخمسبين ‪ ،‬ويكون حكمهبا فيمبا تراه من الدّم حكبم المسبتحاضة ‪ ،‬لمبا روي عن عائشبة‬
‫ر ضي ال عن ها أنّ ها قالت ‪ :‬إذا بل غت المرأة خم سين سن ًة خر جت من حدّ الح يض " وروي‬
‫عنها أنّها قالت ‪ « :‬لن ترى المرأة في بطنها ولدا بعد الخمسين ‪ .‬ويرى بعض الشّافعيّة ‪ ،‬وهو‬
‫روا ية عن المام أح مد ‪ ،‬أنّ ها ل تيأس من المح يض يقينا إلى ستّين سن ًة ‪ .‬ويرى الشّافعيّة ‪-‬‬
‫ن الياس اثنتان و ستّون سنةً ‪ .‬ويرى المالكيّة أنّه يتحقّق في سنّ‬
‫ن سّ‬
‫على أش هر القوال ‪ -‬أ ّ‬
‫السبّبعين ‪ ،‬ومثله عن بعبض الشّافعيّة ‪ ،‬وأنّهبا بعبد الخامسبة والخمسبين مشكوك فبي يأسبها ‪،‬‬
‫فير جع في ما تراه إلى النّ ساء لمعر فة هل هو ح يض ‪ ،‬أو ل يس بح يض ‪ ،‬أمّا من بل غت سنّ‬
‫السّبعين فل يسأل عنها ‪.‬‬
‫( مدّة النّفاس ) ‪:‬‬
‫‪ - 25‬اتّفق الفقهاء على أنّه ل حدّ لقلّ النّفاس ‪ ،‬فأيّ وقت رأت المرأة الطّهر اغتسلت ‪ ،‬وهي‬
‫طا هر ‪ ،‬واختلفوا في أكثره ‪ :‬فيرى ج مع من العلماء أ نّ أك ثر النّفاس أربعون يوما ‪ .‬قال أ بو‬
‫عي سى التّرمذ يّ ‪ :‬أجمع أ هل العلم من أصحاب ر سول اللّه صلى ال عل يه وسلم ومن بعد هم‬
‫على أ نّ النّف ساء تدع ال صّلة أربع ين يوما ‪ ،‬إلّ أن ترى الطّ هر ق بل ذلك ‪ ،‬فتغت سل وت صلّي ‪.‬‬
‫وقال أبو عبيد ‪ :‬وعلى هذا جماعة النّاس ‪ ،‬وروي هذا عن عمر وابن عبّاس وعثمان بن أبي‬
‫العاص وعببد اللّه ببن عمبر وأنبس وأمّب سبلمة رضبي ال عنهبم ‪ ،‬وببه قال الثّوريّب وإسبحاق‬
‫والحنفيّة والحنابلة ‪ .‬واستدلّوا بما روى أبو سهل كثير بن زياد عن م سّة الزديّة عن أ مّ سلمة‬
‫قالت ‪ « :‬كانت النّفساء تجلس على عهد النّبيّ صلى ال عليه وسلم أربعين يوما وأربعين ليلةً‬
‫‪ » .‬وروى الحكم بن عتيبة عن م سّة الزديّة عن « أ مّ سلمة أنّها سألت النّبيّ صلى ال عليه‬
‫ل أن ترى الطّ هر ق بل ذلك » رواه‬
‫و سلم ‪ :‬كم تجلس المرأة إذا ولدت ؟ قال ‪ :‬أربع ين يوما ‪ ،‬إ ّ‬
‫الدّارقطن يّ ‪ ،‬قال ا بن قدا مة ‪ :‬ولنّه قول من سمّينا من ال صّحابة ‪ ،‬ولم نعرف ل هم مخالفا في‬
‫ي إجماعا ‪ ،‬ونحوه ح كى أ بو عب يد ‪ .‬ويرى المالكيّة‬
‫ع صرهم فكان إجماعا ‪ ،‬و قد حكاه التّرمذ ّ‬
‫ن أكثره ستّون يوما ‪ ،‬وحكى ابن عقيل عن أحمد بن حنبل رواي ًة مثل قولهما ‪ ،‬لنّه‬
‫والشّافعيّة أ ّ‬
‫روي عن الوزاع يّ أنّه قال ‪ :‬عند نا امرأة ترى النّفاس شهر ين ‪ ،‬وروي م ثل ذلك عن عطاء‬
‫أنّه وجده ‪ ،‬والمرجع في ذلك إلى الوجود ‪ ،‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬إنّ غالبه أربعون يوما ‪.‬‬
‫ن البلوغ ‪:‬‬
‫سّ‬
‫ن الطّلع على تكامل العقل متعذّر‬
‫‪ - 26‬لقد جعل الشّارع البلوغ أمار ًة على تكامل العقل ؛ ل ّ‬
‫‪ ،‬فأقيبم البلوغ مقامبه ‪ .‬وقبد اختلف فبي سبنّ البلوغ ‪ :‬فيرى الشّافعيّة والحنابلة وأببو يوسبف‬
‫ن يكون بتمام‬
‫ي ‪ ،‬أ نّ البلوغ بال سّ ّ‬
‫ومحمّد من الحنفيّة ‪ ،‬وبرأيهما يفتى في المذ هب ‪ ،‬والوزاع ّ‬
‫خمس عشرة سنةً قمريّةً للذّكر والنثى ( تحديديّة كما صرّح الشّافعيّة ) ‪ ،‬لخبر « ابن عمر ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سن ًة ‪ ،‬فلم يجزني ولم‬
‫عرضت على النّب ّ‬
‫يرني بلغت ‪ ،‬وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سن ًة ‪ ،‬فأجازني ‪ ،‬ورآني بلغت‬
‫» ‪ .‬رواه ابن حبّان ‪ ،‬وأصله في ال صّحيحين قال الشّافع يّ ‪ « :‬ردّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫سبعة عشر من ال صّحابة وهم أبناء أربع عشرة سنةً ‪ ،‬لنّه لم يرهم بلغوا ‪ ،‬ث مّ عرضوا عليه‬
‫وهم أبناء خمس عشرة ‪ ،‬فأجازهم ‪ ،‬منهم زيد بن ثا بت ‪ ،‬ورافع بن خديج ‪ ،‬وابن عمر » ‪.‬‬
‫وروي عن أنس أ نّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إذا استكمل المولود خمس عشرة سنةً‬
‫ك تب ما له و ما عل يه ‪ ،‬وأخذت م نه الحدود » ‪ .‬ويرى المالكيّة أ نّ البلوغ يكون بتمام ثما ني‬
‫عشرة سن ًة ‪ ،‬وقيل بالدّخول فيها ‪ ،‬أو الحلم أي النزال ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬رفع‬
‫القلم عن ثلث ‪ :‬عن ال صّبيّ حتّى يحتلم ‪ ، » . . .‬أو الحيض لقوله صلى ال عليه وسلم ‪« :‬‬
‫ل يقببل اللّه صبلة حائض إلّ بخمار » ‪ ،‬أو الحببل للنثبى ‪ ،‬أو النبات الخشبن للعانبة ‪ .‬وقبد‬
‫أورد الحطّاب خم سة أقوال في المذ هب ‪ ،‬ف في روا ية ثمان ية ع شر وق يل سبعة ع شر ‪ ،‬وزاد‬
‫ب عض شرّاح الرّ سالة ستّة ع شر ‪ ،‬وت سعة ع شر ‪ ،‬وروى ا بن و هب خم سة ع شر لحد يث ا بن‬
‫ن بلوغ الغلم بال سّنّ هو بلو غه ثما ني عشرة سن ًة ‪ ،‬والجار ية سبع‬
‫ع مر ‪ .‬ويرى أ بو حني فة أ ّ‬
‫ع شر سنةً ‪ .‬وذلك لقوله تعالى « ول تقربوا مال اليت يم إلّ بالّ تي هي أح سن حتّى يبلغ أشدّه »‬
‫قال ا بن عبّاس رضي ال عنه ‪ :‬ثماني عشرة سنةً وهي أقلّ ما ق يل فيه ‪ ،‬فأخذ به احتياطا ‪.‬‬
‫هذا أشدّ ال صّبيّ ‪ ،‬والنثى أسرع بلوغا من الغلم فنقصناها سنةً ‪ ،‬ويرجع في تفصيل الحكام‬
‫إلى مصطلحي ( احتلم ) ( وبلوغ ) ‪.‬‬
‫مدّة المسح على الخفّ‬
‫‪ - 27‬يرى الجمهور جواز الم سح على الخ فّ مدّة يوم وليلة للمق يم ‪ ،‬وثل ثة أيّام وليالي ها‬
‫للم سافر ‪ ،‬و هو رأي الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة والثّور يّ والوزاع يّ والح سن بن صالح بن‬
‫ح يّ وإسحاق بن راهويه ومحمّد بن جرير الطّبريّ ‪ .‬قال ابن سيّد النّاس في شرح التّرمذ يّ ‪:‬‬
‫وث بت التّوق يت عن ع مر بن الخطّاب ‪ ،‬وعل يّ بن أ بي طالب ‪ ،‬وا بن م سعود ‪ ،‬وا بن عبّاس ‪،‬‬
‫وحذي فة ‪ ،‬والمغيرة ‪ ،‬وأ بي ز يد الن صاريّ ‪ .‬هؤلء من ال صّحابة ‪ ،‬وروي عن جما عة من‬
‫التّابعين منهم شريح القاضي ‪ ،‬وعطاء بن أبي رباح ‪ ،‬والشّعبيّ ‪ ،‬وعمر بن عبد العزيز ‪ .‬قال‬
‫أ بو ع مر بن ع بد البرّ ‪ :‬وأك ثر التّابع ين والفقهاء على ذلك ‪ .‬وا ستدلّوا بأحاد يث وآثار كثيرة ‪،‬‬
‫من ها ما روى صفوان بن ع سّال ‪ ،‬قال ‪ « :‬أمر نا ‪ -‬يع ني النّبيّ صلى ال عل يه و سلم ‪ -‬أن‬
‫نمسح على الخفّين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلث ًة إذا سافرنا ‪ ،‬ويوما وليل ًة إذا أقمنا ‪ ،‬ول‬
‫ل من جنابة » ‪ .‬رواه أحمد وابن خزيمة ‪.‬‬
‫نخلعهما من غائط ول بول ول نوم ‪ ،‬ول نخلعهما إ ّ‬
‫وقال الخطّاب يّ ‪ :‬هو صحيح السناد ‪ ،‬وعن عوف بن مالك الشجع يّ « أ نّ رسول اللّه صلى‬
‫ن للم سافر ‪ ،‬ويوما‬
‫ال عل يه و سلم أ مر بالم سح على الخفّ ين في غزوة تبوك ثل ثة أيّام ولياليه ّ‬
‫وليلةً للمقيم ‪ » .‬رواه أحمد ‪ ،‬وقال ‪ :‬هو أجود حديث في المسح على الخفّين ؛ لنّه في غزوة‬
‫تبوك ‪ ،‬و هي آ خر غزاة غزا ها ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم ‪ ،‬و هو آ خر فعله ‪ .‬ويرى‬
‫ن لبس الخفّين وهو طاهر يمسح عليهما ما بدا‬
‫المالكيّة أنّ المسح على الخفّين غير مؤقّت ‪ ،‬وأ ّ‬
‫له ‪ ،‬والمسافر والمقيم في ذلك سواء ‪ ،‬ما لم ينزعهما ‪ ،‬أو تصبه جنابة ‪ .‬إلّ أنّه يندب نز عه‬
‫ب كلّ أ سبوع أيضا ‪ ،‬وقبد اسبتدلّ لهذا الرّأي ب ما روي عن أبيّب بن‬
‫كلّ يوم جمعبة ‪ ،‬وي ستح ّ‬
‫عمارة « أنّه قال لرسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬أمسح على الخفّين ؟ قال ‪ :‬نعم قال ‪ :‬يوما‬
‫‪ ،‬قال ‪ :‬ويومين ؟ قال ‪ :‬وثلثة أيّام ؟ قال ‪ :‬نعم وما شئت » ‪ .‬وفي رواية « حتّى بلغ سبعا ‪،‬‬
‫قال ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم ‪ :‬ن عم ‪ ،‬و ما بدا لك » رواه أ بو داود ‪ ،‬وروي ذلك عن‬
‫ع مر بن الخطّاب ‪ ،‬وعق بة بن عا مر ‪ ،‬وع بد اللّه بن ع مر ‪ ،‬والح سن الب صريّ ‪ ،‬واللّ يث بن‬
‫ن المسح عليهما ل يتوقّت ‪ ،‬فكذلك‬
‫سعد ‪ .‬كما أنّهم قاسوه على مسح الرّأس والجبيرة ‪ ،‬فكما أ ّ‬
‫المسح على الخفّين ‪.‬‬

‫مدّة السّفر‬
‫‪ - 28‬السّفر لغةً قطع المسافة ‪ ،‬وليس كلّ سفر تتغيّر به الحكام ‪ ،‬من جواز الفطار ‪ ،‬وقصر‬
‫الصبّلة الرّباعيّة ‪ ،‬ومسبح الخفّب ‪ ،‬وإنّمبا سبفر خاصّب ‪ ،‬حدّده الفقهاء ‪ ،‬وإن اختلفوا فبي هذا‬
‫ن طويل السّفر هو المجيز لقصر الصّلة ‪ ،‬وقالوا‬
‫التّحديد ‪ :‬فيرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أ ّ‬
‫‪ :‬إ نّ ال سّفر الطّويل هو أربعة برد فأكثر برّا أو بحرا ‪ .‬وقد استدلّ أصحاب هذا الرّأي بما‬
‫ن ابن عمر وابن عبّاس كانا يقصران ويفطران في أربعة برد فما فوقها ‪ .‬ول يعرف‬
‫روي أ ّ‬
‫ل عن توقيف‬
‫لهما مخالف ‪ ،‬وأسنده البيهقيّ بسند صحيح ‪ ،‬قال الخطّابيّ ‪ :‬ومثل هذا ل يكون إ ّ‬
‫‪ .‬وروي عن جماعة من السّلف ما يدلّ على جواز القصر في أقلّ من يوم ‪ .‬فقال الوزاعيّ ‪:‬‬
‫كان أنس يقصر فيما بينه وبين خمسة فراسخ ‪ .‬وروي عن عل يّ رضي ال عنه أنّه خرج من‬
‫قصره بالكوفة حتّى أتى النّخيلة فصلّى بها كلّا من الظّهر والعصر ركعتين ‪ ،‬ثمّ رجع من يومه‬
‫ن ال سّفر الّذي تتغيّر به الحكام أن يق صد‬
‫‪ ،‬فقال ‪ :‬أردت أن أعلّم كم سنّتكم ‪ .‬ويرى الحنفيّة أ ّ‬
‫النسان مسيرة ثلثة أيّام ولياليها ‪ ،‬بسير البل ‪ ،‬ومشي القدام ‪ ،‬لقوله عليه السلم ‪ « :‬يمسح‬
‫المقيبم كمال يوم وليلة ‪ ،‬والمسبافر ثلثبة أيّام ولياليهبا » عمّب الجنبس ‪ ،‬ومبن ضرورتبه عموم‬
‫ن الثّل ثة اليّام متّ فق علي ها ‪ ،‬ول يس في ما دون ها توق يف ول اتّفاق ‪ .‬وقدّره أ بو‬
‫التّقد ير ؛ ول ّ‬
‫يو سف رح مه ال بيوم ين وأك ثر الثّالث ‪ .‬وال سّير المذكور هو الو سط ‪ ،‬ويع تبر في الج بل ما‬
‫يليق به ‪ ،‬وفي البحر اعتدال الرّياح ‪ .‬فينظر كم يسير في مثله ثلثة أيّام فيجعل أصلً » ‪.‬‬

‫الفصل الثّاني الجل القضائي‬


‫‪ - 29‬المراد بالجل القضائ يّ ‪ :‬الجل الّذي يضربه القاضي لحضور الخصوم ‪ ،‬أو إحضار‬
‫البيّنة ‪ ،‬أو إحضار الكفيل ‪ ،‬أو تأجيل المعسر إلى ميسرة ‪ .‬الحضور للتّقاضي ‪:‬‬
‫‪ - 30‬إ نّ ال جل الّذي يضر به القا ضي لحضور المتخا صمين موكول إلى تقديره وطبي عة‬
‫موضوع النّزاع ‪ .‬وللفقهاء تفصبيلت كثيرة فبي هذا ‪ ،‬هبي مبن قبيبل الوضاع الزّمنيّة الّتبي‬
‫تتغيّر ‪ ،‬وتفصيلها في أبواب الدّعوى والقضاء من كتب الفقه ‪.‬‬
‫( إحضار البيّنة ) ‪:‬‬
‫ن للقاضي أن يمهل المدّعي ثلثة أيّام لحضار البيّنة ‪ ،‬بينما‬
‫‪ - 31‬يرى الحنفيّة والشّافعيّة أ ّ‬
‫ن ذلك موكول لجتهاد القاضي ‪.‬‬
‫يرى المالكيّة والحنابلة أ ّ‬
‫الفصل الثّالث‬
‫الجل التّفاقيّ‬
‫‪ - 32‬يق صد به المدّة الم ستقلّة الّ تي يحدّد ها الملتزم للوفاء بالتزا مه ‪ ،‬سواء أكان هذا اللتزام‬
‫يقابله التزام مبن آخبر أو ل يقابله ‪ ،‬أو يحدّدهبا لنهاء هذا اللتزام ‪ .‬وينقسبم هذا النّوع مبن‬
‫ال جل إلى ق سمين ‪ :‬أ جل إضا فة ‪ ،‬ومحلّ بيان أحكا مه م صطلح ( إضا فة ) وأ جل توق يت ‪،‬‬
‫وفيما يلي آراء الفقهاء في حكمه ‪:‬‬
‫اشتراط تأجيل تسليم العين في التّصرّفات النّاقلة للملكيّة ‪:‬‬
‫‪ - 33‬اختلف الفقهاء في صحّة اشتراط تأج يل ت سليم ( الع ين ) إلى المنقول إل يه ملكيّت ها مدّةً‬
‫معلوم ًة للنتفاع بها على رأيين ‪ :‬الوّل ‪ :‬يرى المالكيّة والحنابلة وهو رأي مرجوح في مذهب‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬أنّه يجوز أن يشترط تأجيبل تسبليم العيبن إلى المدّة الّتبي يحدّدهبا المتعاقدان ‪ ،‬وأن‬
‫الوزاعيب ‪ ،‬واببن شبرمبة ‪،‬‬
‫ّ‬ ‫يكون المنتفبع بهبا هبو النّاقبل للملكيّة ‪ ،‬وهذا الرّأي منقول عبن‬
‫وإسحاق ‪ ،‬وأبي ثور ‪ .‬ومن أمثلته ‪ :‬إذا باع دارا على أن يسكنها البائع شهرا ‪ ،‬ثمّ يسلّمها إليه‬
‫‪ ،‬أو أرضا على أن يزرعهبا سبنةً ‪ ،‬أو دابّ ًة على أن يركبهبا شهرا ‪ ،‬أو ثوبا على أن يلبسبه‬
‫بأنب عموم اليات والحاديبث تأمبر بالوفاء بالعقود ‪ .‬قال اللّه‬
‫أسببوعا ‪ .‬واسبتدلّ لهذا الرّأي ّ‬
‫ن الع هد‬
‫تعالى ‪ { :‬يا أيّ ها الّذ ين آمنوا أوفوا بالعقود ‪ } . . .‬وقال تعالى ‪ { :‬وأوفوا بالع هد إ ّ‬
‫ل } وقال عليبه الصبلة والسبلم ‪ « :‬المسبلمون على شروطهبم إلّ شرطا حرّم‬
‫كان مسبئو ً‬
‫حللً ‪ ،‬أو أحلّ حراما » ‪ ،‬فاليات والحاديبث تأمبر بالوفاء بكلّ عقبد وشرط ل يخالف كتاب‬
‫اللّه ‪ ،‬ول سنّة رسوله صلى ال عليه وسلم ‪ .‬وبخصوص ما روي عن جابر رضي ال عنه ‪:‬‬
‫« أنّه كان يسير على جمل قد أعيا ‪ ،‬فضربه النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬فسار سيرا لم يسر‬
‫مثله ‪ .‬فقال ‪ :‬بعنيبه ‪ .‬فبعتبه واسبتثنيت حملنبه إلى أهلي » ‪ .‬متّفبق عليبه ‪ .‬فهذا الحديبث يدلّ‬
‫على جواز اشتراط تأج يل ت سليم ال مبيع فترةً ينت فع في ها البائع به ‪ ،‬ث مّ ي سلّمه إلى المشتري ‪.‬‬
‫ويؤيّده أنّه صلى ال عل يه و سلم « ن هى عن الثّن يا أي ال ستثناء إلّ أن تعلم » وهذه معلو مة ‪،‬‬
‫وأكثر ما فيه تأخير تسليم المبيع مدّة معلومة ‪ ،‬ف صحّ ‪ .‬الثّاني ‪ :‬يرى الحنفيّة ‪ ،‬وهو الرّا جح‬
‫عند الشّافعيّة ‪ ،‬عدم صحّة اشتراط تأجيل تسليم العين ‪ .‬واستدلّوا بما روي عن النّبيّ صلى ال‬
‫عل يه و سلم أنّه « ن هى عن ب يع وشرط » ‪ ،‬وروي أ نّ ع بد اللّه بن م سعود اشترى جاري ًة من‬
‫امرأته زينب الثّقفيّة ‪ .‬وشرطت عليه أنّك إن بعتها فهي لي بالثّمن ‪ .‬فاستفتى عمر رضي ال‬
‫عنه ‪ ،‬فقال ‪ « :‬ل تقربها » ‪ ،‬وفيها شرط لحد وروي أ نّ عبد اللّه بن مسعود اشترى جاريةً‬
‫واشترط خدمت ها ‪ ،‬فقال له ع مر ل تقرب ها وفي ها مثنويّة ‪ .‬وأمّا إذا ج عل تأج يل ت سليم الع ين‬
‫لم صلحة أج نبيّ عن الع قد ‪ ،‬ك ما إذا با عه بشرط أن ينت فع ب ها فلن « الج نبيّ عن الع قد »‬
‫شهرا ‪ ،‬فلم ير صحّة هذا أحد من الفقهاء غير الحنابلة ‪.‬‬

‫المبحث الثّالث‬
‫تأجيل الدّين الدّين ‪ :‬هو مال حكميّ يحدث في ال ّذمّة ببيع أو استهلك أو غيرهما ‪.‬‬
‫مشروعيّة تأجيل الدّيون‬
‫سنّة والجماع ‪ .‬أمّا الكتاب فقوله تعالى ‪ { :‬يا‬
‫‪ - 34‬لقد شرع جواز تأجيل الدّيون بالكتاب وال ّ‬
‫أيّها الّذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمّى فاكتبوه ‪ } . . .‬فهذه الية ‪ ،‬وإن كانت ل تدلّ‬
‫ن من الدّيون ما يكون مؤجّلً ‪ ،‬و هو ما‬
‫ل على أ ّ‬
‫ل أنّ ها تد ّ‬
‫على جواز تأج يل سائر الدّيون ‪ ،‬إ ّ‬
‫سيّدة عائشة‬
‫سنّة فما روي عن ال ّ‬
‫نقصده هنا من الستدلل بها على مشروعيّة الجل ‪ .‬وأمّا ال ّ‬
‫رضي ال عنها ‪ « :‬أ نّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم اشترى من يهود يّ طعاما إلى أجل ‪،‬‬
‫ورهنه درعا له من حديد » ‪ .‬رواه مسلم واللّفظ له ‪ .‬فهو يدلّ على مشروعيّة تأجيل الثمان ‪،‬‬
‫وقد أجمعت المّة على ذلك ‪ .‬حكمة قبول الدّين التّأجيل دون العين ‪:‬‬
‫ن الفرق بين العيان والدّيون من حيث جواز التّأجيل في الثّانية دون‬
‫ص الفقهاء على أ ّ‬
‫‪ - 35‬ن ّ‬
‫ن العيان معيّ نة ومشاهدة ‪ ،‬والمعيّن حا صل وموجود ‪ ،‬والحا صل والموجود ل يس‬
‫الولى ‪ :‬أ ّ‬
‫هناك مدعاة لجواز ورود ال جل عل يه ‪ .‬أمّا الدّيون ‪ :‬ف هي مال حكم يّ يث بت في الذّمّة ‪ ،‬ف هي‬
‫ثمب شرع جواز تأجيلهبا ‪ ،‬رفقا بالمديبن ‪ ،‬وتمكينا له مبن‬
‫غيبر حاصبلة ول موجودة ‪ ،‬ومبن ّ‬
‫اكتسابها وتحصيلها في المدّة المضروبة ‪ ،‬حتّى إ نّ المشتري لو عيّن النّقود الّتي اشترى بها لم‬
‫يصحّ تأجيلها ‪ .‬الدّيون من حيث جواز التّأجيل وعدمه ‪:‬‬
‫‪ - 36‬أو ضح الفقهاء أ نّ الدّيون تكون حالّةً ‪ ،‬وأنّه يجوز تأجيل ها إذا ق بل الدّائن ‪ ،‬وا ستثنى‬
‫جمهور الفقهاء من هذا الصل عدّة ديون ‪ :‬أ ‪ ( -‬رأس مال السّلم ) ‪:‬‬
‫‪ - 37‬وذلك ل نّ حقيقته شراء آجل ‪ ،‬وهو المسلم فيه ( وهو ال سّلعة ) ‪ ،‬بعاجل ‪ ،‬وهو رأس‬
‫المال ( وهو الثّمن ) فرأس مال ال سّلم ل ب ّد من كونه حالّا ‪ ،‬عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ؛‬
‫ن من شرط صحّة هذا الع قد ق بض رأس المال ق بل انتهاء مجلس الع قد ولنّه لو تأخّر لكان‬
‫ل ّ‬
‫في معنى بيع الدّين بالدّين ‪ ( ،‬إن كان رأس المال في ال ّذمّة ) وهو منه يّ عنه ‪ ،‬لما روي أ نّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬نهى عن بيع الكالئ بالكالئ » أي النّسيئة بالنّسيئة ؛ ولنّ‬
‫في ال سّلم غررا ‪ ،‬فل يض مّ إليه غرر تأخير تسليم رأس المال ‪ ،‬فل بدّ من حلول رأس المال ‪،‬‬
‫كال صّرف ‪ ،‬فلو تفرّقا قبل قبض رأس المال بطل العقد ‪ .‬ويرى المالكيّة أ نّ من شروط صحّة‬
‫عقد ال سّلم قبض رأس المال كلّه في مجلس العقد ‪ ،‬ويجوز تأخير قبضه بعد العقد لمدّة ل تزيد‬
‫ن ما قارب الشّ يء يع طى حك مه ‪ ،‬وهذا إذا لم‬
‫على ثل ثة أيّام ‪ ،‬ولو بشرط ذلك في الع قد ؛ ل ّ‬
‫يكن أجل السّلم قريبا كيومين ‪ ،‬وذلك فيما شرط قبضه في بلد آخر ‪ ،‬وإلّ فل يجوز تأخير هذه‬
‫المدّة ؛ لنّه عيبن الكالئ بالكالئ ‪ ،‬فيجبب أن يقببض رأس المال بالمجلس أو مبا يقرب منبه ‪.‬‬
‫وفي فساد السّلم بالزّيادة على الثّلث ( بل شرط إن لم تكثر جدّا ‪ -‬بألّ يحلّ أجل المسلم فيه ‪-‬‬
‫) وعدم فساده قولن لمالك ‪.‬‬
‫ب ‪ ( -‬بدل الصّرف ) ‪:‬‬
‫‪ - 38‬من شروط صحّة ال صّرف تقابض الثّمنين في مجلس العقد ‪ ،‬أي قبل افتراق المتعاقدين‬
‫ن ال جل يم نع الق بض ‪ ،‬وإذا لم يتحقّق الق بض لم‬
‫بأبدانه ما ‪ ،‬فلو اشترط ال جل ف يه ف سد ؛ ل ّ‬
‫يتحقّق شرط صحّته ‪ ،‬وهذا ما صرّح به الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬لقوله صلى‬
‫ال عليه وسلم ‪ « :‬الذّهب بالذّهب ‪ ،‬والفضّة بالفضّة ‪ ،‬والبرّ بالبرّ ‪ ،‬والشّعير بالشّعير ‪ ،‬والتّمر‬
‫ل بمثل ‪ ،‬سوا ًء بسواء ‪ ،‬يدا بيد ‪ .‬فإذا اختلفت هذه الجناس فبيعوا‬
‫بالتّمر ‪ ،‬والملح بالملح ‪ ،‬مث ً‬
‫ك يف شئ تم إذا كان يدا ب يد » ‪ ،‬أي مقابض ًة ‪ .‬قال الرّافع يّ ‪ :‬و من لواز مه الحلول ‪ .‬وقال ا بن‬
‫ل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنّ المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا‬
‫المنذر ‪ :‬أجمع ك ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الذّهب بالورق ربا إلّ هاء وهاء » ‪،‬‬
‫أ نّ ال صّرف فاسد ‪ ،‬لقول النّب ّ‬
‫وقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬بيعوا الذّهب بالفضّة كيف شئتم يدا بيد » ‪.‬‬
‫ج ‪ ( -‬الثّمن بعد القالة ) ‪:‬‬
‫‪ - 39‬القالة جائزة في البيع بمثل الثّمن الوّل ‪ ،‬عليه إجماع المسلمين ‪ ،‬لقوله صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ « :‬من أقال نادما بيعته أقال اللّه عثرته يوم القيامة » ‪ .‬أخرجه أبو داود وابن ماجه عن‬
‫العمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي ال عنه ‪ ،‬قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫و سلم ‪ « :‬من أقال م سلما بيع ته أقال اللّه عثر ته » زاد ا بن ما جه ‪ « :‬يوم القيا مة » ‪ .‬ورواه‬
‫ابن حبّان في صحيحه والحاكم ‪ ،‬وقال على شرط الشّيخين ‪ ،‬وأمّا لفظ « نادما " فعند البيهقيّ ‪.‬‬
‫والقالة ع ند الجمهور عود المتعاقد ين إلى الحال الوّل ‪ ،‬بح يث يأ خذ البائع ال مبيع والمشتري‬
‫الثّمبن ‪ .‬فإن شرط غيبر جنبس الثّمبن ‪ ،‬أو أكثبر منبه ‪ ،‬أو أجله ‪ ،‬بأن كان الثّمبن حالّا فأجّله‬
‫ن التّأجيل يبطل ‪ ،‬وتصحّ القالة ‪ .‬وذهب المالكيّة إلى أ نّ القالة بيع‬
‫المشتري عند القالة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫فتجري عليها أحكامه من التّأجيل وغيره ‪.‬‬
‫د ‪ ( -‬بدل القرض ) ‪:‬‬
‫‪ - 40‬اختلف العلماء في جواز اشتراط تأج يل القرض ‪ :‬فيرى جمهور الفقهاء أنّه يجوز‬
‫للمقرض المطالبة ببدله في الحال ‪ ،‬وأنّه لو اشترط فيه التّأجيل لم يتأجّل ‪ ،‬وكان حالّا ‪ ،‬وبهذا‬
‫قال الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة والحارث العكل يّ والوزاع يّ وا بن المنذر ‪ .‬وذلك لنّه سبب‬
‫يوجب ر ّد المثل في المثليّات ‪ ،‬فأوجبه حالّا ‪ ،‬كالتلف ‪ ،‬ولو أقرضه بتفاريق ‪ ،‬ث مّ طالبه بها‬
‫جملةً فله ذلك ؛ ل نّ الجم يع حالّ ‪ ،‬فأشببه مبا لو با عه بيوعا حالّ ًة ‪ ،‬ثمّب طال به بثمنهبا جملةً ؛‬
‫ن الح قّ يثبت حالّا ‪ ،‬والتّأجيل تبرّع منه ووعد ‪ ،‬فل يلزم الوفاء به ‪ ،‬كما لو أعاره شيئا ‪،‬‬
‫ول ّ‬
‫وهذا ل ي قع عل يه ا سم الشّرط ‪ ،‬ولو سمّي شرطا ‪ ،‬فل يد خل في حد يث ‪ « :‬المؤمنون ع ند‬
‫شروطهم » ‪.‬‬
‫هب ‪ ( -‬ثمن المشفوع فيه ) ‪:‬‬
‫‪ - 41‬اختلف الفقهاء في كون ثمن المشفوع فيه هل يجب حالّا ‪ ،‬أو يجوز فيه التّأجيل ‪ ،‬فيرى‬
‫الحنفيّبة والشّافعيّبة أنّبه يجبب حالّا ولو كان الثّمبن مؤجّلً على المشتري ‪ ،‬ويرى المالكيّبة‬
‫والحنابلة أنّه إذا بيع العقار مؤجّلً أخذه الشّفيع إلى أجله ‪.‬‬

‫الدّيون المؤجّلة بحكم الشّرع‬


‫أ ‪ ( -‬الدّية ) ‪:‬‬
‫‪ - 42‬لمّا كانت الدّية قد تجب في القتل العمد ( إذا عفي عن القاتل ‪ ،‬وطلبها أولياء المقتول ‪،‬‬
‫ك ما هو رأي الشّافعيّة والحنابلة ‪ -‬أو ر ضي أولياء الدّم ور ضي القا تل بدفع ها ك ما هو رأي‬
‫الحنفيّة والمالكيّة ) ‪ ،‬و في ش به الع مد ‪ ،‬و في الخ طأ ‪ ،‬ولمّا كان الفقهاء قد اختلفوا في كيفيّة‬
‫ل نوع من أنواع القتل الّذي وجبت فيه ‪ ،‬كان ل بدّ من بيان آرائهم فيما يكون منها‬
‫أدائها في ك ّ‬
‫حالّا أو مؤجّلً ‪ .‬الدّية في القتل العمد ‪:‬‬
‫‪ - 43‬يرى جمهور الفقهاء ( المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة والحنابلة ) أنّها تجب في مال القاتل حالّةً‬
‫غير مؤجّلة ول منجّمة ‪ ،‬وذلك ل نّ ما وجب بالقتل العمد كان حالّا ‪ ،‬كالقصاص ‪ ،‬فإنّه يجب‬
‫حالّا ‪ ،‬ويرى الحنفيّة التّفر يق بين الدّية الّتي ت جب بال صّلح ‪ ،‬فيجعلونها حالّ ًة في مال القا تل ‪،‬‬
‫وبين الّتي تجب بسقوط القصاص بشبهة ‪ ،‬كما إذا قتل الب ابنه عمدا ‪ ،‬فإنّها تجب في مال‬
‫القاتل في ثلث سنين ‪ ،‬وذلك قياسا على القتل الخطأ ‪.‬‬
‫الدّية في القتل شبه العمد ‪:‬‬
‫‪ - 44‬ت جب الدّ ية في هذا النّوع من الق تل على العاقلة في ثلث سنين ‪ ،‬و هو رأي الحنفيّة‬
‫والشّافعيّة والحنابلة ‪ ( ،‬وهو المرو يّ عن عمر وعل يّ وابن عبّاس رضي ال عنهم ‪ ،‬وبه قال‬
‫ي وقتادة وع بد اللّه بن ع مر وإ سحاق وأ بو ثور وا بن المنذر ) ‪ .‬وا ستدلّوا ب ما‬
‫الشّ عبيّ والنّخع ّ‬
‫روي أ نّ عمر وعليّا قضيا بالدّية على العاقلة في ثلث سنين ‪ ،‬ول مخالف لهما في عصرهما‬
‫ي عنه ما كالمرو يّ عن النّبيّ صلى ال عل يه و سلم لنّه ممّا ل‬
‫ن المرو ّ‬
‫فكان إجماعا ‪ ،‬ول ّ‬
‫يعرف بالرّأي ‪.‬‬
‫الدّية في القتل الخطأ ‪:‬‬
‫‪ - 45‬يرى جمهور الفقهاء أ نّ الدّية في القتل الخطأ تكون مؤجّل ًة لمدّة ثلث سنوات ‪ ،‬يؤخذ‬
‫في كلّ سنة ثلث الدّ ية ‪ ،‬وي جب في آ خر كلّ سنة ‪ ،‬و هو رأي الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪ .‬وا ستدلّوا ب ما روي عن ع مر بن الخطّاب أنّه ق ضى بالدّ ية على العاقلة في ثلث‬
‫سنين ‪ ،‬وقد قال هذا أيضا عل يّ وعبد اللّه بن عبّاس ‪ ،‬وقد عزاه المام الشّافع يّ في المختصر‬
‫إلى قضاء رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وقد نقل الرّافع يّ والتّرمذ يّ في جامعه وابن المنذر‬
‫الجماع على ذلك ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المسلم فيه ‪:‬‬
‫‪ - 46‬لمّا كان ال سّلم هو شراء آ جل بعا جل ‪ ،‬وال جل هو الم سلم ف يه ‪ ،‬ف قد اشترط الحنفيّة‬
‫ي لصحّة ال سّلم أن يكون المسلم فيه مؤجّلً إلى أجل معلوم ‪ ،‬ول‬
‫والمالكيّة والحنابلة والوزاع ّ‬
‫ح ال سّلم الحالّ لقول النّبيّ عليه الصلة والسلم ‪ « :‬من أسلف في شيء فليسلف في كيل‬
‫يص ّ‬
‫معلوم ‪ ،‬أو وزن معلوم ‪ ،‬إلى أ جل معلوم » ‪ .‬فأ مر بال جل ‪ ،‬وأمره يقت ضي الوجوب ؛ ولنّه‬
‫أمبر بهذه المور تببيينا لشروط السبّلم ‪ ،‬ومنعا منبه بدونهبا ‪ ،‬وكذلك ل يصبحّ إذا انتفبى الكيبل‬
‫ل بالجل ‪،‬‬
‫والوزن ‪ ،‬فكذلك الجل ؛ ولنّ السّلم إنّما جاز رخصةً للرّفق ‪ ،‬ول يحصل الرّفق إ ّ‬
‫ن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه ‪.‬‬
‫فإذا انتفى الجل انتفى الرّفق ‪ ،‬فل يصحّ ‪ ،‬كالكتابة ؛ ول ّ‬
‫ويرى الشّافعيّة وأ بو ثور وا بن المنذر أنّه يجوز أن يكون ال سّلم في الحالّ ؛ لنّه ع قد ي صحّ‬
‫ل ‪ ،‬فحالّا أجوز ‪ ،‬ومن الغرر أبعد ‪.‬‬
‫مؤجّلً فصحّ حالّا ‪ ،‬كبيوع العيان ؛ ولنّه إذا جاز مؤجّ ً‬
‫ج ‪ ( -‬مال الكتابة ) ‪:‬‬
‫‪ - 47‬اختلف الفقهاء في وجوب تأجيل العوض المكاتب به إلى أجل معيّن ‪ :‬فيرى الحنفيّة ‪،‬‬
‫وابن رشد من المالكيّة ‪ ،‬وابن عبد ال سّلم والرّويان يّ من الشّافعيّة ‪ ،‬أنّه ل يشترط ذلك ‪ ،‬بل‬
‫ح بمال مؤجّل وبمال حالّ ‪ ،‬ويرى المالكيّة ‪ -‬على الرّاجح عندهم ‪ -‬والشّافعيّة والحنابلة ‪:‬‬
‫تص ّ‬
‫ل بمال مؤجّل منجّم تيسيرا على المكاتب في الجملة ‪.‬‬
‫أنّها ل تكون إ ّ‬
‫د ‪ -‬توقيت القرض ‪:‬‬
‫‪ - 48‬سبق بيان آراء الفقهاء في جواز تأجيل بدل القرض وعدمه ‪ .‬أمّا عقد القرض فهو عقد‬
‫ل مؤقّتا ‪ ،‬وذلك لنّه ع قد تبرّع ابتداءً ‪ ،‬ومعاو ضة انتهاءً ‪ ،‬أو دفع مال إرفاقا لمن‬
‫ل يصدر إ ّ‬
‫ينتفع به ويردّ بدله ‪ .‬والنتفاع به يكون بمض يّ فترة ينتفع فيها المقترض بمال القرض ‪ ،‬وذلك‬
‫باستهلك عينه ؛ لنّه لو كان النتفاع به مع بقاء عينه كان إعارةً ل قرضا ‪ ،‬ث ّم يردّ مثله إذا‬
‫كان مثليّا وقيم ته إذا كان قيميّا ‪ ،‬وقد اختلف الفقهاء في المدّة الّتي يلزم فيها هذا الع قد ‪ :‬فيرى‬
‫المالكيّة أنّه عقد لزم في ح قّ الطّرفين طوال المدّة المشترطة في العقد ‪ ،‬فإن لم يكن اشتراط‬
‫فللمدّة الّتي اعتيد اقتراض مثله لها ‪ ،‬ويرى الحنابلة أ نّ عقد القرض عقد لزم بالقبض في حقّ‬
‫المقرض ‪ ،‬جائز فبي حقّب المقترض ‪ ،‬ويثببت العوض عبن القرض فبي ذمّة المقترض حالّا ‪،‬‬
‫وإن أجّله ؛ لنّه عقد منع فيه من التّفاضل ‪ ،‬فمنع الجل فيه ‪ ،‬كال صّرف ‪ ،‬إذ الحالّ ل يتأجّل‬
‫ل ‪ ،‬وينبغبي أن يفبي‬
‫بالتّأجيبل ‪ ،‬وهبو عدة تببرّع ل يلزم الوفاء ببه ‪ .‬قال أحمبد ‪ :‬القرض حا ّ‬
‫بوعده ‪ ،‬ويحرم اللزام بتأج يل القرض ؛ لنّه إلزام ب ما ل يلزم ‪ .‬ويرى الحنفيّة والشّافعيّة أ نّ‬
‫القرض عقد إرفاق جائز في حقّ الطّرفين ‪ ،‬وذلك لنّ الملك في القرض غير تامّ ؛ لنّه يجوز‬
‫لكلّ واحد منهما أن ينفرد بالفسخ ‪.‬‬
‫القسم الثّاني أجل التّوقيت‬
‫‪ - 49‬يق صد بأ جل التّوق يت ‪ :‬الزّ من الّذي يترتّب على انقضائه زوال التّ صرّف ‪ ،‬أو انتهاء‬
‫الحقب الّذي اكتسبب خلل هذه المدّة المتّفبق عليهبا ‪ ،‬والعقود والتّصبرّفات مبن حيبث قبولهبا‬
‫ّ‬
‫للتّوقيت تنقسم إلى ‪ :‬أ ‪ ( -‬عقود ل تصلح إلّ ممتدّ ًة لجل ) ( مؤقّتة ) ‪.‬‬
‫ح إلّ بأجل معلوم ‪ ،‬ومنها‬
‫ن هذه العقود منها ما ل يص ّ‬
‫ح حالّةً ومؤقّت ًة ‪ .‬كما أ ّ‬
‫ب ‪ -‬عقود تص ّ‬
‫ح بأجل معلوم أو مجهول ‪ ،‬وفيما يلي بيان ذلك ‪.‬‬
‫ح إلّ بأجل مجهول ‪ ،‬ومنها ما يص ّ‬
‫ما ل يص ّ‬
‫ل ممتدّ ًة لجل ( مؤقّتة ) ‪.‬‬
‫المبحث الوّل عقود ل تصحّ إ ّ‬
‫وهذا القسم يشمل عقود ‪ :‬الجارة ‪ ،‬والكتابة والقراض ‪:‬‬
‫أ ‪ ( -‬عقد الجارة ) ‪:‬‬
‫ن الجارة مؤقّتة إمّا بمدّة ‪ ،‬وإمّا بعمل معيّن ‪ ،‬والعمل يت مّ في زمن عادةً ‪ ،‬وبانتهاء‬
‫‪ - 50‬إ ّ‬
‫العمل ينتهي عقد الجارة ‪ ،‬فهو عقد مؤقّت ‪ .‬ومثل عقد الجارة ‪ :‬المساقاة والمزارعة ‪.‬‬
‫عقد المساقاة ‪:‬‬
‫ن المساقاة تكون مؤقّتةً ‪ ،‬فإن لم يبيّنا مدّةً وقع على‬
‫‪ - 51‬يرى الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة أ ّ‬
‫أوّل ثمبر يخرج ‪ ،‬ويرى الحنابلة أنّهبا يصبحّ توقيتهبا ؛ لنّه ل ضرر فبي تقديبر مدّتهبا ‪ ،‬ول‬
‫يشترط توقيتها ‪.‬‬
‫( تأقيت المزارعة ) ‪:‬‬
‫‪ - 52‬المزارعة ل يجيزها المام أبو حنيفة ‪ ،‬ويجيزها الصّاحبان أبو يوسف ومحمّد وبقولهما‬
‫يفتى في المذهب ‪ .‬كما ل يجيزها الشّافعيّة إلّ إذا كان بين النّخل أو العنب بياض ( أي أرض‬
‫ل زرع فيها ) صحّت المزارعة عليه مع المساقاة على النّخل أو العنب تبعا للمساقاة ‪ ،‬ويرى‬
‫المالكيّة ومحمّد بن الح سن والحنابلة أ نّ ع قد المزار عة يجوز بل بيان مدّة ‪ ،‬وت قع على أوّل‬
‫زرع يخرج ‪ ،‬ويرى جمهور الحنفيّة أ نّ من شروط صحّة عقد المزارعة ذكر مدّة متعارفة ‪،‬‬
‫فتفسد بما ل يتمكّن فيها من المزارعة ‪ ،‬وبما ل يعيش إليها أحدهما غالبا ‪.‬‬
‫ب ‪ ( -‬عقد الكتابة ) ‪:‬‬
‫سيّد ومملو كه على مال يو جب تحر ير يد المملوك ( أي ت صرّفه ) في‬
‫‪ - 53‬هو ع قد بين ال ّ‬
‫الحال ورقب ته في المآل و هو من محا سن ال سلم ‪ ،‬إذ ف يه ف تح باب الحرّيّة للرقّاء ‪ ،‬وع قد‬
‫الكتابة يوجب تأجيل العوض المكاتب به إلى أجل معيّن عند جمهور الفقهاء ‪ ،‬فإذا أدّاه المكاتب‬
‫ع تق ‪ ،‬فيكون هذا الع قد مؤقّتا بتأق يت العوض ف يه ‪ .‬فإذا وفّى ب ما التز مه انت هى ع قد الكتا بة ‪،‬‬
‫وعتق ‪ ،‬وإن لم يوفّ أو عجز نفسه ‪ ،‬انتهى عقد الكتابة وعاد رقيقا ‪ ،‬على تفصيل في ذلك ‪.‬‬

‫المبحث الثّاني‬
‫عقود تصحّ مطلقةً ومقيّد ًة تأقيت عقد العاريّة لجل ‪:‬‬
‫‪ - 54‬لمّا كانت حقيقة العاريّة أنّها إباحة نفع عين يحلّ النتفاع بها مع بقاء العين ‪ ،‬ليردّها‬
‫على مالكها ‪ ،‬لذلك لم يختلف الفقهاء في أ نّ هذه الباحة موقوتة ‪ ،‬غير أ نّ هذا الوقت قد يكون‬
‫محدّدا ‪ ،‬وتسبمّى عاري ّة مقيّدة ‪ -‬وقبد ل يكون ‪ ،‬وتسبمّى العاري ّة المطلقبة ‪ ،‬ويرى جمهور‬
‫الفقهاء أ نّ العاريّة عقد غير لزم فلكلّ واحد من المتعاقدين الرّجوع متى شاء ‪ ،‬خلفا للمالكيّة‬
‫في المقيّدة ‪ ،‬وفي المطلقة إلى مدّة ينتفع فيها بمثلها عادةً ‪.‬‬
‫تأقيت الوكالة لجل ‪:‬‬
‫‪ - 55‬يجوز تأقيت الوكالة بأجل عند جميع الفقهاء ‪ ،‬كقوله " وكّلتك شهرا ‪ ،‬فإذا مضى الشّهر‬
‫ح بل خلف "‬
‫امت نع الوك يل عن التّ صرّف " " ولو قال وكّل تك في شراء كذا في و قت كذا ص ّ‬
‫ن الوكيل ل يملك من التّصرّف إلّ ما يقتضيه إذن الموكّل ‪ ،‬وعلى الوجه الّذي أراده ‪ ،‬وفي‬
‫لّ‬
‫الزّمن والمكان الّذي حدّده ‪ .‬والصل في الوكالة أنّها عقد جائز من الطّرفين ‪ ،‬لكلّ واحد منهما‬
‫ل إذا تعلّق بها ح قّ للغير ؛ لنّه إذن في التّصرّف ‪ ،‬فكان لكلّ واحد منها‬
‫فسخها متى شاء ‪ ،‬إ ّ‬
‫إبطاله ‪ ،‬كالذن في أ كل طعا مه ‪ .‬وهذا ما صرّح به جمهور الفقهاء في الجملة ‪ .‬وللمالكيّة‬
‫تفصيل في هذا تبعا للعوض وعدمه ‪ ،‬يرجع فيه وفي التّفصيلت الخرى إلى الوكالة ‪.‬‬
‫توقيت المضاربة ( القراض ) ‪:‬‬
‫‪ - 56‬اختلف الفقهاء في جواز تأق يت المضار بة ‪ :‬فيرى الحنفيّة والحنابلة أنّه يجوز توق يت‬
‫المضاربة ‪ ،‬مثل أن يقول ‪ :‬ضاربتك على هذه الدّراهم سن ًة ‪ ،‬فإذا انقضت فل تبع ول تشتر ‪.‬‬
‫ن التّوقيت مقيّد ‪ ،‬وهو وكيل ‪ ،‬فيتقيّد بما وقّته ‪ ،‬كالتّقييد‬
‫فإذا وقّت لها وقتا انتهت بمضيّه ؛ ل ّ‬
‫بالنّوع والمكان ‪ .‬ولنّه تصرّف يتوقّت بنوع من المتاع ‪ ،‬فجاز توقيته في الزّمان ‪ ،‬كالوكالة ؛‬
‫ن لر بّ المال منعه من البيع والشّراء في كلّ وقت إذا رضي أن يأخذ بماله عرضا ‪ ،‬فإذا‬
‫ول ّ‬
‫شرط ذلك ف قد شرط ما هو من مقت ضى الع قد ‪ ،‬ف صحّ ‪ ،‬ك ما لو قال ‪ :‬إذا انق ضت ال سّنة فل‬
‫تشتر شيئا ‪ .‬ويرى المالكيّة ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬أنّه ل يجوز توقيت المضاربة ‪.‬‬
‫تأقيت الكفالة بأجل ‪:‬‬
‫‪ - 57‬اختلف الفقهاء في جواز تأق يت الكفالة ‪ ،‬ك ما لو قال ‪ « :‬أ نا كف يل بز يد إلى ش هر وبعده‬
‫أنا بريء » ‪ .‬فيرى الحنفيّة والشّافعيّة ( على ال صّحيح عندهم ) والحنابلة أنّه يجوز توقيتها ‪،‬‬
‫وكذلك المالكيّة بشروط تفصبيلها فبي باب الضّمان مبن كتبهبم ؛ لنّه قبد يكون له غرض فبي‬
‫التّقيّد بهذه المدّة ‪ ،‬وقد أورد الحنفيّة بعض صور التّوقيت ‪ .‬واختلف المذهب في صحّة التّوقيت‬
‫ح عندهبم ) أنّه ل يجوز توقيبت‬
‫فيهبا يرجبع إليهبا فبي الكفالة ‪ .‬ويرى الشّافعيّة ( على الصب ّ‬
‫الكفالة ‪.‬‬
‫( تأقيت الوقف بأجل ) ‪:‬‬
‫‪ - 58‬إذا صدر الوقف مؤقّتا ‪ ،‬وذلك بأن علّق فسخه على مجيء زمن معيّن ‪ ،‬كما لو قال ‪« :‬‬
‫ج » ‪ .‬فقد اختلف الفقهاء في حكمه ‪ ،‬فيرى الحنفيّة‬
‫داري وقف إلى سنة ‪ ،‬أو إلى أن يقدم الحا ّ‬
‫والشّافعيّة والحنابلة أنّه ل يصبحّ ؛ لنّب الوقبف مقتضاه التّأبيبد ‪ .‬ويرى المالكيّة ‪ ،‬وهبو قول‬
‫للحنابلة ‪ ،‬أنّه ل يشترط في صحّة الوقف التّأبيد ‪ ،‬فيصحّ مدّ ًة معيّنةً ‪ ،‬ثمّ يرجع ملكا كما كان ‪.‬‬
‫تأقيت البيع ‪:‬‬
‫‪ - 59‬لمّا كان البيع هو مبادلة المال بالمال بالتّراضي ‪ ،‬وكان حكمه هو ثبوت الملك للمشتري‬
‫ل ولمّا كان هذا الملك يثبت له على التّأب يد ‪ ،‬فإنّه ل يحتمل‬
‫في المبيع ‪ ،‬وللبائع في الثّ من للحا ّ‬
‫التّأقيت جاء في الشباه والنّظائر للسّيوطيّ ‪ « :‬أنّ ممّا ل يقبل التّأقيت بحال ‪ ،‬ومتى أقّت بطل‬
‫ح مؤقّتةً » ‪.‬‬
‫‪ ،‬البيع بأنواعه » ‪ ...‬وذلك كما قال الكاسانيّ ‪ « :‬لنّ عقود تمليك العيان ل تص ّ‬
‫ل شرط يؤدّي إلى تأقيبت البيبع ‪ ،‬أي إلى عودة المببيع إلى بائعبه الوّل ‪،‬‬
‫وقبد أبطبل الفقهاء ك ّ‬
‫سواء كان هذا التّأق يت ناتجا عن ال صّيغة ‪ ،‬كبع تك هذا سنةً ‪ ،‬أو عن شرط يؤدّي إلى توق يت‬
‫البيع ‪ ،‬كبعتك هذا بشرط أن تردّه لي بعد مدّة كذا ‪.‬‬

‫بيوع الجال عند المالكيّة‬


‫‪ - 60‬وهي بيوع دخل فيها الجل ‪ ،‬واتّحدت فيها السّلعة ‪ ،‬واتّحد فيها المتعاقدان ‪ ،‬وقد أبرزها‬
‫أنب هذه البيوع ظاهرهبا الجواز ‪ ،‬لكنّهبا قبد تؤدّي إلى ممنوع ‪ ،‬وذلك‬
‫فقهاء المالكيّة ‪ ،‬وبيّنوا ّ‬
‫لنّ ها قد تؤدّي إلى ب يع و سلف ‪ ،‬أو سلف جرّ منفعةً ‪ ،‬وكله ما ممنوع ‪ ،‬ك ما وضعوا ضابطا‬
‫لما يمنع من هذه البيوع ‪ .‬فقالوا ‪ :‬يمنع من هذه البيوع ما اشتمل على بيع وسلف ‪ ،‬وما اشتمل‬
‫على سلف جرّ منفع ًة ‪ ،‬أو يمنع منها ما كثر قصد النّاس إليه للتّوصّل إلى الرّبا الممنوع ‪ ،‬كبيع‬
‫و سلف ‪ ،‬و سلف بمنف عة ‪ ،‬ول يم نع ما قلّ ق صده ‪ ،‬كضمان بج عل ‪ ،‬أي كبيع جائز أدّى إلى‬
‫ضمان بجعل ‪.‬‬
‫( صور بيوع الجال ) ‪:‬‬
‫‪ - 61‬وصورها كما ذكرها المالكيّة متعدّدة ‪ ،‬وتشمل ال صّور التّالية ‪ :‬إذا باع شيئا لجل ‪ ،‬ث مّ‬
‫اشتراه بجنس ثمنه فهذا إمّا أن يكون ‪:‬‬
‫‪ - 1‬نقدا ‪.‬‬
‫‪ - 2‬أو لجل أقلّ ‪.‬‬
‫‪ - 3‬أو لجل أكثر ‪.‬‬
‫‪ - 4‬أو لجل مساو للجل الوّل ‪.‬‬
‫ل ذلك إمّا أن يكون ‪:‬‬
‫وك ّ‬
‫‪ - 1‬بمثل الثّمن الوّل ‪.‬‬
‫ل من الثّمن الوّل ‪.‬‬
‫‪ - 2‬أو أق ّ‬
‫‪ - 3‬أو أكثر من الثّمن الوّل ‪ .‬فتكون هذه الصّور اثنتي عشرة صورةً ‪ ،‬يمنع من هذه الصّور‬
‫ثلث فقط وهي ما تعجّل فيه القلّ ‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫‪ - 1‬ما إذا باع سلع ًة لجل ‪ ،‬ثمّ اشتراها بأقلّ نقدا ( بيع العينة ) ‪.‬‬
‫‪ - 2‬وما إذا باع سلع ًة لجل ثمّ اشتراها لجل دون الجل الوّل ‪.‬‬
‫‪ - 3‬وما إذا باع سلع ًة لجل ث مّ اشتراها لجل أبعد من الجل الوّل ‪ ،‬وعلّة المنع في هذه‬
‫ل أنّه في ال صّورتين الولي ين من‬
‫ال صّور هي د فع قل يل في كث ير ‪ ،‬و هو سلف بمنف عة ‪ ،‬إ ّ‬
‫البائع ‪ ،‬وفبي الخيرة مبن المشتري ‪ ،‬وأمّا الصبّور التّسبع الباقيبة فجائزة ‪ .‬والضّاببط أنّه إذا‬
‫تسباوى الجلن أو الثّمنان فالجواز ‪ ،‬وإن اختلف الجلن والثّمنان فينظبر إلى اليبد السبّابقة‬
‫بالعطاء ‪ ،‬فإن دفعت قليلً عاد إليها كثيرا فالمنع ‪ ،‬وإلّ فالجواز ‪:‬‬
‫‪ - 62‬فمن صور « بيوع الجال » بيع العينة ‪ .‬وبيع العينة قال الرّافع يّ ‪ :‬هو أن يبيع شيئا‬
‫من غيره بثمن مؤجّل ‪ ،‬ويسلّمه إلى المشتري ‪ ،‬ث ّم يشتريه قبل قبض الثّمن بثمن نقد أقلّ من‬
‫ذلك القدر وقال اببن رسبلن فبي شرح السبّنن ‪ :‬وسبمّيت هذه المبايعبة عين ًة لحصبول النّقبد‬
‫لصاحب العينة ؛ ل نّ العين هو المال الحاضر ‪ ،‬والمشتري إنّما يشتريها ليبيعها بعين حاضرة‬
‫تصل إليه من فوره ‪ ،‬ليصل به إلى مقصوده ‪ ،‬وقد روي عدم جواز بيع العينة عن ابن عبّاس‬
‫وعائ شة وا بن سيرين والشّ عبيّ والنّخع يّ ‪ ،‬و به قال الثّور يّ والوزاع يّ وأ بو حني فة ومالك‬
‫وإ سحاق وأح مد ‪ .‬و قد ا ستدلّوا بأحاد يث ‪ ،‬من ها ‪ :‬ما روي عن ا بن ع مر أ نّ النّبيّ صلى ال‬
‫ن النّاس بالدّينار والدّر هم وتبايعوا بالعي نة ‪ ،‬واتّبعوا أذناب الب قر ‪،‬‬
‫عل يه و سلم قال ‪ « :‬إذا ض ّ‬
‫وتركوا الجهاد في سبيل اللّه ‪ ،‬أنزل اللّه ب هم بل ًء ‪ ،‬فل يرف عه حتّى يراجعوا دين هم » ‪ .‬رواه‬
‫أح مد وأ بو داود ‪ ،‬ولف ظه ‪ « :‬إذا تبايع تم بالعي نة ‪ ،‬وأخذ تم أذناب الب قر ‪ ،‬ورضي تم بالزّرع ‪،‬‬
‫وترك تم الجهاد ‪ ،‬سلّط اللّه علي كم ذلّا ل ينز عه حتّى ترجعوا إلى دين كم » ‪ .‬وا ستدلّ ا بن القيّم‬
‫على عدم جواز بيع العينة بما روي عن الوزاعيّ عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪« :‬‬
‫ل فإنّه‬
‫يأتبي على النّاس زمان يسبتحلّون الرّببا بالبيبع » ‪ .‬قال ‪ :‬وهذا الحديبث وإن كان مرسب ً‬
‫صبالح للعتضاد ببه بالتّفاق ‪ ،‬وله مبن المسبندات مبا يشهبد له ‪ ،‬وهبي الحاديبث الدّالّة على‬
‫ن العينة عند من يستعملها إنّما يسمّيها بيعا ‪ ،‬وقد اتّفقا على‬
‫تحريم العينة ‪ ،‬فإنّه من المعلوم أ ّ‬
‫حقي قة الرّ با ال صّريح ق بل الع قد ‪ ،‬ث مّ غيّر ا سمها إلى المعاملة ‪ ،‬و صورتها إلى التّبا يع الّذي ل‬
‫قصبد لهمبا فيبه ألبتّة ‪ ،‬وإنّمبا هبو حيلة ومكبر وخديعبة للّه تعالى ‪ .‬وأجاز الشّافعيّة هذا البيبع‬
‫م ستدلّين على الجواز ب ما و قع من ألفاظ الب يع ‪ ،‬ولنّه ث من يجوز بيع ها به من غ ير بائع ها ‪،‬‬
‫فجاز من بائعها ‪ ،‬كما لو باعها بثمن المثل ‪ ،‬ولم يأخذوا بالحاديث المتقدّمة ‪.‬‬
‫تأقيت الهبة ‪:‬‬
‫‪ - 63‬اتّ فق الفقهاء على أ نّ اله بة ل يجوز توقيت ها لنّ ها ع قد تمل يك لع ين في الحال ‪ ،‬وتمل يك‬
‫العيان ل يصبحّ مؤقّتا ‪ ،‬كالبيبع ‪ .‬فلو قال ‪ :‬وهبتبك هذا سبنةً ثمّب يعود إليّب ‪ ،‬لم يصبحّ ‪ .‬وقبد‬
‫استثنى بعض الفقهاء من ذلك العمرى والرّقبى على خلف وتفصيل موطنه في مصطلحيهما ‪.‬‬
‫( تأقيت النّكاح )‬
‫تأقيت النّكاح له صور نبيّنها ونبيّن آراء الفقهاء في كلّ صورة منها ‪:‬‬
‫أ ‪ ( -‬نكاح المتعة ) ‪:‬‬
‫‪ - 64‬وهو أن يقول لمرأة خالية من الموانع ‪ :‬أتمتّع بك مدّة كذا وقد ذهب إلى حرمته الحنفيّة‬
‫والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وكثير من السّلف ‪ .‬وتفصيله في نكاح المتعة‬
‫ب ‪ ( -‬النّكاح المؤقّت أو النّكاح لجل ) ‪:‬‬
‫‪ - 65‬وهو أن يتزوّج امرأة بشهادة شاهدين إلى عشرة أيّام مثلً ‪ .‬وهذا النّكاح أيضا باطل عند‬
‫الحنفيّة ( عدا ز فر فإنّه قال ب صحّة الع قد وبطلن الشّرط ) والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة لنّه‬
‫في معنى المتعة ‪ .‬وتفصيل أحكامه في موضع آخر ( ر ‪ :‬نكاح ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬النّكاح المؤقّت بمدّة عمره أو عمرها ‪ ،‬أو إلى مدّة ل يعيشان إليها ‪:‬‬
‫‪ - 66‬اختلف الفقهاء فبي حكبم النّكاح المؤقّت إلى مدّة عمبر الزّوج أو الزّوجبة أو إلى مدّة ل‬
‫يعيشان أو أحدهمبا إليهبا ‪ :‬فيرى الحنفيّة غيبر الحسبن ببن زياد والمالكيّة غيبر أببي الحسبن‬
‫والشّافعيّة غ ير البلقين يّ والحنابلة أنّه با طل ‪ ،‬لنّه في مع نى نكاح المت عة ‪ ،‬ويرى الح سن بن‬
‫زياد أنّهما إذا ذكرا من الوقت ما يعلم أنّهما ل يعيشان إليه ‪ ،‬كمائة سنة أو أكثر ‪ ،‬كان النّكاح‬
‫صحيحا ؛ لنّه في معنى التّأبيد ‪ ،‬وهو رواية عن أبي حنيفة ‪ .‬ويرى البلقين يّ أنّه يستثنى من‬
‫بطلن النّكاح ما إذا نكحها مدّة عمره ‪ ،‬أو مدّة عمرها ‪ ،‬قال ‪ :‬فإنّ النّكاح المطلق ل يزيد على‬
‫ذلك ‪ ،‬والتّصريح بمقتضى الطلق ل يضرّ ‪ ،‬فينبغي أن يصحّ النّكاح في هاتين ال صّورتين ‪،‬‬
‫المب مبا يشهبد له ‪ ،‬وتبعبه على ذلك بعبض المتأخّريبن ‪ .‬وجاء فبي حاشيبة‬
‫نصب ّ‬‫ّ‬ ‫قال ‪ :‬وفبي‬
‫الدّسوقيّ أ نّ « ظاهر كلم أبي الحسن أ نّ الجل البعيد الّذي ل يبلغه عمرهما ل يضرّ بخلف‬
‫ما يبلغه عمر أحدهما فيضرّ » ‪.‬‬
‫د ‪ ( -‬إضمار الزّوج تأقيت النّكاح ) ‪:‬‬
‫‪ - 67‬صرّح الحنفيّة والشّافعيّة بأنّه لو تزوّج وفي نيّته أن يطلّقها بعد مدّة نواها صحّ زواجه ‪،‬‬
‫ل كن الشّافعيّة قالوا بكرا هة النّكاح ‪ ،‬إذ كلّ ما صرّح به أب طل يكون إضماره مكروها عند هم‬
‫ن الجل إذا لم يقع في العقد ‪ ،‬ولم يعلمها الزّوج بذلك ‪ ،‬وإنّما قصده في نفسه‬
‫كما قال المالكيّة إ ّ‬
‫‪ ،‬وفه مت المرأة أو وليّ ها المفار قة ب عد مدّة ‪ ،‬فإنّه ل يض ّر وهذا هو الرّا جح ‪ ،‬وإن كان بهرام‬
‫صدّر في « شرحه » وفي « شامله » بالفساد إذا فهمت منه ذلك المر الّذي قصده في نفسه‬
‫فإن لم يصرّح للمرأة ول لوليّها بذلك ولم تفهم المرأة ما قصده في نفسه فليس نكاح متعة ‪ .‬أمّا‬
‫الحنابلة ف قد صرّحوا بأنّه لو تزوّج الغر يب بنيّة طلق ها إذا خرج ‪ ،‬فإ نّ النّكاح يب طل ؛ لنّه‬
‫ن في نيّته‬
‫نكاح متعة ‪ ،‬وهو باطل ‪ .‬ولكن جاء في المغني ‪ « :‬وإن تزوّجها بغير شرط إلّ أ ّ‬
‫طلق ها ب عد ش هر ‪ ،‬أو إذا انق ضت حاج ته في هذا البلد ‪ ،‬فالنّكاح صحيح في قول عامّة أ هل‬
‫العلم إلّ الوزاع يّ ‪ ،‬قال ‪ :‬هو نكاح متعة ‪ .‬والصّحيح أنّه ل بأس به ‪ ،‬ول تضرّ نيّته ‪ ،‬وليس‬
‫على الرّجل أن ينوي حبس امرأته ‪ ،‬وحسبه إن وافقته وإلّ طلّقها ‪.‬‬
‫هب ‪ ( -‬احتواء النّكاح على وقت يقع فيه الطّلق ) ‪:‬‬
‫ح النّكاح ‪ ،‬وسواء كان معلوما‬
‫‪ - 68‬إذا تزوّج امرأ ًة بشرط أن يطلّقها في وقت معيّن ‪ ،‬لم يص ّ‬
‫أو مجهولً ‪ ،‬م ثل أن يشترط عل يه طلق ها إن قدم أبو ها أو أخو ها ‪ ،‬وقال أ بو حني فة ‪ :‬ي صحّ‬
‫ن النّكاح و قع‬
‫النّكاح ‪ ،‬ويب طل الشّرط ‪ ،‬و هو أظ هر قولي الشّافع يّ ‪ ،‬قاله في عامّة كت به ؛ ل ّ‬
‫مطلقا ‪ ،‬وإنّ ما شرط على نف سه شرطا ‪ ،‬وذلك ل يؤثّر ف يه ‪ ،‬ك ما لو شرط ألّ يتزوّج علي ها أو‬
‫بأنب هذا الشّرط مانبع مبن بقاء النّكاح فأشببه نكاح‬
‫ل يسبافر بهبا ‪ .‬واسبتدلّ القائلون بالبطلن ّ‬
‫المتعة ‪ ،‬ويفارق ما قاسوا عليها فإنّه لم يشترط قطع النّكاح ‪.‬‬
‫تأقيت الرّهن بأجل ‪:‬‬
‫‪ - 69‬ذهب الفقهاء إلى أنّه ل يجوز تأقيت الرّهن بأجل ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬رهنتك هذا الشّيء شهرا‬
‫‪ ،‬في الدّين الّذي لك عليّ ‪.‬‬
‫تقسيم الجل باعتبار ضبطه وتحديده ‪:‬‬
‫‪ - 70‬ينقسم الجل من حيث ضبطه وتحديده إلى أجل معلوم وأجل مجهول ‪ .‬ومعلوميّة الجل‬
‫ن من‬
‫وجهالته لها أثر على صحّة العقد ‪ ،‬وعدم صحّته ‪ ،‬لما تورثه الجهالة من الغرر ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫الجهالة ما كان متقاربا ‪ ،‬ومنها ما كان متفاوتا ‪ ،‬وفيما يلي آراء المذاهب في ذلك ‪.‬‬

‫( المبحث الوّل الجل المعلوم )‬


‫‪ - 71‬اتّ فق الفقهاء على صحّة ال جل ( في ما يق بل التّأج يل ) إذا كان ال جل معلوما فأمّا كيفيّة‬
‫العلم ببه فإنّه يحتاج فيهبا إلى أن يعلم بزمان بعينبه ل يختلف مبن شخبص إلى شخبص ومبن‬
‫جماعبة إلى جماعبة ‪ ،‬وذلك إنّمبا يكون إذا كان محدّدا باليوم والشّهبر والسبّنة ‪ .‬والدّليبل على‬
‫اشتراط معلوميّة ال جل ‪ :‬قوله تعالى { يا أيّ ها الّذ ين آمنوا إذا تداين تم بد ين إلى أ جل م سمّى‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال في موضع شرط الجل ‪ « :‬من أسلف في‬
‫فاكتبوه } ‪ .‬ول ّ‬
‫ش يء فلي سلف في ك يل معلوم ووزن معلوم إلى أ جل معلوم » و قد انع قد الجماع على صحّة‬
‫التّأج يل إلى أ جل معلوم ‪ .‬ول نّ جهالة ال جل تف ضي إلى المناز عة في التّ سلّم والتّ سليم ‪ ،‬فهذا‬
‫يطال به في قريب المدّة ‪ ،‬وذاك في بعيد ها ‪ ،‬وكلّ ما يف ضي إلى المناز عة ي جب إغلق با به ‪.‬‬
‫ولنّه ‪ .‬سيؤدّي إلى عدم الوفاء بالعقود ‪ ،‬وقد أمرنا بالوفاء بها ‪ - 72 .‬وقد اختلف الفقهاء في‬
‫ن ال جل المعلوم هو ما يعر فه‬
‫حقي قة العلم بال جل ‪ ،‬أو معلوميّة ال جل ‪ :‬ف صرّح بعض هم بأ ّ‬
‫ن اليّام‬
‫النّاس ‪ ،‬كشهور العرب ‪ .‬وبعض هم جعله " ما يكون معلوما للمتعاقد ين ولو حكما ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن التّأجيل بالفعل الّذي يفعل في اليّام المعتادة كالتّأجيل‬
‫المعلومة للمتعاقدين كالمنصوصة ‪ ،‬وأ ّ‬
‫باليّام » ‪ .‬وإزاء هذ ين التّجاه ين ل بدّ من بيان آراء الفقهاء في التّأج يل إلى أزم نة معلو مة‬
‫حقيق ًة أو حكما ‪ ،‬أو إلى فصول أو مناسبات ‪ ،‬أو إلى فعل يقع في أزمنة معتادة ‪.‬‬
‫التّأجيل إلى أزمنة منصوصة‬
‫‪ - 73‬اتّفبق الفقهاء على صبحّة التّأجيبل إلى أزمنبة منصبوصة ‪ ،‬كمبا لو قال " خبذ هذا الدّينار‬
‫سلما في إرد بّ قمح إلى أوّل شهر رجب من هذا العام ‪ ،‬أو آخذه منك بعد عشرين يوما » ‪.‬‬
‫والصبل فبي التّأجيبل إلى الشّهور والسبّنين عنبد الطلق أن تكون هللّيةً ‪ ،‬فإذا ضرب أجلً‬
‫مدّته شهر أو شهران ‪ ،‬أو سنة أو سنتان ‪ ،‬مثلً ‪ ،‬انصرف عند الطلق إلى الشهر وال سّنين‬
‫الهلليّة ‪ ،‬وذلك لنّه عرف الشّرع ‪ ،‬قال تعالى ‪ { :‬يسألونك عن الهلّة قل هي مواقيت للنّاس‬
‫إنب عدّة الشّهور عنبد اللّه اثنبا عشبر شهرا فبي كتاب اللّه يوم خلق‬
‫والحجب } وقال تعالى ‪ّ { :‬‬
‫ّ‬
‫السّموات والرض منها أربعة حرم } وقد صرّح بهذا الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬

‫التّأجيل بغير الشّهور العربيّة‬


‫‪ - 74‬إذا ج عل ال جل مقدّرا بغ ير الشّهور الهلليّة فذلك ق سمان ‪ :‬الق سم الوّل ‪ :‬ما يعر فه‬
‫المسلمون ‪ ،‬وهو بينهم مشهور ‪ ،‬ككانون وشباط ‪ .‬فقد جاز ذلك عند جمهور الفقهاء ( الحنفيّة‬
‫والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ) لنّه أجل معلوم ل يختلف ‪ ،‬فصار كالتّأجيل بالشّهور الهلليّة ‪.‬‬
‫القسم الثّاني ‪ :‬ما قد ل يعرفه المسلمون كالتّأجيل إلى النّيروز والمهرجان ونحوهما فقد ذهب‬
‫جمهور الفقهاء إلى جواز التّأجيل إليه ‪.‬‬
‫التّأجيل بالشهر بإطلق ‪:‬‬
‫ص على أنّ ها هلليّة أو روميّة أو فار سيّة ‪ ،‬فإ نّ‬
‫‪ - 75‬إذا ج عل التّأج يل بالش هر ‪ ،‬دون النّ ّ‬
‫الفقهاء ( الحنفي ّة والمالكي ّة والشّافعي ّة والحنابلة ) قبد اتّفقوا على أنّه عنبد التّأجيبل بالشهبر‬
‫بإطلق تنصرف إلى الهلليّة ‪ ،‬وذلك ل نّ الشّهور في عرف الشّرع شهور الهلّة ‪ ،‬بدليل قوله‬
‫تعالى ‪ { :‬إ نّ عدّة الشّهور عند اللّه اثنا عشر شهرا في كتاب اللّه يوم خلق ال سّموات والرض‬
‫منها أربعة حرم } وأراد الهلليّة ‪ ،‬فعند الطلق يحمل العقد عليها ‪ ،‬واحتساب هذه المدّة إذا‬
‫وقع العقد في أوّل الشّهر من أوّله ‪ .‬أمّا إذا لم يقع في أوّله ‪ ،‬فإمّا أن يكون لشهر أو أكثر ‪ ،‬أو‬
‫سنة ‪ .‬فإن كان لشهر ‪ ،‬فإن وقع العقد في غرّة الشّهر ‪ ،‬يقع على الهلّة بل خلف ‪ ،‬حتّى لو‬
‫ن قص الشّ هر يوما كان عل يه كمال الجرة ؛ ل نّ الشّ هر ا سم للهلل ‪ ،‬وإن و قع بعد ما م ضى‬
‫بعبض الشّهبر ‪ ،‬ففبي إجارة الشّهبر يقبع على ثلثيبن يوما بالجماع ‪ ،‬لتعذّر اعتبار الهلّة ‪،‬‬
‫فتع تبر اليّام ‪ .‬وأمّا في إجارة ثل ثة أش هر مثلً فإنّ هم قد اختلفوا ‪ ،‬ف قد ق يل ‪ :‬تك مل شهر ين‬
‫بالهلل ‪ ،‬وشهرا بالعدد ثلثيبن يوما ‪ ،‬وهبو رأي للحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وقيبل‬
‫تكون الثّلثة كلّها عدديّةً ‪ ،‬وهو رأي لبي حنيفة ‪ ،‬ورأي عند الحنابلة ‪ ،‬ومثل ذلك في إجارة‬
‫السّنة مثلً ‪.‬‬
‫بدء احتساب مدّة الجل ‪:‬‬
‫‪ - 76‬يبدأ احتسباب مدّة الجبل مبن الوقبت الّذي حدّده المتعاقدان فإن لم يحدّدا كان مبن وقبت‬
‫العقد ‪.‬‬
‫التّأجيل بأعياد المسلمين ‪:‬‬
‫‪ - 77‬إذا وقبع التّأجيبل إلى العياد جاز إذا كان العيبد محدّدا معلوما ‪ ،‬كعيبد الفطبر ‪ ،‬وعيبد‬
‫الضحى ‪ ،‬فهذا يصحّ التّأجيل إليه ‪.‬‬
‫التّأجيل إلى ما يحتمل أحد أمرين ‪:‬‬
‫‪ - 78‬إذا وقع الجل بما يحتمل أمرين صرف إلى أوّلهما ‪ ،‬كما صرّح الشّافعيّة ( على الصحّ‬
‫عندهبم ) والحنابلة ‪ ،‬كتأجيله بالعيبد ‪ ،‬أو جمادى ‪ ،‬أو ربيبع ‪ ،‬أو نفبر الحجّب ؛ لنّب العيبد عيبد‬
‫ج ثاني أيّام‬
‫الفطر وعيد الضحى ‪ ،‬وجمادى الولى والثّانية ‪ ،‬وربيع الوّل والثّاني ‪ ،‬ونفر الح ّ‬
‫التّشر يق وثالث ها ‪ ،‬فيحمل على الوّل من ذلك ‪ ،‬لتحقّق ال سم به ‪ .‬والثّا ني ‪ :‬ل ‪ ،‬بل يف سده ‪،‬‬
‫لتردّده بين الوّل والثّاني ‪.‬‬
‫التّأجيل إلى مواسم معتادة ‪:‬‬
‫‪ - 79‬اختلف الفقهاء في جوازه ‪ ،‬كالحصاد ‪ ،‬والدّياس ‪ ،‬والجذاذ ‪ ،‬وقدوم الحاجّ ‪ ،‬إلى رأيين ‪:‬‬
‫يرى الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وابن المنذر أنّه ل يجوز التّأجيل إلى هذه الشياء ‪ .‬واستدلّوا‬
‫بما روي عن ابن عبّاس أنّه قال ‪ :‬ل تتبايعوا إلى الحصاد والدّياس ‪ ،‬ول تتبايعوا إلّ إلى شهر‬
‫معلوم ‪ .‬ول نّ التّأج يل بذلك يختلف ‪ ،‬ويقرب ويب عد ‪ ،‬فالح صاد والجذاذ يتأخّران أيّاما إن كان‬
‫المطر متواترا ‪ ،‬ويتقدّمان بحرّ الهواء وعدم المطر ‪ ،‬وأمّا العطاء فقد ينقطع جملةً ‪.‬‬
‫‪ - 80‬و قد اختلف هؤلء الفقهاء في أ ثر اشتراط التّأج يل إلى أ جل مجهول جهالةً متقاربةً ‪.‬‬
‫فيرى الحنفي ّة أن ّه ل يجوز البيبع إلى أجبل مجهول سبواء كانبت الجهالة متقاربةً كالحصباد‬
‫والدّياس مثلً ‪ ،‬أو متفاوتةً ‪ ،‬كهبوب الرّ يح وقدوم وا حد من سفر ‪ ،‬فإن أب طل المشتري ال جل‬
‫المجهول التّقارب قبل محلّه ‪ ،‬وقبل فسخ العقد بالفساد ‪ ،‬انقلب البيع جائزا عند أبي حنيفة وأبي‬
‫يو سف ومحمّد ‪ ،‬وع ند ز فر ل ينقلب ‪ ،‬ولو م ضت المدّة ق بل إبطال ال جل تأكّد الف ساد ‪ ،‬ول‬
‫ينقلب جائزا بإجماع علماء الحنفيّة ‪ ،‬ويرى الشّافعيّة فساد العقد ‪ ،‬وذلك لنّه يشترط عندهم في‬
‫المؤجّل العلم بالجبل ‪ ،‬بأن يكون معلوما مضبوطا ‪ ،‬فل يجوز بمبا يختلف ‪ ،‬كالحصباد وقدوم‬
‫الحاجّ ‪ ،‬للحديث « من أسلم في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم » ‪.‬‬
‫ن ذلك غير معلوم ‪ ،‬لنّه يتقدّم ويتأخّر ‪ .‬ويرى الحنابلة أنّه يلغو التّأجيل‬
‫( متّفق عليه ) ول ّ‬
‫ويصحّ العقد ‪ ،‬وذلك لنّهم يشترطون أن يكون الجل مقدّرا بزمن معلوم ‪ ،‬فإن شرط خيارا أو‬
‫أجلً مجهولين ‪ -‬بأن باعه بشرط الخيار وأطلق ‪ ،‬أو إلى الحصاد ونحوه ‪ ،‬أو بثمن مؤجّل إلى‬
‫ح الب يع ‪ ،‬وللّذي فات غر ضه بف ساد الشّرط من بائع‬
‫ح الشّرط و ص ّ‬
‫الحصباد ونحوه ‪ -‬لم ي ص ّ‬
‫ومشتر ‪ -‬سواء علم بفساد الشّرط أو ل ‪ -‬أحد أمرين ‪ :‬فسخ البيع ؛ لنّه لم يسلّم له ما دخل‬
‫عليبه مبن الشّرط ‪ ،‬أو أرش ‪ ( ،‬أي تعويبض ) مبا نقبص مبن الثّمبن بإلغاء الشّرط إن كان‬
‫المشترط بائعا ‪ ،‬أو مبا زاد إن كان مشتريا ‪ -‬يعنبي إذا اشترى بزيادة على الثّمبن ‪ .‬أم ّا فبي‬
‫ح العقبد إذا وقبع التّأجيبل بذلك ‪ ،‬وذلك لفوات شرط صبحّته ‪ ،‬وهبو الجبل‬
‫السبّلم فإنّه ل يصب ّ‬
‫المعلوم ‪ ،‬لختلف هذه الشياء ‪ .‬ويرى المالكيّة أنّه يجوز التّأج يل إل يه ‪ ،‬ويع تبر في الح صاد‬
‫والدّياس ونحوه ما ميقات معظ مه ‪ ،‬أي الو قت الّذي يح صل ف يه غالب ما ذ كر ‪ ،‬و هو و سط‬
‫الوقت المعدّ لذلك ‪ ،‬وسواء وجدت الفعال في بلد الع قد ‪ ،‬أو عد مت ‪ -‬أي لم تو جد ‪ -‬فالمراد‬
‫وجود الو قت الّذي يغلب ف يه الوقوع ‪ .‬ونحوه ما ذكره ا بن قدا مة في روا ية أخرى عن المام‬
‫أحمد أنّه قال ‪ :‬أرجو ألّ يكون به بأس ‪ .‬وبه قال أبو ثور ‪ ،‬وعن ابن عمر أنّه كان يبتاع إلى‬
‫العطاء ‪ ،‬و به قال ا بن أ بي ليلى ‪ .‬وقال أح مد ‪ :‬إن كان ش يء يعرف فأر جو ‪ ،‬وكذلك إن قال‬
‫لنب ذلك معلوم ‪ .‬فأمّبا نفبس‬
‫ّ‬ ‫إلى قدوم الغزاة ‪ ،‬وهذا محمول على أنّبه أراد وقبت العطاء ‪،‬‬
‫العطاء فهبو فبي نفسبه مجهول ‪ ،‬يختلف ‪ ،‬ويتقدّم ويتأخّر ‪ ،‬ويحتمبل أنّه أراد نفبس العطاء ‪،‬‬
‫لكونه يتفاوت أيضا ‪ ،‬فأشبه الحصاد ‪ .‬واحت جّ من أجاز ذلك بأنّه أجل يتعلّق بوقت من الزّمن‬
‫يعرف في العادة ‪ ،‬ل يتفاوت فيه تفاوتا كبيرا ‪ ،‬فأشبه ما إذا قال رأس السّنة ‪.‬‬
‫الجل المجهول التّأجيل إلى فعل غير منضبط الوقوع ‪:‬‬
‫‪ - 81‬اتّفق الفقهاء على عدم جواز التّأجيل إلى ما ل يعلم وقت وقوعه ‪ -‬حقيقةً أو حكما ‪-‬‬
‫ول ينضبط ‪ ،‬وهو الجل المجهول ‪ ،‬وذلك كما لو باعه بثمن مؤجّل إلى قدوم زيد من سفره ‪،‬‬
‫أو نزول مطر ‪ ،‬أو هبوب ريح ‪ .‬وكذا إذا باعه إلى ميسرة ‪ ،‬وقد استدلّوا على عدم جواز هذا‬
‫النّوع من ال جل بالثار الّ تي ا ستدلّ ب ها على عدم جواز التّأج يل بالف عل الّذي ي قع في زمان‬
‫معتاد ‪ ،‬كالحصباد والدّياس ‪ ،‬ببل هذا النّوع أولى ؛ لنّب الجهالة هناك متقارببة ‪ ،‬وهنبا الجهالة‬
‫ن ذلك يختلف ‪ :‬يقرب ويب عد ‪ ،‬يتقدّم‬
‫ن التّأج يل بم ثل ذلك غ ير معلوم ؛ ل ّ‬
‫في ها متفاو تة ‪ .‬ول ّ‬
‫ن جهالته تفضي إلى المنازعة في التّسليم والتّسلّم ‪ ،‬فهذا يطالبه في قريب المدّة ‪،‬‬
‫ويتأخّر ‪ ،‬ول ّ‬
‫ن الجل المجهول ل يفيد ؛ لنّه يؤدّي إلى الغرر ‪.‬‬
‫وذاك في بعيدها ؛ ول ّ‬
‫أثر التّأجيل إلى أجل مجهول جهالةً مطلقةً ‪:‬‬
‫‪ - 82‬سبق بيان اتّفاق الفقهاء على عدم جواز التّأج يل إلى أ جل مجهول جهالةً مطلقةً ‪.‬‬
‫واختلفوا فبي أ ثر هذا التّأج يل على التّصبرّف فيرى الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬و هو رأي‬
‫ن المتعاقدين رضيا‬
‫ح العقد أيضا ‪ ،‬وذلك لنّه أجل فاسد فأفسد العقد ؛ ل ّ‬
‫للحنابلة ‪ ،‬أنّه ل يص ّ‬
‫ح الجبل ‪ ،‬فالقول بصبحّته حالّا يخالف إرادتهمبا ومبا‬
‫ببه مؤجّلً إلى هذا الجبل ‪ ،‬وإذا لم يصب ّ‬
‫ن الحنفيّة يرون‬
‫تراضيا عليه ‪ ،‬والبيع ‪ -‬ونحوه ‪ -‬يقوم على التّراضي ‪ ،‬فأفسد العقد ‪ .‬غير أ ّ‬
‫أنّه إن أبطبل المشتري الجبل المجهول المتفاوت قببل التّفرّق ‪ ،‬ونقبد الثّمبن ‪ ،‬انقلب جائزا ‪،‬‬
‫وعنبد زفبر ل ينقلب جائزا ‪ ،‬ولو تفرّقبا قببل البطال تأك ّد الفسباد ‪ ،‬ول ينقلب جائزا بإجماع‬
‫ح الب يع ‪ ،‬و في ال سّلم يف سد‬
‫ن ال جل المجهول في الب يع يف سد ‪ ،‬وي ص ّ‬
‫الحنفيّة ‪ .‬ويرى الحنابلة أ ّ‬
‫الجل وال سّلم ‪ ،‬وقد استدلّوا على صحّة البيع وبطلن الجل المجهول بما روي عن « عائشة‬
‫أنّها قالت ‪ :‬جاءتني بريرة ‪ ،‬فقالت كاتبت أهلي على تسع أواق ‪ ،‬في كلّ عام أوقيّة ‪ ،‬فأعينيني‬
‫ب أهلك أن أعدّها لهم عدّةً واحدةً ‪ ،‬ويكون ولؤك لي فعلت ‪ .‬فذهبت بريرة‬
‫‪ .‬فقلت ‪ :‬إن أح ّ‬
‫إلى أهل ها ‪ ،‬فقالت ل هم ‪ ،‬فأبوا علي ها ‪ .‬فجاءت من عند هم ور سول اللّه صلى ال عل يه و سلم‬
‫جالس ‪ ،‬فقالت ‪ :‬إنّي عرضت عليهم فأبوا إلّ أن يكون الولء لهم ‪ .‬فسمع النّبيّ صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ .‬فأخبرت عائشة النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقال ‪ :‬خذيها واشترطي لهم الولء ‪ ،‬فإنّما‬
‫الولء ل من أع تق ففعلت عائ شة ‪ ،‬فقام ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم في النّاس فح مد اللّه‬
‫وأثنى عليه ‪ ،‬ث مّ قال ‪ :‬أمّا بعد فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب اللّه تعالى ؟‬
‫أحقب ‪.‬‬
‫ّ‬ ‫مبا كان مبن شرط ليبس فبي كتاب اللّه فهبو باطبل ‪ ،‬وإن كان مائة شرط ‪ .‬قضاء اللّه‬
‫وشرط اللّه أوثق ‪ .‬وإنّما الولء لمن أعتق » متّفق عليه ‪ ،‬فأبطل الشّرط ولم يبطل العقد ‪ .‬قال‬
‫ابن المنذر ‪ :‬خبر بريرة ثابت ‪ ،‬ول نعلم خبرا يعارضه ‪ .‬فالقول به يجب ‪.‬‬

‫العتياض عن الجل بالمال‬


‫يرد العتياض عن الجل بالمال في صور منها ما يلي ‪:‬‬
‫الصّورة الولى ‪:‬‬
‫‪ - 83‬صدور إيجاب مشتمل على صفقتين ‪ ،‬إحداهما بالنّقد ‪ ،‬والخرى بالنّسيئة ‪ ،‬مثل أن يقول‬
‫ن هذا الب يع إذا صدر‬
‫بع تك هذا نقدا بعشرة ‪ ،‬وبالنّ سيئة بخم سة ع شر ‪ .‬يرى جمهور العلماء أ ّ‬
‫بهذه ال صّيغة ل يصحّ ‪ ،‬ل نّ « النّبيّ صلى ال عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة ‪ » ،‬جاء‬
‫في الشّرح الكبير ‪ « :‬كذلك فسّره مالك والثّوريّ ‪ ،‬وإسحاق ‪ ،‬وهذا قول أكثر أهل العلم ؛ لنّه‬
‫ن الثّ من مجهول فلم ي صحّ ‪،‬‬
‫لم يجزم له ببيع وا حد ‪ ،‬أش به ما لو قال بع تك أ حد هذ ين ؛ ول ّ‬
‫كالبيع بالرّقم المجهول " ‪ ،‬وقد روي عن طاوس والحكم وحمّاد أنّهم قالوا ‪ :‬ل بأس أن يقول ‪:‬‬
‫أبيعك بالنّقد بكذا ‪ ،‬وبالنّسيئة بكذا ‪ ،‬فيذهب إلى أحدهما ‪ .‬فيحتمل أنّه جرى بينهما بعدما يجري‬
‫في الع قد ‪ ،‬فكأ نّ المشتري قال ‪ :‬أ نا آخذه بالنّ سيئة بكذا ‪ ،‬فقال ‪ :‬خذه ‪ ،‬أو قال ‪ :‬قد رض يت ‪،‬‬
‫ونحو ذلك ‪ ،‬فيكون عقدا كافيا ‪ ،‬فيكون قولهم كقول الجمهور ‪ ،‬فعلى هذا ‪ :‬إن لم يوجد ما يدلّ‬
‫ن ما مضى من القول ل يصلح أن يكون إيجابا ‪،‬‬
‫على اليجاب أو ما يقوم مقامه لم يصحّ ؛ ل ّ‬
‫فهذا الخلف الوارد في صحّة هذا البيع مصدره الصّيغة الصّادرة مشتملة على صيغتين في آن‬
‫ن الثّمن مجهول هل هو عشرة أو خمسة عشر ‪ .‬وإذا‬
‫واحد ‪ ،‬فلم يجزم البائع ببيع واحد ؛ ول ّ‬
‫كان اليجاب غيبر جازم ل يصبلح ‪ ،‬ويكون عرضا ‪ ،‬فإذا قببل الموج ّه إليبه العرض إحدى‬
‫الصّفقتين كان إيجابا موجّها إلى الطّرف الوّل ‪ ،‬فإن قبل تمّ العقد ‪ ،‬وإلّ لم يتمّ ‪.‬‬
‫( الصّورة الثّانية ) ‪:‬‬
‫‪ - 84‬و هي ب يع الشّ يء بأك ثر من سعر يو مه ل جل النّ ساء ‪ .‬يرى جمهور الفقهاء جواز ب يع‬
‫الشّيء بأكثر من سعر يومه لجل النّساء ‪ ،‬وذلك لعموم الدلّة القاضية بجواز البيع ‪ .‬قال اللّه‬
‫ص بدليل ‪ ،‬ول يوجد‬
‫ل ما خ ّ‬
‫ل اللّه البيع } وهو عا مّ في إباحة سائر البياعات إ ّ‬
‫تعالى ‪ { :‬وأح ّ‬
‫دليل يخصّص هذا العموم ‪.‬‬
‫( الصّورة الثّالثة ) ‪:‬‬
‫وهي تأجيل الدّين الحالّ في مقابل زيادة ‪:‬‬
‫‪ - 85‬وهذه ال صّورة تد خل في باب الرّ با " إذ الرّ با المحرّم شرعا شيئان ‪ :‬ر با النّ ساء ‪ ،‬ور با‬
‫التّفاضل ‪ .‬وغالب ما كانت العرب تفعله ‪ ،‬من قولها للغريم ‪ :‬أتقضي أم تربي ؟ فكان الغريم‬
‫يزيبد فبي المال ‪ ،‬ويصببر الطّالب عليبه ‪ ،‬وهذا كلّه محرّم باتّفاق المّة » ‪ .‬قال الجصبّاص ‪:‬‬
‫ل بزيادة مشروطبة ‪ ،‬فكانبت الزّيادة بدلً مبن‬
‫أنب رببا الجاهلي ّة إنّمبا كان قرضا مؤجّ ً‬
‫معلوم ّ‬
‫الجل ‪ ،‬فأبطله اللّه تعالى وحرّمه ‪ ،‬وقال ‪ { :‬وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم } وقال تعالى ‪{ :‬‬
‫وذروا ما ب قي من الرّ با } ح ظر أن يؤ خذ لل جل عوض ‪ ،‬ول خلف أنّه لو كان عل يه ألف‬
‫لنب المائة عوض مبن‬
‫درهبم حالّ ًة ‪ ،‬فقال له ‪ :‬أجّلنبي وأزيدك فيهبا مائة درهبم ‪ ،‬ل يجوز ؛ ّ‬
‫الجل » ‪.‬‬
‫الصّورة الرّابعة ‪:‬‬
‫وهبي تعجيبل الدّيبن المؤجّل فبي مقاببل التّنازل عبن بعضبه « ضبع وتعجّل » ‪ - 86 .‬يرى‬
‫جمهور الفقهاء أنّه إذا كان لر جل على آ خر د ين مؤجّل ‪ ،‬فقال المد ين لغري مه ‪ :‬ضع عنّي‬
‫ن ذلك ل يجوز عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬وكرهه‬
‫بعضه وأعجّل لك بقيّته ‪ ،‬فإ ّ‬
‫زيبد بن ثاببت ‪ ،‬واببن عمبر ‪ ،‬والمقداد ‪ ،‬وسبعيد ببن المسبيّب ‪ ،‬وسبالم ‪ ،‬والحسبن ‪ ،‬وحمّاد ‪،‬‬
‫ن رجلً سأل ابن عمر فنهاه‬
‫والحكم ‪ ،‬والثّور يّ ‪ ،‬وهشيم ‪ ،‬وابن عليّة ‪ ،‬وإسحاق ‪ .‬فقد روي أ ّ‬
‫ن هذا ير يد أن أطع مه الرّ با ‪ .‬وروي عن ز يد بن ثا بت أيضا‬
‫عن ذلك ‪ .‬ث مّ سأله ‪ ،‬فقال ‪ :‬إ ّ‬
‫أنب المقداد قال لرجليبن فعل ذلك ‪ :‬كلكمبا قبد أذن بحرب مبن اللّه‬
‫النّهبي عبن ذلك ‪ .‬وروي ّ‬
‫ور سوله ‪ .‬وا ستدلّ جمهور الفقهاء على بطلن ذلك بشيئ ين ‪ :‬أحده ما ‪ :‬ت سمية ا بن ع مر إيّاه‬
‫ن ربا الجاهليّة‬
‫ربا ‪ ،‬ومثل ذلك ل يقال بالرّأي وأسماء الشّرع توقيف ‪ .‬والثّاني ‪ :‬أنّه معلوم أ ّ‬
‫ل من ال جل ‪ ،‬فأبطله اللّه تعالى ‪،‬‬
‫ل بزيادة مشرو طة ‪ ،‬فكا نت الزّيادة بد ً‬
‫إنّ ما كان قرضا مؤجّ ً‬
‫وحرّ مه ‪ ،‬وقال ‪ { :‬وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم } وقال تعالى ‪ { :‬وذروا ما بقي من الرّبا‬
‫} ح ظر أن يؤ خذ لل جل عوض ‪ .‬فإذا كا نت عل يه ألف در هم مؤجّلة ‪ ،‬فو ضع ع نه على أن‬
‫ص اللّه تعالى على‬
‫يعجّله ‪ ،‬فإنّ ما ج عل الح طّ مقا بل ال جل ‪ ،‬فكان هذا هو مع نى الرّ با الّذي ن ّ‬
‫تحريمبه ‪ .‬ول خلف أنّه لو كان عليبه ألف درهبم حالّة ‪ ،‬فقال له ‪ :‬أجّلنبي وأزيدك فيهبا مائة‬
‫درهبم ‪ ،‬ل يجوز ؛ لن ّب المائة عوض مبن الجبل ‪ ،‬كذلك الحط ّب فبي معنبى الزّيادة ‪ ،‬إذ جعله‬
‫عوضا من ال جل ‪ ،‬وهذا هو ال صل في امتناع جواز أ خذ البدال عن الجال ‪ .‬فحر مة ر با‬
‫ل لشبهة مبادلة المال بالجل وإذا كانت شبهة الرّبا موجب ًة للحرمة فحقيقته أولى‬
‫النّساء ليست إ ّ‬
‫ن المعجّل لم ي كن‬
‫بذلك ‪ .‬وأيضا فإنّه ل يم كن ح مل هذا على إ سقاط الدّائن لب عض حقّه ؛ ل ّ‬
‫مسبتحقّا بالعقبد ‪ ،‬حتّى يكون اسبتيفاؤه اسبتيفاءً لبعبض حقّه ‪ ،‬والمعجّل خيبر مبن المؤجّل ل‬
‫محالة ‪ ،‬فيكون ( في ما لو كا نت له عل يه ألف مؤجّلة ف صالحه على خم سمائة حالّة ) خم سمائة‬
‫فبي مقاببل مثله مبن الدّيبن ‪ ،‬وصبفة التّعجيبل فبي مقابلة الباقبي ‪ -‬وهبو الخمسبمائة ‪ -‬وذلك‬
‫لنب الجبل صبفة ‪ ،‬كالجودة ‪ ،‬والعتياض عبن‬
‫اعتياض عبن الجبل ‪ ،‬وهبو حرام ‪ .‬وأيضا ّ‬
‫الجودة ل يجوز ‪ ،‬فكذا عن ال جل ‪ .‬ويقول ا بن قدا مة ‪ :‬إنّه ب يع الحلول ‪ ،‬فلم ي جز ‪ ،‬ك ما لو‬
‫زاده الّذي له الدّيبن ‪ ،‬فقال له ‪ :‬أعطيبك عشرة دراهبم وتعجّل لي المائة الّتبي عليبك ‪ ،‬ويقول‬
‫أنب الحسبان متبى وجبد مبن الطّرفيبن يكون محمولً على‬
‫صباحب الكفايبة ‪ :‬والصبل فيبه ّ‬
‫ن الدّائن أ سقط من حقّه خم سمائة ‪ ،‬والمديون أ سقط حقّه في‬
‫المعاو ضة ‪ -‬كهذه الم سألة ‪ -‬فإ ّ‬
‫الجل في الخمسمائة الباقية ‪ ،‬فيكون معاوض ًة بخلف ما إذا صالح من ألف على خمسمائة ‪،‬‬
‫ل على إسقاط بعض الح قّ ‪ ،‬دون المعاوضة ؛ ل نّ الحسان لم يوجد إلّ من‬
‫فإنّه يكون محمو ً‬
‫طرف ر بّ الدّين ‪ .‬وروي عن ابن عبّاس أنّه لم ير بأسا بهذا « ضع عنّي وتعجّل » ‪ ،‬وروي‬
‫ذلك عن النّخع يّ ‪ ،‬وأبي ثور ؛ لنّه آخذ لبعض حقّه ‪ ،‬تارك لبعضه ‪ ،‬فجاز كما لو كان الدّين‬
‫حالّا ‪ ،‬واسبتثنى مبن ذلك الحنفيّة والحنابلة ( وهبو قول الخرقيّب مبن علمائهبم ) أنّه يجوز أن‬
‫ن معنى الرفاق‬
‫يصالح المولى مكاتبه على تعجيل بدل الكتابة في مقابل الح طّ منه ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫فيما بينهما أظهر من معنى المعاوضة ‪ ،‬فل يكون هذا في مقابلة الجل ببعض المال ‪ ،‬ولكن‬
‫إرفاق من المولى بحطّ بعض المال ‪ ،‬ومساهلة من المكاتب فيما بقي قبل حلول الجل ليتوصّل‬
‫ن المعاملة ه نا هي معاملة المكا تب مع سيّده ‪ ،‬و هو يبيع ب عض ماله‬
‫إلى شرف الحرّيّة ؛ ول ّ‬
‫ببعض ‪ ،‬فدخلت المسامحة فيه ‪ ،‬بخلف غيره ‪.‬‬

‫اختلف المتعاقدين في الجل‬


‫‪ - 87‬اختلف المتعاقدين في الجل إمّا أن يكون في أصل الجل ‪ ،‬أو في مقداره ‪ ،‬أو في‬
‫حلوله ‪ ،‬أو في مضيّه وفيما يلي آراء الفقهاء في ذلك ‪:‬‬
‫الختلف في أصل الجل في البيع ‪:‬‬
‫‪ - 88‬إذا اختلف المتعاقدان في أصل ال جل ‪ ،‬بأن قال المشتري ‪ :‬اشتريته بدينار مؤجّل ‪،‬‬
‫وأنكره البائع ‪ -‬فإ نّ الفقهاء قد اختلفوا ‪ :‬فيرى الحنفيّة والحنابلة أ نّ القول ل من ين في ال جل ‪،‬‬
‫ن الصل الحلول ‪ .‬والبيّنة على المشتري ؛ لنّه يثبت خلف‬
‫وهو البائع ‪ ،‬مع يمينه ‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫الظّا هر ‪ ،‬والبيّنات للثبات ‪ ،‬ويرى المالكيّة أنّه يع مل بالعرف باليم ين ‪ ،‬سواء أكا نت ال سّلعة‬
‫قائم ًة أو فاتت ‪ .‬فإن لم يكن عرف تحالفا وتفاسخا إن كانت قائم ًة ‪ ،‬فتردّ ال سّلعة لبائعها ‪ ،‬وإن‬
‫لم تكبن قائم ًة صبدّق المشتري بيميبن إن ادّعبى أجلً قريبا ل يتّهبم فيبه ‪ ،‬وإلّ فالقول للبائع إن‬
‫حلف ‪ .‬ويرى الشّافعيّة ‪ ،‬وهبو روايبة فبي مذهبب الحنابلة ‪ ،‬أنّهمبا يتحالفان ‪ ،‬لقوله صبلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬لو يعطى النّاس بدعواهم لدّعى ناس دماء رجال وأموالهم ‪ ،‬ولكن اليمين على‬
‫المدّ عى عل يه » ‪ .‬رواه م سلم ‪ ،‬وكلّ منه ما مدّعًى عل يه ‪ ،‬ك ما أنّه مدّع ‪ .‬ولنّه ما اختل فا في‬
‫صفة العقد ‪ ،‬فوجب أن يتحالفا ‪ ،‬قياسا على الختلف في الثّمن ‪.‬‬

‫( الختلف في مقدار الجل )‬


‫‪ - 89‬إذا اختلف المتعاقدان في مقدار الجل ‪ ،‬كما إذا قال البائع بعتكه بثمن مؤجّل إلى شهر ‪،‬‬
‫ن القول‬
‫ن الفقهاء اختلفوا ف يه ‪ :‬فيرى الحنفيّة والحنابلة أ ّ‬
‫ويدّ عي المشتري أك ثر من ذلك ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ل ‪ ،‬لنكاره الزّيادة ‪ ،‬والبيّ نة للمشتري ‪ ،‬لنّه يث بت خلف الظّا هر ‪ ،‬والبيّنات‬
‫قول مدّ عي الق ّ‬
‫لثبات خلف الظّاهر ‪ .‬ويرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ( في رواية أخرى ) أنّهما يتحالفان‬
‫ن كلّا منهما مدّعًى عليه ‪ ،‬كما أنّه مدّع ‪ ،‬فإذا تحالفا فعند المالكيّة فسخ‬
‫‪ ،‬للحديث المتقدّم ؛ ول ّ‬
‫العقبد إن كانبت السبّلعة قائم ًة ‪ -‬على المشهور ‪ -‬إن حكبم بالفسبخ حاكبم ‪ ،‬أو تراضيبا عليبه ‪،‬‬
‫وتعود السببّلعة على ملك البائع حقيق ًة ‪ ،‬ظالما أو مظلوما ‪ .‬وقيببل يحصببل الفسببخ بمجرّد‬
‫التّحالف ‪ ،‬كاللّعان ‪ ،‬ول يتوقّبف على حكبم ‪ .‬وحلف المشتري إن فات المببيع كلّه ‪ ،‬فإن فات‬
‫أنب العقبد ل ينفسبخ بنفبس‬
‫البعبض فلكلّ حكمبه ‪ .‬ويرى الشّافعيّة أنّهمبا إذا تحالفبا فالصبّحيح ّ‬
‫ن البيّنة أقوى من اليمين ‪ ،‬ولو أقام ك ّل منهما بيّن ًة لم ينفسخ فبالتّحالف أولى ‪ ،‬بل‬
‫التّحالف ؛ ل ّ‬
‫إن تراض يا على ما قال أحده ما أقرّ الع قد وإن لم يتراض يا بأن ا ستمرّ نزاعه ما فيف سخانه ‪ ،‬أو‬
‫أحده ما ‪ ،‬أو الحا كم لق طع النّزاع ‪ ،‬وح قّ الف سخ ب عد التّحالف ل يس على الفور ‪ ،‬فلو لم يف سخا‬
‫في الحال كان لهما بعد ذلك لبقاء الضّرر المحوج للفسخ ‪ .‬وقيل إنّما يفسخه الحاكم ؛ لنّه فسخ‬
‫مجتهد فيه فل يفسخ أحدهما ‪ .‬ومقابل ال صّحيح أنّه ينفسخ بالتّحالف وتعود الحال إلى ما كانت‬
‫عليه قبل العقد ‪.‬‬
‫( الختلف في انتهاء الجل ) ‪:‬‬
‫‪ - 90‬إذا اختلف المتعاقدان في مض يّ الجل ‪ ،‬مع اتّفاقهما على التّأجيل ‪ -‬كما إذا قال البائع‬
‫بعتكبه بثمبن مؤجّل إلى شهبر أوّله هلل رمضان ‪ ،‬وقبد انقضبى ‪ ،‬ويقول المشتري ببل أوّله‬
‫نصف رمضان فانتهاء الجل نصف شوّال ‪ -‬فقد اختلف الفقهاء في حكمه ‪ :‬فيرى الحنفيّة أ نّ‬
‫القول والبيّ نة للمشتري ؛ لنّه ما لمّا اتّف قا على ال جل ‪ ،‬فال صل بقاؤه ‪ ،‬فكان القول للمشتري‬
‫في عدم مضيّه ؛ ولنّه من كر توجّه المطال بة ‪ ،‬وأمّا تقد يم بيّن ته على بيّ نة البائع فلكون ها أك ثر‬
‫ن ال صل بقاء ال جل ‪ " ،‬أي أ نّ‬
‫ن القول لمن كر التّقضّي بيمي نه ؛ ل ّ‬
‫إثباتا ‪ .‬ويرى المالكيّة أ ّ‬
‫القول لمبن ادّعبى بقاء الجبل ‪ ،‬وأنكبر انقضاءه ‪ ،‬سبواء كان بائعا أو مشتريا ‪ ،‬كان مكريا أو‬
‫مكتريا ‪ ،‬إذا لم تو جد بيّ نة ‪ ،‬فإن كان لحده ما بيّ نة ع مل ب ها ‪ ،‬وهذا إن أش به قوله عادة النّاس‬
‫في الجل ‪ -‬أشبه الخر أم ل ‪ -‬فإن لم يشبها معا عادة النّاس حلفا ‪ ،‬وفسخ إن كانت ال سّلعة‬
‫ل فالقيمة ‪ ،‬ويقضى للحالف على النّاكل ‪. » . . .‬‬
‫قائمةً ‪ ،‬وإ ّ‬

‫مسقطات الجل‬
‫‪ - 91‬الجل إمّا أن يكون أجل إضافة ‪ ،‬وهو ما يترتّب على تحقّقه ترتّب أحكام التّصرّف ‪ .‬أو‬
‫ح إضاف ته من العيان إلى أ جل ‪ ،‬أو‬
‫يترتّب على تحقّ قه حلول الدّ ين أو حلول الع ين في ما ي ص ّ‬
‫يكون أجل توقيت وهو الّذي يترتّب على تحقّقه انتهاء الحقّ الّذي كان له ‪.‬‬
‫والمسقطات ‪ -‬بوجه عامّ ‪ -‬إمّا بطريق السقاط ‪ ،‬وإمّا بطريق السّقوط ‪.‬‬
‫وفيما يلي بيان ذلك ‪:‬‬
‫ل ‪ :‬إسقاط الجل ‪:‬‬
‫أ ّو ً‬
‫أ ‪ -‬إسقاط الجل من قبل المدين ‪:‬‬
‫‪ - 92‬لمّا كان الجل قد شرع رفقا بالمدين وتمكينا له من وفاء الدّين في الوقت المناسب له ‪،‬‬
‫ورعاي ًة لحالة العدم الّتبي يتعرّض ل ها ‪ ،‬كان من حقّه أن ي سقط أجبل الدّيبن ‪ ،‬ويصببح الدّيبن‬
‫حالّا ‪ ،‬وعلى الدّائن قببض الدّيبن ‪ .‬وهذا هبو رأي جمهور الفقهاء ‪ ( :‬الحنفيّبة مطلقا وكذا‬
‫المالكيّبة والشّافعيّبة والحنابلة إذا لم يؤ ّد ذلك إلى الضرار بالدّائن كأن كان الداء فبي مكان‬
‫مخوف ‪ ،‬أو كان له حمل ومؤنة أو كان في وقت كساد ) على تفصيل في هذه المذاهب الثّلثة‬
‫يرجع إليه في مواطنه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إسقاط الجل من قبل الدّائن ‪:‬‬
‫ن الجل ح قّ لمن عليه الدّين ‪ ،‬وإذا كان حقّا له فإنّه يستبدّ بإسقاطه ‪،‬‬
‫‪ - 93‬تبيّن ممّا تقدّم أ ّ‬
‫ن إ سقاطه ال جل ي جب أن‬
‫طال ما أنّه ل يؤدّي هذا ال سقاط إلى ضرر بالدّائن ‪ .‬أمّا الدّائن فإ ّ‬
‫يفرّق فيه بين أجل لحق العقد وقت صدوره ‪ -‬كما لو باع بثمن مؤجّل ‪ -‬ففي هذه الحالة يكون‬
‫الجل لزما للدّائن لنّه التحق بصلب العقد باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬وبين أجل أراده الدّائن والمدين بعد‬
‫صدور العقد بثمن حالّ ‪ ،‬وهذا النّوع قد اختلف الفقهاء في لزومه للدّائن ‪ ،‬أي أنّه ل يمكنه أن‬
‫ي ستبدّ بإ سقاطه دون الرّجوع إلى المد ين ‪ .‬فذ هب الحنفيّة ( غ ير ز فر ) والمالكيّة إلى أ نّ من‬
‫ن الثّ من ي صير مؤجّلً ‪ ،‬ك ما لو با عه بث من مؤجّل‬
‫ل ‪ ،‬ث مّ أجّله إلى أ جل معلوم أ ّ‬
‫باع بث من حا ّ‬
‫ح رجوعه عنه دون رضا المدين ‪ .‬أمّا التّأجيل فلنّ‬
‫ابتداءً ‪ ،‬ويصبح الجل لزما للدّائن ل يص ّ‬
‫الثّمن حقّه ‪ ،‬فله أن يؤخّره تيسيرا على من عليه ؛ ول نّ التّأجيل إثبات براءة مؤقّتة إلى حلول‬
‫الجل ‪ ،‬وهو يملك البراءة المطلقة بالبراء عن الثّ من فلن يملك البراءة المؤقّ تة أولى ‪ ،‬وأمّا‬
‫كو نه لزما له فذلك ل نّ الشّرع أث بت عن إ سقاطه بالبراءة المطل قة ال سّقوط ‪ ،‬والتّأج يل التزام‬
‫السبقاط إلى وقبت معيّن ‪ ،‬فيثببت شرعا السبّقوط إلى ذلك الوقبت ‪ ،‬كمبا ثببت شرعا سبقوطه‬
‫ل د ين حالّ ل‬
‫نكّ‬
‫بإ سقاطه مطلقا ‪ .‬وقال ز فر ( من علماء الحنفيّة ) والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إ ّ‬
‫ل وعدا بالتّأخير ‪ ،‬وحينئذ يكون له الح قّ‬
‫ل بالتّأجيل ؛ لنّه بعد أن كان حالّا ليس إ ّ‬
‫يصير مؤجّ ً‬
‫في الرّجوع عنه ‪ ،‬وكذلك اختلفوا في لزوم شرط تأجيل القرض ‪ ،‬وقد سبق أنّ جمهور الفقهاء‬
‫ل يرون تأجيله ‪ ،‬حتّى لو اشترط فيبه التّأجيبل ‪ ،‬خلفا للمالكيّة واللّيبث الّذيبن يرون لزومبه‬
‫حسب التّفصيل الّذي سبق بيانه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إسقاط الجل بتراضي الدّائن والمدين ‪:‬‬
‫‪ - 94‬ل خلف ب ين الفقهاء في أنّه إذا ترا ضى الدّائن والمد ين على إ سقاط شرط التّأج يل أ نّ‬
‫ذلك جائز وصحيح ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬سقوط الجل‬


‫تناول الفقهاء عدّة أسبباب إذا وقعبت أدّت إلى سبقوط شرط التّأجيبل ‪ ،‬ومنهبا الموت والتّفليبس‬
‫والعسار ‪ ،‬والجنون والسر ‪.‬‬
‫أ ‪ -‬سقوط الجل بالموت ‪:‬‬
‫‪ - 95‬اختلف الفقهاء في سقوط ال جل بموت المد ين أو الدّائن ‪ :‬فيرى الحنفيّة والشّافعيّة أ نّ‬
‫الجل يبطل بموت المدين لخراب ذمّته ‪ ،‬ول يبطل بموت الدّائن ‪ ،‬سواء أكان موتا حقيقيّا ‪ ،‬أم‬
‫حكميّا ‪ ،‬وذلك لنّ فائدة التّأجيل أن يتّجر فيؤدّي الثّمن من نماء المال ‪ ،‬فإذا مات من له الجل‬
‫تعيّن المتروك لقضاء الدّ ين ‪ ،‬فل يف يد التّأج يل ؛ ول نّ ال جل ح قّ المد ين ‪ ،‬ل ح قّ صاحب‬
‫الدّين ‪ ،‬فتعتبر حياته وموته في الجل وبطلنه ‪ .‬ومثل الموت الحقيقيّ الموت الحكميّ ‪ ،‬وذلك‬
‫كمبا ‪ .‬لو لحبق مرتدّا بدار الحرب ‪ -‬كمبا صبرّح الحنفي ّة ‪ -‬أو كال ّردّة المتّصبلة بالموت أو‬
‫استرقاق الحرب يّ ‪ -‬كما صرّح الشّافعيّة ‪ .‬ويرى المالكيّة ذلك ‪ ،‬إلّ أنّهم يستثنون ثلث حالت‬
‫إنب الدّيبن المؤج ّل على الشّخبص يحلّ بفلسبه أو موتبه على‬
‫الخرشيب ‪ّ :‬‬
‫ّ‬ ‫‪ .‬جاء فبي شرح‬
‫المشهور ‪ ،‬ل نّ ال ّذمّة في الحالتين قد خربت ‪ ،‬والشّرع قد حكم بحلوله ؛ ولنّه لو لم يحلّ للزم‬
‫إمّا تمك ين الوارث من الق سم ‪ ،‬أو عد مه ‪ ،‬وكله ما با طل ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬من ب عد و صيّة‬
‫يوصي بها أو دين } ‪ ،‬وللضّرورة الحاصلة بوقفه ‪ .‬وعلى المشهور ‪ :‬لو طلب بعض الغرماء‬
‫ل لكان لهم ذلك » ‪ .‬ويستثنى من الموت من قتل‬
‫ل منع من ذلك " وأمّا لو طلب الك ّ‬
‫بقاءه مؤجّ ً‬
‫ن دينه المؤجّل ل يحلّ ‪ ،‬لحمله على استعجال ما أجّل ‪ .‬وأمّا الدّين الّذي له‬
‫مدينه ( عمدا ) فإ ّ‬
‫ل حلول الدّيبن‬
‫فل يحلّ بفلسبه ول بموتبه ‪ ،‬ولغرمائه تأخيره إلى أجله ‪ ،‬أو بيعبه الن ‪ ،‬ومح ّ‬
‫ل عليبه الدّيبن بذلك ‪ ،‬وإلّ عمبل‬
‫المؤجّل بالموت أو الفلس مبا لم يشترط مبن عليبه أنّه ل يح ّ‬
‫ل بمو ته على‬
‫بشر طه ‪ .‬قد ذ كر ذلك ا بن الهند يّ فبي الموت ‪ ،‬وإمّا إن شرط من له أنّه يح ّ‬
‫المدين فهل يعمل بشرطه ‪ ،‬أو ل ؟ والظّاهر الوّل ( أي أنّه يعمل بشرطه ) حيث كان الشّرط‬
‫غير واقع في صلب عقد البيع ‪ ،‬فإن وقع في صلب عقد البيع فالظّاهر فساد البيع ؛ لنّه آل‬
‫أمره إلى الب يع بأ جل مجهول ‪ ،‬ويرى الحنابلة أنّه ل يحلّ الدّ ين المؤجّل بموت الدّائن ‪ ،‬وأمّا‬
‫موت المدين فلهم رأيان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬أنّه يحلّ بموت المدين كما هو رأي من ذكر من الفقهاء ‪.‬‬
‫ل بموتبه إذا وثبق الورثبة ‪ ،‬فقبد جاء فبي كشّاف القناع ‪ « :‬أنّه إذا مات‬
‫والثّانبي ‪ :‬أنّه ل يح ّ‬
‫شخص وعليه دين مؤجّل لم يحلّ الدّين بموته إذا وثق الورثة ‪ ،‬أو وثق غيرهم برهن أو كفيل‬
‫مليء ‪ ،‬على أقلّ المرين ‪ :‬من قيمة التّركة أو الدّين " ‪ ،‬وهو قول ابن سيرين ‪ ،‬وعبيد اللّه بن‬
‫ن الجل ح قّ للميّت ‪ ،‬فورث عنه كسائر حقوقه ‪ ،‬وكما ل‬
‫الحسن ‪ ،‬وإسحاق ‪ ،‬وأبي عبيد ل ّ‬
‫فتختصب أرباب الدّيون الحالّة بالمال ‪ ،‬ويتقاسبمونه بالمحاصبّة ‪،‬‬
‫ّ‬ ‫تحلّ الدّيون الّتبي له بموتبه ‪،‬‬
‫ول يترك م نه للمؤجّل ش يء ‪ ،‬ول ير جع ربّه عل يه ب عد حلوله بل على من وثّ قه ‪ ،‬فإن تعذّر‬
‫التّوثّق لعدم وارث ‪ ،‬بأن مات عن غير وارث ‪ ،‬حلّ ‪ ،‬ولو ضمنه المام ‪ ،‬أو " تعذّر التّوثّق "‬
‫لغ ير عدم وارث ‪ ،‬بأن خلف وارثا لكنّه لم يو ثق ‪ ،‬حلّ الدّ ين لغل بة الضّرر ‪ ،‬فيأخذه ربّه كلّه‬
‫إن اتّسبعت التّركبة أو يحاصبص ببه الغرماء ‪ ،‬ول يسبقط منبه شيبء فبي مقابلة الجبل ‪ .‬وإن‬
‫ل على الخبر ‪ .‬وقبد اسبتدلّ الحنابلة على قولهبم بأنّب‬
‫ضمنبه ضامبن وحلّ على أحدهمبا لم يح ّ‬
‫حقب للمديبن فل يسبقط‬
‫إنب الجبل ّ‬
‫الدّيبن المؤجّل ل يحلّ بالموت إذا وثّق الورثبة ‪ ،‬فقالوا ‪ّ :‬‬
‫ولنب الموت مبا جعبل مبطلً للحقوق ‪ ،‬وإنّمبا هبو ميقات للخلفبة‬
‫ّ‬ ‫بموتبه ‪ ،‬كسبائر حقوقبه ؛‬
‫وعلمة على الوراثة ‪ ،‬وقد قال النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من ترك حقّا أو مالً فلورثته »‬
‫وما قيل بسقوطه بالموت هو حكم مبن يّ على المصلحة ‪ ،‬ول يشهد لها شاهد الشّرع باعتبار ‪،‬‬
‫ول خلف فبي ف ساد هذا ‪ ،‬فعلى هذا يبقبى الدّ ين فبي ذمّة الميّت كمبا كان ويتعلّق بع ين ماله‬
‫كتعلّق حقوق الغرماء بمال المفلس عند الح جر عل يه ‪ ،‬فإن أح بّ الور ثة أداء الدّ ين ‪ ،‬والتزا مه‬
‫ل أن يرضى الغريم ‪ ،‬أو يوثّقوا الح قّ‬
‫للغريم ‪ ،‬على أن يتصرّفوا في المال ‪ ،‬لم يكن لهم ذلك إ ّ‬
‫بضمين مليء ‪ ،‬أو رهن يثق به لوفاء حقّه ‪ ،‬فإنّهم قد ل يكونون أملياء ‪ ،‬ولم يرض بهم الغريم‬
‫‪ ،‬فيؤدّي إلى فوات الحقّ ‪ .‬ويرى طاوس وأبو بكر بن محمّد ‪ ،‬والزّهريّ وسعد بن إبراهيم أنّ‬
‫الدّين المؤجّل ل يحلّ بموت المدين ‪ ،‬ويبقى إلى أجله ‪ ،‬وحكي ذلك عن الحسن ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬سقوط الجل بالتّفليس ‪:‬‬
‫‪ - 96‬إذا حكم الحاكم بالحجر على المدين للفلس ‪ ،‬فهل تحلّ ديون المفلس المؤجّلة ؟ يرى‬
‫الحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة ( في الظهر ) وهو قول للمالكيّة أنّه ل تحلّ ديون المفلس المؤجّلة‬
‫ن ال جل ح قّ للمفلس ‪ ،‬فل ي سقط بفلسه ك سائر حقو قه ‪ ،‬ولنّه ل يو جب حلول ماله ‪ ،‬فل‬
‫؛ل ّ‬
‫حيب ‪ ،‬فلم يحلّ قببل‬
‫ّ‬ ‫يوجبب حلول مبا عليبه ‪ -‬كالجنون والغماء ‪ -‬ولنّه ديبن مؤجّل على‬
‫ن ذمّة الميّت خربت وبطلت بخلف المفلس‬
‫أجله ‪ ،‬كغير المفلس ‪ ،‬والفرق بين الفلس والموت أ ّ‬
‫‪ .‬والمشهور ع ند المالكيّة ورأي للشّافعيّة أ نّ الدّ ين المؤجّل يحلّ بالفلس الخ صّ ( أي‬
‫الشّخص الّذي حكم الحاكم بخلع ماله للغرماء ) لخراب ذمّة المفلس ‪ ،‬ما لم يشترط المدين عدم‬
‫حلوله بالتّفليبس ‪ ،‬ومبا لم يتّفبق الغرماء جميعا على بقاء ديونهبم مؤجّل ًة ‪ .‬أم ّا حقوق المفلس‬
‫ن الجل حقّ للغير ‪ ،‬فليس لغير صاحبه‬
‫المؤجّلة قبل الغير فباتّفاق الفقهاء تبقى على حالها ؛ ل ّ‬
‫الحقّ في إسقاطه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬سقوط الجل بالجنون ‪:‬‬
‫‪ - 97‬إذا ج نّ من عل يه الدّ ين المؤجّل أو من له الدّ ين ‪ ،‬ف هل ي سقط ال جل بجنو نه ؟ يرى‬
‫الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة جنون المد ين ل يو جب حلول الدّ ين عل يه لمكان التّح صيل ع ند‬
‫حلول الجل بواسطة وليّه ‪ ،‬فالجل باق ‪ ،‬ولصاحب الحقّ عند حلول الجل مطالبة وليّه بماله‬
‫ن الجل حقّ للمجنون فل يسقط بجنونه كسائر حقوقه ؛ ولنّه ل يوجب حلول ما له قبل‬
‫‪ .‬ول ّ‬
‫الغير ‪ ،‬فل يوجب حلول ما عليه ‪ ،‬وأمّا المالكيّة فقد ن صّوا على أ نّ الدّين المؤجّل يحلّ بالفلس‬
‫والموت مبا لم يشترط المديبن عدم حلوله بهمبا ومبا لم يقتبل الدّائن المديبن عمدا ‪ ،‬ولم ينصبّوا‬
‫ل على أنّ الجنون عندهم ل يحلّ الدّين المؤجّل ‪.‬‬
‫على الجنون معهما ممّا يد ّ‬

‫د ‪ -‬سقوط الجل بالسر أو الفقد ‪:‬‬


‫ن السير في أرض العدوّ إذا علم خبره ومكانه‬
‫‪ - 98‬يرى الفقهاء الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة أ ّ‬
‫‪ ،‬كان حكمه كالغائب ‪ ،‬والغائب تبقى ديونه على ما هي عليه من تأجيل أو حلول ‪ ،‬سواء كان‬
‫ن حك مه‬
‫دائنا أم مدينا ‪ .‬أمّا إذا لم يعلم خبره ول مكا نه ‪ ،‬فيرى الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة أ ّ‬
‫حكم المفقود لنّه حيّ في حقّ نفسه ‪ ،‬ميّت في حقّ غيره ‪ .‬ويرى المالكيّة أنّ ديونه تبقى على‬
‫حالها من تأجيل أو حلول ‪ ،‬كالغائب ‪ -‬ول يأخذ حكم المفقود لنّه قد عرف أنّه أسر ؛ لنّه إذا‬
‫كا نت أموال المفقود تب قى ك ما هي ‪ ،‬ف هو أولى بهذا الح كم ‪ .‬أمّا إذا علم موت ال سير ‪ ،‬فإنّه‬
‫يأ خذ ح كم الميّت ‪ ،‬وكذا إذا علم ردّ ته يأ خذ ح كم المرتدّ ‪ ،‬و هو موت حكما ك ما سبق الشارة‬
‫ن الجال تسقط بموت المدين موتا حقيقيّا أو حكميّا ‪.‬‬
‫إلى ذلك من أ ّ‬
‫هب ‪ -‬سقوط الجل بانتهاء مدّته ‪:‬‬
‫‪ - 99‬لمّا كان هذا النّوع من الجل يحدّد لنا المدى الزّمنيّ لستيفاء الحقّ ‪ ،‬فالعقد أو التّصرّف‬
‫الحقب إلى‬
‫ّ‬ ‫المقترن بأجبل التّوقيبت ‪ ،‬أو المؤق ّت ‪ ،‬إذا انقضبى أجله انتهبى بذلك العقبد وعاد‬
‫صباحبه ‪ ،‬كمبا كان أ ّولً ‪ ،‬فيكون على المتعاقبد ردّ العيبن إلى مالكهبا إذا كان المعقود عليبه‬
‫عينا ‪ ،‬ويكون عل يه عدم التّ صرّف إذا كان الع قد يج يز للشّ خص ت صرّفا ما من التّ صرّفات ‪.‬‬
‫والعقد المؤقّت ‪ -‬إذا لم يكن مضافا ول معلّقا ‪ -‬هو عقد ناجز يت ّم ترتّب آثاره عليه من وقت‬
‫صدور المدّة المحدّدة له شرعا أو اتّفاقا ‪ .‬فإن أض يف إلى ز من ‪ -‬وكان من التّ صرّفات الّ تي‬
‫تقبل الضافة فمدّة التّوقيت تبدأ من وقت حلول أجل الضا فة ‪ .‬وكذلك إذا علّق على شرط ‪-‬‬
‫وكان من التّصرّفات الّتي تقبل التّعليق ‪ -‬فمدّة التّوقيت تبدأ من وقت وجود الشّرط المعلّق عليه‬
‫العقد ‪ .‬وبالضافة إلى ذلك فإ نّ الجل ينقضي بانقضاء العقد نفسه الّذي اقترن به الجل ؛ ل نّ‬
‫الجل وصف للعقد وشرط لعتباره شرعا ‪ ،‬فإذا انتهى الموصوف انتهى الوصف ‪.‬‬
‫استمرار العمل بموجب العقد المنقضي أجله دفعا للضّرر ‪:‬‬
‫‪ - 100‬قد ينقضي العقد المؤقّت ‪ .‬وحينئذ على المنتفع ردّ العين إلى صاحبها ‪ ،‬ولكن قد يؤدّي‬
‫ب أجاز الفقهاء تأخيبر الرّدّ إلى الوقبت الملئم ‪ ،‬الّذي ل يؤدّي إلى‬
‫ذلك إلى ضرر ‪ ،‬ومبن ثم ّ‬
‫ضرر ‪ ،‬مع ضمان حقوق الطّرف الخر ‪ .‬ولذلك تطبيقات في الجارة والعارة تنظر فيهما ‪.‬‬
‫إجماع‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬الجماع في اللّغة يراد به تار ًة العزم ‪ ،‬يقال ‪ :‬أجمع فلن كذا ‪ ،‬أو أجمع على كذا ‪ ،‬إذا‬
‫عزم عليبه وتار ًة يراد ببه التّفاق ‪ ،‬فيقال ‪ :‬أجمبع القوم على كذا ‪ ،‬أي اتّفقوا عليبه ‪ ،‬وعبن‬
‫ن المع نى ال صليّ له العزم ‪ ،‬والتّفاق لزم ضرور يّ إذا‬
‫الغزال يّ أنّه مشترك لفظ يّ ‪ .‬وق يل إ ّ‬
‫وقع من جماعة ‪ ،‬والجماع في اصطلح الصوليّين ‪ :‬اتّفاق جميع المجتهدين من أمّة محمّد‬
‫ي ‪ ،‬والمراد‬
‫صلى ال عليه وسلم في عصر ما بعد عصره صلى ال عليه وسلم على أمر شرع ّ‬
‫ل أم فعلً أم اعتقادا أم‬
‫ب ‪ :‬مبا ل يدرك لول خطاب الشّارع ‪ ،‬سبواء أكان قو ً‬
‫بالمبر الشّرعي ّ‬
‫تقريرا ‪.‬‬
‫بيان من ينعقد بهم الجماع ‪:‬‬
‫ن الجماع ينعقد باتّفاق المجتهدين من المّة ‪ ،‬ول عبرة باتّفاق‬
‫سنّة على أ ّ‬
‫‪ - 2‬جمهور أهل ال ّ‬
‫غير هم مه ما كان مقدار ثقافت هم ‪ ،‬ول بدّ من اتّفاق المجتهد ين ولو كانوا أ صحاب بد عة إن لم‬
‫يكفروا ببدعتهم ‪ ،‬فإن كفروا بها كالرّافضة الغالين فل يعتدّ بهم ‪ ،‬وأمّا البدعة غير المكفّرة أو‬
‫فإنب العتداد بخلفهبم أو عدم العتداد فيبه خلف وتفصبيل بيبن الفقهاء والصبوليّين‬
‫الفسبق ّ‬
‫موضعه الملحق الصوليّ ‪ .‬وذهب قوم إلى أ نّ العبرة باتّفاق الخلفاء الرّاشدين فقط ‪ ،‬لما ورد‬
‫عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين من‬
‫بعدي ‪ ،‬عضّوا علي ها بالنّوا جذ » ‪ .‬وهذا خبر آحاد ل يف يد اليق ين ‪ ،‬وعلى فرض التّ سليم فإنّه‬
‫إنب الجماع هبو إجماع أهبل المدينبة دون‬
‫يفيبد رجحان القتداء بهبم ل إيجاببه ‪ ،‬وقال قوم ّ‬
‫غير هم ‪ ،‬وهذا ظا هر مذ هب مالك في ما كان سبيله النّ قل والتّوا تر ‪ ،‬كب عض أفعاله صلى ال‬
‫عل يه و سلم كالذان والقا مة وتحد يد الوقات وتقد ير ال صّاع والمدّ وغ ير ذلك ممّا يعت مد على‬
‫النّقل وحده ل على الجتهاد ‪ ،‬وما سبيله الجتهاد فل يعتدّ عنده بإجماعهم ‪.‬‬
‫إمكان الجماع ‪:‬‬
‫ن الجماع مم كن عقلً ‪ ،‬وذهب جمهورهم إلى أنّه ممكن عادةً ‪،‬‬
‫‪ - 3‬اتّفق الصوليّون على أ ّ‬
‫وخالف في ذلك ال ّنظّام وغيره ‪ .‬وخالف البعض في إمكان نقله ‪.‬‬
‫جيّة الجماع ‪:‬‬
‫حّ‬
‫‪ - 4‬الجماع حجّة قطعيّة على ال صّحيح ‪ ،‬وإنّما يكون قطعيّا حيث اتّفق المعتبرون على أنّه‬
‫إجماع ‪ ،‬ل حيث اختلفوا ‪ ،‬كما في الجماع السّكوتيّ وما ندر مخالفه ‪.‬‬
‫ما يحتجّ عليه بالجماع ‪:‬‬
‫جيّة الجماع عليها ‪ ،‬سواء أكانت‬
‫‪ - 5‬يحت جّ بالجماع على المور الدّينيّة الّتي ل تتوقّف ح ّ‬
‫اعتقاديّ ًة كنفي الشّريك عن اللّه تعالى ‪ ،‬أو عمليّ ًة كالعبادات والمعاملت ‪ ،‬وقيل ل أثر للجماع‬
‫في العقليّات ‪ ،‬فإ نّ المعتبر فيها الدلّة القاطعة ‪ ،‬فإذا انتصبت لم يعارضها شقاق ولم يعضّدها‬
‫وفاق ‪ .‬أمّا ما تتوقّف عل يه حجّيّة الجماع ‪ ،‬كوجود الباري تعالى ‪ ،‬ور سالة محمّد صلى ال‬
‫عليه وسلم فل يحتجّ عليه بالجماع ؛ لئلّ يلزم الدّور ‪.‬‬
‫مستند الجماع ‪:‬‬
‫ص أو القياس خفيّا ‪ .‬فإذا أجمع‬
‫‪ - 6‬ل بدّ للجماع من مستند ‪ ،‬ن صّ أو قياس ‪ ،‬وقد يكون النّ ّ‬
‫على مقتضاه سقط الب حث عنه ‪ ،‬وحرمت مخالفته مع عدم العلم به ‪ ،‬ويقطع بحك مه وإن كان‬
‫ظنّيّا ‪.‬‬
‫إنكار الجماع ‪:‬‬
‫‪ - 7‬ق يل ‪ :‬يك فر من كر ح كم الجماع القطع يّ ‪ ،‬وف صّل ب عض ال صوليّين ب ين ما كان من‬
‫ضروريّات دين السلم ‪ ،‬وهو ما يعرفه الخواصّ والعوامّ ‪ ،‬من غير قبول للتّشكيك ‪ ،‬كوجوب‬
‫الصّلة والصّوم ‪ ،‬وحرمة الزّنا والخمر ‪ ،‬فيكفر منكره ‪ ،‬وبين ما سوى ذلك ‪ ،‬فل يكفر منكره‬
‫‪ ،‬كالجماع على ب عض دقائق علم الموار يث الّ تي قد تخ فى على العوّام ‪ .‬وفرّق ف خر ال سلم‬
‫ب ين الجماع القطع يّ من إجماع ال صّحابة ن صّا ‪ ،‬كإجماع هم على قتال مان عي الزّكاة ‪ ،‬أو مع‬
‫سكوت بعضهم ‪ ،‬فيكفر منكره ‪ ،‬وبين إجماع غيرهم فيضلّل ‪.‬‬
‫الجماع السّكوتيّ ‪:‬‬
‫‪ - 8‬يتحقّق الجماع ال سّكوتيّ إذا أف تى ب عض المجتهد ين في م سألة اجتهاديّة ‪ ،‬أو ق ضى ‪،‬‬
‫واشتهبر ذلك بيبن أهبل عصبره ‪ ،‬وعرفبه جميبع مبن سبواه مبن المجتهديبن ‪ ،‬ولم يخالفوه ‪،‬‬
‫واستمرّت الحال على هذا إلى مض يّ مدّة التّأمّل ‪ ،‬وقد ذهب أكثر الحنفيّة وبعض الشّافعيّة إلى‬
‫أنّه إذا تحقّق ذلك فهو إجماع قطع يّ ‪ ،‬وإنّما يكون إجماعا عندهم حيث ل يحمل سكوتهم على‬
‫التّقيّة خوفا ‪ .‬وموضبع اعتبار سبكوتهم إجماعا إنّمبا هبو قببل اسبتقرار المذاهبب ‪ ،‬وأمّا بعبد‬
‫ا ستقرارها فل يع تبر ال سّكوت إجماعا ؛ لنّه ل و جه للنكار على صاحب مذ هب في الع مل‬
‫على موجب مذهبه ‪ ،‬وذهب أبو هاشم الجبّائ يّ إلى أنّه حجّة وليس إجماعا ‪ .‬وذهب الشّافعيّة‬
‫إلى أنّه ليبس بحجّة فضلً أن يكون إجماعا ‪ ،‬وببه قال اببن أبان والباقلّني ّب وبعبض المعتزلة‬
‫وأكثر المالكيّة وأبو زيد الدّبوسيّ من الحنفيّة ‪ ،‬والرّافعيّ والنّوويّ من الشّافعيّة ‪.‬‬
‫التّعارض بين الجماع وغيره ‪:‬‬
‫ل بعد وفاة النّبيّ‬
‫ن الجماع ل يكون إ ّ‬
‫‪ - 9‬الجماع ل ينسخ ول ينسخ به عند الجمهور ؛ ل ّ‬
‫صبلى ال عليبه وسبلم والنّسبخ ل يكون بعبد موتبه ‪ .‬ول ينسبخ الجماع الجماع ‪ ،‬وإذا جاء‬
‫الجماع مخالفا لشيبء مبن النّصبوص اسبتدللنا على أنّب ذلك النّصّب منسبوخ ‪ .‬فيكون الجماع‬
‫دليل النّسخ وليس هو النّاسخ ‪.‬‬
‫رتبة الجماع بين الدلّة ‪:‬‬
‫‪ - 1‬بنى بعض الصوليّين على المسألة ال سّابقة تقديم الجماع على غيره ‪ .‬قال الغزال يّ ‪« :‬‬
‫يجب على المجتهد في كلّ مسألة أن يردّ نظره إلى النّفي الصليّ قبل ورود الشّرع ‪ .‬ثمّ يبحث‬
‫عبن الدلّة السبّمعيّة ‪ ،‬فينظبر أوّل شيبء فبي الجماع ‪ ،‬فإن وجبد فبي المسبألة إجماعا ‪ ،‬ترك‬
‫سنّة ‪ ،‬فإنّهما يقبلن النّسخ ‪ ،‬والجماع ل يقبله ‪ .‬فالجماع على خلف ما‬
‫النّظر في الكتاب وال ّ‬
‫سنّة دليل قاطع على النّ سخ ‪ ،‬إذ ل تجتمع المّة على الخ طأ » ‪ .‬وقد حرّر ذلك‬
‫في الكتاب وال ّ‬
‫ص يعارض ذلك‬
‫ا بن تيميّة فقال " كلّ من عارض ن صّا بإجماع ‪ ،‬وادّ عى ن سخه ‪ ،‬من غ ير ن ّ‬
‫النّ صّ ‪ ،‬فإنّه مخطئ في ذلك ‪ ،‬فإ نّ النّصوص لم ينسخ منها شيء إلّ بن صّ باق محفوظ لدى‬
‫المّة » ‪ .‬و في مو ضع آ خر قال " ل ر يب أنّه إذا ث بت الجماع كان دليلً على أنّه من سوخ ‪،‬‬
‫ص إلّ وقد عرف النّ صّ‬
‫ن المّة ل تجتمع على ضللة ‪ ،‬ولكن ل يعرف إجماع على ترك ن ّ‬
‫فإ ّ‬
‫النّاسخ له ‪ ،‬ولهذا كان أكثر من يدّعي نسخ النّصوص بما يدّعيه من الجماع إذا حقّق المر‬
‫عليبه ‪ ،‬لم يكبن الجماع الّذي ادّعاه صبحيحا ‪ ،‬ببل غايتبه أنّه لم يعرف فيبه نزاعا » ‪ .‬وفبي‬
‫الجماع تفصيل وخلف أوسع ممّا ذكر ‪ ،‬موطنه الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫إجمال‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬الجمال مصبدر أجمبل ‪ ،‬ومبن معانيبه فبي اللّغبة ‪ :‬جمبع الشّيبء مبن غيبر تفصبيل ‪.‬‬
‫وللصوليّين في الجمال اصطلحان ‪ ،‬تبعا لختلفهم في تعريف المجمل ‪ :‬الوّل ‪ :‬اصطلح‬
‫ن المجمل ما لم تتّضح دللته ‪ .‬فيكون عامّا في‬
‫الصوليّين غير الحنفيّة ( المتكلّمين ) ‪ ،‬وهو أ ّ‬
‫كلّ مبا لم تتّضبح دللتبه ‪ .‬ومبا لحقبه البيان خرج مبن الجمال بالتّفاق ( ر ‪ :‬بيان ) ‪ ،‬وكمبا‬
‫يكون الجمال عندهم في القوال ‪ ،‬يكون في الفعال ‪ .‬وقد مثّل له بعض الصوليّين بما ورد‬
‫ي صلى ال عليه وسلم سلّم في صلة رباعيّة من اثنتين » ‪ ،‬فدار فعله بين أن يكون‬
‫ن النّب ّ‬
‫«أّ‬
‫سلّم سهوا ‪ ،‬وبين أن تكون ال صّلة قد قصرت ‪ .‬فاستفسر منه ذو اليدين ‪ ،‬فبيّن لهم أنّه سها ‪.‬‬
‫ن المجمل ما ل يعرف المراد منه إلّ ببيان‬
‫الثّاني ‪ :‬اصطلح الصوليّين من الحنفيّة ‪ ،‬وهو أ ّ‬
‫ير جى من ج هة المج مل ‪ ،‬ومع نى ذلك أ نّ خفاءه ل يعرف بمجرّد التّأمّل ‪ ،‬ومثّلوا له بال مر‬
‫بالصّلة والزّكاة ونحوهما ‪ ،‬قبل بيان مراد الشّارع منها ‪.‬‬

‫( اللفاظ ذات الصّلة )‬


‫أ ‪ -‬المشكل ‪:‬‬
‫‪ - 2‬إن كان المعنبى ممّا يدرك بالتّأمّل فليبس عنبد الحنفيّة مجملً ‪ ،‬ببل يسبمّى " مشكلً " ‪،‬‬
‫ومثّلوا له بقول اللّه تعالى ‪ { :‬فأتوا حرثكم أنّى شئتم } ‪ ،‬فإ نّ « أنّى » دائرة بين معنى « أين‬
‫» ومعنى « كيف » ‪ ،‬وبالتّأمّل يظهر أنّ المراد الثّاني ‪ ،‬بقرينة الحارث ‪ ،‬وتحريم الذى ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬المتشابه ‪:‬‬
‫‪ - 3‬وأمّا إن كان ل يرجى معرفة معناه في الدّنيا فهو عندهم " متشابه " ‪ ،‬وهو ما استأثر اللّه‬
‫تعالى بعلمه ‪ ،‬كالحروف المقطّعة في أوائل السّور ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الخفيّ ‪:‬‬
‫‪ - 4‬وهو ما كان خفاؤه في انطباقه على بعض أفراده لعارض هو تسمية ذلك الفرد باسم آخر‬
‫‪ ،‬كلفظ « السّارق " ‪ ،‬فهو ظاهر في مفهومه الشّرعيّ ‪ ،‬ولكنّه خفيّ في الطّرّار وال ّنبّاش ‪ .‬حكم‬
‫المجمل ‪:‬‬
‫‪ - 5‬ذ هب أ صوليّو الحنفيّة إلى أنّب حكبم المج مل التّوقّف ف يه إلى أن يتببيّن المراد به ‪،‬‬
‫ن ح كم المج مل التّوقّف ف يه إلى أن‬
‫بال ستفسار من صدر م نه المج مل ‪ .‬وذ هب غير هم إلى أ ّ‬
‫ي تبيّن من ج هة المج مل ‪ ،‬أو بالقرائن ‪ ،‬أو بالعرف ‪ ،‬أو بالجتهاد ‪ .‬و في ذلك تف صيل موط نه‬
‫الملحق الصوليّ ‪.‬‬
‫أجنبيّ‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬الجنبيّ في اللّغة الغريب ‪ ،‬ويقال للغريب أيضا جنب ‪ ،‬وأجنب ‪ ،‬ومن معاني الجنابة ‪:‬‬
‫الغر بة ‪ .‬واجت نب فلن فلنا إذا تجنّ به وابت عد ع نه ‪ ،‬ون قل في التّاج عن ال ساس ‪ « :‬و من‬
‫المجاز ‪ :‬هو أج نبيّ عن كذا ‪ ،‬أي ل تعلّق له به ول معر فة " يع ني ك ما تقول ‪ :‬فلن أج نبيّ‬
‫عن هذا العلم ‪ ،‬أو عن هذه القضيّة ‪ .‬فيطلق الجنبيّ على من هو غريب حسّا أو معنًى ‪.‬‬
‫‪ - 2‬ولم نجد أحدا من الفقهاء عرّف هذا المصطلح ‪ ،‬ولكن با ستقراء ‪ .‬مواضع وروده في‬
‫ل مقام بحسبه ‪ .‬فمن معانيه ما يلي ‪:‬‬
‫كلمهم تبيّن أنّه لفظ ليس له معنًى واحد ‪ ،‬بل يفسّر في ك ّ‬
‫أ ‪ -‬الجنبيّ البعيد عنك في القرابة ‪ ،‬وهو الّذي ل تصله بك رابطة النّسب ‪ ،‬كقول المحلّيّ في‬
‫شرح منهاج الطّالبين ‪ « :‬الجنبيّ أن يح جّ عن الميّت حجّة السلم بغير إذن » ‪ .‬قال عميرة‬
‫في حاشي ته ‪ « :‬المراد بالج نبيّ غ ير الوارث ‪ .‬قاله شيخ نا ‪ .‬وقياس ال صّوم أن يراد به غ ير‬
‫القريب » ‪.‬‬
‫ي الغريب عن المر من عقد أو غيره ‪ ،‬كقولهم ‪ « :‬لو أتلف المبيع أجنبيّ قبل‬
‫ب ‪ -‬والجنب ّ‬
‫قبضه فسد العقد " أي شخص غريب عن العقد ‪ ،‬ليس هو البائع ول المشتري ‪ .‬وكقولهم ‪« :‬‬
‫ح شرط الخيار لجنبيّ " ويسمّى الجنبيّ إذا تصرّف فيما ليس له ‪ « :‬فضوليّا " ج ‪-‬‬
‫هل يص ّ‬
‫والج نبيّ ‪ :‬الغر يب عن الو طن ‪ ،‬ودار ال سلم كلّ ها و طن للم سلم ‪ .‬فالج نبيّ عن ها من ل يس‬
‫بمسلم ول ذ ّميّ ‪.‬‬
‫د ‪ -‬والجنبيّ عن المرأة من لم يكن محرما لها ‪ .‬والمحرم من يحرم عليه نكاحها على التّأبيد‬
‫بنسب أو بسبب مباح وقيل بمطلق سبب ‪ ،‬ولو كان قريبا كابن عمّها وابن خالها ‪.‬‬
‫انقلب الجنبيّ إلى ذي علقة ‪ ،‬وعكسه ‪:‬‬
‫ي إلى ذي علقة في أحوال ‪ ،‬منها ‪ :‬أ ‪ -‬بالعقد ‪ ،‬كعقد النّكاح ‪ ،‬فإنّه تنقلب‬
‫‪ - 3‬ينقلب الجنب ّ‬
‫به المرأة الجنبيّة إلى زو جة ‪ ،‬وكع قد الشّر كة ‪ ،‬وع قد الوكالة ونحوه ما ‪ .‬وتف صيل ذلك في‬
‫أبوابه من الفقه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬بالذن والتّفويبض ونحوهمبا ‪ ،‬كتفويبض الطّلق إلى المرأة أو إلى غيرهبا ‪ ،‬وكالتّوكيبل‬
‫واليصاء ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬بالضطرار ‪ ،‬كأخذ من اشتدّ جوعه ما في يد غيره من الطّعام فائضا عن ضرورته بغير‬
‫رضاه ‪.‬‬
‫د ‪ -‬حكم القضاء ‪ ،‬كنصب الجنبيّ وصيّا أو ناظرا على الوقف ‪.‬‬
‫‪ - 4‬وينقلب ذو العلقة إلى أجنبيّ في أحوال ‪:‬‬
‫منها ‪ :‬أ ‪ -‬ارتفاع السّبب الّذي به صار الجنبيّ ذا علقة ‪ ،‬كطلق المرأة ‪ ،‬وفسخ عقد البيع ‪،‬‬
‫ونحو ذلك ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬قيام الما نع الّذي يحول دون كون ال سّبب مؤثّرا ‪ ،‬وذلك كردّة أ حد الزّوج ين ‪ ،‬ي صبح به‬
‫كلّ منهما أجنبيّا عن الخر ‪ ،‬فل عشرة ول ميراث ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬حكم القضاء ‪ ،‬كالح جر على ال سّفيه ‪ ،‬والتّفر يق ب ين المولي وزوج ته ع ند تمام المدّة عند‬
‫الجمهور ‪ ،‬والتّفريق للضّرر ‪ ،‬والحكم باستحقاق العين لغير ذي اليد ‪.‬‬
‫ي‪:‬‬
‫اجتماع ذي العلقة والجنب ّ‬
‫‪ - 5‬إذا اجتمع ذو علقة وأجنبيّ ‪ ،‬فذو العلقة هو الولى ‪ ،‬كما يلي ‪.‬‬
‫ي)‬
‫( الحكم الجمال ّ‬
‫ي الّذي هبو خلف‬
‫الجماليب للجنببيّ بحسبب معانيبه المختلفبة ‪ :‬أ ّولً ‪ :‬الجنبب ّ‬
‫ّ‬ ‫يختلف الحكبم‬
‫القريب ‪:‬‬
‫‪ - 6‬للقريب حقوق وميزات ينفرد بها عن الجنبيّ ‪ ،‬ومن ذلك أنّه أولى من الجنبيّ برعاية‬
‫ن القر يب له ح قّ الول ية‬
‫الشّخص المحتاج إلى الرّعاية والنّ ظر كما في المثلة التّال ية ‪ :‬أ ‪ -‬أ ّ‬
‫على نفس الصّغير والمجنون وتزويج المرأة دون الجنبيّ ‪.‬‬
‫ب الحضانبة للصبّغير والمجنون دون الجنببيّ ‪ ،‬ويقدّم أولى القارب فبي‬
‫ب له حق ّ‬
‫ب ‪ -‬وأن ّ‬
‫استحقاق الحضانة حسب ترتيب معيّن ‪ .‬وإذا تزوّجت الحاضنة من أجنبيّ من المحضون سقط‬
‫ق به ما لم تنكحي » ‪.‬‬
‫حقّها في الحضانة ‪ « ،‬لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم لل مّ ‪ :‬أنت أح ّ‬
‫وتفصيل ذلك في أبواب الحضانة من كتب الفقه ‪.‬‬
‫ي بتغسيل الميّت ‪ ،‬وبالمامة في الصّلة عليه ‪ ،‬على تفصيل‬
‫ن القريب أولى من الجنب ّ‬
‫ج ‪ -‬وأ ّ‬
‫يعرف في أبواب الجنائز ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬الجنبيّ في التّصرّفات والعقود ‪:‬‬
‫‪ - 7‬المراد بالج نبيّ ه نا من لي ست له صلحية التّ صرّف ‪ ،‬والّذي له صلحية التّ صرّف هو‬
‫صاحب الح قّ والوصيّ والوكيل ونحوهم ‪ ،‬فمن سواهم أجنبيّ ‪ .‬فإن تصرّف النسان في ح قّ‬
‫ن تصرّفه لنفسه ‪ ،‬فتصرّفه باطل ‪ .‬أمّا إن تصرّف عن غيره من غير‬
‫هو فيه أجنبيّ ‪ ،‬على أ ّ‬
‫أن تكون له ول ية أو نيا بة ف هو الّذي ي سمّى ع ند الفقهاء الفضول يّ واختلفوا في ت صرّفه ذاك ‪،‬‬
‫فمنهم من أبطله ‪ ،‬ومنهم من جعله موقوفا على الجازة ‪ ( .‬ر ‪ :‬إجازة ‪ .‬فضوليّ ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الجنبيّ والعبادة ‪:‬‬
‫‪ - 8‬ل يختلف حكم الجنبيّ عن حكم الول يّ في شأن أداء العبادات البدنيّة عن الغ ير ‪ ،‬فل‬
‫تصحّ ال صّلة وال صّيام عن الح يّ ‪ ،‬إذ ل بدّ في ذلك من ال ّنيّة ‪ ،‬ول يجب على الول يّ أو غيره‬
‫القضاء عن الميّت لما في ذمّته من العبادات ‪ ، .‬إن تبرّع به الوليّ أو الجنبيّ ففي إجزائه عن‬
‫الميّت خلف ‪ .‬أمّا العبادات الماليّة المحضبة كالزّكاة وبعبض الكفّارات وفديبة الصبّوم ‪ ،‬أو‬
‫ج ‪ ،‬فل ي صحّ كذلك فعل ها عن الغير بغ ير إذ نه ‪ ،‬إن كان حيّا قادرا ‪ .‬وأمّا‬
‫الماليّة البدنيّة كالح ّ‬
‫فعلها عن الميّت فيجب على الول يّ أو الوصيّ إذا أوصى من هو عليه قبل وفاته بذلك ‪ ،‬في‬
‫حدود ثلث التّركة ‪ ،‬على مذهب الحنفيّة ‪ .‬وعند غيرهم تنفذ من كلّ المال ‪ ،‬سواء أوصى بها‬
‫أم لم يوص ‪ ،‬ك سائر الدّيون ‪ .‬و في الم سألة خلف وتف صيل ير جع لمعرف ته إلى أبواب الزّكاة‬
‫ج والصّوم والكفّارات ‪.‬‬
‫والح ّ‬
‫ج ‪ -‬تبرّع الجنبيّ بأداء الحقوق ‪:‬‬
‫ي بأداء ما ترتّب على الغير من الحقوق جائز ‪ ،‬وذلك كوفاء دينه ‪ ،‬ودفع‬
‫‪ - 9‬تبرّع الجنب ّ‬
‫م هر زوج ته ونفقت ها ونف قة أولده ‪ .‬وله ح قّ الرّجوع إن كان ف عل ذلك بإذن حا كم ‪ ،‬أو نوى‬
‫الرّجوع به ‪ ،‬وفي ذلك تفصيل وخلف يرجع لمعرف ته إلى البواب الخا صّة بتلك الحقوق من‬
‫كتب الفقه ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬الجنبيّ بمعنى من لم يكن من أهل الوطن ‪:‬‬
‫‪ - 10‬الجنبيّ عن دار السلم هو الحربيّ ‪ ،‬وهو من لم يكن مسلما ول ذ ّميّا ‪ ،‬ول يحقّ لمن‬
‫لم يكبن كذلك دخول دار السبلم إلّ بأمان ‪ ،‬فإذا دخبل دار السبلم بالمان سبمّي مسبتأمنا ‪.‬‬
‫ولمعرفة أحكام الجنبيّ بهذا المعنى ( ر ‪ :‬أمان ‪ .‬مستأمنون ‪ .‬أهل الحرب ) ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬الجنبيّ عن المرأة ‪:‬‬
‫‪ - 11‬خ صّصت الشّريعة الجانب بأحكام خا صّة ‪ ،‬دون الزّوج وذوي المحرم ‪ .‬وذلك رعايةً‬
‫ل سلمة المرأة ‪ ،‬ومحافظ ًة علي ها من أن ي صل إلي ها ما يجرح كرامت ها ‪ .‬و قد ي سّرت الشّري عة‬
‫في العلقة بين المرأة وزوجها ‪ ،‬إذ أ نّ عقد الزّواج يبيح لكلّ من الزّوجين من التّمتّع بالخر‬
‫ما يكون سببا لل سّكن بينهما ‪ ،‬لتت مّ حكمة اللّه بدوام النّسل ونشوئه في كنف البوين على أحسن‬
‫ن ما يقوم بأنف سهما من‬
‫و جه ‪ ،‬ولم تضيّق الشّري عة أيضا في العل قة ب ين المرأة ومحرم ها ل ّ‬
‫المودّة والحترام يحجب نوازع الرّغبة ‪ ،‬ولكي تتمكّن المرأة وأقاربها القربون من العيش معا‬
‫بيسر وسهولة ‪ ،‬والزّوج والمحرم في ذلك مخالفان للجنبيّ ‪ ،‬فوضعت الشّريعة حدودا للعلقة‬
‫بين المرأة وبينه ‪ ،‬تتلخّص فيما يلي ‪ :‬أ ‪ -‬النّظر ‪:‬‬
‫ي النّظر إلى زينة المرأة وبدنها ‪ ،‬كلّه على رأي بعض الفقهاء ‪ ،‬أو ما‬
‫‪ - 12‬فيحرم على الجنب ّ‬
‫عدا الوجبه والكفّيبن والقدميبن عنبد البعبض الخبر ‪ .‬وكذلك يجبب على المرأة أن تسبتتر عبن‬
‫الجنبيّ بتغطية ما ل يحلّ له رؤيته ‪ ،‬وعليها أن تمتنع عن النّظر من بدن الجنبيّ ‪ -‬والمحرم‬
‫ل إلى ما سوى العورة ‪ ،‬أو إلى ما عدا ما تنظره المرأة من المرأة ‪.‬‬
‫مثله ‪ -‬إ ّ‬
‫ب ‪ -‬اللّمس ‪:‬‬
‫‪ - 13‬فل يلمس الجنبيّ بدن المرأة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الخلوة ‪:‬‬
‫ل للرّجل والمرأة إذا كانا أجنبيّين أن يخلو أحدهما بالخر ‪ ،‬لما ورد في حديث‬
‫‪ - 14‬فل يح ّ‬
‫البخار يّ مرفوعا « إيّا كم والدّخول على النّ ساء » وحدي ثه ال خر « ل يخلو نّ ر جل بامرأة إلّ‬
‫مع ذي محرم » د ‪ -‬صوت المرأة ‪:‬‬
‫‪ - 15‬فيحرم استماع الجنبيّ لصوت المرأة على القول المرجوح عند الحنفيّة لنّه عورة ‪.‬‬
‫وفي كثير ممّا ذكرناه خلف بين الفقهاء وتفصيل واستثناءات يرجع لمعرفتها إلى باب الحظر‬
‫والباحة من كتب الحنفيّة ‪ ،‬وإلى أوائل أبواب النّكاح وباب ستر العورة من شروط الصّلة في‬
‫كتب سائر المذاهب ‪.‬‬
‫أجنبيّة‬
‫انظر ‪ :‬أجنبيّ ‪.‬‬
‫إجهاز‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬من معاني الجهاز في اللّغة ‪ :‬السراع ‪ ،‬فالجهاز على الجريح ‪ :‬إتمام قتله ‪ .‬ويستعمل‬
‫الفقهاء " الجهاز " بهذا المع نى ‪ .‬ك ما ي ستعملون لهذا المع نى أيضا كل مة " تذف يف » ‪ .‬الح كم‬
‫العامّ ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الجهاز على الن سان الجر يح ‪ :‬الجهاز على جر حى الكفّار المقاتل ين جائز ‪ ،‬وكذلك‬
‫جر حى البغاة المقاتل ين إذا كا نت ل هم فئة ‪ ،‬فإن لم ت كن ل هم فئة فل يجوز ق تل جريح هم ‪ .‬أمّا‬
‫الجهاز على من وجب عليه الموت في حدّ أو قصاص فهو واجب بالتّفاق ‪.‬‬
‫‪ - 3‬الجهاز على الحيوان ‪ :‬الحيوان على نوعين ‪ :‬نوع يجوز ذبحه ‪ ،‬بأن كان مأكول اللّحم ‪،‬‬
‫أو قتله ‪ ،‬بأن كان مؤذيا ‪ .‬وهذا النّوع يجوز الجهاز عليبه إن أصبابه مرض أو جرح ؛ لن ّه‬
‫يجوز ذبحه أو قتله ابتداءً ‪ ،‬ونوع ل يجوز قتله كالحمار ونحوه ‪ ،‬وفي جواز الجهاز عليه إن‬
‫أ صابه مرض أو جرح ‪ -‬إراح ًة له ‪ -‬خلف ‪ ،‬أجاز ذلك الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬ومن عه الشّافعيّة‬
‫والحنابلة ‪ .‬وقد ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الذّبائح ‪ ،‬وذكره الحنفيّة في كتاب الحظر والباحة ‪.‬‬
‫إجهاض‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬يطلق الجهاض في اللّغة على صورتين ‪ :‬إلقاء الحمل ناقص الخلق ‪ ،‬أو ناقص المدّة ‪،‬‬
‫سواء من المرأة أو غيرها ‪ ،‬والطلق اللّغويّ يصدق سواء كان اللقاء بفعل فاعل أم تلقائيّا ‪.‬‬
‫‪ - 2‬ول يخرج ا ستعمال الفقهاء لكل مة إجهاض عن هذا المع نى ‪ .‬وكثيرا ما يعبّرون عن‬
‫الجهاض بمرادفاته كالسقاط واللقاء والطّرح والملص ‪.‬‬
‫صفة الجهاض ( حكمه التّكليفيّ ) ‪:‬‬
‫‪ - 3‬من الفقهاء من فرّق ب ين ح كم الجهاض ب عد ن فخ الرّوح ‪ ،‬وب ين حك مه ق بل ذلك وب عد‬
‫التّكوّن في الرّ حم وال ستقرار ‪ ،‬ولمّا كان ح كم الجهاض ب عد ن فخ الرّوح مو ضع اتّفاق كان‬
‫النسب البدء به ثمّ التّعقيب بحكمه قبل نفخ الرّوح ‪ ،‬مع بيان آراء الفقهاء واتّجاهاتهم فيه ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حكم الجهاض بعد نفخ الرّوح ‪:‬‬
‫‪ - 4‬نفخ الرّوح يكون بعد مائة وعشرين يوما ‪ ،‬كما ثبت في الحديث الصّحيح الّذي رواه ابن‬
‫ن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمّه أربعين يوما نطف ًة ‪ ،‬ثمّ يكون علقةً مثل‬
‫مسعود مرفوعا ‪ « :‬إ ّ‬
‫ذلك ‪ ،‬ث مّ يكون مضغ ًة م ثل ذلك ‪ ،‬ث مّ ير سل الملك فين فخ ف يه الرّوح » ‪ .‬ول يعلم خلف ب ين‬
‫الفقهاء في تحريم الجهاض بعد نفخ الرّوح ‪ .‬فقد ن صّوا على أنّه إذا نفخت في الجنين الرّوح‬
‫حرّم الجهاض إجماعا ‪ .‬وقالوا إنّبه قتبل له ‪ ،‬بل خلف ‪ .‬والّذي يؤخبذ مبن إطلق الفقهاء‬
‫تحريم الجهاض بعد نفخ الرّوح أنّه يشمل ما لو كان في بقائه خطر على حياة ال مّ وما لو لم‬
‫يكن كذلك ‪ .‬وصرّح ابن عابدين بذلك فقال ‪ :‬لو كان الجنين حيّا ‪ ،‬ويخشى على حياة ال مّ من‬
‫ن موت المّ به موهوم ‪ ،‬فل يجوز قتل آدميّ لمر موهوم ‪.‬‬
‫بقائه ‪ ،‬فإنّه ل يجوز تقطيعه ؛ ل ّ‬
‫ب ‪ -‬حكم الجهاض قبل نفخ الرّوح ‪:‬‬
‫‪ - 5‬في حكم الجهاض قبل نفخ الرّوح اتّجاهات مختلفة وأقوال متعدّدة ‪ ،‬حتّى في المذهب‬
‫الوا حد ‪ ،‬فمن هم من قال بالبا حة مطلقا ‪ ،‬و هو ما ذكره ب عض الحنفيّة ‪ ،‬ف قد ذكروا أنّه يباح‬
‫السقاط بعد الحمل ‪ ،‬ما لم يتخلّق شيء منه ‪ .‬والمراد بالتّخلّق في عبارتهم تلك نفخ الرّوح ‪.‬‬
‫وهو ما انفرد به من المالكيّة اللّخم يّ فيما قبل الربعين يوما ‪ ،‬وقال به أبو إسحاق المروز يّ‬
‫من الشّافعيّة ق بل الربع ين أيضا ‪ ،‬وقال الرّمل يّ ‪ :‬لو كا نت النّط فة من زنا ف قد يتخيّل الجواز‬
‫ق بل ن فخ الرّوح ‪ .‬والبا حة قول ع ند الحنابلة في أوّل مرا حل الح مل ‪ ،‬إذ أجازوا للمرأة شرب‬
‫ن ما لم تحلّه الرّوح ل يبعث ‪ ،‬فيؤخذ منه‬
‫الدّواء المباح للقاء نطفة ل علقة ‪ ،‬وعن ابن عقيل أ ّ‬
‫أنّه ل يحرم إسقاطه ‪ ،‬وقال صاحب الفروع ‪ :‬ولكلم ابن عقيل وجه ‪.‬‬
‫‪ - 6‬ومنهم من قال بالباحة لعذر فقط ‪ ،‬وهو حقيقة مذهب الحنفيّة ‪ .‬فقد نقل ابن عابدين عن‬
‫ل لغير عذر ‪ ،‬إذ المحرم لو كسر بيض ال صّيد ضمن لنّه أصل ال صّيد‬
‫كراهة الخانيّة عدم الح ّ‬
‫ل من أن يلحقها ‪ -‬من أجهضت نفسها ‪ -‬إثم هنا إذا أسقطت‬
‫‪ .‬فلمّا كان يؤاخذ بالجزاء فل أق ّ‬
‫بغير عذر ‪ ،‬ونقل عن ابن وهبان أنّ من العذار أن ينقطع لبنها بعد ظهور الحمل وليس لبي‬
‫ن إباحة السقاط‬
‫الصّبيّ ما يستأجر به الظّئر ( المرضع ) ويخاف هلكه ‪ ،‬وقال ابن وهبان ‪ :‬إ ّ‬
‫محمولة على حالة الضّرورة ‪ .‬و من قال من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بالبا حة دون تقي يد‬
‫ن المرأة لو‬
‫بالعذر فإنّه يبيحه ه نا بالولى ‪ ،‬و قد ن قل الخط يب الشّربين يّ عن الزّركش يّ ‪ :‬أ ّ‬
‫دعتها ضرورة لشرب دواء مباح يترتّب عليه الجهاض فينبغي أنّها ل تضمن بسببه ‪.‬‬
‫‪ - 7‬ومنهم من قال بالكراهة مطلقا ‪ .‬وهو ما قال به عل يّ بن موسى من فقهاء الحنفيّة ‪ .‬فقد‬
‫نقل ابن عابدين عنه ‪ :‬أنّه يكره اللقاء قبل مضيّ زمن تنفخ فيه الرّوح ؛ لنّ الماء بعدما وقع‬
‫في الرّ حم مآله الحياة ‪ ،‬فيكون له ح كم الحياة ‪ ،‬ك ما في بي ضة صيد الحرم ‪ .‬و هو رأي ع ند‬
‫المالكيّة في ما ق بل الربع ين يوما ‪ ،‬وقول محت مل ع ند الشّافعيّة ‪ .‬يقول الرّمل يّ ‪ :‬ل يقال في‬
‫الجهاض ق بل ن فخ الرّوح إنّه خلف الولى ‪ ،‬بل محت مل للتّنز يه والتّحر يم ‪ ،‬ويقوى التّحر يم‬
‫فيما قرب من زمن النّفخ لنّه جريمة ‪.‬‬
‫‪ - 8‬ومنهم من قال بالتّحريم ‪ ،‬وهو المعتمد عند المالكيّة ‪ .‬يقول الدّردير ‪ :‬ل يجوز إخراج‬
‫المن يّ المتكوّن في الرّ حم ولو ق بل الربع ين يوما ‪ ،‬وعلّق الدّ سوقيّ على ذلك بقوله ‪ :‬هذا هو‬
‫ن المقصود بعدم الجواز في عبارة الدّردير التّحريم ‪ .‬كما نقل‬
‫المعتمد ‪ .‬وقيل يكره ‪ .‬ممّا يفيد أ ّ‬
‫ابن رشد أنّ مالكا قال ‪ :‬كلّ ما طرحته المرأة جناية ‪ ،‬من مضغة أو علقة ‪ ،‬ممّا يعلم أنّه ولد ‪،‬‬
‫ففيه الغرّة وقال ‪ :‬واستحسن مالك الكفّارة مع الغرّة ‪ .‬والقول بالتّحريم هو الوجه عند الشّافعيّة‬
‫؛ لنّ النّطفة بعد الستقرار آيلة إلى التّخلّق مهيّأة لنفخ الرّوح ‪ .‬وهو مذهب الحنابلة مطلقا كما‬
‫ذكره ا بن الجوز يّ ‪ ،‬و هو ظا هر كلم ا بن عق يل ‪ ،‬و ما يش عر به كلم ا بن قدا مة وغيره ب عد‬
‫مرحلة النّطفبة ‪ ،‬إذ رتّبوا الكفّارة والغرّة على مبن ضرب بطبن امرأة فألقبت جنينا ‪ ،‬وعلى‬
‫الحامل إذا شربت دواءً فألقت جنينا ‪.‬‬
‫بواعث الجهاض ووسائله ‪:‬‬
‫‪ - 9‬بواعث الجهاض كثيرة ‪ ،‬منها قصد التّخلّص من الحمل سواء أكان الحمل نتيجة نكاح أم‬
‫سفاح ‪ ،‬أو قصد سلمة ال مّ لدفع خطر عنها من بقاء الحمل أو خوفا على رضيعها ‪ ،‬على ما‬
‫سبق بيانه ‪ .‬كما أ نّ وسائل الجهاض كثيرة قديما وحديثا ‪ ،‬وهي إمّا إيجابيّة وإمّا سلبيّة ‪ .‬فمن‬
‫اليجابيّة ‪ :‬التّخو يف أو الفزاع كأن يطلب ال سّلطان من ذكرت عنده ب سوء فتج هض فزعا ‪،‬‬
‫ومنها ش مّ رائحة ‪ ،‬أو تجويع ‪ ،‬أو غضب ‪ ،‬أو حزن شديد ‪ ،‬نتيجة خبر مؤلم أو إساءة بالغة ‪،‬‬
‫ول أثر لختلف كلّ هذا ‪ .‬ومن ال سّلبيّة امتناع المرأة عن الطّعام ‪ ،‬أو عن دواء موصوف لها‬
‫ن المرأة إذا شمّت رائحة طعام من الجيران مثلً ‪،‬‬
‫لبقاء الحمل ‪ .‬ومنه ما ذكره الدّسوقيّ من أ ّ‬
‫وغلب على ظنّهبا أنّهبا إن لم تأكبل منبه أجهضبت فعليهبا الطّلب ‪ .‬فإن لم تطلب ‪ ،‬ولم يعلموا‬
‫بحملها ‪ ،‬حتّى ألقته ‪ ،‬فعليها الغرّة لتقصيرها ولتسبّبها ‪.‬‬
‫عقوبة الجهاض ‪:‬‬
‫‪ - 10‬اتّفق الفقهاء على أنّ الواجب في الجناية على جنين الحرّة هو غرّة ‪ .‬لما ثبت عنه صلى‬
‫أنب امرأتيبن مبن هذيبل رمبت إحداهمبا‬
‫ال عليبه وسبلم مبن حديبث أببي هريرة وغيره ‪ّ « :‬‬
‫الخرى ‪ ،‬فطرحت جنينها ‪ ،‬فقضى فيه رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بغرّة عبد أو وليدة »‬
‫‪.‬‬
‫ن مقدار الغرّة في ذلك هو نصف عشر الدّية الكاملة ‪ ،‬وأ نّ‬
‫‪ - 11‬واتّفق فقهاء المذاهب على أ ّ‬
‫ل جناية ترتّب عليها انفصال الجنين عن أمّه ميّتا ‪ ،‬سواء أكانت الجناية نتيجة‬
‫الموجب للغرّة ك ّ‬
‫فعل أم قول أم ترك ‪ ،‬ولو من الحامل نفسها أو زوجها ‪ ،‬عمدا كان أو خطأً ‪.‬‬
‫‪ - 12‬ويختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة ‪ -‬وهي العقوبة المقدّرة حقّا للّه تعالى ‪ -‬مع الغرّة ‪.‬‬
‫( والكفّارة هنا هي عتق رقبة مؤمنة ‪ ،‬فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ) فالحنفيّة والمالكيّة‬
‫يرون أنّها مندوبة وليست واجب ًة ‪ ،‬لنّ النّبيّ صلى ال عليه وسلم لم يقض إلّ بالغرّة ‪ .‬كما أنّ‬
‫الكفّارة فيها معنى العقوبة ؛ لنّها شرعت زاجرةً ‪ ،‬وفيها معنى العبادة ؛ لنّها تتأدّى بالصّوم ‪.‬‬
‫وقد عرف وجوبها في النّفوس المطلقة فل يتعدّاها لنّ العقوبة ل يجري فيها القياس ‪ ،‬والجنين‬
‫يعتببر نفسبا مبن وجبه دون وجبه ل مطلقا ‪ .‬ولهذا لم يجبب فيبه كلّ البدل ‪ ،‬فكذا ل تجبب فيبه‬
‫لنب العضاء ل كفّارة فيهبا ‪ .‬وإذا تقرّب بهبا إلى اللّه كان أفضبل ‪ .‬وعلى هذا فإنّهبا‬
‫الكفّارة ّ‬
‫غيبر واجببة ‪ .‬ويرى الشّافعيّة والحنابلة وجوب الكفّارة مبع الغرّة ‪ .‬لنّهبا إنّمبا تجبب حقّا للّه‬
‫تعالى ل لح قّ الدم يّ ؛ ولنّه نفس مضمونة بالدّية ‪ ،‬فوجبت فيه الكفّارة ‪ .‬وترك ذكر الكفّارة‬
‫ل يم نع وجوب ها ‪ .‬ف قد ذ كر الرّ سول صلى ال عل يه و سلم في مو ضع آ خر الدّ ية ‪ ،‬ولم يذ كر‬
‫الكفّارة ‪ .‬وهذا الخلف إنّمبا هبو فبي الجنيبن المحكوم بإيمانبه ليمان أبويبه أو أحدهمبا ‪ ،‬أو‬
‫ص الشّافعيّة والحنابلة على أنّه إذا اشترك أكثر من واحد في جناية‬
‫المحكوم له بال ّذمّة ‪ .‬كما ن ّ‬
‫ن الغاية من الكفّارة الزّجر ‪ .‬أمّا الغرّة فواحدة لنّها‬
‫الجهاض لزم كلّ شريك كفّارة ‪ ،‬وهذا ل ّ‬
‫للبدليّة ‪.‬‬
‫الجهاض المعاقب عليه ‪:‬‬
‫‪ - 13‬يتّفق الفقهاء على وجوب الغرّة بموت الجنين بسبب العتداء ‪ ،‬كما يتّفقون على اشتراط‬
‫ل على مو ته ‪ .‬إذ ل يث بت ح كم المولود إلّ بخرو جه ؛‬
‫انف صاله ميّتا ‪ ،‬أو انف صال الب عض الدّا ّ‬
‫ن الحر كة يجوز أن تكون لر يح في الب طن سكنت ‪ ،‬وباللقاء ظ هر تل فه ب سبب الضّرب أو‬
‫ول ّ‬
‫أنب الشّافعيّة قالوا ‪ :‬لو علم موت الجنيبن وإن لم ينفصبل منبه شيبء‬
‫الفزع ونحوهمبا ‪ ،‬غيبر ّ‬
‫ل ‪ ،‬فإن نزل مبن قببل الرّأس‬
‫فكالمنفصبل ‪ .‬والحنفيّة يعتببرون انفصبال الكثبر كانفصبال الك ّ‬
‫فالكثر خروج صدره ‪ ،‬وإن كان من قبل الرّجلين فالكثر انفصال سرّته ‪ .‬والحنفيّة والمالكيّة‬
‫على أنّه ل بدّ أن يكون ذلك قبل موت أمّه يقول ابن عابدين ‪ :‬وإن خرج جنين ميّت بعد موت‬
‫ال مّ فل ش يء ف يه ؛ ل نّ موت ال مّ سبب لمو ته ظاهرا ‪ ،‬إذ حيا ته بحيات ها ‪ ،‬فيتحقّق مو ته‬
‫ص ‪ ،‬إذ الحتمال ف يه أقلّ ‪ ،‬فل يض من بالشّ كّ ؛‬
‫بموت ها ‪ ،‬فل يكون في مع نى ما ورد به النّ ّ‬
‫ولنّه يجري مجرى أعضائها ‪ ،‬وبموتها سقط حكم أعضائها ‪ .‬وقال الحطّاب والموّاق ‪ :‬الغرّة‬
‫واجبة في الجن ين بموته قبل موت أمّه ‪ .‬وقال ابن رشد ‪ :‬ويشترط أن يخرج الجن ين ميّتا ول‬
‫تموت أمّه من الضّرب ‪ .‬أمّا الشّافعيّة والحنابلة فيوجبون الغرّة سواء أكان انفصال الجنين ميّتا‬
‫حدث في حياة ال مّ أو ب عد موت ها لنّه ك ما يقول ا بن قدا مة ‪ :‬جن ين تلف بجنا ية ‪ ،‬وعلم ذلك‬
‫بخروجه ‪ ،‬فوجب ضمانه كما لو سقط في حياتها ‪ .‬ولنّه لو سقط حيّا ضمنه ‪ ،‬فكذلك إذا سقط‬
‫ميّتا كما لو أسقطته في حياتها ‪ .‬ويقول القاضي زكريّا النصاريّ ‪ :‬ضرب ال مّ ‪ ،‬فماتت ‪ ،‬ث مّ‬
‫ألقت ميّتا ‪ ،‬وجبت الغرّة ‪ ،‬كما لو انفصل في حياتها ‪ .‬يتّفق الفقهاء في أصل ترتّب العقوبة إذا‬
‫استبان بعض خلق الجنين ‪ ،‬كظفر وشعر ‪ ،‬فإنّه يكون في حكم تا مّ الخلق اتّفاقا ول يكون ذلك‬
‫ك ما يقول ا بن عابد ين إلّ ب عد مائة وعشر ين يوما ‪ ،‬وتو سّع المالكيّة فأوجبوا الغرّة حتّى لو لم‬
‫يستبن شيء من خلقه ‪ ،‬ولو ألقته علقةً أي دما مجتمعا ‪ ،‬ونقل ابن رشد عن المام مالك قوله ‪:‬‬
‫كلّ ما طرحت من مضغة أو علقة ممّا يعلم أنّه ولد ففيه غرّة والجود أن يعتبر نفخ الرّوح فيه‬
‫آدميب ‪ ،‬وعنبد الحنابلة إذا ألقبت‬
‫ّ‬ ‫‪ .‬والشّافعيّة يوجبون الغرّة أيضا لو ألقتبه لحما فبي صبورة‬
‫مضغ ًة ‪ ،‬فشهد ثقات من القوابل أنّه مبتدأ خلق آدم يّ ‪ ،‬وجهان ‪ :‬أصحّهما ل شيء فيه ‪ ،‬وهو‬
‫مذهب الشّافع يّ فيما ليس فيه صورة آدم يّ ‪ .‬أمّا عند الحنفيّة ففيه حكومة عدل ‪ ،‬إذ ينقل ابن‬
‫عابد ين عن الشّمنّ يّ ‪ :‬أ نّ المض غة غ ير المتبيّ نة الّ تي يش هد الثّقات من القوا بل أنّ ها بدء خلق‬
‫آدميّ فيها حكومة عدل ‪.‬‬
‫تعدّد الجنّة في الجهاض ‪:‬‬
‫‪ - 14‬ل خلف بين فقهاء المذاهب في أنّ الواجب الماليّ من غرّة أو دية يتعدّد بتعدّد الجنّة ‪.‬‬
‫فإن أل قت المرأة ب سبب الجنا ية جنين ين أو أك ثر تعدّد الوا جب بتعدّد هم ؛ لنّه ضمان آدم يّ ‪،‬‬
‫فتعدّد بتعدّده ‪ ،‬كالدّيات ‪ .‬والقائلون بوجوب الكفّارة مبع الغرّة ‪ -‬وهبم الشّافعي ّة والحنابلة كمبا‬
‫تقدّم ‪ -‬يرون أنّها تتعدّد بتعدّد الجنين أيضا ‪.‬‬
‫من تلزمه الغرّة ‪:‬‬
‫‪ - 15‬الغرّة تلزم العاقلة في سنة بالنّسبة للجنين الحرّ عند فقهاء الحنفيّة ‪ ،‬للخبر الّذي روي‬
‫عن محمّد بن الحسن « أ نّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قضى بالغرّة على العاقلة في سنة‬
‫» ‪ ،‬ول يرث الجاني وهذا هو الصحّ عند الشّافعيّة ‪ ،‬فقد قالوا ‪ :‬الغرّة على عاقلة الجاني ولو‬
‫ن الجنا ية على الجن ين ل ع مد في ها حتّى يق صد بالجنا ية ‪ ،‬بل يجري في ها‬
‫الحا مل نف سها ؛ ل ّ‬
‫الخطأ وشبه العمد ‪ .‬سواء أكانت الجناية على أمّه خطأً أم عمدا أم شبه عمد ‪ .‬وللحنفيّة تفصيل‬
‫‪ :‬فلو ضرب الرّ جل ب طن امرأ ته ‪ ،‬فأل قت جنينا ميّتا ‪ ،‬فعلى عاقلة الب الغرّة ‪ ،‬ول يرث‬
‫فيها ‪ ،‬والمرأة إن أجهضت نفسها متعمّد ًة دون إذن الزّوج ‪ ،‬فإنّ عاقلتها تضمن الغرّة ول ترث‬
‫فيهبا ‪ ،‬وأمّا إن أذن الزّوج ‪ ،‬أو لم تتعمّد ‪ ،‬فقيبل ‪ .‬ل غرّة ؛ لعدم التّعدّي ‪ ،‬لنّه هبو الوارث‬
‫والغرّة حقّه ‪ ،‬وقبد أذن بإتلف حقّه ‪ .‬والصبّحيح أنّب الغرّة واجببة على عاقلتهبا أيضا ؛ لنّه‬
‫ن الدم يّ ل يملك أحد إهدار آدميّته‬
‫بالنّظر إلى أ نّ الغرّة حقّه لم يجب بضربه شيء ‪ ،‬ولكن ل ّ‬
‫وج بت على العاقلة ‪ ،‬فإن لم ي كن ل ها عاقلة فق يل في مال ها ‪ ،‬و في ظا هر الرّوا ية ‪ :‬في ب يت‬
‫المال ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إ نّ الزّوجة لو أمرت غيرها أن تجهض ها ‪ ،‬ففعلت ‪ ،‬ل تض من المأمورة ‪ ،‬إذا‬
‫كان ذلك بإذن الزّوج ‪ .‬ويرى المالكيّة وجوب الغرّة في مال الجاني في العمد مطلقا ‪ ،‬وكذا في‬
‫الخطأ ‪ ،‬إلّ أن يبلغ ثلث ديته فأكثر فعلى عاقلته ‪ ،‬كما لو ضرب مجوسيّ حرّةً حبلى ‪ ،‬فألقت‬
‫ن الغرّة الواج بة ه نا أك ثر من ثلث د ية الجا ني ‪ .‬ويوافق هم الشّافعيّة في قول غ ير‬
‫جنينا ‪ ،‬فإ ّ‬
‫صحيح عندهم فيما إذا كا نت الجناية عمدا ‪ ،‬إذ قالوا ‪ :‬وقيل ‪ :‬إن تعمّد الجناية فعليه الغرّة ل‬
‫على عاقلته ‪ ،‬بناءً على تصوّر العمد فيه والصحّ عدم تصوّره لتوقّفه على علم وجوده وحياته‬
‫‪ .‬أمّا الحنابلة فقد جعلوا الغرّة على العاقلة إذا مات الجنين مع أمّه وكانت الجناية عليها خطأً‬
‫أو ش به ع مد ‪ .‬أمّا إذا كان الق تل عمدا ‪ ،‬أو مات الجن ين وحده ‪ ،‬فتكون في مال الجا ني ‪ ،‬و ما‬
‫تحمله العاقلة ي جب مؤجّلً في ثلث سنين ‪ ،‬وق يل ‪ :‬من لزم ته الكفّارة ف في ماله مطلقا على‬
‫ال صّحيح من المذ هب ‪ ،‬وق يل ما حمله ب يت المال من خ طأ المام والحا كم ف في ب يت المال ‪.‬‬
‫والتّفصيل في مصطلحات ( عاقلة ‪ .‬غرّة ‪ .‬جنين ‪ .‬دية ‪ .‬كفّارة ) ‪.‬‬
‫الثار التّبعيّة للجهاض ‪:‬‬
‫‪ - 16‬بالجهاض ينفصل الجنين عن أمّه ميّتا ‪ ،‬ويسمّى سقطا ‪ .‬والسّقط هو الولد تضعه المرأة‬
‫ميّتا أو لغيبر تمام أشهره ولم يسبتهلّ ‪ .‬وقبد تكلّم الفقهاء عبن حكبم تسبميته وتغسبيله وتكفينبه‬
‫وال صّلة عليه ودفنه ‪ .‬وموضع بيان ذلك وتفصيله مصطلح سقط ‪ .‬أثر الجهاض في الطّهارة‬
‫والعدّة والطّلق ‪:‬‬
‫‪ - 17‬ل خلف في أنّ الجهاض بعد تمام الخلق تترتّب عليه الحكام الّتي تترتّب على الولدة‬
‫‪ .‬من ح يث الطّهارة ‪ ،‬وانقضاء العدّة ‪ ،‬ووقوع الطّلق المعلّق على الولدة ‪ ،‬لتيقّن براءة‬
‫ن الجهاض ل أ ثر له في ما يتوقّف ف يه ا ستحقاق الجن ين على‬
‫الرّ حم بذلك ‪ ،‬ول خلف في أ ّ‬
‫تحقّق الحياة وانف صاله عن أمّه حيّا كالرث والو صيّة والو قف ‪ .‬أمّا الجهاض في مرا حل‬
‫الحمل الولى قبل نفخ الرّوح ففيه التّجاهات الفقهيّة التية ‪ :‬فبالنّسبة لعتبار أمّه نفساء ‪ ،‬وما‬
‫يتطلّبه ذلك من تطهّر ‪ ،‬يرى المالكيّة في المعتمد عندهم ‪ ،‬والشّافعيّة ‪ ،‬اعتبارها نفساء ‪ ،‬ولو‬
‫بإلقاء مضغة هي أصل آدم يّ ‪ ،‬أو بإلقاء علقة ‪ .‬ويرى الحنفيّة والحنابلة أنّه إذا لم يظهر شيء‬
‫من خلقه فإ نّ المرأة ل تصير به نفساء ‪ .‬ويرى أبو يوسف ومحمّد في رواية عنه أنّه ل غسل‬
‫علي ها ‪ ،‬ل كن ي جب علي ها الوضوء ‪ ،‬و هو ال صّحيح ‪ .‬وبالنّ سبة لنقضاء العدّة ووقوع الطّلق‬
‫ن العل قة والمض غة الّ تي ل يس في ها‬
‫ن الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة يرون أ ّ‬
‫المعلّق على الولدة فإ ّ‬
‫أ يّ صورة آدم يّ ل تنقضي بها العدّة ‪ ،‬ول يقع الطّلق المعلّق على الولدة ؛ لنّه لم يثبت أنّه‬
‫ولد بالمشاهدة ول بالبيّ نة ‪ .‬أمّا المض غة المخلّ قة والّ تي ب ها صورة آدم يّ ولو خفيّ ًة ‪ ،‬وشهدت‬
‫الثّقات القوا بل بأنّ ها لو بق يت لت صوّرت ‪ ،‬فإنّ ها تنق ضي ب ها العدّة وي قع الطّلق ؛ لنّه علم به‬
‫براءة الرّحبم عنبد الحنفيّة والحنابلة ‪ .‬لكبن الشّافعيّة ل يوقعون الطّلق المعلّق على الولدة ؛‬
‫ن العدّة تنقضي بانفصال الحمل كلّه ولو‬
‫لنّه ل يسمّى ولد ًة ‪ ،‬أمّا المالكيّة فإنّهم ينصّون على أ ّ‬
‫علقةً ‪.‬‬
‫إجهاض جنين البهيمة ‪:‬‬
‫‪ - 18‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وهو الصّحيح عند الحنابلة ‪ ،‬إلى أنّه يجب في جنين البهيمة إذا‬
‫ألقته بجناية ميّتا ما نقصت المّ ‪ ،‬أي حكومة عدل ‪ ،‬وهو أرش ما نقص من قيمتها ‪ .‬وإذا نزل‬
‫حيّا ث مّ مات من أثر الجناية فقيمته مع الحكومة ‪ ،‬وفي المسائل الملقوطة الّتي انفرد بها مالك‬
‫أ نّ عليه عشر قيمة أمّه ‪ ،‬وهو ما قال به أبو بكر من الحنابلة ‪ .‬ولم نقف للشّافعيّة على كلم‬
‫في هذا أكثر من قولهم ‪ :‬لو صالت البهيمة وهي حامل على إنسان ‪ ،‬فدفعها ‪ ،‬فسقط جنينها ‪،‬‬
‫ن الدّفع لو كان عدوانا لزمه الضّمان ‪.‬‬
‫فل ضمان ‪ .‬وهذا يفيد أ ّ‬
‫أجير‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬الجير هو المستأجر ‪ ،‬والجمع أجراء ‪ .‬ول يخرج استعمال الفقهاء له عن هذا المعنى ‪،‬‬
‫وهو على قسمين ‪ :‬أجير خا صّ ‪ :‬وهو الّذي يقع العقد عليه في مدّة معلومة يستحقّ المستأجر‬
‫منفع ته المعقود علي ها في تلك المدّة ‪ ،‬وي سمّى بالج ير الو حد ؛ لنّه ل يع مل لغ ير م ستأجره ‪،‬‬
‫كمن استؤجر شهرا للخدمة ‪ .‬وأجير مشترك ‪ :‬وهو من يعمل لعامّة النّاس كال ّنجّار والطّبيب ‪.‬‬
‫ي)‬
‫( الحكم الجمال ّ‬
‫‪ - 2‬اسبتئجار الدميّب جائز شرعا لقول اللّه تعالى ‪ { :‬قال إنّي أريبد أن أنكحبك إحدى ابنتيّب‬
‫هات ين على أن تأجر ني ثما ني ح جج } وقول النّبيّ صلى ال عل يه و سلم ‪ « :‬أعطوا الج ير‬
‫أجره ق بل أن يج فّ عر قه » ‪ .‬وم تى كان الج ير جائز التّ صرّف ‪ ،‬م ستوفيا لشروط الع قد من‬
‫سلمة السباب واللت ‪ ،‬قادرا على تسليم المنفعة المطلوبة منه ح سّا وشرعا ‪ ،‬ولم يكن فيما‬
‫يستأجر عليه معصية ‪ ،‬فإنّه يجب عليه الوفاء بما ت مّ العقد عليه ‪ .‬فإن كان أجيرا خا صّا وجب‬
‫عليبه تسبليم نفسبه لمسبتأجره ‪ ،‬وتمكينبه مبن اسبتيفاء منفعتبه المعقود عليهبا فبي هذه المدّة ‪،‬‬
‫ل أداء ال صّلة المفرو ضة باتّفاق ‪ ،‬وال سّنن على‬
‫وامتنا عه من الع مل لغ ير م ستأجره في ها ‪ ،‬إ ّ‬
‫خلف ‪ ،‬وإذا سلّم نف سه في المدّة فإنّه ي ستحقّ الجرة الم سمّاة ‪ ،‬وإن لم يع مل شيئا ‪ ،‬وإن كان‬
‫أجيرا مشتركا و جب عل يه الوفاء بالع مل المطلوب م نه والتّ سليم للم ستأجر ‪ ،‬وي ستحقّ الجرة‬
‫بالوفاء بذلك ‪ .‬وما مرّ محلّ اتّفاق بين الفقهاء ‪.‬‬

‫( مواطن البحث )‬
‫‪ - 3‬هذا ‪ ،‬وللجير أحكام كثيرة باعتباره أحد طرفي عقد الجارة ‪ ،‬وباعتبار المنفعة المطلوبة‬
‫م نه ‪ ،‬وبيان مدّت ها ‪ ،‬أو نوع ها ومحلّ ها ‪ ،‬والجرة وتعجيل ها ‪ ،‬أو تأجيل ها ‪ ،‬و من ناح ية خياره‬
‫وعدمه ‪ ،‬ومتى تنفسخ معه الجارة ومتى ل تنفسخ ‪ ،‬وغير ذلك ‪ .‬وينظر في مصطلح ( إجارة‬
‫)‪.‬‬
‫إحالة‬
‫انظر ‪ :‬حوالة ‪.‬‬

‫أحباس‬
‫انظر ‪ :‬وقف ‪.‬‬
‫إحبال‬
‫انظر ‪ :‬حمل‬
‫احتباء‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬الحتباء في اللّغة القعود على مقعدته وض مّ فخذيه إلى بطنه واشتمالهما مع ظهره بثوب‬
‫أو نحوه ‪ ،‬أو باليدين ‪ .‬وهو عند الفقهاء كذلك ‪ .‬الفرق بين الحتباء والقعاء ‪:‬‬
‫‪ - 2‬القعاء وضع الليتين واليدين على الرض مع نصب الرّكبتين وعلى هذا يكون الفرق‬
‫بينهما أنّه يرافق الحتباء ضمّ الفخذين إلى البطن ‪ ،‬والرّكبتين إلى الصّدر ‪ ،‬والتزامهما باليدين‬
‫أو بثوب بينما ل يكون في القعاء ذلك اللتزام ‪ .‬الحكم العامّ ومواطن البحث ‪:‬‬
‫‪ - 3‬الحتباء خارج ال صّلة مباح إن لم يراف قه محظور شرع يّ آخر ككشف العورة مثلً ‪.‬‬
‫والولى تر كه و قت الخط بة وع ند انتظار ال صّلة ؛ لنّه يكون متهيّئا للنّوم والوقوع وانتقاض‬
‫الوضوء ‪ .‬هبو مكروه فبي الصبّلة لمبا ورد مبن النّهبي عنبه ‪ ،‬ومبا فيبه مبن مخالفبة الوضبع‬
‫المسنون في الصّلة ‪.‬‬
‫‪ - 4‬وقد فصّل الفقهاء حكم الحتباء في كتاب الصّلة ‪ ،‬عند كلمهم على مكروهات الصّلة ‪.‬‬
‫احتباس‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬الحبس والحتباس ‪ ،‬ض ّد التّخلية ‪ ،‬أو هو المنع من ح ّريّة السّعي ‪ ،‬ولكن الحتباس ‪ -‬كما‬
‫يقول أهل اللّغة ‪ -‬يخت صّ بما يحبسه النسان لنفسه ‪ ،‬قال في لسان العرب ‪ :‬احتبست الشّيء‬
‫إذا اختصصته لنفسك خاصّةً ‪ .‬وكما أنّه يأتي متعدّيا فإنّه يأتي لزما ‪ ،‬مثل ما في الحديث ‪« :‬‬
‫احتبس جبريل عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم » وقولهم ‪ :‬احتبس المطر أو اللّسان ‪.‬‬

‫( اللفاظ ذات الصّلة )‬


‫أ ‪ -‬الحبس ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الفرق بين الحبس والحتباس ‪ ،‬أنّ الحبس ل يأتي إلّ متعدّيا ‪ ،‬وليس كذلك الحتباس فإنّه‬
‫يأتي متعدّيا ولزما ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الحجر ‪:‬‬
‫‪ - 3‬والفرق ب ين الحتباس والح جر ‪ ،‬أ نّ الح جر م نع ش خص من التّ صرّف في ماله رعايةً‬
‫لمصلحته ‪ .‬وبذلك يكون الفرق بينهما أ نّ الحتباس هو منع لصالح المحتبس ( بكسر الباء ) ‪،‬‬
‫والحجر منع لصالح المحجور عليه ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الحصر ‪:‬‬
‫ن الحصر هو الحبس مع التّضييق ‪ ،‬والتّضييق ل يرد‬
‫‪ - 4‬والفرق بين الحتباس والحصر ‪ ،‬أ ّ‬
‫ببي‬
‫ببا ل يلزم أن يكون فب‬
‫إلّ على ذي روح ‪ ،‬والحتباس يرد على ذي الرّوح وغيره ‪ ،‬كمب‬
‫الحتباس تضييق ‪.‬‬
‫د ‪ -‬العتقال ‪:‬‬
‫‪ - 5‬والفرق بين الحتباس والعتقال ‪ :‬أنّ العتقال هو الحبس عن حاجته ‪ ،‬أو هو الحبس عن‬
‫أداء ما هو من وظيفته ‪ ،‬ومن هنا يقولون ‪ :‬اعت قل لسانه إذا حبس ومنع عن الكلم ‪ .‬وليس‬
‫كذلك الحتباس ‪ ،‬إذ ل يقصد منه المنع من أداء الوظيفة ‪.‬‬
‫( الحكم الجماليّ ومواطن البحث )‬
‫‪ - 6‬يجوز الحتباس في حالتين ‪:‬‬
‫الحالة الولى ‪ :‬عند ما يكون ح قّ المحت بس في المحبوس هو الغالب ‪ ،‬كحبس المرهون بالدّ ين‬
‫‪ -‬كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الرّهن ‪ ،‬وحبس الجير المشترك العين الّتي له فيها أثر حتّى‬
‫يتسلّم الجرة ‪ ،‬واحتباس البائع ما في يده من البيع حتّى يسلّم المشتري ما في يده من الثّمن إلّ‬
‫بشرط مخالف ‪.‬‬
‫الحالة الثّانية ‪ :‬عندما تتطلّب المصلحة هذا الحتباس ‪ ،‬كاحتباس المال عن مالكه ال سّفيه ‪ ،‬كما‬
‫ذكبر ذلك الفقهاء فبي كتاب الحجبر ‪ ،‬واحتباس مبا غنمبه أهبل العدل مبن أموال البغاة حت ّى‬
‫يتوبوا ‪ ،‬ك ما ذ كر ذلك الفقهاء في كتاب البغاة ‪ ،‬واحتباس الرض المفتو حة عنو ًة للم سلمين ‪،‬‬
‫وعدم توزيعها بين المحاربين ‪ ،‬ونحو ذلك ‪.‬‬
‫‪ - 7‬ويمتنع الحتباس في أحوال ‪:‬‬
‫الحال الولى ‪ :‬عندما يكون حقّ الغير هو الغالب ‪ ،‬كحقّ المرتهن في العين المرهونة ففي هذه‬
‫الحال يمتنع على المالك ( الرّاهن ) حقّه الصليّ في الحتباس ‪.‬‬
‫الحال الثّانيبة ‪ :‬حالة الضّرورة ‪ ،‬كاحتباس الضّروريّات لغلء السبّعر على النّاس ‪ ،‬وتفصبيل‬
‫الكلم على ذلك موطنه مصطلح « احتكار » ‪ .‬الحال الثّالثة ‪ :‬حال الحاجة ‪ ،‬ولذلك كره حبس‬
‫الشياء المعتاد إعارتها عن الغير إن احتاج إليه ذلك الغير ‪.‬‬
‫من آثار الحتباس ‪:‬‬
‫‪ - 8‬مبن احتببس إنسبانا أو حيوانا وجببت عليبه مؤنتبه ‪ ،‬ولذلك وجببت النّفقبة للزّوجبة ‪،‬‬
‫الخاصب بمجرّد‬
‫ّ‬ ‫والقاضبي ‪ ،‬والمغصبوب ‪ ،‬والحيوان المحتببس ‪ ،‬ووجببت الجرة للجيبر‬
‫الحتباس ‪ ،‬ونحو ذلك ‪ .‬وتكره ال صّلة مع احتباس الرّيح أو الغائط ‪ -‬مدافعة الخبثين ‪ -‬وقد‬
‫ن صبلة‬
‫ذكبر ذلك الفقهاء فبي كتاب الصبّلة عنبد كلمهبم على مكروهات الصبّلة ‪ ،‬وتسب ّ‬
‫الستسقاء عند احتباس المطر ‪ ،‬وتفصيل ذلك في كتاب ال صّلة ‪ ،‬فصل صلة الستسقاء من‬
‫كتب الفقه ‪ .‬ويعامل محتبس الكلم ‪ -‬أي من اعتقل لسانه ‪ -‬معاملة الخرس إذا طال احتباس‬
‫الكلم عنه كما سنفصّل ذلك في كلمة « أخرس » ‪.‬‬
‫احتجام‬
‫التّعريف‬
‫ص ‪ ،‬يقال ‪ :‬حجم الصّبيّ ثدي أمّه ‪،‬‬
‫‪ ( - 1‬الحتجام طلب الحجامة ) ‪ .‬والحجم في لغة ‪ :‬الم ّ‬
‫ص واحترافه يسمّى‬
‫أي ‪ ،‬م صّه ‪ ،‬ومن هنا سمّي الحجام بذلك ‪ ،‬لنّه يم صّ الجرح ‪ ،‬وفعل الم ّ‬
‫الحجامبة ‪ ،‬ول يخرج اسبتعمال الفقهاء لهذه الكلمبة عبن هذا المعنبى ‪ .‬والفرق بيبن الحجامبة‬
‫والفصد ‪ :‬أنّ الفصد هو شقّ العرق لخراج الدّم منه فهو غير الحتجام ‪.‬‬
‫ي)‬
‫( الحكم الجمال ّ‬
‫‪ - 2‬الحتجام مباح للتّطبيب ‪ ،‬ويكره في الوقت الّذي يحتاج فيه المسلم للقوّة والنّشاط لداء‬
‫ص الفقهاء على ذلك‬
‫عبادة ونحوها ‪ ،‬لما يورثه من ضعف في البدن ‪ ،‬وكذلك لل صّائم ‪ .‬كما ن ّ‬
‫فبي كتاب الصبّوم ‪ ،‬عنبد كلمهبم على مكروهات الصبّيام ‪ .‬وذهبب الحنابلة إلى فسباد الصبّيام‬
‫بالحجا مة ‪ ،‬و قد ذكروا ذلك في كتاب ال صّوم ع ند كلم هم على ما يف سد ال صّوم ول يو جب‬
‫الكفّارة ‪.‬‬
‫‪ - 3‬والحجامة حرفة دنيئة لمخالطة محترفها النّجاسة ‪ ،‬ويترتّب عليها من الثار ما يترتّب‬
‫على الحرف الدّنيئة ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح احتراف " ويذكره الفقهاء في الكفاءة من باب‬
‫النّكاح ‪ ،‬وفي باب الجارة ‪.‬‬
‫‪ - 4‬الحجامة تطبيب ‪ ،‬فيترتّب عليها ما يترتّب على التّطبيب من آثار ‪ :‬كجواز نظر الحاجم‬
‫إلى عورة المحجوم عنبد الضّرورة ‪ .‬وذكبر الحنفيّة ذلك فبي كتاب الحظبر والباحبة فبي باب‬
‫النّظر ‪ ،‬ويذكره غيرهم غالبا في كتاب النّكاح استطرادا أو في كتاب ال صّلة عند كلمهم على‬
‫ستر العورة ‪ ،‬وكضمان ما تلف بف عل الحجّام ‪ ،‬ذ كر ذلك جمهور الفقهاء في كتاب الجنايات ‪.‬‬
‫وذكره المالكيّة في الجارة ‪ ،‬وذكره ابن قدامة من الحنابلة في التّعزير ‪.‬‬
‫‪ - 5‬ودم الحجامة نجس كغيره ‪ ،‬ولكن يجزئ المسح في تطهير مكان الجرح منه للضّرورة ‪،‬‬
‫ويجب أن ينزّه المسجد عن الحجامة فيه ‪.‬‬
‫احتراف‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬الحتراف في اللّ غة ‪ :‬الكت ساب ‪ ،‬أو طلب حر فة للك سب ‪ .‬والحر فة كلّ ما اشت غل به‬
‫النسان واشتهر به ‪ ،‬فيقولون حرفة فلن كذا ‪ ،‬يريدون دأبه وديدنه ‪ .‬وهي بهذا ترادف كلمتي‬
‫صنعة ‪ ،‬وعمل ‪ .‬أمّا المتهان فإنّه ل فرق بينه وبين احتراف ؛ لنّ معنى المهنة يرادف معنى‬
‫ل منهمبا يراد ببه حذق العمبل ‪ .‬ويوافبق الفقهاء اللّغويّيبن فبي هذا ‪ ،‬فيطلقون‬
‫الحرفبة ‪ ،‬وك ّ‬
‫الحتراف على مزاولة الحرفة وعلى الكتساب نفسه ‪.‬‬
‫( اللفاظ ذات الصّلة ) ‪ :‬أ ‪ -‬الصّناعة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الحتراف يفترق عن " ال صّناعة " لنّها عند أهل اللّغة ترتيب العمل على ما تقدّم علم‬
‫ببه ‪ ،‬وبمبا يوصبّل إلى المراد منبه ‪ ،‬ولذا قيبل لل ّنجّار صبانع ول يقال للتّاجبر صبانع ‪ .‬فل‬
‫يشترطون في ال صّناعة أن يجعل ها الشّ خص دأ به وديد نه ‪ ،‬ويخ صّ الفقهاء ‪ ،‬كل مة " صناعة "‬
‫بالحرف الّتي تستعمل فيها اللة ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬الصّناعة ما كان بآلة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬العمل ‪.‬‬
‫ن الع مل يطلق على الف عل سواء حذ قه الن سان أو لم‬
‫‪ - 3‬يفترق الحتراف عن الع مل ‪ ،‬بأ ّ‬
‫يحذقبه ‪ ،‬اتّخذه ديدنا له أو لم يتّخذه ‪ ،‬ولذلك قالوا ‪ :‬العمبل المهنبة والفعبل ‪ .‬وغالب اسبتعمال‬
‫الفقهاء إطلق الع مل على ما هو أع مّ من الحتراف وال صّنعة ‪ ،‬ك ما أ نّ الحتراف أع مّ من‬
‫الصّنعة ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الكتساب أو الكسب ‪:‬‬
‫ن كلّا منهما أعمّ من الحتراف‬
‫‪ - 4‬يفترق معنى الحتراف عن معنى الكتساب أو الكسب ‪ ،‬بأ ّ‬
‫‪ ،‬لنّهما عند أهل اللّغة ما يتحرّاه النسان ممّا فيه اجتلب نفع وتحصيل حظّ ‪ ،‬فل يشترط فيه‬
‫أن يجعله الشّخبص دأببه وديدنبه كمبا هبو الحال فبي الحتراف ‪ ،‬ويطلق الفقهاء الكتسباب أو‬
‫ل أو حرم من السباب سواء أكان باحتراف أو بغير احتراف‬
‫الكسب على تحصيل المال بما ح ّ‬
‫‪ ،‬كما يطلقون الكسب على الحاصل بالكتساب ‪ .‬الحكم التّكليفيّ إجمالً ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الحتراف فرض كفاية على العموم لحتياج النّاس إليه وعدم استغنائهم عنه ‪ .‬وسيأتي‬
‫تفصيل ذلك فيما بعد إن شاء اللّه ‪.‬‬
‫تصنيف الحرف ‪:‬‬
‫‪ - 6‬ت صنّف الحرف إلى صنفين ‪ :‬ال صّنف الوّل ‪ :‬حرف شري فة ‪ ،‬وال صّنف الثّا ني حرف‬
‫دنيئة ‪ .‬وال صل في هذا التّ صنيف ما رواه ع مر بن الخطّاب ‪ ،‬قال ‪ « :‬سمعت ر سول اللّه‬
‫صلى ال عل يه و سلم يقول ‪ :‬إنّي وه بت لخال تي غلما ‪ ،‬وأ نا أر جو أن يبارك ل ها ف يه ‪ .‬فقلت‬
‫ل ها ‪ :‬ل ت سلّميه حجّاما ‪ ،‬ول صائغا ‪ ،‬ول ق صّابا » ‪ .‬قال ابن الث ير ‪ :‬ال صّائغ ربّ ما كان من‬
‫صنعه ش يء للرّجال و هو حرام ‪ ،‬أو كان من آن ية و هي حرام ‪ ،‬أمّا الق صّاب فل جل النّجا سة‬
‫الغال بة على ثو به وبد نه مع تعذّر الحتراز ‪ .‬وروي أ نّ النّبيّ صلى ال عل يه و سلم قال ‪« :‬‬
‫ل حائكا أو حجّاما » ‪ .‬قيبل للمام أحمبد ‪ :‬وكيبف تأخبذ بهذا‬
‫العرب أكفاء بعضهبم لبعبض إ ّ‬
‫الحديث وأنت تضعّفه ؟ قال ‪ :‬العمل عليه ‪.‬‬
‫تفاوت الحرف الشّريفة فيما بينها ‪:‬‬
‫ن أشرف الحرف‬
‫‪ - 7‬فاضل الفقهاء بين الحرف الشّريفة لعتبارات ذكروها ‪ ،‬فاتّفقوا على أ ّ‬
‫ن المدرّس ك فء‬
‫العلم و ما آل إل يه ‪ ،‬كالقضاء والح كم ون حو ذلك ‪ ،‬ولذلك ن صّ الحنفيّة على أ ّ‬
‫لبنت المير ‪ .‬وذكر ابن مفلح إجماع العلماء على أ نّ أشرف الكسب الغنائم إذا سلم من الغلول‬
‫‪ .‬ثمّ اختلفوا فيما يتلوه في الفضل ‪ .‬هذا وإ نّ للفقهاء في كتبهم كلما في المفاضلة بين الحرف‬
‫الشّريفة ‪ ،‬من علم أو تجارة أو صناعة أو زراعة ‪ . .‬إلخ ولهم في اتّجاهاتهم المختلفة فيما هو‬
‫ل في آرائ هم تلك‬
‫أشرف ا ستدلل بأحاد يث ووجوه من المعقول ظنّيّة الورود أو الدّللة ‪ ،‬ولع ّ‬
‫مراعاةً لبعض العراف والملبسات الّتي كانت سائدةً في زمانهم ‪ ،‬ونجتزئ بهذه الشارة عن‬
‫إيراد التّجاهات المختلفة في هذه المسألة ‪.‬‬
‫الحرف الدّنيئة ‪:‬‬
‫‪ - 8‬لقد حرص الفقهاء على تحديد الحرف الدّنيئة ليبقى ما وراءها من الحرف شريفا ‪ .‬فقالوا‬
‫‪ :‬الحرف الدّنيئة هي كلّ حرفة دلّت ملبستها على انحطاط المروءة وسقوط النّفس ‪ .‬وقد اتّفق‬
‫الفقهاء على اعتبارهم الحرف المحرّمة ‪ ،‬كاحتراف الزّنا وبيع الخمر ونحو ذلك ‪ ،‬حرفا دنيئةً‬
‫كما سيأتي ‪ ،‬وقد سلك الفقهاء في تحديد الحرف الدّنيئة ‪ -‬فيما عدا المحرّمة منها ‪ -‬مسلكين ‪:‬‬
‫ن كلّ حرفة فيها مباشرة نجاسة‬
‫الوّل ‪ :‬تحديدها بالضّابط ‪ ،‬ومنه ما ن صّ عليه الشّافعيّة من أ ّ‬
‫هي حر فة دنيئة ‪ .‬الثّا ني ‪ :‬تحديد ها بالعرف ‪ ،‬و هو م سلك جمهور الفقهاء ‪ ،‬ومن هم الشّافعيّة‬
‫أيضا ‪ ،‬واجتهدوا استنادا إلى العراف ال سّائدة في عصورهم في تحديد الحرف الدّنيئة ‪ .‬هذا ‪،‬‬
‫وإنّب مبا جاء فبي بعبض الكتبب الفقهيّة مبن وصبف بعبض أنواع مبن الحرف بالدّناءة ‪ -‬تبعا‬
‫لوضاع زمنيّة ‪ -‬فإ نّ القائلين بذلك صرّحوا بأنّه تزول كراهة الحتراف بحرفة دنيئة إذا كان‬
‫احترافها للقيام بفرض الكفاية ‪ ،‬إذ ينبغي أن يكون في كلّ بلد جميع الصّنائع المحتاج إليها ‪.‬‬
‫التّحوّل من حرفة إلى حرفة ‪:‬‬
‫‪ - 9‬قال ا بن مفلح في الداب الشّرعيّة ‪ :‬قال القا ضي أ بو يعلى ‪ :‬ي ستحبّ إذا و جد الخ ير في‬
‫نوع من التّجارة أن يلزمه ‪ ،‬وإن قصد إلى جهة من التّجارة فلم يقسم له فيها رزقه ‪ ،‬عدل إلى‬
‫غيره ‪ ،‬ل ما روى ا بن أ بي الدّن يا عن مو سى بن عق بة مرفوعا ‪ « :‬إذا رزق أحد كم في الو جه‬
‫من التّجارة فليلزمه ‪ » .‬وروى ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطّاب قال ‪ :‬من اتّجر في شيء‬
‫ثلث مرّات ‪ ،‬فلم يصب فيه فليتحوّل إلى غيره ‪ .‬وقال عبد اللّه بن عمر ‪ :‬من اتّجر في شيء‬
‫ثلث مرّات فلم ي صب ف يه ‪ ،‬فليتحوّل إلى غيره ‪ .‬ول كن هل لهذا التّحوّل أ ثر في الكفاءة ب ين‬
‫الزّوجين في الحرفة ؟ ( ر ‪ :‬كفاءة ‪ .‬نكاح )‬
‫ي للحتراف تفصيلً‬
‫الحكم التّكليف ّ‬
‫‪ - 10‬أ ‪ -‬يندب للمرء أن يختار حرف ًة لك سب رز قه ‪ ،‬قال ع مر بن الخطّاب ‪ :‬إنّي لرى‬
‫الرّجل فيعجبني ‪ ،‬فأقول ‪ :‬له حرفة ؟ فإن قالوا ‪ :‬ل ‪ ،‬سقط من عيني ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وي جب ‪ -‬على الكفا ية ‪ -‬أن يتوفّر في بلد الم سلمين أ صول الحرف جميع ها ‪ ،‬احت يج‬
‫إليها أو ل ‪ .‬قال ابن تيميّة ‪ :‬قال غير واحد من أصحاب الشّافع يّ وأحمد وغيرهم كالغزال يّ ‪،‬‬
‫ن هذه ال صّناعات فرض على الكفاية ‪ ،‬فإنّه ل تت ّم مصلحة النّاس‬
‫وابن الجوز يّ ‪ ،‬وغيرهم ‪ :‬إ ّ‬
‫أنب احتراف بعبض الحرف يصببح فرض كفايبة إذا احتاج‬
‫إلّ بهبا ‪ .‬وقبد اختار اببن تيمي ّة ّ‬
‫المسلمون إليها ‪ ،‬فإن استغنوا عنها بما يجلبونه أو يجلب إليهم فقد سقط وجوب احترافها ‪ .‬فإذا‬
‫امت نع المحترفون عن القيام بهذا الفرض أ جبرهم المام عل يه بعوض الم ثل ‪ .‬قال ا بن تيميّة ‪:‬‬
‫إ نّ هذه العمال الّ تي هي فرض على الكفا ية م تى لم ي قم ب ها إلّ إن سان بعي نه صارت فرض‬
‫ع ين عل يه ‪ ،‬إن كان غيره عاجزا عنها ‪ ،‬فإذا كان النّاس محتاجين إلى فل حة قوم أو نساجتهم‬
‫أو بنائهم صار هذا العمل واجبا يجبرهم ول يّ المر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل ‪ ،‬ول‬
‫يمكّنهم من مطالبة النّاس بزيادة عن عوض المثل ‪.‬‬
‫‪ - 11‬ج ‪ -‬ولمّا كان إقامة الصّناعات فرض كفاية كان توفير المحترفين الّذين يعملون في هذه‬
‫ل به فهو واجب ‪ ،‬وهو ما ذهب إليه الشّافعيّة ‪ ،‬قال‬
‫ن ما ل يتمّ الواجب إ ّ‬
‫الصّناعات فرضا ‪ ،‬ل ّ‬
‫ي ال صّغير لذي حر فة يتعلّم م نه الحر فة ‪.‬‬
‫القليوب يّ في حاشي ته ما مفاده ‪ :‬ي جب أن ي سلّم الول ّ‬
‫ورغم أ نّ الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة لم ين صّوا على وجوب دفع الول يّ ال صّغير إلى من يعلّمه‬
‫الحرفة إلّ أنّ كلمهم يقتضي ذلك ‪.‬‬
‫حكم الحرف الدّنيئة ‪:‬‬
‫ن المكاسب غير المحرّمة كلّها في الباحة سواء ‪ .‬ولكن هذه‬
‫‪ - 12‬د ‪ -‬وجمهور الفقهاء على أ ّ‬
‫البا حة تكتنف ها الكرا هة إذا اختار المرء لنف سه أو ولده حرف ًة دنيئةً إن و سعه احتراف ما هو‬
‫أ صلح من ها ‪ .‬ومع هذا ف قد قال ع مر بن الخطّاب ر ضي ال عنه ‪ :‬مك سبة في ها ب عض الدّناءة‬
‫خ ير من م سألة النّاس ‪ .‬وقال ا بن عق يل ‪ :‬يكره تعلّم ال صّنائع الرّديئة مع إمكان ما هو أصلح‬
‫ص الشّافعيّة على زوال هذه الكراهة إذا كانت الحرفة الدّنيئة هي حرفة أبيه ‪ .‬ون صّ‬
‫منها ‪ .‬ون ّ‬
‫ابن مفلح الحنبل يّ على زوال هذه الكراهة إذا احترف المرء حرف ًة دنيئ ًة للقيام بفرض الكفاية ‪.‬‬
‫وقال بعض المتشدّدين من الحنفيّة ‪ :‬ما يرجع إلى الدّناءة من المكاسب في عرف النّاس ل يسع‬
‫القدام عل يه إلّ ع ند الضّرورة لقوله صلى ال عل يه و سلم ‪ « :‬ل يس لمؤ من أن يذلّ نف سه » ‪.‬‬
‫ولكنب‬
‫ّ‬ ‫يحبب معالي المور ويبغبض سبفسافها » ‪،‬‬
‫ّ‬ ‫إنب اللّه‬
‫وقوله صبلى ال عليبه وسبلم ‪ّ « :‬‬
‫الصّحيح عند الحنفيّة الوّل ‪.‬‬
‫الحرف المحظورة‬
‫‪ - 13‬أ ‪ -‬ال صل أنّه ل يجوز احتراف ع مل محرّم بذا ته ‪ ،‬و من ه نا م نع التّجار بالخ مر‬
‫واحتراف الكهانة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ك ما ل يجوز احتراف ما يؤدّي إلى الحرام أو ما يكون ف يه إعا نة عل يه ‪ ،‬كالو شم ‪ :‬ل ما‬
‫ف يه من تغي ير خلق اللّه وككتا بة الرّ با ‪ :‬ل ما ف يه من العا نة على أ كل أموال النّاس بالبا طل‬
‫ون حو ذلك ‪ .‬وتعرّض الفقهاء إلى اتّخاذ حرف يتك سّب من ها المحترف من غ ير أن يبذل في ها‬
‫جهدا ‪ ،‬أو يزيبد زياد ًة ‪ ،‬كالخيّاط يتسبلّم الثّوب ليخيطبه بديناريبن فيعطيبه لمبن يخيطبه بدينار‬
‫ويأخذ الفرق ‪ .‬فذهب الفقهاء إلى جواز ذلك ؛ لنّ مثل هذه الجارة كالبيع ‪ ،‬وبيع المبيع يجوز‬
‫ن الحنفيّة ن صّوا على أنّه إذا كانت الجرة‬
‫برأس المال وبأقلّ منه وبأكثر ‪ ،‬فكذلك الجارة إلّ أ ّ‬
‫الثّان ية من ج نس الجرة الولى فإ نّ الزّيادة ل تط يب له إلّ إذا بذل جهدا أو زاد زيادةً ‪ ،‬فإنّ ها‬
‫تطيب ولو اتّحد الجنس ‪.‬‬
‫آثار الحتراف ‪:‬‬
‫‪ - 14‬أ ‪ -‬يع طى الفق ير المحترف الّذي ل يملك آلت حرف ته من الزّكاة ما يشتري به آلة‬
‫حرفته ‪ .‬وتفصيل ذلك في ( زكاة ) ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إذا فعبل المحترف فعلً فبي حدود حرفتبه ‪ ،‬فأخطبأ فيبه خطأً يحتمبل أن يخطبئ فيبه‬
‫المحترفون ‪ ،‬فل ضمان عليبه ‪ ،‬كالطّبيب ‪ .‬أمّا مبن عداه فيضمبن ‪ .‬وتفصبيل ذلك فبي باب‬
‫الضّمان ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬يرى بعبض الفقهاء جواز إفطار رمضان لمبن يحترف حرف ًة شاقّةً يتعذّر عليبه الصبّيام‬
‫معها ‪ ،‬وليس بإمكانه تركها في رمضان ‪.‬‬
‫د ‪ -‬للمعتدّة ‪ -‬ول سيّما المحترفة ‪ -‬الخروج في حوائجها نهارا سواء أكانت مطلّق ًة أو متوفّى‬
‫عن ها ول يس ل ها ال مبيت في غ ير بيت ها ول الخروج ليلً إلّ لضرورة ‪ .‬وتف صيله في ( عدّة )‬
‫( وإحداد ) ‪.‬‬
‫ه ب ‪ -‬للحتراف أ ثر في الكفاءة ب ين الزّوج ين وتف صيله في ( نكاح ) ‪ ،‬وللحتراف أ ثر في‬
‫تخفيف بعض الحكام الشّرعيّة ‪ ،‬كالتّرخيص للقصّاب بالصّلة في ثياب مهنته مع ما عليها من‬
‫الدّم ‪ ،‬ما لم يفحش ‪ .‬وتفصيله في ( نجاسة ‪ -‬ما يعفى عنه من النّجاسات ) ‪.‬‬
‫احتساب‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬تأتي كلمة " احتساب " في اللّغة بمعان عديدة منها ‪ :‬أ ‪ -‬العتداد بالشّيء ‪ ،‬من الحسب ‪،‬‬
‫وهو العدّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬طلب الثّواب ‪ ،‬وقبد اسبتعمل الفقهاء هذا اللّفبظ بهذيبن المعنييبن كليهمبا ‪ ،‬على أنّه عنبد‬
‫الطلق ينصرف إلى معنى طلب الثّواب ‪ .‬الحتساب بمعنى العتداد أو العتبار ‪:‬‬
‫‪ - 2‬يطلق الفقهاء كلمة " احتساب " عندما يأتي المكلّف بالفعل على غير وجه الكمال ‪ ،‬ومع‬
‫ذلك فإ نّ الشّارع يع تبره صحيحا مقبولً ‪ .‬فالم سبوق في ال صّلة إذا أدرك الرّكوع مع المام‬
‫احتسببت له ركعبة ‪ ،‬وإن لم يأت بالفرائض الّتبي قبله ‪ ،‬ومبن دخبل المسبجد ‪ ،‬فرأى الجماعبة‬
‫قائم ًة لصلة الظّهر فنوى تحيّة المسجد وصلة الظّهر ودخل معهم في صلتهم ‪ ،‬احتسبت له‬
‫تلك الصّلة تحيّة مسجد وصلة ظهر ‪ .‬وتفصيل ذلك في " الصّلة » ‪ .‬الحتساب بمعنى طلب‬
‫الثّواب من اللّه تعالى ‪:‬‬
‫‪ - 3‬طلب الثّواب من اللّه تعالى بالحتساب يتحقّق في أمور كثيرة منها ‪ :‬أ ‪ -‬تنازل المسلم‬
‫عبن حقّه المترتّب على الغيبر طلبا لثواب اللّه تعالى ‪ ،‬ل عجزا ‪ ،‬كعتبق الرّقيبق ‪ ،‬احتسبابا ‪،‬‬
‫سيّد بعض مال الكتابة احتسابا والعفو عن القصاص دون مقابل احتسابا ‪ ،‬وإرضاع‬
‫ووضع ال ّ‬
‫الصّغير دون مقابل احتسابا ‪.‬‬
‫ق من حقوق اللّه تعالى المح ضة كال صّلة ‪ ،‬وال صّوم ‪ ،‬وأداء الشّهادة دون طلب‬
‫ب ‪ -‬أداء ح ّ‬
‫في ح قّ من حقوق اللّه المح ضة ‪ ،‬وفي ما للّه تعالى ف يه ح قّ غالب مؤكّد ‪ ،‬و هو ما ل يتأثّر‬
‫الدميب ‪ -‬كطلق ‪ ،‬وعتبق ‪ ،‬وعفبو عبن قصباص ‪ ،‬وبقاء عدّة ‪ ،‬وانقضائهبا ‪ ،‬وحدّ ‪،‬‬
‫ّ‬ ‫برضبا‬
‫ونسب ‪ .‬وقد ف صّل الفقهاء القول في ذلك في كتاب الشّهادات عند كلمهم على ما يؤدّى حسبةً‬
‫من الشّهادات ‪ ،‬وما يتّصل بأحكام المحتسب ينظر في مصطلح « حسبة » ‪.‬‬
‫احتشاش‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬الحتشاش معناه في اللّغة طلب الحشيش وجمعه ‪ ،‬والحشيش يابس الكل ‪ .‬قال الزهريّ‬
‫‪ :‬ل يقال للرّطب حشيش ‪ .‬واصطلحا ‪ :‬قطع الحشيش ‪ ،‬سواء أكان يابسا أم رطبا ‪ .‬وإطلقه‬
‫في الرّطب من قبيل المجاز ‪ ،‬باعتبار ما يؤول إليه ‪.‬‬

‫ي)‬
‫( الحكم الجمال ّ‬
‫‪ - 2‬اتّفقت المذاهب في الجملة على إباحة الحتشاش ‪ ،‬رطبا كان الكل أو جافّا ‪ ،‬في غير‬
‫الحرم ‪ ،‬ما دام غير مملوك لحد ‪ .‬أمّا إذا كان مملوكا فل يجوز احتشاشه إلّ بإذن مالكه ‪ .‬أمّا‬
‫في الحرم فقد اتّفقت المذاهب على أنّه ل يحلّ قطع حشيش الحرم غير المملوك لحد ‪ ،‬إلّ أنّهم‬
‫أباحوا الذخر وملحقاته وال سّواك والعوسج ‪ ،‬وقد أباح الشّافعيّة والحنابلة في رأي وأبو يوسف‬
‫في رأي أيضا الحتشاش في الحرم لعلف الدّوا بّ ‪ .‬ولتفصيل ذلك ينظر الجنايات في الحرام‬
‫‪.‬‬
‫السّرقة في الحتشاش ‪:‬‬
‫‪ - 3‬قال المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وهو رأي للحنابلة ‪ :‬تقطع اليد في العشب المحت شّ إذا أخذ من‬
‫حرز وبلغت قيمته نصابا ‪ ،‬وقال الحنفيّة وهو رأي للحنابلة ‪ :‬ل قطع فيه ‪.‬‬
‫حماية الكل من الحتشاش ‪:‬‬
‫‪ - 4‬قال الحنفيّة والحنابلة وهو رأي للشّافعيّة أنّه يجوز للمام أن يمنع الحتشاش في مكان‬
‫معيّن يجعله حمًى لرعي خيل المجاهدين ‪ ،‬ولما يشبه ذلك من المصالح العامّة ‪ .‬أمّا المالكيّة‬
‫والشّافعيّة فهم ل يجيزون المنع من الحتشاش ‪.‬‬
‫الشّركة في الحتشاش ‪:‬‬
‫‪ - 5‬الحنفيّة والشّافعيّة ل يجيزون عقد الشّركة في تحصيل المباحات العامّة ول التّوكيل فيها ‪.‬‬
‫والحتشاش والحتطاب من هذا القبيل ‪ .‬أمّا المالكيّة والحنابلة فقد أجازوا ذلك ‪ .‬ولتفصيل ذلك‬
‫يرجع إلى أبواب الشّركة والوكالة ‪.‬‬
‫احتضار‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬الحتضار لغةً ‪ :‬الشراف على الموت بظهور علما ته ‪ .‬و قد يطلق على ال صابة باللّ مم‬
‫أو الجنون ‪ ،‬ول يخرج معناه في الصطلح عن المعنى اللّغويّ الوّل ‪.‬‬
‫علمات الحتضار ‪:‬‬
‫‪ - 2‬للحتضار علمات كثيرة يعرف ها المخت صّون ‪ ،‬ذ كر من ها الفقهاء ‪ :‬ا سترخاء القدم ين ‪،‬‬
‫واعوجاج النف ‪ ،‬وانخساف الصّدغين ‪ ،‬وامتداد جلدة الوجه ‪.‬‬
‫ملزمة أهل المحتضر له ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يجب على أقارب المحتضر أن يلزموه ‪ ،‬فإن لم يكن فعلى أصحابه ‪ ،‬فإن لم يكن فعلى‬
‫جيرا نه ‪ ،‬فإن لم ي كن فعلى عموم الم سلمين على و جه الكفا ية ‪ ،‬وي ستحبّ أن يل يه من أقار به‬
‫أح سنهم خلقا وخلقا ودينا ‪ ،‬وأرفقهم به ‪ ،‬وأعلم هم بسياسته ‪ ،‬وأتقاهم للّه ‪ .‬وندب أن يحضروا‬
‫عنده طيبا ‪ ،‬وأن يبعدوا النّ ساء لقلّة صبرهنّ ‪ ،‬وندب إظهار التّجلّد ل من ح ضر من الرّجال ‪.‬‬
‫ول بأس بحضور الحائض والنّف ساء والج نب ع ند المحت ضر و قت الموت ‪ ،‬إذ إنّه قد ل يم كن‬
‫منعه نّ ‪ ،‬للشّفقة ‪ ،‬أو للحتياج إليه نّ ‪ .‬وعن الحسن أنّه كان ل يرى بأسا أن تحضر الحائض‬
‫الميّت والكراهة قول الحنابلة ‪ .‬وقالت المالكيّة ‪ :‬يندب تجنّب حائض وجنب وتمثال وآلة لهو ‪.‬‬
‫من يجري عليهم حكم الحتضار ‪:‬‬
‫‪ - 4‬يجري حكم الحتضار على من قدّم للقتل حدّا ‪ ،‬أو قصاصا ‪ ،‬أو ظلما ‪ ،‬أو من أصيب‬
‫إصاب ًة قاتلةً ‪ ،‬كما يجري على من كان عند التحام صفوف المعركة ‪.‬‬
‫ما يفعله المحتضر ‪:‬‬
‫‪ - 5‬أ ‪ -‬ينب غي للمحت ضر تح سين الظّ نّ باللّه تعالى ‪ ،‬فيندب ل من حضر ته الوفاة أن ير جو‬
‫صحّة ‪ ،‬ترجيحا للرّجاء على الخوف ‪،‬‬
‫رح مة ربّه ومغفر ته و سعة عفوه ‪ ،‬زياد ًة على حالة ال ّ‬
‫ل ما روي عن جابر ر ضي ال ع نه قال " سمعت النّبيّ صلى ال عل يه و سلم يقول ق بل مو ته‬
‫ن أحد كم إلّ و هو يح سن الظّ نّ باللّه تعالى » ول خبر الشّيخ ين في الحد يث‬
‫بثلث ‪ « :‬ل يموت ّ‬
‫ن عبدي بي ‪ ،‬فل يظ نّ بي إلّ خيرا » ‪ .‬ولحديث‬
‫القدسيّ قال اللّه تعالى ‪ « :‬أنا عند حسن ظ ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عل يه وسلم د خل على شا بّ و هو بالموت ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫أ نس ر ضي ال عنه « أ ّ‬
‫كيف تجدك ؟ قال ‪ :‬واللّه يا رسول اللّه إنّي أرجو اللّه ‪ ،‬وإنّي أخاف ذنوبي ‪ ،‬فقال رسول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ :‬ل يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلّ أعطاه اللّه ما يرجو‬
‫وأمّنه ممّا يخاف » ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وجوب اليصاء بأداء الحقوق لصحابها ‪.‬‬
‫سنّة في التّجه يز والدّ فن واجتناب البدع في ذلك اتّباعا‬
‫ج ‪ -‬تو صية أهله باتّباع ما جرت به ال ّ‬
‫ل صحاب ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم ف قد وردت الثار الكثيرة عن هم في هذا المجال ‪،‬‬
‫منها ما ورد عن أبي بردة قال ‪ :‬أوصى أبو موسى رضي ال عنه حين حضره الموت ‪ ،‬قال‬
‫‪ :‬إذا انطلقتم بجنازتي فأسرعوا بي المشي ‪ ،‬ول تتبعوني بمجمّر ‪ ،‬ول تجعلوا على لحدي شيئا‬
‫ل حالقة أو‬
‫يحول بيني وبين التّراب ‪ ،‬ول تجعلوا على قبري بنا ًء ‪ .‬وأشهدكم أنّي بريء من ك ّ‬
‫سالقة أو خارقة ‪ .‬قالوا ‪ :‬سمعت فيه شيئا ؟ قال ‪ :‬نعم من رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫د ‪ -‬التّو صية لقربائه الّذ ين ل يرثون م نه ‪ ،‬إن لم ي كن و صّى ل هم في حال صحّته ‪ ،‬لقوله‬
‫تعالى ‪ { :‬كتبب عليكبم إذا حضبر أحدكبم الموت إن ترك خيرا الوصبيّة للوالديبن والقربيبن‬
‫بالمعروف حقّا على المتّقين } ‪ .‬ولحديث « سعد بن أبي وقّاص رضي ال عنه قال ‪ :‬كنت مع‬
‫ر سول اللّه في حجّة الوداع ‪ ،‬فمر ضت مرضا أشف يت م نه على الموت ‪ ،‬فعاد ني ر سول اللّه‬
‫ل كثيرا ‪ ،‬وليبس يرثنبي إلّ ابنبة لي ‪،‬‬
‫صبلى ال عليبه وسبلم فقلت ‪ :‬يبا رسبول اللّه إنّب لي ما ً‬
‫أفأوصبي بثلثبي مالي ؟ قال ‪ :‬ل ‪ .‬قلت ‪ :‬بشطبر مالي ؟ قال ‪ :‬ل ‪ .‬قلت ‪ :‬فثلث مالي ؟ قال ‪:‬‬
‫الثّلث ‪ ،‬والثّلث كثير ‪ ،‬إنّك يا سعد إن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عال ًة يتكفّفون‬
‫النّاس » ‪.‬‬

‫( التّوبة إلى اللّه )‬


‫‪ - 6‬يجب على المحتضر ومن في حكمه أن يتوب إلى اللّه من ذنوبه قبل وصول الرّوح إلى‬
‫ن اللّه‬
‫الحلقوم ؛ ل نّ قرب الموت ل يم نع من قبول التّو بة ‪ ،‬لقوله عل يه ال صلة وال سلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » ‪ .‬وتفصيل ما يتّصل بالتّوبة من أحكام في مصطلح « توبة » ‪.‬‬
‫تصرّفات المحتضر ومن في حكمه‬
‫‪ - 7‬يجري على تصرّفات المحتضر ومن في حكمه ما يجري على تصرّفات المريض مرض‬
‫الموت من أحكام ‪ ،‬إذا كان في وعيه ‪ ،‬وتفصيله في مصطلح « مرض الموت » ‪.‬‬
‫ما يسنّ للحاضرين أن يفعلوه عند الحتضار ‪ :‬أوّلً ‪ :‬التّلقين ‪:‬‬
‫‪ - 8‬ينبغي تلقين المحتضر ‪ « :‬ل إله إلّ اللّه » لقول الرّسول صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬لقّنوا‬
‫ي ‪ :‬المراد بالموتى في الحديث المحتضرون الّذين هم في‬
‫موتاكم ل إله إلّ اللّه » ‪ .‬قال النّوو ّ‬
‫سياق الموت ‪ ،‬سمّوا مو تى لقرب هم من الموت ‪ ،‬ت سمي ًة للشّ يء با سم ما ي صير إل يه مجازا ‪.‬‬
‫وظاهر الحديث يقتضي وجوب التّلقين ‪ ،‬وإليه مال القرطبيّ ‪ ،‬والّذي عليه الجمهور أنّه مندوب‬
‫ن زيادة " محمّد رسول اللّه " وهو ما صحّحه في الرّوضة ‪ ،‬والمجموع ‪ .‬ويكون‬
‫‪ ،‬وأنّه ل يس ّ‬
‫ن الغرغرة تكون قرب كون الرّوح في الحلقوم ‪،‬‬
‫التّلقين قبل الغرغرة ‪ ،‬جهرا وهو يسمع ؛ ل ّ‬
‫ن شارد‬
‫وحينئذ ل يمكن النّطق بها ‪ .‬والتّلقين إنّما يكون لمن حضر عقله وقدر على الكلم ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ب ل يمكن تلقينه ‪ ،‬والعاجز عن الكلم يردّد الشّهادة في نفسه ‪ .‬والمراد بقوله عليه الصلة‬
‫اللّ ّ‬
‫والسلم ‪ « :‬لقّنوا موتاكم ل إله إلّ اللّه » ذكّروا المحتضر « ل إله إلّ اللّه » لكي تكون آخر‬
‫كلمه ‪ ،‬كما في الحديث ‪ « :‬من كان آخر كلمه ل إله إلّ اللّه دخل الجنّة » ‪ .‬ويرى جماعة‬
‫أنّه يلقّن الشّهادة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬صورة التّلق ين أن يقال عنده في حالة النّزع ق بل الغرغرة ‪ ،‬جهرا‬
‫ل اللّه وأش هد أ نّ محمّدا ر سول اللّه " ول يقال له ‪ :‬قل ‪ ،‬ول‬
‫و هو ي سمع ‪ « :‬أش هد أن ل إله إ ّ‬
‫يل حّ عليه في قولها ‪ ،‬مخافة أن يضجر فيأتي بكلم غير لئق ‪ .‬فإذا قالها مرّ ًة ل يعيدها عليه‬
‫الملقّن ‪ ،‬إلّ أن يتكلّم بكلم غيرها ‪ .‬ويستحبّ أن يكون الملقّن غير متّهم بالمسرّة بموته ‪ ،‬كعدوّ‬
‫أو حا سد أو وارث غ ير ولده ‪ ،‬وأن يكون ممّن يعت قد ف يه الخ ير ‪ .‬وإذا ظهرت من المحت ضر‬
‫كلمات توجب الكفر ل يحكم بكفره ‪ ،‬ويعامل معاملة موتى المسلمين ‪ .‬ثانيا ‪ :‬قراءة القرآن ‪:‬‬
‫‪ - 9‬يندب قراءة سورة ( يس ) عند المحتضر ‪ ،‬لما روى أحمد في مسنده عن صفوان ‪ ،‬قال‬
‫‪ « :‬كانت المشيخة يقولون ‪ :‬إذا قرئت ( يس ) عند الموت خفّف عنه بها ‪ .‬وأسنده صاحب‬
‫مسند الفردوس إلى أبي الدّرداء وأبي ذرّ ‪ ،‬قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ما‬
‫من ميّت يموت فتقرأ عنده يس إلّ هوّن اللّه عل يه » ‪ .‬قال ا بن حبّان ‪ :‬أراد به من حضر ته‬
‫ن الميّت يقرأ عليه ‪ .‬وبه قال الشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬وزادت الحنابلة قراءة الفاتحة ‪.‬‬
‫المنيّة ‪ ،‬ل أ ّ‬
‫وقال الشّعبيّ ‪ « :‬كان النصار يقرءون عند الميّت بسورة البقرة » ‪ .‬وعن جابر بن زيد أنّه‬
‫كان يقرأ عند الميّت سورة الرّعد ‪ .‬وقالت المالكيّة ‪ :‬يكره قراءة شيء من القرآن عند الموت‬
‫وبعده وعلى القبور ؛ لنّه ليس من عمل السّلف ‪ .‬ثالثا ‪ :‬التّوجيه ‪:‬‬
‫‪ - 10‬يوجّه المحتضر للقبلة عند شخوص بصره إلى ال سّماء ‪ ،‬ل قبل ذلك ‪ ،‬لئلّ يفز عه ‪،‬‬
‫ويوجّه إلي ها مضطجعا على شقّه الي من اعتبارا بحال الو ضع في ال قبر ؛ لنّه أشرف عل يه ‪.‬‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم لمّا قدم المدينة سأل‬
‫وفي توجيه المحتضر إلى القبلة ورد ‪ « :‬أ ّ‬
‫عن البراء بن معرور ‪ .‬فقالوا ‪ :‬توفّي وأوصى بثلث ماله لك ‪ ،‬وأن يوجّه للقبلة لمّا احتضر ‪.‬‬
‫فقال النّبيّ صلى ال عل يه و سلم ‪ :‬أ صاب الفطرة ‪ ،‬و قد رددت ثلث ماله على ولده ‪ ،‬ث مّ ذ هب‬
‫فصلّى عليه ‪ ،‬وقال ‪ :‬اللّه مّ اغفر له وارح مه وأدخله جنّ تك ‪ ،‬وقد فعلت » ‪ .‬قال الحا كم ‪ :‬ول‬
‫أعلم في توج يه المحت ضر إلى القبلة غيره ‪ .‬و في اضطجا عه على شقّه الي من ق يل ‪ :‬يم كن‬
‫الستدلل عليه بحديث النّوم ‪ ،‬فعن البراء بن عازب رضي ال عنه عن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫و سلم قال ‪ « :‬إذا أت يت مضج عك فتوضّأ وضوءك لل صّلة ‪ ،‬ث ّم اضط جع على شقّك الي من ‪،‬‬
‫وقل ‪ :‬اللّه مّ إنّي أسلمت نفسي إليك ‪ . . .‬إلى أن قال ‪ :‬فإن م تّ م تّ على الفطرة » وليس فيه‬
‫ذكر القبلة ‪ .‬ولم يذكر ابن شاهين في باب المحتضر من كتاب الجنائز له غير أثر عن إبراهيم‬
‫النّخع يّ قال ‪ « :‬ي ستقبل بالميّت القبلة " وزاد عطاء بن أ بي رباح ‪ « :‬على شقّه الي من ‪ .‬ما‬
‫علمت أحدا تركه من ميّت " ‪ ،‬ولنّه قريب من الوضع في القبر ‪ ،‬ومن اضطجاعه في مرضه‬
‫ن فاطمة‬
‫سنّة فيهما ذلك ‪ ،‬فكذلك فيما قرب منهما ‪ .‬ويستدلّ عليه أيضا بما روى أحمد أ ّ‬
‫‪ ،‬وال ّ‬
‫رضي ال عنها عند موتها استقبلت القبلة ‪ ،‬ثمّ توسّدت يمينها ‪ .‬ويصحّ أن يوجّه المحتضر إلى‬
‫القبلة م ستلقيا على ظهره ‪ ،‬فذلك أ سهل لخروج الرّوح ‪ ،‬وأي سر لتغمي ضه وشدّ لحي يه ‪ ،‬وأم نع‬
‫ثمب إذا ألقبي على القفبا يرفبع رأسبه قليلً ليصبير وجهبه إلى القبلة دون‬
‫مبن تقوّس أعضائه ‪ّ ،‬‬
‫ال سّماء ‪ .‬ويقول بعض الفقهاء ‪ :‬إنّه لم ي صحّ حديث في توج يه المحتضر إلى القبلة ‪ ،‬بل كره‬
‫سعيد بن المسيّب توجيهه إليها ‪ .‬فقد ورد عن زرعة بن عبد الرّحمن ‪ « :‬أنّه شهد سعيد بن‬
‫المسيّب في مرضه ‪ ،‬وعنده أبو سلمة بن عبد الرّحمن ‪ ،‬فغشي على سعيد ‪ ،‬فأمر أبو سلمة أن‬
‫يحوّل فرا شه إلى الكع بة ‪ ،‬فأفاق ‪ ،‬فقال ‪ :‬حوّل تم فرا شي ؟ قالوا ‪ :‬ن عم ‪ ،‬فن ظر إلى أ بي سلمة‬
‫ل حلق‬
‫فقال ‪ :‬أراه بعلمبك ‪ ،‬فقال ‪ :‬أنبا أمرتهبم ‪ .‬فأمبر سبعيد أن يعاد فراشبه » ‪ .‬رابعا ‪ :‬ب ّ‬
‫المحتضر بالماء ‪:‬‬
‫ل حلق المحتضر بماء أو شراب ‪ ،‬وأن يتعاهدوا تندية‬
‫ن للحاضرين أن يتعاهدوا ب ّ‬
‫‪ - 11‬يس ّ‬
‫شفتيه بقطنة لنّه ربّما ينشف حلقه من شدّة ما نزل به فيعجز عن الكلم ‪ .‬وتعاهده بذلك يطفئ‬
‫شدّة ‪ ،‬ويسهّل عليه النّطق بالشّهادة ‪ .‬خامسا ‪ :‬ذكر اللّه تعالى ‪:‬‬
‫ما نزل به من ال ّ‬
‫ب لل صّالحين ممّن يحضرون عند المحتضر أن يذكروا اللّه تعالى ‪ ،‬وأن يكثروا‬
‫‪ - 12‬يستح ّ‬
‫مبن الدّعاء له بتسبهيل المبر الّذي هبو فيبه ‪ ،‬وأن يدعوا للحاضريبن ‪ ،‬إذ هبو مبن مواطبن‬
‫لنب الملئكبة يؤمّنون على قولهبم قال رسبول اللّه صبلى ال عليبه وسبلم ‪ « :‬إذا‬
‫الجاببة ؛ ّ‬
‫ن الملئكة يؤمّنون على ما تقولون » ‪ .‬سادسا‬
‫حضرتم المريض ‪ ،‬أو الميّت ‪ ،‬فقولوا خيرا ‪ ،‬فإ ّ‬
‫‪ :‬تحسين ظنّ المحتضر باللّه تعالى ‪:‬‬
‫‪ - 13‬إذا رأى الحاضرون من المحتضر أمارات اليأس والقنوط وجب عليهم أن يح سّنوا ظنّه‬
‫بربّه ‪ ،‬وأن يطمّعوه في رحم ته ‪ ،‬إذ قد يفارق على ذلك فيهلك ‪ ،‬فتعيّن علي هم ذلك ‪ ،‬أخذا من‬
‫قاعدة النّصيحة الواجبة ‪ .‬وهذا الحال من أهمّها ‪.‬‬
‫ما يسنّ للحاضرين أن يفعلوه عند موت المحتضر ‪:‬‬
‫‪ - 14‬إذا تيقّن الحاضرون موت المحتضر ‪ ،‬وعلمة ذلك انقطاع نفسه وانفراج شفتيه تولّى‬
‫أرفق أهله به إغماض عينيه ‪ ،‬والدّعاء له ‪ ،‬وش ّد لحييه بعصابة عريضة تشدّ في لحييه للسفل‬
‫وتربط فوق رأسه ‪ ،‬لنّه لو ترك مفتوح العينين والفم حتّى يبرد بقي مفتوحهما فيقبح منظره ‪،‬‬
‫ول يؤمن دخول الهوا مّ فيه والماء في وقت غسله ‪ ،‬ويليّن مفاصله ويردّ ذراعيه إلى عضديه‬
‫ث مّ يمدّهما ‪ ،‬ويردّ أصابع يديه إلى كفّيه ث مّ يمدّها ‪ ،‬ويردّ فخذيه إلى بطنه ‪ ،‬وساقيه إلى فخذيه‬
‫ثمّ يمدّهما ‪ .‬ويقول مغمضه ‪ « :‬باسم اللّه ‪ ،‬وعلى ملّة رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ .‬اللّهمّ‬
‫ي سّر عليه أمره ‪ ،‬وسهّل عليه ما بعده ‪ ،‬وأسعده بلقائك ‪ ،‬واجعل ما خرج إليه خيرا ممّا خرج‬
‫منه » ‪ .‬فقد روي عن أ مّ سلمة أنّها قالت ‪ « :‬دخل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم على أبي‬
‫ج ناس من‬
‫ن الرّوح إذا قبض تبعه البصر ‪ .‬فض ّ‬
‫سلمة وقد ش قّ بصره ‪ ،‬فأغمضه ث مّ قال ‪ :‬إ ّ‬
‫أهله فقال ‪ :‬ل تدعوا على أنف سكم إلّ بخ ير ‪ ،‬فإ نّ الملئ كة يؤمّنون على ما تقولون ‪ .‬ث مّ قال ‪:‬‬
‫اللّه مّ اغفر لبي سلمة ‪ ،‬وارفع درجته في المهديّين المقرّبين واخلفه في عقبه في الغابرين ‪،‬‬
‫واغفر لنا وله يا ر بّ العالمين ‪ ،‬وأفسح له في قبره ‪ ،‬ونوّر له فيه » ‪ .‬وعن شدّاد بن أوس ‪:‬‬
‫قال ‪ :‬قال ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم ‪ « :‬إذا حضر تم موتا كم فأغمضوا الب صر ‪ .‬وإ نّ‬
‫البصر يتبع الرّوح ‪ .‬وقولوا خيرا ‪ ،‬فإنّه يؤمّن على ما قال أهل الميّت » ‪.‬‬
‫كشف وجه الميّت والبكاء عليه ‪:‬‬
‫‪ - 15‬يجوز للحاضرين وغيرهم كشف وجه الميّت وتقبيله ‪ ،‬والبكاء عليه ثلثة أيّام بكا ًء خاليا‬
‫من ال صّراخ والنّواح ‪ ،‬ل ما ورد عن جابر بن ع بد اللّه ر ضي ال ع نه قال ‪ « :‬لمّا ق تل أ بي‬
‫جعلت أكشف الثّوب عن وجهه أبكي ‪ ،‬ونهوني ‪ ،‬والنّبيّ صلى ال عليه وسلم ل ينهاني ‪ ،‬فأمر‬
‫ي صلى ال عل يه و سلم فر فع فجعلت عمّ تي فاط مة تب كي ‪ .‬فقال النّبيّ صلى ال عل يه‬
‫به النّب ّ‬
‫وسلم ‪ :‬تبكين أو ل تبكين ‪ ،‬ما زالت الملئكة تظلّه بأجنحتها حتّى رفعتموه » ‪ .‬ولما ورد عن‬
‫ن أبا بكر كشف وجه النّبيّ صلى ال عليه وسلم وقبّله بين عينيه ‪،‬‬
‫عائشة رضي ال عنها ‪ :‬أ ّ‬
‫ي صلى ال‬
‫ن النّب ّ‬
‫ث مّ ب كى ‪ ،‬وقال ‪ :‬بأ بي أ نت وأمّي يا ر سول اللّه ‪ ،‬ط بت حيّا وميّتا ‪ « ،‬وأ ّ‬
‫عليه وسلم دخل على عثمان بن مظعون وهو ميّت ‪ ،‬فكشف عن وجهه ‪ ،‬ثمّ أك بّ عليه ‪ ،‬فقبّله‬
‫وبكى حتّى رأيت الدّموع تسيل على وجنتيه » وعن عبد اللّه بن جعفر رضي ال عنه « أ نّ‬
‫النّبيّ أمهل آل جعفر ثلثا أن يأتيهم ‪ ،‬ثمّ أتاهم ‪ ،‬فقال ‪ :‬ل تبكوا على أخي بعد اليوم » ‪.‬‬
‫احتطاب‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬الحتطاب م صدر احت طب ‪ ،‬يقال احت طب بمع نى ج مع الح طب ‪ ،‬والح طب ‪ :‬ما أعدّ من‬
‫ّغويب ‪ .‬صبفته ( حكمبه‬
‫ّ‬ ‫شجبر وقودا للنّار ‪ .‬والمعنبى الصبطلحيّ ل يخرج عبن المعنبى الل‬
‫التّكلّفيّ ) ‪:‬‬
‫‪ - 2‬اتّفقت المذاهب في الجملة على إباحة الحتطاب رطبا كان الشّجر أو جافّا في غير الحرم‬
‫مبا دام ل يملكبه أحبد ‪ .‬أمّا إذا كان محوزا أو مملوكا ‪ ،‬فل يجوز أخذه أو الحتطاب منبه إلّ‬
‫بإذن صاحبه ‪ .‬الحكم الجماليّ ) ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يأخذ الحتطاب حكم الحتشاش التّكليفيّ ( ر ‪ :‬احتشاش ) ‪ ،‬غير أنّه يخالفه في أمرين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬يباح فبي الحتشاش فبي الحرم قطبع الذخبر والعوسبج وملحقاتهمبا ول يباح ذلك فبي‬
‫الحتطاب ‪ .‬الثّانبي ‪ :‬أباح بعبض العلماء فبي الحتشاش مبن الحرم علف الدّوابّب منبه بخلف‬
‫الحتطاب الّذي لم يبح فيه ذلك ‪.‬‬
‫احتقان‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬الحتقان لغ ًة ‪ :‬م صدر احت قن ‪ ،‬بمع نى احت بس ‪ .‬يقال ‪ :‬ح قن الرّ جل بوله ‪ :‬حب سه‬
‫وجم عه ‪ ،‬ف هو حا قن ومطاو عه ‪ :‬الحتقان ‪ :‬وحق نت المر يض إذا أو صلت الدّواء إلى باط نه‬
‫بالمح قن ‪ .‬ويطلق في الشّري عة على احتباس البول ‪ ،‬ك ما يطلقو نه على تعا طي الدّواء بالحق نة‬
‫في الدّبر ‪.‬‬
‫( اللفاظ ذات الصّلة ) ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الحتباس ‪ .‬مصدر احتبس ‪ .‬يقال ‪ :‬حبسته فاحتبس بمعنى منعته فامتنع ‪ .‬فالحتباس أعمّ‬
‫‪ .‬الحصر ‪ :‬هو الحاطة والمنع والحبس ‪ .‬يقال حصره العد ّو في منزله ‪ :‬حبسه ‪ ،‬وأحصره‬
‫المرض ‪ :‬منعه من ال سّفر ‪ .‬ويطلق على احتباس النّجو من ضيق المخرج ‪ ،‬فهو كذلك أع مّ ‪.‬‬
‫الحقب ‪ :‬حقب بالكسر حقبا فهو حقيب ‪ :‬تع سّر عليه البول ‪ ،‬أو أعجله ‪ .‬وقيل ‪ :‬الحاقب الّذي‬
‫احتبس غائطه ‪ .‬فهو على المعنى الثّاني مباين للحتقان ‪ .‬صفته ( حكمه التّكليفيّ ) ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يختلف حكم الحتقان تبعا لطلقاته ‪ ،‬فيطلق الحتقان على امتناع خروج البول لمرض‬
‫ي ما‬
‫أو غيره ‪ ،‬وهذا هو الحتقان الطّبيعيّ ‪ .‬ويعتبر أحد العذار الّتي يسقط معها الحكم التّكليف ّ‬
‫دامبت موجود ًة ‪ .‬أمّا منبع النسبان نفسبه مبن خروج البول عنبد الشّعور بالحاجبة للتّبوّل فهبو‬
‫ّكليفيب الكراهبة أو الحرمبة ‪ -‬على خلف‬
‫ّ‬ ‫الحقبن ‪ .‬ويسبمّى النسبان حينئذ حاقنا ‪ .‬وحكمبه الت‬
‫سيأتي ذكره ‪ -‬في حال تي ال صّلة ‪ ،‬والقضاء ب ين النّاس ‪ .‬ويطلق الحتقان أيضا على تعا طي‬
‫الدّواء أو الماء عن طريق الشّرج ‪ ،‬وحكمه التّكليفيّ تارةً الباحة ‪ ،‬وتارةً الحظر ‪ ،‬على خلف‬
‫وتفصيل سيأتي بيانه ‪ .‬ودليل حكم الحقن في الصّلة أو القضاء بين النّاس هو حديث عائشة ‪،‬‬
‫رضي ال عنها أنّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل صلة بحضرة الطّعام ول وهو‬
‫يدافع الخبثين » وحديث « ل يحلّ لمرئ مسلم أن ينظر في جوف امرئ حتّى يستأذن ‪ ،‬ول‬
‫يقوم إلى ال صّلة وهو حاقن » ‪ .‬وحديث رسول اللّه صلى ال عليه وسلم الّذي رواه أبو بكرة‬
‫عنه قال ‪ « :‬ل يحكم أحدكم بين اثنين وهو غضبان » ‪ .‬وقاسوا عليه الحاقن ‪ .‬ودليل الحتقان‬
‫للتّداوي هو دليل التّداوي نفسه بشروط ‪ ( .‬ر ‪ :‬تداوي ) ‪.‬‬
‫أ ّولً ‪ -‬احتقان البول وضوء الحاقن ‪:‬‬
‫‪ - 4‬في المسألة رأيان ‪ :‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ل ينتقض وضوء الحاقن ؛‬
‫لنّهم اعتبروا لنتقاض الوضوء الخروج الفعل يّ من ال سّبيلين ‪ ،‬ل الخروج الحكم يّ ‪ .‬والحاقن‬
‫لم يخرج منه شيء من ال سّبيلين ‪ .‬أمّا المالكيّة فإنّهم اعتبروا الخروج الفعل يّ أو الحكم يّ ناقضا‬
‫للوضوء ‪ ،‬واعتبروا الحقن الشّديد خروجا حكميّا ينقض الوضوء ‪ .‬ولكنّهم انقسموا إلى رأيين‬
‫في تحديد درجة الحتقان الّتي تنقض الوضوء ‪ ،‬فقال بعضهم ‪ :‬إذا كان الحتقان شديدا بحيث‬
‫يم نع من التيان بش يء من أركان ال صّلة حقيقةً أو حكما ‪ ،‬ك ما لو كان يقدر على التيان ب ها‬
‫بعسبر ‪ ،‬فقبد أبطبل الح قن الوضوء ‪ ،‬فليبس له أن يفعبل به مبا يتوقّف على الطّهارة ‪ ،‬كمسّب‬
‫المصحف ‪ .‬واعتبروا هذا خروجا حكميّا ينقض الوضوء ‪ .‬وقال البعض الخر ‪ :‬الحقن الشّديد‬
‫ينقض الوضوء ‪ ،‬وإن لم يمنع من التيان بشيء من أركان الصّلة ‪.‬‬
‫صلة الحاقن ‪:‬‬
‫‪ - 5‬للفقهاء في حكم صلة الحاقن اتّجاهان ‪ :‬فذهب الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬وهو رأي للشّافعيّة ‪،‬‬
‫إلى أ نّ صلة الحاقن مكروهة ‪ ،‬لما ورد من الحاديث ال سّابقة ‪ .‬وقال الخراسانيّون وأبو زيد‬
‫ح ال صّلة ‪ .‬وا ستدلّ الجم يع‬
‫المروز يّ من الشّافعيّة ‪ :‬إذا كا نت مداف عة الخبث ين شديد ًة لم ت ص ّ‬
‫بحديث عائشة رضي ال عنها أ نّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬ل صلة بحضرة‬
‫الطّعام ‪ ،‬ول و هو يداف عه الخبثان » ‪ .‬و ما روى ثوبان عن ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم‬
‫أنّه قال ‪ « :‬ل يحلّ لمرئ أن ينظر في جوف بيت امرئ حتّى يستأذن ‪ ،‬ول يقوم إلى الصّلة‬
‫و هو حا قن » ‪ ،‬فالقائلون بالكرا هة حملوا النّ هي في الحاد يث على الكرا هة ‪ .‬وأ خذ بظا هر‬
‫الحديث أصحاب الرّأي الثّاني فحملوه على الفساد ‪ .‬أمّا المالكيّة فقد ذهبوا إلى أنّ الحقن الشّديد‬
‫ناقض للوضوء ‪ ،‬فتكون صلته باطلةً ‪.‬‬
‫إعادة الحاقن للصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 6‬لم ي قل بإعادة صلة الحاقن أحد ممّن قال بصحّة ال صّلة مع الكرا هة ‪ ،‬إلّ الحنابلة على‬
‫ن المالكيّة‬
‫رأي ‪ ،‬ف قد صرّحوا بإعادة ال صّلة للحا قن لظا هر الحديث ين ال سّابقين ‪ .‬و قد تقدّم أ ّ‬
‫يرون بطلن صلة الحاقن حقنا شديدا فل بدّ من إعادتها ‪.‬‬
‫الحاقن وخوف فوت الوقت ‪:‬‬
‫‪ - 7‬ذ هب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا كان في الو قت متّ سع فينب غي أن يز يل‬
‫ثمب يشرع فبي الصبّلة ‪ .‬فإن خاف فوت الوقبت ففبي المسبألة رأيان ‪ :‬ذهبب‬
‫ل‪ّ ،‬‬‫العارض أ ّو ً‬
‫الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬و هو رأي للشّافعيّة ‪ ،‬إلى أنّه ي صلّي و هو حا قن ‪ ،‬ول يترك الو قت يض يع‬
‫ن الحنابلة قالوا بالعادة في الظّاهر عند ابن أبي موسى للحديث ‪ .‬وذهب الشّافعيّة‬
‫منه ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫ل ويتوضّأ وإن خرج الوقت ‪ ،‬ث ّم يقضيها‬
‫في رأي آخر حكاه المتولّي إلى أنّه يزيل العارض أ ّو ً‬
‫ن المراد من ال صّلة الخشوع ‪ ،‬فينبغي أن يحافظ عليه وإن فات الوقت‬
‫‪ ،‬لظاهر الحديث ؛ ول ّ‬
‫‪.‬‬
‫الحاقن وخوف فوت الجماعة أو الجمعة ‪:‬‬
‫‪ - 8‬ذ هب الحنفيّة إلى أنّه إن خاف فوت الجما عة أو الجم عة صلّى و هو حا قن ‪ ،‬وذ هب‬
‫ن الولى ترك الجما عة وإزالة العارض ‪ ،‬وذ هب الحنابلة إلى أنّه يع تبر عذرا‬
‫الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫ل صبلة ‪ .‬أمّا رأي‬
‫مببيحا لترك الجماعبة والجمعبة ‪ ،‬لعموم لفبظ الحديبث ‪ ،‬وهبو عامّب فبي ك ّ‬
‫المالكيّة في حقن البول فقد سبق ‪.‬‬
‫قضاء القاضي الحاقن ‪:‬‬
‫ن القاضي ل ينبغي له أن يحكم ‪ ،‬وهو حاقن ‪ ،‬ولكنّهم‬
‫‪ - 9‬ل يعلم خلف بين أهل العلم في أ ّ‬
‫اختلفوا في ح كم قضائه ونفاذ حك مه على رأي ين ‪ :‬فذ هب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬و هو‬
‫رأي للحنابلة ‪ ،‬وقول شر يح وع مر بن ع بد العز يز ‪ ،‬إلى أنّه يكره أن يق ضي القا ضي و هو‬
‫ن ذلك يم نع حضور القلب وا ستيفاء الف كر الّذي يتو صّل به إلى إ صابة الح قّ في‬
‫حا قن ؛ ل ّ‬
‫الغالب ‪ ،‬فهو في معنى الغضب المنصوص عليه في الحديث المتّفق عليه عن أبي بكرة أنّه‬
‫قال ‪ .‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪ « :‬ل يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان ‪.‬‬
‫‪ . » .‬فإذا قضى وهو حاقن ينفذ قضاؤه قياسا على قضاء الغضبان عند الجمهور ‪ .‬وذهب‬
‫الحنابلة فبي رأي ثان لهبم ‪ ،‬حكاه القاضبي أببو يعلى ‪ ،‬إلى أنّه ل يجوز قضاء القاضبي وهبو‬
‫حا قن ‪ .‬فإذا ح كم و هو على تلك الحالة ل ين فذ قضاؤه ؛ لنّه منه يّ ع نه في الحد يث المتقدّم ‪،‬‬
‫والنّهي يقتضي فساد المنه يّ عنه ‪ .‬وقيل عند الحنابلة ‪ :‬إنّما يمنع الغضب الحاكم إذا كان قبل‬
‫أن يتّ ضح له الح كم في الم سألة ‪ .‬فأمّا إن اتّ ضح له الح كم ث مّ عرض الغ ضب ل يمن عه ؛ ل نّ‬
‫الحقّ قد استبان قبل الغضب فل يؤثّر الغضب فيه ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ -‬الحتقان للتّداوي‬
‫‪ - 10‬في نقض وضوء المحتقن في القبل أو الدّبر ثلثة اتّجاهات ‪ :‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة‬
‫إلى نقض الوضوء ‪ .‬وذكروا أنّه إذا أدخل رجل أو امرأة في القبل أو الدّبر شيئا من حقنة أو‬
‫نحو ها ‪ ،‬ث مّ خرج ‪ ،‬انت قض الوضوء ‪ ،‬سواء اختلط به أذًى أم ل ‪ ،‬ولكنّ هم اختلفوا في تعل يل‬
‫ذلك تبعا لقواعدهم ‪ :‬فقال الحنفيّة ‪ :‬إ نّ هذه الشياء وإن كانت طاهر ًة في نفسها لكنّها ل تخلو‬
‫عن قليل النّجاسة يخرج معها ‪ ،‬والقليل من ال سّبيلين ناقض ‪ .‬وعلّل الشّافعيّة ذلك بقولهم ‪ :‬إ نّ‬
‫الدّاخبل إذا خرج يعتببر خروجا مبن السبّبيلين ‪ ،‬فينتقبض الوضوء ‪ ،‬سبواء اختلط ببه أم ل ‪،‬‬
‫وسواء أخرج كلّه أو قطعة منه ؛ ؛ لنّه خارج من ال سّبيل وذهب المالكيّة ‪ :‬إلى أنّه ل ينقض‬
‫ن إدخال الحقنة في الدّبر ل ينقض الوضوء مع احتمال أن يصحبها نجاسة‬
‫الوضوء وذكروا أ ّ‬
‫ع ند خروج ها ؛ وعلّلوا ذلك بقول هم ‪ :‬إنّه خارج غ ير معتاد فل ين قض الوضوء ‪ ،‬م ثل الدّود‬
‫والحصبى ولو صباحبه بلل ‪ .‬وذهبب الحنابلة إلى التّفصبيل ‪ :‬فاتّفقوا على أنّه إذا كان الدّاخبل‬
‫ب البلل لو خرج منفردا‬
‫حقن ًة أو قطنا أو غيره ‪ ،‬فإن خرج وعليبه بلل نقبض الوضوء ‪ .‬؛ لن ّ‬
‫لن قض ؛ ؛ لنّه خارج من ال سّبيلين ‪ ،‬فأش به سائر ما يخرج منه ما ‪ ،‬وإن خرج الدّا خل ول يس‬
‫عليه بلل ظاهر ففيه وجهان ‪ :‬الوّل ‪ :‬ينقض الوضوء ؛ لنّه خارج من السّبيلين ‪ ،‬فأشبه سائر‬
‫ما يخرج منه ما ‪ .‬والثّا ني ‪ :‬ل ين قض ؛ لنّه ل يس ب ين المثا نة والجوف من فذ فل يكون خارجا‬
‫من الجوف ‪.‬‬
‫احتقان الصّائم ‪:‬‬
‫‪ - 11‬احتقان الصّائم إمّا أن يكون في دبر أو في قبل أو في جراحة جائفة ( أي الّتي تصل إلى‬
‫الجوف ) الحتقان في الدّبر ‪ :‬في المسألة رأيان ‪:‬‬
‫ل من الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬إلى‬
‫‪ - 12‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة في المشهور ‪ ،‬وهو المذهب عند ك ّ‬
‫أ نّ الحتقان في الدّبر يفطر ال صّائم ‪ ،‬وعليه القضاء ‪ ،‬لقول عائشة رضي ال عنها ‪ « :‬دخل‬
‫عل يّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقال يا عائشة هل من كسرة ؟ فأتيته بقرص ‪ ،‬فوضعه‬
‫في ف يه ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا عائ شة هل دخل بط ني م نه شيء ؟ كذلك قبلة ال صّائم ‪ ،‬إنّ ما الفطار ممّا‬
‫دخل وليس ممّا خرج » ‪ .‬وعن ابن عبّاس وعكرمة ‪ :‬الفطر ممّا دخل وليس ممّا خرج ‪ .‬ولنّ‬
‫هذا شيء وصل إلى جوفه باختياره ‪ ،‬فأشبه الكل ‪ ،‬ولوجود معنى الفطر وهو وصول ما فيه‬
‫ن المالكيّة اشترطوا أن يكون الدّا خل مائعا ‪ .‬ولم يشترط ذلك غير هم ‪،‬‬
‫صلح البدن ‪ .‬غ ير أ ّ‬
‫وذ هب المالكيّة في غ ير المشهور عند هم ‪ ،‬و هو رأي القا ضي ح سين من الشّافعيّة ‪ -‬و صف‬
‫بأنّه شاذّ ‪ -‬وهو اختيار ابن تيميّة ‪ ،‬إلى أنّه إذا احتقن ال صّائم في الدّبر ل يفطر ‪ ،‬وليس عليه‬
‫ص والعا مّ ‪،‬‬
‫قضاء ‪ .‬وعلّلوا ذلك بأ نّ ال صّيام من د ين الم سلمين الّذي يحتاج إلى معرف ته الخا ّ‬
‫فلو كا نت هذه المور ممّا حرّم ها اللّه سبحانه لكان واجبا على الرّ سول صلى ال عل يه و سلم‬
‫بيا نه ‪ ،‬ولو ذ كر ذلك لعل مه ال صّحابة ‪ ،‬وبلّغوه المّة ‪ ،‬ك ما بلّغوا سائر شر عه ‪ ،‬فلمّا لم ين قل‬
‫أحد من أهل العلم عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم في ذلك حديثا صحيحا ول ضعيفا ول مسندا‬
‫ول مرسلً علم أنّه لم يذكر شيئا من ذلك ‪.‬‬
‫( الحتقان في القبل ) ‪:‬‬
‫‪ - 13‬الحتقان في الق بل إذا لم ي صل إلى المثا نة فل ش يء ف يه ‪ ،‬ول يؤدّي إلى ف طر ع ند‬
‫الجمهور ‪ .‬وذهب الشّافعيّة في أصحّ الوجوه عندهم إلى أنّه يفطر ‪ ،‬وفي وجه لهم ‪ :‬إن جاوز‬
‫ن حكم الحتقان بالنّسبة لقبل المرأة يأخذ حكم‬
‫ل فل ‪ .‬أمّا إذا وصل المثانة فإ ّ‬
‫الحشفة أفطر وإ ّ‬
‫الحتقان في الدّبر ‪ .‬وأمّا الحتقان ؛ في ق بل الرّ جل ( الحل يل ) فإن و صل إلى المثا نة فف يه‬
‫رأيان ‪ :‬ذهب أبو حنيفة ومحمّد والمالكيّة ‪ ،‬وهو المذهب عند الحنابلة ورأي للشّافعيّة ‪ ،‬إلى أنّه‬
‫ل يف طر ول يس عل يه ش يء ‪ .‬وعلّلوا ذلك بأنّه لم يرد ف يه ن صّ ‪ ،‬و من قا سه على غيره جا نب‬
‫لنب هذا ل ينفبذ إلى الجوف ول يؤدّي إلى التّغذيبة الممنوعبة ‪ .‬وذهبب أببو يوسبف‬
‫الحقب ؛ ّ‬
‫ّ‬
‫ح عند هم ‪ ،‬و هو قول للحنابلة ‪ ،‬إلى أنّه إذا قطّر في إحليله ف سد صومه ؛‬
‫والشّافعيّة في ال ص ّ‬
‫ن هذا شيء وصل إلى جوفه باختياره فأشبه الكل ‪ .‬الحتقان في الجائفة ‪:‬‬
‫لّ‬
‫‪ - 14‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة وهو المذهب عند الحنابلة إلى أنّه إذا تداوى بما يصل إلى جوفه‬
‫ولنب غيبر المعتاد كالمعتاد ‪ ،‬ولنّه أبلغ وأولى ‪،‬‬
‫ّ‬ ‫فسبد صبومه ؛ ؛ لنّه يصبل إلى الجوف ؛‬
‫والنّبيّ صلى ال عليه وسلم وسلّم « أمر بالثمد عند النّوم ‪ ،‬وقال ليتّقه ال صّائم » ولنّه وصل‬
‫إلى جوفبه باختياره ‪ ،‬فأشببه الكبل ‪ ،‬ولقوله صبلى ال عليبه وسبلم ‪ « :‬الفطبر ممّا دخبل » ‪.‬‬
‫وذهب المالكيّة ‪ ،‬وهو رأي لكلّ من الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬إلى أنّه ل يفسد ال صّوم ‪ ،‬وعلّل ابن‬
‫تيميّة ذلك بما سبق في الحتقان مطلقا ‪.‬‬
‫الحتقان بالمحرّم ‪:‬‬
‫‪ - 15‬أجاز العلماء ا ستعمال الحق نة في الدّواء من مرض أو هزال بطا هر ‪ ،‬ولم ي جز الحنفيّة‬
‫استعمال الحقنة للتّقوّي على الجماع أو ال سّمن ‪ .‬أمّا بالنّسبة للحتقان بالمحرّم فقد منعه العلماء‬
‫من غ ير ضرورة لعموم النّ هي عن المحرّم ‪ .‬أمّا إذا كان الحتقان لضرورة ‪ ،‬ومتعيّنا ‪ ،‬ف قد‬
‫أجاز الحنفيّة والشّافعيّة الحتقان لضرورة إذا كانت الضّرورة يخشى معها على نفسه ‪ ،‬وأخبره‬
‫ن شفاءه يتعيّن التّداوي بالمحرّم ‪ ،‬على أن ي ستعمل قدر حاج ته ‪ .‬وقالوا ‪:‬‬
‫طبيب م سلم حاذق أ ّ‬
‫ن اللّه لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم » نفى‬
‫إنّ حديث رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫ن اللّه تعالى أذن ل كم بالتّداوي ‪ ،‬وج عل‬
‫الحر مة ع ند العلم بالشّفاء ‪ ،‬ف صار مع نى الحد يث ‪ :‬إ ّ‬
‫ن ف يه الشّفاء ف قد زالت حر مة‬
‫لكلّ داء دوا ًء ‪ ،‬فإذا كان في ذلك الدّواء ش يء محرّم وعلم تم أ ّ‬
‫ن اللّه تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم ‪ .‬وأيّد هذا ابن حزم ‪ .‬أمّا إذا كان‬
‫استعماله ؛ ل ّ‬
‫التّداوي بالمحرّم لتعجيبل الشّفاء ففبي المسبألة رأيان للحنفيّة والشّافعيّة ‪ .‬فبعضهبم منعبه لعدم‬
‫ل محلّه ‪ .‬وبعضهبم أجازه إذا أشار بذلك طببيب مسبلم‬
‫الضّرورة فبي ذلك مبا دام هناك مبا يح ّ‬
‫حاذق ‪ .‬ويرى المالكيّة وهو رأي للحنابلة ‪ :‬أنّه ل يجوز الطّلء ول الحتقان والتّداوي بالخمر‬
‫ن اللّه لم يجعل شفاء‬
‫والنّجس ‪ ،‬ولو أدّى ذلك إلى الهلك لقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إ ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ذكر له النّبيذ يصنع للدّواء فقال ‪« :‬‬
‫أمّتي فيما حرّم عليها » ؛ ول ّ‬
‫إنّه ليس بدواء ولكنّه داء » ‪.‬‬
‫حقن الصّغير باللّبن وأثره في تحريم النّكاح‬
‫ل من الشّافعيّة والحنابلة‬
‫‪ - 16‬ذ هب الحنفيّة والمالكيّة في المرجوح عند هم ‪ ،‬و هو رأي لك ّ‬
‫واللّيث بن سعد ‪ ،‬إلى أنّه إذا حقن ال صّغير في الشّرج باللّبن فل يترتّب عليه حرمة النّكاح ‪.‬‬
‫ن الرّسول صلى ال عليه وسلم حرّم بالرّضاعة الّتي تقابل المجاعة ‪ ،‬ولم يحرّم‬
‫وعلّلوا ذلك بأ ّ‬
‫بغيرها شيئا ‪ ،‬فل يقع تحريم ما لم تقابل به المجاعة ؛ ولنّه ل ينبت اللّحم ‪ ،‬ول ينشز العظم ‪،‬‬
‫ل من الشّافعيّة والحنابلة يثبت التّحريم ‪ .‬وعلّلوا ذلك بأ نّ‬
‫ول يكتفي به ال صّبيّ ‪ .‬وفي رأي لك ّ‬
‫ما في الحق نة ي صل إلى الجوف فيكون غذاءً ‪ .‬وذ هب المالكيّة إلى أنّه إذا كان ح قن ال صّغير‬
‫باللّبن في مدّة الرّضاع للغذاء وقبل أن يستغني ‪ ،‬فالرّاجح ترتّب التّحريم ‪.‬‬
‫نظر الحاقن إلى العورة ‪:‬‬
‫‪ - 17‬منع العلماء النّظر إلى العورة إلّ في حالت الضّرورة الّتي تختلف باختلف الحوال ‪.‬‬
‫وعدّوا من هذه الضّرورة الحتقان ‪ .‬فإذا انت فت الضّرورة حرم النّ ظر إلى العورة ‪ .‬وللتّف صيل‬
‫‪ ( :‬ر ‪ :‬تطبيب ‪ .‬ضرورة ‪ .‬عورة )‬
‫احتكار‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬الحتكار لغةً ‪ :‬حبس الطّعام إرادة الغلء ‪ ،‬والسم منه ‪ :‬الحكرة ‪ .‬أمّا في الشّرع فقد‬
‫عرّفبه الحنفيّة بأنّه ‪ :‬اشتراء طعام ونحوه وحبسبه إلى الغلء ‪ .‬وعرّفبه المالكيّة بأنّه رصبد‬
‫السواق انتظارا لرتفاع الثمان ‪ ،‬وعرّفه الشّافعيّة بأنّه اشتراء القوت وقت الغلء ‪ ،‬وإمساكه‬
‫وبيعه بأكثر من ثمنه للتّضييق ‪ .‬وعرّفه الحنابلة ‪ .‬بأنّه اشتراء القوت وحبسه انتظارا للغلء ‪.‬‬
‫اللفاظ ذات الصّلة ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الدّخار ‪ :‬ادّخار الشّيء تخبئته لوقت الحاجة ‪ .‬وعلى هذا فيفترق الدّخار عن الحتكار‬
‫ل فيما يضرّ بالنّاس حبسه ‪ ،‬على التّفصيل السّابق ‪ ،‬أمّا الدّخار فإنّه‬
‫في أنّ الحتكار ل يكون إ ّ‬
‫يتحقّق فيمبا يضرّ ومبا ل يضرّ ‪ ،‬وفبي الموال النّقديّة وغيرهبا ‪ .‬كمبا أنّب الدّخار قبد يكون‬
‫مطلوبا فبي بعبض صبوره ‪ ،‬كادّخار الدّولة حاجيّات الشّعبب ‪ .‬وتفصبيل ذلك فبي مصبطلح «‬
‫ادّخار » ‪ .‬صفة الحتكار ( حكمه التّكليفيّ ) ‪:‬‬
‫أنب الحتكار بالقيود الّتبي اعتبرهبا ك ّل منهبم محظور ‪ ،‬لمبا فيبه مبن‬
‫‪ - 3‬يتّفبق الفقهاء على ّ‬
‫الضرار بالنّاس ‪ ،‬والتّضييق عليهم ‪ .‬وقد اختلفت عبارات الفقهاء في التّعبير عن هذا الحظر‬
‫‪ .‬فجمهور الفقهاء صرّحوا بالحرمة ‪ ،‬مستدلّين بقوله تعالى { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم } فقد‬
‫فهم منها صاحب الختيار أنّها أصل في إفادة التّحريم وقد ذكر القرطبيّ عند تفسير هذه الية‬
‫ن الرّسول صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬احتكار الطّعام‬
‫أ نّ أبا داود روى عن يعلى بن أميّة أ ّ‬
‫في الحرم إلحاد فيه ‪ » .‬وهو قول عمر بن الخطّاب ‪ .‬واستدلّ الكاسانيّ على ذلك بحديث ‪« :‬‬
‫المحت كر ملعون » وحد يث ‪ « :‬من احت كر طعاما أربع ين ليل ًة ف قد برئ من اللّه ‪ ،‬وبرئ اللّه‬
‫منه ‪ » .‬ثمّ قال الكاسانيّ ‪ :‬ومثل هذا الوعيد ل يلحق إلّ بارتكاب الحرام ‪ ،‬ولنّه ظلم ؛ لنّ ما‬
‫يباع في المصر فقد تعلّق به ح قّ العامّة ‪ ،‬فإذا امتنع المشتري عن بيعه عند شدّة حاجتهم إليه‬
‫فقد منعهم حقّهم ‪ ،‬ومنع الحقّ عن المستحقّ ظلم وحرام ‪ ،‬يستوي في ذلك قليل المدّة وكثيرها ‪،‬‬
‫لتحقّق الظّلم ‪.‬‬
‫‪ - 4‬كما اعتبره ابن حجر الهيتميّ من الكبائر ‪ .‬ويقول ‪ :‬إنّ كونه كبير ًة هو ظاهر الحاديث ‪،‬‬
‫من الوعيد الشّديد ‪ ،‬كاللّعنة وبراءة ذمّة اللّه ورسوله منه والضّرب بالجذام والفلس ‪ .‬وبعض‬
‫هذه دل يل على ال كبيرة وممّا ا ستدلّ به الحنابلة على التّحر يم ما روى الثرم عن أ بي أما مة ‪،‬‬
‫قال ‪ « :‬ن هى ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم أن يحت كر الطّعام » ‪ ،‬و ما روي بإ سناده عن‬
‫سعيد بن المسيّب أ نّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬من احتكر فهو خاطئ » ‪ ،‬وما‬
‫روي ‪ :‬أ نّ عمر بن الخطّاب خرج مع أصحابه ‪ ،‬فرأى طعاما كثيرا قد ألقي على باب مكّة ‪،‬‬
‫فقال ‪ :‬ما هذا الطّعام ؟ فقالوا ‪ :‬جلب إلينا ‪ .‬فقال ‪ :‬بارك اللّه فيه وفيمن جلبه ‪ .‬فقيل له ‪ :‬فإنّه‬
‫قبد احتكبر ‪ .‬قال ‪ :‬مبن احتكره ؟ قالوا ‪ :‬فلن مولى عثمان ‪ ،‬وفلن مولك ‪ ،‬فاسبتدعاهما ‪،‬‬
‫وقال ‪ :‬سمعت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم يقول ‪ « :‬من احتكر على المسلمين طعامهم لم‬
‫يمت حتّى يضربه اللّه بالجذام أو الفلس » ‪.‬‬
‫‪ - 5‬لكن أكثر الفقهاء الحنفيّة وبعض الشّافعيّة عبّروا عنه بالكراهة إذا كان يضرّ بالنّاس ‪.‬‬
‫وتصبريح الحنفيّة بالكراهبة على سببيل الطلق ينصبرف إلى الكراهبة التّحريميّة ‪ .‬وفاعبل‬
‫المكروه تحريما عندهم يستحقّ العقاب ‪ ،‬كفاعل الحرام ‪ ،‬كما أ نّ كتب الشّافعيّة الّتي روت عن‬
‫بعض الصحاب القول بالكراهة قد قالوا عنه ‪ :‬ليس بشيء ‪.‬‬
‫الحكمة في تحريم الحتكار ‪:‬‬
‫ن الحكمة في تحريم الحتكار رفع الضّرر عن عامّة النّاس ‪ .‬ولذا فقد‬
‫‪ - 6‬يتّفق الفقهاء على أ ّ‬
‫أج مع العلماء على أنّه لو احت كر إن سان شيئا ‪ ،‬واضطرّ النّاس إل يه ‪ ،‬ولم يجدوا غيره ‪ ،‬أ جبر‬
‫على بي عه ‪ -‬على ما سيأتي بيا نه ‪ -‬دفعا للضّرر عن النّاس ‪ ،‬وتعاونا على ح صول الع يش ‪.‬‬
‫وهذا ما يستفاد ممّا نقل عن مالك من أ نّ رفع الضّرر عن النّاس هو القصد من التّحريم ‪ ،‬إذ‬
‫قال ‪ :‬إن كان ذلك ل يضرّ بالسّوق فل بأس وهو ما يفيده كلم الجميع ‪.‬‬
‫ما يجري فيه الحتكار ‪:‬‬
‫‪ - 7‬هناك ثلث اتّجاهات ‪ :‬الوّل ‪ :‬ما ذهب إليه أبو حنيفة ومحمّد والشّافعيّة والحنابلة أنّه ل‬
‫ل ما يحتاجه النّاس ‪،‬‬
‫ل في القوت خا صّةً ‪ .‬التّجاه الثّاني ‪ :‬أ نّ الحتكار يجري في ك ّ‬
‫احتكار إ ّ‬
‫ويتضرّرون من حبسه ‪ ،‬من قوت وإدام ولباس وغير ذلك ‪ .‬وهذا ما ذهب إليه المالكيّة وأبو‬
‫يو سف من الحنفيّة ‪ .‬التّجاه الثّالث ‪ :‬أنّه ل احتكار إلّ في القوت والثّياب خا صّةً ‪ .‬وهذا قول‬
‫لمحمّد بن الح سن ‪ .‬وا ستدلّ الجمهور ‪ -‬أ صحاب التّجاه الوّل ‪ -‬بأ نّ الحاد يث الواردة في‬
‫هذا الباب بعضها عا مّ ‪ ،‬كالحديث الّذي رواه مسلم وأبو داود عن سعيد بن المسيّب عن معمر‬
‫بن عبد اللّه ‪ ،‬أنّه قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من احتكر فهو خاطئ » ‪،‬‬
‫ل خا طئ » ‪ ،‬وحد يث أح مد عن أ بي‬
‫و في روا ية أخرى روا ها م سلم وأح مد ‪ « :‬ل يحت كر إ ّ‬
‫هريرة ‪ ،‬قال ‪ :‬قال ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم ‪ « :‬من احت كر حكر ًة ير يد أن يغلّي ب ها‬
‫على الم سلمين ف هو خا طئ » ‪ .‬وزاد الحا كم ‪ « :‬و قد برئت م نه ذمّة اللّه » ‪ .‬فهذه ن صوص‬
‫عامّة في كلّ محتكر ‪ .‬وقد وردت نصوص أخرى خا صّة ‪ ،‬منها حديث ابن ماجه بسنده ‪« :‬‬
‫من احت كر على الم سلمين طعام هم ضر به اللّه بالجذام والفلس » ‪ .‬و ما رواه أح مد والحا كم‬
‫وا بن أ بي شي بة والبزّار وأ بو يعلى بل فظ ‪ « :‬من احت كر الطّعام أربع ين ليل ًة ف قد برئ من اللّه‬
‫وبرئ اللّه منه » ‪ .‬وزاد الحاكم ‪ « .‬وأيّما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم‬
‫ذمّة اللّه » ‪ .‬وإذا اجتم عت ن صوص عامّة وأخرى خا صّة في م سألة واحدة ح مل العا مّ على‬
‫ن ما‬
‫ص والمطلق على المقيّد ‪ ،‬واستدلّ المالكيّة وأبو يوسف بالحاديث العامّة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫الخا ّ‬
‫ورد من النّ صوص الخا صّة ف هي من قب يل اللّ قب ‪ ،‬واللّ قب ل مفهوم له ‪ .‬وأمّا ما ذ هب إل يه‬
‫أنب كلّا منهمبا مبن‬
‫محمّد ببن الحسبن فبي قوله الثّانبي فإنّه حمبل الثّياب على القوت باعتبار ّ‬
‫الحاجات الضّروريّة ‪.‬‬
‫ما يتحقّق به الحتكار ‪:‬‬
‫‪ - 8‬يتحقّق الحتكار في صور بعضها متّفق على تحريمه وهي ما إذا اجتمع فيه كون الشّيء‬
‫المحتكبر طعاما وأن يحوزه بطريبق الشّراء وأن يقصبد الغلء على النّاس وأن يترت ّب على‬
‫ذلك الضرار والتّضييق عليهم ‪ ،‬وهناك صور مختلف في تحريمها بحسب الشّروط ‪.‬‬
‫شروط الحتكار ‪:‬‬
‫‪ - 9‬يشترط في الحتكار ما يأتي ‪:‬‬
‫‪ - 1‬أن يكون تملّ كه لل سّلعة بطر يق الشّراء ‪ .‬وهذا ما ذ هب إل يه الجمهور ‪ ،‬وذ هب ب عض‬
‫المالكيّة ‪ ،‬و هو منقول عن أ بي يو سف من الحنفيّة ‪ ،‬إلى أ نّ ال عبرة إنّ ما هي باحتباس ال سّلع‬
‫بحيث يضرّ بالعامّة ‪ ،‬سواء أكان تملّكها بطريق الشّراء ‪ ،‬أو الجلب ‪ ،‬أو كان ادّخارا لكثر من‬
‫حاجته ومن يعول ‪ .‬وعلى ما ذهب إليه الجمهور ل احتكار فيما جلب مطلقا ‪ ،‬وهو ما كان من‬
‫سوق غ ير سوق المدي نة ‪ ،‬أو من ال سّوق الّذي اعتادت المدي نة أن تجلب طعام ها م نه ‪ .‬ويرى‬
‫كلّ مبن صباحب الختيار وصباحب البدائع أنّه إذا كان مبن سبوق اعتادت المدينبة أن تجلب‬
‫طعامهبا منبه ‪ ،‬فاشتراه قاصبدا حبسبه ‪ ،‬يكون محتكرا ويتفرّع على اشتراط الشّراء لتحقّبق‬
‫ن حبس غلّة الرض المزروعة ل يكون احتكارا ‪ .‬وهذا هو رأي الجمهور ‪ .‬وهناك‬
‫الحتكار أ ّ‬
‫من علماء المالكيّة من اعتبر حبس هذه الغلّة من قبيل الحتكار ‪ .‬ومن علماء الحنفيّة من يرى‬
‫ن ابن رشد قال ‪ « :‬إذا‬
‫ن هذا رأي لبي يوسف ‪ .‬وقد نقل الرّهونيّ عن الباجيّ أ ّ‬
‫‪ -‬أيضا ‪ -‬أ ّ‬
‫شدّة أمبر أهبل الطّعام بإخراجبه مطلقا ‪ ،‬ولو كان جالبا له ‪ ،‬أو كان مبن زراعتبه » ‪.‬‬
‫وقعبت ال ّ‬
‫والمعتمد ما أفاده ابن رشد ‪.‬‬
‫‪ - 2‬أن يكون الشّراء وقت الغلء للتّجارة انتظارا لزيادة الغلء ‪ .‬وهذا ما ذهب إليه الشّافعيّة ‪.‬‬
‫فلو اشترى في وقت الرّخص ‪ ،‬وحبسه لوقت الغلء ‪ ،‬فل يكون احتكارا عندهم ‪.‬‬
‫‪ - 3‬واشترط الحنفيّة أن يكون الحبس لمدّة ‪ ،‬ولم نقف لفقهاء المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على‬
‫كلم فبي هذا ‪ ،‬وإنّمبا الّذي تعرّض لذكبر المدّة فقهاء الحنفيّبة ‪ ،‬فيقول الحصبكفيّ نقلً عبن‬
‫ن الحتكار شرعا اشتراء الطّعام ونحوه وحبسه إلى مدّة اختلفوا في‬
‫الشرنبللي عن الكافي ‪ :‬إ ّ‬
‫تقديرهبا ‪ ،‬فمبن قائل إنّهبا أربعون يوما ‪ ،‬لقول النّبيّ صبلى ال عليبه وسبلم فيمبا رواه أحمبد‬
‫والحا كم ب سنده ‪ « :‬من احت كر الطّعام أربع ين ليل ًة ف قد برئ من اللّه وبرئ اللّه م نه » ‪ .‬ل كن‬
‫ن ما دونه قليل عاجل والشّهر‬
‫حكى ابن أبي حاتم عن أبيه أنّه منكر ‪ .‬ومن قائل إنّها شهر ؛ ل ّ‬
‫وما فوقه كثير آجل ‪ .‬ويقع التّفاوت في المأثم بين أن يتربّص قلّة ال صّنف ‪ ،‬وبين أن يتربّص‬
‫ي فيتحقّق وإن قلّت المدّة ‪.‬‬
‫الق حط ‪ .‬وق يل إ نّ هذه المدد للمعاق بة في الدّن يا ‪ .‬أمّا ال ثم الخرو ّ‬
‫و قد أورد الح صكفيّ هذا الخلف ‪ ،‬وأضاف إل يه أ نّ من الفقهاء من قال بأك ثر من المدّت ين ‪.‬‬
‫وقد نقل ذلك ابن عابدين في حاشيته ‪.‬‬
‫‪ - 4‬أن يكون المحتكر قاصدا الغلء على النّاس وإخراجه لهم وقت الغلء ‪.‬‬
‫احتكار العمل ‪:‬‬
‫‪ - 10‬تعرّض بعض الفقهاء لمثل هذا ل على أنّه من قبيل الحتكار الصطلحيّ ‪ ،‬ولكن فيه‬
‫معنى الحتكار ‪ ،‬لما فيه من ضرر العامّة ‪ ،‬فقد نقل ابن القيّم أنّ غير واحد من العلماء ‪ ،‬كأبي‬
‫حنيفبة وأصبحابه ‪ ،‬منعوا القسبّامين ‪ -‬الّذيبن يقسبمون العقار وغيره بالجرة ‪ -‬أن يشتركوا ‪،‬‬
‫فإنّهم إذا اشتركوا والنّاس يحتاجون إليهم أغلوا عليهم الجرة ‪ .‬وكذلك ينبغي لوالي الحسبة أن‬
‫يم نع مغ سّلي المو تى والحمّال ين ل هم من الشتراك ‪ ،‬ل ما في ذلك من إغلء الجرة علي هم ‪،‬‬
‫وكذلك اشتراك كلّ طائفة يحتاج النّاس إلى منافعهم ‪.‬‬
‫احتكار الصّنف ‪:‬‬
‫ل يبيع الطّعام أو غيره من الصناف إلّ‬
‫‪ - 11‬وقد صوّره ابن القيّم بقوله ‪ :‬أن يلزم النّاس أ ّ‬
‫ناس معروفون ‪ ،‬فل تباع تلك ال سّلع إلّ لهم ‪ ،‬ث ّم يبيعونها هم بما يريدون ‪ .‬فهذا من البغي في‬
‫الرض والف ساد بل تردّد في ذلك ع ند أ حد من العلماء ‪ .‬وي جب التّ سعير علي هم ‪ ،‬وأن يبيعوا‬
‫ويشتروا بقيمبة المثبل منعا للظّلم ‪ .‬وكذلك إيجار الحانوت على الطّريبق أو فبي القريبة بأجرة‬
‫معيّنة ‪ ،‬على ألّ يبيع أحد غيره ‪ ،‬نوع من أخذ أموال النّاس قهرا وأكلها بالباطل ‪ ،‬وهو حرام‬
‫على المؤجّر والمستأجر ‪.‬‬
‫العقوبة الدّنيويّة للمحتكر ‪:‬‬
‫ن الحاكم يأمر المحتكر بإخراج ما احتكر إلى ال سّوق وبيعه‬
‫‪ - 12‬اتّفق فقهاء المذاهب على أ ّ‬
‫للنّاس ‪ .‬فإن لم يمت ثل ف هل ي جبر على الب يع ؟ في هذه الم سألة تف صيل وخلف ب ين الفقهاء ‪:‬‬
‫ل ‪ :‬إذا خ يف الضّرر على العامّة أ جبر ‪ ،‬بل أ خذ م نه ما احتكره ‪ ،‬وبا عه ‪ ،‬وأعطاه الم ثل‬
‫أ ّو ً‬
‫ع ند وجوده ‪ ،‬أو قيم ته ‪ .‬وهذا قدر متّ فق عل يه ب ين الئمّة ‪ ،‬ول يعلم خلف في ذلك ‪ .‬ثانيا ‪:‬‬
‫إذا لم يكن هناك خوف على العامّة فالمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ومحمّد بن الحسن من الحنفيّة‬
‫ن للحا كم جبره إذا لم يمت ثل ال مر بالب يع ‪ .‬وأمّا أ بو حني فة وأ بو يو سف فيريان أنّه ل‬
‫يرون أ ّ‬
‫ي جبر على الب يع ‪ ،‬وإنّ ما إذا امت نع عن الب يع عزّره الحا كم ‪ .‬وع ند من يرى ال جبر فمن هم من‬
‫يرى الجبر بادئ ذي بدء ‪ .‬ومنهم من يرى النذار مرّةً ‪ ،‬قب وقيل اثنتين ‪ ،‬وقيل ثلثا ‪ .‬وتدلّ‬
‫النّقول عن الفقهاء أ نّ هذه المسألة مرجعها مراعاة المصلحة ‪ .‬وهو من قبيل السّياسة الشّرعيّة‬
‫‪.‬‬
‫احتلم‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬من معا ني الحتلم في اللّ غة رؤ يا المباشرة في المنام ‪ .‬ويطلق في اللّ غة أيضا على‬
‫الدراك والبلوغ ‪ .‬ومثله الحلم ‪ .‬وهبو عنبد الفقهاء اسبم لمبا يراه النّائم مبن المباشرة ‪ ،‬فيحدث‬
‫معه إنزال المنيّ غالبا ‪.‬‬
‫( اللفاظ ذات الصّلة ) ‪:‬‬
‫ل أ نّ المناء أع ّم منه ‪ ،‬إذ ل يقال لمن‬
‫‪ - 2‬أ ‪ -‬المناء ‪ :‬يذكر الحتلم ويراد به المناء ‪ ،‬إ ّ‬
‫أمنى في اليقظة محتلم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الجنابة ‪ :‬أع مّ من وجه من الحتلم فقد تكون من الحتلم ‪ ،‬وقد تكون من غيره كالتقاء‬
‫ن الحتلم قد يكون بل إنزال فل تحصل الجنابة ‪.‬‬
‫الختانين كما أ ّ‬
‫ج ‪ -‬البلوغ ‪ :‬البلوغ يحصل بعلمات كثيرة منها الحتلم ‪ ،‬فهو علمة البلوغ ‪.‬‬
‫ممّن يكون الحتلم ؟‬
‫ن « أمّ سليم‬
‫‪ - 3‬الحتلم كما يكون من الرّجل يكون من المرأة ‪ ،‬فقد روى مسلم والبخاريّ أ ّ‬
‫حدّثت أنّها سألت النّبيّ صلى ال عليه وسلم فقالت ‪ :‬هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت‬
‫؟ قال ‪ :‬نعم إذا رأت الماء ‪» .‬‬

‫بم يتحقّق احتلم المرأة ؟‬


‫‪ - 4‬للفقهاء في حصول الحتلم من المرأة ثلثة آراء ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬ح صول الحتلم بو صول المن يّ إلى ظا هر الفرج ‪ .‬و هو قول الحنابلة ‪ ،‬وظا هر الرّوا ية‬
‫عند الحنفيّة ‪ ،‬وهو قول الشّافعيّة بالنّسبة لل ّثيّب ‪ .‬والمراد بظاهر الفرج ‪ :‬ما يظهر عند قضاء‬
‫الحاجة ‪ ،‬أو عند الجلوس عند القدمين ‪.‬‬
‫ي خارج الفرج ‪ ،‬وهو قول المالكيّة مطلقا ‪ ،‬وقول الشّافعيّة‬
‫ب ‪ -‬حصول الحتلم بوصول المن ّ‬
‫ن دا خل فرج ها كبا طن الج سم ‪ .‬ح ‪ -‬ح صول الحتلم بمجرّد إنزال المرأة‬
‫بالنّ سبة للب كر ؛ ل ّ‬
‫في رحمها وإن لم يخرج المن يّ إلى ظاهر الفرج ؛ ل نّ من يّ المرأة عادةً ينعكس داخل الرّحم‬
‫ليتخلّق منه الولد ‪ ،‬وهو قول محمّد بن الحسن من الحنفيّة ‪.‬‬
‫أثر الحتلم في الغسل ؟‬
‫‪ - 5‬إن كان المحتلم كافرا ثمّ أسلم فللعلماء في ذلك رأيان ‪ :‬الوّل ‪ :‬وجوب الغسل من الجنابة‬
‫‪ ،‬وهو مذهب الشّافعيّة والحنابلة والصحّ عند الحنفيّة ‪ ،‬وهو قول للمالكيّة ‪ ،‬لبقاء صفة الجنابة‬
‫بعد الحتلم ‪ ،‬ول يجوز أداء ال صّلة ونحوها إلّ بزوال الجنابة ‪ .‬الثّاني ‪ :‬ندب الغسل ‪ ،‬وهو‬
‫ن الكافر وقت‬
‫قول ابن القاسم والقاضي إسماعيل من المالكيّة ‪ ،‬ومقابل الصحّ عند الحنفيّة ؛ ل ّ‬
‫الحتلم لم يكن مكلّفا بفروع الشّريعة ‪.‬‬
‫الحتلم بل إنزال ‪:‬‬
‫ل من أحفظ‬
‫‪ - 6‬من احتلم ولم يجد منيّا فل غسل عليه ‪ .‬قال ابن المنذر ‪ :‬أجمع على هذا ك ّ‬
‫عنه من أهل العلم ‪ .‬ولو استيقظ ووجد المنيّ ولم يذكر احتلما فعليه الغسل ‪ ،‬لما روت عائشة‬
‫أنب النّبيّ صبلى ال عليبه وسبلم سبئل عبن الرّجبل يجبد البلل ول يذكبر‬
‫رضبي ال عنهبا « ّ‬
‫الحتلم ‪ ،‬قال ‪ :‬يغت سل ‪ ،‬و عن الرّ جل يرى أنّه احتلم ول ي جد البلل قال ‪ :‬ل غ سل عل يه » ‪.‬‬
‫ول يوجد من يقول غير ذلك ‪ ،‬إلّ وجها شاذّا للشّافعيّة ‪ ،‬وقولً للمالكيّة ‪.‬‬
‫‪ - 7‬وإذا رأى المن يّ في فراش ينام ف يه مع غيره ممّن يم كن أن يم ني ‪ ،‬ون سبه كلّ منه ما‬
‫ب لكلّ واحد منهما عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬ول يلزم ‪ ،‬ول يجوز أن‬
‫لصاحبه ‪ ،‬فالغسل مستح ّ‬
‫ي صلّي أحده ما خلف ال خر ق بل الغت سال ‪ ،‬للشّ كّ ‪ ،‬و هو ل يرت فع به اليق ين ‪ .‬وقال الحنفيّة‬
‫بوجوب الغسل على كلّ منهما ‪ .‬وفصّل المالكيّة فقالوا ‪ :‬إنّه إن كانا زوجين وجب على الزّوج‬
‫ي من الزّوج وحده ‪ ،‬ويع يد ال صّلة من آ خر نو مة ‪ ،‬وي جب‬
‫ن الغالب خروج المن ّ‬
‫وحده ‪ .‬؛ ل ّ‬
‫عليهما معا الغسل إن كانا غير زوجين ‪ .‬ول فرق بين الزّوجين وغيرهما عند بقيّة المذاهب ‪.‬‬
‫‪ - 8‬والثّوب الّذي ينام فيه هو وغيره كالفراش عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬ويعيد كلّ صلة ل‬
‫يحت مل خلوّ ها عن المناء قبلها ع ند الشّافعيّة و من آ خر نو مة عند الحنابلة ما لم تظهر أمارة‬
‫على أنّه حدث قبلها ‪ .‬وقال المالكيّة يستحبّ الغسل ‪.‬‬
‫‪ - 9‬ولو استيقظ فوجد شيئا وش كّ في كونه منيّا أو غيره ( والشّ كّ ‪ :‬ا ستواء الطّرف ين دون‬
‫ترجيبح أحدهمبا على الخبر ) فللفقهاء فبي ذلك عدّة آراء ‪ :‬أ ‪ -‬وجوب الغسبل ‪ ،‬وهبو قول‬
‫الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ‪ ،‬إلّ أنّ الحنفيّة أوجبوا الغسل إن تذكّر الحتلم وشكّ في كونه منيّا‬
‫ن المن يّ قد ير قّ لعارض‬
‫أو مذيا ‪ ،‬أو منيّا أو وديا ‪ ،‬وكذا إن ش كّ في كونه مذيا أو وديا ؛ ؛ ل ّ‬
‫كالهواء ‪ ،‬لوجود القرينة ‪ ،‬وهي تذكّر الحتلم ‪ .‬فإن لم يتذكّر الحتلم فالحكم كذلك عند أبي‬
‫حنيفة ومحمّد ‪ ،‬أخذا بالحديث « في جوابه صلى ال عليه وسلم عن الرّجل يجد البلل ولم يذكر‬
‫احتلما قال ‪ :‬يغت سل » ‪ .‬للطلق في كل مة « البلل » ‪ .‬وقال أ بو يو سف ‪ :‬ل ي جب ‪ ،‬و هو‬
‫القياس ؛ ل نّ اليق ين ل يزول بالشّ كّ ‪ ،‬وهذا كلّه مقيّد ع ند الحنفيّة والحنابلة بألّ ي سبقه انتشار‬
‫قبل النّوم ‪ ،‬فإن سبقه انتشار ترجّح أنّه مذي ‪ .‬وزاد الحنابلة ‪ :‬أو كانت بها إبردة ؛ لحتمال أن‬
‫يكون مذيا ‪ ،‬وقد وجد سببه ‪ .‬ويجب منه حينئذ الوضوء ‪ ،‬وقصر المالكيّة وجوب الغسل على‬
‫مبا إذا كان الشّكّب بيبن أمريبن أحدهمبا منيّب ‪ .‬فإن شكّب فبي كونبه واحدا مبن ثلثبة فل يجبب‬
‫شكّ بالنّسبة للمنيّ ‪ ،‬لتعدّد مقابله ‪.‬‬
‫الغسل ‪ ،‬لضعف ال ّ‬
‫ب ‪ -‬عدم وجوب الغ سل ‪ ،‬و هو و جه للشّافعيّة ‪ ،‬وقول مجا هد وقتادة ؛ ؛ ل نّ اليق ين ل يزول‬
‫شكّ ‪ .‬وأوجبوا من ذلك الوضوء مرتّبا ‪.‬‬
‫بالشّكّ ‪ .‬والولى الغتسال لزالة ال ّ‬
‫ج ‪ -‬التّخيير في اعتباره واحدا ممّا اشتبه فيه ‪ ،‬وهو مشهور مذهب الشّافعيّة ‪ ،‬وذلك لشتغال‬
‫ذمّته بطهارة غير معيّنة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬وللشّافعيّة وجه آخر وهو لزوم مقتضى الجميع ‪ .‬أي الغسل والوضوء ‪ ،‬للحتياط ‪.‬‬
‫أثر الحتلم في الصّوم والحجّ ‪:‬‬
‫‪ - 10‬ل أثر للحتلم في الصّوم ‪ ،‬ول يبطل به باتّفاق ‪ ،‬لقوله عليه الصلة والسلم ‪ « :‬ثلث‬
‫ن ف يه حرجا ‪ ،‬لعدم إمكان التّحرّز‬
‫ل يفطرن ال صّائم ‪ :‬الحجا مة ‪ ،‬والق يء ‪ ،‬والحتلم » ‪ ،‬ول ّ‬
‫ل بترك النّوم ‪ ،‬والنّوم مباح ‪ ،‬وتر كه غ ير م ستطاع ‪ .‬ولنّه لم تو جد صورة الجماع ‪،‬‬
‫ع نه إ ّ‬
‫ول معناه وهو النزال عن شهوة بمباشرة ول أثر له كذلك في الحجّ باتّفاق ‪.‬‬
‫أثر الحتلم في العتكاف‬
‫ب العتكاف ل يبطبل بالحتلم ‪ ،‬ول يفسبد إن خرج المعتكبف‬
‫‪ - 11‬يتّفبق الفقهاء على أن ّ‬
‫للغت سال خارج الم سجد ‪ ،‬إلّ في حالة واحدة ذكر ها الحنفيّة و هي إن أمك نه الغت سال فبي‬
‫ن تنظيف المسجد واجب ‪ .‬وبقيّة الفقهاء‬
‫المسجد ‪ ،‬ولم يخش تلويثه فإن خيف تلويثه منع ؛ ل ّ‬
‫منهم من يجيز الخروج للغتسال ولو مع أمن المسجد في التّلوّث ‪ ،‬ومنهم من يوجب الخروج‬
‫ويحرّم الغتسال في المسجد مطلقا ‪ ،‬فإن تعذّر الخروج فعليه تيمّم ‪ .‬والخروج ل يقطع التّتابع‬
‫باتّفاق ما لم يطل ‪.‬‬
‫‪ - 12‬وفي اعتبار زمن الجنابة من العتكاف خلف بين الفقهاء ‪ .‬فالشّافعيّة ل يعدّون زمن‬
‫الجنا بة من العتكاف إن اتّ فق الم كث مع ها لعذر أو غيره ؛ لمنافاة ذلك للحتلم ‪ ،‬و هو قول‬
‫الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬ويحسب عند الحنابلة ‪ ،‬فقد صرّحوا بعدم قضائه لكونه معتادا ‪ ،‬ول كفّارة‬
‫فيه ‪.‬‬
‫البلوغ بالحتلم ‪:‬‬
‫ن البلوغ يح صل بالحتلم مع النزال ‪ ،‬وينق طع به الي تم ل ما روي‬
‫‪ - 13‬يتّ فق الفقهاء على أ ّ‬
‫عن عليّ رضي ال عنه عن النّبيّ عليه الصلة والسلم قال ‪ « :‬ل يتم بعد احتلم ول صمات‬
‫يوم إلى اللّيل » ‪.‬‬
‫احتواش‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬الحتواش لغ ًة الحاطة ‪ .‬يقال ‪ :‬احتوش القوم على فلن إذا جعلوه وسطهم ‪ ،‬واحتوش‬
‫القوم الصبّيد أحاطوا ببه ‪ .‬ومبن اسبتعمله مبن الفقهاء ‪ -‬وهبم الشّافعيّة ‪ -‬أطلقوه على إحاطبة‬
‫خا صّة ‪ ،‬وهي إحاطة الدّمين بطهر ‪ ،‬وإن كان غيرهم تعرّض للمسألة من غير استعمال هذه‬
‫التّسمية ‪.‬‬
‫ي)‬
‫( الحكم الجمال ّ‬
‫ن الطّ هر الّذي يع تبر في العدّة هو‬
‫‪ - 2‬ذ هب المالكيّة والشّافعيّة في ال صحّ عند هم إلى أ ّ‬
‫المحتوش بين دمين ‪ ،‬فلو طلّق صغيرةً ومضى قدر زمن الطّهر ث مّ حاضت فل يعتبر قرءا ‪.‬‬
‫ن القرء هو انتقال من طهر إلى حيض ول يخفى أ نّ هذا ل‬
‫ح اعتباره قرءا ؛ ل ّ‬
‫ومقابل الص ّ‬
‫ي سمّى احتواشا ‪ .‬ويذ كر الفقهاء ذلك في عدّة ذوات القراء ‪ .‬ول ترد هذه الم سألة في مذ هب‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬ول على الصحّ عند الحنابلة ؛ لنّ العدّة عندهم بالحيض ل بالطهار ‪.‬‬
‫احتياط‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬من معاني الحتياط لغ ًة ‪ :‬الخذ في المور بالحزم والوثق ‪ ،‬وبمعنى المحاذرة ‪ ،‬ومنه‬
‫القول ال سّائر ‪ :‬أوسط الرّأي الحتياط ‪ ،‬وبمعنى الحتراز من الخطأ واتّقائه ‪ .‬ويستعمل الفقهاء‬
‫الحتياط بهذه المعاني كذلك ‪ .‬أمّا الورع فهو اجتناب الشّبهات خوفا من الوقوع في المحرّمات‬
‫‪.‬‬

‫ي)‬
‫( الحكم الجمال ّ‬
‫‪ - 2‬كثير من الحكام الفقهيّة تثبت لجل الحتياط ‪ ،‬فمن نسي الظّهر والعصر من يومين ل‬
‫يدري أي اليوميبن أسببق ‪ ،‬فإنّه يصبلّي الظّهبر ثمّب العصبر ثمّب الظّهبر فبي أحبد الحتمالت ‪،‬‬
‫والباعث على ذلك الحتياط ‪ .‬ولتعارض الحتياط مع أصل براءة الذّمّة ‪ ،‬ومع قاعدة التّحرّي‬
‫والتّوخ ّي عنبد الحرج ‪ ،‬يأتبي التّردّد والخلف فبي الحكام المبني ّة على الحتياط ‪ .‬ويذكبر‬
‫ال صوليّون ما عبّر ع نه الن صاريّ شارح م سلم الثّبوت أنّه " ل يس كلّ ما كان أحوط ي جب ‪،‬‬
‫بل إنّ ما هو في ما ث بت وجو به من ق بل ‪ ،‬في جب ف يه ما تخرج به عن العهدة يقينا ‪ ،‬كال صّلة‬
‫المنسيّة ‪ ،‬كما إذا فاتت صلة من يوم فنسيها ‪ ،‬فيجب عليه قضاء ال صّلوات الخمس من ذلك‬
‫اليوم ليخرج عبن عهدة المنسبيّة يقينا " قال ‪ « :‬ومنبه نسبيان المسبتحاضة أيّامهبا يجبب عليهبا‬
‫ل صلة أو لو قت كلّ صلة " على خلف تف صيله في " ح يض » ‪ .‬ث مّ ذ كر الحالة‬
‫التّطهّر لك ّ‬
‫الثّانية الّتي يجب فيها الفعل احتياطا فقال ‪ « :‬أو كان الوجوب هو الصل ث ّم يعرض ما يوجب‬
‫الشّ كّ ‪ ،‬كصوم الثّلثين من رمضان ‪ ،‬فإ نّ الوجوب فيه الصل ‪ ،‬وعروض عارض الغمام ل‬
‫شكّ‬
‫شكّ ‪ ،‬فل يثبت الوجوب للحتياط في صوم يوم ال ّ‬
‫يمنعه ‪ ،‬فيجب احتياطا ‪ ،‬ل كصوم يوم ال ّ‬
‫؛ لنّ الوجوب فيه ليس هو الصل ‪ ،‬ول هو ثابت يقينا » ‪.‬‬

‫( مواطن البحث )‬
‫‪ - 3‬يذكر الصوليّون في باب تعارض الدلّة ترجيح الدّليل المقتضي للتّحريم على ما يقتضي‬
‫غيره من الحكام ل ستناد ذلك التّرج يح للحتياط ‪ ،‬و في تعارض العلل ترج يح العلّة المقتض ية‬
‫للتّحريبم على المقتضيبة لغيره ‪ .‬وذكروا أيضا مسبألة جريان الحتياط فبي الوجوب والنّدب‬
‫ل ذلك الملحبق الصبوليّ ‪ .‬ويذكبر الفقهاء القواعبد‬
‫والتّحريبم ‪ ،‬فبي الباب نفسبه أيضا ‪ .‬ومح ّ‬
‫المبنيّة على الحتياط ‪ ،‬ومنها قاعدة تغليب الحرام عند اجتماع الحرام والحلل ‪ ،‬وما يدخل في‬
‫هذه القاعدة وما يخرج عنها ‪ ،‬في كتب القواعد الفقهيّة ‪.‬‬
‫احتيال‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬يأتي الحتيال بمعنى طلب الحيلة ‪ ،‬وهي الحذق في تدبير المور ‪ ،‬أي تقليب الفكر حتّى‬
‫يهتدي إلى المقصود ‪ .‬ويأتي بمعنى الحتيال بالدّين ‪ .‬ول يخرج استعمال الصوليّين والفقهاء‬
‫ن ابن القيّم ذكر أنّه غلب على الحيلة في العرف استعمالها في سلوك الطّرق‬
‫لأّ‬
‫له عن هذا ‪ ،‬إ ّ‬
‫ل بنوع من الذّكاء‬
‫الخفيّة الّ تي يتو صّل ب ها الرّ جل إلى ح صول غر ضه بح يث ل يتفطّن له إ ّ‬
‫والفط نة ‪ .‬فهذا أخ صّ من موضوع ها في أ صل اللّ غة ‪ ،‬و سواء أكان المق صود أمرا جائزا أم‬
‫محرّما ‪ ،‬وأخ صّ من هذا ا ستعمالها في التّو صّل إلى الغرض الممنوع م نه شرعا أو عقلً أو‬
‫عاد ًة ‪ .‬وهذا هو الغالب علي ها في عرف النّاس ‪ .‬إطلقا ته ‪ :‬الوّل ‪ :‬بمع نى ا ستعمال الطّرق‬
‫الّ تي يتو صّل ب ها الن سان إلى غر ضه ‪ .‬الثّا ني ‪ :‬بمع نى ن قل الدّ ين من ذمّة إلى ذمّة ‪ ،‬و هو‬
‫الحوالة ‪.‬‬

‫ي)‬
‫( الحكم الجمال ّ‬
‫أ ّولً ‪ :‬بالمع نى الوّل ‪ :‬يختلف ح كم الحتيال باختلف الق صد والنّيّة ‪ ،‬وباختلف مآل الع مل ‪،‬‬
‫وذلك على الوجه التي ‪:‬‬
‫‪ - 2‬يكون الحتيال حراما إذا تسبّب به المكلّف في إسقاط ما وجب شرعا ‪ ،‬حتّى يصير غير‬
‫واجب في الظّاهر ‪ ،‬أو في جعل المحرّم حللً في الظّاهر ‪ .‬ذلك أ نّ العمل إذا قصد به إبطال‬
‫ح كم شرع يّ وتحويله في الظّا هر إلى ح كم آ خر ‪ ،‬حتّى ي صير مآل ذلك الع مل خرم قوا عد‬
‫الشّري عة في الوا قع ‪ ،‬ف هو حرام منه يّ ع نه ‪ .‬وذلك ك ما لو د خل عل يه و قت ال صّلة فشرب‬
‫خمرا أو دوا ًء منوّما حتّى يخرج وقتها وهو فاقد لعقله كالمغمى عليه ‪ ،‬أو كان له مال يقدر به‬
‫على الح جّ فوه به كي ل ي جب عل يه الح جّ ‪ .‬وكذلك يحرم التّ صرّف في المال به بة أو غير ها‬
‫ق بل الحول للفرار من الزّكاة ع ند المالكيّة والحنابلة ‪ .‬و قد اختلف الحنفيّة في ذلك ‪ ،‬فقال أ بو‬
‫يوسف ‪ :‬ل يكره ذلك ؛ لنّه امتناع عن الوجوب لبطال ح قّ الغير ‪ .‬وفي المحيط أنّه الصحّ‬
‫لنب فيبه إضرارا بالفقراء ‪،‬‬
‫‪ .‬وقال محمّد ‪ :‬يكره ‪ .‬واختاره الشّيبخ حميبد الدّيبن الضّريبر ؛ ّ‬
‫وإبطال حقّهم مآلً ‪ .‬وقيل ‪ :‬الفتوى على قول محمّد ‪ ،‬كذلك المر بالنّسبة للشّافعيّة ‪ ،‬ففي نهاية‬
‫ّروانيب ‪ :‬وفبي‬
‫ّ‬ ‫ّروانيب ‪ :‬يكره تنزيها إن قصبد ببه الفرار مبن الزّكاة ‪ .‬وقال الش‬
‫ّ‬ ‫المحتاج والش‬
‫الوج يز يحرم ‪ .‬زاد في الحياء ‪ :‬ول تبرأ به الذّمّة باطنا ‪ ،‬وأ نّ هذا من الف قه الضّارّ ‪ ،‬وقال‬
‫ابن الصّلح يأثم بقصده ل بفعله ‪ .‬كذلك يحرم الحتيال لخذ أموال النّاس وظلمهم في نفوسهم‬
‫وسفك دمائهم وإبطال حقوقهم ‪ .‬والدّليل على حرمة الحتيال قوله تعالى ‪ { :‬ولقد علمتم الّذين‬
‫اعتدوا من كم في ال سّبت ‪ } . . .‬؛ لنّ هم احتالوا لل صطياد في ال سّبت ب صورة ال صطياد في‬
‫غيره ‪ .‬وقول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل يجمع بين متفرّق ول يفرّق بين مجتمع خشية‬
‫الصّدقة » ‪.‬‬
‫‪ - 3‬ويكون الحتيال جائزا إذا قصد به أخذ ح قّ ‪ ،‬أو دفع باطل ‪ ،‬أو التّخلّص من الحرام ‪ ،‬أو‬
‫التّو صّل إلى الحلل ‪ ،‬و سواء أكا نت الو سيلة محرّم ًة أم مشروعةً ‪ ،‬إلّ أنّ ها إن كا نت محرّمةً‬
‫فهو آثم على الوسيلة دون المقصود ‪ ،‬وقد يطلب الحتيال ول سيّما في الحرب ؛ ؛ لنّها خدعة‬
‫‪ .‬والصل في الجواز قول اللّه تعالى ‪ { :‬وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ول تحنث } ‪.‬‬
‫‪ - 4‬وم نه ما يختلف ف يه و هو ما لم يتبيّن ف يه مقصد للشّارع يتّ فق على أنّه مق صود له ‪ ،‬ول‬
‫ظ هر أنّه على خلف الم صلحة الّ تي وض عت ل ها الشّري عة بح سب الم سألة المفرو ضة ‪ .‬ف من‬
‫رأى من الفقهاء أ نّ الحتيال في أمر ما غير مخالف للمصلحة فالتّحيّل جائز عنده فيه ‪ ،‬ومن‬
‫ن من يجيز التّحيّل في بعض‬
‫رأى أنّه مخالف فالتّحيّل ممنوع عنده فيه ‪ .‬على أنّه من المقرّر أ ّ‬
‫المسبائل فإنّمبا يجيزه بناءً على تحرّي قصبد المكلّف المحتال ‪ ،‬وأنّبه غيبر مخالف لقصبد‬
‫ن مصادمة الشّارع صراحا ‪ ،‬علما أو ظنّا ‪ ،‬ممنوع ‪ ،‬كما أ نّ المانع إنّما منع بناءً‬
‫الشّارع ؛ ل ّ‬
‫ن ذلك مخالف لق صد الشّارع ؛ ول ما و ضع في الحكام من الم صالح ‪ .‬و من ذلك نكاح‬
‫على أ ّ‬
‫المحلّل ‪ ،‬فإنّه تحيّل إلى رجوع الزّو جة إلى مطلّق ها الوّل بحيلة توا فق في الظّا هر قوله اللّه‬
‫ل له مبن بعبد حتّى تنكبح زوجا غيره } فقبد نكحبت المرأة هذا‬
‫تعالى ‪ { :‬فإن طلّقهبا فل تح ّ‬
‫المحلّل ‪ ،‬فكان رجوعهبا إلى الوّل بعبد تطليبق الثّانبي موافقا ‪ .‬ونصبوص الشّارع مفهمبة‬
‫لمقاصده ‪ ،‬ومن ذلك بيوع الجال ‪.‬‬
‫‪ - 5‬وأك ثر الّذ ين أخذوا بالحتيال هم الحنفيّة فالشّافعيّة ‪ .‬أمّا المالكيّة والحنابلة فإ نّ ال صل‬
‫ن تجو يز‬
‫عند هم هو م نع الحتيال غالبا ‪ ،‬و هو ل يف يد في العبادات ول في المعاملت ؛ ل ّ‬
‫ن الشّارع يسدّ الطّريق إلى المفاسد بكلّ ممكن ‪ ،‬والمحتال يفتح‬
‫الحيل يناقض سدّ الذّرائع ‪ ،‬فإ ّ‬
‫الطّريق إليها بحيلة ‪ .‬ثانيا بالمعنى الثّاني ‪:‬‬
‫‪ - 6‬الحتيال بالحقّ من جهة المحيل يكون نتيجة عقد الحوالة ‪ ،‬فالحوالة عقد يقتضي نقل دين‬
‫من ذمّة إلى أخرى ‪ ،‬وهي مستثناة ‪ -‬كما يقول بعض الفقهاء ‪ -‬من بيع الدّين بالدّين ‪.‬‬
‫‪ - 7‬وهي جائزة للحاجة إليها ‪ .‬والصل فيها قول النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إذا أحيل‬
‫أحد كم على مل يء فليح تل » والح كم في ها براءة ذمّة المح يل من د ين المحال له ‪ .‬و قد اشترط‬
‫الفقهاء ل صحّتها شروطا ‪ ،‬كر ضا المح يل المحال له ‪ ،‬والعلم ب ما يحال به وعل يه ‪ .‬وغ ير ذلك‬
‫من التّفاصيل تنظر في مصطلح ( حوالة ) ‪.‬‬

‫( مواطن البحث )‬
‫‪ - 8‬للحتيال بمعنى الطّرق الّتي يتوصّل بها النسان إلى غرضه أحكام مفصّلة في مصطلح (‬
‫حيلة ) وفبي كتبب الصبول ولهبا علقتهبا بمقاصبد الشّريعبة وبالذّرائع ‪ .‬وينظبر فبي الملحبق‬
‫الصوليّ ‪.‬‬
‫إحداد‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬من معا ني الحداد في اللّ غة ‪ :‬الم نع ‪ ،‬وم نه امتناع المرأة عن الزّي نة و ما في معنا ها‬
‫إظهارا للحزن ‪ .‬وهو في الصطلح ‪ :‬امتناع المرأة من الزّينة وما في معناها مدّ ًة مخصوصةً‬
‫في أحوال مخصوصة ‪ ،‬وكذلك من الحداد امتناعها من البيتوتة في غير منزلها ‪.‬‬
‫( اللفاظ ذات الصّلة ) ‪ :‬العتداد ‪:‬‬
‫‪ - 2‬وهو تربّص المرأة م ّدةً محدّدةً شرعا لفراق زوجها بوفاة أو طلق أو فسخ ‪ .‬والعلقة بين‬
‫ن العتداد طرف للحداد ‪ ،‬ففي العدّة ‪ .‬تترك المرأة زينتها لموت زوجها ‪.‬‬
‫العتداد والحداد أ ّ‬
‫صفته ( حكمه التّكليفيّ ) ‪:‬‬
‫‪ - 3‬أجمع العلماء على وجوب الحداد في عدّة الوفاة من نكاح صحيح ولو من غير دخول‬
‫بالزّو جة ‪ .‬والدّل يل على ذلك قوله صلى ال عل يه و سلم ‪ « :‬ل يحلّ لمرأة تؤ من باللّه واليوم‬
‫الخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلث ليال إلّ على زوج ‪ ،‬أربعة أشهر وعشرا » ‪ .‬كما أجمعوا‬
‫على أنّه ل إحداد على الرّجل ‪ .‬وقد أجمعوا أيضا على أنّه ل إحداد على المطلّقة رجعيّا ‪ ،‬بل‬
‫يطلب من ها أن تتعرّض لمطلّق ها وتتزيّن له لعلّ اللّه يحدث ب عد ذلك أمرا ‪ .‬على أ نّ للشّافع يّ‬
‫رأيا بأنّه يستحبّ للمطلّقة رجعيّا الحداد إذا لم ترج الرّجعة ‪.‬‬
‫‪ - 4‬وأمّا المعتدّة من طلق بائن بينونةً صغرى أو كبرى فقد اختلف العلماء فيه على اتّجاهين‬
‫‪ :‬الوّل ‪ :‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّ في قديمه ‪ ،‬وهو إحدى الرّوايتين في مذهب أحمد ‪ ،‬أنّ عليها‬
‫الحداد ‪ ،‬لفوات نع مة النّكاح ‪ .‬ف هي تش به من و جه من توفّي عن ها زوج ها ‪ .‬الثّا ني ‪ :‬ذ هب‬
‫المالكيّة والشّافع يّ في جديده و هو إحدى الرّوايت ين عن المام أح مد ( وق يل في ب عض الك تب‬
‫إنّ ها المذ هب ) إلّ أنّه ل إحداد علي ها ؛ ل نّ الزّوج هو الّذي فارق ها نابذا ل ها ‪ ،‬فل ي ستحقّ أن‬
‫تحدّ عليبه ‪ .‬وإلى هذا ذهبب جماعبة مبن التّابعيبن ‪ ،‬منهبم سبعيد ببن المسبيّب ‪ ،‬وأببو ثور ‪،‬‬
‫ب لها أن‬
‫وعطاء ‪ ،‬وربيعة ‪ ،‬ومالك ‪ ،‬وابن المنذر ‪ .‬إلّ أ نّ الشّافع يّ يرى في جديده أنّه يستح ّ‬
‫تحدّ ‪.‬‬
‫‪ - 5‬وأمّا المنكوحة نكاحا فاسدا إذا مات عنها زوجها فالجمهور على أنّه ل إحداد عليها ؛ ؛‬
‫وأنب بقاء الزّواج الفاسبد نقمبة ‪ ،‬وزواله نعمبة ‪ ،‬فل محلّ‬
‫ّ‬ ‫لنّهبا ليسبت زوج ًة على الحقيقبة ‪،‬‬
‫للحداد ‪ .‬وذ هب القا ضي أ بو يعلى من الحنابلة إلى وجوب الحداد علي ها تبعا لوجوب العدّة ‪،‬‬
‫وذ هب القا ضي الباج يّ المالك يّ إلى أنّه إذا ث بت بين ها وب ين زوج ها المتوفّي ش يء من أحكام‬
‫النّكاح ‪ ،‬كالتّوارث وغيره ‪ ،‬فإنّها تعتدّ عدّة الوفاة ‪ ،‬ويلزمها الحداد ‪.‬‬
‫‪ - 6‬أمّا إحداد المرأة على قريب غير زوج فإنّه جائز لمدّة ثلثة أيّام فقط ‪ ،‬ويحرم الزّيادة‬
‫عليها ‪ .‬والدّليل على ذلك ما روته زينب بنت أبي سلمة ‪ ،‬قالت ‪ « :‬لمّا أتى أمّ حبيبة نعي أبي‬
‫سفيان د عت في اليوم الثّالث ب صفرة ‪ ،‬فم سحت به ذراعي ها وعارضي ها ‪ ،‬وقالت ‪ :‬ك نت عن‬
‫هذا غنيّة ‪ ،‬سمعت النّبيّ صلى ال عليه وسلم يقول ‪ :‬ل يحلّ لمرأة تؤمن باللّه واليوم الخر‬
‫البخاريب‬
‫ّ‬ ‫ل على زوج فإنّهبا تحدّ عليبه أربعبة أشهبر وعشرا ‪ » .‬أخرجبه‬
‫أن تحدّ فوق ثلث إ ّ‬
‫ومسلم ‪ ،‬واللّفظ له ‪ .‬وللزّوج منعها من الحداد على القريب ‪.‬‬
‫إحداد زوجة المفقود ‪:‬‬
‫‪ - 7‬المفقود ‪ :‬هو من انقطع خبره ‪ ،‬ولم تعلم حياته من مماته ‪ .‬فإذا حكم باعتباره ميّتا فقد‬
‫ن زوج ته تعتدّ عدّة وفاة من ح ين الح كم ‪ ،‬ول كن أي جب علي ها الحداد ؟‬
‫أج مع العلماء على أ ّ‬
‫ذهبب جمهور العلماء إلى وجوببه باعتبار أنّهبا معتدّة عدّة وفاة ‪ ،‬فتأخبذ حكمهبا ‪ .‬وذهبب اببن‬
‫الماجشون من المالكيّة إلى أنّه وإن وجبت عليها العدّة فإنّه ل إحداد عليها ‪.‬‬
‫بدء مدّة الحداد ‪:‬‬
‫‪ - 8‬يبدأ الحداد عقيب الوفاة سواء علمت الزّوجة بوقتها ‪ ،‬أو تأخّر علمها ‪ ،‬وعقيب الطّلق‬
‫البائن عنبد مبن يرى ذلك ‪ .‬هذا إذا كانبت الوفاة والطّلق معلوميبن ‪ .‬أمّا إذا مات الزّوج ‪ ،‬أو‬
‫طلّقها ‪ ،‬وهو بعيد عنها فيبدأ الحداد من حين علمها ‪ .‬وليس عليها قضاء ما فات ‪ ،‬وينقضي‬
‫بانقضاء العدّة ‪ ،‬وإذا انتهت مدّة الحداد وبقيت محدّةً بل قصد فل إثم عليها ‪.‬‬
‫حكمة تشريع الحداد ‪:‬‬
‫‪ - 9‬شرع إحداد المرأة المتوفّى عنها زوجها وفاءً للزّوج ‪ ،‬ومراعاةً لحقّه العظيم عليها ‪ ،‬فإ نّ‬
‫الرّابطة الزّوجيّة أقدس رباط ‪ ،‬فل يصحّ شرعا ول أدبا أن تنسى ذلك الجميل ‪ ،‬وتتجاهل ح قّ‬
‫الزّوجيّة الّتي كانت بينهما ‪ .‬وليس من الوفاء أن يموت زوجها من هنا ‪ ،‬ثمّ تنغمس في الزّينة‬
‫وترتدي الثّياب الزّاه ية المعطّرة ‪ ،‬وتتحوّل عن منزل الزّوجيّة ‪ ،‬كأ نّ عشر ًة لم ت كن بينه ما ‪.‬‬
‫ل تفجّعا وحزنا على وفا ته ‪ ،‬فن سخ‬
‫ل كام ً‬
‫و قد كا نت المرأة ق بل ال سلم تحدّ على زوج ها حو ً‬
‫اللّه ذلك وجعله أرب عه أش هر وعشرا ‪ .‬هكذا قرّر علماء أئمّة المذا هب الرب عة في ما ي ستخلص‬
‫ن الحداد واجب على من توفّي عنها زوجها ‪،‬‬
‫من كلمهم على أحكام الحداد ‪ .‬فقد ذكروا " أ ّ‬
‫إظهارا للتّأ سّف على ممات زوج وفّى بعهدها ‪ ،‬وعلى انقطاع نعمة النّكاح ‪ ،‬وهي ليست نعمةً‬
‫دنيويّ ًة فحسبب ‪ ،‬ولكنّهبا أيضا أخرويّة ؛ ؛ لنّب النّكاح مبن أسبباب النّجاة فبي المعاد والدّنيبا "‬
‫وشرع الحداد أيضا ؛ لنّه يم نع تشوّف الرّجال إلي ها ؛ لنّ ها إذا تزيّ نت يؤدّي إلى التّشوّف ‪،‬‬
‫وهو يؤدّي إلى العقد عليها ‪ ،‬وهو يؤدّي إلى الوطء ‪ ،‬وهو يؤدّي إلى اختلط النساب ‪ ،‬وهو‬
‫حرام ‪ .‬وما أدّى إلى الحرام حرام » ‪.‬‬
‫من تحدّ ومن ل تحدّ ؟‬
‫‪ - 10‬تبيّن فيما سبق من يطلب منها الحداد في الجملة ‪ .‬وهناك حالت وقع فيها خلف بين‬
‫الفقهاء ‪ ،‬منها ‪ :‬الكتابيّة زوجة المسلم ‪ ،‬والصّغيرة ‪.‬‬
‫‪ - 11‬أمّا الكتابيّة فقد ذهب مالك ‪ -‬في رواية ابن القاسم ‪ -‬والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّها يجب‬
‫علي ها الحداد مدّة العدّة إذا مات زوج ها الم سلم ‪ ،‬وذلك ؛ ل نّ الحداد ت بع للعدّة فم تى وج بت‬
‫عليها عدّة الوفاة وجب عليها الحداد ‪ .‬وذهب الحنفيّة ومالك في رواية أشهب إلى أنّه ل إحداد‬
‫لنب الحداد مطلوب مبن المسبلمة ‪ ،‬لظاهبر قوله صبلى ال عليبه وسبلم ‪ « :‬ل يحلّ‬
‫عليهبا ؛ ّ‬
‫لمرأة تؤمن باللّه واليوم الخر ‪ » . . .‬الحديث ‪.‬‬
‫‪ - 12‬وأمّا ال صّغيرة فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّها تحدّ ‪ ،‬وعلى وليّها أن يمنعها من فعل‬
‫ن امرأةً‬
‫ن الحداد تبع للعدّة ‪ .‬ولما روي عن أمّ سلمة رضي ال عنها « أ ّ‬
‫ما ينافي الحداد ؛ ل ّ‬
‫ن ابن تي توفّي عن ها زوج ها و قد‬
‫أ تت النّبيّ صلى ال عل يه و سلم فقالت ‪ :‬يا ر سول اللّه ‪ ،‬إ ّ‬
‫اشتكت عينها أفنكحلها ؟ فقال ‪ :‬ل مرّتين ‪ ،‬أو ثلثا » الحديث ‪ ،‬ولم يسأل عن سنّها ‪ ،‬وترك‬
‫الستفصال في مقام ال سّؤال دليل على العموم ‪ .‬وذهب الحنفيّة إلى عدم وجوب الحداد عليها‬
‫لحد يث ‪ « :‬ر فع القلم عن ثلث ‪ :‬عن النّائم حتّى ي ستيقظ ‪ ،‬و عن المبتلى حتّى يبرأ ‪ ،‬و عن‬
‫ال صّبيّ حتّى يكبر » ‪ .‬فإن بلغت في العدّة حدّت فيما بقي ‪ .‬ومثلها المجنونة الكبيرة إذا أفاقت‬
‫‪ .‬وأمّا المة فالفقهاء على أنّه يلزمها الحداد مدّة عدّتها ؛ لعموم الحديث في وجوب الحداد ‪،‬‬
‫وحكى الشّافعيّة الجماع على ذلك » ‪.‬‬
‫ما تتجنّبه المحدّة ‪:‬‬
‫ل ما يعتبر زين ًة شرعا أو عرفا ‪ ،‬سواء أكان يتّصل بالبدن أو الثّياب أو‬
‫‪ - 13‬تجتنب المحدّة ك ّ‬
‫يلفت النظار إليها ‪ ،‬كالخروج من مسكنها ‪ ،‬أو التّعرّض للخطّاب ‪ .‬وهذا القدر مجمع عليه في‬
‫الجملة ‪ .‬وقبد اختلف الفقهاء فبي بعبض الحالت فاعتبرهبا البعبض مبن المحظورات على‬
‫المحدّة ‪ ،‬ولم يعتبر ها الخرون ‪ .‬وذلك كب عض المل بس الم صبوغة ‪ ،‬واختلف هم في المل بس‬
‫ن اختلفهم ‪-‬‬
‫ال سّوداء والبيضاء والمصبوغة بغير الزّعفران والمعصفر ‪ .‬وعند التّحقيق نجد أ ّ‬
‫فيما عدا المنصوص عليه ‪ -‬ناشئ عن اختلف العرف ‪ :‬فما اعتبر في العرف زينة اعتبروه‬
‫محرّما ‪ ،‬وما لم يعتبر اعتبر مباحا ‪ .‬والممنوع يرجع كلّه إمّا إلى البدن ‪ ،‬أو الثّياب ‪ ،‬أو الحليّ‬
‫‪ ،‬أو التّعرّض للخطّاب ‪ ،‬أو البيتوتة ‪.‬‬
‫‪ - 14‬فأمّا ما يتّصل بالبدن فالّذي يحرم عليها كلّ ما يعتبر مرغّبا فيها من طيب وخضاب‬
‫وكحل للزّينة ‪ .‬ومن ذلك الشياء المستحدثة للزّينة ‪ ،‬وليس من ذلك ما تتعاطاه المرأة للتّداوي‬
‫كالك حل والمتشاط بم شط وا سع ل ط يب ف يه ‪ .‬وذ هب الحنفيّة إلى كراه ية المتشاط بم شط‬
‫ال سنان و هو بل ط يب ؛ لنّه يع تبر من الزّي نة عند هم ‪ .‬على أ نّ من ل ك سب ل ها إلّ من‬
‫فإنب الشّافعيّة ينصبّون على جواز مسبّها له ‪ .‬وهذا كلّه فبي بدء‬
‫التّجار بالطّيبب أو صبناعته ّ‬
‫التّطيّب بعد لزوم الحداد ‪ ،‬أمّا لو تطيّبت قبل ذلك فهل عليها إزالته بعد لزوم الحداد ؟ ذهب‬
‫الشّافعيّة ‪ -‬إلى وجوب ذلك ‪ -‬وهبو قول للمالكيّة اختاره ا بن رشبد ‪ .‬والرّأي الخبر للمالكيّة‬
‫واختاره القرافيّ أنّه ليس عليها إزالته ‪.‬‬
‫‪ - 15‬واختلفوا في الدهان غير المطيّبة ‪ ،‬كالزّ يت والشّيرج ‪ ،‬فالحنفيّة والشّافعيّة يرون أ نّ‬
‫ا ستعمالها من الزّي نة الممنو عة على المحدّة ‪ ،‬خلفا للمالكيّة والحنابلة ‪ .‬ف في حد يث أ مّ سلمة‬
‫ن النّبيّ صلى ال عل يه و سلم د خل علي ها ح ين توفّي زوج ها أ بو سلمة ‪،‬‬
‫ر ضي ال عن ها « أ ّ‬
‫فنها ها أن تمت شط بالطّ يب ول بالحنّاء ‪ ،‬فإنّه خضاب ‪ .‬قالت ‪ :‬قلت بأ يّ ش يء أمت شط ؟ قال ‪:‬‬
‫بالسّدر تغلّفين به رأسك » أي تجعلين عليه من السّدر ما يشبه الغلف ‪.‬‬
‫ل ما جرى العرف باعتباره زين ًة ‪ ،‬ب صرف‬
‫‪ - 16‬وأمّا ما يتّ صل بالمل بس ف هو ك ما قل نا ك ّ‬
‫النّ ظر عن اللّون ‪ ،‬ف قد يكون الثّوب ال سود محظورا إذا كان يزيد ها جمالً ‪ ،‬أو جرى العرف‬
‫ص بالنّهي عن المعصفر والمزعفر من‬
‫عند قومها باعتباره من ملبس الزّينة ‪ .‬ولكن ورد النّ ّ‬
‫الثّياب ؛ لنّهما يفوح منهما الطّيب ‪ ،‬لحديث أ ّم عطيّة في ال صّحيحين « كنّا ننهى أن نحدّ على‬
‫ل على زوج أربعة أشهر وعشرا ‪ ،‬وأن نكتحل ‪ ،‬وأن نتطيّب ‪ ،‬وأن نلبس‬
‫ميّت فوق ثلث ‪ ،‬إ ّ‬
‫ثوبا مصبوغا ‪ » .‬وأمّا من لم يكن عندها إلّ ثوب واحد من المنه يّ عن لبسه فل يحرم عليها‬
‫ن ستر العورة أوجب من الحداد ‪ .‬ونقل عن الخرقيّ من الحنابلة أنّه‬
‫لبسه حتّى تجد غيره ؛ ل ّ‬
‫يحرم عليهبا اسبتعمال النّقاب ‪ ،‬فإن اضطرّت إلى سبتر وجههبا ؛ فلتسبدل النّقاب وتبعده عبن‬
‫وجهها وذلك ؛ لنّه اعتبر المحدّة كالمحرمة ولكن المذهب على غير ذلك فلها استعمال النّقاب‬
‫مطلقا ‪.‬‬
‫ل صوره عليها ‪ ،‬فيلزمها أن تنزعه‬
‫‪ - 17‬أمّا الحليّ ‪ :‬فقد أجمع الفقهاء على حرمة الذّهب بك ّ‬
‫حينما تعلم بموت زوجها ‪ ،‬ل فرق في ذلك بين الساور والدّمالج والخواتم ‪ ،‬ومثله الحل يّ من‬
‫الجوا هر ‪ .‬ويل حق به ما يتّ خذ للحل ية من غ ير الذّ هب والفضّة كالعاج وغيره ‪ .‬وجوّز ب عض‬
‫الفقهاء لبس الحل يّ من الفضّة ‪ ،‬ولكنّه قول مردود لعموم النّهي عن لبس الحل يّ على المحدّة ‪.‬‬
‫وقصر الغزال يّ من الشّافعيّة الباحة على لبس الخاتم من الفضّة ؛ لنّه ليس ممّا تخت صّ بحلّه‬
‫النّ ساء ‪ .‬وتحرم على المحدّة التّعرّض للخطّاب بأ يّ و سيلة من الو سائل تلميحا أو ت صريحا ‪،‬‬
‫لقوله صلى ال عل يه وسلم فيما رواه النّسائيّ وأ بو داود ‪ « :‬ول تلبس المعصفر من الثّياب ‪،‬‬
‫ول الحليّ » ‪.‬‬

‫ما يباح للمحدّة‬


‫‪ - 18‬للمعتدّة الخروج في حوائجها نهارا سواء كا نت مطلّق ًة أو متوفّ ى عنها ‪ ،‬لما روى «‬
‫جابر قال ‪ :‬طلقت خالتي ثلثا ‪ ،‬فخرجت تجذّ نخلها ‪ ،‬فلقيها رجل فنهاها ‪ .‬فذكرت ذلك للنّبيّ‬
‫صلى ال عل يه و سلم فقال ‪ :‬اخر جي فجذّي نخلك ‪ ،‬لعلّك أن تت صدّقي م نه أو تفعلي خيرا ‪» .‬‬
‫رواه النّسبائيّ وأببو داود ‪ .‬وروى مجاهبد قال ‪ « :‬اسبتشهد رجال يوم أحبد ‪ ،‬فجاء نسباؤهم‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ ،‬وقلن ‪ :‬يا رسول اللّه نستوحش باللّيل ‪ ،‬أفنبيت عند إحدانا ‪،‬‬
‫فإذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا ؟ فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬تحدّثن عند إحداك نّ ‪،‬‬
‫ل واحدة إلى بيت ها » ‪ .‬ول يس ل ها ال مبيت في غ ير بيت ها ‪ ،‬ول‬
‫حتّى إذا أردت نّ النّوم فلتؤب ك ّ‬
‫ن اللّ يل مظنّة الف ساد ‪ ،‬بخلف النّهار فإنّه مظنّة قضاء الحوائج‬
‫ل إلّ لضرورة ؛ ل ّ‬
‫الخروج لي ً‬
‫والمعاش وشراء ما يحتاج إل يه ‪ .‬وإن و جب علي ها ح قّ ل يم كن ا ستيفاؤه إلّ ب ها ‪ ،‬كاليم ين‬
‫والحدّ ‪ ،‬وكانت ذات خدر ‪ ،‬بعث إليها الحاكم من يستوفي الح قّ منها في منزلها ‪ .‬وإن كانت‬
‫برز ًة جاز إحضار ها ل ستيفائه ‪ .‬فإذا فر غت رج عت إلى منزل ها ‪ .‬على أ نّ المالكيّة صرّحوا‬
‫بأنّه ل بأس للمحدّة أن تح ضر العرس ‪ ،‬ول كن ل تتهيّأ ف يه ب ما ل تلب سه المحدّة ‪ .‬اتّ فق أئمّة‬
‫المذا هب الرب عة على أنّه يباح للمحدّة في عدّة وفات ها الشياء التّال ية ‪ :‬يباح ل ها أن تل بس ثوبا‬
‫غير مصبوغ صبغا فيه طيب وإن كان نفيسا ‪ .‬ويباح لها من الثّياب كلّ ما جرى العرف على‬
‫أنّه ل يس بزي نة مه ما كان لو نه ‪ .‬ولمّا كان الحداد خا صّا بالزّي نة في البدن أو الحل يّ والثّياب‬
‫على التّف صيل ال سّابق ‪ ،‬فل تم نع من تجم يل فراش بيت ها ‪ ،‬وأثا ثه ‪ ،‬و ستوره والجلوس على‬
‫أثاث وث ير ‪ .‬ول بأس بإزالة الو سخ والتّ فث من ثوب ها وبدن ها ‪ ،‬كن تف ال بط ‪ ،‬وتقل يم الظا فر‬
‫إلخ ‪ ،‬والغتسال بال صّابون غير المطيّب ‪ ،‬وغسل رأسها ويديها ‪ ،‬ول يخفى أ نّ للمرأة المحدّة‬
‫أن تقابل من الرّجال البالغين من لها حاجة إلى مقابلته ما دامت غير مبدية زينتها ول مختلية‬
‫به ‪.‬‬
‫سكن المحدّة ‪:‬‬
‫‪ - 19‬ذهب جمهور الفقهاء من السّلف والخلف ‪ ،‬ول سيّما أصحاب المذاهب الربعة ‪ ،‬إلى أنّه‬
‫يجب على المعتدّة من وفاة أن تلزم بيت الزّوجيّة الّذي كانت تسكنه عندما بلغها نعي زوجها ‪،‬‬
‫سبواء كان هذا البيبت ملكا لزوجهبا ‪ ،‬أو معارا له ‪ ،‬أو مسبتأجرا ‪ .‬ول فرق فبي ذلك بيبن‬
‫الحضريّة والبدويّة ‪ ،‬والحائل والحا مل ‪ .‬وال صل في ذلك قوله تعالى ‪ { :‬ل تخرجوه نّ من‬
‫بيوتهنب } وحديبث « فريعبة بنبت مالك وأنّهبا جاءت إلى رسبول اللّه صبلى ال عليبه وسبلم‬
‫ّ‬
‫فأخبرته أ نّ زوجها خرج في طلب أعبد له فقتلوه بطرف القدوم ‪ ،‬فسألت رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي ‪ ،‬فإنّ زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ول نفقة ‪ .‬قالت ‪ :‬فقال‬
‫ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم ‪ :‬ن عم ‪ .‬قالت ‪ :‬فخر جت حتّى إذا ك نت في الحجرة ‪ ،‬أو في‬
‫المسجد دعاني ‪ ،‬أو أمر بي فدعيت له ‪ ،‬فقال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ :‬كيف قلت ؟‬
‫فرددت عليه القصّة ‪ ،‬فقال ‪ :‬امكثي في بيتك حتّى يبلغ الكتاب أجله ‪ ،‬فاعتدّت فيه أربعة أشهر‬
‫وعشرا ‪ ،‬فلمّا كان عثمان بن عفّان ر ضي ال ع نه أر سل إل يّ ف سألني عن ذلك ‪ ،‬فأ خبرته ‪،‬‬
‫فاتّبعه وقضى به » ‪ .‬رواه مالك في الموطّأ ‪ .‬وذهب جابر بن زيد والحسن البصريّ وعطاء‬
‫مبن التّابعيبن إلى أنّهبا تعتدّ ح يث شاءت ‪ .‬وروي ذلك عن عل يّ وا بن عبّاس وجابر وعائ شة‬
‫ن ال ية الّ تي جعلت عدّة المتوفّى عن ها زوج ها‬
‫ر ضي ال عن هم ‪ .‬وحا صل ما ا ستدلّوا به ‪ :‬أ ّ‬
‫أربعبة أشهبر وعشرا وهبي قوله تعالى ‪ { :‬والّذيبن يتوفّون منكبم ويذرون أزواجا يتربّصبن‬
‫ن أرب عة أش هر وعشرا } ن سخت ال ية الّ تي جعلت عدّة المتوفّى عن ها زوج ها حولً ‪،‬‬
‫بأنف سه ّ‬
‫و هي قوله تعالى ‪ { :‬والّذ ين يتوفّون من كم ويذرون أزواجا و صّيةً لزواج هم متاعا إلى الحول‬
‫غير إخراج } ‪ .‬والنّسخ إنّما وقع على ما زاد عن أربعة أشهر وعشر ‪ ،‬فبقي ما سوى ذلك‬
‫من الحكام ‪ ،‬ثمّ جاء الميراث فأسقط تعلّق حقّ إسكانها بالتّركة ‪.‬‬
‫مسوّغات ترك مسكن الحداد ‪:‬‬
‫‪ - 20‬إن طرأ على المحدّة ما يقتضي تحوّلها عن المسكن الّذي وجب عليها الحداد فيه ‪ ،‬جاز‬
‫لهبا النتقال إلى مسبكن آخبر تأمبن فيبه على نفسبها ومالهبا ‪ ،‬كأن خافبت هدما أو عدوّا ‪ ،‬أو‬
‫أخرجت من ال سّكن من مستحقّ أخذه ‪ ،‬كما لو كان عاريّةً أو إجار ًة انقضت مدّتها ‪ ،‬أو منعت‬
‫ل عنبد‬
‫السبّكنى تعدّيا ‪ ،‬أو طلب ببه أكثبر مبن أجرة المثبل ‪ .‬وإذا انتقلت تنتقبل حيبث شاءت إ ّ‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬وهو اختيار أبي الخطّاب من الحنابلة ‪ ،‬فعليها أن تنتقل إلى أقرب ما يمكنها النتقال‬
‫إليه قياسا على ما إذا وجبت الزّكاة ولم يوجد من يستحقّها في مكان وجوبها ‪ ،‬فإنّها تنقل إلى‬
‫أنب الواجبب سبقط لعذر ولم يرد الشّرع له ببدل فل‬
‫أقرب موضبع يجدهبم فيبه ‪ .‬وللجمهور ّ‬
‫ص على اختيار القرب ‪ .‬أمّا البدويّة إذا انت قل جم يع أ هل المحلّة الّذ ين هي‬
‫ي جب ‪ ،‬ولعدم النّ ّ‬
‫معهم أو بقي منهم من ل تأمن معه على نفسها ومالها فإنّها تنتقل عن ال سّكن الّذي بدأت فيه‬
‫الحداد كذلك ‪ .‬وإذا مات ربّان ال سّفينة ‪ ،‬أو أ حد العامل ين في ها ‪ ،‬وكا نت م عه زوج ته ‪ ،‬ول ها‬
‫ص بها في السّفينة ‪ ،‬فإنّها تحدّ فيه ‪ ،‬وتجري عليها الحكام السّابقة ‪.‬‬
‫مسكن خا ّ‬
‫أجرة سكن المحدّة ‪ ،‬ونفقتها ‪:‬‬
‫‪ - 21‬اختلفت مذاهب الفقهاء فيمن يلزمه أجر سكن المحدّة هل هو عليها أم من مال المتوفّى‬
‫عنهبا ‪ .‬فذهبب الحنفيّة إلى أنّب أجرة سبكن المحدّة مبن وفاة ‪ ،‬مبن مالهبا ؛ ؛ لنّب الشّرع ورد‬
‫بتوريثها ‪ ،‬ولم يثبت لها أكثر من ذلك ‪ .‬أمّا المحدّة من طلق بائن ‪ -‬عندهم ‪ -‬فأجرة سكناها‬
‫على الزّوج ؛ لنّب نفقتهبا عليبه فبي مدّة العدّة ‪ ،‬فإن دفعبت مبن مالهبا رجعبت عليبه ‪ .‬وذهبب‬
‫المالكيّة إلى التّفر قة ب ين المدخول ب ها وغير ها ‪ ،‬فغ ير المدخول ب ها سكناها مع أهل ها أو من‬
‫مالها ‪ ،‬للدّليل ال سّابق عند الحنفيّة ‪ .‬وأمّا المدخول بها فإن كانت تسكن في ملكه أو في مسكن‬
‫ا ستأجره ل ها وعجّل أجر ته فل يس للور ثة إخراج ها حتّى لو بي عت الدّار ‪ ،‬في ستثنى من ها مدّة‬
‫إحدادهبا ‪ .‬فإن لم يكبن كذلك فأجرة سبكناها مبن مالهبا ‪ ،‬وليبس لهبا الرّجوع على مال التّركبة‬
‫ن المحدّة تستحقّ أجرة السّكن‬
‫بشيء ‪ ،‬سواء في ذلك الحامل والحائل » ‪ .‬وذهب الشّافعيّة إلى أ ّ‬
‫من التّركة ‪ ،‬بل تتعلّق بأعيان التّركة ‪ .‬وتقدّم على مؤنة التّجهيز والدّيون المرسلة في ال ّذمّة في‬
‫الظ هر ‪ ،‬سواء أكا نت حائلً أم حاملً ‪ ،‬مدخولً ب ها أو غ ير مدخول ‪ .‬و في غ ير الظ هر أ نّ‬
‫أجرة ال سّكنى عليها ؛ لنّها وارثة ‪ ،‬فتلزمها ‪ ،‬كالنّفقة ‪ .‬وهناك قول آخر ‪ :‬أ نّ الّذي يقدّم على‬
‫مؤنة التّجهيز أجرة سكنى يوم الوفاة ‪ ،‬وهذا إذا لم تكن تسكن فيما يملكه أو يملك منفعته أو لم‬
‫ي كن قد عجّل الجرة ق بل الوفاة ‪ .‬وذ هب الحنابلة إلى التّفر قة ب ين الحا مل والحائل ‪ ،‬فالحائل‬
‫أجرة سكناها في الحداد من مال ها بل خلف عند هم ‪ ،‬للدّل يل المذكور سابقا ‪ .‬وأمّا الحا مل‬
‫فعندهبم روايتان ‪ ،‬إحداهمبا ‪ :‬لهبا أجرة السبّكنى مبن مال المتوفّى عنهبا ؛ لنّهبا حامبل مبن‬
‫زوجها ‪ ،‬فكانت لها ال سّكنى والنّفقة ‪ ،‬كالمفارقة في الحياة ‪ .‬والثّانية ‪ :‬ليس لها ذلك ‪ .‬وصحّح‬
‫القاضي أبو يعلى هذه الرّواية ‪ .‬هذا عن أجرة سكنى المحدّة ‪ ،‬أمّا نفقتها فموطن بحثه مصطلح‬
‫ن حكم النّفقة تابع للعتداد ل للحداد ‪.‬‬
‫( عدّة ) ؛ ل ّ‬
‫حجّ المحدّة ‪:‬‬
‫ج في عدّة الوفاة ؛ ؛‬
‫‪ - 22‬ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ل تخرج المعتدّة إلى الح ّ‬
‫ن الح جّ ل يفوت ‪ ،‬والعدّة تفوت ‪ .‬روي ذلك عن عمر وعثمان ‪ ،‬وبه قال سعيد بن المسيّب‬
‫لّ‬
‫ن حاجّات‬
‫والثّور يّ وأصحاب الرّأي ‪ .‬وروي عن سعيد بن المسيّب قال ‪ :‬توفّي أزواج نساؤه ّ‬
‫ن ‪ .‬فإذا‬
‫أو معتمرات ‪ ،‬فردّه نّ ع مر ر ضي ال ع نه من ذي الحلي فة حتّى يعتددن في بيوته ّ‬
‫خر جت المرأة إلى الح جّ فتوفّي عن ها زوج ها و هي بالقرب ‪ ،‬أي دون م سافة ق صر ال صّلة ‪،‬‬
‫رجعت لتقضي العدّة ؛ لنّها في حكم القامة ‪ .‬ومتى رجعت وقد بقي من عدّتها شيء ‪ ،‬أتت‬
‫به في منزلها ‪ .‬وإن كانت قد تباعدت بأن قطعت مسافة القصر فأكثر ‪ ،‬مضت في سفرها ؛‬
‫لنّب عليهبا فبي الرّجوع مشقّةً ‪ ،‬فل يلزمهبا ‪ .‬فإن خافبت أن تتعرّض لمخاطبر فبي الرّجوع ‪،‬‬
‫مضت في سفرها ولو كانت قريبةً ؛ ل نّ عليها ضررا في رجوعها ‪ .‬وإن أحرمت بعد موته‬
‫ج ‪ ،‬فتوفّي‬
‫ن العدّة أسبق ‪ .‬وفي رأي للحنفيّة ‪ :‬أنّ المرأة إذا خرجت إلى الح ّ‬
‫لزمتها القامة ؛ ل ّ‬
‫عن ها زوج ها ‪ ،‬فالرّجوع أولى لتعت ّد في منزل ها ‪ ،‬فل ينب غي لمعتدّة أن تح جّ ‪ ،‬ول ت سافر مع‬
‫ن حاجّات أو معتمرات ‪ ،‬فردّه نّ ع بد اللّه بن‬
‫محرم أو غ ير محرم ‪ ،‬ف قد توفّي أزواج ن ساؤه ّ‬
‫ل على أ نّ المعتدّة تم نع من ذلك ‪ .‬أمّا المالكيّة‬
‫م سعود ر ضي ال ع نه من ق صر النّ جف ‪ .‬فد ّ‬
‫فيقولون ‪ :‬إذا أحرمت بح جّ أو عمرة ‪ ،‬ث مّ طرأت عليها عدّة بأن توفّي زوجها ‪ ،‬بقيت على ما‬
‫ن الح جّ سابق على العدّة ‪ .‬وإن أحر مت بح جّ أو‬
‫هي ف يه ‪ ،‬ول تر جع لم سكنها لتعتدّ به ؛ ل ّ‬
‫عمرة بعبد موجبب العدّة مبن طلق أو وفاة ‪ ،‬فإنّهبا تمضبي على إحرامهبا الطّارئ ‪ ،‬وأثمبت‬
‫بإدخال الحرام على نفسها بعد العدّة بخروجها من مسكنها ‪ .‬ولم يعتبر الشّافعيّة المسافة الّتي‬
‫تقطعها المحدّة المحرمة باليّام الّتي تقصر فيها الصّلة ‪ .‬ولكن قالوا ‪ :‬إن فارقت البنيان ‪ ،‬فلها‬
‫الخيار بين الرّجوع والتّمام ؛ لنّها صارت في موضع أذن لها زوجها فيه وهو ال سّفر ‪ ،‬فأشبه‬
‫ما لو بعدت ‪.‬‬
‫ج كلّ سفر ‪ ،‬فليس لها أن تنشئ ذلك ال سّفر وهي محدّة ‪ .‬وذهب أبو يوسف‬
‫‪ - 23‬ومثل الح ّ‬
‫ومحمّد إلى أنّه إذا كان معها محرم فل بأس بأن تخرج من المصر قبل أن تعتدّ ‪ .‬وحاصل ما‬
‫تفيده عبارات فقهاء المذاهب المختلفة أنّه إذا أذن الزّوج بال سّفر لزوجته ‪ ،‬ث مّ طلّقها ‪ ،‬أو مات‬
‫عن ها وبلغ ها ال خبر ‪ ،‬فإن كان الطّلق رجعيّا فل يتغيّر الح كم ؛ لقيام الزّوجيّة ‪ ،‬حتّى لو كان‬
‫معها في ال سّفر تمضي معه ‪ ،‬وإن لم يكن معها والطّلق بائن وكانت أقرب إلى بيت الزّوجيّة‬
‫وجب عليها أن تعود لتعتدّ وتحدّ في بيت الزّوجيّة ‪ .‬وإن كانت أقرب إلى مقصدها فهي مخيّرة‬
‫ن المالكيّة يوجبون العودة ‪ ،‬ولو‬
‫ب ين المض يّ إلى مق صدها وب ين العودة ‪ ،‬والعودة أولى ‪ .‬إلّ أ ّ‬
‫بلغت مقصدها ‪ ،‬ما لم تقم ستّة أشهر ‪ ،‬إلّ إذا كانت في حجّة السلم وأحرمت فإنّها تمضي‬
‫عندهم في حجّتها ‪.‬‬
‫اعتكاف المحدّة ‪:‬‬
‫‪ - 24‬المعتك فة إذا توفّي عن ها زوج ها ‪ ،‬لزم ها الخروج لقضاء العدّة ع ند الحنفيّة والشّافعيّة‬
‫ن خروج ها لقضاء العدّة أمر ضرور يّ ‪ ،‬ك ما إذا خرج المعت كف للجم عة وسائر‬
‫والحنابلة ؛ ل ّ‬
‫الواجبات ‪ ،‬كإنقاذ غريق ‪ ،‬أو إطفاء حريق ‪ ،‬أو أداء شهادة تعيّن عليه ‪ ،‬أو لفتنة يخشاها على‬
‫نف سه أو أهله أو ماله ‪ .‬وإذا خر جت المعتك فة لهذه الضّرورات ‪ ،‬ف هل يب طل اعتكاف ها ؟ و هل‬
‫تلزمهبا كفّارة يميبن ‪ ،‬أو ل كفّارة عليهبا ؟ ذهبب الحنفي ّة والحنابلة ‪ ،‬وهبو أصبحّ القوليبن‬
‫للشّافعيّة ‪ ،‬أنّه ل يبطل اعتكافها ‪ ،‬فتقضي عدّتها ‪ ،‬ثمّ تعود إلى المسجد ‪ ،‬وتبني على ما مضى‬
‫من اعتكافها ‪ .‬والقول الثّاني للشّافعيّة ‪ :‬يبطل اعتكافها ‪ ،‬وقد خرّجه ابن سريج ‪ ،‬وذكر البغويّ‬
‫أنّهبا إذا لزمهبا الخروج للعدّة ‪ ،‬فمكثبت فبي العتكاف ‪ ،‬عصبت وأجزأهبا العتكاف ‪ .‬قاله‬
‫الدّارم يّ ‪ .‬أمّا المالكيّة فيقولون ‪ « :‬تم ضي المعتك فة على اعتكاف ها إن طرأت علي ها عدّة من‬
‫وفاة أو طلق ‪ .‬وبهذا قال ربي عة وا بن المنذر ‪ .‬أمّا إذا طرأ اعتكاف على عدّة فل تخرج له ‪،‬‬
‫ببل تبقبى فبي بيتهبا حتّى تتم ّب عدّتهبا ‪ ،‬فل تخرج للطّارئ ‪ ،‬ببل تسبتمرّ على السبّابق " ( ر ‪:‬‬
‫اعتكاف ) ‪.‬‬
‫عقوبة غير الملتزمة بالحداد ‪:‬‬
‫‪ - 25‬يستفاد من كلم أئمّة المذاهب الربعة في الحداد أ نّ المحدّة المكلّفة لو تركت الحداد‬
‫ل المدّة أو بعض ها ‪ ،‬فإن كان ذلك عن ج هل فل حرج ‪ ،‬وإن كان عمدا ‪ ،‬ف قد أث مت‬
‫الوا جب ك ّ‬
‫ن وقته‬
‫متى علمت حرمة ذلك ‪ ،‬كما قاله ابن المقري من الشّافعيّة ‪ .‬ولكنّها ل تعيد الحداد ؛ ل ّ‬
‫قبد مضبى ‪ ،‬ول يجوز عمبل شيبء فبي غيبر موضعبه فبي غيبر وقتبه ‪ ،‬وانقضبت العدّة مبع‬
‫الع صيان ‪ ،‬ك ما لو فار قت المعتدّة الم سكن الّذي ي جب علي ها ملزم ته بل عذر ‪ ،‬فإنّ ها تع صي‬
‫وتنقضي عدّتها ‪ ( .‬ف ‪ ) 24‬وعلى وليّ غير المكلّفة إلزامها بالحداد في مدّته وإلّ كان آثما ‪.‬‬
‫ولم ترد في الشّرع عقوبة محدّدة لمن تركت الحداد ‪ ،‬ولكنّها توصف بأنّها عصت ‪ .‬هذا ومن‬
‫ن المام من حقّه أن يعزّر المرأة المكلّ فة على ترك الحداد إذا تعمّدت ذلك ب ما يراه‬
‫المعلوم أ ّ‬
‫من وسائل التّعزير ‪.‬‬
‫‪ - 26‬وإذا أمر المطلّق أو الميّت قبل الموت ‪ ،‬الزّوجة بترك الحداد ‪ ،‬فل تتركه ؛ لنّه ح قّ‬
‫ن هذه الشياء دواعي الرّغبة ‪ ،‬وهي ممنوعة عن النّكاح‬
‫الشّرع ‪ ،‬فل يملك العبد إسقاطه ؛ ل ّ‬
‫فتجتنبها لئلّ تصير ذريعةً إلى الوقوع في المحرّم ‪.‬‬
‫إحراز‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬الحراز لغ ًة ‪ :‬حفظ الشّيء وصيانته عن الخذ ‪ .‬ول يخرج استعمال الفقهاء عن المعنى‬
‫اللّغو يّ المذكور ف قد عرّ فه النّ سفيّ بأنّه ‪ :‬ج عل الشّ يء في الحرز ‪ ،‬و هو المو ضع الح صين ‪.‬‬
‫هذا والحراز إم ّا أن يكون بحصبانة موضعبه ‪ ،‬وهبو كلّ بقعبة معدّة للحراز ‪ ،‬ممنوع مبن‬
‫الدّخول فيها إلّ بإذن ‪ ،‬كالدّور والحوانيت والخيم والخزائن وال صّناديق ‪ ،‬وإمّا أن يكون بحافظ‬
‫يحرسبه ‪ .‬والمحك ّم فبي الحرز العرف ‪ ،‬إذ لم يحدّ فبي الشّرع ول فبي اللّغبة ‪ .‬وهبو يختلف‬
‫باختلف الموال والحوال والوقات ‪ .‬وضبطه الغزاليّ بما ل يعدّ صاحبه مضيّعا له ‪.‬‬
‫( اللفاظ ذات الصّلة ) ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الحيازة ‪ :‬هي وضع اليد على الشّيء والستيلء عليه ‪ .‬وقد يكون الشّيء المحوز في‬
‫حرز أو ل يكون ‪ ،‬لهذا فالحيازة أعمّ من الحراز ‪.‬‬
‫‪ - 3‬الستيلء ‪ :‬هو القهر والغلبة ولو حكما في أخذ الشّيء من حرزه ووضع اليد عليه ‪ .‬فهو‬
‫ص منه ‪ .‬الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫مختلف أيضا عن مطلق الحراز ‪ ،‬وأخ ّ‬
‫‪ - 4‬الحراز عند جمهور الفقهاء شرط من شروط القطع في ال سّرقة للمال المملوك ‪ .‬مواطن‬
‫البحث ‪:‬‬
‫‪ - 5‬يب حث الحراز في ال سّرقة ع ند الحد يث عن شروط ها ‪ ،‬و في العقود الّ تي ب ها ضمان‬
‫كالوديعة وغيرها ‪.‬‬
‫إحراق‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬الحراق لغ ًة مصدر أحرق ‪ .‬أمّا استعماله الفقه يّ فيؤخذ من عبارات بعض الفقهاء أ نّ‬
‫الحراق هو إذهاب النّار الشّيء بالكلّيّة ‪ ،‬أو تأثيرها فيه مع بقائه ‪ ،‬ومن أمثلة النّوع الخير ‪:‬‬
‫شيّ ( اللفاظ ذات الصّلة ) ‪:‬‬
‫الكيّ وال ّ‬
‫‪ - 2‬للحراق صلة بألفاظ اصطلحيّة كثيرة أهمّها ‪ :‬أ ‪ -‬التلف ‪ :‬وهو الفناء ‪ ،‬وهو أع مّ‬
‫من الحراق ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬التّسخين ‪ :‬وهو تعريض الشّيء للحرارة ‪ ،‬فهو غير الحراق ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الغلي ‪ :‬و هو آ خر درجات التّ سخين ‪ ،‬ويختلف باختلف المادّة المراد غلي ها ‪ ،‬ف هو غ ير‬
‫الحراق ‪ .‬صفته ( حكمه التّكليفيّ ) ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يختلف حكم الحراق باختلف ما يراد إحراقه ‪ ،‬فتعتريه الحكام التّكليفيّة الخمسة ‪ .‬أثر‬
‫الحراق من حيث التّطهير ‪:‬‬
‫‪ - 4‬ذهب المالكيّة في المعتمد ومحمّد بن الحسن من الحنفيّة وهو المختار للفتوى وهو غير‬
‫ظاهبر المذهبب عنبد الحنابلة إلى أنّب الحراق إذا تبدّلت ببه العيبن النّجسبة بتبدّل أوصبافها أو‬
‫انقلب حقيقتها حتّى صارت شيئا آخر ‪ ،‬وذلك كالميتة إذا احترقت فصارت رمادا أو دخانا ‪،‬‬
‫فإ نّ ما يتخلّف من الحراق يكون طاهرا ‪ ،‬ومن باب أولى إذا كانت العين طاهر ًة في الصل‬
‫وتنجّسبت ‪ ،‬كالثّوب المتنجّس ‪ .‬ودليلهبم قياس ذلك على الخمبر إذا تخلّلت والهاب إذا دببغ ‪.‬‬
‫وذهب الشّافعيّة والمالكيّة في غير المعتمد ‪ ،‬وأبو يوسف ‪ ،‬وهو ظاهر المذهب الحنبل يّ ‪ ،‬إلى‬
‫أ نّ الحراق ل يج عل ما يتخلّف م نه شيئا آ خر ‪ ،‬فيب قى على نجا سته ‪ .‬و سواء في ذلك الع ين‬
‫النّج سة ‪ ،‬أو المتنجّ سة ‪ ،‬لقيام النّجا سة ؛ ل نّ المتخلّف من الحراق جزء من الع ين النّج سة ‪.‬‬
‫وف صّل بعض المالكيّة فقالوا ‪ :‬إن أكلت النّار النّجاسة أكلً قويّا فرمادها طاهر ‪ ،‬وإلّ فنجس ‪.‬‬
‫ن من قال من الفقهاء بنجاسة المتخلّف من إحراق النّجس ذهبوا إلى أنّه يعفى عن قليله‬
‫هذا وإ ّ‬
‫للضّرورة ؛ ولنّ المشقّة تجلب التّيسير ‪.‬‬
‫طهارة الرض بالشّمس والنّار ‪:‬‬
‫‪ - 5‬إذا أ صابت الرض نجا سة ‪ ،‬فجفّت بالشّ مس أو النّار ‪ ،‬وذ هب أثر ها ‪ ،‬و هو ه نا اللّون‬
‫والرّائحة ‪ ،‬جازت الصّلة مكانها عند الحنفيّة ‪ ،‬واستدلّوا بقول النّبيّ عليه الصلة والسلم ‪« :‬‬
‫ذكاة الرض يب سها » ‪ .‬و عن ا بن ع مر قال ‪ « :‬ك نت أب يت في الم سجد في ع هد ر سول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم وكنت فتًى شابّا عزبا ‪ ،‬وكانت الكلب تبول وتقبل وتدبر في المسجد ولم‬
‫ن طهارة ال صّعيد‬
‫يكونوا يرشّون شيئا من ذلك » ‪ .‬ك ما ذهبوا إلى أنّه ل يجوز التّيمّم به ؛ ل ّ‬
‫ص الكتاب وقال اللّه تعالى ‪ { :‬فتيمّموا صعيدا طيّبا } وطهارة الرض بالجفاف ثبتت‬
‫شرط بن ّ‬
‫ص ال ية ‪ .‬وذ هب المالكيّة‬
‫بدل يل ظنّ يّ ‪ ،‬فل يتحقّق ب ها الطّهارة القطعيّة المطلو بة للتّيمّم بن ّ‬
‫ن الرض ل تط هر بالجفاف ‪ ،‬ول يجوز ال صّلة‬
‫والشّافعيّة والحنابلة وز فر من الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫على مكانها ول التّيمّم بها ؛ لنّ النّجاسة حصلت في المكان ‪ ،‬والمزيل لم يوجد ‪.‬‬
‫تمويه المعادن بالنّجس ‪:‬‬
‫‪ - 6‬الجماع على أنّه لو سقي الحديد بنجس ‪ ،‬فغسل ثلثا ‪ ،‬يطهر ظاهره ‪ ،‬فإذا استعمل بعدئذ‬
‫في شيء ل ينجس ‪ .‬وعند الحنفيّة عدا محمّد وهو وجه عند الشّافعيّة أنّه يطهر مطلقا لو سقي‬
‫بالطّا هر ثلثا ‪ ،‬وذلك بالنّ سبة لحمله في ال صّلة ‪ .‬وع ند محمّد بن الح سن أنّه ل يط هر أبدا ‪.‬‬
‫وهذا بالنّسبة للحمل في ال صّلة ‪ .‬أمّا لو غسل ثلثا ث مّ قطع به نحو بطّ يخ ‪ ،‬أو وقع في ماء‬
‫قليبل ‪ ،‬ل ينجّسبه ‪ .‬فالغسبل يطهّبر ظاهره إجماعا ‪ .‬وهناك قول آخبر للشّافعيّبة ‪ ،‬اختاره‬
‫ن الطّهارة كلّها جعلت‬
‫الشّاش يّ ‪ ،‬أنّه يكتفى لتطهير الحديد المسقيّ بنجس بتطهيره ظاهرا ؛ ل ّ‬
‫على ما يظهبر ل على الجوف ‪ .‬وع ند المالكيّة إن سقي الحديبد المحمبى والنّحاس وغيره ما‬
‫بنجس ل ينجّسهما ويبقيان على طهارتهما لعدم سريان النّجاسة فيهما لندفاع النّجاسة بالحرارة‬
‫‪.‬‬
‫الستصباح بالنّجس والمتنجّس الستصباح بالدّهن النّجس ‪:‬‬
‫‪ - 7‬عند الحنابلة ‪ ،‬وهو ظاهر الرّواية عند الحنفيّة ‪ ،‬شحوم الميتة ل يجوز الستصباح بها ‪.‬‬
‫وعلّلوا ذلك بأنّه ع ين النّجا سة وجزؤ ها ‪ .‬ويؤيّده ما في صحيح البخار يّ عن جابر أنّه سمع‬
‫ن اللّه حرّم بيع الخمر والميتة‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم عام الفتح يقول وهو بمكّة ‪ « :‬إ ّ‬
‫والخنزيبر والصبنام ‪ .‬فقيبل ‪ :‬يبا رسبول اللّه أرأيبت شحوم الميتبة ‪ ،‬فإنّه يطلى بهبا السبّفن ‪،‬‬
‫ويدهبن بهبا الجلود ‪ ،‬ويسبتصبح بهبا النّاس ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬هبو حرام » ‪ .‬الحديبث ‪ .‬ونحوهبم‬
‫المالكيّة حيث قالوا ‪ :‬ل ينتفع بالنّجس إلّ شحم مي تة لد هن العجلت ونحوها ‪ .‬وذلك في غير‬
‫مسجد ‪ ،‬ل فيه ‪ .‬وعند الشّافعيّة ‪ :‬يحلّ مع الكراهة في غير المسجد الستصباح بالدّهن النّجس‬
‫‪.‬‬

‫الستصباح بالدّهن المتنجّس‬


‫‪ - 8‬اختلفت الراء في الستصباح بالدهان المتنجّسة ‪ :‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في‬
‫المشهور عندهم وهو رواية عند الحنابلة اختارها الخرق يّ ‪ ،‬أنّه يجوز الستصباح به في غير‬
‫المسجد ‪ ،‬إلّ إذا كان المصباح خارج المسجد والضّوء فيه فيجوز ؛ لنّه أمكن النتفاع به من‬
‫ي عن ابن عمر ‪ .‬وذهب الحنابلة في الرّواية الخرى‬
‫غير ضرر ‪ ،‬فجاز كالطّاهر ‪ .‬وهو مرو ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬سئل‬
‫‪ ،‬وهو اختيار ابن المنذر ‪ ،‬إلى أنّه ل يجوز مطلقا ؛ ل ّ‬
‫عن شحوم الميتة تطلى بها السّفن ‪ ،‬وتدهن بها الجلود ‪ ،‬ويستصبح بها النّاس ؟ فقال ‪ :‬ل ‪ ،‬هو‬
‫حرام » ‪ .‬متّفق عليه ‪ .‬فقد سوّوا بين النّجس والمتنجّس ‪.‬‬
‫دخان وبخار النّجاسة المحرقة‬
‫‪ - 9‬ذهب الحنفيّة في الصّحيح عندهم وهو المعتمد عند المالكيّة وهو اختيار ابن رشد وبعض‬
‫من متأخّري الشّافعيّة وهو غير ظاهر المذهب عند الحنابلة إلى القول بالطّهارة مطلقا ‪ .‬وذهب‬
‫الحنفيّة فبي مقاببل الصبّحيح ‪ ،‬وهبو ظاهبر المذهبب الحنبليّب ‪ ،‬واختاره مبن المالكيّة اللّخميّب‬
‫والتّونسيّ والمازر يّ وأبو الحسن وابن عرفة ووصفه بعضهم بأنّه المشهور ‪ ،‬إلى عدم طهارة‬
‫الدّخان المت صاعد من وقود النّجا سة ‪ ،‬والبخار المت صاعد من الماء النّ جس إذا اجتم عت م نه‬
‫نداوة على ج سم صقيل ث مّ ق طر ف هو ن جس ‪ ،‬و ما ي صيب الثّوب من بخار النّجا سة ينجّ سه ‪.‬‬
‫وذهب بعض الشّافعيّة إلى أنّ دخان النّجاسة نجس يعفى عن قليله ‪ .‬وبخار النّجاسة إذا تصاعد‬
‫ن أجزاء النّجاسة تفصلها النّار بقوّتها فيعفى عن قليله ‪ .‬وإذا طبخ طعام‬
‫بواسطة نار نجس ؛ ل ّ‬
‫بروث آدم يّ ‪ ،‬أو بهيمة ‪ ،‬أو أوقد به تحت هباب فصار نشادرا ‪ ،‬فالطّعام طاهر إن لم يكن ما‬
‫أ صابه من دخان النّجا سة كثيرا ‪ ،‬وإلّ تنجّس ‪ .‬وكذا النّشادر إن كان هبا به طاهرا ‪ ،‬وإلّ ف هو‬
‫نجس ‪ .‬فالهباب المعروف المتّخذ من دخان ال سّرجين أو الزّيت المتنجّس إذا أوقد به نجس ‪،‬‬
‫كالرّماد ‪ ،‬ويعفى عن قليله ؛ لنّ المشقّة تجلب التّيسير ‪.‬‬
‫التّيمّم بالرّماد ‪:‬‬
‫ل شيء أحرق حتّى صار رمادا لم يجز التّيمّم به بالجماع ‪ .‬أمّا ما أحرق ولم يصر‬
‫‪ - 10‬ك ّ‬
‫رمادا فذهب الحنفيّة وهو أصحّ القوال عند الشّافعيّة ‪ ،‬إلى جواز التّيمّم منه ؛ لنّه بالحراق‬
‫لم يخرج عن أصله ‪ .‬وذهب المالكيّة ‪ ،‬وهو المعتمد عند الحنابلة ‪ ،‬وقول للشّافعيّة ‪ ،‬إلى أنّه ل‬
‫ح التّيمّم منه‬
‫يجوز التّيمّم بكلّ ما احترق ‪ ،‬لخروجه بذلك عن كونه صعيدا ‪ .‬وتفصيل ما يص ّ‬
‫وما ل يصحّ في مصطلح ( تيمّم ) ‪.‬‬
‫الماء المتجمّع تحت الجلد بالحتراق ( النّفطة ) ‪:‬‬
‫‪ - 11‬النّفطة تحت الجلد ل يحكم عليها بنجاسة ول نقض للوضوء ‪ .‬أمّا إذا خرج ماؤها فقد‬
‫أجمعوا على نجاسته ‪ ،‬ويعفى عمّا يعتبر منه قليلً تبعا لكلّ مذهب في ضابط القلّة والكثرة في‬
‫المعفوّات ‪ .‬أمّا نقض الوضوء بخروجه فهو مذهب الحنفيّة إن سال عن مكانه ‪ ،‬والحنابلة إن‬
‫كان فاحشا ‪ ،‬خلفا للمالكيّة والشّافعيّة فهو غير ناقض عندهم ‪ ،‬كما يستفاد من عدم ذكرهم له‬
‫بين نواقض الوضوء ‪.‬‬
‫تغسيل الميّت المحترق ‪:‬‬
‫ن من احترق بالنّار يغ سّل كغيره من الموتى إن أمكن تغسيله ؛ ل نّ‬
‫‪ - 12‬ذهب الفقهاء إلى أ ّ‬
‫الّذي ل يغ سّل إنّما هو شهيد المعركة ولو كان محترقا بفعل من أفعالها ‪ .‬أمّا المحترق خارج‬
‫المعر كة ف هو من شهداء الخرة ‪ .‬ول تجري عل يه أحكام شهداء المعر كة ‪ .‬فإن خ يف تقطّ عه‬
‫بالغ سل ي صبّ عل يه الماء صبّا ول يم سّ ‪ .‬فإن خ يف تقطّ عه ب صبّ الماء لم يغ سّل وييمّم إن‬
‫أم كن ‪ ،‬كالح يّ الّذي يؤذ يه الماء ‪ .‬وإن تعذّر غ سل بع ضه دون ب عض غ سّل ما أم كن غ سله‬
‫وييمّم الباقي كالحيّ سواء ‪.‬‬
‫الصّلة على المحترق المترمّد ‪:‬‬
‫‪ - 13‬ذ هب ا بن حبيب من المالكيّة والحنابلة وب عض المتأخّر ين من الشّافعيّة إلى أنّه ي صلّى‬
‫ن المي سور ل ي سقط‬
‫عل يه مع تعذّر الغ سل والتّيمّم ‪ .‬؛ لنّه ل و جه لترك ال صّلة عل يه ؛ ل ّ‬
‫ح مبن قوله عليبه الصبلة والسبلم ‪ « :‬وإذا أمرتكبم بأمبر فأتوا منبه مبا‬
‫بالمعسبور ‪ ،‬لمبا صب ّ‬
‫ولنب المقصبود مبن هذه الصبّلة الدّعاء والشّفاعبة للميّت ‪ .‬أمّا عنبد الحنفيّة‬
‫ّ‬ ‫اسبتطعتم » ‪،‬‬
‫ن بعضهم يشترط لصحّة ال صّلة على الجنازة‬
‫وجمهور الشّافعيّة والمالكيّة فل يصلّى عليه ؛ ل ّ‬
‫تقدّم غسل الميّت ‪ ،‬وبعضهم يشترط حضوره أو أكثره ‪ ،‬فلمّا تعذّر غسله وتيمّمه لم يصلّ عليه‬
‫لفوات الشّرط ‪.‬‬
‫الدّفن في التّابوت‬
‫‪ - 14‬يكره د فن الميّت في تابوت بالجماع ؛ لنّه بد عة ‪ ،‬ول تنفّذ و صيّته بذلك ‪ ،‬ول يكره‬
‫للمصلحة ‪ ،‬ومنها الميّت المحترق إذا دعت الحاجة إلى ذلك ‪.‬‬
‫الحراق في الحدود والقصاص والتّعزير الحراق العمد ‪:‬‬
‫‪ - 15‬يعتبر الحراق بالنّار عمدا جناية عمد ‪ .‬وتجري عليه أحكام العمد ؛ لنّها تعمل عمل‬
‫المحدّد ‪ .‬وتفصيله في ( الجنايات ) ‪.‬‬
‫القصاص بالحراق ‪:‬‬
‫‪ - 16‬ذهب الشّافعيّة ؛ وهو المشهور عند المالكيّة ‪ ،‬ورواية عند الحنابلة ‪ ،‬إلى قتل القاتل بما‬
‫قتل به ولو نارا ‪ .‬ويكون القصاص بالنّار مستثنًى من النّهي عن التّعذيب بها ‪ .‬واستدلّوا بقوله‬
‫تعالى ‪ { :‬وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } وقوله تعالى ‪ { :‬فمن اعتدى عليكم فاعتدوا‬
‫عليه بمثل ما اعتدى عليكم } وبما أخرجه البيهق يّ والبزّار عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم من‬
‫حديبث البراء ‪ ،‬وفيبه ‪ « :‬مبن حرق حرقناه » ‪ .‬وذهبب الحنفيّة ‪ ،‬وهبو غيبر المشهور عنبد‬
‫أنب القود ل يكون إلّ بالسبّيف وإن قتبل بغيره ‪ ،‬قلو‬
‫المالكي ّة ‪ ،‬والمعتمبد عنبد الحنابلة ‪ ،‬إلى ّ‬
‫اقت صّ منه باللقاء في النّار عزّر ‪ .‬واستدلّوا بحديث النّعمان بن بشير مرفوعا ‪ « :‬ل قود إلّ‬
‫ي والطّبرانيّ والبيهقيّ بألفاظ مختلفة ‪.‬‬
‫بالسّيف » ‪ .‬ورواه ابن ماجه والبزّار والطّحاو ّ‬
‫سيّد عبده بالنّار ‪:‬‬
‫موجب تعذيب ال ّ‬
‫سيّد عبده بالنّار ‪ ،‬فقال أكثرهم ‪ :‬ل يع تق عل يه ‪.‬‬
‫‪ - 17‬اختلف العلماء في مو جب تعذ يب ال ّ‬
‫وذ هب مالك والوزاع يّ ؛ واللّ يث إلى ع تق الع بد بذلك ‪ ،‬ويكون ولؤه له ‪ ،‬ويعاق به ال سّلطان‬
‫على فعله ‪ .‬وا ستدلّوا بأ ثر ع مر ر ضي ال ع نه ‪ ،‬أخر جه مالك في الموطّأ بل فظ ‪ :‬وليدة أ تت‬
‫ع مر ‪ ،‬و قد ضرب ها سيّدها بنار ‪ ،‬فأ صابها ب ها ‪ .‬فأعتق ها عل يه ‪ .‬وأخر جه أيضا الحا كم في‬
‫المستدرك ‪.‬‬
‫العقوبة في اللّواط بالحراق ‪:‬‬
‫‪ - 18‬يرى المام أبو حنيفة أنّ عقوبة اللّواط سواء اللّئط والملوط به التّعزير ‪ ،‬ويجيز للحاكم‬
‫أن يكون التّعزير بالحراق ‪ .‬وإلى هذا الرّأي ذهب ابن القيّم وأوجب إحراقهما ابن حبيب من‬
‫أنب عقوبتهمبا ل تكون بالحراق وتفصبيل ذلك فبي‬
‫المالكي ّة ‪ ،‬خلفا للجمهور الّذيبن يرون ّ‬
‫( الحدود ) ‪ .‬واستدلّ من رأى الحراق بفعل الصّحابة وعلى رأسهم أبو بكر ‪ .‬وتشدّد في ذلك‬
‫عليّ رضي ال عنهم ‪.‬‬
‫إحراق الدّابّة الموطوءة ‪:‬‬
‫‪ - 19‬ل يحدّ ش خص بو طء بهي مة ‪ ،‬بل يعزّر وتذ بح البهي مة ‪ ،‬ث مّ تحرق إذا كا نت ممّا ل‬
‫يؤكل ‪ ،‬وذلك لقطع امتداد التّحدّث به كلّما رئيت ‪ .‬وليس بواجب كما في الهداية ‪ .‬وإن كانت‬
‫الدّابّة تؤ كل جاز أكل ها ع ند أ بي حني فة والمالكيّة ‪ ،‬وقال أ بو يو سف ومحمّد من ‪ ،‬الحنفيّة ‪:‬‬
‫تحرق أيضا ‪ ،‬وفي القنية ‪ :‬تذبح وتحرق على الستحباب ول يحرم أكلها ‪ .‬ولحمد والشّافع يّ‬
‫ن بقاءها يذكّر بالفاحشة فيعيّر بها ‪ .‬والقول الخر ل بأس بتركها ‪.‬‬
‫قول بقتلها بغير ذبح ؛ ل ّ‬
‫التّحجير بالحراق ‪:‬‬
‫‪ - 20‬من حجّر أرضا ميّت ًة بأن منع غيره منها بوضع علمة فهو أح قّ بها ‪ .‬وممّا يتحقّق به‬
‫التّحجير إحراق ما في الرض من الشّوك والشجار لصلح الرض ‪.‬‬
‫إيقاد النّار في المساجد والمقابر ‪:‬‬
‫‪ - 21‬يكره إيقاد النّار في المسجد لغير مصلحة ‪ ،‬كالتّبخير والستصباح والتّدفئة ؛ لنّه إذا لم‬
‫ي كن لم صلحة كان تشبّها بعبدة النّار ‪ ،‬ف هو حينئذ حرام ‪ .‬وأمّا إيقاد النّار ‪ ،‬كال سّرج وغير ها ‪،‬‬
‫ع ند القبور فل يجوز ‪ ،‬لحد يث ‪ « :‬ل عن اللّه زائرات القبور والمتّخذ ين علي ها ال سّرج » ‪ .‬فإذا‬
‫كانت هناك مصلحة ظاهرة تقتضي الضاءة كدفن الميّت ليلً فهو جائز ‪.‬‬

‫التّبخير عند الميّت‬


‫‪ - 22‬يستحبّ عند الجمهور تبخير أكفان الميّت بالعود ‪ ،‬وهو أن يترك العود على النّار في‬
‫مج مر ‪ ،‬ث مّ يبخّر به الك فن حتّى تع بق رائح ته ويط يب ‪ .‬ويكون ذلك ب عد أن ير شّ عل يه ماء‬
‫الورد لتعلق الرّائ حة به ‪ .‬وتج مر الكفان ق بل أن يدرج الميّت في ها وترا ‪ .‬وال صل ف يه ما‬
‫روي عن جابر ‪ ،‬قال ‪ :‬قال ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم ‪ « :‬إذا أجمر تم الميّت فأجمروه‬
‫ثلثا » رواه أحمد ‪ ،‬وأخرجه أيضا البيهق يّ والبزّار ‪ .‬وقيل ‪ :‬رجاله رجال ال صّحيح ‪ .‬وأخرج‬
‫نحوه أح مد بن حن بل ‪ . .‬واختلفوا في الميّت المحرم على رأي ين ‪ :‬فذ هب الحنفيّة والمالكيّة‬
‫والشّافعيّة إلى جواز تجميره ‪ ،‬قيا سا على الح يّ ‪ ،‬ولنّه انق طع إحرا مه بمو ته ‪ ،‬و سقط ع نه‬
‫التّكليف ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬ل يبطل إحرامه ‪ ،‬فل يجمر هو ول أكفانه ‪ .‬والصل في ذلك قول‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم في الّذي وقصته النّاقة « اغسلوه بماء وسدر ‪ ،‬وكفّنوه في ثوبين ‪،‬‬
‫ول تمسّوه طيبا ‪ ،‬ول تخمّروا رأسه ‪ ،‬فإنّه يبعث يوم القيامة ملبّيا » ‪.‬‬

‫اتّباع الجنازة بنار‬


‫‪ - 23‬اتّفق الفقهاء على كراهة اتّباع الجنازة بنار في مجمرة أو غيرها ‪ ،‬وإن كانت بخورا ‪.‬‬
‫وكذلك م صاحبتها للميّت ‪ ،‬للخبار الت ية ‪ .‬ون قل ا بن المنذر وغيره الجماع على الكرا هة ؛‬
‫ن ذلك من فعل الجاهليّة ‪ ،‬وقد حرّم النّبيّ صلى ال عليه وسلم ذلك ‪ ،‬وزجر عنه ‪ .‬فقد روي‬
‫لّ‬
‫« أنّه خرج في جنازة ‪ ،‬فرأى امرأةً في يد ها مج مر ‪ ،‬ف صاح علي ها وطرد ها حتّى توارت‬
‫بالكام » ‪ ،‬وروى أبو داود بإسناده عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم أنّه قال ‪ « :‬ل تتبع الجنازة‬
‫ب صوت ول نار » ‪ ،‬و قد أو صى كث ير من ال صّحابة بألّ يتبعوا بنار ب عد موت هم ‪ .‬وروى ا بن‬
‫ما جه أ نّ أ با مو سى ح ين حضره الموت قال ‪ :‬ل تتبعو ني بمج مر ‪ .‬قالوا له ‪ :‬أو سمعت ف يه‬
‫شيئا ؟ قال ‪ :‬نعم من ر سول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ .‬فإن دفن ليلً ‪ ،‬فاحتاجوا إلى ضوء ‪،‬‬
‫فل بأس به ‪ .‬وإنّما كره المجامر الّتي فيها البخور ‪.‬‬
‫الحراق المضمون وغير المضمون‬
‫‪ - 24‬إذا أو قد الشّ خص نارا في أر ضه أو في مل كه ‪ ،‬أو في موات حجره ‪ ،‬أو في ما ي ستحقّ‬
‫النتفاع به ‪ ،‬فطارت شرارة إلى دار جاره فأحرقتهبا ‪ ،‬فإن كان اليقاد بطري قة من شأن ها ألّ‬
‫تنتقل النّار إلى ملك الغير ‪ ،‬فإنّه ل يضمن ‪ .‬أمّا إن كان اليقاد بطريقة من شأنها انتقال النّار‬
‫إلى ملك الغير ‪ ،‬فإنّه يضمن ما أتلفته النّار ‪ ،‬وذلك كأن كان اليقاد والرّيح عاصفة ‪ ،‬أو وضع‬
‫مادّةً من شأنها انتشار النّار ‪ ،‬إلى غير ذلك ممّا هو معروف ‪ .‬وعدم الضّمان في الحالة الولى‬
‫مرج عه إلى قيا سها على سراية الجرح في قصاص الطراف ‪ ،‬وفي الثّان ية ب سبب التّق صير ‪.‬‬
‫فإن أوقد نارا في غير ملكه أو ما ل يملك النتفاع ضمن ما أتلفته النّار ؛ لنّه متعدّ ‪.‬‬
‫ملكيّة المغصوب المتغيّر بالحراق ‪:‬‬
‫‪ - 25‬ذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬وهو قول عند أحمد ‪ ،‬إلى أنّه إذا تغيّرت العين المغصوبة بفعل‬
‫الغا صب حتّى زال ا سمها وأع ظم منافع ها زال ملك المغ صوب م نه عن ها ‪ ،‬وملك ها الغا صب‬
‫وضمن ها ‪ .‬ول يحلّ له النتفاع ب ها حتّى يؤدّي بدل ها ‪ ،‬ك من غ صب شا ًة وذبح ها وشوا ها أو‬
‫أنب الغاصبب‬
‫طبخهبا ‪ ،‬أو حديدا فاتّخذه سبيفا ‪ ،‬أو نحاسبا فعمله آنيةً ‪ .‬وسببب انتقال الملكيّة ّ‬
‫أحدث صنعةً متقوّم ًة ؛ ل نّ قي مة الشّاة تزداد بطبخ ها أو شيّ ها ‪ ،‬وبهذا يع تبر ح قّ المالك هالكا‬
‫من وجه ‪ ،‬أل ترى أنّه تبدّل السم وفات معظم المقاصد ‪ .‬وح قّ الغاصب في الصّنعة قائم من‬
‫كلّ و جه ‪ ،‬و ما هو قائم من كلّ و جه مرجّح على ال صل الّذي هو فائت وهالك من و جه ‪.‬‬
‫وعلى هذا يخرج ما إذا كان المغصوب لحما ‪ ،‬فشواه أو طبخه ‪ ،‬أو حديدا فضربه سكّينا ‪ ،‬أو‬
‫ترابا له قي مة فاتّخذه خزفا ‪ ،‬ون حو ذلك ؛ لنّه ل يس للمالك أن ي ستردّ شيئا من ذلك ‪ ،‬ويزول‬
‫ملكبه بضمان المثبل أو القيمبة ‪ ،‬وتبطبل وليبة السبترداد ‪ ،‬كمبا إذا اسبتهلكه حقيقةً ‪ .‬وقال‬
‫الشّافعيّة وهو المذهب عند الحنابلة ورواية عن أبي يوسف ‪ :‬ل ينقطع حقّ المالك ‪ ،‬ول يزول‬
‫ملك صاحبه عنه ؛ ل نّ بقاء العين المغ صوبة يوجب بقاء ملك المالك ؛ ل نّ الواجب الصليّ‬
‫في الغصب ردّ العين عند قيامها ‪ ،‬والعين باقية ‪ ،‬فتبقى على ملكه ‪ ،‬وتتبعه ال صّنعة الحادثة ؛‬
‫لنّها تابعة للصل ‪ ،‬ول معتبر بفعله ؛ لنّه محظور فل يصلح سببا للملك ‪ .‬وعن محمّد بن‬
‫ن الغا صب يشارك‬
‫الح سن أنّه يخيّر ب ين القي مة أو الع ين مع الرش ‪ .‬وذ كر أ بو الخطّاب ‪ :‬أ ّ‬
‫المالك بكلّ الزّيادة ؛ لنّ ها ح صلت بمناف عه ‪ ،‬ومناف عه أجر يت مجرى العيان ‪ ،‬فأش به ما لو‬
‫ثمب تقوّم مصبنّعةً ‪،‬‬
‫غصبب ثوبا فصببغه ‪ ،‬وذلك بأن تقوّم العيبن المغصبوبة غيبر مصبنّعة ‪ّ ،‬‬
‫فالزّيادة تكون للغاصب على هذا الرّأي ‪.‬‬
‫ما يباح إحراقه وما ل يباح ‪:‬‬
‫‪ - 26‬ال صل أ نّ الم صحف ال صّالح للقراءة ل يحرق ‪ ،‬لحرم ته ‪ ،‬وإذا أحرق امتهانا يكون‬
‫كفرا ع ند جم يع الفقهاء ‪ .‬وهناك ب عض الم سائل الفرعيّة ‪ ،‬من ها ‪ :‬قال الحنفيّة ‪ :‬الم صحف إذا‬
‫صار خلقا ‪ ،‬وتعذّر القراءة م نه ‪ ،‬ل يحرق بالنّار ‪ ،‬بل يد فن ‪ ،‬كالم سلم ‪ .‬وذلك بأن يل فّ في‬
‫ل إذا ك سر ‪ ،‬فحينئذ ل يكره إذاب ته ‪،‬‬
‫خر قة طاهرة ث مّ يد فن ‪ .‬وتكره إذا بة در هم عل يه آ ية ‪ ،‬إ ّ‬
‫لتفرّق الحروف ‪ ،‬أو ؛ لنّب الباقبي دون آ ية ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬حرق الم صحف الخلق إن كان‬
‫على وجه صيانته فل ضرر ‪ ،‬بل ربّما وجب ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬الخشبة المنقوش عليها قرآن‬
‫في حرقها أربعة أحوال ‪ :‬يكره حرقها لحاجة الطّبخ مثلً ‪ ،‬وإن قصد بحرقها إحرازها لم يكره‬
‫‪ ،‬وإن لم يكن الحرق لحاجة ‪ ،‬وإنّما فعله عبثا فيحرم ‪ ،‬وإن قصد المتهان فظاهر أنّه يكفر ‪.‬‬
‫وذ هب الحنابلة إلى جواز تحر يق الم صحف غ ير ال صّالح للقراءة ‪ .‬أمّا ك تب الحد يث والف قه‬
‫وغيرهبا فقال المالكيّة ‪ :‬إن كان على وجبه السبتخفاف فإحراقهبا كفبر مثبل القرآن ‪ ،‬وأيضا‬
‫أسبماء اللّه وأسبماء النببياء المقرونبة بمبا يدلّ على ذلك مثبل ‪ « :‬عل يه الصبلة والسبلم " ل‬
‫مطلق السبماء ‪ .‬وقال الحنفيّة ‪ :‬هذه الكتبب إذا كان يتعذّر النتفاع بهبا يمحبى عنهبا اسبم اللّه‬
‫وملئكته ورسله ويحرق الباقي ‪.‬‬
‫إحراق السّمك والعظم وغيرهما ‪:‬‬
‫‪ - 27‬ذ هب المالكيّة إلى جواز إلقاء ال سّمك في النّار حيّا لشيّه ‪ .‬ك ما أباحوا إحراق الع ظم‬
‫وغيره للنتفاع به ‪ .‬ووافقهم الشّافعيّة على الرّاجح في إحراق العظم ‪ .‬وكره المام أحمد ش يّ‬
‫ص الحنابلة على أنّه ل يكره ش يّ الجراد حيّا ‪ ،‬ل ما أ ثر‬
‫ال سّمك الح يّ ول كن ل يكره أكله ‪ .‬ون ّ‬
‫من فعل الصّحابة ذلك أمام عمر رضي ال عنه من غير نكير ‪ ،‬ول يجوز عند الجميع إضاعة‬
‫المال بالحراق أو غيره ‪.‬‬
‫الحراق بالكيّ للتّداوي ‪:‬‬
‫‪ - 28‬إذا لم يكن حاجة إلى التّداوي بالكيّ فإنّه حرام ؛ لنّه تعذيب بالنّار ‪ ،‬ول يعذّب بالنّار إلّ‬
‫خالق ها ‪ .‬وأمّا إذا تعيّن الك يّ فإنّه مباح سواء أكان ذلك الحد يد أو غيره ‪ .‬وتف صيل ذلك في‬
‫مصطلح ( تداوي ) ‪.‬‬
‫الوسم بالنّار ‪:‬‬
‫‪ - 29‬الو سم في الو جه بالنّار منه يّ ع نه بالجماع في غ ير الدم يّ ‪ .‬و من باب أولى و سم‬
‫الدميّ ‪ ،‬فهو حرام لكرامته ؛ ولنّه ل حاجة إليه ‪ ،‬ول يجوز تعذيبه ‪ .‬وذهب جماعة في غير‬
‫ن النّبيّ‬
‫ن النّهي للكراهة ‪ ،‬وذهب جماعة آخرون إلى تحريمه ‪ ،‬وهو الظهر ؛ ل ّ‬
‫الدميّ إلى أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم لعن فاعله ‪ ،‬واللّعن يقتضي التّحريم ‪ ،‬حيث قال ‪ « :‬أما بلغكم أنّي لعنت‬
‫من و سم البهي مة في وجه ها ؟ » أمّا و سم غ ير الدم يّ في بقيّة الج سم فالجمهور على أنّه‬
‫ب ‪ ،‬لما روي من فعل الصّحابة في ماشية الزّكاة والجزية ‪ .‬وذهب أبو حنيفة‬
‫جائز ‪ ،‬بل مستح ّ‬
‫إلى كراهته لما فيه من تعذيب ومثلة ‪.‬‬

‫النتقال من سبب موت ‪ -‬لخر أهون‬


‫‪ - 30‬لو شبّت النّار في سفينة أو غير ها ف ما غلب على ظنّ هم ال سّلمة ف يه من بقائ هم في‬
‫ّافعيب وأحمبد ‪ :‬كيبف شاءوا‬
‫ّ‬ ‫أماكنهبم أو تركهبا فعلوه ‪ .‬وإن اسبتوى عندهبم المران فقال الش‬
‫صنعوا ‪ ،‬وقال الوزاعيّ ‪ :‬هما موتتان فاختر أيسرهما ‪ ،‬وصرّح المالكيّة بوجوب النتقال من‬
‫سبب الموت الّذي حلّ ‪ ،‬إلى سبب آخر إن رجا به حياةً ‪ ،‬أو طولها ‪ ،‬ولو حصل له معها ما‬
‫هو أشدّ من الموت ؛ لنّ حفظ النّفوس واجب ما أمكن ‪.‬‬
‫الحراق في الحرب ‪:‬‬
‫‪ - 31‬إذا قدر على العدوّ بالتّغلّب عل يه فل يجوز تحري قه بالنّار من غ ير خلف يعلم ‪ ،‬لما‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أمّره على سريّة ‪ ،‬فقال ‪ :‬فخرجت‬
‫روى « حمزة السلميّ أ ّ‬
‫فيها ‪ ،‬فقال ‪ :‬إن أخذتم فلنا فأحرقوه بالنّار فولّيت ‪ ،‬فناداني ‪ ،‬فرجعت ‪ ،‬فقال ‪ :‬إن أخذتم فلنا‬
‫فاقتلوه ول تحرّقوه ‪ ،‬فإنّه ل يعذّب بالنّار إلّ ر بّ النّار » ‪ .‬فأمّا رميهم بالنّار قبل القدرة عليهم‬
‫مع إمكان أخذ هم بغ ير التّحر يق فل يجوز ؛ لنّه ما حينئذ في ح كم المقدور علي هم ‪ .‬وأمّا ع ند‬
‫العجبز عنهبم بغيبر التّحريبق فجائز فبي قول أكثبر أهبل العلم ‪ ،‬لفعبل الصبّحابة والتّابعيبن فبي‬
‫غزواتهبم ‪ .‬هذا وإن تترّس العدوّ فبي الحرب ببعبض المسبلمين ‪ ،‬فإن اضطررنبا إلى رميهبم‬
‫بالنّار ف هو جائز ع ند الجمهور ‪ .‬ومر جع ذلك إلى تقد ير الم صلحة العامّة ‪ .‬والح كم في البغاة‬
‫والمرتدّين في هذه المسألة كالكفّار في حال القتال ‪.‬‬
‫إحراق أشجار الكفّار في الحرب ‪:‬‬
‫‪ - 32‬إذا كان في ذلك نكاية بالعد ّو ‪ ،‬ولم يرج حصولها للمسلمين ‪ ،‬فالحراق جائز اتّفاقا ‪ .‬بل‬
‫ذ هب المالكيّة إلى تعيّن الحراق ‪ .‬أمّا إذا ر جي ح صولها للم سلمين ‪ ،‬ولم ي كن في إحراق ها‬
‫نكا ية ‪ ،‬فإنّه محظور ‪ .‬و صرّح المالكيّة بحرم ته ‪ .‬وأمّا إذا كان في إحراق ها نكا ية ‪ ،‬وير جى‬
‫حصبولها للمسبلمين ‪ ،‬فذهبب الحنفيّة والشّافعيّة إلى كراهبة ذلك ‪ .‬ببل صبرّح الشّافعيّة بندب‬
‫ب الفاتحيبن ‪ .‬وذهبب المالكيّبة إلى وجوب البقاء ‪ .‬وإذا كان ل نكايبة فبي‬
‫البقاء حفظا لحق ّ‬
‫إحراقهبا ‪ ،‬ول يرجبى حصبولها للمسبلمين ‪ ،‬فذهبب الحنفيّة والمالكيّة إلى جوازه ‪ .‬ومقتضبى‬
‫مذ هب الشّافعيّة الكرا هة ؛ لنّه ال صل عند هم ‪ .‬أمّا الحنابلة فال صل عند هم في هذه الم سألة‬
‫المعاملة بالمثل ‪ ،‬ومراعاة مصلحة المسلمين في القتال ‪.‬‬
‫حرق ما عجز المسلمون عن نقله من أسلحة وبهائم وغيرها ‪:‬‬
‫‪ - 33‬اختلف الفقهاء في الحرق والتلف ‪ ،‬فقال الحنفيّة والمالكيّة ‪ :‬إذا أراد المام العود ‪،‬‬
‫وعجز عن نقل أسلحة وأمتعة وبهائم لمسلم أو عدوّ ‪ ،‬وعن النتفاع بها ‪ ،‬تحرق وما ل يحرق‬
‫ل ينتفعوا بهذه الشياء ‪.‬‬
‫ي ل يقف عليه الكفّار ‪ ،‬وذلك لئ ّ‬
‫‪ ،‬كحديد ‪ ،‬يتلف أو يدفن في مكان خف ّ‬
‫أمّا الموا شي والبهائم والحيوانات فتذ بح وتحرق ‪ ،‬ول يترك ها ل هم ؛ ل نّ الذّ بح يجوز لغرض‬
‫صحيح ‪ ،‬ول غرض أ صحّ من ك سر شو كة العداء وتعريض هم للهل كة والموت ‪ ،‬ث مّ يحرق‬
‫بالنّار لتنق طع منفع ته عن الكفّار ‪ ،‬و صار كتخر يب البنيان والتّحر يق لهذا الغرض المشروع ‪،‬‬
‫بخلف التّحريق قبل الذّبح ‪ ،‬فل يجوز ؛ لنّه منه يّ عنه ‪ .‬وفيه أحاديث كثيرة منها ما أخرج‬
‫البزّار في مسنده عن عثمان بن حبّان قال ‪ « :‬كنت عند أ مّ الدّرداء رضي ال عنها ‪ ،‬فأخذت‬
‫برغوثا فألقي ته في النّار ‪ ،‬فقالت ‪ :‬سمعت أ با الدّرداء يقول ‪ :‬قال ر سول اللّه صلى ال عل يه‬
‫ل ربّ النّار » ‪ .‬وللمالكيّة تفصيل ‪ ،‬قالوا ‪ :‬يجهز على الحيوان وجوبا‬
‫وسلم ‪ :‬ل يعذّب بالنّار إ ّ‬
‫‪ ،‬للرا حة من التّعذ يب بإزهاق رو حه أو ق طع عرقو به ‪ ،‬أو الذّ بح الشّرع يّ ويحرق الحيوان‬
‫ل ينتفعوا به ‪ .‬فإن كانوا ل‬
‫ندبا بعد إتلفه إن كان العداء يستحلّون أكل الميتة ‪ ،‬ولو ظنّا ‪ ،‬لئ ّ‬
‫يستحلّون أكل الميتة لم يطلب التّحريق في هذه الحالة وإن كان جائزا ‪ .‬والظهر في المذهب‬
‫طلب تحريقبه مطلقا ‪ ،‬سبواء اسبتحلّوا أكبل الميتبة أم ل ‪ ،‬لحتمال أكلهبم له حال الضّرورة ‪.‬‬
‫وق يل ‪ :‬التّحر يق وا جب ‪ ،‬ور جح ‪ .‬وقال اللّخم يّ ‪ :‬إن كانوا يرجعون إل يه ق بل ف ساده و جب‬
‫ل لم يجب ؛ لنّ المقصود عدم انتفاعهم به ‪ ،‬وقد حصل بالحراق ‪.‬‬
‫التّحريق ‪ ،‬وإ ّ‬
‫‪ - 34‬وقال الشّافعيّة والحنابلة وعامّة أهل العلم ‪ ،‬منهم الوزاع يّ واللّيث ‪ :‬ل يجوز في غير‬
‫ب وإحراق النّ حل وبيو ته لمغاي ظة الكفّار والف ساد علي هم ‪ ،‬سواء خف نا‬
‫حال الحرب ع قر الدّوا ّ‬
‫أخذهم لها أو لم نخف ‪ .‬وذلك بخلف حال الحرب حيث يجوز قتل المشركين ورميهم بالنّار ‪،‬‬
‫فيجوز إتلف البهائم ؛ لنّه يتوصّل بإتلف البهائم إلى قتل العداء ‪ .‬واستدلّوا بقوله تعالى ‪{ :‬‬
‫وإذا تولّى سعى في الرض ليفسد في ها ويهلك الحرث والنّسل واللّه ل يح بّ الفساد } ‪ .‬ول نّ‬
‫صدّيق ر ضي ال عنه قال في و صيّته ليز يد بن أبي سفيان ‪ ،‬ح ين بع ثه أميرا ‪ :‬يا‬
‫أ با بكر ال ّ‬
‫ن عامرا ‪ ،‬ول تعقر نّ شجرا مثمرا ‪ ،‬ول‬
‫يز يد ل تق تل صبيّا ول امرأ ًة ول هرما ‪ ،‬ول تخرّب ّ‬
‫ولنب‬
‫ّ‬ ‫دابّةً عجماء ‪ ،‬ول شا ًة إلّ لمأكلة ‪ ،‬ول تحرّقبن نحلً ول تغرقن ّه ‪ ،‬ول تغلل ول تجببن‬
‫ب صبرا ولنّه حيوان ذو حرمة فلم‬
‫النّبيّ صلى ال عليه وسلم نهى عن قتل شيء من الدّوا ّ‬
‫يجز قتله لغيظ المشركين‬

‫ما يحرق للغالّ وما ل يحرق‬


‫ل هو الّذي يكتم ما يأخذه من الغنيمة ‪ ،‬فل يطلع المام عليه ‪ ،‬ول يضمّه إلى الغنيمة‬
‫‪ - 35‬الغا ّ‬
‫‪ .‬وقد اختلف الفقهاء في تحريق مال الغالّ للغنيمة ‪ ،‬فقال الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة واللّيث ‪:‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم وعدم تحريقه فعن ابن عمر قال ‪« :‬‬
‫ل يحرق ماله ‪ .‬واستدلّوا بفعل النّب ّ‬
‫جاء ر جل بزمام من ش عر ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا ر سول اللّه هذا في ما كنّا أ صبنا من الغني مة ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫سمعت بللً نادى ثلثا ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ .‬قال ‪ :‬فما منعك أن تجيء به ؟ فاعتذر ‪ .‬فقال ؛ كن أنت‬
‫ن إحراق المتاع إضاعة له ‪ ،‬وقد‬
‫تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك » أخرجه أبو داود ‪ .‬ول ّ‬
‫ي صبلى ال عليبه وسبلم عبن إضاعبة المال وقال بإحراق مال الغالّ الحنابلة وفقهاء‬
‫نهبى النّب ّ‬
‫الشّام ‪ ،‬منهم مكحول والوزاع يّ والوليد بن هشام ‪ .‬وقد أتي سعيد بن عبد الملك بغالّ فجمع‬
‫سنّة‬
‫ماله وأحرقه ‪ ،‬وعمر بن عبد العزيز حاضر ذلك فلم يعبه قال يزيد بن يزيد بن جابر ‪ :‬ال ّ‬
‫في الّذي يغلّ أن يحرق رحله ‪ .‬رواه ما سعيد في سننه ‪ .‬و قد ا ستدلّوا ب ما روى صالح بن‬
‫محمّد بن زائدة ‪ ،‬قال ‪ « :‬دخلت مع م سلمة أرض الرّوم ‪ ،‬فأ تي بر جل قد غلّ ‪ ،‬ف سأل سالما‬
‫عنه ‪ ،‬فقال ‪ :‬سمعت أبي يحدّث عن عمر بن الخطّاب رضي ال عنه عن النّبيّ صلى ال عليه‬
‫ل فأحرقوا متاعبه واضربوه ‪ .‬قال ‪ :‬فوجدنبا فبي متاعبه‬
‫وسبلم قال ‪ :‬إذا وجدتبم الرّجبل قبد غ ّ‬
‫م صحفا ‪ .‬ف سأل سالما ع نه ‪ ،‬فقال ‪ :‬ب عه وت صدّق بثم نه » ‪ .‬وروى ع بد اللّه بن عمرو « أ نّ‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع الغالّ » ‪.‬‬
‫‪ - 36‬قال أحمد ‪ :‬إن لم يحرق رحله حتّى استحدث متاعا آخر وكذلك إن رجع إلى بلده ‪،‬‬
‫أحرق ما كان معه حال الغلول ‪.‬‬
‫‪ - 37‬ويشترط في الغالّ أن يكون بالغا عاقلً حرّا ‪ ،‬فتوقع عقوبة الحراق في متاع الرّجل‬
‫والخنثى والمرأة وال ّذمّ يّ ؛ لنّهم من أهل العقوبة ‪ .‬وإن كان الغالّ صبيّا لم يحرق متاعه عند‬
‫ن الحراق عقوبة ‪ ،‬والصّبيّ ليس من أهل العقوبة ‪.‬‬
‫الحنابلة والوزاعيّ ؛ ل ّ‬
‫ل إذا مات قبل إحراق رحله ‪ ،‬ن صّ عليه أحمد ‪ ،‬لنّها عقوبة‬
‫‪ - 38‬ويسقط إحراق متاع الغا ّ‬
‫فتسقط بالموت ‪ ،‬كالحدود ؛ ولنّه بالموت انتقل المتاع إلى ورثته ‪ ،‬فإحراقه يكون عقوب ًة لغير‬
‫الجاني ‪ .‬وإن انتقل ملكه إلى غير الغالّ بالبيع أو الهبة احتمل عدم تحريقه ‪ ،‬لصيرورته لغيره‬
‫فأش به انتقاله للوارث بالموت ‪ ،‬واحت مل أن ين قض الب يع واله بة ويحرق ‪ ،‬لنّه تعلّق به ح قّ‬
‫سابق على البيع والهبة ‪ ،‬فوجب تقديمه كالقصاص في حقّ الجاني ‪.‬‬
‫ل بالتّفاق المصحف ‪ ،‬والحيوان أمّا المصحف فل يحرق ‪ ،‬لحرمته ‪،‬‬
‫‪ - 39‬وما ل يحرق للغا ّ‬
‫ل ش يء من ك تب الحد يث أو العلم فينب غي ألّ‬
‫ول ما تقدّم من قول سالم ف يه ‪ .‬وإن كان مع الغا ّ‬
‫ن ن فع ذلك يعود إلى الدّ ين ‪ ،‬ول يس المق صود الضرار به في دي نه ‪ ،‬وإنّ ما‬
‫تحرق أيضا ؛ ل ّ‬
‫القصد الضرار به في شيء من دنياه ‪ ،‬ويحتمل أن يباع المصحف ويتصدّق به لقول سالم فيه‬
‫‪.‬‬
‫‪ - 40‬أمّا الحيوان فل يحرق ولن هي النّبيّ صلى ال عل يه و سلم أن يعذّب بالنّار إلّ ربّ ها ؛‬
‫ولحرمة الحيوان في نفسه ؛ ولنّه ل يدخل في اسم المتاع المأمور بإحراقه ‪ - 41 .‬ول تحرق‬
‫ثياب الغالّ الّ تي عل يه ؛ لنّه ل يجوز تر كه عريانا ‪ ،‬ول سلحه ؛ ؛ لنّه يحتاج للقتال ‪ ،‬ول‬
‫ن ذلك ممّا ل يحرق عادةً وللحتياج إلى النفاق ‪ - 42 .‬ول يحرق المال المغلول ؛‬
‫نفقته ؛ ل ّ‬
‫ل من غني مة الم سلمين ‪ ،‬والق صد الضرار بالغالّ في ماله وق يل لح مد ‪ :‬أ يّ ش يء‬
‫ن ما غ ّ‬
‫ل ّ‬
‫يصنع بالمال الّذي أصابه في الغلول ؟ قال ‪ :‬يرفع إلى الغنم ‪ - 43 .‬واختلف في آلة الدّابّة ‪،‬‬
‫فن صّ أح مد على أنّ ها ل تحرق ؛ لنّه يحتاج إلي ها للنتفاع ب ها ‪ ،‬ولنّ ها تاب عة ل ما ل يحرق‬
‫با ملبوس حيوان ‪ ،‬فل يحرق ‪ ،‬كثياب الغالّ ‪ .‬وقال‬
‫بحف وكيسبه ؛ ولنّهب‬
‫فأشببه جلد المصب‬
‫الوزاعيّ ‪ :‬يحرق سرجه وإكافه ‪.‬‬
‫ملكيّة ما لم يحرق ‪:‬‬
‫‪ - 44‬جم يع ما ذ كر ممّا لم يحرق ‪ ،‬وكذلك ما ب قي ب عد الحراق ‪ .‬من حد يد أو غيره و هو‬
‫ل بإحراق متاعه ‪،‬‬
‫ن ملكه كان ثابتا عليه ‪ ،‬ولم يوجد ما يزيله ‪ ،‬وإنّما عوقب الغا ّ‬
‫لصاحبه ؛ ل ّ‬
‫فما لم يحرق يبقى على ما كان عليه ‪.‬‬
‫إحرام الفصل الوّل‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬من معاني الحرام في اللّغة ‪ :‬الهلل بح جّ أو عمرة ومباشرة أسبابها ‪ ،‬والدّخول في‬
‫الحر مة ‪ .‬يقال ‪ :‬أحرم الرّ جل إذا د خل في الشّ هر الحرام ‪ ،‬وأحرم ‪ :‬د خل في الحرم ‪ ،‬وم نه‬
‫حرم مكّة ‪ ،‬وحرم المدي نة ‪ ،‬وأحرم ‪ :‬د خل في حر مة ع هد أو ميثاق ‪ .‬والحرم ‪ -‬بض مّ الحاء‬
‫ج أيضا ‪ ،‬وبالك سر ‪ :‬الرّ جل المحرم ‪ ،‬يقال أ نت حلّ ‪ ،‬وأ نت‬
‫و سكون الرّاء ‪ : -‬الحرام بالح ّ‬
‫حرم ‪ .‬والحرام في ا صطلح الفقهاء يراد به ع ند الطلق الحرام بالح جّ ‪ ،‬أو العمرة ‪ .‬و قد‬
‫يطلق على الدّخول فبي الصبّلة ويسبتعملون مادّتبه مقرونةً بالتّكببيرة الولى ‪ ،‬فيقولون ‪« :‬‬
‫ت كبيرة الحرام " ويسمّونها " التّحري مة " وتف صيل ذلك في مصطلح ( صلة ) ‪ .‬ويطلق فقهاء‬
‫ّوويب فبي المنهاج ‪ « :‬باب‬
‫ّ‬ ‫الشّافعي ّة الحرام على الدّخول فبي النّسبك ‪ ،‬وببه فسبّروا قول الن‬
‫الحرام » ‪ .‬تعريف الحنفيّة للحرام ‪:‬‬
‫‪ - 2‬الحرام ع ند الحنفيّة هو الدّخول في حرمات مخ صوصة غ ير أنّه ل يتحقّق شرعا إلّ‬
‫بالنّيّة مبع الذّكبر أو الخصبوصيّة ‪ .‬والمراد بالدّخول فبي حرمات ‪ :‬التزام الحرمات ‪ ،‬والمراد‬
‫بالذّكر التّلب ية ونحوها ممّا ف يه تعظيم اللّه تعالى ‪ .‬والمراد بالخصوصيّة ‪ :‬ما يقوم مقام ها من‬
‫سوق الهدي ‪ ،‬أو تقليد البدن ‪ .‬تعريف المذاهب الثّلثة للحرام ‪:‬‬
‫‪ - 3‬أمّا تعريف الحرام عند المذاهب الثّلثة ‪ :‬المالكيّة ‪ -‬على الرّاجح عندهم ‪ -‬والشّافعيّة‬
‫والحنابلة فهو ‪ :‬نيّة الدّخول في حرمات الحجّ والعمرة ‪.‬‬
‫حكم الحرام ‪:‬‬
‫ن الحرام من فرائض النّ سك ‪ ،‬حجّا كان أو عمرةً ‪ ،‬وذلك لقوله‬
‫‪ - 4‬أج مع العلماء على أ ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬إنّما العمال بال ّنيّات » متّفق عليه لكن اختلفوا فيه أمن الركان هو‬
‫ن الحرام ركن للنّسك ‪ .‬وذهب الحنفيّة‬
‫أم من الشّروط ‪ .‬فمذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أ ّ‬
‫إلى أنّ الحرام شرط من شروط صحّة الحجّ ‪ ،‬غير أنّه عند الحنفيّة شرط من وجه ‪ ،‬ركن من‬
‫و جه أو " هو شرط ابتداءً ‪ ،‬وله ح كم الرّ كن انتهاءً » ‪ .‬ويتفرّع على كون الحرام شرطا ع ند‬
‫الحنفيّة وكونه يشبه الرّكن فروع ‪ .‬منها ‪:‬‬
‫ج ‪ ،‬مع الكرا هة ‪ ،‬لكون الحرام شرطا‬
‫ج ق بل أش هر الح ّ‬
‫‪ - 1‬أجاز الحنفيّة الحرام بالح ّ‬
‫عندهم ‪ ،‬فجاز تقديمه على الوقت ‪.‬‬
‫‪ - 2‬لو أحرم المتمتّع بالعمرة قبل أشهر الحجّ ‪ ،‬وأتى بأفعالها ‪ ،‬أو بركنها ‪ ،‬أو أكثر الرّكن ‪-‬‬
‫يعني أربعة أشواط من الطّواف ‪ -‬في أشهر الحجّ يكون متمتّعا عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫‪ - 3‬تفرّع على شبه الحرام بالرّكن عند الحنفيّة أنّه لو أحرم ال صّبيّ ‪ ،‬ث مّ بلغ بعدما أحرم ‪،‬‬
‫فإنّه إذا مضى في إحرامه لم يجزه عن حجّة السلم ‪ .‬لكن لو جدّد الحرام قبل الوقوف ونوى‬
‫حجّة السبلم ‪ ،‬جاز عبن حجّة السبلم عنبد الحنفيّة اعتبارا لشببه الرّكبن فبي هذه الصبّورة‬
‫احتياطا في العبادة ‪.‬‬
‫حكمة تشريع الحرام ‪:‬‬
‫‪ - 5‬فرضيّة الحرام للنّ سك ل ها ح كم جليلة ‪ ،‬وأ سرار ومقا صد تشريعيّة كثيرة ‪ ،‬أهمّ ها ‪:‬‬
‫ن صاحبه يريد أن‬
‫استشعار تعظيم اللّه تعالى وتلبية أمره بأداء النّسك الّذي يريده المحرم ‪ ،‬وأ ّ‬
‫يحقّق به التّعبّد والمتثال للّه تعالى ‪.‬‬
‫شروط الحرام ‪:‬‬
‫‪ - 6‬يشترط الفقهاء ل صحّة الحرام ‪ :‬ال سلم والنّيّة ‪ .‬وزاد الحنفيّة ‪ ،‬و هو المرجوح ع ند‬
‫المالكيّة ‪ ،‬اشتراط التّلبية أو ما يقوم مقامها ‪.‬‬
‫‪ - 7‬وقد اتّفقوا على أنّه ل يشترط في ال ّنيّة للنّسك الفرض تعيين أنّه فرض في ال ّنيّة ‪ ،‬ولو‬
‫أطلق النّيّة ولم ي كن قد ح جّ حجّة الفرض ي قع عن ها اتّفاقا ‪ .‬بخلف ما لو نوى ‪ ،‬حجّة ن فل‬
‫فالمذهب المعتمد عند الحنفيّة وهو مذهب المالكيّة أنّه يقع عمّا نوى ‪ .‬وبهذا قال سفيان الثّوريّ‬
‫وابن المنذر ‪ ،‬وهو رواية عن المام أحمد ‪ .‬وأمّا الشّافعيّة والحنابلة فقالوا ‪ :‬إن أحرم بتطوّع‬
‫أو نذر من لم يحجّ حجّة السلم وقع عن حجّة السلم ‪ .‬وبهذا قال ابن عمر وأنس ‪ .‬وقالوا ‪:‬‬
‫ج عن نفسه ‪ ،‬ردّ ما أخذ ‪ ،‬وكانت الحجّة عن نفسه ‪ ،‬وبهذا قال‬
‫من ح جّ عن غيره ولم يكن ح ّ‬
‫ن المطلق ين صرف إلى الفرد الكا مل ‪ ،‬فإن كان‬
‫الوزاع يّ ‪ .‬ا ستدلّ الحنفيّة و من مع هم ‪ « :‬بأ ّ‬
‫عل يه حجّة ال سلم ي قع عن ها ا ستحسانا ‪ ،‬في ظا هر المذ هب أي إذا أطلق ولم يعيّن » ‪ .‬و جه‬
‫ج حجّة‬
‫ال ستحسان ‪ « :‬أ نّ الظّا هر من حال من عل يه حجّة ال سلم أنّه ل ير يد بإحرام الح ّ‬
‫التّطوّع ‪ ،‬ويبقبي نفسبه فبي عهدة الفرض ‪ ،‬فيحمبل على حجّة السبلم ‪ ،‬بدللة حاله ‪ ،‬فكان‬
‫الطلق فيه تعيينا ‪ ،‬كما في صوم رمضان » ‪ .‬وقالوا في اعتباره عمّا نواه من غير الفرض‬
‫‪ « :‬إنّما أوقعناه عن الفرض عند إطلق ال ّنيّة بدللة حاله ‪ ،‬والدّللة ل تعمل مع النّصّ بخلفه‬
‫ل امرئ ما نوى » وا ستدلّ‬
‫» ‪ .‬ويش هد ل هم ن صّ الحد يث المشهور ال صّحيح ‪ « :‬وإنّ ما لك ّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم سمع‬
‫الشّافعيّة والحنابلة بحديث ابن عبّاس رضي ال عنهما « أ ّ‬
‫رجلً يقول ‪ :‬لبّيبك عبن شبرمبة ‪ .‬قال ‪ :‬مبن شبرمبة ؟ قال ‪ :‬أخ لي ‪ ،‬أو قريبب لي ‪ .‬قال ‪:‬‬
‫ج عن شبر مة » ‪ .‬أخر جه أ بو‬
‫حج جت عن نف سك ؟ قال ‪ :‬ل ‪ .‬قال ‪ :‬ح جّ عن نف سك ‪ ،‬ث مّ ح ّ‬
‫داود وابن ماجه وغيرهما ‪ .‬وفي رواية ‪ « :‬اجعل هذه عن نفسك ‪ » . . .‬فاستدلّوا بها ‪ .‬وقد‬
‫صحّح النّوويّ أسانيده ‪ ،‬وتكلّم فيه غيره ‪ ،‬فرجّح إرساله ‪ ،‬ووقفه ‪ .‬واستدلّوا بحديث ابن عبّاس‬
‫أيضا ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ل صرورة في السلم » أخرجه أحمد وأبو‬
‫داود واختلف في صحّته كذلك ‪ .‬قال الخطّابيّ في معالم السّنن ‪ « :‬وقد يستدلّ به من يزعم أنّ‬
‫ن ال صّرورة إذا شرع في‬
‫ال صّرورة ل يجوز له أن يح جّ عن غيره ‪ .‬وتقد ير الكلم عنده ‪ :‬أ ّ‬
‫الحجّب عبن غيره صبار الحجّب عنبه ‪ ،‬وانقلب عبن فرضبه ‪ ،‬ليحصبل معنبى النّفبي ‪ ،‬فل يكون‬
‫صرورةً ‪ ،‬وهذا مذهب الوزاعيّ والشّافعيّ وأحمد وإسحاق ‪ . » . . .‬واستدلّوا من المعقول ‪:‬‬
‫ن النّ فل والنّذر أضعف من حجّة السلم ‪ ،‬فل يجوز تقديمهما عليها ‪ ،‬كح جّ غيره على‬
‫«أ ّ‬
‫حجّه » ‪ .‬وبقياس النّفل والنّذر على من أحرم عن غيره وعليه فرضه ‪.‬‬
‫التّلبية ‪:‬‬
‫‪ - 8‬التّلبية لغةً إجابة المنادي ‪ .‬والمراد بالتّلبية هنا ‪ :‬قول المحرم ‪ « :‬لبّيك اللّهمّ لبّيك ‪، » ...‬‬
‫أي إجابتبي لك يبا رب ّب ‪ .‬ولم يسبتعمل " لبّيبك " إلّ على لفبظ التّثنيبة ‪ .‬والمراد بهبا التّكثيبر ‪.‬‬
‫والمعنى ‪ :‬أجبتك إجابةً بعد إجابة ‪ ،‬إلى ما ل نهاية ‪ .‬حكم التّلبية ‪:‬‬
‫‪ - 9‬التّلب ية شرط في الحرام ع ند أ بي حني فة ومحمّد وا بن حبيب من المالكيّة ‪ ،‬ل ي صحّ‬
‫ل على التّعظ يم من ذ كر‬
‫الحرام بمجرّد النّيّة ‪ ،‬حتّى يقرن ها بالتّلب ية أو ما يقوم مقام ها ممّا يد ّ‬
‫ودعاء أو سوق الهدي ‪ .‬فإذا نوى النّ سك الّذي يريده من ح جّ أو عمرة أو ه ما معا ولبّى ف قد‬
‫ل أحكام الحرام التية ‪ ،‬وأن يمضي ‪ ،‬في أداء ما أحرم به ‪ .‬والمعتمد عندهم‬
‫أحرم ‪ ،‬ولزمه ك ّ‬
‫" أنّه يصير محرما بال ّنيّة لكن عند التّلبية ‪ ،‬كما يصير شارعا في ال صّلة بال ّنيّة ‪ ،‬لكن بشرط‬
‫التّكببير ‪ ،‬ل بالتّكببير » ‪ .‬وقبد نقبل هذا المذهبب عبن عببد اللّه ببن مسبعود ‪ ،‬واببن عمبر ‪،‬‬
‫وعائشة ‪ ،‬وإبراهيم النّخع يّ ‪ ،‬وطاوس ومجاهد ‪ ،‬وعطاء بل ادّعى فيه اتّفاق ال سّلف ‪ .‬وذهب‬
‫ن التّلبية ل تشترط في الحرام ‪ ،‬فإذا نوى فقد أحرم بمجرّد ال ّنيّة ‪ ،‬ولزمته أحكام‬
‫غيرهم إلى أ ّ‬
‫الحرام الت ية ‪ ،‬والمض يّ في أداء ما أحرم به ‪ .‬ث مّ اختلفوا ‪ :‬فقال المالكيّة ‪ :‬هي واج بة في‬
‫الصبل ‪ ،‬والس ّبنّة قرنهبا بالحرام ‪ .‬ويلزم الدّم بطول فصبلها عبن النّيّة ‪ .‬ولو رجبع ولبّى ل‬
‫يسبقط عنبه الدّم ‪ .‬وسبواء أكان التّرك أو طول الفصبل عمدا أم نسبيانا ‪ .‬وذهبب الشّافعي ّة‬
‫والحنابلة ‪ -‬وهو منقول عن أبي يوسف ‪ -‬إلى أنّ التّلبية سنّة في الحرام مطلقا ‪.‬‬
‫المقدار الواجب من لفظ التّلبية ‪:‬‬
‫‪ - 10‬الصّيغة الّتي أوردها الفقهاء للتّلبية ‪ :‬هي ‪ « :‬لبّيك اللّهمّ لبّيك ‪ .‬لبّيك ل شريك لك لبّيك ‪.‬‬
‫ن الحمد والنّعمة لك والملك ‪ .‬ل شريك لك » ‪ .‬هذه ال صّبغة الّتي لزمها رسول اللّه صلى ال‬
‫إّ‬
‫عل يه و سلم في حجّة الوداع ‪ ،‬ولم يزد علي ها والّذي يح صل به أداء التّلب ية في الحرام ع ند‬
‫الحنفيّة هو ما يح صل به التّعظ يم ‪ .‬فإ نّ المشروط على الحقي قة ع ند الحنفيّة أن تقترن النّيّة "‬
‫بذكر يقصد به التّعظيم ‪ ،‬كتسبيح ‪ ،‬وتهليل " ولو مشوبا بالدّعاء » ‪.‬‬
‫النّطق بالتّلبية ‪:‬‬
‫‪ - 11‬يشترط لداء التّلبية أن تلفظ باللّسان ‪ ،‬فلو ذكرها بقلبه لم يعتدّ بها عند من يقول إنّها‬
‫شرط ‪ ،‬ومن يقول إنّها واجب ‪ ،‬ومن يقول إنّها سنّة ‪ .‬وتفرّع على ذلك عند الحنفيّة فرعان ‪:‬‬
‫‪ - 12‬الفرع الوّل ‪ :‬لو كان ل يحسن العربيّة ‪ ،‬فنطق بالتّلبية بغير العربيّة ‪ ،‬أجزأه اتّفاقا ‪ .‬أمّا‬
‫لو كان يحسن العربيّة ‪ ،‬فنطق بها بغير العربيّة ‪ ،‬فل يجزئه عند الجمهور ‪ ،‬خلفا للحنفيّة في‬
‫ظاهبر المذهبب ‪ .‬ودليلهبم أن ّه ذكبر مشروع ‪ ،‬فل يشرع بغيبر العربي ّة ‪ ،‬كالذان والذكار‬
‫المشروعة في ال صّلة ‪ .‬ودليل الحنفيّة أنّه ذكر مقصود به التّعظيم ‪ ،‬فإذا حصل هذا المقصود‬
‫أجزأه ‪ ،‬ولو بغير العربيّة ‪.‬‬
‫‪ - 13‬الفرع الثّاني في الخرس ‪ :‬الصحّ أنّه عند الحنفيّة يستحبّ له تحريك لسانه بالتّلبية مع‬
‫ال ّنيّة ‪ ،‬ول يجب ‪ .‬وقيل ‪ :‬يجب تحريك لسانه ‪ ،‬فإنّه ن صّ المام محمّد على أنّه شرط ‪ .‬وعلى‬
‫هذا " فينبغبي " ألّ يلزمبه فبي الحجّب بالولى ‪ ،‬فإنّب باب الحجّب أوسبع ‪ ،‬مبع أنّب القراءة فرض‬
‫قطعيّ متّفق عليه ‪ ،‬والتّلبية أمر ظ ّنيّ مختلف فيه ‪.‬‬
‫وقت التّلبية ‪:‬‬
‫‪ - 14‬الفضل عند الحنفيّة والحنابلة أن يلبّي بنيّة الح جّ أو العمرة أو نيّتهما معا عقب صلته‬
‫ركعتين سنّة الحرام ‪ ،‬وبعد نيّة النّسك ‪ .‬وإن لبّى بعدما استوت به راحلته أو ركوبته جاز ‪،‬‬
‫ب بنيّة النّسك صار مجاوزا للميقات بغير‬
‫إلى أن يبلغ نهاية الميقات ‪ ،‬فإذا جاوز الميقات ولم يل ّ‬
‫ب البدء بالتّلبيبة إذا‬
‫إحرام عنبد الحنفيّة ‪ ،‬ولزمبه مبا يلزم ذاك عندهبم ‪ .‬وعنبد الجمهور يسبتح ّ‬
‫ر كب راحل ته ‪ ،‬وا ستوت به ‪ ،‬ل كن يلز مه الدّم ع ند المالكيّة إن ترك ها أو أخّر ها حتّى طال‬
‫الفصل بين الحرام والتّلبية كما تقدّم ( ف ‪ . ) 9‬ول يلزمه شيء عند الشّافعيّة والحنابلة لقولهم‬
‫ن التّلبية سنّة ‪.‬‬
‫إّ‬
‫ما يقوم مقام التّلبية ‪:‬‬
‫ل ذكر فيه تعظيم للّه‬
‫‪ - 15‬يقوم مقام التّلبية عند الحنفيّة لصحّة الحرام أمران ‪ :‬الوّل ‪ :‬ك ّ‬
‫تعالى ‪ ،‬كالتّسبيح ‪ ،‬والتّحميد ‪ ،‬والتّكبير ‪ ،‬ولو بغير اللّغة العربيّة ‪ ،‬كما سبق بيانه ( ف ‪) 10‬‬
‫الثّا ني ‪ :‬تقل يد الهدي و سوقه والتّوجّه م عه ‪ .‬والهدي يش مل ال بل والب قر والغ نم ‪ .‬ل كن ي ستثنى‬
‫من التّقليد الغنم ‪ ،‬لعدم س ّنيّة تقليد الغنم عند الحنفيّة ‪ ( .‬ر ‪ :‬هدي ) والتّقليد هو أن يربط في‬
‫عنق البدنة أو البقرة علم ًة على أنّه هدي ‪.‬‬

‫شروط إقامة تقليد الهدي وسوقه مقام التّلبية‬


‫‪ - 16‬يشترط ‪:‬‬
‫‪ - 1‬ال ّنيّة ‪.‬‬
‫‪ - 2‬سوق البدنة والتّوجّه معها ‪.‬‬
‫‪ - 3‬يشترط ‪ -‬إن بعث بها ولم يتوجّه معها ‪ -‬أن يدركها قبل الميقات ويسوقها ‪ ،‬إلّ إذا كان‬
‫ج ‪ ،‬فإنّه ي صير محرما إذا توجّه بنيّة‬
‫بعث ها لن سك مت عة أو قران ‪ ،‬وكان التّقل يد في أش هر الح ّ‬
‫الحرام وإن لم يلحقها ‪ ،‬استحسانا ‪.‬‬

‫الفصل الثّاني‬
‫حالت الحرام من حيث إبهام النّيّة وإطلقها‬
‫إبهام الحرام‬
‫تعريفه ‪:‬‬
‫‪ - 17‬هو أن ينوي مطلق نسك من غير تعيين ‪ ،‬كأن يقول ‪ :‬أحرمت للّه ‪ ،‬ثمّ يلبّي ‪ ،‬ول يعيّن‬
‫ّهمب ‪ ، . .‬أو ينوي الدّخول فبي‬
‫حجّا أو عمرةً ‪ ،‬أو يقول ‪ :‬نويبت الحرام للّه تعالى ‪ ،‬لبّيبك الل ّ‬
‫حرمات نسبك ‪ ،‬ولم يعي ّن شيئا ‪ .‬فهذا الحرام صبحيح باتّفاق المذاهبب ‪ .‬ويترت ّب عليبه كلّ‬
‫أحكام الحرام ‪ ،‬وعليبه اجتناب جميبع محظوراتبه ‪ ،‬كالحرام المعيّبن ويسبمّى هذا إحراما‬
‫مبهما ‪ ،‬ويسمّونه أيضا إحراما مطلقا ‪.‬‬
‫تعيين النّسك ‪:‬‬
‫‪ - 18‬ثمّ على هذا المحرم التّعيين قبل أن يشرع في أفعال أحدهما ‪ ،‬وله أن يجعله للعمرة ‪ ،‬أو‬
‫ج ‪ ،‬أو لهما معا حسبما يشاء ‪ .‬وترجع الفضليّة فيما يختاره ويعيّنه إلى خلف المذاهب في‬
‫للح ّ‬
‫أي ّب أوجبه الحرام أفضبل ‪ :‬القران ‪ ،‬أو التّمتّع ‪ ،‬أو الفراد ‪ ،‬وإلى حكبم الحرام بالحج ّب قببل‬
‫ج ‪ ،‬وأراد التّعيين قبلها ‪ .‬واختلفوا في كيفيّة‬
‫أشهر الح جّ ‪ ،‬إن وقع هذا الحرام قبل أشهر الح ّ‬
‫التّعي ين ‪ .‬فقال الحنفيّة ‪ :‬إن عيّن ما يريده قبل الطّواف فالعبرة لهذا التّعيين ‪ ،‬وإن لم يعيّن ث مّ‬
‫طاف بالب يت للعمرة ‪ ،‬أو مطلقا بغ ير تعي ين ولو شوطا ‪ ،‬ج عل إحرا مه للعمرة ‪ ،‬فيت مّ منا سك‬
‫ن الطّواف ر كن في العمرة ‪،‬‬
‫العمرة ‪ ،‬ث ّم يحرم بالح جّ ويصير متمتّعا ‪ .‬وعلّة جعله للعمرة " أ ّ‬
‫ج ليس بركن ‪ ،‬بل هو سنّة ‪ ،‬فإيقاعه عن الرّكن أولى ‪ ،‬وتتعيّن العمرة‬
‫وطواف القدوم في الح ّ‬
‫بفعله كمبا تتعيّن بقصبده » ‪ .‬أمّا إن لم يعيّن ‪ ،‬ولم ي طف بالب يت ‪ ،‬بل و قف بعر فة قببل أن‬
‫يطوف ‪ ،‬فين صرف إحرا مه للح جّ ‪ .‬وإن لم يق صد الح جّ في وقو فه ‪ ،‬فإنّه ين صرف إلى الح جّ‬
‫ج ‪ .‬هذا معت مد مذ هب الحنفيّة ‪ .‬ومذ هب المالكيّة ‪ ،‬و هو‬
‫شرعا ‪ ،‬وعل يه أن يتمّم منا سك الح ّ‬
‫رواية عن أبي يوسف ومحمّد ‪ ،‬أنّه ل يفعل شيئا إلّ بعد التّعيين ‪ ،‬فإن طاف قبل أن يصرف‬
‫ج مفردا ‪ ،‬ويكون‬
‫ج أم ل ‪ -‬وجب صرفه للح ّ‬
‫إحرامه لشيء ‪ -‬سواء أكان أحرم في أشهر الح ّ‬
‫هذا الطّواف الواقع قبل ال صّرف والتّعيين طواف القدوم ‪ ،‬وهو ليس ركنا من أركان الح جّ فل‬
‫ن الطّواف‬
‫ح صرف ذلك الحرام لعمرة بعد الطّواف ؛ ل ّ‬
‫يضرّ وقوعه قبل ال صّرف ‪ .‬ول يص ّ‬
‫ركن منها ‪ ،‬وقد وقع قبل تعيينها ‪ .‬أمّا الشّافعيّة والحنابلة فيشترطون التّعيين قبل الشّروع بأ يّ‬
‫ع مل من المنا سك ‪ .‬فلو ع مل شيئا من أركان الح جّ أو العمرة ق بل التّعي ين ‪ ،‬لم يجزئه ‪ ،‬ولم‬
‫يصحّ فعله ‪.‬‬
‫الحرام بإحرام الغير‬
‫‪ - 19‬هو أن ينوي المحرم في إحرامه مثل ما أحرم به فلن ‪ ،‬بأن يكون قاصدا مرافقته ‪ ،‬أو‬
‫ل أو نوى‬
‫ّهمب إن ّي أهلّ أو أحرم أو أنوي مثبل مبا أه ّ‬
‫القتداء ببه لعلمبه وفضله ‪ ،‬فيقول ‪ :‬الل ّ‬
‫فلن ‪ ،‬ويلب ّي ‪ .‬فهذا الحرام صبحيح ‪ ،‬وينعقبد على مثبل مبا أحرم ببه ذلك الشّخبص عنبد‬
‫ي ر ضي ال ع نه « أنّه قدم من الي من‬
‫الجمهور وظا هر مذ هب المالكيّة ‪ .‬ودليل هم حد يث عل ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ :‬بم‬
‫ووافى النّبيّ صلى ال عليه وسلم في حجّة الوداع ‪ ،‬فقال له النّب ّ‬
‫ن معي الهدي لحللت » ‪.‬‬
‫أهللت ؟ قال ‪ :‬بما أهلّ به النّبيّ صلى ال عليه وسلم ‪ .‬فقال ‪ :‬لول أ ّ‬
‫زاد في رواية ‪ :‬قال ‪ « :‬فأهد وأمكث حراما كما أنت » ‪.‬‬
‫الشتراط في الحرام‬
‫‪ - 20‬الشتراط في الحرام أن يقول ع ند إحرا مه ‪ « :‬إن حب سني حا بس ‪ ،‬فمحلّي ح يث‬
‫حبستني » ‪.‬‬
‫‪ - 21‬ذهبب الشّافعيّة إلى صبحّة الشتراط ‪ ،‬وأنّه يفيبد إباحبة التّحلّل مبن الحرام عنبد وجود‬
‫ثمب إن اشترط فبي التّحلّل أن يكون مبع‬
‫الحاببس كالمرض ‪ ،‬فإذا لم يشترط لم يجبز له التّحلّل ّ‬
‫الهدي وجب الهدي ‪ ،‬وإن لم يشترط فل هدي عليه ‪ .‬على تفاصيل تجدها في بحث الحصار‬
‫ب لمبن أحرم بنسبك حجّب أو عمرة أن يشترط عنبد إحرامبه ‪.‬‬
‫‪ .‬وتوسبّع الحنابلة فقالوا ‪ :‬يسبتح ّ‬
‫ويفيد هذا الشّرط عندهم شيئين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬إذا عاقه عد ّو أو مرض أو غيرهما يجوز له التّحلّل‬
‫ل بذلك فل دم عليه ول صوم ‪ ،‬سواء أكان المانع عدوّا ‪ ،‬أو مرضا ‪ ،‬أو‬
‫‪ .‬الثّاني ‪ :‬أنّه متى أح ّ‬
‫غيرهما ‪ .‬وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى عدم صحّة الشتراط ‪ ،‬وعدم إفادته للتّحلّل عند حصول‬
‫الما نع له ‪ ،‬بل يأ خذ حاله ح كم ذلك الما نع ‪ ،‬على ما هو مقرّر في مب حث الح صار ‪ ،‬ا ستدلّ‬
‫الشّافعيّة والحنابلة بحد يث عائ شة ر ضي ال عن ها قالت ‪ « :‬د خل النّبيّ صلى ال عل يه و سلم‬
‫على ضباعة بنت الزّبير ‪ ،‬فقالت ‪ :‬يا رسول اللّه إنّي أريد الحجّ وأنا شاكية ؟ فقال النّبيّ صلى‬
‫ن محلّي ح يث حب ستني » ‪ .‬متّ فق عل يه ‪ .‬وا ستدلّ الحنفيّة‬
‫ال عل يه و سلم ‪ :‬حجّي واشتر طي أ ّ‬
‫والمالكيّة بال ية الكري مة ‪ ،‬و هي قوله تعالى ‪ { :‬فإن أح صرتم ف ما ا ستيسر من الهدي } و في‬
‫المسألة تفصيل موطنه مصطلح ( إحصار ) ‪.‬‬

‫إضافة الحرام إلى الحرام‬


‫ج إلى العمرة ‪:‬‬
‫ل ‪ :‬إضافة إحرام الح ّ‬
‫أ ّو ً‬
‫ل ‪ ،‬ث مّ بالح جّ قبل أن يطوف ل ها ‪ ،‬أو بعدما طاف قبل أن‬
‫‪ - 22‬و هو أن يحرم بالعمرة أ ّو ً‬
‫يتحلّل منها ‪ .‬وتتنوّع صور إضافة إحرام الحجّ إلى العمرة بحسب حال إضافته ‪ ،‬وبحسب حال‬
‫ل صورة حكمها ‪.‬‬
‫المحرم ‪ ،‬وتأخذ ك ّ‬
‫‪ - 23‬وللحنفيّة تف صيل خا صّ في هذا ‪ ،‬لقول هم بكرا هة القران للمكّ يّ ‪ ،‬وأنّه إن فعله جاز‬
‫وأ ساء ‪ ،‬وعل يه دم جبر ل ساءته هذه ‪ .‬ك ما أ نّ للمذا هب الخرى تف صيلً بح سب آرائ هم في‬
‫ن المحرم إمّا أن يكون م ّكيّا أو‬
‫مسائل من الحرام وأوجه الحرام ‪ .‬والتّفصيل عند الحنفيّة ‪ :‬أ ّ‬
‫ج إلى العمرة فعلى وجوه ‪.‬‬
‫آفاقيّا ‪ .‬وأمّا بالنّسبة لحال إضافة الحرام بالح ّ‬
‫ج على العمرة قبل أن يطوف للعمرة ‪ :‬أ ‪ -‬إن كان آفاقيّا‬
‫‪ - 24‬الوجه الوّل ‪ :‬أن يدخل الح ّ‬
‫صحّ ذلك ‪ ،‬بل كرا هة ‪ ،‬وكان قارنا ‪ ،‬باتّفاق المذا هب ‪ .‬بل هو مستحبّ ‪ ،‬على ما صرّح به‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬لحمل فعله صلى ال عليه وسلم على ذلك ‪ ،‬على ما حقّقه ابن حزم وغيره ‪ ،‬وتبعه‬
‫النّوو يّ وغيره ‪ .‬وممّا يدلّ على جواز ذلك « حد يث عائ شة في حجّة النّبيّ صلى ال عل يه‬
‫وسلم وفيه قولها ‪ :‬وكنت ممّن أهلّ بعمرة فحضت قبل أن أدخل مكّة ‪ ،‬فأدركني يوم عرفة وأنا‬
‫حائض ‪ ،‬فشكوت إلى رسبول اللّه صبلى ال عليبه وسبلم فقال ‪ :‬دعبي عمرتبك ‪ ،‬وانقضبي‬
‫رأسك ‪ ،‬وامتشطي ‪ ،‬وأهّلي بالح جّ ‪ . » . . .‬متّ فق عليه ‪ .‬وعلّل المالكيّة صحّة إرداف الح جّ‬
‫على العمرة بقولهم ‪ « :‬لقوّته وضعفها » ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وإن كان م ّكيّا ( أو ميقاتيّا ) فترتفض عمرته اتّفاقا عند الحنفيّة ‪ ،‬وعليه دم الرّفض ؛ لنّ‬
‫الج مع ب ين النّ سكين غ ير مشروع للمكّ يّ عند هم ‪ " ،‬والنّزوع عن المع صية لزم " وير فض‬
‫ل ‪ .‬فكانت العمرة أخفّ مؤنةً من الحجّة ‪ ،‬فكان‬
‫العمرة هنا ؛ لنّها أقلّ عملً ‪ ،‬والحجّ أكثر عم ً‬
‫ج ‪ ،‬فكانت‬
‫رفضها أيسر ‪ ،‬ول نّ المعصية حصلت بسببها ؛ لنّها هي الّتي دخلت في وقت الح ّ‬
‫أولى بالرّفض ‪ .‬ويمضي حجّته ‪ .‬وعليه دم لرفض عمرته ‪ .‬وعليه قضاء العمرة » ‪ .‬أمّا غير‬
‫الحنفيّة فحكبم الفاقيّب والمكّيّب عندهبم سبواء فبي صبحّة الحراميبن وصبيرورته قارنا ‪ ،‬تبعا‬
‫لمذهبهم في تجويز القران للمكّ يّ على تفصيل يأتي ‪ ( .‬ف ‪ ) 30‬لكن شرط المالكيّة والشّافعيّة‬
‫أن تكون العمرة صحيح ًة ‪ .‬وهذا شرط لصحّة الرداف في جميع صوره عند المالكيّة ‪ ،‬وعند‬
‫الحنفيّة شرط لصحّة القران فقط وزاد الشّافعيّة اشتراط أن يكون إدخال الح جّ عليها في أشهر‬
‫الحجّ ‪.‬‬
‫‪ - 25‬الوجه الثّاني ‪ :‬أن يدخل الح جّ على العمرة بعد أن طاف شيئا قليلً ‪ ،‬على ألّ يتجاوز‬
‫أقلّ أشواط طواف العمرة ‪ ،‬أي ثلثة أشواط فما دون ذلك ‪ .‬فمذهب الحنفيّة في ذلك ‪ :‬أ ‪ -‬إذا‬
‫كان آفاقيّا كان قارنا ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وإن كان م ّكيّا ( أي ميقاتيّا ) ‪ :‬وجبب عليبه رفبض أحبد النّسبكين ‪ ،‬على التّحقيبق فبي‬
‫ي الرّفضين أولى ‪ :‬قال أبو حنيفة ‪ :‬يرفض الح جّ ‪.‬‬
‫عبارات فقهاء الحنفيّة ‪ ،‬وإنّما اختلفوا في أ ّ‬
‫وعليه لرفضه دم ‪ .‬وعليه حجّة وعمرة ؛ لنّه مثل فائت الح جّ ‪ ،‬وحكم فائت الح جّ أنّه يتحلّل‬
‫ج من قا بل حتّى لو ح جّ في سنته سقطت العمرة ؛ لنّه حينئذ ل يس في‬
‫بعمرة ‪ ،‬ث مّ يأ تي بالح ّ‬
‫معنى فائت الح جّ ‪ ،‬بل كالمحصر ‪ ،‬إذا تحلّل ث مّ ح جّ من تلك ال سّنة ‪ ،‬فإنّه حينئذ ل تجب عليه‬
‫عمرة ‪ ،‬بخلف ما إذا تحوّلت ال سّنة ‪ ،‬فإنّه ت جب عل يه العمرة مع حجّ ته ‪ .‬وقال أ بو يو سف‬
‫ب إلينا ‪ ،‬ويقضيها دون عمرة أخرى ‪ ،‬وعليه دم للرّفض ‪ .‬وكذلك‬
‫ومحمّد ‪ :‬رفض العمرة أح ّ‬
‫هو الحكم عند أبي حنيفة لو اختار هذا المحرم رفض العمرة ‪ .‬استدلّ أبو حنيفة على استحباب‬
‫ج لم يتأكّد ‪،‬‬
‫ر فض الح جّ بأ نّ " إحرام العمرة قد تأكّد بأداء ش يء من أعمال ها ‪ ،‬وإحرام الح ّ‬
‫ن في ر فض العمرة ‪ -‬والحالة هذه ‪ -‬إبطال الع مل ‪ ،‬و في‬
‫ور فض غ ير المتأكّد أي سر ‪ .‬ول ّ‬
‫ن ر فض‬
‫ر فض الح جّ امتناع ع نه " والمتناع أولى من البطال ‪ ،‬وا ستدلّ ال صّاحبان على أ ّ‬
‫العمرة أولى ‪ « :‬بأنّ ها أد نى حالً وأقلّ أعمالً ‪ ،‬وأي سر قضا ًء ‪ ،‬لكون ها غ ير مؤقّ تة » ‪ .‬وقال‬
‫المالكيّة والحنابلة ‪ :‬يصحّ هذا الرداف ‪ .‬ويصير قارنا ‪ ،‬ويتابع على ذلك ‪ .‬وتندرج العمرة في‬
‫ج ‪ .‬أمّا الشّافعيّة ‪ -‬وهو قول أشهب من المالكيّة ‪ -‬فقالوا ‪ :‬يصحّ إدخال الحجّة على العمرة‬
‫الح ّ‬
‫ح إحرا مه بالح جّ ‪.‬‬
‫ق بل الشّروع في الطّواف ‪ ،‬فلو شرع في الطّواف ولو بخطوة فإنّه ل ي ص ّ‬
‫واستدلّوا على ذلك ‪ :‬بأنّه " لتّصال إحرامها بمقصوده ‪ ،‬وهو أعظم أفعالها ‪ ،‬فل ينصرف بعد‬
‫ذلك إلى غير ها » ‪ .‬ل كن الشّافعيّة قرّروا أنّه " لو ا ستلم الح جر بنيّة الطّواف فالو جه جواز‬
‫الدخال ‪ ،‬إذ الستلم مقدّمة الطّواف ل بعضه » ‪.‬‬
‫‪ - 26‬الوجه الثّالث ‪ :‬أن يدخل الح جّ على العمرة بعد أن يطوف أكثر أشواط طواف العمرة ‪.‬‬
‫ن للكثر‬
‫فهذا حكمه عند الحنفيّة حكم ما لو أكمل الطّواف التي في الوجه الرّابع التّالي ؛ ل ّ‬
‫حكم الكلّ عندهم ‪ .‬وعند الجمهور حكمه حكم الوجه الثّاني السّابق ‪.‬‬
‫ج على العمرة بعد إكمال طواف العمرة قبل التّحلّل ‪ .‬مذهب‬
‫‪ - 27‬الوجه الرّابع ‪ :‬أن يدخل الح ّ‬
‫الحنفيّة التّف صيل المتقدّم في الو جه الثّا ني ‪ .‬وف صّل المالكيّة تف صيلً آ خر فقالوا ‪ :‬أ ‪ -‬إرداف‬
‫ح ‪ ،‬ولزمه ‪ ،‬وصار‬
‫ج على العمرة بعد طوافها قبل ركعتي الطّواف مكروه ‪ .‬فإن فعله ص ّ‬
‫الح ّ‬
‫قارنا ‪ ،‬وعليه دم القران ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إرداف الح جّ على العمرة بعد أن طاف وصلّى ركعتي الطّواف قبل ال سّعي مكروه ‪ ،‬ول‬
‫ي صحّ ‪ ،‬ول يكون قارنا ‪ .‬وكذلك الرداف في ال سّعي ‪ ،‬إن سعى ب عض ال سّعي وأردف الح جّ‬
‫على العمرة كره له ذلك ‪ .‬فإن فعل فليمض على سعيه ‪ ،‬فيحلّ ‪ ،‬ث ّم يستأنف الحجّ ‪ ،‬سواء أكان‬
‫ح ب عد الرّكوع وق بل ال سّعي أو في أثنائه‬
‫من أ هل مكّة أم غير ها ‪ .‬وح يث إ نّ الرداف لم ي ص ّ‬
‫فل يلزم قضاء الحرام الّذي أردفه على المشهور ‪.‬‬
‫ج على العمرة بعد السّعي للعمرة قبل الحلق ل يجوز القدام عليه ابتداءً ؛ لنّه‬
‫ج ‪ -‬إرداف الح ّ‬
‫ن إحرامه صحيح ‪ ،‬وهذا‬
‫يستلزم تأخير الحلق ‪ .‬فإن أقدم على إرداف الحرام في هذا الحال فإ ّ‬
‫ج ‪ ،‬ويلزمه هدي لتأخير حلق‬
‫ج مستأنف ‪ .‬ويحرم عليه الحلق للعمرة ‪ ،‬ل خلله بإحرام الح ّ‬
‫حّ‬
‫ج ‪ ،‬ول يكون قارنا ول متمتّعا ‪ ،‬إن أتمّ عمرته قبل‬
‫العمرة الّذي وجب عليه بسبب إحرامه بالح ّ‬
‫ج يكون متمتّعا ‪ .‬ولو قدّم‬
‫أشهر الح جّ ‪ ،‬بل يكون مفردا ‪ .‬وإن فعل بعض ركنها في وقت الح ّ‬
‫ج فل يفيده في سقوط الهدي ‪ ،‬ول بدّ من‬
‫ج وقبل فراغه من أعمال الح ّ‬
‫الحلق بعد إحرامه بالح ّ‬
‫الهدي ‪ ،‬وعليبه حينئذ فديبة أيضا ‪ .‬وهبي فديبة إزالة الذى عنبد المالكيّة ‪ .‬ومذهبب الشّافعيّة‬
‫والحنابلة أنّه ل يصحّ إدخال الح جّ على العمرة بعد الطّواف ‪ ،‬لما ذكرنا من العلّة في ال صّورة‬
‫ن الحنابلة ا ستثنوا من كان م عه هدي‬
‫ال سّابقة ‪ .‬وب عد ال سّعي ل ي صحّ ‪ ،‬من باب أولى ‪ .‬إلّ أ ّ‬
‫فقالوا ‪ « :‬ي صحّ إدخال الح جّ على العمرة ممّن م عه هدي ‪ ،‬ولو ب عد سعيها ‪ ،‬بل يلز مه ك ما‬
‫يأتي ؛ لنّه مضطرّ إليه لقوله تعالى ‪ { :‬ول تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه } ويصير‬
‫قارنا على المذ هب ‪ .‬وقال في الفروع ‪ ،‬وشرح المنت هى في مو ضع آ خر ‪ :‬ل ي صير قارنا ‪،‬‬
‫ح على المذهب ‪ ،‬لصحّة الحرام به‬
‫ج يص ّ‬
‫ج على العمرة في غير أشهر الح ّ‬
‫ولو كان إدخال الح ّ‬
‫قبلها عند الحنابلة ‪.‬‬
‫ثانيا إضافة إحرام العمرة إلى الحجّ‬
‫‪ - 28‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة ‪ -‬في الجديد وهو الصحّ في المذهب ‪ -‬والحنابلة إلى أنّه ل‬
‫ح إحرامه بالعمرة بعدما أحرم بالح جّ ‪ .‬وعلى ذلك ل يصير قارنا ‪ ،‬ول يلزمه دم القران ‪،‬‬
‫يص ّ‬
‫ول قضاء العمرة الّتي أهلّ بها ‪ .‬وبه قال إسحاق بن راهويه وأبو ثور وابن المنذر ‪ ،‬وصرّح‬
‫الحنفيّة والمالكيّة بكراهة هذا العمل ‪ ،‬لكن قال الحنفيّة بصحّة الحرام على تفصيل نذكره ‪.‬‬
‫ثالثا الحرام بحجّتين معا أو عمرتين معا‬
‫‪ - 29‬إن أحرم بحجّت ين أو عمرت ين انع قد بإحداه ما ول غت الخرى ‪ .‬وهذا مذ هب المالكيّة‬
‫ح الحرام بهما ‪ .‬وعلى‬
‫والشّافعيّة والحنابلة ؛ لنّهما عبادتان ل يلزمه المض يّ فيهما ‪ ،‬فلم يص ّ‬
‫هذا لو أفسبد حجّه أو عمرتبه لم يلزمبه إلّ قضاؤهبا ‪ .‬ومذهبب أببي حنيفبة أنّب الحرام ينعقبد‬
‫بهما ‪ ،‬وعليه قضاء إحداهما ؛ لنّه أحرم بها ولم يتمّها ‪ .‬وفي الموضوع تفصيلت وفروع ل‬
‫حاجة إلى إيرادها هنا لندرة وقوعها ‪ .‬الفصل الرّابع‬
‫حالت الحرام‬
‫‪ - 30‬ينق سم الحرام بح سب ما يق صد المحرم أداءه به من النّ سك إلى ثل ثة أق سام ‪ :‬الفراد‬
‫ج أو العمرة أو الجمع بين النّسكين ‪ ،‬وهو إمّا تمتّع أو قران ‪ .‬الفراد ‪ :‬هو اصطلحا ‪ :‬أن‬
‫للح ّ‬
‫يهلّ ‪ -‬أي ينوي ‪ -‬في إحرامه الحجّ فقط ‪ ،‬أو العمرة فقط ‪ .‬القران ‪ :‬القران عند الحنفيّة ‪ :‬هو‬
‫أن يج مع الفاق يّ ب ين الح جّ والعمرة متّ صلً أو منف صلً ق بل أك ثر طواف العمرة ‪ ،‬ولو من‬
‫مكّة ‪ ،‬ويؤدّي العمرة في أش هر الح جّ ‪ .‬وع ند المالكيّة ‪ :‬أن يحرم بالح جّ والعمرة معا ‪ ،‬بنيّة‬
‫الحجب عليهبا قببل‬
‫ّ‬ ‫واحدة ‪ ،‬أو نيّتيبن مرتّبتيبن يبدأ فيهمبا بالعمرة ‪ ،‬أو يحرم بالعمرة ويردف‬
‫طوافها أو بطوافها ‪ .‬وعند الشّافعيّة ‪ :‬القران أن يحرم بالعمرة والح جّ جميعا ‪ ،‬أو يحرم بعمرة‬
‫ج عليها قبل الطّواف ‪ .‬ومثل ذلك عند الحنابلة إلّ أنّهم لم يشترطوا‬
‫ج ثمّ يدخل الح ّ‬
‫في أشهر الح ّ‬
‫الحرام في أش هر الح جّ ‪ .‬التّمتّع ‪ :‬التّمتّع ع ند الحنفيّة ‪ :‬هو التّرفّق بأداء النّ سكين في أش هر‬
‫ج في سنة واحدة ‪ ،‬من غير إلمام بينهما بأهله إلماما صحيحا ‪ .‬واللمام الصّحيح ‪ :‬هو الّذي‬
‫الح ّ‬
‫يكون في حالة تحلّله من عمر ته ‪ ،‬وق بل شرو عه في حجّ ته ‪ .‬وع ند المالكيّة ‪ :‬التّمتّع هو أن‬
‫يحرم بعمرة ‪ ،‬ثمّب يحلّ منهبا فبي أشهبر الحجّب ‪ ،‬ثمّب يحجّب بعدهبا ‪ .‬وعنبد الشّافعيّة ‪ :‬أن يحرم‬
‫بالعمرة من ميقات بلده ويفرغ منها ث مّ ينشئ حجّا ‪ .‬وعند الحنابلة ‪ :‬أن يحرم بعمرة في أشهر‬
‫ج من أين شاء بعد فراغه منها ‪.‬‬
‫ج ثمّ يحرم بالح ّ‬
‫الح ّ‬
‫واجبات الحرام ‪:‬‬
‫‪ - 31‬تنح صر واجبات الحرام في أمر ين أ ساسيّين ‪ :‬الوّل ‪ :‬كون الحرام من الميقات ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬صون الحرام عن المحظورات ‪ .‬وتفصيل ذلك فيما يلي ‪ :‬الفصل الرّابع‬
‫مواقيت الحرام‬
‫‪ - 32‬الميقات ‪ :‬من التّوقيت ‪ ،‬وهو ‪ :‬أن يجعل للشّيء وقت يخت صّ به ‪ ،‬ث مّ اتّسع فيه فأطلق‬
‫على المكان ‪ .‬ويطلق على الحدّ المحدّد للشّيء ‪ .‬وفي الصطلح ‪ :‬عرّفوا المواقيت بأنّها ‪« :‬‬
‫ن للحرام نوعين من الميقات ‪:‬‬
‫مواضع وأزمنة معيّنة لعبادة مخصوصة » ‪ .‬ومنه يعلم أ ّ‬
‫النّوع الوّل ‪ :‬الميقات الزّمانيّ ‪.‬‬
‫بالحجب ‪ ،‬أو‬
‫ّ‬ ‫ّمانيب إم ّا أن يكون ميقاتا للحرام‬
‫ّ‬ ‫المكانيب ‪ .‬الميقات الز‬
‫ّ‬ ‫النّوع الثّانبي ‪ :‬الميقات‬
‫للحرام بالعمرة ‪.‬‬
‫فينقسم قسمين ‪:‬‬
‫ل ‪ :‬الميقات الزّمانيّ للحرام بالحجّ ‪:‬‬
‫أ ّو ً‬
‫‪ - 33‬ذهب الئمّة الثّلثة أبو حنيفة والشّافع يّ وأحمد وأصحابهم إلى أ نّ وقت الحرام بالح جّ‬
‫شوّال وذو القعدة وعشر من ذي الحجّة ‪ .‬وهو مذهب جمهور الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم ‪.‬‬
‫ج شوّال وذو القعدة وش هر ذي الحجّة إلى آخره ‪ .‬ول يس المراد‬
‫وذ هب مالك إلى أ نّ و قت الح ّ‬
‫أ نّ جميع هذا الزّمن الّذي ذكروه وقت لجواز الحرام ‪ ،‬بل المراد أ نّ بعض هذا الزّمن وقت‬
‫لجواز ابتداء الحرام ‪ ،‬وهو من شوّال لطلوع فجر يوم النّحر ‪ ،‬وبعضه وقت لجواز التّحلّل ‪،‬‬
‫وهو من فجر يوم النّحر لخر ذي الحجّة ‪ .‬وعلى هذا فالميقات الزّمان يّ بالنّسبة للحرام متّفق‬
‫عليه ‪ ،‬إنّما مرتّب على مذهب المالكيّة جواز تأخير الحلل إلى آخر ذي الحجّة ‪ ،‬كما سيأتي‬
‫‪ .‬وهذا الّذي ذهب إليه المالكيّة " قد حكي أيضا عن طاوس ‪ ،‬ومجاهد ‪ ،‬وعروة بن الزّب ير ‪،‬‬
‫ج أش هر معلومات ف من‬
‫والرّب يع بن أ نس ‪ ،‬وقتادة » ‪ .‬وال صل للفريق ين قوله تعالى ‪ { :‬الح ّ‬
‫ن المراد‬
‫ج } فالجمهور فسّروا الية بأ ّ‬
‫ج فل رفث ول فسوق ول جدال في الح ّ‬
‫ن الح ّ‬
‫فرض فيه ّ‬
‫ن أركان الح جّ تؤدّى‬
‫ل ل هم أ ّ‬
‫شهران وب عض الثّالث ‪ .‬وا ستدلّوا بالثار عن ال صّحابة ‪ .‬ك ما يد ّ‬
‫خلل تلك الفترة ‪ .‬وأمّا المالكيّة فدليل هم وا ضح ‪ ،‬و هو ظا هر ال ية ؛ لنّ ها عبّرت بالج مع "‬
‫أشهر " وأقلّ الجمع ثلث ‪ ،‬فل بدّ من دخول ذي الحجّة بكماله ‪ .‬ث مّ اختلف الجمهور في نهار‬
‫يوم النّحر هل هو من أشهر الح جّ أو ل ‪ .‬فقال الحنفيّة والحنابلة ‪ :‬هو من أشهر الح جّ ‪ .‬وقال‬
‫ج ليلة يوم النّ حر ‪ .‬و هو مرو يّ عن أ بي يو سف ‪ .‬و في و جه ع ند‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬آ خر أش هر الح ّ‬
‫الشّافعيّة في ليلة النّ حر أنّ ها لي ست من أش هر الح جّ ‪ .‬والوّل هو ال صّحيح المشهور ‪ .‬ا ستدلّ‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم وقف يوم النّحر بين‬
‫الحنفيّة والحنابلة بحديث ابن عمر « أ ّ‬
‫الجمرات في الحجّة الّ تي ح جّ فقال ‪ :‬أ يّ يوم هذا ؟ قالوا ‪ :‬يوم النّ حر ‪ .‬قال ‪ :‬هذا يوم الح جّ‬
‫الكبر » أخرجه أبو داود وابن ماجه ‪ .‬قالوا ‪ :‬ول يجوز أن يكون يوم الح جّ الكبر ليس من‬
‫أشهره ‪ .‬ويشهد له حديث بعث أبي بكر أبا هريرة يؤذّن في النّاس يوم النّحر أن ل يح جّ بعد‬
‫ج الكبر‬
‫العام مشرك ‪ ،‬فإنّه امتثال لقوله تعالى ‪ { :‬وأذان من اللّه ور سوله إلى النّاس يوم الح ّ‬
‫ن يوم النّ حر ف يه ر كن الح جّ ‪،‬‬
‫‪ } . . .‬والحد يث متّ فق عل يه ‪ .‬واحتجّوا بالدّل يل المعقول ؛ ل ّ‬
‫الحجب ‪ ،‬منهبا ‪ :‬رمبي جمرة العقببة ‪ ،‬والنّحبر ‪،‬‬
‫ّ‬ ‫وهبو طواف الزّيارة ‪ ،‬وفيبه كثيبر مبن أفعال‬
‫والحلق ‪ ،‬والطّواف ‪ ،‬وال سّعي ‪ ،‬والرّجوع إلى منًى ‪ .‬وم ستبعد " أن يو ضع لداء ر كن عبادة‬
‫وقت ليس وقتها ‪ ،‬ول هو منه " واستدلّ الشّافعيّة برواية نافع عن ابن عمر أنّه قال ‪ « :‬أشهر‬
‫ج شوّال وذو القعدة وعشر من ذي الحجّة " أي عشر ليال ‪ .‬وعن ابن مسعود وابن عبّاس‬
‫الح ّ‬
‫وابن الزّبير مثله ‪ .‬رواها كلّها البيهق يّ ‪ ،‬وصحّح الرّواية عن ابن عبّاس ‪ .‬ورواية ابن عمر‬
‫صحيحة ‪.‬‬
‫أحكام الميقات الزّمانيّ للحجّ ‪:‬‬
‫ج قبل أش هر الح جّ ‪،‬‬
‫ح الحرام بالح ّ‬
‫‪ - 34‬أ ‪ -‬ذ هب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّه ي ص ّ‬
‫وينع قد حجّا ‪ ،‬ل كن مع الكرا هة ‪ .‬و هو قول إبراه يم النّخع يّ ‪ ،‬و سفيان الثّور يّ ‪ ،‬وإ سحاق بن‬
‫ج قبل أشهره ‪ ،‬فلو‬
‫راهويه ‪ ،‬واللّيث بن سعد ‪ .‬وذهب الشّافعيّة إلى أنّه ل ينعقد الحرام بالح ّ‬
‫أحرم به ق بل هلل شوّال لم ينع قد حجّا ‪ ،‬وانع قد عمر ًة على ال صّحيح عندهم ‪ .‬وبه قال عطاء‬
‫وطاوس ومجاهد وأبو ثور ‪.‬‬
‫ب أشهبر معلومات } وقبد تنازع الفريقان‬
‫‪ - 35‬والصبل فبي المسبألة قوله تعالى ‪ { :‬الحج ّ‬
‫الستدلل بها ‪ ،‬وأيّد كلّ فريق وجهته بدلئل أخرى ‪ .‬وهو خلف وقع بين أهل العربيّة أيضا‬
‫‪ .‬اسبتدلّ الثّلثبة بأنّب معنبى اليبة ‪ :‬الحجّب ( حجّب ) أشهبر معلومات ‪ ،‬فعلى هذا التّقديبر يكون‬
‫ج في ها أك مل من الحرام به في ما عدا ها ‪ ،‬وإن كان ذاك صحيحا ؛ ولنّه أ حد‬
‫الحرام بالح ّ‬
‫نسبكي القران ‪ ،‬فجاز الحرام ببه فبي جميبع السبّنة كالعمرة ‪ ،‬أو ‪ :‬أحبد الميقاتيبن ‪ ،‬فصبحّ‬
‫الحرام قبله ‪ ،‬كميقات المكان ‪ .‬ووجّه الحنفيّة الم سألة بنا ًء على مذهب هم بأنّه شرط عند هم ‪،‬‬
‫ل الشّافعيّة‬
‫فأشبه الطّهارة في جواز التّقديم على الوقت ‪ ،‬وثبتت الكراهة لشبهه بالرّكن ‪ .‬واستد ّ‬
‫بقوله تعالى ‪ { :‬الحجّب أشهبر معلومات } ‪ .‬ووجبه السبتدلل أنّب ظاهره التّقديبر الخبر الّذي‬
‫ج أش هر معلومات ) فخ صّصه ب ها من ب ين سائر شهور‬
‫ذ هب إل يه النّحاة ‪ ،‬و هو ( و قت الح ّ‬
‫ن الحرام‬
‫ال سّنة ‪ ،‬فدلّ على أنّه ل ي صحّ قبل ها ‪ ،‬كميقات ال صّلة ‪ .‬وا ستدلّوا من المعقول ‪ :‬بأ ّ‬
‫ج ‪ ،‬فكان مؤقّتا ‪ ،‬كالوقوف والطّواف ‪.‬‬
‫نسك من مناسك الح ّ‬
‫ج قبل أشهر الحجّ لم يجزه ‪ ،‬حتّى‬
‫‪ - 36‬اتّفقوا بعد هذا على أنّه لو فعل أيّ شيء من أفعال الح ّ‬
‫الحجب ل يجوز ‪ ،‬وكذا السبّعي بيبن الصبّفا‬
‫ّ‬ ‫لو صبام المتمتّع أو القارن ثلثبة أيّام قببل أشهبر‬
‫ج إلّ فيها ‪.‬‬
‫والمروة عقب طواف القدوم ل يقع عن سعي الح ّ‬
‫ثانيا ‪ :‬الميقات الزّمانيّ للحرام بالعمرة ‪:‬‬
‫ي هو جميع العام ‪ ،‬فيصحّ أن تفعل في جميع السّنة ‪،‬‬
‫‪ - 37‬اتّفقوا على أنّ ميقات العمرة الزّمان ّ‬
‫وينع قد إحرامها ‪ ،‬وذلك لعدم المخ صّص ل ها بو قت دون و قت ‪ .‬وكذلك قرّروا أنّها أفضل في‬
‫شهر رمضان منها في غيره ‪ .‬وعبّر الحنفيّة بقولهم ‪ « :‬تندب في رمضان " ‪ ،‬لقوله صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬عمرة في رمضان تقضي حجّةً » ‪ .‬متّفق عليه ‪.‬‬
‫‪ - 38‬ث مّ اختلفوا في أوقات يكره فيها الحرام بالعمرة أو ل يكره ‪ .‬وهي ‪ :‬أ ‪ -‬يوم عرفة‬
‫ويوم النّحر وأيّام التّشريق ‪ :‬ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى عدم الكراهة فيها ‪ ،‬لكن قال‬
‫الرّمليّ الشّافعيّ ‪ « :‬وهي في يوم عرفة والعيد وأيّام التّشريق ليست كفضلها في غيرها ؛ لنّ‬
‫ن الصل عدم الكراهة ‪ ،‬ول دليل عليها‬
‫ج فيها » ‪ .‬واستدلّوا لعدم الكراهة بأ ّ‬
‫الفضل فعل الح ّ‬
‫ن العمرة تكره تحريما يوم عرفة وأربعة أيّام بعده ‪ ،‬حتّى يجب الدّم على‬
‫‪ .‬وذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫من فعلها في ذلك عندهم ‪ .‬واستدلّوا بقول عائشة رضي ال عنها ‪ :‬حلّت العمرة في السّنة كلّها‬
‫إلّ أربعة أيّام ‪ :‬يوم عرفة ‪ ،‬ويوم النّحر ويومان بعد ذلك أخرجه البيهق يّ » ‪ .‬ول نّ هذه اليّام‬
‫ج ‪ ،‬والعمرة فيها تشغلهم عن ذلك ‪ ،‬وربّما يقع الخلل فيه فتكره » ‪.‬‬
‫أيّام شغل بأداء الح ّ‬
‫ب ‪ -‬ا ستثنى المالكيّة المحرم بالح جّ من سعة الو قت للحرام بالعمرة ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬الحا جّ و قت‬
‫ج ‪ ،‬وذلك " بالفراغ من جميع أفعاله من طواف وسعي‬
‫إحرامه بالعمرة من وقت تحلّله من الح ّ‬
‫ن هذا ينتظر إلى أن‬
‫ورمي اليوم الرّابع ‪ ،‬أو قدر رميه لمن تعجّل فنفر في ثالث أيّام النّحر ‪ ،‬فإ ّ‬
‫يمضي ‪ -‬بعد الزّوال من اليوم الرّابع ‪ -‬ما يسع الرّمي حتّى يبدأ وقت الحرام له للعمرة » ‪.‬‬
‫وبنا ًء على ذلك قرّر المالكيّة ‪ :‬إن أحرم بالعمرة ق بل ذلك الّذي ذكرناه لم ينع قد إحرا مه ‪ ،‬وأنّه‬
‫الحجب وقببل غروب شمبس اليوم‬
‫ّ‬ ‫يكره الحرام بالعمرة بعبد التّحلّل بالفراغ مبن جميبع أفعال‬
‫الرّابع ‪.‬‬

‫الميقات المكانيّ‬
‫الميقات المكانيّ ينقسم قسمين ‪:‬‬
‫ج ‪ ،‬وميقات مكانيّ للحرام بالعمرة ‪.‬‬
‫ميقات مكانيّ للحرام بالح ّ‬
‫ل ‪ :‬الميقات المكانيّ للحرام بالحجّ ‪:‬‬
‫أ ّو ً‬
‫ي للحرام بالحجّ باختلف مواقع النّاس ‪ ،‬فإنّهما في حقّ المواقيت‬
‫‪ - 39‬يختلف الميقات المكان ّ‬
‫المكانيّة على أربعة أصناف ‪ ،‬وهي ‪:‬‬
‫الصّنف الوّل ‪ :‬الفاقيّ ‪.‬‬
‫الصّنف الثّاني ‪ :‬الميقاتيّ ‪.‬‬
‫الصّنف الثّالث ‪ :‬الحرميّ ‪.‬‬
‫ال صّنف الرّابع ‪ :‬المكّ يّ ‪ ،‬ويشترك مع الحرم يّ في أكثر من وجه ‪ ،‬فيكونان مسألةً واحد ًة ‪ .‬ث مّ‬
‫صنف خامس ‪ :‬هو من تغيّر مكانه ‪ ،‬ما ميقاته ؟ ‪.‬‬
‫ميقات الفاقيّ ‪ :‬وهو من منزله خارج منطقة المواقيت ‪.‬‬
‫‪ - 40‬اتّفق العلماء على تقرير الماكن التية مواقيت لهل الفاق المقابلة لها ‪ ،‬وهذه الماكن‬
‫هي ‪ :‬أ ‪ -‬ذو الحليفة ‪ :‬ميقات أهل المدينة ‪ ،‬ومن مرّ بها من غير أهلها ‪ .‬وتسمّى الن " آبار‬
‫عليّ " فيما اشتهر لدى العامّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الجحفة ‪ :‬ميقات أهل الشّام ‪ ،‬ومن جاء من قبلها من مصر ‪ ،‬والمغرب ‪ .‬ويحرم الحجّاج‬
‫من " رابغ " ‪ ،‬وتقع قبل الجحفة ‪ ،‬إلى جهة البحر ‪ ،‬فالمحرم من " رابغ " محرم قبل الميقات ‪.‬‬
‫ن الحرام منها أحوط لعدم التّيقّن بمكان الجحفة ‪.‬‬
‫وقد قيل إ ّ‬
‫ج ‪ -‬قرن المنازل ‪ :‬ويقال له " قرن " أيضا ‪ ،‬ميقات أهبل نجبد ‪ ،‬و " قرن " جببل مطلّ على‬
‫عرفات ‪ .‬وهو أقرب المواقيت إلى مكّة ‪ ،‬وتسمّى الن " السّيل » ‪.‬‬
‫د ‪ -‬يلملم ‪ :‬ميقات باقي أهل اليمن وتهامة ‪ ،‬والهند ‪ .‬وهو جبل من جبال تهامة ‪ ،‬جنوب مكّة‬
‫‪.‬‬
‫هب ‪ -‬ذات عرق ‪ :‬ميقات أهل العراق ‪ ،‬وسائر أهل المشرق ‪ .‬أدلّة تحديد مواقيت الفاق ‪:‬‬
‫سنّة فأحاديث كثيرة‬
‫سنّة والجماع ‪ :‬أ ‪ -‬أمّا ال ّ‬
‫‪ - 41‬والدّليل على تحديدها مواقيت للحرام ال ّ‬
‫ن رسول اللّه صلى‬
‫نذكر منها هذين الحديثين ‪ :‬حديث ابن عبّاس رضي ال عنهما قال « ‪ :‬إ ّ‬
‫ال عليبه وسبلم وق ّت لهبل المدينبة ذا الحليفبة ‪ ،‬ولهبل الشّام الجحفبة ‪ ،‬ولهبل نجبد قرن‬
‫ن من غير أهله نّ ‪ ،‬ممّن أراد الح جّ‬
‫المنازل ‪ ،‬ولهل اليمن يلملم ‪ .‬ه نّ له نّ ؛ ولمن أتى عليه ّ‬
‫والعمرة ‪ .‬و من كان دون ذلك ف من ح يث أن شأ ‪ ،‬حتّى أ هل مكّة من مكّة » ‪ .‬متّ فق عل يه ‪.‬‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬يهلّ‬
‫وحديث عبد اللّه بن عمر رضي ال عنهما أ ّ‬
‫أهل المدينة من ذي الحليفة ‪ ،‬وأهل الشّام من الجحفة ‪ ،‬وأهل نجد من قرن ‪ .‬قال عبد اللّه ‪-‬‬
‫ل أهل اليمن من يلملم‬
‫يعني ابن عمر ‪ -‬وبلغني أ نّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ :‬ويه ّ‬
‫» ‪ .‬متّفق عليه فهذه نصوص في المواقيت عدا ذات عرق ‪ .‬وقد اختلف في دليل توقيت ذات‬
‫ص أم بالجتهاد والجماع ‪ .‬فقال جماعة من العلماء ومنهم الشّافع يّ ومالك‬
‫عرق هل وقّت بالنّ ّ‬
‫ث بت باجتهاد ع مر ر ضي ال ع نه وأقرّه ال صّحابة ‪ ،‬فكان إجماعا ‪ .‬و صحّح الحنفيّة والحنابلة‬
‫وجمهور الشّافعيّة أ نّ توق يت ذات عرق من صوص عل يه من النّبيّ صلى ال عل يه و سلم وأ نّ‬
‫عمر رضي ال عنه لم يبلغه تحديد النّبيّ صلى ال عليه وسلم فحدّده باجتهاده فوافق النّصّ ‪.‬‬
‫ّوويب فبي المجموع ‪ « :‬قال اببن المنذر‬
‫ّ‬ ‫ب ‪ -‬وأمّا دللة الجماع على هذه المواقيبت فقال الن‬
‫وغيره ‪ :‬أجمع العلماء على هذه المواقيت » ‪ .‬وقال أبو عمر بن عبد البرّ ‪ « :‬أجمع أهل العلم‬
‫على أنّ إحرام العراقيّ من ذات عرق إحرام من الميقات » ‪.‬‬
‫أحكام تتعلّق بالمواقيت ‪:‬‬
‫الحجب أو‬
‫ّ‬ ‫‪ - 42‬منهبا ‪ :‬أ ‪ -‬وجوب الحرام منهبا لمبن م ّر بالميقات قاصبدا أحبد النّسبكين ‪،‬‬
‫العمرة ‪ ،‬وتحريبم تأخيبر الحرام عنهبا بالجماع ‪ .‬والحرام مبن أوّل الميقات ‪ ،‬أي الطّرف‬
‫البعد من مكّة أفضل ‪ ،‬حتّى ل يمرّ بشيء ممّا يسمّى ميقاتا غير محرم ‪ .‬ولو أحرم من آخره‬
‫أي الطّرف القرب إلى مكّة جاز اتّفاقا ‪ ،‬لحصول السم ‪.‬‬
‫‪ - 43‬ب ‪ -‬من مرّ بالمواقيت يريد دخول الحرم لحاجة غير النّسك اختلف فيه ‪ :‬ذهب الحنفيّة‬
‫والمالكيّة والحنابلة إلى أنّه يجبب عليبه الحرام لدخول مكّة أو الحرم المعظّم المحيبط بهبا ‪،‬‬
‫وعليه العمرة إن لم يكن محرما بالحجّ ‪ .‬وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إذا قصد مكّة أو منطقة الحرم‬
‫لحاجة ل للنّسك جاز له ألّ يحرم ‪ ( .‬انظر الدلّة وفروع المسألة في مصطلح « حرم » ) ‪.‬‬
‫‪ - 44‬ج ‪ -‬العتبار فبي هذه المواقيبت بتلك المواضبع ‪ ،‬ل باسبم القريبة والبناء ‪ .‬فلو خرب‬
‫البناء في الميقات ونقلت عمارته إلى موضع آخر قريب منه وسمّي باسم الوّل لم يتغيّر الحكم‬
‫‪ ،‬بل العتبار بموضع الوّل ‪.‬‬
‫‪ - 45‬د ‪ -‬ل يشترط أن يحرم من هذه المواقيت بأعيانها ‪ ،‬بل يكفي أن يحرم منها بذاتها ‪ ،‬أو‬
‫من حذوها ‪ ،‬أي محاذاتها ومقابلتها ‪ ،‬وذلك لما سبق في توقيت ذات عرق ‪ ،‬أ نّ عمر رضي‬
‫ال عنبه أخبذ فبي توقيتهبا بالمحاذاة ‪ ،‬وأقرّ على ذلك ‪ .‬فدلّ على اتّفاق الصبّحابة على الخبذ‬
‫بقاعدة المحاذاة ‪.‬‬
‫فروع ‪ :‬تفرّع على ذلك ‪:‬‬
‫‪ - 46‬من سلك طريقا ل يس ف يه ميقات معيّن ‪ ،‬برّا أو بحرا أو جوّا ‪ ،‬اجت هد وأحرم إذا حاذى‬
‫ل يجاوز الميقات غيبر‬
‫ميقاتا مبن هذه المواقيبت المذكورة ‪ .‬وينبغبي أن يأخبذ بالحتياط لئ ّ‬
‫محرم ‪ ،‬وخ صوصا را كب الطّائرة ‪ - 47 .‬إن لم يعلم المحاذاة فإنّه يحرم على مرحلت ين من‬
‫مكّة ‪ .‬اعتبارا بم سافة أقرب المواق يت ‪ ،‬فإنّه على ب عد مرحلت ين من مكّة ‪ .‬وعلى ذلك قرّروا‬
‫ن جدّة تد خل في المواق يت ؛ لنّ ها أقرب إلى مكّة من قرن المنازل ‪ - 48‬وتفرّع على ذلك‬
‫أ ّ‬
‫م سألة من يمرّ بميقات ين ‪ ،‬كالشّام يّ إذا قدم من المدي نة ‪ ،‬والمدن يّ ‪ ،‬فإنّه إذا مرّ بالجح فة يمرّ‬
‫بميقات ين ف من أ يّ الميقات ين يحرم ؟ ذ هب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ي جب عل يه أن يحرم من‬
‫الميقات الب عد ‪ ،‬كأ هل الشّام وم صر والمغرب ‪ ،‬ميقات هم الجح فة ‪ ،‬فإذا مرّوا بالمدي نة و جب‬
‫علي هم الحرام من ذي الحلي فة ميقات أ هل المدي نة ‪ ،‬وإذا جاوزوه غ ير محرم ين حتّى الجح فة‬
‫ن من يمرّ بميقاتين‬
‫كان حكمهم حكم من جاوز الميقات من غير إحرام ‪ .‬وذهب المالكيّة إلى أ ّ‬
‫الثّاني منهما ميقاته ندب له الحرام من الوّل ‪ ،‬ول يجب عليه الحرام منه ؛ لنّ ميقاته أمامه‬
‫ن من يمرّ بميقات ين فالف ضل له الحرام من الوّل ‪ ،‬ويكره له تأخيره‬
‫‪ .‬وذ هب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫إلى الثّانبي القرب إلى مكّة ‪ .‬ولم يقيّدوه ‪ -‬فبي الصبحّ عندهبم ‪ -‬بأن يكون الميقات الثّانبي‬
‫ميقاتا له ‪ .‬استدلّ الشّافعيّة والحنابلة بحديث المواقيت ؛ لقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬هنّ لهنّ‬
‫ن الشّام يّ مثلً إذا أتى ذا‬
‫؛ ولمن أتى عليه نّ من غير أهله نّ » ‪ ،‬فإ نّ هذا بعمومه يدلّ على أ ّ‬
‫الحليفة فهو ميقاته ‪ ،‬يجب عليه أن يحرم منه ‪ .‬ول يجوز له أن يجاوزه غير محرم ‪ .‬واستدلّ‬
‫المالكيّة والحنفيّة بعموم التّوق يت ل هل المنا طق المذكورة ‪ ،‬إلى جا نب العموم الّذي ا ستدلّ به‬
‫الشّافعيّة ‪ ،‬فيحصل من ذلك له جواز المرين ‪ .‬فأخذ الحنفيّة بالعموم على ظاهره في العبارتين‬
‫ن ابن عمر أهلّ‬
‫ي الميقاتين ‪ ،‬مع كراهة التّأخير ‪ ،‬ويدلّ لهم ما ثبت أ ّ‬
‫‪ ،‬وجوّزوا الحرام من أ ّ‬
‫من الفرع وهو موضع بين ذي الحليفة ومكّة ‪ .‬وخ صّ المالكيّة ذلك بغير المدن يّ ‪ .‬ويشهد لهم‬
‫فعل النّبيّ صلى ال عليه وسلم وال صّحابة ‪ ،‬فإنّهم أحرموا من ذي الحليفة ‪ .‬وهو محمول عند‬
‫ن المقصود من الميقات‬
‫ل للحنفيّة والمالكيّة من جهة النّظر ‪ :‬أ ّ‬
‫الحنفيّة على فعل الفضل ‪ .‬ويد ّ‬
‫بأيب ميقات اعتببره الشّرع المكرّم ‪ ،‬يسبتوي القريبب‬
‫ّ‬ ‫تعظيبم الحرم المحترم ‪ ،‬وهبو يحصبل‬
‫والبع يد في هذا المع نى ‪ - 49 .‬التّقدّم بالحرام على المواق يت المكانيّة جائز بالجماع ‪ ،‬وإنّ ما‬
‫حدّدت لمنع مجاوزتها بغير إحرام ‪ .‬لكن اختلف هل الفضل التّقدّم عليها ‪ ،‬أو الحرام منها ‪:‬‬
‫فذ هب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يكره له الحرام ق بل الميقات ‪ .‬وذ هب الحنفيّة إلى‬
‫أنّب تقديبم الحرام على الميقات المكانيّب أفضبل ‪ ،‬إذا أمبن على نف سه مخالفبة أحكام الحرام ‪.‬‬
‫ي صلى ال عليه وسلم وأصحابه أحرموا من الميقات ‪ ،‬ول يفعلون إلّ‬
‫استدلّ الوّلون بأ نّ النّب ّ‬
‫ج ق بل أشهره ‪ ،‬فيكون مثله في الكرا هة ‪ .‬وا ستدلّ الحنفيّة‬
‫الف ضل ‪ .‬وبأنّه يشبّه الحرام بالح ّ‬
‫ن ر سول اللّه صلى ال عل يه‬
‫ب ما أخرج أ بو داود وا بن ما جه عن أ مّ سلمة ر ضي ال عن ها أ ّ‬
‫وسلم قال ‪ « :‬من أهلّ من المسجد القصى بعمرة أو حجّة غفر له » ‪ .‬وسئل عل يّ رضي ال‬
‫ع نه عن قوله تعالى ‪ { :‬وأتمّوا الح جّ والعمرة للّه } فقال ‪ :‬أن تحرم من دويرة أهلك أخر جه‬
‫الحاكم وصحّحه ‪ .‬واستدلّوا من حيث النّظر بأ نّ " المشقّة فيه أكثر ‪ ،‬والتّعظيم أوفر " فيكون‬
‫أفضل ‪.‬‬
‫ج أو العمرة أو القران ‪ ،‬و هو غ ير محرم ‪ ،‬أ ثم ‪ ،‬وي جب‬
‫‪ - 50‬من جاوز الميقات قا صدا الح ّ‬
‫عل يه العود إل يه والحرام م نه ‪ .‬فإن لم ير جع و جب عل يه الدّم سواء ترك العود بعذر أو بغ ير‬
‫عذر ‪ ،‬وسبواء كان عالما عامدا أو جاهلً أو ناسبيا ‪ .‬لكبن مبن ترك العود لعذر ل يأثبم بترك‬
‫ّاقب ‪ ،‬أو‬
‫الرّجوع ‪ .‬ومبن العذر خوف فوات الوقوف بعرفبة لضيبق الوقبت ‪ ،‬أو المرض الش ّ‬
‫خوف فوات الرّفقة ‪ .‬وذلك موضع وفاق بين المذاهب ‪.‬‬

‫ي)‪:‬‬
‫ي ( البستان ّ‬
‫ميقات الميقات ّ‬
‫‪ - 51‬الميقات يّ هو الّذي يسكن في مناطق المواقيت ‪ ،‬أو ما يحاذيها ‪ ،‬أو في مكان دونها إلى‬
‫الحرم المحيط بمكّة كقديد ‪ ،‬وعسفان ‪ ،‬وم ّر الظّهران ‪ .‬مذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أ نّ‬
‫ميقات إحرام المكان يّ للح جّ هو موض عه ‪ ،‬إلّ أ نّ المالكيّة قالوا ‪ « :‬يحرم من داره ‪ ،‬أو من‬
‫مسجده ‪ ،‬ول يؤخّر ذلك » ‪ .‬والحسن أن يحرم من أبعدهما من مكّة ‪ .‬وقال الشّافعيّة والحنابلة‬
‫ميقا ته القر ية الّ تي ي سكنها ‪ ،‬إن كان قرويّا ‪ ،‬أو المحلّة الّ تي ينزل ها إن كان بدويّا ‪ ،‬فإن جاوز‬
‫القر ية وفارق العمران إلى مكّة ث مّ أحرم كان آثما ‪ ،‬وعل يه الدّم لل ساءة ‪ ،‬فإن عاد إلي ها سقط‬
‫الدّم ‪ ،‬على التّفصبيل الّذي سببق ‪ ،‬وبيان المذاهبب فيبه ‪ .‬وكذا إذا جاوز الخيام إلى جهبة مكّة‬
‫غير محرم ‪ ،‬وإن كان في ب ّريّة منفردا أحرم من منزله ‪ .‬ويستحبّ أن يحرم من طرف القرية‬
‫أو المحلّة الب عد عن مكّة ‪ ،‬وإن أحرم من الطّرف القرب جاز ‪ .‬ومذ هب الحنفيّة أ نّ ميقا ته‬
‫ل أي جم يع الم سافة من الميقات إلى انتهاء الحلّ ‪ ،‬ول يلز مه كفّارة ‪ ،‬ما لم يد خل‬
‫منط قة الح ّ‬
‫أرض الحرم بل إحرام ‪ .‬وإحرامه من دويرة أهله أفضل ‪ .‬استدلّ الجميع بقوله صلى ال عليه‬
‫و سلم في حد يث المواق يت ‪ « :‬و من كان دون ذلك ف من ح يث أن شأ » ‪ ،‬فحمله المالكيّة على‬
‫ن أ هل مكّة يأتون‬
‫ن الم سجد وا سع للحرام " ؛ لنّه مو ضع ال صّلة ؛ ول ّ‬
‫منزله ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫المسجد فيحرمون منه ‪ ،‬وكذلك أهل ذي الحليفة يأتون مسجدهم » ‪ .‬وف سّره الشّافعيّة والحنابلة‬
‫بالقر ية والمحلّة الّتي يسكنها ؛ لنّه أنشأ منها ‪ .‬وقال الحنفيّة ‪ « :‬إ نّ خارج الحرم كلّه كمكان‬
‫واحد في ح قّ الميقات يّ ‪ ،‬والحرم في حقّه كالميقات في ح قّ الفاق يّ ‪ ،‬فل يدخل الحرم إذا أراد‬
‫ج أو العمرة إلّ محرما » ‪.‬‬
‫الح ّ‬
‫ميقات الحرميّ والم ّكيّ ‪:‬‬
‫‪ - 52‬أ ‪ -‬اتّفقت المذاهب على أنّ من كان من هذين الصّنفين ‪ ،‬بأن كان منزله في الحرم ‪ ،‬أو‬
‫في مكّة ‪ ،‬سواء أكان م ستوطنا ‪ ،‬أم نازلً ‪ ،‬فإنّه يحرم بالح جّ من ح يث أن شأ ‪ ،‬ل ما سبق في‬
‫الحديث ‪ « :‬فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتّى أهل مكّة من مكّه » ‪.‬‬
‫ن من كان م ّكيّا ‪ ،‬أو منزله في الحرم ‪،‬‬
‫ب ‪ -‬ث ّم اختلفوا في تفا صيل ذلك ‪ .‬فمذ هب الحنفيّة أ ّ‬
‫ك سكّان منًى ‪ ،‬فوق ته الحرم للح جّ وللقران ‪ .‬و من الم سجد أف ضل ‪ ،‬أو من دويرة أهله ‪ ،‬و هو‬
‫ل من‬
‫قول ع ند الشّافعيّة بالنّ سبة للمكّ يّ ف قط ‪ .‬وهذا على سبيل الوجوب عند هم ‪ ،‬فلو أنّه أه ّ‬
‫خارج منط قة الحرم ‪ ،‬لز مه العود إلى الحرم ‪ ،‬وإلّ و جب عل يه الدّم ‪ .‬ودليله حد يث جابر في‬
‫بالحجب » ‪.‬‬
‫ّ‬ ‫حجّة الوداع ‪ « :‬فأهللنبا مبن البطبح » وحديثبه ‪ « :‬وجعلنبا مكّة بظهبر أهللنبا‬
‫ل بالحجّ‬
‫أخرجهما مسلم ‪ ،‬وعلّقهما البخاريّ بصيغة الجزم ‪ .‬ومذهب المالكيّة التّفرقة بين من أه ّ‬
‫ل بالقران ‪ ،‬فجعلوا ميقات القران ميقات العمرة التي تفصيله ‪ ،‬وهو قول عند الشّافعيّة‬
‫ومن أه ّ‬
‫ل بالحجّ وهو من سكّان مكّة أو الحرم فإمّا أن يكون مستوطنا ‪ ،‬أو آفاقيّا نازلً ‪:‬‬
‫‪ .‬وأمّا من أه ّ‬
‫أمّا المسبتوطن فإنّه يندب له أن يحرم مبن مكّة ‪ ،‬ومبن المسبجد الحرام أفضبل ‪ ،‬وإن تركهبا‬
‫ل فخلف الولى ‪ ،‬ول إثم ‪ ،‬فل يجب الحرام من مكّة ‪ .‬وأمّا الفاقيّ‬
‫وأحرم من الحرم أو الح ّ‬
‫فإن كان له سعة من الو قت ‪ -‬وعبّروا ع نه ب " ذي النّ فس " ‪ -‬فيندب له الخروج إلى ميقا ته‬
‫والحرام م نه ‪ .‬وإن لم ي كن له سعة من الوقت ف هو كالم ستوطن ‪ .‬ومذ هب الشّافعيّة والحنابلة‬
‫ن الحرم يّ ( الّذي ليس بمكّة ) حكمه حكم الميقات يّ ‪ .‬وأمّا المكّ يّ ‪ :‬أي المقيم بمكّة ولو كان‬
‫أ ّ‬
‫ح ‪ :‬أ نّ‬
‫غيبر مكّ يّ ‪ ،‬فعنبد الشّافعيّة وجهان فبي ميقات الح جّ له ‪ ،‬مفردا كان أو قارنا ‪ :‬الصب ّ‬
‫ميقاته نفس مكّة ‪ ،‬لما سبق في الحديث ‪ « :‬حتّى أهل مكّة من مكّة » ‪ .‬والثّاني ‪ :‬ميقاته كلّ‬
‫ج من‬
‫الحرم ‪ ،‬ل ستواء مكّة ‪ ،‬و ما وراء ها من الحرم في الحر مة ‪ .‬وع ند الحنابلة يحرم بالح ّ‬
‫ح أن يحرم من بمكّة من‬
‫مكّة من المسجد من تحت الميزاب ‪ ،‬وهو أفضل عندهم ‪ .‬وجاز وص ّ‬
‫سائر الحرم عند الحنابلة كما هو عند الحنفيّة ‪.‬‬

‫الميقات المكانيّ للعمرة‬


‫‪ - 53‬هو الميقات المكانيّ للحجّ بالنّسبة للفاقيّ والميقاتيّ ‪ .‬وميقات من كان بمكّة من أهلها أو‬
‫أيب مكان ‪ ،‬ولو كان بعبد الحرم ‪ ،‬ولو بخطوة ‪ .‬واختلفوا فبي الفضبل‬
‫ل مبن ّ‬
‫غيبر أهلهبا الح ّ‬
‫منهما ‪ ،‬فذهب الجمهور إلى أنّه من الجعرانة أفضل ‪ ،‬وذهب الحنفيّة إلى أنّه من التّنعيم أفضل‬
‫‪ .‬وقال أكثر المالكيّة هما متساويان ‪ .‬والصل في ذلك حديث عائشة ‪ « :‬قالت ‪ :‬يا رسول اللّه‬
‫ج ؟ فأمر أخاها عبد الرّحمن بن أبي بكر أن يخرج معها‬
‫أتنطلقون بعمرة وحجّة ‪ ،‬وأنطلق بالح ّ‬
‫ن من‬
‫ج في ذي الحجّة » ‪ ( .‬متّفق عليه ) ‪ .‬ومن جهة النّظر أ ّ‬
‫إلى التّنعيم فاعتمرت بعد الح ّ‬
‫ل والحرم ‪ ،‬ولمّبا كانبت أركان العمرة كلّهبا فبي‬
‫شأن الحرام أن تكون هنبا رحلة بيبن الح ّ‬
‫الحرم ‪ ،‬كان ل بدّ أن يكون الحرام في الحلّ ‪ .‬ول يعلم في ذلك خلف بين العلماء ‪.‬‬

‫الفصل الخامس‬
‫محظورات الحرام‬
‫حكمة حظر بعض المباحات حال الحرام‬
‫‪ - 54‬من حكم الشّرع في ذلك تذكير المحرم بما أقدم عليه من نسك ‪ ،‬وتربية النّفوس على‬
‫التّقشّف ‪ .‬وقد كان من سنّة النّبيّ صلى ال عل يه وسلم المغايرة في حال العيش ب ين التّقشّف‬
‫والتّرفّه ‪ ،‬وتقريبر المسباواة بيبن النّاس ‪ ،‬وإذكاء مراقببة النسبان نفسبه فبي خصبائص أموره‬
‫العاد ية ‪ ،‬والتّذلّل والفتقار للّه عزّ وجلّ ‪ ،‬وا ستكمال جوا نب من عبادة البدن ‪ .‬و قد ورد ‪« :‬‬
‫ن اللّه عزّ وجلّ يباهي ملئكته عشيّة عرفة بأهل عرفة ‪ ،‬فيقول ‪ :‬انظروا إلى عبادي أتوني‬
‫إ ّ‬
‫شعثا غبرا » ‪ .‬المحظورات مبن اللّباس ‪ - 55‬يختلف تحريبم الملببس فبي حقّب الرّجال عن‬
‫تحريم الملبس في حقّ النّساء ‪ .‬أ ‪ -‬محظورات الحرام في الملبس في حقّ الرّجال ‪:‬‬
‫‪ - 56‬ضابط هذه المحظورات أنّه ل يحلّ للرّجل المحرم أن يستر جسمه كلّه أو بعضه أو‬
‫عضوا م نه بش يء من اللّباس المخ يط أو المح يط ‪ ،‬كالثّياب الّ تي تن سج على هيئة الج سم قطعةً‬
‫واحد ًة دون خياطة ‪ ،‬إذا لبس ذلك الثّوب ‪ ،‬أو استعمله في اللّبس المعتاد له ‪ .‬ويستر جسمه بما‬
‫سوى ذلك ‪ ،‬فيلبس رداءً يلفّه على نصفه العلو يّ ‪ ،‬وإزارا يلفّه على باقي جسمه ‪ ،‬أو ما أشبه‬
‫ذلك ‪ .‬والدّليل على حظر ما ذكرنا ما ثبت في الحديث المشهور عن عبد اللّه بن عمر رضي‬
‫ال عنه ما « أ نّ رجلً سأل ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم ‪ :‬ما يل بس المحرم من الثّياب ؟‬
‫فقال ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم ‪ :‬ل تلب سوا الق مص ‪ ،‬ول العمائم ‪ ،‬ول ال سّراويلت ‪،‬‬
‫ل أ حد ل ي جد النّعل ين ‪ ،‬فليل بس الخفّ ين ‪ ،‬وليقطعه ما أ سفل من‬
‫ول البرا نس ‪ ،‬ول الخفاف ‪ ،‬إ ّ‬
‫ستّة ‪ .‬وفي رواية‬
‫الكعبين ‪ .‬ول تلبسوا من الثّياب شيئا م سّه الزّعفران ول الورس » أخرجه ال ّ‬
‫عن ابن عمر زيادة « ول تنتقب المرأة المحرمة ‪ ،‬ول تلبس القفّازين » أخرجها البخاريّ وأبو‬
‫داود والتّرمذ يّ والنّسائيّ ‪ .‬تفصيل أحكام هذه المحظورات ‪ :‬يشمل تحريم هذه الصول المتّفق‬
‫عليها أمورا كثير ًة نذكر منها ما يلي ‪ :‬لبس القباء والسّراويل ونحوهما ‪:‬‬
‫‪ - 57‬أ ّولً ‪ :‬لو وضع القباء ونحوه عليه من غير لبس أكمامه فهو محظور كاللّبس ‪ ،‬عند‬
‫المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وهو المعتمد عند الحنابلة ‪ ،‬لنهيه عليه الصلة والسلم عن لبسه للمحرم ‪.‬‬
‫رواه ابن المنذر ‪ ،‬ورواه النّجاد عن عل يّ ‪ ،‬ولنّه عادة لبسه كالقميص ‪ .‬وف صّل الحنفيّة فقالوا‬
‫‪ :‬لو ألقى القباء أو العباء ونحوهما على منكبيه من غير إدخال يديه أو إحداهما في كمّيه ولم‬
‫يزرّه جاز مع الكراهة ‪ ،‬ول فداء عليه ‪ ،‬وهو قول الخرقيّ من الحنابلة فإن زرّه أو أدخل يديه‬
‫أو إحداهما في كمّيه فهو محظور ‪ ،‬حكمه حكم اللّبس في الجزاء ‪ .‬ووجهه ‪ :‬أنّ القباء ل يحيط‬
‫بالبدن ‪ ،‬فلم تلز مه الفد ية بوض عه على كتف يه ‪ ،‬إذا لم يد خل يد يه كمّ يه ‪ ،‬كالقم يص يتّ شح به ‪.‬‬
‫‪ - 58‬ثانيا ‪ :‬من لم يجد الزار يجوز له أن يلبس السّراويل إلى أن يجد ما يتّزر به ‪ ،‬ول فدية‬
‫عليه عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬وف صّل الحنفيّة ‪ :‬فأجازوا لبس ال سّراويل إذا كان غير قابل لن‬
‫ل يفتق ما حول السّراويل ما خل موضع ال ّتكّة ويتّزر به ‪ .‬ولو لبسه كما‬
‫يشقّ ويؤتزر به ‪ ،‬وإ ّ‬
‫هو فعل يه دم ‪ ،‬إلّ إذا كان ضيّقا غ ير قا بل لذلك فيكون عل يه فد ية يتخيّر في ها ‪ .‬وع ند المالكيّة‬
‫قولن ‪ :‬قول بجواز لبببس السببّراويل إذا عدم الزار ‪ ،‬ويفتدي ‪ ،‬وقول ‪ :‬ل يجوز ولو عدم‬
‫الزار ‪ ،‬وهو المعتمد ‪.‬‬
‫لبس الخفّين ونحوهما ‪:‬‬
‫‪ - 59‬ثالثا ‪ :‬من لم يجد النّعلين يقطع الخفّين أسفل من الكعبين ويلبسهما ‪ ،‬كما نصّ الحديث ‪.‬‬
‫و هو قول المذا هب الثّل ثة الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬و هو روا ية عن أح مد ‪ ،‬وقول عروة‬
‫بن الزّبير والثّور يّ وإسحاق بن راهو يه وابن المنذر ‪ ،‬و هو مرو يّ عن عمر بن الخطّاب ‪،‬‬
‫وعبد اللّه بن عمر ‪ ،‬والنّخعيّ ‪ .‬وقال المام أحمد ‪ :‬وهو المعتمد في المذهب ‪ :‬ل يقطع الخفّين‬
‫‪ ،‬ويلبسهما كما هما ‪ .‬وهو قول عطاء وعكرمة وسعيد بن سالم القدّاح ‪ ،‬بل قال الحنابلة ‪« :‬‬
‫حرم قطعهما " على المحرم ‪ .‬استدلّ الجمهور بحديث ابن عمر السّابق في محظورات الحرام‬
‫ن زيادة القطع ‪ -‬أي في حديث ابن عمر ‪-‬‬
‫ل الحنابلة بحديث ابن عبّاس ‪ ،‬وقالوا ‪ « :‬إ ّ‬
‫‪ .‬واستد ّ‬
‫اختلف في ها ‪ ،‬فإن صحّت ف هي بالمدي نة ‪ ،‬لروا ية أح مد ع نه ‪ « :‬سمعت ر سول اللّه صلى ال‬
‫عل يه و سلم يقول على هذا الم نبر " فذكره ‪ ،‬و خبر ا بن عبّاس بعرفات ‪ ،‬فلو كان الق طع واجبا‬
‫لبيّنه للجمع العظيم الّذي لم يحضر أكثرهم ذلك بالمدينة ‪ .‬وقد فسّر الجمهور الكعب الّذي يقطع‬
‫الخ فّ أ سفل م نه بأنّه ما العظمان النّاتئان ع ند مف صل ال سّاق والقدم ‪ .‬وف سّره الحنفيّة بالمف صل‬
‫الّذي في و سط القدم ع ند مع قد الشّراك ‪ .‬ووج هه أنّه ‪ « :‬لمّا كان الك عب يطلق عل يه وعلى‬
‫النّاتئ حمل عليه احتياطا » ‪ - 60 .‬رابعا ‪ :‬ألحق المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بالخفّين كلّ ما‬
‫ستر شيئا من القدمين ستر إحاطة ‪ ،‬فلم يجيزوا لبس الخفّين المقطوعين أسفل من الكعبين إلّ‬
‫عند فقد النّعلين ‪ .‬ولو وجد النّعلين لم يجز له لبسهما ‪ ،‬ووجب عليه خلعهما إن كان قد لبسهما‬
‫ل ما كان غير‬
‫‪ .‬وإن لبسهما لعذر كالمرض لم يأثم وعليه الفداء ‪ .‬وأمّا الحنفيّة فإنّهم قالوا ‪ :‬ك ّ‬
‫ساتر للكعبين ‪ ،‬اللّذين في ظاهر القدمين فهو جائز للمحرم ‪.‬‬
‫تقلّد السّلح ‪:‬‬
‫‪ - 61‬خامسا ‪ :‬حظر المالكيّة والحنابلة على المحرم تقلّد ال سّيف بدون حاجة ‪ ،‬ومثله السلحة‬
‫المعاصرة ‪ .‬وأو جب عليه المالكيّة الفداء إذا تقلّده لغ ير حا جة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬هذا إذا كانت علق ته‬
‫غ ير عري ضة ‪ ،‬ول متعدّدةً ‪ ،‬وإلّ فالفد ية لز مة على كلّ حال ‪ ،‬ل كن ل يأ ثم في حال العذر ‪.‬‬
‫وأجاز الحنفيّة والشّافعيّة تقلّد ال سّيف مطلقا ‪ ،‬لم يقيّدوه بالحاجة ‪ ،‬وكأنّهم لحظوا أنّه ليس من‬
‫اللّبس المعتاد المحظور على المحرم ‪.‬‬
‫ستر الرّأس والستظلل ‪:‬‬
‫‪ - 62‬سادسا ‪ :‬اتّفق العلماء على تحريم ستر المحرم رأسه أو بعضه ‪ ،‬أخذا من تحريم لبس‬
‫العمائم والبرانبس ثمّب اختلفوا فبي ضاببط هذا السبّتر ‪ .‬فعنبد الحنفيّة والحنابلة يحرم سبتره بمبا‬
‫يق صد به التّغط ية عادةً ‪ .‬وع ند المالكيّة يحرم ستر المحرم رأ سه بكلّ ما يعدّ ساترا مطلقا ‪.‬‬
‫وقريب منهم مذهب الشّافعيّة ‪ ،‬غير أنّهم قالوا ‪ :‬يحرم ما يعدّ ساترا عرفا ‪ ،‬فإن لم يكن ساترا‬
‫عرفا فيحرم إن قصد به ال سّتر ‪ .‬يحرم ستر بعض الرّأس كذلك بما يعدّ ساترا ‪ ،‬أو يقصد به‬
‫ال سّتر ‪ ،‬على الخلف الّذي ذكرناه ‪ .‬فل يجوز له أن يع صب رأ سه بع صابة ‪ ،‬ول سير ‪ ،‬ول‬
‫يجعل عليه شيئا يلصق به ‪ .‬وقد ضبطه المالكيّة بما يبلغ مساحة درهم فأكثر ‪ .‬وجعل الحنفيّة‬
‫في ما كان أقلّ من ر بع الرّأس الكرا هة و صدق ًة بشرط الدّوام الّذي سيأتي ‪ .‬واتّفقوا على جواز‬
‫نحبو خيبط ‪ ،‬ويحرم عنبد المالكيّة وضبع اليبد على الرّأس ‪ ،‬لنّهبا سباتر مطلقا ‪ ،‬وكذا عنبد‬
‫ل فل ‪ .‬ول يحرم ع ند الحنفيّة والحنابلة ‪ - 63 .‬وأمّا‬
‫الشّافعيّة إن ق صد ب ها ستر الرّأس ‪ ،‬وإ ّ‬
‫و ضع ح مل على الرّأس ‪ :‬فيحرم ع ند الحنفيّة والحنابلة إن كان ممّا يق صد به التّغط ية بح سب‬
‫العادة ‪ ،‬ك ما لو ح مل على رأ سه ثيابا ‪ ،‬فإنّه يكون تغطيةً ‪ ،‬وإن كان ممّا ل يق صد به تغط ية‬
‫الرّأس عاد ًة ل يحرم ‪ ،‬كحمل طبق أو قفّة ‪ ،‬أو طاسة قصد بها السّتر ؛ لنّها ليست ممّا يقصد‬
‫به ال سّتر غالبا ‪ ،‬فصار كوضع اليد ‪ .‬وهذا متّفق مع الشّافعيّة ‪ ،‬لكن عند الشّافعيّة إذا حمل ما‬
‫ل يعتبر ساترا كالقفّة وقصد به ال سّتر حرم ولزمه الفداء ‪ .‬وأمّا المالكيّة فقالوا ‪ :‬يجوز للمحرم‬
‫أن يحمل على رأسه ما ل بدّ منه من خرجه وجرابه ‪ ،‬وغيره ‪ ،‬والحال أنّه ل يجد من يحمل‬
‫خرجه مثلً ل بأجرة ول بغيرها ‪ .‬فإن حمل لغيره أو للتّجارة ‪ ،‬فالفدية ‪ ،‬وقال أشهب ‪ :‬إلّ أن‬
‫يكون عي شه ذلك ‪ .‬أي إلّ أن يكون ما ذ كر من الح مل للغ ير أو التّجارة لعي شه ‪ .‬و هو معت مد‬
‫في المذهب المالك يّ ‪ - 64 .‬والتّظلّل بما ل يلمس الرّأس ‪ ،‬وهو ثابت في أصل تابع له ‪،‬‬
‫جائز اتّفاقا ‪ ،‬ك سقف الخي مة ‪ ،‬والب يت ‪ ،‬من داخله ما ‪ ،‬أو التّظلّل بظلّه ما من الخارج ‪ ،‬وم ثل‬
‫سيّارات الم سقفة‬
‫مظلّة المح مل إذا كا نت ثابتةً عل يه من ال صل ‪ .‬وعلى ذلك يجوز ركوب ال ّ‬
‫ن سقوفها من أصل صناعتها ‪ ،‬فصارت كالبيت والخيمة ‪ .‬وإن لم يكن المظلّ ثابتا‬
‫اتّفاقا ؛ ل ّ‬
‫في أصل يتبعه فجائز كذلك مطلقا عند الحنفيّة والشّافعيّة وقول عند الحنابلة ‪ .‬وقال المالكيّة ‪:‬‬
‫ل يجوز التّظلّل ب ما ل يث بت في المح مل ‪ .‬ون حو هذا قول ع ند الحنابلة ‪ ،‬واختاره الخرق يّ ‪،‬‬
‫وضبطه عندهم في هذا القول ‪ « :‬أنّه ستر رأسه بما يستدام ويلزمه غالبا ‪ ،‬فأشبه ما لو ستره‬
‫بشيء يلقيه " وفي التّظلّل بنحو ثوب يجعل على عصا أو على أعواد ( مظلّة أو بشيء يرفعه‬
‫على رأسبه مبن الشّمبس أو الرّيبح ) ‪ ،‬أقوال ثلثبة أقربهبا الجواز ‪ ،‬للحديبث التبي فبي دليبل‬
‫الجمهور ‪ .‬ويجوز التّقاء بذلك من المطر ‪ .‬وأمّا البناء والخباء ونحوهما فيجوز التّقاء به من‬
‫الحرّ والبرد والم طر ‪ .‬وأجاز التّظلّل بذلك الحنابلة ‪ ،‬وكذا الحنفيّة والشّافعيّة ‪ ،‬ل ما عر فت من‬
‫أصل مذهبهم ‪ .‬واستدلّوا بحديث أ مّ الحصين قالت ‪ « :‬حججت مع رسول اللّه صلى ال عليه‬
‫وسلم حجّة الوداع ‪ ،‬فرأيت أسامة وبللً ‪ ،‬وأحدهما آخذ بخطام ناقة النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫والخر رافع ثوبه يستره من الحرّ ‪ ،‬حتّى رمى جمرة العقبة » ‪ .‬أخرجه مسلم ‪ .‬ول نّ ما حلّ‬
‫للحلل ‪ -‬كما في المغني ‪ -‬حلّ للمحرم إلّ ما قام على تحريمه دليل ‪.‬‬

‫ستر الوجه‬
‫‪ - 65‬سابعا ‪ :‬يح ظر على المحرم ستر وج هه ع ند الحنفيّة والمالكيّة ول يس بمحظور ع ند‬
‫الشّافعيّة والحنابلة وعزاه النّوو يّ في المجموع إلى الجمهور ‪ .‬استدلّ الحنفيّة والمالكيّة بحديث‬
‫ا بن عبّاس ر ضي ال عنه ما « أ نّ رجلً وق صته راحل ته و هو محرم فمات ‪ ،‬فقال ر سول اللّه‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ :‬اغسلوه بماء وسدر ‪ ،‬وكفّنوه في ثوبيه ‪ ،‬ول تخمّروا رأسه ول وجهه ‪،‬‬
‫ن للحرام أثرا في‬
‫فإنّه يبعث يوم القيامة ملبّيا » أخرجه مسلم ‪ .‬وجه الستدلل أنّه ‪ « :‬أفاد أ ّ‬
‫ن في‬
‫ن المرأة ل تغطّي وجه ها ‪ ،‬مع أ ّ‬
‫عدم تغط ية الو جه » ‪ .‬وا ستدلّوا أيضا من المعقول بأ ّ‬
‫الكشبف فتن ًة ‪ ،‬فالرّجبل بطريبق الولى ‪ .‬واسبتدلّ الشّافعيّة والحنابلة بمبا ورد مبن الثار عبن‬
‫بعض ال صّحابة بإباحة تغطية المحرم وجهه ‪ ،‬من فعلهم أو قولهم ‪ .‬روي ذلك عن عثمان بن‬
‫عفّان ‪ ،‬وع بد الرّح من بن عوف ‪ ،‬وز يد بن ثا بت ‪ ،‬وا بن الزّب ير ‪ ،‬و سعد بن أ بي وقّاص ‪،‬‬
‫وجابر ‪ .‬وروى القاسم وطاوس والثّوريّ من غير الصّحابة ‪ .‬لبس القفّازين ‪:‬‬
‫ص على ذلك النّوويّ ‪،‬‬
‫‪ - 66‬ثامنا ‪ :‬يحرم على الرّجل لبس القفّازين ‪ ،‬باتّفاق العلماء ‪ ،‬كما ن ّ‬
‫وهو كذلك في مصادر المذاهب ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬محظورات الحرام من الملبس في حقّ النّساء ‪:‬‬
‫ينح صر محظور الحرام من المل بس في ح قّ النّ ساء في أمر ين ف قط ‪ ،‬ه ما الو جه واليدان ‪،‬‬
‫نفصّل بحثهما فيما يلي ‪ :‬ستر الوجه ‪:‬‬
‫‪ - 67‬اتّ فق العلماء على أنّه يحرم على المرأة في الحرام ستر وجه ها ‪ ،‬ل خلف بين هم في‬
‫ذلك ‪ .‬والدّليل عليه من النّقل ما سبق في الحديث ‪ « :‬ول تنتقب المرأة المحرمة ‪ ،‬ول تلبس‬
‫القفّازين » ‪ .‬وضابط السّاتر هنا عند المذاهب هو كما مرّ في ستر الرّأس للرّجل ‪ .‬وإذا أرادت‬
‫أن تحتجب بستر وجهها عن الرّجال جاز لها ذلك اتّفاقا بين العلماء ‪ ،‬إلّ إذا خشيت الفت نة أو‬
‫ظنّت فإنّه يكون واجبا ‪ .‬والدّل يل على هذا ال ستثناء حد يث عائ شة ر ضي ال عن ها قالت ‪« :‬‬
‫كان الرّكبان يمرّون ب نا ون حن مع ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم محرمات ‪ ،‬فإذا حاذوا ب نا‬
‫سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها ‪ ،‬فإذا جاوزونا كشفناه » أخرجه أبو داود ‪ .‬وعن‬
‫فاطمة بنت المنذر قالت ‪ :‬كنّا نخمّر وجوهنا ونحن محرمات ‪ ،‬ونحن مع أسماء بنت أبي بكر‬
‫ال صّدّيق ‪ .‬أخرجه مالك والحاكم ‪ .‬ومرادها من هذا ستر الوجه بغير النّقاب على معنى التّستّر‬
‫‪ .‬و قد اشترط الحنفيّة والشّافعيّة ‪ -‬و هو قول ع ند الحنابلة ‪ -‬ألّ يل مس ال سّاتر الو جه ‪ ،‬كأن‬
‫ت ضع على رأ سها ت حت ال سّاتر خشبةً أو شيئا يب عد ال سّاتر عن ملم سة وجه ها " لنّه بمنزلة‬
‫الستظلل بالمحمل " كما في الهداية ‪ .‬وأجاز لها المالكيّة أن تستر وجهها إذا قصدت ال سّتر‬
‫عبن أعيبن النّاس ‪ ،‬بثوب تسبدله مبن فوق رأسبها دون رببط ‪ ،‬ول غرز بإبرة أو نحوهبا ممّا‬
‫يغرز به ‪ .‬وم ثل ذلك ع ند الحنابلة ‪ ،‬ل كن عبّروا بقول هم ‪ « :‬إن احتا جت إلى ستره " ؛ ل نّ‬
‫العلّة في السّتر المحرّم أنّه ممّا يربط ‪ ،‬وهذا ل يربط ‪ ،‬كما تشير عبارة المالكيّة ‪.‬‬
‫لبس القفّازين ‪:‬‬
‫‪ - 68‬يح ظر على المرأة المحر مة ل بس القفّاز ين ع ند المالكيّة والحنابلة ‪ ،‬و هو المعت مد ع ند‬
‫الشّافعيّة ‪ .‬وذهب الحنفيّة ‪ ،‬وهو رواية عند الشّافعيّة ‪ ،‬إلى أنّه يجوز لها اللّبس بكفّيها ‪ ،‬كالقفّاز‬
‫وغيره ‪ ،‬ويقتصر إحرامها على وجهها فقط ‪ .‬استدلّ الجمهور بحديث ابن عمر بزيادة ‪ « :‬ول‬
‫تنتقبب المرأة المحرمبة ‪ ،‬ول تلببس القفّازيبن » ‪ .‬وا ستدلّ الحنفيّة بحديبث ا بن عمبر قال ‪« :‬‬
‫إحرام المرأة في وجه ها » ‪ ،‬وب ما ورد من آثار عن ال صّحابة ‪ .‬وكان سعد بن أ بي وقّاص‬
‫ن محرمات ‪ .‬ورخّص ف يه عل يّ وعائ شة ‪ .‬و هو قول عطاء و سفيان‬
‫يل بس بنا ته القفّاز ين وه ّ‬
‫والثّور يّ ‪ .‬يجوز للمحرمة تغطية يدها فقط من غير شدّ ‪ ،‬وأن تدخل يديها في أكمامها وفي‬
‫قميصها ‪.‬‬
‫المحرّمات المتعلّقة ببدن المحرم‬
‫‪ - 69‬ضاببط هذه المحظورات كلّ شيبء يرجبع إلى تطييبب الجسبم ‪ ،‬أو إزالة الشّعبث ‪ ،‬أو‬
‫قضاء التّفبث ‪ .‬والدّليبل على تحريمهبا قوله تعالى ‪ { :‬ول تحلقوا رءوسبكم حت ّى يبلغ الهدي‬
‫محلّه فمن كان منكم مريضا أو به أذًى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } ‪ .‬ومن‬
‫سنّة قوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬ول تلبسوا شيئا من الثّياب مسّه الزّعفران ول الورس » ‪.‬‬
‫ال ّ‬
‫ستّة ‪.‬‬
‫أخرجه ال ّ‬
‫فتحرم الشياء التية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬حلق الرّأس ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إزالة الشّعر من أيّ موضع من الجسم ‪.‬‬
‫ص الظّفر ‪.‬‬
‫ج‪-‬ق ّ‬
‫د ‪ -‬الدهان ‪.‬‬
‫هب ‪ -‬التّطيّب ‪.‬‬

‫تفصيل أحكام هذه المحظورات‬


‫حلق الرّأس ‪:‬‬
‫‪ - 70‬يحظبر على المحرم حلق رأسبه أو رأس محرم غيره ‪ .‬وكذا لو حلق له غيره حللً أو‬
‫محرما يحظبر عليبه تمكينبه مبن ذلك ‪ .‬والتّقصبير كالحلق فبي ذلك كلّه ‪ .‬وقليبل الشّعبر كذلك‬
‫بأيب شيبء كالنّتبف ‪ ،‬والحرق ‪ ،‬أو‬
‫يحظبر حلقبه أو قطعبه ‪ .‬وكذلك إزالة الشّعبر عبن الرّأس ّ‬
‫أيب علج مزيبل للشّعبر ‪ .‬وذلك كلّه مبا لم يفرغ الحالق‬
‫اسبتعمال النّورة لزالتبه ‪ .‬ومثلهبا ّ‬
‫والمحلوق له مبن أداء نسبكهما ‪ .‬فإذا فرغبا ل يدخلن فبي الحظبر ‪ .‬ويسبوغ لهمبا أن يحلق‬
‫ص ال ية ‪ ،‬و هي‬
‫أحده ما لل خر ‪ ،‬باتّفاق المذا هب على ذلك كلّه ‪ .‬والدّل يل هو ما سبق من ن ّ‬
‫وإن ذكرت الحلق فإنّ غيره ممّا ذكرنا مثله في التّرفّه ‪ ،‬فيقاس عليه ‪ ،‬ويأخذ حكمه ‪ .‬واختلفوا‬
‫في حلق المحرم للحلل ‪ .‬فحظره الحنفيّة ‪ .‬وهو قول للمالكيّة ‪ .‬وأجازه المالكيّة في قول آخر‬
‫ن المحرم حلق شعرا ل حرمة له من حيث الحرام ‪ ،‬فل‬
‫والشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬استدلّ الثّلثة بأ ّ‬
‫يم نع ‪ ،‬ول جزاء عل يه ‪ .‬وا ستدلّ الحنفيّة ‪ :‬بأ نّ المحرم ك ما هو ممنوع من حلق رأس نف سه‬
‫ممنوع من حلق رأس غيره ‪ ،‬لقوله عزّ وجلّ ‪ { :‬ول تحلقوا رءو سكم حتّى يبلغ الهدي محلّه‬
‫ل أنّه لمّا حرم عل يه حلق رأس غيره يحرم عل يه‬
‫} ‪ .‬والنسبان ل يحلق رأس نف سه عادةً ‪ ،‬إ ّ‬
‫حلق رأس نف سه من طر يق الولى ‪ .‬و سواء كان المحلوق حللً أو حراما ‪ ،‬ل ما قل نا ‪ .‬إزالة‬
‫الشّعر من أيّ موضع من الجسم ‪:‬‬
‫ل منهما ‪.‬‬
‫‪ - 71‬يحظر إزالة الشّعر وذلك قياسا على شعر الرّأس ‪ ،‬بجامع التّرفّه في ك ّ‬
‫الدّهان ‪:‬‬
‫‪ - 73‬الدّهن مادّة دسمة من أصل حيوان يّ أو نبات يّ ‪ .‬وقد اختلفوا في الدّهن غير المطيّب ‪:‬‬
‫فالجمهور ‪ -‬عدا المام أحمد ‪ -‬على تفصيل بينهم ‪ -‬ذهبوا إلى حظر استعمال الدّهن ولو كان‬
‫غ ير مطيّب ‪ ،‬كالزّ يت ‪ ،‬ل ما ف يه من التّرفّه والتّزي ين ‪ ،‬وتح سين الشّ عر ‪ ،‬وذلك ينا في الشّأن‬
‫ل للّه تعالى ‪ .‬وقد أوردوا في‬
‫الّذي يجب أن يكون عليه المحرم من الشّعث والغبار افتقارا وتذلّ ً‬
‫الدّهن وأشباهه الستدلل بحديث ابن عمر ‪ ،‬قال ‪ « :‬قام رجل إلى النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫فقال ‪ :‬من الحاجّ يا رسول اللّه ؟ قال ‪ :‬الشّعث التّفل » ‪ .‬أخرجه التّرمذيّ وابن ماجه ‪.‬‬
‫والشّعث ‪ :‬بكسر العين الوصف ‪ ،‬وبفتحها المصدر ‪ ،‬ومعناه انتشار الشّعر وتغبّره لقلّة التّعهّد‬
‫‪ .‬والتّفل ‪ :‬من التّفل ‪ ،‬وهو ترك الطّيب حتّى يوجد منه رائحة كريهة ‪ .‬فشمل بذلك ترك الدّهن‬
‫‪ .‬فقال الحنفيّة والمالكيّة يحظر على المحرم استعمال الدّهن في رأسه ولحيته وعامّة بدنه لما‬
‫ذكرنا من عموم الستدلل فيما سبق ‪ .‬وقال الشّافعيّة يحظر دهن شعر الرّأس للرّجل والمرأة‬
‫واللّحية وما ألحق بهما كالشّارب والعنفقة فقط ‪ ،‬حتّى لو كان أصلع جاز دهن رأسه ‪ ،‬أمّا إذا‬
‫كانا محلوقين فيحظر دهنهما ؛ لنّه يزيّنهما إذا نبتا ‪ .‬ويباح له دهن ما عدا الرّأس واللّحية وما‬
‫ألحق بهما ‪ ،‬ول يحظر ‪ ،‬ظاهرا كان أو باطنا ‪ ،‬ويباح سائر شعور بدنه ‪ ،‬ويباح له أكل الدّهن‬
‫من غ ير أن ي صيب اللّح ية أو الشّارب أو العنف قة ‪ .‬وا ستدلّوا بأنّه ل يس في الدّ هن ط يب ول‬
‫ن الّذي جاء به الشّرع استعمال‬
‫ل فيما ذكرنا ؛ لنّه به يحصل التّزيين ‪ .‬وإ ّ‬
‫تزيين ‪ ،‬فل يحرم إ ّ‬
‫الطّيب ‪ ،‬وهذا ليس منه ‪ ،‬فل يثبت تحريمه ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ -‬على المعتمد عندهم من إباحته‬
‫ل البدن ‪ « :‬إ نّ وجوب الفدية يحتاج إلى دليل ‪ ،‬ول دليل فيه من ن صّ ول إجماع ‪ .‬ول‬
‫في ك ّ‬
‫ح قيا سه على الطّ يب ‪ ،‬فإ نّ الطّ يب يو جب الفد ية وإن لم يزل شيئا ‪ ،‬وي ستوي ف يه الرّأس‬
‫يص ّ‬
‫وغيره ‪ ،‬والدّهن بخلفه » ‪.‬‬
‫هب ‪ -‬التّطيّب ‪:‬‬
‫‪ - 74‬الطّيب عند الحنفيّة ‪ :‬ما له رائحة مستلذّة ويتّخذ منه الطّيب ‪ .‬وعند الشّافعيّة ‪ :‬ما يقصد‬
‫م نه رائح ته غالبا ‪ ،‬ولو مع غيره ‪ .‬ويشترط في الطّ يب الّذي يح كم بتحري مه أن يكون مع ظم‬
‫الغرض م نه الطّ يب ‪ ،‬واتّخاذ الطّ يب م نه ‪ ،‬أو يظ هر ف يه هذا الغرض ‪ .‬وع ند الحنابلة ‪ :‬ما‬
‫تط يب رائح ته ويتّ خذ للشّ مّ ‪ .‬وق سّمه المالكيّة إلى ق سمين ‪ :‬مذكّر ومؤنّث ‪ .‬فالمذكّر ‪ :‬هو ما‬
‫يخفى أثره أي تعلّقه بما م سّه من ثوب أو جسد ويظهر ريحه ‪ .‬والمراد به أنواع الرّياحين ‪:‬‬
‫كالرّيحان ‪ ،‬والورد ‪ ،‬والياسمين ‪ .‬وأمّا المياه الّتي تعتصر ممّا ذكر فليس من قبيل المؤنّث ‪.‬‬
‫والمؤنّث ‪ :‬هو ما يظ هر لو نه وأثره ‪ ،‬أي تعلّ قه ب ما م سّه م سّا شديدا ‪ ،‬كالم سك ‪ ،‬والكافور ‪،‬‬
‫والزّعفران ‪ .‬فالمؤنّث يكره شمّه ‪ ،‬واستصحابه ‪ ،‬ومكث في المكان الّذي هو فيه ‪ ،‬ويحرم منه‬
‫‪ .‬والمذكّر يكره شمّه ‪ ،‬وأمّا م سّه من غير ش مّ واستصحابه ومكث بمكان هو فيه فهو جائز ‪.‬‬
‫تفصيل أحكام التّطيّب للمحرم ‪ :‬تطييب الثّوب ‪:‬‬
‫‪ - 75‬وهو أصل في الباب ‪ ،‬للتّنصيص عليه في الحديث ال سّابق ‪ ،‬ومن هنا قالوا ‪ :‬المحرم‬
‫ممنوع من ا ستعمال الطّ يب في إزاره ‪ ،‬أو ردائه ‪ ،‬وجم يع ثيا به ‪ ،‬وفرا شه ‪ ،‬ونعله حتّى لو‬
‫علق بنعله ط يب و جب أن يبادر لنز عه ‪ ،‬ول ي ضع عل يه ثوبا م سّه الورس أو الزّعفران ‪ ،‬أو‬
‫نحوهمبا مبن صببغ له طيبب ‪ .‬كذلك ل يجوز له حمبل طيبب تفوح رائحتبه ‪ ،‬أو شدّه بطرف‬
‫ثوبه ‪ ،‬كالمسك ‪ ،‬بخلف شدّ عود أو صندل ‪ .‬أمّا الثّوب الّذي فيه طيب قبل الحرام فل يجوز‬
‫ع ند الحنفيّة والمالكيّة لب سه ‪ .‬ويجوز ع ند الشّافعيّة والحنابلة تطي يب ثوب الحرام ع ند إرادة‬
‫طيّبة في‬
‫الحرام ‪ .‬ول يضرّ بقاء الرّائحة في الثّوب بعد الحرام ‪ ،‬كما ل يضرّ بقاء الرّائحة ال ّ‬
‫البدن اتّفاقا ‪ ،‬قياسا للثّوب على البدن ‪ ،‬لكن ن صّوا على أنّه لو نزع ثوب الحرام أو سقط عنه‬
‫فل يجوز له أن يعود إلى لبسه ما دامت الرّائحة فيه ‪ ،‬بل يزيل منه الرّائحة ثمّ يلبسه ‪.‬‬
‫تطييب البدن ‪:‬‬
‫‪ - 76‬يحظر على المحرم استعمال الطّيب في بدنه ‪ ،‬وعليه الفدية ‪ ،‬ولو للتّداوي ‪ .‬ول يخضّب‬
‫رأ سه أو لحي ته أو شيئا من ج سمه ‪ ،‬ول يغ سله ب ما ف يه ط يب ‪ ،‬وم نه ع ند الحنفيّة الخطم يّ‬
‫والحنّاء ‪ ،‬على ما مرّ من الخلف فيهمبا ‪ - 77 .‬وأ كل الطّ يب الخالص أو شر به ل يحلّ‬
‫للمحرم اتّفاقا بين الئمّة ‪ .‬أمّا إذا خلط الطّيب بطعام قبل الطّبخ ‪ ،‬وطبخه معه ‪ ،‬فل شيء عليه‬
‫‪ ،‬قليلً كان أو كثيرا ‪ ،‬ع ند الحنفيّة والمالكيّة ‪ .‬وكذا ع ند الحنفيّة لو خل طه بطعام مطبوخ ب عد‬
‫طب خه فإنّه يجوز للمحرم أكله ‪ .‬أمّا إذا خل طه بطعام غ ير مطبوخ ‪ :‬فإن كان الطّعام أك ثر فل‬
‫طيّبة يكره أكله عند الحنفيّة‬
‫شيء ‪ ،‬ول فدية إن لم توجد الرّائحة ‪ ،‬وإن وجدت معه الرّائحة ال ّ‬
‫‪ .‬وإن كان الطّ يب أك ثر و جب في أكله الدّم سواء ظهرت رائح ته أو لم تظ هر ‪ .‬وأمّا ع ند‬
‫ل طعام خلط بط يب من غ ير أن يط بخ الطّ يب م عه ف هو محظور في كلّ ال صّور ‪،‬‬
‫المالكيّة فك ّ‬
‫وفيبه الفداء ‪ .‬أمّا إن خلط الطّيبب بمشروب ‪ ،‬كماء الورد وغيره ‪ ،‬وجبب فيبه الجزاء ‪ ،‬قليلً‬
‫كان الطّيب أو كثيرا ‪ ،‬عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ .‬وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إذا خلط الطّيب بغيره‬
‫من طعام أو شراب ‪ ،‬ولم يظهر له ريح ول طعم ‪ ،‬فل حرمة ول فدية ‪ ،‬وإلّ فهو حرام وفيه‬
‫الفدية ‪.‬‬
‫شمّ الطّيب ‪:‬‬
‫‪ - 78‬شمّ الطّيب دون مسّ يكره عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬ول جزاء فيه عندهم ‪ .‬أمّا‬
‫الحنابلة فقالوا ‪ :‬يحرم تعمّد ش مّ الطّيب ‪ ،‬ويجب فيه الفداء ‪ ،‬كالمسك والكافور ‪ ،‬ونحوهما ممّا‬
‫يتطيّب بشمّه ‪.‬‬

‫الصّيد وما يتعلّق به‬


‫‪ - 79‬تعر يف ال صّيد لغةً ‪ :‬ال صّيد لغةً ‪ :‬م صدر بمع نى ‪ ،‬ال صطياد ‪ ،‬والق نص ‪ ،‬وبمع نى‬
‫المصيد ‪ ،‬وكلّ من المعنيين داخل فيما يحظر بالحرام ‪ .‬تعريف الصّيد اصطلحا ‪:‬‬
‫‪ - 80‬الصّيد عند الحنفيّة هو الحيوان البرّيّ الممتنع عن أخذه بقوائمه ‪ ،‬أو جناحيه ‪ ،‬المتوحّش‬
‫في أصل الخلقة ‪ .‬وعند المالكيّة هو الحيوان البرّيّ المتوحّش في أصل الخلقة ‪ .‬وعند الشّافعيّة‬
‫ي المتوحّش المأكول اللّحم ‪.‬‬
‫والحنابلة هو الحيوان البرّ ّ‬
‫أدلّة تحريم الصّيد ‪:‬‬
‫والسبنّة والجماع ‪ :‬أم ّا الكتاب ‪ :‬فقوله‬
‫ّ‬ ‫‪ - 81‬وقبد ثببت تحريبم الصبّيد على المحرم بالكتاب‬
‫تعالى ‪ { :‬يبا أيّهبا الّذيبن آمنوا ل تقتلوا الصبّيد وأنتبم حرم } ‪ .‬وقال عزّ مبن قائل ‪ { :‬وحرّم‬
‫سنّة فمنها‬
‫ص قاطع في الموضوع ‪ .‬وأمّا ال ّ‬
‫علي كم صيد البرّ ما دمتم حرما } ‪ .‬وكلّ منه ما ن ّ‬
‫حديبث أببي قتادة « حيبن أحرم أصبحابه ولم يحرم ‪ ،‬ورأى حمار وحبش ‪ .‬وفبي الحديبث‬
‫فأسرجت فرسي ‪ ،‬وأخذت رمحي ‪ ،‬ثمّ ركبت ‪ ،‬فسقط منّي سوطي ‪ ،‬فقلت لصحابي ‪ -‬وكانوا‬
‫محرمين ‪ -‬ناولوني ال سّوط ‪ .‬فقالوا ‪ :‬واللّه ل نعينك عليه بشيء ‪ ،‬فنزلت ‪ ،‬فتناولته ث مّ ركبت‬
‫‪ .‬وفي رواية أخرى ‪ :‬فنزلوا ‪ ،‬فأكلوا من لحمها ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬أنأكل لحم صيد ونحن محرمون ؟‬
‫فحملنا ما بقي من لحم التان ‪ ،‬فلمّا أتوا رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قالوا ‪ :‬يا رسول اللّه‬
‫إنّا كنّا أحرمنا ‪ ،‬وقد كان أبو قتادة لم يحرم ‪ ،‬فرأينا حمر وحش ‪ ،‬فحمل عليها أبو قتادة فعقر‬
‫منها أتانا ‪ ،‬فنزلنا ‪ ،‬فأكلنا من لحمها ‪ ،‬ثمّ قلنا ‪ :‬أنأكل لحم صيد ونحن محرمون ‪ ،‬؟ فحملنا ما‬
‫بقي من لحمها ‪ .‬قال ‪ :‬أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها ؟ قالوا ‪ :‬ل قال ‪ :‬فكلوا‬
‫ما ب قي من لحم ها » متّ فق عل يه ‪ .‬وأمّا الجماع ف قد حكاه النّوو يّ وا بن قدا مة ك ما ذ كر ا بن‬
‫قدامة إجماع أهل العلم على وجوب الجزاء بقتله ‪.‬‬

‫إباحة صيد البحر ‪:‬‬


‫‪ - 82‬وأمّا صيد الب حر ‪ :‬فحلل للحلل وللمحرم بالنّ صّ ‪ ،‬والجماع ‪ :‬أمّا النّ صّ فقوله تعالى‬
‫سيّارة وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرما }‬
‫ل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم ولل ّ‬
‫‪ { :‬أح ّ‬
‫ي وأبو بكر الجصّاص ‪.‬‬
‫‪ .‬والجماع حكاه النّوو ّ‬
‫أحكام تحريم الصّيد على المحرم ‪:‬‬
‫‪ - 83‬يشمل تحريم ال صّيد على المحرم أمورا نصنّفها فيما يلي ‪ :‬تحريم قتل ال صّيد ‪ ،‬لصريح‬
‫النّصوص الواردة في ذلك ‪ .‬وتحريم إيذاء الصّيد ‪ ،‬أو الستيلء عليه ‪ .‬ومن ذلك ‪ :‬كسر قوائم‬
‫ال صّيد ‪ ،‬أو كسر جناحه ‪ ،‬أو ش يّ بيضه أو كسره ‪ ،‬أو نتف ريشه ‪ ،‬أو جزّ شعره ‪ ،‬أو تنفير‬
‫ال صّيد ‪ ،‬أو أخذه ‪ ،‬أو دوام إم ساكه ‪ ،‬أو التّ سبّب في ذلك كلّه أو في ش يء م نه بدل يل ال ية ‪:‬‬
‫{ وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرما } ‪ .‬والية تفيد تحريم سائر أفعالنا في الصّيد في حال‬
‫ن ما منع من إتلفه لح قّ الغير منع من إتلف أجزائه ‪،‬‬
‫الحرام » ‪ .‬والدّليل من القياس ‪ « :‬أ ّ‬
‫كالدميّ ‪ ،‬فإن أتلف جزءا منه ضمنه بالجزاء ‪ . » . . .‬وللقياس على حظر تنفير صيد الحرم‬
‫ن هذا البلد حرّمه اللّه ‪ ،‬ل يعضد شوكه ‪ ،‬ول ينفّر‬
‫‪ ،‬لقوله صلى ال عليه وسلم في مكّة ‪ « :‬إ ّ‬
‫صبيده ‪ ،‬ول تلتقبط لقطتبه إلّ مبن عرّفهبا » فإذا حرم تنفيبر صبيد الحرم وجبب أن يحرم فبي‬
‫الحرام ‪.‬‬
‫‪ - 84‬وتحرم المساعدة على الصّيد بأيّ وجه من الوجوه ‪ :‬مثل الدّللة عليه ‪ ،‬أو الشارة ‪ ،‬أو‬
‫إعارة سكّين ‪ ،‬أو مناولة سوط ‪ .‬وكذا يحرم ال مر بق تل ال صّيد اتّفاقا في ذلك ‪ .‬والدّل يل عل يه‬
‫حديث أبي قتادة السّابق ‪.‬‬

‫تحريم تملّك الصّيد‬


‫‪ - 85‬يحرم تملّك ال صّيد ابتداءً ‪ ،‬بأ يّ طر يق من طرق التّملّك ‪ ،‬فل يجوز بي عه ‪ ،‬أو شراؤه ‪،‬‬
‫أو قبوله هب ًة ‪ ،‬أو وصبيّةً ‪ ،‬أو صبدقةً ‪ ،‬أو إقالةً ‪ .‬والدّليبل على تحريبم ذلك اليبة ‪ { :‬وحرّم‬
‫عليكم صيد البرّ ما دمتم حرما } ‪ .‬قال في فتح القدير ‪ « :‬أضاف التّحريم إلى العين ‪ ،‬فيكون‬
‫ن إضا فة التّحر يم إلى الع ين تف يد م نع سائر‬
‫ساقط التّقوّم في حقّه ‪ ،‬كالخ مر ‪ .‬وأ نت عل مت أ ّ‬
‫سنّة بحديث ال صّعب بن جثّامة « أنّه أهدى إلى رسول اللّه‬
‫ل أيضا من ال ّ‬
‫النتفاعات » ‪ .‬ويستد ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم حمار وحش ‪ ،‬فردّه عليه ‪ ،‬فلمّا رأى ما في وجهه قال ‪ :‬إنّا لم نردّه عليك‬
‫إلّ أنّا حرم » ‪ .‬متّفق عليه ‪ .‬ويستدلّ بإجماع العلماء ‪.‬‬

‫تحريم النتفاع بشيء من الصّيد‬


‫‪ - 86‬يحرم على المحرم أكل لحمه ‪ ،‬وحلبه ‪ ،‬وأكل بيضه ‪ ،‬وشيّه ‪ .‬وذلك لعموم الدلّة الّتي‬
‫سبقت في تحر يم تملّك ال صّيد ؛ ول نّ النتفاع فرع من الملك ‪ ،‬فإذا حرّم الملك لم ي بق محلّ‬
‫لثره ‪ - 87 .‬إذا صاد الحلل صيدا فهل يحلّ للمحرم أكله ؟ في المسألة مذاهب ‪ :‬المذهب‬
‫الوّل ‪ :‬ل يحلّ للمحرم ال صّيد أ صلً ‪ ،‬سواء أ مر به أم ل ‪ ،‬و سواء أعان على صيده أم ل ‪،‬‬
‫وسواء أصاده الحلل له أم لم يصده له ‪ .‬وهذا قول طائفة من أهل العلم ‪ ،‬منهم من الصّحابة ‪:‬‬
‫علي ّب واببن عمبر واببن عبّاس رضبي ال عنهبم ‪ .‬وكره ذلك طاوس وجابر ببن زيبد وسبفيان‬
‫الثّوريّ ‪ .‬المذهب الثّاني ‪ :‬ما صاده الحلل للمحرم ومن أجله فل يجوز للمحرم أكله ‪ ،‬فأمّا ما‬
‫لم ي صده من أ جل المحرم بل صاده لنف سه أو لحلل آ خر فل يحرم على المحرم أكله ‪ .‬وهذا‬
‫مذ هب الجمهور ‪ ،‬المالكيّة والشّافعيّة الحنابلة ‪ .‬و هو قول إ سحاق بن راهو يه ‪ ،‬وأ بي ثور ‪.‬‬
‫وقال ابن عبد البرّ ‪ :‬وهو ال صّحيح عن عثمان في هذا الباب ‪ .‬إلّ أ نّ المالكيّة قالوا ‪ :‬ما صيد‬
‫للمحرم هو ميتة على كلّ أحد ‪ ،‬المحرم المذبوح له وغيره ‪ ،‬وعلى المحرم الجزاء إن علم أنّه‬
‫صيد لمحرم ولو غيره ‪ ،‬وأكل ‪ .‬وإن لم يعلم وأكل منه فل جزاء عليه ‪ .‬ووافقهم الحنابلة في‬
‫لزوم الجزاء ‪ ،‬وف صّلوا فأوجبوه كاملً إن أكله كلّه ‪ ،‬وقسطه إن أكل بعضه ‪ ،‬لكنّهم لم يجعلوه‬
‫ل على من ذ بح له ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ -‬على ما هو ال صحّ الجد يد في المذ هب ‪ -‬ل‬
‫حراما إ ّ‬
‫جزاء في ال كل ‪ .‬ولم يعمّموا الحر مة على غ ير من صيد له ال صّيد ‪ .‬المذ هب الثّالث ‪ :‬يحلّ‬
‫للمحرم أكل ما صاده الحلل من ال صّيد ‪ ،‬ما لم يأمر به ‪ ،‬أو تكون منه إعانة عليه أو إشارة‬
‫أو دللة ‪ ،‬وهبو مذهبب الحنفيّة ‪ .‬وقال اببن المنذر ‪ « :‬كان عمبر ببن الخطّاب وأببو هريرة‬
‫ومجاهد وسعيد بن جبير يقولون ‪ :‬للمحرم أكل ما صاده الحلل ‪ ،‬وروي ذلك عن الزّبير بن‬
‫العوّام ‪ ،‬وبه قال أصحاب الرّأي » ‪ .‬استدلّ أصحاب المذهب الوّل القائلون بتحريم أكل لحم‬
‫والسبنّة فيمبا سببق ‪ .‬واسبتدلّ الجمهور أصبحاب‬
‫ّ‬ ‫الصبّيد على المحرم مطلقا بإطلق الكتاب‬
‫ن ما صاده الحلل يحلّ أكله للمحرم بشرط ألّ يكون صيد لجله بأدلّة من‬
‫المذ هب الثّا ني بأ ّ‬
‫سنّة من ها ‪ :‬حد يث أ بي قتادة ال سّابق ف قد أحلّ النّبيّ صلى ال عل يه و سلم للمحرم ين أ كل ما‬
‫ال ّ‬
‫ل الجمهور أيضا بحديث جابر رضي ال عنه قال ‪ :‬سمعت رسول اللّه‬
‫صاده الحلل ‪ .‬واستد ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم يقول ‪ « :‬صيد البرّ لكم حلل ‪ ،‬ما لم تصيدوه أو يصد لكم » ‪ .‬أخرجه‬
‫أبو داود والتّرمذ يّ والنّسائيّ وصحّحه الحاكم ‪ .‬وقد تكلّم في سنده ‪ ،‬لكن رجّح النّوو يّ صحّته‬
‫‪ .‬واستدلّ أصحاب المذهب الثّالث الحنفيّة ومن معهم ‪ -‬القائلون ‪ :‬يحلّ للمحرم أن يأكل من‬
‫صيد صاده الحلل ‪ ،‬وذب حه ‪ ،‬ما لم ي كن من المحرم دللة ول أ مر للحلل به ‪ ،‬وإن صاده‬
‫سنّة والثار ‪ .‬من ها حد يث أ بي قتادة ال سّابق ‪ ،‬في‬
‫الحلل ل جل المحرم ‪ -‬بأدلّة كثيرة من ال ّ‬
‫صيده حمار و حش و هو حلل وأ كل م نه ال صّحابة وأقرّ هم النّبيّ صلى ال عل يه و سلم م نه ‪.‬‬
‫وجه دللة الحديث ‪ « :‬أنّهم لمّا سألوه عليه الصلة والسلم لم يجب بحلّه لهم حتّى سألهم عن‬
‫موا نع الحلّ ‪ ،‬أكا نت موجود ًة أم ل ؟ فقال صلى ال عل يه و سلم ‪ :‬أمن كم أ حد أمره أن يح مل‬
‫عليهبا ‪ ،‬أو أشار إليهبا ؟ قالوا ‪ :‬ل ‪ .‬قال ‪ :‬فكلوا إذن » ‪ .‬فلو كان مبن الموانبع أن يصباد لهبم‬
‫لنظمه في سلك ما يسأل عنه منها في التّفحّص عن الموانع ‪ ،‬ليجيب بالحكم عند خلوّه منها ‪.‬‬
‫وهذا المعنى كال صّريح في نفي كون الصطياد للمحرم مانعا ‪ ،‬فيعارض حديث جابر ‪ ،‬ويقدّم‬
‫عليه ‪ ،‬لقوّة ثبوته ‪.‬‬
‫صيد الحرم ‪:‬‬
‫‪ - 88‬المراد بالحرم هنا مكّة والمنطقة المحرّمة المحيطة بها ‪ .‬وللحرم أحكام خا صّة ‪ ،‬منها‬
‫تحريم صيده على الحلل كما يحرم على المحرم أيضا ‪ ،‬وذلك باتّفاق العلماء ‪ ،‬لقوله صلى ال‬
‫عليه وسلم ‪ « :‬إ نّ هذا البلد حرّمه اللّه ‪ ،‬ل يعضد شوكه ‪ ،‬ول ينفّر صيده ‪ ،‬ول تلتقط لقطته‬
‫إلّ من عرّفها » ‪ .‬متّفق عليه ‪ .‬فقرّر العلماء من تحريم ال صّيد على الحلل في الحرم أحكاما‬
‫ن حو تحر يم ال صّيد على المحرم ‪ ،‬وتفرّ عت لذلك فروع في المذا هب ل نط يل بب سطها ( ر ‪:‬‬
‫حرم ‪) .‬‬
‫ما يستثنى من تحريم قتل الصّيد ‪:‬‬
‫ل والحرم ‪ ،‬للمحرم وغيره ‪ ،‬سبواء‬
‫‪ - 89‬أ ‪ -‬اتّفبق على جواز قتبل الحيوانات التّاليبة فبي الح ّ‬
‫ابتدأت بأذًى أو ل ‪ ،‬ول جزاء على من قتلها ‪ -‬وهي ‪ :‬الغراب ‪ ،‬والحدأة ‪ ،‬والذّئب ‪ ،‬والحيّة ‪،‬‬
‫والعقرب ‪ ،‬والفأرة ‪ ،‬والكلب العقور ‪ ،‬لما ورد من الحاديث في إباحة قتلها ‪ :‬روى مالك عن‬
‫نافع عن ابن عمر أ نّ رسول اللّه صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬خمس من الدّوا بّ ليس على‬
‫قتلهنب جناح ‪ :‬الغراب ‪ ،‬والحدأة ‪ ،‬والعقرب ‪ ،‬والفأرة ‪ ،‬والكلب العقور » ‪ .‬متّفبق‬
‫ّ‬ ‫المحرم فبي‬
‫عليه ‪ .‬وقد ورد ذكر الغراب في الحديث مطلقا ‪ ،‬ومقيّدا ‪ ،‬فف سّروه بالغراب البقع الّذي يأكل‬
‫الجيف ‪ .‬قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ‪ « :‬اتّفق العلماء على إخراج الغراب ال صّغير‬
‫الّذي يأكل الح بّ من ذلك ‪ ،‬ويقال له ‪ :‬غراب الزّرع » ‪ .‬ا هب ‪ .‬يعني أنّه ل يدخل في إباحة‬
‫أنب المالكي ّة فصبلّوا فقالوا ‪ :‬يجوز قتبل الفأرة والحي ّة‬
‫قتبل الصبّيد ‪ ،‬ببل يحرم صبيده ‪ .‬إلّ ّ‬
‫والعقرب مطلقا ‪ ،‬صبغيرةً أو كببير ًة ‪ ،‬بدأت بالذي ّة أم ل ‪ .‬وأم ّا الغراب والحدأة ففبي قتبل‬
‫صغيرهما ‪ -‬وهو ما لم يصل لحدّ اليذاء ‪ -‬خلف عند المالكيّة ‪ :‬قول بالجواز نظرا للفظ «‬
‫غراب " الوا قع في الحد يث ‪ ،‬فإنّه مطلق ي صدق على ال كبير وال صّغير ‪ :‬وقول بالم نع نظرا‬
‫للعلّة فبي جواز القتبل ‪ ،‬وهبي اليذاء ‪ ،‬وذلك منتبف فبي الصبّغير ‪ .‬وعلى القول بالمنبع ‪ ،‬فل‬
‫ثمب قرّر المالكي ّة شرطا لجواز قتبل مبا يقببل التّذكيبة ‪،‬‬
‫جزاء فيبه ‪ ،‬مراعاةً للقول الخبر ‪ّ .‬‬
‫كالغراب ‪ ،‬والحدأة ‪ ،‬والفأرة ‪ ،‬والذّئب ‪ ،‬وهو أن يكون قتلها بغير نيّة الذّكاة ‪ ،‬بل لدفع شرّها ‪،‬‬
‫فإن ق تل بق صد الذّكاة ‪ ،‬فل يجوز ‪ ،‬وف يه الجزاء ‪ - 90 .‬ب ‪ -‬يجوز ق تل كلّ مؤذ بطب عه ممّا‬
‫لم تن صّ عليه الحاديث ‪ ،‬مثل السد ‪ ،‬والنّمر ‪ ،‬والفهد ‪ ،‬وسائر ال سّباع ‪ .‬بل صرّح الشّافعيّة‬
‫والحنابلة أنّه مستحبّ بإطلق دون اشتراط شيء ‪ .‬وكذا الحكم عندهم فيما سبق استحباب قتل‬
‫تلك المؤذيات ‪ .‬وأمّا المالكيّة فعندهم التّفصيل ال سّابق بالنّسبة للكبار وال صّغار ‪ ،‬واشتراط عدم‬
‫قصد الذّكاة بقتلها ‪ .‬واشترطوا في الطّير الّذي لم ينصّ عليه أن يخاف منه على نفس أو مال ‪،‬‬
‫ول يندفع إلّ بقتله ‪ .‬وأمّا الحنفيّة فقالوا ‪ :‬ال سّباع ونحوها كالبازي وال صّقر ‪ ،‬معلّما وغير معلّم‬
‫‪ ،‬صيود ل يحلّ قتلها ‪ .‬إلّ إذا صالت على المحرم ‪ ،‬فإن صالت جاز له قتلها ول جزاء عليه‬
‫ل مؤذ بأدلّة ‪:‬‬
‫‪ .‬وفي رواية عندهم جواز قتلها مطلقا ‪ .‬استدلّ الجمهور على تعميم الحكم في ك ّ‬
‫منها ‪ :‬حديث أبي سعيد الخدر يّ رضي ال عنه عن النّبيّ صلى ال عليه وسلم قال ‪ « :‬يقتل‬
‫المحرم السبّبع العادي ‪ ،‬والكلب العقور ‪ ،‬والفأرة ‪ ،‬والعقرب ‪ ،‬والحدأة والغراب ‪ . » .‬أخرجبه‬
‫أبو داود والتّرمذيّ وابن ماجه ‪ .‬وقال التّرمذيّ ‪ :‬هذا حديث حسن ‪ ،‬والعمل على هذا عند أهل‬
‫العلم ‪ ،‬قالوا ‪ « :‬المحرم يقتل ال سّبع العادي » ‪ .‬واستدلّوا بما ورد في الحاديث المتّفق عليها‬
‫ل مبا عقبر النّاس وعدا عليهبم‬
‫مبن المبر بقتبل " الكلب العقور » ‪ .‬قال المام مالك ‪ « :‬إن ّب ك ّ‬
‫وأخافهم مثل السد ‪ ،‬والنّمر ‪ ،‬والفهد ‪ ،‬والذّئب ‪ ،‬فهو الكلب العقور » ‪.‬‬
‫‪ - 91‬ج ‪ -‬ألحق الشّافعيّة والحنابلة بما يقتل في الحرم والحرام كلّ ما ل يؤكل لحمه ‪.‬‬

‫الهوامّ والحشرات‬
‫‪ - 92‬د ‪ -‬ل تدخل الهوا ّم والحشرات في تحريم الصّيد عند أصحاب المذاهب الثّلثة ‪ :‬الحنفيّة‬
‫والشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬أمّا ع ند الحنفيّة ‪ :‬فلنّ ها لي ست ممتنعةً ‪ ،‬و قد ذكروا في تعر يف ال صّيد‬
‫ل عندهبم قتبل مبا ل‬
‫أنّه الممتنبع ‪ .‬وعلى ذلك فل جزاء فبي قتلهبا عنبد الحنفيّة ‪ ،‬لكبن ل يح ّ‬
‫يؤذي ‪ ،‬وإن لم يجب فيه الجزاء ‪ .‬وأمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فل تدخل في ال صّيد ‪ ،‬لكونهم‬
‫اشترطوا فيبه أن يكون مأكولً ‪ .‬وهذه غيبر مأكولة ‪ ،‬وقبد عرفبت تفصبيل حكمهبا عندهبم فبي‬
‫المسألة السّابقة ‪ .‬وأمّا المالكيّة فقالوا ‪ :‬يحظر قتل ما ل يؤذي من الحشرات بالحرام والحرم ‪،‬‬
‫وفيبه الجزاء عندهبم ‪ .‬لكبن قالوا فبي الوزغ ‪ :‬ل يجوز للمحرم قتله ‪ ،‬ويجوز للحلل قتله فبي‬
‫الحرم ‪ " ،‬إذ لو تركها الحلل بالحرم لكثرت في البيوت وحصل منها الضّرر » ‪.‬‬
‫الجماع ودواعيه ‪:‬‬
‫‪ - 93‬يحرم على المحرم باتّفاق العلماء وإجماع المّبة الجماع ودواعيبه الفعليّبة أو القوليّبة‬
‫وقضاء الشّهوة بأ يّ طر يق ‪ .‬والجماع أشدّ المحظورات حظرا ؛ لنّه يؤدّي إلى ف ساد النّ سك ‪.‬‬
‫ج فل ر فث ول ف سوق ول‬
‫والدّل يل على تحر يم ذلك النّ صّ القرآن يّ ‪ { :‬ف من فرض فيه نّ الح ّ‬
‫ج } ‪ .‬ف سّر الرّفث بأنّه ما قيل عند النّساء من ذكر الجماع وقول الفحش ‪ .‬وثبت‬
‫جدال في الح ّ‬
‫ذلك عن ا بن عبّاس فتكون ال ية دليلً على تحر يم الجماع على المحرم بطر يق دللة النّ صّ ‪،‬‬
‫أي مبن باب الولى ؛ لنّه إذا حرم مبا دون الجماع ‪ ،‬كان تحريمبه معلوما بطريبق الولى ‪.‬‬
‫وف سّر الرّ فث أيضا بذ كر إتيان النّ ساء ‪ ،‬الرّجال والنّ ساء إذا ذكروا ذلك بأفواه هم ‪ .‬ون قل ذلك‬
‫عن ابن عمر وبعض التّابعين ‪ .‬فتدلّ الية على حرمة الجماع لدخوله في عمومها ‪ .‬كما ف سّر‬
‫بالجماع أيضا ‪ ،‬ونسب ذلك إلى جماعة من ال سّلف منهم ابن عبّاس وابن عمر ‪ ،‬فتكون الية‬
‫نصّا فيه ‪.‬‬
‫الفسوق والجدال ‪:‬‬
‫‪ - 94‬الف سوق ‪ :‬هو الخروج عن الطّا عة ‪ .‬و هو حرام في كلّ حال ‪ ،‬و في حال الحرام آ كد‬
‫ج } ‪ .‬وقد اختار‬
‫وأغلظ ‪ ،‬لذلك ن صّ عليه في الكتاب الكريم ‪ { :‬ول فسوق ول جدال في الح ّ‬
‫جمهور المفسّرين والمحقّقون أنّ المراد به في الية إتيان معاصي اللّه تعالى ‪ .‬وهذا هو المراد‬
‫سنّة والشّرع لكل مة الف سق بمع نى الخروج‬
‫وال صّواب ‪ ،‬ل ما هو معلوم من ا ستعمال القرآن وال ّ‬
‫عبن الطّاعبة ‪ .‬والجدال ‪ :‬المخاصبمة ‪ .‬وقبد قال جمهور المفسبّرين المتقدّميبن ‪ :‬أن تماري‬
‫صاحبك حتّى تغض به ‪ .‬وهذا يقت ضي النّ هي عن كلّ م ساوئ الخلق والمعاملت ‪ .‬ل كن ما‬
‫يحتاج إليه من المر بالمعروف والنّهي عن المنكر ل يدخل في حظر الجدال ‪.‬‬

‫الفصل السّادس مكروهات الحرام‬


‫‪ - 95‬وهي أمور يكون فاعلها مسيئا ‪ ،‬لكن ل يلزمه جزاء لو فعلها ‪ .‬وفي بيانها تنبيه ها مّ ‪،‬‬
‫وإزاحة لما قد يقع من اشتباه ‪.‬‬
‫‪ - 96‬فمنها غسل الرّأس والجسد واللّحية بالسّدر ونحوه ‪ ،‬عند الحنفيّة ؛ لنّه يقتل الهوامّ ويليّن‬
‫الشّعر ‪.‬‬
‫‪ - 97‬ومشط الرّأس بقوّة ‪ ،‬وحكّه ‪ ،‬وكذا ح كّ الجسد حكّا شديدا ‪ ،‬وذلك لنّه يؤدّي إلى قطع‬
‫يحكب ببطون أنامله ‪ .‬قال‬
‫ّ‬ ‫الشّعبر أو نتفبه ‪ .‬أمّا لو فعبل ذلك برفبق فإنّه مباح ‪ ،‬لذلك قالوا ‪:‬‬
‫حكب المحرم رأسبه فل أعلم خلفا فبي إباحتبه ببل هبو جائز » ‪- 98 .‬‬
‫ّ‬ ‫ّوويب ‪ « :‬وأم ّا‬
‫ّ‬ ‫الن‬
‫والتّزيّن ‪ ،‬صرّح بكراهته الحنفيّة وعبارات غيرهم تدلّ عليه ‪ .‬قال الحنفيّة في الكتحال بكحل‬
‫غير مطيّب لقصد الزّينة إنّه مكروه ‪ ،‬فإن اكتحل ل لقصد الزّينة بكحل غير مطيّب بل للتّداوي‬
‫أو لتقوية الباصرة فمباح ‪ .‬أمّا المالكيّة فالكتحال بغير مطيّب محظور عندهم ‪ ،‬وفيه الفداء ‪،‬‬
‫إلّ لضرورة فل فداء ف يه ‪ .‬ومذ هب الشّافعيّة والحنابلة الكتحال ب ما ل ط يب ف يه ‪ ،‬إن لم ي كن‬
‫فيه زينة ‪ ،‬غير مكروه ‪ ،‬كالكحل البيض ‪ ،‬وإن كان فيه زينة كالثمد فإنّه يكره ‪ ،‬لكن ل يلزم‬
‫فيه فدية ‪ .‬فإن اكتحل بما فيه زينة لحاجة كالرّمد فل كراهة ‪ .‬أمّا الكتحال بكحل مطيّب فإنّه‬
‫محظور اتّفاقا على الرّجال والنّساء ‪.‬‬

‫ما يباح في الحرام‬


‫ل ما ل يس محظورا ول مكروها ‪ ،‬ل نّ ال صل في‬
‫‪ - 99‬المور الّ تي تباح في الحرام ك ّ‬
‫الشياء الباحة ‪ .‬ونذكر منها ما يلي ‪:‬‬
‫‪ - 100‬الغتسال بالماء القراح ‪ ،‬وماء الصّابون ونحوه ‪.‬‬
‫‪ - 101‬ولبس الخاتم جائز عند الحنفيّة أو الشّافعيّة والحنابلة للرّجال والنّساء ‪ .‬ول يجوز عند‬
‫المالكيّة للرّجل المحرم لبس الخاتم ‪ ،‬وفيه الفداء ‪ .‬وأمّا المرأة ‪ :‬فيجوز لها لبس المحيط لسائر‬
‫أعضائها ‪ ،‬ما عدا الوجه والكفّين عند الثّلثة ‪ ،‬وما عدا الوجه فقط عند الحنفيّة ‪ .‬وشدّ الهميان‬
‫والمنطقبة جائز عنبد الحنفيّة بإطلق وكذا الشّافعيّة ‪ .‬وقيّد المالكيّة والحنابلة إباحبة شدّهمبا‬
‫بالحاجة لنفقته ‪.‬‬
‫‪ - 102‬والنّظر في المرآة مباح عند الحنفيّة والشّافعيّة مطلقا ‪ .‬وعند الحنابلة جائز لحاجة ل‬
‫لزينة ‪ ،‬وأمّا المالكيّة فيكره عندهم النّظر في المرآة ‪ ،‬خيفة أن يرى شعثا فيزيله ‪.‬‬
‫ص على إباحته الحنفيّة وليس هو محلّ خلف ‪.‬‬
‫‪ - 103‬والسّواك ن ّ‬
‫‪ - 104‬ونزع الظّفر المكسور مباح باتّفاق الئمّة ‪ ،‬وصرّح الشّافعيّة بألّ يجاوز القسم المكسور‬
‫‪ ،‬وهذا ل يختلف فيه ‪.‬‬
‫‪ - 105‬والفصد والحجامة بل نزع شعر جائزة عند فقهاء المذاهب الربعة ‪ .‬ومثلهما الختان ‪.‬‬
‫لكن تحفّظ المالكيّة بالنّسبة للفصد ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬يجوز الفصد لحاجة إن لم يعصب العضو المفصود‬
‫‪ ،‬وإن لم يكن له حاجة للفصد فهو مكروه ‪ ،‬وإن عصبه ففيه الفدية ‪.‬‬
‫‪ - 106‬والرتداء والتّزار بمخيط أو محيط أي أن يجعل الثّوب المخيط أو المحيط رداءً أو‬
‫ل ذلك مباح عندهم جميعا ‪.‬‬
‫إزارا ‪ ،‬دون لبس ‪ .‬وكذا إلقاؤه على جسمه ك ّ‬
‫‪ - 107‬وذبح البل والبقر والحيوانات الهليّة مباح وذلك لنّها ل تدخل في تحريم ال صّيد ول‬
‫محرّمات الحرام باتّفاقهم ‪.‬‬
‫الفصل السّابع‬
‫في سنن الحرام‬
‫وهي أمور يثاب فاعلها ‪ ،‬ويكون تاركها مسيئا ول يلزمه بالتّرك شيء ‪.‬‬
‫وجملة ذلك أربعة ‪:‬‬

‫ل ‪ :‬الغتسال ‪:‬‬
‫أوّ ً‬
‫‪ - 108‬وهو سنّة عند الئمّة الربعة لما ورد فيه من الحاديث ‪ ،‬كحديث زيد بن ثابت ‪ « :‬أنّه‬
‫رأى النّبيّ صلى ال عل يه و سلم تجرّد لهلله واغت سل » ‪ .‬أخر جه التّرمذ يّ وح سّنه ‪ .‬و قد‬
‫ن هذا الغ سل سنّة لكلّ محرم صغير أو كبير ‪ ،‬ذ كر أو أن ثى ‪ ،‬ويطلب أيضا من‬
‫اتّفقوا على أ ّ‬
‫المرأة الحائض والنّف ساء في حال الح يض والنّفاس ‪ .‬ف عن ا بن عبّاس مرفوعا إلى النّبيّ صلى‬
‫ن النّفساء والحائض تغتسل وتحرم وتقضي المناسك كلّها ‪ ،‬غير أن ل‬
‫ال عليه وسلم قال ‪ « :‬إ ّ‬
‫تطوف بالبيت حتّى تطهر » أخرجه أبو داود والتّرمذ يّ وح سّنه واللّفظ للتّرمذ يّ ‪ .‬ووقت هذا‬
‫الغتسال مو سّع عند الحنفيّة في الظهر من مذهبهم ‪ .‬وهو مذهب الحنابلة والشّافعيّة ‪ .‬وثمرة‬
‫السبنّة ‪ ،‬ول يضرّه ذلك ‪ .‬وألحبق‬
‫ثمب توض ّأ ينال فضيلة ّ‬
‫ثمب أحدث ّ‬
‫الخلف أن ّه لو اغتسبل ّ‬
‫الشّافعيّة هذا الغ سل بغ سل الجم عة ‪ ،‬فدلّ على أنّه مو سّع ‪ ،‬ك ما هو ح كم غ سل الجم عة ‪ .‬أمّا‬
‫المالكيّة فقيّدوا سنّيّة الغسل بأن يكون متّصلً بالحرام ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬التّطيّب‬
‫ن استعدادا للحرام ‪ ،‬عند الجمهور ‪ ،‬وكرهه‬
‫‪ - 109‬وهو من محظورات الحرام ‪ ،‬لكنّه س ّ‬
‫مالك ‪ .‬التّطيّب في البدن ‪:‬‬
‫‪ - 110‬ودليل سنّيّته ما روت عائشة رضي ال عنها قالت ‪ « :‬كنت أطيّب رسول اللّه صلى‬
‫ال عليه وسلم لحرامه قبل أن يحرم ‪ ،‬ولحلّه قبل أن يطوف بالبيت » ‪ .‬متّفق عليه ‪ .‬وعنها‬
‫رضي ال عنها أيضا قالت ‪ « :‬كأنّي أنظر إلى وبيص الطّيب في مفارق رسول اللّه صلى ال‬
‫عليه وسلم وهو محرم » ‪ .‬متّفق عليه ‪ .‬وال صّحيح عندهم جواز التّطيّب بما يبقى جرمه بعد‬
‫الحرام ‪ ،‬لتصريح حديث عائشة الثّاني ‪ .‬وأمّا المالكيّة فحظروا بقاء جرم الطّيب ولم يجوّزوا‬
‫بقاء رائحته ‪ .‬التّطيّب في ثوب الحرام ‪:‬‬
‫‪ - 111‬أمّا تطييب الثّوب قبل الحرام فمنعه الجمهور وأجازه الشّافعيّ في القول المعتمد ‪ .‬فل‬
‫طيّبة في البدن‬
‫طيّبة في الثّوب بعد الحرام ‪ ،‬كما ل يضرّ بقاء الرّائحة ال ّ‬
‫يضرّ بقاء الرّائحة ال ّ‬
‫اتّفاقا ‪ ،‬قيا سا للثّوب على البدن ‪ .‬ل كن ن صّوا على أنّه لو نزع ثوب الحرام ‪ .‬أو سقط ع نه ‪.‬‬
‫فل يجوز له أن يعود إلى لبسه ما دامت الرّائحة فيه ‪ ،‬بل يزيل منه الرّائحة ثمّ يلبسه ‪ .‬وذهب‬
‫الحنفيّة إلى عدم جواز التّطيّب في الثّوب للحرام ‪ ،‬ول يجوز أن يلبس ثوب إحرام مطيّبا لنّه‬
‫بذلك يكون مستعملً للطّيب في إحرامه باستعمال الثّوب ‪ ،‬وهو محظور على المحرم ‪ .‬وذهب‬
‫المالكيّة إلى أنّه إن تطيّب قبل الحرام يجب إزالته ‪ ،‬سواء في ذلك بدنه أو ثوبه ‪ ،‬فإن بقي في‬
‫ن الفدية تكون‬
‫البدن أو الثّوب بعد الحرام شيء من جرم الطّيب الّذي تطيّب به قبل الحرام فإ ّ‬
‫واجبةً ‪ ،‬وأمّا إن كان الباقي في الثّوب رائحته ‪ ،‬فل يجب نزع الثّوب لكن يكره استدامته ‪ ،‬ول‬
‫فدية ‪ .‬وأمّا اللّون ففيه قولن عند المالكيّة ‪ .‬وهذا كلّه في الثر اليسير ‪ ،‬وأمّا الثر الكثير ففيه‬
‫الفد ية ‪ .‬ا ستدلّ المالكيّة بحد يث يعلى بن أميّة قال ‪ « :‬أ تى النّبيّ صلى ال عل يه و سلم ر جل‬
‫متضمّخ بطيب وعليه جبّة ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا رسول اللّه ‪ :‬كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبّة‬
‫بعد ما تضمّخ بط يب ؟ فقال النّبيّ صلى ال عل يه و سلم ‪ :‬أمّا الطّ يب الّذي بك فاغ سله ثلث‬
‫مرّات ‪ ،‬وأمّا الجبّة فانزع ها ‪ ،‬ث مّ ا صنع في عمر تك ما ت صنع في حجّك » ‪ .‬متّ فق عل يه ‪.‬‬
‫فاستدللهم بهذا الحديث لحظر الطّيب في الحرام في البدن والثّوب ‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬صلة الحرام‬


‫ن للمحرم أن يصلّي ركعتين قبل الحرام باتّفاق الئمّة لحديث ابن عمر رضي ال‬
‫‪ - 112‬يس ّ‬
‫عنهما ‪ « :‬كان النّبيّ صلى ال عليه وسلم يركع بذي الحليفة ركعتين » ‪ .‬أخرجه مسلم ‪ .‬ول‬
‫ل من أحرم بالحرم ع ند الشّافعيّة ‪ ،‬فإنّه‬
‫ي صلّيهما في الو قت المكروه ‪ ،‬اتّفاقا ب ين الئمّة ‪ ،‬إ ّ‬
‫ي صلّيهما ولو فبي الو قت المكروه عند هم ‪ .‬وتجزئ ال صّلة المكتو بة عن سنّة الحرام اتّفاقا‬
‫كذلك ‪ ،‬كما في تحيّة المسجد ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬التّلبية ‪:‬‬
‫‪ - 113‬التّلبية سنّة في الحرام متّفق على س ّنيّتها إجمالً ‪ ،‬فيما عدا الخلف في حكم قرنها‬
‫بال ّنيّة هل هي فرض في الحرام مع ال ّنيّة ‪ ،‬أو واجب أو سنّة ؟ ( ف ‪ ) . . .‬فاتّفقوا فيما عدا‬
‫ذلك على سنّيّتها للمحرم ‪ ،‬وعلى ا ستحباب الكثار من ها ‪ ،‬و س ّنيّة ر فع ال صّوت ب ها ‪- 114 .‬‬
‫والف ضل أن يلبّي ع قب صلة الحرام ناويا الح جّ أو العمرة ‪ ،‬على ما قاله الحنفيّة والمالكيّة‬
‫ح ‪ -‬يلبّي إذا ركب ‪ .‬ول خلف‬
‫والحنابلة ‪ .‬وهو قول عند الشّافعيّة ‪ ،‬وفي قول ‪ -‬وهو الص ّ‬
‫في جواز ذلك كلّه لورود الرّوا ية به ‪ .‬عن ا بن ع مر ر ضي ال عنه ما « أنّه صلى ال عل يه‬
‫وسلم أهلّ حين استوت به راحلته قائم ًة » متّفق عليه ‪ - 115 .‬وأمّا انتهاء التّلبية ‪ :‬فهو للحا جّ‬
‫ابتداء ر مي جمرة العق بة يوم النّ حر ع ند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬ويقطع ها ع ند الطّواف‬
‫والسبّعي للشتغال بالذكار والدعيبة الواردة فيهبا ‪ .‬وأم ّا المالكي ّة فعندهبم قولن ‪ :‬الوّل ‪:‬‬
‫يستم ّر في التّلبية حتّى يبلغ مكّة ‪ ،‬فيقطع التّلبية حتّى يطوف ويسعى ‪ ،‬ث مّ يعاودها حتّى تزول‬
‫الشّمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلّها ‪ .‬الثّاني ‪ :‬يستمرّ في التّلبية حتّى البتداء بالطّواف‬
‫والشّروع فيه ‪.‬‬
‫‪ - 116‬وأمّا تلب ية إحرام العمرة فالجمهور أنّ ها تنت هي ببدء الطّواف با ستلم الرّ كن ‪ .‬وقال‬
‫المالكيّة ‪ :‬المعتمر الفاقيّ يلبّي حتّى الحرم ‪ ،‬ل إلى رؤية بيوت مكّة ‪ ،‬والمعتمر من الجعرانة‬
‫والتّنعيبم يلبّي إلى دخول بيوت مكّة ‪ ،‬لقرب المسبافة ‪ .‬يدلّ للجمهور حديبث اببن عبّاس عبن‬
‫النّبيّ صلى ال عل يه و سلم قال ‪ « :‬يلبّي المعت مر حتّى ي ستلم الح جر » ‪ .‬أخر جه أ بو داود‬
‫ل مالك بما رواه عن نافع عن ابن عمر من فعله في المناسك قال‬
‫والتّرمذ يّ وصحّحه ‪ .‬واستد ّ‬
‫‪ :‬وكان يترك التّلبية في العمرة إذا دخل الحرم ‪.‬‬
‫كيفيّة الحرام المستحبّة ‪:‬‬
‫ج أو عمرة أو بهما معا يستحبّ له إزالة التّفث عن جسمه ‪ ،‬وأن‬
‫‪ - 117‬من أراد أن يحرم بح ّ‬
‫يتزيّن على ال صّورة المألوفة الّتي ل تتنافى مع الشّريعة وآدابها ‪ ،‬وأن يغتسل بنيّة الحرام ‪،‬‬
‫وإذا كان جنبا فيكفيبه غسبل واحبد بني ّة إزالة الجناببة والحرام ‪ ،‬وأن يتطي ّب ‪ .‬والولى أن‬
‫يتطيّب بطيب ل يبقى جرمه ‪ ،‬على التّفصيل والخلف السّابق ‪ ،‬ث ّم يلبس ثوبين نظيفين جديدين‬
‫ل يكونا مصبوغين بصبغ له رائحة ‪ .‬وأمّا المرأة فتلبس ما يستر عورتها‬
‫أو غسيلين ‪ ،‬على أ ّ‬
‫إلّ وجهها وكفّيها ‪ .‬ثمّ يصلّي ركعتين بنيّة الحرام ‪ .‬فإذا أتمّهما نوى بقلبه وقال بلسانه ‪ :‬اللّهمّ‬
‫إنّي أر يد الح جّ في سّره لي ‪ ،‬وتقبّله منّي ‪ .‬ث مّ يلبّي ‪ .‬وإذا كان ير يد العمرة فيقول ‪ :‬اللّه مّ إنّي‬
‫أريبد العمرة ‪ ،‬فيسبّرها لي ‪ ،‬وتقبّلهبا منّي ‪ .‬ثمّب يلبّي ‪ .‬وإذا كان قارنا فيسبتحبّ أن يقدّم ذكبر‬
‫العمرة على ذ كر الح جّ حتّى ل يشت به أنّه أد خل العمرة على الح جّ ‪ .‬ويقول ‪ :‬اللّه ّم إنّي أر يد‬
‫الح جّ والعمرة ‪ . . .‬إلخ ‪ ،‬ويلبّي ‪ .‬في صير بذلك محرما ‪ ،‬وتجري عل يه ‪ .‬أحكام الحرام الّ تي‬
‫ج والعمرة عن غيره فل بدّ أن يعيّن ذلك بقلبه ولسانه ‪ .‬ويسنّ‬
‫تقدّم بيانها ‪ .‬وإذا كان يؤدّي الح ّ‬
‫له الكثار من التّلبية ‪ .‬وأفضل صيغها ال صّيغة المأثورة ‪ « :‬لبّيك اللّه مّ لبّيك ‪ ،‬لبّيك ل شريك‬
‫لك لبّ يك ‪ ،‬إ نّ الح مد والنّع مة لك والملك ‪ ،‬ل شر يك لك » ‪ .‬وي ستحبّ ألّ ين قص من ها ‪ .‬قال‬
‫ّحاويب والقرطببيّ ‪ « :‬أجمبع العلماء على هذه التّلبيبة » ‪ .‬وأمّا الزّيادة على التّلبيبة ‪ ،‬فإن‬
‫ّ‬ ‫الط‬
‫كانت من المأثور فمستحبّ ‪ .‬وما ليس مرويّا فجائز أو حسن ‪ ،‬على تفصيل يذكر في موضع‬
‫آخر ( ر ‪ :‬تلبية )‬
‫موجب الحرام ‪:‬‬
‫‪ - 118‬إذا أحرم شخص بنسك وجب عليه إتمامه ولو كان نفلً في الصل ‪ .‬ويلزمه جميع ما‬
‫ل بعد أداء هذا النّسك ‪ ،‬على التّفصيل المتقدّم‬
‫يجب على المحرم فعله ‪ .‬ول يتحلّل من إحرامه إ ّ‬
‫‪ .‬ويتّ صل بهذا بيان أحكام ما يب طل الح جّ و ما يف سده و ما يم نع المض يّ ف يه ‪ - 119 .‬أمّا ما‬
‫يبطله فهبو ال ّردّة ‪ ،‬فإذا ارتدّ بطبل نسبكه ول يمضبي فيبه ‪ - 120 .‬أمّا مبا يفسبد النّسبك فهبو‬
‫الجماع ‪ ،‬وعليه أن يمضي في نسكه ث ّم القضاء من قابل إن كان حجّا على ما يأتي بيانه ‪ .‬وإن‬
‫كان عمرةً فعليه أن يمضي أيضا فيها ث مّ يقضيها ولو في عامه على التّفصيل ‪ - 121 .‬أمّا ما‬
‫يم نع ال ستمرار في النّ سك ‪ ،‬و هو الح صار والفوات ‪ ،‬فإ نّ أحكام ذلك ترد في مو ضع آ خر‬
‫( ر ‪ :‬إحصار ‪ .‬فوات ) ‪.‬‬

‫الفصل الثّامن‬
‫التّحلّل من الحرام‬
‫ل ما كان محظورا عليه وهو محرم ‪.‬‬
‫المراد بالتّحلّل هنا الخروج من الحرام وح ّ‬
‫وهو قسمان ‪ :‬تحلّل أصغر ‪ ،‬وتحلّل أكبر ‪.‬‬

‫التّحلّل الصغر‬
‫‪ - 122‬يكون التّحلّل الصغر بفعل أمرين من ثلثة ‪ :‬رمي جمرة العقبة ‪ ،‬والنّحر ‪ ،‬والحلق أو‬
‫ل ش يء ما عدا النّ ساء بالجماع ‪ ،‬والطّ يب ع ند‬
‫التّق صير ‪ .‬ويحلّ بهذا التّحلّل ل بس الثّياب وك ّ‬
‫سيّدة « عائشة رضي‬
‫البعض ‪ ،‬وال صّيد عند المالكيّة ‪ .‬والصل في هذا الخلف ما ورد عن ال ّ‬
‫ال عنها أنّها ضمّخت رسول اللّه صلى ال عليه وسلم بالمسك قبل أن يطوف طواف الفاضة‬
‫ل النّساء‬
‫ل شيء إ ّ‬
‫» ‪ .‬وقد جاء في بعض الحاديث ‪ :‬أنّه « إذا رمى جمرة العقبة فقد حلّ له ك ّ‬
‫والطّيب » ‪ ،‬لما أخرجه مالك في الموطّأ عن عمر رضي ال عنه أنّه خطب النّاس بعرفة ‪،‬‬
‫ل له ما حرّم على‬
‫ج ‪ ،‬وقال لهم فيما قال ‪ :‬إذا جئتم فمن رمى الجمرة ف قد ح ّ‬
‫وعلّمهم أمر الح ّ‬
‫ل النّ ساء والطّ يب ‪ .‬وأمّا ما ذ هب إل يه مالك من تحر يم ال صّيد كذلك فإنّه أ خذ بعموم‬
‫الحا جّ إ ّ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬ل تقتلوا الصّيد وأنتم حرم } ووجه الستدلل بالية أنّ الحاجّ يعتبر محرما ما‬
‫لم يطف طواف الفاضة ‪.‬‬
‫التّحلّل الكبر ‪:‬‬
‫‪ - 123‬هو التّحلّل الّذي تحلّ به جميع محظورات الحرام دون استثناء ‪ .‬ويبدأ الوقت الّذي‬
‫تصحّ أفعال التّحلّل الكبر فيه عند الحنفيّة والمالكيّة من طلوع فجر يوم النّحر ‪ ،‬وعند الشّافعيّة‬
‫والحنابلة من منت صف ليلة النّ حر ‪ ،‬وذلك تا بع لختلف هم في ما يح صل به التّحلّل ال كبر ‪ .‬أمّا‬
‫نهاية وقته فبحسب ما يتحلّل به ‪ ،‬فهو ل ينتهي إلّ بفعل ما يتحلّل به عند الحنفيّة والمالكيّة ؛‬
‫لنّه ل يفوت ‪ ،‬كمبا سبتعلم ‪ ،‬وهبو الطّواف ‪ .‬وأمّا عنبد الشّافعيّة والحنابلة فكذلك إن توقّف‬
‫التّحلّل الكبر على الطّواف أو الحلق ‪ ،‬أو ال سّعي ‪ .‬أمّا الرّمي فإنّه مؤقّت بغروب شمس آخر‬
‫أيّام التّشر يق ‪ ،‬فإذا توقّف عل يه التّحلّل ‪ ،‬ولم يرم حتّى آ خر أيّام التّشر يق ‪ ،‬فات و قت الرّ مي‬
‫بالكّليّة ‪ ،‬فيحلّ عند الحنابلة بمجرّد فوات الوقت ‪ ،‬وإن بقي عليه الفداء مقابل ذلك ‪ .‬وهذا قول‬
‫عند الشّافعيّة ‪ ،‬لكن الصحّ عندهم أنّه بفوات وقت الرّمي ينتقل التّحلّل إلى كفّارته ‪ ،‬فل يحلّ‬
‫حتّى يؤدّيها ‪.‬‬
‫ما يحصل به التّحلّل الكبر ‪:‬‬
‫‪ - 124‬يحصل التّحلّل الكبر عند الحنفيّة والمالكيّة بطواف الفاضة ‪ ،‬بشرط الحلق هنا باتّفاق‬
‫الطّرف ين ‪ .‬فلو أفاض ولم يحلق لم يتحلّل حتّى يحلق ع ند المذ هبين ‪ .‬زاد المالكيّة ‪ :‬أن يكون‬
‫ن ال سّعي ركن عند المالكيّة ‪ .‬وقال‬
‫ل به حتّى يسعى ‪ ،‬ل ّ‬
‫الطّواف مسبوقا بال سّعي ‪ ،‬وإلّ ل يح ّ‬
‫الحنفيّة ‪ :‬ل مد خل لل سّعي في التّحلّل ؛ لنّه وا جب م ستقلّ ‪ .‬وع ند الشّافعيّة والحنابلة يح صل‬
‫ن الحلق نسك ‪ ،‬واثنان‬
‫التّحلّل الكبر باستكمال أفعال التّحلّل الّتي ذكرناها ‪ :‬ثلثة على القول بأ ّ‬
‫على القول ال خر غ ير المشهور أنّه ل يس بن سك ‪ .‬وح صول التّحلّل ال كبر با ستكمال الفعال‬
‫ل اتّفاق العلماء‬
‫الثّلثة ‪ :‬رمي جمرة العقبة ‪ ،‬والحلق ‪ ،‬وطواف الفاضة المسبوق بالسّعي ‪ ،‬مح ّ‬
‫‪ ،‬وبه تحلّ جميع محظورات الحرام بالجماع ‪ - 125 .‬ث مّ إذا حصل التّحلّل الكبر في اليوم‬
‫الحجب ‪ ،‬ببل يجبب عليبه التيان بهبا ‪ ،‬وإن كان‬
‫ّ‬ ‫الوّل لجوازه مثلً فل يعنبي انتهاء كلّ أعمال‬
‫حللً ‪ ،‬وقبد ضربوا لهذا مثلً لطيفا يبيّن ح سن مو قع هذه العمال ب عد التّحلّليبن ‪ ،‬نحبو قول‬
‫الرّمليّ ‪ « :‬ويجب عليه التيان بما بقي من أعمال الح جّ ‪ ،‬وهو الرّمي والمبيت ‪ ،‬مع أنّه غير‬
‫محرم ‪ ،‬كما يخرج بالتّسليمة الولى من صلته ‪ ،‬ويطلب منه الثّانية ‪" .‬‬
‫التّحلّل من إحرام العمرة ‪:‬‬
‫‪ - 126‬اتّفقوا على أنببّ للعمرة تحلّلً واحدا يحلّ بببه للمحرم جميببع محظورات الحرام ‪.‬‬
‫ويح صل هذا التّحلّل بالحلق أو التّق صير باتّفاق المذا هب على اختلف هم في حك مه في منا سك‬
‫العمرة ‪.‬‬

‫ما يرفع الحرام‬


‫‪ - 127‬يرفع الحرام ‪ ،‬بتحويله عمّا نواه المحرم ‪ ،‬أمران ‪:‬‬
‫‪ - 1‬فسخ الحرام ‪.‬‬
‫‪ - 2‬رفض الحرام ‪.‬‬
‫أنب مبن كان مفردا أو قارنا ( إذا لم يكبن قبد سباق الهدي )‬
‫ذهبب الحنابلة خلفا للجمهور إلى ّ‬
‫ج ‪ ،‬وينوي عمر ًة مفردةً ‪ ،‬ث ّم يهلّ بالحجّ ‪ .‬وهذا‬
‫ب له إذا طاف وسعى أن يفسخ نيّته بالح ّ‬
‫يستح ّ‬
‫ن رسول اللّه صلى‬
‫مبن يّ عندهم على أفضليّة التّمتّع ‪ .‬واستدلّ الحنابلة بما روى ابن عمر « أ ّ‬
‫ل من ش يء حرم م نه‬
‫ال عل يه و سلم لمّا قدم مكّة قال للنّاس ‪ :‬من كان من كم أهدى فإنّه ل يح ّ‬
‫حتّى يق ضي حجّه ‪ ،‬و من لم ي كن من كم أهدى فلي طف بالب يت وبال صّفا والمروة ‪ ،‬وليق صّر ‪،‬‬
‫وليحلل ‪ ،‬ث مّ ليهلّ بالح جّ ‪ ،‬ولي هد » ‪ .‬أخر جه البخار يّ وم سلم ‪ .‬وا ستدلّ الجمهور على م نع‬
‫فسبخ الحجّب بأدلّة منهبا قوله تعالى ‪ { :‬وأتمّوا الحجّب والعمرة للّه } فقبد أمبر اللّه تعالى بإكمال‬
‫ب منهمبا ‪ ،‬والفسبخ ضدّ التمام ‪ ،‬فل يكون‬
‫ب وأفعال العمرة لمبن شرع فبي أي ّ‬
‫أفعال الحج ّ‬
‫مشروعا ‪ ،‬ومنها الحاديث الّتي شرع بها الفراد والقران ‪ ،‬وقد سبق ذكرها ‪.‬‬
‫رفض الحرام‬
‫‪ - 128‬رفض الحرام ‪ :‬هو ترك المض يّ في النّسك بزعم التّحلّل منه قبل إتمامه ‪ .‬ورفض‬
‫الحرام لغو باتّفاق العلماء ‪ ،‬ول يبطل به الحرام ‪ ،‬ول يخرج به عن أحكامه ‪.‬‬
‫ما يبطل الحرام ‪:‬‬
‫‪ - 129‬يبطل الحرام بأمر واحد فقط ‪ ،‬متّفق عليه بين الجميع ‪ :‬هو الرّدّة عن السلم ‪ ،‬عياذا‬
‫باللّه تعالى وذلك لنّهبم اتّفقوا على كون السبلم شرطا لصبحّة النّسبك ‪ .‬ويتفرّع على بطلن‬
‫الحرام أنّه ل يمضي في متابعة أعمال ما أحرم به ‪ ،‬خلفا للفاسد ‪ .‬وأمّا إذا أسلم وتاب عن‬
‫ردّته فل يمضي أيضا ؛ لبطلن إحرامه ‪ .‬الفصل التّاسع‬
‫أحكام خاصّة في الحرام‬
‫ص لب عض‬
‫‪ - 130‬و هي أحكام م ستثناة من عموم أحكام الحرام العامّة ‪ ،‬ب سبب و ضع خا ّ‬
‫الشخاص ‪ ،‬أو بسبب طروء بعض الطّوارئ ‪ ،‬كما في السّرد التّالي ‪ :‬أ ‪ -‬إحرام المرأة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إحرام الصّبيّ ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬إحرام العبد والمة ‪.‬‬
‫د ‪ -‬إحرام المغمى عليه ‪.‬‬
‫ه ب ‪ -‬ن سيان ما أحرم به ‪ .‬و قد تقدّم ب عض ذلك ‪ ،‬وندرس ما ب قي من ها ‪ ،‬كلّا من ها وحده ‪.‬‬
‫ج الصّبيّ وصحّة إحرامه ‪:‬‬
‫إحرام الصّبيّ مشروعيّة ح ّ‬
‫ن ما يؤدّيه من عبادة أو من ح جّ‬
‫ج ال صّبيّ ‪ ،‬وعمرته ‪ ،‬وأ ّ‬
‫‪ - 131‬اتّفق العلماء على صحّة ح ّ‬
‫أو من عمرة يكون تطوّعا ‪ ،‬فإذا بلغ و جب عل يه حجّة فرض ال سلم ‪ .‬وإذا كان أداء ال صّبيّ‬
‫للنّسك صحيحا كان إحرامه صحيحا قطعا ‪ .‬صفة إحرام الصّبيّ ‪:‬‬
‫‪ - 132‬ينقسم الصّبيّ بالنّسبة إلى مرحلة صباه إلى قسمين ‪ :‬صبيّ مميّز ‪ ،‬وصبيّ غير مميّز ‪.‬‬
‫للسبنّ ‪ - 133 .‬أم ّا‬
‫وضاببط الممي ّز ‪ :‬هبو الّذي يفهبم الخطاب ويردّ الجواب ‪ ،‬دون اعتبار ّ‬
‫ح النّيابة عنه في الحرام‬
‫الصّبيّ المميّز ‪ :‬فعند الحنفيّة والمالكيّة ينعقد إحرامه بنفسه ‪ ،‬ول تص ّ‬
‫‪ ،‬لعدم جواز النّيابة عند عدم الضّرورة ‪ .‬ول تتوقّف صحّة إحرامه على إذن الوليّ ‪ ،‬بل يصحّ‬
‫ي فقد صرّح المالكيّة أ نّ‬
‫إحرامه بإذن الول يّ ‪ ،‬وبغير إذن الول يّ ‪ ،‬لكن إذا أحرم بغير إذن الول ّ‬
‫للول يّ تحليله ‪ ،‬وله إجازة فعله وإبقاؤه على إحرا مه بح سب ما يرى من الم صلحة ‪ .‬فإن كان‬
‫يرت جي بلو غه فالولى تحليله ليحرم بالفرض ب عد بلو غه ‪ .‬فإن أحرم بإذ نه لم ي كن له تحليله ‪،‬‬
‫أمّا إذا أراد الول يّ الرّجوع عن الذن ق بل الحرام فقال الحطّاب ‪ « :‬الظّا هر أ نّ له الرّجوع ‪،‬‬
‫ل سبيّما إذا كان لمصبلحته » ‪ .‬ولم يصبرّح بذلك الحنفيّة ‪ .‬ولعلّه يدخبل فبي الحصبار بمنبع‬
‫ل بإذن وليّه ‪ ،‬بل قال‬
‫ال سّلطان عند هم ‪ .‬وذ هب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه ل ينع قد إحرا مه إ ّ‬
‫ح عند هم في الم سألتين ‪ .‬أمّا ع ند الحنابلة فل‬
‫ح إحرام وليّه ع نه ‪ ،‬على ال ص ّ‬
‫الشّافعيّة ‪ :‬ي ص ّ‬
‫يحرم عنه وليّه لعدم الدّليل ‪ .‬ويفعل ال صّبيّ ال صّغير المميّز كلّ ما يستطيع أن يفعله بنف سه ‪،‬‬
‫ل طيبف ببه ‪ ،‬وكذلك السبّعي وسبائر المناسبك ‪ .‬ول‬
‫فإن قدر على الطّواف علّمبه فطاف ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ل ما ل يقدر الصّبيّ على أدائه ينوب عنه وليّه في‬
‫تجوز النّيابة عنه فيما قدر عليه بنفسه ‪ ،‬وك ّ‬
‫أدائه ‪ - 134 .‬وأمّا ال صّبيّ غير المميّز ‪ -‬ومثله المجنون جنونا مطبقا ‪ -‬فيحرم عنه وليّه ‪،‬‬
‫ج ‪ ،‬مثلً ‪ .‬ول يس المراد أ نّ الول يّ يحرم‬
‫بأن يقول ‪ :‬نو يت إدخال هذا ال صّبيّ في حرمات الح ّ‬
‫في نفسه ويقصد النّيابة عن ال صّبيّ ‪ .‬ول ينعقد إحرام ال صّبيّ غير المميّز بنفسه اتّفاقا ‪135 .‬‬
‫‪ -‬ويؤدّي الول يّ بال صّبيّ غير المميّز المناسك ‪ ،‬فيجرّده من المخيط والمحيط إن كان ذكرا ‪،‬‬
‫ويكشف وجه النثى وكفّيها كالكبيرة على ما سبق فيه ويطوف به ويسعى ‪ ،‬ويقف به بعرفة‬
‫والمزدل فة ‪ ،‬وير مي ع نه ‪ ،‬ويجنّ به محظورات الحرام ‪ ،‬وهكذا ‪ .‬ل كن ل ي صلّي ع نه ركع تي‬
‫الحرام أو الطّواف ‪ ،‬بل ت سقطان ع نه ع ند الحنفيّة والمالكيّة ‪ ،‬أمّا ع ند الشّافعيّة في صلّيهما‬
‫ن المالكيّة خفّفوا في الحرام والتّجرّد من الثّياب ‪،‬‬
‫لأّ‬
‫الوليّ عنه ‪ ،‬وهو ظاهر كلم الحنابلة ‪ .‬إ ّ‬
‫فقالوا ‪ « :‬يحرم الول يّ بال صّغير غ ير المميّز ‪ ،‬ويجرّده من ثيا به قرب مكّة ‪ ،‬لخوف المشقّة‬
‫وحصبول الضّرر ‪ .‬فإن كانبت المشقّبة أو الضّرر يتحقّبق بتجريده قرب مكّبة أحرم بغيبر‬
‫تجريده ‪ ،‬كما هو الظّاهر من كلمهم ‪ -‬ويفدي » ‪.‬‬
‫بلوغ الصّبيّ في أثناء النّسك ‪:‬‬
‫‪ - 136‬إن بلغ ال صّبيّ الحلم بعدما أحرم ‪ ،‬فمضى في نسكه على إحرا مه الوّل ‪ ،‬لم يجزه‬
‫ي الحرام ق بل‬
‫حجّه عن فرض ال سلم ع ند الحنفيّة والمالكيّة ‪ .‬وقال الحنفيّة ‪ :‬لو جدّد ال صّب ّ‬
‫ن إحرام ال صّبيّ غير لزم‬
‫الوقوف بعرفة ‪ ،‬ونوى حجّة السلم ‪ ،‬جاز عن حجّة السلم ؛ ل ّ‬
‫لعدم أهليّ ته للّزوم عل يه ‪ .‬وقال المالكيّة ل يرت فض إحرا مه ال سّابق ‪ ،‬ول يجز يه إرداف إحرام‬
‫عل يه ‪ ،‬ول ينقلب إحرا مه عن الفرض ‪ ،‬لنّه اختلّ شرط الوقوع فرضا ‪ ،‬و هو ثبوت الحرّيّة‬
‫ل ‪ .‬أمّا‬
‫والتّكليف ‪ ،‬وقت الحرام ‪ .‬وهذا لم يكن مكلّفا وقت الحرام ‪ ،‬فل يقع نسكه هذا إلّ نف ً‬
‫ج ينظر إلى حاله من الوقوف فينقسم إلى‬
‫الشّافعيّة والحنابلة فقالوا ‪ :‬إن بلغ الصّبيّ في أثناء الح ّ‬
‫قسمين ‪ :‬الوّل ‪ :‬أن يبلغ بعد خروج وقت الوقوف ‪ ،‬أو قبل خروجه وبعد مفارقة عرفات لكن‬
‫لم ي عد إلي ها ب عد البلوغ ‪ ،‬فهذا ل يجز يه حجّه عن حجّة ال سلم ‪ .‬الثّا ني ‪ :‬أن يبلغ في حال‬
‫الوقوف ‪ ،‬أو يبلغ بعد وقوفه بعرفة ‪ ،‬فيعود ويقف بها في وقت الوقوف ‪ ،‬أي قبل طلوع فجر‬
‫يوم النّحر ‪ ،‬فهذا يجزيه حجّه عن حجّة السلم ‪ .‬لكن يجب عليه إعادة ال سّعي إن كان سعى‬
‫عقب طواف القدوم قبل البلوغ ‪ ،‬ول دم عليه ‪ .‬أمّا في العمرة ‪ :‬فالطّواف في العمرة كالوقوف‬
‫ج ‪ ،‬إذا بلغ قبل طواف العمرة أجزأه عن عمرة السلم ‪ ،‬عند من يقول بوجوبها‬
‫بعرفة في الح ّ‬
‫‪.‬‬

‫إحرام المغمى عليه‬


‫‪ - 137‬للمغمى عليه حالن ‪ :‬أن يغمى عليه قبل الحرام ‪ ،‬أو يغمى عليه بعد الحرام ‪.‬‬
‫أ ّولً ‪ :‬من أغمي عليه قبل الحرام ‪:‬‬
‫‪ - 138‬في المذاهب الثّلثة المالكيّ والشّافعيّ والحنبليّ ‪ :‬ل إحرام له ‪ ،‬ول يحرم عنه أحد من‬
‫رفقته ول غيرهم ‪ ،‬سواء أمرهم بذلك قبل أن يغمى عليه أو لم يأمرهم ‪ ،‬ولو خيف فوات الحجّ‬
‫ن الغماء مظنّة عدم الطّول ‪ ،‬وير جى زواله عن قرب غالبا ‪ .‬وذ هب الحنفيّة إلى‬
‫عل يه ؛ ل ّ‬
‫جواز الحرام عن المغمى عليه ‪ ،‬على تفصيل بين المام وصاحبيه ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬من توجّه إلى الب يت الحرام ير يد الح جّ فأغ مي عل يه ق بل الحرام ‪ ،‬أو نام و هو مر يض‬
‫فنوى عنه ولبّى أحد رفقته ‪ ،‬وكذا من غير رفقته وكان قد أمرهم بالحرام عنه قبل الغماء ‪،‬‬
‫ح الحرام عنه ‪ ،‬ويصير المغمى عليه محرما بنيّة رفيقه وتلبيته عنه اتّفاقا بين أئمّة الحنفيّة‬
‫صّ‬
‫‪ .‬ويجزيه عن حجّة السلم ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إن أحرم عنه بعض رفقته أو غيرهم بل أمر سابق على الغماء صحّ كذلك عند المام‬
‫ح عند صاحبيه أبي يوسف ومحمّد ‪.‬‬
‫أبي حنيفة ‪ ،‬ولم يص ّ‬
‫فروع‬
‫‪ - 139‬أ ‪ -‬إن أفاق المغمى عليه بعدما أحرم عنه غيره ‪ ،‬فهو عند الحنفيّة محرم يتابع النّسك‬
‫‪ .‬وع ند غير هم ل عبرة بإحرام غيره ع نه ‪ ،‬فإن كان بح يث يدرك الوقوف بعر فة أحرم‬
‫بالح جّ ‪ ،‬وأدّى المنا سك ‪ ،‬وإلّ فإنّه يحرم بعمرة ‪ .‬ول ينط بق عل يه ح كم الفوات ع ند الثّل ثة ؛‬
‫لنّه لم يكن محرما ‪.‬‬
‫‪ - 140‬ب ‪ -‬ل يجبب على مبن أحرم عبن المغمبى عليبه تجريده مبن المخيبط وإلباسبه غيبر‬
‫ن ذلك ليس هو الحرام ‪ ،‬بل كفّ عن بعض محظورات الحرام ‪.‬‬
‫المخيط لصحّة الحرام ؛ ل ّ‬
‫حتّى إذا أفاق وجب عليه أفعال النّسك ‪ ،‬والكفّ عن المحظورات ‪.‬‬
‫‪ - 141‬ج ‪ -‬لو ارتكبب المغمبى عليبه الّذي أحرم عنبه غيره محظورا مبن محرّمات الحرام‬
‫لزمبه موجببه ‪ ،‬أي كفّارتبه ‪ ،‬وإن كان غيبر قاصبد للمحظور ‪ .‬ول يلزم الرّفيبق الّذي أحرم‬
‫ن هذا الرّفيق أحرم عن نفسه بطريق الصالة ‪ ،‬وعن المغمى عليه بطريق النّيابة ‪،‬‬
‫عنه ؛ ل ّ‬
‫كالول يّ يحرم عن ال صّغير ‪ .‬فينتقل إحرامه إليه ‪ ،‬فيصير محرما كما لو نوى هو ولبّى ‪ ،‬ولذا‬
‫ي ‪ -‬محظورا لزمه جزاء واحد لحرام نفسه ‪ ،‬ول شيء عليه‬
‫لو ارتكب هو أيضا ‪ -‬أي الول ّ‬
‫من جهة إهلله عن غيره عند الحنفيّة كما سبق ‪.‬‬
‫‪ - 142‬د ‪ -‬إذا لم يفق المغمى عليه فهل يشهد به رفقته المشاهد ‪ ،‬على أساس الحرام عنه‬
‫الّذي قال به الحنفيّة ؟ هناك قولن ع ند الحنفيّة ‪ :‬ق يل ‪ :‬ل ي جب على الرّفقاء أن يشهدوا به‬
‫المشا هد ‪ ،‬كالطّواف والوقوف والرّ مي والوقوف بمزدل فة ‪ ،‬بل مباشرت هم ع نه تجز يه ‪ ،‬ل كن‬
‫إحضاره أولى ‪ ،‬على ما صرّح به ب عض أ صحاب هذا القول ‪ .‬وهذا ال صحّ على ما أفاد في‬
‫ردّ المحتار المعت مد في الفتوى في مذ هب الحنفيّة ‪ ،‬ل كن ل ب ّد للجزاء ع نه من نيّة الوقوف‬
‫عنه ‪ ،‬والطّواف عنه بعد طواف النّائب عن نفسه ‪ ،‬وهكذا ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬من أغمي عليه بعد إحرامه بنفسه ‪:‬‬


‫‪ - 143‬الغماء بعد الحرام ل يؤثّر في صحّته ‪ ،‬باتّفاق الئمّة ‪ .‬وعلى ذلك فهذا حمله متعيّن‬
‫على رفقائه ‪ ،‬ول سبيّما للوقوف بعرفبة ‪ ،‬فإن ّه يصبحّ ولو كان نائما أو مغم ًى عليبه ‪ ،‬على‬
‫ج " ومصطلح « عمرة » ‪.‬‬
‫تفصيل في أداء المناسك له يطلب في موضعه من مصطلح « ح ّ‬
‫نسيان ما أحرم به‬
‫‪ - 144‬من أحرم بشيء معيّن ‪ ،‬مثل ح جّ ‪ ،‬أو عمرة ‪ ،‬أو قران ‪ ،‬ثمّ نسي ما أحرم به ‪ ،‬لزمه‬
‫ي والمالك يّ والشّافع يّ ‪ .‬وذ هب‬
‫ج وعمرة ‪ .‬ويع مل ع مل القران في المذاهب الثّل ثة ‪ :‬الحنف ّ‬
‫ح ّ‬
‫الحنابلة إلى أنّه يصرف إحرامه إلى أيّ نسك شاء ‪ ،‬ويندب صرفه إلى العمرة خاصّةً ‪.‬‬

‫الفصل العاشر‬
‫في كفّارات محظورات الحرام‬
‫تعريفها ‪:‬‬
‫‪ - 145‬المراد بالكفّارة هنا ‪ :‬الجزاء الّذي يجب على من ارتكب شيئا من محظورات الحرام‬
‫‪ .‬وهذه الجزية أنواع ‪:‬‬
‫‪ - 1‬الفديبة ‪ :‬حيبث أطلقبت فالمراد الفديبة المخيّرة الّتبي نصّب عليهبا القرآن فبي قوله تعالى ‪:‬‬
‫{ ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } ‪.‬‬
‫ل موضع أطلق فيه الدّم أو الهدي تجزئ فيه الشّاة ‪،‬‬
‫‪ - 2‬الهدي ‪ :‬وربّما عبّر عنه بالدّم ‪ .‬وك ّ‬
‫إلّ من جامع بعد الوقوف بعرفة فعليه بدنة ( أي من البل ) اتّفاقا ‪ .‬أمّا من جامع قبل الوقوف‬
‫فإنّه يفسد حجّه اتّفاقا وعليه بدنة عند الثّلثة ‪ ،‬وقال الحنفيّة ‪ :‬عليه شاة ‪ ،‬ويمضي في حجّه ‪،‬‬
‫ويقضيه ‪.‬‬
‫‪ - 3‬ال صّدقة ‪ :‬ح يث أطلق وجوب " صدقة " عند الحنفيّة من غير بيان مقدارها فإنّه يجب‬
‫نصف صاع من برّ ( قمح ) أو صاع من شعير أو تمر ‪.‬‬
‫‪ - 4‬ال صّيام ‪ :‬ي جب ال صّيام على التّخي ير في الفد ية ‪ ،‬و هو ثل ثة أيّام ‪ .‬وي جب في مقابلة‬
‫الطعام ‪.‬‬
‫‪ - 5‬الضّمان بالمثل ‪ :‬في جزاء الصّيد ‪ ،‬على ما سيأتي ‪.‬‬
‫‪ - 146‬يستوي إحرام العمرة مع إحرام الحجّ في عقوبة الجناية عليه ‪ .‬إلّ من جامع في العمرة‬
‫ق بل أداء ركن ها ‪ ،‬فتف سد اتّفاقا ك ما ذكر نا ‪ ،‬وعل يه شاة ع ند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬وقال الشّافعيّة‬
‫والمالكيّة ‪ :‬عليه بدنة ‪ .‬المبحث الوّل في كفّارة محظورات التّرفّه ‪.‬‬
‫‪ - 147‬يتناول هذا البحث كفّارة محظورات اللّبس ‪ ،‬وتغطية الرّأس ‪ ،‬والدّهان ‪ ،‬والتّطيّب ‪،‬‬
‫وحلق الشّ عر أو إزال ته أو قط عة من الرّأس أو غيره ‪ ،‬وقلم الظّ فر ‪ .‬أ صل كفّارة محظورات‬
‫التّرفّه ‪.‬‬
‫فإنب عليبه‬
‫أنب مبن فعبل مبن المحظورات شيئا لعذر مرض أو دفبع أذًى ّ‬
‫‪ - 148‬اتّفقوا على ّ‬
‫الفدية ‪ ،‬يتخيّر فيها ‪ :‬إمّا أن يذبح هديا ‪ ،‬أو يتصدّق بإطعام ستّة مساكين ‪ ،‬أو يصوم ثلثة أيّام‬
‫‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬ول تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه فمن كان منكم مريضا أو به أذًى‬
‫من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } ‪ .‬ولما ورد عن كعب بن عجرة رضي ال عنه‬
‫أ نّ ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم قال له ح ين رأى هوا مّ رأ سه ‪ « :‬أيؤذ يك هوا ّم رأ سك ؟‬
‫قال ‪ :‬قلت ‪ :‬نعم ‪ .‬قال ‪ :‬فاحلق ‪ ،‬وصم ثلثة أيّام ‪ ،‬أو أطعم ستّة مساكين ‪ ،‬أو انسك نسيك ًة »‬
‫متّ فق عل يه ‪ - 149 .‬وأمّا العا مد الّذي ل عذر له ف قد اختلفوا ف يه ‪ :‬فذ هب المالكيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة إلى أنّه يتخيّر ‪ ،‬كالمعذور ‪ ،‬وعليه إثم ما فعله ‪ .‬واستدلّوا بالية ‪ .‬وذهب الحنفيّة إلى‬
‫ن العامد ل يتخيّر ‪ ،‬بل يجب عليه الدّم عينا أو ال صّدقة عينا ‪ ،‬حسب جنايته ‪ .‬واستدلّوا على‬
‫أّ‬
‫ن التّخي ير شرع في ها ع ند العذر من مرض أو أذًى ‪،‬‬
‫ذلك بالدلّة ال سّابقة ‪ .‬و جه ال ستدلل ‪ :‬أ ّ‬
‫وغيبر المعذور جنايتبه أغلظ ‪ ،‬فتتغلّظ عقوبتبه ‪ ،‬وذلك بنفبي التّخييبر فبي حقّه ‪ - 150 .‬وأمّا‬
‫المعذور بغيبر الذى والمرض ‪ :‬كالنّاسبي والجاهبل بالحكبم والمكره والنّائم والمغمبى عليبه ‪،‬‬
‫ن الرتفاق‬
‫فحك مه ع ند الحنفيّة المالكيّة ح كم العا مد ‪ ،‬على ما سبق ‪ .‬وو جه حك مه هذا ‪ :‬أ ّ‬
‫حصل له ‪ ،‬وعدم الختيار أسقط الثم عنه ‪ ،‬كما وجّهه الحنفيّة ‪ .‬وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى‬
‫ص الشّعر أو قلم الظّفر ‪ ،‬وجناية ليس فيها‬
‫التّمييز بين جناية فيها إتلف ‪ ،‬وهي هنا الحلق أو ق ّ‬
‫إتلف ‪ ،‬وهي ‪ :‬اللّبس وتغطية الرّأس ‪ ،‬والدّهان والتّطيّب ‪ .‬فأوجبوا الفدية في التلف ؛ لنّه‬
‫يستوي عمده وسهوه ‪ ،‬ولم يوجبوا فديةً في غير التلف ‪ ،‬بل أسقطوا الكفّارة عن صاحب أيّ‬
‫عذر من هذه العذار ‪.‬‬
‫تفصيل كفّارة محظورات التّرفّه‬
‫‪ - 151‬الصل في هذا التّفصيل هو القياس على الصل ال سّابق المنصوص عليه في الكتاب‬
‫سنّة بخ صوص الحلق ‪ ،‬فقاس الفقهاء عل يه سائر م سائل الف صل بجا مع اشتراك الجم يع في‬
‫وال ّ‬
‫العلّة و هي التّرفّه ‪ ،‬أو الرتفاق ‪ .‬و قد اختلفوا في ب عض التّفا صيل ‪ ،‬في القدر الّذي يو جب‬
‫الفد ية من المحظور ‪ ،‬وفي تفاوت الجزاء بتفاوت الجنا ية ‪ ،‬وذلك ب سبب اختلف أنظار هم في‬
‫المقدار الّذي يحصل به التّرفّه والرتفاق الّذي هو علّة وجوب الفدية ‪ ،‬فالحنفيّة اشترطوا كمال‬
‫الجناية ‪ ،‬فلم يوجبوا الدّم أو الفداء إلّ لمقادير تحقّق ذلك في نظرهم ‪ ،‬وغيرهم مال إلى اعتبار‬
‫ل محظور من محظورات التّرفّه فيما يلي ‪:‬‬
‫الفعل نفسه جناي ًة ‪ .‬وتفصيل المذاهب في ك ّ‬
‫ل ‪ :‬اللّباس ‪:‬‬
‫أ ّو ً‬
‫‪ - 152‬من لبس شيئا من محظور اللّبس ‪ ،‬أو ارتكب تغطية الرّأس ‪ ،‬أو غير ذلك ‪ ،‬فقال فقهاء‬
‫الحنفيّة ‪ :‬إن ا ستدام ذلك نهارا كاملً أو ليلةً و جب عل يه الدّم ‪ .‬وكذا إذا غطّت المرأة وجه ها‬
‫بساتر يلمس بشرتها على ما سبق من التّفصيل فيه ( ف ‪ ) 67‬وإن كان أقلّ من يوم أو أقلّ‬
‫من ليلة فعليه صدقة عند الحنفيّة ‪ .‬وفي أقلّ من ساعة عرفيّة قبضة من برّ ‪ ،‬وهي مقدار ما‬
‫يح مل الك فّ ‪ .‬ومذ هب الشّافع يّ وأح مد أنّه ي جب الفداء بمجرّد اللّ بس ‪ ،‬ولو لم ي ستمرّ زمنا ؛‬
‫لنب الرتفاق يحصبل بالشتمال على الثّوب ‪ ،‬ويحصبل محظور الحرام ‪ ،‬فل يتقي ّد وجوب‬
‫ّ‬
‫الفدية بالزّمن ‪ .‬وعند المالكيّة يشترط لوجوب الفدية من لبس الثّوب أو الخ فّ أو غيرهما من‬
‫محظورات اللّببس أن ينتفبع ببه مبن حرّ أو برد ‪ ،‬فإن لم ينتفبع ببه مبن حرّ أو برد بأن لببس‬
‫قميصا رقيقا ل يقي حرّا ول بردا يجب الفداء إن امتدّ لبسه مدّةً كاليوم ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬التّطيّب ‪:‬‬
‫‪ - 153‬يجب الفداء عند الثّلثة المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ليّ تطيّب ممّا سبق بيان حظره ‪،‬‬
‫دون تقييبد بأن يطيّب عضوا كاملً ‪ ،‬أو مقدارا مبن الثّوب معيّنا ‪ .‬وفرّق الحنفيّة بيبن تطيّب‬
‫وتطيّب ‪ ،‬وفصّلوا ‪ :‬أمّا في البدن فقالوا ‪ :‬تجب شاة إن طيّب المحرم عضوا كاملً مثل الرّأس‬
‫وال يد وال سّاق ‪ ،‬أو ما يبلغ عضوا كاملً ‪ .‬والبدن كلّه كع ضو وا حد إن اتّ حد مجلس التّطيّب ‪،‬‬
‫وإن تفرّق المجلس فلكلّ طيب كفّارة ‪ ،‬وتجب إزالة الطّيب ‪ ،‬فلو ذبح ولم يزله لزمه دم آخر ‪.‬‬
‫ن الجناية تتكامل بتكامل الرتفاق ‪ ،‬وذلك في العضو الكامل ‪ ،‬فيترتّب‬
‫ووجه وجوب الشّاة ‪ :‬أ ّ‬
‫ل أن يكون الطّيب‬
‫ل من عضو فعليه ال صّدقة لقصور الجناية ‪ ،‬إ ّ‬
‫كمال الموجب ‪ .‬وإن طيّب أق ّ‬
‫كثيرا فعليه دم ‪ .‬ولم يشرط الحنفيّة استمرار الطّيب لوجوب الجزاء ‪ ،‬بل يجب بمجرّد التّطيّب‬
‫‪ .‬وأمّا تطييب الثّوب ‪ :‬فيجب فيه الدّم عند الحنفيّة بشرطين ‪ :‬أوّلهما ‪ :‬أن يكون كثيرا ‪ ،‬وهو‬
‫ما ي صلح أن يغطّي م ساح ًة تز يد على شبر في شبر ‪ .‬والثّا ني ‪ :‬أن ي ستمرّ نهارا ‪ ،‬أو ليلةً ‪.‬‬
‫ل الشّرطان معا و جب التّ صدّق بقب ضة من‬
‫فإن اختلّ أ حد الشّرط ين وج بت ال صّدقة ‪ ،‬وإن اخت ّ‬
‫قمح ‪.‬‬
‫‪ - 154‬لو طيّب محرم محرما أو حللً فل شيء على الفاعل ما لم يمسّ الطّيب ‪ ،‬عند الحنفيّة‬
‫‪ .‬وعلى الطّرف الخر الدّم إن كان محرما وإن كان مكرها ‪ .‬وعند الثّلثة التّفصيل التي في‬
‫مسألة الحلق ( ف ‪ ) 157‬لكن عليه في حال ل تلزمه فيه الفدية ألّ يستديمه ‪ ،‬بل يبادر بإزالته‬
‫‪ .‬فإن تراخى لزمه الفداء ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬الحلق أو التّقصير ‪:‬‬
‫ن الرّبع يقوم‬
‫‪ - 155‬مذهب الحنفيّة أ نّ من حلق ربع رأسه أو ربع لحي ته ي جب عليه دم ؛ ل ّ‬
‫مقام الكلّ ‪ ،‬في جب ف يه الفداء الّذي دلّت عل يه ال ية الكري مة ‪ .‬ولو حلق رأ سه ولحي ته وإبط يه‬
‫ل بد نه في مجلس وا حد فعل يه دم وا حد ‪ ،‬وإن اختل فت المجالس فلكلّ مجلس موج به ‪ .‬وإن‬
‫وك ّ‬
‫حلق خصل ًة من شعره أقلّ من الرّبع يجب عليه الصّدقة ‪ ،‬أمّا إن سقط من رأسه أو لحيته عند‬
‫الوضوء أو الح كّ ثلث شعرات فعل يه بكلّ شعرة صدقة ( ك فّ من طعام ) ‪ .‬وإن حلق رقب ته‬
‫كلّها ‪ ،‬أو إبطيه ‪ ،‬أو أحدهما ‪ ،‬يجب الدّم ‪ .‬أمّا إن حلق بعض واحد منهما ‪ ،‬وإن كثر ‪ .‬فتجب‬
‫ال صّدقة ؛ ل نّ حلق جزء ع ضو من هذه الشياء ل يس ارتفاقا كاملً ‪ ،‬لعدم جريان العادة بحلق‬
‫ن في حلق الشّارب حكو مة عدل ‪ ،‬بأن‬
‫ل ال صّدقة ‪ .‬وقرّر الحنفيّة أ ّ‬
‫الب عض في ها ‪ ،‬فل ي جب إ ّ‬
‫ين ظر إلى هذا المأخوذ كم يكون من ر بع اللّح ية ‪ ،‬في جب عل يه بح سابه من الطّعام ‪ .‬وذ هب‬
‫المالكيّة إلى أنّه إن أ خذ ع شر شعرات فأقلّ ‪ ،‬ولم يق صد إزالة الذى ‪ ،‬ي جب عل يه أن يت صدّق‬
‫بحف نة ق مح ‪ ،‬وإن أزال ها بق صد إما طة الذى ت جب الفد ية ‪ ،‬ولو كا نت شعرةً واحدةً ‪ .‬وت جب‬
‫الفدية أيضا إذا أزال أكثر من عشر شعرات ل يّ سبب كان ‪ .‬وشعر البدن كلّه سواء ‪ .‬وذهب‬
‫الشّافع يّ وأح مد إلى أنّه ت جب الفد ية لو حلق ثلث شعرات فأك ثر ‪ ،‬ك ما ت جب لو حلق جم يع‬
‫بع البدن ‪ ،‬بشرط اتّحاد المجلس ‪ ،‬أي الزّمان والمكان ‪ .‬ولو حلق شعرةً أو‬
‫بل جميب‬
‫الرّأس ‪ ،‬بب‬
‫شعرتيبن ففبي شعرة مدّ ‪ ،‬وفبي شعرتيبن مدّان من الق مح ‪ ،‬و سواء فبي ذلك كلّه شعبر الرّأس‬
‫وشعر البدن ‪.‬‬
‫‪ - 156‬أمّا إذا سقط شعر المحرم بنفسه من غير صنع آدميّ فل فدية باتّفاق المذاهب ‪.‬‬
‫ل المسألة إذا كان الحلق لغير‬
‫‪ - 157‬إذا حلق محرم رأس غيره ‪ ،‬أو حلق غيره رأسه ‪ -‬ومح ّ‬
‫التّحلّل ‪ -‬فعلى المحرم المحلوق الدّم عنبد الحنفي ّة ‪ ،‬ولو كان كارها ‪ .‬وأم ّا غيرهبم فعندهبم‬
‫تف صيل في ح قّ الحالق والمحلوق ‪ .‬ولهذه الم سألة ثلث صور تقتضي ها الق سمة العقليّة نبيّن‬
‫حكمهبا فيمبا يلي ‪ :‬الصبّورة الولى ‪ :‬أن يكونبا محرميبن ‪ ،‬فعلى المحرم الحالق صبدقة عنبد‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬سواء حلق بأمر المحلوق أو بغ ير أمره طائعا أو مكرها ‪ ،‬ما لم ي كن حل قه في أوان‬
‫الحلق ‪ .‬فإن كان ف يه ‪ ،‬فل ش يء عل يه ‪ .‬وقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إن حلق له بغ ير‬
‫رضاه فالفد ية على الحالق ‪ ،‬وإن كان برضاه فعلى المحلوق فد ية ‪ ،‬وعلى الحالق فد ية ‪ ،‬وق يل‬
‫حفنة ‪ .‬الصّورة الثّانية ‪ :‬أن يكون الحالق محرما والمحلوق حللً ‪ ،‬فكذلك على الحالق المحرم‬
‫صدقة عند الحنفيّة ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬يفتدي الحالق ‪ .‬وعندهم في تفسيره قولن ‪ :‬قول أنّه يطعم‬
‫قدر حفنة ‪ ،‬أي ملء يد واحدة من طعام ‪ ،‬وقول أ نّ عليه الفدية ‪ .‬وقال الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬ل‬
‫حقب الحرام ‪.‬‬
‫ّ‬ ‫فديبة على الحالق ‪ ،‬ولو حلق له المحرم بغيبر إذنبه ‪ ،‬إذ ل حرمبة لشعره فبي‬
‫ال صّورة الثّالثة ‪ :‬أن يكون الحالق حللً والمحلوق محرما ‪ ،‬فعلى الحالق صدقة عند الحنفيّة ‪.‬‬
‫وقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬إن كان بإذن المحرم أو عدم ممانعته فعلى المحرم الفدية ‪.‬‬
‫وإن كان الحلق بغير إذن المحرم فعلى الحلل الفدية ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬تقليم الظفار ‪:‬‬
‫ص أظفار يد يه ورجل يه جميع ها في مجلس وا حد ت جب عل يه شاة ‪.‬‬
‫‪ - 158‬قال الحنفيّة ‪ :‬إذا ق ّ‬
‫ص أقلّ من خمسة أظفار‬
‫ص أظفار يد واحدة ‪ ،‬أو رجل واحدة ‪ ،‬تجب شاة ‪ .‬وإن ق ّ‬
‫وكذا إذا ق ّ‬
‫ل ظفر ‪ .‬ومذهب المالكيّة‬
‫من يد واحدة ‪ ،‬أو خمسةً متفرّقةً من أظفاره ‪ ،‬تجب عليه صدقة لك ّ‬
‫أنّه إن قلم ظفرا واحدا عبثا أو ترفّها ‪ ،‬ل لماطة أذًى ‪ ،‬ول لكسره ‪ ،‬يجب عليه صدقة ‪ :‬حفنة‬
‫من طعام ‪ .‬فإن فعل ذلك لماطة الذى أو الوسخ ففيه فدية ‪ .‬وإن قلّمه لكسره فل شيء عليه‬
‫إذا تأذّى م نه ‪ .‬ويقت صر على ما ك سر م نه ‪ .‬وإن قلّم ظفر ين في مجلس وا حد ففد ية ‪ ،‬ولو لم‬
‫ل ظ فر‬
‫يق صد إما طة الذى ‪ ،‬وإن ق طع واحدا ب عد آ خر فإن كا نا في فور ففد ية ‪ ،‬وإلّ ف في ك ّ‬
‫حفنة ‪ .‬وعند الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يجب الفداء في تقليم ثلثة أظفار فصاعدا في مجلس واحد ‪،‬‬
‫ويجب في الظّفر والظّفرين ما يجب في الشّعرتين ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬قتل القمل ‪:‬‬
‫ن ف يه إزالة الذى ‪ ،‬لذا يخت صّ الب حث ب ما على بدن‬
‫‪ - 159‬و هو مل حق بهذا المب حث ؛ ل ّ‬
‫المحرم أو ثيابه ‪ .‬فقد ذهب الشّافعيّة إلى ندب قتل المحرم لقمل بدنه وثيابه لنّه من الحيوانات‬
‫ح أ مر ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم بق تل الفوا سق الخ مس في الحلّ‬
‫المؤذ ية ‪ ،‬و قد ص ّ‬
‫خاصبةً فيكره تنزيها‬
‫ّ‬ ‫والحرم ‪ ،‬وألحقوا بهبا كلّ حيوان مؤذ ‪ .‬أمّا قمبل شعبر الرّأس واللّحيبة‬
‫تعرّضه له لئلّ ينتتف الشّعر ‪ .‬ومقتضى تعليلهم الكراهة بالخوف من انتتاف الشّعر زوال هذه‬
‫الكرا هة في ما لو قتله بو سيلة ل يخ شى مع ها النتتاف ك ما إذا رشّه بدواء مطهّر مثلً ‪ .‬وعلى‬
‫أيّة حال فإذا قتل قمل شعر رأسه ولحيته لم يلزمه شيء لكن يستحبّ له أن يفدي الواحدة منه‬
‫ولو بلقمة ‪ .‬وفي روا ية عن أحمد إبا حة قتل القمل مطلقا دون تفر يق بين قمل الرّأس وغيره‬
‫لنّه من أكثر الهوا ّم أذًى فأبيح قتله كالبراغيث ‪ ،‬وسائر ما يؤذي ‪ .‬وقول النّبيّ صلى ال عليه‬
‫ل ما يؤذي بني‬
‫ل بمعناه على إباحة قتل ك ّ‬
‫وسلم ‪ « :‬خمس فواسق يقتلن في الحلّ والحرم » يد ّ‬
‫آدم في أنفسهم وأموالهم ‪ .‬وفي رواية أخرى عنه حرمة قتله ‪ ،‬إلّ أنّه ل جزاء فيه إذ ل قيمة‬
‫له ول يس ب صيد ‪ .‬وذ هب الحنفيّة والمالكيّة إلى وجوب ال صّدقة ول ر يب أنّه إذا آذاه بالف عل ‪،‬‬
‫ولم يمكنبه التّخلّص منبه إلّ بقتله ‪ ،‬جاز له قتله طبقا لقاعدة ‪ « :‬الضّرر يزال » ‪ ،‬وقاعدة ‪« :‬‬
‫الضّرورات تبيح المحظورات » ‪.‬‬

‫المبحث الثّاني‬
‫في قتل الصّيد وما يتعلّق به‬
‫‪ - 160‬أج مع العلماء على وجوب الجزاء في ق تل ال صّيد ‪ ،‬ا ستدللً بقوله تعالى ‪ { :‬يا أيّ ها‬
‫الّذين آمنوا ل تقتلوا الصّيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمّدا فجزاء مثل ما قتل من النّعم يحكم‬
‫به ذوا عدل من كم هديا بالغ الكع بة أو كفّارة طعام م ساكين ‪ ،‬أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال‬
‫أمره عفا اللّه عمّا سلف ومن عاد فينتقم اللّه منه واللّه عزيز ذو انتقام } ‪.‬‬
‫ل ‪ :‬قتل الصّيد ‪:‬‬
‫أ ّو ً‬
‫ص الية الكريمة السّابقة ‪162 .‬‬
‫‪ - 161‬وجوب الجزاء في قتل الصّيد عمدا متّفق عليه عملً بن ّ‬
‫‪ -‬إ نّ غ ير الع مد في هذا الباب كالع مد ‪ ،‬ي جب ف يه الجزاء باتّفاق المذا هب الرب عة ؛ ل نّ‬
‫العقوبة هنا شرعت ضمانا للمتلف ‪ ،‬وذلك يستوي فيه العمد والخطأ والجهل وال سّهو والنّسيان‬
‫‪.‬‬
‫ن هذا الجزاء هو ك ما ن صّت ال ية ‪ { :‬م ثل ما ق تل من النّ عم } ‪ .‬ويخيّر ف يه ب ين‬
‫‪ - 163‬إ ّ‬
‫الخصال الثّلث ‪ .‬لكن اختلفوا بعد هذا في تفسير هذين المرين ‪ :‬ذهب الحنفيّة ‪ :‬إلى أنّه تقدّر‬
‫قي مة ال صّيد بتقو يم رجل ين عدل ين ‪ ،‬سواء أكان لل صّيد المقتول نظ ير من النّ عم أم لم ي كن له‬
‫نظير ‪ .‬وتعتبر القيمة في موضع قتله ‪ ،‬ث مّ يخيّر الجاني بين ثلثة أمور ‪ :‬الوّل ‪ -‬أن يشتري‬
‫هديا ويذبحه في الحرم إن بلغت القيمة هديا ‪ .‬ويزاد على الهدي في مأكول اللّحم إلى اثنين أو‬
‫أكثر إن زادت قيمته ‪ ،‬لكنّه ل يتجاوز هديا واحدا في غير مأكول اللّحم ‪ ،‬حتّى لو قتل فيلً ل‬
‫يجب عليه أكثر من شاة ‪ .‬الثّاني ‪ -‬أن يشتري بالقيمة طعاما ويتصدّق به على المساكين ‪ ،‬لكلّ‬
‫مسكين نصف صاع من برّ ‪ ،‬أو صاع من شعير أو تمر كما في صدقة الفطر ‪ .‬ول يجوز أن‬
‫ل إن فضل من الطّعام أقلّ منه ‪ ،‬فيجوز أن يتصدّق به ‪ .‬ول‬
‫ل ممّا ذكر ‪ ،‬إ ّ‬
‫يعطي المسكين أق ّ‬
‫ل م سكين يوما ‪ ،‬و عن أقلّ‬
‫يخت صّ التّ صدّق بم ساكين الحرم ‪ .‬الثّالث ‪ -‬أن ي صوم عن طعام ك ّ‬
‫من نصف صاع ‪ -‬إذا فضل ‪ -‬يوما أيضا ‪ .‬وذهب الئمّة الثّلثة المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة‬
‫إلى التّفصيل فقالوا ‪ :‬الصّيد ضربان ‪ :‬مثل يّ ‪ :‬وهو ما له مثل من النّعم ‪ ،‬أي مشابه في الخلقة‬
‫من النّ عم ‪ ،‬و هي ال بل والب قر والغ نم ‪ .‬وغ ير مثل يّ ‪ ،‬و هو ما ل يش به شيئا من النّ عم ‪ .‬أمّا‬
‫ن القاتل يخيّر بين ثلثة أشياء على الوجه التّالي‬
‫المثليّ ‪ :‬فجزاؤه على التّخيير والتّعديل ‪ ،‬أي أ ّ‬
‫‪ :‬الوّل ‪ -‬أن يذ بح الم ثل المشا به من النّ عم في الحرم ‪ ،‬ويت صدّق به على م ساكين الحرم ‪.‬‬
‫الثّا ني ‪ -‬أن يقوّم الم ثل درا هم ث مّ يشتري ب ها طعاما ‪ ،‬ويت صدّق به على م ساكين الحرم ‪ .‬ول‬
‫يجوز تفر قة الدّرا هم علي هم ‪ .‬وقال مالك بل يقوّم ال صّيد نف سه ويشتري به طعاما يت صدّق به‬
‫على م ساكين مو ضع ال صّيد ‪ ،‬فإن لم ي كن ف يه م ساكين فعلى م ساكين أقرب الموا ضع ف يه ‪.‬‬
‫ل من مدّ ي جب صيام يوم ‪ .‬ويجوز ال صّيام‬
‫ل مدّ يوما ‪ .‬و في أق ّ‬
‫الثّالث ‪ -‬إن شاء صام عن ك ّ‬
‫في الحرم و في جم يع البلد ‪ .‬وأمّا غ ير المثل يّ ‪ :‬في جب ف يه قيم ته ويتخيّر في ها ب ين أمر ين ‪:‬‬
‫الوّل ‪ -‬أن يشتري ب ها طعاما يت صدّق به على م ساكين الحرم ‪ ،‬وع ند مالك ‪ :‬على الم ساكين‬
‫في مو ضع ال صّيد ‪ .‬الثّا ني ‪ -‬أن ي صوم عن كلّ مدّ يوما ك ما ذ كر سابقا ‪ .‬ث مّ قالوا في بيان‬
‫المثل يّ ‪ :‬المعتبر فيه التّشابه في ال صّورة والخلقة ‪ .‬وكلّ ما ورد فيه نقل عن ال سّلف فيتبع ؛‬
‫لقوله تعالى ‪ { :‬يحكبم ببه ذوا عدل منكبم } ‪ ،‬ومبا ل نقبل فيبه يحكبم بمثله عدلن فطنان بهذا‬
‫ب والطّيور ‪ :‬أمّا الدّوابّ ففي النّعامة بدنة ‪،‬‬
‫المر ‪ ،‬عملً بالية ‪ .‬ويختلف الحكم فيه بين الدّوا ّ‬
‫و في ب قر الو حش وحمار الو حش بقرة إن سيّة ‪ ،‬وفي الغزال ع نز ‪ ،‬و في الر نب عناق ‪ ،‬و في‬
‫اليربوع جفرة ‪ .‬وع ند مالك في الر نب واليربوع والضّ بّ القي مة ‪ .‬وأمّا الطّيور ‪ :‬ف في أنواع‬
‫ب في الماء ‪ ،‬وهو أن يشربه جرعا ‪ ،‬فيدخل فيه اليمام‬
‫الحمام شاة ‪ .‬والمراد بالحمام كلّ ما ع ّ‬
‫ل مطوّق حماما ‪ .‬وإن كان الطّائر‬
‫اللّواتي يألفن البيوت ‪ ،‬والقمريّ ‪ ،‬والقطا ‪ .‬والعرب تسمّي ك ّ‬
‫ح أنّه‬
‫أصغر من الحمام جثّ ًة ففيه القيمة ‪ .‬وإن كان أكبر من الحمام ‪ ،‬كالبطّة والوزّة ‪ ،‬فالص ّ‬
‫يجب فيه القيمة ‪ ،‬إذ ل مثل له ‪ .‬وقال مالك ‪ :‬تجب شاة في حمام مكّة والحرم ويمامهما ‪ ،‬وفي‬
‫حمام ويمام غيرهما تجب القيمة ‪ ،‬وكذا في سائر الطّيور ‪ - 164 .‬وعند الشّافعيّة والحنابلة ‪:‬‬
‫الواجب في الكبير وال صّغير وال سّمين والهزيل والمريض من ال صّيد المثل يّ مثله من النّعم ؛‬
‫ي فيجزئ ‪ .‬وقال مالك ‪ :‬يجب فيه كبير ؛ لقوله‬
‫لقوله تعالى ‪ { :‬فجزاء مثل ما قتل } وهذا مثل ّ‬
‫تعالى ‪ { :‬هديا بالغ الكعبة } ؟ والصّغير ل يكون هديا ‪ ،‬وإنّما يجزئ في الهدي ما يجزئ في‬
‫الضحيّة ‪.‬‬

‫ثانيا ‪ :‬إصابة الصّيد‬


‫‪ - 165‬إذا أ صاب ال صّيد بضرر ‪ ،‬ولم يقتله ‪ ،‬ي جب عليه الجزاء بحسب تلك الصابة عند‬
‫الثّل ثة ‪ :‬الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬فإن جرح المحرم صيدا ‪ ،‬أو ن تف شعره ‪ .‬ض من قي مة‬
‫مبا نقبص منبه ‪ ،‬اعتبارا للجزء بالكلّ ‪ ،‬فكمبا تجبب القيمبة بالكلّ تجبب بالجزء ‪ .‬وهذا الجزاء‬
‫يجبب إذا برئ الحيوان وظهبر أثبر الجنايبة عليبه ‪ ،‬أمّا إذا لم يببق لهبا أثبر فل يضمبن عنبد‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬لزوال الموجب ‪ .‬وعند الشّافعيّة والحنابلة إن جرح صيدا يجب عليه قدر النّقص من‬
‫ل بقدر مبا ن قص من قيمتبه ‪ ،‬وإذا أحدث به عاه ًة مسبتديمةً‬
‫مثله من النّعبم إن كان مثليّا ‪ ،‬وإ ّ‬
‫فوجهان عندهم ‪ ،‬أصحّهما يلزمه جزاء كامل ‪ .‬أمّا إذا أصابه إصاب ًة أزالت امتناعه عمّن يريد‬
‫أخذه و جب الجزاء كاملً ع ند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬و هو أ حد القول ين ع ند الشّافعيّة ؛ لنّه فوّت‬
‫عليه المن بهذا ‪ .‬وفي قول عند الشّافعيّة ‪ :‬يضمن النّقص فقط ‪ .‬أمّا المالكيّة فعندهم ل يضمن‬
‫ما غلب على ظنّه سلمته من ال صّيد بإ صابته بن قص ‪ ،‬ول جزاء عل يه ‪ ،‬ول يلز مه فرق ما‬
‫بين قيمته سليما وقيمته بعد إصابته ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬حلب الصّيد أو كسر بيضه أو جزّ صوفه ‪:‬‬
‫ل من اللّبن والبيض والصّوف عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ويضمن‬
‫‪ - 166‬يجب فيه قيمة ك ّ‬
‫ن فيه‬
‫أيضا قيمة ما يلحق الصّيد نفسه من نقص بسبب من ذلك ‪ .‬ون صّ المالكيّة على البيض أ ّ‬
‫عشر دية ال مّ ما لم يخرج منه فرخ ويستهلّ ث مّ يموت ‪ ،‬فإنّه حينئذ يلزمه الدّية كاملةً ‪ .‬وهذا‬
‫الخير متّفق عليه ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬التّسبّب في قتل الصّيد ‪:‬‬
‫‪ - 167‬يجب في التّسبّب بقتل الصّيد الجزاء ‪ ،‬وذلك ‪:‬‬
‫‪ - 1‬بأن يصيح به وينفّره ‪ ،‬فيتسبّب ذلك بموته ‪.‬‬
‫‪ - 2‬بنصب شبكة وقع بها صيد فمات ‪ ،‬أو إرسال كلب ‪.‬‬
‫‪ - 3‬المشاركة بقتل الصّيد ‪ ،‬كأن يمسكه ليقتله آخر ‪ ،‬أو يذبحه ‪.‬‬
‫‪ - 4‬الدّللة على ال صّيد ‪ ،‬أو الشارة ‪ ،‬أو العانة بغير المشاركة في اليد ‪ ،‬كمناولة آلة أو‬
‫سلح ‪ ،‬يضمن فاعلها عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬ول يضمن عند المالكيّة والشّافعيّة ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬التّعدّي بوضع اليد على الصّيد ‪:‬‬
‫‪ - 168‬إذا مات ال صّيد في يده فعل يه الجزاء ؛ لنّه تعدّى بو ضع ال يد عل يه فيضم نه ولو كان‬
‫وديعةً ‪.‬‬
‫سادسا ‪ :‬أكل المحرم من ذبيحة الصّيد أو قتيله ‪:‬‬
‫‪ - 169‬إن أ كل المحرم من ذبي حة أو صيد محرم أو ذبي حة صيد الحرم فل ضمان عل يه‬
‫للكل ‪ ،‬ولو كان هو قاتل ال صّيد أيضا أو ذابحه فل جزاء عليه للكل ‪ ،‬إنّما عليه جزاء قتل‬
‫ال صّيد أو ذبحه إن فعل ذلك هو ‪ ،‬وذلك عند جمهور العلماء ‪ ،‬ومنهم الئمّة الثّلثة ‪ ،‬وصاحبا‬
‫أبي حنيفة ‪ .‬وقال أبو حنيفة كذلك بالنّسبة للمحرم إذا أكل من صيد غيره ‪ ،‬أو صيد الحرم إذا‬
‫أ كل م نه الحلل الّذي صاده ‪ ،‬وأو جب على المحرم إذا أ كل من صيده أو ذبيح ته من ال صّيد‬
‫الضّمان سواء أ كل م نه ق بل الضّمان أو بعده ‪ .‬ا ستدلّ الجمهور بأنّه صيد مضمون بالجزاء ‪،‬‬
‫ن تحري مه لكو نه ميت ًة ‪ ،‬والمي تة ل تض من‬
‫فلم يض من ثانيا ‪ ،‬ك ما لو أتل فه بغ ير ال كل ؛ ول ّ‬
‫ن إحرامه هو الّذي‬
‫بالجزاء ‪ .‬واستدلّ أبو حنيفة بأ نّ " حرمته باعتبار أنّه محظور إحرامه ؛ ل ّ‬
‫أخرج ال صّيد عن المحّليّة ‪ ،‬والذّابح عن الهليّة في ح قّ الذّكاة ‪ ،‬فصارت حرمة التّناول بهذه‬
‫الوسائط مضافةً إلى إحرامه » ‪.‬‬

‫المبحث الثّالث‬
‫في الجماع ودواعيه‬
‫ن الجماع في حالة الحرام جناية يجب فيها الجزاء ‪ .‬والجمهور‬
‫‪ - 170‬اتّفق العلماء على أ ّ‬
‫أنب العامبد والجاهبل والسبّاهي والنّاسبي والمكره فبي ذلك سبواء ‪ .‬وهبو مذهبب الحنفيّة‬
‫على ّ‬
‫الحجب ‪ ،‬فاسبتوى عمده‬
‫ّ‬ ‫والمالكيّة والحنابلة ‪ .‬قال اببن قدامبة ‪ « :‬لنّه معنًى يتعلّق ببه قضاء‬
‫و سهوه كالفوات » ‪ .‬ل كن ا ستثنى الحنابلة من الفداء الموطوءة كرها ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬ل فداء علي ها ‪،‬‬
‫بل يجب عليها القضاء فقط ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬النّاسي والمجنون والمغمى عليه والنّائم والمكره‬
‫والجا هل لقرب عهده بالسبلم أو نشوئه بباد ية بعيدة عن العلماء ‪ ،‬فل يفسبد الحرام بالنّ سبة‬
‫إليهم بالجماع ‪.‬‬
‫ج جنايةً في ثلثة أحوال ‪:‬‬
‫ل ‪ :‬الجماع في إحرام الحجّ ‪ :‬يكون الجماع في إحرام الح ّ‬
‫أ ّو ً‬
‫‪ - 171‬الوّل ‪ -‬الجماع قبل الوقوف بعرفة ‪ .‬فمن جامع قبل الوقوف بعرفة فسد حجّه بإجماع‬
‫العلماء ‪ ،‬ووجب عليه ثلثة أمور ‪:‬‬
‫‪ - 1‬ال ستمرار في حجّه الفا سد إلى نهاي ته لقوله تعالى ‪ { :‬وأتمّوا الح جّ والعمرة للّه } و جه‬
‫الستدلل أنّه " لم يفرّق بين صحيح وفاسد » ‪.‬‬
‫ب أن يفترقا‬
‫ج جديد في المستقبل قضاءً للحجّة الفاسدة ‪ ،‬ولو كانت نافلةً ‪ .‬ويستح ّ‬
‫‪ - 2‬أداء ح ّ‬
‫في حجّة القضاء هذه عند الئمّة الثّلثة منذ الحرام بحجّة القضاء ‪ ،‬وأوجب المالكيّة عليهما‬
‫الفتراق ‪.‬‬
‫‪ - 3‬ذبح الهدي في حجّة القضاء ‪ .‬وهو عند الحنفيّة شاة ‪ ،‬وقال الئمّة الثّلثة ‪ :‬ل تجزئ‬
‫الشّاة ‪ ،‬بل يجب عليه بدنة ‪ .‬استدلّ الحنفيّة بما ورد أ نّ « رجلً جامع امرأته وهما محرمان ‪،‬‬
‫فسأل رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فقال لهما ‪ :‬اقضيا نسككما وأهديا هديا » رواه أبو داود‬
‫في المرا سيل والبيهق يّ ‪ ،‬وب ما روي من الثار عن ال صّحابة أنّه ي جب عل يه شاة ‪ .‬وا ستدلّ‬
‫الجمهور بما قال الرّمليّ ‪ « :‬لفتوى جماعة من الصّحابة ‪ ،‬ولم يعرف لهم مخالف » ‪.‬‬
‫‪ - 172‬الثّا ني ‪ :‬الجماع ب عد الوقوف ق بل التّحلّل الوّل ‪ :‬ف من جا مع ب عد الوقوف ق بل التّحلّل‬
‫يف سد حجّه ‪ ،‬وعل يه بد نة ‪ -‬ك ما هو الحال ق بل الوقوف ‪ -‬ع ند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ‪.‬‬
‫وذهب الحنفيّة إلى أنّه ل يفسد حجّه ‪ ،‬ويجب عليه أن يهدي بدنةً ‪ .‬استدلّ الثّلثة ‪ :‬بما روي‬
‫عن ا بن عمر أ نّ رجلً سأله فقال ‪ :‬إنّي وقعت على امرأتي ونحن محرمان ؟ فقال ‪ :‬أفسدت‬
‫ل إذا حلّوا ‪ .‬فإذا كان في العام‬
‫حجّك ‪ .‬انطلق أنت وأهلك مع النّاس ‪ ،‬فاقضوا ما يقضون ‪ ،‬وح ّ‬
‫المقبل فاحجج أنت وامرأتك ‪ ،‬وأهديا هديا ‪ ،‬فإن لم تجدا فصوما ثلثة أيّام في الحجّ وسبع ًة إذا‬
‫رجعتم ‪ .‬وجه الستدلل ‪ :‬أنّه ونحوه ممّا روي عن ال صّحابة مطلق في المحرم إذا جامع ‪ ،‬ل‬
‫تف صيل ف يه ب ين ما ق بل الوقوف وب ين ما بعده ‪ ،‬فيكون حكمه ما واحدا ‪ ،‬و هو الف ساد ووجوب‬
‫ج عرفة » ‪ .‬أخرجه أحمد وأصحاب‬
‫ل الحنفيّة بقوله صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬الح ّ‬
‫بدنة ‪ .‬واستد ّ‬
‫ال سّنن والحا كم ‪ ،‬وبقوله صلى ال عل يه و سلم في حد يث « عروة بن مضرّس الطّائ يّ ‪ :‬و قد‬
‫ل أو نهارا فقد تمّ حجّه وقضى تفثه » أخرجه أحمد وأصحاب ال سّنن ‪،‬‬
‫وقف بعرفة قبل ذلك لي ً‬
‫وصحّحه التّرمذيّ ‪ ،‬وقال الحاكم ‪ « :‬صحيح على شرط كافّة أئمّة الحديث » ‪ .‬وجه الستدلل‬
‫ج المتبادرة من الحديث ين غ ير مرادة ؛ لبقاء طواف الزّيارة ‪ ،‬و هو ر كن‬
‫‪ :‬أ نّ حقي قة تمام الح ّ‬
‫ج قد تمّ حكما ‪ ،‬والتّمام الحكميّ يكون بالمن من فساد الحجّ بعده‬
‫ن الح ّ‬
‫إجماعا ‪ ،‬فتعيّن القول بأ ّ‬
‫ن الح جّ ل يفسد بعد عرفة مهما صنع المحرم ‪ .‬وإنّما أوجبنا البدنة بما روي‬
‫‪ ،‬فأفاد الحديث أ ّ‬
‫عن ا بن عبّاس ر ضي ال عنه ما أنّه سئل عن ر جل و قع بأهله و هو بمنًى ق بل أن يف يض ‪،‬‬
‫فأمره أن ينحر بدن ًة ‪ .‬رواه مالك وابن أبي شيبة ‪.‬‬
‫أنب الجماع بعبد التّحلّل الوّل ل يفسبد‬
‫‪ - 173‬الثّالث ‪ :‬الجماع بعبد التّحلّل الوّل ‪ :‬اتّفقوا على ّ‬
‫الح جّ ‪ .‬وأل حق المالكيّة به الجماع ب عد طواف الفا ضة ولو ق بل الرّمبي ‪ ،‬والجماع ب عد يوم‬
‫النّ حر ق بل الرّ مي والفا ضة ‪ .‬وو قع الخلف في الجزاء الوا جب ‪ :‬فذ هب الحنفيّة والشّافعيّة‬
‫والحنابلة إلى أنّه ي جب عل يه شاة ‪ .‬قالوا في ال ستدلل ‪ « :‬لخفّة الجنا ية ‪ ،‬لوجود التّحلّل في‬
‫ح قّ غير النّساء » ‪ .‬وقال مالك ‪ ،‬وهو قول عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ :‬يجب عليه بدنة ‪ .‬وعلّله‬
‫الباج يّ بأنّه لعظم الجناية على الحرام ‪ .‬وأوجب مالك والحنابلة على من فعل هذه الجناية بعد‬
‫التّحلّل الوّل قببل الفاضبة أن يخرج إلى الحلّ ‪ ،‬ويأتبي بعمرة ‪ ،‬لقول اببن عبّاس ذلك ‪ .‬قال‬
‫الباجيّ في المنتقى ‪ « :‬وذلك لنّه لمّا أدخل النّقص على طوافه للفاضة بما أصاب من الوطء‬
‫كان عليه أن يقض يه بطواف سالم إحرا مه من ذلك النّقص ‪ ،‬ول ي صلح أن يكون الطّواف في‬
‫ل في حجّ أو عمرة » ‪ .‬ولم يوجب الحنفيّة والشّافعيّة ذلك ‪.‬‬
‫إحرام إ ّ‬

‫ثانيا ‪ :‬الجماع في إحرام العمرة ‪:‬‬


‫‪ - 174‬ذهب الحنفيّة إلى أنّه لو جامع قبل أن يؤدّي ركن العمرة ‪ ،‬وهو الطّواف أربعة أشواط‬
‫‪ ،‬تفسد عمرته ‪ ،‬أمّا لو وقع المفسد بعد ذلك ل تفسد العمرة ؛ لنّه بأداء الرّكن أمن الفساد ‪.‬‬
‫ن المفسد إن حصل قبل تمام سعيها ولو بشرط فسدت ‪ ،‬أمّا لو وقع بعد‬
‫وذهب المالكيّة إلى أ ّ‬
‫تمام ال سّعي قبل الحلق فل تفسد ؛ لنّه بال سّعي تت مّ أركانها ‪ ،‬والحلق من شروط الكمال عندهم‬
‫‪ .‬ومذ هب الشّافعيّة والحنابلة أنّه إذا ح صل المف سد ق بل التّحلّل من العمرة ف سدت ‪ .‬والتّحلّل‬
‫بالحلق ‪ ،‬وهو ركن عند الشّافعيّة واجب عند الحنابلة ‪ 175 .‬يجب في إفساد العمرة ما يجب‬
‫في إف ساد الح جّ من ال ستمرار في ها ‪ ،‬والقضاء والفداء باتّفاق العلماء ‪ .‬ل كن اختلفوا في فداء‬
‫ن العمرة‬
‫إفساد العمرة ‪ :‬فمذهب الحنفيّة والحنابلة وأحد القولين عند الشّافعيّة أنّه يلزمه شاة ؛ ل ّ‬
‫ج ‪ ،‬فخفّت جنايتها ‪ ،‬فوجبت شاة ‪ .‬ومذهب المالكيّة والشّافعيّة أنّه يلزمه بدنة‬
‫أقلّ رتبةً من الح ّ‬
‫قياسبا على الحج ّب ‪ .‬أمّا فداء الجماع الّذي ل يفسبد العمرة فشاة فقبط عنبد الحنفيّة وبدنبة عنبد‬
‫المالكيّة ‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬مقدّمات الجماع ‪:‬‬
‫‪ - 176‬المقدّمات المباشرة أو القريبة ‪ ،‬كاللّمس بشهوة ‪ ،‬والتّقبيل ‪ ،‬والمباشرة بغير جماع ‪:‬‬
‫يجبب على مبن فعبل شيئا منهبا الدّم سبواء أنزل منيّا أو لم ينزل ‪ .‬ول يفسبد حجّه اتّفاقا بيبن‬
‫أنب الحنابلة قالوا ‪ :‬إن أنزل وجبب عليبه بدنبة ‪ .‬ومذهبب‬
‫الحنفي ّة والشّافعي ّة والحنابلة ‪ ،‬إلّ ّ‬
‫المالكيّة ‪ :‬إن أنزل بمقدّمات الجماع منيّا فحكمه حكم الجماع في إفساد الح جّ ‪ ،‬وعليه ما على‬
‫المجامع ممّا ذكر سابقا ‪ ،‬وإن لم ينزل فليهد بدن ًة ‪ - 177 .‬المقدّمات البعيدة ‪ :‬كالنّظر بشهوة‬
‫والتّفكّر كذلك ‪ ،‬صرّح الحنفيّة والشّافعيّة أنّه ل ي جب في ش يء منه ما الفداء ‪ ،‬ولو أدّى إلى‬
‫النزال ‪ .‬وهو مذهب الحنابلة في الفكر ‪ .‬ومذهب المالكيّة ‪ :‬إذا فعل أيّ واحد منها بقصد الّلذّة‬
‫‪ ،‬واستدامه حتّى خرج المن يّ ‪ ،‬فهو كالجماع في إفساد الح جّ ‪ .‬وإن خرج المن يّ بمجرّد الفكر‬
‫أو النّظر من غير استدامة فل يفسد ‪ ،‬وإنّما فيه الهدي ( بدنة ) ‪ .‬ومذهب الحنابلة ‪ :‬إن نظر‬
‫فصرف بصره فأمنى فعليه دم ‪ ،‬وإن كرّر النّظر حتّى أمنى فعليه بدنة ‪.‬‬
‫رابعا ‪ :‬في جماع القارن ‪:‬‬
‫‪ - 178‬قرّر الحنفيّة في جماع القارن ‪ -‬بناءً على مذهبهم أنّه يطوف طوافين ويسعى سعيين ‪-‬‬
‫التّفصيل التي ‪:‬‬
‫‪ - 1‬إن جامع قبل الوقوف ‪ ،‬وقبل طواف العمرة ‪ ،‬فسد حجّه وعمرته كلهما ‪ ،‬وعليه المضيّ‬
‫فيهما ‪ ،‬وعليه شاتان للجناية على إحرامهما ‪ ،‬وعليه قضاؤهما ‪ ،‬وسقط عنه دم القران ‪.‬‬
‫‪ - 2‬إن جا مع بعد ما طاف لعمر ته كلّ أشوا طه أو أكثر ها ف سد حجّه دون عمر ته لنّه أدّى‬
‫ركن ها ق بل الجماع ‪ ،‬و سقط ع نه دم القران ‪ ،‬وعل يه دمان لجناي ته المتكرّرة حكما ‪ ،‬دم لف ساد‬
‫الحجب فقبط ‪ ،‬لصبحّة‬
‫ّ‬ ‫الحجب ‪ ،‬ودم للجماع فبي إحرام العمرة لعدم تحلّله منهبا ‪ ،‬وعليبه قضاء‬
‫ّ‬
‫عمرته ‪.‬‬
‫‪ - 3‬إن جا مع ب عد طواف العمرة وب عد الوقوف ق بل الحلق ولو بعر فة لم يف سد الح جّ ول‬
‫ج والعمرة ‪ ،‬لكن عليه‬
‫العمرة ‪ ،‬لدراكه ركنهما ‪ ،‬ول يسقط عنه دم القران ؛ لصحّة أداء الح ّ‬
‫ج وشاة للعمرة ‪.‬‬
‫بدنة للح ّ‬
‫‪ - 4‬لو لم يطف لعمرته ‪ -‬ث مّ جامع بعد الوقوف ‪ -‬فعليه بدنة للح جّ ‪ ،‬وشاة لرفض العمرة ‪،‬‬
‫وقضاؤها ‪.‬‬
‫‪ - 5‬لو طاف القارن طواف الزّيارة ق بل الحلق ‪ ،‬ث مّ جا مع ‪ ،‬فعل يه شاتان بنا ًء على وقوع‬
‫الجناية على إحراميه ؛ لعدم التّحلّل الوّل المرتّب عليه التّحلّل الثّاني ‪.‬‬

‫المبحث الرّابع‬
‫في أحكام كفّارات محظورات الحرام‬
‫كفّارات محظورات الحرام أربعبة أمور ‪ ،‬هبي ‪ :‬الهدي ‪ ،‬والصبّدقة ‪ ،‬والصبّيام ‪ ،‬والقضاء ‪،‬‬
‫والكلم هنا على أحكامها الخاصّة بهذا الموضوع ‪ :‬المطلب الوّل الهدي ‪.‬‬
‫‪ - 179‬تراعى في الهدي وذبحه وأنواعه الشّروط والحكام الموضّحة في مصطلح « هدي »‬
‫‪.‬‬

‫المطلب الثّاني‬
‫الصّدقة‬
‫‪ - 180‬يرا عى في المال الّذي تخرج م نه ال صّدقة أن يكون من ال صناف الّ تي تخرج من ها‬
‫صبدقة الفطبر ‪ ،‬كمبا تراعبى أحكام الزّكاة فبي الفقيبر الّذي تدفبع إليبه ‪ .‬ويراعبى فبي إخراج‬
‫القيمة ‪ ،‬ومقدار الصّدقة لكلّ مسكين ما هو مقرّر في صدقة الفطر ‪ ،‬وهذا في الطعام الواجب‬
‫في الفد ية ‪ .‬وأمّا في جزاء ال صّيد فالمالكيّة والشّافعيّة لم يقيّدوا ال صّدقة ف يه بمقدار معيّن ‪.‬‬
‫وتفصيلت ذلك وآراء الفقهاء يرجع إليها في مصطلح هدي وكفّارة وصدقة الفطر ‪.‬‬
‫المطلب الثّالث‬
‫الصّيام‬
‫‪ - 181‬أ ّولً ‪ :‬من كفّر بالصّيام يراعي فيه أحكام الصّيام ول سيّما تبييت ال ّنيّة بالنّسبة للواجب‬
‫غير المعيّن ( ر ‪ :‬صوم ) ‪.‬‬
‫‪ - 182‬ثانيا ‪ :‬الصبّيام المقرّر جزاءً عبن المحظور ل يتقيّد بزمان ول مكان ول تتاببع اتّفاقا ‪،‬‬
‫إلّ ال صّيام لمن عجز عن هدي القران والتّمتّع ‪ ،‬فإنّه يصوم ثلثة أيّام في الح جّ ‪ ،‬وسبعةً إذا‬
‫رجع إلى أهله ‪ .‬فل يصحّ صيام اليّام الثّلثة قبل أشهر الح جّ ‪ ،‬ول قبل إحرام الح جّ والعمرة‬
‫في ح قّ القارن ‪ ،‬ول قبل إحرام العمرة في ح قّ المتمتّع اتّفاقا ‪ .‬أمّا تقديمها للمتمتّع على إحرام‬
‫ج } وأجازه الحنفيّة‬
‫ج فمن عه المالكيّة والشّافعيّة لقوله تعالى ‪ { :‬ف صيام ثل ثة أيّام في الح ّ‬
‫الح ّ‬
‫والحنابلة لنّه ك ما قال ا بن قدا مة ‪ « :‬و قت كا مل جاز ف يه ن حر الهدي ‪ ،‬فجاز ف يه ال صّيام ‪،‬‬
‫ج ‪ .‬ومعنى قوله تعالى ( في الح جّ ) أي في وقته » ‪ .‬وأمّا اليّام ال سّبعة الباقية‬
‫كبعد إحرام الح ّ‬
‫على من ع جز عن هدي القران والتّمتّع ‪ ،‬فل ي صحّ صيامها إلّ بعد أيّام التّشر يق ‪ ،‬ث مّ يجوز‬
‫صيامها ب عد الفراغ من أفعال الح جّ ‪ ،‬ولو في مكّة ‪ ،‬إذا م كث ب ها ‪ ،‬ع ند الحنفيّة والمالكيّة‬
‫والحنابلة ‪ .‬والفضل المستحبّ أن يصومها إذا رجع إلى أهله ‪ ،‬وهو قول عند الشّافعيّة ‪ ،‬لكن‬
‫الظ هر ع ند الشّافعيّة أنّه ي صوم اليّام ال سّبعة إذا ر جع إلى أهله ‪ ،‬ول يجوز أن ي صومها في‬
‫الطّر يق ‪ ،‬إلّ إذا أراد القا مة بمكّة صامها ب ها ‪ .‬والدّل يل للجم يع قوله تعالى ‪ { :‬و سبعة إذا‬
‫الحجب هبو المراد‬
‫ّ‬ ‫إنب الفراغ مبن‬
‫ّافعيب على ظاهره ‪ ،‬وقال غيرهبم ‪ّ :‬‬
‫ّ‬ ‫رجعتبم } ‪ .‬فحمله الش‬
‫بالرّجوع ‪ ،‬فكأنّه بالفراغ رجع عمّا كان مقبلً عليه ‪.‬‬
‫ج يقضيها عند الثّلثة ‪ ،‬ويرجع إلى الدّم عند‬
‫‪ - 183‬ثالثا ‪ :‬من فاته أداء اليّام الثّلثة في الح ّ‬
‫الحنفيّة ‪ ،‬ل يجزيه غيره ‪ .‬وهو قول عند الحنابلة ‪ .‬ثمّ عند المالكيّة ‪ ،‬وهو قول عند الحنابلة ‪:‬‬
‫إن صام بعضها قبل يوم النّحر كمّلها أيّام التّشريق ‪ ،‬وإن أخّرها عن أيّام التّشريق صامها متى‬
‫شاء ‪ ،‬وصلها بال سّبعة أو ل ‪ .‬ولم يجز الشّافعيّة والحنابلة في القول الخر عندهم صيامها أيّام‬
‫النّحر والتّشريق ‪ ،‬بل يؤخّرها إلى ما بعد ‪.‬‬
‫‪ - 184‬ويجب عند الشّافعيّة في الظهر في قضاء اليّام الثّلثة ‪ « :‬أن يفرّق في قضائها بينها‬
‫وب ين ال سّبعة بقدر أرب عة أيّام ‪ ،‬يوم النّ حر وأيّام التّشر يق ‪ ،‬ومدّة إمكان ال سّير إلى أهله ‪ ،‬على‬
‫العادة الغال بة ‪ ،‬ك ما في الداء ‪ ،‬فلو صام عشرة أيّام متتالي ًة ح صلت الثّل ثة ‪ ،‬ول يعتدّ بالبقيّة‬
‫لعدم التّفريق » ‪.‬‬

‫المطلب الرّابع في القضاء‬


‫‪ - 185‬وهو من واجب إفساد النّسك بالجماع ‪ .‬ومن أحكامه ما يلي ‪ :‬أ ّولً ‪ :‬يراعى في قضاء‬
‫النّ سك أحكام الداء العامّة ‪ ،‬مع تعي ين القضاء في نيّة الحرام به ‪ .‬ثانيا ‪ :‬قال الحنفيّة و هو‬
‫قول عند الشّافعيّة ‪ :‬عليه القضاء من قابل أي من سنة آتية ‪ ،‬ولم يجعلوه على الفور ‪ .‬ومذهب‬
‫المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ القضاء واجب على الفور ولو كان النّسك الفاسد تطوّعا ‪ ،‬فيأتي‬
‫ب فبي العام القادم ‪ .‬ثالثا ‪ :‬قرّر المالكيّبة‬
‫بالعمرة عقبب التّحلّل مبن العمرة الفاسبدة ‪ ،‬ويحج ّ‬
‫ن المف سد عند ما يق ضي ن سكه الفا سد يحرم في القضاء ح يث أحرم في‬
‫والشّافعيّة والحنابلة أ ّ‬
‫ل أحرم في القضاء منها ‪ .‬وعند الشّافعيّة ‪ :‬إن سلك‬
‫النّسك المفسد ‪ ،‬فإن أحرم من الجحفة مث ً‬
‫في القضاء طريقا آ خر أحرم من م ثل م سافة الميقات الوّل ما لم يجعله ذلك يجاوز الميقات‬
‫بغير إحرام ‪ ،‬فإنّه يحرم من الميقات ‪ .‬وإن أحرم في العام الوّل قبل المواقيت لزمه كذلك عند‬
‫ل من المواق يت ‪ .‬أمّا إن جاوز‬
‫الشّافعيّة والحنابلة ‪ .‬وع ند المالكيّة ل ي جب الحرام بالقضاء إ ّ‬
‫فبي العام الوّل الميقات غيبر محرم فإنّه فبي القضاء يحرم مبن الميقات ول يجوز أن يجاوزه‬
‫غيبر محرم ‪ .‬وقال المالكيّبة ‪ :‬إن تعدّى الميقات فبي عام الفسباد لعذر مشروع " كأن يجاوز‬
‫ج ‪ ،‬ث مّ أفسده ‪،‬‬
‫الميقات حللً لعدم إرادته دخول مكّة ‪ ،‬ث مّ بعد ذلك أراد الدّخول ‪ ،‬وأحرم بالح ّ‬
‫ل»‪.‬‬
‫فإنّه في عام القضاء يحرم ممّا أحرم منه أ ّو ً‬

‫إحصار‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬من معاني الحصار في اللّغة المنع من بلوغ المناسك بمرض أو نحوه ‪ ،‬وهو المعنى‬
‫ي أيضا على خلف عند الفقهاء فيما يتحقّق به الحصار ‪.‬‬
‫الشّرع ّ‬
‫‪ - 2‬واستعمل الفقهاء مادّة ( حصر ) بالمعنى اللّغو يّ في كتبهم استعمالً كثيرا ‪ .‬ومن أمثلة‬
‫ذلك ‪ :‬قول صباحب تنويبر البصبار وشارحبه فبي ال ّدرّ المختار ‪ « :‬والمحصبور فاقبد الماء‬
‫والتّراب الطّهوريبن ‪ ،‬بأن حببس فبي مكان نجبس ‪ ،‬ول يمكنبه إخراج مطهّر ‪ ،‬وكذا العاجبز‬
‫عنهما لمرض يؤخّر الصّلة عند أبي حنيفة ‪ ،‬وقال يتشبّه بالمصلّين وجوبا ‪ ،‬فيركع ويسجد إن‬
‫ل يو مئ قائما ث مّ يع يد » ‪ .‬وم نه أيضا قول صاحب تنو ير الب صار ‪« :‬‬
‫و جد مكانا ياب سا ‪ ،‬وإ ّ‬
‫بحاق‬
‫بو إسب‬
‫بن قراءة قدر المفروض » ‪ .‬وقال أبب‬
‫بر عب‬
‫بتخلف إذا حصب‬
‫وكذا يجوز له أن يسب‬
‫الشّيرازيّ ‪ « :‬ويجوز أن يصلّي بتيمّم واحد ما شاء من النّوافل ؛ لنّها غير محصورة ‪ ،‬فخفّ‬
‫أمر ها » ‪ .‬وتف صيله في م صطلح ( صلة ) ‪ .‬إلّ أنّ هم غلّبوا ا ستعمال هذه المادّة ( ح صر )‬
‫الحجب والعمرة للدّللة على منبع المحرم مبن أركان النّسبك ‪ ،‬وذلك اتّباعا‬
‫ّ‬ ‫ومشتقّاتهبا فبي باب‬
‫للقرآن الكريم ‪ ،‬وتوافقت على ذلك عباراتهم حتّى أصبح ( الحصار ) اصطلحا فقهيّا معروفا‬
‫ومشهورا ‪.‬‬
‫‪ - 2‬ويعرّف الحنفيّة الح صار بأنّه ‪ :‬هو الم نع من الوقوف بعر فة والطّواف جميعه ما ب عد‬
‫الحرام بالحجّ الفرض ‪ ،‬والنّفل ‪ ،‬وفي العمرة عن الطّواف ‪ ،‬وهذا التّعريف لم يعترض عليه ‪.‬‬
‫ويعرّ فه المالكيّة بأنّه الم نع من الوقوف والطّواف معا أو الم نع من أحده ما ‪ .‬وبم ثل مذ هب‬
‫الشّافعيّة هذا التّعر يف الّذي أورده الرّمل يّ الشّافع يّ في نها ية المحتاج ‪ ،‬ون صّه ‪ « :‬هو الم نع‬
‫من إتمام أركان الح جّ أو العمرة » ‪ .‬وينط بق هذا التّعر يف للشّافعيّة على مذ هب الحنابلة في‬
‫ج أو العمرة ‪ ،‬على تف صيل ي سير‬
‫ي من أركان الح ّ‬
‫الح صار ؛ لنّ هم يقولون بالح صار عن أ ّ‬
‫ّشريعيب فبي موجبب‬
‫ّ‬ ‫فبي كيفيّة التّحلّل لمبن أحصبر عبن الوقوف دون الطّواف ‪ .‬الصبل الت‬
‫الحصار ‪:‬‬
‫‪ - 3‬مو جب الح صار ‪ -‬إجمالً ‪ -‬التّحلّل بكيفيّة سيأتي تف صيلها ‪ .‬وال صل في هذا المب حث‬
‫حادثة الحديبية المعروفة ‪ ،‬وفي ذلك نزل قوله تبارك وتعالى ‪ { :‬وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه فإن‬
‫أحصرتم فما استيسر من الهدي ول تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه } ‪ .‬وقال ابن عمر‬
‫رضي ال عنهما « ‪ :‬خرجنا مع رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فحال كفّار قريش دون البيت‬
‫‪ ،‬فنحر النّبيّ صلى ال عليه وسلم هديه وحلق رأسه » ‪ .‬أخرجه البخاريّ ‪.‬‬

‫ما يتحقّق به الحصار‬


‫‪ - 4‬يتحقّق الحصار بوجود ركنه ‪ ،‬وهو المنع من المضيّ في النّسك ‪ ،‬حجّا كان أو عمرةً ‪،‬‬
‫إذا توافرت فيه شروط بعضها متّفق عليه وبعضها مختلف فيه ‪ .‬ركن الحصار ‪:‬‬
‫‪ - 5‬اختلف الفقهاء في المنع الّذي يتحقّق به الحصار هل يشمل المنع بالعدوّ والمنع بالمرض‬
‫يختصب بالحصبر بالعد ّو ؟ فقال الحنفيّة ‪ « :‬الحصبار يتحقّق بالعدوّ ‪،‬‬
‫ّ‬ ‫ونحوه مبن العلل ‪ ،‬أم‬
‫وغيره ‪ ،‬كالمرض ‪ ،‬وهلك النّفقة ‪ ،‬وموت محرم المرأة ‪ ،‬أو زوجها ‪ ،‬في الطّريق " ويتحقّق‬
‫ل حابس يحبسه ‪ ،‬يعني المحرم ‪ ،‬عن المض يّ في موجب الحرام ‪ .‬وهو رواية‬
‫الحصار بك ّ‬
‫عبن المام أحمبد ‪ .‬و هو قول اببن مسبعود ‪ ،‬وا بن الزّبيبر ‪ ،‬وعلقمبة ‪ ،‬وسبعيد ببن المسبيّب ‪،‬‬
‫وعروة بن الزّبير ‪ ،‬ومجاهد ‪ ،‬والنّخعيّ ‪ ،‬وعطاء ‪ ،‬ومقاتل بن حيّان ‪ ،‬وسفيان الثّوريّ ‪ ،‬وأبي‬
‫ثور ‪ .‬ومذهب المالكيّة ‪ :‬أنّ الحصر يتحقّق بالعدوّ ‪ ،‬والفتنة ‪ ،‬والحبس ظلما ‪ .‬كذلك هو مذهب‬
‫الشّافعيّة والمشهور عند الحنابلة ‪ ،‬مع أسباب أخرى من الحصر بما يقهر النسان ‪ ،‬ممّا سيأتي‬
‫ذكره ‪ ،‬كم نع الزّوج زوج ته عن المتاب عة ‪ .‬واتّف قت المذا هب الثّل ثة على أ نّ من يتعذّر عل يه‬
‫الو صول إلى الب يت بحا صر آ خر غ ير العدوّ ‪ ،‬كالح صر بالمرض أو بالعرج أو بذهاب نف قة‬
‫ونحوه ‪ ،‬أنّه ل يجوز له التّحلّل بذلك ‪ .‬لكن من اشترط التّحلّل إذا حبسه حابس له حكم خا صّ‬
‫عنبد الشّافعي ّة والحنابلة يأتبي بيانبه إن شاء اللّه تعالى ‪ .‬وهذا القول ينفبي تحق ّق الحصبار‬
‫بالمرض ونحوه من علّة و هو قول ا بن عبّاس وا بن ع مر وطاوس والزّهر يّ وز يد بن أ سلم‬
‫ومروان بن الحكم ‪.‬‬
‫سنّة والمعقول ‪ :‬أمّا الكتاب فقوله تعالى ‪:‬‬
‫‪ - 6‬استدلّ الحنفيّة ومن معهم بالدلّة من الكتاب وال ّ‬
‫ن الحصار ما‬
‫{ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } ‪ .‬ووجه دللة الية قول أهل اللّغة إ ّ‬
‫ل على تحقّق الح صار شرعا بالنّ سبة‬
‫كان بمرض أو علّة ‪ ،‬و قد عبّرت ال ية بأح صرتم ‪ ،‬فد ّ‬
‫ن اسم الحصار‬
‫للمرض وبالعد ّو ‪ .‬وقال الجصّاص ‪ « :‬لمّا ثبت بما قدّمته من قول أهل اللّغة أ ّ‬
‫ص بالمرض ‪ ،‬وقال اللّه { فإن أح صرتم ف ما ا ستيسر من الهدي } و جب أن يكون اللّ فظ‬
‫يخت ّ‬
‫سنّة ‪:‬‬
‫مستعملً فيما هو حقيقة فيه ‪ ،‬وهو المرض ‪ ،‬ويكون العد ّو داخلً فيه بالمعنى » ‪ .‬وأمّا ال ّ‬
‫ف قد أخرج أ صحاب ال سّنن الرب عة بأ سانيد صحيحة ‪ ،‬ك ما قال النّوو يّ ‪ ،‬عن عكر مة ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫سمعت الحجّاج بن عمرو النصاريّ قال ‪ :‬قال رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬من كسر‬
‫أو عرج فقد حلّ ‪ ،‬وعليه الحجّ من قابل » ‪ .‬قال عكرمة سألت ابن عبّاس وأبا هريرة عن ذلك‬
‫فقال ‪ :‬صدق ‪ .‬وفي رواية عند أبي داود وابن ماجه ‪ « :‬من كسر أو عرج أو مرض ‪» . . .‬‬
‫‪ .‬وأمّا العقل ‪ :‬فهو قياس المرض ونحوه على العد ّو بجامع الحبس عن أركان النّسك في كلّ ‪،‬‬
‫وهو قياس جليّ ‪ ،‬حتّى جعله بعض الحنفيّة أولويّا ‪.‬‬
‫‪ - 7‬واستدلّ الجمهور بالكتاب والثار والعقل ‪ :‬أمّا الكتاب فآية ‪ { :‬فإن أحصرتم فما استيسر‬
‫من الهدي } قال الشّافع يّ ‪ « :‬فلم أ سمع مخالفا ممّن حف ظت ع نه ممّن لق يت من أ هل العلم‬
‫بالتّفسبير فبي أنّهبا نزلت بالحديبيبة ‪ .‬وذلك إحصبار عدوّ ‪ ،‬فكان فبي الحصبر إذن اللّه تعالى‬
‫لصاحبه فيه بما استيسر من الهدي ‪ .‬ثمّ بيّن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم أنّ الّذي يحلّ منه‬
‫ج والعمرة للّه عامّة على‬
‫المحرم الحصار بالعد ّو ‪ ،‬فرأيت أ نّ الية بأمر اللّه تعالى بإتمام الح ّ‬
‫ن ف يه ر سول اللّه صلى ال عل يه و سلم من‬
‫كلّ حا جّ ومعت مر ‪ ،‬إلّ من ا ستثنى اللّه ‪ ،‬ث مّ س ّ‬
‫الحجب‬
‫ّ‬ ‫الحصبر بالعدوّ ‪ .‬وكان المريبض عندي مم ّن عليبه عموم اليبة » ‪ .‬يعنبي { وأتمّوا‬
‫والعمرة للّه } ‪ .‬وأمّا الثار ‪ :‬فقد ثبت من طرق عن ابن عبّاس أنّه قال ‪ :‬ل حصر إلّ حصر‬
‫العدوّ ‪ ،‬فأمّا من أصابه مرض ‪ ،‬أو وجع ‪ ،‬أو ضلل ‪ ،‬فليس عليه شيء ‪ ،‬إنّما قال اللّه تعالى‬
‫‪ { :‬فإذا أمن تم } وروي عن ا بن عمرو والزّهر يّ وطاوس وز يد بن أ سلم ن حو ذلك ‪ .‬وروى‬
‫الشّافعيّ في المّ عن مالك ‪ -‬وهو عنده في الموطّأ ‪ -‬عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار‬
‫أ نّ ع بد اللّه بن ع مر ‪ ،‬ومروان بن الح كم ‪ ،‬وا بن الزّب ير أفتوا ا بن حزا بة المخزوم يّ ‪ ،‬وأنّه‬
‫صبرع ببعبض طريبق مكّة وهبو محرم ‪ ،‬أن يتداوى بمبا ل بدّ له منبه ‪ ،‬ويفتدي ‪ ،‬فإذا صبحّ‬
‫ج عاما قابلً ويهدي ‪ .‬وهذا إ سناد صحيح ‪ .‬وأمّا‬
‫اعت مر فحلّ من إحرا مه ‪ ،‬وكان عل يه أن يح ّ‬
‫ب ‪ « :‬إن أحرم وأحصبره المرض لم يجبز له أن‬
‫الدّليبل مبن المعقول ‪ :‬فقال فيبه الشّيرازي ّ‬
‫ل الطّريق » ‪.‬‬
‫يتحلّل ؛ لنّه ل يتخلّص بالتّحلّل من الذى الّذي هو فيه ‪ ،‬فهو كمن ض ّ‬
‫شروط تحقّق الحصار ‪:‬‬
‫‪ - 8‬لم ين صّ الفقهاء صراح ًة على شروط تحقّق الح صار أنّ ها كذا وكذا ‪ ،‬ول كن يم كن‬
‫ج أو عمرة ‪ ،‬أو به ما معا ؛‬
‫ا ستخلصها ‪ ،‬و هي ‪ :‬الشّرط الوّل ‪ :‬سبق الحرام بالنّ سك ‪ ،‬بح ّ‬
‫لنّه إذا عرض ما يمنع من أداء النّسك ‪ ،‬ولم يكن أحرم ‪ ،‬ل يلزمه شيء ‪ .‬ويتحقّق الحصار‬
‫عن الحرام الفا سد كال صّحيح ‪ ،‬وي ستتبع أحكا مه أيضا ‪ .‬الشّرط الثّا ني ‪ :‬ألّ يكون قد و قف‬
‫بعرفة ق بل حدوث المانع من المتاب عة ‪ ،‬إذا كان محرما بالح جّ ‪ .‬وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة ‪،‬‬
‫أمّا ع ند الشّافعيّة والحنابلة فيتحقّق الح صار عن الطّواف بالب يت ‪ ،‬ك ما سيتّضح في أنواع‬
‫الحصار ‪ .‬أمّا في العمرة فالحصار يتحقّق بمنعه عن أكثر الطّواف بالجماع ‪ .‬الشّرط الثّالث‬
‫‪ :‬أن ييأس من زوال المانع ‪ ،‬بأن يتيقّن أو يغلب على ظنّه عدم زوال المانع قبل فوات الحجّ ‪،‬‬
‫" بحيث لم يبق بينه وبين ليلة النّحر زمان يمكنه فيه السّير لو زال العذر » ‪ .‬وهذا ن صّ عليه‬
‫المالكيّة والشّافعيّة ‪ ،‬وقدّر الرّمليّب الشّافعيّب المدّة فبي العمرة إلى ثلثبة أيّام ‪ .‬فإذا وقبع مانبع‬
‫يتوقّع زواله عن قر يب فل يس بإح صار ‪ .‬ويش ير إلى أ صل هذا الشّرط تعل يل الحنفيّة إبا حة‬
‫نصب عليبه المالكي ّة‬
‫ّ‬ ‫التّحلّل بالحصبار بأن ّه معلّل بمشق ّة امتداد الحرام ‪ .‬الشّرط الرّاببع ‪:‬‬
‫ل يعلم ح ين إحرا مه بالما نع من إتمام الح جّ أو العمرة ‪ .‬فإن علم فل يس له‬
‫وتفرّدوا به ‪ ،‬و هو أ ّ‬
‫ن أنّه ل يمنعه فمنعه ‪ ،‬فله‬
‫ل أن يظ ّ‬
‫التّحلّل ‪ ،‬ويبقى على إحرامه حتّى يح جّ في العام القابل ‪ ،‬إ ّ‬
‫ي صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬أنّه أحرم بالعمرة عام الحديبية عالما‬
‫أن يتحلّل حينئذ ‪ ،‬كما وقع للنّب ّ‬
‫بالعد ّو ‪ ،‬ظانّا أنّه ل يمنعه ‪ ،‬فمنعه العد ّو ‪ ،‬فلمّا منعه تحلّل » ‪.‬‬

‫أنواع الحصار‬
‫بح سب الرّ كن المح صر ع نه يتنوّع الح صار بح سب الرّ كن الّذي أح صر ع نه المحرم ثل ثة‬
‫أنواع ‪:‬‬
‫الوّل ‪ :‬الحصار عن الوقوف بعرفة وعن طواف الفاضة ‪:‬‬
‫‪ - 9‬هذا الحصار يتحقّق به الحصار الشّرعيّ ‪ ،‬بما يتربّب عليه من أحكام ستأتي ( ف ‪) 26‬‬
‫وذلك باتّفاق الئمّة ‪ ،‬مع اختلفهم في بعض أسباب الحصار ‪.‬‬
‫الثّاني ‪ :‬الحصار عن الوقوف بعرفة دون الطّواف ‪:‬‬
‫‪ - 10‬من أحصر عن الوقوف بعرفة ‪ ،‬دون الطّواف بالبيت ‪ ،‬فليس بمحصر عند الحنفيّة ‪،‬‬
‫وهو رواية عن أحمد ‪ .‬ووجه ذلك عندهم أنّه يستطيع أن يتحلّل بمناسك العمرة ‪ ،‬فيجب عليه‬
‫أن يؤدّي مناسك العمرة بالحرام السّابق نفسه ‪ .‬ويتحلّل بتلك العمرة ‪ .‬قال في المسلك المتقسّط‬
‫ج ‪ ،‬فيتحلّل بعد فوت الوقوف عن‬
‫‪ « :‬وإن منع عن الوقوف فقط يكون في معنى فائت الح ّ‬
‫إحرامه بأفعال العمرة ‪ ،‬ول دم عليه ‪ ،‬ول عمرة في القضاء » ‪ .‬وهذا يفيد بظاهره أنّه ينتظر‬
‫حتّى يفوت الوقوف ‪ ،‬فيتحلّل بعمرة ‪ ،‬أي بأعمال عمرة بإحرامه السّابق ‪ ،‬كما صرّح بذلك في‬
‫ج ‪ ،‬فيتحلّل‬
‫المبسوط بقوله ‪ « :‬إن لم يكن ممنوعا من الطّواف يمكنه أن يصبر حتّى يفوته الح ّ‬
‫بالطّواف والسبّعي " ومذهبب المالكي ّة والشّافعي ّة أن ّه يعتببر مبن أحصبر عبن الوقوف فقبط‬
‫ل أنّ النّتيجة‬
‫محصرا ‪ ،‬ويتحلّل بأعمال العمرة ‪ .‬لكنّه وإن تشابهت الصّورة عند هؤلء الئمّة إ ّ‬
‫حجب ‪ ،‬فل يوجبون عليبه دما ‪ ،‬ويعتببره‬
‫ّ‬ ‫تختلف فيمبا بينهبم ‪ .‬فالحنفي ّة يعتببرونه تحلّل فائت‬
‫المالكيّة والشّافعيّة تحلّل إحصار ‪ ،‬فعليه دم أمّا الحنابلة فقالوا ‪ :‬له أن يفسخ نيّة الحجّ ‪ ،‬ويجعله‬
‫عمرةً ‪ ،‬ول هدي عليه ‪ ،‬لباحة ذلك له من غير إحصار ‪ ،‬ففيه أولى ‪ ،‬فإن كان طاف وسعى‬
‫ج ‪ ،‬تحلّل بطواف وسعي آخر ‪ ،‬لنّ الوّل لم يقصد‬
‫للقدوم ثمّ أحصر أو مرض ‪ ،‬حتّى فاته الح ّ‬
‫به طواف العمرة ول سعيها ‪ ،‬وليس عليه أن يجدّد إحراما ‪.‬‬
‫الثّالث ‪ :‬الحصار عن طواف الرّكن ‪:‬‬
‫ن من وقف بعرفة ثمّ أحصر ل يكون محصرا ‪ ،‬لوقوع المن‬
‫‪ - 11‬مذهب الحنفيّة والمالكيّة أ ّ‬
‫ج ‪ ،‬ويظلّ محرما في ح قّ‬
‫عن الفوات ‪ ،‬كما قال الحنفيّة ‪ .‬ويفعل ما سوى ذلك من أعمال الح ّ‬
‫النّ ساء حتّى يطوف طواف الفا ضة ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن م نع المحرم من مكّة دون عر فة‬
‫وقف وتحلّل ‪ ،‬ول قضاء عليه في الظهر ‪ .‬وأمّا الحنابلة ففرّقوا بين أمرين فقالوا ‪ :‬إن أحصر‬
‫عن البيت بعد الوقوف بعرفة قبل رمي الجمرة فله التّحلّل ‪ .‬وإن أحصر عن طواف الفاضة‬
‫بعد رمي الجمرة فليس له أن يتحلّل ‪ .‬واستدلّوا على التّحلّل في ال صّورة الولى في الحصار‬
‫ن " الح صر يفيده التّحلّل من جمي عه ‪ ،‬فأفاد التّحلّل من بع ضه » ‪ .‬و هو دل يل‬
‫ق بل الرّ مي بأ ّ‬
‫لمذ هب الشّافعيّة أيضا ‪ .‬وا ستدلّوا لعدم التّحلّل ب عد ر مي جمرة العق بة إذا أح صر عن الب يت ‪:‬‬
‫بأنّ إحرامه أي بعد الرّمي عندهم إنّما هو عن النّساء ‪ ،‬والشّرع إنّما ورد بالتّحلّل الحرام التّامّ‬
‫الّذي يحرم جم يع محظورا ته ‪ ،‬فل يث بت ‪ -‬التّحلّل ‪ -‬ب ما ل يس مثله ‪ .‬وم تى زال الح صر أ تى‬
‫بالطّواف ‪ ،‬وقد تمّ حجّه ‪.‬‬

‫أنواع الحصار من حيث سببه‬


‫الحصار بسبب فيه قهر ( أو سلطة ) ‪:‬‬
‫‪ - 12‬ذكروا من صوره ما يلي ‪ :‬الح صر بالعدوّ ‪ -‬الفت نة ب ين الم سلمين ‪ -‬الح بس ‪ -‬م نع‬
‫ال سّلطان عن المتاب عة ‪ -‬ال سّبع ‪ -‬م نع الدّائن مدي نه عن المتاب عة ‪ -‬م نع الزّوج زوج ته عن‬
‫المتابعبة ‪ -‬موت المحرم أو الزّوج أو فقدهمبا ‪ -‬العدّة الطّارئة ‪ -‬منبع الوليّب الصبّبيّ والسبّفيه‬
‫سيّد عبده عن المتابعة ‪ .‬وقبل الدّخول في تفصيل البحث ل بدّ من إجمال‬
‫عن المتابعة ‪ -‬منع ال ّ‬
‫ن المالكيّة قصروا الحصر الّذي يبيح التّحلّل للمحصر بثلثة أسباب ‪ ،‬أحصوها‬
‫مه مّ ‪ ،‬هو ‪ :‬أ ّ‬
‫بالعدد ‪ ،‬وهي ‪ :‬الحصر بالعدوّ ‪ ،‬والحصر بالفتنة ‪ ،‬والحبس ظلما ‪ .‬وبالتّالي فإ نّ هذه السباب‬
‫متّفق عليها بين المذاهب ‪ .‬وأمّا الشّافعيّة والحنابلة فاتّفقوا مع الحنفيّة على جميع ال صّور الّتي‬
‫صدر بها الموضوع ما عدا ثلثة أسباب هي ‪ :‬منع السّلطان عن المتابعة ‪ ،‬والحصر بالسّبع ‪،‬‬
‫والعدّة الطّارئة ‪ .‬فهذه الثّل ثة تفرّد ب ها الحنفيّة ‪ .‬هذا مع مراعاة تف صيل في ب عض ال سباب‬
‫الّ تي ذ كر اتّفاق الحنفيّة مع الشّافعيّة والحنابلة علي ها ويأ تي تف صيله إن شاء اللّه تعالى ‪ .‬أ ‪-‬‬
‫الحصر بالعد ّو الكافر ‪:‬‬
‫‪ - 13‬وهو أن يتسلّط العد ّو على بقعة تقع في طريق الحجّاج ‪ ،‬فيقطع على المحرمين السّبل ‪،‬‬
‫وي صدّهم عن المتاب عة لداء منا سكهم ‪ .‬وتحقّق الح صر الشّرع يّ بهذه ال صّورة محلّ إجماع‬
‫العلماء ‪ ،‬وفيها نزل القرآن الكريم ‪ .‬كما سبق ‪ .‬وقد قرّر الحنفيّة والمالكيّة أنّه لو أحصر العدوّ‬
‫طريقا إلى مكّة أو عر فة ‪ ،‬وو جد المح صر طريقا آ خر ‪ ،‬ين ظر ف يه ‪ :‬فإن أضرّ به سلوكها‬
‫لطوله ‪ ،‬أو صبعوبة طريقبه ‪ ،‬ضررا معتببرا ‪ ،‬فهبو محصبر شرعا ‪ .‬وإن لم يتضرّر ببه فل‬
‫يكون محصرا شرعا ‪ .‬أمّا الشّافعيّة فقد ألزموا المحصر بالطّريق الخر ولو كان أطول أو فيه‬
‫مشقّة ‪ ،‬ما دامت النّفقة تكفيهم لذلك الطّريق ‪ .‬أمّا الحنابلة فعباراتهم مطلقة عن التّقييد بأ يّ من‬
‫هذ ين المر ين ‪ ،‬ممّا يش ير إلى أنّ هم يلزمو نه بالطّر يق ال خر ولو كان أطول أو أش قّ ‪ ،‬ولو‬
‫ج بسبب‬
‫كانت النّفقة ل تكفيهم ‪ .‬وهذا يشير إلى ترجيح وجوب القضاء عند الحنابلة لفوات الح ّ‬
‫ج بطول‬
‫الطّريق الثّاني ‪ ،‬ولعلّه لذلك ذكره ابن قدامة أ ّولً ‪ .‬فإذا سلك الطّريق الطول ففاته الح ّ‬
‫الطّريبق أو خشونتبه أو غيرهمبا ‪ ،‬فمبا يحصبل الفوات بسبببه فقولن مشهوران فبي المذهببين‬
‫الشّافع يّ والحنبل يّ أصحّهما عند الشّافعيّة ‪ :‬ل يلزمه القضاء ‪ ،‬بل يتحلّل تحلّل المحصر ؛ لنّه‬
‫محصر ‪ ،‬ولعدم تقصيره ‪ .‬والثّا ني ‪ :‬يلز مه القضاء ‪ ،‬كما لو سلكته ابتداءً ‪ ،‬ففا ته بضلل في‬
‫الطّريبق ونحوه ‪ ،‬ولو اسبتوى الطّريقان مبن كلّ وجبه وجبب القضاء بل خلف ؛ لنّه فوات‬
‫محض ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬الحصار بالفتنة ‪:‬‬
‫‪ - 14‬بأن تحصل حرب بين المسلمين عياذا باللّه تعالى ‪ ،‬ويحصر المحرم بسبب ذلك ‪ ،‬مثل‬
‫الفتنة الّتي ثارت بحرب الحجّاج وعبد اللّه بن الزّبير سنة ‪ 73‬هب ‪ .‬وهذا يتحقّق به الحصار‬
‫شرعا أيضا باتّفاق الئمّة كالحصار بالعدوّ سواءً بسواء ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬الحبس ‪:‬‬
‫‪ - 15‬بأن ي سجن المحرم بعد ما تلبّس بالحرام ‪ .‬و قد فرّق المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ب ين‬
‫الحبس بحقّ أو بغير حقّ ‪ .‬فإن حبس بغير حقّ ‪ ،‬بأن اعتقل ظلما ‪ ،‬أو كان مدينا ثبت إعساره‬
‫فإنّه يكون مح صرا ‪ .‬وإن ح بس بح قّ عل يه يمك نه الخروج م نه فل يجوز له التّحلّل ول يكون‬
‫محصرا ‪ ،‬ويكون حكمه حكم المرض ‪ .‬أمّا الحنفيّة فقد أطلقوا الحبس سببا للحصار ‪.‬‬
‫د ‪ -‬منع الدّائن مدينه عن المتابعة ‪:‬‬
‫‪ - 16‬ع ّد الشّافعيّة والحنابلة الدّين مانعا من موانع النّسك في باب الحصار ‪ .‬وأمّا المالكيّة فقد‬
‫صبرّحوا بأنّه إن حببس ظلما كان محصبرا ‪ ،‬وإلّ فل ‪ ،‬فآلت المسبألة عندهبم إلى الحببس ‪،‬‬
‫كالحنفيّة ‪.‬‬
‫هب ‪ -‬منع الزّوج زوجته عن المتابعة ‪:‬‬
‫‪ - 17‬منع الزّوج زوجته عن المتابعة يتحقّق به إحصارها باتّفاق المذاهب الربعة ( الحنفيّة‬
‫المالكيّة ‪ ،‬على الصحّ عندهم ‪ ،‬والشّافعيّة والحنابلة ) ‪ ،‬وذلك في حجّ النّفل ‪ ،‬أو عمرة النّفل ‪،‬‬
‫ع ند الجم يع ‪ ،‬وعمرة ال سلم ‪ ،‬ع ند الحنفيّة والمالكيّة لقول هم بعدم فرضيّت ها ‪ .‬وإن أذن ل ها‬
‫الزّوج ابتدا ًء بحجّب النّفبل أو عمرة النّفبل ولهبا محرم فإنّه ليبس له منعهبا بعبد الحرام ؛ لنّه‬
‫ج الواجب ‪ ،‬كالنّذر ‪ ،‬إذا أحرمت‬
‫تغرير ‪ ،‬ول تصير محصر ًة بمنعه ‪ .‬وحجّة السلم ‪ ،‬أو الح ّ‬
‫الزّوجبة بهمبا بغيبر إذن الزّوج ‪ ،‬ولهبا محرم ‪ ،‬فل تكون محصبر ًة عنبد الحنفي ّة والمالكي ّة‬
‫ج علي ها ‪ ،‬ول يس له أن يمنع ها من ح جّ‬
‫والحنابلة ‪ ،‬لنّ هم ل يشترطون إذن الزّوج لوجوب الح ّ‬
‫الفرض ‪ ،‬ول يجوز له أن يحلّل ها بمحظور من محظورات الحرام ‪ ،‬ولو تحلّلت هي لم ي صحّ‬
‫الحجب ‪ ،‬فإذا لم يأذن لهبا قببل‬
‫ّ‬ ‫تحلّلهبا ‪ .‬وأم ّا الشّافعي ّة فيقولون باشتراط إذن الزّوج لفرضي ّة‬
‫إحرام ها ‪ ،‬وأحر مت ‪ ،‬كان له منع ها ‪ ،‬ف صارت كال صّورة الولى على ال صحّ عند هم ‪ .‬وإن‬
‫أحرمت بحجّة الفرض وكان لها زوج وليس معها محرم ‪ ،‬فمنعها الزّوج ‪ ،‬فهي محصرة في‬
‫ظاهبر الرّوايبة عنبد الحنفيّة ‪ ،‬وكذا عنبد الشّافعي ّة والحنابلة ‪ .‬وأمّا عنبد المالكيّة فل تكون‬
‫محصر ًة إذا سافرت مع الرّفقة المأمونة ‪ ،‬وكانت هي مأمون ًة أيضا ‪ ،‬لنّهم يكتفون بهذا لسفر‬
‫ج الفرض ‪.‬‬
‫ج الفرض ‪ ،‬ول يشترطون إذن الزّوج للسّفر في الح ّ‬
‫المرأة في الح ّ‬
‫و ‪ -‬منع الب ابنه عن المتابعة ‪:‬‬
‫‪ - 18‬مذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أ نّ للبوين أو أحدهما منع ابنه عن ح جّ التّطوّع ل‬
‫الفرض ‪ .‬وفبي روايبة عنبد المالكيّة والفرض أيضا ‪ ،‬لكبن ل يصبير عنبد المالكيّة والحنابلة‬
‫مح صرا بمنعه ما ‪ ،‬ل ما عرف من ح صر المالكيّة أ سباب الح صار ب ما ل يد خل هذا ف يه ‪.‬‬
‫ومذهبب الحنفيّة ‪ :‬يكره الخروج إلى الحجّب إذا كره أحبد أبويبه وكان الوالد محتاجا إلى خدمبة‬
‫الولد ‪ ،‬وإن كان مستغنيا عن خدمته فل بأس ‪ .‬وذكر في ال سّير الكبير إذا كان ل يخاف عليه‬
‫ج الفرض أولى من طاعة الوالدين ‪ ،‬وطاعتهما أولى من ح جّ‬
‫الضّيعة فل بأس بالخروج ‪ .‬وح ّ‬
‫النّفل ‪.‬‬
‫ز ‪ -‬العدّة الطّارئة ‪:‬‬
‫‪ - 19‬والمراد طروء عدّة الطّلق بعد الحرام ‪ :‬فإذا أهلّت المرأة بحجّة السلم أو حجّة نذر‬
‫أو نفل ‪ ،‬فطلّقها زوجها ‪ ،‬فوجبت عليها العدّة ‪ ،‬صارت محصرةً ‪ ،‬وإن كان لها محرم ‪ ،‬عند‬
‫الحنفيّة دون أن تتقيّد بمسافة السّفر ‪ .‬وأمّا المالكيّة فأجروا على عدّة الطّلق حكم وفاة الزّوج ‪.‬‬
‫ج أو قران بإذ نه أو بغيره ‪ ،‬ث مّ طلّق ها أو مات ‪ ،‬وخا فت فو ته‬
‫وقال الشّافعيّة ‪ :‬لو أحر مت بح ّ‬
‫لض يق الو قت ‪ ،‬خر جت وجوبا و هي معتدّة ؛ لتقدّم الحرام ‪ .‬وإن أم نت الفوات ل سعة الو قت‬
‫جاز لها الخروج لذلك ‪ ،‬لما في تعيّن التّأخير من مشقّة مصابرة الحرام ‪ .‬وأمّا الحنابلة ففرّقوا‬
‫الحجب ‪ -‬فبي عدّة الطّلق‬
‫ّ‬ ‫ّجعيب ‪ ،‬فلهبا أن تخرج إليبه ‪ -‬يعنبي‬
‫ّ‬ ‫بيبن علّة الطّلق المبتوت والر‬
‫المبتوت ‪ ،‬وأمّا عدّة الرّجعيّة فالمرأة في الحصار كالزّوجة ‪.‬‬

‫المنع بعلّة تمنع المتابعة‬


‫‪ - 20‬ومن صوره ‪ :‬الكسر أو العرج ‪ -‬المرض ‪ -‬هلك النّفقة ‪ -‬هلك الرّاحلة ‪ -‬العجز عن‬
‫المشي ‪ -‬الضّللة عن الطّريق ‪ .‬وتحقّق الحصار بسبب من هذه السباب هو مذهب الحنفيّة ‪.‬‬
‫أمّا الجمهور فيقولون إنّها ل تجعل صاحبها محصرا شرعا ‪ ،‬فإذا حبس بش يء منها ل يتحلّل‬
‫ل تحلّل بأعمال العمرة ‪ ،‬ويكون حكمبه حكبم‬
‫الحجب فيهبا ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ّ‬ ‫حت ّى يبلغ البيبت ‪ ،‬فإن أدرك‬
‫( الفوات ) ‪ .‬انظر مصطلح ( فوات ) الكسر أو العرج ‪:‬‬
‫‪ - 21‬والمراد بالعرج المانع من الذّهاب والصل في هذا ال سّبب ما سبق في الحديث ‪ « :‬من‬
‫ل » ‪ .‬المرض ‪:‬‬
‫كسر أو عرج فقد ح ّ‬
‫‪ - 22‬والمعتبر هنا المرض الّذي ل يزيد بالذّهاب ‪ ،‬بنا ًء على غلبة الظّ نّ ‪ ،‬أو بإخبار طبيب‬
‫سنّة الحديث الّذي سبق فقد ورد في بعض‬
‫حاذق متديّن ‪ .‬والصل في الحصار بالمرض من ال ّ‬
‫رواياته ‪ « :‬أو مرض » ‪ .‬هلك النّفقة أو الرّاحلة ‪:‬‬
‫‪ - 23‬إن سرقت نفقة المحرم في الطّريق بعد أن أحرم ‪ ،‬أو ضاعت ‪ ،‬أو نهبت ‪ ،‬أو نفدت ‪،‬‬
‫إن قدر على المشبي فليبس بمحصبر ‪ ،‬وإن لم يقدر على المشبي فهبو محصبر ‪ ،‬على مبا فبي‬
‫التّجنيس ‪ .‬العجز عن المشي ‪:‬‬
‫‪ - 24‬إن أحرم وهو عاجز عن المشي ابتداءً من أوّل إحرا مه ‪ ،‬وله قدرة على النّف قة دون‬
‫الرّاحلة ‪ ،‬فهو محصر حينئذ ‪ .‬والضّللة عن الطّريق ‪:‬‬
‫ل الطّريق فهو محصر ‪.‬‬
‫‪ - 25‬أي طريق مكّة أو عرفة ‪ .‬فمن ض ّ‬

‫أحكام الحصار‬
‫تندرج أحكام الحصار في أمرين ‪ :‬التّحلّل ‪ ،‬وما يجب على المحصر بعد التّحلّل ‪.‬‬
‫التّحلّل‬
‫تعريف التّحلّل ‪:‬‬
‫‪ - 26‬التّحلّل لغةً ‪ :‬أن يفعل النسان ما يخرج به من الحرمة ‪ .‬واصطلحا ‪ :‬هو فسخ الحرام‬
‫‪ ،‬والخروج منه بالطّريق الموضوع له شرعا ‪.‬‬
‫جواز التّحلّل للمحصر ‪:‬‬
‫‪ - 27‬إذا تحقّق للمحرم و صف الح صار فإنّه يجوز له التّحلّل ‪ .‬وهذا الح كم متّ فق عل يه ب ين‬
‫العلماء ‪ ،‬كلّ ح سب ال سباب الّ تي يعتبر ها موجبةً لتحقّق الح صار الشّرع يّ ‪ .‬وال صل في‬
‫ل يخرج مبن إحرامبه إلّ‬
‫الحرام وجوب المضيّب على المحرم فبي النّسبك الّذي أحرم ببه ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ب والعمرة للّه } ‪ .‬لكبن جاز التّحلّل‬
‫بتمام موجبب هذا الحرام ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬وأتمّوا الحج ّ‬
‫للمح صر ق بل إتمام مو جب إحرا مه ا ستثناءً من هذا ال صل ‪ ،‬ل ما دلّ عل يه الدّل يل الشّرع يّ ‪.‬‬
‫والدّليبل على جواز التّحلّل قوله تعالى ‪ { :‬فإن أحصبرتم فمبا اسبتيسر مبن الهدي } ‪ .‬وجبه‬
‫ن الكلم على تقد ير مض مر ‪ ،‬ومعناه واللّه أعلم ‪ ،‬فإن أح صرتم عن إتمام‬
‫ال ستدلل بال ية ‪ :‬أ ّ‬
‫ج أو العمرة ‪ ،‬وأرد تم أن تحلّوا فاذبحوا ما تي سّر من الهدي ‪ .‬والدّل يل على هذا التّقد ير أ نّ‬
‫الح ّ‬
‫ن له أن ل يتحلّل ويبقى محرما كما كان ‪ ،‬إلى أن‬
‫الحصار نفسه ل يوجب الهدي ‪ ،‬أل ترى أ ّ‬
‫سنّة ‪ « :‬فعله صلى ال عل يه و سلم ف قد‬
‫يزول الما نع ‪ ،‬فيم ضي في مو جب الحرام ‪ .‬و من ال ّ‬
‫تحلّل وأمر أصحابه بالتّحلّل عام الحديبية حين صدّهم المشركون عن العتمار بالبيت العتيق »‬
‫‪ ،‬كما وردت الحاديث الصّحيحة السّابقة ‪.‬‬

‫المفاضلة بين التّحلّل ومصابرة الحرام ‪:‬‬


‫‪ - 28‬أطلق الحنفيّة الحكم على المحصر أنّه " جاز له التّحلّل " وأنّه رخصة في حقّه ‪ ،‬حتّى ل‬
‫يمت ّد إحصباره ‪ ،‬فيشقّب عليبه ‪ ،‬وأنّب له أن يبقبى محرما ‪ .‬يرجبع إلى أهله بغيبر تحلّل ويعتببر‬
‫محرما حتّى يزول الخوف ‪ .‬وقال المالكيّة إن منعه بعض ما ذكر من أسباب الحصار الثّلثة‬
‫ج ‪ ،‬بأن أحصر عن الوقوف والبيت معا ‪ ،‬أو عن إكمال عمرة ‪،‬‬
‫المعتبرة عندهم ‪ ،‬عند إتمام ح ّ‬
‫ل كان ‪،‬‬
‫بأن أحصر عن البيت أو ال سّعي ‪ ،‬فله التّحلّل بال ّنيّة ‪ ،‬ممّا هو محرم به ‪ ،‬في أ يّ مح ّ‬
‫ن تحلّله أفضل ‪ .‬أمّا من منع عن‬
‫قارب مكّة أو ل ‪ ،‬دخلها أو ل ‪ .‬وله البقاء لقابل أيضا ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫إتمام نسكه بغير السباب الثّلثة ( العدوّ والفتنة والحبس ) كالمرض ‪ ،‬فإن قارب مكّة كره له‬
‫إبقاء إحرامه بالح جّ لقابل ‪ ،‬ويتحلّل بفعل عمرة ‪ .‬أمّا الشّافعيّة ففرّقوا بين حالي اتّساع الوقت‬
‫وضي قه ‪ :‬فإن كان الو قت وا سعا فالف ضل أن ل يعجّل التّحلّل ‪ ،‬فربّ ما زال الم نع فأت مّ الح جّ ‪،‬‬
‫ج ‪ .‬وذلك ما لم‬
‫ومثله العمرة ‪ ،‬وإن كان الو قت ضيّقا فالف ضل تعج يل التّحلّل ؛ لئلّ يفوت الح ّ‬
‫ن المحرم المح صر إدرا كه ب عد الح صر ‪ ،‬أو إدراك العمرة في ثل ثة أيّام في جب‬
‫يغلب على ظ ّ‬
‫الصّبر كما سبق ‪ .‬وأطلق الحنابلة فقالوا " المستحبّ له القامة مع إحرامه رجاء زوال الحصر‬
‫‪ ،‬فم تى زال ق بل تحلّله فعل يه المض يّ لتمام ن سكه ‪ .‬والحا صل أ نّ جواز التّحلّل متّ فق عل يه ‪،‬‬
‫إنّما اختلفوا في المفاضلة بينه وبين البقاء على الحرام ‪ ،‬فإن اختار المحصر التّحلّل تحلّل متى‬
‫شاء ‪ ،‬إذا صبنع مبا يلزمبه للتّحلّل ‪ ،‬ممّا سبيأتي ذكره فبي موضعبه ‪ .‬وهذا الحكبم سبواء فيبه‬
‫المحصر عن الحجّ ‪ ،‬أو عن العمرة ‪ ،‬أو عنهما معا ‪ ،‬عند عامّة العلماء ‪.‬‬
‫التّحلّل من الحرام الفاسد ‪:‬‬
‫‪ - 29‬يجوز للمحرم الّذي فسد إحرامه ‪ -‬إذا أحصر ‪ -‬أن يتحلّل من إحرا مه الفاسد ‪ ،‬فإذا‬
‫ج جماعا مف سدا ث مّ أح صر تحلّل ‪ ،‬ويلز مه دم للف ساد ‪ ،‬ودم للح صار ‪،‬‬
‫جا مع المحرم بالح ّ‬
‫ويلزمبه القضاء بسببب الفسباد اتّفاقا هنبا ؛ لنّب الخلف فبي القضاء هبو فبي الحصبار بعبد‬
‫الحرام ال صّحيح ‪ .‬فلو لم يتحلّل حتّى فاتبه الوقوف ‪ ،‬ولم يمك نه الطّواف بالكع بة ‪ ،‬تحلّل في‬
‫موضعه تحلّل المحصر ‪ ،‬ويلزمه ثلثة دماء ‪ :‬دم للفساد ‪ ،‬ودم للفوات ‪ ،‬ودم للحصار ‪ .‬فدم‬
‫الف ساد بد نة ‪ ،‬والخران شاتان ‪ ،‬ويلز مه قضاء وا حد ‪ .‬ل كن ع ند المالكيّة يكف يه في ال صّورة‬
‫الولى هدي واحد هو هدي الفساد ‪ :‬بدنة ؛ لنّه ل هدي على المحصر عند المالكيّة ‪ .‬وعليه‬
‫في ال صّورة الثّانية هديان عند الحنفيّة والمالكيّة ‪ :‬هدي الفساد وهدي الحصار عند الحنفيّة ؛‬
‫لنّه ل دم عندهم للفوات ‪ ،‬وهدي الفساد ‪ .‬وهدي الفوات عند المالكيّة ‪.‬‬
‫البقاء على الحرام ‪:‬‬
‫‪ - 30‬إن اختار المحصر البقاء على الحرام ومصابرته حتّى يزول المانع فله بالنّسبة للح جّ‬
‫حالن ‪ :‬الحالة الولى ‪ :‬أن يتمكّن مبن إدراك الحج ّب بإدراك الوقوف بعرفبة ‪ ،‬فبهبا ونعمبت ‪.‬‬
‫ج لفوات الوقوف بعر فة ‪ .‬فاتّ فق‬
‫الحالة الثّان ية ‪ :‬أن ل يتمكّن من إدراك الح جّ ‪ ،‬بأن يفو ته الح ّ‬
‫الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّه يتحلّل تحلّل فوات الحجّب ‪ ،‬بأن يؤدّي أعمال العمرة ‪ .‬ثمّب‬
‫اختلفوا ‪ :‬فقال ‪ :‬الحنفيّة ل دم عل يه ل نّ ذلك هو ح كم الفوات وعل يه القضاء ‪ .‬وأمّا الشّافعيّة‬
‫ح أنّه ل قضاء عليه عند الشّافعيّة‬
‫والحنابلة فقالوا ‪ :‬عليه دم الفوات دون دم الحصار ‪ .‬والص ّ‬
‫ج لزمه‬
‫ن من لم يتحلّل حتّى فاته الح ّ‬
‫وعليه القضاء عند الحنابلة ‪ ،‬كما هي القاعدة عندهم ‪ « :‬إ ّ‬
‫القضاء » ‪ .‬وأمّا المالكيّة فقالوا ‪ :‬لو استمرّ المحصر على إحرامه حتّى دخل وقت الحرام من‬
‫العام القاببل ‪ ،‬وزال المانبع فل يجوز له أن يتحلّل بالعمرة ليسبر مبا بقبي ‪ .‬فقبد أجاز المالكيّة‬
‫البقاء على الحرام بعبد الفوات ‪ ،‬ولم يلزموه بالتّحلّل بعمرة ‪ ،‬وعندهبم يجزئه الحرام السبّابق‬
‫ج في العام القابل ‪.‬‬
‫للح ّ‬
‫ج ‪ :‬فع ند المالكيّة والشّافعيّة له أن يحلّ تحلّل‬
‫‪ - 31‬وأمّا إذا ب قي الح صار قائما وفات الح ّ‬
‫المح صر ‪ ،‬ول قضاء عل يه ‪ .‬وعل يه دم ع ند الشّافعيّة ‪ .‬و في قول عل يه القضاء ‪ .‬أمّا الحنابلة‬
‫فأوجبوا عليه القضاء ‪ ،‬فيما يظهر من كلمهم ‪ .‬وأمّا الحنفيّة فحكمه عندهم حكم الفوات ‪ ،‬ول‬
‫أثر للحصر ‪.‬‬
‫حكمة مشروعيّة التّحلّل ‪:‬‬
‫‪ - 32‬المح صر ك ما قال الكا سانيّ محتاج إلى التّحلّل ؛ لنّه م نع عن المض يّ في مو جب‬
‫الحرام ‪ ،‬على و جه ل يمك نه الدّ فع ‪ ،‬فلو لم ي جز له التّحلّل لب قي محرما ل يحلّ له ما حظره‬
‫الحرام إلى أن يزول الما نع فيمضبي فبي موجبب الحرام ‪ ،‬وف يه مبن الضّرر والحرج مبا ل‬
‫يخفى ‪ ،‬فم سّت الحاجة إلى التّحلّل والخروج من الحرام ‪ ،‬دفعا للضّرر والحرج ‪ .‬وسواء كان‬
‫الحصار عن الحجّ ‪ ،‬أو عن العمرة ‪ ،‬أو عنهما عند عامّة العلماء ‪.‬‬
‫ما يتحلّل به المحصر‬
‫‪ - 33‬الحصار بحسب إطلق الحرام الّذي وقع فيه أو تقييده بالشّرط نوعان ‪ :‬النّوع الوّل ‪:‬‬
‫الحصار في الحرام المطلق ‪ ،‬وهو الّذي لم يشترط فيه المحرم لنفسه ح قّ التّحلّل إذا طرأ له‬
‫به المحرم التّحلّل ‪ .‬التّحلّل‬
‫بي الحرام الّذي اشترط فيب‬
‫بار فب‬
‫بي ‪ :‬الحصب‬
‫بع ‪ .‬النّوع الثّانب‬
‫مانب‬
‫بالحصار في الحرام المطلق ‪ - 34‬ينقسم هذا الحصار إلى قسمين ‪ ،‬حسبما يستخلص من‬
‫الف قه الحنف يّ ‪ :‬الق سم الوّل ‪ :‬الح صار بما نع حقيق يّ ‪ ،‬أو شرع يّ لح قّ اللّه تعالى ‪ ،‬ل د خل‬
‫لح قّ الع بد ف يه ‪ .‬الق سم الثّا ني ‪ :‬الح صار بما نع شرع يّ لح قّ الع بد ل لح قّ اللّه تعالى ‪ .‬و قد‬
‫وجدت نتيجة التّقسيم من حيث الحكم مطابقةً لغير الحنفيّة إجمالً ‪ ،‬فيما اتّفقوا مع الحنفيّة على‬
‫كونه إحصارا ‪.‬‬
‫كيفيّة تحلّل المحصر أوّلً ‪ :‬نيّة التّحلّل ‪:‬‬
‫ن مبدأ نيّة التّحلّل بالمعنى الواسع متّفق عليه كشرط لتحلّل المحصر من إحرامه ‪ ،‬ث مّ‬
‫‪ - 35‬إ ّ‬
‫وقع الخلف فيما وراء ذلك ‪ :‬أمّا الشّافعيّة والحنابلة ف قد شرطوا نيّة التّحلّل عند ذبح الهدي ‪،‬‬
‫بأن ينوي التّحلّل بذب حه ؛ ل نّ الهدي قد يكون للتّحلّل و قد يكون لغيره فو جب أن ينوي ليميّز‬
‫بينهما ث مّ يحلق ؛ ول نّ من أتى بأفعال النّسك فقد أتى بما عليه فيحلّ منها بإكمالها ‪ ،‬فلم يحتج‬
‫إلى نيّة ‪ ،‬بخلف المحصور ‪ ،‬فإنّه يريد الخروج من العبادة قبل إكمالها ‪ ،‬فافتقر إلى قصده ‪.‬‬
‫ن الحلق ن سك ‪ ،‬وأنّه‬
‫كذلك تشترط نيّة التّحلّل ع ند الحلق ‪ ،‬بنا ًء على ال صحّ ع ند الشّافعيّة أ ّ‬
‫شرط لحصول التّحلّل ‪ ،‬كما سيأتي ( ف ‪ ) . . . .‬وذلك من الدّليل على شرطيّة ال ّنيّة عند ذبح‬
‫الهدي ‪ .‬وأمّا المالكيّة فقالوا ‪ :‬نيّة التّحلّل وحدها هي ركن التّحلّل فقط ‪ ،‬بالنّسبة لتحلّل المحصر‬
‫بالعدوّ ‪ ،‬أو الفت نة ‪ ،‬أو الح بس بغ ير ح قّ ‪ .‬هؤلء يتحلّلون ع ند المالكيّة بالنّيّة فح سب ‪ ،‬ول‬
‫يغني عنها غيرها ‪ ،‬حتّى لو نحر الهدي وحلق ولم ينو التّحلّل لم يتحلّل ‪ .‬وأمّا الحنفيّة فقالوا ‪:‬‬
‫« إذا أحصر المحرم بحجّة أو عمرة ‪ ،‬وكذا إذا كان محرما بهما ‪ ،‬وأراد التّحلّل ‪ -‬بخلف من‬
‫أراد ال ستمرار على حاله ‪ ،‬منتظرا زوال إح صاره ‪ -‬ي جب عل يه أن يب عث الهدي ‪ . . .‬إلخ "‬
‫فقد علّقوا التّحلّل ببعث الهدي وذبحه على إرادة التّحلّل ‪ ،‬واحترزوا عمّن أراد الستمرار على‬
‫حاله ‪ .‬فلو بعث هديا ‪ ،‬وهو مريد النتظار ل يحلّ بذبح الهدي إلّ إذا قصد به التّحلّل ‪.‬‬
‫ثانيا ‪ :‬ذبح الهدي ‪ :‬تعريف الهدي ‪:‬‬
‫‪ - 36‬الهدي ما يهدى إلى الحرم من حيوان وغيره ‪ .‬لكن المراد هنا وفي أبحاث الحجّ خاصّةً‬
‫‪ :‬ما يهدى إلى الحرم من ال بل والب قر والغ نم والما عز خا صّةً ‪ .‬ح كم ذ بح الهدي لتحلّل‬
‫المحصر ‪:‬‬
‫‪ 36‬م ‪ -‬ذهب جمهور العلماء إلى وجوب ذبح الهدي على المحصر ‪ ،‬لكي يتحلّل من إحرامه ‪،‬‬
‫وأنّه لو بعث به واشتراه ‪ ،‬ل يحلّ ما لم يذبح ‪ .‬وهو مذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وقول‬
‫ن المحصر يتحلّل بال ّنيّة فقط ‪ ،‬ول يجب عليه ذبح‬
‫أشهب من المالكيّة ‪ .‬وذهب المالكيّة إلى أ ّ‬
‫الهدي ‪ ،‬ببل هبو سبنّة ‪ ،‬وليبس شرطا ‪ .‬اسبتدلّ الجمهور بقوله تعالى ‪ { :‬فإن أحصبرتم فمبا‬
‫ن رسول اللّه صلى‬
‫سنّة ‪ « :‬بأ ّ‬
‫ج الجمهور أيضا بال ّ‬
‫استيسر من الهدي } على ما سبق ‪ .‬واحت ّ‬
‫ن من‬
‫ال عليه وسلم لم يحلّ يوم الحديبية ولم يحلق رأسه حتّى نحر الهدي » ‪ ،‬فدلّ ذلك على أ ّ‬
‫شرط إحلل المحصر ذبح هدي إن كان عنده ‪ .‬وأمّا وجه قول المالكيّة ودليلهم فهو دليل من‬
‫جهة القياس ‪ ،‬وهو كما ذكره أبو الوليد الباجيّ أنّه تحلّل مأذون فيه ‪ ،‬عار من التّفريط وإدخال‬
‫النّقص ‪ ،‬فلم يجب به هدي ‪ ،‬أصل ذلك إذا أكمل حجّه ‪.‬‬

‫ما يجزئ من الهدي في الحصار‬


‫‪ - 37‬يجزئ في الهدي الشّاة عن واحد ‪ ،‬وكذا الماعز باتّفاق العلماء ‪ ،‬وأمّا البدنة وهي من‬
‫البل والبقر ‪ ،‬فتكفي عن سبعة عند الجماهير ومنهم الئمّة الربعة ‪ .‬وللتّفصيل ( ر ‪ :‬هدي )‬
‫‪.‬‬
‫ما يجب من الهدي على المحصر ‪:‬‬
‫ج مفردا ‪ ،‬إذا أحصر يلزمه ذبح‬
‫‪ - 38‬اتّفق الفقهاء على أ نّ المحرم بالعمرة مفردةً ‪ ،‬أو الح ّ‬
‫هدي واحبد للتّحلّل مبن إحرامبه ‪ .‬أمّا القارن فقبد اختلفوا فيمبا يجبب عليبه مبن الهدي للتّحلّل‬
‫ل بدم واحد ‪ ،‬حيث أطلقوا وجوب هدي على‬
‫بالحصار ‪ :‬فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يح ّ‬
‫ل بدمين يذبحهما‬
‫المحصر دون تفصيل ‪ ،‬والمسألة مشهورة ‪ .‬وذهب الحنفيّة إلى أنّه ل يحلّ إ ّ‬
‫في الحرم ‪ .‬ومن شأ الخلف هو اختلف الفريق ين في حقي قة إحرام القارن ‪ ( .‬ان ظر م صطلح‬
‫إحرام ) ‪ .‬فالشّافعيّة و من مع هم ‪ :‬القارن عند هم محرم بإحرام وا حد يجزئ عن الحرام ين ‪:‬‬
‫للحجب والعمرة‬
‫ّ‬ ‫الحجب وإحرام العمرة ‪ ،‬لذلك قالوا ‪ :‬يكفيبه طواف واحبد وسبعي واحبد‬
‫ّ‬ ‫إحرام‬
‫مقرون ين ‪ ،‬فألزموه إذا أح صر بهدي وا حد ‪ .‬وأمّا الحنفيّة فالقارن عند هم محرم بإحرام ين ‪:‬‬
‫الحجب وإحرام العمرة ‪ ،‬لذلك ألزموه بطوافيبن وسبعيين ‪ ،‬فألزموه إذا أحصبر بهدييبن ‪.‬‬
‫ّ‬ ‫إحرام‬
‫ج ‪ ،‬وهذا لحصار العمرة ‪ ،‬كما‬
‫وقالوا ‪ :‬الفضل أن يكونا معيّنين مبيّنين ‪ ،‬هذا لحصار الح ّ‬
‫ألزموه في جنايات الحرام على القران الّ تي يلزم في ها المفرد دم ألزموا القارن بدم ين ‪ ،‬وكذا‬
‫الصّدقة ‪.‬‬
‫مكان ذبح هدي الحصار ‪:‬‬
‫ن المحصر يذبح الهدي حيث أحصر ‪ ،‬فإن كان‬
‫‪ - 39‬ذهب الشّافعيّة والحنابلة في رواية إلى أ ّ‬
‫في الحرم ذبحه في الحرم ‪ ،‬وإن كان في غيره ذبحه في مكانه ‪ .‬حتّى لو كان في غير الحرم‬
‫ح فبي المذهببين ‪ .‬وذهبب‬
‫وأمكنبه الوصبول إلى الحرم فذبحبه فبي موضعبه أجزأه على الصب ّ‬
‫ن ذ بح هدي الح صار مؤقّت بالمكان ‪ ،‬و هو‬
‫الحنفيّة ‪ -‬و هو روا ية عن المام أح مد ‪ -‬إلى أ ّ‬
‫الحرم ‪ ،‬فإذا أراد المحصر أن يتحلّل يجب عليه أن يبعث الهدي إلى الحرم فيذبح بتوكيله نيابةً‬
‫ع نه في الحرم ‪ ،‬أو يب عث ث من الهدي ليشتري به الهدي ويذ بح ع نه في الحرم ‪ .‬ث مّ ل يحلّ‬
‫ببعبث الهدي ول بوصبوله إلى الحرم ‪ ،‬حتّى يذببح فبي الحرم ‪ ،‬ولو ذببح فبي غيبر الحرم لم‬
‫يتحلّل من الحرام ‪ ،‬بل هو محرم على حاله ‪ .‬ويتوا عد مع من يب عث م عه الهدي على و قت‬
‫يذ بح ف يه ليتحلّل بعده ‪ .‬وإذا تبيّن للمح صر أ نّ الهدي ذ بح في غ ير الحرم فل يجزي ‪ .‬و في‬
‫ل الشّافعيّة‬
‫رواية أخرى عن أحمد أنّه إن قدر على الذّبح في أطراف الحرم ففيه وجهان ‪ .‬استد ّ‬
‫والحنابلة بفعل النّبيّ صلى ال عليه وسلم فإنّه نحر هديه في الحديبية حين أحصر ‪ ،‬وهي من‬
‫الحلّ ‪ .‬بدليل قوله تعالى ‪ { :‬والهدي معكوفا أن يبلغ محلّه } ‪ .‬واستدلّوا كذلك من جهة العقل‬
‫ب ما يرجع إلى حك مة تشريع التّحلّل من التّ سهيل ورفع الحرج ‪ ،‬ك ما قال في المغ ني ‪ « :‬ل نّ‬
‫ذلك يفضبي إلى تعذّر الحلّ ‪ ،‬لتعذّر وصبول الهدي إلى الحرم » ‪ ،‬أي وإذا كان كذلك دلّ على‬
‫ضعبف هذا الشتراط ‪ .‬واسبتدلّ الحنفيّة على توقيبت ذببح الهدي بالحرم بقوله تعالى ‪ { :‬ول‬
‫تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محلّه } ‪ .‬وتوجيه الستدلل بالية عندهم من وجهين ‪ :‬الوّل‬
‫‪ :‬التّ عبير ب " الهدي » ‪ .‬الثّا ني ‪ :‬الغا ية في قوله { حتّى يبلغ الهدي محلّه } وتف سير قوله "‬
‫محلّه " بأنّه الحرم ‪ .‬وا ستدلّوا بالقياس على دماء القربات ‪ ،‬ل نّ الح صار دم قر بة ‪ ،‬والرا قة‬
‫ل في زمان ‪ ،‬أو مكان ‪ ،‬فل يقع قرب ًة دونه ‪ .‬أي دون توقيت بزمان ول مكان‬
‫لم تعرف قربةً إ ّ‬
‫‪ ،‬والزّمان غير مطلوب ‪ ،‬فتعيّن التّوقيت بالمكان ‪.‬‬
‫زمان ذبح هدي الحصار ‪:‬‬
‫ن زمان ذبح الهدي‬
‫‪ - 40‬ذهب أبو حنيفة والشّافع يّ وأحمد ‪ -‬على المعتمد في مذهبه ‪ -‬إلى أ ّ‬
‫هو مطلق الوقت ‪ ،‬ل يتوقّت بيوم النّحر ‪ ،‬بل أ يّ وقت شاء المحصر ذبح هديه ‪ ،‬سواء كان‬
‫الحصار عن الحجّ أو عن العمرة ‪ .‬وقال أبو يوسف ومحمّد ‪ -‬وهو رواية عن المام أحمد ‪-‬‬
‫ل في أيّام النّحر الثّلثة ‪ ،‬ويجوز للمحصر بالعمرة متى شاء ‪.‬‬
‫ل يجوز الذّبح للمحصر بالحجّ إ ّ‬
‫ل الجمهور بقوله تعالى ‪ { :‬فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } ‪ .‬فقد ذكر الهدي في‬
‫استد ّ‬
‫الية مطلقا عن التّوقيت بزمان ‪ ،‬وتقييده بالزّمان نسخ أو تخصيص لن صّ الكتاب القطع يّ فل‬
‫ن هذا دم يتحلّل به من إحرام‬
‫ل أ بو يو سف ومحمّد بأ ّ‬
‫يجوز إلّ بدل يل قا طع ول دل يل ‪ .‬وا ستد ّ‬
‫ج ‪ .‬وربّما يعتبرانه بدم التّمتّع والقران فيقيسانه عليه ‪ ،‬حيث‬
‫ج ‪ ،‬فيختصّ بيوم النّحر في الح ّ‬
‫الح ّ‬
‫إنّه يجب أن يذبح في أيّام النّحر ‪ .‬ويتفرّع على هذا الخلف أ نّ المحصر يستطيع على مذهب‬
‫الجمهور أن يتحلّل متبى تحقّق إحصباره بذببح الهدي ‪ ،‬دون مشقّة النتظار ‪ .‬أمّا على قول‬
‫ن التّحلّل متوقّف على ذ بح الهدي ‪ ،‬ول يذ بح الهدي‬
‫ال صّاحبين ‪ :‬فل يحلّ إلى يوم النّ حر ؛ ل ّ‬
‫عندهما إلّ أيّام النّحر ‪.‬‬
‫العجز عن الهدي ‪:‬‬
‫‪ - 41‬مذهب الشّافعيّة والحنابلة وهو مرويّ عن أبي يوسف من عجز عن الهدي فله بدل يحلّ‬
‫محلّ الهدي ‪ ،‬وفي تعيين هذا البدل ثلثة أقوال عند الشّافعيّة ‪ .‬القول الوّل وهو الظهر ‪ :‬أ نّ‬
‫بدل الهدي طعام تقوّم به الشّاة ويتصدّق به ‪ ،‬فإن عجز عن قيمة الطّعام صام عن كلّ م ّد يوما‬
‫‪ ،‬وهو قول أبي يوسف ‪ ،‬لكنّه قال ‪ :‬يصوم لكلّ نصف صاع يوما ‪ .‬ث مّ إذا انتقل إلى ال صّيام‬
‫لنب الصبّوم يطول‬
‫ّ‬ ‫فله التّحلّل فبي الحال فبي الظهبر عنبد الشّافعي ّة بالحلق والنّي ّة عنده ؛‬
‫انتظاره ‪ ،‬فتعظم المشقّة في الصّبر على الحرام إلى فراغه ‪ .‬القول الثّاني ‪ :‬بدل الهدي الطّعام‬
‫ف قط ‪ ،‬وف يه وجهان ‪ :‬الوّل أن يقوّم ك ما سبق ‪ .‬الثّا ني أنّه ثلث آ صع ل ستّة م ساكين ‪ ،‬م ثل‬
‫ن بدل الدّم الصّوم فقط ‪ .‬وهو‬
‫كفّارة جناية الحلق ‪ .‬القول الثّالث للشّافعيّة وهو مذهب الحنابلة أ ّ‬
‫عشرة أيّام كصوم التّمتّع ‪ .‬وقال أبو حنيفة ومحمّد ‪ ،‬وهو قول عند الشّافعيّة وهو المعتمد في‬
‫المذهب الحنفيّ ل بدل للهدي ‪ .‬فإن عجز المنحصر عن الهدي بأن لم يجده ‪ ،‬أو لم يجد ثمنه ‪،‬‬
‫أو لم يجد من يبعث معه الهدي إلى الحرم بقي محرما أبدا ‪ ،‬ل يحلّ بال صّوم ‪ ،‬ول بال صّدقة ‪،‬‬
‫وليسبا ببدل عبن هدي المحصبر ‪ .‬وأمّا المالكيّة فل يجبب الهدي مبن أصبله على المحصبر‬
‫عند هم ‪ ،‬فل ب حث في بدله عند هم ‪ .‬ا ستدلّ الشّافعيّة والحنابلة القائلون بمشروعيّة البدل ل من‬
‫عجز عن الهدي بالقياس ‪ ،‬ووجهه " أنّه دم يتعلّق وجوبه بإحرام ‪ ،‬فكان له بدل ‪ ،‬كدم التّمتّع »‬
‫ن لها بدلً عند العجز عنها ( ر ‪ :‬إحرام ) ‪.‬‬
‫‪ .‬وقاسوه أيضا على غيره من الدّماء الواجبة ‪ ،‬فإ ّ‬
‫واسبتدلّ الحنفيّة بقوله تعالى ‪ { :‬ول تحلقوا رءوسبكم حتّى يبلغ الهدي محلّه } ‪ .‬وجبه دللة‬
‫الية كما قال في البدائع ‪ « :‬نهى اللّه عن حلق الرّأس ممدودا إلى غاية ذبح الهدي ‪ ،‬والحكم‬
‫المدوّد إلى غا ية ل ينت هي ق بل وجود الغا ية ‪ ،‬فيقت ضي أن ل يتحلّل ما لم يذ بح الهدي ‪ ،‬سواء‬
‫صام ‪ ،‬أو أطعم ‪ ،‬أو ل » ‪ .‬وبتوجيه آخر ‪ :‬أنّه تعالى " ذكر الهدي ‪ ،‬ولم يذكر له بدلً ‪ ،‬ولو‬
‫ن التّحلّل بالدّم‬
‫كان له بدل لذكره ‪ ،‬ك ما ذكره في جزاء ال صّيد » ‪ .‬وا ستدلّوا بالع قل وذلك " ل ّ‬
‫قبل إتمام موجب الحرام عرف بالنّ صّ ‪ ،‬بخلف القياس ‪ ،‬فل يجوز إقامة غيره مقامه بالرّأي‬
‫»‪.‬‬
‫ثالثا ‪ :‬الحلق أو التّقصير ‪:‬‬
‫‪ - 42‬مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف في رواية عنه ‪ -‬ومحمّد ومالك وهو قول عند الحنابلة‬
‫ل المحصبر عنبد الحنفيّة بالذّببح بدون‬
‫الحلق ليبس بشرط لتحلّل المحصبر مبن الحرام ‪ .‬ويح ّ‬
‫ن الحلق سنّة ‪ .‬وقال أبو يوسف في رواية ثانية ‪:‬‬
‫الحلق ‪ ،‬وإن حلق فحسن ‪ ،‬وصرّح المالكيّة أ ّ‬
‫إنّه واجب ‪ ،‬ولو تركه ل شيء عليه ‪ .‬أي أنّه سنّة ‪ ،‬وفي رواية ثالثة عن أبي يوسف أنّه قال‬
‫في الحلق للمح صر ‪ « :‬هو وا جب ل ي سعه تر كه " و هو قوله آخرا ‪ ،‬وأ خذ به الطّحاو يّ ‪.‬‬
‫والظهر عند الشّافعيّة وهو قول عند الحنابلة أ نّ الحلق أو التّقصير شرط للتّحلّل ‪ ،‬وذلك بناءً‬
‫الحجب والعمرة ‪ ،‬كمبا هبو المشهور الرّاجبح فبي‬
‫ّ‬ ‫بأنب الحلق نسبك مبن مناسبك‬
‫على القول ّ‬
‫المذهبين ‪ ،‬ول بدّ من نيّة التّحلّل بالحلق أو التّقصير لما ذكر في ال ّنيّة عند الذّبح ‪ .‬استدلّ أبو‬
‫حني فة و من م عه بالقران و هو قوله تعالى ‪ { :‬فإن أح صرتم ف ما ا ستيسر من الهدي } وو جه‬
‫ن المع نى ‪ « :‬إن أح صرتم وأرد تم أن تحلّوا فاذبحوا ما ا ستيسر من الهدي ‪.‬‬
‫دللة ال ية ‪ :‬أ ّ‬
‫ل موجب الحصار ‪ ،‬فمن أوجب الحلق فقد‬
‫جعل ذبح الهدي في ح قّ المحصر إذا أراد الحلّ ك ّ‬
‫جعله ب عض الموجبب ‪ ،‬وهذا خلف النّصّب » ‪ .‬وا ستدلّ الشّافعيّة والحنابلة وأ بو يوسبف ‪« :‬‬
‫بفعله صلى ال عل يه و سلم عام الحديب ية فإنّه حلق ‪ ،‬وأ مر أ صحابه أن يحلقوا ‪ ،‬ولمّا تباطئوا‬
‫عظم عليه صلى ال عليه وسلم حتّى بادر فحلق بنفسه ‪ ،‬فأقبل النّاس فحلقوا وق صّروا ‪ ،‬فدعا‬
‫رسول اللّه صلى ال عليه وسلم اللّه مّ اغفر للمحلّقين قالوا ‪ :‬والمق صّرين ؟ ‪ ،‬فقال والمق صّرين‬
‫ن الحلق نسك ما دعا لهم رسول اللّه صلى ال عليه وسلم ‪.‬‬
‫في الثّالثة أو الرّابعة » ‪ .‬ولول أ ّ‬
‫وإذا كان ن سكا و جب فعله ك ما ي جب ع ند القضاء لغ ير المح صر ‪ .‬وا ستدلّ ل هم أيضا بال ية‬
‫أنب التّعببير بالغايبة‬
‫{ ول تحلقوا رءوسبكم حتّى يبلغ الهدي محلّه } ‪ .‬ووجبه السبتدلل بهبا ّ‬
‫يقتضبي " أن يكون حكبم الغايبة بض ّد مبا قبلهبا ‪ ،‬فيكون تقديره ول تحلقوا رءوسبكم حتّى يبلغ‬
‫الهدي محلّه فإذا بلغ فاحلقوا ‪ .‬وذلك يقتضي وجوب الحلق » ‪.‬‬

‫ق العبد‬
‫تحلّل المحصر لح ّ‬
‫‪ - 43‬المحصر لح قّ العبد ‪ -‬على التّفصيل والخلف ال سّابق ‪ -‬يكون تحليله على النّحو التي‬
‫ل من محظورات الحرام ناويا التّحليل‬
‫‪ :‬عند الحنفيّة بأن يأتي من له الح قّ في الحصار عم ً‬
‫كق صّ ش عر أو تقل يم ظ فر أو نحوه ما ‪ ،‬ول يك في القول ‪ ،‬وع ند المالكيّة على الرّا جح ‪ :‬يكون‬
‫التّحلّل بنيّة المحصر ‪ ،‬فإن امتنع عن التّحلّل قام من كان الحصار لحقّه بتحليله بنيّته أيضا ‪.‬‬
‫سيّد تحل يل عبده في‬
‫وع ند الشّافعيّة والحنابلة للزّوج تحل يل زوج ته ‪ ،‬وللب تحل يل اب نه ‪ ،‬ولل ّ‬
‫سيّد ‪ :‬أن يأ مر الزّوج‬
‫الحوال ال سّابقة ‪ .‬ومع نى التّحل يل عند هم على ما ذكروا في الزّوج وال ّ‬
‫زوج ته بالتّحلّل ‪ ،‬في جب علي ها التّحلّل بأمره ‪ ،‬ويمت نع علي ها التّحلّل ق بل أمره ‪ .‬وتحلّل ها كتحلّل‬
‫المح صر بالذّ بح ث مّ الحلق ‪ ،‬بنيّة التّحلّل فيه ما ‪ .‬ول يح صل التّحلّل إلّ ب ما يح صل به تحلّل‬
‫المحصر عند الشّافعيّة ‪ .‬ويقاس عليه تحليل الب للبن أيضا ‪ .‬ولو لم تتحلّل الزّوجة بعد أن‬
‫أمرها زوجها بالتّحلّل ‪ ،‬فللزّوج أن يستمتع بها ‪ ،‬والثم عليها ‪.‬‬
‫إحصار من اشترط في إحرامه التّحلّل إذا حصل له مانع‬
‫معنى الشتراط والخلف فيه ‪:‬‬
‫ج " مثلً ‪،‬‬
‫‪ - 44‬الشتراط في الحرام ‪ :‬هو أن يقول المحرم عند الحرام ‪ « :‬إنّي أريد الح ّ‬
‫أو " العمرة ‪ ،‬فإن حبسني حابس فمحلّي حيث حبستني » ‪ .‬وقد اختلفت المذاهب في مشروعيّة‬
‫الشتراط في الحرام ‪ ،‬فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أ نّ الشتراط في الحرام غ ير مشروع ‪،‬‬
‫ول أ ثر له في إبا حة التّحلّل وذ هب الشّافعيّة والحنابلة إلى مشروعيّة الشتراط في الحرام ‪،‬‬
‫وأنّ له أثرا في التّحلّل ‪ .‬وتفصيله في مصطلح ‪ ( :‬إحرام ) ‪.‬‬
‫آثار الشتراط ‪:‬‬
‫‪ - 45‬أمّا عند الحنفيّة والمالكيّة المانعين لشرعيّة الشتراط في الحرام ‪ .‬فإ نّ الشتراط في‬
‫الحرام ل يفيبد المحرم شيئا ‪ ،‬ول يجيبز له أن يتحلّل إذا طرأ له مانبع عبن المتابعبة ‪ ،‬مبن‬
‫عد ّو ‪ ،‬أو مرض ‪ ،‬فل يسقط عنه الهدي الّذي يتحلّل به المحصر عند الحنفيّة إذا أراد التّحلّل ‪،‬‬
‫ول يجزئه عن نيّة التّحلّل الّ تي ب ها يتحلّل ع ند المالكيّة ‪ .‬ومذ هب الشّافعيّة أ نّ الشتراط في‬
‫الحرام يف يد المحرم المشترط جواز التّحلّل إذا طرأ له ما نع ممّا ل يع تبر سببا للح صار ع ند‬
‫الشّافعيّة كالمرض ونفاد النّفقة ‪ ،‬وضلل الطّريق ‪ ،‬والوجه في المرض أن يضبط بما يحصل‬
‫ثمب يراعبي فبي كيفيّة التّحلّل مبا شرطبه عنبد‬
‫معبه مشقّة ل تحتمبل عاد ًة فبي إتمام النّسبك ‪ّ .‬‬
‫الحرام ‪ ،‬وفي هذا يقول الرّمل يّ الشّافع يّ ‪ :‬إن شرطه بل هدي لم يلزمه هدي ‪ ،‬عملً بشرطه‬
‫‪ .‬وكذا لو أطلق ‪ -‬أي لم يتعرّض لن في الهدي ول لثبا ته ‪ -‬لعدم شر طه ‪ ،‬ولظا هر خبر‬
‫ضباعة ‪ .‬فالتّحلّل فيهما يكون بالنّيّة فقط ‪ .‬وإن شرطه بهدي لزمه ‪ ،‬عملً بشرطه ‪ .‬ولو قال ‪:‬‬
‫إن مرضت فأنا حلل ‪ ،‬فمرض صار حللً بالمرض من غير نيّة وعليه حملوا خبر أبي داود‬
‫ج من قا بل » ‪ .‬وإن شرط‬
‫وغيره بإ سناد صحيح ‪ « :‬من ك سر أو عرج ف قد حلّ ‪ ،‬وعل يه الح ّ‬
‫قلب حجّه عمر ًة بالمرض أو نحوه ‪ ،‬جاز ‪ ،‬ك ما لو شرط التّحلّل به ‪ ،‬بل أولى ‪ ،‬ولقول ع مر‬
‫ج واشترط ‪ ،‬وقل ‪ :‬اللّه مّ الح جّ أردت وله عمدت ‪ ،‬فإن تي سّر ‪،‬‬
‫لبي أميّة سويد بن غفلة ‪ :‬ح ّ‬
‫ل فعمرة رواه البيهق يّ بسند حسن ‪ .‬ولقول عائشة لعروة ‪ :‬هل تستثني إذا حججت ؟ فقال ‪:‬‬
‫وإ ّ‬
‫ج أردت وله عمدت ‪ ،‬فإن ي سّرته ف هو الح جّ ‪ ،‬وإن حب سني‬
‫ماذا أقول ؟ قالت ‪ :‬قل ‪ :‬اللّه مّ الح ّ‬
‫حابس فهو عمرة ‪ .‬رواه الشّافع يّ والبيهق يّ بسند صحيح على شرط الشّيخين ‪ .‬فله في ذلك ‪-‬‬
‫أي إذا شرط قلب حجّبه عمر ًة ‪ -‬إذا وجبد العذر أن يقلب حجّبه عمرةً ‪ ،‬وتجزئه عبن عمرة‬
‫ال سلم ‪ .‬والو جه أنّه ل يلز مه في هذه الحالة الخروج إلى أد نى الحلّ ولو بي سير ‪ ،‬إذ يغت فر‬
‫في الدّوام ما ل يغتفر في البتداء ‪ .‬ولو شرط أن ينقلب حجّه عمرةً عند العذر ‪ ،‬فوجد العذر ‪،‬‬
‫انقلب حجّه عمرةً ‪ ،‬وأجزأتبه عبن عمرة السبلم ‪ ،‬بخلف عمرة التّحلّل بالحصبار فإنّهبا ل‬
‫تجزئ عن عمرة ال سلم ؛ لنّ ها في الحقي قة لي ست عمرةً ‪ ،‬وإنّ ما هي أعمال عمرة ‪ .‬وح كم‬
‫التّحلّل بالمرض ونحوه حكبم التّحلّل بالحصبار ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬يفيبد الشتراط عنبد الحرام‬
‫ن الحنابلة تو سّعوا ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬يفيد اشتراط التّحلّل‬
‫جواز التّحلّل على نحو ما قاله الشّافع يّ ‪ ،‬إلّ أ ّ‬
‫المطلق شيئين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬أنّه إذا عاقه عائق من عدوّ ‪ ،‬أو مرض ‪ ،‬أو ذهاب نفقة ‪ ،‬ونحوه أنّ‬
‫ل بذلك فل دم عليبه ول صبوم أي بدلً عبن الدّم ‪ -‬ببل يحلّ‬
‫له التّحلّل ‪ .‬الثّانبي ‪ :‬أنّه متبى ح ّ‬
‫ن الحنابلة سوّوا في الشتراط ب ين‬
‫لأ ّ‬
‫بالحلق عل يه التّحلّل ‪ .‬وهذا يوا فق ما قاله الشّافعيّة ‪ ،‬إ ّ‬
‫الموانع الّتي تعتبر سببا للحصار كالعدوّ ‪ ،‬وبين الموانع الّتي ل تعتبر سببا للحصار عندهم ‪.‬‬
‫ن التّحلّل‬
‫أمّا الشّافعيّة فلم يجروا الشتراط في ما يع تبر سببا للح صار ‪ .‬وملحظ هم في ذلك أ ّ‬
‫بالحصار جائز بل شرط ‪ ،‬فشرطه لغ ‪ .‬وإذا كان لغيا ‪ ،‬ل يؤثّر في سقوط الدّم ‪.‬‬
‫تحلّل من أحصر عن الوقوف بعرفة دون الطّواف‬
‫‪ - 46‬هذا ل يعتبر محصرا عند الحنفيّة والحنابلة ‪ ،‬ويعتبر محصرا عند الشّافعيّة والمالكيّة ‪،‬‬
‫الخاصب لهذه العمرة ‪ ،‬عنبد كلّ‬
‫ّ‬ ‫ويتحلّل عنبد جميعهبم بعمبل عمرة ‪ ،‬على التّفصبيل والعتبار‬
‫مذهب ‪ ،‬كما سبق ‪ .‬هذا وإ نّ من أحصر عن الوقوف دون الطّواف إذا تحلّل قبل فوات وقت‬
‫الوقوف بعرفة أجري عليه حكم المحصر ‪ .‬أمّا إن تأخّر في التّحلّل حتّى فات الوقوف أصبح‬
‫حك مه ح كم الفوات ل الح صر ‪ ،‬على ما قرّره المالكيّة ‪ .‬وهذا ينب غي أن يجري ع ند الشّافع يّ‬
‫ج إلى عمرة حتّى فا ته‬
‫أيضا ‪ .‬و قد قرّر الحنابلة أن يجري هذا الح كم عند هم إذا لم يف سخ الح ّ‬
‫الحجّ ‪.‬‬
‫تحلّل من أحصر عن البيت دون الوقوف‬
‫‪ - 47‬من أحصر عن البيت دون الوقوف يعتبر محصرا عند الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬على تفصيل‬
‫ثمب يتحلّل ‪ .‬ويحصبل تحلّله بمبا يتحلّل ببه‬
‫سببق ذكره ‪ .‬وهذا يجبب عليبه أن يقبف بعرفبة ّ‬
‫المح صر ‪ ،‬و هو الذّ بح والحلق بنيّة التّحلّل فيه ما ‪ .‬أمّا الحنفيّة والمالكيّة فل يكون مح صرا‬
‫عندهم ‪ ،‬وعليه أن يأتي بطواف الفاضة ‪ ،‬ويظلّ محرما بالنّسبة للنّساء حتّى يفيض ‪ .‬وكذا هو‬
‫ع ند الحنابلة إذا أح صر عن الب يت ب عد الرّ مي ‪ ،‬على ما سبق بيا نه ‪ .‬وكذا لو لم يتحلّل ع ند‬
‫الشّافعي ّة والحنابلة ‪ .‬ويؤدّي طواف الفاضبة بإحرامبه الوّل ؛ لن ّه مبا دام لم يتحلّل التّحلّل‬
‫الكببر فإحرامبه قائم ‪ ،‬إذ التّحلّل يكون بالطّواف ‪ ،‬ولم يو جد الطّواف ‪ ،‬فيكون الحرام قائما ‪،‬‬
‫ول يحتاج إلى إحرام جديد ‪.‬‬

‫تفريع على شروط تحلّل المحصر‬


‫أجزية محظورات الحرام قبل تحلّل المحصر ‪:‬‬
‫‪ - 48‬يتفرّع على شروط التّحلّل للمح صر أ نّ المح صر إذا لم يتحلّل ‪ ،‬وو قع في ب عض‬
‫محظورات الحرام ‪ ،‬أو تحلّل لكن وقع قبل التّحلّل في شيء من محظورات الحرام فإنّه يجب‬
‫أنب‬
‫عليبه مبن الجزاء مبا يجبب على المحرم غيبر المحصبر ‪ ،‬باتّفاق المذاهبب الربعبة ‪ .‬إلّ ّ‬
‫الحنابلة فيما ذهب إليه أكثرهم وقال المرداو يّ ‪ :‬إنّه المذهب ‪ .‬قالوا ‪ :‬من كان محصرا فنوى‬
‫التّحلّل ق بل ذ بح الهدي ‪ -‬أو ال صّوم ع ند عدم الهدي ‪ -‬لم يحلّ ‪ .‬لف قد شر طه ‪ ،‬و هو الذّ بح أو‬
‫ل محظور فعله ب عد التّحلّل ‪ ،‬ودم لتحلّله بالنّيّة ‪.‬‬
‫ال صّوم بالنّيّة ‪ :‬أي بنيّة التّحلّل ‪ ،‬ولزم دم لك ّ‬
‫فزادوا على الجمهور دما لتحلّله بال ّنيّة ‪ ،‬ووجهه عندهم ‪ :‬أنّه عدل عن الواجب عليه من هدي‬
‫أو صوم ‪ -‬أي عند عدم الهدي ‪ -‬فلزمه دم ‪.‬‬
‫ما يجب على المحصر بعد التّحلّل‬
‫قضاء ما أحصر عنه المحرم قضاء النّسك الواجب الّذي أحصر عنه المحرم ‪:‬‬
‫‪ - 49‬اتّ فق الفقهاء على أنّه ي جب على المح صر قضاء النّ سك الّذي أح صر ع نه إذا كان‬
‫والحجب والعمرة المنذوريبن عنبد جميعهبم ‪ ،‬وكعمرة السبلم عنبد‬
‫ّ‬ ‫واجبا ‪ ،‬كحجّة السبلم ‪،‬‬
‫الشّافعيّة والحنابلة ‪ ،‬ول يسقط هذا الواجب عنه بسبب الحصار ‪ .‬وهذا ظاهر ؛ ل نّ الخطاب‬
‫بالوجوب ل ي سقط عن المكلّف إلّ بأداء ما و جب عل يه ‪ .‬ل كن الشّافعيّة ف صلوا ب ين الوا جب‬
‫المسبتقرّ وبيبن الواجبب غيبر المسبتقرّ ‪ ،‬فقالوا ‪ « :‬إن كان واجبا مسبتقرّا كالقضاء ‪ ،‬والنّذر ‪،‬‬
‫وحجّة السلم الّتي استقرّ وجوبها قبل هذه ال سّنة بقي الوجوب في ذمّته كما كان ‪ ،‬وإنّما أفاده‬
‫الح صار جواز الخروج من ها ‪ ،‬وإن كان واجبا غ ير م ستقرّ ‪ ،‬و هي حجّة ال سلم في ال سّنة‬
‫الولى من سني المكان سقطت الستطاعة فل ح جّ عليه إلّ أن تجتمع فيه شروط الستطاعة‬
‫ج من سنته استقرّ‬
‫بعد ذلك ‪ .‬فلو تحلّل بالحصار ث مّ زال الحصار والوقت واسع وأمكنه الح ّ‬
‫ج على التّراخي‬
‫ن الح ّ‬
‫الوجوب عليه لوجود الستطاعة لكن له أن يؤخّر الحجّ عن هذه السّنة ل ّ‬
‫» ‪ - 50 .‬أمّا من أحصر عن نسك التّطوّع فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه ل يجب عليه‬
‫ن رسول اللّه صلى ال عليه وسلم حين رجع عن البيت في عام الحديبية‬
‫القضاء ‪ ،‬واستدلّوا بأ ّ‬
‫لم يأمر أحدا من أصحابه ول ممّن كان معه أن يقضوا شيئا ول أن يعودوا لشيء ‪ ،‬ول حفظ‬
‫ذلك عنه بوجه من الوجوه ‪ ،‬ول قال في العام المقبل ‪ :‬إ نّ عمرتي هذه قضاء عن العمرة الّتي‬
‫ن رسول اللّه‬
‫حصرت فيها ‪ .‬ولم ينقل ذلك عنه ‪ ،‬وإنّما سمّيت عمرة القضاء وعمرة القضيّة ل ّ‬
‫صلى ال عليه وسلم قاضى قريشا وصالحهم في ذلك العام على الرّجوع عن البيت ‪ ،‬وقصده‬
‫من قا بل ف سمّيت بذلك عمرة القضيّة ‪ .‬و صرّح ا بن ر شد من المالكيّة بوجوب القضاء على‬
‫الزّو جة وال سّفيه وعزاه إلى ا بن القا سم رواي ًة عن مالك ‪ .‬وقال الدّرد ير ‪ :‬ي جب القضاء على‬
‫ن الحجر على الزّوجة ضعيف ؛ لنّه لح قّ غيرها ‪ ،‬بخلف‬
‫الزّوجة فقط ‪ .‬وعلّله الدّسوقيّ بأ ّ‬
‫الحجر على السّفيه ومن يشبهه لنّه لحقّ نفسه ‪ .‬وذهب الحنفيّة إلى أنّه يجب قضاء النّفل الّذي‬
‫أح صر ع نه المحرم ؛ ل نّ اعتمار النّبيّ صلى ال عل يه و سلم وأ صحابه في العام المق بل من‬
‫عام الحديبيبة إنّمبا كان قضا ًء لتلك العمرة ‪ ،‬ولذلك قيبل لهبا عمرة القضاء ‪ .‬وروي ذلك عبن‬
‫المام أحمد ‪ .‬وهي رواية مقابلة للصّحيح ‪.‬‬
‫ما يلزم المحصر في القضاء ‪:‬‬
‫ن المحصر عن الح جّ إذا تحلّل وقضى فيما يستقبل يجب عليه ح جّ‬
‫‪ - 51‬ذهب الحنفيّة إلى أ ّ‬
‫وعمرة ‪ ،‬والقارن عليه حجّة وعمرتان ‪ .‬أمّا المعتمر فيقضي العمرة فقط ‪ .‬وعليه نيّة القضاء‬
‫ن النّ سك الّذي و جب ف يه القضاء للتّحلّل بالح صار‬
‫في ذلك كلّه ‪ .‬وذ هب الئمّة الثّل ثة إلى أ ّ‬
‫يلزم فيه قضاء ما فاته بالحصار فحسب ‪ ،‬إن حجّ ًة فحجّ ًة فقط ‪ ،‬وإن عمر ًة فعمرةً ‪ ،‬وهكذا ‪.‬‬
‫ل الحنفيّة ب ما روي عن ب عض ال صّحابة كا بن م سعود‬
‫وعل يه نيّة القضاء عند هم أيضا ‪ .‬ا ستد ّ‬
‫وا بن عبّاس ‪ ،‬فإنّه ما قال في المح صر بالح جّ ‪ « :‬عل يه عمرة وحجّة " وذلك ل يكون إلّ عن‬
‫توقيف ‪ .‬وتابعهما في ذلك علقمة ‪ ،‬والحسن ‪ ،‬وإبراهيم ‪ ،‬وسالم ‪ ،‬والقاسم ‪ ،‬ومحمّد بن سيرين‬
‫ج من قابل » ‪ .‬وجه‬
‫‪ .‬واستدلّ الجمهور بحديث ‪ « :‬من كسر أو عرج فقد حلّ ‪ ،‬وعليه الح ّ‬
‫ج لذكرها ‪.‬‬
‫الستدلل به أنّه لم يذكر العمرة ‪ ،‬ولو كانت واجبةً مع الح ّ‬
‫موانع المتابعة بعد الوقوف بعرفة ‪:‬‬
‫‪ - 52‬موانع المتابعة بعد الوقوف بعرفة لها حالن ‪ :‬الحال الولى ‪ :‬أن تمنع من الفاضة وما‬
‫بعدها ‪ .‬الحال الثّانية ‪ :‬أن تمنع ممّا بعد طواف الفاضة ‪ .‬سبق البحث فيمن منع من طواف‬
‫الفا ضة ‪ ،‬هل يكون مح صرا أو ل ‪ ،‬مع بيان الخلف في ذلك ‪ .‬أمّا على القول بأنّه يتحقّق‬
‫فيبه الحصبار إذا اسبتوفى المانبع شروط الحصبار فحكبم تحلّله حكبم تحلّل المحصبر ‪ ،‬بكلّ‬
‫التّفا صيل الّ تي سبقت ‪ .‬وأمّا على القول بأنّه ل يتحقّق ف يه الح صار فإنّه يظلّ محرما حتّى‬
‫يؤدّي طواف الفاضة ‪ ،‬وهو مذهب الحنفيّة والمالكيّة ‪ .‬وعليه جزاء ما فاته من واجبات ‪ ،‬كما‬
‫سيأتي ‪.‬‬
‫موانع المتابعة بعد طواف الفاضة ‪:‬‬
‫الحاجب إذا منبع عبن المتابعبة بعبد أداء الوقوف بعرفبة وطواف‬
‫ّ‬ ‫أنب‬
‫‪ - 53‬اتّفبق العلماء على ّ‬
‫الفاضبة فليبس بمحصبر ‪ ،‬أيّا كان المانبع عدوّا أو مرضا أو غيرهمبا وليبس له التّحلّل بهذا‬
‫ج ل تقف على ما بعد الوقوف والطّواف ‪ ،‬ويجب عليه فداء ترك ما‬
‫ن صحّة الح ّ‬
‫الحصار ؛ ل ّ‬
‫ج ‪ .‬فروع ‪ :‬ويتفرّع على هذين الصلين فروع في المذاهب الفقهيّة هي ‪.‬‬
‫تركه من أعمال الح ّ‬
‫‪ - 54‬قال الحنفيّة ‪ :‬لو و قف بعر فة ‪ ،‬ث مّ عرض له ما نع ل يكون مح صرا شرعا ك ما تقدّم ‪،‬‬
‫ل شيء من محظورات الحرام إن لم يحلق ‪ ،‬وإن حلق فهو محرم في‬
‫ويبقى محرما في حقّ ك ّ‬
‫ح قّ النّ ساء ل غ ير إلى أن يطوف للزّيارة ‪ .‬وإن م نع عن بقيّة أفعال حجّه ب عد وقو فه حتّى‬
‫مضبت أيّام النّحبر فعليبه أربعبة دماء مجتمعبة ‪ ،‬لترك الوقوف بمزدلفبة ‪ ،‬والرّمبي ‪ ،‬وتأخيبر‬
‫الطّواف ‪ ،‬وتأخ ير الحلق ‪ .‬وعل يه دم خا مس لو حلق في الحلّ ‪ ،‬بناءً على القول بوجو به في‬
‫الحرم ‪ ،‬وسبادس لو كان قارنا أو متمتّعا لفوات التّرتيبب ‪ ،‬وعليبه أن يطوف للزّيارة ولو إلى‬
‫ل بطواف‬
‫آ خر عمره ‪ ،‬ويطوف لل صّدر إن خلّى بمكّة وكان آفاقيّا ‪ .‬وقال المالكيّة ‪ :‬ل يحلّ إ ّ‬
‫الفاضة إذا كان قدّم السّعي قبل الوقوف ثمّ حصر بعد ذلك ‪ .‬وأمّا إن كان حصر قبل سعيه فل‬
‫يحلّ إلّ بالفا ضة وال سّعي ‪ .‬وعل يه هدي وا حد للرّ مي و مبيت ليالي منًى ونزول مزدل فة إذا‬
‫تركها للحصر عنها ‪ ،‬كما لو تركها بنسيانها جميعها ‪ ،‬فإنّه يكون عليه هدي واحد ‪ « .‬وكأنّهم‬
‫لحظوا أ نّ المو جب وا حد ‪ ،‬ل سيّما و هو معذور » ‪ .‬وقال الشّافعيّة ‪ :‬إن كان الح صار ب عد‬
‫الوقوف ‪ ،‬فإن تحلّل فذاك ‪ ،‬وإن لم يتحلّل حتّى فاته الرّمي والمبيت بمنًى فهو فيما يرجع إلى‬
‫وجوب الدّم لفواتهما كغير المحصر ‪ .‬وقال الحنابلة ‪ :‬إن أحصر عن البيت بعد الوقوف بعرفة‬
‫فله التّحلّل ؛ ل نّ الحصر يفيده التّحلّل من جميعه فأفاد التّحلّل من بعضه ‪ .‬وإن كان ما حصر‬
‫عنه ليس من أركان الح جّ كالرّمي ‪ ،‬وطواف الوداع ‪ ،‬والمبيت بمزدلفة ‪ ،‬أو بمنًى في لياليها‬
‫ن صحّة الح جّ ل ت قف على ذلك ‪ ،‬ويكون عل يه دم لتر كه ذلك ‪،‬‬
‫فل يس له تحلّل الح صار ؛ ل ّ‬
‫وحجّه صحيح ‪ ،‬كما لو تركه من غير حصر ‪.‬‬
‫زوال الحصار ‪:‬‬
‫‪ - 55‬اختلفت المذاهب في الثار المترتّبة على زوال الحصار ‪ ،‬فعند الحنفيّة تأتي الحوال‬
‫الت ية ‪ .‬الحالة الولى ‪ :‬أن يزول الح صار ق بل ب عث الهدي مع إمكان إدراك الح جّ ‪ .‬والحالة‬
‫الثّانية ‪ :‬أن يزول الحصار بعد بعث الهدي ‪ ،‬وهناك متّسع لدراك الهدي والحجّ جميعا ‪ .‬ففي‬
‫هات ين الحالت ين ي جب عل يه المض يّ في مو جب إحرا مه وأداء النّ سك الّذي أحرم به ‪ .‬الحالة‬
‫الثّال ثة ‪ :‬أن ل يقدر على ب عث الهدي ول الح جّ معا ‪ .‬فل يلز مه المض يّ ‪ ،‬ويجوز له التّحلّل ‪،‬‬
‫لعدم الفائدة من المض يّ ‪ ،‬فتقرّر الح صار ‪ ،‬فيتقرّر حك مه ‪ .‬في صبر حتّى يتحلّل بن حر الهدي‬
‫في الوقت الّذي واعد عليه ‪ .‬وله أن يتوجّه ليتحلّل بأفعال العمرة ؛ لنّه فائت الحجّ ‪ .‬فإذا تحلّل‬
‫يلزمه في القضاء أداء عمرة إضاف ًة لما فاته ‪ ،‬لما سبق ‪ .‬الحالة الرّابعة ‪ :‬أن يقدر على إدراك‬
‫ج أيضا ؛ لعدم الفائدة في‬
‫ي في أداء الح ّ‬
‫ج ‪ .‬فل يلز مه المض ّ‬
‫الهدي ول يقدر على إدراك الح ّ‬
‫ج ‪ ،‬إذ الذّهاب ل جل إدراك الح جّ ‪ ،‬فإذا كان ل يدر كه فل فائدة‬
‫إدراك الهدي بدون إدراك الح ّ‬
‫فبي الذّهاب ‪ ،‬فكانبت قدرتبه على إدراك الهدي وعدمهبا بمنزلة واحدة ‪ .‬الحالة الخامسبة ‪ :‬أن‬
‫يقدر على إدراك الح جّ ول يقدر على إدراك الهدي ‪ :‬قياس مذهب أبي حنيفة في هذا الوجه أن‬
‫ج لم يعجز عن المضيّ في‬
‫يلزمه المضيّ ‪ ،‬ول يجوز له التّحلّل ؛ لنّه إذا قدر على إدراك الح ّ‬
‫ج ‪ ،‬فلم يوجد عذر الح صار ‪ ،‬فل يجوز له التّحلّل ‪ ،‬ويلز مه المض يّ ‪ .‬وو جه ال ستحسان‬
‫الح ّ‬
‫أنّا لو ألزمناه التّوجّه لضاع ماله ؛ ل نّ المبعوث على يديه الهدي يذبحه ول حصل مقصوده ‪.‬‬
‫والولى في توج يه ال ستحسان أن نقول ‪ :‬يجوز له التّحلّل ؛ لنّه إذا كان ل يقدر على إدراك‬
‫ن الح صار زال ع نه بالذّ بح ‪ ،‬فيحلّ بالذّ بح ع نه ؛ ول نّ الهدي قد م ضى في‬
‫الهدي صار كأ ّ‬
‫سبيله ‪ ،‬بدليل أنّه ل يجب الضّمان بالذّبح على من بعث على يده بدن ًة ‪ ،‬فصار كأنّه قدر على‬
‫الذّهاب ب عد ما ذ بح ع نه ‪ ،‬واللّه أعلم ‪ .‬وأمّا المالكيّة فقالوا ‪ .‬أ ‪ -‬من أح صر فلمّا قارب أن‬
‫ل ويحلق ‪ ،‬ك ما لو كان العد ّو قائما إذا فا ته‬
‫يحلّ انك شف العد ّو ق بل أن يحلق وين حر فله أن يح ّ‬
‫ج في عامه ‪ ،‬وهو أيضا على بعد من مكّة ‪.‬‬
‫الح ّ‬
‫ب ‪ -‬إن انكشف الحصر وكان في المكان إدراك الحجّ في عامه فل يحلّ ‪.‬‬
‫ج إلّ أنّه بقرب مكّة لم يحلّ إلّ‬
‫ج ‪ -‬وأمّا إن انكشف الحصر وقد ضاق الوقت عن إدراك الح ّ‬
‫بعمل عمرة ؛ لنّه قادر على الطّواف وال سّعي من غير كبير مضرّة ‪ .‬وأمّا الشّافعيّة فقالوا ‪ :‬أ‬
‫‪ -‬إن زال الح صار وكان الو قت وا سعا بح يث يمك نه تجد يد الحرام وإدراك الح جّ ‪ ،‬وكان‬
‫حجّه تطوّعا ‪ ،‬فل يجب عليه شيء ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وإن كان الوقت واسعا وكانت الحجّة قد تقدّم وجوبها بقي وجوبها كما كان ‪ .‬والولى أن‬
‫يحرم بها في هذه السّنة ‪ ،‬وله التّأخير ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وإن كانت الحجّة حجّة السلم وجبت هذه السّنة بأن استطاع هذه السّنة دون ما قبلها فقد‬
‫ا ستقرّ الوجوب في ذمّ ته لتمكّ نه ‪ ،‬والولى أن يحرم ب ها في هذه ال سّنة ‪ ،‬وله التّأخ ير ؛ ل نّ‬
‫ج عند الشّافعيّة على التّراخي ‪ .‬انظر مصطلح ( حجّ ) ‪.‬‬
‫الح ّ‬
‫الحجب ‪ ،‬أي ولم يسبتقرّ الوجوب فبي ذمّتبه‬
‫ّ‬ ‫د ‪ -‬وإن كان الوقبت ضيّقا بحيبث ل يمكنبه إدراك‬
‫لكونها وجبت هذه ال سّنة ‪ -‬سقط عنه الوجوب في هذه ال سّنة ‪ ،‬فإن استطاع بعده لزمه ‪ ،‬وإلّ‬
‫فل ‪ .‬وأمّا الحنابلة فقالوا ‪ :‬أ ‪ -‬إن لم يحلّ المحصر حتّى زال الحصر لم يجز له التّحلّل ؛ لنّه‬
‫زال العذر ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إن زال العذر ب عد الفوات تحلّل بعمرة ‪ ،‬وعل يه هدي للفوات ‪ ،‬ل للح صر ؛ لنّه لم يحلّ‬
‫بالحصر ‪.‬‬
‫ل بالح صر ق بل الفوات فم عه‬
‫ج مع بقاء الح صر فله التّحلّل به ؛ لنّه إذا ح ّ‬
‫ج ‪ -‬إن فا ته الح ّ‬
‫أولى ‪ ،‬وعليه الهدي للحلّ ‪ ،‬ويحتمل أن يلزمه هدي آخر للفوات ‪.‬‬
‫ج من عا مه لز مه ذلك إن قل نا بوجوب‬
‫ل بالح صار ث مّ زال الح صار وأمك نه الح ّ‬
‫د ‪ -‬إن ح ّ‬
‫القضاء أو كانبت الحجّة واجبةً لنّب الحجّب على الفور ‪ ،‬وإن لم نقبل بوجوب القضاء ولم تكبن‬
‫الحجّة واجب ًة فل يجب شيء ‪.‬‬
‫زوال الحصار بالعمرة ‪:‬‬
‫‪ - 56‬معلوم أ نّ وقت العمرة جميع العمر ‪ ،‬فل يتأتّى فيها كلّ الحالت الّتي ذكرت في زوال‬
‫الحصار بالحجّ ‪ .‬ويتأتّى فيها عند الحنفيّة الحوال التّالية ‪ :‬الحال الولى ‪ :‬أن يزول الحصار‬
‫قبل البعث بالهدي ‪ .‬وهذا يلزمه التّوجّه لداء العمرة ووجهه ظاهر وقد تقدّم ‪ .‬الحال الثّانية ‪:‬‬
‫أن يتمكّن بعبد زوال الحصبار مبن إدراك الهدي والعمرة ‪ ،‬وهذا يلزمبه التّوجّه لداء العمرة‬
‫أيضا كما تقدّم ‪ .‬الحال الثّالثة ‪ :‬أن يتمكّن من إدراك العمرة فقط دون الهدي ‪ .‬وهذه حكمها في‬
‫ل يلز مه التّوجّه ‪ ،‬و في القياس أن يلز مه التّوجّه ‪ .‬وأمّا المالكيّة فقالوا ‪ :‬أ ‪ -‬إن‬
‫ال ستحسان أ ّ‬
‫انكشف العدوّ عن المحصر بالعمرة وكان بعيدا من مكّة وبلغ أن يحلّ فله أن يحلّ ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وإن انكشف العدوّ وكان قريبا من مكّة " ينبغي ألّ يتحلّل ‪ ،‬لنّه قادر على فعل العمرة ‪،‬‬
‫كمبا لو انكشبف العد ّو فبي الحجّب والوقبت متّسبع » ‪ .‬أمّا الشّافعيّة والحنابلة فعندهبم ‪ :‬أ ‪ -‬إن‬
‫انصرف العدوّ قبل تحلّل المحصر بالعمرة لم يجز له التّحلّل ‪ ،‬ووجب عليه أداء العمرة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إن انصبرف العدوّ بعبد التّحلّل وكانبت العمرة الّتبي تحلّل عنهبا واجبةً ‪ ،‬وجبب عليبه‬
‫ن العمرة غير مؤقّتة ‪.‬‬
‫قضاؤها ‪ ،‬لكنّه ل يلزم به في وقت معيّن ؛ ل ّ‬
‫ج ‪ -‬إن زال الحصر بعد التّحلّل وكانت العمرة تطوّعا فعلى القول بعدم وجوب قضاء التّطوّع‬
‫ل شيء عليه ‪.‬‬

‫تفريع على التّحلّل وزوال الحصار ‪:‬‬


‫أ ‪ ( -‬فرع ) في تحلّل المحصر من الحرام الفاسد ثمّ زوال إحصاره ‪:‬‬
‫‪ - 57‬يتفرّع على تحلّل المحصر من الحرام الفاسد ثمّ زوال إحصاره ‪ :‬أنّه إذا تحلّل المحصر‬
‫من الحرام الفاسد ‪ ،‬ثمّ زال الحصار وفي الوقت متّسع ‪ ،‬فإنّه يقضي الحجّ الفاسد من سنته ‪،‬‬
‫أنب القضاء على الفور ‪ .‬وهذه لطيفبة ‪ :‬أن يتمكّن مبن‬
‫ويلزمبه ذلك بنا ًء على مبن ذهبب إلى ّ‬
‫ل في هذه الم سألة ‪.‬‬
‫قضاء الح جّ الفا سد في سنة الف ساد نف سها ‪ ،‬ول يم كن أن يتحقّق ذلك إ ّ‬
‫وهذا متّفق عليه ‪.‬‬
‫ب ‪ ( -‬فرع ) في الحصار بعد الحصار ‪:‬‬
‫‪ - 58‬إن بعث المحصر بالهدي إلى الحرم ث ّم زال إحصاره ‪ ،‬وحدث إحصار آخر ‪ ،‬فإن علم‬
‫المحصر أنّه يدرك الهدي حيّا ‪ ،‬ونوى به التّحلّل من إحصاره الثّاني بعد تصوّر إدراكه جاز‬
‫ل ببه ‪ ،‬إن صبحّت شروطبه ‪ ،‬وإن لم ينبو لم يجبز أصبلً ‪ .‬وهذا بنا ًء على مذهبب الحنفيّة‬
‫وح ّ‬
‫بوجوب بعث المحصر هديه إلى الحرم ‪ ،‬أمّا عند غيرهم فهو إحصار قبل التّحلّل ‪ ،‬يتحلّل منه‬
‫بما يتحلّل من الحصار السّابق واللّه تعالى أعلم ‪.‬‬
‫إحصان‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬الح صان في اللّ غة ‪ :‬معناه ال صليّ الم نع ‪ ،‬و من معان يه ‪ :‬العفّة والتّزوّج والحرّيّة ‪.‬‬
‫ويختلف تعريفه في الصطلح بحسب نوعيه ‪ :‬الحصان في الزّنا ‪ ،‬والحصان في القذف ‪.‬‬
‫صفته ( حكمه التّكليفيّ ) ‪:‬‬
‫‪ - 2‬أه مّ شروط إح صان الرّ جم لعقو بة الزّ نا ‪ :‬التّزوّج ‪ ،‬و هو ممّا تعتر يه الحكام التّكليفيّة‬
‫الخم سة على تف صيل موط نه م صطلح « نكاح » ‪ .‬وأه مّ شروط إح صان القذف العفّة ‪ ،‬و هي‬
‫مطلوبة شرعا ‪ ،‬وورد فيها كثير من اليات والحاديث ‪ ،‬كقوله تعالى ‪ { :‬وليستعفف الّذين ل‬
‫يجدون نكاحا } ‪.‬‬
‫أنواع الحصان ‪ :‬الحصان نوعان ‪:‬‬
‫‪ - 3‬أ ‪ -‬إحصان الرّجم ‪ :‬وهو مجموعة من الشّروط إذا توفّرت في الزّاني كان عقابه الرّجم‬
‫ل جزء علّة ‪.‬‬
‫فالحصبان هيئة يكوّنهبا اجتماع الشّروط الّتبي هبي أجزاؤه ‪ ،‬وهبي ثمانيبة ‪ ،‬وك ّ‬
‫فكلّ واحد من تلك الجزاء شرط وجوب الرّجم ‪.‬‬
‫‪ - 4‬ب ‪ -‬إحصان القذف ‪ :‬وهو عبارة عن اجتماع صفات في المقذوف تجعل قاذفه مستحقّا‬
‫للجلد ‪ .‬وتختلف هذه الصّفات بحسب كيفيّة القذف ‪ :‬بالتّهام بالزّنا ‪ ،‬أو بنفي النّسب ‪.‬‬
‫حكمة مشروعيّة الحصان ‪:‬‬
‫ن إح صان الرّ جم هو أن يكون حرّا عاقلً بالغا م سلما قد تزوّج امرأ ًة نكاحا‬
‫‪ - 5‬سيأتي أ ّ‬
‫ن الع قل والبلوغ‬
‫صحيحا ود خل ب ها وه ما على صفة الح صان ‪ .‬والحك مة في اشتراط ذلك أ ّ‬
‫شرط لهليّة العقو بة ‪ ،‬إذ ل خطاب دونهمبا ‪ ،‬ومبا وراءهمبا يشترط لتكامبل الجنايبة بواسبطة‬
‫تكامل النّعمة ‪ ،‬إذ كفران النّعمة يتغلّظ عند تكثّرها ‪ .‬وهذه الشياء من جلئل النّعم ‪ ،‬وقد شرع‬
‫لنب الشّرع مبا ورد ببه‬
‫ّ‬ ‫الرّجبم بالزّنبا عنبد اسبتجماعها فيناط ببه بخلف الشّرف والعلم ؛‬
‫ولنب الحرّي ّة ممكّنبة مبن النّكاح الصبّحيح ‪،‬‬
‫ّ‬ ‫باعتبارهمبا ‪ ،‬ونصبب الشّرع بالرّأي متعذّر ؛‬
‫والنّكاح الصّحيح ممكّن من الوطء الحلل ‪ ،‬والصابة شبع بالحلل ‪ ،‬والسلم يمكّنه من نكاح‬
‫الم سلمة ويؤكّد اعتقاد الحر مة فيكون الكلّ مزجرةً عن الزّ نا ‪ ،‬والجنا ية ب عد توفّر الزّوا جر‬
‫أغلظ ‪ .‬وأمّا اشتراط العفّة في إحصان القذف فلنّ غير العفيف ل يلحقه العار بنسبته إلى الزّنا‬
‫؛ ل نّ تحصيل الحاصل محال ‪ .‬ولو لحقه عار آخر فهو صدق ‪ ،‬وح ّد القذف للفرية ل للصّدق‬
‫‪.‬‬
‫شروط إحصان الرّجم ‪:‬‬
‫‪ - 6‬اتّفق الفقهاء على بعض شروط الحصان في جريمة الزّنا ‪ ،‬واختلفوا في البعض الخر‬
‫ل وثانيا ‪ :‬البلوغ والعقبل ‪ :‬وهمبا شرطان لصبل التّكليبف ‪،‬‬
‫فمبن الشّروط المتّفبق عليهبا ‪ :‬أ ّو ً‬
‫في جب توفّره ما في المح صن وغ ير المح صن و قت ارتكاب الجري مة ‪ ،‬فالو طء الّذي يح صن‬
‫يشترط أن يكون من بالغ عاقل فإذا حصل الوطء من صبيّ ومجنون ث ّم بلغ أو عقل بعد الوطء‬
‫لم يكن بالوطء ال سّابق محصنا ‪ .‬وإذا ز نى عوقب بالجلد على أنّه غير محصن ‪ .‬وخالف في‬
‫هذا بعض أصحاب الشّافع يّ وهو المرجوح في المذ هب ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إ نّ الواطئ يصير محصنا‬
‫ن ذلك الو طء و طء مباح ‪ ،‬في جب أن يث بت به‬
‫بالو طء ق بل البلوغ وأثناء الجنون ‪ .‬وحجّت هم أ ّ‬
‫ن النّكاح إذا صحّ قبل البلوغ وأثناء الجنون فإ نّ الوطء يصبح تبعا له ‪ .‬وحجّة‬
‫الحصان ‪ ،‬ل ّ‬
‫جمهور الفقهاء أ نّ الرّجم عقوبة ال ّثيّب ‪ ،‬ولو اعتبرت الثّيوبة حاصل ًة بالوطء قبل البلوغ وأثناء‬
‫الجنون لوجبب رجبم الصبّغير والمجنون ‪ ،‬وهذا مبا ل يقول ببه أحبد ‪ .‬وعنبد مالك ‪ ،‬وهبو‬
‫ال صّحيح عند الشّافعيّة ووجه للحنابلة ‪ ،‬أنّه يكفي أن تتوفّر شروط الحصان في أحد الزّوجين‬
‫ض النّ ظر عمّا إذا كان الزّوج ال خر تتوفّر ف يه هذه الشّروط أم ل ‪ ،‬إلّ أ نّ‬
‫ليكون مح صنا بغ ّ‬
‫المالكيّة ل يعتبرون الزّوجة محصن ًة إلّ إذا كان واطئها بالغا ‪ :‬فشرط تحصين الذّكر أن تتوفّر‬
‫فيه شروط الحصان مع إطاقة موطوءته له ولو كانت صغيرةً أو مجنون ًة ‪ ،‬وتتح صّن النثى‬
‫عند المالكيّة بتوفّر شروط الحصان فيها وببلوغ واطئها ولو كان مجنونا ‪ .‬واشترط الحنفيّة ‪-‬‬
‫و هو مقا بل ال صّحيح ع ند الشّافعيّة وو جه للحنابلة ‪ -‬البلوغ والع قل في الطّرف ين ع ند الو طء‬
‫ليكون كلّ منه ما مح صنا فإن توا فر في أحده ما ف قط لم يع تبر أ يّ منه ما مح صنا ‪ .‬وللحنابلة‬
‫وجه آخر بالنّسبة لل صّغيرة الّتي لم تبلغ تسعا ول يشتهى مثلها فإنّه ل يعتبر وطء البالغ العاقل‬
‫لها إحصانا ‪.‬‬
‫‪ - 7‬ثالثا ‪ :‬الوطء في نكاح صحيح ‪:‬‬
‫يشترط لقيام الح صان أن يو جد و طء في نكاح صحيح ‪ ،‬وأن يكون الو طء في الق بل ‪ ،‬لقوله‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ « :‬وال ّثيّب بال ّثيّب الجلد والرّجم » ‪ ،‬والثّيوبة تحصل بالوطء في القبل ‪،‬‬
‫ول خلف في أ نّ ع قد النّكاح الخالي من الو طء ل يح صل به إح صان ولو ح صلت ف يه خلوة‬
‫صبحيحة أو و طء في ما دون الفرج ‪ ،‬أو و طء فبي الدّبر ؛ ل نّ هذه أمور ل تعتببر ب ها المرأة‬
‫ن الجلد ‪ .‬والو طء المع تبر هو اليلج في الق بل على‬
‫ثيّبا ‪ ،‬ول تخرج عن البكار اللّئي حدّه ّ‬
‫و جه يو جب الغ سل سواء أنزل أو لم ينزل ‪ .‬وإن كان الو طء في غ ير نكاح كالزّ نى وو طء‬
‫الشّبهة فل يصير الواطئ به محصنا باتّفاق ‪ .‬ويشترط في النّكاح أن يكون صحيحا ‪ ،‬فإن كان‬
‫فا سدا فإ نّ الو طء ف يه ل يح صن ‪ ،‬وهذا رأي جمهور الفقهاء ؛ لنّه و طء فبي غ ير ملك فل‬
‫ل يكون وطئا‬
‫يح صل به إح صان كو طء الشّب هة ‪ .‬ويشترط إذا كان الو طء في نكاح صحيح أ ّ‬
‫محرّما كالو طء في الح يض أو الحرام ‪ ،‬فإ نّ الو طء الّذي يحرّ مه الشّارع ل يح صن ولو كان‬
‫في النّكاح صحيح ‪ .‬وزاد المالكيّة اشتراط أن يكون النّكاح ال صّحيح لزما ‪ .‬ويترتّب على ذلك‬
‫أنّه لو كان في أحد الزّوجين عيب أو غرر يثبت به الخيار فل يتحقّق به الحصان ‪ .‬وقال أبو‬
‫ثور ‪ :‬يح صل الح صان بالو طء في نكاح فا سد ‪ ،‬وح كي ذلك عن اللّ يث والوزاع يّ ؛ ل نّ‬
‫ال صّحيح والفاسد سواء في أكثر الحكام مثل وجوب المهر وتحريم الرّبيبة وأ مّ المرأة ولحوق‬
‫الولد ‪ ،‬فكذلك في الحصان ‪.‬‬
‫‪ - 8‬ويتفرّع على اشتراط الوطء في القبل ما يلي ‪ :‬أ ‪ -‬وطء الخصيّ إذا كان ل يجامع ‪،‬‬
‫وكذلك المجبوب والعنّين ل يحصن الموطوءة ‪ ،‬على أنّه إن جاءت بولد وثبت نسبه من الزّوج‬
‫فالخصيّ والعنّين يحصنان الزّوجة ؛ ل نّ الحكم بثبوت النّسب حكم بالدّخول ‪ .‬والمجبوب عند‬
‫أكثر العلماء ل تصير الزّوجة به محصن ًة لعدم اللة ‪ .‬ول يتصوّر الجماع بدونها وثبوت حكم‬
‫الحصان يتعلّق بالجماع ‪ ،‬وخالف في ذلك زفر ؛ لنّ الحكم بثبوت النّسب من المجبوب يجعل‬
‫الزّوجة محصنةً ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬وطء الرّتقاء ل يحصنها لنعدام الجماع مع الرّتق ‪ ،‬كما أنّه ل يصبح محصنا بذلك إلّ‬
‫إذا وطئ غيرها بالشّروط السّابقة ‪.‬‬
‫رابعا الح ّريّة ‪:‬‬
‫‪ - 9‬الرّقيبق ليبس بمحصبن ولو مكاتبا أو مبعّضا أو مسبتولدةً لنّه على النّصبف مبن الحرّ ‪،‬‬
‫ص مع مخال فة الجماع ‪ .‬قال اللّه تعالى ‪ { :‬فإن‬
‫والرّ جم ل ن صف له وإيجا به كلّه يخالف النّ ّ‬
‫أتين بفاحشة فعليه نّ نصف ما على المحصنات من العذاب } ‪ .‬وخالف في ذلك أبو ثور وقال‬
‫‪ :‬العبد والمة هما محصنان يرجمان إذا زنيا ‪ .‬وحكي عن الوزاع يّ في العبد تحته حرّة هو‬
‫محصن ‪ ،‬وإن كان تحته أمة لم يرجم ‪ .‬ثمّ ذهب الفقهاء إلى أنّ العبد إذا عتق مع امرأته المة‬
‫فإن جامع ها ب عد الع تق يكو نا مح صنين ‪ ،‬عل ما بالع تق أو لم يعل ما ‪ .‬وكذا لو ن كح الحرّ أمةً أو‬
‫الحرّة عبد فل إحصان إلّ أن يطأها بعد العتق ‪.‬‬
‫خامسا ‪ :‬السلم ‪:‬‬
‫‪ - 10‬أمّا شرط ال سلم فالشّافع يّ وأح مد وأ بو يو سف من أ صحاب أ بي حني فة ل يشترطون‬
‫السلم في إحصان الرّجم ‪ ،‬فإن تزوّج المسلم ذ ّميّ ًة فوطئها صارا محصنين ‪ ،‬لما روى مالك‬
‫عن نافع عن ابن عمر أنّه قال ‪ « :‬جاء اليهود إلى رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فذكروا له‬
‫أ نّ رجلً منهم وامرأةً زنيا فأمر بهما رسول اللّه صلى ال عليه وسلم » ‪ .‬متّفق عليه ؛ ول نّ‬
‫ّيب ‪ ،‬فيجبب أن يسبتويا فبي الحدّ ‪ .‬وعلى هذا يكون‬
‫الجنايبة بالزّنبى اسبتوت مبن المسبلم وال ّذم ّ‬
‫ال ّذ ّميّان مح صنين ‪ .‬وحدّه ما الرّ جم إذا زن يا فبالولى إذا كا نت ال ّذمّيّة زوج ًة لم سلم ‪ .‬وج عل‬
‫مالك وأبو حنيفة السلم شرطا من شروط الحصان ‪ ،‬فل يكون الكافر محصنا ‪ ،‬ول تحصن‬
‫ال ّذمّيّة م سلما ع ند أ بي حني فة ؛ ل نّ « ك عب بن مالك لمّا أراد الزّواج من يهوديّة نهاه النّبيّ‬
‫صبلى ال عليبه وسبلم وقال ‪ :‬إنّهبا ل تحصبنك » ‪ ،‬ولنّه إحصبان مبن شرطبه الحرّيّة فكان‬
‫السلم شرطا فيه كإحصان القذف ‪ .‬وعلى هذا فالمسلم المتزوّج من كتابيّة إذا زنى يرجم عند‬
‫ن الكتابيّة عنده ل تح صن‬
‫أك ثر الفقهاء ول ير جم ع ند أ بي حني فة لنّه ل يع تبر مح صنا ؛ ل ّ‬
‫المسلم ‪ .‬ونظرا ل نّ مالكا ‪ -‬وهو ال صّحيح عند الشّافعيّة ووجه عند الحنابلة ‪ -‬ل يعتبر توفّر‬
‫ن ال ّذمّيّة تح صن الم سلم ‪ ،‬وي ستحقّ‬
‫شروط الح صان في الزّوج ين ف قد قال برأي الجمهور ‪ :‬أ ّ‬
‫الرّ جم إذا ز نى ‪ .‬أمّا وجود الكمال في الطّرف ين بمع نى وجود شروط الح صان في الوا طئ‬
‫والموطوءة حال الوطء الّذي يترتّب عليه الحصان فيرى أبو حنيفة وأحمد ‪ -‬وهو رأي عند‬
‫ن هذا من شروط الحصان ‪ ،‬فيطأ مثلً الرّجل العاقل امرأةً عاقل ًة ‪ .‬وإذا لم تتوفّر‬
‫الشّافعيّ ‪ -‬أ ّ‬
‫هذه الشّروط في أحدهما فهما غير محصنين ‪ .‬فالزّاني المتزوّج من مجنونة أو صغيرة غير‬
‫ولكنب مالكا ل يشترط هذا ويكفبي عنده أن تتوف ّر‬
‫ّ‬ ‫محصبن ولو كان هبو نفسبه عاقلً بالغا ‪،‬‬
‫شروط الحصان في أحد الزّوجين ليكون محصنا بغ ضّ النّظر عمّا إذا كان الخر تتوفّر فيه‬
‫هذه الشّروط أم ل ‪.‬‬
‫أثر الحصان في الرّجم ‪:‬‬
‫‪ - 11‬ممّا سبق يتبيّن ما اتّفق عليه الفقهاء من شروط الحصان وما اختلفوا فيه ‪ ،‬وإذا كان‬
‫بعبض الفقهاء يوجبب توفّر هذه الشّروط فبي كلّ مبن الزّوجيبن لعتبار أحدهمبا محصبنا فإنّب‬
‫الفقهاء جميعا ل يشترطون إح صان كلّ من الزّاني ين ‪ ،‬فإذا كان أحده ما مح صنا والثّا ني غ ير‬
‫ن رجلً من العراب أ تى النّبيّ‬
‫مح صن ر جم المح صن وجلد غ ير المح صن ‪ ،‬ل ما روي « أ ّ‬
‫ل قض يت لي بكتاب اللّه ‪ ،‬وقال الخ صم‬
‫صلى ال عل يه و سلم فقال يا ر سول اللّه أنشدك اللّه إ ّ‬
‫الخر ‪ -‬وهو أفقه منه ‪ : -‬نعم فاقض بيننا بكتاب اللّه وأذن لي ‪ ،‬فقال صلى ال عليه وسلم‬
‫أنب على ابنبي‬
‫إنب ابنبي كان عسبيفا على هذا ‪ ،‬فزنبى بامرأتبه ‪ ،‬وإنّي أخببرت ّ‬
‫قبل ‪ ،‬فقال ‪ّ :‬‬
‫الرّجبم ‪ ،‬فافتديبت منبه بمائة شاة ووليدة فسبألت أهبل العلم فأخببروني أنّب على ابنبي جلد مائة‬
‫وتغريبب عام ‪ ،‬وأنّب على امرأة هذا الرّجبم ‪ ،‬فقال رسبول اللّه صبلى ال عل يه وسبلم ‪ :‬والّذي‬
‫ن بينكما بكتاب اللّه ‪ .‬الوليدة والغنم ردّ عليك ‪ ،‬وعلى ابنك جلد مائة وتغريب‬
‫نفسي بيده لقضي ّ‬
‫عام ‪ .‬وا غد يا أن يس ‪ -‬لر جل من أ سلم ‪ -‬إلى امرأة هذا فإن اعتر فت فارجم ها ‪ .‬قال ‪ :‬فغدا‬
‫عليها فاعترفت ‪ ،‬فأمر بها رسول اللّه صلى ال عليه وسلم فرجمت » ‪ .‬وممّا تجدر الشارة‬
‫إل يه أنّه ل ي جب بقاء النّكاح لبقاء الح صان ‪ ،‬فلو ن كح في عمره مرّةً ث ّم طلّق وب قي مجرّدا ‪،‬‬
‫وزنى رجم ‪.‬‬
‫إثبات الحصان ‪:‬‬
‫‪ - 12‬يثبت الحصان في الرّجم بالقرار ال صّحيح وهو ما صدر من عاقل مختار فيجب أن‬
‫لنب المكره والمجنون ل حكبم لكلمهمبا كمبا يثببت‬
‫ّ‬ ‫ل مختارا ؛‬
‫يكون المقرّ بالحصبان عاق ً‬
‫ّافعيب وأحمبد وزفبر أنّه يكفبي فبي إثبات الحصبان شهادة‬
‫ّ‬ ‫بشهادة الشّهود ‪ ،‬ويرى مالك والش‬
‫رجلين ؛ لنّه حالة في الشّخص ل علقة لها بواقعة الزّنى ‪ ،‬فل يشترط أن يشهد بالحصان‬
‫أرب عة رجال ك ما هو الحال في الزّ نى ‪ .‬ولك نّ أ با يو سف ومحمّدا يريان أ نّ الح صان يث بت‬
‫بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين ‪ .‬وكيفيّة الشّهادة أن يقول الشّهود ‪ :‬تزوّج امرأ ًة وجامعها أو‬
‫باضع ها ‪ ،‬ولو قال ‪ :‬د خل ب ها يك في ع ند أ بي حني فة وأ بي يو سف ؛ لنّه م تى اقترن الدّخول‬
‫ن الدّخول يطلق على الخلوة بها ‪.‬‬
‫بحرف الباء يراد به الجماع ‪ ،‬وقال محمّد ‪ :‬ل يكفي ؛ ل ّ‬
‫ثبوت حدّ المحصن ‪:‬‬
‫‪ - 13‬اتّفق الفقهاء على وجوب رجم المحصن إذا زنى حتّى يموت ‪ ،‬رجلً كان أو امرأ ًة ‪ ،‬مع‬
‫سنّة والجماع ‪ .‬فالرّجم ثابت عن‬
‫خلف في الجمع بين الجلد والرّجم ‪ .‬وعقوبة الرّجم ثابتة بال ّ‬
‫ل على تفصيل محلّه مصطلح « زنى » ‪.‬‬
‫الرّسول صلى ال عليه وسلم قولً وفع ً‬

‫إحصان القذف‬
‫‪ - 14‬لصيانة أعراض ذوي العفّة من الرّجال والنّساء حرّم اللّه قذف المحصنين والمحصنات‬
‫ورتّب على ذلك عقوبةً دنيوّيةً وأخرويّةً ‪ .‬شروط إحصان القذف ‪:‬‬
‫‪ - 15‬المح صن الّذي يحدّ قاذ فه هو من تتوفّر ف يه الشّروط الت ية باتّفاق الفقهاء ‪ ،‬إذا كان‬
‫القذف بالزّنا ‪ ،‬أمّا في حالة نفي النّسب فيشترط أبو حنيفة فضلً عن ذلك أن تكون المّ مسلمةً‬
‫وأن تكون حرّ ًة ‪ .‬أ ‪ -‬الح ّريّة ‪ :‬فل حدّ على قاذف العبد والمة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬ال سلم ‪ :‬فل حدّ على قاذف مرتدّ أو كا فر أ صليّ ؛ لنّه غ ير مح صن ‪ .‬وإنّ ما اع تبر‬
‫ن حدّه في الزّنا بالرّجم إهانة‬
‫الكافر محصنا عند أكثر أهل العلم في ح ّد الزّنا دون حدّ القذف ل ّ‬
‫له ‪ ،‬وحدّ قاذف الكا فر إكرام له ‪ ،‬والكا فر ل يس من أ هل الكرام ‪ .‬ج ‪ ،‬د ‪ -‬الع قل والبلوغ ‪:‬‬
‫خرج ال صّبيّ والمجنون لنّه ل يتصوّر منهما الزّنا ‪ ،‬أو هو فعل محرّم ‪ ،‬والحرمة بالتّكليف ‪،‬‬
‫ي يشترطان البلوغ مطلقا ‪ ،‬سواء أكان المقذوف ذكرا أم أنثى ‪ ،‬ول يشترط‬
‫وأبو حنيفة والشّافع ّ‬
‫مالك البلوغ في الن ثى ‪ ،‬ولكنّه يشتر طه في الغلم ‪ ،‬ويعتبر ال صّبيّة مح صن ًة إذا كانت تط يق‬
‫لنب مثبل هذه الصبّبيّة يلحقهبا العار ‪ .‬واختلفبت‬
‫الوطبء ‪ ،‬أو كان مثلهبا يوطبأ ولو لم تبلغ ‪ّ ،‬‬
‫الرّوايات عن أحمد في اشتراط البلوغ ‪ ،‬ففي رواية أنّ البلوغ شرط يجب توفّره في المقذوف ؛‬
‫لنّه أ حد شر طي التّكل يف ‪ ،‬فأش به الع قل ؛ ول نّ ز نى ال صّبيّ ل يو جب حدّا ‪ ،‬فل ي جب الحدّ‬
‫بالقذف به ‪ ،‬كزنى المجنون ‪ .‬وفي رواية ثانية أ نّ البلوغ ليس شرطا ‪ ،‬لنّه حرّ عاقل عفيف‬
‫يتعيّر بهذا القول الممكن صدقه ‪ ،‬فأشبه الكبير ‪ .‬وعلى هذه الرّواية ل بدّ أن يكون كبيرا ممّن‬
‫يتأتّى منه الجماع ‪ .‬ويرجع فيه إلى اختلف البلد ‪.‬‬
‫ه ب ‪ -‬العفّة عن الزّ نى ‪ :‬مع نى العفّة عن الزّ نى ألّ يكون المقذوف و طئ في عمره وطئا‬
‫حراما في غير ملك ول نكاح أصلً ‪ ،‬ول في نكاح فاسد فسادا مجمعا عليه ‪ ،‬فإن كان قد فعل‬
‫شيئا من ذلك سقطت عفّته ‪ ،‬سواء كان الوطء زنًى موجبا للحدّ أم ل ‪ ،‬فالعفّة الفعليّة يشترطها‬
‫الئمّة الثّل ثة ‪ ،‬وأح مد يكت في بالعفّة الظّاهرة عن الزّ نى ‪ ،‬ف من لم يث بت عل يه الزّ نا ببيّ نة أو‬
‫إقرار ‪ ،‬ومبن لم يحدّ للزّنبا فهبو عفيبف ‪ .‬ثمّب إن كان القذف بنفبي النّسبب حدّ اتّفاقا ‪ ،‬وإن كان‬
‫بالزّنى فيمن ل يتأتّى منه الوطء فل يحدّ قاذفه عند أبي حنيفة والشّافع يّ ومالك ‪ .‬وقالوا ‪ :‬ل‬
‫حدّ على قاذف المجبوب ‪ ،‬وقال ابن المنذر ‪ :‬وكذلك الرّتقاء ‪ ،‬وقال الحسن ‪ :‬ل ح ّد على قاذف‬
‫ن العار منتف عن هؤلء للعلم بكذب القاذف ‪ ،‬والحدّ إنّما يجب لنفي العار ‪ .‬وعند‬
‫الخصيّ ‪ ،‬ل ّ‬
‫أحمد يجب الحدّ على قاذف الخصيّ والمجبوب والمريض والرّتقاء والقرناء لعموم قوله تعالى‬
‫‪ { :‬والّذ ين يرمون المح صنات ث مّ لم يأتوا بأرب عة شهداء فاجلدو هم ثمان ين جلدةً } ‪ .‬والرّتقاء‬
‫ولنب‬
‫ّ‬ ‫داخلة فبي عموم هذا ‪ ،‬ولنّه قاذف لمحصبن فيلزمبه الحدّ كقاذف القادر على الوطبء ؛‬
‫إمكان الوطء أمر خف يّ ل يعلمه كثير من النّاس فل ينتفي العار عند من لم يعلمه بدون الحدّ ‪،‬‬
‫فيجب كقذف المريض ‪.‬‬

‫إثبات الحصان في القذف‬


‫ل مسلم محمول على العفّة ما لم يقرّ بالزّنى ‪ ،‬أو يثبت عليه بأربعة عدول ‪ ،‬فإذا قذف‬
‫‪ - 16‬ك ّ‬
‫إنسان بالزّنى فالمطالب بإثبات الزّنى وعدم العفّة هو القاذف ‪ ،‬لقوله تعالى ‪ { :‬والّذين يرمون‬
‫ثمب لم يأتوا بأربعبة شهداء فاجلدوهبم ثمانيبن جلد ًة } ‪ .‬وأم ّا المقذوف فل يطالب‬
‫المحصبنات ّ‬
‫ن النّاس محمولون عليها حتّى يثبت القاذف خلفه ‪ ،‬فإذا أق ّر القاذف بإحصان‬
‫بإثبات العفّة ؛ ل ّ‬
‫المقذوف ثبت الح صان ‪ .‬وإن أنكر القاذف الح صان فعل يه أن يقيم البرهان على سقوط عفّة‬
‫المقذوف ‪ ،‬فإن عجز عن الثبات فليس له أن يحلّف المقذوف ‪.‬‬
‫سقوط الحصان ‪:‬‬
‫‪ - 17‬ي سقط الح صان بف قد شرط من شرو طه ‪ ،‬ف من أ صابه جنون أو عنّة أو ر قّ ب طل‬
‫إحصانه ‪ .‬والمرتدّ يبطل إحصانه عند من يجعل السلم شرطا في الحصان ‪ .‬ول حدّ على‬
‫القاذف إذا تخلّف شرط من شروط الحصان في المقذوف ‪ ،‬وإنّما عليه التّعزير إذا عجز عن‬
‫إثبات صحّة ما قذف به ‪ .‬ويرى الئمّة الثّل ثة توفّر شروط الح صان إلى حالة إقا مة الحدّ ‪،‬‬
‫خلفا لحمد فإنّه يرى أنّ الحصان ل يشترط إلّ وقت القذف ول يشترط بعده ‪.‬‬
‫أثر الحصان في القذف ‪:‬‬
‫‪ - 18‬إح صان المقذوف يو جب عقوبت ين ‪ :‬جلد القاذف ‪ ،‬و هي عقو بة أ صليّة ‪ ،‬وعدم قبول‬
‫شهادته ‪ ،‬وهي عقوبة تبعيّة على تفصيل موطنه مصطلح ‪ « :‬قذف » ‪.‬‬
‫أثر الرّدّة على الحصان بنوعيه ‪:‬‬
‫‪ - 19‬لو ارتدّ المحصن ل يبطل إحصانه عند من ل يشترط السلم في الحصان كالشّافع يّ‬
‫ن النّبيّ صلى ال عليه وسلم‬
‫وأحمد ‪ ،‬ويوافقهما أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة ‪ .‬وحجّتهم أ ّ‬
‫ر جم يهوديّ ين زن يا ‪ ،‬ولو كان ال سلم شرطا في الح صان ما رجمه ما ‪ .‬ث مّ هذا دا خل في‬
‫عموم قوله صلى ال عل يه و سلم ‪ « :‬أو زنًى ب عد إح صان " ؛ ولنّه زنًى ب عد إح صان فكان‬
‫حدّه الرّجم كالّذي لم يرتدّ ‪ .‬ونظرا لنّ أبا حنيفة يجعل السلم شرطا في الحصان فالمحصن‬
‫إذا ارتدّ يب طل إح صانه ‪ .‬وحجّ ته حد يث الرّ سول صلى ال عل يه و سلم ‪ « :‬من أشرك باللّه‬
‫فليس بمحصن » ‪ .‬فكذلك المرت ّد ل يبقى محصنا لفقد شرط من شروط الحصان وهو السلم‬
‫‪ .‬وبهذا أخذ مالك ‪ ،‬وذ هب إلى أنّه إذا ث بت للرّجل والمرأة ح كم الح صان سواء في إح صان‬
‫الرّجم أو القذف ‪ ،‬ث مّ ارتدّ عن السلم فإنّه يسقط عنه حكم الحصان ‪ ،‬فإن رجع إلى السلم‬
‫لم يكبن محصبنا إلّ بإحصبان مسبتأنف ‪ .‬واسبتدلّ مالك على ذلك بقول اللّه تعالى ‪ { :‬لئن‬
‫ن عملك } وهذا قد أشرك ‪ ،‬فوجب أن يحبط كلّ عمل كان عمله ‪.‬‬
‫أشركت ليحبط ّ‬
‫إحلل‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬الحلل في اللّغة مصدر أحلّ ضدّ حرّم ‪ ،‬يقال ‪ :‬أحللت له الشّيء ‪ ،‬أي جعلته له حللً ‪.‬‬
‫ل ‪ ،‬أي دخل في أشهر الحلّ ‪ ،‬أو جاوز الحرم ‪ ،‬أو حلّ‬
‫ل لغة في ح ّ‬
‫ويأتي بمعنًى آخر وهو أح ّ‬
‫ل للتّ عبير عن‬
‫له ما حرم عل يه من محظورات الح جّ ‪ .‬ولم ي ستعمل الفقهاء ‪ ،‬ل فظ « إحلل " إ ّ‬
‫معاني غيره من اللفاظ المشابهة مثل " استحلل ‪ ،‬وتحليل ‪ ،‬وتحلّل ‪ ،‬وحلول " فهي الّتي أكثر‬
‫الفقهاء اسبتعمالها ‪ ،‬لكنّهبم اسبتعملوا " الحلل " بمعنبى البراء مبن الدّيبن أو المظلمبة ‪ .‬وأمّا‬
‫استعمال البعض الحلل بالمعنى اللّغو يّ فيراد به الطلقات التّالية ‪ :‬أ ‪ -‬ففي مسألة الخروج‬
‫مبن الحرام عبّر الفقهاء بالتّحلّل ‪ ،‬أمّا التّعببير بالحلل فبي هذه المسبألة فهبو لغويّب ‪ ( .‬ر ‪:‬‬
‫تحلّل ) ‪.‬‬
‫ل عبّر الفقهاء بال ستحلل ‪ ،‬سواء كان ق صدا أو تأويلً ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬و في م سألة ج عل المحرم حل ً‬
‫( ر ‪ :‬استحلل ) ‪.‬‬
‫ج ‪ -‬وفي المطلّقة ثلثا عبّروا بالتّحليل ( ر ‪ :‬تحليل ) ‪.‬‬
‫ل عبّروا بالحلول ( ر حلول ) ‪ .‬الحكم الجماليّ ‪:‬‬
‫د ‪ -‬وفي الدّين المؤجّل إذا ح ّ‬
‫‪ - 2‬يختلف الحكم بحسب اختلف إطلق لفظ ( إحلل ) على ما سبق في التّعريف ‪ .‬مواطن‬
‫البحث ‪:‬‬
‫‪ - 3‬يرجع في كلّ إطلق إلى مصطلحه‬

‫إحماء‬
‫انظر ‪ :‬حمو إحياء ‪.‬‬
‫البيت الحرام‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬الحياء مصدر " أحيا " وهو جعل الشّيء حيّا ‪ ،‬أو ب ثّ الحياة في الهامد ‪ ،‬ومنه قولهم ‪:‬‬
‫أحياه اللّه إحيا ًء ‪ ،‬أي جعله حيّا ‪ ،‬وأحيا اللّه الرض ‪ ،‬أي أخصبها بعد الجدب ‪ ،‬جاء في كتاب‬
‫اللّه تعالى ‪ { :‬واللّه الّذي أرسل الرّياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميّت فأحيينا به الرض بعد‬
‫موتها كذلك النّشور } ‪ .‬ولم يخرج استعمال الفقهاء لكلمة " إحياء " عن المعنى اللّغويّ ‪ ،‬فقالوا‬
‫‪ « :‬إحياء الموات " ‪ ،‬وأرادوا بذلك إنبات الرض المجد بة ‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إحياء اللّ يل ‪ ،‬وإحياء ما‬
‫بين العشاءين ‪ ،‬وأرادوا بذلك شغله بال صّلة والذّكر ‪ ،‬وعدم تعطيله وجعله كالميّت في عطلته‬
‫ب والعمرة ‪ ،‬وعدم النقطاع‬
‫‪ .‬وقالوا ‪ :‬إحياء البيبت الحرام ‪ ،‬وأرادوا بذلك دوام وصبله بالحج ّ‬
‫عنبه كالنقطاع عبن الميّت ‪ ،‬وهكذا ‪ .‬وقالوا ‪ :‬إحياء الس ّبنّة وأرادوا إعادة العمبل بشعيرة مبن‬
‫شعائر ال سلم ب عد إهمال الع مل ب ها ‪ .‬يختلف الحياء بح سب ما يضاف إل يه ‪ ،‬فهناك ‪ :‬أ ‪-‬‬
‫إحياء البيت الحرام ‪.‬‬
‫سنّة ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬إحياء ال ّ‬
‫ج ‪ -‬إحياء اللّيل ‪.‬‬
‫د ‪ -‬وإحياء الموات ‪ .‬والمراد بإحياء البيت الحرام عند الفقهاء عمارة البيت بالح جّ ‪ ،‬وبالعمرة‬
‫أيضا عند بعضهم ‪ ،‬تشبيها للمكان المعمور بالحيّ ‪ ،‬ولغير المعمور بالميّت ‪.‬‬

‫ي)‬
‫( الحكم الجمال ّ‬
‫ل عام‬
‫‪ - 2‬نصّ المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّ إحياء البيت الحرام بالحجّ فرض كفاية ك ّ‬
‫على المسلمين في الجملة ‪ .‬وهذا ل يتعارض مع كونه فرض عين في العمر مرّة واحدة على‬
‫كلّ من استطاع إليه سبيلً كما هو معلوم من الدّين بالضّرورة ؛ لنّ المسألة مفروضة فيما إذا‬
‫ل عام ‪ ،‬فإ نّ‬
‫ج عدد من المسلمين فرضا ول تطوّعا ممّن يحصل بهم الشّعار عرفا في ك ّ‬
‫لم يح ّ‬
‫ج ‪ ،‬فكان به إحياؤ ها ‪ ،‬ول ما‬
‫ال ثم يل حق الجم يع ‪ ،‬إذ المق صود الع ظم ببناء الكع بة هو الح ّ‬
‫أخر جه ع بد الرّزّاق في م صنّفه عن ا بن عبّاس ر ضي ال عنه ما ‪ :‬لو ترك النّاس زيارة هذا‬
‫البيت عاما واحدا ما أمطروا ‪ .‬ومثل الحجّ في ذلك العمرة عند الشّافعيّة والتّادليّ من المالكيّة ‪.‬‬
‫ول يغنبي عنهمبا الطّواف والعتكاف والصبّلة ونحبو ذلك ‪ ،‬وإن كانبت هذه الطّاعات واجبةً‬
‫أيضا في المسجد الحرام وجوبا على الكفاية ‪ ،‬فإ نّ التّعظيم وإحياء البقعة يحصل بجميع ذلك ‪.‬‬
‫وتطبيقا على هذا فقد ن صّ المالكيّة على أنّه يجب على إمام المسلمين أن يرسل جماع ًة في كلّ‬
‫سنة لقا مة المو سم ‪ ،‬فإن لم ي كن هناك إمام فعلى جما عة الم سلمين ‪ .‬هذا ولم أ جد في ما وق فت‬
‫عليه نصّا للحنفيّة على ذلك ‪.‬‬
‫( مواطن البحث )‬
‫‪ - 3‬تناول الفقهاء ح كم إحياء الب يت الحرام بالتّف صيل في أوّل كتاب الجهاد ‪ ،‬لمنا سبة ح كم‬
‫الجهاد ‪ ،‬وهو الوجوب الكفائ يّ ‪ ،‬حيث تعرّضوا لتعريف الواجب على الكفاية وذكر شيء من‬
‫فروض الكفايات وأحكامها ‪ ،‬كما ذكره بعضهم في أوّل كتاب الح جّ عند الكلم على حكم الح جّ‬
‫ل خا صّا بأحكام‬
‫‪ .‬والّذين جمعوا أحكام المساجد في تآليف خا صّة ‪ ،‬أو عقدوا في كتبهم فص ً‬
‫المسبجد الحرام ‪ ،‬تعرّضوا له أيضا كالبدر الزّركشيّب رحمبه ال فبي كتاببه ‪ « :‬إعلم السبّاجد‬
‫بأحكام المساجد » ‪.‬‬

‫سنّة‬
‫إحياء ال ّ‬
‫التّعريف‬
‫سنّة هنا ‪ :‬إعادة العمل بشعيرة من‬
‫سنّة ‪ :‬الطّريقة المسلوكة في الدّين ‪ .‬والمراد بإحياء ال ّ‬
‫‪ - 1‬ال ّ‬
‫شعائر السلم بعد إهمال العمل بها ‪.‬‬
‫( الحكم الجماليّ ومواطن البحث ) ‪:‬‬
‫سنّة المماتة مطلوب شرعا إمّا على سبيل فرض الكفاية ‪ ،‬وهو الصل ‪ ،‬وإمّا‬
‫‪ - 2‬إحياء ال ّ‬
‫على سبيل فرض العين ‪ ،‬وإمّا على سبيل النّدب ‪ .‬وتفصيل ذلك في مصطلح ‪ :‬أمر بالمعروف‬
‫‪.‬‬

‫إحياء اللّيل‬
‫التّعريف‬
‫‪ - 1‬الحياء في اللّغة جعل الشّيء حيّا ‪ ،‬ويريد الفقهاء من قولهم ‪ « :‬إحياء اللّيل " قضاء اللّيل‬
‫أو أكثره بالعبادة ‪ ،‬كالصبّلة والذّكبر وقراءة القرآن ونحبو ذلك ‪ .‬وبذلك تكون المدّة هبي أكثبر‬
‫اللّيل ‪ ،‬ويكون العمل عامّا في كلّ عبادة ‪.‬‬
‫( اللفاظ ذات الصّلة ) ‪ :‬أ ‪ -‬قيام اللّيل ‪:‬‬
‫‪ - 2‬المستفاد من كلم الفقهاء أ نّ قيام اللّيل قد ل يكون مستغرقا لكثر اللّيل ‪ ،‬بل يتحقّق بقيام‬
‫ساعة منه ‪ .‬أمّا العمل فيه فهو ال صّلة دون غيرها ‪ .‬وقد يطلقون قيام اللّيل على إحياء اللّيل ‪.‬‬
‫ف قد قال في مرا قي الفلح ‪ :‬مع نى القيام أن يكون مشتغلً مع ظم اللّ يل بطا عة ‪ ،‬وق يل ساعةً‬
‫منه ‪ ،‬يق