You are on page 1of 4

‫كتابات أبو الحق‬

‫الخامس من آذار‬
‫‪2008‬‬

‫ب كلّ الناس‬
‫صحّي قلوب الناس يا ر ّ‬
‫َ‬

‫وكأنما ليس هناك من نهاية منظورة للحزن ‪,‬‬

‫‪....‬كأنما ليس هناك للدمع من أفق أو نضوب ‪...‬‬

‫كأنما ليس هناك من البكاء فكاك‪...‬مهما نأيتَ وغرّب الجسد منك في الفاق‬

‫كأنما ُكتِبَتْ عليّ ختام أيام حياتي هذه حياة بالدمع ثريّة أحملها على عاتقي إلى يوم‬
‫مماتي‪...,‬كذا جاء النشيد الملحمي " الضمير العربي ‪...‬صحّي قلوب الناس" يحكي‬
‫ألما عربيا مسلما مسيحيا‪,‬ألما عاما شامل ل يستثني إل قليل الوطنية و عديم‬
‫الحساس‪....‬‬

‫أفلح النص واللحن والصورة والداء في إخراج مستودع اللم اليجابي‬


‫هذا‪...‬تهانينا لكم كلكم‪ ,‬مهما كانت منابعكم ‪ ,‬مهما كانت مشاربكم‪...‬أفلحتم بتفجير‬
‫اللم المتكيّس داخلنا وأرحتم النسجة المجاورة له من عبء ثقيل‪....‬تهانينا لكم‬
‫نزول إلى الكَافََر الذي تكاد مهامه المتواضعة أن تكون أدنى من أن تُدرَج في قائمة‬
‫المشاركين بسجل العمل من مؤدّين و فنيين و مبدعين‪ ,‬لول ما اعتادته أنماط‬
‫"الكاست" عقب نهاية كل فلم‪...‬‬

‫أدركت لمن أنتمي ما أن أصغيت إلى النشيد أول مرّة‪...‬و عزّز يقيني نشيج تكرر‬
‫بنفس القوة مع تكرار السماع بعد تلك الولى بأيّام متعددة ‪ ,‬نشيج غيّر معالم وجهي‬
‫‪ ,‬لم أجد إلى إيقافه من سبيل‪..‬فتسللتُ إلى الغرفة المجاورة لواذا‪ ,‬كي أفلت من‬
‫عيون عائلتي المراقبة‪..‬أبكاني الخجل من نفسي ومن تقصيرها قبل أن يفعل شعور‬
‫السى‪...‬واليوم بعد مرور أيام متعددة أخرى على السماعيّة الثانية تلك‪ ,‬أصبحت‬
‫زوجتي تتجاوز أيّة محطة أو قناة تعرض هذه النشودة‪ ,‬فهي تدرك أنها ستعتّم جوّ‬
‫الجلسة على عموم العائلة إن عرضت فقرات النشودة‪..‬وأنا أفتخر بتفاعلي هذا مع‬
‫ي حرج‪..‬‬‫النشودة حدّ ذرف العبرات‪ ,‬ول أشعر بأ ّ‬
‫أنا أنتمي إلى كل هؤلء‪ ,‬وأفتخر‪...‬أنتمي إليهم أكثر مما أنتمي لولدي المتعِبين‬
‫الغافلين المولَعين بالنغمات والرَنّات‪...‬ل تعجب رجاءا‪...‬ل تقل لي أنني أبالغ‪...‬‬

‫أنا أنتمي للطفل المقتول بين يدي أمه الباكية‪,‬مهما كان دينه‪ ,‬كنت لكون أباه في‬
‫قصة حياة أخرى لم أعشها بعد‪ ,‬أو ربما كنت لكون أنا هو لو عاد الزمن بي خمسة‬
‫عقود و نيف للوراء‪...‬من يعلم؟؟‬

‫أنا أنتمي إلى الرجل البلدي المُ َدشْدَشْ البسيط الذي يلطم رأسه من هول ألم الفقدان‬
‫وال َتثَ ّكلْ المباغت الذي نزل بساحته من دون سابق إنذار‪....‬يسرح هائما وهو ينظر‬
‫إليك بذهول ‪ ,‬بضعة دمعات تلتمع في مآقي العيون الذاهلة‪ ,‬فيما قناطير أخرى مثلها‬
‫تحتبس داخل‪ ,‬والراح تصفق نفسها بالراح الثانية ‪ ,‬ل يبتغي منك أكثر من أن تتفهّم‬
‫ما أل ّم به‪ ,‬عسى أن تعيره كتفا ساندا أو أذنا صاغية ‪ ,‬أعلم كيف يغادر المنطق ربقة‬
‫العقل في كذا مواقف‪ ...‬فيسرح‪ ,‬في خضمّ العجز واليأس المطبق فورا‪...‬ينطوي‬
‫على نفسه‪ ,‬ينكفئ للداخل فينتحر‪..‬إلى ال وحده المُشتَكى‪.‬‬

‫أنا أنتمي إلى جوقة المهات والخوات والزوجات اللتي أخرسهنّ ذهول الموقف‬
‫ن كثير حظ من التحضّر والتمَدين ‪ ,‬من متع السفر و‬ ‫الدامي ذاك‪ ,‬عراقيات لم ينُبهُ ّ‬
‫تعقيب المولت والشواطئ الساحلية في غمار متع التصييف والتكييف كسائر نساء‬
‫العرب والعجم ‪ ,‬كلّ واحدة منهن بالنسبة لي هي نخلة عراقية سامقة‪...‬بَرحيّة‬
‫نادرة ‪ ,‬يسقط العراق كلّه بنظري إن إنحنت إحداهنّ أو َهوَتْ‪...‬أترجى كلّ واحدة‬
‫منهنّ أل تذعن للمصاب الليم جهد إمكانِها‪ ,‬وأل تنحني‪...‬ليس وأنا على قيد الحياة‪..‬‬

‫أنا أنتمي إلى تلك السيدة المسيحية من الموصل‪ ,‬تلك البيضاء شعر الرأس‪ ,‬و هي‬
‫تدعو ال أن ينتقم منهم أيام طليعة القصف المبريالي الذي مهّد للغزو ‪ ,‬وتحتسب‬
‫في مصيبتها إلى ال المنتقم الجبّار بنفس عباراتنا‪ ,‬تماما كوالدتي المسلمة ‪ ,‬ل‬
‫نفرّق بين أحد من رسله حقا و يقينا‪..‬لقد أبكتني عقب أيام الغزو تلك‪,‬وها هي‬
‫تبكيني بحرقة نادرة بعد أربع سنين أخرى من ذاك اليوم‪...‬‬

‫أنا أنتمي إلى السيدة الفلسطينية التي تلطم الصهيوني المدجج بالسلح على وجهه‬
‫ي مَنْ ل سطوة بجعبتها ‪ ,‬هي أخت الجنس‬ ‫وتصرّ على أن تفقأ عينيه بيدها‪ ,‬ه َ‬
‫الناعم الذي هو في الخِصام غير مُبين‪...‬وللسف الشديد الشديد‪ ,‬فقد تعلّمنا من فرط‬
‫ثقافتنا الشيء الكثير من منطق التصرّف وقت الشدائد و قواعد العقلنيّة ‪ ,‬لكن كل‬
‫ذلك خلط أوراق نازع السلمة الشخصية و متطلبات صون الروح ‪ ,‬مع أوراق‬
‫النكوص عن النصرة‪..‬‬
‫أنا أنتمي إلى الشهيد الذي تجمّدت الصورة في عينيه يوم زاغ البصر منه و تَجلّد‬
‫اللون في قزحيتيه ‪.. ,‬هجر الحياة الفانية قبلي وأنا لست ببعيد عن مصيره ول‬
‫جنّة منه‪..‬أنا موقن بكل كياني أن ال قد أحسن ضيافته فور رحيله فلم‬ ‫بأقرب إلى ال َ‬
‫يعد يأسى على أنفاسه التي كان يجترّها‪,‬لم يعُد َيوَدّ العودة لذاك الملعب المتدنّي ‪,‬‬
‫مهما بدا له من قبل غاليا‪...‬مهما إمتدّت إليه أكفّ أحبابه وأهله تتوسّل إليه أن‬
‫يصمد قليل وأل يغادر‪ ,‬لكنها العيون والبصيرة القاصرة منّي ‪ ,‬تلك التي هي عن‬
‫الرؤية والدراكِ قاصرة‪..‬‬

‫أنا أنتمي إلى الصغير الذي يرمي الحجر‪ ,‬بكل ما أوتي من قوّة متاحة لكبار البشر‪,‬‬
‫سرَف أو لعلعة السلح و هَدّته‪ ,‬يرجم أخوان الشيطان وهو يدرك‬ ‫ل يردعه زعيق ال ُ‬
‫تماما أنه لن يخدش طلء الدبابة حتى‪..‬لكنه ما فتيء يرجمهم منذ عقود من دون أن‬
‫يجد اليأس والملل إلى قلبه طريقا‪...‬‬

‫أنا أنتمي إلى الشاب المتسلح بالرشاشة وبالقاذفة‪ ,‬لم يحظ بحظّ من التعليم كبير بما‬
‫يكفي ليقلع عن مهنة القتال‪ ,‬لكنه ُيسَطّر أروع الطروحات التي ل تحتاج لمن‬
‫يناقش أو يقيّم ‪ ,‬فهو مادة السِجال و نسيجه‪ ,‬مادة التغيير و صانع كل خبر كل يوم‪..‬‬

‫أنا أنتمي إلى المظلوم والمقتول ‪ ,‬ل أنتمي إلى الظالم السافل‪ ,‬وكفى بال شهيدا‪..‬‬

‫أنا أنتمي إلى من سعى للتزود والستقواء وإعداد أسباب القوّة منذ وقت السلم‬
‫ذاك‪,‬كأنما كان يعلم تماما ما ستفعله موجة التتر المجرمة هذه ببلده فور أن تلج‬
‫الباب مدعومة بأولد الزواني من الذين خانوا العراق وأهله‪ ,‬أنتمي إلى من عقر‬
‫جواده من قبل أن يهريق دمه ‪,‬ل أتشرف بالذليل الخانع وإن دانت له الدنيا ‪ ,‬مهما‬
‫صال و جال تيها ‪ ,‬مهما تجبّر على الخلئق أو تكبّر و عَربَدْ‪...‬‬

‫أنا أنتمي لمن يطيل الظافر لينشبها في عنق الدخلء البرابرة‪ ,‬و يدمن سنّ النصال‪,‬‬
‫ل أرى لي مكانا مع المتأنق المستكنّ الناعس ‪ ,‬من ل رأي له فيما يدور ول حصة‬
‫له في هذا السجال‪ ,‬من يحنّ لكلّ العراق إرضاءا لكلّ العراق‪ ,‬من دون أن يعلن‬
‫مَيله لي جانب محدّد‪ ,‬فذاك مواطن افتراضي ل وجود له إل في سيناريوهات أفلم‬
‫ماترَكس‪...‬‬

‫صنْويَ شابا عاريا في المعتقل‪ ,‬طوّقته كلب المارينز‪ ,‬أو‬ ‫ورغم أن العالم كله يرى ِ‬
‫أسقطته فريسة مقيّدة بيد جند صهيون‪ ,‬يتلقى الصفع والضرب والقتل والتنكيل بيد‬
‫عزرا و شارون ‪ ,‬فأنا لست كذا في عالم آخر‪ ,‬في بعد مناظر‪,‬تعال متّع ناظريك‬
‫بهيئتي الخرى عسى أن ينفرج همّك ‪ ,‬وينزاح الغَمّ عن قلبك‪...‬‬
‫هناك حيث تسمع بي أقتل وأقطع الرقاب وعدوي المتحصّن وراء درع آليّاته‬
‫يتوارى وهو مرتعب خائف‪..‬أنا الصورة الخرى‪...‬‬
‫فمشهد الظلم ذاك هو الذي وَلّد مشهد جبروتي الهائل‪ ,‬ل تعجب ول تتساءل‪ ,‬المشهد‬
‫كله مترابط‪....‬قيظ الشمس جعل الماء يتبخّر‪ ,‬و َبرْدُ السماء و ريحها وغبارها ساق‬
‫البخار إلى أن يتكاثف و يتجمهر‪ ,‬وها أنا أنزل مطرا غزيرا على الرؤوس التي‬
‫تؤوي الذهان التي كانت دوما تتعجّب و تَسخَر‪...‬‬
‫لو كنت وحدي فردا واحدا‪ ,‬مفردا مستفردا‪,‬كما بدا لَكَ في فلسطين أو أبي غريب‬
‫ي و أن تبتئسْ و تحزن‪..‬‬ ‫ذاك‪ ,‬لَحُقّ لَكَ أن تبكي عل ّ‬
‫لكنني أمّة‪..‬مهما تراخت أو تمادت ‪ ,‬تبقى هي المحرّك للتاريخ وللبشر‪...‬فالعبد‬
‫الروماني الثائر والذي كان معاونا لسبارتكوس قالها لجلديه‪"...‬سأعود‬
‫إليكم‪..‬ويومها سأكون مليينا"‪...‬وأنا أيضا سأعود بالمليين‪...‬تذكّر ذلك يومها‪..‬‬
‫أنا واحد حقا لكن ورائي تربض ملّة عظمى ‪... ,‬‬
‫سمْنِ الكثيرُ الكثير‪...‬‬‫ِفيّ غثّ‪ ,‬هذا أكثر من صحيح‪ ,‬ل ِكنْ في أعماقي يمكثُ من ال َ‬
‫على سطحي ترى َزبَدا كثيرا طافيا‪...‬لكن قاعي يحفلُ بما ينفعُ الناس‪..‬‬
‫الحق سَمتي وهو أرفع أوِسمتي‪ ,‬وقاعدتي أناس كُثر من كل دين و مذهب‪...‬ل‬
‫يُحيّرنّك كلمي هذا ‪..‬ل تتعجب‪...‬‬
‫و أنا على العهد هذا باق‪ ,‬مهما بدا لون الدم أحمر‪....‬‬
‫مهما بدت أهوال الدرب أعتى و أفظع‪...‬تأكّد أنني لن أتغيّر‪...‬‬
‫وقلبي يضمّ العزم والثأر من قاتل أخوتي ‪,‬كقبضة مصمومة‪ ,‬وإن طال الزمان بي و‬
‫مدّد‪..‬‬
‫لم أكن منهم ‪ ,‬ول أتقبّلهم مطلقا‪....‬ولن أجاريهم أبدا‪...‬ل أحبّهم حتى تحبّ الرض‬
‫الدم المسفوح‪....‬كما هي مقالة الفاروق العظيم لقاتل أخيه زيد بن الخطاب‪....‬‬
‫أنا ذاكرة الزمان‪...‬أنا مداد الحبر و طرف الريشة لملحمة الغد‪...‬‬
‫جمَع‬
‫أنا ذبابة السيف الذي سيقطع‪ ,‬أنا النطع الذي سيجري الدم فيه و يُ ْ‬
‫‪....‬تعال نتقابل هناك بهيئة أخرى‪........‬‬
‫‪....‬تعال وقتها فأنت قد حظيت مني بمثابة و موعد ‪...‬‬
‫‪....‬تعال وسوف أذكّرك بمقالتي هذه وقتها!!‬
‫تحية من عمق قلبي لكل من سقط على التراب ‪ ,‬كذا بدا في عيون الحياء العميان‪,‬‬
‫فيما هو يرتقي إلى السموات و يصعد إلى مقام عرش الرحمن‪..‬‬
‫‪...‬تحية بحجم اللم الذي يغمر قلبي‪..‬وآه لو كنت تدرك كم هو كبير ذاك اللم‪...‬‬