‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫يونيو ‪2012‬‬

‫يونيو ‪2102‬‬

‫الديمقراطية المقيدة‪ ..‬مخطط اجهاض الثورة‬

‫سمحت الدولة العميقة في مصر بسقوط رأس النظام الحاكم‪ ،‬ورأس الطبقة السياسية الحاكمة‪،‬‬
‫ليس من أجل تغيير نظام الحكم القائم والدولة القائمة‪ ،‬ولكن من أجل الحفاظ على نظام الحكم‪ ،‬والتخلص‬
‫من رأس الطبقة الحاكمة التي أصبح وجودها يهدد بقاء نظام الحكم‪ ،‬ويهدد بقاء الدولة نفسها‪.‬‬
‫لذا تحركت القوات المسلحة وهي النواة الصلبة للدولة العميقة‪ ،‬من أجل حماية االحتجاج‬
‫الجماهيري‪ ،‬بوصفه احتجاجا على رموز الطبقة الحاكمة‪ ،‬واحتجاجا على الفساد واالستبداد والتوريث‬
‫وسيطرة طبقة رجال األعمال المرتبطة بالوريث‪ .‬وساندت القوات المسلحة المطالب الشعبية المشروعة‪،‬‬
‫بوصفها احتجاجا على هيمنة نخبة محدودة على مقاليد السلطة والنفوذ في مصر‪ ،‬مما حد من دور الدولة‬
‫العميقة نفسها‪ ،‬والتي تمثل القوات المسلحة نواتها الصلبة‪.‬‬
‫فنظام الحكم في عهد مبارك تشكل من دولة قائمة‪ ،‬وهي دولة قطرية متحالفة مع الغرب‪،‬‬
‫وسياسات حكم قائمة على التحالف مع النظام الدولي الغربي‪ ،‬ونخبة دولة وشبكة مصالح تحكم مفاصل‬
‫الدولة (الدولة العميقة بشقيها المدني والعسكري)‪ ،‬وقمة هرم السلطة المتمثل في رجال مبارك والوريث‪.‬‬
‫والقوات المسلحة عندما أيدت الثورة‪ ،‬اعتبرتها حالة احتجاج على رأس هرم السلطة في مصر‪ ،‬واحتجاجا‬
‫على الفساد واالستبداد‪ .‬مما جعل القوات المسلحة تتبنى التحول الديمقراطي منذ اليوم األول‪ ،‬ولكن ليس‬
‫بوصفه طريقا لتغ يير نظام الحكم‪ ،‬ولكن بوصفه سبيال إلصالح نظام الحكم القائم‪ ،‬حتى يكتسب تأييدا‬
‫شعبيا‪ ،‬مما يساعد على الحفاظ على نظام الحكم والدولة القطرية القائمة وسياسات الحكم القائمة‪ ،‬وأيضا‬
‫يحافظ على بقاء الدولة العميقة الحاكمة‪ ،‬والمتمثلة في نخبة الدولة وشبكة المصالح المرتبطة بها‪،‬‬
‫باعتبارها المسيطرة فعليا على السلطة والنفوذ‪.‬‬
‫والدول الغربية حاولت من قبل دفع النظام إلى تحقيق إصالحات‪ ،‬تحافظ على سياسات الحكم‬
‫القائمة‪ ،‬وتكسب الحاكم شرعية شعبية‪ ،‬دون تغيير في جوهر توجهات وسياسات الدولة المصرية‪ .‬وعندما‬
‫وجدت الدول الغربية إن أي إصالحات يمكن أن يصاحبها صعودا للتيار اإلسالمي‪ ،‬مما يؤدي إلى تغيير‬
‫سياسات الحكم‪ ،‬كانت تتراجع عن ضغوطها على النظام الحاكم‪ ،‬حتى تحافظ على سياسات الحكم القائمة‬
‫والمتحالفة مع الغرب والتي تحقق مصالح الغرب في المنطقة‪.‬‬
‫وعندما أصبح سقوط رأس هرم السلطة في مصر حتميا بفعل الثورة الشعبية‪ ،‬عملت الدولة‬
‫العميقة على الحفاظ على نظام الحكم وسياساته وطبيعة الدولة القائمة‪ ،‬ولكن كان عليها أن تتقبل إجراء‬
‫إصالحات في النظام السياسي نحو التحول الديمقراطي‪ .‬فأصبح التحدي الحقيقي أمام الدولة العميقة متمثال‬
‫في كيفية المحافظة على سياسات الحكم وطبيعة الدولة القطرية القائمة‪ ،‬وأيضا الحفاظ على سلطة نخبة‬
‫الدولة وشبكة المصالح المرتبطة بها‪ ،‬رغم ما يحدث من تحول ديمقراطي‪.‬‬
‫لذا بدأ مخطط الدولة العميقة لوضع نظام ديمقراطي مقيد‪ ،‬تكون هي الحاكم الفعلي له‪ ،‬حتى يتم‬
‫الحفاظ على سياسات الحكم وطبيعة الدولة دون تغيير‪ ،‬مما يستلزم بقاء اإلرادة الشعبية الحرة مقيدة‬
‫بخيارات نخبة الدولة‪ ،‬وبقاء تلك النخبة مسيطرة على الدولة‪ ،‬وعدم السماح بحدوث تغير حقيقي في نخبة‬
‫الدولة‪ .‬ولم يكن من الممكن لنخبة الدولة العسكرية أن تقف أمام العناصر األساسية للتحول الديمقراطي‬
‫بعد الثورة‪ ،‬ومنها االنتخابات الحرة وحرية تأسيس األحزاب وحق التنظيم والتظاهر واالعتصام‪ ،‬مما‬
‫جعلها تلجأ للتدخل الناعم والسيطرة الناعمة‪ ،‬حتى يبدو المشهد ديمقراطيا‪ ،‬ويبقى لنخبة الدولة المدنية‬
‫‪2‬‬

‫يونيو ‪2102‬‬

‫الديمقراطية المقيدة‪ ..‬مخطط اجهاض الثورة‬

‫والعسكرية السيطرة الفعلية‪ ،‬خاصة وأن التدخل الخشن له مخاطر كبيرة‪ ،‬مما يجعل احتمال اللجوء له‬
‫ضعيفا‪.‬‬
‫والتحدي الحقيقي الذي يواجه الدولة العميقة‪ ،‬هو كيفية بقاء السلطة الفعلية في يد نخبة الدولة‪ ،‬مع‬
‫استمرار العملية الديمقراطية‪ ،‬لما بينهما من تناقض‪ .‬فالعملية الديمقراطية تقوم أساسا على تداول السلطة‪،‬‬
‫وهيمنة نخبة الدولة على السلطة تقوم أساسا على احتكار السلطة‪.‬‬
‫استقطاب الرأي العام‬
‫أصبحت توجهات الرأي العام تمثل التحدي األول أمام الدولة العميقة‪ ،‬ألنها ال تستطيع تمرير‬
‫خططها بدون دعم من الرأي العام‪ .‬فأصبحت عملية السيطرة على الرأي العام وتوجيهه‪ ،‬هي‬
‫االستراتيجية األساسية للدولة العميقة‪ ،‬مما يعني أهمية سيطرتها على وسائل اإلعالم‪ ،‬من خالل حلفاء‬
‫الدولة العميقة من رجال األعمال والنخب العلمانية‪ ،‬حتى يمكنها توجيه الرأي العام‪ ،‬بما يساعد على حشد‬
‫قطاع مهم من الرأي العام لصالح الدولة في مواجهة القوى السياسية األخرى‪.‬‬
‫لهذا عملت القوات المسلحة على كسب التأييد الشعبي لصالحها في مواجهة بعض قوى الثورة‪،‬‬
‫وحاولت ربط الثورة بالفوضى‪ ،‬حتى تقدم نفسها باعتبارها حامية االستقرار واألمن‪ ،‬وحتى تصبح الدولة‬
‫رمزا لالستقرار واألمن‪ ،‬في مقابل القوى الثورية وقوى التغيير‪ ،‬والتي تصبح رمزا للفوضى وسببا في‬
‫تعريض البالد للمخاطر‪ .‬وهو ما يعني الترويج لنظام الحكم والسياسات القائمة باعتبارها تمثل الحامية‬
‫لالستقرار واألمن‪ ،‬مما يجعل بقاء الدولة القائمة هو الحل الوحيد للحفاظ على مقدرات المجتمع والناس‪،‬‬
‫رغم أن عامة الناس قد خرجت بالفعل في وجه النظام القائم وسياساته وممارسات دولته‪ .‬مما يعني أن‬
‫الحم لة اإلعالمية للدولة العميقة تحاول ترويج نفس النظام الذي خرج عامة الناس عليه‪ ،‬حتى يقبل الناس‬
‫بقاء سياسات الحكم وبقاء نخبة الدولة المسيطرة على السلطة والنفوذ‪ ،‬في محاولة لحصر ما خرج الناس‬
‫عليه‪ ،‬في رأس هرم السلطة الذي سقط‪.‬‬
‫وتركز الحملة اإلعالمية للدولة العميقة أساسا على القوى الشعبية‪ ،‬خاصة قوى التيار اإلسالمي‪،‬‬
‫وخاصة جماعة اإلخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة باعتبارهما القوى األكثر تنظيما‪ .‬والسبب في‬
‫ذلك‪ ،‬إدراك نخبة الدولة العميقة أن أول ما يهدد سلطتها وهيمنتها على الدولة‪ ،‬هي القوى المنظمة التي‬
‫تحظى بتأييد شع بي‪ .‬كما أن نخبة الدولة تدرك أن أكثر القوى المعارضة للسياسات الدولة القائمة‪،‬‬
‫والمستمرة منذ النظام السابق‪ ،‬هي قوى التيار اإلسالمي‪ ،‬والتي تمثل معارضة حقيقية لسياسات الدولة‬
‫القطرية المتغربة والملتحقة بالقوى الغربية‪.‬‬
‫ولكن الرأي العام رغم قابليته للتأثر بالحمالت اإلعالمية المنظمة‪ ،‬إال أنه متغير وله منطقه‬
‫الخاص‪ .‬ففي كثير من األحداث التي حاولت فيها الدولة العميقة الترويج لنفسها أمام قوى الثورة‪ ،‬خسرت‬
‫الدولة العميقة الكثير من مصداقيتها المفقودة أصال‪ ،‬وأيضا الكثير من مكانتها‪ .‬فقد أثرت العديد من‬
‫األحداث سلبا على إدراك عامة الناس لدور القوات المسلحة‪ ،‬وأثرت أحداث أخرى على ثقة عامة الناس‬
‫في القضاء المصري‪ .‬فأصبح الرأي العام الراغب في االستقرار واألمن بالضرورة‪ ،‬ال يثق في نخبة‬
‫الدولة المدنية والعسكرية‪ ،‬بقدر ما يتجنب المواجهة المباشرة مع مؤسسات الدولة‪ ،‬باعتبار أن بقاء الدولة‬
‫حتمي في النهاية‪ .‬ولكن ذلك القبول لم يتحول إلى تأييد عن قناعة بنخبة الدولة ودورها‪ ،‬بقدر ما هو بعد‬
‫‪3‬‬

‫يونيو ‪2102‬‬

‫الديمقراطية المقيدة‪ ..‬مخطط اجهاض الثورة‬

‫عن مخاطر أكبر قد تؤثر على الحياة اليومية لعامة الناس‪ .‬فيضطر بعض الناس لقبول نخبة الدولة‬
‫وسياستها لبعض الوقت‪.‬‬
‫الثورة والمطالب الفئوية‬
‫ألن جزءا مهما من الثورة تمثل في مطالب فئوية ظهرت قبلها وبعدها واثنائها‪ ،‬لذا حاولت الدولة‬
‫تفريغ طاقة الغضب في جانب المطالب الفئوية‪ ،‬من خالل االستجابة لهذه المطالب بصورة أو أخرى‪،‬‬
‫حتى تبدو الدولة بوصفها الجهة القادرة على تحقيق المطالب‪ ،‬وحتى يتحول جوهر الثورة إلى مطالب‬
‫فئوية‪ ،‬بدون مطالب التغيير واإلصالح الشامل‪ .‬ورغم أن المطالب الفئوية هي في حقيقتها تمثل رغبة في‬
‫التغيير واإلصالح‪ ،‬إال أن محاولة فصل هذه المطالب الفئوية عن مجرى االحتجاج العام‪ ،‬كما كان يحدث‬
‫في ظل نظام مبارك‪ ،‬يعد أسلوبا مهما لتحويل طاقة الغضب للمطالب الفئوية الخاصة‪ ،‬والتي يمكن للدولة‬
‫االستجابة لها‪ ،‬حتى وإن كان من خالل التمويل بالعجز‪ ،‬وتصدير المشكلة لألجيال القادمة‪.‬‬
‫فالدولة العميقة تتحرك من أجل تقديم نفسها باعتبارها السلطة القادرة على تحقيق المطالب‬
‫والقادرة على تحقيق االستقرار واألمن‪ ،‬حتى تبقى الدولة هي المالذ اآلمن لعامة الناس‪ ،‬وليس القوى‬
‫السياسية‪ .‬وتتحول مطالب عامة الناس إلى طلبات يمكن للدولة القيام بها بأي درجة‪ ،‬حتى تتراجع أي‬
‫مطالب بالتغيير واإلصالح والنهوض الشامل‪ .‬وألن الثورة الشعبية كانت خروجا عاما بال مشروع‬
‫سياسي محدد‪ ،‬وألن مطالبها كانت عامة وتتمثل في مطالب الحياة األساسية‪ ،‬لذا أصبحت الدولة العميقة‬
‫تعمل على تفريغ الثورة من أي مشروع للتغيير الحقيقي‪ ،‬حتى تبقى حركة احتجاج على الفساد‬
‫واالستبداد‪ ،‬فيبقى نظام الحكم وسياساته كما هي‪ ،‬ويتم الحفاظ على الدولة القائمة‪ ،‬ونخبتها الحاكمة‪.‬‬
‫الدولة في مواجهة المعارضة‬
‫دخلت الدولة العميقة في العملية السياسية بعد بداية التحول الديمقراطي وعملية تسليم السلطة‬
‫لسلطة مدنية منتخبة‪ ،‬بوصفها تمثل قوة سياسية في مواجهة القوى السياسية األخرى‪ ،‬خاصة قوى‬
‫وأحزاب التيار اإلسالمي‪ .‬وفي محاولة لجعل الدولة طرفا في العملية السياسية‪ ،‬بدأت الدولة العميقة تقدم‬
‫ن خبة الدولة بوصفها المحافظة على الدولة ومقدراتها في وجه القوى السياسية التي تريد الحد من سلطة‬
‫الدولة‪ .‬وكأن القوى السياسية أصبحت متهمة بأنها تريد الحد من سلطة الدولة‪ ،‬رغم أن ممارسة عملية‬
‫التداول السلمي للسلطة تؤدي إلى تغيير السلطة السياسية ولكنها ال تحد من دور مؤسسة الدولة‪ .‬ولكن‬
‫الحقيقة أن نخبة الدولة القائمة‪ ،‬والموروثة كما هي من النظام السابق‪ ،‬هي التي مارست السلطة السياسية‬
‫الفعلية في عهد النظام السابق‪ ،‬ثم بعد الثورة‪ .‬مما جعل التحول الديمقراطي الحقيقي ينقل السلطة السياسية‬
‫للقيادة المدنية المنتخبة‪ ،‬ويحرم نخبة الدولة من السلطة التي هيمنت عليها‪.‬‬
‫فأصبحت الدولة العميقة تروج لمسألة الحفاظ على سلطة الدولة‪ ،‬حتى تجعل السلطة السياسية‬
‫المنتخبة غير قادرة على ممارسة سلطة حقيقية‪ ،‬وتجعل الدولة حائزة على سلطة سياسية‪ ،‬رغم أن نخبة‬
‫الدولة غير منتخبة‪ .‬مما يجعل العملية السياسية تبقى وكأنها عملية معارضة للدولة‪ .‬فتصبح القوى‬
‫السياسية في وجه الدولة‪ ،‬وبالتالي تصبح تلك القوى في وجه االستقرار واألمن‪.‬‬
‫وفي تلك العملية تحاول الدولة العميقة تكوين قاعدة شعبية لها‪ ،‬خاصة من جماهير التيار‬
‫اإلسالمي العريض‪ ،‬ولكنها ال تجذب تلك الجماهير إلى الدولة القائمة‪ ،‬بوصفها دولة علمانية ولو جزئيا‬
‫‪4‬‬

‫يونيو ‪2102‬‬

‫الديمقراطية المقيدة‪ ..‬مخطط اجهاض الثورة‬

‫ومعادية للفكرة اإلسالمية ولو جزئيا‪ ،‬ألن ذلك سوف يفقدها التأييد الشعبي‪ ،‬ولكنها تجذب الجماهير لتأييد‬
‫الدولة بوصفها حامية االستقرار واألمن‪ ،‬حتى يبقى للدولة جماهيرية ما‪ ،‬وهو ما لم يتمتع به النظام‬
‫السابق‪ .‬والدولة العميقة ترى أن تشكل تأييد شعبي لها‪ ،‬يمكنها من تقييد العملية الديمقراطية‪ ،‬واستمرارها‬
‫في ممارسة السلطة الفعلية‪ ،‬وجعل سلطة القيادات المدنية المنتخبة محدودة وقليلة التأثير‪ .‬وكأن الدولة‬
‫العميقة أدركت ضمنا أن إعادة إنتاج النظام السابق كما هو لم تعد ممكنة‪ ،‬ولكن يمكن فقط الحفاظ على‬
‫سياسات النظام السابق وطبيعة دولته وهيمنة نخبة الدولة على السلطة‪ ،‬من خالل تأييد شعبي ما‪ .‬مما جعل‬
‫الدولة العميقة تصبح طرفا في العملية السياسية‪ ،‬ولكن ليس بوصفها تيارا أو اتجاها سياسيا‪ ،‬ولكن‬
‫بوصفها القادرة على تحقيق األمن واالستقرار‪.‬‬
‫وتلك العملية تؤدي إلى تشكل تأييد شعبي ‪-‬قد يكون مرحليا ومؤقتا‪ -‬للدولة القائمة وسياساتها‪،‬‬
‫رغم أنها سياسات علمانية ملتحقة بالغرب ومنحازة لتحالف رأس المال‪ ،‬ورغم أن تلك السياسات كانت‬
‫سببا أساسيا في اندالع الثورة‪ .‬مما يعني أن تضليل الرأي العام‪ ،‬يجعل الناس أحيانا تؤيد ما خرجت ضده‪،‬‬
‫حتى تكتشف ما تعرضت له من خديعة‪.‬‬
‫الفجوة بين الدولة العميقة واإلرادة الشعبية‬
‫اتضح أن القوات المسلحة المصرية كانت ترفض الكثير من ممارسات نخبة الحكم خاصة في‬
‫العقد السابق على الثورة‪ ،‬خاصة ما حدث من فساد مستشري ومن محاولة لتوريث الحكم‪ .‬كما أن القضاء‬
‫اإلداري بدأ في إصدار أحكام تبطل عقود الدولة مع الشركات االستثمارية ‪-‬سواء في تخصيص األراضي‬
‫أو بيع شركات القطاع العام‪ -‬قبل الثورة‪ ،‬وهو ما استمر بعد الثورة أيضا‪ .‬وانحازت القوات المسلحة‬
‫لمطالب الشعب بإسقاط النظام‪ ،‬حتى تنحى رئيس الدولة‪ ،‬وقامت القوات المسلحة بحل مجلسي الشعب‬
‫والشور ى‪ .‬كما قام القضاء اإلداري بحل الحزب الوطني وحل المجالس المحلية‪ ،‬وأيضا ابطال العديد من‬
‫العقود التي أبرمتها الدولة‪ .‬مما مثل مرحلة تالقت فيها اإلرادة الشعبية المطالبة بتغيير النظام‪ ،‬مع إرادة‬
‫من جانب نخبة الدولة‪ ،‬خاصة نخبتها العسكرية والقضائية إلحداث تغيير في النظام‪ .‬ولكن المشكلة‬
‫ظهرت بعد ذلك في الفجوة الحادثة بين فهم كل طرف لتغيير النظام‪ .‬فنخبة الدولة كانت تعمل لتغيير رأس‬
‫الهرم الحاكم‪ ،‬واإلرادة الشعبية خرجت على مجمل النظام الحاكم‪ ،‬بكل سياساته وطبيعته‪.‬‬
‫وتجلت تلك المشكلة عندما لم تظهر تركيبة سياسية في االنتخابات البرلمانية يمكن أن تحافظ على‬
‫سياسات الحكم القائمة‪ ،‬وأدركت نخبة الدولة أن الخيارات الشعبية قد تؤدي إلى تغيير هيكلي في نظام‬
‫الحكم والسياسات القائمة‪ ،‬وبالتالي في طبيعة الدولة القائمة‪ .‬وهنا تغير موقف نخبة الدولة‪ ،‬العسكرية‬
‫والقضائية على وجه الخصوص‪ ،‬وبدأت مرحلة كبح عملية التغيير الناتجة عن االنتخابات الحرة‪ ،‬حتى ال‬
‫تصل لمرحلة تغيير النظام السياسي القائم‪ .‬فعملت القوات المسلحة على التدخل في عملية وضع الدستور‬
‫الجديد‪ ،‬وساندها القضاء اإلداري بحل الجمعية التأسيسية‪ ،‬والتي لم يكن للنخبة العسكرية والمدنية للدولة‬
‫السيطرة الكافية عليها‪.‬‬
‫ومعنى ذلك‪ ،‬أن الصدام الناتج بين نخبة الدولة واإلرادة الشعبية‪ ،‬نتج من اختالف الخيار السياسي‬
‫لنخبة الدولة عن خيارات اإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬وعدم وجود قوى سياسية لها تأييد شعبي واسع‪ ،‬يمكن أن‬
‫تمثل نخبة الدولة‪ ،‬وتحافظ على سياسات الحكم القائمة‪ .‬لهذا انتهت مرحلة التوافق بين نخبة الدولة والثورة‬
‫سريعا‪ ،‬حيث ظهر التعارض بين ما يمكن أن تنتجه الثورة‪ ،‬وما تريده نخبة الدولة‪ .‬وبدأت مرحلة‬
‫‪5‬‬

‫يونيو ‪2102‬‬

‫الديمقراطية المقيدة‪ ..‬مخطط اجهاض الثورة‬

‫التخطيط للسيطرة على مسار الثورة‪ ،‬من قبل نخبة الدولة‪ ،‬مستخدمة في ذلك ما لها من سيطرة وسلطة‬
‫حقيقية على مفاصل الدولة‪ ،‬ومقدرات الوطن‪.‬‬
‫لهذا لم تكن القوات المسلحة المصرية بالضرورة ضد الثورة‪ ،‬ولكنها تحركت على اعتبار أن‬
‫الثورة قامت ضد الفساد واالستبداد‪ ،‬ولم تقم ضد النظام السياسي القائم نفسه‪ ،‬وتحرك القضاء المصري‬
‫بشقيه اإلداري والدستوري بنفس المنطق‪ .‬حتى بات من الواضح أن سياسات الحكم القائمة‪ ،‬ليس لها قدرا‬
‫من الشعبية الكافية لبقائها مع عملية التحول الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة‪.‬‬
‫فالمشكلة الجوهرية في الثورة المصرية‪ ،‬أن سياسات الحكم وطبيعة النظام السياسي القائم‪،‬‬
‫تشكلت بعيدا عن اإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬لذا لم تكن تعبيرا عن خيارات عامة الناس‪ ،‬بقدر ما كانت تعبيرا‬
‫عن خيارات السلطة والنخبة‪ ،‬فأصبحت تلك الخيارات مهددة بالتغيير‪ ،‬بقدر ما يصبح االختيار لعامة‬
‫الناس‪ ،‬وليس للسلطة والنخبة‪ .‬وسياسات الحكم المتمثلة في الدولة القطرية المتحالفة مع الغرب والتي تتبع‬
‫النموذج الغربي‪ ،‬ليس لها قاعدة جماهيرية واسعة‪ ،‬لذا لم يعد لتلك السياسات القاعدة الكافية لبقائها في ظل‬
‫التحول الديمقراطي‪ .‬وهنا بدأت الدولة في تعضيد التوجه المؤيد لسياساتها‪ ،‬حتى يكون له ثقل أكبر‪ ،‬من‬
‫خالل قوة ونفوذ وامكانيات الدولة‪ .‬وهو ما يعني ضمنا عرقلة التحول الديمقراطي الحر‪ ،‬وجعله تحوال‬
‫ديمقراطيا مقيدا أو شكليا‪.‬‬
‫خطة الدولة العميقة للحكم‬
‫بعد الثورة أصبح الحكم الفعلي للدولة العميقة‪ ،‬بعد سقوط رأس هرم السلطة‪ .‬ومن هنا بدأت الدولة‬
‫العميقة لترتيب أوراقها‪ ،‬حتى تظل السلطة الحقيقية في البالد‪ ،‬أيا كانت نتائج االنتخابات‪ .‬وحتى يتحقق‬
‫للدولة العميقة القدرة على ممارسة السلطة السياسية والحفاظ عليها‪ ،‬اتجهت إلى تعضيد دور مؤسسات‬
‫الدولة األساسية حتى يتمدد دورها داخل المجال السياسي‪ ،‬فال يصبح دور تلك المؤسسات إداري أو‬
‫قضائي فقط‪ ،‬بل يصبح دورها سياسيا‪ ،‬ويكون لها القدرة على توجيه مسار العملية السياسية وما ينتج عنها‬
‫من سياسات وتشريعات‪.‬‬
‫ومن خالل مؤسسات الدولة‪ ،‬بدأت الدولة العميقة عملية السيطرة على المجال السياسي‪ ،‬من خالل‬
‫القوات المسلحة والقضاء اإلداري والدستوري وأيضا مؤسسة األزهر‪ .‬وتلك التركيبة المؤسسية تكشف‬
‫استراتيجية عمل الدولة العميقة حتى تصبح هي الحاكم الفعلي لمصر‪ .‬فالقوات المسلحة اعتبرت أن‬
‫مساندتها للثورة يعطي لها دورا سياسيا مباشرا‪ ،‬وعليها ممارسته في المستقبل‪ ،‬حتى تكبح أي تصرف‬
‫سياسي تراه يخرج عن سياسات الحكم القائمة‪ .‬مستخدمة عناوين ومبررات مختلفة‪ ،‬منها الحفاظ على‬
‫سالمة الوطن ووحدته وتوازنه‪ ،‬وغيرها‪ .‬وحتى تقوم القوات المسلحة بذلك‪ ،‬أرادت تحصين دورها‬
‫السياسي دستوريا‪ ،‬وفي نفس الوقت اعتبرت أن دورها السياسي النابع من تأييدها للثورة هو واجب عليها‪،‬‬
‫مما يجعله حقا لها‪.‬‬
‫أما مؤسسة القضاء اإلداري والدستوري‪ ،‬فبدأت مباشرة بعد الثورة في تمديد التفسير السياسي‬
‫للقوانين‪ ،‬مما مكنها من تلبية مطالب ثورية‪ ،‬وفي نفس الوقت أعطى لها حق مفترض للقيام بدور قانوني‬
‫سياسي‪ ،‬ينظم عمل السلطات المنتخبة‪ ،‬سواء السلطة التنفيذية أو التشريعية‪ .‬وهو ما يمكن القضاء اإلداري‬
‫والدستوري من محاصرة دور السلطة التشريعية أساسا‪ ،‬حتى تعمل في ظل الحفاظ على الدولة القائمة‬
‫‪6‬‬

‫يونيو ‪2102‬‬

‫الديمقراطية المقيدة‪ ..‬مخطط اجهاض الثورة‬

‫وسياسات الحكم القائمة دون تغيير‪ .‬في حين أن القوات المسلحة بحكم أنها النواة الصلبة للدولة‪ ،‬يمكنها‬
‫تحجيم القيادة المنتخبة للسلطة التنفيذية‪ ،‬إن لم تكن منها وتابعة لها‪.‬‬
‫وألن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التنفيذية والتشريعية‪ ،‬لذا يمكن تحصين تلك االستقاللية‬
‫للدرجة التي تجعل للسلطة القضائية دور سياسي محصن‪ ،‬وهي في النهاية سلطة غير منتخبة‪ .‬ورغم ذلك‬
‫يمكن لتمدد دورها القانوني ذو األبعاد السياسية‪ ،‬أن يمكنها من السيطرة على السلطة المنتخبة أو الحد من‬
‫دورها‪ .‬وهو ما أتضح سريعا من تحويل العديد من الموضوعات السياسية إلى قضايا قانونية تحكم فيها‬
‫السلطة القضائية‪ ،‬فأصبحت السلطة القضائية تتدخل في عملية تشكيل اللجنة التأسيسية لوضع الدستور‪،‬‬
‫وتؤثر على االنتخابات الرئاسية عندما أوقفت مادة العزل السياسي المؤقت في قانون مباشرة الحقوق‬
‫السياسية‪ ،‬وتؤثر على االنتخابات البرلمانية من خالل فهم قانوني يجعل النظام السياسي قائم على‬
‫المستقلين واألحزاب‪ ،‬رغم أن التداول السلمي للسلطة يشترط دور جوهري لألحزاب على حساب‬
‫المستقلين‪.‬‬
‫ولم تكن مؤسسة األزهر بعيدة عن دور الدولة العميقة‪ ،‬بل أنها اتجهت إلى تأسيس األزهر‬
‫باعتباره مؤسسة مستقلة من مؤسسات الدولة‪ ،‬مثل السلطة القضائية‪ ،‬حتى يكتسب األزهر مصداقية لدى‬
‫عامة الناس‪ .‬واتجهت قيادات األزهر النافذة لتأسيس دور لألزهر يجعله يمثل المرجعية اإلسالمية‬
‫المؤسسية‪ ،‬وكأنه بهذا يجعل المرجعية اإلسالمية مؤسسية‪ ،‬ويحوزها حصريا‪ ،‬رغم أن المرجعية‬
‫اإلسالمية هي مرجعية األمة‪ ،‬وال يمكن حصرها في مؤسسة‪ ،‬وليس لها مالك حصري إال األمة نفسها‪.‬‬
‫كما أن األزهر مؤسسة علمية وتعليمية‪ ،‬لها مكانتها الكبيرة التي حازتها باعتبارها مؤسسة الرأي الديني‪،‬‬
‫والتي يكتسب رأيها دورا مهما من خالل استقالله الكامل عن الدولة‪ ،‬ومن خالل انحيازه الكامل إلى‬
‫األمة‪ ،‬ومن خالل قدرته على التأثير على الرأي العام‪ .‬ولكن لم يكن األزهر يملك سلطة دينية‪ ،‬وتحويله‬
‫إلى المرجعية الرسمية‪ ،‬يجعله صاحب الكلمة األخيرة في كل ما يتعلق بالشريعة اإلسالمية‪ ،‬مما يجعل له‬
‫القدرة على التأثير على السلطة التشريعية‪ ،‬من خالل فرض رأيه عليها مباشرة‪ ،‬أو من خالل المحكمة‬
‫الدستورية‪ ،‬حتى ال تطبق الشريعة اإلسالمية‪ ،‬إال وفقا لما يوافق عليه األزهر‪ .‬وهو ما يجعله سلطة دينية‪،‬‬
‫لم يعرف لها التاريخ اإلسالمي سابقة‪ ،‬حتى في تاريخ األزهر نفسه‪ .‬وهو ما يجعل األزهر مندمجا مع‬
‫سلطة الدولة العميقة‪ ،‬بما يهدد أي مصداقية يحاول أن يبنيها لنفسه بعد أن سيطرت عليه الدولة بالكامل في‬
‫ظل النظام السابق‪ .‬فاستقالل مؤسسة األزهر‪ ،‬يعني أساسا استقاللها عن الدولة‪ ،‬وليس عن األمة‪ ،‬بحيث‬
‫تصبح مع األمة في مواجهة الدولة‪ ،‬أما أن تكون مؤسسة األزهر من مؤسسات الدولة التي لها استقالل‪،‬‬
‫مثل مؤسسة القضاء‪ ،‬فإن هذا يجعل مؤسسة األزهر مع الدولة في مواجهة األمة‪.‬‬
‫وبهذا تتشكل مؤسسات السلطة العسكرية والقضائية والدينية داخل مؤسسات الدولة‪ ،‬بالصورة‬
‫التي ت جعلها تفرغ السلطة المدنية المنتخبة من سلطاتها الفعلية‪ ،‬بحيث تحكم الدولة العميقة في الواقع‪،‬‬
‫وتصبح السلطة المنتخبة منزوعة الصالحية‪ .‬وبهذا يناط باألزهر كبح حركات التيار اإلسالمي‪ ،‬ويناط‬
‫بالقضاء اإلداري والدستوري كبح السلطة التشريعية‪ ،‬ويناط بالقضاء اإلداري والمؤسسة العسكرية كبح‬
‫السلطة التنفيذية المنتخبة‪ ،‬مما يمكن الدولة العميقة من حماية سياسات الحكم القائمة‪ ،‬والمحافظة على‬
‫النظام السياسي الذي كان قائما قبل الثورة‪ .‬ويأتي ذلك تحت عنوان الحفاظ على األمن القومي المصري‬
‫والحفاظ على مصالح مصر في المنطقة‪ ،‬والتي تعني استمرار التبعية للدول الغربية‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫يونيو ‪2102‬‬

‫الديمقراطية المقيدة‪ ..‬مخطط اجهاض الثورة‬

‫لهذا ظهر اتجاه ألن تسيطر القوات المسلحة على التشريعيات الخاصة بها‪ ،‬ويسيطر القضاء على‬
‫التشريعات الخاصة به‪ ،‬ويسيطر األزهر على التشريع الخاص به‪ ،‬سواء من خالل حصانة دستورية‪ ،‬أو‬
‫كواقع عملي يفرض من خالل قدرة مؤسسات الدولة على ردع أي سلطة منتخبة‪ ،‬ألنها تسيطر فعليا على‬
‫مقدرات الدولة والمجتمع‪.‬‬
‫وحتى تتمكن تلك المؤسسات من حماية الدولة العميقة وسياسات النظام القائم‪ ،‬تحتاج للحفاظ على‬
‫نخبة الدولة القائمة‪ ،‬وتمنع دخول أي عناصر جديدة فيها لها توجهات مختلفة‪ ،‬أو متمسكة بمبدأ أن الشعب‬
‫هو مصدر السلط ات‪ ،‬وتؤمن بحق اإلرادة الشعبية الحرة في االختيار‪ .‬وغلق أبواب نخبة الدولة أمام أي‬
‫عناصر جديدة‪ ،‬ال يمكن أن يتحقق إال من خالل إجراءات خارج إطار القانون‪ .‬كما أن بقاء االنتخابات‬
‫الحرة مع نظام ديمقراطي مقيد‪ ،‬ال تتمكن فيه القيادات المنتخبة من التمتع بصالحياتها‪ ،‬ال يمكن أن يستمر‬
‫إال بخرق للقواعد القانونية‪.‬‬
‫تلك هي المشكلة األساسية التي تواجه الدولة العميقة‪ ،‬فكيف تبقى حاكمة في ظل نظام ديمقراطي‬
‫حقيقي ودون خروقات للقانون تعيد االستبداد من جديد‪ ،‬وقد تعيد الفساد معه‪ ،‬ألنه من لوازم االستبداد؟‬
‫الذرائع‬
‫هناك سلسلة من الذرا ئع التي يروج لها‪ ،‬حتى تصبح غطاء لتصرفات الدولة العميقة‪ .‬وتبدأ تلك‬
‫الذرائع بتأكيد دور المستقلين في الحياة السياسية‪ ،‬حتى يتم تعظيم دورهم على دور األحزاب‪ ،‬حتى تنتج‬
‫الدولة العميقة حزبا أو أحزاب قوية تعبر عنها‪ .‬فالمحكمة الدستورية تنحاز لرأي حرفي في مسألة‬
‫المساواة وتكافؤ الفرص‪ ،‬يجعلها ترفض أي نظام انتخابي يعطي أفضلية لألحزاب على المستقلين‪ ،‬وهو‬
‫ما يجعل للمستقلين حضورا في السلطة التشريعية‪ ،‬يؤدي إلى تفتيت الكتل المكون منها البرلمان‪ ،‬وهو ما‬
‫يسمح بالسيطرة عليه‪ ،‬وبناء تحالفات مع المستقلين من قبل الدولة العميقة‪ ،‬تعيق الكتل الحزبية عن القيام‬
‫بدورها‪ .‬كما يؤدي بروز دور المستقلين سياسيا لمنع تشكل تحالفات حزبية حاكمة‪ ،‬مما يجعل سلطة الحكم‬
‫مفتتة‪ ،‬حتى ال تصبح تلك السلطة مدعومة من مؤسسات حزبية قوية‪ ،‬قادرة على مواجهة الدولة العميقة‪.‬‬
‫ومسألة المساواة بين المستقلين والحزبيين التي تتبناها المحكمة الدستورية‪ ،‬ترتبط بسياسات حكم ال تقوم‬
‫على التداول السلمي للسلطة‪ ،‬والذي يحدث أساسا بين األحزاب‪ ،‬وليس بين المستقلين‪ ،‬ويتحقق أساسا من‬
‫خالل اتاحة الفرصة لألحزاب للحصول على األغلبية البرلمانية‪ ،‬وليس من خالل تفتيت مكونات‬
‫البرلمان‪.‬‬
‫يتواكب مع ذلك الترويج لفكرة المرشح الرئاسي المستقل‪ ،‬واعتبار المرشح الحزبي للرئاسة غير‬
‫مستقل‪ ،‬وكأنه يقع تحت سيطرة حزب‪ ،‬مما يجعله غير مناسب لتولي منصب الرئيس‪ ،‬ألنه يدار من‬
‫الخارج‪ .‬ويروج ذلك خاصة مع مرشح ينتمي لحزب يعبر عن حركة إسالمية‪ ،‬خاصة جماعة اإلخوان‬
‫المسلمين‪ .‬وكأن المرشح الذي ينتمي لمؤسسة غير مستقل‪ ،‬وسيكون منحازا لتلك المؤسسة وليس للوطن‪،‬‬
‫رغم أن أغلب الرؤساء في الدول الديمقراطية هم من مرشحي األحزاب‪ .‬والمقصود من هذا‪ ،‬دفع الناس‬
‫لتأييد المرشح المستقل‪ ،‬حتى ال يكون له مؤسسة تسانده شعبيا‪ ،‬بل تؤيده أصوات غير منظمة‪ ،‬وليس لها‬
‫القدرة على دعمه شعبيا في مواجهة الدولة العميقة‪ ،‬فيقع تحت سيطرة نخبة الدولة‪ ،‬ويصبح واجهة فقط‬
‫دون صالحيات حقيقية‪ ،‬وتظل السلطة في يد الدولة العميقة‪.‬‬
‫‪8‬‬

‫يونيو ‪2102‬‬

‫الديمقراطية المقيدة‪ ..‬مخطط اجهاض الثورة‬

‫كما أن الترويج لفكرة المرشح الرئاسي المستقل‪ ،‬تسمح للدولة العميقة أن يكون لها مرشحها‪،‬‬
‫حتى يأتي من يعبر عنها وينتمي لها‪ .‬ويتم الترويج لهذا المرشح بوصفه رجل الدولة القادر على تحقيق‬
‫االستقرار واألمن‪ ،‬ألنه أبن للدولة‪ ،‬وقادر على تحريك الدولة لصالح الناس‪ .‬بهذا يأتي المرشح الذي‬
‫يحمي سلطة الدولة العميقة‪ ،‬ويكرس هيمنتها على مقاليد البالد‪ .‬كما أن الترويج لفكرة المرشح المستقل‪،‬‬
‫تحد من التصويت للمرشحين في الرئاسة على أساس االنتماء الحزبي والفكري‪ ،‬مما يحد من دور‬
‫التيارات السياسية في االنتخابات الرئاسية‪ ،‬وهو الدور الذي يظهر واضحا في االنتخابات البرلمانية‪ .‬مما‬
‫يعني أن نخبة الدولة تحاول حصر دور األحزاب في االنتخابات البرلمانية‪ ،‬ثم حصار دورها البرلماني‬
‫من خالل القضاء اإلداري والدستوري ومن خالل دور األزهر‪ .‬بحيث يظل التنافس في االنتخابات‬
‫الرئاسية بين أفراد‪ ،‬مما يمكن الدولة العميقة من انجاح مرشحها‪ ،‬أو السيطرة على المرشح الفائز الفرد‪،‬‬
‫إن لم يكن مرشحها‪ .‬وعندما ينجح مرشح لحزب سياسي‪ ،‬خاصة من التيار اإلسالمي‪ ،‬تستخدم الدولة‬
‫العميقة أدواتها األخرى‪ ،‬للسيطرة على السلطة الفعلية‪ ،‬وحصار الرئيس المنتخب‪ ،‬حتى ال يستطيع تحقيق‬
‫برنامجه‪.‬‬
‫ومن الواضح أن الدولة العميقة تراهن على المال واإلعالم واألدوات األخرى في االنتخابات‬
‫الرئاسية‪ ،‬لذا تميل إلى تعميق النظام الرئاسي ومنع تغييره‪ ،‬أو جعل أي تغيير فيه غير فاعل‪ ،‬حتى تظل‬
‫لها القدرة على التأثير على من ينتخب في منصب رئيس الجمهورية‪ ،‬وتظل لها القدرة على السيطرة على‬
‫سلطة مؤسسة الرئاسة‪.‬‬
‫وهنا تستخدم مقولة استقالل الدولة عن األحزاب‪ ،‬ومنع التعيين على أساس حزبي‪ ،‬ليس لتحقيق‬
‫مؤسسية الدولة بوصفها جهازا إداريا غير حزبي وغير مسيس‪ ،‬ولكن للحفاظ على نخبة الدولة من أي‬
‫اختراق يحدث لها من أفراد ال ينتمون لفكر نخبة الدولة‪ ،‬وال يوافقون على فرض سياسات حكم النظام‬
‫السابق‪ ،‬ولمنع اإلرادة الشعبية الحرة من اختيار السياسات التي تعبر عنها‪ .‬ويتم ذلك من خالل تشويه‬
‫ضمني لألحزاب والترويج لفكرة الحزبية‪ ،‬بوصفها صفة سلبية‪ ،‬وهو ما قامت به كل األنظمة المستبدة‪.‬‬
‫ألن تشويه العمل الحزبي‪ ،‬يؤدي إلى نزوع عامة الناس لخيارات الدولة‪ ،‬وهو ما يمكن الدولة من السيطرة‬
‫على السلطة‪ ،‬وربما على المجتمع أيضا‪ .‬ولكن ذلك إذا بدأ بشكل ديمقراطي نسبيا‪ ،‬ينتهي في صورة‬
‫مستبدة‪ ،‬وربما فاسدة أيضا‪.‬‬
‫ولعل ما حدث مع تشكيل اللجنة التأسيسية لوضع الدستور يمثل نموذج دال‪ ،‬فتحت عناوين مثل‬
‫عدم سيطرة فصيل أو تيار أو حزب‪ ،‬تم الضغط من أجل تشكيل لجنة مقسمة ومفككة‪ ،‬حتى تتحول إلى‬
‫مجموعة من األفراد‪ ،‬دون أن تتشكل من كتل معبرة عن التكتالت المجتمعية الموجودة على أرض الواقع‪،‬‬
‫وهو ما يتيح السيطرة عليها‪ .‬ويالحظ انخراط األزهر في هذه العملية‪ ،‬مما جعله من القوى التي فككت‬
‫اللجنة التأسيسية األولى‪ ،‬بل وحاول أن يشكل لجنة تحت رعايته‪ ،‬كما حاول أن يكون المرجعية المعتمدة‬
‫لوضع الدستور الجديد‪ .‬ويالحظ أن بعض مفردات خطاب األزهر‪ ،‬تريد أن تجعله المسيطر الوحيد على‬
‫المادة الثانية الخاصة بإسالمية الدولة ومرجعية مبادئ الشريعة اإلسالمية‪ ،‬مما يجعله متدخال في العملية‬
‫التشريعية‪.‬‬
‫وبهذا يتم تمديد دور األزهر حتى يكون المرجعية الوحيدة التي توافق على أي تطبيق للشريعة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬ليس فقط من خالل معيار االتفاق واالختالف مع الشريعة‪ ،‬ولكن من خالل معيار المالئمة‬
‫والظروف‪ ،‬وهو ما يسمح لألزهر مثال باالعتراض على قوانين تتفق مع الشريعة اإلسالمية على أساس‬
‫‪9‬‬

‫يونيو ‪2102‬‬

‫الديمقراطية المقيدة‪ ..‬مخطط اجهاض الثورة‬

‫أن توقيتها غير مالئم‪ ،‬بحيث ترفض من المحكمة الدستورية وكأنها غير متوافقة مع الدستور‪ ،‬من خالل‬
‫اعتماد المحكمة لرأي األزهر‪ .‬وهو ما يكمل استراتيجية حصار القيادة المنتخبة‪ ،‬سواء في السلطة‬
‫التنفيذية أو التشريعية‪ ،‬حتى ال يحدث التمدد الطبيعي للسلطة المنتخبة‪ ،‬مما يجعلها تتمتع بكامل‬
‫الصالحيات التي انتخبت على أساسها‪.‬‬
‫فالحصار المزدوج للقيادة المنتخبة في السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية معا‪ ،‬هو الذي يمكن‬
‫الدولة العميقة من حماية هيمنتها على مقاليد األمور‪ ،‬حتى ال تفقد سلطتها تدريجيا‪.‬‬
‫ويمكن للدولة العميقة في مصر أن تعمل من خالل حزب‪ ،‬يصبح الواجهة السياسية لها‪ ،‬ويخوض‬
‫االنتخابات بمساندة الدولة العميقة‪ .‬وفي كل األحوال سوف تكون ماكينة هذا الحزب األساسية هي الدولة‬
‫نفسها وامكانياتها‪ .‬وإذا نجحت الدولة العميقة في الترويج لحزب‪ ،‬ال ينظر له على أنه امتداد للحزب‬
‫الوطني المنحل‪ ،‬فإ نها سوف تتوقف عن الترويج لفكرة المرشح المستقل‪ .‬وربما تتغير بعد ذلك فكرة‬
‫السيطرة على المجال السياسي من خالل االعتماد على دور المستقلين في االنتخابات‪.‬‬
‫مسار المواجهة بين الدولة العميقة والثورة‬
‫بمجرد سقوط رأس هرم السلطة في مصر‪ ،‬أصبحت الدولة العميقة تحكم مصر بدون قيادة‬
‫مركزية‪ ،‬معتمدة على طبيعتها الشبكية‪ ،‬والتي تضم مؤسسات الدولة ونخبتها‪ .‬وألن النظام الحاكم قبل‬
‫الثورة اعتمد على شبكة مصالح واسعة‪ ،‬وعلى طبقة حكم ذات عالقات متشابكة‪ ،‬لذا أصبحت الدولة‬
‫العميقة تعتمد أساسا على شبكة المصالح‪ ،‬حتى تنظم حركتها‪ .‬فتحولت الدولة العميقة إلى شبكة متعددة‬
‫المراكز‪ ،‬دون مركز قيادي وحيد‪ ،‬ومارست سلطتها من خالل تلك العالقات الشبكية متعددة المركز‪ .‬وهو‬
‫ما يؤدي ضمنا إلى تعدد مراكز القوة داخل الدولة العميقة‪ ،‬ويحول دون سيطرة طرف واحد على شبكة‬
‫مصالح الدولة العميقة‪ .‬وهذه الطبيعة الشبكية تتيح للدولة العميقة حرية حركة أكبر‪ ،‬ولكنها تضعف قدرتها‬
‫على السيطرة المركزية‪.‬‬
‫وفي كل األحوال‪ ،‬فإن الدولة العميقة امتلكت زمام األمور فور سقوط رأس النظام‪ ،‬وهي بهذا‬
‫بدأت بعد الثورة وهي تحكم بالفعل‪ ،‬وإن أصابها قدر من االرتباك في الفترة األولى بعد سقوط النظام‪ ،‬ثم‬
‫استر دت تماسكها وجددت خططها وأساليبها حتى تناسب المرحلة الجديدة‪ .‬مما يعني أن الدولة العميقة بعد‬
‫الثورة‪ ،‬كانت مسيطرة بالكامل‪ ،‬واتجهت نحو الحفاظ على تلك السيطرة‪ ،‬واكسابها غطاء دستوريا‬
‫وقانونيا كلما أمكن ذلك‪ .‬وينتج عن ذلك استمرار الدولة العميقة في السيطرة على مقاليد الحكم‪ ،‬أو تراجع‬
‫دورها مع مرور الوقت‪ ،‬حتى تأتي مرحلة تحول موقف نخبة الدولة‪ ،‬وتجاوبها مع التغيير واإلصالح‬
‫الذي يريده عامة الناس‪.‬‬
‫وتتباين قدرة الدولة العميقة على فرض سلطتها‪ ،‬فقد تفشل بعض أطراف الدولة في القيام بدور‬
‫مسيطر على مجريات األمور‪ ،‬خاصة مؤسسة األزهر‪ ،‬التي ربما تجد أن استمرار التصاقها بالدولة سوف‬
‫يفقدها المصداقية التي تحاول استعادتها‪ ،‬مما يخرج مؤسسة األزهر من تحالف الدولة العميقة‪ .‬ألن أي‬
‫مؤسسة تحاول التمدد على السلطة المدنية المنتخبة سوف يعوزها في النهاية قدر من الرضى عن دورها‬
‫من عامة الناس‪ ،‬وإال سوف تبدو تلك المؤسسة وكأنها تعمل على ضد مصلحة عامة الناس‪ ،‬وضد الثورة‬
‫الشعبية‪ .‬وكلما فقدت مؤسسة قدرتها على الفوز برضى ما من عامة الناس‪ ،‬تقلص دورها وقدرتها على‬
‫التمدد على السلطات األخرى‪ ،‬خاصة تلك السلطات المدنية المنتخبة‪ .‬فإذا لم تستطع مؤسسة األزهر تأكيد‬
‫‪01‬‬

‫يونيو ‪2102‬‬

‫الديمقراطية المقيدة‪ ..‬مخطط اجهاض الثورة‬

‫تأثير ها على الرأي العام‪ ،‬سوف يقل بالطبع قدرتها على التمدد على المرجعية اإلسالمية‪ ،‬ومحاولة فرض‬
‫هيمنة حصرية عليها‪.‬‬
‫ونفس ما يواجه مؤسسة األزهر‪ ،‬يواجه أيضا السلطة القضائية‪ ،‬والتي ال تستطيع التمدد في‬
‫دورها السياسي في الجانب اإلداري والدستوري‪ ،‬إال من خالل وجود رضى عام عن دورها من عامة‬
‫الناس‪ .‬والمالحظ أن رفض عامة الناس لمحاكمات قتلة الثوار‪ ،‬أثرت سلبا على دور السلطة القضائية‪.‬‬
‫ورغم أن بعض أطراف السلطة القضائية دخلت في مواجهة مع البرلمان‪ ،‬على أساس أنه تعدى عليها‪ ،‬إال‬
‫أن تلك المواجهات يمكن أن تكون متوقعة في ظل المرحلة االنتقالية‪ .‬ولكن عندما تتمكن سلطة من عرقلة‬
‫سلطة أخرى‪ ،‬وهو ما حدث من أحكام قضائية عرقلت سلطة البرلمان‪ ،‬يؤدي ذلك إلى نتائج تؤثر على‬
‫عامة الناس أو على الحالة السياسية‪ .‬وهذه المواجهات في النهاية سوف يحكمها موقف الرأي العام‪ ،‬لذا‬
‫تحتاج كل األطراف لتبرير مواقفها للرأي العام‪ ،‬ولكسب شرعية لما تقوم به‪.‬‬
‫وفي المقابل سنجد أن القوات المسلحة لها دور مختلف‪ ،‬ألنها النواة الصلبة للدولة‪ ،‬مما يمكنها من‬
‫التأثير على سياسات الدولة‪ ،‬تحت عنوان األمن القومي‪ .‬ومع هذا فإن المؤسسة العسكرية نفسها‪ ،‬سوف‬
‫تحتاج لرأي عام مساند من أجل الحفاظ على مكانتها‪.‬‬
‫مما يعني أن التدافع بين المؤسسات المختلفة‪ ،‬وبين الدولة العميقة والسلطة المنتخبة‪ ،‬يقوم أساسا‬
‫على ا لرهان على كسب الرأي العام‪ ،‬أو على قبول الرأي العام لما يحدث‪ ،‬أو تجاهله لما يحدث‪.‬‬
‫فالمظاهرات الغاضبة التي خرجت في وجه المؤسسة العسكرية‪ ،‬وفي وجه السلطة القضائية‪ ،‬والرأي‬
‫العام الذي أدان العديد من مؤسسات الدولة العميقة واعتبرها تهدر ثورته‪ ،‬مثل في الواقع عملية ردع‬
‫شعبي في مواجهة الدولة العميقة‪ ،‬جعلها تشن حمالت إعالمية منظمة ومنهجية حتى تكسب الرأي العام أو‬
‫تضلله إذا تطلب األمر‪.‬‬
‫لذلك فالمعركة بين الدولة العميقة والقوى الشعبية‪ ،‬تدور في الواقع حول اإلرادة الشعبية الحرة‪،‬‬
‫وهو ما يعني أن مسار هذه المعركة يتوقف على قوة اإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬وقدرتها على االستمرار في‬
‫الزخم الثوري‪ ،‬وقدرتها على ترشيد خياراتها االنتخابية‪ ،‬بحيث تدافع عن حريتها‪ ،‬وعن حقها في أن تكون‬
‫مصدر السلطات‪ .‬وفي اللحظات التي سوف يستسلم فيها الوعي الجمعي لشعارات االستقرار واألمن‪،‬‬
‫سنجد تمدد واضح للدولة العميقة‪ ،‬لن يردعه إال إفاقة شعبية تقف أمام أي محاولة لسلب حرية عامة‬
‫الناس‪ ،‬وحقهم في اختيار الحياة التي يريدونها‪.‬‬
‫وبقدر إدراك مؤسسات الدولة العميقة أن دورها لن يستمر مع تجاهلها لخيارات عامة الناس‪،‬‬
‫بقدر ما يحدث داخل هذه المؤسسات من تحوالت يمكن أن تقرب المسافة الفاصلة بين خيارات الدولة‬
‫العميقة وخيارات عامة الناس‪ .‬فعامة الناس لن تقبل هيبة لقانون ال يحقق مطالبها ويلبي احتياجاتها‪ ،‬وال‬
‫يعرقل حياتها‪ .‬فعامة الناس مثال لن تقبل تفسيرات قانونية تعقد العملية السياسية وتلغي االنتخابات‪،‬‬
‫بصورة تبدو لهم بال معنى‪ .‬وعامة الناس لن تفهم تلك التعقيدات القانونية التي توقف كل شيء العتبارات‬
‫يراها عامة الناس فذلكة قانونية‪.‬‬
‫فال هيبة لطرف ما أو دور‪ ،‬إال بقدر ما يستطيع أن يناله من قبول عام‪ .‬ألن كل سلطة تقوم بدون‬
‫رضى شعبي عنها‪ ،‬سوف تتحول إلى سلطة مستبدة‪ ،‬وكل استبداد ينتج فسادا‪ .‬وال يمكن أن يعاد بناء‬
‫النظام السابق بكل استبداده وفساده‪ ،‬إال إذا دخل عامة الناس في غيبوبة تاريخية‪ ،‬تبدو صعبة أو مستحيلة‬
‫‪00‬‬

‫يونيو ‪2102‬‬

‫الديمقراطية المقيدة‪ ..‬مخطط اجهاض الثورة‬

‫بعد الثورة‪ .‬لذا فإن المواجهة بين السلطة المنتخبة والقوى الشعبية من جانب وبين الدولة العميقة من‬
‫الجانب اآلخر‪ ،‬هي مواجهة على كسب الرأي العام‪ ،‬وعندما يعرف الرأي العام خياراته الحقيقية ويقاوم‬
‫أي محاولة لتشويه وعيه‪ ،‬عندئذ يصبح عامال فاعال في معادلة الصراع بين القوى الشعبية والدولة‬
‫العميقة‪.‬‬
‫المخاطر‬
‫في اللحظة التي تسيطر فيها الدولة العميقة بالكامل على العملية السياسية والسلطة‪ ،‬تصبح الثورة‬
‫في خطر‪ ،‬إال إذا حدثت إفاقة جماعية بين عامة الناس لمواجهة ما حدث للثورة‪ .‬وفي اللحظة التي ينقلب‬
‫فيها عامة الناس على القوى الشعبية التي تحمي الثورة‪ ،‬تحت تأثير إعالم الدولة العميقة‪ ،‬تصبح الثورة‬
‫مهددة إذا لم يدرك عامة الناس ما وقع لهم من تضليل‪ .‬وكلما تأخر الرد الشعبي الحاسم تجاه سيطرة الدولة‬
‫العميقة‪ ،‬أصبحت الثورة مهددة بدخول الناس في مرحلة صمت ولو مؤقت‪ ،‬تعقد عملية استعادة الثورة‬
‫لمسارها‪.‬‬
‫والمشكلة الجوهرية بين نخبة الدولة العميقة والثورة‪ ،‬تتمثل في أن نخبة الدولة العميقة تريد‬
‫الحفاظ على كل مزاياها وسلطاتها‪ ،‬وهو أمر يتعارض مع قواعد الدولة الديمقراطية القانونية‪ .‬كما أن‬
‫نخبة الدولة العميقة تريد الحفاظ على سياسات حكم النظام السابق‪ ،‬وال تريد تمدد التغيير الثوري لتلك‬
‫السياسات‪ .‬وكلما تحركت نخبة الدولة بدافع الخوف على مكتسباتها‪ ،‬عرضت البالد للخطر‪ ،‬وكلما‬
‫سيطرت على مجريات األمور‪ ،‬عرضت الثورة لالنكسار‪ ،‬وكلما بدأت تتكيف مع التغيير الحادث‪ ،‬حلت‬
‫أزمتها مع الثورة‪ ،‬وبدأت مرحلة التقارب بين الدولة والثورة‪.‬‬
‫واللحظة التي سوف تشهد نهاية المواجهة بين الدولة العميقة والثورة‪ ،‬هي تلك اللحظة التي تستقر‬
‫فيها المواضع القانونية لمؤسسات الدولة ولنخبة الدولة‪ ،‬وتبدأ نخبة الدولة في تبني سياسات لها تأييد‬
‫شعبي‪ .‬فتصبح الخيارات الشعبية هي األرضية المشتركة لمواقف نخبة الدولة والقوى السياسية الشعبية‪،‬‬
‫خاصة قوى التيار اإلسالمي‪ .‬عندئذ يكون التوافق على السياسات العامة قد تحقق‪ ،‬وأصبحت السياسات‬
‫الحاكمة المتوافق عليها شعبيا‪ ،‬هي األرضية التي تعيد للدولة دورها كوكيل عن المجتمع‪ ،‬وتتم المصالحة‬
‫بين نخبة الدولة والثورة الشعبية‪.‬‬

‫‪02‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful