You are on page 1of 81

‫الطبعة ألاولى ‪ 1341‬هـ‬

‫المقدمة ___________________________________________________________‪2‬‬
‫الوصية بالصالة ______________________________________________________‪4‬‬
‫االعتصام بالكتاب والسنة _______________________________________________‪11‬‬
‫الوصية بآل البيت ____________________________________________________‪11‬‬
‫الوصية باألنصار _____________________________________________________‪22‬‬
‫الوصية بطاعة أولي األمر _______________________________________________‪03‬‬
‫حرمة المسلم _______________________________________________________‪02‬‬
‫الوصاية بالنساء _____________________________________________________‪03‬‬
‫الوصية بالخدم ______________________________________________________‪42‬‬
‫الوصية بأداء األمانة ___________________________________________________‪42‬‬
‫إخراج المشركين واليهود والنصارى من جزيرة العرب _____________________________‪43‬‬
‫التحذير من الشرك وذرائعه ______________________________________________‪21‬‬
‫التحذير من البدع والمحدثات _____________________________________________‪30‬‬
‫التحذير من فتنة التهاريج واالقتتال _________________________________________‪36‬‬
‫التحذير من الربا _____________________________________________________‪10‬‬
‫الوصية بتبليغ الدين __________________________________________________‪13‬‬

‫المقدمة‬
‫الحمد هلل والصالة والسالم على أشرف ألانبياء واملرسلين نبينا محمد وعلى آله وصبحه‬
‫أجمعين‪ ،‬أما بعد‪:‬‬
‫فقد جمعنا بعد الاستعانة باهلل ما نرى أنها وصايا للمصطفى صلى هللا عليه وسلم في آخر‬
‫ً‬
‫حياته‪ ،‬أي في املدة املحصورة باملائة يوم ألاخيرة‪ ،‬بدءا من خروجه صلى هللا عليه وسلم من املدينة‬
‫في حجة الوداع وذلك لخمس بقين من ذي القعدة سنة عشرة من الهجرة إلى وفاته صلى هللا عليه‬
‫وسلم في الثاني عشر من شهر ربيع ألاول سنة إحدى عشرة من الهجرة وقد اتبعنا في تعيين هذه‬
‫الوصايا املعايير التالية‪:‬‬
‫‪.1‬‬

‫ً‬
‫أن تكون بلفظ الوصية مثل قولة صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬استوصوا بالنساء خيرا "‪ ،‬أو‬
‫يظهر لنا اهتمام النبي صلى هللا عليه وسلم باألمر من خالل السياق كالتأكيد بتكرار‬
‫ألامر كقوله صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬الصالة الصالة "‬

‫‪.2‬‬

‫أن يقع التصريح باليوم الذي جرت فيه الوصية أو تحف بالوصية قرائن تدل على أنه‬
‫صلى هللا عليه وسلم أوص ى في آخر حياته‪.‬‬

‫‪.4‬‬

‫أن يالحظ وقوع إخالل من بعض ألامة بمضمون الوصية‪ ،‬ما نحسب معه أنه صلى هللا‬
‫عليه وسلم خش ي أو توقع إخالل ألامة بذلك فأوجب اهتمامه صلى هللا عليه وسلم به‬
‫ً‬
‫ً‬
‫في آخر حياته‪ ،‬إذ عادة ما يهتم ألامور املهمة جدا‪ ،‬والتي يخش ى أو يتوقع فواتها‪.‬‬

‫وتنطبق هذه املعايير كما نرى على الوصايا آلاتية‪:‬‬
‫‪.1‬‬

‫الوصية بالصالة‪.‬‬

‫‪.2‬‬

‫الوصية باالعتصام بالكتاب والسنة‬

‫‪.4‬‬

‫الوصية بآل البيت‪.‬‬

‫‪.3‬‬

‫الوصية باألنصار‪.‬‬

‫‪.5‬‬

‫الوصية بطاعة أولي ألامر‬

‫‪.6‬‬

‫الوصية بحرمة املسلم‬

‫‪.7‬‬

‫الوصية بالنساء‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪2‬‬

‫‪.8‬‬

‫الوصية بالخدم‬

‫‪.9‬‬

‫الوصية باألمانة‬

‫‪.11‬‬

‫الوصية بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب‬

‫‪.11‬‬

‫التحذير من الشرك‬

‫‪.12‬‬

‫التحذير من البدع‬

‫‪.14‬‬

‫التحذير من فتنة التهارج والاقتتال‬

‫‪.13‬‬

‫التحذير من الربا‬

‫‪.15‬‬

‫الوصية بتبليغ الدين‬

‫وقد ذكرنا كل وصية على حدة‪ ،‬مبتدئين بإيراد النصوص التي استندنا إليها في اعتبارها‪ ،‬ثم‬
‫أردفنا ذلك بالتعليق عليها‪ ،‬مستعينين باألدلة من الكتاب والسنة‪ ،‬ومستأنسين ببعض كالم‬
‫ً‬
‫وشراح الحديث وقد حرصنا على عدم إلاطالة ما وسعنا ذلك‪،‬‬
‫جهابذة إلاسالم من املفسرين‬
‫ْ‬
‫واملقصود أن يكون الكتاب في متناول الجميع سهل العبارة ًبين املنزع‪.‬‬
‫وهللا نسأل أن يوفقنا إلى ما إليه قصدنا من النصح للملة وإلافادة لألمة فهو الهادي‬
‫ألقوم السبل واملستعان في إنجاح ألا َرب‪.‬‬
‫وصلى هللا على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم‬

‫املؤلفان‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪4‬‬

‫الوصية ألاولى‬

‫الوصية بالصالة‬

‫‪.1‬‬

‫أخرج إلامام أحمد في املسند من حديث أم سلمة‪ ،‬والحاكم وابن حبان من حديث أنس‬

‫قال‪ :‬كان آخر وصية رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وهو يغرغر بها في صدره‪ ،‬وما يفيض بها‬
‫لسانه‪ " :‬الصالة الصالة‪ ،‬اتقوا هللا فيما ملكت أيمانكم "‪.‬‬
‫‪.2‬‬

‫وأخرج أبو دواود وأحمد وابن ماجه عن علي رض ي هللا عنه قال‪ :‬كان آخر كالم رسول هللا‬

‫صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬الصالة الصالة‪ ،‬اتقوا هللا فيما ملكت أيمانكم "‪.‬‬
‫‪.4‬‬

‫وأخرج أحمد والترمذي والحاكم وابن حبان عن أبي أمامة الباهلي رض ي هللا عنه قال‪:‬‬

‫حججت مع رسول هللا صلى هللا عليه وسلم حجة الوداع‪ ،‬فحمد هللا وأثنى عليه ثم قال‪ " :‬أال‬
‫لعلكم ال تروني بعد عامكم هذا‪ ،‬أال لعلكم ال تروني بعد عامكم هذا‪ ،‬أال لعلكم ال تروني بعد‬
‫عامكم هذا‪ ،‬فقام رجل طويل كأنه من رجال شنوءة فقال‪ :‬يا نبي هللا فماذا نفعل؟ وفي رواية‬
‫أحمد‪ :‬يا رسول هللا ماذا تعهد إلينا؟ فقال صلى هللا عليه وسلم‪ :‬اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم‪،‬‬
‫وصوموا شهركم‪ ،‬وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم عز وجل "‪.‬‬

‫الصالة عمود الدين‪ ،‬وهي الركن الثاني من أركان إلاسالم بعد الشهادتين‪ ،‬وأعظم أركان‬
‫إلاسالم العملية على إلاطالق‪ ،‬وهي أظهر شعار عملي لدين إلاسالم‪ ،‬قال شمس ألائمة السرخس ي‬
‫ََ‬
‫َ ْ َ‬
‫الحنفي‪ ( :‬ألن الصالة من أقوى ألاركان بعد إلايمان باهلل تعالى قال هللا تعالى‪ [ :‬ف ِإن تابوا َوأقاموا‬
‫َّ َ‬
‫الصالة [‪ ،‬وقال عليه الصالة والسالم " الصالة عماد الدين " فمن أراد نصب خيمة بدأ بنصب‬
‫العماد‪ ،‬والصالة من أعلى معالم الدين‪ ،‬ما خلت عنها شريعة املرسلين صلوات هللا وسالمه عليهم‬
‫أجمعين‪ ...‬إلى أن قال " وقد سمعت شيخنا إلامام ألاستاذ شمس ألائمة الحلواني رحمة هللا يقول‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪3‬‬

‫َ‬
‫َّ َ ْ‬
‫الصالة ِل ِذك ِري [ ( سورة طه ’ آية ‪ )13‬أي‪(:‬ألني ذكرتها في كل كتاب‬
‫في تأويل قوله تعالى‪َ [ " :‬وأ ِق ِم‬
‫ً‬
‫منزل على لسان كل نبي مرسل )‪.‬‬
‫َ‬
‫ََ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫َ ْ َ ِّ َ‬
‫ص ِلين[ (‪( )34‬سورة املدثر‪ ،‬آية ‪– 32‬‬
‫وفي قوله تعالى‪َ [ :‬ما َسلكك ْم ِفي َسقر (‪ )33‬قالوا ل ْم نك ِمن امل‬
‫‪)34‬‬
‫ما يدل على وكادتها‪ ،‬فحين وقعت بها البداية دل على أنها ثانية إلايمان‪ ،‬فاملصلي في اللغة هو التالي‬
‫للسابق في الخيل )‪ ..‬أ هـ‬
‫ومما يدل على عظمة منزلتها في إلاسالم‪ ،‬أنها ال تسقط عن املسلم بحال‪ ،‬إال مع سقوط‬
‫ً‬
‫التكليف عنه بذهاب العقل أو أن تكون املرأة حائضا أو نفساء‪ ،‬فهي واجبة على املريض بحسب‬
‫ً‬
‫حالة؛ فقد قال املصطفى صلى هللا عليه وسلم لعمران بن حصين‪ً " :‬‬
‫صل قائما‪ ،‬فأن لم تستطع‬
‫ً‬
‫فقاعدا‪ ،‬فأن لم تستطع فعلى جنب" (أخرجه البخاري)‪ ،‬كما تجب على آلامن والخائف قال تعالى‪:‬‬
‫َ ْ ْ َ‬
‫َ ْ ً‬
‫[ف ِإن ِخفت ْم ف ِر َجاال أ ْو رك َبانا[ (سورة البقرة‪ ،‬آية ‪ )249‬أي‪ :‬صلوا على الحال التي تتيسر لكم‪.‬‬
‫فال يسقط وجوب أدائها في وقتها حتى عند التحام الصفوف أو الاقتحام في املعركة‬
‫الجهادية فيصليها وإن كان الحل يضطره إلى املش ي أو السعي أو مقارعة العدو بالسالح‪.‬‬
‫وفي الصالة أنس املشتاقين وراحة عباد هللا املخلصين وعون أولياء هللا املتقين‬
‫َ َّ َ َ َ َ ٌ َّ َ َ ْ َ‬
‫َ ْ َ‬
‫َ‬
‫َّ ْ َ َّ‬
‫اش ِعين[ (سورة البقرة‪ ،‬آية ‪ ،)35‬ولكن‬
‫الة و ِإنها لك ِبيرة ِإال على الخ ِ‬
‫[واست ِعينوا ِبالصب ِر والص ِ‬
‫ً‬
‫ً ً‬
‫لألسف الشديد وقع في أمة إلاسالم التقصير فيها وقوعا بينا‪ ،‬ظاهرا لكل صاحب قلب حي‪ ،‬فالناظر‬
‫ً‬
‫في حال املسلمين اليوم يتفطر قلبه حزنا على ما آل إليه أمرهم تجاه هذه العبادة العظيمة فهم في‬
‫ً‬
‫ومقصر في بعض شروطها‬
‫كثير من ألاحيان بين تارك لها بالكلية ومتهاون في املواظبة عليها‪،‬‬
‫ومواقيتها‪ ،‬أما إلاخالل بخشوعها فأمر ظاهر للعيان‪.‬‬
‫ً‬
‫ولو أن أهل إلاسالم قدروا الصالة حق قدرها‪ ،‬وقاموا بها خير قيام‪ ،‬لكانت الصالة سببا في‬
‫َ‬
‫َّ َ‬
‫َّ َ َ ْ‬
‫الصالة تنهَى‬
‫الصالة ِإ َّن‬
‫صالح أحوالهم‪ ،‬وتقويم سلوكهم‪ ،‬فإنها كما قال أصدق القائلين‪َ [ :‬وأ ِق ِم‬
‫َ ْ َ ْ َ َ ْ ْ َ َ َ ْ َّ َ ْ َ َ َّ َ ْ َ َ َ ْ َ‬
‫صنعون[ (سورة العنكبوت‪ ،‬آية ‪.)35‬‬
‫ع ِن الفحش ِاء واملنك ِر ول ِذكر الل ِه أكبر والله يعلم ما ت‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪5‬‬

‫ً‬
‫وعند النظر في واقع املسلمين ترى كثيرا ممن يصلي منهم ال يوجد للصالة في سلوكه أثر‪،‬‬
‫ً‬
‫وأساس ذلك ومكمنه هو أن كثيرا من املصلين جعل الصالة مجرد حركات وصورة ظاهرية دون‬
‫ً‬
‫حقيقة وخشوع‪ ،‬فلم تثمر الصالة فيهم زكاة وصالحا فاهلل املستعان!‬
‫وأهمية الصالة مع ما يشاهد من التقصير ً‬
‫البين فيها هو – وهللا أعلم – ما أقتض ى وصية‬
‫النبي صلى هللا عليه وسلم بها في آخر حياته‪ ،‬فأوجب ذلك التأكيد على الوصية بها‪ ،‬حتى كانت آخر‬
‫ما تكلم به وهو يغرغر فبأبي وأمي ما أنصحه ألمته فجزاه هللا عنا خير الجزاء‪.‬‬

‫قال ابن رشد املالكي‪( :‬وجوب الصالة ًبين من الكتاب والسنة وإلاجماع وشهرة ذلك تغني‬

‫ً‬
‫عن تكلف القول فيه)‪.‬‬

‫َّ َّ َ َ َ َ ْ َ ْ ْ َ َ ً‬
‫ً‬
‫الصالة كانت َعلى املؤ ِم ِنين ِكتابا َم ْوقوتا‪( [ .‬سورة النساء‪ ،‬آية ‪.)114‬‬
‫قال تعالى‪ِ [ :‬إن‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫قال الشوكاني في تفسير هذه آلاية‪ :‬أي‪ :‬محدودا معينا يقال‪ :‬وقته فهو موقوت‪ ،‬ووقته فهو‬

‫ً‬
‫مؤقت‪ .‬واملعنى‪ :‬إن هللا افترض على عباده الصلوات وكتبها عليهم في أوقاتها املحدودة‪ ،‬ال يجوز ألحد‬
‫أن يأتي بها في غير ذلك الوقت‪ ،‬إال لعذر شرعي من نوم أو سهو أو نحوهما‪ .‬ا‪.‬هـ‬
‫ومما يدل على ٌ‬
‫تعين الوقت ووجوب فعل الصالة فيه دون تأخير وال تقديم‪ ،‬عدم سقوط‬

‫التوقيت حتى في حال الخوف؛ فقد أوجب هللا على املسلمين فعل الصالة في أوقاتها حتى في حال‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َّ‬
‫الص َل َو َ َّ‬
‫الخوف ومواجهة العدو في الحرب قال تعالى‪َ [ :‬حافظوا َع َلى َّ‬
‫الة الو ْسطى َوقوموا ِلل ِه‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ات والص ِ‬
‫َ ْ ْ َ‬
‫َ ْ ً‬
‫َ َ‬
‫قا ِن ِتين (‪ )248‬ف ِإن ِخفت ْم ف ِر َجاال أ ْو رك َبانا] (سورة البقرة‪ ،‬آية ‪.)249 - 248‬‬
‫وقد أمر رسول هللا صلى هللا عليه وسلم بأداء الصالة في أوقاتها التي شرع هللا؛ فقال كما في‬
‫حديث أبي ذر‪ " :‬صل الصالة لوقتها " (أخرجه مسلم)‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪6‬‬

‫فيجب على املسلم أن يأتي بالصلوات الخمس في أوقاتها املعينة لها‪ ،‬فتأخيرها عن أوقاتها‬
‫من غير عذر كنوم أو نسيان من أكبر الكبائر؛ بل عند بعض أهل العلم حكمه حكم ترك الصالة‪،‬‬
‫وحكم فاعله حكم تارك الصالة‪.‬‬
‫َ‬
‫فحذار حذار أخي املسلم من تأخير الصالة عن وقتها وأنت تقرأ قول هللا تعالى‪[ :‬ف َو ْي ٌل‬
‫َ‬
‫ْ َ ِّ َ‬
‫َّ َ ْ َ ْ َ‬
‫الت ِه ْم َساهون (‪( ])5‬سورة املاعون‪ ،‬آية ‪.)5-3‬‬
‫ِللمص ِلين (‪ )3‬ال ِذين هم عن ص ِ‬
‫قال القرطبي‪ :‬عن ابن عباس رض ي هللا عنه‪ " :‬الذين يؤخرونها عن أوقاتها "‪.‬‬

‫‪.1‬‬
‫‪.2‬‬
‫‪.4‬‬

‫َ َن َّ‬
‫الن َ‬
‫اس َوال‬
‫إلاخالص هلل؛ فاملراءة بالصالة من صفات املنافقين قال تعالى عنهم‪[ :‬يراءو‬
‫ْ‬
‫َ َّ َ َّ َ ً‬
‫َيذكرون الله ِإال ق ِليال (‪( ])132‬سورة النساء‪ ،‬آية ‪.)132‬‬
‫النشاط لها والفرح بها؛ فإن الكسل والتثاقل عنها من صفات املنافقين قال تعالى‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َّ َ‬
‫َ َ َ‬
‫الة قاموا ك َسالى] (سورة النساء‪ ،‬آية ‪.)132‬‬
‫عنهم‪[ :‬و ِإذا قاموا ِإلى الص ِ‬
‫الاستعداد والتهيؤ لها بأمور منها‪:‬‬
‫أ‪ -‬لبس الثياب الحسنة‪.‬‬
‫ب‪ -‬صالة النوافل القبلية حيث شرعت‪.‬‬
‫ت‪ -‬البعد عن أسباب تشويش الذهن‪ ،‬كالصالة بحضرة طعام أو في حال شدة الحر أو‬
‫شدة البرد‪.‬‬

‫‪.3‬‬

‫صالتها في جماعة للرجال‪ ،‬وصالة الجماعة للرجل آلامن الصحيح واجبة‪ ،‬ومن أدلة‬
‫وجوبها‪ :‬قصة ألاعمى الذي استأذن النبي صلى هللا عليه وسلم لبعد بيته وعدم وجود‬
‫قائد يقوده فلما سأله النبي صلى هللا عليه وسلم هل تسمع النداء بالصالة؟ فقال‪:‬‬

‫‪.5‬‬

‫نعم‪ ،‬قال‪ " :‬فأجب " (أخرجه املسلم)‬
‫وحديث َ‬
‫همه صلى هللا عليه وسلم بإحراق بيوت املتخلفين عن الجماعة ولم يمنعه إال‬
‫الحفاظ على النساء والذرية وهو مخرج في الصحيح‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪7‬‬

‫ومما يدل داللة واضحة على عظم شأن الجماعة وأهميتها‪ ،‬عدم سقوطها حتى في حال‬
‫َََ َ‬
‫َ ْ َ‬
‫والقتال‪ ،‬قال تعالى [ َو ِإذا كنت ِف ِيه ْم فأق ْمت‬
‫الخوف‪ ،‬فقد شرعت الجماعة حتى في حال الخوف ِ‬
‫َ‬
‫ْ ََ ْ ََْْ‬
‫ْ ْ‬
‫َ‬
‫َْ‬
‫َ َ‬
‫َ َ ٌ‬
‫َّ َ َ ْ َ‬
‫الصالة فلتق ْم طا ِئفة ِم ْنه ْم َم َع َك َول َيأخذوا أ ْس ِل َح َته ْم ف ِإذا َس َجدوا فل َيكونوا ِمن ورا ِئكم ولتأ ِت‬
‫لهم‬
‫ْ ْ‬
‫َ َ ٌ ْ َ َ ْ َ ُّ َ ْ َ ُّ‬
‫ْ َ ْ َ َ ْ َ َ ْ َ َّ َّ َ َ َ َ َ ْ َ‬
‫ين كفروا ل ْو تغفلون َع ْن‬
‫صلوا َم َع َك َول َيأخذوا ِحذرهم وأس ِلحتهم ود ال ِذ‬
‫طا ِئفة أخرى لم يصلوا فلي‬
‫َ َ‬
‫َ َ ََْ ْ ْ َ َ‬
‫َأ ْسل َحتك ْم َو َأ ْمت َعتك ْم َف َيميلو َن َع َل ْيك ْم َم ْي َل ًة َواح َد ًة َ‬
‫ان بك ْم َأ ً‬
‫ذى ِم ْن َمطر أ ْو‬
‫ك‬
‫ن‬
‫إ‬
‫م‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫اح‬
‫ن‬
‫ج‬
‫ال‬
‫و‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ َ َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫َ َ ً‬
‫َْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ َْ َ َ‬
‫ين َعذابا م ِهينا (‪( ])112‬سورة‬
‫كنت ْم َم ْرض ى أن تضعوا أ ْس ِل َحتك ْم َوخذوا ِحذ َرك ْم ِإ َّن الله أ َع َّد ِللكا ِف ِر‬
‫النساء‪ ،‬آية ‪.)112‬‬
‫وهذا ألامر مما استقر في أذهان أصحاب محمد صلى هللا عليه وسلم حتى كانوا يعدون‬
‫ً‬
‫املتخلف عن الجماعة منافقا‪ ،‬وكان الواحد منهم يتحامل على نفسه مع علته ليشهد الجماعة‪،‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫واستمع إلى قول ابن مسعود رض ي هللا عنه حيث يقول‪ " :‬من ٌ‬
‫سره أن يلقى هللا غدا مسلما‬
‫فليحافظ على هؤالء الصلوات حيث ينادى بهن؛ ً‬
‫فإن هللا شرع لنبيه صلى هللا عليه وسلم سنن‬

‫الهدى ً‬
‫وإن ً‬
‫هن من سنن الهدى‪ ،‬ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا املتخلف في بيته لتركتم‬
‫سنة نبيكم‪ ،‬ولو تركتك سنة نبيكم لضللتم‪ ،‬به يهادى رأيتنا وما يتخلف عنها إال منافق معلوم‬
‫النفاق‪ ،‬ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف ( أخرجه مسلم )‪.‬‬
‫‪.1‬‬

‫تحري السنة في أفعال وأقوال الصالة‪ ،‬حتى يتم للمسلم امتثال أمر املصطفى صلى هللا‬

‫عليه وسلم في قوله‪ " :‬وصلوا كما رأيتموني أصلي " (أخرجه البخاري)‬
‫‪.2‬‬

‫الخشوع فيها وإحضار القلب‪ ،‬وهذا أعظم آدابها؛ بل هو لبها وروحها‪ ،‬وسرها وإكسيرها‬

‫الذي به تحقق الصالة ثمارها التي ألجلها شرعت‪ ،‬من تحصيل التقوى وسائر ألاخالق الفاضلة‪،‬‬
‫والتخلي عن مرذول ألاخالق وكل فاحشة ومنكر؛ بل إن ما يرجى بالصالة من الثواب إنما يحصل‬
‫ََ‬
‫َّ‬
‫َ ْ َ َْ َ ْ ْ َ‬
‫)الذ َ‬
‫صال ِت ِه ْم‬
‫ين ه ْم ِفي‬
‫للعبد بقدر خشوعه وحضور قلبه؛ فقد قال تعالى‪[ :‬قد أفلح املؤ ِمنون (‪ِ 1‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫اشعون (‪ ])2‬وعن عمار بن ياسر رض ي هللا عنه قال‪ :‬سمعت رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫خ ِ‬
‫يقول‪ " :‬إن الرجل لينصرف من صالته وما كتب له إال عشر صالته‪ ،‬تسعها‪ ،‬ثمنها‪ ،‬سبعها‪،‬‬
‫سدسها‪ ،‬خمسها‪ ،‬ربعها‪ ،‬ثلثها‪ ،‬نصفها" ( أخرجه أبو داود والطبراني والطحاوي )‪ ،‬وورد أن الخشوع‬
‫أول ما يفقد من الدين؛ فعن أبي الدرداء رض ي هللا عنه أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال‪:‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪8‬‬

‫ً‬
‫"أول ش يء يرفع من هذه ألامة الخشوع‪ ،‬حتى ال ترى فيها خاشعا " قال الهيثمي في مجمع الزوائد‪:‬‬
‫إسناده حسن‬
‫ً‬
‫وعن عبادة بن الصامت رض ي هللا عنه قال‪" :‬يوشك أن تدخل املسجد فال ترى فيه رجال‬

‫ً‬
‫خاشعا " (أخرجه إلامام أحمد)‪.‬‬

‫والخشوع الحقيقي يتكون من جزأين‪:‬‬
‫الجزء ألاول ظاهر‪ :‬وهو سكون ألاعضاء في الصالة‪ ،‬والطمأنينة فيها وعدم الالتفات بالبصر‪.‬‬
‫وجزء باطن‪ :‬وهو حضور القلب في الصالة ليعي املصلي كل قول أو فعل في الصالة فينتفع به في‬
‫دنياه وأخراه‪.‬‬
‫وجماع ذلك قول هللا تعالى‪َ [ :‬و َّالذ َ‬
‫ًوثم عوامل وأسباب تساعد على الخشوع وتعين عليه‪ً ،‬‬
‫ين‬
‫ِ‬
‫َّ َ َ َ ْ‬
‫َ َ‬
‫ََ‬
‫َ‬
‫َج َ‬
‫اهدوا ِفينا ل َن ْه ِد َي َّنه ْم سبلنا‪َ .‬و ِإ َّن الله مل َع امل ْح ِس ِنين (‪( ])69‬سورة العنكبوت‪ ،‬آية ‪.)69‬‬
‫ومن تلك العوامل ما يلي‪:‬‬
‫أ‪ -‬إحسان إلاعداد للصالة والتهيؤ لها بأتم الوجوه وأكملها من إتمام الطهارة ولبس الثياب النظيفة‬
‫واختيار املكان املناسب‪.‬‬
‫ب‪ -‬استشعار الوقوف بين يدي هللا سبحانه ومناجاته‪ ،‬فاملصلي واقف بين يدي مواله سبحانه‬
‫وتعالى يناجيه‪.‬‬
‫ج – املجاهدة في إحضار القلب‪.‬‬
‫د‪ -‬إلاستعاذة باهلل من الشيطان الرجيم‪.‬‬
‫هـ‪ -‬تدبر ما يقرأ من القرآن وما يقول من الذكر‪.‬‬
‫و – التفكر في حركات الصالة وكيف أنها حركات تذلل وتواضع هلل سبحانه وتعالى‪.‬‬
‫ز – ترتيل القراءة تحسين الصوت بها‪.‬‬
‫ح – التنوع في القراءة وألاذكار وألادعية‪.‬‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪9‬‬

‫ط – املحافظة على السنن القبلية والبعدية‪.‬‬
‫ي – النظر إلى موضع السجود‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪11‬‬

‫الوصية الثانية‬

‫االعتصام بالكتاب والسنة‬

‫‪-1‬‬

‫أخرج مسلم في صحيحه من رواية جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن جابر بن‬

‫عبدهللا في صفة حجة صلى هللا عليه وسلم في حديثه الطويل بعد أن ذكر خطبته صلى هللا عليه‬
‫وسلم بنمرة والتي قال فيها صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن‬
‫اعتصمتم به‪ :‬كتاب هللا‪ ،‬وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا‪ :‬نشهد أنك قد بلغت وأديت‬
‫ونصحت"‪.‬‬
‫‪-2‬‬

‫وأخرج البيهقي والحاكم عن ابن عباس رض ي هللا عنه‪ :‬أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬

‫خطب الناس في حجة الوداع فقال‪ " :‬يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن‬
‫ً‬
‫تضلوا أبدا‪ :‬كتاب هللا وسنة نبيه "‪.‬‬
‫وأخرج البيهقي والحاكم عن أبي هريرة قال‪ :‬قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬إني قد‬
‫‪-4‬‬
‫تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب هللا وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا ً‬
‫علي الحوض "‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫َ َ‬
‫وفي موطأ َمالك أنه َبلغه أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال‪ " :‬ت َركت ِفيك ْم أ ْم َرْي ِن ل ْن‬
‫‪-3‬‬
‫َ ُّ َ َ َ َّ ْ ْ َ َ َ َّ‬
‫َّ َ َ‬
‫اب الل ِه َوسنة ن ِب ِِّي ِه "‪.‬‬
‫ت ِضلوا ما تمسكتم ِب ِهما ِكت‬
‫ً‬
‫َ‬
‫وأخرج مسلم أيضا عن زيد بن أرقم قال قام رسول هللا صلى هللا عليه وسلم َي ْو ًما ِفينا‬
‫‪-5‬‬
‫َ ً َ ْ َ ًّ َ ْ َ َ َّ َ َ ْ َ َ َ َ َ َّ َ َ َ ْ َ َ َ ْ َ َ َ َ‬
‫ظ َو َذ َّك َر ث َّم َق َ‬
‫ال‪:‬‬
‫خ ِطيبا ِبماء يدعى خما بين مكة وامل ِدين ِة‪ ،‬فح ِمد الله وأثنى علي ِه ووع‬
‫َْ ْ‬
‫َ‬
‫َََ‬
‫َ َّ َ َ َ َ َ‬
‫َ ََ َ‬
‫َ َّ َ ْ َ َ َ ُّ َ َّ‬
‫يب‪َ ،‬وأنا تا ِر ٌك ِفيك ْم ثقل ْي ِن‪:‬‬
‫وشك أن َيأ ِت َي َرسول َرِِّبي فأ ِج‬
‫أما بعد! أال أيها الناس! ف ِإنما أنا بش ٌر‪ ،‬ي ِ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫َ َّ َ َ‬
‫َّ َ ْ َ‬
‫َ‬
‫َ َّ َ َ‬
‫ْ َ َ ُّ‬
‫ور‬
‫است ْم ِسكوا ِب ِه‪ ،‬ف َحث َعلى ِكتا ِب الل ِه‬
‫اب الل ِه و‬
‫ت‬
‫ك‬
‫ب‬
‫وا‬
‫ذ‬
‫خ‬
‫ف‬
‫‪،‬‬
‫الن‬
‫و‬
‫ى‬
‫د‬
‫ه‬
‫ال‬
‫يه‬
‫ف‬
‫‪،‬‬
‫ه‬
‫الل‬
‫اب‬
‫ت‬
‫أولهما ِك‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ِِ ِ‬
‫َو َر َّغ َب ِف ِيه ث َّم َق َ‬
‫ال‪:‬‬
‫َّ َ َ‬
‫َّ َ َ‬
‫َ‬
‫َ ِّ ْ َّ َ َ ْ َ ْ َ َ َ َ‬
‫َ ِّ‬
‫َ ِّ‬
‫ال له‬
‫َوأ ْهل َب ْي ِتي‪ ،‬أذ ِكرك ْم الله ِفي أ ْه ِل َب ْي ِتي‪ ،‬أذ ِكرك ْم الله ِفي أ ْه ِل َب ْي ِتي‪ ،‬أذ ِكركم الله ِفي أه ِل بي ِتي فق‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫س ِن َساؤه م ْن َأ ْهل َب ْي ِته؟ِ َق َ‬
‫ص ْي ٌن‪َ :‬و َم ْن َأ ْهل َب ْي ِت ِه َيا َزْيد؟ َأ َل ْي َ‬
‫ال‪ِ :‬ن َساؤه ِم ْن أ ْه ِل َب ْي ِت ِه‪َ ,‬ول ِك ْن أ ْهل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪11‬‬

‫َ‬
‫َب ْيته َم ْن حر َم َّ‬
‫ال‪َ :‬و َم ْن ه ْم؟ َق َ‬
‫الص َد َق َة َب ْع َده‪َ .‬ق َ‬
‫ال‪ :‬ه ْم آل َع ِل ِّي‪َ ,‬وآل َع ِقيل‪َ ,‬وآل َج ْعفر‪َ ,‬وآل َع َّباس‪.‬‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ال‪ :‬ك ُّل َهؤالء حر َم َّ‬
‫الص َدقة؟ ق َ‬
‫َق َ‬
‫ال‪ :‬ن َع ْم "‬
‫ِ‬
‫ِ‬

‫هذه الوصية بنوعي الوحي‪ ( :‬القرآن ) ( وسنة النبي صلى هللا عليه وسلم ) مطابقة لوصايا‬
‫ْ َ‬
‫َ َ َ َّ‬
‫ْ‬
‫ْ ِّ َ‬
‫القرآن الكريم في آيات كثيرة مثل قوله تعالى‪َ [:‬يا َأ ُّي َها َّالذ َ‬
‫ين َآمنوا أ ِطيعوا الله َو َرسوله َوال ت َول ْوا َعنه‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َّ َ‬
‫َو َأنت ْم َت ْس َمعو َن‪( ].‬سورة ألانفال‪ ،‬آية ‪ ،)21‬وقوله سبحانه‪َ [ :‬يا أ ُّي َها َّالذ َ‬
‫ين َآمنوا أ ِطيعوا الله‬
‫ِ‬
‫َ ْ َ ُّ َ َّ‬
‫ْ ْ َ‬
‫َْ ْ َ ْ ََ‬
‫الل ِه َو َّ‬
‫َو َأ ِطيعوا َّ‬
‫الرسو ِل ِإ ْن كنتم تؤ ِمنون‬
‫الرسو َل َوأ ْو ِلي ألا ْم ِر ِمنك ْم ف ِإن تنا َز ْعت ْم ِفي ش يء فردوه ِإلى‬
‫َ َ‬
‫َّ ْ‬
‫َْ ً‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِبالل ِه َوال َي ْو ِم آلا ِخ ِر ذ ِل َك خ ْي ٌر َوأ ْح َسن تأ ِويال(‪( ])59‬سورة النساء‪ ،‬آية ‪ ،)59‬وقوله سبحانه‪َ [:‬رَّبنا‬
‫َ ْ َ ْ َ ْ َ ْ َ َ َ ْ ِّ َّ َ َّ ً ْ َ ً َ َ َ َ َ َ َ َ َ‬
‫َ َ َّ َ ْ َ َّ‬
‫اسكنا َوت ْب َعل ْينا ِإن َك أنت الت َّواب ال َّر ِحيم‬
‫واجعلنا مس ِلمي ِن لك و ِمن ذ ِري ِتنا أمة مس ِلمة لك وأ ِرنا من ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ َ ً ْ ْ َ ْ َ َ ْ ْ َ َ َ َ ِّ ْ ْ َ َ ْ ْ َ ِّ‬
‫َ‬
‫َّ ْ َ‬
‫اب َوال ِحك َمة َوي َز ِكي ِه ْم ِإن َك أنت‬
‫(‪َ )128‬رَّبنا َو ْاب َعث ِف ِيهم رسوال ِمنهم يتلو علي ِهم آي ِاتك ويع ِلمهم ال ِكت‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َّ َ ْ ْ َ ْ‬
‫ََ‬
‫ال َع ِزيز ال َح ِكيم] (سورة البقرة‪ ،‬آية ‪ ،)129‬وقوله سبحانه‪ [:‬لق ْد َم َّن الله َعلى املؤ ِم ِنين ِإذ َب َعث‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫ً‬
‫ْ َ َ ْ ْ َ ْ َ‬
‫ِّ‬
‫َْ‬
‫ْ‬
‫اب َوال ِحك َمة َو ِإن كانوا ِم ْن ق ْبل ل ِفي‬
‫ِف ِيه ْم َرسوال ِم ْن أنف ِس ِه ْم َيتلوا َعل ْي ِه ْم َآيا ِت ِه َوي َز ِك ِيه ْم َوي َع ِلمهم ال ِكت‬
‫َ‬
‫ضالل م ِبين (‪( ] .)163‬سورة آل عمران‪ ،‬آية ‪،)163‬‬
‫َ ْ َ َ َْ‬
‫َّ ْ ْ‬
‫َّ َ َ َ َ ً َ‬
‫َّ ْ َ‬
‫ات الل ِه َوال ِحك َم ِة ِإ َّن الله كان ل ِطيفا خ ِب ًيرا (‪] )43‬‬
‫وقوله تعالى‪[ :‬واذك ْرن ما يتلى ِفي بيو ِتكن ِمن آي ِ‬
‫ْ‬
‫َ َ َ‬
‫ََ َ‬
‫ْ ََ ََ‬
‫نطق َع ِن ال َه َوى (‪)4‬‬
‫احبكم وما غوى(‪ )2‬وما ي ِ‬
‫(سورة ألاحزاب‪ ،‬آية ‪ ،)43‬وقال سبحانه‪ [ :‬ما ض َّل ص ِ‬
‫إ ْن ه َو إ َّال َو ْح ٌي ي َ‬
‫وحى (‪( ] )3‬سورة النجم‪ ،‬آية ‪.)3 - 4‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫فالقرآن الكريم إلى جانبه سنة الرسول الكريم صلى هللا عليه وسلم (أقواله وأفعاله‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫وتقريراته)‪ ،‬هما مصدر دين إلاسالم؛ عقيدة وشريعة لن يضل املسلم ما دام متمسكا بهما‪ .‬وكما‬
‫قال املناوي في فيض القدير عند شرحه حديث أبي هريرة " تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما‬
‫ً‬
‫كتاب هللا وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا ً‬
‫الحوض قال رحمه هللا‪( :‬إنهما ألاصالن اللذان ال عدول‬
‫علي‬
‫عنهما وال هدى إال منهما‪ ،‬والعصمة والنجاة ملن تمسك بهما واعتصم بحبلهما‪ ،‬وهما الفرقان‬
‫ً‬
‫الواضح‪ ،‬والبرهان الالئح بين املحق إذا اقتضاهما واملبطل إذا خالهما‪ ،‬فوجوب الرجوع إلى‬
‫الكتاب والسنة متيقن معلوم من الدين بالضرورة) أ‪.‬هـ‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪12‬‬

‫َّ َ‬
‫َ َْ‬
‫إن الكتاب والسنة فيهما الهدى والنور‪ ،‬محفوظان بحفظ هللا‪ ،‬قال تعالى‪ِ [ :‬إنا ن ْحن ن َّزلنا‬
‫ِّ ْ َّ َ َ‬
‫َ‬
‫الذك َر َو ِإنا له ل َحا ِفظون (‪( ])9‬سورة الحجر‪ ،‬آية ‪ ،)9‬فيهما حل كل املشكالت‪ ،‬وفيهما املواجهة‬
‫ِ‬
‫الحكيمة لكل نازلة مهما اختلف الزمان وتغير املكان‪ ،‬وسعا كل جوانب الحياة‪ :‬سياسة‪،‬‬
‫واقتصادية‪ ،‬واجتماعية‪ ،‬وفردية‪.‬‬
‫قال سلمان الفارس ي رض ي هللا عليه للذي قال له‪ :‬قد علمكم نبيكم صلى هللا عليه وسلم‬
‫كل ش يء حتى الخراءة؟ قال سلمان‪ " :‬أجل‪ ،‬لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن‬
‫نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثالثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو عظم " (أخرجه‬
‫مسلم)‪.‬‬

‫َ َ‬
‫ً‬
‫لن يبلغ أحد في وصف القرآن الكريم ما بلغ القران في وصفه‪ ،‬كقوله تعالى‪َ [ :‬ول ْو أ َّن ق ْرآنا‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ ِّ‬
‫ْ‬
‫َْ َ‬
‫ِّ ْ‬
‫ْ‬
‫س ِِّي َرت ِب ِه ال ِج َبال أ ْو ق ِط َعت ِب ِه ألا ْرض أ ْو ك ِل َم ِب ِه امل ْوتى] (سورة الرعد‪ ،‬آية ‪ – )21‬أي لكان هذا‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ٌ ْ ْ َ‬
‫َ ِّ‬
‫القرآن – وقول سبحانه‪َ [ :‬ونن ِزل ِم َن الق ْر ِآن َما ه َو ِشف ٌاء َو َر ْح َمة ِللمؤ ِم ِنين‪([ .‬سورة إلاسراء‪ ،‬آية‬
‫‪)82‬‬
‫ْ‬
‫َّ‬
‫َ ْ‬
‫َ ْ َْ َْ َ َ َ ْ ْ َ‬
‫آن َع َلى َج َبل َل َرَأ ْي َته َخاش ًعا م َت َ‬
‫ص ِِّد ًعا ِم ْن خش َي ِة الل ِه َو ِتل َك‬
‫وقوله سبحانه‪[ :‬لو أنزلنا هذا القر‬
‫ِ‬
‫َ َّ‬
‫َ‬
‫َ َ َّ َ‬
‫َ ْ َ َ ْ َ َّ‬
‫اس ل َعله ْم َيتفكرون (‪([ .)21‬سورة الحشر‪ ،‬آية ‪ ،)21‬وقوله سبحانه‪ِ [ :‬كت ًابا‬
‫لن‬
‫ألامثال نض ِربها ِل ِ‬
‫َ ْ َّ‬
‫َّ َ ْ َ َ‬
‫َ َْ َ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ين َيخش ْون َرَّبه ْم ث َّم ت ِلين جلوده ْم َوقلوبه ْم ِإلى ِذك ِر الل ِه] (سورة‬
‫ُّمتش ِاب ًها َّمث ِان َي تقش ِع ُّر ِمنه جلود ال ِذ‬
‫الزمر‪ ،‬آية ‪.)24‬‬
‫وبعد كالم الخالق في وصف كتابه فربما كان من أبلغ كالم املخلوقين في وصف القرآن ما‬
‫ورد عن أمير املؤمنين علي بن أبي طالب رض ي هللا عنه في قوله‪ " :‬كتاب هللا فيه خير ما قبلكم ونبأ‬
‫ما بعدكم وحكم ما بينكم‪ ،‬هو الفصل ليس بالهزل‪ ،‬هو الذي ال تزيغ به ألاهواء وال يشبع منه‬
‫العلماء وال يخلق عن كثرة الرد‪ ،‬وال تنقض ي عجائبه‪ ،‬هو الذي من تركه من جبار قصمه هللا ومن‬
‫ابتغى الهدى في غيره أضله هللا‪ ،‬هو حبل هللا املتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط املستقيم‪ ،‬هو‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪14‬‬

‫الذي من عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم " ( انظر‪:‬‬
‫البداية والنهاية ج‪ / 1‬ص ‪.) 7‬‬

‫ً‬
‫أما السنة وهي املصدر الثاني لشرعة إلاسالم‪ ،‬فهي مبينة للقرآن شارحة ملا قد يخفى منه‬
‫َ‬
‫َ َّ َ َ َّ َ‬
‫َ َ ْ َ ْ َ َ ْ َ ِّ ْ َ َ ِّ َ َّ‬
‫اس َما ن ِّ ِز َل ِإل ْي ِه ْم َول َعله ْم َيتفكرون] (سورة النحل‪ ،‬آية ‪.)33‬‬
‫لن‬
‫قال تعالى‪[ :‬وأنزلنا ِإليك ِ‬
‫الذكر ِلتب ِين ِل ِ‬
‫َ ْ َ ُّ َ َّ‬
‫َ ْ ََ‬
‫الل ِه َو َّ‬
‫الرسو ِل] (سورة النساء‪ ،‬آية ‪ .)59‬قال‬
‫وقال تعالى‪[ :‬ف ِإن تنا َز ْعت ْم ِفي ش يء فردوه ِإلى‬
‫ابن عطية في تفسيره‪( :‬هو سؤاله في حياته‪ ،‬والنظر في سنته بعد وفاته عليه السالم)‪ ،‬وقال ابن‬
‫العربي املالكي‪ :‬قال علماؤنا‪ ( :‬ر ٌدوه إلى كتاب هللا‪ ،‬فإن لم تجدوا فإلى سنة رسول هللا صلى هللا‬
‫َ‬
‫ْ َ ْ‬
‫َ‬
‫عليه وسلم ) و قال تعالى‪َ [ :‬و َما َآ َتاكم َّ‬
‫الرسول فخذوه َو َما ن َهاك ْم َعنه فان َتهوا ] (سورة الحشر‪ ،‬آية‬
‫‪،)7‬‬
‫َ ْ َ ْ َ َّ َ َ‬
‫َ َ ْ َْ َْ‬
‫َ ْ َْ ٌ َْ‬
‫َ ْ ََ ٌ‬
‫اب َأل ٌ‬
‫يم] (سورة النور‪ ،‬آية‬
‫وقال‪[ :‬فليحذ ِر ال ِذين يخ ِالفون عن أم ِر ِه أن ت ِصيبهم ِفتنة أو ي ِصيبهم عذ ِ‬
‫‪)64‬‬
‫عاذ بن‬
‫وقد فقه هذا املعنى صحابة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ففي الحديث الذي يروى عن م ِ‬
‫جبل ملا أراد صلى هللا عليه وسلم أن يبعثه الى اليمن قال‪ " :‬كيف تقض ي إذا عرض لك قضاء؟»‪.‬‬
‫قال‪ :‬أقض ي بكتاب هللا‪ ،‬قال‪« :‬فإن لم تجد في كتاب هللا؟»‪ ،‬قال‪ :‬أقض ي بسنة رسول هللا صلى هللا‬
‫عليه وسلم‪ ،‬قال‪« :‬فإن لم تجد في سنة رسول هللا؟»‪ ،‬قال‪ :‬أجتهد رأيي وال آلو‪ ،‬قال‪ :‬فضرب رسول‬
‫َّ‬
‫هللا صلى هللا عليه وسلم بيده في صدري‪ ،‬وقال‪« :‬الحمد هلل الذي وفق رسول هللا ملا يرض ي رسول‬
‫هللا»‪( .‬أخرجه أبو داود)‬

‫َّ َ‬
‫كان من فضل هللا على هذه ألامة ورحمته بها أن تكفل بحفظ كتابه‪ ،‬قال تعالى‪ِ [ :‬إنا ن ْحن‬
‫ْ َ ِّ ْ َّ َ َ‬
‫الذك َر َو ِإنا له ل َحا ِفظون (‪( ])9‬سورة الحجر‪ ,‬آية ‪ )9‬فكان من مصداق ذلك ما هدى هللا إليه‬
‫نزلنا ِ‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪13‬‬

‫خليفة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم أبا بكر الصديق رض ي هللا عنه مع جمع القرآن في مصحف‬
‫واحد من الوثائق املكتوبة التي ساندها ما ال يحص ى من صدور الحفاظ‪ ،‬ثم هدى هللا ألامة بعد‬
‫ً‬
‫أقل من ثمانية عشر عاما مضت وفاة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم لكتابته على حرف واحد‬
‫بأمر أمير املؤمنين ذي النورين عثمان بن عفان رض ي هللا عنه‪ ،‬فحمى هللا كتابه أن يتعرض ملا‬
‫تعرضت له كتب ألاديان ألاخرى من ضياع وتغيير‪ ،‬فضل من بين كتب ألاديان ألاخرى كلها الوحيد‬
‫الثابت بالسند إلى النبي صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬فلم ينله أي تغيير طوال القرون‪.‬‬
‫ثم وفق هللا هذه ألامة لتوثيق سنة نبيه صلى هللا عليه وسلم بإتباع علمائها في وقت مبكر‬
‫ً‬
‫ً‬
‫منهجا مبتكرا لم يسبقوا إليه ولم يلحقوا فيه؛ فبفضل هذا املنهج صار من املتيسر التمييز بين‬
‫صحيح الحديث وضعيفه‪ ،‬ومرفوعه وموقوفه‪ ،‬ومتصله ومنقطعه‪ ،‬وناسخه ومنسوخه‪.‬‬
‫وألامر في هذا أعظم من أن يوصف‪ ،‬وال يدرك دقائقه إال من كان من ذوي الاختصاص‬
‫ً‬
‫ً‬
‫الذين أمضوا قدرا كافيا من أوقاتهم في النظر في أعمال املحدثين والاطالع على سيرهم ومؤلفاتهم‪.‬‬
‫ولقد تميزت هذه ألامة بصحة مصادرها وحفظها وتوثيقها بما لم يتفق لدين آخر من ألاديان‬
‫الشائعة في هذا العصر؛ فاإلسالم وحده هو الدين الوحيد الذي يوجد لدى أتباعه اليقين الكامل‬
‫عن شخصية النبي الذي جاء به‪ ،‬ودقائق سيرته وحياته العامة والخاصة‪ ،‬وكذا اليقين بأن الكتاب‬
‫الذي جاء به لم يتغير أو يبدل أو ينقص منه أو ي ْ‬
‫زد فيه عن ألاصل الذي جاء به‪.‬‬
‫أما ألاديان ألاخرى فكما يعلم كل ًمطلع على تاريخ ألاديان‪ ،‬ال يوجد لدى متدينيها يقين بأن‬
‫ً‬
‫مؤسسيها قد وجدوا أصال في الحياة‪ ،‬وال يوجد لديهم يقين باتصال سند الكتب املقدسة إلى‬
‫ألانبياء املنسوية إليهم؛ بل الثابت لديهم تعرضها للتحريف والتغيير‪ ،‬ووجود الاختالف والتناقض‬
‫وإتيان الباطل لها من بين يديها ومن خلفها‪.‬‬

‫كما توقع الرسول الكريم صلى هللا عليه وسلم فقد وجد في هذه ألامة على مر ألازمنة من‬
‫التقصير في الانتفاع بكتاب هللا وسنة نبيه وطلب الهدى منهما ما هو أشهر من أن يطال فيه‬
‫الكالم‪ ،‬وفي خصوص السنة فقد وجد في هذه ألامة من نقص علمه أو غلبه هواه فحاول أن يفرق‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪15‬‬

‫بين نوعي الوحي في وجوب إتباعهما والتمسك بهما‪ ،‬بدعوى الاستغناء بالقرآن عن السنة في العلم‬
‫والعمل‪ ،‬ولقد نبأ صلى هللا عليه وسلم بذلك؛ فعن املقداد بن معد يكرب أن النبي صلى هللا عليه‬
‫ً‬
‫وسلم قال‪ " :‬يوشك الرجل متكئا على أريكته يحدث بالحديث من حديثي فيقول‪ :‬بيننا وبينكم‬
‫كتاب هللا عز وجل‪ ،‬فما وجدنا فيه من حالل استحللناه‪ ،‬وما وجدنا فيه من حرام َ‬
‫حرمناه‪ ،‬أال وإن‬
‫ما حرم رسول هللا مثل ما حرم هللا " (أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال‪ :‬حسن الصحيح‬
‫)‬
‫َ َ َ َ َ َّ َ‬
‫واقرأ أخي املسلم في الرد على أمثال هؤالء قوله تعالى‪َ [ :‬م ْن ي ِط ِع ال َّرسو َل فق ْد أطاع الله]‬
‫َّ‬
‫ْ ْ‬
‫َ َّ َ َ َّ‬
‫(سورة النساء‪ ،‬آية ‪ ،)81‬وقوله‪ [ :‬ق ْل ِإن كنت ْم ت ِح ُّبون اللـه فات ِبعو ِني ي ْح ِب ْبكم اللـه] (سورة آل‬
‫َ َ‬
‫َ َ‬
‫َّ‬
‫َ َ ْ‬
‫َ ْ َ َ َ َ‬
‫عمران‪ ,‬آية ‪ ،)41‬وقوله‪َ [ :‬و َما كان ِملؤ ِمن َوال مؤ ِمنة ِإذا قض ى الله َو َرسوله أ ْم ًرا أن َيكون لهم‬
‫َ َ َ َ ََ ً‬
‫ً‬
‫َّ َ‬
‫ْالخ َي َرة م ْن َأ ْمره ْم َو َمن َي ْ‬
‫ص الله َو َرسوله فق ْد ض َّل ضالال ُّم ِبينا] (سورة ألاحزاب‪ ,‬آية ‪ ،)46‬وقوله‪:‬‬
‫ع‬
‫ِ ِ‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫ََ‬
‫َ‬
‫َ ْ َ‬
‫َ ِّ َ َّ‬
‫اس َما ن ِّ ِز َل ِإل ْي ِه ْم] (سورة النحل‪ ،‬آية ‪ ،)33‬وقال تعالى‪ [ :‬فال َو َر ِِّب َك ال يؤ ِمنون َح َّت ٰى‬
‫[ ِلتب ِين ِللن ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ ِّ َ َ َ‬
‫ْ َ َ ً ِّ َّ َ َ‬
‫ض ْي َت َوي َس ِِّلموا َت ْس ِل ً‬
‫يما] (سورة‬
‫يما ش َج َر َب ْي َنه ْم ث َّم ال َي ِجدوا ِفي أنف ِس ِهم حرجا ِمما ق‬
‫يح ِكموك ِف‬
‫النساء‪ ,‬آية ‪ ،)65‬والحق أن كل انحراف فكري أو عملي وقع في هذه ألامة كان بسبب إلاخالل‬
‫بالتمسك بهذين الثقلين من نوعي الوحي‪ :‬القرآن والسنة‪ ،‬والزيغ عنهما‪ ،‬وتقديم غيرهما من مصادر‬
‫املعرفة والفكر عليهما‪ ،‬والغفلة عن أن هللا يعلم والخلق ال يعلمون‪ ،‬وأن الوحي لو كان من عند غير‬
‫ً‬
‫ً‬
‫هللا لوجدوا فيه اختالفا كثيرا؛ فالحمد هلل رب العاملين على إكمال دينه وإتمام نعمته ورضاه لنا‬
‫ً‬
‫إلاسالم دينا‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪16‬‬

‫الوصية الثالثة‬

‫الوصية بآل البيت‬
‫أخرج مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم قال‪ :‬قام رسول هللا صلى هللا عليه وسلم َي ْو ًما‬
‫‪-1‬‬
‫َ َ ً َ ْ َ ًّ َ ْ َ َ َّ َ َ ْ َ َ َ َ َ َّ َ َ َ ْ َ َ َ ْ َ َ َ َ‬
‫ظ َو َذ َّك َر ث َّم َق َ‬
‫ال‪:‬‬
‫ِفينا خ ِطيبا ِبماء يدعى خما بين مكة وامل ِدين ِة‪ ،‬فح ِمد الله وأثنى علي ِه ووع‬
‫َْ ْ‬
‫َ‬
‫َََ‬
‫َ َّ َ َ َ َ َ‬
‫َ ََ َ‬
‫َ َّ َ ْ َ َ َ ُّ َ َّ‬
‫يب‪َ ،‬وأنا تا ِر ٌك ِفيك ْم ثقل ْي ِن‪:‬‬
‫وشك أن َيأ ِت َي َرسول َرِِّبي فأ ِج‬
‫أما بعد! أال أيها الناس! ف ِإنما أنا بش ٌر‪ ،‬ي ِ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫َ َّ َ َ‬
‫َّ َ ْ َ‬
‫َ‬
‫َ َّ َ َ‬
‫ْ َ َ ُّ‬
‫ور‬
‫است ْم ِسكوا ِب ِه‪ ،‬ف َحث َعلى ِكتا ِب الل ِه‬
‫اب الل ِه و‬
‫ت‬
‫ك‬
‫ب‬
‫وا‬
‫ذ‬
‫خ‬
‫ف‬
‫‪،‬‬
‫الن‬
‫و‬
‫ى‬
‫د‬
‫ه‬
‫ال‬
‫يه‬
‫ف‬
‫‪،‬‬
‫ه‬
‫الل‬
‫اب‬
‫ت‬
‫أولهما ِك‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ِِ ِ‬
‫َو َر َّغ َب ِف ِيه ث َّم َق َ‬
‫ال‪:‬‬
‫َّ َ َ‬
‫َّ َ َ‬
‫َ‬
‫َ ِّ ْ َّ َ َ ْ َ ْ َ َ َ َ‬
‫َ ِّ‬
‫َ ِّ‬
‫ال له‬
‫َوأ ْهل َب ْي ِتي‪ ،‬أذ ِكرك ْم الله ِفي أ ْه ِل َب ْي ِتي‪ ،‬أذ ِكرك ْم الله ِفي أ ْه ِل َب ْي ِتي‪ ،‬أذ ِكركم الله ِفي أه ِل بي ِتي فق‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ح َ‬
‫س ِن َساؤه م ْن َأ ْهل َب ْي ِته؟ِ َق َ‬
‫ص ْي ٌن‪َ :‬و َم ْن َأ ْهل َب ْي ِت ِه َيا َزْيد؟ َأ َل ْي َ‬
‫ال‪ِ :‬ن َساؤه ِم ْن أ ْه ِل َب ْي ِت ِه‪َ ,‬ول ِك ْن أ ْهل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َب ْيته َم ْن حر َم َّ‬
‫ال‪َ :‬و َم ْن ه ْم؟ َق َ‬
‫الص َد َق َة َب ْع َده‪َ .‬ق َ‬
‫ال‪ :‬ه ْم آل َع ِل ِّي‪َ ,‬وآل َع ِقيل‪َ ,‬وآل َج ْعفر‪َ ,‬وآل َع َّباس‪.‬‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ال‪ :‬ك ُّل َهؤالء حر َم َّ‬
‫الص َدقة؟ ق َ‬
‫َق َ‬
‫ال‪ :‬ن َع ْم "‬
‫ِ‬
‫ِ‬

‫‪-2‬‬

‫ً‬
‫وأخرج البخاري وغيره عن أبي بكر رض ي هللا عنه قال‪ " :‬ارقبوا محمدا صلى هللا عليه وسلم‬

‫في اهل بيته "‪ ،‬وأخرج البخاري وغيره عنه أنه قال‪ " :‬والذي نفس ي بيده لقرابة رسول هللا صلى هللا‬
‫عليه وسلم أحب إلى أن أصل من قرابتي "‬

‫وأخرج مسلم عن صفية بنت شيبة قالت‪ :‬قالت عائشة رض ي هللا عنها‪ :‬خرج النبي صلى‬
‫‪-4‬‬
‫هللا عليه وسلم ذات غداة وعليه ِم ْرط م َر ًحل من شعر أسود فجاء الحسن رض ي هللا عنه فأدخله‬
‫معه ثم جاء الحسين فأدخله معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه ثم جاء علي فأدخله معه ثم قال‪:‬‬
‫ً‬
‫"إنما يريد هللا ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا "‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪17‬‬

‫من هم آل بيت النبي صلى هللا عليه وسلم؟‬
‫َ َ‬
‫قال سبحانه وتعالى في خطاب زوجات النبي صلى هللا عليه وسلم‪َ [ :‬وق ْرن ِفي بيو ِتك َّن َوال‬
‫َّ َ َ َ َّ َ َ َ‬
‫َ َ‬
‫ْ‬
‫َّ‬
‫َ َّ‬
‫َّ َ‬
‫ََ ْ َ ََ َ ْ َ‬
‫الزكاة َوأ ِط ْع َن الله َو َرسوله ِإن َما ي ِريد الله ِليذ ِه َب‬
‫اه ِل َّي ِة ألاولى َوأ ِق ْم َن الصالة وآ ِتين‬
‫تب َّرجن تب ُّرج الج ِ‬
‫َ ْ َ َ َْ‬
‫ِّ ْ َ َ ْ ْ َ ْ َ َ ْ َ ْ‬
‫َّ ْ ْ‬
‫َْ‬
‫َّ ْ َ‬
‫ات الل ِه َوال ِحك َم ِة‬
‫الرج‬
‫س أه َل البي ِت ويط ِِّه َركم تط ِه ًيرا (‪ )44‬واذك ْرن ما يتلى ِفي بيو ِتكن ِمن آي ِ‬
‫عنكم ِ‬
‫َّ َ َ َ َ ً‬
‫ِإ َّن الله كان ل ِطيفا] (سورة ألاحزاب‪ ،‬آية ‪ ،)43 - 44‬آلاية الكريمة وإن كانت – كما هو ظاهر من‬
‫السياق – نزلت في أزواج النبي صلى هللا عليه وسلم فهن املقصودات بالنص‪ ،‬إال أن أهل البيت ال‬
‫يختص بهن؛ بل يشمل معهن قرابة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم؛ كما في حديث عائشة رض ي‬
‫ً‬
‫هللا عنها ( الذي مر آنفا )‪ ،‬وكما في حديث زيد بن أرقم عندما سئل زيد بن أرقم من هم أهل بيته؟‬
‫قال‪ :‬أهل بيته من حرم الصدقة بعده‪ .‬قال السائل‪ :‬ومن هم؟ قال‪ :‬هم آل علي وآل عقيل وآل‬
‫جعفر وآل عباس " (أخرجه مسلم )‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة رض ي هللا عنه قال‪ :‬أخذ الحسن بن علي رض ي هللا عنهما تمرة من تمر الصدقة‬
‫فجعلها في فيه فقال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ (( :‬كخ كخ‪ ،‬أرم بها‪ "،‬أما علمت أنا ال نأكل‬
‫ً‬
‫الصدقة؟! " وفي رواية ملسلم‪ " :‬أننا ال تحل لنا الصدقة "‪ .‬وجاء في الصحيحين أن النبي صلى هللا‬
‫عليه وسلم قال ألصحابه‪" :‬قولوا‪ :‬اللهم صلى على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل‬
‫أبراهيم‪ ،‬وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل أبراهيم ’ إنك حميد مجيد "‪ ،‬وهذا‬
‫ً‬
‫اللهم َ‬
‫ً‬
‫محمد‪ ،‬وبارك على ً‬
‫محمد وعلى آل ً‬
‫ص ًل على ً‬
‫محمد وعلى آل‬
‫يفسر اللفظ ألاخير للحديث‪" :‬‬

‫ً‬
‫محمد ’‪ ,‬فاآلل هما ٌهم ألازواج والذرية كما في الحديث ألاول‪ ،‬والنص يقتض ي تفسير ( آلال ) في‬
‫َ َ ََ‬
‫ٌ َ‬
‫ََ‬
‫َ َ ْ‬
‫آل محمد بمعنى ( آلال) في آل إبراهيم‪ ،‬قال تعالى‪ [ :‬قالت َيا َو ْيلتى أأ ِلد َوأنا َعجوز َو َهذا َب ْع ِلي‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ََ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫َش ْي ًخا إ َّن َه َذا َل َش ْي ٌء َعج ٌ‬
‫يب (‪ )72‬قالوا أت ْع َج ِبين ِم ْن أ ْم ِر الل ِه َر ْح َمت الل ِه َو َب َركاته َعل ْيك ْم أ ْه َل ال َب ْي ِت‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يد َمج ٌ‬
‫إ َّنه َحم ٌ‬
‫يد (‪( [ )74‬سورة هود‪ ،‬آية ‪)74 - 72‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫فالسياق يدل على أن أهل البيت يشمل إبراهيم وزوجته وإسحاق ويعقوب‪ ،‬ويقتض ي كل ما سبق‬

‫أن آل بيت النبي صلى هللا عليه وسلم باملعنى الواسع هم كل من تحرم عليه الزكاة بسبب قرابته‬
‫من الرسول صلى هللا عليه وسلم‪.‬‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪18‬‬

‫بعض ما ورد في فضائلهم‬
‫في الصحيحين عن املسور بن مخرمة قال‪ :‬إن عليا خطب بنت أبي جهل فسمعت بذلك‬
‫فاطمة فأتت رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ .‬فقالت‪ :‬يزعم قومك أنك ال تغضب لبناتك‪ ،‬وهذا‬
‫علي ناكح بنت أبي جهل فقام رسول هللا صلى هللا عليه وسلم فسمعته حين تشهد يقول أما بعد‬
‫أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني وصدقني وإن فاطمة بضعة مني وإني أكره أن يسوئها وهللا ال‬
‫تجتمع بنت رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وبنت عدو هللا عند رجل واحد فترك علي الخطبة‪ .‬وفي‬
‫ً‬
‫رواية‪ " :‬فاطمة بضعة مني‪ ،‬فمن أغضبها أغضبني "‪ ،‬وفي رواية أيضا‪ :‬فاطمة بضعة مني‪ ،‬يريبني ما‬
‫رابها‪ ،‬ويؤذيني ما آذاها‪.‬‬
‫وروي البخاري رحمه هللا أن النبي صلى هللا عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب رض ي هللا عنه‪" :‬‬
‫أنت مني وأنا منك "‪ ،‬كما قال صلى هللا عليه وسلم في حق الحسن بن علي رض ي هللا عنه‪ " :‬إن‬
‫ابني هذا سيد‪ ،‬ولعل هللا أن يصلح به بين فئتين من املسلمين " (أخرجه البخاري)‪ ،‬وقال في‬
‫َ‬
‫ََ‬
‫َّ ِّ‬
‫الحسين بن علي‪“ :‬الله َّم ِإ ِني أ ِح ُّبه فأ ِح َّبه َوأ ِح َّب َم ْن ي ِح ُّبه ¬ (متفق عليه)‪ ،‬وقال هللا تعالى في‬
‫أزواجه صلى هللا عليه وسلم‬
‫َ‬
‫َّ َ َ ْ ْ َ‬
‫َْ‬
‫[ الن ِب ُّي أ ْولى ِباملؤ ِم ِنين ِم ْن أنف ِس ِه ْم َوأز َواجه أ َّم َهاته ْم ] (سورة ألاحزاب‪ ،‬آية ‪ ،)6‬وفي اختصاص هللا‬
‫للمباهلة بهم في آية املباهلة أكبر دليل على فضلهم‪ ،‬قال تعالى‪َ [ :‬ف َم ْن َح َّ‬
‫اج َك ِف ِيه ِم ْن َب ْع ِد َما‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َْ َ َْ‬
‫ْ ْ َ َ َ َ َ َ َ َ َ‬
‫َج َاء َك ِم َن ال ِعل ِم فق ْل ت َعال ْوا ن ْدع أ ْبن َاءنا َوأ ْبن َاءك ْم َو ِن َس َاءنا َو ِن َس َاءك ْم َوأنف َسنا َوأنف َسك ْم ث َّم ن ْب َت ِه ْل‬
‫ْ‬
‫َ َ ْ َ ْ َ ْ َ َ َّ‬
‫الله َع َلى ْال َكاذب َين (‪ )61‬إ َّن َه َذا َله َو ْال َق َ‬
‫صص ال َح ُّق ] (سورة آل عمران‪ ،‬آية ‪- 61‬‬
‫فنجعل لعنة‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫‪.)62‬‬

‫إن محبة آل بيت النبوة وإجاللهم فرض شرعي قال النبي صلى هللا عليه وسلم " وأهل بيتي‬
‫أذكركم هللا في أهل بيتي أذكركم هللا في أهل بيتي أذكركم هللا في أهل بيتي؛ وألن محبتهم من محبة‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪.‬‬
‫وهذه املحبة وإلاجالل ألهل البيت تقتض ي‪:‬‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪19‬‬

‫‪.1‬‬

‫معاملتهم بما يليق بهم‪.‬‬

‫‪.2‬‬

‫والدعاء لهم في الصالة والسالم على رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬

‫‪.4‬‬

‫وتولي الصالحين منهم مجالستهم وألاخذ عنهم‪ ،‬والبر بهم وتطييب خواطرهم؛ والرغبة في‬
‫ً‬
‫ً‬
‫القرب منهم‪ ،‬ومصاهرتهم تزوجا أو تزويجا‪.‬‬

‫‪.3‬‬

‫مناصرتهم والبذل لهم‪ ،‬والذب عنهم‪ ،‬وذكر مناقبهم ومحاسنهم‪.‬‬

‫‪.5‬‬

‫مناصحة غير الصالح منهم والشفقة عليهم والرحمة به‪ ،‬ودعوته إلى نهج آل البيت‬
‫الطيبين الطاهرين‪ .‬قال آلاجري رحمة هللا‪( :‬واجب على كل املسلمين محبة أهل بيت‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬وإكرامهم واحتمالهم‪ ،‬وحسن مداراتهم والصبر عليهم‪،‬‬

‫‪.6‬‬

‫والدعاء لهم)‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ ِّ‬
‫َ‬
‫َ ْ َ ْ َّ َ‬
‫اعلموا أن َما غ ِن ْمتم ِِّمن ش ْيء فأ َّن ِلل ِه‬
‫استحقاقهم من الخمس والفيء‪ ،‬قال هللا تعالى‪[ :‬و‬
‫َ ْ‬
‫َ‬
‫ْ َْ َ ْ َ َ َ َ َْ َ‬
‫َّ‬
‫َ َ َّ‬
‫يل] (سورة ألانفال‪ ،‬آية‬
‫خمسه و ِللرسو ِل و ِل ِذي القربى واليتامى واملس ِاك ِين واب ِن الس ِب ِ‬
‫‪.)31‬‬

‫َ‬
‫ََ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ َّ‬
‫َّ‬
‫ْ َ‬
‫وقال تعالى‪َّ [ :‬ما أفاء الله َعلى َرس ِول ِه ِم ْن أ ْه ِل الق َرى ف ِلل ِه َو ِل َّلرسو ِل َو ِل ِذي الق ْرَبى َوال َيت َامى‬
‫َ ْ َ َ َ ً َْ َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫َ َْ َ‬
‫َّ‬
‫ألا ْغ ِن َياء ِمنك ْم َو َما َآتاكم َّ‬
‫الرسول فخذوه َو َما ن َهاك ْم‬
‫يل كي ال يكون دولة بين‬
‫واملس ِاك ِين واب ِن الس ِب ِ‬
‫َع ْنه َف َ‬
‫انتهوا] (سورة الحشر‪ ،‬آية ‪.)7‬‬
‫وما زال املسلمون يضمنون عقائدهم النص على حقوق آل بيت النبي صلى هللا عليه‬
‫وسلم‪ ،‬كما جاء في العقيدة الطحاوية تأليف إلامام أبي جعفر الطحاوي الحنفي من علماء القرن‬
‫الثالث الهجري‪( :‬ومن أحسن القول في اصحاب رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وأزواجه‬
‫الطاهرات من كل َد َ‬
‫نس‪ ،‬وذرياته املقدسين من كل رجس‪ ،‬فقد برئ من النفاق)‪.‬‬
‫وكما جاء في العقيدة الواسطية تأليف شيخ إلاسالم ابن تيمية الحنبلي من علماء القرن‬
‫السابع الهجري في سياق سرد عقائد أهل السنة والجماعة قال‪( :‬ويحبون آل بيت رسول هللا صلى‬
‫هللا عليه وسلم ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول هللا صلى هللا عليه وسلم حيث قال يوم‬
‫ً‬
‫غدير خم‪ " :‬أذكركم هللا في أهل بيتي " وقال أيضا للعباس عمه وقد اشتكى إلية أن بعض قريش‬
‫يجفون بني هاشم فقال‪ " :‬والذي نفس ي بيده ال يؤمنون حتى يحبونكم هلل ولقرابتي "‬
‫(أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد في املسند )‪ .‬أ‪.‬هـ )‪.‬‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪21‬‬

‫حفظ الصحابة رضوان هللا عليهم وصية رسول هللا صلى هللا عليه وسلم في آل بيت النبي‬
‫ً‬
‫صلى هللا عليه وسلم؛ فهذا أبو بكر يقول لعلي رض ي هللا عنهما جميعا‪ " :‬والذي نفس ي بيده‪ ،‬لقرابة‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم أحب إلى أن أصل من قرابتي "‪ ،‬ويقول‪" :‬أفتنا يا أبا الحسن "‪ ،‬ولى‬
‫ً‬
‫رض ي هللا عنه يوما العصر ثم خرج يمش ي‪ ،‬فرأى الحسن يلعب مع الصبيان‪ ،‬فحمله على عاتقه‬
‫وأخذ يرتجز‪:‬‬
‫ٌ‬
‫شبية بال ٌن ً‬
‫بي‬
‫بأبي‬

‫ال َش ٌ‬
‫بيه ً‬
‫بعلي‬

‫َ‬
‫وعلى رض ي هللا عليه َ‬
‫يضحك‪.‬‬
‫معه‬
‫وحينما وضع عمر الديوان ليوزع بيت املال بدأ بيت رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬وقد‬
‫ظن الناس أنه يبدأ بنفسه فلم يفعل؛ بل قال‪ " :‬ضعوا عمر حيث وضعه هللا (طبقات ابن سعد‬
‫ج‪ / 4‬ص ‪ ،)295‬فكان نصيبه في نوبة بني عدي وهم متأخرون عن أكثر بطون قريش‪.‬‬
‫أما عائشة رض ي هللا عنها فأصح الطرق في مناقب علي رض ي هللا عنه وكان من روايتها‪ ،‬فقد‬
‫روت حديث الكساء في فضل علي وفاطمة والحسن والحسين رض ي هللا عنهم أجمعين‪ ،‬وكانت‬
‫تحيل السائلين واملستفتين إلى علي رض ي هللا عنه‪ ،‬وطلبت رض ي هللا عنها بعد استشهاد عثمان‬
‫رض ي هللا عنه أن يلزم الناس عليا؛ فقد سألها عبدهللا بن بديل بن ورقاء الخزاعي‪ :‬من يبايع؟‬
‫فقالت‪ " :‬الزم عليا "‪.‬‬
‫وقال رجل لعبد هللا بن عمر رض ي هللا عنهما‪ :‬إني ألبغض عليا‪ ،‬فقال له ابن عمر‪ " :‬أبغضك هللا‪،‬‬
‫ً‬
‫أتبغض رجال سابقة من سوابقه خير من الدنيا وما فها؟!"‪.‬‬
‫وكذلك آل البيت يبادلون الصحابة مشاعر املحبة والتقدير؛ فعن أبي جحيفة – وهو‬
‫الذي كان علي يسميه وهب الخير – قال‪ :‬قال لي علي‪ " :‬يا أبا جحيفة‪ ،‬أال أخبرك بأفضل هذه ألامة‬
‫بعد نبيها؟ قال‪ :‬أفضل هذه ألامة بعد نبيها أبو بكر‪ ،‬وبعد أبى بكر عمر وبعدهما آخر ثالث لم ً‬
‫يسمه‬
‫(أخرجه أحمد والطبراني في ألاوسط )‪ ،‬وفي الصحيحين عن ابن عباس رض ي هللا عنهما قال‪" :‬وضع‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪21‬‬

‫عمر على سريره – يعني بعد وفاته ‪ ،-‬فتكفنه الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع‪ ،‬قال ابن‬
‫عباس‪ :‬وأنا فيهم‪ ،‬فلم يرعني إال رجل أخذ بمنكبي فإذا علي بن أبي طالب رض ي هللا عنه‪ ،‬فترحم‬
‫ً‬
‫ً َ‬
‫ََ‬
‫ٌ‬
‫هللا إن كنت ألظن أن‬
‫على عمر وقال‪ :‬ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى هللا بمثل عمله منك‪ ،‬وايم ِ‬
‫ً‬
‫يجعلك هللا مع صاحبيك‪ ،‬وحسبت أني كثيرا أسمع النبي صلى هللا عليه وسلم يقول‪ " :‬ذهبت أنا‬
‫وأبو بكر وعمر " و"دخلت أنا وأبو بكر وعمر " و" جئت وخرجت أنا وأبو بكر وعمر "‪.‬‬
‫أما عائشة رض ي هللا عنها فإن عليا رض ي هللا عنه بالرغم مما وقع بينهما من خالف في شأن‬
‫قتلة عثمان كان يكرمها ويجلها ويحفظ لها مكانها من رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬فقد وقف‬
‫ً‬
‫رجالن على باب دارها في البصرة‪ ،‬فقال أحدهما‪ :‬جزيت عنا أمنا عقوقا‪ ،‬وقال آلاخر‪ :‬يا أمنا‪ ،‬توبي‬
‫ً‬
‫فقد أخطات‪ ،‬فبلغ ذلك عليا فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب‪ ،‬فأقبل بمن كان عليه‪ ،‬فأحلوا‬
‫على الرجلين‪ ،‬فضربهما مائة سوط وأخرجهما من ثيابهما " (الكامل في التاريخ ج‪/4‬ص‪ .)133‬وعن‬
‫الشعبي قال‪( :‬لقد رأى علي رض ي هللا عنه طلحة في واد ملقى – يعني بعد الحرب ‪ ،-‬فنزل فمسح‬
‫ً‬
‫التراب عن وجهه وقال‪ :‬عزيز علي – أبا محمد – أن أراك مجندال‪ ،‬إلى هللا أشكو عجري وبجري‪.‬‬
‫فترحم عليه ثم قال‪ :‬ليتني ٌ‬
‫مت قبل هذا بعشرين سنة) وكان يقول‪ ( :‬إني ألرجو أن أكون وطلحة‬
‫ْ ً َ‬
‫َ َ‬
‫ََ َ‬
‫والزبير ممن قال هللا فيهم‪َ [ :‬ون َز ْعنا َما ِفي صدو ِر ِهم ِّم ْن ِغ ِّل ِإخ َوانا َعل َى سرر ِّمتق ِاب ِلين] (سورة‬
‫الحجر‪ ،‬آية ‪( .)37‬انظر‪ :‬أسد الغابة ج‪/4‬ص‪)86‬‬
‫وفي سنن البيهقي الكبرى عن أبي حبيبة مولى طلحة‪ ،‬قال‪ :‬دخلت على علي رض ي هللا عنه مع عمران‬
‫بن طلحة بعد ما فرغ مت أصحاب الجمل‪ ،‬قال‪ :‬فرحب به وأدناه‪ ،‬وقال‪ :‬أني ألرجو أن يجعلني هللا‬
‫ْ ً َ‬
‫َ َ‬
‫ََ َ‬
‫وأباك من الذين قال هللا عز وجل‪َ [ :‬ون َز ْعنا َما ِفي صدو ِر ِهم ِّم ْن ِغ ِّل ِإخ َوانا َعل َى سرر ِّمتق ِاب ِلين]‬
‫(سورة الحجر‪ ،‬آية ‪ ،)37‬فقال‪ :‬يا ابن أخي كيف فالنة؟ كيف فالنة؟ قال‪ :‬وسأله عن أمهات أوالد‬
‫أبيه؟ فقال رجالن جالسان ناحية‪ ،‬أحدهما الحارث ألاعور‪ :‬هللا أعدل من ذلك‪ ،‬أن نقتلهم ويكونوا‬
‫إخواننا في الجنة! قال‪ :‬قوما أبعد أرض هللا وأسحقها‪ ،‬فمن هو؟ إذا لم أكن أنا وطلحة! يا ابن أخي‬
‫إذا كانت لك حاجة فأتنا " وقال الحاكم‪ :‬صحيح إلاسناد‪ ،‬ومن صور التالحم الذي كان بين النبي‬
‫صلى هللا عليه وسلم والصحابة والتابعين ما كان بينهم من املصاهرة؛ فقد تزوج صلى هللا عليه‬
‫وسلم عائشة وحفصه ابنتي أبي بكر وعمر‪ ،‬وعثمان تزوج رقية وأم كلثوم ابنتي رسول هللا صلى هللا‬
‫عليه وسلم وعلي سمي ثالثة من أبنائه أبا بكر وعمر وعثمان‪ ،‬وزوج ابنته أم كلثوم لعمر بن‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪22‬‬

‫الخطاب رض ي عنهم أجمعين‪ ،‬والحسن تزوج أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد هللا‪ ،‬وتزوج حفصة‬
‫بنت عبدالرحمن بن أبي بكر‪ ،‬وسمى أوالده أبا بكر وعمر وطلحة‪ ،‬والحسين سمى ولده عمر‪ ،‬وهذا‬
‫إلامام جعفر الصادق رض ي هللا عنه وعن آبائه جده ألمه أبو بكر الصديق رض ي هللا عنه‪ ،‬فأمه‬
‫فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر‪ ،‬وأقم القاسم هي أسماء بنت عبدالرحمن بن أبي بكر‪،‬‬
‫ولهذا كان إلامام جعفر يقول‪ " :‬ولدني الصديق مرتين "‪.‬وما تدل عليه ألاحاديث الصحيحة من‬
‫املوالاة واملحبة بين الصحابة وال سيما الخلفاء ألاربعة الراشدين املهديين هو ما يتفق مع العقل‬
‫واملنطق وما تقتضيه ط باع ألاشياء فهم الذين وصل القرآن وإلاسالم للناس على أيديهم وهم أحق‬
‫َّ ْ ْ َ ْ ٌ‬
‫من يلتزم بقيم إلاسالم‪ ،‬وال سيما ما أوجب هللا من ألاخوة بين املؤمنين‪ِ [ :‬إن َما املؤ ِمنون ِإخ َوة [‬
‫َ‬
‫ْ ْ َ ْ ْ َ‬
‫(سورة الحجرات‪ ،‬آية ‪ ,) 11‬واملوالاة بينهم‪َ [ :‬واملؤ ِمنون َواملؤ ِمنات َب ْعضه ْم أ ْو ِل َياء َب ْعض[ (سورة‬
‫التوبة‪ ،‬آية ‪ ,) 71‬والتواد والتراحم‪ " :‬مثل املؤمنين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد إذا‬
‫اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " (متفق عليه)‪ .‬ومعروف أن عصرهم هو‬
‫العصر الذهبي لإلسالم الذي طبقت فيه أحكام إلاسالم وتعاليمه أكمل من أي عصر جاء بعده‪.‬‬
‫فال يلتفت بعد هذا إلى ما ورد في بعض التواريخ من أخبار ال تتفق مع ألاحاديث الصحيحة‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫التي أوردنا نموذجا منها‪ ،‬ألن أخبار التاريخ على خالف ألاحاديث الشريفة لم تخضع توثيقا وتدقيقا‬
‫للمعايير الصارمة في تقييم ألاخبار‪ ،‬وكثير منها كان نتيجة لألهواء والعصبية‪.‬‬
‫وما هو ثابت من وقائع التاريخ كحرب الجمل وصفين؛ فإن مسافة شاسعة من الزمن‬
‫وعدم العلم تفصلنا عن ظروف هذه الوقائع ومالبساتها‪ ،‬وأخبار التاريخ عنها متناقضة‪ ،‬وكثير منها‬
‫نابع عن هوى أو عصبية‪ ،‬والواجب علينا في هذا أن نقول كما أ شدنا هللا‪َ [ :‬و َّالذ َ‬
‫ين َجاءوا ِم ْن‬
‫ر‬
‫ِ‬
‫َن َ َّ َ ْ ْ َ َ َ ْ َ َ َّ َ َ َ َ‬
‫ونا باإل َيمان َوال َت ْج َع ْل في قلوب َنا غ ًّال ل َّلذ َ‬
‫َ ْ ْ َ‬
‫ين َآمنوا‬
‫ِ ِ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫بع ِد ِهم يقولو ربنا اغ ِفر لنا و ِ ِإلخو ِاننا ال ِذين سبق ِ ِ ِ‬
‫َ َّ َ َّ َ َ ٌ‬
‫وف َرح ٌ‬
‫يم] (سورة الحشر‪ ،‬آية ‪ ،) 11‬ونعتذر للصحابة في مثل هذا بأنهم مجتهدون‪،‬‬
‫ربنا ِإنك رء‬
‫ِ‬
‫للمصيب منهم أجران وللمخطئ أجر‪ ،‬وهذا ما يجب لهؤالء ألاخيار‪ ،‬فنعرف لهم سابقتهم مع رسول‬
‫هللا صلى هللا عليه وسلم وجهودهم بعده في نصر إلاسالم ونشره‪ ،‬وقد علمنا هللا تعالى أن الخالف‬
‫ْ َ ََ‬
‫ْ ْ َ‬
‫بين املؤمنين ال يترتب عليه زوال وصف إلايمان عنهم؛ فقد قال تعالى‪َ [ :‬و ِإن طا ِئفت ِان ِم ْن املؤ ِم ِنين‬
‫َ َّ َ َ َ َ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َّ َ‬
‫ََ‬
‫ْ‬
‫َ ْ َ ْ‬
‫َ‬
‫ْاق َت َتلوا َف َأ ْ‬
‫يء ِإلى أ ْم ِر الل ِه‬
‫ص ِلحوا َب ْي َنه َما ف ِإن َبغت ِإ ْحداه َما َعلى ألاخ َرى فقا ِتلوا ال ِتي ت ْب ِغي حتى ت ِف‬
‫ْ‬
‫َْ‬
‫ْ ْ َ ْ ٌ‬
‫ْ ْ‬
‫َ َّ‬
‫َّ َ‬
‫َفإ ْن َف َاء ْت َف َأ ْ‬
‫ص ِلحوا َب ْي َنه َما ِبال َع ْد ِل َوأق ِسطوا ِإ َّن الله ي ِح ُّب املق ِس ِطين ِإن َما املؤ ِمنون ِإخ َوة‬
‫ِ‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪24‬‬

‫َّ َ َ َّ‬
‫َ‬
‫َ َ َ‬
‫َّ‬
‫َف َأ ْ‬
‫ص ِلحوا َب ْين أخ َو ْيك ْم َواتقوا الله ل َعلك ْم ت ْر َحمون] (سورة الحجرات‪ ,‬آية ‪ ،) 11 - 9‬فسمى كلتا‬
‫الطائفتين إخوة مؤمنين‪.‬‬

‫إن املعصوم من ال يجوز عليه الخطأ‪ ،‬ومن ال يجوز عليه الخطأ من البشر هم ألانبياء‬
‫والذي أوحى هللا إليهم بالوحي وأمرهم بتبليغه؛ إذ لو جاز عليهم الخطأ في التبليغ لقدح ذلك فيما‬
‫يبلغونه‪.‬‬
‫وآل البيت مثل غيرهم من البشر يجتهدون ويخطئون فما اجتهدوا فيه وأصابوا فلهم أجران وما‬
‫اجتهدوا فيه فأخطئوا فلهم أجر‪.‬‬
‫أما حديث الذي روي من طرق في غير الصحيحين‪ " :‬إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به‬
‫ملن تضلوا بعدي‪ ،‬الثقلين أحداهما أكبر من آلاخر‪ :‬كتاب هللا حبل ممدود من السماء إلى ألارض‬
‫وعترتي‪ ،‬أهل بيتي‪ ،‬أال وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض "‪ ،‬فال يجوز أن يفهم منه أن أهل‬
‫البيت مصدر للتشريع مثل القرآن والسنة‪.‬‬
‫وهذا الحديث بصرف النظر عن تضعيف من ضعفه من علماء الحديث‪ ،‬ال يدل على ألامر‬
‫باتباع كل فرد من أفراد آل البيت؛ ألنهم في الوقت الواحد متعددون ويختلفون في مذاهبهم‬
‫وفتاواهم وقد يخطئ بعضهم بعضا والاتباع إنما يكون الواحد كما أوجب هللا اتباع القرآن واتباع‬
‫ً‬
‫الرسول صلى هللا عليه وسلم فغاية ما يدل عليه الحديث املذكور – إن صح وكان لفظه محفوضا‬
‫‪ :‬ألامر باتباع هديهم وسنتهم في الجملة كما جاء في حديث‪" :‬عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين‬‫املهدين من بعدي " وال خلفاء الراشدين كما عليه أهل السنة والجماعة ليسوا معصومين وال‬
‫يستقلون بالتشريع ويجوز عليهم الخطأ‪ ،‬ويستدرك بعضهم على بعض‪ ،‬فأحكامهم حكم املجتهد‬
‫الذي إن أخطأ له أجر وإن أصاب فله أجران‪.‬‬
‫وأحسن ما يفسر به الحديث – إن َ‬
‫صح – ما قاله القرطبي في املفهم؛ فقد قال رحمة هللا‪( :‬هذه‬
‫الوصية وهذا التأكيد العظيم يقتض ي وجود احترام آل النبي محمد صلى هللا عليه وسلم وإبراهيم‬
‫وتقديرهم ومحبتهم وجوب الفروض املؤكدة التي ال عذر ألحد في التخلف عنها) أ‪ .‬هـ‪.‬‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪23‬‬

‫الوصية الرابعة‬

‫الوصية باألنصار‬

‫‪-1‬‬

‫أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رض ي هللا عنه قال‪ :‬مر أبو بكر والعباس رض ي هللا‬

‫عنهما بمجلس من مجالس ألانصار وهم يبكون فقال‪ :‬ما يبكيكم؟ قالوا‪ :‬ذكرنا مجلس النبي صلى‬
‫هللا عليه وسلم منا‪ ،‬فدخل على النبي صلى هللا عليه وسلم فأخبره بذلك‪ .‬قال‪ :‬فخرج النبي صلى‬
‫هللا عليه وسلم وقد عصب على رأسه حاشية برد‪ ،‬قال‪ :‬فصعد املنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم‬
‫فحمد هلل وأثنى عليه‪ ،‬ثم قال‪ :‬أوصيكم باألنصار؛ إنهم كرش ي وعيبتي‪ ،‬وقد قضوا الذي عليهم وبقي‬
‫الذي لهم‪ ،‬فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم"‪.‬‬
‫وأخرج البخاري عن ابن عباس رض ي هللا عنهما قال خرج رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫‪-2‬‬
‫ً‬
‫وعليه ملحفة متعطفا بها على منكبيه وعليه عصابة دسماء حتى جلس على املنبر فحمد هللا وأثنى‬
‫عليه‪ ،‬ثم قال‪" :‬أما بعد أيها الناس فإن الناس يكثرون وتقل ألانصار حتى يكونوا كامللح في الطعام‪،‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫فمن ولي منكم أمرا يضر فيه أحدا أو ينفعه فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم "‪.‬‬
‫وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رض ي هللا عنه عن النبي صلى هللا عليه وسلم قال‪ ":‬آية‬
‫‪-4‬‬
‫إلايمان ُّ‬
‫حب ألانصار‪ ،‬وآية النفاق بغض ألانصار"‪.‬‬
‫وأخرج البخاري ومسلم عن البراء رض ي هللا عنه قال‪ :‬سمعت النبي صلى هللا عليه وسلم أو‬
‫‪-3‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫قال‪ :‬قال النبي صلى هللا عليه وسلم‪“ :‬ألا ْن َ‬
‫صار ال ي ِح ُّبه ْم ِإال مؤ ِم ٌن‪َ ،‬وال ي ْب ِغضه ْم ِإال منا ِف ٌق‪َ ،‬م ْن‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ َ َ َ َ َ َّ‬
‫َّ‬
‫أ َح َّبه ْم أ َح َّبه الله‪َ ،‬و َم ْن أ ْبغضه ْم أ ْبغضه الله "‬
‫‪-5‬‬

‫وأخرج مسلم عن أبي هريرة رض ي هللا عنه أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال‪ " :‬ال‬

‫يبغض ألانصار رجل يؤمن باهلل واليوم آلاخر "‪.‬‬
‫َ َ َ َ ْ ََ ٌ َ َْ َ َ‬
‫ََ‬
‫ص ِار ِإلى َرسو ِل‬
‫س ْب ِن َم ِالك رض ي هللا عنه‪ ،‬قال‪ :‬جاء ِت امرأة ِمن ألان‬
‫ن‬
‫‪-6‬‬
‫وأخرج البخاري عن أ ِ‬
‫َ َ َ َّ‬
‫َ َ َ َ َ َ َ َ َّ َ َ‬
‫ال‪َ :‬وال ِذي‬
‫هللا صلى هللا عليه وسلم فق‬
‫هللا صلى هللا عليه وسلم ومعها ص ِب ٌّي لها فكلمها َرسول ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َْ‬
‫َ َّ ْ َ ُّ َّ‬
‫اس ِإل َّي‪َ ،‬م َّرت ْي ِن‪.‬‬
‫نف ِس ي ِبي ِد ِه ِإنكم أحب الن ِ‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪25‬‬

‫َ ِّ َّ َّ َ َّ َّ َ‬
‫َّ‬
‫صلى الله َعل ْي ِه َو َسل َم‬
‫وأخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رض ي هللا عنه أن الن ِبي‬
‫‪-7‬‬
‫َ‬
‫َ َ َ َ ُّ َّ َ َّ َّ َ َ ْ َ َ َّ َ ْ ً َ َ َ َّ َ ْ‬
‫ً‬
‫ْ َ‬
‫ال‪ :‬الله َّم أنت ْم‬
‫َرأى ِص ْب َيانا َو ِن َس ًاء مق ِب ِلين ِم ْن ع ْرس‪ ،‬فقام ن ِبي الل ِه صلى الله علي ِه وسلم مم ِثال‪ ،‬فق‬
‫َ َّ َ ْ ْ َ‬
‫َ َّ َّ َّ َ ْ ْ ْ َ َ ِّ َّ‬
‫ْ َ َ ِّ َّ‬
‫ألا ْن َ‬
‫ص َار "‪.‬‬
‫اس ِإلي يع ِني‬
‫الن‬
‫ب‬
‫ح‬
‫أ‬
‫ن‬
‫م‬
‫م‬
‫ت‬
‫ن‬
‫أ‬
‫م‬
‫ه‬
‫الل‬
‫‪،‬‬
‫ي‬
‫ل‬
‫إ‬
‫اس‬
‫الن‬
‫ِمن أح ِب‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫‪-8‬‬

‫وأخرج أحمد في املسند عن أبي سعيد الخدري قال‪ :‬ملا أعطى رسول هللا صلى هللا عليه‬

‫وسلم ما أعطى من تلك العطايا‪ ،‬في قريش وفي قبائل العرب ولم يكن في ألانصار منها ش يء وجد‬
‫هذا الحي من ألانصار في أنفسهم حتى كثرت منهم القالة ‪ ...‬وفيه‪ :‬فأتاهم رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم‪ ،‬فحمد هللا وأثنى عليه بالذي هو أهل‪ ،‬ثم قال‪ :‬يا معشر ألانصار‪ :‬ما مقالة‪ ،‬بلغتني عنكم؟‬
‫وجدة وجدتموها علي في أنفسكم؟ ألم آتكم ضالال فهداكم هللا‪ ،‬وعالة فأغناكم هللا‪ ،‬وأعداء فألف‬
‫هللا بين قلوبكم قالوا‪ :‬بلى‪ ،‬هللا ورسوله أمن وأفضل‪ .‬ثم قال‪ :‬أال تجيبونني يا معشر ألانصار؟‬
‫قالوا‪ :‬بماذا نجيبك يا رسول هللا؟ هلل ولرسوله املن والفضل‪ .‬قال صلى هللا عليه وسلم‪ :‬لو شئتم‬
‫لقلتم‪ ،‬فلصدقتم ولصدقتم‪ :‬أتيتنا مكذبا فصدقناك‪ ،‬ومخذوال فنصرناك‪ ،‬وطريدا فآويناك‪،‬‬
‫وعائال فآسيناك‪ .‬أوجدتم يا معشر ألانصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما‬
‫ليسلموا‪ .‬ووكلتكم إلى إسالمكم‪ ،‬أال ترضون يا معشر ألانصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير‪،‬‬
‫وترجعوا برسول هللا في رحالكم؟ فو الذي نفس محمد بيده‪ ،‬لوال الهجرة لكنت امرءأ من ألانصار‪،‬‬
‫ولو سلك الناس شعبا وسلكت ألانصار شعبا‪ ،‬لسلكت شعب ألانصار‪ .‬اللهم ارحم ألانصار‪ ،‬وأبناء‬
‫ألانصار‪ .‬وأبناء أبناء ألانصار‪.‬‬
‫قال‪ :‬فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم‪ ،‬وقالوا‪ :‬رضينا برسول هللا قسما‪ ،‬وحظا‪ .‬ثم انصرف رسول‬
‫هللا صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬وتفرقوا‪( .‬وأصله في الصحيحين)‬

‫قال الحافظ ابن حجر في الفتح‪" :‬ألانصار هو جمع ناصر كأصحاب وصاحب أو جمع نصير‬
‫كأشراف وشريف والالم فيه للعهد أي أنصار رسول هللا صلى هللا عليه وسلم واملراد (ألاوس‬
‫والخزرج) وكانوا قبل ذلك يعرفون ببني قيلة بقاف مفتوحة وياء تحتانية ساكنة وهي ألام التي‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪26‬‬

‫تجمع القبيلتين فسماهم رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ألانصار فصار ذلك علما عليهم وأطلق‬
‫أيضا على أوالدهم وحلفائهم ومواليهم أ‪.‬هـ‪.‬‬
‫ً‬
‫ْ َ‬
‫ين َت َب َّوئوا َّ‬
‫آنا يتلى قال تعالى‪َ [ :‬و َّالذ َ‬
‫الد َار َو ِإلا َيمان ِم ْن‬
‫ويكفيهم أن هللا أثنى عليهم بما صار قر‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ ْ ْ ُّ َ َ ْ َ َ َ‬
‫ْ َ َ ً‬
‫َ‬
‫ْ َ َ ْ‬
‫اجة ِم َّما أوتوا َويؤ ِثرون َعلى أنف ِس ِه ْم َول ْو‬
‫اج َر ِإل ْي ِه ْم َوال َي ِجدون ِفي صدو ِر ِهم ح‬
‫قب ِل ِهم ي ِحبون من ه‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ َ ْ َ َ َ ٌ‬
‫ْ ْ‬
‫َْ‬
‫اصة َو َم ْن يوق ش َّح نف ِس ِه فأول ِئ َك هم املف ِلحون ] (سورة الحشر‪ ،‬آية ‪،) 9‬‬
‫كان ِب ِهم خص‬
‫وإنها لعمر هللا صفات يعز وجودها في الناس‪ ،‬وأعز من ذلك اجتماعها في فرد أو جماعة‪.‬‬
‫قال سيد قطب رحمه هللا في ظالل القرآن في تعليقه على هذه آلاية الكريمة‪ " :‬وهذه صورة‬
‫مضيئة صادقة تبرز أهم املالمح املميزة لألنصار‪ ،‬وهذه املجموعة التي تفردت بصفات‪ ،‬وبلغت إلى‬
‫ً‬
‫ً‬
‫آفاق‪ ،‬لوال أنها وقعت بالفعل لحسبها الناس أحالما طائرة ورؤ ًى مجنحة ومثال عليا صاغها خيال‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ين َت َب َّوءوا َّ‬
‫ٌمحلق‪َ [ ،‬و َّالذ َ‬
‫الدا َر َو ِإلا َيمان ِم ْن ق ْب ِل ِه ْم] أي‪ :‬دار الهجرة‪ ،‬وقد تبوأها ألانصار قبل‬
‫ِ‬
‫املهاجرين كما تبوءوا فيها إلايمان‪ ،‬وكأنه منزلة لهم ودار‪ ،‬وهو تعبير ذو ظالل وهو أقرب ما يصور‬
‫موقف ألانصار من إلايمان‪ ،‬لقد كان دارهم ومنزلهم وموطنهم الذي تعيش فيه قلوبهم‪ ،‬وتسكن إليه‬
‫أرواحهم‪ ،‬ويؤبون إليه ويطمئنون له‪ ،‬كما يؤب املرء ويطمنن إلى الدار‪.‬‬
‫ُّ َ َ ْ َ َ َ‬
‫ْ َ َ ً‬
‫َ‬
‫اجة ِم َّما أوتوا] ‪ ..‬ولم يعرف تاريخ‬
‫اج َر ِإل ْي ِه ْم َوال َي ِجدون ِفي صدو ِر ِهم ح‬
‫[ي ِحبون من ه‬
‫ً‬
‫ً‬
‫البشرية كلها حادثا جماعيا كحادث استقبال ألانصار للمهاجرين‪ ،‬بهذا الحب الكريم وبهذا البذل‬
‫السخي‪ ،‬وبهذه املشاركة الرضية وبهذا التسابق إلى إلايواء واحتمال ألاعباء‪...‬‬
‫ْ َ َ ً‬
‫َ‬
‫اجة ِِّم َّما أوتوا ] ‪ ..‬مما يناله املهاجرون من مقام بفضل في‬
‫[ َوال َي ِجدون ِفي صدو ِر ِهم ح‬
‫ً‬
‫بعض املواضع ومن مال يختصون به كهذا الفيء فال يجدون في أنفسهم شيئا من هذا‪....‬‬
‫ْ ََ ْ َ َ ْ َ َ َ ٌ‬
‫ْ َ َ َْ‬
‫اصة [‪ ..‬وإلايثار على النفس مع الحاجة قيمة‬
‫[ َويؤ ِثرون َعلى أنف ِس ِهم ولو كان ِب ِهم خص‬
‫ً‬
‫عليا‪ ،‬وقد بلغ إليها ألانصار بما لم تشهد البشرية له نظيرا‪ ،‬وكانوا كذلك في كل مرة‪ ،‬وفي كل حالة‬
‫ً‬
‫ً‬
‫بصورة خارقة ملألوف البشر قديما وحديثا‪.‬‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ ْ‬
‫َْ‬
‫[ َو َم ْن يوق ش َّح نف ِس ِه فأول ِئ َك هم املف ِلحون [‪..‬فهذا الشح شح النفس هو املعوق عن كل‬
‫خير؛ ألن الخير بذل في صورة من الصور‪ :‬بذل في املال‪ ،‬بذل في العاطفة‪ ،‬بذل في الجهد‪ ،‬بذل في‬
‫ً‬
‫الحياة عند الاقتصاء‪ ،‬وما يمكن أن يصنع الخير شحيح يهم دائما أن يأخذ وال يهم مرة أن يعطي‪،‬‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪27‬‬

‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ومن يوق شح نفسه فقد وقي هذا املعوق عن الخير فانطلق إليه معطيا باذال كريما‪ ،‬وهذا هو‬
‫الفالح في حقيقة معناه" أ‪ .‬هـ‪.‬‬
‫وقد تضمنت آلاية الكريمة النص على اجتماع الصفات السامية الخمس في ألانصار‪:‬‬
‫‪.1‬‬

‫تبوؤهم لإليمان‬

‫‪.2‬‬

‫محبتهم ملن هاجر إليهم‪ ،‬فال يكرهونهم كما هي عادة الناس في كراهة ألاجانب عنهم‬
‫ملجرد أنهم كذلك‪.‬‬

‫‪.4‬‬

‫سالمة قلوبهم من الحسد‪ ،‬فال يحسدون الغرباء عنهم على ما نالهم من حظ من‬
‫حظوظ الدنيا‪.‬‬

‫‪.3‬‬

‫إيثار غيرهم على أنفسهم‪ ،‬ولو كانوا هم أنفسهم في حاجة ملا يؤثرون به غيرهم‪.‬‬

‫‪.5‬‬

‫وقايتهم من شح النفس وكزازة الطبع‪.‬‬
‫وحق ملن كانت له هذه الصفات أن يوالى ويحب‪ ،‬وأن تكون موالاته ومحبته من إلايمان‪،‬‬

‫وأن يوص ى بذلك رسول املحبة والرحمة صلى هللا عليه وسلم‪.‬‬

‫‪-1‬‬

‫ً‬
‫حبهم حبا يظهر في توقيرهم والثناء عليهم‪ ،‬والذب عنهم ونشر محاسنهم؛ ملا مر من ألاحاديث‬

‫الحاثة على ذلك؛ وألن محبتهم برهان محبة هللا ومحبة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬ومحبة‬
‫دين إلاسالم‪.‬‬
‫قال ابن تيمية‪" :‬وقوله صلى هللا عليه وسلم‪ ":‬آية إلايمان حب ألانصار وآية النفاق بغض ألانصار "‬
‫ً‬
‫فإن من علم ما قامت به ألانصار من نصر هللا ورسوله من أول ألامر وكان محبا هلل ولرسوله أحبهم‬
‫ً‬
‫قطعا فيكون حبه لهم عالمة إلايمان الذي في قلبه ومن أبغضهم لم يكن في قلبه إلايمان الذي‬
‫أوجبه هللا عليه"‪.‬‬
‫وهذه املحبة لعمومهم‪ ،‬قال ابن حزم في إلاحكام‪" :‬وكذلك ٌ‬
‫حب ألانصار فضل في جميع ألانصار ال‬
‫يعدوهم إلى غيرهم‪ ،‬وال يقتصر به على بعضهم دون بعض "‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪28‬‬

‫‪-2‬‬

‫البراءة من بغضهم؛ ملا مر من ألاحاديث‪ ،‬حتى عد أهل العلم بغضهم من الكبائر‪ ،‬قال ابن‬

‫حجر الهيتمي في الزواجر‪ ":‬الكبيرة الرابعة والخامسة والستون بعد ألاربعمائة‪ ( :‬بغض ألانصار‬
‫وشتم واحد من الصحابة رضوان هللا عليهم أجمعين ) أخرج البخاري أنه صلى هللا عليه وسلم‬
‫قال‪ " :‬من عالمة إلايمان حب ألانصار ومن عالمة النفاق بغض ألانصار "‪ ،‬وأخرج الشيخان أنه‬
‫صلى هللا عليه وسلم قال في ألانصار‪ " :‬ال يحبهم إال مؤمن وال يبغضهم إال منافق‪ ،‬من أحبهم أحبه‬
‫هللا ومن أبغضهم أبغضه هللا "‪،،‬اخرج مسلم‪ " :‬ال يبغض ألانصار رجل يؤمن باهلل اليوم آلاخر أ‪ .‬هـ‪.‬‬
‫الرضا بما كان من الواحد منهم من إحسان وإن قل‪ ،‬والتجاوز عمن أساء منهم‪ ،‬ألمره صلى‬
‫‪-4‬‬
‫ً‬
‫هللا عليه وسلم بذلك‪ ،‬كما جاء في حديث ابن عباس السابق وفية‪ " :‬فمن ولى منكم أمرا يضر فيه‬
‫ً‬
‫أحدا أو ينفعه‪ ،‬فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم (أخرجه البخاري)‪.‬‬
‫‪-3‬‬

‫محاولة التأس ي بهم في نصرة هللا ونصرة رسوله ونصرة إلاسالم‪ ،‬ورياضة النفس على‬

‫التخلق بالصفات السامية التي وصفهم هللا بها؛ ألن املحبة تقتض ي املشاكلة‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪29‬‬

‫الوصية الخامسة‬

‫الوصية بطاعة أولي األمر‬

‫أخرج مسلم وابن حبان عن أم الحصين رض ي هللا عنها قالت‪ :‬حججت مع رسول هللا صلى‬
‫‪-1‬‬
‫ً‬
‫هللا عليه وسلم حجة الوداع‪ ،‬فرأيت أسامة أو بالال‪ ،‬يقود بخطام ناقة رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم‪ ،‬وآلاخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة ثم انصرف فوقف الناس وقد جعل‬
‫ً ً‬
‫ثوبه من تحت إبطه ألايمن على عاتقه ألايسر ثم ذكر قوال كثيرا فيما يقول صلى هللا عليه وسلم‪" :‬‬
‫عبد م ٌ‬
‫إن أمر عليكم ٌ‬
‫جدع أسود يقودكم بكتاب هللا فأسمعوا وأطيعوا "‪.‬‬
‫‪-2‬‬

‫واخرج الترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي أمامة الباهلي رض ي هللا عنه قال‪ :‬خطبنا‬

‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم في حجة الوداع فقال‪ " :‬أيها الناس أطيعوا ربكم وصلوا خمسكم‬
‫وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا أمراءكم "‪ ،‬وفي لفظ‪ " :‬ذا أمركم " وفي لفظ‪ " :‬أطيعوا والة أمركم‬
‫تدخلوا جنة ربكم " (وقال الترمذي‪ :‬حسن صحيح)‪.‬‬
‫َّ‬
‫ََ‬
‫وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن العرباض بن سارية قال‪َ :‬و َعظنا َرسول الل ِه صلى هللا‬
‫‪-4‬‬
‫َْ ً َ َْ َ َ ْ ََ َ ْ ًَ َ َ‬
‫يغ ًة؛ َذ َر َف ْت م ْن َها ْالعيون‪َ ،‬و َوج َل ْت م ْن َها ْالقلوب‪َ ،‬ف َق َ‬
‫ال‬
‫عليه وسلم يوما بعد صال ِة الغد ِاة مو ِعظة ب ِل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ ٌ َّ َ َ ْ َ َ ِّ َ َ َ َ ْ َ َ ْ َ َ َ َ َّ َ‬
‫َّ‬
‫ال‪ « :‬أوصيك ْم ب َت ْق َ‬
‫الله َو َّ‬
‫َ‬
‫ى‬
‫الس ْم ِع‬
‫و‬
‫ق‬
‫رجل‪ِ :‬إن ه ِذ ِه مو ِعظة مو ِدع فماذا تعهد ِإلينا يا رسول الل ِه؟‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ َ ً َ ً َ َّ ْ َ ْ َ َ‬
‫َ َّ َ‬
‫اعة َوإ ْن َع ْب ٌد َح َبش ٌّى؛ َفإ َّنه َم ْن َيع ْ ْ ْ َ‬
‫ور ف ِإ َّن َها‬
‫ش ِمنكم ي َرى اخ ِتالفا ك ِثيرا‪ ،‬و ِإياكم ومحدث ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ات ألام ِ‬
‫ِ‬
‫والط ِ ِ‬
‫َ‬
‫َ َْ‬
‫َ‬
‫امل ْهد ِّي َين‪َ ،‬ع ُّ‬
‫ض َال َل ٌة‪َ ،‬ف َم ْن َأ ْد َر َك َذ ِل َك ِم ْنك ْم َف َع َل ْي ِه بس َّن ِتى َوس َّن ِة ْالخ َل َف ِاء َّ‬
‫ضوا َعل ْي َها‬
‫اش ِدين‬
‫ِِ‬
‫الر ِ‬
‫ِ‬
‫َّ َ‬
‫اج ِذ » ( وقال الترمذي‪ :‬حديث حسن صحيح )‪.‬‬
‫ِبالنو ِ‬

‫ً‬
‫من ألاحاديث املذكورة يظهر لنا جليا خطر الوالية وأهميتها الستقامة ألامور‪ ،‬وأن ذلك كله ال‬
‫َ‬
‫يحصل إال بطاعة هؤالء الوالة والسمع لهم‪ ،‬وقد أمر هللا تعالى بذلك لهم في كتابه فقال‪[َ :‬يا أ ِّي َها‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪41‬‬

‫ْ ِّ َ َ‬
‫ْ َ‬
‫َ‬
‫َ ِّ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ ََ‬
‫ْ ْ‬
‫ِّالذ َ‬
‫ألام ِر ِمنك ْم ف ِإن تنا َز ْعت ْم ِفي ش ْيء فر ِّدوه ِإلى الل ِه‬
‫ين َآمنوا أ ِطيعوا الله َوأ ِطيعوا ال ِّرسو َل َوأ ْو ِلي‬
‫ِ‬
‫ْ ْ ْ َن ِّ َ ْ َ ْ َ َ َ َ ْ ٌ َ َ ْ َ َ ْ ً‬
‫َو ِّ‬
‫الرسو ِل ِإن كنتم تؤ ِمنو ِبالل ِه واليو ِم الا ِخ ِر ذ ِلك خير وأحسن تأ ِويال] (سورة النساء‪ ،‬آية ‪.)95‬‬
‫قال ابن عطية في املحرر الوجيز في املقصود بأولي ألامر‪ " :‬ألامراء على قول الجمهور‪ :‬أبي هريرة‬
‫وابن عباس وابن زيد وغيرهم "‪.‬‬
‫َ‬
‫وقال القاض ي أبو بكر بن العربي املالكي ملا ذكر الخالف في املقصود بقوله تعالى‪َ [ :‬و أ ْو ِلي ألا ْم ِر‬
‫ً‬
‫ِمنك ْم] هل هم ألامراء أم العلماء؟‪ " :‬والصحيح عندي أنهم ألامراء والعلماء جميعا‪ ،‬أما ألامراء فألن‬
‫أصل ألامر منهم والحكم إليهم‪ ،‬وأما العلماء فألن سؤالهم واجب متعين على الخلق " أ‪ .‬هـ‬
‫وقال الفخر الرازي عند تفسير هذه آلاية‪ " :‬اعلم أنه تعالى ملا أمر الرعاة والوالة بالعدل بالرعية أمر‬
‫ْ ِّ َ َ‬
‫ْ َ‬
‫ْ‬
‫ْ ْ‬
‫الرعية بطاعة الوالة فقال‪َ [ :‬يا َأ ِّي َها ِّالذ َ‬
‫وا ِّ‬
‫ألام ِر ِمنك ْم‬
‫الرسو َل َوأ ْو ِلي‬
‫ين َآمنوا أ ِطيعوا الله َوأ ِطيع‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ِّ‬
‫َ َ َ َ ْ ْ َ ْ َ ِّ َ ِّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫الل ِه َو ِّ‬
‫الرسو ِل ِإن كنت ْم تؤ ِمنون ِبالل ِه َوال َي ْو ِم الا ِخ ِر ذ ِل َك خ ْي ٌر َوأ ْح َسن‬
‫ف ِإن تنازعتم ِفي ش يء فردوه ِإلى‬
‫َْ ً‬
‫يال [؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب رض ي هللا عنه‪ٌ :‬‬
‫"حق على إلامام أن يحكم بما أنزل هللا‬
‫تأ ِو‬
‫ويؤدي ألامانة‪ ,‬فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا أ‪ .‬هـ وقال رحمه هللا في تفسير‬
‫َ‬
‫َ َ َ َ ْ ٌَْ َ َ‬
‫َ‬
‫ألا ْمن َأو ْال َخ ْو ِف َأ َذاعوا ب ِه َو َل ْو َر ُّدوه إ َلى َّ‬
‫الرسو ِل َو ِإلى أ ْو ِلي ألا ْم ِر‬
‫ِ‬
‫قوله تعالى‪ [ :‬و ِإذا جاءهم أمر ِمن ِ ِ‬
‫ِ‬
‫َّ َ‬
‫َّ َ َ َّ َ ً‬
‫ْ ْ َ َ َ َّ َ َ ْ َ ْ َ‬
‫َّ‬
‫ونه م ْنه ْم َو َل ْوال َف ْ‬
‫ضل الل ِه َعل ْيك ْم َو َر ْح َمته الت َب ْعتم الش ْيطان ِإال ق ِليال [‬
‫ِمنهم لع ِلمه ال ِذين يستن ِبط‬
‫ِ‬
‫(سورة النساء‪ ،‬آية ‪ " :.) 84‬في أولى ألامر قوالن‪ :‬أحدهما‪ :‬إلى ذوي العلم والرأي‪ ،‬والثاني‪ :‬إلى أمراء‬
‫السرايا‪ ،‬وهؤالء رجحوا هذا القول على ألاول‪ ،‬قالوا‪ :‬ألن أولي ألامر‪ ،‬الذين لهم أمر على الناس‪،‬‬
‫وأهل العلم ليسوا كذلك أ‪.‬هـ‬
‫وهذه التوجيهات وألاوامر إلالهية هي ما أكده الناصح ألامين في سنته فعن أنس رض ي هللا عنه قال‪:‬‬
‫قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ :‬قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬اسمعوا وأطيعوا وإن‬
‫استعمل عبد حبش ي كأن رأسه زبيبة (اخرجه البخاري )‪ ،‬وعن أبي هريرة رض ي هللا عنه قال‪ :‬قال‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬عليكم السمع والطاعة في عسرك ويسرك‪ ،‬ومنشطك ومكرهك‪،‬‬
‫وأثرة عليك " (اخرجه مسلم )‪ ،‬وعن وائل بن حجر رض ي هللا عنه قال‪ :‬سأل سلمة بن يزيد‬
‫الجعفي رض ي هللا عنه رسول هللا صلى هللا عليه وسلم فقال‪ :‬يا نبي هللا أرأيت إن قامت علينا أمراء‬
‫يسألونا حقهم ويبخسونا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه ثم سأله فقال رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم (اخرجه مسلم)‪ ،‬وعن عبدهللا بن‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪41‬‬

‫عباس رض ي هللا عنه أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال‪ " :‬من كره من أميره شيئا فليصبر‪،‬‬
‫ً‬
‫فإنه من خرج عن السلطان شبرا مات ِميتة الجاهلية (متفق عليه)‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫سواء كانوا أبرارا أم فجارا؛‬
‫مما سبق يظهر جليا تعظيم الشريعة ألمر السمع والطاعة لوالة ألامر‬
‫فإن في ذلك حقن الدماء وبقاء أحوال الناس في استقامة وسالم‪ ،‬ولكن مما ينبغي أن يعلم أن‬
‫السمع والطاعة لهم إنما هي في املعروف‪ ،‬كما قال عليه الصالة والسالم‪ " :‬إنما الطاعة في‬
‫املعروف " (متفق عليه)‪ .‬فالطاعة املطلقة من خصائص إلالهية‪ ،‬فإذا أمروا بمعصية أو أمر‬
‫مخالف للشرع فال سمع وال طاعة؛ فعن ابن عمر رض ي هللا عنه قال‪ :‬قال رسول هللا صلى هللا‬
‫عليه وسلم‪ " :‬على املرء املسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره‪ ،‬إال أن يؤمر بمعصية‪ ،‬فإذا أمر‬
‫بمعصية فال سمع وال طاعة " (متفق عليه)‪ ،‬فال طاعة ملخلوق في معصية الخالق‪.‬‬
‫وهنا تنبيه دقيق يخفى على كثير من الناس‪ :‬وهو أن عدم طاعتهم في املعصية ال يلزم منه الخروج‬
‫عليهم؛ بل عدم إتيان تلك املعصية التي أموره بها بخصوصها‪ ،‬مع لزوم الطاعة العامة التي دلت‬
‫ً‬
‫عليها النصوص الكثيرة املتكاثرة التي سقنا طرفا منها فيما سبق‪ ،‬وقصة إلامام أحمد بن حنبل‬
‫رحمه هللا مع املعتصم والواثق مثال على فهم السلف لهذا املعنى‪ ،‬فقد كان املعتصم والواثق‬
‫يأمران بالقول بخلق القرآن‪ ،‬فيأبى عليهما إلامام أحمد‪ ،‬ومع هذا بقي على الطاعة في الجملة ومنع‬
‫من الخروج عليهما رحمه هللا‪.‬‬
‫وأمر آخر‪ :‬أنه ال تالزم بين السمع والطاعة العامة ومحبتهم‪ ،‬كما ال يلزم من بغضهم لفجور أو ظلم‬
‫الخروج عليهم‪ ،‬وهذا املقام مزلة أقدام‪ ،‬وقد حصل كثير من الفساد بسبب عدم فهمه‪ ،‬فربما‬
‫أبغضوا من أجل فجورهم مع لزوم السمع والطاعة لهم في جملة وال ضير في ذلك‪ ،‬ومما يدل على‬
‫هذا التفريق ما أخرجه مسلم عن عوف بن مالك قال‪ :‬سمعت رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫َ‬
‫يقول‪ " :‬خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم‪ ،‬وتصلون عليهم ويصلون عليكم‪ ،‬وشرار أئمتكم‬
‫الذين تبغضونهم ويبغضونكم‪ ،‬وتلعنونهم ويلعنونكم‪ ،‬قال‪ :‬قلنا يا رسول هللا أفال ننابذهم؟ قال‪:‬‬
‫ال‪ ،‬ما أقاموا فيكم الصالة‪ ،‬ال‪ ،‬ما أقاموا فيكم الصالة "‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪42‬‬

‫قال إلامام النووي في شرحه ملسلم؛ ( وأما الخروج عليهم – يعني ألائمة – وقتالهم فحرام بإجماع‬
‫املسلمين‪ ،‬وإن كانوا فسقة ظاملين‪ ،‬وقد تظاهرت ألاحاديث بمعنى ما ذكرت ) أ‪.‬هـ‪.‬‬
‫ونقل الحافظ ابن الحجر في الفتح عن ابن بطال قوليه‪( :‬وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة‬
‫السلطان املتغلب‪ ،‬والجهاد معه‪ ،‬وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ ملا في ذلك من حقن للدماء‪،‬‬
‫وتسكين الدهماء‪ ،‬ولم يستثنوا من ذلك إال إذا وقع من السلطان الكفر الصريح) أ‪.‬هـ‪.‬‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫وقال إلامام الطحاوي‪( :‬وال نرى الخروج على أئمتنا ووالة أمورنا وإن جاروا‪ ،‬وال ندعوا عليهم‪ ،‬وال‬
‫ً‬
‫ننزع يدا من طاعتهم‪ ،‬ونرى طاعتهم من طاعة هللا عز وجل فريضة‪ ،‬ما لم يأمروا بمعصية‪ ،‬وندعو‬
‫لهم بالصالح واملعافاة) أ‪.‬هـ‪.‬‬
‫وما هذا الاجتماع من السلف رحمهم هللا على هذه القضية إال ملا في الخروج من الفساد العريض‪،‬‬
‫ووقوع أحوال الناس في اضطراب ال يستقيم لهم معه دين وال دنيا‪.‬‬
‫ومن املأثور عن أمير املؤمنين علي بن أبي طالب‪( :‬إن الناس ال يصلحهم إال إمام‪ٌ :‬بر أو فاجر ٌ‪ ,‬إن‬
‫ً‬
‫كان فاجرا عبد املؤمن فيها ربه‪ ،‬وحمل الفاجر فيها إلى أجله ) (أخرجه الطبري في تفسيره )‪.‬‬
‫وقال أبو الحارث الصائغ‪ :‬سألت أبا عبدهللا – يعني أحمد بن حنبل – في أمر كان حدث ببغداد‬
‫وهم قوم بالخروج‪ ،‬فقلت‪ :‬يا أبا عبدهللا ما تقول في الخروج مع هؤالء؟ فأنكر ذلك عليهم‪ ،‬وجعل‬
‫يقول‪( :‬سبحان هللا‪ ،‬الدماء‪ ،‬الدماء‪ ،‬ال أرى ذلك‪ ،‬وال آمر به‪ ،‬الصبر على ما نحن فيه خير من‬
‫الفتنة‪ ،‬يسفك فيها الدماء‪ ،‬ويستباح فيها ألاموال‪ ،‬وينتهك فيها املحارم‪ ،‬أما علمت ما كان الناس‬
‫فيه – يعني أيام الفتنة – قلت‪ :‬والناس اليوم أليسوا هم في فتنة؟ قال‪ :‬وإن كان ’ فإنما هي فتنة‬
‫خاصة‪ ،‬فإذا وقع السيف عمت الفتنة‪ ،‬وانقطعت السبل‪ ،‬الصبر على هذا ويسلم لك دينك خير‬
‫لك)‪.‬‬
‫ومن يتأمل التاريخ يرى أن أول مصيبة أصيب بها إلاسالم هو خروج ثلة من املسلمين على إلامام‬
‫الراشد عثمان رض ي هللا عنه‪ ،‬ثم على إلامام الراشد علي رض ي هللا عنه‪ ،‬وال يكاد يوجد خروج عن‬
‫ً‬
‫طاعة ولي ألامر أنتج خيرا لألمة أو لدنيها‪.‬‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪44‬‬

‫عن تميم بن أوس الداري رض ي هللا عنه أن النبي صلى هللا عليه وسلم قال‪ " :‬الدين النصيحة‪،‬‬
‫قلنا‪ :‬ملن؟ قال‪ :‬هلل ولكتابه ولرسوله وألئمة املسلمين وعامتهم" (اخرجه مسلم)‪.‬‬
‫وإن من أعظم حقوق الوالة على الرعية النصح لهم‪ ،‬وهو أشمل مما يتبادر إلى ألاذهان من‬
‫املوعظة أو ألامر والنهي‪ ،‬فالنصيحة لوالة ألامر تكون بأمرهم باملعروف ونهيهم عن املنكر وداللتهم‬
‫على الخير وتحذيرهم من الشر؛ فعن أبي هريرة رض ي هللا عنه عن النبي صلى هللا عليه وسلم قال‪:‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫" إن هللا يرض ى لكم ثالثا‪ ،‬ويكره لكم ثالثا‪ ،‬يرض ى لكم أن تعبدوه وال تشركوا به شيئا وأن‬
‫ً‬
‫تعتصموا بحبل هللا جميعا وال تفرقوا‪ ،‬وأن تناصحوا من واله هللا أمركم"(اخرجه مالك في املوطأ‬
‫وابن حبان في صحيحه)‪ .‬كما تكون بصفاء القلب لهم وعدم إضمار الخيانة والغش لهم أو إرادة‬
‫السوء بهم؛ فعن جبير بن مطعم رض ي هللا عنه أن النبي صلى هللا عليه وسلم قال في خطبته‬
‫بالخيف بمنى‪ " :‬ثالث ال يغل عليهن قلب امر ًئ مسلم‪ :‬إخالص العمل هلل‪ ،‬ومناصحة والة ألامور‪،‬‬
‫ولزوم جماعة املسلمين " (اخرجه أحمد والترمذي والحاكم وصححه)‪.‬‬
‫كما تكون بالدعاء لهم والتوفيق وإلاعانة؛ فإن بركة ذلك تعم رعيتهم؛ ولهذا كانت مقولة الفضيل‬
‫بن عياض املشهورة‪( :‬لو كانت لي دعوة مستجابة لخبأتها لإلمام)‪ ،‬وهذا من فقه هذا إلامام رحمه‬
‫هللا‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪43‬‬

‫الوصية السادسة‬

‫حرمة المسلم‬

‫‪-1‬‬

‫أخرج البخاري ومسلم عن أبي بكرة رض ي هللا عنه في خطبته صلى هللا عليه وسلم يوم‬

‫النحر بمنى عام حجة الوداع‪ ....‬قال‪ :‬قال صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬أي يوم هذا؟ فسكتنا حتى ظننا‬
‫أنه سيسميه سوى اسمه‪ ،‬قال‪ :‬أليس يوم النحر؟ قلنا‪ :‬بلى‪ ،‬قال فأي شهر هذا؟ فسكتنا حتى‬
‫ظننا أنه سيسميه بغير اسمه‪ ،‬فقال‪ :‬أليس بذي الحجة؟ قلنا‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ :‬أي بلد هذا؟ قال‪ :‬أليس‬
‫البلدة‪ ،‬قلنا‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ :‬فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في‬
‫شهركم هذا في بلدكم هذا "‪.‬‬
‫واخرج البخاري واملسلم عن جرير بن عبدهللا رض ي هللا عنه أن النبي صلى هللا عليه وسلم‬
‫‪-2‬‬
‫ً‬
‫قال له في حجة الوداع‪ " :‬استنصت الناس‪ ،‬فقال‪ :‬ال ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب‬
‫بعض‪.‬‬

‫َّ ْ ْ َ ْ ٌ‬
‫إن ألاخوة إلاسالمية هي أقوى الروابط وأمتنها قال تعالى‪ِ [ :‬إن َما املؤ ِمنون ِإخ َوة]‬
‫َ‬
‫ْ ْ َ ْ ْ َ‬
‫(سورة الحجرات‪ ،‬آية ‪ ،)11‬وقال‪َ [ :‬واملؤ ِمنون َواملؤ ِمنات َب ْعضه ْم أ ْو ِل َياء َب ْعض]‬
‫(سورة التوبة‪ ،‬آية ‪ ،)71‬ولقد جاءت شريعة إلاسالم بتقرير ذلك وتأكيده‪ ،‬فأمرت بكل ما من شأنه‬
‫ٌ‬
‫سبب أو ذريعة إلى إلاخالل بها‪.‬‬
‫توثيقها ومنعت من كل ما هوا‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ولقد بينت الشريعة بيانا شافيا ال لبس وال خفاء فيه حقوق املسلم على املسلم‪ ،‬وبينت عظم شأن‬
‫املسلم وحرمته‪ ،‬فكل املسلم على املسلم حرام دمه وماله وعرضه‪ ،‬وال زال نبي الرحمة والهدى‬
‫يوص ي بحفظ هذه الحقوق‪ ،‬وعدم تجاوز هذه الحدود‪ ،‬حتى كانت هذه املقولة املؤثرة منه في ذلك‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪45‬‬

‫املحفل العظيم واملشهد الكبير‪ ،‬وقد أكد حرمة املسلم بكل املؤكدات التي تناسب املقام فصلى هللا‬
‫عليه وسلم ما أنصحه وأشفقه على أمته‪.‬‬
‫نظر عبدهللا بن عمر رض ي هللا عنه إلى الكعبة ثم قال‪ " :‬ما أعظمك وأعظم حرمتك‪ ،‬واملؤمن‬
‫أعظم حرمة عند هللا منك " (أخرجه الترمذي وقال‪ :‬حسن غريب)‪.‬‬

‫َّ َ َ َ َ‬
‫ْ ً َ ً َ‬
‫َ‬
‫َّ َ ً‬
‫ْ‬
‫قال هللا تعالى‪َ [ :‬و َمن َيقت ْل مؤ ِمنا ُّمت َع ِِّمدا ف َج َزاؤه َج َهنم خ ِالدا ِف َيها َوغ ِض َب الله َعل ْي ِه َول َعنه َوأ َع َّد‬
‫َ‬
‫َ ً‬
‫له َعذابا َع ِظيما] (سورة النساء‪ ،‬آية ‪ ،) 94‬وقال عليه الصالة والسالم‪ " :‬سباب املسلم فسوق‬
‫وقتاله كفر " ( متفق عليه )‪ ،‬وقال عليه الصالة والسالم‪ " :‬ال يحل دم امرئ مسلم يشهد أن ال إله‬
‫إال هللا وأن محمد رسول هللا إال بإحدى ثالث‪ :‬الثيب الزاني‪ ،‬والنفس بالنفس‪ ،‬والتارك لدين املفرق‬
‫للجماعة " ( متفق عليه )‪ ،‬وقال عليه الصالة والسالم‪ " :‬لزوال الدنيا أهون على هللا من قتل‬
‫مؤمن بغير حق " ( أخرجه النسائي في الكبرى والترمذي وابن ماجه )‪ ،‬وقد جعل النبي صلى هللا‬
‫عليه وسلم عنوان إسالم املسلم سالمة املسلمين لسانه ويده فقال‪ " :‬املسلم من سلم املسلمون‬
‫من لسانه ويده " ( متفق عليه )‪.‬‬

‫ً‬
‫َ َّ َ ْ َ ْ ْ َ‬
‫إن حرمة ِع ْرض املؤمن ال ٌ‬
‫ين يؤذون املؤ ِم ِنين‬
‫تقل شأنا عن حرمة دمه؛ فقد قال هللا تعالى‪[ :‬وال ِذ‬
‫َ ً ْ‬
‫َْ‬
‫َ‬
‫ََ َْ‬
‫َ ْ ْ َ‬
‫ً‬
‫احت َملوا ب ْهتانا َو ِإث ًما م ِبينا] (سورة ألاحزاب‪ ،‬آية ‪.)58‬‬
‫ات ِبغ ْي ِر َما اكت َسبوا فق ِد‬
‫واملؤ ِمن ِ‬
‫وعن عبدهللا بن عمر رض ي هللا عنه قال‪ :‬صعد رسول هللا صلى هللا عليه وسلم املنبر فنادى بأعلى‬
‫صوته‪ " :‬يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل إلايمان قلبه ال تغتابوا املسلمين وال تتبعوا عوراتهم؛‬
‫فإن من تتبع عورة مسلم تتبع هللا عورته ومن تتبع هللا عورته فضحه ولو في قعر بيته " (أخرجه‬
‫ابن حبان وأحمد وأبو داود الترمذي وقال‪ :‬حسن غريب)‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪46‬‬

‫ويكفي أخي املسلم لتعرف خطورة هذا الباب أن تسمع حديث عبدهللا بن مسعود رض ي هللا عنه‬
‫عن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال‪ " :‬الربا ثالثة وسبعون بابا‪ ،‬أيسرها مثل أن ينكح الرجل‬
‫أمه‪ ،‬وإن أربى الربا عرض الرجل املسلم" (أخرجه الحاكم وصححه)‪.‬‬
‫فسبحان هللا ما أعظم شأن املسلم وأخطر عرضه!‬

‫قال عليه الصالة والسالم‪" :‬ال يحل مال امرئ مسلم إال بطيب نفس منه " (أخرجه أحمد)‪.‬‬
‫وقال‪" :‬من حلف على مال امرئ مسلم بغير حق لقي هللا وهو عليه غضبان " (أخرجه مسلم)‪.‬‬
‫وجماع الترهيب من كل ذلك قوله عليه الصالة والسالم إلصحابه‪ " :‬أتدرون من املفلس "؟ قالوا‪:‬‬
‫املفلس فينا من ال درهم له وال متاع‪ ،‬قال‪ " :‬املفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصالة وصيام‬
‫وزكاة‪ ،‬ويأتي وقد شتم هذا‪ ،‬وقذف هذا‪ ،‬وأكل مال هذا‪ ،‬وسفك دم هذا‪ ،‬وضرب هذا‪ ،‬فيعطى هذا‬
‫من حسناته‪ ،‬وهذا من حسناته‪ ،‬فإن فنيت حسناته قبل أن يقض ى ما عليه‪ ،‬أخذ من خطاياهم‬
‫فطرحت عليه‪ ،‬ثم طرح في النار " (أخرجه مسلم)‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪47‬‬

‫الوصية السابعة‬

‫الوصاية بالنساء‬

‫‪-1‬‬

‫أخرج الترمذي وابن ماجه عن عمرو بن ألاحوص قال‪ :‬حدثني أبي أنه شهد حجة الوداع‬

‫من رسول هللا صلى هللا عليه وسلم فحمد هللا وأثنى عليه وذكر ووعظ فقال‪ " :‬أال واستوصوا‬
‫بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك‪ ،‬إال أن يأتين بفاحشة‬
‫مبينة‪ ،‬فإن فعلن فاهجروهن في املضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح‪ ،‬فإن أطعنكم فال تبغوا‬
‫عليهن سبيال أال إن لكم على نسائكم حقا‪ ،‬ولنسائكم عليكم حقا‪ ،‬فحقكم عليهن أال يوطنن‬
‫فرشكم من تكرهون‪ ،‬وال يأذن في بيوتكم ملن تكرهون أال وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في‬
‫كسوتهن وطعامهن " ( وقال الترمذي‪ :‬حسن صحيح )‪ ،‬وفي مسند الشهاب من حديث علي بن أبي‬
‫طالب رض ي هللا عنه أن ذلك كان في خطبة بوم النحر في حجة الوداع‪.‬‬
‫‪-2‬‬

‫وعم جابر في حديثه الطويل الذي أخرجه مسلم في صحيحه في ذكر صفة حج النبي صلى‬

‫هللا عليه وسلم عند ذكر خطبته صلى هللا عليه وسلم في عرفة قال فيها‪ " :‬اتقوا هللا في النساء؛‬
‫فإنكم أخذتموهن بأمان هللا‪ ،‬واستحللتم فروجهن بكلمة هللا " وظاهر سياق الحديثين يدل على‬
‫تغايرهما فيحتمل بذلك أن يكون صلى هللا عليه وسلم قد ذكر الوصية بالنساء في حجة الوداع في‬
‫خطبته في عرفة‪ ،‬ثم في خطبته يوم النحر‪.‬‬

‫املرأة في املجتمع املسلم بنت مصونة يحافظ عليها أبوها كجزء من حياته‪ ،‬وزوجة عزيزة مكفولة‬
‫من زوجها مقضية حوائجها مكفية مؤنة الحياة‪ ،‬سكن لزوجها وهو سكن لها يتبادالن املودة‬
‫والرحمة‪ ،‬وأم تتربع في مملكة رعيتها أوالدها وأحفادها‪ ،‬أو قريبة يقع على عاتق قريبها القدار حق‬
‫رعايتها وحمايتها‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪48‬‬

‫وفي املقابل فإن املرأة في بعض املجتمعات‪ ،‬قد تكون أنثى تجذب أنظار وشهوات الذئاب البشرية‬
‫ً‬
‫التي ال تريدها إال للمتعة فحسب‪ ،‬أو زوجة كادحة تأوي إلى بيتها كالة مرهقة لتشارك الرجل حتى في‬
‫دفع أقساط البيت والسيارة‪ ،‬أو أما يقذفها أوالدها في إحدى دور الرعاية الاجتماعية بعد كبرها‬
‫تخلصا من عبء رعايتها ثم ال سؤال عنها وال زيادة!‬
‫ٌبر الوالدة‪:‬‬
‫َ َّ َ‬
‫ْ َّ‬
‫ْ َ‬
‫َ َ‬
‫لقد قرن هللا وجود ٌبر الوالدين توحيده فقال عز وجل‪َ [ :‬وقض ى َرُّب َك أال ت ْعبدوا ِإال ِإ َّياه َو ِبال َو ِالد ْي ِن‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫َّ‬
‫َ َ َ َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِّ َ َ‬
‫َ ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ِإ ْح َسانا ِإ َّما َي ْبلغ َّن ِعند َك ال ِك َب َر أ َحده َما أ ْو ِكاله َما فال تقل له َمآ أف َوال ت ْن َه ْره َما َوقل له َما ق ْوال‬
‫َ‬
‫َ ْ ْ َ َ َ َ َ ُّ‬
‫َ‬
‫الر ْح َمة َوقل َّر ِّب ا ْر َح ْمه َما َك َما َرَّب َياني َ‬
‫ص ِغ ًيرا] (سورة إلاسراء‪،‬‬
‫ِ‬
‫ك ِر ًيما‪ .‬واخ ِفض لهما جناح الذ ِ ِّل ِمن َّ ِ‬
‫ِ‬
‫آية ‪.)23- 24‬‬
‫قال القاض ي أبو بكر بن العربي املالكي في أحكام القرآن عند تفسير هذه آلاية‪(ٌ :‬بر الوالدين ركن من‬
‫أركان الدين‪ ،‬وبرهما يكون في ألاقوال وألاعمال)‪.‬‬
‫ْ‬
‫وقد أمر سبحانه بإحسان صحبتهما ولو كانا كافرين ي َ‬
‫لحان على ولدهما بالكفر؛ فقال تعالى‪َ [ :‬و ِإن‬
‫ٌْ َ‬
‫ُّ ْ‬
‫ً َّ‬
‫اك َعلى َأ ْن ت ْشر َك بي َما َل ْي َ َ َ‬
‫اه َد َ‬
‫َج َ‬
‫ْ َ َ َ‬
‫الدن َيا َم ْعروفا َوات ِب ْع‬
‫اح ْبه َما ِفي‬
‫س لك ِب ِه ِعلم فال ت ِطعهما وص ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ َ‬
‫َ‬
‫َ َ َ ْ ََ َ َ‬
‫ْ َ َْ َ‬
‫َ‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫اب ِإل َّي ث َّم ِإل َّي مر ِجعكم فأن ِبئكم ِبما كنتم تعملون] (سورة لقمان‪ ،‬آية ‪ ،)15‬وقد بينت‬
‫س ِبيل من أن‬
‫السنة املطهرة أن أولى الوالدين بالبر وأحقهما بإحسان الصحبة الوالدة‪ ،‬فقد سأل ر ٌ‬
‫جل فقال‪ :‬يا‬
‫رسول هللا من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال‪ " :‬أمك "‪ ،‬قال‪ :‬ثم من؟ قال‪ " :‬أمك "‪ ،‬قال‪ :‬ثم‬
‫من؟ قال‪ " :‬أمك "‪ ،‬قال‪ :‬ثم من؟ قال‪ " :‬أبوك " (أخرجه البخاري واملسلم)‪ .‬فاألم مقدمة في البر‬
‫على ألاب بثالث مراتب‪.‬‬
‫وفي املقابل فقد جعل الشرع عقوق الوالدين من أكبر الكبائر ففي حديث أبي بكرة قال‪ :‬قال‬
‫ً‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬أال أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثالثا‪ .‬قالوا‪ :‬بلى يا رسول هللا‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ً‬
‫إلاشراك باهلل‪ ،‬وعقوق الوالدين وجلس وكان متكئا وقال‪ :‬أال وقول الزور‪ .‬قال فما زال يكررها حتى‬
‫قلنا‪ :‬ليته سكت " (متفق عليه)‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪49‬‬

‫ٌ َ‬
‫السكن بين الزوجين وقيام املودة والرحمة بينهما قال‬
‫بين القرآن الكريم أن غاية الزواج وجود‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ ََ َ‬
‫ْ َ ْ َ ً ِّ َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫تعالى‪َ [ :‬و ِم ْن َآيا ِت ِه أ ْن خل َق لكم ِِّم ْن أنف ِسكم أزو‬
‫اجا ِلت ْسكنوا ِإل ْي َها َو َج َع َل َب ْينكم َّم َو َّدة َو َر ْح َمة]‬
‫(سورة الروم‪ ،‬آية ‪.)21‬‬
‫وقد أمر هللا جل وعال بإحسان عشرة الزوجة وإال كان املخرج الفراق بإحسان فقال تعالى‪:‬‬
‫َ ْ َ ٌ‬
‫َ َ‬
‫َّ ْ َ ْ‬
‫اك ب َم ْعروف َأ ْو َت ْسر ٌ‬
‫يح ِب ِإ ْح َسان]‬
‫اشروهن ِباملعر ِ‬
‫[وع ِ‬
‫وف] (سورة النساء‪ ،‬آية ‪ .)19‬وقال‪[ :‬ف ِإمس ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ ْ َ‬
‫(سورة البقرة‪ ،‬آية ‪ ،)228‬وأوجب لها من الحقوق مثل الذي عليها فقال‪[ :‬ف ِإن ك ِر ْهتموه َّن ف َع َس ى‬
‫َ َ ً‬
‫َّ‬
‫َْ َْ‬
‫َ ً‬
‫أن تك َرهوا ش ْيئا َو َي ْج َع َل الله ِف ِيه خ ْي ًرا ك ِثيرا [ (سورة النساء‪ ،‬آية ‪ ،)19‬وقد بين املصطفى صلى هللا‬
‫ً‬
‫ً‬
‫عليه السالم بكالم جامع املعاشرة باملعروف فقال‪ " :‬أكمل املؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا‪ ،‬وخياركم‬
‫خياركم لنسائهم " ( أخرجه الترمذي وقال‪ :‬حسن صحيح )‪ .‬وقال‪ " :‬خيركم خيركم ألهله‪ ،‬وأنا‬
‫ٌ‬
‫وفصلت السنة معاشرة الزوجة‪ ،‬فقد سأل‬
‫خيركم ألهلي“ (أخرجه الترمذي من حديث عائشة )‬
‫معاوية بن َح ْيدة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم فقال‪ " :‬يا رسول هللا ما حق زوجة أحدنا عليه؟‬
‫ً‬
‫قال‪ " :‬أن تطعمها إذا طعمت‪ ،‬وتكسوها إذا اكتسيت‪ ،‬وال تضرب الوجه‪ ،‬وال تقبح وال تهجر إال في‬
‫البيت " ( أخرجه أبو داود )‪.‬‬
‫وأشار صلى هللا عليه وسلم إلى أن هذه العشرة الحسنة والحياة السعيدة ال تقوم إال على أساس‬
‫َ‬
‫ً‬
‫وغ ً‬
‫التنازل‬
‫ض الطرف فقال‪ " :‬ال يفرك – أي ال يبغض – مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رض ي منها‬
‫َ ْ‬
‫آخر " (أخرجه مسلم) ‪ .‬وقد أشار القرآن إلى هذا املعنى في قوله تعالى في آية العشرة‪[ :‬ف ِإن‬
‫َ‬
‫َ َ ً‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫َْ َْ‬
‫َ ً‬
‫ك ِر ْهتموه َّن ف َع َس ى أن تك َرهوا ش ْيئا َو َي ْج َع َل الله ِف ِيه خ ْي ًرا ك ِثيرا] (سورة النساء‪ ،‬آية ‪،)19‬‬

‫تعود الناس في كثير من املجتمعات وفي العصور املختلفة حب البنين وإيثارهم على البنات؛ لذلك‬
‫حرصت شريعة إلاسالم على تقرير العدل بين ألاوالد فمن ذلك املساواة بين ألاوالد الذكور وإلاناث‬
‫في العطاء والهبة؛ فقد قال صلى هللا عليه وسلم في عطية بشير ألانصاري والد النعمان بن بشير ملا‬
‫أراد أن يخصه بعطاء دون سائر إخوته‪ " :‬اتقوا هللا واعدلوا بين أوالدكم " (متفق عليه)‪.‬‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪31‬‬

‫وقال كان بعض السلف يقوم بوجود التعديل بين ألاوالد حتى في القبل‪ .‬وعنيت نصوص السنة‬
‫بالتحذير من إلاخالل بذلك؛ فقد قال صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬اللهم إني ٌ‬
‫أحرج حق الضعيفين‪:‬‬
‫اليتيم واملرأة " (أخرجه النسائي )‪ ،‬واملعنى‪ :‬ألحق الحرج – إلاثم بمن ضيع حق املرأة واليتيم‪.‬‬
‫كما رغب في الرعاية الحسنى لهن؛ فرتب على العناية بالبنات الستر من النار؛ فقال صلى هللا عليه‬
‫ً‬
‫وسلم‪ " :‬من أبتلي من هذه البنات بش يء‪ ،‬فأحسن إليهن‪ ،‬كن له سترا من النار " ( متفق عليه )‪ .‬بل‬
‫أعظم من ذلك الوعد له بمرافقته صلى هللا عليه وسلم في الجنة؛ فقد أخرج مسلم عن أنس عن‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال‪ " :‬من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو‬
‫كهاتين‪ ،‬وضم أصابعه "‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪31‬‬

‫الوصية الثامنة‬

‫الوصية بالخدم‬
‫َّ َ َّ َّ َ‬
‫َّ‬
‫َ َ‬
‫صلى الله َعل ْي ِه َو َسل َم‪،‬‬
‫آخر َو ِص َّي ِة َرسو ِل الل ِه‬
‫‪-1‬‬
‫أخرج الحاكم وابن حبان عن أنس قال‪ " :‬كان ِ‬
‫َّ َ َ َ َ ْ َ‬
‫َ‬
‫َّ َ‬
‫َّ َ َّ‬
‫َوه َو ي َغ ْرغر ب َها في َ‬
‫يما َملكت أ ْي َمانك ْم“‬
‫الصالة‪ ،‬اتقوا الله ِف‬
‫الصالة‪،‬‬
‫ص ْد ِر ِه َما َيكاد َي ِفيض ِب َها ِل َسانه‪:‬‬
‫ِ ِ ِ‬
‫( وأخرجه أحمد من حديث أم سلمة)‪.‬‬
‫وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه عن علي بن أبي طالب قال‪ :‬كان آخر كالم رسول هللا‬
‫‪-2‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫صلى هللا عليه وسلم‪ :‬الصالة الصالة‪ ،‬اتقوا هللا فيما ملكت أيمانكم "‪.‬‬

‫كان ألارقاء والعبيد يعملون في حقول أسيادهم ويكلفون من العمل فوق ما يطيقون‪ ،‬ولم يكونوا‬
‫يأكلون من الطعام إال بقدر ما يضمن بقاءهم أحياء لخدمة ألاسياد‪ ،‬وهم مع ذلك في أثناء العمل‬
‫يساقون بالسياط ال لش يء إال إلشباع نزوات السادة الذين كانوا يتلذذون بتعذيب هؤالء املساكين‬
‫الكادحين‪ ،‬هذه هي حال الخدم ألارقاء عند الرومان‪.‬‬
‫ولم تكن حالهم عند غيرهم من الفرس والهند والعرب ببعيد عن ذلك‪ ،‬حتى جاء الرحيم الرؤوف‬
‫ً‬
‫صلى هللا عليه وسلم فأعطى العبيد حقوقا تلزم السادة في إلاسالم‪ ،‬وجعل السيد والعبد في‬
‫ً‬
‫التكليف وألاوامر سواسية‪ ،‬فأعلى من شأن سلمان الفارس ي املولى‪ ،‬ورفع صهيبا الرومي‪ ،‬وقال في‬
‫ٌ‬
‫بالل‪ " :‬إني أسمع َدف نعليك في الجنة " (متفق عليه)‪ ،‬وجعل العالقة بينهم وبين السادة عالقة‬
‫أخوة ال عالقة استعالء واستعباد فقال صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬إن أخوانكم خولكم " (متفق‬
‫عليه)‪.‬‬
‫ً‬
‫وال زال عليه الصالة والسالم يوص ي بهم خيرا حتى كانت الوصاة بهم آخر ما وص ى به مع الوصية‬
‫بالصالة‪.‬‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪32‬‬

‫أمرت الشريعة باإلحسان إلى الخدم وتقدمت صور تلك ألاوامر حتى شملت جميع املناحي‪:‬‬
‫ففي إلاحسان إليهم في النواحي النفسية أمر بمراعاة مشاعرهم في طريق املناداة فقال عليه الصالة‬
‫والسالم‪ " :‬ال يقل أحدكم‪ :‬عبدي أمتي‪ ،‬وليقل‪ :‬فتاي وفتاتي وغالمي " (متفق عليه)‪ ،‬وكذا مراعاة‬
‫مشاعرهم ساعة تناول الطعام فقال‪ " :‬إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه‬
‫فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين‪ ،‬فإنه ولي عالجه " (متفق عليه)‪ ،‬يعني‪ :‬فهو الذي صنعه‪.‬‬
‫وفي إلاحسان إليهم في النواحي الجسدية نهى عن تكليف الخدم فوق طاقتهم؛ فقد قام صلى هللا‬
‫عليه وسلم‪ " :‬وال تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم " (متفق عليه)‪ .‬ورهب من ضربهم‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ٌ‬
‫وحذر منه؛ فقد قال أبو مسعود ألانصاري‪ :‬كنت أضرب غالما لي‪ ،‬فسمعت من خلفي صوتا‪" :‬‬
‫اعلم أبا مسعود هلل أقدر عليك منك عليه " فألتفت فإذا رسول هللا صلى هللا عليه وسلم فقلت‪ :‬يا‬
‫رسول هللا هو ٌ‬
‫حر لوجه هللا‪ ،‬فقال‪" :‬أما لو لم تفعل للفحتك النار أو ملستك النار " (أخرجه‬
‫مسلم)‪.‬‬

‫ً‬
‫إن الخدم في إلاسالم ليسوا خلقا دون خلق السادة؛ بل هم وإياهم سواء في أصل الخلقة‪ ،‬اقتضت‬
‫حكمة هللا أن يحصل هذا الفارق بينهما؛ ليتم ما أراد هللا من عمارة ألارض؛ وليكون ذلك ابتالء‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫ْ‬
‫لكليهما وقد بين هللا ذلك في قوله‪[ :‬أه ْم َيق ِسمون َر ْح َمة َرِِّب َك ن ْحن ق َس ْمنا َب ْي َنهم َّم ِعيش َته ْم ِفي ال َح َيا ِة‬
‫ً ْ ً‬
‫َّ َ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ُّ ْ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫الدن َيا َو َرف ْعنا َب ْعضه ْم ف ْوق َب ْعض َد َر َجات ِل َيت ِخذ َب ْعضهم َب ْعضا سخ ِرِّيا َو َر ْح َمت َرِِّب َك خ ْي ٌر ِِّم َّما‬
‫َ‬
‫َي ْج َمعون] (سورة الزخرف‪ ،‬آية ‪،)42‬‬
‫َّ َ َ‬
‫وقال تعالى‪َ [ :‬والله أ ْعلم ِب ِإ َيما ِنك ْم َب ْعضك ْم ِم ْن َب ْعض] (سورة النساء‪ ،‬آية ‪ ،)25‬وليس هناك لفظ‬
‫يدل على املساواة بين الناس أبلغ من لفظ بعضكم من بعض‪.‬‬
‫ً‬
‫وقد ضمن إلاسالم للخدم حقوقهم وألزم السادة بها‪ ،‬وهي إجماال‪- :‬‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪34‬‬

‫‪-1‬‬

‫إطعامهم من جنس طعام السادة‪.‬‬

‫‪-2‬‬

‫إلباسهم من جنس لباس السادة‪.‬‬

‫‪-4‬‬

‫عند تكليفهم بأعمال فيجب أن تكون في حدود الطاقة‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫إعانتهم على العمل عند تكليفهم به‪ ،‬تطييبا لخواطرهم‪ ،‬وتخفيفا عنهم‪.‬‬

‫‪-5‬‬

‫عدم ضربهم‪.‬‬

‫‪-6‬‬

‫عدم تعييرهم‪.‬‬

‫‪-7‬‬

‫اعتبارهم إخوة في إلاسالم؛ فقد قال عليه الصالة والسالم‪ " :‬إن إخوانكم‬

‫‪-3‬‬

‫خولكم جعلهم هللا تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده‪ ،‬فليطعمه مما يأكل‪،‬‬
‫وليلبسه مما يلبس‪ ،‬وال تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم‬
‫" (متفق عليه)‪.‬‬

‫‪-8‬‬

‫َ‬
‫َ‬
‫َّ ْ‬
‫املسارعة بدفع أجورهم‪ ،‬وعدم مماطلتهم؛ َع ْن أ ِبي ه َرْي َرة َر ِض َي الله َعنه‪َ ،‬ع ْن‬
‫َّ َ َ ْ َ َ َّ َ َ َ َ َ َّ‬
‫َّ ِّ َ َّ‬
‫الله َت َع َالى‪"َ :‬ث َال َث ٌة َأ َنا َخ ْ‬
‫صمه ْم َي ْو َم‬
‫صلى الله علي ِه وسلم قال‪ :‬قال‬
‫الن ِب ِي‬
‫َّ َ َ َ َ َ ٌ َ َ ًّ َ َ َ َ َ َ َ َ َ ٌ ْ َ ْ َ‬
‫َ َ‬
‫ْ‬
‫استأ َج َر أ ِج ًيرا‬
‫ال ِق َي َام ِة َرج ٌل أ ْعطى ِبي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل‬
‫َ‬
‫َ ْ َ َ ْ َ‬
‫است ْوفى ِمنه َول ْم ي ْع ِط ِه أ ْج َره" (أخرجه البخاري)‬
‫ف‬

‫أكثر ألاحاديث التي وردت في هذا الفصل وردت في ألارقاء‪ ،‬وبما أن الرق قد انتهى في العالم في‬
‫ً‬
‫الجلمة؛ تطبيقا لالتفاقات الدولية والتي أصبحت بموافقة الدول إلاسالمية عليها ملزمة بمقتض ى‬
‫َ َ ُّ َ َّ َ َ ْ َ ْ ْ ْ‬
‫ود] (سورة املائدة‪ ،‬آية ‪)1‬؛ فإنه يدخل ضمن‬
‫ق‬
‫ع‬
‫ال‬
‫آلاية الكريمة‪[ :‬يا أيها ال ِذين آمنوا أوفوا ِب‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫التوجيهات الواردة في ألارقاء‪ ،‬الخدم الذين يملك رب العمل أوقاتهم ونتاج عملهم‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪33‬‬

‫الوصية التاسعة‬

‫الوصية بأداء األمانة‬

‫‪-1‬‬

‫ً‬
‫أخرج إلامام أحمد عن أبي حرة الرقاش ي عن عمه قال‪ :‬كنت آخذا بزمام ناقة رسول هللا‬

‫صلى هللا عليه وسلم في اوسط أيام التشريق أذود عنه الناس فقال‪ " :‬يأيها الناس – وذكر خطبة‬
‫طويلة – وفيها ‪ ...‬أال ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها "‪.‬‬
‫‪-2‬‬

‫ً‬
‫وأخرج أحمد أيضا والترمذي والبيهقي والطبراني عن ابي أمامه الباهلي صلى هللا عليه وسلم‬

‫قال‪ :‬سمعت رسول هللا صلى هللا عليه وسلم يقول في الخطبة عام حجة الوداع‪" :‬العارية مؤداه‪،‬‬
‫والزعيم غارم‪ ،‬والدين مقض ي" (وقال الترمذي‪ :‬حسن غريب)‪.‬‬

‫إن ألامانة في مفهومها الشرعي كلمة عظيمة ذات دالالت كبيرة هي أعم وأشمل مما قد يتبادل إلى‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫ألاذهان‪ ،‬قال إلامام القرطبي املالكي في تفسير قوله تعالى‪َ [ :‬و َّالذ َ‬
‫ين ه ْم أل َمان ِات ِه ْم َو َع ْه ِد ِه ْم َراعون]‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫(سورة املؤمنون‪ ،‬آية ‪( :)8‬وألامانة والعهد‪ :‬يجمع كل ما يحمله إلانسان من أمر دينه ودنياه‪ ،‬قوال‬
‫ً‬
‫وفعال‪ ،‬وهذا يعم معاشرة الناس‪ ،‬واملواعيد وغير ذلك وغاية ذلك حفظه والقيام به) أ‪ .‬هـ‪ .‬ولخطر‬
‫ألامانة أبت الجبال والسموات وألارض على صالبتها وقوة خلقها حملها‪ ،‬وحملها إلانسان قال تعالى‪:‬‬
‫َّ َ َ َ ْ َ‬
‫َّ َ َ ْ َ ْ َ َ َ َ َ َ‬
‫ألا ْرض َو ْالج َبال َف َأ َب ْي َن َأن َي ْحم ْل َن َها َو َأ ْش َف ْق َن م ْن َها َو َح َم َل َها ْإلا َ‬
‫نسان‬
‫و‬
‫ات‬
‫او‬
‫م‬
‫الس‬
‫ى‬
‫ل‬
‫[ ِإنا عرضنا ألامانة ع‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫َّ َ َ‬
‫ان َظل ً‬
‫وما َجهوال] (سورة ألاحزاب‪ ،‬آية ‪ ،)72‬وقد وصف هللا إلانسان هنا بالظلوم والجهول ال‬
‫ِإنه ك‬
‫ألنه حمل ألامانة‪ ،‬فحملها شرف وفضيلة‪ ،‬ولكن لتركه القيام بها وأداء واجبها بعد أن حملها‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪35‬‬

‫ً ً‬
‫وقد حصل إلاخالل باألمانة في ألامة حصوال بينا ففشت خيانات من يؤتمن‪ ،‬وتقصير املوظفين‬
‫وألاجراء في أداء ما عهد إليهم؛ ولهذا اشتدت عناية املصطفى صلى هللا عليه وسلم بها حتى في‬
‫اللحظات ألاخيرة؛ بل أخبر أنها أول ما يفقد من الدين فقال‪ " :‬أول ما تفقدون من دينكم ألامانة "‬
‫(أخرجه الحاكم وصححه)‪.‬‬
‫واستمع إلى حذيفة بن اليمان رض ي هللا عنه صاحب سر النبي صلى هللا عليه وسلم وهو يتحدث‬
‫عن ألامانة‪ :‬يقول صلى هللا عليه وسلم‪ :‬حدثنا رسول هللا صلى هللا عليه وسلم حديثين رأيت‬
‫أحدهما وأنا انتظر آلاخر حدثنا عن ألامانة نزلت في جذر قلوب الرجال‪ ،‬ثم علموا من القرآن ثم‬
‫علموا من السنة‪ ،‬وحدثنا عن رفعها فقال‪ :‬ينام الرجل النومة فتقبض‪ ،‬فيبقى أثرها مثل املجل‬
‫ً‬
‫كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه ش يء فيصبح الناس يتبايعون‪ ،‬فال يكاد‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أحدهم يؤدي ألامانة‪ ،‬فيقال‪ :‬إن في بني فالن رجال أمينا‪ ،‬ويقال للرجل ما أعقله وما أظرفه وما‬
‫أجلده‪ ،‬وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان‪ ...‬الحديث (متفق عليه )‪.‬‬

‫لو لم يكن من فضيلة الاتصاف باألمانة إال أن النفوس تهفو إلى صاحبها وتجد في ضرورتها محبة‬
‫َ‬
‫َّ َّ َ َ ْ ْ َ ْ َ ُّ ْ َ َ َ‬
‫ات ِإلى‬
‫ان‬
‫وتقديره لكفى‪ ،‬كيف وهي امتثال ألمر هللا تعالى في قوله‪ِ [ :‬إن الله يأمركم أن تؤدوا ألام ِ‬
‫َ‬
‫أ ْه ِل َها]‬
‫(سورة النساء‪ ،‬آية ‪ ،)58‬وهي كذلك من أخص صفات املؤمنين فقد قال صلى هللا عليه وسلم‪" :‬‬
‫ال إيمان ملن ال أمانة له " (اخرجه الطبراني واين حبان)‪.‬‬
‫َ‬
‫ِّ َ‬
‫ً‬
‫وأتم املؤمنين إيمانا أنبياء هللا ورسله كل واحد منهم كان يقول لقومه‪ِ [ :‬إ ِني لك ْم َرسو ٌل أ ِم ٌين]‬
‫(سورة الشعراء‪ ،‬آية ‪.)117‬‬
‫ولهذا كانت من أبرز سمات خير القرون‪ ،‬فعن عمران بن حصين رض ي هللا عنه عن النبي صلى هللا‬
‫عليه وسلم قال‪ " :‬خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يكون بعدهم قوم يشهدون وال‬
‫يستشهدون ويخونون وال يؤتمنون‪ ........‬الحديث " (متفق عليه)‪ .‬وألهمية ألامانة في حياة املسلم‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪36‬‬

‫أمر الشرع بالتحلي بها حتى مع أهل الخيانة فقال صلى هللا عليه وسلم‪" :‬أد ألامانة إلى من ائتمنك‬
‫وال تخن من خانك " (أخرجه أبو داود والترمذي وقال‪ :‬حسن غريب)‪.‬‬

‫ً‬
‫أخض املؤمنين أصحاب‬
‫فيما سبق علمنا أن التحلي باألمانة من أخص صفات املؤمنين؛ بل‬
‫النفوس الزكية والهمم العلية‪ ،‬وفي املقابل فإن أصحاب النفوس املريضة‪ ،‬والهمم الوضيعة من‬
‫أخص أوصافهم الخيانة والغدر؛ فعن أبي هريرة رض ي هللا عنه قال‪ :‬قال رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم‪ " :‬آية املنافق ثالث‪ :‬إذا حدث كذب‪ ،‬وإذا وعد أخلف‪ ،‬وإذا ائتمن خان " (متفق عليه)‪ .‬وفي‬
‫رواية " وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم "‬
‫ً‬
‫قال عمر بن الخطاب رض ي هللا عنه‪ " :‬ال يعجبنكم من الرجل طنطنته‪ ،‬ولكن من أدى ألامانة وكف‬
‫عن أعراض الناس‪ ،‬فهو الرجل " (أخرجه البيهقي في الكبرى)‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪37‬‬

‫الوصية العاشرة‬

‫إخراج المشركين واليهود والنصارى من جزيرة العرب‬

‫‪-1‬‬

‫أخرج البخاري واملسلم عن ابن عباس رض ي هللا عنه أنو قال‪ :‬يوم الخميس وما يوم‬

‫الخميس؟ ثم بكى حتى خصب دمعه الحصباء فقال‪ :‬اشتد برسول هللا صلى هللا عليه وسلم وجعه‬
‫يوم الخميس فقال‪ :‬وأوص ى عند موته بثالث‪ :‬أخرجوا املشركين من جزيرة العرب‪ ،‬وأجيزوا الوفد‬
‫بنحو ما كنت أجيزهم‪ ،‬ونسيت الثالثة وقال يعقوب بن محمد‪ :‬سألت املغيرة بن عبد الرحمن عن‬
‫جزيرة العرب؟ فقال‪ :‬مكة واملدينة واليمامة واليمن‪ ،‬قال يعقوب‪ " :‬والعرج أول تهامة"‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫واملقصود باليمن في الحديث‪ :‬ما كان يمنا – أي جنوبا عن مكة – وال يختص بيمن صنعاء‬
‫ومخاليفها كما يوضحه كالم الشافعي آلاتي‪.‬‬
‫‪-2‬‬

‫أخرج مسلم عن جابر بن عبدهللا قال‪ :‬أخبرني عمر بن الخطاب أنه سمع رسول هللا صلى‬

‫هللا عليه وسلم يقول‪ " :‬ألخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى ال أدع إال مسلما"‬
‫‪-4‬‬

‫وأخرج أحمد عن عائشة قالت‪ :‬كان آخر ما عهد رسول هللا صلى هللا عليه وسلم أن قال‪:‬‬

‫"ال يترك بجزيرة العرب دينان "‬

‫ملا كانت هذه الجزيرة حرم إلاسالم‪ ،‬وداره ألاولى‪ ،‬قبلة املسلمين‪ ،‬منها فاض نور التوحيد‪ ،‬وإليها‬
‫ً‬
‫يأوي؛ كما قال صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬إن إلاسالم بدأ غريبا‪ ،‬وسيعود كما بدأ‪ ،‬وهو يأرز بين‬
‫املسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها " (أخرجه مسلم)‪ ،‬كان من الحكمة البالغة أن ال يكون لدين‬
‫ً‬
‫غير إلاسالم وجود دائم فيه‪ ،‬سواء كان هذا الوجود ممثال في شخص أو منشأة أو مؤسسة‪.‬‬
‫واملقصود بجزيرة العرب في ألاحاديث الشريفة – كما يدل عليه الجمع بين النصوص – ما هو‬
‫ً‬
‫ً‬
‫واقع تقريبا داخل حدود اململكة العربية السعودية حاليا؛ فقد قال ابن قدامة في املغني‪( :‬يعني أن‬
‫املمنوع من سكنى الكفار به‪ :‬املدينة وما والاها‪ ،‬وهو‪ :‬مكة واليمامة وخيبر والينبع وفدك‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪38‬‬

‫ومخاليفها وما والاها‪ .‬وهذا قول الشافعي؛ ألنهم لم يجلوا من تيماء‪ ،‬وال من اليمن) ‪ ...‬ثم قال –‬
‫أي ابن قدامة‪( :‬فكأن جزيرة العرب في تلك ألاحاديث أريد بها الحجاز) أ‪ .‬هـ‪.‬‬
‫وقال البيهقي في معرفة السنن وآلاثار‪( :‬والحجاز‪ :‬مكة واملدينة واليمامة ومخاليفها كلها؛ ألن تركهم‬
‫سكنى الحجاز منسوخ وقد كان رسول هللا صلى هللا عليه وسلم استثنى على أهل خيبر حين عاملهم‬
‫فقال‪ " :‬أقركم ما أقركم هللا " (أخرجه مالك في املوطأ)‪ ،‬ثم أمرنا بإجالئهم من الحجاز‪ ،‬وساق‬
‫الكالم‪ ....‬إلى أن قال‪ :‬يحتمل أمر النبي صلى هللا عليه وسلم بإجالئهم منها أن ال يسكنوها ويحتمل‬
‫لو ثبت عنه‪" :‬ال يبقين دينان بأرض العرب "‪ :‬ال يبقين دينان مقيمان) أ‪.‬هـ‪.‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫وقال الشافعي‪( :‬ولم أعلم أحدا أجآل أحدا من أهل الذمة من اليمن‪ ،‬وقد كانت بها ذمة وليست‬
‫اليمن بحجاز)‪.‬‬
‫وقال ابن القيم في أحكام أهل الذمة‪ ،‬بعد أن ذكر أن الكفار‪ :‬إما أهل حرب أو أهل عهد‪ ،‬وأن أهل‬
‫العهد ثالثة أصناف‪ :‬أهل ذمة‪ ،‬واهل هدنة‪ ،‬وأهل أمان‪ ،‬قال عن أهل ألامان‪( :‬وأما املستأمن فهو‬
‫الذي يقدم يالد املسلمين من غير استيطان لها‪ ،‬وهؤالء أربعة أقسام‪ :‬رسل‪ ،‬وتجار‪ ،‬ومستجيرون‪،‬‬
‫حتى يعرض عليهم إلاسالم والقرآن‪ ،‬فإن شاءوا دخلوا فيه‪ ،‬وإن شاءوا رجعوا إلى بالدهم‪.‬‬
‫وطالبوا حاجة من زيادة أو غيرها‪ ،‬وحكم هؤالء أال يهاجوا‪ ،‬وال يقتلوا‪ ،‬وال تؤخذ منهم الجزية‪ ،‬وأن‬
‫يعرض على املستجير منهم إلاسالم والقرآن‪ ،‬فإن دخل فيه فذلك‪ ،‬وإن أحب اللحاق بمأمنه ألحق‬
‫ً‬
‫به‪ ،‬ولم يعرض له قبل وصوله إليه‪ ،‬فاذا وصل مأمنه عاد حربيا كما كان)‪.‬‬
‫وقال العالمة ابن عثيمين رحمه هللا – شرح صحيح مسلم (مخطوط) – عندما سئل‪ :‬هل يجوز‬
‫استخدام العمال من أهل الكتاب من اليهود والنصارى؟ فقال‪( :‬نعم يجوز ذلك‪ ،‬لكم ال يجوز أن‬
‫يسكنوا ويكونوا مواطنين‪ ،‬هذا ممنوع في جزيرة العرب لكن إذا دخلوا في تجارة أو عمل غير‬
‫مقيمين دائما فال بأس) أ‪ .‬هـ‪ .‬كما يشهد لهذا ما رواه ابن خزيمة في صحيحه عن جابر رض ي هللا‬
‫َْ َ ْ‬
‫َّ ْ ْ‬
‫َن َ َ ٌ َ ْ‬
‫َ‬
‫عنه في قوله تعالى‪َ [ :‬يا َأ ُّي َها َّالذ َ‬
‫س فال َيق َربوا امل ْس ِجد ال َح َر َام َب ْعد َع ِام ِه ْم‬
‫ين َآمنوا ِإن َما املش ِركو نج‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َهذا] (سورة التوبة‪ ،‬آية ‪ .)28‬قال " إال أن يكون عبدا أو أحدا من أهل الذمة " أي‪ :‬له عقد أمان‬
‫من املسلمين‪ ،‬وليس املقصود أهل الذمة وباالصطالح الفقهي املعروف‪ .‬فتحمل إذا داللة حديث‬
‫إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب على املنع من استيطان املشركين لجزيرة العرب‪ ،‬ال‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪39‬‬

‫إقامتهم فيها للعمل املؤقت‪ ،‬أو التجارة كما هو شأن الكفار الوافدين‪ ،‬وعدم تمكين ألافراد من‬
‫إلاقامة الدائمة في جزيرة العرب يدل من باب أولى على عدم جواز تمكين غير املسلمين من إيجاد‬
‫منشئات أو مؤسسات‪ ،‬مثل أماكن العبادة‪ ،‬ومراكز الدعوة لدين غير إلاسالم‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪51‬‬

‫الوصية الحادية عشر‬

‫التحذير من الشرك وذرائعه‬

‫‪-1‬‬

‫أخرج البخاري ومسلم عن عائشة وابن عباس رض ي هللا عنه قاال‪ :‬ملا نزل برسول هللا‬
‫صلى هللا عليه وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال‬
‫وهو كذلك‪ " :‬لعنة هللا على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما‬
‫صنعوا "‪.‬‬

‫‪-2‬‬

‫وأخرج البخاري ومسلم عنها رض ي هللا عنه قالت‪ :‬قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫في مرضه الذي لم يقم منه‪ " :‬لعن هللا اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد‪،‬‬
‫ً‬
‫قالت عائشة‪ :‬لوال ذلك ألبرز قبره‪ ،‬خش ي أن يتخذ مسجدا‬

‫‪-4‬‬

‫وأخرج مسلم عن جندب رض ي هللا عنه قال سمعت رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
‫قبل أن يموت بخمس وهو يقول‪ " :‬أال وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم‬
‫وصالحيهم مساجد‪ ،‬أال فال تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك "‪.‬‬

‫‪-3‬‬

‫واخرج البخاري ومسلم عن عائشة أن أم حبيبة وام سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة‬
‫فيها تصا وير فذكرتا للنبي صلى هللا عليه وسلم فقال إن أولئك إذا كان فيهم الرجل‬
‫الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور فأولئك شرار الخلق‬

‫‪-5‬‬

‫عند هللا يوم القيامة "‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫وأخرج مسلم عن أبي الهياج ألاسدي قال‪َ :‬ق َ‬
‫ال ِلي َع ِل ٌّي‪ " :‬أال أ ْب َعث َك َعلى َما َب َعث ِني َعل ْي ِه‬
‫َّ َ َّ َّ َ‬
‫ً‬
‫َّ َ ْ‬
‫صلى الله َعل ْي ِه َو َسل َم؟ أن ال تدع تمثاال إال طمسته وال قبرا مشرفا إال‬
‫َرسول الل ِه‬
‫سويته "‪.‬‬

‫‪-6‬‬

‫ً‬
‫واخرج مسلم أيضا عن جابر قال‪ :‬نهى رسول هللا صلى هللا عليه وسلم أن يجصص‬
‫القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪51‬‬

‫َّ‬
‫إن أعظم ما أمر هللا به عباده توحيده وإفراده بالعبادة والقصد؛ قال تعالى‪َ [ :‬و َما أ ِمروا ِإال ِل َي ْعبدوا‬
‫َ َ ِّ َ َ َ‬
‫َّ َ ْ‬
‫ين حنفاء] (سورة البينة‪ ،‬آية ‪ .)5‬وما أرسلت الرسل وانزلت الكتب إال ألجل‬
‫الد‬
‫الله مخ ِل ِصين له ِ‬
‫ذلك قال تعالى‪َ [ :‬و َما َأ ْر َس ْل َنا من َق ْبل َك من َّرسول إ َّال نوحي إ َل ْيه َأ َّنه ال إ َل َه إ َّال َأ َنا َف ْ‬
‫اعبدو ِن] (سورة‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ألانبياء‪ ،‬آية ‪.)25‬‬
‫ً‬
‫َّ َ‬
‫وفي املقابل فإن أعظم الذنوب وأفظع الجرائم وأكبرها خطرا الشرك باهلل؛ قال تعالى‪ِ [ :‬إ َّن الله ال‬
‫َ َ‬
‫ْ‬
‫َ َ‬
‫ْ‬
‫ْ َْ ْ‬
‫َّ‬
‫َيغ ِفر أن يش َر َك ِب ِه َو َيغ ِفر َما دون ذ ِل َك ِمل ْن َيشاء] (سورة النساء‪ ،‬آية ‪ .)38‬قال‪ِ [ :‬إنه َمن يش ِر ْك‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِّ َ َ ْ َ َّ َ ِّ‬
‫َّ‬
‫النار] (سورة املائدة‪ ،‬آية ‪ .)72‬قال‪َ [ :‬و َل َق ْ‬
‫الله َع َليه ْال َج َّن َة َو َم ْأ َ‬
‫وح َي ِإل ْي َك َو ِإلى‬
‫أ‬
‫د‬
‫اه‬
‫و‬
‫ِبالل ِه فقد حرم‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ ْ َ َ ْ َ ْ َ ْ َ َ َ ْ َ َ َّ َ َ َ َ َ َ َ َّ َ َ‬
‫الخاسر َ‬
‫َّالذ َ‬
‫ين [ (سورة الزمر‪ ،‬آية ‪.)65‬‬
‫ن‬
‫م‬
‫ن‬
‫ون‬
‫ك‬
‫ت‬
‫ل‬
‫و‬
‫ك‬
‫ل‬
‫م‬
‫ع‬
‫ن‬
‫ط‬
‫ب‬
‫ح‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ت‬
‫ك‬
‫ر‬
‫ش‬
‫أ‬
‫ن‬
‫ن‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ب‬
‫ق‬
‫ن‬
‫م‬
‫ين‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ولخطورة الشرك؛ فقد كان تحذير الناصح ألامين صلى هللا عليه وسلم ألمته أشد التحذير منه‬
‫ومن ذرائعه وأسبابه وكل ما يدو إليه‪.‬‬

‫إن من أهم ذرائع الشرك وأسبابه وما يدعو إليه‪ ،‬الغلو في الصالحين‪ ،‬وال سيما ألاموات منهم‬
‫ً‬
‫ً‬
‫واتخاذ قبورهم أماكن للعبادة وابناء عليها؛ فعن أبن عباس رض ي هللا عنهما‪ " :‬أن ودا وسواعا‬
‫ً‬
‫ويغوث ويعوق ونسرا أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن‬
‫أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم‪ ،‬ففعلوا‪ ،‬فلم تعبد حتى إذا‬
‫هلك أولئك وتنسخ العلم‪ ،‬عبدت (أخرجه البخاري)‪ .‬والالت التي ذكر هللا من معبودات املشركين‪:‬‬
‫أصله رجل صالح كان يصنع الطعام للحجاج فلما مات عكفوا على قبره؛ فعن أبي الجوزاء عن‬
‫ََ َ‬
‫َّ َ ْ‬
‫ً‬
‫ابن عباس رض ي هللا عنهما في قوله‪[ :‬أف َرأ ْيتم الالت َوالع َّزى] " كان الالت‪ :‬رجال يلت سويق الحاج‬
‫(أخرجه البخاري)‪.‬‬
‫ومما سبق يتبين أن رفع قبور الصالحين وتماثيلهم‪ ،‬والبناء على قبورهم واتخاذها أماكن للعبادة‬
‫من أهم أسباب الشرك وذرائعه‪ ،‬وإذا تأملت إنكار النبي صلى هللا عليه وسلم الشديد على نصب‬
‫صور الصالحين والبناء على قبورهم واتخاذها أماكن للعبادة اتضحت لك الحكمة من بعث النبي‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪52‬‬

‫صلى هللا عليه وسلم علي بن أبي طالب رض ي هللا عنه ليطمس الصور ويسوي باألرض القبور التي‬
‫رفعت بالبناء‪ ،‬وإذا قارنت هذا بالواقع في بالد املسلمين وغفلة أهل العلم عن إنكار ذلك‪ ،‬تبين لك‬
‫قوة أثر العادات والتقاليد؛ حتى كانت النتيجة قلة املنكر واملغير لهذا املنكر الخطير! قال إلامام‬
‫الشوكاني رحمه هللا في شرح الصدور‪ ( :‬إن رفع القبور ووضع القباب واملساجد واملشاهد عليها قد‬
‫لعن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم فاعلة تارة‪ ،‬وتارة قال‪" :‬اشتد غضب على قوم اتخذوا قبور‬
‫أنبيائهم مساجد " فدعا عليهم بأن يشتد غضب هللا عليهم بما فعلوه من هذه املعصية‪ ،‬وذلك‬
‫ثابت في الصحيح‪ ،‬وتارة ببعث من يهدمه‪ ،‬وتارة جعله من فعل اليهود والنصارى‪ ،‬وتارة قال‪ " :‬ال‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫تتخذوا قبري وثنا " وتارة قال‪" :‬ال تتخذوا قبري عيدا " أي‪ :‬موسما يجتمعون فيه‪ ،‬كما صار يفعله‬
‫ً‬
‫كثير‪ ،‬يجعلون ملن يعتقدونه من ألاموات أوقاتا معلومة يجتمعون فيها عند قبورهم ينسكون لها‬
‫املناسك ويعكفون عليها فال شك وال ريب أن السبب ألاعظم الذي نشأ معه هذا الاعتقاد في‬
‫ألاموات هو ما زينه الشيطان للناس من رفع القبور‪ ،‬ووضع الستور عليها‪ ،‬وتجصيصها‪ ،‬وتزيينها‬
‫بأبلغ زينة‪ ،‬وتحسينها بأكمل تحسين‪ ،‬فإن الجاهل إذا وقعت عينه على قبر من القبور قد برزت‬
‫عليه قبة فدخلها ونظر إلى القبة والستور الرائعة‪ ،‬والسرج املتأللئة‪ ،‬وقد سطعت حولها مجامر‬
‫ً‬
‫الطيب‪ ،‬فال شك وال ريب أنه يمتلئ قلبه تعظيما لذلك القبر‪ ،‬ويضيق ذهنه عن تصور ما لهذا‬
‫امليت من املنزلة‪ ،‬ويدخله من الروع واملهابة ما يزرع في قلبه من العقائد الشيطانية التي هي من‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أعظم مكائد الشيطان للمسلمين‪ ،‬وأشد وسائله إلى إضالل العباد ما يزلزله عن إلاسالم قليال قليال‬
‫حتى يطلب من صاحب ذلك القبر ما ال يقدر عليه إال هللا سبحانه‪ ،‬وقد يحصل له هذا الشرك‬
‫بأول رؤية لذلك القبر‪ ،‬الذي صار على تلك الصفة‪ ،‬وعند أول زيارة له؛ إذ البد أن يخطر بباله أن‬
‫هذه العناية البالغة من ألاحياء بمثل هذا امليت ال تكون إال لفائدة يرجونها منه‪ ،‬إما دنيوية أو‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أخروية‪ ،‬ويستصغر نفسه بالنسبة إلى ما يراه من أشباه العلماء زائرا لذلك القبر وعاكفا عليه‪،‬‬
‫ً‬
‫ومتمسكا بأركانه‪.‬‬
‫وقد جعل الشيطان طائفة من إخوانه من بني آدم يقفون على ذلك القبر‪ ،‬ويخادعون من يأتي‬
‫ً‬
‫إليه من الزائرين‪ ،‬يهولون عليهم ألامر ويصنعون أمورا من أنفسهم ينسبونها إلى امليت على وجه ال‬
‫يفطن له من كان من املغفلين‪ ،‬وقد يصنعون أكاذيب مشتملة على أشياء يسمونها كرامات لذلك‬
‫امليت ويبثونها في الناس ويكررون ذكرها في مجالسهم‪ ،‬عند اجتماعهم بالناس‪ ،‬فتشيع وتستفيض‪،‬‬
‫ويتلقاها من يحسن الظن باألموات‪ ،‬ويقبل عقله ما يروى عنهم من ألاكاذيب فيرويها كما سمعها‪،‬‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪54‬‬

‫ويتحدث بها في مجالسه‪ ،‬فيقع الجهال في بلية عظيمة من الاعتقاد الشركي‪ ،‬وينذرون على ذلك‬
‫امليت بكرائم أموالهم ويحبسون على قبره من أمالكهم ما هو أحب إلى قلوبهم؛ العتقادهم أنهم‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ينالون بجاه ذلك امليت خيرا عظيما‪ ،‬وأجر كبيرا‪ ،‬ويعتقدون أن ذلك قربة عظيمة‪ ،‬وطاعة نافعة‪،‬‬
‫وحسنة متقبله‪ ،‬فيحصل بذلك مقصود أولئك الذين جعلهم الشيطان من إخوانه من بني آدم‬
‫على ذلك القبر‪ ،‬فإنهم إنما فعلوا تلك ألافاعيل‪ ،‬وهولوا على الناس تلك التهاويل‪ ،‬وكذبوا تلك‬
‫ً‬
‫ألاكاذيب لينالوا جانبا من الحطام من أموال الطغام ألاغتام‪ ،‬وبهذه الذريعة امللعونة والوسيلة‬
‫ً‬
‫ً‬
‫إلابليسية تكاثرت ألاوقاف على قبور‪ ،‬وبلغت مبلغا عظيما )‪ .‬انتهى كالمة رحمه هللا‪.‬‬
‫وقال إلامام العالمة الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني‪ ( :‬فاعلم أن هذه ألامور التي ندندن‬
‫حول إنكارها‪ ،‬ونسعى في هدم منازلها‪ ،‬صادرة عن العامة الذين إسالمهم تقليد آلاباء بدون دليل‬
‫ومتابعتهم لهم من غير فرق بين دبير وقبيل‪ ،‬ينشأ الواحد فيهم فيجد أهل قريته‪ ،‬وأصحاب بلدته‪،‬‬
‫يلقنونه في الطفولة‪ :‬أن يهتف باسم من يعتمدون فيه‪ ،‬ويراهم ينذرون عليه ويعظمونه‪ ،‬ويرحلون‬
‫به – أي الطفل – إلى محل قبره‪ ،‬فينشأ قد قر في قلبه عظمة ما يعظمون وقد صار أعظم ألاشياء‬
‫عنده من يعتقدونه‪ ،‬فنشأ على ذلك الصغير‪ ،‬وشاخ عليه الكبير‪ ،‬وال يسمعون من أحد عليهم من‬
‫نكير؛ بل ترى من تسمى بالعلم‪ ،‬وانتصب للقضاء أو‪ ،‬الفتيا أو التدريس أو الوالية أو املعرفة‪ ،‬أو‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫إلامارة والحكومة‪ ،‬معظما ملا يعظمونه‪ ،‬مكرما ملا يكرمونه‪ ،‬قابضا للنذور‪ ،‬آكال ما ينحر على‬
‫القبور‪ ،‬فيظن العامة أن هذا دين إلاسالم‪ ،‬وأنه رأس الدين والسنام‪ ،‬وال يخفى على أحد يتأهل‬
‫للنظر‪ ،‬ويعرف بارقة من علم الكتاب والسنة وألاثر‪ ،‬أن سكوت العالم أو العالم على وقوع املنكر‬
‫ً‬
‫ليس دليال على جواز ذلك املنكر‪ ،‬فما كل سكوت رض ى؛ فإن هذه منكرات أسسها من بيده‬
‫السيف والسنان‪ ،‬ودماء العباد وأموالهم تحت لسانه وقلمه‪ ،‬وأعراضهم تحت قوله وكلمة‪ ،‬فكيف‬
‫يقوى فرد من ألافراد على دفعه عما أراد؛ فإن هذه القباب واملشاهد التي صارت أعظم ذريعة إلى‬
‫الشرك‪ ،‬وأكبر وسيلة إلى هدم إلاسالم وخراب بنيانه‪ ،‬غالب – بل كل من يعمرها – هم امللوك‬
‫والسالطين والرؤساء والوالة‪ ،‬إما على قريب لهم أو من يحسنون الظن به؛ من فاضل أو عالم‬
‫صوفي أو فقير أو شيخ كبير‪ ،‬ويزوره الناس الذين يعرفونه زيارة ألاموات من دون توسل به‪ ،‬وال‬
‫ً‬
‫هتف باسمه‪ ،‬بل يدعون له‪ ،‬حتى ينقرض من يعرفه أو أكثرهم‪ ،‬فيأتي من بعدهم فيجد قبرا قد‬
‫ٌ‬
‫شيد عليه البناء‪ ،‬وسرجت عليه الشموع‪ ،‬وفرش بالفراش الفاخر‪ ،‬وأرخيت عليه الستور؟ وألقيت‬
‫عليه ألاوراد والزهور‪ ،‬فيعتقد أن ذلك لنفع أو لدفع ضر‪ ،‬ويأتيه السدنة يكذبون على امليت بأنه‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪53‬‬

‫فعل وفعل‪ ،‬وأنزل بفالن الضرر‪ ،‬وبفالن النفع‪ ،‬حتى يغرسوا في جبلته كل باطل؛ ولهذا ألامر ثبت‬
‫في ألاحاديت النبوية اللعن واسعة معروفة‪ ،‬فإن ذلك في نفسه منهى عنه‪ ،‬ثم هو ذرعة إلى مفسدة‬
‫عظيمة‪.‬‬
‫فإن قلت‪ :‬هذا قبر رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قد عمرت عليه قبة عظيمة وأنفقت فيها‬
‫ألاموال؟‬
‫قلت‪ :‬هذا جهل عظيم بحقيقة الحال؛ فإن هذه القبة ليس بناؤها منه صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬وال‬
‫من أصحابه‪ ،‬وال من تابعيهم‪ ،‬وال من تابعي تابعيهم‪ ،‬وال من علماء أمته‪ ،‬وأئمة ملته؛ بل هذه القبة‬
‫املعمولة على قبره من أبنية بعض امللوك املتأخرين وهو قالوون الصالحي املعروف بامللك املنصور‬
‫في سنة ثمان وسبعين وستمائة‪ ،‬فهذه أمور دولية ال دليلية يتبع فيها آلاخر ألاوال)‪ .‬انتهى كالمه‬
‫رحمه هللا‪.‬‬
‫وقال عالمه الهند الشيخ صديق حسن خان القنوجي‪( :‬ما زال أهل العلم في كل زمان ومكان‪ ،‬وال‬
‫يزالون يرشدون الناس إلى إخالص التوحيد‪ ،‬وينفرونهم عن الوقوع في أي نوع من أنواع الشرك‪،‬‬
‫ولكن ملا كان الشرك أخفى من دبيب النمل – كما قال الصداق املصدوق صلى هللا عليه وسلم –‬
‫خفي على كثير من أهل العلم‪ .‬وبناء على الذهول عن العلم وقعوا في بعض أمور الشرك‪ ،‬ويوجد‬
‫هذا الذهول في مؤلفات الفحول‪ ،‬وفي أبيات كثير من الشعراء خاصة من قالوا قصائد في مدح‬
‫النبي صلى هللا عليه وسلم والخلفاء الراشدين وسائر امللوك والسالطين‪ ،‬حيث صدر من هذه‬
‫ً‬
‫الطائفة الغافلين أحيانا ما تقشعر منه الجلود وترتعد القلوب‪ ،‬ويخاف من أن يحل غضب هللا‬
‫ً‬
‫ً‬
‫على قارئه فضال عن قائله‪ ،‬وليس سببه إال ذلك الذهول والغفلة لديهم أحيانا في أحوالهم‬
‫ومقاالتهم‪ ،‬وأوكد أسباب الفتح لهذه ألابواب وتلك ألاسباب هي‪ :‬تشييد القبور ورفعها واتخاذ‬
‫القباب عليها وتزيينها بستور فائقة‪ ،‬وإيقاد الشموع عليها‪ ،‬والاجتماع وإظهار الخضوع والاستكانة‬
‫عندها‪ ،‬وطلب الحوائج من ألاموات‪ ،‬ودعاؤهم من صميم القلب‪.‬‬
‫وملا توراث هذا الصنيع آلاخر عن ألاول‪ ،‬واتبع فيه الخلف السلف‪ ،‬واقتدى الالحق بالسابق‪،‬‬
‫تفاقم أمره‪ ،‬وتزايد شره‪ ،‬واشتد خطره‪ .‬ففي كل قطر من ألاقطار؛ بل في كل بلد من البالد‪ ،‬ومدينة‬
‫من املدن‪ ،‬وقرية من القرى‪ ،‬ومجتمع من املجتمعات‪ ،‬وجد مثل أولئك ألاموات‪ ،‬واعتقد فيهم‬
‫جماعة من ألاحياء‪ ،‬اعتكفوا على قبورهم‪ ،‬وهذا الصنيع لدى هؤالء املصابين بالشرك أمر‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪55‬‬

‫مستأنس‪ ،‬وفعل مألوف تقبله عقولهم‪ ،‬وتستحسنه أذهانهم‪ ،‬وتنبسط به نفوسهم‪ ،‬حتى حينما‬
‫يولد لهم مولود ويصل إلى مرحلة فهم الخطاب‪ ،‬ما يقرع سمعه إال مناداة أهل هذه القبور‬
‫ً‬
‫والعكوف عليها‪ ،‬وزيارتها‪ ،‬ويرى أن من تزل قدمه يدعو أحدا من أولئك املوتى‪ ،‬ومن يمرض فأهله‬
‫ً‬
‫الذين يريدون شفاءه يخرجون جزا من أموالهم لذلك امليت‪ ،‬وعند الحاجة يتوسلون بصاحب‬
‫ذلك القبر‪ ،‬ويقدمون إلى العاكفين واملجاورين لذلك املقبور الذين يأكلون أموال الناس بشتى‬
‫الحيل ليتم ما أرادوا‪ ،‬وبعد ذلك عندما يكبر املولود وتكون تلك املسموعات واملرئيات مرتسمة‬
‫ٌ‬
‫ومستقرة في ذهنه وفكره؛ ألن طبع الصغير يكون قويا في تأثره باملؤثرات‪ ،‬وعندما يخرج من عند‬
‫ً‬
‫أبويه واملهد الذي تربى فيه يرى أن الناس على ما عليه أبواه‪ ،‬وكثيرا ما يحدث أن أول مكان بعد‬
‫ً‬
‫ً‬
‫مولده يعرفه ويذهب إليه يكون قبرا من تلك القبور املعتقد فيها‪ ،‬ومشهدا من تلك املشاهد التي‬
‫ابتلى بها الناس‪ ،‬ويالحظ عند هذه القبور الزحام‪ ،‬والضجيج والصراخ والنداء والدعاء من ألابوين‬
‫أو آلاخرين الكبار‪ ،‬فاعتقاده املأخوذ من ألابوين يحصل له تأكيد وتأييد وتعزيز آخر‪ ،‬وخاصة‬
‫حينما يرى املباني النفيسة على هذه القبور‪ ،‬وجدرانها مزينة باأللوان املتنوعة وعليها ستائر فائقة‪،‬‬
‫وروائح العود والعنبر منها فائحه‪ ،‬والسرج والقناديل والشموع في جميع نواحيها ساطعة‪ ،‬والسدنة‬
‫الذين يعكفون عليها ويحتالون على الناس بشتى الحيل ليأكلوا أموالهم‪ ،‬ويرى أنهم يعظمون هذه‬
‫ألامور أقص ى ما يمكن‪ ،‬ويدخلون هولها في قلوب الناس‪ ،‬ويوصلون الزائرين والوافدين إلى ذلك‬
‫املكان آخذين بإيديهم ومظهرين غاية التعظيم‪ ،‬ويضربونهم على أدنى إساءة‪ ،‬وبهذا يزداد اعتقاد‬
‫املسكين في ذلك القبر ومقبروه‪ ،‬وعند ذلك يرسخ في قلبه من العقيدة الفاسدة ما ال يمكن زوال‬
‫منه إال بتوفيق هللا وهدايته ولطفه وعنايته‪.‬‬
‫وناش ئ كهذا عندما يطلب العلم يجد أغلب أهل العلم – منهم – متفقين على ذلك الاعتقاد بشأن‬
‫ذلك امليت‪ ،‬ويرى أنهم يعظمونه ويعدون حبه من أعظم الذخائر عند هللا‪ ،‬ويطعنون من يخالف في‬
‫هذا ألامر الباطل‪ ،‬ويقولون‪ :‬إن ذلك الشخص ليس من معتقدي ألاولياء وال محبي الصلحاء‪ ،‬فال‬
‫بد أن يزداد حب هذا املشتغل بالعلم ويرسخ اعتقاده فيهم‪.‬‬
‫وهذه البدعة العظيمة والفتنة الكبرى التي طبقت الشرق والغرب‪ ،‬ووقع فيها كثير من الناس –‬
‫اعني الاعتقاد في ألاموات – قد وصل إلى حد خدش وجه إلايمان‪ ،‬وفت عضد إلاسالم‪ ،‬وأساسه‬
‫تشييد القبور والتفوق في بناء القباب على املقبورين واملبالغة في التهويل أمام زوار القبور بشتى‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪56‬‬

‫الوسائل التي توجب املهابة والتعظيم لألمور املتقدم ذكرها‪ .‬وال يستطيع أحد من العقالء أن ينكر‬
‫أن هذا ألامر من أعظم املحصالت لالعتقاد الفاسد‪ ،‬وأهم موجبات الوقوع في الفتن املخالفة‬
‫إلخالص التوحيد‪.‬‬
‫ومن يشك في هذا املعنى وال يقبله عقله فعليه بالتتبع والاستقراء‪ ،‬وأقرب هذا التتبع والبحث أن‬
‫يستفسر بعض العامة عن هذا املعنى فإنه يكاد يجد عند كل فرد من أفراد العامة ما‬
‫ذكرته‪"....‬وختم القنوجي كالمه بقولة‪ " :‬الحاصل أن الذي يجب علينا عند الوقوف على ما ال‬
‫يجوز اعتقاده من مؤلفات املتقدمين وأشعارهم أو خطبهم أو رسائلهم أن نحكم على ذلك املوجود‬
‫بما يستحقه ويقتضيه‪ ،‬ونوضح للناس ما فيه؟ ونحذرهم عن العمل به والركون إليه‪ ،‬ونكل أمر‬
‫قائله إلى هللا من التأويل له بما يمكن‪ ،‬وإبداء املعاذير له بما ال يرده الفهم ويأباه العقل‪ ،‬ولم‬
‫يكلفنا هللا سبحانه غير هذا‪ ،‬وال استوجب عليها سواه)‪ .‬انتهى كالمه رحمه هللا‪.‬‬
‫وإذا تأمل القارئ ما تقدم ظهر له السر في وصيته صلى هللا عليه وسلم بهذا ألامر وبالغ عنايته‬
‫واهتمامه به‪.‬‬
‫وهفي هذا املعنى يقول أحد العلماء في القرن الثامن الهجري‪( :‬ومن أعظم مكايده – يعني‬
‫ً‬
‫الشيطان – التي كاد بها أكثر الناس وما نجا منها إال من لم يرد هللا تعالى فتنته ما أوحاه قديما‬
‫ً‬
‫وحديثا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور حتى آل ألامر فيها إلى أن عبد أربابها من دون هللا‪.‬‬
‫ً‬
‫وعبدت قبورهم‪ ،‬واتخذت أوثانا‪ ،‬وبنيت عليها الهياكل وصورت صور أربابها فيها‪ ،‬ثم جعلت تلك‬
‫ً‬
‫الصور أجسادا لها ظل ثم جعلت أصناما وعبدت مع هللا تعالى وكان أول هذا الداء العظيم في قوم‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫وح َّر ِّب إ َّنه ْم َع َ‬
‫ال ن ٌ‬
‫نوح كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه حيث يقول‪َ [ :‬ق َ‬
‫ص ْو ِني َوات َبعوا َمن ل ْم َي ِز ْده‬
‫ِ ِ‬
‫َ َ َ َّ ً َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ْ ً‬
‫َ َّ َ ً‬
‫َ‬
‫َ َ َ َّ َ‬
‫َماله َو َولده ِإال خ َسارا (‪َ )21‬و َمكروا َمكرا ك َّبارا (‪َ )22‬وقالوا ال تذرن ِآل َهتك ْم َوال تذرن َو ِّدا َوال س َواعا‬
‫ََ َ َ ََ َ ََ ْ ً‬
‫َ َ ْ َ َ ُّ َ ً َ َ َ‬
‫َّ َ َّ َ َ ً‬
‫املين ِإال ضالال]‬
‫وال يغوث ويعوق ونسرا (‪ )24‬وقد أضلوا ك ِثيرا وال ت ِز ِد الظ ِ ِ‬
‫(سورة نوح آية ‪ ،)23 – 21‬قال ابن جرير‪ :‬وكان من خبر هؤالء فيما بلغنا ما حدثنا به ابن حميد‬
‫ً‬
‫ً‬
‫حدثنا مهران عن سفيان عن موس ى عن محمد بن قيس‪ :‬أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما‬
‫صالحين من بني آدم وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم‪:‬‬
‫لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم‪ ،‬فصوروهم فلما ماتوا وجاء أخرون ندب إليهم‬
‫إبليس‪ ،‬فقال‪ :‬إنما كانوا يعبدونهم‪ ،‬وبهم يسقون املطر‪ .‬فعبدوهم) انتهى كالمه رحمه هللا‪.‬‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪57‬‬

‫ويقول إلامام الشوكاني‪ " :‬انظر الحكمة البالغة فيما ورد عن الشرع من الزجر عن رفع القبور‬
‫وتجصيصها وتسريجها ونحو ذلك‪ ،‬وإني ألكثر التعجب من تلقى هذه ألامة املرحومة ملا ورد عن‬
‫نبيها الصادق املصدوق صلى هللا عليه وسلم من النهي عن ذلك والزجر عنه والتحذير منه مع‬
‫مبالغته في ذلك كلية املبالغة‪ ،‬حتى كان من آخر ما قاله في مرضه الذي مات فيه؛ " لعن هللا اليهود‬
‫والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "‪ .‬ثم انفتح باب الشر إلى جميع أقطار ألارض وطبق‬
‫مشارقها ومغاربها‪ ،‬وبدوها وحضرها‪ ،‬فإنا هلل وإنا إليه راجعون " انتهى كالمه‪.‬‬
‫وما ذكره هؤالء العلماء ألاجالء الشوكاني‪ ،‬والصنعاني‪ ،‬والقنوجي‪ ،‬من نتائج مخالفة وصية النبي‬
‫صلى هلل عليه وسلم بعدم بناء على القبور واتخاذها مساجد‪ ،‬أمر واقع ومشاهد‪ ،‬وقد أوقعت هذه‬
‫املخالفة كثير من عوام املسلمين وجهالهم في الشرك من حيث ال يعلمون‪ ،‬ومن أخطر ذلك وأكثره‬
‫ً‬
‫شيوعا ما يشاهد عند قبور الصالحين‪ ،‬من دعاء العامة لهم بطلب النفع أو دفع الضر ومن يتأمل‬
‫ً‬
‫القرآن الكريم يرى أن آياته الكريمة كثيرا ما تعبر عن التوحيد بإخالص الدعاء‪ ،‬هلل وتعبر عن‬
‫َّ َ‬
‫َ ً‬
‫َ ْ‬
‫الشرك بدعاء غيره مثل قوله تعالى‪ [ :‬ق ْل ِإن َما أ ْدعو َرِِّبي َوال أش ِرك ِب ِه أ َحدا] (سورة الجن‪ ،‬آية ‪)21‬‬
‫َ ْ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ َ ِّ َ َ َ َ‬
‫َّ َ ْ‬
‫ْ ْ َ َ‬
‫َ َ َ‬
‫ين فل َّما ن َّجاه ْم ِإلى ال َب ِّ ِر ِإذا ه ْم يش ِركون]‬
‫الد‬
‫وقوله‪ [ :‬ف ِإذا ر ِكبوا ِفي الفل ِك دعوا الله مخ ِل ِصين له ِ‬
‫َ‬
‫َْ َ‬
‫ال َ ُّبكم ْادعوني َأ ْس َتج ْب َلك ْم إ َّن َّالذ َ‬
‫ين َي ْستك ِبرون َع ْن‬
‫(سورة العنكبوت‪ ،‬آية ‪ )65‬وقوله‪َ [ :‬وق َ ر‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ع َب َادتي َس َي ْدخلو َن َج َه َّن َم َداخر َ‬
‫ين] (سورة غافر‪ ،‬آية ‪ – )61‬وقد فسر املفسرون قوله‪ِ [ :‬ع َب َاد ِتي] في‬
‫ِ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ْ ْ‬
‫َ َ َْ َ َ ْ َ‬
‫ف ُّ‬
‫وا َّالذ َ‬
‫الض ِّ ِر َعنك ْم‬
‫ين َز َع ْمتم ِِّمن دو ِن ِه فال يم ِلكون كش‬
‫آلاية الكريمة بدعائي – وقوله‪ [ :‬قل ادع‬
‫ِ‬
‫ْ ََ َ‬
‫َ َ‬
‫َْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َو َال َت ْحويال أ َولئ َك َّالذ َ‬
‫ين َي ْدعون َي ْب َتغون ِإلى َرِِّب ِهم ال َو ِسيلة أ ُّيه ْم أق َرب َو َي ْرجون َر ْح َم َته َو َي َخافون‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ َ َ َّ َ َ َ َ ِّ َ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫عذابه ِإن عذاب رِبك كان محذورا]‬
‫(سورة إلاسراء‪ ،‬آية ‪ – )57 - 56‬واملقصود بالذين يدعون من دون هللا كما ذكر املفسرون‪ :‬املقربون‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َ َ‬
‫عند هللا مثل املالئكة واملسيح وعزير الذين يدعوهم املشركين – قولة‪َ [ :‬وال ت ْدع ِم ْن دو ِن الل ِه َما ال‬
‫ِّ َ َ َ َ َ َّ‬
‫َ ْ َ َ َ َ َ ُّ َ َ ْ َ َ ْ َ َ َّ َ ً َ َّ َ َ ْ َ ْ َ ْ َ َّ‬
‫اشف له ِإال ه َو‬
‫ينفعك وال يضرك ف ِإن فعلت ف ِإنك ِإذا ِمن الظ ِ ِ‬
‫املين و ِإن يمسسك الله ِبضر فال ك ِ‬
‫َوإ ْن ير ْد َك ب َخ ْير َف َال َ َّاد ل َف ْ‬
‫ض ِل ِه ي ِصيب ب ِه َم ْن َي َشاء ِم ْن ِع َب ِاد ِه َوه َو ْال َغفور َّ‬
‫الر ِحيم [ (سورة يونس‪,‬‬
‫ر ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫آية ‪)117 - 116‬‬
‫َ َ‬
‫َّ‬
‫ِّ َ ْ َّ َ َ‬
‫َّ ْ َ َ‬
‫ْ َ َ ََ ْ ْ َ َ ْ َ ْ‬
‫اشفات ض ِّ ِر ِه أ ْو أ َر َاد ِني‬
‫وقوله‪[ :‬قل أفرأيتم ما تدعون ِمن دو ِن الل ِه ِإن أ َراد ِن َي الله ِبضر هل هن ك ِ‬
‫َ‬
‫ِب َر ْح َمة َه ْل ه َّن م ْم ِسكات َر ْح َم ِت ِه] (سورة الزمر‪ ,‬آية ‪.)48‬‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪58‬‬

‫وفي الحديث الشريف " الدعاء هو العبادة " (أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه) وفي‬
‫رواية " الدعاء مخ العبادة " (أخرجه الترمذي وقال‪ :‬غريب)‪.‬‬
‫وعالقة الدعاء بالتوحيد والشرك تظهر في أن إلانسان حينما يدعو هللا لجلب نفع أو دفع ضر فألنه‬
‫يعلم أن هللا يسمعه ويعلم حاله وأنه قادر على إجابة دعائه‪ ،‬وأن هللا في الوقت نفسه يسمع دعاء‬
‫غيره ويعلم حاله مهما تعدد الداعون واختلفت لغاتهم وتنوعت حاجاتهم‪ ،‬فإذا صرفها إلانسان‬
‫لغير هللا كما يفعل النصارى حينما يدعون القديسين أو مريم عليها السالم‪ ،‬أو كما يفعله جهال‬
‫املسلمين في دعائهم ألصحاب القبور وطلبهم منهم النفع ودفع الضرر فإنهم في هذا الحالة يفعلون‬
‫ذلك باعتقاد أن املدعو يسمع دعاءهم ويعلم أحوالهم ويطلع على ما في صدورهم؛ كما يسمع دعاء‬
‫آلاخرين ويعلم أحوالهم ويطلع على ما في صدورهم‪ ،‬وكما يسمع دعاء آلاخرين ويعلم أحوالهم مهما‬
‫تعددوا ومهما اختلفت لغاتهم وتنوعت حاجاتهم وتباعدت أماكنهم‪ .‬والنصارى وجهال املسلمين بهذا‬
‫ً‬
‫الاعتقاد والفعل يصرفون ما هو من خصائص هللا إلى غيره من املخلوقين ويصرفون نوعا من‬
‫عبادة الخالق إلى املخلوق وكل ذلك كما هو واضح مناف لتوحيد هللا‪ ،‬وال ينفع النصارى وجهال‬
‫املسلمين اعتذارهم بأنهم ال يعتقدون أن مريم عليها السالم أو القديسين أو ألاولياء والصالحين‬
‫قادرون على جلب النفع أو دفع الضرر باستقالل‪ ،‬وإنما يعتقدون أنهم وسائط بينهم وبين هللا؛ ألن‬
‫َ‬
‫َّ َ َ َ‬
‫َ‬
‫َ َّ َ َّ َ‬
‫ين اتخذوا ِم ْن دو ِن ِه أ ْو ِل َي َاء َما ن ْعبده ْم ِإال ِليق ِّ ِربونا ِإلى‬
‫هللا رد هذا العذر بصريح النص بقوله‪ [ :‬وال ِذ‬
‫َّ ْ َ‬
‫الل ِه زلفى]‬
‫ِّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫(سورة الزمر‪ ،‬آية ‪ .)4‬وقولة‪َ [ :‬و َي ْعبدون ِمن دو ِن الل ِه َما ال َيض ُّره ْم َوال َينفعه ْم َو َيقولون َهـؤالء‬
‫َ ِّ‬
‫َ َ‬
‫شف َعاؤنا ِعند الل ِه] (سورة يونس‪ ،‬آية ‪ .)18‬وقد أخبر هللا سبحانه أن هؤالء املدعوين هم أنفسهم‬
‫ْ ْ‬
‫وا َّالذ َ‬
‫ين َز َع ْمتم ِِّمن‬
‫يطلبون القرب من هللا ويرجون رحمته ويخافون عذابه قال تعالى‪[ :‬قل ادع‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ َ َ َ‬
‫ْ ََ‬
‫َ ََْ َ َ ْ َ‬
‫ف ُّ‬
‫الض ِّر َعنك ْم َو َال َت ْحويال أ َولئ َك َّالذ َ‬
‫ين َي ْدعون َي ْبتغون ِإلى َرِِّب ِهم ال َو ِسيلة أ ُّيه ْم‬
‫دو ِن ِه فال يم ِلكون كش‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ َ‬
‫َأ ْق َرب َو َي ْرجو َن َر ْح َم َته َو َي َخافو َن َع َذ َابه إ َّن َع َذ َ‬
‫اب َرِِّب َك كان َم ْحذو ًرا] (سورة إلاسراء‪ ،‬آية ‪.)57 - 56‬‬
‫ِ‬
‫إن هللا عز وجل أخبرنا في كتابه عن أهل الجاهلية من النصارى ومشركي العرب الذين كانوا‬
‫يتوسلون بمريم والقديسين واملالئكة وألاصنام ويزعمون أنهم إنما يفعلون ذلك ليقربوهم إلى هللا‬
‫زلفى وأنهم شفعاؤهم عند هللا فهؤالء يدعونهم في حالة الرخاء‪ ،‬وأما في حالة الشدة فيخلصون‬
‫ْ ْ‬
‫َ َ‬
‫الدعاء هلل وال يشركون معه غيره من املخلوقين في الدعاء قال تعالى‪ [ :‬ف ِإذا َر ِكبوا ِفي الفل ِك َد َعوا‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪59‬‬

‫َ ْ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ َ ِّ َ َ َ َ‬
‫َّ َ ْ‬
‫ين فل َّما ن َّجاه ْم ِإلى ال َب ِّ ِر ِإذا ه ْم يش ِركون [ (سورة العنكبوت‪ ،‬آية ‪ ،) 65‬وقال‬
‫لد‬
‫الله مخ ِل ِصين له ا ِ‬
‫َ َّ َ‬
‫ٌ‬
‫ْ ْ َ َ َْ َ‬
‫َ ِّ َ َ َ ْ َ َ َ ْ َ ٌ َ‬
‫ْ‬
‫اصف َو َج َاءهم‬
‫سبحانه‪ [ :‬حتى ِإذا كنتم ِفي الفل ِك وجرين ِب ِهم ِب ِريح ط ِيبة وف ِرحوا ِبها جاءتها ِريح ع ِ‬
‫ِّ َ َ َ َ ُّ ْ‬
‫َ ْ َ َ ْ َّ‬
‫َْ‬
‫الل َه م ْخلص َين َله ِّ‬
‫الد َ‬
‫وا َأ َّنه ْ‬
‫ين [ (سورة يونس‪ ,‬آية ‪) 22‬‬
‫ا‬
‫و‬
‫ع‬
‫د‬
‫م‬
‫ه‬
‫ب‬
‫يط‬
‫ح‬
‫أ‬
‫م‬
‫امل ْوج ِمن ك ِل مكان وظن‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِِ‬
‫ً‬
‫مما يدمي القلب أسفا أن نرى جهال املسلمين يدعون أصحاب القبور والغائبين من ألاولياء‬
‫والصالحين في الشدة والرخاء‪.‬‬
‫وأغرب من ذلك أن هللا أخبرنا عن املشركين في الجاهلية بأنهم يعترفون بأن هللا وحده هو من بيده‬
‫الرزق والضر والنفع وتصريف ألامور وتدبيرها‬
‫َّ ْ َ َ‬
‫ِّ َ َّ َ َ َ ْ َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫وألا ْب َ‬
‫ْ َ َْ‬
‫ص َار َو َمن يخ ِرج ال َح َّي ِم َن‬
‫ض أ َّمن َي ْم ِلك السمع‬
‫قال تعالى‪[ :‬قل من يرزقكم ِمن السم ِاء وألار ِ‬
‫َ َ‬
‫ْ‬
‫َ ِّ َ َ َ َ َ َّ َ‬
‫َْ‬
‫ْ‬
‫َْ َ‬
‫َ‬
‫امل ِِّي ِت َويخ ِرج امل َّيت ِم َن ال َح ِّ ِي َو َمن يد ِِّبر ألا ْم َر ف َس َيقولون الله فق ْل أفال تتقون] (سورة يونس‪ ،‬آية‬
‫‪.)41‬‬
‫ومع ذلك نرى من جهال املسلمين من ينسب إلى أصحاب القبور وإلى الصالحين من املخلوقين ومن‬
‫يسمونهم ألابدال وألاقطاب الضر والنفع والرزق وقضاء الحاجات وتدبير ألامور والتصرف في‬
‫الكون‪ ،‬وعلم الغيب‪ ،‬بل نجد مثل هذه العقائد الضالة في كتب بعض املنتسبين إلى العلم وال‬
‫سيما في الكتب املؤلفة في كرامات ألاولياء‬
‫ِّ َ َ‬
‫َ‬
‫مع أن أفضل خلق هللا سيد املرسلين صلى هللا عليه وسلم أمره ربه بقوله‪[ :‬ق ْل ِإ ِني ال أ ْم ِلك لك ْم‬
‫َ َ‬
‫َ ً َ َ ً‬
‫َّ‬
‫َ ْ َ َ َّ‬
‫َ‬
‫َْ‬
‫ض ِّرا َوال َرشدا] (سورة الجن‪ ،‬آية ‪ .)21‬وقوله‪[ :‬ق ْل ال أ ْم ِلك ِلنف ِس ي نف ًعا َوال ض ًّرا ِإال َما ش َاء الله‬
‫َو َل ْو كنت َأ ْع َلم ْال َغ ْي َب َال ْس َت ْك َث ْرت م ْن ْال َخ ْير َو َما َم َّسني ُّ‬
‫السوء] (سورة ألاعراف‪ ،‬آية ‪ .)188‬وقوله‪[ :‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫ندي خ َزا ِئن الل ِه َوال أ ْعلم الغ ْي َب] (سورة ألانعام‪ ,‬آية ‪ ،) 51‬وإنما أوقع جهال‬
‫ق ْل ال أقول لكم ِع ِ‬
‫املسلمين فيها وقعوا فيه غفلة كثير من املنتسبين للعلم‪ ،‬وتقليد آلاباء وألاجداد واستحكام العادات‬
‫والتقاليد‪ ،‬وإحسان الظن بمؤلفي الكتب والتسليم بما فيها دون عرضها على نصوص الوحي‪ ،‬وهذا‬
‫إذا عذر فيه عوام املسلمين بالجهل‪ ،‬فما عذر املنتسبين للعلم‪ ،‬ومما يدل على تحكم العادات وأنه‬
‫إذا كثر املساس قل إلاحساس أن نرى قلة من الحركات إلاسالمية – مع ظهور العلم وانتشار الوعي‬
‫– من يعنى بهذا ألامر مع أنه أساس إلاسالم وركنه ألاول‪ .‬فال حول وال قوة الا باهلل‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪61‬‬

‫ومن هنا تتضح الحكمة من حرص النبي صلى هللا عليه وسلم وإلحاحه بالوصية بعدم البناء على‬
‫القبور وألامر بتسويتها وعدم اتخاذها مساجد أي‪ :‬أماكن للعبادة؛ ألن كل ذلك هو ما جر إلى فتنة‬
‫دعاء املقبورين والوقوع فيما ينافي أخص خصائص توحيد هللا وإخالص العبادة له‪ .‬وهللا‬
‫املستعان!‬

‫إن صور الشرك متعددة وإن الناصح ليهرب منه أشد الهرب وينأ بنفسه عن كل طرائقه‪ ،‬وإن من‬
‫ً‬
‫املؤسف جدا أن كثيرا من املسلمين لم يعد عندهم الوعي التام بما هو شرك وما ليس كذلك‬
‫فصاروا يقعون في الشرك من حيث ال يشعرون وإن من صور الشرك ما يلي‪- :‬‬
‫‪-1‬‬

‫الذبح لألولياء والصالحين من ألاحياء وألاموات‪.‬‬

‫‪-2‬‬

‫النذر لهم‪.‬‬

‫‪-4‬‬

‫دعاؤهم بتفريج الكرب وقضاء الحاجات‪.‬‬

‫‪-3‬‬

‫اتخاذهم وسائط ووسائل بين العبد وربه‪.‬‬
‫ً‬
‫أعياد ومزارات تعظيم‪.‬‬
‫اتخاذ قبورهم‬

‫‪-6‬‬

‫الرجاء والخوف منهم‪.‬‬

‫‪-5‬‬

‫ً‬
‫أوال‪ :‬خطورة الشرك‪ ،‬من حيث إنه يهدم التوحيد أساس إلاسالم ويحبط عمل مسلم عند هللا‪،‬‬
‫ألامر الذي يوجب الحذر من كل ذريعة إليه‪ ،‬ويدل التاريخ على أن أبلغ ذريعة توصل إلى الشرك‬
‫ً‬
‫الغلو في الصالحين واتخاذ قبورهم أماكن للعبادة‪ ،‬ومواسم وأعيادا‪ ،‬وتعظيمها بتشييدها والبناء‬
‫عليها‪.‬‬
‫ثانيا ً‪ :‬حرص النبي صلى هللا عليه وسلم البالغ على التحذير من هذه الذريعة إذ شدد النهي من‬
‫ً‬
‫اتخاذ القبور مكانا للعبادة في آخر حياته‪ ،‬ثم كرر ذلك قبل أن يموت بخمس ليال‪ ،‬ثم في آخر‬
‫لحظات حياته صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬وعني صلى هللا عليه وسلم بالنهي من تجصيصها والبناء‬
‫عليها‪ ،‬وأمر بهدم ما أشرف منها‪.‬‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪61‬‬

‫ً‬
‫ثالثا‪ :‬شيوع هذا البالء في أرض إلاسالم حتى لم يبق من البلدان العالم إلاسالمي بلد لم تدخله هذه‬
‫الفتنة إال النادر‪.‬‬
‫ً‬
‫رابعا‪ :‬ضعف اهتمام كثير من املصلحين وغفلتهم عن هذا ألامر الذي كان من املفترض أن يكون من‬
‫أول أولوياتهم وعلى رأس اهتمامهم‪.‬‬
‫ً‬
‫ومن أعظم أسباب شيوع هذا ألامر في املسلمين وغلبته على حياتهم بدا من سلوك الدولة‬
‫الفاطمية في مصر‪ ،‬ما هو معروف من طبيعة ألاشياء أن شيوع ألامر أساس لقوته‪ ،‬وتكون قوته‬
‫ً‬
‫ً‬
‫بعد ذلك سببا لزيادة شيوعه وغلبته‪ ،‬وهكذا تتكون الحلقة الخبيثة التي تجعل املنكر معروفا‬
‫ً‬
‫واملعروف منكرا‪ ،‬وترتب على ذلك ضياع أصوات املصلحين الذين ما فتئوا بين وقت وآخر ومن‬
‫مكان ملكان يحذرون من هذا البالء كما حذر نبيهم ويوضحون تمام إلايضاح عن عظيم خطره وهللا‬
‫املستعان‪.‬‬

‫إن وصف عمل ما بالشرك أو الكفر ال يعني بالضرورة الحكم على مرتكبه بالخروج عن إلاسالم أو‬
‫معاملته معاملة املشركين والكفار‪ ،‬فمن املعروف أن من يرتكب مثل هذه ألاعمال الشركية من‬
‫جهال املسلمين لو خير بين كفر والقتل ال ختار في ألاغلب القتل على الكفر؛ بل إن لدى كثير من‬
‫أمثال هؤالء من محبة هللا ورسوله وإلايمان بأن القرآن حق ما لدى غيرهم من املسلمين‪.‬‬
‫ً‬
‫وإنما ارتكب من ذلك ما ارتكب جهال بحكمه عدم معرفته أنه ينافي التوحيد فالواجب تبصير‬
‫الجاهل وتنبيه الغافل‪.‬‬
‫والخطر الحقيقي على من يعرف ذلك ويعرف ما ورد فيه من نصوص الوحيين ثم يقره‪ ،‬أو ال يبين‬
‫َّ َّ َ َ ْ‬
‫َ َ َ ْ َ ْ َ َ ْ َ ِّ َ‬
‫ْ َ‬
‫ات َوالهدى ِم ْن‬
‫حكمة للناس وإن الوعي بهذه آلاية الكريمة‪ِ [ :‬إن ال ِذين يكتمون ما أنزلنا ِمن الب ِين ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ َّ َّ َ َ ْ َ َ ْ َ ْ‬
‫َّ ْ‬
‫ْ‬
‫َّ‬
‫ْ َ‬
‫َّ‬
‫َ ْ َ َ َّ َّ‬
‫صلحوا َو َب َّينوا‬
‫اب أول ِئ َك َيل َعنهم الله َو َيل َعنهم الال ِعنون ِإال ال ِذين تابوا وأ‬
‫اس ِفي ال ِكت ِ‬
‫بع ِد ما بيناه ِللن ِ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫َ َ ْ ْ َ َ َ َّ‬
‫الت َّواب َّ‬
‫الر ِحيم] (سورة البقرة‪ ،‬آية ‪ .) 161 - 159‬كفيل بأن ترتعد له‬
‫فأ ْولـ ِئ َك أتوب علي ِهم وأنا‬
‫الفرائض‪ ،‬وتفرق منه القلوب‪ ،‬ويحمل الناصح لنفسه‪ ،‬العالم بأن نهايته املوت والبعث والحساب‬
‫أن يتقي أن يكون ممكن شملهم هذا الوعيد‪ ،‬وهللا املستعان‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪62‬‬

‫الوصية الثانية عشر‬

‫التحذير من البدع والمحدثات‬
‫ٌ‬
‫أخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن العرباض بن سارية قال صلى بنا رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم صالة الصبح ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا‪:‬‬
‫يا رسول هللا كأنها موعظة مودع فأوصنا‪ ،‬قال‪" :‬أوصيكم بتقوى هللا‪ ،‬والسمع والطاعة وإن أمر‬
‫ً‬
‫ً‬
‫عليكم عبد حبش ي فإنه من يعش منكم فسيرى اختالفا كثيرا‪ ،‬فعليكم بسنتي وسنة من الخلفاء‬
‫الراشدين املهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات ألامور؛ فإن كل بدعة ضاللة (وقال‬
‫الترمذي‪ :‬حديث حسن صحيح)‬

‫إن الحفاظ على قواعد الشرع الحنيف من كل وافد غريب مهمة تقع على عاتق كل أفراد هذه‬
‫ألامة ال سيما علماؤها وأهل الرأي والحل والعقد فيها؛ وذلك ألجل الحفاظ على معالم العقيدة‬
‫الصحيحة التي تشكل حجر الزاوية في دين إلاسالم‪.‬‬
‫وإن الشريعة إلاسالمية باستنادها إلى كتاب هللا وسنة نبيه صلى هللا عليه وسلم تمتلك مقومات‬
‫الحصانة والبقاء والاستمرار‪ ،‬ولم يرحل خاتم ألانبياء واملرسلين صلى هللا عليه وسلم إال وقد‬
‫َْ ْ َ‬
‫ْ‬
‫َْ‬
‫َ‬
‫اكتملت معالم الدين إلاسالمي الحنيف بأبعادها املختلفة [ال َي ْو َم أك َملت لك ْم ِدينك ْم َوأت َم ْمت‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ َ ً‬
‫الم ِدينا]‬
‫َعل ْيك ْم ِن ْع َم ِتي َو َر ِضيت لكم ِإلاس‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪64‬‬

‫ً‬
‫(سورة املائدة‪ ،‬آية ‪ ،)4‬وبعد تمام الدين وإكماله ال يكون قابال للزيادة أو النقصان أو التعديل‬
‫َ َْ‬
‫َْ‬
‫َ ِّ َ‬
‫ً‬
‫ومقدم بين يدي هللا ورسوله‪َ [ :‬و َم ْن أظلم ِم َّم ِن افت َرى َعلى الل ِه ك ِذ ًبا]‬
‫ومن يحاول ذلك مبتدع ومفتر‬
‫(سورة هود‪ ،‬آية ‪)18‬‬
‫َّ‬
‫َْ َ َ َ‬
‫ين َآ َمنوا َال ت َق ِّ‬
‫[ َيا َأ ُّي َها َّالذ َ‬
‫ي الل ِه َو َرس ِول ِه] (سورة الحجرات‪ ،‬آية ‪.)1‬‬
‫د‬
‫ي‬
‫ن‬
‫ي‬
‫ب‬
‫وا‬
‫م‬
‫د‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫إن إلاحداث في الدين معول هدام في صرح إلاسالم‪ ،‬وهو من أخطر ما يهدد وحدة ألامة بالفرقة‬
‫والاختالف‪ ،‬ثم بالعداوة والبغضاء والصراع والاحتراب‪ ،‬ومن هنا أكد الحبيب املصطفى التوصية‬
‫باجتناب البدعة وإلاحداث في الدين‪ .‬وتعد البدعة من كبائر الذنوب‪ ،‬وهي ضاللة كما وصفها‬
‫الحبيب املصطفى‪" :‬وكل ضاللة في النار " (أخرجه النسائي وابن خزيمة في صحيحه)‪.‬‬

‫ال أحد من املسلمين يقول‪ :‬إن البدعة مقبولة في الشرع أو أنها مستحسنة من الشارع‪ ،‬ومع ذلك‬
‫تنشر البدع بين املسلمين‪ ،‬والسبب في ذلك أن الناس ينكرون من البدع ما هو موجود عند غيرهم‪،‬‬
‫أما ما يشيع عندهم‪ ،‬وقد وجدوا عليه أباءهم وقومهم قبل يظنون أنه بدعة‪ ،‬وهذا يرجع في كثير‬
‫من ألاحيان إلى عدم الاتفاق على مفهوم واضح للبدعة‪ ،‬ولعل أفضل تعريف للبدعة هو تعريف‬
‫الشاطبي حيث قال‪ " :‬البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة‪ ،‬يقصد بالسلوك عليها ما‬
‫يقصد بالطريقة الشرعية أي‪ :‬التقرب إلى هللا‪.‬‬
‫وربما كان أوضح ضابط للبدعة‪ :‬أنه كل عمل يتقرب به إلانسان إلى هللا ولم يعلمه النبي صلى هللا‬
‫عليه وسلم أو صحابته الكرام مع وجود املوجب له في وقت النبي صلى هللا عليه وسلم ووقت‬
‫أصحابه‪ ،‬وانتفاء املانع منه في وقتهم‬

‫ً‬
‫أوال‪ :‬توهم أن كل مبالغة في التعبد هلل تعالى قربة‪:‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪63‬‬

‫‪-1‬‬

‫ً‬
‫روى جابر بن عبدهللا‪ :‬أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم كان في سفر فرأى رجال عليه‬
‫زحام قد ظلل عليه‪ ،‬فقال صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬ما هذا؟ " قالوا‪ :‬صائم‪ ،‬قال صلى‬
‫هللا عليه وآله وسلم‪" :‬ليس من البر الصيام في السفر " (متفق عليه)‬

‫‪-2‬‬

‫ً‬
‫ً‬
‫وروى مالك في املوطأ‪ :‬أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم رأي رجال قائما في الشمس‬
‫فقال " ما بال هذا "؟ قالوا‪ :‬نذر أن ال يتكلم وال يستضل من الشمس‪ ،‬وال يجلس‪،‬‬
‫ويصوم‪ .‬فقال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬مروه فليتكلم وليستظل وليجلس‬
‫وليتم صيامه "‬

‫‪-4‬‬

‫وروى البخاري عن قيس بن أبي حازم‪ :‬دخل أبو بكر على امرأة‪ ،‬فرآها ال تكلم فقال‪ :‬ما‬
‫لها ال تكلم؟‪ :‬قالوا‪ :‬حجت مصمتة‪ ،‬قال لها‪ " :‬تكلمي؛ فإن هذا ال يحل‪ ،‬هذا من عمل‬
‫الجاهلية فتكلمت "‪.‬‬

‫‪-3‬‬

‫وروى عن الزبير بن بكار أنه قال‪ " :‬سمعت مالك بن أنس وقد أتاه رجل فقال‪ :‬يا أبا‬
‫عبدهللا من أين أحرم؟ قال‪ :‬من ذي الحليفة‪ ،‬من حيث أحرم رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم قال‪ :‬فإني أريد أن احرم من املسجد من عند القبر‪ ،‬قال‪ :‬ال تفعل فإني أخش ى‬
‫عليك الفتنة‪ .‬فقال‪ :‬وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها! قال‪ :‬وأي فتنة أعظم من‬
‫أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول هللا صلى هللا عليه وسلم؟ إني سمعت‬
‫َ ْ َ ْ َ َّ َ َ‬
‫َ َ ْ َْ َْ‬
‫َ ْ َْ ٌ َْ‬
‫َ ْ ََ ٌ‬
‫اب َأل ٌ‬
‫يم]‬
‫هللا يقــول‪[ :‬فليحذ ِر ال ِذين يخ ِالفون عن أم ِر ِه أن ت ِصيبهم ِفتنة أو ي ِصيبهم عذ ِ‬
‫(سورة النور‪ ،‬آية ‪.)64‬‬

‫‪-5‬‬

‫آخى النبي صلى هللا عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى‬
‫أم الدرداء متبذلة‪ ،‬فقال لها‪ :‬ما شأنك؟ قالت‪ :‬أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في‬
‫ً‬
‫طعاما‪ ،‬فقال‪ :‬كل‪ .‬قال‪ :‬فإني صائم‪ .‬قال‪ :‬ما أنا‬
‫الدنيا‪ .‬فجاء أبو الدرداء فصنع له‬
‫بأكل حتى تأكل‪ .‬قال‪ :‬فأكل‪ .‬فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم‪ ،‬قال‪ :‬نم‪ .‬فنام‪ ،‬ثم‬
‫ً‬
‫ذهب يقوم‪ ،‬فقال‪ :‬نم‪ .‬فلما كان من آخر الليل قال سلمان‪ :‬قم آلان‪ ،‬فصلينا فقال له‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫سلمان‪ :‬إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا وألهلك عليك حقا فأعط كل ذي‬
‫حق حقه‪ .‬فأتى النبي صلى هللا عليه وسلم فذكر ذلك له فقال النبي صلى هللا عليه‬
‫وسلم‪ :‬صدق سلمان " (أخرجه البخاري)‬

‫ً ً‬
‫ثانيا‪ :‬اتباع الهوى‪:‬‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪65‬‬

‫ً ً‬
‫إن رغبة الظهور تؤثر تأثيرا قويا في حياة ألانسان‪ ،‬وإذا ما انفلتت هذه الرغبة من القيود الشرعية‪،‬‬
‫وتركت تنمو وتتصاعد حتى تسيطر على مشاعر إلانسان وتتدخل في رسم سلوكه العام فإنها في‬
‫نهاية املطاف ستدفع بصاحبها إلى الضالل عن سبيل هللا باختراع البدعة وممارستها‪ ،‬قال تعالى‪[ :‬‬
‫َ‬
‫َ َّ‬
‫ََ ْ َ َ‬
‫َّ َ َ َ َ َ ْ ً‬
‫الله [ ( سورة القصص‪ ،‬آية ‪ .) 51‬وقال ً‬
‫عز من قائل‪َ [ :‬وال‬
‫ومن أض ُّل ِم َّم ِن اتبع هواه ِبغي ِر هدى ِمن ِ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َّ َ ْ َ َ ٌ َ‬
‫الله إ َّن َّالذ َ‬
‫ين َيض ُّلو َن َعن َ‬
‫َت َّتبع ْال َه َوى َفيض َّل َك َعن َ‬
‫اب ش ِد ٌيد ِب َما نسوا‬
‫يل الل ِه لهم عذ‬
‫ب‬
‫س‬
‫يل‬
‫ب‬
‫س‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ ِ ِ ِ‬
‫ِِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ََْ‬
‫اب] ( سورة ص‪ ،‬آية ‪.) 26‬‬
‫يوم ال ِحس ِ‬
‫ً‬
‫ثالثا‪ :‬التسليم لغير املعصوم‬
‫ً‬
‫أن من أسباب نشوء البدع‪ :‬التسليم لغير املعصوم‪ ،‬وجعل أقواله أو اعماله دليال على ألاحكام؛ ألن‬
‫ً‬
‫غير املعصوم يصيب ويخطئ‪ ،‬وإذا كان ممن ال يتقى هللا فقد يكذب فيكون التسليم لقوله واتباعه‬
‫ً‬
‫سببا لالنحراف والابتداع والكذب على هللا ورسوله صلى هللا عليه وسلم‪.‬‬
‫إن النبي ألاكرم محمدا صلى هللا عليه وسلم خاتم النبيين‪ ،‬وكتابة القرآن الكريم خاتم الكتب‪،‬‬
‫ً‬
‫وشريعته خاتمة الشرائع‪ ،‬فال حكم إال ما حكم به وال سنة إال ما سنة‪ ،‬والخروج عن هذا إلاطار‬
‫يمهد الطريق للمبتدعين‪.‬‬

‫ً‬
‫رابعا‪ :‬الاستناد إلى من لم يصح من ألاحاديث‬
‫ذكر أهل العلم أن عمدة أهل البدع ألاحاديث الضعيفة؛ بل واملوضوعة‪ ،‬والنبي صلى هللا عليه‬
‫ً‬
‫وسلم يقول‪" :‬من كذب علي متعمدا فليتبؤ مقعده من النار " (متفق عليه)‪.‬‬
‫ً‬
‫وقال‪" :‬من حدث عني حديثا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " (اخرجه مسلم)‪ .‬وبقدر ما يقع‬
‫التساهل في هذا ألامر بقدر ما يبتعد الواحد عن السنة ويقع في براثن البدعة‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪66‬‬

‫يرد في كالم بعض العلماء تقسيم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة‪ ،‬والحق أنه ليس مع من‬
‫ً‬
‫قسم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة دليل؛ ألن البدع كلها سيئة؛ لقوله صلى هللا عليه‬
‫وسلم‪ " :‬كل بدعة ضاللة‪ ،‬وكل ضاللة بالنار " رواه النسائي من حديث جابر بن عبدهللا ورواه‬
‫إلامام مسلم في " صحيحه" بدون ذكر‪ " :‬وكل ضاللة في النار " من حديث جابر بن عبدهللا‪.‬‬
‫ً‬
‫وأما قوله صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬من ً‬
‫سن في إلاسالم سنة حسنة (اخرجه مسلم)‪ .‬فاملراد به‪ :‬من‬
‫ً‬
‫ً‬
‫فعل فعال مشروعا فاقتدى به غيره ففعل مثل فعله؛ ألنه صلى هللا عليه وسلم قال ذلك بمناسبة‬
‫ما فعله أحد الصحابة من مجيئه بالصدقة في مجاعة وقعت‪ ،‬حتى اقتدى به الناس وتتابعوا في‬
‫تقديم الصدقات‪.‬‬
‫وأما قول عمر رض ي هللا عنه‪ْ :‬‬
‫"نعمت البدعة هذه " (رواه البخاري)؛ فاملراد بلفظ البدعة هنا‬
‫البدعة اللغوية ال البدعة الاصطالحية؛ ألن عمر قال ذلك بمناسبة جمعه الناس على إمام واحد‬
‫في صالة التراويح‪ ،‬وصالة التراويح جماعة قد شرعها الرسول صلى هللا عليه وسلم؛ حيث صالها‬
‫ً‬
‫بأصحابه ليالي‪ ،‬ثم تخلف عنهم خشية أن تفرض عليهم‪ ،‬وبقي الناس يصلونها فرادى وجماعات‬
‫متفرقة‪ ،‬فجمعهم عمر على إمام واحد كما كان على عهد النبي صلى هللا عليه سلم في تلك الليالي‬
‫ً‬
‫ً‬
‫التي صالها بهم‪ ،‬فأحيا عمر تلك السنة‪ ،‬فيكون قد أعاد شيئا قد انقطع لسبب‪ ،‬وهو خوف النبي‬
‫صلى هللا عليه وسلم أن تفرض على الناس‪ ،‬فيعتبر فعله هذا بدعة باملعنى اللغوي ال املعنى‬
‫ٌ‬
‫الشرعي؛ ألن البدعة باملعنى الشرعي محرمة‪ ،‬ال يمكن لعمر وهو الوقاف عند حدود هللا أن يفعلها‪،‬‬
‫وهو يعلم تحذير النبي صلى هللا عليه وسلم من البدع‪.‬‬
‫وليس من البدعة باملعنى الشرعي الوسائل املوصلة ألمر مشروع مثل بناء املدارس وطبع الكتب؛‬
‫ألن الوسائل لها حكم املقاصد‪ ،‬والوسائل للمقاصد تتغير بتغير الظروف وألاحوال وألاماكن‪،‬‬
‫ومبتكر ال وسيلة املوصلة ملقصد شرعي يدخل في معنى الحديث الشريف " من سن في إلاسالم سنة‬
‫حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة "‬
‫وأبعد من القول بتقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة قول من قسم البدعة إلى خمسة أقسام‪ :‬بدعة‬
‫واجبة‪ ،‬وبدعة مندوبة‪ ،‬وبدعة محرمة‪ ،‬وبدعة مكروهة‪ ،‬وبدعة مباحة‪ .‬إال إذا قصد بلفض‬
‫البدعة البدعة باملعنى اللغوي ال املعنى الشرعي‪.‬‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪67‬‬

‫ولعل مما يعينك على التمييز بين البدعة باملعنى اللغوي والبدعة باملعنى الشرعي أن تسأل نفسك‬
‫عندما يواجهك أمر مبتكر يراد بفعله قصد القربة‪ ،‬هل ثبت فعله الرسول صلى هللا عليه وسلم أو‬
‫ً‬
‫عن الصحابة الكرام؟ ثم هل كان موجه قائما في وقتهم؟ وهل كان املانع منه غير موجود؟ فإذا كان‬
‫لم يفعله الرسول صلى هللا عليه وسلم وال أحد من صحابته مع أن موجبه موجود واملانع منه غير‬
‫موجود فإنه بدعة باملعنى الشرعي‪.‬‬
‫مثال ذلك لو اختار أحد ألاشخاص أن يضاف لفض (وأعلى) إلى لفض (هللا أكبر) في ألاذان‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫إن قصدي هو زيادة التعظيم والتمجيد هلل‪ ،‬فهنا نقول‪ :‬إن هذا ألامر لم يفعله رسول هللا صلى هللا‬
‫ً‬
‫َ‬
‫عليه وسلم وكان املوجب له وهو التعظيم والتمجيد هللَ قائما‪ ،‬واملانع منه منتف‪ ،‬فنعرف بذلك‬
‫أنه بدعة وضاللة‪.‬‬
‫ً‬
‫َ‬
‫مثال آخر‪ :‬لو اعتاد نفر من الناس صالة الضحى جماعة وقالوا‪ :‬قصدنا أن يشجع بعضنا بعضا‬
‫على صالة الضحى‪ ،‬فهنا أيضا نقول‪ :‬إن النبي صلى هللا عليه وسلم لم ً‬
‫يصل الضحى بأصحابه‬
‫جماعة على سبيل الاعتياد‪ ،‬مع أن املوجب وهو حمل النفوس على أداء سنة صالة الضحى قائم‪،‬‬
‫واملانع منه منتف‪ .‬فعرفنا بذلك أن اعتياد صالة الضحى جماعة‪ ،‬بدعة وتسمى مثل هذه البدعة‬
‫ً‬
‫بدعة إضافية؛ للتفريق بينها بين البدعة ألاصلية التي هي عمل من أعمال العبادة لم يشرع أصال‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪68‬‬

‫الوصية الثالثة عشر‬

‫التحذير من فتنة التهاريج واالقتتال‬

‫أخرج البخاري ومسلم عن جرير بن عبدهللا رض ي هللا عنه أن النبي صلى هللا عليه وسلم قال له في‬
‫ً‬
‫حجة الوداع‪" :‬استنصت الناس‪ ،‬فقال‪ :‬ال ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض "‬

‫قد أخبرنا نبينا صلى هللا عليه وسلم عن آخر الزمان وما يكون فيه من الفتن وإلثم والعدوان‪،‬‬
‫وأخبرنا عليه الصالة والسالم عن الفوض ى وسفك الدماء والقتل؛ فقال‪ " :‬ال تقوم الساعة حتى‬
‫ٌيقبض العلم‪ ،‬وتكثر الزالزل‪ ،‬ويتقارب الزمان‪ ،‬وتظهر الفتن‪ ،‬ويكثر الهرج وهو القتل (متفق عليه)‪,‬‬
‫وعن أي هريرة أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال‪ " :‬ال تقوم الساعة حتى يكثر الهرج قيل‪ :‬وما‬
‫الهرج يا رسول هللا؟ قال‪ " :‬القتل القتل (متفق عليه)‪ ,‬وقال صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬والذي نفس ي‬
‫قتل‪ ،‬وال يدري املقتول على أي ش يء ق َ‬
‫بيده ليأتين على الناس زمان ال يدري القاتل في أي ش يء ً‬
‫تل‬
‫فقيل‪ :‬كيف يكون ذلك؟ قال‪ْ :‬‬
‫الهرج " (أخرجه مسلم)‪.‬‬
‫ً‬
‫وقتل آلادمي من أكبر الكبائر بعد الكفر فال يباح قتله إال ملصلحة راجحة وهو أن يدفع بقتله شرا‬
‫أعظم من قتلة فإذا لم يكن هذا لم يجز قتله‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪69‬‬

‫َ‬
‫يل َأ َّنه َم ْن َق َت َل َن ْف ًسا ب َغ ْير َن ْفس َأ ْو َف َ‬
‫قال تعالى‪[ :‬م ْن َأ ْجل َذ ِل َك َك َت ْب َنا َع َلى َبني إ ْس َرا ِئ َ‬
‫ألا ْ‬
‫ض‬
‫ي‬
‫ف‬
‫اد‬
‫س‬
‫ر‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫َ َ َ َّ َ َ َ َ َّ‬
‫الن َ‬
‫اس] (سورة املائدة‪ ،‬آية ‪.)42‬‬
‫فكأنما قتل‬
‫فمن هذه آلاية الكريمة أخذ العلماء قاعدة‪ :‬أن ألاصل عدم إتالف النفس‪ ،‬قال ابن تيمية رحمه‬
‫هللا‪ " :‬ألاصل أن هللا َح ًرم َقتل النفس إال بحقها‪ ،‬قال تعالى‪[ :‬م ْن َأ ْجل َذ ِل َك َك َت ْب َنا َع َلى َبني إ ْس َرا ِئ َ‬
‫يل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫َ ْ َ َ َ َّ َ َ َ َ َّ‬
‫َأ َّنه َم ْن َق َت َل َن ْف ًسا ب َغ ْير َن ْفس َأ ْو َف َ‬
‫الن َ‬
‫اس] ( سورة املائدة‪ ،‬آية ‪ .) 42‬فلم‬
‫ض فكأنما قتل‬
‫ألا‬
‫ي‬
‫ف‬
‫اد‬
‫س‬
‫ر‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫يبح القتل إال قودا‪ ،‬أو لفساد البغاة وسعيهم في ألارض بالفساد مثل فتنة املسلم عن دينه وقطع‬
‫الطريق "انتهى من قاعدة مختصرة في قتال الكفار ومهادنتهم البن تيمية (ص ‪.)213 214‬‬
‫وقال ابن دقيق العيد رحمه هللا في تعليل منع قتل غير املقاتلين من الكفار‪ " :‬ولعل ً‬
‫سر هذا الحكم‬
‫أن ألاصل عدم إتالف النفس وإنما أبيح منه ما يقضيه دفع املفسدة‪ ،‬ومن ال يقاتل وال يتأهل‬
‫للقتال في العادة ليس في إحداث الضرر كاملقاتلين فرجع إلى ألاصل فيهم وهو املنع "‪ .‬انتهى من‬
‫إحكام والاحكام‪.‬‬
‫وتدل نصوص القرآن على أن من ابلغ الشرور واملكروهات في عالقة إلانسان بغيره‪ :‬سفك الدم‬
‫والفساد في ألارض وإرادة العلو فيها‪ ،‬وقد أكد القرآن هذا املعنى بتكراره في أكثر من مائة وعشرين‬
‫ً‬
‫موضعا‪.‬‬
‫ووردت النصوص في القرآن دالة على أن سفك الدم حينما شرع في القصاص والحدود والجهاد‬
‫َ‬
‫شرع ملقاومة تلك الشرور الثالثة وكافحتها كما تضمنت ذلك النصوص في قول تعالى‪َ [ :‬ولك ْم ِفي‬
‫َ‬
‫ٌ‬
‫َ َّ َ‬
‫ألا ْل َباب] (سورة البقرة‪ ،‬آية ‪ .)179‬وقوله‪ [ :‬إ َّن َما َج َزاء َّالذ َ‬
‫ْ َ‬
‫ين ي َحا ِربون الله‬
‫اص َح َياة َيا أ ِولي‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ال ِقص ِ‬
‫َ‬
‫ْ َّ‬
‫ََ َ ََ ْ َ ْ َ‬
‫َ ْ َ ً َ َ َّ‬
‫ن‬
‫ض ف َسادا أن يقتلوا] ( سورة املائدة‪ ،‬آية ‪ ) 44‬وقوله‪َ [ :‬ول ْوال َدفع الل ِه‬
‫ألا‬
‫ي‬
‫ف‬
‫ورسوله ويسعو‬
‫ر‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫ََ َ‬
‫َ‬
‫الن َ‬
‫اس َب ْعضه ْم ِب َب ْعض لف َسد ِت ألا ْرض] ( سورة البقرة‪ ,‬آية ‪ ،) 251‬أما حينما يكون املوضوع قتل‬
‫املسلم فإن الكتاب العزيز وكتب السنة طافحان بالنصوص التي تشدد وتؤكد في التحذير منه‪ ،‬قال‬
‫ْ ً َ ً َ‬
‫َ َ َ َ‬
‫َّ َ‬
‫َ‬
‫َّ َ ً‬
‫ْ‬
‫تعالى‪َ [ :‬و َمن َيقت ْل مؤ ِمنا ُّمت َع ِِّمدا ف َج َزاؤه َج َهنم خ ِالدا ِف َيها َوغ ِض َب الله َعل ْي ِه َول َعنه َوأ َع َّد له‬
‫َ ً‬
‫َعذابا َع ِظيما] ( سورة النساء‪ ،‬آية ‪) 94‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪71‬‬

‫وقال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬إذا التقى املسلمان بسيفيهما فالقاتل واملقتول في النار‪.‬‬
‫ً‬
‫فقلت‪ :‬يا رسول هللا هذا القاتل فما بال املقتول؟ قال‪ :‬إنه كان حريصا على قتل صاحبه " (أخرجه‬
‫البخاري)‬
‫وقال‪ " :‬اجتنبوا السبع املوبقات قالوا‪ :‬يا رسول هللا وما هن؟ الشرك باهلل والسحر وقتل النفس‬
‫التي حرم هللا إال بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف املحصنات‬
‫الغافالت"(أخرجه البخاري)‬
‫َ‬
‫ََ َ ْ ْ‬
‫ال املؤ ِمن ِفي ف ْس َحة ِم ْن ِدي ِن ِه َما ل ْم ي ِص ْب َد ًما َح َر ًاما " (أخرجه‬
‫وقال صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬ال يز‬
‫البخاري)‬
‫ولذا كانت بدعة الخروج على ألائمة من أعظم ما رزئ به إلاسالم‪ ،‬ومع أنه حدثت في إلاسالم طوال‬
‫تاريخه بدع شنيعة إال أن البدعة الوحيدة التي استحقت أن ترد بالتحذير منها والتغليظ فيها‬
‫ألاحاديث الصحيحة عن النبي صلى هللا عليه وسلم هي بدعة الخوارج الذين خرجوا على ألامة‬
‫يكفرون املسلمين ويقتلونهم‪.‬‬
‫َ ْ َ َ َ َ َ َّ َ ْ َ َّ َ َ َ‬
‫َ َ‬
‫ْ‬
‫اج َر َها‪ ،‬ال َيت َحاش ى ِم ْن مؤ ِم ِن َها‪َ ،‬وال َي ِفي‬
‫جاء في الحديث الشريف " من خرج على أم ِتي يض ِرب برها وف ِ‬
‫َْ َْ َ ََْ َ ْ َْ َ ْ‬
‫س ِمنه " (أخرجه البخاري)‬
‫ِل ِذي عهد عهده فليس ِمني ولي‬

‫إنه مما يدمي القلب أن نرى في عصرنا الحاضر استخفاف بعض املسلمين بالدماء كما نشاهد في‬
‫الصومال والسودان والعراق وباكستان وأفغانستان وغيرها من بالد املسلمين حيث ينصرف‬
‫املسلم عن قتال عدوه الكافر إلى قتل وقتال إخوانه املسلمين‪.‬‬
‫ً‬
‫حتى ليخش ى أن يكون ما يجرى في بالد املسلمين آلان تأويال لألحاديث الشريفة مثل قوله صلى هللا‬
‫عليه وسلم‪ " :‬ال تقوم الساعة حتى تظهر الفتن ويكثر الهرج وهو القتل القتل (متفق عليه)‪ ،‬وقوله‬
‫صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬والذي نفس ي بيده ليأتين على الناس زمان ال يدري القاتل في أي ش يء قتل‬
‫وال يدري املقتول على أي ش يء قتل فقيل‪ :‬كيف يكون ذلك قال‪ :‬الهرج " (أخرجه املسلم)‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪71‬‬

‫فالواجب على العلماء والدعاة أن يبصروا العامة بهذا الخطر العظيم وأن يولوه من الاهتمام مثل‬
‫ما أواله نبيهم الشفيق بأمته العزيز عليه ما يعنتهم والحريص عليهم صلى هللا عليه وسلم‪.‬‬

‫إن هللا امتن على املؤمنين بأن جعل لهم هذا إلاسالم الذي فيه الرعاية والحماية وألامان‪ ،‬ذكر‬
‫َ َ‬
‫ِّ َ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫املشركين بنعمته عليهم في ألامن بمكة‪[ :‬أ َول ْم ن َم ِك ْن له ْم َح َر ًما ِآمنا ي ْج َبى ِإل ْي ِه ث َم َرات ك ِ ِّل ش ْيء]‬
‫َ َ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َْ‬
‫َ َّ‬
‫(سورة القصص‪ ،‬آية ‪ .)57‬فهكذا كان الدين مساندا ورافدا ومقيما لألمن‪[ :‬أ َول ْم َي َر ْوا أنا َج َعلنا‬
‫َ ْ‬
‫َْ‬
‫ً ً َ َ َّ‬
‫َّ‬
‫َح َرما ِآمنا َويتخطف الناس ِم ْن َح ْو ِل ِه ْم] (سورة العنكبوت‪ ،‬آية ‪ [ ،)67‬فل َي ْعبدوا َر َّب َهذا ال َب ْي ِت (‪)4‬‬
‫َّ َ ْ‬
‫َ‬
‫ال ِذي أط َع َمه ْم ِم ْن جوع َو َآم َنه ْم ِم ْن خ ْوف] ( سورة قريش‪ ،‬آية ‪ ) 3-4‬وما يصيب الناس من مصيبة‬
‫َّ َ ً َ ً َ َ ْ َ ً‬
‫َ‬
‫فيها خوف فبما كسبت أيديهم؛ ولذلك قال سبحانه وتعالى‪َ [ :‬وض َر َب الله َمثال ق ْرَية كانت ِآمنة‬
‫َّ َ َ َ َ َ َّ َ َ ْ‬
‫ِّ َ َ َ َ َ َ ْ َ ْ‬
‫ْ َ‬
‫ُّم ْط َمئ َّن ًة َي ْأت َيها ر ْزق َها َر َغ ًدا ِّ‬
‫وع َوالخ ْو ِف ِب َما‬
‫ج‬
‫ال‬
‫اس‬
‫ب‬
‫ل‬
‫ه‬
‫الل‬
‫ا‬
‫ه‬
‫اق‬
‫ذ‬
‫أ‬
‫ف‬
‫ه‬
‫الل‬
‫م‬
‫ع‬
‫ن‬
‫أ‬
‫ب‬
‫ت‬
‫ر‬
‫ف‬
‫ك‬
‫ف‬
‫ان‬
‫ك‬
‫م‬
‫ل‬
‫ك‬
‫ن‬
‫م‬
‫ِ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫َ ْ َ َْ َ‬
‫كانوا يصنعون] ( النحل ‪)112‬‬
‫فباألمن تستقيم املصالح‪ ،‬وباستتبابه والقضاء على املفسدين‪ ،‬والقضاء على الذين ير َوعون‬
‫الناس املصلحة العظيمة‪.‬‬

‫ال شك أن أعداءنا ال يريدون أن يكون للمسلمين أمن واستقرار في بالدهم‪ ،‬ال يريدون أن يكون‬
‫هنالك مجال اللتقاط ألانفاس‪ ،‬وإقامة الشرع والدين‪ ،‬والدعوة إلى هللا وحصول الاستقرار؛ وإنما‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫وقال مستمرا‪ ،‬فيعملون على إيجاد الفرص الفتراق املسلمين‬
‫فتنا متواصلة واضطرابا دائما‬
‫واختالفهم باستعمال السذج وأهل ألاهواء منهم‪ ،‬أو انتهاز واستغالل تلك الفرص‪ ،‬وكل من تأمل‬
‫ً‬
‫التاريخ يرى واضحا أن كل مشاكل املسلمين في دينهم ودنياهم كانت نتيجة تفرقهم واختالفهم ونزغ‬
‫الشيطان بينهم وإيقاع وإخوانه من إلانس العداوة والبغضاء بين املسلمين‪ ،‬فاهلل واملستعان‬
‫وحسبنا ونعم الوكيل‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪72‬‬

‫الوصية الرابعة عشر‬

‫التحذير من الربا‬

‫‪-1‬‬

‫أخرج مسلم عن جابر بن عبدهللا رض ي هللا عنه في حديثه الطويل في صفة حجة الوداع‬

‫وفيه ذكر خطبته صلى هللا عليه وسلم بنمرة يوم عرفة وفيها قوله صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬وربا‬
‫ً‬
‫الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا ربا العباس بن عبداملطلب؛ فإنه موضوع كله "‬
‫وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه عن عمرو بن ألاحوص رض ي هللا عنه أنه شهد حجة‬
‫‪-2‬‬
‫ً‬
‫الوداع مع الرسول هللا صلى هللا عليه وسلم فذكر خطبته وفيها‪ " :‬أال وإن كل ربا في الجاهلية‬
‫موضوع لكم رؤوس أموالكم ال تظلمون وال تظلمون " (وقال الترمذي‪ :‬حسن صحيح )‪.‬‬
‫‪-4‬‬

‫ً‬
‫وأخرج الدارمي وأبو يعلى املوصلي عن أبي ح ًرة الرقاش ي عن عمه قال‪ :‬كنت آخذا بزمام‬

‫ناقة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم في أوسط أيام التشريق أذود الناس عنه فقال‪ " :‬أال إن كل ربا‬
‫ً‬
‫في الجاهلية موضوع‪ ،‬أال وإن هللا قض ى أن أول ربا يوضع ربا عباس بن عبداملطلب‪ ،‬لكم رؤوس‬
‫أموالكم ال تظلمون وال تظلمون " (وفي إسناده مقال)‪ ،‬ولو صح هذا الطريق كان إعالنه صلى هللا‬
‫ً‬
‫عليه وسلم ً‬
‫برد ربا الجاهلية وتحريمه‪ ،‬والبداءة في ذلك بأهل بيته‪ ،‬تكرر في حجة الوداع مرتين‪:‬‬
‫يوم عرفة‪ ،‬وأوسط أيام التشريق‬

‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫أظهر صور الربا وأكثرها شيوعا قديما وحديثا هو‪ :‬إقراض املال إلى أجل في مقابل زيادة نظير‬
‫ألاجل‪ .‬وتسمى هذه الزيادة في تعبير املصارف العربية الربوية‪ :‬خدمة الدين‪ ،‬أو الفائدة‪ ،‬كما يسمى‬
‫القرض الربوي‪ :‬القرض بفائدة‪ ،‬وذلك عند تعبير هذه املصاريف عن الربا باللغة العربية‪ ،‬أما عند‬
‫ما ً‬
‫يعبرون عنه بغير العربية مثل إلانجليزية فيسمون الزيادة باسمها الحقيقي (‪ )interest‬أي‪ :‬الربا‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪74‬‬

‫َّ ْ َ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫ْ‬
‫وهو محرم في الشرائع كلها قال تعالى‪َ [ :‬فبظ ْلم ِّم َن َّالذ َ‬
‫ين َهادوا َح َّر ْمنا َعل ْي ِه ْم ط ِِّي َبات أ ِحلت له ْم‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِّ َ ً‬
‫ََ ْ‬
‫ِّ َ َ َ ْ ْ َ ْ‬
‫َ َ ِّ ْ َ َ‬
‫الربا وقد نهوا عنه] (سورة النساء‪ ،‬آية ‪.)161-161‬‬
‫م‬
‫ه‬
‫ذ‬
‫خ‬
‫أ‬
‫و‬
‫)‬
‫‪161‬‬
‫(‬
‫ا‬
‫يل الل ِه ك ِثير‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫و ِبص ِد ِهم عن س ِب ِ‬
‫ِ‬
‫وفي القوانين الجاهلية كقانون حمورابي‪ ،‬وبعض قوانين الفراعنة املصريين‪ ،‬وحتى القوانين‬
‫الحديثة العلمانية تحرم بعض أنواعه كما في القانون الفرنس ي (‪ )622( ،)1945‬من القانون‬
‫الجنائي إلايطالي‪.‬‬
‫ً‬
‫ولم يزدد في شريعتنا إال تحريما فقد جاء القرآن من الوعيد آلكلي الربا ما لم يتوعد به غيرهم من‬
‫العصاة‬
‫َّ‬
‫قال تعالى‪َّ [ :‬الذ َ‬
‫الرَبا ال َيقومو َن إال َك َما َيقوم َّالذي َي َت َخ َّ‬
‫الش ْي َطان م َن ْاملَ ِّ‬
‫ين َي ْأكلو َن ِّ‬
‫س] (سورة‬
‫ه‬
‫ط‬
‫ب‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫البقرة‪ ،‬آية ‪.)275‬‬
‫َّ َ َ َ‬
‫َّ‬
‫َ َ َ َ ِّ ْ‬
‫بل أعلن الحرب عليهم فقال‪َ [ :‬يا َأ ُّي َها َّالذ َ‬
‫ين َ‬
‫الرَبا ِإن كنت ْم‬
‫ن‬
‫م‬
‫ي‬
‫ق‬
‫ب‬
‫ا‬
‫م‬
‫وا‬
‫ر‬
‫ذ‬
‫و‬
‫ه‬
‫الل‬
‫وا‬
‫ق‬
‫ات‬
‫وا‬
‫ن‬
‫آم‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ََْ‬
‫َّ‬
‫ْ َ َ ْ َ َْ‬
‫مؤ ِم ِنين*ف ِإن ل ْم تف َعلوا فأذنوا ِب َح ْرب ِم َن الل ِه َو َرس ِول ِه] (سورة البقرة‪ ،‬آية ‪ ،)279-278‬ومحارب هللا‬
‫محروب مهزوم ال محالة‪.‬‬
‫ً‬
‫وعده النبي صلى هللا عليه وسلم من الكبائر املهلكات؛ فقال كما في حديث أبي هريرة‪ " :‬اجتنبوا‬
‫السبع املوبقات قالوا‪ :‬يا رسول هللا وما هن؟ الشرك باهلل والسحر وقتل النفس التي حرم هللا إال‬
‫بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف املحصنات الغافالت" (أخرجه‬
‫البخاري)‪.‬‬
‫ولعن كل من ساهم فيه فقال كما في حديث جابر بن عبدهللا رض ي هللا عنه‪ " :‬لعن رسول هللا‬
‫صلى هللا عليه وسلم آكل الربا ومؤكله‪ ،‬وكاتبه وشاهديه‪ ،‬وقال‪ :‬هم سواء " (متفق عليه)‬

‫َ ً‬
‫إن الربا من أشد املعاص ي ض َرا على الفرد واملجتمع‪ ،‬فعن ابن عباس رض ي هللا عنه قال‪ :‬قال‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪" :‬إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب هللا "‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪73‬‬

‫َّ َ َ‬
‫َّ‬
‫(واخرجه الحاكم وصححه)‪ ،‬وهذا مصداق قول هللا تعالى‪َ [ :‬يا َأ ُّي َها َّالذ َ‬
‫ين َآمنوا اتقوا الله َوذروا َما‬
‫ِ‬
‫ََْ‬
‫َّ‬
‫ْ َ َ ْ َ َْ‬
‫َ َ َ ِّ ْ‬
‫الرَبا ِإن كنت ْم مؤ ِم ِنين*ف ِإن ل ْم تف َعلوا فأذنوا ِب َح ْرب ِم َن الل ِه َو َرس ِول ِه] (سورة البقرة‪ ،‬آية‬
‫ب ِقي ِمن ِ‬
‫‪.)279-278‬‬
‫َّ‬
‫َْ َ‬
‫ِّ‬
‫الربا َوي ْرِبي‬
‫أما أضراره على ألافراد فليس أقلها محق بركة املعاش قال تعالى [يمحق الله ِ‬
‫َّ َ َ‬
‫ات] (سورة البقرة‪.)276 ،‬‬
‫الصدق ِ‬
‫والوقوع في غائلة لعن النبي صلى هللا عليه وسلم؛ فعن جابر بن عبدهللا رض ي هللا عنه‪ " :‬لعن‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم آكل الربا ومؤكله‪ ،‬وكاتبه وشاهديه‪ ،‬وقال‪ :‬هم سواء " (متفق‬
‫عليه)‪.‬‬

‫إن الشارع الحكيم لم يكن ليحرم الربا هذا التحريم الشديد ويتوعد عليه هذا الوعيد العظيم إال‬
‫ألن له مفاسد كبيرة‪ ،‬وإن من املفاسد الكبيرة وهي مفاسد ظاهرة للعيان ما يلي‪:‬‬
‫‪.1‬‬

‫حصول العداوة والبغضاء بين الناس‪ ،‬وهذا من أعظم ما جاءت الشريعة بمنعه ً‬
‫وسد‬

‫‪.2‬‬

‫كل ذرائعه‪.‬‬
‫ٌ‬
‫سد باب القرض الحسن؛ فإن الربا إذا ظهر في الناس منعوا القرض الحسن واضطر‬
‫ذوو الحاجة إلى الربا‪ ،‬وإن من لطائف القرآن أنه يقرن الترهيب من الربا وبالترغيب في‬

‫‪.4‬‬

‫الصدقة‪ ،‬فبعد أربع عشرة آية في الترغيب في الصدقة في سورة البقرة تالها مباشرة‬
‫َّ‬
‫الله ِّ‬
‫الربا َوي ْرِبي] أعقبه‬
‫الترهيب عن الربا في سبع آيات‪ ،‬وبعد أن قال سبحانه [ َي ْم َحق‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َّ َ َ‬
‫َ‬
‫ات]‪ ،‬وبعد قوله سبحانه في سورة آل عمران‪َ [ :‬يا أ ُّي َها‬
‫مباشرة بقولة‪ [ :‬وي ْرِبي الصدق ِ‬
‫َ‬
‫َّ َ َ ْ َ َ ْ ْ ِّ َ َ ْ َ ً ُّ َ‬
‫اع َف ًة] جاء قوله تعالى‪َّ [ :‬الذ َ‬
‫ض َ‬
‫نفقون ِفي‬
‫ي‬
‫ين‬
‫لربا أضعافا م‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ال ِذين آمنوا ال تأكلوا ا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫الس َّراء َو َّ‬
‫َّ‬
‫الض َّراء] آلاية في سورة الروم بعد قوله تعالى [ َو َما آت ْيت ْم ِم ْن ِرًبا ِل َي ْرب َو ِفي أ ْم َو ِال‬
‫َ‬
‫ْ َ َّ‬
‫َّ‬
‫اس فال َي ْربوا ِعند الل ِه ] آلاية‬
‫الن ِ‬
‫التضييق على املعسرين‪ ،‬في املحاكم والسجون من معسرين أرهقتهم أقساط الربا‬
‫فعجزوا عن سدادها فزج بهم في السجون‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪75‬‬

‫‪.3‬‬

‫‪.5‬‬

‫تنمية ألاخالق الدنيئة في متعاطي الربا فمتعاطي الربا تنمو فيه أخالق خبيثة كالجشع‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫َ‬
‫[الذ َ‬
‫ين َي ْأكلو َن ِّ‬
‫الرَبا ال َيقومون ِإال ك َما‬
‫وألانانية والقسوة والاستغالل والطمع قال تعالى‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫َ َ‬
‫َّ‬
‫الش ْي َطان م َن ْاملَ ِّ‬
‫س]‬
‫َيقوم ال ِذي َيتخ َّبطه‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫تضخم املال عند طبقة من الناس على حساب الفقراء‪.‬‬

‫وبعد وجود الاقتصاد الكبير في هذا العصر توضحت آثار الربا املدمرة الاقتصادية والاجتماعية‪ ،‬ما‬
‫لم يعد يخفي على أحد‪.‬‬

‫ً‬
‫ومع ألاسف فإن كثيرا من املسلمين في الوقت الحاضر وقعوا في استحالل بعض املعامالت الربوية‬
‫وممارستها‪ ،‬وكان أسباب ذلك غفلة بعض العلماء عن حقائق املعامالت‪ ،‬وعدم اعتبارهم ملقاصد‬
‫ً‬
‫تحريم الربا وقع من بعضهم إجازة ما تسميه البنوك قرضا بفائدة‪ ،‬محتجين بأن القرض الذي ي ٌجر‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ٌ‬
‫نفعا موضع خالف‪ ،‬غافلين عن أن ما تسميه البنوك قرضا ليس هو ما يسمى عند الفقهاء قرضا؛‬
‫ألن القرض في الاصطالح الشرع؛ عقد إرفاق ليس ألاجل‪ ،‬وألاجل عنصر فيه حين أن ما تسميه‬
‫ً‬
‫البنوك قرضا بفائدة هو عقد معارضة‪ ،‬ألاجل عنصر فيه فهو في الاصطالح الفقهي‪ :‬بيع ربوي‪،‬‬
‫وليس ً‬
‫أدل على ذلك من أن البنوك العربية عندما تعبر عن العملية بلغة غير العربية تسمية (ربا)‬
‫ً‬
‫كما شرع استخدام البنوك حديثا الحيلة الربوية التي يسمونها؛ التورق‪ .‬مستغلين غفلة الناس‬
‫وعدم إدراكهم أن ما يسميه الفقهاء التورق ويجيزه بعضهم ويحرمه بعضهم‪ ،‬يختلف في طبيعة‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫َ‬
‫ً ً‬
‫(توريقا) وإن أشبهته في الشكل‪[ ،‬ذ ِل َك ِبأ َّنه ْم قالوا‬
‫املعاملة عن الحيلة الربوية التي تسميها البنوك‬
‫إ َّن َما ْال َب ْيع م ْثل ِّ‬
‫الرَبا] (سورة البقرة ‪.)275‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫والفرق بن الحيلة امللعونة واملخرج الشرعي بالرغم من وجود الشبه بينهما‪ ،‬فرق دقيق ولكنه‬
‫واضح بحمد هلل‪ ،‬ويستند إلى ظهور القصد من طرفي املعاملة‪ ،‬فإذا ظهر من املعاملة أن قصدهما‬
‫ً‬
‫ً‬
‫الربا‪ ،‬تبين أن املعاملة حيلة ملعونة وليست مخرجا شرعيا‪.‬‬
‫فاملواطأة بين البنك الدائن واملدين على عناصر العملية يسفر عن نية املتعاملين ارتكاب الربا‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫بصورة عقد شرعي‪ ،‬كما أن آثار الربا املدمرة اقتصاديا واجتماعيا وسلوكيا تتحقق بمثل هذه‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪76‬‬

‫ً‬
‫املعاملة كما تتحقق تماما بالربا الصريح أو ما تسيمه البنوك القرض بفائدة‪ ،‬فاعتبار النية‪،‬‬
‫ومالحظة مقاصد التحريم تكشف بوضوح عن طبيعة الحيلة امللعونة التي تسميها البنوك في‬
‫ً‬
‫العصر الحالي ( َتورقا )‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪77‬‬

‫الوصية الخامسة عشر‬

‫الوصية بتبليغ الدين‬

‫أخرج البخاري واملسلم عن أبي بكرة رض ي هللا عنه في ذكر خطبته صلى هللا عليه وسلم يوم‬
‫‪-1‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ليبلغ الشاهد الغائب ف ً‬
‫إن الشاهد عس ى أن يبلغ من هو أوعى له منه "‬
‫النحر بمنى وفيها‪" :‬‬
‫‪-2‬‬

‫وأخرج البخاري عن ابن عباس رض ي هللا عنه أن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم خطب‬

‫الناس يوم النحر فذكر الخطبة وفيها‪" :‬ثم رفع رسول هللا صلى هللا عليه وسلم رأسه فقال‪ " :‬اللهم‬
‫ٌ‬
‫هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ قال ابن عباس‪ :‬فو الذي نفس ي بيده إنها الوصية إلى أمته فليبلغ‬
‫الشاهد الغائب "‬
‫وأخرج ابن ماجه والحاكم وصححه عن حبير بن مطعم قال‪ :‬قام الرسول هللا صلى هللا‬
‫‪-4‬‬
‫ً‬
‫ً‬
‫عليه وسلم بالخيف‪ ،‬فقال‪ " :‬نضر هللا عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها فرب‬
‫حامل فقه ال فقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه‪.‬‬

‫ً‬
‫إن محمدا صلى هللا عليه وسلم جاء بالهدى والنور فأضاءت به الدنيا‪ ،‬وإن من بشائره صلى هللا‬
‫عليه وسلم دخول هذا النور كل بيت حتى ال يدع بيت مدر وال وبر إإل دخله‪ ،‬ومن أهم الوسائل‬
‫املوصلة لذلك اضطالع املسلمين بمهمة تبليغ هذا النور إلى العالم وتبشيرهم به‬
‫ولهذا نراه صلى هللا عليه وسلم يؤكد على هذه القضية في أعظم املشاهد وأكبر املجامع فيقول‬
‫ألصحابه‪ :‬ليبلغ الشاهد – يعني‪ :‬أصحابه – الغائب – يعني‪ :‬من وراءهم – وقد كان صلى هللا عليه‬
‫وسلم يقول ألصحابه‪ " :‬تسمعون ويسمع منكم‪ ،‬ويسمع ممن يسمع منكم " ( أخرجه ابن حبان‬
‫والحاكم)‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪78‬‬

‫وهكذا دواليك حتى يعم الخير ويشع النور فال يبقى على وجه البسيطة رجل وامرأه إال أصابه هذا‬
‫الخير ووصله هذا النور‪.‬‬

‫ً‬
‫إن الخطأ في فهم مقصود الشارع بهذه الوصية أوقع كثيرا من املسلمين في التقصير في التبليغ مما‬
‫نشأ عنه تأخير هذا النور أن يصل إلى أكبر عدد ممكن من العالم‪ ،‬إن التبليغ في مفهوم الشريعة‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ليس هو أن يكون إلانسان عاملا مفتيا بحيث ال يخفى عليه جمهور مسائل الشريعة حتى يكون‬
‫ً‬
‫مؤهال لتبيلغ الدعوة‪ ،‬ال ليس ألامر كذلك‪ ،‬واستمع إلى حديث زيد بن ثابت رض ي هللا عنه قال‪:‬‬
‫ً‬
‫سمعت سول هللا صلى هللا عليه وسلم يقول‪ٌ " :‬‬
‫نضر هللا امراءا سمع منا حديثا فحفظه حتى‬
‫ر‬
‫يبلغه غيره‪ ،‬فرب حامل فقه إلى مو هو أفقه منه‪ ،‬ورب حامل فقه ليس بفقيه " ( أخرجه أبو داود‬
‫ً‬
‫والترمذي وابن ماجه وابن حبان )‪ .‬فقد أشار الحديث إلى أن ً‬
‫املبلغ ربما له يكن صاحب فقه أصال‪.‬‬
‫وتأمل قصص أصحاب النبي صلى هللا عليه وسلم تجد الرجل منهم يأتي النبي صلى هللا عليه وسلم‬
‫ً‬
‫فيسلم ثم ما ينشب أن يرجع إلى قومه مبلغا مبشرا بهذا النور الذي جاء به محمد صلى هللا عليه‬
‫ً‬
‫وسلم‪ ،‬ولو كان تبليغ دعوة إلاسالم والتبشير بها حكرا على الراسخين في العلم ما اضطلع بها أولئك‬
‫ألاصحاب حديثو العهد باإلسالم‪.‬‬

‫ٌ‬
‫من خالل حديث زيد بن ثابت السابق يمكن أن نستنتج شرطين فيمن يجب عليه تبليغ الدعوة أو‬
‫القيام بها‪:‬‬
‫الشرط ألاول‪ :‬حفظ ما ينقله من الشرع إلى غيره حتى ال يقع في غائلة الكذب على هللا ورسوله‬
‫صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬ال شك أن املقصود هنا عين القضية التي يقوم بتبليغها ال سائر الشريعة‪.‬‬
‫الشرط الثاني‪ :‬الحرص على إيصال ما حفظه من الشرع إلى غيره وتبليغه له امتثاال ألمره صلى‬
‫ً‬
‫هللا عليه وسلم بقوله‪ " :‬بلغوا عني ولو آية ( أخرجه البخاري )‪ ،‬ورجاء الدخول في دعوته صلى هللا‬
‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪79‬‬

‫ً‬
‫عليه وسلم‪ٌ " :‬‬
‫نضر هللا امراءا سمع منا حديثأ فحفظه حتى يبلغه غيره‪ ،‬فرب حامل فقه إلى من هو‬
‫أفقه منه‪ ،‬ورب حامل فقه ليس بفقيه " ( أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان )‪.‬‬

‫صالح بن عبدالرحمن الحصين‬

‫‪www.rowaq.org‬‬

‫‪81‬‬