‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫أغسطس ‪2012‬‬

‫أغسطس ‪2102‬‬

‫البديل اإلسالمي‪ ..‬هل له بديل؟‬
‫بديل أم أصيل!‬

‫الحديث عن البديل اإلسالمي يبدو مفارقا للواقع التاريخي‪ ،‬فالمرجعية اإلسالمية ليست بديال‪ ،‬بقدر‬
‫ما هي المرجعية األصلية تاريخيا‪ .‬وما حدث من تغييب للمرجعية اإلسالمية‪ ،‬أدى إلى إحالل مرجعية‬
‫بديلة لها‪ ،‬وهي المرجعية العلمانية الغربية‪ ،‬بمختلف صورها‪ .‬وظلت المرجعية اإلسالمية هي الخيار‬
‫التاريخي المتنحي‪ ،‬والذي أعتبر لذلك بديال لما هو قائم‪ ،‬حتى وإن كانت المرجعية القائمة لم تكن خيارا‬
‫حرا لعامة الناس‪ ،‬بل فرضت عليهم‪.‬‬
‫لهذا فإن القول بأن بديل نظام مبارك‪ ،‬هو جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬لم يكن قوال دقيقا‪ .‬فنظام‬
‫مبارك مثل نظاما استبداديا علمانيا ملتحقا بالغرب‪ ،‬وجماعة اإلخوان المسلمين تمثل أحدى القوى المعبرة‬
‫عن المرجعية اإلسالمية‪ ،‬لذا فإن المرجعية اإلسالمية تمثل فعال البديل للنظام السياسي التابع للغرب‪.‬‬
‫وبهذا تبدو الصورة أكثر وضوحا‪ ،‬فاألصيل يمثل بديال للنظام المستورد‪ .‬ونظام مبارك مثل النظام‬
‫المستورد‪ ،‬وسقوط النظام المستورد يؤدي إلى رجوع النظام األصيل‪ .‬وإذا كان مبارك مثل القوة الحامية‬
‫للنظام المستورد‪ ،‬فإن جماعة اإلخوان المسلمين مثلت أكبر القوى الحامية للنظام األصيل‪.‬‬
‫لذا تصبح مقولة أن سقوط األنظمة الحاكمة بعد الربيع العربي‪ ،‬تؤدي إلى وصول اإلسالميين‬
‫للحكم‪ ،‬ليست هي المقولة الدقيقة‪ .‬فالقول بأن سقوط األنظمة المستوردة الملتحقة بالغرب بسبب ثورات‬
‫الربيع العربي‪ ،‬يؤدي إلى استعادة النظام األصلي‪ ،‬أي المرجعية اإلسالمية‪ ،‬هو قول أكثر دقة‪.‬‬
‫وعندما ندقق المسألة في أنها لم تكن في مصر نزاعا بين نظام مبارك وجماعة اإلخوان‬
‫المسلمين‪ ،‬بل كانت نزاعا بين المرجعية الغربية المستوردة‪ ،‬والمرجعية اإلسالمية األصيلة‪ ،‬عندئذ نصل‬
‫إلى تحديد أفضل لمسار التحوالت بعد الربيع العربي‪ .‬فليس شرطا أن تصل قوى منتسبة للحركات‬
‫اإلسالمية للحكم بعد سقوط األنظمة التابعة للغرب‪ ،‬ولكن الشرط األبرز المحدد لمسار ما بعد الربيع‬
‫العربي‪ ،‬هو استعادة المرجعية التي يختارها عامة الناس‪ ،‬واسقاط المرجعية التي فرضت عليهم‪ ،‬وهو ما‬
‫يعني سقوط المرجعية الغربية المستوردة‪ ،‬واستعادة المرجعية اإلسالمية الموروثة‪ .‬فالربيع العربي مثل‬
‫حالة مواجهة بين النظم المستبدة وعامة الناس‪ ،‬مما جعله مواجهة بين مرجعية تلك النظم الملتحقة‬
‫بالغرب‪ ،‬ومرجعية عامة الناس الملتحقة بموروثها الحضاري‪.‬‬
‫وليس من الممكن تصور أن يختار عامة الناس المرجعية المستوردة التي فرضت عليهم بدون‬
‫اختيارهم‪ ،‬والتي أقامت النظام المستبد الفاسد‪ ،‬والتي لم تكن تعبر عنهم‪ ،‬بل كانت تتعارض مع خياراتهم‬
‫وتوجهاتهم‪ .‬مما جعل المرجعية المستوردة الغربية‪ ،‬ال تجد سندا لها‪ ،‬إال لدى المنتمين للنظام السابق‪،‬‬
‫والمتحالفين معه ومع الغرب‪ ،‬والمستفيدين من سياسة االلتحاق بالغرب‪ ،‬ومعهم بالطبع المتخوفين من‬
‫المرجعية اإلسالمية‪ .‬فمن مال لمرجعية النظام السابق قبل سقوطه‪ ،‬هو في الغالب من يميل لها بعد‬
‫سقوطه‪.‬‬
‫لذا فالمرجعية اإلسالمية تمثل البديل األصلي بعد ثورات الربيع العربي‪ ،‬ولكن تلك المرجعية ال‬
‫تملكها حركة ما حصريا‪ ،‬بل هي مرجعية األمة كلها‪ ،‬وبالتالي فهي مرجعية عامة الناس‪ ،‬والناس لها أن‬
‫تختار من يمثل هذه المرجعية بإرادتها الحرة‪ ،‬ألن األمة هي المعبر الحصري للمرجعية اإلسالمية‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫أغسطس ‪2102‬‬

‫البديل اإلسالمي‪ ..‬هل له بديل؟‬
‫هل تداول المرجعية ممكن؟‬

‫واحدة من أهم التحديات التي تواجه مرحلة التحول الديمقراطي‪ ،‬ترتبط بحالة التعددية الثقافية‬
‫السياسية الموجودة على أرض الواقع‪ ،‬بعد سقوط النظام السابق‪ .‬وأبرز ما تظهره تلك التعددية‪ ،‬هو تعددية‬
‫المرجعية العامة‪ ،‬أي تعددية المرجعية الحضارية‪ ،‬ما بين من يتمسكون بالمرجعية الموروثة تاريخيا‪،‬‬
‫وبين من يتمسكون بالمرجعية المستوردة من الغرب‪ .‬مما جعل التباين بين القوى السياسية‪ ،‬ليس تباينا في‬
‫الرؤى السياسية فقط‪ ،‬بل هو أيضا تباين في المرجعية الحضارية التي تستند لها تلك الرؤى السياسية‪.‬‬
‫ورغم أن النظام السياسي الديمقراطي‪ ،‬يستوعب التعددية السياسية والحزبية‪ ،‬إال أن أي نظام سياسي يقوم‬
‫أساسا على مرجعية عامة وحيدة‪ ،‬يلتزم بها الجميع ويعمل من خاللها الجميع‪ .‬مما يعني أن مرحلة التنافس‬
‫بين المرجعيات‪ ،‬هي في كل األحوال مرحلة بينية أو انتقالية‪ ،‬تستمر حتى يتم التوافق على مرجعية عامة‬
‫واحدة‪ ،‬تؤيدها األغلبية المجتمعية السياسية‪ ،‬أي يؤيدها التيار السائد‪.‬‬
‫فتداول السلطة بين قوى مختلفة تماما في المرجعية التي تستند لها‪ ،‬يعني تغيير النظام السياسي‬
‫بالكامل مع تغير القوى الفائزة في االنتخابات‪ ،‬أو الحزب الحاصل على األغلبية‪ .‬فال يمكن أن نتصور أن‬
‫يتم تداول للسلطة بين برامج تنتمي للمرجعية اإلسالمية‪ ،‬وبرامج أخرى تنتمي للمرجعية الغربية‪ ،‬ألن هذا‬
‫يعني تغيير بنية النظام السياسي بعد كل انتخابات عامة‪ ،‬وهو أمر يؤدي إلى تشكل نظام سياسي هش‪،‬‬
‫ومعرض للسقوط‪.‬‬
‫فالتداول السلمي للسلطة يحدث داخل إطار سياسي عام متفق عليه‪ ،‬وألن النظام السياسي السائد‬
‫قبل الثورة‪ ،‬لم يكن نظاما متفقا عليه‪ ،‬لذا تصبح الممارسة الديمقراطية األولى هي مناسبة لتشكل الخيار‬
‫األساسي للمجتمع‪ ،‬والذي يبنى عليه النظام السياسي الديمقراطي الجديد‪ .‬وبعد ذلك تتم عملية التداول‬
‫السلمي للسلطة داخل إطار النظام المتفق عليه‪ .‬والنظام المتفق عليه‪ ،‬هو النظام المعبر عن التيار السائد‬
‫في المجتمع‪ ،‬وليس المعبر عن أي قوة سياسية بعينها‪ ،‬مهما كان حضورها الشعبي‪ .‬وكل القوى السياسية‬
‫في المرحلة االنتقالية تصبح وكيلة عن الكتل التي أيدتها‪ ،‬وتعبر عن تلك القواعد الشعبية‪ ،‬حتى تتشكل‬
‫الهوية العامة للمجتمع‪ .‬وبهذا تكون القوى المعبرة عن التيار السائد وكيلة عنه‪ ،‬ويكون عليها أن تعبر عن‬
‫التيار السائد في الدستور الجديد‪ ،‬ال أن تعبر عن نفسها‪.‬‬
‫والتيار السائد في كل األحوال كان موجودا زمن النظام السابق‪ ،‬ولكنه لم يكن مفعال ولم يكن له‬
‫دور‪ .‬وما يحدث في المرحلة األولى للتحول الديمقراطي‪ ،‬هو الكشف عن تيارات المجتمع‪ ،‬مما يؤدي إلى‬
‫ظهور التيار السائد عمليا من خالل صناديق االقتراع‪ ،‬ومن خالل الرأي العام‪ ،‬مما يجعل الهوية العامة‬
‫التي اختارها التيار السائد في المجتمع‪ ،‬تظهر في المجال السياسي‪ ،‬ومن ثم يعبر عنها في الدستور الجديد‬
‫وفي النظام السياسي الجديد‪.‬‬
‫ولكن ظ هور الهوية العامة التي يتبناها التيار السائد ال تمنع التعددية‪ ،‬بل وال تمنع أيضا من وجود‬
‫شرائح في المجتمع تتبنى مرجعيات أخرى‪ ،‬وال تمنع أيضا من وجود أحزاب تتبنى مرجعيات أخرى‪.‬‬
‫ولكن تحقق المرجعية العامة التي يتبناها التيار السائد‪ ،‬يحدد هوية الدولة والنظام السياسي‪ ،‬والتي ال يجوز‬
‫تغييرها‪ ،‬مادام التيار السائد في المجتمع يتبناها‪ .‬ومن هنا يكون على كل القوى السياسية‪ ،‬رغم التباين بها‪،‬‬
‫أن تعمل في ظل االحترام وااللتزام بالهوية العامة للدولة‪ .‬مما يعني أنه ال يجوز لحزب وصل للسلطة بأي‬
‫نسبة كانت‪ ،‬أن يغير الهوية العامة للدولة‪ ،‬حتى إذا كان يتبنى هوية ومرجعية أخرى‪ ،‬إال من خالل العودة‬
‫‪3‬‬

‫أغسطس ‪2102‬‬

‫البديل اإلسالمي‪ ..‬هل له بديل؟‬

‫لعامة الناس‪ .‬ومادام عامة الناس هم أصحاب اختيار المرجعية العامة للدولة‪ ،‬لذا تبقى هذه الهوية ممثلة‬
‫لهوية الدولة‪ ،‬مادام عامة الناس‪ ،‬أو التيار السائد بينهم‪ ،‬مازالوا على خيارهم‪.‬‬
‫وبهذا يصبح اختيار المرجعية جزءا من تأسيس النظام السياسي الجديد‪ .‬وبعد ذلك تبدأ مرحلة‬
‫تداول السلطة داخل النظام السياسي الجديد‪ .‬وهو ما يجعل أي مرجعية مختلفة عن مرجعية الدولة‪ ،‬هي‬
‫مرجعية خاصة وليست عامة‪ ،‬وتعبر عن البعض وليس الكل‪ ،‬وتعبر عن أقلية وليس أغلبية‪ ،‬مما يجعلها‬
‫هوية أو مرجعية فرعية‪ ،‬ال يجوز أن تتحول إلى مرجعية عامة للدولة والنظام السياسي‪ .‬وبهذا يستقر‬
‫النظام السياسي وتستقر هوية الدولة‪ ،‬فالتداول بين المرجعيات الحضارية غير ممكن‪ ،‬ألن أي مجتمع في‬
‫النهاية له مرجعية حضارية واحدة‪.‬‬
‫ويالحظ هنا أن في الدول العلمانية‪ ،‬تكون العلمانية هي المرجعية العامة‪ ،‬المعبرة عن التيار‬
‫السائد‪ ،‬والتي تلتزم بها كل األحزاب‪ ،‬بما فيها األحزاب المسيحية‪ .‬ويظل التباين بين األحزاب اليسارية‬
‫واليمينية‪ ،‬هو تنوع داخل إطار العلمانية التي تعبر عن التيار السائد في المجتمعات األوروبية خاصة‪،‬‬
‫سواء كانت علمانية جزئية ال تحارب الدين‪ ،‬أو علمانية شاملة تحارب الدين‪ .‬نقصد من هذا‪ ،‬أن التعددية‬
‫الموجودة في الدول الديمقراطية‪ ،‬هي تعددية داخل إطار حضاري مرجعي واحد‪ ،‬يعبر عن المجتمع‪،‬‬
‫ويمثل هوية المجتمع‪ ،‬ويجعل هوية الدولة مثل هوية المجتمع‪.‬‬
‫هل غموض المرجعية جائز؟‬
‫أتضح بعد الثورة‪ ،‬في عدد من دول الربيع العربي‪ ،‬أن هناك محاولة للبحث عن مرجعية في‬
‫المنطقة الرمادية‪ ،‬تظهر للعامة أنها مرجعية إسالمية‪ ،‬أو على األقل ليست علمانية‪ ،‬وفي نفس الوقت‬
‫تكون في التطبيق ليست مرجعية إسالمية‪ .‬ومن ذلك تلك المحاوالت التي تحاول جعل المرجعية اإلسالمية‬
‫مرجعية قومية أو فلكلورية أو تاريخية‪ ،‬وكأنها من اآلثار الباقية من التاريخ‪ .‬وتلك المحاولة تتشابه مع ما‬
‫حدث في الدول الغربية‪ ،‬عندما تأسست الدولة القومية العلمانية في دول لها تاريخ مسيحي‪ ،‬فتم االحتفاظ‬
‫بهذا التاريخ بوصفه من مالمح القومية‪ ،‬ومن ميراث التاريخ‪ ،‬وكأنه أثر تاريخي لما كان‪ ،‬ولم يعد موجودا‬
‫بنفس المعنى‪ .‬وبهذا احتفظت دول أوروبية علمانية بنصوص في الدساتير تعبر عن هوية مسيحية‬
‫هامشية‪ ،‬وليست مركزية‪ ،‬من باب االحتفاظ بمالمح اإلرث التاريخي‪.‬‬
‫ويبدو أن بعض القوى‪ ،‬خاصة النخب العلمانية ونخب الدولة العميقة‪ ،‬تحاول االحتفاظ بنص يعبر‬
‫عن المرجعية اإلسالمية‪ ،‬دون أن يكون له حضور على أرض الواقع‪ .‬وهي تحافظ على هذا النص‬
‫إلرضاء الجماهير‪ ،‬أي إرضاء التيار السائد‪ ،‬وحتى ال تواجه برفض جماهيري‪ .‬وبعض النخب العلمانية‬
‫تحاول أن تضع صياغات أو تصورات‪ ،‬تخلط بين المرجعية اإلسالمية والعلمانية‪ ،‬بل أن بعض المنتمين‬
‫لما يسمى بالليبرالية اإلسالمية‪ ،‬يحاول وضع تصورات تخلط بين المرجعية اإلسالمية للمجتمع‪،‬‬
‫والمرجعية العلمانية للنظام السياسي‪.‬‬
‫وليس لدينا من التاريخ ما يعضد فكرة األنظمة ذات األسس الحضارية المختلطة‪ ،‬بل أن تجارب‬
‫التاريخ تؤكد على استحالة التوفيق بين الحضارات وإنتاج حضارة خليط من الحضارات األخرى‪ .‬ألن كل‬
‫عمليات التفاعل بين الحضارات‪ ،‬كانت تتم باستيعاب عناصر من حضارات أخرى داخل حضارة معينة‪،‬‬
‫مما يساعد على تطورها‪ .‬ولكن مع التفاعل التاريخي بين الحضارات احتفظت كل حضارة باألسس التي‬
‫قامت عليها‪ ،‬وهي قيمها المركزية‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫أغسطس ‪2102‬‬

‫البديل اإلسالمي‪ ..‬هل له بديل؟‬

‫و لهذا فكل نظام سياسي يقوم على مرجعية مختلطة‪ ،‬سيكون عليه تطبيق قيم تلك المرجعيات‪،‬‬
‫وهو أمر مستحيل عمليا‪ ،‬ألن تلك المرجعيات مختلفة أساسا في قيمها المركزية‪ ،‬مما يجعل أي تطبيق‬
‫عملي لنظام سياسي يخلط بين المرجعيات الحضارية‪ ،‬يؤدي إلى سيادة مرجعية على أخرى‪ ،‬فيصبح‬
‫ال نظام في النهاية منتميا لمرجعية واحدة‪ .‬وكل نظام يخلط بين المرجعية العلمانية والمرجعية اإلسالمية‪،‬‬
‫سوف يتحول في النهاية إلى المرجعية العلمانية‪ ،‬ألن المرجعية اإلسالمية إذا تم تجزئتها انهارت وغابت‪،‬‬
‫بل أن غياب المرجعية اإلسالمية تدريجيا منذ قرنين‪ ،‬تم عن طريق تبعيض المرجعية‪ ،‬بترك بعضها‬
‫واالستمرار في تطبيق بعضها‪ ،‬حتى تراجعت ولم تعد هي المرجعية السائدة في النظام السياسي في البالد‬
‫العربية واإلسالمية‪.‬‬
‫أما المرجعية العلمانية‪ ،‬وألنها تبنى أساسا على تراجع دور الدين في الحياة العامة‪ ،‬فهي تتحقق‬
‫تدريجيا من خالل تبعيض المرجعية العلمانية‪ ،‬وتحقيق بعضها فقط‪ ،‬ثم التمدد في تطبيقها حتى تصبح هي‬
‫المرجعية السائدة‪ .‬فالمرجعية العلمانية‪ ،‬مرجعية مادية أساسا‪ ،‬وكلما حلت تلك المرجعية محل القيم‬
‫المعنوية والروحية‪ ،‬استطاعت تمديد القيمة المادية تدريجيا‪ ،‬حتى تسود‪ .‬والمالحظ مثال للمذهب اإلنساني‬
‫ف ي الغرب‪ ،‬وهو مذهب علماني أخالقي‪ ،‬يجد أن تمدد القيم المادية‪ ،‬بعد غياب القيم الروحية‪ ،‬أدى إلى‬
‫تحول المذهب اإلنساني إلى مذهب مادي غير إنساني‪ .‬نقصد من هذا‪ ،‬أن الخلط بين أكثر من نظام بينهم‬
‫ما هو إسالمي وما هو علماني‪ ،‬سيؤدي حسب التجربة التاريخية إلى سيادة المرجعية العلمانية‪.‬‬
‫يضاف لذلك أنه ال يوجد نظام سياسي بال هوية‪ ،‬وال توجد دولة بال هوية‪ .‬ألن الهوية تعني تحديد‬
‫القيم األ ولى بالرعاية من قبل النظام السياسي والدولة‪ ،‬والتي ال يجوز الخروج عليها‪ .‬وكل نظام ليس له‬
‫هوية‪ ،‬هو نظام مباح له التمسك بأي قيم‪ ،‬وترك أي قيم‪ ،‬مما يعني أنه لن يكون إال نظاما استبداديا فاسدا‪.‬‬
‫وكل نظام مستبد وفاسد‪ ،‬يبحث عن الدعم الخارجي‪ ،‬ألنه يفتقد للدعم الداخلي‪ ،‬مما يجعله ملتحقا بالغرب‪،‬‬
‫ولن يكون ف ي النهاية إال نظاما علمانية‪ ،‬ومستبدا وفاسدا‪ .‬وكل نظام يتهرب من هوية التيار السائد‪ ،‬أو‬
‫يعرقلها أو يفرض هوية أخرى على الدولة‪ ،‬لن يستطع البقاء إال باالستبداد‪ ،‬ألنه يقهر المجتمع‪ .‬وكل نظام‬
‫مستبد يفسد‪ ،‬وكل نظام مستبد يبحث عن الدعم الخارجي‪ ،‬ولن يجده إال في األنظمة الغربية التي حمت‬
‫االستبداد عقودا طويلة‪ ،‬حتى تحتفظ بهيمنتها على المنطقة‪.‬‬
‫إذا استقرت المرجعية اإلسالمية‪ ،‬هل تغيب العلمانية؟‬
‫المالحظ في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬ومنها دول الربيع العربي‪ ،‬تشكل قاعدة جماهيرية من‬
‫بعض شرائح المجتمع تميل إلى الخيار العلماني‪ ،‬أو هي قاعدة متأثرة بالحضارة الغربية‪ .‬ومن التجارب‬
‫التاريخية‪ ،‬يظهر أن وجود شريحة في المجتمع تتأثر بحضارة مجتمع آخر‪ ،‬أمر متكرر‪ ،‬خاصة إذا كانت‬
‫تلك الحضارة األخرى هي المتقدمة‪ .‬فكلما كانت حضارة المجتمع ليست متقدمة بالنسبة للحضارات‬
‫األخرى‪ ،‬ظهرت شرائح تتعلق بالحضارة المتقدمة أكثر من تعلقها بحضارة مجتمعها‪ .‬وكلما تقدمت‬
‫حضارة المجتمع على غيرها‪ ،‬ولو نسبيا‪ ،‬تضاءلت الشرائح التي تتعلق بحضارة أخرى غير حضارة‬
‫المجتمع‪.‬‬
‫مما يعني أن التجربة التاريخية تشير إلى وجود شرائح في أي مجتمع تتعلق بالحضارة المتقدمة‪،‬‬
‫مادامت حضارة المجتمع نفسه ليست متقدمة بالقدر الكافي‪ .‬ألن الحضارات المتقدمة يكون لها تأثير‬
‫وجداني على الشعوب التي لم تحقق التقدم‪ ،‬مما يجعل لها أثرا جاذبا لبعض الشرائح في المجتمعات األقل‬
‫‪5‬‬

‫أغسطس ‪2102‬‬

‫البديل اإلسالمي‪ ..‬هل له بديل؟‬

‫تقدما‪ .‬ويؤدي هذا إلى ترجيح استمرار وجود شرائح متعلقة بالحضارة الغربية ومتأثرة بها‪ ،‬كلما كانت‬
‫الحضارة الغربية أكثر تقدما من الحضارة اإلسالمية‪ .‬وهذا ال يمنع أيضا من بقاء شرائح ضيقة‪ ،‬يمكن أن‬
‫تظل متعلقة بالحضارة الغربية‪ ،‬حتى بعد النهوض الحضاري اإلسالمي‪ ،‬خاصة تلك الشرائح التي تختلف‬
‫عن التيار السائد في المجتمعات اإلسالمية‪ ،‬سواء من حيث الدين أو العرق أو انتمائها التاريخي‬
‫الحضاري‪ .‬مما يعني أن وجود شرائح أجنبية حضاريا‪ ،‬أمر متوقع‪ ،‬ولكن بنسب تختلف بقدر ما تحققه‬
‫الحضارة اإلسالمية من نهوض‪.‬‬
‫وتاريخيا‪ ،‬نجد تلك الظاهرة حادثة في كل المجتمعات والحضارات‪ ،‬فهي جزء من التعدد الثقافي‬
‫الحادث في مختلف المجتمعات‪ .‬ولكن بعض هذا التعدد الثقافي‪ ،‬يصل لمرحلة اختالف جذري عن الثقافة‬
‫السائدة‪ ،‬فيصبح من باب التعدد الحضاري‪ ،‬أي وجود شرائح تميل لحضارة مغايرة لحضارة المجتمع‬
‫الذي تعيش فيه‪ .‬والثابت تاريخيا‪ ،‬أن الدول الغربية‪ ،‬والنموذج السياسي الغربي‪ ،‬من أقل النماذج قدرة‬
‫على التعامل مع التعدد الثقافي‪ ،‬ويميل إلى جعل هذا التعدد غير ظاهر وغير حاضر‪ ،‬بما يعني فرض‬
‫نموذج ثقافي واحد على الجميع‪ ،‬ومحاولة صهر التباين الثقافي الحادث‪ ،‬حتى يختفي‪ .‬وهناك نماذج مغلقة‬
‫تماما أمام التعدد الثقافي‪ ،‬مثل حضارة الصين‪ ،‬حيث ترتبط الحضارة بالقومية رباطا ال ينفك‪ .‬ولكن‬
‫النموذج الحضاري اإلسالمي‪ ،‬هو أكثر النماذج التي تتسع للتعددية الثقافية وأيضا الحضارية‪ ،‬حيث أن‬
‫األمة اإلسالمية مشكلة أصال من قوميات وأعراق متعددة ثقافيا‪ ،‬تجمعها حضارة واحدة‪ .‬وهو ما جعل‬
‫النموذج اإلسالمي قادر على استيعاب التعدد الديني‪ ،‬وحتى الحضاري‪ ،‬من خالل نظام يقوم على الفصل‬
‫بين ما هو خاص بجماعة ما ويميزها‪ ،‬عن ما هو عام وسائد ويمثل النظام العام‪ ،‬مما سمح للجماعات‬
‫المختلفة بالحفاظ على تميزها وشأنها الخاص‪ ،‬مع التزامها بالنظام العام‪.‬‬
‫لهذا يصبح بقاء شرائح مؤيدة للعلمانية في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬أمر مرجح ومحتمل‪،‬‬
‫خاصة في مرحلة ما بعد الربيع العربي‪ ،‬مع احتمال تقلص تلك الشرائح تدريجيا‪ .‬ولكن تلك الشرائح‬
‫العلمانية‪ ،‬سواء في سلوكها السياسي فقط أو في سلوكها السياسي واالجتماعي‪ ،‬تظل شرائح ممثلة لألقلية‪،‬‬
‫ال يمكنها فرض موقفها الثقافي والحضاري على األغلبية‪ ،‬بل وال يجوز لها ذلك‪ ،‬حسب قواعد الحرية‬
‫والتعددية‪ ،‬والتي تجعل التيار السائد هو صاحب قرار الهوية العامة للدولة والنظام السياسي‪ .‬مما يعني أن‬
‫شرائح األقلية العلمانية‪ ،‬تبقى تعبر عن نفسها‪ ،‬ولكنها ال تستطيع أن تصل للحكم و تؤثر فيه طبقا لقناعتها‬
‫المختلفة عن السائد بين عامة الناس‪ .‬فتبقى تلك الشرائح ممثلة ألقلية سياسية وثقافية وحضارية في آن‬
‫واحد‪.‬‬
‫وكل النماذج الحضارية تقبل فكرة وجود ثقافة أجنبية‪ ،‬سواء كانت مستوردة‪ ،‬أو محلية ولكن‬
‫مختلفة عن ما هو سائد‪ ،‬وكل نموذج حضاري يتعامل مع تلك الشرائح بأسلوب مختلف‪ .‬وتبقى القاعدة‬
‫العامة‪ ،‬هي أن المرجعية لألغلبية‪ ،‬وكل الحقوق والواجبات لألقليات أيا كان نوعها‪ .‬فالنظام العام ابن لما‬
‫هو سائد بين الناس‪ ،‬وحق األغلبية في اختيار المرجعية ال يمكن نقده أو التعدي عليه‪ ،‬إال في األنظمة‬
‫المستبدة‪ ،‬ولكن حق األغلبية في تشكيل المرجعية العامة والهوية العامة‪ ،‬ال يمنحها أي حق في الجور على‬
‫حقوق وواجبات األقلية‪ ،‬مادامت ملتزمة بالنظام العام النابع من الهوية التي اختارها الناس‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫أغسطس ‪2102‬‬

‫البديل اإلسالمي‪ ..‬هل له بديل؟‬
‫هل إفشال المرجعية ممكن؟‬

‫مع بداية التحول الديمقراطي في دول الربيع العربي‪ ،‬وظهور الحضور الواسع لجماهير التيار‬
‫اإلسالمي‪ ،‬مما جعل القوى اإلسالمية لها حضورها السياسي الواضح‪ ،‬ظهر توجه لدى القوى العلمانية‬
‫ونخبة الدولة العميقة إلفشال القوى اإلسالمية‪ ،‬وإظهار أنها غير قادرة على تحقيق التقدم وحل مشكالت‬
‫الناس‪ ،‬حتى تنفض الجماهير من حولها‪ .‬ومحاولة إفشال القوى اإلسالمية التي تصل للحكم‪ ،‬سوف تظل‬
‫االستراتيجية المعتمدة للنخب العلمانية ونخبة الدولة العميقة وبعض القوى اإلقليمية‪ ،‬وكذلك بعض القوى‬
‫الدولية‪ ،‬ألن إفشال القوى اإلسالمية هو أفضل سالح للحد من تواجدها السياسي‪ ،‬والحد من التأييد‬
‫الجماهيري الذي تحظى به‪ .‬والبعض يتصور‪ ،‬خاصة من النخب العلمانية ونخبة الدولة العميقة‪ ،‬أن إفشال‬
‫القوى اإلسالمية سياسيا‪ ،‬سيؤدي إلى تقلص حجم التأييد للمرجعية اإلسالمية‪ ،‬مما يمكن من بناء نظام‬
‫علماني تدريجيا‪ ،‬وحصار المرجعية والهوية اإلسالمية‪ ،‬التي تمثل خيار التيار السائد‪ .‬ولكن هذا التصور‬
‫يتجاوز حقائق التاريخ‪ ،‬ويخلط بين الواقع السياسي المتغير‪ ،‬وما يحدث في المجال السياسي ومجال‬
‫السلطة‪ ،‬وبين الواقع التاريخي الحضاري األكثر ثباتا‪ ،‬والذي يمثل السلسلة المتواصلة من التاريخ‬
‫الحضاري للمجتمعات‪.‬‬
‫فالمرجعية اإلسالمية ليست مرجعية القوى اإلسالمية فقط‪ ،‬ولكنها مرجعية التيار السائد أوال‪.‬‬
‫والقوى اإلسالمية تتبنى تلك المرجعية وتنشرها بين الناس‪ ،‬وهي في الواقع ال تنشرها بقدر ما تحييها‬
‫وتس تعيد دورها‪ .‬ألن المرجعية اإلسالمية موجودة بالفعل ومتحققة تاريخيا لدى الوعي الجمعي لألغلبية‬
‫في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬وهي التي تمثل التيار السائد في هذه البالد‪ .‬ووجود التوجه اإلسالمي سابق‬
‫للثورة‪ ،‬ومستمر عبر مختلف الفترات التاريخية‪ ،‬وربما تراجع في فترات قصيرة‪ ،‬ولكن بعد كل تراجع‬
‫كان يعود أقوى من السابق‪ ،‬وربما أكثر تشددا‪ .‬وكل محاوالت القضاء على التوجه اإلسالمي‪ ،‬أدت إلى‬
‫التشدد والتطرف‪ ،‬والذي كان وسيلة للدفاع عن التوجه اإلسالمي للمجتمع‪ ،‬وكلما استقرت الهوية‬
‫اإلسالمية بعيدا عن أي تهديدات‪ ،‬أصبحت أكثر استقرارا وأكثر اعتداال‪.‬‬
‫لذا فالهوية اإلسالمية معبر عنها في التيار السائد وفي األمة نفسها‪ ،‬وفشل قوة سياسية إسالمية‪ ،‬ال‬
‫يعني فشل األمة‪ .‬واألمة ثابت تاريخي وحضاري‪ ،‬فهي باقية‪ ،‬تتقدم وتتراجع‪ ،‬وعندما تتراجع ال تخرج‬
‫من هويتها بالكامل‪ ،‬بل ربما تبتعد عنها نسبيا‪ ،‬ثم تعود لها‪ .‬وحتى في مراحل التراجع يظل الغالب هو‬
‫استمرار الهوية التاريخية الحضارية لألمة‪ .‬ألن الهوية الحضارية لألمة اإلسالمية‪ ،‬هي ذاتها الحضارية‪،‬‬
‫المتحققة في حياتها االجتماعية‪ ،‬أيا كانت حالة األوضاع السياسية‪ ،‬وأيا كانت درجة التقدم والتراجع‪ .‬فإذا‬
‫كان تقدم الحضارة يمدد التيار السائد الحامل لها‪ ،‬ويعظم من أغلبيته‪ ،‬فإن تأخر الحضارة قد يقلص من‬
‫حجم التيار السائد الحامل لها‪ ،‬ولكنه يبقى تيار أغلبية واضحة‪.‬‬
‫وهوية المجتمع ليست معرضة لمعيار النجاح أو الفشل‪ ،‬كما أن قوى التيار اإلسالمي تراهن‬
‫أساسا على تمسك التيار السائد بهويته اإلسالمية‪ ،‬حتى تستعيد األمة سيادة حضارتها على تاريخها‪ ،‬وال‬
‫تراهن على تأييد الجماهير لتنظيماتها فقط‪ .‬ألن قوى التيار اإلسالمي تربط نجاحها أساسا بسيادة الرؤية‬
‫الحضارية اإلسالمية‪ ،‬وتحولها إلى قوة فاعلة مشكلة للمستقبل‪ ،‬وإخراجها من حالة الجمود الفعلي‬
‫والعملي‪ ،‬التي دخلت فيه الحضارة اإلسالمية في ظل أنظمة حكم مستبدة علمانية‪ .‬لذا فنجاح القوى‬
‫اإلسالمية مرتبط أساسا بقدرتها على تحريك الهوية التي ينتمي لها التيار السائد وتحويلها لفعل‪ .‬مما يجعل‬
‫نجاح عملية إحياء المرجعية الحضارية اإلسالمية‪ ،‬مرتبط أساسا بموقف وحركة التيار السائد في‬
‫‪7‬‬

‫أغسطس ‪2102‬‬

‫البديل اإلسالمي‪ ..‬هل له بديل؟‬

‫المجتمع‪ .‬وهو ما يجعل نجاح أو فشل قوة من القوى المرتبطة بالتيار اإلسالمي‪ ،‬غير مؤثر على‬
‫المرجعية اإلسالمية‪ ،‬ولكنه يؤثر فقط على فريق منتسب لها‪ ،‬ويقدم نفسه بوصفه القادر على تحقيق تلك‬
‫المرجعية على أرض الواقع‪ ،‬والقادر على تحقيق النهضة الحضارية المعبرة عن تلك المرجعية‪ .‬وإذا‬
‫فشلت قوة من قوى ال تيار اإلسالمي في تحقيق ما تعد به الناس‪ ،‬بسبب خطة اإلفشال المنهجية التي تدبر‬
‫للقوى اإلسالمية‪ ،‬فهذا سوف يؤثر على شعبية تلك القوة اإلسالمية‪ ،‬وليس على شعبية المرجعية اإلسالمية‬
‫نفسها‪ .‬مما يعني أن مخطط إفشال اإلسالميين‪ ،‬يؤثر على القوى اإلسالمية‪ ،‬من تنظيمات وأحزاب‪ ،‬ولكن‬
‫ال يؤثر على المرجعية اإلسالمية التي يتبانها التيار السائد‪ ،‬والتي تدعو لها القوى اإلسالمية‪.‬‬
‫وأكثر من هذا‪ ،‬فإن إفشال حزب إسالمي عمليا عندما يصل للسلطة‪ ،‬ال يؤثر على دور الحركة‬
‫اإلسالمية المساندة له‪ ،‬وال يؤثر على قدرتها على نشر المرجعية اإلسالمية وإحياء دورها‪ .‬مما يمكن‬
‫الحركات اإلسالمية‪ ،‬والتي تمثل حركات اجتماعية قاعدية‪ ،‬أن تمارس دورها في تفعيل انتماء التيار‬
‫السائد للهوية اإلسالمية‪ ،‬أيا كان ما تحققه األحزاب اإلسالمية المنتمية لتلك الحركات من نجاح أو فشل‪.‬‬
‫فالفكرة اإلسال مية هي واقع تاريخي حضاري‪ ،‬ارتبط بأجيال متتالية عبر القرون‪ ،‬وليست مجرد فكرة‬
‫مرتبطة بفصيل سياسي‪.‬‬
‫وتأثيرات اإلفشال تماثل تأثيرات الفشل الحقيقي‪ ،‬ولكن األخير يكون له أثر أكبر على الحركة أو‬
‫الحزب اإلسالمي‪ .‬فإذا فشل حزب إسالمي وصل للحكم‪ ،‬بسبب أخطائه‪ ،‬فإن هذا لن يؤثر أيضا على‬
‫المرجعية اإلسالمية‪ ،‬والتي تعبر عن التيار السائد‪ ،‬ولكن سيؤثر على هذا الحزب‪ .‬وسيكون تأثيره على‬
‫الحزب أكبر من تأثير أي عملية إفشال مخططة يتعرض لها‪ ،‬ألن الفشل في هذه الحالة‪ ،‬سيكشف عن‬
‫ضعف داخل الحزب نفسه‪.‬‬
‫إفشال الوكيل وظهور المعادي!‬
‫ولكن خطة إفشال اإلسالميين لها أيضا أبعاد أخرى تهدف لحصار المرجعية اإلسالمية‪ ،‬ألنها‬
‫محاولة ليس إلفشال قوة إسالمية‪ ،‬بل إلفشال كل القوى اإلسالمية‪ ،‬حتى ال يبقى على الساحة إال قوى غير‬
‫إسالمية‪ ،‬خاصة القوى المنتمية للنظام السابق وهي قوى تقليدية ليس لها رؤية سياسية محددة‪ ،‬بقدر ما‬
‫تمثل شبكة مصالح‪ .‬والمقصود من هذا‪ ،‬أن ال يكون أمام الجماهير أي قوة إسالمية تعبر عن هوية التيار‬
‫السائد‪ ،‬وفي نفس الوقت تستطيع تحقيق مطالب الجماهير‪ .‬بحيث تجد الجماهير نفسها أمام مطالب‬
‫واحتياجات ملحة‪ ،‬ال تستطيع القوى اإلسالمية تحقيقها‪ .‬وحتى إذا أدركت الجماهير أن فشل القوى‬
‫اإلسالمية مخطط له‪ ،‬فإنها سوف تدرك أيضا أن هناك قوى تسيطر على مجمل األوضاع‪ ،‬وعلى مقدرات‬
‫الدولة والمجتمع‪ ،‬وهي قوى الدولة العميقة‪ ،‬وأن هذه القوى هي الوحيدة القادرة على تحسين أحوال‬
‫المعيشة‪ .‬وحتى إذا أدركت الجماهير أيضا‪ ،‬أن تلك القوى معادية للثورة‪ ،‬فستجد الجماهير نفسها أمام‬
‫خيار وحيد‪ ،‬هو القادر على تحقيق بعض مطالبها‪ .‬مما يعني أن الجماهير سوف تميل مضطرة‪ ،‬إلى‬
‫اختيار قوى من النظام السابق‪ ،‬أو أي قوى أخرى‪ ،‬ال تنتمي للتيار اإلسالمي‪ ،‬حتى تسطيع تحقيق بعض‬
‫احتياجاتها‪ ،‬رغم ما قد يعينه ذلك من مخاطر على الثورة‪ ،‬وعلى مطالب الجماهير األساسية المطالبة‬
‫بالتغيير واإلصالح‪ ،‬حتى ال تعود األوضاع لما قبل الثورة‪.‬‬
‫ومعنى هذا‪ ،‬إن خطة إفشال اإلسالميين‪ ،‬والتي لن تؤدي إلى إفشال المرجعية اإلسالمية‪ ،‬سوف‬
‫تؤدي إلى ظهور قوى معادية للمشروع اإلسالمي‪ ،‬وال تظهر هذا العداء‪ ،‬وتحاول حصر عدائها للحركات‬
‫‪8‬‬

‫أغسطس ‪2102‬‬

‫البديل اإلسالمي‪ ..‬هل له بديل؟‬

‫اإلسالمية فقط دون المرجعية اإلسالمية‪ ،‬حتى تكون مقبولة من الجماهير‪ ،‬وتصل للسلطة في انتخابات‬
‫حرة‪ ،‬مما يمكنها من حصار المرجعية اإلسالمية‪ ،‬بل وحصار الحركات اإلسالمية نفسها‪ ،‬حتى تبقي‬
‫الهوية اإلسالمية مجرد عنوان غير مطبق على أرض الواقع‪ .‬وبهذا يكون قد تم تنحية الوكيل المعبر عن‬
‫المرجعية التي يتبناها التيار السائد‪ ،‬لصالح القوى المعادية لمرجعية التيار السائد‪ ،‬ومن خالل أصوات‬
‫جماهير التيار السائد نفسه‪ ،‬في انتخابات حرة‪.‬‬
‫ويالحظ هنا صعوبة تقديم القوى العلمانية بمختلف فصائلها كبديل عن قوى التيار اإلسالمي‪ ،‬ألن‬
‫القوى العلمانية تمثل حالة مخاصمة ظاهرة مع المرجعية اإلسالمية‪ ،‬والعداء العلني للمرجعية اإلسالمية‬
‫يؤدي إلى رفض جماهيري واسع‪ .‬لذا نجد أن القوى التي تنافس القوى اإلسالمية في االنتخابات‪ ،‬تنقسم‬
‫إلى قسمين‪ :‬األول هو القوى العلمانية والتي تعبر عن شرائح أقلية تؤيدها‪ ،‬وسوف تظل تؤيدها في‬
‫المستقبل‪ .‬والثاني‪ :‬هو القوى التي تقدم نفسها بصورة تقليدية‪ ،‬وال تعادي المرجعية اإلسالمية‪ ،‬وال تتبنى‬
‫تطبيقها على أرض الواقع‪ .‬وتلك القوى التقليدية مستمدة أساسا من شبكة مصالح النظام السابق‪ ،‬والذي‬
‫بنى شبكة مصالح من قواعد تقليدية وربما محافظة‪ ،‬رغم أن رأس شبكة المصالح كان أميل للعلمانية أو‬
‫للتوجهات الغربية أو المفروضة غربيا‪.‬‬
‫ورغم البنية التقليدية للدولة العميقة‪ ،‬فإنها تمثل أهم خصم للتيار اإلسالمي والمشروع اإلسالمي‪،‬‬
‫ألنه كان المنافس الرئيس لها قبل الثورة‪ ،‬وأصبح المنافس الرئيس لها بعد الثورة‪ .‬وكذلك ألن المشروع‬
‫اإلسالمي يمثل بديال للمشروع الغربي‪ ،‬وبالتالي بديال لاللتحاق بالغرب سياسيا واقتصاديا وعسكريا‪ ،‬كما‬
‫أن المشروع اإلسالمي يتبنى رؤى من شأنها إعادة تشكيل اإلقليم العربي واإلسالمي بصورة مختلفة‪ .‬لكل‬
‫هذا ترى نخبة الدولة العميقة‪ ،‬أن المشروع اإلسالمي مناقض تماما لسياستها‪ ،‬وضد مصالحها‪ ،‬وضد كل‬
‫ما تم بناءه على المستوى المحلي واإلقليمي والدولي من شبكات مصالح‪ .‬لذا فغالبية داخل المنتمين لشبكة‬
‫الدولة العميقة‪ ،‬ليس لديهم موقف شخصي ضد الهوية اإلسالمية‪ ،‬وغالبية منهم أيضا تمارس المرجعية‬
‫اإلسالمية في حياتها االجتماعية والخاصة‪ ،‬ولكن أغلبهم يدرك أن مصالحه ترتبط بتبني المواقف السياسية‬
‫المؤيدة غربيا‪ ،‬والنابعة من الرؤية السياسية الغربية‪.‬‬
‫لذا يمكن القول‪ :‬أن شبكة الدولة العميقة تمثل بنية بشرية تقليدية‪ ،‬وتتوغل في مناطق وبين شرائح‬
‫تقليدية‪ ،‬وبين جماهير مؤيدة للهوية اإلسالمية‪ ،‬بل ومنتمية للتيار اإلسالمي السائد‪ .‬ولكن شبكة الدولة‬
‫العميقة تغلب عامل المصلحة‪ ،‬وهي التي كانت تحكم زمن النظام السابق‪ ،‬واستمرت تحكم بعد الثورة‪،‬‬
‫وتحاول منع التحول الديمقراطي الحقيقي‪ ،‬حتى تظل هي الحكومة الخفية‪ ،‬لتحافظ على مصالحها‪ .‬ولكن‬
‫بسبب طبيعة مصالح الدولة العميقة‪ ،‬أصبح فعلها الواقعي والعملي‪ ،‬ضد المشروع اإلسالمي‪ ،‬ويؤثر سلبا‬
‫على المرجعية اإلسالمية‪ ،‬التي يختارها التيار السائد في المجتمع‪.‬‬
‫مما يعني أن خطة إفشال اإلسالميين‪ ،‬تؤدي ضمنا لدفع جماهير واسعة من التيار السائد الحامل‬
‫للمرجعية اإلسالمية‪ ،‬ليختار مرشحي الدولة العميقة حفاظا على مطالبه واحتياجاته المعيشية‪ ،‬رغم‬
‫خطورة دور نخبة الدولة العميقة على المرجعية التي ينتمي لها من يختارها‪ .‬وكأن خطة إفشال‬
‫اإلسالميين‪ ،‬كلما نجحت‪ ،‬أدت إلى دفع الناس الختيار ضد رغباتهم وقيمهم‪ ،‬مما يحقق لهم بعض المصالح‬
‫الوقتية‪ ،‬ويهدر مصالحهم اآلجلة‪ ،‬بل ويهدر خياراتهم التاريخية الحضارية‪ .‬وهو نفس ما كان يفعله النظام‬
‫السابق‪ ،‬حيث حاول أن يقنع عامة الناس أنه يحمي مصالحهم‪ ،‬رغم إهداره لحريتهم‪ ،‬وكانت النتيجة أنه‬
‫أهدر مصالح أغلب الناس أغلب الوقت‪ .‬أما نخبة الدولة العميقة‪ ،‬فتحاول أن تمنح الجماهير حرية‬
‫‪9‬‬

‫أغسطس ‪2102‬‬

‫البديل اإلسالمي‪ ..‬هل له بديل؟‬

‫االختيار‪ ،‬على أن تحصر خياراتهم في خيارتها‪ ،‬حتى يختار الناس بحريتهم‪ ،‬من يقضي على مصالحهم‬
‫ومستقبلهم مرة أخرى‪ ،‬في سبيل االحتياجات والمطالب العاجلة‪.‬‬
‫وهذه الخطة قابلة للنجاح‪ ،‬وسوف تنجح أحيانا‪ ،‬وسوف تهدر مسار الثورة أحيانا أيضا‪ ،‬وسوف‬
‫تأخر التغيير واإلصالح‪ ،‬وتعرقل النهوض‪ .‬ولكن كلما نجحت أدت إلى تجدد مسار الثورة‪ ،‬وفتحت‬
‫المواجهة بين شبكة الدولة العميقة والمجتمع‪ ،‬عندما يتأكد المجتمع أن نخبة الدولة العميقة ال تريد تحقيق‬
‫كل مطالب الشعب‪ ،‬ألنها إذا حققت مطالب الشعب‪ ،‬سوف تصبح من قوى الثورة‪ ،‬ومن القوى المعبرة‬
‫عن التيار السائد في المجتمع‪.‬‬
‫البديل العملي هل ينجح؟‬
‫و كلما قدمت قوى شبكة الدولة العميقة نفسها كبديل سياسي عن قوى التيار اإلسالمي‪ ،‬واجهت‬
‫مشكلة تعارض سياساتها مع مطالب الجماهير‪ ،‬وانتماء سياساتها للنظام السابق الذي قامت الثورة ضده‪.‬‬
‫مما يفتح الباب أمام تشكل قوى أخرى‪ ،‬تحاول أن تؤكد احترامها والتزامها بالمرجعية اإلسالمية‪ ،‬حتى‬
‫ولو لم تكن تتبنى تطبيق تلك المرجعية‪ ،‬فإنها لن تعاديها أو تعارضها‪ .‬بحيث تقدم تلك القوى نفسها‬
‫باعتبارها البديل الناجح عمليا والقادر على تحقيق مطالب عامة الناس‪ ،‬وإتباع سياسات قريبة مما يريده‬
‫الناس‪ .‬بمعنى أن تقدم قوى نفسها باعتبارها القادرة على تحقيق الممكن من مطالب الناس‪ ،‬مع عدم‬
‫معاداتها لخيارات عامة الناس‪ ،‬والتيار السائد صاحب التوجه اإلسالمي‪ .‬وتحاول تلك القوى تقديم نفسها‬
‫باعتبارها صاحبة المبادرات العملية‪ ،‬وأنها قوى ال تنشغل بما هو أيديولوجي‪ ،‬بل بما هو عملي‪ ،‬وفي‬
‫نفس الوقت تقدم نفسها باعتبارها قوى تعبر عن مطالب الجماهير‪ ،‬وال تعاديها أي قوى إقليمية أو دولية‪.‬‬
‫وبهذا يتشكل البديل العملي‪ ،‬الملتزم علنا بالمرجعية اإلسالمية‪ ،‬دون أن يعطي لتطبيقها أولوية حقيقية‪ ،‬مما‬
‫يسمح بحفاظ التيار السائد وعامة الناس على هويتهم اإلسالمية‪ ،‬وبالتالي على الهوية اإلسالمية للدولة‬
‫والنظام السياسي‪ ،‬بدون الدخول في معارك تعرقل عملية التقدم والتنمية‪ ،‬ودون اثارت خصومات مع‬
‫القوى اإلقليمية والدولية‪.‬‬
‫ولكن هذا البديل العملي‪ ،‬ال يستطيع تحقيق انجازات عملية دون أن يلتحم فعليا بشبكة الدولة‬
‫العميقة‪ ،‬أو يكون معبرا عنها‪ ،‬أو متحالفا معها‪ .‬وبهذا يصبح البديل العملي رهنا بقيام قوى تمثل شبكة‬
‫الدولة العميقة‪ ،‬وال تعادي الثورة‪ ،‬وال تعادي المرجعية اإلسالمية‪ ،‬وأيضا تقلل من عدائها لقوى التيار‬
‫اإلسالمي‪ ،‬وتحاول جذب جماهير التيار اإلسالمي‪ ،‬باعتبارها القادرة على تحقيق الممكن من المرجعية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وأنها األكثر قدرة على تحقيق تحسين حقيقي في مستوى المعيشة‪ ،‬وتحقيق الممكن من تغيير‬
‫وإصالح‪ .‬في محاولة إلقناع عامة الناس‪ ،‬بأن كل ما يطالبون به ال يمكن تحقيقه دفعة واحدة‪ ،‬فيصبح‬
‫تحقيق الممكن هو الشعار‪ ،‬والذي يجب تحقيقه على أرض الواقع‪ ،‬بصورة تقنع عامة الناس‪ ،‬أن تلك‬
‫القوى العملية‪ ،‬ورغم ارتباطها بالنظام السابق‪ ،‬أو شبكة الدولة العميقة‪ ،‬إال أنها قادرة على تحقيق بعض‬
‫مما يريده العامة‪ ،‬دون أي تهديد للهوية العامة للمجتمع والدولة‪.‬‬
‫وتشكل هذا البديل العملي ممكن‪ ،‬ومحاوالته مستمرة منذ الثورة‪ ،‬فهو فكرة مطروحة‪ ،‬ولكن‬
‫يعرقلها عناد شبكة الدولة العميقة‪ ،‬والتي تريد الحفاظ على كل مكاسبها‪ ،‬مما يعني استمرار نفوذها الواسع‬
‫وتغول سلطتها على حساب الناس‪ ،‬وانتشار شبكة الفساد التي تحرم المجتمع من ثرواته‪.‬‬

‫‪01‬‬

‫أغسطس ‪2102‬‬

‫البديل اإلسالمي‪ ..‬هل له بديل؟‬

‫ولكن مع استمرار حالة التدافع بين مطالب عامة الناس وخياراتهم وشبكة الدولة العميقة‪ ،‬سوف‬
‫تقل بدائل شبكة الدولة العميقة‪ ،‬وتجد أن استمرارها في تحقيق بعض المكاسب‪ ،‬مرتبط بوجود تبادل‬
‫مصالح عادل بينها وبين عامة الناس‪ ،‬مما يجعلها تقترب من فكرة تقديم بديل عن قوى التيار اإلسالمي‪،‬‬
‫يمثل بديل عملي قادر على تحقيق جزء مهم مما يطلبه الناس‪ .‬ولكن هذا التحول قد يؤدي إلى تحول شبكة‬
‫الدولة العميقة إلى قوة سياسية منافسة لقوى التيار اإلسالمي‪ ،‬أو تعاونها مع القوى التي تفوز في‬
‫االنتخابات‪ ،‬حتى تحافظ على مصالحها المشروعة‪ ،‬وتتغاضى عن تحقيق مصالح غير مشروعة‪ ،‬بعد أن‬
‫تدرك أن زمن الفساد المنهجي قد مضى‪.‬‬
‫ومثل تلك القوى‪ ،‬التي يمكن أن تتعدد أشكالها‪ ،‬سوف تمثل منافس لقوى التيار اإلسالمي‪ ،‬ولكنها‬
‫لن تشكل تهديدا للمرجعية اإلسالمية‪ ،‬مما يجعل البديل اإلسالمي قائما أيضا‪ ،‬ولكن درجة تطبيقه على‬
‫أرض الواقع تتباين‪ ،‬دون أن يتحول إلى مرجعية محاصرة أو محظورة أو ممنوعة‪ .‬مما يعني ضمنا‪ ،‬أن‬
‫البديل اإلسالمي‪ ،‬وألنه األصيل تاريخيا‪ ،‬أصبح بال منافس حقيقي‪ ،‬أي بال منافس قادر على الوقوف أمام‬
‫المرجعية اإلسالمية أو محاربتها أو معاداتها‪.‬‬
‫هل هناك بدائل إسالمية؟‬
‫وكلما استقر البديل اإلسالمي‪ ،‬بوصفه الخيار الجماهيري‪ ،‬الذي يحل محل البدائل المستوردة من‬
‫النموذج الغربي‪ ،‬تشكلت بهذا مرحلة جديدة‪ ،‬تقوم أساسا على استمرارية الموروث الحضاري‪ ،‬وبداية‬
‫مرحلة حضارية جديدة‪ ،‬يمكن أن تشهد نهوضا حضاريا حقيقيا‪ ،‬مهما تعرضت لمحاوالت إفشال وعرقلة‪.‬‬
‫وتصبح البدائل المتداولة سياسيا‪ ،‬والمؤثرة اجتماعيا‪ ،‬والفاعلة ثقافيا وحضاريا‪ ،‬هي بدائل إسالمية‪ ،‬أو‬
‫بدائل ملتزمة بالمرجعية اإلسالمية بأي درجة من الدرجات‪.‬‬
‫ومن هنا تبدأ البدائل اإلسالمية‪ ،‬والممثلة للتعددية داخل المنظومة اإلسالمية نفسها‪ ،‬في التشكل‬
‫والظهور‪ .‬وهو ما يظهر األبعاد األساسية للمرجعية اإلسالمية‪ ،‬والتنوع الداخلي لها‪ .‬ألن القوى اإلسالمية‬
‫في مرحلة التدافع حول الهوية‪ ،‬تقدم نفسها باعتبارها القادرة على حماية الهوية اإلسالمية‪ ،‬والحامية‬
‫للهوية التي تمثل خيار التيار السائد في المجتمع‪ .‬فكلما كان الصراع حول الهوية مستمرا‪ ،‬قدمت القوى‬
‫اإلسالمية نفسها من خالل التزامها بالهوية اإلسالمية‪ ،‬وعندما تستقر الهوية اإلسالمية‪ ،‬يظهر التباين بين‬
‫القوى اإلسالمية‪ ،‬في رؤيتها اإلسالمية أوال‪ ،‬وفي رؤيتها للتطبيق اإلسالمي‪ ،‬وأيضا في برامجها‬
‫االجتماعية والسياسية‪ ،‬وفي مواقفها االقتصادية‪ ،‬وتصوراتها عن دور الدولة‪ .‬وبهذا تتشكل التيارات‬
‫السياسية المعبرة عن المرجعية اإلسالمية‪ ،‬بما في ذلك التيارات العملية التقليدية‪ ،‬التي تولي عناية خاصة‬
‫بالجانب العملي على مسألة تجسيد الهوية على أرض الواقع‪.‬‬
‫هل يغيب األصيل ويعود البديل؟‬
‫إذا كنت المرجعية اإلسالمية هي األصيل التاريخي الحضاري‪ ،‬وإذا كانت الثورة وهي مرحلة‬
‫تغيير وتحرير عميقة تعيد للصدارة خيارات التيار السائد التاريخية‪ ،‬فهل يمكن إفشال قوى التيار‬
‫اإلسالمي‪ ،‬لدرجة تعيد البديل المستورد‪ ،‬المتمثل في النموذج الغربي العلماني القومي؟ إن درس التاريخ‬
‫أكد على أن الهوية المستوردة ال تقوم إال تحت االحتالل العسكري‪ ،‬أو االستعمار غير المباشر‪ ،‬وال‬
‫تحميها إال منظومة االستبداد والفساد‪ .‬لذا فإن عودة البديل المستورد‪ ،‬مرتبطة بفشل ثورات الربيع‬
‫العربي‪ ،‬وإحياء األصيل الموروث‪ ،‬مرتبط بنجاح ثورات الربيع العربي‪ .‬وكأن المشروع اإلسالمي أصبح‬
‫‪00‬‬

‫أغسطس ‪2102‬‬

‫البديل اإلسالمي‪ ..‬هل له بديل؟‬

‫مرتبطا بثورات الربيع العربي‪ ،‬ينجح معها‪ ،‬ويفشل لفشلها‪ .‬فأصبح الحل العلماني مرتبطا سلبيا بثورات‬
‫الربيع العربي‪ ،‬فيعود بقدر ما تفشل ثورات الربيع العربي‪ ،‬وينتهي كلما نجحت ثورات الربيع العربي‪.‬‬
‫فالثورة هي عملية تحرر عميق‪ ،‬واألوطان التي تتحرر تختار مستقبلها الذي تنشده‪ ،‬وهويتها التي تعبر‬
‫عنها‪.‬‬
‫والتيار السائد ذو التوجه اإلسالمي‪ ،‬كان في مرمى كل أنظمة االستبداد والفساد‪ ،‬وكل أشكال‬
‫االستعمار المباشر وغير المباشر‪ ،‬وظلت هوية التيار السائد في البالد العربية واإلسالمية مستهدفة‪ ،‬من‬
‫كل قوى االستعمار المحلي‪ ،‬وقوى االستعمار الخارجي‪ ،‬فأصبح كل تحرر يصب في مصلحة خيارات‬
‫التيار السائد‪ ،‬وفي مصلحة استعادة الهوية الحضارية الموروثة‪ .‬فأصبح التالزم بين التحرر والخيار‬
‫اإلسالمي‪ ،‬والتالزم بين االستبداد والخيار العلماني‪ ،‬سببا جوهريا في جعل البديل اإلسالمي األصيل هو‬
‫الخيار الوحيد‪ ،‬إذا نجحت عملية تحرر الشعوب العربية واإلسالمية‪ ،‬مما يجعل البديل العلماني المستورد‬
‫هو الخيار الوحيد لقوى االستعمار المحلي والخارجي‪.‬‬
‫هذا التالزم يجعل الخيار اإلسالمي بال بديل من خارجه في زمن التحرر‪ ،‬وتصبح كل البدائل من‬
‫داخله‪ ،‬مع اخ تالف تصوراتها عن المرجعية اإلسالمية‪ ،‬ودرجة التزامها بها‪ .‬فحتى شبكة الدولة العميقة‪،‬‬
‫لم يعد من الممكن أن تحافظ على حضورها ومكانتها‪ ،‬إال بإجهاض الثورة تماما‪ ،‬أو بالتعلق بالمرجعية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬حتى تجد قبوال في زمن ما بعد التحرر‪ .‬وإجهاض الثورة مرحليا ممكن‪ ،‬ولكن إجهاضها‬
‫بالكامل يبدو غير ممكن‪ ،‬فقد تحركت عجلة التاريخ فاتحة صفحة جديدة‪ .‬وإذا كان غلق صفحة الماضي‬
‫صعبا‪ ،‬فإن نزع الصفحة الجديدة من كتاب التاريخ‪ ،‬بعد أن كتب أول سطر فيها‪ ،‬يبدو مستحيال‪.‬‬

‫‪02‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful