ُّ
ُ
ََ‫األحكَــامَالسلطـانِيَــة‬
ُ
ِّ
‫رعيَــة‬
ِ ‫والسيـاسَـــةَالشَــ‬
The Islamic Rulings of Governance
And Shariah Politics

‫عبد املنعم مصطفى حليمة‬
" ‫" أبو بصري الطرطوسي‬
Abdulmonem Mustafa Halimah
Abu Baseer Altartousi

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪2‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫إهــــــــداء‬
‫إىل الشعوب املسلمة ـ املتعطشة للتحرر من الذل‪ ،‬واهلوان‪ ،‬والعبودية‬
‫للعبيد ـ الثائرة على طغاة احلكم والظلم‪ ،‬وأنظمتهم الفاسدة‪.‬‬
‫إىل الشّباب املسلم األمل ‪ ..‬الذي خلعَ اخلوف واجلنب من صدره‪ ،‬قبل أن‬
‫خيلعَ الطغاة الظاملني من واقع احلياة‪.‬‬
‫إىل الشّهداء األبرار ‪ ..‬الذين ميدون ـ بدمائهم وأرواحهم ـ احليا َة باحلياة‪.‬‬
‫إىل الدعاة الشرفاء األحرار ‪ ..‬الذين غيبتهم املهاجر‪ ،‬وزنازين الطغاة ‪..‬‬
‫الذين رمسوا ـ عرب عقودٍ متتالية ـ معامل ثورة الشعوب بكلماتهم‪ ،‬وجهدهم‪،‬‬
‫وجهادهم‪.‬‬
‫إىل الذين ال يزالوان يرتددون اخلطا ‪ ..‬فال هم إىل صف الطغاة أقرب ‪..‬‬
‫وال هم إىل صفِّ الشعوب املؤمنة الثائرة دون دينها‪ ،‬وحقوقها ومظاملها‪ ،‬وحرماتها‬
‫‪ ..‬أقرب!‬
‫إىل هؤالء مجيعاً أهدي كتابي هذا‪ ،‬عسى أن يكون سبب هداية ورشادٍ ‪..‬‬
‫وعوناً ـ لألحياء منهم ـ على ما هم فيه من جهادٍ وثورة على الباطل ‪ ..‬رغبة يف‬
‫التغيري حنو مستقبل إسالمي مشرقٍ راشدٍ واعد‪ ،‬بإذن اهلل‪.‬‬
‫" أبـو بصيــر الطـرطــوســي "‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪3‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ـ مقدمة‪:‬‬
‫إن الحمد هلل نحمده ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا‪،‬‬
‫من يهده اهلل فال مضل له‪ ،‬ومن يضلل فال هادي له‪ ،‬وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له‪،‬‬
‫وأشهد أن محمداً عبده ورسوله‪.‬‬
‫َ‬
‫ذ‬
‫ْ‬
‫َُ‬
‫َ‬
‫َ ُ‬
‫ِين َ‬
‫آمنُوا ذات ُقوا ذ َ‬
‫‪ ‬يَا َأ ُّي َها ذاَّل َ‬
‫اَّلل َح ذق تقاتِهِ َوال ت ُموت ذن إِال َوأنتُ ْم ُم ْسل ُِمون ‪‬آل‬
‫عمران‪.201:‬‬
‫َ‬
‫ذ‬
‫َ َ‬
‫َْ‬
‫َ ُّ َ ذ ُ ذ ُ‬
‫ْ‬
‫َ ََ ُ‬
‫ُ‬
‫اس اتقوا َر ذبك ُم اَّلِي خلقك ْم م ِْن نف ٍس َواح َِد ٍة َوخل َق مِن َها َز ْو َج َها‬
‫‪ ‬يا أيها انل‬
‫ذَ ذ‬
‫ََ ذ ُْ َ َ ً َ ً َ َ ً ذُ‬
‫ََ َُ َ‬
‫َ َْْ َ َ ذ ذَ َ َ َ َ ُ‬
‫اَّلل َكن عليْك ْم‬
‫اءلون بِهِ واْلرحام إِن‬
‫اَّلل اَّلِي تس‬
‫اء َواتقوا‬
‫وبث مِنهما رِجاال كثِريا ون ِس‬
‫ً‬
‫َرقِيبا ‪ ‬النساء‪.2:‬‬
‫ذَ ُ ُ َ ً‬
‫ْ‬
‫ذُ‬
‫َ ُ َ ْ َ ُ‬
‫ً ْ‬
‫ِين َ‬
‫‪ ‬يَا َأ ُّي َها ذاَّل َ‬
‫اَّلل َوقولوا ق ْوال َسدِيدا ‪ .‬يُصل ِْح لك ْم أع َمالك ْم َو َيغفِ ْر‬
‫آمنُوا اتقوا‬
‫ً‬
‫ذ َ َ َ ُ َُ َ َ ْ َ َ َ ً َ‬
‫َ ُ ُُ ُ‬
‫از ف ْوزا ع ِظيما ‪‬األحزاب‪.02-00:‬‬
‫لك ْم ذنوبَك ْم َو َم ْن يُ ِطعِ اَّلل ورسوَل فقد ف‬
‫أما بعد‪:‬‬

‫ٍ‬
‫محمد ‪ ،‬وشر األمور محدثاتها‪ ،‬وكل‬
‫وخير الهدي هدي‬
‫فإن أص َد َق الحديث كتاب اهلل‪َ ،‬‬
‫ٍ‬
‫محدثٍَة بدعة‪ ،‬وكل ٍ‬
‫ضاللة في النار‪.‬‬
‫بدعة ضاللة‪ ،‬وكل‬
‫وبعد‪ ،‬مما حملني على الكتابة في هذا الموضوع الهام " األحكام السلطانية‪،‬‬
‫والسياسة الشرعية "‪ ،‬أمور عدة‪:‬‬
‫منها‪ :‬شح المكتبة اإلسالمية من الكتب والمراجع التي كتبت حول هذا الموضوع الهام ‪..‬‬
‫رغم تجدده‪ ،‬وتجدد النوازل فيه!‬
‫ومنها‪ :‬أن القليل الذي كتب حول هذا الموضوع‪ ،‬قد كتب قبل مئات السنين ‪ ..‬وهو على‬
‫أهميته لم يعد يلبي المستجدات والنوازل التي طرأت على هذا الموضوع‪ ،‬والتي تحتاج ـ من ذوي‬
‫الفقه والعلم ـ لنوع اجتهاد ونظ ٍر‪ ،‬وبحث من جديد‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪4‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫إن النظام الملكي الوراثي الذي ابتدأ مع العهد األموي ‪ ..‬مروراً بالعهد العباسي ‪ ..‬واستمر‬

‫حتى نهاية العهد العثماني ‪ ..‬وإلى زماننا المعاصر حيث هناك كثير من األنظمة المعاصرة ال تزال‬
‫تحافظ على هذا الصورة الوراثية التقليدية في الحكم وإدارة البالد ‪ ..‬وهذا مما جنى وأثر سلباً على‬
‫عطاء الفقهاء ـ عبر تلك العصور كلها ـ فيما يتعلق حول هذا الموضوع الهام والحساس؛ موضوع "‬

‫األحكام السلطانية‪ ،‬والسياسة الشرعية "‪ ،‬حيث كان يكفي أن يموت الملك ‪ ..‬ليرث الملك أكبر‬
‫أبنائه ‪ ..‬ومن ثم تتم له البيعة من حاشية القصر ‪ ..‬وينتهي األمر ‪ ..‬وبالتالي فالقضية كانت ـ بالنسبة‬
‫لكثير من العلماء ـ لم تعد بحاجة لبحث واجتهاد في آليات الحكم والشورى ‪ ..‬والعمل على تطويرها‬
‫وتفعيلها ‪ ..‬والبحث في حقوق الحاكم وما له وما عليه ‪ ..‬وفي حقوق األمة وما لها وما عليها ‪ ..‬ومن‬
‫ثم إيجاد اآلليات التي تعين على تنفيذ وتفعيل تلك الحقوق والواجبات من غير جنوح إلى إفراط أو‬
‫تفريط ‪ ..‬ما دامت الصورة بهذه البساطة والسهولة؛ تبدأ يتنصيب ملك‪ ،‬وتنتهي بتوريث وتنصيب‬
‫ملك‪ ،‬تبايعه الحاشية‪ ،‬والمقربون من القصر ‪ ..‬ثم ينتهي األمر!‬
‫هذا الواقع التاريخي ـ والممتد حتى أيامنا هذه ـ من جملة األسباب التي تحملنا على تفسير‬
‫ضعف عطاء المكتبة اإلسالمية في هذا الجانب الهام من الفقه اإلسالمي‪ ،‬ومن حياة األمم والشعوب‬
‫‪ ..‬حيث تجد مائة كتاب فقه يتكلم حول فقه الطهارة واألبدان ‪ ..‬يقابله كتاب واحد‪ ،‬يتكلم حول فقه‬
‫الحكم والحكام!‬
‫ومنها‪ :‬وجود الحاجة الماسة لمناقشة هذا الموضوع من جديد‪ ،‬والبحث في المسائل ذات‬

‫العالقة به ‪ ..‬وبخاصة بعد ثورات الشعوب العربية المسلمة‪ ،‬وخروجها على طواغيت الحكم والظلم‬
‫واالستبداد‪ ،‬كما حصل في مصر‪ ،‬وتونس‪ ،‬وليبيا‪ ،‬واليمن ‪ ..‬وسوريا ‪ ..‬وغيرها من البلدان واألمصار‬
‫‪ ..‬وننتظر المزيد بإذن اهلل‪.‬‬
‫فالفقه الذي يقال عندما تكون البالد ومن فيها ملكاً لشخص الطاغوت ‪ ..‬يتخذها لنفسه كما‬

‫يتخذ المرء مزرعة من البقر والغنم لنفسه ‪ ..‬يتحكم بخيراتها وثرواتها‪ ،‬وبالداخل إليها والخارج منها‬
‫‪ ..‬كيفما يشاء ويهوى ‪ ..‬وفيم يخدم قانونه وحكمه ‪ ..‬يختلف عن الفقه الذي يقال عندما تعود‬
‫البالد ألهلها ‪ ..‬الجميع شركاء في سرائها وضرائها ‪ ..‬وثرواتها!‬
‫الفقه الذي يقال في أجواء الحرب‪ ،‬واالستبداد واإلرهاب الذي يمارسه الطاغية ضد شعبه ‪..‬‬
‫حتى يصبح الشعب‪ ،‬وكأنه في سجنين‪ :‬سجن خاص ضيق لمن يعترض ‪ ..‬وسجن عام لمن يسكت ‪..‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪5‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وهو الوطن ‪ ..‬جميع مساحة الوطن ‪ ...‬الفقه الذي يقال في هذه األجواء يختلف عن الفقه الذي‬
‫يقال في أجواء السلم ‪ ..‬والسالم ‪ ..‬واألمن واألمان‪.‬‬
‫الفقه الذي يقال في أجواء الكبت واالستعباد‪ ،‬والخوف والتّقية ‪ ..‬يختلف عن الفقه الذي‬
‫يقال في أجواء الحرية‪ ،‬والتحرر من الخوف ‪ ..‬والعبودية للطواغيت ‪ ..‬إذ لكل من الحالتين فقهها‬
‫وحكمها والطريقة التي تناسبها في التعامل ‪ ..‬المختلفة عن األخرى ‪ ..‬وال يخلط بينهما ‪ ..‬فيساوي‬
‫بينهما في الحكم والموقف والمعاملة ‪ ..‬إال ظالم أو جاهل!‬

‫ومنها‪ :‬كنتيجة لما سبق اإلشارة إليه فإنه يالحظ كثير من التخبط من قبل كثير من شيوخ هذا‬

‫العصر‪ ،‬ممن خاضوا في مسائل " األحكام السلطانية والسياسة الشرعية "‪ ،‬من غير دراية كافية بفقه‬
‫ودالالت النصوص الشرعية‪ ،‬وبفقه الواقع ومستجداته معاً ‪ ..‬كما أن منهم من ظهر على فكره وعطائه‬
‫تأثره ببعض المفاهيم الوضعية الوافدة من بالد الغرب؛ كالديمقراطية‪ ،‬والليبرالية‪ ،‬والعلمانية‪ ،‬وغيرها ‪..‬‬

‫محاوالً أسلمتها أو إجراء تصالح بينها وبين اإلسالم ‪ ..‬والبعض اآلخر منهم تراه مرتبطاً باألنظمة‬
‫الطاغية المستبدة المعاصرة ارتباطاً وثيقاً‪ ،‬يجيّر ـ في كثير من األحيان ـ فقهه‪ ،‬وعلمه في خدمة تلك‬
‫األنظمة الطاغية المستبدة‪ ،‬ويدور معها ـ سلماً وحرباً ـ حيثما تدور ‪ ..‬فانعكس ذلك على جودة‬
‫فكرهم‪ ،‬وصفاء توجههم‪ ،‬وعطائهم ‪ ..‬فكثر الخطأ‪ ،‬واللغط‪ ،‬والقيل والقال جول مسائل األحكام‬
‫السلطانية‪ ،‬والسياسة الشرعية ‪ ..‬وتشعبت الدروب والموارد بالناس ‪ ..‬مما زاد الطين بلة ‪ ..‬وكثرت‬
‫الشبهات والتساؤالت ‪ ..‬فتعيّنت النصيحة ‪ ..‬وتعين البيان ‪ ..‬وكان الشروع بإعداد هذا البحث الذي‬

‫أسميته " األحكام السلطانية‪ ،‬والسياسة الشرعية " ـ على وعورته ـ ال بد منه‪ ،‬سائالً اهلل تعالى السداد‪،‬‬

‫شر ‪ ..‬للناس كل الناس ‪ ..‬إنه‬
‫والتوفيق‪ ،‬والقبول ‪ ..‬وأن يجعل من عملي هذا مفتاح خير‪ ،‬مغالق ٍّ‬
‫تعالى سميع قريب مجيب‪.‬‬
‫وصلى اهلل على حممد النيب األمي وعلى آله وصحبه وسلم‪.‬‬

‫*****‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪6‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫تعـريفــات ومفــاهيــم بيــن يــدي البـحــث‪:‬‬
‫قبل الشروع في مواضيع ومسائل البحث‪ ،‬ن ْشرع ـ بإذن اهلل تعالى ـ في بيان وتعريف بعض‬

‫المفاهيم والمصطلحات ذات العالقة بموضوع البحث‪ ،‬وهي‪:‬‬

‫قاد يقود‪ ،‬والسياسة فن القيادة والرعاية‪ ،‬والتوجيه ‪ ..‬وتعني‬
‫‪ -1‬السّياسة‪ :‬ساس يسوس؛ َ‬
‫تحقيق السياسي لمصالح من يسوسهم‪ ،‬ويرعاهم‪ ،‬ودفع المفاسد والمضار عنهم ما أمكن لذلك سبيالً‬
‫حرج ممكن ‪ ..‬ومنه يقال‪ :‬ساسهم بالرفق وساسهم بالعنف والشدة ‪ ..‬أي قادهم‬
‫‪ ..‬وبأقل ضرٍر أو ٍ‬

‫وعاملهم ورعاهم بالرفق أو بالعنف ِّ‬
‫والشدة‪.‬‬

‫كما في الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬كانت بنو إسرائيل تسوسهم األنبياء‪،‬‬
‫كلما هلك نبي خلفه نبي‪ ،‬وإنه ال نبي بعدي‪ ،‬وسيكون خلفاء فيكثرون " البخاري‪ .‬وقوله ‪‬‬
‫"تسوسهم األنبياء "؛ أي تقودهم‪ ،‬وترعاهم‪ ،‬وترعى شؤونهم الدينية والدنيوية ‪ ..‬األنبياء‪.‬‬
‫ونحوه قوله ‪ ":‬لو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب اهلل‪ ،‬فاسمعوا له وأطيعوا " مسلم‪.‬‬
‫فقوله ‪ ":‬يقودكم "؛ أي يسوسكم‪ ،‬ويحكمكم ‪ ..‬فالقيادة والسياسة كالهما هنا بمعنى واحد‪.‬‬
‫والسياسة منها الطالحة‪ ،‬ومنها الصالحة ‪ ..‬بحسب الخلفية الفكرية والثقافية‪ ،‬واألخالقية‬
‫للسياسي الذي يمارس السياسة‪ ،‬والتي من خاللها يسوس الناس‪ ،‬ويحدد معالم سياسته ‪ ..‬وبحسب‬
‫النتائج المترتبة عن تلك السياسة‪ ،‬وهي من هذا الوجه ليست محمودة على االطالق‪ ،‬وال مذمومة‬
‫على االطالق‪ ،‬وإنما يحمد منها ما وافق الحق‪ ،‬وأتت بثمار ونتائج طيبة‪ ،‬ويذم منها ما يوافق الباطل‪،‬‬
‫وأتت بثمار ونتائج فاسدة وضارة[‪.]2‬‬

‫لذا حتى نميز بين السياسة النافعة الجادة‪ ،‬من السياسة الضارة الفاسدة ‪ ..‬وبين السياسي‬
‫عرف‬
‫عرف له لون‪ ،‬وال طعم‪ ،‬وال رائحة ‪ ..‬وال ت َ‬
‫الملتزم‪ ،‬من السياسي المتلون والمتذبذب الذي ال ي َ‬

‫الخاصة الضيقة حيثما دارت‪ ،‬بغض النظر عن مدى موافقتها‬
‫ثوابته من متغيراته ‪ ..‬يدور مع مصالحه‬
‫ّ‬

‫للحق أو مخالفتها له ‪ ...‬وحتى يعرف مرادنا من استخدامنا لهذا المصطلح " السياسة "‪ ،‬تجدنا‬
‫مضطرين لتقييد السياسة بوصف " الشرعيّة "؛ فيقال‪ ":‬السياسة الشرعية "‪.‬‬
‫‪ 2‬من القادة والساسة من يفهم ويفسر ويمارس السياسة؛ على أنها فن الكذب والخداع‪ ،‬والمراوغة‪ ،‬والضحك على‬
‫الخاصة بعيداً عن‬
‫الشعوب ‪ ..‬أو قيادة الشعوب بالكذب‪ ،‬والخداع‪ ،‬والغش‪ ،‬وبما يحقق مصالح الحاكم وحزبه‬
‫ّ‬

‫العامة ‪ ..‬فالسياسة من هذا الوجه مذمومة‪ ،‬وال تليق بالساسة المصلحين حقاً ‪ ..‬كما أنها‬
‫مصالح الشعوب واألمم ّ‬
‫ليست مبرراً لهجران العمل بالسياسة الشرعية‪ ،‬كما يطالب بذلك البعض!‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪7‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫فما هي السياسة الشرعية ‪...‬؟‬
‫‪ -2‬السياسة الشرعية‪ :‬السياسة الشرعية في اإلسالم تعني ضبط وتوجيه السلوك البشري ـ‬
‫سواء كان راعياً أم مرعياً ـ بمقاصد وأحكام الشريعة‪.‬‬

‫ويقال كذلك‪ :‬هي إلزام الراعي والرعية بعدل وتعاليم اإلسالم ‪ ..‬فتكون السياسة الشرعية ـ من‬

‫هذا الوجه ـ ملزمة للراعي والرعية سواء‪.‬‬

‫لكل ٍ‬
‫طرف منهما‬
‫ويقال كذلك‪ :‬هي ضبط عالقة الراعي بالرعية‪ ،‬وعالقة الرعية بالراعي‪ ،‬وما ِّ‬
‫من حقوق على اآلخر‪ ،‬وما على كل ٍ‬
‫طرف منهما من واجبات نحو اآلخر ‪ ..‬من منظوٍر إسالمي‪.‬‬
‫ويقال كذلك‪ :‬هي سياسة الدنيا وقيادتها بالدين‪.‬‬
‫ويقال كذلك‪ :‬هي قيادة الناس إلى مصالحهم الدينية والدنيوية بأحكام الشريعة اإلسالمية‪.‬‬
‫ويقال كذلك‪ :‬هي فهم الواقع‪ ،‬وتفسيره‪ ،‬والتعامل معه من منظور إسالمي‪.‬‬
‫فكل هذه التعاريف للسياسة الشرعية في اإلسالم ممكنة وصحيحة‪ ،‬وهي متقاربة ومتشابهة‬
‫في المعنى والدالالت ال تنافر وال تعارض فيم بينها‪ ،‬وهلل الحمد‪.‬‬
‫فالسياسة الشرعيّة معنية ـ بالدرجة األولى ـ بحفظ المقاصد والمصالح التي جاء بها اإلسالم‪،‬‬

‫وهي‪ :‬الدين‪ ،‬والنفس‪ ،‬والعقل‪ ،‬والعرض أو النسل‪ ،‬والمال ‪ ..‬وهذا من لوازمه حفظ األرض‪ ،‬والوطن؛‬
‫ألن الوطن محضن آمن لتلك المقاصد كلها‪ ،‬تفقد تلك المقاصد وجودها بفقدان الوطن اإلسالمي‬
‫اآلمن الذي يحتضن تلك المقاصد‪ ،‬من هنا نص أهل العلم على أن الجهاد في سبيل اهلل يتعين على‬
‫األمة لو أن العدو سطا واعتدى على شبر ٍ‬
‫واحد من أرضها وأوطانها‪.‬‬
‫كما أن السياسة الشرعية معنية بتقديم المصالح األعم واألعظم ـ عند التعارض والتزاحم ـ‬
‫على المصالح األقل‪ ،‬واألخص ‪ ..‬وهذا يقتضي ـ من المسلم السياسي ـ دراية تامة وضقيقة بفقه‬
‫الواقع وتعقيداته‪ ،‬وبالنص الشرعي وفقهه ودالالته المطابق للواقع في ٍ‬
‫آن معاً ‪ ..‬والجهل بأحدهما‬

‫ؤمن عواقبها‪.‬‬
‫مؤداه للجهل باآلخر‪ ،‬والوقوع في أخطاء سياسية وشرعية فادحة‪ ،‬ال ت َ‬

‫كما يستدعي ـ من المسلم السياسي ـ القدرة العالية على الترجيح بين المصالح والمفاسد ـ‬

‫وفق ضوابط النقل والعقل ـ فيقدم أعظم المصالح على من دونها وذلك عند استحالة التوفيق والجمع‬
‫بينهما ‪ ..‬كما يدفع أكبر المفاسد واألضرار بارتكاب أقلها مفسدة وضرراً ‪ ..‬وذلك عند استحالة‬

‫دفعها معاً‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪8‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وعليه فنقول‪ :‬كلما كان المرء مدركاً وملماً للنصوص الشرعية وفقهها ودالالتها ‪ ..‬وبخاصة‬

‫منها النصوص المتعلقة بالعقيدة والتوحيد ‪ ..‬وكذلك كان ملماً ومدركاً لواقعه ومشاكله‪ ،‬ودهاليزه‪ ،‬وما‬
‫ظهر منه وما بطن ‪ ..‬وبخاصة منه سبل المجرمين ‪ ..‬ومذاهبهم ‪ ..‬ومخططاتهم التي تستهدف األمة‬

‫في دينها وحضارتها وأخالقها وثرواتها ‪ ..‬وحاضرها ومستقبلها ‪ ..‬كلما كان عالماً بالسياسة وأكثر‬
‫سياسة ووعياً وإلماماً للسياسة ومتطلباتها ومشاكلها وتعقيداتها ‪ ..‬والعكس كذلك كلما كان جاهالً‬
‫بهذا أو ذاك ـ أو بكالهما معاً ـ كلما كان جاهالً بالسياسة ‪ ..‬وكثرت أخطاؤه السياسية ‪ ..‬مهما اشتغل‬

‫بالسياسة ‪ ..‬وتكلم بالسياسة ‪ ..‬وزعم أنه من السياسيين‪.‬‬
‫ََ َ َ َ‬
‫َ َ ْ َ َ َ ُ ُْ ْ‬
‫جرم َ‬
‫نفص ُل اآليَ‬
‫ِني ‪‬األنعام‪ .55:‬فمن لم‬
‫م‬
‫ال‬
‫يل‬
‫ب‬
‫س‬
‫ني‬
‫ب‬
‫ت‬
‫س‬
‫ِت‬
‫ل‬
‫و‬
‫ات‬
‫قال تعالى‪ :‬وكذل ِك‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يفقه تفصيل اآليات لم تستبن له سبل المجرمين ‪ ..‬وصعب عليه معرفتها ‪ ..‬وبالتالي التحذير منها ‪..‬‬
‫ولربما تعامل مع الحق على أنه باطل‪ ،‬ومع الباطل على أنه حق ‪ ..‬ومع الصديق على أنه عدو‪ ،‬ومع‬
‫العدو على أنه صديق ‪ ...‬ومن لم تستبن له سبل المجرمين‪ ،‬ولم يحسن التمييز بين الحق من الباطل‪،‬‬
‫وال بين الصديق من العدو ‪ ..‬أنى له أن يكون سياسياً واعياً ‪ ..‬أو صالحاً أصالً للعمل السياسي ‪..‬‬

‫فجاهل الشيء كفاقده‪ ،‬ال يمكن أن يعطيه لآلخرين!‬

‫ـ تنبيه حول أسلوب العمل السياسي‪:‬‬
‫ال بد من أن ندرك أن أسلوب العمل السياسي ‪ ..‬يختلف عن أسلوب العمل الوعظي التبليغي‬
‫لكل منهما خصائصه ‪ ..‬ومتطلباته المختلفة عن األخرى ‪ ..‬وعندما يريد كل منهما أن‬
‫المجرد ‪ ..‬إذ ٍّ‬

‫ينزل الطرف اآلخر على قواعده‪ ،‬وأسلوبه ‪ ..‬ثم ال يقدر على ذلك ‪ ..‬ترى كالً منهما يكيل التهم‬
‫للطرف المقابل ‪ ..‬ويتهمه بالتقصير ‪ ..‬وهذا خطأ ال ينبغي‪ ،‬وال يجوز‪.‬‬

‫المسلم الواعظ ‪ ..‬يقتصر عمله ووعظه على مجموعة من المسلمين ـ قلوا أم كثروا ـ يجلسون‬
‫أمامه‪ ،‬فيعظهم بما ينفعهم في شؤون دينهم وآخرتهم‪ ،‬ودنياهم ‪ ..‬فهو ال يحتاج لمزيد عناء لكي يفهم‬
‫ويَستفهم ممن هم أمامه‪.‬‬

‫بينما المسلم الذي يستشرف العمل السياسي العام‪ ،‬وعلى مستوى الحكم وقيادة الدولة ‪..‬‬

‫فهو من جهة يتعامل بمسؤولية مع مجموع طوائف وشرائح المجتمع ‪ ..‬الكافر منهم والمسلم‪،‬‬
‫الصالح منهم والطالح ‪ ..‬كما يتعامل ـ وبخاصة في زماننا ـ مع محيط من األنظمة الفاسدة‪ ،‬والحكام‬
‫والطغاة المجرمين ‪ ..‬لهم قلوب وطبائع الوحوش‪ ،‬والذئاب واألفاعي ‪ ..‬تحركهم الدسائس‪،‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪9‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫والمؤامرات ‪ ..‬األصل فيهم المكر والخداع ‪ ..‬بمعنى آخر فهو يتحرك في حقل مليء باأللغام والحفر‬
‫والمتفجرات ‪ ..‬وهذا يستدعي منه أن يدرس كل خطوة يخطوها ‪ ..‬قبل أن يخطوها ‪ ..‬ويخطو‬
‫الخطوة التي تليها ‪ ..‬وأن يزن كل كلمة يتلفظ بها قبل أن يقولها ‪ ..‬وإال وقع في الضرر‪ ،‬والهلكة‬
‫لنفسه‪ ،‬وشعبه‪ ،‬ودولته ‪ ..‬وهذا ليس من اإليمان والكياسة والسياسة في شيء‪.‬‬
‫وحتى ينجح في مهمته‪ ،‬ال بد من أن يعطى مساحة مقبولة ـ من غير توسع وتفريط ـ للحركة‬
‫حاسب ويؤاخذ على أدنى بسمة أو حركة أو كلمة أو جلسة‬
‫فيها ‪ ..‬إذ ال ينبغي يضيق عليه‪ ،‬أو أن ي َ‬

‫رمى بالكفر والمروق ‪ ..‬لمجرد‬
‫تضطره السياسة الشرعية لفعلها ‪ ..‬ومن ثم يشنّع عليه ويخون ‪ ..‬وي َ‬
‫تلك البسمة أو الكلمة‪ ،‬أو الحركة ‪ ..‬أو الجلسة ‪ ..‬هذا ال ينبغي‪ ،‬وال يجوز!‬
‫فإن قِيل‪ :‬أين الدليل على ذلك ‪..‬؟‬
‫أقول‪ :‬هناك أدلة عدة‪ ،‬وكثيرة تدلل على صحة ما ذكرناه ‪ ..‬قد ال يرقى كل واحد منها أن‬

‫يكون دليالً محكماً ومستقالً في المسألة ‪ ..‬وإنما يستفاد منه جزء من الدليل على المسألة ‪..‬‬
‫فيضاف إلى الجزء اآلخر المستفاد من الدليل الثاني ‪ ..‬فيضاف إلى الجزء الثالث المستفاد من‬
‫الدليل الثالث ‪ ..‬وهكذا إلى أن يشكل مجموع األجزاء المستفادة من مجموع األدلة ذات العالقة‬

‫بالمسألة دليالً محكماً ومتكامالً على صحة المسألة ‪ ..‬وهذا فقه قَ ّل من يتنبه له ‪ ..‬وإليك بيان‬
‫ذلك بشيء من التفصيل‪:‬‬
‫ذ َ َذُ ْ ُْ ْ َُ ً‬
‫قال تعالى‪ :‬إِال أن تتقوا مِنهم تقاة ‪‬آل عمران‪.12:‬‬

‫قال ابن كثير في التفسير‪ :‬أي من خاف في بعض البلدان واألوقات من شرهم فله أن يتقيهم‬
‫بظاهره ال بباطنه ونيته‪ ،‬كما قال البخاري عن أبي الدرداء أنه قال‪ :‬إنا لنكشر في وجوه ٍ‬
‫أقوام وقلوبنا‬
‫تلعنهم‪.‬‬
‫وقال الثوري‪ :‬قال ابن عباس‪ :‬ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان‪ ،‬وكذا رواه العوفي عن‬
‫ابن عباس إنما التقية باللسان‪ ،‬وكذا قال أبو العالية وأبو الشعثاء‪ ،‬والضحاك‪ ،‬والربيع ابن أنس‪ .‬وقال‬
‫البخاري‪ :‬قال الحسن التقية إلى يوم القيامة ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫ٍ‬
‫لشيء من ذلك ‪ ..‬فال يشدد عليه‪.‬‬
‫قلت‪ :‬والحاكم المسلم قد يضطر‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪10‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫َ ُُْ ْ َ‬
‫ُ ْ َ ذُْ َ‬
‫ْ‬
‫وقال تعالى‪َ :‬وال تلقوا بِأيدِيكم إَِل اتلهلكةِ ‪‬البقرة‪ .295:‬وهذا يشمل األفراد‪،‬‬
‫والدول‪ ،‬والمجتمعات ‪ ..‬بل تجنيب الدول والمجتمعات الهلكة أولى وأوكد من تجنيب األفراد‬
‫الوقوع في الهلكة‪ ،‬أو فيما يؤدي بهم إلى الهلكة ‪ ..‬وإذا كانت هذه الهلكة ال تندفع‪ ،‬أو من لوازم‬
‫دفعها أن يحصل نوع مجاملة وبسمة أو تكشيرة وضحكة في وجوه المبطلين ‪ ..‬فال حرج من ذلك‪.‬‬
‫بئس أخو‬
‫وعن عائشة رضي اهلل عنها‪ ،‬أن رجالً استأذَ َن على ِّ‬
‫النبي ‪ ‬فلما رآه قال‪َ ":‬‬
‫ط إليه‪ ،‬فلما انطل َق الرجل‬
‫وبئس ابن‬
‫وانبس َ‬
‫جلس تَطَل َق ُّ‬
‫النبي ‪ ‬في وجهه َ‬
‫َ‬
‫العشيرة "‪ .‬فلما َ‬
‫العشيرة‪َ ،‬‬
‫طت‬
‫أيت‬
‫قالت له عائشة يا َ‬
‫وانبس َ‬
‫الرجل قلت له كذا وكذا‪ ،‬ثم تطل َ‬
‫رسول اهلل‪ ،‬حين ر َ‬
‫قت في وجهه َ‬
‫َ‬
‫يوم القيامة من‬
‫إليه؟ فقال رسول اهلل ‪ ":‬يا عائ َ‬
‫شة‪ ،‬متى عهدتني فحاشاً‪ ،‬إن شر الناس عند اهلل منزلةً َ‬
‫قاء َش ِّره‪ ،‬واتِّقاء ف ْحشه " متفق عليه‪.‬‬
‫ترَكه الناس اتِّ َ‬
‫لنكشر في وجوه ٍ‬
‫ِّ‬
‫أقوام ونضحك إليهم‪ ،‬وإن قلوبَنا‬
‫وفي األثر عن أبي الدرداء‪ ،‬قال‪ ":‬إنا‬

‫لتلعنهم "[‪ .]1‬فليس ألدنى بسمة أو تكشيرة يكشرها المؤمن في وجوه الكافرين الظالمين ـ وبخاصة‬
‫في زمن االستضعاف ـ يرمى بالخيانة‪ ،‬ومواالة الكافرين ‪!..‬‬

‫ُّ‬
‫سه؟ قال‪ ":‬يَتعرض من‬
‫وقال ‪ ":‬ال ينبغي للمؤمن أن يذل ن ْف َسه "‪ ،‬قالوا‪ :‬وكيف يذل ن ْف َ‬
‫البالء لما ال يطيق "[ ]‪ .‬فدفع البالء الذي ال يطاق عن البالد والعباد أولى ‪ ..‬وإذا كان ذلك ال‬

‫يتحقق ‪ ..‬إال بنوع مجاملة ‪ ..‬فال حرج منه‪.‬‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫بحكيم من ال يعاشر بالمعروف َمن ال يجد من معاشرته‬
‫محمد بن الحنفيّة‪ ،‬قال‪ ":‬ليس‬
‫وعن‬
‫بداً‪ ،‬حتى يجعل اهلل له فرجاً أو مخرجاً "[ ]‪ .‬ومقتضيات المعاشرة بالمعروف ‪ ..‬تزيد عن قدر‬
‫المجامالت في الضحكات‪ ،‬والكشرات‪ ،‬وبعض الكلمات ‪!..‬‬
‫وقال ‪ ":‬ال يل َدغ المؤمن من جح ٍر ٍ‬
‫واحد مرتين " متفق عليه‪ .‬فإغالق منافذ اللدغ عن‬

‫البالد والعباد من باب أولى ‪ ..‬ويجوز في سبيله ‪ ..‬ما ال يجوز في سبيل دفع اللدغ عن األفراد ‪..‬‬
‫فعلى قدر ما تعظم وتكبر المصلحة ‪ ..‬على قدر ما تهون تلك المجامالت‪ ،‬والشكليات!‬

‫‪ 1‬شعب اإليمان‪ ،‬للبيهقي‪.220 :‬‬

‫رواه الترمذي وابن ماجه‪ ،‬صحيح سنن الترمذي‪.22 2 :‬‬

‫صحيح األدب المفرد‪.221 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪11‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وقال ‪ ":‬الحرب خدعة " متفق عليه‪ .‬وفي السياسة وميادينها حروب باردة مع العدو ‪..‬‬
‫وأحياناً تكون طاحنة ساخنة ‪ ..‬ولكي تنجو‪ ،‬وتسلم‪ ،‬وتحقق الظفر لدينك‪ ،‬وأمتك تحتاج لنوع دهاء‪،‬‬
‫وخداع‪ ،‬ومخادعة ‪ ..‬وإال بلعتك دهاليز وحوش السياسة‪ ،‬وأصبحت كالدمية في أيديهم!‬

‫بمخادع أخدع‬
‫ب يخدعني "؛ أي لست‬
‫ٍ‬
‫ب‪ ،‬وال ال َخ ُّ‬
‫قال عمر بن الخطاب ‪ ":‬لست بال َخ ِّ‬

‫لمخادع أن يخدعني ‪ ..‬فمقولته العظيمة جمعت بين التزام السياسي المسلم بتعاليم‬
‫الناس‪ ،‬وال أسمح‬
‫ٍ‬

‫وقيم دينه ‪ ..‬وبين الوعي والحذر مما يدار ويحاك حوله ‪ ..‬وأنه صعب المنال ‪ ..‬أو أن تنال أمته من‬
‫قبله ‪ ..‬ولو بقليل سوء أو خداع!‬
‫أحزم من عمر‪ ،‬كان واهلل له فضل يمنعه أن يَخ َدع‪،‬‬
‫قال المغيرة بن شعبة‪ :‬ما رأيت أحداً هو َ‬
‫وعقل يمنعه أن يخدع[‪.]5‬‬
‫وقال الحسن البصري‪ :‬كانوا يقولون‪ :‬المداراة نصف العقل‪ ،‬وأنا أقول‪ :‬هي العقل كله‪.‬‬

‫والمداراة تكون من أجل سالمة الدين‪ ،‬والمعاش معاً ‪ ..‬والسفيه الذي ال يحسن تقدير‬
‫عواقب األمور‪ ،‬هو الذي ال يحسن المداراة‪ ،‬وال يعرف معنى المداراة ‪ ..‬فيلقي بنفسه ومن معه في‬
‫التهلكة‪.‬‬
‫وفيما تقدم ذكره من أدلة دليل كاف على ما أردنا اإلشارة إليه ‪ ..‬وليس مما أردنا اإلشارة إليه‬
‫أن تكون السياسة ذريعة للتفلت من قيود الدين‪ ،‬وعقيدته‪ ،‬وقيمه‪ ،‬وأخالقه ـ كما يحلو للبعض ـ فهذا‬
‫المعنى ال نريده ‪ ..‬وإنما نحذر منه‪ ،‬كما سبقت اإلشارة إلى ذلك‪.‬‬

‫‪ -3‬األحكام السلطانيّة‪ :‬هي مجموع األحكام الشرعية ذات العالقة بالحاكم؛ أعماله‬

‫ومسؤولياته‪ ،‬ما له وما عليه‪ ،‬حقوقه وواجباته‪ ،‬كيف يتم اختياره وتنصيبه‪ ،‬وكيف ومتى يتم عزله أو‬
‫خلعه ‪ ..‬وغيرها من األحكام المتعلقة به وبحكومته ومهامها ‪ ..‬والتي سنأتي على ذكرها بشيء من‬
‫التفصيل بإذن اهلل‪.‬‬
‫‪ -4‬الدولة‪ :‬وهي تتكون من ثالثة عناصر‪ :‬أرض ذات حدود معلومة ومستقلة‪ ،‬وشعب يعيش‬
‫على هذه األرض‪ ،‬ومؤسسات ـ سياسية‪ ،‬وعسكرية‪ ،‬ومدنية‪ ،‬وقضائية‪ ،‬وثقافية‪ ،‬واجتماعية‪ ،‬واقتصادية‬
‫ـ تنظم حياة وعالقة الناس بعضهم مع بعض على هذه األرض ‪ ..‬فأيما بقعة تتوفر فيها هذه العناصر‬
‫الثالثة الواردة أعاله‪ ،‬فهي دولة ‪ ..‬وتسمى دولة‪.‬‬
‫‪ 5‬العقد الفريد‪/2 :‬‬

‫‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪12‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ٍ‬
‫ومعان عدة‪ :‬فريق يطلقه ويريد منه اإلشارة‬
‫‪ -5‬الدولة الدينية‪ :‬هذا المصطلح حمال أوجه‬
‫إلى الدولة التي يحكمها رجال دين يتقمصون خصائص‪ ،‬ومهام‪ ،‬األلوهية والربوبية في األرض‪،‬‬
‫فيكسون أنفسهم العصمة والقدسية لكونهم يمثلون إرادة اهلل تعالى في األرض ‪ ..‬فيكون التعقيب‬
‫عليهم كمن يعقب على اهلل تعالى ‪ ..‬كحكم الكنيسة لكثير من الدول األوربية قبل ثورة الشعوب‬
‫عليها ‪ ..‬وحكم العبيدين الفاطميين من قبل في مصر " الحاكم بأمر اهلل " ‪ ..‬وكحكومة إيران الرافضية‬
‫الحالية التي قالت بوالية الفقيه‪ ،‬وأن الفقيه يتولى مهام إمامهم الغائب والمعصوم ‪ ..‬وبالتالي له نفس‬
‫قدسية وعصمة اإلمام الغائب ‪ ..‬فأكسته وكلماته وأعماله وأحكامه وقراراته ثوب القدسية والعصمة‬
‫التي يعطونها ألئمتهم المعصومين ‪ ..‬والدولة الدينية بهذا المعنى ‪ ..‬ال شك أنها دولة مرفوضة بالنقل‬
‫والعقل سواء‪.‬‬
‫وفريق آخر من العلمانيين‪ :‬يجعلون كل دولة تطالب بالتحاكم إلى تعاليم وشرائع وقيم الدين‬
‫‪ ..‬دولة دينية ‪ ..‬وبالتالي فهم يرفضون أي مطلب للمسلمين بضرورة التحاكم إلى تعاليم وشرائع وقيم‬
‫دينهم الحنيف ‪ ..‬على اعتبار أن هذا المطلب ـ في زعمهم ـ يعني قيام دولة دينية ‪ ..‬والدولة الدينية‬
‫مرفوضة ‪ ..‬وهذا الموقف الذي يجنح للتطرف والغلو ضد كل ٍ‬
‫شيء اسمه دين ‪ ..‬وبخاصة الشريعة‬
‫اإلسالمية ـ بزعم رفض الدولة الدينية ـ أيضاً هو موقف مرفوض‪ ،‬وباطل بالنقل والعقل سواء‪.‬‬

‫لذا ينبغي االنتباه والحذر عند استعمال هذا المصطلح " الدولة الدينية " بصيغة الذم أو‬

‫المدح سواء؛ إذ ال يكفي أن تقول‪ :‬نحن نرفض الدولة الدينية مطلقاً ‪ ..‬من دون أن تبين مقصدك‬

‫ومرادك من هذا االطالق ‪ ..‬خشية أن يفهم منه أنك أيضاً ال تريد قيادم دولة إسالمية تحتكم إلى‬

‫كتاب ربها‪ ،‬وسنة نبيها ‪!‬‬

‫كما ال ينبغي أن تقول نحن نطالب بقيام دولة دينية من دون أن توضح مرادك ومقصدك ‪..‬‬
‫خشية أن يفهم من كالمك أنك تطالب بقيام دولة دينية على طريقة حكم الكنيسة لرعاياها ‪ ..‬أو‬
‫حكم العبيديين‪ ،‬والروافض ألتباعهم!‬

‫ٍ‬
‫ومعان‪ ،‬لذا ال نرى جواز استخدامه مجرداً عن التفصيل‬
‫إذاً المصطلح متشابه حمال أوجه‬
‫الذي يوضح مراد المتكلم ‪ ..‬وفي لغتنا وقاموسنا الشرعي واللغوي ما يغنينا عن استخدام هذا‬

‫المصطلح المتشابه ‪ ..‬وغيره من المصطلحات والمفاهيم المتشابهة حمالة األوجه والمعان‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪13‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫‪ -6‬الدولة المدنية‪ :‬أيضاً هذا المصطلح " الدولة المدنية "‪ ،‬الذي كثر تداوله مؤخراً‪ ،‬هو‬
‫ٍ‬
‫ومعان وتفاسير متباينة‪ ،‬فالبعض يطلقه‪ ،‬ويريد منه الدولة المدنية بمعنى‬
‫مصطلح متشابه حمال أوجه‬
‫أن تكون السلطة والقيادة في الدولة للمدنيين دون العسكريين‪ ،‬وأن تـ َفعل في المجتمع المؤسسات‬
‫العلمية والمدنية‪ ،‬وأنشطتها ‪ ..‬والبعض اآلخر يطلقه ويريد منه المعنى المغاير والمخالف للدولة‬

‫الدينية ‪ ..‬وهو قيام دولة علمانية ال دخل للدين فيها مطلقاً ‪ ..‬فتطلق كلمة " المدني " مقابل كلمة "‬

‫الديني " أو الشرعي‪ ،‬فيقال زواج مدني ‪ ..‬وطالق مدني ‪ ..‬وعقد مدني ‪ ..‬وقضاء مدني ‪ ..‬أي غير‬
‫ديني وشرعي ‪ ..‬ال يخضع ألحكام الشريعة ‪ ..‬ودولة مدنية ‪ ..‬ونحو ذلك من االطالقات التي يعنون‬
‫منها المعنى المغاير والمخالف للدين ‪ ..‬وهو الفريق األكبر ممن يستخدمون هذا االطالق‪ ،‬والمعنى‬
‫األرجح واألوسع استخداماً لهذا المصطلح كما يراد منه ‪ ..‬تفادياً لمصطلح " الدولة العلمانية " المثير‬

‫للجدل ‪ ..‬وكحل وسط بين اإلسالميين الليبراليين‪ ،‬والعلمانيين ‪ ..‬وبعض القلة من المعاصرين ذهب‬
‫بعيداً ـ ليغرد بمفرده بعيداً عن السرب ـ فقال‪ :‬نحن نريد من وراء هذا المصطلح الدولة المدنية‪ ،‬ويعني‬
‫بذلك دولة النبي ‪ ‬في المدينة المنورة!‬

‫وبالتالي يطالَب كل من يستخدم هذا المصطلح " الدولة المدنية "‪ ،‬سواء كان بالرفض أو‬

‫التأييد ‪ ..‬بالمدح أو الذم ‪ ..‬أن يفصح عن مراده ومقصده من وراء هذا المصطلح‪ ،‬حتى ال يفهم خطأ‬

‫‪ ..‬وحتى ال يقرر معنى باطالً وهو ال يدري ‪ ..‬وإال فهو بغنى عن استخدامه أصالً[‪.]2‬‬

‫‪ -7‬دولة المؤسسات‪ :‬هي الدولة التي تحكمها وتقودها المؤسسات ‪ ..‬وتفعل دور‬

‫المؤسسات‪ ،‬ويتنوع فيها قيام المؤسسات التي تشمل جميع شرائح المجتمع وأنشطتهم ‪ ..‬العسكرية‪،‬‬
‫والسياسية‪ ،‬والثقافية‪ ،‬واالقتصادية‪ ،‬واإلعالمية‪ ،‬واالجتماعية‪ ،‬واإلدارية‪ ،‬والقضائية‪ ،‬والتعليمية التربوية‬
‫‪ ..‬وغيرها ‪ ..‬وتكون لكل مؤسسة مشاركتها ودورها المكمل لبقية المؤسسات األخرى في نهضة‬
‫البالد والعباد وتقدمهم ‪ ..‬كما تتنوع وتتعدد فيها ـ أي في هذه الدولة ـ قيام النقابات التي تمثل‬
‫مطالب ومصالح جميع طبقات المجتمع ‪ ..‬وهذا معنى محمود ـ شرعاً وعقالً ـ فالدولة كلما كثرت‬
‫‪2‬‬

‫فريق من الناس يحلو لهم التالعب باأللفاظ ‪ ..‬ليبقوا في المساحة الضبابية التي ال يمكن أن تأخذ منها حقاً وال‬

‫باطالً‪ ،‬فيقولون‪ ":‬نحن نريد دولة مدنية ذات مرجعية إسالمية ‪ ،" ..‬وهؤالء ـ إن استثنينا المعنى المدني المغاير‬
‫للمعنى العسكري ـ مثلهم كمثل من يقول‪ :‬نريد دولة علمانية ال دينية‪ ،‬ذات مرجعية إسالمية ‪ ..‬فيناقضون أول‬
‫كالمهم بآخره‪ ،‬وآخره بأوله!‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪14‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫فيها المؤسسات وتنوعت ‪ ..‬كلما كانت أكثر تماسكاً وقوة وعطاء ‪ ..‬وأكثر تمثيالً للشعوب ورغباتهم‬

‫وحاجياتهم ‪ ..‬ومصالحهم ‪ ..‬وأعطت فرصة لكل فرد في المجتمع أن يكون مسؤوالً وراعياً يعمل‬
‫لصالح البالد والعباد ‪ ..‬وأن يكون له دور في قيادة ورعاية المجتمع بحسبه وحسب موقعه‪ ،‬عمالً‬

‫بقوله ‪ ":‬كلكم ر ٍاع‪ ،‬وكلكم مسؤول عن رعيته " البخاري‪.‬‬

‫ثم أن قيام المؤسسات بصورتها اآلنفة الذكر صورة عملية لتفعيل مبدأ الشورى في المجتمع‬

‫المسلم ‪ ..‬وآلية من آلياتها‪ ،‬ال ينبغي التهاون بها‪.‬‬

‫‪ -8‬الدولة اإلسالمية‪ :‬هي الدولة التي تحتكم في جميع مجاالت وشؤون حياتها العامة‬

‫والخاصة سواء ‪ ..‬الداخلية منها والخارجية ‪ ..‬إلى تعاليم‪ ،‬وشرائع‪ ،‬وعقيدة‪ ،‬وقيم‪ ،‬ومبادئ اإلسالم ‪..‬‬
‫وتخضع جميع مؤسساتها المدنية منها وغير المدنية ‪ ..‬العامة منها والخاصة ‪ ..‬لتعاليم وقيم وعقيدة‬
‫اإلسالم ‪ ..‬أو بصورة أخرى‪ :‬ال يجوز أن تتعارض توجهات وثقافة ومرجعيات تلك المؤسسات مع‬
‫عقيدة وتعاليم ومبادئ وقيم اإلسالم في شيء ‪ ..‬هذه هي الدولة اإلسالمية التي يصح أن يقال عنها‬
‫ٍ‬
‫فحينئذ ال يجوز أن تسمى دولة‬
‫بأنها دولة إسالمية ‪ ..‬ومتى كان الوصف على خالف ما ذكر‪،‬‬
‫إسالمية‪ ،‬وإن كان غالب سكانها من المسلمين ‪ ..‬فالدولة تأخذ مسمى وصفة وحكم القانون الذي‬
‫ٍ‬
‫حينئذ دولة إسالمية‪ ،‬وإن كان غير ذلك فهي دولة غير‬
‫يحكمها وترجع إليه‪ ،‬فإن كان إسالمياً‪ ،‬فهي‬

‫إسالمية[‪.]0‬‬

‫هذه الدولة اإلسالمية بصفاتها الواردة أعاله هي الدولة التي نريدها ونسعى ـ بإذن اهلل تعالى ـ‬
‫إلى قيامها في جميع بالد المسلمين ‪ ..‬والتي يجب أن تكون مطلباً لكل مسلم يقول ربي اهلل‪.‬‬

‫‪ -9‬دار الكفر‪ :‬هي الدار التي ال يدين أهلها باإلسالم‪ ،‬وال تخضع لقانون وحكم اإلسالم ‪..‬‬

‫وهذه الدار ـ لوصفها اآلنف الذكر ـ ال يلزم منها أن تكون دار حرب ‪ ..‬الحتمال أن تكون دار عهد‬
‫وذمة ٍ‬
‫وأمان أو صلح مع المسلمين‪ ،‬ممن يعيشون خارجها‪ ،‬أو مع بعض المسلمين ممن يعيشون في‬
‫داخلها بعهد أمان استثنائي مع أهلها[‪.]2‬‬

‫‪0‬‬

‫وبالتالي فإن الدول التي يكون أهلها أو غالبهم من المسلمين ‪ ..‬بينما هي ال تخضع لحكم اهلل تعالى وشرعه ‪..‬‬

‫وإنما تخضع لسلطان وقوانين الجاهلية ‪ ..‬وسياساتها ‪ ..‬فهذه الدول‪ ،‬ال تسمى دوالً إسالمية‪ ،‬وإنما تسمى بالد‬
‫المسلمين ‪ ..‬فهذا التعبير هو األصح واألدق بحق تلك الدول‪.‬‬

‫‪ 2‬انظر ـ إن شئت ـ كتابنا " االستحالل " حيث قد بينا فيه على وجه التفصيل األحكام والمسائل ذات العالقة بالعهد‬
‫واألمان مع اآلخرين ‪ ..‬ما يغني عن إعادتها هنا‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪15‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫‪ -11‬دار الحرب‪ :‬هي الدار التي تضيف إلى صفة " دار الكفر "‪ ،‬صفة الحرب‪ ،‬والمحاربة‬
‫للمسلمين وبالدهم ‪ ..‬أي أنها تجمع بين الكفر والحرب على اإلسالم والمسلمين!‬
‫وقد تكون دار ٍ‬
‫حرب لبعض المسلمين دون بعض ‪ ..‬وذلك عندما يكون لها عقد أمان أو‬
‫ٍ‬
‫فحينئذ تكون دار عهد وأمان وصلح مع من لها‬
‫صلح مع بعض المسلمين أو دولهم دون بعض ‪..‬‬

‫معهم عهد وأمان‪ ،‬ودار حرب مع من ال تربطها بهم عقود ٍ‬
‫أمان أو صلح‪.‬‬

‫‪ -11‬الدار المركبة‪ :‬أي ليست هي دار حرب على االطالق‪ ،‬وال دار إسالم وأمان على‬

‫االطالق ‪ ..‬كالدار التي يكون أهلها وسكانها مسلمون ‪ ..‬بينما السلطة الحاكمة التي تحكمهم‬
‫ٍ‬
‫فحينئذ يعامل كل فريق بحسبه؛ فأهالي البلدة‬
‫وتعلوهم كافرة ظالمة تحارب اهلل ورسوله والمؤمنين ‪..‬‬
‫من المسلمين يعاملون معاملة المسلمين الذين لهم حق اإلسالم‪ ،‬وأمانه وحرمته ‪ ..‬والسلطة المحاربة‬
‫المعتدية تعامل معاملة أهل الحرب‪.‬‬
‫وقد سُئل شيخ اإلسالم عن بلدة‪ ،‬يُقال هلا " ماردين " فيها املعنيان اآلنفا الذكر ‪..‬‬
‫هل هي دار حرب‪ ،‬أم دار إسالم ‪..‬؟‬
‫فأجاب‪ :‬الحمد هلل‪ .‬دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ماردين أو غيرها ‪..‬‬
‫والمقيم بها إن كان عاجزاً عن إقامة دينه‪ ،‬وجبت الهجرة عليه‪ ،‬وإال استحبت ولم تجب‪ .‬ومساعدتهم‬
‫لعدو المسلمين باألنفس واألموال محرمة عليهم‪ ،‬ويجب عليهم االمتناع من ذلك‪ ،‬بأي طريق‬

‫أمكنهم؛ من تغيّب أو تعريض‪ ،‬أو مصانعة‪ ،‬فإذا لم يكن إال بالهجرة‪ ،‬تعيّنت‪.‬‬

‫وال يحل سبهم عموماً‪ ،‬ورميهم بالنفاق‪ ،‬بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفاة المذكورة‬

‫في الكتاب والسنة‪ ،‬فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم‪.‬‬

‫وأما كونهم دار حرب أو سلم‪ ،‬فهي مركبة؛ فيها المعنيان‪ ،‬ليست بمنزلة دار السلم التي‬
‫تجري عليها أحكام اإلسالم لكون جندها مسلمين‪ ،‬وال بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار‪ ،‬بل هي‬
‫قسم ثالث‪ ،‬يعامل المسلم فيها بما يستحقه‪ ،‬ويقاتَل الخارج عن شريعة اإلسالم بما يستحقه اهـ[‪.]9‬‬

‫‪ -12‬الخالفة اإلسالمية‪ :‬هي الدولة التي توحد وتجمع جميع المسلمين على اختالف‬

‫ألوانهم‪ ،‬وأجناسهم‪ ،‬ولغاتهم‪ ،‬وقومياتهم ‪ ..‬وعلى اختالف أقطارهم وبلدانهم ووالياتهم وأماكن‬
‫تواجدهم ـ يكون لهم جميعاً نفس الحقوق والواجبات ـ في دولة واحدة‪ ،‬يحكمها إمام وخليفة واحد‪،‬‬
‫‪ 9‬مجموع الفتاوى‪.1 0/12 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪16‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫بكتاب اهلل تعالى‪ ،‬وسنة نبيه ‪ ،‬منتخب ومرتضى من قبل األمة‪ ،‬وممثلي األمة من أهل الحل والعقد‬
‫في جميع األقطار والواليات‪.‬‬
‫هذه الخالفة ال حرج ـ بعد قيامها ـ من أن تسمى " الخالفة اإلسالمية " أو " الواليات‬
‫المتحدة اإلسالمية "‪ ،‬إن ارتضى المسلمون هذا االسم الجامع ‪ ..‬إذ العبرة بالتحلّي‪ ،‬وواقع الحال ‪..‬‬
‫وليس فقط بالتسمي‪ ،‬واألسماء!‬
‫قيام هذه الخالفة بهذا المعنى الجامع لجميع المسلمين في جميع أقطارهم وأماكن تواجدهم‬
‫‪ ..‬هو الهدف األعظم واألكبر ـ بعد تحقيق التوحيد ـ لكل مسلم في الوجود‪ ،‬يدين باهلل رباً‪ ،‬وباإلسالم‬

‫ديناً‪ ،‬وبمحمد ‪ ‬نبياً ورسوالً‪ ،‬كما ينبغي أن يكون الهدف التالي للمسلمين بعد قيام دولة اإلسالم في‬

‫وتسهل عملية قيام‬
‫كل مصر من أمصارهم‪ ،‬كخطوة تمهيدية وضرورية تتقدم مرحلة قيام الخالفة‪،‬‬
‫ّ‬
‫َ‬
‫ذ َ ُ‬
‫ُ ُ ً‬
‫ً َ‬
‫ُ‬
‫الخالفة الراشدة المنشودة‪ ،‬بإذن اهلل‪ ،‬قال تعالى‪ :‬إِن ه ِذه ِ أ ذمتُك ْم أ ذمة َواح َِدة َوأنا َر ُّبك ْم‬
‫َ ً َ ََ ُ ْ‬
‫ْ‬
‫َْ‬
‫َ ْ ُ‬
‫ص ُموا ِبَبْ ِل اَّلل ِ َجِيعا َوال تف ذرقوا ‪‬آل‬
‫فاع ُبدو ِن ‪‬األنبياء‪ .91:‬وقال تعالى‪َ :‬واعت ِ‬
‫ذ ْ ْ َ ْ‬
‫عمران‪ .20 :‬وقال تعالى‪ :‬إِن َما ال ُمؤمِنُون إِخ َوة ‪‬الحجرات‪ .20:‬كل المؤمنين‪ ،‬على اختالف‬
‫أجناسهم وألوانهم‪ ،‬ولغاتهم‪ ،‬وأماكن‬
‫َ‬
‫َ ُ ْ ذ َ َ ُ َُ َ َ‬
‫ال َتنَ َ‬
‫از ُعوا ْ َفتَ ْف َشلُوا ْ َوتَ ْذ َه َ‬
‫ب‬
‫تواجدهم ‪ ..‬فهم أخوة‪ .‬وقال تعالى‪ :‬وأطِيعوا اَّلل ورسوَل و‬
‫ُ ُ ْ َ ْ ُ ْ ذ ذ‬
‫اَّلل َم َع ذ‬
‫الصابر َ‬
‫ين ‪‬األنفال‪. 2:‬‬
‫رِيحكم واص ِِبوا إِن‬
‫ِِ‬
‫فقيام الخالفة الراشدة الجامعة لجميع المسلمين في أقطارهم‪ ،‬ودولهم ـ وبخاصة في هذا‬
‫الزمن الذي تسود فيه التكتالت واالتحادات الضخمة لدول الكفر فيما بينها ـ ضرورة دينية ودنيوية‬
‫معاً‪ ،‬ال قيام للدين وأحكامه وشرائعه ـ على وجه التمام والكمال ـ إال بها ‪ ..‬كما ال قيام لدنيا عزيزة‬
‫قوية مهابة الجانب للمسلمين ـ ترعى مصالحهم ـ إال بها‪ ،‬كما في الحديث‪ ":‬إنما اإلمام جنّ ًة يقاتَل من‬

‫ورائه‪ ،‬ويـتقى به " متفق عليه‪.‬‬

‫وفي األثر عن عثمان بن عفان ‪ :‬إن اهلل ليزع ـ أي ليردع ـ بالسلطان ماال يزع‬

‫بالقرآن[‪.]20‬‬
‫‪20‬‬

‫من الصور واآلليات التي تعين وتسهل عملية قيام الخالفة الراشدة الموعودة‪ ،‬أن يتم فرضها وقيامها عن طريق‬

‫الشعوب المسلمة ومؤسساتهم ‪ ..‬بحيث الجميع يشارك ويساهم في قيامها وتأسيسها ‪ ..‬وتصبح " الخالفة " مطلباً‬
‫من مطالبهم الرئيسية ‪ ..‬ففي هذه الحالة يكون قيام الخالفة أمتن وأدوم‪ ،‬وأصدق تمثيالً للشعوب المسلمة ‪..‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪17‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫‪ -13‬اإلمارة اإلسالمية‪ :‬لها نفس معنى وداللة الدولة اإلسالمية اآلنف الذكر أعاله ‪..‬‬
‫لكن مسمى اإلمارة يفيد على أنها والية من دولة عامة جامعة‪ ،‬أو أنها فرع من أصل عام جامع وهو‬
‫الخالفة اإلسالمية الجامعة ‪ ..‬وبالتالي ال أستحسن هذا االسم " اإلمارة اإلسالمية "‪ ،‬قبل قيام‬
‫ٍ‬
‫حينئذ أن تسمى بـ "‬
‫األصل‪ ،‬وهو الخالفة اإلسالمية ‪ ..‬أما قبل قيام الخالفة اإلسالمية‪ ،‬فيستحسن‬
‫الدولة اإلسالمية " ‪ ..‬فهذا االطالق أدق وأصدق تعبيراً لواقع الحال‪.‬‬

‫‪ -14‬حقوق اإلنسان‪ :‬أيضاً هذا المصطلح الشائع‪ ،‬والواسع االستخدام واالنتشار‪ ،‬حمال‬
‫ٍ‬
‫ومعان‪ ،‬فهناك من يطلقه ويريد به ظلم اإلنسان ‪ ..‬يريد به حقوق اإلنسان التي قررتها مجالس‬
‫أوجه‬
‫األمم المتحدة ‪ ..‬ونحن نطلقه ونريد به حقوق اإلنسان التي قررتها الشريعة اإلسالمية‪ ،‬وذلك لسببين‪:‬‬
‫أولهما‪ :‬أن حقوق اإلنسان كما هي في الشريعة اإلسالمية ‪ ..‬هي األكمل‪ ،‬واألحسن‪،‬‬
‫واألعدل؛ ألن مصدرها الخالق العليم الخبير‪ ،‬الرحيم سبحانه وتعالى‪ ،‬الذي له األسماء الحسنى‬
‫والصفات العليا‪ ،‬العالم بخفايا النفوس وما تعلن‪ ،‬وبطبائعها‪ ،‬وصفاتها‪ ،‬وما ينفعها‪ ،‬وما يضرها ‪..‬‬
‫واإلنسان المخلوق الضعيف ـ المجبول على الجهل والعجز ـ ليس له شيء من ذلك ‪ ..‬قال تعالى‪:‬‬
‫َ َْ ُ َ َ ْ ذ ذَ َُ ذ ُ ْ‬
‫َ ذُ ْ‬
‫َْ َ ذ َ ْ َ‬
‫ُ‬
‫ص ُ‬
‫ري‪‬‬
‫ِين يَد ُعون مِن دونِهِ ال يقضون بَِش ٍء إِن اَّلل هو الس ِم‬
‫اَّلل َيق ِِض بِاْل ِق واَّل‬
‫‪‬و‬
‫يع اْلَ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ ً َ‬
‫َ‬
‫ُ َ‬
‫َ ُ ْ‬
‫ْ‬
‫ك َم ْ َ‬
‫اْلاهِل ذِيةِ َيبْغون َو َم ْن أح َس ُن م َِن اَّلل ِ ُحكما ل ِق ْو ٍم يُوق ِنُون‪‬‬
‫غافر‪ .10:‬وقال تعالى‪ :‬أفح‬
‫المائدة‪.50:‬‬
‫ثانيهما‪ :‬أن كثيراً من حقوق اإلنسان الصادرة عن األمم المتحدة‪ ،‬تتنافى مع حقوق اإلنسان‪،‬‬

‫وال تحقق الحد األدنى لحقوق اإلنسان ‪ ..‬على سبيل المثال ال الحصر‪ :‬موقفهم من القاتل الذي‬
‫يَقتل المئات من األطفال‪ ،‬والنساء‪ ،‬والشيوخ‪ ،‬واألبرياء ـ المدمن على القتل واإلجرام ـ أنه ال يقتَل ‪..‬‬

‫وال يجوز أن يقتَل مهما قتل من األبرياء‪ ،‬وارتكب من المجازر بح ّق الشعوب ‪ ..‬فهم ـ وفق شرائعهم‬

‫وأقوى على مواجهة التحديات والهزات ‪ ..‬من مجرد اتفاق بعض الحكام بعضهم مع بعض ـ بعيداً عن إرادة‬
‫الشعوب ومشاركاتهم ـ سرعان ما تنفض وتنتكس وتفشل‪ ،‬عند أول خالف يحصل فيما بين هؤالء الحكام ‪ ..‬وما‬
‫أكثر الخالفات والتحرشات التي تحصل فيما بينهم ‪ ..‬ومحاوالت تحقيق الوحدة العربية التي باءت بالفشل‪،‬‬

‫واالنتكاس إلى واقع هو أسوأ بكثير مما كان عليه الحال قبل اإلعالن عن تلك المحاوالت ‪ ..‬خير دليل على صحة‬

‫ما ذكرناه‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪18‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫الحقوقية ـ قد حرصوا على حقوق اإلنسان القاتل المجرم‪ ،‬بينما فرطوا بحقوق اإلنسان الضحية‪،‬‬

‫والمقتول ظلماً وعدواناً‪ ،‬وبحقوق أوليائهم[‪.]22‬‬

‫يضاف إلى ذلك‪ ،‬أن حقوق اإلنسان في األرض ـ وفق شريعة األمم المتحدة ـ خاضعة إلرادة‬

‫ورغبات ومصالح الدول الخمسة التي لها حق " الفيتو "‪ :‬أمريكا‪ ،‬وابريطانيا‪ ،‬وفرنسا‪ ،‬وروسيا‪ ،‬والصين‬
‫‪ ..‬فلو اجتمع العالَم كله على تقرير حق من الحقوق ‪ ..‬أو على إدانة ظلم أو ظالم ‪ ..‬ثم رأت هذه‬
‫الدول الخمسة ـ أو بعضها أو أحدها ـ خالف ذلك ‪ ..‬تبعاً لمصالحها ‪ ..‬وسياساتها ‪ ..‬فال قيمة وال‬
‫أثر ٍ‬
‫حينئذ لتقرير العالَم لذلك الحق‪ ،‬أو إلدانتهم لذلك الظلم أو الظالم![‪.]21‬‬
‫وعليه؛ فإن حقوق اإلنسان ‪ ..‬وحقوق الحيوان ‪ ..‬والطريق ‪ ..‬والطبيعة ‪ ..‬وغيرها من‬

‫الحقوق ‪ ..‬نؤمن بها ‪ ..‬ونعمل ألجلها ‪ ..‬لكن كما هي مقررة في شريعة اإلسالم‪ ،‬ال غير[ ‪.]2‬‬

‫‪ -15‬الدّستور‪ :‬هو عبارة عن ميثاق‪ ،‬وعقد اجتماعي‪ ،‬يتفق عليه الناس‪ ،‬ينظم الحقوق‬

‫والواجبات‪ ،‬للحاكم والمحكوم‪ ،‬كما ينظم العالقة فيما بينهما ‪ ..‬والصورة التي بها تدار وتحكم‬
‫البالد‪ ،‬ويكون هذا الميثاق والعقد ملزماً للجميع‪.‬‬

‫وهذا الميثاق أو العقد ما لم ينص على ما يخالف الشرع المنزل المحكم يجب الوفاء به‪،‬‬
‫فهو من جملة العقود والعهود التي نصت الشريعة على وجوب الوفاء بها‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬يَا َأ ُّيهاَ‬

‫‪ 22‬قاتل اإلنسان يقتَل ـ وفق شريعة حقوق اإلنسان المعمول بها في بعض الدول الغربية ـ في حالة واحدة فقط؛ وهي‬
‫أن يكون القاتل كلباً ‪ ..‬فإن غدر الكلب بصاحبه ـ أو بأحد أبنائه وأطفاله ـ فقتله ‪ ..‬يقتل حداً من حدود حقوق‬

‫اإلنسان األممية ‪ ..‬فهذا هو حق اإلنسان عندهم ‪ ..‬وهذه هي قيمته ‪ ..‬فاإلنسان يساويه‪ ،‬ويكافئه الكلب فقط ‪..‬‬

‫والكلب عليه كثير؛ إذ كثيراً ما يعفى عن الكلب القاتل ‪ ..‬ويبرأ!‬

‫‪21‬‬

‫األمثلة الدالة على ذلك كثيرة‪ ،‬نذكر منها على سبيل المثال ال الحصر‪ ":‬الفيتو " األمريكي الذي يحمي جرائم‬

‫واعتداءات الصهاينة اليهود ضد الشعب الفلسطيني المسلم من أي إدانة ‪ ..‬رغم إجماع العالَم على إدانتهم ‪..‬‬

‫ومؤخراً حماية " الفيتو " الروسي لجرائم ومجازر النظام األسدي الطائفي بحق الشعب السوري من اإلدانة ‪ ..‬رغم‬
‫إجماع العالم على إدانته ‪ ..‬هذا فضالً عن أن توجه اإلدانة إلحدى دول أعضاء " الفيتو "‪ ،‬في حال ما تنتهك‬
‫حقوق اإلنسان‪ ،‬وما أكثر ما تفعل ذلك ‪ ..‬فهذه الدول ـ وفق العدالة الدولية ـ فوق المساءلة والمحاسبة!‬
‫‪2‬‬

‫لنا كتاب قد جمعنا فيه جميع الحقوق‪ ،‬كما هي في شريعة اإلسالم‪ ،‬وهو بعنوان " حقوق وواجبات شرعها اهلل‬

‫للعباد "‪ ،‬انظره إن شئت ‪ ..‬فستجد أن اإلسالم هو السباق لكل حق ينادي به الناس في هذا الزمن ‪ ..‬وبصورة‬
‫أكمل وأحسن‪ ،‬وأجمل‪ ،‬ال تعرفها البشرية من قبل وال من بعد‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪19‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ذ َ َ ْ َ ُ ْ ْ ُ‬
‫آمنُوا أ ْوفوا بِال ُعقو ِد ‪‬المائدة‪ .2:‬والعقود تشمل كا ما تعاهد عليه الناس فيم بينهم‪ ،‬بعضهم‬
‫اَّلِين‬
‫ذ ْ‬
‫َ ُ ْ ْ‬
‫ُ ً‬
‫َ َ‬
‫مع بعض‪ ،‬وفيم بينهم وربهم ‪ .‬وكذلك قوله تعالى‪َ :‬وأ ْوفوا بِال َع ْه ِد إِن ال َع ْه َد َكن َم ْسؤوال‪‬‬
‫َ ُ ْ ْ‬
‫اإلسراء‪ . :‬قال ابن كثير في التفسير‪َ [:‬وأ ْوفوا بِال َع ْه ِد ]؛ أي الذين تعاهدون عليه الناس‪ ،‬والعقود‬
‫التي تعاملوهم بها‪ ،‬فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه ا‪ -‬هـ‪ .‬هل وفّى به‪ ،‬أم أنه نقضه‪،‬‬

‫وغ َدر بما عاهد عليه!‬

‫ومثاله في السنة الوثيقة التي كتبها النبي ‪ ‬في المدينة ‪ ..‬وهي وثيقة سياسية حقوقية دستورية‬

‫عظيمة ‪ ..‬قد آخى النبي ‪ ‬بموجبها بين المهاجرين واألنصار‪ ،‬وبين فيها الحقوق والواجبات على‬
‫جميع ساكني المدينة من المسلمين‪ ،‬واليهود ‪ ..‬مالهم وما عليهم[ ‪.]2‬‬

‫ونحوه حلف المطيبين ـ أو الفضول ـ الذي باركه النبي ‪ ‬لتضمنه بنوداً تنص على انصاف‬
‫المظلوم من الظالم؛ أياً كان المظلوم‪ ،‬وأيّاً كان الظالم ‪ ..‬فقال ‪ ":‬شهدت مع عمومتي حلف‬
‫المطيبين‪ ،‬فما أحب أن أنكثه وأ ّن لي حمر النّعم "[‪.]25‬‬

‫وقال ‪ ":‬المسلمون عند شروطهم "[‪ .]22‬أي وفاء والتزاماً‪ ،‬ما لم تتضمن هذه الشروط‬
‫مخالفة لكتاب اهلل تعالى وسنة رسوله ‪ ،‬ف ٍ‬
‫حينئذ تكون شروطاً باطلة ال يجوز الوفاء بها‪ ،‬لقوله ‪‬‬

‫كما في الصحيح‪ ":‬فأيما شرط كان ليس في كتاب اهلل‪ ،‬فهو باطل‪ ،‬وإن كان مائة شرط‪ ،‬فقضاء اهلل‬
‫أحق‪ ،‬وشرط اهلل أوثق "‪.‬‬
‫وعليه نقول‪ :‬فكرة أن يكون لألمة دستوراً ينظم العالقات‪ ،‬الحقوق والواجبات فيما بين أبناء‬

‫األمة الواحدة ‪ ..‬ال حرج فيها ‪ ..‬ومنافعها ومصالحها ال تخفى على أحد ‪ ..‬ما لم يتضمن هذا‬
‫الدستور ما يخالف نصاً محكماً من كتاب اهلل تعالى أو سنة نبيه ‪ .. ‬فإن تضمن شيئاً من ذلك‪ ،‬فهو‬
‫رد‪ ،‬ال سمع وال طاعة له‪ ،‬ال يجوز الرجوع أو التحاكم إليه‪.‬‬

‫‪ 2‬انظر الوثيقة وتخريجها‪ ،‬صحيح السيرة النبوية‪ ،‬إلبراهيم العلي‪ ،‬ص‪.229‬‬

‫‪ 25‬صحيح األدب المفرد‪ . 2 :‬قال ابن األثير في النهاية‪ :‬اجتمع بنو هاشم‪ ،‬وبنو زهرة‪ ،‬وتَـ ْي ٌم في دار ابن جدعان‬
‫ٍ‬
‫وغمسوا أيديهم فيه‪ ،‬وتحالفوا على التناصر واألخذ للمظلوم من الظالم‪ ،‬فس ُّموا‬
‫في الجاهلية‪ ،‬وجعلوا طيباً في جفنة‪َ ،‬‬
‫المطيبين ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫‪ 22‬السلسلة الصحيحة‪.1925 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪20‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫فإن قيل‪ :‬ما الحاجة إلى كتابة دستور ‪ ..‬وفي القرآن والسنة تبيان لكل شيء؟‬
‫أقول‪ :‬أما أن القرآن والسنة‪ ،‬فيهما تبيان لكل شيء ‪ ..‬فهذا حق ال مرية فيه ‪ ..‬لكن ليس‬

‫كل ٍ‬
‫أحد‪ ،‬من الحكام والمحكومين‪ ،‬يحيط علماً بكل ما في الكتاب والسنة‪ ،‬يعرف ما له وما عليه ‪..‬‬
‫كما في الكتاب والسنة ‪ ..‬وبالتالي فإن كتابة دستور مختصر مستنبطة أحكامه من الكتاب والسنة‪،‬‬
‫في نقاط وبنود محددة‪ ،‬يسهل ـ على الحاكم والمحكوم ـ الرجوع والوقوف عليها لمن يطلبها‪ ،‬وتكون‬
‫تفوت على كثير من الحكام فرصة الوقوف تحت‬
‫ملزمة للجميع ‪ ..‬مصلحة راجحة ال يستهان بها ‪ّ ..‬‬

‫مظلة اإلسالم ‪ ..‬والحكم باسم اإلسالم ‪ ..‬بينما هم في واقعهم ال يحكمون باإلسالم ‪ ..‬وال يعرفون‬
‫ما يأخذون من اإلسالم‪ ،‬وما يلزمهم من اإلسالم ‪ ..‬وما ال يلزمهم ‪ ..‬كما أن الرعية ال تعرف على وجه‬
‫التحديد والدقة ما يلزم الحكام نحو أنفسهم‪ ،‬ونحو رعيتهم ‪ ..‬وما يلزم الرعية نحو حكامهم ‪ ..‬من‬
‫حقوق وواجبات متبادلة ‪ ..‬فتتحقق ـ بسبب هذا الجهل ـ المخالفة لإلسالم ‪ ..‬ويقع الظلم والطغيان‬
‫‪ ..‬ثم بعد ذلك يحسب الجميع أنهم ممن يحسنون صنعاً!‬
‫لذا من الحكام المعاصرين ‪ ..‬ال يقبلون أن يصيغوا دستوراً لبالدهم ينظم طريقة حكمهم‪،‬‬
‫والعالقة بينهم وبين الناس ‪ ..‬يبين ما لهم وما عليهم ‪ ..‬حتى تبقى الفرصة سانحة لهم في أن يحكموا‬
‫البالد والعباد ‪ ..‬كيفما شاؤوا ‪ ..‬وبالطريقة التي يشاؤون ‪ ..‬ويتصرفوا كمالك لألرض ومن عليها ‪..‬‬
‫ٍ‬
‫كحكام مستأجرين‪ ،‬ومستأمنين!‬
‫وليس‬
‫ويقال كذلك‪ :‬إذا الشريعة قد أمرتنا بكتابة عقود البيع والشراء‪ ،‬وال ّدين ‪ ..‬حرصاً على أداء‬

‫الحقوق‪ ،‬وحفاظاً عليها ‪ ..‬فما الذي يمنع ـ شرعاً ـ من كتابة العقود التي تنظم العالقة‪ ،‬والحقوق‬
‫والواجبات ‪ ..‬فيما بين الحاكم والمحكوم ‪ ..‬وقد تقدم معنا أن النبي ‪ ‬قد فعل شيئاً من ذلك عندما‬
‫كتب وثيقة المدينة؟‬

‫‪ -16‬الشريعة اإلسالمية‪ :‬الشريعة لغة‪ :‬تعني الطريقة أو السبيل‪ ،‬والسنّة‪ ،‬والمذهب‪،‬‬
‫والمنهج ‪ ..‬واصطالحاً‪ :‬فهي تعني جميع الشرائع واألحكام العلمية ـ كالعقائد ـ والعملية ـ كاألحكام‬
‫والشرائع المتعلقة بالسلوك اإلنساني‪ :‬العبادات‪ ،‬والمعامالت‪ ،‬والحدود‪ ،‬والحقوق‪ ،‬واألخالق‪،‬‬
‫واآلداب‪ ،‬والسياسات وغيرها ـ الخاصة والعامة‪ ،‬الشاملة لجميع مناحي الحياة‪ ،‬الثابتة في الكتاب‬
‫والسنة النبوية‪ ،‬والشاملة لجميع ما أمر اهلل ورسوله ‪ ‬به فرضاً ونفالً‪ ،‬وجميع ما نهى اهلل تعالى‬
‫ُّ‬
‫وأدباً‪.‬‬
‫ورسوله صلى اهلل عليه وسلم عنه تحريماً َ‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪21‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫َ ْ ُ َ ْ َ ُ َ َ َ َ ُّ َ َ َ ذ ْ َ ْ َ ُ ْ َ ذ َ َ َ ْ َ ُ‬
‫ِك‬
‫قال تعالى‪ :‬فاحكم بينهم بِما أنزل اَّلل وال تتبِع أهواءهم عما جاءك مِن اْل ِق ل ٍ‬
‫ُ ْ ْ ًَ ْ ً‬
‫َ َ َْ‬
‫ِشعة َومِن َهاجا ‪‬المائدة‪. 2:‬‬
‫جعلنا مِنكم ِ‬
‫ْ َ ً َ َْ ً‬
‫ال‬
‫سبي‬
‫أي‬
‫‪:‬‬
‫ومجاهد‬
‫والحسن‪،‬‬
‫عباس‪،‬‬
‫ابن‬
‫قال‬
‫؛‬
‫]‬
‫قال البغوي في التفسير‪ِِ [ :‬شعة ومِنهاجا‬
‫ً‬
‫وسنّة ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫َ‬
‫َ َْ ْ َ ذ َْ ََ َذ ْ َ ْ َ ذ َ َ‬
‫ْ‬
‫وقال تعالى‪ُ :‬ث ذم َج َعلنَ َ‬
‫اك َلَع َِش َ‬
‫يع ٍة مِن اْلمرِ فاتبِعها وال تتبِع أهواء اَّلِين ال‬
‫ِ‬
‫َْ َ‬
‫َيعل ُمون ‪‬الجاثية‪.22:‬‬
‫قال القرطبي في التفسير‪ :‬قال قتادة‪ :‬الشريعة األمر والنهي‪ ،‬والحدود والفرائض ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫وقال ابن تيمية في الفتاوى ‪ : 02/29‬والتحقيق أن الشريعة التي بعث اهلل بها محمداً ‪‬‬

‫والعامة‬
‫جامعة لمصالح الدنيا واآلخرة ‪ ...‬لكن قد يغير أيضاً لفظ الشريعة عند أكثر الناس‪ ،‬فالملوك‬
‫ّ‬

‫عندهم أن الشرع والشريعة اسم لحكم الحاكم‪ ،‬ومعلوم أن القضاء فرع من فروع الشريعة‪ ،‬وإال‬
‫فالشريعة جامعة لكل والية‪ ،‬وعمل فيه صالح الدين والدنيا‪ ،‬والشريعة إنما هي كتاب اهلل وسنة رسوله‪،‬‬

‫وما كان عليه سلف األمة في العقائد واألحوال والعبادات واألعمال‪ ،‬والسياسات واألحكام‪،‬‬
‫والواليات والعطيات ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫ومنه تعلم خطأ من يحصر الشريعة بالحدود الشرعية‪ ،‬أو بالمطالبة بتطبيق بعض الحدود‬
‫الشرعية ‪ ...‬الحدود الشرعية هي جزء من الشريعة ‪ ..‬لكنها ليست كل الشريعة كما يظن البعض ‪..‬‬
‫حتى أن من الناس من يظن أن الحاكم لو طبق بعض الحدود الشرعية‪ ،‬المتعلقة ببعض الجنايات ـ‬
‫السرقة‪ ،‬والزنى‪ ،‬وشرب الخمر ـ فقد طبقت الشريعة ‪ ..‬مهما حصل بعد ذلك من تفريط وتقصير في‬
‫الجوانب األخرى من الشريعة ‪ ..‬والمتعلقة ببقية شؤون الحياة!‬
‫وكان من آثار هذا الفهم الخاطئ للشريعة ‪ ..‬تنفير عوام الناس عن الشريعة وأحكامها ‪..‬‬
‫وإعطاء صورة خاطئة عن الشريعة ‪ ..‬وأنها قاصرة عن تلبية حاجيات ومتطلبات العصر ‪ ..‬ألن الشريعة‬
‫في ذهنهم ـ كما ص ّور لهم ـ محصورة في بعض العقوبات على بعض الجنايات ‪ ..‬وحسب!‬

‫قال ابن تيمية رحمه اهلل في الفتاوى ‪ : 20/29‬وهذه جملة تفصيلها يطول‪ ،‬غلط فيها‬

‫سوغوا لنفوسهم الخروج عن شريعة اهلل ورسوله‪ ،‬وطاعة اهلل ورسوله؛ لظنهم‬
‫صنفان من الناس‪ :‬صنف ّ‬

‫قصور الشريعة عن تمام مصالحهم جهالً منهم‪ ،‬أو جهالً وهوى‪ ،‬أو هوى محضاً‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪22‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وصنف قصروا في معرفة قدر الشريعة‪ ،‬فضيقوها حتى توهموا هم والناس أنه ال يمكن العمل‬
‫بها‪ ،‬وأصل ذلك الجهل بمسمى الشريعة‪ ،‬ومعرفة قدرها وسعتها ا‪ -‬هـ‪.‬‬

‫ثم أن من أهل العلم من أشار عند حديثه عن الشريعة إلى ثالثة أقسام‪:‬‬
‫أوهلا‪ :‬الشرع املنزَّل‪ :‬وهو الشرع الثابت في الكتاب‪ ،‬والسنة الصحيحة ‪ ..‬وهو الشرع‬
‫َ‬
‫َ َ ْ‬
‫الملزم لألمة‪ ،‬الذي ال يجوز مخالفته أو معارضته في شيء‪ ،‬كما قال تعالى‪َ :‬و َما َكن ل ُِمؤم ٍِن َوال‬
‫ذ ُ َ َ ُ ُُ َ ْ ً َ َ ُ َ َُ ُ ْ‬
‫ْ‬
‫َ َ َ‬
‫ِريةُ م ِْن أ َ ْمره ِْم َو َمن َي ْع ِص ذ َ‬
‫اْل َ َ‬
‫اَّلل َو َر ُس َ ُ‬
‫وَل‬
‫ُمؤم َِن ٍة إِذا قِض اَّلل ورسوَل أمرا أن يكون لهم‬
‫ِ‬
‫َ َ ْ َ ذ َ َ ً ُّ ً‬
‫َ َ ُّ َ ذ َ َ ُ َ ُ َ ُ َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ي‬
‫فقد ضل ضَلال مبِينا ‪‬األحزاب‪ . 2:‬وقال تعالى‪ :‬يا أيها اَّلِين آمنوا ال تقدِموا بني يد ِ‬
‫ذ‬
‫َ‬
‫اَّلل إ ذن ذ َ‬
‫وَل ِ َو ذات ُقوا ذ َ‬
‫اَّلل ِ َو َر ُس ِ‬
‫اَّلل َس ِميع عل ِيم ‪‬الحجرات‪.2:‬‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ َ َ َ‬
‫ُْ ُ َ َ ذ َُ ُ َ َ َ َ َ ََُْ ْ ُ ذ‬
‫َي ُدوا ِِف‬
‫وقال تعالى‪ :‬فَل وربِك ال يؤمِنون حَّت ُيكِموك فِيما شجر بينهم ثم ال ِ‬
‫َُْ ْ َ َ ً ذ َ َ ْ َ ََُ ُ َ‬
‫ً ‪20‬‬
‫ْ‬
‫سهِم حرجا مِما قضيت ويسل ِموا تسل ِيما[ ] ‪‬النساء‪.25:‬‬
‫أنف ِ‬
‫َ‬
‫َ َ ذ ُ ْ َ ُّ ْ ذ‬
‫اَّلل َو َر ُس َ ُ‬
‫وَل ‪‬؛ أي خالفوا اهلل ورسوله ‪ ،‬ووقفوا في‬
‫وقال تعالى‪ :‬ذل ِك بِأنهم شآقوا‬
‫َ‬
‫ذ َ َ ُ َُ َ ذ ذ‬
‫وَل فإِن اَّلل‬
‫الشق المغاير والمخالف للش ِّق الذي يرضي اهلل ورسوله ‪َ  ‬و َمن يُشاق ِِق اَّلل ورس‬
‫َ ُ ْ َ‬
‫اب ‪‬األنفال‪.2 :‬‬
‫شدِيد العِق ِ‬
‫ثانيها‪ :‬الشّرع املؤوّل‪ :‬وهو نتاج اجتهاد المجتهدين من علماء اإلسالم‪ ،‬مما يجوز فيه‬

‫االجتهاد ‪ ..‬وهذا الشرع ينظر فيه؛ فما وافق منه الشرع المنزل عمل به ‪ ..‬وما خالفه رد ‪ ..‬إذ ال‬
‫طاعة وال متابعة لمخلوق ـ أياً كان هذا المخلوق ـ في مخالفة الحق ‪ ..‬وإنما تكون الطاعة والمتابعة‬
‫في المعروف‪ ،‬وفيما يوافق الحق ‪ ..‬وإن كان لصاحبه أجراً على اجتهاده‪ ،‬كما في الحديث الصحيح‪":‬‬
‫إذا حكم الحاكم فاجتهد‪ ،‬ثم أصاب فله أجران‪ ،‬وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر " البخاري‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫قال ابن القيم في تفسير اآلية‪ ":‬أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسماً مؤكداً النفي قبله‪ ،‬عدم إيمان الخلق حتى‬

‫يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من األصول والفروع‪ ،‬وأحكام الشرع‪ ،‬وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها‪،‬‬

‫ولم يثبت لهم اإليمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج؛ وهو ضيق الصدر‪ ،‬وتنشرح صدورهم لحكمه‬
‫كل اإلنشراح وتنفسح له كل االنفساح‪ ،‬وتقبله كل القبول‪ .‬ولم يثبت لهم اإليمان بذلك أيضاً حتى ينضاف إليه‬

‫مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة‪ ،‬وانتفاء المعارضة واالعتراض "ا‪ -‬هـ‪ .‬عن كتاب التبيان في أقسام‬

‫القرآن‪.100 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪23‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫قال اإلمام أبو حنيفة رحمه اهلل‪ ":‬إذا صح الحديث فهو مذهبي ‪ ..‬ال يحل ٍ‬
‫ألحد أن يأخذ‬
‫بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه ‪ ..‬حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكالمي ‪ ..‬فإننا بشر‪،‬‬
‫نقول القول اليوم‪ ،‬ونرجع عنه غداً "‪.‬‬

‫ونحوه قول اإلمام مالك بن أنس رحمه اهلل‪ :‬إنما أنا بشر أخطئ وأصيب‪ ،‬فانظروا في رأيي‪،‬‬

‫فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه‪ ،‬وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه ‪ ..‬ليس أحد بعد النبي‬
‫‪ ‬إال يؤخذ من قوله وي َترك‪ ،‬إال النبي ‪." ‬‬

‫وقال اإلمام الشافعي رحمه اهلل‪ ":‬إذا صح الحديث فهو مذهبي ‪ ..‬أجمع المسلمون على أن‬
‫من استبان له سنة عن رسول اهلل ‪ ‬لم يحل له أن يدعها لقول ٍ‬
‫أحد ‪ ..‬إذا وجدتم في كتابي خالف‬

‫سنة رسول اهلل ‪ ‬فقولوا بسنة رسول اهلل ‪ ،‬ودعوا ما قلت ‪ ..‬كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول‬
‫اهلل ‪ ‬عند أهل النقل بخالف ما قلت؛ فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي "‪.‬‬
‫وقال اإلمام أحمد بن حنبل رحمه اهلل‪ ":‬من ر ّد حديث رسول اهلل ‪ ‬فهو على شفا هلكة ‪..‬‬

‫ال تقلدني وال تقلد مالكاً وال الشافعي‪ ،‬وال األوزاعي‪ ،‬وال الثوري‪ ،‬وخذ من حيث أخذوا ‪ ..‬ال تقلد‬
‫دينك أحداً من هؤالء‪ ،‬ما جاء عن النبي ‪ ‬وأصحابه فخذ به‪ ،‬ثم التابعين‪ ،‬ثم هو بعد التابعين مخير‬

‫"[‪ .]22‬هذا كالم كبار األئمة في الشرع المؤول ‪ ..‬وفيما يخالف من أقوالهم واجتهاداتهم صريح‬
‫السنة أو الشرع المنزل ‪ ..‬فما بالك بمن هم دونهم من أهل العلم ‪ ..‬فعالم المقلدون يتعصبون ‪..‬‬
‫ويختلفون ‪ ..‬ويتدابرون ‪ ..‬ويوالون ويعادون على أقوالهم وآرائهم ‪ ..‬في الصواب والخطأ سواء ‪ ..‬وقد‬
‫تقدمت أقوال األئمة رحمهم اهلل في النهي عن ذلك؟!‬
‫ثالثها‪ :‬الشّرع املبدَّل‪ :‬وهو نتاج أهل األهواء والبدع‪ ،‬والضالل ‪ ..‬من المحدثات والبدع‬
‫المخالفة للشرع المنزل ‪ ..‬وهذا النوع من الشرع الباطل كله مردود ومرفوض ‪ ..‬حتى لو جاء تحت‬
‫عباءة الدين ورجاالت الدين ‪ ..‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه‬

‫فهو ردٌّ " متفق عليه‪ .‬وقال ‪ ":‬من صنع أمراً على غير أمرنا فهو رد "[‪.]29‬‬

‫‪22‬‬

‫انظر جميع ما تقدم من آثار عن األئمة األربعة ـ رحمهم اهلل ـ في مقدمة كتاب " صفة صالة النبي ‪ ،" ‬للشيخ‬

‫محمد ناصر الدين األلباني‪ ،‬رحمه اهلل‪.‬‬

‫‪ 29‬صحيح الجامع‪.2 29 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪24‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ٍ‬
‫كل ٍ‬
‫ٍ‬
‫ضاللة في‬
‫كل‬
‫كل‬
‫وقال ‪ُّ ":‬‬
‫بدعة ضاللةٌ‪ ،‬و ُّ‬
‫محدثة بدعةٌ‪ ،‬و ُّ‬
‫شر األمور محدثاتها‪ ،‬و ُّ‬
‫النار"[‪.]10‬‬
‫قال ابن تيمية في الفتاوى ‪ : 02/29‬ثم هي ـ أي الشريعة ـ مستعملة في كالم الناس على‬
‫ع‬
‫تأول؛ وهو ما ساغ فيه االجتهاد‪ .‬وشر ٌ‬
‫ثالثة أنحاء‪ :‬شرع منزل؛ وهو ما شرعه اهلل ورسوله‪ .‬وشرع م ّ‬
‫مب ّدل؛ وهو ما كان من الكذب والفجور الذي يفعله المبطلون بظاهر من الشرع‪ ،‬أو البدع‪ ،‬أو‬
‫الضالل الذي يضيفه الضالون إلى الشرع ا‪ -‬هـ‪.‬‬

‫وقال ‪ : 22/ 5‬ولكن كثيراً من الناس ينسبون ما يقولونه إلى الشرع وليس من الشرع؛ بل‬

‫وافتراء‪ ،‬وهذا هو الشرع المب ّدل الذي يستحق‬
‫يقولون ذلك إما جهالً‪ ،‬وإما غلطاً‪ ،‬وإما عمداً‬
‫ً‬
‫المنزل الذي جاء به جبريل من عند اهلل إلى خاتم المرسلين‪ ،‬فإن‬
‫أصحابه العقوبة‪ ،‬ليس هو الشرع ّ‬
‫ْ َ َ ْ َ َ ْ ُ ْ‬
‫ت فاحكم بَينَ ُه ْم‬
‫المنزل كله عدل ليس فيه ظلم وال جهل‪ ،‬قال تعالى‪ِ :‬إَون حكم‬
‫هذا الشرع ّ‬
‫َ‬
‫ْ ُ ََُْ َ َ ََ‬
‫ذ ذ ُ ُّ ْ ُ ْ‬
‫بالْق ْ‬
‫سط َ‬
‫نزل‬
‫ني ‪‬المائدة‪ . 1:‬وقال تعالى‪َ :‬وأ ِن احكم بينهم بِما أ‬
‫ق‬
‫م‬
‫ال‬
‫ِب‬
‫ُي‬
‫اَّلل‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ط‬
‫س‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ ِ ِ‬
‫ُّ‬
‫اَّلل‪ ‬المائدة‪ . 9:‬فالذي أنزل اهلل هو القسط‪ ،‬والقسط هو الذي أنزل اهلل ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫َ َ ْ َْ َُ ذ ََْ ََ‬
‫َ ً ُ ذ ذ َ َْ ْ ذ ذ َ‬
‫اس بِغريِ عِل ٍم إِن اَّلل ال‬
‫ضل انل‬
‫ِل‬
‫ِبا‬
‫ذ‬
‫ك‬
‫اَّلل‬
‫لَع‬
‫قال تعالى‪ :‬فمن أظلم مِم ِن افَتى‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َْ َْ ذ‬
‫الظالِم َ‬
‫ني ‪‬األنعام‪.2 :‬‬
‫َي ْهدِي القوم‬
‫ِ‬
‫ْ َ َ ْ‬
‫ً‬
‫َ ً ُْ‬
‫ْ‬
‫ُ ْ َ َ َ ْ ُ ذ َ َ َ ُّ َ ُ‬
‫ج َعلتُم مِن ُه َح َراما َو َحَلال قل‬
‫نزل اَّلل لكم مِن رِز ٍق ف‬
‫وقال تعالى‪ :‬قل أرأيتم ما أ‬
‫ُّ َ َ َ ُ ْ َ ْ َ َ‬
‫ََُْ َ‬
‫آَّلل أذِن لكم أم لَع اَّلل ِ تفَتون ‪‬يونس‪ .59:‬وكل من ابتدع بدعة في دين اهلل‪ ،‬أو أحدث في‬
‫دين اهلل ما ليس فيه ‪ ..‬فله نصيب من الوعيد الوارد في اآليات القرآنية المذكورة أعاله‪ ،‬وعلى قدر‬

‫ونوع بدعته وإحداثه في الدين‪.‬‬
‫قلت‪ :‬ومنه يعلم أن ال مكان وال وجود في اإلسالم للدولة الدينية؛ بمعناها الكهنوتي‬
‫الكنسي‪ ،‬كما كان سائداً في القرون الوسطى ‪ ..‬أو بمعناها الشيعي الرافضي‪ ،‬الذي ينظر لولي الفقيه ـ‬
‫وما يصدر عنه ـ نظرة مقدسة‪ ،‬محاطة بسياج من العصمة عن الخطأ والزلل ‪ ..‬وبالتالي فإن الشعوب‬

‫المسلمة عندما تطالب بضرورة تحكيم شرع اهلل تعالى في شؤون البالد والعباد ‪ ..‬وضرورة العودة إلى‬

‫‪ 10‬صحيح سنن النسائي‪.2 20 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪25‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫شرع اهلل تعالى‪ ،‬وإلى تحكيم الشريعة؛ إنما يعنون بذلك التحاكم إلى الشرع المنزل‪ ،‬وما وافق الشرع‬
‫المؤول ‪ ..‬وما وراء ذلك فهو باطل ورد ومرفوض‪.‬‬
‫المنزل من الشرع ّ‬

‫ونحن من أجل ذلك نرفض تلك الصيغة المنصوص عليها في بعض الدساتير العربية‬

‫والمحلية‪ ،‬والتي تقول‪ ":‬الشريعة اإلسالمية هي المصدر األساسي للتشريع ‪ ،" ..‬والتي تعني أن هناك‬
‫مصادر أخرى للتشريع غير مصدر الشريعة اإلسالمية ‪ ..‬وتعني أيضاً اتاحة الفرصة والمجال للتشريع‬
‫المب ّدل‪ ،‬ومن ثم التحاكم إليه ‪ ..‬وهذا ال يجوز‪.‬‬

‫لذا فإن الصيغة التي نستحسنها ونرتضيها‪ ،‬والتي يجب على الشعوب المسلمة أن تطالب بها‬

‫‪ ..‬هي الصيغة التي تنص على أن الشريعة اإلسالمية هي المصدر الوحيد للتشريع‪ ،‬وسن القوانين ‪..‬‬
‫فإن أصر المخالفون على كلمة " األساس أو األساسي "؛ على اعتبار أن هناك نوازل‪ ،‬وأمور تنظيمية‬
‫وإدارية مستجدة تحتاج إلى نوع اجتهاد وتقنين من قبل ذوي العلم والخبرة واالختصاص ‪ ..‬وهو ما‬
‫المؤول " ‪ ..‬فإنه يضاف على الصيغة الواردة أعاله قيد ضروري‪ ،‬يقول‪":‬‬
‫اتفق عليه من قبل " بالشرع ّ‬
‫وأيما قانون يتعارض مع الشريعة اإلسالمية فهو رد "‪ ،‬فيكون النص كامالً كالتالي‪ ":‬الشريعة اإلسالمية‬
‫هي المصدر األساسي للتشريع‪ ،‬وأيما قانون يتعارض مع الشريعة اإلسالمية فهو رد "‪ .‬فبهذا القيد‪،‬‬

‫يستقيم المعنى‪ ،‬ويتحقق المطلوب‪ ،‬ويرفع الحرج بإذن اهلل[‪.]12‬‬

‫‪12‬‬

‫قال الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان ‪ :2 /‬اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي‬

‫تحكيمه الكفر بخالق السماوات واألرض‪ ،‬وبين النظام الذي ال يقتضي ذلك‪ .‬وإيضاح ذلك أن النظام قسمان‪:‬‬

‫إداري‪ ،‬وشرعي‪ .‬أما اإلداري الذي يراد به ضبط األمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع‪ ،‬فهذا ال مانع منه‪ ،‬وال‬
‫مخالف فيه من الصحابة‪ ،‬فمن بعدهم‪ .‬وقد عمل عمر رضي اهلل عنه من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النبي‬
‫صلى اهلل عليه وسلم؛ ككتبه أسماء الجند في ديوان ألجل الضبط‪ ،‬ومعرفة من غاب ومن حضر كما قدمنا إيضاح‬

‫المقصود منه في سورة "بني إسرائيل" في الكالم على العاقلة التي تحمل دية الخطأ‪ ،‬مع أن النبي صلى اهلل عليه‬
‫وسلم لم يفعل ذلك‪ ،‬ولم يعلم بتخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك إال بعد أن وصل تبوك صلى اهلل عليه وسلم‪.‬‬

‫وكاشترائه ـ أعني عمر رضي اهلل عنه ـ دار صفوان بن أمية وجعله إياها سجناً في مكة المكرمة‪ ،‬مع أنه صلى اهلل عليه‬

‫وسلم لم يتخذ سجناً هو وال أبو بكر‪ .‬فمثل هذا من األمور اإلدارية التي تفعل إلتقان األمور مما ال يخالف الشرع‪،‬‬
‫ال بأس به؛ كتنظيم شئون الموظفين‪ ،‬وتنظيم إدارة األعمال على وجه ال يخالف الشرع‪ .‬فهذا النوع من األنظمة‬
‫الوضعية ال بأس به‪ ،‬وال يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة ا‪ -‬هـ‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪26‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ـ خصـائـص الشـريعــة اإلســالميــة‪:‬‬

‫قد انفردت الشريعة اإلسالمية بخصائص وصفات عظيمة‪ ،‬ال توجد في غيرها من الشرائع‬

‫األرضية والوضعية ‪ ..‬منها‪:‬‬
‫‪ -1‬أنها ربانية املصدر‪ :‬أي أن الشريعة اإلسالمية صادرة عن اهلل عز وجل؛ فهي منه ‪‬‬
‫مصدراً ووحياً‪ ،‬وتنزيالً‪ ،‬ومن نبيه ‪ ‬تبليغاً وبياناً للناس أجمعين‪.‬‬
‫َ َ َ َ ُّ َ َ‬
‫ذ َ َ َْ َْ َ‬
‫َْ َ ْ ُ‬
‫ك َم َب ْ َ‬
‫ك الْك َِت َ‬
‫ني انلذ ِ‬
‫اس بِما أراك اَّلل وال‬
‫اب بِاْل ِق تلِ ح‬
‫كما قال تعالى‪ :‬إِنا أنزنلا إِِل‬
‫ً‬
‫َ ُ ْ َ‬
‫َ َ‬
‫صيما ‪‬النساء‪ .205:‬فاهلل ‪ ‬هو الذي أنزل الكتاب المتضمن للشريعة‪ ،‬وهو‬
‫تكن ل ِلخآئِن ِني خ ِ‬
‫الذي يري ويعلّم نبيه ‪ ‬كيف يحكم بين الناس بما أنزل اهلل إليه‪.‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ذ‬
‫َْ ُ َ َ‬
‫نزنلَا َو ذ ُ‬
‫وَل ِ َوانلُّور ذاَّلِي أ َ َ‬
‫وقال تعالى‪ :‬فآمِنُوا بِاَّلل ِ َو َر ُس ِ‬
‫اَّلل ب ِ َما تع َملون خبِري ‪‬‬
‫ِ‬
‫التغابن‪ .2:‬والنور الذي أنزله اهلل تعالى هو كتابه‪ ،‬المتضمن لشرعه وأحكامه‪.‬‬
‫َ َ َ ُ ْ َ َ َ ْ ْ َ َ َ َ َ ُّ‬
‫وقال تعالى‪ِ :‬إَوذا قِيل لهم تعالوا إَِل ما أنزل اَّلل ‪ ‬من الكتاب المتضمن لشرعه‬
‫ََ ْ َ ْ‬
‫َ‬
‫َ َ ُ ُّ َ َ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِإَوَل ذ‬
‫الر ُسو ِل ‪‬؛ ليحكم بينكم بما أنزل اهلل إليه ‪ ‬رأيت المنافِقِني يصدون عنك‬
‫وأحكامه‪ ،‬‬
‫ً‬
‫ُص ُدودا ‪‬النساء‪.22:‬‬
‫ُّ َ ْ َ ُ َ َ َ َ َ ْ َ َ َ َ ُ ْ َ ْ‬
‫ذ‬
‫َُ َْ َ ُ َ َََ‬
‫َ‬
‫ك ِن اَّلل يشهد بِما أنزل إِِلك أنزَل بِعِل ِمهِ والمآلئِكة يشهدون وكَف‬
‫وقال تعالى‪ :‬ل ِ‬
‫َ ً‬
‫بِاَّلل ِ شهِيدا ‪‬النساء‪ .222:‬فإن كان الكفار يكذبونك يا محمد فيما أنزل إليك ‪ ..‬ويشككون في‬
‫مصدر هذا الكتاب أنه ليس من عند اهلل ‪ ..‬فاهلل تعالى يشهد أن الذي أنزل إليك ـ وهو القرآن الكريم‬

‫ـ هو من عنده ‪ ..‬فهو منه ‪ .. ‬عالماً به‪ ،‬وبما فيه من أحكام وشرائع ‪ ..‬والمالئكة أيضاً يشهدون‬
‫َ ً‬
‫ََ‬
‫بأنه أنزل إليك من اهلل بالحق ‪َ  ..‬وكَف بِاَّلل ِ ش ِهيدا ‪.‬‬
‫َ َ ذ ْ َ ْ ُ َ َ َ َ ُّ َ ُ ْ َ َ ُ ُ ْ َ ُ َ‬
‫وقال تعالى‪ :‬ومن لم ُيكم بِما أنزل اَّلل فأولئِك هم الَكف ِرون ‪‬المائدة‪. :‬‬
‫َ‬
‫َ َ ذ ْ َ ْ ُ َ َ َ ُّ َ ُ َ َ ُ ذ‬
‫أنزل اَّلل فأ ْولئِك ه ُم الظال ُِمون ‪‬المائدة‪. 5:‬‬
‫وقال تعالى‪ :‬ومن لم ُيكم بِما‬
‫َ َ ذ ْ َ ْ ُ َ َ َ َ ُّ َ ُ َ َ ُ ْ َ ُ َ‬
‫نزل اَّلل فأ ْولئِك ه ُم الفاسِقون ‪‬المائدة‪. 0:‬‬
‫وقال تعالى‪ :‬ومن لم ُيكم بِما أ‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪27‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫َ َ ْ ُ َ ْ َ ُ َ َ َ َ ُّ َ َ َ ذ ْ َ ْ َ ُ ْ َ ْ‬
‫اح َذ ْر ُه ْم أَن َي ْفتنُ َ‬
‫وك‬
‫وقال تعالى‪ :‬وأ ِن احكم بينهم بِما أنزل اَّلل وال تتبِع أهواءهم و‬
‫ِ‬
‫ُ ُّ َ‬
‫ذ‬
‫َ َ َ َ ُّ َ َ َ َ ذ ْ َ ْ َ َ ذ‬
‫ُُ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ص َ‬
‫يب ُهم ب ِ َبع ِض ذنوب ِ ِه ْم ِإَون‬
‫عن َبع ِض ما أ‬
‫نزل اَّلل إِِلْك فإِن ت َول ْوا فاعل ْم أن َما يُرِيد اَّلل أن يُ ِ‬
‫َ ً‬
‫ََ ُ َ‬
‫كثِريا مِ َن انلذ ِ‬
‫اس لفاسِقون ‪‬المائدة‪. 9:‬‬
‫َ َ ُّ َ ذ ُ‬
‫ْ‬
‫ذ َ‬
‫ُ َ َ َ‬
‫ك ِإَون لذ ْم َت ْف َع ْل َف َما بَلذ ْغ َ‬
‫ت‬
‫الر ُسول بَل ِغ َما أنزِل إِِلْك مِن ر ِب‬
‫وقال تعالى‪ :‬يا أيها‬
‫ذ ذ َ‬
‫َ َ َ ُ َ ُّ َ ْ ُ َ‬
‫ال َي ْهدِي ال ْ َق ْو َم الْ ََكف ِر َ‬
‫ك م َِن انلذ‬
‫ِ‬
‫ين ‪‬المائدة‪.20:‬‬
‫اَّلل‬
‫ن‬
‫إ‬
‫اس‬
‫صم‬
‫رِساتله واَّلل يع ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ذ ُ ْ َ ُ َ َ ُ‬
‫نزل إِِلْكم مِن ذربِك ْم ‪ ‬من آيات وشرائع وأحكام ‪َ ‬وال‬
‫وقال تعالى‪ :‬اتبِعوا ما أ ِ‬
‫َ‬
‫تَتذب ِ ُعوا ْ مِن ُدونِهِ أ ْو ِِلَاء ‪ ‬وال تتبعوا شرع ٍ‬
‫أحد من دونه ‪ ..‬فتتخذونهم بذلك أولياء وأرباباً من دون‬
‫َ ً ََ ذ َ‬
‫اهلل ‪ ‬قل ِيَل ذما تذك ُرون ‪‬األعراف‪. :‬‬
‫ْ ْ َ‬
‫َ َ َ َ ُّ َ َ ْ َ‬
‫ك الْكِتَ َ‬
‫اب َواْل ِك َمة ‪‬؛ أي القرآن والسنة‪ ،‬فحتى السنة‬
‫وقال تعالى‪ :‬وأنزل اَّلل علي‬
‫َذ َ‬
‫َ َ ُ‬
‫وما تضمنته من أحكام وشرائع فهي منزلة من عند اهلل تعالى بوحي منه‪َ  ،‬وعل َمك َما ل ْم تك ْن‬
‫ً‬
‫ََْ َ َ َ ْ ُ‬
‫ََ َ َ‬
‫تعل ُم َوَكن فضل اَّلل ِ عليْك ع ِظيما ‪‬النساء‪.22 :‬‬
‫وغيرها كثير من اآليات التي تدلل على هذه الخاصية العظيمة الفريدة للشريعة اإلسالمية ‪..‬‬

‫وهي أنها ربانية المصدر ‪ ..‬وهذه جزئية سنعود إليها ـ إن شاء اهلل ـ بشيء من التوسع‪ ،‬عند الحديث‬
‫عن مصدر التشريع‪.‬‬

‫ٍ‬
‫ضعف‪،‬‬
‫‪ -2‬الكمال‪ ،‬واالكتمال‪ :‬أعني بالكمال؛ الكمال المطلق الذي ال يعتريه أي نقص أو‬

‫أو قصور ‪ ..‬والجمال المطلق‪ ،‬الذي يتنافى مع أدنى درجات القبح ‪ ..‬فكل شعيرة أو شريعة من‬
‫شرائع اإلسالم لها صفة الكمال المطلق‪ ،‬والجمال المطلق؛ ألنها مستمدة ممن له الكمال المطلق‪،‬‬
‫والجمال المطلق في جميع أسمائه الحسنى‪ ،‬وصفاته العليا ‪ ..‬والتي من مقتضاها أن ال يصدر عنه‬
‫‪ ‬إال الكمال‪ ،‬والجمال‪.‬‬
‫ْ‬
‫َْ ُ‬
‫َ‬
‫َْ ََ ْ ََ ْ َ ْ َ‬
‫ْ َ‬
‫َ َ‬
‫ِيد‪‬‬
‫ِيم َح ٍ‬
‫ني يديهِ وال مِن خلفِهِ تزنِيل مِن حك ٍ‬
‫قال تعالى‪ :‬ال يأت ِيهِ اْلاطِل مِن ب ِ‬
‫فصلت‪. 1:‬‬
‫قال ابن كثير في التفسير‪ :‬أي ليس للبطالن إليه سبيل ألنه منزل من رب العالمين‪ ،‬ولهذا‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫ِيد ]؛ أي حكيم في أقواله وأفعاله حميد بمعنى محمود أي في جميع‬
‫ِيم َح ٍ‬
‫قال‪ [:‬تزنِيل مِن حك ٍ‬

‫ما يأمر به‪ ،‬وينهى عنه الجميع محمودة عواقبه وغاياته ا‪ -‬هـ‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪28‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ْ‬
‫َ‬
‫ََ َ‬
‫ْ َ ً‬
‫َ ُْ َ َ َ َ‬
‫َ ْ‬
‫وقال تعالى‪ :‬أفَل َيتَ َدبذ ُرون الق ْرآن َول ْو َكن م ِْن عِن ِد غريِ اَّلل ِ ل َو َج ُدوا فِيهِ اختَِلفا‬

‫َ ً‬
‫كثِريا ‪‬النساء‪ .21:‬أي لوجدوا فيه اختالفاً كثيراً في نظمه‪ ،‬ومعانيه‪ ،‬وبالغته ‪ ..‬وأحكامه وشرائعه ‪..‬‬
‫عمن له الكمال والجمال في جميع أسمائه الحسنى وصفاته العليا ‪ ..‬فأنّى لهم أن‬
‫أما وأنه صادر ّ‬
‫يجدوا فيه شيئاً من ذلك االختالف!‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ ذ‬
‫َ‬
‫ُ ْ ْ َ َ ُْ‬
‫َ ُ َ‬
‫َْ َ‬
‫ُ َ‬
‫اْل ُّن لَع أن يَأتوا ب ِ ِمث ِل هذا الق ْرآ ِن ال يَأتون‬
‫وقال تعالى‪ :‬قل لئ ِ ِن اجت َمع ِ‬
‫اإلنس و ِ‬
‫ت ِ‬
‫َ ً‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ َ َ ْ ُ‬
‫ب ِ ِمثلِهِ َول ْو َكن َبعض ُه ْم ْلِ َع ٍض ظ ِهريا ‪‬اإلسراء‪ .22:‬ألن هذه القرآن العظيم وما تضمنه من آيات‬

‫عمن له الكمال المطلق‪،‬‬
‫وأحكام وشرائع ‪ ..‬له صفة الكمال المطلق‪ ،‬والجمال المطلق؛ ألنه صادر ّ‬

‫والجمال المطلق في جميع أسمائه الحسنى وصفاته العليا ‪ ..‬واألنس والجن ليسوا كذلك ‪ ..‬بل‬
‫َ َُْ ْ ْ َ َ‬
‫صفاتهم مجبولة على القصور والضعف‪ ،‬والجهل ‪ ..‬ومن كان كذلك أنّى لهم [ أن يأتوا ب ِ ِمث ِل هـذا‬
‫ْ‬
‫الْ ُق ْرآن ] أو [ ب ُس َ‬
‫ورةٍ مِن مِثلِهِ ]البقرة‪ .1 :‬ولو كان بعضهم لبعض نصيراً ومعيناً!‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ ً َ‬
‫َ‬
‫ُ َ‬
‫َ ُ ْ‬
‫ْ‬
‫ك َم ْ َ‬
‫اْلاهِل ذِيةِ َيبْغون َو َم ْن أح َس ُن م َِن اَّلل ِ ُحكما ل ِق ْو ٍم يُوق ِنُون‪‬‬
‫وقال تعالى‪ :‬أفح‬

‫المائدة‪ .50:‬سؤال يفيد التعجب‪ ،‬والتوبيخ‪ ،‬والتقريع ‪ ..‬هل يوجد من حكمه وشرعه مثل أو أحسن‬

‫من حكم وشرع اهلل تعالى ‪..‬؟!‬
‫هذا ال يمكن حدوثه أو تصوره ‪ ..‬لسعة الفارق الكبير بين صفات المخلوق المجبولة على‬
‫الضعف والجهل‪ ،‬والقصور ‪ ..‬وبين صفات الخالق ‪ ‬العليا‪ ،‬التي لها الكمال‪ ،‬والمنزهة عن النقص‬
‫َشء َو ُه َو ذ‬
‫ص ُ‬
‫الس ِم ُ‬
‫أو القصور‪ ،‬والمثيل ‪ ..‬كما قال تعالى‪ :‬لَيْ َس َك ِمثْلِهِ َ ْ‬
‫ري ‪‬الشورى‪.22:‬‬
‫يع اْلَ ِ‬

‫فكما ليس لذاته وصفاته ‪ ‬مثيل أو شبيه ‪ ..‬كذلك ليس ألفعاله ‪ ..‬مثيل أو شبيه‪.‬‬
‫َ ذُ َْ‬
‫َ َْ ُ َ َ‬
‫َْ َ ذ َ َ ْ ُ َ‬
‫ُ‬
‫َش ٍء إ ذن ذ َ‬
‫اَّلل ُهوَ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫قال تعالى‪ :‬واَّلل يق ِِض بِاْل ِق واَّلِين يدعون مِن دونِهِ ال يقضون ب ِ‬
‫ذ ُ ْ‬
‫ص ُ‬
‫ري ‪‬غافر‪ .10:‬ال يقضون بشي ء؛ لسعة الفارق ـ الذي ليس له حد ـ بين صفات الخالق‬
‫الس ِم‬
‫يع اْلَ ِ‬

‫‪ ‬العليا‪ ،‬والتي تتسم بالكمال المطلق ‪ ..‬وبين صفات المخلوق التي تتسم ـ مهما بلغت من درجات‬
‫القوة والعلم ـ بالضعف‪ ،‬والعجز‪ ،‬والنقص‪ ،‬والقصور!‬
‫حب الجمال " مسلم‪ .‬وهذا‬
‫وفي الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬إن اهلل‬
‫جميل‪ ،‬ي ّ‬
‫ٌ‬

‫من مقتضاه ولوازمه أن ال يصدر عنه ‪ ‬إال الجميل‪ ،‬واألجمل‪ ،‬واألحسن ‪ ..‬وعليه فمن يرمي شعيرة‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪29‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫أو شريعة من شرائع اإلسالم بالقبح ‪ ..‬أو يصفها بأنها غير جميلة ‪ ..‬فهو يناقض هذا الحديث‪ ،‬وغيره‬

‫من األحاديث والنصوص ‪ ..‬وبمناقضته لها يكفر باهلل العظيم‪ ،‬ويخرج من الدين‪ ،‬والعياذ باهلل[‪.]11‬‬

‫تمت وكملت ‪ ..‬فليس فيها نقص ‪ ..‬لنبحث‬
‫وأعني باالكتمال؛ أي أن الشريعة اإلسالمية قد ّ‬

‫ما يتمم هذا النقص من الشرائع األخرى ‪ ..‬أو عن طريق الذوق‪ ،‬والوجد ‪ ..‬التي لها ـ على اختالف‬
‫مشاربها ـ حكم الهوى‪ ،‬والجاهلية‪.‬‬
‫َ‬
‫ُ َ ُ‬
‫َْ ْ َ َ ْ َ ْ ُ َ ُ ْ َ ُ ْ َ ْ َ ْ ُ َ َْ ُ ْ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫كمُ‬
‫ضيت ل‬
‫قال تعالى‪ :‬اِلوم أكملت لكم دِينكم وأتممت عليكم ن ِعم َِّت ور ِ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫اإل ْسَل َم دِينا ‪‬المائدة‪. :‬‬
‫ِ‬
‫وأيما إحداث في الدين ما ليس فيه فهو رد‪ ،‬كما في الحديث‪ ،‬قال ‪ ":‬من أحدث في أمرنا‬

‫هذا ما ليس فيه فهو ردٌّ " متفق عليه‪ .‬وقال ‪ ":‬من صنع أمراً على غير أمرنا فهو رد "[ ‪.]1‬‬

‫كل بدعة ضاللة " مسلم‪.‬‬
‫وقال ‪ُّ ":‬‬
‫شر األمور محدثاتها‪ ،‬و ُّ‬
‫ٍ‬
‫كل ٍ‬
‫ٍ‬
‫ضاللة في‬
‫كل‬
‫كل‬
‫وقال ‪ُّ ":‬‬
‫بدعة ضاللةٌ‪ ،‬و ُّ‬
‫محدثة بدعةٌ‪ ،‬و ُّ‬
‫شر األمور محدثاتها‪ ،‬و ُّ‬
‫النار"[ ‪.]1‬‬
‫‪ -3‬الشمول‪ ،‬واالستيعاب‪ :‬فالشريعة اإلسالمية شاملة لجميع مناحي وميادين حياة اإلنسان‬
‫الدينية التعبدية‪ ،‬واالقتصادية‪ ،‬والسياسية‪ ،‬واالجتماعية‪ ،‬واألخالقية وغيرها ‪ ..‬كما أنها تستوعب‬
‫جميع متطلباته وحاجياته المستجدة‪ ،‬فال تدعه يحتاج إلى الشرائع األخرى ‪ ..‬فحاشا الخالق وتنزه ‪‬‬

‫عن أن يخلق العباد ‪ ..‬ثم يتركهم يحتاجون إلى شرع وحكم غيره‪.‬‬

‫‪ 11‬فإن قيل‪ :‬قد قدر اهلل تعالى في الوجود أشياء قبيحة ‪ ..‬فاهلل تعالى خالق القبح والجمال ‪ ..‬وهذا يتنافى مع ما‬
‫قدمت وذكرت؟‬

‫أقول‪ :‬ال يتنافى‪ ،‬وال يتناقض وهلل الحمد ‪ ..‬فهذا القبيح ال ينبغي أن تنظر إليه مستقالً ومنفرداً ‪ ..‬بعيداً عن األسباب‬
‫ٍ‬
‫فحينئذ تدرك بعض األسرار والجمال‬
‫والغايات من وجوده ‪ ..‬وإنما تنظر إليه كجزء من اللوحة الكونية ككل ‪..‬‬

‫والعظمة ‪ ..‬وتعلم أن اللوحة العامة ال تكتمل‪ ،‬وال تكون جميلة ‪ ..‬من دون هذا الجزء القبيح!‬

‫فإن فاتتك الحكمة ‪ ..‬ولم تقدر على رؤية الجمال في مجموع اللوحة ‪ ..‬فعليك باإليمان‪ ،‬والتسليم‪.‬‬

‫‪ 1‬صحيح الجامع‪.2 29 :‬‬

‫‪ 1‬صحيح سنن النسائي‪.2 20 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪30‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ََ َ ْ َذ َ َْ ُ َ ً‬
‫حسِبتُ ْم أن َما خلقنَاك ْم عبَثا ‪‬؛ من غير غاية ‪ ..‬وال شريعة تلتزمونها‪،‬‬
‫قال تعالى‪ :‬أف‬
‫َ‬
‫َذ ُ َ َ ُ‬
‫َ َ َ َ ذ ُ ْ َ ُ َْ َ َ ذ ُ‬
‫اْل ُّق ال إ ِ ََل إِال ه َو‬
‫توصلكم إلى هذه الغاية ‪َ ‬وأنك ْم إِِلْنَا ال ت ْر َج ُعون * فتعاَل اَّلل المل ِك‬
‫ْ‬
‫ْ َ‬
‫َر ُّب ال َع ْر ِش الكرِي ِم ‪‬المؤمنون ‪.222-225:‬‬
‫َ َذ َْ َ َْ َ ْ َ َ َْ ً ُ َ‬
‫َشء َو ُه ًدى َو َر ْ َ‬
‫َح ًة َوب ُ ْ َ‬
‫ْشى‬
‫ِك‬
‫ْ ٍ‬
‫قال تعالى‪ :‬ونزنلا عليك الكِتاب ت ِبيانا ل ِ‬
‫ل ِل ْ ُم ْسلِم َ‬
‫ني‪ ‬النحل‪ .29:‬فقوله " ل ُِك َ ْ‬
‫َش ٍء "؛ صيغة نكرة تفيد العموم؛ أي فيه كل شيء من أمور‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫الشريعة مما يحتاجه الناس في معاشهم‪ ،‬ومعادهم‪.‬‬
‫قال الشيخ ابن العثيمين رحمه اهلل‪ :‬فما من ٍ‬
‫شيء يحتاج الناس إليه في معادهم ومعاشهم إال‬
‫إيماء‪ ،‬وإما منطوقاً‪ ،‬وإما مفهوماً ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫بينه اهلل تعالى في كتابه إما نصاً أو ً‬
‫ُ‬
‫َ ََ َ ْ‬
‫ُْ َ‬
‫َش ٍء فَ ُر ُّدوهُ إ ََل اَّلل ِ َو ذ‬
‫عتُ ْم ِِف َ ْ‬
‫الر ُسو ِل إِن كنتُ ْم تؤمِنُون‬
‫وكذلك قوله تعالى‪ :‬فإِن تناز‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫َ َ َ ْ ََ ْ َ ُ َ‬
‫بِاَّلل ِ َواِلَ ْو ِم اآلخِرِ ذل ِك خري وأحسن تأوِيَل ‪‬النساء‪.59:‬‬
‫فقوله [ ِِف َ ْ‬
‫َش ٍء ] ؛ صيغة نكرة تفيد العموم؛ أي أي شيء تتنازعون فيه من أمور الدين أو‬
‫الدنيا ‪[ ..‬فَ ُر ُّدوهُ إ ََل اَّلل ِ َو ذ‬
‫الر ُسو ِل ]؛ أي إلى الكتاب‪ ،‬والسنة بعد وفاة النبي ‪ .. ‬واهلل تعالى إذ‬
‫ِ‬
‫يأمرنا بأن نرد النزاعات ‪ ..‬كل النزاعات ‪ ..‬إلى كتابه وسنة رسوله ‪ .. ‬ذلك لتضمن الكتاب والسنة‬

‫جواباً وحالً لكل نزاع مهما كانت طبيعته‪ ،‬ونوعيته ‪ ..‬علم ذلك من علم‪ ،‬وجهل ذلك من جهل ‪ ..‬إذ‬
‫حاشا الخالق ‪ ‬أن يأمرنا برد النزاعات إلى الكتاب والسنة‪ ،‬ثم ال نجد جواباً وال حالً لتلك‬
‫النزاعات!‬
‫وفي الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬إنه ليس شيءٌ يقربكم إلى الجنة إال قد‬
‫أمرتكم به‪ ،‬وليس شيءٌ يقربكم إلى النار إال قد نهيتكم عنه "[‪.]15‬‬
‫وفي رواية‪ ":‬ما تركت شيئاً يقربكم إلى اهلل إال وقد أمرتكم به‪ ،‬وما تركت شيئاً يبعدكم عن اهلل‪،‬‬

‫ويقربكم إلى النار‪ ،‬إال وقد نهيتكم عنه "[‪.]12‬‬

‫ذكر لنا‬
‫وفي األثر عن أبي ذر ‪ ‬قال‪ ":‬ما ترك ُّ‬
‫النبي ‪ ‬طائراً يقلب جناحيه في السماء‪ ،‬إال َ‬

‫منه علماً "‪.‬‬

‫‪ 15‬السلسلة الصحيحة‪.1222 :‬‬

‫‪ 12‬عن كتاب مناسك الحج والعمرة‪ ،‬ص‪ ، 0‬للشيخ محمد ناصر الدين األلباني رحمه اهلل‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪31‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫حتى المصالح المرسلة المعتبرة‪ ،‬المطلقة‪ ،‬المسكوت عنها‪ ،‬التي لم يرد نص في إقرارها أو‬
‫إلغائها على وجه التحديد والتعيين ‪ ..‬قد أشارت إليها نصوص الشريعة إشارة عامة ‪ ..‬ليتنبه إليها‬
‫العباد‪ ،‬فيعملوا على تحصيلها ‪ ..‬فاإلسالم جاء بتحقيق المصالح‪ ،‬وتكثيرها‪ ،‬ودفع المفاسد‪ ،‬وتقليلها‪.‬‬
‫ذ ذ‬
‫من األدلة الجامعة الدالة على ذلك ـ على سبيل المثال ال الحصر ـ‪ :‬قوله تعالى‪ :‬إِن اَّلل‬
‫َُْ ُ َْ ْ َ ْ‬
‫َ‬
‫ان ‪‬النحل‪ .90:‬العدل في كل شيء ‪ ..‬واإلحسان في كل شيء ‪ ..‬ما ذكر‬
‫اإلحس ِ‬
‫يأمر بِالعد ِل و ِ‬

‫بنص‪ ،‬وما لم يذ َكر‪.‬‬
‫منه ٍّ‬

‫َ ََ َُ ْ ََ ْ َ ذْ َ َ َ ََ َُ ْ ََ‬
‫لَع ْ َ ْ ُ ْ َ‬
‫ان ‪‬المائدة‪.1:‬‬
‫وقال تعالى‪ :‬وتعاونوا لَع الِبِ واتلقوى وال تعاونوا‬
‫اإلث ِم والعدو ِ‬
‫ِ‬

‫المة‪ ،‬شاملة لكل ما فيه تعاون على البر والتقوى ‪ ..‬والخير ‪ ..‬ما ورد فيه نص‪ ،‬وما لم‬
‫عامة ّ‬
‫فهذه آية ّ‬
‫يرد ‪ ..‬فالشرع قد أمر به ‪ ..‬وكل ما فيه تعاون على اإلثم والعدوان ‪ ..‬ما ورد فيه نص‪ ،‬وما لم يرد ‪..‬‬
‫فالشرع قد نهى عنه‪.‬‬

‫وفي الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬ال ضرر‪ ،‬وال ضرار "[‪ .]10‬فكل ما فيه ضرر‬

‫في الدين‪ ،‬أو النفس‪ ،‬أو المال ‪ ..‬فهو حرام ‪ ..‬فالحديث شامل للنهي عن جميع أنواع الضرر‪ ،‬ما‬
‫ورد فيه نص معين ‪ ..‬وما لم يرد‪.‬‬

‫وكذلك قوله ‪ ":‬إن اهلل تعالى يحب إذا عمل أحدكم عمالً أن يتقنه "[‪ .]12‬فقوله " عمالً"؛‬

‫صيغة نكرة تفيد العموم؛ أي أي عمل كان عمالً تعبدياً ‪ ..‬أم عمالً صناعياً ‪ ..‬أم زراعياً ‪ ..‬أم تجارياً ‪..‬‬
‫أي عمل مشروع ‪ ..‬ينبغي أن يؤتى على وجه االتقان والدقة ‪ ..‬فاهلل تعالى يحب من عباده ذلك‪.‬‬

‫وكذلك قوله ‪ ":‬المؤمن القوي خير وأحب إلى اهلل من المؤمن الضعيف " مسلم‪ .‬فالحديث‬
‫عام وشامل لجميع ما يدخل من مفردات ومعاني القوة؛ أي القوي في دينه‪ ،‬وإيمانه‪ ،‬والقوي في‬
‫علمه‪ ،‬والقوي‪ ،‬في جسده‪ ،‬والقوي في ماله ‪ ..‬القوي في كل شيء نافع ‪ ..‬فكل هذه األنواع من‬
‫القوة الحديث يشملها ويحض عليها ‪ ..‬والمؤمن ينبغي أن يحرص على تحصيلها وتحقيقها‪.‬‬
‫وكذلك قوله تعالى في الحديث القدسي‪ ":‬يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي‪ ،‬وجعلته‬
‫بينكم محرماً‪ ،‬فال تظالموا " مسلم‪ .‬فالحديث عام وشامل لجميع أنواع الظلم ‪ ..‬وجميع جزئياته مهما‬

‫دقت ‪ ..‬ما ورد فيه نص ‪ ..‬وما لم يرد فيه نص ‪ ..‬فهو جميعه محرم على الناس[‪.]19‬‬
‫‪ 10‬أخرجه أحمد وغيره‪ ،‬صحيح الجامع‪.0520 :‬‬

‫‪ 12‬أخرجه البيهقي في شعب اإليمان‪ ،‬صحيح الجامع‪.2220 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪32‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وغيرها كثير جداً من النصوص العامة التي تحض على تحصيل المصالح سواء ما حدد منها‬

‫بنص ‪ ..‬أو ما أرسل وأطلق منها من غير تحديد ‪ ..‬وإني ألعجب من أناس من بني جلدتنا‪ ،‬يتكلمون‬
‫غربون ‪ ..‬وهم يبحثون عن القوانين والشرائع ـ التي‬
‫يشرقون‪ ،‬وي ّ‬
‫بألسنتنا ‪ ..‬ويتوجهون لقبلتنا ‪ ..‬تراهم ّ‬
‫لها حكم الهوى والجاهلية ـ ليحكموا بها بالد المسلمين ‪ ..‬ونحن في رصيدنا من القيم ‪ ..‬والشرائع‬

‫الربانيّة العظيمة ما يكفي األمم كلها‪ ،‬وإلى يوم القيامة!‬

‫والناس لجهلهم بالشريعة ومقاصدها‪ ،‬إما أنهم يخرجون منها ما هو منها ‪ ..‬فتظهر وكأنها‬

‫ناقصة عاجزة عن تلبية متطلبات وحاجيات العصر ‪ ..‬وبالتالي ال بد من البحث عند اآلخرين ما يتمم‬
‫هذا النقص والقصور ‪ ..‬وإما أنهم يدخلون فيها ما ليس منها‪ ،‬وما ينافيها ‪ ..‬فينسبون إلى الشريعة ما‬
‫ليس من الشريعة ‪ ..‬فيظهرونها وكأنها تقرر أموراً خاطئة ال يمكن متابعتها فيها ‪ ..‬فينفرون الناس عن‬

‫الشريعة‪ ،‬وعن التحاكم إلى الشريعة ‪ ..‬وكال الفريقين يسيئون للشريعة اإلسالمية‪ ،‬ولمقاصدها‪،‬‬
‫وجمالها وكمالها!‬
‫ضلة أفهام‪،‬‬
‫وم َ‬
‫قال ابن القيم رحمه اهلل‪ ،‬في كتابه الطرق الحكمية‪ :‬وهذا موضع مزلّة أقدام‪َ ،‬‬

‫فرط فيه طائفة؛ فعطلوا الحدود‪ ،‬وضيعوا الحقوق‪ ،‬وجرأوا أهل‬
‫وهو مقام ضنك‪ ،‬ومعترك صعب‪ّ ،‬‬
‫الفجور على الفساد‪ ،‬وجعلوا الشريعة قاصرة ال تقوم بمصالح العباد‪ ،‬محتاجة إلى غيرها‪ ،‬وسدوا على‬
‫أنفسهم طرقاً صحيحة من طرق معرفة الحق‪ ،‬والتنفيذ له‪ ،‬وعطلوها مع علمهم ـ وعلم غيرها ـ قطعاً‬
‫أنها حق مطابق للواقع‪ ،‬ظناً منهم منافاتها لقواعد الشرع‪ ،‬ولعمر اهلل إنها لم تناف ما جاء به الرسول‪،‬‬
‫وإن نفت ما فهموه هم من شريعته باجتهادهم‪ ،‬والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة‪،‬‬

‫وتقصير في معرفة الواقع‪ ،‬وتنزيل أحدهما على اآلخر‪.‬‬

‫فلما رأى والة األمور ذلك‪ ،‬وأن الناس ال يستقيم لهم أمر إال بأم ٍر وراء ما فهمه هؤالء من‬

‫وعز‬
‫الشريعة‪ ،‬أحدثوا من أوضاع سياستهم شراً طويالً‪ ،‬وفساداً عريضاً‪ ،‬فتفاقم األمر‪ ،‬وتعذر استدراكه‪ّ ،‬‬
‫على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفس من ذلك‪ ،‬واستنقاذها من تلك المهالك‪.‬‬
‫‪19‬‬

‫اعلم أن العدل‪ ،‬وكذلك الظلم منه ما يدرك بالنص وهذا خاص بالمؤمنين ‪ ..‬ومنه ما يدرك بالعقل والفطرة‬

‫والتجربة ‪ ..‬وهذا المؤمنون والكافرون فيه شركاء ‪ ..‬وما يدرك بالعقل والفطرة والتجربة يجب أن ال يتعارض مع ما‬
‫ٍ‬
‫فحينئذ بطل اعتباره؛ إذ هو ليس من العقل في شيء ‪ ..‬كما أنه ليس من العدل في‬
‫يدرك بالنّص ‪ ..‬فإن تعارض؛‬

‫شيء‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪33‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة‪ ،‬فسوغت من ذلك ـ أي من تلك الشرائع المحدثة‬
‫الباطلة ـ ما ينافي حكم اهلل ورسوله‪ ،‬وكال الطائفتين أتيَت من تقصيرها في معرفة ما بعث اهلل به رسوله‪،‬‬

‫وأنزل به كتابه‪.‬‬

‫فإن اهلل سبحانه أرسل رسله‪ ،‬وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط‪ ،‬وهو العدل الذي قامت به‬
‫األرض والسموات‪ ،‬فإن ظهرت إمارات العدل‪ ،‬وأسفر وجهه بأي طريق كان‪ ،‬فثم شرع اهلل ودينه‪ ،‬واهلل‬
‫سبحانه أعلم وأحكم‪ ،‬وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعالمه بشيء‪ ،‬ثم ينفي ما هو أظهر‬
‫منها وأقوى داللة‪ ،‬وأبين َأمارة‪ ،‬فال يجعله منها‪ ،‬وال يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها‪ ،‬بل قد بين‬

‫سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده‪ ،‬وقيام الناس بالقسط‪ ،‬فأي طريق‬

‫استخرج بها العدل والقسط فهي من من الدين‪ ،‬ليست مخالفة له‪.‬‬
‫فال يقال‪ :‬إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع‪ ،‬بل هي موافقة لما جاء به‪ ،‬بل هي‬
‫جزء من أجزائه‪ ،‬ونحن نسميها سياسة تبعاً لمصطلحكم‪ ،‬وإنما هي عدل اهلل ورسوله‪ ،‬ظهر بهذه‬
‫اإلمارات والعالمات ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫‪ -4‬الثبات‪ :‬فمن خصائص الشريعة اإلسالمية الثبات ‪ ..‬فحاللها حالل إلى يوم القيامة‪،‬‬
‫وحرامها حرام إلى يوم القيامة ‪ ..‬ال يتغير مع الزمان وال اختالف المكان ‪ ..‬وذلك ألنها صادرة عن‬
‫العليم الخبير القدير ‪ ‬الذي يعلم ما كان‪ ،‬وما يكون‪ ،‬وما سيكون ‪ ..‬وما ينفع عباده‪ ،‬وما يضرهم‪،‬‬
‫‪ ..‬مما ظهر وما بطن ‪ ..‬فال مجال ألن يقال‪ :‬كان هذا التشريع جيداً ونافعاً في ٍ‬
‫زمان ‪ ..‬ثم تبين عدم‬
‫جدواه في زم ٍن آخر ‪ ..‬فهذا ال يقال في حق دين اهلل ‪ ..‬فما يقال في حق العباد؛ الذين ال يعرف لهم‬

‫قرار وال ثبات على قانون أو تشريع‪ ،‬لما يعتريهم من صفات النقص والقصور والجهل ‪ ..‬ال يجوز أن‬
‫يقال في حق العليم الخبير العليم بالنافع والضار في كل ٍ‬
‫زمان ومكان ‪ ..‬فهو من الطعن باهلل ‪،‬‬
‫َ َ َ ْ ْ‬
‫ْضبُوا َِّلل ِ‬
‫ونسبة العجز والقصور والجهل إليه ‪ .. ‬وهذا عين الكفر البواح‪ ،‬قال تعالى‪ :‬فَل ت ِ‬
‫ََْ َ ذ ذ َ َْ ُ ََ ُ ْ َ َ َُْ َ‬
‫َ َ ََُْ ْ َذ ذ‬
‫اَّلل َي ْعلَمُ‬
‫اْلمثال إِن اَّلل يعلم وأنتم ال تعلمون ‪‬النحل‪ .0 :‬وقال تعالى‪ :‬ذل ِك تلِ علموا أن‬
‫َ‬
‫َ ُّ‬
‫ََ ذ ذ‬
‫ُ َ ْ َ‬
‫ْ‬
‫َما ِف ذ‬
‫الس َم َ‬
‫ات َو َما ِِف اْلر ِض وأن اَّلل بِك ِل َش ٍء عل ِيم ‪‬المائدة‪ .90:‬وقال تعالى‪ :‬واَّلل‬
‫او ِ‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ْ ْ ذ َ ً‬
‫َْ‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َيعل ُم َما تبْ ُدون َو َما تكتُ ُمون ‪‬المائدة‪ .99:‬وقال تعالى‪َ :‬و َما أوت ِيتُم مِن العِل ِم إِال قل ِيَل‪‬‬
‫اإلسراء‪.25:‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪34‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫حسنونه‬
‫وهذا بخالف شرع من ال يعلمون ‪ ..‬أو من لم يؤتوا من العلم إال قليالً ‪ ..‬فهم ما ي ّ‬

‫اليوم يقبحونه غداً‪ ،‬لما يرون في تحسينهم السابق من قصور وخطأ ‪ ..‬وما يقبحونه اليوم يحسنونه‬
‫غداً؛ لما يرون في تقبيحهم السابق من قصور وخطأ ‪ ..‬والشعوب المحكومة بقوانين هؤالء الذين ال‬
‫يعلمون ‪ ..‬هم الذين يدفعون ضريبة جهل وجاهلية تلك القوانين والشرائع التي تتسم بالتغيير المستمر‬
‫‪ ..‬وهم بالنسبة ألولئك األرباب ـ الذين ال يعلمون‪ ،‬ولم يؤتوا من العلم إال قليالً ـ وقوانينهم وشرائعهم‬
‫جرب عليهم مدى صالحية وسالمة تلك القوانين والشرائع!‬
‫عبارة عن حقل تجارب ت ّ‬

‫‪ -5‬واقعية‪ ،‬تصدق العقل‪ ،‬والعقل يُصدقها‪ :‬الشريعة اإلسالمية والعقل كل منهما يصدق‬

‫اآلخر‪ ،‬ويدل عليه‪ ،‬من غير تدابر وال تنافر ‪ ..‬وال تصادم ‪ ..‬إذ ال يوجد في الشريعة اإلسالمية شيء‬
‫غير واقعي ال يصدقه العقل‪ ،‬وال يتابعه عليه ‪ ..‬أو يوجد شيء في الشريعة اإلسالمية ‪ ..‬يأتي العقل‬
‫فيقول‪ :‬لو لم يوجد هذا ‪ ..‬أو لو وجد هذا بدالً من هذا لكان خيراً وأحسن ‪ ..‬فهذا غير ممكن‬
‫الحصول ‪ ..‬ولو حصل شيء منه يكون هناك خلل يلتمس إما من جهة النقل؛ بحيث يكون غير‬

‫صحيح‪ ،‬وفي ثبوته عن الشارع والشريعة مقال ‪ ..‬أو أن الخلل يكون في العقل ذاته؛ حيث يكون‬
‫ٍ‬
‫حينئذ ليس عقالً ‪ ..‬وإنما هوى ‪ ..‬واتباع الهوى فيما يخالف النقل الصحيح هو ضالل في ضالل‪،‬‬
‫َََ ْ َ َ ذَ َ ََ ُ َ َ ُ َََ َ َ ُ ُ َ َْ َ ً‬
‫قال تعالى‪ :‬أرأيت م ِن اَّتذ إِلهه هواه أفأنت تكون عليهِ وك ِيَل ‪‬الفرقان‪. :‬‬
‫لذا فإن اإلسالم جاء من أجل حماية مقاصد عدة‪ ،‬ال تستقيم الحياة إال بها‪ ،‬منها " العقل "‪،‬‬
‫فاإلسالم حريص جداً على حماية العقل‪ ،‬من أي مؤث ٍر يؤثر عليه وعلى عطائه سلباً ‪ ..‬ولو كان يوجد‬
‫أدنى تنافر أو تدابر بين الشريعة والعقل ‪ ..‬لما حرص عليه اإلسالم هذه الحرص الشديد الذي ال‬

‫تعرفه الشرائع والقوانين األخرى ‪ ..‬ولما حماه من المؤثرات التي تؤثر عليه وعلى عطاءاته سلباً!‬
‫ولهذا التوافق واالنسجام بين النقل الصحيح‪ ،‬والعقل السليم ـ الذي ال تعرفه الشرائع األخرى‬
‫على اختالف مشاربها ومنابتها ـ نجد نصوص الشريعة تستحث عقول المخاطَبين للنظر في صحة‬
‫الشريعة‪ ،‬وما يدعوهم إليه األنبياء والرسل صلوات اهلل وسالمه عليهم أجميعين من اإليمان والشرائع‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫انظ ُروا ْ َماذَا ِف ذ‬
‫ات َواْلَ ْر ِض ‪‬يونس‪ .202:‬وقال تعالى‪َ :‬س ُُنيهمْ‬
‫الس َم َ‬
‫او‬
‫ل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫‪ ..‬قال تعالى‪ :‬ق ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ََ‬
‫ْ َ‬
‫ُ‬
‫َ َ‬
‫سه ْم َح ذَّت يَتَبَ ذ َ‬
‫ني ل َ ُه ْم أنذ ُه ْ َ‬
‫اْل ُّق ‪‬فصلت‪ .5 :‬وقال تعالى‪ :‬أفَل‬
‫اق َو ِِف أنف ِِ‬
‫آيات ِنا ِِف اآلف ِ‬
‫َََُ ذ َ ََ ْ َ َ ذ‬
‫ذ‬
‫َ‬
‫ْ ُ َ‬
‫ْ‬
‫ِين كف ُروا ك َمث ِل اَّلِي َينعِ ُق ب ِ َما ال ي َ ْس َم ُع إ ِال‬
‫َيعقِلون ‪‬يس‪ .22:‬وقال تعالى‪ :‬ومثل اَّل‬
‫ْ ُ َ‬
‫َ ْ ُ َ‬
‫ُ‬
‫د ََعء َون َِداء ُص ٌّم بُكم ع ْْم ف ُه ْم ال َيعقِلون ‪‬البقرة‪ .202:‬فهم ال يعقلون ‪ ..‬ألنهم كفروا بالنقل‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪35‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وجحدوه ‪ ..‬وعارضوه بأهوائهم ‪ ..‬إذ لو كانوا يعقلون‪ ،‬ولهم عقول ‪ ..‬لهدتهم عقولهم إلى الحق‬
‫ذ‬
‫َ َ‬
‫واإليمان ‪ ..‬فاإليمان يهتدي إليه ويستفيد منه من كان له عقل وحسب‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬إِن ِِف ذل ِك‬
‫َ‬
‫ْ ُ َ‬
‫َآلي َ‬
‫ات ل ِق ْو ٍم َيعقِلون ‪‬الرعد‪. :‬‬
‫ٍ‬
‫َ ُ َ ُ‬
‫والكفار يعترفون بهذه الحقيقة يوم القيامة‪ ،‬بأنهم كانوا في دنياهم ال يعقلون‪َ :‬وقالوا ل ْو ك ذنا‬
‫َ ْ‬
‫ن َ ْس َم ُع أ َ ْو َن ْعق ُل َما ُك ذ‬
‫ص َ‬
‫ذ‬
‫ري ‪‬الملك‪.20:‬‬
‫ع‬
‫الس‬
‫اب‬
‫ح‬
‫أ‬
‫ِف‬
‫ا‬
‫ن‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫فإن قيل‪ :‬بما يديرون شؤون دنياهم إن لم يكن لهم عقول ‪..‬؟‬

‫أقول‪ :‬لهم أذهان ‪ ..‬يعرفون من خاللها ظاهر الحياة الدنيا ‪ ..‬دون حقيقتها ‪ ..‬وحقيقة الغاية‬
‫ُ َ ْ‬
‫َ ْ َ ُ َ َ ً َ ْ َ َ ُّ ْ‬
‫ُ‬
‫التي وجدت ألجلها ‪ ..‬كما قال تعالى‪ :‬يعلمون ظاهِرا مِن اْلياة ِ‬
‫ادلن َيا َوه ْم ع ِن اآلخ َِرة ِ ه ْم‬
‫َ ُ َ‬
‫َغف ِلون ‪‬الروم‪.0:‬‬
‫ومنه نعلم أن هذا الصدام العنيف الذي شهدته النصرانية ممثلة بسلطة الكنيسة‪ ،‬وبين العقل‪،‬‬

‫وعطاءاته العلمية ‪ ..‬ال يعرفه اإلسالم‪ ،‬وال يقره ‪ ..‬بل كان على خالفه تماماً ‪ ..‬وبالتالي ال يجوز أن‬

‫جرى على اإلسالم وشرائعه‪ ،‬ما جرى على النصرانية وكنائسها وشرائعها‪ ،‬أو ما قيل ويقال‪ :‬في‬
‫ي َ‬
‫النصرانية وسلطتها الكنسيّة ‪ ..‬فنعادي بين اإلسالم‪ ،‬وبين العقل والعلم ‪ ..‬جرياً وراء العلمانية الغربية‬
‫الداعية إلى فصل الدين ـ أي دين ـ عن الدولة‪ ،‬والحكم والحياة!‬
‫‪ -6‬اليسر‪ ،‬والتيسري‪ :‬من سمات وخصائص الشريعة اإلسالمية أنها قائمة على التيسير على‬
‫ً‬
‫العباد‪ ،‬ما لم يكن معصية ‪ ..‬قال تعالى‪ :‬فَإ ذن َم َع ال ْ ُع ْْس ي ُ ْْسا ً * إ ذن َم َع ال ْ ُع ْ‬
‫ْس ي ُ ْْسا‪‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬

‫الشرح‪ .2-5:‬فبعد العسر يسر‪ ،‬فالعسر ال يعقبه عسر‪ ،‬وإنما يعقبه يسر‪ ،‬وتيسير ‪ ..‬والقاعدة تقول‪:‬‬
‫إذا ضاقت اتسعت ‪ ..‬والضرورات تبيح المحظورات‪.‬‬

‫وفي الحديث فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬ادعوا الناس‪ ،‬وبَ ِّ‬
‫سروا وال‬
‫شروا وال ت ِّنفروا‪ ،‬ويَ ِّ‬

‫سروا " مسلم‪.‬‬
‫تـ َع ِّ‬

‫سروا‪ ،‬وبَ ِّ‬
‫ب أحدكم‬
‫سروا وال تـ َع ِّ‬
‫وقال ‪َ ":‬علِّموا‪ ،‬ويَ ِّ‬
‫شروا وال تـنَـ ِّفروا‪ ،‬وإذا غَض َ‬
‫فليَ ْسكت"[‪.] 0‬‬
‫بالغلو في الدين "[‪.] 2‬‬
‫ك من كان قبلكم ِّ‬
‫وقال ‪ ":‬إياكم والغلو في الدين‪ ،‬فإنما هلَ َ‬

‫‪0‬‬

‫روها أحمد‪ ،‬صحيح الجامع‪. 010 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪36‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫الدين أح ٌد إال غَلبَه " البخاري[‪.] 1‬‬
‫الدين ي ْس ٌر‪ ،‬ولن ي َ‬
‫شاد َ‬
‫وقال ‪ ":‬إن َ‬

‫أيسرهما‪،‬‬
‫وعن عائشة رضي اهلل عنها‪ ،‬أنها قالت‪ ":‬ما خيِّـ َر رسول اهلل ‪ ‬بين أمرين إال أخ َذ َ‬

‫ما لم يكن إثماً‪ ،‬كان أبع َد الناس منه " متفق عليه‪ .‬أي إذا كان إثماً‪ ،‬وفيه معصية هلل ‪ ‬كان ‪ ‬أبعد‬
‫ٍ‬
‫حينئذ اقترافه‪ ،‬حتى لو جاء تحت عنوان ومسمى التيسير!‬
‫الناس منه ‪ ..‬إذ ال يجوز‬
‫فق في األمر كلِّه " البخاري‪.‬‬
‫وقال ‪ ":‬إن اهللَ رفي ٌق ي ُّ‬
‫حب ِّ‬
‫الر َ‬

‫وما ال يعطي‬
‫وقال ‪ ":‬إن اهللَ رفي ٌق ي ُّ‬
‫حب ِّ‬
‫الر َ‬
‫فق‪ ،‬ويعطي على الرفق ما ال يعطي على العنف‪َ ،‬‬

‫على ما سواه " مسلم‪.‬‬

‫شيء إال زانَه‪ ،‬وال ينزع من ٍ‬
‫الرفق ال يكون في ٍ‬
‫شيء إال شانَه " مسلم‪.‬‬
‫وقال ‪ ":‬إن ِّ َ‬
‫َ‬

‫الخير " مسلم‪ .‬وغيرها كثير من النصوص التي تحض على‬
‫حرم ِّ‬
‫الر َ‬
‫فق ي ْح َرم َ‬
‫وقال ‪َ ":‬من ي َ‬

‫الرفق ‪ ..‬والتيسير ‪ ..‬واجتناب التشدد والغلو‪ ،‬والتعسير‪ ،‬والتنطع في الدين ‪ ..‬ومع ذلك يوجد من‬
‫الناس من شدة هذا الدين‪ ،‬ومن العسر والتعسير الذي سيصيبهم لو‬
‫الناس ـ لغاية في نفسه ـ من يحذر َ‬

‫عملوا بأحكامه وشرائعه!‬

‫ََذ ُ َْ َ‬
‫َْ‬
‫ََ َ ذ َ َ َ ُ َ َْ َ ُ َ َ ُْ ْ‬
‫ك ْم تغل ِبُون‪‬‬
‫آن َوالغ ْوا فِيهِ لعل‬
‫قال تعالى‪ :‬وقال اَّلِين كفروا ال تسمعوا ل ِهذا القر ِ‬

‫فصلت‪.12:‬‬

‫‪ -7‬حمفوظة‪ :‬أي أن الشريعة اإلسالمية محفوظة بحفظ اهلل تعالى لمصادرها ‪ ..‬فمهما‬
‫عملت أيادي التخريب‪ ،‬والتزوير‪ ،‬والتحريف عملها ‪ ..‬وشنت الحروب على اإلسالم وأهله‪ ،‬وأنفق في‬
‫سبيل تلك الحروب األموال الطائلة ‪ ..‬فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ‪ ..‬بينما شريعة اإلسالم‬

‫ذ ذ َ َ َُ ْ ُ ُ َ‬
‫ون أ َ ْم َوال َ ُهمْ‬
‫ستبقى ـ بإذن اهلل ـ محفوظة بحفظ اهلل تعالى لها‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬إِن اَّلِين كفروا ينفِق‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ َ ُ ُ ََ ُذ َ ُ ُ َ َْ ْ َ ْ ًَ ُذ ُ َُْ َ َ ذ َ َ‬
‫ك َف ُروا إَل َ‬
‫ِِلَ ُص ُّدوا ْ َعن َ‬
‫ج َه ذن َم‬
‫ِين‬
‫اَّل‬
‫و‬
‫ون‬
‫ب‬
‫ل‬
‫غ‬
‫ي‬
‫م‬
‫ث‬
‫ة‬
‫ْس‬
‫ح‬
‫م‬
‫ه‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ون‬
‫ك‬
‫ت‬
‫م‬
‫ث‬
‫ا‬
‫ه‬
‫ون‬
‫ق‬
‫ف‬
‫ن‬
‫ي‬
‫س‬
‫ف‬
‫اَّلل‬
‫يل‬
‫ب‬
‫س‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َُْ ُ َ‬
‫ون ‪‬األنفال‪ . 2:‬وقال تعالى‪ :‬إِنذا َن ْ ُن ن َ ذزنلَا اَّلِك َر ِإَونذا َُل َ‬
‫ْلاف ُِظون‪ ‬الحجر‪ .9:‬والذكر هنا‬
‫ُيْش‬

‫الذي تكفل اهلل تعالى بحفظه شامل للكتاب والسنة ‪ ..‬ومن تكفل اهلل بحفظه فال ضيعة عليه‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫رواه أحمد‪ ،‬والنسائي‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬وغيرهم‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪ .212 :‬والغلو في الدين؛ هو كل ما زاد عن‬

‫‪1‬‬

‫قال ابن حجر في "الفتح" ‪ :220/2‬والمشادة بالتشديد المغالبة‪ ،‬والمعنى ال يتعمق أحد في األعمال الدينية‬

‫الح ّد المشروع‪.‬‬

‫الرفق إال عجز وانقطع فيغلب ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫ويترك َ‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪37‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ ََ َ ْ‬
‫ُْ َ‬
‫َش ٍء فَ ُر ُّدوهُ إ ََل اَّلل ِ َو ذ‬
‫عتُ ْم ِِف َ ْ‬
‫الر ُسو ِل إِن كنتُ ْم تؤمِنُون بِاَّلل ِ َواِلَ ْو ِم‬
‫وقال تعالى‪ :‬فإِن تناز‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ ً‬
‫َ‬
‫اآلخ ِِر ذل َِك َخ ْري َوأ ْح َس ُن تَأوِيَل ‪‬النساء‪ .59:‬ومن لوازم رد التحاكم والمنازعات إلى الكتاب‬

‫والسنة أن يكونا محفوظين من أدنى تغيير أو تحريف ‪ ..‬إذ حاشا الخالق ‪ ‬أن يأمرنا برد النزاعات‬
‫إلى شيء ثم يكون هذا الشيء غير محفوط‪ ،‬وال موجود!‬

‫َ َ َ َ َ َ ُ ْ ُ َ َ ذَ َُ ُ َ َ َ َ َ ََُْ ْ ُ ذ َ َ ْ‬
‫َي ُدوا ِِف‬
‫وكذلك قوله تعالى‪ :‬فَل وربِك ال يؤمِنون حَّت ُيكِموك فِيما شجر بينهم ثم ال ِ‬
‫َ ُ ْ َ َ ً ذ َ َ ْ َ ََُ ُ ْ َْ ً‬
‫أنف ِس ِهم حرجا مِما قضيت ويسل ِموا تسل ِيما ‪‬النساء‪ .25:‬وتحكيم النبي ‪ ‬فيما شجر ويشجر بين‬

‫الناس‪ ،‬يكون في حياته إلى شخصه ‪ .. ‬وبعد وفاته يكون إلى سنته ‪ ..‬وهذا من لوازمه أن تكون‬

‫سنته ‪ ‬محفوظة من الزيادة أو النقصان ‪ ..‬أو االندثار!‬
‫ومن لوازم حفظ اهلل تعالى لدينه‪ ،‬أن يحفظ الجماعة المؤمنة التي بها يحفظ الدين ‪ ..‬بحيث‬
‫ال يخلو زمان من وجودها ‪ ..‬لذا فقد جاء في الحديث‪ ،‬عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬ال تزال طائفة من‬
‫أمتي قائمة بأمر اهلل‪ ،‬ال يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر اهلل‪ ،‬وهم ظاهرون على الناس "‬
‫مسلم‪.‬‬
‫وقال ‪ ":‬ال تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة " مسلم‪ .‬وفي‬
‫رواية‪ ":‬ال تزال عصابةٌ من أمتي يقاتلون على أمر اهلل‪ ،‬قاهرين لعدوهم‪ ،‬ال يضرهم من خالفهم حتى‬
‫تأتي الساعة " مسلم‪.‬‬

‫وقال ‪ ":‬إن اهلل تعالى قد أجار أمتي من أن تجتمع على ضاللة "[ ]‪ .‬إذ ال بد ـ مهما‬
‫ساءت األمور ـ من أن تشذ فئة‪ ،‬يحفظ اهلل بها الحق‪ ،‬ويظهره على يديها‪.‬‬
‫وفي رواية‪ ":‬إن أمتي ال تجتمع على ضاللة "[ ]‪.‬‬

‫ٍ‬
‫محمد ‪ ‬على ضاللة "[‪.] 5‬‬
‫قال أبو مسعود ‪ ":‬عليكم بالجماعة‪ ،‬فإن اهلل ال يجمع أمة‬

‫وقال ‪ ":‬ال يزال اهلل يغرس في هذا الدين غرساً‪ ،‬يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم‬
‫القيامة"[‪.] 2‬‬
‫أخرجه ابن أبي عاصم في السنة‪ ،‬رقم ‪ ،21‬وقال عنه الشيخ ناصر في التخريج‪ :‬حديث حسن‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫أخرجه ابن أبي عاصم في السنة‪ ،‬رقم ‪ ،2‬وقال عنه الشيخ ناصر في التخريج‪ :‬صحيح‪.‬‬

‫أخرجه ابن أبي عاصم في السنة‪ ،‬رقم ‪ ،25‬وقال عنه الشيخ ناصر في التخريج‪ :‬إسناده جيد موقوف‪ ،‬رجاله‬

‫رجال الشيخين‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪38‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ـ مسـألـة التـدرج فـي تطبيـق الشــريعــة‪:‬‬

‫الناس فيها ثالثة فرقاء‪ :‬فريق جنح لإلفراط؛ يريد تطبيق الشريعة كاملة من يومه‪ ،‬ومن غير‬

‫مراعاة لما هو ممكن‪ ،‬وما هو غير ممكن ‪!..‬‬
‫وفريق ٍ‬
‫ثان جنح للتفريط؛ فهو بذريعة التدرج في تطبيق الشريعة ‪ ..‬تملص ‪ ..‬وتخلف عن‬
‫الممكن والمقدور عليه من أحكام الشريعة ‪ ..‬وهذا والفريق الذي قبله يخالفان السنن‪ ،‬وصحيح‬
‫المنقول‪ ،‬وصريح المعقول معاً ‪ ..‬فحظهما من تطبيق الشريعة‪ ،‬الوقوف عند الشعار وحسب!‬

‫وفريق ثالث‪ ،‬وهو وسط بينهما‪ ،‬من غير إفراط وال تفريط‪ ،‬وهو الحق الذي ال ريب فيه الذي‬

‫يوافق صحيح المنقول‪ ،‬وصريح المعقول ‪ ..‬وصفته تكمن في مراعاة التدرج بحسب اإلمكان‪ ،‬والقدرة‬
‫‪ ..‬فما كان مقدوراً عليه أنجز من فوره من غير إرجاء ‪ ..‬وما تم العجز والقصور عن إدراكه وتحقيقه ‪..‬‬
‫شط للعمل واإلعداد بجد وإخالص ـ قدر المستطاع ـ من أجل تحقيقه وإنفاذه فور تحقق القدرة‬
‫ين َ‬
‫واالستطاعة على إنفاذه‪.‬‬
‫وذلك أن أحكام الشريعة كلها منوطة باالستطاعة ‪ ..‬وأن اهلل تعالى ال يكلف نفساً إال وسعها‬
‫َ ذُ‬
‫ُ َ‬
‫ذَ َ ْ ْ‬
‫كل ُِف ذ ُ‬
‫اَّلل‬
‫استَ َطعتُم ‪‬التغابن‪ .22:‬وقال تعالى‪ :‬ال ي‬
‫وطاقتها‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬فاتقوا اَّلل ما‬
‫َْ ً ذ‬
‫نفسا إِال ُو ْس َع َها ‪‬البقرة‪ .122:‬قال ابن كثير في التفسير‪ :‬أي ال يكلف أح ٌد فوق طاقته‪ ،‬وهذا من‬
‫لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫ذ َ َ َ َ ذ َ َ َ ََ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ذ ذذ ُ‬
‫اه ْم ِف اْل ْر ِض أقَ ُ‬
‫كذلك قوله تعالى‪ :‬ذاَّل َ‬
‫اموا الصَلة وآت ُوا الزَكة وأم ُروا‬
‫ن‬
‫ك‬
‫م‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ِين‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ َ َ ْ َ ْ ُ َ َ ذ َ َ ُ ْ ُُ‬
‫ْ ْ‬
‫وف ونهوا ع ِن المنك ِر و َِّلل ِ َعق ِبة اْلمورِ ‪‬الحج‪ . 2:‬فعلى قدر التمكين يكون األمر‬
‫بِال َمع ُر ِ‬
‫كما ونوعاً ـ مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالتمكين‪ ،‬ودرجة‬
‫بالمعروف‪ ،‬والنهي عن المنكر ‪ ..‬فاألمر‪ ،‬والنهي ـ ّ‬
‫التمكين‪.‬‬

‫وفي الحديث فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم "متفق‬
‫عليه‪.‬‬
‫والقاعدة الفقهية‪ ،‬تنص على أن‪":‬الميسور ال يسقط بالمعسور"‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫أخرجه أحمد وغيره‪ ،‬صحيح الجامع‪.0291 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪39‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫قال اإلمام الشافعي رحمه اهلل‪ :‬فاهلل تعالى يعلم أن هذا مستطيع يفعل ما استطاعه‪ ،‬فيثيبه‪،‬‬
‫وهذا مستطيع ال يفعل ما استطاعه‪ ،‬فيعذبه‪ ،‬فإنما يعذبه ألنه ال يفعل مع القدرة‪ ،‬وقد علم اهلل ذلك‬

‫منه‪ ،‬ومن ال يستطيع ال يأمره وال يعذبه على ما لم يستطيعه[‪.] 0‬‬

‫ٍ‬
‫بشيء من الطاعات فقدر‬
‫وقال العز بن عبد السالم في قواعد األحكام ‪ :5/1‬إن من كلف‬

‫على بعضه وعجز عن بعضه‪ ،‬فإنه يأتي بما قدر عليه‪ ،‬ويسقط عنه ما عجز عنه ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى المسلمين في األمصار‪ :‬إن لإليمان فرائض وشرائع وحدوداً‬
‫وسنناً‪ ،‬فمن استكملها استكمل اإليمان‪ ،‬ومن لم يستكملها لم يستكمل اإليمان‪ ،‬فإن أعش فسأبينها‬
‫لكم حتى تعملوا بها‪ ،‬وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص‪ .‬البخاري‪.‬‬

‫فقوله ‪ ":‬فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها "‪ ،‬يعني إلى تاريخ كتابة كتابه هذا لم‬
‫يكن قد بينها كلها لهم ‪ ..‬كما لم يكن للمسلمين قد عملوا بمجموعها ‪ ..‬وهو الخليفة العادل والعام‬
‫على المسلمين‪.‬‬
‫كذلك يروى عن ولده عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز أنه قال ألبيه عمر‪ :‬يا أبت‪ ،‬مالك‬
‫تعجل يا بني‪،‬‬
‫ال ت ْنـفذ في األمور‪ ،‬فواهلل ال أبالي في ِّ‬
‫الحق لو غلَت بي وبك القدور؟! قال له عمر‪ :‬ال َ‬
‫الناس على الحق‬
‫فإن اهلل تعالى ذم‬
‫الخمر في القرآن مرتين‪ ،‬وحرمها في الثالثة‪ ،‬وأنا أخاف أن أحمل َ‬
‫َ‬

‫جملة‪ ،‬فيدفعوه وتكون فتنة[‪.] 2‬‬

‫هذا الفقه ـ بضا بطه ـ نحتاجه في سعينا نحو التغيير‪ ،‬وإقامة دولة اإلسالم‪ ،‬وفي تعاملنا مع‬
‫الشعوب ‪ ..‬وأخذهم بالرفق والحكمة ما أمكن لذلك سبيالً ـ فمن استعجل شيئاً قبل أوانه أفسده‬
‫وعوقب بحرمانه ـ وبخاصة في مرحلة ما بعد الثورات العربية اإلسالمية المعاصرة ‪ ..‬حيث قد مضى‬
‫على الناس عقوداً تحت حكم الطاغوت‪ ،‬يحكمهم ويسوسهم بالكفر‪ ،‬والتجهيل‪ ،‬والتركيع‪ ،‬واإلذالل‪،‬‬

‫والقهر‪ ،‬والخوف‪ ،‬والفقر ‪ ..‬إذ ال بد من أن يمروا ـ بعد التحرير ـ بمرحلة نقاهة وعالج ‪ ..‬وتعليم‪،‬‬

‫وتدريب ‪ ..‬كأي مريض يحتاج إلى فترة نقاهة بعد مرضه ‪ ..‬حيث ال يمكن أن تحمله على ما تحمل‬
‫عليه الصحيح من أول ٍ‬
‫يوم يمتثل فيه للشفاء ‪ ..‬كما ال ينبغي للصحيح أن يستعلي على السقيم‪،‬‬
‫فيصدر بحقه أحكاماً بغير حق‪ ،‬وال تثبت‪ ،‬وليتذكر أنه كان يوماً من األيام سقيماً مثله‪ ،‬فشفاه اهلل‪،‬‬
‫‪0‬‬
‫‪2‬‬

‫عن شرح العقيدة الطحاوية‪ ،‬ط المكتب اإلسالمي‪ ،‬ص‪.102‬‬

‫العقد الفريد‪. 9/2 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪40‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫َ َ َُ ُ ْ َ ْ ََْ َْ ُ ُ ذ ََ َ ْ َ ْ ً َْ ُ َ‬
‫ت ُمؤمِنا تب َتغون‬
‫وهداه لإليمان‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬وال تقولوا ل ِمن ألَق إِِلكم السَلم لس‬
‫َ ْ ُ َ َ ذ ُّ َ َ ْ ُ ْ َ َ َ ذ ُ ْ‬
‫َ َ ُ َ َ َ َ َ ُ‬
‫اْليَاة ِ ُّ ْ َ َ‬
‫َع َر َض ْ َ‬
‫رية كذل ِك كنتُم مِن قبل فمن اَّلل عليكم فتبينوا‬
‫ادلنيَا فعِند اَّلل ِ مغان ِم كث ِ‬
‫َْ ُ َ َ ً‬
‫ذ ذ َ َ‬
‫إِن اَّلل َكن ب ِ َما تع َملون خبِريا ‪‬النساء‪.9 :‬‬
‫ونعيد ما ذكرناه من قبل‪ :‬من أن الشريعة ال يجوز حصرها وقصرها على تنفيذ بعض الحدود‬
‫الشرعية المنوطة بالسلطان كما يظن البعض ‪ ..‬بل هي تشمل العمل بجميع أحكام وتعاليم اإلسالم‪،‬‬
‫الخاصة والعامة‪ ،‬ما ظهر منها وما بطن ‪ ..‬فالشريعة تشمل جميع شعب اإليمان الواردة في الحديث‬
‫الصحيح‪ ":‬اإليمان بضع وسبعون شعبة‪ ،‬فأفضلها قول ال إله إال اهلل‪ ،‬وأدناها إماطة األذى عن الطريق‪،‬‬
‫والحياء شعبة من اإليمان " مسلم ‪ .‬فكل هذه الشعب ـ بما في ذلك إماطة األذى عن الطريق ـ هي‬
‫الشريعة‪ ،‬والعمل بها من العمل بالشريعة ‪ ..‬وهي منها ما هو منوط بالسلطان‪ ،‬كتنفيذ القصاص‬
‫والحدود الشرعية ‪ ..‬ومنها ما يمكن لألفراد‪ ،‬والجماعات أن يقوموا به من تلقاء أنفسهم ‪ ..‬في بيوتهم‬
‫‪ ..‬وتجارتهم ‪ ..‬ومعامالتهم ‪ ..‬وبالتالي ال ينبغي أن يعطلوا الميسور‪ ،‬والمقدور عليه من الشريعة ‪..‬‬
‫لكون السلطان أو الحاكم قد قصر فيما يجب عليه ‪ ..‬فالميسور ال يسقط بالمعسور‪.‬‬
‫أقول ذلك‪ :‬ألن هناك ولألسف من يتكلم عن الشريعة‪ ،‬ويقاتل ألجلها " كشعار " وحسب ‪..‬‬
‫بينما هو في سلوكه ‪ ..‬وأخالقه ‪ ..‬وحياته الزوجية واألسرية ‪ ..‬وبيعه وشرائه ‪ ..‬في متجره‪ ،‬ومصنعه ‪..‬‬
‫ضى وسخطاً‪،‬‬
‫ومؤسسته ‪ ..‬وتعامله مع اآلخرين‪ ،‬وتحديد مواقفه منهم سلماً وحرباً ‪ ..‬حباً وكرهاً‪ ،‬ر ً‬
‫وعداء ‪ ..‬موافقة ومخالفة ‪ ..‬ال يلتزم بكثير من أحكام الشريعة ‪ ..‬مع قدرته على فعل ذلك لو‬
‫والء‬
‫ً‬
‫ً‬

‫أراد ‪ ..‬وهؤالء أنى لهم أن يحكموا الناس بالشريعة ‪ ..‬لو أتيحت لهم الفرص ‪ ..‬وهؤالء حظهم من‬
‫َ َ ُّ َ ذ َ َ ُ َ َ ُ ُ َ َ َ َ ْ َ ُ َ َ ُ َ َ ْ ً َ ذ‬
‫كتاب اهلل تعالى قوله تعالى‪ :‬يا أيها اَّلِين آ َمنوا ل ِم تقولون ما ال تفعلون ‪.‬كِب مقتا عِند اَّلل ِ‬
‫َ َُ ُ‬
‫َ َْ ُ َ‬
‫أن تقولوا َما ال تف َعلون ‪‬الصف‪. :‬‬

‫*****‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪41‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ـ خصـائـص اجملتمـع املسـلـم‪:‬‬

‫للمجتمع المسلم خصائص وصفات عدة‪:‬‬

‫منها‪ :‬أنه جمتمع سياسي‪ :‬حيث كل ٍ‬
‫فرد ـ كان ذكراً أم أنثى‪ ،‬كان حاكماً أم محكوماً ـ من‬

‫أفراد المجتمع المسلم هو سياسي‪ ،‬ويمارس العمل السياسي‪ ،‬بحسبه‪ ،‬وحسب موقعه‪ ،‬كما قال‬
‫َ ُْ ْ ُ َ‬
‫ْ ُ‬
‫ون َوال ْ ُم ْؤمِنَ ُ‬
‫ات ‪‬؛ كل المؤمنين والمؤمنات من دون استثناء ٍ‬
‫ألحد منهم ‪َ ‬بعض ُه ْم‬
‫تعالى‪ :‬والمؤمِن‬
‫َ‬
‫َُْ ُ َ َْ ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫وف ‪‬؛ شامل لكل معروف‪ ،‬وكل خير‪ ،‬سواء كان هذا الخير له عالقة‬
‫أ ْو ِِلَاء َبع ٍض يأمرون بِالمعر ِ‬
‫بالجانب السياسي‪ ،‬أو االقتصادي‪ ،‬أو االجتماعي‪ ،‬أو العقائدي‪ ،‬أو األخالقي التربوي‪ ،‬أو التعبدي ‪‬‬
‫ْ َ َ ْ َ‬
‫َويَن َه ْون ع ِن ال ُمنك ِر ‪‬التوبة‪ .02:‬شامل لكل منكر؛ المنكر السياسي‪ ،‬والمنكر االقتصادي‪،‬‬
‫والمنكر االجتماعي‪ ،‬والمنكر العقائدي والثقافي‪ ،‬والمنكر التعبدي وغيره ‪ ..‬فهذا المعروف بكل‬
‫جوانبه المتعددة ‪ ..‬المؤمنون والمؤمنات ـ كل المؤمنين والمؤمنات ـ يأمرون به ‪ ..‬وهذا المنكر والشر‬
‫بكل جوانبه ومعانيه اآلنفة الذكر ‪ ..‬المؤمنون والمؤمنات ـ كل المؤمنين والمؤمنات ـ ينهون عنه ‪..‬‬

‫ويشاركون في النهي عنه ‪ ..‬وكل بحسبه[‪.] 9‬‬
‫َْ‬
‫ََ‬
‫ذ َ َ َ َُ ذ َ َ‬
‫ذ ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ونحو ذلك‪ ،‬قوله تعالى‪ :‬ذاَّل َ‬
‫ِين إِن ذمك ذناه ْم ِِف اْلر ِض أقاموا الصَلة وآتوا الزَكة‬
‫ََ‬
‫َ ََ ْ َ ُْ َ َ ذ َ َُ ُْ‬
‫َْ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫وف ونهوا ع ِن المنكرِ و َِّلل ِ َعق ِبة اْلمورِ ‪‬الحج‪ . 2:‬إذ بعد التمكين ـ للمؤمنين‬
‫وأمروا بِالمعر ِ‬
‫والمؤمنات ـ تتوسع دائرة األمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب وعلى قدر التمكين والقدرة ‪..‬‬

‫‪9‬‬

‫عن يحيى بن أبي سليم‪ ،‬قال‪ :‬رأيت سمراء بنت نَهيك ـ وكانت قد أدركت النبي صلى اهلل عليه وسلم ـ عليها‬

‫الناس‪ ،‬وتأمر بالمعروف‪ ،‬وتنهى عن المنكر "‪ .‬قال الشيخ ناصر‬
‫ؤدب‬
‫درعٌ غليظٌ‪،‬‬
‫وخمار غليظٌ‪ ،‬بيدها سوطٌ‪ ،‬ت ّ‬
‫ٌ‬
‫َ‬
‫الدين األلباني في كتابه جلباب المرأة المسلمة‪ ،‬ص‪ :201‬أخرجه الطبراني في الكبير‪ ،‬بسند جيد ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫قلت‪ :‬سمراء بنت نَهيك ـ رضي اهلل عنها ـ صحابية جليلة ‪ ..‬من مر على ذكر اسمها‪ ،‬ليس له إال أن يحترمها‪،‬‬

‫ويقول‪ :‬رضي اهلل عنها ‪ ..‬وبالتالي ال مجال لالستخفاف باألثر ‪ ..‬واآلثار السلفية السنية الدالة على أن المرأة ـ في‬
‫القرون األولى المشهود لها بالخيرية والفضل‪ ،‬كانت تشارك في العمل السياسي الذي هو جزء من األمر بالمعروف‬

‫والنهي عن المنكر ـ كثيرة جداً لو أردنا اإلحصاء ‪ ..‬وما قصة تلك المرأة التي أوقفت الخليفة الفاروق عمر ‪ ‬في‬
‫الطريق ‪ ..‬وهي توصيه بخاصة نفسه‪ ،‬وأن يتقي اهلل في نفسه ‪ ..‬وفي رعيته ‪ ..‬إال شاهداً من جملة الشواهد الكثيرة‬
‫الدالة على هذا المعنى اآلنف الذكر‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪42‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وهذا يتضمن العمل السياسي تضمناً كلياً ‪ ..‬إذ العمل السياسي ـ السلبي منه أو اإليجابي ـ ال يمكن‬
‫أن يخرج عن دائرة ومهام األمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪.‬‬

‫وفي الحديث فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬أال كلُّكم ر ٍاع‪ ،‬وكلكم مسؤول عن رعيته "‬

‫ونساء ـ قائد‪ ،‬وسياسي‪ ،‬له رعيته التي يرعاها ويسوسها ـ‬
‫متفق عليه‪ .‬أي كلكم ـ من غير استثناء رجاالً‬
‫ً‬

‫بحسبه وحسب موقعه ووظيفته ـ وكلكم مسؤول عن رعيته ممن هم تحته؛ هل قادهم وساسهم بالحق‪،‬‬

‫أم قادهم وساسهم بالباطل ‪ ..‬وهل أحاطهم بالنصح والرعاية‪ ،‬والرفق‪ ،‬والحماية‪ ،‬وعمل فيهم بقانون‬
‫العدل ‪ ..‬أم كان خالف ذلك؟!‬
‫فليغيره بيده‪ ،‬فإن لم يستطع فبلسانه‪ ،‬فإن لم يَستطع فبقلبه‬
‫وقال ‪ ":‬من رأى منكم منكراً‬
‫ْ‬
‫ونساء ‪..‬‬
‫وذلك أضعف اإليمان " مسلم‪ .‬وقوله ‪ ":‬من رأى منكم "؛ عام لجميع المسلمين‪ ،‬رجاالً‬
‫ً‬

‫فمن رأى منكم " منكراً "؛ أياً كان هذا المنكر؛ كان منكراً سياسياً‪ ،‬أم منكراً اقتصادياً‪ ،‬أم منكراً‬
‫اجتماعياً‪ ،‬أم منكراً أخالقياً ‪ " ...‬فليغيره " بحسب استطاعته؛ إما بيده إن كان قادراً على استخدام‬
‫اليد والقوة‪ ،‬وكان المنكر يستدعي استخدام القوة ‪ " ..‬فإن لم يستطع فبلسانه‪ ،‬فإن لم يَستطع فبقلبه‬

‫وذلك أضعف اإليمان " ‪ ،‬وليس وراء إنكار المنكر بالقلب إيمان؛ ألنه ليس وراء إنكار القلب رغبة‬
‫في التغيير ‪ ..‬إذ ليس وراء إنكار القلب للمنكر سوى الرضى بالمنكر‪.‬‬
‫بالحق أينما كنا ال نخاف في اهلل‬
‫ِّ‬
‫نقول‬
‫بايعنَا رسول اهلل على أن َ‬
‫وعن عبادة بن الصامت‪ ،‬قال‪َ ":‬‬

‫لومةَ الئم " متفق عليه‪ .‬وهذا القول والصدع بالحق ‪ ..‬قد يكون متعلقاً بالسياسة وأغراضها ‪..‬‬
‫والساسة وأعمالهم ‪ ..‬فهم ـ وسياساتهم ـ غير مستثنين من أن يقال لهم الحق ‪ ..‬وأن يقال لمن أحسن‬
‫منهم قد أحسنت‪ ،‬ولمن أساء منهم قد أسأت‪ ،‬كما في الحديث‪ ":‬واشهدوا على المحسن بأنه‬
‫محسن‪ ،‬وعلى المسيء بأنه مسيء "‪.‬‬
‫ٍ‬
‫وقال ‪ ":‬سيِّد ُّ‬
‫فأمره ونهاه‬
‫الشهداء حمزة بن عبد المطلب‪،‬‬
‫ورجل َ‬
‫ٌ‬
‫قام إلى إمام جائ ٍر َ‬
‫فقتَـلَه"[‪ .] 0‬وهذا عمل سياسي وفق كل المقاييس‪ ،‬ويدخل في معنى العمل السياسي دخوالً كلياً ‪..‬‬
‫وقد عد من يصدع بالحق في وجه الحاكم؛ فيأمره بالمعروف والخير‪ ،‬وينهاه عن المنكر والشر ‪ ..‬ثم‬
‫أن الحاكم يقتله من أجل ذلك فهو مع سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ‪.‬‬

‫‪0‬‬

‫رواه الحاكم‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪. 92 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪43‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ونحوه قوله ‪ ":‬أفضل الجهاد كلمة ح ٍّق عن َد س ٍ‬
‫لطان جائ ٍر "[‪ .] 2‬وهذا عمل سياسي أيضاً ‪..‬‬
‫َ َ‬

‫قد صنفه النبي ‪ ‬على أنه من الجهاد بل وأفضل الجهاد‪.‬‬

‫رسول‬
‫الدين النصيحة "‪ ،‬قالوا‪ :‬لمن يا َ‬
‫الدين النصيحة‪ ،‬إن َ‬
‫الدين النصيحة‪ ،‬إن َ‬
‫وقال ‪ ":‬إن َ‬

‫اهلل؟ قال‪ ":‬هلل‪ ،‬وكتابه‪ ،‬ورسوله‪ ،‬وأئمة المؤمنين وعامتهم‪ ،‬وأئمة المسلمين وعامتهم " مسلم‪ .‬والعمل‬
‫السياسي يدخل دخوالً كلياً في معنى النصيحة الواجبة ألئمة المسلمين وعامتهم‪.‬‬

‫وغيرها كثير من النصوص واألحاديث النبوية التي تدلل على أن العمل السياسي من خصوصيات‬

‫المجتمع المسلم‪ ،‬ومن مهام كل مسلم وال بد‪ ،‬إذ ال بد لكل مسلم من أن يهتم لهموم ومشاكل‬
‫ومصابات المسلمين العامة منها والخاصة؛ السياسية منها وغير السياسية ‪ ..‬فمن لم يهتم بأمر‬
‫المسلمين فليس منهم‪ ،‬كما في الحديث فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬المؤمن من أهل اإليمان‬
‫أهل اإليمان‪ ،‬كما يألَم الرأس لما يصيب‬
‫بمنزلة الرأس من الجسد‪ ،‬يألَم المؤمن لما يصيب َ‬
‫الجس َد"[‪ .] 1‬وال يجوز أن يكون إال كذلك‪.‬‬

‫وقال ‪ ":‬ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادِّهم‪ ،‬وتعاطفهم‪ ،‬كمثل الجسد إذا اشتكى عضواً‪،‬‬
‫تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " متفق عليه‪ .‬فإذا كانت هذه المعاني الضخمة والعظيمة‬

‫والنبي لة التي أشارت إليها األحاديث النبوية اآلنفة الذكر ال تدخل في معنى السياسة والعمل السياسي‬
‫دخوالً كلياً ‪ ..‬فماذا تكون السياسة‪ ،‬وكيف يكون ويمارس العمل السياسي؟!‬

‫خالصة القول‪ :‬ال يوجد في المجتمع المسلم فرد ـ يقول ربي اهلل‪ ،‬ويدين لإلسالم بالوالء‬

‫واالنتماء ـ غير سياسي ‪ ..‬وغير مكترس بالسياسة ‪ ..‬حتى لو لم يعترف بأنه سياسي‪ ،‬أو أنه يمارس‬
‫السياسة‪ ،‬أو يحب السياسة ‪ ..‬فهو سياسي جلد شاء أم أبى!‬
‫ال يوجد في المجتمع المسلم ما يسمى بـ " رجل الدين "‪ ،‬المنفصل عن واقعه‪ ،‬وأمته‪ ،‬وما‬
‫يجري لها من أحداث ‪ ..‬والذي يحرم عليه العمل السياسي ‪ ..‬تحت زعم أن رجل دين ينبغي أن‬
‫تقتصر مهامه واهتماماته على عالقة النفس اآلدمية بخالقها وحسب بعيداً عن ميادين الحياة‬
‫ومعامالتها ‪ ..‬وزعم أن الدين ال يجوز إقحامه في ميادين السياسة والحكم والحياة ‪ ..‬فهذا إن جاز‬
‫وجوده في المجتمعات النصرانية العلمانية التي تفصل الدين عن الحياة العتبارات خاصة بها ‪ ..‬ال‬
‫‪2‬‬
‫‪1‬‬

‫رواه أبو داود‪ ،‬والترمذي‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪. 92 :‬‬

‫رواه أحمد‪ ،‬صحيح الجامع‪.2259 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪44‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫يجوز افتراض وجوده في المجتمع المسلم‪ ،‬الذي يجعل الحياة ـ بجميع ميادينها ـ جزءاً هاماً وأساسياً‬
‫من الدين ‪ ..‬وميداناً له ولتطبيقاته ‪ ..‬وساحة اختبار وعمل يترتب عليه وعد ووعيد ‪ ..‬كما قال‬
‫ذ‬
‫َ ً‬
‫َ َ َ ْ َ ْ َ َ َْ َ ُ ُ َ ُ َ ْ‬
‫اْليَاة ِِلَبْل َوك ْم أيُّك ْم أح َس ُن ع َمَل ‪‬الملك‪ .1:‬أي أيكم أخلص‬
‫تعالى‪ :‬اَّلِي خلق الموت و‬

‫وأصوب عمالً‪.‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ََ‬
‫ْ‬
‫ًَ ذ‬
‫ذ‬
‫ينة ل َها‬
‫ونحوه قوله تعالى‪ :‬إِنا َج َعل َنا َما لَع اْل ْر ِض ِز‬
‫ََ َ ُْ ْ َذ َ َ َْ َ ُ ْ َ َ ً‬
‫الكهف‪ .0:‬وقال تعالى‪ :‬أفحسِبتم أنما خلقناكم عبثا‬

‫ُ ُ‬
‫نلِ َبْل َوه ْم‬
‫ََذ ُ‬
‫كمْ‬
‫وأن‬

‫َأ ُّي ُهمْ‬
‫َ‬
‫إِِل ْ َنا‬

‫َ ْ َ ُ َ َ ً‬
‫أحسن عمَل‪‬‬
‫َ‬
‫َ ُ‬
‫ال ت ْر َج ُعون ‪‬‬

‫المؤمنون‪ .225:‬أي عبثاً من غير غاية وال هدف‪ ،‬وال تكليف‪ ،‬ومن دون أن نتعبدكم باألمر والنهي ‪..‬‬
‫َََ َ ذُ ْ ُ‬
‫اَّلل ال َمل ِك‬
‫ثم ننظر ماذا تفعلون ‪ ..‬فهذا ال ينبغي وال يليق بجالل الخالق سبحانه وتعالى‪ :‬فتعاَل‬
‫ْ‬
‫ْ َ‬
‫َْ َ َ ذ ُ‬
‫اْل ُّق ال إ ِ ََل إِال ه َو َر ُّب ال َع ْر ِش الكرِي ِم ‪‬المؤمنون‪ .222:‬فاهلل تعالى منزه عن العبث ‪ ..‬أو أن‬
‫يخلق شيئاً عبثاً من غير غاية وال حكمة‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أنه جمتمع عصي على العلمانيّة وال َعلْمَنة[‪ :]43‬فهو ليس كالمجتمعات النصرانية‬
‫التي حكمتها الكنيسة دهراً من الزمن‪ ،‬فلم تجد طريقها للتقدم‪ ،‬والحرية العلمية‪ ،‬والفكاك من أسر‬
‫وأغالل التخلف والجهل والظلم ‪ ..‬إال بإعالن التحرر من الكنيسة ودينها وأغاللها ‪ ..‬واالنطالق‬
‫بعيداً عن قيودها وأحكامها ‪ ..‬والمجتمع المسلم ليس كذلك‪ ،‬وهو غير مضطر لهذه الخطوة أو‬

‫المواجهة مع الدين اإلسالمي ‪ ..‬فاإلسالم ومجتمعاته منيعة وعصية على العلمانية والعلمنة‪،‬‬
‫وذلك ألسباب عدة‪:‬‬

‫منها‪ :‬أن اإلسالم ال يتعارض مع العلم ‪ ..‬ولم يكن يوماً عقبة في طريق العلم واإلبداع‬
‫واكتشافاته ‪ ..‬بل هو دين يصدِّق العلم‪ ،‬والعلم يصدِّقه ‪ ..‬لذا فهو يحض على العلم والتعلم ‪ ..‬العلم‬
‫التجريبي‪ ،‬والعمل معاً‪ ،‬ويطلق يد اإلنسان لتعمل بأقصى طاقتها في االكتشاف واإلبداع‪ ،‬واالزدهار‪،‬‬

‫والتقدم العلمي ‪ ..‬واآليات القرآنية التي تأمر وتحض اإلنسان على النظر في السماوات واألرض‪،‬‬
‫العلمانيّة تعني إقصاء الدين عن الدولة والحياة ‪ ..‬وعزله عن السلوك اإلنساني وأنشطته في جميع ميادين الحياة‬

‫‪ ..‬وحصر أنشطته وميادينه في زوايا المعابد‪ ،‬والكنائس‪ ،‬والمساجد ‪ ..‬وفيم يتعلق بعالقة العبد بربه وحسب ‪..‬‬
‫والعلمانية اليمينية المتطرفة ـ كما في ثوبها الشيوعي ـ حتى هذا الجانب المقصور على الزوايا والمساجد‪ ،‬وعالقة‬

‫الناس!‬
‫الفرد بربه ‪ ..‬تمنعه وتحاربه‪ ،‬وت ّ‬
‫جرم عليه َ‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪45‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫والنفس البشرية ‪ ..‬وما أودع اهلل فيها من آيات‪ ،‬وعوالم عظيمة ودقيقة ‪ ..‬وعلى اكتشاف ما أودع اهلل‬
‫في األرض من كنوز وخيرات ‪ ..‬ومن ثم العمل على إعداد القوة بكل مجاالتها وأنواعها ‪ ..‬كثيرة جداً‬
‫لو أردنا اإلحصاء ‪ ..‬وبالتالي فاإلسالم ليست عنده مشكلة مع مجتمعاته من هذا الوجه ‪ ..‬كما هو‬
‫الحال مع النصرانية والكنيسة في مجتمعاتها!‬
‫ومنها‪ :‬أن اإلسالم دين دولة‪ ،‬وحكم‪ ،‬وسياسة‪ ،‬وحياة ‪ ..‬دين يرسم التعاليم والمناهج والشرائع‬
‫الشاملة والدقيقة لألفراد‪ ،‬والجماعات‪ ،‬والدول‪ ،‬والحكومات‪ ،‬واألمم معاً ‪ ..‬وبالتالي أيما محاولة‬
‫لفصل اإلسالم كدين عن الدولة والحكم والسياسة والحياة العامة والخاصة سواء ‪ ..‬فهو من جهة‬
‫خروج من الدين وعلى تعاليمه ومبادئه‪ ،‬وعقيدته ‪ ..‬وتكذيب ورد لنصوصه المحكمة وتوجيهاته ‪..‬‬
‫ومن جهة ثانية فإن من يفعل ذلك مع اإلسالم وأهله‪ ،‬فمثله مثل من يحاول أن ينتزع سمكة من‬
‫مياهها ‪ ..‬ثم يلزمها أن تعيش على رمال الصحراء ‪ ..‬وهذا غير ممكن!‬
‫ومنها‪ :‬أن كل مسلم ـ بحكم تدينه باإلسالم ـ هو سياسي محترف‪ ،‬من الدرجة األولى ـ كما تقدم‬
‫ـ وهو كما أنه يعبد اهلل تعالى من جهة النسك والشعائر التعبدية‪ ،‬كالصالة‪ ،‬والصوم‪ ،‬والحج‪ ،‬والزكاة ‪..‬‬
‫ويعبد اهلل من جهة الشعور واالعتقاد ‪ ..‬فهو كذلك يعبد اهلل تعالى من جهة ممارسته ومعايشته‬
‫للسياسة الشرعية‪ ،‬إذ ال يمكن إال أن يكون كذلك؛ فهو رجل دين ودنيا‪ ،‬ودولة‪ ،‬واقتصاد‪ ،‬وسياسة‬
‫معاً ‪ ..‬كما يعبد اهلل تعالى في المساجد ‪ ..‬يعبده سبحانه وتعالى في بقية ميادين العمل والحياة‪ ،‬كما‬
‫ُْ ذ َ َ‬
‫اي َو َم َماِت َِّلل ِ َرب الْ َعالَم َ‬
‫َلِت َون ُ ُسِك َو ََمْيَ َ‬
‫ني ‪ ‬األنعام‪ .221:‬فكما أن‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫قال تعالى‪ :‬قل إِن ص ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫الصالة والنسك هلل رب العالمين ‪ ..‬كذلك الحياة؛ كل الحياة حتّى الممات هلل رب العالمين ‪..‬‬
‫لزم المسلم ـ باسم العلمنة والعلمانية ـ بأن يتخلى عن السياسة والعمل السياسي أو أن‬
‫وبالتالي عندما ي َ‬
‫ٍ‬
‫حينئذ كمن يلزمه بأن يتخلى عن دينه‪ ،‬وعقيدته‪،‬‬
‫يفصل السياسة عن دينه وعقيدته اإلسالمية ‪ ..‬فهو‬
‫وأن يكفر باهلل‪ ،‬وآياته‪ ،‬ورسله ‪ ..‬وهذا غير ممك ٍن ‪ ..‬فالمسلم أن يقذف في النار ألف مرة أهون عليه‬

‫من أن يترك دينه‪ ،‬أوأن يتخلى عنه لدعوات جاهلية وضعية وافدة إلينا من الشرق أو الغرب‪ ،‬شرها‬
‫ْ‬
‫ََ ُُْ َ َْ‬
‫ََُْ ُ َ َْ‬
‫َ‬
‫اب وتكفرون بِبع ٍض‬
‫يغلب خيرها‪ ،‬بل ال خير فيها البتة ‪ ..‬قال تعالى‪ :‬أفتؤمِنون بِبع ِض الكِت ِ‬
‫ُّ ْ َ َ َ ْ َ ْ َ َ ُ ُّ َ َ ََ‬
‫ُ ْ ذ‬
‫ََ َ َ َ ََُْ َ َ‬
‫ال خ ِْزي ِِف ْ َ‬
‫اْليَاة ِ ادلنيا ويوم القِيامةِ ي َردون إَِل أش ِد‬
‫فما جزاء من يفعل ذل ِك مِنكم إ ِ‬
‫َْ َ‬
‫َ َْ ُ َ‬
‫ُّ َ‬
‫اب َو َما اَّلل بِغاف ٍِل ع ذما تع َملون ‪ ‬البقرة‪.25:‬‬
‫ذ‬
‫الع ِ‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪46‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫فمن تذوق حالوة اإلسالم‪ ،‬وخيره‪ ،‬وجماله ‪ ..‬وعرف حقيقته ‪ ..‬لم يعد يرضى بدي ٍن له غير دين‬
‫اإلسالم ‪ ..‬سواء كان هذا الدين له أصول سماوية سابقة‪ ،‬أو كان ديناً وضعياً كله من صنيع البشر؛‬
‫كالعلمانية‪ ،‬واليبرالية والديمقراطية‪ ،‬واالشتراكية‪ ،‬وغيرها من المذاهب الوضعية!‬

‫لذا أقول‪ :‬ال سوق وال حياة للعلمانية ـ تلك النبتة الخبيثة ـ في المجتمعات اإلسالمية ‪ ..‬وهي‬
‫لو دخلت على حين غفلة من أهلها ـ بقوة وسالح أصحابها ودعاتها ـ سرعان ما تل َفظ‪ ،‬وتستهجن‪،‬‬

‫وترفض‪ ،‬كما يرفض الجسد السليم أي جرثومة غريبة تتسلل إلى باطنه‪ ،‬ودمه‪.‬‬

‫ولما حاول العدو‪ ،‬عن طريق عمالئهم وأذنابهم من بني جلدتنا ممن يتكلمون بألسنتنا ـ بينما‬
‫قلوبهم مع أعداء األمة ـ أن يفرضوا العلمانية على المسلمين ومجتمعاتهم بالقوة ‪ ..‬بالترغيب حيناً‬
‫والترهيب حيناً آخر ‪ ..‬وأوجدوا للعلمانية سوقها في بالدنا‪ ،‬وأنظمتها الحاكمة التي تحكم بها‬
‫وباسمها ‪ ..‬فإنهم بذلك ‪ ..‬ومن ذلك الوقت ‪ ..‬أوجدوا هذا الشرخ الكبير ‪ ..‬والصراع الدائر ـ القديم‬
‫والمتجدد ـ بين الشعوب المسلمة من وجه ‪ ..‬وبين األنظمة العلمانية العميلة الحاكمة من وجه آخر‬
‫‪ ..‬األنظمة العلمانية الديكتاتورية والديمقراطية سواء ‪ ..‬وسر هذا الصراع كما أسلفنا أن العلمانية‬
‫جسد غريب ـ شكالً ومضموناً ومصدراً ـ ال يمكن أن يستقر لها دار أو قرار في دار اإلسالم ـ ما دام‬

‫كتاب اهلل يتلى على مسامع المسلمين ـ كما وجدت لها داراً‪ ،‬ومستقراً‪ ،‬ومستساغاً في بالد الغرب‬
‫النصراني‪.‬‬
‫ْ ً َ‬
‫َ‬
‫ُ َ‬
‫ََ ُ ْ‬
‫َ ْ‬
‫ك َم ْ َ‬
‫اْلاهِل ذِيةِ َيبْغون َو َم ْن أح َس ُن م َِن اَّلل ِ ُحكما ل ِق ْو ٍم يُوق ِنُون‪‬‬
‫قال تعالى‪ :‬أفح‬
‫ْ َ‬
‫ذ‬
‫َ‬
‫َل ُم ‪‬آل عمران‪َ  .29:‬و َمن يَبْتَغِ َغ ْ َ‬
‫َ‬
‫ري‬
‫اإلس‬
‫المائدة‪ .50:‬وقال تعالى‪ :‬إِن ادلِين عِند اَّلل ِ ِ‬
‫ْ َ‬
‫ً ََ ْ َ ُْ ُ‬
‫َْ‬
‫اِس َ‬
‫ين ‪‬آل عمران‪.25:‬‬
‫اإلسَل ِم دِينا فلن ُيقبَل مِنه َوه َو ِِف اآلخ َِرة ِ م َِن اْل ِِ‬
‫ِ‬
‫ومنها‪ :‬أنه جمتمع ال يقبل الشِّرك‪ ،‬واألرباب واألنداد‪ :‬المجتمع المسلم يمكن أن يتفاعل‬
‫مع أي فكرة وافدة إليه فيها شيء من الخير ‪ ..‬فينظر الوجه الحسن منها فيأخذه وينميه ‪ ..‬وينظر‬
‫الوجه الخاطئ والسيء منها فيرده‪ ،‬ويحذر منه ‪ ..‬فالحق ضالة المؤمن أينما وجده أخذه وعمل به‪،‬‬
‫ذ َ َ ْ َ ُ َ َْ َْ ََذ ُ َ َ ْ َ َُ َُْ َ‬
‫ك ذاَّلِينَ‬
‫وكان األحق واألولى به‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬اَّلِين يست ِمعون القول فيتبِعون أحسنه أولئ ِ‬
‫َ َ ُ ُ ذُ ََُْ َ ُ ْ ُُْ َْْ‬
‫َ‬
‫اب ‪‬الزمر‪ .22:‬فنستمع للقول‪ ،‬وننظر فيه ‪ ..‬فنأخذ أحسن ما‬
‫هداهم اَّلل وأولئِك هم أولوا اْلْل ِ‬

‫شرك ـ الذي يساوي بين الخالق والمخلوق‪ ،‬وفي بعض صوره يعلي‬
‫فيه ‪ ..‬ونرد ما سواه ‪ ..‬إال ال ّ‬
‫المخلوق فوق الخالق‪ ،‬ويصرف للمخلوق ما ال يجوز صرفه إال للخالق سبحانه وتعالى‪ ،‬فيعبّد العبيد‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪47‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫للعبيد‪ ،‬ويفرز للمجتمعات والناس آلهة وأرباباً وأصناماً من العبيد ما أنزل اهلل بها من سلطان ـ فإنه‬

‫مرفوض كلياً؛ جملة وتفصيالً ‪ ..‬ال يمكن للمجتمع المسلم أن يتعاطى معه في أي وجه من الوجوه‪،‬‬

‫إال على وجه واحد؛ وهو الرفض واالستهجان والمحاربة ‪ ..‬من أي جهة جاء هذا الشرك‪ ،‬وتحت أي‬

‫عنوان أو راية استظل ووقف ‪ ..‬وذلك لسببين‪:‬‬
‫شر أكبر ‪ ..‬ظلم أكبر يناقض اإليمان واإلسالم من جميع الوجوه ـ ال خير فيه البتّة‬
‫أولهما‪ :‬ألنه ٌّ‬
‫ْ َُ ْ‬
‫ذ‬
‫الْش َك لظلم‬
‫ـ ويخرج المجتمع من صفته اإلسالمية إلى صفته الجاهلية ‪ ..‬كما قال تعالى‪ :‬إِن ِ‬
‫ذ ذ َ َْ ُ َ ُْ‬
‫ََْ ُ َ ُ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ون ذَل َِك ل َِمن ي َ َشاءُ‬
‫ع ِظيم ‪‬لقمان‪ .2 :‬وقال تعالى‪ :‬إِن اَّلل ال يغفِر أن يْشك بِهِ ويغفِر ما د‬
‫ََ ْ َ ذ َ َ ً َ ً‬
‫ذُ َ ُْ ْ‬
‫ََ ُْ ْ‬
‫ََ ْ‬
‫ْشك بِاَّلل ِ فقد‬
‫ي‬
‫ن‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫إ‬
‫‪‬‬
‫‪:‬‬
‫تعالى‬
‫وقال‬
‫‪.‬‬
‫‪222‬‬
‫‪:‬‬
‫النساء‬
‫‪‬‬
‫ْشك بِاَّلل ِ فقد ضل ضَلال بعِيدا‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ومن ي ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ ذ َ ُّ َ َ‬
‫َْ ذ َ َ َ َ ُ ذ ُ َ َ ذ‬
‫ني م ِْن أ َ‬
‫ِلظالِم َ‬
‫ار ‪‬المائدة‪ .01:‬وقال تعالى‪َ :‬و َمن‬
‫نص‬
‫ل‬
‫ا‬
‫م‬
‫و‬
‫ار‬
‫انل‬
‫اه‬
‫و‬
‫أ‬
‫م‬
‫و‬
‫ة‬
‫ن‬
‫اْل‬
‫ه‬
‫ي‬
‫حرم اَّلل عل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُْ ْ ذ َ َ ذَ َذ َ ذ َ ََ ْ‬
‫خ َط ُف ُه ذ‬
‫يح ِف َم ََكن َ‬
‫ري أ ْو َت ْهوي بهِ الر ُ‬
‫الط ْ ُ‬
‫يق‪‬‬
‫ح‬
‫س‬
‫ْشك بِاَّلل ِ فكأنما خر مِن السماء فت‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ي ِ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫َ ُ ْ ْ ُ َ‬
‫َْ‬
‫الحج‪ . 2:‬وقال تعالى‪َ :‬ول َ ْو أ ْ َ‬
‫ِش ُكوا ْ َ َ‬
‫ْلب ِ َط عن ُهم ذما َكنوا َيع َملون ‪‬األنعام‪ .22:‬وغيرها من‬
‫اآليات‪.‬‬
‫ثانيهما‪ :‬ألنه ـ أي الشرك ـ قائم على استعباد العبيد‪ ،‬وتعبيد العبيد للعبيد ‪ ..‬وفرض أر ٍ‬
‫باب‬
‫وأصنام ـ على الناس ـ تصرف لها العبادة والطاعة واالنقياد من دون اهلل ‪ ..‬قد تكون هذه األصنام من‬
‫حجر‪ ،‬وقد تكون من شجر‪ ،‬وقد تكون من بشر ‪ ..‬ال فرق بينها ما دامت تعبَد من دون اهلل‪ ،‬وتطاع‬

‫من دون اهلل أو مع اهلل ‪ ..‬ويحمل الناس حمالً ـ بالترهيب تارة‪ ،‬وتارة أخرى بالترغيب ـ على تمجيدها‬

‫وتقديسها وصرف العبادة لها من دون اهلل ‪ ..‬وهذا ما تأنفه وتأباه النفوس الحرة الكريمة المؤمنة ‪..‬‬
‫ذَ ُ ْ‬
‫التي تنشد الحرية والتحرر من الطغاة‪ ،‬ومطلق العبودية للعبيد واألصنام ‪ ..‬قال تعالى‪ :‬اَّتذوا‬
‫َ َْ َُ ْ َ ُ َْ َُ ْ ََْ ً‬
‫ُ‬
‫األحبار والرهبا َن أن‬
‫أحبارهم ورهبانهم أربابا مِن دو ِن اَّلل ِ ‪‬التوبة‪ . 2:‬وذلك عندما ارتضوا‬
‫َ‬
‫يكونوا لهم مصدراً للتشريع‪ ،‬والتحليل‪ ،‬والتحريم‪ ،‬والتحسين‪ ،‬والتقبيح من دون اهلل ‪!..‬‬
‫ُْ َ ََْ ْ‬
‫َ َ َْْ َ َ َ َ َ َََْ َ َ َْ ُ ْ َ ذ َ ُْ َ ذ ذ‬
‫َ‬
‫اب تعالوا إَِل َكم ٍة سواء بيننا وبينكم أال نعبد إِال اَّلل‬
‫وقال تعالى‪ :‬قل يا أهل الكِت ِ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫ً‬
‫ْ ً‬
‫ُ‬
‫َ ْ ً َ َ َذ َ ْ ُ‬
‫ال ن ُ ْ َ‬
‫خذ َبعض َنا َبعضا أ ْربَابا مِن دو ِن اَّلل ِ ‪‬آل عمران‪ .2 :‬إذ ال يمكن‬
‫و‬
‫ْشك بِهِ شيئا وال يت ِ‬
‫ِ‬
‫أن نزعم أننا أحراراً ‪ ..‬وأننا ندعو إلى تحرير الشعوب والمجتمعات من الذل‪ ،‬والعبودية للطغاة والعبيد‬

‫‪ ..‬ثم نحن في نفس الوقت نرضى أن يتخذ بعضناً بعضاً أرباباً من دون اهلل ‪ ..‬نتخذ ألنفسنا‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪48‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ومجتمعاتنا أرباباً ـ من أنفسنا أو من غيرنا ـ يشرعون‪ ،‬ويحللون‪ ،‬ويحرمون من دون اهلل ‪ ..‬ثم ـ في نفس‬
‫الوقت ـ نزعم أننا أحراراً ‪ ..‬وأننا ندعو للحرية والتحرر من قيود وسالسل العبودية للطغاة والعبيد ‪..‬‬
‫فهذا الزعم وذاك الوصف ال يجتمعان أبدا!‬

‫ومنها‪ :‬أنه جمتمع متكافل متماسك اجتماعياً‪ :‬فالقوي يرحم الضعيف وينصره ‪ ..‬والغني‬
‫يعطف على الفقير‪ ،‬ويتصدق عليه ‪ ..‬والجار يحسن إلى جاره‪ ،‬ويعرف له حقوقه ‪ ..‬والميسور يمشي‬
‫في حاجة المعسور والمكروب ‪ ..‬والصحيح يعود المريض ‪ ..‬والصغير يحترم الكبير‪ ،‬والكبير يعطف‬
‫على الصغير ‪ ..‬والرحم فيه متواصل متكافل من غير انقطاع وال تدابر ‪ ..‬وهذه من أبرز صفات‬
‫المجتمع المسلم‪ ،‬التي يتمايز بها عن غيره من المجتمعات ‪ ..‬والتي هي من جملة األسباب التي‬
‫تعين على بسط العدل والخير واألمن واألمان والتكافل بين الناس‪.‬‬
‫ذ ْ ْ َ ْ‬
‫قال تعالى‪ :‬إِن َما ال ُمؤمِنُون إِخ َوة ‪‬الحجرات‪.20:‬‬

‫ست خ ٍ‬
‫وفي الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬للمؤمن على المؤمن ُّ‬
‫صال‪ :‬يعوده إذا‬
‫نصح له إذا‬
‫ويشهده إذا مات‪ ،‬ويجيبه إذا دعاه‪ ،‬ويسلِّم عليه إذا لقيَه‪ ،‬وي ِّ‬
‫مرض‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫س‪ ،‬ويَ َ‬
‫شمته إذا عطَ َ‬
‫غاب أو َشهد "مسلم‪ .‬ومن النصيحة له أن تريد له الخير‪ ،‬وأن تعينه عليه ‪ ..‬وتدفع عنه األذى‬
‫والضرر‪ ،‬في حضرته وغيبته سواء‪.‬‬
‫يوم القيامة "[ ]‪.‬‬
‫النار َ‬
‫وقال ‪َ ":‬من رد عن عرض أخيه‪ ،‬رد اهلل عن وجهه َ‬
‫ُّ‬
‫ض َيعتَه[‪،] 5‬‬
‫وقال ‪ ":‬المؤمن مرآة المؤمن‪ ،‬والمؤمن أخو المؤمن‪،‬‬
‫يكف عليه َ‬
‫ويحوطه[‪ ] 2‬من ورائه "[‪.] 0‬‬
‫وقال ‪ ":‬ما من امر ٍئ يَخذل امرءاً مسلماً في موط ٍن ينتقص فيه عرضه‪ ،‬وينتهك فيه من‬
‫حب فيه نصرتَه‪ ،‬وما من ٍ‬
‫أحد ينصر مسلماً في موط ٍن ينت َقص‬
‫رمته‪ ،‬إال خ َذلَه اهلل تعالى في موط ٍن ي ُّ‬
‫حَ‬
‫َ‬
‫حب فيه نصرتَه "[‪.] 2‬‬
‫نصره اهلل في موط ٍن ي ُّ‬
‫فيه من عرضه‪ ،‬وينتهك فيه من حرمته‪ ،‬إال َ‬
‫رواه أحمد‪ ،‬والترمذي‪ ،‬صحيح الجامع‪.2121 :‬‬

‫‪5‬‬

‫أي معاشه‪ ،‬كما في "النهاية"‪ ،‬والمراد‪ :‬أنه يمنع عن أخيه تلف معاشه وسبب رزقه‪.‬‬

‫‪0‬‬

‫صحيح سنن أبي داود‪. 220 :‬‬

‫‪2‬‬

‫أي يحفظه في أهله ونفسه وماله عند غيابه‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫رواه أحمد‪ ،‬وأبو داود‪ ،‬صحيح الجامع‪.5290 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪49‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫يحب لنفسه " متفق عليه‪.‬‬
‫وقال ‪ ":‬والذي نفسي بيده ال يؤمن عب ٌد حتى يحب ألخيه ما ُّ‬

‫أهل‬
‫وقال ‪ ":‬المؤمن من أهل اإليمان بمنزلة الرأس من الجسد‪ ،‬يألَم المؤمن لما يصيب َ‬
‫اإليمان‪ ،‬كما يألَم الرأس لما يصيب الجس َد "[‪.] 9‬‬

‫وقال ‪ ":‬ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادِّهم‪ ،‬وتعاطفهم‪ ،‬كمثل الجسد إذا اشتكى عضواً‬
‫تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " متفق عليه‪.‬‬
‫ٍ‬
‫وقال ‪ ":‬المؤمنون ٍ‬
‫أسه اشتكى كلُّه‪ ،‬وإن اشتكى عينَه اشتكى‬
‫كرجل واحد‪ ،‬إذا اشتكى ر َ‬
‫كلُّه" مسلم‪.‬‬
‫ٍ‬
‫س اهلل عنه كربةً من ك َرب اآلخرة‪،‬‬
‫س عن مسلم كربَ ًة من ك َرب الدنيا‪ ،‬نف َ‬
‫وقال ‪َ ":‬من نَـف َ‬
‫ٍ‬
‫مسلم ستره اهلل في ُّ‬
‫الدنيا واآلخرة‪ ،‬واهلل في عون العبد ما كان العبد في عون‬
‫ومن َس َتر على‬
‫َ‬
‫‪50‬‬
‫أخيه"[ ]‪.‬‬

‫وقال ‪ ":‬المسلم أخو المسلم ال يَظلمه وال ي ْسلمه[‪ ،]52‬ومن كان في حاجة أخيه‪ ،‬كان اهلل‬
‫في حاجته‪ ،‬ومن فرج عن ٍ‬
‫مسلم كربةً فر َج اهلل عنه كربةً من ك َرب يوم القيامة‪ ،‬ومن َس َتر مسلماً َستره‬
‫يوم القيامة " متفق عليه‪.‬‬
‫اهلل َ‬

‫سرور تدخله على‬
‫أحب الناس إلى اهلل أن َفعهم‪ ،‬وأحب األعمال إلى اهلل ‪‬‬
‫وقال ‪ُّ ":‬‬
‫ٌ‬
‫ٍ‬
‫ف عنه كربةً‪ ،‬أو تقضي عنه ديناً‪ ،‬أو تَطر َد عنه جوعاً‪ ،‬وألن أمشي مع أخي المسلم في‬
‫مسلم‪ ،‬أو تَكش َ‬
‫ٍ‬
‫ستر اهلل عورتَه‪ ،‬ومن كظَ َم غيظاً‪،‬‬
‫حاجة أحب إلي من أن أعتك َ‬
‫ف في المسجد َشهراً‪ ،‬ومن كف غضبَه َ‬
‫ٍ‬
‫حاجة حتى‬
‫يوم القيامة‪ ،‬ومن مشى مع أخيه المسلم في‬
‫ضى َ‬
‫ولوشاء أن يمضيَه أمضاه‪ ،‬مأل اهلل قلبَه ر ً‬
‫أثبت اهلل تعالى ق َد َمه َ ُّ‬
‫الخل‬
‫العمل كما يفسد‬
‫سوء الخلق ليفس َد‬
‫ُّ‬
‫يثبتَها له‪َ ،‬‬
‫يوم تزل األقدام‪ ،‬وإن َ‬
‫َ‬
‫العسل "[‪.]51‬‬
‫َ‬
‫وقال ‪ ":‬من أفضل األعمال إدخال السرور على المؤمن؛ تقضي عنه ديناً‪ ،‬تقضي له حاجةً‪،‬‬

‫ِّ‬
‫س له كربةً "‪.‬‬
‫تنف َ‬
‫‪9‬‬

‫رواه أحمد‪ ،‬صحيح الجامع‪.2259 :‬‬

‫‪ 50‬رواه مسلم‪ ،‬والترمذي‪ ،‬وأبو داود‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬صحيح سنن أبي داود‪. 2 0 :‬‬
‫‪ 52‬أي ال يتخلى عنه وال يتركه للظلم والقهر‪ ،‬والفقر والجوع ‪ ..‬ولعدوان المعتدين‪.‬‬
‫‪ 51‬رواه الطبراني‪ ،‬صحيح الجامع‪.202 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪50‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫قرهم فيها ما ب َذلوها‪ ،‬فإذا َمنعوها‬
‫وقال ‪ ":‬إن هلل أقواماً اختصهم بالنعم لمنافع العباد‪ ،‬ي ُّ‬
‫نزعها منهم؛ فحولها إلى غيرهم "[ ‪.]5‬‬
‫َ‬
‫حب لنفسه " مسلم‪.‬‬
‫وقال ‪ ":‬والذي نفسي بيده‪ ،‬ال يؤمن عب ٌد حتى يحب لجاره ما ي ُّ‬
‫وقال ‪ ":‬من كان يؤمن باهلل واليوم اآلخر‪ ،‬فليحسن إلى جاره " متفق عليه‪.‬‬

‫بات شبعان وجاره جائ ٌع إلى جنبه وهو يعلم به "[ ‪.]5‬‬
‫وقال ‪ ":‬ما آمن بي من َ‬
‫أغلق بابَه دوني؛ فمنع‬
‫يوم القيامة‪ ،‬يقول‪ :‬يا ِّ‬
‫رب! هذا َ‬
‫وقال ‪ ":‬كم من جا ٍر متعل ٌق بجاره َ‬

‫معروفَه "[‪.]55‬‬

‫وقال ‪ ":‬واهلل ال يؤمن‪ ،‬واهلل ال يؤمن‪ ،‬واهلل ال يؤمن" قيل‪َ :‬من يا رسول اهلل؟ قال‪ ":‬الذي ال‬

‫‪52‬‬
‫شره وأذاه ‪ ..‬وغيرها كثير من النصوص التي تحض على هذا التكافل‬
‫َ‬
‫يأمن جاره بوائ َقه"[ ]‪ .‬أي ّ‬
‫والتآخي والتعاون فيم بين المسلمين ‪ ..‬وهو جانب هام جداً ال بد من تفعيله‪ ،‬والدعوة إليه‪ ،‬وتذكير‬

‫الناس به وبأهميته ‪ ..‬إذا أرادوا أن يعيشوا في مجتمع آمن يسوده العدل‪ ،‬والتآخي‪ ،‬والحب‪ ،‬والتعاون‬

‫على الخير ‪ ..‬إذ ال يكفي السياسة أن تعمل عملها‪ ،‬وتعطي عطاءها المنشود ‪ ..‬بعيدة عن هذا‬
‫الجانب الهام أو من دونه!‬
‫الذي حملني على التذكير بهذا الجانب الهام الذي يمتاز به المجتمع المسلم عما سواه من‬
‫المجتمعات ‪ ..‬ثالثة أمور‪ :‬أولها؛ حاجة الشعوب الماسة ـ وبخاصة ما بعد الثورات التي تشهدها‬
‫المنطقة ـ إلى هذه المعاني والقيم الحضارية الراقية ـ بعد أن عاشت عقوداً على موائد وقيم الطغاة‬
‫المستبدين ـ التي تجعل من المجتمع مجتمعاً متحضراً راقياً‪ ،‬تعين على تحقيق العدل‪ ،‬واألمن والرخاء‬

‫بين الناس‪.‬‬

‫ثانيها؛ أن الدولة مهما كانت تتمتع بثروة طائلة ‪ ..‬وبخطط اقتصادية‪ ،‬وسياسية جيدة ‪..‬‬
‫وبقيادة حكيمة ‪ ..‬ال يمكن لها منفردة ـ بعيداً عن تلك القيم والمعاني الحضارية اآلنفة الذكر ـ أن‬
‫تحقق العدالة والسعادة واألمن للناس ‪ ..‬لذا ال بد من االهتمام بها وإحيائها من جديد ‪ ..‬كما يكون‬
‫‪ 5‬رواه ابن أبي الدنيا والطبراني‪ ،‬صحيح الترغيب‪.1220 :‬‬
‫‪ 5‬رواه البزار‪ ،‬والطبراني‪ ،‬صحيح الجامع‪.5505 :‬‬

‫‪ 55‬صحيح األدب المفرد‪.22 :‬‬

‫‪ 52‬رواه أحمد‪ ،‬والبخاري‪ ،‬صحيح الجامع‪.0201 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪51‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫االهتمام بالخطط االقتصادية والسياسية‪ ،‬وأزود ‪ ..‬هذا إذا نشدنا وأردنا مجتمعاً تسود فيه العدالة‬
‫االجتماعية ‪ ..‬والسعادة ‪ ..‬واألمن واألمان‪.‬‬
‫ثالثها؛ أن المدنيّة المعاصرة الوافدة قد قتلت في الناس هذه المعاني النبيلة والعظيمة ‪..‬‬
‫وغلبت في نفوسهم صفات األنانية ‪ ..‬وحب النفس والذات ‪ ..‬بعيداً عن تلك المعاني الحضارية‬
‫الراقية التكافلية اآلنفة الذكر ‪ ..‬والتي تجعل سعادة األخ مرهونة بسعادة أخيه ‪ ..‬وسعادة ورخاء وأمن‬

‫الجار مرهون بسعادة ورخاء وأمن الجار المقابل له!‬
‫المتغربين ـ والدعاة‬
‫هذا المرض ولألسف قد انتقل إلى بالد المسلمين ‪ ..‬عن طريق المنافقين‬
‫ّ‬

‫العلمانيين ـ المعجبين بالقيم الغربية على ما فيها من علل ونواقص ‪ ..‬حتى عد الدعوة إلى تلك القيم‬
‫الحضارية اإليمانية ـ من قبل هؤالء المنافقين المتفرنجين ـ نوع من الدروشة والمسكنة التي ينبغي أن‬
‫الساسة‪ ،‬والقادة والمختصون ‪ ..‬وبسبب من عند هؤالء المنافقين ـ الدعاة‬
‫يترفع عنها وعن ذكرها ّ‬
‫على أبواب جهنم ـ وما يملكونه من نفوذ‪ ،‬ودعاية وقدرة على التحكم بوسائل اإلعالم ‪ ..‬قد تحولت‬
‫كثير من مجتمعاتنا إلى غابة تتآكلها األهواء التي ال تعرف إال حظوظ النفس ‪ ..‬وال تنتصر لشيء إال‬
‫للنفس وحظوظها ورغباتها ‪ ..‬وليكن بعدها ما يكون ‪ ..‬فال يعرف األخ شيئاً عن أخيه‪ ،‬وال الجار‬
‫يعرف شيئاً عن جاره فضالً عن أن يعرف له حقوقه ‪ ..‬ويصون له حرماته ‪ ..‬وهذا أنى أن تنفع معه‬
‫الخطط االقتصادية والسياسية مجردة عن تلك المعاني والقيم اإليمانية الحضارية ‪ ..‬صدق رسول اهلل‬

‫‪ ":‬لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر‪ ،‬وذراعاً بذراع‪ ،‬حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه ـ وفي‬

‫فمن "‬
‫رواية‪ :‬حتى لو دخلوا في جحر ٍّ‬
‫ضب التبعتموهم ـ قلنا‪ :‬يا رسول اهلل‪ ،‬اليهود والنصارى؟ قال‪َ :‬‬
‫متفق عليه‪ .‬أي من يكون غيرهم ‪..‬؟!‬

‫ومنها‪ :‬أنه جمتمع يتمتع برقابة ذاتية‪ :‬من خالل إيمان أفراده بالغيب ‪ ..‬من خالل إيمانهم‬
‫باهلل العظيم‪ ،‬وباليوم اآلخر‪ ،‬وبالجنة والنار ‪ ..‬وأن اهلل تعالى معهم ‪ ..‬مطلع عليهم ‪ ..‬عالم بأحوالهم‪،‬‬
‫وأسرارهم ‪ ..‬ال يخفى عليه شيء من أحوال عباده ‪ ..‬وال شي من خلقه ‪ ..‬سبحانه وتعالى ‪ ..‬وأنه‬

‫َ ْ ْ َْ َ َ‬
‫َ‬
‫تعالى محاسبهم ومجازيهم على ما يكون منهم من عمل‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬ف َمن يع َمل مِثقال ذ ذرةٍ‬
‫ْ َْ َ َ َ ً‬
‫ً‬
‫َخ ْريا ي َ َرهُ * َو َمن َي ْع َمل مِثقال ذ ذرةٍ ِشا ي َ َرهُ ‪‬الزلزلة‪.2-0:‬‬
‫ََْ َ َُْ ْ َذ ذ َ َْ ُ ذ ُ ْ َ ََْ ُ ْ ََذ ذ َ ذ ُ ُْ‬
‫ُ‬
‫وب‪ ‬التوبة‪.02:‬‬
‫وقال تعالى‪ :‬ألم يعلموا أن اَّلل يعلم ِِسهم وَنواهم وأن اَّلل عَلم الغي ِ‬
‫َْ‬
‫ْ َ‬
‫َ َ َ َ ْ َ ُ َ َ ذ ذ َ ْ َ ُ َ ُ ُّ َ‬
‫ْسون َو َما ُيعل ِنُون ‪‬البقرة‪ .00:‬وقال تعالى‪َ :‬يعل ُم‬
‫وقال تعالى‪ :‬أوال يعلمون أن اَّلل يعلم ما ي ِ‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪52‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫َ ََْ َْ ْ ََ َ َْ‬
‫َ َ ََُْ ْ َذ ذ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫اَّلل َي ْعلَمُ‬
‫ما بني أيدِي ِهم وما خلفهم ‪‬البقرة‪ .155:‬وقال تعالى‪ :‬ذل ِك تلِ علموا أن‬
‫ََ ذ ذ‬
‫ُ‬
‫َشء َعل ِيم ‪‬المائدة‪ .90:‬وقال تعالى‪َ :‬وع َ‬
‫ات َو َما ِف اْلَ ْ‬
‫ذ‬
‫ِندهُ‬
‫الس َم َ‬
‫كل َ ٍْ‬
‫ِ‬
‫ب‬
‫اَّلل‬
‫ن‬
‫أ‬
‫و‬
‫ض‬
‫ر‬
‫او ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ ذ َْ‬
‫َْ‬
‫َ َْ‬
‫َ ُ‬
‫ْ ْ‬
‫ذ ُ‬
‫ال ْ َغيْ‬
‫ب ال َيعل ُم َها إِال ه َو َويَعل ُم َما ِِف ال َِبِ َواْلَحرِ َو َما ت ْسق ُط مِن َو َرق ٍة إِال َيعل ُم َها َوال َح ذب ٍة ِِف‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ذ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ ُّ‬
‫ُّ‬
‫ُظلُ َمات اْل ْر ِض َوال َر ْطب َوال يَابس إال ِف كِتَ‬
‫ني ‪‬األنعام‪ .59:‬وقال تعالى‪َ :‬وه َو اَّلل ِِف‬
‫ِ‬
‫ٍِ ِ ِ‬
‫اب مب ِ ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫ْ َ َُْ ذ ُ ْ َ َ َُ‬
‫َْ‬
‫َْ‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫ذ‬
‫الس َم َ‬
‫هرك ْم َويَعل ُم َما تكسِبُون‪ ‬األنعام‪ . :‬وقال تعالى‪َ  :‬يعل ُم‬
‫ات َو ِِف اْلر ِض يعلم ِِسكم وج‬
‫او ِ‬
‫َْْ ِ ََ َُْ ُ َْ ََ َ ُ َ ذ َ ََ َ ُْ ُ َ ََُ َ َ ُ‬
‫ك ْم َأ ْي َن َما ُكنتُمْ‬
‫َما يَل ُِج ِِف اْلرض وما َيرج مِنها وما يزنِل مِن السماء وما يعرج فِيها وهو مع‬
‫َ ْ َْ ُ َ‬
‫َْ ُ َ‬
‫َْْ َ ْ‬
‫َ‬
‫َو ذ ُ‬
‫ب ال َيع ُز ُب عن ُه مِثقال ذ ذر ٍة ِِف‬
‫اَّلل ب ِ َما تع َملون ب َ ِ‬
‫صري ‪‬الحديد‪ . :‬وقال تعالى‪َ :‬عل ِِم الغي ِ‬
‫ََ‬
‫َ َ ََ َ ْ‬
‫َْْ ِ ََ َ ْ‬
‫ِب إ ذال ِف ك َِتاب ُّ‬
‫ذ‬
‫كَُ‬
‫الس َم َ‬
‫ص َغ ُ‬
‫ني ‪‬سبأ‪ . :‬وقال تعالى‪:‬‬
‫ب‬
‫م‬
‫أ‬
‫ال‬
‫و‬
‫ِك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫ِن‬
‫م‬
‫ر‬
‫أ‬
‫ال‬
‫و‬
‫ض‬
‫ر‬
‫اْل‬
‫ِف‬
‫ال‬
‫ات و‬
‫او ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ٍ ِ ٍ‬
‫َْ ُ ُ َ َْ ُ ََْ ُ َْ ْ َ ْ ْ‬
‫َََ ْ َ ََْ ْ َ َ َ َ‬
‫َ‬
‫نسان َون ْعل ُم َما ت ُ َو ْسوِ ُس بِهِ نفسه وَنن أقرب إِِلهِ مِن حب ِل الورِي ِد‪ ‬ق‪ .22:‬وقال‬
‫اإل‬
‫ولقد خلقنا ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ َ َ‬
‫يب َد ْع َوةَ ذ‬
‫ك عِبَادِي َعّن فَإّن قَريب أج ُ‬
‫ادل ِ‬
‫اع إِذا َد ََع ِن ‪‬البقرة ‪ .222:‬وغيرها‬
‫تعالى‪ِ :‬إَوذا سأل‬
‫ِ‬
‫ِ ِِ ِ‬
‫َما ِِف‬
‫َ‬
‫َمفات ُِح‬

‫كثير من اآليات واألحاديث النبوية الدالة على هذه العقيدة العظيمة ‪ ..‬والتي ال يصح إيمان المرء من‬

‫دونها‪.‬‬
‫هذه العقيدة على قدر تمكنها من اإلنسان ‪ ..‬على قدر ما يستقيم سلوكه ‪ ..‬وتتشكل لديه‬
‫الرقابة الذاتية ألفعاله وسلوكه ‪ ..‬فهو ال يحتاج إلى رقابة من أجهزة األمن ‪ ..‬وال من كاميرات‬
‫التجسس والرقابة ـ التي يسهل على المحتالين االحتيال عليها ـ ألنه يؤمن بأن اهلل تعالى معه‪ ،‬يسمعه‬
‫ويراه‪ ،‬وهو قادر عليه ‪ ..‬فيستحي ويمتنع عن فعل المشين والمحظور ‪ ..‬حتى لو كان قادراً على‬

‫فعله؛ حيث يأمن رقابة الناس له!‬
‫هذه الخاصية ليست ٍ‬
‫ألحد إال للمؤمنين المسلمين ‪ ..‬ولمجتمعاتهم التي تكرس في أبنائها هذه‬
‫العقيدة اإليجابية العظيمة ‪ ..‬عقيدة اإليمان باهلل العظيم‪ ،‬واإليمان بالغيب‪.‬‬
‫ولما عملت المجتمعات العلمانية الملحدة‪ ،‬المتحللة ‪ ..‬على محاربة هذه العقيدة ـ عقيدة‬
‫اإليمان باهلل‪ ،‬وبالغيب ـ في نفوس أبنائهم وشعوبهم ‪ ..‬ماذا كانت النتيجة؟‬
‫كانت النتيجة أنهم يحتاجون ـ عوضاً عن عقيدة اإليمان برقابة اهلل ـ إلى نصب ماليين‬
‫الكاميرات التي تتجسس على سلوكيات وحركات الناس في كل مكان ‪ ..‬وكل ز ٍّق وزاوية ‪ ..‬كما أنهم‬
‫يحتاجون إلى مضاعفة العناصر األمنية التي تقف تراقب خلف هذه الكاميرات ‪ ..‬وتالحق المخالفين‬

‫والمتالعبين ‪ ..‬وهذا يكلفهم ـ من خزائن الدولة ـ مليارات الدوالرات ‪ ..‬فإن لم يفعلوا ذلك ‪ ..‬أو‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪53‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫تعطلت كاميراتهم عن العمل والرقابة ساعة واحدة فقط ‪ ..‬وضمن الناس غياب رقابتها ‪ ..‬تحصل في‬
‫تلك الساعة آالف الجرائم من النهب‪ ،‬والسطو على الحقوق والحرمات ‪ ..‬ألنهم ال يؤمنون بعي ٍن‬
‫أخرى تراهم غير عين الكاميرا ‪ ..‬وال بجزاء غير جزاء شرطتهم ورجال أمنهم ‪ ..‬فما الذي يمنعهم من‬
‫اقتراف الجرائم والمحظورات عند ضمانهم غياب كل ذلك ‪ ..‬يحصل ذلك في أرقى دول الغرب‬
‫مدنية كمدينة نييورك في أمريكا ‪ ..‬ولندن في بريطانيا[‪.]50‬‬

‫والعلمانيون في بالدنا من أبناء جلدتنا ‪ ..‬يريدون أن يحملوا الناس في مجتمعاتنا كرهاً على‬

‫الكفر باهلل العظيم ‪ ..‬وعدم اإليمان بالغيب ‪ ..‬تبعاً لما يجري في ـ قبلتهم األولى ـ أمريكا وبالد‬
‫الغرب‪ ..‬لكن لو تحقق لهم ذلك ‪ ..‬ماذا ستكون النتيجة؟ ستكون النتيجة كارثيّة وفق كل المقاييس‬

‫‪ ..‬أكثر بكثير مما يحصل في أمريكا وبالد الغرب ‪ ..‬وذلك أننا نفتقد نظام رقابة الكاميرات بالصورة‬
‫المنتشرة في بالد الغرب ‪ ..‬فإذا أضيف إليها غياب عقيدة اإليمان باهلل تعالى‪ ،‬وبالغيب ‪ ..‬وأن اهلل‬
‫ٍ‬
‫فحينئذ حدث ـ وال‬
‫معنا يرانا ‪ ..‬ويسمعنا ‪ ..‬ويعلم منا ما نخفي وما نعلن ‪ ..‬وأنه تعالى قادر علينا ‪..‬‬
‫حرج ـ عن نوع وحجم الجرائم التي سترتكب‪ ،‬من غير حسيب‪ ،‬وال رقيب!‬
‫مجتمعاتنا ‪ ..‬إن غابت في ها عقيدة الرقابة اإليمانية الذاتية ـ كما هو مشار إليه أعاله ـ تحولت‬
‫إلى مجتمعات وحوش وغابات ‪ ..‬القوي فيها يسطو على الضعيف ‪ ..‬ال أحد يأمن اآلخر على نفسه‪،‬‬
‫وحرماته ‪ ..‬مهما كانت الخطط والبرامج االقتصادية والسياسية جادة وصائبة ‪ ..‬وكثر الحديث عن‬
‫جودة الدساتير‪ ،‬والمواثيق‪ ،‬والقوانين التي تسطّر على األوراق ‪ ..‬إذ بمفردها ال يمكن أن تعمل عملها‬
‫المنشود والمرتقب في المجتمعات!‬

‫‪50‬‬

‫*****‬

‫منذ أشه ٍر من سنة ( ‪ ،) 1022‬لما حصلت أحداث الشغب في مدينة لندن ‪ ..‬وتعطلت بعض كاميرات‬

‫المدينة عن العمل ‪ ..‬تم تهشيم المحالت التجارية العامة والخاصة ‪ ..‬ونهب ما فيها ‪ ..‬مما خف حمله‪ ،‬وغال ثمنه‬

‫‪ ..‬وشارك في ارتكاب هذه الجرائم ‪ ..‬شخصيات كانت تعتبر في المجتمع ـ إلى ما قبل حصول هذا الشغب‬
‫بسويعات ـ أنها شخصيات محترمة وراقية ومرموقة ‪ ...‬فتأملوا!‬

‫وهم حتى يضمنوا عدم حصول جرائم نهب وسطو على أموالهم ومتاجرهم ‪ ..‬تجدهم مضطرين أن ينصبوا في‬

‫محل تجاري متوسط الحجم والسعة ‪ ..‬أكثر من عشر كاميرات ‪ ..‬غير عناصر األمن والرقابة ‪ ..‬التي تراقب الداخل‬

‫والخارج من الزبائن ‪ ...‬وهذا كله من عند أنفسهم؛ لما حاربوا في نفوس أبنائهم عقيدة اإليمان باهلل‪ ،‬واإليمان‬

‫يلومن إال أنفسهم!‬
‫بالغيب ‪ ..‬فال‬
‫ّ‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪54‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ـ مصــدر التّشــريــع‪.‬‬

‫ـ اهلل عزَّ وجَل‪ :‬مصدر التشريع؛ التحليل‪ ،‬والتحريم ‪ ..‬التحسين والتقبيح ‪ ..‬األمر والنهي ‪ ..‬هو‬

‫اهلل تعالى وحده ال شريك له‪.‬‬
‫لماذا ‪..‬؟‬
‫ألن اهلل سبحانه وتعالى هو الخالق لهذا الكون وما فيه‪ ،‬ومن فيه ‪ ..‬المالك له ‪ ..‬والقادر عليه‪،‬‬
‫العالم بما ينفعه‪ ،‬وبما يضره ‪ ..‬له األسماء الحسنى والصفات العليا ‪ ..‬فهو ‪ ‬خالق الخلق‪ ،‬ومالك‬
‫الملك ‪ ..‬ورب العالمين ‪ ..‬وكما له الخلق والملك ال شريك له‪ ،‬كذلك له الحكم والشرع‪ ،‬واألمر‪،‬‬
‫والنهي‪ ،‬ال شريك له ‪ ..‬فحكمه الكوني والشرعي‪ ،‬هو الذي يجب أن يمضي في خلقه‪ ،‬وبين عباده‬
‫‪ ..‬فكما أنه ‪ ‬في السماء إله فهو كذلك في األرض إله ‪ ..‬وكما أنه ‪ ‬هو الرب الخالق‪ ،‬فهو‬
‫كذلك اإلله المعبود بحق‪ ،‬المطاع ‪ ..‬وعباده ليس لهم إال أن يدخلوا في عبادته وطاعته‪ ،‬والتحاكم‬
‫إلى شرعه دون ٍ‬
‫أحد سواه ‪ ..‬وإال فهو الشرك‪ ،‬والعصيان ‪ ..‬والخروج من دائرة اإليمان واإلسالم ‪..‬‬
‫والدخول في عبادة الطواغيت واألصنام واألوثان‪.‬‬

‫ُ ْ َ َ ً‬
‫َ ُْ‬
‫ْش ُك ِِف حك ِمهِ أحدا ‪‬الكهف‪ .12:‬أي ال يشرك في حكمه الكوني‬
‫وقال تعالى‪ :‬وال ي ِ‬

‫والشرعي أحداً‪ ،‬فكما أنه ال شريك له في حكمه وتصريفه وتدبيره لألكوان ‪ ..‬يفعل ما يشاء‪ ،‬فال‬
‫يسأل عما يفعل ‪ ..‬كذلك ليس له شريك في حكمه الشرعي؛ التحليل والتحريم ‪ ..‬ما يجوز وما ال‬

‫َ ُ ْ َُ َ ذ َ ْ َ ُ َ ُ ْ ُ ْ َُ َ‬
‫يجوز ‪ ..‬األمر والنهي‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬ال يسأل عما يفعل وهم يسألون ‪‬األنبياء‪ .1 :‬وقال‬
‫َ ُّ َ ْ ُ ُ َ ُ َ َ ُ ْ َ ُ َ َ ُ ْ‬
‫اْل َ‬
‫اب ‪‬الرعد‪. 2:‬‬
‫ِس‬
‫ِسيع‬
‫ِ‬
‫تعالى‪ :‬واَّلل ُيكم ال معقِب ِْلك ِمهِ وهو ِ‬
‫ذ‬
‫ُْ ْ ذ‬
‫َ َذ َ‬
‫اْلك ُم إِال ِ ذَّلل ِ أ َم َر أال ت ْعبُ ُدوا إِال إِيذاهُ ‪‬يوسف‪ . 0:‬أي ليس الحكم‬
‫وقال تعالى‪ :‬إ ِ ِن‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ذ‬
‫ذ َ‬
‫ٍ‬
‫ألحد إال هلل ‪ ..‬نفي يعقبه أداة استثناء " إال " يفيد الحصر والقصر ‪ ‬أ َم َر أال ت ْع ُب ُدوا إِال إِيذاهُ ‪‬؛‬

‫العبادة العامة الجامعة لكل ما يحبه اهلل تعالى من األقوال واألعمال الظاهرة والباطنة‪ ،‬بما في ذلك‬

‫عبادة الطاعة والتحاكم إلى حكمه وشرعه ‪.‬‬

‫الح َكم‪ ،‬وإليه الحكم "[‪ .]52‬أي‬
‫وفي الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬إن اهلل هو َ‬

‫وإليه الحكم حصراً‪ ،‬وقصراً‪.‬‬

‫‪ 52‬رواه أبو داود‪ ،‬وغيره‪ ،‬صحيح الجامع‪.22 5 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪55‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫َ َ َ ُ ْ َ ْ ُ َ َ ْ ُ َ َ َ َ ُّ َ ُّ ْ َ َ‬
‫َ‬
‫وقال تعالى‪ :‬أال َل اْللق واْلمر تبارك اَّلل رب العال ِمني ‪‬األعراف‪ .5 :‬فكما له‬
‫َ َ َ َ ُّ‬
‫اَّلل ‪‬؛ أي‬
‫الخلق‪ ،‬فله األمر ‪ ..‬والذي له الخلق‪ ،‬هو الذي له الحكم واألمر ال شريك له ‪ ‬تبارك‬

‫تعاظم وتعالى شأنه ‪ ‬عن أن يكون له شريك في الخلق أو شريك في الحكم واألمر ‪ ..‬فكما ليس‬
‫له شريك في الخلق‪ ،‬كذلك ال يجوز أن يكون له شريك في الحكم واألمر‪ ،‬وهو ‪ُّ ‬‬
‫رب العالمني ‪.‬‬
‫ذ‬

‫َ‬

‫َْ‬

‫َ‬

‫ْ‬

‫ْ‬

‫وقال تعالى‪َ :‬و ُه َو اَّلِي ِف ذ‬
‫ِيم ال َعل ُ‬
‫اْلك ُ‬
‫الس َماء إَِل َوِف اْل ْر ِض إَِل َو ُه َو َ‬
‫ِيم ‪‬الزخرف‪.2 :‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬

‫فكما أن اهلل تعالى هو المعبود المطاع بحق في السماء‪ ،‬كذلك فهو المعبود المطاع بحق في األرض‬
‫‪ ..‬وما األرض في عالم السماء إال كذرة في فالة!‬

‫ََْ ََ َ ذ َ ُ َ‬
‫ِين ي َ ْزع ُمون‬
‫وقال تعالى في الذين يعدلون عن حكمه إلى حكم الطاغوت‪ :‬ألم تر إ َِل اَّل‬
‫ََْ ُ ْ َ‬
‫َذُ ْ َُ ْ َ ُ َ َْ َ ََ ُ َ‬
‫َْ َ ُ ُ َ َ ََ َ َ ُ ْ َ ذ ُ‬
‫ُ‬
‫وت وقد أمِروا أن‬
‫أنهم آمنوا بِما أنزِل إِِلك وما أنزِل مِن قبل ِك يرِيدون أن يتحاكموا إَِل الطاغ ِ‬
‫ُ َ‬
‫َ ً‬
‫ذ‬
‫ً‬
‫َ ُُْ ْ َُ ُ ذ‬
‫يد الشيْ َطان أن ي ُ ِضل ُه ْم َضَلال بَعِيدا ‪‬النساء‪ .20:‬فاعتبر القرآن إيمانهم زعماً ال‬
‫يكفروا بِهِ ويرِ‬

‫حقيقة له في الصدور ‪ ..‬وذلك لعدولهم عن حكم اهلل ‪ ‬وعن التحاكم إلى شرعه ‪ ..‬إلى التحاكم‬
‫شرع غير شرع اهلل ‪ ‬فهو طاغوت ‪..‬‬
‫إلى الطاغوت وشرعه؛ وكل حاكم ال يحكم بما أنزل اهلل ‪ ..‬أو ٍ‬
‫َ ُ‬

‫َْ‬

‫ُْ‬

‫ْ‬

‫يجب الكفر به والبراء منه كما قال تعالى‪َ ‬وق ْد أم ُِروا أن يَكف ُروا بِهِ ‪.‬‬

‫َ َ ذ ْ َ ْ ُ َ َ َ َ ُّ َ ُ ْ َ َ ُ ُ ْ َ ُ َ‬
‫ََُْ َ‬
‫ك ُهمُ‬
‫وكذلك قوله تعالى‪ :‬ومن لم ُيكم بِما أنزل اَّلل فأولئِك هم الَكف ِرون ‪ ..‬فأولئ ِ‬
‫َْ ُ َ‬
‫ذ ُ َ ََُْ َ‬
‫ك ُه ُم الفاسِقون ‪‬المائدة‪. 0- 5- :‬‬
‫الظال ِمون ‪ ..‬فأولئ ِ‬

‫أما المخلوق الذي ال يخلق شيئاً‪ ،‬وال يقدر على أن يخلق شيئاً ‪ ..‬كما أنه ـ على الحقيقة ـ ال‬

‫يملك شيئاً‪ ،‬فهو عنه زائل ال محالة ‪ ..‬كما ال يملك لنفسه‪ ،‬وال لغيره نفعاً وال ضراً إال ما شاء اهلل ‪..‬‬

‫وصفاته كلها قائمة على النقص‪ ،‬والعجز والضعف ‪ ..‬ومثل هذا أنّى له أن يكون إلهاً ورباً ومشرعاً‬
‫مطاعاً في األرض؛ له األمر والنهي‪ ،‬والحكم من دون اهلل ‪ ..‬فيشرع للعباد ما يهوى ويشاء؛ يحل لهم‬
‫ما يراه حالالً‪ ،‬ويحرم عليهم ما يراه حراماً ‪ ..‬ثم ما على الناس سوى الدخول في عبادته وطاعته من‬
‫دون اهلل ‪ ..‬ففاقد الشيء ال يعطيه ‪ ..‬ثم هو عمل غير صالح؛ هو من الشرك‪ ،‬والضالل المبين والعياذ‬
‫باهلل ‪ ..‬فيه امتهان لكرامة وعزة وحرية وآدمية اإلنسان ‪ ..‬وأي امتهان أسوأ وأحط آلدمية اإلنسان من‬
‫أن يساق مع القطيع إلى مزرعة العبودية للطغاة العبيد ‪ ..‬بعد أن أكرمه اهلل بالتوحيد ‪ ..‬واالنعتاق من‬
‫العبودية للعبيد؟!‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪56‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫َُْ ُ َ َ َ َُُْ َ ْ ً َ ُ ْ َُُْ َ‬
‫ْشكون ما ال َيلق شيئا وهم َيلقون ‪‬األعراف‪ .292:‬سؤال تقريعي‬
‫قال تعالى‪ :‬أي ِ‬

‫توبيخي يفيد التعجب؛ إذ كيف يشركون مع اهلل تعالى في الحكم والتشريع أرباباً مخلوقة ‪ ..‬ال‬
‫يخلقون شيئاً ‪ ..‬وال يقدرون؟!‬

‫ََ َ َُُْ َ َ ذ َُْ‬
‫ُ‬
‫وقال تعالى‪ :‬أفمن َيلق كمن ال َيلق ‪‬؛ هل يستويان مثالً لتصرفوا العبادة لمن ال يخلق‪،‬‬

‫كما تصرفوها لمن يخلق ‪ ..‬وتتحاكموا إلى شرع وقانون من ال يخلق كما تتحاكموا إلى شرع وقانون‬
‫ََ‬

‫َ ذ‬

‫َ‬

‫من يخلق ‪  ..‬أفَل تَذك ُرون ‪‬النحل‪ .20:‬أفال تعقلون ‪ ..‬أفال تبصرون ‪ ..‬أفال تتفكرون ‪ ..‬أليست‬
‫َ‬

‫ََ ُُ‬

‫ََْ ُ‬

‫ْ‬
‫وب أقفال َها ‪‬محمد‪.1 :‬‬
‫لكم عقول ‪ ‬أم لَع قل ٍ‬

‫وإ ّن عجبي ليشتد من أناس يؤمنون بالربوبية ‪ ..‬ثم هم يجحدون األلوهية!‬

‫يؤمنون ويسلمون بأن اهلل سبحانه وتعالى هو الرب الخالق‪ ،‬والمالك لهذا الكون‪ ،‬وما فيه من‬

‫مخلوقات وآيات باهرات ‪ ..‬ثم هم يجادلون في حقه ‪ ‬في التشريع‪ ،‬والتحليل والتحريم؟!‬
‫سلّمون بأن له الخلق ‪ ..‬ثم تراهم يجادلون فيمن له األمر‪ ،‬والحق في األمر؟!‬
‫يؤمنون وي َ‬

‫يؤمنون ويسلّمون بحكمته البالغة فيما قد خلَق من عجائب المخلوقات في السماوات‬
‫واألرض ‪ ..‬وبحسن تدبيره ورعايته لهذه المخلوقات ‪ ..‬ثم تراهم يجادلون ويشككون بحكمته فيم قد‬
‫شرع من شرائع‪ ،‬وأحكام ‪...‬؟!‬

‫َذ ْ َ َ‬
‫َ َْْ َ ََ ََ َ ُ‬
‫الس َماءِ َماء فَأَنبَتْنَا بهِ َح َدائقَ‬
‫َ‬
‫كم م َِن ذ‬
‫ذ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ات واْلرض وأنزل ل‬
‫قال تعالى‪ :‬أمن خلق السماو ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ذ َ َ‬
‫ذ ْ ُ َ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬
‫َ َ َْ َ ذ َ َ َ ُ ْ َ ُ ُ َ َ َ‬
‫ج َعل اْل ْرض‬
‫ج َرها أإَِل ذم َع اَّلل ِ بَل ه ْم ق ْوم َيعدِلون * أمن‬
‫ذات بهج ٍة ما َكن لكم أن تنبِتوا ش‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً َ ذ َ ذ َْ‬
‫ْ‬
‫َ َ ً َ َ َ َ َ ََ َ ْ َ ً َ َ َ َ ََ َ َ ِ َ َ َ َ َ َ ْ َ َْ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َث ُهمْ‬
‫كَُ‬
‫َ‬
‫جزا أإَِل مع اَّللِ بل أ‬
‫قرارا وجعل خَِللها أنهارا وجعل لها رواِس وجعل بني اْلحري ِن حا ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ َ ْ َ ُ َ َذ ُ ُ ُْ ْ َ ذ َ َ َ ُ َ َ ْ ُ‬
‫ْ ُ ُ ُ ََ‬
‫شِف ُّ‬
‫الس َ‬
‫وء َويَج َعلك ْم خلفاء اْل ْر ِض أإَِل ذم َع‬
‫َييب المضطر إِذا دَعه ويك‬
‫ال يعلمون * أمن ِ‬
‫َ‬
‫ذ َ ً ذ ََ ذ ُ َ‬
‫َْ َ َْ ْ‬
‫ُ‬
‫حر َو َمن ي ُ ْرس ُِل الريَ َ‬
‫ون * أ ذمن َي ْ‬
‫اح ب ُ ْْشا ً َب ْ َ‬
‫ني ي َ َد ْ‬
‫ِيك ْم ِف ُظلُ َ‬
‫ي‬
‫اْل‬
‫و‬
‫ِب‬
‫ال‬
‫ات‬
‫م‬
‫د‬
‫ه‬
‫اَّلل ِ قل ِيَل ما تذكر‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ َْ َ َ ذ َ ذ ََ َ ذُ َ ذ ُْ ُ َ ذ ََْ ََْ ُذ ُ ُُ ََ َْ ُُ ُ‬
‫كم م َِن ذ‬
‫الس َماءِ‬
‫ْشكون *أمن يبدأ اْللق ثم يعِيده ومن يرزق‬
‫رَحتِهِ أإَِل مع اَّلل ِ تعاَل اَّلل عما ي ِ‬
‫َ َْْ ِ َ َ ذ َ ذ ُْ َ ُ َُْ َ ُ‬
‫ك ْم إن ُكنتُ ْم َصادِق َ‬
‫ِني ‪‬النمل‪.2 -59:‬‬
‫واْلرض أإَِل مع اَّلل ِ قل هاتوا برهان‬
‫ِ‬
‫َ َ ذ َ ذ‬
‫وقوله تعالى‪ [:‬أإَِل مع اَّلل ِ]؛ أي أمألوه ومعبود ومطاع فيما يأمر ويشرع‪ ،‬ويحلل‪ ،‬ويحرم ‪..‬‬

‫مع اهلل؟!‬

‫َ ذَ َ َ َْ َْْ َ ُ ََ‬
‫وب الذَّت ِف ُّ‬
‫كن َت ْع َْم ال ْ ُقلُ ُ‬
‫الص ُدورِ ‪‬الحج‪. 2:‬‬
‫حقاً ‪ ‬فإِنها ال تعْم اْلبصار ول ِ‬
‫ِ ِ‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪57‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ـ حممدٌ رسولُ اهلل صلى اهلل عليه وسلم‪ :‬ليس له خاصيّة التشريع لذاته من دون اهلل ‪.. ‬‬

‫حاشاه ـ نبينا صلوات ربي وسالمه عليه ـ أن يزعم لنفسه هذه الخاصية من دون اهلل ‪ ..‬وإنما هو رسول‬
‫اهلل ‪ ..‬يبلغ عن اهلل ما يوحى إليه ‪ ..‬وكل ما بلغه من الكتاب والسنّة‪ ،‬وما ورد فيهما من أحكام‬
‫َ ْ‬
‫ْ َُ ذ َ ْ‬
‫وشرائع‪ ،‬هو بوحي من عند اهلل ‪ ..‬كما قال تعالى‪َ :‬و َما يَن ِط ُق ع ِن ال َه َوى * إِن هو إِال وْح‬
‫ََ ََ‬
‫َ‬
‫يُوْح‪ ‬النجم‪ . - :‬وهذا شامل للكتاب والسنة‪ ،‬فكالهما وحي من اهلل‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬وأنزل‬
‫ُّ َ َ ْ َ ْ َ َ َ ْ ْ َ َ‬
‫اَّلل عليك الكِتاب واْل ِكمة ‪‬النساء‪ .22 :‬أي الكتاب والسنّة‪ ،‬فكالهما منزل من عند اهلل‬
‫‪.‬‬
‫َ‬
‫ُّ َ َ ْ‬
‫ً‬
‫ُْ‬
‫َ ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ََ ْ‬
‫س ِه ْم َيتلو‬
‫وقال تعالى‪ :‬لقد َم ذن اَّلل لَع ال ُمؤمِن‬
‫ِني إِذ َب َعث فِي ِه ْم َر ُسوال م ِْن أنف ِ‬
‫ْ ْ َ‬
‫َعلَيْه ْم آيَاتِهِ َويُ َزك ِيه ْم َويُ َعل ُِم ُه ُم الْكِتَ َ‬
‫اب َواْل ِك َمة ‪‬آل عمران‪ .22 :‬أي ويعلمهم الكتاب‪،‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫والسنّة‪ ،‬وكالهما بوحي‪.‬‬
‫ّ‬
‫رسول اهلل إنّك تداعبنا؟! قال‪ ":‬إنّي ال أقول إال حقاً "[‪.]59‬‬
‫ولما قال الصحابة للنبي ‪ :‬يا َ‬

‫حتى في مداعبته ‪ ‬ألصحابه ومزاحه معهم ال يقول إال َحقاً ‪ ..‬وال يصدر عنه إال الحق‪.‬‬

‫السنة‪ ،‬وكل ما ينطق به ليحفظه‪ ":‬فأومأ بأصبعه إلى فيه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫وقال ‪ ‬للذي يكتب عنه ُّ‬

‫اكتب‪ ،‬فوالذي نفسي بيده‪ ،‬ما يخرج منه إال َح ٌّق "[‪.]20‬‬

‫فالنبي ‪ ‬معصوم عن قصد الخطأ‪ ،‬كما أنه معصوم عن االستمرار في االجتهاد الخاطئ‪،‬‬

‫فالوحي ال يقره على ذلك؛ إذ سرعان ما يسدده ويصوبه إذا ما وقع في الخطأ اجتهاداً ‪ ..‬ألنه رسول‬

‫اهلل ‪ ..‬وألنه في موضع القدوة للبشريّة جمعاء ‪ ..‬فهو ال يقر على الخطأ مهما كان ضئيالً ‪ ..‬كما في‬
‫َ ذ‬
‫َ َ ُ َْْ‬
‫َ‬
‫‪22‬‬
‫َ‬
‫قوله تعال‪ :‬عبَ َس َوت َوَّل * أن جاءه اْلعْم ‪‬عبس‪ .] [.1-2:‬فعاتبه ربه مباشرة على موقفه‬
‫من ابن مكتوم‪ ،‬وانشغاله عنه ‪ ..‬باإلقبال على بعض عظماء قريش طمعاً في إسالمهم‪.‬‬
‫‪59‬‬

‫صحيح األدب المفرد‪.100 :‬‬

‫‪ 20‬صحيح سنن أبي داود‪. 099 :‬‬

‫‪ 22‬قال ابن كثير في التفسير‪ :‬ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول اهلل كان يوماً يخاطب بعض عظماء قريش وقد‬
‫طمع في إسالمه فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل بن أم مكتوم وكان ممن أسلم قديماً فجعل يسأل رسول اهلل عن‬
‫شيء ويلح عليه وود النبي أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعاً ورغبة في هدايته‪ ،‬وعبس‬

‫في وجه بن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على اآلخر ‪ ..‬ا‪ -‬هـ‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪58‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫من هنا جاء األمر باتباعه‪ ،‬واالقتداء بسنته في جميع ما يصدر عنه ‪ ..‬وجاء التحذير‪ ،‬والوعيد‬
‫الشديد لمن يخالف أمره‪ ،‬ويعرض عن حكمه وسنته ‪ ..‬صلوات ربي وسالمه عليه‪.‬‬
‫َ‬
‫َ َْ ْ َ ذ َ َُ ُ َ َ ْ َْ َ ْ ُ‬
‫ْ‬
‫صيبَ ُه ْم ف ِتنَة [‪ ]21‬أ ْو ي ُ ِصيبَ ُه ْم‬
‫قال تعالى‪ :‬فليحذرِ اَّلِين َيال ِفون عن أم ِره ِ أن ت ِ‬
‫َ َ َ‬
‫عذاب أ ِِلم ‪‬النور‪.2 :‬‬
‫َ‬
‫َ َ َ َ‬
‫ُْ ُ َ َ ذ َُ ُ َ َ َ َ َ ََُْ ْ ُ ذ‬
‫َي ُدوا ِِف‬
‫وقال تعالى‪ :‬فَل وربِك ال يؤمِنون حَّت ُيكِموك فِيما شجر بينهم ثم ال ِ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َُْ ْ َ َ ً ذ َ َ‬
‫ضي ْ َ‬
‫ت َوي ُ َسل ُِموا ت ْسل ِيما[ ‪ ]2‬النساء‪.25:‬‬
‫س ِهم حرجا مِما ق‬
‫أنف ِ‬
‫ذُ َ‬
‫ََ َُ‬
‫ول مِن َب ْع ِد َما تَبَ ذ َ‬
‫ري َ‬
‫ني َ َُل ال ْ ُه َدى َويَتذب ْع َغ ْ َ‬
‫يل‬
‫ب‬
‫س‬
‫س‬
‫الر‬
‫ِق‬
‫ق‬
‫ا‬
‫ش‬
‫وقال تعالى‪ :‬ومن ي‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫ْ ْ َ ُ َ َ ذ ُ ْ‬
‫َ ذ‬
‫ْ َ‬
‫صريا ‪‬النساء‪.225:‬‬
‫ال ُمؤ ِمن ِني ن َو َِل ِ ما ت َوَّل َونصلِهِ ج َهن َم َو َساءت م ِ‬
‫َ َ َ ذ ُ ْ َ ُّ ْ ذ َ َ ُ َ ُ َ َ ُ َ‬
‫ذ َ َ ُ َُ َ ذ ذ‬
‫اَّلل َشدِيدُ‬
‫وقال تعالى‪ :‬ذل ِك بِأنهم شآقوا اَّلل ورسوَل ومن يشاق ِِق اَّلل ورسوَل فإِن‬
‫ْ َ‬
‫اب ‪‬األنفال‪ .2 :‬والمشاقّة هي من المخالفة ‪ ..‬فيقفون في ِّ‬
‫الشق المخالف لش ِّق النبي ‪،‬‬
‫العِق ِ‬
‫ولحكمه‪ ،‬وسنته ‪ ..‬فهؤالء لهم جهنم وساءت مصيراً‪.‬‬

‫قال القرطبي في التفسير‪ :‬قال الثوري‪ :‬فكان النبي صلى اهلل عليه وسلم بعد ذلك إذا رأى ابن أم مكتوم يبسط له‬

‫رداءه ويقول‪ ":‬مرحباً بمن عاتبني فيه ربي‪ .‬ويقول‪ :‬هل من حاجة؟"ا‪ -‬هـ‪.‬‬

‫‪ 21‬أي شرك‪ ،‬قال اإلمام أحمد‪ ":‬نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول ‪ ‬في ثالثة وثالثين موضعاً‪ ،‬ثم جعل‬

‫ين ي َخالفو َن َع ْن أ َْمره أَ ْن تصيبَـه ْم ف ْتـنَةٌ ‪ .‬وجعل يكررها‪ ،‬ويقول‪ :‬وما الفتنة؟ الشرك‪ ،‬لعله إذا رد‬
‫يتلو‪ :‬فَـلْيَ ْح َذر الذ َ‬
‫بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبه فيهلكه‪.‬‬

‫وقيل له‪ :‬إن قوماً يدعون الحديث‪ ،‬ويذهبون إلى رأي سفيان! فقال‪ :‬أعجب لقوم سمعوا الحديث وعرفوا اإلسناد‬

‫ين ي َخالفو َن َع ْن أ َْمره أَ ْن تصيبَـه ْم ف ْتـنَةٌ ‪‬‬
‫وصحته يدعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره! قال اهلل تعالى‪ :‬فَـلْيَ ْح َذر الذ َ‬

‫وتدري ما الفتنة ؟ الكفر‪ .‬قال اهلل تعالى‪َ :‬والْف ْتـنَة أَ ْكبَـر م َن الْ َقتْل ‪‬البقرة‪ .120:‬فيدعون الحديث عن رسول اهلل‬
‫‪ ،‬وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي ‪..‬؟!" ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫قال ابن القيم في تفسير اآلية‪ ":‬أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسماً مؤكداً النفي قبله‪ ،‬عدم إيمان الخلق حتى‬

‫يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من األصول والفروع‪ ،‬وأحكام الشرع‪ ،‬وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها‪،‬‬
‫ولم يثبت لهم اإليمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج؛ وهو ضيق الصدر‪ ،‬وتنشرح صدورهم لحكمه‬

‫كل اإلنشراح وتنفسح له كل االنفساح‪ ،‬وتقبله كل القبول‪ .‬ولم يثبت لهم اإليمان بذلك أيضاً حتى ينضاف إليه‬

‫مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة‪ ،‬وانتفاء المعارضة واالعتراض "ا‪ -‬هـ‪ .‬عن كتاب التبيان في أقسام‬

‫القرآن‪.100 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪59‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ذ‬
‫ني ي َ َ‬
‫آمنُوا ال ُت َقد ُِموا َب ْ َ‬
‫ِين َ‬
‫اَّلل إ ذن ذ َ‬
‫وَل ِ َو ذات ُقوا ذ َ‬
‫اَّلل ِ َو َر ُ‬
‫وقال تعالى‪ :‬يَا َأ ُّي َها ذاَّل َ‬
‫ِ‬
‫اَّلل‬
‫س‬
‫ي‬
‫د‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ََُْ َ ْ َ َ ُ‬
‫آمنُ‬
‫ِين َ‬
‫ك ْم فَ ْو َق َص ْ‬
‫ت انلذ‬
‫َس ِميع َعل ِيم ‪ .‬يَا َأ ُّي َها ذاَّل َ‬
‫ب َوال َت َه ُروا َُل بِالق ْو ِل‬
‫و‬
‫ات‬
‫و‬
‫ص‬
‫أ‬
‫وا‬
‫ع‬
‫ف‬
‫ر‬
‫ت‬
‫ال‬
‫وا‬
‫ِ‬
‫ِِ‬
‫َْ‬
‫ْ َ ْ َْ َ ْ ُ ُ َْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ َ ْ ْ‬
‫ضك ْم ْلِ َع ٍض أن َتبَ َط أع َمالك ْم َوأنتُ ْم ال تش ُع ُرون ‪]2 [‬الحجرات‪.1-2:‬‬
‫كجهرِ َبع ِ‬
‫ذَ َ ذ ُ َ‬
‫وقال تعالى‪ :‬قُ ْل أَط ُ‬
‫اَّلل ال ُُي ُّ‬
‫ول فَإ ْن تَ َولذ ْوا فَإ ذن ذ َ‬
‫ِب ال ْ ََكف ِر َ‬
‫ين ‪‬آل‬
‫س‬
‫الر‬
‫و‬
‫اَّلل‬
‫وا‬
‫ِيع‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬

‫عمران‪. 1:‬‬

‫ََ َ ُ ُ ذ ُ َ ُ ُ‬
‫ُ َْ َ ْ‬
‫َ‬
‫الر ُسول فخذوهُ َو َما ن َهاك ْم عن ُه فانتَ ُهوا ‪‬الحشر‪.0:‬‬
‫وقال تعالى‪ :‬وما آتاكم‬
‫كل أمتي يَدخلون الجنة إال من أبى "‪ ،‬قيل‪:‬‬
‫وفي الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ُّ ":‬‬

‫رسول اهلل؟ قال‪":‬من أطاعني دخل الجنة‪ ،‬ومن عصاني فقد أبى " البخاري‪.‬‬
‫ومن يأبى يا َ‬

‫فإن قيل‪ :‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ": ":‬يوشك الرجل متكئاً على أري َكته ي َحدث‬
‫ٍ‬
‫بحديث من حديثي‪ ،‬فيقول‪ :‬بيننا وبينكم كتاب اهلل ‪ ،‬فما وجدنا فيه من ٍ‬
‫حالل استحلَلْناه‪ ،‬وما‬

‫وجدنا فيه من حر ٍام حرمناه‪ ،‬أال وإن ما حرَم رسول اهلل ‪ ‬مثل ما حرم اهلل "[‪ .]25‬وهذا دليل يُفيد‬
‫النبي ‪ ‬له خاصية التشريع‪ ،‬والتحليل والتحريم لذاته ‪ ..‬كما هي هلل ‪‬؟‬
‫َّ‬
‫بأن‬

‫‪ 2‬قال ابن تيمية في تفسير اآلية‪ ":‬أي ح َذر أن تحبط أعمالكم‪ ،‬أو خشية أن تحبط أعمالكم‪ ،‬أو كراهة أن تحبط‬

‫أعمالكم‪ ،‬وال يحبط األعمال غير الكفر؛ ألن من مات على اإليمان فإنه ال بد أن يدخل الجنة ويخرج من النار إن‬

‫دخلها‪ ،‬ولو حبط عمله كله لم يدخل الجنة قط‪ ،‬وألن األعمال إنما يحبطها ما ينافيها‪ ،‬وال ينافي األعمال مطلقاً إال‬
‫الكفر‪..‬‬

‫فإذا ثبت أن رفع الصوت فوق صوت النبي والجهر له بالقول يخاف منه أن يكفر صاحبه وهو ال يشعر‪ ،‬ويحبَط‬
‫عمله بذلك‪ ،‬وأنه مظنة لذلك وسبب فيه ‪" ...‬ا‪ -‬هـ‪ .‬عن كتاب الصارم‪.55 :‬‬
‫قلت‪ :‬هذا فيمن يرفع صوته فوق صوت النبي ‪ .. ‬فكيف بمن يرفع حكمه وشرعه فوق حكم وشرع النبي ‪‬‬

‫‪ ..‬ال شك أنه أولى بأن يحبط عمله‪.‬‬

‫صحيح سنن ابن ماجه‪ .21 :‬الحديث فيه رد على فرقة القرآنيين الذين فشى شرهم وذكرهم في هذا الزمان؛‬

‫الذين ينكرون السنة ويبطلون العمل بها‪ ،‬ويزعمون أنهم ال يؤمنون وال يعملون إال بالقرآن ونصوص القرآن فقط ‪..‬‬

‫وهؤالء كذابون ومتناقضون إذ أن اإليمان بالقرآن يؤدي بالضرورة إلى اإليمان بالسنة ‪ ..‬وأن من يكذب بالسنة‬

‫وينكرها يلزمه بالضرورة أن يكذب بالقرآن وينكره ‪ ..‬ومن كان هذا قوله واعتقاده ال شك في كفره وزندقته وخروجه‬
‫من اإلسالم‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪60‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫أقول‪ :‬الحديث ال يفيد هذا المعنى ‪ ..‬حاشا نبينا صلوات اهلل وسالمه عليه أن يقصد هذا‬
‫َ َ ْ َ ََ‬
‫المعنى ‪ ..‬وهو المأمور من ربه ‪ ‬أن يقول ألهل الكتاب‪ :‬قُ ْل يَا أ َ ْه َل الْكِتَ‬
‫اب ت َعال ْوا إَِل َك َم ٍة‬
‫ِ‬
‫َ ْ ً َ‬
‫َ ذ ََُْ ذ ذ َ َ ُْ‬
‫َ َ َََْ َ ََْ ُ ْ‬
‫ْش َك بِهِ شيئا َوال‬
‫سواء بيننا وبينكم ‪‬؛ نلتزم بها كالنا‪ ،‬نحن وإياكم ‪ ‬أال نعبد إِال اَّلل وال ن ِ‬
‫ْ ً َ ً‬
‫ُ‬
‫َذ َ ْ ُ‬
‫خذ َبعضنَا َبعضا أ ْر َبابا مِن دو ِن اَّلل ِ ‪‬آل عمران‪ .2 :‬أي ال يتخذ بعضنا بعضاً مشرعين‬
‫يت ِ‬
‫فنحلل ونحرم من عند أنفسنا‪ ،‬وألنفسنا ما نشاء ‪ ..‬ماال يأذن به اهلل ‪ ..‬كما فعل اليهود والنصارى مع‬
‫أحبارهم ورهبانهم‪ ،‬فاتخذوهم أرباباً من دون اهلل‪ ،‬وذلك عندما رضوا بأن يشرعون لهم‪ ،‬وأن يحللوا‬
‫لهم‪ ،‬ويحرموا عليهم من تلقاء أنفسهم ما يشاؤون ‪ ..‬ومن غير سلطان وال أذن من اهلل ‪ ..‬فتلك كانت‬
‫ذَ ُ ْ َ ْ َ َ ُ ْ َ ُ َْ َُ ْ ََْ ً‬
‫ُ‬
‫ربوبيتهم‪ ،‬التي أنكرها اهلل عليهم‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬اَّتذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا مِن دو ِن‬

‫اَّلل ِ‪ ‬التوبة‪ . 2:‬وقد سئل حذيفة ‪ ‬عن هذه اآلية ‪ ..‬أكانوا يصلون لهم؟ قال‪ :‬ال؛ ولكنهم كانوا‬

‫حرم اهلل عليهم فيستحلونه‪ ،‬ويحرمون عليهم ما أحل اهلل لهم فيحرمونه‪ ،‬فصاروا بذلك‬
‫يحلون لهم ما ّ‬
‫أرباباً‪.‬‬

‫َ َ َ َ َ َ ُ ْ َ ُ ُّ ْ َ َ َ ْ ُ ْ َ َ ُّ ُ ذ َ ُ ذ َ ُ َ‬
‫ول ل ذ‬
‫ِلن ِ‬
‫اس‬
‫ْش أن يؤت ِيه اَّلل الكِتاب واْلكم وانلبوة ثم يق‬
‫قال تعالى‪ :‬ما َكن ل ِب ٍ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ ُ ْ َ ً‬
‫ُ ُ ْ َذ َ َ ُ ُْ َُ ُ َ‬
‫ُ‬
‫ون الْكِتَ َ‬
‫اب َوب ِ َما كنتُ ْم‬
‫كن كونوا ربان ِيِني بِما كنتم تعل ِم‬
‫د‬
‫ِن‬
‫م‬
‫َل‬
‫ون اَّلل ِ َول ِ‬
‫ِ‬
‫كونوا عِبادا ِ‬
‫َْ َ ً َ ْ‬
‫ْ ُ ْ ْ ْ َ‬
‫َ ْ ُ ُ َ َ َ َُْ َُ ْ َ َذ ُ ْ ْ َ َ َ‬
‫ُ‬
‫ني أ ْر َبابا أيَأ ُم ُركم بِالكف ِر َبع َد إِذ أنتُم‬
‫خذوا ال َمَلئِكة َوانلِب ِ ِي‬
‫تدرسون * وال يأمركم أن تت ِ‬
‫َ‬
‫ُّم ْسل ُِمون ‪‬آل عمران‪ .20-09:‬فحاشا نبينا صلوات ربي وسالمه عليه أن يزعم النفسه حق‬
‫التشريع‪ ،‬والتحليل والتحريم من دون اهلل‪ ،‬أو يرضى ٍ‬
‫ألحد من أمته أن يزعم عنه ـ أو لنفسه ـ هذا‬
‫الزعم الباطل الكبير!‬
‫قال ابن تيمية في الفتاوى ‪ :22 /12‬فإ ّن اهلل تعالى هو الذي حمده زين‪ ،‬وذمه شين‪ ،‬دون‬

‫ين‬
‫غيره من الشعراء‪ ،‬وا لخطباء وغيرهم‪ ،‬ولهذا لما قال القائل من بني تميم للنبي ‪ :‬إ ّن حمدي ز ٌ‬
‫وذمي شين! قال له‪ ":‬ذاك اهلل "ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬ما المراد إذًا من قوله ‪ ":‬أال وإن ما حرَم رسول اهلل ‪ ‬مثل ما حرم اهلل "؟‬

‫أقول‪ :‬أي " ما حرَم رسول اهلل ‪ ‬مثل ما حرم اهلل "‪ ،‬من حيث وجوب الطاعة‪ ،‬المتابعة‬
‫وااللتزام؛ فكما تطيع وتتبع أحكام القرآن‪ ،‬تطيع وتتبع أحكام السنة؛ ألن كالهما يصدران من مشكاة‬
‫الوحي كما تقدم ‪ ..‬فالشريعة المنزلة تشمل الكتاب والسنة‪ ،‬وهي تنسب إلى اهلل تعالى على الحقيقة‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪61‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫كمصدر‪ ،‬صدرت عنه وحده ‪ ‬ال شريك له‪ ،‬فإذا نسبت إلى النبي ‪ ،‬تنسب إليه على اعتبار‬
‫َ َ ُّ َ ذ ُ ْ ُ َ َ َ‬
‫الر ُسول بَل ِغ َما أنزِل إِِلْك مِن‬
‫المبلغ‪ ،‬الذي يبلغ عن ربه ما يوحى إليه‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬يا أيها‬
‫َ‬
‫ذربِك ‪‬المائدة‪ .20:‬فمن اهلل تعالى الحكم‪ ،‬والشرع‪ ،‬واألمر والنهي ‪ ..‬وعلى الرسول صلى اهلل عليه‬
‫وسلم البالغ ‪ ..‬وعلينا الطاعة‪ ،‬واالتباع واالنقياد‪ ،‬عن حب ورضى‪ ،‬من غير تعقيب‪ ،‬وال حرج في‬
‫النفس‪ ،‬ونسلم تسليماً‪.‬‬
‫‪22‬‬
‫ابن‬
‫وفي الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬ال تَطروني [ ] كما أطرت النصارى َ‬
‫مريم‪ ،‬فإنما أنا عبده؛ فقولوا عبد اهلل ورسوله " البخاري‪.‬‬
‫شاء اهلل‬
‫رجل إلى النبي ‪ ،‬فراجعه في بعض الكالم‪ ،‬فقال‪ :‬ما َ‬
‫وعن ابن عباس‪ ،‬قال‪ :‬جاء ٌ‬
‫ئت! فقال رسول اهلل ‪ ":‬أجعلتني مع اهلل نداً؛ ال بل ما شاء اهلل وحده "[‪.]20‬‬
‫وش َ‬

‫َ َ ُّ َ ذ َ َ ُ ْ‬
‫ـ أولو األمر‪ :‬أولو األمر هم العلماء‪ ،‬واألمراء والحكام‪ ،‬قال تعالى‪ :‬يا أيها اَّلِين آمنوا‬
‫َ ُ ْ ذ ََ ُ ْ ذ ُ َ‬
‫َ‬
‫ُ ْ َ ََ َ ْ‬
‫َْ‬
‫ول َوأ ُ ْ‬
‫عتُ ْ‬
‫َش ٍء فَ ُر ُّدوهُ إ ََل اَّلل ِ َو ذ‬
‫ْ‬
‫الر ُسو ِل‬
‫ِف‬
‫م‬
‫از‬
‫ن‬
‫ت‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ف‬
‫م‬
‫ِنك‬
‫م‬
‫ر‬
‫م‬
‫اْل‬
‫َّل‬
‫و‬
‫أطِيعوا اَّلل وأطِيعوا الرس‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ُ‬
‫ُْ َ‬
‫َ‬
‫َ َ َ ْ َ ْ‬
‫إِن كنتُ ْم تؤمِنُون بِاَّلل ِ َواِلَ ْو ِم اآلخِرِ ذل ِك خري َوأح َس ُن تأوِيَل ‪‬النساء‪.59:‬‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َْ‬
‫قال ابن كثير في التفسير‪ :‬عن ابن عباس [ َوأ ْو َِّل اْلمرِ مِنك ْم]؛ يعني أهل الفقه والدين‪.‬‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َْ‬
‫وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن البصري‪ ،‬وأبو العالية [ َوأ ْو َِّل اْلمرِ مِنك ْم]؛ يعني العلماء‪،‬‬
‫والظاهر ـ واهلل أعلم ـ أنها عامة في كل أولي األمر من األمراء والعلماء ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫أوالً‪ :‬العلماء‪ :‬العلماء هم ورثة األنبياء في العلم والدعوة إلى اهلل‪ ،‬يبلغون عن اهلل تعالى ما‬
‫ورد في كتابه الكريم‪ ،‬وعن نبيه ‪ ‬ما جاء في سنته الشريفة‪.‬‬
‫إليهم يفزع الناس إذا ما نزلت بهم نازلة‪ ،‬أو أشكل عليهم حكماً من أحكام دينهم‪ ،‬ودنياهم‬

‫‪ ..‬وهم أشرف النّاس بعد األنبياء والرسل‪.‬‬

‫‪ 22‬أي ال تغالوا في مدحي‪ ،‬كما غالت النصارى في عيسى ابن مريم‪ ،‬وادعت له األلوهية‪.‬‬
‫‪20‬‬

‫رواه أحمد‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬والبيهقي‪ ،‬والطبراني في الكبير‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪ .2 9 :‬أقول‪ :‬إذا كان نبينا ـ‬

‫صلوات ربي وسالمه عليه ـ سيد ولد آدم ‪ ..‬وخليل اهلل ‪ ..‬ليس له هذا الحق؛ حق التشريع لذاته‪ ،‬من دون اهلل ‪..‬‬

‫فكيف نرتضيه ألناس في زماننا ـ هم ال شيء قياساً للحبيب صلى اهلل عليه وسلم ـ يستشرفون خاصية التشريع‬
‫والتحليل والتحريم ألنفسهم من دون اهلل ‪ ..‬تحت مسميات وضعية‪ ،‬وذرائع شتّى ما أنزل اهلل بها من سلطان؟!‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪62‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ََ ْ َ ْ َ ُ َْ ً ذ ْ َ َ َ ذ َ َ َ َ ً َ َ ذ‬
‫قال تعالى‪ :‬ومن أحسن قوال مِمن دَع إَِل اَّلل ِ وع ِمل ص ِ‬
‫اْلا َوقال إِن ِّن م َِن‬
‫ال ْ ُم ْسلِم َ‬
‫ني ‪‬فصلت‪. :‬‬
‫ِ‬
‫ْ َ‬
‫وقال تعالى‪ :‬إ ذن َما ََيْ ََش ذ َ‬
‫اَّلل م ِْن ع َِبادِه ِ ال ُعل َماء ‪‬فاطر‪.12:‬‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ََ ذ‬
‫ذ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫َُ‬
‫َ َ ذُ ذ‬
‫ُ‬
‫اَّلل أن ُه ال إ ِ ََل إِال ه َو َوال َمَلئِكة َوأولو العِل ِم قائِما بِالقِ ْس ِط ال إَِل إِال‬
‫وقال تعالى‪ :‬ش ِهد‬
‫اْلك ُ‬
‫ُه َو الْ َعز ُ‬
‫يز ْ َ‬
‫ِيم ‪‬آل عمران‪.]22[.22:‬‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ذ‬
‫ذ‬
‫ذ‬
‫ُ‬
‫ُْ َْ‬
‫َ‬
‫َْ َ ذ‬
‫َ ََُْ َ‬
‫ون َواَّل َ‬
‫ِين ال َيعل ُمون إِن َما َيتَذك ُر أولو‬
‫وقال تعالى‪ :‬قل هل ي َ ْستَوِي اَّلِين يعلم‬
‫َ‬
‫ْاْل ْْلَ‬
‫اب‪ ‬الزمر‪.9:‬‬
‫ِ‬
‫ُ‬
‫ذ‬
‫ذ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َْ ُ َ‬
‫َ َُ ْ ُ‬
‫ِين أوتُوا العِل َم َد َر َجات َو ذ ُ‬
‫وقال تعالى‪ :‬يَ ْرفَعِ ذ ُ‬
‫ك ْم َواَّل َ‬
‫اَّلل ب ِ َما تع َملون‬
‫اَّلل اَّلِين آمنوا مِن‬
‫ٍ‬
‫َ‬
‫خبِري ‪‬المجادلة‪.]29[.22:‬‬
‫ومن‬
‫وفي الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬إن العال َم ليستغفر له َمن في السماوات َ‬

‫في األرض‪ ،‬حتى الحيتان في الماء‪ ،‬وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب‪ ،‬وإن‬
‫فمن أخ َذه أخ َذ ٍّ‬
‫بحظ‬
‫العلماء ورثة األنبياء‪ ،‬إن‬
‫األنبياء لم ي ِّ‬
‫ْم‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ورثوا ديناراً وال درهماً‪ ،‬إنما ورثوا العل َ‬
‫‪00‬‬
‫واف ٍر "[ ]‪.‬‬
‫تضمنت اآلية الكريمة أجل وأعظم شهادة من أجل وأعظم شاهد‪ ،‬على أجل وأعظم مشهود وهو التوحيد ‪ ..‬وفي‬

‫اآلية داللة على فضل العلماء حيث أن اهلل تعالى قرن شهادتهم ـ دون غيرهم من الناس ـ بشهادته وشهادة مالئكته‬

‫على التوحيد‪ ،‬وأنه ال مألوه وال معبود بحق إال اهلل تعالى ‪ ..‬كما دل مفهوم المخالفة أن من ال يشهد بهذه الشهادة‬

‫‪ ..‬أو يشهد بما يناقضها من الشرك ‪ ..‬أنه ليس من العلماء مهما اتسع صيته ‪ ..‬أو تزي بزي العلماء ‪ ..‬فقوله‬

‫تعالى‪َ ‬وأولو الْعلْم ‪ ‬عام وشامل لجميع أهل العلم في جميع عصورهم وأزمانهم وإلى يوم القيامة‪ ،‬ال يخرج منهم‬

‫عالم موحد معتبر‪.‬‬

‫‪ 9‬قال ابن جرير في التفسير‪ :‬وقوله‪ :‬يـرفَع اللّه الّذين آمنوا م ْنكم والّذين أوتوا العلْم َدر ٍ‬
‫جات ‪ ‬يرفع اهلل الذين‬
‫َ َ‬
‫َْ‬
‫َ‬
‫ْ َ َ‬
‫أوتوا العلم من أهل اإليمان على المؤمنين الذين لم يؤتوا العلم بفضل علمهم درجات‪ ،‬إذا عملوا بما أمروا به‪ ،‬قال‬
‫قتادة‪ :‬إن بالعلم ألهله فضالً‪ ،‬وإن له على أهله حقاً‪ ،‬وللح ّق عليك أيها العالم فضل‪ ،‬واهلل معطى كل ذي ٍ‬
‫فضل‬
‫فضلَه ا‪ -‬هـ‪.‬‬

‫‪ 00‬رواه أبو داود‪ ،‬والترمذي‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬وابن حبان‪ ،‬صحيح الترغيب‪ .00 :‬وقوله ‪ ":‬العلماء ورثة األنبياء "؛ أي‬
‫ورثة األنبياء في علمهم‪ ،‬وأخالقهم‪ ،‬وإخالصهم‪ ،‬وجهادهم‪ ،‬وعبادتهم‪ ،‬وصدعهم بالحق‪ ،‬وصبرهم على أذى‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪63‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫طاعتهم أحياناً تكون واجبة‪ ،‬وأحيناً تكون مندوبة‪ ،‬وأحياناً تكون محرمة ‪ ..‬وإليك تفصيل‬
‫ذلك‪:‬‬
‫المنزل‪ .‬ثانياً؛ أن‬
‫الطاعة الواجبة‪ :‬لها شرطان‪ :‬أن يكون ما أمروا به حقاً‪ ،‬صائباً موافقاً للشرع ّ‬
‫يكون ما أمروا به‪ ،‬واجب االلتزام شرعاً‪.‬‬
‫َ َْ ََْ‬
‫ََْ َ‬
‫ْ ْ ُْ‬
‫اسألوا أهل اَّلِكرِ إِن كنتُ ْم ال تعل ُمون ‪‬النحل‪ . :‬وإنما جاء األمر‬
‫قال تعالى‪ :‬ف‬
‫بسؤالهم ومراجعتهم فيم يشكل على الناس ‪ ..‬ألن طاعتهم واجبة‪ ،‬وفق الشرطين الواردين أعاله‪.‬‬
‫َ‬
‫اْل ْوف أ َ َذ ُ‬
‫اء ُه ْم أ َ ْمر م َِن ْاْلَ ْمن أَو ْ َ‬
‫اعوا بهِ َول َ ْو َر ُّدوهُ إ ََل ذ‬
‫وقال تعالى‪ِ :‬إَوذَا َج َ‬
‫الر ُسو ِل ِإَوَل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫َْ َ ْ‬
‫أُوَّل ْاْلَ ْمر مِنْ ُه ْم لَ َعل َِم ُه ذاَّل َ‬
‫ِين ي َ ْستنب ِ ُطون ُه مِن ُه ْم[‪]02‬النساء‪ .2 :‬وهذا االستفتاء والرد شامل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫للجوانب األمنية‪ ،‬والسياسية التي تواجه الناس في مجتمعاتهم‪.‬‬
‫َ‬
‫ذَ ََ‬
‫َ َ ُّ َ ذ َ َ ُ َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ذُ َ‬
‫ْ ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫وَّل اْلمرِ مِنكم‪‬‬
‫وقال تعالى‪ :‬يا أيها اَّلِين آمنوا أطِيعوا اَّلل وأطِيعوا الرسول وأ ِ‬
‫النساء‪ .59:‬واألمر هنا يفيد الوجوب‪ ،‬وفق شرطيه اآلنفي الذكر أعاله‪.‬‬
‫الطاعة المندوبة‪ :‬هي التي يؤجر فاعلها‪ ،‬وال يؤثم تاركها‪ ،‬وصفتها‪ :‬أن يكون ما أمروا به حقاً‪،‬‬
‫المنزل‪ .‬ثانياً؛ أن يكون ما أمروا به ال يجب االلتزام به شرعاً‪ ،‬وإنما األمر فيه‬
‫صائباً موافقاً للشرع ّ‬
‫سعة؛ إن شئت التزمت ولك أجر‪ ،‬وإن شئت تركت وليس عليك وزر‪.‬‬

‫الطاعة المحرمة‪ :‬وذلك عندما يكون أمر العالم مخالفاً للشرع المنزل ‪ ..‬سواء كان أمره هذا‬
‫ٍ‬
‫اجتهاد خاطئ‪ ،‬أم عن ٍ‬
‫ٍ‬
‫فحينئذ ال تجوز طاعته‪ ،‬وال متابعته فيما يأمر به‪ ،‬وينهى عنه‪،‬‬
‫عمد ‪..‬‬
‫ناتجاً عن‬
‫ٍ‬
‫لمخلوق ـ أياً كان هذا المخلوق ـ في معصية الخالق‪.‬‬
‫إذ ال طاعة‬

‫وفي الحديث فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب‬
‫ٍ‬
‫مع وال طاعة " متفق عليه‪.‬‬
‫يؤمر بمعصية‪ ،‬فإذا أم َر بمعصية فال َس َ‬
‫وكرَه‪ ،‬ما لم َ‬
‫وقال ‪ ":‬ال طاعةَ في معصية اهلل‪ ،‬إنما الطاعة في المعروف " متفق عليه‪.‬‬
‫المخالفين ‪ ..‬فاإلرث المورث شامل لكل هذه المعاني اآلنفة الذكر ‪ ..‬وعلى قدر ما يغترف العالم من هذا اإلرث‬
‫النبوي الشريف ـ قوالً وعمالً ـ على قدر ما يستحق اسم ومكانة العالم‪.‬‬

‫‪ 02‬أي ل ََعل َمه الذين يسألون عن حقيقة األمر ـ ممن تسرعوا في إشاعة أخبار المجاهدين وما أصابهم من دون تثبت ـ‬

‫من النبي ‪ ،‬ومن أولي األمر من كبار أصحابه رضي اهلل عنهم أجمعين ‪ ..‬وينوب عنهم من بعدهم العلماء‪،‬‬

‫واألمراء‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪64‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ٍ‬
‫لمخلوق في معصية الخالق "[‪.]01‬‬
‫وقال ‪ ":‬ال طاعةَ‬

‫وقال ‪ ":‬من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد " متفق عليه‪.‬‬
‫أما طاعة العالم ومتابعته في كل ما يصدر عنه من حق وباطل‪ ،‬من خطأ وصواب ‪ ..‬لكونه عالماً‬
‫ٍ‬
‫فحينئذ يكون قد اتّخذ رباً من دون ـ أو مع ـ اهلل ‪ ..‬ووقعنا ـ والعياذ باهلل ـ فيم قد وقعت‬
‫أو هو هو ‪..‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ْ َ‬
‫ُ‬
‫ذَ ُ ْ ْ َ َ ُ‬
‫اره ْم َو ُرهبَان ُه ْم أ ْربَابا مِن دو ِن اَّلل ِ ‪‬التوبة‪ . 2:‬وذلك‬
‫به األمم من قبلنا‪ ،‬حيث‪ :‬اَّتذوا أحب‬
‫عندما اتبعوهم في الخطأ؛ فأحلوا لهم الحرام‪ ،‬فأحلوه وتابعوهم على التحليل ‪ ..‬وحرموا عليهم‬
‫الحالل‪ ،‬فحرموه‪ ،‬وتابعوهم على التحريم ‪ ..‬فتلك كانت ربوبيتهم ‪ ..‬وتلك كانت عبادتهم من دون‬
‫اهلل‪.‬‬
‫قال ابن تيمية في الفتاوى ‪ :20/0‬في حديث عدي بن حاتم‪ ،‬وكان قدم على النبي ‪ ‬وهو‬
‫ْ َ َ ً‬
‫ُ‬
‫ذَ ُ ْ َ ْ َ َ ُ‬
‫اره ْم َو ُرهبَان ُه ْم أ ْربَابا مِن دو ِن اَّلل ِ ‪ ] ..‬قال‪ :‬فقلنا‬
‫نصراني‪ ،‬فسمعه يقرأ هذه اآلية‪ [:‬اَّتذوا أحب‬
‫له إنا لسنا نعبدهم‪ .‬قال‪ ":‬أليس يحرمون ما أحل اهلل فتحرمونه‪ ،‬ويحلون ما حرم اهلل فتحلونه؟!"‪ .‬قال‪:‬‬
‫فقلت‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ ":‬فتلك عبادتهم "‪.‬‬
‫وكذلك قال أبو البحتري‪ :‬أما إنهم لم يصلوا لهم‪ ،‬ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون اهلل ما‬
‫أطاعوهم‪ ،‬ولكن أمروهم؛ فجعلوا حالل اهلل حرامه‪ ،‬وحرامه حالله‪ ،‬فأطاعوهم‪ ،‬فكانت تلك الربوبية‪.‬‬
‫وقال الربيع بن أنس‪ :‬قلت ألبي العالية‪ ،‬كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟ قال‪ :‬كانت‬
‫الربوبية أنهم وجدوا في كتاب اهلل ما أمروا به ونهوا عنه‪ ،‬فقالوا‪ :‬لن نسبق أحبارنا بشيء؛ فما أمرونا به‬
‫ائتمرنا‪ ،‬وما نهونا عنه انتهينا لقولهم‪ ،‬فاستنصحوا الرجال‪ ،‬ونبذوا كتاب اهلل وراء ظهورهم‪.‬‬
‫فقد بين النبي ‪ ‬أن عبادتهم إياهم كانت في تحليل الحرام‪ ،‬وتحريم الحالل‪ ،‬ال أنهم صلوا‬
‫لهم وصاموا لهم‪ ،‬ودعوهم من دون اهلل ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫وهذه اآلية وإن كانت قد نزلت في اليهود والنصارى ‪ ..‬إال أنها تعني وتشمل كل من تخلق‬
‫مرة‪ ،‬ولنا كل حلوة!‬
‫بأخالقهم تلك‪ ،‬ممن ينتسب إلى أمة اإلسالم ‪ ..‬فليست لهم كل ّ‬

‫قال ابن تيمية في الفتاوى ‪ :120/20‬فمن جعل غير الرسول تجب طاعته في كل ما يأمر به‬

‫وينهى عنه‪ ،‬وإن خالف أمر اهلل ورسوله فقد جعله نداً‪ ،‬وربما صنع به كما يصنع النصارى بالمسيح ‪..‬‬

‫‪ 01‬صححه الشيخ ناصر في المشكاة‪. 292 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪65‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫َ َ ً‬
‫َ َذ ُ‬
‫ُ‬
‫فهذا من الشرك الذي يدخل أصحابه في قوله تعالى‪َ :‬وم َِن انلذ ِ‬
‫خذ مِن دو ِن اَّلل ِ أندادا‬
‫اس من يت ِ‬
‫ً‬
‫َ ذ َ َ ََْ‬
‫ُ ُّ َ‬
‫ون ُه ْم َك ُ‬
‫آمنُوا أش ُّد ُحبا َِّلل ِ ‪ ‬البقرة‪ .225:‬ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫ب اَّلل ِ واَّلِين‬
‫ح‬
‫ُيِب‬
‫ِ‬
‫فإن قيل‪ :‬العلماء كثر‪ ،‬وأقوالهم كثيرة‪ ،‬فكيف نراجح ونفاضل فيم بينها ‪..‬؟‬
‫أقول‪ :‬نراجح ونفاضل بين أقول العلماء‪ ،‬وفق المعايير التالية‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬تقديم القول الموافق للدليل من الكتاب والسنة‪ ،‬فإذا صح الدليل من الكتاب أو السنة‬

‫على قول من األقوال‪ ،‬ال يلتفت إلى غيره مهما عال كعب صاحبه‪.‬‬
‫َ‬
‫َ َْ ْ َ ذ َ َُ ُ َ َ ْ َْ َ ْ ُ َُ ْ َْ ْ ُ َُ ْ َ َ‬
‫صيبهم عذاب‬
‫صيبهم ف ِتنة أو ي ِ‬
‫قال تعالى‪ :‬فليحذرِ اَّلِين َيال ِفون عن أم ِره ِ أن ت ِ‬
‫َ‬
‫أ ِِلم ‪‬النور‪.2 :‬‬

‫ك عن رسول اهلل ‪ ‬حديثاً فال‬
‫وعن أبي سلمة أن أبا هريرة‪ ،‬قال لرجل‪ :‬يا ابن أخي‪ ،‬إذا حدثت َ‬

‫تضرب له األمثال[ ‪.]0‬‬

‫وكان ابن عباس يحدث عن النبي ‪ ‬فيقول‪ :‬قال رسول اهلل ‪ ،‬فيقال له‪ :‬ولكن قال أبو‬
‫بكر‪ ،‬وعمر‪ ،‬فيقول لهم‪ :‬تكاد السماء أن تمطر عليكم حجارة؛ أقول لكم قال رسول اهلل‪ ،‬وتقولون‬
‫قال أبو بكر وعمر؟!‬
‫وأبو بكر وعمر هما‪ ،‬هما ‪ ..‬فما بالك بدونهما؟!‬
‫ثانياً‪ :‬إن خفي الدليل المحكم والصريح‪ ،‬وتباينت األقوال فيما بين العلماء‪ ،‬يقدم أقرب‬
‫األقوال واألفهام منها إلى مراد النص ـ من الكتاب والسنة ـ وداللته‪ ،‬ألن الحجة الشرعية في قال اهلل‪،‬‬
‫قال رسول اهلل ‪.‬‬
‫ثالثاً‪ :‬فإن خفي النص‪ ،‬وخفي القول األقرب إلى مراد وداللة النص‪ ،‬ثم بعد ذلك تباينت‬
‫َ‬
‫أقوال الصحابة فيما بينهم يق ّدم قول وفهم من كان له السبق في اإلسالم‪ ،‬والنصرة‪ ،‬قال تعالى‪ :‬ال‬
‫َ َ‬
‫َْ َْ ْ ََ ََ َُْ َ َ ْ َ ُ َ َ َ ً َ ذ َ َ َ ُ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ِين أنفقوا مِن َبع ُد‬
‫ي َ ْستَوِي مِنكم ذم ْن أنف َق مِن قب ِل الفتحِ وقاتل أولئِك أعظم درجة مِن اَّل‬
‫ََ َُ ًَُ‬
‫َْ ُ َ َ‬
‫اْل ْس َّن َو ذ ُ‬
‫ّلُك َو َع َد ذ ُ‬
‫اَّلل ْ ُ‬
‫اَّلل ب ِ َما تع َملون خبِري ‪‬الحديد‪.20:‬‬
‫وقاتلوا و‬

‫‪ 0‬صحيح سنن ابن ماجه‪.10 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪66‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وعن أنس‪ ،‬قال‪ :‬كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كالم‪ ،‬فقال خالد لعبد‬
‫الرحمن‪ :‬تستطيلون علينا ٍ‬
‫بأيام سبَـ ْقتمونا بها؟! فبلغنا أن ذلك ذك َر للنبي ‪ ،‬فقال‪َ ":‬دعوا لي‬
‫أصحابي‪ ،‬فوالذي نفسي بيده لو أن َف ْقتم مثْ َل أح ٍد أو مثْ َل الجبال ذَهباً ما بلَغْتم أعمالَهم "[ ‪.]0‬‬
‫رابعاً‪ :‬فإن خفي ما تقدم بيانه في النقاط الثالثة أعاله‪ ،‬قدِّم قول واجتهاد علماء القرن األول‪،‬‬
‫على قول واجتهاد علماء القرن الثاني‪ ،‬وقول واجتهاد علماء القرن الثاني على قول واجتهاد علماء‬
‫القرن الثالث‪ ،‬وقول واجتهاد علماء القرن الثالث على من يأتي بعدهم‪ ،‬لقوله ‪َ ":‬خير أ َمتي قَـ ْرني‪،‬‬

‫الذين يَلونَـهم "متفق عليه‪ .‬والقرن األول هو قرن الصحابة‪ ،‬ثم القرن الثاني؛ وهو‬
‫ين يَلونَـهم‪ ،‬ثم َ‬
‫ثم الذ َ‬
‫قرن التابعين‪ ،‬ثم القرن الثالث؛ وهو قرن تابعي التابعين‪.‬‬

‫خير؟ قال‪ ":‬ال َق ْرن الذي أنا فيه‪ ،‬ثم الثاني‪،‬‬
‫وعن عائشةَ قالت‪َ :‬‬
‫رجل النبي ‪ُّ :‬‬
‫أي الناس ٌ‬
‫سأل ٌ‬

‫ثم الثالث " مسلم‪ .‬وهذه الخيرية إنما استحقوها لسالمة دينهم وعقيدتهم‪ ،‬وفهمهم للدين على من‬
‫جاء بعدهم‪.‬‬
‫وقال ‪ ":‬احفظوني في أصحابي‪ ،‬ثم الذين يَلونهم‪ ،‬ثم الذين يلونهم‪ ،‬ثم يَفشو الكذب‪،‬‬
‫شهد‪ ،‬ويحلف الرجل وال يستَ ْحلَف "[‪.]05‬‬
‫حتى يشهد الرجل وال يستَ َ‬

‫خامساً‪ :‬إن خفي ما تقدم بيانه في النقاط األربعة أعاله‪ ،‬قدم القول الموافق للجمهور‬
‫واألكثرية على القول المخالف له ‪ ..‬ألن يد اهلل تعالى مع الجماعة ‪ ..‬واهلل تعالى يبارك بالجماعة ‪..‬‬
‫واحتمال وقوع الخطأ بحق الجماعة والجمهور أقل منه بحق الفرد‪.‬‬
‫سادساً‪ :‬إن خفيت المقاييس والمعايير الورادة في النقاط الخمسة أعاله‪ ،‬يقدم قول العالم‬
‫المجاهد‪ ،‬على قول العالم الذي لم يعرف عنه سابقة ٍ‬
‫جهاد في ميادين الجهاد في سبيل اهلل‪ ،‬لقول‬
‫َ ذ َ َ َ‬
‫َ ََ ْ َذ ُ ْ ُ ُ ََ ذ ذَ ََ َ ُْ ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫سنِني ‪‬العنكبوت‪.29:‬‬
‫تعالى‪ :‬واَّلِين جاهدوا فِينا نلهدِينهم سبلنا ِإَون اَّلل لمع المح ِ‬
‫الناس قد اختلفوا‪ ،‬فعليك بالمجاهدين‪ ،‬وأهل‬
‫قال سفيان بن عيينة البن المبارك‪ :‬إذا رأيت َ‬
‫َ‬
‫الثغور‪ ،‬فإن اهلل تعالى يقول‪ [:‬نلَ ْهد َِي ذن ُه ْم ]‪.‬‬

‫سابعاً‪ :‬ثم بعد ذلك يلتمس الحق والعلم فيما يستجد من نوازل ومسائل عند العلماء الذين‬

‫يلتزمون بالكتاب والسنة على فهم الصحابة‪ ،‬والسلف الصالح بحسب التسلسل الوارد أعاله‪.‬‬
‫‪ 0‬أخرجه أحمد‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.291 :‬‬

‫‪ 05‬صحيح الجامع‪.102 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪67‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫هذه هي أهم المعايير والمقاييس الشرعية التي ينبغي اتباعها ومراعاتها ـ عند الطلب والتلقي‬
‫وسؤال أهل الذكر ومراجعتهم ـ والتي من خاللها نفاضل ونراجح بين أقول أهل العلم ‪ ..‬وهذا‬
‫يستدعي نوع دراية وفطانة من الناس‪ ،‬تمكنهم من التمييز والترجيح‪ ،‬فيما يتعين متابعته من أقوال أهل‬
‫العلم‪ ،‬وفيما يتعين تركه ‪ ..‬ومن يضعف منهم عن هذه المرتبة ال حرج عليه بأن يهتدي بمن يثق‬
‫بعلمهم ودينهم من أهل العلم ‪ ..‬لمعرفة األصوب من أقوال أهل العلم‪ ،‬واهلل تعالى أعلم‪.‬‬
‫ـ وظيفـة العلمــاء التشــريعيــة‪ :‬ليس للعلماء خاصية التشريع لذاتهم ـ كما تقدم ـ وإنما‬
‫وظيفتهم التشريعية تقتصر على المهام التالية‪:‬‬
‫بالنبي ‪ ‬وسنته المطهرة ‪ ..‬وتقريب‬
‫‪ -2‬إدالل الناس وتعريفهم بالشرع المنزل ‪ ..‬وتوصيلهم ِّ‬

‫الكتاب والسنة إليهم‪ ،‬وتقريبهم من الكتاب والسنة ‪ ..‬وهم بذلك يوقعون عن اهلل ‪ ،‬وعن نبيه ‪‬‬
‫‪ ..‬من هنا يكمن شرف العلماء الذي سبقت اإلشارة إليه‪.‬‬

‫‪ -1‬تفريغ األحكام الفقهية الشرعية في قوانين ومواد مرقمة ‪ ..‬يسهل على القضاء التعامل‬
‫معها‪ ،‬والرجوع إليها عند الحاجة‪.‬‬
‫إذ ليس كل ٍ‬
‫فترض فيه أن يكون مجتهداً مطلقاً ليقال له‪ :‬هذه هي الشريعة ‪ ..‬هذه هي‬
‫قاض ي َ‬
‫نصوص الكتاب والسنة ‪ ..‬وأقوال الصحابة ‪ ..‬فاحكم بها ‪ ..‬وانتقي منها ما يتناسب مع القضايا التي‬

‫تعرض عليك‪ ،‬أو ترفَع إليك ‪ ..‬فكثير من القضاة دون هذا المستوى بكثير ‪ ..‬وحتى نسهل عمله‬
‫ومهمته ‪ ..‬ونقلل من خطئه ‪ ..‬ال بد من أن تصاغ له األحكام الشرعية في قوانين ومواد مرقمة ‪..‬‬
‫يسهل الرجوع إليها‪ ،‬والتعامل معها‪ ،‬وهذه مهمة العلماء المجتهدين‪.‬‬
‫هذه القوانين والمواد الشرعية ‪ ..‬تدرس في الجامعات والمعاهد العلمية ‪ ..‬كما تدرس‬
‫المحاماة في األنظمة الوضعية ‪ ..‬لنفرز قضاة ومحامين شرعيين ‪ ..‬يحكمون في قضائهم ومرافعاتهم‬
‫بالشريعة ‪ ..‬ويواكبون متطلبات السلطة القضائية في الدولة اإلسالمية‪.‬‬
‫ستحسن أن يكون هناك تخصص في القضاء؛ قضاء في األحوال الشخصية ‪..‬‬
‫كذلك ي‬
‫َ‬
‫وقضاء في األحوال واألمور الجنائية ‪ ..‬وقضاء في األحوال والمعامالت المالية واالقتصادية ‪ ..‬قضاء‬
‫في األحوال والحقوق العامة ‪ ..‬ولكل سلك من القضاء طالبه‪ ،‬وقضاته المختصين ‪ ..‬وعلى قدر ما‬
‫تتعدد االختصاصات القضائية ‪ ..‬على قدر ما يسهل عملية القضاء‪ ،‬ويقلل من أخطاء القاضي ‪ ..‬كما‬
‫يسهل من مرافعات الناس للقضاء ‪ ..‬ويسرع في إيجاد الحلول لها ‪ ..‬وهذه مصالح ال يمكن غض‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪68‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫الطرف عنها‪ ،‬أو التقليل من أهميتها‪ ،‬عندما ننشد دولة تحكم بما أنزل اهلل ‪ ..‬فاإلسالم جاء بجلب‬
‫المصالح‪ ،‬ودفع المفاسد‪ ،‬ما أمكن لذلك سبيالً‪.‬‬
‫ االجتهاد في النوازل‪ ،‬والمستجدات مما ليس فيه نص صريح ـ أو مما قد ال يعلم العالم‬‫فيه نص‪ ،‬مع وجوده ـ فيضطر ٍ‬
‫حينئذ للقياس واالجتهاد ‪ ..‬واالجتهاد يكون اجتهاداً معتبراً بشرطين‪ :‬أن‬
‫يتوافق مع روح ومقاصد الشريعة ‪ ..‬وأن ال يتعارض مع نص من نصوص الشريعة ‪ ..‬فإن أصاب العالم‬

‫الحق في اجتهاده فله أجران؛ إلصابته الحق‪ ،‬والجتهاده ‪ ..‬وإن أخطأ فله أجر واحد الجتهاده‪ ،‬كما‬
‫في الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران‪ ،‬وإذا‬
‫حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر " متفق عليه‪.‬‬
‫وفي األثر عن عبد الرحمن بن يزيد‪ ،‬قال‪ :‬أكثروا على عبد اهلل ـ أي ابن مسعود ـ ذات يوم‪،‬‬
‫فقال عبد اهلل‪ :‬إنه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي‪ ،‬ولسنا هنالك‪ .‬ثم إن اهلل ‪ ‬قدر علينا أن بلغنا ما‬
‫ترون‪ ،‬فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم‪ ،‬فليقض بما في كتاب اهلل‪ ،‬فإن جاء أمر ليس في كتاب‬
‫أمر ليس في كتاب اهلل‪ ،‬وال قضى به نبيه ‪ ،‬فليقض بما‬
‫اهلل فليقض بما قضى به نبيه ‪ ،‬فإن جاء ٌ‬
‫قضى به الصالحون‪ ،‬فإن جاء أمر ليس في كتاب اهلل‪ ،‬وال قضى به نبيه ‪ ،‬وال قضى به الصالحون‬

‫فليجتهد رأيه‪ ،‬وال يقول‪ :‬إني أخاف‪ ،‬وإني أخاف‪ ،‬فإن الحالل بَـيِّ ٌن والحرام بين‪ ،‬وبَين ذلك أمور‬
‫مشتبهات‪ ،‬فدع ما يريبك إلى ما ال يريبك[‪.]02‬‬
‫عن شريح‪ :‬أنه كتب إلى عمر يسأله‪ ،‬فكتب إليه‪ :‬أن اقض بما في كتاب اهلل‪ ،‬فإن لم يكن في‬
‫كتاب اهلل فبسنة رسول اهلل ‪ ،‬فإن لم يكن في كتاب اهلل وال في سنة رسول اهلل ‪ ،‬فاقض بما‬
‫قضى به الصالحون‪ ،‬فإن لم يكن في كتاب اهلل وال في سنة رسول اهلل ‪ ‬ولم يقض به الصالحون‪،‬‬

‫فإن شئت فتقدم‪ ،‬وإن شئت فتأخر‪ ،‬وال أرى التأخر إال خيراً لك‪ ،‬والسالم عليكم[‪.]00‬‬

‫والمجتهد وإن كان له أجر على اجتهاده الخاطئ ‪ ..‬إال أنه ال يجوز متابعته في االجتهاد‬

‫الخاطئ ‪ ..‬فهو له أجر على اجتهاده ‪ ..‬بينما الذي يتبعه على خطئه ـ ويتعصب الجتهاده الخاطئ‪،‬‬
‫وهو يعلم بأنه مخطئ ـ فعليه وزر!‬

‫‪ 02‬صحيح سنن النسائي‪. 920 :‬‬

‫‪ 00‬صحيح سنن النسائي‪. 929 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪69‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ االجتهاد في األمور اإلدارية والتنظيمية؛ كتنظيم إدارة شؤون الجيش والعسكر‪ ،‬وتنظيم‬‫شؤون الدواوين والوظائف الحكومية‪ ،‬وغيرها من األمور اإلدارية والتنظيمية التي تدخل تحت عنوان "‬
‫المصالح المرسلة "‪ ،‬والتي فيها نفع للبالد والعباد ‪ ...‬فال حرج على العلماء أن يسنوا القوانين التي‬
‫تنظم هذه المجاالت ‪ ..‬بالشرطين اآلنفي الذكر أعاله‪ ":‬أن يتوافق اجتهادهم مع روح ومقاصد‬
‫الشريعة ‪ ..‬وأن ال يتعارض مع نص من نصوص الشريعة "؛ مثال ذلك‪ :‬كأن يسن قانون للعمل ودوام‬
‫الموظفين خالل صالة الجمعة ‪ ..‬فهذا وإن كان قانوناً إدارياً تنظيمياً إال أنه ال يجوز لمعارضته لقوله‬
‫ذ َ‬
‫َ َ ُّ َ ذ َ َ ُ َ ُ‬
‫َ ْ ِ ُْ ُ َ َ ْ َ ْ َ ْ ذ‬
‫اَّلل ِ َوذَ ُروا ْاْلَيْعَ‬
‫تعالى‪ :‬يا أيها اَّلِين آمنوا إِذا نودِي ل ِلصَلة ِ مِن يوم اْلمعةِ فاسعوا إَِل ذِكرِ‬
‫ُ‬
‫ََْ َ‬
‫َ ُ َ ْ ذ ُ‬
‫ذل ِك ْم خري لك ْم إِن كنتُ ْم تعل ُمون ‪‬الجمعة‪.9:‬‬

‫هذه هي وظيفة العلماء التشريعية ‪ ..‬وعندما يطلق عليهم أي صفة تشريعية فهو يراد حصراً‬
‫المهام الواردة في النقاط األربعة الواردة أعاله‪ ،‬أو بعضها‪ ،‬واهلل تعالى أعلم‪.‬‬
‫ـ العلمــاء صمّــام أمــانٍ للمجتمعــات‪ :‬فهم غرس اهلل تعالى في أرضه‪ ،‬يستعملهم في‬

‫طاعته ‪ ..‬وخدمة دينه ‪ ..‬وعباده ‪ ..‬وهم على ثغرة عظيمة من ثغور اإلسالم‪ ،‬والمسلمين ‪ ..‬يأمرون‬
‫بالمعروف وينهون عن المنكر ‪ ..‬ويصلحون ما يفسده الناس ‪ ..‬فبصالحهم يصلح العباد‪ ،‬وتصلح‬
‫معهم البالد ‪ ..‬وبفسادهم وكتمانهم للحق والعلم ‪ ..‬يفشو الجهل ‪ ..‬وتفسد البالد والعباد!‬
‫ذ ذ َ َ ُُْ َ‬
‫ون َما َأن ْ َز َل ذ ُ‬
‫اَّلل مِنَ‬
‫قال تعالى في الذين يكتمون العلم‪ ،‬وال يؤدون زكاته‪ :‬إِن اَّلِين يكتم‬
‫ََ ً َ ً ُ َ َ َ َْ ُ ُ َ‬
‫َ َْ َُ َ‬
‫ْ ذ ذ َ َ ُ َ ُُ ُ ذ‬
‫الْكِتَ‬
‫اَّللُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َتون بِهِ ثمنا قل ِيَل أولئِك ما يأكلون ِِف بطون ِ ِهم إِال انلار وال يكل ِمهم‬
‫اب ويش‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ذ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ ْ ََ ُ ذ‬
‫َ‬
‫ََْ ْ َ َ َ َُ ْ َ ُ ْ َ‬
‫الضَللة بال ُه َدى َوال َعذ َ‬
‫اب‬
‫ا‬
‫و‬
‫َت‬
‫اش‬
‫ِين‬
‫اَّل‬
‫ك‬
‫ئ‬
‫ول‬
‫أ‬
‫‪.‬‬
‫م‬
‫ِل‬
‫أ‬
‫اب‬
‫ذ‬
‫ع‬
‫يوم القِيامةِ وال يزك ِي ِهم ولهم‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َْ ْ َ َ َ َ ْ ََ ُ ْ ََ‬
‫ذ‬
‫بِالمغفِرة ِ فما أصِبهم لَع انلارِ‪‬البقرة‪.205:‬‬
‫ذ ذ َ َ ْ ُ ُ َ َ ََْ َْ َ ْ‬
‫َ ْ‬
‫ْ‬
‫ذ‬
‫ذ‬
‫ذ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ات والهدى مِن بع ِد ما بيناه ل ِلن ِ‬
‫اس‬
‫وقال تعالى‪ :‬إِن اَّلِين يكتمون ما أنزنلا مِن اْليِن ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ َ ُ َ َ ََُُْ ُ ذُ َََُُْ ُ ذ ُ َ‬
‫ذ ذ َ َ ُ َ ْ َ ُ ََذُ َ َ َ‬
‫اب أولئِك يلعنهم اَّلل ويلعنهم الَلعِنون * إِال اَّلِين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئِك‬
‫ِِف الكِت ِ‬
‫َ‬
‫َُ ُ َ َْ ْ َ َ‬
‫ُ‬
‫ذ‬
‫ذ‬
‫ُ‬
‫ذ‬
‫أتوب علي ِهم وأنا اتلواب الرحِيم ‪‬البقرة‪.220-295:‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪70‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وفي الحديث فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬أيُّما ٍ‬
‫يوم‬
‫ألجمه اهلل َ‬
‫فكتمه‪َ ،‬‬
‫رجل آتاه اهلل علماً َ‬
‫القيامة ٍ‬
‫بلجام من نار "[‪.]02‬‬
‫َ‬
‫‪09‬‬
‫كل ٍ‬
‫منافق عليم اللسان "[ ]‪.‬‬
‫وقال ‪ " :‬إن‬
‫َ‬
‫أخوف ما أخاف على أمتي ُّ‬

‫أحياناً يكون في بيان العالم وصدعه بالحق أثر عظيم في اإلصالح‪ ،‬والتغيير ‪ ..‬كما يكون له‬

‫وقعه األليم على الباطل وأهله ‪ ..‬ما ال يكون في هدير القنابل‪ ،‬وأزيز الرصاص ‪ ..‬من هنا جاء األمر‬
‫والحض على الصدع بالحق ‪ ..‬وقد عد من أفضل الجهاد في سبيل اهلل‪.‬‬
‫بالحق أينما‬
‫ِّ‬
‫نقول‬
‫كما في الحديث عن عبادة بن الصامت‪ ،‬قال‪ ":‬با َيعنَا رسول اهلل على أن َ‬

‫كنا ال نخاف في اهلل لوم َة الئم " متفق عليه‪.‬‬
‫ٍ‬
‫وقال ‪ ":‬سيِّد ُّ‬
‫فأمره ونهاه‬
‫الشهداء حمزة بن عبد المطلب‪،‬‬
‫ورجل َ‬
‫ٌ‬
‫قام إلى إمام جائ ٍر َ‬
‫فقتَـلَه"[‪.]20‬‬
‫حق عن َد س ٍ‬
‫لطان جائ ٍر "[‪.]22‬‬
‫وقال ‪ ":‬أفضل الجهاد كلمة ٍّ‬
‫حق تقال ٍ‬
‫إلمام جائ ٍر "[‪.]21‬‬
‫أحب الجهاد إلى اهلل‪ ،‬كلمة ٍّ‬
‫وقال ‪ُّ ":‬‬

‫دائما؛ يقودون األمم والشعوب‬
‫ً‬
‫وحتى يعطي العلماء عطاءهم المرجو ‪ ..‬ويكونوا في المقدمة‬

‫نحو اإلصالح‪ ،‬والتغيير المنشود ‪ ..‬ال بد للشعوب في المقابل من أن تؤدي لهم حقهم في الطاعة ـ‬
‫وفق ما تقدم ـ واالحترام‪ ،‬والتوقير ‪ ..‬إذ ليس من الوفاء‪ ،‬والعدل‪ ،‬أن ترى العلماء يضحون ويواجهون‬
‫المخاطر من أجل مصالح الشعوب ‪ ..‬بينما في المقابل ال يلقون أي نصرة‪ ،‬أو تأييد من الشعوب ‪..‬‬
‫إذا ما داهمتهم المخاطر والخطوب‪ ،‬أو زج بهم في سجون الطغاة اآلثمين ‪ ..‬فالنصرة يجب أن تكون‬
‫متبادلة من الطرفين للطرفين ‪ ..‬طاعة هلل تعالى ولرسوله ‪ .. ‬بذلك تكتمل مسيرة التغيير‪ ،‬وتقاد‬
‫سفينة المجتمع إلى بر السالمة‪ ،‬بإذن اهلل‪.‬‬

‫عن ابن عباس مرفوعاً‪ ":‬البَرَكة مع أكابركم "[ ‪.]2‬‬

‫‪ 02‬رواه الطبراني‪ ،‬صحيح الجامع‪.102 :‬‬
‫‪ 09‬رواه الطبراني‪ ،‬صحيح الجامع‪.1 9 :‬‬

‫‪ 20‬رواه الحاكم‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪. 92 :‬‬

‫‪ 22‬رواه أبو داود‪ ،‬والترمذي‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪. 92 :‬‬
‫رواه أحمد‪ ،‬والطبراني‪ ،‬صحيح الجامع‪.222 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪71‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫صغ َيرنا‪ ،‬ويَعرف لعالمنا "[ ‪.]2‬‬
‫ويرحم َ‬
‫بيرنا‪َ ،‬‬
‫ليس من أمتي َم ْن لم يجل ك َ‬
‫وقال ‪َ ":‬‬

‫وقال ‪ ":‬إن من إجالل اهلل إكر َام ذي الشيبَة المسلم‪ ،‬وحامل القرآن غير الغَالي فيه والجافي‬

‫عنه‪ ،‬وإكر َام ذي السلطان الم ْقسط "[‪.]25‬‬

‫وقال ‪ ":‬إن اهللَ تعالى قال‪َ :‬من عادى لي ولياً[‪]22‬فقد آذنته بالحرب " البخاري‪.‬‬
‫وقال ‪ ":‬أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم "[‪.]20‬‬

‫ِّم األكاب َر "[‪.]22‬‬
‫أمرني جبريل أن أقد َ‬
‫وقال ‪َ ":‬‬
‫قال الشعبي‪ :‬صلى زي ٌد بن ثابت على ٍ‬
‫جنازة‪ ،‬فق ِّربَت إليه بغلته ليرَكبها‪ ،‬فجاء ابن عباس‪ ،‬فأخ َذ‬
‫ْ‬
‫نفعل بالعلماء‬
‫بركابه‪ ،‬فقال زيد‪ِّ :‬‬
‫خل عنه يا َ‬
‫ابن ع ِّم رسول اهلل ‪ ،‬فقال ابن عباس‪ :‬هكذا أمرنا أن َ‬
‫نفع َل بأهل بيت نبينا ‪.]29[‬‬
‫والكبراء‪ ،‬فقبل زيد بن ثابت ي َده‪ ،‬وقال‪ :‬هكذا أمرنا أن َ‬
‫حض على التزام غرز األكابر من‬
‫‪ 2‬أخرجه ابن حبان وغيره‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪ .2002 :‬قلت‪ :‬وفي الحديث ٌّ‬
‫العلماء العاملين الموحدين ‪ ..‬وإن صغرت أعمارهم ‪ ..‬وعدم االلتفات عنهم إلى األصاغر من أهل األهواء والبدع ‪..‬‬

‫والضالل ‪ ..‬وإن كبرت أعمارهم ‪ ..‬فإن الخير والبركة مع األكابر ـ وليس الكبار في السن لكونهم كباراً في السن ـ‬
‫وفي التزام غرزهم‪.‬‬

‫ٍ‬
‫وإجالل‬
‫‪ 2‬رواه أحمد وغيره‪ ،‬صحيح الترغيب‪ .92 :‬وقوله ‪ ":‬ويَعرف لعالمنا "؛ أي يعرف حقه من توقير‬
‫وتكريم لما له من فضل ومعروف على الناس‪.‬‬

‫‪ 25‬صحيح سنن أبي داود‪. 05 :‬‬
‫‪22‬‬

‫من أولياء اهلل تعالى العلماء العاملون؛ فالوالية تتحقق بثالثة خصال‪ :‬بالمتابعة للسنة‪ ،‬والجهاد في سبيل اهلل‪،‬‬

‫واإلخالص ‪ ..‬وهذه الخصال من أبرز ما يتميز بها العلماء العاملون ‪ ..‬والتفاضل والتنافس فيم بينهم يكون على قدر‬
‫تفاضلهم وتنافسهم في تلك الخصال!‬

‫‪ 20‬صحيح األدب المفرد‪ . 21 :‬قلت‪ :‬من ذوي الهيئات أهل العلم والمروءة والفضل‪ ،‬والشرف‪ " .‬عثراتهم "؛ أي‬
‫كبواتهم وزالتهم؛ إذ لكل ٍ‬
‫جواد كبوة فال ينبغي أن ينسى فضله وثباته وصهيله في ميادين وساحات الوغى ‪ ..‬ألجل‬
‫حاسب على أساسها!‬
‫كبوته تلك ‪ ..‬وي َ‬
‫ؤخذ وي َ‬

‫‪22‬‬

‫رواه أبو بكر الشافعي في الفوائد‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪ .2555 :‬والتقديم الوارد في الحديث شامل لكل أم ٍر‬

‫‪29‬‬

‫قال العراقي في تخريجه لإلحياء ‪ :2 /2‬أخرجه الطبراني‪ ،‬والحاكم‪ ،‬والبيهقي‪ ،‬قال الحاكم‪ :‬صحيح اإلسناد‬

‫هام ذي بال؛ كتقديمهم في المجلس‪ ،‬والمشورة‪ ،‬والحديث‪ ،‬وتقديمهم في الصالة خلفه ‪ ‬في الصف األول‪،‬‬
‫ٍّ‬
‫وتقديمهم في القيام بالمهام الكبيرة ‪ ..‬فالتقديم شامل لكل هذه المعاني‪ ،‬واهلل تعالى أعلم‪.‬‬

‫على شرط مسلم‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪72‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫َ ذ ُ ُ‬
‫ُْ َْ‬
‫ذ َ َ َُْ َ َ ذ َ َ َْ َ ذ‬
‫ِين ال َيعل ُمون إِن َما َيتَذك ُر أ ْولوا‬
‫قال تعالى‪ :‬قل هل ي َ ْستَوِي اَّلِين يعلمون واَّل‬

‫َ‬
‫ْاْل ْْلَ‬
‫اب‪ ‬الزمر‪.9:‬‬
‫ِ‬

‫وعليه؛ إذا أردت أن تعرف أين أمة من األمم أو دولة من الدول ‪ ..‬من الحضارة والتحضر ‪..‬‬

‫وأين هي من بر السالمة واألمان ‪ ..‬انظر إلى أين هي من علمائها ‪ ..‬وما هو دور العلماء ـ وما هي‬
‫مكانتهم ـ فيها ‪ ..‬فإن كانت لهم الكلمة والريادة والسيادة فهي دولة متحضرة‪ ،‬متقدمة ‪ ..‬وإن كانت‬
‫لهم السجون والزنازين ‪ ..‬وحبال المشانق ‪ ..‬فهي دولة ظالمة متخلفة ‪ ..‬تحفر قبرها بنفسها ‪..‬‬
‫وتسرع الخطا نحو هلكتها!‬
‫ال بد للعلماء من أن تعاد إليهم هيبتهم‪ ،‬ومكانتهم في األمة‪ ،‬ودورهم الريادي في قيادتها ‪..‬‬
‫وقيادة الشعوب ‪ ..‬هذا إذا أردنا لألمة أن تعود لها الريادة والسيادة‪ ،‬والقيادة ـ من بين األمم ـ من‬
‫جديد‪.‬‬
‫ال يوجد في اإلسالم شيء اسمه رجال الدين على طريقة النصارى ‪ ..‬الذين يفصلون أنفسهم‪،‬‬
‫وتفكيرهم‪ ،‬ودينهم‪ ،‬واهتماماتهم عن الدولة‪ ،‬والحكم‪ ،‬والحياة ‪ ..‬والشؤون العامة ‪ ..‬فإن جاز شيء‬
‫من ذلك في النصرانية؛ دين الكنيسة ‪ ..‬فإنه ال يجوز في دين اهلل‪ ،‬اإلسالم‪.‬‬
‫ثانياً‪ :‬األمراء واحلكام‪ :‬وهم الفريق الثاني من أولي األمر؛ الذين تجب طاعتهم بالمعروف‪،‬‬
‫وبشرطه‪ ،‬كما تقدم ذلك في حق العلماء‪ ،‬وكما سنبين ـ إن شاء اهلل ـ ذلك في حق األمراء‪.‬‬
‫ـ كيفية اختيار احلاكم‪ :‬العالقة بين الحاكم والمحكوم عالقة تعاقدية قائمة على الرضى‬
‫والموافقة بين الطرفين؛ بموجب هذا العقد يتم أداء كل طرف منهما ما عليه من حقوق نحو الطرف‬
‫المقابل ‪ ..‬وبالتالي ال بد من مشورة الناس‪ ،‬والتماس رضاهم وموافقتهم في اختيار الحاكم الذي‬
‫يريدونه‪ ،‬ويرتضونه لدينهم ودنياهم ‪ ..‬وهو شرط لصحة ومضي العقد‪.‬‬
‫َْ‬
‫َ ُ‬
‫ْ‬
‫قال تعالى‪َ :‬وأ َ ْم ُر ُه ْم ُش َ‬
‫ورى بَينَ ُه ْم ‪‬الشورى‪ . 2:‬وقال تعالى‪َ :‬وشاوِ ْره ْم ِِف اْلمرِ‪‬‬
‫آل عمران‪ .259:‬وكلما عظم األمر كلما تعينت الشورى ‪ ..‬وتعين توسيع الشورى بين الناس ‪ ..‬وال‬
‫أطن أن هناك ما هو أعظم وأخطر على الناس‪ ،‬من شأن من يحكمهم ‪ ..‬ويسوسهم ‪ ..‬وبماذا‬
‫سيسوسهم ‪ ..‬وبالتالي كلما توسعت مشورة الناس في اختيار الحاكم الذي يرتضونه ‪ ..‬كلما كان ذلك‬
‫أقرب لمقاصد الشريعة‪ ،‬والسياسة الشرعية‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪73‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وفي تاريخنا اإلسالمي ما يدل على صحة ما أشرنا إليه ‪ ..‬فخالفة عثمان بن عفان رضي اهلل‬
‫عنه حصلت بعد نوع انتخاب وتصويت ‪ ..‬فيم بين الصحابة الستة الذين حددهم عمر رضي اهلل عنه‬
‫‪ ..‬إضافة إلى عبد اهلل بن عمر كعنصر مرجح من دون أن يكون له الحق في الترشح للخالفة ‪ ..‬ومما‬
‫تأمر منكم من غير‬
‫أوصى به عمر رضي اهلل عنه الصحابة ـ وهو وينازع على فراش الموت ـ‪ ":‬فمن ّ‬
‫مشورةٍ من المسلمين فاضربوا عنقه "!‬
‫فحصلت تصفية فيم بين الصحابة الست ‪ ..‬فبعضهم تنازل لصالح عثمان‪ ،‬وبعضهم اآلخر‬
‫تنازل لصالح علي رضي اهلل عنهما ‪ ..‬حتى آل األمر إلى عثمان بن عفان‪ ،‬وعلي بن أبي طالب رضي‬
‫اهلل عنهما ‪ ..‬فقام عبد الرحمن بن عوف ـ الذي فوض األمر إليه في اختيار واحد منهما ـ يلتمس آراء‬
‫ورغبة أهل وسكان المدينة فيمن يريدون؛ هل يريدون علي بن أبي طالب‪ ،‬أم عثمان بن عفان ‪ ..‬فكان‬
‫رجل ذو رأي فيعدل‬
‫الناس يجتمعون في تلك األيام إلى عبد الرحمن يشاورونه ويناجونه‪ ،‬فال يخلو به ٌ‬

‫بعثما َن أحداً‪ ،‬ولما جلس عبد الرحمن للمبايعة‪ ،‬حمد اهلل وأثنى عليه‪ ،‬وقال في كالمه‪ ":‬إني رأيت‬
‫الناس يأبون إال عثمان "‪ .‬وفي رواية‪ ":‬أما بعد‪ ،‬يا علي‪ ،‬فإنّي نظرت في الناس فلم أرهم يعدلون‬
‫َ‬
‫بعثما َن‪ ،‬فال تجلعن على نفسك سبيالً‪ ،‬ثم أخذ بيد عثمان فقال‪ :‬نبايعك على سنة اهلل وسنة رسوله‪،‬‬

‫وسنة الخليفتين بع َده‪ ،‬فبايعه عبد الرحمن بن عوف‪ ،‬وبايعه المهاجرون واألنصار[‪.]90‬‬

‫فهذه صورة من صور الحكم التي تدل على أن التصويت ‪ ..‬واالنتخاب ‪ ..‬والتر ّشح ‪..‬‬
‫والتماس رغبة وإرادة الناس فيمن يريدون من الحكام ‪ ..‬لها أصولها في ديننا وتاريخنا اإلسالمي ‪..‬‬

‫وهي ليست بدعة من القول‪ ،‬وليست هي من المحدثات كما يظن البعض ‪ ..‬وفي الحديث فقد صح‬
‫عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬ثالثة ال يقبل اهلل منهم صالة‪ ،‬وال تصعد إلى السماء‪ ،‬وال تجاوز رؤوسهم‪:‬‬
‫رجل أم قوماً وهم له كارهون ‪ ."..‬وفي ٍ‬
‫جز صالته‬
‫رواية‪ ":‬أيما رجل أم قوماً وهم له كارهون‪ ،‬لم ت ْ‬
‫ٌ‬
‫أذنيه"‪ .‬فإذا كانت الصالة أهم رك ٍن في اإلسالم بعد شهادة التوحيد ‪ ..‬ينبغي أن يراعى في إمام‬
‫الجماعة رغبة ورضى الناس ‪ ..‬فإذا أمهم إمام وهم إلمامته كارهون ال تقبل صالته ‪ ..‬وال تتجاوز‬
‫صالته شحمة أذنيه ‪ ..‬فما بالكم بإمامتهم في شؤون الحكم والسياسة والحياة العامة ال شك أن‬
‫مراعاة والتماس رغبة ومرضاة الناس يكون من باب أولى‪.‬‬

‫‪ 90‬تاريخ الخلفاء للسيوطي‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪74‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وقال ‪ ":‬خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم‪ ،‬وتصلون عليهم‪ ،‬ويصلون عليكم‪ ،‬وشرار‬
‫أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم‪ ،‬وتلعنونهم ويلعنونكم ‪ "..‬مسلم‪ .‬فدل حديث النبي صلى اهلل‬
‫عليه وسلم على أن من العالمات التي يفرق فيها بين خيار أئمة الحكم من شرارهم ‪ ..‬هو بالنظر إلى‬
‫مدى رضى الناس عن أولئك األئمة‪ ،‬وحبهم لهم ‪ ..‬أو سخطهم وبغضهم لهم ‪ ..‬وبالتالي فإن التماس‬
‫الحكام لمرضاة وحب الناس لهم‪ ،‬بخدمتهم‪ ،‬وحسن رعايتهم ـ فيم يرضي اهلل ‪ ‬ـ مطلب من مطالب‬
‫الشريعة ‪ ..‬وهو من السياسة الشرعية ‪ ..‬وبالتالي فإن فكرة فرض الحاكم على الناس بالقوة واإلكراه‪،‬‬
‫هي ليست من اإلسالم في شيء ‪ ..‬واإلسالم منها براء!‬
‫ـ الفرتة الزمنية حلكم احلاكم‪ :‬مسألة تحديد فترة زمنية لحكم الحاكم تقدر بعدة‬
‫سنوات‪ ،‬ثم يتم بعدها بتجديد العقد له وانتخابه من جديد‪ ،‬أو انتخاب حاكم غيره ‪ ..‬هي من النوازل‬
‫والمسائل المستجدة التي تقبل االجتهاد والنظر‪ ،‬وأن يكون لعلماء األمة فيها رأي واجتهاد ‪ ..‬وتوجيه‬
‫المسألة من جهتي كالتالي‪:‬‬
‫‪ -2‬يستمر حكم المهدي عليه السالم حين ظهوره‪ ،‬وكذلك عيسى عليه السالم حين نزوله‬
‫‪ ..‬طيلة حياتهما لورود النص في ذلك‪ ،‬فسمعاً وطاعة لرسول اهلل ‪.‬‬

‫‪ -1‬يستمر حكم الخليفة العام للمسلمين ـ المنتخب عن طريق الشورى واختيار المسلمين ـ‬

‫في جميع أقطارهم وبلدانهم في حال قيام خالفة راشدة ـ بإذن اهلل ـ طيلة حياته قياساً على حكم‬
‫الخلفاء األوائل لألمة‪ ،‬فهو أدعى الستقرار الخالفة‪ ،‬ما لم يخل الخليفة بشرط من شروط الحكم‬
‫واالستخالف ‪ ..‬مع وجود آلية عملية وقانونية ـ يتفق عليها علماء األمة ومن معهم من أهل الحل‬
‫تسهل عملية إقالته في حال أخل بشروط بقائه كحاكم وخليفة ‪ ..‬أو كان في إقالته مصلحة‬
‫والعقد ـ ّ‬
‫راجحة على بقائه ‪ ..‬من دون إراقة دماء ‪ ..‬وال صدام مسلح بين الحاكم وسلطاته وبين الشعب‬

‫وممثليه ‪ ..‬فنضمن بهذه القيود استقرار الخالفة‪ ،‬واستتباب حكمها ودوامه ‪ ..‬كما نضمن إقالة‬
‫أخل بشرط من‬
‫الخليفة بصورة حضارية ميسرة من دون أدنى إراقة للدماء أو صدام مسلح في حال ّ‬
‫ٍ‬
‫كحاكم وخليفة ‪ ..‬وهذه مسألة سنأتي لإلشارة إليها بشيء من التوسع‪ ،‬بإذن اهلل‪.‬‬
‫شروط بقائه‬
‫‪ -‬حاكم والية أو قطر من األقطار ـ سواء كان هذا القطر مستقالً أو تابعاً لدولة الخالفة ـ‬

‫فهذا ال أرى مانعاً من تحديد فترة زمنية معينة لحكمه ‪ ..‬تقدر بخمس سنوات تزيد أو تنقص ‪ ..‬قابلة‬
‫للتمديد لو اختاره الشعب ثانية ‪ ..‬فهذا أدوم للود بين الحاكم والمحكوم ‪ ..‬كما أنه أقطع لخلق‬
‫الطغيان واالستبداد من أن يتسلل للحاكم ‪ ..‬وبخاصة أننا نعيش في الزمان الذي فقدت فيه األمانة ‪..‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪75‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وفشا فيه الكذب ‪ ..‬وضعفت فيه الثقة بالناس ‪ ..‬حتى يقال في بني فالن ‪ ..‬في قبيلة كذا وكذا ‪..‬‬
‫رجل أمين واحد شدوا إليه الرحال ‪ ..‬وبالتالي ال يصح عقالً وال نقالً أن يقاس زماننا بكل جزئياته‬

‫ومتطلباته ‪ ..‬على زمن النبوة األعظم واألشرف واألطهر ‪ ..‬أو زمن الخلفاء الراشدين المهديين الذين‬
‫أمرنا باالقتداء بهم‪ ،‬وبسنتهم‪.‬‬

‫فليس كل ما يقال في ٍ‬
‫زمان‪ ،‬الصدق‪ ،‬واألمانة‪ ،‬والوفاء فيه هو األصل ‪ ..‬وما سواه فهو شاذ‬
‫واستثناء ‪ ..‬يمكن أن يقال في ٍ‬
‫زمان‪ ،‬الكذب‪ ،‬والغدر‪ ،‬والخيانة‪ ،‬وضياع األمانة فيه هو األصل ‪ ..‬وما‬
‫سواه فهو شاذ واستثناء!‬
‫آتوني برجل يرقى إلى كعب أبي بكر‪ ،‬وعمر‪ ،‬وعثمان‪ ،‬وعلي ‪ ..‬لنقول له‪ :‬احكمنا الدهر كله‬
‫‪ ..‬فال ضير عليك ‪ ..‬ولكن أنى لنا بهذا ‪ ..‬وقد فشا الكذب بين الناس ‪ ..‬وفقدت األمانة منذ زم ٍن‬
‫ودب؟!‬
‫ليس بقريب ‪ ..‬واستشرف لإلمارة كل من هب َ‬

‫قال ‪ ":‬يصبح الناس يتبايعون‪ ،‬فال يكاد أحدهم يؤدي األمانة‪ ،‬فيقال‪ :‬إن في بني ٍ‬
‫فالن‬
‫ٍ‬
‫خردل من‬
‫مثقال حبة‬
‫رجالً أميناً‪ ،‬حتى يقال للرجل‪ :‬ما أع َقلَه‪ ،‬وما أظرفَه‪ ،‬وما أجلَده‪ ،‬وما في قلبه َ‬
‫إيمان " متفق عليه‪.‬‬

‫وقال ‪ ":‬أول ما تفقدون من دينكم األمانة‪ ،‬وآخره الصالة "[‪.]92‬‬
‫وقال ‪ ":‬أول ما يرفَع من الناس األمانة ‪.]91[" ..‬‬

‫وقال ‪ ":‬خير الناس قرني‪ ،‬ثم الذين يلونهم‪ ،‬ثم الذين يلونهم‪ ،‬ثم يفشو الكذب‪ ،‬حتى‬

‫شهد‪ ،‬ويحلف الرجل وال يستَ ْحلَف "[ ‪ .]9‬وقد أصابنا نحن في زماننا من ذلك‬
‫يشهد الرجل وال يستَ َ‬
‫الشر‪ ،‬الشيء الكثير ‪ ..‬اهلل المستعان!‬

‫ـ صفات وشروط احلاكم‪ :‬يجب على الحاكم الذي يرأس دولة إسالمية‪ ،‬وشعباً مسلماً‪ ،‬أن‬

‫تتوفر فيه الصفات والشروط التالية‪:‬‬

‫‪ -1‬أن يكون مسلماً‪ :‬فالكافر سواء كان كفره أصلياً‪ ،‬أو كان طارئاً من جهة الردة ال والية له على‬
‫َ ََ‬
‫ً‬
‫َ َ ْ َ ُّ ْ َ‬
‫لَع ال ْ ُم ْؤ ِمن َ‬
‫ِني َسبِيَل ‪‬النساء‪ .2 2:‬أي‬
‫المسلمين‪ ،‬لقوله تعالى‪َ :‬ولن َي َعل اَّلل ل ِلَكف ِرِين‬
‫‪ 92‬أخرجه الطبراني وغيره‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.20 9 :‬‬
‫‪ 91‬صحيح الجامع‪.2505 :‬‬

‫‪ 9‬صحيح سنن الترمذي‪.220 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪76‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫سلطاناً به يحكم المؤمن‪ ،‬ويعلو عليهم‪ ،‬ويذلهم ‪ ..‬فإن وجد شيء من ذلك فهذا بخالف شرع اهلل‬
‫تعالى وما أذن اهلل به‪ ،‬وعلى المسلمين أن يعملوا على تغييره‪ ،‬قال القرطبي في التفسير‪ :‬إن اهلل‬

‫سبحانه ال يجعل للكافرين على المؤمنين سبيالً شرعاً؛ فإن وجد فبخالف الشرع ا‪ -‬هـ‪.‬‬

‫وقال ابن كثير في التفسير‪ :‬وقد استدل كثير من العلماء بهذه اآلية الكريمة على أصح قولي‬

‫العلماء؛ وهو المنع من بيع العبد المسلم للكافر؛ لما في صحة ابتياعه من التسليط له عليه واإلذالل‬
‫ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫قلت‪ :‬إذا كان ال يجوز أن تسيد الكافر على المملوك المسلم فتملكه إياه‪ ،‬فمن باب أولى أن‬
‫ال تسيده على الشعوب المسلمة وبالدهم ‪ ..‬فتملكه إياها‪ ،‬وتجعل قرارها‪ ،‬وأمنها‪ ،‬وأسرارها بيده‪.‬‬
‫ُ ْ َ َ ْ ُ َ ُ ْ َ َ ً َ ُّ ْ‬
‫َ َ ُّ َ ذ َ َ ُ ْ َ َ ذ ُ ْ َ ً‬
‫ُ‬
‫خذوا ب ِ َطانة مِن دون ِكم ال يألونكم خباال ودوا‬
‫قال تعالى‪ :‬يا أيها اَّلِين آمنوا ال تت ِ‬
‫ْ ْ َ‬
‫ْ ََْ ْ ََ ُْ ُ ُ ُ ُ ْ َ ْ َُ َ ْ ذذ َ ُ‬
‫َ َ ُّ َ ْ َ‬
‫ات إِن‬
‫ت اْلَغضاء مِن أفواهِ ِهم وما َّت َِف صدورهم أك‬
‫ما عن ِت ْم قد بَد ِ‬
‫ِب قد بَينا لك ُم اآلي َ ِ‬
‫ُ‬
‫َْ ُ َ‬
‫كنتُ ْم تعقِلون ‪‬آل عمران‪ .222:‬أي ال تتخذوا من دونكم من المنافقين والكافرين بطانة تقربونهم‪،‬‬
‫وتطلعونهم على أسراركم وخاصة أمركم‪ ،‬وما تضمرونه ألعدائكم‪ ،‬ألنهم ال يقصرون جهداً يستطيعونه‬
‫في إيصال األذى والضرر والفساد لكم ‪ ..‬وعالمة ذلك أن بغضاءهم لكم ٍ‬
‫باد لكم من فلتات‬

‫كلماتهم وعباراتهم‪ ،‬وأفعالهم ‪ ..‬وما تخفي صدورهم من الغيظ والحقد والكراهية لهو أكبر مما يظهر‬
‫على فلتات ألسنتهم‪ ،‬وظاهر أعمالهم‪ ،‬إن كنتم تفهمون وتعقلون ‪ ..‬وإذا كان النهي عن اتخاذهم بطانة‬
‫فيم هو دون الرئاسة أو الوالية العامة على المسلمين ‪ ..‬فمن باب أولى أن ال يتخذهم المسلمون‬
‫حكاماً ورؤساء عليهم وعلى بلدانهم‪ ،‬والذي يمثل ذلك أعلى درجات ومعان البطانة ‪ ..‬فاآلية دليل‬
‫صريح على حرمة ذلك‪.‬‬
‫َ َ ُّ َ ذ َ َ ْ‬
‫ُ ُ ْ ذ َ َ َ ْ ُّ ُ َ َ َ ْ َ ُ‬
‫ِين كف ُروا ي َ ُردوك ْم لَع أعقابِك ْم‬
‫آمنُ َوا إِن ت ِطيعوا اَّل‬
‫وقال تعالى‪ :‬يا أيها اَّلِين‬
‫ََ َ ْ َ‬
‫اِس َ‬
‫ين ‪‬آل عمران‪ .2 9:‬والحاكم ال يكون حاكماً إال ليطاع فيما يحكم ويأمر وينهى‬
‫فتنقل ِبُوا خ ِِ‬
‫‪ ..‬والحاكم الكافر يأبى إال أن يحمل من يحكمهم على قانونه وكفره ‪ ..‬واهلل تعالى يبين أن طاعة‬
‫الذين كفروا فيما يحلون ويحرمون‪ ،‬ويحسنون ويقبحون من عند أنفسهم ‪ ..‬من عواقبه االرتداد عن‬
‫ذ ُ‬
‫ْ ََ ُُْ ُ‬
‫كمْ‬
‫ْ‬
‫الدين؛ كما في قوله تعالى‪ِ :‬إَون أطعتموهم ‪‬؛ أي في تحليل الحرام‪ ،‬وتحريم الحالل ‪ ‬إِن‬
‫َُ ْ ُ َ‬
‫ْشكون ‪‬األنعام‪ .212:‬فالقرآن يفسر بعضه بعضاً‪.‬‬
‫لم ِ‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪77‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫َ ُ‬
‫َ َ ُّ َ ذ َ َ ُ ْ َ ُ ْ ذ‬
‫ُ‬
‫َْ‬
‫اَّلل َوأَط ُ‬
‫ِيعوا ْ ذ‬
‫الر ُسول َوأ ْو َِّل اْلمرِ مِنك ْم‪‬‬
‫وقال تعالى‪ :‬يا أيها اَّلِين آمنوا أطِيعوا‬
‫ُ‬
‫النساء‪ .59:‬أي وأولي األمر من العلماء واألمراء ‪ ‬مِنك ْم ‪‬؛ أي من المسلمين ‪ ..‬وليس منهم؛‬
‫أي من الكافرين ‪ ..‬فإن كان من الكافرين فال سمع له وال طاعة‪.‬‬
‫كما في الحديث‪ ،‬عن عبادة بن الصامت قال‪ :‬بايعنا النبي ‪ ،‬فيما أخذ علينا أن ال ننازع‬
‫األمر أهله إال أن تروا كفراً بواحاً عندكم من اهلل فيه برهان " متفق عليه‪ .‬فإذا رأى المسلمون في‬

‫الحاكم كفراً بواحاً‪ ،‬عندهم من كتاب اهلل تعالى‪ ،‬وسنة رسوله ‪ ‬فيه برهان ودليل ـ سواء كان كفر‬
‫الحاكم أصلياً أم كان من جهة الردة ـ نازعوه على الحكم‪ ،‬وخرجوا عليه‪ ،‬وعلى سلطانه ‪ ..‬هذا حقه‬
‫ٍ‬
‫حينئذ‪ ،‬وليس له عند المسلمين غير ذلك‪.‬‬
‫قــال ابــن حجــر فــي الفــتح ‪ :0/2‬إذا وقــع مــن الســلطان الكفــر الص ـريح فــال تجــوز طاعتــه فــي‬
‫ذلك‪ ،‬بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم ‪ :119/21‬قـال القاضـي عيـاض‪ :‬أجمـع العلمـاء علـى أن‬
‫اإلمامة ال تنعقد لكافر‪ ،‬وعلى أنه لو طرأ عليـه الكفـر انعـزل‪ ،‬وقـال وكـذا لـو تـرك إقامـة الصـالة والـدعاء‬
‫إليها ا‪ -‬هـ‪.‬‬

‫قال ‪ ":‬إذا قال الرجل للمنافق يا سيد‪ ،‬فقد أغضب ربـه تبـارك وتعـالى "[ ‪ .]9‬هـذا إذا قـال لـه‬
‫مجرد قول " يا سيد "‪ ،‬لما في توقير المنافقين وتعظيمهم وتسييدهم من ع ٍ‬
‫ـون لهـم علـى هـدم الـدين ‪..‬‬
‫وإضالل العباد ‪ ..‬فكيف لو كان هذا المنافق ـ والكافر من باب أولى ـ عملياً وواقعـاً سـيداً وآمـراً وناهيـاً‬
‫وحاكم ـاً عليــه ‪ ..‬نتيجــة تفريطــه وتهاونــه ‪ ..‬فحينئـ ٍـذ يكــون مــن بــاب أولــى أن يطالــه الوعيــد الــوارد فــي‬
‫الحديث[‪.]95‬‬

‫‪ 9‬أخرجه الحاكم وغيره‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.2 29 :‬‬

‫‪95‬‬
‫حسب على العمل اإلسالمي ‪ ..‬عندما‬
‫ومنه تعلم خطأ بعض شيوخ العصر‪ ،‬وبعض الجماعات المعاصرة التي ت َ‬
‫قالوا‪ :‬بجواز والية ورئاسة غير المسلم على المسلمين في بالدهم ـ مغلبين للوالء واالنتماء الوطنيين على العقيدة‬

‫والنص ـ وأنهم بقولهم الشنيع هذا قد خالفوا النص واإلجماع معاً!‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪78‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫‪ -2‬أن يكون عاقالً‪ :‬ألن المجنون يرفَع عنه القلم‪ ،‬ويسقط عنه التكليـف‪ ،‬لقولـه ‪ ":‬رفـع القلـم‬

‫عن ثالثة‪:‬ـ منها ـ وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق "[‪ .]92‬وفي رواية " عن المعتوه حتى يعقـل "‪ .‬وفـي‬
‫رواية‪ ":‬عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق "[‪.]90‬‬

‫ونحوه السفيه‪ ،‬شديد السفه الذي ال يحسن تقدير األمور‪ ،‬وال عواقبها ‪ ..‬فهذا أيضاً ال تجوز لـه‬
‫َ َ ُ ْ ُ ْ ُّ َ َ َ ْ َ َ ُ ُ ذ َ َ َ ُّ َ ُ ْ َ ً َ ْ ُ ُ ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫واليـة‪ ،‬لقولـه تعـالى‪ :‬وال تؤتوا السفهاء أموالكم ال َِّت جعل اَّلل لكم قِياما وارزقوهم فِيهـا‬
‫ً‬
‫َ ْ ُ ُ ْ َ ُ ُ ْ َُ ْ َ ْ ً ْ‬
‫ـوال ذمع ُروفـا ‪‬النسـاء‪ .5:‬والسـفهاء هـم أهـل التبـذير واإلسـراف‪ ،‬الـذين ال‬
‫واكسوهم وقولوا لهم ق‬
‫يحســنون التصــرف بالمــال علــى الوجــه الصــحيح والمطلــوب ‪ ..‬فيضــعونه فــي كــل ٍ‬
‫واد‪ ،‬واتجــاه‪ ،‬فيمــا‬
‫يجوز‪ ،‬وفيما ال يجوز!‬
‫قلت‪ :‬إذا كان ال يجوز أن نؤتي السفهاء أموالنا ‪ ..‬خشية أن يضعوها فـي غيـر موضـعها الصـحيح‬
‫‪ ..‬فم ــن ب ــاب أول ــى أن ال ن ــؤتيهم أموالن ــا‪ ،‬وبالدن ــا‪ ،‬بأمنه ــا وخيراته ــا‪ ،‬وأن نس ــلمهم مص ــالحنا الديني ــة‬
‫ونسودهم على البالد والعباد ‪ ..‬فالمنع والحظر هنا أوكد‪ ،‬وأهم!‬
‫والدنيوية ‪ّ ..‬‬
‫َ‬
‫َ ُ َذ ُ َ َ‬
‫امون لَع الن ِ َساء‬
‫الرجال قو‬
‫‪ -3‬أن يكون ذَكَراً‪ ،‬بالغاً‪ ،‬راشداً‪ :‬أن يكون ذكراً‪ ،‬لقوله تعالى‪ِ :‬‬
‫َ َُ ْ‬
‫َ ذ َ ُّ ْ َ‬
‫َْ‬
‫ََ ْ‬
‫ب ِ َما فضل اَّلل َبعض ُه ْم لَع َبع ٍض َوب ِ َما أنفقوا م ِْن أم َوال ِ ِه ْم ‪‬النساء‪. :‬‬
‫فإن قيل‪ :‬هذا في األسرة؛ المجتمع الصغير ‪ ..‬ونحن حديثنا عن الدولة‪ ،‬والمجتمع الكبير؟‬

‫أقول‪ :‬إن كانت القوامة واجبة للرجال في المجتمع الصغير؛ أال وهـو األسـرة ‪ ..‬فمـن بـاب أولـى‬
‫أن تكون القوامة لهم فيما هو أهم وأوسع من ذلك؛ في الدولة والمجتمع الكبير‪.‬‬
‫قوم ولوا أمـرهم امـرأة " البخـاري‪ .‬وقولـه ‪ " ‬لـن "‪ ،‬تفيـد العمـوم‪ ،‬أي قـوم‪،‬‬
‫وقال ‪ ":‬لن يفل َح ٌ‬

‫كما يفيد مطلق النفي الحاضر منه‪ ،‬والمستقبل ‪ ..‬وبالتالي ال ينبغي حصر النفي فـي زمـن دون زمـن‪ ،‬أو‬
‫امرأة دون امرأة‪ ،‬واهلل تعالى أعلم‪.‬‬
‫وكذلك مما يستدل به على المسألة ما جرى عليه عمل الصـحابة رضـي اهلل عـنهم‪ ،‬والتـابعين لهـم‬
‫بإحســان ‪ ..‬الــذين أمرنــا باالقتــداء بهــم ‪ ..‬حيــث لــم يعــرف عــنهم أنهــم أقــروا للمـرأة أن يكــون لهــا حــق‬
‫الوالية العامة على المسلمين‪ ،‬واهلل تعالى أعلم‪.‬‬
‫‪ 92‬صحيح سنن النسائي‪. 122 :‬‬

‫‪ 90‬صحيح سنن أبي داود‪. 000 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪79‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫أما أن يكون بالغاً راشداً‪ ،‬فهو لقوله ‪ ":‬رفع القلم عن ثالثة ـ منها ـ وعن الصبي حتى‬
‫يحتلم"[‪ .]92‬وفي رواية‪ ":‬وعن الصبي حتى يشب "[‪ .]99‬ومن يرفع عنه التكليف‪ ،‬والقلم ‪ ..‬وترفع‬
‫عنه المسؤولية والمحاسبة ‪ ..‬ال يجوز أن يكلّف برعاية وقيادة األمة‪ .‬كما في الحديث‪ ":‬أال كلكم‬
‫ر ٍاع وكلكم مسؤول عن رعيته‪ ،‬فاإلمام األعظم الذي على الناس ر ٍاع وهو مسؤول عن رعيته ‪ "..‬متفق‬

‫عليه‪ .‬فكونه مسؤوالً‪ ،‬يعني أنه بالغ راشد قد بلغ الحلم‪ ،‬يجر عليه القلم‪.‬‬

‫فإن قيل‪ :‬هل يكفي سن البلوغ ‪ ..‬وهل يوجد سن محدد ما بعد البلوغ‪ ،‬يعتبر‬
‫شرطاً للوالية؟‬
‫أقول‪ :‬ال يوجد سنن محدد ما بعد البلوغ‪ ،‬نلتزم به‪ ،‬بحيث نقول‪ :‬من لم يبلغ هذا السن أو‬
‫العمر ال تجوز له والية ‪ ..‬ال يوجد نص يلزمنا بذلك‪.‬‬
‫لكن الذي نقوله‪ :‬أنه مع البلوغ ال بد من أن يلمس منه رشد ونضج ‪ ..‬وهذا ال يتأتى عادة إال‬
‫َ َ ُ ْ ُ ْ ُّ َ َ َ ْ َ َ ُ ُ ذ‬
‫َ َ َ ُّ َ ُ‬
‫كمْ‬
‫بعد فترة زمنية من البلوغ‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬وال تؤتوا السفهاء أموالكم ال َِّت جعل اَّلل ل‬
‫ْ ُ ُ ُ ْ َ َ ً ْ ً‬
‫َ ً َ ْ ُُ ُ‬
‫وه ْم ف َ‬
‫ِيها َواك ُسوه ْم َوقولوا ل ُه ْم ق ْوال ذمع ُروفا ‪‬النساء‪ .5:‬فإذا نهينا عن أن نؤتي‬
‫قِياما وارزق‬
‫السفهاء أموالنا ‪ ..‬فمن باب أولى أن ال نؤتيهم أموالنا وبالدنا ‪ ..‬ونسلمهم أعناقنا ‪ ..‬وديننا ‪ ..‬إذ ال‬
‫بد من أن نلمس منهم ـ مع البلوغ ـ الرشد؛ الذي يعني حسن اإلدارة والتدبير‪ ،‬وحسن تقدير العواقب‬
‫َ ْ َْ ُ ُْ ْ ُ ْ ً‬
‫‪ ..‬لذا جاءت اآلية التي بعدها تنص على الرشد‪ ،‬وتشترطه‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬فإِن آنستم مِنهم رشدا‬
‫َ َْ ْ َ‬
‫َْ َ‬
‫فادف ُعوا إِِل ْ ِه ْم أم َوال ُه ْم ‪‬النساء‪ .2:‬فال بد من أن نبصر ونلمس منهم الرشد ‪ ..‬لكي نؤتيهم أموالهم‬
‫‪ ..‬وإذا كان الرشد شرطاً ألن تدفع إليهم أموالهم ‪ ..‬فمن باب أولى أن يكون الرشد شرطاً ألن تدفع‬
‫إليهم أموال المسلمين وبالدهم ‪ ..‬والوالية العامة عليهم!‬

‫لم ٍة من قريش "‬
‫وفي الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬هلكة أمتي على ي َد ْي غ َ‬
‫البخاري‪ .‬فقيد الهلكة بكونهم غلماناً ‪ ..‬والغالم يطلق على الصبي‪ ،‬ومن كان حديث عهد ببلوغ‪.‬‬

‫‪ 92‬صحيح سنن أبي داود‪. 000 :‬‬
‫‪ 99‬صحيح الجامع‪. 52 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪80‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وكذلك قوله ‪ ":‬البركة مع أكابركم "[‪ .]200‬وقوله ‪ ":‬أمرني جبريل بأن أق ّدم‬

‫األكابر"[‪ .]202‬وصفة األكابر ال تلتقي مع صفة الغلمان حديثي العهد بالبلوغ‪.‬‬

‫فإن قيل‪ :‬هل يوجد محظور لو حدد للحاكم عمراً معيناً ‪ ..‬لنتفادى مزالق أن‬
‫يلي أمرنا الغلمان والسفهاء ‪ ..‬والحتمال اختالف الناس على تقدير هل فالن ـ ممن‬
‫يستشرف الوالية العامة ـ من السفهاء أم ال ‪ ..‬وهل قد بلغ الرشد ‪ ..‬أم ال ‪ ..‬ولنضمن‬
‫أن يكون الحاكم من األكابر كما ورد في الحديث أعاله؟‬
‫أقول‪ :‬ال يوجد نص يمنع من ذلك‪ ،‬بل النصوص الواردة أعاله ترجح مصلحة تحديد عمر‬
‫الحاكم بعمر معين يقدره العلماء ‪ ..‬كالسن الذي به تكتمل الرجولة‪ ،‬ويتحقق الرشد والنضج‪،‬‬
‫والمق ّدر ما بين ثالثين إلى أربعين سنة ‪ ..‬دفعاً للمفاسد المشار إليها في السؤال أعاله‪ ،‬واهلل تعالى‬
‫أعلم‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬ولكن ولي أسامة بن زيد رضي اهلل عنهما على جيش كان فيه كبار‬

‫الصحابة ‪ ..‬وكان عمره ال يتعدى العشرين عاماً؟‬
‫أقول‪ :‬ال ينبغي أن تقاس عدالة وأمانة رجال زماننا ـ الذي فشا فيه الكذب‪ ،‬والخيانة‪،‬‬
‫وفقدت فيه األمانة ـ على عدالة وأمانة الرجال األوائل في عهد النبوة ‪ ..‬والذين تربوا على يدي‬
‫الحبيب صلوات اهلل وسالمه عليه‪.‬‬

‫قال ‪ ":‬أول ما تفقدون من دينكم األمانة‪ ،‬وآخره الصالة "[‪.]201‬‬

‫وقال‪ ":‬يصبح الناس يتبايعون‪ ،‬فال يكاد أحدهم يؤدي األمانة‪ ،‬فيقال‪ :‬إن في بني ٍ‬
‫فالن رجالً‬
‫مثقال حبة ٍ‬
‫خردل من إيمان "‬
‫أميناً‪ ،‬حتى يقال للرجل‪ :‬ما أع َقلَه‪ ،‬وما أظرفَه‪ ،‬وما أجلَده‪ ،‬وما في قلبه َ‬

‫متفق عليه‪ .‬وال أظن زماننا ببعيد عن هذا الزمان المشار إليه في الحديث أعاله ‪!..‬‬

‫وقال ‪ ":‬خير الناس قرني‪ ،‬ثم الذين يلونهم‪ ،‬ثم الذين يلونهم‪ ،‬ثم يفشو الكذب‪ ،‬حتى‬

‫شهد‪ ،‬ويحلف الرجل وال يستَ ْحلَف "[ ‪ .]20‬في القرن الرابع يفشو الكذب ‪..‬‬
‫يشهد الرجل وال يستَ َ‬

‫ونحن في القرن الخامس عشر ‪ ..‬اهلل المستعان!‬

‫‪ 200‬أخرجه ابن حبان‪ ،‬وغيره‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.2002 :‬‬
‫‪ 202‬السلسلة الصحيحة‪.2555 :‬‬

‫‪ 201‬أخرجه الطبراني وغيره‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.20 9 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪81‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫‪ -4‬أن يكون حراً‪ :‬ألن العبد المملوك ال حرية له في التصرف ـ في كثير من الشؤون العامة‬
‫والخاصة ـ من دون إذن سيده ومالكه ‪ ..‬وهذا ال يستقيم مع الوالية العامة‪ ،‬أو الحاكم الذي يلي أمر‬
‫الناس‪ ،‬والذي من مقتضاه ولوازمه أن يكون حراً في تصرفاته وقراراته‪.‬‬

‫وقد نقل بعض أهل العلم اإلجماع على هذا الشرط ‪ ..‬قال ابن حجر في الفتح ‪:2 2/2‬‬

‫نقل ابن بطال عن المهلب‪ :‬أجمعت األمة على أنها ـ أي اإلمامة ـ ال تكون في العبيد ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫وقال الشنقيطي في التفسير ‪ :25/2‬من شروط اإلمام األعظم كونه حراً‪ ،‬فال يجوز أن يكون‬

‫عبداً‪ ،‬وال خالف في هذا بين العلماء ا‪ -‬هـ‪.‬‬

‫قلت‪ :‬ويقاس عليه كل من تحقق فيه صفة العبودية‪ ،‬والتبعية وانتفاء الحرية‪ ،‬والقدرة على‬

‫اتخاذ القرارات ومتابعة شؤون الحكم والرعية ‪ ..‬وإن لم يكن عبداً مملوكاً ‪ ..‬كاألسير في سجون‬
‫العدو؛ فاألسير تسقط واليته النتفاء قدرته على متابعة مهامه‪ ،‬والنظر في شؤون الحكم‪ ،‬ومصالح‬

‫المسلمين ‪ ..‬وفي الحديث فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬إنما اإلمام جنّةٌ يقاتَل من ورائه‪ ،‬ويـتقى‬

‫به " متفق عليه‪ .‬أي إنما اإلمام جعل إماماً ألنه يحتمى به من العدو ‪ ..‬فيتقى به من سهامهم وشرهم‬

‫وخطرهم ‪ ..‬ومتى يفقد هذه الخاصية يفقد اإلمامة‪ ،‬فلم يعد إماماً للناس ‪ ..‬ألنه لم يعد َأماماً يتقدم‬
‫الشعوب‪ ،‬يقودهم‪ ،‬ويحميهم من أعدائهم ‪ ..‬وفي المثل‪ :‬إن كنت إمامي فكن أمامي!‬

‫ونحوه الحاكم المنقاد لسلطة غيره من الكافرين‪ ،‬بحيث يفقد القدرة على الخروج عن رأيهم‬
‫ومشورتهم ‪ ..‬ومخالفة أمرهم ‪ ..‬فهذا أيضاً ال والية له؛ لعدم تحقق شرط الحرية واالستقاللية فيه ‪..‬‬
‫كما هو حال كثير من حكام العصر‪ ،‬المتسلطين على بالد المسلمين‪ ،‬حيث ال قدرة لهم على مخالفة‬
‫أوامر اليهود والنصارى في أمريكا ودول الغرب ‪ ..‬كما ال قدرة لهم على اتخاذ القرارات المصيرية‬
‫االستراتيجية التي تمس مباشرة مصالح وأمن وسالمة األمة ‪ ..‬من دون الرجوع إلى أعداء األمة ‪..‬‬
‫فهؤالء يفقدون شرط الحرية ‪ ..‬والذي بفقدانه يفقدون حقهم في الحكم والوالية على بالد‬
‫المسلمين[ ‪.]20‬‬

‫‪ 20‬صحيح سنن الترمذي‪.220 :‬‬
‫‪20‬‬

‫حتى أن منهم لو سألته لماذا ال تحكم في البالد والعباد بما أنزل اهلل ‪..‬؟ ألجابك من فوره‪ ،‬أمريكا ودول‬

‫الغرب ‪ ..‬ال تسمح لنا ‪ ..‬وال يمكن أن نخالفهم ‪ ..‬فتأمل!‬

‫وهم لكي يتمكنوا من استعباد الحاكم ـ من بني جلدتنا ـ والتحكم به وبقراراته وسياساته ‪ ..‬ينهجون معه عدة‬

‫أساليب‪ :‬منها؛ أنهم يحملونه على اعتماد سياسات خاطئة يستعدي بها شعبه ‪ ..‬فيفقد بذلك محبتهم‪ ،‬ودعمهم له‪،‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪82‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫‪ -5‬أن يكون َع ْدالً‪ :‬أي أن يكون صالحاً في نفسه؛ فليس له سوابق في اإلجرام‪ ،‬وارتكاب‬

‫الكبائر‪ ،‬والموبقات‪.‬‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫َ ً‬
‫َ َ‬
‫َ ُ َ‬
‫كل ذ‬
‫ََْ ْ‬
‫َ َ ُّ ُ َ َ‬
‫ِلن ِ‬
‫اس إِماما‬
‫ات فأت ذم ُه ذن قال إ ِ ِّن جاعِل‬
‫قال تعالى‪ِ :‬إَوذِ ابتَل إِب َراهِيم ربه بِكل ِم ٍ‬
‫َ َ‬
‫ُ‬
‫ذ‬
‫َ َ َ ُ َ‬
‫الظالِم َ‬
‫ني ‪‬البقرة‪.21 :‬‬
‫قال َومِن ذرِ ذي َِّت قال ال َينَال ع ْهدِي‬
‫ِ‬
‫جعل من ذريته إمام؛ فأعلمه اهلل أن في ذريته من‬
‫قال ابن عباس‪ :‬سأل إبراهيم ‪ ‬أن ي َ‬
‫ذ‬
‫َ ُ َ‬
‫الظال ِم َ‬
‫ني ‪.‬‬
‫يعصي فقال‪ :‬ال َي َنال ع ْهدِي‬
‫ِ‬
‫قال القرطبي في التفسير‪ :‬استدل جماعة من العلماء بهذه اآلية على أن اإلمام يكون من أهل‬

‫العدل واإلحسان والفضل مع القوة على القيام بذلك‪ ،‬وهو الذي أمر النبي ‪ ‬أال ينازعوا األمر أهله‪،‬‬
‫على ما تقدم من القول فيه‪ .‬فأما أهل الفسوق والجور والظلم فليسوا له بأهل‪ ،‬لقوله تعالى‪ [:‬الَ يَـنَال‬
‫ين ]ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫َع ْهدي الظالم َ‬
‫وقال ‪ :100/2‬ال خالف بين األمة أنه ال يجوز أن تعقد اإلمامة لفاسق ‪ ..‬ا‪ -‬هـ‪.‬‬

‫والقوة الداخلية التي يركن إليها عند الشدة ‪ ..‬مما يضطره أن يلجأ للقوى الخارجية األجنبية‪ ،‬واالستعانة بها عند أول‬

‫خطر يهدد سلطانه‪ ،‬ونظامه ‪ ..‬فتراه من هذا الوجه‪ ،‬يثق بالعدو األجنبي الكافر أكثر مما يثق بشعبه‪.‬‬

‫ومنها؛ إغراقه بالديون الدولية ‪ ..‬بصورة توقعه بالعجز عن سدادها ‪ ..‬فيعرض عليهم عوضاً عنها ‪ ..‬خيرات البالد‬

‫‪ ..‬والتدخل بشؤون العباد والبالد ‪ ..‬والتحكم بالداخل إليها‪ ،‬والخارج منها!‬

‫ومنها؛ عرض منح ومساعدات مالية ضخمة عليه ‪ ..‬بحجة دعم مؤسسات نظامه ‪ ..‬فيعتاد عليها ‪ ..‬إلى أن‬

‫يصعب عليه في النهاية مخالفتهم من أجلها ‪ ..‬فيتلقى إمالءاتهم كأوامر ال تـ َرد!‬

‫ومنها؛ إيهامه بعجزه عن الدفاع عن نفسه وبلده ‪ ..‬ومواجهة األخطار المحدقة به بمفرده ‪ ..‬وبالتالي ال بد له من‬

‫الدخول في تحالفات دولية عسكرية ‪ ..‬تسهل للعدو بفتح قواعد عسكرية ضخمة في عقر داره ‪ ..‬تجعله في النهاية‬
‫في خانة العبيد والتبع لهم ولقراراتهم!‬

‫ومنها؛ إيهامهم له بأنهم سيحمونه ضد أي تهديد له داخلي كان‪ ،‬أم خارجي ‪ ..‬مقابل الدخول في طاعتهم‪،‬‬

‫وسياساتهم ‪ ..‬ومراعاة مصالحهم في المنطقة!‬

‫ومنها؛ اعتماد أسلوب ابتزازي غير أخالقي؛ كعرض نساء جميالت عليه ـ بأساليب شتى ـ فيقع في فتنتهن ‪..‬‬

‫فيصعب عليه بعد ذلك مخالفتهم ‪ ..‬بعد علمه بتصويرهم له في أوضاع مشينة تحرجه أمام شعبه ‪ ..‬فيتحول ـ بسبب‬

‫ذلك ـ إلى أسير بين أيديهم ‪ ..‬بينما شعبه يظنه حراً!‬
‫كل هذه األساليب يعتمدونها ‪ ..‬في إغواء ‪ ..‬وأسر حكام بالدنا وزماننا ‪ ..‬وقليل منهم الذي ينفد منها!‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪83‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وقال الشوكاني في التفسير‪ :‬وقد استدل بهذه اآلية جماعة من أهل العلم على أن اإلمام ال‬
‫بد أن يكون من أهل العدل والعمل بالشرع كما ورد‪ ،‬ألنه إذا زاغ عن ذلك كان ظالماً ا‪ -‬هـ‪.‬‬

‫وقال الشنقيطي في أضواء البيان ‪ ،22/2‬وهو يعدد شروط اإلمامة‪ :‬أن يكون عدالً فال تجوز‬

‫إمامة الفاسق ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ َ ُ‬
‫ََْ ُ َ َ َ ْ ُ ُ‬
‫وقال تعالى‪َ :‬و ذاَّل َ ُ َ ْ ْ َ َ‬
‫وه ْم َث َمان َ‬
‫ِني‬
‫ات ث ذم ل ْم يَأتوا بِأربعةِ شهداء فاج ِِل‬
‫ِين يَ ْرمون ال ُمحصن ِ‬
‫َ َْ ً َ َ َ ْ َ ُ َُ ْ َ َ َ ً َ َ ً َ ُ ْ َ َ ُ ُ ْ َ ُ َ‬
‫جِلة وال تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئِك هم الفاسِقون ‪‬النور‪. :‬‬
‫قلت‪ :‬فإذا كان الذين يرمون المحصنات من دون أن يأتوا بأربعة شهداء‪ ،‬يشهدون على صحة‬
‫ما يقولون ‪ ..‬تسقط عدالتهم ‪ ..‬وبسقوطها ال تقبل شهادتهم أبداً ‪ ..‬ومن ال تقبل شهادته فمن باب‬

‫أولى أن ال يكون حاكماً عاماً على المسلمين‪ ،‬أو قاضياً عليهم!‬
‫ُ َ‬
‫َ َََ ُ َ ُ‬
‫َ‬
‫وكذلك قوله تعالى‪ :‬يَا َأ ُّي َها ذاَّل َ َ ُ‬
‫ص ُ‬
‫يبوا‬
‫ِين آمنوا إِن جاءك ْم فاسِق بِنبَأ ٍ فتب ذينوا أن ت ِ‬
‫َْ ً ََ َ َُ ْ ُ ََ‬
‫لَع َما َف َعلْتُ ْم نَادِم َ‬
‫ِني ‪‬الحجرات‪ .2:‬فالفاسق ال يقبل خبره من غير تثبت‬
‫قوما ِِبهال ٍة فتصبِحوا‬
‫‪ ..‬ومن كان كذلك فمن باب أولى أن ال يولى حاكماً أو إماماً على المسلمين‪.‬‬
‫‪ -6‬أن يكون عالِماً‪ :‬ملماً بفقه الشريعة‪ ،‬وفقه الواقع بصورة تمكنه من القيام بشؤون الحكم‬

‫والسياسة بطريقة صحيحة ومعطاءة ‪ ..‬فشؤون الحكم ال يمكن أن تنهض أو أن يستتب لها أمر مع‬
‫الجهل أو بالجهل ‪ ..‬فجاهل الشيء كفاقده ال يمكن أن يعطيه لآلخرين ‪ ..‬فضالً عن أن يكون‬
‫حاكماً راعياً لهم ولمصالحهم ‪ ..‬فالعلم يتقدم العمل ـ أي عمل ـ وهو شرط لصحته ‪ ..‬ال يصح وال‬

‫يقبل إال به ‪ ..‬وما ال يتم الواجب إال به فهو واجب‪.‬‬

‫لذا فإن من أهل العلم من اشترط في الحاكم " أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضياً من‬

‫قضاة المسلمين‪ ،‬مجتهداً يمكنه االستغناء عن استفتاء غيره في الحوادث "[‪.]205‬‬

‫‪ -7‬أن يتمتع بصفات جسدية ونفسية متكنه من القيام بشؤون احلكم‪ :‬حيث ال يجوز‬
‫أصماً‪ ،‬أو أبكماً ‪ ..‬أو مبتور اليدين أو الرجلين ‪ ..‬أو فيه أي ٍ‬
‫نقص آخر يوقعه في العجز عن‬
‫أن يكون ّ‬
‫القيام بمتطلبات وشؤون الحكم ‪ ..‬أو أن يكون جباناً رعديداً ال يقوى على إقامة الحدود والقصاص‬

‫الشرعي ‪ ..‬وال تسيير السرايا والجيوش للذود عن األمة‪ ،‬ودينها‪ ،‬وحرماتها ‪ ..‬فهذه صفات سلبية‬
‫تسلب الحاكم الشرعية‪ ،‬واألحقية في الحكم والرئاسة‪.‬‬
‫‪ 205‬أضواء البيان‪ ،‬للشنقيطي‪.20/2 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪84‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ُ ُ َ‬
‫ً َ ُ ْ َذ‬
‫َ َ َ َ‬
‫ُ َ‬
‫َ َ ُ‬
‫ذ ذ َْ‬
‫قال تعالى‪َ :‬وقال ل ُه ْم نب ِ ُّي ُه ْم إِن اَّلل قد َب َعث لك ْم َطالوت َمل َِك قال َوا أّن يَكون َُل‬
‫ْ‬
‫ْ ْ ُ َ َ َ َ ْ َ َ ُّ ْ ْ‬
‫ً‬
‫َ َ ذ ذ ْ َ ََ ُ‬
‫ْ َ ْ َ‬
‫ك مِن ُه َول ْم يُؤت َس َعة م َِن ال َما ِل قال إِن اَّلل اص َطفاهُ عليْك ْم‬
‫ال ُملك عليْنا َوَن ُن أحق بِال ُمل ِ‬
‫َ َ َُ َْ َ ً‬
‫ْ ْ َ ْ ْ َ ُّ ُ ْ ُ ْ َ ُ َ َ َ ُ ُّ‬
‫َ‬
‫اء َواَّلل َواسِع عل ِيم ‪‬البقرة‪.1 0:‬‬
‫اْلس ِم واَّلل يؤ ِِت ملكه من يش‬
‫وزاده بسطة ِِف العِل ِم و ِ‬
‫فالذي ميز طالوت‪ ،‬وأهله للحكم والملك من دون بني إسرائيل ‪ ..‬سعة في العلم ‪ ..‬وجمال وقوة في‬
‫الجسم‪.‬‬
‫فالحاكم الناجح؛ هو الحاكم القوي األمين؛ الذي يجمع بين التّقوى‪ ،‬وسعة الدراية‪ ،‬والذكاء‪،‬‬
‫والشجاعة‪ ،‬والدهاء‪ ،‬في ٍ‬
‫آن معاً‪.‬‬

‫ـ مسـألـة اشــتـراط القــرشيــة فـي اإلمــامــة‪ :‬هل القرشية شرط صحة لإلمامة‪ ،‬تنتفي‬

‫اإلمامة وتبطل بانتفائها ‪ ..‬أم أنها واجبة من غير شرط ‪ ..‬أم أنها مندوبة؟‬
‫الجواب‪ :‬الحمد هلل رب العالمين‪ .‬المسألة فيها خالف‪ ،‬والراجح أن صفة " القرشية " في‬
‫اإلمامة ليست شرط صحة؛ تنتفي اإلمامة وتبطل بانتفائها‪ ،‬وإنما العمل بها واجب‪ ،‬بشروط وضوابط‪.‬‬
‫أما أنها ليست شرطاً؛ فهو لقوله ‪ ":‬إن أ ِّم َر عليكم عب ٌد مجدع ـ أي مقطوع األطراف ـ‬
‫يقودكم بكتاب اهلل فاسمعوا له وأطيعوا " مسلم‪.‬‬
‫لحبشي؛ كأن رأسه زبيبة " البخاري‪.‬‬
‫ولقوله ‪ ‬ألبي ذر‪ ":‬اسمع وأطع ولو‬
‫ٍّ‬
‫وفي رواية‪ ":‬اسمع وأطع‪ ،‬ولو ٍ‬
‫لعبد مج ّدع األطراف " مسلم‪.‬‬

‫وهنا ليس المراد العبد المملوك المجدع األطراف ‪ ..‬لما تقدم أن إمامة العبد المملوك‬

‫المجدع األطراف ال تصح ‪ ..‬وإنما المراد المبالغة في الطاعة للحاكم واألمير المسلم ـ بغض النظر‬
‫عن عشيرته وقبيلته أو نسبه ـ ما دام يحكمكم ويقودكم بكتاب اهلل ‪ ،‬وسنة نبيه ‪.‬‬
‫وقال ‪ ":‬اسمعوا وأطيعوا‪ ،‬فإنما عليهم ما حملوا‪ ،‬وعليكم ما ح ّملتم " مسلم‪ .‬فجاء األمر‬
‫ٍ‬
‫تحديد لقبيلة أو عشيرة دون عشيرة أو قومية دون‬
‫عاماً من غير‬
‫بالسمع والطاعة للحاكم المسلم ّ‬
‫أخرى‪.‬‬
‫وفي األثر عن عمر بن الخطاب ‪ ‬قال‪ ":‬إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته‪ ،‬فإن‬

‫أدركني أجلي‪ ،‬وقد مات أبو عبيدة‪ ،‬استخلفت معاذ بن جبل "[‪ .]202‬ومعاذ بن جبل ليس من قريش‪،‬‬
‫وإنما هو أنصاري‪ ،‬خزرجي‪.‬‬
‫‪ 202‬قال ابن حجر في الفتح ‪ :210/2‬أخرجه أحمد بسند رجاله ثقات‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪85‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وقد نقل عن كثير من أهل العلم أن اإلمام المتغلب بالقوة ‪ ..‬تنعقد له البيعة ‪ ..‬وإن لم يكن‬
‫قرشياً‪ ،‬قال ابن حجر في الفتح ‪ ":2 2/2‬وأما لو تغلب عبد حقيقةً بطريقة الشوكة فإن طاعته‬
‫تجب إخماداً للفتنة‪ ،‬ما لم يأمر بمعصية "ا‪ -‬هـ‪.‬‬

‫قلت‪ :‬لو كانت القرشية شرطاً ‪ ..‬كشرط اإلسالم ‪ ..‬ال تقبل والية غير القرشي‪ ،‬حتى لو‬
‫تغلّب عن طريق الشوكة‪.‬‬
‫كذلك الخالفة العثمانية ‪ ..‬استمرت عدة ٍ‬
‫قرون ‪ ..‬ولم نعرف من أهل العلم من قال ببطالن‬
‫خالفة العثمانيين األتراك ‪ ..‬لكونهم غير قرشيين‪ .‬بل ورد في الحديث ثناء النبي ‪ ‬على الجيش‬
‫لتفتحن القسطنطينية‪ ،‬ولنعم األمير‬
‫الذي يفتح القسطنطينية وعلى أمير ذلك الجيش‪ ،‬فقال ‪":‬‬
‫ّ‬
‫أميرها‪ ،‬ولنعم الجيش ذلك الجيش "[‪ .]200‬وكان أمير ذلك الجيش الذي به فتحت القسطنطينية‬
‫كما هو مشهور ومعلوم‪ ،‬المجاهد " محمد الفاتح " الخليفة العثماني‪ ،‬وهو غير قرشي ‪..‬‬

‫فالقسطنطينية قبل محمد الفاتح غزيت ‪ ..‬لكنها لم تفتَح إال في عهده وعلى يديه ‪ ..‬ولو كانت‬
‫القرشية شرطاً لما أثنى النبي ‪ ‬خيراً على محمد الفاتح‪ ،‬واهلل تعالى أعلم‪.‬‬

‫وعليه فإن مجموع ما تقدم من أدلة‪ ،‬أعتقد أنها ترقى إلى درجة صرف القرشية كشرط لصحة‬

‫اإلمامة والخالفة‪ ،‬واهلل تعالى أعلم‪.‬‬
‫أما أنها واجبة؛ أي يجب أن تكون اإلمامة العامة في قريش‪ ،‬فهو لقوله ‪ ":‬ال يزال هذا‬
‫األمر ـ أي أمر الخالفة ـ في قريش‪ ،‬ما بقي منهم اثنان " متفق عليه‪ .‬ولقوله ‪ ":‬إن هذا األمر في‬
‫قريش ال يعاديهم أح ٌد إال كبّه اهلل في النار على وجهه‪ ،‬ما أقاموا الدين " البخاري‪ .‬وقد جرى العمل‬
‫بهذا التوجيه النبوي الذي يفيد الوجوب‪ ،‬في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬ومن جاء بعدهم من خلفاء بني‬

‫أمية والعباسيين ‪ ..‬حيث كلهم كانوا من قريش‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬لماذا في قريش دون غيرها من القبائل ‪..‬؟‬
‫أقول‪ :‬لدورها البارز والمميز في نصرة الدين‪ ،‬والدعوة ‪ ..‬ولما لقريش من مكانة رفيعة بين‬
‫القبائل والعشائر ما ليس لغيرها ‪ ..‬وألن االختالف على قريش أقل بكثير من االختالف على غيرها‬
‫من القبائل ‪ ..‬فما يتحقق على يديها من التوحد واجتماع الكلمة ال يتحقق على يد غيرها ‪ ..‬والتوحد‬
‫واالجتماع مطلب عظيم من مطالب الشريعة ‪ ..‬والسياسة الشرعية‪ ،‬واهلل تعالى أعلم‪.‬‬
‫‪ 200‬أخرجه الحاكم في المستدرك ‪ ، 11/‬وقال‪ :‬هذا حديث صحيح اإلسناد‪ ،‬ووافقه الذهبي‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪86‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫أما أنها ـ أي القرشية ـ واجبة بشروط وضوابط‪ ،‬وقيود ‪ ..‬فنعم‪:‬‬
‫منها‪ :‬أن صفة " القرشية " واجبة في اإلمامة والخالفة العامة فقط‪ ،‬دون الخاصة ‪ ..‬فالواليات‬
‫الخاصة‪ ،‬كالوالية على إمارة أو قطر أو دولة ـ دون الخالفة العامة ـ ال يجب أن يكون الحاكم أو‬
‫الرئيس فيها قرشياً ‪ ..‬ألن النبي ‪ ،‬ومن بعده الخلفاء الراشدين ‪ ..‬قد انتدبوا والة وأمراء على‬
‫األمصار ليسوا قرشيين‪ ،‬وهو أمر معلوم ال خفاء فيه‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن يوجد القرشي الذي تتوفر فيه الكفاءة‪ ،‬وشروط الوالية اآلنفة الذكر ‪ ..‬فالقرشية‬
‫خص لة من جملة الخصال والشروط التي ينبغي أن تتوفر في اإلمام العام ‪ ..‬وليست كل الشروط‪،‬‬
‫والصفات ‪ ..‬فإن لم تتوفر فيه مجموع الشروط‪ ،‬آلت عنه إلى غير القرشي‪ ،‬وال بد ‪ ..‬إذ ال يجوز أن‬
‫تتوقف اإلمامة‪ ،‬وتتعطل الخالفة ـ وفيها مصالح جميع المسلمين ـ لمجرد غياب القرشي الكفء‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن يقيم الدين‪ ،‬ويحكم بما أنزل اهلل ‪ ..‬فإن لم يقم الدين وأحكامه‪ ،‬ولم يحكم في‬
‫الرعية بالسوية‪ ،‬والعدل‪ ،‬وبما أنزل اهلل ‪ ..‬نزعت عنه اإلمامة وصرفت إلى غير القرشي‪ ،‬الذي يقيم‬
‫أحكام الدين وشعائره‪ ،‬ويحكم بما أنزل اهلل‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن ال يوجد في األمة من هو أفضل من القرشي ـ ديناً‪ ،‬وأمانة‪ ،‬وعلماً وعمالً ـ لإلسالم‬
‫ٍ‬
‫صرف الوالية واإلمامة للقرشي المفضول ‪..‬‬
‫والمسلمين ‪ ..‬فإن وجد األفضل‪ ،‬ال يجوز حينئذ أن ت َ‬
‫لمجرد كونه قرشياً ‪ ..‬لكن إن استوى القرشي مع غيره في خصال وشروط اإلمامة ‪ ..‬قدم القرشي وال‬
‫بد ‪ ..‬فالقرشيّة هنا عنصر مرجح عند التساوي في الخصال والصفات ‪ ..‬وليس عند تفاضل غير‬
‫القرشي على القرشي‪.‬‬

‫َ َ ُّ َ ذ ُ ذ‬
‫اس إِنا‬
‫تقدم ذكره أعاله‪ ،‬قال تعالى‪ :‬يا أيها انل‬
‫ُ ُ ً َََ َ ََ َُ ذ َ ْ‬
‫َ ذ‬
‫ُ‬
‫ارفوا إِن أك َر َمك ْم ع‬
‫شعوبا وقبائِل تلِ ع‬
‫ِند اَّلل ِ‬

‫وإليك بعض األدلة الدالة على ما‬
‫َ َ ُ َ‬
‫ْ ُ‬
‫َ َْ ُ‬
‫خلقنَاكم مِن ذك ٍر َوأنَث َو َج َعلنَاك ْم‬
‫َ‬
‫ََْ ُ ْ ذ ذَ َ‬
‫اَّلل عل ِيم خبِري ‪‬الحجرات‪ .2 :‬فميزان التفاضل عند اهلل تعالى‪ ،‬وعند عباده التقوى‬
‫أتقاكم إِن‬
‫‪ ..‬أياً كانت قبيلة وعشيرة هذا األتقى‪.‬‬
‫وفي الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬يا أيها الناس‪ :‬إن ربكم واحد‪ ،‬وإن أباكم‬

‫واحد‪ ،‬أال ال فضل لعربي على عجمي‪ ،‬وال لعجمي على عربي‪ ،‬وال ألحمر على أسود‪ ،‬وال ألسود على‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪87‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ذ َ ْ‬
‫َ ذ ََْ ُ‬
‫ُ‬
‫ِند اَّلل ِ أتقاك ْم ]‪ ،‬أال هل بلغت؟ قالوا‪ :‬بلى يا رسول‬
‫أحمر‪ ،‬إال بالتقوى‪[ ،‬إِن أك َر َمك ْم ع‬
‫اهلل"[‪.]202‬‬
‫وفي رواية‪ ":‬ال فضل لعربي على عجمي‪ ،‬وال لعجمي على عربي‪ ،‬وال ألبيض على أسود‪ ،‬وال‬
‫ألسود على أبيض‪ ،‬إال بالتقوى‪ ،‬الناس من آدم‪ ،‬وآدم من تراب "‪.‬‬
‫ألحد فضل على ٍ‬
‫وقال ‪ ":‬ليس ٍ‬
‫أحد إال بالدين أو ٍ‬
‫عمل صالح "[‪ .]209‬هذا هو ميزان‬
‫ٌ‬
‫التفاضل بين الشعوب والقبائل ـ والذي على أساسه يقدم فالن أو يؤخر ـ الدين والعمل الصالح ‪..‬‬
‫َ ُّ ُ ْ َ ْ َ ُ َ َ ً‬
‫[أيهم أحسن عمَل ]الكهف‪ .0:‬وليس شيئاً آخر‪.‬‬
‫ٍ‬
‫أسود‪ ،‬إال أن تفضله‬
‫لست بخي ٍر من أحم ٍر وال‬
‫ذر‪ ":‬انظر! فإنك‬
‫وقال ‪ ‬ألبي ٍّ‬
‫َ‬
‫بتقوى"[‪.]220‬‬

‫وقال ‪ ":‬انتسب رجالن على عهد موسى‪ ،‬فقال أحدهما‪ :‬أنا فالن بن فالن‪ ،‬حتى ع ّد‬
‫تسعة‪ ،‬فمن أنت ال أم لك؟ قال‪ :‬أنا فالن بن فالن ابن اإلسالم‪ ،‬فأوحى اهلل إلى موسى أن قل لهذين‬
‫المنتسبين‪ :‬أما أنت أيها المنتسب إلى تسعة في النار‪ ،‬فأنت عاشرهم في النار‪ ،‬وأما أنت أيها‬
‫المنتسب إلى اثنين في الجنة فأنت ثالثهما في الجنة "[‪.]222‬‬

‫وعن معاذ بن جبل قال‪ :‬لما بعثه ‪ ‬إلى اليمن خرج معه يوصيه‪ ،‬ثم التفت رسول اهلل ‪ ‬إلى‬
‫المدينة‪ ،‬فقال‪ ":‬إن أهل بيتي هؤالء يرون أنهم أولى الناس بي‪ ،‬وليس كذلك‪ ،‬إن أوليائي منكم‬
‫المتقون‪ ،‬من كانوا‪ ،‬وحيث كانوا "[‪ .]221‬فال والء على أساس االنتماء إلى قبيلة أو عشيرة أو بيت ‪..‬‬

‫فثم الوالية والوالء " من‬
‫وإنما على أساس التقوى والعمل الصالح ‪ ..‬فحيثما توجد التقوى واألتقى ّ‬
‫كانوا‪ ،‬وحيث كانوا "‪.‬‬

‫‪ 202‬رواه البيهقي‪ ،‬صحيح الترغيب والترهيب‪.192 :‬‬

‫‪ 209‬رواه أحمد‪ ،‬والبيهقي وغيره‪ ،‬صحيح الترغيب‪.1921 :‬‬
‫‪ 220‬رواه أحمد‪ ،‬صحيح الترغيب والترهيب‪.192 :‬‬

‫‪ 222‬رواه أحمد‪ ،‬وغيره‪ ،‬صحيح الجامع‪.2 91 :‬‬

‫‪ 221‬أخرجه ابن أبي عاصم في السنّة‪ ،‬رقم ‪ ،121‬وقال الشيخ ناصر في التخريج‪ :‬إسناده صحيح‪ ،‬رجاله كلهم‬
‫ثقات‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪88‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وقال ‪ ":‬األمراء من قريش ـ ثالثاً ـ ما فعلوا ثالثاً‪ :‬ما حكموا فعدلوا‪ ،‬واسترحموا فرحموا‪،‬‬
‫وعاهدوا فوفَوا‪ ،‬فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة اهلل والمالئكة والناس أجمعين "[ ‪ .]22‬فقوله ‪‬‬

‫" ما فعلوا ثالثاً "؛ أي ما التزموا بثالثة خصال‪ ،‬أال وهي " ما حكموا فعدلوا‪ ،‬واسترحموا فرحموا‪،‬‬
‫ٍ‬
‫حينئذ " لعنة اهلل والمالئكة والناس‬
‫وعاهدوا فوفَوا " فإن لم يلتزموا بها فال إمرة لهم ‪ ..‬بل عليهم‬
‫أجمعين "‪.‬‬

‫ونحوه عن عبد اهلل بن مسعود قال‪ :‬بينا نحن عند رسول اهلل ‪ ‬في قريب من ثمانين رجالً‬
‫من قريش‪ ،‬ليس فيهم إال من قريش ‪ ..‬قال ‪ّ ":‬أما بعد يا معشر قريش! فإنكم أهل هذا األمر ما لم‬
‫ٍ‬
‫لقضيب في‬
‫ْحاكم[ ‪ ]22‬كما يلحى هذا القضيب "؛‬
‫تعصوا اهلل‪ ،‬فإذا عصيتموه َ‬
‫بعث إليكم من يَـل َ‬

‫يده‪ ،‬ثم لحى قضيبَه فإذا هو أبيض يصلد[‪ .]225‬فهي لهم خالصة ما لم يعصوا اهلل ‪ ..‬فإذا عصوا اهلل‬
‫بعث اهلل من ينزعها منهم‪ ،‬وال حرج عليه‪.‬‬

‫األمر في قر ٍ‬
‫يش ال يعاديهم أح ٌد إال كبه‬
‫وعن معاوية قال‪ :‬سمعت َ‬
‫رسول اهلل ‪ ‬يقول‪ ":‬إن هذا َ‬

‫الدين " البخاري‪ .‬فأمر اإلمامة في قريش مشروط بإقامة الدين‬
‫اهلل في النار على وجهه؛ ما أقاموا‬
‫َ‬
‫وشعائره في األمة ‪ ..‬فإن لم يفعلوا ذلك ‪ ..‬تخرج اإلمامة عنهم إلى غيرهم؛ ممن يقيمون دين اهلل في‬
‫الناس‪.‬‬
‫وعن ابن عباس مرفوعاً‪ ":‬من استعمل رجالً وهو يجد غيره خيراً منه وأعلم بكتاب اهلل وسنة‬
‫نبيه‪ ،‬فقد خان اهلل ورسوله‪ ،‬وجميع المؤمنين "[‪ .]222‬والحديث وإن كان في سنده ضعف ‪ ..‬إال أن‬
‫معناه حق ‪ ..‬وفي نصوص الشريعة ما يصدقه‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ َ‬
‫ذ ذ َ ْ ُ ُ ُ ْ َ ُ ُّ‬
‫ات إَِل أهل َِها ‪‬النساء‪ .52:‬ومن األمانات‬
‫ان‬
‫م‬
‫اْل‬
‫وا‬
‫ؤد‬
‫قال تعالى‪ :‬إِن اَّلل يأمركم أن ت‬
‫ِ‬
‫الحكم والواليات ‪ ..‬يجب أن تصرف إلى أهلها الذين يستحقونها ‪ ..‬ويكونون كفأ لها‪.‬‬

‫‪ 22‬أخرجه أحمد وغيره‪ ،‬صحيح الترغيب والترهيب‪.1229 :‬‬
‫‪22‬‬

‫يلحى؛ أي يقشر ويزيل ‪ ..‬ومن الفوائد المستخرجة من هذا الحديث‪ :‬أن النبي ‪ ‬لم يذم من يلحاهم عن‬

‫اإلمامة واإلمارة بسبب معصيتهم هلل ‪ ..‬وإنما سكت عنه ‪ ..‬مما يدل على مشروعية عمله‪ ،‬واهلل تعالى أعلم‪.‬‬

‫‪ 225‬أخرجه أحمد‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪ .2551 :‬يصلد؛ أي يبرق ويشع بياضاً‪.‬‬
‫‪ 222‬قال الشيخ ناصر في الصحيحة ‪ :22/‬سنده ضعيف‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪89‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫قال عمر بن الخطاب ‪ ":‬من ولي من أمر المسلمين شيئاً‪ ،‬فولّى رجالً لمودة أو قرابة بينهما‪،‬‬

‫فقد خان اهللَ‪ ،‬ورسوله‪ ،‬والمسلمين "[‪.]220‬‬

‫قال ابن تيمية رحمه اهلل‪ ":‬فإن عدل عن األحق األصلح إلى غيره ألجل قرابة بينهما‪ ،‬أو والء‬

‫عتاقة‪ ،‬أو صداقة‪ ،‬أو موافقة في بلد‪ ،‬أو مذهب‪ ،‬أو طريقة‪ ،‬أو جنس؛ كالعربية والفارسية والتركية‬
‫والرومية‪ ،‬أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة‪ ،‬أو غير ذلك من األسباب‪ ،‬أو لضغن في قلبه على‬
‫األحق‪ ،‬أو عداوة بينهما‪ ،‬فقد خان اهلل ورسوله والمؤمنين‪ ،‬ودخل فيما نهي عنه في قوله تعالى‪ :‬يَا‬
‫َ ُّ َ ذ َ َ ُ ْ َ َ ُ ُ ْ ذ َ ذ ُ َ َ َ ُ ُ ْ َ َ َ ُ ْ َ َ ُ ْ َ ْ َ ُ َ‬
‫‪222‬‬
‫أيها اَّلِين آمنوا ال َّتونوا اَّلل والرسول وَّتونوا أمانات ِكم وأنتم تعلمون ‪.] [.‬‬
‫قلت‪ :‬وقد وجد في التاريخ ـ وال يزال ـ من أساء فهم شرط أو صفة " القرشية " لإلمام أو‬
‫الخليفة العام للمسلمين ‪ ..‬فاستغلوا القرشية استغالالً خاطئاً‪ ،‬وفهموا التوجيه النبوي فهماً خاطئاً ‪..‬‬
‫فجردوا القرشية من القيود والشروط األخرى ‪ ..‬وجعلوها مطلباً مستقالً لذاتها ‪ ..‬بعيداً عن شروطها‪،‬‬

‫ومتطلباتها ‪ ..‬وكأن القرشية هي الغاية من الحكم ‪ ..‬وكل ما يطلب ويرجى من الحاكم ‪ ..‬فإن وجد‬
‫القرشي فثم هو ‪ ..‬على عجره وبجره ‪ ..‬ومهما كان منه من خلق والتزام ‪ ..‬وإال فال!‬
‫أصل له بعض الفقهاء ـ سلّط على األمة حكاماً فاسقين‬
‫هذا الغلو في الفهم للمسألة ـ والذي ّ‬
‫وظالمين ‪ ..‬ال يملكون من خصائص الحكم ومتطلباته سوى أنهم قرشيون ‪ ..‬فاقتاتوا بالقرشية في‬
‫الحرام وعلى حساب الملة واألمة ‪ ..‬فضلوا وأضلوا‪ ،‬وأفسدوا ‪ ..‬والحبيب ‪ ‬قد أشار إلى شيء من‬
‫ذلك عندما قال‪ ":‬هالك أمتي على ي َدي غل ٍ‬
‫ْمة من قريش "[‪ .]229‬واألمة قد رأت أولئك الغلمان ‪..‬‬
‫َ ْ‬
‫ونحن في زماننا ال نزال نعايش بعض أولئك الغلمان من الطواغيت المجرمين الذين ال يحكمون بما‬

‫‪ 220‬السياسة الشرعية‪ ،‬البن تيمية‪.‬‬
‫‪222‬‬

‫السياسة الشرعية‪ ،‬ص ‪ .12‬أقول‪ :‬مما تقدم ذكره أعاله تعلم خطورة ما اقترفته بعض الجماعات اإلسالمية‬

‫المعاصرة ـ التي آلت إليها مهمة اختيار الحاكم في بعض األمصار ـ عندما عدلت عن اختيار الحاكم المسلم‪ ،‬لتختار‬

‫الحاكم العلماني المحارب هلل ولرسوله ‪ ..‬بزعم االنفتاح ‪ ..‬والمشاركة ‪ ..‬وتقسيم غنائم الحكم ‪ ..‬وحتى ال يرموا‬

‫باالنغالق ‪ ..‬والديكتاتورية ‪ ..‬واالستئثار بالمناصب السيادية الفاعلة دون غيرهم ‪ ..‬وهذا كله على حساب سالمة‬
‫البالد‪ ،‬ودين العباد ‪ ..‬وهؤالء ـ بصنيعهم هذا ـ قد جمعوا بين الغباء السياسي والعقائدي‪ ،‬وبين الخيانة هلل ولرسوله‪،‬‬

‫والمسلمين!‬

‫‪ 229‬أخرجه أحمد والبخاري‪ ،‬صحيح الجامع‪.00 2 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪90‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫أنزل اهلل ‪ ..‬الذين يقتاتون لظلمهم وخياناتهم وفسقهم بالقرشية ‪ ..‬وأن نسبهم ينتهي إلى قريش ‪..‬‬
‫وبالتالي ال بد لألمة أن تقبل بهم على عجرهم‪ ،‬وبجرهم‪ ،‬ومهما بدر منهم!‬

‫ـ التوفيق بني شروط الوالية‪ ،‬وبني الصرب‪ ،‬وعدم اخلروج على من أخل بتلك الشروط‪:‬‬
‫فإن قيل‪ :‬كيف نوفق بين ما تقدم من حديث عن الشروط التي يجب أن تتوفر‬
‫في الحاكم ‪ ..‬وبين األحاديث التي تنص على وجوب الصبر على أئمة الظلم ‪ ..‬وعدم‬
‫الخروج عليهم‪ ،‬ما لم ترَ األمة منهم كفرًا بواحاً؟‬
‫يُجاب عن هذا السؤال من ثالثة أوجه‪:‬‬
‫ابتداء ال تعطَى لمن ال تتوفر فيه تلك الشروط اآلنفة الذكر ‪ ..‬إذ ال‬
‫أولها‪ :‬أن اإلمامة والوالية‬
‫ً‬

‫يجوز لألمة وممثليها من أهل الحل والعقد ‪ ..‬أن ينتخبوا إماماً وحاكماً لألمة أو الدولة ال تتحقق فيه‬

‫تلك الشروط والصفات‪.‬‬

‫ثانيها‪ :‬عندما يتم انتخاب واختيار الحاكم أو الرئيس من خالل مؤسسات وهيئات تمثل األمة‪،‬‬
‫وتخول هذه الهيئات والمؤسسات ـ دستورياً ـ إضفاء الشرعية على الحاكم‪ ،‬ومن ثم نزعها عنه في‬
‫ٍ‬
‫حينئذ يسهل على‬
‫حال أخل بشروط الرئاسة أو الحكم ‪ ..‬وفق آليات سلمية محددة يتفق عليها ‪..‬‬
‫األمة والشعوب إقالة الحاكم ـ من دون أدنى فتنة أو ضرر ـ في حال أخل بشروط الوالية والحكم‬
‫اآلنفة الذكر‪.‬‬
‫فالحاكم مستأمن ومستَخلَف وموظّف من قبل األمة ـ وليس مالكاً للبالد والعباد ـ فكما ينبغي أن‬

‫توجد آليات سلمية لتنصيبه حاكماً وإماماً ‪ ..‬ينبغي أن توجد آليات سلمية ـ يـتّفق عليها ـ لعزله وإقالته‬

‫من منصبه ‪ ..‬في حال ما أخل بشروط وظيفته‪.‬‬

‫وهذا الخيار ‪ ..‬هو الخيار األمثل واألقل ضرراً ‪ ..‬الذي يجب على األمة أن تسعى لتحقيقه‬
‫والتأسيس له‪ ،‬واالتفاق عليه ‪ ..‬ليصبح ملزماً للحاكم والمحكوم‪ ،‬سواء ‪ ..‬من غير ضرر‪ ،‬وال ضرار ‪..‬‬
‫ومن أجل تجنيب البالد والعباد أزمات االنقالبات‪ ،‬والثورات‪.‬‬

‫ثالثها‪ :‬أن يتغلّب الحاكم على حكم البالد والعباد بالقوة ‪ ..‬وهذا واح ٌد من أربعة‪ :‬إما أنه‬
‫كافر كفراً أصلياً‪ ،‬أو كفراً طارئاً من‬
‫مسلم‪ ،‬عدل‪ ،‬محب للحق والعدل‪ ،‬ويحكم بما أنزل اهلل‪ .‬وإما أنه ٌ‬

‫المجرد‪ .‬وإما أنه شديد الفسق والظلم‬
‫جهة الردة‪ .‬وإما أنه فاسق وظالم من ذوي الفسق والظلم‬
‫ّ‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪91‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫والسفه‪ ،‬من ذوي الظلم المركب والمغلّظ ‪ ..‬وال يخرج الحاكم عن هذه الحاالت األربع ‪ ..‬وإليك‬
‫ّ‬
‫مناقشتها‪ ،‬وبيان حكمها بشيء من التفصيل‪.‬‬

‫أوالً‪ :‬احلاكم املسلم ال َعدْل‪ ،‬الذي حيكم ـ يف نفسه ورعيته ـ مبا أنزل اهلل‪ :‬وهذا وإن كان‬
‫متغلباً‪ ،‬قد وصل الحكم عن طريق القوة والغلبَة ـ من غير شورى بين المسلمين ـ إال أنه تجب طاعته‬

‫بالمعروف‪ ،‬ومناصرته‪ ،‬ومناصحته ‪ ..‬ويحرم غشه‪ ،‬وعصيانه‪ ،‬والخروج عليه‪ ،‬دفعاً لمفاسد الخروج‬
‫َ ُ‬
‫َ َ ُّ َ ذ َ َ ُ ْ َ ُ ْ ذ‬
‫اَّلل َوأَط ُ‬
‫ِيعوا ْ ذ‬
‫الر ُسول َوأ ْو َِّل‬
‫حمل قوله تعالى‪ :‬يا أيها اَّلِين آمنوا أطِيعوا‬
‫وفتنته‪ ،‬ومضاره‪ ،‬وعليه ي َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ُ ْ َ ََ َ ْ‬
‫ُْ َ‬
‫َْ‬
‫عتُ ْ‬
‫َش ٍء فَ ُر ُّدوهُ إ ََل اَّلل ِ َو ذ‬
‫ْ‬
‫الر ُسو ِل إِن كنتُ ْم تؤمِنُون بِاَّلل ِ َواِلَ ْو ِم‬
‫ِف‬
‫م‬
‫از‬
‫ن‬
‫ت‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ف‬
‫م‬
‫ِنك‬
‫م‬
‫ر‬
‫م‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اْل ِ‬
‫َْ ً‬
‫َ َ َ ْ َ ْ‬
‫اآلخِرِ ذل ِك خري َوأح َس ُن تأوِيَل ‪‬النساء‪.59:‬‬
‫وقوله ‪ ":‬إن أ ّمر عليكم عبد مجدع ـ أي مقطوع األطراف ـ يقودكم بكتاب اهلل‪ ،‬فاسمعوا له‬

‫وأطيعوا "مسلم‪.‬‬

‫ٍ‬
‫يوم القيامة ال حجة له‪ ،‬ومن مات وليس في عنقـه بيعـةً‬
‫وقال ‪ ":‬من خلع يداً من طاعة لقي اهلل َ‬
‫مات ميتةً جاهلية " مسلم‪.‬‬
‫وقال ‪":‬إن السامع المطيع ال حجة عليه‪ ،‬وإن السامع العاصي ال حجة له "[‪.]210‬‬
‫وقال ‪ ":‬من خرج من الطاعة‪ ،‬وفارق الجماعة فمات مات ميتةً جاهلية ‪ "..‬مسلم‪.‬‬

‫وقـ ــال ‪ ":‬الـ ــدين النصـ ــيحة " قلنـ ــا لمـ ــن؟ قـ ــال‪ ":‬هلل‪ ،‬ولكتابـ ــه‪ ،‬ولرسـ ــوله‪ ،‬وألئمـ ــة المسـ ــلمين‬
‫وعامتهم" مسلم‪.‬‬
‫وقـ ــال ‪ ":‬ال تسـ ــبوا أمـ ــراءكم‪ ،‬وال تغشـ ــوهم‪ ،‬وال تبغضـ ــوهم‪ ،‬واتقـ ــوا اهلل واصـ ــبروا‪ ،‬فـ ــإن األمـ ــر‬

‫قريب"[‪ .]212‬وغيرها من النصوص الشرعية التي تلزم بطاعة والة األمور المسلمين بالمعروف‪.‬‬

‫ثانياً‪ :‬احلاكم الكافر‪ :‬سواء كان كفره أصلياً‪ ،‬أو كـان مـن جهـة الـردة والمـروق مـن الـدين ‪ ..‬ال‬
‫َ َ ْ َ ُّ‬
‫تجوز طاعته‪ ،‬ووجب على األمة عزله‪ ،‬ولو بالقوة إن أمكن ذلك‪ ،‬كما قـال تعـالى‪َ :‬ولـن َي َعـل اَّلل‬
‫َ ََ‬
‫َ َ ُّ َ ذ َ َ ُ َ ْ ُ ُ ْ‬
‫ً‬
‫َْ‬
‫لَع ال ْ ُم ْؤ ِمن َ‬
‫ِني َسبِيَل ‪‬النساء‪ .2 2:‬وقـال تعـالى‪ :‬يا أيها اَّلِيـن آمنـوا إِن ت ِطيعـوا‬
‫ل ِلَكف ِِرين‬
‫ذ َ َ َ ُ ْ َ ُ ُّ ُ ْ َ َ َ ْ َ ُ ْ َ َ َ ُ ْ َ‬
‫َ‬
‫اِسين ‪‬آل عمران‪ .2 9:‬والحاكم الكافر ال‬
‫اَّلِين كفروا يردوكم لَع أعقابِكم فتنقل ِبوا خ ِ ِ‬
‫‪ 210‬أخرجه أحمد‪ ،‬وابن أبي عاصم في السنة‪ ،‬وصححه الشيخ ناصر في التخريج‪.2052:‬‬
‫‪ 212‬أخرجه ابن أبي عاصم في السنة‪ ،‬وصححه الشيخ في التخريج‪.2025:‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪92‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫يحكــم إال لــيحكم بمــا يعتقــده مــن كفــر‪ ،‬ومــن شــرائع كفريــة باطلــة ‪ ..‬إذ ال يرضــى أن يقتصــر كفــره علـى‬
‫سلوكه الشخصي بمعزل عن البالد‪ ،‬والناس الذين يحكمهم‪.‬‬
‫ْ ََ ُُْ ُ ْ ذ ُ ْ َُ ْ ُ َ‬
‫ْشـــكون ‪‬األنعــام‪ .212:‬أي وإن أطعتمــوهم‬
‫وقــال تعــالى‪ِ :‬إَون أطعتمـــوهم إِنكـــم لم ِ‬
‫وتــابعتموهم فــي الشــرائع المضــاهية لشــرع اهلل تعــالى‪ ،‬والتــي تتضــمن تحليــل مــا حــرم اهلل‪ ،‬أو تحليــل مــا‬
‫ذ ُ ْ َُ ْ ُ َ‬
‫ْشكون ‪.‬‬
‫حرم اهلل ‪  ..‬إِنكم لم ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ذ َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫يعوا أ ْم َر ال ْ ُم ْْسف َ‬
‫وقـال تعـالى‪َ :‬و َال تُط ُ‬
‫س ُدون ِِف اْل ْر ِض َوال يُصـل ُِحون ‪‬‬
‫ِني * اَّل‬
‫ِين ُيف ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫الشــعراء‪ .251-252 :‬وال مســرف أغلــظ إس ـرافاً وإفســاداً فــي األرض مــن إس ـراف وإفســاد طواغيــت‬
‫الكفر والردة الذين يحكمون األمة بشرائع الكفر والفساد ‪!..‬‬

‫وفــي الحــديث المتفــق عليــه‪ ،‬عــن عبــادة بــن الصــامت قــال‪ ":‬دعانــا النبـ ُّـي ‪ ‬فبايعنــاه‪ ،‬فيمــا أخــذ‬
‫علينــا أن بايعنــا علــى الســمع والطاعــة فــي منشــطنا ومكرهنــا‪ ،‬وعسـرنا ويسـرنا‪ ،‬وأثــرةٍ علينــا‪ ،‬وأن ال ننــازع‬
‫األمر أهله‪ ،‬إال أن تروا كفراً بواحاً عندكم من اهلل فيه برهان "‪.‬‬

‫قــال ابــن حجــر فــي الفــتح ‪ :0/2‬إذا وقــع مــن الســلطان الكفــر الص ـريح فــال تجــوز طاعتــه فــي‬

‫ذلك‪ ،‬بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم ‪ :119/21‬قـال القاضـي عيـاض‪ :‬أجمـع العلمـاء علـى أن‬
‫اإلمامة ال تنعقد لكافر‪ ،‬وعلى أنه لو طرأ عليـه الكفـر انعـزل‪ ،‬وقـال وكـذا لـو تـرك إقامـة الصـالة والـدعاء‬
‫إليها ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫قلـت‪ :‬قولــه " وكــذا لــو تـرك إقامــة الصــالة والــدعاء لهـا " هــو إشــارة إلــى قولـه ‪ ‬كمــا فــي صــحيح‬
‫مسلم‪ ":‬ستكون أمراءٌ‪ ،‬فتعرفون وتنكرون‪ ،‬فمن عرف بـرئ‪ ،‬ومـن أنكـر َسـل َم‪ ،‬ولكـن مـن رضـي وتـابع "‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬أفال نقاتلهم؟ قال‪ ":‬ال‪ ،‬ما صلوا "‪ .‬وفي روايـة عنـد مسـلم كـذلك‪ ":‬ال‪ ،‬مـا أقـاموا فـيكم الصـالة‪،‬‬

‫ال مــا أقــاموا فــيكم الصــالة "‪ .‬فالحــديث أفــاد أن الحــاكم إذا تــرك الصــالة‪ ،‬وتــرك األمــر بهــا ‪ ..‬كفــر ‪..‬‬
‫وتعين الخروج عليه‪ ،‬ولو بالقوة‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬كيف التوفيق بين قوله ‪ ":‬إال أن تروا كفراً بواحاً "‪ ،‬وبين قوله ‪ ":‬ال مـا‬

‫أقاموا فيكم الصالة "؟‬

‫أقــول‪ :‬ال تعــارض بينهمـا وهلل الحمــد ‪ ..‬فقولـه ‪ ":‬إال أن تــروا كفـراً بواحـاً "؛ عـام وشــامل لكــل‬

‫أنــواع الكفــر‪ ،‬ونــواقض اإليمــان ‪ ..‬وقولــه ‪ " ‬ال مــا أقــاموا فــيكم الصــالة "؛ تخصــيص لنــوع مــن أنــواع‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪93‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫الكفر العامة التي ألجلها يتعين الخروج على الحاكم ‪ ..‬أال وهو " ترك الصالة "؛ لبيـان أهميـة الصـالة‪،‬‬
‫وخطــورة تركهــا واألمــر بهــا ‪ ...‬وبالتــالي فيكــون المعنــى والتوفيــق بــين الحــديثين‪ :‬يجــب الخــروج علــى‬
‫الحــاكم الــذي يكفــر مــن جهــة تــرك الصــالة‪ ،‬وتــرك األمــر بهــا ‪ ..‬كمــا يجــب الخــروج عليــه لــو كفــر كفـراً‬
‫بواحاً من جهات أخرى‪ ،‬غير جهة ترك الصالة‪.‬‬
‫ثالث ـاً‪ :‬احلــاكم املســلم الفاس ـ ‪ :‬وهــو الحــاكم المتغلّــب‪ ،‬والمتلــبس فــي بعــض األعمــال التــي‬

‫تخرجـه مــن صـفة العدالــة ‪ ..‬لكـن ال تخرجــه مــن الملـة ‪ ..‬وال تدمغــه بـالكفر البــواح ‪ ..‬فاألصـل فــي هــذا‬
‫النوع من الحكام أن ال يولّوا ابتـداء‪ ،‬مـن قبـل األمـة‪ ،‬وممثليهـا ـ كمـا تقـدم الحـديث عـن ذلـك ـ أمـا وأنـه‬

‫قــد تغلّــب بــالقوة ‪ ..‬وتعسـ َـرت إقالتــه عبــر الطــرق الســلمية المشــروعة ‪ ..‬وكانــت مفســدة الخــروج عليــه‬
‫أكبــر مــن مفســدة إق ـراره والصــبر عليــه ‪ ..‬فحينئـ ٍـذ يتعــين تقــديم أقــل المفســدتين‪ ،‬ودفــع أكبــر الضــررين‬
‫والشرين بأقلهما ضرراً وشراً‪ ،‬وهذا الذي أف ادت به األحاديث النبوية‪ ،‬كما في الحديث‪ ،‬فقد صـح عـن‬

‫النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه‪ ،‬فإنه من فـارق الجماعـة شـبراً فمـات إال‬

‫مات ميتةً جاهليةً " متفق عليه‪.‬‬

‫وعن سـلمة بـن يزيـد الجعفـي‪ ،‬أنـه سـأل رسـول اهلل ‪ ‬فقـال‪ :‬يـا نبـي اهلل أرأيـت إن قامـت علينـا‬

‫أمراء يسألون حقهم‪ ،‬ويمنعونا حقنـا‪ ،‬فمـا تأمرنـا؟ فـأعرض عنـه‪ ،‬ثـم سـأله فـأعرض عنـه‪ ،‬ثـم سـأله الثالثـة‪،‬‬
‫فجذبــه األشــعث بــن قـ ٍ‬
‫ـيس‪ ،‬فقــال رســول اهلل ‪ ":‬اســمعوا وأطيعــوا‪ ،‬فإنمــا علــيهم مــا ح ِّملــوا وعلــيكم مــا‬

‫ح ِّملتم " مسلم‪.‬‬

‫وقال ‪ ":‬أال من ولي عليـه ٍ‬
‫وال فـرآه يـأتي شـيئاً مـن معصـية اهلل‪ ،‬فليكـره مـا يـأتي مـن معصـية اهلل‬

‫وال ينزعن يداً من طاعة " مسلم‪.‬‬

‫أثرةً وأمـوراً تنكرونهـا‬
‫وعن عبد اهلل بن مسعود قال‪ :‬قال لنا رسول اهلل ‪ ":‬إنكم سترون بعدي َ‬

‫" قالوا‪ :‬فما تأمرنا يا رسول اهلل؟ قال‪ ":‬أدوا إليهم حقهم وسلوا اهلل حقكم " البخاري‪.‬‬

‫قــال ابــن حجــر فــي الفــتح ‪ :0/2‬قــال ابــن بطــال‪ :‬فــي الحــديث حجــة فــي تــرك الخــروج علــى‬
‫السلطان ولو جار‪ ،‬وقـد أجمـع الفقهـاء علـى وجـوب طاعـة السـلطان المتغلـب والجهـاد معـه وأن طاعتـه‬
‫خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الـدهماء‪ ،‬وحجـتهم هـذا الخبـر وغيـره ممـا‬
‫يساعده‪ ،‬ولم يستثنوا من ذلك إال إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فال تجـوز طاعتـه فـي ذلـك‪ ،‬بـل‬
‫تجب مجاهدته لمن قدر عليها ا‪ -‬هـ‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪94‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وعن نافع قال‪ :‬لما خلع أهل المدينة يزيد بـن معاويـة‪ ،‬جمـع ابـن عمـر حشـمه وولـده‪ ،‬فقـال‪ :‬إنـي‬
‫سمعت النبي ‪ ‬يقول‪ ":‬ينصب لكل غاد ٍر لـواءٌ يـوم القيامـة "‪ ،‬وإنـا قـد بايعنـا هـذا الرجـل علـى بيـع اهلل‬

‫رجل على بيع اهلل ورسوله ثم ينصـب لـه القتـال‪ ،‬وإنـي ال‬
‫ورسوله‪ ،‬وإني ال أعلم غدراً أعظم من أن يبايع ٌ‬
‫أعلم أحداً منكم خلعه وال بايع في هذا األمر إال كانت الفيصل بيني وبينه " البخاري‪.‬‬

‫قال ابن حجر في الفتح‪ :‬وفي هذا الحديث وجوب طاعة اإلمام الذي انعقدت له البيعـة‪ ،‬والمنـع‬

‫من الخروج عليه ولو جار في حكمه‪ ،‬وأنه ال ينخلع في الفسق ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫وقـال النـووي فـي شـرحه لصـحيح مسـلم ‪ :119/21‬وأمـا الخـروج علـيهم ـ أي األئمـة ـ وقتـالهم‬
‫فحـرام بإجمــاع المســلمين وإن كــانوا فســقة ظــالمين‪ ،‬وقــد تظــاهرت األحاديــث بمعنــى مــا ذكرتــه وأجمــع‬
‫أهل السنة أنه ال ينعزل السلطان بالفسق ‪ .‬وقال العلماء‪ :‬وسـبب عـدم انعزالـه وتحـريم الخـروج عليـه مـا‬
‫يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء‪ ،‬وفساد ذات البين‪ ،‬فتكون المفسدة فـي عزلـه أكثـر مـن بقائـه‬
‫ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫وقــال ابــن تيميــة فــي الفتــاوى ‪ : 01/2‬واألئم ــة ال يقــاتلون بمجــرد الفســق وإن كــان الواح ــد‬
‫المقدور قد يقتَل لـبعض أنـواع الفسـق؛ كالزنـا وغيـره‪ ،‬فلـيس كلمـا جـاز فيـه القتـل‪ ،‬جـاز أن يقاتـل األئمـة‬
‫لفعلهم إياه؛ إذ فساد القتال أعظم من فساد كبيرة يرتكبها ولي األمر ا‪ -‬هـ‪.‬‬

‫وقال الجويني في " غيـاث األمـم "ص‪ :201‬لـو كـان الفسـق المتفـق عليـه يوجـب انخـالع اإلمـام‬
‫أو يخلعه لكان الكالم يتطرق إلـى جميـع أفعالـه وأقوالـه علـى تفـنن أطـواره وأحوالـه‪ ،‬ولمـا خـال زمـن عـن‬
‫خوض خائضين في فسقه المقتضي خلعه‪ ،‬ولَتحزب الناس أبداً في مطرد األوقات على افتـراق وشـتات‬

‫في النفي واإلثبات‪ ،‬ولما استتبت صفوة الطاعة لإلمام في ساعة‪.‬‬

‫ضـها‪،‬‬
‫ـض اإلمامـة ونق َ‬
‫إلى أن قال‪ :‬وقد قررنـا أن فـي الـذهاب إلـى خلعـه أو انخالعـه بكـل عثـرة رف َ‬

‫ـل األيــدي عــن ربقــة‬
‫واستئصــال فائــدتها ورفــع عائــدتها‪ ،‬وإســقاط الثقــة بهــا‪ ،‬واســتحثاث النــاس علــى سـ ِّ‬
‫الطاعة ا‪ -‬هـ‪.‬‬

‫رابعاً‪ :‬احلاكم املسلم الشديد الفسـ والللـم‪ ،‬والسَّـفَه‪ :‬وهـو يختلـف عـن سـابقه أنـه شـديد‬
‫والســفه المرّكــب والمغلّــظ ‪ ..‬والــذي ال‬
‫الفســق والظلــم والفجــور‪ ،‬والسـ َفه ‪ ..‬مــن ذوي الظلــم والفســق‪ّ ،‬‬
‫يختلف في األمة علـى فسـقه وشـدة ظلمـه ‪ ..‬وهـذا شـره وضـرره علـى األمـة يختلـف عـن سـابقه الحـاكم‬
‫مــن ذوي الفســق أو الظلــم المجــرد ‪ ..‬وبالتــالي فــإن النظــر فــي تقــدير المصــالح مــن المفاســد بالنســبة‬
‫ـداء يتعـين‬
‫للخروج عليه من عدمه ‪ ..‬أمر وارد‪ ،‬قابل للنظر‪ ،‬ومستساغ شرعاً وعقـالً ‪ ..‬وعليـه فـأقول‪ :‬ابت ً‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪95‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫على األمة خلع وعزل من كانت هذه صفاته من الحكام ‪ ..‬وبـالطرق السـلمية مـا أمكـن لـذلك سـبيالً ‪..‬‬

‫فإن أبى االنخالع واالعتزال إال بالقتال‪ ،‬نظر في ذلك فإن كان القتال والخروج عليه بـالقوة أقـل ضـرراً‬
‫ومفســدة ممــا يصــدر عنــه مــن ظلــم وفجــور وفســاد تعــين الخــروج عليــه وال بــد‪ ،‬وإن كــان خــالف ذلــك‪،‬‬
‫أمســك عــن الخــروج عليــه ‪ ..‬إلــى حــين تــوفر القــدرة التــي تم ّكــن مــن الخــروج عليــه‪ ،‬بنتيجــة تكــون أقــل‬

‫ضرراً ومفسدة ‪ ..‬عمالً باألحاديث العامة اآلنفة الذكر التـي تـأمر بـالكف عـن الخـروج علـى أئمـة الجـور‬

‫والفسق‪ ،‬دفعاً ألكبر المفسدتين والضررين‪.‬‬

‫ـ مسألة اخلروج على احلاكم املسلم الشديد الفسق والظلم‪:‬‬
‫فإن قيل‪ :‬قد عرفنا النصوص الشرعيّة التي تمنع من الخروج على أئمـة الفسـق‬
‫والجور ‪ ..‬فما هو الدليل الذي يرخص في الخـروج علـيهم فـي حـال تلبَّسـوا بـالظلم‬
‫والفسق والسّفَه المغلظ‪ ،‬والشديد‪ ،‬كما تقدم؟‬
‫أجيب عن هذا السؤال في النقاط التالية‪:‬‬
‫‪ -2‬من األدلة التي تلزم بالخروج على هـذا النـوع مـن الحكـام عمـوم األدلـة والنصـوص التـي تلـزم‬
‫بتغيير المنكر ‪ ..‬وأطر الظالمين إلى الحق ‪ ..‬أياً كانوا هؤالء الظالمين‪ ،‬كانوا حكاماً أم محكومين‪.‬‬
‫قال أبو بك ٍر الصـديق ‪ ‬بعـد أن حمـد اهلل وأثنـى عليـه‪ :‬يـا أيهـا النـاس‪ ،‬إنكـم تقـرأون هـذه اآليـة‪،‬‬
‫َ ذ َ ْ‬
‫َ َ ْ ُ ْ َ ُ َ ُ ْ َ َ ُ ُّ ُ‬
‫اه َتـ َ‬
‫ـد ْي ُت ْم ‪‬‬
‫ْضــكم ذمــن ضــل إِذا‬
‫وتضــعونها فــي غيــر موضــعها‪ :‬علــيكم أنفســكم ال ي‬
‫المائدة‪ .205:‬وإنا سمعنا النبي ‪ ‬يقول‪ ":‬إن الناس إذا رأوا الظالم فلـم يأخـذوا علـى يديـه أوشـك أن‬
‫يعمهم اهلل بعقاب "‪ .‬وإني سمعت رسول اهلل ‪ ‬يقول‪ ":‬ما من ٍ‬
‫قوم يعمـل فـيهم بالمعاصـي‪ ،‬ثـم يقـدرون‬

‫على أن يغيروا‪ ،‬ثم ال يغيروا‪ ،‬إال يوشك أن يعمهم اهلل منه بعقاب "[‪.]211‬‬

‫فقوله " إذا رأوا الظالم "؛ عام لكل ظالم سواء كان حاكماً أم محكوماً ‪ ..‬وقوله ‪ " ‬ثـم يقـدرون‬

‫على أن يغيروا "؛ فعلق التغيير على القـدرة ‪ ..‬ومـن القـدرة القـدرة علـى دفـع المنكـر بمنكـر أقـل‪ ،‬ودفـع‬
‫الضرر األكبر‪ ،‬بضرر أصغر‪.‬‬

‫‪ 211‬صحيح سنن أبي داود‪:‬‬

‫‪. 2‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪96‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ؤمرون‪ ،‬فمن‬
‫وكذلك قوله ‪ ":‬سيكون أمراء من بعدي؛ يقولون ما ال يفعلون‪ ،‬ويفعلون ما ال ي َ‬
‫جاه َدهم بيده فهو مؤمن‪ ،‬ومن جاه َدهم بلسانه فهو مؤمن‪ ،‬ومن جاه َدهم بقلبه فهو مؤمن‪ ،‬ال إيما َن‬

‫بع َده "[ ‪ .]21‬فالحديث نص على شرعية مجاهدتهم باليد‪.‬‬
‫‪ -1‬العمل بأدلة القواعد الفقهية التي تفيد‪ :‬بأنـه ال ضـرر وال ضـرار ‪ ..‬وأن الضـرر يـزال ‪ ..‬وإزالـة‬
‫الض ــرر األكب ــر بالض ــرر األص ــغر ‪ ..‬وتق ــديم أق ــل المفس ــدتين ل ــدفع أكبرهم ــا مفس ــدة وض ــرراً ‪ ..‬فه ــذه‬

‫القواعـد وغيرهــا مــن القواعــد المســتنبطة مـن نصــوص الشـريعة كلهــا تلــزم األمـة بخيــار الخــروج علــى هــذا‬
‫النوع من الحكام‪ ،‬إن تيسر الخروج عليهم بضرٍر أقل‪.‬‬
‫ منع أهـل العلـم مـن الخـروج علـى أئمـة الفسـق والفجـور هـو مـن قبيـل دفـع المفسـدة الكبـرى‬‫بالمفسدة الصغرى ‪ ..‬وتقديم أقل الضررين ‪ ..‬ومسألتنا هنا تختلف تماماً عما قاله أهل العلـم فـي ذوي‬
‫الفسق أو الجـور المجـرد؛ حيـث أن الضـرر األصـغر والمفسـدة الصـغرى هنـا تكمـن فـي الخـروج علـيهم‬

‫قياساً للمفاسد الكبرى المترتبة من جراء بقائهم على سدة الحكم والرئاسة‪.‬‬

‫لــذا نجــد فــي مثــل هــذه الحالــة أن كثيـراً مــن أهــل العلــم يصــرحون بوجــوب الخــروج علــى الحــاكم‬

‫الشديد الظلم والفسوق‪ ،‬المقدور عليه‪.‬‬

‫قــال ابــن حجــر فــي الفــتح ‪ :22/2‬نقــل ابــن التــين عــن الــداودي قــال‪ :‬الــذي عليــه العلم ـاء فــي‬
‫أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة وال ظلم وجب‪ ،‬وإال فالواجب الصبر ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫وقـد تقــدم كـالم ابــن تيميــة‪ ،‬وهـو قولــه‪ ":‬وإن كـان الواحــد المقــدور قـد يقتــل لـبعض أنــواع الفســق؛‬
‫كالزنا ‪"..‬؛ فاشترط القدرة‪ ،‬ومن القدرة على إزالة منكر وفسق الحاكم أن ال يؤدي إلى منكـر أشـد منـه‬
‫وأكبر!‬
‫قال اإلمام الجويني في أصول االعتقاد‪ :‬إذا جار الوالي وظهر ظلمه وغشمه‪ ،‬ولم يرعو عمـا زجـر‬
‫عن سوء صنيعه فألهل الحل والعقد التواطؤ على درئه ولو بشهر األسلحة ونصب الحروب ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫قلت‪ :‬وهذا محمول على أن يكون الخروج وشهر السالح عليه أقل فتنـة وفسـاداً ممـا يظهـره مـن‬

‫فساد وفجور ‪ ..‬وتقدير ذلك ألهل الحل والعقد من علماء ومجاهدي األمة‪.‬‬

‫‪ 21‬صحيح موارد الظمآن‪ .2192 :‬وقوله‪ ":‬ال إيما َن بع َده "؛ ألنه ليس بعد إنكار القلب ومجاهدته للباطل‬
‫والطغيان والظلم سوى اإلقرار والرضى؛ والرضى بالكفر كفر ينفي مطلق اإليمان من القلب‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪97‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وقال الشـيخ محمـد رشـيد رضـا فـي كتـاب " الخالفـة "‪ :‬قـد تقـدم التحقيـق فـي المسـألة ونصـوص‬
‫المحققين فيها؛ وملخصه أن أهل الحل والعقد يجب عليهم مقاومـة الظلـم والجـور واإلنكـار علـى أهلـه‬
‫بالفع ــل وإزال ــة س ــلطانهم الج ــائر ول ــو بالقت ــال إذا ثب ــت عن ــدهم أن المص ــلحة ف ــي ذل ــك ه ــي الراجح ــة‬
‫والمفسدة هي المرجوحة ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬عالم لم تقل في الحاكم الفاسق؛ من ذوي الفسق المجرد‪ ،‬ما قلته في‬
‫الحاكم الشديد الفسق والفجور والظلـم والسَّـفه ‪ ..‬مـن حيـث وجـوب الخـروج عليـه‬
‫با لقوة إذا أُمِنت المفسدة الكبرى‪ ،‬والضرر األكبـر ‪ ..‬وكـان الخـروج عليـه بـالقوة هـو‬
‫األقل ضرراً؟!‬
‫أقول‪ :‬الذي منعنا من القول بذلك‪ ،‬أن افتراض حصول ذلك هو أمر نظري وخيالي‪ ،‬غيـر واقعـي‬
‫‪ ..‬حيـث ال يمكــن أن نتصـور خروجـاً علـى الحــاكم المســلم الفاسـق مــن ذوي الفسـق المجــرد بــالقوة ‪..‬‬

‫ثم يكون هذا الخروج ـ وما يترتب عليه من نتائج ـ أقـل فتنـة وضـرر ممـا يظهـره الحـاكم مـن فسـق مجـرد‬

‫محتمــل ‪ ..‬كمــا أن القــول بــذلك‪ :‬مــدعاة أن ال يثبــت لألمــة ق ـرار علــى طاعــة إمــام ‪ ..‬حيــث كــل أحــد‬
‫ممكن أن يدعي نـوع فسـق علـى اإلمـام ‪ ..‬ومـن ثـم يطالـب األمـة بـالخروج عليـه بـالقوة ‪ ..‬فتعـيش األمـة‬
‫عمرها ‪ ..‬فتنة الخروج والقتل والقتـال ‪ ..‬وال يعـرف لهـا قـرار علـى إمـام‪ ،‬وتح َـرم بـذلك نعمـة االسـتقرار‪،‬‬
‫واألمن‪ ،‬واألمان!‬

‫فإن قِيل‪ :‬عندما يتعين الخروج على الحاكم الكافر المتغلب على بالد المسلمين‬

‫ـ سواء كان كفره أصلياً‪ ،‬أو كان من جهة الردة ـ أو الحاكم الشـديد الفسـق والظلـم‬
‫والسّفه ‪ ..‬فعلى من يتعيّن هذا الواجب من األمة؟‬
‫أقــول‪ :‬واجــب الخــروج يتعــين علــى جميــع أفـراد وطبقــات األمــة‪ :‬العلمــاء‪ ،‬وطلبــة العلــم‪ ،‬وأف ـراد‬
‫الج ــيش‪ ،‬والعمـ ــال‪ ،‬والتجـ ــار‪ ،‬والفالحـ ــين‪ ،‬والكبـ ــار والش ــباب‪ ،‬والرجـ ــال والنسـ ــاء ‪ ..‬كـ ــل بحسـ ــبه ‪..‬‬
‫وبحسب موقعه ‪ ..‬وهو المعني من قوله ‪ ":‬إال أن تـروا كفـراً بواحـاً عنـدكم مـن اهلل فيـه برهـان " متفـق‬

‫عليــه‪ .‬فخطــاب النبــي ‪ ‬موجــه لألمــة كلهــا بكــل طبقاتهــا وأفرادهــا‪ ،‬وكــل بحســب اســتطاعته‪ ،‬كمــا قــال‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪98‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫َ ذُ‬
‫ذَ َ ْ ْ‬
‫اس َت َطع ُت ْم ‪‬التغابن‪ .22:‬وهذا شامل لجميع النـاس‪ ،‬ولـيس لفريـق دون فريـق‪،‬‬
‫تعالى‪ :‬فاتقوا اَّلل ما‬

‫أو فئة دون أخرى[ ‪.]21‬‬

‫هــذه التعبئــة العامــة للشــعوب نحــو هــذه المهمــة والفريضــة ‪ ..‬ممــا يــدخل كــذلك فــي معنــى قولــه‬
‫ُ‬
‫َ َ ُّ ْ َ ُ ذ ْ ْ‬
‫اس َت َطع ُتم مِن ق ذو ٍة ‪‬األنفال‪.20:‬‬
‫تعالى‪ :‬وأعِدوا لهم ما‬
‫ولمـا فهـم بعـض الشـباب المتحمسـين ـ فـي عـدد مـن األمصـار ـ المسـألة علـى غيـر هـذا الوجـه ‪..‬‬

‫وقصــروا مبــدأ الخــروج علــى مجموعــة مــن الشــباب‪ ،‬بعيــداً عــن النــاس والشــعوب‪ ،‬ومشــاركتهم مثــل هــذا‬
‫َ‬
‫الق ـرار الهــام ‪ ..‬فشــلوا ‪ ..‬وســهل علــى الطــاغوت وعســكره ـ ولألســف ـ مــواجهتهم واستئصــالهم ‪..‬‬
‫وإظهارهم أمام الرأي العام على أنهم شرذمة قليلون خارجة عن القانون‪ ،‬وعلى إرادة األمة والشعوب!‬
‫ـ خطـوات قبــل اخلــروج املسلـح‪ :‬صوناً للدماء‪ ،‬والحرمات ‪ ..‬وتقليالً للضرر ‪ ..‬يمكن اتبـاع‬

‫جملــة مــن اإلج ـراءات الســلمية إلســقاط الطــاغوت ونظامــه‪ :‬كالتظــاهرات‪ ،‬واالعتصــامات فــي الميــادين‬
‫والساحات‪ ،‬والعصيان المدني العام؛ والذي يعني اعتزال الطاغوت ونظامـه‪ ،‬ومؤسسـاته‪ ،‬والعمـل عنـده‪،‬‬
‫ومعـه ‪ ..‬وعـدم صــرف شـيء مـن الضـرائب‪ ،‬والحقـوق لـه‪ ،‬ولخزائنــه ‪ ..‬وعـدم طاعتـه فــي شـيء ممـا يــأمر‬
‫ََ َ‬
‫ــَف ذ ُ‬
‫اَّلل‬
‫بــه ‪ ..‬فــإن جــاءت بنتــائج مرضــية ‪ ..‬وأدت إلــى الغــرض المنشــود ‪ ..‬فهــذا خيــر كثيــر ‪  ..‬وك‬
‫ُْ ْ َ ْ َ‬
‫ِني القِ َتال ‪‬األحزاب‪ .15:‬والحمد هلل رب العالمين‪.‬‬
‫المؤ ِمن‬

‫فـإن لـم تجــد ـ هــذه الوسـائل ـ مــع الطـاغوت ونظامــه نفعـاً ‪ ..‬وأبـى إال القتــل والقتـال ‪ ..‬والســطو‬
‫ٍ‬
‫فحينئذ ال بد‪ ،‬وال مفر ـ للشعوب المسلمة ـ من القتـال والنـزال ‪ ..‬وإن كـان‬
‫على الحقوق والحرمات ‪..‬‬

‫هـذا الخيــار قــد تكرهــه بعــض النفــوس‪ ،‬لكــن عســى أن يكـون فيــه خيـراً كثيـراً بــإذن اهلل‪ ،‬كمــا قــال تعــالى‪:‬‬
‫ُ َ ََْ ُ ْ َ ُ َُ ُ ْ ذ ُ ْ َ َ َ َ َ ْ ُ ْ َ ْ ً َُ َ ْ ذ ُ ْ َ َ َ َ‬
‫‪‬كتِب عليك ُم القِتال وه َو كره لكم وعَس أن تك َرهوا شيئا وه َو خري لكم وعَس أن‬
‫ُ ُّ ْ َ ْ ً َ ُ َ َ ٌّ ذ ُ ْ َ ُّ َ ْ َ ُ َ َ ُ ْ َ َ ْ َ ُ َ‬
‫َتِبوا شيئا وهو ِش لكم واَّلل يعلم وأنتم ال تعلمون ‪‬البقرة‪.122:‬‬
‫َ ُْ ْ َ ْ‬
‫ََ َ ُ ْ َ َُ ُ َ‬
‫ض َعف َ‬
‫ون ِف َ‬
‫ني م َ‬
‫الر َجـا ِل َوالن ِ َسـاء‬
‫ِن‬
‫ت‬
‫س‬
‫م‬
‫ال‬
‫و‬
‫اَّلل‬
‫يل‬
‫ب‬
‫س‬
‫وقال تعـالى‪ :‬وما لكم ال تقات ِل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫َ‬
‫َُْ َ ْ َ ذ‬
‫ذُ َ َ ً‬
‫َْ َْ ذ‬
‫َ ْ َْ ذ َ َ ُ ُ َ َ ذَ َ ْ ْ َ ْ َ‬
‫َ‬
‫ان اَّلِين يقولون ربنا أخ ِرجنا مِن هـ ِذه ِ القريةِ الظال ِ ِم أهلها واجعل نلا مِن دلنك و ِِلا‬
‫والوِدل ِ‬
‫ْ ذ‬
‫ً‬
‫ذ َ َ‬
‫َواج َعل نلَا مِن ُدلنك ن ِصريا ‪‬النساء‪.05:‬‬
‫‪21‬‬

‫من النماذج المعاصرة التي تتحقق فيها صفة خروج األمة والشعوب ـ بكل فئاتهم ـ على الطاغوت ‪ ..‬الثورة‬

‫الليبية ‪ ..‬والثورة السورية ‪ ..‬والثورة المصرية‪ ،‬والتونسية‪ ،‬واليمنية ‪ ..‬والثورة األفغانية على العهد الشيوعي البائد‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪99‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫فإن قيل‪ :‬أين الدليل على شرعية الوسائل السلمية اآلنفة الذكر ‪..‬؟‬
‫َ ََ َُ ََ ْ َ ذْ َ َ ََ َُ ََ ْ ْ َ ُْ ْ‬
‫ـد َ‬
‫ان ‪‬المائـدة‪.1:‬‬
‫و‬
‫اإلثـ ِم والع‬
‫ِ‬
‫ِب واتلقوى وال تعـاونوا لَع ِ‬
‫قال تعـالى‪ :‬وتعاونوا لَع ال ِ ِ‬
‫واعت ـزال الطــاغوت والعمــل عنــده ومعــه مــن التعــاون عل ـى البــر والتقــوى ‪ ..‬والعمــل عنــده ومعــه هــو مــن‬
‫التعاون على اإلثم والعدوان‪.‬‬
‫ََ ْ َ ُ ُ ْ َ َ َ ْ ُ َ‬
‫ذ‬
‫ُ‬
‫ون اَّلل ِ ‪‬مـريم‪ . 2:‬فــاعتزال الطواغيــت‬
‫ـِلكم ومــا تــدعون ِمــن د ِ‬
‫وقــال تعــالى‪ :‬وأعـ ِ‬

‫الظــالمين‪ ،‬والعمــل معهــم‪ ،‬وعنــدهم ســنة مــن ســنن إب ـراهيم ‪ .. ‬والتــي ال يرغــب عنهــا إال مــن ســفه‬
‫ذ َْ َ ذ‬
‫ََ َْ َ ُ َ‬
‫ال َمن َسف َه َن ْف َس ُ‬
‫ـه ‪‬البقـرة‪ .2 0:‬وقـال‬
‫ِ‬
‫نفسه‪ ،‬كمـا قـال تعـالى‪ :‬ومن يرغب عن مِلةِ إِبراهِيم إ ِ‬
‫َْ َ َ ْ َ ُ ْ ُ‬
‫َْ َ َ ذ َ َ َ ُ ْ َ ُ َ ْ ْ ذ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِنكمْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫تعـالى‪ :‬قد َكنت لكم أسوة حسنة ِِف إِبراهِيم واَّلِين معه إِذ قالوا ل ِقو ِم ِهم إِنا براء م‬
‫ََ َ‬
‫َ‬
‫ذ‬
‫ُ ْ َ َ َ َََْ َ ََْ ُ‬
‫ُ‬
‫َْ‬
‫ك ُم الْ َع َد َاوةُ َو ْاْلَ ْغ َضاء َأبَدا ً َحَّتذ‬
‫َوم ذِما تع ُب ُدون مِن دو ِن اَّلل ِ كف ْرنا بِكم وبدا بيننا وبين‬
‫ُْ‬
‫ذ ْ‬
‫تؤم ُِنوا بِاَّلل ِ َوح َدهُ ‪‬الممتحنة‪. :‬‬
‫َ ذ َ ْ َ‬
‫ذ ُ َ َ َ ُْ ُ َ َََ ُ َ ذ‬
‫ْشى فَبَ ِْشـْ‬
‫اَّلل ِ ل َ ُه ُم الْبُ ْ َ‬
‫ِين اج َتن ُبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إَِل‬
‫وقـال تعـالى‪ :‬واَّل‬
‫ع َِبادِ ‪‬الزمـر‪ .20:‬فاجتنـاب الطـاغوت‪ ،‬واعتزالـه‪ ،‬واعتـزال العمـل معـه‪ ،‬والكفـر بـه مطلـب مـن مطالـب‬
‫ُ ُذ ذ ُ ً َ ُْ ُ ْ ذ‬
‫َََ ْ‬
‫ـد َب َعثْ َ‬
‫ـدوا اَّلل‬
‫ل أمـ ٍة رسـوال أ ِن اعب‬
‫ِف‬
‫ـا‬
‫ن‬
‫الشريعة‪ ،‬وغايـة مـن غاياتهـا‪ ،‬كمـا قـال تعـالى‪ :‬ولق‬
‫ِ ِ‬
‫َ َْ ُ ْ ذ ُ َ‬
‫الطاغوت ‪‬النحل‪. 2:‬‬
‫واجتنِبوا‬
‫وفــي الحــديث فقــد صــح عــن النبــي ‪ ‬أنــه قــال‪ ":‬ليــأتين علــيكم أم ـراءٌ‪ ،‬يقربــون ش ـر َار النــاس‪،‬‬

‫أدرك ذلـك مـنهم‪ ،‬فـال يَكـونَن ع ِّريفـاً[‪ ،]215‬وال شـرطيّاً‪ ،‬وال جابيـاً‪،‬‬
‫ويؤخِّرون الصالةَ عن مواقيتها‪ ،‬فمن َ‬
‫وال خازناً "[‪.]212‬‬

‫‪215‬‬
‫العريف‪ :‬هو القيِّم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس يلي أمورهم‪ ،‬ويتعرف األمير منه أحوالهم " النهاية "‪.‬‬
‫ِّ‬
‫والجابي‪ :‬هو الذي يقوم بمهمة جباية وتحصيل األموال والضرائب من الناس لصالح خزانة الدولة‪ .‬والخازن‪ :‬هو‬

‫الذي يقوم بمهمة حراسة ورعاية خزانة الدولة المالية‪ ،‬وإحصاء ما يدخل إليها وما يخرج منها‪ ،‬ويمثل في زماننا وزير‬

‫المالية‪.‬‬

‫‪ 212‬رواه ابن حبان‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪. 20 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪100‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وقال ‪ ":‬يليكم ٌ‬
‫ناصحهم‪،‬‬
‫عمال من بعدي يقولون ماال يَعلمون‪ ،‬ويَعملون ماال يَعرفون‪ ،‬فمن‬
‫َ‬
‫ووازَرهم‪ ،‬و َشد على أعضادهم‪ ،‬فأولئك قد هلَكوا وأهلَكوا‪ ،‬خالطوهم بأجسادكم‪ ،‬وزايلوهم بأعمالكم‪،‬‬
‫َ‬

‫محسن‪ ،‬وعلى المسيء بأنه مسيءٌ "[‪ .]210‬وماذا يعني العصيان المدني‬
‫واشهدوا على المحسن بأنه‬
‫ٌ‬
‫أكثر مما دلت عليه ألفاظ وكلمات هذا الحديث الشريف؟!‬

‫عرفونَكم ما تنكرون[‪ ،]212‬وينكرون عليكم ما تَعرفون[‪،]219‬‬
‫وقال ‪ ":‬سيليكم أمراءٌ بعدي ي ِّ‬

‫أدرك ذلك منكم‪ ،‬فال طاعةَ لمن عصى اهلل "[‪.]2 0‬‬
‫فمن َ‬

‫دخل عليهم فصدقَهم بكذبهم‪،‬‬
‫وقال ‪ ":‬اسمعوا‪ ،‬هل سمعتهم أنه سيكون بعدي أمراءٌ فمن َ‬
‫وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه‪ ،‬وليس ٍ‬
‫بوارد علي الحوض‪ ،‬ومن لم يَدخ ْل عليهم ولم‬
‫َ‬
‫‪2 2‬‬
‫يع ْنـهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه‪ ،‬وهو وارٌد علي الحوض"[ ]‪.‬‬

‫وقال ‪ ":‬أال إنها ستكون بعدي أمراء يظلمون ويَكذبون‪ ،‬فمن صدقَـهم بكذبهم‪،‬‬
‫وماألهم[‪ ]2 1‬على ظلمهم‪ ،‬فليس مني‪ ،‬وال أنا منه‪ ،‬ومن لم يصدِّقهم بكذبهم‪ ،‬ولم يمالئهم على‬
‫ظلمهم‪ ،‬فهو مني وأنا منه "[ ‪.]2‬‬

‫ومن اعتزلهم َسلم‪ ،‬ومن خالَطَهم‬
‫وقال ‪ ":‬سيكون أمراء تَعرفون وتنكرون‪ ،‬فمن ناب َذهم نجا‪َ ،‬‬
‫هلَك "[ ‪.]2‬‬
‫ٍ‬
‫ض بباطله حقاً‪ ،‬فقد بَرئ من ذمة اهلل ‪ ‬وذمة‬
‫وقال ‪َ ":‬من أَعا َن ظالماً‬
‫بباطل ليدح َ‬

‫رسوله"[‪.]2 5‬‬

‫‪ 210‬رواه الطبراني‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪. 50 :‬‬

‫‪ 212‬أي ما تنكرون من الباطل الذي يخالف دينكم‪.‬‬
‫‪ 219‬من الحق الذي يوافق دينكم‪.‬‬
‫‪0‬‬

‫‪ 2‬رواه الحاكم‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.590 :‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ 2‬أي طاوعهم ووافقهم‪.‬‬

‫‪2 2‬‬

‫صحيح سنن الترمذي‪:‬‬

‫‪.22‬‬

‫‪ 2‬أخرجه أحمد‪ ،‬صحيح الترغيب‪:‬‬
‫‪5‬‬

‫‪.11‬‬

‫‪ 2‬رواه الطبراني‪ ،‬صحيح الجامع‪. 222 :‬‬
‫‪ 2‬السلسلة الصحيحة‪.2010 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪101‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ازداد من اهلل‬
‫وقال ‪ ":‬من أتى‬
‫ازداد أح ٌد من ُّ‬
‫أبواب ُّ‬
‫السلطان قرباً‪ ،‬إال َ‬
‫السلطان افتت َن‪ ،‬وما َ‬
‫َ‬
‫بعداً "[‪ .]2 2‬وغيرها كثير من النصوص الشرعية التي تلزم باعتزال الطغاة الظالمين‪ ،‬وعدم طاعتهم‪،‬‬
‫والعمل معهم‪ ،‬وعندهم ‪ ..‬والتي تعني وفق التعبير المعاصر الشائع بـ " العصيان المدني "[‪.]2 0‬‬

‫ومستأمن‪ ،‬ومستخلَف‬
‫ـ آليـات تسـهل إقـالة احلـاكم‪ ،‬وإنهـاء حكمـه‪ :‬الحاكم موظّف‬
‫َ‬
‫من قبل األمة ‪ ..‬وفق ٍ‬
‫عقد بينهما‪ ،‬وبشرط طاعة اهلل ورسوله‪ ،‬وأن ال يخل بمهام وشروط عمله‬
‫ووظيفته ‪ ..‬فإن أخل ‪ ..‬استقال أو استقيل ‪ ..‬ولكي يتم ذلك بسالسة ويسر ‪ ..‬ونتفادى أزمات‬
‫الثورات والخروج المسلح ‪ ..‬وما يترتب على ذلك من مضار‪ ،‬وفتن‪ ،‬ودماء ‪ ..‬ال حرج شرعاً وعقالً‬
‫‪ ..‬من أن توضع اآلليات التي تلزم الحاكم بما تم التعاقد عليه بينه وبين الشعوب ‪ ..‬كما تلزمه ـ‬
‫بسهولة وسالم ـ باإلقالة في حال أخل بشروط العقد ‪ ..‬إذ ال يجوز أن نستسلم ألحد الخيارين إما شر‬
‫الحاكم وفساده‪ ،‬وإما شر قتاله والخروج عليه بالقوة ‪ ..‬وكأنهما فرضاً ال فكاك لألمة من أحدهما ‪..‬‬

‫فالشريعة اإلسالمية جاءت بتحقيق العدل‪ ،‬وجلب المصالح‪ ،‬ودفع المفاسد‪ ،‬وكل ما هو ضار ‪ ..‬كما‬
‫ٍ‬
‫وفساد في األرض ‪ ..‬فإذا وجدت‬
‫جاءت بقاعدة " سد الذرائع " لكل ما يؤدي إلى ظلم وفتنة‬
‫فثم شرع اهلل‪.‬‬
‫اآلليات التي تدفع عن األمة الشرين اآلنفي الذكر معاً ‪ّ ..‬‬

‫ـول اهلل ‪‬‬
‫أخرج مسلم في صـحيحه‪ :‬قـال المسـتورد القرشـي عنـد عمـرو بـن العـاص‪ ،‬سـمعت رس َ‬

‫يقول‪ ":‬تقوم الساعة والروم أكثـر النـاس "‪ ،‬فقـال لـه عمـرو‪ :‬أبصـر مـا تقـول؟ قـال‪ :‬أقـول مـا سـمعت مـن‬
‫رسول اهلل ‪ ،‬قال‪ ":‬لئن قلت ذلـك‪ ،‬إن فـيهم لخصـاالً أربعـاً‪ :‬إنهـم ألحلـم النـاس عنـد فتنـة‪ ،‬وأسـرعهم‬
‫إفاقــة بعــد مصــيبة‪ ،‬وأوشــكهم كــرة بعــد فـ ّـرة‪ ،‬وخيــرهم لمســكين ويتــيم وضــعيف‪ ،‬وخامســة حســنة جميلــة‪،‬‬

‫وأمنعهم من ظلم الملوك "‪.‬‬

‫وقول ــه " وأم ــنعهم مـ ــن ظل ــم المل ــوك "؛ أي يمنعـ ــون الش ــعوب م ــن ظلـ ــم حك ــامهم وملـ ــوكهم ‪..‬‬
‫فيحيطون الحكام والملوك بجملة من القيود‪ ،‬والقوانين‪ ،‬واآلليات ‪ ..‬التي تمنعهم من ظلمهـم الشـعوب‬

‫‪2‬‬

‫‪ 2‬رواه أحمد‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.2101 :‬‬

‫‪ 2 0‬كتبت مقالة بعنوان " دعوة إلى العصيان المدني "‪ ،‬وهي منشورة في موقعي‪ ،‬قبل عشر سنوات تقريباً‪ ،‬بتاريخ‬
‫‪ 1001/2/2‬م ‪ ..‬حتى ال يقال أننا اهتدينا إلى هذا األسلوب أو الوسائل في زمن الثورات العربية اإلسالمية‬
‫المعاصرة!‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪102‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫‪ ..‬فضالً عن أن يستمر ظلمهم للشعوب ‪ ..‬وهذه صفة يقول عنها الصحابي عمرو بـن العـاص ‪ ‬بأنـه‬
‫" حسنة جميلة "‪.‬‬

‫وإذا كــان روم النصــارى قــد هــدتهم عقــولهم‪ ،‬وتجــاربهم ‪ ..‬إلــى هــذه اآلليــات التــي تمنــع الملــوك‬
‫والحكــام مــن ظلــم شــعوبهم ـ فســادوا بــذلك الــبالد والعبــاد ـ فمــا الــذي يمنعنــا نحــن المســلمين مــن‬
‫االهتـداء إلـى هـذه اآلليــات‪ ،‬ونحـن نملـك النقــل‪ ،‬والعقـل‪ ،‬والتجـارب ـ وإرث ضــخم مـن سـيرة الخلفــاء‬
‫الراشدين المهديين ـ وبخاصة أن دفع الظلم عن الشعوب‪ ،‬مطلب عظـيم مـن مطالـب ديننـا وشـريعتنا ‪..‬‬
‫ُ ُذ ذ ُ ً َ‬
‫َََ ْ‬
‫ـد َب َعثْ َ‬
‫ل أمـ ٍة رسـوال أ ِن‬
‫ِف‬
‫ـا‬
‫ن‬
‫وغاية مـن غايـات بعـث األنبيـاء والرسـل ‪ ..‬كمـا قـال تعـالى‪ :‬ولق‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ََ ْ َ ُْ ْ ذ ُ‬
‫ْ‬
‫ُُْ ْ ذ َ َْ ُ ْ ذ ُ َ‬
‫وت َو ُيـؤمِن‬
‫الطاغوت ‪‬النحل‪ . 2:‬وقـال تعـالى‪ :‬فمن يكفر ِب‬
‫اعبدوا اَّلل واجتنِبوا‬
‫الطـاغ ِ‬
‫َ َ َ‬
‫َ َ ْ َ ْ َ َ ْ ُ ْ َ ُْ ْ َ َ‬
‫ُّ‬
‫َ‬
‫بِاَّلل ِ فق ِد استمسك بِالعروة ِ الوث َ‬
‫ام ل َها َواَّلل َس ِميع عل ِيم ‪‬البقرة‪.152:‬‬
‫َق ال انفِص‬
‫وقــال ربعــي بــن عــامر ‪ ‬لرســتم قائــد الفــرس‪ :‬إ ّن اهلل ابتعثنــا لنخــرج العبــاد مــن عبــادة العبــاد إلــى‬

‫عبادة رب العباد‪ ،‬ومن ضيق الدنيا إلى َسعة اآلخرة‪ ،‬ومن جور األديان إلى عدل اإلسالم‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬ما هذه اآلليات ‪..‬؟‬

‫أقــول‪ :‬كــل آليــة ســلمية تمنــع الحكــام مــن ظلــم الشــعوب‪ ،‬واســتمرار ظلمهــم ‪ ..‬يمكــن اعتمادهــا‬
‫وتفعيلهــا ‪ ..‬فعلــى ســبيل المثــال ال الحصــر‪ :‬كإصــدار قــانون ملــزم يم ّكــن ممثلــي األمــة مــن أهــل الحــل‬
‫والعقد‪ ،‬أن يقيلوا الحاكم لو اجتمعوا على إقالته‪ ،‬وفقدان شرعيته‪.‬‬

‫ومنها‪ :‬إيجاد آلية تمكن من عرض الحاكم على الشعوب المسلمة‪ ،‬والتصويت عليـه؛ مـن يريـده‪،‬‬
‫ومن ال يريده ‪ ..‬ثم تكون األكثرية ملزمة ‪ ..‬وهذا من الشورى والعمل بها‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬تحديد فترة زمنية لحكمه ‪ ..‬تقدر بخمس سنوات أكثر أو أقل ‪ ..‬ثم بعـد ذلـك ‪ ..‬يع َـرض‬

‫على األمة والشعوب لتقول رأيها فيه وفي عمله ‪ ..‬من يريد أن يجدد له الوالية ومـن ال يريـد‪ ،‬بنـاء علـى‬
‫ما قدم من عمل‪.‬‬

‫ومنها‪ :‬إيجاد الهيئات والنقابات الحقوقية المستقلة التي تراقب الحاكم وطريقـة أدائـه ‪ ..‬وتسـائله‬
‫لو فرط بحقوق الشعوب‪ ،‬أو بشروط واليته!‬
‫قصـر أو أخـل‬
‫ومنها‪ :‬نزاهة القضاء واستقالليته ‪ ..‬الذي يملـك القـدرة علـى محاسـبة الحـاكم ـ لـو ّ‬

‫بشروط الحكم ـ كما يحاسب المحكوم‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪103‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ومنهــا‪ :‬التظــاهرات الســلمية المر ّشــدة ـ الخاليــة مــن الشــغب والعنــف والتخريــب ـ التــي تمكــن‬

‫الشعوب من التعبير عن إرادتهم‪ ،‬ومشاعرهم‪ ،‬وآرائهم تجاه الحاكم وسياساته‪.‬‬

‫ومنها‪ :‬تفقيه الشعوب بدورهم الرقابي على أداء وسياسـة الحكـام ‪ ..‬وبالتـالي دورهـم الرئيسـي فـي‬
‫المحاسبة وتقويم المنكر واالعوجاج‪ ،‬العام والخاص سواء‪.‬‬
‫فهــذه اآلليــات وغيرهــا ‪ ..‬تحــد مــن ديكتاتوريــة وظلــم واســتبداد الحــاكم ‪ ..‬وتســهل علــى األمــة‬
‫محاسبة الحاكم‪ ،‬وإقالته لو اقتضى األمر ذلك ‪ ..‬من غير ضرر أو مفسدة‪.‬‬
‫والخبــراء مــن العلمــاء والساســة‪ ،‬والمثقفــين ‪ ..‬علــيهم أن يبــدعوا الوســائل واآلليــات ـ التــي ال‬
‫تتعارض مع تعاليم وقيم اإلسـالم ـ التـي تعـين علـى تحقيـق هـذا الهـدف ‪ ..‬وتجنـب األمـة ويـالت وشـرور‬
‫الصبر على فساد وظلم الطغاة‪ ،‬وفساد وشر الخروج عليهم بالسالح[‪.]2 2‬‬

‫ـ طـاعـة مرَشَّـدة واعيـة‪ :‬طاعة الحاكم المسلم ليست طاعة سلبية مطلقة ـ في الحق والباطل‬
‫سواء ـ كما يفهم البعض ‪ ..‬بل هي طاعة مر ّشدة واعية‪ ،‬تقوم على ركنين‪:‬‬

‫أولهمـا‪ :‬أن تكــون الطاعـة فــي المعـروف‪ ،‬وفيمــا يوافـق الحــق ‪ ..‬ومـا ســوى ذلـك فــال طاعـة لــه فــي‬
‫معصــية اهلل‪ ،‬كمــا فــي الحــديث‪ ،‬فقــد صــح عــن النبــي ‪ ‬أنــه قــال‪ ":‬مــن أمــركم مــن الــوالة بمعصـ ٍ‬
‫ـية فــال‬
‫َ‬
‫تطيعوه "[‪.]2 9‬‬
‫وقـال ‪ ":‬طاعــة اإلمــام حـ ٌّـق علـى المــرء المســلم‪ ،‬مــالم يـأمر بمعصــية اهلل ‪ ،‬فــإذا أمـ َـر بمعصــية‬

‫اهلل فال طاعةَ له "[‪.]2 0‬‬

‫وقال ‪ ":‬ال طاعة في معصية اهلل‪ ،‬إنما الطاعة في المعروف " متفق عليه‪.‬‬
‫وعــدم طاعــة الحــاكم المســلم ومتابعتــه فيمــا فيــه معصــية هلل ‪ .. ‬ال يلــزم منــه نــزع مطلــق الطاعــة‬

‫منه‪ ،‬أو الخروج عليه بالقوة ‪ ..‬كما أن القول بوجوب طاعته فـي المعـروف‪ ،‬وعـدم الخـروج عليـه بـالقوة‬
‫‪ ..‬ال يلزم منه طاعته في الباطل وفيما فيه معصية هلل‪.‬‬
‫‪2 2‬‬

‫من طغاة الحكم والظلم المعاصرين يتصرف كمالك للبالد والعباد ‪ ..‬ولكي تزحزحه عن الحكم والملك ‪..‬‬

‫يحتاج إلى ثورات ‪ ..‬وإلى أن تجتمع عليه األمم والشعوب العربية واألعجمية ‪ ..‬حتى يقال ‪ ..‬ثم بعد ذلك ال يقال‬

‫ويأبى إال القتال واإلفساد ‪ ..‬وإدخال البالد والعباد في أنفاق مظلمة ‪ ..‬يعرضها لالستعمار والتدخالت األجنبية‬
‫المغرضة ‪ ..‬وذلك كله بسبب غياب اآلليات الملزمة للحاكم والمحكوم سواء ‪ ..‬وقد تقدم ذكر بعضها أعاله‪.‬‬

‫‪9‬‬
‫‪0‬‬

‫‪ 2‬رواه أحمد‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬وابن حبان‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.1 1 :‬‬
‫‪ 2‬السلسلة الصحيحة‪.051 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪104‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ثانيهما‪ :‬المراقبة‪ ،‬والمناصحة‪ ،‬والمحاسـبة ‪ ..‬فعـدم الخـروج علـى الحـاكم المسـلم ‪ ..‬ال يعنـي أن‬
‫تترك مراقبته‪ ،‬ونصحه‪ ،‬ومحاسبته ‪ ..‬ومساءلته ‪ ..‬أو أن تصدع بالحق في وجهه ‪ ..‬لو وقـع فـي الباطـل‪،‬‬
‫وأصر عليه‪ ،‬كما في الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬أحـب الجهـاد إلـى اهلل كلمـة ح ٍّـق تقـال‬

‫حق عند سلطان جائر "[‪.]2 1‬‬
‫إلمام جائر "[‪ .]2 2‬وقال ‪ ":‬أفضل الجهاد كلمة ٍّ‬
‫وق ــال ‪ ":‬س ــيد الش ــهداء حم ــزة ب ــن عب ــد المطل ــب‪ ،‬ورج ــل ق ــام إل ــى إم ـ ٍـام ج ــائ ٍر ف ــأمره ونه ــاه‬

‫فقتله"[ ‪.]2‬‬

‫ـكن اهلل أن يبعــث‬
‫وقــال ‪ ":‬والــذي نفســي بيــده لتــأمرن بــالمعروف ولتنهــون عــن المنكــر‪ ،‬وليوشـ ّ‬

‫عليكم عقاباً منه فتدعونه فال يستجيب لكم "[ ‪.]2‬‬

‫ـول بح ٍّـق إذا علمـه‪ ،‬فإنـه ال يقـرب مـن أج ٍـل وال يبعـد‬
‫وقال ‪ ":‬ال يمنعن رجـالً هيبـة النـاس أن يق َ‬

‫من رزق "[‪.]2 5‬‬

‫وعن عبادة بن الصامت قـال‪ :‬بايَـ َعنـا رسـول اهلل علـى أن نقـول بـالحق أينمـا كنـا ال نخـاف فـي اهلل‬
‫لومةَ ٍ‬
‫الئم " متفق عليه‪.‬‬
‫وقـ ــال ‪ ":‬الـ ــدين النصـ ــيحة "‪ ،‬قلنـ ــا لمـ ــن؟ قـ ــال‪ ":‬هلل‪ ،‬ولكتابـ ــه‪ ،‬ولرسـ ــوله‪ ،‬وألئمـ ــة المسـ ــلمين‬

‫وعامتهم " مسلم‪.‬‬
‫ومناصحة الحكام أو الصدع بالحق فـي وجـوهم ال يلـزم منـه الخـروج علـيهم بـالقوة ‪ ..‬إذ ال تـالزم‬
‫بــين الصــدع بــالحق فــي وجــوه الــوالة‪ ،‬إذا مــا اســتدعى األمــر ذلــك ‪ ..‬وبــين الخــروج علــيهم بــالقوة‪ ،‬كمــا‬
‫يفهم ويظن البعض!‬
‫ـ كيفية نصح الوالة‪ ،‬وأمرهم باملعروف‪ ،‬ونهـيهم عـن املنكـر‪ :‬اعلـم أن الغـرض مـن نصـح‬
‫الــوالة‪ ،‬وأمــرهم بــالمعروف ونهــيهم عــن المنكــر ‪ ..‬هــو إزالــة الخطــأ والمنكــر ‪ ..‬وحملهــم علــى طاعــة اهلل‬
‫ورس ــوله ‪ ‬ف ــي حكمه ــم لل ــبالد والعب ــاد ‪ ..‬ول ــيس التش ــهير أو التنق ــيص بأشخاص ــهم ‪ ..‬وال ــذي ق ــد‬
‫‪2‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ 2‬أخرجه أحمد‪ ،‬والطبراني‪ ،‬صحيح الجامع‪.222:‬‬

‫‪ 2‬أخرجه أبو داود‪ ،‬والترمذي‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪. 92:‬‬
‫‪ 2‬أخرجه الحاكم‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪. 92:‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ 2‬صحيح سنن الترمذي‪.2021:‬‬

‫‪ 2‬أخرجه أحمد‪ ،‬والترمذي‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.222:‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪105‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫يحملهم على االنتصار للـنفس ‪ ..‬والمضـي فـي خطـأهم وبـاطلهم ‪ ..‬وظلمهـم ‪ ..‬فنكـون بـذلك قـد أعنـا‬
‫الشيطان عليهم ‪ ..‬وزدنا المنكر منكراً ‪ ..‬وهذه ليست بطريقة شرعية!‬
‫فإن قيل‪ :‬كيف يكون نصحهم‪ ،‬وتذكيرهم ‪ ..‬وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر؟‬

‫أقول‪ :‬ينظر إلى نوع خطأ الحاكم‪ ،‬فإن كان خطأه مقصوراً على نفسه‪ ،‬وسلوكه الشخصي‪ ،‬أو‬
‫ٍ‬
‫اجتهاد خاطئ مستساغ ‪ ..‬فالواجب في‬
‫كان له عالقة بمصالح البالد والعباد‪ ،‬لكنه صدر عنه عن‬
‫هاتين الحالتين‪ :‬أن تكون المناصحة سرية بين الناصح والحاكم ‪ ..‬بعيداً عن التشهير والتنقيص ‪..‬‬
‫اد أن‬
‫وبرفق وحكمة ‪ ..‬فذلك أدعى للقبول‪ ،‬كما في الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬من أر َ‬
‫ينصح لذي سلطا ٍن فال يبده عالنيةً‪ ،‬ولكن يأخذ بيده فيخلو به‪ ،‬فإن قَبل منه فذاك‪ ،‬وإال كان قد أدى‬
‫َ‬
‫‪2 2‬‬
‫الذي عليه "[ ]‪.‬‬
‫ٍ‬
‫سلطان فليأخ ْذ بيده‪ ،‬فليخلو به‪ ،‬فإن قَبلَها قَبلَها‪ ،‬وإن‬
‫وقال ‪ ":‬من كانت عنده نصيحةٌ لذي‬

‫ردها كان قد أدى الذي عليه "[‪.]2 0‬‬

‫أما إن كان خطأه عاماً مما ال يستساغ فيه االجتهاد ‪ ..‬ثم كان مصراً عليه‪ ،‬ومجاهراً به ‪ ..‬يحمل‬
‫ٍ‬
‫فحينئذ يكون اإلنكار عليه بالسر والعلن سواء ‪ ..‬وفي حضرته‬
‫الناس عليه بالقوة ‪ ..‬ويعاقب عليه ‪..‬‬
‫‪ ..‬وأمام الناس تحذيراً للناس من فتنته ‪ ..‬وفتنة متابعته في الباطل ـ وبخاصة إن تعسرت مناصحته‬
‫سراً‪ ،‬وكان بينه وبين نصيحة الناصحين أبواب مؤصدة‪ ،‬وحواجز وسالسل ـ كما في مسألة خلق القرآن‬

‫‪ ..‬فقد أنكر اإلمام أحمد رحمه اهلل على خلفاء زمانه بالسر والعلن ‪ ..‬وفي حضرتهم وأمام الناس ‪..‬‬
‫محذراً الناس من مغبة وخطورة متابعة الوالة أو طاعتهم فيما يدعون إليه‪ ،‬ويحملون الناس عليه بالقوة!‬

‫وقــد نق ــل أب ــو يعل ــى ف ــي " األحك ــام الس ــلطانية "ص‪ ،10‬ع ــن اإلم ــام أحم ــد رحم ــه اهلل قول ــه ف ــي‬

‫المأمون‪ :‬وأي بالء كان أكبر من الذي كان أحدث عدو اهلل وعدو اإلسالم من إماتة للسنة ‪..‬؟!‬
‫وكان إذا ذكر المأمون يقول‪ :‬كان ال مأمون ‪..‬ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫وكذلك إنكار السلف الصالح على ظلم الحجاج وأعماله المشينة ‪ ..‬فقد نقل عن بعضهم لعنه‪،‬‬
‫والدعاء عليه‪ ،‬واآلثار في ذلك كثيرة‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫‪0‬‬

‫‪ 2‬رواه أحمد‪ ،‬وابن أبي عاصم في السنة‪ ،‬وصححه الشيخ ناصر في التخريج‪.2092 :‬‬
‫‪ 2‬رواه احمد‪ ،‬وابن أبي عاصم في السنة‪ ،‬وصححه الشيخ ناصر في التخريج‪.2092 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪106‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وفي الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬شرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم‪،‬‬
‫رسول اهلل أفال ننابذهم عند ذلك؟ قال‪":‬ال‪ ،‬ما أقاموا فيكم‬
‫وتلعنونهم ويلعنونكم " قالوا‪ :‬قلنا يا‬
‫َ‬
‫الصالة ‪ "..‬مسلم‪ .‬فعدم منابذتهم بالقوة والسيف ‪ ..‬لم يمنع من بغضهم ولعنهم إذا ما توفر فيهم‬

‫موجبات البغض واللعن‪.‬‬
‫ـ حَــل املنـازعــات‪ :‬قد تحصل منازعات وخالفات بين الحاكم والمحكوم ‪ ..‬بين الحاكم‬
‫والشعب ‪ ..‬وبين الحكام أنفسهم بعضهم مع بعض ‪ ..‬وبين األمراء‪ ،‬والعلماء ‪ ..‬فكيف ت َحل هذه‬
‫رجع إليها فيما قد يتم فيه التنازع؟‬
‫المنازعات‪ ،‬وما هي المرجعية التي ي َ‬

‫أقول‪ :‬جميع المنازعات يجب أن تـ َرد إلى حكم اهلل تعالى وشرعه؛ إلى الكتاب والسنة ‪ ..‬كما‬
‫َ ُ‬
‫ُ َ‬
‫َ َ ُّ َ ذ َ َ ُ ْ َ ُ ْ ذ‬
‫َْ‬
‫اَّلل َوأَط ُ‬
‫ِيعوا ْ ذ‬
‫الر ُسول َوأ ْو َِّل اْلمرِ مِنك ْم فإِن‬
‫قال تعالى‪ :‬يا أيها اَّلِين آمنوا أطِيعوا‬
‫ََ َ ْ‬
‫ازعتُ ْم‪‬؛ أي إن تنازع أولو األمر فيم بينهم بعضهم مع بعض ‪ ..‬أو بين أولي األمر والشعوب ‪ِِ ‬ف‬
‫تن‬
‫َش ٍء ‪‬؛ أي شيء‪ ،‬نكرة تفيد العموم؛ أي أي شيء تتنازعون فيه من أمور دينكم ودنياكم ‪ ‬فَ ُر ُّدوهُ‬
‫َ ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُْ َ‬
‫إ ََل اَّلل ِ َو ذ‬
‫الر ُسو ِل ‪‬؛ أي إلى الكتاب والسنة ‪ ‬إِن كنتُ ْم تؤمِنُون بِاَّلل ِ َواِلَ ْو ِم اآلخ ِِر ‪‬؛ أي إن‬
‫ِ‬
‫كنتم حقاً تؤمنون باهلل واليوم اآلخر تردون منازعاتكم إلى الكتاب والسنة ‪ ..‬فإن لم تفعلوا ‪ ..‬وأبيتم‬
‫إال أن تردوا منازعاتكم‪ ،‬وما اختلفتم فيه لغير الكتاب والسنة ‪ ..‬فأنتم لستم بمؤمنين ‪ ..‬حتى لو‬

‫زعمتم بلسانكم أنكم مؤمنون ‪ ..‬فإعراضكم عن التحاكم إلى الكتاب والسنة إلى ما سواهما يكذب‬
‫َ َ َ ْ ََ ْ َ ُ َْ ً‬
‫زعمكم بأنكم مؤمنون ‪ ‬ذل ِك خري وأحسن تأوِيَل ‪‬النساء‪ .59:‬أي إن رددتم منازعاتكم إلى‬
‫الكتاب والسنة‪ ،‬لتستخرجوا منهما حالً وحكماً لما تم فيه التنازع‪ ،‬ذلك خير لكم في دينكم ودنياكم‪،‬‬

‫وآخرتكم‪ ،‬وأحسن عاقبة ومآالً‪.‬‬
‫َ َ َ َ َ َ ُْ ُ َ َ ذَ َُ ُ َ َ َ َ َ ََُْ ْ ُ ذ َ َ ُ ْ‬
‫َيدوا‬
‫وكذلك قوله تعالى‪ :‬فَل وربِك ال يؤمِنون حَّت ُيكِموك فِيما شجر بينهم ثم ال ِ‬
‫َ ُ ْ َ َ ً ذ َ َ ْ َ ََُ ُ ْ َْ ً‬
‫س ِهم حرجا مِما قضيت ويسل ِموا تسل ِيما ‪‬النساء‪ .25:‬يقسم الرب ‪ ‬بنفسه المقدسة‪،‬‬
‫ِِف أنف ِ‬
‫أنه ال يتحقق اإليمان للناس حتى يحكموا محمداً ‪ ‬فيما قد تشاجروا به ـ والتحاكم إلى النبي ‪‬‬
‫بعد وفاته يكون بالتحاكم إلى الكتاب والسنة ـ ثم ال يكفي أن يتحاكموا إلى النبي ‪ ‬وما جاء به من‬

‫عند ربه ‪ .. ‬إذ يجب أن يتبعوا تحاكمهم بالرضى والتسليم ـ ظاهراً وباطناً ـ وانتفاء الحرج‪،‬‬
‫َ ُّ َ ْ ُ ُ َ ُ َ َ ُ ْ‬
‫والممانعة‪ ،‬والمدافعة‪ ،‬وأدنى درجات التعقيب‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬واَّلل ُيكم ال مع ِقب ِ‬
‫ْلك ِمهِ‪‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪107‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ذَ ذ‬
‫ذُ‬
‫ذ‬
‫آمنُوا َال ُت َقد ُِموا َب ْ َ‬
‫ِين َ‬
‫الرعد‪ . 2:‬وقال تعالى‪ :‬يَا َأ ُّي َها ذاَّل َ‬
‫ني ي َ َد ِي اَّلل ِ َو َر ُس ِ‬
‫اَّلل إِن‬
‫وَل ِ َواتقوا‬
‫َ‬
‫َ َْ‬
‫َ َ ُّ َ ذ َ َ ُ َ َ ْ َ ُ َ ْ َ َ ُ‬
‫َ‬
‫ذَ‬
‫ك ْم فَ ْو َق َص ْ‬
‫ت انلذ‬
‫ب َوال َت َه ُروا َُل‬
‫و‬
‫اَّلل َس ِميع عل ِيم * يا أيها اَّلِين آمنوا ال ترفعوا أصوات‬
‫ِ‬
‫ِِ‬
‫َ ْ ُ ُ َ َ َْ‬
‫َْ‬
‫َ‬
‫َ َْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫َ َ ْ ْ‬
‫ضك ْم ْلِ َع ٍض أن َتبَ َط أع َمالك ْم َوأنتُ ْم ال تش ُع ُرون ‪‬الحجرات‪.1-2:‬‬
‫بِالق ْو ِل كجهرِ َبع ِ‬
‫فإذا كان رفع الصوت ـ مجرد رفع الصوت ـ فوق صوت النبي ‪ ‬قد يكون مدعاة وسبباً لحبوط‬
‫َ ُ َ‬
‫َ ْ َْ َْ َ َ ْ‬
‫ت ِلَح َب َط ذن ع َملك‬
‫العمل‪ ،‬وال يحبط العمل إال الكفر والشرك‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬لئِن أِشك‬
‫َ ََ ُ َ ذ َ ْ‬
‫اْلَ‬
‫اِس َ‬
‫ين ‪ ‬الزمر‪ .25:‬فكيف بمن يرفع حكمه فوق حكم اهلل ورسوله ‪ .. ‬ال‬
‫وتلكونن مِن‬
‫ِ ِ‬
‫شك أنه أولى بالشرك‪ ،‬وحبوط العمل‪.‬‬

‫هذا هو الح َكم‪ ،‬وهذا هو الميزان الذي يجب االتفاق عليه‪ ،‬والرجوع إليه ‪..‬‬
‫فإن قيل‪ :‬ما هي اآلليات التي يمكن اعتمادها في التحاكم إلى الكتاب والسنّة ‪..‬؟‬
‫أقول‪ :‬هناك آليات عدة‪ :‬منها القضاء المستقل والنزيه‪ .‬ومنها‪ :‬المجالس التي تمثل األمة‬
‫كمجالس الشورى ونحوها التي تضم وتجمع أهل الحل والعقد من العلماء الذين يمثلون األمة‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬النقابات والجمعيات والمنظمات المدنية والحقوقية‪ ،‬التي تمارس دورها في المراقبة‬
‫والمساءلة‪ .‬ومنها‪ :‬الص حافة ووسائل اإلعالم‪ ،‬والتي بات لها نوع ضغط وأثر على أطراف النزاع‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬الشعوب ذاتها إن اقتضى األمر ذلك ‪ ..‬فتعبر عن رأيها وحكمها في األشياء والمنازعات على‬
‫ضوء الكتاب والسنة ‪ ..‬وقد يكون ذلك من خالل االعتصامات‪ ،‬والتظاهرات ‪ ..‬فتشكل بذلك‬
‫ضغطاً وأثراً إيجابياً على أطراف النزاع ‪ ..‬شريطة أن ال تخرج في اعتصاماتها وتظاهراتها عن اآلداب‬
‫المطلوبة والمشروعة إلى العنف‪ ،‬والتخريب‪ ،‬واالعتداء على الممتلكات العامة والخاصة ‪ ..‬وأن يكون‬

‫تظاهرها لغرض مشروع‪ ،‬قد أقرته الشريعة‪.‬‬
‫خالصة القول‪ :‬أن اآلليات التي من خاللها يمكن تفعيل عملية التحاكم إلى الكتاب والسنة‬
‫كثيرة ‪ ..‬ال مشاحة فيها ما التزمت باآلداب الشرعية‪ ،‬وردت المنازعات إلى الميزان والحكم المتفق‬
‫عليه؛ أال وهو كتاب اهلل ‪ ،‬وسنة نبيه ‪.‬‬
‫ـ حقـوق وواجبـات احلـاكـم‪ :‬للحاكم المسلم العدل كما عليه واجبات نحو رعيته وأمته‪،‬‬
‫والتي منها أن يسوسهم بالعدل‪ ،‬والسوية‪ ،‬والرفق‪ ،‬فيحكم فيهم بما أنزل اهلل ‪ ..‬ويحيطهم بنصحه‬
‫ورعايته‪ ،‬ويسهر على أمنهم وراحتهم‪ ،‬وسالمتهم ‪ ..‬فيسوق لهم المصالح‪ ،‬ويدفع عنهم المفاسد‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪108‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫واألخطار ‪ ..‬وينصف ضعيفهم من قويهم‪ ،‬وفقيرهم من غنيهم ‪ ..‬ويحمي ثغورهم‪ ،‬ويقاتل دونهم‪،‬‬
‫ودون أوطانهم وديارهم إذا ما داهمهم العدو ‪ ..‬فهي من هذا الوجه مسؤولية وأمانة‪ ،‬ورعاية وخدمة‪،‬‬
‫ٌ‬
‫مسؤول عن‬
‫وتكليف‪ ،‬كما في الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ " :‬أال كلُّكم ر ٍاع‪ ،‬وكلكم‬

‫رعيته؛ فاإلمام األعظم الذي على الناس ر ٍاع وهو َم ٌ‬
‫سؤول عن رعيته " متفق عليه‪.‬‬
‫وقال ‪ ":‬ما من ٍ‬
‫عبد يَسترعيه اهلل رعيةً‪ ،‬فلَم يحطْها بنصحه لم يج ْد رائح َة الجنة "متفق عليه‪.‬‬
‫وقال ‪ "‬ما من ٍ‬
‫غاش لهم إال حرَم اهلل عليه الجن َة "‬
‫وال يَلي رعي ًة من المسلمين فيموت وهو ٌّ‬
‫متفق عليه‪ .‬ومن الغش أن يزبن لهم المنكر‪ ،‬والحكم بالقوانين والشرائع الوضعية‪ ،‬وأن يخذل‬
‫المعروف‪ ،‬والحكم بما أنزل اهلل‪.‬‬
‫وقال ‪ُّ ":‬‬
‫جائر "[‪.]2 2‬‬
‫يوم القيامة عذاباً‪ٌ ،‬‬
‫أشد الناس َ‬
‫إمام ٌ‬

‫الرعاء الحطَ َمة [‪ "]2 9‬مسلم‪.‬‬
‫وقال ‪ ":‬إن َشر ُّ‬
‫وقال ‪ ":‬إنما اإلمام جنةٌ‪ ،‬يقاتَل من ورائه‪ ،‬ويـتـ َقى به‪ ،‬فإن َأم َر بتقوى اهلل وع َد َل فإن له بذلك‬
‫أجراً‪ ،‬وإن أمر بغيره فإن عليه وزراً " متفق عليه‪ .‬وقوله " اإلمام جنة "؛ أي ٍ‬
‫واق تحتمي وتتقي به الناس‬
‫َ‬

‫من العدو وسهامه‪.‬‬

‫ٍ‬
‫وقال ‪ ":‬ما من ٍ‬
‫عشرة فما فوق ذلك‪ ،‬إال أتى اهللَ َمغلوالً ي َده إلى عنقه‪ ،‬فَكه‬
‫أمر‬
‫رجل يلي َ‬
‫يوم القيامة "[‪.]250‬‬
‫زي َ‬
‫وأوسطها ندامةٌ‪ ،‬وآخرها خ ٌ‬
‫ُّبره‪ ،‬أو أوث َقه إثمه‪ ،‬أولها مالمةٌ‪َ ،‬‬
‫يدخل معهم الجنة "‬
‫أمر المسلمين‪ ،‬ثم ال يجهد لهم ويَنصح‪ ،‬إال لم‬
‫ْ‬
‫وقال ‪ ":‬ما من أمي ٍر يلي َ‬

‫مسلم‪.‬‬

‫ولي من أمر أمتي‬
‫ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشق ْق عليه‪َ ،‬‬
‫ومن َ‬
‫وقال ‪ ":‬اللهم من َ‬
‫شيئاً فرفَ َق بهم‪ ،‬فارف ْق به " مسلم‪.‬‬
‫وقال ‪ ":‬إن الم ْقسطين عن َد اهلل على منابر من نوٍر عن يمين الرحمن‪ ،‬وكلتا يَ َديه يمين‪ ،‬الذين‬
‫يَعدلون في حكمهم‪ ،‬وأهليهم‪ ،‬وما ولُّوا " مسلم‪.‬‬

‫‪2‬‬
‫‪9‬‬

‫‪ 2‬رواه الطبراني في األوسط‪ ،‬وأبو يعلى في مسنده‪ ،‬صحيح الجامع‪.2002 :‬‬
‫‪ 2‬الذي يظلم الرعية ويبطش بهم‪ ،‬ويسلك معهم مسلك العنف والشدة‪.‬‬

‫‪ 250‬رواه أحمد‪ ،‬صحيح الجامع‪.5022 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪109‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ٍ‬
‫سلطان‬
‫وعن عياض بن حماد‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول اهلل ‪ ":‬أهل الجنة ثالثةٌ ـ منهم ـ‪ :‬ذو‬
‫ط[‪ ]252‬م ِّ‬
‫تصد ٌق موف ٌق ‪.]251[" ..‬‬
‫مقس ٌ‬
‫إمام أو ٍ‬
‫وقال ‪ ":‬ما من ٍ‬
‫أغلق‬
‫الحاجة وال َخلة[ ‪]25‬‬
‫وال يغلق بابَه دو َن َذوي‬
‫والمس َكنَة‪ ،‬إال َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ومسكنته "[ ‪.]25‬‬
‫اهلل َ‬
‫وحاجته‪َ ،‬‬
‫أبواب السماء دو َن َخلته‪َ ،‬‬
‫ب دو َن َخلتهم‪ ،‬وحاجتهم‪ ،‬وفقرهم‪،‬‬
‫وقال ‪َ ":‬من ول َي من أمور المسلمين شيئاً‪،‬‬
‫َ‬
‫فاحتج َ‬
‫وحاجته‪ ،‬وفاقته‪ ،‬وفَقره "[‪.]255‬‬
‫ب اهلل عنه َ‬
‫وفاقتهم‪َ ،‬‬
‫يوم القيامة دو َن َخلته‪َ ،‬‬
‫احتج َ‬
‫احتجب اهلل عنه‬
‫فاحتجب عن أولي الضعف والحاجة‪،‬‬
‫وقال ‪ ":‬من ول َي من أمر الناس شيئاً‬
‫َ‬
‫َ‬
‫يوم القيامة "[‪.]252‬‬
‫َ‬

‫ومن حسن رعايته لرعيته‪ ،‬أن ال يتجسس عليهم‪ ،‬وعلى مجالسهم‪ ،‬وسمرهم ـ كما يفعل الطغاة‬

‫ك‬
‫المستبدون ـ فيفسدهم‪ ،‬ويؤذيهم‪ ،‬وفي الحديث عن معاوية‪ ،‬قال‪ :‬سمعت َ‬
‫رسول اهلل ‪ ،‬يقول‪ ":‬إن َ‬
‫سمعها معاوية من‬
‫عت عورات الناس أفسدتَهم أو ك َ‬
‫إن اتـبَ َ‬
‫دت أن تـ ْفس َدهم "‪ .‬قال أبو الدرداء‪ :‬كلمةٌ َ‬

‫نفعه اهلل تعالى بها[‪.]250‬‬
‫رسول اهلل ‪َ ،‬‬

‫الريبَ َة في الناس أفس َدهم "[‪ .]252‬وانتفت الثقة الواجبة فيما‬
‫وقال ‪ ":‬إن‬
‫األمير إذا ابتغى ِّ‬
‫َ‬
‫بينهم!‬
‫ومما تقدم نعلم أن اإلمارة والوالية على الناس تكليف‪ ،‬وخدمة‪ ،‬ورعاية‪ ،‬وسهر‪ ،‬ومتابعة‪،‬‬
‫ومسؤولية عظيمة ‪ ..‬وليس تشريفاً ‪ ..‬يتبعه استعالء‪ ،‬واستمالك‪ ،‬وظلم للعباد!‬

‫أقوام أنهم كانوا معلقين بذوائبهم بالثريا‪ ،‬وأنهم لم يكونوا َولوا‬
‫ويل لألمراء! ليتمنين ٌ‬
‫قال ‪ٌ ":‬‬
‫شيئاً قط "[‪.]259‬‬
‫‪ 252‬أي عادل يحكم بالعدل‪ ،‬وينصف رعيته؛ فيؤدي ما لهم من الحقوق‪.‬‬
‫‪ 251‬رواه أحمد‪ ،‬ومسلم‪ ،‬صحيح الجامع‪.12 0 :‬‬
‫‪ 25‬الحاجة والفقر‪.‬‬

‫‪ 25‬رواه أحمد‪ ،‬والترمذي‪ ،‬والحاكم‪ ،‬صحيح الجامع‪.5225 :‬‬

‫‪ 255‬رواه أبو داود‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬والحاكم‪ ،‬صحيح الجامع‪.2595 :‬‬
‫‪ 252‬أخرجه أحمد وغيره‪ ،‬صحيح الترغيب‪.1109 :‬‬
‫‪ 250‬صحيح سنن أبي داود‪. 022 :‬‬
‫‪ 252‬صحيح سنن أبي داود‪. 029 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪110‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫يوم القيامة أن ذوائبَهم معلقةٌ‬
‫ويل لألمناء؛ ليتمنـيَن أقوامٌ َ‬
‫ويل للع َرفاء‪ٌ ،‬‬
‫ويل لألمراء‪ٌ ،‬‬
‫وقال ‪ٌ ":‬‬
‫بالثُّريا ي َدلْ َدلون بين السماء واألرض‪ ،‬وأنهم لم يَلوا عمالً "[‪.]220‬‬
‫وقال ‪ ":‬ما من أمير عشرةٍ‪ ،‬إال وهو يؤتَى به يوم القيامة َمغلوالً‪ ،‬حتى يَـفكه العدل‪ ،‬أو يوب َقه‬
‫الجور "[‪.]222‬‬
‫يوم القيامة؛‬
‫ندامةٌ‪ ،‬وثالثها‬
‫ٌ‬
‫عذاب َ‬
‫مالمةٌ‪ ،‬وثانيها َ‬
‫وقال ‪ ":‬إن شئتم أنبأتكم عن اإلمارة؛ أولها َ‬

‫إال َمن ع َدل "[‪.]221‬‬

‫ـ حقــوق احلـاكـم‪ :‬أما حقوقه على الناس‪ ،‬إن وفى لهم حقوقهم ‪ ..‬أن يطيعوه في المعروف‬

‫كما تقدم‪ ،‬وأن يحترموه‪ ،‬ويوقره‪ ،‬وأن ينصحوا له‪ ،‬وال يضمروا في أنفسهم عليه غشاً‪ ،‬وال خيانة‪ ،‬وال‬

‫غدراً ‪ ..‬فال يضمرون عليه إال خيراً ‪ ..‬في حضرته وغيابه سواء ‪ ..‬وأن يقاتلوا دونه‪ ،‬لو جاء من ينازعه‬

‫الحكم بقوة السالح ‪ ..‬وأن يذكروه بالخير وبما يجب عليه إذا ما نسي‪ ،‬ومن ثم يعينوه عليه ‪ ..‬وقد‬
‫جاء في ذلك نصوص عدة‪ ،‬منها قوله ‪ ":‬من خلَع يداً من ٍ‬
‫طاعة لقي اهللَ يوم القيامة ال حجة له‪،‬‬
‫‪22‬‬
‫ج من الطاعة‪،‬‬
‫خر َ‬
‫ومن مات وليس في عنقه بيعةً مات ميتةً جاهلية[ ]" مسلم‪ .‬وفي رواية‪ ":‬من َ‬

‫مات ميت ًة جاهليةً " مسلم‪.‬‬
‫فمات‪َ ،‬‬
‫الجماعة‪َ ،‬‬
‫وفار َق َ‬

‫آخر‬
‫بايع إماماً فأعطاه صف َقةَ يده‪ ،‬وثمرَة قلبه‪ ،‬فليطعه إن‬
‫َ‬
‫وقال ‪ ":‬من َ‬
‫استطاع‪ ،‬فإن جاء ٌ‬
‫ينازعه[ ‪]22‬فاضربوا عن َق اآلخر "مسلم‪.‬‬

‫‪ 259‬صحيح موارد الظمآن‪ .2195 :‬والذوائب‪ :‬جمع ذؤابٍَة وهي الشعر المضفور من شعر الرأس " النهاية "‪.‬‬
‫والثريا؛ السماء‪ ،‬أو النجم في السماء‪.‬‬
‫‪220‬‬

‫أخرجه ابن حبان‪ ،‬والحاكم‪ ،‬صحيح الترغيب‪ .1209 :‬العرفاء أو العريف؛ هو المختار الذي يمثل قومه أو‬

‫ليعرفه على أحوالهم وحاجياتهم ‪ ..‬فيكون الوسيط بين من يمثلهم من الناس‬
‫بلدته أو منطقته عند السلطان الحاكم‪ِّ ،‬‬

‫وبين الحاكم‪ .‬واألمناء؛ من يستأمنهم السلطان الحاكم على والية ورعاية وإدارة بعض المدن أو األقطار ‪ ..‬ويحمل‬
‫كذلك على الجباة؛ الذين يجبون الزكاة والحقوق ‪ ..‬فهؤالء كذلك أمناء‪.‬‬

‫‪ 222‬رواه البيهقي في السنن‪ ،‬صحيح الجامع‪.5295 :‬‬

‫‪ 221‬رواه الطبراني في الكبير‪ ،‬صحيح الجامع‪.2 10 :‬‬

‫‪ 22‬أي مات ميتة شبيهة بميتة الجاهلية‪ ،‬حيث أنهم كانوا يموتون وليس عليهم إمام مطاع ‪ ..‬وليس المراد أنه يموت‬

‫كافراً كما يظن البعض!‬

‫‪ 22‬أي ينازعه ـ من غير مبرٍر شرعي يستدعي المنازعة ـ على الحكم واإلمارة والخالفة‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪111‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫‪225‬‬
‫أمر هذه األمة وهي‬
‫اد أن ي ِّ‬
‫وقال ‪ ":‬إنه ستكون هنَ ٌ‬
‫ات وهنَات[ ]‪ ،‬فمن أر َ‬
‫فر َق َ‬
‫يع[‪ ،]222‬فاضربوه بالسيف كائناً من كان "مسلم‪.‬‬
‫جم ٌ‬
‫رجل ٍ‬
‫جميع على ٍ‬
‫واحد يريد أن يشق عصاكم‪ ،‬أو يفرق جماعتَكم‬
‫وقال ‪ ":‬من أتاكم وأمركم‬
‫ٌ‬

‫فاقتلوه [‪"]220‬مسلم‪.‬‬

‫غادر أعظم غدراً من أمير‬
‫وقال ‪ ":‬لكل غاد ٍر لواءٌ َ‬
‫يوم القيامة يرفع له بقدر غَ ْدره‪ ،‬أال وال ٌ‬
‫عام ٍة[‪"]222‬مسلم‪.‬‬
‫وقال ‪ ":‬الدين النصيحة " قلنا‪ :‬لمن؟ قال‪ ":‬هلل‪ ،‬ولكتابه‪ ،‬ولرسوله‪ ،‬وألئمة المسلمين‪،‬‬
‫وعامتهم " مسلم‪.‬‬
‫ثالث ال يغل عليهن قلب المؤمن‪ :‬إخالص العمل هلل‪ ،‬والنصيحة لوالة‬
‫وقال ‪":‬‬
‫ٌ‬
‫األمر[‪.]200["..]229‬‬
‫جعل له وزيراً صالحاً؛ إن نسي ذك َره[‪،]202‬‬
‫وقال ‪ ":‬من ولي منكم عمالً‪ ،‬فأر َ‬
‫اد اهلل به خيراً‪َ ،‬‬

‫وإن ذ َك َر أعانَه "[‪.]201‬‬

‫‪ 225‬أي ستكون شرور وفساد ‪ ..‬وشدائد وأمور عظيمة‪ .‬النهاية‪.‬‬
‫‪ 222‬أي مجتمعة على ٍ‬
‫رجل واحد‪.‬‬
‫‪220‬‬

‫وذلك إن لم يتوقف عن قتاله وفتنته إال بالقتال والقتل ‪ ..‬وألن في قتله أهون الشرين ‪ ..‬فلو ترك لهواه وفتنته‬

‫يقتل الحاكم الشرعي‪ ،‬فيضطرب األمن واالستقرار‪ ،‬وربما توسع في القتل ليقتل كل من يخالفه ولم يرض عن صنيعه‪،‬‬

‫وبالتالي أخف الضررين إيقافه ومنعه‪ ،‬فإن لم يتحقق ذلك إال بقتاله وقتله‪ ،‬فال حرج من ذلك‪.‬‬

‫‪222‬‬

‫أي من غدر بأمير عامة‪ ،‬وهو الخليفة الحاكم العام للمسلمين‪ .. .‬وغدره له يكون بالخروج من الطاعة كلياً ‪..‬‬

‫‪229‬‬

‫النصيحة لوالة األمر تكون بأمرهم بالمعروف‪ ،‬ونهيهم عن المنكر‪ ،‬ونصرتهم في الحق‪ ،‬ومنعهم عن الظلم‪،‬‬

‫ونقض البيعة بغير موجب شرعي يستدعي ذلك‪.‬‬

‫وإضمار الخير لهم ‪ ..‬وتوقيرهم من غير غلو وال تملق ‪ ..‬وطاعتهم في المعروف ‪ ..‬وإعانتهم على ما فيه خيري‬
‫الدنيا واآلخرة ‪ ..‬وتعريفهم بموارد الهلكة والنجاة ‪ ..‬وعدم غشهم والكذب عليهم بتزيين الباطل أو تقبيح الحق‬

‫والفضيلة في أعينهم ‪ ..‬كل هذه المعاني تدخل في معنى مناصحة والة األمر‪.‬‬

‫‪ 200‬رواه ابن أبي عاصم في السنة‪ ،‬وصححه الشيخ ناصر في التخريج‪.2025 :‬‬

‫‪202‬‬
‫ذكر الوالي ما يجب عليه القيام به نحو رعيته وبلده ‪ ..‬أعانه هذا‬
‫أي ذكره بما يجب عليه مما قد نسيه‪ ،‬فإن َ‬

‫الوزير على ذلك؛ أي أن مهمة الوزير غير مقصورة على التذكير وحسب؛ بل على تذكير الوالي بالخير وعلى إعانته‬

‫على فعله والقيام به أحسن قيام‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪112‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫عذاب أليم ـ‬
‫يوم القيامة‪ ،‬وال ينظر إليهم‪ ،‬وال يزكيهم‪ ،‬ولهم‬
‫ٌ‬
‫وقال ‪ ":‬ثالثةٌ ال يكلمهم اهلل َ‬
‫ورجل بايع إماماً ال يبايعه إال لدنيا؛ فإن أعطاه منها وفَى‪ ،‬وإن لم يعطه منها لم يَف[ ‪" ]20‬‬
‫منهم ـ‪:‬‬
‫ٌ‬

‫متفق عليه‪.‬‬

‫وعن محمد بن ز ٍ‬
‫يد أن ناساً قالوا لجدِّه عبد اهلل بن عمر رضي اهلل عنهما‪ :‬إنا ندخل على‬
‫‪20‬‬
‫سالطيننا فنقول لهم بخالف ما نتكلم إذا َخرجنا من عندهم[ ]؟ قال ابن عمر‪ ":‬كنا نع ُّد هذا نفاقاً‬

‫على عهد رسول اهلل ‪ " ‬البخاري‪.‬‬

‫اءكم‪ ،‬وال‬
‫عن أنس بن مالك‪ ،‬قال‪ :‬نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول اهلل ‪ ،‬قال‪ ":‬ال تسبُّوا أمر َ‬

‫تَ ُّ‬
‫األمر قريب "[‪.]205‬‬
‫غشوهم‪ ،‬وال تبغضوهم‪ ،‬واتقوا اهلل واصبروا‪ ،‬فإن َ‬
‫وقال ‪ ":‬من أها َن سلطا َن اهلل‪ ،‬أهانَه اهلل "[‪.]202‬‬

‫يوم القيامة "[‪.]200‬‬
‫أجله اهلل َ‬
‫وقال ‪ ":‬من أجل سلطا َن اهلل‪َ ،‬‬

‫دخل على إمامه‬
‫وقال ‪":‬‬
‫ٌ‬
‫فعل واحدةً منهن كان ضامناً على اهلل ‪ ‬ـ منها ـ‪ :‬من َ‬
‫خمس َمن َ‬

‫وتوقيره ‪.]202[" ...‬‬
‫يريد تَعز َيره‬
‫َ‬
‫‪ 201‬صحيح سنن النسائي‪. 910 :‬‬
‫‪20‬‬

‫قلت‪ :‬كما هو شأن األنظمة السياسية الوضعية الحاكمة في زماننا فعالقة المعارضة‪ ،‬واألحزاب‪ ،‬والهيئات‪،‬‬

‫والجمعيات‪ ،‬والعشائر والقبائل مع هذه األنظمة ‪ ..‬قائمة على مبدأ المساومة واالبتزاز؛ كم يمنحهم النظام الحاكم‬
‫والء وجفاءً‪،‬‬
‫‪ ..‬من الحصص والخصائص‪ ،‬والوظائف‪ ،‬والعطايا ‪ ..‬يكون موقفهم من الحاكم ونظامه سخطاً ورضاً‪ً ،‬‬
‫قرباً وبعداً ‪ ..‬وهذه سياسة خاطئة ‪ ..‬وعالقة خاطئة بين الحاكم والمحكوم ‪ ..‬وهؤالء ـ حكاماً ومحكومين ـ بنص‬
‫عذاب أليم‪.‬‬
‫يوم القيامة‪ ،‬وال ينظر إليهم‪ ،‬وال يزكيهم‪ ،‬ولهم‬
‫ٌ‬
‫الحديث‪ :‬ال يكلمهم اهلل َ‬
‫‪20‬‬

‫قلت‪ :‬كما هو شأن كثير من شيوخ ودعاة هذا العصر؛ إذ تراهم يحرصون أشد الحرص على مخالطة الحكام‬

‫والسالطين بحجة أنهم يريدون أن ينصحوهم‪ ،‬ويأمروهم بالمعروف‪ ،‬وينهوهم عن المنكر ‪ ..‬فيدخلون عليهم‬

‫فيمدحونهم ويطرونهم‪ ،‬ويزينون لهم باطلهم وظلمهم ‪ ..‬ويأمرونهم بالمنكر وينهونهم عن المعروف ‪ ..‬فيدخلون‬
‫عليهم بدين‪ ،‬ويخرجون من عندهم بوجه أو دي ٍن آخر ‪ ..‬صدق رسول اهلل ‪ ‬حيث قال‪ ":‬إياكم وأبواب السلطان؛‬
‫فإنّه قد أصبح صعباً هبوطاً " السلسلة الصحيحة‪ .215 :‬وقوله " صعباً هبوطاً "؛ اي ذالً يذل صاحبه‪ .‬وقال ‪ ":‬من‬
‫ازداد من اهلل بعداً " السلسلة الصحيحة‪.2101 :‬‬
‫أبواب ُّ‬
‫ازداد أح ٌد من السلطان قرباً‪ ،‬إال َ‬
‫السلطان افتتن‪ ،‬وما َ‬
‫أتى َ‬

‫‪ 205‬رواه ابن أبي عاصم في السنة‪ ،‬وصححه الشيخ ناصر في التخريج‪.2025 :‬‬

‫‪ 202‬رواه الترمذي‪ ،‬وابن أبي عاصم في السنة‪ ،‬وحسنه الشيخ ناصر في التخريج‪.2022 :‬‬
‫‪ 200‬رواه الطبراني وغيره‪ ،‬صحيح الجامع الصغير‪.5952 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪113‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وقال ‪ ":‬إن من إجالل اهلل إكر َام ذي الشيبَة المسلم‪ ،‬وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي‬

‫السلطان الم ْقسط "[‪.]209‬‬
‫عنه‪ ،‬وإكر َام ذي ُّ‬

‫وفيما يتعلق بحقه من بيت مال الدولة‪ ،‬أو المال العام‪ :‬أن يكتسب مسكناً‪ ،‬وزوجةً‪ ،‬ومركباً‪،‬‬
‫وخادماً‪ ،‬ونفقة تكفيه وعياله من غير إسر ٍ‬
‫اف وال تقتير ‪ ..‬فما زاد عن ذلك فهو حرام‪ ،‬وتخوض في‬
‫مال اهلل بغير وجه حق‪ ،‬كما في األثر عن عبد اهلل بن زَريْ ٍر الغافقي‪ ،‬قال‪ :‬دخلنا على علي بن أبي‬
‫طالب يوم أضحى فقدم إلينا َخزيرًة[‪ ،]220‬فقلنا يا أمير المؤمنين لو قدمت إلينا من هذا ِّ‬
‫البط والوزِّ‪،‬‬
‫َ‬
‫يحل للخليفة إال قصعتان‪ :‬قصع ًة‬
‫والخير كثير‪ ،‬قال‪ :‬يا ابن زَرير إني سمعت رسول اهلل ‪ ،‬يقول‪ ":‬ال ُّ‬
‫يَأكلها هو وأهله‪ ،‬وقصع ًة يطعمها "[‪.]222‬‬
‫سب خادماً‪ ،‬فإن لم‬
‫ب زوجةً‪ ،‬فإن لم يكن له ٌ‬
‫خادم فليكتَ ْ‬
‫وقال ‪ ":‬من كان لنا عامالً فليَكتَس ْ‬
‫سكن فليكتَسب َمسكناً‪ ،‬من اتخذ غير ذلك فهو غَ ٍّ‬
‫ال[‪.]22 ["]221‬‬
‫يكن له َم ٌ‬

‫ض في مال اهلل بغير حق‪ ،‬كما في الحديث‪ ،‬قال ‪ ":‬إن رجاالً‬
‫تخو ٌ‬
‫وما ز َ‬
‫اد عن ذلك فهو ّ‬
‫‪22‬‬
‫يوم القيامة "البخاري‪.‬‬
‫يَتخوضون[ ] في مال اهلل بغير حقٍّ‪ ،‬فلهم النار َ‬

‫‪ 202‬رواه أحمد‪ ،‬وابن أبي عاصم في السنة‪ ،‬وصححه الشيخ ناصر في التخريج‪ .2012 :‬وقوله‪ ":‬كان ضامناً على‬
‫اهلل "؛ أي أن اهلل تعالى قد ضمن وكفل له بأن يدخله الجنة ‪ ..‬ويجزيه عن فعله أحسن الجزاء‪.‬‬

‫‪209‬‬
‫السلطان الم ْقسط "؛ أي العادل الذي يحكم بالعدل ‪..‬‬
‫صحيح سنن أبي داود‪ . 05 :‬وقوله‪ ":‬وإكر َام ذي ُّ‬

‫مفهوم المخالفة أن السلطان الظالم الذي يحكم بالبطش‪ ،‬والظلم والجور ‪ ..‬ال ينبغي إكرامه وال توقيره ‪ ..‬هذا إذا‬

‫ظلم الكفر والردة؟!‬
‫كان السلطان الظالم مسلماً ‪ ..‬فكيف إذا ّ‬
‫ضم إلى ظلمه َ‬

‫‪ 220‬الخزيرة‪ :‬لحم يقطع صغاراً ويصب عليه ماءٌ كثير‪ ،‬فإذا نضج ذر عليه الدقيق‪ ،‬فإن لم يكن فيها لحم فهي‬
‫عصيدة "النهاية"‪.‬‬

‫‪ 222‬رواه أحمد‪ ،‬وابن أبي الدنيا في الورع‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪ . 21 :‬قلت‪ :‬تأمل أهكذا هم طواغيت الحكم في‬
‫زماننا الجاثمين على مقدرات وثروات البالد والعباد ‪ ..‬والذين تقدر ملكية وأموال الواحد منهم بما يوازي ميزانية‬

‫دولة بكاملها وأكثر‪ ،‬ينفقها على أهوائه وشهواته‪ ،‬وتثبيت ملكه وعرشه ‪ ..‬وشراء ذمم الرجال!‬
‫‪ 221‬من الغلول؛ أي ٍ‬
‫معتد وسارق‪.‬‬
‫‪ 22‬رواه أبو داود‪ ،‬وصححه الشيخ ناصر في المشاكاة‪. 052 :‬‬
‫‪ 22‬أي يتصرفون في األموال العامة‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪114‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ـ تنبيه‪ :‬مما تقدم نعلم كم هي عدد النصوص الشرعية ذات العالقة بالحكام‪ ،‬وما لهم‪ ،‬وما‬
‫عليهم ‪ ..‬إذ فصلت النصوص بين الحاكم المسلم العدل‪ ،‬وبين الحاكم الفاسق‪ ،‬وبين الحاكم الشديد‬
‫الفسوق والظلم‪ ،‬وبين الحاكم الكافر المرتد ‪ ..‬وبينت لكل واحد منهم ما له وما عليه ‪ ..‬والكيفية‬
‫التي ينبغي التعامل بها معه ‪ ..‬وبالتالي ليس من الفقه وال األمانة العلمية ـ كما يفعل ذلك بعض لصوص‬
‫العلم ـ أن تحمل النصوص التي قيلت في الحاكم المسلم العدل ‪ ..‬على جميع األصناف األخرى من‬
‫الحكام ‪ ..‬أو النصوص التي قيلت في الحاكم الكافر المرتد‪ ،‬أو الحاكم الفاسق الظالم الشديد‬
‫الفسق والظلم على بقية الحكام ‪ ..‬فهذا من الغش ‪ ..‬والضالل ‪ ..‬والتضليل لعباد اهلل ‪ ..‬والكذب‬
‫على دين اهلل ‪ ..‬ومن رأيتموه يفعل ذلك‪ ،‬فاحذروه!‬
‫ثالثاً‪ :‬الشعوب املسلمة‪ :‬هم األصل‪ ،‬وهم ملح البلد ‪ ..‬هم مصدر السلطات التنفيذية كلها ‪..‬‬
‫وهم الغاية من الحكم ‪ ..‬وهم غاية اإلسالم؛ الذي جاء للحفاظ على مقاصده فيهم " الدين‪ ،‬والنفس‪،‬‬
‫والعقل‪ ،‬والعرض‪ ،‬والمال "‪ ،‬وبالتالي للشعوب كامل الحق في المراقبة‪ ،‬والمحاسبة لكل من يخل‬
‫فرط بحقهم‪ ،‬ولم يراع مقاصد اإلسالم فيهم‪.‬‬
‫بواجبه نحوهم ‪ ..‬أو ي ّ‬

‫ليس من العدل ‪ ..‬أن يطالبوا بسداد ما عليهم من حقوق نحو الدولة‪ ،‬والحاكم ‪ ..‬ثم ال تؤ ّدى‬

‫لهم حقوقهم من قبل الحاكم‪ ،‬والدولة ‪ ..‬أو يغيبوا عن المشهد السياسي ‪ ..‬وعن المشاركة في حكم‬
‫البالد وإدارتها‪.‬‬
‫إن غفلة الشعوب عن الحكام ‪ ..‬وعن دورهم الريادي في المشاركة‪ ،‬والمراقبة‪ ،‬والمحاسبة ‪..‬‬
‫يترتب عليه محظوران كبيران‪ :‬أولهما‪ :‬تفريخ وتصنيع الطغاة المستكبرين في المجتمع المسلم ‪..‬‬
‫فالحاكم ـ مع غفلة الشعوب عن مراقبته ومحاسبته ـ يتحول إلى طاغية كبير‪ ،‬وإن لم يكن في األصل‬
‫طاغية‪ ،‬أو لم يبتدئ كطاغية!‬
‫ثانيهما‪ :‬عندما تتخلى الشعوب عن دورها الريادي القيادي ‪ ..‬وعن مراقبتها ومحاسبتها للحكام‬
‫‪ ..‬وعن مسؤولياتها العامة ‪ ..‬وتدع مهمة تقدم البالد وإدارتها لشخص الحاكم وحسب ‪ ..‬تصاب‬
‫البالد بالتخلف ‪ ..‬والشلل الفكري ‪ ..‬واالقتصادي ‪ ..‬وعلى جميع المستويات!‬
‫من هنا جاء اإلسالم ليؤكد تأكيداً جازماً على قيمة وأهمية دور الشعوب ‪ ..‬في نهضة وإدارة‬
‫َ ُْ ْ ُ َ‬
‫ون َوال ْ ُم ْؤمِنَ ُ‬
‫ات ‪‬؛ كل المؤمنين‬
‫شؤون البالد على جميع المستويات ‪ ..‬كما قال تعالى‪ :‬والمؤمِن‬
‫َ ََْ ْ َ َ ُْ َ‬
‫َُْ ُ َ َْ ْ‬
‫َ ْ ُ ُ ْ َْ َ َْ‬
‫ُ‬
‫وف وينهون ع ِن المنك ِر ‪‬‬
‫والمؤمنات‪ ،‬بدون استثناء ‪ ‬بعضهم أو ِِلاء بع ٍض يأمرون بِالمعر ِ‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪115‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫َُْ ُ َ َْ ْ‬
‫ُ‬
‫وف ‪‬؛ كل المعروف؛ المعروف المتعلق بالحاكم والمحكوم‪ ،‬وواقع‬
‫التوبة‪  .02:‬يأمرون بِالمعر ِ‬
‫ْ َ َ ْ َ‬
‫البالد سواء ‪َ ‬ويَن َه ْون ع ِن ال ُمنك ِر ‪‬؛ كل المنكر؛ المنكر المتعلق بالحاكم والمحكوم سواء ‪..‬‬
‫وهذا يستدعي نوع مراقبة يقظة للشؤون العامة والخاصة سواء ‪ ..‬من المؤمنين والمؤمنات؛ كل‬
‫المؤمنين والمؤمنات‪.‬‬
‫وفي الحديث فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬كلكم ر ٍاع‪ ،‬وكلكم مسؤول عن رعيته "‬

‫البخاري‪ .‬ال يوجد في المجتمع المسلم شخص غير مسؤول وال ر ٍاع ‪ ..‬فكلكم ر ٍاع بحسب موقعه‬
‫ومكانته ‪ ..‬وكلكم مسؤول ومحاسب عن رعيته ‪ ..‬وعما استرعاه اهلل إياه ‪ ..‬في الدنيا واآلخرة‪.‬‬
‫وقال ‪ ":‬الدين النصيحة " قلنا‪ :‬لمن؟ قال‪ ":‬هلل‪ ،‬ولكتابه‪ ،‬ولرسوله ‪ ،‬وألئمة المسلمين‪،‬‬
‫وعامتهم " مسلم‪.‬‬
‫ثالث ال يغل عليهن قلب المؤمن‪ :‬إخالص العمل هلل‪ ،‬والنصيحة لوالة‬
‫وقال ‪":‬‬
‫ٌ‬
‫األمر‪ .]225["..‬والنصيحة لألئمة ووالة األمر ‪ ..‬تتضمن العدل في األمر‪ ،‬والنهي ‪ ..‬وإرادة الخير لهم‬
‫‪ ..‬وأطرهم إلى الحق ‪ ..‬ومنعهم عن الظلم ‪ ..‬وهذا ال يتحقق إال بعد حسن مراقبة ومتابعة من األمة‬
‫كلها ‪ ..‬كل بحسبه‪ ،‬وموقعه‪.‬‬

‫ٍ‬
‫وقد تقدم معنا قوله ‪ ":‬أفضل الجهاد كلمة ٍ‬
‫سلطان جائ ٍر "[‪.]222‬‬
‫عدل عن َد‬
‫ٍ‬
‫سلطان جائر "‪.‬‬
‫حق عند‬
‫وفي رواية‪ ":‬أفضل الجهاد كلمة ٍّ‬
‫ٍ‬
‫وفي رواية‪ ":‬إن من أعظم الجهاد كلمة ٍ‬
‫سلطان جائ ٍر "[‪.]220‬‬
‫عدل عن َد‬
‫حق تقال ٍ‬
‫إلمام جائ ٍر "[‪.]222‬‬
‫أحب الجهاد إلى اهلل؛ كلمة ٍّ‬
‫وفي رواية" ُّ‬

‫ٍ‬
‫فأمره ونهاه‬
‫وقال ‪ ":‬سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب‪،‬‬
‫ورجل َ‬
‫ٌ‬
‫قام إلى إمام جائ ٍر َ‬
‫فقتلَه"[‪.]229‬‬

‫‪ 225‬رواه ابن أبي عاصم في السنة‪ ،‬وصححه الشيخ ناصر في التخريج‪.2025 :‬‬
‫‪ 222‬صحيح سنن أبي داود‪. 250 :‬‬
‫‪ 220‬صحيح سنن الترمذي‪.2022 :‬‬

‫أخرجه أحمد وغيره‪ ،‬صحيح الجامع‪.222 :‬‬

‫‪ 229‬أخرجه الحاكم‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪. 92 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪116‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫النبي ‪ ‬لمقام رقابة الشعوب لسالطين الجور‪ ،‬ومحاسبتهم‪ ،‬ومساءلتهم‪ ،‬والصدع‬
‫فأعطى ُّ‬
‫بالحق في وجوههم ‪ ..‬درجة أفضل الجهاد ‪ ..‬وأحب الجهاد ‪ ..‬وأعظم الجهاد ‪ ..‬وأنه شهيد‪ ،‬مع‬
‫سيد الشهداء في الجنة ‪ ..‬لمن يقتل منهم على يد الظالمين بسبب موقفه هذا!‬
‫ؤمرون‪ ،‬فمن‬
‫وقال ‪ ":‬سيكون أمراء من بعدي؛ يقولون ما ال يفعلون‪ ،‬ويفعلون ما ال ي َ‬
‫جاه َدهم بيده فهو مؤمن‪ ،‬ومن جاه َدهم بلسانه فهو مؤمن‪ ،‬ومن جاه َدهم بقلبه فهو مؤمن‪ ،‬ال إيما َن‬
‫بع َده "[‪ .]290‬وهذا خطاب لألمة كلها ‪ ..‬للخاصة من الشعوب‪ ،‬وعامتهم‪.‬‬
‫دخل عليهم فصدقَهم‬
‫وقال ‪ ":‬اسمعوا‪ ،‬هل سمعتهم أنه سيكون بعدي أمراءٌ فمن‬
‫َ‬
‫بكذبهم‪ ،‬وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه‪ ،‬وليس ٍ‬
‫بوارد علي الحوض‪ ،‬ومن لم يَدخ ْل‬
‫َ‬

‫عليهم ولم يع ْنـهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه‪ ،‬وهو وارٌد علي‬
‫الحوض"[‪.]292‬‬
‫وقال ‪ ":‬أال إنها ستكون بعدي أمراء يظلمون ويَكذبون‪ ،‬فمن صدقَـهم بكذبهم‪،‬‬
‫وماألهم[‪ ]291‬على ظلمهم‪ ،‬فليس مني‪ ،‬وال أنا منه‪ ،‬ومن لم يصدِّقهم بكذبهم‪ ،‬ولم يمالئهم على‬
‫ظلمهم‪ ،‬فهو مني وأنا منه "[ ‪.]29‬‬

‫ك أن يَـعمهم‬
‫وقال صلى اهلل عليه وسلم‪ ":‬إن الناس إذا رأَوا‬
‫الظالم فلم يأخذوا على ي َديْه أو َش َ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫بعقاب "[ ‪ .]29‬وغيرها عشرات األحاديث النبوية التي تعزز لدى األمة والشعوب عنصر الرقابة‪،‬‬
‫اهلل‬
‫والمحاسبة للحكام واألمراء ‪ ..‬وكل بحسبه‪ ،‬وحسب موقعه‪.‬‬
‫ولما ولي أبو بكر الصديق رضي اهلل عنه خليفة‪ ،‬قام خطيباً بين الناس‪ ،‬فكان مما قال‪ ":‬أيُّها‬
‫الناس‪ ،‬فإنّي قد ولِّيت عليكم ولست بخيركم‪ ،‬فإن أحسنت فأعينوني‪ ،‬وإن أسأت فقوموني ‪ ..‬أطيعوني‬
‫ما أطعت اهللَ ورسولَه‪ ،‬فإن عصيت اهللَ ورسولَه فال طاعة لي عليكم "‪ .‬فها هو أبو بك ٍر الصديق ـ رضي‬
‫َْ‬
‫َ َ َْْ ْ ُ‬
‫ني إِذ ه َما ِِف الغارِ ]‪ ،‬يطالب الناس‪ ،‬بأن يراقبوه‪ ،‬ويتابعوه ‪..‬‬
‫اهلل عنه ـ وهو‪ ،‬هو ‪ ..‬هو [ ث ِ‬
‫اّن اثن ِ‬
‫‪ 290‬صحيح موارد الظمآن‪.2192 :‬‬
‫‪292‬‬

‫صحيح سنن الترمذي‪:‬‬

‫‪ 291‬أي طاوعهم ووافقهم‪.‬‬

‫‪.22‬‬

‫‪ 29‬أخرجه أحمد‪ ،‬صحيح الترغيب‪:‬‬

‫‪.11‬‬

‫‪ 29‬رواه أبو داود وغيره‪ ،‬صحيح سنن أبي داود‪:‬‬

‫‪. 2‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪117‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وسيرته في الحكم ‪ ..‬فإن أساء أن يقوموه ‪ ..‬وإن عصى اهللَ ورسولَه ـ حاشاه ـ أن ال يطيعوه ‪ ..‬فأي‬

‫معنى لمراقبة األمة والشعوب لحكامها ‪ ..‬ومن ثم محاسبتهم لو بدر منهم أي تقصير ‪ ..‬يوازي هذا‬
‫وحض عليه الناس!‬
‫المعنى العظيم ‪ ..‬الذي أشار إليه ّ‬
‫الصدِّيق ‪َ ..‬‬

‫أما الفاروق عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه ‪ ..‬صاحب شعار ومبدأ " من أين لك هذا؟! ـ‬

‫حرج ‪ ...‬فقد جاءت عمر برود من اليمن‪ ،‬ففرقها على الناس برداً برداً‪ ،‬ثم صعد‬
‫فحدث عنه وال َ‬
‫المنبر يخطب وعليه حلّة منها (أي بردان) فقال‪ :‬اسمعوا رحمكم اهلل‪ .‬فقام إليه سلمان‪ ،‬فقال‪ :‬واهلل‬
‫فرقت علينا‬
‫ال نسمع‪ ،‬واهلل ال نسمع‪ .‬فقال‪ :‬ولم يا أبا عبد اهلل؟ فقال‪ :‬يا عمر! تفضلت علينا بالدنيا‪ّ ،‬‬

‫برداً برداً‪ ،‬وخرجت تخطب في حلّة منها؟ فقال‪ :‬أين عبد اهلل بن عمر؟ فقال‪ :‬ها أنذا يا أمير‬
‫علي يا أبا عبد‬
‫علي؟ قال‪ :‬لي‪ .‬فقال لسلمان‪ :‬عجلت ّ‬
‫المؤمنين! قال‪ :‬لمن أحد هذين البردين اللذين ّ‬
‫اهلل‪ ،‬إني كنت غسلت ثوبي الخلق‪ ،‬فاستعرت ثوب عبد اهلل‪ .‬قال‪ :‬أما اآلن فق ْل‪ ،‬نسمع ونطع[‪.]295‬‬

‫انظروا في التاريخ كله؛ القديم والحديث منه سواء ‪ ..‬وفي جميع األنظمة السياسية‬

‫الديمقراطية وغيرها ‪ ..‬هل تجدون نموذجاً يجسد مراقبة الشعوب ومحاسبتهم لحكامهم يرقى إلى‬
‫مستوى هذا النموذج أعاله ‪ ..‬ثم انظروا هل تجدون حاكماً يصغي آلحاد رعيته ‪ ..‬وهو في خطاب له‬

‫على المأل ‪ ..‬يحاسبه ويسائله ‪ ..‬ويقول له‪ :‬ال سمع وال طاعة لك من أجل ثوب ‪ ..‬لماذا عليك‬
‫بردين ‪ ..‬بينما لكل ٍ‬
‫واحد من رعيتك برد واحد؟!‬
‫أبعد ذلك يجوز أن يرمى اإلسالم ـ حاشاه ـ بتجاهل الشعوب‪ ،‬وحقوقهم السياسية‪ ،‬واإلدارية‬
‫وغيرها ‪ ..‬ودورهم الفعال في مساءلة الحكام ومحاسبتهم؟!‬
‫فإذا الشعوب المسلمة ـ في مرحلة من مراحل التاريخ ـ قد غفلت عن حقوقها ‪ ..‬ودورها‬
‫الفعال في إدارة البالد ‪ ..‬والمحاسبة والمساءلة ‪ ..‬والمراقبة ‪ ..‬فهو بسبب من عند نفسها ‪ ..‬وليس‬
‫ٍ‬
‫بسبب من دين اهلل‪.‬‬
‫هذا هو موقف اإلسالم من الشعوب ‪ ..‬وهذه هي مكانة الشعوب في اإلسالم ‪ ..‬فما هو‬
‫موقف األنظمة األخرى من الشعوب؟‬

‫‪ 295‬أخبار عمر‪ ،‬علي الطنطاوي‪ ،‬المكتب اإلسالمي‪ ،‬ص‪.222‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪118‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ـ مـوقـف األنظمــة الـوضعيــة مــن الشـعــوب‪ :‬وهم فريقان‪:‬‬
‫فريق انتهج السياسة الفرعونية الطاغوتية في التعامل مع الشعوب ‪ ..‬والتي تتسم‬
‫َ ْ َ ذ َ‬
‫استَخف ق ْو َم ُه‬
‫باالستخفاف‪ ،‬واالحتقار‪ ،‬واالمتهان‪ ،‬والتجاهل‪ ،‬واالستعباد ‪ ..‬وعلى مبدأ‪ :‬ف‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ ذ‬
‫ُ ذ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫َْ‬
‫َ ُ‬
‫فَأ َ َط ُ‬
‫اعوهُ ‪‬الزخرف‪  .5 :‬قال ف ِْرع ْون َما أرِيك ْم إِال َما أ َرى َو َما أهدِيك ْم إِال َسبِيل‬
‫ذَ‬
‫الرشادِ‪ ‬غافر‪.19:‬‬
‫يشرع ويقنن للشعوب؛ قوانين العبودية ‪ ..‬وتعبيد العبيد للعبيد ‪ ..‬وهو‬
‫فالطاغوت هو الذي ّ‬
‫الذي يري الشعوب ما يرى ‪ ..‬وهو الذي يرى بالنيابة عنهم ‪ ..‬إذ ال يجوز أن يروا ألنفسهم ما ال‬
‫يريهم إياه ‪ ..‬وما على الشعوب سوى طاعته والدخول في عبوديته ‪ ..‬ومن يأبى أو يعترض يعاقب‬
‫َ َ َ ُ ْ َُ َ َْ َ ْ َ َ َ ُ ْ ذ ُ َ َ ُ ُ‬
‫كمُ‬
‫بالقتل‪ ،‬أو السجن‪ ،‬أو التهجير والتغريب ‪  ..‬قال آمنتم َل قبل أن آذن لكم إِنه لكبِري‬
‫ََُ‬
‫ذ‬
‫ْ َ‬
‫ْ َ ََ َُ َ ذ َْ َ ُ ْ ََْ ُ َ‬
‫ُ ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َذَ ُ‬
‫ذ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ك ُم السِحر فَلق ِطعن أيدِيكم وأرجلكم مِن خَِل ٍف وْلصل ِبنكم ِِف جذ ِ‬
‫وع‬
‫اَّلِي علم‬
‫ذ ْ َ َ َ ْ َ ُ ذ َ ُّ َ َ َ ُّ َ َ ً َ َ ْ َ‬
‫انلخ ِل وتلعلمن أينا أشد عذابا وأبَق ‪‬طه‪ .02:‬وهذا حال جميع األنظمة الديكتاتورية الظالمة‬
‫المستبدة المعاصرة‪ ،‬على تفاوت قليل فيما بينها في درجة الظلم والطغيان ‪ ..‬التي تكرس حكم الفرد‬
‫‪ ..‬وتفكير الفرد ‪ ..‬وقانون الفرد ‪ ..‬وسياسة الفرد من غير مساءلة وال محاسبة من قبل الشعوب لهذا‬
‫الطاغية الفرد[‪.]292‬‬

‫فريق آخر‪ :‬جنح للتفريط‪ ،‬كردة فعل على الفريق األول ‪ ..‬فقالوا بتحرر الشعوب وتحريرها من‬
‫كل قيود القيم واألخالق‪ ،‬والدين ‪ ..‬وحملوها على ذلك حمالً ‪ ..‬فقالوا‪ :‬اهلل تعالى هو اإلله في‬
‫السماء ‪ ..‬بينما الشعوب هي اإلله في األرض ‪ ..‬تحكم نفسها بشرعها أو بشرع من يمثلها من الطغاة‬

‫‪ ..‬من دون اهلل ‪ .. ‬ال يعلو حكمها حكم‪ ،‬وال شرعها شرع[‪.]290‬‬

‫‪ 292‬كثير من طغاة الحكم المعاصرين ‪ ..‬تنص دساتيرهم وقوانينهم الباطلة على أن الحاكم فوق المساءلة والمحاسبة‬
‫رمى‬
‫‪ ..‬مهما بدر منه من ظلم أو تقصير ‪ ..‬وأيما مساءلة له تعرض السائل للعقوبة والسجن والتنكيل ‪ ..‬وربما ي َ‬

‫بالخيانة العظمى للوطن والدستور ‪ ..‬فإذا عرفتم ذلك ‪ ..‬عرفتم سبب طغيان هؤالء الحكام ‪ ..‬وعرفتم سبب التخلف‬
‫والظلم والذل والفقر والخوف الذي أصاب الشعوب ‪ ..‬وال بد ـ بإذن اهلل ـ من أن تتحرر الشعوب من كل هذه‬
‫القيود‪ ،‬وقد بدت بوادر تكسير قيود العبودية للطاغوت مع ثورات الربيع العربي اإلسالمي المعاصر‪ ،‬بإذن اهلل‪.‬‬

‫‪ 290‬قولهم بأن الشعب يحكم نفسه بنفسه‪ ،‬ويشرع لنفسه بنفسه ‪ ..‬قول كاذب‪ ،‬غير واقعي‪ ،‬وال حقيقي ‪ ..‬فأكثر‬
‫األنظمة ديمقراطية وليبرالية صورة الحكم فيها كالتالي‪ :‬جزء من الشعب قد يكونون ‪ %50‬أكثر أو أقل ‪ ..‬يختارون‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪119‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وهؤالء فروا من طاغوت الفرد ‪ ..‬إلى طاغوت اسمه " الشعب " ‪ ..‬فجعلوا من مسمى‬
‫الشعب طاغوتاً وإلهاً يعبد من دون ـ ومع ـ اهلل ‪ ..‬وفي حقيقة األمر أن حظ الشعوب من هذا الطغيان‬

‫‪ ..‬أنهم دخلوا في عبادة الهوى ‪ ..‬وعبادة مجموعة أفراد من الطغاة ‪ ..‬بخالف األنظمة الديكتاتورية‬
‫التي ال تقبل إال وجود طاغوت واحد!‬
‫وهذا الفريق يتمثل في موقف األنظمة الديمقراطية الليبرالية المعاصرة ـ على درجات متفاوتة‬
‫فيم بينها ـ وهو على خطأ أيضاً ‪ ..‬كما أن الفريق األول هو على خطأ ‪ ..‬والحق والصواب وسط‬
‫بينهما ‪ ..‬من غير إفراط األنظمة الديكتاتورية المستبدة ‪ ..‬وال تفريط األنظمة الديمقراطية اإلباحية‬
‫المتحللة ‪ ..‬وهو ما عليه اإلسالم كما تقدمت اإلشارة إلى ذلك‪.‬‬
‫ـ ركــائز احلكــم يف الــدولـة اإلســالميــة‪:‬‬
‫لكل نظام أو حكم ركائزه وأسسه التي يقوم عليها ‪ ..‬وركائز الحكم في الدولة اإلسالمية هي‬
‫كالتالي‪:‬‬

‫‪ -1‬أن تكون السيادة فيها حلكم اهلل تعاىل وحده‪ :‬وليس لحاكم‪ ،‬وال مل ٍ‬
‫ك‪ ،‬وال ٍ‬
‫حزب‪،‬‬

‫وال لعالم‪ ،‬وال ألكثرية‪ ،‬وال لشعب من الشعوب ‪ ..‬بل الناس كلهم ـ حاكمهم ومحكومهم‪ ،‬كبيرهم‬
‫وصغيرهم‪ ،‬شريفهم ووضيعهم ـ محكومون بحكم اهلل تعالى وشرعه المبين في الكتاب والسنة ‪ ..‬وهم‬
‫جميعهم تحت ح كم وقانون الشرع‪ ،‬ال تفاضل ألحد على أحد‪ ،‬وال تمايز بينهم في ذلك ‪ ..‬وهذا‬
‫حق خالص هلل ‪ ‬ال يشركه فيه أحد؛ ألنه تعالى هو الخالق المالك والمتفضل على الخلق بالنعم‬
‫شرع‪ ،‬وهذا‬
‫التي ال تحصى ‪ ..‬وبالتالي فمن حقه تعالى وحده أن يأمر َمن َخلَق‪ ،‬وأن يطاع فيما يأمر وي ِّ‬
‫من بينهم مجموعة أفراد قد يكونون ‪ 200‬شخص أكثر أو أقل ‪ ..‬ليقوموا هؤالء األفراد بمهمة التقنين والتشريع‬

‫للشعب من دون اهلل ‪ ..‬ومن دون الشعب ‪ ..‬وما على الشعب سوى طاعتهم فيما يشرعون‪ ،‬ويحللون ويحرمون ‪..‬‬

‫سواء أخطأوا أم أصابوا ‪ ..‬وبالتالي فالمشرع الحقيقي هم هؤالء األفراد وليس الشعب ‪ ..‬بل الشعب حقيقة وعملياً‬
‫داخل في عبادة وطاعة هؤالء المشرعين من األفراد ‪ ..‬وبتعبير آخر ‪ ..‬فإن الشعوب قد فرت من العبودية للطاغوت‬
‫الفرد ‪ ..‬لتقع في عبودة مجموعة أفراد من الطواغيت ‪ ..‬ففي كال الحالتين والنظامين هو تكريس لعبودية العبيد‬
‫للعبيد ‪ ..‬وعبادة المخلوق للمخلوق ‪ ..‬وهذا ال يليق باإلنسان الذي كرمه اهلل فأحسن تكريمه ‪ ..‬قال تعالى‪[:‬‬

‫اب ُّمتَـ َف ِّرقو َن َخ ْيـ ٌر أَم اللّه ال َْواحد الْ َقهار ]يوسف‪ . 9:‬وقال تعالى‪ [:‬إن الْح ْكم إال للّه أ ََم َر أَال تَـ ْعبدواْ إال إياه‬
‫أَأ َْربَ ٌ‬
‫ك الدِّين الْ َقيِّم َولَكن أَ ْكثَـ َر الناس الَ يَـ ْعلَمو َن ]يوسف‪ . 0:‬وال حول وال قوة إال باهلل‪.‬‬
‫َذل َ‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪120‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫من كمال ولوازم ربوبيته وألوهيته ‪ ‬على خلقه‪ ،‬فاهلل تعالى كما هو اإلله المعبود في السماء‪ ،‬فهو‬
‫َْ‬
‫َ‬
‫كذلك اإلله المعبود المطاع في األرض‪ ،‬كما قال تعالى‪َ :‬و ُه َو ذاَّلِي ِف ذ‬
‫الس َماءِ إَِل َو ِِف اْل ْر ِض‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُْ ْ‬
‫ري ال َفاصل َ‬
‫اْل ذق َو ُه َو َخ ْ ُ‬
‫ك ُم إ ِ ذال ِ ذَّلل ِ َي ُق ُّص ْ َ‬
‫ِني‪‬‬
‫إَِل‪ ‬الزخرف‪ .2 :‬وقال تعالى‪ :‬إ ِ ِن اْل‬
‫ِ‬
‫ُ َْ ُ ََ‬
‫ُْ ْ ُ ذ ذ َ َ َ َ ذ َ ْ ُ ُ ذ ذ ُ َ َ‬
‫ك ذن‬
‫ل‬
‫و‬
‫م‬
‫ي‬
‫ق‬
‫ال‬
‫ِين‬
‫ادل‬
‫ِك‬
‫األنعام‪ .50:‬وقال تعالى‪ :‬إ ِ ِن اْلكم إِال َِّلل ِ أمر أال تعبدوا إِال إِياه ذل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫َ ً‬
‫َ ُْ‬
‫َ َُْ َ‬
‫َ ْ‬
‫كََ‬
‫َث انلذ‬
‫ِ‬
‫ْش ُك ِِف ُحك ِمهِ أ َحدا‪‬‬
‫ي‬
‫ال‬
‫و‬
‫‪‬‬
‫‪:‬‬
‫تعالى‬
‫وقال‬
‫‪.‬‬
‫‪0‬‬
‫‪:‬‬
‫يوسف‬
‫‪‬‬
‫ون‬
‫م‬
‫ل‬
‫ع‬
‫ي‬
‫ال‬
‫اس‬
‫أ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ ْ ُ‬
‫ك ْم بَي ْ َن ُه ْم ب َما َأن ْ َز َل ذ ُ‬
‫اء ُه ْم َع ذما َج َ‬
‫اَّلل َوال تَتذب ْع أ ْه َو َ‬
‫اء َك م َِن‬
‫الكهف‪ .12:‬وقال تعالى‪ :‬فاح‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ََ ْ َْ َْ ُ ْ َ َََْ ذُ َُ َ َ ُ ْ َ‬
‫َ‬
‫َْ‬
‫اَّلل فأولئِك ه ُم الَكف ُِرون‪‬‬
‫اْل ِق ‪‬المائدة‪ . 2:‬وقال تعالى‪ :‬ومن لم ُيكم بِما أنزل‬
‫َُ َ ُ ْ ََُ َ ُ ْ‬
‫اْل َ‬
‫َ ذُ َْ ُ ُ‬
‫اب ‪‬الرعد‪. 2:‬‬
‫ِس‬
‫ِسيع‬
‫ِ‬
‫المائدة‪ . :‬وقال تعالى‪ :‬واَّلل ُيكم ال معقِب ِْلك ِمهِ وهو ِ‬
‫َ ْ‬
‫َ َ ُ َْ ْ ُ َ ْ َ ْ ُ َ َ َ َ ذ‬
‫اَّلل َر ُّب ال ْ َعالَم َ‬
‫ُ‬
‫ني ‪‬األعراف‪ .5 :‬وقال تعالى‪ :‬فإِن‬
‫وقال تعالى‪ :‬أال َل اْللق واْلمر تبارك‬
‫ِ‬
‫ْ ُ ُْ ْ ُ ْ ُ َ ذ َ َْ ْ ْ‬
‫ََ َ ْ‬
‫َ ْ َ ُ ُّ ُ َ ذ‬
‫َ َ َ ْ‬
‫اَّلل ِ َو ذ‬
‫الر ُسو ِل إِن كنتم تؤمِنون بِاَّلل ِ واِلو ِم اآلخِرِ ذل ِك خري‬
‫ازعتُ ْم ِِف َش ٍء فردوه إَِل‬
‫تن‬
‫ْ‬
‫ً‬
‫ََ ْ َ ُ َ‬
‫وأحسن تأوِيَل‪‬النساء‪ .59:‬وغيرها كثير من اآليات والنصوص الشرعية الدالة على أن الحكم‬
‫والتشريع هلل تعالى وحده وهو من أخص خصائصه ‪ .. ‬وهذا المعنى مما هو معلوم من ديننا‬
‫بالضرورة‪ ،‬ال يجوز الجدال فيه وال الخالف‪.‬‬
‫فالدولة اإلسالمية هي الدولة التي تفرد اهلل تعالى في الحكم والتشريع والتلقي والخضوع‪ ،‬كما‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُْ ذ‬
‫تفرده ‪ ‬في العبادة والتوجه‪ ،‬والركوع والسجود‪ ،‬والنسك‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬قل إِن َصَل ِِت َون ُس ِِك‬
‫َ َ َ َُ َ َ َ ُ ْ ُ َََْ َذ ُ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫اي َو َم َماِت َِّلل ِ َرب الْ َعالَم َ‬
‫ُ‬
‫َو ََمْ َي َ‬
‫ِشيك َل وبِذل ِك أمِرت وأنا أول المسل ِ ِمني‪‬‬
‫ال‬
‫*‬
‫ني‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫األنعام‪.22 -221:‬‬
‫الدولة اإلسالمية هي الدولة التي تنضبط وتلتزم في جميع حركتها وسياساتها الداخلية‬
‫والخارجية ‪ ..‬وجميع مواقفها وأنشطتها االجتماعية واالقتصادية ‪ ..‬والقضائية ‪ ..‬والسلمية والحربية ‪..‬‬
‫بالحكم بما أنزل اهلل‪ ،‬فال تحيد عن شرع اهلل تعالى في قليل وال كثير‪.‬‬
‫ومشرعاً آخر غير ـ أو مع ـ اهلل‬
‫أما الدولة التي ترتضي لنفسها شرعاً آخر غير شرع اهلل ‪..‬‬
‫ِّ‬
‫تعالى ـ أياً كانت صفة وماهية ومكانة هذا المشرع ـ يشرع ويقنن‪ ،‬ويحلل ويحرم‪ ،‬ويحسن ويقبح لها‬

‫المشرع‬
‫من دون ـ أو مع ـ اهلل‪ ،‬وبغير سلطان من اهلل تعالى ‪ ..‬فهي بذلك تكرس ألوهية وربوبية هذا‬
‫ِّ‬
‫المخلوق على مواطنيها ورعاياها ‪ ..‬وتكرس عبودية المخلوق للمخلوق ‪ ..‬وعبودية العبيد للعبيد ‪..‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪121‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وأن يتخذ الناس بعضهم بعضاً أرباباً من دون اهلل‪ ،‬مهما زعموا ـ باللسان ـ أنهم أحرار‪ ،‬كما قال تعالى‬
‫ذ‬
‫ذَ ُ َ ْ َ َ ُ ْ َ ُ َْ َُ ْ ََْ ً ْ ُ‬
‫ون اَّلل ِ‪‬‬
‫د‬
‫عن أهل الكتاب لما وقعوا بشيء من ذلك‪ :‬اَّتذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا مِن ِ‬
‫التوبة‪ . 2:‬وذلك لما شرعوا لهم؛ فأحلوا لهم الحرام فأحلوه‪ ،‬وحرموا عليهم الحالل فحرموه!‬
‫َ َ َْ َ‬
‫كما أمر اهلل تعالى نبيه بأن يدعو أهل الكتاب إلى كلمة سواء‪ ،‬وأن يقول لهم‪ :‬تعالوا إَِل‬
‫َ ْ ً َ َذ َ َْ ُ َ َْ ً ََْ ً‬
‫َ َ َ َ َََْ َ َ َْ ُ ْ َذ َ ُْ َ ذ ذَ َ ُْ‬
‫َ‬
‫خذ بعضنا بعضا أربابا‬
‫ت‬
‫ي‬
‫ال‬
‫و‬
‫ئا‬
‫ي‬
‫ش‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ك‬
‫ْش‬
‫َك ِم ٍة سوا ٍء بيننا وبينكم أال نعبد إِال اَّلل وال ن ِ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ذ َ ْ َ ذ َُ ُ ْ‬
‫َذ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫م ِْن دو ِن اَّلل ِ فإ ِن ت َول ْوا فقولوا اش َه ُدوا بِأنا ُم ْسل ُِمون ‪‬آل عمران‪ .2 :‬فإن أعرضوا وأبوا إال أن‬
‫ٍ‬
‫حينئذ ال نطاوعهم ‪ ..‬وال نشاركهم في هذا الوزر العظيم ‪..‬‬
‫يتخذوا بعضهم بعضاً أرباباً من دون اهلل ‪..‬‬
‫َ‬
‫َُ ُ ْ‬
‫ذ‬
‫َ‬
‫وإنما نقول لهم كما أمر اهلل‪ :‬فقولوا اش َه ُدوا بِأنا ُم ْسل ِ ُمون ‪.‬‬
‫وبالتالي هذه الدولة التي ترتضي أن يتخذ الناس بعضهم بعضاً أرباباً ومشرعين من دون ـ أو‬
‫ٍ‬
‫حينئذ أن تسمي‬
‫مع ـ اهلل ‪ ..‬فهي بذلك ترتضي سيادة العبيد على العبيد‪ ،‬وتعبيد العبيد للعبيد ‪ ..‬ولها‬
‫نفسها االسم التي تشاء ‪ ..‬وتدعي االنتماء للدين التي تشاء ‪ ..‬لكن ال يقبل منها بحال أن تسمي‬
‫نفسها دولة إسالمية ‪ ..‬أو أنها تنتمي إلى اإلسالم ‪ ..‬فزعمها هذا أثقل على الحق من الذنب ذاته‪.‬‬
‫‪ -2‬الشورى‪ :‬من أهم ما تتميز به الدولة اإلسالمية العمل بمبدأ الشورى على وجه الوجوب‬
‫واإللزام‪ ،‬وعلى جميع المستويات العامة والخاصة‪ ،‬وفي جميع مرافق الحكم والحياة ‪ ..‬وبخاصة في‬
‫الزمان الذي تف َقد فيه األمانة ‪ ..‬ويفشو الكذب ‪ ..‬ويقال في بني فالن رجل أمين ‪ ..‬وقد أصاب زماننا‬
‫الشيء الكثير من ذلك ولألسف!‬

‫ال بد للمجتمع اإلسالمي من أن تكون الشورى فيه هي الثقافة الرائجة ‪ ..‬التي يتحلى ويتزين‬
‫بها الجميع ‪ ..‬والجميع ـ سواء كانوا حكاماً أم محكومين ـ يمارسونها ويطبقونها في حياتهم العملية ‪..‬‬

‫وفي واقعهم المعايش وعلى جميع المستويات‪.‬‬
‫ْ‬
‫كما قال تعالى‪َ :‬وأ َ ْم ُر ُه ْم ُش َ‬
‫ورى بَينَ ُه ْم ‪‬الشورى‪. 2:‬‬
‫َْْ َ َ َ َْ َ َََذْ ََ ذ‬
‫َ ُ‬
‫ِب ال ْ ُمتَ َو ِل َ‬
‫اَّلل ُُي ُّ‬
‫اَّلل ِ إ ذن ذ َ‬
‫ِني‪‬‬
‫وقال تعالى‪َ :‬وشاوِ ْره ْم ِِف اْلمرِ فإِذا عزمت فتوَّك لَع‬
‫ِ‬
‫آل عمران‪ .259:‬وهذا األمر بالشورى موجه من رب العالمين إلى المسدد المعصوم سيد الخلق‬
‫الذي ال ينطق عن الهوى ‪ ..‬فيكون َمن دونه أولى بااللتزام والعمل بالشورى‪.‬‬

‫عندما يسود العمل بمبدأ الشورى في دولة من الدول ‪ ..‬تكون هذه الدولة دولة الجميع ‪..‬‬

‫وحمايتها ورعايتها مسؤولية الجميع ‪ ..‬وما يصيبها يعني الجميع ‪ ..‬بخالف الدولة التي تغيِّب العمل‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪122‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ٍ‬
‫حينئذ تكون دولة هذا‬
‫بمبدأ الشورى ‪ ..‬ويسودها حكم الفرد ‪ ..‬وقرار الفرد ‪ ..‬وهوى الفرد ‪ ..‬فهي‬
‫الفرد ‪ ..‬وما يصيبها وينتابها ال تعني سواه ‪ ..‬وال يتحمل مسؤوليته أحد سواه ‪ ..‬ودولة هذا وصفها ال‬
‫تقوى على مواجهة الصعاب والتحديات ‪ ..‬وهي سرعان ما تسقط وتنهار عند أول مواجهة مع العدو‪.‬‬
‫العمل بالشورى أقرب إلى روح العمل الجماعي ‪ ..‬والتكافل الجماعي ‪ ..‬والترابط والتوحد‬
‫َْ‬
‫ص ُموا‬
‫الجماعي الشامل لجميع المسلمين‪ ،‬الذي أثنى اهلل ورسوله عليه خيراً‪ ،‬كما قال تعالى‪َ :‬واعت ِ‬
‫ذ َ ً‬
‫ََ ُ‬
‫ِبَبْ ِل اَّلل ِ َجِيعا َوال تف ذرقوا ‪‬آل عمران‪ .20 :‬هذا االعتصام بحبل اهلل جميعاً‪ ،‬ومن دون تفرق‬
‫بين المسلمين ال يمكن أن يتحقق من غير شورى ‪ ..‬وتشاور بين المسلمين ‪ ..‬ال يمكن أن يتحقق‬
‫والحاكم يتجاهل خاصة الشعوب وعامتهم فال يستشيرهم في شيء ‪ ..‬وماال يتم الواجب إال به فهو‬
‫واجب‪.‬‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ً َ ذ‬
‫ذ ذ َ ُ ُّ ذ َ َ ُ َ‬
‫ِين ُيقات ِلون ِِف َسبِيلِهِ َصفا كأن ُه ْم بُن َيان َم ْر ُصوص‪‬‬
‫وقال تعالى‪ :‬إِن اَّلل ُيِب اَّل‬
‫الصف‪ . :‬وهذا ال يمكن أن يتحقق من غير شورى ‪ ..‬وما ال يتم الواجب إال به فهو واجب‪.‬‬
‫ُ ُ‬
‫َ ََ َ ُ ََْ َ ُ ََ ْ َ َ‬
‫يحك ْم ‪‬األنفال‪ . 2:‬ومن األسباب‬
‫وقال تعالى‪ :‬وال تنازعوا فتفشلوا وتذهب رِ‬
‫الرئيسية التي تذهب التنازع بين المسلمين العمل بالشورى ‪ ..‬ومشاورة الناس‪ ،‬وذوي االختصاص ‪..‬‬
‫كما أنه ال شيء يجلب التنازع بين المسلمين ويوغر صدور بعضهم على بعض كتجاهلهم لبعضهم‬
‫البعض‪ ،‬وتغييب العمل بالشورى ‪ ..‬وإذا كان األمر كذلك ‪ ..‬وبهذه األهمية والخطورة ‪ ..‬فإن العمل‬
‫بالشورى واجب وال بد؛ وما ال يتم الواجب إال به فهو واجب‪.‬‬
‫وفي الحديث فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬إن اهلل يرضى لكم أن تعتصموا بحبل اهلل‬
‫جميعاً وال تفرقوا " مسلم‪.‬‬

‫وقال ‪ ":‬عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة "[‪ .]292‬وقال ‪ ":‬الجماعة رحمة والفرقة‬

‫عذاب "[‪ .]299‬وهذا كله ال يمكن تحقيقه على الوجه المطلوب شرعاً من دون العمل بمبدأ الشورى‪.‬‬
‫بايع رجالً على غير مشورةٍ من المسلمين فال‬
‫وفي األثر عن عمر بن الخطاب ‪ ‬قال‪ ":‬فمن َ‬
‫يتابَع هو وال الذي بايعه؛ تَغرة أن يقتال " متفق عليه‪ .‬أي خشية أن يقتال ‪ ..‬ألنهما فرضا أنفسهما على‬
‫األمة من غير مشورة ألهلها!‬
‫‪ 292‬صحيح سنن الترمذي‪.2052 ":‬‬
‫‪ 299‬السلسلة الصحيحة‪.220:‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪123‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫والناظر إلى أسباب تفرق األمة في هذا العصر وضعفها ‪ ..‬يجد من أهمها تغييب وإهمال‬
‫العمل بمبدأ الشورى فيما بين المسلمين ‪ ..‬كما أن الناظر في أسباب توحد األمم الكافرة في هذا‬
‫العصر ـ على ما بينها من اختالف وتنوع ـ يجد من أهمها العمل بمبدأ الشورى فيما بينهم!‬
‫وبالتالي ال بد من تفعيل العمل بالشورى ‪ ..‬وإيجاد اآلليات العملية ‪ ..‬التي تجعل من الشورى‬
‫واقعاً معايشاً ‪ ..‬وثقافة الجميع ‪ ..‬وسلوك الجميع ‪ ..‬وعلى جميع األصعدة والمستويات العامة منها‬

‫والخاصة‪.‬‬

‫فإن قيل‪ :‬ما هي حدود وصالحيات وضوابط الشورى في اإلسالم ‪..‬؟!‬
‫أقول‪ :‬للشورى ضوابط‪:‬‬
‫منها‪ :‬أن ال تكون الشورى في أمر فيه نص محكم من الكتاب أو السنة؛ إذ ال شورى مع‬
‫النص المحكم في ثبوته وداللته‪ ،‬كما ال اجتهاد عند مورد النص المحكم‪.‬‬
‫أما في موارد االجتهاد ‪ ..‬وموارد االستنباط والترجيح ‪ ..‬وعند خفاء المسائل والدليل عليها‬
‫‪ ..‬يجوز العمل بالشورى بين ذوي االختصاص من أهل العلم والفقه‪ ،‬للنظر في مجموع األدلة‬
‫ٍ‬
‫حينئذ ترجيح جمهور أو‬
‫والقرائن لمعرفة المحكم منها من المتشابه‪ ،‬والراجح من المرجوح ‪ ..‬ويكون‬
‫أكثرية أهل العلم والفقه لقول دون قول أو فهم دون فهم ‪ ..‬معتبر في الفقه اإلسالمي عند القبول أو‬
‫الرد‪ ،‬أو تقديم قول على قول‪ ،‬من هنا تجد أقوال أهل العلم والفقه عندما يريد أحدهم أن ينتصر‬
‫لقول دون قول‪ ،‬فتراه يقول‪ :‬وهذا الذي عليه الجمهور أو جمهور أهل العلم أو أكثر أهل العلم ‪..‬‬
‫لعلمه أن ذلك معتبر في ميزان الشريعة‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن ال تؤدي الشورى إلى مخالفة نص من نصوص الكتاب والسنة‪ ،‬أو إجماع متفق‬
‫عليه بين علماء األمة‪.‬‬
‫وما سوى ذلك من ساحات وميادين‪ ،‬واختصاصات‪ ،‬وأعمال ‪ ..‬فهي كلها خاضعة للشورى‪،‬‬
‫والعمل بالشوري ‪ ..‬يجوز إعمال الشورى فيها‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪124‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫فإن قيل‪ :‬متى تكون الشورى واجبة وملزمة ‪ ..‬فهل مطلق الشورى واجبة ‪..‬‬
‫وفي أي أمر أو عمل؟!‬
‫أقول‪ :‬أيما عمل يترتب على ترك الشورى فيه حدوث فتنة بين المسلمين‪ ،‬وتفرق وتنافر‬
‫وتباغض فيما بينهم فالشورى والتشاور مع ذوي الشأن من أهل االختصاص والفقه والعلم في هذا‬
‫العمل يكون واجباً؛ ألن دفع الفتنة عن المسلمين وكل ما يؤدي إلى تفرقهم واجب‪ ،‬وما ال يتم‬
‫الواجب إال به فهو واجب‪.‬‬
‫ويقال كذلك‪ :‬كلما كان األمر أو العمل يعني عامة المسلمين أو شريحة واسعة منهم‪ ،‬وله‬
‫مساس بمصالحهم ـ كما في مسألة اختيار الحاكم المسلم أو إقالته ـ كلما كانت الشورى والتشاور في‬
‫شأن هذا العمل أقرب إلى الوجوب أو واجباً ‪ ..‬واهلل تعالى أعلم‪.‬‬

‫‪ -3‬العَدْل‪ :‬من أهم وأعظم الركائز واألسس التي يقوم عليها نظام الحكم في الدولة‬

‫الع ْدل "‪ ،‬وهو ‪ ‬يحب‬
‫اإلسالمية " العدل "؛ ألن اهلل تعالى من أسمائه الحسنى وصفاته العليا " َ‬
‫العدل‪ ،‬ويأمر بالعدل‪ ،‬ويجازي عليه خيراً‪.‬‬

‫فاهلل تعالى أنزل الكتب‪ ،‬وأرسل الرسل‪ ،‬بالعدل ‪ ..‬ومن أجل العدل ‪ ..‬ودفع الظلم‪ ،‬كما قال‬
‫َ ْ َْ ُ‬
‫َ َْ‬
‫ذ ذ َ َ ْ ُ ُ ُ ْ َ ْ ُ َ ُّ ْ َ َ َ‬
‫َ َ َ ُْْ َْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ذ‬
‫ات إَِل أهل ِها ِإَوذا حكمتم بني انل ِ‬
‫اس أن َتكموا‬
‫تعالى‪ :‬إِن اَّلل يأمركم أن تؤدوا اْلمان ِ‬
‫ً‬
‫ذ ذَ َ َ‬
‫ُ ُ‬
‫ً َ‬
‫بال ْ َع ْدل إ ذن ذ َ‬
‫صريا ‪‬النساء‪.52:‬‬
‫اَّلل نِعِ ذما يَعِظك ْم بِهِ إِن‬
‫اَّلل َكن َس ِميعا ب ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫َ ْ َ‬
‫ُ َ‬
‫َْ َ‬
‫ذ ذَ َ ُُ َ ْ َ ْ‬
‫ح َسان َ‬
‫حشاءِ‬
‫ِإَويتاءِ ذِي الق ْرَب َويَنَه ع ِن الف‬
‫اإل‬
‫ِ‬
‫وقال تعالى‪ :‬إِن اَّلل يأمر بِالعد ِل و ِ‬
‫َ ُْ ْ َ َ َْ ْ‬
‫ُ ُ َ ذ ُ ََ ذ َ‬
‫ْغ يَعِظك ْم ل َعلك ْم تذك ُرون ‪‬النحل‪.90:‬‬
‫والمنكرِ واْل ِ‬
‫َْ ُ ََ‬
‫ُ َ ٌّ‬
‫َ َ َ َ ذُ ََ ً َ ُ َْ َ ُ َ َ‬
‫لَع َ ْ‬
‫َش ٍء َوه َو ل‬
‫ني أ َح ُده َما أبْك ُم ال يقدِر‬
‫وقال تعالى‪ :‬وَضب اَّلل مثَل رجل ِ‬
‫ْ‬
‫َْ‬
‫ُ َ ََ ْ َ ُ ُ َْ ْ َ ُ َ ََ‬
‫ََ‬
‫َْ َْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫لَع َم ْوالهُ َأ ْينَ َما ي ُ َوج ْه ُ‬
‫َ‬
‫اط‬
‫ِص‬
‫لَع‬
‫و‬
‫ه‬
‫و‬
‫ل‬
‫د‬
‫ع‬
‫ال‬
‫ب‬
‫ر‬
‫م‬
‫أ‬
‫ي‬
‫ن‬
‫م‬
‫و‬
‫و‬
‫ه‬
‫ي‬
‫و‬
‫ت‬
‫س‬
‫ي‬
‫ل‬
‫ه‬
‫ري‬
‫ِب‬
‫ت‬
‫أ‬
‫ي‬
‫ال‬
‫ه‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ُ ْ َ‬
‫يم ‪‬النحل‪.02:‬‬
‫مستقِ ٍ‬
‫ََْ‬
‫ذ ذ َ ُ ُّ ْ ُ ْ‬
‫َْ ْ‬
‫ََ ْ‬
‫صل ُِحوا بَي ْ َ‬
‫سط َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ني‪‬‬
‫ق‬
‫م‬
‫ال‬
‫ِب‬
‫ُي‬
‫اَّلل‬
‫ن‬
‫إ‬
‫وا‬
‫ِط‬
‫س‬
‫ق‬
‫أ‬
‫و‬
‫ل‬
‫د‬
‫ع‬
‫ال‬
‫ب‬
‫ا‬
‫م‬
‫ه‬
‫ن‬
‫وقال تعالى‪ :‬فأ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫الحجرات‪.9:‬‬
‫ْ‬
‫ذ ذ َ ُ ُّ ْ ْ‬
‫ْ‬
‫ْ َ َ ْ َ َ ْ ُ‬
‫سط َ‬
‫ني‪‬‬
‫ت فاحك ْم بَينَ ُه ْم بِالقِ ْس ِط إِن‬
‫وقال تعالى‪ِ :‬إَون حكم‬
‫اَّلل ُيِب ال ُمق ِ ِ‬
‫المائدة‪. 1:‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪125‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وألن اهلل تعالى يسخط الظلم والظالمين ‪ ..‬وقد حرمه ‪ ‬على نفسه وعلى عباده‪ ،‬وتوعد‬
‫َ َ َ‬
‫ُّ َ‬
‫ُ‬
‫َ َ َ َ ُ‬
‫الظالمين منهم بالعذاب األليم‪ ،‬فقال تعالى‪ :‬قال أ ذما َم ْن ظل َم ف َس ْوف ن َعذِبُ ُه ث ذم ي ُ َرد إَِل َربِهِ‬
‫َْ َْ ذ‬
‫ََُ ُُ َ َ ً ُ ْ‬
‫الظالِم َ‬
‫كرا ً ‪‬الكهف‪ .20:‬وقال تعالى‪َ :‬و ذ ُ‬
‫ني‪‬‬
‫اَّلل ال َي ْهدِي القوم‬
‫فيعذِبه عذابا ن‬
‫ِ‬
‫َ ذ ُ ُ ُّ ذ‬
‫ََذ َ َ‬
‫الظالِم َ‬
‫ني ‪‬آل عمران‪ .50:‬وقال تعالى‪ :‬فأذن ُمؤذِن‬
‫البقرة‪ .152:‬وقال تعالى‪ :‬واَّلل ال ُيِب‬
‫ِ‬
‫َ ََُْ ذ ََ ذ‬
‫ََُْ ْ َ ْ َ َُْ ذ ََ ذ‬
‫الظالِم َ‬
‫الظالِم َ‬
‫ني‪‬‬
‫لَع‬
‫اَّلل‬
‫ة‬
‫ن‬
‫ع‬
‫ل‬
‫ال‬
‫أ‬
‫‪‬‬
‫‪:‬‬
‫تعالى‬
‫وقال‬
‫‪.‬‬
‫‪:‬‬
‫اف‬
‫ر‬
‫ألع‬
‫ا‬
‫‪‬‬
‫ني‬
‫بينهم أن لعنة اَّلل ِ لَع‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ َُ ْ َ َ َ‬
‫ذ ذ‬
‫ذ ذ‬
‫الظالِم َ‬
‫ني‬
‫ِإَون‬
‫‪‬‬
‫‪:‬‬
‫تعالى‬
‫وقال‬
‫‪.‬‬
‫‪11‬‬
‫‪:‬‬
‫اهيم‬
‫ر‬
‫ب‬
‫إ‬
‫‪‬‬
‫م‬
‫ِل‬
‫هود‪ .22:‬وقال تعالى‪ :‬إِن الظال ِ ِمني لهم عذاب أ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َُ ْ ً َْ ِْ ذ‬
‫الظالِم َ‬
‫َ‬
‫ني ‪‬المؤمنون‪ . 2:‬وقال‬
‫يد ‪‬الحج‪ .5 :‬وقال تعالى‪ :‬فبعدا ل ِلقوم‬
‫ِ‬
‫اق بعِ ٍ‬
‫ل َِف شِق ٍ‬
‫َ َ ْ َ ُ ُ ْ َ َُ ُ ذ‬
‫َْ‬
‫ذ‬
‫وء ذ‬
‫الل ْعنَ ُة َول َ ُه ْم ُس ُ‬
‫ادلارِ ‪‬غافر‪ .51:‬وقال‬
‫تعالى‪ :‬يَ ْو َم ال َينف ُع الظال ِ ِمني معذِرتهم ولهم‬
‫َ ذ ذ‬
‫الظالِم َ‬
‫ني ِف َع َذاب ُ‬
‫يم ‪‬الشورى‪. 5:‬‬
‫ق‬
‫م‬
‫تعالى‪:‬أال إِن‬
‫ِ ِ‬
‫ٍ ِ ٍ‬
‫وفي الحديث القدسي‪ ":‬يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً‪ ،‬فال‬
‫تظالموا " مسلم‪.‬‬

‫وقال ‪ ":‬اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة "مسلم‪.‬‬

‫أشد الناس عذاباً للناس في الدنيا‪ُّ ،‬‬
‫وقال ‪ُّ ":‬‬
‫أشدهم عذاباً عند اهلل يوم القيامة "[‪.]100‬‬
‫وقال ‪ُّ ":‬‬
‫أشد الناس يوم القيامة عذاباً‪ ،‬إمام جائر "[‪.]102‬‬

‫وألن األمم والدول ال يدوم لها سلطانها وملكها مع الظلم والطغيان؛ فمن أعظم أسباب زوال‬
‫الدول وسلطانها وملكها الظلم ‪ ..‬وغياب العدل ‪ ..‬كما قال تعالى عن األمم الظالمة التي استعدت‬
‫ََ‬
‫األنبياء والرسل‪ ،‬وتعاملت معهم بالظلم والعدوان‪ ،‬والطغيان‪َ :‬وقَ َال ذاَّل َ‬
‫ِين كف ُروا ل ِ ُر ُسل ِ ِه ْم‬
‫َُ ْ َ ذ ُ ْ ْ َْ َ َْ ََُ ُ ذ‬
‫ذ َ َ َ ْ َ َ ْ ْ َ ُّ ُ ْ َ ُ ْ َ ذ ذ‬
‫الظالِم َ‬
‫ني‪‬‬
‫ن‬
‫ِك‬
‫ل‬
‫ه‬
‫نل‬
‫م‬
‫ه‬
‫ب‬
‫ر‬
‫م‬
‫ه‬
‫ِل‬
‫إ‬
‫ْح‬
‫و‬
‫أ‬
‫ف‬
‫ا‬
‫ن‬
‫ت‬
‫ِل‬
‫م‬
‫ِف‬
‫ن‬
‫ِ‬
‫نلخ ِرجنكم مِن أر ِ‬
‫ِ‬
‫ضنا أو تلعود ِ‬
‫ِ ِ‬
‫َْ َ ْ ُ ْ َ َْ َ َ َ َ ُ‬
‫ََ َ َْ ُ َ ُ ُ َُ َََ َْ ُ‬
‫ْ‬
‫إبراهيم‪ .2 :‬وقال تعالى‪ :‬فأخذناه وجنوده فنبذناهم ِِف اِل ِم فانظر كيف َكن َعق ِبة‬
‫ذ‬
‫الظالِم َ‬
‫ني ‪‬القصص‪. 0:‬‬
‫ِ‬

‫‪ 100‬أخرجه أحمد‪ ،‬والبيهقي‪ ،‬صحيح الجامع‪.992:‬‬

‫‪ 102‬أخرجه الطبراني في األوسط‪ ،‬وأبو يعلى في مسنده‪ ،‬صحيح الجامع‪.2002:‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪126‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫فبالعدل تقوم الدول‪ ،‬وتدوم وتسود‪ ،‬وإن كانت كافرة ‪ ..‬وبالظلم تزول وتنهـار الـدول‪ ،‬وإن كانـت‬
‫مســلمة‪ ،‬كمــا فــي الحــديث الــذي أخرجــه مســلم فــي صــحيحه‪ :‬قــال المســتورد القرشــي عنــد عمــرو بــن‬
‫ـول اهلل ‪ ‬يقــول‪ ":‬تقــوم الســاعة والــروم أكثــر النــاس "‪ ،‬فقــال لــه عمــرو‪ :‬أبصــر مــا‬
‫العــاص‪ ،‬ســمعت رسـ َ‬

‫تقول؟ قال‪ :‬أقـول مـا سـمعت مـن رسـول اهلل ‪ ،‬قـال‪ ":‬لـئن قلـت ذلـك‪ ،‬إن فـيهم لخصـاالً أربعـاً‪ :‬إنهـم‬

‫ألحلـم النــاس عنــد فتنـة‪ ،‬وأســرعهم إفاقــة بعــد مصـيبة‪ ،‬وأوشــكهم كــرة بعــد ف ّـرة‪ ،‬وخيــرهم لمســكين ويتــيم‬
‫وضعيف‪ ،‬وخامسة حسنة جميلة‪ ،‬وأمنعهم مـن ظلـم الملـوك "[‪ .]101‬فبهـذه الصـفات حكمـوا‪ ،‬وسـادوا‬

‫كثيراً من البالد والعباد ـ كما هو مشـاهد فـي هـذا الزمـان ـ ولـن نتفـوق علـيهم بنصـر وتمكـين إال إذا كنـا‬

‫أكث ــر م ــنهم ع ــدالً ‪ ..‬وأكث ــر م ــنهم رحم ــة بالن ــاس ‪ ..‬وأكث ــر م ــنهم امتث ــاالً لتل ــك الص ــفات ال ــواردة ف ــي‬
‫الحديث أعاله‪.‬‬

‫فمن سنن اهلل تعالى في خلقه أن ال يأخذ القرى والـدول بالعـذاب إال وهـي ظالمـة مسـتكبرة‪ ،‬كمـا‬
‫ذ َ ْ َ َ‬
‫َ‬
‫ََ َ َ َ ْ ُ َ َ َ َ َ َ ُْ َ َ َ َ‬
‫ِه ظال َِمة إِن أخذهُ أ ِِلم شدِيد ‪‬هـود‪.201:‬‬
‫قال تعالى‪ :‬وكذل ِك أخذ ربِك إِذا أخذ القرى و ِ‬
‫ََْ َ َ ْ َ َ ً ََ َ َْ َ ْ َ َ َْ ً َ‬
‫وقـال تعـالى‪َ :‬و َك ْم قَ َص ْم َ‬
‫آخـر َ‬
‫ين ‪‬األنبيـاء‪.22:‬‬
‫مـا‬
‫و‬
‫ق‬
‫ا‬
‫ه‬
‫د‬
‫ع‬
‫ب‬
‫ا‬
‫ن‬
‫أ‬
‫نش‬
‫أ‬
‫و‬
‫ة‬
‫ِم‬
‫ل‬
‫ا‬
‫ظ‬
‫ت‬
‫ن‬
‫َك‬
‫ة‬
‫ي‬
‫ر‬
‫ق‬
‫ِن‬
‫م‬
‫ا‬
‫ن‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫َ ََ‬
‫َ ْ َ َ ْ َ ْ َ َ َ َ َ َ َ َ َ َ َ َ ُ ُ َ َ ْ ُّ َ ذ َ‬
‫ـر معطلـ ٍة‬
‫وقال تعـالى‪ :‬فكأيِن مِن قري ٍة أهلكناها و ِِه ظال ِمة ف َِه خاوِية لَع عروشِها وب ِ ٍ‬
‫ََ‬
‫َ‬
‫َ ْ َ َ ْ َْ ُ ََ َ َ َ َ ُ ذ َ ْ‬
‫َوقَ ْ ذ‬
‫ـذ ُتهاَ‬
‫يد ‪‬الحج‪ . 5:‬وقال تعـالى‪َ :‬وكأيِن مِن قري ٍة أمليت لها و ِِه ظال ِمة ثـم أخ‬
‫ْص مشِ ٍ‬
‫ٍ‬
‫ْ‬
‫ِإَوَل ال َم ِص ُ‬
‫َذ‬
‫ري ‪‬الحج‪. 2:‬‬
‫وفي الحديث‪ ،‬قال ‪ ":‬إن اهلل ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " متفق عليه‪.‬‬

‫الناس في الدنيا " مسلم‪.‬‬
‫وقال ‪ ":‬إن اهلل يعذب الذين يعذبون َ‬

‫قال ابن تيمية رحمه اهلل في الفتاوى ‪ :2 2/12‬أمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل‬

‫الذي فيه االشتراك في أنواع اإلثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم؛‬
‫ولهذا قيل‪ :‬إن اهلل يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة‪ ،‬وال يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة‪ .‬ويقال‪:‬‬
‫الدنيا تدوم مع العدل والكفر‪ ،‬وال تدوم مع الظلم واإلسالم‪ .‬وقد قال ‪ ":‬ليس ذنب أسرع عقوبة‬
‫‪ 101‬قال الشيخ ناصر الدين األلباني في التخريج‪ ،‬مختصر صحيح مسلم‪ ،‬ص ‪ :5 2‬قال في الشرح ـ أي صديق‬

‫حسن خان ـ‪ ":‬لم يشرح النووي هذا الحديث‪ ،‬ولم يبين من المراد بـ " الروم "‪ ،‬والظاهر أنهم النصارى‪ ،‬وهذه‬
‫الخصال الخمسة موجودة فيهم‪ ،‬وهم والة األمر اليوم في أكثر األرض‪ ،‬وهذا معجزة ظاهرة للنبي ‪ ‬حيث وقع ما‬

‫أخبر به مطابقاً لنفس األمر‪ ،‬وهلل األمر من قبل ومن بعد "ا‪ -‬هـ‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪127‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫صرع في الدنيا وإن كان مغفوراً له مرحوماً في اآلخرة‪ ،‬وذلك أن‬
‫من البغي وقطيعة الرحم "؛ فالباغي ي َ‬

‫العدل نظام كل شيء؛ فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في اآلخرة من خالق‪،‬‬

‫ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من اإليمان ما يجزى به في اآلخرة ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫ومن خصائص العدل في النظام اإلسالمي العدل مع النفس ومع اآلخرين من الشانئين‬
‫المعادين سواء‪ ،‬وإنصاف المظلوم من الظالم وإن كان المظلوم كافراً والظالم مسلماً‪ ،‬كما قال تعالى‪:‬‬
‫َ َ ُّ َ ذ َ َ ُ ُ ُ َ ذ َ ذ ُ َ َ َ ْ ْ َ َ ْ َ ذ ُ ْ َ َ ُ َ ْ َ َ َ ذ‬
‫‪‬يا أيها اَّلِين آمنوا كونوا قوامِني َِّلل ِ شهداء بِالقِس ِط وال َي ِرمنكم شنآن قو ٍم لَع أال‬
‫َ ََُْ َ‬
‫َ ْ ُ ْ ُ َُ ََْ ُ ذَْ َ ذُ ذَ ذ ذَ َ‬
‫تعدِلوا اعدِلوا هو أقرب ل ِلتقوى واتقوا اَّلل إِن اَّلل خبِري بِما تعملون ‪‬المائدة‪.2:‬‬
‫وفي الحديث فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً "‪ ،‬فقال رجل‪:‬‬

‫يا رسول اهلل! أنصره مظلوماً‪ ،‬فكيف أنصره ظالماً؟ قال‪ ":‬تمنعه من الظلم؛ فذاك نصر َك إياه " متفق‬
‫عليه‪.‬‬
‫ـ تنبيــه‪ :‬أرى أن األحزاب والتجمعات التي تستشرف الحكم‪ ،‬والواليات‪ ،‬والمسؤوليات‬

‫العامة قد كثرت في زماننا ‪ ..‬حتى بتنا لم نعد قادرين على إحصائها‪ ،‬وذكر أسمائها ‪ ..‬وأسماء‬
‫دكاكينها ‪ ..‬وكلهم قبل مرحلة الوصول إلى الحكم ‪ ..‬يستعطفون الناس‪ ،‬ويعدونهم الوعود‪ ،‬ويمنونهم‬
‫األماني مقابل أن يقفوا بجوارهم‪ ،‬ويصوتوا لهم ‪ ..‬ثم ما إن يصلوا إلى سدة الحكم ‪ ..‬وتصبح مقاليد‬
‫الحكم بأيديهم ‪ ..‬إال ويعرضوا عن الناس وهمومهم ومشاكلهم ‪ ..‬ويتنكبوا لوعودهم ‪ ..‬ويتناسوا ما‬
‫كانوا قد قطعوه على أنفسهم للناس!‬
‫ولهؤالء أقول‪ :‬اعلموا أن حظ الشعوب من أحزابكم‪ ،‬وتجمعاتكم‪ ،‬وشعاراتكم‪ ،‬ودكاكينكم‬
‫على كثرتها ‪ ..‬العدل ‪ ..‬وال شيء غير العدل ‪ ..‬فإن لم تحكموا فيهم بالعدل كما أمر اهلل ‪..‬‬
‫وتسوسوهم بالعدل ‪ ..‬لفظوكم ‪ ..‬واستبدلوكم بقيادات آخرين ‪ ..‬يحكمون فيهم بالعدل ‪ ..‬وال تلوموا‬
‫ٍ‬
‫حينئذ إال أنفسكم!‬
‫‪ -4‬األمانة ونزاهة يد احلاكم قبل احملكوم‪ :‬من خصائص الحكم اإلسالمي في‬
‫الدولة اإلسالمية أمانة الحاكم ونزاهته‪ ،‬وترفعه عن الخيانة‪ ،‬والنهب والغش‪ ،‬والتخوض في األموال‬
‫العامة ‪ ..‬فهو في موضع القدوة؛ فإن كان أميناً كان الناس أمناء‪ ،‬وإن كان غير أمين تأسى الناس به‪،‬‬

‫وفشا فيما بينهم الخيانة‪ ،‬والغدر‪ ،‬والنهب‪ ،‬والرشاوى‪ ،‬والغلول!‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫لرتعوا"‪.‬‬

‫‪128‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫قال علي بن أبي طالب ‪ ‬لعمر بن الخطاب ‪ ":‬عففت‪ ،‬فع ّفت رعيتك‪ ،‬ولو رتعت‬

‫َ‬
‫َ َْ‬
‫ذ ذ َ ْ ُ ُ ُ ْ َ ُ ُّ ْ َ َ َ‬
‫َ َ َ ُْ َْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ذ‬
‫ِ‬
‫ات إَِل أهل ِها ِإَوذا حكمتم بني انلاس أن‬
‫قال تعالى‪ :‬إِن اَّلل يأمركم أن تؤدوا اْلمان ِ‬
‫ً‬
‫ذ ذ َ َ‬
‫َْ ُ ْ َْ ْ ذ ذ‬
‫َ ُ ُ‬
‫ً َ‬
‫صريا ‪‬النساء‪ .52:‬فال يستقيم‬
‫َتك ُموا بِالعد ِل إِن اَّلل نِعِ ذما يعِظكم بِهِ إِن اَّلل َكن َس ِميعا ب ِ‬
‫حكم من غير أمانة وال عدل ‪ ..‬واألمانة هنا شاملة لكل أنواع األمانات؛ أمانة الحكم‪ ،‬واألمانة على‬
‫المال‪ ،‬وجميع الحقوق‪ ،‬والحرمات‪.‬‬

‫وفي الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬أال وإن لكل ٍ‬
‫أمة أميناً‪ ،‬وأمين هذه األمة أبو‬
‫عبيدة بن الجراح "[ ‪.]10‬‬
‫وألجل هذه الشهادة العظيمة من النبي ‪ ‬في أبي عبيدة‪ ،‬قال عمر ‪ ،‬وهو على فراش‬
‫المرض‪ ":‬لو كان أبو عبيدة حياً‪ ،‬لوليته واستخلفته "‪ .‬وذلك لعلمه أن األمانة ركيزة من ركائز الحكم‬
‫اإلسالمي‪ ،‬ال يستقيم من دونه‪.‬‬

‫علي بن أبي طالب‬
‫وقد تقدم معنا في الحديث عن عبد اهلل بن زَري ٍر الغافقي‪ ،‬قال‪ :‬دخلنا على ٍّ‬
‫يوم أضحى فقد َم إلينا َخزيرًة[ ‪ ،]10‬فقال يا أمير المؤمنين لو قدمت إلينا من هذا ِّ‬
‫والوزِّ‪ ،‬والخير‬
‫البط َ‬
‫َ‬
‫يحل للخليفة إال قصعتان‪ :‬قصعةٌ يأكلها‬
‫كثير‪ ،‬قال‪ :‬يا ابن وزي ٍر إني سمعت َ‬
‫رسول اهلل ‪ ‬يقول‪ ":‬ال ُّ‬
‫ٌ‬
‫‪105‬‬
‫هو وأهله‪ ،‬وقصعةٌ يطعمها "[ ]‪.‬‬
‫خادم فليكتسب خادماً‪ ،‬فإن‬
‫وقال ‪ ":‬من كان لنا عامالً فليكتسب زوجةً‪ ،‬فإن لم يكن له ٌ‬
‫مسكن فليكتسب مسكناً‪ ،‬من اتخذ غير ذلك فهو ٍ‬
‫غال "[‪ .]102‬أي من تعدى من عمال‬
‫لم يكن له‬
‫ٌ‬
‫ٍ‬
‫ومعتد على ٍ‬
‫مال ليس له فيه حق‪.‬‬
‫الدولة ووالتها أكثر من ذلك فهو سارق‬
‫وقال ‪ ":‬إن رجاالً يتخوضون في مال اهلل بغير حقٍّ؛ فلهم النار يوم القيامة " البخاري‪.‬‬
‫‪ 10‬صحيح سنن ابن ماجه‪.220:‬‬

‫‪10‬‬
‫صب عليه ماءٌ كثير‪ ،‬فإذا نضج ذر عليه الدقيق‪ ،‬فإن لم يكن فيها لحم فهي‬
‫الخزيرة‪ :‬لحم يقطع صغاراً وي َ‬
‫عصيدة‪ ".‬النهاية "‪.‬‬

‫‪ 105‬أخرجه أحمد‪ ،‬وابن أبي الدنيا في الورع‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪. 21:‬‬
‫‪ 102‬أخرجه أبو داود‪ ،‬وصححه الشيخ ناصر في المشكاة‪. 052:‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪129‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وكان عمر بن الخطاب ‪ ‬إذا بعث عماله والة على األمصار شرط عليهم أموراً‪ ":‬أن ال‬
‫تركبوا ب ْرذَوناً[‪ ،]100‬وال تأكلوا نقياً[‪ ،]102‬وال تلبسوا رقيقاً[‪ ،]109‬وال تغلقوا أبوابكم دون حوائج‬
‫الناس‪ ،‬فإن فعلتم شيئاً من ذلك فقد حلت بكم العقوبة‪ ،‬ثم يشيِّعهم "[‪.]120‬‬

‫وعمر ‪ ‬إذ كان يأمر الوالة بذلك كان هو أكثرهم التزاماً بما يأمرهم به؛ فلم يكن يخص‬
‫نفسه وأهله بخالف ما كان يأمر به الوالة وغيرهم من الناس‪ ،‬لذا سهل على الوالة االلتزام بما كان‬

‫يأمرهم به الخليفة ابن الخطاب ‪ .. ‬ولو زاغ ـ حاشاه ـ لزاغوا ‪ ..‬ولو رتع‪ ،‬لرتعوا!‬
‫بهذه األخالق ‪ ..‬وهذه األمانة ‪ ..‬ساد السلف العالم ‪ ..‬ونصبوا ألنفسهم عروشاً في قلوب‬

‫الناس‪ ،‬قبل أن ينصبوها في الديار‪ ،‬والبلدان!‬

‫لذا نقول‪ :‬عندما يجوع الحاكم قبل شعبه ‪ ..‬ويخصهم بالعطاء ـ مهما كان قليالً ـ قبل نفسه‬

‫وأهله وحاشيته‪ ،‬ويسهر على رعايتهم وخدمتهم وراحتهم ـ كما كان يفعل الفاروق عمر بن الخطاب ‪‬‬
‫ٍ‬
‫حينئذ أن يفكر بالثورة أو الخروج على‬
‫وكثير غيره من والة المسلمين األوائل ـ ال يمكن لهذا الشعب‬
‫حاكمه مهما عانى من الفقر وظروف المجاعات ‪ ..‬كما أنه يقوى على مواجهة التحديات أو أي‬
‫حصار اقتصادي يشنه العدو عليهم ‪ ..‬مادام الحاكم ذاته يتحمل قبلهم معاناة وآثار هذا الحصار‪،‬‬
‫ويتقدمهم في الصبر على البالء والجوع والفقر‪ ،‬ويؤثرهم على نفسه‪ ،‬وخاصة أهله‪.‬‬
‫أما إن كان الحاكم يتمتع بثروات طائلة قد نهبها من أموال األمة ‪ ..‬ويعيش قمة البذخ‬
‫واإلسراف والتبذير ‪ ..‬ثم هو يصنف كأول أو ثاني أو ثالث أغنى رجل في العالم ـ كما هو حال كثير‬
‫من طواغيت الحكم في هذا الزمان ـ وفي المقابل شعبه يتضور الجوع والحرمان والفقر‪ ،‬وهو يرى بأم‬
‫عينيه كيف تنهب خيرات وثروات بالده الطائلة على أيدي الطغمة الحاكمة ‪ ..‬لتصرف على موائد‬
‫اللهو‪ ،‬والشهوات واألهواء ‪ ..‬وتصب في جيوب األعداء ‪ ..‬فشعب هذا وصفه وحاله وواقعه‪ ،‬ال‬
‫يمكن أن يقوى على مواجهة التحديات وال الحصارات أو االنتكاسات االقتصادية ‪ ..‬وال توجد بينه‬
‫وبين حاكمه المفسد الظالم أي ترابط أو تفاهم أو عالقة دفاع أو حماية مشتركة ‪ ..‬بل ترى همه‬
‫‪ 100‬هو الفرس األعجمي؛ لما يمكن أن يحصل لراكبه من خيالء وتكبر ‪ ..‬فيفسد طبعه‪ ،‬فيستعذب الطغيان!‬

‫‪ 102‬هو الطعام المنقى مرة بعد مرة ‪ ..‬وهذا ال يحصل لعامة شعبه ورعيته ‪ ..‬وقد يفسده فيجعله يألف الترف‪ ،‬وهذا‬
‫يؤثر على مهمته‪ ،‬واألمانة الملقاة على عاتقه نحو شعبه ورعيته‪.‬‬

‫‪ 109‬لما في ذلك من التنعم واإلسراف الذي قد يشغله عن واقع رعيته‪ ،‬وحاجتهم‪.‬‬
‫‪ 120‬أخرجه البيهقي في شعب اإليمان‪ ،‬المشكاة‪. 0 0 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪130‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫األكبر كيف يتخلص من هذه الطغمة الحاكمة‪ ،‬ومن نظامهم وحكمهم وظلمهم ‪ ..‬ولو كان ذلك على‬
‫يد أعداء األمة ذاتهم ‪ ..‬كما حصل وال يزال يحصل في عديد من األمصار!‬
‫عندما الحاكم ال يحوط رعيته بالنصح والرعاية والحماية من كل ما يتهددهم ‪ ..‬وهو ال يهمه‬
‫من شؤون الحكم والملك إال نفسه ‪ ..‬وملكه ‪ ..‬وخصائصه ومستحقاته الباطلة من ثروات الدولة ‪..‬‬
‫ومستحقات حاشيته المقربين التي تثقل كاهل عامة الناس ‪ ..‬وكيف يثبِّت عرشه وملكه ونظامه ـ ولو‬

‫كان ذلك على حساب جماجم وأمن شعبه كله ـ حاكم هذا وصفه وحاله ال يمكن أن يسمى حاكماً‬
‫مسلماً‪ ،‬كما أن حكمه ال يمكن أن يسمى حكماً إسالمياً ‪ ..‬كما ال يمكن أن يستمر له حكم‪ ،‬وال أن‬
‫تقام له دولة ‪ ..‬ولو قامت فهي سرعان ما تأفل وتزول‪ ،‬غير مأسوف عليها‪.‬‬
‫قال رسول اهلل ‪ ":‬ما من ٍ‬
‫عبد يسترعيه اهلل رعيةً‪ ،‬فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة "‬

‫متفق عليه‪.‬‬

‫وقال ‪ ":‬ما من وا ٍل يلي رعيةً من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إال حرم اهلل عليه‬
‫الجنة" متفق عليه‪.‬‬
‫أمر المسلمين‪ ،‬ثم ال يجهد لهم وينصح إال لم يدخل معهم‬
‫وقال ‪ ":‬ما من أمير يلي َ‬
‫الجنة" مسلم‪.‬‬
‫إمام أو ٍ‬
‫وقال ‪ ":‬ما من ٍ‬
‫وال يغلق بابه دون ذوي الحاجة وال َخلة ـ أي الفقر ـ والمسكنة‪ ،‬إال‬
‫أبواب السماء دون َخلته وحاجته ومسكنته "[‪.]122‬‬
‫أغلق اهلل َ‬
‫وقال ‪ ":‬ما من ٍ‬
‫أمر عشرةٍ فما فوق ذلك‪ ،‬إال أتى اهلل مغلوالً ي َده إلى عنقه‪ ،‬فكه‬
‫رجل يلي َ‬

‫خزي يوم القيامة "[‪ .]121‬هذا‬
‫ُّبره أو أوث َقه إثمه‪ ،‬أولها ـ إي اإلمارة ـ مالمةٌ‪ ،‬وأوسطها ندامةٌ‪ ،‬وآخرها ٌ‬

‫فيمن لم يقم بحق اإلمارة وواجبها حق القيام‪ ،‬أما إن قام بحقها وواجبها حق القيام‪ ،‬وكان أميناً على‬

‫أمته ومقدراتها وثرواتها‪ ،‬وحرماتها ‪ ..‬يحكم بين العباد بالسوية والعدل فهو عند اهلل يوم القيامة على‬

‫منبر من نور‪ ،‬كما في الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬إن المقسطين عند اهلل على منابر‬
‫من نوٍر عن يمين الرحمن؛ وكلتا يديه يمين‪ ،‬الذين يعدلون في حكمهم‪ ،‬وأهليهم‪ ،‬وما ولُّوا " مسلم‪.‬‬

‫‪ 122‬أخرجه أحمد وغيره‪ ،‬صحيح الجامع‪.5225 :‬‬
‫‪ 121‬أخرجه أحمد‪ ،‬صحيح الجامع‪.5022 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪131‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫‪ -5‬العِلْمُ‪ :‬وأعني بالعلم؛ العلم بشقيه ونوعيه‪ :‬العلم الشرعي‪ ،‬والعلم الدنيوي‪ ،‬حيث أن‬
‫الحكم في الدولة اإلسالمية ال يمكن أن تقوم له قائمة من دون هذين النوعين من العلم‪ ،‬والذي بهما‬
‫تقوم مصالح الدين والدنيا معاً‪.‬‬
‫أما العلم الشرعي‪ :‬فهو العلم الذي ينظم ويرشد وينمي عالقة الفرد بخالقه‪ ،‬وعالقته بنفسه‪،‬‬
‫عرفه بما يجب عليه نحو ربه‪ ،‬ونحو نفسه‪ ،‬ونحو أهله‪ ،‬ونحو المجتمع الذي‬
‫وعالقته بمجتمعه ‪ ..‬وي ِّ‬

‫يعيش فيه‪ ،‬ونحو الناس أجمعين ‪ ..‬كما هو مبين في كتاب اهلل تعالى‪ ،‬وسنة رسوله ‪.‬‬

‫هو العلم الذي يعرف الفرد بما يجب له وما يجب عليه ‪ ..‬ويعرف الجماعة بما يجب لها وما‬
‫يجب عليها ‪ ..‬ويعرف الحاكم بما يجب له وما يجب عليه‪.‬‬
‫هو العلم الذي يوضح الغايات من الوجود ‪ ..‬والوسائل التي تؤدي إلى تلك الغايات‪.‬‬
‫هو العلم الذي تنتظم به الحياة العامة والخاصة سواء ‪ ..‬فتصبغ بالصبغة الشرعية التي يحبها‬
‫ويريدها اهلل ‪ ‬من عباده‪.‬‬
‫هو العلم الذي به يستبين الواجب من المحظور‪ ،‬والمستحب من المكروه‪.‬‬
‫عرف العبد بخالقه ‪ ‬وبأسمائه الحسنى‪ ،‬وصفاته العليا ‪ ..‬وبحقه عليه ‪..‬‬
‫هو العلم الذي ي ِّ‬
‫وما للعبد من جزاء حسن إن وفى بهذا الحق‪.‬‬
‫من دون هذا النوع من العلم تفقد الدولة هويتها ‪ ..‬وعقيدتها ‪ ..‬وانتماءها ‪ ..‬وروحها ‪..‬‬
‫ومناعتها ‪ ..‬واستقاللها ‪ ..‬والغاية من وجودها ‪ ..‬وكذلك المجتمع واألفراد ‪ ..‬من هنا تأتي أهمية هذا‬
‫َ َ ْ ْ َ ْ‬
‫النوع من العلم‪ ،‬وأهمية طلبه‪ ،‬وفضل الحرص عليه‪ ،‬كما قال تعالى‪َ :‬و َما َكن ال ُمؤمِنُون ِِلَنفِ ُروا‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ََكفذ ًة فَلَ ْوال َن َف َر م ِْن ُل ف ِْرقَة مِنْ ُه ْم َطائ َفة ِِلَ َت َف ذق ُ‬
‫ِين َو ِِلُنذ ُِروا ق ْو َم ُه ْم إِذا َر َج ُعوا إِِل ْ ِه ْم‬
‫ادل‬
‫ِف‬
‫وا‬
‫ه‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ذ‬
‫ذ‬
‫ُْ َْ‬
‫َْ َ‬
‫َ ََُْ َ‬
‫َ ذ ََْ َ‬
‫ون َواَّل َ‬
‫ِين ال َيعل ُمون‬
‫ل َعل ُه ْم ُيذ ُرون ‪‬التوبة‪ .211:‬وقال تعالى‪ :‬قل هل ي َ ْستَوِي اَّلِين يعلم‬
‫إ ذن َما َيتَ َذ ذك ُر أُولُو ْاْلَ ْْلَاب ‪‬الزمر‪ .9:‬وقال تعالى‪ :‬إ ذن َما ََيْ ََش ذ َ‬
‫اَّلل م ِْن عِبَادِه ِ الْ ُعلَ َم ُ‬
‫اء ‪‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َْ‬
‫ََْ َ‬
‫ْ ُْ‬
‫فاطر‪ .12:‬وقال تعالى‪ :‬فَ ْ‬
‫اسألوا أهل اَّلِك ِر إِن كنتُ ْم ال تعل ُمون ‪‬النحل‪ . :‬وقال تعالى‪:‬‬
‫ذ‬
‫ََ‬
‫َْ ُ َ ذ ََ َ َ ََ‬
‫َُ ْ َ َ ذ‬
‫‪‬قُ ْل َه ِذه ِ َ‬
‫حان اَّلل ِ َو َما أنا م َِن‬
‫ري ٍة أنا َو َم ِن اتبَ َع ِّن وسب‬
‫ص‬
‫ب‬
‫س‬
‫يَل أدعو إَِل اَّلل ِ لَع ب ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ال ْ ُم ْْشك َ‬
‫ِني‪ ‬يوسف‪ .202:‬وهذا ال يتأتى إال بالعلم‪.‬‬
‫ِ‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪132‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫كل م ٍ‬
‫سلم "[ ‪.]12‬‬
‫وفي الحديث فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬طلب العلم فريضةٌ على ِّ‬

‫والحديث يشمل كل مسلمة أيضاً‪.‬‬
‫وقال ‪ ":‬من سلَك طريقاً يلتمس فيه علماً‪ ،‬سه َل اهلل له طريقاً إلى الجنة‪ ،‬وإن المالئكةَ‬
‫لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع "[ ‪.]12‬‬
‫تكئ على بردة له‬
‫وعن صفوان بن عسال المرادي‪ ،‬قال‪ :‬أتيت النبي ‪ ‬وهو في المسجد م ٌ‬
‫العلم‪ ،‬فقال‪ ":‬مرحباً بطالب العلم؛ إن طالب العلم‬
‫أحمر‪ ،‬فقلت له‪ :‬يا رسول اهلل إني جئت أطلب َ‬
‫ُّ‬
‫السماء الدنيا من محبتهم لما‬
‫تحفه المالئكة بأجنحتها‪ ،‬ثم يركب بعضهم بعضاً حتى يبلغوا‬
‫َ‬

‫يطلب"[‪.]125‬‬

‫وقال ‪ ":‬فضل العالم على العابد‪ ،‬كفضلي على أدناكم؛ إن اهلل ومالئكتَه‪ ،‬وأهل السماوات‬

‫الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير "[‪.]122‬‬
‫واألرض حتى النملةَ في جحرها‪ ،‬وحتى‬
‫َ‬
‫وقال ‪ ":‬من يرد اهلل به خيراً يفقهه في الدين " متفق عليه‪.‬‬
‫وقال ‪ ":‬أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه " البخاري‪.‬‬

‫وأما العلم الدنيوي‪ :‬وهو العلم الذي به تستقيم حياة الناس المادية من ملبس‪ ،‬ومأكل‪،‬‬
‫ومشرب‪ ،‬ومسكن‪ ،‬ومركب‪ ،‬وغير ذلك من الصناعات الحربية التي تقي المؤمنين بأس أعدائهم ‪..‬‬
‫وهو علم ال يمكن تجاهله‪ ،‬أو التهاون به‪ ،‬بل ال يمكن للدولة اإلسالمية أن تقوم لها قائمة من دونه؛‬
‫لذا كثير منه ـ مما يدخل في حكم الضروريات ـ يكون تعلمه واجباً‪ ،‬وفرضاً كفائياً ال بد من أن ينفر من‬

‫المسلمين من يكفي األمة حاجتها من تلك الضروريات‪ ،‬وإال وقع اإلثم والحرج على الجميع ممن‬

‫يقدرون على سد النقص في تلك المجاالت من العلوم والفنون ثم هم ال يفعلون‪.‬‬
‫هذا النوع من العلم هو الذي به تحافظ الدولة اإلسالمية على استقاللها‪ ،‬واكتفائها الذاتي‪،‬‬
‫وتحفظ هيبتها ومكانتها بين الدول واألمم التي ال تعترف إال بالقوي‪ ،‬وال تحترم إال القوي‪ ،‬وال وجود‬
‫َ َ ُّ َ ُ ْ َ ْ َ َ ْ ُ ْ ْ ُ‬
‫َْ ْ ُ ْ ُ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ذ‬
‫اط اْلي ِل ترهِبون‬
‫بينها إال للقوي‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬وأعِدوا لهم ما استطعتم مِن قوةٍ ومِن رِب ِ‬
‫‪ 12‬أخرجه ابن ماجه وغيره‪ ،‬صحيح الترغيب‪.00:‬‬
‫‪ 12‬أخرجه أبو داود وغيره‪ ،‬صحيح الترغيب‪.22:‬‬

‫‪ 125‬أخرجه أحمد وغيره‪ ،‬صحيح الترغيب‪.29:‬‬

‫‪ 122‬أخرجه الترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪133‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫َ ُ ذ ذ َ َ ُ ذ ُ ْ َ َ َ ْ ُ ْ ََُْ َ‬
‫ون ُه ُم ذ ُ‬
‫اَّلل َي ْعلَ ُم ُه ْم َو َما ُتنْفِ ُقوا م ِْن َ ْ‬
‫َش ٍء ِِف‬
‫بِهِ عدو اَّلل ِ وعدوكم وآخرِين مِن دون ِ ِهم ال تعلم‬
‫ذ َ ُ َْ‬
‫ُْ َ َ‬
‫ذ‬
‫َ‬
‫يل اَّلل ِ ي ُ َوف إِِلْك ْم َوأنتُ ْم ال تظل ُمون ‪‬األنفال‪ .20:‬ولكي نتمكن من اإلعداد ما استطعنا‬
‫سب ِ ِ‬
‫من قوة يستلزم العلم بجميع أنواع وأدوات القوة المعاصرة المتاحة ‪ ..‬وجميع فنون القتال ‪ ..‬التي‬
‫تكافئ قوة العدو ومهاراته ‪ ..‬والتي تردعه وترهبه وتمنعه من التجرؤ على االعتداء ‪ ..‬وإذا كان هذا‬
‫اإلعداد واجباً وهو ال يمكن أن يتحقق إال بالعلم بأدواته وأسبابه دل أن هذا النوع من العلم واجب‬
‫كذلك؛ للقاعدة الشرعية التي تقول‪ :‬ماال يتم الواجب إال به فهو واجب‪.‬‬
‫ََ ْ َْ َ َْ ُ ُ ََ ْ‬
‫َََْ َْ َ َ ُ ُ ْ َ َ َ ْ َ َ‬
‫وم انلذاسُ‬
‫ان ِِلَ ُق َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ات وأنزنلا معهم الكِتاب وال ِمزي‬
‫وقال تعالى‪ :‬لقد أرسلنا رسلنا بِاْليِن ِ‬
‫َْ‬
‫َََْ َْ ْ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ذ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْصهُ َو ُر ُسلَهُ‬
‫اس َو ِِلَ ْعلَ َم ذ ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫اَّلل َم ْن َينْ ُ ُ‬
‫َ‬
‫بِالقِ ْس ِط وأنزنلا اْلدِيد فِيهِ بأس شدِيد ومناف ِع ل ِلن ِ‬
‫ذ ذَ َ‬
‫َ‬
‫بال ْ َغيْ‬
‫اَّلل قوِ ٌّي عزِيز ‪‬الحديد‪.15:‬‬
‫ب إِن‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫فالدولة اإلسالمية ال يمكن أن تقوم لها قائمة إال بالكتاب والحديد معاً ‪ ..‬ومتى أخذت‬
‫بأحدهما دون اآلخر‪ ،‬وقعت في التقصير والتفريط‪ ،‬وحكمت على نفسها بالفشل والزوال ‪ ..‬وتجرأ‬

‫عليها األعداء‪.‬‬
‫األمة التي تستورد مأكوالتها‪ ،‬وملبوساتها‪ ،‬ومركوباتها‪ ،‬وآلياتها‪ ،‬ومصانعها ‪ ..‬وحاجياتها ‪ ..‬من‬
‫األمم األخرى ‪ ..‬هي أمة مستعمرة من تلك األمم ‪ ..‬ال تملك قرارها‪ ،‬وال حريتها إال على قدر‬
‫استغنائها عن تلك األمم!‬
‫وقد أثر عن عمر بن الخطاب ‪ ‬أنه كتب إلى أهل الشام‪ ":‬علموا أوالدكم الكتابة‪،‬‬
‫والسباحة‪ ،‬والرمي‪ ،‬والفروسية‪ ،‬ومروهم فليثبوا على الخيل وثباً "‪.‬‬
‫كل م ٍ‬
‫سلم "‪ ،‬يشمل هذا النوع من العلم كذلك‪ ،‬واهلل‬
‫وقوله ‪ ":‬طلب العلم فريضةٌ على ِّ‬
‫تعالى أعلم‪.‬‬

‫‪ -6‬األمر باملعروف والنهي عن املنكر‪ :‬من أبرز الخصائص واألسس والركائز‬
‫والمقومات التي يقوم عليها الحكم في الدولة اإلسالمية‪ " ،‬األمر بالمعروف والنهي عن المنكر "‪.‬‬
‫فهو يمثل جهاز المناعة في جسد األمة‪ ،‬والدولة اإلسالمية‪.‬‬
‫إذ ال قيام وال حياة وال وجود للدولة اإلسالمية والمجتمع اإلسالمي من دون األمر بالمعروف‬
‫والنهي عن المنكر‪ ،‬ومن دون أن تكون ثقافة وعقيدة " األمر بالمعروف والنهي عن المنكر "‪ ،‬ثقافة‬
‫الدولة والفرد سواء‪ ،‬بل وثقافة المجتمع برمته‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪134‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬من رأى منكم منكراً فليغيره بيده‪ ،‬فإن لم يستطع فبلسانه‪،‬‬

‫فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف اإليمان " مسلم‪.‬‬

‫فقوله " َمن "؛ من صيغ العموم؛ أي كل من رأى منكم منكراً وكان قادراً على إنكاره يتعين‬
‫عليه إنكاره‪ ،‬إذ ال يقتصر إنكار المنكر على فئة دون فئة‪ ،‬أو شخص دون شخص ‪ ..‬فالجميع يجب‬
‫عليهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر‪ ،‬كل بحسب استطاعته وموقعه‪.‬‬
‫َََْْ َ‬
‫َُْ ُ َ َْ ْ‬
‫َ ُْ ْ ُ َ َ ُْ ْ َ ُ َ ْ ُ ُ ْ َْ َ ُ َ ْ‬
‫ُ‬
‫وف وينهون‬
‫وقال تعالى‪ :‬والمؤمِنون والمؤمِنات بعضهم أو ِِلاء بع ٍض يأمرون بِالمعر ِ‬
‫ْ ْ َ‬
‫َ ُْ ْ ُ َ‬
‫َ‬
‫ون َوال ْ ُم ْؤمِنَ ُ‬
‫ات ‪ ‬تفيد العموم‬
‫ع ِن ال ُمنك ِر ‪‬التوبة‪ .02:‬فالم التعريف في قوله ‪ ‬والمؤمِن‬
‫َََْْ َ‬
‫َُْ ُ َ َْ ْ‬
‫َْ ُ ُ ْ َْ َ ُ َْ‬
‫ُ‬
‫وف وينهون‬
‫واالستغراق؛ أي كل المؤمنين والمؤمنات ‪ ‬بعضهم أو ِِلاء بع ٍض يأمرون بِالمعر ِ‬
‫ْ ْ َ‬
‫َ‬
‫ع ِن ال ُمنكرِ ‪ ،‬فاألمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثقافة وسلوك وأخالق جميع المؤمنين‬
‫والمؤمنات ‪ ..‬وإن كان يجوز أن تتخصص فئة من هؤالء المؤمنين تكون مهمتها ووظيفتها األساسية‬
‫األمر بالمعروف والنهي عن المنكر ‪ ..‬والسهر على حماية المجتمع من التلوث بالمنكرات‪ ،‬كما قال‬
‫َ ََْ ْ َ َ ُْ ْ َ‬
‫َ ْ َ ُ ْ ْ ُ ْ ُ ذ َ ْ ُ َ َ َْ ْ َ َ ْ ُ ُ َ ْ َ ْ‬
‫ُ‬
‫ري ويأمرون بِالمعر ِ‬
‫تعالى‪ :‬وتلكن مِنكم أمة يدعون إَِل اْل ِ‬
‫وف وينهون ع ِن المنكرِ‬
‫ُ َ َ ُ ْ ْ‬
‫َ‬
‫َوأولئِك ه ُم ال ُمفل ُِحون ‪‬آل عمران‪ .20 :‬هذه األمة؛ اي الطائفة تتفرغ لألمر بالمعروف‪ ،‬والنهي‬
‫عن المنكر‪.‬‬
‫كذلك من غايات ومقاصد قيام الدولة اإلسالمية األمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬كما في‬
‫ذ َ َ َ ذ َ َ ََ‬
‫َْْ ََ‬
‫َْ ْ‬
‫ذ َ ْ َ ذذ ُ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫وف َو َن َهواْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫قوله تعالى‪ :‬اَّلِين إِن مكناهم ِِف اْلرض أقاموا الصَلة وآتوا الزَكة وأمروا بِالمعر ِ‬
‫َ ُْ ْ َ َ ذ َ َُ ُْ‬
‫ُ‬
‫ع ِن المنك ِر و َِّلل ِ َعق ِبة اْلمورِ ‪‬الحج‪ . 2:‬فمن غايات التمكين للمسلمين في األرض أن يأمروا‬
‫بالمعروف وينهوا عن المنكر ‪ ..‬فإن لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر ‪ ..‬فوتوا الغاية التي‬
‫ألجلها من اهلل تعالى عليهم بالتمكين واالستخالف في األرض‪.‬‬
‫والمعروف الذي أمرنا أن نأمر به هو جميع ما يحبه اهلل تعالى من األقوال واألعمال الظاهرة‬
‫والباطنة‪ ،‬وهو يشمل جميع شعب وخصال اإليمان التي أعالها " ال إله إال اهلل "‪ ،‬وأدناها إماطة‬
‫األذى عن الطريق‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪135‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫والمنكر الذي أمرنا أن ننهى عنه هو جميع ما يبغضه اهلل تعالى ويسخطه من األقوال‬
‫واألعمال الظاهرة والباطنة‪ ،‬وهو يشمل جميع شعب الكفر والفسوق والعصيان‪ ،‬والتي أعالها اإلشراك‬
‫باهلل تعالى ‪ ،‬وأدناها إلقاء األذى في الطريق‪.‬‬
‫فأمة اإلسالم عرفت خيريتها على غيرها من األمم وفضلها عليها باألمر بالمعروف والنهي عن‬
‫َََْ ْ َ َ‬
‫ُ ُْ ْ َ َْ ُذ ُ ْ َ ْ ذ ِ َُْ ُ َ َْ ْ‬
‫ُ‬
‫وف وتنهون ع ِن‬
‫المنكر‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬كنتم خري أم ٍة أخ ِرجت ل ِلناس تأمرون بِالمعر ِ‬
‫ْ ْ َ ُْ َ ذ‬
‫ال ُمنك ِر َوتؤمِنُون بِاَّلل ِ ‪‬آل عمران‪ .220:‬فعلى قدر ما تحافظ األمة على خاصية األمر بالمعروف‬

‫والنهي عن المنكر على قدر ما تحافظ على خيريتها وتمايزها وفضلها على غيرها من األمم والدول‪.‬‬

‫فاألمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو صمام األمان في المجتمع‪ ،‬وهو بمثابة جهاز المناعة‬
‫فيه؛ إذ هو الجهاز الذي يطارد المنكرات وآثارها الفتاكة في المجتمع كما تطارد الكريات البيض في‬
‫الدم الجراثيم والفيروسات التي تداهم اإلنسان وتتسرب إلى داخل جسده ‪ ..‬وكما أن اإلنسان ال‬
‫يقوى أن يعيش من دون جهاز مناعة يقاوم األمراض والجراثيم التي تداهمه‪ ،‬كذلك المجتمعات ال‬
‫يمكن أن تعيش أو أن تسود وتبقى سليمة من األمراض واالنحرافات الضارة والقاتلة ‪ ..‬من دون جهاز‬
‫مناعة يتمثل في األمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪.‬‬
‫كما في الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬مثل القائم على حدود اهلل والواقع فيها‪،‬‬
‫كمثل ٍ‬
‫قوم استهموا على سفينة في البحر‪ ،‬فأصاب بعضهم أعالها‪ ،‬وأصاب بعضهم أسفلها‪ ،‬فكان‬
‫الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء فمروا على من فوقهم فتأذوا به‪ ،‬فقال الذين في أعالها‪ :‬ال‬
‫ندعكم تصعدون فتؤذوننا‪ ،‬فقالوا ـ أي الذين في أسفلها ـ‪ :‬لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً فاستقينا منه‪،‬‬

‫أسفل السفينة‪ ،‬فأتوه فقالوا مالك؟! قال‪:‬‬
‫ولم نؤذ َمن فوقنا‪ ،‬فأخذ ـ أي أحدهم ـ فأساً فجعل ينقر‬
‫َ‬
‫تأذيتم بي وال بد لي من الماء‪ ،‬فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً‪ ،‬وإن أخذوا على أيديهم نجوا‬

‫وأنجوا جميعاً " البخاري‪.‬‬

‫وهكذا مثل اآلمرين بالمعروف الناهين عن المنكر القائمين على حدود اهلل مع أهل المنكر‬

‫وا لفسوق والفجور الذين يريدون أن ينشروا منكراتهم وضالالتهم وكفرياتهم وشرورهم في المجتمع‬
‫وبين الناس ليفتنوهم عن دينهم‪ ،‬ويؤذوهم في معاشهم‪ ،‬فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً وهلك‬
‫المجتمع ومن فيه‪ ،‬وإن أخذوا على أيديهم بالضرب والزجر والمنع نجوا ونجوا جميعاً‪ ،‬وسلم‬
‫المجتمع ـ ومن فيه ـ من الغرق والهالك‪ ،‬والدمار‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪136‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ومن حديث زينب بنت جحش رضي اهلل عنها أنها قالت‪ :‬يا رسول اهلل! أنَهلَك وفينا‬
‫الصالحون؟ قال ‪ ":‬نعم؛ إذا َكثـ َر الخبَث " متفق عليه‪.‬‬
‫ال حرية في الدولة اإلسالمية للمنكر والفسوق والعصيان والظلم؛ ألن ذلك يعني أن تعطى‬

‫الحرية للتخريب والخبَث‪ ،‬والدمار والهالك والفساد ‪ ..‬وهذا ال يستقيم أبداً في دين اهلل تعالى‪ ،‬كما‬
‫أنه ال يستقيم مع غايات ومقاصد الحكم في الدولة اإلسالمية‪.‬‬

‫الظالم فلم يأخذوا على يديه ـ أي بالنهي والزجر والمنع ـ أوشك‬
‫الناس إذا رأوا‬
‫قال ‪ ":‬إن َ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫بعقاب من عنده "[‪.]120‬‬
‫أن يعمهم اهلل‬
‫ٍ‬
‫وقال ‪ ":‬ما من ٍ‬
‫عمل فيهم بالمعاصي‪ ،‬يقدرون على أن يغيروا عليه‪ ،‬وال‬
‫رجل يكون في قوم ي َ‬
‫ٍ‬
‫بعقاب قبل أن يموتوا "[‪.]122‬‬
‫يغيرون؛ إال أصابهم اهلل منه‬
‫وقال ‪ ":‬ال تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا‪ ،‬فإذا فشا فيهم ولد الزنا أوشك أن‬

‫يعمهم اهلل بعقاب "[‪.]129‬‬

‫وقد لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم عليهما السالم؛‬
‫َ ََ‬
‫ُ َ ذ َ ََ‬
‫ِين كف ُروا م ِْن ب َ ِّن إ ِ ِْسائيل لَع‬
‫حيث كانوا ال يتناهون عن منكر فعلوه‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬لعِن اَّل‬
‫ْ َ‬
‫َ‬
‫َ ُ‬
‫َ َ َ َ‬
‫َ َ‬
‫َ ُ ْ‬
‫َ‬
‫ل َِسان َد ُاو َد َوع َ‬
‫ِيَس اب ْ ِن َم ْريَ َم ذل ِك ب ِ َما ع َص ْوا َوَكنوا َيع َت ُدون * َكنوا ال يَتنَاه ْون ع ْن ُمنك ٍر‬
‫ِ‬
‫َ ُ َ ْ‬
‫َ ُ ْ ُ َ‬
‫ف َعلوهُ ْلِئ َس َما َكنوا َيف َعلون ‪‬المائدة‪.09-02:‬‬
‫وهذا مثال ضرب للمسلمين؛ فإنهم إن وقعوا فيما وقع فيه كفار بنوا إسرائيل ‪ ..‬فال يتناهون‬

‫لعنون كما لعنوا ‪ ..‬ويحل بهم السخط والعذاب كما حل ببني إسرائيل من‬
‫عن منكر فعلوه ‪ ..‬فإنهم ي َ‬

‫قبل ‪ ..‬فليس لهم كل مرة‪ ،‬ولنا كل حلوة!‬

‫وقد أخبرنا النبي ‪ ‬أن الساعة تقوم على شرار الخلق الذين من خصالهم أنهم ال يعرفون‬
‫معروفاً‪ ،‬وال ينكرون منكراً‪ ،‬كما في الحديث‪ ":‬فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحالم السباع‪ ،‬ال‬
‫يعرفون معروفاً وال ينكرون منكراً‪ .‬فيتمثل لهم الشيطان فيقول‪ :‬أال تستجيبون؟ فيقولون‪ :‬فما تأمرنا؟‬
‫حسن عيشهم‪ ،‬ثم ينفخ في الصور‪ ،‬فال يسمعه‬
‫فيأمرهم بعبادة األوثان‪ .‬وهم في ذلك دار رزقهم‪،‬‬
‫ٌ‬
‫‪ 120‬أخرجه أبو داود وغيره‪ ،‬صحيح الترغيب‪.1 20 :‬‬
‫‪ 122‬أخرجه أبو داود وغيره‪ ،‬صحيح الترغيب‪.1 22 :‬‬

‫‪ 129‬أخرجه أحمد‪ ،‬وقال عنه ابن حجر في الفتح ‪ :10 /20‬سنده حسن‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪137‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫حوض إبله ـ حرية شخصية على مبدأ‬
‫أحد إال أصغى ليتاً ورفع ليتاً‪ ،‬وأول من يسمعه رجل يلوط‬
‫َ‬
‫ومذهب الديمقراطيين!! ـ قال‪ :‬فيصعق‪ ،‬ويصعق الناس ‪ "...‬مسلم‪.‬‬
‫ومنه نعلم أن هؤالء الذين ي َمنُّون ـ نفاقاً ومداهنة ـ الشعوب والطوائف والف َرق واألحزاب بكل‬

‫أطيافها وانتماءاتها الباطلة ‪ ..‬بالحريات المطلقة ـ عمالً بشعار ومبدأ الديمقراطية ـ بما في ذلك حرية‬

‫الفساد والفجور والكفر واإللحاد ‪ ..‬والزندقة ‪ ..‬والمجاهرة باالرتداد عن الدين ‪ ..‬إذا ما قامت دولة‬
‫اإلسالم على أيديهم ـ زعموا! ـ ثم هم مع وزرهم الثقيل هذا يزعمون بأنهم مسلمون ‪ ..‬ومصلحون ‪..‬‬

‫وأنهم يعملون من أجل مستقبل اإلسالم والمسلمين ومستقبل دولتهم المنشودة ‪ ..‬فهؤالء يكذبون ‪..‬‬
‫وهم يصطدمون بعشرات النصوص المحكمة من كتاب اهلل وسنة رسوله ‪ .. ‬كما أنهم لم يفهموا‬
‫مقاصد وغايات اإلسالم بعد‪ ،‬والغاية من قيام دولته في األرض ‪ ..‬وعليهم أن يعيدوا من جديد‬
‫قراءتهم لبدهيات وأساسيات تعاليم هذا الدين الحنيف ‪ ..‬قبل أن ينظِّروا لمستقبل اإلسالم ولمستقبل‬
‫دولته المنشودة!‬
‫وهؤالء حظهم من كتاب اهلل تعالى ـ إال من رحم اهلل منهم فتاب وأناب ـ قوله تعالى‪:‬‬
‫َْ ْ‬
‫َُْ ُ َ ُْ ْ َ َ ََْ ْ َ َ‬
‫ْ‬
‫ْ ُ َ ْ َ ُ ْ ُ‬
‫ُ‬
‫وف‬
‫‪‬ال ُم َناف ِقون َوال ُم َناف ِقات َبعض ُه ْم م ِْن َبع ٍض يأمرون بِالمنكرِ وينهون ع ِن المعر ِ‬
‫ذَ ََ َُ ْ ذ ْ‬
‫ََْ ُ َ َْ َُ ْ َ‬
‫َ ُ ُ َْ ُ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ويقبِضون أيدِيهم نسوا اَّلل فنسِيهم إِن المنافِقِني هم الفاسِقون ‪‬التوبة‪.20:‬‬

‫ـ ضـوابـط األمـر باملعــروف والنهــي عــن املنكــر‪ :‬لألمر بالمعروف والنهي عن المنكر‬

‫جملة من الضوابط‪:‬‬
‫منها‪ :‬القدرة‪ :‬فإن كان اآلمر الناهي عاجزاً عن األمر والنهي ‪ ..‬يسقط عنه التكليف إلى غيره‪،‬‬
‫َ ذُ‬
‫ذَ َ ْ ْ‬
‫اس َت َطعتُ ْم ‪‬التغابن‪ .22:‬وقال تعالى‪:‬‬
‫أو إلى حين تحقق القدرة لديه‪ .‬قال تعالى‪ :‬فاتقوا اَّلل ما‬
‫َ َ ُ ُّ َ ْ ً ذ‬
‫‪‬ال يُكل ِف اَّلل نفسا إِال ُو ْس َع َها ‪‬البقرة‪.122:‬‬
‫وفي الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬فإذا أمرتكم بشيء‪ ،‬فأتوا منه ما استطعتم "‬
‫مسلم‪ .‬وفي رواية‪ ":‬إذا أمرتكم بأم ٍر فأتوا منه ما استطعتم " البخاري‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬العلم‪ :‬فالعلم يتقدم كل عمل‪ ،‬وهو شرط لصحة أي عمل ‪ ..‬إذ جاهل الشيء كفاقده‪،‬‬
‫وفاقد الشيء أنى يعطيه لآلخرين‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن ال يؤدي تغيير المنكر إلى منكر أكبر منه أو موازياً له ‪ ..‬فالضرر ال يزال بضرر‬
‫أكبر منه‪ ،‬وفي الحديث‪ ":‬ال ضرر‪ ،‬وال ضرار "‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪138‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ومنها‪ :‬توخي أكثر الطرق رفقاً في األمر والنهي؛ إذ الغرض إزالة المنكر‪ ،‬وليس مجرد الوسيلة‬

‫التي يزال بها المنكر‪ ،‬فالمنكر الذي يزال بالتلميح ال يزال بالتصريح ‪ ..‬والمنكر الذي يزال بالتصريح‬

‫ال يزال باليد‪ ،‬والعنف والقوة ‪ ..‬إذ كلما كانت وسائل األمر والنهي أقرب غلى الرفق كلما كان ذلك‬
‫أقرب للسنة‪ ،‬ولمقاصد الشرع‪ ،‬حيث كان الحبيب ‪ ‬كثيراً ماينكر المنكر على طريقة ومبدأ " ما بال‬

‫أقوام "‪ ،‬من غير تصريح باسم األعيان‪ ،‬كما في الحديث عن عائشة رضي اهلل عنها‪ ،‬قالت‪ ":‬كان إذا‬
‫بلغه عن الرجل شيء لم يقل‪ :‬ما بال فالن يقول؟ ولكن يقول‪ ":‬ما بال ٍ‬
‫أقوام يقولون كذا‪،‬‬

‫وكذا"[‪.]110‬‬

‫عليك‪ ،‬فقالت عائشة رضي اهلل عنها‪ :‬بل‬
‫استأذن رهط من اليهود على النبي ‪ ‬فقالوا‪ :‬السام َ‬

‫الرفق في األمر كله "‪ .‬قلت‪ :‬أولم‬
‫السام واللعنة‪ ،‬فقال ‪ ":‬يا عائشة‪ ،‬إن اهلل رفيق‪ ،‬يحب َ‬
‫عليكم ّ‬
‫تسمع ما قالوا؟ قال‪ ":‬قلت‪ ،‬وعليكم " البخاري‪.‬‬
‫الرفق‪ ،‬ويعطي على الرفق ما ال يعطي‬
‫وفي رواية عند مسلم‪ ":‬يا عائشة إن اهلل رفيق‪ ،‬يحب َ‬

‫على العنف‪ ،‬وما ال يعطي على ما سواه "‪.‬‬

‫شيء إال زانَه‪ ،‬وال ينزع من ٍ‬
‫الرفق ال يكون في ٍ‬
‫شيء إال شانَه " مسلم‪.‬‬
‫وقال ‪ ":‬إن ِّ َ‬
‫َ‬
‫الخير " مسلم‪.‬‬
‫حرم ِّ‬
‫الر َ‬
‫فق ي ْح َرم َ‬
‫وقال ‪َ ":‬من ي َ‬

‫فإن قيل‪ :‬كيف نفهم الحديث التالي‪ ":‬من رأى منكم منكراً فليغيره بيده‪ ،‬فإن لم‬
‫يستطع فبلسانه‪ ،‬فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف اإليمان " مسلم‪ .‬حيث جاء األمر بتغيير‬
‫المنكر باليد أوالً لمن يستطيع ‪..‬؟‬
‫حمل على المنكر الممتنع بقوة ‪ ..‬ويأبى صاحبه إال‬
‫أقول‪ :‬التوفيق أن هذا الحديث ي َ‬
‫حمل عليه الحديث الوار أعاله‪ ":‬من رأى‬
‫المحاربة والمقاتلة ‪ ..‬فهذا وأمثاله‪ ،‬ينكر عليه باليد ‪ ..‬وي َ‬

‫منكم منكراً فليغيره بيده‪ ،‬فإن لم يستطع فبلسانه‪ ،‬فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف اإليمان "‪.‬‬
‫واهلل تعالى أعلم‪.‬‬

‫‪ -7‬احلريّة‪ :‬من المفاهيم‪ ،‬والمعاني الهامة التي أسيء فهمها واستخدامها‪ ،‬وح ّملت معانيها‬

‫على أكثر من معنى وتفسير ‪ ..‬كلمة ومفهوم " الحريّة "؛ حيث كل فريق‪ ،‬فسرها التفسير الذي‬
‫‪ 110‬أخرجه أبو داود‪ ،‬صحيح الجامع‪. 291 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪139‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫يناسب هواه‪ ،‬ويحقق له مآربه ومصالحه‪ ،‬ولو كان ذلك على حساب مصالح اآلخرين ‪ ..‬ومصلحة‬
‫حرية الشعوب!‬
‫وألهمية الحرية الراشدة في حياة اإلنسان والدول ‪ ..‬وحاجة الناس إليها ‪ ..‬فقد استغلت‬
‫استغالالً سيئاً من قبل طغاة الحكم والساسة ‪ ..‬وبصورة تتنافى مع الحرية الحقة ‪ ..‬التي تنشدها‬
‫الشعوب الواعية ‪ ..‬حيث في كثير من األحيان يصادرون الحريات‪ ،‬ويحاربونها باسم الحرية ‪ ..‬فتارة‬
‫يضيقونها من عند أنفسهم‪ ،‬وتارة يوسعونها ‪ ..‬بحسب ما تقتضي مصالحهم‪ ،‬وأهواؤهم!‬
‫فما هي الحرية التي نعنيها‪ ،‬ونريدها ‪ ..‬ويكفلها اإلسالم ألهله‪ ،‬وللمجتمعات التي تخضع‬
‫لحكمه وسلطانه؟‬
‫نعني بالحرية؛ الحرية التي تطلق يد الخير‪ ،‬والحق‪ ،‬والعلم‪ ،‬واالبداع ‪ ..‬إلى أقصى طاقاتها‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫ُّ‬
‫اع َملُوا ْ فَ َس َ َ‬
‫ريى اَّلل‬
‫وحدودها الممكنة‪ ،‬من دون أدنى قيود أو رقابة ‪ ..‬كما قال تعالى‪َ :‬وق ِل‬
‫ْ ُ‬
‫َْ ْ َ َ ذ ُ ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ َ َ ُ ْ َ َ ُ ُُ ْ ْ َ‬
‫ري ل َعلك ْم تفل ُِحون‪‬‬
‫وَل َوال ُمؤمِنُون ‪‬التوبة‪ .205:‬وقال تعالى‪َ :‬واف َعلوا اْل‬
‫عملكم ورس‬
‫الحج‪ .00:‬كل الخير‪ ،‬وكل ما فيه خير لكم وللبشرية جمعاء‪ ،‬افعلوه ‪ ..‬واحرصوا على تحصيله‪،‬‬
‫َ ََ َُ ْ ََ ْ َ ذْ‬
‫َ‬
‫وتحقيقه‪ .‬وقال تعالى‪ :‬وتعاونوا لَع الِبِ واتلقوى ‪‬المائدة‪ .1:‬كل ما يدخل في البر والتقوى‬
‫والصالح ‪ ..‬تعاونوا عليه ‪ ..‬ولكم كامل الحرية في إنجازه‪.‬‬
‫نعني بالحرية؛ الحرية التي تحرر اإلنسان من الذل‪ ،‬والخوف‪ ،‬والجهل‪ ،‬والعبودية للطواغيت‬
‫الظالمين ‪ ..‬فمطلب تحرير الناس من الذل‪ ،‬والعبودية والتبعية للطواغيت الظالمين مطلب من مطالب‬
‫الشريعة الغراء‪ ،‬ومقصد من مقاصد بعث الرسل واألنبياء‪ ،‬كما قال تعالى‪َ :‬ولَ َق ْد َب َعثْنَا ِف ُل أُمةذ‬
‫ِ ِ ٍ‬
‫َ َ ْ َ ْ َ ُ ْ َ ُّ َ َ ُّ َ‬
‫ذُ ً َ ُُْ ْ ذ َ َْ ُ ْ ذ ُ َ‬
‫رسوال أ ِن اعبدوا اَّلل واجتنِبوا الطاغوت ‪‬النحل‪ . 2:‬وقال تعالى‪ :‬أَّتشونهم فاَّلل أحق أن‬
‫ذَ َ ُ ُ ذ َْ ُ َُ ُ َْ َ ُ َ َ‬
‫ََّت ْ َش ْوهُ إن ُكنتُم ُّم ُؤمِن َ‬
‫ِني ‪ ‬التوبة‪ .2 :‬وقال تعالى‪ :‬إِنما ذل ِكم الشيطان َيوِف أو ِِلاءه فَل‬
‫ِ‬
‫ذ ْ‬
‫ََ ُ ُ‬
‫وه ْم َو َخافُون إن ُكنتُم ُّم ْؤ ِمن َ‬
‫وَل ِ‬
‫ِني ‪‬آل عمران‪ .205:‬وقال تعالى‪َ :‬و َِّلل ِ العِ ذزةُ َول َِر ُس ِ‬
‫َّتاف‬
‫ِ ِ‬
‫ْ ْ َ َ‬
‫َ َ َْ َ‬
‫ْ َ‬
‫ني ال َيعل ُمون ‪‬المنافقون‪.2:‬‬
‫ك ذن ال ُمنافِقِ‬
‫َول ِل ُمؤ ِمن ِني َول ِ‬
‫نعني بالحريّة؛ الحريّة التي تجرئ الناس على حرية التعبير البنّاء‪ ،‬والمراقبة‪ ،‬والمحاسبة‪،‬‬
‫والنقد‪ ،‬والجهر بالحق‪ ،‬أمام سالطين الجور‪ ،‬وكل من يخل بقوانين الحق والعدل ‪ ..‬فال يخشون في‬
‫َ ْ َ ْ‬
‫ع ب َما تُ ْؤ َم ُر َوأ َ ْعر ْض َعن ال ْ ُم ْْشك َ‬
‫ِني ‪‬الحجر‪ .9 :‬وقال‬
‫اهلل لومة الئم ‪ ..‬كما قال تعالى‪ :‬فاصد‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪140‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫َ‬
‫َ َ ُّ َ ذ ُ ْ‬
‫ذ َ‬
‫ُ َ َ َ‬
‫ك ِإَون لذ ْم َت ْف َع ْل َف َما بَلذ ْغ َ‬
‫ت رِ َساتلَ ُه‬
‫الر ُسول بَل ِغ َما أنزِل إِِلْك مِن ر ِب‬
‫تعالى‪ :‬يا أيها‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ص ُمك م َِن انلذ ِ‬
‫اس ‪‬المائدة‪.20:‬‬
‫َيع ِ‬

‫ُّ‬
‫َواَّلل‬

‫بالحق أينما كنا ال‬
‫ِّ‬
‫نقول‬
‫بايعنَا رسول اهلل على أن َ‬
‫وفي الحديث عن عبادة بن الصامت‪ ،‬قال‪َ ":‬‬

‫نخاف في اهلل لومةَ الئم " متفق عليه‪.‬‬

‫قرب من ٍ‬
‫أجل وال‬
‫يقول ٍّ‬
‫وقال ‪ "::‬ال يمنعن رجالً هيبة الناس أ ْن َ‬
‫بحق إذا َعل َمه؛ فإنه ال ي ِّ‬
‫يبعد من رْز ٍق "[‪.]112‬‬

‫سه؟ قال‪ ":‬يَرى‬
‫فسه " قالوا‪ :‬يا َ‬
‫رسول اهلل كيف يَحقر أحدنَا نَـ ْف َ‬
‫وقال ‪ " :‬ال يَ ْحق َرن أحدكم نَ َ‬
‫تقول في َكذا وكذا؟‬
‫ك أن َ‬
‫منع َ‬
‫يوم القيامة‪ :‬ما َ‬
‫أمراً هلل عليه مقاالً‪ ،‬ثم ال يَقول فيه‪ ،‬فيقول اهلل ‪َ ‬‬
‫نت أحق أن تخ َشى "[‪.]111‬‬
‫اي ك َ‬
‫فيقول‪ :‬خشي َة الناس‪ .‬فيقول‪ :‬فإي َ‬
‫نعني بالحريّة؛ الحرية التي تحرر اإلنسان من الضغوطات الخارجية‪ ،‬وعناصر الضغط واإلكراه‪،‬‬

‫التي تؤثر على اختياراته‪ ،‬وقراراته ‪ ..‬عساه بعد ذلك أن يحسن االختيار لنفسه فيم ينفعه في دينه‬
‫َ‬
‫َ ذ َ ذ َ ُّ ْ ُ َ ْ َ‬
‫ال إ ْك َراهَ‬
‫ْغ ‪‬البقرة‪ .152:‬وقال تعالى‪:‬‬
‫ال‬
‫ِن‬
‫م‬
‫د‬
‫ش‬
‫الر‬
‫ني‬
‫ب‬
‫ت‬
‫د‬
‫ق‬
‫ِين‬
‫ادل‬
‫ِف‬
‫ودنياه‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُ َ‬
‫َ َْ ُْ‬
‫َ َْ ْ‬
‫‪َ ‬وقُل ْ َ‬
‫اْل ُّق مِن ذربِك ْم ف َمن شاء فليُؤمِن َو َمن شاء فليَكف ْر ‪‬الكهف‪.19:‬‬
‫ِ‬

‫نعني بالحريّة؛ الحريّة التي منحها اهلل لإلنسان منذ والدته ‪ ..‬والتي منها حرية إتيان الحالل‪،‬‬
‫َ َ ُّ َ ذ َ َ ُ ْ َ‬
‫وممارسة المباح‪ ،‬من غير حظر وال منع‪ ،‬وال مراقبة ‪ ..‬كما قال تعالى‪ :‬يا أيها اَّلِين آمنوا ال‬
‫َُ ُ ْ‬
‫َ َ َ ذ ُّ َ ُ ْ َ َ َ ْ َ ُ ْ ذ ذ َ ُ ُّ ْ ُ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ات ما أحل اَّلل لكم وال تعتدوا إِن اَّلل ال ُيِب المعتدِين ‪‬المائدة‪ .20:‬وقال‬
‫َت ِرموا َطيِبَ ِ‬
‫َ َ َُ ُ ْ َ َ ُ َْ َُ ُ ُ ْ َ َ َ َ َ َ َ َ َ َ َ َْ َُ ْ ََ‬
‫تعالى‪ :‬وال تقولوا ل ِما ت ِصف ألسِنتكم الكذِب هذا حَلل وهذا حرام ِتلفَتوا لَع اَّلل ِ‬
‫ْ َ َ ذ ذ َ َْ َُ َ ََ‬
‫ْ َ َ َ ْ‬
‫َ‬
‫ِب ال ُيفل ُِحون ‪‬النحل‪.222:‬‬
‫َتون لَع اَّلل ِ الكذ‬
‫الكذِب إِن اَّلِين يف‬
‫الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً "‪.‬‬
‫وفي هذا يقول الفاروق عمر ‪ ":‬متى استعبدتم َ‬

‫فالحرية بالنسبة لإلنسان كالماء والهواء؛ فكما ال حياة لإلنسان من غير ماء وال هواء‪ ،‬كذلك‬

‫ال حياة له حيا ًة كريمة وعزيزة سوية من غير حرية راشدة تمكنه من أن يعطي عطاءه المرجو في هذه‬

‫‪ 112‬رواه أحمد‪ ،‬والترمذي‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.222 :‬‬

‫‪ 111‬قال المنذري في الترغيب‪ :‬رواه ابن ماجه‪ ،‬ورواته ثقاة‪ .‬وقال أحمد شاكر في العمدة ‪ :002/2‬إسناده صحيح‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪141‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫الحياة ‪ ...‬والدول التي ال يتمتع أبناؤها بقدر كاف من الحرية‪ ،‬وتصادر حرياتهم المشروعة‪ ،‬تتسم‬
‫بالضعف‪ ،‬والجهل‪ ،‬والتخلف ‪ ..‬وانعدام الثقة بالنفس‪ ،‬وفيما بين أبناء المجتمع الواحد‪.‬‬
‫ما تقدم ال يعني ‪ ..‬أن الحرية كما هي في اإلسالم ـ حاشاه ـ تضمن حرية المنكرات‪ ،‬والفساد‪،‬‬
‫والفجور‪ ،‬والظلم‪ ،‬والعدوان‪ ،‬والكذب‪ ،‬والفحش في القول ‪ ..‬أو حرية الطعن باهلل‪ ،‬وآياته‪ ،‬ورسله ـ‬
‫كل رسله ـ صلوات اهلل وسالمه عليهم ‪ ..‬ف اإلسالم بريء من هذه الحرية‪ ،‬ومن دعاتها‪ ،‬والتي هي‬
‫بالنقل والعقل تعني الفوضى‪ ،‬والخراب‪ ،‬والفساد‪ ،‬والهالك‪ ،‬والدمار!‬

‫َ َ ََ َُ ْ ََ‬
‫َ ذُ ْ ذ ذ ذ َ ُ ْ َ‬
‫ْ َ ُْ ْ َ‬
‫اب‪‬‬
‫اإلث ِم والعدو ِ‬
‫ان واتقوا اَّلل إِن اَّلل شدِيد العِق ِ‬
‫قال تعالى‪ :‬وال تعاونوا لَع ِ‬

‫ُ ْ َ َ َ ْ ْ َ ْ ُ َ َ ذ َ َ ُّ ُ ْ َ َ ْ ُ ْ َ ذ‬
‫ال ت ُ ْْش ُكوا ْ بهِ َشيْئا ً َوبال ْ َو ِ َ‬
‫ادلي ْ ِن‬
‫المائدة‪ .1:‬وقال تعالى‪ :‬قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ْ ْ َ ذُْ َْ ُُ ُ ْ ذ ُ ْ َ َ‬
‫ْ َ ً َ َ َُُْ ْ َْ ََ ُ‬
‫ال َت ْق َربُوا ْ ال ْ َف َواح َِش َما َظ َه َر مِنْهاَ‬
‫إِحسانا وال تقتلوا أوالدكم مِن إمَل ٍق َنن نرزقكم ِإَوياهم و‬
‫ََ ََ َ َ َ َُُْ ْ ذْ َ ذ‬
‫ََذ ُ َ ُ َ‬
‫ُ‬
‫َ ذ َ ُّ ذ ْ َ َ ُ‬
‫ك ْم ت ْعقِلون‪‬‬
‫اْل ِق ذل ِك ْم َو ذصاك ْم بِهِ لعل‬
‫وما بطن وال تقتلوا انلفس ال َِّت حرم اَّلل إِال ب ِ‬

‫األنعام‪ .252:‬ما أجمل وأعظم هذه التوصيات ‪ ..‬لو عملت البشرية بها!‬

‫ُ ْ ذ َ َ ذ َ َ َ َْ َ َ َ َ َ َ َْ َ َ َ َ َ َ ْ َ َ َْ ْ‬
‫ْغ ب َغ ْري ْ َ‬
‫َ‬
‫اْل ِق‬
‫وقال تعالى‪ :‬قل إِنما حرم ر َِب الفواحِش ما ظهر مِنها وما بطن و ِ‬
‫اإلثم واْل ِ ِ‬
‫ُ َْ ً ََ َُ ُ ْ ََ‬
‫َ َْ َُ ْ‬
‫ََ ُْ ُ ْ‬
‫َ َ ََُْ َ‬
‫ْشكوا بِاَّللِ ما لم يزنِل بِهِ سلطانا وأن تقولوا لَع اَّلل ِ ما ال تعلمون ‪ ‬األعراف‪. :‬‬
‫وأن ت ِ‬
‫ْ‬
‫َ َ ََُْ ْ ذ ذ َ‬
‫ال ُُيِب ال ُم ْعتَد َ‬
‫ِين ‪‬البقرة‪ .290:‬فال يمكن أن يمارس‬
‫وقال تعالى‪ :‬وال تعتدوا إِن اَّلل‬
‫ِ‬

‫العدوان على اآلخرين تحت عنوان ومسمى الحرية ‪ ..‬ونشر الحرية ‪ ..‬ثم بعد ذلك نزعم زوراً أن هذه‬

‫الحرية حرية راشدة وسوية‪ ،‬يرغبها الناس!‬

‫وفي الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬مثَل القائم على حدود اهلل والواقع فيها كمثل‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫فأصاب بعضهم أعالها‪ ،‬وبعضهم أسفلها‪ ،‬فكان الذين في أسفلها إذا‬
‫سفينة؛‬
‫قوم استَـ َهموا على‬
‫َ‬
‫مروا على َمن فوقهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً‪ ،‬ولم نؤذ َمن فوقنا‪ ،‬فإن‬
‫استقوا من الماء ّ‬
‫يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً‪ ،‬وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً " البخاري‪.‬‬
‫قلــت‪ :‬ومث ــل الس ــفينة ف ــي الح ــديث مث ــل المجتمع ــات وال ــدول ف ــي حي ــاة الن ــاس ‪ ..‬ف ــإن ت ــرك‬

‫القائمون علـى حـدود اهلل المهمـة المنوطـة بهـم ـ وهـي األمـر بـالمعروف والنهـي عـن المنكـر ـ المفسـدين‬
‫المخربين أن يفسدوا فـي المجتمعـات ويبثـوا سـمومهم وخـرابهم وشـرورهم ـ تحـت ذريعـة مسـمى الحريـة‬
‫والديمقراطيـة ـ فحينئ ٍـذ يهلـك الجميـع‪ :‬الصـالحون‪ ،‬والطـالحون‪ ،‬وكـل مـن يعـيش فـي المجتمـع ‪ ..‬وأن‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪142‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫أخــذوا علــى أيــديهم بــالزجر والمنــع واإلنكــار‪ ،‬نجــوا جميعـاً‪ :‬الصــالحون والطــالحون‪ ،‬والمجتمعــات التــي‬

‫يعيشون فيها‪.‬‬

‫ـ خصـائـص احلــرية فـي اإلســالم‪ :‬للحريـة فـي اإلسـالم جملـة مـن الخصـائص‪ ،‬تمتـاز بهـا‬
‫عن غيرها من الحريات كما هي في الديمقراطيات‪ ،‬وغيرها من المذاهب الوضعية‪.‬‬
‫منهــا‪ :‬أنهــا ربانيــة المصــدر؛ فالــذي يشــرع الحريــة‪ ،‬ويحــدد المســموح منهــا مــن الممنــوع ‪ ..‬هــو‬
‫خالق الخلق ‪ ،‬الذي له األسماء الحسنى‪ ،‬والصفات العليا ‪ ..‬فالحرية هبة اهلل لعبـاده ‪ ..‬ال منّـة فيهـا‬
‫لمخلوق على مخلوق ‪ ..‬وبالتالي فإن اعتـدي عليهـا مـن قبـل مخلـوق ‪ ..‬أو طاغيـة مـن الطغـاة ‪ ..‬تنتـزع‬

‫استجداء‪ ،‬وكأنها منة منه يمن بها على العباد!‬
‫منه انتزاعاً ‪ ..‬وال تستجدى منه‬
‫ً‬

‫ومنهــا‪ :‬أن الحريــة فــي اإلســالم تتســم بالثبــات واالســتقرار ‪ ..‬مــن دون أن تتعــرض ألدنــى تغييــر؛‬

‫زيــادة أو نقصــاناً ‪ ..‬ألنهــا صــادرة عــن العــالم الخبيــر الــذي يعلــم الســر وأخفــى ‪ ..‬ومــا ينفــع ومــا يضــر‬
‫اإلنسان اليوم وغداً‪ ،‬وإلى يوم القيامة ‪ ..‬وبالتالي فكـل إنس ٍ‬
‫ـان يـدرك مـا لـه ومـا عليـه ‪ ..‬والمسـاحة التـي‬

‫يمكن أن يتحرك فيها كحق وهبة وهبه اهلل إياها ‪ ..‬فما هو حالل ومباح اليوم؛ حالل ومباح غـداً‪ ،‬وإلـى‬

‫يوم القيامة‪.‬‬

‫ومنها‪ :‬أن الحرية في اإلسالم ‪ ..‬تكون في دائرة المباحات والمسموحات التي أذن اهلل بها ـ‬
‫ال أحد غيره ـ وأذن لعبده استباحتها والتنعم بها ‪ ..‬والتحرك فيها وضمن دائرتها ‪ ..‬إذ ال سلطان‬
‫لمخلوق ـ أياً كانت صفته ـ في أن ينقص شيئاً منها‪ ،‬أو يزيد‪.‬‬

‫ومنها‪ :‬كذلك تحديد الشر أو الخبيث والضرر الذي ال حرية في اقترافه‪ ،‬أو االقتراب منه‪،‬‬

‫مرده إلى اهلل تعالى وحده ‪ ..‬وليس إلى أحد سواه ‪ ..‬فما حكم اهلل تعالى عليه بأنه شر‪ ،‬فهو الشر‪،‬‬
‫الذي يجب اعتزاله ‪ ..‬ولو اجتمع اإلنس والجن على إباحته أو تحسينه ‪ ..‬وما حكم عليه بأنه خير‬
‫ومباح‪ ،‬فهو الخير والمباح الذي يجب العمل به ‪ ..‬ولو اجتمع اإلنس والجن على حظره ومنعه‪ ،‬أو‬
‫تقبيحه‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن الحرية في اإلسالم ال تحل إال الجميل والطيب‪ ،‬والحبيب للنفوس السوية ‪ ..‬وال‬
‫ْ‬
‫َ ُ ُّ َ‬
‫ََ‬
‫َ‬
‫الطيبَات َويُ َ‬
‫ح ِر ُم عليْ ِه ُم اْلَ َبآئِث‪‬‬
‫حل ل ُه ُم ذ ِ ِ‬
‫تحرم إال الخبائث‪ ،‬والضرر ‪ ..‬كما قال تعالى‪ :‬وي ِ‬
‫األعراف‪.250:‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪143‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وفي الحديث‪ ":‬إن اهلل جميل‪ ،‬يحب الجمال " مسلم‪ .‬وهذا من مقتضاه أن ال يبيح اهلل تعالى‬
‫إال الجميل والطيب‪ ،‬الذي ليس بعده إال الخبيث والضرر‪ ،‬والقبيح‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن الحرية في اإلسالم هي أصل‪ ،‬وهي المساحة األوسع في حياة وحركة اإلنسان ‪..‬‬
‫والمحظور استثناء‪ ،‬والمساحة األضيق في حياة اإلنسان وحركته؛ فالمرء له أن يمارس كل شيء‪،‬‬
‫ويتمتع بكل شيء في هذه الحياة ‪ ..‬ألن األصل في األشياء اإلباحة ‪ ..‬ما لم يرد نص يفيد الحظر‬
‫ٍ‬
‫فحينئذ يتعين اإلمساك عن هذا الشيء‪.‬‬
‫والمنع لشيء من األشياء‪ ،‬أو فعل أو قول ‪..‬‬
‫ومنها‪ :‬أن الحرية في اإلسالم ‪ ..‬تكفي طموح اإلنسان ‪ ..‬وتحقق له رغباته وكمال حريته ‪..‬‬
‫وكرامته‪ ،‬وعزته ‪ ..‬فهو ال يشعر ـ مع الحرية التي شرعها له اإلسالم ويتمتع بها ـ أنه يحتاج إلى مزيد‬
‫ٍ‬
‫فحينئذ يطالب بحرية‬
‫من الحرية ‪ ..‬فإن طالب بالمزيد من الحرية عما قد شرعه اهلل وأذن به ‪..‬‬
‫الشذوذ‪ ،‬والضرر‪ ،‬والمرض‪ ،‬والشر ‪ ..‬وهذا بالنقل والعقل مرفوض‪ ،‬ومردود‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن الحرية في اإلسالم ‪ ..‬تعني االنطالق والتحرر من مطلق العبودية للعبيد ـ سواء‬
‫جاءت هذه العبودية من جهة الديمقراطيات أم من جهة الديكتاتوريات ـ لتقرر أن المعبود بحق‪ ،‬هو‬
‫اهلل تعالى وحده ال شريك له‪.‬‬
‫فعبودية المخلوق للمخلوق ‪ ..‬شرك ‪ ..‬وذل ‪ ..‬وظلم ‪ ..‬وامتهان لكرامة اإلنسان ‪ ..‬بينما‬
‫عبودية العبد لخالقه ‪ ‬حق ‪ ..‬وعز ‪ ..‬وكرامة ‪ ..‬وشرف ‪ ..‬ونعمة ‪ ..‬لإلنسان!‬
‫ومنها‪ :‬أن الحرية في اإلسالم ‪ ..‬تتسع لتحرر اإلنسان من جميع عنصار اإلكراه والضغط‬
‫والتأثيرات ‪ ..‬النفسية والخارجية ‪ ..‬التي تؤثر سلباً على اختياره وحريته وتفكيره وقراره ‪ ..‬عساه بعد‬

‫ذلك أن يحسن االختيار ‪ ..‬ويكون مسؤوالً عن اختياره في الدنيا واآلخرة‪.‬‬
‫ذ َ ْ َ َُْ َْ َ ُْ ذ‬
‫ْ‬
‫ََ َ ذ َ ُْ ْ ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ذ‬
‫قال تعالى‪ :‬وقال اَّلِين استضعِفوا ل َِّلِين استكِبوا بل مكر اللي ِل وانلهارِ إِذ‬
‫ذ َ َْ َ َ َُ َ ْ َ ً ََ‬
‫ذ َ َ َ َذ ََُ َْ َ َ َ َ َ َْ َْ ْ َ‬
‫َُْ ُ ََ َ ْ َ ْ ُ‬
‫َ‬
‫ُّ‬
‫َ‬
‫تأمروننا أن نكفر بِاَّلل ِ وَنعل َل أندادا وأِسوا انلدامة لما رأوا العذاب وجعلنا اْلغَلل‬
‫َ َْ ذ َ َ َ ُ َْ َُْ ْ َ ذ َ َ ُ َ َُْ َ‬
‫اق اَّلِين كفروا هل َيزون إِال ما َكنوا يعملون ‪‬سبأ‪. :‬‬
‫ِِف أعن ِ‬
‫َ َ‬
‫ََ‬
‫َ ُْ‬
‫َْ‬
‫َ ذ ُ‬
‫وقال تعالى‪َ :‬وقَ َال ذاَّل َ‬
‫ِين كف ُروا ال ت ْس َم ُعوا ل َِهذا الق ْرآ ِن َوالغ ْوا فِيهِ ل َعلك ْم‬
‫َْ َ‬
‫تغل ِبُون‪ ‬فصلت‪.12:‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪144‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ـ املـوقـف مـن الـدميقـراطيــة‪ :‬كثير من الناس‪ ،‬ينادي بالديمقراطية‪ ،‬ويطالب بها على‬
‫اعتبار أنها تنص على الحرية في التعبير والنقد‪ ،‬ومراقبة الشعوب ومحاسبتهم لحكامهم‪ ،‬ومحاربة‬
‫الديكتاتوريات‪ ،‬وأنها مجموعة من اآلليات تسهل تداول السلطة‪ ،‬وانتقالها من حاكم إلى آخر ‪ ..‬أو‬
‫هي االنتخابات ‪ ..‬ونحو ذلك ‪ ..‬وهذا فهم قاصر لحقيقة الديمقراطية ‪ ..‬وهذا الحد من الفهم ال‬
‫توجد معه مشكلة كبيرة ‪ ..‬سوى أنهم فهموا الديمقراطية فهماً خاطئاً‪ ،‬وأن فهمهم الخاطئ هذا قد‬
‫يكون سبباً لتمرير كثير من الشر الذي تنص عليه الديمقراطية ‪ ..‬وهم ال يشعرون[ ‪.]11‬‬
‫فإن قيل‪ :‬أين يكمن شر الديمقراطية ‪ ..‬وما هو تحفظكم عليها؟‬
‫أقول‪ :‬هذا سؤال كبير‪ ،‬قد أجبنا عنه بتوسع في كتاب لنا مستقل وكبير‪ ،‬أسميناه " حكم‬

‫اإلسالم في الديمقراطية والتعددية الحزبية "‪ ،‬أختصر اإلجابة عنه هنا في نقطتين‪:‬‬
‫أولهما‪ :‬أن حقيقة الديمقراطية ـ كما هو معمول بها في األنظمة األكثر ديمقراطية في العالم ـ‬
‫تؤله اإلنسان؛ فترفعه درجة فوق الخالق ‪ .. ‬فاإلنسان ـ كما في الديمقراطية ـ هو المالك الحقيقي‬
‫لنفسه‪ ،‬وماله ‪ ..‬وبالتالي له كامل الحق في أن يتصرف في نفسه وماله ـ كسباً وإنفاقاً ـ كيفما يشاء ‪..‬‬

‫وإن كان هناك ضابط يلجم شيئاً من تلك اإلباحية المطلقة‪ ،‬فهذا الضابط الالجم يجب أن يأتي من‬

‫جهة المشرع اإلنسان‪ ،‬أو الطاغوت ‪ ..‬وليس اهلل!‬

‫كما له أن يحكم نفسه بالشرع أو القانون الذي يشاء ‪ ..‬فحكمه‪ ،‬وكلمته فوق حكم وكلمة‬
‫اهلل ‪ ..‬بل ال قيمة لحكم اهلل تعالى وكلمته‪ ،‬بجوار حكم وكلمة اإلنسان ‪ ..‬وهذا كفر بواح ‪ ..‬وظلم‬
‫أكبر ‪ ..‬وشرك أكبر ‪ ..‬ال يمكن ألي مسلم‪ ،‬يقول ربي اهلل ـ لو تفطن لهذا المعنى للديمقراطية ـ أن‬
‫‪ 11‬فانظر مثالً ماذا يقول القائمون على " الجمعية الشرعية الرئيسية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية "‬

‫المصرية‪ ،‬في مقالة لهم تحت عنوان " رؤية الجمعية الشرعية في المستجدات العصرية "‪ :‬تقوم الديمقراطية على‬

‫عدة مبادئ‪ :‬منها التداول السلمي للسلطة عن طريق االنتخابات‪ ،‬والتسليم بحكم األغلبية مع احترام رأي األقلية‪،‬‬
‫والفصل بين السلطات‪ ،‬وسيادة القانون‪ ،‬أما الهدف النهائي للديمقراطية فهو تحقيق مبادئ الحرية‪ ،‬والعدل‪،‬‬

‫والمساواة ا‪ -‬هـ‪ .‬قلت‪ :‬هذا نموذج ‪ ..‬والنماذج التي فتنت بالديمقراطية‪ ،‬وتفسرها تفسيراً خاطئاً كثيرة جداً ‪ ..‬ثم‬

‫إذا كان الشيوخ والخواص العاملين بالكتاب والسنة ـ كما يعرفون هؤالء عن أنفسهم ـ هذا فهمهم للديمقراطية ‪ ..‬فما‬

‫بالكم بالعوام ‪ ..‬الذين يكررون ما يسمعونه من هؤالء الخواص ‪ ..‬لذا من الخطأ أن يصدر حكم واحد على كل من‬

‫يستخدم كلمة " الديمقراطية " من دون التحري عن مقاصدهم ومرادهم من استخدامهم لهذه الكلمة؟!‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪145‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫يرضى بها‪ ،‬فضالً عن أن يطالب بها ‪ ..‬ألن المطالبة بالديمقراطية على أساس هذا المعنى اآلنف‬
‫الذكر يعني ـ قوالً واحداً ـ الخروج والمروق من دين اهلل تعالى ‪ ..‬والدخول في دين الطاغوت‬

‫والشيطان[ ‪.]11‬‬

‫ثانيهما‪ :‬أن الديمقراطية في حقيقتها ‪ ..‬ثوب كبير وفضفاض ‪ ..‬يسع جميع المتناقضات ‪..‬‬
‫الكل يمكن أن يرتديه‪ ،‬ويستظل بظله ‪ ..‬بما في ذلك عناصر الشر والباطل والخطر كلها ‪ ..‬وهذا ال‬
‫يصب في خدمة األوطان وساكنيها ‪ ..‬وإنما يصب في خدمة أعداء األوطان ‪ ..‬إذ من اليسير عليهم‬
‫أن يسربوا شرورهم وأحقادهم‪ ،‬وباطلهم ‪ ..‬وسمومهم ‪ ..‬وجواسيسهم ‪ ..‬للبالد ‪ ..‬تحت مسميات‬
‫وعناوين وأحزاب وطنية رخيصة ‪ ..‬وثوب وطني رخيص ‪ ..‬باسم الديمقراطية التي تكفل وتضمن‬
‫تحقيق ذلك ‪ ..‬فالديمقراطية من هذا الوجه مطية األعداء للتدخل في شؤون األوطان واستقاللها ‪..‬‬
‫كما أنها تتنافى مع الحرص ـ الذي يتشدق به بعض الوطنيين الديمقراطيين ـ على سالمة‬

‫األوطان[‪.]115‬‬

‫فكما أن جسد اإلنسان ال نسمح أن تل َقى فيه األوساخ الضارة التي تؤذيه ‪ ..‬كذلك جسد‬

‫األوطان ال يجوز أن نسمح لألوساخ والنفايات الضارة أن تلقى فيه ‪ ..‬مهما كانت المبررات أو كانت‬
‫العناوين براقة ‪ ..‬فهذا ليس من اإلسالم ‪ ..‬وال الحس الوطني الصادق في شيء!‬
‫لذلك العدو األجنبي الخارجي ‪ ..‬مهما كلمته عن الصفات المثالية للنظام السياسي الذي‬
‫تنشده ‪ ..‬تراه يقول لك‪ :‬هذا ال يكفي ‪ ..‬ال بد من أن تنص وتضيف ‪ ..‬بأنك تريد نظاماً ديمقراطياً ‪..‬‬
‫وهو في كثير من األحيان على استعداد أن يخوض حرباً صليبية استعمارية جديدة من أجل أن تنص‬

‫على أنك ديمقراطي‪ ،‬وتنشد نظاماً ديمقراطياً ‪ ..‬وما ذلك إال للغرضين اآلنفي الذكر أعاله!‬

‫‪ 11‬وبالتالي من يريد أن يستشرف إصدار األحكام على الديمقراطية والديمقراطيين‪ ،‬عليه أن يحسن التفريق بين من‬

‫يطلقها ويريد منها المعنى األول المشار إليه‪ ،‬والمحصور في آليات الديمقراطية أو بعضها ‪ ..‬ومن يطلقها ويريد منها‬

‫المعنى الثاني الكفري الشركي ‪ ..‬فال يجعلهما سواء في الحكم ‪ ..‬فيحمل على الفريق األول من نصوص الوعيد‪ ،‬ما‬

‫حمل على الفريق الثاني ‪ ..‬حيث هناك من يفعل ذلك!‬
‫يصح أن ي َ‬

‫‪115‬‬

‫لسعة ثوب الديمقراطية؛ الكل يرتديه‪ ،‬ويتزين به ‪ ..‬ويدعيه ‪ ..‬بما في ذلك أشد األنظمة ديكتاتورية ‪ ..‬وأشد‬

‫الطغاة استبداداً وفساداً ‪ ..‬وبالتالي من حقنا أن نتحفظ من هذا المصطلح الذي يسع جميع المتناقضات ‪ ..‬وتستتر‬
‫بظله جميع الشرور!‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪146‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ََْ ُ ْ‬
‫ُ‬
‫َ َ َ َ ُ َ ُ َ ُ َ ُ ْ َ ذ َ ُّ ُ َ‬
‫َّت ي َ ُردوك ْم عن دِين ِك ْم إ ِ ِن استطاعوا‬
‫صدق اهلل العظيم‪ :‬وال يزالون يقات ِلونكم ح‬
‫ََُْ َ َ َ ْ َ ْ ُ‬
‫ََُ ْ ُ َ‬
‫ُّ ْ‬
‫َ ْ‬
‫ُ َ‬
‫ادلنيَا َواآلخ َِرة ِ‬
‫ت أع َمال ُه ْم ِِف‬
‫ت َوه َو َكف ِر فأولئِك حبِط‬
‫َو َمن يَ ْرتدِد مِنك ْم عن دِينِهِ فيم‬
‫ََُْ َ َ ْ َ ُ ذ ُ ْ َ َ ُ َ‬
‫ادلون ‪‬البقرة‪.120:‬‬
‫وأولئِك أصحاب انلارِ هم فِيها خ ِ‬
‫َذ َ‬
‫َ ُ ْ ُذ ً َ َ ً‬
‫ْ‬
‫ْ َ ْ ْ َ َ ُّ َ ُ‬
‫اب ل ْو ي َ ُردونكم مِن َبع ِد إِيمان ِكم كفارا حسدا‬
‫ِت‬
‫ك‬
‫ال‬
‫ل‬
‫ه‬
‫أ‬
‫ِن‬
‫م‬
‫ري‬
‫ث‬
‫ك‬
‫وقال تعالى‪ :‬ود‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ ُ‬
‫س ِهم ‪‬البقرة‪.209:‬‬
‫م ِْن عِن ِد أنف ِ‬
‫ُّ ْ َ َ ْ ُ َ َ‬
‫ََ ْ َ ُ ُ َ‬
‫وقال تعالى‪َ :‬ودوا ل ْو تكف ُرون ك َما كف ُروا فتَكونون َس َواء ‪‬النساء‪ .29:‬فالحذر‬
‫عباد اهلل ‪ ..‬فال تستهوينكم زخرفة الشعارات حمالة األوجه والمضامين ‪ ..‬والتي قد تلقي بكم‬
‫الحذر َ‬
‫في التهلكة‪ ،‬وأنتم ال تشعرون!‬

‫فإن قيل‪ :‬ما البديل عن الديمقراطية ‪ ..‬إذ ال بديل عنها إال الديكتاتورية ‪..‬‬
‫واألنظمة المستبدة ‪ ..‬فهل تريد أن تحكمنا بالديكتاتورية؟!‬
‫أقول‪ :‬ال؛ ليس كما تقولون ‪ ..‬وتزعمون ‪ ..‬وكأنه ال خيار للبشرية إال أحد الشرين‪ :‬إما‬
‫الديمقراطية ‪ ..‬وإما الديكتاتورية!‬
‫وجوابنا‪ :‬ال هذا وال ذاك ‪ ..‬وإنما البديل عن الشرين معاً ‪ ..‬هو اإلسالم ‪ ..‬هي الشورى التي‬

‫استوعبت حسنات الديمقراطية وزادت عليها ‪ ..‬هي الحرية كما في اإلسالم‪ ،‬وقد تقدمت اإلشارة‬
‫إليها‪.‬‬
‫ـ مسألة‪ :‬حرية تشكيل األحزاب والتجمعات‪ :‬العمل الجماعي المنظم ـ سواء أخذ صورة‬
‫األحزاب أم لم يأخذ‪ ،‬أو أخذ صورة تشكيل نقابات‪ ،‬وجمعيات حقوقية وخدماتية خيرية وغيرهـا ـ أحينـاً‬
‫قــد يكــون ضــرورياً لتفعيــل مبــدأ الشــورى فــي المجتمــع ‪ ..‬ومبــدأ مراقبــة‪ ،‬ومحاســبة الحكــام ‪ ..‬كمــا فيــه‬
‫تدريب للناس على العمل الجماعي المنظم ‪ ..‬وعلى التعاون والتكافل فيم بيـنهم علـى الخيـر والصـالح‬

‫‪ ..‬وهــذا مطلــب مــن مطالــب الش ـريعة‪ ،‬فيــد اهلل مــع الجماعــة ‪ ..‬واهلل تعــالى يحــب الجماعــة‪ ،‬كمــا فــي‬
‫الحديث‪ ":‬عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة‪ ،‬فإن الشيطان مع الواحد‪ ،‬وهو من االثنين أبعـد‪ ،‬ومـن أراد‬

‫بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة "[‪.]112‬‬

‫صحيح سنن الترمذي‪.2052 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪147‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫َ ََ َُ ْ ََ ْ َ ذْ َ َ َ ََ َُ ْ ََ‬
‫ْ‬
‫اإلثـ ِم‬
‫لَع‬
‫ِب واتلقـوى وال تعـاونوا‬
‫ِ‬
‫وهو يدخل في عمـوم قولـه تعـالى‪ :‬وتعاونوا لَع ال ِ‬

‫َوالْ ُع ْد َ‬
‫ان ‪‬المائدة‪ .1:‬فأيما ٍ‬
‫عمل فيه تعاون على الخير‪ ،‬والمعـروف‪ ،‬والتقـوى والصـالح ‪ ..‬فالشـريعة‬
‫و‬
‫ِ‬

‫تحض عليه‪ ،‬وترغب به‪ ،‬وإن لم تنص عليه عيناً ‪ ..‬وأيما ٍ‬
‫عمل فيه تعـاون علـى اإلثـم‪ ،‬والشـر‪ ،‬والعـدوان‬

‫‪ ..‬فالشريعة تنهى عنه‪ ،‬وإن لم تنص عليه عيناً ‪ ..‬والمرء أبصـر بنفسـه‪ ،‬وعملـه مـن غيـره‪ ،‬فيسـتفتيها فـي‬
‫موارد الشبهات واالحتماالت والتردد‪ ،‬ولو أفتاه المفتون‪.‬‬

‫ويمكن أن نقول‪ :‬كلما كانت الدولة بعيدة عن تعاليم وقيم اإلسالم وشرعه‪ ،‬وكـان ذلـك مـدعاة‬
‫لطغيــان وظلــم حكامهــا ‪ ..‬كلمــا اشــتدت الحاجــة أكثــر لمثــل هــذه التشــكيالت‪ ،‬والتجمعــات المدنيــة‪،‬‬
‫واهلل تعالى أعلم‪.‬‬
‫وحتى ال تكون هذه التجمعات مزارع للشر والباطل ‪ ..‬ومدعاة للتفـرق فـي الـدين مـن حيـث ال‬

‫ندري وال نحتسب ‪ ..‬نشترط لها الشروط التالية‪:‬‬

‫أولها‪ :‬أن ال تتعارض مبادئ وقيم هذه التجمعات مع مبادئ وقيم اإلسالم‪ ،‬دين األمة‪.‬‬
‫ثانيها‪ :‬أن يكون والؤها صادقاً لألمة‪ ،‬وليس ٍ‬
‫ألحد من أعدائها‪.‬‬

‫ثالثها‪ :‬أن ال تعقد الوالء والبراء‪ ،‬على أسـاس االنتمـاء لهـذا التجمـع أو ذاك ‪ ..‬فتـوالي وتعـادي‬

‫فــي الحــزب أو التجمــع فــي الحــق والباطــل ســواء ‪ ..‬وإنمــا يكــون والؤهــا فــي اهلل وهلل‪ ،‬وحســب ‪ ..‬فــإن‬
‫تعارض الوالء الحزبي مع الوالء هلل ‪ ..‬قدم الوالء هلل وال بد‪.‬‬
‫رابعهــا‪ :‬أن ال يشــكل وجودهــا خط ـراً علــى الجماعــة األم للمســلمين ‪ ..‬أو أن تكــون ســبباً فــي‬

‫تفريقها‪ ،‬وإضعافها ‪ ..‬أمام المخاطر التي تتهددها ‪ ..‬والتي قد تكون داخلية أو خارجية‪.‬‬
‫بهذه القيود والشروط نجيز تشكيل التجمعات‪ ،‬وإال فال ‪ ..‬واهلل تعالى أعلم‪.‬‬

‫‪ -8‬األَ ْمنُ‪ :‬لتعلقه بكثير من ركائز وأسس الحكم في الدولة اإلسالمية اآلنفة الذكر؛ إذ ال‬
‫يمكن للحكم ـ في أي دولة من الدول ـ أن تقوم له قائمة في أي مجال من مجاالت الحياة من غير‬
‫أمن وأمان؛ فالمجتمع الذي تحكمه الجريمة وتسيطر عليه العصابات اإلجرامية التي تهدد الناس في‬
‫أمنهم ومعاشهم وحياتهم ‪ ..‬وتعتدي على حرماتهم المصونة ‪ ..‬من دون أن تجد القوة التي تردعها عن‬
‫غيها وإجرامها‪ ،‬وتأخذ على يد المجرمين منهم بالقصاص الشرعي العادل ‪ ..‬هو مجتمع ال يعرف‬
‫االستقرار‪ ،‬وال يصلح ألي عمل مثمر بناء ‪ ..‬بل ال يصلح للسكنة واإلقامة فيه ‪ ..‬وهو أقرب ما يكون‬
‫إلى الغاب التي تسودها وتحكمها شريعة األقوى واألشطر!‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪148‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫لذا نجد أن اإلسالم شرع الحدود والقصاص التي تردع المجرمين وأصحاب النفوس المريضة‬
‫من االعتداء على أمن وحرمات اآلخرين ‪ ..‬واعتبر ذلك فيه حياة للمجتمع والناس أجمعين‪ ،‬كما قال‬
‫ََ َ ُ‬
‫ْ ََْ َ ذ ُ َ ُ َ‬
‫ََ ُ‬
‫ك ْم ِف الْق َ‬
‫ِ‬
‫اب ل َعلك ْم ت ذتقون ‪‬البقرة‪.209:‬‬
‫ْل‬
‫اْل‬
‫وَّل‬
‫أ‬
‫ا‬
‫ي‬
‫اة‬
‫ي‬
‫ح‬
‫اص‬
‫ص‬
‫تعالى‪ :‬ول‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫فإن قيل‪ :‬كيف يكون في القصاص حياة‪ ،‬وقد يترتب على تنفيذ الحد أو‬
‫القصاص الشرعي موت أو بتر عضو من أعضاء الجاني المعتدي؟‬
‫أقول‪ :‬بموت أو بتر هذا العضو من جسد المجرم الجاني يكون سبباً في سالمة اآلالف من‬

‫الناس من أن يعتدى عليهم وعلى حرماتهم في شيء ‪ ..‬فيكون بهذا االعتبار حياة لهم ‪ ..‬وللجماعة‪،‬‬
‫والمجتمع‪.‬‬
‫ويكون حياة كذلك باعتبار االزدهار االقتصادي والحضاري الذي يتحقق في المجتمع بسبب‬
‫انعدام الجريمة‪ ،‬وفشو األمن واألمان ‪ ..‬وما كان ذلك ليكون لوال العمل بالحدود الشرعية‪ ،‬واألخذ‬
‫على يد المجرم الجاني بالقصاص العادل‪.‬‬

‫قال رسول اهلل ‪ٌّ ":‬‬
‫عمل به في األرض‪ ،‬خير ألهل األرض من أن يمطَروا أربعين‬
‫حد ي َ‬
‫صباحاً"[‪.]110‬‬
‫وقال تعالى في حد الحرابة بخصوص الذين يقطعون الطريق على الناس‪ ،‬ويسطون على‬
‫َْ‬
‫َ‬
‫ذَ َ َ ُ ذ َ َُ ُ َ‬
‫ون ذ َ‬
‫اَّلل َو َر ُس َ ُ‬
‫وَل َوي َ ْس َع ْون ِِف اْل ْر ِض‬
‫حرماتهم‪ ،‬ويتمنعون بقوة السالح‪ :‬إِنما جزاء اَّلِين ُيارِب‬
‫َْ‬
‫َ َْ‬
‫َ َ‬
‫فَ َسادا ً أ َ ْن ُي َق ذتلُوا أ َ ْو يُ َصلذبُوا أ َ ْو ُت َق ذط َع َأيْدِيه ْم َوأ َ ْر ُجلُ ُه ْم م ْ‬
‫َِلف أ ْو ُينف ْوا م َِن اْل ْر ِض ذل ِك‬
‫خ‬
‫ِن‬
‫ٍ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫ُّ ْ َ‬
‫َ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ادلنيَا َول ُه ْم ِِف اآلخ َِرة ِ عذاب ع ِظيم ‪‬المائدة‪. :‬‬
‫ل ُه ْم خ ِْزي ِِف‬
‫لذا لم يعرف التاريخ مجتمعاً آمناً يخلو من الجرائم أكثر من المجتمع اإلسالمي الذي تطبق‬

‫فيه الحدود الشرعية ‪ ..‬ولمن يخالفنا الرأي حول هذا األمر‪ ،‬نقول له‪ :‬أحص عدد الجرائم التي‬

‫حصلت في عهد النبي ‪ ،‬وعهد الخلفاء الراشدين من بعده طيلة عقود حكمهم ‪ ..‬وعدد الجرائم‬
‫التي تحصل في أمريكا في يوم واحد فقط ‪ ..‬فستجد أن الجرائم التي تحصل في أمريكا في يوم‬
‫واح د ـ رغم ضخامة جهاز الرقابة فيها ـ أضعاف الجرائم التي حصلت في عدة عقود في المجتمع‬
‫اإلسالمي!‬
‫‪ 110‬أخرجه ابن ماجه‪ ،‬وغيره‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.1 2 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪149‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫لكن رغم أهمية " األمن " في نهضة وتقدم الدول واألمم ‪ ..‬وحياة الناس ‪ ..‬إال أنه ينبغي‬
‫التعامل معه باعتدال وعدل من غير إفراط وال تفريط ‪ ..‬وبصورة ال تؤثر سلباً على ركائز وأسس‬
‫الحكم اآلنفة الذكر!‬
‫إذ ال يجوز أن يكون األمن ذريعة للسطو على حقوق وأمن وحرمات وحريات الناس ‪..‬‬
‫وترويعهم ‪ ..‬أو التجسس عليهم ‪ ..‬وعلى خصوصياتهم ‪ ..‬وفرض األحكام العرفية‪ ،‬وحالة الطوارئ ‪..‬‬
‫كما يحصل ذلك في كثير من الدول المعاصرة التي تهتم بأمن الحاكم ونظامه على حساب أمن الناس‬
‫والمجتمع ‪ ..‬وهي عندما تتكلم عن األمن ‪ ..‬تعني أمن الحاكم وحكمه وعرشه‪ ،‬وحاشيته ‪ ..‬أكثر مما‬
‫تعني أمن الناس والمجتمعات ‪ ..‬فهذا المعنى الخاطئ ال نريده من حديثنا عن األمن ‪ ..‬بل نسخطه ‪..‬‬
‫وننزه اإلسالم منه‪.‬‬
‫َ‬
‫ذ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ذ‬
‫ذ‬
‫ْ‬
‫ِين َ‬
‫قال تعالى‪ :‬يَا أ ُّي َها اَّل َ‬
‫آمنُوا اجتَنِبُوا كثِريا م َِن الظ ِن إِن‬
‫َ َ ذ ُ َ َ َ ْ َ ذ ْ ُ ُ َ ْ ً َ ُ ُّ َ‬
‫ُ َ ْ َُ َ‬
‫ِب أ َح ُدك ْم أن يَأكل ْلْ َم‬
‫َتسسوا وال يغتب بعضكم بعضا أُي‬
‫َ ذُ ذَ ذ ذَ َ‬
‫اَّلل ت ذواب ذرحِيم ‪‬الحجرات‪.21:‬‬
‫واتقوا اَّلل إِن‬

‫ْ َ‬
‫ذ‬
‫ْ َ‬
‫َبعض الظ ِن إِثم َوال‬
‫َ‬
‫َْ ً َ َ‬
‫كر ْهتُ ُموهُ‬
‫ف‬
‫تا‬
‫ي‬
‫م‬
‫ه‬
‫ِي‬
‫خ‬
‫أ‬
‫ِ‬
‫ِ‬

‫اتبعت عورات الناس أفسدتَـهم أو‬
‫رسول اهلل ‪ ‬يقول‪ ":‬إنك إن‬
‫عن معاوية ‪ ‬قال‪ :‬سمعت َ‬
‫َ‬

‫دت أن تفسدهم "‪.‬‬
‫ك َ‬

‫قال أبو الدرداء‪ :‬كلمةٌ سمعها معاوية من رسول اهلل ‪ ‬نفعه اهلل تعالى بها [‪.]112‬‬

‫وقال ‪ ":‬إن األمير إذا ابتغى الريبةَ في الناس أفسدهم "[‪.]119‬‬

‫وفي ذلك عظة ـ لو كانوا يعقلون! ـ لألنظمة الطاغية الفاسدة القائمة على التجسس وابتغاء‬

‫الريبة في الناس؛ والتي تضع على كل فرد من أفراد المجتمع جاسوساً يتجسس عليه ويتتبع عورته‪،‬‬
‫وعلى الجاسوس من يتجسس عليه وعلى أدائه التجسسي ‪ ..‬إلى أن يتحول المجتمع إلى سلسلة من‬
‫الجواسيس ‪ ..‬الكل يتجسس على الكل ‪ ..‬وكل ذلك بحجة الحفاظ على األمن ‪ ..‬زعموا!‬
‫هذه هي أهم ركائز وأسس وقيم الحكم في الدولة اإلسالمية ‪ ..‬التي يجب أن تطبق وتراعى‬
‫عند قيام دولة اإلسالم‪ ،‬في أي بقعة من بقاع األرض‪ ،‬بإذن اهلل‪.‬‬

‫*****‬

‫‪ 112‬صحيح سنن أبي داود‪. 029 :‬‬
‫‪ 119‬صحيح سنن أبي داود‪. 029 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪150‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ـ سـلطـات الـدولــة‪ ،‬والفصــل فيمـا بينهــا‪:‬‬

‫مبدأ الفصل بين السلطات‪ :‬التنفيذية‪ ،‬والتشريعية‪ ،‬والقضائية ‪ ..‬ليست محدثة بدعة‪ ،‬أو‬

‫بعيدة عن الفقه السياسي اإلسالمي‪ ،‬كما يصور البعض ‪ ..‬فاإلسالم كما يقرر مسؤولية الخليفة أو‬
‫الحاكم عن الدولة ومؤسساتها ‪ ..‬ومسؤولياته نحو الناس ممن هم في دولته وتحت رعايته ‪ ..‬فإنه في‬
‫نفس الوقت يقرر فصل السلطات بعضها عن بعض‪ ،‬بحيث تؤدي كل سلطة مهامها بحرية‪ ،‬واستقاللية‬
‫عن نفوذ وهيمنة السلطات الثانية ‪ ..‬وذلك أن المسؤوليات كما لها الطابع اإلداري التنظيمي ‪..‬‬
‫كذلك لها الطابع التشريعي الديني التعبدي ‪ ..‬بمعنى أن اإلنسان أين كان موقعه‪ ،‬وتحت أي سلطة‬
‫من سلطات الدولة يصنف‪ ،‬فهو مطالب شرعاً بأن يتقي اهلل‪ ،‬وأن يلتزم شرع اهلل في عمله ‪ ..‬وأن ال‬
‫يطيع مخلوقاً ـ أياً كان هذا المخلوق؛ حتى لو كان الخليفة أو الحاكم العام للبالد ـ في معصية اهلل‬

‫في عمله ‪ ..‬فهو قبل أن يكون مسؤوالً عن عمله أمام الناس ‪ ..‬فهو سيسأل عن عمله أمام اهلل تعالى؛‬

‫هل عدل في عمله أم ال ‪ ..‬هل أتقن عمله أم ال ‪ ..‬هل أطاع اهلل في عمله أم ال ‪ ..‬وهذا من مقتضاه‬

‫أن يكون حراً من أي هيمنة‪ ،‬أو قيود وضعية إدارية تمنعه من أداء مهامه وعمله على الوجه المطلوب‬

‫والمشروع‪ ،‬الذي يرضي اهلل ‪ .. ‬وإليكم بيان ذلك‪ ،‬بشيء من التفصيل‪.‬‬

‫‪ -1‬السلطة التنفيذية‪ :‬وهي تشمل كل من يباشر عمالً تنفيذياً في إدارة البالد‪ ،‬كالحاكم‪،‬‬
‫ووزرائه‪ ،‬والجباة‪ ،‬والعرفاء ‪ ..‬وغيرهم ممن يباشر عمالً قيادياً تنفيذياً ـ مهما كانت مرتبته ـ في إدارة‬

‫وقيادة شؤون البالد والعباد‪.‬‬

‫هذه السلطة التنفيذية كما هي متماسكة من الناحية اإلدارية التنظيمية‪ ،‬كذلك فإن عناصرها‬
‫يتمتعون باستقاللية تامة وهم يؤدون مهامهم‪ ،‬وعملهم ‪ ..‬ألن الواحد منهم في عمل تعبدي سيسأل‬
‫عنه أمام اهلل ‪ ..‬قبل أن يكون في ٍ‬
‫عمل وظيفي سيسأل عنه من قبل الناس‪.‬‬
‫ٌ‬
‫مسؤول عن رعيته؛ فاإلمام األعظم الذي على‬
‫قال رسول اهلل ‪ ":‬أال كلُّكم ر ٍاع‪ ،‬وكلكم‬

‫ٌ‬
‫الناس ر ٍاع وهو َم ٌ‬
‫سؤول عن رعيته‪ ،‬والرجل ر ٍاع على أهل بيته وهو‬
‫مسؤول عن رعيته‪ ،‬والمرأة راعيةٌ‬
‫ٌ‬
‫مسؤول عنه‪،‬‬
‫على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولةٌ عنهم‪ ،‬وعبد الرجل ر ٍاع على مال سيِّده وهو‬
‫ٌ‬
‫أال فَكلُّكم ر ٍاع وكلُّكم‬
‫مسؤول عن رعيته"متفق عليه‪ .‬ومن لوازم المسؤولية؛ أن يكون المرء مستقالً‬
‫في عمله‪ ،‬فلو جاز للحاكم أن يتدخل في كل شيء‪ ،‬وأن يكون مسؤوالً مباشراً عن كل شيء ‪..‬‬
‫النتفت المسؤولية عن اآلخرين ‪ ..‬وألصبح المسؤول عن األشياء والمهام كلها هو شخص الحاكم‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪151‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ٌ‬
‫مسؤول عن‬
‫وحسب ‪ ..‬وهو بخالف ما دل عليه الحديث أعاله‪ ،‬حيث قال‪ ":‬أال فَكلُّكم ر ٍاع وكلُّكم‬

‫رعيته "‪ .‬أي مسؤول عما استرعاه اهلل إياه في الدنيا واآلخرة‪.‬‬
‫وقال ‪ ":‬ما من ٍ‬
‫عبد يَسترعيه اهلل رعيةً‪ ،‬فلَم يحطْها بنصحه لم يج ْد رائحةَ الجنة "متفق‬
‫عليه‪ .‬فقوله " ما من عبد "؛ صيغة نكرة تفيد العموم؛ أي أي عبد؛ سواء كان موظفاً كبيراً‪ ،‬أم موظفاً‬
‫صغيراً ‪ ..‬وقوله " يَسترعيه اهلل رعيةً "؛ أياً كان كم ونوع هذه الرعية ‪ ..‬كانوا عشرة أكثر أم أقل ‪ ..‬أو‬
‫كانوا طالباً وتالميذاً في مدرسة ‪ ..‬أو عماالً في مصنع ‪ ..‬ثم هو " لم يحطها بنصحه "؛ أي برعايته‪،‬‬
‫وبذلك المستطاع في دفع المكروه عنها‪ ،‬وجلب المنافع والمصالح لها ‪ " ..‬لم يج ْد رائحةَ الجنة "‪.‬‬

‫وهو ـ كما ذكرنا من قبل ـ حتى يحيطها بنصحه‪ ،‬ويمارس مسؤولياته ‪ ..‬ال بد من أن يتمتع باستقاللية‬
‫تامة في عمله ‪ ..‬وإال لما كان راعياً ‪ ..‬وال كان مسؤوالً!‬
‫ٍ‬
‫يوم يموت وهو‬
‫ونحوه الحديث‪ ،‬في صحيح مسلم‪ ":‬ما من عبد يَسترعيَه اهلل رعيةً‪ ،‬يموت َ‬
‫غاش لرعيته‪ ،‬إال حرَم اهلل عليه الجنة "‪ .‬فله نفس دالالت الحديث الوارد أعاله‪.‬‬
‫ٌ‬
‫ولكي تتضح المسألة أكثر‪ ،‬أضرب المثال التالي‪ :‬جباة الزكاة؛ الذين يجبون الزكوات‬
‫المستحقة على الناس ‪ ..‬ال يحق للحاكم أو الرئيس أن يتدخل في عمله‪ ،‬فيقول له‪ :‬خذ من فالن‪،‬‬
‫وال تأخذ من عالن ‪ ..‬أو خذ من فالن أقل من فالن ‪ ..‬إذا استويا في النصاب ‪ ..‬ولو أمره بشيء من‬
‫ذلك ال يجوز له أن يطيعه ‪ ..‬وذلك أن عمله ـ كما قدمنا ـ له بعدين؛ بعد متعلق بحقوق العباد ‪ ..‬وبعد‬
‫متعلق بحق اهلل عليه ‪ ..‬وال بد له من أن ينجذ عمله على الوجه الذي يرضي اهلل ‪ .. ‬وفي‬
‫ٍ‬
‫بمعصية فال تطيعوه "[‪.]1 0‬‬
‫الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪َ ":‬من أمركم من الوالة‬
‫خالصة القول‪ :‬حتى السلطة التنفيذية فيما بينها ‪ ..‬هناك استقاللية تامة بين عناصرها ‪ ..‬وهذا‬
‫ال يمنع ـ وال يتعارض ـ مع مبدأ محاسبة ومساءلة المقصر منهم ‪ ..‬من خالل قضاء مستقل ونزيه‪.‬‬
‫‪ -2‬السلطة التشريعية‪ :‬ال نعني بـ " السلطة التشريعية "؛ السلطة التي تشرع مع اهلل‪ ،‬أو من‬
‫دون اهلل ‪ ..‬فهذا معنى باطل شركي؛ يكرس ربوبية المخلوق على المخلوق ‪ ..‬قد تقدمت اإلشارة إلى‬
‫بطالنه وخطورته‪.‬‬
‫وإنما نعني بـ " السلطة التشريعية "‪ ،‬سلطة العلماء العاملين‪ ،‬وصالحياتهم‪ ،‬في االستنباط‪،‬‬
‫واالجتهاد‪ ،‬والفتوى ‪ ..‬وتقنين القوانين المستخرجة من الشريعة اإلسالمية ‪ ..‬الذين أمرنا اهلل تعالى‬
‫‪0‬‬

‫‪ 1‬رواه أحمد‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬وابن حبان‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.1 1 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪152‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ْ‬
‫َ ْ َُ ْ َ َْ‬
‫ُ ُْ َ ََُْ َ‬
‫بالرجوع إليهم‪ ،‬في قوله‪ :‬فاسألوا أهل اَّلِك ِر إِن كنتم ال تعلمون ‪‬النحل‪ . :‬وقوله تعالى‪:‬‬
‫َ ُ‬
‫َ َ ُ ْ َْ َ َْ َ ْ‬
‫َْ ْ‬
‫اْلَ ْوف أ َ َذ ُ‬
‫اعوا ْ بهِ َول َ ْو َر ُّدوهُ إ ََل ذ‬
‫الر ُسو ِل ِإَوَل أ ْو َِّل اْلمرِ مِن ُه ْم‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫‪ِ‬إَوذا جاءهم أمر مِن اْلم ِن أوِ‬
‫َ‬
‫َ ْ‬
‫لَ َعل َِم ُه ذاَّل َ‬
‫ِين ي َ ْستنب ِ ُطون ُه مِن ُه ْم ‪‬النساء‪ .2 :‬أي لعلمه الذين يشيعون األخبار‪ ،‬واستنبطوا الجواب‬
‫الشافي ‪ ..‬من خالل رجوعهم إلى الرسول‪ ،‬وإلى أولي األمر من أكابر العلماء‪.‬‬
‫ْ ْ‬
‫ََ َ َُْ َْ َُ ذ ذُ َ ذ ُ َ‬
‫الراسِخون ِِف العِل ِم[‪ ]1 2‬آل عمران‪.0:‬‬
‫وقوله تعالى‪ :‬وما يعلم تأوِيله إِال اَّلل و‬
‫ورثوا‬
‫العلماء ورثة األنبياء‪ ،‬إن‬
‫وفي الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬وإن‬
‫األنبياء لم ي ِّ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫فمن أخ َذه أخ َذ ٍّ‬
‫بحظ واف ٍر "[‪.]1 1‬‬
‫ْم‪َ ،‬‬
‫ديناراً وال درهماً‪ ،‬إنما ورثوا العل َ‬
‫هذه السلطة التشريعية للعلماء ـ بالمعنى الوارد أعاله ـ مستقلة تماماً عن السلطة التنفيذية‪،‬‬
‫عرف ـ في اإلسالم ـ جهة استقالليتها ‪ ..‬تعمل بصورة مستقلة عن أي‬
‫وغيرها من السلطات ‪ ..‬بل ال ت َ‬

‫ضغط خارجي ‪ ..‬كجهة وطرف العلماء الذين يوقعون عن اهلل تعالى‪ ،‬وعن رسوله ‪.‬‬

‫أصبح صعباً هبوطاً[ ‪.]1 ["]1‬‬
‫قال ‪ ":‬إياكم وأبواب السلطان؛ فإنه قد‬
‫َ‬
‫ازداد من اهلل‬
‫وقال ‪ ":‬من أتى‬
‫ازداد أح ٌد من ُّ‬
‫أبواب ُّ‬
‫السلطان قرباً‪ ،‬إال َ‬
‫السلطان افتت َن‪ ،‬وما َ‬
‫َ‬
‫بعداً "[‪.]1 5‬‬
‫أدرك‬
‫وقال ‪ ":‬ليأتين عليكم أمراءٌ‪ ،‬يقربون شر َار الناس‪ ،‬ويؤخِّرون الصالةَ عن مواقيتها‪ ،‬فمن َ‬
‫ذلك منهم‪ ،‬فال يَكونَن ع ِّريفاً[‪ ،]1 2‬وال شرطيّاً‪ ،‬وال جابياً‪ ،‬وال خازناً "[‪.]1 0‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ 1‬قال ابن كثير في التفسير‪ :‬وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد‪ ،‬عن ابن عباس أنه قال‪ :‬أنا من الراسخين الذين‬

‫يعلمون تأويله‪ ،‬وقال ابن أبي نجيح‪ ،‬عن مجاهد‪ :‬والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به‪ ،‬وكذا قال‬
‫الربيع بن أنس ا‪ -‬هـ‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ 1‬رواه أبو داود‪ ،‬والترمذي‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬وابن حبان‪ ،‬صحيح الترغيب‪.00 :‬‬
‫‪ 1‬أي ذالً يذل صاحبه‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫‪ 1‬رواه الطبراني‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.215 :‬‬
‫‪ 1‬رواه أحمد‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.2101 :‬‬

‫‪1 2‬‬
‫العريف‪ :‬هو القيِّم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس يلي أمورهم‪ ،‬ويتعرف األمير منه أحوالهم " النهاية "‪.‬‬
‫ِّ‬
‫والجابي‪ :‬هو الذي يقوم بمهمة جباية وتحصيل األموال والضرائب من الناس لصالح خزانة الدولة‪ .‬والخازن‪ :‬هو‬

‫الذي يقوم بمهمة حراسة ورعاية خزانة الدولة المالية‪ ،‬وإحصاء ما يدخل إليها وما يخرج منها‪ ،‬ويمثل في زماننا وزير‬

‫المالية‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪153‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وقال ‪ ":‬يليكم ٌ‬
‫عمال من بعدي‪ ،‬يقولون ما يعلمون‪ ،‬ويَعملو َن بما يَعرفون‪ ،‬وطاعة أولئك‬
‫طاعة‪ ،‬فتَلبثون كذلك دهراً‪ ،‬ثم يليكم ٌ‬
‫عمال من بعدي يقولون ماال يَعلمون‪ ،‬ويَعملون ماال يَعرفون‪،‬‬

‫ووازَرهم‪ ،‬و َشد على أعضادهم‪ ،‬فأولئك قد هلَكوا وأهلَكوا[‪ ،]1 2‬خالطوهم‬
‫فمن‬
‫ناصحهم‪َ ،‬‬
‫َ‬
‫محسن‪ ،‬وعلى المسيء بأنه‬
‫بأجسادكم‪ ،‬وزايلوهم بأعمالكم‪ ،‬واشهدوا على المحسن بأنه‬
‫ٌ‬

‫مسيءٌ"[‪.]1 9‬‬
‫فخرج علينا فقال‪":‬‬
‫النبي ‪،‬‬
‫وعن عبد اهلل بن خباب عن أبيه‪ ،‬قال‪ :‬كنا قعوداً على باب ِّ‬
‫َ‬
‫اس َمعوا "‪ .‬قلنا‪ :‬قد سمعنا‪ .‬قال‪ ":‬اسمعوا "‪ .‬قلنا‪ :‬سمعنا[‪.]1 0‬‬
‫اسمعوا "‪ .‬قلنا‪ :‬سم ْعنا‪ .‬قال‪ْ ":‬‬
‫قال‪ ":‬إنه سيكون بعدي أمراء فال تصدقوهم ب َكذبهم‪ ،‬وال تعينوهم على ظلمهم‪ ،‬فإن من صدقهم‬
‫الحوض "[‪.]1 2‬‬
‫بكذبهم‪ ،‬وأعانهم على ظلمهم‪ ،‬لم يرد علي‬
‫َ‬

‫ومن اعتزلهم َسلم‪ ،‬ومن خالَطَهم‬
‫وقال ‪ ":‬سيكون أمراء تَعرفون وتنكرون‪ ،‬فمن ناب َذهم نجا‪َ ،‬‬
‫هلَك "[‪.]1 1‬‬
‫العلماء أشد التحذير من أن يكتموا العلم والحق الذي يعرفونه ‪ ..‬وبالتالي‬
‫كما أن اإلسالم ح ّذر‬
‫َ‬

‫فإن أي مسلك ـ بما في ذلك القرب من الحكام والسالطين ـ قد يحملهم على كتمان العلم‪ ،‬وعدم‬
‫الصدع بالحق‪ ،‬فعليهم اعتزاله واجتنابه‪.‬‬
‫َ‬
‫ََ ً َ ً‬
‫َ َْ َُ َ‬
‫ذ ذ َ َ ُُْ َ‬
‫اَّلل م َِن الْك َ‬
‫ون َما أن ْ َز َل ذ ُ‬
‫َتون بِهِ ثمنا قل ِيَل‬
‫اب ويش‬
‫ِت‬
‫قال تعالى‪ :‬إِن اَّلِين يكتم‬
‫ِ‬
‫ُ َ َ َ َْ ُ ُ َ‬
‫ْ ذ ذ َ َ ُ َ ُُ ُ ذ‬
‫اَّلل يَ ْو َم الْقيَ َ‬
‫امةِ َوال يُ َزك ِيه ْم َول َ ُهمْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫أولئِك ما يأكلون ِِف بطون ِ ِهم إِال انلار وال يكل ِمهم‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫‪0‬‬

‫‪ 1‬رواه ابن حبان‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪. 20 :‬‬

‫‪9‬‬

‫‪ 1‬رواه الطبراني‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪. 50 :‬‬

‫‪ 1 2‬أهلَكوا غيرهم من عامة الناس‪ ،‬ألنهم يكونون السبب في إضاللهم نحو حقيقة أولئك الحكام‪ ،‬وبخاصة إن كانوا‬
‫في موضع القدوة‪ ،‬والقيادة‪ ،‬كالعلماء ‪ ..‬فإن مجالستهم‪ ،‬للحاكم الفاسق الظالم تعتبر شهادة حسن سلوك ـ وزوٍر في‬
‫ٍ‬
‫آن معاً ـ لهذا الحاكم في أعين الناس!‬
‫‪1 0‬‬

‫تكرار األمر بالسماع من قبل النبي ‪ ‬يأتي لشد مزيد من انتباه المخاطبين‪ ،‬لكي يف َقه عنه ما يريد تبليغه‪،‬‬

‫وليبلغ الحاضر الغائب ‪ ..‬ولبيان أهمية وخطورة البيان الذي سيلقيه ـ بعد هذا األمر ـ على مسامع الحاضرين من‬
‫أصحابه رضي اهلل عنهم أجمعين‪.‬‬

‫‪2‬‬
‫‪1‬‬

‫‪ 1‬أخرجه الطبراني‪ ،‬وابن حبان‪ ،‬صحيح الترغيب‪.11 5 :‬‬
‫‪ 1‬رواه الطبراني‪ ،‬صحيح الجامع‪. 222 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪154‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫َ‬
‫ُ َ َ ذ َ ْ ََ ُ ذ َ َ ُْ َ َ ْ َ َ َ َْ ْ َ َ َ َ ْ َ َ ُ ََ‬
‫َ َ‬
‫ِبه ْم لَع‬
‫عذاب أ ِِلم ‪ .‬أولئِك اَّلِين اشَتوا الضَللة بِالهدى والعذاب بِالمغفِرة ِ فما أص‬
‫انلذارِ‪ ‬البقرة‪.205:‬‬
‫ُْ َ َ َْ ْ‬
‫ْ َ‬
‫ات َوال ْ ُه َدى م ِْن َب ْع ِد َما بَيذ ذناهُ‬
‫وقال تعالى‪ :‬إ ذن ذاَّل َ‬
‫ِين يَكت ُمون ما أن َزنلَا م َِن اْلَيِن ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ذ‬
‫ذ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ذ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ َ َ‬
‫َ َ ُ َ ْ‬
‫ذ‬
‫اس ِف الْك َ‬
‫صل ُ‬
‫ك يَل َع ُن ُه ُم ذ ُ‬
‫حوا َو َبيذنُوا‬
‫اَّلل َويَل َعنُ ُه ُم الَلعِنُون * إِال اَّلِين تابوا وأ‬
‫اب أول ِئ‬
‫ِت‬
‫ل ِلن ِ ِ‬
‫ِ‬
‫َُ َ َ‬
‫وب َعلَيْه ْم َو َأنَا اتلذ ذو ُ‬
‫ك َأت ُ ُ‬
‫الرح ُ‬
‫اب ذ‬
‫ِيم ‪‬البقرة‪.220-259:‬‬
‫فأولئ ِ‬
‫ِ‬
‫وفي الحديث فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬ما من ٍ‬
‫يوم‬
‫رجل يحفظ علماً فيَكت َمه‪ ،‬إال أت َي به َ‬
‫لج َماً ٍ‬
‫بلجام من النار "[ ‪.]1‬‬
‫القيامة م َ‬
‫يوم القيامة ٍ‬
‫وقال ‪ ":‬من سئ َل عن ع ٍ‬
‫بلجام من نار "[ ‪.]1‬‬
‫جم َ‬
‫لم يَعلَمه ف َكتَ َمه‪ ،‬أل َ‬
‫القيامة ٍ‬
‫وقال ‪ ":‬أيُّما ٍ‬
‫بلجام من نار "[‪.]1 5‬‬
‫ألجمه اهلل َ‬
‫يوم َ‬
‫فكتمه‪َ ،‬‬
‫رجل آتاه اهلل علماً َ‬

‫عرف عن سلفنا الصالح‪ ،‬وكبار علماء وفقهاء األمة‪ ،‬الذين منهم األئمة األربعة ـ مرجع‬
‫لذا ال ي َ‬
‫األمة في الفقه ـ‪ :‬أبو حنيفة‪ ،‬ومالك‪ ،‬والشافعي‪ ،‬وأحمد ‪ ..‬أنهم كانوا قريبين من الحكام والسالطين‬
‫‪ ..‬أو كانوا يجاملون الحكام في مسائل العلم‪ ،‬والشريعة‪ ،‬واألحكام ‪ ..‬ولما حاول بعض خلفاء‬
‫العباسيين أن يحملوا اإلمام أحمد على أن يوافقهم القول في مسألة خلق القرآن ‪ ..‬أو يعاقَب‬
‫بالسجن والجلد ‪ ..‬فآثر ـ رحمه اهلل ـ السجن‪ ،‬والجلد ‪ ..‬إلى أن نصره اهلل على مناوئيه ومخالفيه‪،‬‬
‫وأظهر على يديه الحق‪.‬‬
‫قال السيوطي في كتابه الماتع " ما رواه األساطين في عدم المجيء إلى السالطين "‪ :‬ذهب‬
‫جمهور العلماء من السلف‪ ،‬وصلحاء الخلف إلى أن هذه األحاديث واآلثار جارية على إطالقها سواء‬
‫دعوه ـ أي الحكام والسالطين ـ إلى المجيء إليهم أم ال‪ ،‬وسواء دعوه لمصلحة دينية أم لغيرها‪ .‬قال‬
‫سفيان الثوري‪ :‬إن دعوك لتقرأ عليهم‪ :‬قل هو اهلل أحد‪ ،‬فال تأتهم!‬
‫وروى أبو نعيم في الحلية عن ميمون بن مهران‪ :‬أن عبد اهلل بن عبد الملك بن مروان قدم‬
‫المدينة‪ ،‬فبعث حاجبه إلى سعيد بن المسيب فقال له‪ :‬أجب أمير المؤمنين! قال‪ :‬وما حاجته؟ قال‪:‬‬
‫لتتحدث معه‪ .‬فقال‪ :‬لست من ح ّداثه‪ .‬فرجع الحاجب إليه فأخبره‪ ،‬قال‪ :‬دعه‪.‬‬
‫‪ 1‬صحيح سنن ابن ماجه‪.120 :‬‬
‫‪5‬‬

‫‪ 1‬صحيح سنن ابن ماجه‪.12 :‬‬

‫‪ 1‬رواه الطبراني‪ ،‬صحيح الجامع‪.102 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪155‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وعن مالك بن أنس رحمه اهلل‪ ،‬قال‪ :‬أدركت بضعة عشر رجالً من التابعين يقولون ال تأتوهم‪،‬‬

‫وال تأمروهم‪ ،‬يعني السلطان‪.‬‬

‫وعن سفيان الثوري‪ ،‬قال‪ :‬ما زال العلم عزيزاً‪ ،‬حتى حمل إلى أبواب الملوك فأخذوا عليه‬
‫أجراً‪ ،‬فنزع اهلل الحالوة من قلوبهم ومنعهم العلم به ا‪ -‬هـ‪.‬‬
‫أوبعد كل ما تقدم من نقوالت يجوز أن يقال بأن سلطة العلماء‪ ،‬وما أنيط بهم من مهمة بيان‬

‫األحكام‪ ،‬والشرائع ‪ ..‬غير مستقلة ‪ ..‬وهي مرتبطة ومرهونة بسلطة وأهواء الحاكم؟!‬
‫إن هذا لبهتان عظيم على اإلسالم‪ ،‬وعلى علماء اإلسالم ‪ ..‬نبرأ إلى اهلل منه!‬
‫‪ -3‬السلطة القضائية‪ :‬غاية القضاء ـ كما في اإلسالم ـ تحقيق العدل فيم بين المتخاصمين‬
‫‪ ..‬وهذا ال يتحقق إال بأمرين‪ :‬أحدهما تحري حكم اهلل تعالى فيم قد تم فيه الخالف والتخاصم‪ ،‬بين‬
‫المتخاصمين والمختلفين‪ .‬كم في الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬القضاة ثالثة‪ :‬واحد في‬
‫الجنة‪ ،‬واثنان في النار؛ فأما الذي في الجنة؛ فرجل عرف الحق فقضى به‪ .‬ورجل عرف الحق فجار‬

‫في الحكم‪ ،‬فهو في النار‪ .‬ورجل قضى للناس على جهل‪ ،‬فهو في النار "[ ‪.]1 2‬‬

‫ثانيهما‪ :‬عدم ممارسة أي ضغوطات جانبية ـ من أي جهة كانت ـ قد تؤثر سلباً على عمل‬
‫وعطاء القضاة‪ ،‬وعدالة حكمهم‪.‬‬
‫كما في قصة المرأة المخزومية‪ ،‬أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد‬
‫النبي ‪ .‬في غزوة الفتح‪ .‬فقالوا‪ :‬من يكلم فيها رسول اهلل ‪‬؟ فقالوا ‪ :‬ومن يجترئ عليه إال أسامة‬
‫بن زيد؛ حب رسول اهلل ‪‬؟ ـ فأرادوا أن يستغلوا مكانة أسامة الرفيعة عند النبي ‪ ‬عسى ذلك أن‬
‫يثنيه عن قطع يدها ـ فأتى بها رسول اهلل ‪ ،‬فكلمه فيها أسامة بن زيد‪ .‬فتلون وجه رسول اهلل ‪،‬‬

‫فقال‪ ":‬أتشفع في ٍّ‬
‫حد من حدود اهلل؟!" فقال له أسامة‪ :‬استغفر لي‪ ،‬يا رسول اهلل! فلما كان العشي‬
‫قام رسول اهلل ‪ ‬فاختطب‪ ،‬فأثنى على اهلل بما هو أهله‪ ،‬ثم قال‪ ":‬أما بعد‪ ،‬فإنما أهلك الذين من‬
‫قبلكم‪ ،‬أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف‪ ،‬تركوه‪ .‬وإذا سرق فيهم الضعيف‪ ،‬أقاموا عليه الحد‪ ،‬وإني‬
‫والذي نفسي بيده‪ ،‬لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها "‪ ،‬ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت‬
‫فقطعت يدها‪ .‬مسلم‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ 1‬صحيح سنن أبي داود‪. 052 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪156‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وهذان األمران ال يمكن أن يتحققا على الوجه الصحيح إال إذا تمتعت سلطة القضاء‬
‫باالستقاللية عن نفوذ وهيمنة بقية السلطات ‪ ..‬وهذا الذي كان عليه عمل السلف في الصدر األول‬
‫لإلسالم‪ ،‬كما في خالف الخليفة العادل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ‪ ،‬مع اليهودي ‪ ..‬على‬
‫ملكية الدرع ‪ ..‬فعلي ‪ ‬يقول الدرع لي ‪ ..‬واليهودي يقول‪ :‬بل‪ ،‬الدرع لي ‪ ..‬ولما رفع أمرهما‬
‫للقاضي شريح‪ :‬حكم شريح لليهود على الخليفة علي بن أبي طالب ‪ .. ‬وأمر له بالدرع ‪ ..‬ألن‬
‫علياً لم يكن يملك شاهدان على دعواه ‪ ..‬فقال اليهود‪ :‬أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي‬
‫صدقت واهلل يا أمير المؤمنين‪ ،‬إنها لدرعك‪ ،‬سقطت عن جمل لك‬
‫المسلمين‪ ،‬فقضى لي ورضي!‬
‫َ‬
‫التقطتها‪ ،‬أشهد أن ال إله إال اهلل‪ ،‬وأن محمداً رسول اهلل‪ .‬فوهبها له علي ‪.]1 0[ ‬‬

‫فالحاكم ليس فوق القضاء‪ ،‬والقصاص‪ ،‬وبالتالي كيف له أن يتدخل في عدالة القضاء ‪ ..‬وقد‬

‫ثبت أن الحبيب صلوات ربي وسالمه عليه ‪ ..‬وهو سيد الخلق ـ فداه نفسي ـ قد أذن بأن يقاد ويقتَص‬
‫منه‪ ،‬فمن دونه ـ وكل الخلق دونه ـ ليسوا بمنأى عن ال َق َود والقصاص‪ ،‬كانوا من كانوا‪ ،‬فضالً عن أن‬

‫يتدخلوا بعدالة ال َق َود والقصاص‪ ،‬كما في الحديث الذي أخرج ابن إسحاق في السيرة‪ ،‬وغيره‪ :‬أن‬
‫رمى به عن القوس ـ‬
‫َ‬
‫رسول اهلل ‪ ‬عدل صفوف أصحابه يوم بد ٍر‪ ،‬وفي يده ق ْد ٌ‬
‫ح ـ وهو السهم الذي ي َ‬
‫فطعن في بطنه بالقدح‪ ،‬وقال‪ ":‬استو يا‬
‫القوم‪ ،‬فمر بسواد بن غَزية وهو مستنت ٌل من الصف‪َ ،‬‬
‫يعدل به َ‬

‫رسول اهلل أوجعتني‪ ،‬وقد بعثَك اهلل بالحق والعدل‪ ،‬فأقدني! قال‪ :‬فكشف رسول اهلل‬
‫سواد "‪ ،‬فقال‪ :‬يا َ‬

‫حملك على هذا يا سواد؟"‪،‬‬
‫استَق ْد "!‪ ،‬قال‪ :‬فاعتنقه‪ ،‬فقبل بطنه! فقال‪ ":‬ما‬
‫َ‬
‫‪ ‬عن بطنه‪ ،‬وقال‪ْ ":‬‬
‫حضر ما ترى‪ ،‬فأردت أن يكون آخر العهد بك‪ :‬أن يمس جلدي جلدك! فدعا له‬
‫قال‪ :‬يا َ‬
‫رسول اهلل َ‬

‫رسول اهلل ‪ ‬بخير[‪.]1 2‬‬

‫رسول اهلل ‪‬‬
‫قال الشافعي‪ ،‬في رواية الربيع‪ :‬وروي من حديث عمر ‪ ‬أنه قال‪ ":‬رأيت‬
‫َ‬
‫يعطي ال َق َو َد من نفسه‪ ،‬وأبا بك ٍر يعطي ال َق َو َد من نفسه‪ ،‬وأنا أعطي ال َق َو َد من نفسي "[‪.]1 9‬‬

‫‪0‬‬

‫‪ 1‬القصة كاملة رواها أبو نعيم في الحلية‪ ،‬وانظرها في فقه السنة ‪. 22/‬‬

‫‪9‬‬

‫‪ 1‬فقه السنة ‪. 95/1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪ 1‬السلسلة الصحيحة‪.12 5 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪157‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫فهؤالء هم عظماء األمة يعطون ال َق َود من أنفسهم ‪ ..‬فما بال طغاة العصر‪ ،‬ينصون في‬
‫دساتيرهم الباطلة‪ " :‬بأن الملك أو الرئيس فوق المساءلة والمحاسبة‪ ،‬ال يسأل عما يفعل "‪ ،‬والذي ال‬
‫َ‬
‫َُ َ‬
‫َُ َ‬
‫ْ ُ ُ‬
‫عما يفعل هو اهلل ‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬ال ي ُ ْسأل ع ذما َيف َعل َوه ْم ي ُ ْسألون ‪‬األنبياء‪.1 :‬‬
‫يسأل ّ‬
‫القوي غَْيـ َر‬
‫ضى فيها بالحقِّ‪ ،‬وال يأخذ الضعيف حقه من‬
‫ِّ‬
‫س أمةٌ ال يق َ‬
‫قال ‪ ":‬ال تـ َقد َ‬

‫‪150‬‬
‫ؤخذ‬
‫متَـ ْعتَ ٍع"[ ]‪ .‬أيّاً كان هذا القوي ‪ ..‬حتى لو كان الحاكم أو الخليفة ذاته ‪ ..‬فليس هو فوق أن ي َ‬

‫منه الحق للضعيف ‪ ..‬وال يكفي أن يأخذ الضعيف حقه منه وحسب ‪ ..‬بل يأخذه منه غير خائف وال‬

‫متعتع!‬
‫خالصة القول‪ :‬من خالل مجموع ما تقدم فقد تبين أن مبدأ الفصل بين سلطات الدولة‪:‬‬
‫التنفيذية‪ ،‬والتشريعية‪ ،‬والقضائية ‪ ..‬هو مبدأ إسالمي ‪ ..‬وأن اإلسالم كان له السبق إلى ذلك ‪ ..‬علم‬
‫ذلك من علم‪ ،‬وجهل ذلك من جهل!‬
‫وهذا ال يعني أن كل سلطة تتصرف وكأنها دولة أو حكومة مستقلة عن األخرى‪ ،‬من غير‬
‫رقيب‪ ،‬وال حسيب‪ ،‬وال مساءلة ‪ ..‬ال ‪ ..‬فهي في النهاية ـ رغم أنها تعمل بصورة مستقلة كما تقدم ـ‬
‫ملزمة بالمساءلة والمحاسبة والمراقبة من قبل الخليفة أو رئيس الدولة‪ ،‬ومن قبل الناس ‪ ..‬فإن أحسنوا‬
‫يقال لهم أحسنتم ‪ ..‬ويشكرون ‪ ..‬وإن أساؤوا ‪ ..‬يقال لهم‪ :‬أسأتم‪ ،‬وينصحون ‪ ..‬ويسددون‪ ،‬كما في‬

‫الحديث‪ ":‬واشهدوا على المحسن بأنه محسن‪ ،‬وعلى المسيء بأنه مسيء "[‪ .]152‬واهلل تعالى‬
‫الموفق والهادي إلى سواء السبيل‪.‬‬

‫*****‬

‫‪ 150‬أخرجه الطبراني‪ ،‬صحيح الترغيب‪.1292 :‬‬

‫‪ 152‬رواه الطبراني في األوسط‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪. 50 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪158‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ـ مُلحـق‪ :‬هذا ملحق يتضمن مقالتين قد كتبتا من قبل في تاريخهما‪ ،‬لهما عالقة بموضوع‬

‫هذا الكتاب " األحكام السلطانية والسياسة الشرعية "‪ ،‬استحسنا ـ إتماماً للفائدة ـ إضافتهما في نهاية‬
‫هذا الكتاب كملحق به‪ ،‬والمقاالتان هما‪ ":‬كلمات في السياسة الشرعية أخص بها أهلنا في تونس‬

‫ومصر "‪ ،‬و " حتى يكو َن التمثيل عادالً وشامالً "‪.‬‬

‫فإن ورد في المقالتين عبارة متشابهة أشكل فهمها على القارئ ‪ ..‬فليردها ويفسرها على ضوء‬

‫المحكم الوارد في بحثنا هذا " األحكام السلطانية والسياسة الشرعية "‪ ،‬واهلل الموفق‪.‬‬
‫املقـالـة األولــى‪:‬‬

‫كلمات يف السياسة الشرعية أخص بها أهلنا يف تونس ومصر‬
‫بسم اهلل الرمحن الرحيم‬

‫الحمد هلل وحده‪ ،‬والصالة والسالم على من ال نبي بعده‪ ،‬وبعد‪.‬‬
‫فقد كثرت علي األسئلة من طرف اإلخوان والشباب المسلم في تونس ومصر ـ بخاصة من‬
‫إخواننا ذوي االتجاه السلفي السني الذين لم يسبق لهم نوع مشاركة في عمل سياسي عام ـ عن‬
‫المنهجية والطريقة في العمل ما بعد الثورة ‪ ..‬حيث قد أتيحت للشعوب مساحة مقبولة من الحريات‬
‫لم يكن يعيشونها وال يعرفونها من قبل في ظل األنظمة المستبدة البائدة ‪ ..‬يمكنهم من خاللها التعبير‬
‫عن دعوتهم وعقيدتهم‪ ،‬ومشاعرهم‪ ،‬واختياراتهم من غير إكراه وال ترهيب أو تزوير ‪ ..‬فما هو العمل‬
‫‪ ..‬وما هي األولويات ‪ ..‬وما هو الممكن والمسموح به وما هو غير الممكن وغير مسموح به ‪..‬‬
‫وكيف السبيل لذلك ‪ ..‬وأين خيار استخدام القوة ـ في مواجهة مشاكل الواقع ـ في ظل هذا الواقع‬
‫الجديد ‪ ..‬وغيرها من التساؤالت ‪ ..‬نجتهد ـ بإذن اهلل تعالى ـ أن نجيب عنها من خالل النقاط التالية‪:‬‬
‫‪ -2‬هذه الكلمات وإن كان المعني منها بالدرجة األولى هم أهلنا وإخواننا في كل من مصر‬
‫وتونس للجديد الذي طرأ على البلدين ‪ ..‬إال أنها أيضاً هي موجهة لكل بلد تعيش نفس التجربة‬
‫المصرية أو التونسية ‪ ..‬أو هي في طريقها للتحرر من هيمنة األنظمة الطاغية المستبدة ‪ ..‬نسأل اهلل‬
‫تعالى أن يحرر جميع بالد المسلمين من هيمنة األنظمة الطاغية الفاسدة المستبدة التي تستعبد‬
‫وتستحمر الشعوب ‪ ..‬وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً!‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪159‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫‪ -1‬على الشباب المسلم ـ في حال انتفاء الجماعة التي تحسن تمثيلهم فكرياً ومنهجياً‪،‬‬
‫وترقى إلى مستوى تطلعاتهم وأهدافهم ـ أن يفرزوا قياداتهم من أنفسهم على وجه السرعة ‪ ..‬وأن‬
‫يشكلوا جماعتهم المستقلة القائمة على منهج الكتاب والسنة‪ ،‬على فهم السلف الصالح ‪ ..‬التي‬
‫تجمع بين الدراية واالهتمام بالنقل‪ ،‬واألثر‪ ،‬وبين الدراية بالواقع المعايش‪ ،‬ومتطلباته وحاجياته‪.‬‬
‫وإن استدعى األمر تشكيل حزب يعلَن عنه فال حرج في ذلك ‪ ..‬بشرط الحذر واالنتباه من‬

‫مزالق التقوقع والوقوع في التعصب الحزبي المقيت الذي يمنع المتحزبين من إنصاف الحق‪،‬‬
‫ويحملهم على العمل للحزب ومصالح الحزب بعيداً عن مصالح وهموم المجتمع واألمة ‪ ..‬فهذا ال‬

‫يجوز‪.‬‬

‫ األجواء والظروف ما بعد الثورة هي أجواء سلمية ‪ ..‬تتسم بمساحة واسعة من الحرية‬‫والسماحة ‪ ..‬تستدعي تفعيل الوسائل السلمية في عملية البناء والتغيير ما أمكن لذلك سبيالً ‪ ..‬فكما‬
‫أن المسلمين في ساحات القتال ـ إن توفرت دواعي الجهاد وأسبابه وظروفه ـ هم السادة‪ ،‬وهم‬

‫األعلون بإذن اهلل ‪ ..‬كذلك إن تأمنت ساحات الحرية في التعبير‪ ،‬والحركة‪ ،‬والدعوة ‪ ..‬فهم السادة‪،‬‬
‫وهم األعلون‪ ،‬بإذن اهلل‪.‬‬
‫‪ -‬ما دامت المعركة مع اآلخرين يمكن حصرها في ميادين الكلمة والبيان والحوار ‪..‬‬

‫ٍ‬
‫فحينئذ ال ينبغي أن نعدل عن ميادين الكلمة والبيان ‪ ..‬إلى ميادين العنف والشدة ‪ ..‬وذلك لثالثة‬
‫أسباب‪ :‬أولها؛ لعدم الحاجة إليها‪ ،‬أو وجود ضرورة تستدعي اللجوء إليها‪ ،‬وألن العنف لو استخدم‬
‫في غير ميدانه وظروفه االضطرارية يفسد ويضر‪ ،‬ويسيء‪.‬‬
‫ثانيها‪ :‬أن المسلمين هم األقوى في ميدان الكلمة ‪ ..‬ألنهم يملكون الحجة األقوى ‪..‬‬
‫والمنطق الصحيح والسليم ‪ ..‬يملكون‪ :‬قال اهلل‪ ،‬قال رسول اهلل ‪ ،‬قال الصحابة والسلف الصالح‬
‫َْ َ َ َْ َ َ‬
‫‪ ..‬وأنى لآلخرين أن يقووا على الوقوف أمام كالم اهلل وكالم رسوله ‪ ،‬قال تعالى‪ :‬لو أنزنلا هذا‬
‫ً ُّ َ َ ً ْ َ ْ َ ذ‬
‫ُْ ْ َ ََ َ َ ذَََُْ َ‬
‫القرآن لَع جب ٍل لرأيته خاشِعا متصدَِع مِن خشيةِ اَّلل ِ ‪‬الحشر‪ .12:‬أما بضاعة الكفار من‬
‫قبل واليوم وغداً في مواجهة نور وحجية وقوة القرآن ‪ ..‬هو اللغو‪ ،‬والدعايات الساقطة‪ ،‬والصخب‬
‫سمع كلمات اهلل تعالى جيداً ‪ ..‬ألنه لو سمع إليها جيداً ال يقوى‬
‫ورفع األصوات ال غير ‪ ..‬حتى ال ت َ‬
‫َ َ‬
‫ََ َ ذ َ ََ‬
‫َ ُْ‬
‫َْ‬
‫أحد على ردها‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬وقال اَّل‬
‫ِين كف ُروا ال ت ْس َم ُعوا ل َِهذا الق ْرآ ِن َوالغ ْوا فِيهِ‬
‫َ ذ ُ َْ َ‬
‫ل َعلك ْم تغل ِبُون ‪‬فصلت‪ .12:‬فكل هذا الصخب‪ ،‬والصراخ‪ ،‬والدعايات الهابطة التي يمارسها‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪160‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫َْ‬
‫الكفار اختصرها القرآن الكريم بكلمتين ‪َ ‬والغ ْوا فِيهِ ‪ ،‬وأنى للغو أن يقوى على مواجهة الحق‬

‫والنور والضياء ‪ ..‬وبالتالي فإن النصر‪ ،‬ومآالت األمور محسومة لصالح المسلمين بإذن اهلل ‪ ..‬فال‬
‫ينبغي أن نعلن عن هزيمتنا وانسحابنا من ميادين الكلمة والبيان ‪ ..‬ونحن لم نستخدم ولم نستثمر‬
‫تلك الميادين بعد حق االستخدام واالستثمار!‬
‫عطاء وقبوالً لدى الناس‪،‬‬
‫ثالثها‪ :‬أن العمل كلما كان أقرب للرفق كلما كان أجدى نفعاً‪ ،‬وأكثر ً‬

‫فاهلل تعالى رفيق‪ ،‬يحب الرفق في األمر كله‪ ،‬ويجازي عليه ما ال يجازي على العنف والشدة‪ ،‬والرفق ما‬

‫كان في شيء إال زانه‪ ،‬وما نزع من شيء إال شانه ‪ ..‬فالبركة كلها في الرفق ومع الرفق ‪ ..‬وما دام‬
‫ٍ‬
‫حينئذ العدول عنه ومعالجته عن طريق العنف‬
‫األمر يمكن معالجته عن طريق الرفق ‪ ..‬من الخطأ‬
‫والشدة‪.‬‬
‫‪ -5‬جميع المراقبين المنصفين يشهدون أن األوضاع ما بعد الثورة ـ وبخاصة في مصر ـ هي‬
‫أفضل بكثير مما كان عليه الحال في عهد الطاغوت واالستبداد وهلل الحمد ‪ ..‬وأقل ما يوصف به‬
‫الواقع أن البالد عادت ألهلها وأصبحت ملكاً لهم بعد أن كانت ملكاً للطاغية وعائلته ‪ ..‬لكن هذا‬
‫الواقع الجديد على أهميته ‪ ..‬وأهمية ما تم إنجازه ‪ ..‬ال يعني أن األمور قد اكتملت وبلغت درجة‬
‫الكمال الذي يعقبه النوم واالسترخاء ‪ ..‬أو أن كل ما يجري ويحصل يرضينا وهو جيد ‪ ..‬فهناك‬
‫مساحة واسعة طيبة من اإلصالحات قد حصلت وتم إنجازها وهلل الحمد ‪ ..‬وهناك جانب أيضاً هو‬

‫كبير ال يزال يحتاج إلى إصالح وجهد واجتهاد‪.‬‬

‫ويمكن أن يقال أيضاً‪ :‬أن هناك جانب هام وواسع ال بأس به ميسور ومقدور عليه ‪ ..‬وفي‬
‫المقابل أيضاً جانب متعسر‪ ،‬وشاق‪ ،‬لم يقدر عليه بعد ‪ ..‬فما العمل وما هو المطلوب؟‬
‫أقول‪ :‬المعسور ال يسقط الميسور ‪ ..‬وال يبرر االعتذار على ترك الميسور والمقدور عليه ‪..‬‬

‫فما كان متيسراً ومقدوراً عليه ينبغي القيام به على أحسن وجه ‪ ..‬واستغالله بطريقة حكيمة وجيدة‬
‫للزحف نحو المعسور للتقليل من كمه ونوعه بحسب المستطاع ‪ ..‬وهذا يستدعي قراءة جيدة‬
‫وناضجة لما هو متيسر وممكن‪ ،‬ولما هو غير متيسر وال ممكن ‪ ..‬كما يستدعي عدم االستعجال في‬
‫الخطوات واتخاذ القرارات العامة قبل أوانها ‪ ..‬فمن تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه‪.‬‬
‫َ ُ َ ُ ُّ َ ْ ً‬
‫َ ذُ ذَ َ ْ ْ‬
‫اس َت َطعتُ ْم ‪‬التغابن‪ .22:‬وقال تعالى‪ :‬ال يكل ِف اَّلل نفسا‬
‫قال تعالى‪ :‬فاتقوا اَّلل ما‬
‫ذ‬
‫إ ِال ُو ْس َع َها ‪‬البقرة‪.122:‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪161‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وفي الحديث فقد صح عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ ":‬إذا أمرتكم بأم ٍر فأتوا منه ما استطعتم "‪.‬‬
‫ٍ‬
‫فحينئذ ال ينبغي وال يجوز أن‬
‫‪ -2‬الشيء الواحد قد يكون فيه جانب حق وجانب باطل ‪..‬‬
‫نحكم عليه كله بأنه باطل أو أنه حق ‪ ..‬بل نحكم على الجانب الحق منه بأنه حق‪ ،‬فنباركه‪ ،‬ونشجعه‪،‬‬
‫ونعمل على تنميته‪ ،‬وتكثيره ‪ ..‬ونحكم على الجانب الباطل منه بأنه باطل‪ ،‬ونجتهد في تقليله والعمل‬
‫على إزالته بالقدر المستطاع‪ ،‬كما في الحديث‪ ":‬فاشهدوا على المحسن بأنه محسن‪ ،‬وعلى المسيء‬
‫بأنه مسيء "‪ ،‬أياً كان هذا المحسن‪ ،‬أو كان هذا المسيء ‪ ..‬والمؤمن الواحد قد تجتمع فيه طاعة‬
‫ومعصية ‪ ..‬سيئة وحسنة ‪ ..‬وهذا ال يسلبه صفة المؤمن والمسلم ‪ ..‬وإنما يقال فيه كذا‪ ،‬وفيه كذا ‪..‬‬
‫بحسب ما فيه‪.‬‬
‫‪ -0‬ليس كل ما هو جائز يعني يجب القيام به‪ ،‬من دون النظر للمآالت‪ ،‬والمصالح والمفاسد‬
‫المترتبة جراء القيام به ‪ ..‬ومن دون النظر لما هو ممكن وما هو غير ممكن ‪ ..‬وفوق االستطاعة ‪..‬‬
‫واعلموا أن ما يجب على القوي ال يجب على الضعيف ‪ ..‬وأن لمرحلة القوة والتمكين أحكامها‪،‬‬
‫ومرحلة االستضعاف أحكامها ‪ ..‬ال ينبغي حمل أحكام كل مرحلة منهما على األخرى ‪ ..‬ومن يفعل‬
‫فهو مخطئ‪ ،‬ولن يقطف إال الندامة‪ ،‬والت حين مندم!‬
‫‪ -2‬إذا دعيتم ألي مشاركة من أي طرف من أطراف المجتمع؛ سواء كانت المشاركة لها‬
‫الطابع السياسي‪ ،‬أو االقتصادي‪ ،‬أو االجتماعي ‪ ..‬فاجعلوا الميزان الذي على أساسه تشاركون أو‬
‫ترفضون هو شرع اهلل تعالى‪ ،‬فتنظروا ما كان فيه معصية هلل أو يؤدي إلى معصية‪ ،‬وبخاصة إن كانت‬
‫هذه المعصية ترقى إلى درجة الشرك ‪ ..‬فاعتزلوه مهما بدت المصلحة من جراء فعله ‪ ..‬وإن كان‬
‫جائزاً؛ ال معصية فيه ‪ ..‬وفيه خدمة للناس والمجتمع ‪ ..‬فشاركوا فيه ‪ ..‬وادعموه ‪ ..‬واعملوا على‬
‫َََ َُ ْ ََ ْ َ ذْ َ َ َ ََ َُ ْ ََ‬
‫ْ َ ُْ َْ َ ذُ ْ‬
‫اإلث ِم والعدوا ِن واتقوا‬
‫إنجاحه‪ ،‬عمالً بقوله تعالى‪ :‬وتعاونوا لَع الِبِ واتلقوى وال تعاونوا لَع ِ‬
‫ذ ذ ذ َ ُ ْ َ‬
‫اب ‪‬المائدة‪.1:‬‬
‫اَّلل إِن اَّلل شدِيد العِق ِ‬
‫فإن قيل‪ :‬لو حددت لنا أكثر الميادين واألعمال التنفيذية واإلدارية التي يمكن‬
‫أن نقتحمها‪ ،‬ونشارك فيها ‪..‬؟!‬
‫أقول‪ :‬كل األعمال الميدانية التي لها الطابع اإلداري والتنفيذي والخدماتي للناس والمجتمع‬
‫‪ ..‬بإمكانكم أن تقتحموها وتشاركوا فيها ـ ولو كان ذلك عن طريق االنتخابات والتصويت ـ إن كانت‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪162‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫المصلحة تكمن في ذلك ‪ ..‬بل أحياناً في مواضع يتعين عليكم المشاركة في هذه األعمال إن ترتبت‬

‫مفاسد راجحة من جراء اعتزالكم لها ‪ ..‬من قبيل دفع الضرر األكبر بالضرر األصغر ‪ ..‬وتقديم أكبر‬
‫المصلحتين ‪ ..‬من هذه األعمال التنفيذية اإلدارية التي يمكن المشاركة فيها‪ ،‬على سبيل المثال ال‬
‫الحصر‪ :‬رئاسة البلديات‪ ،‬وإدارة المحافظات‪ ،‬والجامعات‪ ،‬والنوادي وغيرها من األمور التنفيذية‬
‫العملية التي تالمس حياة ومعاش الناس ‪ ..‬بل والمشاركة في منصب وزاري إن منحت حرية‬
‫واستقاللية تامة للوزير تمكنه بحق من تمرير برامجه وإصالحات عملية وضرورية للمجتمع والناس ‪..‬‬
‫ال يمكن تمريرها عن طريق غيره ‪ ..‬وذلك أن اإلسالم جاء بجلب المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد‬
‫وتقليلها ما أمكن لذلك سبيالً‪.‬‬
‫فإن قيل‪ :‬هل يجوز المشاركة ـ ترشحاً وترشيحاً ـ في العمل النيابي التشريعي‪،‬‬
‫الذي يوكل مهام التشريع‪ ،‬والتحليل والتحريم‪ ،‬والتحسين والتقبيح لإلنسان من دون‬
‫اهلل تعالى؟‬
‫أقول‪ :‬ال؛ ال يجوز ‪ ..‬ألنه شرك‪ ،‬يشرك المخلوق مع الخالق في خاصية الحكم والتشريع‪،‬‬
‫ُ ْ َ َ ً‬
‫ََ ُْ‬
‫َ َُُْ َ‬
‫ْش ُك ِِف حك ِمهِ أحدا ‪‬الكهف‪ .12:‬وقال تعالى‪ :‬ما تعبدون مِن‬
‫واهلل تعالى يقول‪ :‬وال ي ِ‬
‫ََ‬
‫َ‬
‫ُ ْ‬
‫ُْ ْ ُ ذ‬
‫ذ َ ْ َ َ ذ ْ ُ ُ َ َ ُ ْ َ َ ُ ُ ذ َ َ ُّ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ال َِّلل ِ أمرَ‬
‫ان إ ِ ِن اْلكم إ ِ‬
‫دونِهِ إِال أسماء سميتموها أنتم وآبآؤكم ما أنزل اَّلل بِها مِن سلط ٍ‬
‫ُ َْ ُ ََ‬
‫ذ َ َْ‬
‫َ ََُْ َ‬
‫َ ذ َُُْ ْ ذ ذ ُ َ َ‬
‫َ‬
‫ذ‬
‫كن أكَث انل ِ‬
‫اس ال يعلمون ‪‬يوسف‪ . 0:‬وقال‬
‫أال تعبدوا إِال إِياه ذل ِك ادلِين القيِم ولـ ِ‬
‫ُ ْ ً َ ْ ُ ُ َ‬
‫َ َ ُ ْ َ َْ ذ َ ْ ُ َ َ َ ْ َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫تعالى‪ :‬أفحكم اْلاهِل ِيةِ يبغون ومن أحسن مِن اَّلل ِ حكما ل ِقو ٍم يوق ِنون ‪‬المائدة‪.50:‬‬
‫َ ذُ ْ‬
‫َْ َ ذ َ ْ َ‬
‫َ َْ ُ َ َ ْ ذ ذَ ُ‬
‫ُ‬
‫اَّلل ه َو‬
‫ِين يَد ُعون مِن دونِهِ ال يقضون بَِش ٍء إِن‬
‫اَّلل َيق ِِض بِاْل ِق واَّل‬
‫وقال تعالى‪ :‬و‬
‫ذ ُ ْ‬
‫ص ُ‬
‫ري ‪‬غافر‪.10:‬‬
‫الس ِم‬
‫يع اْلَ ِ‬
‫وألن اإلقرار للمخلوق بخاصية التشريع والتحليل والتحريم من دون اهلل تعالى هو إقرار له‬

‫بربوبيته على العباد‪ ،‬وإعالن سافر في دخول الناس ـ وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ـ في عبوديته من دون‬
‫ذَ ُ ْ َ ْ َ َ ُ ْ َ ُ َْ َُ ْ ََْ ً‬
‫اهلل‪ ،‬كما قال تعالى عن األمم التي قبلنا من اليهود والنصارى‪ :‬اَّتذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا‬

‫ُ‬
‫ون اَّلل ِ ‪‬التوبة‪ . 2:‬وذلك لما جعلوا لهم خاصية التشريع والتحليل والتحريم من دون اهلل‪،‬‬
‫مِن د ِ‬

‫فاتبعوهم وأطاعوهم في تحليل ما حرم اهلل‪ ،‬وتحريم ما أحل اهلل ‪ ..‬فذلك كان اتخاذهم أرباباً من دون‬
‫اهلل‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪163‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ُ َْ َْ‬
‫ََ َ ََ‬
‫وفرعون لما نادى في قومه‪ :‬فقال أنا َر ُّبك ُم اْللَع ‪‬النازعات‪ .1 :‬لم يكن يعني قدرته‬
‫على الخلق أو التصرف في الخلق كيفما يشاء‪ ،‬فهو أعجز من أن يخلق بعوضة أو أن يرد عن نفسه ـ‬
‫من دون اهلل ـ اذى وضرر بعوضة ‪ ..‬وإنما أراد هذا المعنى اآلنف الذكر؛ أي أنا ربكم األعلى الذي‬
‫َ َ ْ‬
‫َ َ ْ ُ َ ُ‬
‫ت لكم م ِْن إ ِ ٍَل غريِي ‪‬‬
‫أربيكم وأنشئكم على قانوني وشريعتي التي أسنها فيكم ‪  ..‬ما عل ِم‬

‫القصص‪ . 2 :‬أي ما علمت لكم من مشرع ترجعون إليه في جميع شؤون حياتكم غيري؛ فأنا المألوه‬
‫المطاع فيم أشرع لكم دون غيري!‬

‫وبالتالي فالشعوب الحرة الثائرة على الظلم والطغاة ‪ ..‬والتي تنشد الحرية والعزة والكرامة ‪..‬‬
‫ال يقبل منها أن تثور على العبودية للطغاة الذين تفرزهم األنظمة الديكتاتورية ‪ ..‬بينما يدخلون طواعية‬
‫في العبودية للطغاة واألرباب الذين تفرزهم األنظمة الديمقراطية ‪ ..‬فالعبودية للعبيد بجميع صورها‪،‬‬
‫وعلى اختالف مصادرها ‪..‬كلها مرفوضة وممقوتة ‪ ..‬ال تليق باإلنسان الحر العزيز الكريم؟!‬
‫لذا كان من أعظم غايات األنبياء والرسل عبر التاريخ كله ‪ ..‬ومن ثم ورثتهم من الدعاة‬
‫والعلماء العاملين ‪ ..‬هو تحرير وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد‪ ،‬كما قال تعالى‪:‬‬
‫ُ ُذ ذ ُ ً َ ُُْ ْ ذ َ َْ ُ ْ ذ ُ َ‬
‫َ ََ ْ َ َ َْ‬
‫ل أم ٍة رسوال أ ِن اعبدوا اَّلل واجتنِبوا الطاغوت ‪‬النحل‪ . 2:‬وقال تعالى‪:‬‬
‫‪‬ولقد بعثنا ِِف ِ‬
‫َ ْ ً‬
‫ُ ْ َ َ ْ َ ْ َ َ َ َْْ َ ََ َ َ َ َََْ َ َ َْ ُ ْ َ ذ َ ُْ َ ذ ذ َ َ ُ ْ‬
‫َ‬
‫ْشك بِهِ شيئا‬
‫‪‬قل يا أهل الكِت ِ‬
‫اب تعالوا إَِل َكم ٍة سواء بيننا وبينكم أال نعبد إِال اَّلل وال ن ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ْ ً‬
‫َ َ ذ ْ َُ ُ ْ ْ‬
‫ْ ذ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ َ َذ َ ْ ُ‬
‫خذ َبعضنَا َبعضا أ ْربَابا مِن دو ِن اَّلل ِ فإِن ت َول ْوا فقولوا اش َه ُدوا بِأنا ُم ْسل ُِمون ‪‬آل‬
‫وال يت ِ‬
‫َ‬
‫ً‬
‫ْ ً‬
‫ُ‬
‫َ َ َذ َ ْ ُ‬
‫خذ َبعض َنا َبعضا أ ْربَابا مِن دو ِن اَّلل ِ ‪،‬‬
‫عمران‪ .2 :‬فكيف يمكننا أن نقول لآلخرين‪ :‬وال يت ِ‬
‫ثم نحن في واقع حياتنا وتعاملنا اليومي نتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون اهلل ‪ ..‬فهذا ال ينبغي وال‬
‫يليق‪ ،‬وسيكون له أثر منفر على اآلخرين ‪ ..‬ألننا ـ بالقول والفعل ـ نقول بالشيء وضده في ٍ‬
‫آن معاً ‪..‬‬
‫ََُ َْ ً َ ذ َ َُ ُ َ َ َْ َُ َ‬
‫ونقول ماال نفعل‪ ،‬واهلل تعالى يقول‪ :‬كِب مقتا عِند اَّلل ِ أن تقولوا ما ال تفعلون ‪‬الصف‪. :‬‬
‫فإن قيل‪ :‬أين الحديث اآلنف الذكر عن تقدير المصالح والمفاسد ‪..‬؟‬
‫أقول‪ :‬ال توجد مصلحة توازي أو تعلو مصلحة التوحيد‪ ،‬كما ال توجد مفسدة وال ظلم تعلو‬
‫ْ َُ ْ‬
‫ذ‬
‫الْش َك لظلم‬
‫مفسدة وظلم الشرك‪ ،‬فالشرك ظلم عظيم ال يوازيه وال يعلوه ظلم‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬إِن ِ‬
‫َ‬
‫ذ ذ َ‬
‫ََْ ُ َ ُ َ‬
‫َ‬
‫ال َي ْغ ِف ُر أن ي ُ ْ َ‬
‫ون ذَل َِك ل َِمن ي َ َش ُ‬
‫اء‬
‫ْش َك بِهِ ويغ ِفر ما د‬
‫ع ِظيم ‪‬لقمان‪ .2 :‬وقال تعالى‪ :‬إِن اَّلل‬
‫ً‬
‫ََ ُْ ْ‬
‫ََ ََْ ْ ً َ‬
‫َتى إِثما ع ِظيما ‪‬النساء‪ . 2:‬وبالتالي عند مورد الشرك األكبر ال يوجد‬
‫ْشك بِاَّلل ِ فق ِد اف‬
‫ومن ي ِ‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪164‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫حديث عن المصالح والمفاسد؛ ألن الشرك قوالً واحداً مفسدة عظمى ال توازيها وال تعلوها مفسدة‪،‬‬
‫كما أن التوحيد وتحقيق التوحيد مصلحة عظمى وعليا ال توازيه وال تعلوه مصلحة‪.‬‬

‫فإن قيل متى يمكن المشاركة في المجالس النيابية التشريعية ‪..‬؟‬
‫أقول‪ :‬يمكن المشاركة في هذه المجالس في حالة واحدة فقط؛ عندما تقيد هذه المجالس‬
‫بقانون محكم ملزم‪ ،‬صريح ‪ ..‬بأن هذه المجالس ال يحق لها أن تشرع قانوناً يخالف اإلسالم‪ ،‬وأن‬

‫عمل أعضائه مقصور على استنباط القوانين والتشريعات من الشريعة اإلسالمية‪ ،‬واالجتهاد فيم ال نص‬
‫فيه مما له حكم وصفة النوازل أو له عالقة بالشؤون اإلدارية التنظيمية ونحوها ‪ ..‬فعندما تتقيد هذه‬
‫ٍ‬
‫فحينئذ يجوز ـ بل يجب ـ المشاركة فيها لمن يجد نفسه كفأ‬
‫المجالس بهذا القيد وبهذا الوضوح ‪..‬‬

‫ٍ‬
‫وحينئذ يختار أي اسم لهذا المجلس ‪ ..‬فليسمى‬
‫من أهل الحل والعقد من أهل العلم والدراية ‪..‬‬

‫مجلساً تشريعياً أو مجلس نواب ‪ ..‬أو مجلس الشعب ‪ ..‬أو مجلس الشورى ‪ ..‬أو مجلس أهل الحل‬

‫والعقد ‪ ..‬أو غيرها من األسماء فإنها ال تضره ‪ ..‬وال تخرجه عن صفته ومهمته ومشروعيته‪.‬‬

‫وتحقيق ذلك ليس صعباً ـ بإذن اهلل ـ إن تشكلت القاعدة الشعبية القوية الواسعة التي تطالب‬

‫به‪ ،‬وتحرص عليه ‪ ..‬وهذه القاعدة يمكن تأمينها وتحقيقها من خالل انخراط اإلسالميين في‬
‫المجاالت الدعوية‪ ،‬والتنفيذية اإلدارية الخدماتية ـ بصورة واسعة ـ ذات العالقة بواقع وحياة ومعاش‬
‫الناس ‪ ..‬فشعوبنا شعوب مسلمة ـ وهي على الفطرة ـ بقليل من التذكير والنصح الصادق المخلص ‪..‬‬
‫سرعان ما تعود ـ بإذن اهلل ـ إلى دين ربها عوداً حميداً‪.‬‬
‫‪ -9‬ما تقدم ذكره يحتاج إلى عمل جماعي منظم‪ ،‬قائم على التخطيط والدراسات الدقيقة‬
‫التي تجمع بين الدراية بالنص والدراية بالواقع ‪ ..‬والتقييم الجريئ المستمر لمراحل العمل ‪ ..‬وبيان‬
‫العوائق وجوانب القصور والخلل لتفاديها في أقرب وقت وفرصة ‪ ..‬كما يستدعي من العاملين ترتيب‬
‫األولويات على ضوء الشريعة‪ ،‬وما تقتضيه الحاجة أن يقدم أو يؤخر؛ فتقدم ـ عند انتفاء القدرة على‬
‫التوف يق أو الجمع بين المصالح والمقاصد ـ المصلحة العامة على المصلحة الخاصة‪ ،‬والكلية على‬
‫الجزئية ‪ ..‬والفرائض والواجبات على النوافل ‪ ..‬ودفع الضرر األكبر على دفع الضرر األصغر ‪..‬‬
‫وذلك ـ كما تقدم ـ عند استحالة التوفيق فيم بينها أو استحالة القيام بمجموعها معاً‪.‬‬
‫‪ -20‬اعلموا أن اإلنسان ‪ ..‬وبخاصة اإلنسان الفقير في مجتمعاتنا ـ طبقة الفقراء‬
‫والمستضعفين وهم الطبقة األوسع واألكبر في مجتمعاتنا ـ حظه من جميع هذه األحزاب على‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪165‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫اختالف مشاربها وانتماءاتها وراياتها ‪ ..‬هو تحقيق العدل ‪ ..‬ومحاربة الظلم ‪ ..‬وأن يعيش العدل واقعاً‬
‫في حياته ‪ ..‬وأيما حزب ـ مهما كانت شعاراته شريفة وصادقة ـ ال يحقق له العدل‪ ،‬وال يدفع عنه‬
‫الظلم‪ ،‬فسوف يستهجنه وال يصغي إليه ‪ ..‬بل ولن يجد عنده سوى الصد والرد واالستخفاف!‬
‫وهذا يستدعي من العاملين في حقل الدعوة إلى اهلل ‪ ..‬أن ينشطوا بصدق وإخالص لتحقيق‬
‫هذا المعنى في مجتمعاتنا " محاربة الظلم بكل صوره وأبعاده‪ ،‬وتحقيق العدل بكل صوره وأبعاده "‪،‬‬
‫ليس من أجل صرف الناس إليهم أو تكثير سوادهم‪ ،‬وسواد حزبهم ‪ ..‬ال ‪ ..‬وإنما ألن اهلل تعالى أمر‬
‫ذ ذ َُْ ُ َْ ْ‬
‫بالعدل ‪ ..‬ويحب العدل ‪ ..‬ويبغض الظلم ‪ ..‬وينهى عنه‪ ،‬كما قال تعالى‪ :‬إِن اَّلل يأمر ب ِالعد ِل‬
‫ْ‬
‫َ َ ُّ َ ذ َ َ ُ ْ ُ ُ ْ َ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َو ْ َ‬
‫ذ‬
‫ان ‪‬النحل‪ .90:‬وقال تعالى‪ :‬يا أيها اَّلِين آمنوا كونوا قوامِني َِّلل ِ شهداء بِالقِس ِط‬
‫اإلحس ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ذ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ُ َ ُ َ َ‬
‫َُ َ ُ ذْ‬
‫ذُ‬
‫ْ‬
‫َ ْ‬
‫ذ ذ ذ َ‬
‫َْ‬
‫ِلتق َوى َواتقوا اَّلل إِن اَّلل خبِري‬
‫َوال َي ِر َم ذنك ْم شنَآن ق ْو ٍم لَع أال تعدِلوا اعدِلوا هو أقرب ل‬
‫َْ ُ َ‬
‫ب ِ َما تع َملون ‪‬المائدة‪ .2:‬وفي الحديث القدسي‪ ":‬يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي‪ ،‬وجعلته‬
‫بينكم محرماً‪ ،‬فال تظالموا "‪.‬‬
‫ال بد للدعاة العاملين من أجل اإلسالم ‪ ..‬أن ينزلوا إلى الشارع ‪ ..‬وأن يرتقوا إلى مستوى‬

‫هموم ومشاكل الناس الحياتية واليومية ‪ ..‬ليعايشوا ويتلمسوا واقع الناس ‪ ..‬ومظالمهم ‪ ..‬وحياتهم ‪..‬‬
‫فينشطوا في الذود عن مظالمهم وحقوقهم ‪ ..‬ابتغاء وجه اهلل‪ ،‬ال يريدون من الناس جزاء وال شكوراً‪.‬‬
‫أما إن كانوا يعيشون في ٍ‬
‫واد ‪ ..‬وقد تضخمت عندهم شعور " األنا " وعظمة الذات ‪ ..‬بينما‬
‫ٍ‬
‫الناس يعيشون في واد آخر ‪ ..‬وواقع آخر ‪ٍ ..‬‬
‫فحينئذ ال يتوقعون استجابة وال إقباالً من‬
‫وحال آخر ‪..‬‬
‫ٍ‬
‫حينئذ هم ال الناس ‪ ..‬حيث أن من‬
‫الناس نحوهم ‪ ..‬ونحو مشروعهم اإلسالمي السياسي‪ ،‬والمالم‬
‫الدعاة تجد ثقف مطالبه يبلغ العنان من السماء ‪ ..‬يريد كذا وكذا ‪ ..‬وكأنه يعيش في زمن خالفة عمر‬
‫بن عبد العزيز ‪ .. ‬ال ينقصه سوى أن يخاطب الغيمة في السماء أن امطري حيثما شئت فإن‬
‫خراجك سيأتيني ‪ ..‬بينما هو في واقعه ما عنده استعداد أن ينزل للشارع أو يكلف نفسه أن يعيش‬
‫ساعة واقع ومشاكل وهموم وآالم الناس ‪ ..‬وهذا ال ينتظر من الناس أن يلبوا له ثقف مطالبه أو شيئاً‬
‫َ َُ ْ َ َْ ُ َ َ ً َ َ َْ ْ‬
‫َ َ ُّ ْ‬
‫َ َ َ َْ َ‬
‫ب النفضوا م ِْن‬
‫منها ‪ ،‬قال تعالى‪ :‬فبِما رَح ٍة مِن اَّلل ِ نلِ ت لهم ولو كنت فظا غل ِيظ القل ِ‬
‫َ ْ َ َ ْ ُ َ ُْ ْ َ ْ ْ َ‬
‫َْ‬
‫َ ُ‬
‫استَغفِ ْر ل ُه ْم َوشاوِ ْره ْم ِِف اْلم ِر ‪‬آل عمران‪ .259:‬فإذا كان النبي‬
‫حول ِك فاعف عنهم و‬
‫َ ً َ َ َْ ْ‬
‫ب ‪ ،‬لكان‬
‫صلوات ربي وسالمه عليه وهو رسول اهلل فيه هذه الخصلة حاشاه ‪ ‬فظا غل ِيظ القل ِ‬
‫ذلك سبباً كافياً لنفور الصحابة وانفضادهم من حوله ‪ ..‬لكن سيدنا رسول اهلل ‪ ‬كان سيد الخلق‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪166‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ذ َ‬
‫ُ ُ َ‬
‫ك لَ َ‬
‫يم ‪‬القلم‪ . :‬وهذا مدعاة للدعاة أن‬
‫ظ‬
‫ع‬
‫ق‬
‫ل‬
‫خ‬
‫َل‬
‫ع‬
‫وأحسنهم خلقاً‪ ،‬كما قال تعالى‪ِ :‬إَون‬
‫ِ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫يراقبوا أنفسهم ‪ ..‬وأخالقهم ‪ ..‬وسلوكياتهم ‪ ..‬وعالقاتهم مع الناس ‪ ..‬وال يغرهم أنهم على الحق أو‬
‫أنهم على السنة ‪ ..‬أو أنهم ينطقون بكالم خير البرية ‪ .. ‬فهذا ال يكفي بمفرده في ميادين الصراع‬

‫والتدافع‪ ،‬والبناء‪ ،‬والتفاعل واالحتكاك مع الناس والتعامل معهم[‪.]151‬‬

‫‪ -22‬اعلموا أن اإلسالم جاء لحماية اإلنسان والحفاظ عليه‪ ،‬فغايته هو اإلنسان؛ يحافظ‬
‫عليه ويصونه في دينه وعقيدته‪ ،‬ويحافظ عليه في نفسه‪ ،‬وعقله‪ ،‬وعرضه‪ ،‬وماله ‪ ..‬فانظروا أين أنتم من‬
‫ذلك ومن هذا المعنى ‪ ..‬فإن كان اإلنسان ـ بهذا المفهوم والبعد ـ هو الهدف من دعوتكم‪ ،‬وحزبكم‪،‬‬
‫ووجودكم ‪ ..‬فأنتم على خير ‪ ..‬بارك اهلل فيكم ‪ ..‬ثبتكم اهلل ‪ ..‬وسدد خطاكم ‪ ..‬وكثر سوادكم ‪ ..‬وإن‬
‫ٍ‬
‫حينئذ وعدمه سواء‪ ،‬بل ربما‬
‫كان األمر على غير هذا النحو والوصف ـ ونعيذكم من ذلك ـ فوجودكم‬
‫عدمه يكون أكثر نفعاً!‬
‫أرجو أن أكون في هذه الكلمات قد أجبت عن بعض تساؤالت اإلخوان حفظهم اهلل ‪ ..‬فإن‬
‫أصبت فمن اهلل تعالى وتوفيقه‪ ،‬وإن أخطأت فمن نفسي األمارة بالسوء ‪ ..‬وأستغفر اهلل وأتوب إليه ‪..‬‬
‫والسالم عليكم ورحمة اهلل وبركاته‪.‬‬

‫*****‬

‫‪151‬‬

‫لنا مذكرة في فقه الدعوة إلى اهلل ‪ ..‬وهي منشورة في موقعنا ‪ ..‬فيها جملة من التوجيهات والنصائح النافعة‬

‫للدعاة ‪ ..‬راجعها إن شئت‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪167‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ـ املقـالـة الثـانيــة‪:‬‬

‫حتـى يكــو َن التمثيــلُ عــادالً وشــامِـالً‬
‫" مَقالة يف السِّياسَةِ الشَّرعيَّة "‬
‫بسم اهلل الرحمن الرحيم‬

‫الحمد هلل وحده‪ ،‬والصالة والسالم على من ال نبي بعده‪ ،‬وبعد‪.‬‬
‫الفقه الذي يقال عندما تكون البالد ومن فيها ملكاً للفرد الطاغية ‪ ..‬يتخذها لنفسه كما يتخذ‬

‫المرء مزرعة من البقر والغنم لنفسه ‪ ..‬يتحكم بخيراتها وثرواتها‪ ،‬وبالداخل إليها والخارج منها ‪..‬‬
‫كيفما يشاء ويهوى ‪ ..‬وفيم يخدم قانونه وحكمه ‪ ..‬يختلف عن الفقه الذي يقال عندما تعود البالد‬
‫ألهلها ‪ ..‬الجميع شركاء في سرائها وضرائها ‪ ..‬وثرواتها!‬
‫الفقه الذي يقال في أجواء الحرب‪ ،‬واالستبداد واإلرهاب الذي يمارسه الطاغية ضد شعبه ‪..‬‬
‫حتى يصبح الشعب‪ ،‬وكأنه في سجنين‪ :‬سجن خاص لمن يعترض ‪ ..‬وسجن عام لمن يسكت ‪ ..‬وهو‬
‫الوطن ‪ ..‬جميع مساحة الوطن ‪ ...‬الفقه الذي يقال في هذه األجواء يختلف عن الفقه الذي يقال في‬
‫أجواء السلم ‪ ..‬والسالم ‪ ..‬واألمن واألمان‪.‬‬
‫الفقه الذي يقال في أجواء الكبت واالستعباد‪ ،‬والخوف والتّقية ‪ ..‬يختلف عن الفقه الذي‬
‫يقال في أجواء الحرية ‪ ..‬والتحرر من الخوف ‪ ..‬والعبودية للطواغيت‪.‬‬
‫الفقه الذي يقال في األجواء التي يستحيل فيها تحصيل الحقوق‪ ،‬وصون الحرمات ‪ ..‬إال بعد‬
‫نوع حرب وقتال ‪ ..‬يختلف عن الفقه الذي يقال في األجواء التي يمكن فيها تحصيل الحقوق ‪ ..‬عن‬
‫طريق الكلمة ‪ ..‬والحوار ‪ ..‬والرفق‪.‬‬
‫الفقه الذي يقال في األجواء التي تستطيع فيها أن تنجز شيئاً حقيقياً ألمتك وإسالمك ‪..‬‬
‫وأهلك ‪ ..‬يختلف عن الفقه الذي يـ َقال في األجواء التي تكون فيها مجرد حجر على رقعة يحركها‬
‫الطاغوت ومخابراته‪ ،‬وأزالمه كيفما يشاؤون‪ ،‬وفي االتجاه الذي يريدون!‬

‫الفقه الذي يقال في األجواء التي يصادر فيها خطابك الشرعي للناس ‪ ..‬وتجرم ألجله ‪..‬‬
‫ويحال بينك وبين الناس بقائمة من اإلجراءات التعسفية الظالمة ‪ ..‬يختلف عن الفقه الذي يقال في‬
‫األجواء التي تختفي فيها الحواجز والموانع ‪ ..‬واإلجراءات التعسفية الظالمة ‪ ..‬التي تحيل بين‬
‫دعوتك وبين الناس!‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪168‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫إذ لكل من الحالتين فقهها وحكمها والطريقة التي تناسبها في التعامل ‪ ..‬المختلفة عن‬
‫األخرى ‪ ..‬فال يخلط بينهما ‪ ..‬ويساوي بينهما في الحكم والموقف والمعاملة ‪ ..‬إال ظالم أو جاهل!‬
‫ٍ‬
‫ميدان حكمه وحقه ‪..‬‬
‫وبالتالي ال حديث هنا عن التراجع والمراجعات ‪ ..‬عندما نعطي كل‬
‫المختلف عن الميدان اآلخر ‪ ..‬إذ أن من الناس ولألسف‪ ،‬ممن يفسرون األشياء كلها ـ على ما بينها‬
‫من تنوع واختالف ـ تفسيراً واحداً ‪ ..‬ويتعاملون معها بطريقة واحدة ‪ ..‬وينظرون لألمور من زاوية‬
‫واحدة وحسب ‪ ..‬يعتبرون كل خروج على تفسيرهم ‪ ..‬وطريقة تعاملهم ‪ ..‬هو من النكوص والتراجع‬
‫وترجل‬
‫‪ ..‬بينما األمر على حقيقته ليس شيئاً من ذلك ‪ ..‬وإنما هي النوازل ‪ ..‬التي تحتاج إلى مواجهة ّ‬

‫‪ ..‬ونوع فقه واجتهاد‪.‬‬

‫ال يمكن أن نستمر في الهروب إلى ع ّد الممنوعات والمحظورات عن الناس ‪ ..‬من دون أن‬

‫ندلهم على البديل ‪ ..‬ويكون هذا البديل ممكناً ومشروعاً‪ ،‬وواقعياً!‬
‫سهل أن نقول للناس هذا ال يجوز ‪ ..‬وهذا ممنوع ‪ ..‬ثم ندعهم في منتصف الطريق يتخبطون‬
‫‪ ..‬ويختلفون ‪ ..‬ويتخاصمون ‪ ..‬ويتفرقون في أحزاب وشي ٍع شتّى ‪ ..‬لكن الصعب ‪ ..‬الذي يحتاج إلى‬
‫ٍ‬
‫علم ‪ ..‬واجتهاد ‪ ..‬وفقه ‪ ..‬وتقوى ‪ ..‬هو أن تدلهم على البديل الممكن ‪ ..‬والمشروع ‪ ..‬الذي‬
‫يحفظ لهم سالمة دينهم ودنياهم معاً‪.‬‬
‫فإن علم هذا الذي تقدم‪ ،‬أقول‪ :‬قد وردني هذا السؤال ‪ ..‬من أطراف عدة ‪ ..‬تنتمي إلى‬
‫البالد التي عاشت تجربة الثورات على الطغاة وأنظمتهم الظالمة الفاسدة المستبدة‪ ،‬خالصته يقول‪:‬‬
‫كنا قبل الثورة ‪ ..‬نشعر بأن البالد ليست بالدنا ‪ ..‬وإنما هي ملك للطاغية وحزبه وأسرته ‪ ..‬قاتلَنا‬
‫فقاتلناه ‪ ..‬وأعلن علينا الحرب ‪ ..‬واستحل حرماتنا ‪ ..‬فأعلنا عليه الحرب والجهاد ‪ ..‬ودافعنا عن‬
‫أنفسنا وديننا وحرماتنا ‪ ..‬إلى أن فتح اهلل بيننا وبينه بالحق ‪ ..‬وانتصرت الثورة ‪ ..‬وعادت البالد إلى‬
‫أهلها وأصحابها ‪ ..‬وما كان مستحيالً في عهد الطاغية ‪ ..‬أصبح اآلن ممكناً عن طريق الكلمة ‪..‬‬
‫وبشيء من الرفق ‪ ..‬والحكمة ‪ ..‬والسياسة ‪ ..‬والكياسة يمكن إنجاز وتحقيق الشيء الكثير للبالد‬
‫والعباد ‪ ...‬فماذا نفعل ‪ ..‬وبماذا تنصحنا ‪ ..‬فهل نبقى على طريقتنا األولى في المعاملة كما كنا قبل‬
‫سقوط الطاغية ونظامه ‪ ..‬أم ينبغي أن تتغير طريقتنا في التعامل مع الناس والمجتمع ‪ ..‬بما يتناسب‬
‫مع المستجدات‪ ،‬والمساحات الحرة والواسعة ‪ ..‬التي تحققت ما بعد الثورات؟‬
‫هذا سؤال وجيه ‪ ..‬وملح ‪ ..‬يطارد العلماء والدعاة العاملين ‪ ..‬ال يمكن أن نتهرب من‬
‫اإلجابة عنه إجابة شرعية واقعية وعملية ‪ ..‬بإصدار قائمة من الممنوعات والمحظورات ـ ثم نغطي‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪169‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫رؤوسنا في التراب ـ من دون أن نرشد الناس إلى البدائل الممكنة والمشروعة ‪ ..‬فاإلسراع في اللجوء‬
‫فن الكل يتقنه ‪ ..‬يسهل امتطاؤه على كل ٍ‬
‫أحد ‪ ..‬ليس فيه شيء‬
‫إلى قائمة الممنوعات والمحظورات ٌّ‬
‫جديد فيم يخص النوازل التي تتعرض لها األمة!‬

‫كذلك ال يمكن أن نجيب عن هذا السؤال الكبير على طريقة أهل التفريط والجفاء ‪ ..‬كل‬
‫شيء يجوز وحالل ‪ ..‬فال تكاد تجد عندهم شيء اسمه حالل وحرام ‪ ..‬وإنما حالل وحالل ‪ ..‬أيضاً‬
‫هذا ال يجوز ‪ ..‬وال يحل المشكلة ‪ ..‬وإنما يزيدها تعقيداً!‬
‫إذاً ال بد من التفصيل ‪!......‬‬

‫وأنا من جهتي أستعين باهلل وأجتهد وسعي ‪ ..‬وأدلي بدلوي ‪ ..‬فإن أصبت فمن اهلل تعالى‬

‫وحده ‪ ..‬وإن أخطأت فمن نفسي‪ ،‬وأستغفر اهلل ‪ ..‬وعزائي أنني اجتهدت ‪ ..‬وما أردت إال خيراً ‪..‬‬
‫سائالً اهلل تعالى السداد والتوفيق‪.‬‬

‫وكم كنت أتمنى أن أتدارس هذه المسائل والنوازل المستجدة الهامة ‪ ..‬مع بعض اإلخوان‬

‫األفاضل من أهل العلم ‪ ..‬ليكون لنا فيها رأي واحد مشترك ‪ ..‬لنمنع الخالف والقيل والقال فيم بين‬
‫ََْ ُ ُ ْ ُ َ َْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫الشباب ‪ ..‬عمالً بقوله تعالى‪ [:‬وأمرهم شورى بينهم ]الشورى‪ . 2:‬لكن سجون الطغاة وزنازينهم‪،‬‬
‫ومخابراتهم ‪ ..‬وحواجزهم ‪ ..‬قد حالت بيني وبين رغبتي هذه ‪ ..‬اهلل المستعان‪.‬‬

‫أختصر الجواب عن السؤال الوارد أعاله في النقاط التالية‪:‬‬

‫‪ -2‬اعلموا أن لساحات الحرب وميادينها ‪ ..‬أحكامها وفقهها ‪ ..‬ولساحات السلم‪ ،‬والسالم‬
‫‪ ..‬واألمن واألمان ‪ ..‬أحكامها وفقهها ‪ ..‬وال يخلط بين الساحتين ‪ ..‬ومن ثم بين الفقهين إال جاهل‬
‫أو ظالم‪.‬‬
‫‪ -1‬ما يمكن إنجازه وتحصيله من الحقوق والمصالح الدينية والدنيوية عن طريق الكلمة ‪..‬‬
‫ٍ‬
‫حينئذ العمل عل ى تحصيله عن طريق القتال‪ ،‬والعنف والشدة ‪ ..‬فإن‬
‫والحوار ‪ ..‬والرفق ‪ ..‬ال يجوز‬
‫اهلل تعالى رفيق يحب الرفق‪ ،‬ويجازي عليه ما ال يجازي على العنف والشدة ‪ ..‬والرفق ما كان في‬
‫شيء إال زانه‪ ،‬وما نزع من ٍ‬
‫شيء إال شانه‪.‬‬
‫ كما أنك ال يجوز أن تتخلى عن بيتك ‪ ..‬وال تعمل على تدميره ‪ ..‬لوجود نوع خراب فيه‬‫‪ ..‬يمكن إصالحه بقليل من الجهد ‪ ..‬كذلك البالد عندما تعود ألهلها ‪ ..‬تعود ألصحابها ‪ ..‬تعود‬
‫ٍ‬
‫حينئذ أن تتخلى عنها‬
‫للشعوب ‪ ..‬لتصبح هي المسؤولة عنها بدالً من فرد الطاغية ‪ ..‬ال يحسن بك‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪170‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫شر هنا وهناك ‪ ..‬يمكن‬
‫‪ ..‬أو تعمل على تدميرها وخرابها ‪ ..‬لوجود نوع خلل فيها ‪ ..‬أو تقصي ٍر ‪ ..‬أو ٍّ‬
‫عالجه وإصالحه بشيء من الصبر‪ ،‬والرفق‪ ،‬والسياسة الشرعية ‪ ..‬وبخاصة في المراحل األولى التي‬
‫تعقب الثورات؛ حيث أن الشعوب تكون حديثة ٍ‬
‫عهد بالطواغيت وأنظمتهم الفاسدة المستبدة ‪ ..‬فكل‬
‫شيء جديد عليهم ‪ ..‬يحتاجون منك أن تتعامل معهم بمزيد رفق ‪ ..‬ودراية ‪ ..‬وفقه ‪ ..‬وإقالة للعثرات‬
‫ما أمكن لذلك سبيالً‪.‬‬
‫ليس ألدنى ٍ‬
‫خلل أو تقصي ٍر تراه ‪ ..‬أو لمجرد تصريح ـ عبر وسائل اإلعالم ـ تسمعه من منافق‬
‫متسلق ‪ ..‬تصاب باالحباط ‪ ..‬وتحكم على الثورات بالفشل والموت ‪ ..‬والضياع ‪ ..‬وتعلن اإلفالس‬
‫‪ ..‬والهروب من مواجهة الواقع ومستحقاته ‪ ..‬لتواجهه فيم بعد بلغة القوة والسالح ‪ ..‬فتفسد أكثر‬
‫مما تصلح!‬
‫ اعلموا أن شعوبنا محبة لإلسالم ‪ ..‬محبة هلل ولرسوله صلى اهلل عليه وسلم ‪ ..‬بقليل من‬‫الجهد واالجتهاد ‪ ..‬والدعوة الصادقة المخلصة ‪ ..‬والغيرة على مصالحهم ‪ ..‬تعود ـ بإذن اهلل ـ إلى‬
‫دينها ورشدها ‪ ..‬ويتطهرون من ذنوبهم التي ورثوها واكتسبوها من الطغاة الظالمين المفسدين ‪..‬‬
‫وحملوهم عليها حمالً بفعل مكر الليل والنهار الذي كانوا يمكرونه ‪ ..‬وبالتالي ليس من الحكمة ‪ ..‬أن‬
‫أعداء لكم ‪ ..‬أو أن تفتعلوا معهم معارك أنتم بغنى عنها ‪ ..‬ما ألزمكم بها نقل وال‬
‫تصنعوا من الشعوب‬
‫ً‬

‫عقل‪.‬‬

‫ٍ‬
‫حينئذ الحديث ‪..‬‬
‫عندما يكون هناك نوع خالف مع شرائح من الناس والشعوب ‪ ..‬يختلف‬

‫وتختلف المعاملة واألساليب ‪ ..‬مما لو كان الخالف مع الطغاة اآلثمين المجرمين المستبدين ‪ ..‬إذ‬
‫لكل منهما الطريقة المثلى والمختلفة في التعامل معه ‪ ..‬فهما ال يستويان مثالً ‪ ..‬وبالتالي ال ينبغي أن‬
‫ٍّ‬
‫يستويا في النظرة والمعاملة ‪ ..‬ال بد من أن يكون هذا واضحاً‪.‬‬
‫اإلسالم جاء بتحطيم الطواغيت الظالمين ‪ ..‬وتحطيم أنظمتهم وحواجزهم التي تحيل بينه‬

‫وبين الناس ‪ ..‬فإن خلي بينه وبين الناس ‪ ..‬وزالت الحواجز ‪ ..‬وتحطمت عروش الطواغيت الظالمين‬
‫َ‬
‫وأنظمتهم ‪ ..‬اختلفت المعاملة ‪ ..‬واختلفت الطريقة ‪ ..‬ووضعت الحرب أوزارها ‪ ..‬وقيل للناس‪ [:‬ال‬
‫َ ذ َ ذ َ ُّ ْ ُ َ ْ َ َ َ ْ َ ْ ُ ْ ذ ُ‬
‫َ‬
‫اغوت َويُ ْؤمِن باَّلل ِ َف َقد ْ‬
‫إ ْك َراهَ‬
‫استَ ْم َسك‬
‫الط‬
‫ب‬
‫ر‬
‫ف‬
‫ك‬
‫ي‬
‫ن‬
‫م‬
‫ف‬
‫ْغ‬
‫ال‬
‫ِن‬
‫م‬
‫د‬
‫ش‬
‫الر‬
‫ني‬
‫ب‬
‫ت‬
‫د‬
‫ق‬
‫ِين‬
‫ادل‬
‫ِف‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ُ ْ َ ُّ َ ذ ُ َ ْ‬
‫اءك ُم ْ َ‬
‫بِال ُع ْر َوة ِ ال ُوثْ َ َ‬
‫اْل ُّق مِن ذربِك ْم‬
‫اس قد َج‬
‫َق ]البقرة‪ .152:‬وقيل لهم‪ [:‬قل يا أيها انل‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪171‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫َ ذ َ ذ َ َ ُّ َ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫َ ذ‬
‫ََْ َ َ ُ‬
‫َْ‬
‫َْ‬
‫َ‬
‫ضل عليْ َها َو َما أنا عليْكم‬
‫ف َم ِن اهت َدى فإِن َما َيهتدِي نلِ َف ِ‬
‫سهِ َومن ضل فإِنما ي ِ‬
‫َ‬
‫ِيل]يونس‪.202:‬‬
‫بِوك ٍ‬

‫‪ -5‬اعلموا أن التوحيد خط أحمر‪ ،‬ال يجوز االقتراب منه بما يناقضه ‪ ..‬كما ال يجوز أن‬

‫يخضع ـ عند التزاحم واستحالة التوفيق ـ لقاعدة الترجيح والمفاضلة بينه وبين ما سواه ‪ ..‬ثم التماس‬
‫أكبر المصلحتين ‪ ..‬واجتناب أكبر المفسدتين ‪ ..‬ألن تحقيق التوحيد الخالص أكبر المصالح على‬
‫االطالق ‪ ..‬الذي ال توازيه وال تفضله مصلحة ‪ ..‬فهو غاية الغايات ‪ ..‬التي ترخص في سبيله كل‬
‫الغايات والمقاصد‪ ،‬والوسائل ‪ ..‬كما أن ما يضاده من الشرك األكبر هو أكبر المفاسد على االطالق‪،‬‬
‫ذ‬
‫ْ َُ ْ َ‬
‫الْش َك لظلم ع ِظيم ]لقمان‪ .2 :‬وقال‬
‫الذي ال توازيه وال تعلوه مفسدة‪ ،‬كما قال تعالى‪ [:‬إِن ِ‬
‫ذ ذ َ َْ ُ َ ُْ‬
‫ََ‬
‫ََْ ُ َ ُ َ َ َ َ ََ ُ ََ ُْ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْشك بِاَّلل ِ فق ِد‬
‫تعالى‪ [:‬إِن اَّلل ال يغفِر أن يْشك بِهِ ويغفِر ما دون ذل ِك ل ِمن يشاء ومن ي ِ‬
‫ً‬
‫ْ‬
‫ََ ُْ ْ ذ َ ََذَ َ‬
‫ْ ً َ‬
‫ذ‬
‫َ‬
‫اف َ َ‬
‫َ‬
‫ذ‬
‫ْشك بِاَّلل ِ فكأنما خر مِن السماء‬
‫ي‬
‫ن‬
‫م‬
‫و‬
‫‪[:‬‬
‫تعالى‬
‫وقال‬
‫‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫‪:‬‬
‫النساء‬
‫]‬
‫يما‬
‫ظ‬
‫ع‬
‫ما‬
‫ث‬
‫إ‬
‫ى‬
‫َت‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ َ‬
‫ََ ْ َ ُ ُ ذ ُْ َْ َ‬
‫ْ‬
‫‪15‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫يق ]الحج‪.] [. 2:‬‬
‫فتخطفه الطري أو تهوِي بِهِ الرِيح ِِف مَك ٍن س ِ‬
‫ح ٍ‬
‫وما سوى ذلك ـ عند التزاحم واستحالة التوفيق أو تمرير الجميع ـ فإنه يخضع لقاعدة النظر‬
‫في المصالح والمفاسد ‪ ..‬ومن ثم الترجيح بين المصالح‪ ،‬والمفاسد؛ فنقدم أكبر المصلحتين على ما‬
‫دونها‪ ،‬وندفع أكبر المفسدتين أو الضررين بأصغرهما‪ ،‬وفق قواعد وترجيحات الشريعة‪.‬‬
‫‪ -2‬وعليه فإني أقول‪ :‬جميع المناصب والمراكز اإلدارية التنفيذية العملية ‪ ..‬الخدماتية ‪..‬‬
‫والتربوية ‪ ..‬قابلة للنظر والموازنة بين مصالح القيام بها‪ ،‬ومفاسد تركها واعتزالها ‪ ..‬فإن وجد الصالح‬
‫والطالح ‪ ..‬وكان الصالح قادراً على تمرير الخير وتعطيل الشر ‪ ..‬وليس مجرد كرسي موظف من قبل‬
‫ٍ‬
‫حينئذ الصالح على الطالح ‪ ..‬بما في ذلك منصب رئاسة الدولة إذا وجد الرجل‬
‫الطاغوت ‪ ..‬فيقدم‬
‫الصالح الكفؤ القوي ‪ ..‬فهو منصب إداري تنفيذي توجيهي هام وحساس جداً ‪ ..‬يملك صاحبه كثير‬

‫من الخصائص والحقوق ‪ ..‬ال يمتلكها غيره ‪ ..‬تمكنه ـ إن كان صالحاً ـ من تمرير كثير من الخير ‪..‬‬
‫ال يمكن لغيره أن يمرره ‪ ..‬كما يمكنه تعطيل كثير من الشر‪ ،‬ال يمكن لغيره أن يعطله ‪ ..‬فلو ترك هذا‬
‫‪15‬‬

‫هذا ال يتعارض مع ما استثنته الشريعة في أجواء اإلكراه والتقية ‪ ..‬والحرب ‪ ..‬وما يجوز من رخص في تلك‬

‫األجواء ‪ ..‬فهذه مسألة مختلفة ‪ ..‬ال ينبغي أن نقحمها هنا ‪ ..‬حيث قد بحثناها في كتابنا " المفاهيم " وغيره‪،‬‬
‫فانظرها هناك إن شئت‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪172‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫المنصب الهام والحساس للمفسدين األشرار ‪ ..‬لمرروا كثيراً من الشر ‪ ..‬وعطلوا كثيراً من الخير ‪..‬‬

‫مستغلين ما يمنحهم المنصب من صالحيات وخصائص‪ ،‬ال تمنح لغيرهم‪.‬‬

‫ألجل ذلك ـ ولشهادة العدول من العلماء والدعاة في الرجل خيراً ـ نصحت أهلنا وإخواننا في‬

‫مصر بأن يقفوا بجوار األخ األستاذ " حازم صالح أبو اسماعيل "‪ ،‬في ترشحه لرئاسة مصر ‪ ..‬وأن‬
‫ينصروه بما يلزم ويمكنه من تسلم واستعالء هذا المنصب الحساس والهام ‪ ..‬وأن يقفوا بجواره‬
‫ناصحين وناصرين ‪ ..‬وبخاصة أن البديل عنه ـ كما هو معلن ومعلوم ـ تجتمع فيه كثير من خصال الشر‬
‫والباطل ‪ ..‬التي تجر الويالت والفساد‪ ،‬والخراب على مصر وأهلها!‬
‫عندما تكون البالد ‪ ..‬وكذلك العباد ‪ ..‬حديثو عهد بحكم الطاغوت الهالك الذي استمر‬
‫حكمه ٍ‬
‫لعقود عدة ‪ ..‬ينبغي أن ال تتوقعوا سهولة انتقال األوضاع إلى حكم راشد عادل كامل يخلو من‬
‫النواقص ‪ ..‬والهفوات ‪ ..‬والثغرات ‪ ..‬في ٍ‬
‫أيام معدودات ‪ ..‬ومن دون مواجهة مشاكل وعقبات جسام‬

‫‪ ..‬فمن كان يتوقع ذلك فهو واهم‪ ،‬ال يعيش واقعه ‪ ..‬وال يفقه السنن ‪ ..‬لكن هذا الواقع ال يبرر لنا‬
‫الهروب واالنسحاب ‪ ..‬والعكوف في زوايا المساجد ‪ ..‬ليقتصر عملنا على الوعظ والتربية ‪ ..‬وترك‬
‫الساحة ليفسد المتنفذون الحاكمون في ساعة ما نبنيه ونربيه في سنة!‬
‫ليس من الفقه وال الحكمة ‪ ..‬وال السياسة الشرعية‪ ،‬أن نقوم نحن بالثورات ‪ ..‬وتكون منا‬
‫التضحيات ‪ ..‬ثم بعد ذلك نقول لألشرار‪ :‬تفضلوا اقطفوا الثمار ‪ ..‬وقودوا السفينة ‪ ..‬واحكمونا‬
‫والبالد كيفما شئتم ‪ ..‬وبالقانون الذي تشاؤون ‪ ..‬فلن يزاحمكم أحد على ذلك!‬
‫فإن قيل‪ :‬هذا في المهام والمناصب التنفيذية اإلدارية ‪ ..‬فما بال المناصب‬
‫التشريعية النيابية ‪ ..‬كيف نتركها ـ على أهميتها ـ لألشرار؟!‬
‫أقول‪ :‬ال يمكن أن نمارس نحن الربوبية على الناس؛ فنحلل لهم الحرام‪ ،‬ونحرم عليهم‬
‫الحالل ‪ ..‬كما ال يمكن أن نسمح أو نقبل من اآلخرين أن يمارسوا الربوبية علينا وعلى الناس ‪..‬‬
‫فيحلون لنا وللناس الحرام‪ ،‬فنتبعهم ونطيعهم في ذلك ‪ ..‬ويحرمون علينا الحالل‪ ،‬فنتبعهم ونطيعهم‬
‫في ذلك؛ ألن هذا من الشرك األكبر المنافي للتوحيد ‪ ..‬وقد بينا من قبل أن التوحيد ال يمكن‬
‫االقتراب منه بمايسيئه أو ينافيه مهما كانت المصالح من وراء ذلك ‪ ..‬كما أن فيه تعبيد العبيد للعبيد‬
‫‪ ..‬وهو يتنافى كلياً مع شعار الحرية الذي ترفعه الشعوب!‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪173‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ذَ ُ ْ َ ْ َ َ ُ ْ َ ُ َْ َُ ْ ََْ ً‬
‫قال تعالى عن األمم التي قبلنا من اليهود والنصارى‪ :‬اَّتذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا‬

‫ُ‬
‫ون اَّلل ِ ‪‬التوبة‪ . 2:‬وذلك لما جعلوا لهم خاصية التشريع والتحليل والتحريم من دون اهلل‪،‬‬
‫مِن د ِ‬
‫فاتبعوهم وأطاعوهم في تحليل ما حرم اهلل‪ ،‬وتحريم ما أحل اهلل ‪ ..‬فذلك كان اتخاذهم إياهم أرباباً من‬

‫دون اهلل‪.‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ َ ْ َ ََ‬
‫ذ ذ‬
‫ذ َْ‬
‫ْ ُ‬
‫ْ‬
‫ُْ َ َْ ْ َ‬
‫اب ت َعال ْوا إَِل َك َم ٍة َس َواء بَينَنَا َوبَينَك ْم أال نعبُ َد إِال اَّلل‬
‫وقال تعالى‪ [:‬قل يا أهل الكِت ِ‬
‫َ َ‬
‫َ ْ ً َ َ َذ َ َْ ُ َ َْ ً ََْ ً‬
‫َ َ ذ ْ َُ ُ ْ ْ‬
‫ْ َذ‬
‫ُ‬
‫ال ن ُ ْ َ‬
‫ون اَّلل ِ فإِن ت َول ْوا فقولوا اش َه ُدوا بِأنا‬
‫د‬
‫ِن‬
‫م‬
‫خذ بعضنا بعضا أربابا‬
‫و‬
‫ْشك بِهِ شيئا وال يت ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َ َ َذ َ‬
‫َ‬
‫ُ ْ‬
‫خذ‬
‫مسل ُِمون ]آل عمران‪ .2 :‬هكذا ينبغي أن يكون خطابنا مع أنفسنا ومع اآلخرين‪ [:‬وال يت ِ‬
‫َْ ُ َ َْ ً ََْ ً‬
‫ُ‬
‫نشرع ونحلل ونحرم من عند‬
‫بعضنا بعضا أربابا مِن د ِ‬
‫ون اَّلل ِ ]‪ ،‬ال يتخذ بعضنا بعضاً مشرعين‪ّ ،‬‬
‫أنفسنا ما نهوى وما نريد‪ ،‬من دون سلطان من اهلل ‪ ..‬إذ خاصية التشريع والتحليل والتحريم هي هلل‬
‫ُ ْ َ َ ً‬
‫ََ ُْ‬
‫ْش ُك ِِف حك ِمهِ أحدا ]الكهف‪ .12:‬وقال تعالى‪ [:‬إ ِ ِن‬
‫تعالى وحده‪ ،‬كما قال تعالى‪ [:‬وال ي ِ‬
‫َ‬
‫ذ‬
‫ُ َْ ُ ََ‬
‫َْ‬
‫َ ََُْ َ‬
‫ُْ ْ‬
‫َََ َ ذ َُُْ ْ ذ ذ ُ َ َ‬
‫َ‬
‫ذ‬
‫ذ‬
‫كن أكَث انل ِ‬
‫اس ال يعلمون]‬
‫اْلك ُم إِال َِّلل ِ أمر أال تعبدوا إِال إِياه ذل ِك ادلِين القيِم ول ِ‬
‫ُ ْ ً َ ْ ُ ُ َ‬
‫َ َ ُ ْ َ َْ ذ َ ْ ُ َ َ َ ْ َ ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫يوسف‪ . 0:‬وقال تعالى‪ [:‬أفحكم اْلاهِل ِيةِ يبغون ومن أحسن مِن اَّلل ِ حكما ل ِقو ٍم يوق ِنون‬
‫]المائدة‪.50:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ْ َ َ ْ‬
‫ً‬
‫َ ً ُْ‬
‫ْ‬
‫ُ ْ َ ْ ُ ذ َ َ ُّ َ ُ‬
‫ج َعلتُم مِن ُه َح َراما َو َحَلال قل‬
‫نزل اَّلل لكم مِن رِز ٍق ف‬
‫وقال تعالى‪ [:‬قل أرأيتم ما أ‬
‫ُّ َ َ َ ُ ْ َ ْ َ َ‬
‫ََُْ َ‬
‫آَّلل أذِن لكم أم لَع اَّلل ِ تفَتون ]يونس‪ .59:‬أي أن التحليل والتحريم هو حق خالص هلل تعالى‬
‫ُ ْ ُّ َ َ َ ُ‬
‫ْ‬
‫وحده ‪ ..‬ال يجوز ٍ‬
‫ألحد أن يتجرأ على شيء من ذلك من غير ٍ‬
‫إذن من اهلل ‪[ ..‬قل آَّلل أذِن لكم]؛‬
‫أي كيف تتجرأون على التحليل والتحريم من عند أنفسكم ‪ ..‬من أذن لكم ‪ ..‬من أعطاكم هذا الحق‬
‫‪ ..‬وصاحب هذا الحق لم يأذن لكم ‪..‬؟!‬
‫َ‬
‫ْ ََ ُُْ ُ ْ ذ ُ ْ ُ ْ ُ َ‬
‫ْشكون ]األنعام‪ .212:‬أي وإن أطعتموهم في‬
‫وقال تعالى‪ِ [:‬إَون أطعتموهم إِنكم لم ِ‬
‫تحليل ما حرم اهلل فإنكم مشركون ‪ ..‬مشركون في اتخاذكم إياهم مشرعين لكم يحللون ويحرمون لكم‬
‫من دون اهلل ‪ ..‬ومشركون في طاعتهم في تحليل ما حرم اهلل ‪ ..‬وفي ذلك رد صريح لحكم اهلل تعالى‪،‬‬
‫َ َ‬
‫َ َ‬
‫َ ُّ َ ْ ُ ُ َ ُ َ َ ُ ْ‬
‫واهلل تعالى يقول‪ [:‬واَّلل ُيكم ال معقِب ِ‬
‫ْلك ِمهِ ]الرعد‪ . 2:‬وقال تعالى‪ [:‬فَل َو َربِك ال‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪174‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ُ ْ ُ َ َ ذَ َُ ُ َ َ َ َ َ ََُْ ْ ُ ذ َ َ ُ ْ َ ُ ْ َ َ ً ذ َ َ ْ َ َ َُ ُ ْ‬
‫س ِهم حرجا مِما قضيت ويسل ِموا‬
‫َيدوا ِِف أنف ِ‬
‫يؤمِنون حَّت ُيكِموك فِيما شجر بينهم ثم ال ِ‬
‫ً‬
‫َ‬
‫ت ْسل ِيما ]النساء‪.25:‬‬
‫فإن قيل‪ :‬ما العمل‪ ،‬وما هو البديل ‪ ..‬إذ أيضاً ليس من الدين واإليمان ‪ ..‬وال‬
‫من السياسة الشرعية ‪ ..‬أن نسلم هذا األمر الهام للمجرمين اآلثمين‪ ،‬لينفردوا به‬
‫من دون الصالحين ‪..‬؟!‬
‫أقول‪ :‬ال بد من تعبئة األمة والشعوب وحملها على المطالبة بتحكيم شرع اهلل تعالى ‪..‬‬
‫واعتماد جميع الوسائل الممكنة والمشروعة من أجل تحقيق ذلك‪.‬‬
‫ال بد للشعوب المسلمة من أن تعمل جاهدة ‪ ..‬تخرج بمظاهرات مليونية ‪ ..‬واعتصامات‬
‫دائمة ‪ ..‬كما تفعل ذلك ألموٍر هي أقل أهمية من موضوعنا هذا ‪ ..‬تطالب فيها بتثبيت مادة سيادية‬
‫في الدستور‪ ،‬غير قابلة للتغيير‪ ،‬تقول‪ ":‬الشريعة اإلسالمية هي المصدر الوحيد للتشريع "‪ .‬فإن أصروا‬
‫على صيغة‪ ":‬الشريعة اإلسالمية هي المصدر األساس للتشريع "‪ ،‬على اعتبار أن هناك قوانين إدارية‬
‫ردف هذه المادة مباشرة بمادة أخرى تقيدها‪ ،‬تقول‪":‬‬
‫وتنظيمية تركت الجتهاد اإلنسان وتقديراته ‪ ..‬ت َ‬

‫وأيما قانون يتعارض مع شرع اهلل تعالى فهو رد "‪.‬‬

‫الشعوب القادرة ـ بإذن اهلل وعونه وتوفيقه ـ على إسقاط الطغاة وأنظمتهم وعروشهم ‪ ..‬قادرة‬
‫على تمرير وتثبيت قانون ينص على أن الشريعة هي المصدر الوحيد للتشريع‪.‬‬
‫نجد كثيراً من الشعوب في تجاربهم النيابية والسياسية ‪ ..‬يتفقون فيم بينهم على مواد أساسية‬

‫سيادية في الدستور غير قابلة للتغير‪ ،‬هي أقل قيمة بكثير من مادة الشريعة المشار إليها أعاله ‪..‬‬
‫فعالم يقدرون على تثبيت تلك المواد على قلة أهميتها في الدستور ‪ ..‬على أنها مواد سيادية ثابتة ‪..‬‬
‫ثم شعوبنا المسلمة ‪ ..‬بعشرات ‪ ..‬ومئات ماليينها ‪ ..‬ال تستطيع أن تثبت مادة سيادة حاكمية الشريعة‬
‫‪ ..‬كما هو وارد أعاله‪.‬‬
‫ال بد من العمل بكل طاقاتنا ‪ ..‬وعبر جميع الوسائل الممكنة والمشروعة ‪ ..‬من أجل تحقيق‬
‫هذا الهدف‪ ،‬والمطلب النبيل العظيم‪.‬‬
‫الثورة تنقسم إلى جولتين‪ :‬جولة يتم فيها إسقاط الطاغوت‪ ،‬ونظامه‪ ،‬وفساده وظلمه ‪ ..‬وجولة‬
‫ثانية تليها مباشرة يتم فيها إحقاق الحق‪ ،‬وإقامة العدل بتحكيم شريعة رب العالمين ‪ ..‬في شؤون‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪175‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫البالد والعباد ‪ ..‬والثوار الذين ينجحون في الجولة األولى‪ ،‬ال بد ـ بإذن اهلل إن وجدت العزيمة‬
‫الصادقة ـ من أن ينجحوا في الجولة الثانية ‪ ..‬وبخاصة أن مطلب الشريعة ‪ ..‬هو مطلب األكثرية‬
‫العظمى من الشعوب التي تعيش في بالد العرب والمسلمين‪.‬‬
‫أن تنجح الشعوب في الجولة األولى دون الجولة الثانية ‪ ..‬هذا يعني أن ثورتها ليست ثورة‬
‫كاملة‪ ،‬وإنما هي نصف ثورة ‪ ..‬ومصالح البالد والعباد ال تقوم بأنصاف الثورات ‪ ..‬ويعني كذلك أن‬
‫النصف األول من الثورة الذي حققوه قد استثمر لصالح المنافقين‪ ،‬والظالمين المفسدين الذين ال‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ َ ُ ْ َ َ َ ْ ْ َ َ َ َ َ ُّ‬
‫الر ُسول َر َأيْتَ‬
‫ِإَوَل ذ‬
‫يريدون خير الشعوب ‪ ..‬الذين [ إِذا قِيل لهم تعالوا إَِل ما أنزل اَّلل‬
‫ِ‬
‫ً‬
‫َ َ َ‬
‫ال ْ ُم َنافِق َ‬
‫ني يَ ُص ُّدون عنك ُص ُدودا ]النساء‪.22:‬‬
‫ِ‬
‫فإن قيل‪ :‬ما قيمة هذا القانون أو المادة إذا نُص عليه في دستور الدولة ‪..‬؟‬
‫أقول‪ :‬هذا يعني الكثير ‪ ..‬يعني تحكيم شرع اهلل ‪ ..‬يعني تحقيق التوحيد في الحكم ‪..‬‬
‫ويعني انتفاء األرباب الذين يزعمون الربوبية ألنفسهم من دون اهلل ‪ ..‬والذين يفرضون أنفسهم على‬
‫البالد والعباد كأرباب ومشرعين من دون اهلل!‬
‫يعني أن الجميع يعمل ويتحرك ويجتهد تحت سقف الشريعة ‪ ..‬وفيما ال يخالف الشريعة!‬
‫ٍ‬
‫حينئذ بين االقتباس من أحكام الشريعة ‪ ..‬أو االجتهاد‬
‫يعني أن جميع النواب يكون عملهم‬
‫في النوازل على ضوء أحكام الشريعة‪ ،‬وفيم ال يخالف الشريعة ‪!..‬‬

‫ٍ‬
‫وحينئذ الشعب كله يمكنه المشاركة‬
‫يعني انتفاء الحرج والمحظور من وراء العمل النيابي ‪..‬‬

‫في االنتخابات ‪ ..‬وفي فرز من يمثله من النواب الصالحين ‪ ..‬إلى المجالس النيابية ‪ ..‬أو مجالس‬
‫ٍ‬
‫فحينئذ ال مشكلة وال مشاحة حول شيء من هذه‬
‫الشعب ‪ ..‬أو الشورى ‪ ..‬أو المجلس التأسيسي ‪..‬‬
‫االصطالحات‪.‬‬

‫ٍ‬
‫حينئذ كل من يرى في نفسه الكفاءة أن يرشح نفسه للعمل النيابي ‪ ..‬ما دام‬
‫كما يمكن‬

‫الجميع يعمل تحت سقف الشريعة‪ ،‬ومنضبط بأحكام وقوانين الشريعة‪.‬‬
‫ابتداء لتكون مشاركة الشعب شاملة وعادلة ‪ ..‬ويكون التمثيل‬
‫ال بد لهذا األمر أن يتحقق‬
‫ً‬
‫شامالً وعادالً ‪ ..‬إذ من دون تثبيت هذه المادة ـ المشار إليها أعاله ـ في الدستور ‪ ..‬يعني إحجام كثير‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪176‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫من الناس عن المشاركة في أي انتخابات أو عملية تمثيل ‪ ..‬للسبب اآلنف الذكر ‪ ..‬وبالتالي ال‬
‫يمكن ٍ‬
‫حينئذ عن الحديث عن عدالة التمثيل ‪ ..‬وشمولية التمثيل للشعوب!‬
‫كما ال يمكن ـ لمن يتحدثون عن إرادة الشعوب ـ أن يتجاهلوا ‪ ..‬رغبة وإرادة األكثرية‬
‫العظمى من الشعوب ‪ ..‬ثم بعد ذلك يزعمون زوراً أن أنظمتهم وقوانينهم تمثل الشعب وإرادة‬
‫الشعب!‬
‫فإن قيل‪ :‬ولكن هذه ديمقراطية ‪ ..‬ويعني الدخول في الديمقراطية ‪ ..‬وهو‬
‫بخالف المنهج الحق الذي تربينا عليه وندعو له؟!‬
‫أقول‪ :‬ال تقحموا الديمقراطية في كل موضع ‪ ..‬وفي كل نازلة وشاردة وواردة ‪ ..‬وتجعلوا منها‬
‫الشماعة التي تمنعنا من المضي نحو أهدافنا ومشاريعنا بيسر وسهولة بإذن اهلل‪.‬‬
‫ٍ‬
‫لغرض وهوى في نفوسهم ـ ما إن تجتهد في نازلة من النوازل ‪ ..‬ومستجد من‬
‫من الناس ـ‬
‫واد ٍ‬
‫المستجدات تطرأ على األمة ‪ ..‬إال ويتصايحوا في كل ٍ‬
‫وناد ‪ ..‬انظروا إلى فالن ‪ ..‬قد غير وبدل‬
‫وانقلب إلى الديمقراطية ‪ ..‬يدعو إلى الديمقراطية ‪ ..‬قد دخل في الديمقراطية ‪ ..‬بعد أن كان قد حذر‬
‫منها!‬
‫ولهؤالء نقول‪ :‬على رسلكم ‪ ..‬ال تفرحوا ‪ ..‬وال تشمتوا ‪ ..‬ففرحكم وشمتكم سيرتد عليكم‬
‫بالكآبة والنكد والندامة بإذن اهلل ‪ ..‬فنحن ـ بفضل اهلل تعالى وحده ـ لم نغير ‪ ..‬ولم نبدل قيد أنملة ‪..‬‬
‫ونحن ال نزال على العهد وعلى منهجنا الحق الذي عرفنا به منذ أن وعينا الحياة ‪ ..‬نسأل اهلل تعالى‬
‫الثبات‪ ،‬وحسن الختام‪.‬‬
‫لقد تكلمت ـ في مؤلفاتي وأبحاثي ـ مراراً وتكراراً عن الديمقراطية ومعانيها‪ ،‬ودالالتها‬
‫ومحاذيرها ‪ ..‬وك ان لي ـ بفضل اهلل تعالى ـ السبق في التحذير منها ومن مزالقها ‪ ..‬وأعيد هنا فأختصر‬
‫الحديث عن الديمقراطية ‪ ..‬لنتعرف على مواقفنا وأفعالنا واجتهاداتنا أين هي من مزالق الديمقراطية ‪..‬‬
‫وأين هي من الحق ‪ ..‬من دين اهلل تعالى‪.‬‬
‫الديمقراطية تنقسم إلى قسمين‪ :‬قسم يتعلق بالديمقراطية كعقيدة‪ ،‬ودين‪ ،‬وفلسفة ‪ ..‬تنص‬
‫على أن اإلنسان فوق اهلل ‪ ..‬وأن حكمه وإرادته فوق حكم وإرادة اهلل ‪ ..‬وأن اإلنسان هو إله نفسه ‪..‬‬
‫يتأله هواه ‪ ..‬وهو اإلله المعبود في األرض ‪ ..‬يحكم نفسه بنفسه ‪ ..‬ويشرع لنفسه بنفسه ‪ ..‬فما يراه‬
‫حالالً فهو الحالل‪ ،‬وما يراه حراماً فهو الحرام ‪ ..‬ال سلطان هلل عليه ‪ ..‬له كامل الحق في أن يتصرف‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪177‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫في نفسه‪ ،‬وماله ‪ ..‬كيفما يشاء ‪ ..‬وفي االتجاه الذي يشاء ‪ ..‬ال يسأل عما يفعل ‪ ..‬وال ينبغي أن‬
‫يسأل‪ ،‬ألنه المالك الحقيقي لنفسه وماله من دون اهلل ‪ ..‬إال فيم يحظره عليه القانون الوضعي‬
‫الطاغوتي!‬
‫هذ ا الجانب العقدي الفلسفي من الديمقراطية ـ وهو الجانب األهم واألساس منها ـ هو كفر‬
‫بواح مخرج عن الملة ‪ ..‬ومن يقول بالديمقراطية ويدعو إليها بهذا المعنى الوارد أعاله ‪ ..‬فهو كافر‬
‫خارج من ملة اإلسالم ‪ ..‬مهما تزي بزي المسلمين ‪ ..‬وتسمى بأسمائهم ‪ ..‬فاإلسالم والديمقراطية‬
‫بمعناها الوارد أعاله ال يلتقيان ‪ ..‬وال تتراءى نارهما‪.‬‬
‫وأمريكا ومعها دول الغرب ‪ ..‬تريد تصدير هذا الجانب من الديمقراطية إلى المسلمين في‬
‫بالدهم لسببين‪ :‬أولهما أنه يطال المسلمين في عقيدتهم ودينهم ‪ ..‬ويردهم عن دينهم ‪ ..‬لو استقر‬
‫ُ‬
‫َ َ َ َ ُ َ ُ َ ُ َ ُ ْ َ ذ َ ُّ ُ َ‬
‫َّت ي َ ُردوك ْم عن دِين ِك ْم‬
‫هذا االعتقاد في قلوبهم ‪ ..‬كما قال تعالى‪ [:‬وال يزالون يقات ِلونكم ح‬
‫ََْ ُ ْ‬
‫ََُْ َ َ َ ْ َ ْ ُ‬
‫ََُ ْ ُ َ‬
‫َ ْ‬
‫ُ َ‬
‫ت أع َمال ُه ْم ِِف‬
‫ت َوه َو َكف ِر فأولئِك حبِط‬
‫اعوا َو َمن ي َ ْرتدِد مِنك ْم عن دِينِهِ فيم‬
‫إ ِ ِن استط‬
‫َ‬
‫ُّ ْ‬
‫َ ََُْ َ َ ْ َ ُ ذ ُ ْ َ َ ُ َ‬
‫ادلون ]البقرة‪ .120:‬وقال تعالى‪ [:‬يَا أ ُّي َها‬
‫ادلنيَا َواآلخِرة ِ وأولئِك أصحاب انلارِ هم فِيها خ ِ‬
‫ذ َ َ َُْ‬
‫ُ ُ ْ َ ً َ ذ َ ُ ُ ْ ْ َ َ َ ُ ُّ ُ َ ْ َ َ ُ‬
‫ِك ْم ََكف ِر َ‬
‫ين ]آل‬
‫ن‬
‫ا‬
‫يم‬
‫إ‬
‫د‬
‫ع‬
‫ب‬
‫م‬
‫وك‬
‫د‬
‫ر‬
‫ي‬
‫اب‬
‫ِت‬
‫ك‬
‫ال‬
‫وا‬
‫وت‬
‫أ‬
‫ِين‬
‫اَّل‬
‫ِن‬
‫م‬
‫يقا‬
‫ر‬
‫ف‬
‫وا‬
‫يع‬
‫ط‬
‫ت‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اَّلِين آمنوا ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫عمران‪ .200:‬فالحذر الحذر‪ ،‬عباد اهلل‪.‬‬
‫ثانيهما‪ :‬أن هذا الجانب العقدي الفلسفي األهم للديمقراطية ‪ ..‬لو استقر في عقول وقلوب‬

‫وحياة وواقع المسلمين وممارساتهم ‪ ..‬ال يشكل أي ضرر أو ٍّ‬
‫تحد لهم ـ أي ألمريكا ودول الغرب ـ‬

‫من قبل المسلمين ‪ ..‬بل على العكس من ذلك فهو يزيد المسلمين ضعفاً وذالً وهواناً ‪ ..‬كما يزيدهم‬

‫تبعية ألمريكا ودول الغرب!‬

‫أما القسم الثاني من الديمقراطية‪ :‬فهو القسم الذي يتعلق ببعض آلياتها ووسائلها في الحكم‬
‫‪ ..‬كاالنتخابات ‪ ..‬والتصويت ‪ ..‬وتداول السلطة ‪ ..‬وحرية التعبير والنقد ‪ ..‬وتفعيل رقابة الشعوب‬
‫واألمة على الحكام ‪ ..‬ونحو ذلك ‪ ..‬وهذه اآلليات رغم أنها تمارس بطريقة خاطئة من قبل‬
‫سجل عليها كثير من المالحظات والمآخذ[ ‪ .. ]15‬إال أن‬
‫الديمقراطيين واألنظمة الديمقراطية ‪ ..‬ت ّ‬
‫من يتعامل مع الديمقراطية على هذا األساس ‪ ..‬أو يأخذ من الديمقراطية هذا الجانب وحسب ‪..‬‬
‫ويفهمها ويمارسها على هذا األساس وحسب ‪ ..‬فهذا ليس كافراً‪ ،‬وال يجوز أن يحمل عليه حكم‬
‫‪ 15‬انظر كتابنا " حكم اإلسالم في الديمقراطية والتعددية الحزبية " إن شئت‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪178‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫الكفر الوارد أعاله ‪ ..‬لكونه قد مارس بعض ما يدخل في آليات ووسائل الديمقراطية ‪ ..‬كما ال ينبغي‬
‫أن يقال عنه بأنه ديمقراطي ‪ ..‬وداخل في الديمقراطية ‪ ..‬هكذا على االطالق ‪ ..‬بل من كان كذلك‬
‫قد يصيب في مواضع‪ ،‬ويخطئ في مواضع أخرى ‪ ..‬بحسب طريقة استخدامه لتلك اآلليات والوسائل‬
‫‪ ..‬فيثنى عليه خيراً فيما قد أصاب فيه‪ ،‬ويثنى عليه شراً فيم قد أخطأ فيه‪ ،‬كما في الحديث‪":‬‬
‫كل منهما‪.‬‬
‫فاشهدوا على المحسن بأنه محسن‪ ،‬وعلى المسيء بأنه مسيء "‪ .‬بحسب ما يظهر لنا من ٍّ‬
‫االنتخابات ليست هي الديمقراطية ‪ ..‬والوقوف في الطوابير للتصويت ليس هو الديمقراطية‬

‫‪ ..‬ومراقبة الشعوب للحكام ومن ثم محاسبتهم على ما فرطوا بحق البالد والعباد ليس هي‬
‫الديمقراطية ـ كما يظن ذلك البعض! ـ وإنما هي ممارسة آللية من اآلليات التي تعتمدها الديمقراطية‪،‬‬
‫لها ما لها‪ ،‬وعليها ما عليها!‬
‫بل هذه اآلليات ليست حكراً على الديمقراطية‪ ،‬واألنظمة الديمقراطية ‪ ..‬فهي مستخدمة في‬

‫األنظمة الديكتاتورية‪ ،‬كما هي مستخدمة في األنظمة الديمقراطية ‪ ..‬كل منهما يستخدمها ويتالعب‬
‫بها بما يتناسب مع نظامه وطبيعته ‪ ..‬ومآربه ‪ ..‬وسياساته ‪ ..‬وأغراضه ‪ ..‬لذا في كثي ٍر من األحيان ال‬
‫تكون هذه اآلليات معبرة تعبيراً صادقاً عن رغبة وإرادة الشعوب ‪ ..‬كما أنها ال تلبي حاجته بطريقة‬
‫عادلة وكما ينبغي ‪ ..‬وهذا من جملة ما يؤخذ على هذه اآلليات عندما تستخدم من قبل هذا الفريق أو‬
‫ذاك!‬
‫وأمريكا ومعها دول الغرب ‪ ..‬تتحفظ كثيراً من توريد هذا الجانب من الديمقراطية إلى بالد‬

‫المسلمين ‪ ..‬وتتوجس منه ريبة ‪ ..‬خوفاً من أن يفرز لهم حكماً ونظاماً هم ال يريدونه ‪ ..‬وقادةً ‪ ..‬هم‬

‫ال يريدونهم ‪ ..‬وال يحققون لهم مصالحهم في المنطقة ‪ ..‬وبالتالي فهم إن عارضوهم وحاربوهم ‪..‬‬
‫فسيظهرون على أنهم يحاربون ديمقراطيتهم التي يتشبعون بها ‪ ..‬ويعملون على تصديرها ‪ ..‬ويحاربون‬
‫إرادة واختيار الشعوب ‪ ..‬وإن تركوهم وما يريدون ‪ ..‬ويختارونه ‪ ..‬خسروا مصالحهم في المنطقة ‪..‬‬
‫لذا فهم في كثير من األحيان ـ حتى ال يحصل شيء من ذلك ـ يتدخلون عبر وسائلهم العديدة‬
‫والنافذة ‪ ..‬في ترجيح فوز فريق أو حزب يريدونه على حساب فريق أو حزب آخر ال يريدونه ‪ ..‬مما‬
‫يسيء لفاعلية وجودة ومصداقية تلك الوسائل المشار إليها أعاله!‬
‫كما أنهم من الناحية العملية المصلحية ‪ ..‬أن يتعاملوا مع شخص الطاغية الديكتاتوري‬
‫المستبد كفرد ‪ ..‬أهون عليهم‪ ،‬وأوفر لهم حظاً ألف مرة من أن يتعاملوا مع الشعوب بطريقة فيها ندية‬

‫ومساواة ومكافأة ‪ ..‬ومكاشفة ومحاسبة ‪ ..‬فإن عرفت ذلك ‪ ..‬عرفت السبب الذي يحملهم ـ في‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪179‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫كثي ٍر من األحيان ـ على دعم األنظمة الديكتاتورية المستبدة ‪ ..‬مع مناداتهم بالديمقراطية في ٍ‬
‫آن‬
‫واحد!‬
‫فإن قيل‪ :‬هل هذه الوسائل أو اآلليات التي تعتمدها الديمقراطية ـ وغير‬
‫الديمقراطية ـ والوارد ذكرها أعاله ‪ ..‬هي كلها مذمومة في اإلسالم ‪ ..‬أم أن هناك‬
‫جانب منها ممدوح ‪ ..‬يمكن اعتماده وتطويره بما ال يتعارض مع مبادئ الحكم في‬
‫اإلسالم؟‬
‫أقول‪ :‬هذه اآلليات ـ وغيرها مما يحسن من اآلليات والوسائل ـ أصولها موجودة في اإلسالم‬
‫‪ ..‬لكن بسبب غياب الحكم اإلسالمي ‪ ..‬وغياب التجارب المعاصرة للحكم اإلسالمي ‪ ..‬ومحاربة‬
‫التوجه اإلسالمي السياسي من قبل الطغاة واألعداء ‪ ..‬وذلك منذ أكثر من مائة عام ـ بعد سقوط‬
‫الخالفة العثمانية ـ أصاب الفقه اإلسالمي ذي العالقة بالسياسة الشرعية ‪ ..‬وطريقة حكم وإدارة البالد‬
‫نوع ضمور وقصور ‪ ..‬حتى ظننا أننا نفتقد اآلليات األنجع في حكم وإدارة البالد والعباد ‪ ..‬وأن‬
‫رصيدنا اإلسالمي ضعيف في هذا المجال ‪ ..‬وهذا خطأ كبير ال ينبغي أن نقع فيه‪.‬‬
‫نعود للسؤال الوارد أعاله فنجيب عنه بإذن اهلل‪ ،‬فأقول‪ :‬مبدأ االنتخاب والتصويت ‪..‬‬
‫ومراعاة رأي األكثرية فيم ال نص فيه ‪ ..‬له أصوله في ديننا الحنيف ‪ ..‬فخالفة عثمان بن عفان رضي‬
‫اهلل عنه حصلت بعد نوع انتخاب وتصويت ‪ ..‬فيم بين الصحابة الستة الذين حددهم عمر رضي اهلل‬
‫عنه ‪ ..‬إضافة إلى عبد اهلل بن عمر كعنصر مرجح من دون أن يكون له الحق في الترشح للخالفة ‪..‬‬
‫تأمر منكم من‬
‫ومما أوصى به عمر رضي اهلل عنه الصحابة ـ وهو وينازع على فراش الموت ـ‪ ":‬فمن ّ‬
‫ٍ‬
‫مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه "!‬
‫غير‬
‫فحصلت تصفية فيم بين الصحابة الست ‪ ..‬فبعضهم تنازل لصالح عثمان‪ ،‬وبعضهم اآلخر‬
‫تنازل لصالح علي رضي اهلل عنهما ‪ ..‬حتى آل األمر إلى عثمان بن عفان‪ ،‬وعلي بن أبي طالب رضي‬
‫اهلل عنهما ‪ ..‬فقام عبد الرحمن بن عوف ـ الذي فوض األمر إليه في اختيار واحد منهما ـ يلتمس آراء‬
‫ورغبة أهل وسكان المدينة فيمن يريدون؛ هل يريدون علي بن أبي طالب‪ ،‬أم عثمان بن عفان ‪ ..‬فكان‬
‫رجل ذو رأي فيعدل‬
‫الناس يجتمعون في تلك األيام إلى عبد الرحمن يشاورونه ويناجونه‪ ،‬فال يخلو به ٌ‬

‫بعثما َن أحداً‪ ،‬ولما جلس عبد الرحمن للمبايعة‪ ،‬حمد اهلل وأثنى عليه‪ ،‬وقال في كالمه‪ ":‬إني رأيت‬
‫الناس يأبون إال عثمان "‪ .‬وفي رواية‪ ":‬أما بعد‪ ،‬يا علي‪ ،‬فإنّي نظرت في الناس فلم أرهم يعدلون‬
‫َ‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪180‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫بعثما َن‪ ،‬فال تجلعن على نفسك سبيالً‪ ،‬ثم أخذ بيد عثمان فقال‪ :‬نبايعك على سنة اهلل وسنة رسوله‪،‬‬

‫وسنة الخليفتين بع َده‪ ،‬فبايعه عبد الرحمن بن عوف‪ ،‬وبايعه المهاجرون واألنصار[‪.]155‬‬

‫فهذه صورة من صور الحكم التي تدل على أن التصويت ‪ ..‬واالنتخاب ‪ ..‬والتماس رغبة‬

‫وإرادة الناس فيمن يريدون من الحكام ‪ ..‬لها أصولها في ديننا وتاريخنا اإلسالمي ‪ ..‬فهي ليست بدعة‬
‫من القول‪ ،‬وليس هي من المحدثات كما يظن البعض ‪ ..‬حتى إذا ماذكرت لهم شيئاً عن االنتخابات‬

‫والتصويت ‪ ..‬لسرعان ما رموك بأنك ديمقراطي ‪ ..‬وداخل في الديمقراطية!!‬

‫كذلك العمل بمبدأ الشورى العظيم ‪ ..‬الذي جاء به اإلسالم‪ ،‬وحض عليه في نصوص كثيرة‬
‫‪ ..‬فمن آلياتها التصويت ‪ ..‬والتماس رأي األكثرية أو األغلبية ‪ ..‬فيم ليس فيه نص‪ ،‬أو فيما ال‬
‫يخالف نصاً‪.‬‬
‫وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى اهلل عليه وسلم أنه قال‪ ":‬ثالثة ال يقبل اهلل منهم‬
‫صالة‪ ،‬وال تصعد إلى السماء‪ ،‬وال تجاوز رؤوسهم‪ :‬رجل أم قوماً وهم له كارهون ‪ ."..‬وفي ٍ‬
‫رواية‪ ":‬أيما‬
‫ٌ‬
‫تجز صالته أذنيه "‪ .‬فإذا كانت الصالة أهم رك ٍن في اإلسالم بعد‬
‫رجل أم قوماً وهم له كارهون‪ ،‬لم ْ‬
‫شهادة التوحيد ‪ ..‬ينبغي أن يراعى في إمام الجماعة رغبة ورضى الناس ‪ ..‬فما بالكم بما هو دون ذلك‬
‫من شؤون الحكم والسياسة‪ ،‬واإلدارة ‪ ..‬ال شك أن مراعاة والتماس رغبة ومرضاة الناس من باب‬
‫أولى‪.‬‬
‫وقال صلى اهلل عليه وسلم‪ ":‬خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم‪ ،‬وتصلون عليهم‪،‬‬
‫ويصلون عليكم‪ ،‬وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم‪ ،‬وتلعنونهم ويلعنونكم ‪ "..‬مسلم‪ .‬فدل‬
‫حديث النبي صلى اهلل عليه وسلم على أن من العالمات التي يفرق فيها بين خيار أئمة الحكم من‬
‫شرارهم ‪ ..‬هو بالنظر إلى مدى رضى الناس عن أولئك األئمة‪ ،‬وحبهم لهم ‪ ..‬أو سخطهم وبغضهم‬
‫لهم ‪ ..‬وبالتالي فإن التماس الحكام لمرضاة وحب الناس لهم‪ ،‬بخدمتهم‪ ،‬وحسن رعايتهم ـ فيم يرضي‬
‫اهلل ـ مطلب من مطالب الشريعة ‪ ..‬وهو من السياسة الشرعية ‪ ..‬قبل أن يكون آلية من آليات ووسائل‬
‫الديمقراطية أو غيرها ‪ ..‬وبالتالي فإن فكرة فرض الحاكم على الناس بالقوة واإلكراه ـ كما يظن‬
‫البعض! ـ هي ليست من اإلسالم في شيء ‪ ..‬واإلسالم منها براء!‬

‫تاريخ الخلفاء للسيوطي‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪181‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ـ مبدأ رقابة الشعوب للحكام ومحاسبتهم ومساءلتهم‪ :‬أيضاً هذا المبدأ لم تنفرد به‬
‫الديمقراطية ـ كما يظن البعض! ـ بل اإلسالم هو السبّاق له ‪ ..‬وقد جاء به بأحلى وأرقى صوره ‪ ..‬وقد‬

‫سبق الديمقراطيات وغيرها من الشعارات الوضعية ـ في هذا الشأن ـ سبقاً بعيداً‪.‬‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ‬
‫ْ ْ َ ْ ْ ُ ْ ُ‬
‫وف َويَن َه ْون‬
‫قال تعالى‪َ [:‬وال ُمؤمِنُون َوال ُمؤمِنَات َبعض ُه ْم أ ْو ِِلَاء َبع ٍض يَأ ُم ُرون بِال َمع ُر ِ‬
‫ْ‬
‫َ ْ َ‬
‫َ ْ ْ‬
‫وف ]؛ كل المعروف؛ المعروف المتعلق بالحاكم‬
‫ع ِن ال ُمنك ِر ]التوبة‪ [ .02:‬يَأ ُم ُرون بِال َمع ُر ِ‬
‫ْ َ َ ْ َ‬
‫والمحكوم سواء‪َ [ ،‬و َين َه ْون ع ِن ال ُمنك ِر ]؛ كل المنكر؛ المنكر المتعلق بالحاكم والمحكوم سواء‬
‫‪ ..‬وهذا يستدعي نوع مراقبة يقظة للشؤون العامة والخاصة سواء ‪ ..‬من المؤمنين والمؤمنات؛ كل‬
‫المؤمنين والمؤمنات‪.‬‬
‫وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى اهلل عليه وسلم أنه قال‪ ":‬الدين النصيحة " قلنا‪:‬‬
‫لمن؟ قال‪ ":‬هلل‪ ،‬ولكتابه‪ ،‬ولرسوله ‪ ،‬وألئمة المسلمين‪ ،‬وعامتهم " مسلم‪.‬‬
‫ثالث ال يغل عليهن قلب المؤمن‪ :‬إخالص العمل هلل‪ ،‬والنصيحة‬
‫وقال صلى اهلل عليه وسلم‪ٌ ":‬‬

‫لوالة األمر ‪ .]152["..‬والنصيحة لألئمة ووالة األمر ‪ ..‬تتضمن العدل في األمر‪ ،‬والنهي ‪ ..‬وإرادة‬
‫الخير لهم ‪ ..‬وأطرهم إلى الحق ‪ ..‬ومنعهم عن الظلم ‪ ..‬وهذا ال يتحقق إال بعد حسن مراقبة ومتابعة‬
‫من األمة كلها ‪ ..‬كل بحسبه‪ ،‬وموقعه‪.‬‬

‫ٍ‬
‫كذلك قوله صلى اهلل عليه وسلم‪ ":‬أفضل الجهاد كلمة ٍ‬
‫سلطان جائ ٍر "[‪.]150‬‬
‫عدل عن َد‬
‫ٍ‬
‫سلطان جائر "‪.‬‬
‫حق عند‬
‫وفي رواية‪ ":‬أفضل الجهاد كلمة ٍّ‬
‫ٍ‬
‫وفي رواية‪ ":‬إن من أعظم الجهاد كلمة ٍ‬
‫سلطان جائ ٍر "[‪.]152‬‬
‫عدل عن َد‬
‫حق تقال ٍ‬
‫إلمام جائ ٍر "[‪.]159‬‬
‫أحب الجهاد إلى اهلل؛ كلمة ٍّ‬
‫وفي رواية" ُّ‬

‫قام إلى إ ٍ‬
‫مام جائ ٍر‬
‫وقال صلى اهلل عليه وسلم‪ ":‬سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب‪،‬‬
‫ورجل َ‬
‫ٌ‬

‫فأمره ونهاه فقتلَه "[‪.]120‬‬
‫َ‬

‫‪ 152‬رواه ابن أبي عاصم في السنة‪ ،‬وصححه الشيخ ناصر في التخريج‪.2025 :‬‬
‫‪ 150‬صحيح سنن أبي داود‪. 250 :‬‬
‫‪ 152‬صحيح سنن الترمذي‪.2022 :‬‬

‫‪9‬‬

‫أخرجه أحمد وغيره‪ ،‬صحيح الجامع‪.222 :‬‬

‫‪ 120‬أخرجه الحاكم‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪. 92 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪182‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫النبي صلى اهلل عليه وسلم لمقام رقابة الشعوب لسالطين الجور‪ ،‬ومحاسبتهم‪،‬‬
‫فأعطى ُّ‬
‫ومساءلتهم‪ ،‬والصدع بالحق في وجوههم ‪ ..‬درجة أفضل الجهاد ‪ ..‬وأحب الجهاد ‪ ..‬وأعظم الجهاد‬
‫‪ ..‬وأنه شهيد‪ ،‬مع سيد الشهداء في الجنة ‪ ..‬لمن يقتل على يد الظالمين بسبب موقفه هذا ‪!..‬‬
‫وقال صلى اهلل عليه وسلم‪ ":‬سيكون أمراء من بعدي؛ يقولون ما ال يفعلون‪ ،‬ويفعلون ما ال‬
‫ؤمرون‪ ،‬فمن جاه َدهم بيده فهو مؤمن‪ ،‬ومن جاه َدهم بلسانه فهو مؤمن‪ ،‬ومن جاه َدهم بقلبه فهو‬
‫يَ‬
‫مؤمن‪ ،‬ال إيما َن بع َده "[‪.]122‬‬
‫دخل عليهم‬
‫وقال صلى اهلل عليه وسلم‪ ":‬اسمعوا‪ ،‬هل سمعتهم أنه سيكون بعدي أمراءٌ فمن َ‬
‫فصدقَهم بكذبهم‪ ،‬وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه‪ ،‬وليس ٍ‬
‫بوارد علي الحوض‪ ،‬ومن لم‬
‫َ‬
‫يَدخ ْل عليهم ولم يع ْنـهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه‪ ،‬وهو وارٌد علي‬
‫الحوض"[‪.]121‬‬
‫وقال صلى اهلل عليه وسلم‪ ":‬أال إنها ستكون بعدي أمراء يظلمون ويَكذبون‪ ،‬فمن صدقَـهم‬
‫بكذبهم‪ ،‬وماألهم[ ‪ ]12‬على ظلمهم‪ ،‬فليس مني‪ ،‬وال أنا منه‪ ،‬ومن لم يصدِّقهم بكذبهم‪ ،‬ولم يمالئهم‬

‫على ظلمهم‪ ،‬فهو مني وأنا منه "[ ‪.]12‬‬

‫ك أن يَـعمهم‬
‫وقال صلى اهلل عليه وسلم‪ ":‬إن الناس إذا رأَوا‬
‫الظالم فلم يأخذوا على ي َديْه أو َش َ‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫بعقاب "[‪ .]125‬وغيرها عشرات األحاديث النبوية التي تعزز لدى األمة والشعوب عنصر الرقابة‪،‬‬
‫اهلل‬
‫والمحاسبة للحكام واألمراء‪.‬‬
‫ولما ولي أبو بكر الصديق رضي اهلل عنه خليفة‪ ،‬قام خطيباً بين الناس‪ ،‬فكان مما قال‪ ":‬أيُّها‬
‫الناس‪ ،‬فإنّي قد ولِّيت عليكم ولست بخيركم‪ ،‬فإن أحسنت فأعينوني‪ ،‬وإن أسأت فقوموني ‪ ..‬أطيعوني‬
‫ما أطعت اهللَ ورسولَه‪ ،‬فإن عصيت اهللَ ورسولَه فال طاعة لي عليكم "‪ .‬أبو بك ٍر الصديق ـ رضي اهلل عنه‬
‫َْ‬
‫َ َ َْْ ْ ُ‬
‫ني إِذ ه َما ِِف الغارِ ]‪ ،‬يطالب الناس‪ ،‬بأن يراقبوه‪ ،‬ويتابعوه ‪ ..‬وسيرته في‬
‫ـ وهو ‪ ..‬هو ‪ [ ..‬ث ِ‬
‫اّن اثن ِ‬
‫‪ 122‬صحيح موارد الظمآن‪.2192 :‬‬
‫‪121‬‬

‫صحيح سنن الترمذي‪:‬‬

‫‪ 12‬أي طاوعهم ووافقهم‪.‬‬

‫‪.22‬‬

‫‪ 12‬أخرجه أحمد‪ ،‬صحيح الترغيب‪:‬‬

‫‪.11‬‬

‫‪ 125‬رواه أبو داود وغيره‪ ،‬صحيح سنن أبي داود‪:‬‬

‫‪. 2‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪183‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫الحكم ‪ ..‬فإن أساء أن يقوموه ‪ ..‬وإن عصى اهللَ ورسولَه ـ حاشاه ـ أن ال يطيعوه ‪ ..‬فأي معنى لمراقبة‬

‫وحض عليه‬
‫األمة والشعوب لحكامها ‪ ..‬يوازي هذا المعنى العظيم ‪ ..‬الذي أشار إليه ّ‬
‫الصدِّيق ‪َ ..‬‬
‫الناس!‬
‫أما الفاروق عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه ‪ ..‬صاحب شعار ومبدأ " من أين لك هذا؟! ـ‬
‫حرج ‪ ...‬جاءت عمر برود من اليمن‪ ،‬ففرقها على الناس برداً برداً‪ ،‬ثم صعد المنبر‬
‫فحدث عنه وال َ‬

‫يخطب وعليه حلّة منها (أي بردان) فقال‪ :‬اسمعوا رحمكم اهلل‪ .‬فقام إليه سلمان‪ ،‬فقال‪ :‬واهلل ال‬
‫فرقت علينا‬
‫نسمع‪ ،‬واهلل ال نسمع‪ .‬فقال‪ :‬ولم يا أبا عبد اهلل؟ فقال‪ :‬يا عمر! تفضلت علينا بالدنيا‪ّ ،‬‬
‫برداً برداً‪ ،‬وخرجت تخطب في حلّة منها؟ فقال‪ :‬أين عبد اهلل بن عمر؟ فقال‪ :‬ها أنذا يا أمير‬

‫علي يا أبا عبد‬
‫علي؟ قال‪ :‬لي‪ .‬فقال لسلمان‪ :‬عجلت ّ‬
‫المؤمنين! قال‪ :‬لمن أحد هذين البردين اللذين ّ‬
‫اهلل‪ ،‬إني كنت غسلت ثوبي الخلق‪ ،‬فاستعرت ثوب عبد اهلل‪ .‬قال‪ :‬أما اآلن فق ْل‪ ،‬نسمع ونطع[‪.]122‬‬

‫انظروا في التاريخ كله؛ القديم والحديث منه سواء ‪ ..‬وفي جميع األنظمة السياسية‬

‫الديمقراطية وغيرها ‪ ..‬هل تجدون نموذجاً يجسد مراقبة الشعوب ومحاسبتهم لحكامهم يرقى إلى‬
‫مستوى هذا النموذج أعاله ‪ ..‬ثم انظروا هل تجدون حاكماً يصغي آلحاد رعيته ‪ ..‬وهو في خطاب له‬

‫على المأل ‪ ..‬يحاسبه ويسائله ‪ ..‬ويقول له‪ :‬ال سمع وال طاعة لك من أجل ثوب ‪ ..‬لماذا عليك‬
‫بردين ‪ ..‬بينما لكل ٍ‬
‫واحد من رعيتك برد واحد ‪..‬؟!‬
‫لذلك لما قلت آنفاً أن اإلسالم كان له السبق في تقرير مبدأ مراقبة الشعوب ومحاسبتهم‬

‫لحكامهم ‪ ..‬إذا ما بدر منهم أي تقصير ‪ ..‬فأنا أعني ما أقول ‪ ..‬واألمة اإلسالمية إذا أرادت أن‬
‫تنهض من كبوتها ‪ ..‬وتستأنف عزتها من جديد ‪ ..‬ودورها الريادي في قيادة األمم والشعوب ‪ ..‬ال بد‬
‫من أن تحيى في الشعوب من جديد روح المراقبة والمحاسبة‪ ،‬والمساءلة للحكام إذا ما بدر منهم أي‬
‫تفريط ‪ ..‬ال بد من أن نعزز في الشعوب دورهم ـ الذي شرعه اهلل لهم ـ في مراقبة الحكام‪،‬‬
‫ومساءلتهم‪ ،‬ومحاسبتهم!‬
‫ال يمكن أن نحظى بحكام يحكمون بالعدل‪ ،‬والحق ‪ ..‬ثم الشعوب عنهم ـ وعن سيرتهم في‬
‫الحكم ـ ساهية الهية‪.‬‬
‫إن سهو الشعوب عن مراقبة حكامهم ومساءلتهم‪ ،‬يجعل من الحكام طغاة متكبرين ومتجبرين‬
‫‪ 122‬أخبار عمر‪ ،‬علي الطنطاوي‪ ،‬المكتب اإلسالمي‪ ،‬ص‪.222‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪184‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وإن لم يكونوا في األساس كذلك[‪.]120‬‬

‫ـ مسألة التداول على السلطة‪ :‬بمعنى تحديد فترة زمنية معينة لحكم الحاكم ‪ ..‬يتم بعدها‬

‫ترشيح حاكم آخر من قبل األمة ‪ ..‬أقول‪ :‬هذه المسألة من النوازل التي تقبل االجتهاد والنظر‪ ،‬وأن‬
‫يكون لعلماء األمة فيها رأي ‪ ..‬وتوجيه المسألة من جهتي كالتالي‪:‬‬
‫‪ -2‬يستمر حكم المهدي عليه السالم حين ظهوره‪ ،‬وكذلك عيسى عليه السالم حين نزوله‬
‫‪ ..‬طيلة حياتهما لورود النص في ذلك‪.‬‬
‫‪ -1‬يستمر حكم الخليفة العام للمسلمين ـ المنتخب عن طريق الشورى واختيار المسلمين ـ‬
‫في جميع أقطارهم وبلدانهم في حال قيام خالفة راشدة ـ بإذن اهلل ـ طيلة حياته قياساً على حكم‬
‫الخلفاء األوائل لألمة‪ ،‬ما لم يخل بشرط من شروط الحكم واالستخالف ‪ ..‬مع وجود آلية عملية‬
‫تسهل عملية إقالته في حال أخل‬
‫وقانونية ـ يتفق عليها علماء األمة ومن معهم من أهل الحل والعقد ـ ّ‬

‫بشروط بقائه كحاكم وخليفة ‪ ..‬أو كان في إقالته مصلحة راجحة على بقائه ‪ ..‬من دون إراقة دماء ‪..‬‬
‫وال صدام مسلح بين الحاكم وسلطاته وبين الشعب ‪ ..‬فنضمن بهذه القيود استقرار الخالفة‪،‬‬

‫واستتباب حكمها ودوامه ‪ ..‬كما نضمن إقالة الخليفة بصورة حضارية ميسرة من دون أدنى إراقة‬
‫ٍ‬
‫كحاكم وخليفة‪.‬‬
‫أخل بشرط من شروط بقائه‬
‫للدماء أو صدام مسلح في حال ّ‬
‫‪ -‬حاكم والية أو قطر من األقطار ـ سواء كان هذا القطر مستقالً أو تابعاً لدولة الخالفة ـ‬

‫فهذا ال أرى مانعاً من تحديد فترة زمنية معينة لحكمه ‪ ..‬تقدر بخمس سنوات تزيد أو تنقص ‪ ..‬قابلة‬
‫للتمديد لو اختاره الشعب ثانية ‪ ..‬فهذا أدوم للود بين الحاكم والمحكوم ‪ ..‬كما أنه أقطع لخلق‬
‫الطغيان واالستبداد من أن يتسلل للحاكم ‪ ..‬وبخاصة أننا نعيش في الزمان الذي فقدت فيه األمانة ‪..‬‬
‫وفشا فيه الكذب ‪ ..‬وضعفت فيه الثقة بالناس ‪ ..‬حتى يقال في بني فالن ‪ ..‬في قبيلة كذا وكذا ‪..‬‬
‫رجل أمين واحد شدوا إليه الرحال ‪ ..‬وبالتالي ال يصح عقالً وال نقالً أن يقاس زماننا بكل جزئياته‬

‫‪ 120‬كثير من طغاة الحكم المعاصرين ‪ ..‬تنص دساتيرهم وقوانينهم الباطلة على أن الحاكم فوق المساءلة‬

‫والمحاسبة ‪ ..‬مهما بدر منه من ظلم أو تقصير ‪ ..‬وأيما مساءلة له تعرض السائل للعقوبة والسجن والتنكيل ‪ ..‬وربما‬
‫رمى بالخيانة العظمى للوطن ‪ ..‬فإذا عرفتم ذلك ‪ ..‬عرفتم سبب طغيان هؤالء الحكام ‪ ..‬وعرفتم سبب التخلف‬
‫يَ‬
‫والظلم والذل والفقر الذي أصاب الشعوب ‪ ..‬وال بد من أن نتحرر من كل هذه القيود‪ ،‬بإذن اهلل‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪185‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ومتطلباته ‪ ..‬على زمن النبوة األعظم واألشرف واألطهر ‪ ..‬أو زمن الخلفاء الراشدين المهديين الذين‬
‫أمرنا باالقتداء بهم‪ ،‬وبسنتهم‪.‬‬

‫فليس كل ما يقال في ٍ‬
‫زمان الصدق‪ ،‬واألمانة‪ ،‬والوفاء فيه هو األصل ‪ ..‬وما سواه فهو شاذ‬
‫واستثناء ‪ ..‬يمكن أن يقال في ٍ‬
‫زمان الكذب‪ ،‬والغدر‪ ،‬والخيانة‪ ،‬وضياع األمانة فيه هو األصل ‪ ..‬وما‬
‫سواه فهو شاذ واستثناء!‬
‫آتوني برجل يرقى إلى كعب أبي بكر‪ ،‬وعمر ‪ ..‬لنقول له‪ :‬احكمنا الدهر كله ‪ ..‬فال ضير‬
‫عليك ‪ ..‬ولكن أنى لنا بهذا؟!‬
‫قال صلى اهلل عليه وسلم‪ ":‬يصبح الناس يتبايعون‪ ،‬فال يكاد أحدهم يؤدي األمانة‪ ،‬فيقال‪ :‬إن‬
‫في بني ٍ‬
‫مثقال حبة‬
‫فالن رجالً أميناً‪ ،‬حتى يقال للرجل‪ :‬ما أع َقلَه‪ ،‬وما أظرفَه‪ ،‬وما أجلَده‪ ،‬وما في قلبه َ‬
‫ٍ‬
‫خردل من إيمان " متفق عليه‪.‬‬

‫وقال صلى اهلل عليه وسلم‪ ":‬أول ما تفقدون من دينكم األمانة‪ ،‬وآخره الصالة "[‪.]122‬‬
‫وقال صلى اهلل عليه وسلم‪ ":‬أول ما يرفَع من الناس األمانة ‪.]129[" ..‬‬

‫وقال صلى اهلل عليه وسلم‪ ":‬خير الناس قرني‪ ،‬ثم الذين يلونهم‪ ،‬ثم الذين يلونهم‪ ،‬ثم يفشو‬

‫شهد‪ ،‬ويحلف الرجل وال يستَ ْحلَف "[‪ .]100‬وقد أصابنا نحن في‬
‫الكذب‪ ،‬حتى يشهد الرجل وال يستَ َ‬
‫زماننا من ذلك الشيء الكثير ‪ ..‬اهلل المستعان!‬

‫مع التأكيد على وضع آلية قانونية ممكنة وسهلة ـ يتفق عليها بين أهل الحل والعقد ـ تمكن‬
‫من إقالة الحاكم‪ ،‬واستبداله بحاكم آخر‪ ،‬لو أخل بشرط من شروط بقائه كحاكم طيلة الفترة المحددة‬
‫له ‪ ..‬أو كان في إقالته مصلحة راجحة على بقائه‪.‬‬
‫ ونحو ذلك رئاسة المحافظات ‪ ..‬ورئاسة البلديات ‪ ..‬ونحوها من المناصب اإلدارية‬‫والخدماتية العامة ‪ ..‬ال مانع شرعاً من أن يتم فرز هؤالء الرؤساء عن طريق االنتخاب والتصويت ‪..‬‬
‫ورغبة الناس ‪ ..‬كما أنه ال مانع من تحديد فترة زمنية معينة لبقائهم في مراكزهم ‪ ..‬يستبدلون بعدها‬

‫‪ 122‬أخرجه الطبراني وغيره‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.20 9 :‬‬
‫‪ 129‬صحيح الجامع‪.2505 :‬‬

‫‪ 100‬صحيح سنن الترمذي‪.220 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪186‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫بغيرهم ‪ ..‬لو أراد الناس ذلك ‪ ..‬بل لربما يكون هذا هو األصوب‪ ،‬واألنفع‪ ،‬واألدوم للود بين الحاكم‬
‫والمحكوم ‪ ..‬وهو مطلب من مطالب السياسة الشريعة ال يمكن إغفاله‪.‬‬
‫ال بد من تفعيل مبدأ الشورى في حياة الناس ‪ ..‬ووضع اآلليات السهلة التي تفعل الشورى‬
‫في حياة الناس العامة منها والخاصة ‪ ..‬وفي جميع جزئيات حياتهم ‪ ..‬حتى تصبح الشورى ثقافة‬
‫الجميع‪ ،‬ومظهرا حضاريا واضحا من مظاهر حياة وسلوك الناس ‪ ..‬عمال بقوله تعالى‪َ [:‬وأ َ ْم ُر ُهمْ‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫ً‬
‫َْ‬
‫َ ُ‬
‫ْ‬
‫ُش َ‬
‫ورى بَينَ ُه ْم ]الشورى‪ . 2:‬وقوله تعالى‪َ [:‬وشاوِ ْره ْم ِِف اْلم ِر ]آل عمران‪.259:‬‬
‫ـ مبدأ حرية التعبير والصدع بالحق‪ :‬اإلسالم كان له السبق في تقرير هذا المبدأ العظيم‪،‬‬
‫ووضعه في مساره النافع الصحيح ‪ ..‬فحمل أتباعه على التحرر من مطلق الخوف من الطغاة‬
‫الظالمين‪ ،‬وجندهم‪ ،‬وعلى أن يقول وا الحق أينما كانوا‪ ،‬ال يخشون في اهلل لومة الئم‪ ،‬فقال تعالى‪:‬‬
‫َ َ ْ َ ْ َ ُ ْ َ ُّ َ َ ُّ َ َ ْ َ‬
‫َ َ ََ ُ ُ‬
‫ُ ُ ُّ ُِ‬
‫َ‬
‫وهمْ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫[أَّتشونهم فاَّلل أحق أن َّتشوه إِن كنتم مؤمن ِني ]التوبة‪ .2 :‬وقال تعالى‪ [:‬فَل َّتاف‬
‫َو َخافُون إن ُكنتُم ُّم ْؤمِن َ‬
‫ِني ]آل عمران‪.205:‬‬
‫ِ ِ‬
‫بالحق أينما كنا‬
‫ِّ‬
‫نقول‬
‫بايعنَا رسول اهلل على أن َ‬
‫وفي الحديث‪ ،‬عن عبادة بن الصامت‪ ،‬قال‪َ ":‬‬
‫ال نخاف في اهلل لوم َة الئم " متفق عليه‪.‬‬

‫بحق إذا َعل َمه؛ فإنه ال‬
‫يقول ٍّ‬
‫وقال صلى اهلل عليه وسلم‪ ":‬ال يمنعن رجالً هيبة الناس أ ْن َ‬
‫قرب من ٍ‬
‫أجل وال يبعد من رْز ٍق "[‪.]102‬‬
‫ي ِّ‬

‫النبي صلى اهلل عليه وسلم‪ ،‬من أنواع الجهاد‪ ،‬الجهاد باللسان‪ ،‬كما في الحديث‪":‬إ ّن‬
‫وقد ع ّد ُّ‬
‫المؤمن يجاهد بسيفه‪ ،‬ولسانه "[‪ .]101‬بل عده أفضل الجهاد‪ ،‬كما في الحديث‪ ":‬أفضل الجهاد‬
‫حق عن َد س ٍ‬
‫لطان جائ ٍر "[ ‪.]10‬‬
‫كلمة ٍّ‬

‫وكما أن اإلسالم حض أتباعه على الصدع بالحق‪ ،‬حذرهم من عواقب كتمان الحق والعلم‬
‫ذ ذ َ َ ُُْ َ َ َََْ ذُ َ ْ‬
‫َ َْ َُ َ‬
‫َ‬
‫اب ويشَتون‬
‫والخير‪ ،‬وعدم الصدع به‪ ،‬فقال تعالى‪ [:‬إِن اَّلِين يكتمون ما أنزل اَّلل مِن الكِت ِ‬

‫‪ 102‬رواه أحمد‪ ،‬والترمذي‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪.222 :‬‬
‫‪ 101‬أخرجه أحمد وغيره‪ ،‬صحيح الجامع‪:‬‬

‫‪.29‬‬

‫‪ 10‬رواه أبو داود‪ ،‬والترمذي‪ ،‬وابن ماجه‪ ،‬السلسلة الصحيحة‪. 92 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪187‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ْ ذ ذ َ َ ُ َ ُُ ُ ذُ ََْ ْ‬
‫ََ ً َ ً ُ َ َ َ َْ ُ ُ َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫بِهِ ثمنا قل ِيَل أولئِك ما يأكلون ِِف بطون ِ ِهم إِال انلار وال يكل ِمهم اَّلل يوم القِيامةِ وال‬
‫َ َ َ َ‬
‫يُ َزك ِي ِه ْم َول ُه ْم عذاب أ ِِلم ]البقرة‪.20 :‬‬

‫وفي الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي صلى اهلل عليه وسلم‪ ،‬أنه قال‪ ":‬من سئ َل عن ع ٍ‬
‫لم يَعلَمه‬
‫يوم القيامة ٍ‬
‫بلجام من نار "[ ‪.]10‬‬
‫جم َ‬
‫ف َكتَ َمه‪ ،‬أل َ‬
‫القيامة ٍ‬
‫وقال صلى اهلل عليه وسلم‪ ":‬أيُّما ٍ‬
‫بلجام من‬
‫ألجمه اهلل َ‬
‫يوم َ‬
‫فكتمه‪َ ،‬‬
‫رجل آتاه اهلل علماً َ‬
‫نار "[‪.]105‬‬

‫الكنز ثم‬
‫لم ثم ال يحدِّث به‪ ،‬كمثل الذي يَكنز َ‬
‫وقال صلى اهلل عليه وسلم‪ ":‬مثَل الذي يتعلّم الع َ‬

‫ال ينفق منه "[‪.]102‬‬

‫العنان ـ تحت زعم ومسمى الحرية والديمقراطية كما يفهم ذلك بعض‬
‫وهذا ال يعني أن يطلَق َ‬
‫الشواذ والملحدين المجرمين ـ للسان ليقول الكفر البواح ‪ ..‬أو يشتم اهلل واألنبياء والرسل ‪ ..‬أو‬
‫يقذف األعراض‪ ،‬ويسب األمهات واآلباء بأقبح األلفاظ وأشنعها ‪ ..‬ال ‪ ..‬وألف ال ‪ ..‬فهذا الشر كله‬
‫قد منع منه اإلسالم ‪ ..‬وحذر من عواقبه ‪ ..‬وعاقب عليه ‪ ..‬وهو ال يدخل في الحرية التي يدعو إليها‪،‬‬
‫ويلزم بها الناس ‪ ..‬ألنها ليست حرية حقة شريفة ‪ ..‬وإنما هي شذوذ ومرض‪ ،‬وأذى وشر‪.‬‬
‫إن من الشواذ والمرضى ‪ ..‬تركوا المساحة األوسع واألرحب لحرية التعبير ‪ ..‬المعنية بالعلم‪،‬‬
‫والبناء ‪ ..‬وبكل خير‪ ،‬وما هو نافع للبشرية جمعاء ‪ ..‬وعكفوا على القبيح الممنوع منه ‪ ..‬كالطعن‬
‫واالستهزاء باهلل‪ ،‬وآياته‪ ،‬وبأنبيائه‪ ،‬ورسله ‪ ..‬فلم يجدوا أنفسهم ‪ ..‬وال حريتهم ‪ ..‬وال شخصياتهم‬
‫المريضة المعقدة ‪ ..‬إال في هذا المستنقع اآلسن النجس الخبيث ‪ ..‬وهؤالء ال حرية لهم في‬
‫المجتمع المسلم‪ ،‬وال في دولة اإلسالم ‪ ..‬ال حرية للمعاول عندما تريد أن تعمل عملها التخريبي في‬
‫خرق السفينة لتغرقها ومن فيها من الناس!‬

‫‪ 10‬صحيح سنن ابن ماجه‪.12 :‬‬

‫‪ 105‬رواه الطبراني‪ ،‬صحيح الجامع‪.102 :‬‬
‫رواه الطبراني‪ ،‬صحيح الترغيب‪.222 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪188‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫فإن قيل‪ :‬ولكن هذه اآلليات التي أشرت إليها أعاله ‪ ..‬ال تُمارَس‪ ،‬وال تُطبق ـ‬
‫في ظل األنظمة المعاصرة ـ كما هي في اإلسالم‪ ،‬وكما ضبطها اإلسالم؟‬
‫أقول‪ :‬هذا صحيح ‪ ..‬وفي بياني أعاله حول هذه اآلليات أردت أربعة أمور‪ :‬أولها أن أبين أن‬
‫هذه اآلليات لها أصولها في ديننا الحنيف ‪ ..‬فهي ليست من البدع وال المحدثات ‪ ..‬بل اإلسالم كان‬
‫له السبق في بيانها ‪ ..‬وبصورتها األكمل واألحسن كما سبق بيان ذلك‪.‬‬
‫ثانيها‪ :‬ليس ألدنى تشابه أو ٍ‬
‫تالق في وسيلة أو آلية من اآلليات بين اإلسالم وبين األنظمة‬
‫والمذاهب السياسية الوضعية المعاصرة ‪ ..‬ومن ثم اإلشارة لهذا التشابه ‪ ..‬يعني أننا ندعو لهذه‬
‫المذاهب الوضعية ‪ ..‬أو أننا قد دخلنا فيها ـ معاذ اهلل ـ كما يفهم البعض ‪ ..‬ويشيع البعض اآلخر!‬
‫ثالثها‪ :‬كون هذه اآلليات غير مطبقة جيداً كما هي في اإلسالم ‪ ..‬هذا يستدعي منا أن نعمل‬

‫على تطبيقها كما هي في اإلسالم ‪ ..‬وأن نسعى من أجل ذلك ‪ ..‬وأن نهون على الناس فعل ذلك ‪..‬‬
‫وشرح ذلك يطول‪ ،‬ولكن أضرب مثاالً هنا للبيان ال على سبيل الحصر‪ :‬من المآخذ التي تؤخذ على‬

‫نظام االنتخابات المعاصرة‪ ،‬وكما هي تمارس في األنظمة الديمقراطية ‪ ..‬أنها ال تميز بين أشد الناس‬

‫إجراماً وإفساداً في األرض‪ ،‬وبين الصالحين المصلحين ‪ ..‬فتساوي بينهما في التصويت ‪ ..‬وتقرير من‬
‫يحكم البالد والعباد ‪ ..‬وهي بذلك تعطي فرصة لألشرار المفسدين بأن يتسللوا ويحكموا البالد‬

‫والعباد ‪ ..‬لو غلبت أصوات الفجار األشرار ‪ ..‬أصوات الصالحين األخيار ‪ ..‬ونحن لكي نقلل من‬
‫هذا الخطر ‪ ..‬وهذه الصورة السلبية لالنتخابات ‪ ..‬يمكننا مثالً أن نعتمد قانوناً ينص على أن كل من‬

‫طعن في عدالته من خالل ارتكابه لجناية من الجنايات‪ ،‬وكبيرة من الكبائر ‪ ..‬وبعد حكم قضائي‬
‫ي َ‬
‫عادل ‪ ..‬تمنع من قبول شهادته شرعاً ‪ ..‬يمنع من التصويت ‪ ..‬ومن ُّ‬
‫الترشح والترشيح ‪ ..‬وبذلك‬
‫نكون قد قللنا من خطر وأثر المجرمين المفسدين على هكذا قرار حساس يمس أمن وسالمة‬

‫األوطان!‬

‫خالصة القول‪ :‬أن هذه الوسائل بصورتها المطبقة في كثير من األنظمة المعاصرة ‪ ..‬ليست‬

‫مقدسة ‪ ..‬وال هي من المسلمات التي ال تقبل النقاش وال التعديل ‪ ..‬وبالتالي فإني أطالب جميع‬
‫األخيار من الساسة والمصلحين ‪ ..‬بأن يعملوا جادين مجتهدين ‪ ..‬على تطوير هذه الوسائل واآلليات‬
‫وتنقيحها حتى ترقى إلى المستوى المطلوب شرعاً وعقالً ‪ ..‬وبصورة تخدم البالد والعباد على الوجه‬
‫األكمل واألحسن‪.‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪189‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫رابعها‪ :‬إمكانية التعامل مع هذه اآلليات بصورتها الحالية ‪ ..‬والعمل على إصالحها من‬
‫الداخل ‪ ..‬ومن خالل ممارساتنا العملية ‪ ..‬وليست النظرية وحسب‪.‬‬
‫نتعامل معها ألن لها أصول في ديننا أوالً كما ذكرت ‪ ..‬وألن هذا هو الممكن والموجود اآلن‬

‫‪ ..‬فنستغل الممكن لتحقيق غير الممكن ‪ ..‬والزحف على المساحات المتعسرة‪ ،‬والتقليل منها ‪..‬‬
‫ننطلق من الميسور لتحقيق المعسور ‪ ..‬وإزالة جميع معوقاته ‪ ..‬حتى يصبح المعسور ميسوراً بإذن‬

‫اهلل‪.‬‬

‫فالميسور ال يسقط بالمعسور ‪ ..‬وما يمكن إنجازه ال يسقط بما يتعسر إنجازه ‪ ..‬واعلموا أن‬
‫َ ذُ‬
‫ذَ َ ْ ْ‬
‫اس َت َطعتُ ْم ]‬
‫مدار األمور والتكاليف كلها على قدر االستطاعة ‪ ..‬لقوله تعالى‪ [:‬فاتقوا اَّلل ما‬
‫َ َ ُ ُّ َ ْ ً ذ‬
‫التغابن‪ .22:‬ولقوله تعالى‪ [:‬ال يُكل ِف اَّلل نفسا إِال ُو ْس َع َها ]البقرة‪.122:‬‬
‫وفي الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي صلى اهلل عليه وسلم أنه قال‪ ":‬إذا أمرتكم بأم ٍر فأتوا منه‬
‫ما استطعتم "‪ ،‬والحمد هلل رب العالمين‪.‬‬

‫ـ تنبيه‪ :‬الوسائل واآلليات‪ ،‬والنظم اإلدارية والتنظيمية التي ال نص على حرمتها ‪ ..‬األصل فيها‬

‫اإلباحة ‪ ..‬وللمسلمين أن ينظروا منها ألنفسهم ودولتهم وحكمهم أحسنها ‪ ..‬ويردوا سيئها ورديئها ‪..‬‬
‫ذ َ َ ْ َ ُ َ َْ َْ ََذ ُ َ َ ْ َ َُ َُْ َ‬
‫ك ذاَّل َ‬
‫ِين‬
‫نسأل اهلل تعالى أن يجعلنا وإياكم من [ اَّلِين يست ِمعون القول فيتبِعون أحسنه أولئ ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ َ ُ ُ ذُ ََُْ َ‬
‫ك ُه ْم أ ْولُوا ْاْل ْْلَ‬
‫اب ]الزمر‪.22:‬‬
‫هداهم اَّلل وأولئ ِ‬
‫ِ‬
‫وبعد‪ ،‬هذا الذي انتهى إليه اجتهادي في هذه المسألة النازلة الواردة في مطلع هذا البحث ‪..‬‬
‫فإن أخطأت‪ ،‬فمن نفسي‪ ،‬وأستغفر اهلل العظيم ‪ ..‬وأن أصبت‪ ،‬فمن اهلل تعالى وحده‪ ،‬وله الحمد‬
‫والمنة والفضل‪.‬‬
‫ثم إني أعرض هذه الورقات على إخواني من أهل العلم وطلبته ‪ ..‬فإن وجدوها حقاً وصواباً‪،‬‬
‫فليوقعوا عليها ‪ ..‬عسى اهلل تعالى أن يوحد بذلك الكلمة والجهود والصفوف فيما يخص هذه النازلة‬
‫الملحة ‪ ..‬وإن وجدوا فيها غير ذلك ‪ ..‬فليقوموني ‪ ..‬ويسددوني بأدلة النقل والعقل‪ ،‬ولهم مني‬
‫خالص الشكر‪ ،‬والدعاء ‪ ..‬وآخر دعوانا أن الحمد هلل رب العالمين‪.‬‬

‫*****‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪190‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫ـ خــامتــة‪:‬‬

‫هذه جملة من المالحظات والتوجيهات أختم بها هذا البحث ‪ ..‬راجياً أن تجد آذاناً واعية‪:‬‬

‫فأقول‪ :‬قد تكلمنا ـ كأفراد نخبوية‪ ،‬وكجماعات ومنظمات متفرقة ـ نيابة عن األمة كثيراً ‪..‬‬

‫ودهراً طويالً ‪ ..‬فكان الثمر ضئيالً ‪ ..‬فلندع لألمة أن تتكلم بالنيابة عن نفسها بنفسها ‪ ..‬وقد آن‬
‫األوان ألن نصغي إليها!‬
‫قد ذهب زمان جهاد األفراد‪ ،‬والمجموعات المتفرقة هنا وهناك ـ والتي كان يسهل على‬
‫الطواغيت التعامل معها بسهولة وعنف شديد ـ وجاء دور جهاد األمة ‪ ..‬وجهاد الشعوب المسلمة ‪..‬‬
‫وال بد من أن نفسح لها الطريق!‬
‫ال بد ـ بإذن اهلل ـ من أن ننتقل مع األمة‪ ،‬وباألمة ‪ ..‬من مرحلة جهاد طواغيت األمة ‪ ..‬إلى‬
‫مرحلة جهاد أسياد طواغيت األمة!‬
‫ال بد ـ بإذن اهلل ـ من أن ننتقل من مرحلة قتال الجيوش التي كانت تقاتل يوماً من األيام دون‬

‫الطاغوت ونظامه ‪ ..‬إلى مرحلة احتواء هذه الجيوش‪ ،‬واحتضانها ‪ ..‬وترشيد مسارها ومهامها في‬
‫االتجاه الصحيح ‪ ..‬ما بعد الثورات المباركة التي حطمت عروش الطواغيت وأنظمتهم ‪ ..‬وبخاصة بعد‬
‫أن خلي بيننا وبينها ‪ ..‬فهم في النهاية أبناؤنا وإخواننا‪ ،‬وأبناء عشائرنا وعوائلنا ‪ ..‬إذ ال ينبغي أن تكون‬
‫األدبيات ‪ ..‬وكذلك السلوكيات وطريقة التعامل معهم واحدة وسواء ‪ ..‬ما بعد سقوط الطاغوت‬
‫ونظامه‪ ،‬كما قبل سقوط الطاغوت ونظامه!‬
‫ال بد ـ بإذن اهلل ـ من أن نحسن قراءة المتغيرات جيداً ‪ ..‬ونتعامل مع تلك المتغيرات بروح‬
‫جديدة ‪ ..‬وعقل منفتح جديد ‪ ..‬يتناسب مع تلك المتغيرات والمستجدات ‪ ..‬وهذا ليس من النكوس‬
‫أو االنتكاس في شيء ـ كما يصور البعض ـ وإنما هو من الفقه العظيم الذي يعطي كل مرحلة حقها من‬
‫غير إفراط وال تفريط!‬
‫الشعوب ـ بفضل اهلل ومنه وكرمه ـ تعيش أوبة سريعة إلى الحق ‪ ..‬وثورة على الطغاة الظالمين‬
‫‪ ..‬وأنظمتهم الفاسدة الخائنة ‪ ..‬والمطلوب منك‪ :‬أن ال تكون من المؤيدين‪ ،‬وال المتفرجين‪،‬‬
‫المصفقين لها ‪ ..‬وإنما أن تكون من صنّاع هذه الثورات المجيدة المباركة ‪ ..‬ومن قادتها ‪ ..‬تعمل لها‬

‫ومعها من داخلها ‪ ..‬تعيش آالمها وأفراحها وأتراحها ‪ ..‬تنصح وتسدد ‪ ..‬وتعمل على تصحيح الخلل‬
‫فيها ـ وال بد من وجود الخلل ـ من خالل تفاعلك معها ‪ ..‬كناصح مشفق محب ‪ ..‬إذ ليس ألدنى‬
‫خلل أو خطأ يحصل تدبر عن الشعوب وثوراتهم ‪ ..‬وتعلن السخط والبراء والجفاء ‪ ..‬وتخلي بينهم‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪191‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫وبين شياطين اإلنس والجن ‪ ..‬فإن لم تفعل ذلك ‪ ..‬ولم تقدر على فعل ذلك ‪ ..‬كف جشاءك عن‬
‫الشعوب وثوراتهم ‪ ..‬فتلك صدقة منك تتصدق بها علينا!‬
‫إن لم تحتضن الشعوب ‪ ..‬وثوراتهم ‪ ..‬وتضحي من أجلهم ‪ ..‬ال تتوقع بأن يحتضنوك ‪..‬‬
‫ومشاريعك وبرامجك الفكرية والسياسية ‪ ..‬أو أن يضحوا من أجلك ‪ ..‬وأجل مشروعك ‪ ..‬في مرحلة‬
‫ما بعد الثورات ‪ ..‬ولو لفظوك وخذلوك في ساعة العسرة والحاجة ‪ ..‬فال تلومن إال نفسك ‪ ..‬فالعقوبة‬
‫من جنس العمل!‬
‫ال تعلن الحرب على الشعوب المسلمة‪ ،‬وثوراتهم ‪ ..‬مهما كانت ذرائعك مقدسة ‪ ..‬فما‬
‫هكذا تورد اإلبل ‪ ..‬وال هكذا تعلن الحروب ‪ ..‬فما يحسن أن يقال للطواغيت ‪ ..‬ويفعل معهم ‪ ..‬ال‬
‫يقال وال يفعل مع الشعوب ‪ ..‬ثم هم ـ من قبيل المقابلة والمعاملة بالمثل‪ ،‬ومن قبيل رد العدوان ـ لو‬
‫ٍ‬
‫حينئذ إال نفسك!‬
‫أعلنوا عليك الحرب ‪ ..‬فال تلومن‬
‫من قبل خذلنا ثورات الشعوب المسلمة ‪ ..‬وتركناها لذئاب ووحوش المنافقين والزنادقة ـ‬
‫تحت ذرائع واهية باطلة ـ ليقطفوا ثمارها في االتجاه الخاطئ ‪ ..‬ثم تباكينا على تلك الثورات ‪ ..‬وما‬
‫كان من تضحيات المسلمين فيها ‪ ..‬وفاتنا أن السبب هو من عند أنفسنا‪ ،‬بسبب خذالننا لتلك‬
‫الثورات ‪ ..‬فال تكرروا الخطأ ثانية ‪ ..‬يرحمكم اهلل!‬
‫قد وقفنا طويالً عند الشعارات النبيلة العظيمة " الخالفة‪ ،‬الشريعة‪ ،‬الدولة اإلسالمية‪ ،‬اإلسالم‬

‫هو الحل " ‪ ،‬من دون أن نوجد اآلليات العملية السهلة والممكنة ‪ ..‬أو أن نضع الخطط الممرحلة ‪..‬‬
‫التي تترجم تلك الشعارات العظيمة على أرض الواقع‪ ،‬وفي حياة الناس!‬
‫بل بعض منا ‪ ..‬كان يطلب هذه الشعارات العظيمة ‪ ..‬واألهداف النبيلة ‪ ..‬من خالل وسائل‬
‫وسلوكيات خاطئة ‪ ..‬فيسيئون إلى تلك الشعارات العظيمة من حيث يدرون أو ال يدرون ‪ ..‬فقد آن‬
‫األوان أن نكف عن ذلك!‬
‫قد آن األوان أن نتجاوز مرحلة الوقوف عند الشعارات ـ وهي المرحلة األسهل على العاملين‬
‫من أحل اإلسالم ‪ ..‬وما أطولها من مرحلة ـ إلى مرحلة العمل من أجل تحقيق وتفعيل هذه الشعارات‬
‫أقل الذين يشمرون‬
‫على أرض الواقع ‪ ..‬وهي المرحلة األصعب على العاملين من أجل اإلسالم ‪ ..‬وما ّ‬
‫لهذا المهمة الصعبة والعظيمة‪.‬‬

‫اتسمت كثير من المشاريع اإلسالمية في المرحلة الماضية ‪ ..‬بأنها أنصاف‪ ،‬وأرباع مشاريع ‪..‬‬
‫إذ قليل منها الذي عرف طريقه للنهاية أو االكتمال ‪ ..‬وهذا وصف مشين ينبغي اإلقالع عنه ‪ ..‬ال‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪192‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫يليق بالعاملين من أجل اإلسالم ‪ ..‬يستدعي منا مراجعة النفس ‪ ..‬والنظر في األسباب ‪ ..‬وإجراء‬
‫عملية تقييم جريئة ومخلصة لما سلف من مواقف وأعمال ‪ ..‬وفي الحديث‪ ،‬فقد صح عن النبي ‪‬‬

‫أنه قال‪ ":‬إن اهلل تعالى يحب إذا عمل أحدكم عمالً أن يتقنَه "[‪.]100‬‬

‫هذا الذي وددت اإلشارة إليه‪ ،‬والتذكير به ‪ ..‬فإن أصبت فمن اهلل تعالى وحده‪ ،‬والحمد هلل‬

‫رب العالمين ‪ ..‬وإن أخطأت فمن نفسي ‪ ..‬وأستغفر اهلل العظيم‪.‬‬

‫وإلى هنا ـ بفضل اهلل تعالى ومنته ـ ينتهي العمل بهذا الكتاب‪ ،‬الذي‬
‫أسميته " األحكام السلطانية والسياسة الشرعية "‪ ،‬وكان ذلك صباح يوم‬
‫األحد ‪ 1433/4/11‬هـ‪ .‬الموافق ‪ 2112/3/4‬م‪ ،‬راجياً من اهلل تعالى‬
‫القبول‪ ،‬وأن يجعل من عملي هذا مفتاح خير‪ ،‬مغالق شرٍّ ‪ ..‬يُعين على قيام‬
‫وتأسيس دولة اإلسالم الراشدة التي ينشدها كل مسلم مخلص ‪ ..‬في ربوع‬
‫بالد المسلمين ‪ ..‬اللهم آمين‪ ،‬آمين‪ ،‬وصلى اهلل وسلم على محمد النبي‬
‫األمي وعلى آله وصحبه وسلم‪.‬‬
‫وآخر دعوانا أن احلمد هلل رب العاملني‪.‬‬
‫عبـد املنعـم مصطفـى حليمــة‬
‫" أبـو بصيــر الطـرطـوسـي "‬
‫‪www.abubaseer.bizland.com‬‬

‫‪ 100‬صحيح الجامع‪.2220 :‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫إهداء‬

‫املوضـــــوع‬

‫‪193‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫الفهــــــرسَ‬

‫الصفحــة‬
‫‪1‬‬

‫مقدمة‬
‫تعريفات ومفاهيم بين يدي البحث‬

‫‪2‬‬

‫السياسة‬

‫‪2‬‬

‫السياسة الشرعية‬

‫‪0‬‬

‫تنبيه حول أسلوب العمل السياسي‬

‫‪2‬‬

‫األحكام السلطانيّة‬
‫الدولة‬

‫‪22‬‬
‫‪22‬‬

‫الدولة الدينية‬

‫‪21‬‬

‫الدولة المدنية‬

‫‪2‬‬

‫دولة المؤسسات‬

‫‪2‬‬

‫الدولة اإلسالمية‬

‫‪2‬‬

‫دار الكفر‬

‫‪2‬‬

‫دار الحرب‬

‫‪25‬‬

‫الدار المركبة‬

‫‪25‬‬

‫الخالفة اإلسالمية‬

‫‪25‬‬

‫اإلمارة اإلسالمية‬

‫‪20‬‬

‫حقوق اإلنسان‬

‫‪20‬‬

‫ال ّدستور‬

‫‪22‬‬

‫الشريعة اإلسالمية‬

‫‪10‬‬

‫الشرع المنزل‬

‫‪11‬‬

‫المؤول‬
‫ال ّ‬
‫شرع ّ‬

‫‪11‬‬

‫الشرع المب ّدل‬

‫‪1‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪194‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫خصائص الشريعة اإلسالمية‬

‫‪12‬‬

‫ربانية المصدر‬

‫‪12‬‬

‫الكمال‪ ،‬واالكتمال‬

‫‪10‬‬

‫الشمول‪ ،‬واالستيعاب‬

‫‪19‬‬

‫الثبات‬
‫واقعية‪ ،‬تصدق العقل‪ ،‬والعقل يصدقها‬
‫اليسر‪ ،‬والتيسير‬

‫‪5‬‬

‫محفوظة‬

‫‪2‬‬

‫مسألة التدرج في تطبيق الشريعة‬

‫‪2‬‬

‫خصائص المجتمع المسلم‬

‫‪2‬‬

‫مجتمع سياسي‬

‫‪2‬‬

‫والعل َْمنة‬
‫مجتمع عصي على العلمانيّة َ‬
‫أنه مجتمع ال يقبل ِّ‬
‫الشرك‪ ،‬واألرباب واألنداد‬

‫‪2‬‬

‫أنه مجتمع متكافل متماسك اجتماعياً‬
‫أنه مجتمع يتمتع برقابة ذاتية‬
‫مصدر التّشريع‬
‫وجل‬
‫اهلل عز َ‬

‫محم ٌد رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
‫أولو األمر‬

‫أوالً‪ :‬العلماء‬

‫‪2‬‬
‫‪52‬‬
‫‪5‬‬
‫‪5‬‬
‫‪50‬‬
‫‪22‬‬
‫‪22‬‬

‫وظيفة العلماء التشريعية‬
‫العلماء صمام ٍ‬
‫أمان للمجتمعات‬
‫ّ‬
‫األمراء والحكام‬

‫‪01‬‬

‫كيفية اختيار الحاكم‬

‫‪01‬‬

‫الفترة الزمنية لحكم الحاكم‬
‫صفات وشروط الحاكم‬

‫‪20‬‬
‫‪29‬‬

‫‪0‬‬
‫‪05‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪195‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬

‫‪ -2‬أن يكون مسلماً‬
‫‪ -1‬أن يكون عاقالً‬

‫ أن يكون ذَ َكراً‪ ،‬بالغاً‪ ،‬راشداً‬‫‪ -‬أن يكون حراً‬

‫‪ -5‬أن يكون َع ْدالً‬
‫‪ -2‬أن يكون عالماً‬

‫‪ -0‬أن يتمتع بصفات جسدية ونفسية تمكنه من القيام بشؤون‬
‫الحكم‬
‫مسألة اشتراط القرشية في اإلمامة‬
‫التوفيق بين شروط الوالية‪ ،‬وبين الصبر‪ ،‬وعدم الخروج على من أخل بتلك‬
‫الشروط‬

‫‪05‬‬
‫‪02‬‬
‫‪02‬‬
‫‪22‬‬
‫‪21‬‬
‫‪2‬‬
‫‪2‬‬
‫‪2‬‬
‫‪90‬‬

‫مسألة الخروج على الحاكم المسلم الشديد الفسق والظلم‬

‫‪95‬‬

‫خطوات قبل الخروج المسلح‬

‫‪92‬‬

‫آليات تسهل إقالة الحاكم‪ ،‬وإنهاء حكمه‬

‫‪202‬‬

‫مرشدة واعية‬
‫طاعة َ‬

‫كيفية نصح الوالة‪ ،‬وأمرهم بالمعروف‪ ،‬ونهيهم عن المنكر‬

‫َحل المنازعات‬

‫‪20‬‬
‫‪20‬‬
‫‪202‬‬

‫حقوق وواجبات الحاكم‬

‫‪200‬‬

‫حقوق الحاكم‬

‫‪220‬‬

‫تنبيه‬

‫‪22‬‬

‫ثالثاً‪ :‬الشعوب المسلمة‬

‫‪22‬‬

‫موقف األنظمة الوضعية من الشعوب‬

‫‪222‬‬

‫ركائز الحكم في الدولة اإلسالمية‬

‫‪229‬‬

‫‪ -2‬أن تكون السيادة فيها لحكم اهلل تعالى وحده‬

‫‪229‬‬

‫‪ -1‬الشورى‬

‫‪212‬‬

‫الع ْدل‬
‫‪َ -‬‬

‫‪21‬‬

‫األحكَامُ السُّلطانِيَّة والسِّيا َسةُ الشَّرعِيَّة‬

‫‪196‬‬

‫الشيخ‪ /‬عبد املنعم مصطفى حليمة‬
‫‪210‬‬

‫تنبيه‬
‫ األمانة ونزاهة يد الحاكم قبل المحكوم‬‫‪ -5‬العلْم‬
‫‪ -2‬األمر بالمعروف والنهي عن المنكر‬

‫‪210‬‬
‫‪2 2‬‬
‫‪2‬‬

‫ضوابط األمر بالمعروف والنهي عن المنكر‬

‫‪2 0‬‬

‫‪ -0‬الحريّة‬
‫خصائص الحرية في اإلسالم‬

‫‪2 2‬‬

‫الموقف من الديمقراطية‬
‫مسألة‪ :‬حرية تشكيل األحزاب والتجمعات‬
‫‪ -2‬األ َْمن‬

‫‪2 1‬‬
‫‪2‬‬
‫‪2 2‬‬
‫‪2 0‬‬

‫سلطات الدولة‪ ،‬والفصل فيما بينها‬

‫‪250‬‬

‫‪ - 2‬السلطة التنفيذية‬

‫‪250‬‬

‫‪ - 1‬السلطة التشريعية‬

‫‪252‬‬

‫السلطة القضائية‬

‫‪255‬‬

‫‪-3‬‬
‫ملحق‬

‫المقالة األولى‪ :‬كلمات في السياسة الشرعية أخص بها أهلنا في تونس‬
‫ومصر‬
‫ياسة الشرعية‬
‫المقالة الثانية‪ :‬حتى يكو َن التمثيل عادالً وشامالً‪َ ،‬مقالة في ِّ‬
‫الس َ‬

‫خاتمة‬

‫‪252‬‬
‫‪252‬‬
‫‪220‬‬
‫‪290‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful