You are on page 1of 12

‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫أكتوبر ‪2012‬‬

‫ثورة أم صحوة؟‪ ..‬بين تغيير النظام وإصالح المجتمع‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫تبلور مشهد الثورة الشعبية في مصر‪ ،‬كغيرها من دول الربيع العربي‪ ،‬حول مطالب عامة توافق‬
‫عامة الناس عليها‪ ،‬ووجهت تلك المطالب نحو السلطة السياسية والدولة‪ .‬وكشفت إرهاصات ما قبل الثورة‬
‫الشعبية‪ ،‬عن تزايد المطالب والمظالم الشعبية‪ ،‬وتزايد رقعة ضحايا النظام السابق‪ ،‬بدرجة جعلت أغلب‬
‫الناس تعاني من سياسات النظام السابق‪ ،‬إال قلة محدودة‪ ،‬والتي تمثل النظام ومؤيديه والمتعاونين معه‪.‬‬
‫ومع تراكم حالة الغضب تجاه النظام السياسي‪ ،‬تبلور هدف الثورة الشعبية في أيامها األولى‪ ،‬نحو تغيير‬
‫النظام‪ .‬فأصبح شعار الشعب يريد اسقاط النظام‪ ،‬يختزل حالة الثورة كلها‪.‬‬
‫فالمجتمع أدرك أنه ضحية النظام‪ ،‬لذا رأى أن النظام هو سبب ما حدث للدولة والمجتمع‪ ،‬وسبب‬
‫كل ما يحدث من مظالم وتردي ألحوال المعيشة‪ .‬فتوجهت جماهير الثورة نحو األمل في حياة كريمة‬
‫وعدالة اجتماعية وحرية‪ ،‬ورأت أن اسقاط النظام يحقق لها آمالها‪ .‬وتركزت توجهات عامة الناس حول‬
‫تغيير السلطة الحاكمة‪ ،‬ومن ثم تغيير النظام السياسي‪ ،‬على أساس أن هذا التغيير كافي في حد ذاته لتحقيق‬
‫أهداف الثورة‪ ،‬التي هي مطالب عامة الناس‪ .‬ورغم التباين بين المطالب الشعبية للفئات المختلفة من‬
‫المجتمع‪ ،‬إال أن الكل ركز على فكرة تغيير النظام‪ ،‬لتحقيق ما يصبو له من أحالم‪.‬‬
‫صحوة عابرة‬
‫في اللحظات األولى للثورة‪ ،‬ظهر المجتمع متماسكا وقويا‪ ،‬لدرجة أنه قام بعملية تأمين منظم‬
‫لحياته‪ ،‬من خالل اللجان الشعبية‪ ،‬والتي قامت بدور الدولة بكفاءة الفتة للنظر‪ ،‬وتكرر هذا المشهد خاصة‬
‫في تونس ثم مصر‪ .‬وكأن المجتمع حاول أن يثبت لنفسه‪ ،‬أنه قادر على حماية نفسه بدون النظام الذي‬
‫يطالب بإسقاطه‪ ،‬وربما أيضا بدون الدولة التي أصبحت حاضنة للنظام‪.‬‬
‫ومع سقوط جهاز الشرطة في مصر‪ ،‬حاول عامة الناس إثبات أنهم في غنى عن جهاز الشرطة‪،‬‬
‫أو أن غياب الشرطة لن يخيفهم‪ .‬وكأنهم بهذا‪ ،‬يؤكدون على رفضهم للنظام الحاكم‪ ،‬وذراعه القوية المتمثلة‬
‫في جهاز الشرطة‪ ،‬وأنهم قادرون على حماية أنفسهم الستكمال مسيرة اسقاط النظام‪ .‬فإذا كان النظام‬
‫الحاكم قد هدد بحدوث الفوضى‪ ،‬فإن عامة الناس ردت على هذا التهديد بفعل عملي‪ ،‬حيث حمت البالد من‬
‫الفوضى‪ ،‬حتى يسقط النظام‪ .‬فعامة الناس لم تكسر فقط حاجز الخوف‪ ،‬ولكنها تعاملت بإيجابية مع لحظات‬
‫الثورة‪ ،‬حتى تنجح‪ ،‬وتفشل كل محاوالت جر الثورة إلى حالة فوضى‪ ،‬قد تنهي الثورة وتفشلها‪.‬‬
‫ولكن تلك الصحوة لم تتوقف فقط على عملية الحفاظ على األمن في أيام الثورة‪ ،‬فبعد سقوط رأس‬
‫النظام الحاكم‪ ،‬حدثت حالة من السعادة اإليجابية والفاعلة‪ ،‬فخرج الناس ينظفون الميادين والشوارع‪،‬‬
‫ويحاولون القيام بأي دور إيجابي‪ ،‬وكانت تلك رسالة ذات مغزى‪ .‬فعامة الناس أرادوا أن يؤكدوا ألنفسهم‬
‫أن العيب ليس فيهم‪ ،‬بل في النظام‪ ،‬وأن كل سلبياتهم التي غابت في لحظات الثورة وفي ميادين الثورة‪،‬‬
‫ذهبت مع سقوط النظام‪.‬‬
‫لقد أراد الضحية التبرؤ مما حدث في زمن النظام السابق‪ ،‬وأراد التأكيد على أن كل السلبيات‬
‫تعود لسياسات النظام السابق‪ ،‬وأن المجتمع كله والشعب كله‪ ،‬ضحية للنظام السابق‪ .‬وبهذا أصبح مشهد‬
‫التفاعل اإليجابي أثناء الثورة‪ ،‬وحتى سقوط رأس النظام‪ ،‬ثم في األيام األولى بعد سقوط النظام‪ ،‬يمثل حالة‬
‫فعل إيجابي ثوري في وجه النظام‪ .‬فعامة الناس عندما استعادة امكانياتها الذاتية‪ ،‬وأخرجت قيمها‬
‫وتقاليدها‪ ،‬استطاعت أن تباشر فعال جماعيا منظما في أيام الثورة‪ ،‬أخرج في الحقيقة صورة المجتمع‬
‫المصري‪ ،‬الذي يفترض عامة الناس أنها صورته الحقيقية‪ .‬فظهر المجتمع متماسكا ومترابطا‪ ،‬ومتمسكا‬
‫‪2‬‬

‫ثورة أم صحوة؟‪ ..‬بين تغيير النظام وإصالح المجتمع‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫بالتقاليد والقيم‪ .‬ورأى الجميع أن هذه الصورة تمثل حقيقة المجتمع المصري‪ ،‬ليؤكدوا ألنفسهم أن المجتمع‬
‫كان ضحية النظام السابق‪ ،‬وأن سقوط النظام كان كافيا ليعود المجتمع لرشده وقيمه وفاعليته‪ ،‬فال يكسر‬
‫حاجز الخوف فقط‪ ،‬بل ويتجاوز االحتقان االجتماعي وأسباب الفرقة‪ ،‬ويتجاوز أيضا السلبية والسلوكيات‬
‫المرفوضة التي تفشت فيه‪.‬‬
‫فكانت رسالة المجتمع للنظام‪ ،‬أنه قادر على االستغناء عنه‪ ،‬وأنه قادر ايضا على االستغناء عن‬
‫جهاز الشرطة‪ ،‬أو حتى الدولة كلها‪ ،‬وأنه ليس مجتمعا سلبيا تنتشر فيه االنحرافات‪ ،‬بل أنه كان ضحية‬
‫لهذا النظام‪ ،‬وأن زوال النظام كافي لحل كل المشكالت‪ .‬فإذا كانت الثورة في حد ذاتها تمثل فعال إيجابيا‬
‫متميزا‪ ،‬فكل ما صاحبها وتبعها في األيام األولى‪ ،‬كان أيضا تصرفا إيجابيا فاعال‪.‬‬
‫ولكن تلك الصحوة الكبيرة لم تستمر كثيرا‪ ،‬بل توارت سريعا بعد تحقق الهدف الذي بدى مركزيا‬
‫في الثورة‪ ،‬وهو سقوط النظام‪ .‬فعندما سقط رأس النظام‪ ،‬عاد المجتمع في أغلبه لنفس الممارسات السلبية‬
‫السابقة‪ ،‬وكأنه لم يعد في حاجة لتغيير سلوكياته‪ ،‬ألن رأس النظام قد سقط بالفعل‪ .‬وكأن تلك الحالة‬
‫اإليجابية كانت نوعا من المواجهة مع النظام‪ ،‬ولم تكن استفاقة اجتماعية حقيقية‪ ،‬ولم تكن صحوة ثقافية‬
‫وحضارية‪.‬‬
‫ولم تعد فقط الممارسات السلبية‪ ،‬بل عادت المطالب الفئوية‪ ،‬والتي شكلت وقود الثورة‪ ،‬وكأن‬
‫عامة الناس اسقطوا النظام‪ ،‬حتى يأتي نظام آخر يحقق مطالبهم‪ .‬واستمرت بذلك نفس العالقة التي كانت‬
‫قائمة بين المج تمع والدولة قبل الثورة‪ ،‬حيث الدولة تمثل السلطة كلها‪ ،‬والمجتمع يطالب الدولة بما يحتاج‪.‬‬
‫صحيح أن حاجز الخوف كسر بالفعل‪ ،‬ولم يعد الخوف من السلطة يمثل عائقا أمام حركة عامة الناس‪،‬‬
‫وظل الناس في حالة احتجاج فئوي أو عام‪ ،‬ضد أي سلطة ال تحقق مطالبهم‪ ،‬ولكن الدور اإليجابي للناس‬
‫توارى‪ ،‬أو غاب‪ .‬فإذا كان عامة الناس بعد الثورة‪ ،‬لم تعرف ماذا عليها أن تفعل‪ ،‬أي لم تعرف بعد دور‬
‫المجتمع وعامة الناس في صنع المستقبل؛ فإن عودة كل الظواهر السلبية التي كانت موجودة قبل الثورة‬
‫مرة أخرى‪ ،‬وبصورة أكبر‪ ،‬وربما أضيفت عليها سلبيات جديدة‪ ،‬مثل تحديا لكل مطالب عامة الناس‬
‫ورغبتهم في التغيير واإلصالح‪.‬‬
‫فالصحوة لم تكن مؤقتة فقط‪ ،‬بل أعقبها انفجار للسلوكيات السلبية‪ ،‬كافي في حد ذاته‪ ،‬لعرقلة‬
‫مسار الثورة نفسها‪ ،‬وعرقلة تحقيق مطالب عامة الناس‪ .‬وكأن من داخل رحم المجتمع الذي ثار‪ ،‬ظهرت‬
‫ثورة مضادة‪ ،‬مثلت صراعا نفسيا واجتماعيا‪ ،‬داخل عامة الناس‪ .‬فهم يثورون من أجل التغيير‪،‬‬
‫ويتصرفون بصورة سلبية تعوق التغيير!‬
‫وكلما شعر عامة الناس بأن المشكالت لم تحل‪ ،‬وأن الظواهر السلبية مازالت قائمة‪ ،‬اشتكوا من‬
‫أن النظام لم يسقط بعد‪ ،‬وإن ك ان رأس النظام قد سقط‪ .‬ورغم أن النظام بكامله لم يسقط فعال‪ ،‬إال أن تغيير‬
‫بنية النظام تحتاج لعمل مجتمعي شامل‪ ،‬ولكن عامة الناس ظلت تربط توقف مسار التغيير بعدم سقوط‬
‫النظام بالكامل‪ ،‬متجاهلة أن الثورة تسقط رأس النظام‪ ،‬والعمل اإليجابي الفعال هو الذي يغير بنية النظام‪،‬‬
‫أما االستمرار في االحتجاج فال يكفي لتغيير بنية النظام السابق‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫ثورة أم صحوة؟‪ ..‬بين تغيير النظام وإصالح المجتمع‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫الثورة تنتج مضادات الثورة‬
‫ألن الثورة الشعبية هي فعل جماعي تلقائي عام‪ ،‬ليس له مسار محددة‪ ،‬لذا فإن الثورة عندما تنجح‬
‫في اسقاط النظام‪ ،‬تفتح الباب أمام مستقبل غير محدد المعالم‪ ،‬ليس له مشروع أو مسار محدد‪ ،‬وليس له‬
‫نتائج معروفة مسبقا‪ .‬وألن الثورة شعبية عامة‪ ،‬لذا ال يوجد من ينتمي للثورة ومن ال ينتمي لها بصورة‬
‫واضحة أو محددة‪ ،‬وال يوجد تصور واحد يجمع كل من شارك فيها‪ .‬فهي إذن ثورة بال خطة‪ ،‬ألنها ثورة‬
‫شعبية بال قيادة وبال توجه سياسي محدد‪.‬‬
‫وألن الث ورة شعبية‪ ،‬فهي ليست مثل الثورات الطبقية أو الفئوية‪ ،‬فهي ثورة ال تقودها طبقة ضد‬
‫طبقة أخرى‪ ،‬وال تقودها شرائح في المجتمع ضد شرائح أخرى‪ ،‬بل هي ثورة شعب ضد الحاكم‪ .‬لهذا لم‬
‫يكن للثورة توجه اجتماعي ثقافي بعينه‪ ،‬ولم تكن نتاج رؤية اجتماعية أو سياسية محددة‪.‬‬
‫ولكن المشكلة ليست فقط في طبيعة الثورة‪ ،‬بل في الحالة التي وصل لها المجتمع قبل الثورة‪.‬‬
‫فصحيح أن ما شاع في المجتمع هو نتيجة سياسات النظام السابق‪ ،‬وصحيح أيضا أن تردي احوال‬
‫المعيشة أدى إلى شيوع السلبيات في المجتمع‪ ،‬بل وصحيح أيضا أن االنهيار الكامل للمرافق والخدمات‬
‫ولد ور الدولة‪ ،‬تسبب في شيوع المظالم لدرجة أثرت على وحدة المجتمع‪ ،‬وأشاعت فيه حالة من االحتقان‬
‫والفرقة‪ ،‬ولكن من الصحيح أيضا أن تلك الحالة لم تعد حالة عابرة‪ ،‬بل تأصلت في أنماط السلوك العام‪،‬‬
‫مما جعل السلوك السلبي منتشرا لحد يفوق األوضاع العادية‪ ،‬لدرجة تجعل السلبيات غالبة في أحيان‬
‫كثيرة‪ ،‬وتجعل اإليجابيات نادرة‪.‬‬
‫فلم يعد المجتمع قبل الثورة‪ ،‬مجرد مجتمع يعاني من ظلم الحاكم‪ ،‬بل أصبح مجتمعا يعاني من‬
‫أمراض التردي والتأخر‪ ،‬ومصابا بسلبيات نفسية واجتماعية وثقافية‪ ،‬أصبحت تمثل أمراضا مزمنة‪ ،‬ألنها‬
‫استمرت لعدة عقود متتالية‪ .‬ولم يكن خروج المجتمع على النظام فقط‪ ،‬بل خرج المجتمع أيضا ضد‬
‫األمراض التي أصيب بها‪ ،‬لدرجة أنه تصور أنه تخلص منها‪ ،‬وعاش أيام بهذا االعتقاد‪ ،‬ثم أكتشف أن‬
‫تلك األمراض أصبحت من أنماط السلوك العادي واليومي‪.‬‬
‫وعندما يعود بعض الناس أو أغلبهم لسلوكهم السلبي الذي مارسوه قبل الثورة‪ ،‬تجدهم يلومون‬
‫الثورة التي لم تحقق شيئا‪ ،‬بل هددت حياتهم‪ .‬ولم يعد من الواضح من أيد الثورة ومن لم يؤيدها‪ ،‬ولم يعد‬
‫من الواضح أيضا‪ ،‬من مع الثورة ومن ضدها‪ .‬والغالب‪ ،‬أن من مع الثورة هو أيضا ضدها أحيانا‪ .‬ومن‬
‫هو ضد الثورة‪ ،‬هو معها أحيانا‪ .‬ففي داخل كل فرد توجه مع الثورة‪ ،‬وتوجه ضدها في نفس الوقت‪ ،‬مع‬
‫اختالف درجة تأييد الثورة‪ ،‬ودرجة معارضتها من شخص آلخر‪ .‬فهناك من هو عن وعي ضد الثورة‪،‬‬
‫حتى وإن تصرف بشكل يؤيدها‪ ،‬وهناك من هو عن وعي مع الثورة‪ ،‬حتى وإن تصرف بشكل يجهضها‪.‬‬
‫وتلك حالة غريبة عن الثورات التقليدية‪ ،‬ولكنها تمثل جزءا من طبيعة الثورة الشعبية التلقائية‪،‬‬
‫ألن الثورة الشعبية الكاملة‪ ،‬تأتي متأخرة غالبا‪ ،‬وبعد أن يصيب المجتمع التردي الكامل‪ .‬فهي ثورة تمثل‬
‫لحظة غضب واسع‪ ،‬في لحظة انهيار كامل‪.‬‬
‫لذلك تشكلت مضادات الثورة داخل بنية المجتمع نفسه‪ ،‬بمجرد سقوط النظام‪ .‬فهذه المضادات‬
‫تمثلت في الرغبة في حماية الذات‪ ،‬أو الرغبة في تحقيق المطالب الخاصة‪ ،‬كما تمثلت في حالة الخوف‬
‫من المستقبل‪ ،‬وعدم الثقة في المستقبل‪ .‬فأصبحت حالة عدم اليقين‪ ،‬تجاه ما حدث‪ ،‬وما سيحدث بعد ذلك‪،‬‬
‫‪4‬‬

‫ثورة أم صحوة؟‪ ..‬بين تغيير النظام وإصالح المجتمع‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫تمثل حالة خوف أو قلق وتوتر داخلي‪ ،‬تدفع لتشكيل مضادات نفسية واجتماعية‪ ،‬ضد حدث الثورة وما‬
‫يمكن أن ينتج عنه‪ .‬فيصبح كل فرد مع الثورة بقدر ما تحقق األفضل‪ ،‬وضدها عندما يجد أن ما يتحقق‬
‫ليس أفضل‪ .‬وتغلب المضادات المعادية للثورة في الفئات التي لم تؤيد الثورة‪ ،‬وترى أنها من ضحايا‬
‫الثورة‪ .‬وتغلب التوجهات المؤيدة للثورة‪ ،‬لدى الفئات التي ترى أنها من ضحايا النظام السابق‪ .‬كما تغلب‬
‫التوجهات السلبية تجاه الثورة‪ ،‬بقدر الضرر الذي يلحق بفرد أو فئة نتيجة توابع الثورة‪.‬‬
‫فأصبحت مضادات الثورة‪ ،‬هي حالة التشكك في ما يمكن أن يحدث‪ ،‬والتي ال تجعل الناس أو‬
‫أغلبهم‪ ،‬يقبلون على التغيير كل الوقت‪ ،‬ويحاولون تحقيقه كل الوقت أيضا‪ .‬ويبدو أن تلك المضادات‬
‫المتشكلة ضد الثورة‪ ،‬مثلت نوعا من التبرير الذاتي‪ ،‬حيث يحاول عامة الناس تبرير سلوكياتهم السلبية‪،‬‬
‫التي انتشرت قبل الثورة‪ ،‬ثم عادت كما هي بعد الثورة‪ ،‬وربما بصورة أشد‪ .‬مما جعل عملية التبرير‬
‫الداخلي‪ ،‬حيث يحاول الفرد تبرير تصرفه بعد الثورة بنفس األسلوب السلبي الذي مارسه قبل الثورة‪،‬‬
‫تتحول إلى حالة نقد داخلي للثورة‪ ،‬التي لم تحقق مطالب الناس‪ ،‬ولم تحسن حياتهم‪ ،‬مما يشكل توجهات‬
‫ضد الثورة‪ ،‬تتشكل في تلك المضادات‪ ،‬التي تعيق الثورة‪.‬‬
‫وتلك الحالة من البلبلة الداخلية‪ ،‬والتي استغلتها العديد من األطراف‪ ،‬جعلت الرأي العام‪ ،‬وأن‬
‫توحد من أجل اسقاط النظام‪ ،‬وتوحد حول هدف بناء مستقبل جديد‪ ،‬إال أنه لم يتوحد حول أي تصور‬
‫للمستقبل‪ ،‬ولم يتوحد حول موقف إيجابي لصنع المستقبل‪ .‬فأصبح المجتمع ثائرا‪ ،‬وفي موقف المشاهد‬
‫السلبي في نفس الوقت‪ .‬فاستعاد موقفه السلبي القديم‪ ،‬تجاه أمور الحياة اليومية‪ ،‬وتجاه تصرفاته وتصرفات‬
‫اآلخرين‪ ،‬رغم أنه أبقى حالة الثورة‪ ،‬ولكن ضد أي سلطة‪ ،‬وليس ضد كل ما تمثله حالة التردي من‬
‫سلبيات‪ ،‬ليس فقط في السلطة والدولة‪ ،‬بل وفي المجتمع أيضا‪.‬‬
‫سقوط آخر رادع‬
‫إذا كانت السلوكيات السلبية زادت بعد الثورة‪ ،‬كما يبدو ألي مالحظ؛ فألن سقوط النظام لم يدفع‬
‫نحو التغيير االجتماعي‪ ،‬ولكنه غيب آخر رادع كان يحجم السلوكيات السلبية لعامة الناس‪ ،‬وهو هيبة‬
‫الدولة‪ .‬فأصبحنا أمام مشكلة إضافية‪ ،‬ألن سقوط ما تبقى من هيبة الدولة والقانون والشرطة‪ ،‬فجر‬
‫السلوكيات السلبية بأكثر مم ا كانت قبل الثورة‪ .‬وألن السلبيات تتفاقم في المجتمع مع غياب القانون‬
‫والعدل‪ ،‬وانتشار االستبداد والفساد والظلم‪ ،‬فإن اسقاط النظام غيب ما بقى من نظام‪ ،‬فأدى هذا إلى انفالت‬
‫سلوكي واضح‪.‬‬
‫فالثورة لم تنتج نظاما جديدا‪ ،‬بقدر ما اسقطت نظاما‪ ،‬وبالتالي دخلت البالد في مرحلة ما بين‬
‫نظامين‪ ،‬وهي مرحلة تؤدي إلى انفالت عام‪ .‬ولكن هذا االنفالت يدل أيضا‪ ،‬على أن الثورة لم تمثل‬
‫صحوة اجتماعية‪ ،‬ألن الناس أسقطت النظام الذي ترفضه‪ ،‬ولكنها لم تلزم نفسها بضوابط جديدة‪ ،‬تمثل ما‬
‫يريده عامة الناس في المستقبل‪ ،‬بل ربما مثل اسقاط النظام‪ ،‬انفجار سلوكي غير منضبط‪ ،‬جعل األوضاع‬
‫السلوكية العامة تتردى أكثر‪.‬‬
‫دعم الدولة العميقة‬
‫استمرار السلبيات السلوكية لدى قطاعات واسعة من المجتمع‪ ،‬مثل دعما مهما للدولة العميقة‪ ،‬أي‬
‫لشبكة مصالح النظام السابق‪ .‬حيث أن حالة االنفالت المجتمعي‪ ،‬تضعف المجتمع‪ ،‬وتمنعه من التوجه نحو‬
‫‪5‬‬

‫ثورة أم صحوة؟‪ ..‬بين تغيير النظام وإصالح المجتمع‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫المستقبل‪ ،‬وإحداث تغيير حقيقي في الدولة والمجتمع‪ .‬وألن الدولة العميقة تعيش على حالة التردي‬
‫والضعف المجتمعي‪ ،‬لذا أصبح استمرار انتشار السلبيات االجتماعية‪ ،‬يمثل مناخا مناسبا‪ ،‬يدعم الدولة‬
‫العميقة في محاولتها إعادة إنتاج النظام السابق‪ .‬فالبيئة الفاسدة نسبيا‪ ،‬هي نتاج النظام السابق‪ ،‬وقد اسهم‬
‫بالدور األساسي في تشكليها‪ ،‬حتى يستطيع حماية نظام االستبداد والفساد‪ ،‬لذا أصبح استمرار هذه البيئة‪،‬‬
‫بأي درجة ملحوظة ومؤثرة‪ ،‬يمثل مناخا مناسبا لعمل الدولة العميقة‪ ،‬وتستطيع من خالله تشجيع‬
‫االتجاهات المضادة للثورة‪ ،‬حتى تستطيع الحفاظ على النظام السابق‪ ،‬حتى بعد سقوط رأسه‪.‬‬
‫لذا عمدت أجهزة الدولة العميقة على تعميق حالة الخوف من المستقبل‪ ،‬وحالة التوتر والقلق‪،‬‬
‫وعمدت أيضا على توسيع نطاق المتضررين من الثورة‪ ،‬وتوسيع حالة الرفض الشعبي تجاه الثورة‪ ،‬حتى‬
‫تبقى الدولة العميقة مسيطرة على مجتمع ضعيف وحالته متردية‪ .‬فمسار الثورة ال يمكن استكماله‪ ،‬إال‬
‫بقدر قدرة المجتمع‪ ،‬الذي اسقط النظام‪ ،‬على االستمرار في دفع عملية التغيير الحقيقية‪.‬‬
‫يضاف لهذا‪ ،‬أن تزايد عدم رغبة عامة الناس أو بعضهم‪ ،‬تغيير سلوكهم‪ ،‬يعني ضمنا أننا بصدد‬
‫مجتمع لم تتشكل لديه رغبة في تغيير نفسه‪ ،‬وبصدد جزء مهم من عامة الناس‪ ،‬لم تتشكل لديهم الرغبة في‬
‫تغيير أنفسهم‪ .‬مما يعني أن عامة الناس التي خرجت لتغيير النظام‪ ،‬لم تتشكل لديها الرغبة في تغيير‬
‫نفسها‪ ،‬وتغيير المجتمع‪ .‬وال يمكن تغيير النظام السياسي والدولة‪ ،‬بدون تغيير المجتمع وعامة الناس‪.‬‬
‫فإذا كان النظام السياسي الفاسد قد أنتج مجتمعا ضعيفا وحالته متردية وتنتشر فيه السلوكيات‬
‫السلبية‪ ،‬فإن بقاء المجتمع على حالته المتردية يساعد على إعادة إنتاج النظام السياسي الفاسد‪.‬‬
‫في انتظار الحكم الجديد‬
‫ليست هذه كل تناقضات الموقف‪ ،‬فوجود توجهات مع الثورة وضدها في نفس الوقت‪ ،‬داخل‬
‫المجتمع وداخل نفس األفراد أحيانا‪ ،‬يتجلى في مشهد االنتخابات‪ ،‬حيث يقبل الناس على انتخاب السلطة‬
‫الجديدة‪ ،‬ويعقدون اآلمال عليها‪ ،‬وكأنهم ينتخبون المخلص الجديد‪ .‬ولكن أحدا ال يدرك أن التغيير هو‬
‫مسئولية جماعية‪ ،‬وأنه ال توجد سلطة يمكنها أن تحقق التغيير واإلصالح الكامل‪ ،‬بدون جهد جماعي من‬
‫كل المؤسسات والجماعات واألفراد‪ .‬فإصالح جهاز الدولة‪ ،‬يعني إصالح السلوكيات الوظيفية لكل‬
‫العاملين به‪ ،‬وهو أمر يحتاج لمبادرات فردية وجماعية من العاملين أنفسهم‪ ،‬تساعد السلطة السياسية على‬
‫تحقيق تغيير جذري‪ ،‬يحقق ما يريده عامة الناس‪.‬‬
‫ولكن أن يخرج الناس النتخاب من يمثلهم‪ ،‬ويروا أن كل المسئولية عليه‪ ،‬وليس عليهم أي‬
‫مسئولية‪ ،‬فمعنى هذا أنهم يبحثون عن من يقوم بكل ما يريدون‪ .‬والمشكلة أن جزءا مهما من أي تغيير‬
‫يتمثل في تغيير المجتمع‪ ،‬وتغيير سلوكيات األفراد‪ ،‬والسلطة السياسية ليس دورها تغيير المجتمع‬
‫واألفراد‪ ،‬حتى وإن كان من دور الدولة وضع النظام العام وتطبيق القانون‪ .‬فالنظام العام ال يتحقق بقوة‬
‫القانون فقط‪ ،‬بل بالوازع الداخلي أساسا‪ ،‬ثم يقوم القانون بالتصدي لمن ال يردعهم الوازع الداخلي‪ .‬أما إذا‬
‫انتشرت حالة من االنفالت السلوكي واألخالقي العامة‪ ،‬فإن الدولة أو أي سلطة منتخبة ال تستطيع التصدي‬
‫لتلك الحالة‪ ،‬بدون وجود حالة إفاقة وصحوة مجتمعية‪.‬‬
‫وإذا استطاعت السلطة السياسية تحقيق كل ما يحلم به الناس‪ ،‬دون أي مجهود أو فعل إيجابي من‬
‫عامة الناس أنفسهم‪ ،‬سوف تصبح السلطة السياسية وبالتالي الدولة أقوى من المجتمع‪ ،‬ويحدث الخلل مرة‬
‫‪6‬‬

‫ثورة أم صحوة؟‪ ..‬بين تغيير النظام وإصالح المجتمع‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫أخرى بين دور الدولة ودور المجتمع‪ ،‬مما يجعل المجتمع في حالة سلبية‪ ،‬حتى وإن كان هو من يختار‬
‫السلطة السياسية في انتخابات حرة نزيهة‪.‬‬
‫وفي المقابل‪ ،‬فإن إحداث تغيير جذري في بنية النظام السياسي‪ ،‬وتحسين أداءه وتوجهاته‪ ،‬وتفعيل‬
‫دولة القانون‪ ،‬وإقامة العدل‪ ،‬سوف يؤدي إلى تغيير كامل للنظام السياسي‪ ،‬ويحقق اهداف الثورة‪ .‬ولكن‬
‫ه ذا التغيير ليس له أي معنى دون حدوث تغير في المجتمع مماثل‪ .‬وقد يتصور البعض‪ ،‬أن المجتمع‬
‫سوف يتغير تلقائيا‪ ،‬إذا تغير النظام السياسي‪ .‬وهذا صحيح إذا نظرنا إلى حقيقة أن النظام السياسي الفاسد‪،‬‬
‫هو الذي أنتج المجتمع الضعيف المتردي‪ .‬ولكن إذا نظرنا إلى حقيقة الثورة‪ ،‬وأنها ثورة شعبية اسقطت‬
‫نظام الحكم‪ ،‬فإن تلك الثورة ال تكتمل إال عندما يشارك المجتمع في صناعة الدولة التي يريدها‪ ،‬والنظام‬
‫السياسي الذي يريده‪ .‬فإذا قام عامة الناس بدورهم في بناء الدولة والنظام السياسي الجديد‪ ،‬فإن اإلرادة‬
‫الشعبية تستكمل دورها‪ ،‬وتؤسس لدورها المستقبلي‪ ،‬بحيث تكون تلك اإلرادة الفاعلة هي صانعة المستقبل‬
‫فعال‪ .‬ولكن إذا تصورنا أن مسئولية استكمال الثورة انتقلت من المجتمع إلى الدولة‪ ،‬وأصبح على السلطة‬
‫السياسية المنتخبة أن تستكمل مسيرة الثورة‪ ،‬من خالل أدوات الدولة‪ ،‬ودون أي دور للمجتمع؛ فإن هذا من‬
‫شأنه أن يعظم من دور الدولة على حساب المجتمع مرة أخرى‪.‬‬
‫وإذا أصبحت المقابلة بين الدولة والمجتمع‪ ،‬قائمة على أساس أن الدولة تتحمل المسئولية‪،‬‬
‫والمجتمع يتمتع بحق الرفض واالعتراض واالحتجاج‪ ،‬فمعنى هذا أننا بصدد مجتمع يقوم بدور المشاهد‬
‫الفاعل‪ ،‬وليس بدور الفاعل الرئيس‪ ،‬أي أن المجتمع يراقب الدولة‪ ،‬حتى تيسر في الطريق الذي يريده‪،‬‬
‫ولكنه ال يقوم بأي دور فاعل‪ ،‬ليس من أجل إصالح الدولة فقط‪ ،‬بل من أجل إصالح المجتمع واألفراد‬
‫أنفسهم‪ .‬ومهمة اإلصالح االجتماعي ليست مهمة دولة‪ ،‬حتى وإن شاركت فيها الدولة‪ ،‬كما أن مهمة‬
‫إصالح السياسات المالية‪ ،‬ليست مهمة المجتمع‪ ،‬حتى وإن شارك فيها المجتمع‪.‬‬
‫فإذا كان المجتمع ال يرى لنفسه دورا في إصالح الدولة‪ ،‬ويوكل هذه المهمة لمن ينتخبه‪ ،‬فتبقى‬
‫مهمة إصالح المجتمع نفسه‪ .‬وصحيح أن كل إصالح في الدولة سوف يؤثر إيجابيا على المجتمع‪ ،‬وكل‬
‫إصالح في النظام العام سوف يؤثر إيجابيا‪ ،‬وكل إقامة لدولة العدل سوف تؤثر إيجابيا‪ ،‬ولكن يبقى في‬
‫النهاية أن اإلصالح االجتماعي الشامل ال يتحقق بدون دور المجتمع‪ ،‬كما أن كل إصالح للدولة ال يكتمل‬
‫إال بدور إيجابي للمجتمع‪ .‬فإذا غاب المجتمع‪ ،‬لن تستكمل مسيرة الثورة‪ ،‬حتى وإن تحققت بعض أهدافها‬
‫من خالل السلطة السياسية المنتخبة‪.‬‬
‫والمشكلة أن أي إصالح في أداء الدولة‪ ،‬يمكن أن تعرقله الكثير من السلبيات المنتشرة في‬
‫المجتمع‪ ،‬فإقامة دولة القانون غير ممكنة في ظل انتشار المخالفات بين أغلب الناس أغلب الوقت‪ ،‬وليس‬
‫بين بعضهم لبعض الوقت‪ .‬وحل مشكلة الفساد غير ممكن‪ ،‬إذا كان المشاركين في منظومة الفساد أو‬
‫منظومة اإلكراميات‪ ،‬هم أغلب الناس أغلب الوقت‪ .‬وحل مشكلة المرور غير ممكن‪ ،‬إذا كان المخالفين‬
‫لقانون المرور‪ ،‬هم كل من يقود سيارة‪ ،‬وإذا كان من يلتزم بقانون المرور من قائدي السيارات‪ ،‬يتم‬
‫استهجان تصرفه من أغلب قائدي السيارات اآلخرين‪ .‬فأي إصالح يحدث في الدولة إن لم يرافقه تغير في‬
‫سلوكيات عامة الناس‪ ،‬فإن تأثيره سيكون قليال‪ ،‬أو ربما يهدر تأثيره تماما‪.‬‬
‫وال أتصور أن الجدل يمكن أن يركز على أولوية اإلصالح‪ ،‬ما بين إصالح المجتمع أو إصالح‬
‫الدولة‪ ،‬فعملية اإلصالح هي عملية شاملة‪ ،‬تحدث على كل المسارات بالتوازي‪ .‬ونجاح عملية اإلصالح‬
‫‪7‬‬

‫ثورة أم صحوة؟‪ ..‬بين تغيير النظام وإصالح المجتمع‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫الشامل‪ ،‬التي تحتاجها دول الربيع العربي بعد الثورات الشعبية‪ ،‬تتطلب إحداث تقدم على كل المسارات‬
‫بصورة متوازية‪ ،‬حتى تتحقق النقلة النوعية‪ ،‬التي تخرج البالد من كبوتها‪ ،‬وتبدأ مسار تقدمها ونهضتها‪.‬‬
‫فإذا كانت عملية إصالح الدولة تواجه بقوى الدولة العميقة التي تحاول إعاقة أي إصالح للدولة‪،‬‬
‫فإن عملية إصالح المجتمع معطلة بسبب تشكل مضادات للثورة داخل المجتمع‪ ،‬وبسبب أن المجتمع‬
‫مازال مشدودا لما هو مألوف له‪ ،‬ولم يقدم بعد على إحداث تغيير حقيقي في حياته‪ ،‬وركز اهتمامه على‬
‫تغيير السلطة السياسية فقط‪ .‬وكأن المجتمع جعل من النظام السابق والدولة عدوا‪ ،‬وخرج في وجه أعدائه‪،‬‬
‫وال يريد أن يواجه نفسه‪ ،‬رغم إدراك عامة الناس أن حالة المجتمع متردية‪.‬‬
‫شروط الصحوة‬
‫كما إن للثورة شروط يجب أن تتحقق حتى تقوم الثورة‪ ،‬كذلك فإن الصحوة الشعبية التي تعقب‬
‫الثورة لها شروط أيضا‪ .‬ففعل الثورة ليس كافيا في حد ذاته‪ ،‬النطالق حالة الصحوة المجتمعية الالزمة‬
‫إلحداث التغيير واإلصالح‪ .‬وألن الثورة الشعبية حدثت في نهاية النفق المظلم‪ ،‬أي في مرحلة االنهيار‬
‫الكامل للدولة والمجتمع‪ ،‬لذا تشكلت العديد من العوائق‪ ،‬التي تفصل بين زمن الثورة وزمن الصحوة‪ ،‬أي‬
‫تفصل بين لحظة خروج عامة الناس في وجه النظام المستبد والفاسد‪ ،‬وبين لحظة توجه عامة الناس إلى‬
‫مرحلة البناء واإلصالح‪ .‬فالصحوة هي حالة مجتمعية وثقافية‪ ،‬تدفع عامة الناس إلى تغيير أنفسهم وتغيير‬
‫المجتمع‪ ،‬وتغيير النظام العام والنظام السياسي معا‪ ،‬حتى يتم بناء مستقبل جديد‪ .‬ولهذا الحالة شروطها‪،‬‬
‫والتي يتأخر تحققها بسبب ما يعانيه المجتمع من حالة تردي داخلي عميق‪ .‬فالثورة مثلت لحظة انفجار‬
‫جماهيري‪ ،‬ولم تمثل في نفس الوقت لحظة إفاقة جماهيرية واسعة‪ ،‬ألن تلك اإلفاقة لم تتحقق شروطها‬
‫بعد‪ ،‬وأيضا ألن اإلفاقة تحتاج لقدرات مجتمعية وجاهزية اجتماعية‪ ،‬ليست متوفرة في المجتمع وهو‬
‫مازال يعاني من حالة ضعف‪.‬‬
‫فالثورة الشعبية ضد النظام‪ ،‬لم تحدث في لحظة قوة المجتمع‪ ،‬ولكن حدثت في لحظة ضعفه‪،‬‬
‫ورغم تلك الحالة فإن المجتمع خرج في أغلبه ضد النظام‪ ،‬بسبب تردي أحوال المعيشة وتفشي الظلم‬
‫والفساد‪ .‬ومن شدة ما وصل له المجتمع من معاناة‪ ،‬خرج ضد النظام وأسقطه‪ ،‬رغم حالة الضعف التي‬
‫يعيش فيها المجتمع‪.‬‬
‫لهذا تبتعد المسافة بين الثورة والصحوة‪ ،‬حتى تتجمع العوامل الالزمة لدفع المجتمع نحو عملية‬
‫البناء الفاعل‪ ،‬ودفعه للقيام بدور إيجابي‪ .‬وهي تلك العوامل الالزمة‪ ،‬حتى يسترد المجتمع عافيته‪ ،‬ويسترد‬
‫قدرته على الفعل البناء‪ .‬ومن أهم تلك العوامل‪:‬‬
‫‪ .0‬إن فعل الثورة يكشف على أن الفعل الجماعي يمثل القوة الحقيقية للمجتمع‪ ،‬لذا عندما‬
‫أصبح غالب المجتمع في لحظة توحد جماعي‪ ،‬اسقط النظام‪ ،‬وعندما استمرت تلك‬
‫الحالة‪ ،‬بالقصور الذاتي لفترة‪ ،‬استطاع أن يقدم نموذجا إيجابيا جماعيا‪ .‬ولكن عندما عاد‬
‫الناس بعد سقوط النظام‪ ،‬عادوا أفرادا مرة أخرى‪ .‬وأصبح كل فرد ينتظر المبادرة من‬
‫اآلخرين‪ ،‬وأصبح أغلب الناس يتحجج بما يفعله غيره‪ .‬وبهذا أصبحت لحظة الفعل‬
‫الجماعي المتشكلة في الثورة‪ ،‬هي لحظة التظاهر واالحتجاج ضد السلطة‪ .‬ولم تتشكل‬
‫بعد لحظة الصحوة الجماعية‪ .‬ألن اإلفاقة المجتمعية هي فعل جماعي‪ ،‬وليست فعال فرديا‪.‬‬
‫‪8‬‬

‫ثورة أم صحوة؟‪ ..‬بين تغيير النظام وإصالح المجتمع‬

‫‪.2‬‬

‫‪.3‬‬

‫‪.4‬‬

‫‪.5‬‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫ولهذا تظهر المبادرات الفردية أوال‪ ،‬وتبقى حاالت استثنائية لفترة زمنية‪ ،‬حتى تتحقق‬
‫حالة اإلفاقة الجماعية‪ ،‬وتبدأ مرحلة الفعل اإليجابي الجماعي‪.‬‬
‫ال يمكن لعملية التغيير واإلصالح أن تتحقق أو تستمر‪ ،‬إال إذا حدثت بشكل متوازي على‬
‫مختلف األصعدة‪ .‬وعمليا ال يمكن أن تبدأ مرحلة اإلصالح في كل المجاالت مرة واحدة‪.‬‬
‫لذا فإن عملية اإلصالح في أي مجال‪ ،‬ال تمثل انطالقة فعلية لإلفاقة المجتمعية‪ ،‬إال بعد‬
‫أن تبدأ عمليات إصالح أخرى متوازية‪ ،‬وإن كان بدرجات أقل‪ .‬لذا فعملية اإلصالح تبدأ‬
‫بطيئة‪ ،‬وربما تبدو محبطة‪ ،‬حتى تتجمع بعض الخطوات اإلصالحية المهمة‪ ،‬سواء على‬
‫مستوى الدولة أو المجتمع‪ ،‬مما يشكل بداية لحركة تغيير وإصالح‪ ،‬فتنمو عملية‬
‫اإلصالح بمعدالت أكبر‪.‬‬
‫كل عملية إصالح تحتاج لبداية رمزية‪ ،‬وفي حالة الثورة الشعبية‪ ،‬تحتاج الشعوب لبداية‬
‫رمزية من قبل الدولة‪ ،‬باعتبارها المتهم األول فيما حدث للمجتمع‪ .‬وربما يحتاج المجتمع‬
‫لعدة بدايات رمزية من السلطة السياسية المنتخبة‪ ،‬قبل أن يشعر بأن عجلة التغيير قد‬
‫دارت بالفعل‪ .‬ولكن تلك المؤشرات الرمزية التي قد تبدأ من قبل الدولة‪ ،‬تحتاج إلى‬
‫مؤشرات أخرى يشعر بها الفرد العادي في محيطه االجتماعي‪ .‬فمبادرات من هنا‬
‫وهناك‪ ،‬يمكن أن تكون بداية رمزية لعملية التغيير واإلصالح‪.‬‬
‫إن أكثر ما يحبط عامة الناس‪ ،‬عدم امكانية إحداث تغييرات واسعة في فترة قليلة‪ ،‬ونظرا‬
‫لما آلت إليه أمور الدولة والمجتمع قبل الثورة‪ ،‬يصبح التغيير السريع أمرا صعبا‪ ،‬لذا ال‬
‫يدرك الكثير من الناس حجم ما يحدث من تغيير‪ ،‬إال بعد فترة زمنية‪ ،‬حيث تتراكم‬
‫التغييرات الحادثة‪ ،‬سواء على مستوى المجتمع أو الدولة‪ .‬وقبل حدوث هذا التراكم‪ ،‬يظل‬
‫أغلب الناس ال يشعر بالتغيير‪ ،‬ثم يبدأ بعضهم يشعر بالتغيير وهكذا‪ .‬والمشكلة أن أغلب‬
‫الناس ال تتحرك بمبادرة فردية‪ ،‬إال عندما تدرك أن تغييرا ما حدث بالفعل‪ ،‬فيظل أغلب‬
‫الناس في حالة انتظار التغيير‪ ،‬وعندما يدرك عدد كبير منهم أن التغيير بدأ‪ ،‬تبدأ الحركة‬
‫الجماعية اإليجابية في االتساع‪.‬‬
‫من أهم العوامل التي تعوق عملية التغيير واإلصالح بعد الثورة‪ ،‬هي صعوبة االستمرار‬
‫في عملية التغيير كل الوقت‪ .‬ألن العديد من العقبات التي تواجه الجميع بعد الثورة‪ ،‬تحد‬
‫من امكانية التغيير وإحداث تحول إيجابي‪ .‬لذا نجد أن أول مخططات الدولة العميقة يتمثل‬
‫في إعاقة عملية التغيير‪ ،‬حتى ال تحدث أحداث إيجابية متتالية‪ .‬فكلما حدث أمر إيجابي‬
‫أعقبه أمر سلبي‪ ،‬سواء نتيجة الظروف العادية‪ ،‬أو نتيجة فعل مخطط‪ ،‬مما يشعر عامة‬
‫الناس بأن عجلة التغيير ال تدور‪ ،‬وأنها تتوقف كثيرا‪ .‬وهو ما يمنع عامة الناس من‬
‫الشعور بالتغيير أو مالحظة ما يحدث من تغيير على أرض الواقع‪ .‬وهو ما يؤدي إلى‬
‫الشعور باإلحباط‪ ،‬وعملية التغيير تحتاج إلى شعور قوي باألمل‪ ،‬حتى تبدأ اإلفاقة‬
‫المجتمعية‪ ،‬ويبدأ الفعل اإليجابي الجماعي المستمر‪.‬‬

‫تفعيل الدور الشعبي‬
‫المالحظ بعد الثورة‪ ،‬أنه لم تحدث انطالقة واسعة للنشاط الشعبي واالجتماعي‪ ،‬حيث تأكد أن بنية‬
‫المجتمع تفككت بالفعل‪ ،‬لدرجة جعلت الكيانات االجتماعية في أغلبها غير فاعلة بالقدر المناسب‪ .‬ولم‬
‫‪9‬‬

‫ثورة أم صحوة؟‪ ..‬بين تغيير النظام وإصالح المجتمع‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫يحدث تحول كبير بعد سقوط النظام‪ ،‬رغم أن سقوطه فك القيود التي عانى منها النشاط الشعبي‬
‫واالجتماعي‪.‬‬
‫كما لم يحدث توجه نحو تنظيم العمل االجتماعي والشعبي‪ ،‬وال حدث تحرك واسع نحو تأسيس‬
‫كيانات اجتماعية جديدة‪ .‬وكل ما حدث تمثل أساسا في انتخابات النقابات واتحادات الطالب‪ ،‬وهي خطوة‬
‫مهمة نحو تفعيل تلك الكيانات االجتماعية‪ .‬ولكن مجمل النشاط الشعبي واألهلي‪ ،‬ظل محدودا وينمو ببطء‪.‬‬
‫في حين أن الفاعلية االجتماعية واألهلية‪ ،‬وصلت أحيانا إلى درجات أفضل من ذلك‪ ،‬في ظل نظام الحكم‬
‫المستبد‪ .‬مما يتضح معه أن في العقدين األخرين على وجه الخصوص‪ ،‬تمت عملية هدم منظم لبنية‬
‫المجتمع‪ ،‬بدرجات لم تحدث من قبل‪ ،‬حتى إن سقوط النظام لم يفجر طاقة الفعل االجتماعي والشعبي‬
‫واألهلي‪ ،‬بمختلف أشكاله‪ .‬مما يعني أن المجتمع لم يعد يملك الكثير من الكيانات التي تسمح بتنظيم الفعل‬
‫الجماعي‪ ،‬والتي يمكن أن تبدأ مبادرات جماعية‪ ،‬تخرج الناس من حالة السلبية إلى الفعل اإليجابي النشط‪.‬‬
‫وهو ما يؤكد أن عملية إعادة تنشيط المجتمع سوف تستغرق وقتا‪ ،‬مما يؤخر مسيرة التغيير واإلصالح‪.‬‬
‫وفي ظل هذه الحالة من التفكك المجتمعي الواضح‪ ،‬باتت الحركات الشعبية المنظمة والنشطة‪،‬‬
‫هي الحركة اإلسالمية‪ ،‬والتي استطاعت الحفاظ على البنية التحتية لها في ظل النظام السابق‪ ،‬سواء من‬
‫عارض النظام السابق أو من ابتعد عن العمل السياسي‪ ،‬فأصبحت من أهم المحركات الجاهزة للفعل‬
‫والنشاط‪ .‬وهو ما يفتح الباب أمام توسع نشاطها بصورة كبيرة‪ ،‬لتمثل حجر الزاوية في تنشيط الفعل‬
‫المجتمعي‪ .‬وال تبدو القوى واالتجاهات السياسية األخرى متجهة نحو بناء بنية اجتماعية تحتية لها‪ ،‬مما‬
‫يجعل العديد من التوجهات السياسية‪ ،‬غائبة عن الفعل االجتماعي‪ ،‬وتركز على النشاط السياسي الخالص‪،‬‬
‫تاركة الساحة االجتماعية للحركات اإلسالمية‪.‬‬
‫لهذا فاالنطالقة االجتماعية تخرج أساسا من الكيانات االجتماعية الدينية‪ ،‬والتي يبدو أنها حجر‬
‫الزاوية في الفعل المجتمعي‪ ،‬والذي ينشط المجتمع‪ .‬ومع النشاط التدريجي للمجتمع‪ ،‬تتشكل مؤسساته‬
‫وكياناته مرة أخرى‪ .‬ولكن منحنى صعود النشاط االجتماعي‪ ،‬وإن بقى صاعدا ببطء لفترة طويلة‪ ،‬فإن‬
‫وصوله لمرحلة الصعود المتسارع تتحقق بعد فترة زمنية‪ ،‬خاصة عندما يستعيد المجتمع العافية‬
‫االجتماعية‪ ،‬ويصبح أكثر نشاطا‪.‬‬
‫تلك الحالة تجعل للفاعل االجتماعي السياسي دورا محوريا في تحريك الشارع نحو التغيير‬
‫واإلصالح‪ ،‬وفي تعديل مسار الوعي الجمعي‪ ،‬حتى يكون أكثر إيجابية‪ .‬مما يجعل للحركة اإلسالمية‪،‬‬
‫الدور المركزي في عملية التغيير واإلصالح‪ ،‬نظرا لنشاطها االجتماعي والسياسي‪ ،‬وألن الحركات‬
‫اإلسالمية المركزية‪ ،‬أنشأت أحزاب يتكامل دورها مع دور التنظيمات االجتماعية‪ .‬فالحركة االجتماعية‬
‫الدينية‪ ،‬تمثل الفاعل النشط المنظم‪ ،‬القادر على تفعيل دور المجتمع‪ .‬ومع غياب أي فاعل آخر‪ ،‬له نفس‬
‫القدرة على التمدد داخل المجتمع‪ ،‬تصبح الحركة اإلسالمية هي المنشط الرئيس لحركة المجتمع‪ ،‬وألن‬
‫حضورها االجتماعي واسع‪ ،‬وحضورها السياسي ظاهر‪ ،‬لذا يصبح لدورها تأثيرا متكامال في جميع‬
‫المجاالت‪.‬‬
‫وألن المجتمع يحتاج من ينظم حركته‪ ،‬بل ويحتاج لمن ينظم المبادرات الجماعية‪ ،‬ويحتاج لمن‬
‫يكسر حالة السكون‪ ،‬ويخرج المجتمع لحالة النشاط؛ لذا يبدو دور الحركة اإلسالمية مركزيا ومحوريا‪،‬‬
‫لدرجة تجعل لها القيادة الشعبية واالجتماعية‪ ،‬وتجعلها رأس الحربة في حركة المجتمع‪ .‬وهو ما يعني أن‬
‫‪01‬‬

‫ثورة أم صحوة؟‪ ..‬بين تغيير النظام وإصالح المجتمع‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫المجتمع يعيد بناء نفسه‪ ،‬داخل سياق المرجعية الدينية‪ ،‬وبقيادة الحركات التي تحمل تلك المرجعية‪ .‬ومن‬
‫هنا يبدو المجتمع وكأنه يستعيد طاقة اإليمان‪ ،‬حتى يواجه مصير ما بعد الثورة‪ ،‬وحتى يتمكن من تحقيق‬
‫التغيير واإلصالح المنشود‪.‬‬
‫فغياب الحضور االجتماعي الشعبي لمعظم االتجاهات السياسية‪ ،‬وتجذر دور الحركة اإلسالمية‪،‬‬
‫وميل معظم التوجهات السياسية األخرى إلى الطبيعة النخبوية وليس الطبيعة الشعبية‪ ،‬يجعل الفاعل‬
‫الحاضر اجتماعيا وسياسيا‪ ،‬والحاضر في عمق البنية الشعبية‪ ،‬هو الفاعل اإلسالمي‪ .‬كما أن تجذر‬
‫التوجهات الدينية داخل المجتمع‪ ،‬وفي كل شرائحه‪ ،‬وتمددها عبر كل المساحة الجغرافية للمجتمع‪ ،‬يجعل‬
‫الرؤية الدينية هي الحاضرة في الوعي االجتماعي والثقافي العميق‪ ،‬مما يجعل الفاعل الذي يتبنى تلك‬
‫الرؤية‪ ،‬حاضرا بها في عمق بؤرة التأثير االجتماعي‪.‬‬
‫محتوى ثقافي للثورة‬
‫تلك هي المسألة الجوهرية‪ ،‬فالثورة لحظة غضب ضد النظام السياسي‪ ،‬ولم يكن لها محتوى‬
‫ثقافي أو حضاري‪ ،‬وحتى تصبح الثورة حركة مجتمعية شاملة نحو بناء مستقبل جديد‪ ،‬تحتاج لمحتوى‬
‫ثقافي‪ ،‬يمثل خيارا حضاريا وانحيازا مستقبليا‪ ،‬ويشكل الدافع للحركة المجتمعية الشاملة‪ ،‬حتى يمكن‬
‫تحقيق التغيير الحقيقي واإلصالح الشامل‪.‬‬
‫وداخل الفراغ الثقافي لحركة الثورة المصرية‪ ،‬مثل غيرها من ثورات الربيع العربي‪ ،‬تتحرك‬
‫الحركة اإلسالمية لمأل هذا الفراغ الثقافي‪ ،‬بمحتوى حضاري إسالمي‪ ،‬تستدعيه من الموروث التاريخي‬
‫الحضاري لألمة‪ .‬فهو لهذا محتوى نابع من الوعي الجمعي‪ ،‬بل وقابع في الوعي الجمعي لعامة الناس‪،‬‬
‫والحركة اإلسالمية تنشطه وتفعله‪ ،‬ثم تحركه وتجعله طاقة حركة وفعل وتغيير‪ ،‬ثم تحمي تلك الطاقة‪،‬‬
‫وتنشطها باستمرار حتى تتحول إلى دافعية داخلية نحو التغيير واإلصالح‪ ،‬لها مضمون ثقافي ووجهة‬
‫حضارية‪ ،‬ولها جذور تاريخية‪ ،‬وعمق جغرافي‪.‬‬
‫فالحركة اإلسالمية ال تنادي برؤية بعيدة عن الوعي الجمعي للناس‪ ،‬بقدر ما تنشط وتنظم وترتب‬
‫وتعمق تلك الرؤية‪ ،‬مما يجعل نشرها بين الناس أمرا ممكنا‪ ،‬ألنها رؤية تخرج من داخل الناس وترد لهم‪.‬‬
‫وهو تسويق لبضاعة لها من الشعبية‪ ،‬كما لها من االنتشار والرسوخ‪ ،‬ما يجعل التسويق لها ينجح‪.‬‬
‫وألن الفراغ الثقافي للثورة المصرية مثل أهم مشكلة لها‪ ،‬حيث خرج الناس واسقطوا النظام‪ ،‬ولم‬
‫يعرفوا ما المطلوب منهم بعد ذلك‪ ،‬لذا فإن تقدم الحركة اإلسالمية لمأل هذا الفراغ‪ ،‬يعطي للثورة بعد‬
‫وقت‪ ،‬توجه محدد‪ ،‬ويجعلها تدخل في مسار التغيير واإلصالح االجتماعي والثقافي والحضاري الشامل‪،‬‬
‫مما يجعل وعي عامة الناس‪ ،‬يبدأ في رسم تصور محدد عن توجه الثورة‪ ،‬وحركة التغيير واإلصالح‪،‬‬
‫فيتشكل مسار محدد‪ ،‬نحو مستقبل منشود‪.‬‬
‫فبسبب حالة ضعف المجتمع‪ ،‬وبسبب تهدم البنية التحتية له‪ ،‬وعدم قدرته على تبني مبادرات‬
‫إيجابية بعد الثورة‪ ،‬وألن الحركة اإلسالمية لها بنية نشطة حافظت عليها‪ ،‬وألنها تستمد رؤيتها من‬
‫موروث حاضر في الوعي الجمعي لعامة الناس؛ لذا فإن معادلة الثورة تتطور مع الوقت‪ ،‬وتتحول من‬
‫خروج إلسقاط النظام‪ ،‬إلى صحوة حضارية‪ ،‬تتبنى مشروعا ورؤية للتغيير واإلصالح‪ .‬وهكذا تتحول‬
‫الثورة من حركة بال مضمون ثقافي‪ ،‬إلى حركة لها توجه ثقافي‪.‬‬
‫‪00‬‬

‫ثورة أم صحوة؟‪ ..‬بين تغيير النظام وإصالح المجتمع‬

‫أكتوبر ‪2102‬‬

‫صحوة المجتمع‬
‫تلك هي اللحظة التي يتحرك فيها المجتمع‪ ،‬ويبدأ مرحلة الصحوة‪ ،‬وينهي المسافة الفاصلة بين‬
‫الثورة والصحوة‪ ،‬عندما يتشكل مضمون ثقافي لحركة الثورة‪ ،‬ولمطالب الثورة‪ ،‬وللمستقبل المنشود‪.‬‬
‫فغياب المضمون الثقافي للثورة‪ ،‬جعلها حركة من أجل التحرر‪ ،‬دون أن يتحدد توجه معين لهذا التحرر‪،‬‬
‫وعندما بدأت مرحلة التحرر فعال‪ ،‬بات المجتمع مضطربا وحائرا‪ .‬وألن حركة التحرر الحقيقية يجب أن‬
‫يكون لها مضمون ثقافي‪ ،‬لذا فإن ظهور هذا المضمون يؤدي إلى تفعيل حركة المجتمع نحو أهداف‬
‫محددة‪ ،‬ويكسب حركة المجتمع قوة ذاتية قادرة على تحدي أي عقبات‪ .‬وعندما يكون للتحرر مضمون‬
‫ثقافي‪ ،‬نابع من الموروث الحضاري‪ ،‬تصبح الثورة حركة تحرر حضاري شامل‪ .‬ألن الثورات التي تبنت‬
‫مضمونا ثقافيا نابعا من الحضارة الغربية‪ ،‬ركزت على التحرر السياسي وغفلت التحرر الحضاري‪ ،‬مما‬
‫جعلها ثورات ناقصة‪ ،‬لم تستهدف االستقالل الكامل‪ .‬والثورة الناقصة‪ ،‬تهزم في النهاية‪.‬‬
‫وعندما تتجمع كيانات المجتمع‪ ،‬ويصبح للثورة مضمونا ثقافيا‪ ،‬تبدأ مرحلة أخرى من الثورة‪،‬‬
‫تعتمد أساسا على الفعل االجتماعي والشعبي األهلي النشط‪ ،‬والذي بدونه ال يتحقق التغيير أو اإلصالح‪.‬‬

‫‪02‬‬