‫الاناركية‬

‫‪Anarchism‬‬
‫رؤية انقدية من المنظور الماركسي‬

‫بقلم‪ :‬جون مولينيو‬
‫ترجمة‪ :‬إيزيس قاسم‬
‫تحرير‪ :‬مصطفى على‬

‫إصدار مكتب الدراسات التشتراكية‬
‫‪2012‬‬

‫انبذة عن الكاتب‬
‫جون مولينيو ك اتب ون اشط اشتراكي ومح اضر س ابق في ج امعة بورتسميث ويعيش ح الًي ا في دبلن بأيرلندا وهو عضو فششي الحششزب العمشش ال الشششتراكي‪ .‬ممشش ا نشششر لششه‬
‫ق ا‪:‬‬
‫س اب ً‬
‫‪(Marxism and the Party (1978), What is the real Marxist Tradition (1985), Rembrandt and Revolution (2001‬‬

‫مركز الدراسات التشتراكية‬
‫الق اهرة والجيزة ‪ 7 -‬ش ارع مراد – ميدان الجيزة‬
‫السكندرية ‪ 16 -‬ش ارع جم ال عبد الن اصر‪ -‬فيكتوري ا‬
‫الدقهلية الدراس ات ‪ -‬مق ابل ش ارع عبده معروف – المنصورة‬
‫الفيوم ش ارع السنترال – برج المعلمين ‪ -‬المدخل الخلفي‬
‫@‬
‫‪www.RevSoc.me‬‬
‫‪twitter.com/RevSocMe‬‬
‫‪contact@RevSoc.me‬‬

‫فهرس‬
‫تقديم الطبعة العربية‬
‫مقدمة الكاتب‬
‫‪ – 1‬جاذبية الاناركية‬
‫‪ – 2‬الفكار الاناركية‬
‫الدولة‬
‫القي ادة‬
‫الحزب‬
‫الفرد‪ ،‬المجتمع والطبقة‬
‫‪ – 3‬سجل الاناركية‬
‫ميشيل ب اكونين‬
‫روسي ا‬
‫ملحظ ات حول نقد الن اركية للبلشفية‬
‫أسب اني ا‬
‫‪ – 4‬الاناركية اليوم‬
‫الن اركية كأسلوب حي اة ‪Lifestyle anarchism‬‬
‫أن اركية الستقللية الذاتية )الوتونومية( ‪Autonomism‬‬
‫أن اركية البرن امج ‪Platform anarchism‬‬
‫الفعل المب اشر ‪Direct Action‬‬
‫المش اركة في النتخ اب ات‬
‫اتخ اذ القرارات في الحركة‬
‫الطريق إلى المام‬

‫مقدمة الطبعة العربية‬
‫أطلقت الثورة المصرية‪ ،‬كم ا هو طبيعي في ح الة كل الثورات‪ ،‬ط اق ات نض الية عميقة للجم اهير المضطهدة على مدار‬
‫الع امين الم اضيين‪ .‬وتب ادلت النض الت القتص ادية والسي اسية الدوار في احتلل مركز الصدارة في المشهد النض الي من‬
‫خلل موج ات متفرقة تح اول من خلله ا الجم اهير تلمس طريقه ا لتنظيم أنفسه ا لتحقيق مص الحه ا في انتزاع مص الحه ا في‬
‫العدالة الجتم اعية وحي اة كريمة‪ .‬وواجهت الجم اهير المؤمنة ب الثورة مق اومة شرسة ودموية من طبقة ح اكمة هزته ا‬
‫مسَتغِلة‪ ،‬على هزيمة الثورة‬
‫النتف اضة الثورية ولكنه ا صممت وتعمل ج اه ً‬
‫دة‪ ،‬كم ا يجب أن يكون منتظر من كل الطبق ات ال ُ‬
‫وإع ادة فرض سيطرته ا الش املة‪.‬‬
‫كئة على جه از دولة عميق وإعلم‬
‫مت ِ‬
‫دخلت الطبقة الح اكمة هذه المعركة مزودة بأسلحة اقتص ادية وسي اسية ل حصر له‪ُ ،‬‬
‫ين اصر مص الحه ا تحت قي ادة المجلس العسكري غير المأسوف على تفكيكه‪ ،‬ومعتمدة على استعداد الحزاب الق ائمة –‬
‫مجحف للعم ال والفقراء والمضطهدين سواء من‬
‫سواء ليبرالية أو إسلمية – للته ادن مع النظ ام القتص ادي والسي اسي ال ُ‬
‫خلل تأييدهم لقمع العسكر والشرطة للجم اهير في لحظ ات من عمر الثورة أو ‪ ،‬كم ا نرى الن في مم ارس ات الخوان‬
‫المسلمين في الحكم أو مضمون مع ارضة الليبراليين للخوان‪ ،‬إجراء إصلح ات محدودة وشكلية مع إع ادة تأهيل كل‬
‫العن اصر الس اسية في النظ ام الرأسم الي الف اسد بأكمله‪.‬‬
‫وللسف دخلت الجم اهير الثورية المعركة وهى تفتقد الدوات السي اسية والعلمية الضرورية لتطوير مستوى تنظيم‬
‫ونضج حركته ا للتع امل مع ضراوة قوى الثورة المض ادة ودرجة تنظيمه ا‪ .‬وفى هذا السي اق‪ ،‬ورغم بس الة النض الت سواء‬
‫سي اسية ك انت أو اقتص ادية‪ ،‬لم ولن تكفى أبدا الشج اعة والنض الية والتعبئة الجم اهيرية ومواجه ات الشوارع في حد ذاته ا‬
‫لهزيمة الطبقة الح اكمة‪.‬‬
‫ففي حين تمتلك الطبقة الح اكمة حتى الن القوة القتص ادية والسي اسية والعلمية في المجتمع للدف اع عن نظ امه ا‪ ،‬فإنه‬
‫ل مفر أن تعتمد الجم اهير المصممة على استكم ال الثورة ليس فقط على نض الي القتص ادية أو السي اسية العفوية بل‬
‫على رفع وتطوير درجة وعيه ا وتنظيمه ا السي اسي جنب ا إلى جنب مع النض ال‪.‬‬
‫ومن هن ا سنح اول من مركز الدراس ات الشتراكية أن نستمر في المس اهمة برؤيتن ا الشتراكية الثورية – التي تؤمن بأن‬
‫الشتراكية الحقيقية م ا هي إل نض ال الجم اهير من أجل بن اء مجتمع ق ائم على حكم الجم اهير لنفسه ا وبأنفسه ا من أجل‬
‫تلبية الح اج ات النس انية الس اسية بدون استغلل وطغي ان – في تطوير النق اش ات النظرية التي ل غنى عنه ا لكل الثوريين‬
‫الذين يطمعون في انتص ار الثورة المصرية إم ا أجل أو ع اجل‪.‬‬
‫ونصدر هذا الكتيب عن الرؤية الم اركسية للفك ار والستراتيجي ات الن اركية على مدار الخبرة الت اريخية – وهى الفك ار التي‬
‫أثرت لحد كبير في تشكيل الحرك ات الثورية في بلدان عديدة وتؤثر بشكل أو بأخر في صفوف وتوجه ات الكثيرين من‬
‫المن اضلين في مصر ممن يش اركون في الثورة‪ -‬ليس بهدف توبيخ أو التقليل من المس اهم ات الرائعة لكل من ش ارك أو‬
‫ش اركت في هذه الثورة وكل من قدم التضحي ات لتقدمه ا‪ ،‬بل لن كثير من الرف اق الن اركيون يش اركونن ا نفس الحلم في‬
‫مجتمع يقوم على المس اواة والحرية للمنتجين‪ ،‬وينبذون كم ا ننبذ التج ارب الست الينية التي قمعت العم ال والفقراء بإسم‬
‫الشتراكية‪.‬‬
‫وإذا كن ا ل ندعى أن لدين ا كل الج اب ات السليمة على كل المس ائل التكتيكية والستراتيجية التي واجهت وستواجه‬
‫ض ا نؤمن بأهمية الحوار النظري بين كل الثوريين في إط ار النض ال المشترك على أس اس الحترام‬
‫الجم اهير‪ ،‬وإذا كن ا أي ً‬
‫المتب ادل‪ ،‬فإنن ا نحمل القن اعة بأن الم اركسية كنظرية ُمرشدة للنض ال هي سلح ل غنى عنه للثوريين‪ ،‬وأن بن اء حزب‬
‫وأحزاب سي اسية ثورية مرتكزة على العم ال والفلحين والمضطهدين هو ضرورة ل غنى عنه ا في النض ال اليومي ضد‬
‫طبقة ُمستغلة ومنظمة سرقت الم اضي وتستميت لرهن المستقبل‪.‬‬
‫مركز الدراسات التشتراكية‬
‫خريف ‪2012‬‬

‫مقدمة الكاتب‬
‫اندلعت أثن اء كت ابتي لهذه الكراسة الثورة التونسية والمصرية في شت اء ‪ 2011\2010‬تبعته ا مع ارك ملحمية تسششتمر فششي‬
‫ليبي ا والبحرين واليمن وسوري ا وأنشش ا أكتششب‪ .‬وإذ تربطنششي علقششة قديمششة ب اليسشش ار المصششري كشش ان مششن الطششبيعي أن تشششتت‬
‫الحداث انتب اهي عن نقد الن اركية لبعض الوقت إل أن سششريًع ا مش ا تلهشش ا تطششورات زادت مششن أهميششة وضششرورة هششذا النقششد‬
‫وأشير هن ا إلى حركة احتلل المي ادين في أسب اني ا‪.‬‬
‫احتل آلف السب ان في ‪ 15‬م ايو ‪ 2011‬س احة بويرت ا ديل سول‪ ،‬الميدان الرئيسي في مدريد‪ ،‬مستلهمين ميدان التحريششر‬
‫ج ا علششى البط الششة وأزمششة السششكن والنظشش ام السي اسششي‬
‫وذلك أسبوع قبل بدء النتخ اب ات المحلية على مستوى البلد‪ ،‬احتج ا ً‬
‫الف اسد بأكمله‪ .‬وقد أطلقوا على أنفسششهم لششوس إنششديجني ادوس أو الغ اضششبون وشششجبوا التيشش ارات الرئيسششية مششن الس اسششة‬
‫والحزاب‪ .‬ك ان شع ارهم "إنهم ل يمثلونن ا" وط البوا بش"ديمقراطية حقيقية الن!"‪ .‬وفي ظرف أي ام ك انت هذه العتص ام ات‬
‫ض ا فششي سشش احة ك ات الونيشش ا المحوريششة ببرشششلون ا‪ .‬وانضششمت‬
‫أو المخيم ات قد انتشرت في ‪ 100‬مدينة في أنح اء البلد بل وأي ً‬
‫جم اع ات أسب انية على ُبعد يم اثل المس افة بين بروكسل ودابلن في احتج اج ات تض امنية‪ .‬وفششي ‪ 19‬مششن يونيششو تظشش اهر مشش ا‬
‫مشش ا‬
‫يقرب من مليون شخص‪ ،‬منهم ‪ 250‬ألف في برشلونة‪ ،‬تض امن ا مع الغ اضبون‪ .‬وم ا إلى ذلك ففششي ‪ 25‬مشش ايو أقيششم مخي ً‬
‫مش اب ًه ا في س احة سينت اجم ا بأثين ا كمركز لحتج اج ات جم اهيرية وإضراب ات ع امة متواصلة ضد التدابير التقشششفية الق اسششية‬
‫التي يفرضه ا التح اد الوروبي وصندوق النقد الدولي على الشعب اليون اني‪.‬‬
‫اتسمت هذه الحركة بشكل ع ام ب الشب ابية والسلمية وك انت شديدة الحيوية والحمشش اس‪ ،‬كمشش ا تششأثرت بأشششك ال كششثيرة مششن‬
‫الن اركية أو على القل بأفك اره ا فقد اعتمدت أسلوب الديمقراطية المب اشرة في اتخ اذ القرارات في جمعي اته ا الع امة‬
‫ومنعت كل الحزاب السي اسية براي اته ا وأعلمه ا وصحفه ا‪ ،‬إلخ‪ ،‬من دخول الس اح ات‪.‬‬
‫إن نض ال لوس إنديجن ادوس ‪) los Indignados‬الغ اضبون( جزء من موجة دولية ص اعدة من النض الت رًدا علششى أزمششة‬
‫الرأسم الية الع المية التي بدأت مع انهي ار المؤسسة الم الية المريكية ليم ان براذرز ‪Lehman Brothers‬في أغسطس‬
‫‪ 2008‬وهي الموجة التي ك انت قد ضمت المق اومة المستدامة للطبقة الع املة اليون انية‪ ،‬ونض ال العم ال الفرنسششيين ضششد‬
‫رفع سن التق اعد‪ ،‬وتمرد الطلبة البريط انيين في أواخر ع ام ‪ 2010،‬والثورات المدهشششة فششي تششونس ومصششر وبشش اقي دول‬
‫الربيششع العربششي‪ ،‬والحركششة الجم اهيريششة فششي وليششة ويسكونسششن فششي الوليشش ات المتحششدة‪ ،‬والمظشش اهرات الضششخمة للعمشش ال‬
‫البريط انيين في ‪ 26‬م ارس وإضراب ات ‪ 30‬يونيو وغيره ا الكثير‪ .‬ونأمل أنه عند نشر هذا الكتيب تكون نضش الت أخشرى قشد‬
‫تطورت‪.‬‬
‫في وضع كهذا ل مح ال من عودة أفك ار أو أمزجة أن اركية للظهور‪ .‬هكذا ك ان المر في النض الت العظيمة في ع ام ‪1968‬‬
‫وب الخص في أحداث م ايو في ب اريس والحركة الطلبية الع امة في تلك الحقبة‪ ،‬ثم الحركة الدولية المن اهضة للرأسششم الية‬
‫مميزة للن اركية – من رفضه ا القشش اطع للدولششة والسششلطة والمم ارسشش ات الني ابيششة‬
‫التي بدأت في سي اتل ‪ .1999‬ف القض اي ا ال ُ‬
‫الف اسدة وللحزاب السي اسية التي تخدم مص الحه ا الذاتية – له ا صدى قوي لدى للشب اب المتمرد التلق ائي وحديثي العهششد‬
‫ب العمل الراديك الي‪ .‬وهذا م ا يحدث ب الخص مششع وجششود هششذا الفششراغ الكششبير فششي اليسشش ار الششذي خلفششه النحسشش ار والختفشش اء‬
‫الت اريخي للحزاب الشيوعية القديمة‪ ،‬والنقلة الكبيرة للحزاب الشتراكية الصششلحية الوروبيششة ب اتجشش اه اليميششن )الممثلششة‬
‫للن في شخص توني بلير البغيض‪ ،‬الصديق الصدوق لجورج بوش وبرلسكوني(‪.‬‬
‫خل علششى الحركششة الخيشش ال والششروح‬
‫وإض افة إلى ذلك‪ ،‬يعتبر عودة أفك ار أو أمزجة أن اركية تطور محمود بشكل عشش ام إذ ي ُششد ِ‬
‫عقم البيروقراطية والروتين‪.‬‬
‫ب الض افة إلى أنه يقدم تكتيك ات جديدة وآم ال أكبر لم ا هو ممكن وهذا أفضل كثيًرا من ُ‬
‫دا للنض ال – ف المر ليس كذلك للسف‪ .‬وأقول للسششف لنششه‬
‫مرشدا مفي ً‬
‫ولكن هذا ل يعني أن هذه الفك ار الن اركية تمثل ُ‬
‫م ا ل نه ائًي ا من الجهد السي اسي أغلبه ُمضششني‪ .‬وبصششفتي اشششتراكي وم اركسششي أقششول أنششه‬
‫لو ك ان المر كذلك لوفر علين ا ك ً‬
‫على كل "يس اري" وكل اشتراكي أو ثوري أن يعمل بداخل هذه الحرك ات المتأثرة ب الن اركية ومعهشش ا بششروح مششن التضشش امن‬
‫والتع اون والستعداد للتعلم – ف الم اركسيون العظ ام‪ ،‬بدًءا من م اركس‪ ،‬ط الم ا ك انوا يتعلمون من الحركة – ولكششن عليهششم‬
‫كذلك الخوض في نق اش ات ومح اولت إقن اع للن اشطين النشش اركيين لن الفكششر النشش اركي بششه نقشش اط ضششعف جوهريششة‪ .‬وهششذا‬
‫ال ُ‬
‫كتيب معني بطبيعة الح ال بعرض نق اط الضعف تلك‪ ،‬ولكنني أو د في هذا الصدد أن أستعرض بعض المثلششة علششى هششذا‬
‫ُبن اًءا على الخبرات الخيرة‪.‬‬
‫أول‪ :‬الكفاح في أسباانيا‬
‫كم ا تمت الش ارة أعله فقد ك انت أهم الشع ارات التي رفعته ا هذه الحركة "إنهم )المقصود هنشش ا الحكومششة والس اسششة( ل‬
‫م ا‪ .‬فهي موجهة إلى صششميم‬
‫يمثلونن ا" و"ديمقراطية حقيقية الن"‪ .‬إن نشر هذه الشع ارات بين الجم اهير يعتبر إنج اًزا عظي ً‬
‫زيف الديمقراطية الني ابية التي يخت ار من خلله ا الن اس كل أربع أو خمس سنوات مجموعة السي اسششيين الششذين سششيكذبون‬
‫عليهم وسيمثلونهم على نحو غير ص ادق وسيخدعونهم في حين أن السلطة الحقيقية في المجتمع ل يتم التصويت عليهشش ا‬
‫ول يتم مح اسبته ا وهي السلطة الم اكثة في غرف مج الس إدارة الشرك ات ومك اتب إدارة الدولة‪.‬‬
‫إل أن هن اك كذلك ثمة مشكل عويص‪ .‬يط الب لوس إنديجن ادوس بش"الديمقراطية الحقيقية" ولكن كيف سيحصلون عليهشش ا‬
‫عمل ًي ا؟ فمن الواضح أن الطلب في حد ذاته ل يتحقق لمجششرد المط البششة بششه؛ فأقششل مشش ا تحتشش اج إليششه تأسششيس ديمقراطيششة‬
‫حل الحكومة السب انية وجه از الدولششة نفسششهم ا طواعيششة‪.‬‬
‫صد به ا المحتجون "ديمقراطية مب اشرة" أن ت ِ‬
‫"حقيقية" والتي يق ِ‬
‫وب الطبع يمكن للحركة أن ترد أنه ا تخلق الديمقراطية الحقيقية الخ اصة به ا من خلل تجمع اته ا الع امة في المي ادين‪ ،‬وهششذا‬
‫مبهرة‪ ،‬ولكنه ا تظل سيطرة ديمقراطية على المي ادين فقط وليس على المجتمع الوسع‪ .‬كمشش ا أنهشش ا‬
‫أي ً‬
‫ض ا من النج ازات ال ُ‬
‫لن تحقق أي سلط ان على القتص اد والشرطة والجيش أو أي من مق اليد السلطة الرئيسششية فششي المجتمششع السششب اني ول‬
‫تقدم إستراتيجية مفيدة أو سبيل لتحقيق ذلك‪.‬‬
‫واقع المر أن تأسيس ديمقراطية حقيقية في المجتمع‪ ،‬وليس مجرد بشكل مؤقت في المي ادين‪ ،‬سيتطلب علششى القششل‪:‬‬
‫)أ( إزاحة أو تفكيك نظ ام الدولة القش ائم واسشتبداله بنظش ام قش ائم علشى الديمقراطيشة المب اششرة و)ب( جمشع وحششد قشوة‬
‫جم اهيرية ق ادرة على إحداث هذا التغييششر أي ثشورة سششيكون مفشروض عليهش ا كسششر المق اومشة الحتميششة مشن قبشل الثريش اء‬
‫والسلط ات الق ائمة‪.‬‬

‫وهذا بدوره سيتطلب تطوير إستراتيجية سي اسية للوصول لغلبية من العمشش ال العشش اديين‪ ،‬وإدخشش الهم فششي نضشش ال ل يقتصششر‬
‫مششن السششلطة القتصشش ادية‪ .‬بعبشش ارة أخششرى‪ ،‬سششيتطلب تأسششيس‬
‫على الش ارع فحسب بل وأيض ا في أم اكن عملهم حيششث تك ُ‬
‫ديمقراطية حقيقية فشي المجتمشع تجش اوز مجشرد الرفشض للدولشة والقيش ادة والتنظيششم السي اسششي وهشي السشم ات النمطيششة‬
‫للن اركية‪.‬‬
‫ثاانًيا‪ :‬الثورة في مصر‬
‫ُ‬
‫سقط بفعل تمرد جمشش اهيري تلقشش ائي‬
‫تبدو هذه الثورة للوهلة الولى ك البره ان على أحلى أحلم الن اركية‪ :‬ط اغية مكروه أ ُ‬
‫ق ام به الن اس‪ ،‬بمع ارك ض ارية في الش ارع‪ ،‬غ البيتهم شب اب تم حشدهم عن طريق الفيسبوك والتويتر‪.‬‬
‫وهي صورة صحيحة بدرجة م ا‪ .‬فمعظم الثورات العظيمة )بم ا فيه ا الثورة الفرنسية وكومونة بش اريس والثششورة الروسششية(‬
‫بدأت بتلق ائية؛ وحتى الن لم توجه الثورة المصرية أو يتزعمه ا أي حزب أو فصيل سي اسي واحد‪.‬‬
‫ض ا أن مزيد مشن الفحشص يظهشر وجشود كشثير مشن العمشل السي اسشي الشش اق مشن وراء وداخشل التلق ائيشة‬
‫إل أنه صحيح أي ً‬
‫الظ اهرة‪ .‬ف العصي ان الذي بدأ في الخ امس والعشششرين مششن ينشش اير ‪ 2011‬لششم يششأت مششن فششراغ‪ .‬فقششد أشششعله نجشش اح الثششورة‬
‫التونسية في الرابع عشر من ين اير؛ كم ا أن سلسلة من النض الت من أجل الديمقراطية والعم الية والمن اهضة للمبري اليششة‬
‫مهدت له على مدار عدة سنين‪.‬‬
‫لم يكن للفك ار الن اركية تأثير يذكر على هذه النض الت ولكن الحزاب السي اسية‪ ،‬ومن بينه ا الخششوان المسششلمين وحششزب‬
‫الكرامة الن اصري وحركة كف اية والشتراكيين الثوريين‪ ،‬لعبت دوًرا ه اًم ا‪ .‬ب الض افة إلى ذلك أفرزت موجششة إضششراب ات عشش ام‬
‫‪ 2008‬نق اب ات عم ال مستقلة )إذ أن التح ادات الس ابقة ك انت واقعة تحت سيطرة نظ ام مب ارك( تطورت أكثر في مسشش ار‬
‫الثورة‪ .‬أم ا أثن اء الثورة نفسه ا فقد استمرت هذه الحزاب في العمل بنش اط كم ا تم إنش اء أحزاب أخرى‪.‬‬
‫أم ا اللفت للنظر على نحو خ اص فك ان الدور الذي ق ام به الخوان المسلمون‪ ،‬الحزب المع ارض الكبر على الطلق في‬
‫مصر‪ .‬ك ان الخوان المسلمون في ظل الحكم الدكت اتوري حزب إصلحي معتدل مح افظ‪ ،‬ذا طشش ابع إسششلمي ولكششن ليششس‬
‫أصولي متطرف أو إره ابي‪ .‬وبشكل م ا ك ان الخوان المسلمون أشبه لحزب العمشش ال البريطشش اني الصششلحي منششه لتنظيششم‬
‫الق اعدة‪ ،‬إل أنه ك ان محظوًرا ويتعرض ب استمرار للملحقة‪.‬‬
‫ع ارض الخوان المظ اهرة الولى في يوم ‪ 25‬ين اير لكن مشع تزايشد دعششم الجمشش اهير لهش ا رضششخ التنظيششم للضششغوط وسشمح‬
‫لعض ائه من الشب اب أن يش ارك‪ .‬وكل الشه ادات تشير إلى أن شب اب الخوان حينذاك ق اموا بششدور بطششولي فششي التصششدي‬
‫سميت بمعركة الجمل في‬
‫للشرطة والدف اع عن ميدان التحرير ضد البلطجية المؤيدين لمب ارك في معركة حي اة أو موت ُ‬
‫‪ 2‬فبراير‪ .‬وعندم ا سقط مب ارك ب انقلب المجلس العسكري عليه عش اد الخشوان لمسش اندة الحكومشة ومع ارضشة مزيشد مشن‬
‫الحتج اج ات إل أن هذا أدى إلى انشق اق العديد من الشب اب عنهم‪.‬‬
‫كل من يريد للثورة المصرية أن تستمر ويريده ا أن تتجه نحو"الديمقراطية الحقيقية" بل وإط احششة الرأسششم الية‪ ،‬عليششه أن‬
‫يتع امل مع هذه التن اقض ات من الن احية الستراتيجية والتكتيكية بقدر م ا عليه أن يعرف كيف يعمل مششع النق ابشش ات العم اليششة‬
‫المستقلة في طور النش اء‪ ،‬وكيف يجمع بين المط الب الديمقراطية والمط الب الجتم اعية والقتص ادية حششتى يتششم تركيششز‬
‫وتوحيد الط اقة الثورية اله ائلة للجم اهير المصرية التي استيقظت حديًث ا‪.‬‬
‫للسف إن التع امل مع التن اقض ات والعمل الستراتيجي والتكتيكي ليست من مشواطن قشوة الن اركيشة‪ ،‬والرفشض القش اطع‬
‫لكل الحزاب السي اسية والنق اب ات العم الية والراي ات على طريقة لوس إنششديجن ادوس السششب انية لششن تنجششح إل فششي العششزل‬
‫الت ام لصح اب هذه الرؤية عن الجم اهير‪ .‬كم ا أن خي ار الجلششوس مكتششوفي اليشدي غيششر مطششروح فشي مصششر اليششوم‪ ،‬وقششول‬
‫البعض أن علين ا النتظ ار حتى تحرر جم اهير العم ال المصرية نفسه ا من أوه امه ا العديشدة فشي التيش ارات الدينيشة والجيشش‬
‫والديمقراطية البرجوازية وأن يصبحوا أن اركيين بحق هو وصفة للنتح ار السي اسششي‪ .‬فقبششل أن يحششدث هششذا بكششثير سششتكون‬
‫اللحظة الثورية قششد تبششددت وسششيكون مششن المحتمششل أن يجششد الشششتراكيون والثوريششون – سششواء كشش انوا مششن النشش اركيين أو‬
‫التروتسكيين أو اللينينيين أو أي ا ُ ك ان – أنفسهم في السجون المصرية‪.‬‬
‫بعب ارة أخرى ف الحداث الج ارية تؤكد الحجة الس اسية لهذا الكتيب وهي أن خبرة الش ‪ 150‬ع ام الم اضششية تششبين بمشش ا ل يششدع‬
‫مج ال للشك أن الفك ار الن اركية بشتى أشك اله ا‪ ،‬رغم فض ائله ا‪ ،‬ل تمثل الطريق الصحيح لتغيير الع الم‪.‬‬
‫جون مولينيو‪ ،‬صيف ‪2011‬‬

‫‪ – 1‬جاذبية الاناركية‬
‫لط الم ا ك ان للن اركية ج اذبية شديدة على المتمردين على هذا المجتمع الف اسد وب الخص على الشب اب منهم وهششي نقطششة‬
‫ُتحسب له ا تم اًم ا‪ .‬ففي كل حركة راديك الية وثورية لعب الشب اب فيهش ا الشدور الكشبر‪ ،‬ف الششب اب غيشر المنكسشر والمنحنشي‬
‫يتمتع بأعلى درج ات النش اط والحم اس والمث الية‪.‬‬
‫تصرخ الن اركية صرخة تحدى واستنك ار فششي وجششه السششتغلل والظلششم المتفشششي والهيمنششة السشش احقة للدولششة الرأسششم الية‬
‫سنة الحي اة هششي أن يكششون‬
‫محكمة ليديولوجيته ا‪ ،‬وتنفي أنن ا ُمجبرين على أن نحي ا بهذه الطريقة‪ ،‬وأن نقبل أن ُ‬
‫والقبضة ال ُ‬
‫مست ََغل والح اكم والمحكوم‪ ،‬وأنه غير صحيح أن الحرب والعنصرية والقمع ُ‬
‫كتب علين ا‬
‫وال‬
‫غل‬
‫ت‬
‫مس‬
‫وال‬
‫والفقير‬
‫هن اك الغني‬
‫ُ َِ‬
‫ُ‬
‫وأن أقلية ل بد أن تسيطر على أغلبية أو حتى أغلبية على أقلية‪.‬‬

‫على عكس عملية التلقين غير المنقطعة التي تعتبر أن جموع البشر بطبيعتهم إم ا أغبيشش اء أو أنشش انيين وأنششه مششن ث َششم يلششزم‬
‫إخض اعهم للوامر والسيطرة على أعم الهم من قبل سلطة أعلى منهم‪ ،‬تؤكد الن اركية أن في مقدورن ا العيش في تع اون‬
‫وألفة‪.‬‬
‫وترفض الن اركية ب ازدراء نف اق مم ارس ات )المؤسس ات( البرجوازية وانته ازيته ا التهكمية التي يقوم الس اسة فيهشش ا بتغليششف‬
‫ة رد فعل ضد الندم اج‬
‫أنفسهم وطرح أشخ اصهم للبيع كم ا لو ك انوا منتج ات تجميل ومس احيق بدرة‪ .‬وتمثل الن اركية خ اص ً‬
‫المتزايد لتي ار اليس ار الصلحي الرئيسي وأحزاب المع ارضة في ع الم السي اسة الرسمية الف اسدة‪ ،‬وتعبر براديك اليششة عششن‬
‫الرؤية المنتشرة بين ع امة الن اس أن كل الس اسة من نفس الفصيل‪ ،‬ل يريدون سوى السلطة لنفسهم وتعميششر جيششوبهم‬
‫بأموال الغير‪.‬‬
‫فمن ثم من غير المستغرب في الظرف الح الي أن تشهد الن اركية نوع من النتع اشة في أنح اء أوروبش ا‪ .‬نش ادًرا مش ا حشدث‪،‬‬
‫سششفور الششذي نشششهده الن‬
‫إن ك ان حدث في الت اريخ الحديث للرأسم الية‪ ،‬أن تخلت الحزاب الشتراكية الصلحية بهششذا ال ُ‬
‫عن أدنى نية لتحد النظ ام‪ ،‬أو ب اتت مفضوحة بهذا الجلء وهى تلعب دور مجرد أحزاب متواطئة مع الدولة‪.‬‬
‫وك ان الهم من ذلك هو تفسخ م ا سمي ب النظم الشيوعية في شرق أوروب ا وروسي ا في بداية التسششعين ات الششتي اعتبرتهشش ا‬
‫مليين الن اس في الع الم لعقود طويلة بدائل "تقدمية" للرأسم الية الغربية‪ .‬إل أن أحداث العوام ‪ 1989-92‬كشفت هششذا‬
‫الوهم بل رحمة‪ُ ،‬مبينة الفشل الذريع للقتص ادي ات الشمولية البيروقراطيششة بششل وكششذلك كراهيششة الشششعوب الرهيبششة لهششذه‬
‫النظمة‪ .‬انه ارت بشكل أو آخر الست الينية‪ ،‬التراث الذي هيمن لمدة ستين ع اًمش ا علشى جشزء كشبير مشن اليسش ار العش المي؛‬
‫وأنتشر مع هذا النهي ار الحب اط بين الكثيرين متج اوزا بكثير صفوف الحزاب الشيوعية نفسه ا ممتدا ً إلششى كششل مششن كشش ان‬
‫ع ا م ا على الرأسم الية الغربية‪.‬‬
‫متفوًق ا نو ً‬
‫يعتبر الشرق "الشتراكي" ُ‬
‫أم ا والوضع أصبح هكذا‪ ،‬فك ان من المتوقع أن ينظر البعض الب احث عن بديل راديك الي للرأسششم الية إلششى الن اركيششة علششى‬
‫أنه ا اليديولوجية الوحيدة التي م ازالت يداه ا نظيفة حتى الن‪.‬‬
‫كم ا أن للن اركية ج اذبية شديدة كمنطق أيديولوجي لفئ ات ذات أسلوب حي اة معين‪ .‬فب النسبة لفئششة مششن الشششب اب‪ ،‬يعيششش‬
‫أغلبه في فقر ول يجد معظم الوقت عمل ً ول سكًن ا ويقطن في عشوائي ات‪ ،‬يتواجدون على هش امش المجتمشع تقريًبش ا فشي‬
‫المن اطق المهمشة‪ ،‬ف الن اركية ترمز إلى رفضهم للنظ ام الظ الم‪.‬‬
‫إل أن الغ اي ات النبيلة والج اذبية الشديدة ليديولوجية م ا ل تقدم على أية ح ال أي ضم انة بششأن هششذه اليديولوجيششة بإمك انهشش ا‬
‫فعل تحقيق الغ اي ات التي تعلن عنه ا‪ .‬ف الست الينية‪ ،‬على سبيل المث ال‪ ،‬ك ان له ا ج اذبية ه ائلششة لفششترة طويلششة عنششد من اهضششي‬
‫الرأسم الية والمبري الية إل أنه ا أثبتت أنه ا طريق مسدود تم ا ًم ا‪ .‬فهل الن اركية إذن أيديولوجية قشش ادرة علششى إرششش اد نضشش ال‬
‫التحرر النس اني إلى النصر في النه اية؟‬
‫حجة هذا الكتيب حيث نرى أن الفك ار الن اركية به ا علة خطيرة ستؤدي إلى مم ارسش ات معيقشة للنضش ال مشن‬
‫هذا م ا تنفيه ُ‬
‫دا للنظرية والمم ارس ات الن اركية مششن المنظششور الم اركسششي‪ ،‬أي مششن منظششور الم اركسششية‬
‫نق‬
‫الكتيب‬
‫سيقدم‬
‫أجل التحرر‪.‬‬
‫ً‬
‫الكلسيكية لم اركس ولينين وتروتسكي وليس الست الينية؛ وسنج ادل بأن الم اركسية وحده ا هي التي تششير إلشى الطريشق‬
‫الذي يؤدي إلى مجتمع المستقبل الحر والخ الي من الطبقية‪ ،‬والذي يتش ارك في استهدافه الم اركسيين والنشش اركيين معًشش ا‬
‫كغ اية نه ائية‪.‬‬
‫‪ – 2‬الفكار الاناركية‬
‫للن اركية أشك ال متعددة‪ ،‬فهن اك الن اركية الفردية الخ الصة الرافضة لكل أنششواع التنظيششم؛ وهنشش اك العديششد مششن المنظمشش ات‬
‫الن اركية الصغيرة‪ :‬هن اك أن اركيون يعلنون عششن ثقتهششم فششي النش اس بغششض النظششر عششن الطبقششة الششتي ينتمششون إليهش ا؛ هنشش اك‬
‫أن اركيون شيوعيون يضعون آم الهم في الطبقة الع املة؛ هن اك أن اركيو العصبة الفلحية على طريقة م اخنو )زعيم الفلحين‬
‫في روسي ا خلل الحرب الهلية التي تلت الثورة(؛ هن اك أن اركية رافضة للنق اب ات العم الية وأن اركية نق ابويشة مسشتندة علشى‬
‫النق اب ات العم الية؛ وهن اك أن اركيون ثوريون‪ ،‬وإره ابيون‪ ،‬سلميين ‪ ،Pacifists‬وخضر؛ وهن اك أن اركيون ل ينطبششق عليهششم أي‬
‫من هذه التصنيف ات أو لديهم ترتيب تصنيفي خ اصة بهم‪.‬‬
‫وهنشش اك أنشش اركيون متششأثرون بشش الرموز الت اريخيششة للحركششة الن اركيششة مثششل بششرودون وبشش اكونين وكروبششوتكين‪ ،‬إل أنششه ل يوجششد‬
‫برودونيون أو ب اكونينيون أو كروبوتكينيون يتبعون مذهًب ا أو خ ً‬
‫ط ا بعينه‪ .‬ولذا تشكل الن اركية هدًف ا مراوغ ا أمشش ام الن اقششد؛ إذا‬
‫م ا ه اجم نظرية أو توجه ات سي اسية لتي ار أن اركى محدد يجد أن أغلب النشش اركيون ل يؤيششدونه ا‪ ،‬وإذا مشش ا حلششل أفكشش ار مفكششر‬
‫أن اركى تقليدي يتبرأ منه أن اركيون آخرون‪.‬‬
‫ومع ذلك هن اك أفك ار ومواقف ع امة تعتبر مشتركة بين جميششع أو أغلششب التج اهش ات الن اركيششة يمكشن أن تسششتخدم كنقطششة‬
‫انطلق للنقد‪ ،‬أهمه ا‪) :‬أ( العداء للدولة بك افة أشك اله ا بم ا فيه ا فكرة الدولة الثورية‪) ،‬ب( العداء للقي ادات بك افششة أشششك اله ا‬
‫بم ا فيه ا القي ادات الثوريششة‪) ،‬ج( العشداء لك افششة الحشزاب السي اسششية بمش ا فيهش ا فكشرة الحشزب الثشوري‪) ،‬د( الميشل للفرديششة‬
‫‪ .Individualism‬وسأتطرق لكل نقطة من هذه النق اط على حدة‪.‬‬
‫الدولة‬
‫المعنى الحرفي للن اركية هي "اللسلطوية"‪ ،‬ومع ارضة الدولة والحكومة – ل دولششة بعينهشش ا ول حكومششة بعينهشش ا ولكششن كششل‬
‫الدول والحكوم ات وفى كل زم ان ومن حيث المبدأ – وهذه هي السمة المحددة للن اركية كعقيدة‪.‬‬
‫تصر الن اركية أن ذات وجود الدولة‪ ،‬في شكل هيئ ات خ اصة مكونة من رجشش ال )ونسشش اء( تمشش ارس سششلطة ق انونيششة وم اديششة‬
‫على المجتمع ككل‪ ،‬هو أمر ج ائر ول يتم اشى مع الحريششة النسشش انية الحقيقيششة‪ .‬ولوضششع حششد للقمششع وتوطيششد الحريششة تششري‬
‫الن اركية أنه ل بد من استبدال حكم الدولة بجم اعة ذاتية الحكم‪ ،‬أي جم اعة ليس له ا سلطة مركزية علي ا‪.‬‬
‫وبحسب الحكمة الس ائدة في المجتمع‪ ،‬يعتبر تحقيق منظور كهذا أمر مستحيل أو أمر إذا تحقق فسيؤدي إلى وضع‬
‫ك ارثي‪ .‬مستحيل لن "طبيعة النس ان" تحتم صعود أفراد أو مجموعششة أفشراد إلششى القمششة ليبسششطوا حكمهششم‪ .‬وكشش ارثي لن‬
‫المجتمع بدون دولة سينزلق إلى حرب فوضوية "يتح ارب فيه ا الكل مع بعضه البعض" ويسود فيه ا مشش ا يسششمى بششش"قشش انون‬
‫الغ ابة" وتصبح حي اة النس ان "كريهة ووحشية وقصيرة" )كم ا وصفه ا ذات مرة فيلسوف القششرن السشش ابع عشششر السي اسششي‬
‫توم اس هوبز ‪ .Thomas Hobbes‬ولذا فأفضل م ا يمكن أن نتعشم فيه‪ ،‬بحسب الحكمة الس ائدة في المجتمششع‪ ،‬هششو أن‬
‫تكون الدولة ديمقراطية‪ُ ،‬تنتخب حكومته ا وتراعي حقوق ديمقراطية محددة كحرية التعبير وغيره ا‪.‬‬

‫إل أنه في هذا تخطئ الحكمة الس ائدة وتصيب الن اركية‪ .‬فعلم النثروبولوجي ا يقدم الدليل الق اطع بأن البششر يسشتطيعون‬
‫العيش في مجتمع ات بدون دولة أو حكومة وأن هذه المجتمع ات بعيدة كل البعد عن الفوضوية‪ ،‬وعلى ذات درجة تنظيم‬
‫مجتمع اتن ا بل وأكثر منه ا‪ .‬فلقد ش اهد ودرس علم اء النثروبولوجي ا العديد من هذه المجتمع ات غير المرؤوسة‪ ،‬وتعد‬
‫الكونج س ان وق اطني أدغ ال ك اله اري في أفريقيش ا الجنوبيششة أمثلشة بش ارزة علشى تلششك المجتمعش ات‪ .‬وهنش اك أسششب اب تشدعوا‬
‫للعتق اد بأن ح الة اللدولة في المجتمع ك انت النموذج الس ائد لمئ ات اللف من السنين منذ بداية المجتمع النس اني حتى‬
‫تقسيمه إلى طبق ات مع ظهور الزراعة والرعي والملكية الخ اصة منذ م ا يتراوح من عشرة آلف وخمسة آلف سنة‪.‬‬
‫محقة في رؤيته ا بأن الدولة‪ ،‬بكل أشك اله ا‪ ،‬تحتوي على قمع مجموعششة مششن المجتمششع لمجموعششة أخششرى‪.‬‬
‫كم ا أن الن اركية ُ‬
‫ولم يغير ظهور الديمقراطية البرلم انية من هذا شيئَ ا؛ ف البرلم ان ات‪ ،‬أًي ا ك انت الطريقة التي انتخبت به ا‪ ،‬ل تملششك السششلطة‬
‫الحقيقية في المجتمع وإنم ا تظل السلطة الفعلية ُمركزة في أيدي البيروقراطية الدائمششة للدولششة )كشش الجنرالت ولششواءات‬
‫الشرطة والقض اة وكب ار الموظفين العموميين وغيرهم(‪ ،‬والمصرفيين وكب ار رج ال العم ال الششذين يسششتخدمون سششلطتهم‬
‫القتص ادية في التحكم ب الدولة وذلك لرع اية مص الحهم الخ اصة وليس مص الح ع امة الن اس‪.‬‬
‫ولكن إذا ك ان وجود مجتمع بدون رأس‪ ،‬أي بدون رؤس اء ومرؤوسين‪ ،‬شيئ ا ممكن ا ومرغوب ا فيشه‪ ،‬فكيشف إذن نتخلشص مشن‬
‫الدولة الموجودة؟ وب التحديد عند التع امل مع هذا السؤال المهم يبدأ مأزق الن اركية‪.‬‬
‫ل بد من القول أن بعض الن اركيين ل يح اولون حتى الج ابة على هذا السؤال‪ ،‬فهم مكتفين بمجرد رفششض سششلطة الدولششة‬
‫كموقف شخصي خ الص‪ ،‬ول يشعرون بح اجة لصي اغة إستراتيجية متسقة لسق اط هذه السشلطة‪ .‬إل أن هشذا الموقشف هشو‬
‫موقف متنصل إذ أنه يترك المج ال للدولة أن تم ارس قمعه ا ضد الجم اهير إلى أبد البدين‪ ،‬كم ا أنه انهزامششي لن مق اومششة‬
‫سلطة الدولة في النه اية عمل ل يمكن أن يقوم به شخص واحد أو حتى مجموعة صغيرة‪.‬‬
‫وبعض الن اركيين يح اولون الهروب من سلطة الدولة بإق امة مجتمع ات صغيرة ذاتية الحكم في الريف أو داخل قمقم في‬
‫المدن‪ .‬وللسف تع اني هذه المجتمع ات الن اركية من المش اكل ذاته ا التي ع انت منه ا التع اوني ات الشتراكية التي دع ا إلششي‬
‫إق امته ا داخل المجتمع الرأسم الي روبرت أو ين ‪ Robert Owen‬وأمث اله من الشتراكيين الطوب اويين من أكثر من ‪150‬‬
‫ع اًم ا‪ :‬فهي )أ( حل ل يصلح من الن احية العملية إل لقلية صغيرة‪ ،‬كم ا أنشه )ب( تظشل هشذه القليشة معرضشة لكشل ضشغوط‬
‫المجتمع الكبر وع اجل أو آجل )وع ادة ع اجل بدل من آجل( تستسلم له ا‪.‬‬
‫إنم ا الج ابة الكثر راديك الية والكثر جدية على هذا السؤال هي أن الدولة سششتهدم بفعششل ثششورة‪ ،‬أي فششي انتف اضششة شششعبية‬
‫جم اهيرية ستقوم فيه ا الطبقة الع املة عن طريق الفعل الذاتي المب اشر ب التغيير الجششذري للمؤسسشش ات المركزيششة للدولششة‬
‫الق ائمة وهي‪ :‬القوات المسلحة والشرطة والمح اكم والسجون‪ ،‬إلخ‪.‬‬
‫م ا – فقد كرس لينين أهم أعم اله النظرية "الدولة والثورة"‬
‫ومن المنظور الم اركسي يعتبر هذا التغيير الجذري صحيح تم ا ً‬
‫دا للتدليل على أن جششوهر الثششورة هششو خلششق آلششة دولششة جديششدة )ب المع ارضششة للفكششر الشششتراكي‬
‫الذي ألفه في ‪ 1917‬تحدي ً‬
‫الديمقراطي والصلحي والذي يهدف إلى مجرد تولي زم ام الدولة الق ائمة(‪ .‬وتمتلك عملية بن اء دولة جديدة ميزة أن له ا‬
‫س ابقة في الت اريخ‪ ،‬فقد ُ‬
‫طبقت للمرة الولى كومونة ب اريس في ع ام ‪ 1871‬ثم مرة ث انية في الثورة الروسششية فششي عشش ام‬
‫‪1917‬؛ كم ا أن كل ثورة شعبية كبيرة‪ ،‬سواء الثورة اللم انيششة فششي ‪ 1918-23‬أو الثششورة السششب انية فششي ‪ 1936‬أو الثششورة‬
‫اليرانية في ‪ ،1979‬ع ادةً م ا يظهر فيه ا ميوًل في اتج اه بن اء شكل جديد للحكم‪.‬‬
‫إل أن التخلص من آلة الدولة القديمة يطرح على الفور السؤال الت الي‪ :‬م ا الذي سيحل محله ا؟‬
‫وتميل الن اركية إلى الغموض الشديد في التع امل مع هذه النقطة‪ .‬إل أن الج ابة الوحيدة علي هذا السؤال والمتسقة مع‬
‫مب ادئ الن اركية هي أن الدولة القديمة ل بد أن ُتستبدل في الح ال بمجتمع ُيحكم ذاتًي ا بدون دولششة‪ ،‬وليششس بششه حكومششة أو‬
‫سلطة مركزية‪.‬‬
‫وهن ا يفقد الموقف الن اركي كل النفعية والواقعية‪.‬‬
‫فمن وجهة النظر الم اركسية‪ ،‬يمكن أن نقول أنه في المدى الطويل ستفقد الدولة وظ ائفه ا فتذوي وتختفي ككيشش ان كمشش ا‬
‫نعرفه ا الن بعد انتص ار الشتراكية بشكل نه ائي علشى المسشتوى الشدولي واختفش اء الطبقش ات والصششراع مش ا بينهش ا ووصشول‬
‫مستوي ات النت اج إلى درجة تغطي ضروري ات الحي اة‪ ،‬فيصبح مسلك العمل من أجل الص الح الع ام طبيعة بشرية ث انية‪.‬‬
‫أم ا أن تقترح الن اركية‪ ،‬والثورة ج ارية‪ ،‬في لحظة يكون نج احه ا معلق من شعرة‪ ،‬أن تتوقف الطبقة الثوريششة فششي الحشش ال‬
‫واللحظة عن اللجوء لستخدام القوة المنظمة بواسطة جه از دولة يعبر عن المص الح الثورية فهذا أمر مختلف‪.‬‬
‫هذا سيؤدي إلى ك ارثة لسببين أس اسيين؛ السششبب الول أنششه ل يضششع فششي الحسششب ان المق اومششة الششتي ل محشش ال وأن تبششديه ا‬
‫الطبقة الح اكمة القديمة‪ .‬إن الصراع الطبقي ل ينتهي بنج اح النتف اضة لنه يتضح من ت اريخ كل الثورات أن الطبقة‬
‫الح اكمة لن تتوارى عن فعل أي شيء من أجل الحتف اظ ب السلطة التي م ازلت في أيديه ا بل أو كذلك لتستعيد السششلطة‬
‫المفقودة‪ .‬ونظًرا لعدم احتم ال حدوث ثورة ع المية متزامنة‪ ،‬ل بد أن يوضع في العتب ار أن البرجوازية التي أخرجت مششن‬
‫الحكم ستلقى الدعم من حكوم ات وقوى رجعية في الخ ارج‪.‬‬
‫على الثورة الن اجحة أن تتوقع كل شيء من الطبقة الح اكمة‪ ،‬من عرقلة بيروقراطية إلى تخريب للقتص اد حتى المق اومة‬
‫المسلحة والره اب والحرب الهلية إلى التدخل العسكري الجنبي‪ .‬وهل يستطيع شعب ثشش ائر أن يشدافع عشن الثششورة ضششد‬
‫أعم ال للثورة المض ادة كهذه بدون مس اعدة مليشي ات أو جيش من العم ال وبدون أي نوع من النظشش ام القشش انوني لضششم ان‬
‫احترام إرادة الشعب وبدون نظ ام مركزي لتخ اذ القرار وللسلطة أي بدون إق امة شششكل ثششوري لسششلطة الدولششة؟ ل‪ ،‬لششن‬
‫يستطيع‪.‬‬
‫وأحداث س ابقة كثيرة في الت اريخ تثبت ضرورة وجود دولة ثورية لفش ال الثورة المض ادة‪ .‬لكن دعون ا نأخذ مث ال افتراضًي ا؛‬
‫دعون ا نفترض أن ثورة في فرنس ا تصدى له ا تمرد من الجن اح اليميني مركشزه مدينشة مرسشيلي ا‪ ،‬علشي سشبيل المثش ال‪ ،‬مشع‬
‫حدوث هجم ات علي يد عص اب ات يمينية من الشم ال الشرقي الفرنسي مدعومة من الحكومتين اللم انية والمريكية‪ .‬في‬
‫ح الة مثل هذه‪ ،‬ومن أجل أن تدافع الثورة عن نفسه ا‪ ،‬عليه ا أن تتخذ قرارات بشأن القوات التي ستركزه ا فششي الشششم ال‬
‫الشرقي والتي سترسله ا إلى مرسيلي ا‪ ،‬وكيفية توصيل المدادات والسلح له ا‪ .‬سيكون هذا القرار لزام ا قششراًرا مركزيشش ا ل‬
‫بد أن تتخذه حكومة مركزية‪ ،‬والخف اق في التنسيق بين قرارات كهذه هي ببس اطة وصفة للهزيمة‪.‬‬

‫أم ا السبب الث اني لهمية وجود دولة ثورية هو لق امة نظ ام اقتص ادي جديد‪ .‬ستأتي نض الت الجم اهير بمب ادرات ه ائلة مششن‬
‫أسفل في شكل احتلل المص انع وسيطرة العم ال على الصن اعة وإق امة تع اوني ات للتوزيع‪ ،‬إلخ‪ ،‬ولكن تظل الدولة ل غنششى‬
‫عنه ا في هذه المرحلة المبكرة‪.‬‬
‫منتزعة مششن الرأسششم اليين؛ إن لششم تتملكهشش ا الدولششة الجديششدة ولكششن‬
‫ال‬
‫والمص انع‬
‫القط اع ات‬
‫أنظروا مثل إلى مشكلة ملكية‬
‫ُ‬
‫َتملكه ا عم ال كل شركة على حدة فلن يؤدي ذلك إلى إع اقة التع اون والتخطيط فحسب بل وإلى تنشش افس مواقششع العمششل‬
‫س‬
‫المختلفة مع بعضه ا البعض‪ ،‬مم ا سيقسم الطبقة الع املة وذلشك فشي ذات اللحظششة الشتي تكشون هشذه الطبقشة فشي أ َ‬
‫مش ْ‬
‫الح اجة للوحدة‪.‬‬
‫أو لنأخذ مث ال عملية تسيير سكك الحديد والذي استشهد به فريدريك إنجلز وهو يج ادل الن اركية من أكثر من ‪ 138‬سششنة‬
‫فكتب‪:‬‬
‫ض ا يكون التع اون بين عدد مطلق من الفراد ضروري ويجب أن يتم في س اع ات محددة بدقة حتى ل تقششع حششوادث‪.‬‬
‫هن ا أي ً‬
‫ض ا يكون شرط العمل هو إرادة مهيمنة تسوي كل السئلة الث انوية سواء تمثلت هذه الرادة في منششدوب واحششد أو‬
‫وهن ا أي ً‬
‫‪i‬‬
‫لجنة واحدة مكلفة بتنفيذ قرارات أغلبية من الشخصي ات المعنية‪.‬‬
‫حجج ل تزال ص الحة اليوم‪ .‬فقد يكون عدد العم ال ه ائل في كل مك ان‪ ،‬في لندن وم انشستر في بريط اني ا‬
‫واضح أن هذه ال ُ‬
‫أو ه امبرج وبرلين في ألم اني ا أو الق اهرة والسكندرية في مصر‪ ،‬لكششن وضششع جششداول مواعيششد للقطشش ارات أو بنشش اء خطششوط‬
‫سكك حديد جديدة أمر يتطلب تفعيل عملية تنسيق ع ام أو مم ارسة سلطة ع امة من نوع م ا‪ .‬وإذا فكر العم ال في تحديد‬
‫ح ا‪.‬‬
‫ح ا وإلح ا ً‬
‫مس ائل مثل الدرج ات الوظيفية والقدمية تصبح الح اجة لوجود سلطة م ا أكثر وضو ً‬
‫م ا في مرحلة لحقة عنششدم ا يكششون‬
‫ملئ‬
‫ول يكفي أن ُنعلن أن المص انع ببس اطة ستكون ملك كل المجتمع‪ ،‬وهذا قد يكون‬
‫ً‬
‫متح اربششة –‬
‫و‬
‫شة‬
‫ش‬
‫متع ارض‬
‫ش ات‬
‫ش‬
‫وفئ‬
‫طبق ات‬
‫هن اك مجتمع موحد بحق‪ ،‬ولكن أثن اء مجري ات الثورة يظل "المجتمع" منقسم بين‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫ولذلك تظل من الضرورة بمك ان أن يستخدم المجتمع الثوري والطبقششة الع املششة مؤسسشش ات مركزيششة ُتمثششل وتششدافع عششن‬
‫مص الحه ا بشكل ح اسم‪.‬‬
‫أو لنأخذ كمث ال أخر مسألة العش اطلين والمرضششى وغيرهششم ممششن يعيشششون ح الًيش ا علشى الع انش ات الحكوميششة‪ .‬فشي مجتمشع‬
‫اشتراكي )أو أن اركي( ك امل التطور ستختفي ظ اهرة البط الة وسششتوزع البضشش ائع والخششدم ات حسششب الحتيشش اج‪ .‬ولكششن فششي‬
‫أعق اب الثورة مب اشرة سيظل المليين من المعتمدين على إع ان ات الدولششة موجششودين وسششيموتون جوعًشش ا إن لششم ُيصششرف‬
‫لهم‪ ،‬وبشكل منظم ومركزي‪ ،‬الطع ام والخدم ات‪ .‬وتلك الع ان ات تقتطع من الضرائب المفروضة على أصششح اب الرواتششب‬
‫من الشعب‪ ،‬ولذا يجب أن تكون هن اك هيئة مركزية م ا تم ارس سلطة تحصيل الضرائب في أس ابيع وأشهر م ا بعد الثورة‬
‫‪ .‬ولذا ل بد من وجود دولة في الفترة التي تعقب الثورة‪.‬‬
‫دا علي أن‬
‫معتم ً‬
‫يكمن ضعف الن اركية في هذه النقطة الخطيرة لنه كثيًرا م ا يتطبع تصوره ا للثورة ب الروم انسية ويكون ُ‬
‫كل المش اكل تحل فوًرا ب النواي ا الحسنة بعد "اليوم العظيم" أي بعد انتص ار الثورة‪ .‬ويفشل العتم اد على قوة دفع النواي ا‬
‫الحسنة في تفُهم ُمعضلة أس اسية في عملية التغيير الثوري وهى أنه على الرغم من أن المليين من العم ال الذين‬
‫يش اركون في الثورة لتغيير المجتمع يتغيرون أنفسهم‪ ،‬حيث ينضج وعيهم السي اسي والجتم اعي ويتطور شعورهم بذاتهم‬
‫كجزء من جم اعة بشكل كبير )وهي التحولت الفكرية التي ل يمكن بدونه ا أن يتم بن اء مجتمع جديد( إل أنششه يسششتحيل أن‬
‫تحدث عملية التحول بشكل ش امل ومتس اوي علي الفور‪.‬‬
‫ل يمكن أن يحدث التحول الفكري عند كل المضطهدين بشكل ك امل وآلي في عملية الثششورة لسششبب بسششيط أل وهششو أن‬
‫القط اع ات المختلفة من الطبق ات الع املة ل يمكن أن تكون كله ا منخرطة في الصراع من أجل التغيير ب الدرجششة نفسششه ا‪،‬‬
‫وبعضه ا قد ل يتأثر ب الصراع أصل‪ ،‬وينطبق هشذا أيضش ا بشل وبدرجشة أكشبر علشى الملييشن مشن الششرائح الشدني ا مشن الطبقشة‬
‫الوسطى‪ .‬فلمدة زمنية بعد نج اح الثورة ستتواجد شرائح من الشعب تظل تحمل نظرة ع امة للشششي اء أو لقضشش اي ا معينششة‬
‫متأثرة ب الفك ار القديمة أو ت ابعة للطبقة الح اكمة القديمة‪ .‬وسيجب إخض اع تلك الشششرائح أحي ان ًشش ا ‪ ،‬ق انون ًشش ا إذا لششزم المششر‪،‬‬
‫على قبول قرارات الغلبية وسيستلزم هذا وجود دولة عم ال‪.‬‬
‫وتشبه ضرورة فرض الطبقة الع املة لسلطته ا الجديدة في هذه الح الة المركبة في بداي ات الثورة من خلل دولتهم ‪ ،‬من‬
‫حيث المبدأ‪ ،‬ضرورة أن تمنع أي مجموعة من العم ال المضربين في ظل النظ ام الرأسم الي أي أقلية من بين صفوفهم‬
‫تريد كسر الضراب‪ .‬ففي التحليل الخير‪ ،‬تعتبر دولة العم ال بعد نج اح الثورة بمث ابة الح ائط الرئيسي لحم اية هذه الثورة‪.‬‬
‫إل أن بعض الن اركيون سيقولون أن استمرار وجود كي ان دولة بعد الثورة سيعني أن نخبششة متمتعششة ب امتيشش ازات ستفسشده ا‬
‫السلطة وسرع ان م ا ستتحول إلى ط اغية جديد‪ .‬إل أن في هذا تج اهل لحقيقة أن الطبقة الع املة أظهرت مراًرا وتكششراًرا‬
‫قدرة على خلق هي اكل سلطة ثورية تختلششف كليششة‪ ،‬فشي الششكل والمضششمون‪ ،‬عشن الدولششة الرأسشم الية القديمشة‪ ،‬وتتسشم‬
‫ب الديمقراطية والمس اواة‪.‬‬
‫علي سبيل المث ال‪ ،‬فقد أقرت دولة العم ال المصغرة في تجربة كومونة ب اريس ع ام ‪ 1871‬مبدأ أن تكون كل المن اصششب‬
‫الع امة في المجتمع ب النتخ اب‪ ،‬وأن ل ُيتق اضى أي فششرد مسششئول أكششثر مششن أجششر الع امششل‪ ،‬وأن يكششون المنتخبششون عرضششة‬
‫لسحب الثقة والتغيير الفوري من الق اعدة‪ .‬وهذا من شأنه تحجيم مح اولة المتسلقين في القفز على المن اصب إلششى حششد‬
‫دا عن تلك التي انتخبوا لتمثيله ا‪.‬‬
‫كبير‪ ،‬ويس اعد على منع الممثلين المنتخبين من البحث عن مص الح فردية بعي ً‬
‫أم ا السوفييت أو مجلس العم ال‪ ،‬والذي طوره العم ال الروس لول مرة في س ان بطرسبورج في ثورة ع ام ‪ 1905‬ثم‬
‫انتشر في كل روسي ا في ثورة ‪ ،1917‬فك ان يتم فيه انتخ اب المندوبين في كل مجلس مششن مواقششع العمششل المختلفششة‪،‬‬
‫وعزز السوفييت تمركز السلطة في يد القواعد حيث ك ان المندوبين مسششئولين أمشش ام جمعيششة ع امششة للعمشش ال فششي أمشش اكن‬
‫عملهم تجرى فيه ا المن اقش ات والمداولت الديمقراطية وعملية اتخ اذ القرارات‪.‬‬
‫وتتفوق الديمقراطية العم الية نوعي ا على الديمقراطية البرلم انية‪ .‬فمششن الصششعب علششى المنتجيششن والعمشش ال كنشش اخبين فششي‬
‫الدائرة البرلم انية‪ ،‬وهي منطقة ليست بصغيرة جغراف ًي ا‪ ،‬السيطرة على تصرف ات ن ائب البرلمشش ان‪ ،‬ول يسششتطيعون إقشش الته‬
‫حتى إذا خرق هذا السي اسي كل وعود النتخ اب ات أو إذا غير ولءه السي اسششي‪ ،‬لن النشش اخبين فششي الديمقراطيششة البرلم انيششة‬
‫دا أو‬
‫مجموعة من الفراد المنعزلين عن بعضششهم البعششض ولششذا فهششم ل يشششكلون إرادة مجتمعششة ول يتخششذون قششراًرا موحش ً‬
‫جم اعي ا‪.‬‬

‫ومثشش ال ممتشش از علششى ذلششك النتخ ابشش ات الع امششة فششي بريط انيشش ا سششنة ‪ ،2010‬حيششث صششوت فيهشش ا ملييششن النشش اخبون لحششزب‬
‫الديمقراطيين الليبراليون الليبرالي علي أمل إبع اد حزب المح افظين اليميني الذي يتزعمه دافيد كشش اميرون عششن الحكششم‪،‬‬
‫فإذ ب الديمقراطيين الليبراليين يشكلون ائتلف ا مع حزب المح افظين اليميني أمشش ام أعيششن النشش اخبين‪ ،‬ليطلششق الحزبشش ان معشش ا‬
‫هجمة قوية على المكتسب ات الجتم اعية للعم ال والفقراء‪ .‬ولم يسششع النشش اخبون فعششل شششيء لمششدة أربعششة سششنوات‪ ،‬لعششدم‬
‫إمك انية العمل علي تغيير البرلم ان في تلك الفترة‪ ،‬بعدم ا يكون قد وقع الضرر‪.‬‬
‫أم ا مع وجود مج الس عم الية ُمنتخبة في أم اكن العمل فلن يتطلب المر سوى عقد اجتم اع في مك ان العمل وسحب أي‬
‫ممثل أو مندوب للعم ال يخرق القرار الجم اعي للق اعدة‪.‬‬
‫أحي اًن ا ُيعترض على هذا نظ ام بأنه غير ديمقراطي لستبع اده من ل مك ان عمل لهم – ك الع اطلين والسجن اء والع املون من‬
‫من ازلهم وغيرهم‪ .‬ولكن المر غير ذلك‪ .‬ب افتراض أن مج الس العم ال ستكون مقراته ا في مواقع العمل‪ ،‬حيث تتركز القوة‬
‫قششل‪ ،‬اتحشش ادات العشش اطلين عششن العمششل والمتق اعششدين ومجموعشش ات‬
‫منتجين‪ ،‬فم ا م انع أن يحضر ممثليششن مششن‪ِ ،‬لن ُ‬
‫الجم اعية لل ُ‬
‫المستأجرين والسك ان وغيره ا‪ ،‬بل يمكن ويجب تمثيل كل فئ ات الشعب عدا الستغلليين والف اشيين في هذه المج الس‪.‬‬
‫ب الض افة إلى أن أغلب الظن أن هذه المج الس ستشمل عد ًدا من مختلف الحزاب والتشكيلت الششتي تمثششل اتج اهشش ات أو‬
‫أطي اف مختلفة لراء س ائدة بين الع املين‪ .‬وهذا المشروع ليس على الطلق مشروع دولة أح ادية الحششزب أو دكت اتوريششة‪،‬‬
‫بل على العكس ستكون هذه الدولة أكثر ديمقراطية وتسييًرا لمش اركة الجم اهير من الطبقة الع املة الع ادية بمراحل من‬
‫النظ ام البرلم اني‪.‬‬
‫ومنذ الثورة الروسية ظهرت مج الس عم ال أخرى في الثورة اللم انية فششي ‪ 1918-19‬وإيط اليشش ا فششي ‪ 1920‬والمجششر فششي‬
‫‪ ،1956‬وبشكل جنيني في تشيلي في ‪ 1972‬وإيران في ‪ 1979‬وبولندا في ‪ .1980‬وك ان من الممكن أن تتطور اللج ان‬
‫ض ا في هذا التج اه‪.‬‬
‫الشعبية لحم اية الثورة التي برزت وقتي ا خلل الثورة المصرية في ‪ 2011‬أي ً‬
‫ق ا لخطة مسبقة إنمشش ا تنشششأ تلششك الشششك ال تلق ائي ًشش ا مششن رحششم الصششراع‪ ،‬وهششي الشششكل‬
‫وتأسيس مج الس العم ال ل يتم وف ً‬
‫المنطقي للتنظيم التي تعتمد عليه الطبقة الع املة عنششدم ا يششدخل صششراعه ا فششي طششور تحششدى النظشش ام ككششل‪ ،‬وتمثششل هششذه‬
‫المج الس مركز دولة العم ال الجديدة التي ستحل محل الدولة الرأسم الية القديمة‪ ،‬وتمثل نقطششة بدايششة مرحلششة انتق اليششة‬
‫إلى مجتمع بل طبق ات تتلشى فيه ا الدولة كم ا نعرفه ا‪.‬‬
‫تتمحور النقطة الفيصلية في كل م ا سبق أعله أنه ل يوجد أدنى ريب أن الدولة ليست بمؤسسة أبدية‪ ،‬كمشش ا أنهشش ا ليسششت‬
‫مجرد "هفوة" أو "فكرة سيئة" استقرت بطريقة م ا في أذه ان النس انية لتسيطر علين ا على مششدار الت اريششخ حششتى وصششلت‬
‫الن اركية إلى المشهد لتفصح للبشرية عن عدم الح اجة له ا‪ .‬ف الدولة كي ان تقتضيه ظروف اقتص ادية واجتم اعية معينة – أو‬
‫له ا وأهمه ا تقسيم المجتمع إلى طبق ات مع ادية لبعضه ا البعض حيث تكمن ضرورة وجود الدولة فشي تشدني مرتبشة القشوى‬
‫المنتجة التي تسمح بتحقيق الكف اية المستدامة للجميع – ول يمكن إلغ اء الدولة قبل أن تتغير هذه الظروف الق ائمة‪ ،‬كم ا‬
‫أن تغيير هذه الظروف يلزم وجود شكل ثوري جديد للدولة لفترة من الزمن‪.‬‬
‫القيادة‬
‫دائ ًم ا م ا يعلن الن اركيون عن رفضهم لفكرة القي ادة في المطلق وهذا أمر مفهوم‪ .‬فط المشش ا ظنششت الطبقششة الح اكمششة فششي‬
‫المجتمع الرأسم الي أنه ا ولدت لتقود الجميع‪ ،‬وصفة "القي ادة" هي من أولى السم ات التي تح اول أن تغرسه ا هذه‬
‫الطبقة في نشئه ا في المؤسس ات التعليمية النخبويششة المختلفشة‪ ،‬وفشي هشذا السشي اق ارتبشط مفهشوم القيش ادة فشي أذهش ان‬
‫الكثيرين ب العجرفة والسطوة والمتي ازات‪ ،‬وللن اركيين الحق في استنك ار هذا المفهوم المتع الي‪.‬‬
‫كم ا ل تقدم قي ادات اليس ار في حركة العم ال والنق اب ات المهنية صورة أكثر زهوا في مم ارس اته ا "القي اديششة"‪ .‬فعلششى مششدار‬
‫مشش ا اشششتراكي ا" أو "زعيمشش ا ديمقراطي ًشش ا اشششتراكي ا" مرادفش ا ً‬
‫القرن العشرين ووصول إلى هذا القرن‪ ،‬ب ات كششون الفششرد "زعي ً‬
‫للوسطية والتسلق الجتم اعي‪ .‬والمس ار المعتشش اد لبعششض النشششط اء أن يبششدأ فششي كسششب دعششم القواعششد الشششعبية بخطشش اب‬
‫وسي اس ات تبدو راديك الية حتى يسطع نجمه شيئ ا فشيًئ ا ويتجرد من المبشش ادئ فششي الطريششق حششتى يششبرز هششو)أو تششبرز هششي(‬
‫كعضو أصيل في النخبة السي اسية بم ا يص احب ذلششك مششن مظشش اهر الملبششس النيقششة والسششي ارة بسشش ائق والراتششب المجششزي‬
‫والعلق ات في أو س اط العم ال وغيره ا من المكتسب ات التي ل تحصششى‪ ،‬ليصششبح هششذا الراديكشش الي السشش ابق أسششيًرا للنظشش ام‬
‫الذي أراد أن يغيره في البداية‪.‬‬
‫والمر ل يختلف كثيًرا ب النسبة لقي ادي النق اب ات العم الية‪ .‬فمنذ لحظششة تقلششده منصشًب ا نق ابيشش ا يششترك هششذا الشششخص ظششروف‬
‫العمل في المصنع الق اسية وراء ظهره وينتقل إلى مكتب مريح‪ .‬ول يعود أجره وس اع ات عملششه مرتبطششة بششأجر وسشش اع ات‬
‫عمل من يمثلهم‪ ،‬ويبدأ في مراكمة المتي ازات‪ .‬وتدفعه طبيعة وظيفته ودوره النق ابي في الوس اطة بين العمشش ال والدارة‬
‫تدريج ًي ا لقض اء وقت أطول مع أصح اب الشركة من مع العم ال‪ .‬ويصبح شبح الوقوع في مم ارس ات الفس اد السي اسي‪ ،‬إن‬
‫لم يكن كذلك الم الي‪ ،‬أمر ل يمكن تف اديه تقريًب ا‪ .‬وقبل أن يمر وقًت ا طويل يبدأ هششذا النقشش ابي فششي النظششر إلششي المن ازعشش ات‬
‫والضراب ات على أنه ا "مش اكل" يجب حله ا وليست مع ارك يجب كسبه ا‪ ،‬ويركن إلي مفهوم أن أفضل طريقة لحلهشش ا هششي‬
‫التف اوض للوصول إلى أقل صفقة يمكن أن تقبله ا العم الة ب المخ ادعة والترهيب‪.‬‬
‫هذا النوع من القي ادة النق ابية ُيعتبر ك ارثي على المستوى السي اسي‪ ،‬ففي أو ق ات الثورات الكبيرة وعندم ا تبدأ الجمشش اهير‬
‫الح اشدة من عم ال أن تشترك وأن تأخذ زم ام المور في أيديه ا تح اول هششذه القيش ادات بشششكل فطششري أن تهشدئ الجشواء‬
‫وتعيده ا إلى مجراه ا المعت اد حتى وإذا ك ان هذا يعني خي انة القضية التي يفترض أن يمثلوه ا‪.‬‬
‫وأحداث م ايو ‪ 1968‬في فرنس ا تصلح مث ال كلسيكي على الدور الذي قد يلعبه هذا النوع مششن القيشش ادات الك ارثيششة‪ .‬ففششي‬
‫حين انفجرت حركة عفوية مدهشة للطلب والعم ال ضد نظ ام تش ارلز دي جول وتطورت إلي مع ارك جم اهيرية ح اشدة‬
‫في شوارع ب اريس وعملي ات احتلل ق ام به ا الطلبة‪ ،‬وإضراب ع ام على مسششتوى البلششد لعشششرة ملييششن ع امششل مششع وقششوع‬
‫احتلل للمص انع ومواقع العمل في عدة أم اكن ‪ -‬أنهمك "القشش ادة"‪ ،‬الششذين كشش انوا آنششذاك بشششكل أس اسششي منتميششن للحششزب‬
‫ممكن أن تتحششول إلششى ثششورة‪،‬‬
‫الشيوعي الست اليني والنق ابة الع امة للعمل ‪ ،CGT‬في تقليص هذه الحركة‪ ،‬التي ك ان من ال ُ‬
‫إلى مجرد سلسلة من المط الب المتواضعة خ اصة ب الجور وظروف العمل‪ ،‬وسعت هذه القي ادة علي إع ادة الجميع إلششى‬
‫مواقع عملهم بأسرع م ا يمكن‪.‬‬

‫من السهل أن نستنتج من خبرات كهذه‪ ،‬وهي خبرات تكررت في ت اريخ صراع الطبقة الع املة والحركة الثورية مرة بعششد‬
‫الخرى‪ ،‬أن فكرة القي ادة في حد ذاته ا خطأ ويجب التخلص منه ا‪ .‬ولكن‪ ،‬لسوء الحظ‪ ،‬يقترن بهذا الموقف مشكل ل حششل‬
‫له أل وهو أن القي ادة واقع ضروري في الحي اة والنض ال‪ :‬واقع ل ينبثق عن فكرة خ اطئة في أذهشش ان النشش اس‪ ،‬أو مششن شششر‬
‫فطري في البعض‪ ،‬أو من هي اكل تنظيمية معينة‪ ،‬ولكن واقع أن الن اس تختلف في خبراته ا العملية والفكرية ومن ثم فششي‬
‫مستوى وعيهم السي اسي ودرجة التزامهم ومعرفتهم وشج اعتهم ونض اليتهم‪ ،‬إلخ‪.‬‬
‫ففي كل موقع عمل وكل نق ابة عم الية وكل حملة في ج امعة تجد من هو أقدر وأكثر استعداًدا من غيره لتحمل مسئولية‬
‫المه ام اللزمة‪ ،‬من إلق اء الكلمة الرئيسية للتعبئة أو مت ابعة ق ائمة العن اوين أو مت ابعة المور الم الية‪ ،‬وم ا هششو أهششم‪ ،‬تقششديم‬
‫رؤية سي اسية م ا للخرين للتقدم إلى الم ام‪.‬‬
‫وسنجد حتى في أكثر الضطراب ات والمظ اهرات والضراب ات والنتف اض ات "عفويششة"‪ ،‬تلششك الششتي لششم يسششجل لهشش ا الت اريششخ‬
‫قي ادة أو تنظيم رسمي‪ ،‬هي اكل قي ادية غير رسمية مثل الشخص هتف "إلى الم ام" في اللحظة الح اسمة والشخص الذي‬
‫تقدم إلى الصفوف الم امية وك ان أول من ألقي الحج ارة‪ ،‬إلخ‪.‬‬
‫وواقع الوجود الدائم لقي ادة م ا ينسحب على الن اركية كذلك‪ .‬فمهم ا استنكر الن اركيون فكرة أو ضرورة القي ادة ف الحقيقة‬
‫أن الحرك ات الن اركية ط الم ا ك ان له ا قي ادات وأن ت اريخ الن اركية‪ ،‬كت اريخ الشششتراكية‪ ،‬يمتلششئ بشش الرموز الن اركيششة القي اديششة‪:‬‬
‫برودون وب اكونين وكروبوتكين في القرن ال ‪ 19‬وم اخنو وجولدم ان ودوروتي في القرن ال ‪ 20‬وحتى داني ال كون بنششديت‬
‫في العقود الخيرة‪.‬‬
‫أن ترفض الحرك ات الن اركية على المستوى الرسشمي مثل العشتراف بحقيقشة "وجشود" قيش ادات ل يخفشف المششكلة بشل‬
‫ُيعقده ا‪ .‬هذا يعني أن القي ادات الن اركية )غيششر المنتخبششة رسششمًي ا( ل يمكششن زحزحتهششم مششن المنصششب أو إخضشش اعهم لرق ابششة‬
‫ديمقراطية‪ .‬ويعني أن الحرك ات الن اركية تظل تحت رحمة قي ادات نصبت نفسشه ا للبشد‪ ،‬أو حششتى قيش ادات اخت ارهش ا العلم‬
‫)فأكثر الحرك ات الطلبية التلق ائية في ستيني ات القرن العشرين ع انت بشدة من هؤلء "النجوم" الششتي صششدرهم العلم(‪.‬‬
‫من غيشر الدارسششين‪ ،‬يسششتطيع اليششوم‬
‫من‪ِ ،‬‬
‫وعدد الحرك ات الن اركية التي لم ُتعرف ت اريخًي ا إل بأسم اء ق ادته ا مدهش فعل‪ .‬ف َ‬
‫أن ُيسمي السم الرسمي لحركة الن اركي ب اكونين أو حركة الن اركي م اخنو الروسي أو دوروتششي اليطشش الي؟ أمشش ا الحششزب‬
‫الشيوعي والممية الولى أو الحزب البلشفي ب المق ارنة فمعروفين نسبًي ا بشكل جيد على مستوى اليسشش ار وليششس فقششط‬
‫من خلل قي اداتهم مثل م اركس ولينين أو تروتسكي‪.‬‬
‫وإذا ك انت الن اركية ع اجزة عن حل مش اكل القي ادة الخ اصة به ا فلن تقدر أيض ا على حششل مششش اكل القيشش ادة علششى مسششتوى‬
‫الطبقة الع املة بأكمله ا والتي ظلت ت اريخًي ا في يد الديمقراطية الشتراكية الصلحية أو الست الينية – المر الذي أدى إلى‬
‫خي ان ات وهزائم ل تحصى من انزلق الممية الث انية إلشى النزعشة القوميشة فشي دعشم الحشرب المبري اليشة فشي ‪ 1914‬إلشى‬
‫الستسلم لهتلر في ‪ 1933‬حتى توني بلير واعتن اق أحزاب العم ال الصلحية في الغرب بشششغف لسي اسشش ات الخصخصششة‬
‫والليبرالية الجديدة وتأييده ا لجورج بوش والحرب على العراق‪ ،‬إلخ‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬يشكل مجرد وجود الن اركية إزع اج ا أمشش ام هيمنششة هششذه القششوى‪ .‬وتحشش اول الن اركيششة بأعمشش ال نشششر الكتششب والكتيبشش ات‬
‫والوراق والمنشورات أو حتى إلق اء الخطب التأثير على اليس ار والطبقة الع املة‪ .‬إل أن بقدر م ا ترفض الن اركية مسششألة‬
‫ضرورة وجود القي ادة في حد ذاته ا‪ ،‬ومن ثم تفشل في النض ال السي اسي والتنظيمي من أجل قي ادة الطبقششة‪ ،‬بقششدر مشش ا ل‬
‫تس اهم الن اركية في تحرير الطبقة الع املة من قيش ادات السشوء الصشلحيين إنمش ا تسشهم فشي اسشتمرار هيمنشة قش ادة تلشك‬
‫القي ادات‪.‬‬
‫كم ا لن ُتجدي مح اولة الن اركيين دفن الموضوع بعب ارات مثل "القي ادة ل تهم‪ ،‬إنم ا م ا يُهم هو م ا تفعله الجم اهير"‪ .‬ل شششك‬
‫متم اشية مع ُنخبويته ا وفردانيته ا ع امة‪ ،‬ب الغت بل حدود فششي دور القيشش ادات حششتى اخششتزلت‬
‫أن النظرة البرجوازية للت اريخ‪ ،‬ال ُ‬
‫الت اريخ في كونه مجرد سلسلة متع اقبة من الملوك والب اطرة والجنرالت والرؤس اء‪ .‬ولكششن رغششم المب الغشش ات البرجوازيششة‬
‫فإن أفع ال القي ادات من شأنه ا إحداث الف ارق في الت اريخ‪ .‬نعم ل تسششتطيع القشش ادة أن تستحضششر الثششورات مششن العششدم أو‬
‫تخلق الحرك ات الجم اهيرية بقوة الرادة؛ نعم ل تستطيع الق ادة أن تصنع على الطلق ثورة بذاته ا‪ ،‬ول يستطيع فعل ذلك‬
‫إل الجم اهير‪ .‬ولكن عندم ا توجد هن اك حركة جم اهيرية وح الششة ثوريشة يمكشن أن يكشون للشدور الشذي تلعبشه القيش ادات لهشذه‬
‫الحركة تأثير مهم على النتيجة‪ ،‬بل وأحي اًن ا يمثل هذا الدور ف ارق م ا بين النصر والهزيمة‪.‬‬
‫و ُتعتبر الهزيمة الت اريخية للطبقة الع املة اللم انية وانتص ار الن ازية في الثلثيني ات مششن القششرن العشششرين مششن أكششثر المثلششة‬
‫تراجيدية في توضيح الف ارق في مسألة وجود أو عدم وجود قي ادة ثورية في اللحظ ات الح اسمة في النض ال‪.‬‬
‫م ا في ت اريخ الرأسم الية‪ ،‬خلل سنوات صعود هتلششر إلششى‬
‫م ا وتنظي ً‬
‫ك انت الحركة العم الية الجم اهيرية اللم انية‪ ،‬العظم حج ً‬
‫منقسمة الششولء مشش ا بيششن الحششزب الششديمقراطي الشششتراكي الصششلحي )‪ (SPD‬والحششزب الشششيوعي‬
‫الحكم )‪ُ (1933-1929‬‬
‫اللم اني الست اليني )‪ . (KPD‬ولو أن هذين الحركتين وحدت ا صفوفهم ا لك ان توفر لديهم ا القدرة على وقف صعود النشش ازيين‪.‬‬
‫لكن رغبة الشتراكيين الديمقراطيين في تف ادي الصدام‪ ،‬كم ا هي عشش ادتهم‪ ،‬وأوامششر سششت الين لقيشش ادات الحششزب الشششيوعي‬
‫بتركيز النيران على الشتراكيين الديمقراطيين وليس على الن ازيين ح ال دون تشكيل جبهششة متحششدة بيششن تيشش اري اليسشش ار‪،‬‬
‫وس اهم كثي ًرا في صعود هتلر إلى سدة الحكم وتدمير أقوي حركة عم الية في ت اريخ الع الم‪.‬‬
‫متبقشي لمشن يسششعى بجديششة‬
‫فبم ا أن مشكلة القي ادة ل يمكن تج اهله ا‪ ،‬ول التغلب عليه ا بمجرد التمنششي‪ ،‬ف الخيشش ار الوحيششد ال ُ‬
‫لتغيير المجتمع هو العمل على بن اء قي ادة ثورية حقيقية تتسم بأنه ا )أ( تخضع للسيطرة الديمقراطية لتب اعه ا ‪) ،‬ب( تق اوم‬
‫الفس اد من قبل النظ ام‪) ،‬ج( وتكون ق ادرة على تحديد مس ار النض ال الصحيح إلى الم ام‪ .‬أم ا التخبشط النظشري للن اركيشة‬
‫في هذا الموضوع وتع ُنته ا برفضه ا مبدأ القي ادة يعني أنه ا غير ق ادرة على القي ام بهذه المه ام‪.‬‬
‫الحزب‬

‫فشش ا مع ادي ًشش ا بقششوة تجشش اه الدولششة‬
‫تقودن ا مسألة القي ادة الثورية مب اشرة إلششى قضششية الحششزب الثششوري‪ .‬إذا كشش ان للن اركيششة موق ً‬
‫م ا‪ .‬فقد ك ان ل بششد‬
‫تم ا‬
‫العداء‬
‫هذا‬
‫ف ا‪ .‬ومرة أخرى نتفهم مص ادر‬
‫والقي ادة فمع ارضته ا لفكرة الحزب يفوق العداء الس ابق عن ً‬
‫ً‬
‫وأن يثير واقع أن بعض الحزاب اليس ارية‪ ،‬التي زعمت أنه ا م اركسية أو لينينية أو أحزاب عم ال‪ ،‬كشش انت أداة رئيسششية فششي‬
‫قمع واستغلل مئ ات المليين من العم ال في الدول المسم اة ب الشيوعية بشرق أوروب ا رد فعل ع ام "معشش ادي" للحششزاب‪.‬‬
‫وإذا زدن ا على هذه الحزاب الشتراكية الديمقراطية وغيره ا من الحزاب الصلحية ذات الط ابع المح افظ والبيروقراطي‬
‫والنته ازي‪ ،‬ب الض افة للتشرذم السخيف لبعض أشب اه أحزاب اليس ار المتطرف‪ ،‬يكون من الممكن تفهم انتش ار الشكوك‬
‫مة‪.‬‬
‫عند الكثيرين‪ ،‬ومن ضمنهم الن اركيين‪ ،‬من جدوى فكرة الحزاب ع ا ً‬
‫ومع ذلك يبقى تأسيس حزب ثوري من الطبقة الع املة مسألة أس اسية وضرورية لدارة الحرب اليومية ضد الطبقية‪ ،‬بشل‬
‫وأهم ع امل في نج اح الثورة المستقبلية‪.‬‬
‫م ا شششديد التنظيششم والمركزيششة ولششذا‬
‫ثمة سبب ان بسيط ان ومنطقي ان لذلك‪ .‬السبب الول هو أن الطبقة الع املة تواجه خص ً‬
‫يجب أن تنظم صفوفه ا حتى تنتصر‪ .‬وهذا ينطبق على كل موقع عمششل وصششن اعة يششواجه فيششه العمشش ال سششلطة رأس المشش ال‬
‫المركزية‪ .‬ف الشششرط الول لي مق اومششة ن اجحششة هششو التنظيششم ووحششدة فعششل العمشش ال ‪ .‬أمشش ا العمشش ال الششذين يحشش اولون تحششدي‬
‫رؤس اءهم منفردين بدون قوة منظمة جم اعية سيفصلون ببس اطة‪ .‬وهذا ينطبق بدرجة أكبر علي المجتمع الشششمل حيششث‬
‫يتمتع حكم الرأسم اليين بحم اية من هذه المنظمة المركزية الرئيسية‪ :‬الدولة الرأسششم الية‪ .‬وأي ع امششل‪ ،‬مهمشش ا كشش ان وعيششه‬
‫الطبقي والسي اسي ضئيل‪ ،‬يدرك الح اجة للتنظيم لخوض أي معركشة طبقيشة‪ .‬ولشذا فمشن يرفشض مشن النش اركيين التنظيشم‬
‫برمته يحكم على نفسه ب العزل الت ام عن الطبقة الع املة‪.‬‬
‫مشش ا مشش ا ينمششوا بشششكل غيششر متسشش اوي‪.‬‬
‫والسبب الث اني الداعي لوجود حزب ثوري هو أن وعي الطبقة الع املة السي اسي دائ ً‬
‫ف السيطرة الرأسم الية على العلم والنظ ام التعليمي والجوامع والكن ائس وغيره ا من المؤسس ات الفكريششة الششتي ل تعششد‬
‫ول تحصى في المجتمع ‪ -‬تؤمن تأثيًرا قوًي ا لليديولوجية الرأسم الية على تفكير غ البية العم ال فشي الوقشش ات "الع اديششة"‪ ،‬أي‬
‫في غير أوق ات مراحل الصراع الجم اهيري الثوري‪.‬‬
‫ورغم أنه من الخطأ أن نعتقد أن جم اهير العم ال بل عقل‪ ،‬يصدقون بسلبية كششل مشش ا تقششوله لهششم الرأسششم الية ‪ -‬ف التجشش ارب‬
‫التي مرت عليهم من استغلل وقمع وفقر وبط الة‪ ،‬إلخ‪ ،‬علمتهم غير ذلك ‪ -‬تظل حقيقششة أن الفكشش ار البرجوازيششة تمشش ارس‬
‫تأثير قوي في صفوف الطبقة الع املة‪ .‬ففي أغلب الوق ات‪ ،‬نجد أن وعي الطبقة الع املة هو مزيج مششن تركيبششة متن اقضششة‬
‫م ا أفك ار نقدية للمجتمشع ون ابعشة مشن خشبرة العمش ال الخ اصشة‪ ،‬جنًبش ا إلشي جنشب مشع أفكش ار رجعيشة‬
‫من الفك ار‪ :‬فتتواجد دائ ً‬
‫مفروضة على العم ال من أعلى‪ .‬فنجد العديد من العم ال‪ ،‬مثل‪ ،‬يكرهون رؤس ائهم في العمششل ويششدركون أن هنشش اك ق انوًنش ا‬
‫في المجتمع للغني اء وآخر للفقراء‪ ،‬ومع ذلششك يظششل عنششد ذات العمشش ال تعصششب ا تجشش اه الجنشش اس الخششرى والمششرأة والديشش ان‬
‫الخرى‪ ،‬وغيره ا من الفك ار المتعصبة‪ .‬ونجد أن بعض العم ال قششد يحمششل أفكشش ار من اهضششة للعنصششرية ومششع المسشش اواة بيششن‬
‫الجنسين ومع ذلك‪ ،‬وفي ذات الوقت‪ ،‬يؤمن نفس العم ال أن الفوارق الطبقية هي أمر قدري‪ .‬ففششي الوقشش ات الع اديششة ل‬
‫تجد في أي مجتمع رأسم الي سوى قلة قليلة من العم ال ترفض الفك ار الرأسم الية بإصرار وبشششكل دائششم‪ ،‬وتجششد أغلبيششة‬
‫الطبقة الع املة تحمل أفك ارا متن اقضة ومتض اربة ومركبة‪.‬‬
‫ونظ ًرا للوجود المزمن لهذا الوعي المتن اقض داخل صشفوف العمش ال يصشبح مشن الضشروري وجشود تنظيششم سي اسشي يضشم‬
‫القلية الواعية سي اس ًي ا من العم ال )الطليعة( ويشكل منهم ق اعدة للنض ال من أجل نشششر الفكشش ار الثوريششة بششداخل حركششة‬
‫الطبقة الع املة الشمل والمضطهدين في المجتمع ككل‪.‬‬
‫ولهذا السبب تظل الستراتيجية التي يعتمده ا عدد كبير مششن النشش اركيين النقشش ابويين‪ ،‬وهششم تيشش ار مششن النشش اركيين المششؤمنين‬
‫متقبلين لح اجة هذه الطبقة في التنظيم بشششكل عشش ام‪ ،‬فششي‬
‫بفكرة أهمية دور الطبقة الع املة في عملية التغيير الثوري وال ُ‬
‫الستكف اء ببن اء "نق اب ات ثورية" و"إتح اد نق ابي ثوري يشمل كششل عمشش ال العشش ام" مششع رفششض بنشش اء "حششزب سششلطوي"‪ ،‬تظششل‬
‫إستراتيجية ق اصرة‪ .‬ورغم أن فكرة بن اء "إتح اد نق ابي ثشوري عش المي" قشد تمثشل خطششوة إلشى المش ام ب المق ارنششة ب الن اركيششة‬
‫الفردية لنه ا على القل تح اول أن تدخل في علقة مع الطبقة الع املة علي عكس النشش اركيين الفردييششن إل أنهشش ا ل تششوفي‬
‫ب الغرض في نض ال العم ال من أجل التغيير الثوري‪.‬‬
‫ف النق اب ات العم الية في الس اس هي منظم ات جم اهيرية شكله ا العم ال للمس اومة والتف اوض على الجور وظروف العمل‬
‫والتن ازع عليه ا في إط ار العلق ات الرأسم الية للنت اج وليس لتج اوزه ا‪ .‬وللقي ام بهذه الوظيفة ل بد أن تكششون عضششوية هششذه‬
‫النق اب ات واسعة وش املة بقدر المستط اع‪ .‬والوضع المث الي أن تضم النق ابة بين صفوفه ا كل الع املين فششي مكشش ان عمششل أو‬
‫حرفة أو صن اعة م ا عدا العم ال من ك اسري الضراب ات أو الف اشيين‪ .‬وب الت الي‪ ،‬ومم ا ل مفر منه‪ ،‬أن تضم النق اب ات أعششداًدا‬
‫غفيرة من العم ال ُمشوشي الفك ار وأصح اب المواقف الرجعية الصرفة تج اه العديد من القض اي ا‪.‬‬
‫ولذلك يجب أن يكون هن اك مستوى إض افي من التنظيم العمشش الي غيششر النق ابشش ات أل وهششو الحششزب السي اسششي الششذي يقششود‬
‫معركة نشر الفك ار الثورية والستراتيجية الثورية وين اضل من أجل تقديم القي ادة الثورية داخشل النق ابش ات‪ ،‬وكشذلك داخشل‬
‫منتمين للنق اب ات أو لم اكن عمل محددة )الع اطلين والطلب ورب ات البيوت وغيرهم(‪.‬‬
‫قط اع ات المجتمع من غير ال ُ‬
‫والن اركيون الذين يدركون أهمية النض ال المنظم من أجل الفك ار الثورية والذين يقومون بنشش اًء عليششه بتأسششيس منظمشش ات‬
‫أن اركية خ اصة بهم‪ ،‬هم في الحقيقة يشكلون أحزاب أن اركية ولكن بمسمي ات جديدة‪ .‬ول يعتبر عدم اعششترافهم بهششذا علن ش ا ً‬
‫بميزة ُتمكنهم من تف ادي المش اكل التي تقع فيه ا المنظم ات الحزبية التقليديششة‪ ،‬إنمشش ا ُيمثششل ضششعف ُيضشش اف إلششى ارتبشش اكهم‬
‫بخصوص مسألة الحزب ومسألتي الدولششة والقيش ادة‪ ،‬ممشش ا يمنعهششم مششن التوصششل لسششتراتيجية متم اسششكة أو بلششورة فكشرة‬
‫واضحة لدور وهي اكل المنظمة الخ اصة بهم‪.‬‬
‫أن الح اجة إلى تنظيم الطبقة الع املة وتطوير وعيه ا المتف اوت من خلل نض ال حزب سي اسي ثوري يضم طليعششة الطبقششة‬
‫ضرورة ل ينفيه ا إل من يحملوا رؤية روم انسية عن "نق اء العم ال الثوري" الذي ل وجود لششه‪ .‬وهنشش ا فشش الرد المعتشش اد والكششثر‬
‫ميشش ا تقششع فششي البيروقراطيششة والُنخبويششة والسششلطوية‬
‫استخدام ا من الن اركيين هو أن سجل الحزاب الثوريششة يششبين أنهشش ا حت ً‬
‫مقترحة هذا المنحى هي الخرى؟"‬
‫ال‬
‫أحزابكم‬
‫تأخذ‬
‫وشرور أخرى كثيرة من هذا القبيل‪ ،‬ويسأل الن اركي‪" :‬وم ا ضم ان أل‬
‫ُ‬

‫ب الطبع ل يمكن أن يكون هن اك ضم ان ك امل أو أكيد لنتص ار الثورة أو عدم بقرطة أي حزب ثوري أو حتى نج اح مظشش اهرة‬
‫أو إضراب‪ ،‬بل وأي ضم ان حتى لنج اح الن اركية نفسه ا في أي شيء‪ .‬والسبيل الوحيد للتع امل بتعقل مششع هششذه المشششكلة‬
‫هي أو ل أن نتوصل لسبب فس اد هذا العدد من المنظم ات والحزاب العم الية‪ ،‬ثم ث انًي ا البحث في كيفية الوق اية منه‪.‬‬
‫والتفسشيرات المعتش ادة الشتي يقشدمه ا النش اركيون لفسش اد الحشزاب هشي إمش ا "نهشم السشلطة الفطشري" عنشد القيش ادات‪ ،‬أو‬
‫"السلطوية المتأصلة للشك ال اللينينية للتنظيم ك المركزية الديمقراطية"‪.‬‬
‫أم ا التفسير الول عن "نهم السلطة الفطري" فهو تفسير ممكن تعميمه على مقدمه وليس فقط علششى مششن ينتقششدهم‪.‬‬
‫فإذا كن ا نتحدث عن وجود ميول "فطرية" فس ُتفسد هذه الميول ليس فقط أي إتح اد أو مجموعة أو منظمة أو مجتمع بل‬
‫ض ا ق اصر‪ .‬ف التجربة الت اريخية تؤكششد‬
‫حول دون تحقق الن اركية ذاته ا‪ .‬وأم ا التفسير الث اني عن "سلطوية اللينينية" فهو أي ً‬
‫ست َ ُ‬
‫َ‬
‫أن الفس اد البيروقراطي لم يحل فحسب على الحزاب اللينينية إنم ا حل على ك افة أنواع المنظمشش ات العم اليششة بمشش ا فيهشش ا‬
‫الحزاب الصلحية الجم اهيرية والتح ادات النق ابية وكذلك على الن اركيين النق ابويين‪.‬‬
‫وعلى النقيض من هذين التفسيرين‪ُ ،‬يرجع الم اركسششيون ميششل الحششزاب للفسشش اد إلششي الضششغوط الششتي يم ارسششه ا المجتمششع‬
‫الرأسم الي على منظم ات العم ال التي تنشأ في وسطه ا؛ وتم ارس الرأسم الية هذه الضغوط على مستويين‪ :‬فمن ن احية‪،‬‬
‫ُيصِعب الستغلل والقمع والعمل في عزلة ‪ -‬والذي تفرضه الرأسم الية علشى ع امشة العمش ال ‪ -‬تنميششة مش ا يلشزم مشن ثبش ات‬
‫مضشطرد علشى‬
‫مفسشد ُ‬
‫ووعي عند العم ال للسيطرة على قي اداتهم؛ ومن ن احية أخرى‪ ،‬تمش ارس الرأسشم الية بطبيعتهش ا أثشر ُ‬
‫القي ادات بم ا يفضى للتفرقة بينهم وبين ع امة العم ال إم ا مب اشرةً أو بشكل غير مب اشر‪.‬‬
‫لهذا التفسير أهمية خ اصة في تعليل لم ا هو دون شك أسوأ ح الة تدني في ت اريخ الحركة الثورية وهو تحول البلشفية في‬
‫روسي ا إلى الست الينية‪ .‬فمن ن احية ك ان لضغط الرأسم الية الع المية على الثورة الروسية‪ ،‬الذي ج اء في شكل حرب أهلية‬
‫ُفرضت من الغرب وبمس اندته‪ ،‬أثر ُمدمر على الطبقة الع املة الروسية التي صنعت ثورة ‪ .1917‬ك انت هذه الطبقششة قششد‬
‫وصلت في ع ام ‪ 1917‬إلى قمة درج ات الوعي والثقة في الشذات‪ ،‬ثششم تحطمششت هششذه الطبقششة بفعششل الحششرب والمج اعششة‬
‫والوب اء والنهي ار القتص ادي الت ام بين ‪ 1921 1918‬فلششم تسششتطع علششى السششتمرار فششي مم ارسششة حكمهشش ا الششديمقراطي‬
‫الصحي ولم يكن هن اك مفر في النه اية من بقرطة القي ادة البلشفية‪ .‬ومن ن احية أخرى‪ ،‬فلقد َدفع ضغط الرأسم الية على‬
‫القي ادة البلشفية‪ ،‬التي انحشدرت إلشى طش ابع بيروقراطششي ُيرمشز إليششه ب السششت الينية‪ ،‬إلشى تخليهش ا عشن توجههش ا الصششلي إلشى‬
‫إستراتيجية الثورة الع المية ك الطريق الوحيد الذي ك ان يمكن أن ينقذ الثورة‪ ،‬وانخراطه ا بدًل من ذلششك فششي التنشش افس مششع‬
‫الرأسم الية الغربية بشروطه ا من خلل إق امة دولة استغلل رأسم الية مشن أجشل تراكشم رأس المش ال التن افسشي والقضش اء‬
‫‪ii‬‬
‫الت ام بنه اية عقد العشرين ات على دولة العم ال الوليدة في روسي ا‪.‬‬
‫ض ا‪ ،‬حتى وإن عملت في ظششروف مختلفششة تم اًمشش ا‪ ،‬عششن سششيطرة البيروقراطيششة الدائمششة علششى‬
‫مثل هذه الضغوط تسفر أي ً‬
‫النق اب ات والنواب البرلم انيين المحترفين على الحزاب الصلحية‪.‬‬
‫فكيف إذن يستطيع حزب ثوري أن يحمي نفسه من هذه الضغوط الف اعلة على الدوام فششي المجتمششع الرأسششم الي؟ َثمششة‬
‫أربعة تدابير أس اسية‪:‬‬
‫على الحزب أن ينخرط في نض الت الطبقششة الع املششة اليوميششة‪ ،‬فهششذه هشي العلقششة الششتي تخلششق الضششغط المضشش اد لضششغط‬
‫الرأسم الية‪ .‬وعلى النقيض تعتمشد الحشزاب الصشلحية فشي الحفش اظ علشى قواعشده ا علشى سشلبية العمش ال‪ ،‬فشي حيششن أن‬
‫المجموع ات العصبوية ل تقيم علقة مع الطبقة الع املة أصل‪.‬‬
‫على الحزب أن يلتزم التزام ا ص ار ًم ا ب المب ادئ الثورية‪ .‬هذا في حد ذاته سيبعد إلى حد بعيششد العن اصششر المتسششلقة سي اس شًي ا‬
‫والرجعية التي لديه ا ق ابلية أن يتم التلعب به ا‪.‬‬
‫لسب اب بينة ل يجب أن تلحق بمن اصب القي ادة أو أن يكون لقي ادات الحزب أي امتي ازات م ادية‪.‬‬
‫يجب أن يجمع هيكل الحزب ودستوره بين الديمقراطية )أي من اقشة وافية وتششداول وجششدل حششول السي اسشش ات والنتخشش اب‬
‫ومسئولية القي ادة( والمركزية )أي الوحدة في الفعل لتنفيذ قششرارات الغلبيششة(‪ .‬وعلششى عكششس نظششرة البعششض‪ ،‬وبشش الخص‬
‫الن اركيين‪ ،‬للمركزية والنضب اط علي أنه آلية سيطرة سلطوية من أعلى ف الحقيقة أن المركزية تعتبر أداة لضم ان سي ادة‬
‫الديمقراطية في الحزب الثوري‪ ،‬حيث تضمن المركزية تنفيذ القي ادات لسي اسة وقرارات الحزب‪ ،‬على نقيض المنظم ات‬
‫المركزية غير الديمقراطية حيث تمتلك القي ادات "الحرية" في التغ اضي عششن سي اسششة الحششزب ورؤيششة غ البيششة العضشش اء أو‬
‫صي اغته ا بشكل فردي‪.‬‬
‫وفي التحليل النه ائي تظل ‪ ( 1‬العلقة الحيوية بين الحزب والصراع الطبقي هي الح اسمة في النض ال ضششد البيروقراطيششة‬
‫داخل الحزب و ‪ ( 2‬المركزية الديمقراطية اللينينية أفضل وسيلة لمق اومة الضغوط المسششتمرة الششتي تمشش ارس علشى ك افششة‬
‫ق ا بأي هيكل تنظيمي فإن هذا‬
‫أحزاب الطبقة الع املة من البيئة الرأسم الية‪ .‬ورغم أنه ل يمكن ضم ان عدم البقرطة مسب ً‬
‫ل يغير بشكل من الشك ال ضرورة وجود حزب عم الي ثوري لتحقيق نصًرا ثورًي ا‪.‬‬
‫وبرفضه ا للحزاب بشكل ع ام‪ ،‬والحزب اللينيني بشششكل خشش اص‪ ،‬ل تسشش اهم الن اركيششة سششوى فششي نششزع السششلح التنظيمششي‬
‫والسي اسي من أيدي الطبقة الع املة سواء في مع ارك اليوم أو الغد‪.‬‬
‫الفرد والمجتمع والطبقة‬
‫م ا من شك أن من الخلف ات الرئيسية التي دارت بين الم اركسية والن اركية كشش انت حششول علقششة الفششرد والمجتمششع‪ ،‬وهششي‬
‫دا‬
‫نو ً‬
‫ع ا م ا نقطة يصعب تن اوله ا مق ارنة ب الخلف ات التي تطرقت إليه ا حششتى الن؛ فهششي أول ب الضششرورة خلفشش ات أكششثر تجريش ً‬
‫وفلسفية‪ ،‬وث انًي ا هي معقدة نتيجة الخلف العميق الذي ط الم ا دار داخل الحركة الن اركية ذاته ا حول هذه المسششألة‪ .‬إل أن‬
‫متمنًيش ا أن يتفهشم النش اركيون‬
‫الن اركية الفرديششة لهش ا ثقششل بشداخل الحركشة الجتم اعيشة مشن الهميششة ليشدفعني أن أتن اولهش ا‪ُ ،‬‬
‫مفضلين لمنهج التغيير الثوري الق ائم على الصراع بأن هذا الجزء الت الي غير موجه ضدهم‪.‬‬
‫الرافضون للفردية وال ُ‬
‫ومن الدواعي الض افية لمن اقشة هذا الموضوع أن الم اركسية ع ادة م ا ت َُعشرف ب المن اهضششة الصشريحة لحقشوق الفشرد وأنهش ا‬
‫ي ضششد مصشش الح‬
‫تدين كل م ا يتعلق ب الفردية على أنه أمور"برجوازية"‪ ،‬وأنه ا تضع مص الح المجتمع والجم اعة في تع ارض آل ً‬
‫الفرد‪ .‬ولكن هذه قراءة خ اطئة لم اركس وللموقف الم اركسي من حقوق الفرد ‪َ -‬أججته ب الطبع الست الينية القمعيششة وهششو‬
‫انطب اع أسعى إلى تصحيحه‪.‬‬

‫يمكن إرج اع المدرسة الن اركية الفردية إلى الفيلسششوف النجليششزي وليششم جششودوين ‪(William Godwin (1836-1756‬‬
‫والفيلسوف اللم اني م اكس شتيرنر ‪ (Max Stirner (1856-1806‬واللذان ك ان ا من دع اة الفردية المتطرفة وهششذا مشش ا‬
‫يمكن أن نستشفه من لمحة من المقولت الت الية في كت اب شتيرنر "الن ا وذاته ا" )‪:(1845‬‬
‫ل شيء يمثل لي قيمة‪ ...‬أل نتعلم من هذه المثلة الممت ازة )الله والنس ان( أن الن اني أفضل من يسلك طريقه؟ أن ا عن‬
‫س ا منهم وأقترح بدل من أن نستمر في خدمة الن انيين العظ ام بتف ان أن نصششبح نحششن أنفسشن ا أنش انيين‪...‬‬
‫نفسي تعلمت در ً‬
‫الله والنس ان لم يشغلوا أنفسهم إل بأنفسهم‪ ،‬فدعوني إذن أنشغل بنفسي‪...‬فلتختفي كل الهمششوم الششتي ل تهمنششي‪...‬فل‬
‫‪iii‬‬
‫هم لي سوى نفسي!‬
‫مبهمششة‬
‫شة‬
‫ش‬
‫فردي‬
‫شة‬
‫ش‬
‫نزع‬
‫ثمة‬
‫لن‬
‫ولكن‪،‬‬
‫الصفر‪.‬‬
‫من‬
‫يقترب‬
‫اليوم‬
‫الن اركية‬
‫على‬
‫شتيرنر‬
‫أو‬
‫لجودوين‬
‫المب اشر‬
‫ظني أن التأثير‬
‫ُ‬
‫وغير مص اغة منهج ًي ا على طول وعرض الفكر الن اركي فلذلك تجدر الش ارة إلى بعض الملحظ ات النقديششة عششن الفرديششة‬
‫المتطرفة ‪ -‬أي فكرة النس ان "الحر" الذي ل يسعى إل لغ اي اته الشخصية دون قيد أو مب الة تج اه الخرين‪.‬‬
‫يجب أن يق ال أول أن الن انية الخ الصة الغير مقيدة كهذه لم يكن له ا وجود على الطلق في ت اريخ النسشش انية‪ .‬إن الجنششس‬
‫البشري بطبيعته التي ل ُتختزل هو جنس اجتم اعي ‪ -‬أي أنه يعتمد على الخر وذلك منذ الزل‪ .‬ولم يكن للفرد في مجتمع‬
‫الصيد والجمع‪ ،‬الذي لم يكن فيه كم ا رأين ا دولة أو سلطة سي اسية منفصلة عن الجم اعة ككل‪ ،‬حرية التصششرف كمشش ا يحلششو‬
‫ق ا‪ ،‬أو أن يخدم نفسه دون غيره‪ .‬ف الصيد ك ان ضرورة فرضته ا الطبيعة وك ان عمل جم اعًي ا تع اونًي ا ب السشش اس‪ .‬ومششن‬
‫له مطل ً‬
‫ك ان من الفراد يرفض أن يعترف ب التزام اته تج اه الجم اعة يجد نفسه منفي ا منه ا ش المشر الشذي ظششل لمشدة طويلشة بمث ابششة‬
‫حكم ب العدام علي هذا الشخص‪.‬‬
‫ففكرة حرية التصرف "الخ الصة" ل يمكن أن ترد في الواقع إل إذا تخلين ا كمجتمع عن عملية إنت اج ضروري ات الحي اة‪ .‬غير‬
‫أن ح املي فكرة "الحريششة الخ الصششة" يعتششبرون قضششية النتشش اج قضششية محسششومة ببسشش اطة‪ .‬و"الفششتراض" الضششمني هنشش ا أن‬
‫الملبس التي نرتديه ا والغذاء الذي نأكله‪ ،‬إلخ‪ ،‬سيأتي من مك ان م ا وبطريقة م ا‪ ،‬وهو افتراض نخبششوي وبرجششوازي صششرف‬
‫دحضه تم ا ًم ا م اركس في أعم اله النظرية التي أو ضحت أن العمل البشرى والنت اج ُيمثلن حجر الزاوية في تطور الت اريخ‬
‫النس اني‪ .‬وللن اركية الفردية أن ُتج ادل أن علين ا أن نخلق مجتمًع ا به وفرة من البض ائع حتى ُتت اح لن ا بدرجة م ا حرية‬
‫العمل من عدمه‪ ،‬إل أن هذا ل يحل معضلة‪ :‬لمن من ا توكل مهمة خلق هذا المجتمع وكيف‪.‬‬
‫والشيء الخر أن الت اريخ يبين أن الجذور الجتم اعية لهذا النوع من الفردية تنبع من أعمشش اق البرجوازيششة‪ .‬ففششي المجتمششع‬
‫منششزل مششن السششم اء‪ .‬ومششع ظهششور‬
‫القط اعي ك انت نقطة النطلق الفلسششفية هششي اللششه والكنيسششة والنظشش ام الجتمشش اعي ال ُ‬
‫الرأسم الية تحولت نقطة النطلق في المجتمع إلى الفردية كم ا عبر عنه ا الفيلسوف الفرنسي ديك ارت في مقششولته "أنشش ا‬
‫أفكر إذا ً أن ا موجود"‪ .‬وفي بداي ات فكر توم اس هوبز‪ ،‬قدم الفيلسوف السي اسي فكرة أن حي اة البشر في الس اس تتمثششل‬
‫في حرب فردية "للجميع ضد الجميع" تششبري ًرا لسششتنت اج أن مشش ا نحتشش اجه هششو دولششة قويششة – وهششو اسششتنت اج بشش الطبع معشش اكس‬
‫مثل‪ ،‬يتخذ القتص اد النيو‪ -‬كلسيكي البرجوازي من "المستهلك الفرد النشش اني العقلنششي" نقطششة انطلق لششه‪.‬‬
‫للن اركية‪ .‬وب ال ِ‬
‫علوة على ذلك‪ ،‬فليس من ُقبيل المص ادفة أنه في حيشن قشد يرغشب النش اركيون فشي إضشف اء لمحشة يسش ارية علشى فكشرة‬
‫سشش ا‬
‫"اللسلطوية" الفردية فأنن ا نجد أن عدد غيشر بقليششل مششن الليششبراليين المحشش افظين يتخششذون فكششرة "اللسششلطوية" أس ا ً‬
‫للسي اس ات النيوليبرالية المؤيدة للرأسم الية وشديدة اليمينية‪.‬‬
‫وفي هذا السي اق لبد كذلك أن نذكر فيلسوف أو أخر القرن الت اسع عشر اللم اني فريدريك نيتشه الششذي آمششن أن القششوة‬
‫الدافعة على امتداد ك امل الت اريخ والسلوك النس اني )وإلى حد م ا الكشون بشأكمله( هشي الرغبشة الفطريشة لكشل فشرد فشي‬
‫"امتلك السلطة"‪ .‬ولم يكن نيتشه أن ارك ًي ا بل اشتهر لتأثيره على اليمين المتطرف بم ا فيهم الن ازيين ولكنه ك ان قششد قششرأ‬
‫شتيرنر وتأثر به‪ ،‬كم ا ك ان له أثر ه ام على مفكري القرن العشرين ك المفكر الفرنسي ميشيل فوكو الذي بدوره أثر على‬
‫الن اركية‪.‬‬
‫من الواضح أن كثير من الن اركيين يقبلون صيغة م ا لنظريششة الرغبششة الفطريششة فششي امتلك السششلطة‪ ،‬ومششن المؤكششد أنهششم‬
‫يستخدمونه ا لتفسير سلوك الخرين مثل اللينينيين والسي اسيين والبيروقراطيين وغيرهم ‪ -‬وإن استثنوا‪ ،‬ب الطبع‪ ،‬أنفسهم‪.‬‬
‫كم ا يتم اشى هذا العتق اد الن اركي مع فكرة أن مبدأ الدولة أو مبدأ السلطة هو الذي أدى لظهور الطبق ات فششي المجتمششع‬
‫والتف اوت اقتص ادي وليس العكس بحسب رؤية م اركس‪.‬‬
‫وبغض النظر عن افتق اره ا للس اس العلمي‪ ،‬فنظرية الرغبة الفطرية في امتلك السلطة في جوهره ا تعد نظرية يمينيششة‪.‬‬
‫ويمكن إضف اء بريق أو ج اذبية يس ارية على هذه النظرية اليمينيششة‪ ،‬كمشش ا فعششل ميشششيل فوكششو‪ ،‬إذا مشش ا اسشُتخدمت لتفسششير‬
‫صراع ات السلطة المنتشرة في أرج اء المجتمشع – فشي كشل مدرسشة ومستششفى وسشجن ومكتشب – ويصش احب "الرغبشة‬
‫مشش ا مششع مششن ل‬
‫الفطرية في امتلك السششلطة" الخيشش ار الطششوعي والخلقششي ب المق اومششة المسششتمرة للسششلطة والوقششوف دو ً‬
‫يملكونه ا‪.‬‬
‫إل أن هذه التركيبة النظرية – رغبة فطرية عند البشر في السلطة والخيشش ار الطششوعي عنششد البعششض ب المق اومششة – تششواجه‬
‫معضلتين‪ .‬الولى هي العتق اد أن أفضل م ا يمكن أن نتعشم فيه في المجتمع الطبقي هو القي ام المق اومة البدية للظلم‪،‬‬
‫مش ا‪.‬‬
‫لنه وللسف‪ ،‬ل يوجد أمل حقيقي في تحقيق تحرر ك امل للنس انية إذ أن صراع ات البشر على السشلطة سشتتجدد دائ ً‬
‫والمعضلة الث انية هي أنه إذا ك انت الرغبة في السلطة فطرية عند النس ان فلم اذا ُيفششرض علينشش ا‪ ،‬أو علششى النشش اركيين‪ ،‬أن‬
‫ننح از لمن ل يملك السلطة إذا ك ان من "الفطرية" أن ننح از لصح اب السلطة كم ا انح از العديد من أتب اع نيتشه فعل‪.‬‬
‫فم ا هي إذن رؤية الم اركسية لعلقة الفرد ب المجتمع؟‬
‫إن الم اركسية ل ترفض البتة المسعى للحرية الفردية وتنمية شخصية الفرد‪ .‬وفي "الم انيفستو الشيوعي" أدان م اركس‬
‫وإنجلز الرأسم الية لنه ا‪ ،‬رغم دعوته ا لحترام الفردية‪ ،‬فهي تسحق الفردية الشخصية للغلبية في الحقيقة‪:‬‬
‫فرأس الم ال في المجتمع البرجوازي مستقل وله شخصية فردية‪ ،‬فششي حيششن أن النسشش ان الحششي غيششر مسششتقل ول يتمتششع‬
‫بشخصية فردية‪ .‬ثق افة الفردية‪ ،‬التي يتب اكى )البرجوازي( على فقدانه ا‪ ،‬إنم ا هي تمثل ب النسششبة للغلبيششة السشش احقة مجششرد‬
‫أن يفرض عليهم أن يعملوا كآلة‪.‬‬
‫ثم يعلن م اركس وإنجلز غ ايتهم‪" :‬استبدال المجتمع البرجوازي القديم بطبق اته وعداواته الطبقية ‪ ...‬بمجتمششع تكششون فيششه‬
‫التنمية الحرة لكل فرد هي شرط للتنمية الحرة للجميع‪".‬‬

‫ع ا عن الم اركسية ضد الشتراكي اللم اني يوجين دوهرنج )‪:(1877‬‬
‫ويستفيض إنجلز في هذه النقطة في كت ابه دف ا ً‬
‫"ل داعي للتأكيد على أن المجتمع ل يستطيع أن يحرر نفسه إل إذا م ا تحرر كل فرد فيه‪ .‬فلذا يجششب الط احششة ب السششلوب‬
‫القديم للنت اج برمته وب الخص تقسيم العمل الذي ل بد أن يختفي‪ .‬يجب أن تحل محله منظومة إنت اج ل تسمح من ن احيششة‬
‫أن يلقي فرد بنصيبه من العمل المنتج على أكت اف غيره‪ ،‬وهذا شرط طبيعي للوجود البشري؛ ومششن ن احيششة أخششرى يصششبح‬
‫العمل المنتج‪ ،‬بدل من أن يكون وسيلة لخض اع النس ان‪ ،‬وسيلة لتحرر البشرية عن طريق توفير لكل فرد فرصة تطوير‬
‫مه اراته الجسدية والذهنية في كل التج اه ات وأن يم ارسه ا بأقصششى ط اقششة‪ .‬ب النسششبة لمشش اركس فشش الفرد ليششس كشش ائن أنشش اني‬
‫منعزل أو "جزيرة منفصلة" في موضع مق ابل للمجتمششع‪ .‬وفششي كتشش ابه "مخطوطشش ات اقتصشش ادية وفلسششفية" )‪ (1844‬يقششول‬
‫ُ‬
‫دا "الشششيوعية الفجششة" الششتي ل تعنششى إل بمجششرد اللغش اء السششلبي للملكيششة‬
‫منتق ً‬
‫م اركس "الفرد ك ائن اجتم اعي ب الس اس‪ُ "،‬‬
‫الخ اصة و" ُتنكر شخصية النس ان في كل المج الت"‪ .‬ويؤكد م اركس أن الشيوعية ستمثل "عودة النس ان إلى ذاته كشش امل‬
‫كك ائن اجتم اعي )أي إنس اني( ‪ ...‬وستمثل حل حقيقي للصراع ‪ ...‬بين الفرد والبشرية ككل"‪.‬‬
‫ف ّعل للتغييششر‪ ،‬إلششى قششوى اجتم اعيششة قشش ادرة علششى الط احششة ب الرأسششم الية وبنشش اء‬
‫م َ‬
‫إل أن الوصول "لع الم الحرية" يحت اج إلى ُ‬
‫فعّششل‪ ،‬كمشش ا عرفششه فششي الم انيفسششتو الشششيوعي‪ ،‬يتمثششل فششي الطبقششة الع املششة أو‬
‫م َ‬
‫مجتمع جديد‪ .‬ويششرى مشش اركس أن هششذا ال ُ‬
‫البروليت اري ا‪ " :‬الطبقة الجديدة من الع املين بأجر والذين ل يملكون وس ائل النت اج ويضطرون أن يقت اتوا من قشدرتهم علشى‬
‫‪iv‬‬
‫العمل"‪.‬‬
‫إن تحديد الدور الثوري للطبقة الع املة – قدرته ا على تحرير نفسه ا وتحرير النس انية معه ا – هشي الفكششرة المركزيششة فششي‬
‫الم اركسية والخيط الس اسي لهذا الكتيب‪ .‬وأود أن أطرح هنشش ا نقطششتين بخصششوص علقششة نضشش ال الطبقششة الع املششة وحريششة‬
‫الفرد‪.‬‬
‫النقطة الولى ببس اطة هي أن أي نض ال جم اعي يفرض بعض الحدود على حرية الفرد المشششترك بششه ويقيششد تصششرف اته أو‬
‫تصرف اته ا كم ا سبق وأن لحظن ا في أبسط أشك ال صراع ات الطبقة الع املة وهو الضراب‪ ،‬فمن يفعل م ا يحلو له ويعمل‬
‫أثن اء الضراب ُيعتبر خ ائن ا‪.‬‬
‫دا بين خبرة الطبقة الوسطى وخبرة الطبقششة الع املششة ب النسششبة لمسششألة‬
‫ولكن النقطة الث انية هي أن هن اك اختلف ا مهم ا ج ً‬
‫مؤمّنة بغض النظر عن وضع الجم اعة ككل‬
‫منتمي للطبقة الوسطى ُ‬
‫الحرية الفردية‪ .‬ف الحرية الفردية وتنميته ا للشخص ال ُ‬
‫بل وتتطور للفرد ب التض اد مع مصلحة الخرين في الجم اعة ؛ أم ا ب النسبة لشخص مششن الطبقششة الع املششة ف القيششد الرئيسششي‬
‫مكبل والذي ل يمكن تحسينه إل مششن خلل التواصششل مششع الجم اعششة‪ .‬وب التشش الي‬
‫على فرديته وحريته هو الوضع القتص ادي ال ُ‬
‫ف التنمية الفردية لغلبية الطبقة الع املة متوقفة على تقدم طبقتهم ككل‪ .‬على سبيل المث ال‪ ،‬تقترن مقدرة الفرد الع امل‬
‫أو الع املة أن يحي ا حي اة صحية وطويلة بنض ال جمشش اعي يكتسششب للجميششع خدمششة صششحية مج انيششة‪ ،‬وفرصششة الحصششول علششى‬
‫التعليم للفرد مرتبطة بإت احة تعليم حكومي مج اني للجميع‪ ،‬إلششخ‪ .‬ف الشخصششية الفرديششة الحقيقششة لعديششد مششن العمشش ال تبششدأ‬
‫دا في النض ال الجم اعي ومن خلله‪ .‬إن في الثورة صحوة جم اعية لمليين من الشخصي ات الفردية‪ ،‬وانتصشش ار‬
‫وتزدهر تحدي ً‬
‫قوة العم ال في المجتمع– إن لم تعني الحرية المطلقة – ستعني توسع ه ائل في الحرية الفردية مق ارنة بششأي شششيء قششد‬
‫تقدمه الرأسم الية‪.‬‬
‫وتش ارك بعض تي ارات الن اركية‪ ،‬ك الن اركية النق ابوية والن اركية الشيوعية‪ ،‬الم اركسية في العتراف بشدور الطبقشة الع املشة‬
‫ة م ا تكتفي التي ارات الن اركية بمقولت مجردة عن الحرية في المطلششق‪ ،‬ول ُتمعششن‬
‫الرئيسي في تغيير المجتمع ولكن ع اد ً‬
‫التفكير في العلقة بين صراع الطبقششة الع املششة والحريششة الفرديششة كمشش ا فعششل مشش اركس وإنجلششز‪ .‬وهنشش اك أنشش اركيون آخششرون‬
‫يرفضون فكرة نض ال الطبقة الع املة جملة وتفصيل ً ومن َثم يعزلون أنفسهم عن القوى الجتم اعية التي قد تحدث تغييًرا‬
‫فعل ًي ا‪ ،‬أو أنهم يسعون ليج اد بديل لدور الطبقة الع املة من خلل إستراتيجي ات مثل "الحشد الجم اهيري" ‪mobilization‬‬
‫أو العتم اد على العن اصر المتأرجحة اجتم اعي ا من الفقراء ك القوة الس اسية للتغيير ‪ .‬وهذه الخي ارات الخيرة ستُن اقش في‬
‫الجزء الخ اص بتي ار أن اركية الستقللية الذاتية المعروف ب الوتونومية‪.‬‬
‫‪ - 3‬سجل الاناركية‬
‫تعود بعض عن اصر الفكر الن اركي عدة قرون إلى الوراء‪ ،‬فط الم ا ك ان النس ان يحلم بمجتمع تسوده الحرية والمسشش اواة‪،‬‬
‫ولكن الن اركية‪ ،‬كأيديولوجي ا وحركة محددة‪ُ ،‬تؤرخ مثله ا مثل الم اركسية‪ ،‬منذ منتصف القرن الت اسع عشر‪.‬‬
‫م ا أو م ا ش ابه من وجوده ا أفرزت الن اركية نصيبه ا من البط ال والبطلت‪ ،‬المش اهير‬
‫ول شك على أنه علي مدار ‪ 160‬ع ا ً‬
‫وغير المش اهير‪ ،‬ممن ضحوا بحي اتهم في سبيل القضية الثورية‪.‬‬
‫ض ا أن مواطن الضعف التي أوضحن اه ا س ابق ا ظهرت على المم ارسة الن اركية بشكل مضطرد ‪ ،‬مم ا يجعل‬
‫ول شك أي ً‬
‫مراجعة ت اريخ الن اركية ك امل في هذا الصدد من المح ال طبًع ا‪ .‬ولكن م ا سنح اوله في هذا القسم بدل من ذلك هو‬
‫استعراض الحجج المقدمة فيم ا سبق‪ ،‬ومشن َثشم التأكيشد عليهش ا‪ ،‬وذلشك مشن خلل الشش ارة إلشى ثلثشة مراحشل فشي ت اريشخ‬
‫الن اركية‪ (1 .‬نش اط ات ب اكونين في سششبعيني ات القششرن الت اسششع عشششر؛ و ‪ (2‬الثششورة الروسششية )مششع ملحظشش ات علششى النقششد‬
‫الن اركي الموجه ضد البلشفية(؛ وأخيرا‪ ،‬دور الن اركية في الحشرب الهليششة فشي أسشب اني ا فشي ثلثينيش ات القشرن العششرين‪.‬‬
‫وسنستعرض تلك الحجج ليس للتفتيش في سجل الن اركيين بحث ً ا ً عن فض ائح أو خي ان ات أو حم اق ات – فتلك مح اولة ل‬
‫معنى له ا ويمكن تكراره ا بسهولة مع ت اريخ الم اركسية – ولكن ب الحرى لختب ار المم ارسة الن اركية في اللحظ ات الف ارقة‬
‫في ت اريخ الكف اح الثوري‪ ،‬أي لختب ار فع الية التراث الن اركي في أو ق ات القوة‪ ،‬ل في أوق ات الضعف‪.‬‬
‫باكوانين‬
‫قد يكون ميخ ائيل ب اكونين )‪ (1876-1814‬هو الشخصية الكثر شهرة في ت اريخ الن اركية‪ .‬ول شك أنه بمظهره وأسششلوب‬
‫حي اته ونش اطه الشغوف بدا كأسطورة نمطية للبطل النشش اركي الروم انسششي‪ .‬فقششد ششش ارك بشششكل مب اشششر فششي أكششثر مششن‬
‫انتف اضة مسلحة ضد النظ ام واعت اد حي اة السجون المختلفة بل وقضى خمس سنوات من الحبس النفرادي في سجن‬
‫قلعة بطرس وبولس المخيف في س ان بطرسبرج في روسي ا‪.‬‬
‫و ُيعزى لب اكونين‪ ،‬أكثر من أي شخص آخششر‪ ،‬تأسششيس الن اركيششة ك اتجشش اه سي اسششي منظششم يختلششف عششن الحركششة الشششتراكية‬
‫العريضة‪ .‬كم ا جسد ب اكونين شخصًي ا‪ ،‬وبشدة غريبة‪ ،‬التن اقض ات الملزمة للن اركية كأيديولوجي ا‪.‬‬

‫دهم ائية العديدة‪ ،‬قششدم بش اكونين نفسششه علشى أنششه المعشش ارض‬
‫ب اته امه للم اركسية ب الش"دولنية" و"السلطوية"‪ ،‬وبتصريح اته ال ُ‬
‫الراديك الي لكل قوة أو سلطة أو قي ادة‪ .‬ويقول برن امج حركته "الخوة الع المية"‪:‬‬
‫نسعى بصيحة السلم للعم ال‪ ،‬والحرية للمقموعين والموت للطغش اة والمسشتغلين والوصشي اء مشن كششل نشوع‪ ،‬لتشدمير كششل‬
‫الدول والكن ائس ومعه ا المؤسس ات والقوانين الدينية والسي اسية والقض ائية والم الية والقتص ادية والجتم اعيششة والشششرطة‬
‫مسششتغلين مششن المششديرين سششواء كشش انوا‬
‫معششذبين وال ُ‬
‫مسششتعبدين وال ُ‬
‫والج امع ات‪ ،‬حتى يتحرر ملييششن البشششر المخششدوعين وال ُ‬
‫‪v‬‬
‫رسميين أو غير رسميين‪ ،‬سواء ك انوا جم اعة أو كأفراد‪ ،‬لتتنفس البشرية أخيًرا نسم ات الحرية المطلقة‪.‬‬
‫مميششزة والق انونيششة‬
‫وقد صرح ب اكونين في ‪" :1871‬في كلمة واحدة نرفض كششل التشششريع ات والسششلط ات وكششل الهيمنششة ال ُ‬
‫والرسمية وغير الرسمية علين ا حششتى إذا كش انت نتيجششة تصشويت عش ام"‪ .‬وفشي ‪ 1872‬قش ال‪" :‬ل نقبشل التف اقش ات السي اسشية‬
‫والمج الس التأسيسية والحكوم ات المؤقتة أو م ا تسمى ب الدكت اتوري ات الثورية حتى وإن ك انت لغرض النتق ال الثوري"‪.‬‬
‫أم ا في مم ارس اته السي اسية‪ ،‬فقد تفرغ ب اكونين لتنظيم جم اعشش ات تآمريششة صششغيرة وسششرية وهرميششة ق ائمششة علششى الط اعششة‬
‫الت امة لشخصه‪ .‬وقدم ب اكونين تبريًرا لس اليبه في أحد خط اب اته إلى المتآمر الروسي الشهير ن اتش اييف‪:‬‬
‫علين ا أن نجبر الجمعي ات التي تتش ابه أهدافه ا مع أهدافن ا أن تنصهر مع جمعيتن ا‪ ،‬أو على القل يجب أن يتم إخض اعه ا دون‬
‫علمه ا‪ ،‬كم ا يجب استبع اد المؤذيين فيهم‪ .‬أمشش ا الجمعيشش ات المع اديششة أو الضشش ارة ضششرًرا ق اطًعشش ا فيجششب تصششيته ا‪ .‬وبعششد ذلششك‬
‫‪vi‬‬
‫سيمكنن ا أن ندمر الحكومة‪ .‬كل هذا لن يتم بنشر الحقيقة‪ ،‬إنم ا سيلزم اللجوء إلى المكر والدبلوم اسية والخداع‪.‬‬
‫‪vii‬‬
‫ومثلت هذه التكتيك ات الس اليب التي وظفه ا ب اكونين في مح اولة لفششرض السششيطرة علششى رابطششة الشششغيلة المميششة )أو‬
‫الممية الولى التي ش ارك في تأسيسه ا م اركس في عشش ام ‪ .(1864‬فعنششدم ا انضششم بشش اكونين وأنصشش اره إلششى المميششة فششي‬
‫‪ 1869‬أعلنوا عن حل منظمتهم‪ ،‬والتي ك انت تسمى تح الف الديمقراطية الشتراكية‪ ،‬لكنه ا في الحقيقة استمرت في‬
‫العمل كشبكة في الخف اء‪.‬‬
‫في ‪ 1872‬ع ام كتب ب اكونين م ا يلي في خط ابه إلى أن اركى إيط الي من أنص اره‪:‬‬
‫صشش ا وذكشش اًء‬
‫أظنك ستفهم آجل أو ع اجل ضرورة تأسيس نوى داخلية )في أقس ام الممية( من العض اء الكششثر إيم ان ًشش ا وإخل ً‬
‫ونش اط ا ً أو ب اختص ار القربون لن ا‪ .‬هذه النششوى ]سششتكون[ شششديدة الششترابط مشش ا بيششن أعضشش اءه ا‪ ،‬وبينهشش ا وبيششن شششبيه اته ا مششن‬
‫المنظم ات بإيط الي ا أو ب الخ ارج‪ ،‬وسيكون له ا مهمة مزدوجة‪ .‬ب ادئ ذي بدء‪ ،‬ستشكل ]النوى[ الروح الب اعثة المفعمششة لهششذا‬
‫الكي ان الرهيب المسمى برابطة الشغيلة الممية وغيرهش ا مشن الكي انش ات‪ ،‬ثشم سشتتولى ]الج ابشة عشن[ السشئلة الشتي مشن‬
‫المح ال مع الجته ا عل ًن ا ‪ ...‬ظني أني قلت م ا يكفشي لرجش ال بشذك ائك أنشت وأصشدق اءك ‪ ...‬وأمشر مفشروغ منشه أل يقبشل هشذا‬
‫دا من الفراد‪.‬‬
‫التح الف السري بين صفوفه إل عدد قليل ج ً‬
‫ل يجب أن ُينظر إلى هذا التن اقض بين المب ادئ المعلنة والمم ارسة الفعلية كمجرد نتيجششة ميششول للهيمنششة خ اصششة بطبيعششة‬
‫شخصية ب اكونين‪ .‬ففي الواقع‪ ،‬يمثل ب اكونين التجسيد الحي لتن اقض أصيل في رفض الن اركيشة لمفهشوم القيش ادة فشي حشد‬
‫منتخبششة وغيششر ديمقراطيششة وغيششر‬
‫منتخبة ديمقراطي ا ً والق ابلة للرد بقيشش ادة غيششر ُ‬
‫ذاته ا‪ :‬بمعنى أن الن اركية تستبدل القي ادة ال ُ‬
‫ق ابلة للرد‪.‬‬
‫لم يمثل التآمر السري خرًق ا لمب ادئ الن اركية نفسه ا فحسب لكنه أسفر كذلك عن قي ادة ك ارثيششة لثششورة الطبقششة الع املششة‪.‬‬
‫فل يمكن بأي ح ال من الحوال لفئة محدودة من الفراد الذين ينصبون أنفسهم بأنفسهم كقي ادة أن تقدر مششزاج الطبقششة‬
‫الع املة أو ترشد حركته ا‪ .‬لذا أفضى التآمر مب اشرة إلى "نزعة انقلبية" وهي مح اولششة مجموعششة صششغيرة القيشش ام بعمليشش ات‬
‫تمرد مستقلة عن حركة ورغب ات أغلبية العم ال‪.‬‬
‫وقد ش ارك ب اكونين في عدد من هذه المغ امرات‪ ،‬انتهت جميعه ا بإخف اق ات محرجشة بمش ا فيهش ا مهزلتششه فشي ليشون بجنششوب‬
‫فرنس ا في سبتمبر ‪ .1870‬وسط موجة من الضشطراب ات الششعبية‪ ،‬احتشل بش اكونين وأنصشش اره فنشدق دافيشل وأعلنششوا عشن‬
‫أنفسهم لجنة إنق اذ فرنس ا و"إلغ اء الدولة"‪ .‬ولسوء حظ ب اكونين رفضشت الدولشة العشتراف بإلغش اء نفسشه ا‪ ،‬وأنهشت انقلب‬
‫ب اكونين على الفور بإرس ال سريتين للحرس الوطني الفرنسي لليون‪ .‬وأضطر ب اكونين للهرب حتى انتهى بششه المششر فششي‬
‫حرم في الع ام الت الي من المش اركة في ثششورة عم اليششة حقيقيششة انششدلعت فششي فرنسشش ا‬
‫جنوه في إيط الي ا وأدى ذلك إلى أنه ُ‬
‫وهى كومونة ب اريس‪.‬‬
‫ومن الطريف أن ب اكونين لم يكن يطبق فكرته عن السلطة السرية في منظمة الحركة الثوريششة فحسششب ولكششن ه عمششم‬
‫هذه الفكرة كذلك في تنظيم مجتمع م ا بعد الثورة‪ .‬ففي خط اب إلى صديقه ونصيره ألبرت ريتش ارد شرح ب اكونين كيششف‬
‫سيؤسس وأنص اره "دكت اتورية سرية" بعد إق امة الن اركية‪:‬‬
‫بصفتن ا ق ادة غير مرئيين وسط هذه الزوبعة البروليت ارية فيجب أن يتم نوجهه ا‪ ،‬ل عششن طريشق السششلطة الصشريحة‪ ،‬ولكششن‬
‫عن طريق ديكت اتورية المتح الفين الجم اعية )أعض اء التح الف مع ب اكونين(‪ :‬ديكت اتورية لن يكون له ا ش ارات عمل علنية ول‬
‫ألق اب ول حقوق رسمية‪ ،‬وسيزيد من قوته ا أنه لن يكون هن اك أي مظ اهر قوة له ا‪ .‬هذه هششي الديكت اتوريششة الوحيششدة الششتي‬
‫أقبله ا‪.viii‬‬
‫من حسن الحظ أن هذه الرؤية للسلطة الخفية يمكن الستغن اء عن خدم اته ا اليوم ليس فقط لشدة خي اليته ا ولكن أيضشش ا‬
‫لنه ا إذا تحققت لصبحت الشكل القل ديمقراطية للحكم في الت اريخ على الطلق‪.‬‬
‫وقد ح اول بعض الن اركيون فيم ا بعد التنكر من ب اكونين وتخيلته‪ ،‬ولكشن‪ ،‬كمش ا سششنرى‪ ،‬سششيعود القصششور الس اسشي فشي‬
‫مذهب ب اكونين للظهور في أن اركية القرن العشرين حتى في "أزهى" لحظ اته ا‪.‬‬
‫روسيا‬
‫وبم ا أن التراث الن اركي في روسي ا س ابق على الم اركسية بسنوات‪ ،‬فإنن ا نجشد أن ضشآلة دور الن اركيششة فشي ثشورة ‪1917‬‬
‫يعتبر أمر مثير للعجب‪.‬‬
‫فرغم أن الثورة الروسية هي العظم والعمق في الت اريخ‪ ،‬ورغم أن مستوى النضشش الية والششوعي السي اسششي الششذي وصششل‬
‫إليه العم ال والجنود الروس في ع ام ‪ 1917‬ك ان العلى ب النسبة لي طبقة ع املة على مر الزم ان‪ ،‬لم تفلح الن اركيششة أن‬
‫ت ُث ِْبت له ا أي أقدام في هذه الحركة الف اصلة إل ب الك اد‪.‬‬

‫وهكذا لم يجد فولين‪ ،‬أهم مفكر أن اركي روسي في هذه الحقبة‪ ،‬عند عودته إلى روسي ا في ‪ 1917‬جريدة أن اركية واحششدة‬
‫متحد ًث ا أن اركي واحد في مدينة بتروجراد وهي قلب الثورة‪ .‬ولم يكن للن اركية ثمة تمثيل يششذكر‬
‫أو أي ملص ً‬
‫ق ات أن اركية أو ُ‬
‫في السوفيت ات؛ وحتى في اللج ان العم اليششة الق اعديششة فششي المصشش انع كشش انت المقترحشش ات الن اركيششة تخسششر ب اسششتمرار عنششد‬
‫التصويت أم ام المقترح ات البلشفية وبأغلبية س احقة‪.‬‬
‫ويعود إخف اق الن اركيين في الثورة الروسية لسببين أس اسيين‪.‬‬
‫مة م ا يميل للن اركية عنششدم ا تصششل قيشش ادات الحركششة العم اليششة‬
‫السبب الول هو أن المزاج بين قط اع ات الطبقة الع املة ع ا ً‬
‫الموجودة لقمة غدره ا فتُعم خيبة المل بين العم ال‪ .‬أم ا في أثن اء أحداث ‪ ،1917‬أستط اع البلششفة تقشديم قيش ادة ثوريششة‬
‫واضحة وبديلة للصلحيين ف اجتذبوا دعم كل طليعة الطبقة الع املة تقريًب ا‪.‬‬
‫والسبب الث اني أن الن اركية فشلت في تقديم إج اب ات على التحدي ات التي واجهت العم ال فششي نضشش الهم مششن أجششل حسششم‬
‫الثورة لص الحهم في فترة السلطة المزدوجة من فبراير حتى أكتوبر ع ام ‪ - 1917‬أي فترة الصراع الذي احتدم في تلك‬
‫الشهور بين الدولة القديمة والدولة الجديدة الجنينية ‪ -‬حين وقفت بق اي ا الدولة القيصرية القديمة وجيشه ا وبيروقراطيته ا‬
‫برئ اسة حكومة مؤقتة جديدة في ج انب‪ ،‬والسوفيت ات الششتي شششكله ا العمشش ال والجنششود بأنفسششهم والششتي كشش انت تششزداد قششوة‬
‫وسلطة يوم ا بعد يوم ا في الج انب الخر‪ .‬ك ان السؤال الح اسم – بل الوحيد – في تلك الزمة هو‪ :‬أي دولة ُتمثل أي طبقة‬
‫ستنتصر؟ هل ستسحق الدولة القديمة القيصرية ‪/‬الرأسم الية السوفيت ات والطبقة الع املة أم هل ستهُزم الطبقة الع املة‬
‫الدولة القديمة وتحول ك افة السلط ات للسوفيت ات؟‬
‫في تلك اللحظ ات المصيرية ص ارت كل القوى السي اسية التي ترددت فششي الج ابششة بحسششم علششى هششذا السششؤال ‪ -‬حكومششة‬
‫كيرينسكي والمن اشفة إلخ –ع اجزة تدريجًي ا‪ .‬أم ا التي ارات التي ك انت ترفض كل أشك ال الدولة من حيث المبششدأ ك الن اركيششة‬
‫فقد ُهمشت ب الضرورة‪ .‬فلقششد قش ام أغلبيششة النش اركيين إمشش ا بمواءمششة أيشديولوجي اتهم ليتبعششوا السششلطة البلشششفية بفتششور‪ ،‬أو‬
‫انفصلوا عن الن اركية لينضموا إلى البلشفة بحم اس‪ .‬أم ا من لم يفعلوا ذلك ك الن اركى المخضرم كروبوتكين )الششذي فقششد‬
‫حسششبون علششى‬
‫مصداقيته بعد دعمه للمبري الية الروسية والبريط انية والفرنسية في الحششرب الع الميششة الولششى( فأصششبحوا ي ُ‬
‫الحكومة المؤقتة التي ك انت الكراهية له ا تتزايد‪.‬‬
‫في الواقع لم يتح للن اركية أن تلعب دو ًرا مستقل ه ام ا في الحداث إل بعد انتص ار ثورة أكتوبر بفترة خلل الحرب الهلية‬
‫التي تلت وك انت فترة صع اب كبيرة ب النسبة للثورة ومع ان اة رهيبة للشعب الروسي‪.‬‬
‫مح اصرة‪ ،‬والجيوش البيض اء )وهو السم الذي عرفت به قوات الثورة المض ادة(‪ ،‬بقي ادة أكثر جنششرالت‬
‫فلقد ك انت الثورة ُ‬
‫القيصر رجعية والمدعومة ب الم ال والعت اد والتعزيزات التيششة مشن كششل قشوى الرأسشم الية الع الميشة‪ ،‬كش ادت أن تقشترب مشن‬
‫الستيلء على بتروجراد حتى أصبحت ق اب قوسين أو أدنى منه ا ومن القض اء على دولة العم ال الوليدة‪ .‬وزاد علششى دمشش ار‬
‫مشش ا الثششورة نفسششه ا والخسشش ائر الضششخمة‬
‫الحرب الع المية الولى الزمة القتص ادية فششي ‪ 1917‬والفوضششى الششتي أحششدثته ا حت ً‬
‫ب النسبة لروسي ا الن اتجة عن مع اهدة برست ليتوفسك عندم ا أضطر البلشفة لتوقيع الصلح مع ألم اني ا والتخلششي عششن جششزء‬
‫ضخم من أرض روسي ا له ا لتحييده ا‪ .‬ف الحرب الهلية لم تفض فحسب إلى خس ائر ف ادحة في الرواح إنم ا أو صلت كذلك‬
‫القتص اد السوفييتي الوليد إلى انهي ار ك امل‪ .‬فلقد توقفت الصن اعة وانه ارت شبكة النقل ولم تكن المحروق ات متوفرة‬
‫لتدفئة المدن وأضطر العم ال أن يذهبوا إلى الريف بح ًث ا عششن الطعشش ام كمشش ا انتشششرت أمششراض الكششوليرا والششتيفود الوب ائيششة‬
‫ببش اعة‪.‬‬
‫وتمثل استط اعة البلشفة‪ ،‬برغم كل تلك الكوارث‪ ،‬أن يخرجوا في النه اية منتصرين شه ادة لمدى تأييششد الطبقششة الع املششة‬
‫الروسية لهم‪ .‬إل أن الن اركية استط اعت في هذا الوضع الب ائس أن تصشل إلشى مسش امع بعشض قط اعش ات الطبقشة الع املشة‬
‫وأكثر منه ا إلى الفلحين الذين أص ابتهم خيبة أمل بسبب م ا تكبدوه من خس ائر‪.‬‬
‫بلغ السخط مداه بين الفلحين ب الذات‪ .‬ك ان الفلحون قد استولوا على أراضي لملك قمعوهم لسنين من الزمشش ان وكشش ان‬
‫البلشفة قد أيدوا هذه العملية مم ا ربط تمرد الفلحين في الري اف مع ثورة البروليت اري ا في المدن‪ .‬ولكن خلل الحششرب‬
‫الهلية اضطرت دولة العم ال لمص ادرة مح اصيل الحبوب من الفلحيششن ب السششلح‪ .‬ولششم يكششن لششدى البلشششفة خيشش ار آخششر –‬
‫ف البديل الوحيد ك ان سيكون حدوث مج اعة على نط اق واسع في المدن وهزيمة محققة للثششورة‪ .‬ولكششن نتششج عششن ذلششك ل‬
‫مح الة استعداء الفلحين‪ .‬ك ان ولء جم اهير الفلحين للدولة السشوفييتية مضشموًن ا حيشن كش انت الحشرب فشي أوجهش ا وخطشر‬
‫عودة الملك القمعيين يلوح في الفق‪ ،‬ولكن مع اقتراب نه اية الحرب ك اد غضب الفلحين أن يفشور‪ ،‬ممش ا أثش ار ظش اهرتين‬
‫مرتبطتين ب الن اركية وتعد جزء من تراثه ا ‪ -‬حركة م اخنو وتمرد كرونشت اد – والتي ك انت لهم ا أهمية ت اريخية‪.‬‬
‫ك ان نستور م اخنوش اب أن اركي من أوكراني ا جمع من حوله جيش من الفلحين ح ارب في البداية ضد الجيش البيششض ثششم‬
‫هزم في النه اية على يد الجيش الحمر بنه اية الحرب الهلية‪.‬‬
‫ح ارب الجيش الحمر بجس ارة ونج اح شديدين حتى ُ‬
‫أم ا كرونشت اد فك انت ق اعدة بحرية على جزيرة تسيطر على كل الطرق البحرية المؤدية إلى بتروجراد‪ ،‬وقد ك ان لبح اريه ا‬
‫ح ا ضد نظش ام البلشششفة للمط البششة‬
‫دور قي ادي في ثورة ‪ .1917‬ولكن في م ارس ع ام ‪ 1921‬شهدت كرونشت اد تمرًدا مسل ً‬
‫بوقف مص ادرة مح اصيل القمح وإقص اء الشيوعيين من السوفيت ات‪ .‬وخشي البلشفة أن يؤدي التمرد إلى اندلع الحششرب‬
‫الهلية مرة أخرى بعدم ا ك انت قد خمدت مؤخًرا فج اء رد فعلهم ق اسًي ا وزحششف الجيششش الحمششر‪ ،‬مششًي ا مششن فششوق البحششر‬
‫المتجمد‪ ،‬ليستولى على الجزيرة في معركة دامية‪.‬‬
‫ولقد أرخ الن اركيين حركتي م اخنو وكرونشت اد في صورة السطورة المعبرة عن ثورة الشعب الحقيقية من أجل الحريششة‬
‫م ا‪.‬‬
‫والتي قمعه ا الستبداديون البلشفة إل أن الحقيقة ك انت غير ذلك تم ا ً‬
‫دا عسكرًي ا استبدادي ا مي ال لتنفيذ‬
‫م ا فلحًي ا وق ائ ً‬
‫م ا ب البي ان ات الن اركية الفخمة ولكن في أفع اله ك ان زعي ً‬
‫ربم ا ك ان م اخنو مغر ً‬
‫أحك ام العدام التعسفية ضد مع ارضيه )وخ اصة الشيوعيين( ولعربدات السكر الشديد‪ .‬وقد يكون أدل حكم علششى طبيعششة‬
‫م اخنو وحركته الحقيقية قد ج اء على لس ان جورج وودكوك ‪ George Woodcock‬المؤرخ المنح از له بشدة في دراسته‬
‫الكلسيكية‪ ix‬عن الن اركية في ع ام ‪: 1975‬‬

‫في أعم اق قلبه ك ان م اخنو رجل ريفًي ا ضيق الفق ؛ ك ان يكره المدن والحض ارة المدنية وتتوق نفسه إلى "البس اطة‬
‫الطبيعية" والعودة إلى عهد "الك ادحين الحرار" الذين يذهبون إلى العمل يرددون الغ اني الحششرة المبهجششة كمشش ا ورد فششي‬
‫دا‪ ،‬عندم ا احتلوا فششي مرحلششة‬
‫خراف ات الفلحين القديمة‪ .‬وهذه الروم انسية الطوب اوية تفسر لم اذا لم يواجه أتب اع م اخنو أب ً‬
‫حضر‪.‬‬
‫دا إل على ولء عدد صغير من عم ال ال َ‬
‫لحقة عد ًدا من المدن الكبيرة‪ ،‬مشكلة تنظيم الصن اعة‪ ،‬ولم اذا لم يحوزوا أب ً‬
‫وك ان جيش م اخنو الثوري‪ ،‬الخ اضع نظرًي ا لمؤتمر للفلحين والعمشش ال والمتمرديششن‪ ،‬يحكمششه فعلي ًشش ا مشش اخنو ذاتششه وجنرالتششه‪.‬‬
‫وككل الجيوش التقليدية ك ان جيش حر من ن احية السم فقط فقد تم تجميعه ب التجنيد الجب اري وطبق فيه على الجنششود‬
‫م ا ق اس ًي ا ل يدع مج ال للشك أن م اخنو ك ان هو المر الن اهي‪ ...‬وكثي ًرا م ا ك ان العق اب المتبع سريع وق اس‪...‬أم ا نزوات‬
‫نظ ا ً‬
‫‪x‬‬
‫م اخنو فك انت من الطراز الخوة العداء الك ارام ازوفي كم ا أعترف الن اركي فولين‪.‬‬
‫حتى فولين‪ ،‬وك ان من المعجبين بم اخنو‪ ،‬فقد اشتكى‪:‬‬
‫وهو في ح الة السكر ‪ ...‬ك ان م اخنو يفقد السيطرة على نفسه تم اًم ا ‪ ...‬وحينئششذ تحششل تقلبشش اته الشخصششية الششتي كششثيًرا مشش ا‬
‫ك انت مصحوبة ب العنف‪ ...‬و فجأة تطغى شهواته على حسه بش الواجب الثششوري‪ .‬أدى الطغيشش ان والمششزاح السششخيف وغرائششب‬
‫الديكت اتور وزعيم المح اربين ‪ ....‬إلى كون جيشه وبط انته تشبه تشكيل العص اب ات المسلحة أكثر من أي شيء أخر‪.‬‬
‫ومثل م ا فعل م اخنو‪ ،‬فلقد رفع تمرد كرونشت اد شع ارات تحررية ك الدعوة "للثورة الث الثة" التي جذبت دعم الن اركيين إل‬
‫أنه ا ك انت متجذرة بشدة في مع ارضة الفلحين لمص ادرة محصول الحبششوب فششي سي اسششة شششيوعية الحششرب الششتي أنتهجهشش ا‬
‫البلشفة من ‪ .1921-1919‬ولكن بحلول ع ام ‪ 1921‬لم تكن ح امية كرونشت اد في هي نفششس الح اميششة الششتي لعبششت دور‬
‫ب ارز في ثورة ‪ .1917‬فقد مرت التركيبة الطبقية للح امية بتغير كبير إذ أن رف اق ‪ 1917‬إم ا قتلوا أو نقلوا لم اكن أخششرى‬
‫ص ا مثل ال ‪ 2500‬أو كراني‬
‫كن لم اخنو تع اط ً‬
‫وتم استبدالهم بمجندين جدد من الريف من من اطق ك انت العديد منه ا ت ِ‬
‫ف ا خ ا ً‬
‫من قوات الح امية ‪ 160‬لسلح البن ادق‪.‬‬
‫إل أن الفلحين لم يشكلوا قوة اجتم اعية ق ادرة على دفع الثورة الروسية إلى الم ام‪ .‬فظروف حي اة الفلحين الم اديششة –‬
‫أي حي ازتهم لملكية خ اصة في شكل مزارع صغيرة وطريقة إنت اجهم النفرادية وانعزالهم الجغرافي والقتص ادي عن قوى‬
‫النت اج الح اسمة في المدن‪ -‬جعلت من المستحيل لحركتهم أن تشششكل بششديل للقششوى البلشششفية علششى المسششتوى القششومي‬
‫)ن اهيك عن المستوى الدولي(‪.‬‬
‫ول يمكششن لمجتمششع مع اصششر أن ُيحكششم أو يششدار مششن الريششف‪ ،‬فشش الفلحين ُمجششبرين أن يتبعششوا طبقششة مششن إحششدى الطبقششتين‬
‫الرئيسيتين في الحضر‪ ،‬إم ا البرجوازية أو البروليت اري ا‪.‬‬
‫هذه الحقيقة الع امة صدقت بقشوة ب النسشبة للوضشع فشي روسشي ا ب الشذات‪ .‬ففشي مواجهشة القيصشرية وملك الراضشي وفشي‬
‫التح الف مع الحركة العم الية في المدن ك ان تمرد الفلحين تقدمًي ا بشكل ه ائل‪ .‬ولكن في مواجهة العم ال فششي المششدن أو‬
‫حتى بق اي ا قوى العم ال الممثلة في البلشفة ك ان تمرد الفلحين رجعي ًشش ا بل ريششب‪ .‬فتمششرد الفلحيششن الهشش ادف إلششى تحطيششم‬
‫"ديكت اتورية الشيوعية"‪ ،‬سواء ك ان لون الشع ار المرفوع أحمر أو أخضر أو أسود كلون علم الن اركية‪ ،‬لششم يكششن إل ليفتششح‬
‫الب اب لع ادة بن اء إم ا الرأسم الية أو القيصرية‪.‬‬
‫لو ك ان تمرد كرونشت اد‪ ،‬بموقعه الستراتيجي في مدخل بتروجراد‪ُ ،‬‬
‫كتب له النج اح أو حششتى السششتمرار لمششدة أطششول مششن‬
‫دا‬
‫منهزم لتوه لع ادة شن حششرب أهليششة‪ .‬ولقششد أدرك الجيششش البيششض هششذا جي ش ً‬
‫الزمن لوفر فرصة ذهبية للجيش البيض ال ُ‬
‫دا لدخ ال المؤن إلى كرونشت اد مع إعداد مخطط لرس ال قواته ح ال نج اح التمرد‪.‬‬
‫ولذلك لم يدخر جه ً‬
‫إن الدعم المحشود من الن اركيين الروس والج انب لكرونشت اد ل يظهر إل تشوشهم بخصششوص ولءهششم الطبقششي‪ ،‬وعششدم‬
‫قدرتهم على تحليل الوضع من الن احية الطبقية‪ ،‬وفشلهم في الوصششول لرؤيشة واقعيششة لمتطلبش ات النضش ال نتيجششة تعلقهششم‬
‫بنظري اتهم الطوب اوية عن ثورة بل دولة ول ق ائد‪.‬‬
‫إذن يكشف ميزان ت اريخ الثورات العظيمة أن الن اركية لم تلعب دوًرا في تقدمه ا بل قدمت‪ ،‬عن غيششر قصششد‪ ،‬عون ًشش ا فعشش ال‬
‫للثورة المض ادة عندم ا ك انت الثورة تتراجع‪.‬‬
‫ملظحظات على النقد الاناركي للبلشفية‬
‫ط الم ا شكل نقد الم اركسية عنصًرا ه ا ًم ا في اليديولوجية الن اركية إذ يصف الن اركيون الم اركسششية ب السششلطوية‪ .‬وتمحششور‬
‫لب هذه الحجة في نقد الن اركيين للينينية والبلشفية وب الخص سلوك لينين والبلشفة في أولى سنوات الثورة‪.‬‬
‫وبم ا أن الشتراكيين الثوريين والم اركسيين الرافضين للست الينية )وخ اصة التروتسكيين( دافعوا بشكل عشش ام عششن سششجل‬
‫البلشفة في هذه الفترة ب اتت نقطة ه امة في النق اش الدائر بين الن اركية والم اركسية‪ .‬من المستحيل التطرق إلى هذه‬
‫المور بشكل واف لضيق المس احة المت احة في هذا الصشدد )مشع الشش ارة إلشى أن مشن أفضشل الششه ادات وتحليششل لهشذه‬
‫الفترة هي للم اركسي الثوري النجليزي توني كليف في كت ابه الثورة المح اصرة(‪ ، xi‬إل أنه ل بد من التعليششق علششى بعششض‬
‫القض اي ا الرئيسية‪.‬‬
‫النق اط الجوهرية للحجة الن اركية هي أن‪:‬‬
‫ثورة ‪ 1917‬ك انت أشبه ب النقلب البلشفي منه ا لثورة عم ال حقيقية‬
‫بدل من إق امة ديكت اتورية البروليت اري ا )حكششم العمش ال( أقش ام البلشششفة ديكت اتوريششة خ اصششة بهششم علششى البروليت اريش ا – ركششزوا‬
‫السلطة في أيديهم بشكل منهجي ولغوا سيطرة العمشش ال فششي المصشش انع وقمعششوا كششل المع ارضششين )كمشش اخنو وكرونشششت اد(‬
‫وأق اموا دولة الحزب الواحد‬
‫هكذا مهد )لينين وتروتسكي( الطريق لقدوم نظ ام ست الين الوحشي الذي تل‪ ،‬وأن اللينينية أدت وستؤدي مرة أخرى إلى‬
‫الست الينية‬
‫أول ملحظة بخصوص هذه الرؤية هي توافقه ا شبه الت ام مع رأي أغلبية البرجوازية والك اديمية اليمينيششة فششي الثششورة مششن‬
‫أمث ال المؤرخ البريط اني روبرت سر ِفس وغيره‪ .‬هشذا التوافشق مشع منظشور القشوى الرجعيشة فشي حشد ذاتشه ل يفنشد رؤيشة‬
‫الن اركيين ولكن عندم ا يتعلق المر بمسألة شديدة الحس اسية سي اسًي ا فعلى الن اركيين أن يتمهلششوا ويتششأملوا فششي معضششلة‬
‫تط ابق رؤيتهم مع رؤية اليمين‪.‬‬

‫حظيت فكرة أن أكتوبر ‪ 1917‬ك ان مجرد "انقلب" بمصداقية م ا لن بسط السيطرة في بتروجراد جشش اء علششى يششد بضششعة‬
‫آلف من الحرس الحمر – ميليشي ات العم ال والجنود الثورية ‪ -‬وتم في غضون ليلة واحدة‪ .‬إل أن في هذا تج اهل لوجششود‬
‫دعم واسع لحركة الحرس الحمر م ا بين جم اهير العم ال‪ ،‬وكشذلك حصشول البلششفة فشي ذلشك الشوقت علشى أغلبيشة فشي‬
‫السوفيت ات وفي لج ان المص انع‪.‬‬
‫كم ا أن النقطة الفيصلية وراء استط اعة بضعة آلف من الحرس الحمر أن يستولوا على القصر الشتوي للقيصر ويلقششوا‬
‫القبض على أعض اء حكومة كيرينسكي دون أن تقمعهم قوات الدولة هو أن معظم الجنود والبح ارة والعم ال ك انوا ب الفعل‬
‫متشككين أن يح اولوا أن يتخيلوا م ا الذي سيحدث‬
‫قد انضموا للثورة ت اركين حكومة كيرينسكي بدون حم اية‪ .‬وعلى كل ال ُ‬
‫دا حزب له عدة آلف عضو في أي حزب أن يزحفوا على البرلم ان أو قصر ب اكنجهشش ام للسششتيلء عليششه بششدون‬
‫إذا ح اول غ ً‬
‫وجود تأييد شعبي عميق لحركتهم؟‬
‫أم ا الحجة بخصوص سلوك البلشفة "الستبدادي" في الحكشم فهشي‪ ،‬رغشم أن بهش ا قشدر مشن الصشواب‪ُ ،‬أح اديششة الطشرف‪.‬‬
‫ب الفعل لقد تصرف البلشفة في الحكشم بنشوع مشن السشتبداد – فمنعشوا مثل تششكيل أحشزاب المع ارضشة‪ .‬ولكشن مسشألة‬
‫ق ا للشششعب" أطلششق‬
‫السي اق الذي تم فيه ذلك تمثل كل الف ارق في التحليل‪ .‬فإذا قلت أن ثوري شهير يعتبر نفسششه "صششدي ً‬
‫الن ار على صدر شخص مع ادى فقد يبدو هذا الفعل بش ًع ا‪ .‬أم ا إذا عرفن ا أنن ا نتحدث عن ج ان‪-‬بول مشش ارا الصششحفي الثششوري‬
‫في الثورة الفرنسية وأن السيدة هي ش ارلوت كورداي المنتميشة للثششورة المضش ادة والشتي كش انت بصشدد طعنشه فشي قلبششه‬
‫بسكين فهن اك فرق‪) .‬للسف لم يكن مع م ارا مسدس ليدافع عن نفسه ولقي مصرعه(‪.‬‬
‫لم تكن سلطوية البلشفة ن ابعة من العقيدة أو جزًءا من طبيعتهم ولكشن جش اءت نتيجشة لظشروف وجششدوا أنفسشهم فيهش ا –‬
‫ظروف حرب أهلية ط احنة ق اتلوا فيه ا من أجل حي اتهم وحي اة الثششورة‪ .‬كمشش ا أنششه مششن المهششم أن نفهششم أن الحششرب الهليششة‬
‫م ا مم ا أدى إلى انخف اض النت اج إلششى مسششتوي ات ك ارثيششة وبشششكل دمششر الق اعششدة الجتم اعيششة‬
‫حطمت القتص اد الروسي تم ا ً‬
‫مجششبرين علششى‬
‫للثورة أي الطبقة الع املة الصن اعية الثورية‪ .‬وهكذا‪ ،‬للسف‪ ،‬وجد البلشفة أنفسهم معلقيششن فششي الهششواء و ُ‬
‫التصرف بطريقة ديكت اتورية‪.‬‬
‫دا الحتم الت التي ك انت‬
‫كم ا لم ُتدخل الحجة الن اركية عواقب الختي ارات السي اسية المختلفة في حس اب اته ا‪ .‬فم ا هي تحدي ً‬
‫واردة في روسي ا في ‪ 1920-21‬؟ إحدى الحتم الت التي ك انت ق ائمة بششدة كش ان انتصشش ار الجيشش البيشض التش ابع للثششورة‬
‫المض ادة مم ا ك ان سيعني دون أدنى مج ال للشك مذبحة من أفظع م ا يكون للعم ال والفلحين والثوريين وظهور نوع من‬
‫الن ازية الروسية‪ .‬وأحد الحتم الت الملموسة الخرى ك انت الديكت اتورية البلشفية‪.‬‬
‫هل ك ان من الممكن لديمقراطية صحية ن ابضة أن تنشأ في تلك اللحظش ات الف ارقشة؟ ل‪ ،‬لشم تكشن ممكنششة‪ ،‬كمش ا لشم تكشن‬
‫ديمقراطية "ع ادية" برجوازية ممكنشة أيضش ا‪ .‬ف التن اقضش ات الحش ادة والفقشر المشدقع والمج اعش ات حش الت دون تحقشق هشذين‬
‫الخي ارين‪ .‬هل ك ان من الممكن حدوث ثورة أن اركية أو قي ام مجتمع أن اركي على السريع؟ ل‪،‬على الطلق ! وفي مثل هذه‬
‫الظروف لم يكن مستغرًب ا أن يجنح الثوار ومنهم شخصي ات أقرب نظرًي ا للن اركيششة مثششل فيكتششور سششيرج ‪Victor Serge‬‬
‫للديكت اتورية البلشفية بكل مس اوئه ا كأقل الشرور بين الختي ارات المحدودة في تلك الفترة الحرجة‪.‬‬
‫وطب ًع ا يمكن المج ادلة بأن الديكت اتورية البلشفية أدت إلى وقوع "أفظع المذابح للعم ال والفلحيششن والثششوار" تحششت حكششم‬
‫ست الين بعد ع ام ‪ 1928‬إل أن لف ارق التوقيت كل الهمية‪ .‬لقد ك ان المخرج الوحيد أم ام الثورة الروسية من مأزقه ا نشر‬
‫الثورة ع الم ًي ا وك انت إستراتيجية لينين وتروتسكي تعتمد على التمسك ب السلطة على أمل تحقق مثل هذه الثورة‪ .‬ولكششن‬
‫هزمت خ اصة في ألم اني ا في ع ام ‪ ،1923‬ونتيجة لذلك ق امت ثورة مض ادة شرسششة داخششل‬
‫م ا حدث هو أن الثورة الع المية ُ‬
‫روسي ا على يد ست الين‪ .‬ولكن هششذا ل يعنششي أن إسششتراتيجية لينيششن كشش انت ب الضششرورة خ اطئششة خ اصششة أن السششبب الرئيسششي‬
‫لخف اق الثورة في إيط الي ا وألم اني ا وغيره ا من الم اكن يرجع لغي اب أحزاب ثورية من النوع البلشفي‪.‬‬
‫إن مض اه اة اللينينية والبلشفية في الفترة من ‪ 1923-1917‬مششع نظش ام الدولششة الرأسششم الية السششت الينية الششذي تطشور فششي‬
‫ثلثيني ات القرن العشرين يعد بمث ابة الخلط الخ اطئ بين ثورة مح اصرة ُُمششوهة‪ ،‬ولكشن حيشة وتقش اوم‪ ،‬مشع ثشورة مضش ادة‬
‫ُمنتصرة‪ .‬ولو أن ثورة عم ال ق امت اليوم بقي ادة حزب لينيني لوجدت نفسه ا في ظرف أفضششل بكششثير مششن ن احيششة التطششور‬
‫القتص ادي وحجم الطبقة الع املة وفرص النتش ار في الع الم‪ .‬وسيكون في مقششدوره ا انتهشش اج السششبيل الششذي تخيلششه لينيششن‬
‫متعددة الحزاب‬
‫نفسه في ‪ ،1917‬حيث يستطيع الحزب اليوم أن يلعب دوًرا قي ادًي ا في ظل ديمقراطية سوفيتية صحية ُ‬
‫وسيكون للعم ال فعل قدرة أعلى على ضم ان ذلك‪.‬‬
‫أسباانيا‬
‫إذا ك انت الثورة الروسية تعد هي الكثر أهمية بين الثورات في القرن العشرين ف الثورة السب انية في ‪ 1937-36‬تعد بيششن‬
‫أقرب المن افسين له ا‪ .‬وفوق ذلك‪ ،‬أنه ا المرة الوحيدة في الت اريخ التي ش اركت فيه ا الن اركية فششي فششوران ثششوري وحشش ازت‬
‫ب الفعل على دعم جم اهيري واسع‪ .‬فبحلول ع ام ‪ 1936‬بلغ عدد أعض اء إتح اد النق اب ات الن اركية‪ ،‬وأسششمه التحشش اد الششوطني‬
‫للعمل )‪ ، xii(CNT‬مليون عضو وك ان يمثل تي ار ذات أغلبية س احقة داخل الطبقة الع املة‪ .‬لذلك يجوز أخذ الثورة السب انية‬
‫كنموذج لختب ار الن اركية – اختب ار رسبت فيه ليس بسشبب عيشب فشي العمش ال السشب ان النش اركيين الشذين ن اضشلوا ببسش الة‬
‫وضحوا بأرواحهم ولكن بفعل العيوب المتأصلة في الن اركية كإستراتيجية ثورية‪.‬‬
‫بدأت الثورة السب انية في يوليو ‪ 1936‬كرد فعل على التمرد الف اشي للجنرال فرانسيسكو فرانكششو ضششد حكومششة الجبهششة‬
‫الشعبية التي تم انتخ ابه ا حدي ًث ا من ائتلف للحزب الشيوعي والحزب الشتراكي والبرجوازيين الجمهوريين‪.‬‬

‫ورغم عجز الحكومة السب انية فلقد نهض العم ال السب ان‪ ،‬ومعظمهم متأثرين ب الن اركية‪ ،‬وتصدوا للف اشيين بشششكل رائششع‪.‬‬
‫ح اصر عم ال مسلحون ثكن ات الجيش في مدريد وبرشلونة ودعوا الجنود للعصي ان ضد ضششب اطهم‪ .‬وبعششد يششوم مششن القتشش ال‬
‫سقطت الثكن ات في برشلونة ثم في اليوم الت الي سقطت في مدريششد‪ .‬وفششي ظششرف أيشش ام أسششتط اع العمشش ال أن يبسششطوا‬
‫سيطرتهم الك املة على المدن‪ ،‬وانبثقت لج ان عم الية لتنظيششم النقششل والمششؤن الغذائيششة والميليشششي ات والرع ايششة الصششحية‪.‬‬
‫وأرسلوا في الق مسلحة إلى الريف لتأمين الغذاء ودعم حركة العم ال الزراعيين‪ .‬ك ان من شأن عملية التنظيششم الجمشش اعي‬
‫لدارة المجتمع انتش ال الجميع من عقود من الستغلل والقمع‪ .‬ففي برشلونة‪ ،‬مثل‪ ،‬تحسن وضع المرأة مق ارنة بوضششعه ا‬
‫في أي بلد في الع الم‪ :‬تم إصدار ق انون يسمح للمرأة ب الحق في الجه اض والتوعية بوس ائل منع الحمل وتم تشششريع نششوع‬
‫جديد من الزواج يخلو من الكراه أو أي منع للطلق‪ .‬وكم ا لحششظ الكشش اتب البريطشش اني جششورج أورويششل ‪George Orwell‬‬
‫دا على الثورة‪:‬‬
‫الذي ك ان ح اضًرا وش اه ً‬
‫"وفوق كل شيء ك ان هن اك إيم ان ب الثورة والمستقبل وشعور بأنن ا دخلن ا فجأة عصر من المس اواة والحرية‪ .‬ح اول البشششر‬
‫أن يتصرفوا كبشر وليس كتروس في الم اكينة الرأسم الية "‪.‬‬
‫م ا – فقد نجح فرانكو في السيطرة على جنششوب غششرب‬
‫ق ائ‬
‫ظل‬
‫ك انت فرصة نج اح ثورة العم ال ه ائلة إل أن خطر الف اشية‬
‫ً‬
‫أسب اني ا والجنرال مول‪ ،‬ف اشي آخر‪ ،‬ك ان يه اجم من الشم ال – كم ا ق امت حكومشة الجمهشوريين‪ ،‬الششتي ظلششت‪ ،‬اسشم ا علشى‬
‫القل‪ ،‬في الحكم‪ ،‬بهجوم في منطقة ك ات الوني ا )قلب الثورة( ومدريد‪.‬‬
‫فم اذا فعل الق ادة الن اركيين؟ )يلحظ مرة أخرى الوجود الفعلي لمصطلح "ق ادة" أن اركيين(‪ .‬لقد انضموا للحكومششة – أول‬
‫ضشش ا للمبشش ادئ الن اركيششة فحسششب‬
‫في ك ات الوني ا في سبتمبر ‪ 1936‬وبعد ذلك في مدريد في ديسمبر‪ .‬لم يكن هذا عمل من اه ً‬
‫بل م ا هو أفظع منه إنه خي انة للطبقة الع املة والثورة فحكومة الجبهة الشعبية التي دخششل فيهشش ا القشش ادة النشش اركيون كشش انت‬
‫تعمل على الحتف اظ ب الملكية الخ اصة والنظ ام الجتم اعي الرأسم الي وإع ادة سلطة الدولة الجمهورية الرأسم الية‪ .‬وبششرر‬
‫الق ادة الن اركيون ذلك بأنه يجب أن تكون هن اك جبهة واسعة لكل القوى الديمقراطية )ويضم ذلك البرجوازية الليبراليششة(‬
‫في النض ال ضد فرانكو‪ ،‬وأن مط الب الطبقة الع املة ب التغيير الجتم اعي الجوهري ل بد وأن تؤجل حتى ُيهزم الف اشيين‪.‬‬
‫عبر هذا الموقف عن حقيقة أن انتص ار الف اشية في النه اية ك ان ب النسبة لممثلي البرجوازية فششي الحكومششة هششو شششر أقششل‬
‫من انتص ار الطبقة الع املة وأنهششم ب التشش الي لشن يتعش اونوا مششع اليسشش ار إل بضششم ان لحقششوقهم الملكيششة؛ أمش ا ب النسششبة للحششزب‬
‫دا في التع اون مع البرجوازية؛ وأم ا ب النسششبة للحششزب الشششيوعي‬
‫الشتراكي فك ان هذا الموقف تعبيًرا عن رغبته القديمة ج ً‬
‫فكش انت مشش اركته فشي الجبهشة نتيجشة سي اسششة مفروضششة مشن موسششكو لعشدم إثش ارة أي قلشق عنشد الحكومشتين الفرنسششية‬
‫والبريط انية بأن ست الين يغ ازل هتلر ضد الحلف اء في فترة ب ات فيه ا قي ام حرب ع المية مس الة وقت‪.‬‬
‫وهكذا انضم الق ادة الن اركيون لحكومة الجبهة الشعبية وقبلوا تحمل المسئولية عن حكومة تسعى واعي ًششة للتضششييق علششى‬
‫ض ا تحمل المسئولية عن إستراتيجية لم تقدم أي دعم للكف اح ضشد فرانكششو‬
‫انتف اضة الطبقة الع املة السب انية‪ ،‬كم ا قبلوا أي ً‬
‫بل حكمت عليه ب الهزيمة‪ .‬فلقد شنت حكومة الجبهة الشعبية الحرب ضد الف اشيين كحملة عسكرية تقليدية ولذلك ص ار‬
‫من المؤكد أن فرانكو‪ ،‬المدعوم بآلة حرب موسوليني وهتلر‪ ،‬ك ان سيخرج منتصًرا في النه اية‪.‬‬
‫ك انت الطريقة الوحيدة لنتص ار العم ال والفلحين هشي تحويشل الحشرب إلشى حشرب شششعبية ثوريشة وإطلق العنشش ان لط اقششة‬
‫ومب ادرة الجم اهير واكتس اب ولء العم ال والفلحين فششي المنشش اطق الششتي يسششيطر عليهشش ا الف اشششيون ب الفعششل كمشش ا بشش القول‪،‬‬
‫وإضع اف قواعد فرانكو في المغرب )التي ك ان ينظم الثورة المض ادة من أراضيه ا( بمنح المستعمرة الستقلل‪.‬‬
‫ع ارضت حكومة الجبهة الشعبية تطبيق هذا البديل بشدة ودعمته ا في ذلششك القيشش ادة الن اركيششة الششتي مثلششت تيشش ار الغلبيششة‬
‫الس احقة في الحركة العم الية السب انية‪ .‬والسؤال الح اسم هو لم اذا تصرفت القي ادة الن اركية على هذا النحششو؟ هششل كشش ان‬
‫ض ا أم ك ان نتيجة مواطن ضعف في طبيعة الن اركية؟ الج ابة على ذلك قدمته قيشش ادات التحشش اد الششوطني‬
‫انحراف ا فردًي ا مح ً‬
‫للعمل نفسه ا فأش اروا‪ ،‬في مح اولة لتبرير أنفسهم‪ ،‬إلششى الطبيعششة السششتثن ائية للموقششف )التهديششد الف اشششي( وقششدموا هششذا‬
‫التفسير‪:‬‬
‫ك ان علين ا إم ا أن نتع اون )مع الليبراليين( أو أن نفرض ديكت اتوريتنشش ا‪ ...‬ول شششيء أبعششد عششن الن اركيششة مششن فششرض إرادتهشش ا‬
‫ب القوة‪ ...‬لم نستولي على السلطة ليس لعدم قدرتن ا على ذلك ولكشن لننش ا لشم نرغشب فشي ذلشك لننش ا ضشد أي نشوع مشن‬
‫الديكت اتورية‪.‬‬
‫أي بعب ارة أخرى‪ ،‬ك ان الوضع مثي ًرا لليأس‪ :‬الثورة المض ادة على البواب ومق اومته ا تتطلب قي ادة وتنسيق وسلطة‪ .‬وهششذه‬
‫السلطة ل يمكن أن تتمثل إم ا في دولة برجوازية أو دولة عم ال‪ ،‬ديكت اتورية البروليت اري ا‪ .‬وهن ا يصمم الن اركيون‪ :‬بمشش ا أننشش ا‬
‫نرفض ديكت اتورية البروليت اري ا فل خي ار لن ا سوى التع اون مع الدولة البرجوازية!‬
‫هذا المنطق المتحجر المعمول به ل يقتصر على أسب اني ا في ع ام ‪ 1936‬لكنه انطبق وسينطبق مستقبل على أي موقششف‬
‫م ا م ا سيكون إم ا بين القوى البرجوازيششة‬
‫م ا م ا ستكون الثورة المض ادة على البواب والخي ار الواقعي دائ ً‬
‫ثوري حقيقي‪ .‬دائ ً‬
‫مشش ا مشش ا سششيعني الستسششلم فششي اللحظششة الح اسششمة‪ .‬لششذا فششإن مثشش ال فشششل‬
‫دائ‬
‫ش ا‬
‫ش‬
‫البروليت اري‬
‫شة‬
‫ش‬
‫ديكت اتوري‬
‫أو العم ال؛ ورفض‬
‫ً‬
‫الن اركيين في الثورة السب انية‪ ،‬حين وصلت الن اركية كحركة جم اهيرية إلى أعلى قمة في ت اريخه ا‪ ،‬ليس بصدفة وإنم ا هو‬
‫فشل يظهر قصور الن اركية الق اتل كدليل ومرشد للعمل الثوري‪.‬‬
‫‪ – 4‬الاناركية اليوم‬
‫للن اركية اليوم‪ ،‬كم ا في الم اضي‪ ،‬أشك ال مختلفة كثيرة حتى بلغ تنوعه ا عدًدا أمر يثير الحيرة )وطبًع ا الشيء ذاته ينطبششق‬
‫على الم اركسية(‪ .‬وبدل من مح اولة إعط اء نظرة ع امة‪ ،‬ل يمكن أن تكون ش املة بطبيعة الح ال‪ ،‬سنفحص اتجشش اهين‪ ،‬همشش ا‬
‫الن اركية كأسلوب حي اة )‪) Lifestyle anarchism‬والوتونومية أو أن اركية الستقللية الذاتية ‪ ، Autonomism‬وهمش ا‬
‫التج اه ان اللذان ص ار لهم ا أهمية في السشنوات الخيشرة ويمثلن قطشبين متن اقضشين فشي داخشل الحركشة الن اركيشة‪ .‬كمش ا‬
‫سأضيف ملحوظة عششن "أن اركيششة البرن امششج" ثششم أسششتكمل بشش التعليق علششى بعششض القضش اي ا التكتيكيششة الرئيسششية الششتي يميششل‬
‫دا مس ائل العمششل المب اشششر والمششش اركة فششي النتخ ابشش ات واتخشش اذ القششرارات‬
‫الم اركسيون والن اركيون للختلف عليه ا‪ ،‬تحدي ً‬
‫ديمقراطًي ا‪.‬‬
‫الاناركية كأسلوب ظحياة ‪Lifestyle anarchism‬‬

‫أقصد ب الن اركية كأسلوب حي اة أيديولوجي ا ع ائمة – أي ل تقوم على عقيدة محددة – ُتعظم أو ُتمجد الحيشش اة داخششل النظشش ام‬
‫ق ا لمب ادئ الن اركية أو مح اولة الحي اة هكذا‪ .‬وع ادة م ا يتمثل هشذا فشي البتعش اد عشن الوظش ائف بشأجر والحيش اة‬
‫الرأسم الي وف ً‬
‫بطريقة أو أخرى كجم اعة في أم اكن خ الية بوضع اليد‪ ،‬حيث ل ُتطبق القواعد "الع ادية" والبن اء الهرمششي للنظشش ام‪ .‬هششذا مشش ا‬
‫ة فمن الدقششة أن‬
‫ُيطلق عليه أحي ا ًن ا الحي اة "خ ارج" النظ ام ولكن بم ا أنه لم يعد للنظ ام الرأسم الي "منطقة خ ارجية" حقيق ً‬
‫نصف هذا النمط من العيش ب الحي اة في جيوب أو سراديب داخل النظ ام كم ا عبر عنه ا جون هولوواي ‪.John Holloway‬‬
‫و توجد هذه الجيوب ع ادة في من اطق سكنية منخفضة اليج ار في أو س اط المدن كحي ه اكني في لنششدن أو كرويتسششبيرج‬
‫في برلين ولكن أحي اًن ا تق ام هذه المجتمع ات الصغيرة في من اطق ريفية‪ .‬وقد ُتص احب هذا النشوع مشن الن اركيشة مجموعشة‬
‫من النشطة الثق افية والفنية – بم ا فيه ا فن "الك ابشش اريه" والبهلششوان وفنششون السششيرك الخششرى‪ ،‬الفششن المرئششي المع اصششر‪،‬‬
‫مستحدثة‪.‬‬
‫والموسيقى إلخ – و أنم اط غذائية معينة‪ ،‬وعب ادات وثنية وأشك ال لروح اني ات ُ‬
‫تستبعد الن اركية كأسلوب حي اة‪ ،‬بحكم طبيعته ا‪ ،‬أي خ ً‬
‫ط أو سي اسششة أو إسششتراتيجية أو فلسششفة سي اسششية مشششتركة‪ ،‬إل أن‬
‫أحي ا ًن ا تنخرط هذه الجم اعة أو عن اصر في داخله ا في عمل جم اعي ومظ اهرات وحملت وم ا ش ابه بم ا فيه ا مواجهش ات مشع‬
‫الدولة‪.‬‬
‫دا مفصل عن الن اركية كأسلوب حي اة‬
‫نق‬
‫‪Murray‬‬
‫‪Bookchin‬‬
‫بوكشين‬
‫موراي‬
‫المخضرم‬
‫المريكي‬
‫والن اشط‬
‫الك اتب‬
‫قدم‬
‫ً‬
‫‪xiii‬‬
‫من منظور الن اركية الجتم اعية ) )‪social anarchism‬الكثر قرًب ا للشتراكية‪ .‬ويسوق بوكشين فششي كتشش ابه ب التفصششيل‬
‫صة الذين يحملشون قن اعش ات ل منطقيششة ومع اديششة للعلشم‪،‬‬
‫الحجج ضد مختلف نظري ات ومنظري الن اركية كأسلوب حي اة خ ا ً‬
‫ف ا إي اه ا ب البرجوازية الضيقة التي توفر "الم ان اللذيذ" لمتبعيه ا‪ .‬ول داعي لتكرار كل حجششج‬
‫ويستنكر الظ اهرة بأكمله ا واص ً‬
‫بوشكين في هذا المق ام لنه من المنظور الم اركسي هن اك نقطتين في منتهى البس اطة والوضوح توجه كنقد لهذا النششوع‬
‫من الن اركية‪.‬‬
‫النقطة الولى‪ ،‬أن نظرية الن اركية كأسلوب حي اة ل تقدم إستراتيجية أو رؤية لتغيير الع الم‪ ،‬بل أنه ا ل تبذل أي جهششد جشش اد‬
‫لمح اولة تقديم مثل هذه السششتراتيجية‪ .‬ويكش اد ل ُيطششرح السشؤال عشن كيفيشة التغلشب علشى سششلطة رأس المش ال والدولششة‬
‫الرأسم الية‪ ،‬بدل من التهرب منه ا‪ ،‬ن اهيك عن الج ابة عليه‪ .‬وأكثر م ا يؤمل منه ا كمشش ا يبششدو هششو أن يجششذب أسششلوب الحيشش اة‬
‫الن اركي الن اس أو غ البية منهم فيتبعونه ا في وقت آجل أو ع اجل‪.‬‬
‫من غير الواضح إذا ك ان هن اك فعل من يؤمن بإمك انية نج اح هذا التج اه الن اركي في النتششش ار إل أنششه ل بششد وأن يقشش ال أن‬
‫هذا السلوب ل يفضي إلى أي شيء‪ .‬فب النسبة لقط اع كبير من الن اس ‪ -‬من الطبقة الح اكمة والطبقة المتوسششطة العليشش ا‬
‫ق ا ككب ار المديرين والمسئولين في الدولة وغيرهم ‪ -‬ل يوجد أدنى احتم ال أنهششم سششيتأقلمون مششع‬
‫المرتبطة به ا ارتب اط ا وثي ً‬
‫دا هم من يسيطرون على الثروة والسلطة في هذا المجتمششع‪.‬‬
‫أسلوب حي اة الن اركية أو إيديولوجيته ا‪ ،‬وللسف هؤلء تحدي ً‬
‫وعلى نحو مش ابه‪ ،‬مع اختلف السب اب‪ ،‬من غير المحتمل أن تتأقلم أغلبية الطبقة الع املششة مششع هششذا النمششط فششي الحيشش اة‪.‬‬
‫فأغلب المنتمين للطبقة الع املة ل يحبون العمل المأجور – على اعتب ار إنه عمل منفر ومكروه ب النسبة لهم حتى وإن لم‬
‫يصفوه هكذا‪ ،‬إل أن البط الة بلء أكبر من العمل المأجور ب النسششبة للغلبيششة السشش احقة لنهشش ا تحكششم عليهششم وعلششى أسششرهم‬
‫ب الفقر الب ائس وتشعرهم بعدم أهميتهم‪ .‬والدليل على هذا أنه كلم ا سمح القتص اد الرأسم الي بفرص العمل نجد أن عششدد‬
‫دا‪.‬‬
‫الع اطلين يهبط إلى مستوي ات منخفضة ج ً‬
‫ب الض افة إلى ذلك يجب القول أن حدس العم ال في محله من ن احية قوتهم السي اسششية ومششن ن احيششة المنظششور الجتمش اعي‬
‫الع ام‪ .‬فقوة الطبقة الع املة القتص ادية والسي اسية ل تكمن مجرد في أعدادهم ولكن‪ ،‬وبشكل ح اسم‪ ،‬في قششدرتهم علششى‬
‫التنظيم في مج ال النت اج لضرب أرب اح مديريهم وفشي النه ايششة لتشششكيل مجشش الس عمش ال والسششيطرة علششى عمليششة النتش اج‬
‫برمته ا‪ .‬ومن ثم‪ ،‬فمن شأن البط الة أن تضعف قوة العم ال كأفراد وكجم اعة‪.‬‬
‫كم ا أن أسلوب الحي اة الن اركي ل يمكن تعميمه لنه يعتمد بألف طريقة وطريقة على نظ ام العم الة بأجر – فكل مجموعة‬
‫ف ا أو محمول ً أو ح اسوًب ا أو سي ارة أو ح افلة أو قط اًرا أو دراجششة أو غشش از أو كهربشش اء أو‬
‫سكنية أو جم اعة أن اركية تستخدم ه ات ً‬
‫مي اه ج ارية أو أدوات الم ائدة أو غيره ا من الجهزة المصشنوعة الشتي ل حصشر لهش ا هشي مرتبطشة شش اءت أم أبشت ب العمليشة‬
‫النت اجية الرأسم الية المع اصرة‪ ،‬ف المنظومة الرأسم الية أصبحت الن معولمة بشدة ويمكن الستيلء عليه ا ولكن ل يمكن‬
‫دا لعدد مهم ا ك ان كبيًرا أن يخت ار الخروج منه ا‪.‬‬
‫أب ً‬
‫وهذا يقود مب اشرة إلى نقطة النقد الرئيسية الث انية لن اركية أسلوب الحي اة وهي أن أسلوب الحي اة النشش اركي ل يمكششن أن‬
‫دا من الفراد حتى وإن ك ان خي ا ًرا تفضله أقلية )من ب اب التصور عن مجتمششع مسششتقبلي(‪ .‬إن‬
‫يدوم طويل إل لعدد قليل ج ً‬
‫منتج للرأسم الية وتم تشكيلهم اجتم اعًي ا تحششت مظلششة‬
‫الن اركيون‪ ،‬مثلهم مثل الشتراكيين وكل من في هذا المجتمع‪ ،‬هم ُ‬
‫الرأسم الية ويتعرضون ب استمرار لضغوط اقتص ادية واجتم اعية وأيديولوجية من الرأسم الية‪ .‬وكلم ا كُبر النس ان‪ ،‬وب الخص‬
‫م ا ل بد لهذه الضغوط أن‬
‫إذا ك ان لديه أطف ال )يتعرضون هم أي ً‬
‫ض ا للضغوط الجتم اعية( تزداد هذه الضغوط ول تقل‪ .‬وحت ً‬
‫تضعف وتؤثر على التزام الفراد بداخل المجتمع الن اركي وعلى مب ادئ المجتمع ككششل‪ .‬وهششذا سششيحدث خ اصششة فششي حشش ال‬
‫انخراط أعض اء الجم اعة في أنشطة صغيرة للتوظيششف الششذاتي أو العمشش ال الري اديششة‪ .‬ولششذلك فشش النموذج السشش ائد لسششلوب‬
‫الحي اة الن اركي ينجح فقط كمرحلة مؤقتة في حي اة قلة تعيش على ه امش المجتمع الرأسم الي‪.‬‬
‫أاناركية الستقللية الذاتية )الوتوانومية( ‪Autonomism‬‬
‫الوتونومية تي ار سي اسي ك ان له تأثير على الحركة الع المية المن اهضة للرأسم الية‪ .‬وع ادة م ا يؤرخ لهذه الحركة بششدًءا مششن‬
‫مظ اهرات سي اتل في الولي ات المتحدة ضد منظمة التج ارة الع المية في نوفمبر ‪ ،1999‬ووصل تششأثيره إلششى الششذروة فششي‬
‫مظ اهرتي جنوة في يوليو ‪ 2001‬والمنتدى الجتم اعي الوروبي بفلورنس ا في سبتمبر ‪.2002‬‬
‫ينظر البعض للوتونومية أحي ا ًن ا على أنه ا تي ار م اركسي وذلك لرجوع الجذور النظرية لمفكريهشش ا الس اسششيين‪ ،‬وهمشش ا مشش اريو‬
‫ترونتي ‪ Mario Tronti‬وتوني نيجري ‪ ،Toni Negri‬إلى الحزب الشيوعي اليط الي )‪ (PCI‬ثم في مجموعة "قوة العم ال"‬
‫‪ Potere Operaio‬اليس ارية العصبوية في أواخر الستيني ات‪ .‬إل أنه من ن احيششة نظريتهش ا ومم ارسششته ا الفعليششة فقشد كشش انت‬
‫الوتونومية أقرب كثي ًرا للن اركية عنه ا للم اركسية "الكلسيكية" لم اركس أو إنجلز )أو لينين وتروتسكي ولوكسمبورج(‪.‬‬

‫تمحور اهتم ام الوتونومية في الستيني ات )وك انت تعرف بش"العم الوية" آنششذاك( فششي كفشش اح العمشش ال الصششن اعيين المن اضششلين‬
‫على النت اج‪ ،‬خ اصة في مص انع السي ارات في ششم ال إيط اليشش ا‪ .‬كشش ان هشؤلء يختلفششون بشششدة عششن الصششلحيين البرلمشش انيين‬
‫وتكونوا من الحزب الشيوعي اليط الي والقي ادات الت ابعة له فشي التحش ادات العم اليشة والرافضشة للصشراع السي اسشي بيشن‬
‫الحزاب والتح ادات بشكل ع ام‪ .‬وبلور ترونتي ونيجري م ا سمي بش"إستراتيجية الرفض" التي لم تحض علششى الضششراب ات‬
‫ضش ا‬
‫غير الرسمية فحسب ولكن كذلك على العم ال التخريبية والغي اب عن العمل‪ ،‬وهى الفع ال الشتي كش ان ُيشرى فيهش ا رف ً‬
‫"ذاتًي ا" من الطبقة الع املة للتع اون مع الرأسم الية من أجل إضع افه ا‪.‬‬
‫وفيم ا بعد‪ ،‬بعد قمع حركة العم ال اليط اليين في السبعيني ات وحلول أزمة ع امة في حركة اليس ار اليط الي الثوري‪ ،‬حششول‬
‫نيجري تركيزه من عم ال النت اج الصن اعيين إلى م ا أسم اه "الع امل الجتم اعي" مششع الششتركيز علششى العشش اطلين عششن العمششل‬
‫وعن اصر "مهمشة" أخرى‪ .‬ثم بعد سجنه من قبل الدولة اليط اليششة )بتهششم خ اطئششة بشش التورط مششع منظمششة اللويششة الحمششراء‬
‫الره ابية( كتب ب الشتراك مع م ايكششل هشش اردت ‪ Michael Hardt‬كتشش ابين ‪(Empire (2000‬و ‪. (Multitude (2004‬‬
‫وحظي العملين على قدر ل بأس به من النج اح لفترة م ا وكشش ان لهمشش ا تششأثير واضششح علششى الششدوائر الراديك اليششة فششي أوروبش ا‬
‫وأمريك ا الشم الية‪ .‬وأريد أن أتفحص فكرتين لنيجري‪ ،‬يش اركه فيهم ا العديد مششن الششذين يعتششبرون أنفسششهم اوتونششوميين أو‬
‫أن اركيين‪ ،‬يشوبهم ا أخط اء ف اضحة بل والدهى مششن ذلششك أعتبرهمشش ا فكرتيششن ضشش ارتين بشششدة لليسشش ار والحركششة المن اهضششة‬
‫للرأسم الية بمعن اه ا الشمل‪.‬‬
‫أول فكرة أن رفض العمل بأجر هو عمل ثوري‪ .‬لقد انتقدت هذه الفكششرة مشن قبششل ب النسششبة لنظريششة الن اركيششة كأسششلوب‬
‫حي اة‪ ،‬إل أن نيجري والوتونوميين‪ ،‬وب التحديد لنهم ك انوا في زمن س ابق نشط اء راديك اليين‪ ،‬تطرفوا في دفع هذه الفكرة‬
‫حتى بلغت حد الك ارثة‪ .‬فهم لم يركزوا فحسب في إستراتيجيهم على الع اطلين بل رأوا أن من يعمششل بششأجر هششو شششخص‬
‫متواطئ مع النظ ام الرأسم الي‪ .‬يكتب نيجري في ذلك‪:‬‬
‫تظل بعض مجموع ات العم ال وبعض الفئ ات من الطبقة الع املة مرتبطة بعنصر الجر‪ ...‬أي أنهششم يحصششون علششى دخلهششم‬
‫من ع ائد النت اج‪ .‬وهم بذلك يسرقون وينتزعون القيمة الف ائضة للبروليت اري ا – ويش اركون في الخششداع الجتمشش اعي للعمشش ال‬
‫ككل – على نفس طريقة الدارة‪ .‬ل بد من مح اربة هذه المواقف – ومم ارس ات التح ادات العم الية التي ترع اه ا – بشش القوة‬
‫إذا لزم المر‪ .‬وسيحدث‪ ،‬ولن تكون المرة الولى‪ ،‬أن تدخل مسيرة للع اطلين على مصنع كبير لتحطم عجرفششة أصششح اب‬
‫‪xiv‬‬
‫الدخول‪.‬‬
‫ولقد ق امت هذه الفكرة‪ ،‬والتي طبقه ا بعض المن اضلين من الشب اب‪ ،‬بمهمة تقسيم الطبقة الع املة ب الن ابة عن المشديرين‪.‬‬
‫منتميششن للتحشش ادات العم اليششة كمشش ا‬
‫وأدى ذلك في بعض الم اكن إلى وقوع مواجه ات جسدية مشش ا بيششن أنصشش اف الثششوريين وال ُ‬
‫أحدث الوقيعة بين أصح اب الوظ ائف والع اطلين‪.‬‬
‫وث انًي ا‪ ،‬وانتق ال من فكرة "الع امل الجتم اعي"‪ ،‬اقترح نيجري وه اردت مفهششوم "الجمششع" ‪) Multitude‬علششى نقيششض فكششرة‬
‫دا ينطبق تقريًب ا على كل من ل ينتمي فعلًي ا للطبقة الح اكمة ويشبه مصطلح‬
‫الطبقة الع املة(‪ .‬و”الجمع” مصطلح ع ائم ج ً‬
‫"الشعب" القديم‪ .‬ويبدو هذا للوهلة الولى مقبششول إذ أن الشششتراكيين والنشش اركيين علششى حششد السششواء ط المشش ا إاسششتخدموا‬
‫مصطلح "الشعب" بتعثر‪ .‬غير أن الكثير من علم اء الجتم اع البرجوازيين )وبعششض الشششتراكيين( يعملششون بتعريششف أضششيق‬
‫أكثر مم ا يجب للطبقة الع املة إذ أنهم يحصرونه ا في العم ال اليدويين فقط‪ ،‬بدل من اعتب ار كل من يتعيش من عمله في‬
‫عداد الطبقة الع املة‪ ،‬و ُمبعدين بذلك أصح اب الي اق ات البيض اء )العم ال الشذهنيين( مششن صششفوف الطبقششة‪ ،‬ومصششورين بكششل‬
‫ذلك الطبقة الع املة في صورة طبقة في طريقه ا للنقراض في المجتمع المع اصر‪.‬‬
‫ومع ذلك ففكرة "الجمع" مغلوطة بشكل ق اتل‪ .‬فم ا يغيب عنه ا‪ ،‬بل م ا تشوش عليه فعلًي ا‪ ،‬حقيقة أنششه يوجششد بيششن ضششح اي ا‬
‫دا الطبقة الع املة الممية‪ ،‬والتي لديه ا مقدرة فريدة تستطيع‬
‫الرأسم الية الع المية غير المعدودين طبقة خ اصة‪ ،‬وهي تحدي ً‬
‫من خلله ا أن تتحدى النظ ام وتتغلب عليه‪ .‬وتحديد الطبقة الع املة على هذا النحو هو حكم استراتيجي وليس أخلقي‪ .‬هو‬
‫م ا علششى اعتقشش اد أن العمشش ال "أفضششل" مششن غيرهششم مششن النشش اس‪ ،‬أو تصششور أن جميششع العمشش ال لششديهم وعششي‬
‫تحديد ليس ق ائ ً‬
‫اشتراكي‪ ،‬أو بن اًءا على حنين روم انسي لم اضي الحركششة العم اليششة‪ ،‬ولكنششه تحديششد يسششتنتج مششن وضششع العمشش ال القتصشش ادي‬
‫كمصدر رئيسي لرب اح الرأسم اليين وارتب اطهم بمن ابع النت اج الرئيسية في المجتمع وتركزهم العششددي اله ائششل فششي أمشش اكن‬
‫العمل والمدن الكبيرة‪.‬‬
‫ولقد ظهرت مركزية الطبقة الع املششة مششرة أخششرى فششي الثششورة المصششرية فششي عشش ام ‪ .2011‬فرغششم مظشش اهرات الجمشش اهير‬
‫المصرية ب المليين واحتلله ا المي ادين والشوارع واستبس اله ا ضد الشرطة استمر مب ارك ب التمسك ب السلطة‪ .‬ولكن عنششدم ا‬
‫انضم للمظ اهرات موجة ه ائلة من الضراب ات العم الية من ‪ 9‬إلى ‪ 11‬فبراير ُدفع الجنرالت الوفي اء لمب ارك لتخشش اذ قششرار‬
‫التضحية ب الدكت اتور إنق اذ ًا ً للنظ ام‪.‬‬
‫شكلت الطبقة الع املة منذ ولدته ا من رحم الثورة الصن اعية نقطة انطلق والس اس الجتمشش اعي والمرتكششز السششتراتيجي‬
‫لفضل عن اصر اليس ار‪ ،‬سواء ك انوا اشتراكيين أو أن اركيين أو تروتسكيين أو نق ابيين‪ .‬وب انزوائهشش ا عششن هششذه الركيششزة‪ ،‬تهيششئ‬
‫الوتونومية الس احة للتيه الستراتيجي والوقوع في العديد من الخط اء التكتيكية‪.‬‬
‫وينطبق الشيء ذاته على فكرة "البريك اري ات" ‪ Precariat‬أو "غير المستقرون" التي بلوره ا مؤخًرا المفكر القتصشش ادي‬
‫ق ا لست اندنج فأن "الغيششر مسششتقرون" هششم "طبقششة جديششدة وخطيششرة" ويضششعه ا فششي‬
‫ج اي ست اندنج ‪ . Guy Standing‬ووف ً‬
‫المق ابل مع "البروليت اري ا – الطبقة الع املة الصن اعية التي بنيت عليه ا الشتراكية الديمقراطية للقرن العشرين"‪:‬‬
‫تتكون هذه "الطبقة" من مختلف الن اس الغير مستقرة في طبيعة حي اته ا‪ ،‬من الذين يعيشون حي اة مبعششثرة‪ ،‬يتنشش اقلون مشش ا‬
‫بين وظ ائف غير دائمة‪ ،‬دون الحصول على أى خبرات وظيفية متج انسة؛ وتشمل هذه "الطبقة" مليين الشب اب المتعلم‬
‫وال ُمحبط الذي ل يعجبه م ا يراه‪ ،‬ومليين النس اء المستغلت في أعم ال قهرية‪ ،‬وأعداد متزايششدة مششن الموصششومين مششدى‬
‫‪xv‬‬
‫الحي اة بسوابق جن ائية‪ ،‬والمليين الذين يصنفون "بأصح اب عجز"‪ ،‬والعم الة المه اجرة بمئ ات المليين حول الع الم‪.‬‬
‫ويزعم ست اندنج )مُخطئ ًشش ا( أن الثششورة المصششرية والنتف اضشش ات الح اصششلة مششؤخًرا فششي أسششب اني ا واليونشش ان كلهشش ا تمششت بقيشش ادة‬
‫البريك اري ات‪ ،‬إل أنه ل يدافع عن قضيتهم بقدر م ا يستخدمهم كمجرد سلح تهديد ليط الب الدولششة ب الصششلح وتششوفير دخششل‬
‫أس اسي لكل الن اس‪ .‬ورغم أن ست اندنج نفسه ينتمي سي اسي ا ليس ار الشتراكية الديمقراطية ‪ ،‬إل أن هذا لم يمنششع العديششد‬
‫من الن اركيين والوتونوميين أن يتبنوا مصطلحه الطن ان وأن يستخدموه‪.‬‬

‫والخطأ الس اسي في هذه النظرية يكمن في أن من ُيطلق عليهم البريك اري ات هم في الحقيقة مجرد جششزء مششن الطبقششة‬
‫الع املة بل ويمثلون نسبة القليشة فيهش ا )‪ %25‬مشن السشك ان( وليسشوا طبقشة منفصشلة مضش ادة للبروليت اريش ا‪ ،‬كمش ا أنهشم ل‬
‫يشكلون ب التأكيد بديل له ا كأداة التغيير الجتم اعي أو الثورة‪ .‬فمن ن احية‪ ،‬يتج اهل تعريف ست اندنج الضيق للبروليت اري ا على‬
‫صة في‬
‫أنه ا تضم فقط العم ال الصن اعيين حقيقة أن حتى حي اة نسبة كبيرة من العم ال تمتلئ بعدم الستقرار الشديد خ ا ً‬
‫فترات الركود وانتش ار البط الة‪ .‬ومن ن احية أخرى‪ ،‬ف الطبقة الع املة ل تقتصر فقط على العم الة الصن اعية أو اليدوية لكنه ا‬
‫تشمل كذلك العم ال ذوى الي اق ات البيض اء‪ .‬إن الطبقة الع املة تشمل كل من يتعيش من عمله مق ابششل أجششر سششواء كشش انوا‬
‫عم ال حديد وصلب أم مدرسين‪ ،‬أو عم ال إنش اءات أو مششبرمجين كومششبيوتر‪ ،‬أو عمشش ال فششي متشش اجر أو ممرضشش ات أو حششتى‬
‫أطب اء حكوميين‪.‬‬
‫وب النتيجششة‪ ،‬فمح اولششة اعتبشش ار مشش ا يسششمى ب البريك اريشش ات أو غيششر المسششتقرين بششأنهم الق اعششدة السششتراتيجية لحركششة التغييششر‬
‫الجتم اعي هو بمث ابة شق لصفوف الطبقة الع املة‪ ،‬واقتص ار للحركة على أقلية بداخل الطبقة الع املة والمجتمع وفصششله ا‬
‫عن الغلبية المنظمة في الطبقة التي تمتلك القوة القتص ادية والقدرة الكبر على ضششرب الرأسشم الية فشي مقتششل وذلشك‬
‫بوقف عملية النت اج‪ .‬فلقد وصف م اركس البروليت اري ا بأنه ا "الحركة الواعية بنفسه ا‪ ،‬الحركة المستقلة للغلبيششة السشش احقة‬
‫والتي تعمل لص الح هذه الغلبية" – وهن ا تكمن قدرته ا على النتص ار‪ .‬أم ا وضع الحركة في أيدي أقليششة فهششي مششرة أخششرى‬
‫وصفة للفشل‪.‬‬
‫ض ا في كت ابهم ا المبراطورية ‪ Empire‬أن الدولة فقدت أهميته ا كبشؤرة للقشوة الرأسشم الية‪ .‬فقشد‬
‫وق ال نيجري وه اردت أي ً‬
‫أنتجت العولمة م ا أسموه ب الش"المسطح الن اعم" للقوة الرأسششم الية الخ الصششة حيششث فقششد الصششراع المبريشش الي بيششن الششدول‬
‫القومية الهمية‪ .‬لم تكن هذه المقولشة موفقشة مشن حيشث التشوقيت‪ ،‬إذ جش اءت قبشل الحش ادي عششر مشن سشبتمبر ‪2001‬‬
‫مب اشرة وم ا تله من غزو الولي ات المتحدة لفغ انست ان والعراق‪ ،‬إل أنه يجششب التأكيششد علششى أنهشش ا كشش انت خ اطئششة فششي كششل‬
‫الحوال‪ .‬على أبسط المستوي ات ل يمكن لشرك ات موبيل للنفط أو جنششرال موتششورز للسششي ارات )وغيرهشش ا مششن الشششرك ات‬
‫العملقة( أن تت اجر ول ليوم دون مس اندة من دوله ا القومية وجيوشه ا المسلحة – وإل نهبه ا الفقششراء‪ .‬أمشش ا علششى مسششتوى‬
‫القتص اد الدولي فأن أكثر من ‪ %90‬من أضخم ‪ 200‬شركة ع المية يوجد لهم مقر وطني محدد وروابط وثيقة مع أجهزة‬
‫دولة قومية بعينه ا‪ .‬وكم ا يقول الشع ار "ل يمكششن أن توجششد شششركة مكدون الششدز )للهمبششوجر( دون وجششود شششركة م اكدون الششد‬
‫دوجلس )لصن اعة السلح("‪.‬‬
‫إن خطأ التقليل من أهمية الدولة تض اعف عنششدم ا خطششى جششون هشش الوواي خطششوة إضشش افية فششي كتشش ابه "غيششر العشش الم بششدون‬
‫الحصول على السلطة ‪ Change the World Without Taking Power‬والذي نشر في ع ام ‪ .2002‬ففي حين رأى‬
‫نيجري أن أهمية الدولة تتض اءل في عصر المبري الية الح الي‪ ،‬اعتبر هولوواي أن التركيز على الدولة هششو الخطششأ الصششلي‬
‫والمستمر للحركة الشتراكية بأكمله ا منذ بدايته ا‪ .‬ففكرة الستحواذ على سششلطة الدولششة الششتي يسششعى إليهش ا الصششلحيون‬
‫والثوريون والشتراكيون الديمقراطيون والبلشفة والشيوعيون والتروتسكيون على حششد سششواء خطششأ فششي حششد ذاتهشش ا لن‬
‫جه از الدولة بطبيعته سلطوي وقمعي و"الستحواذ" عليه لن يفضى سوى إلى تكرار القمع الششتي قشش امت الثششورة لتقضششي‬
‫عليه‪ .‬وين ادي هولوواي بد ًل من التركيز على الستحواذ على سلطة الدولة بإستراتيجية تعتمد على إق امششة قواعششد سششلطة‬
‫"مستقلة" عن الدولششة‪ ،‬كمشش ا فعششل ثششوار الزاب اتيسششت ا ‪ Zapatista‬فششي وليششة شششي اب اس ‪ Chiapas‬ب المكسششيك فششي أبشش ان‬
‫انتف اضتهم الشهيرة في ‪ 1994‬ضد قمع الدولة المركزية للسك ان الصليين‪.‬‬
‫قد يكون لهذا الطرح وج اهته كنقد لمم ارس ات أحزاب العم ال الصلحية وغيرهم مششن الشششتراكيين الششديمقراطيين الششذين‬
‫يلهثون دو ًم ا من أجل التحكم في جه از الدولة البرجوازي‪ ،‬ولكن يغيب عنه نقطة جوهرية أصر عليه ا م اركس بعد كومونة‬
‫ب اريس في ‪ 1871‬وطوره ا لينين في كت اب "الدولة والثورة" ع ام ‪ – 1917‬وهي أن الطبقة الع املة ل تستطيع ببس اطة أن‬
‫"تستحوذ" على جه از الدولة البرجوازية وتطويعه لمص الحه ا‪ ،‬إنم ا عليه ا أن تحطششم الجهشش از القششديم وتقيششم دولششة مششن نششوع‬
‫جديد‪.‬‬
‫ولكن كإستراتيجية بديلة للتغيير‪ ،‬يفتقشر طشرح هش الوواي )إق امششة قواعششد سشلطة مسششتقلة( للعمليششة‪ .‬ب الفعشل كش ان لتمشرد‬
‫م ا واس ًع ا في لحظة ت اريخية محددة ك انت فيهش ا المق اومشة علشى المسششتوى الشدولي فشي ح الششة سشكون‬
‫الزاب اتيست ا أثًرا مله ً‬
‫نسبى وك ان ق ادة الع الم يهنئون بعضهم البعض في نشوة انتصشش ارهم بعششد سششقوط الشششيوعية فششي بدايششة التسششعين ات مششن‬
‫القرن الم اضي‪ .‬لكن الزاب اتيست ا لم يفلحوا في تغيير المكسيك‪ ،‬ن اهيك عن تغيير الع الم‪ .‬وب الضشش افة إلششى ذلششك فمشش ا كشش ان‬
‫ب المك ان عمله في أدغ ال شي اب اس ل يصلح تنفيذه في مدن س اوب اولوأو بوينس أيريس أو الق اهرة أو أي مك ان في الع الم‬
‫الرأسم الي المتطور‪ .‬ف الن لم يعد يوجد مك ان خشش ارج نطشش اق ذراع الدولششة ولششم يعششد هنشش اك بقعششة يمكششن أن تحشش افظ علششى‬
‫دا للسلطة الرأسم الية‪ .‬فمن الممكن أن نح اول أن نتج اهل الدولة ولكن هذا ل يعنششي‬
‫استقلليته ا للبد إذا ك انت تمثل تهدي ً‬
‫أن الدولة ستتج اهلن ا‪.‬‬
‫يقدم جون هولوواي منظوره لعدم الح اجة للستيلء على السلطة بمزيد من البلغة الثورية الش اعرية عششن رفششض إعشش ادة‬
‫خلق الرأسم الية بعملن ا والحتف ال ب التصدع ات داخشل النظش ام‪ ،‬إل أن الحقيقشة هشي أن هشذه السشتراتيجية تعتشبر إصشلحية‬
‫وليست ثورية‪ ،‬بل وتوفر غط اًءا راديك ال ًي ا لكل أنواع المنظم ات غير الحكومية ومجموع ات الضششغط والحملت الجتم اعيششة‬
‫التي تود قطًع ا تف ادي المواجهة مع الدولة إم ا لن الدولة تموله ا أو لنه ا ل تستهدف الط احة ب الرأسم الية على الطلق‪.‬‬
‫أاناركية البرانامج ‪Platform anarchism‬‬
‫إن أن اركية البرن امج ظ اهرة محدودة ولكنه ا مثيرة للهتمشش ام‪ .‬ولقششد اسششتوحى أسششمه ا وأفك ارهشش ا مششن "البرن امششج التنظيمششي‬
‫للشيوعيين التحرريين"‪ 16‬الذي كتبه في ع ام ‪ 1926‬نستور م اخنو وبيوتر أرشينوف ‪ Piotr Arshinov‬وأنشش اركيين روس‬
‫آخرين من مجموعة ‪ ) Dielo Trouda‬قضية العم ال( في المنفى في ب اريس؛ ولن اركية البرن امج أهمية مع اصرة لتأثيره ا‬
‫على عدد من المجموع ات الن اركية الصغيرة اليوم بم ا فيه ا حركة تض امن العم ال في أيرلندا والتح اد الشرقي‪-‬الشششم الي‬
‫للشيوعيين الن اركيين في شم ال أمريك ا‪.‬‬
‫كم ا يمثل البرن امج التنظيمي نت اج خبرة مؤلفيه في الثورة الروسية وهو شديد التأثر بهشش ا‪ .‬وعليششه ُيرجششع البرن امششج أسششب اب‬
‫ضعف الن اركية قبل كل شيء إلى غي اب مب ادئ مترابطة خ اصة ب التنظيم السي اسي‪:‬‬

‫الن اركية ليست فكرة طوب اوية جميلة‪ ،‬ول هي فكشرة فلسششفية مجشردة؛ إنهشش ا حركششة اجتم اعيششة للجمش اهير الع املششة‪ .‬ولهششذا‬
‫السبب عليه ا أن تجمع قواه ا في منظمة واحدة وتقوم ب التحريض المستمر حسب م ا يمليه الواقع واسششتراتيجية الصششراع‬
‫الطبقي‪.‬‬
‫تعوزن ا بشدة منظمة تقوم‪ ،‬بعدم ا ُتجمشع غ البيشة القشوى المشش اركة فشي الحركشة الن اركيشة‪ ،‬بتأسشيس خ ً‬
‫طش ا سي اسشًي ا ع اًمش ا‬
‫وتكتيكًي ا في الن اركية يصلح ليكون دليل ً للحركة بأكمله ا‪.‬‬
‫والسلوب الوحيد الذي يأتي بحل لمشكلة التنظيم الع ام‪ ،‬في نظرن ا‪ ،‬أن يتم حشد المن اضلين الن اركيين الن اشطين لوضع‬
‫س ا لبرن امج متن اسق بم ا يتسم به من كم ال أو نقص ان )التشششديد‬
‫س ا لمواقف محددة‪ :‬نظرًي ا وتكتيكًي ا وتنظيمًي ا‪ ،‬أي أس ا ً‬
‫أس ا ً‬
‫في الصل(‪.‬‬
‫إنه ا سطور مدهشة حين تخرج مششن أفششواه النش اركيين‪ ،‬فمش ا هششي "منظمششة واحششدة" ذات "خششط سي اسششي عش ام وتكششتيكي"‬
‫ق ا لتصورات لينين؟‬
‫و"برن امج متسق" بن اًءا على "مواقف محددة" غير حزب بل وحزب وف ً‬
‫والكثر منه ا دهشة م ا يقوله البرن امج‪ ،‬وب التفصيل‪ ،‬في جزء بعنوان "الدف اع عن الثورة"‪:‬‬
‫مهدِِدة لمتي ازات الطبق ات غير الع املة في المجتمع بل ولكي انهشش ا ذاتششه‪ ،‬سششتدفع هششذه الطبقشش ات ل‬
‫إن الثورة الجتم اعية‪ ،‬ال ُ‬
‫َمح الة إلى مق اومة ي ائسة ستأخذ شكل حرب أهلية شرسة‪...‬‬
‫وكم ا أظهرت التجربة الروسية فحرب أهلية كهذه لن تدوم مجرد بضعة أشهر ولكن عدة سنوات‪ .‬مهمشش ا كشش انت خطششوات‬
‫العم ال الولى مليئة ب البهجة في بداية الثورة ستتمكن الطبقشش ات الح اكمششة مششن المق اومششة لفششترة طويلششة وبقششدرة ف ائقششة‪.‬‬
‫لسنوات طويلة سيشنون الهجم ات على الثششورة لمح اولششة إعشش ادة السششلطة والمتيشش ازات الششتي ضشش اعت منهششم‪ .‬سيتصششدون‬
‫للعم ال المنتصرين ب الجيوش العظيمة والتقني ات والستراتيجي ات العسكرية والم ال ‪...‬‬
‫لذا يتوجب على العم ال‪ ،‬حف اظ ً ا ً على مك اسب الثورة‪ ،‬تكوين منظم ات للدف اع عن الثورة حتى يواجهوا الهجم ات الرجعيششة‬
‫بقوة قت الية ض اربة تتن اسب مع حجم المهمة‪...‬‬
‫‪ ...‬كح ال كل الحروب‪ ،‬ل يمكن للعم ال شن حرب أهليششة بنجشش اح إل مشع تطششبيق المبششدأين الس اسششيين للعمششل العسششكري‪:‬‬
‫م ا للثورة سششتأتي عنششدم ا تهجششم البرجوازيششة علششى الثششورة‬
‫وحدة خطة العملي ات ووحدة القي ادة الع امة‪ .‬اللحظة الكثر حس ً‬
‫بقوة منظمة‪ .‬إنه ا لحظة ح اسمة تفرض على العم ال تبني هذه المب ادئ للستراتيجية العسكرية‪.‬‬
‫ض ا إستراتيجية الثورة المض ادة‪ ،‬فعلششى قششوات‬
‫ومن ثم‪ ،‬فب النظر إلى الضروري ات التي تفرضه ا الستراتيجية العسكرية وأي ً‬
‫الثورة المسلحة أن تعتمد ب الت الي على جيش ثوري ع ام بقي ادة مشتركة وخطة عملي ات‪...‬‬
‫دا لنه من المدهش قراءة هذه السطور من أقلم معلنة لن اركيتهشش ا‪.‬‬
‫لقد عرضت هذا القتب اس المطول من البرن امج تحدي ً‬
‫فه ا هم يعترفون بأس اس حجة الحزب كم ا واعترفوا كذلك‪ ،‬من واقع تجربتهششم فششي الثششورة الروسششية أي مششن واقششع ثششورة‬
‫حقيقية‪ ،‬بأس اس الحجة الم اركسية الداعمة لضرورة بن اء دولة عم ال للدف اع عن الثورة‪.‬‬
‫المؤلفون )وتلميذهم المع اصرين( ينكشرون هششذا التطشش ابق‪ ،‬ب الضششبط كمش ا ينكشرون أن "المنظمششة الواحششدة" ذات "برن امشج‬
‫متسق" هي حزب‪ ،‬إذ أنهم‪ ،‬كم ا يقولون‪ ،‬رافضون "للمب ادئ" الخ اصة "ب الدولة" و"السلطة"‪ .‬ولكن ل ف ائششدة مششن النكشش ار‪.‬‬
‫دا "هي اكششل مششن الرجشش ال المسششلحين"‪ .‬فسششواء أعجبنشش ا المششر أم ل‪ ،‬فششإن‬
‫فأس اس الدولة‪ ،‬كم ا أصر إنجلز ولينين‪ ،‬هي تحدي ً‬
‫ضشش ا وجششود قششدًرا مششن السششلطة علششى‬
‫أي‬
‫يعني‬
‫كم ا‬
‫دولة‪،‬‬
‫تكوين‬
‫يعني‬
‫موحدة"‬
‫تكوين جيش من العم ال الثوريون "ذو قي ادة‬
‫ً‬
‫أرض الواقع‪ .‬ولن ُيجدي التلعب ب الكلم ات للتح ايل على هذه الحقيقة وهذا التط ابق مهم ا ك ان‪.‬‬
‫يستطيع الم اركسي إلى حد بعيد أن يقول للرف اق الن اركيين أصششح اب تششوجه البرن امششج أنكششم أدركتششم أشششي اًء مهمششة – عششن‬
‫ضرورة وجود منظمة واحدة على أس اس برن امج متسق‪ ،‬وضرورة التع امل مع الثورة المض ادة العنيفششة والحششرب الهليششة‪،‬‬
‫إلخ‪ .‬إل أن هذا ببس اطة ل يمكن أن يندرج تحت الط ار النشش اركي‪ .‬الفضششل كششثيًرا أن يتششم البنشش اء عليششه مششن خلل إعطشش اءه‬
‫س ا نظرًي ا ج ا ًدا بواسطة الم ادية الت اريخية لم اركس وإدخ اله في النظرية الم اركسية عن الدولة والحزب‪ ،‬وكلهم ا أكثر‬
‫أس ا ً‬
‫ق ا‪ ،‬وم ا هو أهم‪ ،‬أكثر ديمقراطية‪ ،‬مم ا قد يدرك العديد من الن اركيين‪.‬‬
‫تطو ًرا وأكثر عم ً‬
‫الفعل المباتشر ‪Direct Action‬‬
‫من القض اي ا التي كثي ًرا م ا أختلف حوله ا الم اركسيون والن اركيون على امتداد الحركة هو اللجوء لستخدام تكتيك "للفعششل‬
‫المب اشر"‪ .‬وإعطش اء تعريشف محشدد "للعمشل المب اششر" ليشس بش المر السشهل لن المصشطلح يسشتخدم لنطش اق واسشع مشن‬
‫التكتيك ات ولكنه بششكل عش ام يششير إلشى الحتج اجش ات أو أعمش ال المق اومشة الشتي تخشرق القش انون الرأسشم الي أو تتحشداه‬
‫ك العتص ام ات في الش ارع وتعطيل الطرق الرئيسية واحتلل المب اني وكسر النوافذ وغيره ا من العتششداءات علششى الملك‬
‫الخ اصة‪ .‬وقد ُيستخدم العنف في الفعل المب اشر وقد يكون فعل مب اشر سلمى‪ .‬من الواضح أن أشششك ال الفعششل المب اشششر‬
‫ُيمكن استخدامه ا وك انت ًمستخدمة من قبل العديد من القوى السي اسية والجتم اعية المختلفة من حركة الحقوق المدنية‬
‫للسود في الولي ات المتحدة في الستين ات إلى المتظ اهرين المن اهضين للرأسم الية في جنوه في إيط الي ا في ‪ 2002‬إلى‬
‫طلبة لندن‪ .‬والعم ال المضربين والذين يحتلون أو يح اصششرون مواقششع العمششل يقومششون نوعًشش ا مشش ا ب اسششتخدام تكتيششك الفعششل‬
‫المب اشر‪ .‬واليمين المتطرف والف اشيون أيض ا قد ينخرطون في الفعل المب اشر كم ا يحدث عندم ا تستهدف "عصبة الدف اع‬
‫النجليزي" الف اشية الجوامع على سبيل المث ال‪.‬‬
‫فكيف لهذه القضية أن تشق بين الم اركسيين والنشش اركيين؟ المششر ب التأكيششد ل يتلخششص فششي أن النشش اركيين يؤيششدون الفعششل‬
‫المب اشر وأن الم اركسيين يع ارضونه – على العكس فقد تعددت المن اسب ات التي أيشد فيهش ا الم اركسششيون الفعششل المب اشششر‬
‫مستبعدة أشك ال أخرى من العمل‬
‫وق اموا به‪ .‬إل أن هن اك فرق‪ .‬ف الن اركية تميل إلى الهوس ب الفعل المب اشر وتتمسك به ً‬
‫وتميل للنتق اص من الشك ال الخرى للحتج اج‪ .‬ويص احب هذا ميل لعلء شأن استخدام طرق الث ارة والمخ اطرة‬
‫والشج اعة التي تشد النظ ار في العمل المب اشر فوق متطلب ات إشراك الجم اهير في النض ال وحشده ا‪ .‬أم ا الم اركسيون‪،‬‬
‫وعلى العكس‪ ،‬يرون في استخدام العمل المب اشر تكتي ً‬
‫ك ا ُيلجأ إليه فقط عنششدم ا يخششدم الهششدف الس اسششي وهششو رفششع ثقششة‬
‫جم اهير الطبقة الع املة ووعيه ا ونض اليته ا‪.‬‬

‫ل يمكن طب ًع ا أن تكون هن اك ق اعدة مطلقة في إست خدام تكتيك الفعل المب اشر ف الحكم يكون حسششب الظششروف علششى‬
‫الرض وكلن ا نخطئ أحي ا ًن ا‪ .‬إل أن رأيي بشكل ع ام أن النهج الم اركسي للعمل الجم اهيري يظل هو النهج الصحيح‪ .‬فيوجد‬
‫في العلء من دور العمل المب اشر لقلي ات صغيرة سوء تقدير لمدى بطش وقوة النظ ام وجه از الدولششة الت ابعششة لششه‪ .‬مثل‪،‬‬
‫أثبتت فكرة المجموعة اليط الية توتي بي انكي ‪ ) Tute Bianchi‬الوفرول البيض( أنه ب المك ان التغلب على الشششرطة أو‬
‫حتى تحجيمه ا بتطوير تكتيك ات خ اصة لحرب الشوارع )برداء ُمبطن‪ ،‬إلخ( أنه ا وهم ت ام عند تجربته ا في جنوه في ‪.2002‬‬
‫ض ا أسلحة ن ارية وجيش‬
‫ف الدولة ل تملك مجرد جه از شرطة بهراواته وخيله وكلبه وغ ازه المسيل للدموع‪ ،‬ولكنه ا تملك أي ً‬
‫بمدفعية ودب اب ات‪ .‬والطريقة الوحيدة لمواجهة آمنة مع الشرطة في الصدام ات في الش ارع تكششون بشش التفوق علششى عششدده ا‬
‫كم ا حدث في الثورة المصرية مؤخًرا‪ ،‬والطريق الوحيد لهزيمة الدولة الرأسم الية ككل هي مواجهة ملييششن العمشش ال لهشش ا‬
‫حتى تنكسر من الداخل‪.‬‬
‫ويكون للمظ اهرات المليونية‪ ،‬حتى إذا ك انت سلمية تم اًم ا وحتى إن لم تنجح في إحداث تغييًرا في سي اسة الحكومة‪ ،‬دور‬
‫مهم في الحركة‪ .‬فب النسبة للكثير من العم ال تكون هذه المظ اهرات هششي أول تعريششف لهششم ب السي اسششة وأول تجربششة فششي‬
‫العمل الجم اعي‪ ،‬وقد يكون له ا تأثير قوي في التثوير‪ .‬كم ا تعطي هذه التعبئة النشش اس شششعور بقشوتهم كجم اعششة متجش اوزين‬
‫العزلة والتفتيت الذي يح اول النظ ام أن يفرضه‪ .‬فل بد أن تكون هن اك أشك ال للعمل يستطيع أن يش ارك فيه ن اس م ازال‬
‫مهتزة‪ ،‬نحو المش اركة في الحركششة‪ .‬كمشش ا أن للمظشش اهرات الكششبيرة‬
‫وعيهم يتطور ويخطون أولى خطواتهم‪ ،‬التي قد تكون ُ‬
‫أثر دع ائي مهم‪ ،‬على المستوى الدولي والمستوى القومي على حد سواء‪ .‬فمثل عندم ا تظ اهر عششدة ملييششن فششي الغششرب‬
‫ضد الحرب على العراق في ‪ ،2003-2002‬و رغم أنهم لم يمنعوا حدوثه ا‪ ،‬أرسلوا برس الة مهمة إلى الشرق الوسط بأن‬
‫جم اهير الن اس الع ادية في الغرب غير مؤيدة للعدوان المبريشش الي لحكومشش اتهم‪ .‬وهششذه المظشش اهرات سشش اعدت اليسشش ار فششي‬
‫مششة‪ ،‬وخلقششت أسشش اس‬
‫الشرق الوسط على المج ادلة ضد أطروح ات السلميين والتي ارات الره ابية المع اديششة للغربييششن ع ا ً‬
‫ه ام للتض امن الممي المستقبلي‪.‬‬
‫س ا‪ .‬وقششد تنفصششل‬
‫وعلى النقيض‪ ،‬قد يؤدي الهوس ب الفعل المب اشر إلى الفصل بين القلية المتحمسة والغلبية القل حم ا ً‬
‫الولى عن الخيرة وتتوهم بأن العم ال الدرامية لمجموعة صغيرة من داخل الحركة هي فقط التي تحدث التشأثير‪ .‬وهشذا‬
‫النوع من الخلط قد يدمر الحركة‪ .‬ويجب هن ا التأكيد على إن الثورة عملية تحشرر ذاتشي لملييشن مشن الطبقشة الع املشة ول‬
‫يوجد له ا اختص ارات‪ .‬ولهذه السب اب يجب أن يكون لحشد جم اهير الطبقة الع املة الولوية في كل الوق ات‪.‬‬
‫المشاركة في الانتخابات‬
‫ً‬
‫يرفض كل الن اركيون تقري ًب ا المش اركة في النتخ اب ات الني ابية والنتخ اب ات الرسششمية الخششرى‪ ،‬ويعتبرونهشش ا نششش اط ا سي اسشًي ا‬
‫مسيطرون على المجتمع الرأسم الي بغض‬
‫مزيفة – فرأس الم ال والثري اء يظلون هم ال ُ‬
‫برجوازًي ا ب امتي از وعملية ف اسدة و ُ‬
‫النظر عن من يفوز في النتخ اب ات – ولذا ف الن اركيون ينظرون للمش اركة فششي النتخ ابش ات علششى أنهش ا بمث ابششة "العششتراف"‬
‫ة إمك انية‬
‫ب الدولة الرأسم الية البغيضة‪ .‬وتش اطر الم اركسية الن اركية نفس انتق اداته ا ب النسبة للديمقراطية البرجوازية‪ ،‬ن افي ً‬
‫أن تقود سكة البرلمشش ان إلششى الشششتراكية أو التغييششر الثششوري‪ .‬وتسششتهدف الم اركسششية إزاحششة ثوريششة للبرلمشش ان الششبرجوازي‬
‫واستبداله بمج الس عم الية‪ ،‬ولكنه ا‪ ،‬مع ذلك‪ ،‬تؤيد المش اركة في النتخ اب ات الني ابية حسب الظرف‪.‬‬
‫وبم ا أنه يجب أن يكون الثوار منخرطين طوال الوقت في النض ال لتوعية الطبقة الع املششة ضششد تششأثير العلم الرأسششم الي‬
‫والحزاب السي اسية الرأسم الية والحزاب الصلحية‪ ،‬لذلك فإن النتخ اب ات البرجوازية هي أرضية ه امششة يجششب أن تخشش اض‬
‫عليه ا هذه المعركة‪ .‬ورغم أن النتخ اب ات البرجوازية ليست على الطلق هي الرضية الهم في النض ال من أجل مح اربششة‬
‫التأثير اليديولوجي الرأسم الي – حيث أن مع ارك النق اب ات العم الية والضراب ات مثل أهم بكششثير – إل أنششه ل يجششب تج اهششل‬
‫النتخ اب ات‪ .‬قد ل يخدع النظ ام البرلم اني العن اصر المتقدمة بين العم ال ولكنه من المؤكد أن مليين العم ال ينخدعون في‬
‫النتخ اب ات حتى من فيهم يدعي أنه متشكك في جدواه ا‪ .‬وهذا يعنى أنه في أوق ات النتخ اب ات ينصب اهتم ام الن اس علششى‬
‫مرششحين فشي النتخ ابش ات تكشون لشديهم فرصشة مهمشة لتوصشيل الفكش ار‬
‫السي اسة أكثر من الوق ات الع اديشة ومشن ثشم ف ال ُ‬
‫الشتراكية لجمهور عريض من العم ال والفقراء‪.‬‬
‫وإذا تشم انتخش اب مرششحين مشن الششتراكيين الثشوريين إلشى مجش الس محليشة أو برلم انش ات قوميشة تشزداد فرصشة الدع ايشة‬
‫الشتراكية الفع الة بشكل كبير – ليس فقط الدع اية عن طريق المنشششورات والخطششب )داخششل الغششرف وخ ارجهشش ا( ولكششن‬
‫ض ا عمل ًي ا عن طريق دعم النواب الشتراكيين للضششراب ات والششذه اب إلششى خطششوط العمشش ال المضششربين والمششش اركة فششي‬
‫أي ً‬
‫مكَلمششة البرلم انيششة مششن‬
‫مصششطنعة لل َ‬
‫الحتللت والعتص ام ات والضراب ات‪ ،‬وتعلم كيششف يتششم فضششح وتفنيششد الديمقراطيششة ال ُ‬
‫الداخل‪ .‬ول يمكن‪ ،‬كم ا قلن ا‪ ،‬أن نغير البرلم ان ليصبح كي ان يعمل من أجل الطبقة الع املة والشششعب‪ ،‬إل أن مششن الممكششن‬
‫للثوريين أن يعمل بداخله كمدافع عن مص الح الشعب أم ام الشعب‪.‬‬
‫سيقول البعض‪ ،‬أن اركيين وغيرهم من الن اس الذين سئموا الكشش اذيب والنفشش اق والرشششوة البغيضششة للسي اسشش ات البرجوازيششة‬
‫اليومية )وهذا ح ال كل بلد رأسم الي(‪ ،‬أن لحظة دخول الثوري الص ادق إلى النظشش ام البرلمشش اني الف اسششد ل منشش اص مششن أن‬
‫ض ا‪ .‬وطب ًع ا يوجد خطر حقيقي لحدوث ذلك‪ ،‬كم ا قد يحدث مع بعض الفراد الذين ُينتخبون لمن اصب رسششمية‬
‫ُتفسده هو أي ً‬
‫في النق اب ات العم الية‪ ،‬لن النظ ام الرأسم الي يم ارس ضغوط كبيرة على الن اس ليتوافقششوا ويتواءمششوا معششه‪ .‬ف البرجوازيششة‬
‫تمتلك عقود من الخبرة في إفس اد ممثلي الطبقة الع املة‪ .‬ولذلك فعلى الحركة الشتراكية الثوريششة أن تتخششذ احتي اط اتهشش ا‬
‫مرشحيه ا يظلون على وعي وحصشش انة‬
‫حتى ل يتم التخلي عنه ا وعن مب ادئه ا أثن اء العمل داخل البرلم ان‪ ،‬وأن تتأكد من أن ُ‬
‫ضد الضغوط التي سيتعرضون له ا‪ ،‬وأن ترسي آلي ات لمح اسبة النواب الثوريين أم ام القواعد الجم اهيرية‪ .‬وأهم شيء أن‬
‫تتأكد الحركة الشتراكية الثورية والحزب من أن يظل مركز ارتك ازه ا وتركيزه ا الس اسي على النششش اط السي اسششي خشش ارج‬
‫البرلم ان‪ ،‬في الصراع الطبقي في مواقع العمل والج امع ات والحي اء‪.‬‬

‫مع اتخ اذ هذه الحتي اط ات‪ ،‬ل يعد من وراء الخي ال أن تجد الحركة الثورية الكششوادر ذات العششزم السي اسششي لخدمششة الثششورة‬
‫والطبقة الع املة في القلعة البرلم انية للنظ ام الرأسم الي ذاته‪ .‬وب الفعل قد أثبت الت اريخ أن هذا المر ممكن‪ .‬ونجششد مثشش اًل‬
‫بشش ارزا علششى ذلششك فششي شششخص كشش ارل ليبكنشششت ‪ ،Karl Liebknecht‬رفيششق الكفشش اح لششروزا لوكسششمبورج فششي الحششزب‬
‫الديمقراطي الجتم اعي اللم اني‪ ،‬قد أن ُتخب في الرايشست اج )البرلم ان( اللم اني وع ارض فيه الحششرب الع الميششة الولششى‪،‬‬
‫ولعب دوًرا قي ادًي ا وأستشهد في الثورة اللم انية في ‪ .1919‬ونجد مث اًل أخر في برنشش اديت ديفلششن ‪Bernadette Devlin‬‬
‫الن ائبة المنتخبة في البرلم ان النجليزي في ‪ 1969-74‬عن منطقة ميد ألستر ‪ Mid-Ulster‬التي اعتقلت لمش اركته ا فششي‬
‫مع ارك حركة فري ديري ‪ Free Derry‬في أيرلندا الشم الية ضد الضطه اد البريط اني للقلية الك اثوليكيششة والششتي ل َ َ‬
‫كمششت‬
‫وزير حكومة المح افظين ريجين الد مودلينج ‪ Reginald Maudling‬فششي بيششت العمششوم بعشد مجششزرة الحششد الششدامي عش ام‬
‫‪ .1970‬وهن اك شخصي ات عديدة أقل شهرة لعبت دوًرا ثوري ا يخدم الحركة الشتراكية من خلل البرلم ان‪.‬‬
‫ومشكلة الموقف الن اركي في عدم الترشح للنتخ اب ات هو إخلُءه هذه الس احة السي اسششية بأكملهش ا للبرجوازيششة وحلف اؤهش ا‬
‫الوفي اء في الطبقة الع املة والحشزاب الصشلحية‪ .‬وهشم بهشذه الطريقشة يسش اعدون الصشلحيين الشذين يغشدرون ب الطبقشة‬
‫متحكمين فششي وعششي الطبقششة‬
‫الع املة في أي مواجهة ح اسمة والذين ينشرون الفك ار البرجوازية يومًي ا بين الن اس ليظلوا ُ‬
‫الع املة‪ .‬والسوأ أنه عندم ا يشعر العم ال بخيبة أمل من جراء خي انشش ات حكومشش ات مششن النمششط الصششلحي لهششم‪ ،‬كمشش ا سششبق‬
‫وحدث مراًرا وتكراًرا‪ ،‬يصبح هن اك خطر كبير‪ ،‬في حش ال غيش اب بشديل يسش اري‪ ،‬أن تتجششه النش اس فشي النتخ ابش ات للحشزاب‬
‫اليمينية والف اشية‪ .‬ومن تجربة هتلر في الثلثين ات من القرن الم اضي حتى صعود أسهم الحزاب الف اشية في اوروب ا فششي‬
‫العقود الخيرة‪ ،‬أظهر الف اشيون إج ادتهم للجمع بين مم ارسة السي اسة البرلم انية مع السي اسة خ ارج البرلم ان‪ .‬ول يمكششن‬
‫لليس ار الثوري أن يغسل يداه من النتخ اب ات ويترك لهم هذا المج ال لنشر سمومهم بدون تديم بديل ثورى‪.‬‬
‫اتخاذ القرارات في الحركة‬
‫لتنظيم أي إضراب أو حملة أو مظ اهرة أو اجتم اع بشكل ن اجح يجب اتخ اذ قرارات م ا‪ ،‬فهذا أمر ل مفر منه‪ .‬يكون نطشش اق‬
‫بعض هذه القرارات ضيق وط ابعه ا تنفيذي إلى حد بعيد – مشن ُقبيشل تحديشد موعشد اجتمش اع فشي السش اعة ‪ 7‬أو ‪ 8‬مسش اًء؟‬
‫ولكن كثيًرا م ا يتعلق المر بقضية مبدئية – هل تعتبر هذه الحملة داعمة لحقششوق القليشش ات أم ل؟ وأحي اًنش ا يبششدو مثششل هششذا‬
‫السؤال تنظيمي بسيط‪ ،‬إل أنه يمكن أن يترتب عليه تداعي ات سي اسية وإستراتيجية أوسع‪ .‬فمثًل‪ ،‬قد يششدور النقشش اش عششن‬
‫مس ار وتكتيك ات مظ اهرةً م ا‪ ،‬إم ا أن تظل سلمية تم اًمشش ا أم تخشش اطر ب النتهشش اء بمواجهشش ات مششع الشششرطة‪ .‬وأثنشش اء تنظيششم أي‬
‫ُمؤتمر يجب اتخ اذ قرارات خ اصة بجدول العم ال والمتحدثين‪ ،‬إلخ‪ ،‬فكيف يتم اتخ اذ القرارات اله امة؟‬
‫هن اك أسلوب ُيتبع بإفراط في الحرك ات الراديك الية وهو أن تكون الكلمة الُعلي ا في كل شيء لشخص صشش احب "ك اريزمشش ا"‬
‫متبع تقليدًي ا في الطبقة الع املشة والحركشة الششتراكية‬
‫أو هيبة‪ .‬هذا ل يجب أن يقبله الم اركسي ول الن اركي‪ .‬ف السلوب ال ُ‬
‫هو النتخ اب الديمقراطي‪ ،‬فهو يسمح بطريقة أو أخرى بتفويض قدر م ا مششن السششلطة للششش"قيشش ادات" وللشش"مسششئولين" مششع‬
‫التمسك ب المبدأ الس اسي أن القرار للغلبية‪ .‬وفي السنوات الخيرة م ال العديد من الن اركيين والوتونوميين إلى أن تتم‬
‫عملية اتخ اذ القرارات عن طريق التوافق – فل يعتبر قراًرا س ار ًي ا على الجميع سوى م ا أتفق عليه كششل المششش اركين فششي‬
‫الحملة )أي الح اضرين في الغرفة في ذلك الوقت ب التحديد(‪ .‬فأي من هذين السلوبين هو الفضل؟‬
‫ل شك أن اتخ اذ القرار ب التوافق بين المش اركين هو السلوب المثل – في ح ال توافق الراء‪ .‬أو قد يكون الفضل عندم ا‬
‫يتوفر قدًرا ك اف ًي ا من التف اق في الرأي ليتم التوافق في زمن معقششول‪ .‬ولكششن تقششع الك ارثششة عنششدم ا ل يوجششد توافششق علششى‬
‫موضوع ه ام وتبدو المور كأنه ل يمكن أن يتم التوصل إليه‪ .‬ولقد حدثت مواقف من هذا القبيل وستكرر مرة بعد أخششرى‬
‫في أي حركة حية‪ .‬ويصبح عدم الوصول إلى توافق في لحظ ات معينة ك ارثة لنه بدون حسم القرارات فنحن ل نستطيع‬
‫ق ا؛ أو قد ُيتخذ القرار ولكن بعششد إنهشش اك‬
‫تنظيم مظ اهرة دون تحديد مك ان التجمع وتوقيته أو مؤتمر دون حجز الق اعة مسب ً‬
‫ج انب للج انب الخر بنق اش ات ل نه ائية )وهذا يعطي ميزة كبيرة لغير الملتزمين بمواعيد عمل فششي الصششب اح التشش الي(‪ .‬كمشش ا‬
‫أن أسلوب"التوافق" يسمح لقلية صغيرة متصلبة الرأي فششي صششد وإحبشش اط أغلبيششة كششبيرة فتفشششل حملششة أو مظشش اهرة أو‬
‫فع الية م ا‪.‬‬
‫ض ا له عيوبه‪ .‬فقد يتم تزويره ا أو التأثير عليهش ا بطريقشة غيشر نزيهشة‪ ،‬كمش ا قشد يتشم‬
‫واتخ اذ القرارات عن طريق النتخ اب أي ً‬
‫تج اهل القرارات عند التنفيذ‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬ف النتخ اب الديمقراطي يظل من ألس اليب الس اسية في حركة الطبقة الع املششة‪.‬‬
‫وسأعطى مث الين للتوضيح‪ :‬المث ال الول افتراضي إل أنه يحدث يومًي ا في حي اة الحركة العم الية‪.‬‬
‫خمسم ائة ع امل من موقع عمل "أ" مضربين عن العمل ومطلبهم زيش ادة فشي الجشر بنسشبة ‪ .%10‬وبعشد أسشبوع يعشرض‬
‫أصح اب العمل زي ادة ‪ % 5‬وتنصح النق ابة العم ال بقبول العرض على أس اس أن هذا أفضششل مشش ا يمكششن التوصششل إليششه فششي‬
‫اللحظة الراهنة‪ .‬فينقسم العم ال‪ :‬من بين الش ‪ 500‬يقبل حوالي ‪ 100‬العشرض بل تشردد‪ ،‬ولكشن يظشل تقريًبش ا ‪ 100‬آخريشن‬
‫مصرين أن يستمروا في النض ال ُمعتقدين أن الحصول على المزيد ممكن‪ .‬فكيف ُتحسم القضية حيث ل يتشوافر أي أمششل‬
‫ُ‬
‫في التوصل إلى "التوافق" بين القطبين المتمسكين بموقفهم؟ إذا تصرف كششل واحششد حسششب رغبتششه سششيتفتت الضششراب‬
‫سيفضشل أصشح اب العمشل القشتراع ب البريشد حشتى ُيشدلي العمش ال‬
‫وستحل الهزيمة‪ .‬كل! يجب هنش ا اللجشوء إلشى التصشويت‪ُ .‬‬
‫بأصواتهم من من ازلهم كأفراد معزولين‪ .‬أم ا نحن )الراديك اليين والششتراكيين والثششوريين‪ ،‬إلششخ( سششنق اتل مششن أجششل إجشراء‬
‫مششن لششم‬
‫التصويت في اجتم اع جم اهيري عمومي بعد النق اش العلني حتى يت اح لج انبي الخلف فرصة إقنشش اع الشش ‪ِ 300‬‬
‫مشن َ‬
‫حججهم‪.‬‬
‫يحسموا موقفهم بعد ب ُ‬
‫الحتك ام إلى التصويت الديمقراطي تقليد يجب أن نن اضل من أجله والدف اع عنه في الحركة العم الية وكششل حركششة‪ .‬يجششب‬
‫أن يعت اد العم ال )والثوريون( على عملية التصويت – ويقبلوا ب النتيجة في ح الة الهزيمة‪ .‬وطبًع ا‪ ،‬فششإن بعششض النتخ ابشش ات ل‬
‫ُيمكن قبوله ا ول يجب أن تقبل – فكل ق اعدة له ا استثن اءاته ا – ولكن بشكل ع ام ل يمكن الحف اظ على وحدة أي نق ابة أو‬
‫إضراب أو احتلل لمواقع أو حملة أو حزب أو تطويره إل إذ تقبل النش اس إمك انيشة الخسش ارة فشي التصشويت الشديمقراطي‬
‫دون النفص ال أو الستق الة‪.‬‬

‫والمث ال الث اني هو ح ادثة وقعت ب الفعل وله ا أهمية ت اريخية ب الغة – ثورة أكتوبر ‪ .1917‬في س اع ات الصب اح الب اكر من ‪25‬‬
‫أكتوبر بدأ الحرس الحمر بقي ادة اللجنة الثورية العسكرية لسوفييت بتروجراد )ورئيسه ا ليون تروتسششكي( فششي السششتيلء‬
‫ح ا أصدرت‬
‫منشئ ات الس اسية في المدينة‪ .‬ولم ُتق ابل هذه النتف اضة الثورية أي مق اومة تقريًب ا‪ .‬وفي الع اشرة صب ا ً‬
‫على ال ُ‬
‫اللجنة الثورية البي ان الت الي‪:‬‬
‫عزلت‪ .‬وانتقلت سلطة الدولة إلى يد اللجنة العسششكرية الثوريشة‪ ،‬الت ابعششة لهيئششة سشوفييت بشتروجراد‬
‫إن الحكومة المؤقتة ُ‬
‫لنواب العم ال والجنود ‪ ،‬والمسئولة عن قي ادة بروليت اري ا بتروجراد وح اميته ا العسكرية‪.‬‬
‫مؤقتة البرجوازية القديمة م ا زالششت مشششلولة فششي داخششل القصششر الشششتوي‪ .‬وفششي هششذه‬
‫في هذا التوقيت ك انت الحكومة ال ُ‬
‫الثن اء‪ ،‬في اليوم نفسه والمدينة نفسه ا‪ ،‬ك ان اجتم اع سوفيت ات عموم روسي ا في ح الة انعق اد في معهد سمولني ويحضره‬
‫ُموفدين من مج الس العم ال والجنود من جميع أنح اء روسي ا‪ .‬فقد ك ان شع ار النتف اضة الششتي ق ادهشش ا تروتسششكى هششو "كششل‬
‫السلطة للسوفيت ات"‪ .‬فم ا هو الموقف المتوقع أن يتخذه المؤتمر المنعقد تج اه هذه النتف اضششة؟ كيششف سششيتم البششت فششي‬
‫م ا – ففي الق اعة تواجد مع ارضون عت اة للنتف اضششة والششذين كشش ان سششيغ ادرون فششي التششو‬
‫المر الع اجل؟ التوافق مستبعد تم ا ً‬
‫واللحظة للنضم ام للثورة المض ادة‪ ،‬كم ا ك ان يتواجد ن اس أمث ال الرفيق م ارتوف من الحزب المنشششفي مشن الشذين كش انوا‬
‫يسعون ليج اد حل وسط‪ .‬ك ان من الواضح أنه يجب إجراء تصويت – وب الفعل تم إجراء سلسلة من التصويت‪.‬‬
‫وقد أعطى تروتسكي في كت ابه الرائع "ت اريخ الثورة الروسية" بعض الرق ام‪:‬‬
‫إن الحص اءات في هذا المؤتمر المنعقد أثن اء القي ام ب النتف اضة لم تكن ُمستوف اة ب المرة‪ .‬فششي لحظششة الفتتشش اح كشش ان عششدد‬
‫الموفدين ‪ 650‬وج اءت الصوات ‪ 390‬صوًت ا من نصيب البلشفة‪...‬أم ا المن اشفة والمجموعة القومية الت ابعة لهم فلم‬
‫يتعدى عددهم إل ‪ 80‬عضوا – ونصفهم تقريًب ا "يس اريين"‪ .‬كم ا مثل اليس اريين ‪ %60‬مششن بيششن ‪) 159‬أو ‪ 190‬فششي تقريششر‬
‫أخر للقوائم( من الثوريين الجتمش اعيين‪ .‬وب الضشش افة إلشى ذلششك‪ ،‬اسششتمر اليميششن فشي الششذوب ان سشريًع ا أثنش اء هششذه الجلسششة‬
‫للمؤتمر‪.‬‬
‫قش ا لعشدة قشوائم‪...‬وتشم اتخش اذ تصشويًت ا اسشتطلعًي ا بيشن‬
‫وبنه اية الجلسة ك ان العدد الجم الي للمنشدوبين قشد وصشل ‪ 900‬وف ً‬
‫دا لنقششل كششل السششلطة إلششى‬
‫المندوبين الح اضرين‪ .‬وكشف هششذا التصششويت أن ‪ 505‬مششن منششدوبي السششوفيت ات صششوتوا تأييش ً‬
‫السوفيت ات‪ ،‬و ‪ 86‬أيدوا حكومة "للقوى الديمقراطية"‪ ،‬و ‪ 55‬أيششدوا حكومششة ائتلف‪ ،‬و ‪ 21‬صششوتوا لحكومششة ائتلف ولكششن‬
‫‪xvi‬‬
‫بدون حزب الك اديت الليبرالي‪.‬‬
‫إذا كن ا سنهزم الرأسم الية الدولية فيجب أن تكون هن اك العديد من هذه المؤتمرات لمج الس العمشش ال أو هيئشش ات مششش ابهة‬
‫والعديد من عملي ات التصويت هذه‪ .‬وهششذا هششو السششبب الثشش اني لهميششة العن ايششة بمم ارسششة التصششويت الششديمقراطي بششداخل‬
‫الحركة‪ ،‬بج انب مط الب الصراع الطبقي النية‪.‬‬
‫كل هذه الختلفش ات بيششن الم اركسششية والن اركيشة حشول قضش اي ا أسشلوب الحيش اة والوتونوميششة والبرن امششج والفعشل المب اششر‬
‫خششص‬
‫والنتخ اب ات والتصويت له ا أصل واحد‪ :‬هي ن ابعة من حقيقششة أن الم اركسششية الحقيقيششة ط المشش ا كش انت واضششحة فيمشش ا ي ُ‬
‫متمثل في ثورة عم الية على المستوى الع المي‪ ،‬وأنه ا تح اول دائم ا أن ُتقيم وتفكر في كل السششئلة السششتراتيجية‬
‫هدفه ا ال ُ‬
‫مشش ا‬
‫والتكتيكية من هذا المنطلق‪ .‬وعلى العكس‪ ،‬فط الم ا افتقرت الن اركية لمثل هذا الوضوح‪ ،‬وب التشش الي فأنهشش ا تششأرجحت دو ً‬
‫من مك ان لمك ان‪ ،‬أحي اًن ا ُمنق ادة وراء احتي اج ات الطبقة الع املة وأحي اًن ا وراء مجموع ات اجتم اعية أخششرى وأحي ان ًشش ا مدفوعششة‬
‫بعواطف أنص اره ا‪.‬‬
‫‪ – 5‬الطريق إلى المام‬
‫مثل السشش امية وكششل‬
‫ال‬
‫كل‬
‫رغم‬
‫تفتقر‬
‫فهي‬
‫تنتصر"؛‬
‫أن‬
‫تستطيع‬
‫ل‬
‫"الن اركية‬
‫واحدة‪:‬‬
‫جملة‬
‫في‬
‫الكتيب‬
‫قد ُتلخص حجة هذا‬
‫ُ‬
‫ُبطولته ا لستراتيجية ج ادة لسق اط الرأسم الية وتحقيق ُمثله ا‪ .‬إل أنن ا في أحوج م ا نكون لستراتيجية تقودنشش ا نحششو النصششر‪،‬‬
‫فمستقبل النس انية بأكمله مرهون بذلك‪.‬‬
‫فوضع الع الم الح الي ل يمكن السكوت عليه – حيث تتمركز في أيدي ‪ 358‬ملي اردير ثروة تس اوي م ا َيحتكم عليه النصششف‬
‫سفلي من سك ان الع الم‪ .‬ويع اني ملي ار نسمة من البشرية من الجوع في حين ُتنفق ‪ 500،1‬ملي ار دولر أمريكششي علششى‬
‫ال ُ‬
‫السلح كل ع ام‪ ،‬ومع تحميل ف اتورة الزمة القتص ادية للمصرفيين على الع املين والفقراء في الولي ات المتحدة واليون ان‬
‫والبرتغ ال وأسب اني ا وفرنس ا وبريط اني ا وأيرلندا وأيسلندا والبقية‪ ،‬ومع الحروب والتعذيب والعنصرية والقمع والستبداد في‬
‫كل الجوانب – ولكن إذا استمرت الرأسم الية كم ا هي سيزداد الوضع سوًءا‪.‬‬
‫ل يبدو أن الزمة الرأسم الية التي بدأت في ع ام ‪ 2008‬ستهدأ‪ .‬ب العكس‪ ،‬بعد ظهور مؤشرات تعشش افي طفيفششة – ضششخمه ا‬
‫العلم كثيًرا – ب ات من الواضح أنه ا ع ادت لتتدهور مرة أخرى‪ .‬وه ا هي منطقة اليششورو ألوروبيششة تترنششح مششن ك ارثششة إلششى‬
‫أخرى ومن حزمة إنق اذ م الي إلى أخرى‪ ،‬في حين أن أيرلندا واليون ان ثم إيط الي ا وأسب اني ا تقف على ح افة النهي ار والعجز‬
‫عن تسديد الديون‪ .‬ويجبن أوب ام ا والس اسة المريكيون في مواجهة الدين المريكي الذي يقششترب مششن ‪ 14‬تريليششون دولر‬
‫أمريكي‪ .‬أم ا الصين التي اعتبرت أكبر قصة نج اح في العصر الحديث والتي ك ان من المأمول أن تنقذ القتصشش اد العشش المي‬
‫ض ا في التب اطؤ ويخنقه ا التضخم‪ .‬وفي الوقت نفسه‪ ،‬وعلى الج انب الخر من النظش ام‪ ،‬يشواجه عششرة‬
‫فقد بدأ اقتص اده ا أي ً‬
‫مليون إنس ان المج اعة في القرن الفريقي‪.‬‬
‫وحتى إذا نحين ا ج ان ًب ا العواقب المستمرة للزمة القتص ادية‪ ،‬والتي تشمل صعود القوى الف اشية فششي الكششثير مششن البلششدان‬
‫الوروبية واحتم ال اندلع حروب إمبري الية أكثر تدميًرا‪ ,‬فسنجد أن هن اك ثمة قنبلة موقوتة وهي الك ارثة البيئية‪ .‬وإذا تركن ا‬
‫التغير المن اخي يستمر – والحتم ال ضعيف أن توقفه الرأسم الية الششتي يششدفعه ا المن افسششة واللهششث وراء الربششح– فشش التوابع‬
‫المفزعة المحتملة ب النسبة للنس انية قد تجعل كل م ا رأين اه في الم اضي من ويلت ت افًه ا ب المق ارنة‪.‬‬
‫سنشهد وقوع فيض ان ات ك التي حدثت في نيواورلينز وب اكست ان وبنجلديش ولكن على نط اق أكبر بكثير؛ جف اف ومج اع ات‬
‫ك التي ش اهدن اه ا في دارفور ومنطقة الس احل الفريقي وإثيوبي ا والقرن الفريقي ولكن على نط اق أوسع بكثير؛ وحششروب‬
‫ُتشن من أجل الموارد )الم اء بد ل ً من النفط( ولكن على نط اق أوسشع بكششثير‪ ،‬ولجئششون مشن منشش اطق كششل هششذه الكششوارث‬
‫وعلى نط اق أوسع بكثير‪ .‬وإذا أردن ا أن نعرف م ا سيكون رد الفعل الششذي سششتتخذه الرأسششم الية علششى كششل هششذه الحششداث‬
‫فعلين ا أن ُنلقي مجرد نظرة على رد فعل الف اضح لغنى بلد رأسم الي في العشش الم وهششو الوليشش ات المتحششدة علششى ع اصششفة‬
‫ك اترين ا في نيواورلينز في ‪.2005‬‬

‫ف السؤال عن م اهية الستراتيجية التي لديه ا فرصة حقيقية أن تنتصر له أهمية ُقصوى مع الوضع في العتبشش ار أن ل أحششدا‬
‫ل يستطيع تقديم ضم ان ات‪ .‬وأول م ا يجب أن تفعله مثل تلك الستراتيجية هو أن تحدد القششوة الجتم اعيششة الحقيقيششة الششتي‬
‫تمتلك القدرة على تغيير الع الم‪ .‬فبدون هذا ل تكون أفضل التكتيك ات وأنبل الهداف وأكششثر الخطششط جشرأة إل مشن قبيشل‬
‫من فششي تحديششد هششذه القششوة‬
‫الجعجعة والتمني ات الطيبة‪ .‬وأكبر نقطة قوة للم اركسية وأعظم إنج ازات م اركس النظرية تك ُ‬
‫وهي الطبقة الع املة الع المية‪.‬‬
‫قصد م اركس ب الطبقة الع املة من يتعيشون من بيع قوة عملهم ممن ُيوظفهم وَيستغلهم الرأسم الي‪ .‬مشش ا جعششل مشش اركس‬
‫مع ان اِته ا ولكن مخشزون ُقوِتهش ا‪ .‬صشحيح أن مع انش اة الطبقشة‬
‫يؤسس منظوره السي اسي على الطبقة الع املة لم يكن مقدار ُ‬
‫الع املة والستغلل الذي تتعرض له يثير الشمئزاز كم ا يعطي للعم ال الدافع والمصلحة في تحدي النظشش ام‪ ،‬ولكششن العبيششد‬
‫والفلحين تعرضوا للمع ان اة والستغلل للف السنين‪ .‬ولكن م ا يميز الطبقششة الع املششة هششو)أ( قوتهشش ا الششتي تمكنهشش ا مششن أن‬
‫تهزم الرأسم الية فعل و)ب( قدرته ا على خلق مجتمع جديد‪.‬‬
‫إن الطبقة الع املة هي البن الفريد للرأسشم الية؛ إ فكلمش ا توسشعت الرأسشم الية كششذلك كب ُششرت الطبقششة الع املشة‪ .‬تسششتطيع‬
‫الرأسم الية أن تهزم الطبقة الع املة في معركة تلو الخرى‪ُ ،‬تفض إضراب اته ا وُتحطم اتح اداتهشش ا وُتقلششص حري اتهشش ا ولكنهشش ا ل‬
‫م ا م ا يعود العم ال للنض ال مرة أخرى‪.‬‬
‫تستطيع أن تستغني عنه ا لتحقيق الربح‪ ،‬فلذا دائ ً‬
‫مع الرأسم الية العم ال في مواقع عمل كبيرة وتربطهم في صن اع ات قومية وعبر‪+‬دولية وتركزهم في مششدن ش اسششعة‪.‬‬
‫ُتج َ‬
‫وهذا م ا يعطى العم ال قوة سي اسية ك امنة رهيبة‪ .‬فبشدون عملهشم ل يسشير ل القطش ارات ول اللوريش ات ول الشش احن ات؛ ول‬
‫ُيستخرج الفحم أو الحديد أو النفط من الرض؛ ول ُتطبع الوراق ول ُتبث محط ات التلفشش از ول يفتششح مصششرف أو مدرسششة‪.‬‬
‫وحتى القوات المسلحة للدولة تعتمد على الع املين في صفوفه ا‪.‬‬
‫لقد خلقت الرأسم الية‪ ،‬بخلقه ا للطبقة الع املة‪ ،‬أقوى طبقة مقهورة في الت اريخ‪.‬‬
‫إن صراع الطبقة الع املة بطبيعته صراع جم اعي‪ .‬من أصغر حملة محلية إلى أكبر إضراب في شركة عملقة أو إضششراب‬
‫ع ام ضد الحكومة ينظمه العم ال يجب أن يقومششوا بششه كجم اعششة‪ .‬وقششد تكششون صششفة الجم اعيششة هششذه مصششدر إحبشش اط للفششرد‬
‫المن اضل أو الثوري‪ ،‬إذ أن العم ال في مك ان مش ا ل يمكشن لهششم فعششل أي ششيء إل إذا كش انت أغلبيشة منهشم علششى اسششتعداد‬
‫للتحرك م ًع ا‪ .‬ولكن هذه المعضلة ب التحديد هي التي تحول الطبقششة الع املششة إلششى طبقششة اشششتراكية‪ .‬فل يمكششن للعمشش ال أن‬
‫يتق اسموا أدوات النت اج بشكل فردى )كم ا يقسم الفلحون الرض(‪ ،‬ولكنهم مضطرين أن يحولوهش ا إلشى ملكيشة للمجتمشع‬
‫من أجل تحقيق تحررهم‪.‬‬
‫منتجششة فششي المجتمششع دون أن تكششون‬
‫ال‬
‫شة‬
‫ش‬
‫الطبق‬
‫السلطة‪،‬‬
‫على‬
‫تستحوذ‬
‫عندم ا‬
‫الع املة‪،‬‬
‫الطبقة‬
‫ستظل‬
‫وب الض افة إلى ذلك‬
‫ُ‬
‫هن اك طبقة أسفل منه ا تستغله ا أو تعيش على حس ابه ا‪ .‬وبم ا أنه ا تعيش ممركزة في كبرى الصن اع ات والمدن التي تمثششل‬
‫عصب القوة القتص ادية والسي اسية فسيكون لديه ا المقدرة لمنع ظهور أي طبقة جديدة من فوقه ا؛ سيكون فشي إمك انهشش ا‬
‫أن ُتنتج وأن تحكم في آن واحد وبذلك تؤسس لمجتمع بل طبق ات حقيقي ‪ .‬ويعنى هذا إن الطبقة الع املة وهي تحرر ذاته ا‬
‫تحرر النس انية معه ا‪.‬‬
‫إن الدور الثوري للطبقة الع املة هو جوهر الم اركسية‪ .‬لم يرفض الك اديميين والن اقدين‪ ،‬بم ا فيهششم الششذين يتعشش اطفون مششع‬
‫م ا م ا يصيحون أن "الطبقة الع املة‬
‫الم اركسية‪ ،‬طر ً‬
‫م ا هذا الطرح ب التحديد‪ .‬فنحن نجدهم دائ ً‬
‫ح ا م اركسًي ا مثلم ا رفضوا تم ا ً‬
‫قد تغيرت"‪ .‬فعل‪ ،‬فقد تغيرت الطبقة الع املة من ن احية طبيعششة الوظشش ائف والملبششس والجششر والجنسششية والثق افششة‪ .‬ولكششن‬
‫الظروف الس اسية لوجوده ا تظل كم ا هي‪ :‬فهي م ازالت وليدة الرأسم الية‪ ،‬تتع ايش من بيع قششوة عملهشش ا ويتششم اسششتغلله ا‬
‫وُتك افح جم اعًي ا – في حين أنه ا نمت من ن احية حجمه ا وقوته ا الك امنة بشكل رهيب‪ .‬ففي أي ام م اركس كشش انت البروليت اريشش ا‬
‫ُمنحصرة في أوروب ا الغربية‪ ،‬أم ا اليوم فتنتشر وتن اضل في الق ارات الخمس من س اوب اولو فشي البرازيششل إلشى سششول فشي‬
‫كوري ا الجنوبية ومن ك انتون في الصين إلى الق اهرة‪ .‬وهن ا يكمن أمل النس انية‪.‬‬
‫مرة قد أظهرت أن الطبقة الع املة تستطيع أن تن اضل‪ ،‬ولكن لتنتصر مطلششوب تنظيششم‬
‫إل أن الخبرة الت اريخية الطويلة وال ُ‬
‫دا كل الشي اء التي تنكرهشش ا الن اركيششة‬
‫وقي ادة وهذا يعنى أول بن اء حزب ثوري‪ .‬بعب ارة أخرى‪ ،‬إن الطبقة الع املة تحت اج تحدي ً‬
‫بكل أشك اله ا‪ .‬وم ا أكثر المن اسب ات والم اكن التي ث ارت الطبقة الع املة فيه ا ضششد الرأسششم الية‪ :‬فششي بشش اريس فششي ‪ 1848‬و‬
‫‪ 1871‬و ‪ 1936‬و ‪1968‬؛ وألم اني ا في ‪1923-1919‬؛ وإيط الي ا فشي ‪1920-1919‬؛ والصششين فششي ‪1927-1925‬؛ وأسششب اني ا‬
‫فششي ‪1936‬؛ والمجشر فششي ‪ 1956‬ضششد رأسشم الية الدولششة السششت الينية؛ وبوليفيش ا فششي ‪1952‬؛ وتشششيلي فششي ‪1973-1970‬؛‬
‫هزمت وس الت الدم اء‪ .‬وحتى الن‪ ،‬لم يحرز لج انبن ا‬
‫والبرتغ ال في ‪ ،1974‬إلخ‪ .‬ولكن‪ ،‬في كل مرة إم ا انحرفت الثورة أو ُ‬
‫دا حقيقًي ا – ولو مؤقًت ا – هو الثورة الروسية ع ام ‪ - 1917‬حتى اغت الته ا السششت الينية ‪ -‬وكشش ان الع امششل الفشش ارق‬
‫إل انتص ارا واح ً‬
‫فيه ا وجود حزب ثوري له جذور حقيقية وسط الطبقة الع املة‪.‬‬
‫وحزب كهذا ل يمكن أن ينشأ بين يوم وليلة‪ .‬مرة أخرى أظهرت الخبرة أنششه يكشش اد يكششون مششن شششبه المسششتحيل أن ُينشششأ‬
‫الحزب الثوري في خضم الزمة الثورية وأنه من الفضل أن ُينتهى من عن اء إنش اءه قبل قي ام الثورة‪ .‬ول بد لشه أن يجمشع‬
‫هذا الحزب أفضل عن اصر الكف اح في الطبقة الع املة من كل مواقع العمل وكل الحي اء‪ ،‬بشكل مستقل عششن الصششلحيين‬
‫وبيروقراطيي النق اب ات العم الية‪ .‬علي الحزب أن ُيسلح نفسه ب القدرة علشى توحيشد بقيششة الطبقششة فشي الصشراع؛ عليششه أن‬
‫يتعلم كيف يتقدم وكيف يتقهقر‪ ،‬وكيف يعمل مع ن اس خشش ارج صششفوفه وأحي ان ًشش ا مششع الصششلحيين )وبشش الطبع مششع النشش اركيين(‬
‫ومتى يضرب ب الضربة الق اضية‪ .‬يجب أن يتعلم الحزب دروس الت اريخ ويتدرب على تطبيقه ا اليوم‪.‬‬
‫ة أخرى‪ ،‬يأتي دور الم اركسية‪ ،‬كنقد للرأسم الية وكذلك كرؤية للمستقبل الشششتراكي‪ ،‬ف الم اركسششية هششي نظريششة‬
‫وهن ا‪ ،‬مر ً‬
‫ومنهج لتعميم الخبرة الت اريخية للصراع الطبقشي‪ .‬ولشذا فش الطريق إلشى المش ام‪ ،‬لمشن يريشد أن يغيشر العش الم‪ ،‬بنش اء الحركشة‬
‫العم الية وتنمية مق اومة العم ال و‪ ،‬أثن اء خوض هذه العملية‪ ،‬بن اء حزب اشتراكي ثوري على أس اس م اركسي‪.‬‬

‫ءات مقترحة‬
‫شتراكية الطوب اوية والعلمية – فردريك إنجلز‬
‫راث الم اركسي الحقيقي – جون مولينيو‬

‫ن‪ :‬الستراتيجية والتكتيك – تونى كليف – ترجمة أشرف عمر‬

‫المراجع‬

i F Engels, “On Authority”, 1872,
http://www.marxists.org/archive/marx/works/1872/10/authority.htm
ii ‫مسألة العلقة بين اللينينية والست الينية له ا كم ا هو واضح أهمية كبيرة في النق اش الدائر بين الم اركسية والن اركية‬
‫ أم ا للطلع على الشه ادات الم اركسية الع امة ف انظر‬.‫ وأعود له ا في من اقشة الن اركية في الثورة الروسية‬:
Chris Harman, How the Revolution was Lost (1967),
http://www.marxists.org/archive/harman/1967/xx/revlost.htm
Tony Cliff, State Capitalism in Russia,
http://www.marxists.org/archive/cliff/works/1955/statecap/index.htm
iii http:www.lsr-projekt.de/poly/enee.html#all
iv http://www.marxists.org/archive/marx/works/1877/antiduhring/ch25.htm
v(M Bakunin, The Programme of the International Brotherhood, 1869)
vi Letter to S Nechayev, p34 http://quod.lib.umich.edu/l/labadie/2916979.0001.001?
rgn=main;view=fulltext
vii International Working Men’s Association
viii Hal Draper, Karl Marx’s Theory of Revolution, Vol. III: The “Dictatorship of the Proletariat”,
New York, 1986, p95
ix George Woodcock, Anarchism: A History of Libertarian Ideas and Movements (London 1975)
( 396)
x 397 ‫ ص‬،‫المرجع الس ابق‬
xi Tony Cliff, Lenin, Vol. 3, Revolution Besieged, London 1987
xii CNT: Confederación Nacional del Trabajo
xiii Social Anarchism or Lifestyle Anarchism: An Unbridgeable Chasm, AK Press 1995
xiv Red Notes, eds., Working Class Autonomy and the Crisis, London 1979, p110
xv (http://www.policy-network.net/articles/4004/-The-Precariat-%E2%80%93-The-newdangerous-class)
xvi L. Trotsky, The History of the Russian Revolution, London 1977, pp 1146-7

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful