‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫ديسمبر ‪2012‬‬

‫ديسمبر ‪2102‬‬

‫االستقطاب الثنائي‪ ..‬اختصار التنوع‬

‫تشهد الساحة السياسية في دول الربيع العربي‪ ،‬حالة استقطاب سياسي‪ .‬وفي مصر‪ ،‬أصبحت حالة‬
‫االستقطاب السياسي هي العنوان األبرز للحالة السياسية المصرية بعد الثورة‪ .‬ولكن الحقيقة أن تلك الحالة‬
‫من االستقطاب‪ ،‬لها جذور واضحة في فترة ما قبل الثورة‪ ،‬وليست وليدة التحول الديمقراطي‪ ،‬وليست‬
‫نتاجا للثورة أيضا‪ ،‬بل هي حالة مستمرة منذ عقود‪ .‬ولكن الجديد في تلك الحالة االستقطابية‪ ،‬أنها تحولت‬
‫من حالة استقطاب لفظي قبل الثورة بسبب غياب الديمقراطية‪ ،‬إلى حالة استقطاب عملي على األرض بعد‬
‫الثورة‪ ،‬نظرا للتحول الديمقراطي‪.‬‬
‫وحالة االستقطاب تشتد أحيانا‪ ،‬وتبرد أحيانا أخرى‪ ،‬ولكنها ال تختفي‪ ،‬بل فقط تتراجع شدتها في‬
‫لحظات معينة‪ ،‬وتزداد شدتها في لحظات أخرى‪ .‬ومن المهم تحديد معنى ومظاهر االستقطاب السياسي‪،‬‬
‫حتى يمكن تتبع هذه الظاهرة ومعرفة نتائجها‪ .‬ففي كل األحوال تتعدد القوى السياسية وتختلف فيما بينها‪،‬‬
‫وتظل االختالفات بين القوى السياسية جزءا أساسيا من التعددية السياسية‪ ،‬وأيضا جزءا أساسيا من طبيعة‬
‫المجتمع‪ .‬والفرق بين التعددية السياسية واالستقطاب السياسي‪ ،‬ال يتعلق أساسا بوجود اختالفات بين القوى‬
‫السياسية‪ ،‬بل يظهر في المسافة الفاصلة بين القوى السياسية‪ ،‬أي في حجم االختالف والخالف‪.‬‬
‫فعندما يزداد حجم االختالف إلى درجة التناقض الكامل‪ ،‬تصبح المسافة الفاصلة بين القوى‬
‫السياسية واسعة‪ ،‬ويصعب حلها بالحوار أو التفاوض أو التوافق؛ عندئذ تظهر حالة االنقسام السياسي‪ ،‬أي‬
‫تظهر مواقف سياسية متعارضة تماما‪ ،‬وال يوجد بينها مساحة ألي مشترك أو مساحة للتشابه أو التوافق‬
‫أو التقارب‪ .‬واالختالف السياسي يحدث في العديد من القضايا‪ ،‬ولكن من بين تلك القضايا‪ ،‬قضايا رئيسة‬
‫وأخرى فرعية؛ وغالبا ما يحدث االستقطاب السياسي في القضايا الرئيسة والجوهرية‪ ،‬وليس في القضايا‬
‫الفرعية‪ .‬إذن‪ ،‬يعد االستقطاب السياسي نتيجة لوجود خالف جوهري بين القوى السياسية في قضية أو‬
‫قضايا جوهرية‪ ،‬حيث تأخذ كل قوة سياسية موقفا مختلفا عن القوى األخرى‪ ،‬دون أن توجد أرضية‬
‫مشتركة بين هذه المواقف‪ ،‬يمكن أن تساعد على إحداث التوافق‪ ،‬أو تقريب وجهات النظر‪.‬‬
‫وفي أغلب األحيان يكون االستقطاب ثنائيا‪ ،‬أي بين طرفين وتحالفين‪ ،‬مما يظهر درجة أكبر من‬
‫الحدة في االستقطاب‪ ،‬لذا فاالستقطاب الثنائي‪ ،‬يوحي بوجود انقسام في المواقف السياسية لمكونات‬
‫المجتمع‪ ،‬بأكثر من أي حالة استقطاب تشمل أكثر من جبهتين‪ .‬ولكن الغالب أيضا‪ ،‬أن القوى المختلفة‬
‫المتعددة‪ ،‬في لحظة االستقطاب‪ ،‬تميل لعقد تحالفات‪ ،‬تختصر التعدد إلى مواجهة ثنائية‪ .‬ففي لحظة‬
‫االستقطاب‪ ،‬يصبح الخالف جوهريا‪ ،‬مما يقلل من شأن االختالفات األخرى‪ ،‬وتظهر المواقف الخاصة‬
‫بالخالف الجوهري‪ ،‬فتقوم التحالفات بناء على موقف من قضية جوهرية واحدة‪ ،‬وهو ما يساعد على‬
‫بروز االستقطاب الثنائي‪ ،‬واختصار التنوع في جبهتين‪ .‬ولكن هناك جانب آخر مهم‪ ،‬ففي بعض القضايا‬
‫الجوهرية والمبدئية‪ ،‬ال يوجد سوى خيارين‪ ،‬أي ال يوجد خيار ثالث بينهما‪ ،‬مما يجعل القوى السياسية‬
‫تتوزع على موقفين فقط‪ .‬وفي هذه الحالة‪ ،‬قد يصعب على أي قوى سياسية إيجاد موقف ثالث‪ ،‬أو تمييز‬
‫نفسها بموقف ثالث‪ ،‬وإظهار الفرق بين هذا الموقف‪ ،‬والموقفين األساسيين‪ .‬لذا تختصر حالة االستقطاب‬
‫في موقفين‪ ،‬ويصبح االستقطاب ثنائيا‪ ،‬ويختصر كل التعددية األخرى‪.‬‬
‫وفي العديد من الحاالت‪ ،‬يحدث االختالف بين تيارين أساسيين في المجتمع‪ ،‬مما يجعل كل‬
‫التيارات الفرعية‪ ،‬تلحق نفسها بأي من هذين التيارين‪ ،‬حتى ال تبقى في منطقة رمادية‪ ،‬ليس لها مالمح‬
‫محددة‪ ،‬وليس لها قاعدة مؤيدة لها‪ ،‬وهو ما يبقي االستقطاب ثنائيا‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫االستقطاب الثنائي‪ ..‬اختصار التنوع‬

‫ديسمبر ‪2102‬‬

‫وال تتوقف الظاهرة على وجود استقطاب سياسي ثنائي‪ ،‬ولكن قد تكون تلك المشكلة امتدادا لحالة‬
‫استقطاب ثنائي في المجتمع نفسه‪ ،‬مما يجعل االستقطاب السياسي ليس إال تعبيرا عن االستقطاب‬
‫المجتمعي‪ ،‬وهو ما يعني بالضرورة‪ ،‬أن االستقطاب السياسي سوف يستمر‪ ،‬بقدر استمرار االستقطاب‬
‫المجتمعي ‪ ،‬كما يعني ذلك ضمنا‪ ،‬أن حل االستقطاب السياسي لن يتحقق في المجال السياسي‪ ،‬ألن‬
‫االستقطاب السياسي لن ينتهي إال إذا انتهى االستقطاب المجتمعي‪.‬‬
‫إسالمي – علماني‬
‫االستقطاب في مصر‪ ،‬كغيرها من دول الربيع العربي‪ ،‬وكغيرها من الدول العربية واإلسالمية‪،‬‬
‫هو استقطاب إسالمي علماني في أساسه وجوهره‪ .‬وهو نتاج تشكل رؤية ثقافية حضارية‪ ،‬من خارج إطار‬
‫الحضارة اإلسالمية‪ ،‬في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬وبصورة منقطعة الصلة عن الجذور التاريخية‬
‫الحضارية لتلك البالد‪ .‬فهناك تعدد تشهده كل دول العالم‪ ،‬ولكنه في أغلبه تعدد داخل إطار حضاري واحد‪،‬‬
‫وداخل مرجعية ثقافية واحدة؛ أما التعدد الذي تشهده الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬فهو تعدد حضاري‪ ،‬ناتج‬
‫من تبني شرائح في تلك الدول للمرجعية الحضارية الغربية‪ .‬ففي داخل الحضارة اإلسالمية‪ ،‬السائدة في‬
‫الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬هناك مساحة واسعة من التعدد‪ ،‬تعبر عن رؤى متعددة تنتمي للمرجعية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬ولكن بجانب هذا التعدد ظهر تعدد حضاري‪ ،‬بين الرؤى التي تنتمي للحضارة اإلسالمية‪،‬‬
‫والرؤى التي تنتمي للحضارة الغربية‪.‬‬
‫لهذا فاالستقطاب الذي تشهده مصر كغيرها‪ ،‬ليس هو نفسه االستقطاب الذي تشهده العديد من‬
‫الدول الغربية أو دول أخرى في العالم‪ ،‬في بعض المراحل‪ .‬ففي الغرب مثال‪ ،‬نجد تزايد االستقطاب بين‬
‫الرؤى الرأسمالية اليمينية‪ ،‬والرؤى الليبرالية اليسارية‪ ،‬تشهده العديد من الدول‪ ،‬خاصة أمريكا‪ .‬ولكن هذا‬
‫االستقطاب حادث في الواقع‪ ،‬بين رؤى تنتمي كلها للمرجعية الحضارية الغربية‪ .‬فهناك فارق كبير بين‬
‫االستقطاب الحادث بين رؤى تنتمي لمرجعية حضارية واحدة‪ ،‬وبين االستقطاب الحادث بين رؤى تنتمي‬
‫لمرجعيات حضارية مختلفة‪.‬‬
‫فمن داخل المرجعية اإلسالمية نفسها‪ ،‬تتعدد الرؤى بصورة تسمح بحدوث استقطاب ثنائي بين‬
‫رؤيتين‪ ،‬ويمكن أن ينتج عن ذلك انقسام مجتمعي أحيانا‪ ،‬ويمكن أيضا أن يحدث استقطاب ثالثي‪ ،‬وليس‬
‫فقط ثنائي‪ ،‬حين تتزايد الفروق بين الرؤى اإلسالمية المختلفة‪ .‬ولكن االستقطاب الناتج عن تعدد المرجعية‬
‫الحضارية‪ ،‬هو استقطاب ثنائي‪ ،‬بين المنتمين للمرجعية التاريخية الموروثة‪ ،‬والمنتمين للمرجعية الغربية‬
‫المستوردة‪ .‬والناظر للقوى السياسية في مصر‪ ،‬يجد تعددا في الرؤى السياسية اإلسالمية‪ ،‬وتعددا آخر‬
‫للرؤى السياسية الغربية‪ ،‬ولكن الفروق بين الرؤى اإلسالمية أقل من تلك الفروق بينها وبين الرؤى‬
‫الغربية مجتمعة‪ ،‬وأيضا الفروق بين الرؤى الغربية‪ ،‬أقل من الفروق بينها وبين الرؤى اإلسالمية‪ .‬لذا‬
‫يحدث اال ستقطاب الثنائي‪ ،‬بين الرؤى اإلسالمية كلها‪ ،‬والرؤى الغربية كلها‪ ،‬مما يجعل القوى السياسية‬
‫تفرز أساسا حسب المرجعية الحضارية‪ ،‬بين رؤى تنتمي للموروث الحضاري‪ ،‬ورؤى تنتمي للوافد‬
‫الحضاري‪.‬‬
‫والفارق بين الرؤى اإلسالمية‪ ،‬والرؤى الغربية أساسا‪ ،‬هو فارق في القيم األساسية‪ ،‬بين منظومة‬
‫قيم معنوية إسالمية‪ ،‬ومنظومة قيم مادية غربية‪ .‬وهو ما يجعل األساس التي تبنى عليه كل رؤية مختلف‬
‫اختالفا جوهريا‪ ،‬ألنه ليس اختالفا في الرؤى السياسية البرامجية‪ ،‬بل في القيم األساسية التي تحدد القيم‬
‫السياسية التي تشكل الرؤية السياسية‪ ،‬ومن ثم تشكل البرامج السياسية‪ .‬واالختالف الجوهري‪ ،‬هو اختالف‬
‫‪3‬‬

‫ديسمبر ‪2102‬‬

‫االستقطاب الثنائي‪ ..‬اختصار التنوع‬

‫في القيم‪ ،‬التي تعد قيما أساسية ومركزية وجوهرية‪ .‬وهذا النوع من االختالف‪ ،‬ينتج اختالفا في القواعد‬
‫األساسية التي تشكل النظام العام‪.‬‬
‫وأهم ما يميز االستقطاب اإلسالمي العلماني‪ ،‬أنه ثنائي الطابع‪ ،‬ويصعب أن يكون ثالثيا‪ .‬ألن بين‬
‫المرجعية اإلسالمية والمرجعية العلمانية الغربية‪ ،‬ال يوجد بديل ثالث‪ .‬فمن داخل المرجعية اإلسالمية‪،‬‬
‫هناك رؤى متعددة‪ ،‬بعضها محافظ والبعض أكثر محافظة‪ ،‬والبعض أقل محافظة‪ ،‬ولكن كلها تستند‬
‫للمرجعية اإلسالمية‪ .‬ونفس األمر بالنسبة للمرجعية العلمانية الغربية‪ ،‬فبعضها متشدد يرفض أي دور‬
‫للدين‪ ،‬وبعضها يأخذ موقفا محايدا من الدين‪ ،‬ولكن كلها تفصل بين الدين والسياسة‪ .‬وكل المحاوالت‬
‫للوصول إلى رؤية شبه إسالمية وشبه علمانية لم تنجح‪ ،‬نظرا الختالف منظومة القيم بينهما‪.‬‬
‫والحقيقة أن المثال التركي ليس مفيدا هنا‪ ،‬ففي تركيا سادت العلمانية المتطرفة التي تعادي الدين‪،‬‬
‫وحولها حزب العدالة والتنمية إلى علمانية محايدة ال تعادي الدين‪ ،‬ولكنها مازالت في النهاية علمانية‪.‬‬
‫والرؤى المتعددة التي حاولت إحداث توافق ما‪ ،‬قامت أساسا على اعتماد مرجعية أساسية‪ ،‬ثم‬
‫تطويرها من داخلها‪ .‬فالعديد من الرؤى اإلسالمية‪ ،‬اعتمدت المرجعية اإلسالمية‪ ،‬وحدثت في المنظومة‬
‫السياسية من خالل التعلم من التجربة السياسية الغربية‪ ،‬ولكنها بقت إسالمية‪ .‬أما الرؤى العلمانية فلم‬
‫تستطع تحقيق أي توافق مع منظومة القيم الحضارية اإلسالمية‪ ،‬ولو جزئيا‪ .‬وبعض الرؤى التي تقوم‬
‫على عدم معاداة الدين‪ ،‬بحيث يكون للدين دور في المجتمع‪ ،‬دون أن يكون له أي دور في السياسة‪ ،‬هي‬
‫رؤي علمانية غربية معتدلة‪ ،‬وليس فيها أي تطوير نابع من الموروث الحضاري اإلسالمي‪.‬‬
‫ومع غياب أي موقف ثالث‪ ،‬ورغم التنوع الموجود داخل كل مرجعية حضارية‪ ،‬فإن أي مواجهة‬
‫تتعلق بالهوية‪ ،‬تؤدي إلى استقطاب ثنائي واضح بين اإلسالمي والعلماني‪ .‬ورغم تعدد القضايا السياسية‬
‫التي ظهر فيها االستقطاب السياسي‪ ،‬إال أن كلها أظهرت الخالف حول الهوية‪ ،‬وكانت القضايا السياسية‬
‫مجرد مناسبة تظهر هذا الخالف‪ .‬فقد شهدت مصر استقطابا سياسيا حول كتابة الدستور الجديد‪ ،‬ولم يكن‬
‫هذا االستقطاب إال تعبيرا عن الخالف اإلسالمي العلماني‪ .‬وكل جدل حول تشكيل اللجنة التأسيسية أو‬
‫غيرها من االجراءات‪ ،‬لم يكن إال أسبابا ظاهرية‪ ،‬تخفي في الحقيقة االختالف حول الهوية العامة للدولة‬
‫والمجتمع‪.‬‬
‫هل الهوية تقبل التعدد؟‬
‫هناك العديد من مستويات التعدد‪ ،‬فهناك تعدد داخل الهوية الواحدة‪ ،‬ثم تعدد في الهويات‪ .‬وفي‬
‫بعض المجتمعات نجد تعدد في الهوية‪ ،‬بين مكونات المجتمع‪ ،‬ولكن تظل هناك هوية عامة غالبة‪ .‬تلك‬
‫الهوية التي تعرفها العلوم اإلنسانية واالجتماعية‪ ،‬بأنها الطابع القومي‪ ،‬أو النمط االجتماعي السائد‪ .‬وكل‬
‫المجتمعات تعرف بالنمط االجتماعي الثقافي الحضاري السائد فيها‪ ،‬وهو الذي يحدد نظامها العام‪،‬‬
‫وطابعها المميز‪ .‬وعندما تتعدد الهويات داخل المجتمع‪ ،‬تتشكل هوية عامة سائدة أو غالبة‪ ،‬وهويات أخرى‬
‫فرعية وغير سائدة أو غير غالبة‪ ،‬وهي هويات أقلية‪ .‬وفي الغالب ال تنفصل تلك الهويات الفرعية عن‬
‫الهوية العامة‪ ،‬بل تتفق معها في جوانب وتختلف معها في جانب أو أكثر‪ .‬ولكن المشكلة الحادثة في الدول‬
‫العربية واإلسالمية‪ ،‬تتمثل في تشكل هوية تنتمي للمرجعية الغربية‪ ،‬وتختلف عن الهوية العامة‪ ،‬اختالفا‬
‫واسعا‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫ديسمبر ‪2102‬‬

‫االستقطاب الثنائي‪ ..‬اختصار التنوع‬

‫وحتى مع وجود شرائح متغربة في المجتمع المصري‪ ،‬أو غيره من المجتمعات العربية‬
‫واإلسالمية‪ ،‬فيفترض أن تسود الهوية التي تعبر عن تيار األغلبية أو التيار السائد‪ ،‬وفي نفس الوقت تبقى‬
‫الهويات األخرى‪ ،‬ومنها الهوية غربية المنشأ‪ ،‬باعتبارها هوية أقلية خاصة‪ .‬وحالة االستقطاب الحادثة في‬
‫مصر‪ ،‬تعبر عن رفض المنتمين للهوية الغربية لتشكل هوية عامة للدولة والمجتمع‪ ،‬تقوم على المرجعية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬رغم أن الهوية اإلسالمية‪ ،‬تمثل هوية األغلبية‪ ،‬أي هوية التيار السائد‪.‬‬
‫فالمشكلة ليست في وجود التعدد‪ ،‬ولكن المشكلة في أن تشكل هوية عامة ونظام عام‪ ،‬مسألة‬
‫ضرورية وحتمية لبقاء الدولة والمجتمع‪ .‬فأسس بناء اإلطار العام للدولة والمجتمع‪ ،‬تقوم على قيم‬
‫مركزية‪ ،‬تمثل قيم التيار السائد‪ ،‬وبالتالي تشكل الهوية العامة‪ .‬وإذا قبلت كل األطراف تشكل هوية عامة‬
‫للدولة والمجتمع‪ ،‬من خالل ما هو سائد وغالب لدى أغلبية المجتمع‪ ،‬تنتهي مشكلة النزاع األهلي القائم‬
‫على الهوية‪ .‬وبناء الدولة والمجتمع على أساس الهوية الغالبة‪ ،‬ال ينقص من حق من يشعر أن تلك الهوية‬
‫ال تعبر عنه‪ ،‬بل يجعل الهوية الغالبة هي السائدة‪ ،‬وهي واقعيا سائدة‪ ،‬مع بقاء الهويات الخاصة‪ ،‬دون أن‬
‫تشكل نظاما عاما للمجتمع‪ ،‬ألنها غير سائدة فيه‪.‬‬
‫استقطاب آخر‬
‫ليس االستقطاب الوحيد في مصر‪ ،‬هو االستقطاب اإلسالمي العلماني‪ ،‬بل يوجد أكثر من‬
‫استقطاب آخر‪ ،‬ولكن يتم دمجهم في االستقطاب اإلسالمي العلماني‪ .‬فهناك استقطاب بين المتخوفين من‬
‫اإلسالميين‪ ،‬وغير ا لمتخوفين منهم‪ ،‬أي المؤيدين لهم‪ .‬وهذا االستقطاب من صنيعة النظام السابق‪ ،‬وهو‬
‫يؤدي إلى وجود شرائح متخوفة من اإلسالميين‪ ،‬وغير متخوفة من المرجعية اإلسالمية‪ .‬والمفترض أن‬
‫تشكل هذه الشرائح كتل مؤيدة للمرجعية اإلسالمية ولكن برؤية تختلف عن تلك الرؤية السائدة لدى القوى‬
‫اإلسالمية األساسية‪ .‬فيتشكل – مثال ‪ -‬تيار إسالمي فرعي‪ ،‬يختلف مع التيار الذي تمثله جماعة اإلخوان‬
‫المسلمين‪ ،‬والتيار السلفي‪ .‬وفي هذه الحالة‪ ،‬سوف يكون هذا التيار إضافة للتيارات المعبرة عن المرجعية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وجزء من التيار اإلسالمي العام‪.‬‬
‫وبعض المتخوفين من اإلسالميين‪ ،‬ليس لديهم تخوف حقيقي‪ ،‬بل إن تخوفهم قائم على الدعاية‬
‫السوداء لوسائل اإلعالم العلمانية‪ ،‬التي تشوه كل اإلسالميين‪ .‬وهذا الفريق ال يمثل في الواقع تيارا إسالميا‬
‫جديدا‪ ،‬بقدر ما أنه محاصر بالتخويف اإلعالمي‪ ،‬وعندما يتحرر منه‪ ،‬سوف يؤيد أيا من القوى اإلسالمية‬
‫الموجودة على الساحة‪ .‬والمالحظ أن كل المتخوفين من اإلسالميين‪ ،‬وغير متخوفين من المرجعية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬بل ينتمون لها‪ ،‬يتم استقطابهم لصالح قوى التيار العلماني‪ ،‬رغم أنهم ليسوا علمانيين‪.‬‬
‫وهناك المسيحيون‪ ،‬وهم متخوفون من المرجعية اإلسالمية‪ ،‬وليس فقط من اإلسالميين‪ .‬ورغم أن‬
‫أغلب المسيحيين‪ ،‬ليسوا علمانيين أيضا‪ ،‬وليسوا متحررين‪ ،‬بل محافظين ويغلب عليهم الطابع الشرقي‬
‫المحافظ المتدين‪ ،‬إال أن تخوفهم من المرجعية اإلسالمية‪ ،‬يجعلهم أنصارا للقوى العلمانية‪ ،‬التي تستقطب‬
‫المسيحيين‪ ،‬لتزيد حجم مؤيديها‪ ،‬وتستفيد من الشرائح المتخوفة من المرجعية اإلسالمية‪ ،‬كما تستفيد من‬
‫الشرائح المتخوفة من اإلسالميين‪ ،‬رغم عدم تخوفها من المرجعية اإلسالمية نفسها‪.‬‬
‫وهناك أيضا االستقطاب الجوهري بين الثورة والنظام السابق‪ .‬وأغلب أنصار النظام السابق‬
‫تقليديون ومحافظون‪ ،‬وشرائح من أنصار النظام السابق‪ ،‬تميل إلى العلمانية والتحرر‪ .‬والشرائح المتحررة‬
‫تميل إلى القوى العلمانية وتتحالف معها‪ ،‬وهو أمر طبيعي‪ .‬ولكن أنصار النظام السابق من أصحاب‬
‫‪5‬‬

‫ديسمبر ‪2102‬‬

‫االستقطاب الثنائي‪ ..‬اختصار التنوع‬

‫التوجه التقليدي المحافظ‪ ،‬لديهم خصومة حقيقية مع الثورة‪ ،‬ولديهم أيضا خصومة أعمق مع قوى التيار‬
‫اإلسالمي‪ .‬لذا تحاول قوى النظام السابق استقطاب القوى العلمانية للتحالف معها‪ ،‬وفي نفس الوقت فإن‬
‫قوى علمانية تعمل على استقطاب قوى النظام السابق للتحالف معها أيضا‪ ،‬مما يجعل الرغبة في التحالف‬
‫متبادلة بين قوى النظام السابق وقوى علمانية‪.‬‬
‫فالنظام السابق نفسه‪ ،‬بني على أساس الخصومة مع قوى التيار اإلسالمي‪ ،‬وعلى الخصومة مع‬
‫أي دور للمرجعية اإلسالمية في المجال السياسي‪ ،‬مما جعل مجمل مواقف النظام السابق‪ ،‬ذات توجه‬
‫علماني‪ ،‬رغم أن أغلب أنصار النظام السابق ليسوا علمانيين‪ .‬وهذه الخصومة العميقة‪ ،‬جعلت خصومة‬
‫أنصار النظام السابق لقوى التيار اإلسالمي‪ ،‬تتجاوز خصومتهم للثورة نفسها‪ .‬ألن أنصار النظام السابق‬
‫لديهم خصومة مع التحول الديمقراطي‪ ،‬ولديهم خصومة أعمق مع القوى اإلسالمية‪ ،‬أي أن لديهم خصومة‬
‫مع التحول الديمقراطي‪ ،‬إذا أدي إلى دور بارز للقوى اإلسالمية سياسيا؛ مما يعني أن خصومتهم مع‬
‫الثورة وبالتالي مع التحول الديمقراطي تقل في حالة بروز الدور السياسي للقوى العلمانية على دور القوى‬
‫اإلسالمية‪ ،‬فإذا كانت القوى العلمانية تمثل األغلبية السياسية‪ ،‬فإن أنصار النظام السابق يستطيعون التكيف‬
‫مع التحول الديمقراطي بصورة أكبر‪ ،‬ألنهم ببساطة يمكن أن يكونوا القوة الفاعلة األساسية في التيار‬
‫العلماني‪ ،‬مما يمكنهم من تصدر المشهد السياسي‪ ،‬والقيام بدور القوة السياسية الرئيسة‪.‬‬
‫لذا تتضاءل تأثيرات كل أبعاد االستقطاب الموجودة في المشهد السياسي في مصر‪ ،‬وغيرها من‬
‫دول الربيع العربي‪ ،‬لصالح االستقطاب الثنائي‪ ،‬اإلسالمي العلماني‪ ،‬مما يجعله األكثر بروزا‪ ،‬بل ويجعله‬
‫محورا للعملية السياسية‪ ،‬ولمشهد االستقطاب كله‪.‬‬
‫هل يمكن إعادة تشكيل االستقطاب؟‬
‫تتشكل العناصر التي تميز بين التيارات السياسية‪ ،‬من خالل العوامل األكثر تأثيرا في اتجاهات‬
‫الرأي العام‪ ،‬والتي تؤثر في مرحلة تاريخية معينة‪ .‬لذا فالعوامل التي أثرت على اتجاهات الرأي العام قبل‬
‫الثورة‪ ،‬استمرت هي نفسها العوامل المؤثرة على الرأي العام بعد الثورة‪ ،‬بوصفها العوامل الفاعلة في‬
‫تشكيل الرأي العام باتجاهاته المختلفة‪ .‬وليس من السهل على أي قوى سياسية أو مجتمعية‪ ،‬تغيير تلك‬
‫العوامل‪ ،‬حيث أنها عوامل ذات منشأ اجتماعي‪ ،‬وأيضا ألنها عوامل وعناصر فاعلة في الوعي الجمعي‬
‫الموروث عبر األجيال‪ .‬لذا ظلت الخالفات حول مسألة الهوية‪ ،‬مستمرة عبر األجيال لعدة عقود‪ ،‬منذ بدأت‬
‫عملية التأثر بالغرب‪.‬‬
‫وبعد الثورة‪ ،‬تأكد أن كل محاولة لتغيير قواعد االستقطاب أو التقسيم السياسي‪ ،‬غير ناجحة‪ .‬ألن‬
‫هناك عوامل للتقسيم لها جذور عميقة في الوعي الجمعي‪ ،‬مما يجعل للعوامل األخرى أثرا محدودا‪ .‬فكان‬
‫من المفترض مثال‪ ،‬أن يكون التقسيم بعد الثورة‪ ،‬قائما على أساس الموقف من الثورة‪ ،‬وبالتالي الموقف‬
‫من عملية التغيير واإلصالح‪ ،‬والتحول الديمقراطي‪ .‬وكان من شأن هذا التقسيم أن يبقي على وحدة القوى‬
‫المشاركة في الثورة والمؤيدة لها‪ .‬ورغم أهمية التقسيم القائم على أساس الموقف من الثورة‪ ،‬إال أن‬
‫التجربة أظهرت أن التقسيم القائم على أساس الهوية‪ ،‬خاصة بين الهوية اإلسالمية والهوية المصرية‬
‫القومية (العلمانية)‪ ،‬ينتج من عوامل أكثر تجذرا وقوة‪ ،‬مما جعل الموقف من الثورة غير كافي لتجاوز‬
‫التقسيم على اساس الهوية‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫ديسمبر ‪2102‬‬

‫االستقطاب الثنائي‪ ..‬اختصار التنوع‬

‫ولم تنجح القواعد والتقاليد واألعراف االجتماعية في تجاوز مسألة الهوية‪ .‬ففي مصر‪ ،‬كغيرها‬
‫من الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬تنتشر تقاليد اجتماعية بين مختلف شرائح المجتمع‪ ،‬وهي التقاليد الشرقية‬
‫المحافظة‪ ،‬حتى وإن كانت درجة المحافظة تختلف من شريحة إلى أخرى‪ .‬ورغم االختالف حول‬
‫المرجعية الدينية‪ ،‬إال أن غالب مكونات المجتمع تنتمي للتقاليد الشرقية المحافظة‪ ،‬بما في ذلك شريحة‬
‫واسعة من المكونات المؤيدة للقوى العلمانية‪ ،‬خاصة المسيحيين والكتل التقليدية المؤيدة لقوى النظام‬
‫السابق‪ ،‬والقوى التقليدية المؤيدة لبعض األحزاب الليبرالية‪.‬‬
‫مما يعني أن التقاليد الشرقية المحافظة‪ ،‬تمثل قاعدة واسعة في المجتمع‪ ،‬وتمثل أساسا لتماسك‬
‫ووحدة المجتمع‪ ،‬بل وتمثل أيضا أساسا جيدا لبناء هوية مشتركة ألغلب مكونات المجتمع‪ .‬فالفئات المنتمية‬
‫للتقاليد الشرقية المحافظة تمثل أغلبية كاسحة‪ ،‬كما أن تلك التقاليد تتوافق مع المرجعية اإلسالمية‪ ،‬بل‬
‫وتنبع منها‪ ،‬كما أنها تتوافق مع المرجعية المسيحية‪ ،‬بل وتنبع منها‪ .‬وإذا كانت هوية أي مجتمع تتأسس‬
‫على النمط االجتماعي السائد فيه‪ ،‬ففي المجتمع المصري يسود النمط االجتماعي الشرقي المحافظ‪ ،‬بدرجة‬
‫كافية لتجعل منه أساسا لتشكل هوية المجتمع‪ .‬وعندما تتجمع كل الفئات المحافظة معا‪ ،‬تتشكل هوية ال‬
‫تتناقض مع الهوية اإلسالمية‪ ،‬مما يشكل أساسا جيدا لتجاوز االستقطاب على أساس الهوية‪.‬‬
‫ومع ذلك برز االستقطاب على أساس الهوية‪ ،‬بصورة تتناقض أحيانا مع غلبة الطابع االجتماعي‬
‫الشرقي المحافظ في أغلب شرائح المجتمع‪ ،‬حيث أن الشرائح المتحررة فعال‪ ،‬تمثل أقلية محدودة للغاية‪.‬‬
‫وبهذا لم ينجح النمط االجتماعي السائد في تجاوز الخالف األيديولوجي حول الهوية‪ ،‬وال في الحد من‬
‫االستقطاب والتقسيم القائم على الهوية‪.‬‬
‫هنا يبرز العامل األساسي المؤثر في حالة استقطاب الهوية‪ ،‬وهو ما حدث من تفكك في المجتمع‬
‫عبر عدة عقود‪ ،‬مما أفقد المجتمع أسس توحده وتماسكه‪ .‬فأصبحت بعض مكونات المجتمع لديها شعور‬
‫باالختالف عن المكونات األخرى‪ ،‬وهو شعور تعمق عبر الوقت‪ ،‬مما جعلها تشعر أن أي هوية سوف‬
‫تسود‪ ،‬سوف تحرمها من تميزها الخاص واختالفها‪ .‬وكأن أي هوية عامة في المجتمع‪ ،‬سوف تفرض‬
‫نمطا حياتيا على بعض المكونات‪ ،‬التي تشعر بأنها مختلفة‪ .‬وبمعنى آخر‪ ،‬يصبح لدى بعض مكونات‬
‫المجتمع شعور بأن أي هوية عامة‪ ،‬سوف تكون ضد التنوع والتعدد المجتمعي‪.‬‬
‫كما أن هناك شعورا لدى بعض المجموعات التي تشعر بأنها مختلفة عن ما هو غالب في‬
‫المجتمع‪ ،‬أن بروز الطابع الغالب في المجتمع‪ ،‬يشعرها بالغربة‪ .‬وتلك هي المشكلة‪ ،‬ألن بعض مكونات‬
‫المجتمع أصبح لديها شعور بالتميز عن غيرها‪ ،‬وفي نفس الوقت ال تريد أن يفرض عليها نمط مختلف‪،‬‬
‫كما أنها تخشى من سيادة نمط مختلف عنها‪ ،‬بما يشعرها بالغربة في المجتمع‪ .‬فالمشكلة ليست فقط الخوف‬
‫من فرض نمط اجتماعي على الجميع‪ ،‬ولكن المشكلة أيضا في الخوف من انتشار نمط معين‪ ،‬يكون له‬
‫الغلبة والصفة الرسمية‪ ،‬بحيث يشعر من ال ينتمي لهذا النمط بأنه مختلف‪ ،‬مما يشعره بالغربة‪.‬‬
‫والمشكلة هنا‪ ،‬أن تشكل الهويات الفرعية‪ ،‬والهوية العامة‪ ،‬في العقود الماضية‪ ،‬لم يحدث في‬
‫ظرف طبيعي‪ ،‬أي في مناخ من الحرية‪ ،‬ولم تتشكل حالة المجتمع طبقا لقواعده الذاتية وبتلقائية‪ ،‬مما جعل‬
‫العوامل الخارجية‪ ،‬متمثلة في التدخل الخارجي واالستبداد المحلي‪ ،‬تعيق عملية التطور الطبيعي التلقائي‬
‫للمجتمع‪ ،‬فحدثت به شروخ عميقة‪ ،‬وفقد المجتمع قدرته على تحديد قواعد التعامل بين مكوناته‪ ،‬وقواعد‬
‫إدارة االختالف‪ ،‬وكيفية تحقيق الوحدة رغم التنوع‪ .‬مما يعني‪ ،‬أن المجتمع فقد أدوات معالجة استقطاب‬
‫‪7‬‬

‫ديسمبر ‪2102‬‬

‫االستقطاب الثنائي‪ ..‬اختصار التنوع‬

‫الهوية‪ ،‬ولم يعد أي طرف قادر على معالجة هذا الوضع‪ ،‬حتى يشكل المجتمع قواعدا جديدة إلدارة تنوعه‬
‫الداخلي‪.‬‬
‫اإلعالم االستقطابي‬
‫في ظل أزمة استقطاب حول الهوية‪ ،‬موجودة في المجتمع منذ ما قبل الثورة‪ ،‬نجد أن وسائل‬
‫اإلعالم العلمانية‪ ،‬وأيضا وسائل اإلعالم التابعة للنظام السابق‪ ،‬ومعها قوى علمانية وقوى النظام السابق‪،‬‬
‫تعمل جميعا من أجل تعميق استقطاب الهوية‪ .‬فمنذ ما قبل الثورة‪ ،‬تدرك قوى النظام السابق وأيضا قوى‬
‫علمانية‪ ،‬أن مواجهة قوى التيار اإلسالمي‪ ،‬من خالل نقد المرجعية اإلسالمية نفسها‪ ،‬غير ممكن‪ .‬وأن‬
‫المواجهة مع قوى التيار اإلسالمي‪ ،‬تستلزم أساسا تفكيك المجتمع على أساس الهوية‪ ،‬وتخويف شرائح من‬
‫المجتمع من المرجعية اإلسالمية‪ ،‬أو من قوى التيار اإلسالمي‪ ،‬أو كالهما؛ على أساس أن هوية هذه‬
‫الشرائح ونمط حياتها سوف تتعرض للخطر مع انتشار المرجعية اإلسالمية‪ ،‬أو مع وصول القوى‬
‫اإلسالمية للحكم‪ .‬مما يعني ضمنا‪ ،‬أن قوى علمانية وقوى النظام السابق‪ ،‬تدرك جيدا أن تجاوز استقطاب‬
‫الهوية سوف يلحق بها ضررا‪ ،‬وسوف يقلل من حجم التأييد لها‪ ،‬وأنها تستفيد من حالة االستقطاب القائم‬
‫على الهوية‪ ،‬ألنه ا المستفيد األول من وجود تحالف المتخوفين من المرجعية اإلسالمية والمتخوفين من‬
‫القوى اإلسالمية‪.‬‬
‫وما قامت به وسائل إعالم بعد الثورة‪ ،‬عمق النزاع حول الهوية‪ ،‬وعمق المخاوف‪ ،‬لحد جعل‬
‫المشكلة يصعب التعامل معها‪ .‬وأصبحت العديد من وسائل اإلعالم تراهن على مخاوف المسيحي من‬
‫المرجعية اإلسالمية‪ ،‬لدرجة جعلت المسيحيين من أهم عناصر حالة التجاذب بين القوى العلمانية والقوى‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وأصبحوا في مقدمة المواجهة‪ ،‬حيث اعتبرتهم القوى العلمانية ذريعة للوقوف في وجه‬
‫المرجعية اإلسالمية‪.‬‬
‫تلك الحالة تجعل من الصعب تجاوز استقطاب الهوية‪ ،‬والتفكك الناتج عنه‪ ،‬ألنه أصبح جزءا من‬
‫صراع سياسي ممتد‪ ،‬يعمق المشكلة اجتماعيا‪ ،‬ويعرقل فرص حلها‪ ،‬مما يجعل تقسيم المجتمع مرتبط‬
‫بالصراع السياسي‪ ،‬بين القوى العلمانية والقوى اإلسالمية‪ ،‬وهو ما يضع المسيحيون في قلب هذا‬
‫الصراع‪ ،‬مما يجعلهم الطرف الخاسر في هذه المعركة‪.‬‬
‫استقطاب المرحلة االنتقالية‬
‫في كل األحوال‪ ،‬نعتقد أن االستقطاب يرتبط أساسا بالمرحلة االنتقالية‪ ،‬بمعنى أنه إذا كان من‬
‫الممكن تجاوز حالة االستقطاب‪ ،‬واالنتقال إلى التعددية السياسية التي ال تفكك المجتمع‪ ،‬فإن تجاوز‬
‫االستقطاب في المرحلة االنتقالية غير ممكن‪ .‬نقصد من هذا‪ ،‬أن المرحلة االنتقالية هي مرحلة بناء نظام‬
‫سياسي جديد‪ ،‬وألن هذه المرحلة تحدث بعد تفكك المجتمع‪ ،‬وفقدانه لهويته العامة وانتمائه العام‪ ،‬لذا فإن‬
‫المرحلة االنتقالية تجري في لحظة تفكك مجتمعي‪ .‬كما أن المرحلة االنتقالية هي مرحلة تأسيس لنظام‬
‫جديد‪ ،‬وكل طرف يريد تأسيس ما يتصور أنه في مصلحة الوطن‪ ،‬أو ما يتصور أنه يعبر عن هوية‬
‫المجتمع‪ .‬والخالفات في مرحلة التأسيس تكون حول المبادئ العامة‪ ،‬والهوية العامة‪ .‬لذا فالخالف في‬
‫المرحلة االنتقالية‪ ،‬بحكم طبيعتها‪ ،‬يكون حول الهوية‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫ديسمبر ‪2102‬‬

‫االستقطاب الثنائي‪ ..‬اختصار التنوع‬

‫وقد تكون عملية االستقطاب هي نوع من المواجهة بين الرؤى المختلفة‪ ،‬مما يمكن المجتمع من‬
‫استخالص هويته المشتركة‪ ،‬والوصول إلى هوية جامعة‪ .‬ولكن المالحظ في المرحلة االنتقالية في دول‬
‫الربيع العربي‪ ،‬أن عملية االستقطاب تعبر عن حالة صراع عميق‪ ،‬كما أنها تبرز وجود انقسامات عميقة‬
‫في المجتمع‪ .‬مما يعني أن استقطاب المرحلة االنتقالية‪ ،‬قد يكون جزءا من استقطاب سياسي ممتد بعد‬
‫المرحلة االنتقالية‪ .‬ولكن درجة وحدة االستقطاب تقل مع مرور الوقت‪ ،‬ألن ما يثار في المرحلة االنتقالية‪،‬‬
‫يدور حول األسئلة الكلية عن طبيعة المجتمع والدولة‪ ،‬وهذه األسئلة ال تبقى مطروحة عمليا في الواقع‪،‬‬
‫حتى وإن ظلت مطروحة نظريا‪.‬‬
‫هل يفسد االستقطاب التحول الديمقراطي؟‬
‫ولنتذكر أن االستقطاب هو شكل من أشكال التنافس السياسي بين قوى سياسية مختلفة‪ ،‬ولكنه‬
‫يصل لدرجة من التنافس الحاد‪ ،‬األقرب إلى الصراع منه للتنافس‪ .‬كما أن االستقطاب هو أداة سياسية‪،‬‬
‫حيث تستقطب القوى السياسية مؤيديها‪ .‬ولكن أحيانا يؤدي هذا االستقطاب إلى تعميق تفكيك المجتمع‪،‬‬
‫وزيادة االحتقان بين مكوناته‪ ،‬مما يجعل العملية السياسية سببا في تزايد حالة الفرقة بين مكونات المجتمع‪،‬‬
‫والتي قد تصل أحيانا لحد التعصب والكراهية‪ ،‬وليست عالجا لحالة االحتقان والتفكك المجتمعي‪.‬‬
‫لهذا فاالستقطاب السياسي في حد ذاته‪ ،‬ليس مشكلة‪ ،‬ولكن ما ينتج عنه من تعميق لتقسيم وتفكيك‬
‫للمجتمع‪ ،‬وتعميق االحتقان بين مكونات المجتمع‪ ،‬هو المشكلة‪ .‬والحقيقة أن االستقطاب السياسي الحاد‪،‬‬
‫هو نتيجة لوجود احتقان مجتمعي‪ ،‬أكثر من كونه سببا لهذا االحتقان المجتمعي‪ .‬لذا فالنظر إلى االستقطاب‬
‫السياسي‪ ،‬وكأنه سبب في فرقة المجتمع ليس صحيحا‪ ،‬واألصح القول‪ :‬أن المجتمع الذي يشهد حالة من‬
‫االحتقان والفرقة بين بعض مكوناته‪ ،‬ويعكس هذه الحالة في التنافس السياسي‪ ،‬يعمق من االستقطاب‬
‫السياسي‪ ،‬ويجعل التنافس السياسي جزءا من حالة الصراع المجتمعي‪.‬‬
‫واالستقطاب السياسي ال يعرقل التحول الديمقراطي‪ ،‬خاصة وأن عملية التحول الديمقراطي‪،‬‬
‫تمث ل أول احتكام ألدوات سياسية سلمية‪ ،‬لحسم الخالفات‪ ،‬أو إظهار هذه الخالفات‪ .‬بل أظن أن االستقطاب‬
‫في المرحلة االنتقالية‪ ،‬ومع بداية التحول الديمقراطي‪ ،‬من لوازم مرحلة التحول من نظام مستبد إلى نظام‬
‫ديمقراطي‪ .‬فوجود حالة استقطاب حاد في المرحلة االنتقالية‪ ،‬قد يكون جزءا من الطبيعة التاريخية لتلك‬
‫المرحلة‪ .‬أما استمرار حالة االستقطاب السياسي الحاد‪ ،‬واستمرار حالة التفكك واالحتقان المجتمعي بعد‬
‫التحول الديمقراطي‪ ،‬وبعد نهاية المرحلة االنتقالية‪ ،‬فهو نتاج لما وصل له المجتمع من احتقان وتفكك قبل‬
‫الثورة‪ ،‬وليس نتاجا للتحول الديمقراطي‪.‬‬
‫هل تؤثر استراتيجية االستقطاب على استراتيجية اإلفشال؟‬
‫في المواجهة بين القوى اإلسالمية والقوى العلمانية وقوى النظام السابق‪ ،‬تبرز استراتيجية إفشال‬
‫القوى اإلسالمية‪ ،‬باعتبارها استراتيجية معتمدة من القوى العلمانية وقوى النظام السابق ضد القوى‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وهذه االستراتيجية تتعارض مع استراتيجية االستقطاب‪ .‬ألن عملية الحشد الواسع‪ ،‬والتي‬
‫تؤدي إلى بروز حالة االستقطاب السياسي‪ ،‬تؤدي إلى إفشال استراتيجية اإلفشال‪ ،‬ألن حالة االستقطاب‬
‫تؤدي إلى حالة تالحم واسع بين المتفقين في مسألة الهوية‪ ،‬مما يجعل عمليات اإلفشال تفهم على أنها‬
‫جزءا من عملية االستقطاب‪ ،‬مما يمكن القوى اإلسالمية من مواجهة استراتيجية اإلفشال من خالل حشد‬
‫الجماهير المناصرة للهوية اإلسالمية‪.‬‬
‫‪9‬‬

‫ديسمبر ‪2102‬‬

‫االستقطاب الثنائي‪ ..‬اختصار التنوع‬

‫وألن اإلفشال في الواقع العملي‪ ،‬هو جزء من عملية االستقطاب‪ ،‬وجزء من عملية الصراع‬
‫والتنافس السياسي‪ ،‬لذا فكل عملية إفشال متعمد من قبل القوى العلمانية أو قوى النظام السابق‪ ،‬تنتهي‬
‫بحالة استقطاب سياسي واسع‪ ،‬تزيل أثر عملية اإلفشال‪ .‬ألن محاول إفشال القوى اإلسالمية لن تنجح‪ ،‬إال‬
‫إذا جاءت من قوى تتمسك بالهوية اإلسالمية ولو ظاهريا‪ .‬وكلما اندمجت القوى العلمانية وقوى النظام‬
‫السابق في عملية استقطاب ضد الهوية اإلسالمية أو المرجعية اإلسالمية‪ ،‬قدمت نفسها بوصفها قوى‬
‫علمانية تعارض الهوية اإلسالمية‪ ،‬مما يجعل محاوالتها إلفشال القوى اإلسالمية تفشل‪.‬‬
‫وحالة االستقطاب تجعل للقوى اإلسالمية ظهيرا مجتمعيا قويا‪ ،‬كما تجعل للقوى العلمانية وقوى‬
‫النظام السابق ظهيرا مجتمعيا أيضا‪ .‬وحسب الوزن النسبي يتحدد موضع كل القوى‪ ،‬مما يجعل حالة‬
‫االستقطاب تفيد كل القوى‪ ،‬ولكن بصورة مختلفة‪ .‬فحالة االستقطاب تفيد القوى اإلسالمية‪ ،‬ألنها تؤكد على‬
‫أن جماهير التيار اإلسالمي تمثل تيار األغلبية في المجتمع‪ ،‬وتمثل التيار السائد‪ .‬كما أن حالة االستقطاب‬
‫تفيد القوى العلمانية وقوى النظام السابق‪ ،‬ألنها تحقق تماسك للكتل المؤيدة لهما‪ ،‬مما يبقي حضورها‬
‫السياسي‪ ،‬حتى وإن كان يمثل أقلية‪.‬‬
‫لذا فإن معركة إفشال القوى اإلسالمية‪ ،‬وهي المعركة األخطر‪ ،‬ألنها تهدد مستقبل الوطن‪،‬‬
‫وتعرقل قدرته على العبور للمستقبل‪ ،‬تواجه معركة االستقطاب‪ ،‬التي تحد من تأثيرها النهائي‪ ،‬أو بمعنى‬
‫أدق توقف تأثيرها مرحليا‪ .‬لذا نجد أن الحالة السياسية العامة‪ ،‬تنتقل من معركة إفشال القوى اإلسالمية‪،‬‬
‫إلى معركة االستقطاب السياسي‪ ،‬مما يوقف عملية اإلفشال مؤقتا‪ .‬وعندما تهدأ نسبيا معركة االستقطاب‬
‫السياسي‪ ،‬تبرز مرة أخرى معركة اإلفشال‪ .‬ومعركة اإلفشال تعرقل التقدم إلى األمام‪ ،‬أما معركة‬
‫االستقطاب فتعيد تالحم الكتل المؤيدة للقوى السياسية‪ ،‬مما يكسب العملية السياسية حيوية‪ ،‬حتى وإن كانت‬
‫حادة‪.‬‬
‫فهي حلقات من الصراع السياسي‪ ،‬تكتسب أشكاال عدة‪ ،‬وهي من طبائع المرحلة االنتقالية‪ ،‬كما‬
‫أنها من طبائع الصراعات السياسية‪ ،‬التي تستمر في كل األحوال‪ ،‬رغم تغير حدتها وشدتها من مرحلة‬
‫إلى أخرى‪.‬‬
‫هل يستمر االستقطاب المجتمعي والسياسي؟‬
‫تتميز المجتمعات العربية واإلسالمية‪ ،‬بالتنوع الداخلي الواسع‪ ،‬ألن الهوية اإلسالمية عابرة‬
‫للقومية‪ ،‬وممتدة عبر مساحة جغرافية واسعة‪ .‬والحضارة اإلسالمية قامت أساسا على فكرة التنوع في‬
‫إطار الوحدة‪ ،‬أو التنوع في إطار النظام العام‪ .‬لهذا شهدت المجتمعات العربية واإلسالمية عبر كل‬
‫تاريخها‪ ،‬تنوعا واسعا في مكوناتها‪ ،‬عرقيا ولغويا ودينيا‪ .‬وهذا التنوع الواسع‪ ،‬يؤدي ضمنا إلى تنوع في‬
‫الهويات الفرعية‪ ،‬فال تتطابق تلك الهويات تماما‪ .‬مما يعني أن وجود هويات فرعية‪ ،‬تختلف بدرجة أو‬
‫أخرى عن الهوية العامة‪ ،‬التي تمثل األغلبية‪ ،‬وتمثل التيار السائد‪ ،‬جزء من طبيعة الحضارة اإلسالمية‪.‬‬
‫وهذا يعني أن بقاء هويات فرعية تختلف نسبيا عن الهوية العامة‪ ،‬أمر له جذور تاريخية‪ ،‬وجزء من‬
‫طبيعة المجتمعات العربية واإلسالمية‪.‬‬
‫لذا سوف يظل سؤال الهوية من األسئلة المركزية في الحياة االجتماعية والسياسية في الدول‬
‫العربية واإلسالمية‪ .‬وثورات الربيع العربي تنهي القيود التي فرضت على الشعوب العربية واإلسالمية‪،‬‬
‫وتسمح بظهور التيار السائد‪ ،‬وبالتالي تسمح بتشكل الهوية العامة‪ ،‬ولكن هذا ال يلغي وجود الهويات‬
‫‪01‬‬

‫ديسمبر ‪2102‬‬

‫االستقطاب الثنائي‪ ..‬اختصار التنوع‬

‫الفرعية‪ ،‬التي تختلف نسبيا مع الهوية العامة‪ .‬مما يعني أن الهوية سوف تبقى ضمن مكونات الخطاب‬
‫السياسي‪ ،‬وضمن قضايا المجتمع‪ .‬وكل ما يحدث من تغير‪ ،‬ينتج من تبلور هوية عامة راسخة‪ ،‬تمثل‬
‫النظام العام‪ ،‬الحاكم للدولة والمجتمع‪ .‬مما يجعل الهوية ليست في خطر‪ ،‬وهو ما يقلق من حالة االستقطاب‬
‫الناتجة من الخوف على الهوية‪ ،‬ولكنه ال ينهي حالة الخالف النسبي حول الهوية‪ ،‬والتي قد تزيد لدى‬
‫بعض المجموعات عن غيرها‪ .‬فقد نجد مكونات داخل الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬تختلف نسبيا مع الهوية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وقد نجد مكونات أخرى تختلف كثيرا مع تلك الهوية‪.‬‬
‫إذن المتغير األهم‪ ،‬هو استقرار الهوية العامة‪ ،‬وبروز التيار السائد‪ ،‬ونهاية مرحلة تهديد الهوية‪،‬‬
‫ليس فقط بالنسبة لهوية التيار السائد‪ ،‬بل أيضا بالنسبة لهوية المكونات األخرى التي تمثل أقليات عددية‪.‬‬
‫فهناك فرق بين اللحظة التي يشعر فيها الجميع بأن هويته مهددة‪ ،‬وبين اللحظة التي يشعر فيها الجميع بأن‬
‫هويته حاضرة وغير مهددة‪ ،‬رغم استمرار وجود خالفات حول الهوية‪ .‬ففي اللحظة التي تتبلور فيها هوية‬
‫إسالمية تعبر عن التيار السائد الممثل لألغلبية في مجتمع‪ ،‬مع وجود جماعات مسيحية تختلف مع هذه‬
‫الهوية‪ ،‬ولها هوية متبلورة وحاضرة ومختلفة عن الهوية السائدة‪ ،‬في هذه اللحظة يتغير مسار االستقطاب‪،‬‬
‫من حالة نزاع أهلي‪ ،‬إلى حالة تنافس وتنوع‪ ،‬حتى وإن بقى استقطابا‪ .‬فالذي يغيب مع استقرار هوية‬
‫المجتمع العامة‪ ،‬والهويات الفرعية لمكونات المجتمع‪ ،‬هو حالة النزاع األهلي‪ ،‬وحالة االحتقان‪ ،‬وحالة‬
‫التفكك الداخلي أيضا‪ .‬وبهذا يستقر وضع المجتمع‪ ،‬وتستقر أوضاع مكونات المجتمع‪ ،‬مع بقاء االستقطاب‬
‫على أساس الهوية قائما‪.‬‬
‫ومع استقرار أوضاع المجتمع‪ ،‬تستمر عملية التنافس السياسي بين البرامج السياسية أحيانا‪ ،‬وبين‬
‫الرؤى المستندة على الهوية أحيانا أخرى‪ .‬لذا ليس كل استقطاب مضر‪ ،‬فاالستقطاب الذي ال يترافق مع‬
‫حالة نزاع داخلي‪ ،‬ليس مضرا‪ ،‬بل قد يكون جزءا من حالة التنوع الواسع الموجود في المجتمع العربية‬
‫واإلسالمية‪ ،‬بل وقد يكون االستقطاب وسيلة للحفاظ على التنوع‪ ،‬أو ضرورة بسبب وجود التنوع‪.‬‬
‫إذن ما يجب أن ينتهي‪ ،‬وما سينتهي تدريجيا‪ ،‬هو حالة االحتقان وانتشار حالة الخوف والشعور‬
‫بالتهديد‪ ،‬وغيرها من المشاعر السلبية التي تضعف المجتمع‪ ،‬ولكن يبقى االستقطاب‪ ،‬ما بقيت مسألة‬
‫الهوية لها وضعا مركزيا‪ ،‬في مجتمعات تشهد تنوعا في النظرة للهوية‪.‬‬
‫الخالصة‬
‫ال تعرف المجتمعات العربية واإلسالمية فكرة الهوية الرسمية التي تفرضها الدولة‪ ،‬كما في‬
‫نموذج الدولة القومية الغربية‪ ،‬وال تعرف الحضارة اإلسالمية فكرة إخفاء أي هوية مختلفة عن الهوية‬
‫العامة‪ ،‬للحفاظ على الطابع القومي السائد‪ ،‬كما في الدول الغربية‪ .‬ففي الدول الغربية ينتهي النزاع حول‬
‫الهوية‪ ،‬بإلغاء التنوع‪ .‬لذا واجهت الدول الغربية مشكلة وجود أعداد كبيرة من المهاجرين‪ ،‬ألن وجودهم‬
‫نفسه يعطي انطباعا بوجود تعدد قومي‪ .‬ولكن في النموذج الحضاري اإلسالمي‪ ،‬يشترط وجود هوية عامة‬
‫ونظام عام مستقر‪ ،‬مع استمرار وجود تعدد داخلي‪ .‬وألن الحضارة اإلسالمية ليست قومية‪ ،‬لذا فإن ظهور‬
‫التعدد الداخلي‪ ،‬مع بقاء النظام العام والهوية العامة حاضرة‪ ،‬ممكن‪ .‬وهو ما يسمح ببقاء التنافس على‬
‫أساس الهوية‪ ،‬أو االستقطاب على أساس الهوية‪.‬‬

‫‪00‬‬

‫ديسمبر ‪2102‬‬

‫االستقطاب الثنائي‪ ..‬اختصار التنوع‬

‫كما أن المكونات المختلفة المشكلة للمجتمعات العربية واإلسالمية‪ ،‬استطاعت بسبب طبيعة‬
‫الحضارة اإلسالمية الحفاظ على تميزها عبر القرون‪ ،‬لذا فإن وعيها الجمعي أصبح يميل تلقائيا للحفاظ‬
‫على قدر من التميز‪.‬‬
‫هذه الخلفية تؤكد على أن االستقطاب‪ ،‬حالة مستمرة‪ ،‬تظهر أحيانا بعض الوقت‪ ،‬وتظهر أحيانا‬
‫أخرى أغلب الوقت‪ ،‬حسب القضايا المطروحة؛ والذي يتغير مع مرور الوقت‪ ،‬واكتمال التحول‬
‫الديمقراطي‪ ،‬وبناء النظام السياسي الجديد‪ ،‬هو حالة الخوف والقلق والشعور بالتهديد‪ ،‬وحالة النزاع‬
‫األهلي‪.‬‬
‫ويمكن القول‪ :‬أن حالة االستقطاب سوف تحدد مالمح الخريطة السياسية‪ ،‬وتبني التيارات‬
‫األساسية في المجتمع‪ ،‬وتقيم التحالفات المستمرة أو المتكررة‪ ،‬مما يعني أن الخريطة السياسية تتشكل‬
‫جزئيا داخل حالة االستقطاب‪ ،‬لتبرز التيارات األساسية في المجتمع‪ ،‬وتبرز تيارات األقلية‪ ،‬وتيار األغلبية‬
‫المجتمعية‪ ،‬كما تبرز القوى السياسية المعبرة عن مكونات المجتمع‪ ،‬وتظهر الحدود الفاصلة بينها‪،‬‬
‫وتتشكل المالمح المميزة لكل تيار‪ ،‬ولكل القوى التي تنتمي له‪ .‬فاالستقطاب الحاد‪ ،‬هو جزء من مرحلة‬
‫تشكل الخريطة السياسية‪ ،‬أما االستقطاب العادي –إن جاز التعبير‪ -‬فهو جزء من العملية السياسية‬
‫التنافسية‪.‬‬
‫والخالصة أننا أمام حالة تفكك مجتمعي‪ ،‬وصراع سياسي يغذي حالة التفكك االجتماعي‪ .‬وال‬
‫يمكن حل تلك القضية‪ ،‬إال عندما يستعيد المجتمع آلياته الداخلية‪ ،‬التي تحفظ تماسكه وتنوعه‪ ،‬وتنظم تقاليده‬
‫ونظامه‪ ،‬مما يساعد على الحد من تأثير الصراع السياسي‪ ،‬ويحد من أثره المجتمعي‪ .‬ويبقى التنوع بعد‬
‫ذلك‪ ،‬معبرا عن الخريطة السياسية للمجتمع‪ ،‬وجزء أساسيا من التنافس السياسي‪.‬‬

‫‪02‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful