‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫يناير ‪2013‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫قبل أن تصبح إسالمية‪ ..‬نزاع الرمق األخير‬
‫بعد أن سقط النظام‬

‫المتابع لمرحلة ما بعد سقوط النظام‪ ،‬نتيجة الثورة الشعبية‪ ،‬يلحظ حالة التيه الجماعي التي تصيب‬
‫أغلب الناس‪ ،‬لعدم تشكل رؤية للمستقبل المنشود‪ .‬فالخروج الشعبي الواسع ضد النظام‪ ،‬حدد ما يرفضه‬
‫عامة الناس‪ ،‬ولم يحدد على وجه الدقة أي مستقبل ينشدون‪ .‬وألن ما يرفضه الناس كان واضحا‪ ،‬لذا كانت‬
‫الثورة شعبية واسعة‪ ،‬فالكل تقريبا رفض استمرار النظام السابق‪ ،‬عدا أعوانه وشركائه بالطبع‪ .‬وعرفت‬
‫الجماهير أنها تريد واقعا مختلفا عن الواقع الذي خرجت ضده‪ ،‬فأصبح المستقبل يحدد بالمخالفة لما كان‬
‫سائدا زمن النظام السابق‪ ،‬دون أن يتشكل توجه عام ينظم سلوك عامة الناس بعد الثورة‪.‬‬
‫وتلك قضية مهمة‪ ،‬فعامة الناس ال تصنع التغيير واإلصالح‪ ،‬بمجرد خروجها ضد النظام‪ ،‬ولكن‬
‫تصنع التغيير الذي تريده‪ ،‬عندما يكون لديها توجه عام ينظم حركتها‪ ،‬فيصبح أغلب الناس يتحركون‬
‫ويسلكون وفقا لتوجهات عامة مشتركة‪ ،‬تحدد قواعد وأهداف المستقبل الجديد‪ .‬وعندما يطالب عامة الناس‬
‫بالحرية والعدل والكرامة‪ ،‬فهذه المطالب تعد أساسيات منطقية‪ ،‬غابت زمن النظام السابق‪ ،‬ولكنها ال تمثل‬
‫تصورا كامال عن النظام السياسي الجديد المنشود‪ ،‬وال عن طريق النهوض الذي يريده أغلب الناس‪.‬‬
‫وألن عامة الناس لم يكن لديها توجهات محددة وخيارات معينة بعد سقوط النظام‪ ،‬لذا لم يتوجه‬
‫الناس للعمل والبناء‪ ،‬بل استمروا في مرحلة االحتجاج واالعتراض واالضراب والتظاهر‪ ،‬أي استمروا‬
‫في التوجه الذي جمعهم‪ ،‬وهو االعتراض على ما هو قائم‪.‬‬
‫وكأن عامة الناس تعترض على ما هو قائم‪ ،‬حتى تعرف ماذا تريد وتمتلك القدرة على تحقيقه‪،‬‬
‫وأيضا تعرف وسائل تحقيقه‪ .‬لذا تطول فترة التيه الثوري‪ ،‬حتى تتضح معالم المستقبل‪ ،‬وتتضح معالم‬
‫الطريق الجديد‪ ،‬ويبدأ بعض الناس في الخطوة األولى‪ ،‬ثم يتشجع البعض اآلخر‪ ،‬حتى يتحرك أغلب الناس‬
‫في مسار يجمعهم‪ ،‬رغم تنوعهم وتعددهم‪.‬‬
‫والثورة الشعبية حدثت في لحظة فارقة‪ ،‬ألنها اللحظة التي وصل فيها المجتمع إلى أقصى درجات‬
‫الضعف‪ ،‬ووصلت فيها الدولة إلى أقصى درجات الفشل‪ .‬ومع غياب الدور الفاعل للمجتمع والدولة‪،‬‬
‫أصبحت حركة عامة الناس بال إطار ينظمها‪ ،‬إال رفضها للنظام السابق‪ .‬لدرجة أن سقوط النظام السابق‪،‬‬
‫أو على األقل رأس النظام‪ ،‬غيب اإلطار الجامع لعامة الناس‪.‬‬
‫ولكن الثورة ال تكتمل إال إذا تحولت إلى مشروع عام يضم أغلب الناس‪ ،‬ويحدد توجهاتهم‬
‫المشتركة ومسارهم المشترك‪ ،‬ويصبح مصيرهم المشترك واضحا لديهم‪ .‬فالثورة تسقط النظام القائم‪،‬‬
‫ولكنها ال تبني نظاما جديدا‪ ،‬إال بقدر تشكل رؤية مشتركة لدى عامة الناس عن هذا النظام الجديد‪ .‬وبقدر‬
‫ما يتشكل من رؤية للمستقبل‪ ،‬وبقدر ما يتشكل من توجهات عامة سائدة بين الناس‪ ،‬بقدر ما تتبلور رؤية‬
‫عامة تجمع أغلب الناس‪ ،‬وتجمع الدولة والمجتمع معا‪ ،‬فيبدأ المسار المشترك لبناء مستقبل جديد‪.‬‬
‫والثورات تجهض إذا لم يتبلور لها رؤية مشتركة سائدة بين عامة الناس أو أغلبهم‪ ،‬أو إذا تبلورت‬
‫رؤية غير كافية لبناء نظام جديد‪ ،‬أي غير كافية لقطع الروابط مع النظام القديم‪ ،‬وقطع الروابط مع كل‬
‫التوجهات التي أدت إلى ما وصل له النظام الذي خرجت الثورة ضده‪ .‬والمجتمعات العربية واإلسالمية‪،‬‬
‫ومنها مصر‪ ،‬خاضت ثورات مجهضة عديدة‪ ،‬وهذه الثورات أجهضت ألنها لم تحقق االستقالل الحقيقي‪،‬‬
‫ولم تحقق التقدم والنهوض‪ .‬وكل ثورة لم تكن تعبر عن خيارات عامة الناس‪ ،‬بل فرضت عليهم خياراتها‬
‫‪3‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫قبل أن تصبح إسالمية‪ ..‬نزاع الرمق األخير‬

‫اجهضت في النهاية‪ ،‬ألنها لم يكن لها سند شعبي حقيقي وعميق‪ ،‬وأيضا ألنها لم تكن تعبر عن مضمون‬
‫ثقافي له جذور تاريخية واجتماعية‪.‬‬
‫فنجاح الثورة ال يتوقف فقط على وجود رؤية وتصور مستقبلي لها‪ ،‬بل يتوقف أيضا على مدى‬
‫تجذر هذه الرؤية في المجتمع‪ ،‬مما يجعلها رؤية سائدة وغالبة‪ ،‬فيصبح أغلب الناس حاملين لتلك الرؤية‪،‬‬
‫وفي نفس الوقت تصبح تلك الرؤية موحدة للدولة والمجتمع‪ .‬وإذا كانت رؤية الثورة غير أصلية‪ ،‬وليست‬
‫لها جذور كافية‪ ،‬فقد تحقق بعض االنتصارات‪ ،‬ولكنها تهوى في النهاية‪ ،‬ألنها ليست متجذرة في المجتمع‪،‬‬
‫وليس لها العمق التاريخي والحضاري‪.‬‬
‫لذا فثورات الربيع العربي‪ ،‬مثلت حركة احتجاج للتخلص من أنظمة الحكم القائمة‪ ،‬دون أن يكون‬
‫لها مضمون ثقافي واضح‪ ،‬مما يجعلها حركة احتجاج تعاني من فراغ ثقافي وتفتقد للرؤية المستقبلية‪ .‬وبعد‬
‫سقوط النظام‪ ،‬تبدأ معركة تشكل المضمون الثقافي للثورة‪ ،‬فمع كل خطوة للبناء‪ ،‬تتشكل مالمح رؤية‬
‫جديدة‪ ،‬مما يعني أن مضمون الثورة يتشكل بعد اسقاطها للنظام الحاكم‪ ،‬ومع بداية تشكل هذا المضمون‬
‫تبدأ النزاعات السياسية حول المضمون الثقافي للثورة‪.‬‬
‫النزاع السياسي حول المضمون الثقافي للثورة‬
‫من اللحظة األولى لسقوط النظام السابق‪ ،‬وربما حتى قبل أن يسقط‪ ،‬ظهر جليا أن النزاع حول‬
‫المضمون السياسي للثورة يتصدر المشهد‪ .‬ولم يكن الخالف فقط حول المضمون السياسي‪ ،‬بل امتد‬
‫الخالف في الواقع إلى المضمون الثقافي والحضاري للثورة‪ .‬فكل من له مشروع سياسي‪ ،‬وتحيزات ثقافية‬
‫وحضارية‪ ،‬تصور أن الثورة يمكن أن تكون بداية الطريق لتحقيق ما يتصوره‪ .‬لذا أصبح الكل يخشى من‬
‫أن تحقق الثورة مستقبال آخر غير الذي يتمناه‪ ،‬خاصة بالنسبة لمن شارك في الثورة‪ ،‬ومن أيد الثورة‪ .‬فكل‬
‫طرف يتمنى أن تحقق الثورة ما يريد‪ ،‬وكل من كان مشاركا في النظام السابق‪ ،‬رفض الثورة ضمنا‪ ،‬ألنه‬
‫أدرك أنها سوف تهدم ما كان قائما‪ ،‬وتبني نظاما جديدا‪ .‬لذا كان موقف المنتمين لشبكة مصالح النظام‬
‫السابق محددا‪ ،‬فهم ضد الثورة‪ ،‬ألنها تغير الوضع القائم‪ ،‬وبالتالي تؤثر مباشرة على مصالحهم‪ ،‬التي كان‬
‫يحميها النظام السابق‪.‬‬
‫لكن المشاركين في الثورة‪ ،‬والمؤيدين لها‪ ،‬اختلفوا حول ما يمكن أن تؤول له‪ .‬لذا بدأت المعركة‬
‫األولى حول من شارك في الثورة‪ ،‬ومن لم يشارك‪ ،‬ومن شارك في اليوم األول ومن لم يشارك‪ ،‬وكأن من‬
‫شارك منذ اليوم األول‪ ،‬يحق له أن يفرض تصوره المستقبلي على كل من شارك وأيد من عامة الناس‪.‬‬
‫وامتدت المعارك إلى قيادة الثورة‪ ،‬والثورة لم يكن لها قيادة‪ ،‬ألنها ثورة شعبية عامة‪ ،‬لذا أصبحت الثورة‬
‫ملكا لعامة الناس‪ ،‬ولكن بعض األطراف حاولت أن تقدم نفسها كقيادة للثورة‪ ،‬والبعض حاول تصنيع‬
‫قيادة‪ ،‬والبعض أعتبر نفسه نخبة الثورة مادام يمارس دور النخبة‪ ،‬وكل تلك المحاوالت كانت عملية‬
‫استباقية لفر ض رؤية على الثورة‪ ،‬وتحديد مسار لها‪ .‬ولكن الثورة الشعبية ال يحدد مسارها أحدا غير‬
‫عامة الناس‪ ،‬أو أغلبهم‪ ،‬مما تسبب في مشكلة حقيقية‪ ،‬ألن خيارات المستقبل أصبحت في يد عامة الناس‪،‬‬
‫ولم يعد أحد قادرا على فرض أي وصاية عليها‪ .‬فأدى ذلك إلى نزاع سياسي شديد‪ ،‬خاصة بين قوى التيار‬
‫العلماني وقوى التيار اإلسالمي‪ ،‬خوفا من أن يحظى أحد بدعم جماهيري يجعله يقود عملية بناء النظام‬
‫الجديد‪ ،‬فيتحدد بذلك من يمثل التوجهات التي سوف تتشكل لتصنع رؤية المستقبل الجديد‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫قبل أن تصبح إسالمية‪ ..‬نزاع الرمق األخير‬

‫ورغم أن الثورة شعبية‪ ،‬مما يعني أن التوجه العام سوف يحدده عامة الناس‪ ،‬إال أن غياب الرؤية‬
‫المجتمعية السابقة للثورة‪ ،‬أدى إلى فراغ ثقافي لها‪ ،‬تصور البعض أن من يستطيع أن يمأل هذا الفراغ‪،‬‬
‫سوف يتمكن من تحديد توجه الثورة‪ ،‬وتحديد رؤية المستقبل‪ .‬وكأن من يرفع شعارا قبل اآلخر‪ ،‬سوف‬
‫يكسب الثورة هوية محددة‪ ،‬ويصبح للثورة مشروع سياسي‪ ،‬وهذا ليس صحيحا‪ .‬فألن الثورة مثلت‬
‫خروجا شعبيا واسعا‪ ،‬أصبح أغلب الشعب مالكا للثورة‪ ،‬وبالتالي أصبح أغلبهم يعرفون أنهم صناع‬
‫الثورة‪ ،‬مما يجعله م يرفضون أن يكون للثورة برنامج سياسي بأثر الحق‪ ،‬لم يخرجوا لتأييده‪ .‬مما يعني أن‬
‫كل من يحاول صبغ الثورة بأي مضمون سياسي أو ثقافي‪ ،‬قد ينجح في ابراز هوية مؤقتة للثورة‪ ،‬ولكنه‬
‫لن يتمكن من اقناع أغلب من شارك وأيد الثورة بها‪.‬‬
‫وقد ظهر هذا جليا‪ ،‬حيث بات من الواضح أن الثورة ملك للشعب‪ ،‬وأن عامة الناس ورغم عدم‬
‫امتالكهم لرؤية عن المستقبل‪ ،‬إال أنهم من سيحددون الرؤية‪ ،‬عندما تتشكل لديهم‪ .‬لذا أصبح النزاع بين‬
‫القوى السياسية حادا وعدوانيا بصورة واضحة‪ ،‬فالمعركة لم تعد حول من يستطيع أن يقنع أغلب الناس‬
‫برؤيته‪ ،‬بل من يستطيع أن يقضي على المنافس قبل أن يصل لمرحلة االحتكام لعامة الناس واالحتكام‬
‫لصندوق االنتخاب‪.‬‬
‫وألن القوى العلمانية تدرك أن صندوق االنتخاب ليس في صالحها‪ ،‬والقوى اإلسالمية تدرك أن‬
‫صندوق االنتخاب قد يكون في صالحها‪ ،‬لذا أصبحت المعركة الدائرة قبل الوصول إلى صندوق االنتخاب‬
‫حادة للغاية‪ .‬ألن القوى العلمانية تريد القضاء على القوى اإلسالمية قبل الوصول إلى صندوق االنتخاب‪،‬‬
‫والقوى اإلسالمية تدرك أن دورها رهن بما تحظى به من تأييد في صندوق االنتخاب‪ ،‬كما تتوقع أن حجم‬
‫تأييدها قابل للنمو‪ ،‬مما يجعل التنافس االنتخابي فرصة لها لتوسيع دائرة التأييد الذي تحظى به‪.‬‬
‫وألن هذا النزاع ال يمكن أن يحل من خالل صندوق االنتخاب‪ ،‬حسب قواعد الديمقراطية‪ ،‬لذا‬
‫أصبح نزاعا منفلتا ال توجد وسيلة لحسمه‪ .‬ولهذا عملت القوى العلمانية على إلغاء وتعطيل كل ما ينتج عن‬
‫االنتخابات‪ ،‬سواء انتخابات البرلمان أو اللجنة التأسيسية‪ ،‬ألن نتائج االنتخابات لم تكن في مصلحتها‪.‬‬
‫وعملت القوى العلمانية على تأجيل أي استحقاق انتخابي أو استفتائي‪ ،‬ليس ألنها غير مستعدة‪ ،‬بل ألنها‬
‫تريد حسم معركتها مع القوى اإلسالمية‪ ،‬قبل الوصول إلى صندوق االقتراع‪ ،‬مما يعني أن القوى العلمانية‬
‫تريد حسم معركتها مع القوى اإلسالمية في الشارع‪ ،‬أو في الفضاء اإلعالمي‪ ،‬قبل أن تصل إلى‬
‫االستحقاق االنتخابي‪.‬‬
‫وهذا ما جعل مرحلة ما بعد الثورة تمر بصراعات سياسية حادة‪ ،‬ألن االحتكام للشارع‪ ،‬ورغم أنه‬
‫قد يكون لمصلحة القوى اإلسالمية‪ ،‬إال أنه ليس وسيلة لحسم الخالفات بين القوى السياسية‪ ،‬كما أن‬
‫االحتكام للفضاء اإلعالمي ليس وسيلة أيضا لحسم الصراعات السياسية‪ ،‬والتي ال تحسم بالمناظرة‬
‫والسجال والمناكفة السياسية‪ ،‬ولن تحسم بالطبع بالكيد السياسي‪.‬‬
‫وظهر جليا أن القوى العلمانية تراهن على حرق القوى اإلسالمية جماهيريا‪ ،‬وتشويه صورتها‪،‬‬
‫كما تراهن على إدارة عملية بناء النظام السياسي الجديد من خالل عملية ال تحتكم لصندوق االنتخاب‪،‬‬
‫اعتمادا على ما تلقاه هذه القوى من دعم من نخبة الدولة وبعض مؤسساتها‪ ،‬وما تالقيه من دعم خارجي‪،‬‬
‫سواء مباشر أو غير مباشر‪ .‬وألن النظام الذي سقط كان علمانيا‪ ،‬لذا فإن تحالفات النظام السابق هي‬
‫القادرة على حماية الخيار العلماني‪ ،‬وهي التي تعادي المشروع اإلسالمي‪ ،‬ومستعدة للعمل لمنع تحققه‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫قبل أن تصبح إسالمية‪ ..‬نزاع الرمق األخير‬

‫والرهان على حرق القوى اإلسالمية جماهيريا‪ ،‬يمكن أن ينجح لبعض الوقت‪ ،‬بالنسبة لبعض تلك‬
‫القوى‪ ،‬ولكنه ال يمكن أن ينجح دائما وبالنسبة للجميع‪ .‬فالقوى اإلسالمية مشكلة أساسا من قيادات شعبية‪،‬‬
‫وهي متجذرة في المجتمع‪ ،‬لدرجة تجعلها بالفعل جزءا ال يتجزأ من كل بنية المجتمع‪ .‬ولهذا ال يمكن دفع‬
‫المجتمع كله لالنقالب على القوى اإلسالمية طيلة الوقت‪ ،‬ألنها في النهاية جزء من تكوينه‪ ،‬ومن بنيته‬
‫االجتماعية‪ ،‬ومن شبكات العالقات والروابط االجتماعية‪.‬‬
‫يضاف لهذا‪ ،‬أن الخيار اإلسالمي ليس خيار القوى اإلسالمية‪ ،‬بل خيار التيار السائد‪ ،‬أي تيار‬
‫األغلبية‪ ،‬وبالتالي فهو خيار المجتمع‪ .‬والقوى اإلسالمية تقود هذا الخيار‪ ،‬وتحاول تحويله إلى واقع‬
‫تطبيقي‪ ،‬ولكنها ليست الممثل الوحيد والحصري للتوجه اإلسالمي‪ ،‬ألن األمة هي الممثل الوحيد‬
‫والحصري للمرجعية اإلسالمية‪ .‬وإذا تم تشويه قوى إسالمية‪ ،‬فهذا ال يؤدي إلى تشويه المرجعية‬
‫اإلسالمية‪ .‬مما يعني أن حرق القوى اإلسالمية أمام الجماهير‪ ،‬رغم أنه غير قابل للتحقق دائما‪ ،‬يجعل‬
‫القوى العلمانية أمام جماهير ترفض العلمانية وتتمسك في أغلبها بالتوجه اإلسالمي‪.‬‬
‫لهذا أصبح رهان القوى العلمانية على تعطيل العملية السياسية برمتها‪ ،‬وتعطيل التحول‬
‫الديمقراطي‪ ،‬رهانا محوريا في حركتها‪ .‬فهي تريد إدارة جزءا مهما من عملية التحول الديمقراطي وبناء‬
‫النظام السياسي الجديد‪ ،‬خارج العملية الديمقراطية التنافسية‪ .‬وألنه ال يوجد بديل عملياتي إلدارة الخالف‬
‫السياسي خارج إطار التنافس االنتخابي‪ ،‬لذا دعمت القوى العلمانية مشاركة المؤسسات غير المنتخبة من‬
‫مؤسسات الدولة في العملية السياسية‪ ،‬كما دعمت دخول المؤسسات الدينية في العملية السياسية‪ ،‬على‬
‫أساس أن يشارك في العملية السياسية عدة أطراف‪ ،‬وليس فقط األحزاب السياسية‪ ،‬مما يجعل دور التنافس‬
‫الحزبي جزئيا‪ ،‬ويفتح الباب أمام مشاركة سياسية للعديد من المؤسسات غير المنتخبة‪ ،‬والتي يمكن للقوى‬
‫العلمانية أن تتحالف معها‪.‬‬
‫ويكتسب النزاع السياسي حدة واضحة‪ ،‬بسبب عدم وجود أسلوب متفق عليه لحسمه‪ ،‬خاصة‬
‫والقوى العلمانية تعتقد أن األمر إذا ترك لصندوق االنتخابات‪ ،‬فإن القوى اإلسالمية سوف تتصدر المشهد‪،‬‬
‫مما يجعلها تقود تشكيل المضمون الثقافي للثورة‪ .‬والقوى العلمانية لديها لهذا مشكلة مع القوى اإلسالمية‪،‬‬
‫وأيضا مع خيارات عامة الناس الحرة‪ .‬مما يجعل االحتكام لصندوق االقتراع لتحديد هوية الثورة‪ ،‬هو‬
‫رهان خاسر بالنسبة للقوى العلمانية‪ ،‬وتعتقد أنه ال يمكن أن يحقق تصوراتها أو خيارتها‪.‬‬
‫هل تملك النخب العلمانية مضمونا ثقافيا للثورة؟‬
‫والمشكلة األصعب في الصراع العلماني اإلسالمي‪ ،‬أن القوى العلمانية ليس لديها المضمون‬
‫الثقافي ال مناسب للثورة‪ ،‬وليس لديها مضمون ثقافي له شعبية أو يمكن أن يكون له شعبية‪ ،‬حتى يصبح‬
‫مضمونا ثقافيا للثورة‪ ،‬ويحدد رؤية المستقبل لدى أغلب الناس‪ .‬بما يعني أن القوى العلمانية ال تملك‬
‫تصورا يمكن أن يحمله التيار السائد‪ ،‬أو يمكن أن يتحول إلى تيار سائد في المجتمع‪ .‬فالقوى العلمانية تملك‬
‫تصورا مبتورا‪ ،‬وال يمكن ترويجه بين الناس‪.‬‬
‫فالمضمون الثقافي للثورة‪ ،‬يجب أن يشمل تعريفا بالهوية العامة للمجتمع والدولة‪ ،‬وبالتالي للنظام‬
‫السياسي الجديد‪ ،‬بجانب احتوائه على مضمون سياسي‪ ،‬يمثل التوجه السياسي العام‪ ،‬والذي يمثل اإلطار‬
‫الذي يتحرك من داخله التعدد والتنوع السياسي‪ .‬والعلمانية ليست هوية‪ ،‬وتلك أهم مشكلة‪ ،‬فالعلمانية تمثل‬
‫توجها سياسيا عاما‪ ،‬وبداخله تنوع‪ ،‬ولكنها ال تحدد الهوية األساسية للمجتمع والدولة‪ .‬ففي فرنسا مثال‪،‬‬
‫‪5‬‬

‫قبل أن تصبح إسالمية‪ ..‬نزاع الرمق األخير‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫نجد أن الهوية هي القومية الفرنسية‪ ،‬وهي جزء من الهوية الحضارية الغربية‪ ،‬أما التوجه السياسي فهو‬
‫العلمانية‪ .‬لذا فإن تحديد الهوية سابق على تحديد التوجه السياسي‪ ،‬ألن الهوية تعرف وتسمي المجتمع‬
‫والدولة‪ ،‬وبعد ذلك يحدد التوجه السياسي العام‪ ،‬طبيعة وتوجهات نظام الحكم‪.‬‬
‫وحتى يتم الترويج للعلمانية‪ ،‬يجب أن يروج لها سواء صراحة أو ضمنا‪ ،‬ضمن تصور أوسع‬
‫للهوية‪ .‬والعلمانية لم يروج لها من قبل إال في إطار القومية العربية‪ ،‬فكانت القومية العربية هي الهوية‪،‬‬
‫وبداخلها تم زرع العلمانية ضمنا وليس صراحة‪ .‬وألن القومية العربية تمثل جزءا من الهوية التاريخية‬
‫والحضارية للدول العربية‪ ،‬لذا راجت هوية القومية العربية في العديد من الدول العربية‪ .‬ولكن ألن‬
‫المضمون السياسي والثقافي للقومية العربية‪ ،‬وهو العلمانية‪ ،‬كان مقطوع الصلة بالجذور التاريخية‬
‫وبالتراث‪ ،‬وبالموروث الحضاري‪ ،‬لذا سقطت القومية العربية كهوية‪ ،‬ولم تستطع بناء دولة أو تحقيق‬
‫تنمية‪ ،‬إال بشكل مؤقت‪ .‬فغياب الجذر التاريخي الحضاري الحقيقي‪ ،‬يفقد الهوية المنابع الثقافية لها‪،‬‬
‫فتتحول إلى مجرد عنوان بغير جذور‪ .‬ولهذا انفصلت دولة القومية العربية عن مجتمعاتها‪ ،‬وتحولت إلى‬
‫دولة مستبدة‪ ،‬تفرض وصايتها على المجتمع‪ ،‬بسبب مضمونها العلماني المقطوع الصلة بالجذور‬
‫التاريخية الحضارية للمجتمعات العربية‪.‬‬
‫وال يمكن للقوى العلمانية أن تعيد إنتاج القومية العربية‪ ،‬ألنها أساسا ارتبطت بسياسات اشتراكية‬
‫معادية للغرب‪ ،‬كما ارتبطت بسياسات معادية لليبرالية بكل اشكالها‪ .‬وغالب القوى العلمانية‪ ،‬وبعد سقوط‬
‫الشيوعية‪ ،‬أصبحت ليبرالية‪ .‬كما أن القوى العلمانية تخشى أساسا من القومية العربية‪ ،‬والتي يمكن أن‬
‫تتحول إلى هوية عربية إسالمية‪ ،‬بسبب فهم عامة الناس لها‪ .‬فالعروبة لدى عامة الناس‪ ،‬جزء أساسي من‬
‫الهوية اإلسالمية‪ .‬كما أن الدول الغربية الراعية للحل العلماني‪ ،‬ترفض أساسا تجربة القومية العربية‪ .‬لذا‬
‫فالقومية العربية ليست حال مناسبا لتشكيل هوية للحل العلماني‪.‬‬
‫وغالب القوى العلمانية في الواقع‪ ،‬تتبنى القومية القطرية‪ ،‬أي تتبنى القومية المصرية‪ ،‬باعتبارها‬
‫قومية منفصلة عن الهوية العربية واإلسالمية‪ ،‬وباعتبارها قومية تخص جنس بعينه‪ .‬وهذا النموذج يبني‬
‫دولة قومية قطرية علمانية‪ ،‬وهي نفس الدولة التي كانت قائمة قبل الثورة‪ ،‬وهي الشكل الذي تحولت له‬
‫دولة القومية العربية‪ ،‬بعد فشلها في تحقيق انجاز داخل اإلطار العروبي‪ ،‬فأصبحت قومية قطرية‪ .‬وهذا‬
‫النموذج يواجه الهوية العربية واإلسالمية مباشرة‪ .‬مما يعني أن المضمون الثقافي لدى القوى العلمانية ال‬
‫يمكن الترويج له بين عامة الناس‪ ،‬فالهوية القطرية المصرية المخاصمة للهوية العربية واإلسالمية‪ ،‬ليس‬
‫لها شعبية‪ ،‬بل وتثير غضب عامة الناس‪ ،‬وتعتبر هجوما على الهوية التاريخية الحضارية للتيار السائد‪،‬‬
‫سوا ًء في مصر أو في أغلب الدول العربية‪ .‬والهوية المصرية القطرية‪ ،‬تفكك الروابط العربية وتفكك‬
‫الروابط اإلسالمية‪ ،‬وهي بهذا تمثل عملية تفكيك للمنطقة العربية واإلسالمية‪ ،‬وهو نفس التفكيك الذي‬
‫مارسه النظام السابق ومن كان قبله‪ ،‬وهو أيضا نفس التفكيك الذي مارسه االستعمار الغربي‪ ،‬وظلت‬
‫تمارسه الحكومات الغربية في زمن االستعمار غير المباشر‪ ،‬المسمى بالعولمة‪.‬‬
‫يضاف لهذا أن القوى والنخب العلمانية ال تستطيع الترويج للعلمانية مباشرة‪ ،‬ألنها في الحقيقة‬
‫ضد المرجعية اإلسالمية‪ ،‬ومعادية لدور الدين في الحياة العامة‪.‬‬
‫لذا تحاول القوى العلمانية أن تجعل الثورة بال مضمون ثقافي‪ ،‬وتجعلها فقط ثورة مطالب عامة‪،‬‬
‫ولكن تلك المطالب العامة‪ ،‬والتي قد تمثل مطالب بشرية وإنسانية عامة‪ ،‬ال تغني عن حضور الهوية‪ .‬فكل‬
‫مجتمع يعرف نفسه أوال‪ ،‬ويعرف خصوصيته أوال‪ ،‬قبل أن يعرف المشترك بينه وبين بقية اإلنسانية‪ .‬وال‬
‫‪6‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫قبل أن تصبح إسالمية‪ ..‬نزاع الرمق األخير‬

‫يمكن بناء المجتمع الجديد والدولة الجديدة‪ ،‬بدون تعريف بالهوية‪ ،‬والتي تمثل العنوان الرئيس‪ .‬وهي ليست‬
‫فقط عنوان‪ ،‬بل هي مضمون يتحول إلى تصورات‪ ،‬ثم يستخرج منع التوجه السياسي العام‪ ،‬ويبنى عليه‬
‫المستقبل‪ ،‬وتبنى عليه أيضا النهضة المنشودة‪.‬‬
‫ومحاوالت القوى العلمانية لجعل عنوان المدنية هوية ومشروعا سياسيا في الوقت نفسه‪ ،‬هي‬
‫محاوالت تنجح قليال فقط‪ ،‬بسبب أن المدنية هي في مواجهة العسكرية بكل صورها‪ ،‬ولكن المدنية ال تحدد‬
‫هوية‪ ،‬وال تحدد توجه سياسي‪ .‬فكل الدول الديمقراطية‪ ،‬يمكن اعتبارها دوال تقوم على الحكم المدني‪،‬‬
‫فالصحيح أن نقول حكم مدني‪ ،‬وليس دولة مدنية‪ ،‬ألن الدولة هي المحتكر الوحيد للسالح‪.‬‬
‫لهذا تحاول القوى العلمانية تجاوز سؤال الهوية‪ ،‬لتدخل مباشرة في التوجه السياسي العام‪ ،‬والقائم‬
‫على الديمقراطية وحقوق اإلنسان والحرية والعدل وغيرها‪ .‬وهي كلها توجهات أساسية لعدة أنظمة حكم‪،‬‬
‫فهي يمكن أن تقوم على النظام السياسي العلماني أو اإلسالمي‪ ،‬ويمكن أن تبنى داخل إطار هوية قومية‬
‫عرقية‪ ،‬أو هوية حضارية عابرة للقوميات‪ .‬وبهذا فإن التمسك بعدة قواعد‪ ،‬ال يكفي لتحديد الهوية‪ ،‬كما أنه‬
‫ال يكفي لتحديد التوجه السياسي العام‪.‬‬
‫لهذا تجد القوى العل مانية في الواقع العملي‪ ،‬تحاول أن تمنع تكون مضمون ثقافي للثورة‪ ،‬أو تشكل‬
‫مرجعية حضارية للثورة‪ ،‬حتى تبقى الثورة قائمة في فراغ ثقافي كامل‪ ،‬مما يمكن النخب العلمانية من أن‬
‫تمأل هي بنفسها الفراغ الثقافي‪ ،‬وتصبح القيادة الثقافية الحصرية‪ ،‬التي تشكل التوجه الثقافي‪ ،‬دون الرجوع‬
‫إلى عامة الناس‪ .‬مما يسمح للنخب العلمانية بأن تفرض على المجتمع مضمونا ثقافيا لمسار التغيير‬
‫واإلصالح بعد الثورة‪ ،‬لم يختاره المجتمع‪ .‬ولكن المشكلة أن فرض مضمون ثقافي وتوجه حضاري‬
‫واتجاه سياسي على المجتمع‪ ،‬ال يمكن في ظل العملية الديمقراطية‪ ،‬بل وال يتحقق إال في ظل االستبداد‪،‬‬
‫لذا تحاول القوى والنخب العلمانية عرقلة التحول الديمقراطي‪ ،‬حتى يمكن بناء ديمقراطية شكلية‪ ،‬غير‬
‫فاعلة‪.‬‬
‫فتوجه القوى والنخب العلمانية يميل إلى بناء ديمقراطية شكلية أو لنقل جزئية‪ ،‬أي ديمقراطية ال‬
‫يحدد فيها صندوق االنتخاب كل مسارات المستقبل بل جزءا بسيطا منها‪ ،‬دون أن يؤدي صندوق االنتخاب‬
‫إلى تحديد الهوية العامة للدولة والمجتمع‪ ،‬ودون أن يؤدي إلى تحديد التوجه السياسي العام‪ .‬مما يستلزم أن‬
‫تظل الثورة بال مضمون ثقافي‪ ،‬وهو ما يعني أن يبقى عامة الناس بال تصور‪ ،‬وأن تبقى األغلبية داخل‬
‫مرحلة التي ه بعد الثورة‪ ،‬حتى تتمكن النخب العلمانية مع مؤسسات الدولة المساندة لها‪ ،‬والقوى األخرى‬
‫الداعمة لها‪ ،‬من تصدر السلطة السياسية بدون تفويض انتخابي‪.‬‬
‫هل تصبح الثورة إسالمية؟‬
‫ويواجه المشروع العلماني تحديا من نوع آخر‪ ،‬يتمثل في طبيعة المرجعية اإلسالمية‪ ،‬فهي تمثل‬
‫هوية‪ ،‬وفي نفس الوقت تمثل توجها سياسيا عاما‪ .‬فاختيار المرجعية اإلسالمية‪ ،‬يعني اختيار الهوية العامة‬
‫للدولة والمجتمع‪ ،‬واختيار التوجه السياسي العام في نفس الوقت‪ .‬ألن المرجعية اإلسالمية‪ ،‬هي هوية‬
‫بالفعل‪ ،‬وهي هوية تاريخية حضارية‪ ،‬كما أنها تمثل قواعد عامة تحكم النظام السياسي‪ ،‬وبالتالي تحدد‬
‫التوجه السياسي العام‪ .‬وبداخل المرجعية اإلسالمية مساحة واسعة من التعدد‪ ،‬بل هي مساحة واسعة‬
‫لدرجة تجعل المرجعية اإلسالمية مكتفية بذاتها من حيث التعدد والتنوع‪ ،‬وال تحتاج إلى تنوع أو تعدد من‬
‫خارجها‪ .‬وهي بهذا مرجعية شاملة‪ ،‬تحدد الهوية وقواعد النظام السياسي‪ ،‬والتوجهات العامة‪ ،‬وتسمح‬
‫‪7‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫قبل أن تصبح إسالمية‪ ..‬نزاع الرمق األخير‬

‫بتعددية واسعة‪ ،‬مما يجعلها إطارا للتنوع داخل مرجعية متكاملة‪ .‬لهذا فالنخب والقوى العلمانية تواجه‬
‫مرجعية تجيب على سؤال الهوية‪ ،‬وسؤال التوجه السياسي العام‪ .‬وكلما حاولت النخب العلمانية حصر‬
‫المواجهة بينها وبين القوى اإلسالمية في مسألة التوجه السياسي العام‪ ،‬ظهرت نقطة ضعف النخب‬
‫والقوى العلمانية المتمثلة في غياب الهوية الصريحة‪ ،‬بسبب أن ما تمثله تلك القوى من هوية ليس لها قبوال‬
‫شعبيا‪ ،‬بل وتلقى رفضا شعبيا واسعا‪ ،‬نعني الهوية القومية القطرية المخاصمة للهوية العربية واإلسالمية‪.‬‬
‫وهو ما يجعل القوى اإلسالمية تحيل السجال إلى مسألة الهوية‪ ،‬ألنها ترى أن حسم الهوية العامة للدولة‬
‫والمجتمع‪ ،‬يحسم حالة الفراغ الثقافي‪ ،‬ويحدد مسار التحوالت بعد الثورة‪.‬‬
‫وألن القوى العلمانية ال تستطيع مخاصمة الهوية اإلسالمية مباشرة‪ ،‬لذا فهي تركز خصومتها مع‬
‫القوى اإلسالمية‪ ،‬ولكن هذا يجعل الهوية اإلسالمية بال منافس حقيقي‪ ،‬وبال بديل حقيقي‪ .‬فالقوى العلمانية‬
‫ال تجهر بهويتها القومية القطرية المخاصمة للهوية اإلسالمية‪ ،‬وأيضا ال تستطيع الجهر بمخاصمة الهوية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬بل وتضطر أحيانا كثيرة بالتصريح بأنها توافق على مرجعية مبادئ الشريعة اإلسالمية‪ ،‬لذا‬
‫فإن سؤال الهوية يبقى بإجابة واحدة‪ .‬وكما أشرنا‪ ،‬فإن تشويه قوى إسالمية ال يؤدي إلى تشويه المرجعية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬ألنها ال تخص تلك القوى‪ ،‬بل تخص األمة أساسا‪ ،‬لذا فإن تمدد المرجعية اإلسالمية في‬
‫المجتمع‪ ،‬والذي لم يستطع النظام السابق وقفه‪ ،‬يستمر وبصورة أوسع بعد الثورة‪ ،‬بعد أن أصبح المجتمع‬
‫حرا في اختيار المرجعية التي تعبر عنه‪.‬‬
‫ومع غياب المضمون الثقافي للثورة‪ ،‬واستمرار التوافق حول الهوية اإلسالمية‪ ،‬يتشكل التيار‬
‫السائد‪ ،‬أي التيار المعبر عن الهوية السائدة في المجتمع‪ ،‬والذي يمثل أغلبية مجتمعية واضحة‪ .‬وإذا كان‬
‫النظام السابق قد حاول عرقلة بناء التيار السائد‪ ،‬كما تحاول القوى والنخب العلمانية ونخب الدولة العميقة‬
‫عرقلة بناء التيار السائد بعد الثورة‪ ،‬فإن تشكل التيار السائد يعتمد أساسا على عملية تفاعل اجتماعي ثقافي‬
‫واسعة‪ ،‬تحدث في كل األحوال مهما حاول البعض عرقلتها‪.‬‬
‫وهنا تبرز المسألة األكثر أهمية‪ ،‬فالهوية اإلسالمية ليست هوية للدولة والنظام السياسي فقط‪ ،‬بل‬
‫هي أساسا هوية اجتماعية تشكل السلوك االجتماعي‪ ،‬كما تشكل بنية المجتمع وشبكة العالقات االجتماعية‪،‬‬
‫كما أنها هوية لألسرة‪ ،‬والتي تمثل وحدة البناء المركزي في المجتمع‪ .‬لذا فإن محاوالت وقف تشكل الهوية‬
‫اإلسالمية في المجال السياسي‪ ،‬ال تمنع من تشكل التيار السائد اجتماعيا وثقافيا وحضاريا‪ .‬وألن المجال‬
‫االجتماعي أقوى من المجال السياسي في البالد ذات الطابع الشرقي المحافظ المتدين‪ ،‬لذا يصبح تشكل‬
‫التيار السائد اجتماعيا‪ ،‬يعني تشكله سياسيا أيضا‪ .‬وألن القوى اإلسالمية هي قوى اجتماعية أساسا‪ ،‬فإن‬
‫ما تتعرض له في المجال السياسي ال يؤثر على تمددها االجتماعي‪ ،‬كما ال يؤثر على قدرتها على حماية‬
‫المرجعية اإلسالمية اجتماعيا وثقافيا‪ ،‬لذا فإن القوى اإلسالمية تساعد على تشكيل التيار السائد اإلسالمي‪،‬‬
‫حتى وإن لم تحقق نجاحا في المجال السياسي‪ ،‬مما يمكنها من بلورة هوية الدولة والمجتمع على المستوى‬
‫االجتماعي أوال‪ ،‬وهو ما يؤدي إلى بلورة تلك الهوية سياسيا‪.‬‬
‫وفي ظل مناخ يتسم بالحرية بعد الثورة‪ ،‬يصبح من الصعب إن لم يكن مستحيال أن يعيد أحد إنتاج‬
‫االستبداد السابق‪ ،‬لذا ال يمكن عرقلة التفاعل الحر على المستوى االجتماعي‪ ،‬والذي فشل النظام السابق‬
‫رغم كل استبداده في عرقلته عرقلة كاملة‪ .‬مما يعني أن تمدد وتشكل الهوية ال يمكن إيقافه‪ ،‬وبالتالي ال‬
‫يمكن منع بروز وحضور الهوية اإلسالمية‪ ،‬مادامت هي هوية التيار الغالب في المجتمع‪ .‬وألن الحركة‬
‫اإلسالمية متجذرة في المجتمع‪ ،‬بل وتعتبر تجذرها االجتماعي ضرورة وحتمية‪ ،‬وشرط لنجاحها‪ ،‬لذا‬
‫‪8‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫قبل أن تصبح إسالمية‪ ..‬نزاع الرمق األخير‬

‫يحدث اندماج واسع بين الحركات اإلسالمية والمجتمع‪ ،‬مما يجعلها قيادة اجتماعية طبيعية للمجتمع‪ ،‬حتى‬
‫ولو تم عرقلة حضورها السياسي‪ .‬وبهذا تتمكن الحركات اإلسالمية من تنظيم التعبير عن الهوية العامة‪،‬‬
‫وتنظيم الدفاع عن الهوية اإلسالمية‪ ،‬مما يساعدها على دفع الهوية التي تحظى برضا األغلبية إلى‬
‫الصدارة‪.‬‬
‫وهو ما يعني أن الهوية سوف تشكل المضمون الثقافي للثورة‪ ،‬وتصبح الهوية اإلسالمية هي‬
‫عنوان مشروع الثورة‪ ،‬فيتجه مسار الثورة إلى بناء المجتمع اإلسالمي والدولة اإلسالمية‪ ،‬وإلى تحقيق‬
‫النهضة اإلسالمية‪ ،‬وعندئذ تصبح الثورة الشعبية مقدمة لصحوة إسالمية‪ ،‬تجعل الثورة إسالمية في‬
‫نتائجها‪.‬‬
‫هل تنجح النخب العلمانية في اجهاض الصحوة الحضارية؟‬
‫ألن مسار تشكل مضمون الثورة الثقافي حسب اإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬وطبقا لقواعد التحول‬
‫الديمقراطي‪ ،‬يتجه نحو المرجعية اإلسالمية‪ ،‬لذا يصبح وقف مسار التغيير واإلصالح‪ ،‬بل ووقف مسار‬
‫التحول الديمقراطي‪ ،‬وأيضا وقف االحتكام لإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬هو سبيل القوى العلمانية لوقف تشكل‬
‫المضمون اإلسالمي للثورة‪.‬‬
‫وكل عرقلة ممكنة‪ ،‬ولكن استمرار العرقلة له تكلفة عالية‪ ،‬تكلفة يدفعها المجتمع أوال‪ ،‬ثم تكلفة‬
‫تدفعها القوى والنخب العلمانية‪ ،‬التي تعيق تحقيق المجتمع لغاياته‪ ،‬بل وتعيق المجتمع عن اختيار غاياته‪.‬‬
‫فالمشكلة أن ما تدفع له القوى العلمانية هو وقف مسار التغيير‪ ،‬وليس الدفع في مسار تغيير مختلف‪.‬‬
‫فالقوى والنخب العلمانية‪ ،‬وألنها ال تملك بديال يمكن الترويج له‪ ،‬فإنها تركز على الهجوم على القوى‬
‫اإلسالمية‪ ،‬بما يعني أنها ال تملك بديال‪ ،‬ولكن تحاول تعطيل خصمها التقليدي‪ ،‬أي القوى اإلسالمية‪.‬‬
‫والتعطيل لن يحقق شيئا‪ ،‬بل سوف يزيد المجتمع قلقا وتوترا‪ ،‬وربما يزيده احباطا وارتباكا‪ .‬والتعطيل في‬
‫كل األحوال ممكن‪ ،‬وقابل للتكرار على مراحل متعددة‪ ،‬ولكن الوقوف في المربع األول أحيانا أو حتى‬
‫غالبا‪ ،‬لن يحقق للمجتمع أي تقدم‪ ،‬مما يعني أن القوى العلمانية تستطيع العرقلة‪ ،‬بأكثر مما تستطيع تقديم‬
‫البديل المقبول‪.‬‬
‫والعرقلة تعني في النهاية‪ ،‬تقييد لإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬وهذا التقييد ممكن أحيانا‪ ،‬ولكن من‬
‫الصعب أن يستمر دون انقالب عسكري ضد الثورة‪ ،‬وهو أمر غير متاح‪ .‬لذا يصبح تقييد دور اإلرادة‬
‫الشعبية الحرة‪ ،‬من خالل أحكام قضائية تحبط خيارات تلك اإلرادة مثال‪ ،‬ممكن أحيانا‪ ،‬ولكنه ال يمكن أن‬
‫يستمر بال نهاية‪.‬‬
‫إذن ال يوجد احتمال يعرقل تشكل مضمون ثقافي للثورة‪ ،‬بما يحولها إلى مشروع نهضة‪ ،‬إال بأن‬
‫يتم إحباط الثورة نفسها‪ ،‬أو إحباط اإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬حتى تنفض عن مسار الثورة‪ .‬وألن حالة‬
‫االحتجاج العام عمت المجتمع بالفعل‪ ،‬بل وتحولت إلى حالة انفالت شعبي‪ ،‬لذا أصبح من الصعب‬
‫السيطرة على تلك الحالة‪ ،‬أو إرجاع الناس أو أغلبهم لحالة الصمت السلبي‪ .‬فالمعركة بين اإلرادة الشعبية‬
‫الحرة وبين كل القوى التي تريد عرقلتها‪ ،‬وصلت إلى لحظة تاريخية فاصلة‪ ،‬أصبحت فيها اإلرادة الشعبية‬
‫الحرة خارج أي سيطرة‪ ،‬لدرجة أنها يمكن أن تخرج حتى عن سيطرة النظام والقانون‪ .‬مما يعني أن حالة‬
‫االنفالت الشعبي‪ ،‬هي التي تمنع أي أحد من السيطرة على اإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬أو إحباط تلك اإلرادة‪.‬‬
‫‪9‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫قبل أن تصبح إسالمية‪ ..‬نزاع الرمق األخير‬

‫فا لفوضى الشعبية الظاهرة بعد الثورة‪ ،‬مثلت حالة تمرد ضد أي محاولة لفرض الوصاية أو السيطرة‪،‬‬
‫لدرجة أن التمرد أصبح على الدولة والقانون أيضا‪.‬‬
‫كل هذا يجعل القوى والنخب العلمانية قادرة على النجاح أحيانا ومؤقتا‪ ،‬ولكنها غير قادرة على‬
‫تحقيق نصر نهائي‪ .‬ومع مرور الوقت‪ ،‬فإن قدرة القوى والنخب العلمانية على النجاح مرة أخرى في‬
‫عرقلة مسيرة الثورة‪ ،‬أو عرقلة تشكل مضمونها الثقافي سوف تقل‪ ،‬حتى تصل لمرحلة يصبح من‬
‫الصعب عليها إعادة إنتاج العرقلة مرة أخرى‪.‬‬
‫فكل الثورات لها مسار‪ ،‬وهي في أولها ضعيفة ثم تزداد قوة‪ ،‬ثم تزداد استقرارا واستمرارية‪ ،‬مما‬
‫يعني أن مسار الثورة يقوى مع الزمن‪ ،‬إذا فهمنا أن الثورة ليست فقط فعل اسقاط النظام‪ ،‬بل هي أساسا‬
‫فعل البناء والتغيير واإلصالح‪ .‬وهو ما يعني أنه كلما تجاوزت الثورة ما تتعرض له من عرقلة‪ ،‬وتجاوز‬
‫عامة الناس ما يتعرضون له من تضليل وإرباك وإحباط‪ ،‬ازدادت قوة اإلرادة الشعبية‪ ،‬وأصبحت عرقلتها‬
‫صعبة‪ ،‬حتى إذا تبلور مسار الثورة ومضمونها الثقافي‪ ،‬أصبح من الصعب عرقلة مسارها مرة أخرى‪.‬‬
‫هل تفقد الثورة المضمون الحضاري‪ ،‬وتكرر نماذج ثورات فشلت؟‬
‫كانت الثورات التي مرت بها الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬قبل الربيع العربي‪ ،‬بدون مضمون‬
‫حضاري‪ ،‬ولم تكن حركة من أجل تحقيق االستقالل الحضاري‪ ،‬وركزت فقط على االستقالل العسكري‬
‫والسياسي‪ .‬ومعظم تلك الثورات انتهت بالتبعية السياسية للغرب‪ ،‬المستعمر القديم‪ .‬وظلت مسألة االستقالل‬
‫الحضاري تمثل المكون الغائب من حركة التحرر الوطني‪ ،‬بل وظلت معظم حركات التحرر الوطني تبنى‬
‫على أساس إعادة إنتاج النموذج الغربي‪ ،‬ولكن مع تحقيق االستقالل عن الغرب‪.‬‬
‫وبات واضحا أن االستقالل ال يتحقق إال باالستقالل الحضاري‪ ،‬وأن كل الثورات التي ال تبنى‬
‫على االستقالل الحضاري تنتهي بالتبعية للدول األقوى‪ .‬كما ظهر أن التنمية والتقدم ال تتحقق‪ ،‬إال كفعل‬
‫نهضوي قائم على االستقالل الحضاري‪ ،‬وأن التنمية التي تقوم على تقليد النماذج الحضارية األخرى‬
‫المتقدمة‪ ،‬تنتهي بدون تحقيق تنمية حقيقية‪ .‬فالتقدم يتحقق من خالل النهوض الحضاري‪ ،‬ومن خالل تقديم‬
‫نموذج حضاري جديد‪ ،‬يستفيد من كل التجارب السابقة له‪ ،‬ويتجاوز ما قدمته‪ ،‬فيقدم نموذجا خاصا به‪.‬‬
‫وثورات الربيع العربي‪ ،‬هي أول ثورات شعبية ال تقودها نخب‪ ،‬سواء كانت مدنية أو عسكرية‪،‬‬
‫لذا فهي ثورات تقودها الشعوب‪ ،‬مما يعني أنها أول ثورات يمكن أن تحمل المضمون الحضاري‬
‫الموروث لتلك الشعوب‪ .‬ولكن تحقيق المضمون الحضاري المستقل لثورات الربيع العربي‪ ،‬يمثل تحديا‬
‫يجاوز تحدي اسقاط النظم المستبدة الحاكمة‪ ،‬ألن تحقيق المنطقة العربية واإلسالمية الستقاللها‬
‫الحضاري‪ ،‬كاف لتغيير المنظومة الدولية والنظام الدولي‪ ،‬وكاف أيضا لتغيير موازين القوى بين‬
‫الحضارات اإلنسانية‪ ،‬وتشكيل عالم متعدد حضاريا‪ ،‬تقوم فيه أكثر من حضارة بدور عالمي ريادي‪.‬‬
‫لذا فما يحدث من نزاع سياسي داخل دول الربيع العربي‪ ،‬يمثل حلقة من صراع حضاري عالمي‪،‬‬
‫تحاول فيه الحضارة المتقدمة أن تحتفظ بموقع الريادة بمفردها‪ ،‬وتخشى من تحقيق حضارات أخرى‬
‫لموقع ريادي منافس‪ .‬والوضع الدولي واإلقليمي تم ترتيبه بحيث ال تنهض المنطقة العربية واإلسالمية‬
‫حضاريا‪ ،‬حتى وإن حققت أي درجة من التقدم‪ .‬فالسياسة الغربية تقوم أساسا على الهيمنة على المنطقة‬
‫العربية واإلسالمية‪ ،‬والتي تمثل منطقة وسط العالم‪ ،‬ومنع قيام أي نموذج حضاري ناهض بها‪ ،‬حتى ال‬
‫‪01‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫قبل أن تصبح إسالمية‪ ..‬نزاع الرمق األخير‬

‫يكون منافسا للغرب‪ ،‬ويحد من هيمنته على العالم‪ ،‬وربما ينهي تلك الهيمنة‪ .‬وهذا الوضع يعطي بعدا‬
‫إقليميا ودوليا للنزاع الحادث بين القوى اإلسالمية والقوى العلمانية‪ ،‬حيث تستند األولى على قاعدتها‬
‫الشعبية‪ ،‬وتستند الثانية على األوضاع الدولية واإلقليمية‪.‬‬
‫وفي كل األحوال‪ ،‬فإن اإلفاقة الحضارية التي تؤدي إلى بداية النهوض الحضاري‪ ،‬هي فعل‬
‫مجتمعي بامتياز‪ ،‬تقوم به األمة‪ ،‬وتساندها قواها الحية‪ ،‬وتساندها الدولة من خالل السلطة المدنية المنتخبة‪.‬‬
‫فالمجتمع هو الذي يختار هويته‪ ،‬ويحدد قواعدها ونظامها العام‪ ،‬وهو الذي يفرض تلك الهوية على الدولة‪،‬‬
‫ويؤيد القوى التي تتمسك بتلك الهوية‪ .‬لذا فكل قوى االستعمار الخارجي واالستعمار المحلي‪ ،‬عملت على‬
‫منع المجتمع من تحقيق اختياراته‪ .‬وبعد ثورات الربيع العربي‪ ،‬فتح الطريق للمرة األولى أمام المجتمع‪،‬‬
‫ليختار بنفسه هويته‪ ،‬ويحدد أسس نهوضه الحضاري‪ .‬لذا تواجه مجتمعات الربيع العربي‪ ،‬وكل‬
‫المجتمعات العربية واإلسالمية‪ ،‬حربا منظمة لمنعها من تحقيق اختياراتها الحضارية الحرة‪.‬‬
‫لذا فالمسألة ال تتعلق بما تختاره الحركات اإلسالمية‪ ،‬أو ما تقرره‪ ،‬قدر ما تتعلق أساسا بما يقرره‬
‫المجتمع‪ ،‬والحركة اإلسالمية تتفاعل مع الموروث الحضاري للمجتمعات‪ ،‬وتحي هذا الموروث‪ ،‬وتعمل‬
‫على إحياء المرجعية اإلسالمية‪ ،‬ولكن نجاح الحركة اإلسالمية مرتبط أساسا بموقف المجتمع‪ .‬فإذا تشكل‬
‫تيار سائد فاعل يعبر عن الموروث الحضاري للمجتمع‪ ،‬فسوف يقود عملية النهوض الحضاري‪.‬‬
‫لذا فإن ثورات الربيع العربي تمر بعدة مراحل‪ ،‬وعدة انتكاسات‪ ،‬فليس مسارها صاعدا‬
‫باستمرار‪ ،‬ألن القوى المقاومة الستكمال الثورة بالتحرر الحضاري‪ ،‬قادرة على عرقلة مسار التحرر‬
‫الحضاري‪ .‬لذا يدخل مسار الثورة في مراحل إحباط‪ ،‬وتفقد الجماهير حماسها للثورة أحيانا‪ ،‬وتستمر حالة‬
‫التيه الحضاري لفترات طويلة‪ ،‬قبل أن تشكل المجتمعات مضمونا حضاريا لثورتها‪ ،‬لتحول الثورة إلى‬
‫نهضة‪ .‬لكن من الواضح أن المجتمعات لن تستلم مرة أخرى إلى أي شكل من أشكال الهيمنة واالستبداد‪،‬‬
‫ولن تسلم حريتها ألحد‪ ،‬مما يعني أنه بقدر ما يحافظ المجتمع على حريته‪ ،‬مهما تعرض له من ارتباك‬
‫واحباط‪ ،‬بعضه طبيعي وبعضه مخطط‪ ،‬تظل فرصته في تحقيق اإلفاقة الحضارية قائمة‪ .‬فمسار الثورة‬
‫يتعثر‪ ،‬ولكن لم يعد االنتكاس الكامل للثورة محتمال‪.‬‬

‫‪00‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful