‫مدارس علم النفس‬

‫جلد‪1‬‬

‫السيد أحمد القبانچي‬

‫نظريان المدارس النفسية‬

‫‪ ‬نظريات المدرسة القديمة)اليونانية(‬
‫‪ ‬نظريات المدرسة المسيحية‬
‫‪ ‬نظريات المدرسة البوذائية‬
‫‪‬نظريات المدرسة الحديثة )الغربية(‬

‫بسم ال الرحمن الرحيم وبه نستعين‬
‫مقّدمة‬
‫لم تكن أهمية معرفة النفس خافية على النسان منذ أقدم العصور‪ ،‬فالتعاليم الخلقية لتربييية‬
‫النفس كانت موجودة في الحضييارات القديميية وخاصيية فييي بلد الهنييد منييذ خمسيية آلف سيينة‪،‬‬
‫ن المذهب البوذائي‪ ،‬الذي يعتبر من أقدم المييذاهب الخلقييية الموجييودة‪ ،‬والييذي يرجييع‬
‫بحيث أ ّ‬
‫ل وارثًا لعّدة مذاهب أخلقية سبقته بمئات‬
‫تاريخه إلى »‪ «600‬عام قبل الميلد‪ ،‬لم يكن إ ّ‬
‫السنين‪ ،‬كما دّلت الشواهد التاريخية علييى ذلييك‪ ،‬ولكيين علييم النفييس فييي المييذاهب القديميية كييان‬
‫ممتزجًا مع الدين والفلسفة وانفصييل عنهمييا فييي السيينين المتييأخرة بعييد تطييور العلييوم وتشييعبها‬
‫وكثرتها‪.‬‬
‫لولى في الهمييية‪،‬‬
‫وفي عصرنا الحاضر بالذات نجد الحاجة إلى علم النفس تأتي بالدرجة ا ُ‬
‫حيية إلييى هييذا العلييم فييي بداييية القييرن العشييرين‪ ،‬وخاصيية بعييد الحييرب‬
‫وقد ظهرت الحاجة المل ّ‬
‫لولى والثانية‪ ،‬لكثرة المشاكل النفسييية الييتي خّلفتهييا الحييرب العالمييية علييى البشييرية‪،‬‬
‫العالمية ا ُ‬
‫ويمكن أن نوجز أهمية دراسة علم النفس وضرورة رفد المجتمع السلمي بالكتب والدراسييات‬
‫النفسية بما يلي‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ بعد الكتشافات العظيمة والتقّدم العلمي الذي حّققه النسان على جميع الصعدة وجد‬
‫النسان نفسه في دوامة من المشاكل النفسية وأمواج القلق والضطراب الروحي والعقد النفسية‬
‫ل جانب مّما ساعد على توّلد علم النفس‪ ،‬أو بالحرى إنفصاله عن الفلسفة‪ ،‬وتأكيد‬
‫تتقاذفه من ك ّ‬
‫ل المشيياكل الفردييية‬
‫علماء النفس على ضرورة التعّمييق فييي معرفيية أسييرار النفييس كمفتيياح لحي ّ‬
‫والجتماعية الراهنة‪.‬‬
‫لو تعّلم النسان جميع العلوم ودرس مختلف المعارف وترك معرفة نفسه فكيييف يتسيينى لييه‬
‫استثمار هذا المخزون المعرفي لما فيه خيره وصلحه وهو جاهل بما ينفعه وما يضّره؟‬
‫المام علي )عليه السلم( يقول‪:‬‬
‫»عجبت لم ينشد ضالته وقد أضّل نفسه فل يطلبها«)‪.(1‬‬
‫ل أّننا ل نهتم لمعرفة الطريق الصحيح لسييعادها‬
‫ب أنفسنا ونريد سعادتها إ ّ‬
‫والعجيب أّننا نح ّ‬
‫ودفع الضرر عنها ‪...‬‬
‫‪ ()1‬غرر الحكم‪ ،‬ص ‪ ،233‬ح ‪.4658‬‬

‫ن القييوانين النفسييية‬
‫ثّمة شيء آخر وهييو أّنييك إذا عرفييت نفسييك عرفييت الخرييين أيضيًا; ل ّ‬
‫حَدة(‪.‬‬
‫خَلَقُكم ِمن َنْفس َوا ِ‬
‫والعقد وطرق العلج متشابهة‪ ،‬وكما يقول القرآن الكريم‪ ) :‬هو اّلذي َ‬
‫)‪(2‬‬

‫وبمعرفتك لنفوس الخرين فاّنه يسهل عليك التعامل معهم بالتي هي أحسيين‪ ،‬وسييوف تكييون‬
‫موّفقا على الصعيد الجتماعي أيضًا ل سّيما في الوسط العائلي ‪...‬‬
‫ب اللعبيية الييتي يعرفهييا ويتقنهييا‪ ،‬فييإذا تعّلييم كييرة القييدم أو السييباحة أو‬
‫النسان يرغييب ويح ي ّ‬
‫الشطرنج تجده راغبًا فيها‪ ،‬ويكره الخوض في لعبيية يجهلهييا‪ ،‬فهكييذا بالنسييبة إلييى التعامييل مييع‬
‫ن يحّبه من عرفه وعرف قوانينه‪ ،‬وهو يتوّقف علييى معرفيية نفسيييات النيياس ومييا‬
‫الناس‪ ،‬فهو ف ّ‬
‫ينفعهم وما يضّرهم وما يحّبون وما يكرهون ‪...‬‬
‫الكثير من الخلفات في العائلة الواحدة ناشئة ميين جهييل الييزوج أو الزوجيية بنفسييية الخيير‪،‬‬
‫ل واحد منهما الخر أّول المر‪ ،‬ثيّم بعييد ذلييك معرفيية الطريييق‬
‫ل لها في أن يدرك ك ّ‬
‫ويكمن الح ّ‬
‫إلى تجّنب المشكلت ‪..‬‬
‫ظييف فييي دائرتييه‪ ،‬أو العامييل فييي محيييط عملييه‪ ،‬نجييد أكييثر‬
‫وعندما نحّلل أسباب فشييل المو ّ‬
‫الموارد تشير إلى عدم التوافق مع الخرين في الدائرة أو المصنع‪ ،‬وليس بالضرورة أن يكييون‬
‫السبب ماديًا ‪..‬‬
‫ل‪ ،‬ل ييياأخي ‪..‬‬
‫ن الييزواج قضيياء لشييهوة عييابرة وإنجيياب للطفييال ليييس إ ّ‬
‫البعض يتصّور أ ّ‬
‫ن المعاملة الزوجية‪ ،‬وكيف يكييون‬
‫ن ‪ ..‬وعلى الرجل أن يتعّلم ف ّ‬
‫ن ‪ ..‬وتربية الطفال ف ّ‬
‫الزواج ف ّ‬
‫ن تربية الطفال ‪..‬‬
‫ن معاملة الزوج‪ ،‬وف ّ‬
‫زوجًا ناجحًا وأبًا صالحًا‪ ،‬وهكذا على المرأة أن تتعّلم ف ّ‬
‫ل يمّر من معرفيية‬
‫ن الطريق إلى معرفة ال عّزوج ّ‬
‫وتتأّكد معرفة النفس بالنسبة للمؤمنين; ل ّ‬
‫النفس‪ ،‬كما ورد في الحديث الشريف عن رسول ال )صلى ال عليه وآله وسلم(‪» :‬من عرف‬
‫نفسه فقد عرف رّبه«)‪.(3‬‬
‫ن تطور المدنية الحديثة وإقبال الناس على الستفادة من الوسائل المادية وإنتشار‬
‫‪2‬ـإّ‬
‫الثقافة وتنّوعها بشكل لم يسبق له مثيل‪ ،‬وتزامن إشباع الحاجات والغرائز الجسييدية مييع إهمييال‬
‫ل ذلك أّدى إلى تمّزق وحييدة النفييس وتشييتت الهييواء والفكييار‬
‫الجانب المعنوي في النسان‪ ،‬ك ّ‬
‫والبتلء بالزمييات والمييراض النفسييية والجتماعييية حّتييى تص يّور بعييض علميياء النفييس أ ّ‬
‫ن‬
‫البتلء بالعقد النفسييية والجتماعييية هييو أميير لبيّد منييه فييي هييذا الزمييان‪ ،‬وهييو ثميين التطييور‬

‫‪ ()2‬سورة العراف‪ :‬الية ‪.189‬‬
‫‪ ()3‬بحار النوار‪ :‬ج ‪ ،2‬ص ‪ ،32‬ح ‪.22‬‬

‫ن تطور البشرية يسييتلزم كبييت الغييرائز وبالتييالي إلييى نشييوء العقييد‬
‫الحضاري ‪ ..‬فرويد يرى أ ّ‬
‫ن النسان ل يمكنه أن يجمع بييين الّلييذة والتطييور‪ ،‬ولهييذا ل يكييون التطييور والتق يّدم‬
‫النفسية‪ ،‬وأ ّ‬
‫العلمي نعمة للبشرية ‪...‬‬
‫ن الزمييات‬
‫ل فسييتجد أ ّ‬
‫ل أّنك لو تعّمقت قلي ً‬
‫وهذا المعنى وإن كان صحيحًا بحسب الظاهر‪ ،‬إ ّ‬
‫النفسية ليست ملزمة لنفس التطور المييادي‪ ،‬بييل للشييباع الخيياطي للغييرائز الجسييدية وإهمييال‬
‫الجانب المعنوي والخلقي في النسان ‪..‬‬
‫النسان بإمكانه أن يجمع بين التطور المادي والسعادة النفسية إذا عييرف كيييف يسييتفيد ميين‬
‫عقله بالشكل المطلوب للموازنة بييين الحاجييات الجسييدية والحاجييات النفسييية‪ ،‬ول يهتييم بإشييباع‬
‫غرائزه الجسدية على حساب الجانب المعنوي في النسان ‪..‬‬
‫ولكن كيف يمكن إعطاء الجانب المعنوي حّقه إذا كان هذا النسييان ل يعييترف بوجييوده ول‬
‫يرى في النفس سوى الجانب الشهوي والحيواني؟ وأساسًا ل يرى في هذا النسان سوى الجسد‬
‫وحاجاته المادية كما نلحظ ذلك في نظريات علميياء النفييس الغربيييين وفلسييفتهم‪ ،‬ولييذلك كييان‬
‫ل الغربي لعلج المراض النفسية قاصرًا في كثير من الموارد‪ ،‬ونجييده يقييف عيياجزًا أمييام‬
‫الح ّ‬
‫ن بعييض النظريييات النفسييية قييد زادت ميين ح يّدة‬
‫المأساة التي يعانيها النسييان الغربييي‪ ،‬حّتييى أ ّ‬
‫المأساة وأّدت إلى تمّزق العائلة وسييقوط النسييان فييي إنفرادييية قاتليية وإنعييدام الثقيية نهائييًا بييين‬
‫الناس‪ ،‬كنظرية فرويد حول الكبت الجنسي والدعوة إلى التحّلل الجنسي‪ ،‬ودعوة الوجودية إلى‬
‫التحّرر المطلق‪ ،‬ونظريات نيتشه اللماني حول رفض الخلق مطلقًا واعتبار الرحمة والشفقة‬
‫من علمات الضعف النفسي‪ ،‬وهكذا من يقول بضييرورة الخلق ميين علميياء الغييرب ل يييرى‬
‫ل الخلق المصلحية‪ ،‬فالمصلحة الفردية هي أساس الخلق ‪ ..‬وهكذا‪.‬‬
‫منها إ ّ‬
‫وبعد أن عرفنا أهمية علم النفس ينبغي التأكد من صييحة الفكييار المسييتوردة قبييل إمضييائها‬
‫طلييع المسييلمون علييى ثقييافتهم السييلمية الغنييية قبييل اسييتجداء‬
‫وقبولها والعمل بهييا‪ ،‬ولبيّد أن ي ّ‬
‫النظريات التي أثبت الواقع الغربي فشلها بالتجربة‪ ،‬ولم يحصل منها على ما يريد ‪..‬‬
‫ل حّتييى‬
‫التطور المادي ل يعني التفّوق في كل شيء‪ ،‬ول ينبغي تقليد النسييان الرياضييي مث ً‬
‫في أخلقه‪ ،‬أو نعجب بعالم فيزيائي فنأخذ منه المضمون الفكري وامحتوى العقائدي‪ ،‬أو نكييون‬
‫معجبين بملك أو رئيس أو قائد تاريخي فنأخذ منه الدين ‪ ..‬فهذه كّلها من آفات التقليد العمى‪.‬‬

‫‪ 3‬ـ لبّد من التمييز بين علم النفس ومعرفة النفس‬

‫)‪(4‬‬

‫والديان بصورة عامة تهتّم بمعرفة‬

‫النفس من خلل المواعظ الخلقية ونظرتهييا إلييى النسييان والمجتمييع والعلقييات الجتماعييية‪،‬‬
‫ومن خللها يمكن إستخراج علم النفس لهذه الديان‪ ،‬والمذهب البوذائي أيضًا ميين هييذا القبيييل‪،‬‬
‫بينما يهتّم الفلسفة وعلماء النفس بعلم النفس وكيفية نشييوء النفييس والييدوافع والغييرائز وطييرق‬
‫معالجة المراض النفسية وغير ذلك‪ ،‬فكذلك يمكن استخراج المذهب النفسي من خلل نظريات‬
‫علم النفس‪ ،‬أي الوصول إلى معرفة النفس من خلل علييم النفييس‪ ،‬فيكييون علييم النفييس كمقّدميية‬
‫لمعرفة النفس التي هي الصل‪ ،‬فنحن عندما نؤكد على علم النفس ل لجل العلم بكيفييية النفييس‬
‫والنظريات الفلسفية عنها والدوافع والمراض النفسية‪ ،‬بل ميين أجييل هييدف آخيير وهييو معرفيية‬
‫النفس‪ ،‬فعلم النفس طريق إلى معرفة النفس بالمعرفة الحضورية‪ ،‬وطريق إلى التكامل النفسي;‬
‫ل بعد معرفة الطريق إليه ‪..‬‬
‫ن الكمال ل يكون إ ّ‬
‫لّ‬
‫ن التكامل المعنوي ل يكون بهذه السهولة‪ ،‬فهو بحاجة إلى صبر ومثابرة‪ ،‬ولييذلك س يّمي‬
‫ثّم أ ّ‬
‫بي»الجهاد الكبر« وعلم النفس إضييافًة إلييى أّنييه يكشييف الطريييق أمييام النسييان ويعّرفييه علييى‬
‫أسرار النفس وأمراضها وطرق علجها كييذلك يفيييده فييي تقوييية إرادتييه ويسيياعده علييى تحّمييل‬
‫الصعوبات في طريق الكمال‪ ،‬كما قال العالم لموسى )عليه السلم(‪:‬‬
‫خبرا(‪.‬‬
‫ط ِبِه ُ‬
‫حْ‬
‫على ما َلم َت ِ‬
‫صِبُر َ‬
‫ف َت ْ‬
‫)َوَكي َ‬

‫)‪(5‬‬

‫إذًا‪ ،‬فالعلم يساعد النسان على الصبر ويقوي عزيمته‪ ،‬وهذا هو الجانب العملي لفييائدة علييم‬
‫النفس‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ ما كتبه العلماء والكّتاب المسلمون في هذا المجال إّما أن يكون فلسفة يصعب على‬
‫سائر الناس إدراك محتواها وقد كتبت إلى الخواص من الناس وهييم الفلسييفة والعلميياء‪ ،‬أمثييال‬
‫حِرم أغلبييية النيياس‬
‫كتب ابن سينا والسهروردي وصدر المتألهين وابن عربي وغيرهم‪ ،‬ولذلك ُ‬
‫من الستفادة المباشرة من هذه الكتب ‪..‬‬
‫جة البيضيياء« للفيييض الكاشيياني‬
‫وإما كتب أخلقية كتبها علماء الخلق أمثال كتاب »المح ّ‬
‫و»جامع السعادات« للنراقي وكتاب »احياء علوم الدين« للغزالي وأمثالها‪ ،‬وهييي فييي الغييالب‬
‫‪ ()4‬علم النفس الذي نقرأه في الفلسفة ونظريات علماء النفس هو علم حصولي ذهني ويكون على شكل أفكار حول‬
‫النفييس النسييانية ومقّوماتهييا ومييا يض يّرها ومييا ينفعهييا‪ ،‬ويمكيين نقييل هييذه الفكييار ميين شييخص لخيير بواسييطة الكتييب‬
‫والمحاضرات وغير ذلك‪ ،‬أّما معرفة النفس التي تؤكد عليها الديييان فهييي نييوع ميين المييذهب النفسييي الييذي يكتشييف بييه‬
‫النسان نفسه بواسطة أعمال ورياضات ومجاهدة نفسية لتربية النفس والوصول بها إلى الكمال الحقيقي‪ ،‬فهييي ميين نييوع‬
‫العلم الحضوري ‪..‬‬
‫‪ ()5‬سورة الكهف‪ :‬الية ‪.68‬‬

‫إقتباس من المدرسة اليونانية في الساس ولكّنها مطّعمة باليييات القرآنييية والحيياديث الشييريفة‬
‫مّما يضفي عليها الطابع السلمي‪ ،‬وإضافة إلى ذلك تتصف بالسييلوب القييديم الييذي ل يسيياير‬
‫هذا العصر‪ ،‬ولذلك نجدها على شكل نصائح ومواعظ ثقيلة وجافة ل يرغب فيها أغلب النيياس‪،‬‬
‫ولم تعد تكافي متطّلبات هذا الزمان المتنوعة‪.‬‬
‫وهناك محاولت لعرض نظرية السلم حول النفييس والمييراض النفسييية وطييرق علجهييا‬
‫بالسلوب العلمي الجديد‪ ،‬وهي إضييافًة إلييى أّنهييا قليليية ول تتناسييب مييع شيّدة إحتييياج المجتمييع‬
‫ل فكرة صبغة إسلمية وإن‬
‫السلمي إلى علم النفس‪ ،‬نلحظ على بعضها التسّرع في إعطاء ك ّ‬
‫كانت مستوردة من الخارج ولم يثبت صحتها وسلمتها ‪ ..‬وبعييض الراء مقتبسيية ميين الفلسييفة‬
‫اليونانية وانتقلت إلى المكتبة السلمية بواسطة الفلسفة السلميين من أتباع المدرسة القديمة‪،‬‬
‫و في هذا الكتاب محاولة لعرض مختلف المدارس النفسية وبيان النقاط اليجابية فيها والسييلبية‬
‫مع الحتفاظ بالموضوعية الكاملة وبدون أي اجحاف سوى بيان أفكار هذه المذاهب والمييدارس‬
‫حّتى تّتضح النظرية السييلمية النفسييية أكييثر‪ ،‬وتتجّلييى أهميتهييا بالمقارنيية مييع تلييك النظريييات‬
‫لخرى‪.‬‬
‫اُ‬
‫فهرس النظريات النفسية‪:‬‬
‫من الفضل أن نذكر النظريات النفسية المهّمة والتي لعبت دورًا في تاريييخ البشييرية‪ ،‬وبعييد‬
‫ل واحدة منها‪:‬‬
‫صل الكلم في ك ّ‬
‫ذلك نف ّ‬
‫‪ 1‬ـ النظريات المدرسة اليونانية‪ :‬وتشمل أفكار ونظريات الفلسفة اليونانيين مثل سقراط‬
‫وإفلطون وأرسطو‪ ،‬وكذلك بعض المذاهب اليونانية مثل المذهب الكلبي والرواقي و ‪...‬‬
‫‪ 2‬ـ النظريات المدرسة المسيحية‪ :‬وهي وإن كانت قديمة تاريخيًا لكّنها ما زالت في حلبة‬
‫لخييرى خصوص يًا المدرسيية الحديثيية والمدرسيية السييلمية‪ ،‬ورغييم‬
‫الصييراع مييع المييدارس ا ُ‬
‫الضربات الموجعة التي تّلقتها أخيرًا ميين علميياء النفييس والفلسييفة الغربيييين فمييا زالييت تييؤدي‬
‫دورها في الميدان النساني‪ ،‬وأخيرًا بدأ علميياء النفييس يييدركون دور الييدين فييي إعييادة الهييدوء‬
‫والستقرار للنسان‪ ،‬ومن رجال هذه المدرسة »سنت اكوستين« و )سنت تامس اكواينس(‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ النظريات المدرسة البوذائية‪ :‬وقد سبقت جميع المدارس المعروفة‪ ،‬ويرجع تاريخها‬
‫إلى )‪ (600‬عام قبل الميلد وما زالت تعيش بفعالية في الهند والصين واليابان‪ ،‬والذي‬
‫أعطاها أهّمية أكثر هو إهتمام بعض علماء النفس الغربيين أمثال يونغ واريك فييروم بتعليمييات‬
‫المذهب البوذائي في تربية النفس بعد إعراضهم عن الدين‪ ،‬وميين أشييهر رجالهييا هييو »بييوذا«‬
‫المؤسس لها‪.‬‬

‫‪ 4‬ـ النظريات المدرسة الماركسية‪ :‬وقد لعبت دورًا مهمًا في تاريخ البشرية الحديث وما‬
‫زالت تحكم في مناطق مهمة من العالم بالرغم من زوال التحاد السوفياتي‪ ،‬ومييع ُافييول نجمهييا‬
‫ل أّنه ل يمنع من وجود بعض المتيييازات الييتي أّدت إلييى انتشييارها وحكومتهييا علييى نصييف‬
‫إّ‬
‫ل أبحاث هذه‬
‫ل أّنه لّما كان ج ّ‬
‫العالم‪ ،‬ومن أشهر رجالت هذه المدرسة )ماركس( و )انجلز(‪ ،‬إ ّ‬
‫المدرسة منصّبا على فلسفة التاريخ والقتصاد وتشكيل الدولة‪ ،‬وتهميش قدرة النسان واختياره‬
‫كفرد له إحساسات وعواطييف وإرادة مسييتقّلة عيين حركيية التاريييخ وإشييكالية الصييراع الطبقييي‬
‫الحاكم على المجتمعات البشرية‪ ،‬لذا ل نجد ثّميية دراسيية معّمقيية ومفصييلة فييي الماركسييية عيين‬
‫النسان بما هو إنسان سوى ما بدا من بعض علماء النفس الروس أمثييال بييافلوف وأتبيياعه فييي‬
‫ت إلى المذهب الماركسييي بالصييالة‪ ،‬وسييوف نستعرضييها لييدى‬
‫المدرسة السلوكية‪ ،‬وهذه ل تم ّ‬
‫دراستنا للمدرسة النفسية الغربية بصورة عامة‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ النظريات المدرسة الحديثة‪ :‬وتشمل الفلسفة وعلماء النفس الغربيين في العصر‬
‫الجديد ومن شاركوا في بناء النهضة العلمية الغربية من الناحية الفلسفية والنفسييية أمثييال بيجيين‬
‫وديكارت ونيتشييه وراسييل وسييارتر وغيرهييم ميين الفلسييفة‪ ،‬وأّمييا رجييالهم ميين علميياء النفييس‬
‫فييأبرزهم فرويييد ويونييغ وآدليير وواطسييون وغيرهييم‪ .‬وواطييون‪ ،‬وبييالرغم ميين تعييارض آراء‬
‫ل أّنه توجد وجوه اشتراك عند الغلبية منهم‪.‬‬
‫الفلسفة وعلماء النفس الغربيين إ ّ‬
‫‪ 6‬ـ المدرسة السلمية‪ :‬لقد كان للسلم الدور الّول في تاريخ البشرية لكثر من ألف‬
‫طى مساحة شاسعة تعتبر مركز العالم‪ ،‬وبالرغم من الضربات القاصمة التي تّلقاهييا‬
‫عام‪ ،‬وقد غ ّ‬
‫السلم من هجوم المغول والهجمة الستعمارية الغربية في العصر الجديد‪ ،‬وأعداء الداخل ميين‬
‫ن هذا الدين ل يزال حيًا في نفوس أكييثر ميين مليييار إنسييان فييي‬
‫لأّ‬
‫لمويين وأمثالهم‪ ،‬إ ّ‬
‫الحّكام ا ُ‬
‫هذا العصر‪.‬‬
‫والشيء الخر هو بروز هذا الدين على ساحة الصراع الثقافي في الساحة الدولييية والتفيياف‬
‫الشعوب السييلمية حييوله مّمييا جعلييه يمّثييل البييديل الحضيياري فييي أكييثر الشييعوب السييلمية‪،‬‬
‫لخييرى علييى صييعيد إشييباع الحاجييات النفسييية للنسييان وعلج‬
‫ومنافسًا للمييذاهب والمييدارس ا ُ‬
‫أمراضه ومشاكله النفسية والجتماعية‪.‬‬
‫ن الدلة الربعة تمثل القاعدة التي يرتكز عليها الفقه السلمي فييي دراسيياته‪ ،‬فكييذلك‬
‫وكما أ ّ‬
‫ن هييذه الركييان الربعيية‪ ،‬أي والقييرآن الكريييم والس يّنة‬
‫الحال في علم النفس السييلمي حيييث أ ّ‬
‫النبوية الشريفة وآراء حكماء السلم والعقل تمّثل الساس الذي نعتمد عليه في دراستنا هذه‪.‬‬
‫بقي أن نشير إلى )الدين اليهودي( الذي له تاريخ مهم ويعتقد به طائفة من البشر‪ ،‬فهييو وإن‬
‫ن إيجابّيييات هييذا الييدين سييوف ندرسييها ضييمن‬
‫لأّ‬
‫كان عقيدة لها مقّومييات المدرسيية النفسييية‪ ،‬إ ّ‬

‫المسيحية التي تعتبر منبعثة من صلب الدين اليهودي وتمّثل مرحلة أكمل من اليهودية‪ ،‬وبعبارة‬
‫ُاخرى‪ :‬المسيحية يهودية متكاملة‪ ،‬وكتاب العهد الجديد عند المسيحية يشابه كتيياب العهييد القييديم‬
‫لدى اليهود من حيث المواعظ والحكم والخلق‪ ،‬ولكن هناك بعض المؤاخذات على اليهوديييية‪،‬‬
‫وهي إنطواء اليهود على قومية تحجييم ميين فعالييية هييذا الييدين‪ ،‬وتجعلييه مقصييورًا علييى طائفيية‬
‫ن هذا الييدين مختييص بهييم دون‬
‫خاصة من الناس يرون لنفسهم الفضلية على سائر البشر‪ ،‬وأ ّ‬
‫غيرهم‪ ،‬ومحاولتهم بشّتى الساليب إفساد المجتمعات البشرية‪ ،‬وتحقيق طموحهم في السييييطرة‬
‫على العالم‪ ،‬ولذلك كانوا ممقوتين من سائر الشعوب والدول التي يعيشييون فيهييا‪ ،‬ولهييذا السييبب‬
‫تعّرضوا للضطهاد والتنكيل على طول التاريخ‪ ،‬وذلك بتقييوقعهم علييى أنفسييهم وإّدعييائهم أّنهييم‬
‫شعب ال المختار ‪..‬‬
‫اليهودية اليوم أشبه ما تكون بالحزب السياسي الذي يطمع في الدوليية والحكوميية وقييد ابتعييد‬
‫اليهود عن مناهج الدين في التربية النسانية وإصلح النفس‪.‬‬
‫وهناك دين آخر لعب دورًا في ثقافة الشييرق وهييو »الزردشييتية« نسييبتًة إلييى »زردشييت«‬
‫مؤسس هذ الدين الذي عاش في القرن السييادس قبييل الميلد‪ ،‬وقييد ولييد فييي منطقيية آذربايجييان‬
‫واعتزل الناس في العشرين من العمر وانصرف إلى العبادة والرياضة الروحييية وفييي الثلثييين‬
‫ل لدينه هنييياك‪،‬‬
‫بعث لهداية الناس‪ ،‬ورفض الناس دعوته فهاجر إلى شرق إيران حيث وجد قبو ً‬
‫وعندما نشبت الحرب بين إيران وتوران اشترك فيها واستشهد في عميير ‪ 71‬سنة‪ ،‬ثّم انتشر‬
‫دينه في تلك المناطق وفي الهند وتركية‪.‬‬
‫كتاب الزردشتية يسّمى »اوستا« وقد كتب على جلود البقر ووضع في شيراز في منطقة‬
‫ن الفرس ضّلوا يتداولونه‬
‫ل السكندر المقدوني إيران أحرقه‪ ،‬ولك ّ‬
‫»تخت جمشيد« ولّما احت ّ‬
‫حدا وقد اعترف السلم بدينه ويعاميييل‬
‫شفاهيًا ثّم كتبوه مّرة ُاخرى فيما بعد‪ ،‬وكان زردشت مو ّ‬
‫أتباعه معاملة أهل الكتاب والمجوس طائفة منهم‪ ،‬ثّم طرأ التحريف على دينه بعده‪.‬‬
‫المهّم في نظرة الزردشتية للنسان هو أّنه مخّير في اّتباع الخير أو الشر‪ ،‬ولبّد له إذا أراد‬
‫أن ينال رضا ال من اّتباع الخير وترك الشيير وهييو )الهريميين( أو الشيييطان‪ ،‬والخييير يكييون‬
‫بالصدق في الفكر والقول والعمل‪ ،‬فإذا صار النسان صادقًا في هذه الثلث فسوف يكييون ميين‬
‫أتباع الخير وهو )اهورا مزدا( اله الخير ‪..‬‬
‫وسائر ما نجده في الزردشتية ل يتعّدى النصائح الخلقية الذي جاءت بها الديان بصييورة‬
‫ن تأثيره قليل جّدا في العصيير الحاضيير‪،‬‬
‫عامة‪ ،‬ول فائدة في التعّرض لتعاليم هذا الدين طالما أ ّ‬
‫طى على جميع المناطق الزردشييتية ولييم‬
‫ن السلم غ ّ‬
‫فل يتجاوز أتباعه عّدة آلف زردشتي‪ ،‬ل ّ‬

‫يكن اليرانيون متعصبين لدينهم كاليهود ففضلوا الدين الجديد على دينهم‪ ،‬ثيّم هنيياك وجييه شييبه‬
‫مع البوذائية المعاصرة لها في الفترة الزمنية‪ ،‬فنكتفي بذكر البوذائية‪.‬‬
‫وهناك مذاهب ُاخرى في الهند وتايلند ول سّيما المذهب »الكنفوشي« فييي الصييين واليابييان‬
‫ل أّنهييا ل تشيّكل حضييارة مسييتقّلة ذات‬
‫ومذهب )البراهما( في الهند الذي يعتبر أقدم الديييان‪ ،‬إ ّ‬
‫لخرى من نصائح وحكييم ومييواعظ‬
‫تأثير شامل وأفكار مستقّلة غير ما هو موجود في الديان ا ُ‬
‫أخلقية‪.‬‬

‫‪ 1‬ـ نظريات المدرسة اليونانية‪:‬‬

‫نظرة تاريخية‪:‬‬
‫يرجع تاريخ هذه المدرسة إلييى ‪ 500‬سنة قبل الميلد‪ ،‬وقد خّلفت حضارة ثمينة بقيت‬
‫مسيطرة على أفكار وعقائد البشييرية مييا يقييارب ‪ 1500‬عام وقد استفاد منها علماء الدين‬
‫المسيحي فييي تثييبيت المفيياهيم الخلقييية وكييذلك الفلسييفة وعلميياء الخلق السييلميون علييى‬
‫مختلف العصور‪ ،‬والسبب في قّوة واستحكام أفكار هذه المدرسيية يرجييع إلييى السييلوب العقلييي‬
‫الذي اّتبعه رجال هذه المدرسة واعتمادهم على الخلق في التربية النفسية‪ ،‬كما سنرى‪.‬‬
‫ول يمكن أن نفصل هذه الحضارة عن الحييوادث الييتي وقعييت قبييل ذلييك الييوقت وأّدت إلييى‬
‫تلقح الفكر اليهودي في مصر وفلسطين وحضارة الهند البوذائية وحضارة إيييران الزردشييتية‪،‬‬
‫وخاصًة إذا أخذنا بنظر العتبار هجوم البابليين على فلسطين وتخريب أورشليم وما تبعييه ميين‬
‫هرب علماء اليهود وأنبياءهم‪ ،‬فقد كانت هناك روابط وثيقة بين اليونانيين وبين فراعنيية مصيير‬
‫في القرن السادس والخامس قبل الميلد حيث كان الملييوك المصييريون يعتمييدون علييى الجنييود‬
‫اليونانيين ويستأجرونهم في حروبهم‪ ،‬وقد كان لهم قلع عسكرية خاصة في مصييريون وبييذلك‬
‫جار اليونانيين للورود إلى مصيير‪ ،‬وقييد اسييتقّر الجنييود اليونييانيون فييي مدينيية‬
‫فتح الباب أمام الت ّ‬
‫»دافنة« بين العوام ‪ 610‬ي ‪ 560‬قبل الميلد‪ ،‬وفي تلك المدينة كان »ارمياء« النبي ومعه‬
‫ل اورشليم وخربها وأخييذ اليهييود‬
‫اليهود الذين هربوا من جيش »بخت نصر« البابلي الذي احت ّ‬
‫ل بابل‬
‫أسرى إلى بابل في القرن السادس قبل الميلد )‪ (586‬ولكن كورش أطلقهم بعد أن احت ّ‬

‫سنة ‪538‬ق ‪ .‬م وقد هرب بعض اليهود والتجأوا إلى مدينة »دافنة« ومعهم ارمياء النبي كما‬
‫هو مذكور في كتاب العهد العتيق )التوراة( في فصل ارمياء النبي الباب الثالث والربعون)‪.(6‬‬
‫إضافًة إلى ما كان يقوم به اليونانيون من تجارة مع مختلف شعوب العالم وما قام به بعييض‬
‫الفلسفة اليونييانيون كفيثيياغورس وإفلطييون وغيرهمييا ميين السييفر إلييى مصيير وإيييران والهنييد‬
‫ن الزرداشتية والبوذية كانت رائجة في نفس‬
‫والستفادة من حضارات تلك الشعوب إذا علمنا بأ ّ‬
‫تلك الفترة يعني القرن السادس والخامس قبل الميلد بإضافة الدين اليهودي الييذي سييبق الميلد‬
‫بي ‪ 1500‬عام‪.‬‬
‫وأّول فلسفة اليونان هو »طالس« الذي اكتشف حدوث الكسوف قبل وقوعه‪ ،‬في سنة‬
‫‪585‬ق ‪ .‬م وكان عالمًا في الفلسفة والرياضيات والنجوم‪ ،‬والذي يهّمنا منه في هذا البحث أّنه‬
‫ن أصل المخلوقات هو الماء‪.‬‬
‫أّول من قال بأ ّ‬
‫سع في نظريات طييالس‪ ،‬وهييو فيلسييوف وشيياعر وكيياهن كييان‬
‫وبعده »أمبدوقلس« الذي و ّ‬
‫ن أصل العالم المواد الربعة »التراب‪ ،‬الماء‪ ،‬الهواء‪ ،‬النار« الذي اّتخذه » بقراط«‬
‫يرى بأ ّ‬
‫ب سييواء علييى الصييعيد‬
‫الحكيم أساسًا لتقسيمات الشخصية النسانية‪ ،‬ويعتبر بقراط مؤسس الطي ّ‬
‫البدني أو النفسي‪ ،‬ول داعي لذكر أسماء الفلسفة الذي سبقوا بقراط‪ ،‬فتلك مهمة كتييب التاريييخ‬
‫والفلسفة‪ ،‬ولكن لّمييا كييان علييم النفييس ممزوج يًا مييع الفلسييفة‪ ،‬فلب يّد ميين ذكيير بعييض الفلسييفة‬
‫والحكماء الذين لهييم آراء وأفكييار فييي هييذا الموضييوع نخييص بالييذكر منهييم بقييراط وإفلطييون‬
‫ل واحد من هؤلء الخمسة مذهبًا في علم النفس‪.‬‬
‫ن لك ّ‬
‫وأرسطو وأبيقور وديوجانوس باعتبار ا ّ‬
‫صييل الكلم فييي ثلثيية منهييا ل‬
‫وإذ نستعرض الحديث عن هذه المذاهب اليونانية الخمسيية نف ّ‬
‫تزال بصماتها واضحة علييى مجمييل الحضييارات البشييرية‪ ،‬ول تكيياد تخلييو ثقافيية إنسييانية ميين‬
‫السترفاد منها‪ ،‬وهي المذهب الرسطي العقلييي والييذي يمّثييل العتييدال والتييزان فييي السييلوك‬
‫وطرفيييه الفييراط والتفريييط المتمثلييين فييي المييذهب الكلييبي المفييرط فييي التص يّوف‪ ،‬والمييذهب‬
‫البيقوري المفرط في اللذة‪.‬‬
‫والعمدة في ديمومة هذه المذاهب الفلسفية الثلثة أّنها تمّثل اّتجاها نفسيًا لدى النسييان‪ ،‬فكيي ّ‬
‫ل‬
‫ل فييي إرضيياء دوافعييه وإشييباع حاجيياته الفردييية‬
‫فييرد أو مجتمييع بشييري إّمييا أن يكييون معتييد ً‬
‫والجتماعية‪ ،‬أو يكون منغمسًا في الملذات الجسدية والتهويشات الدنيوية‪ ،‬أو يصاب بييرّد فعييل‬
‫شديد لهذا اللون من التطّرف الجسدي فيقع في هّوة النقباض الروحي والتصّوف الكلبي‪ ،‬الييذي‬
‫نجده بمعالم واضحة في التفكير الرواقي وفي الديانة المسيحية والمتص يّوفة ميين المسييلمين‪ ،‬ول‬
‫‪ ()6‬تاريخ الفلسفة لبرتراند راسل‪.‬‬

‫ن هذه التيارات الفكرية والسلوكية في المجتمعات البشرية مقتبسة من هذه المييذاهب‬
‫يعني ذلك ا ّ‬
‫اليونانية بالذات بقدر ما تعّبر عن كونها حاجة بشرية وطبيعة فطرية كامنة في أعميياق النفييس‬
‫النسانية‪.‬‬
‫* * *‬
‫بقراط‪:‬‬
‫المقبول من تاريخ بقراط أّنه ولد في سنة ‪460‬ق ‪ .‬م في جزيرة يقال لها )كوس( وكان له‬
‫علقات مع ديمقريطس وسييقراط‪ ،‬تعّلييم الطييب ميين أبيييه وسييافر إلييى مصيير وآسيييا الصييغرى‬
‫ب وتحكي عن‬
‫واليونان‪ ،‬وتنسب له »المجموعة البقراطية« الحاوية على ‪ 70‬رسالة في الط ّ‬
‫ب القديم‪ ،‬ومن جملة المطالب في هذه المجموعة رسالة »طبيعيية النسييان«‬
‫نضج كبير في الط ّ‬
‫ل شيء‪ ،‬فالعالم يحتييوي‬
‫التي تعتمد على نظرية الخلط الربعة التي تّتخذ الربعة أساسًا في ك ّ‬
‫سنة على أربعة فصول وحياة النسييان علييى أربييع مراحييل‪ ،‬وفييي‬
‫على أربع جهات أصلية‪ ،‬وال ّ‬
‫النسان أربعة عناصر أساسية هي التراب والماء والهواء والنار‪.‬‬
‫أّما الشخصية النسانية فتحتوي على أربعة أخلط هييي الييدم والبلغييم والصييفراء والسييوداء‪،‬‬
‫ويتبع ذلك أمزجة الناس‪ ،‬فهناك المزاج الدموي والبلغمييي والصييفراوي والسييوداوي‪ ،‬والتعييادل‬
‫حة النسان وعدم التعادل سبب المرض‪ ،‬والتعادل وعييدمه ينشييأ ميين‬
‫في هذه الخلط سبب ص ّ‬
‫علقة النسان مع الخارج والمحيط ‪..‬‬
‫البدن الحي يتبع في حياته وجود الشرائط الثلثة‪ :‬الغذاء والماء والهواء‪ ،‬والمقصود بالهواء‬
‫ما يعّم الروح أيضًا‪ ،‬فهو القّوة غير المرئية التي تعطي قّوة الحياة والحركة لكييل موجييود حّتييى‬
‫الكرات السماوية‪ ،‬وهي السبب في إنسجام الداخل وتنظيم حركاته ودفاعه في مقابل المراض‪،‬‬
‫وهذا المعنى الذي يقول به بقراط عن هذه القّوة الخفية والحركة تشبه إلى حّد كبير ما يصييطلح‬
‫عليه في علم النفس الحديث باسم »الليبيدو« أو القوة الحياتية وغريزة الحياة)‪.(7‬‬
‫المجموعيية البقراطييية فييي الصييل هييي توجيهييات للطبيياء فييي معالجيية المييراض البدنييية‬
‫والعصبية اخترنا منها ما يتعّلق بنفس النسان‪ ،‬وفيها أيضًا بعض التوصيات في العلج النفسي‬
‫وخاصة في رسالة ابيذميا )المراض المسييرية(‪ ،‬وفيهييا إشييارة واسييتفادة ميين التلقييين والتييأثير‬
‫المتقابل للروح والجسد‪ ،‬وهناك بعض النظريات حول الحلم في هذه المجموعة‪.‬‬

‫‪ ()7‬تاريخ علم النفس‪ ،‬ف ‪ .‬ل ‪ .‬مولر‪.‬‬

‫ب‪ ،‬وعاش أغلب فترة حياته في‬
‫عاش بقراط ‪ 95‬سنة‪ ،‬منها ‪ 79‬سنة طبيبًا ومعّلما للط ّ‬
‫مدينة صور وحمص في بلد الشام‪ ،‬وكمييا يييذكر القفطييي فييي كتييابه تاريييخ الحكميياء أّنييه كييان‬
‫ل وناسكًا ومتأّلهييا‪ ،‬وكييان يمضييي فييترات ميين رياضيية النفييس فييي بسيياتين وغابييات تلييك‬
‫فاض ً‬
‫المناطق‪.‬‬
‫والمهم في أفكار بقراط في ما يتصييل بعلييم النفييس هييو مييا ذكرنييا ميين احتييواء البييدن علييى‬
‫العناصر الربعة‪ ،‬وهي )الدم والبلغم والصييفراء والسييوداء( ونظييرًا لوجييود روابييط بييين بييدن‬
‫النسان والعالم الخارجي واحتواء الخارج على عناصر أربعة )الماء والتراب والهواء والنار(‬
‫ل عنصر في بدن النسان يكتسب خاصيته وتأثيره من العنصر الصلي لييه‪ ،‬فخاصييية الميياء‬
‫فك ّ‬
‫الرطوبة‪ ،‬والنار الحرارة‪ ،‬والهييواء الييبرودة‪ ،‬والييتراب اليبوسيية‪ ،‬وفييي البييدن البلغييم للرطوبيية‪،‬‬
‫والصفراء للحرارة‪ ،‬والسوداء لليبوسة‪ ،‬والدم للبرودة‪ ،‬والصفات الربعة متوفرة بالتسيياوي فييي‬
‫النسان السالم‪ .‬ومن ذلك يتكّون المزاج وتختلف صفات النسان تبعًا لغلبة أحييد هييذه العناصيير‬
‫الربعة‪ ،‬ولذلك تكون المزجة على أربعة أنواع‪:‬‬
‫‪ 1‬ي دموي المزاج‪ ،‬جيد الظاهر‪ ،‬كثير الشتهاء‪ ،‬عميق النوم‪ ،‬حسن المعاشرة‪ ،‬متفائل‬
‫وجدي وفّعال‪ ،‬وإن كان من الناحية الذهنية سطحيًا وبسيطًا‪.‬‬
‫‪ 2‬ي الصفراوي‪ :‬ضعيف‪ ،‬زيتوني الشكل‪ ،‬قليل النوم‪ ،‬سريع الغضب‪ ،‬سيء الخلق‪ ،‬مح ّ‬
‫ب‬
‫للجاه والسلطة‪ ،‬حسود ومقاوم‪.‬‬
‫‪ 3‬ي البلغمي‪ :‬سمين شكله‪ ،‬مائل إلى الحمرة‪ ،‬عميق النوم‪ ،‬اجتماعي‪ ،‬بطي الغضب‪ ،‬قليل‬
‫الفعالية‪ ،‬بطي الفهم‪.‬‬
‫‪ 4‬ي السوداوي‪ :‬ضعيف‪ ،‬غامق اللون‪ ،‬مهموم‪ ،‬غير اجتماعي وليس له رغبة في العمل‪،‬‬
‫ولكّنه مقاوم وصبور‪ ،‬وعمومًا إنسان مضطرب ومتأّلم وسيء الظن بالخرين‪.‬‬
‫ل أّنها بقيت مقبولة حّتى القرن التاسييع عشيير‪،‬‬
‫ن هذه النظرية ليست لها قيمة علمية‪ ،‬إ ّ‬
‫ومع أ ّ‬
‫وقد نجدها في هذه اليام متداولة عند أطباء المسلك القديم)‪.(8‬‬
‫وينسب هذا التقسيم أيضًا لجالينوس الحكيم المعروف الذي عاش في القرن الثاني للميلد‪.‬‬
‫* * *‬
‫إفلطون‪:‬‬

‫‪ ()8‬معرفة الشخصية‪ ،‬للدكتور علي أكبر السياسي‪.‬‬

‫يعتبر إفلطون مؤسس أركان الفلسييفة ومش يّيد دعائمهييا وراسييم خطوطهييا العريضيية بعلمييه‬
‫الغزير وذوقه الرفيع وقلمه الدبي وخياله المرهف‪ ،‬ل سّيما وقد اجتمعت في كتاباته آراؤه مييع‬
‫آراء وأفكار ُاستاذه سييقراط‪ ،‬فقييد كتييب »المحيياورات« علييى لسييان سييقراط فييي مناقشيياته مييع‬
‫السوفسطائيين وضّمنها أفكاره وتصوراته الفلسفية بأسلوب أدبي جّذاب‪ ،‬وإّنمييا لييم نييذكر شييهيد‬
‫ن نظريات إفلطون وأفكاره وتصوراته ل تتباين مع أفكييار وتصييورات‬
‫الفلسفة »سقراط« ل ّ‬
‫ُاستاذه من حيث التجاه والبنى التحتية‪.‬‬
‫ولد إفلطون عام »‪ «427‬ق‪.‬م وتوفي عن عمر يناهز الثمانين‪ ،‬والتحق بسقراط في‬
‫الثامنة عشر بعد أن كان جنديًا متفوقًا ومن عائلة ثرية نبيليية‪ ،‬وبقييي ملزميًا لييه عشيير سيينوات‬
‫وشهد مقتل ُاستاذه وهو يتجرع السم بشجاعة نادرة واطمئنان روحي كبير‪ ،‬فخلفت هذه الحادثة‬
‫الليمة أثرها العميق في نفس الفيلسييوف الشيياب حيييث حمييل الديمقراطييية السياسييية الصييورية‬
‫الحاكمة آنذاك مسؤولية قتل ُاستاذه‪ ،‬وانحاز تمامًا إلى حكومة الشراف والنخبة من الناس وهم‬
‫الفلسفة‪ .‬أي الحكوميية الرسييتقراطية‪ ،‬كمييا ص يّورها فييي كتييابه »الجمهورييية«‪ ،‬وش يّنع علييى‬
‫الديمقراطية والستبدادية كما سيأتي‪.‬‬
‫وبعد مقتييل سييقراط أخييذ إفلطييون بييالتجوال فييي بلييدان مصيير وآسيييا الصييغرى وفلسييطين‬
‫ص من علوم الكهنة وكتب الديان القديمة رحيقها‪ ،‬ونهييل‬
‫وإيطاليا بحثا عن العلم والحكمة‪ ،‬فامت ّ‬
‫من روافد الحكمة أصفاها‪ ،‬وعاد إلى أثينا وأسس أّول مدرسة لتعليم الفلسفة سّماها »اكادميا«‪،‬‬
‫وسميت فلسفة إفلطون بي ي»الفلسييفة الكاديمييية« ويطلييق هييذا السييم لح يّد الن علييى المجييامع‬
‫العلمية في أوربا‪.‬‬
‫مييا يهمنييا ميين أفكييار إفلطييون وفلسييفته المتشييعبة هييو نظرييياته المتعلقيية بييالنفس النسييانية‬
‫وإشكالية الدوافع الفردية والجتماعية‪ ،‬ضمن الرسائل الثلثين الييتي كتبهييا هييذا الفيلسييوف فييي‬
‫العقائد والسياسة والخلق وعلوم ُاخرى‪.‬‬
‫فبالنسبة إلى أصل ولدة النفس وكيفية تعّلقها بالبدن ذهب إفلطييون إلييى نظريتييه المعروفيية‬
‫ن النفس خلقييت قبييل البييدن فييي عييالم آخيير‪ ،‬وولجييت البييدن بعييد ارتكابهييا للخطيئة‪ ،‬فهييي‬
‫من أ ّ‬
‫كالطائر الذي سقط ريشه فدخل فييي قفييص البييدن‪ ،‬فييالنفس قبييل حلولهييا البييدن وورودهييا عييالم‬
‫الطبيعة والمادة كانت موجودة في عالم المجردات والمعقولت‪ ،‬ثّم سييجنت فييي سييجن الطبيعيية‬
‫والجسد‪ ،‬فهي أسيرة فيه حّتى تتخلص منه بالموت وتعود إلى عالمها العلوي‪ ،‬وفييي ذلييك يقييول‬
‫ل عن إفلطون‪:‬‬
‫إفلوطين في كتاب »اثولوجيا« نق ً‬
‫»وأّما إفلطون الشريف اللهي فاّنه قد وصف النفس فقال فيها أشياء كثيرة حسنة وذكرها‬
‫في مواضع كثيرة‪ :‬كيف انحدرت فصارت فييي هييذا العييالم‪ .‬وأّنهييا سييترجع إلييى عالمهييا الحي ّ‬
‫ق‬

‫ن النفس إّنما هييي فييي البييدن كأّنهييا محصييورة‬
‫الّول ‪ ..‬وذّم وازدرى اّتصال النفس بالجسد‪ ،‬ل ّ‬
‫ن البدن للنفس إّنما هو كالمغار ي ي وقييال إفلطييون فييي كتييابه‬
‫كظيمة جّدا ل نطق بها‪ ،‬ثّم قال‪ :‬إ ّ‬
‫ن عّلة هبوط النفس إلى هذا العالم إّنما هو سييقوط ريشييها‪ ،‬فييإذا ارتاشييت‬
‫الذي يدعى »فاذن« إ ّ‬
‫ن علييل هبييوط النفييس إلييى هييذا العييالم شيّتى‪:‬‬
‫ارتقت إلى عالمها الّول‪ ،‬وقال في بعض كتبه‪ :‬إ ّ‬
‫ن منها ما يهبييط لخطيئة أخطأهييا‪ ،‬وإّنمييا تهبييط إلييى هييذا العييالم لتعيياقب وتجييازى علييى‬
‫وذلك أ ّ‬
‫خطاياها‪ ،‬ومنها ما هبطت لعّلة ُاخرى‪ ،‬انتهى«)‪.(9‬‬
‫ثّم إّنه يرى للنفس جوانب ثلثة وهي‪ :‬العقل والرادة والشييهوة‪ ،‬وقييد تميييزت هييذه النحيياء‬
‫للنفس في ثلث مناطق في البييدن‪ ،‬فالعقييل مكييانه الييرأس‪ ،‬والرادة والعواطييف سييكنت القلييب‪،‬‬
‫ل ميين هييذه الجييوانب الثلثيية غايييات تهييدف إليهييا وتسييعى النفييس فييي‬
‫والشهوة في البطن‪ ،‬ولك ّ‬
‫تحصيلها‪ ،‬ففضيلة رأس النسان وقّوته العقلية هي الحكمة والفلسفة‪ ،‬وفضيلة قلبه وإرادته هيييي‬
‫الشجاعة‪ ،‬وفضيلة الشهوات العّفة‪ ،‬ومن هذه الفضائل جميعًا تتكّون العدالة التي إذا وجدت فيييي‬
‫النسان حصل على السعادة‪.‬‬
‫صة الفلسفة‪:‬‬
‫يقول »ويل دورانت * في كتابه ق ّ‬
‫»يقول افلطون إن السلوك النساني يجري من منابع ثلثة رئيسية وهي الرغبة والعاطفة‬
‫والمعرفة‪ ،‬إن الرغبة والشهوة والباعث أمر واحد‪ ،‬والعاطفة والروح والطموح والشجاعة أميير‬
‫واحد‪ ،‬والمعرفة والذكاء والعقل أمر واحد‪ ،‬إن الرغبة تجييد مكانهييا فييي السييوء‪ ،‬وهييي خييزان‬
‫يتفجر حيوية وخصوصًا من الناحية الجنسية‪ ،‬والعاطفة مكانها في القلب في قّوة ومسرى الييدم‪،‬‬
‫أّنهييا الييدوي الساسييي للتجربيية والرغبيية‪ ،‬والمعرفيية مكانهييا فييي الييرأس‪ ،‬وهييي عييين الرغبيية‬
‫وبصرها ويمكن أن يصبح مرشييد الييروح وهاديهييا‪ ،‬هييذه الصييفات والقييوى موجييودة كلهييا فييي‬
‫سييدة للرغبيية‪،‬‬
‫ن بعض الرجييال ليسييوا سييوى صييورة مج ّ‬
‫الرجال ولكن في الدرجات مختلفة‪ ،‬فإ ّ‬
‫بأرواح متململة محبيية للكسييب منهمكيية فييي المنافسيية والنييزاع المييادي‪ ،‬تحرقهييا شييهوة الييترف‬
‫والبذخ والمظهر وتعتييبر أرباحهييا ضييئيلة بالمقارنيية مييع أهييدافها المسييتمرة‪ ،‬هييؤلء هييم الييذين‬
‫يسودون ويحتكرون الصناعة‪ ،‬ولكن هناك آخرون يملؤهم الشعور والشجاعة‪ ،‬ول يبالون كثيرًا‬
‫ن هيذا الكتيياب لرسييطو‬
‫نأّ‬
‫ن الحكيم اللهي صدر المتألهين ظ ّ‬
‫‪ ()9‬اثولوجيا‪ ،‬افلوطين‪ ،‬ص‪ 23‬ي ‪ ،24‬مّما يجدر ذكره أ ّ‬
‫حاثيية‬
‫فأورد فقرات منه في كتابه »السفار« ونسبها إلى أرسطو‪ ،‬ولكن ثبت من خلل التحقيقات الكثيرة التي قام بهييا الب ّ‬
‫ن كتيياب اثولوجيييا‬
‫الغربيييون والمتييأخرون ميين المسييلمين أمثييال عبييدالرحمن بييدوي ميين مصيير والشييتياني ميين إيييران أ ّ‬
‫ساخ أو المترجمين أّنه أرسييطو‪ ،‬وقييد جيياء فييي عنييوان الكتيياب‬
‫ن بعض الن ّ‬
‫لفلطون وقد سمي مؤلفه بالشيخ اليوناني فظ ّ‬
‫»اثولوجيا ارسطاطاليس نقله إلى العربية عبدالمسيح عبدال بن ناعمة الحمصي وأصلحه لحمد بن المعتصم بال أبو‬
‫يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي«‪.‬‬

‫بمن يحاربون‪ ،‬وكل همهم هو الحصول على النصر لذاته‪ ،‬إّنهم يحّبييون المشاكسيية ل الكسييب‪،‬‬
‫ويفخرون في احراز السلطة ل في احراز المال والملك‪ ،‬وفرحهم في ميدان المعركيية وليييس‬
‫في السوق‪ ،‬هؤلء هم الرجال الذين يصنعون الجيوش والساطيل الحربية فييي العييالم‪ ،‬وأخيييرًا‬
‫القّلة من الرجال الذين يجدون بهجتهم في التفكير والتأمل والفهم والييذين ل يتوقييون الييى المييال‬
‫ول الى النصيير‪ ،‬ولكيين إلييى المعركيية‪ ،‬والييذين ينييأون بوجييودهم عيين السييوق والربييح وميييدان‬
‫المعركة لينصرفوا في هدوء وصفاء الى الفكر والتأمل‪ ،‬والذين تكون إرادتهم ميين نييور وليييس‬
‫من نار‪ ،‬هؤلء هم رجال الحكمة الذين يقفون جانب يًا ل يعييرف العييالم كيييف يسييتفيد منهييم‪ ،‬ول‬
‫يعرف قدرهم وقيمتهم«)‪.(10‬‬
‫ن النسان يطلب السعادة‪ ،‬وهييي‬
‫خص في أ ّ‬
‫ن دوافع النفس وحاجاتها الّولية تتل ّ‬
‫وبذلك يتبّين أ ّ‬
‫ل بعد العلييم بهييا‪ .‬فسييلوك طريييق‬
‫بدورها تتمّثل في الفضيلة‪ ،‬ول يتسّنى للفرد الحصول عليها إ ّ‬
‫ن النسان علييم بهييا وعرفهييا وعييرف الطريييق إليهييا لسييلكه‬
‫الفضيلة يعتمد على العلم بها‪ ،‬فلو أ ّ‬
‫حتمًا وتجّنب طريق الشّر كذلك‪ ،‬والهدف من الفضيلة هو القتراب من عييالم الملكييوت‪ ،‬أي أ ّ‬
‫ن‬
‫النفس النسانية تبغي من ذلك التشّبه بالمثل والحقائق المجردة التي تنتهييي فييي سلسييلة مراتبهييا‬
‫إلى الذات المقّدسة‪.‬‬
‫وهكذا نصل إلى نتيجة دقيقة فييي ماهييية الييدافع الحقيقييي فييي النسييان وهييو العشييق للكمييال‬
‫ن روح النسان قبل ورودها البدن أطلعت على الجمييال المطلييق بييدون حجيياب‬
‫المطلق‪ ،‬حيث أ ّ‬
‫فعشقته‪ ،‬فلّما حّلت في عالم الطبيعة والمادة حجبت بالموانع المادية عيين رؤييية الح يقّ والجمييال‬
‫المطلق‪ ،‬ولذا فهي تهفو إلى العودة ورؤية المعشوق‪ ،‬وما يصيييبها ميين الغ يّم والحييزن فييي هييذا‬
‫العالم فسببه فراق المعشوق الصل وتذكرها له من خلل مظاهر الجمال في الطبيعيية والعشييق‬
‫المجازي للوجوه المليحة‪.‬‬
‫ن حقيقة التعّلم هييو التييذّكر‪،‬‬
‫وبذلك نصل إلى موضوع التعّلم والتذّكر في النفس النسانية‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن النفييس كييانت‬
‫ن النسان ل يتعّلم في هذا العالم شيئًا جديييدًا لييم يكيين يعرفييه سييابقًا‪ ،‬بييل إ ّ‬
‫أي أ ّ‬
‫عالمة بحقائق الموجودات وهييي المثييل عنييدما كييانت فييي عييالم المجييردات والمعقييولت‪ ،‬ولمييا‬
‫لمور والموضوعات الخارجية‬
‫ن النسان من خلل إدراكه ل ُ‬
‫ل شيء‪ ،‬ثّم أ ّ‬
‫ولجت البدن نسيت ك ّ‬
‫ل شيييء فييي‬
‫ن كي ّ‬
‫والجزئيات الطبيعية يتذّكر أصلها الكّلي الذي كييان رآه عيان يًا فييي السييابق‪ ،‬ل ّ‬
‫ل لذلك العالم الغيبي‪.‬‬
‫ل شبحًا وخيا ً‬
‫الطبيعة ليس إ ّ‬

‫‪ ()10‬قصة الفلسفة‪ :‬ويل دورانت‪ ،‬ص‪ 31‬الى ‪.32‬‬

‫ل شيء في هذا العالم مثال حقيقي في ذلك العالم يمّثييل ميياهيته وأصييله سييواء كييان ميين‬
‫ولك ّ‬
‫لمور المادية كالحجار والنباتات وأنواع الحيوانييات‪ ،‬أو ميين المعنويييات‪ ،‬كييالكرم والشييجاعة‬
‫اُ‬
‫ن للبقيير أفييرادًا ومصيياديقًا كييثيرة فييي هييذه العييالم‬
‫ل نجييد أ ّ‬
‫والمانة والصدق وأمثييال ذلييك‪ ،‬فمث ً‬
‫تشترك في جملة من الخصوصيات والسمات‪ ،‬ويمثلها جميعًا في ذلك العالم مثال حقيقي وكامل‬
‫لنوع البقر ل يدرك بالحواس‪ ،‬بل بالعقل‪ ،‬الشجاعة في عالم الطبيعة لها مصاديق متكثرة بتكّثر‬
‫الفييراد والمواقييف البطولييية‪ ،‬فهييي بييذلك أشييباح وصييور لمثالهييا الكامييل والحقيقييي فييي عييالم‬
‫المعنويات والمعقولت‪ ،‬وهكذا مثال المساواة ومثال الجمال ومثال العدالة أو العظمة أو الوحدة‬
‫أو النسانية وغير ذلك‪.‬‬
‫»الُمُثل« عبارة عن حقائق مطلقة ومجردة ل يعتريها التغّير وفوق الزمان والمكان‪ ،‬وما‬
‫ل ظلل لتلييك الحقييائق‪ ،‬وبييذلك اسييتطاع‬
‫نراه وندركه بحواسنا من أفرادها ومصاديقها ما هي إ ّ‬
‫إفلطون دحر شبهات السوفسطائيين في التشكيك في أصل المعارف بسبب خطأ الحواس وعدم‬
‫اعتماد النسان على معيار ثابت للمعرفة‪.‬‬
‫وقد مّثل إفلطون لمقولة المُثل والحقائق في ذلك العالم والصور والشييباح المحسوسيية فييي‬
‫هذا العالم بالنسان السجين في مغارة‪ ،‬وقد جلس مقابل الجدار واستدبر بيياب الغييار‪ ،‬بحيييث ل‬
‫يرى من العالم الخارجي شيئًا سوى ما ينعكييس علييى الجييدار ميين أشييباح وظلل‪ ،‬وهنيياك نييار‬
‫موقدة خارج الغار يفصلها عن بابه حائط تمّر عليه المخلوقات بأصيينافها فينعكييس ظّلهييا علييى‬
‫الجدار في داخل المغارة فيراها القابع وسط المغييارة فيحسييبها حقييائق وكائنييات متحركيية ليييس‬
‫وراءها شيء يمّثل أصلها وحقيقتها; لّنه لم ير طيلة حياته تلك الكائنات في الخييارج‪ ،‬بييل ولييد‬
‫ن ما كييان‬
‫في المغارة على هذه الصورة‪ ،‬فإذا تسّنى له يومًا ما الخروج من هذا السجن أدرك أ ّ‬
‫ل لغيرها‪ ،‬وهكذا حال النسييان‬
‫لخيال وظ ّ‬
‫يراه على الجدار من صور متحركة وأشباح ما هي إ ّ‬
‫ل بعييد المييوت وخروجييه ميين سييجن الطبيعيية‪ ،‬أو‬
‫في هذه الدنيا‪ ،‬ول يدرك الصييل والحقيقيية إ ّ‬
‫جه كليًا إلييى المعنويييات والتأّمييل العقلييي ليرتفييع بنفسييه عيين أدران الجسييد والنغميياس فييي‬
‫التو ّ‬
‫الطبيعة ويدرك ما خفي على الناس من عالم ما وراء الطبيعة‪.‬‬
‫ولو ألقينا نظرة فاحصة على كتيياب »الجمهورييية« أو المدينيية الفاضييلة لفلطييون لمكننييا‬
‫الحاطة بقدر أكبر من المفاهيم النفسية لهذا الفيلسوف في مجال الدوافع الجتماعية والعلقييات‬
‫المتصورة بين الفرد والمجتمع‪ ،‬أي دراسة النسان في إطاره الجتماعي‪.‬‬
‫ن النسان لبّد له ميين الحكميية‪،‬‬
‫ومجمل الحديث عن المدلولت النفسية للمدينة الفاضلة هو أ ّ‬
‫ل بالسياسيية‪ ،‬والسياسيية والخلق أصييلن ضييروريان لسييعادة المجتمييع‬
‫والحكميية ل تكتمييل إ ّ‬

‫ل بيييأن‬
‫البشري‪ ،‬ولبّد للمجتمع من حكومة قائمة على أساس الفضيلة والعدالة‪ ،‬وذلك ل يكون إ ّ‬
‫يصير الحاكم فيلسوفًا‪ ،‬أو الفيلسوف حاكمًا‪.‬‬
‫لطروحيية ميين تناسييق وجمييال نظييري‪ ،‬ولكيين فييي مجييال التجربيية‬
‫إلى هنييا ل تخلييو هييذه ا ُ‬
‫ن المجتمييع‬
‫والتطبيق العملي نواجه حشوًا ميين التنظيييرات السييابحة فييي عييالم المثالييية‪ .‬منهييا‪ :‬أ ّ‬
‫النموذجي الذي يراه إفلطون في مدينته الفاضلة يقترب من الشيوعية فييي المييال والجنييس ميين‬
‫جهة وفي نفس الوقت يمتاز بأّنه مجتمع طبقي من جهة ُاخرى حيث يتكّون من ثلث طبقات‪:‬‬
‫لمييور والحّكييام‪ ،‬وبمثابيية القيّوة العاقليية فييي‬
‫لولى‪ :‬طبقة الفلسفة والحكماء‪ ،‬وهييم أولييياء ا ُ‬
‫اُ‬
‫النسان‪ ،‬ولبّد أن تقتصر معيشييتهم علييى مييا يقيّدمه لهييم الطبقيية العامليية ميين القييوت واللييوازم‬
‫الضرورية في حياتهم ويتجّنبوا التورط في الملكية أو تشكيل العائلة واقتناء; الزوجات والبناء‬
‫ن ذلك يبعث علييى تشييويش خييواطرهم وإنصييرافهم عيين مهمتهييم ومسييؤوليتهم الخطيييرة فييي‬
‫لّ‬
‫سياسة المجتمع وفق موازين العدالة‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬طبقة الجند‪ ،‬وتمّثل القّوة الغضبية في النسان حيث يوعز إليها مهّمة الييدفاع وحفييظ‬
‫الثغور والمن‪ ،‬ويكونون من ذوي البأس والنجدة والشجاعة ويعيشييون فييي معسييكراتهم عيشيية‬
‫مشتركة في كل شيء كالحّكام‪ ،‬فل يسمح لهم بامتلك مال أو عقار أو بيييت وزوجيية‪ ،‬بييل يت يّم‬
‫تقييديم هييذه الخييدمات لهييم بواسييطة الطبقيية الثالثيية للحفيياظ علييى معنوييياتهم ووحييدة توجهيياتهم‬
‫شي الجشع والطمع وشراهة المال والتكييالب علييى الماديييات وغييير ذلييك ميين‬
‫والحيلولة دون تف ّ‬
‫الدواء المّثبطة للهّمة والصييارفة عيين أداء المهميية‪ ،‬وهييذا ل يعنييي أّنهييم يحرمييون ميين التمتييع‬
‫ل واحد منهم التمتع بعّدة نساء كمييا هييو الحييال‬
‫بالنساء أو التوالد‪ ،‬بل على العكس‪ ،‬فقد يسمح لك ّ‬
‫ل أن‬
‫لولى‪ ،‬وذلك لتحسين النسييل ورفييد المجتمييع بالطفييال السييوياء والقوييياء‪ ،‬إ ّ‬
‫في الطبقة ا ُ‬
‫الممنوع هو اختصاص الفرد منهم بامرأة خاصة كزوجة وتشكيل ُاسييرة واقتنيياء الطفييال‪ ،‬فمييا‬
‫أن يولد الطفل حتى ويؤخذ إلى دور الحضييانة بعيييدًا عيين ُاّمييه وأبيييه ليرّبييى التربييية المطلوبيية‬
‫وينخرط بعدها في احدى الطبقات وفق برنامج مدروس لمؤهلته وملكاته وقابلياته‪.‬‬
‫أّمييا الطبقيية الثالثيية‪ :‬فتتشييّكل ميين ذوي الصييناعات والتجييار والمزارعييين والمهيين الح يّرة‬
‫والخدمات وما إلى ذلك‪ ،‬وهؤلء يمّثلون القوة الشهوية في النسان‪ ،‬أي البطن‪ ،‬وهم ميين عاميية‬
‫لولييى‪ ،‬ولييم يؤتييوا نصيييبًا ميين النجييدة‬
‫الناس الذين فقدوا الذكاء وق يّوة العقييل اللزميية للطبقيية ا ُ‬
‫والشجاعة وكبر الهّمة ليكونوا من الطبقة العسكرية‪ ،‬ولذا يسمح لهييم بييامتلك المييوال والعقييار‬
‫لسرة وغير ذلك مّما هو ضروري لتثييبيت الييدعائم القتصييادية فييي المجتمييع ورفييده‬
‫وتشكيل ا ُ‬
‫بالمال والغذاء والمصنوعات المختلفة‪.‬‬

‫ومن خلل هذه اللمحة السريعة عن المجتمع المثالي في نظر إفلطون ي والذي دفييع حريتييه‬
‫ثمنًا لتطبيقه‪ ،‬فبيع صاحبنا في سوق النخاسة على أثر خلف بينه وبين حاكم سرقسيية عاصييمة‬
‫صقلية »ديونيسيوس« الذي عرض عليه مفاتيح بلده لتحويلها إلى المدينة الفاضلة التي يراهييا‬
‫إفلطون ي نستشف عّدة ملكات نفسية ودوافع اعتبارية في أفراد هذا المجتمع الطوباوي‪ ،‬فميين‬
‫ن الصالة للمجتمع ل للفرد‪ ،‬ولذا نجد في هذه المدينة الفاضلة ألوانييًا ميين‬
‫جهة يرى إفلطون أ ّ‬
‫الستهانة بإرادة الفرد واختياره في تقرير مصيره‪ ،‬كما هو الملحييظ فييي النظرييية الماركسييية‪،‬‬
‫لموميية‬
‫لبييوة وا ُ‬
‫ومن جهة ُاخرى ل نرى لبعض الميول والدوافع النفسية كالملكييية وعواطييف ا ُ‬
‫ل من العراب في أفراد هذا المجتمع البشري‪ ،‬وهكذا أغفل فيلسوفنا دوافع‬
‫لنس بالعائلة مح ً‬
‫وا ُ‬
‫ب الرئاسة وأمثال ذلك‪.‬‬
‫ُاخرى سلبية ظّنها وليدة الملكية كالحسد والتباغض وح ّ‬
‫* * *‬
‫نقاط القّوة والضعف‬
‫ن بعض الفلسفة والمفكرين أفرطوا في نقد ورّد أفكار إفلطون وخاصة تلميذه‬
‫بالرغم من أ ّ‬
‫»أرسطو«‪ ،‬والبعض الخر مال إلى تمجيد إفلطون وأفكاره وأبرز نقاط القّوة والبداع في‬
‫ل اّننا سنحاول في هذا الكتيياب وعنييد اسييتعراض المييذاهب النفسييية المختلفيية تقليييب‬
‫نظرياته‪ ،‬إ ّ‬
‫ل فكييرة وُاطروحيية بشييرية‬
‫ن كي ّ‬
‫ل منهييا‪ ،‬ل ّ‬
‫أوجه النظر فيها ودراسة نقاط القّوة والضعف في ك ّ‬
‫لدراسة النفس أو المجتمع النساني عندما تطرح على بساط البحث ومائدة التشريح ل تخلو من‬
‫جوانب إيجابية صحيحة مقتبسة من الديان السماوية أو العقول الصافية‪ ،‬وُاخرى سييلبية باطليية‬
‫من نتاج الظروف الخاصة ومعطيات البيئة والوراثة‪.‬‬
‫بالنسبة إلى نقاط القّوة في أفكار إفلطون النفسية يمكن القول بأّنه أّول من بحث فييي النفييس‬
‫جه أنظار المفكرين والبيياحثين إلييى دراسيية هييذا المجييال‬
‫النسانية بهذا التفصيل والسهاب‪ ،‬وو ّ‬
‫ص آراءه المتعّلقة بعلم النفس الجتميياعي والفلسييفي‪ ،‬فأضييحت‬
‫الحيوي في الفلسفة‪ ،‬وعلى الخ ّ‬
‫نظرياته ومبانيه في الطار النفسي دعامة قوية لمدرسة عرفانييية امتييدت علييى طييول المسيييرة‬
‫التاريخية لتيار فكري عميق‪ ،‬حّتى أن غير واحد من عرفيياء المسييلمين اعتييبره المؤسييس لخييط‬
‫العرفان وباني ُاسسه ومستجلي حقائقه‪ ،‬ويّتضح ذلك من ثنيياء هييؤلء العرفيياء علييى إفلطييون‪،‬‬
‫كمييا يثنييي الفلسييفة علييى أرسييطو باعتبيياره المعّلييم الّول‪ ،‬وميين ذلييك يقييول شيييخ الشييراق‬
‫السهروردي‪ :‬في أسلوبه الشراقي للوصول إلى الحقائق‪:‬‬

‫جة عليه‪ ،‬وهو‬
‫»ولم يجعل لي أّول بالفكر والنظر‪ ،‬بل كان حصوله بأمر آخر ثّم طلبت الح ّ‬
‫ذوق إمام الحكمة ورئيسها افلطن صاحب اليدي والنور«)‪.(11‬‬
‫ومن ذلك يعلم مقام إفلطون العلمي والروحي بالقييياس لمييا سييبقه ميين الفلسييفة والحكميياء‪،‬‬
‫ن العبييء‬
‫لأّ‬
‫ن المدرسة العرفانية وإن انتسييبت إلييى إفلطييون فييي تأسيسييها‪ ،‬إ ّ‬
‫ولكن ل يخفى أ ّ‬
‫الكبر قام به غيره مّمن سييار علييى منهيياجه وشيّيد أركييان مدرسييته ميين الفلطييونيين الجييدد‪،‬‬
‫ص بالذكر منهم »افلوطين« صاحب كتاب »اثولوجيا« في المعرفة اللهية الباطنية‪.‬‬
‫وأخ ّ‬
‫ثّم من نقاط القّوة في أفكار إفلطون أّنه شّدد على توجيه الناس في دراسيياتهم الفلسييفية إلييى‬
‫لولى وخلييود النفييس بعييد المييوت‪،‬‬
‫صص الكثير من كتاباته في إثبات العّلة ا ُ‬
‫المبدأ والمعاد‪ ،‬وخ ّ‬
‫ن آثارهييا اليجابييية فييي‬
‫لأ ّ‬
‫وهذه البحاث وإن كانت خارجة عن مواضيع الدراسييات النفسييية‪ ،‬إ ّ‬
‫لصول النظرية النفسية مّما ل يخفييى علييى‬
‫المسار العملي للنسان وتوسعة دائرة التصورات ل ُ‬
‫أحد‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬الساس الخلقي الذي شّيده إفلطون في نظريته عن الفضيلة وهي الخييير المطلييق‬
‫الييذي يسييعى إليييه النسييان بجبّلتييه وآليييات قييواه البدنييية والنفسييية الثلث‪ :‬الشييهوية والغضييبية‬
‫والعقلية‪ ،‬مضافًا إلى قّوة العدالة التي تتحّمل مسؤولية الحفاظ على التوازن الخلقي فييي الفييرد‬
‫وعدم جنوحه إلى طرفي الفراط والتفريط في العمال والصفات الخلقية‪ ،‬ومن هذا السيياس‬
‫الخلقييي بنييى أرسييطو مدرسيية متكامليية فييي الخلق بقيييت فاعليية فييي الوسيياط الفلسييفية‬
‫والجتماعية لحّد الن‪.‬‬
‫ونقتصر في بيان نقاط القّوة على هذا المقدار بالرغم من وجود نقاط كثيرة ُاخرى ل يسييعها‬
‫هذا المختصر‪.‬‬
‫أّما نقاط الضعف‪ :‬فقد أخذ على إفلطون مثالب علمية كثيرة‪ ،‬منها قوله بالتفكيك التام بين‬
‫النفس والبدن‪ ،‬بل التدافع والتضاد بينهما إلى الحّد الذي يكون فيه البييدن بمثابيية السييجن للنفييس‬
‫لولى في العالم الّول‪ ،‬وهذه النظرة التشاؤمية كان لها أثر في تنشييئة‬
‫عقوبة لها على الخطيئة ا ُ‬
‫ن إفلطون اكتفى برسييم هييذه العلقيية‬
‫المدرسة الكلبية )التصّوف المفرط( وتقوية دعائمها‪ ،‬ثّم أ ّ‬
‫السلبية بين النفس والبدن‪ ،‬وتغافل عن الدور الكييبير للبييدن فييي ترشيييد النفييس وبلييورة ملكاتهييا‬
‫وقواها‪ ،‬كما هو الحال في المفهوم السلمي اليجابي عيين علقيية النفييس بالبييدن وأّنهييا علقيية‬
‫الراكب والمركوب والفارس والجواد ل علقة السجين بالزنزانة‪.‬‬

‫‪ ()11‬الرسالة النوارية »السهروردي« من ترجمة وشرح الهروي‪ ،‬ص‪ 6‬ي ‪.7‬‬

‫خيَذ علييى إفلطييون ُاطروحتييه فييي إرسيياء المجتمييع النسيياني الكامييل فييي كتييابه‬
‫وأشّد مييا ُأ ِ‬
‫»الجمهورية« حيث حّلق أكثر من اللزم في المثالية مبتعدًا عن الواقع البشري‪ ،‬ومتناسيًا‬
‫الكثير من الدواعي الشريرة في النسان والتي بإمكانها الخلل بييالنظم الجتميياعي والسياسييي‬
‫ن إفلطون بعد تجربتييه الفاشييلة فييي تطييبيق ُاطروحتييه هييذه‬
‫في المدينة الفاضلة‪ ،‬وبالرغم من أ ّ‬
‫وإخراجها إلى حّيز الوجود قد كتب صياغة جديدة في كتابه »النواميس« تخّلى فيها عن معظم‬
‫آرائه في كتاب الجمهورية وبدأ فيه أقرب إلى الواقعية بعد أن عّلمته التجارب وحّنكته الشدائد‪،‬‬
‫ط رحييال المفّكرييين وعلميياء السياسيية والجتميياع‬
‫ل أن ُاطروحته في المدينة الفاضلة بقيت مح ّ‬
‫إّ‬
‫كأّول تفكير جّدي متجانس في هذا المضمار‪.‬‬
‫لسييرية الييتي تمّثييل‬
‫ل حال‪ ،‬فقد أنكروا عليه تنّكره للعواطف النسييانية والمشيياعر ا ُ‬
‫وعلى ك ّ‬
‫حلقات الربط في سلسلة العلقييات الجتماعييية فييي مييدينته الفاضييلة‪ ،‬وكييذلك التصييور الطبقييي‬
‫لسييرة‪ ،‬وامتلك الييثروة‪،‬‬
‫للمجتمع البشري‪ ،‬ومصادرة الحريات بشكل واسع من حرية تشكيل ا ُ‬
‫والمسكن‪ ،‬والزوجة‪ ،‬وضياع النسب في اشتراكية جنسية مقيتيية‪ ،‬وحرمييان الفييراد ميين اختيييار‬
‫المهن والرقي في مدارج الكمالت الجتماعية‪ ،‬فالجنييدي ليييس لييه إنتخيياب النضييمام فييي هييذا‬
‫السلك‪ ،‬وليس له الفلت منييه والنخييراط فييي طبقيية ُاخييرى‪ ،‬وهكييذا الكلم عيين طبقيية الرعيياة‬
‫وطبقة الرعية‪.‬‬
‫ن جميييع‬
‫بقي شيء في المجال التعليمي في الفلسفة الفلطونية ل يخلو من مناقشيية‪ ،‬وهييو أ ّ‬
‫العلوم الطبيعية والدراكات الحسية ليس لها قيمة علمية‪ ،‬بل هي خيال محض في هذه الفلسفة‪،‬‬
‫ن الحقائق غير موجودة في هذا العالم‪ ،‬بل في عالم المثل والمعقولت‪ ،‬ول يسييتطيع النسييان‬
‫لّ‬
‫ل عن طريق التأمل العقلي والتفكير الفلسييفي مصييحوبًا بالرياضييات‬
‫إدراكها بالحواس المادية‪ ،‬إ ّ‬
‫ي ميين النيياس فييي الحييياة‬
‫لللوحييد ّ‬
‫النفسية والتسامي في عالم المعنويات‪ ،‬وهذا مّما ل يتس يّنى إ ّ‬
‫الدنيا وهم الفلسفة والحكماء‪ ،‬أّما بقية أفراد البشر فل تنجلي لهم الحقائق والمعلومات الواقعييية‬
‫ل بعد الموت‪.‬‬
‫إّ‬
‫سي والعلوم الطبيعية‪ ،‬فييي حييين أّنهييا تمّثييل البنييى‬
‫ك إسفاف وتهميش للدراك الح ّ‬
‫وهذا ل ش ّ‬
‫التحتية لجميع الدراكات العقلية والكشفية‪ ،‬كما سوف يأتي الحديث عنها‪.‬‬
‫وبالنسبة للخلق هناك أيضًا مجال للتأمل في توجه النسان بذاته وطبعييه نحييو الفضيييلة ي ي‬
‫ن الجهل هو المانع الحقيقي للنسان لبلييوغ المقييام‬
‫كما يراه إفلطون ومن قبله سقراط ي بحيث أ ّ‬
‫ق لييديه وانقشييع غبييار الجهييل عيين عييين الفييرد‬
‫السمى وإدراك الفضيلة العليا‪ ،‬فلو اّتضييح الحي ّ‬
‫ل‪ ،‬فالنسان كما تتجاذبه الفضيلة ميين جييانب تش يّده‬
‫وأدرك الطريق إلى الفضيلة لسلكه حتمًا‪ ،‬ك ّ‬
‫الرذيلة من جانب آخر وحّتييى مييع علمييه بأّنهييا رذيليية نجييده مسييوقًا لرتكابهييا وسييلوك طريييق‬

‫الضلل عن سبق إصرار‪ ،‬فليس الجهل وحده هو المانع من الفضيلة‪ ،‬بل هناك نوازع ودوافييع‬
‫نفسية ُاخرى أيضًا‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫أرسطو والمدرسة العقلية‪:‬‬
‫ولد »أرسطو« عام ‪384‬ق‪.‬م في ناحية من نواحي مقدونية‪ ،‬من عائلة يونانية‪ ،‬وكان أبييوه‬
‫طبيبًا‪ ،‬وقد التحق أرسطو باكاديمية إفلطون فييي أوائل سييني الشييباب‪ ،‬فلييم يكيين عمييره آنييذاك‬
‫سوى )‪ (18‬سنة‪ ،‬وبقي هناك حّتى وفاة أستاذه‪ ،‬أي أّنه درس عند إفلطون عشرين سنة‪ ،‬ثّم‬
‫انه انتخب لتعليم السكندر وقد بلغ من العمر الواحدة والربعييين واسييتمر فييي تعليمييه وتربيتييه‬
‫ب علييى تييدريس الفلسييفة‬
‫سنوات معدودة حيث صحبه في أسفاره‪ ،‬ثّم أّنه رجع إلى »اثينا« وأك ّ‬
‫هناك‪ ،‬وبعد موت السكندر‪ ،‬ترك أرسطو أثينا لختلفه مع حاكمها حيث توفي بعدها في عييام‬
‫)‪.(322‬‬
‫ق المعّلم الّول للفلسفة وسائر العلوم البشرية‪ ،‬فعلييى يييده امتييازت العلييوم‬
‫ويعتبر أرسطو بح ّ‬
‫وُرّتبت المعارف على شكل أبواب وفصول في مختلف المجالت الجتماعية والسياسية والفنية‬
‫سييس علييم المنطييق الييذي بقييي‬
‫وفي الخلق والعقائد والنفس والرياضيات )بشكل مقتضييب( وأ ّ‬
‫علييى طراوتييه وقييابليته للييدرس والتييدريس فييي الجوامييع العلمييية لحييّد الن )أي أكييثر ميين‬
‫ن فيلسوفًا أو عالمًا بالمسائل العقلية يمكنه الوصييول إلييى مرتبيية ميين‬
‫‪2300‬عام(‪ ،‬ول أعتقد أ ّ‬
‫العلم العقلي دون الستعانة والقتباس من أفكار وآراء هذا الرجل العظيم‪.‬‬
‫شاء‪ ،‬أو المشائين‪ ،‬التي تعتمد على الستدلل العقلييي‬
‫وقد سّميت مدرسة أرسطو بمدرسة الم ّ‬
‫والبرهان المنطقي‪ ،‬وبذلك تمتاز عن مدرسة الشراق التي تعتمد في تحصيييل وإدراك الحقييائق‬
‫على الشراقات الروحية والواردات القلبية‪ ،‬وتّتخذ من الرياضة والمجاهدة النفسية وسيلة لنييييل‬
‫خيياة فييي مسييار الكمييال النسيياني وقييد تمّيييزت هاتييان المدرسييتان فييي الحضييارة‬
‫الغاييية المتو ّ‬
‫ل منهما رموز ومعييالم واضييحة‪ ،‬وعلميياء وأسيياطين مشييهورون‪ ،‬حيييث‬
‫السلمية‪ ،‬وأضحى لك ّ‬
‫يمّثل مدرسة المشاء في الحضارة السلمية الفيلسوف الكبير »ابن سينا« الذي لّقب بالشيخ‬
‫الرئيييس‪ ،‬ومعييه ميين أسيياطين الحكميية » الفارابي« ) المعّلم الثاني(‪ ،‬والكندي‪ ،‬وابن رشد‬
‫وغيرهم‪ ،‬ويمّثييل مدرسيية الشييراق الشيييخ المقتييول » السهروردي« ومعه جملة من دعائم‬
‫العرفان وأقطاب الكشييف أمثييال ابيين عربييي‪ ،‬وصييدر الييدين القونييوي‪ ،‬والحلج‪ ،‬وابيين الجنيييد‬
‫ل من مدرسة الشييراق والتصييّوف‬
‫البغدادي‪ ،‬والبسطامي وأمثالهم )مع الختلف اليسير بين ك ّ‬
‫صل الحديث عنها فيما بعد(‪.‬‬
‫والعرفان في المدرسة السلمية التي نف ّ‬

‫هذا والحديث عن الفلسفة الرسطية وامتداداتها في عمق التفكييير البشييري وسيييطرتها علييى‬
‫العقل النساني طوال عشرين قرنًا من الزمان ي الى نهضة الريسانس في الغرب المادي وتيييار‬
‫صل‪ .‬فالفضييل أن نعطييف عنييان القلييم إلييى‬
‫العرفان في الشرق السلمي ي حديث متشّعب ومف ّ‬
‫ذكر ما يهّمنا من هذه المدرسيية الفلسييفية‪ ،‬وهييو تصييورات أرسييطو ونظرييياته فييي مجييال علييم‬
‫النفس‪.‬‬
‫ولدة النفس وعلقتها مع البدن‪:‬‬
‫ن أرسطو الذي يّتخذ من العقل قاعييدة يرتكييز عليهييا فييي رسييم تصييوراته عيين‬
‫بشكل عام فا ّ‬
‫العالم والنفس يحاول جاهدًا تجّنب ما وقع فيه ُاستاذه إفلطون من الغراق في المثالييية وإحاليية‬
‫ق تقرير مصير النسان‪ ،‬ولذا فهو يشّنع على ُاستاذه القول بعالم‬
‫المر على عوالم ُاخرى لها ح ّ‬
‫ن النفييس‬
‫ن وجودها في البدن كالطييائر فييي القفييص‪ ،‬ويييرى بييأ ّ‬
‫المثل وخلق النفس قبل البدن وأ ّ‬
‫ُتخلق مع خلق البدن وتبقى بعده‪ ،‬وهو قوله‪» :‬النفس جسمانية الحييدوث روحانييية البقيياء«‪ ،‬أي‬
‫ن أرسطو اهتّم بتوضيح الجانب اليجابي في علقة النفييس بالبييدن‪ ،‬حيييث رأى أّنهمييا يولييدان‬
‫أّ‬
‫ل أّنها وليدة المادة‪ ،‬فالبدن العنصري يرتبط‬
‫ن النفس بالرغم من تجردها عن المادة‪ ،‬إ ّ‬
‫معًا‪ ،‬بل أ ّ‬
‫بالنفس المجردة ارتباطًا وثيقًا إلى درجة التحاد في المنشأ والتأثير المتبادل بينهما‪ ،‬وهنييا يتفييق‬
‫ن النفييس تتج يّرد شيييئًا فشيييئًا عيين‬
‫أرسطو مع العلماء الطبيعيين في منشأ النفس‪ ،‬غاييية الميير أ ّ‬
‫أدران المادة حّتى يتم استغناؤها عن البدن نهائيًا عند الموت‪.‬‬
‫ن هذه النفس تتدّرج نحو كمالها المطلوب وصيرورتها نفسًا إنسانية من القّوة إلى الفعل‪،‬‬
‫ثّم أ ّ‬
‫ن النفس البشرية تمّر في نشؤوها بمراحل ثلث‪ :‬أّولها النفس النباتية‪ ،‬وليييس فيهييا ميين‬
‫بمعنى أ ّ‬
‫القوى سوى الغازية والنامية والموّلدة‪ ،‬كما هو الحال في النباتات‪ ،‬فالطفل‪ ،‬وخاصة الجنييين لييه‬
‫روح نباتية بهذه القوى البدنية‪ ،‬ومن ثّم تتكامل هذه النفس حّتى تكييون نفس يًا حيوانييية‪ ،‬فيضيياف‬
‫ل أّنييه‬
‫شعب من قّوة الغضب هذه قوى وملكييات عديييدة‪ ،‬إ ّ‬
‫إلى قواها المتقدمة القّوة الغضبية‪ ،‬وتت ّ‬
‫ل يتجاوز فيها عن حّد الحيوان في دوافعه وغرائزه وشهواته ودفع اللم والذى عنه‪.‬‬
‫سييي‪ ،‬حيييث يييدرك‬
‫ومضافًا إلى قّوة الغضب في النفس الحيوانية تتوّلد فيييه ق يّوة الدراك الح ّ‬
‫الجزئيات بواسطة الحواس الخمييس‪ ،‬وهييي‪ :‬اللمســة‪ ،‬الذائقــة‪ ،‬الشــامة‪ ،‬الســامعة‪ ،‬الباصــرة‪،‬‬
‫س المشترك« حيث تجتمع فيه حصيلة الدراكات الواردة من‬
‫وفوق هذه الحواس هناك »الح ّ‬
‫هذه الحواس‪ ،‬ثّم يأتي بعد ذلك دور الحافظيية الييتي تخييزن هييذه المعلومييات وتضييبطها‪ ،‬وهكييذا‬
‫تستمر حركة النفس نحو التسامي والتكامل بهذه القوى‪ ،‬أي أّنها ترغب فييي الملئم وتنفيير ميين‬

‫المؤلم بقييوتي الشييهوة والغضييب وتييزداد إدراكاتهييا يوميًا بعييد آخيير حّتييى تصييل إلييى مشييارف‬
‫النسانية‪.‬‬
‫النفس النسانية تتمّيز عن سييابقيتها أّنهييا مضييافًا إلييى تمتعهييا بجميييع قييوى النفييس النباتييية‬
‫ن لها قّوة خاصة تدرك بهييا الكليييات وهييي الفكيير‬
‫والحيوانية بالحّد العلى والنصيب الوفى‪ ،‬فا ّ‬
‫والعقييل‪ ،‬وسيينتحدث عيين هييذه النفييوس والقييوى بتفصيييل أكييثر لييدى اسييتعراض آراء الفلسييفة‬
‫المسلمين في المدرسة السلمية‪.‬‬
‫الدوافع والهداف‪:‬‬
‫ل الحصييو ُ‬
‫ل‬
‫أّما الدوافع النفسية فمتنوعة من طلب الّلذة ودفع اللم ونيل الفضيلة‪ ،‬ويجمع الك ّ‬
‫على السعادة‪ ،‬فالهدف الساس والييدافع الصييل فييي سييلوك النسييان هييو تحصيييل السييعادة )ل‬
‫ن الناس يختلفون في تصوير السعادة والطريق إليهييا‪ ،‬فمنهييم ميين يراهييا‬
‫مجرد الفضيلة( غير أ ّ‬
‫لأّ‬
‫ن‬
‫في الرئاسة وآخرون في الّلذات الجسييمانية والبعييض فييي طلييب العلييم والحكميية وهكييذا‪ ،‬إ ّ‬
‫ل ق يّوة فييي‬
‫ن السعادة ل تتحّقق بأحد هذه المسييالك‪ ،‬بييل بإعطيياء ك ي ّ‬
‫الصحيح كما يرى ارسطو أ ّ‬
‫ق وغاييية‬
‫ق‪ ،‬والنفس كذلك‪ ،‬والعقل بدوره له ح ّ‬
‫النسان حّقها وإيصالها إلى غايتها‪ ،‬فالبدن له ح ّ‬
‫خلق من أجلها‪ ،‬وهذا هو المراد من الفضيلة‪.‬‬
‫ن قوى النفس الشهوية والغضبية ل تدرك السبيل إلى تحقيييق غاياتهييا‪ ،‬فالفضيييلة فييي‬
‫وبما أ ّ‬
‫النسان تكمن في إطاعة النفس بجميع قواها للعقل‪ ،‬وهذه القوة العقلية في النسان بما لهييا ميين‬
‫دّقة نظر واستشراف للحكمة تقوم بتحديد ورسم ما ينبغي للنسان فعلييه ومييا ل ينبغييي‪ ،‬وبييذلك‬
‫تكون بحاجة إلى قوة ُاخرى لحمل النفس وقواها على سلوك ما تّم تشخيصييه فييي دائرة العقييل‪،‬‬
‫وهذه القّوة هي العدالة التي تتحّمل مسؤولية إيجاد التوازن والعتدال في قوى النسان ودوافعه‬
‫البدنية والنفسية‪ ،‬وهي عبارة عن العقل العملي في مقابل العقل النظري المذكور آنفًا‪.‬‬
‫ق حّقه من مجمل الدوافع والقييوى‬
‫ل ذي ح ّ‬
‫ل بإعطاء ك ّ‬
‫ولّما كانت سعادة النسان ل تتحّقق إ ّ‬
‫في النسان‪ ،‬وإيصالها إلى غايتها المخلوقة لجلها‪ ،‬أي إلى فضيييلتها الخاصيية بهييا‪ ،‬فلب يّد ميين‬
‫ل منها‪ ،‬وهو عبارة عن الحّد الوسط بين الفراط والتفريييط‪ ،‬والزيييادة‬
‫معرفة حّد الفضيلة في ك ّ‬
‫ل من القوى والدوافع النفسية‪ ،‬فالفضيلة هي العتدال وسلوك طريق الوسط في‬
‫والنقصان في ك ّ‬
‫لمور‪.‬‬
‫جميع ا ُ‬
‫فبالنسبة إلى قّوة الشهوة‪ ،‬ففضيلتها وكمالها العّفة‪ ،‬وهي واقعة في الحّد الوسط بييين الفييراط‬
‫في جانب الزيادة وهو الشره‪ ،‬وبين التفريط في جانب النقصان‪ ،‬وهو الخمود‪.‬‬

‫أّما قوة الغضب‪ ،‬فالحّد الوسط فيها هو الشييجاعة الواقعيية بييين الفييراط فيهييا وهييو التهييور‪،‬‬
‫وبين التفريط وهو الجبن‪.‬‬
‫والقّوة العقلية فضيلتها الحكمة وهي الحّد الوسط بييين الجربييزة والمكيير فييي جييانب الزيييادة‪،‬‬
‫وبين البلدة والغباء في جانب النقصان‪.‬‬
‫لصول الخلقية سائر الصفات والعمييال اليجابييية والسييلبية فييي نشيياط‬
‫وتتفّرع من هذه ا ُ‬
‫النسان الفردي والجتماعي‪ ،‬والصفات الخلقية كّلها على هذا المنييوال‪ ،‬فييالكرم فضيييلة بييين‬
‫ب الرئاسة ودناءة‪ ،‬الهّمة ومناعة الطبييع حيّد‬
‫البخل والتبذير‪ ،‬والشرف فضيلة كذلك ويقع بين ح ّ‬
‫وسط بين الكبر والذّلة‪ ،‬وحسن الخلق حّد وسط بين الحّدة وعدم الغيرة و‪...‬‬
‫وإّنما ذكرنا النظرية الخلقية مع أّنها من مواضيع الفلسييفة وعلييم الخلق لييدورها الفاعييل‬
‫في رسم السياسة التربوية للفرد‪ ،‬أي أّنها دخيلة في صميم علم النفس التربوي‪.‬‬
‫عّلة المرض النفسي‪:‬‬
‫ن الفضيلة تنشأ من التزام العدالة في اسييتعمال هييذه القييوى الثلث‪ ،‬إذًا فالعداليية‬
‫وقد اّتضح أ ّ‬
‫ن النسييان بالعداليية يسييتطيع‬
‫ن المقابل لها وهو الظلييم رأس الييرذائل‪ ،‬ل ّ‬
‫أشرف الفضائل‪ ،‬كما أ ّ‬
‫اكتساب وتحصيل جميع الفضائل النسانية بإخضيياع الق يّوة الشييهوية والغضييبية للعقييل‪ ،‬وبييذلك‬
‫يتسّنى للنسان الحياة السعيدة‪ ،‬ول يتنافى ذلك مع المعاناة الجسدية ما دام النسييان يسييير نحييو‬
‫ل مييرض نفسييي أو خلييل ونقييص فييي شييبكة‬
‫الفضيلة والكمال‪ ،‬فالنسان بنفسييه ل بجسييده‪ ،‬وك ي ّ‬
‫الدوافع ومنظومة القوى النفسية هو حصيلة النحراف عن خطّ العتدال والفييراط أو التفريييط‬
‫في السلوك‪.‬‬
‫وطريقة علجه تكمن في تقوية الرادة لردع القوى الشهوية والغضبية عن تجاوز حيييدودها‬
‫المقيّررة لييدى العقييل النظييري والسييعي للتس يّلط علييى النييوازع البدنييية وتوجيههييا باّتجيياه سييليم‬
‫ومعتدل‪ ،‬مضافًا إلى ذلك لبّد للنسان من رفد فكره بالنظريات الصائبة عيين الحييياة والمجتمييع‬
‫وتقوية عقله النظييري بييالبحث العلمييي والتأّمييل الفكييري ليتسييامى عيين الخييوض فييي الماديييات‬
‫ومطاليب الجسد‪.‬‬
‫العلقات الجتماعية‪:‬‬
‫لمور الضرورية في مساعدة النسان لنيل السعادة هي علقاته الجتماعية وارتبيياطه‬
‫ومن ا ُ‬
‫سم أرسطو الصدقاء إلى ثلثة أقسام‪:‬‬
‫مع الصدقاء‪ ،‬ويق ّ‬
‫الّول‪ :‬الصداقة المبتنية على النفع والمصلحة‪ ،‬وتكون في الغالب بين الكهول والمسّنين‪،‬‬

‫والثاني‪ :‬الصداقة على أساس التفّنن والتمّتع‪ ،‬وهذه صداقة الشباب والمراهقين‪،‬‬
‫الثالث‪ :‬الصداقة الحقيقية‪ ،‬وهي التي تكون من أجل نفس الصداقة والتي تقوم على معايير‬
‫إنسانية وفضائل كمالية‪ ،‬وهييذا النييوع ميين الصييداقة قليييل الحصييول‪ ،‬وُتشيياَهد فييي الغييالب بييين‬
‫الشخاص المتكافئين في العمر والتحصيل الثقافي‪ ،‬والباعث لها هو غريزة المؤانسيية والحاجيية‬
‫إلى النيس‪.‬‬
‫ب الذات‬
‫النانية وح ّ‬
‫ب الذات والسعي لجلييب الخييير لهييا ودفييع الضييرر‬
‫ن محور العمليات النفسية هو ح ّ‬
‫كأّ‬
‫لشّ‬
‫ن أرسطو يفّرق بييين نحييوين ميين حي ّ‬
‫ب‬
‫لأّ‬
‫عنها‪ ،‬كما هو المشهور في الوساط المادية أيضًا‪ ،‬إ ّ‬
‫الذات ‪..‬‬
‫ل فرد من أفراد البشر‪،‬‬
‫فتارًة‪ :‬يستقبح الناس مفهوم النانية بالرغم من أصالته وتجّذره في ك ّ‬
‫ن الصيييل والفطييري ل يكييون‬
‫مّما يشعر بوجييود تضييارب وتنيياقض بييين القبييح والصييالة‪ ،‬ل ّ‬
‫مذمومًا‪ ،‬بل ل يمكن التخّلص منه‪.‬‬
‫وتارًة ُاخرى‪ :‬ل يذم الناس من يسعى لرتقيياء معلوميياته وإحييراز مكانيية معنوييية وأخلقييية‬
‫ب الذات من النحو الّول هو مييا يتعّلييق بالجييانب‬
‫نح ّ‬
‫ب الذات‪ ،‬وهذا يعني أ ّ‬
‫سامية بدافع من ح ّ‬
‫الحيواني من ذات النسان‪ ،‬أي الغرائز الجسمية والقوى الشهوية والغضبية‪ ،‬حيث يغلب عليهييا‬
‫ب الييذات‬
‫طابع النانية الضّيقة والحسد والتعالي على الخرين‪ ،‬فمن ذلك كان هذا اللون من حيي ّ‬
‫ب الذات هذا‪ ،‬أّما النحو الخيير‬
‫قبيحًا‪ ،‬وعلى الفرد التخّلص منه والتسامي على دافع النانية وح ّ‬
‫ب الذات فهو ما يتعّلق بالجانب النساني من الشييخص‪ ،‬ولييذا نييراه يخلييو ميين العييوارض‬
‫من ح ّ‬
‫السلبية المتقّدمة‪ ،‬بل أن الشخص يسعى في تحصيييل الملكييات النسييانية والخصييال النبيليية ميين‬
‫ب الييذات أيض يًا‪،‬‬
‫كرم وشهامة ونجدة وحماية الضعيف وخدمة الناس وأمثال ذلك بدافع ميين ح ي ّ‬
‫ولكن في جانبها النساني‪.‬‬
‫نقاط القّوة والضعف في آراء أرسطو النفسية‬
‫ليس خافيًا على أحد ما تحمله هذه الفكار والراء من ثقافة إنسييانية وعطيياء علمييي ثيير‪ ،‬ل‬
‫ن أفكار أرسطو يغلب عليها طابع الستدلل العقلييي المييتين سييواء فييي علييوم مييا وراء‬
‫سّيما وأ ّ‬
‫لخرى‪ ،‬ويكفي من نقييياط‬
‫الطبيعة‪ ،‬أو علوم السياسة والجتماع والنفس وسائر العلوم الطبيعية ا ُ‬
‫القّوة فيها أّنها ما زالت تحتكر أسواق الفكار وتسيطر على الجواء العلمية لحضارات بشييرية‬

‫طيلة ألفي عام‪ .‬وما استعرضناه من نظريات أرسطو في الجانب النفسييي إّنمييا هييو غيييض ميين‬
‫فيض آرائه وأفكاره في هذا المجال‪.‬‬
‫لطروحيية النفسييية‬
‫ونلحظ بشكل عام غلبة الطابع العقلي والصييبغة الواقعييية علييى مجمييل ا ُ‬
‫لرسطو‪ ،‬وخاصة في مصالحته الماهرة بين النفس والجسد وإزالة مييا علييق فييي الذهييان ميين‬
‫العداء الذاتي والتنافي الييبيولوجي بينهمييا وفق يًا لراء ُاسييتاذه إفلطييون‪ ،‬مّمييا أّدى إلييى وضييوح‬
‫الفاق النظرية في مجال علم النفس الفلسفي‪ ،‬وإزاحة الكثير من الشييبهات‪ ،‬وذوبييان جمليية ميين‬
‫الستفهامات حول العلقة بين النفس والبدن‪ ،‬ومقولة العداء والتنافر بينهما‪ ،‬والسبب الذي أنزل‬
‫النفس من عليائها في عالم المثل والمجردات وحبسها في هذا القفص اللحمي وغير ذلك‪.‬‬
‫ن برنامج أرسطو الخلقي حاز الكثير من اليجابيييات وعلييى رأسييها تييوافقه‬
‫وبالرغم من أ ّ‬
‫ل أّنه واجييه الكييثير ميين الييردود‬
‫مع الفطرة والتجاه العام لتحقيق التوازن على جميع الصعد‪ ،‬إ ّ‬
‫والشكالت الفلسفية والخلقية ‪..‬‬
‫ن ما ذكر من مراعاة الحّد الوسط في جميع العمال والصفات ل يمكن اللتزام به‬
‫منها‪ :‬إ ّ‬
‫بإطلقه‪ ،‬فهناك العديد من الموارد تفتقد الحّد الوسط من الساس كالعشييق للكمييال المطلييق ميين‬
‫العواطف‪ ،‬والمانة والوفاء واللتزام بالعهود والمواثيق من الصفات والعمال الييتي ل نعييرف‬
‫سوى ما يقابلها من مضاداتها السلبية‪ ،‬أي رذيلة واحييدة فييي الطييرف المقابييل ل رذيلييتين علييى‬
‫جانبي الفراط والتفريط‪ ،‬فل يوجد لها حّد وسط بينهما‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬إفتقاد المعيار الثابت لتحديد الحّد الوسط في مختلف الحالت والظروف التي‬
‫يواجهها النسان‪ ،‬وخاصة في مسألة التزام بين هدفين أو أهداف متع يّددة لقضييية واحييدة‪ ،‬فميين‬
‫الواضح أّننا لدى مواجهة الواقع العملي والتطييبيقي لنظرييية الحيّد الوسييط سيينواجه عيّدة دوافييع‬
‫وأغراض متزاحمة ومتدافعة تبعث على الخلل بهذا الميزان النظري‪ ،‬مّمييا يييدفع بييالفرد إلييى‬
‫لخييرى المعّرضيية للتهديييد‪ ،‬فالحفيياظ علييى‬
‫التنازل عن الحّد الوسط النظري حفاظًا على القيييم ا ُ‬
‫الدين قد يستدعي التهور‪ ،‬والكرم قد يبعث على ظلم الهل والولد‪ ،‬وطلييب الخييرة قييد يييدعو‬
‫ب القبيلة أو المذهب و‪ ...‬غير‬
‫ب الوطن قد يتعارض مع ح ّ‬
‫شف المفرط‪ ،‬وح ّ‬
‫إلى الرياضة والتق ّ‬
‫ذلك‪.‬‬
‫ويتجّلى فقدان المعيار لضبط الحّد الوسط أكثر في حييالت المييرض النفسييي الييتي تسييتدعي‬
‫تجاوز الحّد الوسط وتعّمد النزلق في الطرف المقابل لستعادة التوازن‪ ،‬فمن شكى من البخييل‬
‫عليه إّتخاذ جانب السراف لعلج مييرض البخييل‪ ،‬وكييذلك ميين شييعر فييي نفسييه الجبيين عييالجه‬
‫بالتهور‪ ،‬وهكذا‪.‬‬

‫ل صييفة أخلقييية‬
‫ن هناك قضية ُاخرى أساسية‪ ،‬وهي كيفية تشخيص الحّد الوسط ميين كي ّ‬
‫ثّم أ ّ‬
‫ض النظر عن حالت التزاحم والمتغيرات المكانية والزمانية للفرد‪.‬‬
‫بغ ّ‬
‫ل ق يّوة‬
‫ن معرفة الحّد الوسط تتّم من خلل معرفة الهدف والغاية من ك ي ّ‬
‫ترى هذه المدرسة بأ ّ‬
‫وغريزة في النفس النسانية‪ ،‬فعلى سبيل المثال‪ ،‬غريييزة الجييوع والحاجيية إلييى الغييذاء‪ ،‬الغاييية‬
‫منها الحفاظ على حياة البدن وصحته‪ ،‬وهي معرفة وجدانية ل تحتاج إلى مزيييد إسييتدلل‪ ،‬فلييو‬
‫استعرضنا هذه الغاية وتأملنا هذا الهدف من هذه الغريزة لمكن بسهولة استخراج الحدّ الوسييط‬
‫في شهوة الطعام‪ ،‬وهو أن ل يكون الغذاء الوارد إلى الجسم من الكييثرة بحيييث يض يّر بالصييحة‬
‫العامة ويبلي الجهاز الهضمي‪ ،‬ول يكون من القّلة حتى ل يفييي بحاجييات الجسييد ميين الغييذاء‪،‬‬
‫وبعبارة ُاخرى‪ :‬يكون المقدار بحيث يؤمن ذلك الهدف ل أكثر‪ ،‬ول أقل‪.‬‬
‫وهكذا في غريزة الجنس‪ ،‬فالغاية منها حفظ النوع والتناسل والنشداد العيياطفي بييين الييزوج‬
‫والزوجة‪ ،‬فهذه الغايات ترسم لنا صورة محّددة عن الحيّد الوسييط للممارسيية الجنسييية‪ ،‬ويمكننييا‬
‫اسييتجلء الخطييوط الحمييراء والمنيياطق الممنوعيية ميين خلل هييذه الغايييات الوجدانييية‪ ،‬فنييدرك‬
‫لخرى ووضييعها فييي خانيية الييرذائل ميين جهيية‬
‫ممنوعية الزنا واللواط والممارسات المنحرفة ا ُ‬
‫الفراط‪ ،‬وكذلك نستكشف خطر الرهبنة والعراض الكلي عن الزواج والجنييس لمنافيياته لييذلك‬
‫الغرض المذكور‪ .‬وهكذا الحال في سائر الحالت النفسية والملكات الخلقية‪.‬‬
‫ن السييلوب العقلييي‬
‫الشكال المهم على هذه المدرسيية العقلييية يتّلخييص فييي عقليتهييا‪ ،‬فكمييا أ ّ‬
‫والمنطقي يشكل نقطة قّوة في هذه المدرسة المتكاملة وخاصة فييي مسييائلها النظرييية والفلسييفية‬
‫)ما وراء الطبيعة(‪ ،‬كذلك يشّكل نقطة ضعف بالنسبة للمسائل النفسية والخلقية‪ ،‬فالناس‬
‫ل مييا تفرضييه عليهييم ظييروف التطييبيع الجتميياعي‬
‫يتشّوقون لللييتزام بنظرييية الح يّد الوسييط‪ ،‬إ ّ‬
‫لطروحة الخلقية كترف فكري يتداوله العلمييياء‬
‫ودينامية التوافق مع المحيط‪ ،‬ولذا بقيت هذه ا ُ‬
‫والمحّققون بالدرس والتمحيص‪ ،‬وبعبارة ُاخرى‪ :‬إّنها تفتقد إلى آلية تصريف تحّولها ميين عمليية‬
‫صعبة في أيدي العلماء إلى غذاء سهل الهضم في متناول جميع أفراد المجتمييع‪ ،‬وليييس لهييا إ ّ‬
‫ل‬
‫الدين واللتزام المذهبي‪ ،‬ولذا أّكد إفلطون كثيرًا في كتابه »النواميس« على الييدين والرتبيياط‬
‫بالغيب لتطبيق نظرييياته الخلقييية والجتماعييية فييي المجييال الجتميياعي والييتربوي‪ ،‬واعتييبره‬
‫الحلقة المفقودة في عمليات بناء النسان الكامل والمجتمع المثالي‪.‬‬
‫وبذلك ندرك السبب فييي عييدم سييراية هييذه التعليمييات الخلقييية الشييريفة إلييى عمييوم أفييراد‬
‫الشعب اليوناني وبقي الفلسفة يعيشون في واد‪ ،‬والشييعب فييي واد آخيير تحكمهييم ديكتاتوريييات‬
‫متناثرة وعقائد وثنييية وقييوانين عسييكرية صييارمة‪ ،‬وروابييط إجتماعييية مهلهليية‪ ،‬وأخلق مادييية‬
‫طة‪.‬‬
‫منح ّ‬

‫وإّنمييا كييان لهييا صييدى لييدى المسييلمين فيمييا بعييد‪ ،‬وتييداولها علميياؤهم وحكميياؤهم بييالبحث‬
‫والتدريس‪ ،‬وأوردتها حوزاتهم ومجامعهم العلمية ضمن مناهجها الدراسييية; لّنهييم يقفييون علييى‬
‫أساس متين من الدين‪ ،‬ويستقون من روافد الشريعة السارية فييي أوسيياط العاميية قبييل الخاصيية‪،‬‬
‫فالمسلمون بدوافعهم الدينية أقرب إلى تطبيق هذه المثل الخلقية قبل العلم بها‪.‬‬
‫* * *‬
‫ديوجين والنظرية الكلبية‪:‬‬
‫المؤسييس لهييذه المدرسيية » انتيس تنيس« من تلميذ سقراط‪ ،‬وقد برز من رموزها‬
‫ورجالتها »ديييو جييانوس« ويييدعى »ديييوجين« أيضيًا‪ ،‬وقييد أخييذ فييي العييراض عيين الييدنيا‬
‫وملذاتها وزخارفها جانب الفراط‪ ،‬فقد سلك هو وأتباعه مسلك الدراويش والمتصوفة إلى الح يّد‬
‫ن حييياتهم كييانت شييبيهة‬
‫الذي أطلق عليه »ديوجين الكلبي« وسميت هذه المدرسيية بالكلبييية‪ ،‬ل ّ‬
‫بحياة الكلب من حيث عدم اللتزام بالتقاليد والعراف وعييدم إهتمييامهم بنييوع الكييل واللبيياس‬
‫ث من الثياب ويأكلون ما يجييدونه فييي الطرقييات أو صييدقات المحسيينين دون‬
‫فكانوا يلبسون الر ّ‬
‫تسّول‪ ،‬ويأوون إلى المغارات والخرائب‪ ،‬ولم يقتنوا من لوازم المعيشة شيئًا‪.‬‬
‫بعض الفلسفة)‪ (12‬وعلماء الجتماع يرون في هذه الظاهرة رّدة فعل للوضاع الجتماعية‬
‫السيئة والقاسية تدفع ببعض الفراد إلى سلوك هذا السبيل وتضطرهم إلى العراض عن الدنيا‬
‫بهذا الشكل‪ ،‬فهي طريقة للهروب من الواقع غير الملئم والمأيوس من إصلحه‪ ،‬ولذلك تنتشيير‬
‫هذه الظاهرة ويييزداد رصيييد هييذا المسييلك عنييد تعيّرض المجتمييع إلييى الكييوارث الطبيعييية‪ ،‬أو‬
‫الحروب المدمرة‪ ،‬كما نلحظ هييذا المعنييى فييي انتشييار التص يّوف فييي البلد السييلمية مقارن يًا‬
‫لهجوم التتار‪ ،‬أو قبيييل ذلييك عنييدما كييانت البلد السييلمية تعيياني ميين النقسييامات والحييروب‬
‫المضنية والفقر العام وضييعف الحكومييات وإنصييراف الحّكييام إلييى التمتييع بالملييذات الرخيصيية‬
‫وأمثال ذلك‪.‬‬
‫وقييد سييادت البلد اليونانييية فييي ذلييك الييوقت الحييروب الطاحنيية وخاصيية بعييد أن تلشييت‬
‫شييف لييدى أفييراد المدرسيية‬
‫امبراطورية السكندر مّما أوجد الرضييية المسيياعدة لسييتفحال التق ّ‬
‫الكلبية وأتباعها‪.‬‬
‫ن مع التعّمق في الدوافع الروحية للنسان‪ ،‬ل نجد هذا التحليل صائبًا على إطلقييه‪ ،‬فقييد‬
‫ولك ّ‬
‫تكون رّدة الفعل هذه منبعثة من أعماق الوجدان وتمّثل إنفلتًا من حالت النغماس في الترف‪،‬‬
‫‪ ()12‬كليات الفلسفة‪ ،‬ريجارد بابكين‪ ،‬ص ‪.27‬‬

‫وجوابًا على الغرق في وحل الملذات الجسدية‪ ،‬كما نلحظ نماذج كثيرة فييي التاريييخ ميين أولد‬
‫الملييوك والمييثرين سييلكوا هييذا النهييج التقشييفي وأحييدهم »بييوذا«‪ ،‬فليييس بالضييرورة أن تكييون‬
‫ل لسوء الحييوال الجتماعييية وحاليية إنفعالييية أمييام ضييغط الظييروف‬
‫الرياضة والتصوف معلو ً‬
‫الحياتية وقساوة البيئة‪ ،‬وقد يكون سلوك هذا المضمار هادفًا وتربويًا‪ ،‬فيكون من مقولة الفعل ل‬
‫النفعال‪ ،‬وهذا مييا نييراه واضييحًا فييي مسيييرة النبييياء )عليهييم السييلم(وخاصيية عيسييى )عليييه‬
‫لبييالتجّرد‬
‫السلم(‪ ،‬بعد أن غرق المجتمع اليهودي في دوامة التكالب على الييدنيا ول نجيياة لييه إ ّ‬
‫عن الدنيا وزخارفها وزبارجها بهذا الشكل‪.‬‬
‫وقد ل يكون هذا‪ ،‬ول ذاك‪ ،‬بل عن قناعة ورؤية فلسييفية محضيية عيين الحييياة ونيييل الكمييال‬
‫لخرى مسدودة بالمأساة‪،‬‬
‫ل الطرق ا ُ‬
‫نكّ‬
‫وأسلوب تفاعل النسان من المجتمع والطبيعة‪ ،‬فيرى أ ّ‬
‫ن مواجهة الصعوبات‬
‫ومنتهية إلى النحطاط والرذيلة سوى هذا الطريق‪ ،‬أو عن قناعة دينية بأ ّ‬
‫والشّدات في هذه الدنيا ل تخلو من راحة نفسية ونعيم ُاخروي‪.‬‬
‫ي حال‪ ،‬فقد نشر »ديوجانوس« أفكيياره وآراءه بسييلوكه العملييي ووضييع تصييوراته‬
‫وعلى أ ّ‬
‫السلبية عن الحياة والروابييط الجتماعييية علييى مسييرح التجربيية‪ ،‬دون التنظييير لهييا فييي الكتييب‬
‫والمحاضرات الفلسفية كما هو المتعارف من الفلسفة‪ ،‬فكانت عّزة نفسه وحّدة لسييانه مضييرب‬
‫المثل ومهوى الفئدة المتطّلعة إلى التحّرر من ربقيية الغييرائز الجسييدية وثقييل الوزار المادييية‪،‬‬
‫فهو الذي مّر عليه السكندر المقدوني في أوج عّزته فرآه جالسًا بذلك الوضع المأسيياوي‪ ،‬فلّمييا‬
‫ل الفارس رفع رأسه ورأى السكندر‪ ،‬فسأله السكندر إذا كانت لييه حاجيية‬
‫س ديوجانوس بظ ّ‬
‫أح ّ‬
‫يقضيها له‪ ،‬فقال‪» :‬ل تحجب الشمس عّني«‪.‬‬
‫وعندما أخرجه سّكان »أثينا« من مدينتهم‪ ،‬قال له أحدهم متهّكما‪ :‬كيف حالييك وقييد طييردك‬
‫الناس من المدينة؟ فأجاب‪ :‬بل أنا الذي وضعتهم داخل أسوار المدينة ‪..‬‬
‫لصول النظرية النفسية لهذه المدرسة التقشفية والتي تمّثل‬
‫وكيف كان‪ ،‬فبالمكان استخراج ا ُ‬
‫ط العتدال الذي رسمه »أرسطو«‪ ،‬وتتمّثل في النظرة السلبية عن الحييياة بكافيية‬
‫جنوحًا عن خ ّ‬
‫ل العادات والنميياط‬
‫جوانبها‪ ،‬فهي نظرية مضاّدة للمجتمع والقيم الخلقية والتقاليد العرفية ولك ّ‬
‫السلوكية المتعارفة‪ ،‬وبكلمة‪ :‬هي ثورة على الميول النفسية والواقييع الجتميياعي المييألوف بكييل‬
‫أشكاله‪.‬‬
‫ومن الطبيعي أن ل يكتييب لهييذه المدرسيية الييدوام‪ ،‬ول يحالفهييا التوفيييق‪ ،‬لّنهييا تسييير علييى‬
‫خلف تيار الفطرة البشرية والثوابت الخلقية والجوازم العقلية‪.‬‬
‫لخييرى هييو مسييير النسييان نحييو‬
‫الصل المشترك لهذه المدرسيية مييع المييدارس اليونانييية ا ُ‬
‫ن السعادة ليست موجودة خارج النسييان‪،‬‬
‫ل أّ‬
‫ن السعادة تتحّقق بتحصيل الفضيلة‪ ،‬إ ّ‬
‫السعادة‪ ،‬وأ ّ‬

‫بل كامنة في أعماقه‪ ،‬لّننا لو قلنا بإمكانية أن يكون النسان سييعيدًا بييالثروة والرئاسيية والقييدرة‬
‫لمور متغّيرة ومتقّلبة ل تثبت على حال ول تستقيم عنييد أحييد‪،‬‬
‫ن هذه ا ُ‬
‫والجمال وأمثال ذلك‪ ،‬فا ّ‬
‫لمييور‪،‬‬
‫لمور من الفضائل‪ ،‬ولذا سعى الكلبيون إلييى التج يّرد ميين جميييع هييذه ا ُ‬
‫لذا ل تعّد هذه ا ُ‬
‫وحّتى قتل الميول النفسية نحوها للحصول على الستقرار النفسي والطمئنان الروحي بالقضاء‬
‫على منشأ القلق والضطراب وهو الرغبات الجسدية والنوازع الدنيوية‪.‬‬
‫ولو توقف المر عند هذا الحّد لمكيين إيجيياد المييبّررات العلمييية والخلقييية لهييذا السييلوك‪،‬‬
‫ولوجدنا نظائر هذا السلوك في المدرسة الرواقية والمذهب البوذائي والتصييّوف السييلمي‪ ،‬إ ّ‬
‫ل‬
‫أّنهم تجّنبوا الصواب وجنحوا إلى الفراط الحاد في إعراضهم عن المجتمع بما فيه من أعراف‬
‫وعادات وُاصول إنسانية ولم يتوّقف بهم المر عند هذا الحّد‪ ،‬حتى أضافوا إلى موقفهم السييلبي‬
‫من الملذات المادية والتقاليد الجتماعية الرياضة الشاّقة والمجهدة‪ ،‬وأخذوا بتعذيب الجسد وكيي ّ‬
‫ل‬
‫ل علييى الرض الحزنيية الجييرداء‪ ،‬ولييو‬
‫ما يتصل به من غرائز ورغبييات بدنييية‪ ،‬فل ينييامون إ ّ‬
‫ُاضيف إليها الشوك وبعض القوارض لكان أنهنييأ‪ ،‬ويصييومون اليييام المتوالييية‪ ،‬ويعيشييون فييي‬
‫الكهوف البعيدة ويأنسون بالوحش‪ ،‬ويستوحشون من النس‪.‬‬
‫وكمييا هييو الغييالب فييي كييل نهضيية فكرييية أن يكييون رموزهييا الوائل صييادقين ومخلصييين‬
‫لعقيدتهم وُاطروحتهم‪ ،‬ثّم يلتف حولها النتهازيون وأهل المطامع والغراض المنحرفة‪ ،‬وهكييذا‬
‫فقد ضاق الناس ذرعًا بأفراد هذه المدرسة الذين تحّول بعضهم إلى متسولين من طراز خاص‪،‬‬
‫وأحيانًا كانوا يقترضون المال وعندما يحين وقت السداد ل يلتزمون بالداء وفقًا لنظرتهييم عيين‬
‫لصول العرفية‪ ،‬لذا كان من الطبيعي أن يقابلهم الناس بالمثل‪.‬‬
‫اُ‬
‫أّما نقاط القّوة والضعف في هذا السلوك التقشفي الحاد‪ ،‬فل نجد ميين نقيياط القييوة فيييه سييوى‬
‫تقوية الرادة وكبر الهّمة وقّوة العزيمة‪ ،‬وما تحكي عن مداليل أخلقية‪ ،‬كع يّزة النفييس والييترّفع‬
‫عن الذّلة والمهانة إن كانت النية صادقة والرغبة في الطهارة المعنوية صادقة‪ ،‬هذا‪ ،‬وقد طغت‬
‫طت سلبياتها حسناتها‪ ،‬فانكمشت وتلشييت‪ ،‬فييورثت الرواقييية‬
‫نقاط الضعف على امتيازاتها‪ ،‬وغ ّ‬
‫ُاصولها‪ ،‬والمسيحية زهدها وتقشفها‪.‬‬
‫* * *‬
‫أبيقور ومبدأ الّلذة‬
‫شف‪ ،‬نشأت المدرسة البيقورية المبتنية علييى رفييع الحظيير‬
‫في مقابل إفراط الكلبيين في التق ّ‬
‫عن التمتع بالحياة وملذاتها ول تختلف ميين حيييث الصييل والهييدف عيين غيرهييا ميين المييدارس‬
‫ن النسييان يطلييب السييعادة‪ ،‬إلّ أّنييه ميين قييال بييأن السييعادة تتمحييض‬
‫الفلسفية اليونانييية‪ ،‬وهييي أ ّ‬

‫ن الفضيييلة تعنييي العييراض عيين التمتعييات المادييية وإرضيياء الغييرائز‪ ،‬بييل أ ّ‬
‫ن‬
‫بالفضيلة؟ أو أ ّ‬
‫ن المحرك الصل في النسان هو طلب اللّذة‪ ،‬فكل عمل ينال الفييرد منييه‬
‫السعادة تعني اللّذة‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن المعيييار لمعرفيية الخييير والش يّر فييي العمييال‬
‫لّذة فهو خير وفضيلة‪ ،‬والعكييس بييالعكس‪ ،‬أي أ ّ‬
‫والصفات هو اللذة واللم‪.‬‬
‫بالنسبة إلى »ابيقور« مؤسس هييذه المدرسيية‪ ،‬ل يحتمييل فييي حّقييه القييول بالقتصييار علييى‬
‫ن اللييذة الروحييية أشييرف وأفضييل ميين اللييذات البدنييية السييريعة‬
‫المحسوس من اللذة‪ ،‬بل يرى أ ّ‬
‫ن هذه الخيرة كثيرًا ما تكون مشفوعة باللم النفسي‪ ،‬أّما اللييذة الخالصيية فهييي اللييذة‬
‫الزوال‪ ،‬ل ّ‬
‫الروحية‪ ،‬وأظهر مصاديقها وأبرز أفرادها هو مجالسة الخّلص ميين الصييدقاء والنييس معهييم‪،‬‬
‫ولكن بمرور الزمان صار هذا اللقب يطلق على كييل فييرد يييرى الحييياة فييي الييدنيا ميين منظييار‬
‫اللذات المحسوسة ول يعير أهمية للمعنويات‪ ،‬وهذا هو التيار السائد في أوربا والغرب الميييادي‬
‫بصورة عامة في عصرنا الحاضر‪.‬‬
‫ن الدافع الصل في كل فرد ي سييواء كييان متعبييدًا‬
‫ن هذه الفلسفة ترى بأ ّ‬
‫ومن زاوية نفسية فا ّ‬
‫في صومعة‪ ،‬أو متكالبًا على الدنيا ي هو طلب اللذة‪ ،‬ولكن على النسان أن يتعّلم كيييف يحصييل‬
‫على اللذة ميين دون البتلء بيياللم الناشيييء ميين الفييراط فيهييا‪ ،‬أو عييدم اسييتخدامها بالصييورة‬
‫الصحيحة‪ ،‬وبذلك ل تكون اللذات في الخير سواء‪ ،‬فاللذة المقرونة باللم تخييرج عيين مصييداقية‬
‫الخير‪ ،‬ول معنى لن يندفع النسان وراء مثل هذه اللذات الظاهرية المؤقتة‪.‬‬
‫هذا‪ ،‬ول ينبغي الخلط بين المفهوم الخلقي لطلب اللذة‪ ،‬والمفهوم النفسي لها‪ ،‬فالّول يدخل‬
‫في مواضيع الخلق ويتضمن الجابة على هييذا السييؤال‪ :‬مييا هييي الحييياة المطلوبيية للنسييان؟‬
‫لخرى‪ :‬أن يعيييش مييع الفضيييلة‪ ،‬أو يقييال‪ :‬إّنهييا‬
‫فيقال‪ :‬أن يعيش ملتّذا‪ ،‬كما يقال في المذاهب ا ُ‬
‫الحياة السعيدة‪ ،‬على اختلف المباني‪ ،‬ثّم يطرح السؤال عن السبيل إلى هذه الحياة‪ ،‬أي الجييانب‬
‫العملي والتطبيقي منه‪ :‬ماذا نصنع لتحقيق تلك الحياة اللذيذة؟ ومييا هييي الوسيييلة للوصييول إلييى‬
‫ل ما يحّقييق لييه لييذة معينيية‪ ،‬ويييترك مييا‬
‫تلك المرحلة المنشودة؟ فيقال‪ :‬على النسان أن يسلك ك ّ‬
‫ليس كذلك‪.‬‬
‫ن هييذا النحييو‬
‫وهنا يتعّرض أصحاب هذه المدرسة لهذا السؤال‪ :‬ما هو الدليل العقلييي علييى أ ّ‬
‫من الحياة هو المطلوب للنسان؟ ولماذا ل نأخذ بما تقّدم من ُاطروحات المدارس المتقّدمة مييين‬
‫ن مطلوب النسان هو الفضيلة‪ ،‬أو السعادة التي تجتمع أحيانًا مع اللذة وُاخرى مع عدمها؟‬
‫أّ‬
‫ن الفضيلة والسييعادة مفهومييان‬
‫ويمكن لتباع المدرسة البيقورية الجابة عن هذا التساؤل بأ ّ‬
‫مطاطيان لختلف إدراكات الناس في تصوراتهم عن مفهوم الفضيلة من جهة‪ ،‬واختلفهم فييي‬
‫كيفية السلوك إلى الحياة السعيدة من جهة ُاخرى‪ ،‬أّما لو نظرنا إلى الحياة المطلوبة من منظيييار‬

‫ن اللييذة أميير‬
‫اللذة‪ ،‬فنكون واقعيين أكثر‪ ،‬ويكون المعيار للسلوك بدرجة كبيرة من الوضييوح‪ ،‬ل ّ‬
‫ن النسييان يطلييب‬
‫فطري وملموس سواء كانت لذة بدنييية أو نفسييية‪ ،‬ول دليييل وجييداني علييى أ ّ‬
‫الفضيلة لذاتها‪.‬‬
‫وأّما طلب السعادة‪ ،‬فالمشكلة إّنما هي في تفسيرها وكيفييية الحصييول عليهييا‪ ،‬بينمييا نسييتطيع‬
‫ن النسان في مسيرته الحياتية يخضع لدينامية طلب اللييذة والفييرار‬
‫إدراك الدليل الفطري على أ ّ‬
‫من اللم في كل خطوة يخطوها‪.‬‬
‫ل أّنه مييا الشييكال‬
‫ثّم على فرض أّننا لم نتمكن من إقامة الدليل المنطقي على هذا المعنى‪ ،‬إ ّ‬
‫ن النسان يطلب اللذة؟ فاللذة أمر حسيين بييذاته ول إشييكال فيهييا سييوى مييا يتعّلييق بهييا ميين‬
‫في أ ّ‬
‫صي عن هذا المحذور‪ ،‬والتخّلص من هذه‬
‫منغصات‪ ،‬وما يقارنها من آلم‪ ،‬فلو أّننا استطعنا التف ّ‬
‫ن هذا المحذور أمر عرضي وثانوي‪.‬‬
‫ل إنسان‪ ،‬أي أ ّ‬
‫الملزمة‪ ،‬لمكن تحقيق الحياة السعيدة لك ّ‬
‫ن الملزمة بين اللذة واللم من الشمول والعمق بما ل يستهان بها‪ ،‬وليس من‬
‫ولكّنك خبير بأ ّ‬
‫الميسييور أن نطلييب اللييذة دون التييورط فييي أوحييال اللييم ميين جييوانب ُاخييرى‪ ،‬فالمعتيياد علييى‬
‫المخدرات أو الكحول‪ ،‬أو من يلهث في طلب لّذة الرئاسة والثروة‪ ،‬قد يلتذ في بداييية الميير‪ ،‬إ ّ‬
‫ل‬
‫أّنه سرعان ما يفقد الحساس باللذة بعد أن تتحول إلى أمر طبيعي وتبقى عليه تبعاتهييا التعيسيية‬
‫وآثارها المنغصة‪ ،‬وبذلك لم تستطع هذه المدرسة يي فييي الصييعيد العملييي علييى القييل يي إثبييات‬
‫ن طلب اللذة هو الغاية والهدف‪.‬‬
‫نظريتها في أ ّ‬
‫أّما من وجهة نظر دينية‪ ،‬فالنسان خلق لغاية وهدف أسييمى ميين طلييب اللييذة ليييام معييدودة‬
‫وانتهييى الميير‪ ،‬حّتييى لييو فرضيينا عييدم اقييتران اللييذة بيياللم‪ ،‬فنظييرة ُافقييية لمخلوقييات العييالم‬
‫ل على أّنه لم يخلق شيء في عالم الكائنات دون حكمة وغرض‪ ،‬فكييييف‬
‫وموجودات الطبيعة تد ّ‬
‫بأشرف المخلوقات وهو النسان؟ ول يمكن أن تكون اللييذة هييي الهييدف‪ ،‬لّنهييا يي علييى فييرض‬
‫ن موجييودات الطبيعيية‬
‫التسليم بها ي تكون الغاية من خلييق سييائر المخلوقييات فييي الطبيعيية‪ ،‬أي أ ّ‬
‫خلقت لكي ينال النسان بواسطتها اللذة‪ ،‬كأنواع المعلومييات والملبوسييات والقصييور ‪ ..‬وأمثييال‬
‫ل عاد الميير‬
‫ذلك‪ ،‬أّما النسان نفسه فقد خلق أيضًا لغاية ُاخرى خارج إطار لذته الشخصية‪ ،‬وإ ّ‬
‫لهوًا ولعبًا في أصل الخلقة‪.‬‬
‫ن اللذة بدورها وسيلة لهداف أسمى فاللذة الجنسية وسيلة لبقاء النسل وحفظ‬
‫والمر الخر أ ّ‬
‫السرة‪ ،‬واللذة من الكل والشرب وسيلة لحفظ البدن واذامة الحياة‪ ،‬وهكذا‬
‫ن هنيياك معيييار‬
‫نأّ‬
‫والّثالث إّننا نواجه غالبًا مسألة تعارض اللييذات البدنييية والنفسييية ول أظي ّ‬
‫منطقي لدى أتباع هذه المدرسة لتشخيص الطريييق وترجيييح أحييدها علييى الخيير‪ ،‬فليّذة الراحيية‬

‫ل‪ ،‬ولّذة جمع الموال والثروة تتنافى ولذة خدمة الناس واليثييار‪،‬‬
‫والدعة تتنافى ولّذة الزواج مث ً‬
‫ولّذة العبادة وقيام الليل قد ل تجتمع مع لّذة النوم والخلد إلى الفراش ‪ ...‬وهكذا‪.‬‬
‫ن النسييان فييي حركتييه‬
‫ن من المسلمات في علييم النفييس أ ّ‬
‫الشكال المهم في هذا الصدد هو أ ّ‬
‫التكاملية نحو النضج العاطفي والعقلي‪ ،‬لبّد له من الندكاك واللتحام في المجتمع‪ ،‬أي أّنه لبّد‬
‫سييعها إلييى النييا الجتماعييية فييي عملييية التطييبيع‬
‫وأن يخييرج ميين حصييار النييا الفردييية ويو ّ‬
‫ل بتحّمل كل فرد مسؤولية معينيية فييي إطييار‬
‫الجتماعي والتطويع الثقافي‪ ،‬وهذا المعنى ل يتّم إ ّ‬
‫ن كييل‬
‫ل‪ ،‬وغير ذلك‪ ،‬ومعلييوم أ ّ‬
‫خدمة المجتمع‪ ،‬كأن يكون حاكمًا‪ ،‬أو جنديًا‪ ،‬أو مزارعًا أو عام ً‬
‫مسؤولية اجتماعية ل تجتمع مع اللذة الفردية‪ ،‬بل قد تستدعيه المسؤولية إلييى التضييحية بحييياته‬
‫دفاعًا عن المجتمع‪ ،‬فهل تستطيع هذه الفلسفة إعطاء الفرد ضمانات كافية ورصيدًا من اللذة مييا‬
‫يبّرر له تحّمل هذه اللون من المسؤوليات؟‬
‫* * *‬
‫نظرية المدرسة الرواقية‬
‫سنة للمذهب الكلبي‪ ،‬ومرحلة تكاملية لها بحذف بعض السلبيات والمبّعييدات‬
‫وهي صورة مح ّ‬
‫الجتماعية بما جعلها أقرب للقبول والمنطقية لدى الكثير ميين النيياس‪ ،‬بحيييث أخييذت المسيييحية‬
‫ل مفاهيمها النظرية عيين الحييياة والجسييد والتمتعييات الطبيعييية عيين الفلسييفة الرواقييية بعييد أن‬
‫جّ‬
‫وجدت نفسها تسير ي تبعًا للمسيح )عليه السلم( ي بهذا التجاه الرافض للدنيا وملذاتها‪.‬‬
‫مؤسس هذه المدرسة يدعى »زينون« القبرصي الذي عاش في القييرن الثييالث قبييل الميلد‪،‬‬
‫طييى سييميت مدرسييته بالرواقييية‪ ،‬وعييرف أتبيياعه‬
‫وبمييا أّنييه كييان يلقييي دروسييه فييي رواق مغ ّ‬
‫بالرواقيون‪.‬‬
‫ن ُاصولهم الفكرية وثقافتهم الخلقية تشبه إلييى ح يّد كييبير نظريييات المدرسيية‬
‫وبالرغم من أ ّ‬
‫ن المييذهب الرواقييي‬
‫لأّ‬
‫الكلبية‪ ،‬وقد ولدا معًا في ظروف قاسييية وأوضيياع اجتماعييية مييدّمرة‪ ،‬إ ّ‬
‫امتاز بعمق النظر والتحليل المنطقي والستيعاب لمشاكل النسان في مييوارد مختلفيية ومتشييعبة‬
‫من حياته‪.‬‬
‫ل كلم لنا مع المدرسة الرواقية في فلسفتها الكونية ونظرتها إلى مييا وراء الطبيعيية وأمثييال‬
‫ذلك‪ ،‬بل نستعرض نظرة الرواقيين للنسان ودوافعييه‪ ،‬والهييدف الصييل فييي حييياته‪ ،‬والسييلوك‬
‫الذي ينبغي اتخاذه لتحقيق حياة أفضل‪.‬‬
‫ن النسييان لب يّد أن يوافييق مسيييرة الطبيعيية‬
‫لسس المهميية فييي الفلسييفة الرواقييية هييو أ ّ‬
‫من ا ُ‬
‫وخضوعها للقوانين الحكيمة المقّررة لها من خالقها‪ ،‬والنسان أحد مفردات الطبيعيية فييي بييدنه‪،‬‬

‫أّما روحه وعقله فهو شعاع وقبس من الييروح الكلييية الحاكميية علييى العييالم والكييون‪ ،‬فلب يّد أن‬
‫ن الطبيعيية‬
‫ن بييدنه وميييوله لروحييه وعقلييه كييي يحّقييق التوافييق المطلييوب‪ ،‬كمييا أ ّ‬
‫خضع النسييا ُ‬
‫ُي ِ‬
‫خاضعة في حركاتها وتغيراتها للعقييل المييدّبر المبثييوث فيهييا‪ ،‬ولكيين الميييول النفسييية ل تسييمح‬
‫للنسان بذلك‪ ،‬لّنها خاضعة ومنفعلة عن الظروف الخارجية والمؤثرات الجنبية عن النسان‪،‬‬
‫فلو أراد النسان التوصل إلى غايته وهدفه وهو السعادة في الحياة‪ ،‬فلبّد له ميين التخّلييص ميين‬
‫هذه الميول والمؤثرات النفسية‪ ،‬أو السيطرة عليها وإخضاعها للعقل‪.‬‬
‫ن سعادة النسان على هذا الساس ل يحصل عليها من خارج‬
‫والمبدأ الخر والمهم أيضًا‪ ،‬أ ّ‬
‫ل إنسييان كامنيية فييي أعميياقه وعليييه اسييتخراجها بإزاليية شييوائب‬
‫ن سعادة ك ي ّ‬
‫دائرة وجوده‪ ،‬بل أ ّ‬
‫الشهوات الرخيصة وإزاحة غبار التعّلق بالمادة والبدن‪ ،‬وأن ل ييّدخر وسييعًا فييي هييذا السييبيل‪،‬‬
‫ل واسييتخدمها حّتييى لييو توقييف ذلييك علييى النتحييار‪،‬‬
‫ول يترك وسيلة توصله إلى هذا الهدف إ ّ‬
‫والذين انتحروا من أفراد هذه المدرسة لتحقيق هذا الهدف والتخّلص من أدران الشييهوات ونيييل‬
‫الصفاء والطمئنان والدعة بالموت ليسوا بالقليل‪.‬‬
‫ل أّنه يتمتع لدى الرواقيين بالمنطقييية إلييى ح يّد‬
‫وهذا المبدأ تقّدم نظيره في المدرسة الكلبية‪ ،‬إ ّ‬
‫ن التحّرر من علئق المادة والطبيعة الجسييدية‪ ،‬والخضييوع التييام للعقييل هييو محييور‬
‫ما‪ ،‬حيث ا ّ‬
‫لمييور الخارجييية ل تييأثير لهييا فييي حرييية النسييان‬
‫السلوك نحييو الكمييال والغاييية المنشييودة‪ ،‬وا ُ‬
‫لمييور‬
‫خل ا ُ‬
‫واختياره وسعادته‪ ،‬بل هي كامنة في داخله‪ ،‬وبإمكانه نيل الحرية والسعادة دون تييد ّ‬
‫الخارجية‪ .‬فإذا تّم له ذلك‪ ،‬فييانه سييوف يييدرك الفضيييلة والسييعادة فييي نيلييه للطمئنييان النفسييي‬
‫والراحة الروحية‪ ،‬فالشرط الّول لييذلك أن ل يييدع النسييان المييؤثرات الخارجييية تتلعييب فييي‬
‫ميوله وسلوكه‪ ،‬فالخرين بامكييانهم الحيياق الضييرر بييك أو تسييخيرك أو سييجنك‪ ،‬ولكّنهييم ليييس‬
‫ن الفضيلة معك وهي أعماقك‪.‬‬
‫باستطاعتهم منعك عن تحصيل السعادة والفضيلة إذا أردت‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الفضيلة تعني الرادة‪ ،‬فلو أراد النسان نيلها وتحقيقها في وجوده فعليييه تجيياوز‬
‫وبكلمة‪ :‬أ ّ‬
‫المؤثرات وعدم العتناء بما يوجب له الخير أو يوقعه في الشر إذا كان من خارج ذاته‪ ،‬وهييذه‬
‫ن الكلبيين عندما وجدوا ميين‬
‫النقطة بالذات تمّثل نقطة عطف وافتراق عن المدرسة الكلبية‪ ،‬إذ أ ّ‬
‫أنفسهم عجزًا عن مقاومة الضييغوط والمييؤثرات الخارجييية ي ي خيرهييا وش يّرها ي ي آثييروا العزليية‬
‫ن الرواقيييين لييم يييذهبوا‬
‫لأّ‬
‫والعراض عن هذه المؤثرات وسلوك حياة الكلب في معيشييتها‪ ،‬إ ّ‬
‫إلى ضرورة العزلة والثورة على المؤثرات‪ ،‬بل مماشاتها والتفاعل معها‪ ،‬شريطة أن ل يييدعها‬
‫تؤثر في سلوكه الهادف وإرادته الحّرة‪ ،‬فبإمكان الفرد الحصول على الحييياة السييعيدة ميين دون‬
‫إغماض وإعراض عن الماديات‪ ،‬بل بإمكانه الستفادة منها والتمتع بها بشرط عدم الوقوع فييي‬

‫ل فسيييفقد حريتييه وينحييرف عيين مسيييرته ويسييقط فييي مهيياوي العبودييية‬
‫فخاخهييا وشييراكها‪ ،‬وإ ّ‬
‫والتعاسة‪.‬‬
‫ل أّنه ميين الغريييب‬
‫ل تأكيدات الرواقيين على الرادة والحّرية لدى النسان‪ ،‬إ ّ‬
‫وبالرغم من ك ّ‬
‫ل ما في عييالم الوجييود قييد‬
‫نكّ‬
‫أن نراهم جبريين في تحليلهم الفلسفي للقضاء والقدر‪ ،‬إذ يرون أ ّ‬
‫وضع بحكمة بالغة ويستحيل على أي موجود أن يكون بغير الصورة التي ُاختيرت له‪.‬‬
‫نقاط القّوة والضعف في الرواقية‬
‫المر المستحسن من هذا المسلك الفلسفي والنفسي أّنه يثير في النسان حصانة ي ولو بشييكل‬
‫ب الريييح يتقّلييب‬
‫محدود ي تجاه عوامل الضغط الخارجية‪ ،‬فل يكون الفرد حينئذ كريشة فييي مهي ّ‬
‫في مواقفه تبعًا لتقّلب الجواء‪ ،‬وهذا النمط من التفكير يكاد يكون ضروريًا في خضّم الحييداث‬
‫ن حياة النسان ل تخلو من التورط ولكييثر‬
‫العصبية والظروف الحالكة والزمات العويصة‪ ،‬ل ّ‬
‫من مّرة ي شاء أم أبى ي في دّوامات ومآزق‪ ،‬فلييو لييم يواجههييا الفييرد بشييجاعة واتييزان وفرمليية‬
‫الدوافع المضطربة‪ ،‬لما أفلح في مساره على الخط المعقول‪ ،‬ولما حّقق في حييياته الح يدّ الدنييى‬
‫ل إنسان‪.‬‬
‫من الستقرار والدعة والهدوء النفسي الضروري لك ّ‬
‫ن هذا النمط من السلوك بإمكانه تقوية الروابط الجتماعية وتمتين أواصيير‬
‫مضافًا إلى ذلك أ ّ‬
‫المحّبة بين أفراد المجتمع‪ ،‬وإذا أردنا التعّرف أكثر علييى واقعييية هييذا المعنييى‪ ،‬فلنأخييذ القضييية‬
‫مقلوبة‪ ،‬فالحاّد المزاج الييذي يزعييق علييى الخرييين لتفييه السييباب‪ ،‬والشييخص المتليّون تليّون‬
‫الحرباء يتغير تبعًا للمحيط والبيئة‪ ،‬ومن ل يتحّمل من أخيه كلمة نابية أو غلطة جارحة وأمثال‬
‫هؤلء ل يمكنهم بلييوغ مرتبيية النضييج العيياطفي والرشييد العقلييي بالمسييتوى المطلييوب‪ ،‬وبييذلك‬
‫يفقدون العمق الجتماعي وتتهّزل امتداداتهم بين الفراد‪ ،‬فيعيشون على الهامش دائمًا‪.‬‬
‫ل للحييالت‬
‫وقد اعترض غييير واحييد ميين الغربيييين علييى هييذه الخصيصيية أّنهييا ل تصييلح إ ّ‬
‫جهيية ومعقوليية عنييد الزمييات والوضيياع غييير الطبيعييية‪،‬‬
‫الضطرارية‪ ،‬فهذه الفلسفة تكون مو ّ‬
‫والمفروض في كل فلسفة تريد رسم الطريق النجع للحياة أن تهتم بدراسة الظييروف الطبيعييية‬
‫لولى‪ ،‬لّنها هي الصييل فييي الحييياة‪ ،‬ول نجييد فييي هييذا النمييط ميين التفكييير‬
‫للنسان بالدرجة ا ُ‬
‫الفلسفي والخلقييي مييا يشييير إلييى بيييان حييالت النسييان الطييبيعي كمييا وجييدناه فييي المدرسيية‬
‫الرسطية‪.‬‬
‫ن هذا العتراض غير وارد قطعًا‪ ،‬فليست مسييألة تقوييية الرادة وتأصيييل ق يّوة المناعيية‬
‫لأّ‬
‫إّ‬
‫والمقاومة في النفس بالتي تحصل بين عشّية وضحاها‪ ،‬فالمر بحاجة إلى سنوات ميين المكابييدة‬
‫والستقامة ضّد المؤثرات الخارجية الدنى فالدنى‪ ،‬فميين لييم يطييق صييبرًا فييي مواجهيية مييثير‬

‫بسيط‪ ،‬كإغراء صورة فتاة‪ ،‬فكيف بإمكانه أن يقييف موقييف يوسييف )عليييه السييلم( ميين امييرأة‬
‫العزيز؟ ومن لم يجد في نفسه مقاومة لتفاحة في بستان الغير‪ ،‬فكيف يكون خازنًا لييبيت المييال؟‬
‫ن المعترض يريد الجانب السلبي من هذه الفلسفة‪ ،‬وينظر إلى صمود النسييان وصييبره‬
‫وأظن أ ّ‬
‫حيال القوارع والكوارث فقط‪ ،‬ول يعّمم هذا المعنى على سائر المثيرات والمؤثرات الخارجية‪.‬‬
‫ل ما في عالم الكائنات تّم ويتّم وفق الرادة اللهييية‬
‫وكذلك أورد عليهم قولهم بالجبر‪ ،‬وأن ك ّ‬
‫حتمًا‪ ،‬وأّنهم بييذلك وقعييوا بييين مطرقيية الجييبر وسييندان الحرييية‪ ،‬فميين جهيية يوصييون النسييان‬
‫ن كييل حركيية‬
‫بضرورة تقوية إرادته إزاء المؤثرات الخارجية‪ ،‬ومن جهة ُاخرى يقولييون لييه‪ :‬إ ّ‬
‫منك قد رسمت مسبقًا‪ ،‬وليس لك رسم مستقبلك وصياغة حياتك كما تريد أنت‪.‬‬
‫ص الرواقيين‪ ،‬بل وقع فييي دواميية التنيياقض هييذا‬
‫ل أّنه ل يخ ّ‬
‫وهذا اليراد وإن كان واردًا‪ ،‬إ ّ‬
‫جميع الفلسفة والمفكرين غير السلميين‪ ،‬ودوخت هذه المسييألة المتكلمييين كافيية ميين القييدماء‬
‫ل ما شّذ وندر‪ ،‬وعن قريب كانت المدارس النفسية الحديثيية تص يّرح بييالجبر‪ ،‬أّمييا‬
‫والمتأخرين إ ّ‬
‫على أساس سوائق الهرمونات‪ ،‬أو أساليب التربية في الطفولة‪ ،‬أو عييالم اللشييعور أو ظييروف‬
‫ل هييذه الحييالت يكييون النسييان مسيّيرا لييدوافع ونييوازع خارجيية عيين‬
‫البيئة الضاغطة‪ ،‬وفي ك ّ‬
‫اختياره وإرادته‪ ،‬وحّتى في المدرسة السلمية نجد هذا النزاع والغموض سييائدًا فييي الوسيياط‬
‫العلمية حّتى انقسم العلماء في هذه المسألة إلى جبرية وهم الشاعرة‪ ،‬ومفّوضة وهم المعتزليية‪،‬‬
‫ل منهما جانب الصواب في هذه المسألة‪.‬‬
‫وك ّ‬
‫نعم‪ ،‬يمكن المؤاخذة على هذا التجاه الفكري أّنه لم يمّيز في قمعه لردود الفعل النفسية بييين‬
‫الضار والنافع‪ ،‬وبييين النفعييالت الموقتيية والعواطييف النسييانية حيييث س يّوى بينهييا فييي القمييع‬
‫والخنق‪ ،‬فكما لينبغي أن ل تعير للفقر أو المرض أو السجن أهمييية تييذكر وتسييعى إلييى قبييول‬
‫لته‪ ،‬فكذلك لو مات أعّز الناس إليك‪ ،‬فل مجال للعواطييف النسييانية وإبييراز مييا‬
‫الواقع على ع ّ‬
‫ن ذلك‬
‫ى وحزن على صديق‪ ،‬ل ّ‬
‫يجيش به القلب من عشق وتلّهف على محبوب‪ ،‬ول إظهار أس ً‬
‫ن هييذا المفهييوم ميين السييتقامة‬
‫يعني وجود حالة من التأثير والتأّثر بالبيئة ومتغيراتها‪ ،‬والحال أ ّ‬
‫والرادة يحيل النسان إلى جماد‪ ،‬فل وميض عشييق ول رفرفيية روح‪ ،‬ول خلجييات قلييب‪ ،‬ول‬
‫إثارة وجدان‪ ،‬بل قساوة معتمة‪ ،‬ول ُابالية ذميمة‪.‬‬
‫ل هييذا المنهييج الخلقييي يفتقييد إلييى المييبّررات‬
‫ن النسييان فييي ظي ّ‬
‫مضافًا إلى ذلك‪ ،‬نلحظ أ ّ‬
‫الكفيلة لمواجهة المتغيرات المحيطية والظروف الخارجية الضاغطة بصبر وسعة صييدر‪ ،‬فميين‬
‫فقد أمواله‪ ،‬أو اختطف الموت ولده‪ ،‬فما الذي يحجزه عن إظهييار جزعييه والعلن عيين ألمييه؟‬
‫لخييروي لهييذا الشييخص المنكييوب مّمييا يلم بييه‬
‫وهنا يأتي دور الدين واليمان لعطاء البديل ا ُ‬
‫جراحه‪ ،‬أّما ماذا يستطيع الرواقيون فعله تجاه هذا الواقع المعاش؟‬

‫النسان له قدرة محدودة علييى التحّمييل فييي ضييوء العييراف والتقاليييد السييائدة فييي العييرف‬
‫الجتماعي‪ ،‬أّما لييو زاد الضييغط علييى قييدرة الفرامييل المتعارفيية‪ ،‬كييأن يتع يّرض إلييى التعييذيب‬
‫الوحشي‪ ،‬أو التهديد بالقتل‪ ،‬أو ما شاكل ذلك من الضغوط السييتثنائية‪ ،‬فل تقييدر أّييية فلسييفة أو‬
‫نظرية أخلقية أرضية من زيادة قّوة الفرامل والقدرة على المقاومة وحفظ النسان من النهيار‬
‫التام‪ ،‬سوى ما نجييده فييي ُاطروحيية السييماء لعلج مثييل هييذه المواقييف العسيييرة‪ ،‬وإمييداد الفييرد‬
‫بالمزيد من القّوة والستقامة والطمئنان بالنتيجة‪.‬‬
‫* * *‬
‫نقد المدرسة اليونانية في نظرياتها النفسية‪:‬‬
‫بالرغم من إيجابيات هذه النهضة العلمية وما أسدته للبشرية من خدمة جليلة اسييتفادت منهييا‬
‫البشرية طيلة قرون متمادية في مسيرتها التكاملية في مجييال التوحيييد والخلق‪ ،‬وبييالرغم ميين‬
‫ل واحييدة ميين المييدارس الفلسييفية اليونانييية علييى الصييعيد‬
‫وجود نقاط ضعف تقّدم ذكرها في ك ي ّ‬
‫جل عليها بعض الملحظات العامة‪:‬‬
‫ل أّنه ل يمنع أن نس ّ‬
‫النفسي‪ ،‬إ ّ‬
‫ن أهم المسائل التي تشغل النسان على مختلف العصور هي فيما يتعّلق بجانب‬
‫أّول‪ :‬إ ّ‬
‫العقيييدة والعلقيية بييين النسييان وخييالقه‪ ،‬ولئن توصييلت الفلسييفة اليونانييية إلييى إثبييات التوحيييد‬
‫والصفات اللهية المقدسة بالدلة العقلية فقد بقي ما هو الهم من ذلك وهو كيفية الرتبيياط مييع‬
‫ل المعانييد‪،‬‬
‫ل إنسييان إ ّ‬
‫ن إدراك التوحيد وإثبات الخالق ثابت بالفطرة عند ك ّ‬
‫ل وعل‪ .‬ل ّ‬
‫الخالق ج ّ‬
‫وكما يقول القرآن الكريم‪:‬‬
‫ن ال(‪.‬‬
‫ض َلَيقوُل ّ‬
‫ت َوالر ِ‬
‫سماوا ِ‬
‫ق ال ّ‬
‫خَل َ‬
‫ن َ‬
‫سأْلَتهم َم ْ‬
‫ن َ‬
‫)َوَلئ ْ‬

‫)‪(13‬‬

‫ن المذاهب والديان المعاصرة لهذه الفترة الزمنية من يهودية وزرداشتية وبودائية كّلهييا‬
‫ثّم أ ّ‬
‫كانت على أساس التوحيد‪ ،‬وأّما الثنوية أو تقديس النار أو أصنام بودا فهي من التحريفات الييتي‬
‫طرأت على هذه المذاهب بعد مّدة طويلة‪ ،‬فليس القول بالتوحيد من مختصاتهم‪ ،‬وليييس لييه ميين‬
‫ل ما أّدى الى تفعيل الرابطة بين النسان وخالقه‪ ،‬وهو ما يحتاجه النسان دائمًا‬
‫الفائدة العملية ا ّ‬
‫ن الفطييرة‬
‫ن له وللعالم خالقًا يتصف بصفات الكمال المطلق‪ ،‬ل ّ‬
‫في حياته‪ ،‬ول يكفي أن يعتقد بأ ّ‬
‫البشرية تبحث عن الطريق إلى الجمال المطلق‪ ،‬وغريزة العبادة والتدّين تبحث عن إشباعها‪.‬‬
‫والمدرسة اليونانية تعاني فقرًا شديدًا فييي هييذا المجييال‪ ،‬أي فييي المجييال العبييادي‪ ،‬فالنسييان‬
‫الذي اعتقد بوجود ال تعالى ل يعرف كيف يدعوه وكيف يناجيه ويعبده؟!‬
‫‪ ()13‬سورة لقمان‪ :‬الية ‪.25‬‬

‫ن اليمان باليوم الخر مفهوم غامض في الوعي اليوناني ول يعرف الناس منه‬
‫إضافًة إلى أ ّ‬
‫ن هناك حياة بعد الموت‪ ،‬أّما كيف تكون هذه الحياة وما هو مصيرهم مع الييذنوب الييتي‬
‫سوى أ ّ‬
‫ارتكبوها؟ وهل هناك تناسخ أرواح كما كييان يقييول بييه بعييض الفلسييفة أو غييير ذلييك؟ وكيييف‬
‫ص مييا بعييد المييوت ميين القياميية‬
‫نستعد لذلك اليوم؟ وأساسيًا لييم تكيين المفيياهيم الدينييية الييتي تخي ّ‬
‫والحساب والميزان والجّنة والنار وأمثال ذلك مطروحة في الفلسفة سوى العتقيياد بالحييياة بعييد‬
‫الموت الذي يدركه النسان بفطرته أيضًا‪.‬‬
‫ن العواطف البشرية لم تكن لها قيمة تذكر عند هؤلء الفلسفة‪ ،‬بينما تشّكل‬
‫ثانيًا‪ :‬إ ّ‬
‫العواطف الركن الساس في النفس النسانية‪ ،‬وعليها تدور جميع المسييائل النفسييية فييي تكييوين‬
‫الشخصية‪ ،‬ودور العقل يقتصر على كشف الطريق السليم ودفع الخطر عن النفييس‪ ،‬فهييو يمّثييل‬
‫الضوء الذي يكشف الطريق أمام النسان‪ ،‬والعواطييف هييي المح يّرك السيياس لعجليية النسييان‬
‫ل ومرشدًا ‪..‬‬
‫ل دلي ً‬
‫تحّركه وتدفعه نحو الهدف والكمال المطلوب‪ ،‬وليس العقل إ ّ‬
‫ولذلك كانت الفلسفة اليونانية عقلية جافة ل تندمج مع إحساسات الناس وعييواطفهم‪ ،‬ويعيييش‬
‫الناس في واد والفلسفة في واد آخيير‪ ،‬وحييتى لييو كييان العشييق اللهييي مييذكورًا وخاصيية عنييد‬
‫إفلطون ولكّنه عشق يختص به من وصل إلى مقام إفلطون وأمثاله‪ ،‬وأّما سييائر النيياس فييأّنى‬
‫لهم هذه الدرجة العالية من التكامل الروحي؟!‪.‬‬
‫ل إنسان يطلب الكمال لنفسه فقط‪ ،‬والهدف‬
‫ثالثًا‪ :‬تتمّيز الفلسفة اليونانية بانفرادية قاتلة‪ ،‬فك ّ‬
‫لّم والبيين والقربيياء‬
‫هييو مصييلحته وكميياله‪ ،‬أّمييا نييوع الروابييط الييتي تربطييه مييع الب وا ُ‬
‫والصدقاء‪ ،‬والفقير والغني‪ ،‬والظالم والمظلوم وغير ذلك فمسكوت عنه‪ ،‬وكييأنه شيييء ثييانوي‪،‬‬
‫ن النسييان مييدني بييالطبع‪ ،‬أي أّنييه‬
‫ن إفلطون وأرسطو وغيرهما كانوا يعتقدون بأ ّ‬
‫بالرغم من أ ّ‬
‫ن الهتمييام ينصييب علييى‬
‫لأّ‬
‫اجتماعي بالغريزة والفطرة‪ ،‬وبهذا يمتاز عن سييائر المخلوقييات‪ ،‬إ ّ‬
‫التكامل الفييردي ل الجتميياعي‪ .‬ولييذلك عيياش أغلييب الفلسييفة بعيييدًا عيين صييراعات المجتمييع‬
‫ومشاكله الجتماعية والسياسية‪ ،‬ولم يكن لهم موقف واضح من الحروب التي كان يعيياني منهييا‬
‫الشعب اليوناني‪ ،‬ولذلك فشلوا إجتماعيًا‪ ،‬وأصبح الشعار السيياس للبيقييوريين والرواقيييين هييو‬
‫العزلة عن الناس والمجتمع والرجوع إلى الطبيعة‪ ،‬حّتى تركت هذه الفكار آثارًا واضحة على‬
‫ل بعييد التع يّرف‬
‫المسيحية والدعوة إلى الرهبنة التي لم تكن في السيياس ميين الييدين المسيييحي إ ّ‬
‫على الفلسفة اليونانية وخاصة الرواقيين‪.‬‬
‫هل يكفي العلم بالفضيلة كما يقول سقراط لسلوك الطريق نحو الكمال وفييي الطريييق موانييع‬
‫جه الناس لطلب‬
‫وسدود تمنع النسان من الخير وتجبره على سلوك الطريق المنحرف؟ هل يتو ّ‬

‫الفضيييلة والتكامييل المعنييوي وبلدهييم فييي حاليية يرثييى لهييا ميين الفقيير والحييروب الطاحنيية‬
‫والمراض‪ ،‬أليس سقراط قتل شهيدًا بعد محاكمته وذهب دمه هدرًا؟‬
‫إذا كانت الحكومة فاسدة فسوف يفسد المجتمع ويفسد أفراد المجتمع ول تتمّكن هييذه الفكييار‬
‫الفردية من تجاوز العقبات والسدود التي تضييعها الحكوميية الفاسييدة أمييام الفضييائل‪ ،‬فلييو اسييتلم‬
‫الحكم أمثال هتلر وستالين وأشعل الحروب الطاحنة التي تذهب ضحيتها مليين البشيير مييع مييا‬
‫تخلفه من فقر ودمييار وانحلل القيييم والخلق النسييانية‪ ،‬فميياذا سييوف تصيينع هييذه التعليمييات‬
‫للنهوض بالفرد؟‬
‫لو أمرت الدولة بغلق المييدارس الفلسييفية ومنييع دراسيية الفلسييفة وسييجن الفلسييفة‪ ،‬فمييا هييو‬
‫موقف الفيلسوف؟ وهل يستطيع أن ينهض لتربية الناس؟‪.‬‬
‫ن هييذا البنيياء الفلسييفي كييم هييو ضييعيف ومعيّرض للنهييدام بييأدنى صييدمة ‪..‬‬
‫من هنا نعلم أ ّ‬
‫ونعرف أيضًا لميياذا كييانت مواجهيية النبييياء )عليهييم السييلم(مييع حّكييام عصييرهم والطييواغيت‬
‫والمترفين الذين بيدهم مقاليد الحكم كخطوة ُأولى لتربية المجتمع وإيصاله إلى الفضيلة والكمال‬
‫المنشود ‪..‬‬
‫ن النبي في ك ّ‬
‫ل‬
‫رابعًا‪ :‬الميزة المهمة في الديان إضافًة إلى ربط النسان بال تعالى هي أ ّ‬
‫دين يمّثل القدوة والنموذج للنسان الكامل الذي يطّبق التعاليم السماوية على نفسييه أّول‪ ،‬فيتعّلييم‬
‫الناس من سيرته وزهده وجهاده‪ ،‬وتكون التعاليم السامية ممكنيية عملي يًا عنييدما يييرى النيياس أ ّ‬
‫ن‬
‫ل مثلهم يصنع ذلك‪ ،‬ولهذا نجد تأكيد النبياء على أّنهم بشر مثل سائر الناس )ُقــل إّنمــا أنــا‬
‫رج ً‬
‫شر ِمثلكم()‪ ،(14‬ولو كان ملئكة أو ابن ال تعالى وأمثال ذلك لذهب مفعول القييدوة والنمييوذج‬
‫َب َ‬
‫البشري ولصبحت بعض التعاليم الخلقييية أشييبه بالمحييال خصوص يًا فييي مييا يتعّلييق باليثييار‬
‫وكظم الغيظ والجهاد وأمثال ذلك ‪..‬‬
‫والن لنعود إلى اليونان ولنفرض أّننا ميين أفييراد الشييعب اليونيياني فييي ذلييك الزمييان‪ ،‬فميين‬
‫ن غيييره مخطييي ‪..‬‬
‫ن أفكيياره هييي الح يقّ وأ ّ‬
‫ل يييدعي أ ّ‬
‫سيكون قدوتنا ميين هييؤلء الفلسييفة وك ي ّ‬
‫أرسييطو يخطييي ُاسييتاذه إفلطييون فييي كييثير ميين المسييائل ‪ ..‬الرواقيييون علييى النقيييض ميين‬
‫البيقوريين‪ ،‬وأتباع ديوجانوس ضّد الجميع‪ ،‬فكيف يمكنك أن تقتدي بفيلسوف منهم ‪..‬‬

‫‪ ()14‬سورة الكهف‪ :‬الية ‪.110‬‬

‫سقراط واجه الموت بشجاعة وتناول كأس السّم من أيدي أعدائه وشربه ويّدعي أّنه لبّد من‬
‫ن النسييان العاقييل ل ينبغييي‬
‫احترام القانون‪ ،‬بينما نجد أرسطو يهرب من القانون)‪ ،(15‬ويّدعي أ ّ‬
‫أن يلقي بنفسه في التهلكة!!‪..‬‬
‫ن الفيلسوف قد يكون قدوة في العلم‪ ،‬لكن ذلك ل يعني أّنه قييدوة فييي العلقييات الزوجييية‬
‫ثّم أ ّ‬
‫والجتماعية ول يعني أّنه شجاع وكريم وغير ذلك من الصفات اليجابية فييي النسييان‪ ،‬ولييذلك‬
‫يقتصر التاريخ على ذكر أفكارهم وعقائدهم بينمييا نجييد التاريييخ يييذكر سيييرة النبييياء وزهييدهم‬
‫ل مييا يييدركه‬
‫وأعمالهم أكثر مّما يذكر أفكارهم وعقائدهم‪ ،‬بييل إّنهييم ل يييذكرون ميين أفكييارهم إ ّ‬
‫المجتمع من التوحيد والخرة بعيدًا عن الستدللت العقلية لّنها علوم فطرييية‪ ،‬ولييذلك انص ي ّ‬
‫ب‬
‫اهتمامهم على تطهير النسان من الرذائل فيقول رسول ال )صلى ال عليه وآله وسلم(‪) :‬إّنما‬
‫ل عيسى )عليه السلم( على وجود الخالق‪ ،‬وإّنما‬
‫بعثت ُلتمم مكارم الخلق()‪ .(16‬ولم يستد ّ‬
‫ن ال تعالى قريب وأبواب الملكوت مفتوحة أمييام التييائبين وكييان يعيييش مييع‬
‫كان يؤكد للناس بأ ّ‬
‫الضعفاء والمذنبين من الناس‪ ،‬وكذلك موسى )عليه السلم( الذي ترك حياة الملوك وقصييورهم‬
‫وهرب إلى الصحراء من أجل إنقاذ بني إسرائيل المضطهدين ‪ ..‬وهكذا سيرة النبياء الخرين‬
‫)عليهم السلم( ‪..‬‬
‫ن إليه في اّتبيياعه‬
‫ن رأي هذا الفيلسوف صحيح؟ وما هو الضمان الذي أطمئ ّ‬
‫ثّم أّنه من قال أ ّ‬
‫ن طريقته ستوصلني إلى الكمال المنشود؟ ومجرد أّنه إنسان وصييل إلييى مراحييل معينيية ميين‬
‫وأ ّ‬
‫ل إنسان يتبع أفكاره سيصل إلى ما يريده من الكمال‪ ،‬فقد تكييون الظييروف‬
‫نكّ‬
‫الكمال ل يعني أ ّ‬
‫الحياتية لذلك الفيلسوف من الوراثة والمحيط هي السبب فييي تكييامله ل أفكيياره‪ ،‬وظييروف ك ي ّ‬
‫ل‬
‫ل لو أّنك كنت ابنًا لحد الشراف أو ابيين السييكندر وتركييت ك ي ّ‬
‫ل‬
‫فرد تختلف عن الخر ‪ ..‬مث ً‬
‫شيء من الموال والمقام الجتماعي والعائلة والولد‪ ،‬والتحقت بأحد الفلسفة لتتعّلييم الطريييق‬
‫حة أفكار وطريقة هذا الفيلسوف وأّنك سوف تصييل حتمييًا‬
‫إلى الكمال‪ ،‬فهل أنت مطمئن إلى ص ّ‬
‫ل شيء من أجل ذلييك؟ ولييو كييان كييذلك إذًا لتفييق‬
‫إلى الكمال المنشود حّتى أمكنك التضحية بك ّ‬
‫ل‪ ،‬فل‬
‫ق واحييد ‪ ..‬وإذا كييان الخطييأ محتم ً‬
‫ن الح ي ّ‬
‫الفلسفة على طريقة واحدة وعقيدة واحييدة‪ ،‬ل ّ‬
‫يتسّنى لك الرجوع إلى ما كنت عليه ل سّيما إذا أصبحت من أتباع ديوجانوس أو الرواقيين ‪..‬‬
‫أّما في الديان السماوية‪ ،‬فالكمال والوصول إلى رضا ال تعالى مضمون إذا سييار النسييان‬
‫في الطريق الذي رسمه له النبياء)عليهم السلم( وساروا عليه قبلييه‪ ،‬لّنهييم يخييبرون عيين الي‬

‫‪ ()15‬صدر ضده حكم بالعدم‪ ،‬فهرب من بلده الى بلدة مجاورة ومكث فيها حتى مات بعد عام واحد‪.‬‬
‫‪ ()16‬بحار النوار‪ :‬ج ‪ ،16‬ص ‪.210‬‬

‫ل وينال‬
‫تعالى وال ل يخلف الميعاد‪ ،‬فان لم يتحّقق غرضه في الدنيا وهو أن يصير إنسانًا كام ً‬
‫ل عمل يعمله في الدنيا ويقصد به الوصول إلى‬
‫درجة من الفضيلة فسوف ينالها في الخرة‪ ،‬وك ّ‬
‫الكمال المطلق وهو ال سبحانه وتعالى فاّنه سوف ل يذهب هدرًا )ول نضيع أجر المحسنين(‬
‫)‪(17‬‬

‫وهذه المسألة يقينية عند أتباع الدين ومضمونة ل سّيما في الدين السلمي الذي وردت‬

‫سييية‬
‫الخبار عن ذلك العالم بواسطة النبي محّمد )صلى ال عليييه وآلييه وسييلم( عيين مشيياهدة ح ّ‬
‫لدى عروجه إلى الملكوت العلى ومشاهدته الجّنة والنار في حادثة المعراج‪ ،‬وليس عن إخبار‬
‫بالغيب فقط‪ ،‬فل تكون التضحية بالماديات والمقامات الدنيوييية خسييارة محتمليية كمييا فييي اّتبيياع‬
‫ن القضييية العرفييية القائليية‬
‫الفلسفة‪ ،‬ونفس احتمال الخطأ ل يكون دافعًا وحافزًا علييى تركهييا ل ّ‬
‫»عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة« تصدق في اّتباع الفلسفة التي تحتمل الخطأ‬
‫دون النبي الذي يخبرنا عيين ال ي تعييالى‪ ،‬فحينئذ تكييون العشييرة علييى الشييجرة فييي اليييد أيضيًا‪،‬‬
‫ش ـَر‬
‫ع ْ‬
‫ســنِة َفل ـُه َ‬
‫ح َ‬
‫ن جــاَء ِبال َ‬
‫ويسهل بل يجب إعطاء العصييفور الواحييد فييي مقابييل عشييرة )َم ـ ْ‬
‫أمثالها()‪.(18‬‬
‫ن أمير المؤمنين )عليه السلم( يذهب إلى أكثر من ذلك ويقول‪ :‬وال ي لييو كييانت الييدنيا‬
‫بل إ ّ‬
‫ن الدنيا‬
‫من ذهب والخرة من تراب لخترت التراب الباقي على الذهب الفاني‪ ،‬فكيف والحال أ ّ‬
‫الفانية هي التراب ‪...‬‬
‫خامسًا‪ :‬فيما يتعّلق بالتعاليم الخلقية في مدرستي إفلطون وأرسطو‪ ،‬فهي منهج أخلقي‬
‫بديع وجيد ول سّيما أّنه يعطي للعقييل مكييانه المناسييب‪ ،‬ويحتييوي علييى مقييدار ل بييأس بييه ميين‬
‫ل تقسيم القوى إلى شهوية وغضبية وعقلية وتفريعات هذه القييوى‬
‫حة والمطابقة للواقع‪ ،‬فمث ً‬
‫الص ّ‬
‫الثلث ليست تقسيمات حدسية وبعيدة عن الواقع الخارجي‪ ،‬ويمكن أن نجد لها بعض المؤيييدات‬
‫ن أصييحاب الشييمال هييم الييذين ارتكبييوا ثلثيية‬
‫ل في سورة الواقعة نجييد أ ّ‬
‫في القرآن الكريم‪ ،‬فمث ً‬
‫ذنوب رئيسية‪:‬‬
‫)إّنهم كانوا قبل ذلك مترفين * وكانوا يصــرّون علــى الحنــث العظيــم * وكــانوا يقولــون‬
‫ءإذامتنا كّنا ترابًا وعظامًا ءإّنا لمبعوثون * أو آباؤنا الّولون(‬

‫)‪(19‬‬

‫ن كل واحد‬
‫فأنت ترى ا ّ‬

‫من هذه الذنوب يتعّلق بواحييدة ميين القييوى الثلث‪ ،‬وقييد ذكرهييا القييرآن الكريييم بييالتريب الييذي‬
‫ذكروه‪ ،‬فالّول منها يتعّلق بالقوة الشهوية وهييو الييترف‪ ،‬والثيياني يتعّلييق بييالقّوة الغضييبية وهييو‬

‫‪ ()17‬سورة يوسف‪ :‬الية ‪.56‬‬
‫‪ ()18‬سورة النعام‪ :‬الية ‪.160‬‬
‫‪ ()19‬سورة الواقعة‪ :‬الية ‪ 45‬ي ‪.48‬‬

‫حنث اليمين والعهد‪ ،‬وإنكار الخرة الناشيء من الجهل أو الشيطنة الييذي هييو ميين رذائل الق يّوة‬
‫العقلية‪.‬‬
‫ن هنيياك ميين الصييفات‬
‫وأّما ما يتعّلق بالحّد الوسط فميين الصييعب إثبيياته لجميييع الخلق‪ ،‬ل ّ‬
‫الخلقية ما له ضّد واحد ول يقع بين الفراط والتفريط مثل المانة الذي يقابلها الخيانيية فقييط‪،‬‬
‫ونفس فضيلة طلب الكمال‪ ،‬فمهما زاد النسان منه وأسرع فيه فهو أفضييل ول معنييى للوسييط‪،‬‬
‫وكذلك فضيلة العدالة التي يقابلها طرف واحد وهو الظلم‪ ،‬فالعدالة وهي إعطاء الحقّ لصيياحب‬
‫ى للحّد الوسط‪.‬‬
‫ق ل تعرف معن ً‬
‫الح ّ‬
‫وهكذا في مسألة اليثار‪ ،‬فمهما تجاوز الحّد فهو فضيلة‪ ،‬وأساسيًا اليثييار قييائم علييى تجيياوز‬
‫س ـِهم‬
‫علــى أْنُف ِ‬
‫ن َ‬
‫ل كان كرمًا‪ ،‬والقرآن الكريم يعتبره قّمة الخلق النسييانية )َويــؤِثرو َ‬
‫الحّد‪ ،‬وإ ّ‬
‫صة()‪ ،(20‬وكّلما تجاوز الحد كّلمييا زادت فضيييلته حّتييى يصييل إلييى اليثييار‬
‫خصا َ‬
‫ن ِبِهم َ‬
‫َوَلو كا َ‬
‫بالنفس ويصل النسان إلى حّد الموت ‪..‬‬
‫ن النسييان لب يّد أن يحّكييم عقلييه ويرجييع إليييه فييي‬
‫ثّم نصل إلى إشكال أهم وأعمييق وهييو‪ :‬أ ّ‬
‫ضح لنا الحّد الوسط في الشهوة والغضييب‪،‬‬
‫السيطرة على القوة الشهوية والغضبية وهو الذي يو ّ‬
‫أّما هو فكيف؟‪.‬‬
‫إذا التبس المر على القّوة العقلية وأخذ النسان فيها جانب الفراط والتفريييط فميين يسييتطيع‬
‫حة سيره؟ أي أّنه مصاب بالجهييل المرّكييب فيعتقييد‬
‫إرجاعه إلى الحّد الوسط إذا كان معتقدًا بص ّ‬
‫ل ‪...‬‬
‫ق باط ً‬
‫الباطل حّقا والح ّ‬
‫حح مسيرة العقييل عنييد الشييتباه وهييو مرحليية‬
‫ل واضح فالوحي يص ّ‬
‫بالنسبة إلى السلم فالح ّ‬
‫أعلى من العقل ول يعتريه الخطأ والشتباه‪ ،‬فالمؤمن يلتزم بما يقوله القرآن عنييد اشييتباه العقييل‬
‫وعند الجهل والجهل المرّكب‪ ،‬أّما ماذا عند هؤلء الفلسفة؟‪..‬‬
‫ن أفكار هذه المدرسة محدودة بالشخاص السالمين ول نظرلها إلى الحالت‬
‫سادسًا‪ :‬إ ّ‬
‫المرضية التي يعاني منها كثير من الناس‪ ،‬وإذا كان لها نظر لبعض الحالت فل يتعّدى العلج‬
‫عن مواعظ جاّفة وقديميية لبيييان أضييرار التكّبيير والحسييد وأمثييال ذلييك‪ ،‬أّمييا أسييباب المييراض‬
‫النفسية وأشكالها وحالتها من المسائل المهمة التي يعاني منها إنسان اليوم فل تجد لها أثرًا في‬
‫الفلسفة اليونانية ‪..‬‬

‫‪ ()20‬سورة الحشر‪ :‬الية ‪.9‬‬

‫القلق‪ ،‬وضعف العصاب والهستريا وعقدة الحقييارة وآثييار العقييد النفسييية الشييائعة فييي هييذا‬
‫العصر تحتاج إلى نظر جديد وبأسلوب جديد ول تنفع النصيحة وبيان الحّد الوسييط لميين يبتلييي‬
‫بأحد هذه المراض النفسية ‪..‬‬
‫ويكفي أن نذكر أّنها تعاليم أخلقية لم يلتزم بها أبناء ذلييك الزمييان وانقرضييت بعييد سيينوات‬
‫قليلة جّدا‪ ،‬وبقاؤها هذه المّدة الطويلة مديون للدين المسيحي ومن بعده علميياء الييدين السييلمي‬
‫الذين أحيوا التراث اليونيياني بعييد أن كييان مييدفونًا فييي عييالم النسيييان‪ ،‬وأخرجييوا كتييب هييؤلء‬
‫الفلسفة وترجموها إلى لغاتهم‪ ،‬فبقاؤها مكتسب من قّوة الدين ل قّوتها في نفسها‪.‬‬
‫فلسفة عصر النهضة في الغرب من ديكارت وبيكن واسبينوزا إلى هيوم ونيتشييه وغيرهييم‬
‫ل لسنوات معدودة ولفراد قلئل وهكذا شأن‬
‫لم يكتب لفكارهم البقاء على الصعيد الجتماعي إ ّ‬
‫ل فلسفة وفيلسوف ل تعتمد في بقائها على الدين والوحي‪ ،‬وسرعان ما يظهيير فيلسييوف آخيير‬
‫كّ‬
‫ويخطي ما قبله ويبني على خرائب الفكار السابقة فلسفته الجديدة وهكذا‪ ،‬وحّتى لو لم يأت من‬
‫ل فيلسوف إّنما يرى ويعيش في محيطه الخاص‪ ،‬وليس لييه‬
‫نكّ‬
‫يهدمها فسوف تنهدم لوحدها‪ ،‬ل ّ‬
‫نظر إلى بقية الشعوب‪ ،‬أو إلى الزمنة اللحقة التي يختلف فيها المحيط الثقييافي والجتميياعي‪،‬‬
‫فالفيلسوف الذي يعيش مجتمع يًا طبقي يًا‪ ،‬أو يكييون فيييه نظييام العبيييد سييائغًا تختلييف أفكيياره عيين‬
‫فيلسوف يعيش في محيط آخر‪ ،‬فهكذا شأن فلسفة اليونان ‪..‬‬
‫* * *‬

‫الفصل الثاني‬

‫‪ 2‬ي النظرية البوذية‬
‫»النسان النزية؟؟؟؟؟«‬

‫مقدمة تاريخية‬
‫قد يكون من المفيد والطريف معًا أن نورد حكاية مقتضبة عيين حييياة مؤسييس هييذا المييذهب‬
‫»بوذا« لنرتبط في دراستنا هذه بالظروف الجتماعية‪ ،‬ونتطّلع إلى آفاق العالم الشرقي الذي‬
‫تزامن في ظهوره مع المدرسة اليونانية‪ ،‬وإن كان قد سبقها بكثير في ُاصوله وجييذوره الثقافييية‬
‫والحضارية‪.‬‬
‫لت مقّدمات ولدة بوذا السطورية)‪ ،(21‬لنرد إلى مبدأ حياته الروحية والمعنوية‪.‬‬
‫نطوي سج ّ‬
‫»يروي الرواة الصالحون أّنه خرج من قصره ذات يوم إلى الطرقات حيث عامة الناس‪،‬‬
‫ل‪ ،‬وخييرج يوم يًا ثاني يًا فييرأى رجلً مريض يًا‪ ،‬وخييرج يوم يًا ثالث يًا فييرأى‬
‫وهنيياك رأى شيييخًا كه ً‬
‫ميتًا ‪ ...‬فاسمع له يروي القصة بنفسه كما نقلها أتباعه في الكتب المقدسة ي يرويها فيحّرك فييي‬
‫نفسك كامن الشعور‪.‬‬
‫»وبعدئذ أّيها الرهبان جرت خواطري على النحو التي ي فيما كنت فيه من جلل وعيش‬
‫ل من سواد الناس‪ ،‬ستنال منه الكهوليية كمييا نييالت‬
‫ل جاه ً‬
‫ن رج ً‬
‫ورفاهية بالغة ي قلت لنفسي‪» :‬إ ّ‬
‫من ذلك الشيخ‪ ،‬وليس هو بالبعيد عن نطاق الشيوخية‪ ،‬يضطرب ويسييتحي وتعيياف نفسييه حييين‬
‫يبصر بشيخ كهل لّنه يتصور نفسه في مثل حالته‪ ،‬إّنني كذلك قابييل للشيييخوخة‪ ،‬ولسييت بعيييدًا‬
‫ل أن أضييطرب‬
‫عن نطاقهييا‪ ،‬أفينبغييي لييي يي وأنييا القابييل للشيييخوخة يي إذا مييا رأيييت شيييخًا كه ً‬
‫وأستحي وأن تعاف نفسي؟« لم أر ذلك مّما يليق ولما طاف برأسي هييذا الخيياطر‪ ،‬ذهييب عّنييي‬
‫بغتًة كل تيه بشبابي ‪ ...‬وهكذا أّيها الرهبان قبييل أن أهتييدي سييواء السييبيل‪ ،‬لمييا وجييدتني مّميين‬
‫تجوز عليهم الولدة‪ ،‬بحثت في طبيعيية هييذه الشيييخوخة ميياذا تكييون‪ ،‬وكييذلك المييرض‪ ،‬وكييذلك‬
‫الحزن‪ ،‬كذلك الدنس‪ ،‬ثّم فّكرت لنفسي‪» :‬ما دمت أنا نفسي مّمن تجوز عليهم الولدة‪ ،‬فماذا لو‬
‫بحثت في طبيعتها ‪ ...‬فلّما رأيت ما في طبيعة الولدة من تعس‪ ،‬جعلت أبحييث عّميين ل يولييد‪،‬‬
‫أبحث عن السكينة العليا‪ ،‬سكينة »النروانا«‪.‬‬
‫ن الموت هو أصل الديانات كّلها‪ ،‬ويجوز أّنه لو لم يكن هناك موت لما كييان لللهيية عنييدنا‬
‫إّ‬
‫وجود‪ ،‬هذه النظرات كانت بداية »التنوير« عند بوذا‪ ،‬وكما يرتّد النسان عن دينه في لحظيية‪،‬‬
‫كذلك حدثت لبوذا أن صّمم فجأًة أن يترك أباه وزوجته وإبنه الرضيع ليضييرب فييي الصييحراء‬

‫‪ ()21‬هنان اساطير كثيرة في ولدة بوذا مسطورة في كتب تاريخ الديان اعفصلة‪ .‬راجع قصة الحضارة ي ويل‬
‫دورانت‪.‬‬

‫زاهدًا‪ ،‬ولّما أسدل الليل سييتاره‪ ،‬تسيّلل إلييى غرفيية زوجتييه‪ ،‬نظيير إلييى إبنييه »راهييول« نظييرة‬
‫أخيرة‪ ،‬وتقول السفار المقّدسة البوذية‪ ،‬في فقره يقّدسها أتباع »جوتاما« جميعًا‪ ،‬أّنييه فييي هييذه‬
‫اللحظة عينها‪:‬‬
‫»كان مصباح يضئ بزيت عبق‪ ،‬وكانت ُاّم » راهول« نائمة على سرير ملئ بأكداس‬
‫الياسمين وغيره من ألوان الزهور‪ ،‬واضعة راحتيها علييى رأس إبنهييا‪ ،‬فنظيير »بوذيسييتاوا« ي ي‬
‫بوذا المنثمر ي وقدماه عند الباب‪ ،‬وقال لنفسه‪» :‬لييو أزحييت يييد الملكيية لخييذ إبنييي‪ ،‬فستسييتيقظ‬
‫ل دون فراري‪ ،‬اّنني إذًا ما أصبحت »بوذا سأعود لراه« ونزل ميين‬
‫الملكة‪ ،‬وسيكون ذلك حاي ً‬
‫القصر‪.‬‬
‫وفي ظلمة الصباح الباكر خّلف المدينة على ظهر جواده »كانثاكييا« يصييحبه سييائق عربتييه‬
‫»شونا« وقد تعّلق يائسًا بذيل الجواد‪ ،‬وعندئذ تبدى له » مارا« أمير الشّر‪ ،‬وأغواه بملك‬
‫ل راكبًا جواده حّتى صادفه نهيير عريييض فييوثب ميين‬
‫عريض‪ ،‬لكن بوذا أبى عليه غوايته‪ ،‬وظ ّ‬
‫شاطئه إلى الخر بوثبة واحدة جّبارة‪ ،‬وطافت بنفسه رغبة أن ينظر إلى بلييده‪ ،‬لكّنييه أبييى علييى‬
‫نفسه اللفتة ليرى‪ ،‬ثم استدارت الرض العظيمة حّتييى ل تصييبح أمييامه سييبيل إلييى النظيير إلييى‬
‫ن هييذه‬
‫ن هذا المكان رائع‪ ،‬وإ ّ‬
‫الوراء‪ .‬ووقف عند مكان اسمه »يورفيل« يقول‪» :‬قلت لنفسي إ ّ‬
‫لغابة جميلة‪ ،‬فالنهر ينساب صافيًا‪ ،‬وأماكن الستحمام تبعث في النفس السرور‪ ،‬وكل ما حييولي‬
‫شف‪ ،‬ولبييث س يّتة أعييوام‬
‫ق أنواع التق ّ‬
‫مروج وقرى«‪ .‬وهاهنا في هذا الموضع أخضع نفسه لش ّ‬
‫يحاول أساليب »اليوجا« ي رياضة النفس ي التي كانت قد ظهرت قبييل ذلييك فييي ربييوع الهنييد‪،‬‬
‫وعاش على الحبوب والكل‪ ،‬ومضى عليه عهد اقتات فيه بالروث‪ ،‬وانتهى به التدريييج إلييى أن‬
‫ل يوم‪ ،‬ولبس ثيابًا من الوبر وانييتزع شييعر رأسييه ولحيتييه لينييزل‬
‫جعل طعامه حّبة من الرز ك ّ‬
‫بنفسه العذاب لذات العذاب‪ ،‬وكان ينفق الساعات الطييوال واقف يًا أو راقييدًا علييى الشييوك‪ ،‬وكييان‬
‫يترك التراب والقذر يجتمع على جسده حّتى يشبه في منظره شجرة عجييوزًا‪ ،‬وكييثيرًا مييا كييان‬
‫يرتاد مكانًا تلقى فيه جثث الموتى مكشوفة ليأكلها الطير والوحش‪ ،‬فينام بين هذه الجثث العفنة‪.‬‬
‫ن تعذيب النفييس ليييس هييو السييبيل لمييا يريييد‪،‬‬
‫ن فكرة أشرقت على بوذا ذات يوم‪ ،‬وهي أ ّ‬
‫لك ّ‬
‫وربما كان في ذلك اليوم أشّد جوعًا منه في سائر اليام‪ ،‬أو ربما ثارت في نفسه إذ ذاك ذكرى‬
‫من ذكريات الجمال‪ ،‬ذلك أّنه لم يلحظ تنويرًا جديدًا يأتيه من هذه الحياة القاسية بزهدها‪:‬‬
‫»إّنني بمثل هذه القسوة ل أراني أبلغ العلم والبصيرة الساميتين على مستوى البشر‪ ،‬وهما‬
‫ن تعذيبه لنفسه قد‬
‫العلم والمعرفة اللتان تتصفان بالرفعة الحقيقة«‪ ،‬بل المر على نقيض ذلك‪ ،‬إ ّ‬
‫ولد فيه شعور الزهو بنفسه مّما يفسييد أي نييوع ميين أنييواع التقييديس الييتي كييان ميين الجييائز أن‬
‫ل وجلييس هنيياك جلسيية‬
‫تفيض من نفسه‪ ،‬فأقلع عن زهده وذهب ليجلس تحت شجرة وارفة الظ ي ّ‬

‫ل يييبرح ذلييك المكييان حّتييى يييأتيه التنييوير‪ ،‬وسييأل نفسييه‪ :‬مييا‬
‫مستقيمة ل حركة فيها‪ ،‬مصّمما أ ّ‬
‫مصدر ما يعانيه النسان من أحزان وآلم وأمراض وشيخوخة وموت؟‬
‫وهنا أشرقت عليه فجأة صورة للموت والولدة يتعاقبان في مجرى الحياة تعاقبييًا ل ينتهييي‪،‬‬
‫ل سييكينة وغبطيية تقابلهييا شييهوة جديييدة وقلييق‬
‫ل موت يزول أثره بولدة جديدة‪ ،‬وك ّ‬
‫نكّ‬
‫ورأى أ ّ‬
‫جديد وخيبة وأمل جديدة وحزن جديد وألم جديد‪ ،‬وهكذا رّكزت عقلي في حالة من نقاء وصفاء‬
‫‪ ...‬رّكزته في فناء الكائنات وعودتها إلى الحياة في ولدة جديدة‪ ،‬وبنظرة قدسية مطّهرة إلهية‪،‬‬
‫سيينّية‪ ،‬خّيييرة أو شييريرة‪ ،‬سييعيدة أو شييقية‪،‬‬
‫رأيت الكائنات الحّية تمضي ثّم تعود فتولد دنّييية أو َ‬
‫حسب ما يكون لها من »كارما« »قانون التناسخ« وفق ذلييك القييانون الشييامل الييذي بمقتضيياه‬
‫سيلقي كل فعل خّير ثوابه‪ ،‬وكل فعل شرير عقابه في هذه الحييياة أو فييي الحييياة تالييية تتقمييص‬
‫فيها الروح جسدًا آخر«‪.‬‬
‫وحينئذ ‪ ..‬لو استطاع النسان أن يخمد شهوات نفسه‪ ،‬ساعيًا وراء فعييل الخييير دون سييواه‪،‬‬
‫عندئذ يجوز أن يمحو هذه الفردية التي هي أولى أوهييام النسييان وأسييؤها أثييرًا‪ ،‬وتتحييد النفييس‬
‫ل بقلييب طّهيير نفسييه ميين شييهواته الذاتييية‬
‫آخر المر باللنهاية اللواعية‪ ،‬فيالها من سييكينة تح ي ّ‬
‫ل؟ إ ّ‬
‫ن‬
‫تطهيرًا تامًا!‪ .‬وهل ترى قلبًا لم يطّهر نفسه على هذا النحو قد عييرف إلييى السييكينة سييبي ً‬
‫ن الثنيييون‪ ،‬ول هييي ممكنيية فييي‬
‫السعادة مستحيلة‪ ،‬فل هي ممكنة في هذه الحياة الييدنيا كمييا يظي ّ‬
‫الحياة الخرة كما يتوّهم أنصار كثير من الديانات‪ ،‬أّما ما يمكن أن تظفر به فهو السييكينة‪ ،‬هييو‬
‫ل شهواتنا‪ ،‬هو النرفانا‪.‬‬
‫الهمود البارد الذي نصيبه إذا ما نفضنا عّنا ك ّ‬
‫ل‪ ،‬أدرك »بوذا« سبب ما يعانيه الناس ميين آلم‪ ،‬فأخييذ‬
‫وهكذا بعد سنوات سبع قضاها متأم ً‬
‫سمته نحو »المدينة المقّدسة« مدينة بنارس‪ ،‬وهناك في روضة الغزلن عند »سارنات« طفق‬
‫شر الناس بالنرفانا)‪.(22‬‬
‫يب ّ‬
‫* * *‬

‫تعاليم المدرسة البوذية‬
‫بعد تلك المقدمة الحّية عن رجييل عظيييم ميين أسيياطين الحكميية فييي الشييرق‪ ،‬لنسييتعرض مييا‬
‫سس مييذهبه علييى أربييع‬
‫ظها من السعادة والكمال‪ ،‬هذا‪ ،‬وقد أ ّ‬
‫عرضه بوذا على البشرية لتنال ح ّ‬
‫دعائم‪:‬‬

‫صة الحضارة‪ ،‬ويل دورانت‪ ،‬بتلخيص‪ ،‬ص ‪ 67‬ي ‪.72‬‬
‫‪ ()22‬ق ّ‬

‫ل شيء في هذه الحياة‬
‫‪ 1‬ي اللم هو الصل في هذه الحياة‪ ،‬فهو من لوازم الوجود‪ ،‬فك ّ‬
‫مقرون باللم من الولدة المؤلمة‪ ،‬حّتييى الشيييخوخة الطافحيية بييآلم العجييز والمييرض والحاجيية‬
‫وغير ذلك‪.‬‬
‫ن سبب اللم هو الشهوة‪ ،‬شهوة العاطفة‪ ،‬شهوة الحياة‪ ،‬شهوة الجنس والشهوة السابقة‬
‫‪2‬يإّ‬
‫هي السبب في بعثنا وولدتنا ورجوعنا إلى هذه الدنيا من جديد سنواجه اللم مّرة ُاخرى‪.‬‬
‫‪ 3‬ي إذًا‪ ،‬لبّد للتخّلص من اللم من اجتثاث عّلته من جذورها‪ ،‬أل وهي الشهوات‪ ،‬ونطّهر‬
‫لبالعزليية‬
‫نفوسنا منها‪ ،‬وبييذلك نحييرز عييدم عودتنييا هييذه الييدنيا م يّرة ُاخييرى‪ ،‬ول يكييون ذلييك إ ّ‬
‫لمييور‬
‫والنقطاع عند الناس والسعي لخلص أنفسنا من كييل مييا يزيييدها ارتباط يًا بالماديييات وا ُ‬
‫الدنيوية‪.‬‬
‫‪ 4‬ي يجب على النسان أن يبعد نفسه من المثيرات للشهوات‪ ،‬لوقف اللم‪ ،‬والتخّلص من‬
‫العقبات التي تحول بينه وبين ممارسة عملييية الخلص هييذه‪ ،‬ولييذا قيّرر الخييروج علييى رسييوم‬
‫وتقاليد البراهمة‪ ،‬لّنها حسب اعتقاده من العقبات أيضًا‪.‬‬
‫وهذه النظرة المقيتة والسلبية عن الشهوة تختلف عن نظريتها في المذهب الكلبي‪ ،‬وقد تكون‬
‫ل مصيياديق‬
‫ق في تشخيص الضرر والخطر في موارد الشهوات‪ ،‬فليسييت شيياملة لك ي ّ‬
‫أفضل وأد ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫ب في صالح الفرد دون الك ّ‬
‫شهوات بل اّنها الشهوة النانية التي تص ّ‬
‫والشهوة الجنسية هي الخطر والسوء‪ ،‬لّنها تبعييث علييى التناسييل والتوالييد‪ ،‬وبييذلك تك يّرر‬
‫المأساة وتطول محنة البشر من دون أن يكون له هدف معلوم‪.‬‬
‫أّما تصويره عن الحياة السعيدة والمطلوبة فتتحّقييق بالسييلمة فييي المييوارد الثمانييية‪ :‬سييلمة‬
‫الرأي‪ ،‬وسلمة النية‪ ،‬وسلمة القول‪ ،‬وسلمة الفعل‪ ،‬وسلمة العيش‪ ،‬وسلمة الجهييد‪ ،‬وسييلمة‬
‫ما نعني به‪ ،‬وسلمة التركيز‪ ،‬والطريق إلى تحقيق الحياة السليمة يمّر من خلل تطبيق القواعد‬
‫الخلقية الخمس‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫ن أحد كائنًا حّيا‪.‬‬
‫‪ 1‬ي ل يقتل ّ‬
‫ن أحد ما لم ُيعطه‪.‬‬
‫‪ 2‬ي ل يأخذ ّ‬
‫ن أحد كذبًا‪.‬‬
‫‪ 3‬ي ل يقول ّ‬
‫ن أحد مسكرًا‪.‬‬
‫‪ 4‬ي ل يشرب ّ‬
‫ن أحد على دنس‪.‬‬
‫‪ 5‬ي ل يقيم ّ‬
‫إذا استمر النسان في تطبيق هذه الوصايا‪ ،‬وطّهر نفسه من أدران الشييهوات‪ ،‬فسييوف ينييال‬
‫الراحة وينعم بالهدوء النفسي والطمئنان القلبي‪ ،‬وهييي مرتبيية »النرفانييا«‪ .‬الييتي تعنييي باللغيية‬
‫السنسكريتية‪» :‬مطفي« وباصطلح المذهب البوذي الوارد فييي الكتييب البوذييية المقّدسيية تعنييي‬

‫ل الشهوات التي تستعر في نفس النسان‪ ،‬أو إنعييدام شييعور النسييان بفرديتييه‪ ،‬أو تلييك‬
‫إخماد ك ّ‬
‫الحالة من السعادة التي ينالها الفرد عند خلصه من دوافع الشهوة‪ ،‬وأمثييال ذلييك علييى اختلف‬
‫في ظواهر العبارات‪ ،‬ولكن المعنى واحد »عباراتنا شّتى وحسنك واحد«‪ .‬والفضييل اسييتجلء‬
‫معنى هذه المرتبة السامية من لسان بوذا نفسه حيث يقول‪:‬‬
‫»‪ ..‬فإنا إذا ما نظرنا إلى أنفسنا نظرتنا إلى أجزاء من كل‪ ،‬وإذا ما أصلحنا أنفسنا‬
‫ل‪ ،‬عندئذ ل تعود أشخاصنا بما ينتابه ميين خيبيية أمييل أو هزيميية‪،‬‬
‫وشهواتنا إصلحًا يقتضيه الك ّ‬
‫وما يعتورها من مختلف اللم ومن مييوت ل مهييرب منييه ول مفيّر‪ ،‬ل تعييود هييذه الشييخاص‬
‫تحزننا حزنًا مريييرًا كمييا كييانت تفعييل بنييا ميين قبييل‪ ،‬عنييدئذ تفنييى هييذه الشييخاص فييي خض يّم‬
‫اللنهاية‪ ،‬إّننا إذا ما تعّلمنا أن نستبدل بحّبنا لنفسنا حّبا للناس جميع يًا وللحييياء جميع يًا‪ ،‬عنييدئذ‬
‫ننعم آخر المر بما ننشد من هدوء«)‪.(23‬‬
‫حّقا ما أروع هييذه الجملت‪ ،‬وأعييذب هييذه الكلمييات الييتي تعكييس صييفاء الضييمير وإشييراقة‬
‫الروح وسلمة الفطرة حتى ليخيل للنسان وهو يقف منصتًا بخشوع إلى بوذا وهو يتحّدث مييع‬
‫ي مرسييل‪ ،‬ولييول‬
‫ي من أولياء اليي‪ ،‬أو نييب ّ‬
‫أتباعه بهذا الخلص ونكران الذات أّنه يقف أمام ول ّ‬
‫بعض المثالب والطعون النظرية والتطبيقية الييتي تييوغلت فييي المتييون المقدسيية لهييذه المدرسيية‬
‫ن ذلك غير واحد من الكّتاب المسلمين والغربيين‪.‬‬
‫ي من النبياء‪ ،‬كما ظ ّ‬
‫الخلقية لقيل أّنه نب ّ‬
‫ن تعاليم بوذا بالنسبة لطبيعة الفروقات البشرية كانت إنسانية بحتة‪ ،‬فلييم يفيّرق بييوذا فييي‬
‫ثّم أ ّ‬
‫دعوته الناس إلى مذهبه بين المؤمن والكافر‪ ،‬والغنييي والفقييير‪ ،‬والشييريف والوضيييع‪ ،‬والحيياكم‬
‫والمحكوم‪ ،‬فهم جميعًا مشتركون في حقيقة واحدة وهي النسانية‪ ،‬فكان يقول‪:‬‬
‫»كما أّنه ل فرق بين جسم المير وجسم المتسّول الفقير‪ ،‬كذلك ل فرق بين روحيهما‪ ،‬ك ّ‬
‫ل‬
‫منهما أهل لدراك الحقيقة والنتفاع بها في تخليص نفسه‪ ،‬ويكفي للوصول إلى هييذا الحييال أن‬
‫يريده النسان«)‪.(24‬‬
‫ولو توغلنا بصحبة هذا المبدأ الخلقييي فييي أعميياق المجتمييع الهنييدي الغييارق فييي الطبقييية‬
‫البغيضة حيث السواد الكبر في الديانة الهندوسية لم يكن لهم نصيف شرف للتعالي عن الواقييع‬
‫ظ فييي الكراميية النسييانية‪ ،‬لييم نسييتغرب حينئذ ذلييك القبييال‬
‫المفروض عليهم‪ ،‬ول كان لهييم ح ي ّ‬
‫ن دينهم الرسييمي كييان يحضيير علييى‬
‫المنقطع النظير على النخراط في سلك الديانة الجديدة‪ ،‬ل ّ‬
‫ن القدر قد كتييب عليهييم ذلييك‪ ،‬فل راّد لحكمييه‬
‫أفراد الطبقة الدانية التسامي إلى طبقة أرقى‪ ،‬وكأ ّ‬

‫صة الحضارة‪ ،‬ول دورانت‪ ،‬ج ‪ ،3‬ص ‪.85‬‬
‫‪ ()23‬ق ّ‬
‫‪ ()24‬دائرة معارف القرن العشرين‪ ،‬وجدي‪ ،‬ج ‪ ،2‬ص ‪.389‬‬

‫إطلقًا‪ ،‬بينما يتّنعم أصحاب الطبقيية العليييا ميين الكهنيية وهييم البراهميية بالمتيييازات الراقييية مييا‬
‫ن بوذا أدرك نقطة الضعف في الديانة السائدة في الهند‪ ،‬فرّكييز‬
‫تجعلهم فوق مستوى البشر‪ ،‬وكأ ّ‬
‫على هذا المبدأ الشمولي ونجح في ذلك نجاح يًا غييير قليييل‪ ،‬حيييث كسيير هييذا الطييوق العقييائدي‬
‫الموروث عن رقاب الكثرية البائسة من أفراد الشعب‪ ،‬فأخذوا يفييدون عليييه زرافييات ووحييدانًا‬
‫ليعلنوا ولءهم للمنقذ‪.‬‬
‫ونلحظ شيئًا آخيير مضييافًا إلييى المبييدأ الخلقييي المييذكور والييذي أعطييى للبوذييية صييبغتها‬
‫ن بوذا نفسه لم يطلق هذه المبادي النسانية وهو جالس في بسييتانه أو رواقييه وحييوله‬
‫لممية‪ ،‬أ ّ‬
‫اُ‬
‫تلمذته كما هو ديدن فلسفة اليونان‪ ،‬بل كان نشطًا في التوغل إلى أقصى البلد ودعوة الناس‬
‫ل من تلمذته وأتباعه بعد أن يسّلحهم بالرادة العاليييية‬
‫وتبشيرهم بدينه الجديد أو يرسل لهم رس ً‬
‫ل الثيير فييي‬
‫والخلق الزاكية‪ ،‬فكان لخلقه النبيلة وأخلق أتباعه فييي مجييال نشيير دعييوته كي ّ‬
‫امتداد البوذية إلى أقصى مناطق الهند والصين‪ ،‬ولنستمع إلى محاورته مع أحد رسله إلى قبيليية‬
‫»سروانا باراننا« القساة الغلظ‪ ،‬حيث قال له »بوذا« يبتغي اختباره‪:‬‬
‫ن رجال قبيلة سروانا باراننا الذين توّد أن تسكن بييين ظهرانيهييم متحمسييون قسيياة سييريعوا‬
‫إّ‬
‫جييه إليييك ُاولئك النيياس ألفاظ يًا بييذيئة خشيينة‬
‫الغضب وأهل حمية وجحود‪ ،‬فإذا اتفق يابورنييا وو ّ‬
‫ل؟‬
‫وقحة‪ ،‬ثّم غضبوا عليك وسّبوك فماذا كنت قائ ً‬
‫ن هؤلء قوم طيبون لّينوا العريكة‪ ،‬لّنهم لم يضييربوني بأيييديهم ولييم‬
‫فأجابه‪ :‬أقول‪ ،‬ل شك أ ّ‬
‫يرجموني بالحجار‪.‬‬
‫ل؟‬
‫فقال بوذا‪ :‬وان ضربوك بأيديهم ورجموك بالحجار‪ ،‬فماذا كنت قائ ً‬
‫قال التلميذ‪ :‬أقول إّنهم طيبون لّينون إذ لم يضربوني بالعصا أو السيف‪.‬‬
‫ل؟‬
‫فقال بوذا‪ :‬وان ضربوك بالعصى والسيوف فماذا كنت قائ ً‬
‫فأجاب‪ :‬أقول بأّنهم طيبون لينون إذ لم يحرموني الحياة نهائيًا‪.‬‬
‫ل؟‬
‫فقال بوذا‪ :‬وإن حرموك الحياة‪ ،‬فماذا كنت قائ ً‬
‫قال‪ :‬أقول إّنهم طيبون لينون إذ خّلصوا روحي من سجن هذا الجسد السي بل كبير ألم‪.‬‬
‫فقال له بوذا عند ذلك‪ :‬أحسنت يابورنييا‪ ،‬اّنييك تسييتطيع بمييا ُاوتيتييه ميين الصييبر والثبييات أن‬
‫تسكن في بلد قبيليية سييرونا بارانتييا‪ ،‬فيياذهب إليهييم يابورنييا‪ ،‬وكمييا تخّلصييت فخّلصييهم‪ ،‬وكمييا‬
‫وصلت إلى الساحل فأوصلهم معك‪ ،‬وكما تعّزيت فعّزهم معك‪ ،‬وكما وصلت إلى مقييام النرفانييا‬
‫الكاملة فأوصلهم إليها مثلك‪.‬‬
‫ن آمنوا كّلهم ببوذا‪ ،‬واّتبعييوا‬
‫ن بورنا ذهب إليهم‪ ،‬وكانت النتيجة أ ّ‬
‫وتقول الرواية التاريخية‪ ،‬إ ّ‬
‫مذهبه‪.‬‬

‫هذا‪ ،‬وما نرومه فييي دراسييتنا هييذه للمييذهب البييوذي هييو العثييور علييى الجوبيية للتسيياؤلت‬
‫النفسانية من قبيل رأي المذهب البوذي في مجمييل النفييس النسييانية وتقييمهييا وتفيياوت السييلوك‬
‫السوي عن الشاذ المنحرف وعلج النحرافات والمراض النفسية‪ ،‬وما شاكل ذلك‪.‬‬
‫أّما بالنسبة إلى أصل النفس النسانية‪ ،‬ومن أي عالم هي‪ ،‬من الماديات‪ ،‬أو من المجيييردات‪،‬‬
‫وبعض مسائل علم النفس الفلسفي وارتبيياط النسييان بخييالقه‪ ،‬فل نجييد فييي هييذا المييذهب كييثير‬
‫صد عدم التحرش بمسائل ما وراء الطبيعة وكيفية بييدأ‬
‫ن بوذا كان يتق ّ‬
‫تعّرض لهذه المسائل‪ ،‬وكأ ّ‬
‫ن هذه المسائل تعتبر من أولويات كل ديانة تطرح نفسها كعقيدة‬
‫الحياة على وجه الرض‪ ،‬مع أ ّ‬
‫شاملة على مستوى استغراقي لكافة الناس‪ ،‬فكان يسييمي هييذه المسييائل النظرييية بأّنهييا تعقيييدات‬
‫ل إلى التخاصم والجدل والعداوة‪ ،‬وليس لهييا‬
‫جوفاء والتواءات في العقيدة‪ ،‬ول تؤدي بالباحثين إ ّ‬
‫تأثيرات إيجابية تتحرك في أعماق الحياة البشرية‪ ،‬فالحياة السليمة والرضييا والقدسييية ل تكييون‬
‫في معرفة كيف بدأت الحياة‪ ،‬وماهية عالم الملكوت‪ ،‬وكيفية الخلق‪ ،‬بييل فييي الحييياة الييتي ينكيير‬
‫فيها النسان أنانيته وذاته‪ ،‬وينطلق إلى الجواء الرحبة في محّبة الناس وخدمتهم وبذل المعونة‬
‫إليهم‪ ،‬وما سوى ذلك فضل‪.‬‬
‫أّما عن الدوافع الّولية والغايات النفسية في الحياة فليست هييي مثلمييا م يّر علينييا فييي حكميية‬
‫خص هنا في المذهب البوذي في السييلمة‬
‫اليونان من أّنها الفضيلة‪ ،‬أو السعادة‪ ،‬أو اللذة‪ ،‬بل تتل ّ‬
‫والخلص من اللم كما رأينا في ُاصوله الربعة‪ ،‬ولكن العجيب ليس في رسم الهييدف النهييائي‬
‫هذا‪ ،‬بل في كيفية تنفيذه على أرض الواقع‪ ،‬فللخلص من اللم لم يذهب بييوذا مييذهب الكلييبيين‬
‫في الفرار من المنغصات‪ ،‬ول سلك السلوب الغريزي في دفع المؤلم الييذي يعتييبر أحييد قطييبي‬
‫الحركة والحياة في الكائن الحي ي أعّم من الحيوان والنسييان يي بعييد جلييب المييوالم‪ ،‬بييل اقييترح‬
‫طيية هجومييية‪ ،‬وهييي التع يّرض لللييم والمتنيياع ميين اللييذة‪ ،‬وذلييك للرؤييية‬
‫للخلص من اللم خ ّ‬
‫ن اللم أمر شديد الصلة بالحياة وملزم لهييا‪ ،‬فييإذا كييان كييذلك‬
‫الفلسفية المتشائمة عن الحياة‪ ،‬وأ ّ‬
‫فليقاسي الجييانب الفييردي فييي النسييان هييذه اللم‪ ،‬ونجنييب المجتمييع المعانيياة والذى‪ ،‬فيييذهب‬
‫الجزء فداء الكل‪ ،‬والفرد فداء المجتمييع‪ ،‬والشييهوات النانييية فييداء لتطّلعييات الييروح وقدسيييتها‪،‬‬
‫ويتطّلب هذا المر الكثير من الشجاعة ونكييران الييذات والتسييامي عيين الرض‪ ،‬ولكيين بمييا أ ّ‬
‫ن‬
‫حضارة الشرق وخاصة الهند لم تكن غريبيية عيين هييذه التعيياليم‪ ،‬بييل كييانت متجيّذرة فييي واقييع‬
‫ن بييوذا سيييجد‬
‫المجتمعات الشرقية‪ ،‬لذا تلّقوها برحابة صدر وفتحوا لهييا أبييوابهم‪ ،‬ول أحسييب أ ّ‬
‫امتدادًا بشريًا لمبادئه لو كان في الوسط الغربي‪.‬‬
‫وفييي العلقييات الجتماعييية نلحييظ توافق يًا كييبيرًا بييين البوذييية والمسيييحية‪ ،‬وقييد ل نجييانب‬
‫ن حّرمت العدوان وإلحاق الذى بجميييع الحييياء‪،‬‬
‫الصواب إذا قلنا أّنها زادت على المسيحية بأ ّ‬

‫فمبدأ إجتناب القتل يطال حّتى ذبح الخراف والبقييار للسييتفادة ميين لحومهييا‪ ،‬فليييس غريب يًا أن‬
‫تكون تحّية بعضهم للبعض الخيير‪» :‬السييلم علييى الكائنييات جميعيًا«‪ ،‬وقييد أفييرط بعضييهم أ ّ‬
‫ن‬
‫حظر على نفسه الخروج من البيت حذرًا من أن يدهس النمل بأقييدامه وهييو ل يشييعر‪ ،‬أّمييا رّد‬
‫ي إنسان عن حمق فسأرّد عليييه بوقاييية ميين حّبييي إييياه‬
‫العدوان بالمثل فيقول بوذا‪» :‬إذا أساء إل ّ‬
‫حّبا مخلصًا‪ ،‬وكّلما زادني شّرا‪ ،‬زدته خيرًا«‪.‬‬
‫ويقول أيضًا‪» :‬على النسان أن يتغّلب على غضبه بالشفقة‪ ،‬وأن يزيل الش يّر بييالخير ‪ ..‬إ ّ‬
‫ن‬
‫ن الكراهييية يسييتحيل عليهييا فييي هييذه الييدنيا أن‬
‫ن المهزوم في شييقاء ‪ ..‬إ ّ‬
‫النصر يولد المقت‪ ،‬ل ّ‬
‫ب«‪.‬‬
‫تزول بكراهية مثلها‪ ،‬إّنما تزول الكراهية بالح ّ‬
‫ن أي ارتبيياط بييين الرجييل‬
‫ب بييين الجنسييين بصييلة‪ ،‬ل ّ‬
‫ب ل يمت إلى الح ّ‬
‫وهذا اللون من الح ّ‬
‫والمرأة هو عين الشّر ومنبع اللم‪ ،‬لّنييه يييؤدي إلييى التناسييل واسييتدامة الحييياة‪ ،‬وأحييد شييروط‬
‫السلوك هو اجتناب النساء وصيانة النفس بالعّفة‪ ،‬وقد سأله تلميذه المقّرب وابن عّمه »اناندا«‪:‬‬
‫»كيف ينبغي لنا يامولي أن نسلك مع النساء؟«‪.‬‬
‫ن ياأناندا«‪.‬‬
‫فأجابه يوذا‪» :‬كما لو لم تكن قد رأيته ّ‬
‫ن؟‬
‫قال‪ :‬لكن ماذا نصنع لو تحتمت علينا رؤيته ّ‬
‫ن ياأناندا‪.‬‬
‫فأجاب‪ :‬ل تتحّدث إليه ّ‬
‫فقال‪ :‬لكن إذا ما تحدثن إلينا يامولي‪ ،‬فماذا نصنع؟‬
‫ن على حذر تام ياأناندا‪.‬‬
‫فأجاب‪ :‬كن منه ّ‬
‫وقد ترّدد بوذا كثيرًا في السماح للنساء بالدخول إلى طائفته ضمن الحاح شديد وإصرار من‬
‫ن بذلك‪ ،‬وقال لتلميذه‪» :‬إذا لم تأذن ياأناندا للنساء بالدخول فييي‬
‫الراغبات‪ ،‬ولكّنه سمح أخيرًا له ّ‬
‫طائفتنا‪ ،‬دامت العقيدة الخالصة حينًا أطول‪ ،‬فالتشريع الصالح كان ليقاوم الفنيياء ي ي بغييير دخييول‬
‫النساء ي ألف عام‪ ،‬أما وقد ُاذن لهن بالنضييمام إلينييا‪ ،‬فليين يييدوم تشييريعنا أكييثر ميين خمسييمائة‬
‫عام«‪.‬‬
‫* * *‬
‫نقاط القّوة والضعف في النظرية البوذية‪.‬‬
‫ن عدد أتبيياع هييذه المدرسيية الخلقييية والعقائدييية ليييس بالقليييل فربمييا يتجيياوز عييددهم‬
‫بما أ ّ‬
‫الخمسمائة مليون نفر موزعين في الهند والصين واليابان وسائر دول شرق آسيا‪ ،‬لذا أصييبحت‬
‫دراسة هذا المذهب من الناحية النفسية ومعطياته للنسان على صعيد الواقع العملي والنفسي ل‬
‫تخلو من فائدة‪ ،‬وبطبيعة الحال‪ ،‬فقد تلهف الغربيون على دراسة هييذا المييذهب والسييتفادة مّمييا‬

‫فقدوه في ُاطروحاتهم المادية في المجييالت النفسييية والتربوييية‪ ،‬وذلييك بعييد أن طّلقييوا تعليمييات‬
‫الكنيسة طلقًا ل رجعة فيه‪ ،‬وصّدهم عن تعليمات الشريعة السلمية ما ورثوه من حقد ونفور‬
‫من السلم‪ ،‬وكذلك غرورهم العلمي والتكنولوجي أن يمّدوا أيديهم إلى رقيبهم الحضاري وهييو‬
‫الشرق السلمي‪ ،‬ثّم الديانة السلمية متصلة بالسماء‪ ،‬وهم يبحثون عن ضاّلتهم فيييي الرض‪،‬‬
‫فكان المذهب البوذي أقرب الديان إلى الرض‪ ،‬لما تقّدم من أن بوذا لم يّدع الييوحي‪ ،‬ول أّكييد‬
‫على الرتباط بالخالق‪ ،‬كما هو الحال في الديان السماوية‪.‬‬
‫ن النظرية البوذية لها عّدة جوانب إيجابييية وإن كييانت‬
‫كأّ‬
‫نعود إلى صلب الموضوع‪ ،‬فل ش ّ‬
‫ل تصل إلى إيجابيات المدرسة اليونانية‪ ،‬والسبب الهم ي ظاهرًا ي في انتشييارها بهييذه السييرعة‬
‫والمتداد على أرض الواقع هو حاجيية الييبيئة والمجتمييع الهنييدي إلييى ديانيية جديييدة ترفييع عنييه‬
‫الغلل التي كانت عليه من طبقة الكهنة الهندوس‪ ،‬بينما لم يحالف هذا الحظ فلسييفة اليونييان‪،‬‬
‫حيييث كييانت القبييائل اليونانييية فييي شييغل شيياغل عيين الفلسييفة ورجالهييا بالسياسيية والفتوحييات‬
‫والحروب الداخلية‪ ،‬فبقي تراث اليونان محنطًا كتماثيل في شوارع »أثينا« إلى أن تحييّول إلييى‬
‫رصيد علمي وأخلقي لرجال المسيحية‪ ،‬ثّم خضمه الفلسفة المسلمون خضم البل نبتة الربيع‪.‬‬
‫استعداد البيئة لتقبل المذهب ل يعتبر من إيجابيات ذلك المذهب‪ ،‬وكييذلك شخصييية المؤسييس‬
‫والتي لها الدور الكبر في ترويج المذهب وامتداده بين الناس كما هو الحال في بوذا‪ ،‬ل يمكن‬
‫أن تعّد من المعطيات اليجابية لذلك المذهب كمييا هييو واضييح‪ ،‬فييان غييير واحييد ميين المييذاهب‬
‫الرضية الهّدامة قد نجحت موقتًا في المتداد الجماهيري كالنازية والماركسية بالعتميياد علييى‬
‫هذين العاملين‪ ،‬وهما‪ :‬حاجة المجتمع إلى التغيير‪ ،‬والشخصية الفّذة كما في هيتلر ولينين‪.‬‬
‫النقطة اليجابية المهمة جّدا في المذهب البوذي والتي لم نجد لها دورًا ملموسًا في المدرسة‬
‫اليونانية على اختلف طرقها وتنّوع مذاهبها‪ ،‬هي تشخيص الييداء تشخيص يًا جيييدًا‪ ،‬وأه يّم وأّول‬
‫خطوة يخطوها الطبيب لعلج المريض هي تشخيصه المرض بدّقة‪ ،‬وهكذا كان بييوذا‪ ،‬فهييو لييم‬
‫يجد في نفسه رغبة سوى إنقاذ نفسه والناس من اللم‪ ،‬ولييذا أتعييب نفسييه فييي هييذا السييبيل ميين‬
‫خلل الرياضات والمجاهدات النفسية حّتى عييثر عليييه‪ ،‬فكييان الييداء هييو الشييهوة‪ ،‬وليسييت كي ّ‬
‫ل‬
‫شهوة كما تقدم ي إّنها تلك الشهوة الفردية الصادرة من النسان كفرد‪ ،‬وجزء ميين كييل‪ ،‬أي أّنهييا‬
‫النانية والنفس المارة وما يصدر عنها من ميول ورغبات نفسية وملذات جسدية وسيييأتي فييي‬
‫ن هييذا الييداء وهييذه العّليية هييي السييبب فييي جميييع الحباطييات‬
‫دراستنا هذه للمدرسة السلمية أ ّ‬
‫والنكسارات الييتي تييواجه الفييرد فييي سييلوكه التكيياملي‪ ،‬وقييد وردت الشييارة إليييه فييي القييرآن‬

‫الكريم ‪ ..‬تارًة بعنييوان الهييوى‪) :‬أفرأيــت مــن اّتخــذ إلهــه هــواه()‪ ،(25‬وُاخييرى بعنييوان أتبيياع‬
‫غّيا(‬
‫ن َ‬
‫ف َيْلقو َ‬
‫سو َ‬
‫ت َف َ‬
‫شَهوا ِ‬
‫الشهوات‪) :‬واّتبعوا ال ّ‬

‫)‪(26‬‬

‫وغير ذلك‪.‬‬

‫وقد أيدت المدارس النفسية الحديثة هذه الضرورة التكاملية فييي النسييان حّتييى أضييحت ميين‬
‫ن الفرد في بداييية أمييره يتمتييع بأنييا فردييية‪ ،‬وميين خلل‬
‫الثوابت المسّلمة في علم النفس‪ ،‬وهي أ ّ‬
‫سع هييذه النفييس الفردييية الضيييقة وتتحيّول إلييى أنييا الجتماعييية‪،‬‬
‫تفاعله الجتماعي لبّد أن تتو ّ‬
‫فالنسان الطبيعي ذو النفس السليمة هو من كان في روابطه الجتماعييية ناجح يًا‪ ،‬وهييذا يتنييافى‬
‫سخ النا الفردية وكثير من حالت التفكير الناني بالمصالح الشخصية‪.‬‬
‫مع تر ّ‬
‫ن مصدر اللم هي هذه النا وإفرازاتهييا الشييهوانية‪،‬‬
‫ن بوذا عندما طرح أ ّ‬
‫وعلى أي حال‪ ،‬فا ّ‬
‫ن هييل أسييعفه علمييه ورياضييته وإخلصييه علييى تشييخيص الييدواء كمييا‬
‫فقد أصاب الهدف‪ ،‬ولكي ّ‬
‫خص الداء؟‬
‫شّ‬
‫لقد طرح بوذا في ُاصوله الربعة هييذه المعادليية الخلقييية‪ ،‬وهييي تشييخيص الييداء والييدواء‬
‫والعلج‪ ،‬ويتلخص في التخلص من الشهوات بتركها والعراض عنها‪ ،‬بل وقتلهييا فييي كييوامن‬
‫النفس للوصول إلى المرتبة السامية في معراج التكامل الروحي وهي »النرفانييا«‪ ،‬ميين جييانب‬
‫جع على إذكاء القيم الخلقية وتأصيل الروح الجتماعية‪ ،‬فكييان يحيّرم علييى أتبيياعه أن‬
‫آخر ش ّ‬
‫يقتلوا كائنًا حّيا‪ ،‬ولم يكن يجوز لهم أن يأخذوا شيئًا لم يعطوه‪ ،‬وكييان واجب يًا عليهييم أن يجتنبييوا‬
‫الكذب والنميمة‪ ،‬وأن يصلحوا ما بين الناس من خصومة ويشجعوهم على الوفاق‪ ،‬وكييان حتم يًا‬
‫ل لييذائذ الحي ّ‬
‫س‬
‫عليهم أن يظهروا الرحمة دائمًا بالناس جميعًا والحيييوان كييذلك‪ ،‬وأن يجتنبييوا كي ّ‬
‫والجسد‪ ،‬فيجتنبوا الموسيقى والرقص والملهي واللعاب وأسباب الييترف واللغييو فييي الحييديث‬
‫والنقاش والتنبؤ بالغيب‪ ،‬مضافًا إلى اجتناب النساء والعّفة التامة‪.‬‬
‫ب فييي دحييض النييا الفردييية ونوازعهييا‬
‫ونلحظ من خلل هذه التوصيات العملية أّنهييا تصي ّ‬
‫وشهواتها التي تمّثل القطب السالب في النسان‪ ،‬وإذكاء الروح الجتماعية والتي تمّثييل القطييب‬
‫الموجب فيه‪ ،‬ولكن هل يوّفق الفرد من خلل هذه الوصفة الطبية إلى الشفاء من أدوائه؟‬
‫هنا تواجهنا مشكلت نظرية وفلسفية‪ ،‬وُاخرى تطبيقية عملية إزاء هييذه المنظوميية العلجييية‬
‫للمذهب البوذي‪.‬‬
‫المشكلة الفلسفية‪:‬‬

‫‪ ()25‬سورة الجاثية‪ :‬الية ‪.23‬‬
‫‪ ()26‬سورة مريم‪ :‬الية ‪.59‬‬

‫ن هذه النظرية في مشكلة النسان وطرق علجها تفتقد أّول إليييى‬
‫أّما من الناحية الفلسفية‪ ،‬فا ّ‬
‫ن مصائب النسان كّلها نابعة مييين‬
‫ل حاسمًا على أ ّ‬
‫الدليل المنطقي‪ ،‬فلم تقّدم المدرسة البوذية دلي ً‬
‫ن الكثير من المصييائب قييد تكييون بفعييل‬
‫شهواته‪ ،‬والحال أّننا نرى على أرض الواقع والتاريخ أ ّ‬
‫عوامل خارجييية وظييروف محيطييية ضيياغطة ل تسييمح للنسييان حّتييى بسييلوك طريييق التأّمييل‬
‫الباطني والرياضة النفسية‪ ،‬فإذا كان الشعب يرزح تحت حكومة الطيياغوت‪ ،‬أو ابتلييي بجيييوش‬
‫ن هييذه‬
‫ل يقييول‪ :‬إ ّ‬
‫ن قييائ ً‬
‫غازية وما تحمل معها من فجائع إجتماعية وإرباك نفسي‪ ،‬فل أحسب أ ّ‬
‫ن علجهييا بالمتنيياع عيين الملييذات والصييداف عيين‬
‫المصييائب نابعيية ميين اّتبيياع الشييهوات‪ ،‬وأ ّ‬
‫الشهوات‪.‬‬
‫ل بلء يحيق بالبشر فإّنمييا‬
‫نكّ‬
‫وقد تكون الصياغة الكلّية للمعادلة المذكورة صحيحة‪ ،‬وهي أ ّ‬
‫ســبت‬
‫صــيبة َفبمــا َك َ‬
‫هو بسوء أعمالهم وذميم أفعالهم كما قال القرآن الكريم )َوما أصاَبُكم ِمن ُم ِ‬
‫أْيديَكم(‬

‫)‪(27‬‬

‫ل فرد من الفراد بما‬
‫ن هذا هو القانون العام‪ .‬وليس من اليسير تطبيقه على ك ّ‬
‫لأّ‬
‫إّ‬

‫في ذلك النبياء والولياء المعصومين من الذنوب والكثر تعرضًا للبليا والمحن‪.‬‬
‫لصول الربعة وهو شمولية اللم وأصييالته‬
‫ن الصل الّول من ا ُ‬
‫وكيف كان‪ ،‬فعلى فرض أ ّ‬
‫ن اللم أكثر ميين اللييذة‪،‬‬
‫ل لّذة مقرونة باللم‪ ،‬وأ ّ‬
‫نكّ‬
‫في الحياة ي ل إشكال فيه‪ ،‬ولو سلمنا كذلك أ ّ‬
‫ن القفز إلى تأصيل قاعدة عامة من ذلك‪ ،‬وأن اللذة هي مصدر اللم‪ ،‬والشهوات عّلة اللم‬
‫لأّ‬
‫إّ‬
‫ل وجه له‪ ،‬ول دليل على رابطة العلّية هذه‪ ،‬وإذا كان ذلييك لمجييرد القييتران الطييبيعي بينهمييا‪،‬‬
‫فهو خلف الواقع‪ ،‬فما أكثر اللم التي ل تقترن بالشهوات‪ ،‬وما أكثر الشهوات والملذات الييتي‬
‫ل تكون مشفوعة أو مستتبعة لللم‪ ،‬وخاصة الملييذات المباحيية فييي الطبيعيية‪ ،‬ولييو سييلمنا ذلييك‬
‫ل على العلّية‪ ،‬بل قد يكييون اللييم عّليية للييذة ل العكييس‪ ،‬كمييا يظهيير ميين‬
‫فالملزمة بينهما ل تد ّ‬
‫ن اللذة عبارة عن رفع اللم‪ ،‬فل توجييد ل يّذة مجييردة ميين دون‬
‫فلسفة اليونان أّنهم كانوا يرون أ ّ‬
‫أن يسبقها ألم جسدي كالجوع والعطييش‪ ،‬أو نفسييي كالكآبيية والخييوف والفييزع إذا اسييتتبعته ليّذة‬
‫المان والطمئنان‪ ،‬فعلى هذا تكون اللم عّلة للملذات‪ ،‬ل العكس‪.‬‬
‫ن اللم ليست معلوليية للشييهوات‪ ،‬بييل ميين إفييرازات الحركيية التكاملييية فييي‬
‫صل أ ّ‬
‫وبذلك تح ّ‬
‫النسان والسائرة نحييو النمييو والرشييد البييدني والنفسييي‪ ،‬وبسييبب هييذه الحركيية والتعييالي يفتقيير‬
‫النسان إلى مقّومات حياتية لبدنه ونفسه وعقله‪ ،‬وهذا الفتقار والحاجة هو اللم بعينييه‪ ،‬فينييدفع‬
‫النسان فطريًا إلى إزالته‪ ،‬فاللم جرس إنذار للنسان يرشده إلييى حاجيياته ونوعهييا ومقييدارها‪،‬‬
‫فمن هذه الجهة يكون وجوده خيرًا للنسان‪ ،‬بل هو أصل الخيرات‪.‬‬
‫‪ ()27‬سورة الشوري‪ :‬الية ‪.30‬‬

‫ن النسان لبّد وأن يؤثر ألم الحرمييان ول‬
‫وإن كان المقصود من علّية الشهوات لللم هو أ ّ‬
‫يعطي للغرائز حاجاتها بهدف اللتذاذ‪ ،‬بل يقتصيير علييى القييدر الضييروري ج يّدا بمييا يقيييم أوده‬
‫ن الشييهوات سييبب‬
‫ن إرضاء الغرائز يسييتتبعه التوغييل فييي اللم‪ ،‬أي أ ّ‬
‫ويحافظ على صحته‪ ،‬ل ّ‬
‫في زيادة اللم وتصعيده‪ ،‬ل في إيجاده‪ ،‬فهذا المعنى وإن كان صحيحًا وقد ل يختلف في أصييل‬
‫ل أّنه تقّدم في المدرسة اليونانية التأكيد على مبدأ العتدال والتزان في القّوة‬
‫هذا المبدأ إثنان‪ ،‬إ ّ‬
‫الشهوية‪ ،‬بل إفراط ول تفريط‪ ،‬ومّر علينا تعريييض القييرآن الكريييم بالشييخاص الييذين يّتبعييون‬
‫الشهوات دون وازع عقلي أو رادع ديني‪ ،‬وأن عاقبتهم ل تكون على خير‪ ،‬فمن هذا نييدرك أن‬
‫إطلق الصل البوذي في تركه الشهوات بشكل عام ليس صحيحًا‪ ،‬وأن ترك إرضاء الشييهوات‬
‫ن الشييباع المطلييق للشييهوات وإرضيياء‬
‫بصورة مطلقة يعّد تفريطًا ظالمًا في هذا الجانب‪ ،‬كما أ ّ‬
‫الغرائز دون رادع عقلي أو ديني يمّثل إفراطًا مشينًا كذلك‪.‬‬
‫وهنا إشكال آخر‪ ،‬وهو‪ :‬إّننا أساسًا لماذا نرفض التمتييع باللييذات والعييراض عيين الشييهوات‬
‫في حين أّنها أحد الوسائل والليات للترّفع على اللم‪ ،‬والتخّلييص منييه فييي آخيير المطيياف‪ ،‬فييإذا‬
‫كان الهدف هو الخلص من اللم‪ ،‬فهنا يبرز أمامنا طريقان‪:‬‬
‫أحدهما‪ :‬الموقف السلبي من الشهوات كما تراه المدرسة البوذية‪ ،‬وهييو مضييافًا لكييونه شيياّقا‬
‫ل للنخبة من أصحاب الرادة القوية والعزيمة الراسخة‪ ،‬فهو خلف الفطرة ويجري‬
‫سر إ ّ‬
‫ول يتي ّ‬
‫عكس التيار الطبيعي للتشكيلة البيولوجية في النسان‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬الموقف اليجابي من الشهوات‪ ،‬وذلك بإرضائها وإشباعها‪ ،‬لّنه أسهل على النفس‪،‬‬
‫غل النسان في التفكير في‬
‫وفيه ما يجبر اللم أو يلقي به في دائرة النسيان‪ ،‬ومعلوم أّنه كّلما تو ّ‬
‫خم وتييزداد وتييتراكم‪ ،‬بعكييس مييا إذا تغافييل عنهييا ولييم يعيير لهييا أهمييية‬
‫آلمه ومآسيه فاّنها تتض ّ‬
‫وعناية‪ ،‬فاّنها سوف تضمر وتختزل وتتراكم عليها أحييداث وملييذات الحاضيير حّتييى تكييون فييي‬
‫ذكريات الماضي‪.‬‬
‫ن النسان ل يعلم فترة بقائه في الحياة الدنيا‪ ،‬فلعّله وافاه الجل بعد غد‪ ،‬أو بعد‬
‫مضافًا إلى أ ّ‬
‫ل بعد‬
‫ن الطريق الّول ل يوصلنا إلى الهدف وهو نيل مرتبة النرفانا إ ّ‬
‫شهر‪ ،‬أو سنة‪ ،‬ومعلوم أ ّ‬
‫سنوات مديدة من الرياضة وتزكية النفس وتطهيرها من أدران الشهوات‪ ،‬ول ضييمان للنسييان‬
‫في أن يبقى كيما يصل إلى تلك المرتبة‪ ،‬ولييذلك تييذهب أتعييابه سييدى‪ ،‬ولييذا كييان هييذا الطريييق‬
‫مشكوك النتيجة‪ ،‬ول يوصلنا حتمًا إلى الهدف‪ ،‬فيبقى المسلك الخر دون معارض‪.‬‬
‫ن السييعادة‬
‫ن النسان ليس له ب يّد ميين سييلوك الطريييق الّول‪ ،‬فييا ّ‬
‫وتجيب المدرسة البوذية‪ :‬بأ ّ‬
‫ن من مات ولم يصييل إلييى مرتبيية الطمئنييان الروحييي‬
‫والخلص من اللم ينحصر به‪ ،‬وذلك أ ّ‬
‫والستقرار النفسي‪ ،‬سوف تتعّلق روحييه بجنييين آخيير‪ ،‬وسيييولد ميّرة ُاخييرى بنظرييية التناسييخ‪،‬‬

‫وسوف يلقي اللم والشرور مّرة ُاخرى‪ ،‬وهكذا دواليك‪ ،‬أّما على فرض وصوله إلييى مرتبيية‬
‫ل بالسييعادة‬
‫النرفانا‪ ،‬فاّنه سوف ل يعود إلى هذه الدنيا‪ ،‬ويبقى يسبح في فضاء اللنهاييية متسييرب ً‬
‫صها ألم‪.‬‬
‫المطلقة التي ل تشوبها فاقة‪ ،‬ول ينغ ّ‬
‫ن بطلن التناسييخ أضييحى ميين الثييوابت‬
‫ل مشييكلة ول يييدفع أزميية‪ ،‬ل ّ‬
‫وهييذا الجييواب ل يح ي ّ‬
‫الفلسفية والجوازم المذهبية في الدين السلمي‪ ،‬فل نطيل في رّده وإبطاله‪ ،‬هذا أّول‪.‬‬
‫ن النفس الكاملة التي وصلت إلى مرتبة الطمئنان والنطفاء‬
‫وثانيًا‪ :‬ما الدليل على أ ّ‬
‫مستثناة من قانون التناسخ‪ ،‬وما المانع من عودتهييا ميّرة ُاخييرى إلييى الحييياة الييدنيا لتكابييد اللييم‬
‫ن هذه المفاهيم والفكار وحي منزل ل يعتريها‬
‫وتتجّرع غصص الرياضة‪ ،‬وبوذا نفسه لم يقل إ ّ‬
‫ك‪ ،‬ول تحتاج إلى دليل‪ ،‬ول هي من المسّلمات العقلية والبديهيات الوجدانية حّتى يتم قبولهييا‬
‫الش ّ‬
‫برحابة صدر‪ ،‬وإذا جاء الحتمال بطل الستدلل‪.‬‬
‫المشكلة التطبيقية‪:‬‬
‫لو أردنا تجسيد هذه المبادئ على أرض الواقع‪ ،‬ولبسنا مسوح البوذيين‪ .‬وانطلقنا نتحرك في‬
‫أجواء الرياضية لتطبيق تعليمات بييوذا‪ ،‬فهييل يتسيّنى لنييا ذلييك دون التييوّرط فييي تصييادم نفسييي‬
‫والسقوط في هّوة المستقبل المظلم‪ ،‬وتحّلل أواصر البناء الجتماعي والعييائلي‪ ،‬والنسييلخ ميين‬
‫تحّمل المسؤوليات الجتماعية وأمثال ذلك‪.‬‬
‫حل بافرازات الفردية الخانقة‪ ،‬وليييس لهييذا‬
‫ل إلى ذلك الهدف دون التو ّ‬
‫ن هناك سبي ً‬
‫ل أعتقد أ ّ‬
‫ل أحد رجلين‪ :‬إّما أن يكييون وحيييدًا فريييدًا ل ُاسييرة‬
‫المر من دون البتلء بعوارضه السلبية إ ّ‬
‫له‪ ،‬ول روابط تجارية وعلمية وإجتماعية‪ ،‬وإّما أن يمّر بحالة نفسييية متأزميية بسييبب تراكمييات‬
‫قاسية أو فضيحة إجتماعية أو خوف من سلطة فل يجد ب يّدا ميين الفييرار بجلييده‪ ،‬والبتعيياد عيين‬
‫ي والييذي يتمتييع بشخصييية محترميية وعلقييات‬
‫ل فالنسييان السييو ّ‬
‫المجتمييع لسيينوات مديييدة‪ ،‬وإ ّ‬
‫خبييط فييي‬
‫ل بعييد أن يت ّ‬
‫إجتماعية متينة‪ ،‬وروابط ُاسرية جيييدة ل يمكنييه ممارسيية ذلييك السييلوك إ ّ‬
‫ن جميييع أفييراد المجتمييع ص يّمموا علييى‬
‫دوامة الصراعات الفردية والجتماعية‪ ،‬ولييو فرضيينا أ ّ‬
‫سلوك سبيل بوذا‪ ،‬فماذا سيحصل؟‬
‫لسرية‪ ،‬وإصفرار‬
‫ن أّول خطوة في هذا السبيل هي النكفاء على الذات وإنجماد العلقات ا ُ‬
‫إّ‬
‫لسرة الواحدة‪ ،‬فالزوج ل يهتم لزوجتييه‪ ،‬والب‬
‫أوراق العواطف‪ ،‬وتعميق اللمبالة بين أفراد ا ُ‬
‫ل يعنيه نفقة أطفاله‪ ،‬وإذا هبطت درجة حرارة السر فييي أي مجتمييع بشييري‪ ،‬فهييو الشيياخص‬
‫على التحّلل والنفراط والتشرذم وتعميق روح النانية بدل القضاء عليها‪ ،‬وعندما يصييل الفييرد‬
‫ن أّول ما‬
‫السالك إلى المرحلة الخيرة »الترفانا« ويبغي العودة لبناء مجتمعه وهداية أفراده‪ ،‬فا ّ‬

‫ينبغي له هو إرشاد وإنقاذ ُاسرته وأهله في البداية‪ ،‬فلو عجييز عنهييم‪ ،‬فهييو عيين غيرهييم أعجييز‬
‫)وانذر عشيرتك القربين()‪ ،(28‬وكيف ينقذهم وقد كان هو السبب في تشتتهم وتشرذمهم؟‬
‫وهنا نتساءل‪ :‬هل بإمكان البوذي أن يسلك طريق النجاة من دون الخلل بالعلقات العائلية‬
‫ن صريح تعليمات بوذا تؤكد علييى تجّنييب أّييية علقيية مييع المييرأة‪،‬‬
‫لسرة؟ إ ّ‬
‫والتلعب بمصير ا ُ‬
‫فالعزب لبّد وأن يبقى طاهرًا عفيفًا‪ ،‬والمتأهل لبّد وأن يسلك طريق العّفيية والتجييرد‪ ،‬وحّتييى‬
‫لسرة فهذه التعليمات ل تجعل منه سوى دمية متحركة في ساحة البيت‪.‬‬
‫لو بقي في مدار ا ُ‬
‫ن المجتمع بحاجة إلييى فاعلييية ونشيياط جميييع‬
‫لسرة‪ ،‬ولك ّ‬
‫هذا بالنسبة لما تكون عليه وشائج ا ُ‬
‫الفييراد ميين الفلح والعامييل والطييبيب والمهنييدس وأصييحاب الحييرف والمهيين والصييناعات‬
‫المختلفة‪ ،‬ومن أهّم الفراد الذين يتقّوم بهم المجتمع ويحافظ علييى وحييدة كيييانه وسييلمة أفييراده‬
‫من الخطر الخارجي هييم الجنييد المييدافعون عيين كراميية النيياس وسييلمتهم ضيّد العييداء الييذين‬
‫يتربصون به الدوائر‪ ،‬فإذا التزمنا بأحكييام المدرسيية البوذييية الييتي تحييرم القتييل بش يّتى أنييواعه‪،‬‬
‫وتدعو إلى السلم والمناصحة‪ ،‬دون تمييز بين الصالح والطالح‪ ،‬والخّييير والشييرير‪ ،‬فمثييل هييذا‬
‫المجتمع يفقد المناعة والحصانة تجاه التهديدات الخارجية‪ ،‬ويصاب باليدز الجتماعي‪.‬‬
‫وهنا نواجه تناقضًا أساسيًا في هذه المرحلة‪ ،‬فمن جهة نجد الطابع الجتماعي ودفع الفييراد‬
‫باتجاه خدمة الناس والنسلخ من ذاتياتهم وأنانياتهم‪ ،‬والتوصية الكيدة بتقوييية وترسيييخ دعييائم‬
‫ن السييعي لتطييبيق التعليمييات البوذييية فييي تهييذيب‬
‫الخلق الجتماعية‪ ،‬ولكن من جهة ُاخرى فا ّ‬
‫ل من قناة الجهاز على الروابط والعييراض‬
‫لولى على القل ي إ ّ‬
‫النفس ل تمّر ي في المراحل ا ُ‬
‫عن المجتمع الذي يشّكل عائقًا أمام السلوك‪.‬‬
‫إشكالية الوصايا الخمس‬
‫لمييور الخمسيية‪ :‬القتييل‪ ،‬السييرقة‪ ،‬الكييذب‪،‬‬
‫ل بوذا لم يقصييد حصيير المحّرمييات فييي تلييك ا ُ‬
‫لع ّ‬
‫ن هذه من كبائر الذنوب لوجييود نييواه وأواميير كييثيرة فييي‬
‫الخمر‪ ،‬الدنس‪ ،‬بل أراد التنبيه على أ ّ‬
‫المذهب البوذي‪.‬‬
‫ن الطابع العام لهذه الوصايا أّنها بدائية ووجدانية في الوقت نفسه‪ ،‬أّما أّنها بدائييية‪،‬‬
‫ونلحظ أ ّ‬
‫فلّنها تتعّلق بالقّوة الشهوية غالبًا‪ ،‬ما عدا القتل الذي يحتمل أن يكون بدافع الشييهوة والسييتيلء‬
‫ن الييذنوب والمعطيييات السييلبية للغضييب ل تق ي ّ‬
‫ل‬
‫على أمواله وحريمه‪ ،‬أو بوازع الغضب‪ ،‬مع أ ّ‬

‫‪ ()28‬سورة الشعراء‪ :‬الية ‪.214‬‬

‫عن الشهوة إن لم تزد عليها‪ ،‬فالغدر‪ ،‬والخيانيية‪ ،‬والتكّبيير والحسييد‪ ،‬ونقييض العهييود‪ ،‬والنميميية‪،‬‬
‫وطلب الرئاسة‪ ،‬والنفاق و‪ ...‬ل نجد لها كثير اهتمام في ُاصول هذا المذهب‪.‬‬
‫ي أو‬
‫مضافًا إلى التغافل عن جييانب مهييم وحيييوي فييي النسييان والييذي ل يخلييو دييين أرض ي ّ‬
‫ن للنسان بعدًا شهوانيًا وأرضيًا يجّره إلى المييادة‬
‫ي منه‪ ،‬أل وهو الجانب العبادي‪ ،‬فكما أ ّ‬
‫سماو ّ‬
‫واللذة الجسدية والحيوانية‪ ،‬كذلك يشعر في قرارة نفسه بجذبة روحية نحو القدرة اللهييية حيييث‬
‫التقّدس والطهر والخشوع والعشق للمطلق ورفرفة الروح‪ ،‬ومن هذا البعد الصيل في النسييان‬
‫نشأت مظاهر العبادات والطقوس الدينييية فييي الديييان الوثنييية أو التوحيدييية كافيية‪ ،‬وحّتييى فييي‬
‫المذهب البوذي نراهم لم يطيقييوا صييبرًا علييى إفتقيياد مييذهبهم لهييذا البعييد الروحييي‪ ،‬لشييعورهم‬
‫بالفراغ والخواء الروحي من دون عبادة وخضوع وتذّلل للمقدسات فالتجييأوا إلييى أصيينام بييوذا‬
‫بعد رحيله يروون من زيارتها وتقديسها ومناجاتها عطشهم العبادي‪ ،‬فكان أن انتشييرت أصيينام‬
‫بوذا بأحجام وأشكال مختلفة في كثير من البلدان الشرق آسيييوية لهييذا الغييرض‪ .‬ونسييج الكهنيية‬
‫البوذيون حوله الساطير لتعميق النظرة القدسية لبوذا في قلوب أتباعه وتجذيرها‪ ،‬فما ورد من‬
‫سييد مييرارًا‬
‫ن الله »فيشنو« وهو أحد أركان الثالوث الهندي قد يتج ّ‬
‫معجزات باهرة لبوذا‪ ،‬أو أ ّ‬
‫سييد فييي جسييد بييوذا‬
‫لتخليص البشر من الخطايا‪ ،‬وإنقاذهم من تبعاتهييا‪ ،‬وفييي الم يّرة التاسييعة تج ّ‬
‫بهدف إنقاذ الناس و‪ ..‬هي من هذه القبيل‪.‬‬
‫* * *‬

‫الفصل الثالث‬

‫نظريات المدرسة المسيحية‬
‫»النسان العاطفي«‬

‫نبذة تاريخية‬
‫شيير بهييا ودعييا النيياس‬
‫الديانة المسيحية هي الشريعة التي أتى بها المسيح )عليييه السييلم( وب ّ‬
‫لها‪ ،‬وتسّمى »نصرانية« نسبة إلى مدينة الناصرة التي ولد فيها المسيح )عليه السلم(‪.‬‬
‫وهناك ثّمة اختلف جزئي في إشكالية مولد المسيح )عليه السلم( وبعثه ومّدة نبّوته ووفاته‬
‫بين ما تذكره المتون المقّدسة للمسيحيين‪ ،‬وما يحكي لنا القرآن الكريم من توّلده من مريييم بنييت‬
‫عمران بدون أب‪ ،‬وإّنما بنفخة من المين جبرائيل أو روح القدس‪ ،‬فجاءت به ُاّمييه تحملييه إلييى‬
‫الكهنة وأحبار اليهود في بيت العبادة‪ ،‬وعلى رأسهم زكريا النبي)عليه السييلم(‪ ،‬الييذي كييان قييد‬
‫تكّفل تربيتها‪ ،‬فلّما رأى أحبار اليهود ذلك‪ ،‬ارتاعوا وظّنييوا بمريييم سييوًء‪ ،‬فلّمييا استفسييروا منهييا‬
‫أجابهم عيسى )عليه السلم( وهو في مهده‪:‬‬
‫)قال إّني عبدال آتــاني الكتــاب وجعلنــي نبّيــا * وجعلنــي مبارك ـًا ايــن مــاكنت وأوصــاني‬
‫بالصلة والزكاة ما دمت حّيا()‪.(29‬‬
‫ولّما بلغ أشّده شرع بدعوة الناس إلى ال والخلق النسانية وترك التكالب على الدنيا‪ ،‬فلّما‬
‫ن عيسى )عليه السلم( بكلمه الحييار المخلييص ومعجزاتييه ميين‬
‫س أحبار اليهود بالخطر وأ ّ‬
‫أح ّ‬
‫إبراء الكمه والبرص وإحياء الموتى أخذ يستولي على قلوب الشعب اليهودي وأّنييه مييع ذلييك‬
‫يتعّرض لهم بالتوبيخ اللذع ويفضح نواياهم وخبييث سييرائرهم‪ ،‬تواطييؤا مييع الحيياكم الروميياني‬
‫على فلسطين واّتهموه لديه بأّنه يبغي الثييورة ويريييد أن يكييون ملك يًا علييى اليهييود وغييير ذلييك‪،‬‬
‫فكانت النتيجة أّنه أمر بصلبه‪ ،‬فتدخّلت القدرة اللهية فمنعت ذلك‪ ،‬ورفع إلى السماء‪.‬‬
‫وفي المتون السلمية من القرآن الكريييم والحيياديث الشييريفة تفصيييلت وتوضيييحات عيين‬
‫حياة هذا النبي العظيم وكراماته وأقواله وجهاده في سبيل إعلء كلميية ال ي وهداييية النيياس إلييى‬
‫اليمان بال واليوم الخر والخلق السامية والمثل النسانية‪.‬‬
‫شيير بييه المسيييح )عليييه‬
‫ولكيين دراسييتننا هييذه ل تعنييي بالضييرورة الييدين المسيييحي الييذين ب ّ‬
‫ل مييا يعتقييد بييه المسيييحيون علييى مييدى القييرون والعصييار‬
‫السييلم(بأصييالته الّولييية‪ ،‬بييل ك ي ّ‬
‫ويعتبرونه من ُاصول دينهم وتعليمات كتبهم وأناجيلهم‪ ،‬وبذلك ل نجد بّدا من التع يّرض للدوار‬
‫الييتي مييّرت بهييا المسيييحية تاريخيييًا‪ ،‬واللمييام بصييورة شيياملة للتكامييل الفكييري والعقييائدي‬
‫‪ ()29‬سورة مريم‪ :‬الية ‪ 30‬ي ‪.31‬‬

‫والمتغيرات التي طرأت على هذا الدين السماوي كيما نتعرف بدّقة على المعطيييات الحضييارية‬
‫لهذه المدرسة‪ ،‬ومن ثّم نظرياتها وآراءها في المجال النفسي‪ ،‬سييواء علييى الصييعيد الفييردي‪ ،‬أم‬
‫الجتماعي‪.‬‬
‫في نظرة فاحصة لتاريخ الدين المسيحي واستشراف مراحل تشّكل التراث المعرفييي والفكيير‬
‫لطروحات الفلسييفية لرجالهييا نلحييظ‬
‫الخلقي لهذه المدرسة من خلل التراكمات التجريبية وا ُ‬
‫ن هذه المدرسة مّرت بمراحل فكرية أربع على القل‪:‬‬
‫أّ‬
‫‪ 1‬ي المرحلة البدائية‪ ،‬وفيها كانت التعاليم العيسوية سهلة الهضم‪ ،‬وخالية من التعقيدات‬
‫الفلسفية والتعّمق في النظريييات والفكييار الكلمييية حييين اقتصييرت علييى التبشييير برحميية ال ي‬
‫وعفوه عن المذنبين والعشق للكمال المطلق والدعوة للتسييامح الخلقييي والزهييد فييي متطّلبييات‬
‫الجسد والوصايا العشر‪ ،‬وبعض الطقوس والشعائر المسيحية كالتعميد وأمثال ذلك‪ ،‬وهي الفترة‬
‫المتزامنة مع بدء الدعوة والتي استمرت بعد المسيح )عليييه السييلم(حّتييى نهاييية القييرن الثييالث‬
‫الميلدي‪.‬‬
‫‪ 2‬ي المرحلة المتوسطة‪ :‬وفيها انفتح رجال المسيحية على الحضارات الرومانية واليونانية‪،‬‬
‫وخاصة بعد وصولهم إلى مسند السييلطة وإعلن المييبراطور قسييطنطين الييدين المسيييحي دينيًا‬
‫رسميًا للرومان‪ ،‬فكان من الضروري جّدا سّد الثغرات العلمية في جدار الكنيسة وتقنين الفكار‬
‫المقدسييية لتلبيييية المتطلبيييات الجدييييدة المتيييوّفرة عليييى أرض الواقيييع‪ ،‬فكيييانت كتيييب وآراء‬
‫وأفكار)‪»(30‬اجوستينوس« )القرن الرابع الميلدي( كفيلة بردم الفراغ الفكري واليديولوجي‬
‫لهذه المدرسة‪ ،‬وبقيت هذه الكتب والفكار قرونًا مديدة تدّرس في الكنييائس والمعاهييد المسيييحية‬
‫ن »جوستينوس« كان إفلطوني النزعة والمسلك‪،‬‬
‫على أّنها أفكار سماوية مقّدسة‪ ،‬بالرغم من أ ّ‬
‫ثّم جاء بعده »توماس اكويني«‬

‫)‪(31‬‬

‫في القرن الثالث عشر‪ ،‬وقلب موازين التفكير الفلسفي‬

‫للكنيسة لصالح »أرسطو«‪ ،‬واستقرت المدرسة المسيحية على هذا الحال حّتييى ثييورة »مييارتن‬
‫لوثر« وولدة المذهب البروتستانتي وانشطار الكنيسة المسيحية على نفسها‪.‬‬
‫‪ 3‬ي تتزامن هذه المرحلة مع بلوغ المسيحية أوج قدرتها وبسط سلطة الكنيسة على كافة‬
‫أرجاء أوربا‪ ،‬وحلول العصور الوسطى أو المظلمة ونشوب الحييروب الصييليبية مييع المسييلمين‬
‫في فلسطين والندلس‪ ،‬حيث استمرت منييذ القييرن الحييادي عشيير وحّتييى نهايييات الرابييع عشيير‬
‫‪ ()30‬سفلت اجوستين )‪ 354‬ي ‪430‬م( فيلسوف واسقف مسيحي كبير‪ ،‬وإليه تنسب كثير من الفكار المسيحية‪ ،‬ويعتقييد‬
‫ن النسان موجود مذنب‪ ،‬وعليه جبران ذنبه بالعراض عن الملذات وبالعبادة‪ ،‬ويشكل الخوف رادعًا محوريًا له‪.‬‬
‫بأ ّ‬
‫ل منهما يعمل لفائدة النسان‪ ،‬فالدين‬
‫‪ ()31‬تامس اكوانيسن )فيلسوف مسيحي( سعى للتوفيق بين العلم والدين‪ ،‬وأن ك ً‬
‫يدعو النسان إلى الخير‪ ،‬والعلم يدعوه للستفادة من الطبيعة‪.‬‬

‫سييف رجييال الكنيسيية ذروة‬
‫وبداية عصر النهضة »الريسانس« وفي تلك الفترة بالييذات بلييغ تع ّ‬
‫القساوة والتعّنت الديني المتمّثل في محاكم التفتيش وإحراق البرياء والعلماء وهم أحييياء سييوى‬
‫ما ارتكب من الفجائع في الحروب الصليبية‪.‬‬
‫‪ 4‬ي مرحلة ُافول المسيحية على الصعيد السياسي والجتماعي‪ ،‬وخروج أوربا إلى عصر‬
‫العلم والتقنية والحريات السياسية والعقائدية وانشطار الكنيسة إلى كاثوليكية وبروتستانتية‪.‬‬
‫ل مرحلة من هذه المراحل كانت هناك عقائد ورؤى تتناسب وتلييك المرحليية والحقبيية‬
‫وفي ك ّ‬
‫ن بإمكاننييا‬
‫لأّ‬
‫التاريخية ولذلك نجد نظريات نفسية ومواقف فكرية متعددة فييي هييذه المدرسيية‪ ،‬إ ّ‬
‫ل هييذه المراحييل الربييع‪ ،‬والعثييور علييى القاسييم المشييترك فييي‬
‫استجلء النقاط المشتركة بين ك ّ‬
‫الجانب النفسي بين الكنائس المختلفة من كاثوليك وبروتستانت وارثوذكس وأرامنة وغيرهم من‬
‫جهة‪ ،‬وبين المراحل الزمنية التي مّرت بها المدرسة المسيحية بصورة عامة من جهيية ُاخييرى‪،‬‬
‫وهذه النقاط المشتركة من اليسير تشخيصها واستجلئها ووضعها على طاوليية البحييث ل س يّيما‬
‫ل ديانة من هييذه‬
‫إذا أخذناها بالقياس إلى السلم واليهودية حيث تتجّلى عقائد وأخلق ورؤى ك ّ‬
‫ن البحث هنا يختييص بالمدرسيية المسيييحية وبالجييانب النفسييي منهييا‬
‫الديانات الثلث‪ ،‬ولكن بما أ ّ‬
‫صيية دون الجييوانب الفكرييية‬
‫على الخصوص‪ ،‬سييوف محيّول عنييان القلييم إلييى هييذا الجييانب خا ّ‬
‫ل بما تقتضي الضرورة‪.‬‬
‫لخرى‪ ،‬إ ّ‬
‫اُ‬
‫المدرسة المسيحية والنفس النسانية‬
‫خص في بقيياء الييروح بعييد المييوت‪ ،‬وحرييية الرادة‬
‫عقيدة المسيحية تجاه النفس النسانية تتل ّ‬
‫والختيار‪ ،‬والنسان قبل هبوطه إلى الحياة الدنيا كييان مقدس يًا وطيياهرًا‪ ،‬وقييد خلقييه ال ي تعييالى‬
‫لعبادته‪ ،‬وزّوده‪ ،‬من فيض قدسه‪ ،‬ولكّنه وبسبب حريته عصى وفقد قداسته وطهره‪ ،‬وبقييي هييذا‬
‫ل وزر المعصييية فييي ذاتييه‪ ،‬وعليييه أن يسييعى‬
‫ل إنسان يولد حام ً‬
‫الذنب موروثًا في أصلبه‪ ،‬فك ّ‬
‫لتطهير نفسه من الهواء والذنوب‪ ،‬فهو ل يخلو من القابلييية علييى التكامييل والتعييالي حيييث لييم‬
‫يمت فيه البعد المقّدس بالهبوط‪ ،‬ولكّنه محجوب بحجاب المادة ورغبات الجسد‪.‬‬
‫ن النسان ل يمكنه التخّلييص‬
‫ومن الممكن صدور الخير من النسان بدون فيض رّباني‪ ،‬ولك ّ‬
‫ن الميل إلى الذنب والرغبة في الخطيئة مخلوقة في جبّلته‪ ،‬ول يسييتطيع‬
‫من الذنوب المهلكة‪ ،‬ل ّ‬
‫أن ينقذ نفسه من توابع الذنب وآثاره المهلكة واللعنة البدية بالرغم من وجود القابلية فيييه علييى‬
‫ل بتوسط عيسى )عليه السييلم(حيييث أرسييل ال ي تعييالى إبنييه لنقيياذ‬
‫الخلص‪ ،‬وذلك ل يكون إ ّ‬
‫البشر وإعادتهم إلى حضيرة القدس‪ ،‬وهكذا تجسدت الروح اللهية في عيسى البن وأذكى فيهم‬

‫روح التسامي والتعالي عن الدنيا وامتداداتها‪ ،‬ورضي بالصلب ليفدي البشر بنفسه ميين عييواقب‬
‫الخطيئة ‪...‬‬
‫والنسان لبّد أن يقبل المسيحية ويؤمن بالمسيح كشرط للنجاة‪ ،‬وبعد ذلك يسييتمر فييي طلييب‬
‫النجاة وعمل الخير ومخالفة الشهوات كيما يكون لئقًا لها‪ ،‬والنجاة تكون بصييورة حييياة جديييدة‬
‫ل بواسييطة المسيييح‬
‫وولدة جديدة‪ ،‬فلبّد للنسان أن يولد مرتين‪ ،‬وهذه الولدة الثانية ل تكون إ ّ‬
‫)عليه السلم(‪.‬‬
‫أّما في الخرة والحياة ما بعد الموت‪ ،‬فروح النسان تتعّرض لبعض السئلة هنيياك‪ ،‬وتبقييى‬
‫في عالم البرزخ في إنتظار الرجوع إلى ال تعالى يوم القيامة‪ ،‬حيث تقوم الجساد ميين القبييور‬
‫في ذلك اليوم وتبعث الموتى‪ ،‬فمن كان من أهل النجاة في الدنيا يذهب إلى الجّنيية عنييد القييانيم‬
‫الثلثة »الب والبن وروح القدس« والملعونون يساقون إلى النار‪.‬‬
‫لطروحيية المسيييحية للنجيياة‪،‬‬
‫هييذا‪ ،‬ويلعييب الخييوف ميين العييذاب اللهييي دورًا مهم يًا فييي ا ُ‬
‫فالمسيحية تختلف عن المدرسة اليونانية والبوذية بالهدف والوسيلة‪ ،‬فالهدف هو العشق لي ومييا‬
‫يريده ال تعالى‪ ،‬أي الذوبان في إرادته ومحّبته‪ ،‬ل أن يكون النسييان فيلسييوفًا وعالم يًا صييغيرًا‬
‫مظاهيًا للعالم الكبير كما هو الهدف السييمى للنسييان لييدى اليونييان‪ ،‬ول الوصييول إلييى مرتبيية‬
‫»النرفانا« والتخّلص من اللم كما لدى بوذا‪ ،‬فقد ورد في الكتاب المقدس‪:‬‬
‫»لو علمت جميع السرار والعلوم و‪ ..‬لكني أفتقد المحّبة فأنا ل شيء« رسالة بولس إلى‬
‫قرنتيان الول )الباب‪ 13‬ي الفصل ‪.(2‬‬
‫أّما السبيل والطريق إلى نيل هذا الهدف فهو التقوى من الذنوب‪ ،‬ول تقتصيير الييذنوب علييى‬
‫ل رغبة وإرادة مخالفة لرادة ال تعييالى‪ ،‬فالييذنب ينشييأ ميين‬
‫الزنا والقتل والكذب وأمثالها‪ ،‬بل ك ّ‬
‫ن القتل ونية القتل في‬
‫قلب النسان وليس من الخارج )متى ي ‪ (7:17‬وكما ورد عن عيسى أ ّ‬
‫الثم سواء‪ ،‬وهكذا الزنا والشهوة المجردة‪ ،‬والنتقام النظييري والتطييبيقي‪ ،‬بييل وأكييثر ميين ذلييك‬
‫)كل من يعلم خيرًا ول يعمله فهو مذنب( يعقوب ‪.4:17‬‬
‫ومن خلل هذه الرؤى والفكار تتجّلى لنا علل المييراض النفسييية‪ ،‬وكييذلك طريقيية العلج‪،‬‬
‫لولى وجنوح النسان نحو المعصية والشر‪ ،‬ل الوراثيية والمحيييط‪،‬‬
‫فالسبب هو الذنب بالدرجة ا ُ‬
‫والعلج يتّم بالنجاة والولدة الثانية التي تكون من ال تعالى بواسطة عيسى‪ ،‬لكن على النسييان‬
‫أن يهييء الرضية للنجاة بالتوبة والنابة والندم‪.‬‬
‫أّما دعائم النجاة المتعّلقة بإرادة النسان فهي‪:‬‬
‫أّول‪ :‬التوبة النصوح والعتراف بالذنب والتسليم التام والعزم على عدم تكرار الذنب‪.‬‬

‫ثانيًا‪ :‬اليمان بال والمسيح‪ ،‬والسير إلى ال تعالى والتوجه القلبي إليه‪ ،‬فالتوبة تعني التوقف‬
‫والترك‪ ،‬واليمان يعني السير والحركة إلى ال تعالى‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬أن يتحّلى النسان حينئذ بالعمال والصفات الكريمة والمثل الخلقية العليا‪ ،‬وليس‬
‫المهم أن تكون العمال جسدية‪ ،‬بل تتحّقق أيضيًا فييي محّبيية الخرييين والعطييف علييى البؤسيياء‬
‫والمعوزين ومواساتهم وأمثال ذلك‪.‬‬
‫ن صييياغة هييذه المفيياهيم الخلقييية والييرؤى العقائدييية هييي ميين إبتكييارات‬
‫ويمكن القييول بييأ ّ‬
‫ن الفلسييفة والخلق والعقييائد المسيييحية قييد تييأّثرت كييثيرًا‬
‫المدرسيية المسيييحية‪ ،‬فبييالرغم ميين أ ّ‬
‫بالمدرسة اليونانية‪ ،‬ويكاد يكون أرسطو الرجل الثاني بعد المسيييح )عليييه السييلم(فييي التنظييير‬
‫ن فكرة الذنب والنجاة والعشييق تكيياد تكييون مسيييحية‬
‫لأّ‬
‫وصياغة العقائد المسيحية بشكل عام‪ ،‬إ ّ‬
‫خالصة‪.‬‬
‫ل أّننا ل نجد مفاهيم‬
‫وحتى بالنسبة للدين اليهودي الذي أخذت منه المسيحية الشيء الكثير‪ ،‬إ ّ‬
‫ن ال تعالى كان شييديدًا علييى اليهييود ويعيياقبهم فييي الييدنيا قبييل‬
‫ب الخرين فيه‪ ،‬بل أ ّ‬
‫العشق وح ّ‬
‫الخرة‪ ،‬وقد وردت الشارة إلى موارد من هذا القبيل في القرآن الكريم‪ ،‬وذلك عندما أصييابتهم‬
‫جْهرًة()‪ (32‬ثّم التيه في الصحراء أربعين سنة لعصيانهم أمر موسى‬
‫ل َ‬
‫الصاعقة لقولهم )أِرنا ا َ‬
‫)عليه السلم(بالدخول إلى القرية‪ ،‬وغير ذلك‪.‬‬
‫ولكن ال في المفهوم المسيحي متسامح جّدا مع عبيياده‪ ،‬وميين أظهيير صييفاته وأعظمهييا هييو‬
‫العشق والرحمة وقبول التوبة بمجرد العلن عنها من قبل العبد‪.‬‬
‫الدوافع والهداف‬
‫ن الهدف السمى للنسان في منظومة الفكار والعقييائد المسيييحية هييو النجيياة ميين‬
‫تبّين لنا أ ّ‬
‫ن الهدف في المييذهب‬
‫لخروي بعد الموت‪ ،‬في حين أ ّ‬
‫الذنب‪ ،‬والذي يستتبعه النجاة من العذاب ا ُ‬
‫البوذي هو النجاة من اللم في الدنيا والحيلولة دون الرجوع مّرة ُاخييرى إلييى الحييياة‪ ،‬ونلحييظ‬
‫لصول العقلية والوجدانية وتناغمها مع الفطرة في اليميييان‬
‫توافق الرؤية المسيحية للهدف مع ا ُ‬
‫باليوم الخر والشعور بالذنب والتقصير‪ ،‬بينمييا تكيياد العقيييدة البوذييية فييي هييذا الصييدد كشييجرة‬
‫منقطعة ليس لها امتدادات منطقية ول جذور ضاربة في الوجدان‪.‬‬
‫وكذلك إذا أخذناها بالقياس مع رؤية الفلسفة اليونانية في اسم الهييدف للنفييس النسييانية وأّنييه‬
‫محدود بشكل عام في إطار هذه الحياة وتحصيل السعادة والفضيلة في هذه الدنيا من أجل حييياة‬
‫‪ ()32‬سورة النساء‪ :‬الية ‪.153‬‬

‫دنيوييية أفضييل‪ ،‬فيتجّلييى لنييا سييعة الفيياق النظرييية فييي المدرسيية المسيييحية‪ ،‬ومييا ترسييمه ميين‬
‫تصورات متكاملة عن الحياة في عنصر الهدف النهائي لها‪ ،‬وما يستبطنه هذا الهدف ميين نعيييم‬
‫خالد وعشق مستديم‪.‬‬
‫أّما الدوافع‪ ،‬فالنسان بحّد ذاته له دوافع نحو الشّر مع قابلية واسييتعداد علييى تقّبييل الخييير ل‬
‫أّنه من دوافعه الذاتية كما هو الحال في جانب الشّر‪ ،‬ولذا لبّد له من تجّنب دوافييع الش يّر الييتي‬
‫ن ال ي تعييالى أراد‬
‫تجّره نحو طبيعته المادية ومطاليب الجسد‪ ،‬ومن ذلك تتوّلد المعصية‪ ،‬حيث أ ّ‬
‫ن الدوافع البدنية تشّكل عائقًا دون نييييل‬
‫لأّ‬
‫لهذا المخلوق التسامي وبلوغ مرتبة العشق للكمال‪ ،‬إ ّ‬
‫ن دوافع الشر هي الغالبة فيه‪ ،‬فلبّد من ق يّوة رّبانييية تنقييذه ميين التييوّرط فييي‬
‫هذا الهدف‪ ،‬وبما أ ّ‬
‫الشّر وتفتح له أبواب الرحمة اللهية للولوج إليها‪ .‬وفي ذلك نجد تشييابهًا ملحوظ يًا فييي إشييكالية‬
‫الدوافع بين المسيحية وما سبقها من المدارس اليونانية والبوذية‪ ،‬وخاصيًة فييي الموقييف السييلبي‬
‫من الغريزة الجنسية ودوافع العدوان‪ ،‬مع فارق ذاتية دافع الشّر وغلبتييه علييى دافييع الخييير فييي‬
‫المسيحية‪.‬‬
‫ق مع المسيييحية فييي هييذا المييورد‪ ،‬خلف يًا للكييثير ميين الفلسييفة والكّتيياب‬
‫ن الح ّ‬
‫والنصاف أ ّ‬
‫ل الش يّر والخطيئة‬
‫المسلمين حيث أشكلوا على المسيحية بأّنها تشاؤمية ول تييرى فييي النسييان إ ّ‬
‫ن النتيجة سيئة والعاقبة وخيمة‪،‬‬
‫ن المسيحية حيث تؤكد ذاتية الشّر ل تقصد بالضرورة أ ّ‬
‫وذلك أ ّ‬
‫بل قد تكون ساّرة وحسنة بالمداد اللهي وتوسط المسيح )عليييه السييلم(‪ ،‬وهييذه الرؤييية تتفييق‬
‫إلى حّد كبير مع العقل والشرع‪ ،‬وهي التي دفعت الملئكة للتساؤل باستغراب‪:‬‬
‫ك ال ـّدماء ‪ ،(..‬بعييد أن سييمعت الخطيياب اللهييي‪) :‬إّنــي‬
‫ن ُيفسُد فيها ويسف ُ‬
‫جعُل ِفيَها َم ْ‬
‫)أَت ْ‬
‫طأ الملئكة المعصومين في‬
‫ن أحدًا من المفسرين قد خ ّ‬
‫نأّ‬
‫خليفة( ول أظ ّ‬
‫جاعٌل ِفي اْلْرض َ‬
‫ِ‬
‫ن القرآن الكريم لم ينقل إلينا تخطئة ال ي تعييالى لملئكتييه فييي سييوء الظيين‬
‫رؤيتهم هذه‪ ،‬وحتى أ ّ‬
‫هذا‪ ،‬بل قال‪) :‬إّني أعلم ما ل تعلمون(‬

‫)‪(33‬‬

‫أي أّنهم تصّوروا هذا المخلوق لذاته ومن دون‬

‫المداد الرّباني والهداية اللهية‪ ،‬ولذا نجد حييالت الش يّر والسييمات السييلبية هييي الطاغييية علييى‬
‫ل أن تييداركه‬
‫النسان المذكور في القرآن وأّنه ظلوم وجهييول وحريييص وكييافر ويييؤوس و‪ ..‬إ ّ‬
‫سبيل إّما شاكرًا وإّما كفورًا( ل ّ‬
‫ن‬
‫رحمة من رّبه‪ ،‬ول يتنافى ذلك مع قوله تعالى )إنا هديناه ال ّ‬
‫المراد هنا في هذه الية ما يعم دوافع الذات والرحمة اللهية‪.‬‬
‫ن ال تعالى أرسييل رس ي ً‬
‫ل‬
‫والواقع العملي أيضًا يؤيد هذه الرؤية السلبية عن النسان‪ ،‬فلول أ ّ‬
‫لبهييائم‬
‫وأنزل شرايعًا ودساتير إنسانية وأخلقييية تهييدي النسييان إلييى الرشييد لمييا كييان البشيير إ ّ‬
‫‪ ()33‬اليات في سورة البقرة‪ :‬الية ‪.30‬‬

‫ن تكامل الفكر الفلسفي اليوناني مدين حتمًا للشرائع السماوية‬
‫وأنعامًا‪ ،‬بل هم أضل‪ ،‬ولذا نعتقد أ ّ‬
‫ن فلسييفة اليونييان وخاصيية‬
‫في فلسطين ومصر وإيييران وغيرهييا ميين البلييدان‪ ،‬ويشييهد لييذلك أ ّ‬
‫إفلطون وأرسطو هاجروا غير مّرة في طلب الحكمة إلى هذه البلييدان‪ ،‬كمييا هييو مسييطور فييي‬
‫كتب التاريخ‪.‬‬
‫وبالرغم من بسط الرحمة اللهية وإنزال الرسييل وجهييادهم وتضييحياتهم فييي سييبيل تأصيييل‬
‫ل أّننا نشاهد الجنوح إلى الشيير‬
‫الخلق السماوية وتعميق الشعور باليمان لدى أفراد البشر‪ ،‬إ ّ‬
‫والميل إلى الثم والمعصية طاغيًا على هذا المخلوق الرضي‪.‬‬
‫وعلى كل حال‪ ،‬فعلى مستوى الدوافع نلحظ تقدمًا ملموسًا للمسيحية على الفلسييفة اليونانييية‬
‫والبوذية أيضًا‪.‬‬
‫أّما الجانب الخلقي‪ ،‬ومسيرة الفرد في تفاعله مع الخرين‪ ،‬فكذلك نلحييظ شييبهًا بالبوذييية‪،‬‬
‫ن القيييم‬
‫ن أحدهما قد اقتبس قيمه ومُثُلييه الخلقييية ميين الخيير بقييدر مييا يعنييي أ ّ‬
‫ول يعني ذلك أ ّ‬
‫الخلقية في النسان وجدانية وفطرية تشترك فيها القوام البشرية كافة‪.‬‬
‫وأّول ما يبتدرنا منها هو قول المسيح )عليه السلم( في انجيل متى‪:‬‬
‫ن‪ ،‬وأّما أنا فأقول لكم‪ :‬ل تقاوموا الشّر‪ ،‬بل من‬
‫ن بس ّ‬
‫»سمعتم أّنه قيل‪ :‬عين بعين‪ ،‬وس ّ‬
‫لطمك على خّدك اليمن فحّول له الخر أيضًا‪ ،‬ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فيياترك لييه‬
‫ل واحدًا فاذهب معه اثنين«)‪.(34‬‬
‫خرك مي ً‬
‫الرداء أيضًا‪ ،‬ومن س ّ‬
‫وقد أثار هذا المبدأ الخلقي موجة من العتراضات والشكالت من قبل كّتابنييا المسييلمين‪،‬‬
‫ومن قبل ذلك انبرى له فلسفة الغرب المييادّيون بييالرّد والتعريييض والتهييويس‪ ،‬وعلييى رأسييهم‬
‫جل في صدور الحكم قبل دراسة‬
‫ق والنصاف إّننا ل ينبغي أن نع ّ‬
‫»نيتشه« اللماني‪ .‬ولكن الح ّ‬
‫الخلفيات التاريخية والنفس اجتماعية لهذا النمط الخلقي والسلوك الجتماعي‪.‬‬
‫الشكال المثار في قراءة هذه المقولة هو أّنها تميت في النسان الكرامة والعييّزة‪ ،‬وتجهييض‬
‫ق‪ ،‬بل أّنها بمنعها خيار الرّد بالمثل تؤدي إلييى تصييعيد‬
‫ل دوافع الغضب المفيدة في إحقاق الح ّ‬
‫كّ‬
‫الحالة العدوانية للشرار‪ ،‬وتدجين الرفض للباطل والنهي عن المنكر في الخيار‪.‬‬
‫وفي قراءة نفسية للمنيياخ الييتي صييدرت فيييه هييذه المقوليية ودورهييا الفاعييل فييي كسيير روح‬
‫النانية المتغطرسيية والمتجييذرة فييي بنييي إسييرائيل سيينجد أنفسيينا مسييوقين لتقييديس هييذا المبييدأ‬
‫ن المسيييحية اهتمييت فييي بداييية‬
‫ك في نسبته إلى المسيح )عليييه السييلم(‪ ،‬ل ّ‬
‫ومباركته وعدم الش ّ‬
‫ن عيسى )عليه السلم(لم يبعث إلى طاغية‬
‫الدعوة ببناء المحتوى الداخلي للنسان‪ ،‬وكما نعلم أ ّ‬
‫‪ ()34‬متى ‪ 38 :5‬ي ‪ 1‬ي ‪ 41‬ي وانظر لوقا ‪ 27 :6‬و ‪.35‬‬

‫زمانه وفرعون عصره‪ ،‬ول إلى أقوام من عبدة الوثان‪ ،‬بل إلى بنييي إسييرائيل الييذين تييواترت‬
‫رسل ال تعالى منهم وإليهم‪ ،‬وهم شعب ال المختار في تلك الحقبة من الزمان حيث فضلهم ال‬
‫تعالى على العالمين كما ورد في القييرآن الكريييم‪ ،‬فالهييدف هييو كسيير أطييواق المادييية ونييوازع‬
‫ب الييدنيا ورذائل الخلق والبخييل‬
‫النانية في نفييوس اليهييود الييذين اسييتولى عليهييم الطمييع وحي ّ‬
‫والثرة والتفاخر وأمثال ذلك‪ ،‬فكانت هذه الحواجز المعنوية هي التي تعوقهم من أتبيياع شييرائع‬
‫ك هييذه‬
‫السماء‪ ،‬والسير بهدى النبياء‪ ،‬وقد بعييث عيسييى ليكسيير هييذا الطييوق عيين قلييوبهم‪ ،‬ويفي ّ‬
‫الغلل عن أعناقهم‪ ،‬وهو القائل لمن جاء إليه مسرعًا وركع بين يييديه طالب يًا أن يييرث الحييياة‬
‫البدية وكان ثريًا‪» :‬إذهب بع كل مالك وأعط الفقراء ليكون لك كنزًا في السماء وتعال اّتبعني‬
‫ل الصليب‪ ،‬فاغتّم على هذا القول ومضى حزينًا لّنه كان ذا أموال كثيرة« انجيل مرقس ي‬
‫حام ً‬
‫الصحاح العاشر‪.‬‬
‫وهكذا كييان سييلوكه )عليييه السييلم( مييع أتبيياعه ميين الحييواريين فييي العييراض عيين الييدنيا‬
‫وشهواتها وجواذبها حتى لم يكن لهم بيت ول زوجة ول مال ول تجارة ول شيء من مباحييات‬
‫ل ذلك لقلع ترسبات المادة وجييواذب البييدن والشييهوة ميين قلييوب بنييي إسييرائيل‪،‬‬
‫الحياة الدنيا‪ ،‬ك ّ‬
‫لمور بأضييدادها‪ ،‬فييالحرارة تعالييج بييالبرودة‪ ،‬والجبيين بييالتهور‪ ،‬والبخييل‬
‫ن علج ا ُ‬
‫وقديمًا قيل أ ّ‬
‫بالسراف حّتى يحصل النسان على الحّد الوسط ويعتدل ميزانه النفسي والخلقي‪ ،‬فلّمييا كييان‬
‫التفريط بُامور الدين والخرة من شواخص ومعييالم اليهييود‪ ،‬كييان افييراط المسيييحية فييي الزهييد‬
‫لّمة المحّمدية الوسط ميين‬
‫والتوجه إلى الخرة علجًا لذلك التفريط حّتى يعتدل الميزان وتتوّلد ا ُ‬
‫بين ذلك الفراط والتفريط‪.‬‬
‫وما ورد من تشنيع على المبادي الخلقية المسيييحية ميين قبييل علمائنييا ومفكرينييا المسييلمين‬
‫فإّنما هو في مخالفته للظروف الحالية والقيم الحضارية في هذا الزمان‪ ،‬ومرادهم ميين ذلييك أ ّ‬
‫ن‬
‫المسيحية لم تعد تواكب العصر وأّنها ديانة مختصة بما مضى من القوام السالفة قبل بعثة نبينا‬
‫)صلى ال عليه وآله وسلم(‪ ،‬وهو كلم صحيح ومتين كما سوف نرى‪.‬‬
‫لولييى علييى الزهييد وتييرك‬
‫وعلى أي حييال‪ ،‬فالمنهييج الخلقييي للمسيييحية اعتمييد بالدرجيية ا ُ‬
‫المتعلقات المادية والهتمام بصياغة المحتوى الداخلي للنسان لنيل مرتبة العشق والنجاة‪ ،‬وقييد‬
‫ن عيسى كان يقول لتباعه‪:‬‬
‫ورد في مصادرنا السلمية أ ّ‬
‫»ل تهتموا ماذا تأكلون‪ ،‬ول ماذا تشربون ول لجسادكم ما تلبس‪ ،‬أليس النفس أفضل من‬
‫المأكل؟ والجسد أفضل من اللباس؟ انظروا إلى طيييور السييماء الييتي ل تييزرع ول تحصييد ول‬

‫تخزن‪ ،‬ورّبكم السماوي يقوتها‪ ،‬أليس أنتم أفضل منهم؟ من منكم يهتم فيقدر أن يزيد على قامته‬
‫ذراعًا واحدة‪ ،‬فلماذا تهتمون باللباس؟«)‪.(35‬‬
‫ومن ذلك نعلم الحكمة في خلق عيسى )عليه السلم( بدون أب‪ ،‬وذلك لما تكّلس على عقول‬
‫لطيير المادييية البحتيية‪،‬‬
‫بني إسرائيل من التسليم والعتماد التام في الحياة الدنيا على القييوانين وا ُ‬
‫لمور المعنوية والغيبية إلى حيييّد‬
‫في مجمل ُامورهم المعاشية والفكرية والعقائدية‪ ،‬واستهانتهم با ُ‬
‫طلبوا من موسى )عليه السلم( أن يجعل لهم آلهة وأوثان‪:‬‬
‫)قالوا ياموسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة()‪.(36‬‬
‫العواطف‪:‬‬
‫لولى من عمر هذه المدرسيية‪ ،‬حيييث‬
‫تحتل مكانة بارزة في هذا الدين‪ ،‬وخاصة في الدورة ا ُ‬
‫لصول الساسية في الييدعوة لهييذا الييدين‪،‬‬
‫كانت مفاهيم العشق والرحمة والغفران والعدالة من ا ُ‬
‫وقد كانت ممارسات عيسى )عليه السلم( وخاصة في تعريض نفسييه للصييلب ميين أجييل إنقيياذ‬
‫البشرية واستيعابه للمذنبين والخاطئين وتأكيده على العفو والصييفح ونبييذ الممارسييات العدوانييية‬
‫ومقابلة الشر بالخير والرذيلة بالفضيلة من أقوى المحّفزات لتبيياع هييذه الديانيية علييى الهتمييام‬
‫بالجانب العاطفي وإذكائه وما يترّتب عليه من التوافق الجتماعي مع مختلف الظييروف‪ ،‬وكمييا‬
‫ن التوافق الجتماعي ضييرورة ل يسييتهان بهييا فييي التكامييل الفييردي وخاصيية فييي‬
‫هو معلوم فا ّ‬
‫غياب العدالة ووحشية الثقافة والقانون في العصر الّول للمسيحية‪ ،‬مّمييا يحتييم علييى الفييرد فييي‬
‫إطييار التفاعييل مييع معطيييات الواقييع المظلييم أن يتش يّبث بهييذه المفييردات العاطفييية ميين العشييق‬
‫والرحمة والصبر على الذى ليتسّنى له المحافظيية علييى وجييوده الفاعييل وعييدم النسييلخ ميين‬
‫لصول العاطفية والمفاهيم النسييانية السييامية الييتي غرسييها عيسييى )عليييه‬
‫عقيدته‪ ،‬ولول هذه ا ُ‬
‫السلم(في ُاّمته لما استطاع أتباعه الصييمود أمييام فنييون التعييذيب والممارسييات البشييعة للحّكييام‬
‫ن التأكيد على العواطف النسييانية وعنصيير المحّبيية والعشييق هييو الييذي‬
‫الرومان الوثنيين‪ ،‬بل أ ّ‬
‫جييذب النيياس إلييى هييذه الديانيية فييي مسيياحات واسييعة ميين المجتمعييات البشييرية وخاصيية فييي‬
‫المجتمعات التي تعاني من مفارقات ظالمة وطبقية مجحفة وجفاف في العاطفة‪.‬‬
‫لأّ‬
‫ن‬
‫ن جميييع الديييان ل تخلييو ميين التوصييية بالمحّبيية والييتراحم والتييآلف‪ ،‬إ ّ‬
‫وبالرغم ميين أ ّ‬
‫المسيحية أحيت هذا المبدأ النساني في بيئة قائمة على التغالب والتكالب والنانية‪ ،‬وجعلت ميين‬

‫‪ ()35‬بحار النوار‪ ،‬ج ‪ ،14‬ص ‪.318‬‬
‫‪ ()36‬سورة العراف‪ :‬الية ‪.138‬‬

‫المسيحي المتدّين البديل الحضيياري لليهييودي النيياني‪ ،‬والروميياني المتييوحش‪ ،‬فكييان المسيييحي‬
‫حينذاك مثال البر والرحمة والعطف والمواساة في تعامله الّلين مع الخرييين‪ ،‬وصييدقه وأمييانته‬
‫في السوق‪ ،‬وإيثاره الفقراء والمساكين على نفسه‪ ،‬وقّليية اكييتراثه بييالنوازع والجييواذب الدنيوييية‬
‫وشّدة مقاومته للظروف الضاغطة في سبيل مبادئه الخّيييرة‪ ،‬فل غييرو أن انجييذبت المجتمعييات‬
‫البشرية تدريجيًا إلييى هييذا البييديل الحضيياري لمييا لمسييت فيييه ميين القييوة والصييالة‪ ،‬ولييول أ ّ‬
‫ن‬
‫لطروحة هذه كانت متفوقة فكريًا وثقافيًا وأخلقيًا علييى الحضييارات السييائدة فييي ذلييك الييوقت‬
‫اُ‬
‫ق طريقها في مفاصييل المجتمعييات البشييرية‪،‬‬
‫اليهودية والرومانية واليونانية لما تسّنى لها أن تش ّ‬
‫وتعصف بالموروث الفكري العقائدي لها‪ ،‬وتؤسس مجتمعًا جديدًا تحكمه ُاطر عقائدية وأخلقية‬
‫سماوية‪.‬‬
‫النقطة المركزية في إحياء العواطف النسانية فييي المدرسيية المسيييحية هييو إحييياء الرتبيياط‬
‫النفسي مع السماء‪ ،‬وتأكيد البعد اللهي للحياة حيث كاد أن ينعدم تحت ركييام القومييية البغيضيية‬
‫لليهود‪ ،‬والتكالب علييى الشييهوات للرومييان‪ ،‬بييل يمكيين القييول بييأّنه قييد إنقطييع اّتصييال النسييان‬
‫بالسماء‪ ،‬وتكّرست حالة الجمود العاطفي بعد أن اسييتفرغ النسييان جهييده فييي النظيير إلييى هييذه‬
‫الحياة الدنيا وسعى في اختزال أهدافه في إعمارها والتمتع بهييا‪ ،‬تارك يًا البعييد الروحييي والحييياة‬
‫لخرى والّتصال بمبدأ الخير في مطاوي النسيان‪.‬‬
‫اُ‬
‫دور الشعائر الدينية في صياغة الروح‬
‫الشعائر والطقوس الدينية في المسيييحية عبييارة عيين بعييض الممارسييات والداب الييتي ينييال‬
‫ن الطقييوس هييذه تلعييب دورًا حيوييًا فييي تعميييق‬
‫الفييرد بواسييطتها الفيييض اللهييي‪ ،‬ول يخفييى أ ّ‬
‫الحساس الديني وتكريس المثل والمبادي في أعميياق النفييس النسييانية وعييدد هييذه الشييعائر أو‬
‫ح التعبير ي سبعة‪ ،‬خمسة منها للتكامل الفردي‪ ،‬وهي‪ :‬التعميييد‪ ،‬والتييدهين‪،‬‬
‫فروع الدين ي إذا ص ّ‬
‫والعشاء الرّباني‪ ،‬والتوبة‪ ،‬والتدهين الخير‪.‬‬
‫وإثنان منها خارج الطار التربوي والنفسي للفرد‪ ،‬وهما‪ :‬مراسييم الييزواج‪ ،‬ومراسييم تعيييين‬
‫الساقفة ورجال الدين‪.‬‬
‫التعميد‪ :‬يعني الغسل لمن دخل تّوا في الديانة المسيحية‪ ،‬وهو عبارة عن توّلد جديد للنسان‬
‫ن روح الشر تبتعد عنه بواسييطة القسيييس‬
‫المغتسل‪ ،‬وله آداب عديدة‪ ،‬وتترّتب على هذا الغسل أ ّ‬
‫الذي ينفخ عليه ويقرأ بعض الدعية‪ ،‬فتفارقه روح الشّر إلى غير رجعة‪ ،‬ثّم يقرأ متن مييا ورد‬

‫ن ال واحد مكّون‬
‫ن قبولك للمسيحية أن تعتقد بأ ّ‬
‫في شورى )نيقية()‪» :(37‬أّيها الرجل‪ ،‬إعلم أ ّ‬
‫ن المسيييح )عليييه‬
‫من ثلثة أقانيم‪ ،‬وأن تعتقد بأّنه ل يدخل أحييد الجّنيية بييدون غسييل التعميييد‪ ،‬وأ ّ‬
‫سم في بطن مريم‪ ،‬وولد على شكل إنسان‪ ،‬فهييو إلييه وإنسييان‪ ،‬هييو الي‬
‫السلم( ابن ال الذي تج ّ‬
‫بسبب من أبيه‪ ،‬وإنسان من ُاّمه‪ ،‬وقد صلب ومييات وبعييد ‪ 3‬أيام من دفنه بعث وعرج إلى‬
‫السماء وجلس إلى يمين أبيه‪ ،‬وهو الذي يحكم بين الناس يوم القيامة«‪.‬‬
‫لولييى والفطرييية لييه‪،‬‬
‫ويتّم بواسطة هذا الغسل تطهير النسان ميين آثييار وأدران المعصييية ا ُ‬
‫ن التعميد ل يييؤدي‬
‫وكذلك تطهيره من الذنوب الكتسابية التي ارتكبها في حياته‪ ،‬وبالرغم من أ ّ‬
‫ل أّنه يييؤهله لن يكييون كالمسيييح فييي شييكله‬
‫إلى نيل النسان مرتبة القداسة والطهارة الذاتية‪ ،‬إ ّ‬
‫وصورته‪.‬‬
‫ويتحّقق الغسل بالماء المقّدس‪ ،‬بأن يغطس ‪ 3‬مّرات في الحوض‪ ،‬وعند الضرورة يكتفي‬
‫ل‪،‬‬
‫ش عليه الماء ‪ 3‬مّرات مع قراءة بعض الذكار والوراد‪ ،‬وإذا كان الشخص طف ً‬
‫بأن ير ّ‬
‫فيغتسل هو بينما يقّر بالعتراف أحد أبييويه‪ ،‬ويتيّم تقييديس الميياء بواسييطة أدعييية القييس ولمسييه‬
‫بكّفه‪ ،‬والنفخ فيه ‪ 3‬مّرات‪.‬‬
‫التدهين‪ :‬ويعتبر مكّمل لعملية التعميد‪ ،‬بأن يدهن القس أعضاء المغتسل بدهن الزيتون‬
‫المقدس‪ ،‬فيدهن جبينه‪ ،‬وعينيه‪ ،‬وُاذنيه وأنفه‪ ،‬وفمه‪ ،‬وصدره‪ ،‬ويييديه‪ ،‬ورجليييه‪ ،‬وهييذا التييدهين‬
‫بمثابة إعطاء مواهب روح القدس لتقوية روح الفرد ومعنوياته‪.‬‬
‫أّما التوبة والعتراف‪ :‬فتتكون من ثلثة أقسام‪ :‬وهي ‪ » ..‬الندم‪ ،‬والعتراف‪ ،‬والستسلم‬
‫للمسيح )عليه السلم(« وطريقة التوبة أن يقرأ القس العبارات الخاصة بالتوبيية لهييذا الشييخص‬
‫التائب‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫»لقد حّررتك من ذنوبك باسم الب والبن وروح القدس‪ ،‬آمين«‪.‬‬
‫الندم وإظهار التنّفر من الذنوب لزم لقبول التوبة‪ ،‬وهذا يعني الرغبة في أن يعيش النسييان‬
‫حياة جديدة خالية من الثم‪ ،‬وبعد ذلك يأتي دور العتراف الشفهي بالذنوب‪ ،‬ثم دور القييس فييي‬
‫منح المغفرة للتائب‪.‬‬
‫التدهين الخير‪ :‬عبارة عن تدهين المحتضر بالدهن المقدس بواسطة القس‪ ،‬أو من يقوم‬
‫مقامه وإقترانه ببعض الذكار والدعية‪.‬‬

‫‪ ()37‬وهي شورى الساقفة التي تشكلت في زمان المبراطور )قسطنطين( عام ‪325‬م في مدينة نيقيا في تركية‪ ،‬ويقرأ‬
‫ص كل يوم أحد في مراسيم العشاء الرّباني‪.‬‬
‫المسيحيون هذا الن ّ‬

‫العبادة في الديانة المسيحية‬
‫ل يخلييو دييين ومييذهب يفييرض لنفسييه تأصيييل البعييد الروحييي والمعنييوي فييي النسييان ميين‬
‫ممارسات عبادية يؤديهييا الفييرد تجيياه خييالقه ورّبييه سييواء كييان دينيًا أرضيييًا وثنييًا‪ ،‬أو سييماويًا‬
‫توحيديًا‪ ،‬وبذلك يتمّيز أصحاب النتماءات الدينية عن غيرهم من الملحدة والشّكاكين وأمثييالهم‬
‫ل من حيث التفاعل مع معطيات العقيدة‪ ،‬وترشيد البعد المعنوي في النسان‪.‬‬
‫بأّنهم أفضل حا ً‬
‫وأهّم المراسيم العبادية عند المسيحيين هي العشاء الرّباني المقّدس الذي يتّم في الكنيسة كييل‬
‫يوم أحد‪ ،‬ويكون من الخبز والخمر‪ ،‬وذلييك إحييياءً للعشيياء الخييير الييذي تنيياوله عيسييى )عليييه‬
‫السلم( مع أتباعه من الحواريين‪ ،‬ويمكن أن يراد به المائدة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم‬
‫في سورة المائدة‪:‬‬
‫خِرنــا‬
‫عيــدًا لّولنــا َوآ ِ‬
‫ن َلنــا ِ‬
‫ســماء َتُكــو ُ‬
‫ن ال ّ‬
‫عَلينا مائدة ِم ـ َ‬
‫ن َمرَيَم َرّبنا أنَزْل َ‬
‫)َقال عيسى ب ُ‬
‫خير الّرازقين()‪.(38‬‬
‫ت َ‬
‫ك‪َ ،‬واْرزْقنا وأن َ‬
‫َوآيًة ِمن َ‬
‫هذا‪ ،‬وتتخّلل حياة الفرد المسيحي اليومية بعض الدعية والوراد شكرًا ل تعالى على نعمه‬
‫وبركاته وخاصة نعمة وجود المسيح )عليه السييلم(‪ ،‬وكييذلك نعميية الغييذاء والشييرب والصييحة‬
‫والسلمة عند الجلوس على المائدة‪ ،‬والدعية والرسوم المذهبييية فييي حاليية العييتراف والتوبيية‬
‫وطلب المغفرة‪ ،‬أّما الصلة أيام الحد فتجري بشكل جماعي وتتخّللها أدعية خاصيية وترنيمييات‬
‫تتلى بشكل جماعي مع موسيقى خاصة‪ ،‬ثّم المناجاة بين العبد ورّبه وطلييب العييون والبركيية لييه‬
‫س يوصييي بهييا المصيّلين‬
‫وللخرين‪ ،‬وهذه المراسم ل تخلو من موعظة أخلقييية يقييوم بهييا القي ّ‬
‫بالزهد والتقوى واللتزام بالعمد وأمثال ذلك‪.‬‬
‫الرهبانية‪:‬‬
‫وهي النقطاع عن الدنيا‪ ،‬واختيييار العزليية فييي صييومعة تض يّم الرهبييان والراهبييات‪ ،‬وهييي‬
‫ظاهرة موجودة في أغلب الديانات الشرقية‪ ،‬وخاصة عند الهندوس والبوذيين‪.‬‬
‫ظهرت الرهبانية في الديانة المسيحية كأسلوب في سلوك مدارج الكمال وتهذيب النفس منييذ‬
‫القرن الرابع الميلدي‪ ،‬واستدامت حّتى العصيير الحاضيير‪ ،‬لهييا تنظيماتهييا ومقرراتهييا الخاصيية‬
‫بها‪.‬‬
‫وأّول من ابتدع هذه الطريقة في الحياة الدينييية للمسيييحييه هييو القييديس )بازيييل( ميين أتبيياع‬
‫الكنيسة الشرقية‪ ،‬وبعده القديس )سنت بنديكت( فييي القييرن السييادس الميلدي‪ ،‬ودأب أصييحاب‬
‫‪ ()38‬سورة المائدة‪ :‬الية ‪.114‬‬

‫هذه الطريقة على اتخاذ المقّررات الخاصة بهم في مختلييف منيياطق الغييرب الوربييي وتوسيييع‬
‫لخوان والخوات‪.‬‬
‫نطاقها‪ ،‬ويطلقون على أفرادها من الرهبان والراهبات لقب‪ :‬ا ُ‬
‫وقد انتشرت المجاميع من الرهبان والراهبات في الغرب المسيحي‪ ،‬وخاصيية فييي العصييور‬
‫ل محوريًا فييي نشيير العلييم والثقافيية الدينييية‪ ،‬والخلق النسييانية فييي تلييك‬
‫المظلمة‪ ،‬فكانت عام ً‬
‫العصور‪ ،‬وكذلك كان للرهبان السهم الوفر في حفظ واستنساخ وترجمة ك يّم هييائل ميين الكتييب‬
‫الخطّية الثمينة لفلسفة اليونان والمسلمين التي استفاد منها الغربيون فيما بعد في إرسيياء ُاسييس‬
‫نهضتهم الحديثة‪.‬‬
‫هؤلء الرهبان التاركون للدنيا كانوا يقفون أعمارهم في الوديان وأجييواف المغييارات‪ ،‬وفييي‬
‫الصوامع ودور العبادة البعيدة عن الخلئق وضوضاء المجتمع‪ ،‬ويعيشييون حييياة زهييد وقناعيية‬
‫وخلوة وتفّكر‪ ،‬وبعد القرن السادس صارت للرهبان علمة مخصوصة‪ ،‬فكييانوا يلّفييون زنجيييرًا‬
‫على وسطهم فيه ثلث حلقات ترمز إلى الصفات الثلث لليمان‪ :‬الفقر والعّفة والطاعة‪.‬‬
‫وقد تعّرضت تشكيلت الرهبان لفترات من النحطاط والفساد المعنوي‪ ،‬وخاصة في القييرن‬
‫العاشر الميلدي‪ ،‬وتلّقت كذلك ضربات موجعة من الثورة الفرنسييية فييي القييرن التاسييع عشيير‪،‬‬
‫ن هييذا المسييلك الييتربوي بقييي‬
‫لأّ‬
‫وأغلقت الكثير من الصوامع في أسبانيا والبرتغال وألمانيييا‪ ،‬إ ّ‬
‫ل إلى جانب تشكيلت الكنيسة‪ ،‬وقد أخذ المتصييوفة المسييلمون كييثيرًا ميين شييعائر الرهبييان‬
‫فاع ً‬
‫المسيحيين وجعلوها شاخصًا على مسلكهم‪ ،‬منها الخانقاه والخلوي والزي المخصوص ومنهييج‬
‫الحياة وأساليب السلوك‪.‬‬
‫* * *‬
‫نقاط القّوة والضعف في المدرسة المسيحية‪:‬‬
‫كما سبق في دراسة وتحليل نقاط القّوة والضعف في المدارس اليونانية والبوذية من انتخاب‬
‫المطالب في إطارها النفسييي وأنميياط السييتجابة لمتطّلبييات النسييان فييي محتييواه الييداخلي لكي ّ‬
‫ل‬
‫ل علييم‪ ،‬لييذا ل نجييد‬
‫لخرى للمختصييين فييي كي ّ‬
‫مدرسة من المدارس تاركين المجالت الفلسفية ا ُ‬
‫ضرورة للورود في مداخلت كلمية وعقائدية وتاريخية مع المدرسة المسيحية‪ ،‬فهييي خارجيية‬
‫عن مدار هذه الدراسة‪.‬‬
‫أّما ما يتصل بالنسان ودوافعه وأهدافه والخطوط العريضة الييتي رسييمتها المسيييحية لحييياة‬
‫أفضل للنسان في هذه الدنيا تخلو من التعقيدات النفسية وترضييي البعيياد المتشييعبة والفطرييية‬
‫ن المسيييحية قييد‬
‫في ذات النسان كالبعد الجسدي والعقلييي والنفسييي والغيييبي‪ ،‬فيمكيين القييول بييأ ّ‬
‫قطعت أشواطًا كبيرة في مسار النسان التكاملي‪ ،‬وحّققت قفييزات واسييعة فييي عملييية النهييوض‬

‫لطر الفلسفية الجاّفة للمذاهب اليونانية‪ ،‬والممارسييات الرضييية الفاقييدة‬
‫بالنسانية وإنقاذها من ا ُ‬
‫للروح للديانة اليهودية والبوذية‪ ،‬فقد نفخت في النسان روحًا جديدة تتدّفق فيها الحييياة والعشييق‬
‫ب والنسجام‪ ،‬وفتحت له آفاق الحييياة المعنوييية الواسييعة ميين خلل تأصيييلها للبعييد‬
‫وحرارة الح ّ‬
‫الغيبي فيه‪ ،‬وتعميق أواصر العلقة بينه وبين خالقه‪ ،‬ويمكن إجمال نقاط القّوة في هذه المدرسة‬
‫بما يلي‪:‬‬
‫أّول‪ :‬يقف على رأس قائمة نقاط القّوة في هذه المدرسة هو اهتمامها بالجانب العبادي‬
‫وتقوييية إرتبيياط النسييان برّبييه وإرضيياء هييذا الييدافع الفطييري الهييام فيييه‪ ،‬فكمييا هييو معلييوم أ ّ‬
‫ن‬
‫المسيحّية جاءت في وقت كييان النيياس فييي أشيّد الحاجيية إلييى عقيييدة تعّمييق فيهييم الرتبيياط مييع‬
‫ن اليهودييية قييد احتكرهييا بنييو إسييرائيل‪،‬‬
‫السماء‪ ،‬وتحيييي فيهييم عنصيير النتميياء إلييى المبييدأ‪ ،‬ل ّ‬
‫لخرى نظييرة متعالييية‬
‫وجعلوها تراثًا قوميًا وحكرًا على أجيالهم‪ ،‬فكانوا ينظرون إلى الشعوب ا ُ‬
‫ل أن أوصييى أتبيياعه‬
‫على أساس أّنهم شعب ال المختار‪ ،‬فما كان من المسيح )عليييه السييلم( إ ّ‬
‫بالنتشار في أقطار المعمورة‪ ،‬والدعوة إلى الدين الجديد هناك بعييد أن يئس ميين كسيير أطييواق‬
‫النانية عن قلوب اليهود الفريسيين‪.‬‬
‫التعليمات اليونانية من جهتها لم تكن تطفييي عطييش النتميياء إلييى الخييالق وترضييي غريييزة‬
‫العبادة والتقديس للخالق المطلق‪ ،‬لّنها أساسًا لم تكن دين يًا سييماويًا‪ ،‬ولييم ييّدع أحييد ميين فلسييفة‬
‫اليونان وحكمائهم أّنييه مبعييوث ميين قبييل الي تعييالى لهداييية البشييرية وربطهييا بالسييماء‪ ،‬فكييانت‬
‫تعليماتهم الخلقية والعقائدية مجّرد قوانين عقلية وقواعد في السير والسلوك تفتقد إلييى الييروح‬
‫والعاطفيية‪ ،‬ولييذا وجييدت المسيييحية فييي الغييرب اليونيياني والروميياني أرض يًا خصييبة للمتييداد‬
‫والنتشار لوجود هذه الثغرة الروحية في تلك الصقاع‪ ،‬فكييان تلحييم الفكيير اليونيياني والعشييق‬
‫المسيحي سببًا ليجاد حضارة بشرية فاعلة على أرض الواقع‪.‬‬
‫ن النسان تربطه روابط وعلئق‬
‫ثانيًا‪ :‬من الناحية النفسية أيضًا وفي البعد النساني‪ ،‬نجد أ ّ‬
‫لطر القومية والعرقية‪ ،‬فيحس بفطرته أّنه مثلهم‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن‬
‫إنسانية مع بقّية أبناء جنسه تتعالى على ا ُ‬
‫خالقه وخالقهم واحد‪ ،‬ومصيرهم مشترك‪ ،‬وأنماط رغباتهم ومشاعرهم متماثليية‪ ،‬ول معنييى لن‬
‫يختص الخالق جل وعل بشييعب دون آخيير كمييا تييراه اليهودييية‪ ،‬ولييذا تمّكيين رجييال المسيييحية‬
‫الوائل من كسيير طييوق النتمييا الييديني ليسييتّنى لكافيية أفييراد البشيير الرتييواء ميين هييذا المنبييع‬
‫لولى لعمر هذا الدين السماوي وبواسييطة مبّلغييين‬
‫الفياض‪ ،‬وبدأت عملية التبشير منذ السنوات ا ُ‬
‫قد مل ال تعالى قلوبهم باليمان بالمبييدأ والعشييق للبشييرية‪ ،‬فكييانوا ل يعرفييون للتعييب والعنيياء‬
‫معنى في هذا السبيل‪ ،‬ويستلّذون باللم والعييذاب ويصييبرون علييى السييجن والصييلب ميين أجييل‬
‫العقيدة وإنقاذ البشرية‪.‬‬

‫ى واستجابة في قلوب‬
‫ثالثًا‪ :‬التعليمات المسيحية المتعّلقة بالنجاة والعشق وجدت لها صد ً‬
‫س بوجييدانه بالحاجيية لتلفييي هييذا‬
‫ل إنسان يشعر بالتقصير والثييم أمييام خييالقه‪ ،‬ويح ي ّ‬
‫الناس‪ ،‬فك ّ‬
‫التقصير‪ ،‬وبعبارة ُاخرى‪ :‬إّنه يشعر في قرارة نفسه بالحاجة إلى النتماء والعشق لمن وهب له‬
‫الحياة‪ ،‬ولكن شعوره بالنقص والثم‪ ،‬وإحساسه بالحقارة يمنعانه ميين التق يّدم خطييوة إلييى المييام‬
‫ل‪ ،‬ولذا كانت أكثر الشعوب تتخذ لها أصنامًا تضفي عليهييا هاليية‬
‫وإيجاد الرتباط بالمبدأ عّزوج ّ‬
‫ميين التقييديس وتفضييي إليهييا بمكنونييات الضييمير وتمييارس مقابلهييا ألييوان العبييادة والخشييوع‬
‫والخضوع إرضاءً لهذا الحاجة الفطرية‪ ،‬ومع ظهور تعاليم المسيح)عليه السييلم( انفتييح البيياب‬
‫ل بعد أن لمسوا منه العشق والرحمة لهم بييأن أرسييل إليهييم‬
‫أمام الناس للّتصال بالخالق عّزوج ّ‬
‫إبنه ي حسب تعاليم المسيحية ي لنقاذهم وإرشادهم إلى الطريق إليه‪ ،‬وكان أسرع الناس استجابة‬
‫ُأولئك العصاة المذنبين الذين أوصدت اليهودية عليهم أبواب السماء‪ ،‬وفتحها لهم المسيح )عليييه‬
‫ب الي لهييم‪،‬‬
‫السلم( بقّوته الملكوتية وأحيى فيهم المل برحمة ال تعييالى‪ ،‬بعييد أن أخييبرهم بحي ّ‬
‫ب وعباده‪،‬‬
‫وأّنه مرسل من قبله لنقاذهم وإعادة العلقات المقطوعة بين الخالق ومخلوقاته والر ّ‬
‫فالعشق أظهر الصفات اللهية في الديانة المسيحية بعد أن كان ال تعالى يوصييف لييدى اليهييود‬
‫وفلسفة اليونان بالعلم والقدرة والحياة وغيرها لظروفها القاسية وأوضاعها البائسة من صييفات‬
‫الكمال سوى العشق والمحّبيية والرحميية الييتي كييانت البشييرية متعطشيية إليهييا لظروفهييا القاسييية‬
‫وأوضاعها البائسة‪.‬‬
‫ومن العشق ل يتفّرع العشق للناس‪ ،‬وقد ذهبت المسيحية ي كما تقّدم ي في ذلك حّد الفييراط‪،‬‬
‫ب الجار يمّثييل أقصييى مرحليية تكاملييية فييي النسييان‪ ،‬ولكيين المسيييح‬
‫ففي الدين اليهودي كان ح ّ‬
‫)عليه السلم( كان يقول‪ :‬لقد سمعتم ما قد قيل لكم أّنه أحّبوا جيرانكم‪ ،‬وأنا أقول لكم أّنه أحّبوا‬
‫ن‪ ،‬ولكيين أنييا أقييول‬
‫ن بالس ّ‬
‫ن العين بالعين والس ّ‬
‫أعداءكم ‪ ...‬وقد قيل لكم ي في الدين اليهودي ي إ ّ‬
‫لكم اّنه من ضربك على خّدك اليمن فأدر له اليسر ‪...‬‬
‫ن البشرية في تلك‬
‫رابعًا‪ :‬لم تقتصر قّوة هذه المدرسة على البعاد النفسية المذكورة‪ ،‬بل أ ّ‬
‫العصور الغارقة في غسق الظلمات وجدت في هذا الدين إرضاء لحاجات روحية ُاخرى‪ ،‬فميين‬
‫امتيازات هذه المدرسة أّنها قرنت المسائل الروحية بالمسييائل الجتماعييية فييي سييبيكة متجانسيية‬
‫ل إنسان يمّر بمراحل عصيبة وأزمييات شييديدة فييي الحييياة توصييد أمييامه‬
‫ومنظومة متناسقة‪ ،‬فك ّ‬
‫خيار التفكير الواعي‪ ،‬وتكّرس فيه حالة التبّرم والقهر‪ ،‬وخاصة إذا كييانت الظييروف الضيياغطة‬
‫من إفرازات الحكومات الجائرة‪ ،‬حيييث تحيييي فييي الفييرد عناصيير الشيير‪ ،‬وتميييت فييي وجييدانه‬
‫ومضات الخير‪ ،‬فكييانت الديانيية المسيييحية اسييتجابة لحاجيية النسييان فييي معييترك الصييراع مييع‬
‫المتغيرات النفسية وغياب العدالة عن الساحة الجتماعية‪ ،‬فشعر معهييا الفييرد بطمأنينيية مريحيية‬

‫يقابل بها تلك الشدائد والزمات من الفقر والمرض والسجن والتبعيض وألوان الحرمان النفسي‬
‫والجتماعي‪ ،‬فكانت هذه العقيدة بمثابة البلسم لجراحات الشييعوب‪ ،‬وأداة تفريييغ لشييحنات الش يّر‬
‫والحقد المتراكمة على القلوب‪ ،‬ووسيلة تطهير للنفوس البائسة والمتلوثيية بييأدران الثييم وحجييب‬
‫الجهل‪ ،‬بل كان المسيحي يجد في هذه العقيدة عوضًا عّما فاته من زخارف الحييياة وق يّوة تعينييه‬
‫على تحّمل النكبات حيث تخلق له فضيياًء قييادرًا علييى تفعيييل حييياته السيياكنة‪ ،‬وتسييخين روحييه‬
‫لخرى‪.‬‬
‫الباردة بالعواطف الجياشة والعشق للكمال والرغبة في الحياة ا ُ‬
‫هذا‪ ،‬وهناك إيجابيات ُاخرى في الديانة المسيحية أّدت إلى إنتشارها في أوساط مختلفيية ميين‬
‫العالم‪ ،‬وخاصة في عصرها الّول وإلى القرن الثامن الميلدي‪ ،‬وهو بداية العصييور المظلميية‪،‬‬
‫لّنه بعد هذا التأريخ لم تعتمد المسيحية في انتشارها وفي بقائها على نقاط القّوة فيها‪ ،‬بييل علييى‬
‫قدرة الكنيسة المادييية ومحيياكم التفييتيش والحييروب الصييليبية‪ ،‬وبعييد انتهيياء العصييور الوسييطى‬
‫لفول والتقهقيير ل س يّيما بعييد‬
‫وبدايات عصر النهضة »الرنسانس« بدأ نجم الديانة المسيحية بييا ُ‬
‫قيييام الثييورة الفرنسييية واسييتيلء الحكومييات الوطنييية فييي البلييدان الوربييية وظهييور الفلسييفات‬
‫اللحادية‪ ،‬والفكار المادية وإنشقاق الكنيسة على نفسها‪.‬‬
‫ولكن سرعان ما التفتت الحكومات الغربية إلى فائدة الدين المسيحي فييي خييارج البلد وفييي‬
‫المستعمرات التي تسيطر عليها‪ ،‬أو التي تريد إخضاعها‪ ،‬وبدأ التحالف بين الكنيسة والدولة من‬
‫جديد‪ ،‬ولكن ل في داخل أروبا‪ ،‬بل خارجها‪ ،‬وعلى الخصوص في بلدان افريقيا والهند وبعض‬
‫الدول السلمية المهمة مثل تركيا ومصر والجزائر واندنوسيا و‪..‬‬
‫وفي هذه الفترة ل يمكن إعتبار انتشار المسيحية في هذه البلدان لنقاط القّوة فيها‪ ،‬بل لتفييّوق‬
‫الغرب المادي والعسكري وسياسته الماكرة في الدول المستعمرة والمكانيات التبليغية الضخمة‬
‫للعلم الغربي مّما حدى بالشعوب المغلوبة والمقهورة أن تستبدل تراثهييا الحضيياري الصيييل‬
‫ن الستعمار الغربي هو الذي عمل وما زال يعمل على تزريق‬
‫بالثقافة الغربية المنتصرة‪ ،‬أي أ ّ‬
‫الثقافة المسيحية في الشعوب المغلوبة لتشّكل ضمانة مطمئنة لبقاء هذه الدول في إطييار التبعييية‬
‫للغرب‪.‬‬
‫جل علييى هييذه المدرسيية فأهّمهييا هييو‪ :‬عييدم‬
‫أّما نقاط الضعف‪ ،‬والملحظات السلبية التي تسي ّ‬
‫ل متطّلبات النفس النسانية في الواقع المعاصر‪ ،‬وأكبر دليل على ذلييك‬
‫استجابة هذه المدرسة لك ّ‬
‫هو انسحابها العملي من الواقع الجتماعي للبلييدان الغربييية الييتي كييانت سييابقًا مهييد المسيييحية‪،‬‬
‫وإخلئهييا السيياحة للمييدارس النفسييية الحديثيية‪ ،‬ولييول حاجيية الحكومييات السييتعمارية للفكييار‬
‫المسيحية في عملية تدجين الشعوب النامية والغزو الثقافي لهييا; لمييا بقييي ميين المسيييحية سييوى‬
‫خلفيات موروثة وطقوس شكلية‪.‬‬

‫ن النسييان‬
‫والعمدة في اغتراب المسيحية عن المشاركة الجتماعية والتربوييية الفعاليية هييو أ ّ‬
‫مخلوق ذو أبعاد مختلفة ومتنوعة‪ ،‬والمسيحية عاجزة عن الستجابة لمتطّلبات الحياة المتج يّددة‪،‬‬
‫وليس بإمكانها مواكبة المتغيرات الجتماعييية والنفسييية علييى أرض الواقييع‪ ،‬فمييا هييي تعليمييات‬
‫المسيحية بالنسبة للعلقات العائلية؟ وما هي الرؤى والمعييايير التربوييية فيهييا؟ ومييا هييو النظييام‬
‫الحقوقي لهذه المدرسة لتنظيم حياة النسان؟ والهم من ذلك ما هي ُاطروحة هذه المدرسة فييي‬
‫نظام الحكم القائم أو الذي تريد إقامته مع إرتباط هيكلية النظييام الحيياكم وإشييكالية التفاعييل معييه‬
‫بالصياغة النفسية للفراد؟ نحن ل نجييد موروثيًا فكرييًا ل فييي الناجيييل ول فييي حييياة المسيييح‬
‫)عليه السلم(عن كيفية الحكومة والخلق السياسية‪ ،‬ولذا عاش الغرب عصوره المظلمة في‬
‫عصر حكومة الكنيسة‪.‬‬
‫ن من الفضل للييدين أن يهتييم بتوثيييق الرابطيية بييين العبييد ورّبييه‪ ،‬ويييترك الحييياة‬
‫قد يقال‪ :‬إ ّ‬
‫الدنيوية وكيفية إدارتها وتقنين النظييام الحقييوقي للنيياس والحكومييات‪ ،‬ولييذا نلحييظ التقيّدم الييذي‬
‫أحرزه الغرب المادي بعد أن اختزل الدين في الكنيسة‪ ،‬فهذه النكتة المذكورة تعتبر عنصر قّوة‬
‫في هذا الدين ل نقطة ضعف‪.‬‬
‫ن أهّم المهام التي يضطلع بها الدين هو توثيق عرى الرتباط الروحي مع‬
‫فنقول‪ :‬صحيح‪ ،‬أ ّ‬
‫ن النسان كوحدة متكاملة ومنظوميية متجانسيية ميين‬
‫لأّ‬
‫السماء‪ ،‬وتوشيج العلقة مع ال تعالى‪ ،‬إ ّ‬
‫الدوافع والغايات والحاجات تييؤثر بعضييها علييى البعييض الخيير لب يّد لييه ميين منظوميية فكرييية‬
‫متجانسة أيضًا بإمكانها استيعاب الحداث والمتغيرات في مفاصل الحياة الجتماعية‪ ،‬ولو سّلمنا‬
‫ن الناس سيييجدون أنفسييهم مضييطرين‬
‫ن مهمة الدين تنحصر في البعد الروحي في النسان‪ ،‬فا ّ‬
‫أّ‬
‫إلى التوجه للمدارس اللحادية والثقافات الرضية في عملييية بنيياء المحتييوى النفسييي للنسييان‪،‬‬
‫ن المسيحية عاجزة فع ً‬
‫ل‬
‫وهو ما حصل في الحضارة المادية الغربية‪ ،‬والنتيجة هي ما قلنا من أ ّ‬
‫عن تلبية مطاليب النسان النفسية‪.‬‬
‫وعلى أي حال‪ ،‬تارًة تكون النحرافات النفسية والزمييات الروحييية الييتي يواجههييا النسييان‬
‫ناشئة من عدم التزامه بالتعاليم الدينية‪ ،‬كما هييو الحييال فييي الوضييع المييترّدي للمسييلمين بشييكل‬
‫ح التعبير ي من الدين نفسه وأّنه لم يأت بتعاليم وُاطر‬
‫عام‪ ،‬وتارًة ُاخرى يكون التقصير ي إن ص ّ‬
‫فكرية وثقافية لستيعاب المساحات الواسعة من حياة النسان وتغطية حاجات الفرد والمجتمييع‪،‬‬
‫وهكذا حال المسيحية المعاصرة‪.‬‬
‫ن هذا الدين جاء لفترة محدودة زمنيًا‪ ،‬ولم يفرض لنفسييه الييدوام‬
‫والسبب في ذلك يعود إلى أ ّ‬
‫والستمرار إلى البد‪ ،‬ولذا كانت تعاليمه مفيدة لفترة زمنية محّددة‪ ،‬وبعدها يفسح المجييال لييدين‬
‫ن مملكيييتي‬
‫ل لمتطلبات النسان‪ ،‬ولذلك صّرح عيسى )عليه السلم( »إ ّ‬
‫آخر أكثر تطورًا وشمو ً‬

‫ن ذلييك‬
‫في السماء« ول داعي لستنكار صدور هذا الكلم من عيسييى )عليييه السييلم( كمييا ظ ي ّ‬
‫بعض المفّكرين السلميين‪ ،‬ونسييبه إلييى الوضييع والتحريييف الييذي طييرأ علييى المسيييحية‪ ،‬ل ّ‬
‫ن‬
‫لطر المادييية الض يّيقة‬
‫الخطاب المسيحي كان مقتصرًا من أّول المر على إخراج البشرية من ا ُ‬
‫وإنقاذهم من قيود النانية المقيتة وكسر الطوق الذي فرضه أحبييار اليهييود علييى الييدين ليشييمل‬
‫ل ي ي فيياّنه يكييون قييد‬
‫البشرية كافة‪ ،‬فإذا نجح عيسى )عليه السلم( في هذا السبيل ي وقد نجح فع ً‬
‫مّهييد الرضييية المناسييبة للييدين الجديييد الييذي يأخييذ علييى عيياتقه تييوجيه النسييان فييي المراحييل‬
‫حة مقولة عيسى‬
‫المتطورة من حياته الجتماعية والسياسية‪ ،‬ولذا ل داعي للتشكيك أيضًا في ص ّ‬
‫)عليه السلم(‪» :‬اعط ما ل ل‪ ،‬وما لقيصر لقيصر« لنفس السبب‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬الفقر العبادي وضحالة آليات الربط بين النسان ورّبه‪ ،‬بالمستوى المطلوب‪،‬‬
‫فنلحظ قّلة العبادات في هذه الديانة إلى حّد كبير‪ ،‬فمسألة الخالق وإشكالية العلقيية معييه كييانت‬
‫ول زالت من أهّم المسائل التي تشغل بال النسان‪ ،‬وتتفّرع على ذلك مسألة الحسيياس بالييذنب‬
‫والتقصير التي يوردها علماء النفييس دائم يًا كحقيقيية مييؤثرة علييى الواقييع النفسييي للفييرد‪ ،‬وهييذه‬
‫ل من ُاصول المسيحية‪ ،‬فهل يكفي العتراف بالييذنب لتوطيييد العلقيية‬
‫المسألة بنفسها تشّكل أص ً‬
‫مع ال تعالى؟‬
‫لولى ويستوجب العفو والمغفرة‪ ،‬ولكن النسييان بحاجيية‬
‫العتراف والندم قد يكون الخطوة ا ُ‬
‫إلى أكثر من ذلك لتقوية إيمانه وتكريس علقته مع ال تعييالى وتأصيييل النزعيية العبادييية حّتييى‬
‫تكون رادعًا له عن التراجع إلى الرذيلة‪ ،‬فما هي ُاطروحة المسيحية لتقوييية اليمييان فييي نفييس‬
‫النسان؟‬
‫ما ذكر ميين العبييادات المسيييحية‪ ،‬إّمييا أّنهييا م يّرة واحييدة فييي العميير كالتعميييد والتييدهين‪ ،‬أو‬
‫أسبوعية كما فييي مراسييم الكنيسيية أّيييام الحييد )العشيياء الرّبيياني(‪ ،‬أّمييا التوبيية فل تش يّكل عم ً‬
‫ل‬
‫عباديًا‪ ،‬أي ليست لها جنبة فاعلية في وعي الفرد‪ ،‬بل هييي تييرك الييذنب‪ ،‬أّمييا العييتراف الييذي‬
‫يشترط فيه أن يكون في الكنيسة وأمييام القسيييس‪ ،‬فييأكثر النيياس يتحّرجييون ميين كشييف عيييوبهم‬
‫وذنوبهم إلى مخلوق مثلهم‪ ،‬وخاصة مع زوال هالة القدسية عن رجال الكنيسيية بسييبب أعمييالهم‬
‫ب في مسألة تقوية الرابطة مع الخالق‪ ،‬بل مع الكنيسة‪.‬‬
‫ن هذا العتراف ل يص ّ‬
‫السلبية‪ ،‬ثّم أ ّ‬
‫ل ذنييوبه ومخالفيياته وخلجييات قلبييه ورغبيياته‬
‫وحّتى لو اعترف المذنب‪ ،‬فهييو ل يعييترف بك ي ّ‬
‫الدنيئة وميوله الشريرة‪ ،‬فتبقى أكثر الييذنوب‪ ،‬أو دواعييي الثييم تفعييل فعلهييا‪ ،‬ول يشييملها العفييو‬
‫اللهي‪ ،‬لّنه لم يعترف بها أمام القس فتزداد وتتراكم على قلبه‪.‬‬
‫ق‪ ،‬وهييي إذا كييان ال ي تعييالى عالم يًا بييذنوب‬
‫وهنا نواجه مشكلة فلسفية‪ ،‬أو كلمية بتعبير أد ّ‬
‫عباده وقادرًا على الغفرتة‪ ،‬وهو الذي دعا النيياس إليييه ليغفيير لهييم ويرحمهييم‪ ،‬فلميياذا لبيّد ميين‬

‫جه إلييى الكنيسيية وكشييف السييرار عنييد رجييل الييدين كشييرط للمغفييرة؟ أل يكفييي الرتبيياط‬
‫التو ّ‬
‫المباشر بين العبد ورّبه‪ ،‬وهو الذي ل تخفييى عليييه خافييية فييي الرض ول فييي السييماء‪ ،‬وهييو‬
‫معكم أينما كنتم؟‬
‫أّما مراسم العشاء الرّباني التي تعتبر من أهم العبادات في الديانيية المسيييحية‪ ،‬فالشييكال فييي‬
‫ن الخبز هو لحم المسيييح )عليييه السييلم( والخميير دمييه؟ وهييل أ ّ‬
‫ن‬
‫معناه ومحتواه‪ ،‬فماذا يعني أ ّ‬
‫النسان إذا أكل من هذا الخبز وشرب من ذلك الخمر يصبح بدنه بييدن المسيييح)عليييه السييلم(‬
‫كما في العتقاد السائد لديهم؟‬
‫جع على شرب الخمر الذي حّرمتييه جميييع الشييرايع‬
‫ن المسيح )عليه السلم( يش ّ‬
‫وهل يعقل أ ّ‬
‫السماوية‪ ،‬وأيقنت بضرره الفادح جميع الشرايع الرضية‪ ،‬وتسالمت على قبحه العقول البشرية‬
‫من الطباء وعلماء النفس والجتماع؟‬
‫وهكذا الكلم في الخبز المقّدس‪ ،‬فهل يعقل أن يكون الخبز هو لحم المسيح )عليييه السييلم(؟‬
‫ل واحييد منهييم قطعيية‬
‫ن القساوسة يوصون المشتركين في هذه المراسم بعد أن يعطييوا ك ي ّ‬
‫حتى أ ّ‬
‫ل يتييأّلم المسيييح )عليييه السييلم(بييل‬
‫صغيرة من هذا الخبز ليأكلها بشرط أن ل يلوكها بأسنانه لئ ّ‬
‫يبتلعها بدون مضغ‪ ،‬فكيف لم يتأّلم عندما يقطعون الخييبز إلييى قطييع صييغيرة‪ ،‬ثيّم تجييري عليييه‬
‫عملية الهضم في المعدة؟‬
‫هذا بالنسبة إلى العبادات التي تشمل جميع المسيحيين‪ ،‬واّتضح أّنها ل تكاد تستوعب مساحة‬
‫صغيرة صغيرًا من حاجة النسان إلى الّتصال بخالقه وعبادته ‪..‬‬
‫ل وشييرعًا‪،‬‬
‫أّما بالنسبة إلى الطائفة المختصة بالعبادة وهم الرهبان فهو سييلوك مرفييوض عق ً‬
‫وهو يمّثل جانب الفراط والمأخوذ من الرواقيين اليونانيين ومن بعض المييذاهب الهندييية حيييث‬
‫ظهرت الرهبانية بعد عّدة قرون من نشوء المسيحية كما مّر‪ ،‬فل يوجد لها مييدرك فييي الكتيياب‬
‫المقّدس‪ ،‬والقرآن الكريم يذكر هذا المعنى‪:‬‬
‫حــ ّ‬
‫ق‬
‫عْوهــا َ‬
‫ن الــ َفمــا َر َ‬
‫ضــوا ِ‬
‫عَليهــم إّل إْبِتغــاَء ِر ْ‬
‫عوها مــا َكَتبناهــا َ‬
‫)َوَرْهبانّيــة ابتــَد ُ‬
‫ِرعاَيِتها ‪.(39)(..‬‬
‫فالمسيح )عليه السييلم( نييادى بالزهييد والعييراض عيين الييدنيا المذموميية ولكيين ليييس بهييذه‬
‫الصورة ‪..‬‬
‫ن أهمية القدوة والنموذج في التربية والتكامل النفسي ل يكاد يخفى على أحد‬
‫ومنها‪ :‬إ ّ‬
‫ولذلك نجد جميع المذاهب والديان التي لها رصيد إجتماعي ل تخلو ميين القييدوة للنيياس‪ ،‬وهييو‬
‫‪ ()39‬سورة الحديد‪ :‬الية ‪.27‬‬

‫ل مذهب تربوي بحاجة إلى إنسان يسير أمام الناس ويطّبييق‬
‫النبي أو المؤسس لهذا المذهب‪ ،‬وك ّ‬
‫تعاليم هذا الدين أو المذهب على نفسه حّتى يراه الناس ويتعّلموا منه ‪..‬‬
‫وأحد أسباب عدم نجاح المدرسة الحديثة الغربية في تربية النسييان تربييية سييليمة هييي عييدم‬
‫وجود النموذج والنسان الكامل الذي يقبله جميع الناس من مسيرته وطريقتييه فييي الحييياة‪ ،‬كمييا‬
‫سوف نرى ‪..‬‬
‫والشكال الذي يعاني منه المسيييحيون يي ميين حيييث ل يشييعرون ي ي هييو عييدم وجييود القييدوة‬
‫الصالحة الييتي تطّبييق مفيياهيم هييذا الييدين ولييذلك نجييد آثييار هييذا المعنييى واضييحًا علييى سييلوك‬
‫المسيحيين في عدم التزامهم الديني‪ ،‬والنحطاط الخلقي الذي يشييهده العييالم الغربييي ومييا فعلييوه‬
‫مييع المسييلمين فييي الحييروب الصييليبية وحييرب النييدلس ومييا يفعلييونه لح يّد الن مييع الشييعوب‬
‫المستضعفة دليل على عدم التزامهم الديني الذي أحد أسبابه عدم وجود القدوة الحسنة ‪..‬‬
‫المسيح )عليه السلم( ل يمكن أن يكون قدوة للناس في صبره وزهده‪ ،‬لنه ابن اليي تعييالى‬
‫أو هو ال كما هو المفروض‪ ،‬فكيف يكون قدوة لنا في زهده وعدم زواجه؟!‪ ..‬ولعّلييه لييم تكيين‬
‫فيه غريزة جنسية أو على القل لديه قيّوة خارقيية إلهييية تمنعييه عيين إرتكيياب الييذنوب ل توجييد‬
‫ل علييى أ ّ‬
‫ن‬
‫مثيلها لييدى النسييان الطييبيعي‪ ،‬فل يكييون إمتنيياعه عيين الييذنب وزهييده وصييبره دلي ً‬
‫النسان الطبيعي يمكنه ذلك ‪..‬‬
‫ل نبي يبعث إلى قييومه‬
‫ونفهم من ذلك لماذا أصّر النبياء )عليهم السلم( على أّنهم بشر‪ ،‬فك ّ‬
‫يقول لهم‪:‬‬
‫)إن نحن إّل بشر مثلكم()‪.(40‬‬
‫وندرك أيضًا سبب إصرار ال تعالى على إرسال الرسل والنبياء من البشر ل من الملئكة‬
‫ول من جنس آخر‪:‬‬
‫ل وللبسنا عليهم ما يلبسون ‪.(41)(..‬‬
‫)ولو جعلناه ملكًا لجعلناه لبعثناه رج ً‬
‫والشيء الخر في عدم كون المسيح )عليه السلم( قييدوة للنيياس هييو قصيير الفييترة الزمنييية‬
‫ن مّدة نبّوته )عليه السييلم(‬
‫لنبّوته‪ ،‬فثلثة من الناجيل الربع‪ ،‬وهي لوقا ومرقس ومتى تذكر أ ّ‬
‫سنة واحدة‪ ،‬وانجيل يوحنييا جعلهييا ثلث سيينوات‪ ،‬وبعييد ذلييك قتييل كمييا ييّدعون فييي سيينة ‪33‬‬
‫ميلدي على أكثر التقادير‪ ،‬وكان قد بعث وله ‪30‬سنة من العمر‪ ،‬أي في سيينة ‪30‬للميلد ولييم‬
‫يستطع في هذه الفترة القصيرة أن يعمل شيئًا سييوى تبليييغ الرسييالة‪ ،‬ولييو بقييي أكييثر ميين ذلييك‬

‫‪ ()40‬سورة ابراهيم‪ :‬الية ‪.11‬‬
‫‪ ()41‬سورة النعام‪ :‬الية ‪.9‬‬

‫لمكن أن يتزّوج أو يشكل دولة‪ ،‬كما صنع ذلك موسى )عليه السلم( والنبي محّمد )صلى ال ي‬
‫عليييه وآلييه وسييلم( ولمكيين أن يسييتفيد النيياس ميين سييلوكه الجتميياعي والسياسييي والعسييكري‬
‫أكثر ‪...‬‬
‫الشخاص المهّمون والذين لهييم الييدور المهييم فييي الديانيية المسيييحية ثلثيية‪ ،‬وهييم‪ :‬مريييم ُاّم‬
‫المسيح‪ ،‬وبطرس‪ ،‬وبولس الّلذان نشرا الدين المسيحي في أروبا ‪ ..‬فهييل يمكيين لهييؤلء الثلثيية‬
‫أن يكونوا قدوة للناس؟‪..‬‬
‫أّما مريم )عليها السلم( فكانت قبل ولدة المسيح متعّبدة ولييم تييتزّوج طيليية حياتهييا بييالرغم‬
‫من وجود خطيبها يوسف النجار )كما يّدعي المسيحيون( إلى جانبها وبقيت عذراء‪ ،‬فهل يمكن‬
‫ن النساء جميعًا صييرن مثييل مريييم )عليهييا السييلم(‪ ،‬كمييا‬
‫أن تكون قدوة للنساء؟! فلو فرضنا أ ّ‬
‫تشجع الكنيسة على ذلك‪ ،‬فماذا سيكون مصير البشرية؟!‪..‬‬
‫ن التاريخ لم يذكر شيئًا عنها ول عن المسيح )عليه السلم( طيلة الثلثين سييينة‬
‫إضافًة إلى ا ّ‬
‫قبل بعثة السيد المسيح )عليه السلم(‪ ،‬وأّما بعد البعثة فالناجيل وكتب التاريخ المسيحي تص ّ‬
‫ب‬
‫الهتمام على المسيح نفسه‪ ،‬وقّلما تتطّرق إلى ذكر مريم )عليها السلم( ‪..‬‬
‫وأّما بطرس فأحد الحواريين المعروفين‪ ،‬وله رسالتان فييي كتيياب العهييد الجديييد الييذي يضيّم‬
‫‪ 27‬رسالة منها الناجيل الربعة وأعمال الرسل‪ ،‬وتسّمى جميعًا بالعهد الجديد‪ ،‬وكتاب اليهود‬
‫)التوراة( يسّمى بالعهد القديم‪ ،‬وهذان الكتابان القديم والجديد يشّكلن الكتاب المقّدس عند‬
‫المسيحيين‪.‬‬
‫ويحتمل قويًا أن يكون مرقس قد استفاد من بطرس في كتابة انجيله‪ ،‬ومتى ولوقا استندا فييي‬
‫كتابة إنجيلهما إلى انجيل مرقس‪ ،‬ومن هنا تظهر أهمية بطرس أكثر‪.‬‬
‫هذا الشخص أّول ما تقرأ عنه في إنجيييل مييتى البيياب ‪ » :16‬عندما تّنبأ المسيح لتلمذته‬
‫وأخبرهم بقتله منعه بطرس من الستمرار في الحديث وقال له‪ :‬حاشا لك أّيها الله من المحال‬
‫أن يحدث لك ذلك ‪ ...‬ولكن المسيح )عليه السلم( قال لبطرس‪ :‬ابتعد عّني أّيها الشيطان فييأنت‬
‫لمور النسانية«‪.‬‬
‫لمور اللهية بل با ُ‬
‫تسّبب في إنحرافي; لّنك ل تفّكر با ُ‬
‫ح مع هذا أن يكون مصدرًا لخذ تعليمات وأخبار النجيل؟‪..‬‬
‫فهل يص ّ‬
‫ترك المسيح )عليه السلم( لوحده وعصيان أمره‪:‬‬
‫في الليلة المحزنة والتي فيها تّم تسليم عيسييى )عليييه السييلم( لعييدائه كييان المسيييح )عليييه‬
‫السلم(حزينًا جّدا وقال لتلمذته وكان منهم بطرس ومتى ويوحنا ويهودا وآخرين ‪..‬‬

‫»ل تناموا وابقوا معي‪ ،‬ولكّنهم تركوه وناموا‪ ،‬وعندما رأى عيسى منهم ذلك لمهم وقال‬
‫لبطرس‪ :‬ألم تستطيعوا أن تبقوا معي ساعة مستيقظين«)‪.(42‬‬
‫ومّرة ُاخرى يأمرهم المسيح )عليه السلم( بالنتباه معه والييدعاء‪ ،‬ومييع ذلييك عنييدما انتهييى‬
‫من الدعاء رأهم نيامًا ‪..‬‬
‫وعندما دخل عليه اليهود بالسيوف والعصي من قبل رؤسيياء ومشييايخ وكهنيية اليهييود وكييان‬
‫الذي دّلهم على مكانه أحد الحواريين الثني عشر باسم )يهودا( وجاء معهم ووضييع يييده علييى‬
‫عيسى وسحبوه وتفّرق عنه جميع مريديه وهربوا ‪.(43)..‬‬
‫شيير‬
‫وأشّد من هربهييم وتركهييم المسيييح مجييي بطييرس بعييد ذلييك ووقييوفه مييع العييداء‪ ،‬المب ّ‬
‫المسيحي المعروف )ميلر( يقول في كتابه ‪.(44)..‬‬
‫ل بتدفئة يديه‬
‫»كم تأّلم المسيح عندما نظر إلى جموع العداء ورأى بطرس معهم مشغو ً‬
‫إلى جانب النار‪ ،‬كان تأّلمه لمشاهدة هذا السقوط لفضل تلمذته أشّد من جميع ما واجهييه تلييك‬
‫الليلة من الذى والعتداء من جهة أعدائه«‪..‬‬
‫أّما بولس الحواري فغالبًا يعتبر المؤسس الثاني للمسيحية بعد المسيح ) عليه السلم( وهو‬
‫السبب في نشر الدين المسيحي في بلد الييروم‪ ،‬ول تقتصيير أهمييية بييولس علييى هييذا‪ ،‬بييل هييو‬
‫المنظر للعقيدة المسيحية ومبادئها وزرعها في نفوس أتبيياع المسيييح‪ ،‬كمييا يييذكر عنييه المييؤرخ‬
‫المسيحي )جان ناس( في كتابه »التاريخ الجامع للديان«‪ ،‬ويقول‪ :‬إّنه كان من أصييل يهييودي‬
‫ولد في السنة التي توّلد فيها السيد المسيح في مدينة طرطوس‪ ،‬وتعّلم الفلسييفة اليونانييية‪ ،‬ولكّنييه‬
‫كان متعصبًا جّدا لمذهب اليهود‪ ،‬كما هو يتحّدث عن نفسه‪ :‬لقد سييبقت أكييثر ميين هييم فييي مثييل‬
‫سّني إلى اليهودية‪ ،‬وكنت في تقاليد أجدادي متعصبًا جّدا« وأخيرًا نجد ذلك اليهودي المتعصب‬
‫شارك في تعذيب أتباع عيسى بمنتهى القسوة والحقد‪ ،‬وعندما هرب أتباع المسيح من اورشيييليم‬
‫إلى دمشق وأطرافها‪ ،‬طلب بولس من رئيس الكهنة رسالة إلى كنيسة دمشييق اليهودييية للقبييض‬
‫ل كان أو امرأة‪ ،‬ولكّنه كما ورد فييي‬
‫على الهاربين من أتباع المسيح وإعادتهم إلى أورشليم رج ً‬
‫كتاب )أعمال الرسل( أّنه عندما صار قريبًا من دمشق حدثت لييه مكاشييفة مييع نييور نييازل ميين‬
‫السماء فصعق بولس وسقط إلييى الرض بعييد أن سييمع هييذا النييور وهييو المسيييح يييوبخه علييى‬
‫أعماله )أعمال الرسل‪ 22 :‬ي ‪ 2‬ي ‪ (9‬وبقي لمّدة ثلثة أيام أعمى‪ ،‬ثّم طرأ تحّول كبير في‬
‫ن بييولس هييو المؤسييس لمييذهب‬
‫حياته وأصبح من كبار رجال المسيحية‪ ،‬ويضيف جان ناس‪ :‬أ ّ‬
‫‪ ()42‬إنجيل متى الباب ‪ ،26‬البند ‪ 1‬ي ‪.5‬‬
‫‪ ()43‬مضمون الخبر في إنجيل الباب‪ 26‬البند‪ 21‬ي ‪.57‬‬
‫‪ ()44‬تفسير انجيل يوحنا‪.‬‬

‫التثليث وُالوهية المسيح‪ ،‬وكان يقول »عيسى موجود سمائي وله طبيعة وذات إلهية ولكن تنزل‬
‫إلى الرض وقبل الجسم النساني وقد نزل من السماء إلى الرض ثم تن يّزل ميين هييذه الرحليية‬
‫ل هذا التنّزل حّتى يقوم مّرة ُاخييرى إلييى يمييين الب‬
‫أكثرة ورضي بأن يصلب‪ ،‬وسبب قبوله ك ّ‬
‫)ال تعالى( وتكون له القدرة المطلقة على الموت والحياة‪ ،‬ولهذا فهو قائل بأزلية عيسى‬
‫وتنزيهه من عالم الصفات‪ ،‬ومن أعمال بولس إلغاء وجييوب العمييل بأحكييام التييورات والعبيياداة‬
‫الواردة في الدين اليهودي )أعمال الرسل الباب ‪.(5‬‬
‫بهذا الحال كيف يكون بولس نموذجًا للنسان المسيحي‪.‬‬
‫القدوة الحقيقية لجميع الديان والمذاهب هو نبي ذلييك الييدين‪ ،‬والمسيييحيون بجعلهييم المسيييح‬
‫إلهًا‪ ،‬خسروا هذا النموذج للنسان الكامل‪.‬‬
‫ل كان لنا مع هذه المدرسة حديث‬
‫سع في رّد المسيحية مجالت ُاخرى‪ ،‬وإ ّ‬
‫ول يجدر بنا التو ّ‬
‫آخر‪.‬‬
‫* * *‬

‫الفصل الّرابع‬

‫المدرسة الغربية الحديثة‬
‫»مقدمات فلسفية«‬
‫لنهضة علم النفس‬

‫تمهيد‪:‬‬
‫ك أّننييا بحاجيية إلييى التقهقيير إلييى‬
‫إذا أردنا التوغل في الحقل النفسي للمدرسة الغربية‪ ،‬فل ش ّ‬
‫بدايات عهد النهضة‪ ،‬وتفحص آراء الفلسفة الوربيين في مجال النفييس النسييانية ومييا يتصييل‬
‫بها من سلوكيات ورؤى ودوافع متنوعة‪ ،‬حيث كانت هذه الراء لها أثر كبير فييي تزويييد علييم‬
‫النفس الحديث بالمادة الخام بعد توّلده وإنفصاله تمام يًا عيين الفلسييفة فييي نهايييات القييرن التاسييع‬
‫عشر‪.‬‬
‫ن من العجالة أن نختار سنة محّددة لتاريخ نشوء هذا العلم بصياغته الجديدة‪ ،‬وإن‬
‫والحقيقة أ ّ‬
‫أمكن ضبط تاريخ ولدته وإنفصاله عن الفلسفة بإنشاء »فونت« أّول مختبر للدراسات النفسييية‬
‫في ليبزيك عام »‪ «1879‬واستقطابه للمشتاقين والباحثين من مختلف البلدان الغربية‪ ،‬ولكن‬
‫الضرورة تقتضي إلقاء نظره عاجلة على مرحلة ما قبل الولدة حيث كان للفلسفة في بييدايات‬
‫عصر النهضة ُاطروحات ونظريات واسعة النطاق في هذا الميدان غّيرت المنيياخ الفكييري فييي‬
‫تلييك الوسيياط وبعييثرت النظريييات اليونانييية ميين أرسييطية وإفلطونييية الحاكميية فييي العصييور‬
‫الوسطى‪.‬‬
‫وأّول ما يطالعنا في هذا الصدد هو الفيلسوف الفرنسي »ديكارت« ي القرن السابع عشر ي‬
‫ك جميييع‬
‫طم بمعييول الشي ّ‬
‫لولى للفلسفة الحديثة‪ ،‬وح ّ‬
‫ق أّول فيلسوف أشاد اللبنات ا ُ‬
‫الذي يعتبر بح ّ‬
‫الترسبات الفكرية والخلفيات الذهنية السييائدة فييي تلييك العصييار‪ ،‬ثيّم نتع يّرض إلييى إثنييين ميين‬
‫أساطين الفلسفة الغربية في القرن السابع عشر‪ ،‬وهما »اسپبنوزا« الهولندي‪ ،‬و »جوك لييوك«‬
‫النجليزي‪.‬‬
‫ديكارت)‪:(45‬‬
‫يطول بنا المقام مع ديكارت إذا أردنا استيعاب ُاطروحته عن النفس والعقل والجسد وأنميياط‬
‫الفكر البشري فيما يرتبط بعلم النفس‪ ،‬ولكن نقتصر في ذلك على البنى الفكرية التي أقام عليهييا‬
‫فلسفته وتصوراته عن النفس والعالم وما وراء الطبيعة‪ ،‬فكما هو المعييروف عيين ديكييارت فييي‬
‫‪ ()45‬رينيه ديكارت‪ 1596) :‬ي ‪ (1650‬ولد في »لهي« إحدى المدن الفرنسية الصغيرة‪ ،‬واشتغل بالطبّ والحقوق‪،‬‬
‫كثير التجوال في البلدان الوربية وخاصة هلندا والمانيا‪ ،‬اشتهر بكتابه »خطاب فييي المنهييج«‪ ،‬وهييو أّول ميين اعييترض‬
‫سس بدله منطقه الخاص الذي يعتمد علييى العقليييات فقييط‬
‫على المنطق الصوري الرسطي‪ ،‬وأوجد فيه ثغرات فلسفية‪ ،‬وأ ّ‬
‫دون المحسوسات‪.‬‬

‫ك في تركيبته المعروفة »أنا أشييك‪ ،‬فأنييا ُافّكيير‪ ،‬فأنييا موجييود«‬
‫سيره الفلسفي أّنه أخذ بمبدأ الش ّ‬
‫وذلك أّنه أراد تحصيل العلوم الحقيقية ونبذ الوهام والفكار الباطلة التي تييتراكم فييي الييديانات‬
‫ن أكثرها مبني على الحدسيات والظّنيات وردت‬
‫والمذاهب الفلسفية والعقائد والمعقولت‪ ،‬وبما أ ّ‬
‫ن المحسوسات لها دور كبير في صياغة الفكر‪ ،‬والح ي ّ‬
‫س‬
‫الذهن البشري من طريق الحس‪ ،‬أي ا ّ‬
‫بدوره طريق غير مطمئن لكثرة أخطاء الحس وعييدم الثقيية بمعطييياته الفكرييية‪ ،‬فلّمييا أراد بنيياء‬
‫ن محتويات ذهنه من علوم وإعتقييادات متراكميية ل تقييف علييى أرض‬
‫فلسفته على اليقين رأى أ ّ‬
‫ل أصل فلسفي أو قاعدة علمية مسّلمة تتناثر بين يديه إلييى مشييكوكات وينخيير‬
‫اليقين الجازم‪ ،‬فك ّ‬
‫ك فييي قض يّية‬
‫ل شيييء‪ ،‬فل يش ي ّ‬
‫ك في ك ّ‬
‫ل شيء واحد‪ ،‬وهو أّنه إذا كان يش ّ‬
‫فيها إحتمال الضّد‪ ،‬إ ّ‬
‫لولى الييتي بنييى‬
‫ك بمثابة اللبنة ا ُ‬
‫ك‪ ،‬فهذه القضّية يقينية حتمًا‪ ،‬فكان هذا الش ّ‬
‫واحدة‪ ،‬وهي أّنه يش ّ‬
‫ك حتمًا‪ ،‬فهييذا يعنييي أّنييه يفّكيير ل محاليية‪ ،‬والتفكييير‬
‫عليها فيما بعد فلسفته‪ ،‬وهو أّنه إذا كان يش ّ‬
‫دليل يقيني على أّنه موجود‪ ،‬وبذلك حصل على أصل يعتمد عليه في تسلسل المعلومات ويشيييد‬
‫ك في وجود العالم الخارجي‬
‫عليه البنى الفوقية لجميع المعلومات فيما بعد‪ ،‬فإذا كان النسان يش ّ‬
‫ك فييي هييذه القضييية حتميًا‪ ،‬ول‬
‫ويشك في معطيات الحييواس أو البييديهيات العقلييية‪ ،‬فهييو ل يشي ّ‬
‫يستطيع أحد من الشّكاكين والسوفسطائيين أن يعتريه الريب مع هذه القضية‪.‬‬
‫ل وعل ل‬
‫لخرى فإثبات الخالق جيي ّ‬
‫ومنها شرع ديكارت يؤسس القضايا الفكرية والعقائدية ا ُ‬
‫يتّم من خلل المحسوسات والمشاهدات‪ ،‬لّنها هي بدورها تعتمد في إثبات وجودهييا علييى تلييك‬
‫القضية الفكرية المركزية )أنا ُافّكر(‪ ،‬فإثبات وجود البدن وروافده الحسّية يأتي بالمرتبة الثانييية‬
‫ن الفكيير‬
‫لولى العلييم بوجييود ال ي ووجييود البييدن; ل ّ‬
‫بعد وجود النفس‪ ،‬فيتفرع من تلك القضية ا ُ‬
‫ك ل يوّلد اليقين‪ .‬إذًا‪ ،‬الفكر له مصدر آخيير غييير النفييس‪ ،‬فجميييع‬
‫ك‪ ،‬والش ّ‬
‫أسمى وأرقى من الش ّ‬
‫التصورات ميين تصيّور الجسييم والزمييان والعييدد‪ ،‬وكييذلك نفييس تصيّور وجييود ذات مقّدسيية ل‬
‫متناهية فييي الكمييال وأزلييية وأبدييية ل يمكيين أن يكييون مصييدرها النفييس الناقصيية والمحييدودة‪،‬‬
‫والمحدود ل يمكنه تصور اللمحدود‪ ،‬والضعف ل يوجد القوى‪ ،‬فلبّد أن يكون الموجد لهييذا‬
‫ن هذا الفكر )وهو عين النفس بعبارة ُاخييرى( لب يّد لييه‬
‫التصّور وجودًا ل متناهى أيضًا‪ ،‬وبما أ ّ‬
‫من محل‪ ،‬فلبّد من وجود البدن‪ .‬وهكذا صارت لديه ثلث قضايا يقينييية‪ :‬النفييس‪ ،‬اليي‪ ،‬البييدن‪،‬‬
‫ويقول ديكارت‪:‬‬
‫»بعد أن صرت موقنًا بوجودي‪ ،‬التفت إلى ماهية نفسي وطلبت معرفة حقيقتها‪ ،‬فرأيت‬
‫أّنني لست على يقين من شيء يتعّلق بالنفس سييوى الفكيير‪ ،‬لّننييي مييا دمييت ُافّكيير فأنييا مطمئن‬
‫لوجودي‪ ،‬فإذا زال هذا الشعور عني‪ ،‬أي لو انتفييى التفكييير فل دليييل علييى وجييودي‪ ،‬وبمييا أ ّ‬
‫ن‬

‫وجودي مترتب علييى فكييري فحسييب‪ ،‬قبييل إثبييات وجييود بييدني وأعضييائي‪ ،‬إذًا فماهييية نفسييي‬
‫ووجودي ل يعني سوى فكري«‪.‬‬
‫ويظهر من كلمات ديكارت ومجمل أفكاره وتصييوراته عيين النفييس أّنهييا عبييارة عيين الفكيير‬
‫بالمعنى العّم الذي يشمل الحساسات الباطنية والعواطف والميييول والرادة والخيييال والتعّقييل‬
‫وأمثال ذلك‪.‬‬
‫وميين هنييا أخييذ ديكييارت بمقوليية الثنوييية بييين النفييس والبييدن وإّنهمييا حقيقتييان منفصييلتان‪،‬‬
‫وجوهران متباينان‪ ،‬فل صلة وعلقة مباشرة بينهما‪ ،‬فالنفس أقييرب إلييى الدراسيية العلمييية ميين‬
‫ل ما هو جسم متقّوم بمييا هييو نفييس‪ ،‬أي أ ّ‬
‫ن‬
‫ل بتوسط الحواس‪ ،‬وك ّ‬
‫ن المادة ل تعرف إ ّ‬
‫البدن‪ ،‬ل ّ‬
‫ن له بدنًا‪ ،‬والبدن محدود ذو أبعاد ويشغل حّيزا من الفراغ‬
‫النسان يدرك نفسه أّول‪ ،‬ثّم يدرك أ ّ‬
‫ومتحّرك ومندثر‪ ،‬والنفس ليست لها هذه السمات‪ ،‬فهي تأبى عيين الحركيية والنييدثار والمييوت‪،‬‬
‫ن لها فكرًا وشعورًا مييع عييدم البعييد‪ ،‬والجسييم علييى العكييس ميين‬
‫وبعبارة ُاخرى‪ :‬النفس تّتسم بأ ّ‬
‫ذلك‪ ،‬فهو ذو أبعاد مع عدم الفكر والشعور‪ ،‬ومن ذلك قال ديكارت بالثنينية الكاملة بينهما‪.‬‬
‫ويعّد هذا الرأي تراجعًا فلسفيًا إلى مقولة إفلطون ونظريته عن النفييس والبييدن‪ ،‬وهييذه أحييد‬
‫النّقاط السلبية في فلسفة ديكارت‪ ،‬حيث اكتفى بإظهار جوانب امتييياز أحييدهما عيين الخيير دون‬
‫جوانب التحاد وإشكالية التفاعل بين النفس والبدن‪ ،‬مّما يجبر العلماء والمحّققييين علييى دراسيية‬
‫ل منهما على الخر‪.‬‬
‫ل منهما بشكل منفصل وعدم الستفادة من معطيات تأثير ك ّ‬
‫كّ‬
‫ل لهذه المشكلة‪ ،‬وهي مسألة الرتباط الوثيق بييين النفييس والبييدن‬
‫وأراد ديكارت أن يوجد ح ً‬
‫وتفسير تأثير الفكار النفسية علييى الحييوادث البدنييية ميين فقييدان الشييهية أو الضييعف البييدني أو‬
‫الرتعاش وإصفرار الوجه وأمثالها الناشئة من أنماط فكرية معينة‪ ،‬فاضطر إلى القييول بوجييود‬
‫)الرواح الحيوانية( كواسطة بينهما‪ ،‬وهذه الرواح أشبه بالريح البالغة الرّقة تمّر على‬
‫ل بييالنفس‪ ،‬وتقيييم الرتبيياط المييذكور بييين النفييس‬
‫العصيياب وميين ث يّم بالغ يّدة الصيينوبرية فتح ي ّ‬
‫والبدن ‪..‬‬
‫ن الحيوانات فاقييدة للنفييس والفكيير‪ ،‬فهييي مج يّرد‬
‫ويعتبر ديكارت على هذا الساس الفلسفي أ ّ‬
‫ن الفكر والشعور مختص بالنفس الناطقة‪ ،‬أي النسان‪.‬‬
‫آلت معقّدة‪ ،‬ل ّ‬
‫ن النسان فاعل مختار‪ ،‬أي أّنه يتمتييع بييإرادة ح يّرة واختيييار‪ ،‬وهييو طييالب‬
‫ويرى ديكارت أ ّ‬
‫ل أّنييه قييد‬
‫ق وصواب‪ ،‬إ ّ‬
‫للخير والصلح بذاته‪ ،‬ويرفض القبيح‪ ،‬فهو دائمًا يختار ما يعتقد أّنه ح ّ‬
‫ل فالييذهن المج يّرد ل يعتييوره‬
‫ق‪ ،‬وهذا الخطأ ناشيء من خطأ الحواس‪ ،‬وإ ّ‬
‫يخطأ في إصابة الح ّ‬
‫ن هنيياك‬
‫ي حال‪ ،‬فالنسان ل يستطيع درك الحقيقة علييى الييدوام‪ ،‬ل ّ‬
‫الخطأ في إدراكاته‪ ،‬وعلى أ ّ‬

‫ن ال تعالى هييو الييذي يوجييد الح يقّ ويق يّرره‪ ،‬والنسييان ل‬
‫فرقًا بين الرادة اللهية والبشرية‪ ،‬أ ّ‬
‫ق‪ ،‬بل عليه أن يكتشفه ويّتبعه‪.‬‬
‫يوجد الح ّ‬
‫ن قييدرته محييدودة‪ ،‬بخلف‬
‫لأّ‬
‫ن إرادة النسان بالرغم من كونها غير محدودة بحدود‪ ،‬إ ّ‬
‫ثّم أ ّ‬
‫ن ال تعالى هو القييادر المطلييق وفييي‬
‫قدرة ال تعالى اللمتناهية وإرادته الحتمية التحّقق‪ ،‬وبما أ ّ‬
‫ل ما يصل إلينا منه ويقّدره لنا هييو خييير لنييا وفيييه صييلحنا‬
‫نفس الوقت رحيم مطلق بعباده‪ ،‬فك ّ‬
‫حّتى وإن كان مقرونًا بيياللم والمشيّقة‪ ،‬فييأّول قييانون أخلقييي هييو التسييليم والرضييا فييي مقابييل‬
‫المشيئة اللهية‪.‬‬
‫ن النفس والبدن جوهران متباينان‪ ،‬والّول مجرد وأشرف من الثاني وغير قابل للفناء‬
‫وبما أ ّ‬
‫والندثار‪ ،‬فسعادة النفس أفضل من سعادة البدن‪ ،‬والخرة أفضل من الدنيا‪ ،‬وهكييذا نصييل إلييى‬
‫لمور الدنيوييية‬
‫ن النسييان ل ينبغييي لييه التعّلييق بييا ُ‬
‫النتيجيية والحقيقيية الخلقييية الثانييية‪ ،‬وهييو أ ّ‬
‫والماديات أو الخوف من الموت‪ ،‬بل لبّد من الهتمام بالملذات الروحية فقط‪.‬‬
‫ن النسان عندما ينظيير إلييى صييغير حجييم الرض بالنسييبة إلييى عظميية الكييون ووسيييع‬
‫ثّم أ ّ‬
‫أركانه‪ ،‬ويرى نفسه وموقعه في هذه الرض فسوف يغمره به التواضع وعدم الكييبر‪ ،‬وبمييا أ ّ‬
‫ن‬
‫حوادث هذه الدنيا تسير غالبًا في تيار معاكس لرغبات النسان‪ ،‬فما أسوأ حالنا لو اعتبرنا هييذه‬
‫لخرى‪ .‬اذًا‪ ،‬فاليمان بالخرة ضروري‪.‬‬
‫الحياة هي الصل وقطعنا المل بالحياة ا ُ‬
‫ن أفراد البشر يحتاجون للجتماع والتعاون فيمييا بينهييم‬
‫أّما أخلق المعاشرة فيرى ديكارت أ ّ‬
‫ل فرد فرد منهم‪ ،‬فلبّد من مراعاة الكل وترجيح مصلحة الجماعة ولييو أحيان يًا‬
‫بما فيه صلح ك ّ‬
‫على مصلحة الجزء والفرد‪.‬‬
‫وبالنسبة إلى علوم النسان والتصورات الذهنية فهي على ثلثة أقسام‪ :‬فطرييية‪ ،‬واعتبارييية‪،‬‬
‫وخارجية‪.‬‬
‫العلوم الفطرية هي التي تتولد مع الفكر والموجودة في العقل بالفطرة‪ ،‬أي أّنهييا ميين ذاتيييات‬
‫العقل ولم ترد إليه من مكان آخر‪ ،‬كقانون العلّية‪ ،‬والمسائل الرياضية وأمثالها‪ .‬أّمييا العتبارييية‬
‫فهي وليدة الخيال ومن مجعولت قّوة الوهم‪ ،‬والعلوم الخارجية هي العلوم الييواردة إلييى الييذهن‬
‫من طريق الحواس الخمس كالمبصرات والمسموعات و‪ ..‬فل يمكننييا الطمئنييان بصييحتها وأ ّ‬
‫ن‬
‫ل أّنه متغّييير وغييير‬
‫لها مصداقًا خارجيًا مطابقًا لما في الذهن‪ ،‬فحتى لو كان لها واقع خارجي إ ّ‬
‫ل نحن نييرى قييرص الشييمس ل يتجيياوز مسيياحة الكييف‪ ،‬بينمييا الحقيقيية‬
‫مطابق لتصوراتنا‪ ،‬فمث ً‬
‫ن مساحته أكبر من حجم الرض بعّدة آلف المّرات‪.‬‬
‫وطبقًا للقواعد الفلكية فا ّ‬

‫لمور الفطرية الموجودة في العقل والييتي يييدركها النسييان بالبداهيية هييي الييتي يمكيين‬
‫إذًا‪ ،‬فا ُ‬
‫ن المثلث لييه ثلث زوايييا‪ ،‬وأ ّ‬
‫ن‬
‫ل فرد يعلم بالبداهة أّنه موجود‪ ،‬وأ ّ‬
‫العتماد عليها في العلوم‪ ،‬فك ّ‬
‫المساويان لشيء ثالث متساويان‪ ،‬وهكذا‪.‬‬
‫وبالرغم من ذلك يعتبر ديكارت من الفلسفة الطبيعيين ومن الييذين دعييوا إلييى التجربيية فييي‬
‫صييل النسييان للحقيقيية عيين طريييق‬
‫الميادين العلوم الطبيعية‪ ،‬لّنييه ل يييرى تنافي يًا بييين عييدم تو ّ‬
‫ن هذا النمط من العلوم الطبيعية وإن كان عيياجزًا عيين‬
‫الحواس والتجارب المادية‪ ،‬ولكن يرى أ ّ‬
‫ن لهييذه العلييوم قيميية عملييية ل علمييية‬
‫ل أّنييه نييافع عملييًا‪ ،‬أي أ ّ‬
‫إيصال النسييان إلييى الحقيقيية‪ ،‬إ ّ‬
‫وفلسفية‪.‬‬
‫ونكتفي من آراء ديكارت بهذا المختصر‪ ،‬ول نجد ضرورة لبيان نقاط الق يّوة والضييعف فييي‬
‫هذه الفلسفة بعد أن أصبحت قديمة ل تحكي رؤى المدارس النفسية الحديثة وخاصة فييي فصييله‬
‫ل بحييث‬
‫ن الجميل في هذه الفلسفة أّنها أعطت منهجية جديييدة لكي ّ‬
‫لأّ‬
‫الحازم بين النفس والبدن‪ ،‬إ ّ‬
‫علمي أن ل يعتمد على الرواسييب الذهنييية والخلفيييات العلمييية‪ ،‬بييل يبييدأ ميين الصييفر ويسييتبدل‬
‫الموهومات والمظنونات باليقين الجازم والواضييح‪ ،‬حّتييى أّنييه يقييول بالنسييبة للديانيية المسيييحية‪،‬‬
‫بأّني أعتقد بالمسيحية لّني رأيتها أفضل ما لدينا من الديانات والمذاهب‪ ،‬ولكن قد يكييون هنيياك‬
‫ل فييي‬
‫دين أو مذهب أفضل من المسيحية لييم نصييل إليييه بعييد‪ ،‬واللطيييف أّنييه يضييرب لييذلك مث ً‬
‫ل‪ ،‬وهييذا‬
‫إيران‪ ،‬فيقول‪ :‬من المحتمل وجود مذهب أفضل في بقعة ما من الرض في إيييران مث ً‬
‫المعنى والمنهج العلمي هو الذي جعل من ديكارت يقفييز بالفلسييفة والحركيية العلمييية فييي أروبييا‬
‫لخرى‪.‬‬
‫تلك الخطوات الشاسعة في المنطق والرياضيات والنفس والعلوم الطبيعية ا ُ‬
‫* * *‬
‫اسپينوزا)‪ 1632) :(46‬ي ‪1677‬م(‬
‫الفيلسوف الزاهييد‪ ،‬والحكيييم العييارف‪ ،‬المطييرود ميين قييومه اليهييود لفكيياره وآرائه الفلسييفية‬
‫المتحّررة من ُاطر الديانة اليهودية‪.‬‬
‫ل كلم لنا مع تحقيقاته في الفلسفة اللهية وعلييوم مييا وراء الطبيعيية والعقييائد وأمثالهييا‪ ،‬أّمييا‬
‫تصوراته عن النسان والنفس والقيم الخلقية فاّنه يرى تبعًا لرؤيته العرفانييية عيين ال ي تعييالى‬
‫ن النسييان بروحييه وجسييده‬
‫وإحاطته وقيموميته على المخلوقات ونظريتييه فييي وحييدة الوجييود أ ّ‬
‫‪ ()46‬من حكماء الطراز الّول في أروبا‪ ،‬ولد في آمستردام عاصمة هولندا يهودي الصل‪ ،‬اطّلع على علوم ديكارت ولم‬
‫ل أّنييه كييان ميين أش يّد الفلسييفة الغربيييين إيمان يًا بييال‬
‫يتقيد بتعليمات الديانة اليهودية فطردوه من حوزتهم وأعلنوا كفره‪ ،‬إ ّ‬
‫وزهدًا وتواضعًا في الحياة اشتغل بصناعة النظارات لكسب قوته اليومي ومات في الرابعة والربعين من العمر‪.‬‬

‫مفردتان من صفات ال غير المحدودة‪ ،‬وهمييا‪ :‬البعييد‪ ،‬والعلييم‪ ،‬فنحيين لييم نكتشييف ميين صييفات‬
‫وكلمات المطلق سوى كلمتين‪ ،‬وقد ظهرت صفة البعد لنا بسيماء الجسييم‪ ،‬أّمييا العلييم فهييو مبييدأ‬
‫الروح والروحانيات‪ ،‬ولكن ليس البعد والعلم هما اللذان نشاهدها في أجسييامنا ونفوسيينا‪ ،‬لّنهمييا‬
‫لأّنهما صادران من البعييد والعلييم اللهييي الزلييي‪،‬‬
‫محدودان ومتعينان ومن الحالت الطارئة‪ ،‬إ ّ‬
‫وهذه المتغيرات في طبيعة المخلوقات ل تؤثر في أحدية المطلييق وأزليتييه‪ ،‬كمييا فييي محدودييية‬
‫طلعيية علييى أحييوال البييدن‪،‬‬
‫ن النفييس م ّ‬
‫أمواج البحر وإندثارها وبقاء البحيير علييى حيياله‪ .‬وبمييا أ ّ‬
‫ن النفييس تييدرك الشييياء الخارجييية‪ ،‬وبعبييارة‬
‫ل المؤثرات الخارجية‪ ،‬فيمكن القول بأ ّ‬
‫والبدن مح ّ‬
‫ن النفييس‬
‫لمور الخارجية في الحقيقة هو بعينه إدراكها للجسد‪ ،‬وبمييا أ ّ‬
‫ن إدراك النفس ل ُ‬
‫أصح‪ :‬إ ّ‬
‫ن علم الروح بالبدن أو بالشياء الخارجية هييو‬
‫أو الروح متصلة بالمبدأ العلى‪ ،‬فيمكن القول بأ ّ‬
‫بنفسه علم ال تعالى‪.‬‬
‫أّما علم النسان‪ ،‬فهو على قسمين‪ :‬تام وغير تام‪ ،‬العلييم التييام هييو‪ :‬أن يكييون إدراك الييذهن‬
‫ن العلم التام‬
‫للمعلوم بصورة كاملة‪ ،‬أي أّنه يدرك المعلوم ويدرك علله أيضًا‪ ،‬وبعبارة ُاخرى‪ :‬إ ّ‬
‫ل وغير محتاج إلى أمر آخيير‬
‫هو ما ل يحتاج النسان في إدراكه إلى علم آخر‪ ،‬بل يكون مستق ً‬
‫ل(‪ ،‬أّما العلم غير التام هو أن ل يكون المعلوم واضحًا لدى الذهن‪،‬‬
‫)كالبديهيات الرياضية مث ً‬
‫ن النسييان موجييود محييدود‪ ،‬وروحييه‬
‫أي أن يحتاج في إدراكه إلى العلم بُامور ُاخييرى‪ ،‬وبمييا أ ّ‬
‫ن أكثر معلوماته ناقصة وغير تامة حّتى علمه بنفسه وبييدنه فكيييف بالمعلومييات‬
‫مقيدة بالبدن‪ ،‬فإ ّ‬
‫الخارجية‪.‬‬
‫أّما المعلومات التامة للنسان فقليلة جّدا‪ ،‬وهي المباني العقلية التي يشترك أفراد البشيير فييي‬
‫إدراكها‪ ،‬وتطمئن إليها النفس‪.‬‬
‫وكذلك الحال في أعمال النسان التي هي مظهر معلوماته فهييي علييى قسييمين أيض يًا‪ :‬فقسييم‬
‫ن طبييع النسييان يكييون عّليية تاميية‬
‫منها تصدر بمقتضى طبعه ول مدخلية لمر آخر فيها‪ ،‬أي أ ّ‬
‫لها‪ ،‬وقسم آخر ل يكون بمقتضى طبعه‪ ،‬بل يخضع لتأثير العوامل الخارجية‪ ،‬فالقسم الّول ميين‬
‫ح أن يقال عنه أّنه فعل‪.‬‬
‫سلوكيات النسان يصدر من نفسه فقط‪ ،‬ويص ّ‬
‫ن نفييس النسييان ليسييت مسييتقّلة‬
‫القسم الّثاني‪ :‬إنفعال حّتى لو كان ظاهرًا بصورة الفعل‪ ،‬ل ّ‬
‫ل‪ :‬عندما يقوم الشخص بالحسان إلى آخر‪ ،‬فييان كييان الييداعي إلييى‬
‫في صدورها وتنفيذها‪ ،‬فمث ً‬
‫ن وظيفته عمل الخير والحسان إلى الغير‪ ،‬فقد فعل ما هييو مقتضييى طبعييه‪،‬‬
‫ذلك هو أّنه يرى أ ّ‬
‫فهو فعل‪ ،‬وأّما لو أحسن إلى آخر بدافع المصلحة وتوّقع النفع من الطييرف الخيير‪ ،‬أو لدخييال‬
‫ل‪.‬‬
‫ل‪ ،‬بل إنفعا ً‬
‫ن هذا الدافع يكون جزء عّلة للحسان‪ ،‬فل يكون فع ً‬
‫السرور عليه‪ ،‬فا ّ‬

‫لمور الخارجية‪ ،‬ول تدخل ضمن إختيار الفرد‪ ،‬وكّلما كيييانت‬
‫إذًا‪ ،‬النفعالت النفسية تابعة ل ُ‬
‫النفعالت النفسية أكثر ضاقت دائرة حريته واختياره‪.‬‬
‫أّما العقل وحقيقة وهل أّنه مادة كما يظن بعض الناس وما هي حقيقة العلمييية العقلييية فيقييول‬
‫اسپينوزا‪:‬‬
‫»إن العقل ليس مادة ول المادة فكرًا‪ ،‬وليس عملية الدفاع سببًا كما أّنها ليست نتيجة أو أثرًا‬
‫)للعقل( وليس هاتان العمليتان مستقلتين ومتوازيتين‪ ،‬إذ ليس هنا عمليتان وليس هنا وجودان‪،‬‬
‫بل هناك عملية واحدة نراها في الداخل فكرًا‪ ،‬ومن الخارج حركة‪ ،‬هنا وجييود واحييد نييراه ميين‬
‫ل مزيييج مندمييج ميين الثنييين‪ ،‬والعقييل‬
‫ل ومن الخارج مادة ولكنه في الحقيقة ليس إ ّ‬
‫الداخل عق ً‬
‫والجسم ل يوث أحدهما بالخر‪ ،‬لّنهما ليسا شيييئين‪ ،‬بييل شيييئًا واحييدًا‪ ،‬ول يسييتطيع الجسييم أن‬
‫يحمل العقل على أت يفكر ول يسييتطيع العقييل أن يحّمييل الجسييد علييى أن يبقييى فييي حركيية أو‬
‫سكون أو يتخذ وضعًا آخر والسبب في ذلك بسيط وهو أن حكم العقييل ورغبيية الجسييم وميييوله‬
‫ن عنصيير الفكيير‬
‫شيء واحد بعينه‪ ،‬وكل العالم متحد بنفس هذه الطريقة المزدوجيية ‪..‬وبهييذا فييإ ّ‬
‫وعنصر المادة شيء واحد يبدو مّرة فكرًا ومّرة امتدادًا‪.‬‬
‫وبعييد أن أزال سييبينوزا الفييرق بييين الجسييم والعقييل وجعييل منهمييا حقيقيية ذات وجهييين أو‬
‫مظهرين‪ ،‬نراه يتجه الى تقليل الفرق بين العقل والرادة ويقول أّنهمييا حقيقيية واحييدة‪ ،‬وكييل مييا‬
‫بينهما من فرق فهو فييي الدرجيية ل فييي النييوع‪ ،‬إذ ل يوجييد فييي العقييل ملكييات ول موجييودات‬
‫ن العقييل ليييس وكاليية للييبيع تتجيير بالفكييار‪،‬‬
‫ل أو ذاكييرة‪ ،‬ل ّ‬
‫ل وإرادة أو خيا ً‬
‫منفصلة تسّمى عق ً‬
‫ولكّنه هو الفكار نفسها في سيرها وتسلسلها‪ ،‬ولفظة العقل مجرد كلمة مجردة مييوجزة نطلقهييا‬
‫على سلسلة الفكار‪ ،‬كما نطلق لفظ الرادة على سلسلة العمال والمشيئات‪ ،‬إن العقييل والرادة‬
‫مرتبطان مع هذه الفكرة أوتلك الفكرة أو الرغبة كالصخرية في هذه الصخرة أو تلييك الصييخرة‬
‫ن المشيئة فكرة طال بقاؤها في الشعور ثيّم تحييولت‬
‫وأخيرًا الرادة والعقل شيء واحد بعينه‪ ،‬ل ّ‬
‫ل مالم تؤخرها فكييرة معارضيية‪ ،‬فييالفكرة نفسييها هييي المرحليية‬
‫إلى عمل‪ ،‬وكل فكرة تصير عم ً‬
‫لولى لعملية عضوية متحييدة يتممهييا العمييل الخييارجي‪ ،‬فمييا يسيّمى بييالرادة هييو فييي الحقيقيية‬
‫اُ‬
‫رغبات أو غرائز أساسها جميعًا بقاء الفرد«)‪.(47‬‬
‫ل الموجودات‬
‫ب البقاء هو الميل الصل في ك ّ‬
‫بالنسبة الى دوافــع النســان الّولية‪ ،‬ح ّ‬
‫ن عّلة الفناء تكون خارجية‪ ،‬فجميع الكائنات تسعى للبقاء‪،‬‬
‫والملئم لطبعها‪ ،‬ويترتب على ذلك أ ّ‬

‫صة الفلسفة‪ :‬ويل دورانت‪ ،‬ص‪.222‬‬
‫‪ ()47‬ق ّ‬

‫والنسان كأحد الموجودات غير مستثنى من هذه القاعدة‪ ،‬وبهذا تتجّلييى أيضيًا قييدرة الي تعييالى‬
‫على مخلوقاته‪.‬‬
‫ل ما يتصور أّنه مفيد لبقائه وترقيه‪ ،‬ويهرب من ضّده‪ ،‬فمييا يقييال ميين‬
‫إذًا‪ ،‬فالنسان يطلب ك ّ‬
‫ل ما ترغب‬
‫نكّ‬
‫ن النفس مّيالة إلى الخير والفضيلة‪ ،‬وتتجّنب الشر والرذيلة غير صحيح‪ ،‬أي أ ّ‬
‫أّ‬
‫فيه النفس وتطلبه تظّنه خيرًا وفضيلة‪ ،‬وما تهرب منه تحسبه شّرا ورذيلة‪ ،‬فالخير والشّر ُامور‬
‫نسبية تختلف باختلف النفوس والشخاص‪.‬‬
‫أّما العواطف والتقّلبات النفسية‪ ،‬فالحالت التي تق يّرب النفييس ميين كمييال قواهييا تبعييث علييى‬
‫الفرح والسرور‪ ،‬وما تسّبب له البعد ميين الكمييال تبعييث علييى الحييزن والغييم‪ .‬فييإذا كييان الفييرح‬
‫والحزن متعّلقاين باللذات واللم الجسمنفسية‪ ،‬فالفرح والحزن في هذه الحالت من النفعييالت‬
‫ن الميل والفرح والحزن هي النفعالت الساسية للنفس حيث‬
‫التي ترتبط بُامور خارجية‪ ،‬كما أ ّ‬
‫لخرى‪.‬‬
‫تتوّلد عنها سائر النفعالت ا ُ‬
‫ب وعشق‪ ،‬وإذا اقييترن الحييزن واله يّم مييع‬
‫فالفرح إذا اقترن بتصور سبب خارجي له فهو ح ّ‬
‫ل ما شابه المحبوب فهو محبوب‪ ،‬وكييذلك العكييس‬
‫تصّور عّلة خارجية فهو البغض والكره‪ ،‬وك ّ‬
‫صحيح‪ ،‬وإذا اقترن الفرح بتصّور أمر مستقبلي فهو المييل والرجيياء‪ ،‬وإذا اقييترن بييأمر سييابق‬
‫فهو سرور‪ ،‬وإذا اقترن الحزن بأمر مستقبلي فهو الخييوف أو اليييأس‪ ،‬وإذا اقييترن بييأمر ميياض‬
‫فهو الكآبة أو الندم‪ ،‬وفرح الشخص المحبوب وحزن الشخص المبغوض سبب لفرحنا‪ ،‬أي إّنما‬
‫ب ما كان سببًا في فرح الصديق وحزن العدّو‪ ،‬والعكس بالعكس‪.‬‬
‫نح ّ‬
‫وهكذا تتفّرع النفعالت والحالت النفسية من هذه الدعائم الثلث‪ ،‬فتتوّلد المشاعر النسانية‬
‫من المواساة والحنان والرّقيية والمييرّوة والرحميية‪ ،‬أو مضيياداتها ميين القسيياوة والحسييد والبخييل‬
‫والغيرة والحقد والتكّبر و‪...‬‬
‫ن النسان في هييذا الكييم الهييائل ميين النفعييالت والجييواذب والحييالت النفسييية‬
‫وبذلك يعلم أ ّ‬
‫ب الريح يتقّلب معهييا دون اختيييار‪ ،‬ول يعلييم إطلق يًا بمصيييره‬
‫ل ريشة في مه ّ‬
‫المتغّيرة ما هو إ ّ‬
‫وما سيؤول إليه أمره‪ ،‬فالنادر من العمال والفعال الصادرة من النسان يمكن اعتبارها أفعال‬
‫إرادية وتصدر عن اختياره ويستحق بها المدح أو الذم‪ ،‬والثواب أو العقاب‪.‬‬
‫ن النسان لم يبتعد عن مسييير الكمييال‪ ،‬ولييم يتييورط فييي شييباك النفعييالت النفسييية‪،‬‬
‫ولول أ ّ‬
‫ن الشيّر أميير عييدمي‪ ،‬ومييا لييم نسييتطع إدراك الشيّر‬
‫فسوف ل يواجه المساءة والشّر‪ ،‬وخاصة أ ّ‬
‫ن الخييير والش يّر أمييران‬
‫والسييوء ل يمكننييا إدراك الض يّد‪ ،‬أي الخييير والحسيين‪ ،‬وبهييذا نفهييم أ ّ‬
‫اعتباريان ليس لهما واقع حقيقي خارج إطار النفس والذهن‪.‬‬

‫ف النفس والورع وتحّمل الحرمان يقترن عييادة بيياللم والحييزن فل يمكيين‬
‫ن الزهد وك ّ‬
‫وبما أ ّ‬
‫ي حييال ميين اتبيياع الشييهوات‪ ،‬وضييرورية للحييياة‬
‫أن يكون خيرًا وفضيلة‪ ،‬ولكّنها أفضل على أ ّ‬
‫الجتماعية‪ ،‬أّما من يطلب الحقيقة فل تكون وسيلة ومقنعة ميين الناحييية الفلسييفية‪ ،‬لّنهييا بمثابيية‬
‫ن الشييخص يبتغييي‬
‫لمور في حقيقتها إنفعالت وليسييت أفعييال‪ ،‬ل ّ‬
‫ن هذه ا ُ‬
‫دفع الفسد بالفاسد‪ ،‬ل ّ‬
‫لخروية‪ ،‬أو دفييع الخطيير والخييوف ميين العقيياب‬
‫من وراء ذلك جلب الراحة واللّذة الدنيوية أو ا ُ‬
‫ن عموم الناس يعيشون حالة العبودييية فييي الحييياة‬
‫لخروي‪ ،‬ونخلص من ذلك إلى أ ّ‬
‫الدنيوي أو ا ُ‬
‫ل من شّذ وندر مّمن يمكن القول بأّنه حّر‪.‬‬
‫إّ‬
‫ن النسان يعيش أسير النفعالت هييو القييول بييالجبر‪،‬‬
‫ن لزم هذا القول وأ ّ‬
‫وحينئذ قد يقال بأ ّ‬
‫فما معنى هذه التوصيات الخلقية؟ ول معنى حينئذ للثواب والعقاب‪.‬‬
‫ن الثواب والعقاب على العمييال ل يسييتلزم القييول بالختيييار‪،‬‬
‫يقول اسپينوزا في الجواب‪ :‬إ ّ‬
‫ن الكلب الهار يقتل لمرضه هذا وهييو غييير‬
‫ل غرس أو بذرة ستنمو على شاكلتها‪ ،‬وكما أ ّ‬
‫نكّ‬
‫فإ ّ‬
‫ن هذه حالة العم الغلب من‬
‫مقصر وغير مختار في ذلك‪ ،‬فكذلك أفعال النسان‪ ،‬مضافًا إلى أ ّ‬
‫الناس ول يعني ذلك نفي الرادة والختيار عن النسان من الساس‪.‬‬
‫ويقول أيضًا‪» :‬كل شيء يحاول أن يبقى علييى وجييوده وليييس هييذا لحفييظ بقييائه إلّ جييوهر‬
‫حقيقته‪ ،‬والقّوة التي يستطيع بها الشيء أن يبقى هي قوام وجوده وجييوهره‪ ،‬وكييل غريييزة هييي‬
‫طة ارتقت لها الطبيعة للمحافظة على بقاء الفرد‪ ،‬والسييرور واللييم همييا ارضيياء الغريييزة أو‬
‫خّ‬
‫تعطيلها‪ ،‬وهما ليسا سببين لرغباتنا بييل نتيجيية لهييا‪ ،‬إّننييا ل نرغييب فييي الشييياء لّنهييا تسييرنا‪،‬‬
‫ولكّنها تسرنا لّننا نرغب فيها ول مناص لنا من ذلك‪.‬‬
‫ن ضييرورة البقيياء تقييرره الغريييرة‪،‬‬
‫وترتب على ذلييك أن ل يكييون للنسييان إرادة ح يّرة‪ ،‬ل ّ‬
‫والغريزة تقرر الرغبة‪ ،‬والرغبة تقرر الفكيير والعمييل‪ ،‬وقييرارات العقييل ليسييت سييوى رغبييات‬
‫وليس في العقل إرادة مطلقة أو حّرة‪ ،‬وهناك سبب يسير العقل في إرادة هذا الشييي ئ أو داك‪،‬‬
‫وهذا السبب يسيره سبب آخر‪ ، ،‬وهذا يسيره سبب آخروهكذا الى ما ل نهاية‪ ،‬يظن الناس أّنهم‬
‫أحرار لّنهم يدركون رغباتهم ومشيئاتهم‪ ،‬ولكّنهم يجهلون السباب التي تسوقهم إلى أن يرغبوا‬
‫أو يشتهوا«‬

‫)‪(48‬‬

‫ن تييرك الييدنيا والعّفيية والتقييوى ل تع يّد خيييرًا وفضيييلة لّنهييا ميين‬
‫وكيييف كييان‪ ،‬فقييد تييبّين أ ّ‬
‫النفعييالت‪ ،‬والفضيييلة هييي العمييل بمقتضييى الطبييع‪ ،‬فل ينبغييي حرمييان النفييس ميين التمتعييات‬

‫صة الفلسفة‪ :‬ويل دورانت‪ ،‬ص‪.223‬‬
‫‪ ()48‬ق ّ‬

‫والملذات غاية المر لبّد فيها من مراعاة حّد العتدال وتجّنب الفراط في ذلك‪ ،‬وينبغي أيض يًا‬
‫التمايل نحو التمتعات التي يرتضيها الطبع بشكل عام وتوّلد السرور والراحة النفسية‪.‬‬
‫لمور العقلنية‪ ،‬وليس من النفعييالت النفسييية‪ ،‬وهييذا العشييق‬
‫أّما العشق ل تعالى فهو من ا ُ‬
‫ن عاشق الحق تعييالى يييرى‬
‫ليس كسائر ألوان العشق النفسي‪ ،‬حيث ل بخل فيه ول نقص‪ ،‬أي أ ّ‬
‫ل نتيجيية لعشييق‬
‫ق ومظاهر له‪ ،‬فيعشقها جميعًا‪ ،‬وهذا العشق ما هييو إ ّ‬
‫جميع الكائنات عاشقة للح ّ‬
‫ب الخلق‪.‬‬
‫ن ال تعالى يح ّ‬
‫ق لنفسه‪ ،‬ولذا نقول أ ّ‬
‫الح ّ‬
‫ن نجاة وسعادة النسان وشرفه وحريته تكمن في العشق للذات المقدسة‪ ،‬وهييذا العشييق هييو‬
‫إّ‬
‫الباقي والخالد بخلف الهواء النفسية المتعّلقة بالبدن والفانية بفنائه‪.‬‬
‫هذه عصارة ما كتبه هذا الفيلسوف الذائع الصيت في كتابه »الخلق« حول النفس وقواها‬
‫وسلوك النسان في هذه الحياة‪ ،‬وهو وإن كان ل يخلو ميين شييطحات ل تخفييى علييى البصييير‪،‬‬
‫وكذلك ل تخلو أذكاره وكتاباته من غموض فلسفي عسر على المحّققين استجلء المييراد منهييا‪،‬‬
‫ل أّنها تعتبر خطوة متقّدمة في الحقل التربوي‪.‬‬
‫إّ‬
‫صييلة‬
‫ن الكتييب المف ّ‬
‫ن المجييال ل يسييعنا لسييتعراض الدّليية الييتي أقامهييا ومناقشييتها فييا ّ‬
‫ث يّم إ ّ‬
‫والمختصة قد تكفّلت ذلك‪ ،‬فالفضل الكتفاء بهذا المقدار‪ ،‬واسييتعراض مييا تبقييى ميين نظريييات‬
‫فلسفية في الطار النفسي لحكماء وفلسفة القرن السابع عشر‪ ،‬وطبعًا كانت تعّد هذه النظريات‬
‫جديدة في عصرها; لّنها تتمّتع بقوالب جديدة غير ما كان سائدًا فييي الوسيياط العلمييية آنييذاك‪.‬‬
‫وخاصة في مثل »اسپينوزا« اليهودي الصل‪ ،‬لما عرف عنهييم اللييتزام بييالخطوط العريضيية‬
‫للشريعة الموسوية من الناحية العقائدية والصياغة النظرية‪ ،‬وإن كانوا يشيعون الكفيير والرذيليية‬
‫لخرى‪ ،‬ولذا وجدوا في اسپينوزا نشوزًا عن الطريقيية فوجييدوا‬
‫في أوساط المجتمعات البشرية ا ُ‬
‫عليه وكّفروه‪.‬‬
‫جون لوك‪ 1632) :‬ـ ‪1704‬م(‪.‬‬
‫الفيلسوف النجليزي الذي أحدث تغييرًا كبيرًا في تحقيقيياته عيين ذهيين النسييان ومعلوميياته‪،‬‬
‫لسس المنهجية للدراسات النفسية فييي‬
‫ويعتبر من أوائل المؤسسين لعلم النفس العلمي‪ ،‬ووضع ا ُ‬
‫إدراكات النسان وذلك من خلل نفيه القاطع لمقولة كانت عيين المعلومييات والفطرييية والذاتييية‬
‫ن الذهن البشري في بداية تكّونه لوحة بيضاء‪ ،‬ثّم تحصل فيه المعلومييات‬
‫للعقل‪ ،‬فقد ذهب إلى أ ّ‬
‫الكتسابية الواردة إليه من الحواس‪ ،‬فيقوم العقل بترشيدها وغربلتها وتمحيصها‪ ،‬فالذهن منفعل‬
‫س والملحظات الباطنية‪.‬‬
‫في معلوماته كالمرآة‪ ،‬وليس له رافد سوى الح ّ‬

‫وقد أخذ »كوندياك« الكثير من إفكاره النفسية ومذهبه الفكري من لوك‪ ،‬حيث ذهبا وخلفييًا‬
‫ن الحاسيس هي الصل والمنبع الوحيد للدراكييات الذهنييية‪ ،‬وكييذلك العواطييف‬
‫لديكارت إلى أ ّ‬
‫ن الحياة النفسية منفصلة عيين عييالم البييدن والحسيياس‬
‫والنفعالت والنطباعات وغير ذلك‪ ،‬وأ ّ‬
‫هو العنصر النفسي الذي يشكل العمليات الذهنية العليييا‪ ،‬وبييذلك أمكيين إيجيياد القاعييدة الساسييية‬
‫ن جميع العلوم مكتسييبة‪ ،‬ول‬
‫للمذهب الترابطي في علم النفس‪ ،‬وعلى أي حال‪ ،‬فان لوك يرى أ ّ‬
‫ينحصر المر بالتصورات الذهنية فحسب‪ ،‬بل حّتى القيم الخلقية والبديهيات الوجدانية كذلك‪،‬‬
‫لصول الخلقية المشتركة لدى جميع الناس تعود إلييى الطبييائع كالميييل إلييى الحييياة السييعيدة‬
‫فا ُ‬
‫وتجّنب اللم والشقاء‪ ،‬فهذه ل تدخل في دائرة العلوم والحقائق‪ ،‬ومسييألة الحسيين والقبييح ليسييت‬
‫ل أّنييه ليييس‬
‫ل‪ ،‬إ ّ‬
‫قضية عامة لدى الجميع بنحو واحد‪ ،‬فقد يكون أمر واحد عند قوم حسيينًا وجمي ً‬
‫كذلك عند آخرين‪ ،‬والديانات تختلف في تحريمها وإباحتها بالنسبة إلى المواضيع الخارجية‪ ،‬فقد‬
‫يكون شيء مباحًا في ديانة محّرما في ُاخرى‪ ،‬وكذلك وجدان القوام يختلف بدوره من قوم إلى‬
‫قوم‪ ،‬وحّتى البديهيات كذلك‪ ،‬كما نلحظ ذلك في مفهوم »ال« حيث ل يمكن القول بأّنه مفهوم‬
‫ل لهذا المفهوم فييي أذهييان البعييض‪ ،‬وقييد يفّكيير‬
‫ل أص ً‬
‫واحد لدى جميع الناس‪ ،‬فقد ل يوجد معاد ٌ‬
‫البعض بوجود هييذا المعنييى‪ ،‬أو يختلييف تصيّوره لييدى المييرأة القروييية بالنسييبة إلييى نفييس هييذا‬
‫المفهوم لدى الحكيم والفيلسوف‪ .‬فمع هذا الختلف ل يمكن القول بأّنه مفهوم فطري‪.‬‬
‫ن التصورات والمفاهيم ليست فطرية‪ ،‬فكذلك التصديقات والقضييايا المركبيية ميين تلييك‬
‫وبما أ ّ‬
‫التصورات ل تكون فطرية بطريق أولى‪.‬‬
‫وبعد إثبات عدم فطرية جميع التصورات والتصديقات والوجدانيات في النسان بالعديد مييين‬
‫ن الذهن في بداية أمره لوحة بيضاء فارغة من أي رسم ونقش‪ ،‬يبدأ لوك ببيان منشييأ‬
‫الدّلة‪ ،‬وأ ّ‬
‫الملعومات والمعاني المختلفة فييي النسييان‪ ،‬فكييل شيييء يييأتي ميين خلل التجربيية‪ ،‬وهييي علييى‬
‫قسمين‪ :‬أحدهما المحسوسات الواردة من الخارج بطريق الحواس‪ ،‬والخر المشاهدات الباطنييية‬
‫عن طريق التفّكر والتعّقل‪ ،‬ومن خلل تفاعل هذين الرافدين تتبلور المعلومات‪.‬‬
‫وهناك تفصيل في تصوير وجود الحقائق والمعلومات فييي الييذهن‪ ،‬وكيفييية معرفيية النسييان‬
‫بنفسه وبالعالم الخارجي‪ ،‬والفرق بين اليقينيييات والمحتملت أو الظّنيييات ل علقيية لنييا بييه ميين‬
‫قريب‪ ،‬المهم هو التأكيد على دور »جون لوك« ومن قبله »فرانسيس بيجن« النجليزي علييى‬
‫تحصيييل العلييوم التجريبييية‪ ،‬وعييدم الغييراق فييي عييالم الحقييائق المجييردة والهتمييام بمييا وراء‬
‫ن هذين النجليزيين غرسا أساس التحّول العلمي وتغيييير مجييراه نحييو‬
‫الطبيعة‪ ،‬ويمكن القول بأ ّ‬
‫دراسة الطبيعة بالطرق التجريبية‪.‬‬

‫ل أوقاتهم لكشف الحقائق لمجرد الكشييف‬
‫ن الفلسفة القدماء صرفوا ج ّ‬
‫وكان رأي »بيجن« أ ّ‬
‫العلمي‪ ،‬أي لطلب الحقيقة لذاتها‪ ،‬وهذا المنهج خاطي من الساس‪ ،‬وعلينا طلب العلييم ل لجييل‬
‫كشف الحقيقة والواقع‪ ،‬بل لنستفيد منه في حياتنا الدنيوييية‪ ،‬فييالعلم الييذي ل تنعكييس آثيياره علييى‬
‫ق والواقع‪ ،‬وهذا هو المسلك العملي للعلييوم‪ ،‬أو‬
‫الحياة اليومية للفرد ليست علمًا وإن صادف الح ّ‬
‫المنهج النفعي‪ ،‬فالعلم ليس له قيمة ذاتية‪ ،‬وإّنما هو وسيلة لنيل القدرة علييى الطبيعيية والسييتفادة‬
‫منها‪ ،‬فالعلم يساوي القدرة‪.‬‬
‫ن الّول لييه مسيياس بدراسييتنا النفسييية‬
‫جحنا ذكر أفكار لوك علييى فرنسيييس بيجيين‪ ،‬ل ّ‬
‫وقد ر ّ‬
‫للحضارة الغربية‪ ،‬حيث يعتبر جون لوك من مؤسسي المذهب الترابطي في علم النفس‪ ،‬والذي‬
‫وضع ملمحه الرئيسية »هاركلي« الذي جيياء بعييده واقتبييس الكييثير ميين أفكيياره علييى صييعيد‬
‫ن جون لوك هو الممهد لظهور مدرسة التييداعي النفسييية فييي‬
‫التصورات الذهنية‪ ،‬وكما سنرى أ ّ‬
‫ن أحد المنابع المهمة للتصورات هييو العييوارض أو‬
‫القرن الثامن عشر‪ .‬حيث يرى جون لوك أ ّ‬
‫ن ذلك يكون كافي ياً ليجيياد‬
‫ل‪ ،‬عندما يتصور النسان كرة من الثلج‪ ،‬فا ّ‬
‫الكيفيات المحسوسة‪ ،‬فمث ً‬
‫مفهوم البياض والبرودة في الذهن‪ ،‬وهاتان الخاصيتان موجودتان في كرة الثلج‪ ،‬وهي العّلة في‬
‫إيجاد التصور المذكور باسم كيفيات‪ ،‬فهذه الكيفيات فييي كييرة الثلييج بعييد أن تظهيير علييى شييكل‬
‫إحساسات وإدراكات ذهنية تصبح تصورات‪.‬‬
‫والمنبع الخر للتصورات هو طريقة عمل الييذهن‪ ،‬فالتصييورات ميين قبيييل الشييك‪ ،‬واليقييين‪،‬‬
‫والتفكييير‪ ،‬والسييتدلل والرادة والمعرفيية معلوليية وصييادرة عيين هييذا المصييدر البيياطني فييي‬
‫النسان‪ ،‬ول يعني هذا وجود معلومات وتصورات أّولية في الذهن غير ما يرد ميين الحييواس‪،‬‬
‫ن بعض التصورات يستلمها النسان من الحواس الداخلية‪ ،‬فهو يعّبيير عيين الكيفييية‬
‫غاية المر أ ّ‬
‫ن عمييل الييذهن فييي مييورد‬
‫المحسوسيية بالحسيياس‪ ،‬والكيفييية الذهنييية بييالتفّكر‪ ،‬ويييرى لييوك أ ّ‬
‫التصورات البسيطة كما يلي‪:‬‬
‫‪ 1‬ي تلفيق أو تركيب التصورات البسيطة في تصور كّلي واحد‪ ،‬كما في تصّور الذهن‬
‫لمدينة واحدة حيث يسترفد الذهن هييذا التصييور الكلييي ميين كييم كييبير ميين التصييورات الحس يّية‬
‫الجزئية‪.‬‬
‫‪ 2‬ي تلفيق التصورات البسيطة أو تركيبها من دون خلق تركيب كّلي منها‪ ،‬كتصور العلقة‬
‫ب العمل‪ ،‬والب والبن‪ ،‬وأمثال ذلك من المتضادين والمتضايفين‪.‬‬
‫بين العامل ور ّ‬
‫‪ 3‬ي إنتزاع الخصوصيات المشتركة من مجموعة المؤثرات الذهنية أو التصورات‪ ،‬وفي‬
‫النهاية تشكيل مفاهيم كلية انتزاعية ليس لها حقيقة موضوعية في الخارج الواقعي‪.‬‬
‫صة الفلسفة«‪:‬‬
‫ويقول »ول دورانت« في كتابه »ق ّ‬

‫»لقد اقترح جون لوك تطبيق الختيار الستقرائي ووسائل فرنسيس بيكون على علم‬
‫النفس‪ ،‬ولقد ارتّد العقل لّول مّرة في الفكر الحديث على نفسه يختبرها في مقالة لوك العظيميية‬
‫حص الدارة التي ركنت إليها ووضعت‬
‫عن العقل البشري )‪ (1689‬وبدأت الفلسفة في تف ّ‬
‫ثقتها فيها مّدة طويلة‪ ،‬ولم تعد تأتمن العقل‪ ،‬وضعفت ثقتها به‪.‬‬
‫ل‪ ،‬كمييا يقييول‬
‫كيف تبدأ المعرفة وكيف تنشأ؟ هييل لييدينا آراء فطرييية عيين الخييير والشيّر مث ً‬
‫بعض الناس الصالحين‪ ،‬آراء يرثها العقل منذ ولدة الطفل وسابقة لجميييع أنييواع التجربيية؟ لقييد‬
‫ن أحدًا ميين النيياس لييم ييير الي‬
‫خشي علماء اللهوت أن يزول اليمان بال من نفوس البشر‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الراء‬
‫في التلسكوب أو العين المجردة‪ ،‬وفّكروا بإمكانييية تقوييية اليمييان والخلق بييالقول بييأ ّ‬
‫ل نفييس‪ ،‬ولكيين جييون‬
‫الرئيسية التي يقوم عليها اليمان والخلق ُأمور غريزية وفطرية في ك ي ّ‬
‫ل وصالحًا‪ ،‬وعلى استعداد للييدفاع والنقيياش بفصيياحة‬
‫لوك على الرغم من أّنه كان مسيحيًا فاض ً‬
‫ن جميييع أنييواع‬
‫عن معقولية المسيحية لم يقبل هذه الفتراضييات اللهوتييية‪ ،‬فقييد أعليين بهييدوء أ ّ‬
‫المعرفة فينا تأتينا من التجارب عن طريق حواسنا‪ .‬وأن ل شيء في العقل سييوى مييا تنقلييه لييه‬
‫ل شيء‪ ،‬وتأخذ‬
‫ن العقل يكون عند ولدة الطفل كالصفحة البيضاء خاليًا من ك ّ‬
‫الحواس‪ ،‬وقال‪ :‬إ ّ‬
‫الحواس والتجارب في الكتابة على هذه الصفحة بوسائل كثيرة‪ ،‬إلييى أن تلييد الحييواس الييذاكرة‪،‬‬
‫ن الشييياء المادييية‬
‫ل هذا يؤدي إلى النتيجة المفزعة‪ ،‬وهي أّنه باعتبار أ ّ‬
‫والذاكرة تلد الراء‪ ،‬وك ّ‬
‫وحدها هي التي تؤثر على حواسنا‪ ،‬فنحن ل نعرف شيئًا سوى المادة وإّننا يجب أن نقبييل بهييذه‬
‫الفلسفة المادية‪ ،‬فإذا كانت الحواس هي وسائل الفكار‪ ،‬عندئذ تكون المادة بالضرورة هي الييتي‬
‫يستمّد منها العقل أفكاره وآراءه«)‪.(49‬‬
‫ويقول جون لوك نفسه‪:‬‬
‫»علينا أن نصرف النظر والبحث في المتيافيزقيا الغير مجدية حول الروح‪ ،‬وجوهر‬
‫لمور الموصلة إلى نتائج مهما كييانت قليليية‪،‬‬
‫الشياء‪ ،‬والعلل وغيرها‪ ،‬وأن نكتفي بالبحث في ا ُ‬
‫العمال الواقعية والحقيقية هي التي ترتبط بواقعنا اليومي‪ ،‬ونبحث في إدراكاتنا حّتييى نسييتطيع‬
‫لمور«)‪.(50‬‬
‫تنظيم وتطبيق سلوكياتنا وفق مقتضى إدراكنا وفهمنا ل ُ‬
‫وقد أصبحت مقولته الشهيرة‪» :‬العلم والمعرفة يعني المشاهدة« مصدر إلهام بعده للبيياحثين‬
‫والمحّققين‪.‬‬

‫‪ ()49‬قصة الفلسفة‪ ،‬ول دورانت‪ ،‬ص ‪ 391‬ي ‪.320‬‬
‫‪ ()50‬المرّبون العظام‪ ،‬شاتو‪ ،‬جان‪ ،‬ص ‪.140‬‬

‫ن مقييدارًا كييبيرًا ميين المعلومييات‬
‫والنتيجيية الحتمييية المترتبيية علييى هييذه الرؤييية الفلسييفية أ ّ‬
‫والمعارف التي كانت من الثييوابت الفلسييفية لييدى إفلطييون وديكييارت وغيرهمييا ميين الفلسييفة‬
‫يتحّول إلى ركام من الوهام والخيالت المجعوليية‪ ،‬فالمعييارف الييواردة إلييى الييذهن ميين المثييل‬
‫الفلطونييية‪ ،‬أو التصييورات والمعلومييات الفطرييية لييديكارت تصييبح فاقييدة للعتبييار‪ ،‬لّنهييا‬
‫معلومات لم تؤيدها التجربة الحسية‪.‬‬
‫ن جون لوك يعتبر على الصعيد الجتماعي والسياسي طّراح نظرية الديمقراطية الفعلية‬
‫ثّم إ ّ‬
‫في بلد الغرب‪ ،‬وهييي أحييد العوامييل الييتي خلييدت اسييم لييوك فييي رجييال ومؤسسييي الحضييارة‬
‫الحديثة‪ ،‬ومن خلل كتاباته في هذا الصدد يمكن اسييتجلء بعييض الحقييائق النفسييية عيين دوافييع‬
‫النسان ونوازعه الّولية‪ .‬حيث يؤكد لوك في مذهبه السياسي على احترام القانون الذي تضعه‬
‫ن القانون الّولي يقول‪» :‬ل ينبغي لحد‬
‫الحكومة للمجتمع من قبل الجميع‪ ،‬السلطة والشعب‪ ،‬ل ّ‬
‫الضرار بحياة أو سلمة أو حرية أو أموال الخرين«‪ ،‬و »اّنه ل دليل للناس في ترك حالتهم‬
‫الطبيعية وتشكيل المجتمع والنظواء تحييت ظّلييه سييوى مجييازات المجرمييين والخييارجين علييى‬
‫القييانون‪ ،‬والحكوميية ميين دون قييانون تكييون مسييتبّدة وجّبييارة‪ ،‬ولبييّد ميين رفضييها‪ ،‬وإقييرار‬
‫الديمقراطية وحكومة القانون الذي يضعه نّواب الشعب بعد انتخابهم من قبل الشعب‪ ،‬وكذلك ل‬
‫ق للحكومة منع الفراد من الحريات المختلفة العبادييية والنتقادييية وإبييراز الييرأي‪ ،‬وخاصيية‬
‫يح ّ‬
‫الملكيات الخصوصية‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ملحظات‪:‬‬
‫ن الفلسفة وبالخص الفكرية والتنظيييرات النفسييية لعمالقيية الفكيير الغربييي فييي القييرن‬
‫رأينا أ ّ‬
‫السابع عشر تتسم بالتجّدد والحركية والتحّرر ميين ربقيية الفكييار الموروثيية‪ ،‬وهييذه الحاليية وإن‬
‫ل اّنهييا تمّثييل نقطيية إنطلق إيجابييية‬
‫تزامنت مع شيييء ميين التنّكيير للييدين والييتراث اليونيياني‪ ،‬إ ّ‬
‫وضرورية لبناء حضارة جديدة وفاعلة ومتجاوبة مع متطّلبات الحاضر‪.‬‬
‫والمر الخر الملحوظ في هذه المرحلة الفكرية في الحضارة الغربية أّنها على درجة كبيرة‬
‫من اليمان بال تعالى وبنيياء الييذات والييدعوة إلييى المثييل العليييا والقيييم السييامية بأسييلوب جديييد‬
‫يختلف كليًا عن المرتكزات الكنسّية والموروثات اليونانية‪ ،‬بل يمكن القول بأّنها أفضييل وأكمييل‬
‫على الصعيد التوحيدي والعقائدي من الثوابت الغامضة للثالثو المقّدس للمسيييحية‪ ،‬والظيياهر أ ّ‬
‫ن‬
‫الفلسفة السلمية بما لها من زخم فكري وثراء فلسفي قد وجدت طريقها إلييى هييؤلء الفلسييفة‬

‫وأتباعهم من العلماء والمفكرين في تلك الحقبة من الزمييان‪ ،‬ولكيين هييذا ل يعنييي غمييط هييؤلء‬
‫حّقهم وتهميش آراءهم وأفكارهم‪.‬‬
‫على الصعيد النفسي نلحظ تحّركا نحو تأطير هذا العلييم والقييتراب ميين الميييدان التجريييبي‬
‫وخاصة في أفكار جون لوك الذي أنكر على ديكارت القول بفطرية المعلومات العقلييية وأصييّر‬
‫على اكتسابية جميع العلوم والخلق والعادات فييي الفييرد مّمييا مّهييد السييبيل للبيياحثين فييي علييم‬
‫النفس القتراب من الواقع الموضوعي أكييثر وعييدم التنظييير فييي الهييواء الطلييق‪ ،‬وكمييا سييوف‬
‫ل اّنهييا مّتصييلة‬
‫ن النفس رغم كونها مجردة وأمر غير مادي‪ ،‬إ ّ‬
‫يطالحنا في المدرسة السلمية أ ّ‬
‫بالبدن والمادة ومتأّثرة تمامًا في جميع حالتها بالمؤثرات الخارجية‪.‬‬
‫وعلى أّية حال‪ ،‬فالمهم هو أن نستكشف سوابق المدرسة الغربية الحديثة في علم النفس مييين‬
‫خلل ما استعرضناه بصورة مقتضبة ميين تصييورات ورؤى أسيياطين النهضيية الحديثيية للقييرن‬
‫السابع عشر لنصل إلى القرن الثامن عشر مع ثّلة ُاخرى من دعائم الفكر الغربي‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫المصادر‪:‬‬
‫صة الفلسفة ي ويل دورانت‪.‬‬
‫ق ّ‬
‫فلسفتنا ي محّمد باقر الصدر)قدس سره(‪.‬‬
‫سير حكمت در اروبا ي الدكتور فروغي‪.‬‬
‫ب‪.‬ن العظام ي شاتو جان‪.‬‬
‫المر ّ‬
‫مذاهب علم النفس والفلسفات النفسانية ي الدكتور علي زعيتر‪.‬‬

‫الفصل الخامس‬

‫المدرسة الغربية الحديثة‬
‫ق ‪ 18‬م‬

‫‪ - 1‬المدرسة الترابطية‬
‫‪ 2‬ي المدرسة التجريبية‬

‫القرن الثامن عشر والمدرسة الترابطية‬
‫)‪(51‬‬

‫‪ 1‬ـ ديفيد هيوم‬

‫)‪ 1711‬ي ‪1776‬م(‪:‬‬

‫ن الفيلسوف الثاني في قائمة مؤسسييي أّول مدرسيية نفسييية فييي‬
‫بعد جون لوك يمكن القول بأ ّ‬
‫الغرب ي أي مدرسة التداعي أو المدرسة الترابطية ي هو الفيلسوف السكتلندي ديفيد هيوم‪.‬‬
‫ن بحث حقيقة النسان والتركيبة الثنائية من جسد وروح من أهّم المباحث الفلسفية في‬
‫وبما أ ّ‬
‫ن هييذا البحييث ل فييائدة‬
‫ذلك الوقت‪ ،‬فقد رّكز هيوم أبحاثه وتحقيقاته في رّد هذه المقولة‪ ،‬وقال إ ّ‬
‫ل تلعب باللفاظ ولخداع العوام من الناس‬
‫ل البحاث الفلسفية في هذا المجال ما هي إ ّ‬
‫فيه‪ ،‬وك ّ‬
‫ن أّول ما ينبغي لنييا معرفتييه أن نييرى مقييدار قييدرة النسييان علييى‬
‫والتظاهر بالعلم والفلسفة‪ ،‬ل ّ‬
‫المعرفة والعلم‪ ،‬والعلم بدوره يتوّقف على معرفة عقل النسان‪ ،‬لّنه نتيجيية ومحصييول للعقييل‪،‬‬
‫إذًا‪ ،‬فلبّد من استجلء الميزان العقلي الذي نريد بواسطة الحكييم علييى الشييياء‪ ،‬ومعرفيية قييدرة‬
‫القييوى الدراكييية والمعيياني والمفيياهيم والتصييورات الييتي تييدركها عقولنييا وطريقيية السييتدلل‬
‫والفكر‪ .‬وبما أّننا ل نستطيع إدراك حقيقيية الجسييم‪ ،‬وكييذلك حقيقيية النفييس‪ ،‬ولب يّد ميين الرجييوع‬
‫لمعرفة ذلك إلى آثارهمييا‪ ،‬فينبغييي إتخيياذ أسييلوب العلييوم الطبيعييية فييي اكتنيياه العلييوم النفسييية‪،‬‬
‫فالمنهج التجريبي هو الذي يحّقق لنا المراد فييي جميييع العلييوم‪ ،‬وهييو الطريييق الوحيييد للمعرفيية‬
‫الحقيقية‪ ،‬فكما أّنه أثبت جدارته في اكتشاف قوانين الطبيعة‪ ،‬فلميياذا ل نسييتفيد منييه فييي معرفيية‬
‫المجال العقلي وقواعد العقل‪.‬‬
‫وقد يتراءى من فلسفة هيوم في عدم التمّكن من الحاطة بحقيقيية الجسييم أو الييروح أّنييه ميين‬
‫ل أّنه يرفض السفسطة بشّدة‪ ،‬لّنه ل ينكر تحصيل العلم بالحقييائق كمييا ي يّدعي‬
‫السوفسطائيين‪ ،‬إ ّ‬
‫السوفسطائيون‪ ،‬بل يتنّكر لمن يّدعي تحصيله بصورة جازمة ميين دون المشيياهدات التجريبييية‪،‬‬
‫ويقتصر على الفرضيات والخيالت المجّردة‪ ،‬فحّتى علم النفس يجييب أن ل نقتصيير فيييه علييى‬
‫الحدسيات والنظريات الفلسفية ما لم ندعمه بواقع من التجربة‪.‬‬

‫‪ ()51‬ديفيد هيوم من أقطاب المثالية الغربية‪ ،‬ويعتبر كتاب ) طبيعة النسان( من أهّم كتبه الفلسفّية‪ ،‬أّلفه في الثامن‬
‫والعشرين من عمره في فرنسا‪ ،‬ولكن لم يلق رواجًا حينذاك‪ ،‬عاد إلى وطنه واشتغل بالتأليف في مواضيع متعددة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫ل اّنه أفرط في إنكاره لك ّ‬
‫ل‬
‫تاريخ انكلترا‪ .‬وأكثر فلسفته الشكية انتقادية وردود وإشكاليات على المذاهب الفلسفية العقلية‪ ،‬إ ّ‬
‫س من البديهيات والمعقولت‪.‬‬
‫ما وراء الح ّ‬

‫أّما النفس فليست في الواقع سوى مجموعة إحساسات وتصورات متعاقبيية‪ ،‬كمييا هييو الحييال‬
‫ن الييترابط مبنييي علييى قييانون العّليية‬
‫ن النيياس أ ّ‬
‫في الشياء الخارجية الييتي تحييدث متعاقبيية فيظي ّ‬
‫ل أّنييه ميين الناحييية الفلسييفية ل‬
‫ن هذا القانون وان كانت له جنبة تجريبية‪ ،‬إ ّ‬
‫والمعلول‪ ،‬والحال ا ّ‬
‫يمكن إثباته‪ ،‬فنحن ل نرى سوى الحداث المتعاقبيية‪ ،‬ونطلييق علييى المتق يّدم اسييم العّليية‪ ،‬وعلييى‬
‫الخر إسم المعلول‪ ،‬ولكن هذا ل ينفي ضرورة الخذ بقانون العّلية في الواقع المعاش‪.‬‬
‫أّما السبب في تعاقب بعض الظواهر على ظواهر ُاخرى من نوع خاص فييي مييا يظهيير لنييا‬
‫ن الرابط بينهما هو قانون العّلية‪ ،‬فهو مجّرد المشييابهة والمشيياكلة‪ ،‬كمييا هييو الحييال فييي أحلم‬
‫اّ‬
‫اليقظة‪ ،‬فالنسان يجد سيولة في التخيلت الذهنية المترابطة‪ ،‬أحدها يجّر الخر‪ ،‬وليس عّلة له‪،‬‬
‫ن جميع معلوماتنا وتصوراتنا تقوم على أسيياس التييداعي‪،‬‬
‫وبذلك نصل إلى حقيقة مهّمة‪ ،‬وهي ا ّ‬
‫ن منشأ تصّور العّلية في ذهن النسان هو قّوة الخيييال‪،‬‬
‫ل على أساس العّلية والمعلولية‪ ،‬حيث أ ّ‬
‫لولى‪ ،‬ولكن عنييدما‬
‫فحينما نرى أمرًا يتبع أمرًا آخر‪ .‬فاّننا نحمل ذلك على الصدفة في الوهلة ا ُ‬
‫يتكّرر هذا التعاقب بصورة مستديمة بحيث ل يحتمل إنفكاكها نخترع له رابطيية العّلييية‪ ،‬أي ا ّ‬
‫ن‬
‫لمور بصورة متكّررة‪ ،‬ولذا كانت العقيييدة نتيجيية‬
‫قانون العّلية يحصل بسبب العادة في تعاقب ا ُ‬
‫لرسوخ قّوة الخيييال فييي التصييورات الذهنييية بسييبب تعيياقب أكييبر عييدد ممكيين ميين الترابطييات‬
‫الذهنية‪.‬‬
‫لمييور فييي تصييورات‬
‫وهكذا خرج هيوم بقانون التييداعي الييذي يقييوم علييى أسيياس تعيياقب ا ُ‬
‫النسان بأمرين‪ :‬المشابهة‪ ،‬والمجاورة الزمانية والمكانية‪ .‬والهّم منهما قانون المجاورة‪.‬‬
‫ن الدراك الييذهني هييو‬
‫وقد سبقه إلى هييذا المعنييى جييورج بركلييي النجليييزي‪ ،‬حيييث أّكييد أ ّ‬
‫الحقيقة الوحيييدة الييتي يمكيين الطمئنييان بهييا والركييون إليهييا‪ ،‬وهييذا الدراك هييو العلييم الييذهني‬
‫المرّكب من تصورات بسيطة )عناصيير ذهنييية( وميين خلل عمليييات التييداعي ترتبييط بعضييها‬
‫ن هيوم جعل من قانون التييداعي فييي الييذهن‬
‫لاّ‬
‫ببعض لتشّكل التصورات المختلفة في الذهن‪ .‬إ ّ‬
‫ل كّليا في عمل الذهن ونشاطه الفسيولوجي‪ ،‬كما في قييانون الجاذبييية لنيييوتن‪ ،‬يقييول السيييد‬
‫أص ً‬
‫الشهيد الصدر)قدس سره(‪.‬‬
‫ن التأّكد من القيم‬
‫ك على أثر فلسفة )باركلي( يرى أ ّ‬
‫شر بفلسفة الش ّ‬
‫»‪ ...‬دفيد هيوم الذي ب ّ‬
‫ن أداة المعرفيية هييي الييذهن أو الفكيير‪ .‬ول‬
‫الموضوعية للمعرفة البشرية أميير غييير ميسييور‪ ،‬ل ّ‬
‫يمكن أن يحضر في الذهن سوى إدراكييات‪ ،‬وميين الممتنييع أن نتصييور أن نك يّون معنييى شيييء‬
‫جه إنتباهنا إلى الخييارج مييا اسييتطعنا‪ ،‬ولتثييب مخيلتنييا‬
‫يختلف عن التصورات والنفعالت‪ ،‬فلنو ّ‬
‫إلى السماوات أو إلى أقاصي الكون فلن نخطو أبدًا خطوة إلى ما بعد أنفسيينا‪ ،‬ولهييذا فل يمكيين‬
‫أن نجيييب علييى المسييألة الساسييية فييي الفلسييفة الييتي يتصييارع عنييدها المثيياليون والواقعيييون‪،‬‬

‫ن الواقع قائم في الشعور والدراك‪ ،‬والواقعية تؤّكد علييى أّنييه موجييود بصييورة‬
‫فالمثالية تزعم أ ّ‬
‫ن الرّد عليهييا مسييتحيل‪ ،‬فلترجييأ‬
‫موضوعية مستقّلة‪ ،‬والشّكية ترفض أن تجيب على المسألة‪ ،‬ل ّ‬
‫المسألة إلى البد‪.‬‬
‫ك والعبث‬
‫ن )دافيد هيوم( لم يزد على حجج )باركلي( شيئًا‪ ،‬وان زاد عليه في الش ّ‬
‫والواقع ا ّ‬
‫بالحقائق‪ ،‬فلم يقف في شّكيته عند المييادة الخارجييية‪ ،‬بييل أطيياح بييالحقيقتين اللييتين احتفييظ بهمييا‬
‫سي إلى النهاية‪ ،‬فقد اّتخذ لذلك‬
‫)باركلي( في فلسفته ي وهما النفس وال ي تمشيًا مع المبدأ الح ّ‬
‫ل مجموعيية‬
‫ن الجوهر المادي لم يكن فييي رأي بيياركلي إ ّ‬
‫نفس أسلوب باركلي وطريقته‪ ،‬فكما أ ّ‬
‫ل جمليية ميين الظييواهر‬
‫من الظواهر المركبة تركيبًا صناعيًا في الذهن‪ ،‬كييذلك النفييس مييا هييي إ ّ‬
‫الباطنية وعلقاتها‪ ،‬ول يمكن إثبات )النا( ي النفس ي بالشعور‪ ،‬لّنني حين أنفذ إلييى صييميم مييا‬
‫ُاسّميه )أنا( أقع على ظاهرة جزئييية‪ ،‬فلييو ذابييت الدراكييات جميعيًا لييم يبييق شيييء أسييتطيع أن‬
‫ُاسّميه )أنا(‪.‬‬
‫وفكرة )ال( تقوم على مبدأ العّلية‪ ،‬ولكن هذا المبدأ ل يمكن التسليم بصحته بزعم )دافييييد(‪،‬‬
‫س ل يطلعنا على ضرورة بين الظواهر والحوادث‪ ،‬وإّنما ترجع فكرة العّلية إلى مجّرد‬
‫ن الح ّ‬
‫لّ‬
‫عادة‪ ،‬أو إلى لون من ألوان تداعي المعاني‪.‬‬
‫سييية والمييذهب التجريييبي إلييى ذروتهمييا الييتي يؤديييان إليهييا‬
‫وهكذا بلغ )دافيد( بالنظرية الح ّ‬
‫سي والتجريييبي فييي الفكيير‪،‬‬
‫ل من أن يبرهن عن هذا الطريق على رفض المبدأ الح ّ‬
‫طبيعيًا‪ ،‬وبد ً‬
‫إنساق معه حّتى انطلق به إلى النهاية المحتومة«)‪.(52‬‬
‫ن هيييوم يييرى وجييود فييرق‬
‫ونخلص من هذه الرؤية عن التصّورات والمفاهيم الذهنية إلييى أ ّ‬
‫بين التأّثرات والتصّورات الذهنية‪ ،‬فالتييأّثرات تمّثييل العناصيير الحيوييية فييي الييذهن وتشييمل فييي‬
‫مصطلحات علم النفس مييوارد الدراك والحسيياس )أي الحساسييات الييتي يييدركها الفييرد فع ً‬
‫ل‬
‫مثل اللون البيض والخضر‪ ،‬أو الملموسات مثل الحرارة والبرودة والحاسيس الباطنييية مثييل‬
‫ب والبغض وما شاكل ذلك ‪.(...‬‬
‫الح ّ‬
‫سم هيوم المقولت الذهنية والنفسانية إلى ثلث طوائف‪:‬‬
‫وفي الحقيقة يق ّ‬
‫‪ 1‬ي التأّثرات الذهنية )وهي الصل في اكتشاف الحقائق(‪.‬‬
‫‪ 2‬ي التصورات الذهنية )وهي المنبعثة من قّوة الخيال(‪.‬‬

‫‪ ()52‬فلسفتنا ي الشهيد الصدر ي ص‪ 124‬ي ‪.125‬‬

‫سية( وبين التصورات الذهنية‪ ،‬مثل‬
‫‪ 3‬ي النسب الذهنية بين المحسوسات )أي المدركات الح ّ‬
‫مقولة العّلية وسائر البديهيات العقلية غير الكتسابية والتي يرى ديكارت اّنها ذاتية للعقل ومييين‬
‫المخزونات الفطرية‪.‬‬
‫وبينما يرى ديكارت فطرية المعقولت هذه )أي المعقييولت الثانوييية نظييير قييانون العّلييية(‪،‬‬
‫ن ال ي تعييالى هييو الييذي يخلييق‬
‫يرى باركلي الذي أنكر وجود حقائق عقلية فطرية من الساس أ ّ‬
‫س ي ي كمييا تق يّدم ي ي ل يييرى إ ّ‬
‫ل‬
‫ن الح ي ّ‬
‫سي‪ ،‬حيث أ ّ‬
‫فينا هذه التصورات بعد أن عدم مصدرها الح ّ‬
‫التعاقب في المور‪ ،‬والذهن هو الذي يرى وجود مبدأ العّلية في بعييض الحييوادث دون بعييض‪،‬‬
‫سي‬
‫فإذا أنكرنا وجود هذه المعلومات البديهية في الفطرة وفي ذات العقل‪ ،‬وعدمنا مصدرها الح ّ‬
‫ن ال تعالى هو الذي أوجدها في الذهن‪.‬‬
‫ل القول بأ ّ‬
‫من الخارج فلم يبق إ ّ‬
‫ط‪ ،‬وقال‪ :‬ما دمنا قد أنكرنا وجود حقييائق عقلييية فطرييية فييي‬
‫أّما هيوم فقد سار إلى آخر الخ ّ‬
‫ن الحييواس ل تعطينييا‬
‫ل معلوماتنا إّنما هي من مجلوبات الحييواس‪ ،‬وبمييا أ ّ‬
‫نكّ‬
‫ذات النسان‪ ،‬وا ّ‬
‫ل‪ :‬اّننييي حييين أنظيير إلييى شييجرة‪ ،‬فسييوف ل أدرك منهييا‬
‫سوى ظواهر الشياء ل حقائقها‪ ،‬فمث ً‬
‫سوى حجمها ولونهييا‪ ،‬وحينمييا ألمسييها فسييوف ل أدرك منهييا سييوى خشييونة سيياقها أو نعوميية‬
‫ورقها‪ ،‬فما الدليل على وجود حقيقة خارجية وذات موضوعية تسّمى المادة غير هذه الظيييواهر‬
‫ن فكرة ال إّنمييا‬
‫ن ال قد أوجدها فينا فهو حيلة العاجز‪ ،‬ل ّ‬
‫المدركة بالحواس؟ أّما قول بركلي بأ ّ‬
‫ح عندنا قانون العّلييية‪ ،‬وقييد تقيّدم اّننييا ل نييدرك ميين خلل الحييواس سييوى تعيياقب‬
‫ح إذا ص ّ‬
‫تص ّ‬
‫سية‪.‬‬
‫لمور والحداث‪ ،‬وقانون العّلية افرازات المخيلة‪ ،‬ول يرد علينا من مدركاتنا الح ّ‬
‫اُ‬
‫نقد الفكر التجريبي‬
‫خينا النصاف في الحكم علييى هييذه الييرؤى الفلسييفية لكيفييية حصييول المعلومييات فييي‬
‫إذا تو ّ‬
‫الذهن ل نجد بّدا من الذعان للنتائج المثالية التي توصل إليها هيييوم فييي مسيييرته الشيّكية‪ ،‬ل ّ‬
‫ن‬
‫الحواس ل تعطينا أكثر من ظواهر الشياء ل حقائقهييا‪ ،‬فييإذا نفينييا وجييود المعلومييات الفطرييية‬
‫ل منطقيًا على وجييود المعلومييات الفطرييية‪ ،‬فالنتيجيية أ ّ‬
‫ن‬
‫للعقل كما يقول ديكارت ي ولم نجد دلي ً‬
‫سية ل غير‪ ،‬وما عداها فهو وهم وخيال مرّكز‪ ،‬وقييد أوصييله حكييم‬
‫العقل يساوي الدراكات الح ّ‬
‫العادة إلى درجة اليقين‪ ،‬بما فيها قانون العّلية‪.‬‬
‫ونحن في استعراضنا السريع لمقولت فلسفة الغييرب ومفّكريييه بمييا يرتبييط بعلييم النفييس ل‬
‫نجد الفرصة الكافية للجلوس معهم على مائدة الحييوار حيييث ل نبغييي ميين ذلييك سييوى التميياس‬
‫الخيوط الّولية للمذاهب النفسية المطمورة في التراث الفلسفي الغربي‪ ،‬وقد رأينييا كيييف تح يّول‬
‫مجرى التيار المعرفي للنفس والتصورات الذهنية على يد جون لوك وهيوم وهييارتلي وآخرييين‬

‫من المييذهب العقلييي الرسييطي والييديكارتي إلييى المييذهب التجريييبي المييادي‪ ،‬وهييذا الميير لييه‬
‫تداعيات كبيرة على النسق المنهجي للدراسات النفسية‪.‬‬
‫ق لنا الترّيث للستراحة عند آخر مجلوبات هيوم الفلسفية‪ ،‬والجابة الجمالية على‬
‫ولكن يح ّ‬
‫علمات الستفهام للمنهج المعرفي لهذه المدرسة المثالية‪ ،‬فنقول‪:‬‬
‫ل ريب في وجود الفرق بين محض التداعيات الذهنية في المخيلة وفييي أحلم اليقظيية الييتي‬
‫تتسم بعدم الثبات علييى وتيييرة واحييدة وعييدم التسلسييل المنطقييي‪ ،‬وبييين الظييواهر الطبيعييية فييي‬
‫الموضوعات الخارجييية المنسييجمة والمشييدودة بقييوانين حتمييية‪ ،‬وقييد سييبق وأن أثييار الفلسييفة‬
‫الماديون أنفسهم مسألة الختلف بين حوادث الرؤيا المتقّلبة‪ ،‬وحوادث اليقظة الثابتة نسبيًا‪ ،‬فما‬
‫هييو السييبب فييي ثبييات الموضييوعات الخارجييية ميين شييوارع وأشييجار ودور ومحلت تجارييية‬
‫وغيرها عند النتباه من النوم واستدامتها في البعد الزماني والمكاني‪ ،‬وليييس الحييال كييذلك فييي‬
‫ن ال تعالى هو العّلة في هذه التداعيات‬
‫الرؤيا؟ وهذا الفرق هو الذي دعى باركلي إلى القول بأ ّ‬
‫الذهنية في حالة اليقظة بعد أن نفى قانون العّلية‪ ،‬وهذا المعنى وان كان سليمًا من وجهة النظر‬
‫ل حركة‬
‫ل قانون طبيعي وك ّ‬
‫ن ال تعالى هو عّلة العلل‪ ،‬ووراء ك ّ‬
‫السلمية في البعد الفلسفي‪ ،‬فا ّ‬
‫ن هذا ل يتنافى مع القول بوجود ثوابت علمييية وقييوانين طبيعييية تحكييم‬
‫لاّ‬
‫وسكون في العالم‪ ،‬إ ّ‬
‫ن الييذهن‬
‫ل بأسبابها كما فييي الحييديث الشييريف‪ ،‬وكييأ ّ‬
‫لمور إ ّ‬
‫ل أن يجري ا ُ‬
‫ن ال أبى إ ّ‬
‫الكون‪ ،‬فا ّ‬
‫ن هذه القييوانين هييي‬
‫الغربي ل يتسع لتقّبل فكرة ال ووجود القوانين الطبيعية في آن واحد‪ ،‬وكأ ّ‬
‫التي تسّير الكون وفق مرادها وتزاحم ال في إرادته‪ ،‬وكّلما اكتشف العلييم ميين قييوانين الطبيعيية‬
‫شيييئًا‪ ،‬انحسييرت مملكيية الي إلييى مييا وراء ذلييك وهكييذا تبقييى حكوميية الي محييدودة فييي إطييار‬
‫المجهولت‪ ،‬كالشفاء من المرض بصورة عفوية‪ ،‬أو الرزق من حيث ل يحتسب‪ ،‬والنجيياة ميين‬
‫ن القييوانين العلمييية الطبيعييية ل تعنييي القيّوة المحّركيية‬
‫الخطر المحّتم‪ ،‬وأمثال ذلييك‪ ،‬فييي حييين أ ّ‬
‫للعالم‪ ،‬ول تملك سييوى التفسييير للحييوادث المتعاقبيية فييي الكييون‪ ،‬أي اّنهييا تمّثييل البعييد الفكييري‬
‫والتوجيهي للحداث‪ ،‬وتبقى القدرة اللهية حسب التصّور السييلمي هييي الصييل‪ ،‬ولييذا أص يّر‬
‫القرآن الكريم على استنطاق الحوادث الطبيعية في جانبها المعلوم من حركة الرييياح والمطييار‬
‫ودوران الشمس والقمر وتحليق الطير في الفضاء وغيرها كأدّلة وشواهد على قدرة ال وعظيم‬
‫سلطانه‪.‬‬
‫ن هذه المذاهب الثلثة في تفسير التصورات الذهنية قد وصلت إلى طريييق‬
‫ومن ذلك يتبّين أ ّ‬
‫مسدود‪ ،‬ولم تخلص من متاهة توجيه قانون العّلية‪.‬‬

‫ل منطقي لسيل الدراكات المتلحقة في الييذهن فل يمكيين التوغييل‬
‫وإذا لم ننجح في إيجاد ح ّ‬
‫لولييى الييتي نعييبر ميين خللهييا إلييى عييالم النفييس هييي هييذه‬
‫ن القناة ا ُ‬
‫بعيدًا في معرفة النفس‪ ،‬ل ّ‬
‫التصورات الذهنية والتصديقات العقلية‪.‬‬
‫أّما ما ذهب إليه ديكارت ميين فطرييية المعقييولت البديهييية واّنهييا ميين ذاتيييات العقييل وغييير‬
‫اكتسابية‪ ،‬فاّنه يفتقد إلى الدليل‪ ،‬مضافًا إلى عدم وجود معيار ثابت يحّدد لنا ما هييو الييذاتي ميين‬
‫مجمل القضايا البديهية‪ ،‬وما هو غير الذاتي‪ ،‬فل تكون هذه المقولة علمية ويقينية‪.‬‬
‫ل وفييق قييوانين وُاطيير‬
‫وأّما على مذهب باركلي فقد تقّدم أّنه حّتى المشيئة اللهية ل تكييون إ ّ‬
‫متحّركة في عالم الطبيعة‪ ،‬وعلى النسان اكتشافها والستفادة منهييا‪ ،‬وحّتييى الخيييالت والرؤيييا‬
‫ل اّنها لماذا كانت غير ثابتيية وغييير خاضييعة لقييوانين الطبيعيية‪ ،‬وا ّ‬
‫ن‬
‫هي من صنع ال تعالى‪ ،‬إ ّ‬
‫سييره لنييا‬
‫س في عالم اليقظة بعكس ذلك‪ ،‬فهذا مّما ل يف ّ‬
‫لخرى وهي المعلومات الوارد من الح ّ‬
‫اُ‬
‫هذا المذهب‪.‬‬
‫ل لنييا المشييكلة‪ ،‬ويبقييى‬
‫وعندما ينكر هيييوم الييترابط العّلييي بييين الحييوادث المتعاقبيية‪ ،‬فل يحي ّ‬
‫سييية‬
‫السؤال السييابق علييى حيياله فييي الفييرق بييين التصييورات الذهنييية المجيّردة والمييؤّثرات الح ّ‬
‫الطبيعية‪.‬‬
‫وبالمكييان إجمييال نظرييية الفلسييفة المسييلمين‬

‫)‪(53‬‬

‫ن جميع‬
‫في هذا الصدد بأن نقول‪ :‬إ ّ‬

‫س‪،‬‬
‫المعلومات لدى النسان سواء البديهية منها أو النظرية حتم الحصول عليها عن طريق الحيي ّ‬
‫فهي اكتسابية بأجمعها كما يقول التجريبيون‪ ،‬وذلك لقوله تعالى‪) :‬أخرجكم من بطــون ُاّمهــاتكم‬
‫ل تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والبصار والفئدة()‪.(54‬‬
‫لولى ي وهي المشاهدات والمحسوسييات علييى‬
‫ن النسان ومن خلل إدراكه للمعقولت ا ُ‬
‫ثّم إ ّ‬
‫كثرتها واختلف مصادرها وتنوعها يتهّيأ ذهنه إلى إدراك المعقييولت الثانييية المنطقييية‪ ،‬وهييي‬
‫الكّليات المنطقية مثل كّلييي النسييان وكّلييي الحيييوان أو البييياض وأمثالهييا بعييد أن يجّردهييا ميين‬
‫خصوصياتها الجزئية وسماتها الفردية‪ ،‬وهذا التجريد والتعميم ميين مختصييات العقييل البشييري‪،‬‬
‫ول مناقشة فيه‪.‬‬
‫ن الذهن له قدرة ُاخرى على إدراك نوع آخر من المعقولت الثانوية‪ ،‬وهييي المعقييولت‬
‫ثّم ا ّ‬
‫ن هذه لها واقع موضوعي فييي الخييارج‪ ،‬والييذهن ينييتزع‬
‫الثانوية الفلسفية‪ ،‬وفرقها عن السابقة أ ّ‬
‫‪ ()53‬أمثال ابن سينا وصدر المتألهين والعلمة الطباطبائي‪ ،‬وطبعًا هناك الكثير من الحكماء المسلمين لهم آراء شّتى في‬
‫هذا المجال مقتبسيية فييي الغييالب ميين المييدارس اليونانييية وخاصيًة أرسييطو والييتي تييرى فطرييية البييديهيات وعييدم كونهييا‬
‫اكتسابية ‪.‬‬
‫‪ ()54‬سورة النحل‪ :‬الية ‪.78‬‬

‫هذه المفاهيم من الموجود الخارجي مثل الواجب والممكن‪ ،‬بخلف المعقولت الثانوية المنطقية‬
‫التي ل يوجد لها شيء في الخارج وإّنما هي ذهنية محضة مثل كّلي النسان والبياض وما إلى‬
‫ذلك‪ ،‬فقضية )النسان ممكن الوجود( يمكن أن نشير إلى الفرد الخارجي ونقييول »هييذا ممكيين‬
‫الوجود« حيث ينتزع الذهن مفهوم المكان من الوجود الخارجي‪ ،‬وليس كذلك قضية )النسان‬
‫كّلي( كما هو واضح‪.‬‬
‫ن قييانون العّليية والمعلييول ميين المعقييولت الثانوييية ميين القسييم الثيياني أي‬
‫عند ذلييك نقييول‪ :‬ا ّ‬
‫الفلسفية‪ ،‬فالذهن له القدرة على انتزاع هذا القانون من مواضيعه الخارجية‪ ،‬وحاله حال النسييب‬
‫س‪ ،‬فعنييدما يييرى الييذهن‬
‫صييلة بييالح ّ‬
‫التي يقّر بها هيوم في قيام الذهن بتركيب التصورات المتح ّ‬
‫ن شيييئًا عّليية لشيييء آخيير‪ ،‬ل تكييون رؤيتييه هييذه محييض الخيييال‪ ،‬بييل منتزعيية ميين الواقييع‬
‫بييأ ّ‬
‫جيية اّننييا ل نييرى ول‬
‫الموضوعي المتحّرك في الخييارج‪ ،‬وإذا أنكيير هيييوم العييالم الخييارجي بح ّ‬
‫ندرك سوى ظواهر الشياء‪ ،‬وليس لنا طريييق إلييى حقائقهييا‪ ،‬فالييذهن البشييري أيضيًا يييرّد هييذه‬
‫جة عليه‪.‬‬
‫ن وراء هذه الظواهر أمرًا جوهريًا‪ ،‬ويكفي هذا القطع ح ّ‬
‫المقولة بأّنه يقطع بأ ّ‬
‫صل أّنه يمكن تقرير مبدأ العّلية دون الحاجة إلييى الفطرييية الديكارتييية والش يّكية المثالييية‬
‫فتح ّ‬
‫لباركلي وهيوم‪ ،‬فقانون العّلية وان لم يكن موجودًا في حاق الييذهن وصييقع العقييل بييالفطرة‪ ،‬إ ّ‬
‫ل‬
‫أّنه ميين المعقييولت الثانييية الفلسييفية الييتي يكتشييفها الييذهن البشييري ميين الموضييوع الخييارجي‪،‬‬
‫ن الوجود الذهني حقيقة واقعية تطابق الوجييود الخييارجي ميين جهيية‪ ،‬إ ّ‬
‫ل‬
‫وبتعبير فلسفي دقيق‪ ،‬أ ّ‬
‫اّنها ل تقترن مع بعض خصوصياته‪ ،‬فماهية النار الذهنية تطابق الوجود الخارجي للنار ولكيين‬
‫من دون حرارة‪ ،‬والعّلية لها تحّقق ووجود ذهني مطابق لمييا فييي الخييارج ومنييتزع منييه‪ ،‬فهييي‬
‫ليست خيال محض كما تقّدم‪.‬‬
‫وبذلك تفقد المدرسة الترابطية المبّرر الفلسفي لتوكيدها على مسألة التداعي فييي التصييورات‬
‫س دائميًا وعييدم العتميياد علييى القواعييد العقلييية والوجدانييية فييي هييذا‬
‫الذهنية والحتكام إلى الح ّ‬
‫المجال‪.‬‬
‫‪ 1‬ـ هارتلي والمدرسة الترابطية‪:‬‬
‫ب ولم يترك المطالعات الفلسفية‪ ،‬وفي عام‬
‫ديويد هارتلي )‪ 1705‬ي ‪ (1757‬اشتغل بالط ّ‬
‫)‪ (1749‬نشر كتابه »مشاهدات حول النسان« سعى فيه إلى ربط الحقائق المتعّلقة بعلم‬
‫التشريح بالتصورات الفلسفية‪ ،‬وكذلك استفاد أيضًا من فيزياء نيوتن وخاصة في قانون المتعّلق‬
‫بالرتعاش وعمل الذبذبات لتوجيه الفعاليات العصبية والذهنية‪.‬‬

‫سس المدرسة الترابطية‪ ،‬أو مذهب تييداعي المعيياني وقّنيين قييوانينه وح يّدد‬
‫ويعتبر هارتلي مؤ ّ‬
‫ن نظرية التيييداعي‬
‫معالمه بعد أن اقتبس أّولياته من جون لوك وهيوم‪ ،‬وهو أّول من ذهب إلى أ ّ‬
‫تصلح لتفسير جميع أنواع الفعاليات الذهنية‪ ،‬فقد سعى إلييى تفسييير قيّوة الحافظيية‪ ،‬والسييتدلل‪،‬‬
‫والنفعال‪ ،‬والعمال الرادية وغييير الرادييية‪ ،‬والرؤيييا‪ ،‬واللغيية‪ ،‬والصييداقة والعييداوة‪ ،‬وحّتييى‬
‫ل من كتابه‬
‫صص )‪ (99‬فص ً‬
‫الميل الجنسي وميول ُاخرى على أساس قوانين التداعي‪ ،‬وقد خ ّ‬
‫بالمسائل المتعّلقة بعلم النفس‪ ،‬وذهب إلى أّنه لبّد في تييبيين مسييائل ميين قبيييل تش يّكل العييادات‪،‬‬
‫لمييور‬
‫وقدرتها‪ ،‬والنماذج المقبولة في السلوك‪ ،‬والرادة‪ ،‬وتعليييم وتعّلييم المناهييج التدريسييية‪ ،‬وا ُ‬
‫المتعّلقة بالجانب العملي من سلوك الفرد من الخذ بقوانين تداعي المعاني‪.‬‬
‫»حاول الرتباطيون‪ ،‬وهم علماء النفس التقدميون في القرن الثامن ومطع القرن التاسع‬
‫ل العمليات إلى عملية الرتبيياط وحييدها‪ ،‬فتخّلييوا عيين فكييرة »هييوبز« غييير‬
‫عشر‪ ،‬أن يرّدوا ك ّ‬
‫الكافية عن ثبوت الذكريات بالقصور الذاتي‪ ،‬وحاولوا أن يفسروها بربط العملية أو الفكييرة مييع‬
‫لخرى‪ ،‬فإذا ارتبطت عمليتان في خبرة شخص‪ ،‬وكانت إحداهما قد أثارت بعد سبب خارجي‪،‬‬
‫اُ‬
‫لخرى بحكم هييذا الربييط أو التييداعي‪ ،‬وقييد وجييد الرتبيياطيون ميين‬
‫فاّنها بدورها لبّد أن تثير ا ُ‬
‫ن تتابع الفكار في حلم اليقظة يمكن أن يستدعي بارتباطات مكّونيية ميين‬
‫السهل أن يبّينوا كيف ا ّ‬
‫ن رؤية الشيء إذا ارتبطييت فييي‬
‫قبل بين الفكار التي تظهر تباعًا‪ ،‬وأبعد من هذا‪ ،‬فهم يبّينون أ ّ‬
‫ل علييى وجييود الشيييء‪ ،‬كمييا بّينييوا كيييف اّنييه‬
‫الخبرة الشخصية باحساسييه‪ ،‬يمكيين أن تؤخييذ دلي ً‬
‫ن كييثيرًا ميين المخيياوف‬
‫بييدللت كهييذه يمكيين معرفيية حجييم الشييياء وُبعييدها‪ ،‬وذهبييوا إلييى أ ّ‬
‫صل في الطفولة من ترابط أشييياء أو أشييخاص غييير ضيياّرة بأشييياء ُاخييرى‬
‫والكراهات إّنما تتأ ّ‬
‫تثير بطبعها الخوف أو الكره«)‪.(55‬‬
‫قوانين التداعي‪:‬‬
‫سبق وان بحث أرسطو هذه المسألة في الجواب عن هذا السؤال‪ :‬كيف يتّم تصييوير العلقيية‬
‫ن هييذا الرتبيياط‬
‫بين )الف( و )باء( إذا كان )ألف( يذّكر الفرد بي)باء(؟ فقييال فييي الجييواب بييأ ّ‬
‫تارًة يكون »المشابهة«‪ ،‬وُاخرى »التضاّد«‪ ،‬وثالثة »المجاورة«‪ ،‬وبذلك كييان أرسييطو أّول‬
‫من أشار إلى قوانين التداعي‪.‬‬
‫أّما »بركلي« فقد أّكد على أصل »المجاورة« فييي تحليلتييه الفلسييفية للتصييورات الذهنييية‪،‬‬
‫ن الشيء الفيزياوي يحتمل أن ل يكون بييأكثر ميين تراكييم‬
‫وخاصًة المجاورة الزمانية‪ ،‬فقال‪» :‬ا ّ‬
‫‪ ()55‬مذاهب علم النفس والفلسفات النفسانية ي د‪ .‬علي زعيتر ي ص‪.105‬‬

‫ن قييدرة العييادة تييؤّدي إلييى تييداعي تلييك‬
‫الحساسات على صعيد الواقييع التجريييبي‪ ،‬والنتيجيية‪ ،‬أ ّ‬
‫الحساسات في الذهن على التوالي‪ ،‬فالعالم التجريبي الخارجي هو حاصل جمع إحساساتنا«‪.‬‬
‫أّما هيوم فذهب إلى وجود قانونين نهائيين للتداعي‪ :‬أحييدهما المشييابهة‪ ،‬والخيير المجيياورة‪،‬‬
‫سواء كانت زمانية‪ ،‬أو مكانية‪ ،‬كما أّكد على عامل المجاورة بالخصوص‪.‬‬
‫ن الساس في قانون التداعي هو المجاورة‪ ،‬سواء كانت فييي زميين واحييد‪ ،‬أو‬
‫هارتلي يرى أ ّ‬
‫وقعت على التوالي‪ ،‬فهذا الوقوع لحد المعنيين يييؤّدي إلييى تييداعي الخيير إلييى الييذهن‪ ،‬ث يّم أ ّ‬
‫ن‬
‫أصل »التكرار« هو الخر ضروري في موضوع التداعي‪ ،‬وهذا الميير يسييري فييي مجييالت‬
‫ن النفعييالت مييا هييي إ ّ‬
‫ل‬
‫ُاخرى غير الذهن كالعواطف والنفعالت‪ ،‬فعلى سبيل المثال‪ ،‬نرى أ ّ‬
‫تجارب من اللّذة واللم المتداعية عادًة مع بعض الحساسات‪ ،‬وكذلك الحافظة‪ ،‬فهييي نييوع ميين‬
‫التداعي الدقيق‪.‬‬
‫ن الحساسات والرتعاشييات‬
‫أّما عن كيفية سريان التداعي في مقولة الرتعاشات العصبية فا ّ‬
‫س والجهيياز العصييبي تقبييل التقسيييم إلييى اللنهاييية‪ ،‬وهييذه‬
‫العصبية الحاصييلة فييي أعضيياء الحي ّ‬
‫الجزاء اللمتناهية ترتبط فيما بينها بواسطة التداعي‪.‬‬
‫ن التداعي أو الترابط الذهني هو أحد القوى والقابليات الذهنية‪ ،‬والناس تختلف فييي‬
‫ويظهر أ ّ‬
‫ل إرادي يًا‪ ،‬وان كييان‬
‫ح اعتبار التييداعي عم ً‬
‫لخرى‪ ،‬ول يص ّ‬
‫هذه القابلية كما في سائر القابليات ا ُ‬
‫استخدام الرادة في الستفادة الفضل من هذه القابلية الذهنية ل يخلييو ميين تييأثير إيجييابي‪ ،‬ل ّ‬
‫ن‬
‫النسان بإمكانه لييدى معرفيية قييوانين هييذا السييتعداد الفطييري أن يتس يّرع فييي تنضيييج وتفعيييل‬
‫العوامل المؤّثرة في تحصيل النتائج المثمرة من التداعي‪ ،‬كما تسييتخدم حالي يًا أسيياليب مدروسيية‬
‫في تعليم اللغات والمدارس البتدائييية علييى الخصييوص مبتنييية علييى أصييل التييداعي والييترابط‬
‫الذهني‪.‬‬
‫ل‪ ،‬لو أراد حفظ كلمة من لغة أجنبية‪ ،‬ولم يكن مطمئنًا إلى ذاكرته‪ ،‬فاّنه يسعى في إيجاد‬
‫فمث ً‬
‫ى آخيير يكييون آنييس‬
‫الربط بين اللفظ والمعنى لتلك المفردة المعّينة أن يقيم علقة وثيقة مع معن ي ً‬
‫للنفس‪ ،‬ويجعله واسطة لتداعي المعنى الصل من تلك اللفظة‪.‬‬
‫ن النسان له بعدان‪ ،‬مادي وغير مادي‪ ،‬ويعتقييد‬
‫ويعتبر هارتلي فيلسوفًا ثنويًا‪ ،‬أي أّنه يرى أ ّ‬
‫ن البعد الجسماني للنسان لبّد وأن يدرس كما تدرس العلوم الطبيعييية المادييية‪ ،‬وبالنسييبة إلييى‬
‫أّ‬
‫البعد الذهني فاّنه جوهر غير مييادي وتنسييب إليييه جميييع الحساسييات والتصييورات‪ ،‬والّلييذات‪،‬‬
‫ن فعالية الذهن تقوم على أساس ميكانيكي‪.‬‬
‫واللم‪ ،‬وأمثال ذلك‪ .‬وفي الوقت نفسه يرى أ ّ‬
‫كانت هذه خلصة لرؤوس نقاط وملمح عن بداية تحّرك فاعل يتجييه لرسيياء علييم خيياص‬
‫بمعرفة النفس وخاصة الفعاليييات الذهنييية والمسييائل المرتبطيية بييالوعي والكيييان المعرفييي فييي‬

‫النسان‪ ،‬وقد رسمت لنا المدرسة الرتباطييية صييورًا أّولييية عيين دراسييات وتحقيقييات فييي هييذا‬
‫المجال شّكلت منعطفًا هاّما نحو اعتماد التجربة والنتائج المختبرية كأصل في موضوع معرفيية‬
‫ن الفلسفة النجليز من بيكن‪ ،‬ولوك‪ ،‬وهيوم‪ ،‬وغيرهييم ميين رجييال‬
‫النفس‪ ،‬وبذلك يمكن القول أ ّ‬
‫المدرسة الترابطية في علم النفس هم الذين رسموا المنحى الجديد والمنهج الحديث لعلم النفييس‪،‬‬
‫وهّيؤوا الرضية المناسبة لفصله عن الفلسفة فيما بعد‪.‬‬
‫مجمل آراء المدرسة الرتباطية‬
‫ومن مجمل نظريات الفلسفة الرتباطيين يمكن استخلص بعض النتائج المتعلقيية بابحيياثهم‬
‫النفسية في استعراض اجمالي‪ ،‬فمن جهة رأينا أن ابحاثهم تنصب على التذكر والنشاط اليييذهني‬
‫وتحليل الخبرة الشعورية وارجاعها الى الترابط‪ ،‬فكيف يتذكر النسان؟ إنه يتذكر بسبب ارتباط‬
‫الحوادث بعضييها ببعييض علييى طريقييه تييداعي الفكييار‪ ،‬وبينمييا وضييع أرسييطو ثلث مبييادي‪،‬‬
‫للترابط‪ ،‬اقتصر رجال هذه المدرسة على علقة المشابهة والييترابط الزميياني‪ ،‬لن كييل اقييتران‬
‫مكاني لبد أن يقع في الزمان أيضًا‪ ،‬وبذلك فسروا أنواع المحّبة والكراهية والمخاوف وامثالها‬
‫بقوانين الرتباط التي جعل رجال هذه المدرسة النجليز منها اساسًا لمذهبهم في دراسة النفيييس‬
‫باعتبارها العمليات العقلية الوحيدة بعد الحساس‪.‬‬
‫ل مزيجيًا ميين الحساسييات المؤلحيية والمفرحيية والمترابطيية فييي‬
‫النفعالت بدورها ليسييت ا ّ‬
‫وحدات بروابط خاصة‪.‬‬
‫وقد تطور المذهب الترابطي فيما بعييد علييى ايييدي رجييال الترابطييية الجديييدة ولكيين مفهييوم‬
‫الترابط فقد محوريته ومركزيته في مجمل دلبحاث النفسية‪ ،‬واضحى احد المفاهيم المقبولة في‬
‫ل في تفسير‬
‫علم النفس بصورة عامة بعد أن دخلت مدارس ونظريات جديدة أقدر وأكثر مشمو ً‬
‫الظواهر النفسية‪ ،‬في النسان‪ .‬ومن جهيية اخييرى نييرى ان الربطيييون الجييدد يعييترفون بقييانون‬
‫العلية في المجال النفسي كما هو الحال في العلوم الطبيعية خلفًا لما وجدناه عن هيوم‪.‬‬
‫ولذا فهم يبدؤون ميين عملييية تك يّون الروابييط واسييبابها‪ ،‬ثييم يقيسييون قييوة الروابييط بواسييطة‬
‫الستدعاء المتأخر فهم يشرعوا من السباب والشييرائط تيصييلوا الييى النتييائج بينمييا لحظنييا أن‬
‫الربطيين القدامى بدأوا من النتائج ليصلوا الى اسبابها والكشف عنها‪.‬‬
‫ويمكيين أن نع يّد »ثورنويييك« و»بيياخلوف« وامثالهمييا ميين الربطيييين الجييدد‪ .‬وان كييانت‬
‫المدرسة السلوكية ي كما سيأتي ي قييد اعتمييدت علييى نتييائج تحقيقاتهمييا فييي بنيياء اسييس المييذهب‬
‫السلوكي‪ ،‬واعتبرتهما من علماء السلوكية‪.‬‬

‫ن المدرسة الترابطية أو تداعي المعاني قد أصييبحت قديميية‪ ،‬بييل أقييدم مدرسيية‬
‫وبالرغم من إ ّ‬
‫ن فكرة التداعي ما زالت حّية وفاعلة في كثير من أبواب علم النفييس‬
‫لاّ‬
‫في المجال النفساني‪ ،‬إ ّ‬
‫التربوي‪ ،‬أو التعليمي كما سنرى‪.‬‬
‫* * *‬

‫)‪(1‬‬
‫القرن التاسع عشر وإستقلل علم النفس‬
‫جه إلييى النمييط التجريييبي فييي علييوم الفسيييولوجيا‬
‫يتمّيز هذا القرن بالزيادة الملموسة في التو ّ‬
‫وسائر العلوم الطبيعية‪ ،‬حّتى أفييرز هييذا المنهييج التجريييبي وضييوح فييي المعييالم والييرؤى لييدى‬
‫العلماء والباحثين بعيدًا عن منهج التأّمل والبرهان الجدلي الذي كان سائدًا فيما سبق‪ ،‬حيث أخذ‬
‫العلماء ومن جملتهم علماء النفس يوجّهون السئلة وعلمات الستفهام إلييى الظييواهر الطبيعييية‬
‫والحيوية ويجرون التجارب والمشيياهدات المختبرييية للتأّكييد ميين صييحة القتراضييات فييي هييذا‬
‫المجال والخروج بنتائج مقنعة ومطمئنة‪ ،‬فتّم الكشف عن كييثير ميين القضييايا الييتي ترتبييط بعلييم‬
‫النفس من قبيل كيفية البصار وسرعة الصوت والضوء والكشف عن الييدورة الدموييية وتييأثير‬
‫الهرمونات التي تفرزها الغدد الصّم‪ ،‬وبعض فعالّيات المخ ودوره في السيطرة علييى الفعاليييات‬
‫والنشاطات الجسمية والذهنية وشبكة العصاب وسرعة التيار العصبي وما إلى ذلك‪.‬‬
‫صييل إلييى اكتشيياف‬
‫وكان لهذا المنهج التجريبي ميزته على المنهييج التييأملي السييابق بييأّنه تو ّ‬
‫حقائق علمية هاّمة ل تقبل الرّد وخاصة في المجال الفسيولوجي حيث دعمها بالتجارب الكثيرة‬
‫على الحيوان والنسان‪ ،‬مّما دفع ببعض الباحثين إلى الستفادة من هذا المنهج الجديد في خدمة‬
‫علم النفس بشكل خاص‪ ،‬فكان ان توّلد في أواخر هذا القييرن أّول مختييبر للعلييوم النفسييانية فييي‬
‫المانيا‪.‬‬

‫)‪(2‬‬
‫المدرسة التجريبية )المحتوى(‪:‬‬
‫وكما كانت انجلترا في القييرن السييابق رائدة فييي الدراسييات النفسييية علييى مييذهب المدرسيية‬
‫ن المانيا في هذا القرن‪ ،‬أي القرن التاسع عشيير سييبقت انجلييترا وسييائر الييدول‬
‫الترابطية‪ ،‬نجد أ ّ‬
‫الوربية في المنهج التجريبي وتأسيس ثاني مدرسة نفسية باسم المدرسة التجريبية‪ ،‬أو مدرسيية‬
‫المحتوى »لهتمامها بالمحتوى الييذهني للفييرد« أخييذت علييى عاتقهييا دراسيية النفييس النسييانية‬
‫وقضايا السلوك والتعليم والتربية والنفعالت والعواطف على أساس المنهج التجريييبي الجديييد‪،‬‬
‫وأخذ رجال هذه المدرسة وهييم ميين اللمييان غالب يًا أمثييال‪ ،‬فييونت‪ ،‬وفخنيير‪ ،‬وتيجنيير‪ ،‬وغيرهييم‬
‫بالستفادة من آراء ونظريات علماء الحياء والفسلجة وخاصًة داروييين‪ ،‬وأقيياموا مييذهبًا جديييدًا‬
‫لخييرى‪ ،‬وثيّم فصييل علييم النفييس كّليييا عيين‬
‫في علم النفس يوازي في منهجه العلييوم الطبيعييية ا ُ‬

‫الفلسفة وصارت له علئمه ومختبراته وعلميياؤه ودراسيياته جنب يًا إلييى جنييب مييع سييائر العلييوم‬
‫لخرى‪.‬‬
‫الطبيعية ا ُ‬
‫ولبّد للمزيد من التفاصيل عن المدرسة التجريبييية هييذه ميين اسييتجلء بعييض الحقييائق عيين‬
‫رجالها والدعامات الفكرييية الييتي تقييوم عليهييا‪ ،‬والنتييائج الييتي أفرزتهييا فييي تحقيقاتهييا العلمييية‪،‬‬
‫ومجلوباتها على الصعيد العلمنفسي ‪ ..‬أّما رجالت هذه المدرسة‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ هلم هلتز بـ)‪ 1821‬ـ ‪:(1894‬‬
‫هلم هلتز‪ ،‬من كبار علماء القرن التاسع عشر‪ ،‬وله أكييبر عييدد ميين التحقيقييات فييي الفيزييياء‬
‫ن علم النفس يأتي بالدرجة الثالثة من اهتماماته العلمية‪ ،‬ومييع ذلييك‬
‫والفسلجة وعلم النفس‪ ،‬أي ا ّ‬
‫كانت لتحقيقاته في قياس النتقال العصبي في حاستي السمع والبصر أثر كبير ودور فاعل فييي‬
‫تفعيل علم النفس التجريبي‪.‬‬
‫ن حركة العصاب آنية وفورية‪ ،‬أو على القييل ل يمكيين قياسييها‬
‫ن في السابق أ ّ‬
‫وقد كان يظ ّ‬
‫ل أن قييام ولّول م يّرة بقييياس مقييدار سييرعة التح يّرك‬
‫بالوسائل العلمية‪ ،‬فما كان من هلم هلتز إ ّ‬
‫العصبي‪ ،‬من خلل التجييارب الييتي أقامهييا علييى الضييفادع وتحريييك عصييب الحركيية فييي قييدم‬
‫الضفدعة وقياس زمن الثارة والحركة ونتيجة الحركة بدّقة بالغة‪ ،‬وكذلك الحال في العصاب‬
‫سية للنسان وزمان الحركة النعكاسية للعصاب‪ ،‬فقد قام بتجارب ميين هييذا القبيييل ودرس‬
‫الح ّ‬
‫سييي‪ ،‬إلييى اسييتجابة العضييو‬
‫في تحقيقاته دورة كاملة للحركة العصبية ميين تحريييك العضييو الح ّ‬
‫الحركية‪.‬‬
‫وهذه الثباتات في المجال العصبي استلزمت حقائق ُاخرى على صعيد الفكر والحركة واّنه‬
‫ن أحدهما يّتبع الخر‪ ،‬ل أّنهما يحدثان في وقييت واحييد كمييا كييان‬
‫يمكن قياس الفاصلة بينهما وأ ّ‬
‫يتصّور سابقًا‪.‬‬
‫أعمال هلم هلتز في مجال الرؤية والبصييار كييان لهييا تييأثير عميييق فييي إيجيياد علييم النفييس‬
‫بالمنهج العملي التجريييبي‪ ،‬وكييذلك فييي نظريتييه حييول رؤييية اللييوان الييتي طرحهييا لّول ميّرة‬
‫»توماس يونغ«‪ ،‬ثّم تحقيقاته في مجال الصوات وحاسة السمع وإدراك الموجات الصوتية‬
‫ل ذلك ترك آثاره العلمييية علييى دراسييات علييم النفييس فيمييا بعييد فييي هييذه‬
‫البسيطة والمركبة‪ ،‬ك ّ‬
‫المجالت‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ ارنس وبر‪ 1795» :‬ي ‪.«1878‬‬

‫تركزت تحقيقات ارنست وبر على عمييل الحييواس‪ ،‬وخاصيًة حاسييتي السييمع والبصيير‪ ،‬لقييد‬
‫أّثرت تجاربه الفسيولوجية البحيياث النفسييية المتعلقيية بييالمؤثرات الخارجييية وكيفييية السييتجابة‬
‫الحسّية لها‪ ،‬بحيث زاد من ربط عجلة علم النفس بالعلوم الطبيعية‪ ،‬وأضعف إرتبيياطه بالفلسييفة‬
‫إلى حّد كبير‪.‬‬
‫ن وبر لييم يكيين يهت يّم لمعطيييات تجيياربه ميين جانبهييا العلمنفسييي‬
‫وكما رأينا في هلم هلتز‪ ،‬فا ّ‬
‫ن علماء النفس استفادوا كثيرًا من‬
‫لاّ‬
‫)السيكولوجي(‪ ،‬بل بما لها من قيمة فسيولوجية‪ ،‬إ ّ‬
‫تحقيقاته‪ ،‬ل سّيما المتعّلقة في التحقيق حول إشكالية إرتباط البدن والييذهن‪ ،‬وكييذلك بييين المييثير‬
‫والستجابة‪ ،‬فكانت لها وقعًا غير متوّقع في الوسط المعرفي والتجريبي آنذاك‪.‬‬
‫لقد كانت تحقيقات وبر تجريبية بتمام معنى الكلمة‪ ،‬وهذا ما فتييح آفاق يًا جديييدة للبيياحثين فييي‬
‫علم النفس وأّكد مقولة إمكانية الحصول على نتييائج ومعطيييات علمييية مختبرييية علييى الصييعيد‬
‫النفساني‪ ،‬فقييد رصييد وبيير المييثير أو المحيّرك بدّقيية فكييان يغّيييره بشييكل منظّييم ويلحييظ آثيياره‬
‫المتنوعة في النفعالت النفسية والستجابات العصبية‪ ،‬ويسجل النتائج المتحصيّلة‪ ،‬ثيّم أضييحت‬
‫هذه التجارب المختبرية رافدًا علميًا للباحثين لمواصلة هذا المنهج في التحقيق النفسي‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ جوستاف فخنر )‪ 1801‬ي ‪:(1887‬‬
‫ل بتحقيقاته الفلسفية‪ ،‬حيييث تعمييق فيييه الشييعور الييديني‬
‫خلل سنوات مديدة كان فخنر منشغ ً‬
‫ب على معرفة الرابطة التي تربييط بييين الييذهن‬
‫وازداد حّبا وتعّلقا في معرفة الروح والنفس فأك ّ‬
‫ن مسلكه الروحي جذبه‬
‫لاّ‬
‫)النفس( والبدن‪ ،‬وبالرغم من أّنه كان عالمًا رياضيًا وفيزياويًا‪ ،‬إ ّ‬
‫إلى البحث الفلسفي عن الروح وما وراء الطبيعة‪ ،‬وقيل اّنه تحّول إلييى هييذا المسييلك علييى أثيير‬
‫ن نشيير أّول كتيياب فلسييفي لييه عييام ‪1851‬‬
‫أزمة نفسية شديدة حدثت له عام ‪ ،1839‬فكييان أ ّ‬
‫تحّدث فيه عن سريان الشعور لدى الكائنات كاّفة‪ ،‬فالرض موجييود حييي ومييدرك وهييي ُاّمنييا‪،‬‬
‫ن الروح ل تموت‪ ،‬وسعى بما ُاوتي من ممارسة في العلييوم الطبيعييية إلييى توضيييح الرابطيية‬
‫وا ّ‬
‫ن المحّرك والمثير يكييون عييادةً ميين النييور‪ ،‬الصييوت‪ ،‬الييوزن‪ ،‬ومييا‬
‫بين الروح والماّدة‪ ،‬وبما أ ّ‬
‫سييية‬
‫شاكل ذلك وكّلها تدور في مدار الماّدة‪ ،‬والحساس في النسان والمتأّثر بهذه المثيرات الح ّ‬
‫ل شيء لبّد من قياس مقدار الحساس‪.‬‬
‫المادية من مقولة الروح أو يرتبط بها مباشرًة‪ ،‬فقبل ك ّ‬
‫فكان من فخنر أن استفاد لذلك من تجارب »وبر« في هذا المجال‪ ،‬وكانت حصيلة تحقيقاته‬
‫ن الروح والبييدن وجهييان لحقيقيية واحييدة فييي الصييل‪،‬‬
‫ودراساته في هذا المجال أن ذهب إلى ا ّ‬
‫فالروح تمّثل البعد الباطني للحقيقة‪ ،‬والبدن بعدها الظاهري‪ ،‬فهما كالدائرة في تحّدبها وتقعّرها‪،‬‬

‫فهي مقعّرة من جانبها الداخلي‪ ،‬ومحّدبة من الخارج‪ ،‬وهما مرتبطان أشيّد الرتبيياط‪ ،‬بييل اّنهمييا‬
‫من زاوية أمر واحد‪.‬‬
‫ن شهرة فخنر ليست لجل نظرياته الفلسفية‪ ،‬بل لتحقيقيياته وتجيياربه علييى الصييعيد‬
‫وطبعًا‪ ،‬ا ّ‬
‫البدني النفسي‪ ،‬أي الجسمنفسي‪ ،‬فقد سعى إلى إثبات رؤاه الفلسفية بالمنهج التجريبي‪ ،‬ففي عيييام‬
‫‪ 1850‬خطر في ذهن فخنر القانون الكّمي لشكالية إرتباط الذهن والبدن‪ ،‬بين الحساسات‬
‫ل زيادة فييي شيّدة المييثير ل تسييتوجب‬
‫الذهنية والمحّركات الجسمية الخارجية‪ ،‬بالشكل التالي‪ :‬ك ّ‬
‫ن زيادة شّدة المحّرك والمثير لو كانت بصيييورة‬
‫زيادة بذلك المقدار على صعيد الحساس‪ ،‬بل أ ّ‬
‫ل‪ ،‬إضييافًة صييوت‬
‫ن شّدة الحساس تكييون بصييورة تصيياعدية عددييية‪ ،‬مث ً‬
‫تصاعدية هندسية‪ ،‬فا ّ‬
‫ل له تأثير على الحساس أكييثر ميين إضييافة جييرس إلييى عشييرة‬
‫ق قب ً‬
‫جرس على جرس كان يد ّ‬
‫ل‪ ،‬فعلى هذا الساس ل تكون شّدة المحركات أو المثيرات مطلقة من هذه‬
‫ق قب ً‬
‫أجراس كانت تد ّ‬
‫الجهة‪ ،‬بل ترتبط بمقدار الحساس الموجود سابقًا‪.‬‬
‫سط والهام في الوقت نفسه من ناحية علمية خرج علماء النفس بنتيجة‪ ،‬وهييي‬
‫بهذا البيان المب ّ‬
‫ن مقدار الحساس )أي الخصوصييية الذهنييية( تبتنييي علييى مقييدار المييثير )أي الخصوصيييات‬
‫اّ‬
‫الجسمانية والمادية(‪ ،‬فلذا‪ ،‬ومن أجل قياس مقدار التغيير‪ ،‬أو الزيادة الكمية في الحساس يجييب‬
‫قياس مقدار التغيير أو مقدار زيادة المثير الخارجي‪ ،‬لن أحدهما مبتن على الخيير‪ ،‬أو بعبييارة‬
‫ن الحساس مبتن على المحّرك الخارجي‪ ،‬وبهييذا الييترتيب أمكيين ربييط العييالم المييادي‬
‫ُاخرى‪ :‬ا ّ‬
‫بالعالم الذهني من الناحية الكمية‪ ،‬وهدم الجدار الحائل بين الجسم والذهن بهذه المقولة‪.‬‬
‫وكان كشف فخنر هذا في إثبات وجود الرتباط الكّمي بين شّدة المحّرك والحساس يعّد في‬
‫ذلك الوسط العلمي بمثابة كشييف قييانون العتلت وسييقوط الجسييام لجيياليلو ميين حيييث الهمييية‬
‫والفوائد المترتبة عليه‪ ،‬حيث أّدى سعي فخنر إلى إمكانية قياس الذهن والفعاليات الذهنييية لّول‬
‫مّرة بعد أن كانت من المحالت‪.‬‬
‫ن »وبر« قد سبق فخنر بعض الشيء في تحقيقاته التجريبية في هذا المجييال‪،‬‬
‫وبالرغم من أ ّ‬
‫ن المشكلت وتراكمات العمل وقعت على عاتق فخنر الذي أوضح إشييكالية الرتبيياط بييين‬
‫لأّ‬
‫إّ‬
‫العالم المادي والروحي بشكل معادلت رياضية ضرورية في الدراسات النفسية‪.‬‬
‫ن أبحيياثه امتييدت إلييى عييالم مييا‬
‫لأّ‬
‫ن فخنر قد درس عند وبر فترة من الزمان‪ ،‬إ ّ‬
‫ول يخفى أ ّ‬
‫وراء الطبيعة وأّدت إلى تثوير فكري فييي الوسييط الفلسييفي والفسيييولوجي‪ ،‬ومييا زالييت إثباتيياته‬
‫العلمية محل بحث وقبول لدى العلماء‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ ويلهلم فونت )‪ 1832‬ي ‪ (1920‬والمدرسة التجريبية‪:‬‬

‫من خلل ما تقّدم في تصوير المسار المعرفي لعلم النفس لبّد وان نصل إلييى هييذه النتيجيية‬
‫الحتمية المترتبيية علييى المنهجييية التجريبييية لعلميياء الغييرب‪ ،‬وهييي إسييتقللية علييم النفييس عيين‬
‫الفلسفة‪ ،‬وتغيير المنهج التأّملي والبرهاني العقلي فييي الفلسييفة إلييى التجريييبي فييي دائرة العلييوم‬
‫النفسية‪ ،‬ولبّد أن يصدع أحد العلماء بهذا الميير‪ ،‬ويتحّمييل عييب التأسيييس لهييذا العلييم‪ ،‬ولملميية‬
‫المفردات المتناثرة ونتائج التجارب السالفة وصّبها في بوتقة واحدة في إطارها الجديد‪ ،‬وهو ما‬
‫قام به »فونت« بتأسيسه أّول مختبر للدراسات النفسية التجريبية في المانيييا عييام ‪ 1879‬في‬
‫مدينة ليبزيج‪ ،‬وهو أّول معمل مزّود بأجهزة خاصة لجراء التجارب علييى الحييواس المختلفيية‬
‫من سمع وبصر ولمس وكييذلك علييى كيفييية التييذّكر والتعّلييم والتفكييير والنتبيياه وقييياس سييرعة‬
‫النبض والتنّفس في حالت النفعال‪ ،‬وخاصًة بعد أن أمكن قياس فعالّية الذهن والشعور بتوسط‬
‫فخنر‪ ،‬فمنذ ذلك الحين أمكن لعلم النفس أن يتّبوأ مكييانه بييين العلييوم الطبيعييية كعلييم مسييتقل لييه‬
‫موضييوعاته ورجيياله ومختييبراته الخاصيية‪ ،‬وتهّيييأ لمدينيية ليبزيييج أن تقييام فيهييا أّول أكاديمييية‬
‫صص بدراسة هذا العلم بما توافد عليها من طلب وهواة هذا العلم للسييتفادة ميين ُاسييتاذهم‬
‫تتخ ّ‬
‫»فونت«‪.‬‬
‫أّما السبب في عدم نسبة هذا الفتح العلمي إلى فخنر مع إذعان المؤرخين في علم النفس إلى‬
‫ن عمل فخنيير‬
‫ن فونت نفسه قال‪» :‬إ ّ‬
‫أهمية أبحاثه وتحقيقاته في تطوير وترشيد هذا العلم حّتى أ ّ‬
‫كان بداية المشروع في علم النفس التجريبي«‪ ،‬ولول تجارب فخنر لكان من المسييتبعد ج يّدا أن‬
‫سييس لهييذا‬
‫تقوم لعلم النفس ركائز علمية وإثباتات فكرية في ذلك الحين‪ ،‬إذًا‪ ،‬لماذا لم يذكر كمؤ ّ‬
‫العلم وباني دعائمه؟‬
‫الواقع اّنه لبّد من التمييز بين مقولة »البتكار« ومقوليية »التأسيييس«‪ ،‬فمييا قييام بييه فخنيير‬
‫ومن سبقه فييي هييذا المجييال ميين إثباتييات علمييية وتجييارب مضيينية يييدخل فييي مقوليية البتكييار‬
‫والكتشاف لمفردات متناثرة في موضوع العلم‪ ،‬فلم يكن فخنيير بصييدد تأسيييس علييم جديييد فييي‬
‫كشوفاته تلك‪ ،‬ول أدعى ذلك‪ ،‬بل كان هّمه إيجاد الرابطة بين العالم المادي والروحي والسيييعي‬
‫لثبات الوحييدة المفهومييية بييين الييذهن والبييدن‪ ،‬وكييذلك كييانت الكشييوفات والبتكييارات السييابقة‬
‫للعلماء النجليز واللمان‪ ،‬أّما عنوان التأسيس‪ ،‬فهييو أن يقييوم أحييد العلميياء بجميييع البتكييارات‬
‫المتناثرة هذه وإفراغها في إطار موضوعي واحد مع سبق إصرار وتّفهم لما يقوم بييه‪ ،‬أي مييع‬
‫علمه وإصراره على خلق ُاطروحة متكاملة ومنسجمة تجمع بين النظريات السييابقة والتجييارب‬
‫السالفة‪ ،‬وترميم النواقص وسّد الثغرات والعلن المداوم عن ُاطروحته هذه‪ ،‬وهذا مييا قييام بييه‬
‫فونت‪ ،‬عندما قال في بداية كتابه »علم النفس الفيزيولوجي« عام ‪» :1874‬ما أقوم به الن‬

‫من العلن لعموم الناس‪ ،‬إّنما هو محاولة لبراز مدار جديييد ميين العلييم ‪ «..‬وأّيييد كتييابه هييذا‬
‫سسه لهذا الغرض‪.‬‬
‫على الصعيد التطبيقي بإنجازه أّول معمل أ ّ‬
‫‪ 5‬ـ ادوارد تيجنر‪ 1867» :‬ي ‪«1927‬‬
‫ولد تيجنر في انجلترا‪ ،‬وعاش في امريكا‪ ،‬ويعتبر من أشهر رجال المدرسة التجريبييية لعلييم‬
‫النفس‪ ،‬فبعد أن درس علم النفس مّدة سنتين فييي ل يبزيييك علييى يييد »فييونت«‪ ،‬سييافر امريكييا‬
‫وعمل فيها ُاستاذًا لعلم النفس في جامعة آكسفورد‪ ،‬وأنشأ مختبرًا لجراء التجارب والفحوصات‬
‫والتحقيقات العلمية في المجال النفسي مّما أسهم كثيرًا في تطوير الحركة العلمية التجريبية فيييي‬
‫هذا المجال‪ ،‬وأّلف عّدة كتب ومقالت في صدد التعريف بهذا العلم الجديييد والشييادة بالمدرسيية‬
‫التجريبية والدفاع عنها حّتى أّنه قيل فييي المييذهب التجريييبي اّنييه مييذهب تيجنيير‪ .‬وبييالرغم ميين‬
‫ن المييذهب‬
‫لأّ‬
‫جيية‪ ،‬إ ّ‬
‫نشوء مذاهب ُاخرى في هذا العلم أكييثر اسييتيعابًا لمسييائل العلييم وأقييوى ح ّ‬
‫ل ولو في الظاهر ما دام تيجنر على قيد الحياة‪ ،‬فلّمييا مييات ميياتت معييه‬
‫التجريبي بقى حّيا وفاع ً‬
‫المدرسة التجريبية وأخلييت مكانهييا للمدرسيية الوظيفييية‪ ،‬والسييلوكية‪ ،‬ومدرسيية التحليييل النفسييي‬
‫وغيرها‪.‬‬
‫موضوع علم النفس التجريبي وأهدافه‪:‬‬
‫سييية‪ ،‬كمييا هييو‬
‫ن معلومات النسان حصيلة التجربة والمييدركات الح ّ‬
‫لّما كان )فونت( يرى أ ّ‬
‫الحال في النظرة الفلسفية المادية التي سادت الوساط العلمية الغربية في ذلك الحين‪ .‬فقد ذهب‬
‫ن موضوع هذا العلم الجديد يتمحور في »التجربيية بل واسييطة« فييي مقابييل موضييوعات‬
‫إلى أ ّ‬
‫لخرى »التجربة مع الواسطة«‪.‬‬
‫العلوم الطبيعية ا ُ‬
‫ن العلييوم الطبيعييية تييدرس المفييردات‬
‫والمييراد ميين التجربيية بل واسييطة أو مييع الواسييطة‪ ،‬أ ّ‬
‫والموضييوعات الخارجييية بتوسييط التراكمييات الذهنييية ميين التصييورات السييابقة والمحصييولت‬
‫لولييى علييى‬
‫ل‪ ،‬فهي تعتمد بالدرجيية ا ُ‬
‫ب مث ً‬
‫الفكرية القبلية‪ ،‬كما هو الحال في علم الفيزياء والط ّ‬
‫المخزون الذهني من ركام هائل من اللغات والتصورات المقتبسة ميين الخييارج‪ ،‬كمييا لييو رأينييا‬
‫سيارة سوداء‪ ،‬وحكمنا بأّنها سوداء‪ ،‬أو من النوع الفلني‪ ،‬أو قّيمنا ثمنها وما شاكل ذلك‪ ،‬حيييث‬
‫تعتمد هذه المعلومات على تصورات مسبقة عيين اللييون والنييوع والقيميية‪ ،‬أّمييا لييو فتحنييا البيياب‬
‫وركبنييا فيهييا‪ ،‬فالحسيياس النفسييي والدراك الييذهني لهييذه التجربيية ل يتوّقييف علييى إدراكييات‬
‫ومعلومات مسبقة‪ ،‬بل هو إدراك آني وبدون واسطة‪.‬‬

‫وكذلك في الحساس بوجع السن‪ ،‬فهو علم نفسي وبييدون توسييط تصييورات مسييبقة‪ ،‬بخلف‬
‫ما لو قال الشخص‪ :‬اّنني أشعر بوجع السن‪ ،‬فهنا نقف أمام تجربة مع الواسطة‪.‬‬
‫وهذا المعنى يتوافق مع مقولة الحكماء من تقسيم العلم إلييى حضييوري وحصييولي‪ ،‬والمييراد‬
‫من العلم الحضوري ما يشعر فيه النسان بالمعلوم لذاته‪ ،‬أي يّتحد فيه العالم والمعلييوم‪ ،‬فالعييالم‬
‫هو النفس والمعلوم هو النفس أيضًا كما في أشكالية اللّذة واللم والحالت النفعالية ميين الفييرح‬
‫والحزن والغضب وما شاكل ذلك‪ .‬والعلم الحصييولي بخلف‪ ،‬أي علييم النسييان بالموضييوعات‬
‫الخارجية‪.‬‬
‫أّما تيجنر‪ ،‬فلم يلتزم بهذا التحديد لموضوع علم النفس‪ ،‬أو بعبارة ُاخرى‪ ،‬وضييع الموضييوع‬
‫ن جميييع العلييوم لهييا‬
‫وهو التجربة في إطار آخر أكثر مقبولية ميين السييابق‪ ،‬حيييث ذهييب إلييى أ ّ‬
‫ل علم إّنما‬
‫موضوع واحد‪ ،‬وهو الجانب التجريبي من اتصال النسان بالعالم الخارجي‪ ،‬ولكن ك ّ‬
‫يدرس التجربة في بعد خاص وجهة معينة‪ ،‬وبصورة مستقلة عيين إدراكاتنييا الذهنييية والنفسييية‪:‬‬
‫فالوزن يقاس بالغرام‪ ،‬والحرارة تقاس بالدرجة المئوييية‪ ،‬والمسيياحة تقيياس بالسييانتيمتر وهكييذا‪،‬‬
‫ل هذه المقيياييس بحاليية المحّقييق أو المجيّرب النفسييية‪ ،‬فهييي مقييادير ثابتيية‪ ،‬ول‬
‫ول علقة في ك ّ‬
‫ل أم بالغًا‪ ،‬سليمًا أم سقيمًا‪ ،‬جاه ً‬
‫ل‬
‫تتغّير بتغّير الحالة الذهنية أو النفسية للنسان‪ ،‬سواء كان طف ً‬
‫أم عالمًا‪ ،‬فالماء يغلي بدرجة مائة مئوية‪ ،‬ول ربط له بالنسان‪.‬‬
‫أّما في العلوم النفسية فيختلف الحال كثيرًا‪ ،‬لّنه لّما كانت النفييس تخضييع لمتغّيييرات بيئوييية‬
‫ومزاجية وفاقد لعنصر الثبات‪ ،‬فالحكييام الييتي يصييدرها الييذهن متغيييرة كييذلك‪ ،‬فالبطيخيية ذات‬
‫ن الفرد الواحييد يجييد هييذه المتغيييرات‬
‫الكيلوين ثقيلة بالنسبة للطفل‪ ،‬وخفيفة للرجل النشيط‪ ،‬بل ا ّ‬
‫في الحكم على الشيء الواحد عند اختلف الظروف الموضوعية‪ ،‬فلو وضعنا عدد من الحصى‬
‫ل معتييدًا بييه‪ ،‬أّمييا لييو‬
‫يبلغ وزنها كيلو غرامًا واحدًا فييي علبيية صييغيرة أو كيسيًا لوجييدنا لهييا ثق ً‬
‫وضعنا نفس هذه الحصوات في جعبة كبيرة‪ ،‬لما وجدنا لها وزنًا يذكر‪ ،‬السيياعة الموجييودة فييي‬
‫غرفة النتظار بالقياس مع الساعة الموجودة فييي صييالون السييهرة‪ ،‬نلحييظ اّنهمييا بييالرغم ميين‬
‫تساويهما من الناحية الفيزياوية في حساب الوقت وعدد الدقائق والساعات‪ ،‬ولكن في الدراسات‬
‫لولى أبطأ من الثانية‪ ،‬وهكذا‪.‬‬
‫ن حركة العقارب في ا ُ‬
‫النفسية نحكم بأ ّ‬
‫فالزمان والمكان والوزن لها مقاييسها الثابتة في العلوم الطبيعية‪ .‬أّمييا فييي علييم النفييس فهييي‬
‫متغّيرة بتغّير الحالت النفسية للفراد‪.‬‬
‫ن الدراك هييو حاصييل جمييع‬
‫ن الدراك والذهن موضوعان لعلم النفييس‪ ،‬غاييية الميير أ ّ‬
‫ثّم إ ّ‬
‫التجارب الشخصية في لحظة معينة وآن واحد‪ ،‬والذهن هو حاصييل جمييع التجييارب الشخصييية‬
‫المتراكمة طيلة فترة الحياة‪.‬‬

‫ل شيء في حاليية‬
‫ن الواقع متغّير دائمًا‪ ،‬وك ّ‬
‫ولّما كانت أصدق الحقائق في عالم التجربة هي أ ّ‬
‫صل علماء النفس التجريييبيون إلييى هييذه النتيجيية‪،‬‬
‫حركة مستقيمة فل شيء ثابت إطلقًا‪ ،‬فقد تو ّ‬
‫ل في عالم ما وراء الطبيعيية‪ ،‬أّمييا فييي‬
‫لمور الثابتة والمعاني غير المتغّيرة ل توجد إ ّ‬
‫ناُ‬
‫وهي أ ّ‬
‫لمور المادية أو الذهنية النفسية‪ ،‬والنتيجيية هييي‬
‫ل جوهر متغّير‪ ،‬سواء كان من ا ُ‬
‫عالمنا هذا‪ ،‬فك ّ‬
‫ن الذهن يكون على هذا الساس عبارة عن المجموع الكّلي للمتغيرات التي تعتمد على الجهاز‬
‫أّ‬
‫العصبي‪ ،‬وهو إشارة إلى الموضوع المبحوث عنه في حالة تغيير وسيلن وحركة دائمية‪.‬‬
‫وبهذا يكون الدراك قسمًا من جريان الذهن وحركتييه‪ ،‬أي أّنييه المجمييوع الكّلييي للمتغّيييرات‬
‫الذهنية في الحال الحاضر والزمان الحال‪.‬‬
‫وفي الوقت الذي يكون الموضوع الصل لعلم النفس هو الذهن‪ ،‬يكييون الموضييوع المباشيير‬
‫ن حركة الييذهن‬
‫ق‪ :‬اّننا ل يمكننا رصد إدراك واحد مّرتين‪ ،‬ل ّ‬
‫لهذا العلم هو الدراك‪ ،‬وببيان أد ّ‬
‫ن إدراكنا بييالمس ل يعييود أبييدًا‪ ،‬ولكيين مييع‬
‫في سيلن وجريان وحركة دائبة‪ ،‬فلذا نحن نعلم بأ ّ‬
‫ل باسم علم النفس مثل سييائر العلييوم الطبيعييية مييع فييارق‬
‫ن لدينا علمًا مستق ً‬
‫ذلك يمكننا القول بأ ّ‬
‫الموضوع المتغّير لهذا العلم‪.‬‬
‫أهداف علم النفس التجريبي‪:‬‬
‫ذكرت ثلثة أهداف لعلم النفس التجريبي‪:‬‬
‫‪ 1‬ي تحليل عناصر الدراك المتغّيرة إلى أّولياتها الصلية‪.‬‬
‫‪ 2‬ي بيان كيفية إّتصال هذه العناصر‪.‬‬
‫‪ 3‬ي تعيين قوانين هذا الّتصال‪.‬‬
‫ل علم هي العثور على أجوبة للستفهامات الكيفية‪ ،‬ثّم معرفة السييباب الكامنيية‬
‫فالغاية من ك ّ‬
‫وراء الظواهر المختلفة‪.‬‬
‫بالنسبة إلى علم النفس فالهدف منه هييو تحليييل وتجييزئة التراكمييات الذهنييية إلييى عناصييرها‬
‫البسيطة الّولية‪ ،‬ثّم تأتي مرحلة تركيب هذه العناصر في تجارب كثيرة وتحت شييرائط معينيية‪،‬‬
‫وبذلك يتمّكن عالم النفس من معرفة ماهية النظم والنسق المتييوفر فييي هييذه الييتراكيب الذهنييية‪،‬‬
‫ومعرفة قوانينها‪ ،‬مع التحّفظ بعض الشيء عن الخير‪ ،‬أي اّننا بامكاننا تحصيل ركام هائل من‬
‫ل عن تركيب اللوان واللحان وتأثيرهييا فييي النفييس‪،‬‬
‫المواصفات العلمية للمتغيرات الذهنية مث ً‬
‫ل اّنه من العسير أن نخرج بقانون علمي في المتغيرات الذهنية‪ ،‬كما في الفيزييياء أو الكيمييياء‬
‫إّ‬
‫مثل قانون الجاذبية أو تركيب العناصر وتعميمه إلى جميع الحالت‪.‬‬

‫والحاصل هو أّنه وللوصول إلى الهدف النهائي وهو استخدام السييلوب العلمييي والتجريييبي‬
‫في علم النفس لبيّد ميين معرفيية علييل الظييواهر النفسييية والجابيية علييى السييتفهامات المتعّلقيية‬
‫بالسباب والمسّببات مضافًا إلى تحليل الظواهر وتفسيرها‪.‬‬
‫ولّما كان الهدف الّولي لعلم النفس معرفة علل الظواهر والمتغّيرات الذهنييية‪ ،‬ول يعقييل أن‬
‫تكون بعض محصولت الذهن عّلة للبعض الخر‪ ،‬لّننا نلحظ حصول معلومات جديييدة تماميًا‬
‫لخييرى ل‬
‫عند تغّير المحيط‪ ،‬كأن نسافر إلى بلد لم نره من قبل‪ ،‬والمحصولت العصبية هييي ا ُ‬
‫يمكن أن تكون عّلة لمحصولت الذهن‪ ،‬فنصل إلى أصييل التييوازي بييين النفييس والبييدن‪ ،‬وهييذا‬
‫خل‬
‫ن المتغّيرات المرتبطة بمحصولت العصاب والذهن تسير جنبًا إلييى جنييب دون تييد ّ‬
‫يعني أ ّ‬
‫لأّ‬
‫ن‬
‫ل عن إرتباط دقيق بينهما‪ ،‬فهما وجهان وصييورتان لتجربيية واحييدة‪ ،‬إ ّ‬
‫أحدهما في الخر إ ّ‬
‫أحدهما ليس عّلة للخر‪ .‬وبهذا يتحّقق لنا العلم ببعض الشرائط في تكييوين التصييورات الذهنييية‬
‫ل تشخيص العلل لها‪.‬‬
‫أّما المحصولت العصبية‪ ،‬أي مجلوبات الجهاز العصبي فييترتبط مييع الخييارج بنظييام العّليية‬
‫والمعلول كسائر العلوم الطبيعية‪ ،‬وتخضع لمؤثرات خييارج البييدن‪ ،‬وليييس كييذلك المحصييولت‬
‫الذهنية‪ ،‬لّننا نعلم بعدم إنطباق الذهن على الحوادث الطبيعية التي تقع في الخارج)‪.(56‬‬
‫ن علم النفس في منظور رجال هذه المدرسيية هييو علييم الشييعور والييوعي‪ ،‬أي‬
‫والخلصة‪ ،‬إ ّ‬
‫تجاربنا الداخلية في مقابل الموضوعات الخارجية‪ ،‬ولذا يسّمى هذا المذهب في علم النفس بعلييم‬
‫النفس المحتوى أيضيًا نظييرًا لهتمييامه بمحتويييات الييذهن والشييعور وتجزئتهييا إلييى عناصييرها‬
‫الّولية‪ ،‬فيرى تيجنر أن الهدف من هذا العلم هو تحليل محتويييات الييذهن‪ ،‬فمهميية عييالم النفييس‬
‫هي القيام بتشريح الذهن كما في عمليات تشريح الجسد‪ ،‬وإكتشاف عناصييره وأجييزائه ومعرفيية‬
‫كيفية تركيبها والروابط الحاكمة عليها‪ ،‬والعناصر الّولية هي‪ :‬الحييواس‪ ،‬التصييورات الذهنييية‪،‬‬
‫الحساسييات‪ ،‬والخطييوة التالييية هييي معرفيية كيفييية تركييب هييذه العناصيير مييع بعضييها لتشييكيل‬
‫العواطييف والنفعييالت وسييائر المحصييولت الذهنييية‪ ،‬والخطييوة الثالثيية هييي معرفيية القييوانين‬
‫الحاكمة عليها كما تقّدم‪) ،‬ويلحظ اختزال النفس النسانية لدى هؤلء العلماء في اطييار الييذهن‬
‫فقط‪ ،‬وذلك لعدم ايمانهم بوجود الروح أو النفس المجردة(‪..‬‬
‫ن المدرسة الوظيفية في علم النفييس كييانت قييد بييدأت تبسييط سيييطرتها علييى الوسيياط‬
‫وبما أ ّ‬
‫ن تيجنيير لييم يييأل جهييدًا فييي دعييم وتقوييية‬
‫العلمية وتدحض بذلك مباني مدرسة المحتوى‪ ،‬لذا فا ّ‬
‫مذهبه النفسي وبيان أوجه الخلل في المدارس الجديدة ولكن دون فييائدة تييذكر‪ ،‬فقييد كييانت هييذه‬
‫‪ ()56‬مذاهب علم النفس‪ ،‬مكتب التنيق بين الحوزة والجامعة‪ ،‬ج ‪ ،1‬ص ‪ 102‬ي ‪.124‬‬

‫ن المل كبير في تداوم علم النفس‬
‫ن تيجنر كان يؤّكد أ ّ‬
‫لاّ‬
‫لفول والضمحلل‪ .‬إ ّ‬
‫المدرسة آيلة ل ُ‬
‫بالستمرار على المنهج الذي وضعه فونت‪ .‬وعييداه ميين المناهييج والمييذاهب النفسييية ليييس لهييا‬
‫علقة بعلم النفس مثل علم النفس الوظيفي والوراثي والفردي والتطبيقي والحصائي وغيرهييا‪،‬‬
‫لّننا قبل أن نعرف الذهن ومحتوياته ل نحصل على شيء باسم علم النفس‪.‬‬
‫اّما منهجية العمل والسلوب الذي تراه هذه المدرسة في عملها للتوصل إلى النتائج العلمية‬
‫جه الفرد إلى ما يجري في داخله من‬
‫في تحقيقاتها‪ ،‬فهو المنهييج » الستبطاني« بأن يتو ّ‬
‫تصورات وانفعالت‪ ،‬ويقوم العالم بتسجيل مييا يعكسييه الفييرد عيين عييالمه البيياطني ميين حييالت‬
‫ن الفرد في هييذه الحاليية‬
‫نفسية مثل الغضب والحزن والمعاني المتداعية في الذهن‪ ،‬والخلصة ا ّ‬
‫ل ما يدور بخلده وخياله من إحساسات وعواطف وتصورات وغيييير‬
‫ينكفي على نفسه ليصف ك ّ‬
‫ذلك‪ ،‬وهذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن معها دراسة النفس النسييانية حسييب تصييور فييونت‬
‫وأتباعه‪.‬‬
‫وليس هذا المنهج بالمر اليسير‪ ،‬فلبّد لمن يريد إجراء عملية الستبطان علييى الفييراد ميين‬
‫إجراء تمرينات مسبقة كثيرة تؤهله لتسييجيل اللقيياءات ومعرفيية نوعيتهييا وكيفييية الحكييم عليهييا‬
‫وطريقيية تييوجيه السييئلة وغييير ذلييك‪ ،‬وأّمييا متعّلقييات السييتبطان فهييي الدراك‪ ،‬والتييداعي‪،‬‬
‫ل ذلك هو عنصر الحساس‪.‬‬
‫والحافظة‪ ،‬والحالت العاطفية‪ ،‬والتفّكر‪ ،‬والهم من ك ّ‬
‫ل‪ ،‬عندما يراد إقامة تجربة على عمل إحدى الحواس‪ ،‬يقييوم المحّقييق بييإيراد مييثير علييى‬
‫فمث ً‬
‫أحد أعضاء الحواس‪ ،‬كضوء خاص‪ ،‬أو أمواج صوتية معينة‪ ،‬أو روائح مهيجة‪ ،‬أو مركب من‬
‫نييوعين أو أكييثر ميين المييثيرات ثيّم يطلييب ميين الشييخص المييراد تجربتييه الفضيياء بإحساسيياته‬
‫وتصوراته وخلجات نفسه إثر ذلك‪ .‬وقد ذكر فونت لجراء هذا المنهج قانونًا من أربع مواد‪:‬‬
‫‪ 1‬ي أن يكون المشاِهد )المحّقق( عالمًا بوقت إجراء التجربة وقادرًا على إجرائها‪.‬‬
‫‪ 2‬ي أن يكون المشاَهد )َمن يراد اختباره( مستعّدا لذلك وفي حالة وعي تام‪.‬‬
‫‪ 3‬ي أن يكون بالمكان تكرار المشاهدة وإعادة التجربة‪.‬‬
‫‪ 4‬ي أن تكون الظروف الموضوعية للتجربة قابلة للتغّير كيما يتيسر دراسة المثيرات‬
‫المتغّيرة بدّقة‪ ،‬أي يتّم تغيير المثير أو المحّرك ودراسة التغييرات الحاصلة من جّراء ذلك على‬
‫الفرد‪.‬‬
‫ولذا تعتبر التجربة المختبرية عبارة عن المشاهدات المنفصييلة والمتغّيييرة والقابليية للتكييرار‪،‬‬
‫ل للتكرار والمشاهدة كييانت النتييائج أفضييل‪ ،‬وكّلمييا أمكيين التغّلييب‬
‫فكّلما كانت التجربة أكثر قبو ً‬
‫على النقائص والعوامل المزاحمة والجنبية تّم تنفيذ عملية الستبطان بشكل أفضل وأسهل‪.‬‬

‫تقييم المدرسة التجريبية‪:‬‬
‫ن فونت وتلمذته وضعوا بمدرستهم التجريبية هذه الّلبنات الساسية لكاّفة المدارس‬
‫كأّ‬
‫لشّ‬
‫النفسية‪ ،‬ورسييموا لعلييم النفييس الخطييوط والمعييالم الرئيسييية بمختييبراتهم وأسيياليبهم فييي البحييث‬
‫واستكناه الحقائق حول الذهن والحساس ومجموعة التصورات الذهنية والنفعالت النفسية بما‬
‫جعل منها مادة أّولييية للدراسييات البعدييية لعلميياء النفييس‪ ،‬فحّتييى بعييد ُأفييول نجييم هييذه المدرسيية‬
‫لخييرى درجييت فييي تحقيقاتهييا علييى ضييوء القواعييد والمرتكييزات‬
‫ن المييدارس ا ُ‬
‫ومنسوخيتها فا ّ‬
‫ل مفرداتييه‬
‫والسلوب لمجلوبات فونت وتيجنر‪ ،‬وبطلن ونسخ مذهب معّييين ل يعنييي بطلن كي ّ‬
‫ل‪ ،‬بقي منهج الستبطان كأحييد روافييد المرّكييب المعرفييي لعلييم‬
‫العلمية ومجلوباته المعرفية‪ ،‬فمث ً‬
‫النفييس وان بطييل المفهييوم النحصيياري بييه‪ ،‬وبقييي الييذهن وتصييوراته كأحييد أقطيياب وأركييان‬
‫لخرى في دراساتها محاور غير الذهن في رسييم الشخصييية‪،‬‬
‫الشخصية وان تناولت المدارس ا ُ‬
‫لخرى بجهود رجال مدرسة المحتوى هييذه‪،‬‬
‫ل حال‪ ،‬أخذ علم النفس مكانه بين العلوم ا ُ‬
‫وعلى ك ّ‬
‫ومن ليبزيك إنطلق تلمذة فونت لتأسيس مختبرات نفسية في امريكا وسييائر الييدول الوربييية‪،‬‬
‫ونشطت الدراسات النفسية بسرعة عجيبة‪ ،‬فلم تمض أكييثر ميين عشييرين أو ثلثييين سيينة حّتييى‬
‫كانت الجامعات الغربية تخّرج المئات واللف ميين علميياء النفييس‪ ،‬وأضييحت معييالم المييدارس‬
‫لّم واضحة في منهجها ورؤاها ومختصاتها الفكرية‪.‬‬
‫النفسية ا ُ‬
‫ن هذه المدرسة في علم النفس قد ضمنت لها رصيد البقاء في الوساط‬
‫ن ذلك ل يعني أ ّ‬
‫لأّ‬
‫إّ‬
‫العلمية‪ ،‬بل سرعان ما تشعبت عنها مذاهب ُاخرى أكثر حيوية وأوسييع شييمولية‪ ،‬واتخييذت ميين‬
‫المدرسة التجريبية غرضًا لسهامها ومرمى لنبالها فلم يكتب لهييا البقيياء زمن يًا أطييول‪ ،‬وأّمييا مييا‬
‫يؤخذ على هذه المدرسة فُامور كثيرة تتعّلق بالهدف والمنهج والنتائج المتحصلة من تحقيقاتهييا‪،‬‬
‫فمنها‪:‬‬
‫‪ 1‬ي مسألة إنفصال هذا العلم عن الفلسفة والحاقه بالعلوم الطبيعية والتجريبية‪ ،‬والقول‬
‫لخييرى‬
‫بالتقاطع التام والتباين الكامل بينهما كما أّكدت عليه هذه المدرسيية النفسييية والمييدارس ا ُ‬
‫ل مناقشة وتأمل‪ ،‬فقد يكون هذا المعنى صحيحًا بالنسبة إلى العلوم الطبيعية لختلف‬
‫أيضًا‪ ،‬مح ّ‬
‫المنهج والهداف والموضوع‪ ،‬إذ أّنها عبارة عن قوانين مستقّلة عيين فكيير النسييان وتصييوراته‬
‫ل‪ ،‬إ ّ‬
‫ل‬
‫سييي مث ً‬
‫صة‪ ،‬وقد تكون لبعض أبحاث علم النفس هذه الستقللية أيضًا كييالدراك الح ّ‬
‫الخا ّ‬
‫ن الكثير من فصوله وأبوابه كمباحث الدراك العقلي والعواطف والهدفية من الحياة والجبرييية‬
‫أّ‬
‫في السلوك و‪ ..‬من المباحث التي لها ارتباط مباشر بالبحاث الفلسفية‪.‬‬

‫ن النظرة الفلسفية للفرد عن الحياة والكون والوجود لها دخييل كييبير فييي كافيية‬
‫وببيان آخر‪ :‬أ ّ‬
‫مفاصل حياته النفسية‪ ،‬وأساسًا ل يمكن دراسة هذه المواضيييع بعيييدًا عيين الرؤييية الميتافيزيقييية‬
‫للنسييان‪ ،‬وخاصييًة بعييد أن ثبييت بالوجييدان وميين خلل التحقيقييات التجريبييية وجييود البعييد‬
‫الميتافزيقي في النسان على شكل غريزة العبادة والرغبة في الخلود وطلييب حسيين الييذكر بعييد‬
‫الموت وأمثال ذلك‪ ،‬وهذه المطالب لبّد في دراستها من سلوك المنهج العقلي الفلسفي لتسيياميها‬
‫على التجربة كما هو واضح‪.‬‬
‫‪ 2‬ي هناك من أخذ على هذه المدرسة القول بتحليل وتفكيك الذهن إلى عناصره الّولية‪ ،‬أي‬
‫ن هييذا التفكيييك قييد يض يّيع‬
‫النظرة الميكانيكية لمحتويات الذهن والدراك بشكل عام‪ ،‬في حييين أ ّ‬
‫ن المحتوى الذهني والنفسي يؤخييذ ككييل ل يتج يّزأ‪ ،‬ولييو قمنييا بعملييية‬
‫علينا المحتوى بالكامل‪ ،‬إ ّ‬
‫تفكيكه وتجزئته لنعييدم الصييل‪ ،‬كالميياء عنييدما ينحييل إلييى عناصييره الّولييية ميين لهيييدورجين‬
‫والوكسجين‪ ،‬يفقد خصائصه ومميزاته بالكامل‪ ،‬فمن شأن التجربة النفسية أن تؤخذ ككييل ويت يّم‬
‫دراستها بهذه الكيفية للخروج بالنتائج المطلوبة‪.‬‬
‫ن قصر الموضوع لعلم النفس على الدراك والذهن ومحصولتهما اختزل علم النفس‬
‫‪3‬يإّ‬
‫كثيرًا‪ ،‬وجعله يتقوقع في دائرته الذهنية الواعية‪ ،‬ولزم ذلييك خييروج علييم النفييس الطفييل‪ ،‬علييم‬
‫النفس الحيوان‪ ،‬علم النفس السريري )المراض النفسية( و‪ ..‬عن دائرة موضييوع علييم النفييس‬
‫ن غييرض علييم النفييس هييو النسييان البيييض الراشييد‬
‫كما صّرح بذلك تيجنر نفسه حيييث أّكييد أ ّ‬
‫ضر‪.‬‬
‫والمتح ّ‬
‫‪ 4‬ي أشّد ما واجهته مدرسة المحتوى من نقود هي الشكاليات المتعّلقة بمنهج التحقيق الذي‬
‫يعتمييد علييى عملييية السييتبطان فييي اكتشيياف عناصيير الييوعي والدراك والمحتييوى الييداخلي‬
‫للنسان‪.‬‬
‫ن لهذا المنهج حسناته ومجلوباته اليجابية على المستوى التجريبي من سهولة‬
‫وبالرغم من أ ّ‬
‫إجرائه من جهة‪ ،‬فهو ل يتطّلب شخصية معينة أو ثقافة عالية‪ ،‬ول يتح يّدد بمكييان أو زمييان أو‬
‫ظروف معينة يصعب توفيرها‪ ،‬ومن جهة ُاخرى قابليته للتنقيييح المسييتمر للوصييول إلييى نتييائج‬
‫ل أّنه في الوقت نفسه يكتنف بعييض الشييكاليات تجعلييه دون المسييتوى المطلييوب ميين‬
‫أفضل‪ ،‬إ ّ‬
‫حيث العتماد على معطياته العلمية‪ ،‬وأهّم هذه الشكاليات‪:‬‬
‫ن الباحث والشيء المبحييوث والييذي يييراد اختبيياره يتحيّدان فييي عملييية السييتبطان‪،‬‬
‫أ ي بما أ ّ‬
‫ن النا متحدة هنييا مييع الحاليية‬
‫فالشخص في هذه العملية يدرس نفسه وتصوراته‪ ،‬وببيان آخر‪ :‬إ ّ‬
‫ن الق يّوة المخيليية وافييرازات‬
‫النفسية‪ ،‬فلذا من العسير أن نخرج بملحظات مطمئنة وموثوقة‪ ،‬ل ّ‬
‫النفعالت والعواطف وعوامل ُاخرى مثل الحياء وتّوقع العقوبة‪ ،‬أو ميل النسان إلى التغاضي‬

‫عن سلبياته وغيرها تتدخل في صياغة الخطاب النهائي‪ ،‬ول يمكن الطمئنييان إلييى موضييوعية‬
‫النا في تحليلها وإخبارها عن نفسها دائمًا‪ ،‬وفي جميع الفراد‪.‬‬
‫ب ي ي اختلف نتييائج السييتبطان بييين المثّقييف وغيييره‪ ،‬والرجييل والمييرأة‪ ،‬والطفييل والبييالغ‪،‬‬
‫والمريض والمعافى في التجارب المماثلة يجعل ميين الصييعب الخييروج بقييانون كّلييي يسييتوعب‬
‫كافة الحالت‪.‬‬
‫ن النفس البشرية من العمق والتعقيد وتشابك الدوافع الشعورية واللشعورية ما يجعلها‬
‫جيإّ‬
‫ل محاولت الستبطان‪ ،‬فنحن ل نعرف أنفسنا بشكل دقيق وخاصة بعد اكتشاف‬
‫شموسة على ك ّ‬
‫عالم اللشعور ودوره الفاعل في تسيير الفرد والتحّكم في طاقاته وخلجات نفسه‪ ،‬وحينئذ كيييف‬
‫لمور وتفاصيل مجريات الحداث الداخلية واستنطاقها وإبرازهييا إلييى‬
‫يتسّنى لنا معرفة دقائق ا ُ‬
‫ن هذا المعنى ل يكيياد يتييوّفر‬
‫لاّ‬
‫السطح؟ ولو فرض إمكانية ذلك بالتأّمل والتعّمق المستمرين‪ ،‬إ ّ‬
‫عن عامة الناس الذين يميلون إلى السطحية وعدم النظر الدقيق والفاحص‪.‬‬
‫د ي ما ذكره »كانت« اللماني على هذا المنهج‪ ،‬وكذلك )إجوست كونت( قبله ميين أّننييا لييو‬
‫أردنا التأّمل في عمل الذهن ومشاهدة التجارب الذهنية حين وقوعها‪ ،‬فييذلك يسييتلزم أن يتوّقييف‬
‫الذهن حينها‪ ،‬فل يعّد هناك شيء موجود للدراسة والمشاهدة‪ ،‬وإن لم يتوّقف الييذهن فل تتحّقييق‬
‫ن التصورات الذهنية متغّيرة ومتحّركة ول تقف عند نقطة معينيية ليمكيين‬
‫المشاهدة‪ ،‬فنحن نعلم أ ّ‬
‫تصويرها وتركيز الضواء عليها‪.‬‬
‫ومثل ذلك يقال عيين حييالت النفعييال النفسييي مثييل الغضييب والفييزع الشييديد والهييياج الييتي‬
‫ل والنتباه إلى الذات مّما يفقد‬
‫تستوجب ملحظتها ومعاينتها بواسطة الفرد نفسه من الترّيث قلي ً‬
‫النفعال حرارته وطغيانه‪ ،‬فنخسر بذلك تصوير هذه النفعالت وهي فييي القّميية‪ ،‬وتييأتي نتييائج‬
‫المشاهدة الباطنية غير متطابقة مع الحدث المقصود بالدراسة والتجربة‪.‬‬
‫ل أن يقال‪ :‬اّننا في هذه الصورة نعتمد على الحافظة لسعافنا بما حصل ميين خلجييات‬
‫اللهّم إ ّ‬
‫وتصورات وافرازات نفسية حال النفعال‪ ،‬ولكيين قييد تعكييس لنييا الحافظيية بعييض الشيييء عيين‬
‫مدخولت النفس في تلك الحالة‪ ،‬وقييد ل تسييعفها الييذاكرة فييي أغلييب الحيييان‪ ،‬ويمحييو الييوعي‬
‫والعودة إلى الذات ما طرأ من متغيرات ل تتواصل مع القراءة الواعية عن الذات‪.‬‬
‫ولهذه السباب‪ ،‬وكذلك ضرورة الستبطان في الدراسات النفسية بحيث ل يمكيين السييتغناء‬
‫عنه‪ ،‬طرح »ريبو« الفرنسي )‪ 1839‬ي ‪ (1916‬منهج » الستبطان الموضوعي« كيما‬
‫يستوعب ميدان الستبطان الطفل والمرأة والمريض وغيرهم‪ ،‬وتقوم نظرية ريبو على اللجيييوء‬
‫طل المرض‬
‫ل قد يع ّ‬
‫إلى المقارنة‪ ،‬فيعمد في التجربة إلى تعطيل عامل من عوامل الظاهرة‪ ،‬فمث ً‬

‫ل واحييدًا‪ ،‬وميين ثّميية تجييوز المقارنيية لنتييبّين الفييرق بييين المتغّيييرات فييي المريييض‬
‫العقلي عام ً‬
‫طل وأهميته في النفس‪.‬‬
‫والسليم‪ ،‬ومن الفرق بين نفسيتهما تتبّين دور هذا العامل المع ّ‬
‫ن العوامييل النفسييية تش يّكل فيمييا بينهييا وحييدة متجانسيية‪ ،‬ومركب يًا يختلييف فييي‬
‫ل أّنييه تق يّدم أ ّ‬
‫إّ‬
‫خصائصييه وسييماته عيين عناصيير تشييكيله كمييا فييي المركبييات الكيماوييية‪ ،‬فل يتسيّنى للعوامييل‬
‫لخرى أن تلعب دورها في معزل عن بقية العوامل‪ ،‬فهناك تداخل وتأثير متبادل بين الجييزاء‬
‫اُ‬
‫ل من جهة ُاخييرى‪ ،‬وقييد يقييوم عامييل آخيير بالنيابيية عيين ذلييك العامييل‬
‫من جهة‪ ،‬وبينها وبين الك ّ‬
‫المفقود ويييؤّدي دوره ويقييوم بوظييائفه الصييلية‪ ،‬فنفقييد بييذلك الدّقيية فييي النتييائج والمحصييولت‬
‫المعرفية‪.‬‬
‫ن الذهن والدراك والنفس عبارةً‬
‫ن رجال هذه المدرسة وخاصًة تيجنر يرون بأ ّ‬
‫‪ 5‬ي بما أ ّ‬
‫عيين شيييء واحييد‪ ،‬وهييو مجمييوع التصييورات الحاصييلة طيليية فييترة الحييياة‪ ،‬والختلف بينهييا‬
‫اعتباري‪ ،‬فهنا نواجه استفهامات متعّددة منبثقة من هذه الرؤية‪ ،‬أهّمها‪ :‬كيف يمكن تييوجيه بقيياء‬
‫ل هذه المتغّيرات الطارئة على الذهن؟ وكيف نشعر بوجييداننا أ ّ‬
‫ن‬
‫الشخصية المستقلة للفرد مع ك ّ‬
‫ل هذه المتغّيرات‪ ،‬ولذا نقييول‪ :‬أنييا ُافّكيير‪ ،‬أنييا أتييأّلم‪ ،‬أنييا‬
‫ل لك ّ‬
‫غب وتقع مح ً‬
‫هناك نفس تفّكر وتر ّ‬
‫لمييور إذا كييان النسييان يعنييي الييوعي‬
‫ل لهييذه ا ُ‬
‫ُاريد‪ ،‬و‪ ...‬فمن هو هذا الكيييان الييذي يقييع مح ً‬
‫ن الوعي والدراك ومحتويات الذهن‬
‫المجرد فقط‪ ،‬أو محتويات الذهن المتراكمة؟ من الواضح أ ّ‬
‫ل فكيف نسبُتها إلى نفسي وقلت‪ :‬إدراكي‪ ،‬ذهنييي‪ ،‬تص يّوراتي ‪ ...‬ويتضييح‬
‫ل‪ ،‬وإ ّ‬
‫تحتاج إلى مح ّ‬
‫ذلك في الحساس باللم واللّذة وأمثالهما من النفعالت النفسية‪ ،‬فهناك أمران يحدثان في وقييت‬
‫سه في يدي أو رأسي‪ ،‬وتصّوري عن اللم والذي ينعكييس فييي‬
‫واحد‪ ،‬وهما‪ :‬نفس اللم الذي أح ّ‬
‫قولي‪ :‬أنا متأّلم‪ ،‬والتصورات الذهنية كّلها من هذا القبيل‪ ،‬أي المر الثاني‪.‬‬
‫حد ومستديم منذ الطفولة وحّتى آخر سيينوات‬
‫وعلى أي حال‪ ،‬فالوجدان يقّرر وجود كيان مو ّ‬
‫العمر يغاير ما يتراكم في الذهن من متغّيرات وحوادث سّيالة متقّلبة‪.‬‬
‫* * *‬

‫)‪(3‬‬
‫»المدرسة الوظيفية«‬
‫برزت هذه المدرسة أواخر القرن التاسع عشر على يد »جون ديييوي« و»جيمييز انجيييل«‪،‬‬
‫متحّدية مدرسة المحتوى في محاوليية لييترميم النييواقص وإصييلح الشييكاليات الييتي كّبلييت علييم‬
‫النفس من جّراء تحجيم موضوعاته على الييوعي والدراك‪ .‬فالتفيياوت بييين المدرسيية التجريبييية‬
‫لفونت وأتباعه وبييين هييذه المدرسيية كييالفرق بييين علييم التشييريح والفيزيولوجيييا )علييم وظييائف‬
‫العضاء(‪ ،‬فعلم التشريح يهتّم بمطالعة الجزاء والعناصيير الييتي يييترّكب منهييا المجمييوع‪ ،‬فييي‬
‫ل عضو ميين العضيياء لتعيييين أهييداف ك ي ّ‬
‫ل‬
‫ن الفيزيولوجيا تهتّم بمطالعة عمل ووظيفة ك ّ‬
‫حين أ ّ‬
‫منها‪.‬‬
‫ن ُاطروحة هذه المدرسة بالرغم من جذورها التاريخية الييتي سييبقت مدرسيية‬
‫ويمكن القول بأ ّ‬
‫ن معالمها وأهدافها تكاد تمّثل اعتراضًا ميين كاّفيية الجييوانب علييى فييونت وتيجنيير‬
‫لأّ‬
‫المحتوى إ ّ‬
‫وتصورات مدرسة المحتوى التجريبية التي جعلت من محتويات الذهن الموضوع الساس لعلم‬
‫ل ميين تفكيييك محتويييات الييذهن واسييتكناه‬
‫ن المدرسيية الوظيفييية بييد ً‬
‫النفس الحييديث‪ ،‬ولييذا نجييد أ ّ‬
‫عناصره الّولية اهتمت بعمل الذهن ودوره في صياغة الحياة الفردية وتواؤمه مع المحيط‪ .‬فما‬
‫لبثت أن هيمنت على الوساط العلمية في امريكا في العقييد الّول ميين القييرن العشييرين بعييد أن‬
‫أزاحت رقيبتها تمامًا من سوق الفكار والنظريات النفسية‪.‬‬
‫وقبل استعراض رجالت هذه المدرسة وما قّدموه على بساط البحاث النفسية من مستجدات‬
‫ومجلوبات علمية‪ ،‬نرى من الضروري الشارة إلى الممّهدات المعرفية التي أعانت رجال هييذه‬
‫المدرسة في تحقيقاتهم ومنهجّيتهم‪ ،‬وأهّمها ورود شالرز دارون بنظريته في أصل النواع إليييى‬
‫محتدم الوسط العلمي‪ ،‬فقد طلع دارون بكتابه هذا قبل تأسيس مختبر فونت بعشييرين عامييًا‪ ،‬أي‬
‫في عام )‪ ،(1859‬وخّيم بظلله على مساحات واسعة من العلوم الطبيعية‪ ،‬ولم يكن علم‬
‫النفس بمنأى عن التأّثر به‪ ،‬بييل قلبييت الكييثير ميين المييوازين الفلسييفية والنفسييية‪ ،‬وعملييت علييى‬
‫صياغة قوالب جديدة وُاطر متحّركيية وحشيير علييم النفييس فيهييا وخاصيية علييم النفييس الحيييوان‪،‬‬
‫وإزاحة الحواجز الموروثة بين النسان والحيوان وإبراز دور الوراثة وغير ذلك‪.‬‬
‫مجلوبات دارون‬

‫»‪ 1809‬ي ‪:«1882‬‬

‫ن الكائنات الحّية تتغّير بمييرور الزمييان لييم تطييرح لّول ميّرة‬
‫الفكرة الساس للتكامل وهي أ ّ‬
‫ن البحيياث‬
‫لأّ‬
‫بوسيلة دارون‪ ،‬بل تضرب بجذورها التاريخية في حضارات مييا قبييل الميلد‪ ،‬إ ّ‬
‫العلمية في عصر النهضة تحّركت للعثور على سييندات ووثييائق فييي عييالم الطبيعيية تع يّزز ميين‬
‫ن أشكال الحياة‬
‫مكانة هذه النظرية‪ ،‬ومن مجموع هذه التحقيقات والدراسات كانت النتيجة هي أ ّ‬
‫غييير ثابتيية‪ ،‬بييل متغّيييرة ومتبدّليية فييي المييوارد الييتي ت يّم استقصيياؤها وإخضيياعها للدراسييات‬
‫ن بشمولية هذه الصياغة العلمية لجميع مفاصل الحياة في الطبيعة‪.‬‬
‫المختبرية‪ ،‬فقوى الظ ّ‬
‫ول يقتصر هذه التغيير والتحّول على الصعيد النظري والفكري‪ ،‬بل شييوهدت معييالمه علييى‬
‫صعيد الحييياة اليومييية للمجتمعييات البشييرية‪ ،‬فالمجتمعييات الصييناعية فييي حاليية تحيّول وتطييور‬
‫دائمين‪ ،‬والهجرة مستمرة من الريف إلى المدن‪ ،‬والزيادة الكمية والكيفييية فييي المييدن الصييغيرة‬
‫والكبيرة‪ ،‬ورافق ذلك تحّول في المفاهيم الحضارية والقيم الخلقية التي بقيت ثابتيية نسييبيًا فييي‬
‫القرون السالفة‪.‬‬
‫وبهذا كان التحّول والتطور قد شمل جميع مرافييق الحييياة العصييرية‪ ،‬مّمييا أسييهم فييي إيجيياد‬
‫الرضية لقبول واحتضان مفهوم التكامييل وتطييور النييواع‪ ،‬ومييع ذلييك بقيييت المحاوليية تنتظيير‬
‫السناد العلمي والشواهد الكافية لثبات المّدعى‪ ،‬فكان إنتشار كتاب »أصييل النييواع« لييدارون‬
‫حة لثباتات من هذا القبيل‪.‬‬
‫استجابة طبيعية لحاجة الوساط العلمية المل ّ‬
‫ن التغّييير فييي النييوع الواحييد ميين الحييياء عمييل طييبيعي‬
‫وتقوم رؤييية دارون علييى اعتبييار أ ّ‬
‫خل في إنتخاب بعض الفراد من ذلييك النييوع الييذين‬
‫ن الطبيعة تتد ّ‬
‫ويخضع لقانون الوراثة‪ ،‬ثّم أ ّ‬
‫لهم قابلية أفضل على التطابق مع المحيط والتحجير على غيرهم من الفييراد والتخّلييص منهييم‪،‬‬
‫وكذلك كان يرى وجود تنازع دائمي للبقاء في الطبيعة ينتهي ببقاء الصلح والكثر قدرة علييى‬
‫التوافق مع البيئة والمحيط‪.‬‬
‫لقد أثرت نظرية داروين كثيرًا مجمل البحاث في علم النفييس‪ ،‬فقييد ذهبييت نظرييية التكامييل‬
‫إلى وجود إرتباط وثيق بين وظيفة الذهن عند النسان والحيوان‪ ،‬فالدّليية الييتي أقامهييا داروييين‬
‫ن النسييان يشييترك‬
‫في كتاباته عن النسان وعلم النفس التي صدرت بعد أصل النواع تفيييد بييأ ّ‬
‫نوع يًا مييع الحيييوان فييي ميياهيته الجسييمية والفسيييولوجية‪ ،‬وحّتييى فييي عمييل الييذهن والسييلوك‬
‫والتصورات الذهنية هناك ارتباط وتشييابه كييبير بينهمييا‪ ،‬وعلييى هييذا السيياس تعّرضييت مقوليية‬
‫ديكارت في الفصل بين النسان والحيوان في ماهيتهما لّول مّرة إلى صدمة عنيفة‪.‬‬
‫وبهذا الترتيب دخلت المختبرات النفسية مواضيع جديدة للدراسة والتجربة منها علييم النفييس‬
‫الحيواني ومعطياته الكثيرة‪.‬‬

‫ومن تأثيرات دارون أّنه أوجد تغييرًا في أهداف علم النفس بعد أن كان يقتصر في مدرسييية‬
‫المحتوى على دراسة الذهن وتفكيك عناصره ومحتوياته‪ .‬وكذلك الهتمام المتزايد بالختلفييات‬
‫الفردية في النوع الواحد ودراسة مؤثرات عامل الوراثة على الصفات والسلوك وغير ذلك‪.‬‬
‫بعد هذه المقدمة المقتضبة‪ ،‬نعود إلى استعراض المرموقين في هذه المدرسة النفسية والييذين‬
‫لسييس‬
‫كان لهم دور فاعل في دفع عجلة علم النفس المعاصر ورصييف اللبنييات الفوقييية علييى ا ُ‬
‫والمرتكزات الجديدة‪:‬‬
‫جان ديوي‪ 1859» :‬ي ‪«1952‬‬
‫سسيها وهمييا جييان ديييوي‪ ،‬وجيمييز آنجيييل‪ ،‬وان‬
‫نختار من رجال هذه المدرسة اثنين من مؤ ّ‬
‫كان لبّد من الشارة إلى تأثير وليم جيمس في إرسيياء ُاسييس هييذا المييذهب النفسيياني حّتييى أ ّ‬
‫ن‬
‫ل أّنه ل يعتبر من رجال هذه المدرسيية‪،‬‬
‫ديوي كان متأّثرا بشّدة بأفكار ونظريات وليم جيمس‪ ،‬إ ّ‬
‫وقد اعتزل علم النفس في أواخر عمره‪ ،‬وكان يقول عنه أّنه من توضيح الواضحات‪.‬‬
‫وكان جون ديوي وآنجيل قد بدءا العمل سوية في جامعة شيكاغو المريكييية عييام ‪،1894‬‬
‫فكانت لبحاثهما المشتركة تأثير مضاعف في إيجاد تيار جديد في علم النفييس س يّمي فيمييا بعييد‬
‫بالتيار الوظيفي‪.‬‬
‫ن أّوليات هذا النمط من التفكير بدأ في أوائل النصف الثاني من القرن التاسييع‬
‫وبالرغم من أ ّ‬
‫ن مقالة ديوي عام ‪ 1896‬تعتبر نقطة عطف في تاريخ تأسيس هذا العلم رسمًا‪،‬‬
‫لأّ‬
‫عشر‪ ،‬إ ّ‬
‫وقد حمل في مقالته المسّماة »مفهوم القوس النعكاسي في علم النفس« على آليات العمييل فييي‬
‫ن السييلوك النسيياني‬
‫المدرسة السلوكية وهاجم حصر سلوك النسان فييي المييثير والسييتجابة وأ ّ‬
‫ح دراسة السلوك من جهة تركيبه وميكانيكية عملييه‪ ،‬بييل ا ّ‬
‫ن‬
‫يفقد حينئذ معناه نهائيًا‪ ،‬ولذا ل يص ّ‬
‫ن موضييوع علييم‬
‫الفضل دراسته في إطار معانيه ومييدى إنطبيياقه مييع المحيييط‪ ،‬وبهييذا يييرى أ ّ‬
‫ل التشكيلة بالنسبة لرتباطها مع المحيط‪.‬‬
‫النفس يكمن في مطالعة ك ّ‬
‫ومن جهة ُاخرى كان ديوي شديد التأّثر بنظرية التكامل وبنييى فلسييفته علييى أسيياس التغيييير‬
‫جه إلى مطالعة المفهوم الوظيفي للحياة العقلية‪ ،‬لّنه ل يرى الييذهن‬
‫الجتماعي‪ ،‬ودعى إلى التو ّ‬
‫جهييازًا مغلق يًا‪ ،‬بييل أداة للتييأثير علييى الموضييوعات الخارجييية‪ ،‬فليييس الييذهن مجمييوع حييالت‬
‫وتصورات متراكمة‪ ،‬بل هو وظيفة‪ ،‬فلذا كان من الفضل دراسة عمل الذهن ووظيفيية التفكييير‬
‫ل من الكلم عن نفس الذهن والفكر‪.‬‬
‫بد ً‬
‫وكان ديوي فيلسوفًا قبل أن يكون عالمًا نفسانيًا‪ ،‬وقد أّكد في فلسفته على التوافق مع المحيط‬
‫على الصعيد الجسماني والخلقي‪ ،‬والجتماعي‪ ،‬والهتمام بكيفية التفّكر والتعّلم كأفضل وسيلة‬

‫ن الدراك والعمل ضروريان للبقاء والتطّور‪ ،‬وهمييا فييي‬
‫للبقاء المتفاعل مع البيئة‪ ،‬فكان يعتقد أ ّ‬
‫حالة تغيير مستمر كما هو الحال في التحّول الدائم في النسان والطبيعة والمجتمع‪.‬‬
‫جيمز رولند آنجيل‪ 1869» :‬ي ‪«1949‬‬
‫بعد سنة من ذهاب ديوي إلى جامعة شيكاغو بعنوان رئيس قسم الفلسفة هناك‪ ،‬استلم آنجيييل‬
‫كرسي التدريس للعلوم النفسية في جامعة ميشيييجان بعييد أن كييان تلميييذًا لييديوي‪ ،‬واسييتلم إدارة‬
‫ُامور المختبر في تلك الجامعة‪ ،‬ثّم عمل مييع ديييوي فييي جامعيية شيييكاغو وسيياعدهما ذلييك فييي‬
‫وضع اللبنات الساسية لرؤية جديدة ومتكاملة عن علييم النفييس‪ ،‬فكييان آنجيييل محييور الفعالّيييات‬
‫طت مساحات كبيرة من المنيياخ العلمييي‬
‫والنشاطات والناطق الرسمي باسم هذه المدرسة التي غ ّ‬
‫في امريكييا‪ ،‬وأصييدر كتييابه عييام »‪ «1904‬الذي يحمل في طّياته أفكار ورؤى المدرسة‬
‫لصول والهداف الساسية لهذه المدرسة‪ ،‬واستفاد من سلبيات مدرسيية‬
‫الوظيفية‪ ،‬وأوضح فيه ا ُ‬
‫المحتوى لفونت وأتباعه‪ ،‬فلم يذهب إلى الجمود في الموضوع‪ ،‬أو الجزمية في النظريييات‪ ،‬بييل‬
‫أّكد على قابلية النعطاف والتغيير في آراء هذه المدرسة‪ ،‬وكذلك لم يذهب إلييى قطييع الروابييط‬
‫بين علم النفس والفلسفة‪.‬‬

‫ُاصول المدرسة الوظيفية‪:‬‬
‫بعد هذه الشارة المفيدة في استشراف معالم هذه المدرسة‪ ،‬نستعرض بعييض النقيياط المهميية‬
‫في مقومات وُاصول المدرسة الوظيفية‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ الموضوع الصل‬
‫لعلييم النفييس الييوظيفي عبييارة عيين النشيياطات والعمييال‪ ،‬أو وظييائف الييذهن علييى مسييتوى‬
‫التطبيق والعمييل‪ ،‬فليييس الهييدف هييو معرفيية محتويييات الييذهن‪ ،‬بييل عمليييات الييذهن‪ ،‬ومطالعيية‬
‫الفعاليات الذهنية‪ ،‬وتأثيراتها على السلوك‪.‬‬
‫ن موضوع علم النفس الوظيفي لبّد أن يتمحور في ثلثة محاور أصلية‪:‬‬
‫ويرى آنجيل ا ّ‬
‫الف ي علم النفس الوظيفي يكّرس أبحاثه في أعمال الذهن ويسعى للكشييف عيين كيفييية عمييل‬
‫المحصولت الفكرية في مقابل دراسة محتويات الذهن في موضوع علم النفس التجريبي‪.‬‬
‫ب ي علم النفس الوظيفي عبارة عن استكناه وظائف الذهن ودراسيية الفييوائد المترتبيية عليييه‪،‬‬
‫واستخدامها في غايات وأهداف مناسبة‪ ،‬أي توسيطها بييين الحاجييات النفسييية للفييرد ومتطّلبييات‬
‫البيئة والمحيط‪ .‬فعلى هذا‪ ،‬ل يدرس علم النفييس الييوظيفي الظييواهر النفسييية بعنوانهييا المسييتقل‬

‫والمنزوي عن أرض الواقع‪ ،‬بل كعامل فاعل وفي حالة تطّور‪ ،‬مّما يضمن للكائن الحي البقيياء‬
‫التجانس مع المحيط‪.‬‬
‫ج ي يهتّم علييم النفييس الييوظيفي بمجموعيية الروابييط المتحّركيية بييين الفييرد والمحيييط وكييذلك‬
‫يستوعب في دراساته جميع النشاطات الذهنية والجسمية‪.‬‬
‫وهذا التفصيل في مواضيع علييم النفييس الييوظيفي جيياء بعييد اسييتقرار هييذا المنهييج كمدرسيية‬
‫مستقّلة لها معالمها وُاصولها‪ ،‬ففي البداية كان موضوع الدراسات لهذه المدرسة يرتبط بمطالعة‬
‫الفعاليات الذهنية‪ ،‬ويشمل اصطلح »الفعاليات الذهنية« مواضيع عديدة من الدراك‪ ،‬الحافظة‬
‫التخّيل‪ ،‬الستدلل‪ ،‬الحساسات‪ ،‬الحكم‪ ،‬الرادة وأمثال ذلك‪.‬‬
‫ل عمل ذهني يرتبط بشكل مباشر بالتجارب الهادفيية إلييى التييواؤم‬
‫نكّ‬
‫وعلى هذا الساس‪ ،‬فا ّ‬
‫الفضل مع المحيط الخارجي‪ ،‬ولذا لبّد من دراسييته فييي ثلثيية مجييالت‪ :‬فييي معنييى التطييابق‬
‫والتواؤم مع المحيط‪ ،‬والعتماد في ذلك على التجارب القبلييية‪ ،‬وقابلييية التييأثير علييى الفعاليييات‬
‫المستقبلية والستفادة من التجارب في رسم السلوكيات البعدّية‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ المنهج العملي‪:‬‬
‫ل أّنييه ل يقتصيير فييي‬
‫لولييى علييى منهييج السييتبطان‪ ،‬إ ّ‬
‫يعتمد علم النفس الوظيفي بالدرجة ا ُ‬
‫مكشوفاته وتحقيقاته على الستبطان خاصة بعد أن تعّرض هذا المنهج لردود مختلفيية أضييعفت‬
‫موقف المدرسة التجريبية لعتمادها الكامل على هذا السلوب غييير الييدقيق‪ ،‬فكييان أن أضييافت‬
‫هذه المدرسة إلى الستبطان أسييلوب المشيياهدات الموضييوعية‪ ،‬والتجييارب المختبرييية‪ ،‬المنهييج‬
‫التطبيقي والثقافي وغير ذلك‪.‬‬
‫أّمييا اختلف المشيياهدة الموضييوعية عيين المشيياهدة الباطنييية )أي السييتبطان( فتتجّلييى فييي‬
‫مشاهدة أعمال الخرين والحكم عليها مثل العمال الصادرة ميين الطفييل والمجنييون والحيييوان‪،‬‬
‫سع في دراسة مفييردات ل ينالهييا السييتبطان‪،‬‬
‫أو المصابين بردود فعل شديدة‪ ،‬وبذلك يمكن التو ّ‬
‫ويضاف إليهما المنهج التطبيقي الذي يصّر جيمر على استخدامه لمعرفة التغّيرات الحاصلة في‬
‫الحياة النفسية‪.‬‬
‫أّما التجارب المختبرية فتعتبر مكّملة للمشاهدة الموضوعية‪ ،‬حيث تخضع أعمال الييذهن فييي‬
‫ل تجربيية إلييى المشيياهدة تحييت شييرائط وظييروف مختلفيية‪ ،‬ويت يّم ضييبط المشيياهدات وتييدوين‬
‫كّ‬
‫الملحظات بدّقيية‪ ،‬ول يلييزم أن تكييون التجربيية بوسييائل معّقييدة‪ ،‬بييل قييد تكييون بآليييات بسيييطة‬
‫وساذجة أيضًا كما في التمرينات التي تجري على الحافظة‪ ،‬أو التي يراد منها معرفيية مسييتوى‬
‫الذكاء عند الفراد أو غيره من الفروق الفردية والتي ل تدخل في دائرة الستبطان‪.‬‬

‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫تقييم المدرسة الوظيفية‪:‬‬
‫لطروحات النفسية كبيرًا ج يّدا‪ ،‬وخاصيية‬
‫لقد كان تأثير هذه المدرسة على مجمل التيارات وا ُ‬
‫بعد أن استطاعت كسر طوق الجمود والتقوقع على محتويات الذهن للتجريييبيين‪ ،‬ووسييعت ميين‬
‫دائرة مواضيع علم النفس وغّيرت مجرى الدراسات النفسية من المدرسة التجريبية الضّيقة إلى‬
‫معرفة فعاليات الذهن والعصاب وإقحام علم النفييس فييي مسييارب جديييدة بعييد أن كييان يعيييش‬
‫فصامًا شديدًا بين النظر والعمل‪.‬‬
‫ومضافًا إلى ذلك لبّد من التنويه على جهود رجال هذه المدرسة لكتشاف فضيياءات جديييدة‬
‫يغور من خللها علم النفس في وقائع الحييياة ويتييواءم مييع متطّلبييات العصيير‪ ،‬وذلييك باتخيياذهم‬
‫دينامية متحّركة على أساس من نظرية التطييور والتكامييل الفييردي والجتميياعي‪ ،‬وكييذلك وميين‬
‫خلل تعريفهم الواسع لعلم النفس استطاع علماء النفس الوظيفيون إخراج علم النفس من قوقعة‬
‫دائرة الييذهن ليسييتوعب علييم النفييس الحيييواني‪ ،‬ومطالعيية الطفييال وسييلوكياتهم والشييخاص‬
‫المتخّلفين ذهنيًا والمجانين‪ ،‬وأوجد فرصًا لعلماء النفس لتكميل معلوماتهم بييأن فتييح لهييم أبييواب‬
‫ومناهج ُاخرى للدراسة والتحقيق في وظائف العضاء مثل مقاييس الييذكاء‪ ،‬وفهييارس السييئلة‬
‫والجوبة‪ ،‬وأساليب المشاهدات الموضوعية وأمثال ذلك‪.‬‬
‫ن الفضل في تأسيس هذه المدرسة ل يعود إلى رجالهييا مباشييرة‪ ،‬بييل إلييى‬
‫ومن نافلة القول أ ّ‬
‫ل محاوليية‬
‫ل جديييد ويييدحض ك ي ّ‬
‫اتباع المدرسة التجريبية وخاصة تيجنر الذي ما فتأ يحييارب ك ي ّ‬
‫لتطوير علم النفس حّتى أّنه هو الذي أعطاها هذا السم وحّدد معالمها ورجالها من خلل كتبييه‬
‫ومقالته التي كتبها في الرّد على المعترضين‪ ،‬ولهذا السييبب ل ينحصيير رجييال هييذه المدرسيية‬
‫ل من رفض تحجيييم علييم النفييس‬
‫نكّ‬
‫بعدد محدود من علماء النفس في تلك الحقبة الزمنية‪ ،‬بل أ ّ‬
‫بمدرسة المحتوى وساهم في تطويره وفتح آفاق جديدة للدراسات النفسية إنضّم بشييكل أو بييآخر‬
‫ن تيجنر تحّداهم جميعًا‪ ،‬وجعلهم فييي دائرة واحييدة وهييي دائرة القييول‬
‫إلى المدرسة الوظيفية‪ ،‬ل ّ‬
‫بالوظيفية والهتمام بالعمل بدل المحتوى‪ ،‬ول زالت مناهج وآراء رجييال هييذه المدرسيية فاعليية‬
‫ومحترمة وإن خرجت من إطارها السمي لتذوب فييي مييذاهب ومييدارس جديييدة ُاخييرى وذلييك‬
‫لماهيتها المتحّركة والمتغّيرة ورفضها للجزميات والقطعيات في مواقفها المعرفية‪.‬‬
‫أّما الملحظات الواردة على هذا المسار الفكري لعلم النفس‪:‬‬
‫ن إقحام نظرية دارون التكاملية في علم النفس واحتواء العنصر الحيواني‬
‫أّول‪ :‬بالرغم من أ ّ‬
‫كماّدة مختبرية لجراء الفحوصات والتجارب في ميييادين فسيييولوجية ونفسييية مختلفيية ل يخلييو‬

‫ن سلبياته على المدى البعيد أكثر من إيجابياته‪ ،‬وإثمه أكبر من نفعه‪ ،‬فلييم‬
‫لأّ‬
‫من فوائد علمية‪ ،‬إ ّ‬
‫ل مييا يخييتزنه ميين غييرائز‬
‫يقتصر المر على مشابهة الحيوان للنسييان فييي المجييال البييدني بكي ّ‬
‫وأعصاب وغدد صماء ومخ وقوانين وراثة وغيرها من أوجه الشبه بينهمييا والسييتفادة الفاعليية‬
‫ل منها في رصف اللبنات الفوقية للدراسات النفسجسدية للنسان‪ ،‬بل تعّداها إلى‬
‫من افرازات ك ّ‬
‫إهباط المستوى النساني النفسي إلى مستوى الحيوان‪ ،‬فأفرز واقعًا متخمًا بالتناقضات‪ ،‬وأحدث‬
‫ل كبيرًا فييي المنظوميية الفكرييية لعلييم النفييس‪ ،‬فميين جهيية يشييهد النسييان بوجييدانه أّنييه غييير‬
‫خل ً‬
‫ن روحه وفكره وطموحاته ل تكاد تماثل الحيوانات بشكل من الشكال‪ ،‬ولكيين ميين‬
‫الحيوان‪ ،‬وا ّ‬
‫جهة ُاخرى يوحي إليه علماء النفس باّنك حيييوان وميين نسييل حيييوان دون أي فييرق سييوى فييي‬
‫بعض التعقيدات الوظيفية للمخ والميول الجتماعية‪ ،‬فكان أن غرسوا فيه مشييروعية النحطيياط‬
‫طروها باطار علمي حديث‪.‬‬
‫والتسافل‪ ،‬وأ ّ‬
‫المدرسة التجريبية نزلت بالمستوى النساني دركة‪ ،‬وهي أّنها فصلته عن مييا وراء الطبيعيية‬
‫بعد أن أّكدت فصل علم النفس عن الفلسفة‪ ،‬وبييذلك خسيير النسييان النظيير إلييى رحيياب الييروح‬
‫ل اّنها وقفت به عند حّده النساني ولم تنييزل بييه‬
‫ب على دراسة بعده المادي فقط‪ ،‬إ ّ‬
‫الفسيحة وأك ّ‬
‫أكثر من هذا‪ ،‬وقد تقّدم أن فونت كان يؤيد الثنوية في النسان‪ ،‬أي يقّرر وجييود بعييدين‪ :‬النفييس‬
‫ن الفلسييفة‬
‫والبدن في النسان‪ ،‬بينما ل يوجد شيء من هذا القبيل لدى الحيوان‪ ،‬وببيييان آخيير‪ ،‬إ ّ‬
‫الديكارتية كانت ل تزال مهيمنة على الوسط العلمي حينذاك‪.‬‬
‫وجاءت المدرسة الوظيفية وهبطت به دركة ُاخرى عندما قرنته مع الحيوان وأدخلت نظرية‬
‫دارون في الفسيولوجيا إلى علم النفس ولم تتوقف عند المماثلة البدنية فحسب‪ ،‬بل اختزلت نفس‬
‫خض هذا الهبييوط القيمييي عيين تهميييش المثييل الخلقييية‪،‬‬
‫النسان أيضًا إلى بعده الحيواني‪ ،‬فتم ّ‬
‫وتزييغ الحقائق النسانية‪ ،‬وإفقار شديد للروح بعد تفريغها من محتواها الغيييبي‪ ،‬وخمييود جييذوة‬
‫اليمان‪ ،‬وما ينجم عن ذلك من سلوكيات متسييافلة تبعييثر طاقييات النسييان فييي مشيياغل متدّنييية‬
‫ولّذات رخيصة‪.‬‬
‫ثانيــًا‪ :‬ذهب أصحاب هذه المدرسة بالنسبة لفعاليات الذهن وماهية الدراك إلى ا ّ‬
‫ن‬
‫ن الدراك تيار متغّير دائمًا‪،‬‬
‫الدراكات الذهنية في حالة تغيير مسييتمر‪ ،‬فيقييول جيمييس)‪ :(57‬إ ّ‬
‫ولذا ل يستطيع أحد أن يتلّبس في حالة أو فكرة واحدة مّرتين‪ ،‬فالدراك في حالة تراكم دائمييي‬
‫ل إعادة وتكرار‪.‬‬

‫ن أفكاره ونظرياته في النفس‬
‫لأّ‬
‫‪ ()57‬فيلسوف امريكي يعتبر من رجال المدرسة الوظيفية وان لم ينتسب إليها رسميًا‪ ،‬إ ّ‬
‫النسانية تعتبر من مرتكزات علم النفس الوظيفي‪.‬‬

‫ن الدراك الذهني كأصل أّولي في حالة ثبات‪ ،‬فمييا أدركنيياه ل تنيياله يييد‬
‫ونلحظ على ذلك أ ّ‬
‫ن الرض تييدور حييول‬
‫التغيير والتبّدل‪ ،‬فعندما نييدرك قضييية أن أرسييطو تلميييذ إفلطييون‪ ،‬أو أ ّ‬
‫الشمس وأمثال ذلك‪ ،‬فهذه المدركات ثابتة لّنها تحكي عن قضية خارجية قد وقعييت فييي إطييار‬
‫زماني معّين‪ ،‬وما يستفاد من كلم جيمس ومذهبه هو النسييبية فييي الحقييائق الموضييوعية‪ ،‬وقييد‬
‫صييلة‪ ،‬فالتكامييل فييي الدراك‬
‫أثبييت الفلسييفة المسييلمون بطلن هييذه النسييبية فييي كتبهييم المف ّ‬
‫والتصورات الذهنية بمعنى الزيادة الكمّية‪ ،‬أو تصحيح التصورات السالفة المستقّرة في الييذهن‪،‬‬
‫ن النسان قد يزداد خبرة يومًا بعد آخر عن موضييوع معّييين وظيياهرة‬
‫ل اّنها في حالة تغّير‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الدراك الماضي في حالة تغّير‪ ،‬وحّتى بعد إنكشيياف الخطييأ‪،‬‬
‫ح القول بأ ّ‬
‫خاصة‪ ،‬ولكن ل يص ّ‬
‫فمع ذلك فالتصور الذهني يبقى على حاله‪ ،‬فلو تصّورت خطًا مسييتقيمًا بطييول مييتر واحييد‪ ،‬ث يّم‬
‫ن ذلك الخطّ المستقيم يبقى على حاله‪ ،‬وقييد‬
‫قمت بتقسيم هذا الخط إلى عّدة أقسام‪ ،‬ففي الحقيقة أ ّ‬
‫سمه إلى أقسام‪ ،‬والشاهد على ذلك بقاء ذلك الخطّ المسييتقيم فييي‬
‫ط آخر وق ّ‬
‫قام الذهن باختراع خ ّ‬
‫طعة‪.‬‬
‫ن الذهن يقوم بعد ذلك بوصل الجزاء المق ّ‬
‫لأّ‬
‫الحافظة‪ ،‬إ ّ‬
‫ن الذهن يقوم م يّرة ُاخييرى بيياختراع خ يطّ مسييتقيم آخيير‬
‫ولو سّلمنا في هذا المورد وأشباهه أ ّ‬
‫غير الّول ويفرضه أّنه الّول‪ ،‬وهكذا تتج يّدد التصييورات الذهنييية بصييورة مسييتمرة ول تبقييى‬
‫ن ذلك ل يتواءم والقضايا التاريخية التي أدركها الذهن كالمثال الّول )أرسييطو‬
‫لاّ‬
‫على حال‪ ،‬إ ّ‬
‫تلميذ إفلطون( فهي تأبى عن التغيير كما هو واضح‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬بالنسبة لموضوع علم النفس الوظيفي‪ ،‬وتفصيل آنجيل لهذا الموضوع إلى ثلثة‬
‫محاور‪ ،‬لبّد من القول بأّنه ل ينبغييي المبالغيية فييي دور المحيييط والييبيئة وتناسييي دور الوراثيية‬
‫والرادة الحّرة للنسان‪ ،‬فما ذكر آنجيل ميين الييتركيز علييى مجموعيية الروابييط المتحّركيية بييين‬
‫الفرد والمحيط‪ ،‬وهو المحور الثالث لموضوع علم النفس الوظيفي أضحى فيمييا بعييد موضييوعًا‬
‫للمدرسة السلوكية في دراساتها عن خضوع سلوك النسان إلى قانون المثير والستجابة وآليييية‬
‫ح الفراط في الهتمام الكّلي بتوافق الفرد مع المحيييط وأّنييه‬
‫المؤثرات الخارجية‪ ،‬وكذلك ل يص ّ‬
‫الغاية النهائية للبقيياء وإداميية الحييياة‪ ،‬فالنبييياء )عليهييم السييلم(والمصييلحون بييل حّتييى زعميياء‬
‫النهضات الجتماعية الكبرى ثيياروا علييى المحيييط ورفضييوا النصييياع علييى متطّلبييات الواقييع‬
‫الجتماعي‪ ،‬وتمكّنوا من تقويم مسار البشرية وإصلح صيغ الخلل في حلقات التطور الزمنييي‪،‬‬
‫فما ورد من ضرورة التلؤم مع المحيط في النظرييية الداروينييية وانتخيياب الصييلح ل يجييري‬
‫بحذافيره في المجتمعات النسانية‪ ،‬فلبّد للنسان إلييى جييانب التلؤم مييع المحيييط‪ ،‬التلؤم قبييل‬
‫ذلك مع الفطرة والثوابت الوجدانية والقيم الخلقييية والقييراءة الواعييية لمتطّلبييات الفطييرة الييتي‬
‫يمتاز بها النسان عن الحيوان‪ ،‬ولذا ل ينكر أحد دور المعتقدات والمثل النسييانية فييي تحريييك‬

‫الدوافع الداخلييية باتجيياه رسييم الشخصييية الحضييارية للفييرد وصييياغة هييويته الثقافييية حّتييى لييو‬
‫تقاطعت مع الواقع الفعلي في الخارج‪.‬‬
‫ن التركيز على دور فعالية الذهن في اطاره الواعي يحرم علم النفس من‬
‫رابعًا‪ :‬ل يخفى أ ّ‬
‫عوامل هاّمة مترسبة في اللشعور‪ ،‬ويهّمش دور العقييد النفسييية والفييرازات الهرمونييية للغييدد‬
‫وعوامل الوراثة في تحديد السلوك الفردي وصياغته كما أّكييدت ذلييك مدرسيية التحليييل النفسييي‬
‫لأّ‬
‫ن‬
‫ن رّواد هذه المدرسة لم يكونوا يجهلون دور الوراثة والصييفات الوراثييية‪ ،‬إ ّ‬
‫لفرويد‪ .‬ومع أ ّ‬
‫دراستهم للنسان والنفس لم تكن تأخييذ بنظيير العتبييار سييوى مييا يييدور فييي الييوعي والدراك‬
‫الذهني لمتغّيرات المحيط ومؤثرات الخارج‪.‬‬
‫* * *‬

‫الفصل السادس‬
‫»القرن ‪«20‬‬
‫‪ ‬مدرسة التحليل النفسي‬
‫‪ ‬المدرسة السلوكية‬
‫‪ ‬مدرسة الجشتلت‬

‫)‪(4‬‬
‫»مدرسة التحليل النفسي«‬
‫ن نظرييية‬
‫كأّ‬
‫ثالث مدرسة من المدارس النفسية هي مدرسة فرويد للتحليل النفسي ‪ ..‬ول ش ي ّ‬
‫فرويد كان لهييا ميين الصييدى الواسييع فييي الوسيياط العلمييية والجتماعييية مييا لييم يحييالف سييائر‬
‫لخرى‪ ،‬والمؤيدون لها ل يقّلون عن الرافضين والمعترضييين عليهييا‪ ،‬ولكيين تختلييف‬
‫المدارس ا ُ‬
‫ل منهما‪ ،‬فالوسط المتدّين يغلب عليه التذّمر والمتعاض منها تحت ضغط العقيدة والقيييم‬
‫طبقة ك ّ‬
‫سييين لهييا‪ ،‬اّمييا فييي‬
‫الخلقية‪ ،‬بخلف غيرهم من المتغّربين والمتحّللين خلقيًا‪ ،‬فهييم أش يّد المتحم ّ‬
‫ت النفعالي في الحكم وغربلة المحصول الكّلي لفييرز الغي ّ‬
‫ث‬
‫المناخ العلمي فالعقلنية وتجّنب الب ّ‬
‫من السمين هي السائدة‪.‬‬
‫لخييرى‬
‫ل من العييراب بييين سييائر المييدارس ا ُ‬
‫في البداية لم يكن لنظريات هذه المدرسة مح ّ‬
‫صيية ضييئيلة ميين أروقيية المستشييفيات للمييراض العصييبية والعقلييية‪ ،‬فقييد نشييأت هييذه‬
‫سييوى ح ّ‬
‫المدرسة بين المرضى النفسيين وأسّرة المستشفى‪ ،‬ل في صييفوف الجامعييات ومختبراتهييا كمييا‬
‫لخييرى; وقييد أّيييدها فييي البداييية الطبيياء فييي المييراض العصييبية‬
‫هو حال المدارس النفسييية ا ُ‬
‫والنفسية بعنوان أسلوب عملي لعلج بعض أمييراض الهسييتيريا والضييطراب النفسييي والكآبيية‬
‫المزمنة‪ ،‬وكان الموضوع في البداية يقتصر على معرفة الييدافع وتركيييب الشخصييية‪ ،‬والهييدف‬
‫لخييرى‪،‬‬
‫من التحليل النفسي كمنهج علجي لم يطرح في مقابل النظريات المتكاملة للمييدارس ا ُ‬
‫سع الطروحة وشمولها لبقّية مفاصييل الشخصييية وتعميييم النتييائج والكشييوفات إلييى‬
‫ولكن مع تو ّ‬
‫الصحاء من الناس بدأ نجم فرويد يلمع في الجواء الوربية من خلل اطروحاته الجديدة عيين‬
‫عالم اللشعور‪ ،‬وتفسير الرؤيا وأركان الشخصييية للفييرد‪ ،‬وخاصيية نظريتييه الجنسييية المضييادة‬
‫للقيم الدينية والخلقية حيث وجدت أرضًا خصبة في قلييوب الفتيييان والفتيييات‪ ،‬وعييثر التجيياه‬
‫المنفلت على أداة إعلمية ساحرة لتوجيه الضربة القاضية إلييى فلييول اللييتزام الييديني والخلقييي‬
‫طت هذه النظرية مساحات واسعة من البعاد المعرفية والهوييية الثقافييية‬
‫في الغرب‪ ،‬فكان أن غ ّ‬
‫ن‪ ،‬والتعليم والتربية‪ ،‬وعلم الجتماع‪ ،‬والخلق‪ ،‬و‪..‬‬
‫للفرد‪ ،‬كالدب‪ ،‬والف ّ‬
‫والمر الذي جعل من هذه النظرييية تقييف فييي مصيياف التحيّدي لبقييية المييدارس النفسييية أ ّ‬
‫ن‬
‫ن النسييان هييو الييذي‬
‫هاتيك المدارس كانت تؤّكد على دور الوعي والسييلوك الهييادف للفييرد وأ ّ‬

‫جه فرويد ضربة قاصمة لهذا الطار المعرفي ونسييفه ميين‬
‫يتحّكم في أفعاله وتصوراته‪ .‬بينما و ّ‬
‫ل واحييد‬
‫الساس كما سنرى في استعراضنا لرجال هذه المدرسيية والمتغيييرات الييذي أحييدثها ك ي ّ‬
‫منهم فيها‪:‬‬

‫‪ 1‬ـ زيجموند فرويد‪ 1856» :‬ـ ‪«1939‬‬
‫ولد فرويد في فرايبورغ النمساوية عييام ‪ 1856‬ي وعاش طيلة حياته في فيّنا عاصمة‬
‫النمسا ما عدا أعوامًا قلئل من طفولته وقبيل وفاته حيث لجييأ إلييى انجلييترا هرب يًا ميين الجيييش‬
‫ل النمسا‪ ،‬وبقي في لندن حّتى توّفي فيها‪ ،‬وقد تأّثر في حييياته الطويليية والمليئة‬
‫النازي الذي احت ّ‬
‫بالنشاط والجهد والتأليف المتواصل بعّدة ُامييور كييان لهييا تييأثير بييالغ فييي مسيييرة حييياته‪ ،‬منهييا‬
‫صدور كتاب »أصل النواع« لدارون الذي يتيح للبيياحث دراسيية النسييان ميين خلل طييبيعته‬
‫الحيوانية وبمعزل عن السماء والقيم‪.‬‬
‫ب‪ ،‬وبعد إتمامه الدراسة‪ ،‬عمل مع‬
‫في عالم ‪ 1873‬دخل جامعة فيّنا واختار فرع الط ّ‬
‫»بروك« في أحد المستشفيات في المراض العصبية‪ ،‬وخاصة الفلج‪ ،‬وتأثيرات الضربة‬
‫الدماغييية فييي الطفييال‪ ،‬وعييوارض الخلييل فييي اللسييان والنطييق‪ ،‬وفييي عييام ‪ 1882‬عمل‬
‫ن ذلييك لييم‬
‫لأّ‬
‫صص في المييراض العصييبية وكسييب بييذلك بعييض الشييهرة والحييترام‪ ،‬إ ّ‬
‫كمتخ ّ‬
‫يرضه لصعوبة مثل هذه النشاطات العلمية‪ ،‬فأسعفته صداقته مع »بروئر« الطييبيب المعييروف‬
‫في أمراض النفس والكشوفات الطّبية فييي انتشييار عيّدة مقييالت فييي مييوارد التشييريح العصييبي‬
‫صصين بالعصيياب الييذين يشييار‬
‫وتأثير الكوكائين على العصاب‪ ،‬وتدريجيًا أضحى من المتخ ّ‬
‫ن المييراض العصييبية ليسييت لهييا جييذور فسيييولوجية‬
‫إليهم بالبنان‪ ،‬ولكن سرعان ما اكتشييف أ ّ‬
‫وبدنية‪ ،‬بل جذورها تمتّد إلى النفس‪ ،‬فكانت مشاهداته في هذا المجال حييافزًا لييه علييى التييوجيه‬
‫نحو هذا المجال وكشف الرابطة بين المراض العصبية والدوافع النفسييية‪ ،‬حيييث أّكييد علييى أ ّ‬
‫ن‬
‫المراض النفسية ليست بالضرورة معلولة لنقص ذهني وخلل في المخ‪ ،‬وقد اسييتفاد ميين عملييه‬
‫المشترك مع بروئر في علج المرضى النفسيين في ترميم أطروحته فييي هييذا المجييال‪ ،‬وكييان‬
‫نتيجة هذا العمل المشترك انتشار كتاب »مطالعات في الهستيريا« بالشتراك مع بروئر سنة )‬
‫ل بعدها في عمله‬
‫ن فرويد استق ّ‬
‫‪ (1895‬التي تعتبر سنة ولدة مدرسة التحليل النفسي‪ ،‬ثّم أ ّ‬
‫وكتاباته‪ ،‬وفي كل كتاب كان يضيف إلى أطروحته أبوابًا جديييدة فييي الرؤيييا وعييالم اللشييعور‬
‫والجنس والذكاء وغير ذلك‪ .‬وذاع صيته وبدأت المحافل العلمية تدرس بجدية مقالته وكتاباته‪،‬‬
‫فأقبل عليه بعض الباحثين للستفادة من تجاربه ونظرياته في علج المرضى النفسيين فكان أن‬
‫تشّكلت جمعية التحليل النفسي عام ‪ 1908‬برئاسته‪.‬‬

‫ومع رشد حركة التحليل النفسي ازدادت الخلفات بين فرويد وثّلة من أتباعه البارزين مثييل‬
‫كارل يونغ‪ ،‬وآدلر‪ ،‬وفي عام ‪ ،1911‬اعتزل آدلر عن مدرسة التحليييل النفسييي‪ ،‬وتبعييه يونييغ‬
‫سسييا لهمييا مييذاهب خاصيية مسييتقّلة كمييا‬
‫عام ‪ ،1913‬وهما من أساطين علم النفس الغربييي وأ ّ‬
‫للصييلح صيييغ الخلييل‬
‫سسي حركيية الفرويييديون الجييدد‪ ،‬ومييا ذلييك إ ّ‬
‫ن وإلى مؤ ّ‬
‫سنتعرض إليه ّ‬
‫والرؤى المفرطة في آراء فرويد وتوجيههييا نحييو العتييدال وعييدم الجزمييية فييي المحصييولت‬
‫العلمية‪.‬‬
‫وفي عام ‪ 1923‬نشر فرويد كتابه عن الشخصية الذي أحدث تحّول في الرؤية النفسية‬
‫سم فيه شخصية الفرد إلييى مكّوناتهييا الثلث‪ :‬النييا‪ ،‬الهييو‪ ،‬النييا‬
‫نحو مكّونات الشخصية حيث ق ّ‬
‫العلى‪ ،‬وهذه السّنة تعتبر القّمة في شخصييية فرويييد العلمييية بانتشييار كتييابه هييذا‪ ،‬إذ فييي تلييك‬
‫المسألة نفسها بدأ العّد التنازلي في حياته عنييدما ُاخييبر باصييابته بمييرض السييرطان الييذي ظ ي ّ‬
‫ل‬
‫يعاني من آلمه‪ ،‬ويكابد أوجاعه طيلة ‪ 16‬سنة أجرى خللها ‪ 33‬عملية جراحية‪ ،‬وكان آخر‬
‫كتاب له باسم »موسى وقومه وعقيدة التوحيد« وفي عام ‪ 1938‬غزت المانيا النمسا‪ ،‬فأفلت‬
‫ن حملة واسعة عليييه وعلييى كتبييه لصييله اليهييودي‪ ،‬وقييام أصييدقاؤه‬
‫من الجيش النازي الذي ش ّ‬
‫بتهريبه إلى لندن حيث مات بعد سنة في ‪.1939‬‬

‫نشوء مدرسة التحليل النفسي‪:‬‬
‫بالمكان دراسة هييذه المدرسيية فييي مرتكزاتهييا الفكرييية والييرؤى النظرييية حييول الشخصييية‬
‫ودوافعها وصياغتها من جهة‪ ،‬ومن جهة ُاخرى منهجها في العلج النفسي كمدرسة تهتم بعلج‬
‫المراض النفسية والعصبية‪ .‬والجانب الّول هو الذي يبحث عادًة في الوساط الثقافية‪ ،‬تاركين‬
‫الجانب الثاني وهو طريقة علجها للمراض إلى المتخصصين والطباء في هذا الفيين لميياهيته‬
‫التطبيقية التي تختص بالمعييدودين ميين النيياس ميين ذوي المييراض والحييالت النفسييية الشيياّذة‪:‬‬
‫ويعتمد في أسلوبه هذا على محاولة اكتشاف عالم اللوعي في المريض‪ ،‬والتوغل إلى ذكريات‬
‫الطفولة والدوافع المكبوتة وإبرازها إلى السطح الواعي بأساليب التداعي الحّر‪ ،‬وتعبير الرؤيييا‪،‬‬
‫والتنويم المغناطيسي وأمثال ذلك‪ ،‬فإذا اكتشف الفرد الدوافع الخفّية وتمّكيين ميين تفريييغ شييحنتها‬
‫عبر إبرازها من مكمنها‪ ،‬تخّلص من سبب المرض‪.‬‬
‫أّما على مستوى النظرية وهي مورد البحث عادًة فييي الوسيياط الفكرييية والثقافييية‪ ،‬فالبداييية‬
‫كانت عندما اشترك مع بروير في علج المرضى النفسانيين بوسيلة التنويم المغناطيسي‪ ،‬فكان‬
‫منهج بروير في العلج هو »المنهج التطهيري« أو منهييج التنفيييس عيين الكييوامن‪ ،‬وذلييك بييأن‬
‫يقوم بتنويم المريض تنويمًا مغناطيسيًا وإعادة ذكرى الحوادث المؤلمة الييتي كييانت السييبب فييي‬

‫الزمة النفسية‪ ،‬وبذلك تتّم عملية التنفيس‪ ،‬أو التطهير من هييذه الييذكريات المكبوتيية الييتي تقييف‬
‫ن فتاة مصابة بالهستيريا واضطرابات‬
‫وراء النفعالت العصبية والهستيرية للمريض‪ ،‬ويذكر أ ّ‬
‫في النطق وفقدان الشهّية جاءت تلتمس الشفاء عند بروير حيث كانت تشكو العطش الدائم فيييإذا‬
‫قربت قدح الماء إلييى فمهييا لتشييرب ألقييت بالقييدح فجييأة إلييى الرض دون أن تعييرف لييه سييببًا‬
‫ظاهرًا‪ ،‬ثّم أّنها وفي حالة النوم المغناطيسي اعترفت بأّنها دخلييت غرفيية مرّبيتهييا فييرأت كلبهييا‬
‫ن هييذا الحييادث بقييي‬
‫ل أّ‬
‫المخيف يشرب من كأسها‪ ،‬فرجعت ولم تذكر لحد شيييئًا عيين ذلييك‪ ،‬إ ّ‬
‫ل في اللوعي‪ ،‬فلّما ذكرته لطبيبها شعرت بالراحة وكأّنها نّفست عيين ثقييل مكبييوت لييديها‪،‬‬
‫فاع ً‬
‫وطلبت وهي في نومها ماءً وشربت حّتى ارتوت‪ ،‬ثّم استيقظت وقد زال هذا التوتر والحساسية‬
‫من شرب الماء‪ ،‬فأخذ فرويد هذه الحادثة كرأس خيييط للوصييول إلييى نتييائج هاّميية عيين الييوعى‬
‫واللوعي والكبت وحلقات ُاخرى من سلسلة منظومته الفكرية‪.‬‬
‫ل إييياه طريقتييه الخاصيية فييي‬
‫ن فرويد ما لبث أن تخّلى عن التنييويم المغناطيسييي مسييتبد ً‬
‫ثّم إ ّ‬
‫ن يتكّلييم كيفمييا شيياء ميين دون تنييويم‪ ،‬بييل فييي حاليية‬
‫التداعي الحّر وفسييح المجييال للمريييض بييأ ّ‬
‫استرخاء تام‪ ،‬ويقوم المعالج بتسجيل ملحظاته ثّم يتبادل وجهيية النظيير مييع المريييض‪ ،‬والبييوح‬
‫بمكنونات ضميره الباطن بعد استنباطها من فلتات لسان المريض وحالته النفسية أثناء النطق‪،‬‬
‫ويعزو فرويد سبب الشفاء إلى استخراج الذكريات المؤلمة من مخزن اللوعي وإحضارها إلى‬
‫ف عن تفعيل المرض بعييد أن يييدركها المريييض ويسييتوعب أسييباب‬
‫مرتبة الوعي والشعور لتك ّ‬
‫الزمة‪ ،‬فحينئذ أّما أن يقوم بطردها ورفضها‪ ،‬أو تقبلها‪ ،‬وهذه هي ماهية التحليل النفسي‪.‬‬

‫مرتكزات نظرية التحليل النفسي‬
‫‪ ‬عالم اللشعور‪:‬‬
‫ن فرويد اقتبس أساس فكرة اللشعور وقّوة تأثير المشاعر المكبوتة من صاحبه‬
‫رأينا كيف أ ّ‬
‫بروير‪ ،‬وبعد أن قام بصييياغته ميين جديييد وتطييويره جعلييه أسيياس ودعاميية لكييثير ميين الييرؤى‬
‫والنظريات في دائرة مدرسته النفسية‪ ،‬وليس أهمية هذه المدرسة في كشفها عن عالم اللوعي‪،‬‬
‫بل عن إثبات دوره المؤثر في سلوكيات الفرد ونشاطاته الفكرية والعملية‪.‬‬
‫ن في النسان ثلثيية منيياطق للدراك‪1 :‬ي ي منطقيية‬
‫وتقوم نظرية فرويد في هذا الجانب إلى أ ّ‬
‫الوعي‪2 .‬ي منطقة شبه الوعي‪3 .‬ي ي منطقيية اللوعييي أو اللشييعور‪ ،‬ويعتييبر الثييالث منهييا أه يّم‬
‫عامل من العوامل المؤثرة على السلوك‪ ،‬ويسّمى بعالم اللشعور أيضًا‪ ،‬في مقابل عالم الشعور‬
‫ن الولييى قييد‬
‫والوعي الفعلي للذهن‪ ،‬والفرق بين منطقة شييبه الييوعي وبييين اللوعييي الكامييل أ ّ‬
‫غل كثيرًا في عالم النسيان‪،‬‬
‫ن الذكريات في هذه المنطقة لم تتو ّ‬
‫يستذكرها النسان بسرعة‪ ،‬أي إ ّ‬

‫وأّما منطقة اللشعور فتحتوي على ذكريات مكبوتة أكل الدهر عليها وشرب‪ ،‬فهي تييأبى علييى‬
‫ل فييي حييالت نييادرة وميين خلل التقييويم المغناطيسييي أو التحليييل‬
‫الفرد إرجاعها إلى الذاكرة إ ّ‬
‫ضل البقاء في ذلك العالم بعييد أن طييردت ميين عييالم الييوعي وكبتهييا الفييرد‪ ،‬أي إ ّ‬
‫ن‬
‫النفسي‪ ،‬وتف ّ‬
‫بعض الرغبات ل يجد الفرد بّدا من طردها وكبتها خوف يًا منهييا كييالميول المحّرميية والممنوعيية‬
‫ل‪ ،‬أو فييي مقاربيية إحييدى‬
‫س في نفسه بالرغبيية فييي ضييرب أبيييه مث ً‬
‫أخلقيًا واجتماعيًا‪ ،‬فمن يح ّ‬
‫ن مثل هذه الميول تسّبب له قلقًا واضطرابًا فييي شخصيييته‪ ،‬وترفييع ميين‬
‫ك في أ ّ‬
‫محارمه‪ ،‬فل ش ّ‬
‫حّده الصراع مع وجدانه الديني والجتماعي‪ ،‬فيقوم بطردها إلييى عييالم اللشييعور‪ ،‬ولكيين وفق يًا‬
‫ل رغبة مهما كانت طفيفة وتافهة ل تزول ميين صييقع النفييس بتات يًا‪ ،‬وإّنمييا‬
‫نكّ‬
‫لهذه النظرية‪ ،‬فا ّ‬
‫تندحر موقتًا إلى عالم اللشعور وتتحّين الفرصة للخروج مّرة ُاخرى‪ ،‬ولكن ل بشييكلها السييافر‬
‫ن ذلك سيسّبب قلقًا وازعاجًا لصاحبها فيعود إلى كبتهييا ميين جديييد‪ ،‬بييل تتقّنييع بقنيياع‬
‫المقيت‪ ،‬ل ّ‬
‫مقبول عرفًا وشرعًا‪ ،‬وبهذا تكون جميع الدوافع الخّيرة في الظاهر والتي يشعر بها النسان مييا‬
‫ل دوافع شريرة مقنعة تمتّد بجذورها إلى اللشعور ل سّيما إلى الغريزة الجنسية‪ ،‬وتحّرك‬
‫هي إ ّ‬
‫ن أّنه يحسن صنعًا‪.‬‬
‫الفرد كيفما تشاء وهو يظ ّ‬
‫ونسبة الدوافع اللشعورية إلى الدوافع الشعورية كنسبة الجزء الغاطس من جبييل الثلييج إلييى‬
‫ل القليل‪ ،‬بينما يبقى القسم العظم منه غاطسًا‬
‫ن جبل الثلج ل يظهر منه إ ّ‬
‫جزئه الظاهر‪ ،‬حيث أ ّ‬
‫في الماء‪.‬‬
‫الكبت بدوره يختلف عن أشكال القمع والرفض الرادي للشييهوات والميييول الممنوعيية‪ ،‬اّنييه‬
‫عملية ل شعورية تستهدف إزالة القلق من ميدان النفييس وإعييادة التييوازن والسييتقرار النفسييي‪،‬‬
‫فقد يغضب النسان على زوجته أو أحد أصدقائه فيقوم بكظم غيظه وتهدئة نفسه وطرد عوامل‬
‫ن هذه العملية تتح يّرك علييى مسييتوى الييوعي والشييعور‪ ،‬بخلف الكبييت الييذي ل‬
‫لأّ‬
‫الغضب‪ ،‬إ ّ‬
‫يشعر النسان معه بجهد من هذا القبيل‪ ،‬ويتظاهر بالمحّبة وهو يستبطن الكراهية في حييين أّنييه‬
‫ل يشعر بالكراهية بشكلها السافر‪.‬‬
‫لولييى‪،‬‬
‫والطريق إلى معرفة محتويات هذه المنطقة فييي عييالم النفييس هييو الرؤيييا بالدرجيية ا ُ‬
‫ف سيطرة الوعي والنا على الفراميل النفسية‪ ،‬والتخّلص من هذه الدوافع المكبوتييية ل‬
‫حيث تخ ّ‬
‫ل بفسح المجال لها للتعبير عن نفسها‪ ،‬وإزالة العوائق والفراميل الخلقية والجتماعية‬
‫سر إ ّ‬
‫يتي ّ‬
‫من أمامها لتظهر على حقيقتها‪.‬‬
‫‪ ‬الغرائز‪:‬‬

‫النقطة المحورية لنظرية فرويد ترتكز على فهم ماهية الييدوافع‪ ،‬أو الغييرائز وتحديييد دورهييا‬
‫في السلوك‪ ،‬فبالنسبة إلى ماهية الدوافع هناك تفسيييرات مختلفيية لهييا فييي كتييب فرويييد بالييذات‪،‬‬
‫ن الترجمات المختلفيية لهييا نصيييبها فييي‬
‫فتارًة يعّبر عنها بالدوافع‪ ،‬وُاخرى بالغرائز‪ ،‬والظاهر أ ّ‬
‫ل ما كان سببًا باطنيًا لسلوك معّييين‪،‬‬
‫عدم ضبط الصل‪ ،‬ويراد بالغريزة بمعناها الصطلحي ك ّ‬
‫ل من أشكال الطاقة الحيوية توائم بين حاجات‬
‫وهي بذلك تعطي معنى المحّركات للسلوك‪ ،‬وشك ً‬
‫البدن والفعاليات الذهنية‪ ،‬وهدفها تسكين الثارات وإرضاء الحاجات البدنية‪.‬‬
‫لخييرى‪:‬‬
‫لولى من الغييرائز عبييارة عيين غييرائز صيييانة الييذات )صيييانة النييا(‪ ،‬وا ُ‬
‫الطائفة ا ُ‬
‫ن فرويد بعد ذلييك ط يّور هوييية الغييرائز‪ ،‬واقييترح‬
‫لأّ‬
‫الغرائز الجنسية )غرائز صيانة النوع(‪ ،‬إ ّ‬
‫اطارًا أوسع من اطارها الجنسي السابق‪ ،‬وذلك بتقسيم الغرائز إلى‪ :‬غريــزة الحيــاة‪) ،‬اروس(‪،‬‬
‫وغريزة الموت )تاناتوس(‪ ،‬أّما أروس فهي محور الدوافع المسؤولة عن بقاء الشخص وحييياته‬
‫كالجوع‪ ،‬والعطش‪ ،‬والجنس‪ ،‬و‪ ...‬وأّما تانيياتوس أو غريييزة المييوت فهييي الق يّوة المخّربيية فييي‬
‫جهه إلييى الخييارج فينجييم‬
‫ل ما من شأنه يورث الحياة‪ ،‬وقييد تكييون مييو ّ‬
‫النسان وغايتها تدمير ك ّ‬
‫عنها جميع اشكاليات العدوان والظلم والضرار بالغير‪ ،‬وقد تنكفي على الذات فتنتج النتحييار‪،‬‬
‫وهذان القّوتان يتقاطعان في باطن النسان وينتج عن تغالبهمييا مختلييف مظيياهر التعييارض فييي‬
‫المواقف الفردية والجتماعية للشخصية‪.‬‬
‫ن الفكييرة‬
‫لأّ‬
‫ن فرويد قام ببعض التعييديل علييى نظرييية فييي ماهييية الغييرائز‪ ،‬إ ّ‬
‫وبالرغم من أ ّ‬
‫ل ل يّذة‬
‫المحورية في الغرائز بقيت تدور حول محور الجنس‪ ،‬وخاصة في مرحليية الطفوليية‪ ،‬فك ي ّ‬
‫جسدية يشعر بها الطفل هي في الصل من معطيات الغريزة الجنسية‪ ،‬سييواء كييان الطفييل فييي‬
‫ن الميل الجنسي في‬
‫حالة الرضاع أو البراز والتبّول‪ ،‬أو العبث بأدوات اللعب‪ ،‬وبعبارة ُاخرى أ ّ‬
‫ل عمييل أو فكييرة‪ ،‬أو نشيياط‬
‫الفرد ل يعني الشهوة بالذات‪ ،‬بل يستوعب في دائرتييه الواسييعة ك ي ّ‬
‫ب الخير وخدميية الخرييين والعشييق لهييا‬
‫فسيولوجي مريح ولذيذ‪ ،‬وحّتى العواطف النسانية كح ّ‬
‫جذور في الجنس‪.‬‬
‫‪ ‬أركان الشخصية‪:‬‬
‫ل فرد تتكّون من ثلثة أركان‪ :‬هو ـ أنا ـ أنا العلى‪.‬‬
‫ن شخصية ك ّ‬
‫وفقًا لنظرية فرويد فا ّ‬
‫ل ما تقّدم فييي حييديثنا عيين الغييرائز‪ ،‬والييتي تعتييبر المك يّون الّولييي‬
‫الـ»هو«‪ :‬عبارة عن ك ّ‬
‫غليية‬
‫للشخصية‪ ،‬فالدوافع الغريزية التي تشترك وترتبط فيما بينها برباط الغريييزة الجنسييية المتو ّ‬
‫في أعماق الفرد هي عبارة ُاخرى عن الي»هو«‪ ،‬ومن سماته أّنه أعمى‪ ،‬وغير أخلقي‪ ،‬وغييير‬
‫عقلني‪ ،‬ول يهدف سوى ارضاء ميوله وكسب اللّذة بأي وسيلة وبأي قيمة‪.‬‬

‫الـ»أنا«‪ :‬الجزء العاقل والواعي من الشخصية‪ ،‬والذي تمحور حول أصل الواقعية‪،‬‬
‫ل إقاميية التييوازن بييين ضييغط المحيييط والقيييم‬
‫ويتعامل مع متطّلبات الواقع بصورة واعية محاو ً‬
‫الجتماعية والخلقية من جهة‪ ،‬وبين متطّلبات الهو والدوافع الجوانية‪ ،‬فيلحظ ما تمليييه عليييه‬
‫الظروف والتجارب في الحياة من قوانين اجتماعية وقواعد أخلقية وُاصول عرفية ول يحيياول‬
‫ن شييعور‬
‫الخروج عليها في إرضائه للغرائز‪ ،‬بل يسعى بالتوفيق بينهمييا‪ ،‬ولييذلك يييرى فرويييد ا ّ‬
‫خر في الظهور عند الطفل‪ ،‬لّنييه حصيييلة تصييادم الهييو مييع النييا‬
‫الفرد بي»النا« الشخصية يتأ ّ‬
‫العلى الذي هو عبارة ُاخرى عن القيم الوجدانية والخلقية السائدة في المجتمع‪.‬‬
‫»النا العلى«‪ :‬وهو عبارة ُاخرى عن الضمير والوجدان الديني والخلقي الذي يتكّون‬
‫في الفرد من مجلوبات البيئة والتقاليد السائدة في المجتمع‪ ،‬ويمّثل أداة الضغط الجتماعي علييى‬
‫الفرد كيل يجمح به الهييو فيخرجييه عيين طييوره الجتميياعي‪ ،‬وذلييك باسييتخدام عنصيير المكافييأة‬
‫والعقوبة باستمرار على أنماط السلوك الفردي‪ ،‬وببيان آخيير‪ ،‬اّنييه مجموعيية القواعييد والمفيياهيم‬
‫عن الخير والشّر التي يكتسييبها الفييرد ميين والييديه والمدرسيية وقييوانين الحكوميية والسييلطة فييي‬
‫ن النا يأخذ على عاتقه مسؤولية تنفيذ هذه القوانين وإنذار الهييو بهييا لّنييه نتيياج‬
‫المجتمع‪ ،‬كما أ ّ‬
‫التفاعل الحي والمستمر بين الدوافع الغريزية والوسط الجتماعي‪.‬‬
‫ن النييا يأخييذ مكييانه بييين‬
‫ويمكن تصوير هذه الجوانب الثلثة في النسييان بهييذه الصييورة‪ ،‬إ ّ‬
‫مطاليب الهو الفورية والشديدة‪ ،‬وبييين سييياط قييوانين النييا العلييى القاسييية الييتي تمنييع إرضيياء‬
‫مطاليب الهو‪ ،‬فلو ركن النا لمطاليب الهييو ولييم يحفييل بتوصيييات النييا العلييى‪ ،‬فسيييقوم النييا‬
‫العلى بمعاقبته على شكل شعور بالذنب وإحساس بالحقييارة والمغييامرة بييالروابط الجتماعييية‪،‬‬
‫سك بالقيم والثوابت الخلقية وإيحاءات النا العلييى الييذي يضييطره‬
‫ولو صدف عن الهو‪ ،‬وتم ّ‬
‫خض هذا السلوك عن افرازات عصييبية وعقييد نفسييية وت يّوتر‬
‫إلى كبت نوازع الهو‪ ،‬فسوف يتم ّ‬
‫ن متطّلبات الغريزة سوف ل تقف مكتوفييية‬
‫نفسي وفصام شديد بين العنصر الباطني والواقع‪ ،‬ل ّ‬
‫البدي حيال هذا السّد المنيع‪ ،‬بل تحاول اللتفاف حوله وإحداث ثغرات فيه والنفوذ ميين خللييه‬
‫على شكل ردود فعل سلبية وانعكاسات متناقضة وتصّرفات هوجاء‪ ،‬فيقع النا بين مطرقة النا‬
‫ل‪ ،‬عندما يرى امرأة جميلة‪ ،‬فالهو يدعوه لتقبيلهييا واحتضييانها‪ ،‬ولكيين‬
‫العلى وسندان الهو‪ ،‬فمث ً‬
‫لصييول الخلقييية ويييدعوه للخجييل‬
‫النا العلى ينهره عن ذلك حفاظ يًا علييى تقاليييد العييرف وا ُ‬
‫والحياء‪ ،‬فيقف النا حائرًا مفّكييرا فييي محاوليية للتوفيييق بينهمييا وإرضييائهما وإيجيياد المصييالحة‬
‫بينهما بأن يكتفي بالسلم عليها أو مصافحتها بحرارة‪.‬‬
‫‪ ‬العقدة‪:‬‬

‫وهييي شييحنات قوييية وانفعييالت متراكميية علييى شييكل كتييل ومجيياميع موجييودة فييي منطقيية‬
‫اللشعور تقوم بتوجيه الفييرد دون وعييي منييه إلييى عمييل معّييين وسييلوك خيياص يتعييارض مييع‬
‫جمعت فيه الرغبات المكبوتة‪.‬‬
‫ل ُ‬
‫توصيات النا العلى‪ ،‬وتشبه خّزان صغير مستق ّ‬
‫وذكر فرويد عّدة عقد ل يخلو الفرد من بعضها‪ ،‬وتشترك فيما بينها بالصييل الجنسييي لهييا‪،‬‬
‫وأهّم هذه العقد‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ عقدة اوديب‪ :‬وهي حكاية اسطورية عن شخص يدعى اوديب تزّوج ُاّمه‬
‫ل ولد يغار من أبيه على ُاّمه ويريد أن يستأثر‬
‫ن ذلك ك ّ‬
‫»جوكاست« بعد أن قتل أباه‪ ،‬يعني ا ّ‬
‫بُاّمه دون أبيه ويوّد التخّلص منه ليتسّنى له ذلك التفيّرد بيُاّمه‪ ،‬وبسييبب ذلييك يشييعر بييألم نفسييي‬
‫وتأنيب الضمير على هذا الشعور اللأخلقي فيورث في نفسه عقييدة س يّماها »عقييدة اوديييب«‪،‬‬
‫وتنعكس تأثيرات هذه العقدة علييى سييلوك الطفييل العييدائي نحييو أبيييه وفييي رسييوماته وانتقيياداته‬
‫لّم‪،‬‬
‫وتمّني موته أو البتعاد عنه‪ ،‬وفي البنت أيضًا تظهيير هييذه العقييدة بشييكل عييداء وكراهييية ل ُ‬
‫وتدعى »ألكترا«‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ عقدة ديانا‪ :‬كلمة يونانية يراد بها المرأة الرجل‪ ،‬وتعتبر آلهة الصيد لدى الصيادين‪،‬‬
‫ن واسييتيلء‬
‫وقد استعارها فرويد لعقدة السترجال التي تصيب بعض النساء كييرّد فعييل لضييعفه ّ‬
‫لنوثهييا وضييعفها ومحاوليية التشيّبه‬
‫ن‪ ،‬فيسّبب ذلك إلييى احتقييار المييرأة ُ‬
‫ن واحتقاره ّ‬
‫الرجل عليه ّ‬
‫بالرجل في السييتعلء ورفييض الرجييال‪ ،‬وقييد تمسييي بيياردة عنييد زوجهييا‪ ،‬أو تقييوم بمحاسييبته‬
‫والتغطرس عليه واحتقاره‪ ،‬ويعييزو فرويييد سييبب ذلييك إلييى زميين الطفوليية حيييث تشييعر البنييت‬
‫س بالمحرومية من جّراء ذلك مّما يسّبب لها هذه العقدة‪.‬‬
‫بنقصانها العضو التناسلي للذكر‪ ،‬وتح ّ‬
‫‪ 3‬ـ عقدة الخصاء‪ :‬وتتوّلد من تراكم خوف الطفل من فقده لقضيبه‪ ،‬وذلك نتيجة خوفه من‬
‫العقاب على بعض الذنوب والرغبات الجنسية المحّرميية تجيياه ُاّمييه‪ ،‬أو إحييدى محييارمه‪ ،‬وهييذا‬
‫الخوف قد يصحبه في الكبر أيضًا‪ ،‬فيمسي خائفًا من عدم القييدرة علييى المقاربيية الزوجييية مّمييا‬
‫سييع فييي هييذه العقييدة لتشييمل الخصيياء‬
‫يعني ضعف في رجولته ونقص في شخصيييته‪ ،‬وقييد يتو ّ‬
‫الذهني أيضًا‪ ،‬وهو عبارة عيين شييعور بييالعجز عيين إثبييات الييذات وتوكيييد قييدراتها إزاء العييالم‬
‫الخارجي‪.‬‬
‫لسييرة‬
‫لسرة عنييدما يلتحييق با ُ‬
‫عقدة قابيل‪ :‬وهي أكثر العقد شيوعًا‪ ،‬وتصيب الطفل الكبر ل ُ‬
‫لم والب ويستأثر بهما دونه‪ ،‬فيحسده ويتمّنى التخّلص منه‪،‬‬
‫الوليد الثاني ويستولي على حنان ا ُ‬
‫ويظهر ذلك على سلوكه السلبي وانفعالته تجاه أخيه الصغر‪.‬‬
‫‪ ‬الحلم‪:‬‬

‫ن رقابة النا العلى‪،‬‬
‫ب الذي يؤّدي إلى اللوعي«‪ ،‬وذلك أ ّ‬
‫ويعتبرها فرويد »الطريق اللح ّ‬
‫ف سييلطتها علييى الغييرائز وتضييعف الفرامييل أمييام قييوى‬
‫أو الوجييدان والعقييل الجتميياعي تخ ي ّ‬
‫اللشعور‪ ،‬فتبرز على شكل أحلم للتعبير عن نفسها بعد أن حرمت من الظهييور علييى مسييرح‬
‫الحياة في دنيا الوعي واليقظة‪ ،‬إذًا فالهدف من الحلم تحقيق رغبات مكبوتة التي ل يرغييب فييي‬
‫إظهارها الفرد في حالة اليقظة‪ ،‬كالرغبة في العدوان‪ ،‬والميييل الجنسييي المحيّرم‪ ،‬وأمثييال ذلييك‪،‬‬
‫والكثر في الحلم اّنها عبارة عن رموز ذات دللت نفسية تمت يّد إلييى عييالم اللشييعور‪ ،‬وقييد‬
‫تكون صريحة كالعتداء على الب‪ ،‬أو مقاربة المحارم والتي تعّبر عن رغبييات صييريحة فييي‬
‫ذلك‪.‬‬
‫أّما الرمزية منها فقد تختزل فيها معاني ورغبات شّتى في رمز معّين‪ ،‬وهييو مييا يعّبيير عنييه‬
‫بالختزال والتكثيف‪ ،‬كأن ترى سّيدة في المنام أّنها تشتري قبعة سوداء‪ ،‬وبعييد التحليييل النفسييي‬
‫ثبت أّنها كانت تكره زوجها وتتمّنى موته لفقره ولّنها كانت تتمّنى شراء قّبعة ولييم يسييمح لهييا‬
‫وضعها القتصادي بذلك‪ ،‬فاجتمعت هذه المعاني لتنعكس في الحلم بصورة شراء قّبعة سوداء‪.‬‬
‫وقد يكشف الحلم عيين نييوع ميين »البييدال« وتحييوير الموضييوع‪ ،‬فميين كييانت تكييره ُاختهييا‬
‫البيضاء رأت في المنام أّنها تخنق كلبًا أبيضًا‪ ،‬وهذه الرموز تأتي في الغالب على شييكل مييوت‬
‫أو ولدة‪ ،‬أو تييبّرز‪ ،‬أو أعضيياء تناسييلية‪ ،‬وأّمييا الشييكال الرمزييية فهييي كييثيرة ج يّدا‪ ،‬والجييدير‬
‫ن فرويد يؤّكد الرمزية في اليقظة أيضًا‪ ،‬وخاصًة الشياء الييتي ترمييز إلييى العضيياء‬
‫باللفات أ ّ‬
‫التناسلية والعملية الجنسية من قلييم ودواة وابييرة وانبييوب وبئر‪ ،‬ونييافورة ومئذنيية وأمثييال ذلييك‪،‬‬
‫فكّلها توحي إلى الذهن تداعيات جنسية للمرأة والرجل‪.‬‬
‫‪ ‬الدفاعات النفسية‪:‬‬
‫ن النا قد تواجه ضغوطًا كييبيرة ميين‬
‫ينطلق فرويد في هذا المقطع من تحليلته النفسية إلى أ ّ‬
‫النا العلى وعراقيل قاسية مع المحيط الجتماعي بسبب رغبات ونوازغ الهو‪ ،‬فل تجد سبي ً‬
‫ل‬
‫للتخلص من الضغط والتخفيف من اللم النفسي الذي يهدد وجودها كيانهييا بالنهيييار والتصييدع‬
‫ل بالدفاع النفسي أو استخدام الحيل النفسانية للحفاظ علييى وجودهييا وبعبييارة ُاخييرى‪ :‬التنفيييس‬
‫إّ‬
‫عن الكبت للدوافع الغريزية المضّرة بالفرد والمجتمع ومن الحيل والدفاعات ما يلي‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ التقمص‪ :‬وفي هذه الحالة يسعى الفرد لن يجعل من نفسه على صورة غيره‪ ،‬كما‬
‫نجد ذلك في الطفل حينما يقلد أبويه في تصييرفاتهما‪ ،‬فييالبن يقّلييد أبيياه‪ ،‬والبنييت تقّلييد ُاّمهييا فييي‬
‫التفكير واللعب والعواطف والمراهق يتقمص شخصية ابطال السينما للتغلييب علييى ألييم النقييص‬
‫والتنفيس عن رغبة جامحة في التفوق وهكذا‪.‬‬

‫‪ 2‬ـ التعويض‪ :‬أو جبران النواقص البدنية والنفسية‪ ،‬وتارة يظهر التعويض على شكل‬
‫سلبي من قبيل الضرب وكسر الصحون والتظاهر بالمرض وأمثال ذلك لجلييب انتبيياه الخرييين‬
‫وجبران النقص في المحبة أو في الشخصية‪ ،‬وفي الغالب يكون التعويض إيجابيًا‪،‬وهو محاولييية‬
‫ل شعورية للرتفاع بشخصية الفرد من خلل خدمة الناس وقضاء حاجاتهم أو التفييوق العلمييي‬
‫والسعي لحراز مكانة اجتماعية متقدمة لكسر الطرق الذي فرضه الخرون عليه‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ التبرير‪ :‬وهو محاولة دفاعية ترمي الى تييوجيه السييلوك الخيياطيء ميين الفييرد توجيه يًا‬
‫سليمًا و مشروعًا للتخفيف من ألم الضمير والشعور بالثم وضغط المجتمع ويهييدف الفييرد ميين‬
‫ذلك بالدرجة الولى إلى اقناع نفسه بأّنه على صواب من قبيل دفاع اللصوص والمجرمين بأن‬
‫المجتمع هو السبب في سلوكهم الجانح‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ الستبدال‪ :‬وهو استبدال هدف أو عاطفة سلبية بشيء آخر يمكن قبوله وجدانيًا أو‬
‫اجتماعيًا ويكون أقل ضررًا من الّول‪ ،‬وذلك للتنفيس عن الحاح الغريزة وارواء ظمئها بشييكل‬
‫معقول‪ ،‬كمن فشل في كسب الصدقاء فيحيياول اسييتبدالهم بالحيوانييات الليفيية‪ ،‬أو الطفييل الييذي‬
‫ل ميين أخيييه الكييبر الييذي ظلمييه‪ ،‬والفنييان أو الرياضييي الفاشييل فييي‬
‫يضرب الدمي ويمزقها بد ً‬
‫الدراسة فيحاول استبدال ذلك الهدف بهدف آخر يشبع حاجته النفسية‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ احلم اليقظة‪ :‬وهي حيلة سائدة لدى جميع الناس‪ ،‬وتهدف الى التنفيس عن القلق‬
‫الناشيء من الحباط في الماضي أو توقع الفشل في المستقبل‪ ،‬بأن يعيش الفييرد مييع طموحيياته‬
‫وأماله التي يعجز عن تحقيقها على أرض الواقييع وذلييك فييي خيييالته وأوهييامه‪ ،‬كييالفقير الييذي‬
‫يسبح في الثراء الفاحش والقصور المجللة‪ ،‬ويأكل أفضل أنواع الطعمة ولكن في خياله فقط‪.‬‬
‫‪ 6‬ـ التصدع‪ :‬وفي هذه الحالة ينتظر جزء من الشخصية عن وعي الفرد ويصبح مزدوج‬
‫الشخصية‪ ،‬وذلك يهدف اعطاء الفرد بعض التعادل في مقومات الشخصييية والتخّلييي عيين ذلييك‬
‫الجزء المضر من الشخصييية الييذي هييو مصييدر اللييم النفسييي للفييرد ميين قبيييل فقييدان الييذاكرة‬
‫والغماء والهروب وغير ذلك‪.‬‬
‫‪ 7‬ـ التهام‪ :‬وفي ذلك يسعى الفرد إلى القاء نقائصه على الخرين للتخلص من ألم‬
‫الضييمير وتييأنيب الوالييدين والمجتمييع كمييا نلحييظ هييذا المعنييى بوضييوح علييى الجييانحين‬
‫والمشاكسين‪.‬‬
‫‪ ‬مراحل رشد الشخصية‪:‬‬
‫ن النسان يمّر فييي رشييده بخمييس مراحييل‪ ،‬ثلث منهييا فييي السيينوات الخمييس‬
‫يرى فرويد أ ّ‬
‫لولى من حياته ومنذ السادسة وحّتى البلوغ الجنسي يمّر بمرحلة الكمون‪ ،‬والمرحلة الخامسيية‬
‫اُ‬

‫والخيرة هي مرحلة البلوغ الجنسي‪ ،‬أّما مراحل الرشد في الطفولة فهييي عبييارة عيين المرحليية‬
‫الفموية‪ ،‬والشرجية‪ ،‬والفرجية‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ المرحلة الفموية‪:‬‬
‫وتترّكز اللّذة الجنسية والتي يطلق عليهييا فرويييد »الليبييدو« حييول الف يّم واللسييان والشييفتان‪،‬‬
‫ص والبلع والبصيياق وسييائر حركييات الشييفاه‪ ،‬وتبييدأ ميين‬
‫حيث يكسب الطفل لّذته من خلل الم ّ‬
‫الولدة إلى بلوغ سنتين من العمر‪ ،‬وفي أواخر هييذه المرحليية‪ ،‬وبسييبب ظهييور السيينان يكييون‬
‫ض والمضييغ وأمثييال ذلييك حيييث يقييوم الطفييل بعييض ثييدي ُاّمييه‪ ،‬أو‬
‫كسب اللّذة لدى الطفل بالع ّ‬
‫وسائل اللعب لكسب اللّذة‪ ،‬ويسّمى هذا النمط من السلوك بالسادية الفمية‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ المرحلة الشرجية‪:‬‬
‫وتبدأ هذه المرحلة في السنة الثانية من عمر الطفل‪ ،‬وفيها تتمركز اللّذة الجنسية »الليبيييدو«‬
‫ن الطفل يشعر باللّذة الحاصييلة‬
‫في ناحية الشرج‪ ،‬ويتحّقق الرضاء الجنسي بالتبّرز والتبّول‪ ،‬ل ّ‬
‫من تخفيف الضغط على المعاء من جهة‪ ،‬وتحريك منطقة الشرج من جهة ُاخييرى‪ ،‬وفييي هييذه‬
‫المرحلة يكون دور الوالدين وكيفية سلوكهما مع الطفل لتعليمه الطهارة مهميًا جيّدا‪ ،‬بحيييث أّنييه‬
‫يؤثر على شخصيته فيما بعد أيضًا‪ ،‬وقد يحيياول الطفييل اسييتغلل تعويييق التييبّرز والدرار فييي‬
‫الجهة المخالفة لرادة الوالدين ل سّيما إذا استعمل الوالدين أسلوبًا خشيينًا فييي تعليمييه‪ ،‬فيسييتخدم‬
‫ل في أوقات وأماكن تييثير غضييبهما‪ ،‬وإذا‬
‫بدوره التبّرز والدرار كسلح ضّد والديه ويتبّول مث ً‬
‫استمّر الطفييل فييي اتخيياذ هييذا السييلوك لرضيياء التييوتر الفسيييولوجي‪ ،‬فميين الممكيين أن تكييون‬
‫شخصية في الكبر عدوانية وحاقدة ومخّربة وعديمة الشفقة‪.‬‬
‫وقد يسعى الطفييل للحتفيياظ بمييدفوعه لثييارة والييديه ونيييل المزيييد ميين الرعاييية والهتمييام‬
‫لتخّوفهما عليه من المرض‪ ،‬فإذا استمر الطفل على اتخاذ هذا السييلوك فييي جلييب محّبيية والييديه‬
‫ورعايتهما‪ ،‬فاّنه ينشأ في المستقبل ذا شخصية بخيلة وأنانية ومعانييدة وحريصيية‪ ،‬وتس يّمى هييذه‬
‫الشخصية بي»الشخصية الشرجية« بكل طرفيها‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ المرحلة الفرجية‪:‬‬
‫وتتزامن في الرابعة والخامسة من عمر الطفل‪ ،‬وفيها تترّكز الليبيييدو فييي منطقيية العضيياء‬
‫التناسلية‪ ،‬فيتمّيز الطفل عندها بالفضول الجنسي واللعب بالعضاء التناسلية‪ ،‬وملحظة الفروق‬
‫الجسدية بين الناث والذكور‪ ،‬وفي هذه المرحلة يعشق البناء ُاّمهم ويتمّنون الخلص من الب‬

‫لّم‬
‫لّم‪ ،‬ويجييري العكييس فييي البنييات حيييث يعشييقن الب ويرغبيين فييي إزاحيية ا ُ‬
‫والسييتئثار بييا ُ‬
‫والحلول محّلها‪ ،‬كما تقّدم في عقدة اوديب‪.‬‬
‫ن أثره‬
‫لأ ّ‬
‫ن هذا الميل نحو الوالد من الجنس المخالف يتقّوم في هذه المرحلة‪ ،‬إ ّ‬
‫وبالرغم من أ ّ‬
‫النفسي يستديم طيلة سنوات العمر‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ مرحلة الكمون‪:‬‬
‫وفي هذه المرحلة التي تستمر من السادسة إلييى مييا قبييل البلييوغ تخّلييد الليبيييدو إلييى الخمييود‬
‫والكمون‪ ،‬فتتمييازج عناصيير الشخصييية الثلثيية فييي مرّكييب اجتميياعي قييادر علييى التييواؤم مييع‬
‫المحيط‪ ،‬فالطفل في هذه المرحلة يتمتييع بروابييط عاطفييية وادعيية مييع أقرانييه وزملئه‪ ،‬ويح ي ّ‬
‫ب‬
‫ن الطفل يسييتخدم فييي الييدفاع عملييية التصييعيد‪ ،‬إذ يح يّور‬
‫والديه وُاخوته وأخواته‪ ،‬وببيان آخر أ ّ‬
‫ميول الليبيدو على شكل محّبة الوالدين‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ المرحلة الجنسية‪:‬‬
‫لولييى نلحييظ‬
‫وتنقسم هذه المرحلة إلى قسمين‪ :‬مرحلة ما قبل البلوغ‪ ،‬ومرحلة البلوغ‪ ،‬ففي ا ُ‬
‫لنثى حيث تظهر الميول الجنسية‪ ،‬وتتحّرك عقدة اوديب‬
‫الرشد الجسماني السريع على الذكر وا ُ‬
‫مّرة ثانية لتأخذ دورها الفاعل في رسم سييلوك الفييراد وعلقيياتهم‪ ،‬وتتش يّنج العلقيية بييين الهييو‬
‫والنا العلى‪ ،‬فلو اختار الفرد إرضيياء رغبييات الهييو فسييوف ينييزع إلييى الخصييومة والسييلوك‬
‫الخشن مع المحيط‪ ،‬وان سيطرت النييا العلييى علييى نييوازع الهييو فسييوف يييؤدي الييى الكبييت‬
‫ومضاعفاته‪.‬‬
‫ل لعقدة اوديب‪ ،‬فالميل الجنسي لحد الوالييدين يت يّم‬
‫مرحلة البلوغ الجنسي يتوّقع فيها إيجاد ح ّ‬
‫لسرة بشكل من أشكال إرضاء الغريزة‪ ،‬المشروع وغير المشروع‪.‬‬
‫تفريغه خارج دائرة ا ُ‬
‫هنا تييأتي أهمييية دور » التثبيت« في صياغة الشخصية‪ ،‬فالنسان في المراحل الثلث‬
‫لخرى‪ ،‬ولذا كان الفييراط فييي‬
‫لولى قد ل يكون موّفقا في تجاوزها والعبور من إحداها إلى ا ُ‬
‫اُ‬
‫الحرمان والضبط والتفريط في إرضاء الدوافع من السباب المؤدية إلى التثبيت‪ ،‬والمييراد منييه‬
‫ن شخصية الفرد تثبت في إحدى المراحل الثلث المذكورة ويكييون سييلوك النسييان الخييارجي‬
‫أّ‬
‫خاضعًا لمنطق تلك المرحلة‪ ،‬ويعتمد في إرضائه لدوافعه على آليات وقيييم تلييك المرحليية‪ ،‬كمييا‬
‫ل إذا حصييل التثييبيت فييي المرحليية الفموييية‪ ،‬فسييوف يسييتخدم‬
‫تقّدم في الشخصية الشرجية‪ ،‬فمث ً‬
‫ص‪،‬‬
‫الفرد بعييد نضييجه ورشييده أسيياليب تلييك المرحليية لرضيياء دوافعييه النفسييية كالكييل والم ي ّ‬
‫طُرز الشخصية وأنماطها ثلثة أنماط‪:‬‬
‫صل لدينا في ُ‬
‫والتدخين وأمثال ذلك‪ ،‬وبهذا يتح ّ‬

‫‪ 1‬ي الشخصية الفموية‪.‬‬
‫‪ 2‬ي الشخصية الشرجية‪.‬‬
‫‪ 3‬ي الشخصية الفرجية‪.‬‬
‫ن الفرد فيها يكون أنانيًا ول يرى الخرين وكيفية العلقة معهييم‬
‫بالنسبة للشخصية الفموية فا ّ‬
‫ل من منظار مصالحه الشخصية‪ ،‬وعادًة يكون مثل هؤلء الشخاص ميين الكسييالى ويميلييون‬
‫إّ‬
‫ن الشخصييية‬
‫إلى الّدعة وطلب المييان وليسييت لهييم فّعالييية ونشيياط اجتميياعي‪ ،‬ويمكيين القييول أ ّ‬
‫ل شيء واحتكاره ولذا يكون مثييل هييذا الشييخص حريص يًا وطّماعييا‬
‫الفموية كأّنها تريد ابتلع ك ّ‬
‫ن بالخرين‪.‬‬
‫وحسودًا وسي الظ ّ‬
‫أّما الشخصية الشرجية‪ ،‬فقد تقّدم بعييض الكلم عنهييا‪ ،‬ويغلييب علييى الفييرد الكييبير المتصييف‬
‫ل‪.‬‬
‫بالشخصية الشرجية أن يكون وسواسًا وحريصًا على النظافة والتطهير‪ ،‬ولجوجًا وبخي ً‬
‫ذو الشخصية الفرجية والذي ثبتت فيه بعض سمات المرحلة الوديبية يسعى لن يكون فيييي‬
‫أعماله موّفقا أكثر من الخرين‪ ،‬فالموّفقية بالنسبة لهؤلء الشخاص عبييارة ُاخييرى عيين الغلبيية‬
‫على الب وهزيمته‪ ،‬وإثبات تفّوقه على أبيه من خلل هذه النشاطات الجتماعية‪.‬‬
‫‪ ‬مناقشة المذهب الفرويدي‪:‬‬
‫مع تحّري النظرة الموضوعية في مناقشة آراء العلماء ونظريات المدارس النفسية ي كما هو‬
‫المنحى الذي سرنا عليه لحيّد الن يي فلبيّد ميين الشييادة ببعييض مجلوبييات فرويييد لعلييم النفييس‬
‫والبحاث المطروحة في مدرسة التحليل النفسي‪.‬‬
‫ن فرويد سّلط الضواء على عالم اللشعور‪ ،‬وأبرز دوره الفاعل في مجمل‬
‫فمنها‪ :‬إ ّ‬
‫السلوك البشري‪ ،‬بعد أن كييان الييوعي هييو صيياحب القييرار الحاسييم‪ .‬وسييوف يييأتي نظيييره فييي‬
‫ن القرآن الكريم أشار إلى عالم الملك وعالم الملكوت في حياة النسيييان‪،‬‬
‫المدرسة السلمية‪ ،‬وا ّ‬
‫فعالم الملك هو عالم الوعي بالمحسوسات والشعور بمعطيات الييذهن وانعكاسييات الييبيئة‪ ،‬ولكيين‬
‫هناك عوالم ُاخرى ل يدركها النسان في حالة الييوعي‪ ،‬منهييا عييالم الملكييوت الييذي تكتييب فيييه‬
‫ل مييا‬
‫أعمال النسان الخيرة والشريرة‪ ،‬ومحل الملئكة والشياطين المكّفلييين بهييذا النسييان‪ ،‬فك ي ّ‬
‫يجري من صراع بين الملئكة والشياطين تنعكس آثاره على اتجاه النسان وسلوكه في الحياة‪،‬‬
‫وكذلك ما يقوم به الفرد في عالم الملك من أعمال ونشاطات إيجابية أو سييلبية تنعكييس بييدورها‬
‫ن الطروحيية‬
‫لخييرى‪ ،‬وسيييأتي أ ّ‬
‫على عالم الملكوت وتؤثر في نصرة إحييدى الطييائفتين علييى ا ُ‬
‫السلمية أكمل وأتّم من الطروحة الفرويدية في هذا المجال‪.‬‬

‫ومنهــا‪ :‬تفسيراته للحلم والغلط في النطق والنسيان ورسوم الطفال وغيرها من‬
‫المفردات التي كانت مهملة في السابق‪ ،‬أو لم تحظ بالدراسة الوافية‪ ،‬ولم ينتفع منهييا فييي مجييال‬
‫الكشف عن لواعج النفس واضطرابات المحتوى الداخلي للفييرد حيييث كييانت تنسييب غالبيًا إلييى‬
‫الصدفة أو التخيلت والوهام‪ ،‬فجاءت نظريات فرويد ي بالرغم من الفراط والتزييغ ي لتعطييي‬
‫ل تلك المفردات دورًا في رسم علئم الشخصية‪ ،‬ومعنى يتواءم مع الخلل في الهوية الثقافييية‬
‫لك ّ‬
‫للفرد‪ ،‬وبذلك تّم اكتشاف فضاءات جديدة وروافد معرفية لستجلء العمق النفسي ونفض غبييار‬
‫الحييداث المتراكميية علييى جييوهر الشخصييية‪ ،‬وأفييرزت هييذه النتييائج توصيييات تربوييية فاعليية‬
‫للوالدين في تجّنب الخشونة في تربية الطفل والتأكيد على خطورة القمع وما يييترّتب عليييه ميين‬
‫كبت وعقد نفسية واضطرابات في الشخصية‪.‬‬
‫ح السكوت والتغاضي عن الخطاء الفادحة‪ ،‬والتهويشات الفكرية الييتي‬
‫ولكن مع ذلك ل يص ّ‬
‫اعتمدتها هييذه المدرسيية فييي صييياغة المرتكييزات النظرييية لهييا بحيييث أفقييدتها الوثاقيية العلمييية‬
‫لخييرى‪ ،‬وأفييرزت اسييتفهامات واشييكالت عديييدة لييم‬
‫والمكانة العقلنية بين المييدارس النفسييية ا ُ‬
‫يألفها البحث العلمي‪ ،‬ولم تتواءم مع القراءة الواعية لشخصية النسان ‪...‬‬
‫فمنها‪ :‬ما أخذ عليه من إهباط المستوى النساني إلى الحضيض‪ ،‬واختزال الدوافع السامية‬
‫ن المدرسيية الترابطييية قطعييت ارتبيياط‬
‫والنوازع المترقبة الخلقية بالدافع الجنسي‪ ،‬وقييد تقيّدم أ ّ‬
‫النسان بعالم الغيب‪ ،‬وجاءت المدرسيية الوظيفييية فييأنزلته إلييى مسييتوى الحيييوان اعتمييادًا علييى‬
‫تجارب دارون‪ ،‬أّما مدرسة التحليل النفسي هذه فلم تكتف بذلك‪ ،‬بل اختزلت شخصييية النسييان‬
‫ن الحيييوان يتمتييع بييدوافع‬
‫إلى بعد واحد من أبعاده الحيوانية‪ ،‬وهو الجنس‪ ،‬فكمييا هييو المعلييوم أ ّ‬
‫متنوعة‪ ،‬وأحدها الغريزة الجنسية‪ ،‬فليت المر اقتصر على تدّني مستوى النسان إلييى المرتبيية‬
‫الحيوانية فحسب ولم تصل النوبة إلى حصر الدوافع في دائرة الليبدو‪ ،‬لّننييا بييذلك سييوف نفقييد‬
‫ل رصيد وجداني للقيم الخلقية والفنون الجميلة والحاسيس العبادية والمظاهر المقّدسيية فييي‬
‫كّ‬
‫حياة النسان‪ ،‬وسوف يتّم تفريغ محتوى السلوك الخلقي والنساني من مضمونه الحضيياري‪،‬‬
‫ن تراجييع دور الوجييدان والقيييم الخلقييية‬
‫وصّبه في قوالب جنسية رخيصة‪ ،‬فكان نتيجة ذلييك أ ّ‬
‫ن فرويييد فييي بخسييه للخلق‬
‫واليمان ونشطت فعالية الشهوة فييي جميييع مفاصييل الحييياة‪ ،‬وكييأ ّ‬
‫والييدين والقيييم الروحييية يظهيير بمظهيير الهيّدام والمخيّرب فقييط دون الهتمييام بإصييلح الخلييل‬
‫ورصف اللبنات فوق الخرائب الوجدانية وركام الرغبات النبيلة التي خّلفها وراءه‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬تعميماته الكثيرة واّدعاءاته الواهية التي ل تستند على مدرك علمي أو دليل عقلي‬
‫تجريبي سوى من بعض الملحظات على ثّلة من المرضى والمتهسترين الذين ل يغني كلمهم‬
‫ق‪ ،‬ول تنفع التجارب عليهم في دحض باطل‪ ،‬فكيف تسّنى لفرويد أن يعّمم نظريته‬
‫عن إثبات ح ّ‬

‫ل من المرضييى والشييواذ؟ ث يّم كيييف يقتنييص نتيجيية‬
‫على السوياء من الناس وهو لم يرتشفها إ ّ‬
‫صة ي وهو المجتمع الوروبي ي ويقوم بتعميمه‬
‫علمية من وسط معّين له ظروفه وملبساته الخا ّ‬
‫ن الفريقي الذي‬
‫على سائر الشعوب ولمختلف الظروف التي يواجهها النسان في حياته؟ فهل أ ّ‬
‫يبحث دائبًا عن لقمة الخبز ليسّد بها جوعته ويقيم بها أود أطفاله كالوروبي الذي أرضى دافييع‬
‫الجوع وأطفأ دافع الدين والوجدان فلم يبق في حشاشة نفسه سوى لماضة الجنس؟‬
‫ومنها‪ :‬مقولته عن أركان الشخصية وتقسيماتها الثلثة‪ :‬الهو‪ ،‬النا‪ ،‬النا العلى‪ ،‬فمن جهة‬
‫ن هذا التقسيم الثلثي مقتبس ميين فلسييفة اليونييان وحكميياء السييلم ومعييروف بالبداهيية لييدى‬
‫أّ‬
‫ن النسييان واقييع بييين طرفييي نقيييض وقطييبين متصييارعين أحييدهما يمّثييل‬
‫علماء الخلق من ا ّ‬
‫الشييهوات‪ ،‬والخيير الوجييدان والقيييم الروحييية والخلقييية‪ ،‬ودور فرويييد هييو تغيييير السييماء‬
‫والمصطلحات إلى كلمات منمقة توحي باكتشاف عظيم لم يسبق له مثيل‪.‬‬
‫ل من هذه الركان الثلثة‪ ،‬فمن جهة تحديده للهييو بالييدافع‬
‫ثّم أّنه أخطأ في تقييم وتشخيص ك ّ‬
‫الجنسي ومخّلفاته من الرغبات المكبوتة في عالم اللشعور وعدم العتراف بالكثير من الدوافع‬
‫ن دوافييع‬
‫لخييرى‪ ،‬وقييد أثبتييت البحيياث العلمييية بطلن هييذا المسييلك التحليلييي وأ ّ‬
‫الفسيولوجية ا ُ‬
‫ن مكدو جل عّد منها ما تجاوز الثلثين‪.‬‬
‫النسان الّولية فقط من الكثرة حّتى أ ّ‬
‫ومن جهة ُاخرى ألبس الوجدان ملبس الشرطة بعد أن اجتّثه من أصالته الفطرية وقال بأّنه‬
‫ن الوجدان‪ ،‬أو النا العلى‪ ،‬لبّد وأن يتغّير‬
‫صنيعة المجتمع ومن مخّلفات التربية‪ ،‬وهذا يعني أ ّ‬
‫ن الوجييدان الخلقييي‬
‫باختلف الظروف والبيئة وأشكال الثقافة من مجتمييع لخيير‪ ،‬فييي حييين أ ّ‬
‫ل المجتمعات البشرية علييى اختلف ثقافاتهييا وأنماطهييا الحضييارية‪،‬‬
‫يتوّفر على حّد سواء في ك ّ‬
‫فتأييد العدل والوفاء بالعهد وأداء المانيية‪ ،‬وكييذلك رفييض مييا يقابلهييا ميين الظلييم ونقييض العهييد‬
‫ل إنسييان‪ ،‬وهييذا‬
‫والخيانة وأمثالها من المقولت الوجدانية تعّد من الثوابت والمجزومييات فييي كي ّ‬
‫ل التقادير على وجود قابلية واستعداد في النسان لقبييول نحييو خيياص ونمييط معّييين‬
‫ل على أق ّ‬
‫يد ّ‬
‫ن المر متروك للمحيط ليصوغ الوجدان كيفما شاء‪،‬‬
‫من القيم الخلقية‪ ،‬ل أ ّ‬
‫ن هذا المعنى ل يتلءم مع وجود مثل وقيم إنسانية رفيعة لدى النسييان‪ ،‬فهييل يعقييل أن‬
‫ثّم إ ّ‬
‫تكون هذه القيم النسانية المتعالييية كييالتي لييدى النبييياء والمصييلحين ميين النيياس ميين افييرازات‬
‫المحيط الجاهلي المتخّلف؟‬
‫ظر له فرويد مسؤولية إيجاد التوافق بين نداءات الهو‪ ،‬وقيييود النييا العلييى‪،‬‬
‫اّما النا الذي ن ّ‬
‫فهو أيضًا ل يمكن القبول به على هذه الشاكلة‪ ،‬فنحن نشعر وبعملية اسييتبطان سييريعة أن الهييو‬
‫ن النا من دون هذه الرغبات ل وجود لييه إطلق يًا‪،‬‬
‫ورغباته متحد مع النا‪ ،‬أو بعبارة ُاخرى‪ ،‬أ ّ‬

‫ي مباشرًة ول أشعر‬
‫ولذا نقول‪ :‬أنا ألتّذ‪ ،‬أنا مسرور‪ ،‬أنا متأّلم‪ ،‬وهكذا ‪ ..‬فأنسب رغبات الهو إل ّ‬
‫بالنا حكمًا مجّردا من هذه الحساسات وظيفته التوفيق بين هذه الرغبات ومتطّلبات المحيط‪.‬‬
‫ن مقولة وجود التضاد الدائم بين الهييو والنييا العلييى ل يخلييو ميين مناقشيية‪ ،‬فالرضيياء‬
‫ثّم أ ّ‬
‫ل ميين الهييو والنييا العلييى‪ ،‬وهكييذا سييائر التمتعييات‬
‫ل يحوز برضا ك ّ‬
‫الجنسي بين الزوجين مث ً‬
‫المشروعة في كيفية إرضاء الغريزة‪ ،‬إذًا فالنا العلى ل يعارض الهو مطلقًا‪ ،‬بل يعارض تلك‬
‫الرغبات غير المشروعة في الهو‪ ،‬وهي قليليية ج يّدا فييي الفييرد العييادي بالقييياس إلييى الرغبييات‬
‫المباحة والحاجات المشروعة للغرائز‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬مقولته في مراحل رشد الشخصية الخمس‪ ،‬وكّلها ترتبط مباشرًة بالغريزة الجنسية‪،‬‬
‫وهي مضافًا إلى عدم الدليل العلمي لثبات صحتها وصدقها‪ ،‬نلحظ أّنهييا أشييبه مييا يكييون إلييى‬
‫ن سمات الرجييل الكييبير‬
‫نتاج خيالي رومانسي منها إلى البحث العلمي‪ ،‬وخاصًة مبدأ التثبيت وأ ّ‬
‫وصفاته الخلقية والمزاجية كّلهييا معلوليية لضييبطه لغييائطه أو ارخيياء العنييان لييه فييي الطفوليية‬
‫الباكرة‪ ،‬ول أعلييم ميياذا دهييى الوسييط العلمييي الغربييي حّتييى يييدخل هييذه السييخافات فييي قائميية‬
‫حتها‬
‫النظريات العلمييية‪ ،‬بييل ويقيّوم العلميياء والمحّققييون بيياجراء التجييارب الكييثيرة لثبييات ص ي ّ‬
‫ل على المستوى المتيّدني لعلييوم الغييرب فييي المجييال النسيياني والعلييوم‬
‫وبطلنها؟ وهذا إّنما يد ّ‬
‫النفسية والروحية‪.‬‬
‫وهل يعقل أن نتجاوز عوامل الوراثة وإشكالية التربية والثقافة الفردية والعوامل الحضييارية‬
‫والعقل والدين و‪ ..‬في تكوين شخصية النسان ونسّلط الضوء على كيفييية التييبّرز والتب يّول فييي‬
‫مرحلة الطفولة باعتبارها مفتاح الشخصية والمحور الصل في استشييراف مييزاج النسييان فييي‬
‫المستقبل؟‬
‫وقديمًا قالوا‪ :‬حّدث العاقل بما ل يعقل‪ ،‬فان صّدق فل عقل له‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬ما أورده علماء الجتماع والخلق على نظرية فرويد وأّنها تصّرح بالجبرية‬
‫وخضوع النسان في سلوكه وأفكاره إلى تراكمات الطفولة وأساليب التربييية‪ ،‬أو حصيييلة عقييد‬
‫ح ذلك فكيف يتسّنى لفرويد وأتباعه تقديم توصيات تربوية‬
‫نفسية من افرازات الغريزة‪ ،‬وإذا ص ّ‬
‫ن الوالدين يرزحان تحت سلطة عالم اللشييعور بمييا يخييتزنه ميين‬
‫لتقويم مسار الطفل في حين أ ّ‬
‫مكبوتات جنسية؟‪.‬‬
‫ج فيها هذه المدرسة‪ ،‬فالنسان‬
‫ومنها‪ :‬النظرة المتشائمة عن الحياة والنسان التي تع ّ‬
‫يتعّرض للصابة بالعقدة النفسية في أّول لحظات ولدته حيث يختزن في نفسه اللييم المييتزامن‬
‫مع لحظة الولدة‪ ،‬وقد ُكتب عليه اصابته بعقدة أوديب‪ ،‬فل غنى للطفل عنهييا ول مهييرب منهييا‬
‫لّمها‪ ،‬والرغبيية فييي‬
‫ذكرًا كان أم ُانثى‪ ،‬مضافًا إلى ما تتضمّنه من كراهية البن لبيه‪ ،‬والبنت ُ‬

‫سس لهييذه المدرسيية‪،‬‬
‫التخّلص منهما‪ ،‬إلى غير ذلك من الخزعبلت التي جاشت بها قريحة المؤ ّ‬
‫وأظن اّنه كان يقيس الناس على نفسه في هذه البتكارات العلمية جّدا‪.‬‬
‫ل عداوات متراكمة‪ ،‬وأحقاد دفينة‪،‬‬
‫فالحياة في منظور هذا النمط من التحليل النفسي ما هي إ ّ‬
‫وغرائز حيوانية‪ ،‬ول مجال لشعاع ميين عاطفيية إنسييانية‪ ،‬أو دوافييع نبيليية‪ ،‬أو رفرفيية روح‪ ،‬أو‬
‫مواساة شاعر‪ ،‬أو ذوق فّنان ‪..‬‬
‫ومنها‪ :‬ما يتعّلق بالستفادة من الحلم في التحليل النفسي‪ ،‬وتفسيرها على أساس من‬
‫ن تعميمييه‬
‫لأّ‬
‫الدوافع والرغبات المكبوتة‪ ،‬وهذا المعنى قد يكون صحيحًا في بعييض المييوارد‪ ،‬إ ّ‬
‫ل الشكال والذي ل يستند إلييى ركيييزة علمييية‬
‫على جميع الشخاص ومختلف الظروف هو مح ّ‬
‫ن الرموز في عييالم الرؤيييا واليقظيية تحتمييل ع يّدة معيياني‪ ،‬فكمييا‬
‫أو دليل منطقي‪ ،‬فمن المعلوم أ ّ‬
‫يمكن تفسيرها على أساس من الدوافع الجنسية المكبوتة‪ ،‬فكذلك بالمكان اختيييار أوجييه ُاخييرى‬
‫لتأويلها ما دامت الرموز لها من المطاطية والصفة الحرباوية ما يجعلها تصلح لكثر من واحد‬
‫من التفاسير‪ .‬دع عنك الحلم العتيادية‪ ،‬فماذا تقول مدرسة التحليل النفسي فييي الحلم الييتي‬
‫تستشرف المستقبل وتخبر بوقوع حوادث في الزمنيية اللحقيية‪ ،‬ثيّم يتطييابق الحلييم مييع الواقييع‪،‬‬
‫وتحييدث الواقعيية طبق يًا لمييا ورد فييي الحلييم‪ ،‬ويصييطلح عليهييا بييالحلم الصييادقة؟ وقييد أثبتييت‬
‫حة هذه الظيياهرة ووقييوع الكييثير ميين الحلم‬
‫التحقيقات والتجارب الكثيرة للمدارس الغربية ص ّ‬
‫الصادقة مع العجييز عيين تفسيييرها لح يّد الن‪ ،‬وهييذا الشييكال وان امت يّد إلييى جميييع النظريييات‬
‫الوضعية‪ ،‬وقعدت عن حّله سائر المدارس النفسية والفلسفات المادية التي فصلت النسييان عيين‬
‫لولييى‪،‬‬
‫ن مدرسة التحليل النفسي هي المعنّية بييه بالدرجيية ا ُ‬
‫لأّ‬
‫عالم الغيب وما وراء الطبيعة‪ ،‬إ ّ‬
‫جحت في اّدعائهييا العثييور علييى مفتيياح السيّر فييي‬
‫بعد أن أخذت على عاتقها هذه المسؤولية وتب ّ‬
‫تفسير وتأويل الحلم بما يدعم الطروحة الفرويدية‪.‬‬
‫* * *‬

‫‪ 2‬ـ كارل غوستاف يونغ‪ 1875) :‬ـ ‪(1961‬‬

‫)‪(58‬‬

‫‪ ()58‬ولد يونغ في قرية من قرى سويسرا من عائلة فقيرة وتخّرج من الجامعة عام ‪ ،1900‬وفييي عييام ‪ 1905‬عمل‬
‫طلع على كتاب »تعبير الرؤيا« لفرويد أعجب به أّيما إعجاب حّتى تسّنى له‬
‫ُاستاذًا للعلوم النفسية في الجامعة‪ ،‬وبعد أن ا ّ‬
‫أّول ارتباط له مع فرويد عام ‪ 1906‬ودام حّتى عام ‪ ،1912‬بعد أن نشر كتابه »علم النفس اللشعور« والييذي أثبييت‬
‫فيه الكثير من مخالفاته لنظريات فرويد‪ ،‬وأخيرًا اعتزل يونغ العمل بصورة كاملة مع فرويد عام ‪ 1914‬بعد أن استقال‬
‫ل يتنّقل في الجامعات كُاستاذ وخبير في علم النفييس‪،‬‬
‫من منصبه كرئيس جمعية التحليل النفسي وسلك طريقه منفردًا‪ ،‬وظ ّ‬
‫وتوّفي عام ‪ 1961‬عن عمر يناهز السادسة والثمانين‪.‬‬

‫ب‪ ،‬وتعاون مع فرويد عام ‪ ،1907‬ونبغ في عمله حّتى‬
‫اشتغل يونغ في بداية أمره في الط ّ‬
‫صار رئيسًا لجمعية التحليل النفسي العالمية بأمر من فرويد‪ ،‬وكييان يتوّقييع لييه أن يكييون خليفيية‬
‫ل أّنييه مييا لبييث أن تحيّدى نظريييات فرويييد وانتقييد الطيير‬
‫فرويد في مدرسة التحليييل النفسييي‪ ،‬إ ّ‬
‫الضييّيقة فييي التنظييير والتفكييير الفرويييدي وخاصييًة فييي مرتكزاتييه الجنسييية وتفسييير الحلم‬
‫بالرغبات المكبوتة وغير ذلك مّما أّدى إلى إنفصاله عن فرويد وتأسيييس مكتييب خاصييب باسييم‬
‫»السيكولوجيا التحليلية«‪ ،‬ولذا يعّد يونغ وآدلر وغيرهما من المنشّقين عن فرويد من رجال‬
‫مدرسة التحليل النفسي بالرغم من الفواصل الكبيرة في القراءات النفسية بين ُاطروحاتهم بشكل‬
‫عام‪.‬‬
‫‪ ‬تعميم الدوافع‪:‬‬
‫من جملة ما أخذ يونغ على فرويد حصره للدوافع في النسان بالييدافع الجنسييي أو الليبيييدو‪،‬‬
‫ن الليبيدو عبارة عن »الطاقيية الحيوييية فييي الفييرد« والييذي يش يّكل الييدافع‬
‫في حين يرى يونغ أ ّ‬
‫ل أو ان البلييوغ‪ ،‬اّمييا قبلييه ل سيييما فييي مرحليية‬
‫الجنسي أحد أقسامه وجوانبه حيييث يكييون فيياع ً‬
‫ن الليبيدو عبارة عن غريزة التغذية وما يرتبط بها من لّذات وسلوكيات‪ ،‬وأيضًا فييا ّ‬
‫ن‬
‫الطفولة فا ّ‬
‫عقدة اوديب في الطفولة ل تعني بالضرورة الميل الجنسي نحو أحد الوالدين كما يييراه فرويييد‪،‬‬
‫ن الرتباط العاطفي بين البن وُاّمه ناتييج عيين الحتييياج إليهييا المييتزامن مييع إرضيياء هييذه‬
‫بل إ ّ‬
‫الحاجات وخاصة في مجال التغذية‪.‬‬
‫سع في دراسيية‬
‫جه من يونغ في عدم حصر العامل الصل بالجنس إلى التو ّ‬
‫وقد أّدى هذا التو ّ‬
‫لخرى المؤثرة في بناء الشخصية‪.‬‬
‫العوامل ا ُ‬
‫‪ ‬بناء الشخصية‪:‬‬
‫بالنسبة إلى دور اللوعي في رسم السلوك للنسان نجد يونغ يوافق فرويد في الهتمام بهذا‬
‫ن عالم اللشعور يتكّون من قسمين‪ :‬اللشعور الفردي أو‬
‫ل أّنه يرى بأ ّ‬
‫الجانب من الشخصية‪ ،‬إ ّ‬
‫صل لدينا ثلثة جوانب في شخصية الفييرد‪ :‬الجييانب‬
‫الشخصي‪ ،‬واللشعور الجمعي‪ ،‬وبذلك يتح ّ‬
‫الييواعي‪ ،‬اللوعييي الشخصييي‪ ،‬اللوعييي الجمعييي‪ ،‬فالنييا تتمحييور فييي الجييانب الييواعي ميين‬
‫الشخصية‪ ،‬وهو ما يدركه الفرد عن نفسه ورغباته وتصييوراته الذهنييية والمسييؤول عيين إيجيياد‬
‫الرتباط بين النسان والواقع الخارجي والسعي للتوافق مع المحيط‪ ،‬ولبّد من الهتمام والتأكيد‬
‫على دور هذا الجانب من شخصية النسان أكثر مّما سبق في نظرية فرويد‪.‬‬

‫أّما اللوعي الشخصي فهو ما تقّدم في نظرية فرويد عبييارة عيين جميييع الرغبييات والييدوافع‬
‫والمال وبعض التجارب المكبوتة أو المنسية والتي يمكن إخراجها بسهولة من دائرة اللوعييي‬
‫إلى دائرة الوعي‪.‬‬
‫ل منها‪ ،‬وهي طبقة‬
‫ى وأبعد منا ً‬
‫وتكمن تحت هذه الطبقة من اللوعي‪ ،‬طبقة ُاخرى أعمق مد ً‬
‫اللوعي الجمعي التي تختزن فيها تجارب جميع الجيال السييالفة ميين أجييداد النسييان القييدماء‪.‬‬
‫فاللوعي الجمعي عبارة عن مخزن الموروث المعرفي والتجريبي والخلقي الذي وصل إلييى‬
‫الفرد عن طريق العوامل الوراثية‪ ،‬وهو نتيجة تجارب البشييرية طييوال مليييين السيينين‪ ،‬فنحيين‬
‫نحمل بين جوانحنا ُاسس معرفية وثقافية تعود إلى قييرون متمادييية فييي الماضييي السييحيق‪ ،‬فمييا‬
‫ل أبييدًا فييي الفييرد‪ ،‬وفيياعليته أشيّد ميين اللوعييي‬
‫سبق أن وجييد فييي الجنييس البشييري يبقييى ميياث ً‬
‫الشخصي على سلوك النسان‪.‬‬
‫ن تأثيرات اللوعي المحسوسيية منهييا قييد تتحّقييق فييي وجييود الفييرد علييى أربييع صييور‪:‬‬
‫ثّم أ ّ‬
‫برسونا‪ ،‬أنيما‪ ،‬آنيموس‪ ،‬الشادو‪) .‬والظاهر أّنييه أخييذ هييذه المصييطلحات ميين بعييض السيياطير‬
‫الفريقية واستخدمها كمفردات في نظريته(‪.‬‬
‫ل فرد‪ ،‬ومهمته حفظ‬
‫»برسونا« أو القناع والنقاب‪ ،‬وهو الجزء الخارجي من شخصية ك ّ‬
‫شخصية الفرد الواقعية في مواجهة للخرين والّتصال معهم‪ ،‬فيستفيد منه النسان في التغطييية‬
‫ن ميين‬
‫على شخصيته الحقيقية وإظهارها بالشكل الذي يرغب في الميدان الجتماعي‪ ،‬وبهييذا فييا ّ‬
‫المحال الّتصال مع الفراد بشخصياتهم الحقيقية‪ ،‬وهذا البعد للشخصييية يرتبييط مباشييرةً بالبعييد‬
‫ب ويتوّقع الخرون منه‪.‬‬
‫المعرفي للنسان عن المحيط والمجتمع‪ ،‬ويدعوه للتصّرف وفق ما يح ّ‬
‫لنوثة لدى الجنس المخالف‪،‬‬
‫أّما )آنيما( و )آنيموس( فالمراد بهما خصال الذكورة وا ُ‬
‫ن )آنيمييوس( تشييير إلييى خصييال‬
‫لنوثة لدى الرجييال‪ ،‬فييي حييين أ ّ‬
‫في)آنيما( إشارة إلى خصال ا ُ‬
‫الذكورة عند الناث‪ ،‬وكليهما يكمنان في اللشعور الشخصي الذي ليس فيه جنسّية معينيية‪ ،‬بييل‬
‫لنثى خصييال مخالفيية للتعييويض عّمييا ظهيير فييي الييوعي‪ ،‬فييان كييان‬
‫ل من الذكر وا ُ‬
‫يحمل في ك ّ‬
‫لنوثيية للتعييويض‪ ،‬ويمّثييل‬
‫الوعي يحمل خصال الذكورة‪ ،‬اختزن اللوعييي الشخصييي خصييال ا ُ‬
‫ن المرأة أكثر عاطفية‪ ،‬بينما الرجل أكثر فكرية‪ ،‬ويتحّرك اللوعي بالتجاه‬
‫يونغ لذلك ويقول بأ ّ‬
‫ن فييي ل وعييي‬
‫المضاّد ليجاد التوازن‪ ،‬فمنطقة اللوعي في المرأة يختزن التفكير‪ ،‬فييي حييين ا ّ‬
‫الرجل عواطف كثيرة يجهلها ومهمتها التعويض عّما فقده من العواطف فييي وعيييه‪ ،‬ولييذا لب يّد‬
‫من تمتين الرتباط بين الوعي واللوعي للحصول على حالة التوازن والتعادل‪.‬‬

‫ل‪ ،‬هو القسم الحيواني من النسان بما يحوي من غرائز وميول جسدية‬
‫)شادو( أو الظ ّ‬
‫ورغبات غير أخلقية وأهواء مرفوضيية‪ ،‬ويسييعى هييذا القسييم ميين الشخصييية إلييى نيييل مييراده‬
‫)المرفوض من قبل الشخص( إلى التوسل بذرائع معينة لذلك‪.‬‬
‫‪ ‬تقسيمات الشخصية‪:‬‬
‫وقد حاز يونغ شهرة غير قليلة من جّراء تقسيمه للشخصية إلى‪ :‬منبســط ومنطــو‪ ،‬ومحييور‬
‫ن الّول تتجه فيه الليبيدو‪ ،‬أي روح الحياة باصييطلح يونييغ يي إلييى الخييارج‪،‬‬
‫الختلف بينهما أ ّ‬
‫بينما ترتّد في المنطوي إلى داخل الذات‪ ،‬وقد يكون هناك نوع ثالث بينهما تتكافأ فيه الميول‪.‬‬
‫المنبسط يتمتع بروح اجتماعية‪ ،‬وشديد التأّثر بييالمحيط‪ ،‬ويعتمييد علييى نفسييه وغييير مييترّدد‪،‬‬
‫تغلب على أحاديثه الفكاهة‪ ،‬كثير الصدقاء‪ ،‬حسن الخلق و‪..‬‬
‫المنطوي‪ :‬يغلب عليه التفكير‪ ،‬ويعيش في داخل أسوار الذات‪ ،‬مقاوم للمؤثرات الخارجية‪،‬‬
‫قليل العتماد على النفس في صييياغة ارتبيياطه مييع الخرييين‪ ،‬خجييول ويييؤثر العزليية وتجّنييب‬
‫الخوض في المسائل الجتماعية‪.‬‬
‫ل من النمطين إّنما هييو الغييالب فيهمييا‪ ،‬ومييع ذلييك ل يخلييو ك ي ّ‬
‫ل‬
‫وما ذكر هنا من السمات لك ّ‬
‫صنف منهما من بعض خصال الطرف الخر‪ ،‬بييل قييد ينقلييب المنطييوي فييي حييالت اسييتثنائية‬
‫لولى‪.‬‬
‫وظروف غير طبيعية إلى إنسان اجتماعي من الدرجة ا ُ‬
‫ل نمط منهما‪ ،‬وأسماها بالشكال النفسييية‪،‬‬
‫بعد ذلك ذهب يونغ إلى وجود أشكال عديدة في ك ّ‬
‫ومحور هذه الشكال النفسية يترّكز على كيفية التعامل مع العالم الخارجي والداخلي ودرك مييا‬
‫ل نمييط‪ ،‬وهييي‪ :‬المتفّكــر‪ ،‬العــاطفي‪،‬‬
‫يجري فيهما‪ ،‬وبذلك افترض يونغ وجود أربعة أشييكال لك ي ّ‬
‫سي‪ ،‬الشهودي‪.‬‬
‫الح ّ‬
‫ل من المنبسط والمنطوي يستبطن فييي داخلييه أحييد‬
‫فتحصل لدينا ثمانية أشكال للشخصية‪ ،‬فك ّ‬
‫هذه الشكال الربعة‪.‬‬
‫وقبل الدخول في التفاصيل‪ ،‬ل غنى للباحث من معرفة الفروق الماهوية بين هييذه الشييكال‪،‬‬
‫لمور‪ ،‬حيث يأخذان في تحليل‬
‫فالّول والثاني يتعارضان مع الثالث والرابع في نظراتهما إلى ا ُ‬
‫الوقائع والمستجّدات بالسلوب العقلني كما في الحكم علييى واقعيية تاريخييية‪ ،‬أو القضيياوة بييين‬
‫لمور يقوم على ُاسس عقلية‬
‫سلوكين أو شخصيتين‪ ،‬ويختلف الّول عن الثاني بأن تمييزه بين ا ُ‬
‫ن أحاسيسييه‬
‫لمييور ميين وجهيية نظييره العيياطفي‪ ،‬أي ا ّ‬
‫محضة‪ ،‬بينما الثاني وهو العاطفي يأخذ ا ُ‬
‫ب والبغييض‪ ،‬أو الملئم وعييدم الملئم وأمثييال‬
‫خل في حكمه على أسيياس ميين الح ي ّ‬
‫وعواطفه تتد ّ‬
‫لمور بصفتها الموضوعية‪ ،‬والعاطفي يأخذها بصفتها الذاتية‪.‬‬
‫ذلك‪ ،‬فالمتفّكر يأخذ ا ُ‬

‫لمييور بظاهرهييا وتجّنييب‬
‫سييي والشييهودي فيتفقييان علييى أخييذ ا ُ‬
‫أّمييا الثييالث والرابييع‪ ،‬أي الح ّ‬
‫لمييور‪ ،‬والخييير وهييو الشييهودي‬
‫سي يعتمد على المجّربييات ميين ا ُ‬
‫ن الح ّ‬
‫لأّ‬
‫الستدلل العقلي‪ ،‬إ ّ‬
‫ن عقلييه فييي عينييه‪ ،‬وبهييذا يصييبح الخليييط‬
‫يعتمد على مشاهداته وما يبصره ميين الشييياء‪ ،‬أي أ ّ‬
‫المرّكب من هذه الشكال الثمانية كالتالي‪:‬‬
‫صب‪.‬‬
‫‪ 1‬ي المنبسط المتفّكر‪ :‬منطقي‪ ،‬جاف‪ ،‬متع ّ‬
‫ساس‪ ،‬اجتماعي‪ ،‬يتجّلى في المرأة أكثر من الرجال‪.‬‬
‫‪ 2‬ي المنبسط العاطفي‪ :‬عاطفي ح ّ‬
‫سي‪ :‬اجتماعي‪ ،‬طالب لّذة‪ ،‬متقّلب‪.‬‬
‫‪ 3‬ي المنبسط الح ّ‬
‫‪ 4‬ي المنبسط الشهودي‪ :‬خلق‪ ،‬مبتكر‪ ،‬قادر على إثارة الخرين والستفادة من الفرص‪.‬‬
‫غل في النظريات المعرفية على الرتباط مع‬
‫‪ 5‬ي المنطوي المتفّكر‪ :‬يفضل التفكير والتو ّ‬
‫الناس‪.‬‬
‫‪ 6‬ي المنطوي العاطفي‪ :‬عميق يتجّنب الغير‪ ،‬ومع ذلك ينطوي قلبه على عواطف عميقة‪.‬‬
‫سي‪ :‬ل يهتم للخرين ظاهرًا‪ ،‬وجاف في التعامل‪ ،‬وقد يحاول إبراز‬
‫‪ 7‬ي المنطوي الح ّ‬
‫شخصيته بفعاليات فنّية‪.‬‬
‫‪ 8‬ي المنطوي الشهودي‪ :‬مرتبط مع اللوعي أكثر من جانب الوعي فيه‪.‬‬
‫ومع هذا البيان المطّول نسبيًا‪ ،‬نرى أّننا بحاجة إلى تفصيل أكثر لفهييم مييراد يونييغ ميين ك ي ّ‬
‫ل‬
‫واحد من هذه الشكال والنماط الثمانية‪.‬‬
‫النمط الّول وهو المنبسط المتفّكر فيصلح لن يكون مع العلماء والمحّققييين بييأخلقه الجّدييية‬
‫والتزامه بالقوانين وإماتته لحساساته الشخصية والعواطف النفعالييية وميلييه إلييى الجزمييية فييي‬
‫الحياة والمنطقية في التفكير‪.‬‬
‫النمط المنبسط العاطفي فيميل إلى مزج العواطف مييع الفكيير‪ ،‬والييتزام القييوانين والمقييررات‬
‫المنبثقة من القيم العرفية والتقاليد الجتماعية‪ ،‬وله حساسية خاصيية بعقييائد الخرييين وتوّقعيياتهم‬
‫ن هذا النمط شائع في النساء أكثر من الرجال في رأي يونغ‪.‬‬
‫وسهل الصداقة‪ ،‬وكما تقّدم أ ّ‬
‫سي يّتجه إلى طلب اللّذة والفييرح بواسييطة المييؤثرات الخارجييية والعثييور‬
‫النمط المنبسط الح ّ‬
‫على مصادر جديدة لكسب المزيد من الرتياح النفسي والليّذة الجسييدية‪ ،‬ويغلييب عليييه الواقعييية‬
‫والتوافق الشديد مع المحيط بمختلف الظروف وشّتى الحالت ومع مختلف الفراد‪ ،‬ولييه قابلييية‬
‫كبيرة على المعيشة السعيدة والحياة الهنيئة‪.‬‬
‫النمط المنبسط الشهودي يرى الموفقييية فييي العمييل والكسييب والسياسيية‪ ،‬لقييابليته لييه القابلييية‬
‫الكبيرة على الستفادة من الفرص‪ ،‬وهذا النمط يسارع في تأييد نحييو الفكييار الجديييدة‪ ،‬ويميييل‬
‫إلى البتكار والتجّدد‪ ،‬ولييه القييدرة علييى ترغيييب الخرييين فييي العمييال الموّفقيية‪ ،‬وفييي مجييال‬

‫ن تصييميماته قييد‬
‫التعميم يفضل الحدسيات والظنون على التفّكر المنطقي المسؤول ومع ذلييك فييا ّ‬
‫ظ وتكون صحيحة غالبًا‪.‬‬
‫يحالفها الح ّ‬
‫النمط الّول من أنماط المنطوي‪ ،‬وهييو المنطييوي المتفّكيير ل يسييتطيع التلؤم مييع الخرييين‬
‫ويعاني من مشكلة نقل أفكاره وتصوراته إليهم‪ ،‬وهؤلء اعتمدوا الفكر والعقلنة بدل العواطييف‪،‬‬
‫ضلوا العزلة‪ ،‬والحياة الخصوصية والتفكير النتزاعي والنظري‪ ،‬أّمييا الخرييين فهييم أنييانيون‬
‫وف ّ‬
‫في نظرهم‪ ،‬وبل عاطفة ول أحاسيس ول ُابالّية ‪..‬‬
‫ل تفّكر منطقي في وجييوده‪ ،‬ويجيييش قلبييه بالعاطفيية العميقيية‬
‫النمط المنطوي العاطفي يقمع ك ّ‬
‫ولكّنه يتحاشى إظهارها وإبرازها‪ ،‬ويعيش في حالة من التوّقع في دائرة الذات‪ ،‬ويتسييم سييلوكه‬
‫لقليل‪ ،‬ويفضييلون‬
‫بالتواضييع والطفولييية ول يشيياركون الخرييين فييي مشيياعرهم وأحاسيسييهم إ ّ‬
‫العزلة والنزواء والعتماد على النفس‪.‬‬
‫سي‪ ،‬فمنقطع عن العالم والمجتمع‪ ،‬ومّيت الحساس ظاهرًا‪ ،‬وينظيير إلييى‬
‫النمط المنطوي الح ّ‬
‫نشاطات الخرين بمنظار إيجابي خّير‪ ،‬وله قدرة على ممارسة الفنون الجميلة كالموسيقى‪.‬‬
‫النمط المنطوي الشهودي‪ ،‬دقيق في التركيز على الشهود‪ ،‬ولييذا ل يييدرك الوقييائع والحقييائق‬
‫كما هي‪ ،‬بل يغرق في الخيال ويسييقط فييي الييوهم ول يييدركه النيياس بشييكل واف‪ ،‬ويظهيير أ ّ‬
‫ن‬
‫أمره عجيب وسلوكه غريب‪ ،‬وليس من اليسير اندماجه مع المحيط‪ ،‬أو التلؤم مع الخرين‪.‬‬
‫‪ ‬رشد الشخصية‪:‬‬
‫لولييى ميين مرحليية الطفوليية ليييس لهييا دور فييي‬
‫ن السيينين ا ُ‬
‫على خلف فرويد يييرى يونييغ أ ّ‬
‫صياغة شخصية الفرد‪ ،‬بل فترة ما بعد البلوغ وإلى مرحلة الكهولة‪ .‬لذا فهو يقسم مراحل رشد‬
‫الشخصية إلى ثلثة أقسام‪ :‬الطفولة‪ ،‬والشباب‪ ،‬والكهولة‪.‬‬
‫ن النا فييي الطفييل لتظهيير إ ّ‬
‫ل‬
‫أّما مرحلة الطفولة والتي تستمر إلى أوان البلوغ الجنسي‪ ،‬فا ّ‬
‫بعد شعوره بأّنه متمايز عن الخرين‪ ،‬وحينئذ تبدأ عملية الرشد في النا‪ ،‬وأّما قبييل ذلييك فالنييا‬
‫خص الطفل هويته الفردية‪ ،‬فما يسّمى بشخصييية الطفييل‬
‫موجودة بشكلها البدائي‪ ،‬أي قبل أن يش ّ‬
‫حينذاك ليس سوى انعكاس لشخصية الوالدين‪ ،‬وبعد الشعور بالنا وتمييييز الييذات الفردييية عيين‬
‫الشياء الخارجية ل يكون للنا شخصييية مسييتقّلة وذات مضييمون ومحتييوى متكامييل إلييى أوان‬
‫البلوغ‪.‬‬
‫وبعد البلوغ تواجه الشخصية مشكلت التوافييق مييع الييبيئة وتطييابق الحاجييات والميييول مييع‬
‫لسييرة‪،‬‬
‫الواقع الخارجي‪ ،‬فيهتم الشيياب حينئذ بييالعثور علييى فرصيية للعمييل والكسييب وتشييكيل ا ُ‬
‫ويكون جانب الوعي هو الغالب فييي هييذه المرحليية حيييث يسييعى بصييورة مداوميية إلييى تحقيييق‬

‫الهداف المنشييودة وإيجيياد مكانيية اجتماعييية مناسييبة ولييذا تكييون هييذه المرحليية مليئة بالهيجييان‬
‫طردة‪.‬‬
‫والفعالية والنشاط والتقّدم بصورة م ّ‬
‫ثّم يصل الحال إلى مرحلة الكهولة التي تقع بين ‪ 35‬ي ‪ 40‬من العمر‪ ،‬وهذه الفترة من‬
‫ن الكثير من الهداف قد وجدت طريقها إلى مسيييتوى‬
‫العمر تحتوي الكثير من القلق واليأس‪ ،‬ل ّ‬
‫لسييرة‬
‫الوجود والتحّقق من الدراسيية الجامعييية‪ ،‬أو إيجيياد مهنيية وحرفيية مطمئنيية إلييى تشييكيل ا ُ‬
‫ورؤية البناء‪ ،‬أي وصل إلى مرحلة تثبيت مكانته الجتماعية والنفسية‪ ،‬وفي الوقت نفسييه تبييدأ‬
‫طاقات الشباب بالنضوب بعد أن يفقد الذهن قدرة ابتكار أهداف جديدة للحياة‪ ،‬فيصيب النسييان‬
‫ن هذه الحاليية السييلبية‬
‫السأم واليأس والشعور بالخواء الروحي والعبثية في الحياة‪ ،‬فيرى يونغ أ ّ‬
‫ن الي»شادو« يبدأ ببسط ظلله علييى الجييانب الييواعي‬
‫أمر ل مفّر منه في هذه المرحلة‪ ،‬حيث أ ّ‬
‫من النسان بعد ضعف بنية النسان وارتباك قواه الرادية‪ ،‬فلبّد للنسان في هذه المرحلة من‬
‫إيجيياد التصييالح بييين اللوعييي والييوعي‪ ،‬وهييذا ل يعنييي بييأن يستسييلم للشييادو ورغبيياته غييير‬
‫المشروعة‪ ،‬مثل الحرص والنانية والطمع و‪ ..‬بل عليه العييتراف بهييا كحقيقيية واقعييية تحتييل‬
‫مكانها في الذات ويحاول التوفيق بينها وبين المدركات الواعية في الشخصية‪ ،‬وبعبييارة ُاخييرى‬
‫جه في هذه المرحلة إلى عالمه اللواعي بعد أن كان في المرحليية السييابقة‬
‫ن على النسان التو ّ‬
‫أّ‬
‫ل عّما سواه‪ ،‬ويتغّير بذلك التجاه العييام للفييرد ميين‬
‫شديد التوجه إلى الجانب الواعي منه ومتغاف ً‬
‫الهتمام بالماديات والجسمانيات إلى الهتمام بالمعنويات والمعاني الفلسفية المجّردة‪.‬‬
‫ن الشخصية تبدأ تعطي ثمارها وتنضج وتبلغ السييتحكام‬
‫وبذلك نصل في هذه المرحلة إلى أ ّ‬
‫حد فيما لو نجح الفرد في المواءمة والتوفيق بييين عييالم الييوعي واللوعييي‪ ،‬ويكييون علييى‬
‫والتو ّ‬
‫درجة جيدة من الصحة النفسية والسييلمة الروحييية‪ ،‬وهييذه الحاليية هييي مييا يطلييق عليهييا يونييغ‬
‫حد‪ ،‬أّما لو لم يحالفه الحظ في التغّلب على هذه المشكلة فاّنه سيكون معّرضا‬
‫بي»التفّرد« أو التو ّ‬
‫للبتلء بالمراض النفسية من الكآبة المزمنة واللهدفية في الحياة والسأم وأمثال ذلك‪.‬‬
‫وأّول مييا ينبغييي عملييه لتحقيييق النجيياح والتفييرد فييي هييذه المرحليية هييي أن نزيييح القنيياع‬
‫»برسونا« عن شخصياتنا ونقبل بها كما هي من دون غطاء أو قناع زائف‪ ،‬وكذلك الستمرار‬
‫في نشاطنا الجتماعي ومحاربة الدوار المختلفة في حياتنا المعيشية‪.‬‬
‫ثّم معرفة الطاقات المخّربة للظل أو الشادو والعييتراف بهييا ل التسييليم لهييا أو السييماح لهييا‬
‫بالتسّلط على سلوكياتنا‪ ،‬وذلك لّننا استفدنا في المرحلة السابقة ميين »برسييونا« للتغطييية علييى‬
‫الجانب السلبي من شخصيتنا وطردنا الشييادو إلييى خييارج حييدود الييوعي‪ ،‬فييإذا أردنييا فييي هييذه‬
‫المرحلة إزاحة القناع وقبول بالشخصية الواقعييية لنييا‪ ،‬فلب يّد ميين التصييالح مييع الشييادو وقبييوله‬
‫حد والتفّرد في الشخصييية‪ ،‬وكييذلك‬
‫وتحقيق النسجام بين الوعي واللوعي ليتسّنى تحصيل التو ّ‬

‫لنوثيية( وعييالم الييوعي فييي الرجييل‪ ،‬وكييذلك‬
‫لبّد ميين إيجيياد التوافييق بييين »آنيمييا« )صييفات ا ُ‬
‫»آنيموس« في شخصية المرأة بأن نسعى لخراجه من عالم اللشعور‪ ،‬فالرجل عليه أن‬
‫لنثوية في نفسه وتقويتها‪ ،‬وكذلك المرأة عليها أن تظهر ما في نفسييها‬
‫يسعى لترشيد العواطف ا ُ‬
‫من الجرأة والشهامة والتفكير المنطقي وتجّنب الميوعة والنفعال‪ ،‬وبذلك يتسّنى للفرد إكتشيياف‬
‫منابع جديدة للبتكار والبداع)‪.(59‬‬
‫‪ ‬مناقشة مذهب يونغ‪:‬‬
‫أعرضنا عن الكثير مّما كتبه يونييغ فييي علييوم مختلفيية كالفلسييفة والديييان والحييياء والدب‬
‫ن يونغ له مبتكراته في علم النفييس‬
‫قأّ‬
‫وغيرها مّما تضمنته كتبه الكثيرة ومقالته الوفيرة‪ ،‬والح ّ‬
‫مّما لم يسبقه إليه أحد‪ ،‬وأثبت التجريب صحتها النسبية‪ ،‬مثل مقولة اللوعي الجمعييي‪ ،‬ومفهييوم‬
‫التفّرد‪ ،‬ونظرياته في الجانب الغيبي في النسان‪ ،‬وهذه الجهة ميين أفكيياره ونظرييياته هييي الييتي‬
‫تعّرضت للنقد والرفض في المحافل العلمية وكانت مثار جدل لدى علماء النفس‪ ،‬بينما الفلسفة‬
‫لدباء ل يجدون فيها غضاضة‪ ،‬بييل علييى العكييس‪ ،‬فهييذه الييرؤى والنظريييات أثييرت البحييث‬
‫وا ُ‬
‫الفلسفي والعلمي كثيرًا‪ ،‬ونحن نعتقد أّنها نقطة قّوة فييي مييذهب يونييغ لدراسيية النفييس النسييانية‬
‫ل ميين أراد أن‬
‫نكّ‬
‫الذي أّكد عجز المنهج التجريبي والمختبري عن إدراك كنه النفس بقوله‪» :‬إ ّ‬
‫يفهم شيئًا عن ذهن النسان فاّنه سوف ل يحصل على شيء من المنهج التجريبي ‪.«...‬‬
‫الشيء الخر من مجلوبات يونغ إلى مدرسة التحليل النفسي أّنه تجيياوز الكييثير ميين أخطيياء‬
‫سع دائرة الليبيدو لتستوعب غرائز ُاخرى غييير الجنييس‪ ،‬وح يّدد‬
‫ُاستاذه ورفيقه »فرويد«‪ ،‬فقد و ّ‬
‫المحور لها بالقّوة الحيوية كما تقّدم‪.‬‬
‫ومن ثّم لم يرتض التقسيم الفرويييدي للشخصييية ومراحييل النشييؤ والرشييد‪ ،‬واسييتبدلها بنظييام‬
‫علمي أفضل منه متلفيًا النواقص في التقسيم الّول‪ ،‬فميين جهيية رّكييز اهتمييامه علييى المرحليية‬
‫الخيرة للشخصية‪ :‬وهي مرحلة الكهولة‪ ،‬بينما لم تكن ذات بال في منظومة صيياحبه الفكرييية‪،‬‬
‫لّنها ل تمّثل سوى انعكاسات لييدور الطفوليية‪ ،‬وبهييذا لفييت يونييغ نظيير العلميياء والبيياحثين إلييى‬
‫المراض النفسية التي تصيب الكبار من جّراء شعورهم بالخواء الروحي والعبثية فييي الحييياة‪،‬‬
‫ن الكييثير ميين المرضييى الييذين‬
‫وكانت أساليبه العلجية لهذه الحالة مؤثرة بشكل ملحوظ حّتييى أ ّ‬
‫قدموا إليه من بلدان مختلفة أّيدوا تأثيره الملحوظ في استردادهم الثقة بالنفس وزوال العييراض‬
‫السلبية التي كانت سببًا في ترّدي حالتهم الصحية‪.‬‬
‫‪ ()59‬نظريات الشخصية ي دوان شولتز ي ص‪ 118‬ي ‪.121‬‬

‫ومن جهة ُاخرى عّدل من جبرية فرويد في خضوع الشخصييية لمييؤثرات مرحليية الطفوليية‪،‬‬
‫مّما سمح لعلماء النفس والباحثين في المدرسة التحليلية بييالنطلق فييي فضيياءات جديييدة بعيييدًا‬
‫ن أكثر‬
‫عن التقوقع في ُاطر الطفولة الضّيقة والرؤى الفرويدية الجامدة‪ ،‬والدليل لدى يونغ هو أ ّ‬
‫المراجعين له في عيادته ليسوا من المرضى النفسيين بالمعنى الفرويدي‪ ،‬بل أشخاص من كبار‬
‫السن يشكون الخواء المعنوي كما ذكرنا‪ ،‬ولذا كان الطابع العالم لموضييوعات كتابييات يونييغ ل‬
‫يخلو من روحانيات ودور المفاهيم الغيبية والحقائق الميتافيزيقية على الصحة النفسية‪ .‬حّتى أ ّ‬
‫ن‬
‫ن مشييكلة النسييان المعاصيير هييي مشييكلة دينييية فييي‬
‫يونييغ كييان يؤّكييد هييذه الحقيقيية بقييوله‪» :‬ا ّ‬
‫جوهرها«‪.‬‬
‫ن يونغ لم يحالفه الحظ كثيرًا في إقناع الوسط العلمي بنظرييياته‪،‬‬
‫سنات‪ ،‬يبدو أ ّ‬
‫ومع هذه المح ّ‬
‫فبقي يراوح في مكانه‪ ،‬أو ببيان آخر‪ :‬لم يكتب له من الشهرة والصيت ما كتب لفرويد بييالرغم‬
‫ل السييبب فييي ذلييك مييا ذكرنييا ميين ميلييه نحييو التييدين‬
‫من وفرة نظرياته ومعقولية أفكيياره‪ ،‬ولعي ّ‬
‫والتطّلع إلى ما وراء الغيب‪ ،‬وهذه تعتبر جريمة علمية فييي ذلييك الوسييط المييادي الييذي يفضييل‬
‫الوقوف عند صخرة الطبيعة على التحليق في غياهب الماورائيات وان كان المنهج الثاني يتفق‬
‫تمامًا مع البعد الروحيياني فييي دائرة النفييس النسييانية‪ .‬واحتمييال آخيير وهييو صييعوبة السييلوب‬
‫ل بعد جهد بالقياس‬
‫البياني لنقل المفاهيم والرؤى في كتابات يونغ وعسر هضمها على القارئ إ ّ‬
‫لكتابات فرويد وآدلر والمعاصرين لهم من العلماء‪.‬‬
‫ن السبب الهم يكميين فييي الييدائرة العلمييية وميييدان الصييراع الفكييري مييع‬
‫ل حال فا ّ‬
‫وعلى ك ّ‬
‫العلماء والمذاهب النفسية‪ ،‬حيث لم تؤيد التجارب والتحقيقييات الكييثير ميين آراء يونييغ وأفكيياره‪،‬‬
‫وذلك‪:‬‬
‫‪ 1‬ي أّنها حصيلة استنطاق يونغ للمرضى والشواذ من الناس‪ ،‬كما هو الحال في المنهج‬
‫ك فييي ضييعف هييذا المنهييج‬
‫حاء‪ ،‬ول أحييد يش ي ّ‬
‫الفرويدي‪ ،‬ومن َثّم تعميمه إلى السييوياء والص ي ّ‬
‫ووجود الخلل في هذا السلوب‪ ،‬وقد كان يونغ بالذات من المعترضين على فرويد هييذا التعميييم‬
‫ن ذلك ل يخلييو ميين تييدخل سييليقة يونييغ فييي رسييم‬
‫في المحصولت العلمية من هذا النمط‪ ،‬ثّم إ ّ‬
‫النتييائج وصييياغة المفيياهيم المسييتقاة ميين التحليييل النفسييي للمريييض وفق يًا للمرتكييزات الذهنييية‬
‫ن المحّلييل يي وهييو يونييغ بالييذات يي ل‬
‫والمسبوقات الفكرية عن المرض وعلله وشرائطه‪ ،‬أي ظ ّ‬
‫يوّفق في اتخاذ موقف حيييادي ميين الظييواهر المرضييية والموضييوعات المتحركيية علييى أرض‬
‫الواقع من دون الستعانة بالسوابق الذهنية عن ذلك الموضوع‪.‬‬
‫‪ 2‬ي اعتراف يونغ بعدم جدوى أسلوب المختبرات الجامعية في الكشف عن المحتوى‬
‫حة نظرييياته الييتي لييم يثبتهييا بالييدليل العلمييي‬
‫ك في مييدى ص ي ّ‬
‫الذهني والداخلي للنسان يثير الش ّ‬

‫المتفق عليه في تلك الوساط‪ ،‬ومن جهة ُاخرى يرفض يونييغ التوسييل بالييدليل الفلسييفي لثبييات‬
‫ن نظرياته ومقولته تدخل في صميم علم النفس الحييديث ول ربييط لييه بالفلسييفة‪،‬‬
‫مدعاه مؤّكدا أ ّ‬
‫ومن تلك المقولت ما ذهب إليه ميين مواجهيية الزميية النفسييية فييي مرحليية الكهوليية وضييرورة‬
‫صييل إلييى هييذه‬
‫ل هذه الزمة‪ ،‬حيث ص يّرح بييأّنه تو ّ‬
‫إيجاد الوفاق بين عالم الوعي واللوعي لح ّ‬
‫الرؤية من خلل مواجهة حالته النفسية بالذات والتوغل في ل وعيييه‪ ،‬أي اّنييه جعييل ميين نفسييه‬
‫موضوعًا للتجربة واستخرج تلك النتييائج والتفاصيييل عيين هييذه المرحليية‪ ،‬والسييؤال هييو‪ :‬كيييف‬
‫يمكن الطمئنان بصحة نظرية ل تقبل التكرار بنفس تلك الظروف والشرائط؟ وعلييى أي حييال‬
‫ن كثيرًا من مشيياهدات يونييغ ل تقبييل الخضييوع للتجربيية وتكييرار المحاوليية للخييروج بنتييائج‬
‫فا ّ‬
‫مطمئنة‪.‬‬
‫‪ 3‬ي بالنسبة إلى تقسيم الشخصية إلى‪ :‬منبسط ومنطوي‪ ،‬وما يتفّرع عليهما من إشكاليات‬
‫وتفريعات لتحديد الشخصية بسمات معينة‪ ،‬فهذا أيضًا مّما لم يقم عليه دليل ولييم يثبييت ببرهييان‬
‫سوى بعض الستقراء الناقص‪ ،‬والمشاهدات المحدودة‪.‬‬
‫ل صيينف ميين هييذه‬
‫ن كثرة المداخلت بين هذه النماط وعدم وجييود معييايير مح يّددة لك ي ّ‬
‫ثّم إ ّ‬
‫ل دراسة نفسية مثمييرة‪ ،‬وقييد اعييترف‬
‫الصناف يقّلل من أهميتها ويضعف العتماد عليها في ك ّ‬
‫شيييعبة‬
‫ل هذه البحوث والتجارب الكثيرة والمت ّ‬
‫يونغ بنفسه بهذه الملحظة‪ ،‬ومعها ما الفائدة من ك ّ‬
‫ن الترابط بين صفات النمط الواحد من هذه‬
‫ما لم نخرج منها بقانون كّلي أو قاعدة ملزمة؟ أي إ ّ‬
‫النماط ما لم يكن ترابطًا وثيقًا وتلزمًا شديدًا يفوق حالة العم الغلب فل يكشف عن صياغة‬
‫متقنة لي واحد من هذه النماط الثمانية‪ ،‬وهنا يتحّرك البحث عن إيجاد معادليية تح يّدد المعيييار‬
‫ن دائرة التقسيم المنطقي لبّد وأن تقوم على معيار ومحييور‬
‫الذي اتخذه يونغ في هذا التقسيم‪ ،‬ل ّ‬
‫يتفّرع عليه ذلك التقسيم‪ ،‬وهنا ل نجد محورًا اعتمده يونغ في تقسيمه المذكور‪.‬‬
‫ل تقسيم النسييان إلييى‬
‫ن كل تقسيم منطقي لبّد أن يقوم على محور معّين‪ ،‬فمث ً‬
‫وببيان آخر‪ :‬إ ّ‬
‫أسود وأبيض‪ ،‬يقوم على أساس اللون‪ ،‬وتقسيمه إلى مذّكر ومييؤنث يقييوم علييى أسيياس الجنييين‪،‬‬
‫وهكذا‪ .‬ولو جئنا إلى تقسيم يونغ للشخصية إلى‪ :‬منبسط ومنطوي‪ ،‬فهذا التقسيم لبييّد وأن يقييوم‬
‫على أساس العلقة مع الناس‪ ،‬أي اّنه أخذ الشخصية من خلل علقة الفرد مع الخرين فتيييارةً‬
‫تدفعه الليبيدو إلى خارج الذات‪ ،‬وُاخرى تنكمش وتنكفئ على الذات‪ ،‬فإذا كان هذا هييو الميييزان‬
‫والمحور للتقسيم‪ ،‬فوجود قسم ثالث محايد قادر على احتواء طائفة كبيرة من الناس إن لييم تكيين‬
‫الكثرية الغالبة يبطل مفعول ذلك المحور ويعزله عن محوريته‪.‬‬

‫ل نمط يحتوي على أشييكال أربعيية تزيييد فييي التخّبييط فييي افييرازات الفوضييى‬
‫نكّ‬
‫ثّم مقولة أ ّ‬
‫المنهجية لعدم اعتمادها ل على استقراء مطمئن‪ ،‬ول على أساس تقسيم منطقي يجزم به العقل‪،‬‬
‫مّما يحّول هذه الطروحة إلى ترف فكري ويفّرغها من مضمونها العلمي‪.‬‬
‫ن أرقى ما في تحليلت يونغ عن النفس النسانية هو تأكيده على البعد الغيبي فيه‪،‬‬
‫‪4‬يإّ‬
‫وبعكس جميع المنتقدين لنظرية يونغ على هذه الخصلة واعتبار وجود مواضيييع غيبييية ودينييية‬
‫وأساطير جلبها يونييغ ميين سييفراته المتع يّددة إلييى افريقييا وامريكييا اللتينييية وغيرهييا ميين نقيياط‬
‫ن هذه ل تشّكل نقطيية ضييعف فحسييب‪ ،‬بييل‬
‫الضعف لمجمل كتاباته ورؤاه النفسية‪ ،‬فنحن نرى أ ّ‬
‫تعتبر من نقاط القّوة في كل اطروحة تهتم بشؤون النسييان وتكييامله وعلج أمراضييه النفسييية‪،‬‬
‫ن يونغ استطاع إعادة الثقة والنشاط والحيوية للكثير من المراجعييين بتأكيييده‬
‫والدليل على ذلك أ ّ‬
‫ل مشكلة النسييان‬
‫ق‪ ،‬فل شيء غير الدين يح ّ‬
‫على هذا البعد من شخصية النسان‪ ،‬وكما هو الح ّ‬
‫الفلسفية في رؤيته للحياة والكون‪ ،‬ول شيييء غييير الييدين يشييبع فييي نفسييه الحاجيية إلييى العبييادة‬
‫والتقّدس والرتباط بالغيب والمطلق‪.‬‬
‫ن يونغ قد نجح ولو نسبيًا في إعادة ربط النسان بالغيب‪ ،‬أو على القل‬
‫ولكن ما نريد قوله أ ّ‬
‫ل أكمل المشوار وأفصييح عيين مضييمون هييذا البعييد الغيييبي فييي‬
‫اّنه سعى في هذا المضمار‪ ،‬فه ّ‬
‫النسان وما يرتبط به من اشكاليات؟‬
‫الذي نجده في كتييب يونييغ ومقييالته أّنييه يؤكييد علييى هييذا البعييد ميين وجييود النسييان وينيّدد‬
‫بالحضارة الغربية تخليها عن هذا الجانب‪ .‬وقد تقّدم مقولته في ضرورة الدين‪ ،‬ولكن أي دييين؟‬
‫وما هي الصياغة التي يراها يونغ صالحة لسّد هذا الفراغ بعد أن صّرح بعدم فاعلية المسيييحية‬
‫لشباع هذا الخلل العقائدي في النسان الغربي؟‬
‫ن يونغ في هذا الموضوع نجح في الثارة وفشل في احتواء الزمة وحّلها‪ ،‬ولييذا‬
‫اّننا نعتقد أ ّ‬
‫ن القاري لكتابات يونييغ يجييد توصيييات كييثيرة فييي ضييرورة إعييادة النظيير فييي البعييد الغيييبي‬
‫فا ّ‬
‫والخلقي للنسان وضرورة القتباس من حضارات الشييرق جنوحهييا إلييى المعنويييات لييترميم‬
‫ن النسان الغربي سييعى إلييى التعييالي علييى الطبيعيية‬
‫الخلل في الحضارة الغربية‪ ،‬وكما يقول‪ :‬إ ّ‬
‫غل في أعماق الطبيعة والتأّمل الباطني في‬
‫والخروج منها‪ ،‬بينما النسان الشرقي سعى إلى التو ّ‬
‫النفس وخلجاتها والسيطرة عليها‪ ،‬ويقصد من ذلك المتصوفة والبوذية وطوائف المرتاضين في‬
‫الهند وأمثال ذلك‪.‬‬
‫ولكّنك عندما وضعت يدك على الجرح ي والخطاب ليونغ ي فهل يكتفي المريييض منييك بهييذا‬
‫ضح له الحلول العملية في احتواء أزمتييه وإشييباع نهمتييه إلييى عييالم الغيييب؟‬
‫المقدار دون أن تو ّ‬

‫غلت في الفلسفة وأشبعت هذا الجانب بحثًا وتحقيقًا كيما تنتظييم معهييا منظوميية أفكييارك‬
‫ل تو ّ‬
‫وه ّ‬
‫ل ول تروي ظمآنًا؟‬
‫دون الكتفاء باثارات علئم استفهام وتوصيات كّلية ل تشفي غلي ً‬
‫صنا نحن المسلمين ي اّنك حين تتصّفح كتابييات يونييغ فييي هييذا‬
‫والملفت للنظر ي وهذا أمر يخ ّ‬
‫المجال بالذات فستجد توصيات وارجاعات لمعنويات الشرق بصورة عامة‪ ،‬ولكن عنييدما يريييد‬
‫الفصاح أكثر فاّنه يشير إلى البوذية والهندوسية والمذاهب الشرقية في الهند والصييين مييا عييدا‬
‫السلم‪ ،‬وبين يدي كتاب جمع المترجم فيه عّدة مقالت هاّمة ليونغ تتحّدث عن هذا الموضييوع‬
‫بالذات وأسماه بالنظرة الكونية‪ ،‬وفي مقاليية لييه فييي مقايسيية بييين الشييرق والغييرب تجييده يكيّرر‬
‫عشرات المّرات مفردات مثل الشرق‪ ،‬بوذا‪ ،‬الهندو‪ ،‬أديان شرقية و‪ ..‬لكن ل تعييثر علييى كلميية‬
‫إسلم أو مسلمين أو حضارة إسلمية‪.‬‬
‫حة مقوليية يونييغ فييي اللوعييي الجمعييي هييو‬
‫والسبب في رأيي والذي يعتبر شاهدًا علييى صي ّ‬
‫ح‪:‬‬
‫الموروث اللشعوري من أخلق الجداد في الحقد على السلم والمسلمين‪ ،‬أو بتحليييل أص ي ّ‬
‫الخوف منهم‪ ،‬فاّنك عندما ل تتلّفظ باسم معّين فالسبب قييد يكميين فييي كراهيتييه‪ ،‬وقييد يكميين فييي‬
‫الخوف منه كالمحكوم بالعدام الذي يتجّنب ذكر اسم الحبل‪ ،‬وكالكّفار الذين ينظرون إلى جهنم‬
‫يوم القيامة من طرف خفي‪.‬‬
‫وعلى أي حال‪ ،‬فهذه الملحظة ل تختص بيونغ‪ ،‬وأّنما هي سارية في مجمل كتابات علميياء‬
‫ن السلم أحد مذاهب‬
‫الغرب عن حضارة الشرق والدين وعالم الغيب والكتب المقّدسة و‪ ..‬وكأ ّ‬
‫اليونان الفلسفية المنسوخة‪ ،‬والمسلمين قبيلة من قبائل المازون!!‬

‫‪ 3‬ـ آدلر وعقدة الحقارة‪ 1870) :‬ـ ‪(1937‬‬

‫)‪(60‬‬

‫يختلف آدلر مع فرويد ويونغ من جهات عديدة‪ ،‬فمن جهيية يختلييف مييع فرويييد فييي تعليميياته‬
‫الجنسية‪ ،‬فكان على العكس منه ل يرى تأثيرًا محلوظًا للغريزة الجنسية في صياغة الشخصية‪،‬‬
‫‪ ()60‬ولد ألفريد آدلر في فيّنا عام ‪ .1870‬وكان ذا بنية هزيلة‪ ،‬تخّرج طبيبًا عام ‪ 1895‬وتعّرف على فرويد عام‬
‫ق من مدرسة التحليل النفسي عام ‪ ،1911‬تأّثر كثيرًا بكتابات الفيلسييوف اللميياني »نيتشييه« الييذي كييان‬
‫‪ ،1901‬وانش ّ‬
‫ن هدف النسان السمى هو تحقيق التفّوق على الخرين‪.‬‬
‫ن الحياة مجّرد صراع لثبات الغلبة وأ ّ‬
‫يرى أ ّ‬
‫طفولته مشحونة بالمرض والضعف والعجز عن اللعب مع القران‪ ،‬ولييم يكيين فييي المدرسيية بأحسيين حظيًا وخاصيًة فييي‬
‫لمور دخل الكبير في انتخابه مهنة الطب ومقولته في محورية دافييع‬
‫الرياضيات مضافًا إلى اّنه كان دميمًا أيضًا‪ ،‬ولهذه ا ُ‬
‫لولييى طيليية فييترة الحييرب وأخيييرًا‬
‫الحضارة لجميع نشاطات النسان الجتماعية‪ ،‬خدم في الجيش أبان الحرب العالمية ا ُ‬
‫هاجر إلى امريكا عام ‪ 1929‬واشتهر هناك بسبب كتبه ومقالته وحظى بشعبية كبيرة‪ ،‬وفي عام ‪ 1937‬وبينما كان‬
‫يتجّول في البلدان الوربية للقاء محاضراته ُاصيب بالسكتة القلبية في اسكتلندا وتوّفي هناك‪.‬‬

‫ويؤّكد على توجه النسان إلى المستقبل بدل الماضي‪ ،‬ويمتاز عن رفيقه بأّنه طرح في نظريتييه‬
‫مفهوم الدوافع الجتماعية المؤثرة في شخصية الفرد ورسم سلوكه‪ ،‬والصل فيها هييو الشييعور‬
‫ن هييذا‬
‫بالدونية والحقارة الذي يلزم الطفييل حتميًا نتيجيية لرغبيية النسييان فطرييًا بييالتفّوق‪ ،‬أو أ ّ‬
‫لسرة الكبار وقّوتهم‬
‫الدافع النفسي يتوّلد في الطفل بعد شعوره المؤلم بالحقارة في مقابل أفراد ا ُ‬
‫ونشاطهم وحيويتهم بالقياس إلى ضعفه وعجزه عن أداء الكثير من العمال‪ ،‬وهذا الشعور هييو‬
‫لخييرى‪ ،‬ويظييل ملزم يًا للطفييل حّتييى مرحليية الكييبر‪ ،‬فإّمييا أن‬
‫الذي يطغى على سائر الدوافع ا ُ‬
‫يتخّلص منه ويطّهر شخصيته منه بمقولة التعويض‪ ،‬أو يتحّول هذا الشييعور إلييى عقييدة مرّكييب‬
‫النقص كما سوف نرى‪.‬‬
‫الشعور بالحقارة وإشكالية التعويض‬
‫ن السلوك النسيياني يمكيين تفسيييره علييى أسيياس محاوليية الفييرد للحصييول علييى‬
‫يرى آدلر أ ّ‬
‫السيطرة والتفيّوق علييى الغييير‪ ،‬والييدافع الصييل لييذلك هييو الرغبيية فييي الخلص ميين الشييعور‬
‫بالنقص سواء كان جسميًا‪ ،‬أو عقليًا‪ ،‬أو ارتكاب بعض الفعال غير اللئقة‪.‬‬
‫لولى من عمره يسييعى دوم يًا إلييى التغّلييب‬
‫ن الطفل في الخمس سنوات ا ُ‬
‫وفقًا لنظرية آدلر فا ّ‬
‫على الشعور بالنقص والحقارة وإظهار نفسه أمام الخرين بالمظهر اللئق‪ ،‬وتدريجيًا يأخذ هذا‬
‫خل لصييياغة حييياته البعدييية ورسييم سييلوكه ميين أفكييار وأعمييال وميييول ُاخييرى‪،‬‬
‫الدافع في التد ّ‬
‫والسعي للتغّلب على هذا الحساس هو ما يسمّيه الرغبة في التعويض وجبران النقص‪ ،‬فان لييم‬
‫يستطع تعويض النقص أّدى ذلك إلى تشديد هذا الشعور في النفس وتوّلد عقدة الحقارة‪ ،‬والمنشأ‬
‫لهذا الشعور ثلثة ُامور‪1 :‬ي الحقارة العضوية ‪2‬ي الفراط في التدليل ‪3‬ي الفراط فييي التقريييع‬
‫جه لعطش الطفل إلى المحّبة‪.‬‬
‫وعدم التو ّ‬
‫ن ذلك ينعكس على موفقّية الفرد في جوانب الحييياة‬
‫وإن تمّكن من الغلبة على هذا الشعور فإ ّ‬
‫ي المجتمع‪ ،‬والعمل‪ ،‬والجنس‪.‬‬
‫الثلثة‪ ،‬أ ّ‬
‫وقد يكون هناك إفراط في التعويض ناشيء من حساسية الفرد الشديدة تجاه النقييص‪ ،‬فيتوّلييد‬
‫من ذلك نبوغ في المجالت الحضارية للفرد وموّفقية غير طبيعية لبعض الفييراد ميين أسيياطين‬
‫الحضارة البشرية‪.‬‬

‫)‪(61‬‬

‫ويمكن أن يجّر الحساس الشديد بالحقارة إلى العكس من ذلك‪ ،‬فيحاول الفرد التعويض عنييه‬
‫بُامور سلبية للفرار من ذلك الشعور كأن يلجأ الشخص إلى سييلوك طريييق السييتثارة العاطفييية‬
‫‪ ()61‬تاريخ علم النفس ومذاهبه ي هنريك ميزيان ي واستاوت سكستون ي ط‪ 2‬ي ص‪.595‬‬

‫لجلب محّبة الخرين وتعاطفهم معه‪ ،‬وقد تزداد هذه الحالة قوة فتظهر على شكل مرض نفسي‪.‬‬
‫ن أمام النسان ثلثة طرق للتعويض عن النقص‪:‬‬
‫والخلصة إ ّ‬
‫‪ 1‬ي التعويض الناجح في العلئق الجتماعية وفي الحياة العلمية وفي العلقات الجنسية‪.‬‬
‫‪ 2‬ي التعويض الزائد الذي يظهر على شكل اضطراب في السلوك على المستوى اليجابي‪،‬‬
‫حا ‪..‬‬
‫ويأتي ذلك عندما يصبح الدافع للتعويض عن النقص شديدًا ومل ّ‬
‫‪ 3‬ي اللجوء إلى المرض كوسيلة للحصول على الشفاء‪.‬‬
‫ن كل مرض نفسي يمكن فهمه على اّنييه محاوليية ميين النسييان لكييي يحيّرر‬
‫ولذا يرى آدلر أ ّ‬
‫ن المراض العقلييية مييا هييي‬
‫نفسه من الشعور بالنقص ويحصل على شعور بالقّوة والعظمة‪ ،‬وأ ّ‬
‫ل نتيجة الفشل التام في قهر الشعور بالنقص)‪.(62‬‬
‫إّ‬
‫ن نظرييية آدليير تهتييم بعييزم الشييخص علييى بنيياء نفسييه وصييياغة شخصيييته‬
‫وبذلك يّتضييح أ ّ‬
‫والتخّلص من عقدة الحقارة‪ ،‬بخلف ما كان عليه فرويد من نظريته الجبرية‪.‬‬
‫العلقة الجتماعية ونوعية الرتباط‬
‫ن الرتباط مع الخرين أّول وظيفة وتكليف للنسان في حياته‪ ،‬وهذا الرتبييياط‬
‫يعتقد آدلر بأ ّ‬
‫يصاحب الفرد طيلة حياته ويصبغ الحياة وجميييع المتغّيييرات والسييلوكيات فييي نمييط الشخصييية‬
‫بطابعه ويخضعه لتأثيراته‪ ،‬ولذا أّكد آدلر علييى مفهييوم » العلقة الجتماعية« وأّنهييا اسييتعداد‬
‫فطري في الفرد يتيح له التفاعل مع الخرين لتحقيق الهييداف الفردييية والجتماعييية للنسييان‪،‬‬
‫وفي هذه المفردة يختلف آدلر عن رفيقيه فرويييد ويونييغ حيييث لييم نجييد ذلييك الهتمييام عنييدهما‬
‫بالمؤثرات والدوافع الجتماعية‪.‬‬
‫ن النسييان لييم يكيين يسييتطيع الحييياة ميين دون علقيية وإرتبيياط‬
‫والحقيقيية كمييا يراهييا آدليير أ ّ‬
‫بالخرين‪ ،‬فمنذ القديم كان النسييان يعيييش ضييمن عييوائل وقبييائل ومجتمعييات بشييرية مختلفيية‪،‬‬
‫ل إنسييان التعيياون مييع الخرييين وإظهييار‬
‫ووجودهم ضروري لبقاء الفرد‪ ،‬ولذا وجييب علييى ك ي ّ‬
‫علقته الجتماعية بهم‪ ،‬ولكن التفاعل الجتماعي ل يخلو ميين مشييكلت وتعقيييدات لبيّد منهييا‪،‬‬
‫وأحدها في كيفية التغّلب على عقدة الحقارة التي تعييود فييي الصييل إلييى الروابييط الجتماعييية‪،‬‬
‫وهذه المشكلت تتمحور ي كما تقّدم ي في ثلث ُامور‪:‬‬
‫كيفية إرتباطنا مع الغير‪.‬‬
‫ومشكلت العمل والكسب‪،‬‬
‫‪ ()62‬النفس انفعالتها وأمراضها ي د‪ .‬علي كمال ي الطبعة الثانية ص‪ 125‬ي ‪.126‬‬

‫مشكلت الرتباط الجنسي‪.‬‬
‫والنسان لبّد له في التعامل مع هذه المشكلت الحياتية من اّتخاذ أحد أربعة أنماط في رسم‬
‫السييلوك وصييياغة الشخصييية‪» :‬النمييط المتسييّلط«‪» ،‬المسييتعطي«‪» ،‬المتجّنييب«‪» ،‬الناجييح‬
‫إجتماعيًا«‪.‬‬
‫أّما النمط الّول فيريد التسّلط على الخرييين مييع قّليية اكييتراث لمشيياعرهم وأحاسيسييهم‪ ،‬بييل‬
‫يرسم سلوكه وفق ما يريد ويرغب والدافع له على ذلك هو محاولة تعويض النقييص بتييوهم أ ّ‬
‫ن‬
‫الستعلء على الخرين يحّقق في نفسه إشباعًا لغريزة التفّوق ويقّلل من شعوره بالنقص‪ ،‬وهذا‬
‫النمط بدوره على نوعين‪ :‬نييوع إفراطييي ويكييون عييدوانيًا ومؤذييًا ومخالفيًا للتقاليييد والعييراف‬
‫ل ضييررًا ميين الّول‪ ،‬وهييو مييا‬
‫لصول الخلقية‪ ،‬والنييوع الخيير أق ي ّ‬
‫الجتماعية‪ ،‬وناشزًا عن ا ُ‬
‫تنعكس فيه هذه الحالة نحو الذات‪ ،‬ويكثر هذا النمط في المعتادين على المخدرات والمشروبات‬
‫ن العييدوان علييى النفييس يحّقييق‬
‫الكحولية‪ ،‬وقد يدفعه الشعور بالعدوان إلى النتحار‪ ،‬لّنه يعتقد أ ّ‬
‫ى للخرين‪.‬‬
‫ألمًا وأذ ً‬
‫النمط المستعطي وهو الكثر رواجًا وشياعًا من سائر النماط‪ ،‬وفيه يتوّقييع الشييخص محّبيية‬
‫الخرين ويسعى إلى إرضييائهم وجلييب اهتمييامهم نحييوه بييدافع ميين الشييعور بييالنقص ومحاوليية‬
‫التعويض عن ذلك باكتساب محّبة الخرين ورضاهم بهذا السلوب‪ ،‬وبذلك يكون هذا الشييخص‬
‫تابعًا لتصورات الخرين وحكمهم وفاقدًا للستقللية‪.‬‬
‫النمط الثالث وهو المتجّنب‪ ،‬فل يحاول إيجاد حلول للمشاكل التي يواجهها في المجتمع‪ ،‬بييل‬
‫يتهّرب منها ويتجّنب التورط في أّية مشكلة بدافع من الخوف من الفشييل الييذي يزيييد فييي نفسييه‬
‫شعوره بالنقص‪.‬‬
‫وهذه النماط الثلثيية ل يمكيين اعتبارهييا موفقيية فييي التغّلييب علييى مشييكلت الحييياة‪ .‬وغييير‬
‫مستعّدة لمواجهة العقبات التي تعترض طريقها في المجتمع‪ ،‬ولييذا نجييد اضييطرابًا فييي السييلوك‬
‫ل في الشخصية ومعاناة نفسية لفراد هذه النماط‪.‬‬
‫وخل ً‬
‫النمييط الناجييح إجتماعي يًا وهييو المتفاعييل مييع الخرييين وفييق احتياجيياته الواقعييية‪ ،‬وهييؤلء‬
‫الشخاص يستطيعون تحقيق الرشد النفسي والنضج العاطفي من خلل علقتهم بالمجتمع‪.‬‬
‫ترتيب الولدة‪:‬‬
‫أعطى آدلر أهمّية كبيرة في صياغة شخصّية الفرد إلى موقعه من أفراد العائلة‪ ،‬فميين خلل‬
‫ن الولد يختلفون من حيث الشخصييية وفييق ترتيييب ولدتهييم‪ ،‬فعلييى‬
‫تجاربه الجتماعية رأى ا ّ‬
‫سبيل المثال البن الكبر للعائلة يحاط بعناية فائقة‪ ،‬ويستمر هذا الحال حّتى ولدة البن الثيياني‬

‫ن الّول يشعر بعدم‬
‫والذي يسّبب خلعه من مقامه الجتماعي والهتمام بالثاني‪ ،‬فتكون النتيجة أ ّ‬
‫المان في العائلة وتنمو في نفسه دوافع عدوانية ونييوازع تهاجمييية تجيياه الخرييين‪ ،‬فلييذا يييرى‬
‫ن أغلب الجانحين نحو الجريمة وأشّرهم والمعّقدين من هذه الفئة من الولد‪ ،‬وفي الوقت‬
‫آدلر أ ّ‬
‫نفسه يتمّتع هؤلء بذكاء أكبر من ُاخوتهم‪.‬‬
‫البن الثاني للعائلة ينمو محّبا للجاه ومتمرّدا وحسودًا ويسعى دومًا في إحراز التفييّوق علييى‬
‫ن الثيياني بالقييياس إلييى البيين الكييبر أكييثر مرونيية مييع الخرييين‬
‫أخيه الكبر‪ ،‬ولكن مع ذلك فا ّ‬
‫وأفضل معاشرة وتلؤمًا‪ ،‬أّما الخير فالغالب اّنه ينشأ اّتكاليا ومدّلل وباعثًا على تييوّرط والييديه‬
‫غل في أتعاب الحياة ولعدم ثقته بنفسه‬
‫في مشاكل وأتعاب‪ ،‬وقد يلجأ إلى الدمان تخّلصا من التو ّ‬
‫عند الكبر‪.‬‬
‫ن الولد الكييبر لييو كييان بنتيًا فاّنهييا تكييون أكييثر إطاعيية ميين أخواتهييا‪،‬‬
‫وقد أفادت التجارب أ ّ‬
‫وتشعر أكثر بالمسؤولية عن والديها وعن إخوانها وأقرب إلى الوالدين منهم‪ ،‬ولكن بالرغم ميين‬
‫ن البن الكبر ل يقع محبوبًا من الخرين وذلك ما يزيد فييي إختللييه العيياطفي‪ .‬وكييذلك‬
‫ذلك فا ّ‬
‫ن البن الكبر له القابلية أكثر من غيره على التفّوق في الجامعة والنجيياح فييي‬
‫أثبت التجريب أ ّ‬
‫الوسييط العلمييي والتقييّدم الفكييري‪ ،‬وخاصييًة فييي الرياضيييات والسييتدلل الكلمييي والطيي ّ‬
‫ب‬
‫والمديرية)‪.(63‬‬
‫ملحظات حول مذهب آدلر‪:‬‬
‫ن تصّور آدلر عن النسان أكثر معقولّية وأرحب ُافقًا ميين فرويييد‪ ،‬حيييث ل يحّنييط‬
‫لحظنا أ ّ‬
‫مستقبله بترسّبات الماضي ول يسلب منه اختيار السلوك المناسب للنجاح في المستقبل‪ ،‬وكييذلك‬
‫إعطاء الهمية لجانب الوعي في الشخصية‪ ،‬فيتجه النسان نحو بناء مسييتقبله وهييو واع لعملييه‬
‫ونشاطه ودوافعه‪ ،‬لّنه يتصّرف بدافع من الغييرائز المكبوتيية وإنعكاسييات الطفوليية الكامنيية فييي‬
‫اللشعور‪ ،‬وهذه الملحظة كفيلة بتكريس الثقة بالنفس والعتداد بالشخصية بالنسبة إلى مستقبل‬
‫ل مع المجتمع‪ ،‬لّنها ي كما رأينا ي‬
‫ن نظرية آدلر متفائلة أكثر من سابقتيها‪ ،‬وأكثر تفاع ً‬
‫الفرد‪ ،‬فا ّ‬
‫تهتم للدوافع الجتماعية وترى لها المحورية في السلوك‪ ،‬مّمييا يع يّزز التلحييم الجتميياعي بييين‬
‫لطروحات الجتماعية في صياغة الشخصية وعلج المراض النفسية‪ .‬رغم‬
‫الفراد وإهتمام با ُ‬
‫ن آدلر لم يغفل دور الغرائز والصفات الموروثيية‪ ،‬ولييذا قييال بفطرييية العامييل الجتميياعي فييي‬
‫أّ‬
‫الفرد‪ ،‬ودور الترتيب في الموضع العائلي بالنسبة للولد وتأثيره غير الحتمي على الشخصية‪.‬‬
‫‪ ()63‬نظريات الشخصية‪ ،‬دوان شولتز ي ط‪ 6‬ي ص‪ 147‬ي ‪.148‬‬

‫نظريات آدلر أفادت علم النفس كثيرًا رغم بساطتها ووضييوحها وخاص يًة فييي مجييال الطي ّ‬
‫ب‬
‫النفسي‪ ،‬حيث يعطي آدلر مكانة خاصة للوعي والفكيير فييي تسييبيب الضييطرابات النفسييية مّمييا‬
‫يساعد أكثر على دراسة السباب والشرائط لكثير من الختللت العصبية والعقلية‪.‬‬
‫ومن جهة ُاخرى اهتّم آدلر بالعوامل الثقافية في تكوين الشعور بالحقارة والنقص مّمييا ألفييت‬
‫نظر المرّبين لدراسة هذا المر ولتفادي النقص والخلل في المناهج التربوية وفقًا لهذه النظرية‪.‬‬
‫ن نظرية آدلر تفتح الفاق المتحّركة أمام المصابين بعقدة النقص وتدعوهم إلى اسييتثمار‬
‫ثّم أ ّ‬
‫هذا الشعور في التعويض اليجابي‪ ،‬بل قد يكون سييببًا فييي التف يّوق النييادر والتوفيييق الكييبير إذا‬
‫أحسن المرء إستغلل هذا الييدافع فييي التعييويض وض يّم إليييه الشييجاعة الكافييية والمثييابرة علييى‬
‫مواصلة العمل‪ ،‬ويضرب له أمثلة من كبار العظماء ورّواد الحضارات كانوا يشكون من عاهة‬
‫بدنية أو حقارة في النسب أو وضاعة في الرتبة الجتماعية وذّلة في النفس‪.‬‬
‫ل أّنييه‬
‫وبالرغم من هذه المحسنات وغيرها المتناثرة في تحقيقات آدليير ونظرييياته النفسييية‪ ،‬إ ّ‬
‫لطروحة النفسية المتكاملة بحيييث اسييتدعت‬
‫من الضروري الشارة إلى نقاط الضعف في هذه ا ُ‬
‫عدم رواجها وسرعة ُافولها وضمورها‪.‬‬
‫ن هذه النظرية بالرغم من توجّهها للعوامل والمؤّثرات الجتماعية وصياغة‬
‫فمنهــا‪ :‬ا ّ‬
‫ن هييذا التفاعييل قييد أخييذ فيييه الجييانب‬
‫لأّ‬
‫شخصية الفرد بمقدار ما له من تفاعل مع الخرييين‪ ،‬إ ّ‬
‫السلبي من النسان حيث أّكييدت النظرييية علييى تصييوير العلقيية الجتماعييية علييى أسيياس ميين‬
‫التصارع والتنافس وإثبات التفّوق وأمثال ذلك‪ ،‬ولم تضع في حسابها الدوافع الجتماعية الخّيرة‬
‫في النسان من التعاون والمحّبة واليثار و‪ ..‬فكانت النتيجيية الطبيعييية فييي هييذه الحاليية هييو أ ّ‬
‫ن‬
‫الغلب العّم من الفراد الذين لم يوّفقوا إلى التعييويض اليجييابي والتغّلييب السييليم علييى عقييدة‬
‫ب السيييطرة‬
‫النقص أضحوا صرعى المييراض الخلقييية ميين الحسييد والكراهييية واليييأس وح ي ّ‬
‫وغيرها من السمات والتجاهات النفسية الذميمة والمرفوضة‪ ،‬ونييرى تييأثير نظريييات الفلسييفة‬
‫اللمان وخاصًة في غريزة التفّوق ومعادلت الصييراع الييدائم لنيتشييه علييى كتابييات آدليير‪ ،‬وقييد‬
‫يكون لنظرية دارون سهم في اتجاه آدلر هذا ونظرته القاتمة عن العلقات الجتماعية‪.‬‬
‫ن الطفل وان كان في بداية أمره‬
‫ومنها‪ :‬ما يتعّلق بالشعور بالدونّية والحقارة‪ ،‬فالحقيقة أ ّ‬
‫ن هذا الحساس فطري ويمتّد إلى أعماق الييذات‪ ،‬فحّتييى‬
‫لاّ‬
‫يشعر بالنقص بالقياس لمن حوله‪ ،‬إ ّ‬
‫لو لم يكن هناك طرف آخر أقوى وأكمل من هييذا الفييرد‪ ،‬فيياّنه يشييعر فييي قييرارة نفسييه بالذّليية‬
‫والضعف والعجز أمام القدرة المسّيرة للكون وعوامل الطبيعيية‪ ،‬ولكيين هييذا الشييعور فييي بداييية‬
‫ل منحصيير بييالتعويض الجتميياعي‬
‫أمره محدود بحييدود الضييعف والنقييص البييدني‪ .‬وليييس الحي ّ‬
‫وإحراز الموّفقية في المجالت الثلثة المذكورة‪ :‬إرتباطه مع الخرين‪ ،‬العمل‪ ،‬الجنييس‪ ،‬بييل إ ّ‬
‫ن‬

‫النسان حّتى لو نجح في هذه الميادين وأثبت جدارة وقدرة فائقة‪ ،‬فمييع ذلييك يشييعر فييي قييرارة‬
‫جه إلييى‬
‫ل بييالتو ّ‬
‫نفسه بالعجز والضعف أمام الحوادث المستقبلية‪ ،‬ول يسّد هييذا الخلييل النفسييي إ ّ‬
‫عالم الغيب والستمداد من قدرة ال اللمتناهية لجبران هذا النقص‪ ،‬لذا لبّد أن يعرف النسييان‬
‫كماله وهدفه في الحياة ويحاول هداية هذه الدوافع النفسييية بالتجيياه السييليم بييدل الييتركيز علييى‬
‫التنافس الجتماعي وترشيد غريزة التغّلب والتسّلط‪.‬‬
‫ن الفات آدلر نظر الباحثين إلى دافع التفّوق وجبران النقص ودوره فييي صييياغة‬
‫ومع ذلك فإ ّ‬
‫السلوك الفردي ل يخلو من تقدير وتحسين‪.‬‬
‫ومنهــا‪ :‬إن آدلر يرى وحدة الشخصية وإّتحاد أركانها الثلثة التي ذهب إليها فرويد‬
‫ومحورية النا وإسييتقطاب جييانب الييوعي فييي الشخصييية لسييائر أنييواع السييلوك الصييادرة ميين‬
‫النسان‪ ،‬وهذه النظرية وان كانت أفضل من القول بالفصل التام بين الهو والنا والنييا العلييى‬
‫ل أّنييه ل يمكيين قبييول مبييدأ الوحييدة المطلقيية‬
‫وحالة التصارع والتناحر في النظرية الفرويدية‪ ،‬إ ّ‬
‫وإخضاع الشخصية إلييى محورييية النييا فقييط‪ .‬لّنييه سيييأتي فييي بيياب الشخصييية فييي المدرسيية‬
‫ن الشخصية كما ورد في المتون المقّدسة للشريعة تتكّون من قطييبين‪ ،‬أو نقييول بييأ ّ‬
‫ن‬
‫السلمية أ ّ‬
‫النسان له شخصيتان في أعماق ذاته‪ ،‬أحدهما لبّد من جهادها والتغّلب عليها وهي المراد فييي‬
‫قوله)عليه السلم(‪» :‬أعدى عدّوك نفسك التي بين جنبيك«‪.‬‬
‫لخرى كريمة وعزيزة ولبّد ميين رعايتهييا والعناييية بهييا‪ ،‬وهييي المييراد فييي قييوله )عليييه‬
‫وا ُ‬
‫السلم(‪» :‬النفس جوهرة إن صنتها صانتك وإن هنتها هانتك«‪.‬‬
‫ن النسان يشعر إذا ارتكب منقصيية‬
‫ل فرد مّنا‪ ،‬لّننا نرى أحيانًا إ ّ‬
‫وهذا ما يشهد به وجدان ك ّ‬
‫ورذيلة يشييعر بالهزيميية والمغلوبييية بعكييس مييا لييو قييام بعمييل إنسيياني وعلييى خلف مصييالحه‬
‫الشخصية ورغباته الفردية‪ ،‬فاّنه يشعر بالزهو والنتصار وليس أمامه طرف آخر سوى أنانيته‬
‫س بالنصيير‬
‫لولييى فشييعر بالهزيميية‪ ،‬وغلبهييا فييي الثانييية فييأح ّ‬
‫الفردّية التي غلبته في الصييورة ا ُ‬
‫والتفّوق‪ ،‬ومن ذلك أطلق العرفاء إسم النفس الحقيقية لذلك الوجود الكريم والمقّدس في النسييان‬
‫الذي هو قبس من روح ال ي وتييدعو صيياحبها إلييى التحّلييي بالفضييائل والمكييارم‪ ،‬وإسييم النفييس‬
‫المجازية على هذه النييا الفردييية الييتي ل تريييد ميين النسييان سييوى إّتبيياع الشييهوات والمليّذات‬
‫ن النفس لّمارة بالسوء(‪.‬‬
‫الرخيصة‪ ،‬ويسّميها القرآن بالنفس المارة‪) :‬وما ُاّبري نفسي إ ّ‬

‫)‪(64‬‬

‫ومنهــا‪ :‬حصره الهتمام بالمؤّثرات الخارجية والعوامل الجتماعية في دراساته عن‬
‫الشخصية متناسيًا العوامل الذاتية والوراثية والدوافع الغريزية‪ ،‬فنرى أّنييه أفييرط فييي ذلييك كمييا‬
‫‪ ()64‬سورة يوسف‪ :‬الية ‪.53‬‬

‫أفرط فرويد في الجهة المقابلة‪ ،‬ثّم تغافله عن دور اللشعور والرغبات المكبوتة سييوى الرغبيية‬
‫ن الحاجيية الجنسييية هييي بنفسييها الشييعور‬
‫في التفيّوق والخلص ميين النقييص‪ ،‬ول أحييد ييّدعي أ ّ‬
‫ن الحاجيية إلييى البييذل والعطيياء وخدميية الخرييين وإعانيية البؤسيياء‬
‫بييالنقص والحقييارة‪ ،‬أو أ ّ‬
‫والمحرومييين والييدفاع عيين المظلييومين وأمثالهييا ميين الرغبييات النسييانية تتييواءم مييع الشييعور‬
‫ل من منظار سلبي للنسان وسلوكه للعام‪.‬‬
‫ب التفّوق إ ّ‬
‫بالنقص‪ ،‬وأّنها ل داخلة في دائرة ح ّ‬
‫ثّم لماذا يرغب النسان في التفّوق على الخرين دائمًا ول نجد هذه الحاليية لييدى الحيوانييات‬
‫التي تعيييش بصييورة جماعييية كالنمييل والنحييل؟ فييإذا نظرنييا إلييى النسييان علييى أسيياس هييويته‬
‫ل مييا كييان علييى‬
‫ل ول فرعًا في دوافع الحيييوان إ ّ‬
‫الحيوانية فنحن ل نجد مثل هذا الدافع ل أص ً‬
‫أساس التفّوق للحصول على الغذاء أو الجنس‪ ،‬وإذا كان الهدف منييه التخّلييص ميين ألييم النقييص‬
‫وإعادة التوازن والتعادل للنفس‪) ،‬ومبييدأ التييوازن ميين القييوانين الطبيعييية الحاكميية علييى سييائر‬
‫س بالحاجة إلى التف يّوق حّتييى بعييد اسييتعادة‬
‫القوانين المادّية في الطبيعة( فلماذا يبقى النسان يح ّ‬
‫التوازن‪ ،‬أي بعد صيييرورة الفييرد متلئم يًا مييع المحيييط ومتشييابهًا فييي السييمات والصييفات مييع‬
‫ن النسان إذا ارتوى من الماء وحّقق التوازن فييي بييدنه ميين جهيية نسييبة‬
‫أقرانه؟ وببيان آخر‪ :‬إ ّ‬
‫وجود الماء الذي يحتاج إليه البدن‪ ،‬زال عنه العطش والحتييياج إلييى الميياء‪ ،‬ولكيين فييي مييورد‬
‫ن النسان يريد أن يكون العلى والفضل والقييوى و‪ ..‬ول يكتفييي أن يزيييل النقييص‬
‫التفّوق فإ ّ‬
‫من نفسه وتحقيق التساوي مع الفراد‪.‬‬
‫ن النسان مفطور على طلييب المطلييق والتجيياه فييي مسيياره نحييو الكمييال‬
‫ومن ذلك ندرك أ ّ‬
‫المطلق‪ .‬وهو قوله تعالى‪:‬‬
‫)ياأّيها النسان إّنك كادح إلى رّبك كدحًا()‪.(65‬‬
‫ولكن النسان المادي يرى الكمال في التفّوق علييى القييران والتغّلييب علييى الخرييين‪ ،‬وهييو‬
‫هدف وهمي من إفرازات النا الفردية والنفس الّمارة للتغطييية علييى الهييدف الحقيقييي والغاييية‬
‫السامية لوجود النسان كما تخلق له أهييدافًا وهمييية ُاخييرى كالوثييان والعقييائد الزائفيية لتحييوير‬
‫هدفية العبادة ل تعالى وإستبدال الغرض الحقيقي بأغراض وهمييية تتلءم والمغريييات الدنيوييية‬
‫والدوافع المادية في النسان‪.‬‬
‫ن الكبير ل هّم له سوى‬
‫ومنها‪ :‬التأكيد على مرحلة الطفولة في صياغة شخصية الكبير‪ ،‬وأ ّ‬
‫التخّلص من عقدة النقص والحقارة التي ابتلييي بهييا فييي سيينين الطفوليية‪ ،‬فاّمييا أن يتغّلييب عليهييا‬

‫‪ ()65‬سورة النشقاق‪ :‬الية ‪.6‬‬

‫ويحّقق النجاح الجتماعي‪ ،‬أو يصاب بمرّكب النقص‪ ،‬ويستفحل فيه هذا الشعور ليؤّدي به إلييى‬
‫الجنوح نحو العدوان وبغض الخرين‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬مقولة آدلر في أخلقية الولد حسب ترتيب الولدة‪ ،‬فقد ذكروا في رّدها أّنها ليست‬
‫ن آدلر لم يّدع ذلك‪ ،‬بل على العم الغلب كما في سائر موارد تعيين النميياط‬
‫قانونًا كلّيا‪ ،‬مع أ ّ‬
‫ن مييا نريييد تسييجيله علييى صييياغة‬
‫لأّ‬
‫في نظرية فرويييد ويونييغ وغيرهييم ميين علميياء النفييس‪ ،‬إ ّ‬
‫ن التربية والظييروف الموضييوعية للبيين الكييبير ليسييت هييي الييتي‬
‫شخصية الكبير من الولد أ ّ‬
‫ترسم شخصية بشكل مطلق كما يذهب إليه آدلر متناسيًا عامل الوراثة وتأثيرها في هذا الميير‪،‬‬
‫وقد غفل عن ذلك سائر علماء النفس الذين أّيدوا نظرية آدلر هذه بشكل أو بآخر‪.‬‬
‫والسبب في إرجاعهم المفارقات فييي شخصييية الولد للعوامييل والمييؤثرات الخارجييية دون‬
‫ب واحد وُاّم واحييدة‪ ،‬فل‬
‫ن الولد متساوون من هذه الجهة‪ ،‬لّنهم مشتركون في أ ّ‬
‫الوراثية هو أ ّ‬
‫يعقل نسبة التفاوت في شخصية الولد إلى العامل الوراثي‪.‬‬
‫ن البيين‬
‫ن الملحييظ أ ّ‬
‫ن التأّمل في المسألة يكشف عن وجود الخلل في هييذه المقوليية‪ ،‬ل ّ‬
‫لأّ‬
‫إّ‬
‫لطر المتحّركة للمؤّثرات الخارجية بصورة‬
‫الكبر ل تتغير سماته وسلوكياته مع تغّير البيئة وا ُ‬
‫ملحوظة‪ ،‬فلو أخذ الطفل الكبر منييذ نعوميية أظفيياره إلييى دور الحضييانة‪ ،‬وكييذلك أودع الثيياني‬
‫والثالث في دور ُاخرى لجاءت نتائج المحاولة بعد رشد الطفال مشابهة تقريبًا‪ ،‬لما أورده آدلر‬
‫في نظريته فالسائد في هذا العصر في المجتمعات المترقّية إيعيياز أميير تنشييئة وتربييية الطفييال‬
‫لسر‪ .‬ومع ذلك يصدق عليهم ما ذكييره آدليير ميين الفروقييات‬
‫إلى دور الحضانة في الكثير من ا ُ‬
‫في الشخصية‪.‬‬
‫ن التكافل الروحييي‬
‫أّما دخالة العوامل الوراثية في ذلك ول سّيما بالنسبة للبن الكبر‪ ،‬فهو إ ّ‬
‫لّم قبل الزواج وفي حال العزوبة يختلف كلّيا بعييد مضييي فييترة ميين العيييش المشييترك‬
‫للب وا ُ‬
‫بينهما‪ ،‬فالرجل بعد الزواج تتفّتح في نفسه عواطف ومشاعر جديدة وتنضييج دوافييع وأحاسيييس‬
‫ن الصييفات الخلقييية‬
‫لم تكن كذلك في السابق‪ .‬والبن الكييبر وليييد حاليية مييا قبييل الييزواج‪ ،‬ل ّ‬
‫والسمات المزاجية ل تزول بين عشّية وضحاها‪ ،‬أي بعد الزواج مباشرة‪.‬‬
‫ن النسان يتكامل بالزواج ويرتفع فييي سيّلم الكمييال النفسييي إلييى دائرة أوسييع‬
‫ومن المعلوم أ ّ‬
‫تعتمل فيها من العواطف والنفعالت وأنميياط الرغبييات والتصيّورات الذهنييية مييا لييم يكيين فييي‬
‫ن الولد الثاني يكون أكثر نضجًا علييى مسييتوى العواطييف والتطييبيع‬
‫المرحلة السابقة‪ .‬ولذا قلنا أ ّ‬
‫الجتماعية والتواؤم مع الخرين من الّول بالرغم من قبييول دور التربييية وتييأثير المحيييط فييي‬
‫زيادة فاعلية العامل الوراثي‪ .‬وغالبًا ما يعيش الرجل والمرأة قبل الزواج حالة من الضطراب‬

‫العاطفي والتذبذب السلوكي وعدم اللتزام الديني والخلقي مّما تظهر آثارها في البن الكييبر‬
‫دون الخرين من ُاخوته‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬تقسيمه لنماط الحياة الربعة‪ :‬المتسّلط‪ ،‬والمستعطي‪ ،‬والمتجّنب‪ ،‬والناجح‪ ،‬فالظاهر‬
‫أّنه ل يعتمد على أساس متين سوى المشاهدات الخارجية والعتماد على ظييواهر السييلوك دون‬
‫غل إلى الدوافع والمحّركات الوجدانية في الفراد‪ ،‬ولو كان تقسيم أنماط الحياة على أسيياس‬
‫التو ّ‬
‫الظواهر السلوكية لما تحّدد العدد بأربعة‪ .‬بل أمكن إيجاد أنميياط ُاخييرى كييثيرة حسييب فرضييية‬
‫غييل فييي اللبنييات التحتييية لهييذا التقسيييم لمكيين إيجيياد‬
‫سييم‪ ،‬علييى أّنييه لييو تو ّ‬
‫سم وماهييية المق َ‬
‫المق ّ‬
‫لصييول الجتماعييية‬
‫ل من ل يأبه للعراف وا ُ‬
‫مشتركات بين هذه القسام في جذورها‪ ،‬فليس ك ّ‬
‫ل من يهتّم لذلك هو من المستعطي أو الناجح‪ ،‬فقد‬
‫هو من النمط المتسّلط‪ ،‬أو المتجّنب‪ ،‬وليس ك ّ‬
‫يكون ناجحًا جّدا مع تجّنب المجتمع كما في المخترعين والفلسفة وأمثالهم الييذين شييغلهم ح ي ّ‬
‫ب‬
‫الغير ونكران الذات إلييى حصيير أنفسييهم فييي سييجن المختييبر أو بييين أكييداس الكتييب الصييفراء‬
‫لستخراج دفائن الحضارة‪ ،‬ومن هييذه الجهيية كييان تقسيييم يونييغ لنمييط الشخصييية إلييى‪ :‬منبسييط‬
‫ومنطوي أكثر واقعية وشمولية وان كان ل يخلو من إشكالت من جهات ُاخرى‪.‬‬
‫* * *‬

‫‪ 4‬ـ كارن هورناي‪ 1885) :‬ـ ‪(1952‬‬
‫ولدت كارن هورناي في هامبورغ اللمانية‪ ،‬ودرست في برلين واختييارت مدرسيية التحليييل‬
‫ل أّنها خالفت فرويد من جهييات‪ ،‬أهّمهييا تأكيييده علييى حسييد النسيياء‬
‫النفسي في منهجها العلمي إ ّ‬
‫ن بييالنقص ميين ج يّراء ذلييك‪ ،‬لّنييه لييو كييان‬
‫للرجال على امتلكهم ما ليس لدى النساء وشعوره ّ‬
‫ن الرجال يحسدون النسيياء علييى النهييود البييارزة‪ ،‬أو‬
‫صحيحًا ي كلم لهورناي ي فلبّد أن نقول إ ّ‬
‫ن فرويد‬
‫ن ذلك مجّرد تجاذب جنسي من الطرفين ظ ّ‬
‫الرحم المنتج للطفال وغير ذلك‪ ،‬والحال أ ّ‬
‫أّنه حسد ونقص‪.‬‬
‫في عام ‪ 1914‬عملت ُاستاذة في مؤسسة التحليل النفسي في برلين بعد إتمام دراستها في‬
‫جامعة برلين الطّبية‪ ،‬وكتبت عّدة كتب ومقالت طيلة ‪ 15‬سنة يتعّلق الكثير منها في شخصية‬
‫المرأة وتوضيح علل وأسباب مخالفتها للمنهج الفرويدي في التحليل النفسي‪.‬‬
‫سافرت إلى امريكا عام ‪ 1932‬وعملت كمستشارة في المجمع العلمي في مدينة شيكاغو‬
‫وافتتحت لها عيادة خاصة للمراض النفسية هناك‪.‬‬
‫مذهب هورناي في التحليل النفسي‪:‬‬

‫بينما أّكد فرويد على محورية الدافع الجنسي‪ ،‬وآدلر على عقدة الحقارة‪ ،‬ويونغ على الطاقييية‬
‫الحيوية في صياغة شخصية النسان‪ ،‬ذهبييت هورنيياي إلييى عامييل الضييطراب النفسييي زميين‬
‫الطفولة‪ ،‬فقد يكون هذا الضطراب حصيلة تعامل الوالدين السلبي مع الطفل كما هييو الغلييب‪،‬‬
‫ب السيطرة في الوالدين‪ ،‬أو فقدان الحماية والرعاية‪ ،‬أو عييدم توطيييد أواصيير‬
‫مثل مردودات ح ّ‬
‫المحّبة مع الطفل والتعامل معه بأساليب متلّونة حرباوية‪ ،‬وهذا الضطراب ليست ذاتيًا وفطريًا‬
‫في نفس الطفل‪ ،‬بل هييو وليييد عوامييل المحيييط ومحصييول المييؤثرات الخارجييية‪ ،‬فالطفييل لييدى‬
‫هورناي يجد نفسه مدفوعًا لجلب الحماية وطلب المزيد ميين المييان فييي منيياخ يه يّدد شخصيييته‬
‫وسلمته‪ ،‬وبذلك يكون الدافع الصل لسلوك الفرد هو حاجته إلى »المن والسلمة والحرّية«‪.‬‬
‫فالفرق بين هذه النظرية ونظرية فرويد مع اشتراكهما في التأكيد على مرحليية الطفوليية هييو‬
‫ن فرويد اهتّم بتفصيل المراحل الجنسية للطفل‪ ،‬بينما كّرست هورناي اهتمامهييا علييى إشييكالية‬
‫أّ‬
‫الرابطة بين الطفل ووالديه‪ ،‬ولو كان هناك اختلف على المستوى الجنسي في مرحلة الطفوليية‬
‫فهو نتيجة سلوك الوالدين مع ولدهما‪.‬‬
‫وعلى هذا الساس اّتخذ عامل »الضطراب الساسي« مكانة محورييية فييي سييلوك الفييرد‪،‬‬
‫لخييرى هييو فييي تفعيييل‬
‫والمنشأ هو شكل إرتباط الطفل مع والديه‪ ،‬ودور العوامل الجتماعية ا ُ‬
‫هذا الضطراب وتقويته‪ ،‬والطفل هو الذي يقوم ببناء شخصيييته وفق يًا لمتطّلبييات المحيييط حّتييى‬
‫تصل بعض الحالت السلوكية إلى مرحلة الثبات‪.‬‬
‫ن الحاجات الساسّية للنسييان يمكيين جمعهييا فييي عشيير حاجييات‪ :‬المحّبيية‪،‬‬
‫وترى هورناي أ ّ‬
‫ب الجاه‪ ،‬أنانية وعجب‪ ،‬كمييال‪ ،‬إسييتقلل‪،‬‬
‫الشريك المتسّلط‪ ،‬القدرة‪ ،‬تسخير‪ ،‬اعتبار‪ ،‬تحسين‪ ،‬ح ّ‬
‫ولكن بعد التحقيق في هذه الحاجات العشر بدا لهورناي إّنه يمكن إجمالها في ثلثة عناوين‪:‬‬
‫‪ 1‬ي التحّرك صوب الناس »المطيع« وهو ما نلحظه في الحاجة إلى المحّبة والشريك‪.‬‬
‫‪ 2‬ي التحّرك بالبتعاد عن الناس »المنطوي« وهو الحاجة إلى الستقلل الكمال‪.‬‬
‫‪ 3‬ي التحّرك ضّد الناس »المشاكس« وهو عبارة ُاخرى عن الحاجة إلى السلطة والقدرة‬
‫ب الجاه و‪..‬‬
‫والتسخير وح ّ‬
‫فأّما السلوب الّول فيشمل على مساعدة الخرين وخدمتهم والتمّلييق إليهييم‪ ،‬وبهييذه الوسيييلة‬
‫يسعى الفرد لشباع حاجته إلى محّبة الغير لتسكين إضطرابه وإحساسه بالمن‪.‬‬
‫السلوب الثاني يتحّرك فيه الفرد باتجاه النطواء والعزلة عيين النيياس وتجّنييب الييدخول فييي‬
‫نشاط إجتماعي فاعل‪.‬‬

‫السلوب الثالث يعتمد على إشكاليات العدوان والتباغض والتم يّرد علييى العييراف والتقاليييد‬
‫السائدة واّتخاذ طابع الهجوم والمخاصمة)‪.(66‬‬
‫وجميع هذه الساليب تفتقد إلى الواقعية في نظر هورناي‪ ،‬في نظر هورناي لّنها إنعكاسات‬
‫لنفعالت نفسية وتمّثل أدوات تنفيس عن الضطراب الكامن في أعماق الييذات‪ ،‬فل تنفييع شيييئًا‬
‫في التخّلص منه‪ ،‬بل تزيد من اضطراب الفرد‪ ،‬وكّلما زاد اضطراب الفييرد لجييأ إلييى اسييتعمال‬
‫ن الحي ّ‬
‫ل‬
‫أحد هذه الساليب الثلثة‪ ،‬وهذا بدوره يفّعل الضييطراب أكييثر ميين السييابق وهكييذا‪ ،‬ل ّ‬
‫يكمن في مكان آخر غير هذه الساليب الوهمية‪ ،‬فهي أشبه بماء البحر كّلمييا شييرب منييه الفييرد‬
‫ازداد عطشًا تقول هورناي‪:‬‬
‫»الشخص العصبي )المضطرب( ينفق الكثير من طاقاته لتسكين قلقه واضطرابه في مقابل‬
‫عوامل الخوف والتشويش النفسي‪ ،‬وبذلك يهدر القوى التي يحتاجها في بنيياء الييذات‪ ،‬وبالنتيجيية‬
‫تحدث فاصلة بين إمكاناته وقابلياته الفعلية‪ ،‬وبين كيفية الستفادة من هييذه المكانيييات فييي بنيياء‬
‫ن الشخص العصبي يجد نفسه مجبرًا علييى صييرف الكييثير ميين طاقيياته وقييواه فييي‬
‫الذات‪ ،‬أي إ ّ‬
‫سبيل إحباط وإطفاء تأثير الخوف والقلق ‪..‬‬
‫وبييذلك يحييرم السييتفادة ميين هييذه القييوى والطاقييات فييي طريييق رشييد وتوسييعة إمكانييياته‬
‫وقابلياته«)‪.(67‬‬
‫وعلى سبيل المثال نلحظ في شخصية المطيع إّنه يتحّرك باتجاه كسب محّبة الغير وهو في‬
‫ب والحنان والتأييد‪ .‬ويظهر هذه الحاجة للجميييع بأسيياليب مختلفيية‬
‫سة إلى العطف والح ّ‬
‫حاجة ما ّ‬
‫من مواساتهم وخدمتهم والهتمام بشؤونهم‪ ،‬وعييادة مييا يعيييش مثييل هييذا الشييخص مييع شييخص‬
‫متسّلط يشع فيه هذه الرغبة كزوج متسّلط أو صديق متغطرس‪ ،‬أو أب متكّبر‪.‬‬
‫المطيع ل يميل إطلقًا إلى إنتقاد الطرف المقابل أو العتراض عليييه ول يكييون شييجاعًا أو‬
‫جسورًا‪ ،‬وتنعدم فيه حالة التوّقع الزائد‪ ،‬ويجنح عادًة إلى التسليم والمصييالحة ومواءميية رغبيياته‬
‫وميوله مع رغبييات وميييول الخرييين‪ ،‬والنتيجيية التبعييية الدائميية للخرييين والحتييياج المتزايييد‬
‫ل مظاهر الطرد والبعاد‪ ،‬سواء الييواقعي أو الخيييالي‪،‬‬
‫لعطفهم وتأييدهم‪ ،‬والخوف والفزع من ك ّ‬
‫والمنبييع لهييذا السييلوك هييو الييدوافع العدائييية المكبوتيية‪ ،‬فمثييل هييؤلء الشييخاص يحملييون بييين‬
‫جوانحهم إحساسات عميقة بالنتقام والعصيان والثورة المكبوتة)‪.(68‬‬

‫‪ ()66‬مذاهب علم النفس‪ ،‬مكتب التنسيق بين الحوزة والجامعة‪ ،‬ج ‪ ،1‬ص ‪.344‬‬
‫‪ ()67‬العصابيون في عصرنا‪،‬كارن هورناي‪ ،‬ص ‪ ،31‬ترجمة إبراهيم خوجة‪.‬‬
‫ل عن ‪.compliant personalit‬‬
‫‪ ()68‬نظريات الشخصية‪ ،‬دوان شولتز‪ ،‬سيدني شولتز‪ ،‬ص ‪ ،175‬نق ً‬

‫ن أغلييب النيياس المصييابين بالضييطراب‬
‫مّمييا تق يّدم ميين حييالت الشييخص المطيييع يظهيير أ ّ‬
‫ن أكثر حالت الفراد العصبيين شيييوعًا هييو عطشييهم الشييديد‬
‫الساسي هم من هذا القبيل‪ ،‬أي أ ّ‬
‫ل أّنييه سييرعان مييا ينكشييف لييه‬
‫إلى المحّبة والتأييد‪ ،‬وقد ل يكون الفرد ملتفتًا إلى عطشه هذا‪ ،‬إ ّ‬
‫ل أن‬
‫س بعدم تمايل الخيير لمحبتييه‪ ،‬مث ً‬
‫هذا الحال فيما لو فقد المحّبة من الطرف المقابل‪ ،‬أو أح ّ‬
‫ن الخرييين ل يشيياركونه‬
‫ن ذلك الغير ل يّتصل به تلفونيًا لعّدة أّيام‪ ،‬أو أ ّ‬
‫يرّد الغير دعوته‪ ،‬أو أ ّ‬
‫في عقيدته مهما كانت المسييألة تافهيية‪ ،‬فبمجييرد أن يييدرك ذلييك تثييور فييي نفسييه مشيياعر اللييم‬
‫والحساس بالبؤس واليأس والحرمان‪ ،‬وقد يحاول أن يخفي هذا الشييعور بسييتار ميين اللمبييالة‬
‫ن شيئًا لم يحدث‪.‬‬
‫وعدم العتناء وكأ ّ‬
‫ومن علئم هؤلء التفاوت الكبير بين عطشييهم للمحّبيية‪ ،‬وإبييراز الحييترام والتقييدير وتبييادل‬
‫ب تجاه الخرين‪ ،‬بمعنى أّنهم يتوقعون المحّبة من الغير بش يّدة‪ ،‬ولكّنهييم ل يبييادلون الطييرف‬
‫الح ّ‬
‫الخر محّبة صادقة لسباب روحية ونفسية تجعلهم عاجزون عن ذلك‪.‬‬
‫إذًا‪ ،‬من خصوصيات هييذه الحاليية العصييبية اّنهييا إجبارييية‪ ،‬فالشييخص مييع علمييه بضييرورة‬
‫ل أّنه يجد نفسه متجّها في هذا السلوك دون إختيار‪.‬‬
‫التخّلص منها وتطهير نفسه من لوازمها‪ ،‬إ ّ‬
‫ومن خصوصيات هذه الحالة الحساس بعدم المن الروحي‪ .‬والشعور بعييدم الجييدارة للقيييام‬
‫بعمل مهم‪ ،‬ويظهر ذلك في تصّور هذا الشخص بأّنه حقييير وتييافه وغييير ج يّذاب وأحمييق‪ ،‬فييي‬
‫حين أّنه قد يكون بالعكس تمامًا‪.‬‬
‫الخصوصية الثالثة لهذا النسان العصابي مييا ذكرنييا ميين عييدم قييدرته علييى اسييتثمار جميييع‬
‫ن هذا الشخص يستعمل فرامل قوّييية مقابييل هييذه‬
‫ل إمكاناته وقواه‪ ،‬أي إ ّ‬
‫طاقاته والستفادة من ك ّ‬
‫القابليات ويمنعها من الظهور‪ ،‬أو يصرفها في المقابليية مييع الضييطراب النفسييي بأشييكال غييير‬
‫سليمة)‪.(69‬‬
‫وآخر خصوصية للضطراب أّنه يقترن مع اتجاهات وتص يّرفات غييير منطقييية‪ ،‬والعّليية أ ّ‬
‫ن‬
‫ل أّننييا ل نملييك الجييرأة علييى‬
‫نفس الضطراب غير منطقييي ويعّبيير عيين وجييود العيييب فينييا‪ ،‬إ ّ‬
‫العتراف بوجود العيب فينا وقبول ذلك‪ ،‬ولذلك نلجأ إلى التغافل عن وجوده واستخدام الوسائل‬
‫الدفاعية الوهمية المتقدمة لطرده وإبعاده عن ساحة وجودنا‪ ،‬وهناك أسباب عديييدة ُاخييرى لعييدم‬
‫قبولنييا بواقعييية الضييطراب ومحاوليية الفييرار منييه‪ .‬وتتجّلييى محاوليية التهييّرب والفييرار ميين‬
‫الضطراب المزمن بأربعة طرق‪:‬‬
‫سر اضطرابه تفسيرًا منطقيًا‪ ،‬ويمنحه البعد العقلي والمنطقي‪.‬‬
‫‪ 1‬ي أن يف ّ‬
‫‪ ()69‬العصابيون في عصرنا‪ ،‬كارن هورناي‪ ،‬ص ‪ 41‬ي ‪.42‬‬

‫‪ 2‬ي أن يحاول إنكار وجوده في نفسه بأّية صورة وعدم رؤيته‪.‬‬
‫س به‪.‬‬
‫‪ 3‬ي أن يقوم بتخديره لكي ل يح ّ‬
‫‪ 4‬ي أن يحاذر من تهييج الضطراب وتحريكه بالمتناع من الفكار والحاسيس والغرائز‬
‫والذكريات والتصورات التي تؤّدي إلى ذلك)‪.(70‬‬
‫وفي تقسيم آخر لليات الفرار من الضييطراب وحفييظ الييذات فييي مقابييل ثقييل الضييطراب‬
‫ن النسييان يسييلك فييي ذلييك أربعيية‬
‫الساسي من خلل الرتباط مع الخرين‪ ،‬ترى هورنيياي بييأ ّ‬
‫طرق‪:‬‬
‫ل واحييد منهييا‬
‫‪1‬ي جلب المحّبة ‪2‬ي النقياد والتسليم ‪3‬ي تحصيل القدرة ‪4‬ي اختيار العزلة‪ ،‬وك ّ‬
‫صة في التعامل مع الخرين تخفف من وطأة الضطراب عن نفسييه‪،‬‬
‫يهدف إلى إّتخاذ كيفية خا ّ‬
‫وقد تقّدم شرح إجمالي عن هذه الساليب والمناهج السلوكية للفراد‪.‬‬
‫تقييم نظريات هورناي‪:‬‬
‫كأّ‬
‫ن‬
‫بالنسبة لخدمات هورناي في الكشف عن زوايا ُاخييرى ميين شخصييية النسييان‪ ،‬فل ش ي ّ‬
‫هذه النظرية أضافت بعدًا جديدًا لسباب وعلل سلوكيات الفراد لم تكن موجودة فيما سبقها من‬
‫ن هييذه النظرييية قييامت بتوسيييع‬
‫قأّ‬
‫الرؤى والنظريات في مدرسة التحليل النفسي‪ ،‬أو بعبييارة أد ّ‬
‫دائرة الدافع الصل وعدم تخصيصه بالحقارة كما هو الحييال لييدى آدليير‪ ،‬بييل ذهبييت أبعييد ميين‬
‫ن الشعور بالحقارة والدونية بييدوره شييكل ميين أشييكال الضييطراب النفسييي‪ ،‬وهييذه‬
‫ذلك‪ ،‬وهو أ ّ‬
‫ل ميين نظرييية فرويييد بالنسييبة لشخصييية النسييان ومسييتقبله‬
‫النظرية يمكن اعتبارها أكييثر تفيياؤ ً‬
‫لتأكيدها على عرضية العصاب والشعور بالضطراب وإمكانية تلفيه وإصلح الخلل‪.‬‬
‫وتأكيدها على العوامل الجتماعية هو الخر من نقاط القّوة في هذه النظرييية‪ ،‬ولييذلك تعتييبر‬
‫ل من يونغ واريك فروم من طائفة »الفرويديين الجدد« أي العلميياء الييذين أدخلييوا‬
‫هورناي وك ّ‬
‫إصلحات جذرية على مدرسة التحليل النفسي مييع اللييتزام بالهيلكييية العاّميية للمدرسيية واّتخيياذ‬
‫التحليل النفسي كمنهج أساس في أسلوب التحقيق العلمي واستكشاف مواطن الخلل في النفس‪.‬‬
‫ول يسع المجال لطرح كاّفة التحليلت الواردة في كتب هورناي ومناقشاتها لفرويد وآراءها‬
‫في مجمل التناقضات والصراعات التي يعيشها الفرد في حياته مع الخرين‪ ،‬وهو متروك إلييى‬
‫ن من تقّدم على هورناي ميين رجييال‬
‫صلة‪ ،‬ولكن ما نريد الشارة إليه في المقام هو أ ّ‬
‫الكتب المف ّ‬
‫مدرسة التحليل النفسي بالرغم من أخطائهم الفاحشة في تقييم النسان وصياغة شخصيييته علييى‬
‫‪ ()70‬نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.57‬‬

‫لسييرة‬
‫ل أّنهم لم يسيييئوا إلييى ا ُ‬
‫أساس الجبر الجنسي‪ ،‬أو نظرية الصراع والتفّوق وأمثال ذلك‪ ،‬إ ّ‬
‫وعلقة الطفل بوالديه مثل إساءة هورناي لها‪ ،‬وحّتى فرويد ونظرية فييي عقييدة ُأوديييب تصيّور‬
‫لّم في تأصيل‬
‫التخاصم والمنافرة بين البن وأبيه على أساس غريزي بحت ول ذنب للب أو ا ُ‬
‫عقدة اوديب في نفس الطفل‪.‬‬
‫جم على الوالدين في أساليب التربية بحيث‬
‫ولكن الملحظ في نظرية هورناي أّنها شديدة الته ّ‬
‫ن كل ما فيه من رواسب سلبية وتناقضات عصييابية فمرجعهييا إلييى سييوء معامليية‬
‫ن الطفل أ ّ‬
‫يظ ّ‬
‫صر الوحيد في ما يلقيه من اضطراب مزمن هو الب والُّم‪ .‬فمعه‬
‫ن المق ّ‬
‫والديه‪ ،‬وتوحي له بأ ّ‬
‫كيف نحاول احتواء الزمة بين الطفل ووالديه وتدفئة أواصر العلقيية العائلييية وتمييتين وشييائج‬
‫لسرة؟‬
‫اُ‬
‫ن هورناي اقتصييرت فييي دراسيياتها النفسييية علييى مييا ذكرنييا ميين الشخصييية ودوافعهييا‬
‫ثّم إ ّ‬
‫وبالخص في كيفّية التخّلص من الضطراب النفسي‪ ،‬وكذلك كّرست إهتمامها في كتاباتها على‬
‫المفارقات بين الرجل والمرأة والتأكيد علييى مسيياواتهما فييي الميييول والييدوافع فييي قبييال أفكييار‬
‫ل ميين‬
‫فرويد ونظريته في استعلء الرجل وتفّوقه‪ ،‬بينما لحظنا سعة دائرة البحاث النفسييية لك ي ّ‬
‫فرويد ويونغ وآدلر وغيرهم من علماء النفس‪.‬‬
‫جه رجال هذه المدرسة للبعد الروحي‬
‫الشكال العام الذي ذكرناه في نظرية آدلر من عدم تو ّ‬
‫طات للشعور بالنقص في المؤثرات الخارجية‪ ،‬يييأتي هنييا‬
‫في النسان وحصر المؤّثرات والمنش ّ‬
‫بشكل أوضح وأجلى من سابقه‪ ،‬فالضطراب النفسي والحاجة إلى المن موجودان فييي أعميياق‬
‫ح إيعاز السبب في ذلك إلى المؤّثرات الخارجية فقط‪ ،‬فالمسييألة أعمييق‬
‫النفس النسانية‪ ،‬ول يص ّ‬
‫من ذلك بكثير‪ ،‬والنسان مجبول بفطرته على طلب الكمال‪ ،‬فإذا لم يعييثر عليييه ولييم يرتييو ميين‬
‫عذب مائه وكوثر شرابه حصلت حالة الضطراب في نفسه لتييدفعه نحييو تسييكين هييذا العطييش‬
‫ن الحاجيية إلييى الميين ل يت يّم إرضيياؤها بالوسييائل‬
‫ل وعل‪ ،‬وبذلك نعييرف أ ّ‬
‫بالتصال بالمبدأ ج ّ‬
‫ن النسييان يطلييب‬
‫المذكورة في النظرية وإسترجاع الثقة بالنفس والتغّلب علييى الضييطراب‪ ،‬ل ّ‬
‫المن من كاّفة جهيياته‪ ،‬فلييو اسييتطاع الحصييول علييى الميين ميين تهديييد المييثيرات الجتماعييية‬
‫واسترجع عافيته النفسية وتخّلص من رواسب الطفولة‪ ،‬فهييل بإمكييانه أن يحصييل علييى الهييدوء‬
‫النفسي حيال الموت ومجاهيل المستقبل قبل الموت وبعده؟ وهل بإمكان النسان أن ل يفّكر في‬
‫ن الشيخوخة؟ وإذا كييان الجييواب النفييي‬
‫هذا الموضوع حّتى بعد مرحلة الكهولة والدخول في س ّ‬
‫فكيف يمكن للنسان تحصيل الستقرار الروحي في هذا المقطع الزمني من حياته وهو ل يعلم‬
‫ماذا سيأت عليه الغد من أحداث وما يضمره له الزمان من كوارث وفوادح؟‬

‫قد يكون الموت بالنسبة إلى بعض الناس من أهون المصائب المتوّقعة في مقابل الخوف من‬
‫الفلس بالنسييبة للثرييياء‪ ،‬والخييوف ميين إفلت السييلطة والقييدرة بالنسييبة لصييحاب السييلطة‪،‬‬
‫وخسوف الجمال بالنسبة لذوات الوجوه الوضيئة‪ ،‬وأمثال ذلك‪.‬‬
‫ل واحد من هذه الموارد تثير في أعماق الذات إضطرابًا نفسيًا جامحًا ل يرتبط‬
‫نكّ‬
‫ومعلوم أ ّ‬
‫بالمؤثرات الخارجية بصورة مباشرة‪ ،‬بل بييالمحتوى الثقييافي والبعييد الحضيياري للنسييان‪ ،‬وقييد‬
‫ن العلج الوحيد لمسألة الضطراب النفسي هو‪:‬‬
‫سبق للقرآن الكريم أن أّكد على أ ّ‬
‫)أل بذكر ال تطمئن القلوب()‪.(71‬‬
‫ن والسييلوى‬
‫ن المدارس الرضية بعد أن حجبييت النسييان عيين السييماء‪ ،‬واسييتبدلت الم ي ّ‬
‫لأّ‬
‫إّ‬
‫ببصل الرض وثومها حارت فييي تفسييير البعيياد الروحييية للنسييان وتصييوير منشييأ الزمييات‬
‫النفسية المتجّذرة في أعماق النفس‪ ،‬فكانت عقدة اوديييب ونظرييية الحسيياس بييالنقص والشييعور‬
‫طات زائفة وتفسيرات مشّوهة لما أصاب النسان من عوارض‬
‫بالضطراب وغيرها بمثابة مح ّ‬
‫ل ييّدع أّنييه اكتشييف الييدواء الشييافي والبلسييم‬
‫التكالب المادي والتمّرد على الفطرة البشييرية‪ ،‬وكي ّ‬
‫المعافي لما يعانيه النسان من توتر وقلق وكآبة مزمنة في حين أّنه أعجز من أن يداوي نفسييه‬
‫ن النسييان فقييد ضيياّلته ميين يييوم إعراضييه عيين‬
‫كأّ‬
‫ل عن غيره بتوصياته العلمّييية‪ ،‬ول شي ّ‬
‫فض ً‬
‫توصيات النبياء )عليهم السلم( ومحاولته تحنيييط اليمييان والنطلق بالشييهوات إلييى مييدّياتها‬
‫القصوى‪.‬‬
‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫‪ 5‬ـ أريك فروم‪ 1900) :‬ـ ‪(1980‬‬

‫)‪(72‬‬

‫وهو من الشخصيات المرموقة في مدرسة التحليل النفسييي‪ ،‬ولييم تقتصيير كتابيياته ودراسيياته‬
‫على علم النفس‪ ،‬بل ضّم إليها علم الجتميياع والفلسييفة والتاريييخ‪ ،‬ولييذا جيياءت نظرييياته أوسييع‬
‫دائرة من زملئه المنتمين الى المدرسة‪.‬‬
‫‪ ()71‬سورة الرعد‪ :‬الية ‪.28‬‬
‫لسرة‪ ،‬درس علم‬
‫‪ ()72‬ولد فروم في مدينة فرانكفورت اللمانية من عائلة يهودية ملتزمة دينيًا‪ ،‬ولكن التشّنج كان يسود ا ُ‬
‫النفس والجتماع ونال شهادة الدكتورا عام ‪ ،1922‬وانضّم إلى مدرسة التحليل النفسي في برلين‪ ،‬ثّم هاجر إلى امريكييا‬
‫عام ‪ ،1934‬وبقي يعمل في جامعاتها ومؤسساتها‪ ،‬وتعّرف على كارن هورناي وعمل سوّية لمّدة ‪ 20‬عامًا تقريبًا في‬
‫مدينة شيكاغو ثّم في نيويورك‪ ،‬كان شديد اليمان بنظريات فرويد ثّم ما لبث أن إبتعد عنها وانتقدها حّتى أصبح ميين أل يّد‬
‫ناقديها وخاصة في ما يتعّلق بتأثير المجتمع على سلوكيات الفرد‪.‬‬
‫هاجر فروم إلى سويسرا عام ‪ ،1974‬وبقي هناك حّتى توفي عام ‪ 1980‬في منزله‪.‬‬

‫أّول كتاب صدر لفروم عام ‪ 1941‬بعنوان ) الفرار من الحرّية( شرح فيه نظرته عن‬
‫ل الحرّييية المزعوميية‪ ،‬وكيييف إّنييه انفصييل‬
‫النسان المعاصر الذي يعيش الوحدة والغربة في ظ ّ‬
‫عن فطرته وطبيعته بسبب هذه الحرية‪ ،‬فالنسان في القرن العشرين ُمنح من الحرية أكثر ميين‬
‫ل أّنه خسر بذلك أمانه واستقراره في أجواء التكاتف الجتماعي في تلك‬
‫ل العصور السالفة‪ ،‬إ ّ‬
‫كّ‬
‫ن الحرّية تتنافى بالساس مع عناصر الشّد والييترابط فييي المجتمييع‪ ،‬فكّلمييا كييانت‬
‫الزمنة‪ ،‬أي أ ّ‬
‫الحرّية أقل شعر الناس بالمن والنسجام أكثر‪ .‬ويمّثل المجتمع في هذا الجانب بالطفل المرتبط‬
‫ل عنهما‪ ،‬ولكن هذا الستقلل باهظ الثميين‪ ،‬لّنييه خسيير ميين جيّراء‬
‫بوالديه‪ ،‬ولّما كبر وبلغ استق ّ‬
‫ضيير‪ ،‬ولييذا‬
‫ل حرّييية ميين المجتمييع المتح ّ‬
‫ذلك أمنه وإطمئنانه‪ ،‬فالمجتمع الريفي أشّد ترابطيًا وأقي ّ‬
‫فالنسان المعاصر دائب البحث عن هويته الضائعة‪ ،‬ولهذا فالقّوة المحّركة الصل فييي وجييوده‬
‫ليست هي الدوافع الغريزية كما يرى فرويد‪ ،‬بل الميل إلى الرجوع إلييى الظييروف الجتماعييية‬
‫السابقة وتوثيق الرتباط مع المجتمع والفرار من الحرّية‪ ،‬ويشير في كتابه هذا الييذي كتبييه فييي‬
‫ن جّذابييية النازييية تكميين‬
‫العهد النازي وتأّثر كثيرًا بالحماس الذي كان يبديه الناس للنازية إلى أ ّ‬
‫في أّنها أنقذت الناس من شراك الحرّية المنفلتة‪ ،‬وصهرتهم في بوتقة واحدة من الترابط الوثيق‬
‫بين أفراد المجتمع الواحد‪ .‬ولذا كان أفضل مجتمييع الييتي يشييبع فييي النسييان هييذه الحاجيية هييو‬
‫المجتمع الخاضع لحكومة مستبّدة‪.‬‬
‫وقد تأّثر في نظرياته هذه في علم الجتماع بالفلسفة اللمييان مثييل هيجييل وميياركس‪ ،‬ولييذا‬
‫ن المجتمع المثالي الذي يعين النسان في نيييل كميياله ويحّقييق لييه رغبتييه فييي الميين‬
‫فهو يرى أ ّ‬
‫والستقرار هو »المجتمع الشتراكي الشيوعي النساني«‪.‬‬
‫السبيل إلى استرداد المن المفقود‪:‬‬
‫ن النسان المعاصر ومن أجل الفرار ميين الحرّييية‪ ،‬واسييترداد حاليية الميين فييي‬
‫يرى فروم أ ّ‬
‫نفسه يسلك ثلثة أساليب نفسية‪ :‬طلب القدرة‪ ،‬والتخريب‪ ،‬والذوبان اللإرادي‪.‬‬
‫أّما طلب القدرة‪ :‬فيتجّلى في صورة إحتياج الفرد الشديد للنضمام إلى الجماعة‪ ،‬ومن‬
‫خلل ذلك يسعى للسيطرة على الخرين وإشباع حاجته إلى المن بهذه الوسيييلة‪ ،‬وتتجّلييى هييذه‬
‫الحالة في صورتين‪ :‬طلب السيطرة علييى الخرييين‪ ،‬وطلييب السيييطرة ميين الخرييين والنقييياد‬
‫للغير‪.‬‬
‫التخريب‪ :‬هو الخر وسيلة من وسائل الحصول على المن‪ ،‬يقول فروم‪:‬‬
‫»أنا أستطيع التغّلب على الحساس بالضعف بالقياس إلى ما حوالي من الشياء بتدميرها‪،‬‬
‫وبذلك أتخّلص من ذلك الحساس‪ ،‬ومن المعلوم اّنني لو استطعت تدمير وتخريب الموضوعات‬

‫الخارجية فييإّني سييأبقى وحييدي وأشييعر بالعزليية‪ ،‬ولكيين هييذا الشييعور بالوحييدة والعزليية يقييترن‬
‫ي وتدميري«)‪.(73‬‬
‫ن تلك الشياء سوف تفقد القدرة على مواجهتي والتغّلب عل ّ‬
‫بالفخر‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الكثير من المفاهيم في النفس والمجتمع هي شييواهد علييى القييدرة التخريبييية‬
‫ويرى فروم أ ّ‬
‫للنسان مثل‪ :‬العشق‪ ،‬الشعور بالمسؤولية‪ ،‬الوجدان‪ ،‬الوطن‪ ،‬وأمثالها التي تعتبر وسيلة لتييبرير‬
‫الحالة التخريبية للفرد‪.‬‬
‫الذوبان اللإرادي‪ :‬ومماشاة الوضع والسير مع الجمع دون إرادة هو أكثر الوسائل شياعًا‬
‫بين الناس للتغّلب على الوحدة والنزواء‪ ،‬بأن يسييير الفييرد مييع المجتمييع بشييكل يكييون مثلهييم‪،‬‬
‫وذلك بتطبيق المقّررات الجتماعية وعدم الخروج عن العراف والتقاليد السييائدة بييين النيياس‪،‬‬
‫ويمّثل فروم لهذه الحالة بالحيوانات التي تسعى للمحافظيية علييى وجودهييا بالتماثييل مييع المحيييط‬
‫والتلّون بألوان البيئة فيصعب على العدّو تشخيصها والتمييز بينها وبين الشياء المحيط بها‪.‬‬
‫ن هؤلء الفراد في الحالة الثالثة يحصلون على قسييط غييير قليييل ميين الميين‬
‫وبالرغم من أ ّ‬
‫ن ذلييك يتيّم بثميين بيياهظ‪ ،‬وهييو فقييدان السييتقلل الفييردي‬
‫لأّ‬
‫والتخّلص من الغربيية والوحييدة‪ ،‬إ ّ‬
‫وخسران الذات‪ ،‬فالشخاص الييذين اعتييادوا علييى الييذوبان فييي الجمييع وبصييورة كامليية ولم يّدة‬
‫طويلة‪ ،‬تلشت »النا« الفردية لهم فييي »هييؤلء« فل يشييعرون بييذاتهم منفصييلة عيين الغييير‪،‬‬
‫ل النا الواقعية‪.‬‬
‫وأصبحوا جزءًا من الغير‪ ،‬وحّلت »أنا« الكاذبة مح ّ‬
‫ن هييذا‬
‫وهذا التبديل وفقييدان الييذات سيييؤّدي إلييى الضييطراب وعييدم الميين فييي النهاييية‪ ،‬ل ّ‬
‫الشخص سيعمل وفق ما يريده ويتوّقعه الخرون منه دون إختيار كالرجل اللي‪ ،‬وهذه الهويييية‬
‫الجديدة الكاذبة والتي تدعو الشخص لدامة الخنوع غير الختييياري للجمييع لحفظهييا وبقائهييا ل‬
‫ن هييذا الشييخص صيّمم علييى مخالفيية‬
‫تجلب للشخص الحماية الكافية والستقرار النفسييي‪ ،‬فلييو أ ّ‬
‫الخرين والقيام بعمل على خلف العرف وتقاليد المجتمع فاّنه سيييفقد المييان والهييدوء النفسييي‬
‫مّرة ُاخرى‪.‬‬
‫إحتياجات الفرد الجتماعية‪:‬‬
‫ن النسان في ظروف الوحدة والغربة الييتي يمارسييها فييي المجتمييع يجييد نفسييه‬
‫يرى فروم أ ّ‬
‫بحاجة شديدة للتخّلص من الوحدة والفرار من الحرية المغييايرة لطبعييه الجتميياعي‪ ،‬وميين هييذا‬
‫التضاّد تنشأ حاجات أساسية‪ ،‬وهي عبارة عن‪:‬‬

‫‪ ()73‬فروم‪ ،1941 ،‬ص ‪.179‬‬

‫‪ 1‬ي الحاجة إلى الرتباط اليجابي مع الخرين‪ ،‬وتنشأ هذه الحاجة من قطع الرابطة الّولية‬
‫مع الطبيعة‪ ،‬فالعقل يوصي النسان بإيجاد رابطة بديلة عوضًا عنها‪ ،‬وأفضل طريييق لتحصيييل‬
‫هذه الرابطة يكمن في عشق الطرف الخر سواء كان من الجنس المماثل‪ ،‬ويطلق عليييه فييروم‬
‫بي»العشق الخوي«‪ ،‬أو من الجنس المخالف »العشق الشييهواني«‪ ،‬أو عشييق البنيياء »عشييق‬
‫الوالدية«‪.‬‬
‫عدم التمّكن من إرضاء هذه الحاجة‪ ،‬يؤّدي إلى الصابة بحالة الغرور والنانية‪ ،‬والشييخص‬
‫النيياني ل يسييتطيع رؤييية الموضييوعات الخارجييية كمييا هييي‪ ،‬بييل يعيييش فييي عييالم الفكييار‬
‫والتصّورات الذهنّييية الذاتّييية‪ ،‬ول يسييتطيع إيجيياد رابطيية سييليمة مييع الخرييين أو مييع المحيييط‬
‫الخارجي‪.‬‬
‫ل فرد يشعر بأّنه فرد مستقل ول نظير‬
‫نكّ‬
‫‪ 2‬ي الحاجة إلى إثبات الهوّية الفردّية‪ ،‬وذلك ل ّ‬
‫له‪ ،‬فهو بحاجة إلى إشباع هذا الحساس‪ ،‬ويقترح فييروم لرضيياء هييذه الحاجيية أن يقييوم الفييرد‬
‫بتنمية قابلياته وطاقاته‪ ،‬أو الدخول فييي مؤسسييات وجمعيييات واتحييادات يتمّكيين بواسييطتها ميين‬
‫استغلل واستثمار قابلياته الفردّية ما لم يصل به المر إلى الذوبان فيها وفقدان الهوّية الفردّيييية‬
‫كما في ذوبان بعض الفراد في أحزاب سياسييية وجمعيييات دينييية‪ ،‬فحينئذ يعييود هييذا الرتبيياط‬
‫على الفرد بحالة الذوبان السلبية المتقّدم ذكرها‪.‬‬
‫‪ 3‬ي الحاجة إلى الرتباط الحضاري مع المجتمع »التجّذر«‪ ،‬وذلك بعد أن انقطعييت جييذور‬
‫التصال مع الطبيعيية‪ ،‬فكييان ميين الضييروري إيجيياد البييديل المتجيّذر فييي ميييدان الرتبيياط مييع‬
‫لّم‪ ،‬وبالمكييان التعييالي‬
‫لسرية والعشيرة أو حفييظ وترشيييد الرتبيياط مييع ا ُ‬
‫الخرين كالروابط ا ُ‬
‫بهذه الرابطة من الترابط بين الطفل ووالديه إلى دائرة الفرد والمجتمع‪ ،‬ولكن إذا اّتخذت طيييابع‬
‫س الفرد بجاذبية النتماء نحو القومّية والوطنية كأنماط بديلة عن الرابطة للصييل‪،‬‬
‫القومية وأح ّ‬
‫ل‪ ،‬ويخسيير بييذلك دائرة أوسييع ميين‬
‫فهنا يكمن محذور إنفصال الفرد عن المجتمييع البشييري كك ي ّ‬
‫النتماء الحضاري‪.‬‬
‫لق‪ ،‬وتجاوز الحالة الحيوانية غير الفّعالة‪،‬‬
‫‪ 4‬ي الحاجة إلى التفّوق بعنوان أّنه موجود خ ّ‬
‫لق‪ ،‬فلو منييع الفييرد ميين تفعيييل طاقيياته‬
‫فالنسان يشعر في قرارة نفسه بأّنه موجود متكامل وخ ّ‬
‫لقييية والتخريييب‬
‫ن الخ ّ‬
‫ولم يستطع إرضاء هذه الحاجة فييي نفسييه لتحيّول إلييى فييرد مخيّرب‪ ،‬ل ّ‬
‫أمران فطريان‪ ،‬والحاجات الفطرية بحاجة إلى إشباع وتعالي وإرتفاع‪.‬‬
‫‪ 5‬ي الحاجة إلى التوفيق بين القابليات الذاتية واستثمار الطاقات وإثارة الملكات الكامنة في‬
‫وجودنا وتحريكها لتتمّكن من التأثير على المحيط الخارجي‪ ،‬وبذلك نستطيع الستفادة القصييوى‬
‫من ذكائنا وقابلياتنا والتغّلب على المشاكل التي تواجهنا في حياتنا‪.‬‬

‫‪ 6‬ي الحاجة إلى إدراك ما يدور حولنا من العالم الخارجي‪ ،‬وهذا اللييون ميين الدراك يمكنييه‬
‫أن يكون منطقّيا‪ ،‬وغير منطقييي‪ .‬فييالدراك المنطقييي هييو رؤيتنييا وإدراكنييا للشييياء كمييا هييي‪،‬‬
‫والثاني هو الدراك في دائرة الذهن والخيال فقط‪ ،‬وكل هذين الدراكييين يييؤّثران فييي صييياغة‬
‫سلوكنا الخارجي ورسم أهدافنا وغاياتنا في الحياة‪.‬‬
‫أنماط الشخصية لدى فروم‪:‬‬
‫الشخصية المنتجة والناضجة نادرة الوجود‪ ،‬والغلب فييي النميياط السييائدة بييين النيياس هييي‬
‫غير منتجة‪ ،‬وعرضه للصابة بالعصاب‪ ،‬ويمكن درجها في أربعة أنماط‪:‬‬
‫ل إحتياجاته‪ ،‬ويتّوقع منهم تلبية‬
‫‪ 1‬ي النمط الخاضع‪ :‬وينتظر من الغير أن يقّدموا له ك ّ‬
‫متطّلباته وإشباع رغبته في المحّبة دون أن يقابلهم بالمثل‪ ،‬وهذا النمييط فاقييد للسييتقللية تمام يًا‬
‫وليس بإمكانه القيام بأدنى عمل ونشاط دون مساعدة الخرين‪.‬‬
‫صل إلى غايته بالستفادة من أتعاب الناس وإستثمارهم‬
‫‪ 2‬ي النمط المستِغل‪ ،‬حيث يسعى للتو ّ‬
‫بالقّوة والحيلة والمكر‪ ،‬فالهدف من إقامة روابط مع الخرين عند هذا النمط هو الستفادة غيييير‬
‫القانونية وغير المشروعة‪.‬‬
‫‪ 3‬ي النمط المحتكر‪ :‬ويسعى لتحصيل المن بالّدخار والحتكار‪ ،‬ول يقتصر المر على‬
‫المال والشياء المادّية‪ ،‬بل يّتسع ليشمل العواطف والحساسات والفكار أيضًا‪.‬‬
‫‪ 4‬ي نمط التاجر‪ ،‬يؤمن بالكسب وزيادة الربح‪ ،‬وهو ظاهرة القرن العشرين والحضارة‬
‫الرأسمالية‪ ،‬حيث يختزل الفرد شخصيته في موّفقيته في العمل والربح المييادي وعييدم مييوفقيته‪،‬‬
‫فتتحّول شخصيته إلى بضاعة مزجاة تتقّلب مع تقّلب المناخ السوقي‪.‬‬
‫لقة فهي النمييوذج المثييالي للنسييانية‪ ،‬وهييي وحييدها السييوية ول‬
‫اّما الشخصية المنتجة والخ ّ‬
‫تكتفي بالرتباط الشكلي مع الخرين‪ ،‬بل يتفاعل معهم في نشيياط إجتميياعي يحّقييق لييه إسييتثمار‬
‫قابلياته وطاقاته للوصول إلى أهدافه دون أن يخسرهم أو يؤذيهم‪.‬‬
‫ن الحضارة الغربية مع السف لم تستطع إرضاء الحاجات الحقيقييية للنسييان‪،‬‬
‫ويؤّكد فروم أ ّ‬
‫ن المؤسسات السياسية والجتماعية غالبًا ما تثير في الفييرد تعارضيًا أساسيييًا‪ ،‬فعلييى سييبيل‬
‫بل ا ّ‬
‫ن عملية التطبيع الجتماعي في إطار قومي أو صييناعي يحييرم الفييرد ميين هييويته‬
‫المثال نرى أ ّ‬
‫الشخصية‪.‬‬
‫سم فروم في كتييابه »قلييب النسييان« )‪ (1964‬أفراد‬
‫وفي تقسيم آخر لنماط الشخصية يق ّ‬
‫لق( يكييون‬
‫المجتمع في تقسيم ثنائي إلى‪ :‬مميييت ومحيييي‪ ،‬فالشخصييية المميتيية )اّتجيياه غييير خ ّ‬
‫الفرد معها منجذبًا إلى مفردات الموت‪ ،‬الجنازة‪ ،‬تخريب‪ ،‬مدفوع‪ ،‬قمامة‪ ،‬وعندما يتحييّدث عيين‬

‫المرض والموت والتشييع يبدو نشيطًا أكثر‪ ،‬ويميل إلى حكومة القانون والستفادة من القّوة في‬
‫ن آدولف هتلر نموذج‬
‫تطبيق القانون‪ ،‬أحلمه تدور حول القتل‪ ،‬جمجمة‪ ،‬دم و‪ ..‬ويعتقد فروم بأ ّ‬
‫الشخص المميت‪ ،‬وليست من الضروري أن يكون هذا النمط من النيياس ميين الفييراد البييدويين‬
‫والمتوحشين‪ ،‬فالبعض تظهر عليه المسالمة والّدعة ولكّنه قد يستبطن الجفاف العاطفي المطلق‪،‬‬
‫لّم التي تعيش هاجس فشل إبنها فييي الحييياة ويغلييب علييى تفكيرهييا الطييابع‬
‫ويمّثل لذلك فروم با ُ‬
‫التشاؤمي بالنسبة لمستقبله)‪.(74‬‬
‫يقول فروم‪:‬‬
‫ل شيء جديد يتفّتح في الطفل ‪ ...‬إّنها ل تؤذي‬
‫»إّنها ل تتفاعل مع فرح إبنها‪ ،‬ول يهّمها ك ّ‬
‫طفلها بشكل علني‪ ،‬ولكن من الممكن أن تخنق سروره وفرحه في الحياة‪ ،‬فالطفييل يريييد لنفسييه‬
‫النضج والتكامل‪ ،‬ولكّنها في اّتجاهها المميت قييد تل يّوث مسيياره التكيياملي فييي النهاييية« )فييروم‬
‫‪ 1964‬ص‪.(39‬‬
‫الشخصية المميتة تميل دائمًا إلى إقتناء وسائل متطييورة كالسييتريو والجهييزة الكامبيوترييية‬
‫لمور‪ ،‬ل من أجل الستفادة منها‪ ،‬بل يحكي هذا عيين رغبيية‬
‫وأمثالها‪ ،‬وذلك بسبب عشقه لهذه ا ُ‬
‫ل مييا هييو حييي‪.‬‬
‫ل ما يوجب بعدهم عن الطبيعة والشييحاص والفكييار وك ي ّ‬
‫هؤلء الفراد في ك ّ‬
‫»فروم ‪ 1973‬ي ص‪.«350‬‬
‫لقية والبتكار‪ ،‬وله علقة بحياته وحياة الخرييين‬
‫أّما النمط المحيي‪ ،‬فهو عاشق للحياة والخ ّ‬
‫وسبل إرتقائهم‪.‬‬
‫ن هييؤلء‬
‫لأّ‬
‫ل من هذين النمطين هناك أفراد أفرطوا في اّتجاههم المميت والمحيي‪ ،‬إ ّ‬
‫وفي ك ّ‬
‫قّلة‪ ،‬وأكثر الفراد هم من النوع الّول والثاني‪ ،‬فييإذا أفييرط الفييرد فييي جييانب المميييت فيياّنه قييد‬
‫يمسي مجنونًا أو مريضًا نفسانيًا‪ ،‬وإذا أفرط في جانب الحياة فاّنه قد يكون قّديسا‪ ،‬ول أحد ميين‬
‫الطرفين يتفاعل مع الدنيا بنظرة واقعية‪ ،‬وبهذا ل يكون نافعًا لنفسه والخرين‪.‬‬
‫آراء فروم في الميزان‪:‬‬
‫نكتفي بهذا البيان الموجز عن آراء فروم حذرًا من التطويل الممل‪ ،‬ونختم نظريات مدرسييية‬
‫التحليل النفسي بهذا المقدار بالرغم من وجود رجال وشخصيات كبيرة ومؤّثرة غير ما ذكرنييا‪،‬‬
‫ن الغالبية من علماء النفييس التحليليييين أخييذوا قبسييات ميين هييذا وذلييك‪ .‬وطرحييوا أفكييارهم‬
‫لأّ‬
‫إّ‬

‫‪ ()74‬مذاهب علم النفس‪ ،‬مكتب التنسيق بين الحوزة والجامعة‪ ،‬ج ‪ ،1‬ص ‪ 203‬ي ‪.204‬‬

‫بقوالب جديدة مع تكّرر المحتوى‪ ،‬والعمدة ميين رجييالت التحليييل النفسييي هييم الخمسيية المتق يّدم‬
‫ذكرهم‪.‬‬
‫ونلحظ على نظريات فروم أّنها تمّثل رّدة فعل عنيفة لما يلقيه النسان الغربي ميين تميّزق‬
‫داخلي وشعور بالوحدة والغربة في مجتمع قييائم علييى الفردييية المطلقيية والمصييالح الشخصييية‪،‬‬
‫وبالرغم من كونه ألمانيًا متأّثرا بالثقافة اللمانية الحاكمة على روحية الشعب اللماني في ميلييه‬
‫ن كتابيياته‬
‫لأّ‬
‫لّميية علييى حسيياب حرّييية الفييرد‪ ،‬إ ّ‬
‫إلى الستبداد في الحكومة وتأصيل المجتمع وا ُ‬
‫وهو في امريكا تعكس معاناة الفرد في الحضارة الغربية وبالخص امريكا ونزوعه إلى تحقيق‬
‫المن والخلص من الحرّية والحياة الفردية‪.‬‬
‫وقد نلحظ إفراطًا من فروم في تصوير هدف الفرد الغربي في الفرار من الحرّية‪ ،‬لّنه لييو‬
‫كان كذلك لوجد الحزب الشيوعي امتدادًا بشريًا في صفوف الشييعب المريكييي وبقّييية الشييعوب‬
‫ل على إعتزاز الفرد الغربي بما نيياله ميين‬
‫ن هذا المر لم يحدث إطلقًا‪ ،‬وهذا يد ّ‬
‫لأّ‬
‫الوربية‪ ،‬إ ّ‬
‫حرّيات فردّية‪ ،‬ولكّنه خسر مقابل ذلك إنسجامه وتلحمه وإنشداده العائلي‪ :‬وليست الحرّية هييي‬
‫ن فروم‪ ،‬بل إنعدام الخلق الجتماعية والقيم الخلقية وضييعف اللييتزام الييديني‬
‫السبب كما ظ ّ‬
‫ن شعوب التحاد السوفياتي السابق‬
‫لمور بالحرّية‪ ،‬والدليل على ذلك أ ّ‬
‫والعائلي‪ ،‬ول ربط لهذه ا ُ‬
‫والمجتمعات الشيوعّية كانت تشكو مثييل هييذه العييراض المرضييية‪ ،‬والفييرد فيهييا يعيييش حاليية‬
‫لسري والتضامن العائلي بالرغم من إنعدام الحريييات الفردّييية‬
‫الغربة والوحدة وإنهيار التلحم ا ُ‬
‫ووجود الحكومات المستبّدة‪.‬‬
‫ن سييبب شييهرته‬
‫ن قوّيا أ ّ‬
‫لخرى‪ ،‬فإّنه لم يأت بجديد لمدرسة التحليل النفسي‪ .‬وأظ ّ‬
‫أّما آراؤه ا ُ‬
‫إّما لسلوبه السهل والخالي من التعقيد الدبي في كتابيياته‪ ،‬أو لهتمييام الحييزاب اليسييارية فييي‬
‫الدول الغربية والعربية في ترجمة كتبه لغاية في نفوسهم‪ ،‬أو لكليهما‪ ،‬أو لصله اليهودي‪.‬‬
‫ن تقسيمه لنمط الشخصية إلييى مميييت ومحيييي هييو فييي‬
‫وعلى سبيل المثال نلحظ بوضوح أ ّ‬
‫الواقع إقتباس من نظرية فرويد في وجود غريزتين في الصييل همييا‪ :‬غريييزة الحييياة وغريييزة‬
‫لفتغلييب عليييه‬
‫الموت‪ ،‬فمن غلبت في نفسه غريزة الحياة كان ميين المنتجييين والكييادحين و‪ ..‬وإ ّ‬
‫السمات المذكورة للشخصية المميتة‪.‬‬
‫وهكذا في تقسيمه الرباعي للشخصيات ذات الطابع العصابي والسلوب الملتوي الوهمي في‬
‫إرضاء الحاجات الساسّية‪ ،‬فشخصّية المحتكر تحكي الشخص يّية الشييرجية فييي نظرييية فرويييد‪،‬‬
‫وكذلك من يتحّرك باتجاه البتعاد عن الناس )المنطوي( في نظرية هورناي‪ .‬بينمييا يمّثييل نمييط‬
‫المستغل في نظرية فروم الشخصية الفموية المشاكسة لدى فرويد‪ ،‬والنمط الخاضييع يعييادل فييي‬

‫ن كليهمييا يحصييلن علييى إرضيياء الييدافع النفسييي‬
‫نظرية فرويد الشخصية الفموية اليجابية‪ .‬ل ّ‬
‫بالكل والشرب‪ ،‬يقول فروم‪:‬‬
‫»النمط الخاضع »المستلم« له علقة وافرة بالكل والشرب‪ ،‬فهؤلء الشخاص يريدون‬
‫التغّلب على الضطراب والكآبة بكثرة الكل والشرب‪ ،‬وغالبًا ما يكون فمهييم واسييعًا وشييفاههم‬
‫ل وكأّنها في حالة إنتظار مستديم للتهام الغذاء« )فروم ‪ 1947‬ص‬
‫طويلة نسبيًا ومفتوحة قلي ً‬
‫‪.(75)(63‬‬
‫وكذلك يشابه هذا النمط ما تقّدم في نظرية هورناي من الشخصية المطيعة‪.‬‬
‫المر الخر في نظرية فروم ما ذكره عن الدافع الصل وهو البحث عن المن في مجتمييع‬
‫لخرى التي لم تنحييدر فييي‬
‫الحريات والتشّتت‪ ،‬ولكن ماذا يقول عن الدوافع في أفراد الشعوب ا ُ‬
‫مهاوي الفرقة والتشّتت وخاصة في المجتمعات الريفية والقبلييية فييي الشييرق‪ ،‬فليييس بمستحسيين‬
‫صة ويعّمم أحكامه ونتائجه‪.‬‬
‫لعالم النفس أن يأخذ عّينات من مجتمعه التي تحكمه ظروف خا ّ‬
‫أّما بالنسبة للنماط الربعة التي يراها فروم أّنها عييوارض سييلبية ومرضييية لحاليية الغربيية‬
‫ضر‪ ،‬فالطابع العام لها يدور حول محور القتصاد والكسب وروابييط‬
‫التي يعيشها النسان المتح ّ‬
‫النسان في المجتمع الرأسمالي ويظهر تأّثره بماركس ومحورّية القتصيياد فييي رسييم شخص يّية‬
‫ن هناك أبعادًا ُاخرى أكثر تأثيرًا وأعمق أصالة من الروابط القتصادية مييع‬
‫النسان‪ ،‬في حين أ ّ‬
‫العالم الخارجي‪ ،‬كالبعد الوجداني والنساني والديني الذي أثبت طيلة التاريييخ البشييري فيياعليته‬
‫في صياغة هوية النسان الثقافية ورسم بعده الحضاري‪ ،‬وحّتى النسان في الحضييارة الغربييية‬
‫جه نحو القتصاد بعييد أن آميين حضيياريًا بهييذا البعييد ميين أبعيياد النسييان‪ ،‬واّتخييذ مبييدأ الل يّذة‬
‫تو ّ‬
‫والسيطرة على الطبيعة وتسخيرها كهدف قبلي في دائرة مبادئه الفلسفّية‪.‬‬
‫أّما ما ذكره فروم من السبيل للخلص من الزمة الحضارة الييتي يعيياني منهييا النسييان فييي‬
‫الحضارة الغربية وهو تشييكيل الحكوميية الشييتراكية النسييانية الييتي يتمّتييع فيهييا سييائر الفييراد‬
‫ن فروم هنا يحّلق في الوهم المثييالي‪ ،‬فمييتى‬
‫بالمحّبة والوّد والتعاون والخاء‪ ،‬فلبّد من القول بأ ّ‬
‫ب السيطرة والثروة حّتى يتسّنى تنظيم علقاتهم‬
‫كانت نفوس الناس سليمة من الشّر والحسد وح ّ‬
‫بصورة سليمة من قبل القانون والحكومة؟‬
‫لولى في التغيييير الجتميياعي لب يّد وأن تبييدأ ميين أفييراد المجتمييع‬
‫طة ا ُ‬
‫ن المح ّ‬
‫وببيان آخر‪ :‬إ ّ‬
‫بالذات لتستطيع الحكومة بعد إيمان الشعب بالقانون من تطبيقه وإيجيياد الوشييائج الجتماعييية أو‬

‫‪ ()75‬نظريات الشخصية‪ ،‬دوان شولتز‪ ،‬ص ‪.202‬‬

‫تقويتها وترشيدها‪ ،‬ولكن في صورة عييدم وجييود هييذه الحاليية ميين السيياس فييي نفييوس النيياس‪،‬‬
‫فسوف تكون القضّية سالبة بانتفاء الموضوع‪.‬‬
‫وهذا الهدف هو بالضبط ما أراد النبياء )عليهم السلم( تحقيقه‪ ،‬لكيين بعييد تطهييير النسييان‬
‫ل النيياس‪ ،‬بييل المقييدار الييذي‬
‫في محتواه الداخلي من الشرور والرغبات العدوانية‪ ،‬ول نقييول كي ّ‬
‫ل فإصلح الناس بشكل عام يييدخلنا‬
‫يمكن معهم إدارة الدولة والدفاع عن وجودها المشروع‪ ،‬وإ ّ‬
‫مّرة ُاخرى في المثالّيات‪ ،‬وكذلك فعل إفلطييون فييي مييدينته الفاضييلة حيييث أراد تطبيقهييا علييى‬
‫ساحة الواقع فكانت نتيجة عمله هذا أن غضب عليه الحاكم اليونيياني وبيييع فييي سييوق الرقيييق‪،‬‬
‫لطروحيية أّول ويكونييوا علييى اسييتعداد للتضييحّية بالمييال‬
‫ن الناس لبّد أن يؤمنييوا بصيياحب ا ُ‬
‫لّ‬
‫لخييوة‬
‫والنفس في سبيل تنفيذ هذه الطروحيية وإقاميية مجتمييع مثييالي تحكمييه المحّبيية وتسييوده ا ُ‬
‫والنسجام لكي نتفاءل بإمكانية ترجمة هذه الطروحة على صعيد الواقع المتحّرك‪ ،‬ل أن يقول‬
‫ل النيياجع‬
‫شخص من الشخاص ي حّتى لييو كييان إفلطييون فييي علمييه وعقلييه ي ي بييأّنه وجييد الح ي ّ‬
‫للبشرّية‪ ،‬ويتوّقع من الناس السير وفق تنظيراتييه ورؤاه‪ ،‬وخاص يًة فييي مثييل فييروم الييذي تييرك‬
‫زوجته ليعيش)‪ (76‬مع هورناي سنوات طوال في علقات غرامية على مرأى ومسمع من‬
‫لسرية للنطلق منهييا‬
‫زوجها‪ ،‬ثّم يؤّكد للناس دور الرتباط العائلي وضرورة تمتين الوشائج ا ُ‬
‫ب والحنييان والتكيياتف‬
‫لبناء المجتمييع النسيياني النمييوذجي حيييث يعيييش النسييان مغمييورًا بييالح ّ‬
‫ومراعاة الحقوق!!‬
‫ل يسع المجال للكثار من بيان نقاط الخلل في كتابات فروم وخاصيًة نظريتييه فييي حاجييات‬
‫ت التي مّر ذكرها‪ ،‬وتأكيده المفرط على العوامييل والمييؤّثرات الجتماعييية وتناسيييه‬
‫النسان الس ّ‬
‫وتغافله عن دور الرغبات المكبوتة في عالم اللشعور وغيرها‪.‬‬
‫كلمة أخيرة‪:‬‬
‫من هذا الستعراض العاجل للعناصر الفاعلة في مدرسة التحليل النفسي واستجلء نظراتهم‬
‫حول النسان والدوافع والهداف في مجمل تحّرك الفرد وسلوكه مع نفسه ومع الخرين يمكننا‬
‫ن مدرسة التحليل النفسي قد أضافت محاور جديدة للدراسات‬
‫أن نخلص إلى هذه النتيجة وهي أ ّ‬
‫النفسية وفتحت آفاق واسعة أمام الباحثين والمحّققين في هذا الحقل من عالم اللشعور‪ ،‬وأنميياط‬
‫ل نظرييية‪ ،‬ودور الشييعور بييالنقص‪ ،‬وإدخييال الحلم‬
‫الشخصييية علييى اختلف أنماطهييا فييي ك ي ّ‬

‫‪ ()76‬نظريات الشخصية‪ ،‬دوان شولتز‪ ،‬المترجم‪ :‬يحيى السّيد محّمدي‪ ،‬ص ‪.169‬‬

‫كعنصر من عناصر الكشف عن التاريخ العاطفي للفرد‪ ،‬والتأكيد على دور العامييل الجتميياعي‬
‫سس لهذه المدرسة‪.‬‬
‫في صياغة الشخصية بالرغم من مخالفة المؤ ّ‬
‫ن مدرسيية التحليييل النفسييي قييد مييّرت بييأدوار مهّميية وطييرأت عليهييا تعييديلت‬
‫كأّ‬
‫ول شيي ّ‬
‫ل اّنييه هييل يمكيين‬
‫وتحسينات تلفت الكثير من نقاط الخلل في هذه المدرسة فييي بييدو نشييوئها‪ ،‬إ ّ‬
‫القول بأّنها تطّهرت تمامًا من أوجه النقص والخلل؟‬
‫لسييس‬
‫ن هييذه المدرسيية تزامنييت مييع الفوضييى المنهجييية والربيياك فييي صييياغة ا ُ‬
‫قأّ‬
‫الح ي ّ‬
‫ن أخطاءهييا أكييثر ميين صييوابها‪ ،‬وا ّ‬
‫ن‬
‫المشتركة بين رموزها‪ ،‬وقييد ل نعييدم الصييواب إذا قلنييا ا ّ‬
‫لطر الخلقية أكثر من نفعها في معالجة بعييض المرضييى النفسيييين وأ ّ‬
‫ن‬
‫ضررها في تحطيم ا ُ‬
‫صة السد فييي عملييية تغريييب النسييان عيين واقعييه الفطييري‬
‫علماء النفس بصورة عامة لهم ح ّ‬
‫وضياعه في متاهات الهوى وأحابيل الشهوة‪.‬‬
‫* * *‬

‫)‪(5‬‬
‫المدرسة السلوكية‬
‫بينما كانت مدرسة التحليل النفسي تتسري في شرايين الوساط العلمّية الوربية في بيييدايات‬
‫القرن العشرين على يد فرويد النمساوي‪ ،‬وبينما كانت المدرسة التجريبية والوظيفّية في امريكا‬
‫لفول‪ ،‬سطع نجم مدرسة جديدة في الوسط المريكييي علييى يييد » واطسون« الذي‬
‫في طور ا ُ‬
‫سّمى مذهبه الجديد في علم النفس بعلم السلوك‪ ،‬وكانت البداية حينما نشر واطسون مقالته باسم‬
‫»علم النفس في منظار السلوكيين« عام ‪ ،1913‬وبهذا فقد بدأت هذه المدرسة بشكل صييريح‬
‫وفجائي وقاطع‪ ،‬فكانت ثورة على المدرسة التجريبية والوظيفية وحكمت علييى جميييع التيييارات‬
‫النفسّية السائدة حينذاك بالهزيمة المطلقة وأوجدت البديل لها على ُاسس جديدة‪.‬‬
‫ل تدريجيًا مواقعه فييي الوسييط العلمييي المريكييي‬
‫ن المذهب الوظيفي احت ّ‬
‫وقد لحظنا كيف أ ّ‬
‫إلى جانب المذهب التجريبي ولم يسع رجال الوظيفية إبداع مذهب جديد في علم النفس يتقيياطع‬
‫مع مقولت تيجنر وفونت في المدرسة التجريبية‪ ،‬بل كانت نظراتهم إصلحية وتهذيبية للمنهج‬
‫ل منهما كان يتخذ الوعي والذهن موضوعًا أساسيييًا لدراسيياته‪ ،‬ويقييوم ك يلّ منهمييا‬
‫التجريبي‪ ،‬فك ّ‬
‫على منهجية الستبطان في معرفة المحتوى الداخلي للنفس مع بعض التغييرات وإدخال موارد‬
‫س الركان الصلّية لعلم النفس ومقولته في ذلك الوقت‪.‬‬
‫جديدة لم تم ّ‬
‫لسييس الييتي قييام عليهييا علييم النفييس‪ ،‬وأوضييح‬
‫طم ا ُ‬
‫ولكن المذهب السلوكي في علم النفس ح ّ‬
‫واطسون أن الدراك والذهن ل موضوعية لهما في علييم النفييس‪ ،‬وأن السييتبطان منهييج فاشييل‬
‫ل لذلك منهجًا جديييدًا لعلييم النفييس يضيياهي سييائر العلييوم‬
‫في معرفة محتويات النفس‪ ،‬وطرح بد ً‬
‫الطبيعية في أدواته المنهجية كالفيزياء والكيمياء‪ ،‬وهذا الطرح الجديد يقوم على أساس ملحظة‬
‫سلوك الفرد‪ ،‬وقد أعلن مبادي هذا الطرح في مقالته المذكورة كما يلي‪:‬‬
‫ن علم النفس في نظر العالم السلوكي هو فرع من العلوم الطبيعية ويقوم على التجربة‬
‫»إ ّ‬
‫والمشاهدات العينية‪ ،‬وهدفه النظري هو معرفة القوانين الحاكميية علييى السييلوك وضييبطها‪ ،‬ول‬
‫خل فييي إسييتنباط المعطيييات‬
‫ن الدراك الذهني ل يتد ّ‬
‫يدخل الستبطان في مناهجه إطلقًا‪ ،‬كما أ ّ‬
‫ن الباحث في المجال السلوكي يسييعى لتحصيييل‬
‫العلمّية له في تعبير وتفسير الظواهر النفسّية‪ ،‬إ ّ‬
‫طرح مشترك من الستجابات الحيوانية‪ ،‬ول يرى وجود حّد فاصل بين النسان والحيوان‪ ،‬فلذا‬

‫ل تعقيداته جزءًا من التحقيقات الكّلية التي يقوم بهييا البيياحث السييلوكي‬
‫كان سلوك النسان مع ك ّ‬
‫لنيل غايته«‪.‬‬
‫وتجاوز واطسون تهميشه لدور الدراك الييذهني ومنهجييية السييتبطان فييي كتابيياته البعدّييية‪،‬‬
‫حيث قال‪:‬‬
‫ل للتعريف‪ ،‬وليست فيه جنبة عملّية ‪ ..‬بل هو إصطلح‬
‫»ليس الدراك الذهني مفهومًا قاب ً‬
‫آخر للروح في الزمنة الغابرة«‪.‬‬
‫لخرى تحظى بواقع موضوعي قابل للمشاهدة والثبييات‪ ،‬وتصييلح لوقييوع‬
‫ن جميع العلوم ا ُ‬
‫إّ‬
‫التجريب عليها من جميع الباحثين‪ ،‬ولكن من جهة ُاخرى نرى علم النفييس بعنييوان علييم يبحييث‬
‫في موضوع الدراك الذهني ليست فيه هذه الخصوصية‪ ،‬فل يمكن طرحه أمييام الخرييين‪ ،‬ول‬
‫لخرى الستفادة منه‪.‬‬
‫يمكن للعلوم ا ُ‬
‫إستفادة علم النفس من منهجية الستبطان والتأّمل الباطني بعنوان منهج أساسييي مييانع جيّدي‬
‫آخر أمام التقّدم العلمي)‪.(77‬‬
‫»في التجارب العلمّية مثل الفيزياء والكيمياء يقع الشكال في التجربة ذاتها ل في المجّرب‬
‫ن المييواد المسييتعملة غييير‬
‫سيياس‪ ،‬أو إ ّ‬
‫ن الجهاز الفلني غييير ح ّ‬
‫ل يقال إ ّ‬
‫كما في علم النفس‪ ،‬فمث ً‬
‫خالصة وغير ذلك‪ ،‬فيتّم التغّلب على الشكال بتكرار العملييية‪ ،‬ولكّنهييا فييي علييم النفييس تحييدث‬
‫جه الشكال نحو المجّرب والمشاهد«)‪.(78‬‬
‫بشكل آخر بحيث يتو ّ‬
‫ن علم النفس لبّد أن يتخّلى من إصطلحاته القديمة مثل‪:‬‬
‫ن واطسون يرى أ ّ‬
‫على أي حال فا ّ‬
‫الدراك‪ ،‬حالت الذهن‪ ،‬المحتوى‪ ،‬الصورة الذهنية‪ ،‬التأّمل الباطني وأمثالها‪ ،‬ويجّدد بناءه على‬
‫ُاسس تتلءم وموقعّيته بين العلوم ويدرس إصطلحات حديثة مثييل‪ :‬المييثير السييتجابة‪ ،‬تشييكيل‬
‫العادة‪ ،‬إرتباط العادات وأمثالها من مسمّيات السلوك الفردي‪.‬‬
‫‪ 1‬ـ جي ـ بي ـ واطسون‪ 1878) :‬ـ ‪(1958‬‬

‫)‪(79‬‬

‫ل عن ‪.image5‬‬
‫‪ ()77‬مذاهب علم النفس‪ ،‬مكتب التنسيق بين الحوزة والجامعة‪ ،‬ج ‪ ،2‬ص ‪ ،40‬نق ً‬

‫‪.Behaviorism 1925 ()78‬‬
‫‪ ()79‬ولد جان برودوس واطسون عام ‪ 1878‬في ولية كارولينا الجنوبية في امريكا‪ ،‬دخل الجامعة في سن السادسة‬
‫عشر‪ ،‬ونال شهادة الدكتورا من جامعة شيكاغو حيث درس فيها الفلسفة على يد جون ديفيد عام ‪ 1903‬وأخذ بالتدريس‬
‫في جامعة شيكاغو مّدة خمسة أعوام في علم النفس الحيواني وعمل كذلك مديرًا لقسم التحقيقات ومختبر علييم النفييس فييي‬
‫جامعة جونز هابكينز مّدة ‪ 12‬عامًا‪ ،‬وفي عام ‪ُ 1920‬أجبر واطسون على الستقالة من عمله في الجامعة بسبب‬
‫طلقه وخلفاته العائلية وما تبعها من شايعات مغرضة‪ ،‬فأوقف نشيياطه العلمييي حينييذاك إلييى نهاييية عمييره وانشييغل فييي‬

‫مؤسس المدرسة السلوكية في علم النفس‪ ،‬بييدأ فييي نشيير أفكيياره ونظرييياته حييوالي الحييرب‬
‫لولى‪ ،‬وقد رفض المخييزون العلمييي لمييدارس علييم النفييس السييائدة حينييذاك بالجمليية‪،‬‬
‫العالمّية ا ُ‬
‫ن الدراسة الصحيحة لعلم النفس هي الدراسة التي تعتمد علييى سييلوك الفييرد كموضييوع‬
‫ورأى أ ّ‬
‫أصل لمراقباتها العلمية من قول النسان وفعله‪ ،‬ل ما يفّكر به ويتصّوره في ذهنه لّنه ل يمكن‬
‫إخضاع الفكر للتجارب‪.‬‬
‫وقييد تييأّثر واطسييون فييي نظرييياته وأفكيياره بعلييم النفييس الحيييواني ومجلوبييات بييافلوف فييي‬
‫النعكاس الشرطي‪ ،‬وكذلك نظرية »ثورنديك« في التعّلم الشرطي والتي سيأتي بعض الشييرح‬
‫عنها في فصل التعّلم في المدرسة السلمية من هذا الكتاب‪.‬‬
‫ولّما كان واطسون يعمل فييي حقييل التحقيقييات علييى الحيوانييات‪ ،‬التفييت إلييى أهمّييية دراسيية‬
‫صييل إلييى أّنييه بالمكييان الوصييول إلييى نتييائج‬
‫السلوك وعدم فائدة الييوعي ومفيياهيم الييذهن‪ ،‬وتو ّ‬
‫مرض يّية ومقبوليية ميين دراسيية السييلوك الحيييواني دون الرجييوع إلييى السييتبطان والتص يّورات‬
‫الذهنية‪ ،‬فلماذا ل يجري ذلك على النسان أيضًا‪.‬‬
‫ُاصول المذهب السلوكي في علم النفس‪:‬‬
‫المراحل الّولية من تأسيس هذه المدرسة لييم تأخييذ طييابع الشييمول والسييتدلل العلمييي فييي‬
‫جميع الموارد‪ ،‬بل كانت بمثابة اقتراحات عاّمة وببيان لمنهجية جديييدة فييي علييم النفييس مخالفيية‬
‫صة بإثباتات علمييية تجريبّييية‬
‫ل له مفاهيم ومناهج خا ّ‬
‫للمناهج المتداولة دون أن تكون نظامًا كام ً‬
‫ن رّواد هذه الحركة فييي الوسييط المريكييي قيياموا بس يّد الثغييرات العلمّييية وبتجييارب‬
‫كافية‪ .‬ولك ّ‬
‫واسعة بما تسّنى لهم من إمكانيات وفيرة وضعتها المختبرات الجامعّية تحت إختيييارهم‪ ،‬وعلييى‬
‫لصول المعرفية وخصائص هذه المدرسة ضمن النقاط التالّية‪:‬‬
‫العموم يمكن الشارة إلى ا ُ‬
‫خص في علم السييلوك‪ ،‬فعلييم النفييس هييو المطالعييات‬
‫‪ 1‬ـ تعريف علم النفس وأهدافه‪ :‬ويتل ّ‬
‫المنصّبة على سلوك الفرد من قوله وعمله في مقابل المؤّثرات الخارجية‪ ،‬ول يتحّدد موضوعه‬
‫بسلوك النسان‪ ،‬بل يستوعب الحيوان أيضًا‪ ،‬والهييدف ل ينحصيير فييي معرفيية سييمات السييلوك‬
‫العاّمة‪ ،‬بل يتضّمن احتواء وضبط السلوك ومعرفة قوانينه الحاكمة عليه‪ ،‬ولبّد من تجّنييب أّييية‬
‫مراجعة إلى الذهن واستخدام إصطلحات المدارس القديمة ميين قبيييل‪ :‬إحسيياس إدراك‪ ،‬تفّكيير‪،‬‬
‫إرادة‪.‬‬

‫نشاطات في قسم العلنات التجارية‪ ،‬وفي عام ‪ 1930‬جّدد نشر كتابه )المذهب السلوكي( حيث كان هذا آخر نشاط‬
‫علمي له‪ ،‬وانقطعت أخباره مّدة ‪ 20‬سنة وتوّفي عن عمر يناهز الثمانين‪.‬‬

‫حها إصطلحات من المشاهدات العينية للموضوع الخارجي وبعبييارة ُاخييرى‪ ،‬لبيّد‬
‫ل مل ّ‬
‫وتح ّ‬
‫ل المنهييج الموضييوعي‬
‫من نبذ الوعي تمامًا‪ ،‬لّنه ل دور له في هذه المدرسة‪ ،‬بل يجب أن يح ي ّ‬
‫ل الوعي‪.‬‬
‫ل السلوك مح ّ‬
‫محّله‪ ،‬وبذلك يح ّ‬
‫‪ 2‬ـ المنهج‪ :‬الستبطان طريقيية مجدبيية وغييير مفيييدة‪ ،‬ولبيّد ميين التخّلييي عنييه‪ ،‬واسييتبداله‬
‫بالساليب الموضوعية القابليية للمشيياهدة والتجربيية‪ ،‬وميين آليييات هييذا المنهييج اّتخيياذه المقيياييس‬
‫والروائز المعروفة لضبط السلوك ومقييدار النفعييالت والييذكاء وغييير ذلييك‪ ،‬الخبييار الكلمييي‬
‫ل من أشكال السلوك‪ ،‬وقد أبدع واطسون موافقته علييى وسييائل‬
‫بدوره مقبول أيضًا باعتباره شك ً‬
‫معينة تدخل ومنهجه وإظهاراته عام ‪ 1919‬منها المشاهدة الخاضعة للضبط بواسطة الجهزة‬
‫أو بدونها‪ ،‬النعكاس الشرطي‪ ،‬الخبار الكلمي‪ ،‬والمتحان‪.‬‬
‫ن النتائج التي توصل إليها بافلوف الروسي في تجاربه‬
‫‪ 3‬ـ الترابط بين المثير والمحّرك‪ :‬إ ّ‬
‫على الحيوانات وكيفية استجابتها للمثيرات ألقت الضوء على كثير من الحقائق النفسّية وخاصة‬
‫في ما يرتبط بالتعّلم وتشكيل العادات‪ ،‬وقد اعتمدت المدرسة السلوكية على المحاصيييل العلمّييية‬
‫ل السلوك الصادر من الفرد‪ ،‬وبييذلك يكييون‬
‫من هذه التجارب لتعميمها على النسان‪ ،‬بل على ك ّ‬
‫ل إسييتجابة ورد فعييل بالنسييبة لمييثير معّييين‪ ،‬والسييلوك‬
‫سلوك الفرد الظاهري والباطني ما هو إ ّ‬
‫المعّقد يتكّون من مجموعة إستجابات بسيطة للمحّرك أو المثير‪ ،‬ومطالعة الرابطيية بييين المييثير‬
‫والستجابة هي الساس في تحقيقات علم النفييس‪ ،‬فميين وجييود المييثير أّيييا كييان نييوعه يسييتطيع‬
‫الباحث النفسي اكتشاف كيفية الستجابة‪ ،‬أو أّنه مع وجود الستجابة بامكانه معرفة نوع المييثير‬
‫ومقداره‪ ،‬وقد تّم تقسيم الستجابة إلى اكتسابية وفطرية‪ ،‬ظاهرة وغير ظاهرة‪) ،‬أي باطنية فييي‬
‫ن السلوكية‬
‫الحشاء أو الغدد(‪ ،‬وعضلتية ومشاهدة )بالنسبة إلى نوع العضو المحّرك(‪ ،‬وبما أ ّ‬
‫قد اّتخذت من مفهوم )المثير ي الستجابة( محورًا مركزي يًا لدراسيياتها النفسييية فقييد اشييتهر هييذا‬
‫النمط من الدراسات النفسية بعنوان‪ :‬علم النفس‬

‫‪S-R‬‬

‫)المثير ي الستجابة(‪.‬‬

‫وبهييذا يصييبح موضييوع علييم النفييس » دراسة ردود الفعل التي يمكن أن تلحظ بشكل‬
‫موضوعي والتي يؤّديها الجسم جوابًا منه على المثيرات التي تخضــع للملحظــة والمراقبــة‬
‫ن علييم النفييس ل يييولي اهتماميًا لمييا يجييري فييي‬
‫والتي تأتينا مــن الــبيئة والمحيــط«‪ ،‬ولييذا فييإ ّ‬
‫ن الغييرض ينحصيير فييي كيفييية السييتجابة‬
‫المحتييوى الييداخلي ول للفيزيولوجيييا العصييبية‪ ،‬ل ّ‬
‫الميكانيكية من الكائن الحي‪ ،‬أي إن الكائن الحييي يعمييل كالماكنيية الييتي تييدار بواسييطة الزرار‬
‫المثبتة‪ ،‬وبذلك يمكن إجمال الموضوع القابل للمدرسة في نقاط‪:‬‬
‫الف‪ :‬السلوك المكّون من عناصر الستجابة‪ ،‬وبالمكان رصده وضبطه بسييهولة بالسيياليب‬
‫العلمية للعلوم الطبيعية‪.‬‬

‫ب ي السلوك بصورة عامة بمعنى الستجابة مرّكبة من إفرازات الغدد وحركات العضلت‪،‬‬
‫صل النهائي لتقييم السلوك هو حصيلة فيزياوية وكيمياوية )حركات وافرازات(‪.‬‬
‫إذًا فالمح ّ‬
‫ل إسييتجابة وسييلوك‬
‫ن لك ي ّ‬
‫ل مثير مؤّثر في الكائن الحي استجابة محّددة وفورية‪ ،‬أي إ ّ‬
‫ج ي لك ّ‬
‫نوعًا من المثير الخارجي‪ ،‬ومن ذلك يتبّين الطابع الجبري في السلوكّية‪ ،‬بمعنى حكوميية قييانون‬
‫العّلة والمعلول على السلوك‪.‬‬
‫ن المحيييط والمييؤّثرات الخارجييية هييي الييتي ترسييم شخص يّية‬
‫‪ 4‬ـ المحيط‪ :‬مّما تقّدم يتبّين أ ّ‬
‫الفرد وسلوكه‪ ،‬ول دخل للعوامل الوراثية‪ ،‬ول للوعي والختيار الحر‪.‬‬
‫ل أّنييه‬
‫ن واطسون أّكد علييى أهمّييية الميييول الموروثيية فييي صييياغة السييلوك‪ ،‬إ ّ‬
‫وبالرغم من أ ّ‬
‫تدارك هذه المقولة وعمد بشكل تحميلي إلى رفع التعارض بين عوامل الوراثيية وقييانون المييثير‬
‫ل لتوضيييح هييذه‬
‫والستجابة‪ ،‬وأعلن اّنه ل حاجة لعلم النفس بمفهوم الغرائز‪ ،‬وضرب لييذلك مث ً‬
‫الفكرة‪:‬‬
‫ن الطفل الفلني قد ورث من أبيه القابلية والستعداد‬
‫ن الباحث السلوكي ل يتحّدث عن أ ّ‬
‫»إ ّ‬
‫ن هذا الطفييل لييه عينييين كعينييي أبيييه‪ ،‬وميين‬
‫ل في لعبة المبارزة بالسيف‪ ،‬بل يقول‪ :‬إ ّ‬
‫ليكون بط ً‬
‫الناحية البدنّية يشييبه والييده فييي نحافيية جسييمه ورشيياقة عضييلته ‪ ..‬ولييه أيض يًا جسييم المبييارز‬
‫ن والده يحبه كثيرًا‪ ،‬وعندما كان هذا الطفل له من العمر سنة واحدة‪،‬‬
‫بالسيف‪ .‬ويضيف‪ ..» :‬إ ّ‬
‫ن أباه اشترى له سيييفًا صييغيرًا‪ ،‬وكييان يح يّدثه دائم يًا عيين المبييارزة وكيفييية الهجييوم والييدفاع‬
‫فا ّ‬
‫وقوانين الحرب وأمثال ذلك‪ ،‬وبذلك نمييا بييدن الطفييل بشييكل خيياص يتلءم مييع هييذه التعليمييات‬
‫الّولّية المتعّلقة بهذه اللعبة وأّدى إلى صياغة الشخصية في مرحلة الكبر ‪.(80)«..‬‬
‫ن جميع الطفال الصحاء يشتركون في قابليات‬
‫ن واطسون ذهب إلى أ ّ‬
‫ولزم هذه النظرية أ ّ‬
‫متساوية‪ ،‬وهذا المورد سّبب له الكثير من النتقادات‪ ،‬لّنه كان يصّرح‪:‬‬
‫»أعطوني عددًا من الطفال السوياء والنشيطين‪ ،‬ومحيطًا خاصًا لتربيتهم وفق سليقتي‬
‫ل واحييد منهييم بالشييكل الييذي اختيياره ميين قبيييل‪:‬‬
‫وذوقي‪ ،‬وأنا أضمن لكم اّنني أستطيع تربية كي ّ‬
‫طبيب‪ ،‬محامي‪ ،‬فّنان‪ ،‬متسّول‪ ،‬لص وغير ذلك دون الخييذ بنظيير العتبييار قابلييياتهم وميييولهم‬
‫ومكانتهم الجتماعية وحسبهم ونسبهم«‪.‬‬
‫ن واطسون ينفي تأثير الوراثة في السييمات النفسييية والخصييال الروحّييية‪ ،‬أي ينفييي‬
‫وبذلك فا ّ‬
‫وراثة السلوك‪ ،‬والتشابه بين البناء والباء هو نتيجة التربية في مرحلة الطفولة ل أكثر‪.‬‬

‫ل عن ‪.Experimental ...‬‬
‫‪ ()80‬م ع ن ي مكتب التنسيق بين الحوزة والجامعة‪ ،‬ج ‪ ،2‬ص ‪ ،58‬نق ً‬

‫‪ 5‬ـ الذهن وعملية التفكير‪:‬‬
‫لم تكن هناك رغبة لدى علماء المدرسة السلوكية في مطالعيية الييذهن والتصييورات الذهنييية‪،‬‬
‫بل كان يحدوهم ميل شديد لنكار الذهن‪ ،‬أو على القل تهميش دوره في صياغة السييلوك‪ ،‬لييذا‬
‫ذهبوا في بداية المر إلى أن الذهن أو الوعي ليس له تييأثير عّلييي فييي السييلوك‪ ،‬فلييذا ل يكييون‬
‫موردًا لهتمام العلم والدراسات العلمّييية فييي مجييال السييلوك‪ ،‬وميين الممكيين أن يقييترن التفكييير‬
‫ن تأثيره يمكن قياسه بتأثير الظل‪ ،‬أي أّنييه ل يتعامييل مييع الشييياء‬
‫لأّ‬
‫ببعض المظاهر البدنّية‪ ،‬إ ّ‬
‫المادّية في الواقع الخارجي لعدم توّفر المحتوى الموضوعي له‪.‬‬
‫ن الواقعيات الفيزياوية المرتبطيية‬
‫ومن ذلك يّتضح الموقف الكلي للسلوكّية من الذهن‪ ،‬وهو أ ّ‬
‫بالسلوك تكفي لتفسيييره دون الحاجيية إلييى التصييورات الذهنّييية الييتي ل يمكيين العتميياد عليهييا‪،‬‬
‫سييس نظرييية‬
‫ويّتضح ذلك من مقولة واطسييون فييي منيياظرته مييع »مكييدوجل« المعييروف‪ ،‬مؤ ّ‬
‫الغرائز في علم النفس‪ ،‬يقول واطسون‪:‬‬
‫ن الدراك لم ُيشاهد بالعين بتاتًا‪ ،‬لم ُيلمس‪ ،‬لم ُيشم‪ ،‬لم ُيذق اّنه إفتراض محض بالضبط‬
‫»ا ّ‬
‫ن البيياحث السييلوكي ل يسييتطيع وضييع الدراك فييي‬
‫كمفهوم »الروح« الذي ل يقبل الثبات‪ ،‬إ ّ‬
‫جة من تيار الدراك الذهني ‪.(81)«..‬‬
‫إنبوب الختبار‪ ،‬ول يحصل منه على شاهد وح ّ‬
‫ن التفكييير‬
‫أّما عملية التفكير فهي وظيفة عاّمة يمارسها الجسم الحي برّمته‪ ،‬وبعبارة ُاخرى ا ّ‬
‫كلم صامت وله ارتباط بالحنجرة وتوابعها من اللسان وعضلت الفم والشفتان والصدر‪ ،‬فهييذه‬
‫المنظومة الصوتية المتشّكلة من الحنجرة وتوابعها تقوم بمسييؤولية التفكييير فييي حركييات دقيقيية‬
‫ن التفكير يسيياوي التكّلييم سييواء تكّلييم الفييرد مييع‬
‫جّدا غير قابلة للرؤية أو السماع‪ ،‬ومعنى ذلك أ ّ‬
‫ن الفكر لغة‪ ،‬واللغة حركة فيزياوية وعضلية يختلف درجة‬
‫نفسه )وهو التفكير( أو مع الغير‪ ،‬ا ّ‬
‫س بها‪.‬‬
‫الح ّ‬
‫‪ 6‬ـ النعكاس‪ :‬هو نموذج للعمل النفسي الذي هو إنعكاس ورد فعل للمثيرات الييتي تتصييل‬
‫سي‪ ،‬ثّم العصب الحركي‪ ،‬ثّم يقوم النخاع الشوكي بدوره في إيجاد الترابط بينهما‪،‬‬
‫بالعصب الح ّ‬
‫ل‪ ،‬مييا نطلييق‬
‫سر العمل النفسي تفسير ميكانيكيًا يخضع لقييانون السييببية السييلوكية‪ ،‬فمث ً‬
‫وبذلك يف ّ‬
‫خل فييي تكييوينه تركيبييات‬
‫سييي حركييي تتييد ّ‬
‫عليه الشيء السار‪ ،‬أو المؤلم ليس أكثر ميين أميير ح ّ‬
‫عضلّية خاصة‪ ،‬ويتشّكل النفعال من »تغييرات عميقة في البدن الييذي يعمييل كوحييدة متجانسيية‬
‫ل إنفعال يحكي عن تغّيييرات بدنّييية خاصيية‪،‬‬
‫وخاصًة في نشاطات الجهزة الباطنية والغدد« فك ّ‬
‫فالخوف ردود عضوية إزاء المؤّثرات الخارجّية‪.‬‬
‫ل عن‪.lpid, p. 26 :‬‬
‫‪ ()81‬نفس المصدر‪ ،‬مكتب التنسيق‪ ،‬ج ‪ ،2‬ص ‪ ،55‬نق ً‬

‫واطسون أخذ بمطالعة مئات الطفال من المواليد في مستشفى الولدة‪ ،‬ولحظ وجييود ثلثيية‬
‫انفعالت فطرية وهي‪ :‬الخوف‪ ،‬المحّبة‪ ،‬الغضييب‪ ،‬وهييي بمثابيية إنفعييالت أّولييية فييي النسييان‪،‬‬
‫ل واحدة من هذه الثلث لها نظامها الخيياص‬
‫لخرى‪ ،‬وك ّ‬
‫ومنها تتفّرع سائر النفعالت الثانوية ا ُ‬
‫بها الذي يعتمد على قانون المثير والستجابة‪ ،‬ولكن وجود هذه النفعالت لييم يثبييت علمييًا فييي‬
‫التحقيقات البعدية‪.‬‬
‫ومن جملة تحقيقاته المشهورة ما قام به من تجارب على طفييل يييدعى »الييبرت« ولييه أحييد‬
‫عشر شهرًا من العمر في مستشفى لحضييانة الطفييال ورعييايتهم‪ ،‬حيييث عّرضييه لتجييارب فييي‬
‫معرفة إنفعال الخوف‪ ،‬ففي البداية لم يكن البرت يخاف ميين الفئران والرانييب ويم يّد يييده إليهييا‬
‫دون وجل‪ ،‬ولكن بعد ذلك كان يسمع دوّيا عالي يًا فييي ك يلّ م يّرة يم يّد يييده إليهييا‪ ،‬وتييدريجّيا أخييذ‬
‫ل شيييء يشييابهها فييي اللييون أو الشييكل‪،‬‬
‫الخوف يتسّرب إليه منها‪ ،‬ثّم تعّداها إلى الخوف من كي ّ‬
‫سييع دائرة‬
‫ل نييوع ميين النتقييال الشييرطي‪ ،‬أو تو ّ‬
‫ن النفعال الخير مييا هييو إ ّ‬
‫فاستنتج واطسون أ ّ‬
‫الستجابة الشرطية للطفل‪ ،‬وهكذا يمكن تعميم هذه الحالة لكثير من ردود الفعل النفسّية‪.‬‬
‫نظرية التعّلم الشرطي‪:‬‬
‫من نافلة القول الشارة إلى قانون المثير والستجابة لمكتشييفه »بييافلوف« الروسييي حييوالي‬
‫ن السلوكيين اّتخذوا من‬
‫سنة ‪ 1900‬لما له من الثر في استيضاح النظرية السلوكّية‪ ،‬ل ّ‬
‫تجارب بافلوف وقانونه محورًا لنظريتهم فييي تفسييير السييلوك كمييا رأينييا‪ ،‬فقييد أجييرى بييافلوف‬
‫ل مّرة يق يّدم إليهييا الطعييام )المييثير الطييبيعي(‪،‬‬
‫تجاربه على الكلب ولحظ سيلن اللعاب في ك ّ‬
‫ن لعيياب الكلييب يسيييل‬
‫ق جرس‪ ،‬فلحظ بعد مّدة من تكّرر هذه العملييية أ ّ‬
‫فقرن إتيانه بالطعام بد ّ‬
‫بمجّرد سماعه صوت الجرس )المثير الشرطي(‪ ،‬فاستنتج من ذلك‪:‬‬
‫ل فلو كانت الفاصلة‬
‫‪ 1‬ي مبدأ القتران بين المثير الشرطي والطبيعي في الزمان‪ ،‬وإ ّ‬
‫الزمانية كبيرة لما كان للمثير الشرطي تأثير على المورد‪.‬‬
‫سم‬
‫‪ 2‬ي مبدأ التكرار في الغالب‪ ،‬وقد يحدث القتران في مّرة واحدة في الحالت التي تت ّ‬
‫بإنفعال شديد‪.‬‬
‫‪ 3‬ي مبدأ التدعيم‪ ،‬أي تقوّية الرابطة باستمرار بين المثير الشرطي والستجابة‪،‬‬
‫لفسّتتعرض العملية للنطفاء‪.‬‬
‫وإ ّ‬
‫‪ 4‬ي مبدأ النطفاء‪ :‬وهو عكس مبدأ التدعيم‪ ،‬وهو ظهور المثير الشرطي )أي الجرس في‬
‫المثال( دون إقترانه بييالمثير الطييبيعي )الطعييام( فيييؤّدي مييع تك يّرر هييذه الحاليية إلييى إضييعاف‬
‫الستجابة تدريجيًا وانطفائها‪.‬‬

‫ن الستجابة تحدث عند كل مثير يشبه إلى حّد ما المثير‬
‫‪ 5‬ي مبدأ تعميم المثيرات‪ :‬وهو أ ّ‬
‫الشرطي‪ .‬أي انتقال أثر المثير أو الموقف إلى مثيرات ومواقف ُاخييرى تشييبهه أو ترمييز إليييه‪،‬‬
‫سر لنييا كييثيرًا ميين سييلوكنا اليييومي‪ ،‬فميين لييدغه ثعبييان فيياّنه يخيياف ميين رؤييية الحبييل‪،‬‬
‫وهذا يف ّ‬
‫وهكذا)‪.(82‬‬
‫ن ما نريد توضيحه‬
‫لأّ‬
‫وسيأتي تفصيل الحديث عن نظرية بافلوف في الجزء الثاني أيضًا‪ ،‬إ ّ‬
‫ن علماء المذهب السلوكي قد عّمموا هذه النتييائج علييى النسييان فييي كاّفيية أنميياط السييلوك‬
‫هنا أ ّ‬
‫الصادر منه‪ ،‬وحذفوا الفواصل بين النسييان والحيييوان بييالمّرة‪ ،‬ومنهييا دور الييوعي والختيييار‬
‫وأثرهما في رسم السلوك البشري‪.‬‬
‫وقد أراد العالم المريكي »ثورنديك« أن يصوغ نظريتييه فييي التعّلييم المسييتفادة ميين قييانون‬
‫خص فييي تكييوين‬
‫ن التعّلم النساني والحيواني يتل ّ‬
‫المثير والستجابة في قالب فسيولوجي فقال‪ :‬إ ّ‬
‫سييية الييتي تتييأّثر بييالمثيرات وبييين العصيياب‬
‫روابط في الجهيياز العصييبي بييين العصيياب الح ّ‬
‫الحركّية التي تحّرك العضلت فتؤّدي إلى الستجابة الحركية‪ ،‬وتق يّوم نظريتييه علييى أسيياس ا ّ‬
‫ن‬
‫التعّلم عند النسان والحيوان يحدث عن طريق المحاولت والخطاء‪ ،‬ويتّلخص في ترابط آليييي‬
‫بين مثيرات وإستجابات)‪.(83‬‬
‫ن واطسييون يخييالف ثورنييديك فييي نظريتييه هييذه‪ ،‬ويرفييض السييتناد عليهييا‬
‫وبييالرغم ميين أ ّ‬
‫ل اّنه قد تبّين لك مّمييا تق يّدم ش يّدة التشييابه‬
‫وإدخالها في منظومته المعرفّية عن دراسة السلوك‪ ،‬إ ّ‬
‫بين نظريتي بافلوف وثورنديك وآراء واطسون السلوكّية‪.‬‬
‫ما بعد واطسون‪:‬‬
‫المذهب السلوكي كان موضييوعًا للبحييث والجييدال ميّدة عقييدين ميين الزمييان‪ ،‬وكييانت أفكييار‬
‫ونظريات السلوكّيين في حركة دائبة وتمحيص مستمر من قبل الناقدين والمؤيدين‪ ،‬وهكذا أخيييذ‬
‫سع وإثراء مبانيه ومقولته بكثرة التجارب حّتى أصبحت السلوكّية مسيييطرة علييى الوسييط‬
‫بالتو ّ‬
‫ل أّنهيييا‬
‫العلمي المريكي بل منازع بالرغم من شّدة النقود الواردة والتي سوف ننتطّرق إليها‪ ،‬إ ّ‬
‫صادفت رواجًا منقطع النظير في تلك الجواء المادية والثقافة التي تنظر للنسان بعين واحييدة‪،‬‬
‫ن أفكار واطسون هي التي استمرت مييا يقييارب ثلثيية عقييود زمنييية حاكميية بل‬
‫وهذا ل يعني أ ّ‬
‫منازع )منذ ‪ 1920‬ي ‪ 1950‬عام ُافول السلوكّية(‪ ،‬بل بزغ في سماء السلوكّية أسماء‬

‫‪ُ ()82‬اصول علم النفس‪ ،‬د عّزت راجح‪ ،‬ص ‪ 191‬ي ‪.193‬‬
‫‪ ()83‬نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.200‬‬

‫الرجال كّرسوا جهودهم في دعم وتأييد المذهب السلوكي وتوسعه أبحاثه ورّد الملبسات وحيي ّ‬
‫ل‬
‫الشبهات عنه‪ ،‬يقول السلوكي »والتر‪ .‬اس‪ .‬هانتر«‪:‬‬
‫لصول للمذهب السلوكي لم يكن يومًا رهنًا بيد أحدالسلوكيين ي مث ً‬
‫ل‬
‫ن موضوع ا ُ‬
‫»إ ّ‬
‫ن السلوكّية مبدأ في علم النفييس يييرى اّنييه بالمكييان إراءة شييرح واف‬
‫واطسون ي ولن يكون‪ ،‬أ ّ‬
‫عن المسائل النفسية دون الرجوع إلى الوعي أو الستبطان«‪.‬‬
‫ن السلوكية مّرت بعد واطسون بمرحلتين أساسيتين‪ ،‬أحدهما من‬
‫»زيجموند كخ« يرى أ ّ‬
‫العقد ‪ 1930‬إلى أواسط عقد الربعين‪ ،‬وكان يمّثل السلوكّية في هذه المرحلة »كلرك هل«‬
‫لخييرى فميين أواخيير ‪ 1940‬حّتى‬
‫والذي سّمي مذهبه »السييلوكّية المحّدثيية«‪ ،‬أّمييا المرحليية ا ُ‬
‫بدايات العقد الخمسين‪ ،‬وكان الرجل المؤثر في الميدان السلوكي حينئذ »بوروس اسكبنسر«‪.‬‬
‫ل كان السلوكيون الوائل يرون معادليية‬
‫لولى‪ ،‬فمث ً‬
‫وقد طرأت عّدة تعديلت على السلوكّية ا ُ‬
‫السلوك تكمن فييي المييثير »‪ «S‬والستجابة »‪ «R‬فقط‪ ،‬أي‬

‫»‪- R‬‬

‫‪ ،«S‬وتغافلوا عن وجود‬

‫ن الستجابة لمثير معّييين ل تكييون‬
‫خرين ذهبوا إلى أ ّ‬
‫ظواهر وسطّية بينهما‪ ،‬ولكن الباحثين المتأ ّ‬
‫ل إراءة الغييذاء للحيييوان الجييائع تسييتدعي إسييتجابة‬
‫واحدة فييي جميييع الظييروف والحييوال‪ ،‬فمث ً‬
‫متفاوتة عن اراءة الغذاء لحيوان شبعان‪ ،‬فلذا لبّد من الخذ بنظر العتبار الحالة الوسطية بين‬
‫‪S‬‬

‫و‬

‫‪R‬‬

‫في ذات الموضوع المشاهد‪ .‬وقد اقترح »وودات« لييذلك أن تكييون المعادليية فييي هييذه‬

‫الصورة »‪ «S - O - R‬وتعتبر )‪ (O‬بمثابة تلك الحالة النفسّية التي تتخّلل بين المثير والستجابة‪.‬‬
‫وتقّرر في المدرسة السلوكية الجديدة أيضًا بعض التعييديلت الهاّميية علييى أيييدي السييلوكّيين‬
‫الجدد أمثال تولمان‪ ،‬كانتور‪ ،‬اسكبنسر ‪ ..‬وتتضّمن هذه التعديلت تخفيفًا للنزعة الميكانيكية في‬
‫ن العلقة بين المثير والستجابة ليست علقة آلية‪ ،‬بل‬
‫سلوكية واطسون‪ ،‬فمن المفاهيم الجديدة ا ّ‬
‫علقة بين »مشكلة« و »حّل«‪ ،‬فالسلوك حّتى عند الحيوان ليس ميكانيكّيا صرفًا ورّد فعل‬
‫ى وان كان غامضًا‪.‬‬
‫ل مشكلة ويختزن معن ً‬
‫أعمى‪ ،‬بل إّنه محاولة لح ّ‬
‫ل السييتجابة كمييا تصيّوره سييلوكية‬
‫ل وتلقائييًا وليييس فيييه إ ّ‬
‫ن الجسم العضوي ليس منفع ً‬
‫ثّم إ ّ‬
‫واطسون‪ ،‬بل هو فّعال يسعى نحو التكّيف مع المحيط )كما في نظرية داروين التكاملّية(‪.‬‬
‫ل سلوك على حدة‪ ،‬أي أّنها ل تييرى فييي‬
‫ن السلوكّية الجديدة ترفض الجزئية وتفسير ك ّ‬
‫كما أ ّ‬
‫ل منها إنعكيياس مسييتقل لمييثير معّييين‪ ،‬بييل‬
‫السلوك مجموعة عناصر مركبة تركيبًا ميكانيكّيا وك ّ‬
‫ل عملّية‬
‫ن السلوك مجموعة ردود فعل وإنعكاسات مترابطة ومنسجمة حسب الموقف‪ ،‬فك ّ‬
‫ترى أ ّ‬
‫رّد فعل تخضع لمجمل الحالة التلؤمّية مع المحيط للكائن الحي‪.‬‬
‫لولى المفرط في الصرامة ورفض كييلّ أشييكال‬
‫وهكذا نلحظ تراجعًا عن موقف السلوكّية ا ُ‬
‫سيير الغائييية‬
‫صة في كتابات تولمان وكييانتور‪ ،‬حيييث صييار السييلوك يف ّ‬
‫الوعي والستبطان‪ ،‬وخا ّ‬

‫والقصدية والهدفية بعد أن كان سلوكًا أعمييى يخضييع إلييى المييثيرات الخارجّييية تصييوغه كيييف‬
‫تشاء‪ .‬ويكفي في الدللة على ذلك ي كما يذكر تولمان ي ملحظة قط جييائع داخييل القفييص‪ ،‬فييا ّ‬
‫ن‬
‫سلوك القط غائي وهو يحاول الخروج من القفص والبحث عن الطعام‪ ،‬فإذا قدم له الطعام ترك‬
‫ل فاّنه يستمر بالمحاولة والتجربة حّتى يظفر بمراده‪ ،‬وهييذه‬
‫محاولته للخروج وشرع بالكل‪ ،‬وإ ّ‬
‫الحالة هي ما تقّدم ذكره من الحالة الوسط )‪ (O‬بين المثير والستجابة‪ ،‬وقد كتب تولمان كتابًا‬
‫في هذا المجال أسماه )السلوك القصدي( ‪.1932‬‬
‫لولييى اسييتبدلت المفهييوم الطييولي لثنائييية )روح ي ي بييدن( بمفهييوم‬
‫ن السييلوكّية ا ُ‬
‫وقييد رأينييا أ ّ‬
‫عرضي ثنائي )وسط ي جسم( أو مثير وإستجابة ورّكزت على أهمّية تكّيف الجسييم مييع الوسييط‬
‫ل ما يرتبط بعالم الروح وما وراء الطبيعة‪ ،‬إ ّ‬
‫ل‬
‫أو المحيط في سبيل إدامة الحياة‪ ،‬ودفعًا منها لك ّ‬
‫ن المحيط بدوره ليس فيزيائيًا صرفًا‪ ،‬بل هو‬
‫اّننا نلحظ في رجال السلوكّية الجدد يذهبون إلى أ ّ‬
‫وسط ذو قيم ومدلولت‪ ،‬اّنه ذاتي ونفساني‪ ،‬فكلمة المحيييط تعطييي مفهوميًا نفسييانّيا ل فيزيائي يًا‪،‬‬
‫فقد تؤّثر الحوادث البعيدة على الفرد وتشغل باله أكثر من المؤّثرات القريبة‪.‬‬
‫نقد السلوكّية‪:‬‬
‫بالرغم من سعة دائرة المدرسة السلوكّية في امتدادها الكاديمي‪ ،‬وسيييطرتها علييى الجييواء‬
‫العلمّية في امريكا أكثر من ثلثة عقود »‪ 20‬ي ‪ ،«1950‬وكذلك إلفات نظر العلماء إلى‬
‫مواضيع جديدة وخاصيية السييلوك والنشيياط النسيياني علييى أرض الواقييع بعييد أن كييان البحييث‬
‫ن هذا ل يعني سلمتها من العيييوب‪،‬‬
‫لأّ‬
‫مترّكزا على التصورات الذهنّية والفعاليات العصبّية‪ ،‬إ ّ‬
‫ن نقاط الخلل في هذه المدرسة أكثر من سائر ما تقّدم من مذاهب ونظريات نفسّية‪،‬‬
‫بل قد يقال أ ّ‬
‫ن السلوكّية هي نتيجة طبيعييية للمييوروث المعّرفييي المييتراكم ميين تلييك المييذاهب‬
‫ولكن الحقيقة ا ّ‬
‫النفسّية‪ ،‬ويمكن إيجاز بعض نقاط الخلل‪:‬‬
‫‪ 1‬ي الملحظ في المذهب السلوكي الفراط في إلتزام الموضوعّية في أبحاثه‪ ،‬والبتعاد عن‬
‫ل ما يرتبط بعالم الماورائيات في الكيان النساني‪ ،‬وسيييأتي فييي المدرسيية السييلمّية إثباتييات‬
‫كّ‬
‫الفلسفة المسلمين في عدم مادّية النفس النسانّية وسائر متعّلقاتها من العقل والوعي وكثير ميين‬
‫الجوازم الفكرّية التي يستخدمها علميياء الطبيعيية أيضيًا فييي أبحيياثهم ودراسيياتهم ول يقتصييرون‬
‫على المشاهدات العينّية الموضوعية في إثبات مّدعياتهم كما في المنهج السلوكي‪.‬‬
‫ل‪ ،‬إذا أراد الفيزياوي الكتفاء بمشيياهداته الخارجييية عيين قييانون ضييغط الميياء‪ ،‬أو تميّدد‬
‫فمث ً‬
‫الحديد بالحرارة في زمان خاص وأفراد معّينة من الموضوعات‪ ،‬فكيف يتسّنى له إثبات قانونييًا‬
‫علمّيا كلّيا من خلل هذه التجارب المحدودة يستوعب الماضييي والحاضيير والمسييتقبل؟ أي إّننييا‬

‫إذا اقتصرنا في إثباتاتنا العلمّية على المشاهد والملموس من المعييارف‪ ،‬فكيييف نصييدر أحكامنييا‬
‫ن التجربيية ل تثبييت‬
‫ل؟ مضافًا إلييى أ ّ‬
‫ل‪ ،‬أو مستقب ً‬
‫على الموضوعات التي لم تخضع للتجربة فع ً‬
‫ل‪ ،‬فييإذا‬
‫ن أحدهما عّلة والخر معلييو ً‬
‫سوى التعاقب الزماني للحوادث‪ ،‬والعقل هو الذي يستنبط أ ّ‬
‫أنكرنا الذهن والتصّورات الذهنّية بما فيها قانون العّلية‪ ،‬فسنواجه ركامًا من الحوادث المتعاقبيية‬
‫دون ترابط عّلي بينها‪ ،‬وحينئذ ل يمكننا إستخراج قوانين طبيعية ول نفسّية‪.‬‬
‫فإذا أراد السلوكيون وضع علم النفس في قوالب العلوم الطبيعّية‪ ،‬فلبّد لهييم ميين الخييذ بمييا‬
‫أخذ به علميياء الطبيعّييية والعييتراف بالحقييائق الذهنّييية والجييوازم العقلّييية الميتافيزيقييية كالعّلييية‬
‫وإستحالة إجتماع المتناقضين وما شاكل ذلك ليتسّنى لهم تشييد اللبنات الفوقّية على هذا الساس‬
‫ل كان بناءًا على الرمل‪.‬‬
‫المعرفي‪ ،‬وإ ّ‬
‫ن منهج الستبطان بالرغم من وجود بعض النواقص والخلل تعيق الخروج بنتائج‬
‫‪2‬يإّ‬
‫ل أّنه يبقى مفيدًا في معرفة المحتوى الداخلي للفييرد‪ ،‬بييل وضييروريًا‪ ،‬وبالمكييان‬
‫جزمّية منه‪ ،‬إ ّ‬
‫إجراء بعض التعديلت عليه وترميييم ثغييور الخلييل ليصييبح منهج يًا علمّيييا مثييل سييائر المناهييج‬
‫لخرى‪ ،‬وإخراجه من حّيز الدائرة الشخصّية للفرد مورد التجربة وتعميمه علييى بيياقي‬
‫العلمّية ا ُ‬
‫الفراد بقييانون التماثييل الوجييداني والبييديهي‪ ،‬وقييد اسييتفادت سييائر المييدارس النفسييية ميين هييذا‬
‫السلوب وخاصة مدرسة التحليل النفسي وخرجت بنتائج مفيدة أيضًا‪.‬‬
‫‪ 3‬ي لقد تأّثر واطسون كثيرًا بداروين وبافلوف في توسعة علم نفس السلوك ليستوعب‬
‫ن نظرييية‬
‫الكائن الحي بصورة عامة بحيث يشييمل النسييان والحيييوان دون فييرق‪ ،‬وكمييا نعلييم إ ّ‬
‫داروين كان لها تأثير عظيم في الوساط العلمّية في بريطانيا مع مخالفة شديدة من قبييل رجييال‬
‫ن السبب في نفوذ وإنتشار هذه النظرّية هييو غلبيية التجيياه المييادي‬
‫الدين المسيحيين‪ ،‬والظاهر أ ّ‬
‫على الثقافة الغربية وهبوط المستوى الخلقي والنزعة المثالية‪ ،‬وطغيان التيار البيقوري وطلب‬
‫اللّذة على السلوك العام الحاكم على المجتمعات الغربية‪.‬‬
‫ن نظرية التكامل هييذه تس يّربت ميين علييم الحييياء إلييى علييم النفييس بواسييطة علييم نفييس‬
‫ثّم إ ّ‬
‫الحيوان‪ ،‬وعلييم النفييس التطييبيقي حّتييى أّدى الميير إلييى ظهييور المدرسيية السييلوكية واعتمادهييا‬
‫المحوري على سلوك الحيوان في معرفة سلوك النسان‪ ،‬ولكّننا نلحظ هنا‪:‬‬
‫ن تطبيق جميع موارد السلوك الحيواني على النسان ل يخلييو ميين محيياذير أخلقّييية‬
‫الف‪ :‬إ ّ‬
‫وإجتماعية مترتبة على اختلف أنماط الحياة بين النسان والحيوان على أرض الواقع‪.‬‬
‫ب‪ :‬تعميم نتائج التحقيقات المستخلصة من سلوك الحيوانات على النسان يستلزم التقليل من‬
‫لخييرى فييي‬
‫إعتبار النسان واخييتزال ميياهيته فييي البعييد الحيييواني‪ ،‬وتجاهييل البعيياد والفيياق ا ُ‬
‫شخصّية النسان التي ساهمت في رقّيه وتفّوقه في شّتى مجالت الحياة وتسخير الطبيعة‪.‬‬

‫ن اّتخاذ هذا المنهج يؤّدي إلى حذف الوجدان الخلقييي ميين شخص يّية النسييان والييذي‬
‫ج‪ :‬إ ّ‬
‫اعتبرته مدرسة التحليل النفسي )فرويد( ركنًا ثالثًا من أركان الشخصّية‪.‬‬
‫ن دمج علم النفس الحيواني والنساني كمييا فييي السييلوكّية يييؤّدي إلييى إماتيية العواطييف‬
‫ديإّ‬
‫النسانية السامّية‪ ،‬وتبديل علم النفس إلى علم جاف لدراسة السلوك عديم الروح والحساس‪.‬‬
‫غييل إلييى المسييتوى الييداخلي لييه ومعرفيية‬
‫هي ي الكتفيياء بدراسيية السييلوك النسيياني دون التو ّ‬
‫التيارات النفسّية ومنظومة الدوافع الكامنة في اللشعور بمثابة دراسة القشور فقييط‪ ،‬والنشييغال‬
‫ل عن الصل‪.‬‬
‫بالظ ّ‬
‫ل فرد مّنا لما يجري في نفسه من خلجات ونوازع وميول وعواطف‬
‫‪ 4‬ي الوعي‪ ،‬وإدراك ك ّ‬
‫وإنفعالت و‪ ..‬من أبده البديهيات‪ ،‬والتي ل تحتاج في إثباتها إلييى أي دليييل عقلييي أو تجريييبي‪،‬‬
‫وبعبارة ُاخرى‪ ،‬اّنها من المعلومات بالعلم الحضييوري‪ ،‬فكيييف جيياز لمدرسيية السييلوك تهميشييه‬
‫ن إدراك الواقعيات المختلفة فييي الخييارج فييرع هييذا اللييون ميين‬
‫وإنكاره من الساس‪ ،‬في حين إ ّ‬
‫ن وعي النسان لذاته يؤّثر تييأثيرًا ج يّديا فييي إدراكيياته لمييا يجييري حييوله‬
‫الدراك النفسي‪ ،‬أي إ ّ‬
‫لخرى الواردة من الخارج‪.‬‬
‫ويسهم في صياغة جميع المعلومات ا ُ‬
‫ن الوعي مفهوم غير قابل للتعريف ول للثبات التجريبي ولذا لبييّد‬
‫ن إّدعاء واطسون بأ ّ‬
‫ثّم إ ّ‬
‫من حذفه من دائرة علم النفس كلم ل يخلو من غرابة‪ ،‬وقد ثبت في الفلسييفة السييلمّية وجييود‬
‫طائفة من المفاهيم البديهية غير القابلة للتعريف كمفهوم اللّذة واللم والوجود والبياض والسييواد‬
‫وأمثال ذلك‪ ،‬فاكتفى الفلسفة في تعريفها بشرح السم فقط لستلزام التعريف التسلسل أو الدور‬
‫ل فييرد‬
‫ومفهوم الوعي من جملة هذه المفاهيم البديهّية غير القابليية للتعريييف لوضييوحها لييدى كي ّ‬
‫ل فييرد‪ ،‬ولييذا كييان‬
‫مّنا‪ ،‬فل حاجة إلى إثباته بالطريقة الموضوعية لّنه ثابت بالوجييدان لييدى ك ي ّ‬
‫إنكاره سفسطة ل أكثر‪.‬‬
‫ل للرادة والختيار في‬
‫سر واطسون سلوك النسان تفسيرًا فيزياويًا صرفًا‪ ،‬فل مح ّ‬
‫‪ 5‬ي يف ّ‬
‫ن النسييان منفعييل فييي سييلوكه عيين المييؤّثرات‬
‫منظومته الفكرية‪ ،‬ولذلك فهو يييؤمن بييالجبر‪ ،‬وأ ّ‬
‫الخارجية‪ ،‬ول معنى لتحميل المسؤولية والعقاب والجزاء وأمثال ذلييك‪ ،‬وينبغييي التص يّرف مييع‬
‫لصول الحياتية‪ ،‬فييان لييم ينفييع ذلييك أجيياز واطسييون‬
‫الجناة والجانحين بشكل يعاد فيه تعليمهم ا ُ‬
‫ن النسان مختار فييي أفعيياله‬
‫ن مقولة الرادة وا ّ‬
‫توقيفهم أو إفناءهم‪ ،‬ونلحظ على هذه الجبرية أ ّ‬
‫ل فرد يمكنه تجربتهييا بنفسييه‪،‬‬
‫هو من تلك المفاهيم البديهّية التي يلمسها النسان في وجدانه‪ ،‬وك ّ‬
‫ن نفييس‬
‫فحّتى لو كان عطشانًا وقّدم إليه الماء لوجد في نفسه القدرة على رفضه أو قبوله‪ ،‬بييل أ ّ‬
‫الترّدد في قبول شيء ورفضه دليل على الختيار كما يقول العرفاء‪ ،‬ول يلييزم ميين قبييول مبييدأ‬
‫حرّية النسان واختييياره رفييض مبييدأ العّلييية كمييا سييقط فييي هييذا الييوهم بعييض علميياء الغييرب‬

‫ن ذلك يعني الجبرّية‪،‬‬
‫ن قانون العّلية لو أضحى حاكمًا على السلوك‪ ،‬فا ّ‬
‫وفلسفتهم‪ ،‬حيث ظّنوا أ ّ‬
‫ولذا ذهب من قال بالختيار إلى استثناء السلوك من هذا القانون‪ ،‬وتحجيمييه بالطبيعيييات‪ ،‬وأّمييا‬
‫من قال بشمول قانون العّلية لجميع الموضييوعات ولييم يسييتثن سييلوك النسييان منييه ذهييب إلييى‬
‫الجبر‪ ،‬ولكن الفلسفة المسلمين أثبتوا في هذا المورد عدم التنافي بين هاتين المقولييتين‪ ،‬فيمكيين‬
‫اللتزام بشمولّية قانون العّلية‪ ،‬وعدم القول بالجبر‪) ،‬في غير الفعال النعكاسّية طبعيًا(‪ ،‬وذلييك‬
‫حة‪ ،‬والقدرة و‪ ..‬فك ّ‬
‫ل‬
‫ن السلوك معلول لمجموعة من الدوافع‪ ،‬والشوق الشديد‪ ،‬والسلمة والص ّ‬
‫أّ‬
‫لمور جييزء عّليية‪ ،‬فهييي مقتييض لصييدور المعلييول ل عّليية تاميية‪ ،‬والرادة أحييد‬
‫واحد من هذه ا ُ‬
‫أجزاء العّلة التاّمة‪ ،‬فما لم تتحّقق في نفس النسان لتتحّقق العّلة التاّمة‪ ،‬فل يتحّقق المعلول‪ ،‬ل‬
‫ن العّلة تامة‪ ،‬ولكن المعلول يتوّقف في تحّققه على إرادة الفرد‪.‬‬
‫نأّ‬
‫أّ‬
‫لطروحة عن صياغة نظرة متفائلة للفرد في‬
‫‪ 6‬ي من الناحية التربوّية نلحظ عجز هذه ا ُ‬
‫تطوير قابلياته وتهذيب ملكاته‪ ،‬فالنسان معهييا يقبييع فييي إنتظييار المييؤثرات لتغّييير ميين أخلقييه‬
‫ل عيين أعميياله‬
‫وسلوكياته السلبّية‪ ،‬وليس له أّية قدرة على إصلح نفسه‪ ،‬ول يجييد نفسييه مسييؤو ً‬
‫لكي يحاول ترميمها وإصلحها‪ ،‬فمع الخذ بنظر العتبار هذا الفهم عيين سييلوك الفييرد‪ ،‬فكيييف‬
‫ن واطسون برفعه المسؤولية عييين‬
‫تكون نظرة هذا النسان عن مستقبل الفرد والمجتمع؟ وهل أ ّ‬
‫ل محّلها؟ وكيف يتسّنى له بنيياء‬
‫الفرد قادر على ضبط السلوك وإيجاد البدليل الخلقي الذي يح ّ‬
‫علقييات إجتماعّييية فييي مجتمييع تسييوده المحّبيية والنسييجام والييوئام مييع القييول بقييانون المييثير‬
‫ل سلوك النسان؟‬
‫والستجابة وتعميمه على ك ّ‬
‫* * *‬

‫)‪(6‬‬
‫مدرسة الجشتلت علم نفس الشكل‬
‫برزت هذه المدرسة في العقد الثاني من القييرن العشييرين‪ ،‬وكييانت فييي بداييية أمرهييا بمثابيية‬
‫اعتراض على عمليات التجزئة في المدارس النفسّية كما رأينا في المدرسة التجريبّية ومدرسيية‬
‫التحليل النفسي‪ ،‬فقد كان السائد في الوساط تجييزئة الحاسيييس والعواطييف والعمليييات الذهنّييية‬
‫ل إلييى‬
‫إلى عناصرها الّولّية‪ ،‬فكانت تسّمى لذلك بالعنصراتّية‪ ،‬أو الذّرية‪ ،‬نسبة إلييى تحليييل الكي ّ‬
‫ذّرات صغيرة‪ ،‬فكانت مدرسة الجشتلت ي أو مدرسة الشكل أو الهيئة ي أّول مدرسة نفسّية أثبتت‬
‫بالمنهج التجريبي وجود ظييواهر إدراكّييية ل تنسييجم مييع العنصييراتية أو الذراتّييية فييي المناهييج‬
‫ن هناك حقائق معرفّية ل تتكّون من ذّرات وعناصر أّولّية‪ ،‬وهي بحاجة إلى دراسيية‬
‫القديمة‪ ،‬ل ّ‬
‫ن الدراك ليس كّمييا ميين تراكييم العناصيير الدراكّييية‬
‫كلّية‪ ،‬ولذا ذهب رجال هذه المدرسة إلى أ ّ‬
‫ل منسييجم ومتش يّكل علييى شييكل هيئة‬
‫التي ترد الذهن بصورة مفاهيم مترابطيية‪ ،‬بييل الدراك ك ي ّ‬
‫واحييدة يندمييج فيييه المييدِرك والمييدَرك‪ ،‬والمييثير والسييتجابة‪ ،‬والموضييوع والييذات‪ ،‬والييذهن‬
‫والمحسوسات في وحدة جديدة مستقّلة‪ ،‬فالماء عند تحليله يتكّون من هيدروجين واوكسجين‪ ،‬إ ّ‬
‫ل‬
‫ن صفات هذين العنصرين تختلف كلّيا عن صفات الماء‪ ،‬والمربع يتك يّون ميين أربعيية أضييلع‬
‫أّ‬
‫ل ضلع علييى ح يّدة لدراسييته فاّننييا ل نجييد للمرّبييع وجييودًا حينئذ‪ ،‬وكييذلك‬
‫متساوية‪ ،‬فلو أخذنا ك ّ‬
‫بالنسبة لدراكات النسان بعد تحليلها إلى عناصرها الّولّية‪.‬‬

‫وتعتبر هذه المدرسة المانّية التأسيس‪ ،‬وقد بدأت في التشّكل على يد ثلثة من أشهر رجالهييا‬
‫وهم‪» :‬فرتايمر«)‪ ،(84‬و»كوفكا«‬

‫)‪(85‬‬

‫و»كوهلر«)‪.(86‬‬

‫علم نفس الشكل والجذور الفلسفّية‪:‬‬
‫لم تكن نظريات الجشتلتيين وليدة الساعة‪ ،‬أو عديمة الجذور في الفلسييفة اللمانييية‪ ،‬وخاصيية‬
‫»كانت« فقد اقتبست هذه المدرسة ُاصولها الفلسفّية من مقولة كانت في الوحدة الدراكّية‬
‫المضاّدة لمقولة تداعي المعاني فييي المدرسيية الترابطّييية المتقّدميية‪ ،‬ففييي نظيير »كييانت« هنيياك‬
‫بعض القوالب مثل الزمان والمكييان‪ ،‬والعّلّييية الييتي يضيييفها الييذهن علييى التجربيية هييي فطرييية‬
‫بالساس‪ ،‬وليست وليدة التجربة‪ ،‬بل هي متقّدمة على وجود الدراك فييي الييذهن‪ ،‬وإدراك هييذه‬
‫العناوين من الزمان والمكان والعّلييية يتيّم بطريييق الشييهود والحضييور الوجييداني فقييط‪ ،‬وكييانت‬
‫لفكار »ارنست ماخ« الفلسفّية تأثيرًا مباشرًا على هذه المدرسة‪ ،‬فقد تحّدث في كتابه »تحليييل‬
‫الحساسات« ي ‪ 1885‬ي عن المكان والشكل والزمان بعنوان أحاسيس للنفس‪ ،‬فكان يرى أ ّ‬
‫ن‬
‫هذه الحساسات مقولت مستقّلة عن العناصر التي تدخل في تركيبها‪ ،‬فعلى سبيل المثال يمكيين‬
‫أن تكييون الييدائرة بيضيياء‪ ،‬أو سييوداء‪ ،‬أو صييفراء‪ ،‬ولكيين هييذه الشييكال ل تخييدش مطلقيًا فييي‬
‫دائريتها‪.‬‬

‫‪()84‬‬

‫ولد ماكس فرتايمر‬

‫في براغ )‪ 1880‬ي ‪ (1943‬ونال شهادة الدكتوراه من جامعة وورتنبورغ عام‬

‫سي عام ‪ 1910‬في فرانكفورت‪ ،‬وفي عام ‪ 1921‬أصدر بمعّية كوهلر‬
‫‪ ،1904‬وبدأ تحقيقاته حول خطأ الدراك الح ّ‬
‫وكوفكا وغلوتشاين وآخرين أّول مجّلة باسم »تحقيقات علم نفسّية« قّدر لهييا أن تكييون الناطقيية باسييم مدرسيية الجشييتلت‪،‬‬
‫وهاجر إلى امريكا عام ‪ ،1933‬أي قبل بدء الحرب العالمّية الثانية وبقي هناك حّتى توّفي عام ‪.1943‬‬
‫‪()85‬‬

‫كورت كوفكا‪:‬‬

‫)‪ 1886‬ي ‪ (1941‬ولد في برلين ودرس هناك حّتى نال مرتبة الدكتوراه عام ‪،1908‬‬

‫ل أّنييه تح يّول إلييى علييم‬
‫وعمل مع فرتايمر وكوهلر في تأسيس مدرسة الجشتلت‪ ،‬كان يميل إلى الفلسفة في بداية أمييره‪ ،‬إ ّ‬
‫ج وبقي فيها حّتى وفاته‪ ،‬وأصدر أّول كتاب له‬
‫النفس‪ ،‬وفي عالم ‪ 1924‬هاجر إلى امريكا وعمل ُاستاذًا في جامعة كال ّ‬
‫صل في آراء ونظريات‬
‫عام ‪ 1921‬باسم »رشد الذهن« يدور حول موضوع علم نفس الطفل‪ ،‬وكتب بعد ذلك كتابًا مف ّ‬
‫مدرسة الجشتلت باسم »ُاصول علم نفس الشكل« عام ‪.1935‬‬
‫‪ ()86‬كوهلر‪ :‬ولد عام ‪ 1887‬في استونيا‪ ،‬وحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة برلين عام ‪ .1909‬وسافر إلى‬
‫فرانكفورت ودرس الفيزياء التي أعانته كثيرًا في ُاطروحاته في علم نفس الشكل‪ ،‬ثّم سافر في عام ‪ 1913‬إلى جزيرة‬
‫لولى‪ ،‬وأصدر كتابه‬
‫»تنريف« أكبر جزر القناري السبانّية لدراسة الشمبانزي‪ ،‬وبقي هناك طيلة الحرب العالمّية ا ُ‬
‫حول ذهن الشمبانزي عام ‪ ،1917‬وفي عام ‪ 1920‬عاد إلى المانيا حّتى عام ‪ 1934‬حيث سافر إلى امريكا وُأعطي‬
‫ن التقاعد‪.‬‬
‫كرسي التدريس في جامعة كالج حّتى س ّ‬

‫ن كيفية الدراكات ل توجد في الموضوع‬
‫ويؤّكد »فون ارنفلز« )‪ 1859‬ي ‪ (1932‬أ ّ‬
‫ن الشييخص المييدرك يضييفي علييى الشييياء المادّييية المتخيّذة كموضييوع‬
‫الذي يييراد تجربتييه‪ ،‬فييإ ّ‬
‫ى خاص‪ ،‬فهو يسعى لتوحيد مييا يييراه فييي إطييار واحييد منسييجم فييي‬
‫ل وكيفية ومعن ً‬
‫للتجربة شك ً‬
‫كيفية خاصة عّبر عنها بكيفية الجشتلت‪ ،‬فالدراك أعلييى ميين الحسيياس بهييذا المعنييى‪ ،‬أي اّنييه‬
‫يصوغ من الحاسيس الواردة إلى الذهن من الحواس وحدة حقيقية متكاملة‪.‬‬
‫ومن النظريات الفلسفّية التي كان لها تأثير مباشر في صياغة نظرّية الجشتلت هي النظرييية‬
‫ن كيفيات الشياء تحصل من جّراء إرتباط الشيء بغيره ميين‬
‫النسبّية في الكيفيات والتي تّدعي إ ّ‬
‫الشياء‪ ،‬فالطويل والقصير‪ ،‬والقريب والبعيد والكبير والصغير‪ ،‬وغيرها من الكيفيات المختلفيية‬
‫للجسييام ليسييت لهييا حقييائق مسييتقّلة عيين الدراك‪ ،‬وإدراك هييذه الكيفيييات بييدوره يعتمييد علييى‬
‫ملحظة نسبتها إلى بقّية الشياء‪ ،‬أي لول وجييود تلييك الشييياء لمييا تس يّنى لنييا إدراك الكيفيييات‬
‫المذكورة بوجوداتها الوضوعّية‪.‬‬

‫المفاهيم الساسّية في مدرسة الجشتلت‬
‫‪ 1‬ـ الوجود والواقع‪:‬‬
‫ن الوجييود والواقييع شيييء واحييد‪ ،‬فييالواقع هييو‬
‫هناك نظرة فلسفّية سائدة تقييوم علييى أسيياس أ ّ‬
‫الوجود‪ ،‬أي الموضوع المسييتقل عيين النسييان وإدراكيياته‪ ،‬ولييذا كييان الواقييع فييي نظيير هييؤلء‬
‫الفلسفة وكثير من علماء النفس ومنهم علماء المذهب السلوكي هو الشييياء المادّييية الموجييودة‬
‫في الخارج بقطع النظر عن إدراك النسان لها‪.‬‬
‫ن الواقع في هييذه النظرييية‬
‫ن الواقع يختلف عن الوجود‪ ،‬ل ّ‬
‫ولكن بالنسبة لنظرّية الجشتلت فا ّ‬
‫ل للشييياء ي ي‬
‫هو العالم الخارجي كما يراه ويدركه الفرد من دون إنكار لصييل الوجييود المسييتق ّ‬
‫ولذا يختلف الواقع من فرد لخر وفق يًا لتص يّوره عيين الموضييوعات الخارجّييية‪ ،‬ويكييون إدراك‬
‫ن الدراك الكامل للموضوعات الخارجّية غير ممكن إطلقًا‪ ،‬ونتيجيية‬
‫النسان محدودًا أيضًا‪ ،‬ل ّ‬
‫لييذلك يكييون إدراك الشييخص للعييالم المييادي والمجتمييع متييأّثرا بأهييداف هييذا الشييخص وميييوله‬
‫وتجاربة المسبقة عن الحياة‪.‬‬
‫ن المحيط المادي والمحيط النفساني غير متساويين كمييا كييان لييدى‬
‫ويترّتب على ذلك أيضًا أ ّ‬
‫السلوكيين‪ ،‬فالمحيط النفساني لدى الجشتلتيين عبارة عن إدراك الفرد لما حوله‪ ،‬فليييس المحيييط‬
‫المادي هو الذي يحاصر الفرد‪ ،‬بل »الميدان الدراكي« والمجال الحيييوي للشييخص هييو الييذي‬
‫ل أّنييه ل يعنييي‬
‫يحيط بالفرد‪ ،‬وقد يسييتوعب مختلييف المظيياهر المادّييية فييي العييالم الخييارجي‪ ،‬إ ّ‬

‫بالضرورة احتوائه لجميع أفراده المادّية‪ ،‬ولهذا السبب من الممكن وجييود شخصييين فييي زمييان‬
‫ل منهما‪.‬‬
‫ل منهما لختلف أهداف وتجارب ك ّ‬
‫ومكان واحد مع تفاوت المحيط النفساني لك ّ‬
‫‪ 2‬ـ الدراك‪:‬‬
‫للدراك لييدى التجريييبيين والسييلوكيين ظيياهرة متوّلييدة ميين اّتصييال الحاسيية بالمحسييوس‬
‫الخارجي‪ ،‬ثّم إرسالها عن طريق شبكة العصاب إلى الدماغ ويقوم الذهن بتفسييير هييذا الشيييء‬
‫المدَرك‪ ،‬فالعملّية تشبه إلى حّد كبير جهاز التصوير )الكاميرا(‪ ،‬ففي البداية يحييدث الحييس‪ ،‬ث يّم‬
‫س والمعنى أمران مختلفان‪.‬‬
‫ن الح ّ‬
‫يتبعه إدراك المعنى‪ ،‬أي إ ّ‬
‫س الشخص وبين المعنى الذي يييراه لهييذا‬
‫ن الباحث الجشتلتي ل يذهب إلى الفرق بين ح ّ‬
‫ولك ّ‬
‫ل ما يّتفييق مييع أهييدافه وغاييياته‪ ،‬أي‬
‫س بشيء من المحيط المادي إ ّ‬
‫ن الفرد ل يح ّ‬
‫المحسوس‪ ،‬ل ّ‬
‫س مع المعنى ويحدثان في وقييت واحييد‪،‬‬
‫ن الدراك في الجشتلت ظاهرة واحدة يرتبط فيها الح ّ‬
‫إّ‬
‫ولذا يكون الدراك مقولة إنتخابية وتقع فييي دائرة إختيييار النسييان‪ ،‬فالشييخص الهييادف يختييار‬
‫لمدركاته من المحيط الجييوانب الفاعليية الييتي تتفييق مييع أهييدافه‪ ،‬ولهييذا السييبب يكييون الشييخص‬
‫س مرتبط بجميع مييا فييي الظييرف‬
‫ل إدراك أو ح ّ‬
‫ساسا لبعض مفردات المحيط دون بعض‪ ،‬فك ّ‬
‫حّ‬
‫ل ظاهرة نفسانّية تحدث نتيجة تفاعل عّدة عوامل مختلفة‪.‬‬
‫الذي وقع فيه الدراك‪ ،‬وك ّ‬
‫‪ 3‬ـ التجربة‪:‬‬
‫تعني التجربة في هييذه المدرسيية التعامييل والتفاعييل الهييادف مييع المحيييط النفسيياني الخيياص‬
‫بالفرد‪ ،‬فهي محاولة تتلءم مع مقولة النسبّية‪ ،‬وتختلف عن التجربة في مفهوم السلوكّية‪ ،‬حييييث‬
‫ن الباحث السلوكي ينظر إلى التجربة ميين منظييار عملييي‪ ،‬فهييي عبييارة عيين ظييواهر شييرطّية‬
‫أّ‬
‫يمارسها النسان من خلل ورود مثيرات خارجية على الحواس تستدعي إستجابات جديييدة‪ ،‬أو‬
‫تقوم بتغيير الستجابات القديمة‪ ،‬ولكن التجربة في نظر الجشتلت عبارة عن سلوك يمدّ جييذوره‬
‫إلى فكر النسان‪ ،‬فهي تلقي الضوء على كيفّية تعامل الفرد مع محيطه الدراكي الييذي ينسييجم‬
‫ي محيط كان‪.‬‬
‫مع أهدافه أ ّ‬
‫‪ 4‬ـ الدوافع‪:‬‬
‫صة بالدوافع والغرائز والمثير والستجابة وأمثال ذلك‪ ،‬فإّنهييا‬
‫ل نجد في الجشتلت مفاهيم خا ّ‬
‫مّما ل تنسجم مع أطروحة الجشتلت المعرفّية‪ ،‬ونجد بدل ذلك مفردات علمّية ُاخييرى ميين قبيييل‬
‫ن السييلوك فييي هييذه النظرّييية تييابع للكييل والهيئة‬
‫الهدف‪ ،‬التوّقع‪ ،‬النّية والقصد وأمثييال ذلييك‪ ،‬ل ّ‬

‫الواقعّية للفرد‪ ،‬ذلك الواقييع الييذي يتعامييل فيييه الفييرد ميين ميييدانه المعرفييي النفسيياني ميين خلل‬
‫مفردات كالهدف والقصد ومدى فهمه وكيفية إدراكه عن الشياء والرموز المحيطة به‪ ،‬فلييذا ل‬
‫ح اعتبار الباعث على العمل محّرك ميكانيكي صرف يفييرض نفسييه علييى الفييرد‪ ،‬ويييدعوه‬
‫يص ّ‬
‫لسلوك معّين‪ .‬بل اّنه أكييثر ميين ذلييك‪ ،‬فالبيياعث‪ ،‬أو الغريييزة تنشييأ ميين موقييع نفسيياني متحيّرك‬
‫يستبطن في أعماقه الرادة والرغبة الواعية لسلوك معّين‪.‬‬
‫الباعث في هذه النظرّية هو عنصر »عييدم التييوازن والتعييادل« فييي ميييدان الحييياة الشييامل‬
‫للهداف والموانع التي تعيييق الفييرد ميين تحقيييق أهييدافه‪ ،‬فقييد يكييون الهييدف إيجابي يًا أو سييلبيًا‪،‬‬
‫وعندما يبرز أمامه مانع لنيل مقصوده وغرضه‪ ،‬فاّنه يثير في الفرد شعورًا بالنفعييال‪ ،‬فيسييعى‬
‫الفرد من خلل الغلبة على هذا المانع إزالة ذلك النفعال والتوتر‪.‬‬
‫ح البحييث عيين‬
‫ن كيفية الباعث وقّوته وضعفه من توابييع الميييدان النفسيياني للفييرد‪ ،‬فل يص ي ّ‬
‫اّ‬
‫ي اّنه ل يمكن تصنيف الدوافع إلى ما يكييون لهييا‬
‫المنشأ الداخلي أو الخارجي للدوافع النفسّية‪ .‬أ ّ‬
‫منبع داخلي كالغرائز‪ ،‬أو خارجي كما ترى ذلك السلوكّية‪ ،‬فالباعث أو الدافع في رأي الجشتلت‬
‫نابع من أعماق الميدان النفساني للفرد في الزميين الحييال‪ ،‬ل الماضييي دون السييتهانة بتجييارب‬
‫الفرد في حياته الماضّية‪ .‬ول ما سوف يأتي عليه من المستقبل‪ ،‬فالمهّم في نظيير الجشييتلت هييو‬
‫الدافع للفرد في الزمان الحال‪.‬‬
‫ن الدراك يتحّدد بفعل نوعين من العوامل‪:‬‬
‫وببيان آخر‪ ،‬إ ّ‬
‫أ ي العوامل الداخلّية وتستبطن إرادة الفرد وأهدافه والحاجات النفسّية الييتي هييي عبييارة عيين‬
‫مؤشر على توتر حاصل في النفس من جّراء عدم توازن وتلؤم مع المحيط النفسي‪.‬‬
‫ب ي العوامل الخارجّية‪ :‬وهي العوامل الموجودة في الوسييط أو الميييدان النفسيياني )المحيييط‬
‫‪ +‬الدراك الشخصي له(‪ ،‬وهي قد تكون إيجابّية‪ ،‬أي لها خاصية الجذب كالماء للعطشان‪،‬‬
‫وقد تكون سلبية منّفرة ول تساعد الشخص في تحقيق أهدافه‪.‬‬
‫ن العطشان يييدفعه‬
‫حد بين هذين النوعين من العوامل‪ ،‬أي أ ّ‬
‫ومهّمة الميدان النفسي هي أّنه يو ّ‬
‫عطشه وإحساسه الداخلي هذا نحو الماء‪ ،‬وكذلك خاصيّية الميياء فييي رفييع العطييش تجييذب هييذا‬
‫ل جييزء سييواء كييان داخلّيييا أو‬
‫الشخص إليه لرضاء حاجته وإزالة التوتر وإعادة التييوازن‪ ،‬فكي ّ‬
‫ل تغيير في الوسييط الخييارجي يييؤّدي إلييى تغيييير فييي ذات الشييخص‪،‬‬
‫خارجّيا مرتبط بالكل‪ ،‬وك ّ‬
‫ل تغيير وتبّدل في ذات الشخص يؤّدي إلى تغيير في الميدان النفسي والوسط الييواقعي لييذلك‬
‫وك ّ‬
‫ل ويحّوله إلى شكل جديد وجشييتلت آخيير‪.‬‬
‫الشخص‪ ،‬فالتغيير في الجزء يؤّدي إلى تغيير في الك ّ‬
‫فالعلقة بين الفرد والوسط هي علقة إتحاد‪.‬‬

‫ل‪ ،‬وينتييج شيييئًا جديييدًا يسييتدعي سييلوكًا‬
‫ل شيء يييرد الوسييط النفسيياني يغّييير الكي ّ‬
‫وحينئذ‪ ،‬فك ّ‬
‫ل سييعي النسييان للقضيياء علييى التييوّتر النيياجم ميين ورود‬
‫ن السلوك ما هو إ ّ‬
‫خاصًا‪ ،‬لّنه تقّدم أ ّ‬
‫ل المشييكلة‪.‬‬
‫أشياء إيجابّية أو سلبّية في الحقل النفساني وإعادة التوازن للوصول إلى الهدف وح ي ّ‬
‫ل نقص أو زيادة تولد تّوترا‪ ،‬والتوتر بدوره يحّرك أو يثير السلوك أّما نحو الشيء الموجب‪،‬‬
‫فك ّ‬
‫أو بالبتعاد عن الشيء السالب‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ الذهن والبدن‪:‬‬
‫كانت العلقة بين الذهن والبييدن مييوردًا للبحييث والمناقشيية منييذ قييديم الّيييام وعلييى اختلف‬
‫ن ديكارت كان يقول بالتباين المطلق بينهما‪ ،‬ومن ثّمة ذهب‬
‫المذاهب الفلسفّية‪ ،‬وقد رأينا كيف أ ّ‬
‫المحّققون في السابق إلى وجود مسييتقل فييي النسييان باسييم الييذهن أو العقييل يكييون هييو المنشييأ‬
‫والمصدر للفّعاليات النفسّية‪.‬‬
‫ومييع تط يّور الكشييوفات الطّبييية ثبييت وجييود ترابييط وثيييق بييين المييراض النفس يّية وبعييض‬
‫ن أحدهما قد يكون عّلة للخر‪ ،‬ث يّم جيياء دور مدرسيية التحليييل‬
‫المراض الجسدّية وبالعكس‪ ،‬وأ ّ‬
‫النفسي التي أعطت للذهن بعدًا جديدًا في عالم اللشعور‪ ،‬فبعد أن كييانت فّعالييية الييذهن تقتصيير‬
‫على منطقة الوعي أضييحت قييادرة علييى التص يّرف فييي البييدن ميين خلل مكبوتييات اللشييعور‬
‫وتبديل العلئم المرضّية من مكان إلى آخر‪.‬‬
‫ثّم أصبحت فّعالّية الذهن بمثابة ظواهر سلوكّية تختصيير المسييافة علييى الفييرد وتعينييه علييى‬
‫ل مشكلته بأقصر طريق وأسهل وسيلة وأقل جهد بدني‪ ،‬ولذا كانت فّعالّية الذهن‬
‫صل إلى ح ّ‬
‫التو ّ‬
‫وفّعالية الجسد تسيران جنبًا إلى جنب في سبيل نيل الهدف وقضاء حاجة الشخص‪ ،‬غاية المر‬
‫ل من الطاقة‪ ،‬ومن ذلك تتبّين نظرييية الجشييتلت‬
‫ن أحدهما وهي فّعالية الذهن تصرف مقدارًا أق ّ‬
‫أّ‬
‫ن فّعالية الييذهن هييي بنفسييها فّعالّييية للبييدن‬
‫في تصوير الوحدة التاّمة بين الذهن والبدن‪ ،‬وكيف أ ّ‬
‫ن فعالّية البدن هي فعالّية الذهن ولكن بجهد أكبر‪.‬‬
‫ولكن بجهد أقل‪ ،‬وأ ّ‬
‫ولتوضيح هذا المعنى ُيمّثل لذلك بالجندي في ميدان القتال‪ ،‬فاّنه يستعمل عضلته وأعضاءه‬
‫البدنّية بكثرة في حربه مع العدو‪ ،‬يرتفع فيه ضغط الدم‪ ،‬وتسرع دّقات قلبييه ويعيييش فييي حاليية‬
‫من الهياج والنفعال العاطفي و‪ ...‬أّما بعد رجوعه من ساحة المعركة‪ ،‬وهييدوء الزوبعيية‪ ،‬فييإ ّ‬
‫ن‬
‫ذلك الجهد البدني يتحّول إلى فّعالّية ذهنّية فيفّكر في القضاء على العدو‪ ،‬ويتحّدث عيين أجرامييه‬
‫وخبثه‪ ،‬ولكن بجهد بدني أقل‪ ،‬وهذا يعني أّنه استبدل الجهد البييدني الكييبير بجهييد ذهنييي يسييير‪،‬‬
‫وهذه من خصوصيات الذهن‪ ،‬حيث يستطيع أن يقتصد في عملّييية اسييتهلك الطاقيية‪ ،‬ويسييتخدم‬
‫ن مييوقفه الّول لييم يتغّييير فييي ميياهّيته‬
‫تلك الطاقة المخزونة في مجالت بّناءة ُاخرى في حين أ ّ‬

‫ل فييي مجييال كيفييية اسييتهلك الطاقيية ضيّد العييدّو‪ .‬وهكييذا يسييتطيع النسييان‬
‫عن موقفه الثاني إ ّ‬
‫بالستفادة من قدرة الذهن على التفّكر والبداع من إستحصال مقولت جديدة‪ ،‬وتطييوير العلييوم‬
‫والفنون الحضارية‪.‬‬
‫وبناًء على ذلك‪ ،‬ل يوجد هناك إنفصال وإنقطيياع بييين الفكيير والجسييم‪» ،‬وليييس الفكيير ق يّوة‬
‫ن ما في الييداخل هييو أيضيًا فييي الخييارج حسييب‬
‫تنظيم تجري بفعل نشاطية ما يتمّيز بها‪ ،‬ذلك أ ّ‬
‫ل‪ ،‬هو‬
‫ن إدراك شيء ما‪ ،‬كتاب مث ً‬
‫جملة »غوتيه« وضعها كوهلر عنوانًا لمبحث من مباحثه‪ :‬إ ّ‬
‫ن الشييكل يجييد‬
‫ل‪ ،‬أي غشطلت يجد في الجهاز العصبي ما يوازيه‪ ،‬ما يعادله‪ ،‬ما يقييابله‪ ،‬أي أ ّ‬
‫كّ‬
‫ل التجاهات‪ ،‬والذي يحيط بسييائر أقسييام وضييلوع‬
‫ما يوازيه في الجهاز العصبي المنتشر في ك ّ‬
‫ن في الجهاز هذا سّيال عصبي‪ ،‬أي حركة‪ ،‬وما اللوان إلّ ذبييذبات‬
‫وسطوح الكتاب وألوانه‪ ،‬ل ّ‬
‫ي حركات ي تتباين من حيث الطول والقصر في سرعتها أو بطئها«)‪.(87‬‬
‫وبذلك تقتضي هذه النظرية تمامًا على ثنائية الذهن والبدن‪ ،‬أو نظرية التوازي بينهما‪ ،‬لّنها‬
‫ل منهمييا بشييكل‬
‫ن التفّكر والعمل ليسا من مقولتين ويعمييل كي ّ‬
‫بهذا المفهوم الجديد تحيطنا علمًا بأ ّ‬
‫مستقل عن الخر‪ ،‬بل بعنوان مجموعة متحّدة واحدة تستقي من منهييل واحييد‪ ،‬ويمكيين إسييتبدال‬
‫أحدهما بالخر‪.‬‬
‫‪ 5‬ـ مبادي عاّمة في إدراك الكّل‬
‫ل لدى الفرد ‪..‬‬
‫للدراك عند الجشتلت مبادي وضوابط يتّم من خللها فهم الك ّ‬
‫ل ماهّية ُاخرى ل توجد في الجزاء‪ ،‬كما رأينا في الشكال الهندسّية ) المرّبع‬
‫ن للك ّ‬
‫منها‪ :‬إ ّ‬
‫ل مغاير للمفهوم من الجزاء‪.‬‬
‫ن المفهوم من الك ّ‬
‫المثّلث الدائرة ‪ (..‬حيث أ ّ‬
‫ل ومنفييردًا‪ ،‬وهييذا‬
‫ل يعطييي معنييى آخيير غييير مييا لييو كييان مسييتق ً‬
‫ن الجزء في ضمن الك ّ‬
‫ثّم إ ّ‬
‫ن الكل يضفي على الجزاء سمات خاصة لم تكن الجييزاء‬
‫ل أيضًا‪ ،‬أي أ ّ‬
‫المعنى مقتبس من الك ّ‬
‫لتتصف بها في حال النفراد‪ ،‬فالكل هنا هو الذي يحّدد معنى الجزاء التي يتكييون منهييا »ك ي ّ‬
‫ل‬
‫إدراك هو تنظيم أصيل‪ ،‬إّنه بنّية تتعّلق في داخلها الجزاء بالكل«)‪.(88‬‬
‫ومنها‪ :‬قانون الدنى والعلى للعمل‪ ،‬الحّد الدنى عبارة عن ضرورة وجود رغبة مهما‬
‫ن سلوك النسان يخضع لرغبييات وأهييداف مسييبقة‪ ،‬وأّمييا الح يّد‬
‫كانت طفيفة لتحّقق الدراك‪ ،‬ل ّ‬
‫ن النسييان إذا أراد أن يوّفييق فييي أعميياله ونشيياطاته فل ينبغييي تييأطير حييياته‬
‫العلييى فهييو أ ّ‬

‫‪ ()87‬م ع ن ي د‪ .‬علي زيعور‪ ،‬ص ‪.356‬‬
‫‪ ()88‬بول غيوم‪ ،‬مقّدمة الترجمة الفرنسية لكتاب »مدخل إلى علم نفس الشكل« د‪ .‬كانس ص‪.2‬‬

‫ن ذلك من شييأنه تحديييد خييبرات‬
‫بمجموعة مكتسبة من العادات والصفات كما تراه السلوكّية‪ ،‬ل ّ‬
‫الفرد بتلك المعلومات والقييوالب المعرفييية والسييلوكّية المعّينيية‪ ،‬فل يتمتييع بالمرونيية فييي إدراك‬
‫الوسط النفساني له‪ ،‬فل يتسّنى له القيام بالحّد العلى من العمل‪.‬‬
‫ومنهــا‪ :‬قــانون التجــاور‪ :‬حيث تدرك الشكال وفقًا لهذا القانون بشكل خاص متأثرة‬
‫بالتجاور والتقارن فيما بينها‪ ،‬فليس للفرد أن يدركها بغير تلك الصورة والشكل الذي يوحي بييه‬
‫التجاور‪ ،‬كما ترى ذلك في الرسم أدناه‪:‬‬
‫الشكل الّول‬

‫ل من يلحظ هذه الشكال لبّد له من ملحظتها بشكل خاص متأّثر بالمجاورة‪ ،‬فيرى ك ّ‬
‫ل‬
‫فك ّ‬
‫ل أحد الخطوط في الييزوج‬
‫طين متجاورين على حدة ول يرى مث ً‬
‫لخّ‬
‫مجموعة من النقاط‪ ،‬أو ك ّ‬
‫ط آخر من الزوج الثاني‪.‬‬
‫الّول مع خ ّ‬
‫ن الجزاء‬
‫ومنها‪ :‬قانون التشابه‪ :‬حيث تميل الشياء المتشابهة إلى التجّمع‪ ،‬وببيان آخر‪ :‬إ ّ‬
‫ل كما فييي‬
‫ل مستق ً‬
‫المتشابهة في اللون أو الحجم‪ ،‬أو الشكل تتحد رغم الفواصل بينها لتكون شك ً‬
‫الرسم أدناه‪:‬‬
‫الشكل الّثاني‬

‫فأنت تلحظ هذا الشكل بصيغته العمودية‪ ،‬فترى الدوائر الصغيرة تشّكل عمودًا منسجمًا في‬
‫ب رؤيتها ُافقيًا لعدم تجانس الجييزاء وتشييابهها بييالرغم‬
‫أجزائه‪ ،‬وكذلك الدوائر الكبيرة‪ ،‬ول تح ّ‬
‫ن عامييل المشييابهة أقييوى سييلطة فييي‬
‫ل علييى أ ّ‬
‫من وجود العامل الّول وهو المجاورة‪ ،‬مّمييا يييد ّ‬
‫ل كما في الرسم التالي‪.‬‬
‫عملّية الدراك من الّول‪ ،‬وكذلك فيما لو كانت المشابهة ُافقّية مث ً‬
‫الشكل الّثالث‬

‫ن الدوائر المتشييابهة فييي الحجييم أو اللييون تشيّكل سلسييلة ُافقّييية فيمييا بينهييا‪ ،‬وتييأبى‬
‫فتلحظ ا ّ‬
‫إدراكها العمودي‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬قانون التكميل أو التمام‪ :‬وفي هذا القانون الدراكي تميييل الشييكال الناقصيية إلييى‬
‫ن الذهن يميل إلى رؤية الشياء كاملة وتاّمة وان كان فيها بضع النقييص‬
‫التمام في الذهن‪ ،‬أو أ ّ‬
‫والخلل‪ ،‬فالمرّبع الناقص نحاول إدراكه على أساس اّنه كامل‪ ،‬والدائرة غييير المسييتديرة تمام يًا‪،‬‬
‫أو الناقصة‪ ،‬نحاول تغافل النقص ورؤيتها كاملة‪ ،‬كما في الشكل‪:‬‬
‫الشكل الّرابع‬

‫ول يقصر هذا المعنى على الشييكال الهندسيّية‪ ،‬بييل يتعيّدى إلييى الفكييار والقيييم والخييواطر‬
‫ض النظر عن نقاط الضييعف فييي أنفسيينا‪ ،‬أو ل نحيياول رؤييية نييواقص‬
‫وغير ذلك‪ ،‬فنحن قد نغ ّ‬
‫ب أن نرى‬
‫الطرف الخر المنسوب إلينا كالبيت والسيارة والصديق والدولة‪ ،‬وبعبارة ُاخرى نح ّ‬
‫الشياء وفق مقتضيات الكمال‪ ،‬وتكميل الشياء الناقصة‪ ،‬وذلك لعادة التييوازن وإزاليية التييوّتر‬
‫الناشيء من وجود النقص في الشكل‪.‬‬
‫ضلة في عملية الدراك هي المّتسمة‬
‫ومنها‪ :‬قانون الشكل الجيد‪ :‬وفيه تكون الشكال المف ّ‬
‫بالنتظام‪ ،‬والبساطة‪ ،‬والتجانس‪ ،‬فلو كانت أمامنا ع يّدة أشييكال مختلفيية‪ ،‬فإّننييا نميييل إلييى إدراك‬
‫الشياء أو الشكال الفضل من خلل اّتصافها بتلك المواصفات المييذكورة‪ ،‬فالييذهن يميييل إلييى‬
‫النظم والبساطة والتجانس‪ ،‬وينفر عن أضدادها حّتى كأّنه ل يراها‪ ،‬كما في الشكل التالي‪:‬‬
‫الشكل الخامس‬

‫ففييي هييذا الشييكل يلفييت نظرنييا شييكل الييدائرة دون مييا سييواه ميين الشييكال المتنيياثرة وغييير‬
‫ن الدائرة أكمل وأقوى نظمًا وبساطة وتجانسًا من تلك الشكال‪.‬‬
‫المنتظمة‪ ،‬ل ّ‬
‫ن »ك ي ّ‬
‫ل‬
‫ومنها‪ :‬قانون الصورة والرضّية‪ :‬يقّرر هييذا القييانون فييي إدراك الشييكال علييى أ ّ‬
‫ل في علقة مع أرضّية ما«‪ ،‬فنحن نرى النجييوم علييى صييفحة السييماء‪،‬‬
‫سي ل ينوجد إ ّ‬
‫شيء ح ّ‬
‫فتشّكل السماء أرضّية وخلفّية للنجوم‪ ،‬وعندما نريد شراء بعض الفاكهة من السييوق‪ ،‬أو قطفهييا‬
‫ن الفاكهة تبدو بشكل جلي لنا‪ ،‬وما عداها من الغصييان والفضيياء فييي البسييتان‬
‫من الشجرة‪ ،‬فا ّ‬

‫تشّكل خلفّية لها‪ ،‬والجدار بدوره يشّكل أرضّية لللواح والصور المعّلقة عليه‪ ،‬وعنييدما تتح يّدث‬
‫لّم صييوت‬
‫مع شخص تكون بقّية الشياء من أثاث وجدران بمثابة الرضّية‪ ،‬وهكذا في سماع ا ُ‬
‫ل هذه الحالت يتجّلى الشكل والهيئة التي نهدف إلى‬
‫إبنها من بين الصوات‪ ،‬والضجيج‪ ،‬ففي ك ّ‬
‫لخرى التي تكون لذلك الشكل بمثابة الرضّية‪ ،‬وتتمّيييز الصييورة‬
‫إدراكها دون سائر الشكال ا ُ‬
‫عن الرضّية إّنها تجييذب الهتمييام ولهييا انتسيياق وتلؤم فييي مكّوناتهييا ووضييوح فييي إدراكهييا‬
‫بخلف الرضّية التي تكون بل شكل معّين ومحّدد‪ ،‬وغير منتظمة وباهتة‪.‬‬
‫وهناك حالت تتناوب فيها الصورة والرضّية على الظهور على مسييرح الدراك كمييا فييي‬
‫الوجهين المتقابلين والقدح بينهما‪.‬‬
‫سادس‬
‫الشكل ال ّ‬

‫فإذا رأيت القدح أو رجل منضدة في الوسط لم تيير حينئذ الوجهييان المتقييابلن حيييث صييارا‬
‫بمثابة أرضّية لصورة القدح‪ ،‬وإن لحظت الشكل على اّنه وجهان متقابلن زالت صورة القدح‬
‫أو رجل المنضدة‪.‬‬
‫وللتمييز بين الصورة والرضّية أهمّية بالغة فييي حياتنييا اليومّييية‪ ،‬وبهييا يمكيين التمييييز بييين‬
‫مدركات كثيرة على المسييتوى المحسوسييات الخارجّييية‪ ،‬وكييذلك علييى مسييتوى الفكييار أيضيًا‪،‬‬
‫لخرى أرضّية تقف عليها‪.‬‬
‫فتبرز فكرة من بين ركام الفكار لتجعل من الفكار والمفاهيم ا ُ‬
‫‪ 6‬ـ التعّلم‪:‬‬
‫ن السلوكيين يعتمدون في نظريييات التعّلييم علييى أسيياس ميين قييوانين التعّلييم الشييرطي‬
‫رأينا أ ّ‬
‫خل‬
‫لبافلوف‪ ،‬وقانون الثر لثورنديك الذي يعتمد في الساس على مبدأ التجربة والخطأ دون تييد ّ‬
‫للوعي في مسألة التعّلم‪ ،‬فالحيوان يستمر في تكرار المحاولت الخاطئة العشوائية في فتح بيياب‬
‫القفص لنيل الطعام الموجود خارجه حّتى تصادف يده الييزر الكهربييائي المع يّد لييذلك فيفتييح لييه‬
‫ل والم يّدة أقصيير‬
‫ل مّرة تعاد فيه التجربة تكييون الخطيياء أق ي ّ‬
‫الباب ويحصل على مراده‪ ،‬وفي ك ّ‬
‫ل المشكلة‪ ،‬ومن ذلك صاغ ثورنديك السلوكي قانون للثر فييي التعّلييم الييذي سيييأتي الحييديث‬
‫لح ّ‬
‫عنه في فصل التعّلم في الجزء الثاني‪.‬‬

‫ن كييوهلر الجشييتلتي هيياجم هييذه المقوليية بشيّدة‪ ،‬وأثبييت ميين خلل تجيياربه علييى قييرد‬
‫لأّ‬
‫إّ‬
‫ن التعّلييم بطريقيية المحاوليية‬
‫الشمبانزي »سلطان« والتي أجراها في جييزر القنيياري السييبانية أ ّ‬
‫ن الزرار والمزاليج والمفاتيح خافية على الحيوان في تجييارب‬
‫والخطأ فرضّية غير معتبرة‪ ،‬ل ّ‬
‫ل بالمصادفة‪ ،‬ولو أّننا فسحنا المجال للحيييوان باسييتخدامه وعيييه ووضييعنا‬
‫ثورنديك‪ ،‬فل يتعّلم إ ّ‬
‫ل المشكل أمام عينه لمكيين أن يتعّلييم بصييورة أفضييل‪ ،‬وهييي الطريقيية الييتي أسييماها‬
‫أساليب ح ّ‬
‫كوهلر بالستبصار‪ ،‬وتعتمد هذه النظرية في التعّلم على أساس من نظرية الجشتلت فيييي إدراك‬
‫الكل‪ ،‬فالمفروض وضع التجربة بشكل يدرك فيه الحيوان العلقة بين الوسيلة والهييدف‪ ،‬فييالقرد‬
‫ل‪،‬‬
‫ل أّنييه ل يسييتطيع إلييى ذلييك سييبي ً‬
‫الجائع يحاول الحصول على الموز المعّلق على السييقف‪ ،‬إ ّ‬
‫فيلتفت إلى مجموعة من العواد والقضبان الملقاة على أرضّية القفص‪ ،‬وفجأة تبرق فييي نفسييه‬
‫لولييى حيياول‬
‫صل إلى الهدف‪ ،‬فإذا لم ينجح في الم يّرة ا ُ‬
‫فكرة حمل أحد العواد أو القصب للتو ّ‬
‫لولى المجّوفة‪ ،‬وهكذا إلييى أن‬
‫مّرة ُاخرى مستعينًا بقصبة ثانية يدخل طرفها في نهاية القصبة ا ُ‬
‫ن القييرد سيضييع أحييد‬
‫يفلييح فييي مقصييوده‪ ،‬وكييذلك لييو اسييتبدلنا العييواد بصييناديق فارغيية‪ ،‬فييا ّ‬
‫لولييى‪ ،‬وضييع صييندوقًا‬
‫الصناديق ويقفز عليه للوصول إلى الموز‪ ،‬فإذا لم يتمّكن في المراحل ا ُ‬
‫ن التعّلييم بحاجيية إلييى‬
‫ثانيا فوق الّول وصعد عليه حّتى تصل يده إلى الموز‪ .‬ومن ذلييك يفهييم أ ّ‬
‫إدراك جميع الروابط والعلقات التي تربط بييين الوسييائل والهييداف‪ ،‬وأن تكييون الوسييائل فييي‬
‫مرأى ومسمع من الشخص المتعّلم حّتى تتّم عملّية التعليم‪ ،‬وبعد ذلك ومن خلل عّدة محاولت‬
‫ل فجأًة في الذهن‪ ،‬أو الكتشاف الفجائي للروابط كما يسّميها كوهلر‪.‬‬
‫يبرق الح ّ‬
‫‪ 7‬ـ السلوك‪:‬‬
‫ن سلوك الفرد حصيلة معادلة المثير والستجابة‪ ،‬فهو عبارة عن‬
‫تقّدم في المذهب السلوكي أ ّ‬
‫ل لمشاهدته وقييياس مقييداره‪،‬‬
‫حركة الغدد والعضلت المتأّثرة بالمحيط الخارجي‪ ،‬ولذا يكون قاب ً‬
‫ن السييلوك هييو مييا يقييع فييي‬
‫بينما ترفض مدرسة الجشتلت هذا التصّور عيين السييلوك‪ ،‬وتييرى أ ّ‬
‫الوسط النفساني ويتطابق مع الهدف‪ ،‬ولذا ل يكون مجّرد حركة فيزياوية كما يراه السييلوكيون‪،‬‬
‫ول تكون جميع أنماط السلوك قابلة للمشاهدة‪ ،‬بل بالمكان استنباطها من خلل العمييل‪ ،‬فيمكيين‬
‫أن يكون الفرد قريبًا عاطفيًا من فييرد آخيير دون أن تصييدر منييه حركيية بدنّييية‪ .‬فالسييلوك غالبيًا‬
‫يصدر وينوجد في الميدان النفساني للفرد‪ ،‬ل المحيط الخارجي المستقل عن الشخص‪.‬‬
‫ل تغيير في الميدان النفساني يكون موضييوعًا‬
‫وبذلك يمكن تعريف السلوك بأّنه عبارة عن ك ّ‬
‫ل هادفًا ظاهريًا‪ ،‬أو يكون تغيييير فييي‬
‫لقوانين الدراك الجشتلتي‪ ،‬فعلى هذا قد يكون السلوك عم ً‬
‫ل الميدان أو الحقل النفساني‪.‬‬
‫النّية وإدراك القيم والمثل للشياء مّما يؤّدي إلى تغيير في ك ّ‬

‫وعلى أي حييال‪ ،‬فالشييخص‪ ،‬والمحيييط‪ ،‬والروابييط المتغّيييرة ل توجييد بصييورة مسييتقلة عيين‬
‫ل ميين الشييخص والمحيييط بشييكل‬
‫بعضها‪ ،‬فلجل معرفة السلوك المستقبلي للفرد لبّد من أخذ ك ّ‬
‫منظومة من العوامل والعناصر المترابطة‪.‬‬
‫‪ 8‬ـ الجشتلت العلجي‪:‬‬
‫بينما كانت مدرسة التحليييل النفسييي تييرى فييي عييالم اللشييعور محييورًا تييدور حييوله رحييى‬
‫المراض النفسيّية ميين خلل مخزونيياته المكبوتيية الييتي تحيياول الييبروز بطريقيية مقنعيية وغييير‬
‫قانونّية‪ ،‬فينشأ من ذلك مظاهر غير مألوفة في السلوك‪ ،‬ترى مدرسة الجشتلت محورية الييوعي‬
‫ل من اعتبار الغرائز كركيييزة فييي فهييم المحتييوى‬
‫الظاهر في فهم أساس المرض النفساني‪ ،‬وبد ً‬
‫ن الوضييعّية الناقصيية‪ ،‬أو الجشييتلت‬
‫الداخلي للنسان كما تراه مدرسة التحليييل النفسييي اّدعييت أ ّ‬
‫ل الفعالّيات في الحقل النفساني للنسان‪.‬‬
‫غير الكامل هو الدافع الصل لك ّ‬
‫ل فرد مّنا له حقلن نفسييانيان‪ :‬حقييل خييارجي‪ ،‬وحقييل داخلييي‪ ،‬وافييتراق‬
‫نكّ‬
‫وتوضيح ذلك أ ّ‬
‫هذين الحقلين ووجود التفاوت والختلف بينهما هو المنشأ لكاّفة الختللت العصبية والنفس يّية‬
‫للفرد والتي نطلق عليها المراض النفسّية‪ .‬فالحقل الداخلي للنفس والذي يعّبر عنه غالبًا بالذهن‬
‫ل ينبغي أن يكون متضادًا مع الحقل والميدان الخارجي‪ ،‬أي العييالم الخييارجي المحيييط بييالفرد‪،‬‬
‫فأحد خصوصيات عاَلم النفس الداخلي أّنه يريييد مواكبيية ومماثليية العييالم الخييارجي‪ ،‬فالشييكل أو‬
‫الجشتلت الذي ينمو ويتشّكل في الذهن يجب أن يوافق ويطابق الجشتلت الموجود في الخييارج‪،‬‬
‫ل إنعكاس رقيق عيين‬
‫وفي هذه الصورة فقط يمكننا أن ننعم بحياة سعيدة‪ ،‬فالذهن السالم ما هو إ ّ‬
‫الواقع الخارجي‪ ،‬فلو حدث خلل في الرتباط بينهما وقطعت العلقة بين الداخل والخييارج فييا ّ‬
‫ن‬
‫توازن الفرد النفسي سينهار‪ ،‬ويغرق الفرد في توّقعات وآمال ل يوجد ما يعادلها في الخارج‪.‬‬
‫وفي هذه الصورة سيكون الفييرد سييجين ميييدانه النفسييي الخيياص وليييس لييه اّتصييال بالعييالم‬
‫الخارجي‪ ،‬ويتعّرض للفشل في جميع محاولته للنجاح ونيييل الموفقييية فييي صييياغة شخصيييته‪،‬‬
‫ومن ثّمة يّتهييم العناصيير الخارجّييية ويلقييي عليهييا باللئميية دون ملحظيية التقصييير فييي الحقييل‬
‫الداخلي‪.‬‬
‫بينما لو كانت العلقة بين الداخل والخارج جيدة‪ ،‬فسوف يكون بإمكانه الستفادة من طاقيياته‬
‫واستثمار قدراته في الوجهة الصحيحة ونحن في الحالت الطبيعية نعيش مع واقعنييا كمييا هييو‪،‬‬
‫ل ل يتجّزأ‪ ،‬وواحد فريييد ميين نييوعه‪ ،‬والمريييض هييو الييذي ُاصيييبت كّلّيتييه بعوامييل التجييزئة‬
‫كّ‬
‫ن شخصّيته الواحييدة صييارت هييدفًا لسييهام التحّلييل والتجييزئة والنقسييام‪ ،‬والعلج‬
‫والتآكل‪ ،‬أي إ ّ‬
‫الجشتلتي يقوم على مبدأ إعادة الكلّية لهذا الفرد وتنظيم شخصيييته وإعييادة صييياغتها ميين جديييد‬

‫ل‪ ،‬فالهدف هييو تبييديل النسييان المتميّزق والييوهمي الغييارق فييي الخيييال إلييى إنسييان‬
‫بعنوان الك ّ‬
‫واقعي‪.‬‬
‫وأحد الطرق لمواجهة المشاكل والمتاعب في الحييياة هييو إرتقيياء سييطح التحّمييل ‪ ..‬التحّمييل‬
‫الذي يقترن عادًة مع نمو الفرد ورشد قابلياته‪ ،‬ويتيييح للفييرد أن يتصيّرف فييي المواقييع الناشييزة‬
‫وغير الموائمة بأسلوب مشروع وصحيح‪.‬‬
‫وفي النسان ميل نحو الكمال وتكميل المواقع الناقصة في شخصيته‪ ،‬فلبّد فييي هييذا السييبيل‬
‫ل أو شكل واحييد منسييجم‪ ،‬وإزاليية‬
‫من تلحم جميع البعاد الذهنّية والجسمّية في الفرد بعنوان ك ّ‬
‫ل مانع يوجب التوّتر النفسي ويسّبب بروز مشكلت نفسّية في طريق هذا الهييدف‪ ،‬فالجشييتلت‬
‫كّ‬
‫ل‪ ،‬فلو وجد نقص فيه فأهّم هدف للفرد هو رفع النقص هذا‪.‬‬
‫ل فرد يريد أن يكون كام ً‬
‫في ك ّ‬
‫ل فرد‪ ،‬فينبغي على النسان مراعاة الولوية‬
‫ومع العلم بوجود مئات الشكال الناقصة في ك ّ‬
‫جه‬
‫في رفعها‪ ،‬وتنظيم هذه النييواقص وإختيييار أش يّدها وأكثرهييا تييأثيرًا لرفعييه وإزالتييه‪ ،‬ث يمّ يتييو ّ‬
‫ن مهّميية المعالييج‬
‫صوب القل فالقل‪ ،‬فإن لم يستطع الفرد من تحديد الولويييات المييذكورة‪ ،‬فييا ّ‬
‫الجشتلتي هي إيضاح الغموض والتشويش في هذا الجانب للفرد‪.‬‬
‫غييل فييي عييالم‬
‫وبهذا يختلف الطبيب الجشتلتي عن مثيله في مدرسة التحليل النفسي الذي يتو ّ‬
‫اللشعور للبحث عن الغرائز المكبوتة‪.‬‬
‫ل المشييكلت تنبييع‬
‫ن كي ّ‬
‫بينما يسعى الجشتلتي إلى الكشف عن الظاهر والحال من الوعي‪ ،‬ل ّ‬
‫من هذا البعد في شخصّية الفرد‪ ،‬فالكشف عن الحال الحاضر وإراءته للمريض هو الييذي يتيييح‬
‫له الفرصة في تفّهم النواقص والسعي في ردمها‪.‬‬
‫ونلحظ في الجشتلت العلجي التأكيد على مقولتين هما‪» :‬الحال« و »الكيفية«‪.‬‬
‫لإذا‬
‫أّما مفهوم »الحال« فملفت للنظر مع عمق فلسفي‪ ،‬لّنه ل يمكيين الكشييف عيين شيييء إ ّ‬
‫كان موجودًا في الحال‪ ،‬في حين إّننا بمجّرد أن نسعى لدراسته والّتصال به يصبح ماضيًا‪.‬‬
‫ن النسان في الثقافات السالفة كان يهتّم بي ي»لميياذا« أي يبحييث‬
‫وأّما مفهوم »الكيفّية« فهي أ ّ‬
‫ن الكشف عن العلل يمكنه تغييرها‪ ،‬وبالتييالي تغيييير المعلييول‪،‬‬
‫عن السباب والعلل‪ ،‬لّنه يعتقد أ ّ‬
‫ولكّننا في عصر الذّرة واللكترون ل نحتاج إلى البحث عن السبب‪ ،‬بل عن الكيفّييية‪ ،‬فل نسييأل‬
‫»لماذا« بل » كيف«‪ .‬فنحن ندرس الهيئة الكلّية‪ ،‬وبعد إطلعنا ومعرفتنا بها نسعى إلى‬
‫تغييرها‪.‬‬
‫الهيئة المثالّية المحّببيية لييدى مدرسيية الجشييتلت هييي شخصيييتنا الطبيعييية فييي الحييياة‪ ،‬ولكيين‬
‫الغلب يبني شخصيته على أساس من العناوين الوهمّية‪ ،‬وعلى مفاهيم مزّيفيية تتعّلييق بإصييلح‬
‫الذات ومحاولة تهذيب النفس والترّقي لحراز مكانه متمّيزة في المجتمع‪.‬‬

‫المريض في منظور الجشتلت ليس هو الذي عاش مشكلة في الزمان الماضي‪ ،‬بل هو الفرد‬
‫ن المشيياكل الفعلّييية لهييا‬
‫الذي يعاني في هذا الحال‪ ،‬وفي هذا المكان من مشييكلة‪ ،‬فبييالرغم ميين أ ّ‬
‫ن هذه المشكلت ترتبييط بسييلوكه الفعلييي فييي الحييال الحاضيير‪ ،‬فهييذا‬
‫ل أّ‬
‫جذور في الماضي‪ ،‬إ ّ‬
‫الفرد غير قادر على التوافق مع مشكلته في هذا الحال وهذا المكان )الن‪ ،‬وهنا(‪.‬‬
‫‪ 9‬ـ مباديء العلج النفسي‪:‬‬
‫العلج النفسي لدى الجشتلت يقوم على مباديء مسبقة لبّد من أخذها بنظر العتبار‪:‬‬
‫أ ـ الخذ بالكّل‪ :‬في الحقل النفساني‪ ،‬أي الّتحاد بين النفس النسانّية للشخص مع ما يحيط‬
‫بها من أشياء‪ ،‬فل تدرك هذه كأشياء مستقّلة عن نفس النسان‪.‬‬
‫لمور المشهودة في حقيقة النسان هو أّنه يمّثل وحدة‬
‫ب ـ اّتحاد المحتوى الداخلي‪ :‬فأحد ا ُ‬
‫بسيطة ل تتجّزأ خلفًا للسائد في الوساط الفلسفّية والعلم نفسية ميين القييول بفصييل النفييس عيين‬
‫ل منهما فييي الخيير‬
‫البدن‪ ،‬أو الذهن عن الجسد بالرغم من الكشوفات العلمّية التي تؤّكد تأثير ك ّ‬
‫تأثيرًا مباشرًا‪.‬‬
‫ن حياة النسان بما فيها من نشاطات‬
‫ج ـ ـ التعــادل الحيــاتي‪ :‬أو الحيوي‪ ،‬ويراد به أ ّ‬
‫وسلوكيات مختلفة تخضع لمقولة واحدة‪ ،‬وهي »التعادل الحياتي« كما يسّميه علماء الجشييتلت‪،‬‬
‫ن النسان يسعى إلى المحافظة دائمًا على تعادله في الوضاع والظروف المختلفة‪ ،‬وفي‬
‫وذلك أ ّ‬
‫ل حاجيية‬
‫ن الحاجات كثيرة جّدا ومتنوعيية‪ ،‬وك ي ّ‬
‫نفس الوقت يقوم بإشباع حاجاته الفسيولوجية‪ ،‬ل ّ‬
‫ن مقولة »التعادل الحياتي« تجري باسييتمرار فييي‬
‫تبعث على الخلل بتعادل الفرد‪ ،‬ولذا نجد أ ّ‬
‫حياة الفرد‪ .‬وهذه من خصوصيات الحياة أن يعيش النسان بين الخلييل والتعييادل‪ ،‬فلييو اسييتحال‬
‫على الفرد إيجاد التعادل لرسوخ الخلل والنقص‪ ،‬فهو حينئذ مريض نفسي حيث ل يمكنه إشباع‬
‫حاجاته الساسّية‪.‬‬
‫ن إيجاد هذا التعادل في النسان يقوم على أساس التفاعييل اليجييابي مييع المحيييط‪،‬‬
‫وقد تقّدم أ ّ‬
‫وتطبيق المحتوى الداخلي مع متطّلبات الخارج‪ ،‬أي الوسط والحقل النفساني‪.‬‬
‫د ـ حدود الّتصال‪ :‬ل يمكن لي فرد أن يعيش مستقلً عن الغير‪ ،‬فالفرد دائمًا جزء من‬
‫ل الذي يشمل الفرد نفسه مع المحيييط الخيياص بييه‪،‬‬
‫الميدان النفسي الخاص به‪ ،‬وسلوكه تابع للك ّ‬
‫والذي يعين كيفّية سييلوك الفييرد هييو شييكل وماهّييية إرتبيياط الفييرد مييع المحيييط‪ ،‬فييان كييان هييذا‬
‫ل فل‪.‬‬
‫ل من كل الجانبين كان سلوك النسان سوّيا‪ ،‬وإ ّ‬
‫ل ومتفاع ً‬
‫الرتباط إيجابيًا ومتقاب ً‬
‫ن بقاء النسان يرتبط بالخرين تمامًا‪ ،‬وإذا‬
‫وفقًا لنظرّية »برلز« أحد أقطاب الجشتلت أ ّ‬
‫كان بقاؤه البدني وإشباع حاجاته الجسدّية متوّقييف علييى وجييود الخرييين‪ ،‬وإحتمييال بقييائه حّيييا‬

‫ن احتمال بقائه‬
‫بصورة منفردة قليل جّدا‪ ،‬فكذلك الحال بالنسبة إلى بقائه النفسي والعاطفي‪ ،‬بل أ ّ‬
‫ن النسييان يحتيياج الخرييين فييي مييأكله‬
‫ل ميين السييابق‪ .‬فكمييا أ ّ‬
‫نفسّيا وعاطفيًا بدون الخرين أقي ّ‬
‫ن النسييان موجييود‬
‫وملبسه ومسكنه‪ ،‬فكذلك يحتاج إليهم في اّتصاله النفسي ورشده العاطفي‪ ،‬ل ّ‬
‫فردي وإجتماعي‪ ،‬وجميع الضطرابات النفسّية ناشئة من عدم قييدرة الفييرد علييى إيجيياد تعييادل‬
‫نفسي بينه وبين الخرين‪.‬‬
‫الشخص العصابي )المريض نفسّيا( هو الذي ل يعييرف حييدود الّتصييال بينييه وبييين العييالم‬
‫الخارجي إّنه يحاول الدفاع عن نفسه وعن وجوده دائمًا مقابل تهديد بالفناء والمح يقّ ميين قبييل‬
‫عالم ل يعرف الرحمة‪.‬‬
‫‪ ‬تقييم ومناقشة‬
‫ن الفلسفة لها تأثير كبير على نمط التفكير لدى أصييحاب هييذه المدرسيية الشييكلنّية‪،‬‬
‫كأّ‬
‫لشّ‬
‫وخاصة الفلسفة اللمان أمثال كييانت وهوسييرل وآخرييين‪ ،‬وبييذلك نلحييظ عييودة إلييى الجييذور‬
‫ل ما يتعّلق بالعواطف البشييرّية وحييذف‬
‫والصالة بعد إفراط شديد وجنوح إلى الحيونة وطرد ك ّ‬
‫ل ما يتصل بالروح والعالم غير المادي وخاصة في السلوكّية‪.‬‬
‫كّ‬
‫ل واسعًا في انجلترا وامريكيييا‬
‫وتعتبر هذه النقطة من امتيازات هذه المدرسة ولذا لم تجد قبو ً‬
‫بعد نفوذ واستحكام السلوكية في أوساطهما العلمّية‪ ،‬وكانت إشكالت وردود علمائهم ومفّكريهييم‬
‫على مدرسة الجشتلت تنصب في الغالب على هذه النقطة وتفريعاتها‪.‬‬
‫ضهم في التفكير المادي لم يتعقلوا وحدة الشييخص مييع محيطييه الميياّدي‬
‫فمن ذلك أّنهم ولتمح ّ‬
‫ن النفس النسانّية تتسع في عالمهييا‬
‫ن الدراك عنصر غير مادي وإ ّ‬
‫ن ذلك قد يستتبع القول بأ ّ‬
‫لّ‬
‫ن الواقييع‬
‫ن مقوليية الحقييل أو الميييدان النفسيياني وأ ّ‬
‫لتستوعب الوسط الخارجي أيضًا‪ ،‬وأساسًا فييا ّ‬
‫ن النسان ل يييدرك الشييياء الواقعّييية بمييا هييي هييي‪ ،‬وبمييا هييي‬
‫يختلف باختلف الفراد‪ ،‬أي أ ّ‬
‫موجودة في الخارج‪ ،‬بل يدركها بما هي متعّلقة بنفسه وكيفّية إدراكه وأهييدافه وطموحيياته‪ ،‬ك ي ّ‬
‫ل‬
‫هذه المفاهيم موافقة تمامًا للتفكير العرفاني السلمي‪ ،‬يقول العارف اللهي »صدر المتييأّلهين«‬
‫في كتابه »الشواهد الربوبّية«‪:‬‬
‫»حكمة مشرقّية‪ :‬كّلما يراه النسان في هذا العالم أو بعد إرتحاله إلى الخرة فإّنما يراه في‬
‫ذاته وفي عالمه ول يرى شيئًا خارجًا عن ذاته‪ ،‬وعالمه أيضًا في ذاته«)‪.(89‬‬

‫‪ ()89‬الشواهد الربوبية‪ ،‬صدر المتأّلهين‪ ،‬ص ‪ 244‬ي ‪.245‬‬

‫فعلى هذا ل مجال ليرادات من هذا القبيل سوى صعوبة تعّقل مثييل هييذه المعيياني المخالفيية‬
‫ن هذا المعنييى يييؤّدي إلييى العتقيياد بالنسييبّية المطلقيية فل‬
‫للظواهر الحسّية‪ ،‬وقد يتوهم البعض أ ّ‬
‫توجد حقيقة ثابتة حينئذ في منظومتنا المعرفّية‪ ،‬وبالتالي يسوقنا نحو وادي المثالّية‪.‬‬
‫ن النسبّية المطلقة ل تعتقد بوجود عالم خييارجي سييوى مييا‬
‫ن هذا التوّهم ل أساس له‪ ،‬ل ّ‬
‫لأّ‬
‫إّ‬
‫يدِرك وما يدَرك وما وراء عالم الدراك فل شيء‪ ،‬أي أّنها تضييع المعيييار للحقييائق فييي إطييار‬
‫إدراك الفرد للموضوعات‪ ،‬أّما الشكلنّية الجشتلت فترى وجود عالم مستقل عن النسان‪ ،‬غاييية‬
‫ن الواقع على قسمين‪ :‬واقع خارجي ليس لنا طريق لدراكه بنفسييه وكمييا هييو موجييود‪،‬‬
‫المر أ ّ‬
‫وواقع مرتبط بنفس النسان‪ ،‬وهذا الثاني هو الذي يتفاعل الفرد معه دائم يًا‪ ،‬وهييو الييذي يش يّكل‬
‫ل مستقل‪.‬‬
‫مع المحتوى الداخلي وحدة حقيقّية وك ّ‬
‫ومن امتيازات ومحاسن هذه المدرسة أّنها أعطت بعدًا جديدًا لدراسة النسان بتأكيدها عليييى‬
‫ل‪ ،‬لّننا نلحظ في حالتنا النفسّية عندما نأكل قطعيية ميين الحلييوى‪ ،‬أو نتعيّرض إلييى وخييزة‬
‫الك ّ‬
‫ل الشخصّية تلتّذ أو تتأّلم ل فقط العضو الحاس‪ ،‬وهكذا في تفاعلتنا مع المحيييط‪،‬‬
‫نكّ‬
‫دبوس‪ ،‬فا ّ‬
‫فعندما يسقط إبني على الرض‪ ،‬أو يصيبه مكروه أو مسّرة فإّنني أشعر بتلحييم وثيييق ووحييدة‬
‫ن المكروه أصابني‪ ،‬فأتألم وأفرح تبعًا للمه وفرحه‪ ،‬بل أّنهما شيء واحد فييي ميييداني‬
‫تامة وكأ ّ‬
‫النفسي الخاص‪.‬‬
‫لخرى »الذرانّية« ترى تعّدد الدراكات علييى موضييوع واحييد‪،‬‬
‫ن المدارس ا ُ‬
‫وببيان آخر‪ :‬إ ّ‬
‫فالعين تدرك من قطعة الحلوى شيئًا واللسان شيييئًا آخيير‪ ،‬واللمسيية‪ ،‬والشيياّمة ‪ ...‬وهكييذا‪ ،‬أّمييا‬
‫ل علييى‬
‫ن هناك شيييئًا آخيير ل تييدركه هييذه الحييواس ك ً‬
‫الجشتلتية فترى على العكس من ذلك‪ ،‬وأ ّ‬
‫ى فييي عييالم النفييس يغيياير هييذه‬
‫حدة‪ ،‬وهو »الكّلية« التي هي أكبر من هذه الجزئيات‪ .‬وله معن ً‬
‫المحسوسات الجزئية‪ ،‬وكذا الكلم في شخص يّية الفييرد‪ ،‬فهييي ليسييت مجموعيية صييفات وأفعييال‬
‫ل واحدة من المحتويات ولها‬
‫ظمة ومغايرة لك ّ‬
‫وتصورات وعقائد‪ ،‬بل على العكس‪ ،‬أّنها وحدة من ّ‬
‫الولوّية في التعامل معها ودراستها‪.‬‬
‫وكذلك لو أخذنا مثال إنفعال الغضب في النسان‪ ،‬ففي تحليله إلى عناصييره الّولّييية ل نجييد‬
‫سوى زيادة ضربان القلب‪ ،‬سرعة التنفس‪ ،‬إحمرار الوجه‪ ،‬حركات عشوائية‪ ،‬تقطيب الملمح‪،‬‬
‫ل هذه ل تعطي معنى الغضب‪ ،‬فل نصل في النهاية إلييى‬
‫زيادة نسبة الهرمون في الدم و‪ ...‬وك ّ‬
‫ل إذا أخذناه كوحدة كّلية‪.‬‬
‫فهم صائب لهذا النفعال إ ّ‬
‫ن نظريات الجشتلت وخاصًة فيما يتعّلق بالتعّلم وبعض مناهييج وأسيياليب العلج النفسييي‬
‫ثّم أ ّ‬
‫لعبت دورًا هامًا في تطييوير وإخصيياب علييم النفييس‪ ،‬بييل ألهمييت الفلسييفة وعلميياء النفييس فييي‬

‫لخرى وزادت في تراثهم المعرفي وخاصًة في الفلسفة الوجودّية ومدرستها في علم‬
‫المدارس ا ُ‬
‫النفس كما سوى نرى‪.‬‬
‫ومن مجلوبات هذه المدرسة أّنها أعادت اعتبار الوعي والسلوك الهادف للفرد بعد أن لقيييى‬
‫جفاءًا كبيرًا من السلوكّية ومدرسة التحليل النفسي‪ ،‬وأعطييت للمحيييط الجتميياعي دوره الفاعييل‬
‫سييعت ميين‬
‫في صياغة الشخصّية كعنصر حي وجزء ل يتجّزأ ميين شخصيّية الفييرد‪ ،‬أي أّنهييا و ّ‬
‫دائرة الشعور بالذات الفردّية لتستوعب المحيييط الجتميياعي أيض يًا دون القتصييار علييى البييدن‬
‫المادي ومحسوساته الذاتية‪.‬‬
‫اّما سلبّيات ونقائص هذه المدرسة فلبّد من مناقشتها على المستوى الفلسفي تارًة‪ ،‬وعلى‬
‫المستوى النفساني ونظرياتها في هذا المجال تارًة ُاخرى‪.‬‬
‫أّما على المستوى الفلسفي فل ينبغي اللتفات إلى ما قيل ضيّدها ميين اقتباسييها هييذه الفكييار‬
‫لطروحييات الحضييارية الجّيييدة لب يّد لهييا أن‬
‫من مقولت لفلسفة المان أو من غيرهم‪ ،‬فجميع ا ُ‬
‫تستفيد من التراث الفكري للبشرّية‪ ،‬ول معنى لن تدير ظهرها لجميع النتاج البشري في عيييالم‬
‫ن الفييراط فييي اّتخيياذ منهييج معّييين ومحاوليية تفسييير جميييع‬
‫المعرفة‪ ،‬ولكن الولييى أن يقييال‪ :‬إ ّ‬
‫الظواهر النفسّية والدراكّية من منظور واحد قد أضّر بجميع المدارس النفسيّية والفلسييفّية الييتي‬
‫سلكت هذا السبيل‪ ،‬والشكلنّية ُاصيبت بنفس المعضلة مّما جعلها تخسر مجلوبات هاّمة وتهمش‬
‫جوانب حّية في شخصّية الفرد من قبيل نبييذ جييانب اللشييعور‪ ،‬وتحديييد جييانب التعليييم والتعّلييم‬
‫بالستبصييار الكهلييري‪ ،‬والتغافييل عيين مسييألة الوراثيية وتأثيرهييا فييي صييياغة سييمات الشييخص‬
‫ل مدرسة حاولت إستيعاب جميع المواضيع في حقل النفس‬
‫نكّ‬
‫المزاجية وغير ذلك‪ .‬وقد رأينا أ ّ‬
‫وإخضاعها لتفسيرها ورؤيتها الخاصة بها‪ ،‬ودراستها من الزاوية الموضوعة سلفًا لها‪ ،‬كما في‬
‫نظريات التحليل النفسي وخاصًة التفسير الجنسي الفرويدي للسييلوك البشييري‪ ،‬أو مقوليية التعّلييم‬
‫الشرطي لبافلوف حيث استندت إليه السلوكّية في تفسير جميع المظاهر السلوكّية‪.‬‬
‫وهذا هو السييبب الييذي حييدا بعلميياء النفييس المتييأخرين إلييى عييدم القتصييار فييي منظييومتهم‬
‫صيية‪ ،‬بييل محاوليية السييتفادة ميين جميييع المييدارس النفس يّية والخييذ‬
‫المعرفّييية علييى مدرسيية خا ّ‬
‫بالجوانب اليجابّية منها وطرح النواقص وإفرازات الفراط المنهجي‪.‬‬
‫ن الجشييتلتية‪ ،‬أّكييدت دائميًا علييى أخييذ‬
‫ثّمة ملحظة ُاخييرى فييي هييذا المييورد أيضيًا‪ ،‬وهييي أ ّ‬
‫ل أدخلت في نظرتها الشمولّية البعد الغيييبي فييي النسييان ورغبتييه‬
‫ل ل يتجّزأ‪ ،‬فه ّ‬
‫الشخصّية كك ّ‬
‫في العبادة وتقديس الكمال وخاصة في دراساتها العلجّية؟‬
‫ومن المفيد أن نستعرض بعض المقولت الساسّية لهذه المدرسة‪:‬‬

‫فبالنسبة إلى المحيط فما تقّدم من نظرّية الجشتلت في تقسيمه إلى وجود وواقع فهو وان‬
‫ن المحيييط النفسيياني‬
‫ل أّنه ليس من الصحيح أ ّ‬
‫ل كما تقّدم آنفًا‪ ،‬إ ّ‬
‫ل ومعقو ً‬
‫كان على الجمال مقبو ً‬
‫ل بينه وبين الوجييود الخييارجي الموضييوعي‪ ،‬فل يييدخل‬
‫يشّكل إطارًا مغلقًا حول الشخص وحائ ً‬
‫ل بعييد أن يصييطبغ بييألوان الهييداف والغايييات ودوافييع‬
‫شيء ميين الخييارج إلييى هييذا المحيييط إ ّ‬
‫الشخص‪ ،‬فل يمكن للنسان أن يّتصل بالخارج إلى من خلل هذا الطار‪ ،‬فهذا الطرح ل يخلو‬
‫من إفييراط‪ ،‬وقييد ثبييت فييي الفلسييفة السييلمّية إمكانّييية ذلييك‪ ،‬فنحيين نسييتطيع إسييتلم المعييارف‬
‫ن مييا‬
‫والتصّورات الخارجّية كما هييي سييواء كييانت موافقيية للمحيييط النفسيياني أم مخالفيية‪ ،‬أي أ ّ‬
‫يذكره الجشتلتيون من كلّية هذا القانون والمفهوم من المحيط النفساني ل يؤيييده النظيير الفلسييفي‬
‫الدقيق‪.‬‬
‫بالنسبة إلى الدراك واّنه مقولة إنتخابّية ويرتبط دائمًا بأهداف الشخص كما ترى ذلك‬
‫مدرسة الشكل ل يخلو من إشكال‪ ،‬فالعييالم الفيزييياوي عنييدما يخييرج بنتييائج ميين تجيياربه علييى‬
‫الموضوعات الطبيعّية ل يلزم أن تكون هذه النتائج موافقة لهدافه كمييا هييو الحييال فييي عملّييية‬
‫التجارب النفسّية بوسيلة الستبطان حيث يقّرر المشاِهد للتجربة مييا يرغييب أن تكييون النتيجيية‪،‬‬
‫ولذا كان منهج الستبطان غير موثوق النتائج بالقياس إلى التجارب في العلوم الطبيعّية‪.‬‬
‫أّما عن الدافع الصل في نظرّية الجشتلت والذي هو عبارة عن وجود الخلل والرباك في‬
‫صياغة التعادل في الحقييل النفسيياني‪ ،‬فالظيياهر أّنييه تعريييف لملزمييات الييدوافع النفسيّية‪ ،‬فإّنهييا‬
‫تنفصل عادًة من إيجاد التوتر وعدم التعادل ل أّنهييا هييي فييي الحقيقيية‪ ،‬أّمييا تقسيييم الييدوافع فييي‬
‫ن بعضييها ناشيييء ميين حاجييات فيزيولوجّييية‪،‬‬
‫فضاء الميدان النفسي إلى داخلّية وخارجّية‪ ،‬أي إ ّ‬
‫ل دافييع داخلييي‬
‫والبعض الخر ناشيء من المحيط‪ ،‬وبينهمييا نييوع ميين التنيياغم والنسييجام‪ ،‬وك ي ّ‬
‫كالعطش لبّد أن يكون له موضوعًا خارجّيييا كالميياء‪ ،‬وبييالعكس‪ ،‬فكلم فييي منتهييى الصييواب‪،‬‬
‫وهو ما أّكد عليه علماء السلم بالنسبة إلييى الييدوافع الفطرّييية للعبييادة وأّنهييا أحييد الدّليية علييى‬
‫ن هذه الدوافع المتعالّية ل نجد لها أثرًا في تحقيقات هييذه‬
‫لأّ‬
‫لخرى‪ ،‬إ ّ‬
‫وجود ال تعالى والحياة ا ُ‬
‫ل‪،‬‬
‫ن هذه الدوافع لها منشأ فيزيولوجي واّنها حاجييات بدنّييية ليييس إ ّ‬
‫المدرسة‪ ،‬ول يمكن القول بأ ّ‬
‫ب الكمال والجمال وعبادة ال ي فييي مجتمييع فييارغ ميين‬
‫ول هي وليدة المحيط خاصة في مثل ح ّ‬
‫هذه الظواهر‪.‬‬
‫كيفّية العلقة بين الذهن والبدن في نظر الجشتلت ي الذهن يراد به النفس ي فالصل الّولي‬
‫ن الدراك الذهني ماّدي‪ ،‬والنفس غييير المادّييية فييي الصييطلح الشييرقي‬
‫لدى علماء الجشتلت أ ّ‬
‫وفي الفكر السلمي بالخصوص ل وجود لها سوى في هذا الدراك الذهني الماّدي‪ ،‬وميين ثييّم‬
‫ن فعالّية الذهن عبارة عن مجموعة النشاطات التي تصرف ميين الطاقيية‬
‫تقول نظرّية الجشتلت أ ّ‬

‫ل من النشاط الذهني والبدني يشّكلن في الحقيقة‬
‫ل من الفعالّيات البدنّية‪ ،‬وك ّ‬
‫الفيزياوية مقدارًا أق ّ‬
‫ل واحدًا على أساس تبديل النشاط الفيزياوي البدني إلى نشاط نفسي وذهني وبالعكس‪.‬‬
‫كّ‬
‫ن نظرية الجشتلت استهدفت من‬
‫ن الظاهر أ ّ‬
‫هذا الكلم ل يثبت في ميزان التحقيق العلمي‪ ،‬ل ّ‬
‫هذا الكلم توضيح إشكالّية العلقة بين النفس والبدن الييتي قييال ديكييارت بالتبيياين فيمييا بينهمييا‪،‬‬
‫وأهملتها المدرسة السلوكّية‪ ،‬وربطتهما مدرسة التحليل النفسي بعنصر اللشعور‪ ،‬فل مف يّر ميين‬
‫القول بمادّية النفس والدراك الذهني إذا أردنا ترسيم علقة بين النفس والبدن‪ ،‬ولكن هذا الح ي ّ‬
‫ل‬
‫ن النفس والدراك الييذهني غييير ميياّديين‪،‬‬
‫قد أثبت الفلسفة المسلمون وقبلهم أرسطو بطلنه‪ ،‬وأ ّ‬
‫غاية المر كانت هناك صعوبة في تصوير العلقة بين البدن الماّدي والدراك الذهني أو العقل‬
‫غير الماّدي حذرًا من الوقوع في التباين والعداوة بينهما كمييا فييي مييذهب إفلطييون وديكييارت‪،‬‬
‫ل هذه المسألة العويصة فييي نظريتييه فييي‬
‫ن الفيلسوف السلمي الكبير صدر المتألهين ح ّ‬
‫غير أ ّ‬
‫»الحركة الجوهرية«)‪(90‬دون اللجوء إلى القول بمادّية النفس أو العقل وأّيييدها بالدّليية الفلسييفّية‬
‫خرين أمثييال الطباطبييائي‬
‫ل الفلسييفة المسييلمين المتييأ ّ‬
‫المحكمة‪ ،‬وأصبحت مورد القبول لييدى ج ي ّ‬
‫ن النسييان فييي مسيييرته‬
‫والشهيد الصدر والمطّهري وغيرهم‪ ،‬وتقوم هذه الفكييرة علييى أسيياس أ ّ‬
‫التكاملّية يبدأ من الماّدة‪ ،‬ثّم يتكامل تدريجّيا في واقعه وجوهره النفساني إلى مراتب عالّييية ميين‬
‫ل مرتبة لها آثارها بعد خروجها من القّوة إلى الفعل‪ ،‬فهذا الفعل والنفعال والتحّول‬
‫التجّرد‪ ،‬وك ّ‬
‫ل أّنه غير منفصل عن الميياّدة‪ ،‬ولييذا كييانت آثييار النفييس غييير‬
‫في عين اّنه مجّرد وغير مادي إ ّ‬
‫مادّية تارًة‪ ،‬وهي النشاطات المرتبطة ببعد النسان الروحي والمعنوي‪ ،‬وُاخرى ذات خصائص‬
‫مادّية فيما يتعّلق ببعده البدني‪ ،‬وتفصيل هذا الكلم ل يسعه هذا الموجز‪.‬‬
‫وكيف كان‪ ،‬فالقول بمادّية الدراك الذهني وبتبعه مادّية العقل والنفس أّول الكلم‪.‬‬
‫ن عملية التبديل وتحّول النشاط البدني إلى ذهني وبالعكس ل يخلييو بييدوره ميين أشييكال‪،‬‬
‫ثّم إ ّ‬
‫ن عنوان التبديل يستبطن زوال العنوان الّولي للنشاط لدى تحّوله إلى العنوان الثاني كما فييي‬
‫فا ّ‬
‫ل إلى خمر‪ ،‬فالموضوع فييي الّول ينعييدم بعييد تح يّوله‬
‫تبّدل الماء إلى بخار أو ثلج‪ ،‬أو تبّدل الخ ّ‬
‫إلى الموضوع الثاني‪ ،‬بينما ل نجد هذا المعنييى فييي تب يّدل الفكييرة والدراك الييذهني إلييى عمييل‬
‫بدني‪ ،‬فالذهن يبقى مختزنيًا للفكييرة والنظرّييية حّتييى بعييد إنزالهييا وتطبيقهييا علييى أرض الواقييع‬
‫كالمهندس الذي يترجم ُاطروحته الهندسّية إلييى واقييع عملييي ميين بناييية أو س يّد أو جسيير‪ ،‬فبعييد‬
‫إنجاز العمل ل تزول الفكرة الذهنّية لهذه الطروحة‪ ،‬وكذا العكس أيض يًا فالنشيياطات الفيزيائييية‬
‫البدنّية ل تتحّول في مثال الجندي إلى نشاطات ذهنّية في حال رجوعه من جبهييات القتييال‪ ،‬ول‬
‫‪ ()90‬السفار الربعة‪ ،‬صدر المتأّلهين‪ ،‬ج ‪.8‬‬

‫ن الجندي وكثير من حالت النشاط البدني الحيياّد يصييحبه جهييد عقلييي‬
‫ضرورة لهذه المقولة‪ ،‬ل ّ‬
‫مماثل في الوقت نفسييه‪ ،‬فهييو يقاتييل بجسييده وعقلييه ينشييط فييي إيجيياد الوسييائل الكفيليية لحييراز‬
‫ح القول إ ّ‬
‫ن‬
‫النصر‪ ،‬وتوّقي الخطر‪ ،‬والمثال الفضل ما نلحظه في مسابقات كرة القدم‪ ،‬فهل يص ّ‬
‫الجهد العضلي لهؤلء المتسابقين ل يقترن مع جهد عقلي كبير؟‬
‫ن النسييان فييي حييالت العمييل البييدني‬
‫ح هذه المقولة في كييثير ميين الحييالت‪ ،‬ل ّ‬
‫نعم‪ ،‬قد تص ّ‬
‫المرهق ل يسعه في آن واحد الستغراق في التفكير والتأّمل‪ ،‬وكذلك إذا كان غارقًا فييي تفكييير‬
‫سة إلى الهدوء والتقليل من النشاط الفيزيائي للبدن ليسيياعده‬
‫فلسفي عميق يكون الذهن بحاجة ما ّ‬
‫ن هذا المعنى ل يمكن قبوله كقانون عام لسييلوك النسييان‪،‬‬
‫لأّ‬
‫ذلك في عملية التركيز الفكري‪ ،‬إ ّ‬
‫ل على تبديل النشاط الفيزياوي إلى نشاط ذهني وبالعكس‪.‬‬
‫ول يكون دلي ً‬
‫المرض والعلج في هذه النظرّية بحاجة إلى توّقف وتأّمل أيضًا‪ ،‬فقد استبدلت هذه المدرسة‬
‫عنصر اللشعور في مدرسة تحليل العوامل كمحور للسلوك الشاّذ بعنصر آخر وهو الظاهر أو‬
‫ن الفراط في نظرّييية معّينيية يسييتوجب خسييارة جييوانب إيجابّييية فييي‬
‫الوعي الحالي‪ ،‬وقد تقّدم أ ّ‬
‫ك فييي تييأثير اللشييعور والعقييد النفسيّية كعقييدة الحقييارة والتجييارب فييي‬
‫نظريات ُاخرى‪ ،‬فل شي ّ‬
‫الطفولة على مجمل السلوك العام للفرد‪ ،‬كما ل إشكال في دخالة العوامل الوراثّية في ذلك‪ ،‬فان‬
‫لمييور فهييو طييرح لفظييي وتلعييب بالعبييارات ل‬
‫ل هييذه ا ُ‬
‫كان المراد من الظاهر هو ما يعّم ك ي ّ‬
‫ل هذه العوامل والهتمام بالحال فقط‪.‬‬
‫ل فليس من اليسير إنكار ك ّ‬
‫أكثر‪ ،‬وإ ّ‬
‫ن معيار السلمة لدى الشكلنّية هو تطييابق القسييم الييداخلي مييع الخييارجي فييي دائرة‬
‫وتقّدم أ ّ‬
‫الميدان النفسي بحيث يكون الذهن والمحتوى الداخلي للفرد إنعكاسًا رقيقًا عن عالمه الخارجي‪،‬‬
‫وحينئذ يكون النسان واقعّيا وينعم بحياة طّيبة وسييالمة‪ .‬ولكّننييا نتسيياءل فيمييا لييو كييان المحيييط‬
‫غل فييي عقييائد خرافّييية كعبييادة الوثييان‬
‫الخييارجي متردّيييا ميين الناحييية الخلقييية‪ ،‬أو متييو ّ‬
‫والعنصريات القومّية وكان عقل الفرد يرى بوضوح بطلن وسييخافة هييذه الفكييار والعمييال‪،‬‬
‫فهل من الضروري التنّكر للعقل والوجدان والنخراط مع العييرف السييائد لنيييل الحييياة الطّيبيية؟‬
‫وهل ستكون حياته طّيبة واقعًا؟‬
‫لخروي والبعد‬
‫ل‪ ،‬وهو أن نقوم بضّم العالم ا ُ‬
‫نعم‪ ،‬في صورة واحدة يكون هذا الفرض معقو ً‬
‫اللهي والغيبي إلى محيط النسان الخارجي ول نقتصر على المحيييط المييادي الييدنيوي‪ ،‬فحينئذ‬
‫ح مقولة ضرورة التطابق الداخل والخييارج‪ ،‬أي تطييابق الييذات مييع متطّلبييات اليمييان بييال‬
‫تص ّ‬
‫واليوم الخر فيسعى الفرد في هذا التجاه لنيل الحياة الطّيبة في حياته الدنيوّية هذه‪ ،‬ولكن أّنييى‬
‫لخروي أو متطّلبات البعد الروحي للنسان؟‬
‫لرجال الجشتلت العتراف بالواقع ا ُ‬

‫ثّم لو أّننا اقتصرنا على هذه الدنيا في الطروحة العلجّية‪ ،‬وبذلنا جهييدنا ليجيياد المصييالحة‬
‫ن آمال النسان وطموحاته‬
‫والنسجام التاّم بين المحتوى الداخلي للفرد وعالمه الخارجي‪ ،‬فهل أ ّ‬
‫تقنع بما يجده في محيطه النفسي من موضوعات لشباع حاجاته النفسّية؟‬
‫ل رغباته وتحقيق جميييع‬
‫ن النسان في كثير من الحالت ل يتسّنى له إشباع ك ّ‬
‫من الواضح أ ّ‬
‫ملّذاته الدنيوّية‪ ،‬بل ول الغلب منها‪ ،‬فتبقى الكثير من الحاجات النفسّية من قبيل نيييل الييثروات‬
‫وحيازة المناصب الجتماعية والسياسّية والنتقام من بعض الناس وغيرها ل تجييد طريق يًا إلييى‬
‫التحّقق فييي أرض الواقييع‪ ،‬ول يجييد النسييان فييي نفسييه القييدرة علييى تهميشييها ونبييذها‪ ،‬فيبقييى‬
‫ن الكثرية القاطبة من الناس مرضييى حسييب تعريييف‬
‫التعارض والتباين على حاله‪ ،‬أو نقول بأ ّ‬
‫الجشتلت للمرض والسلمة‪.‬‬
‫لخروي أمكن إيجاد النسجام بصورة واقعّية‬
‫بينما لو اعترفنا بحقيقة البعد الروحي والعالم ا ُ‬
‫ض الفييرد النظيير عيين كييثير ميين المحروميييات المادّييية طمعيًا فييي‬
‫بييين الييداخل والخييارج‪ ،‬فيغي ّ‬
‫لخروّية‪ ،‬أي إّنه يتنازل عن تلك الرغبات الدنيوية ويوافق نفسه مع المحيييط‬
‫الكمالت واللذائذ ا ُ‬
‫ل فسنواجه مشكلة التعارض المذكور‬
‫لخروي‪ ،‬وإ ّ‬
‫ويرضا بالقضاء اللهي طمعًا في التعويض ا ُ‬
‫بين طموحات النسان الكبيرة وآماله العريضة وبين الواقع الضّيق والمحدود‪.‬‬
‫وهناك أيضًا بعض الردود والشكالت التي ذكرها علميياء النفييس الغربيييون ميين المييدارس‬
‫لخرى من قبيل وجود نقص في تعريف المفاهيم وغموض فييي تصييوير النظرّييية بشييكل عييام‬
‫اُ‬
‫ن مقولة‬
‫وتعّدد التصويرات والمعاني للنظرية وإختلف فهمها لدى علماء الجشتلت أنفسهم‪ ،‬ثّم أ ّ‬
‫ل والشكل الجّيد ل تستوعب كافة مرافق الحياة ومظاهر السلوك كما تدعى ذلييك الجشييتلتية‪،‬‬
‫الك ّ‬
‫فأحيانًا نجد أنفسنا بحاجيية فييي البحييث العلمييي إلييى التفكيييك والبحييث عيين العناصيير والعوامييل‬
‫الّولّية‪ ،‬فل معنى لتشّدد في رفض الذرانّية أو التحليل إلى العناصر‪.‬‬
‫صيية فييي مقولتهييا‬
‫وقد ُاخذ عليها أيضًا أّنها لم تهتّم بدور التجربيية علييى جميييع الصييعد وخا ّ‬
‫الفلسفية‪.‬‬
‫وأخذ عليها أيضًا أّنها مدرسة آحادّية التفسير تؤّكد في تفسيرها للسلوك على العامييل الواحييد‬
‫شف لعلميياء النفييس خطييأ هييذا التص يّور‪،‬‬
‫كما سبق أن رأينا ذلك في المذهب الفرويدي‪ ،‬بينما تك ّ‬
‫ولذا تميل المدارس الجديدة‪ ،‬بل علييم النفييس بصييورة عاّميية إلييى الخييذ بمقوليية تع يّدد العوامييل‬
‫للسلوك من قبيل العوامل الوراثّية والتربوية والفسيولوجّية ونمط التغذية والثقافة وغير ذلك‪.‬‬
‫ل مييا‬
‫ن الشكلنية ترفض بجدّييية تقسيييم للنسييان إلييى جسييد وروح‪ ،‬وتييأبى الذعييان لكي ّ‬
‫ثّم إ ّ‬
‫ن رؤيتها للجشتلت فييي النسييان ومييا يّتصييل بييه‬
‫يّتصل بعالم غير ماّدي وما ورائي‪ ،‬في حين أ ّ‬

‫من حقل نفساني خارج بدن النسان يذكّرنا بمقولة الفلسفة والعرفاء عيين الييروح فييي النسييان‬
‫المحيط ببدنه ‪..‬‬
‫* * *‬

‫الفصل السابع‬

‫»المدارس الماعصرة«‬
‫)‪(7‬الظاهراتية الوجودّية‬

‫علم النفس الوجودي الظاهراتية الوجودّية‬
‫في تقسيم توضيحي لمدارس علم النفس الحديث بامكاننا تقسيمها إلى ثلث طييوائف مترتبيية‬
‫ل من المدرسيية الترابطّييية والتجريبّييية والوظيفانييية‪ ،‬وهييذه الثلث‬
‫لولى هي ك ّ‬
‫زمنيًا‪ ،‬فالطائفة ا ُ‬
‫ن الطائفة الثانية جاءت كرّد فعل لتصييحيح مسييار‬
‫متقّدمة تقريبًا على مدارس الطائفة الثانية‪ ،‬ل ّ‬
‫هذه المدارس النفسّية‪.‬‬
‫ونجييد فييي الطائفيية الثانييية ثلث مييدارس ُاخييرى متزامنيية تقريب يًا‪ ،‬أي فييي بييدايات القييرن‬
‫العشرين‪ ،‬وهي‪ :‬السييلوكّية والتحليييل النفسييي والجشييتلت والييتي اسييتمرت فاعليتهييا حّتييى العقييد‬
‫الخامس والسادس من هذا القرن‪.‬‬
‫أّما الطائفة الثالثة فقد أطلق عليها في الوساط العلمّية المريكية بي»القّوة الثالثة« فييي بداييية‬
‫ن مدرسة الشكل المانية الصل‪ ،‬ولييم تجييد‬
‫تشّكلها وذلك في مقابل السلوكّية وتحليل العوامل‪ ،‬ل ّ‬
‫لها امتداد فكري ورصيد جامعي في الوسط المريكي‪.‬‬
‫لصييول والمبيياديء وهييي‪:‬‬
‫وهذه القّوة الثالثة عبارة عن ثلث مدارس جديدة متقاربيية فييي ا ُ‬
‫ل من هذه المدارس النفسّية جذور فلسفّية‬
‫»الظواهرية«‪ ،‬و»الوجودّية«‪ ،‬و»النسانّية«‪ .‬ولك ّ‬
‫سربت أفكار وآراء فلسفة غربّيين إلى أجواء علم النفييس‬
‫معاصرة‪ ،‬أي أّنها وليدة الفلسفة وقد ت ّ‬
‫ن رجالهييا‬
‫لتصوغ نظريات نفسّية قّدر لها أن تكتسح الميدان الثقافي لشباب الغرب بالرغم من أ ّ‬
‫ن هدفهم إصييلح بعييض الخلييل وملييء بعييض الفراغييات والثغييور الييتي تركتهييا‬
‫أّكدوا مرارًا بأ ّ‬
‫المدارس السالفة‪ ،‬وليييس إنشيياء مدرسيية مسييتقّلة ومييذهب خيياص ينيياويء ويعييارض المييذاهب‬
‫القبلّية‪.‬‬
‫ن إصطلح » القّوة الثالثة« يطلييق علييى هييذه المييدارس الييتي تشييترك فييي‬
‫وفي الحقيقة أ ّ‬
‫محورّية واحدة‪ ،‬وهي أن فعالّيتها العلمّية تدور حول محور النسان فقط بكافة أبعاده‪ ،‬وتشييترك‬
‫سر على كثير من الباحثين الفصييل بييين ك ي ّ‬
‫ل‬
‫أيضًا في المنهجية وتتماثل في النتائج حّتى أّنه يتع ّ‬
‫واحدة من هذه المذاهب الثلثة‪ ،‬ولذا تسّمى المدرسة الوجودّية في الغالب بالظاهراتية الوجودية‬
‫إشارة إلى هذا التلحم في المباديء والهداف‪ ،‬ونحيين فييي دراسييتنا هييذه سييوف نقتصيير علييى‬
‫صلة حذرًا من التطويل والطناب‪.‬‬
‫واحدة منها وهي الوجودّية منها‪ ،‬ونترك التفصيل للكتب المف ّ‬
‫لأّنها‬
‫المدرسة الوجودية هي في الصل فلسفة معاصرة كما هو الحال في الظواهرية‪ ،‬إ ّ‬
‫ألقت بظللها على علم النفس وعلييوم ُاخييرى كالجتميياع والسياسيية والقتصيياد و‪ ..‬وقييد لقييت‬
‫ترحيبًا واسع النطاق في الوساط الثقافّية الغربّية‪ ،‬ويعييزو البيياحثون سييبب ذلييك أّنهييا رّدة فعييل‬

‫خرة‪ ،‬وتهميش إنسييانّية‬
‫للتجاه المادي البحت في فلسفات ومدارس علم النفس في العصور المتأ ّ‬
‫النسييان وإخييتزال حقيقتييه فييي محيياور حيوانّييية ض يّيقة ومهينيية وبعيييدة عيين العمييق الروحييي‬
‫والعاطفي في النسان‪ ،‬فكانت الفلسفة الوجودّية وما تبعها من علم نفس وجودي إستجابة جّدييية‬
‫لهذه الحاجيية‪ ،‬وثييورة مقابييل ذلييك الجحيياف والنقييص فييي تلييك الفلسييفات وإلفيياة نظيير العلميياء‬
‫والباحثين إلى النسان نفسه‪ ،‬وتركيييز البحييوث حييول مييا يتعّلييق بوجييوده وكيفّييية إرتبيياطه مييع‬
‫الخرين وميوله ونزعاته المتعالّية بعد أن أفلست النظم المادّية والفكرّية من رفده بغذاء معرفي‬
‫وإجابات وافية على علمات السييتفهام فييي ذهنييه وعلج حقيقييي لمييا يعييانيه ميين قلييق مزميين‬
‫صيية بعييد أن خيياض حربييين عييالميتين أتييت علييى‬
‫وإضييطراب نفسييي وتشييويش روحييي‪ ،‬وخا ّ‬
‫ل أمييل فييي جييدوى المييذاهب الفلسييفّية المخترعيية‪ ،‬ورأى الفييرد‬
‫الخضر واليييابس وأحرقييت كي ّ‬
‫الغربي بُاّم عينه ثمار تلك المذاهب من نازّية وشيوعّية وداروينّية وسلوكّية وعقلنّييية وغيرهييا‬
‫على مجمل حياته الدنيوّية المادّية والمعنوّية‪.‬‬
‫وتشترك هييذه المييذاهب الرضيّية بأّنهييا غفلييت كلّيييا عيين النسييان وحقيقتييه‪ ،‬واهتمييت تييارًة‬
‫باقتصاده‪ ،‬وُاخييرى بغريزتييه الجنسيّية‪ ،‬وثالثيية بسييلوكه الخييارجي‪ ،‬وهكييذا بالنسييبة إلييى العلييوم‬
‫ل أّنها لم تدخل دائرة وجييوده‬
‫الطبيعّية التي وّفرت له السيطرة على الطبيعة والراحة والثروة إ ّ‬
‫النساني لترى ما هو على الحقيقة‪.‬‬
‫ن الظاهراتّييية أو الظواهرييية تختلييف‬
‫وقبل الدخول في أصل الموضوع تجدر الشارة إلييى أ ّ‬
‫ل منهما‪ ،‬فالظواهرييية تهت يّم بدراسيية‬
‫في موارد طفيفة عن الوجودّية‪ ،‬وذلك يتبّين من العنوان لك ّ‬
‫ظواهر النسان من صفاته وإنفعالته النفسّية‪ ،‬أي أّنهييا تييدرس ماهّييية النسييان بالصييل‪ ،‬بينمييا‬
‫ن الصل ليس هو الماهّية بل الوجود‪ ،‬فلبّد من تقديم الوجود على الماهّية في‬
‫الوجودّية ترى أ ّ‬
‫ل منهمييا يؤّكييد علييى‬
‫ن كي ّ‬
‫البحث العلمي‪ ،‬وتركيزه على وجود النسان ل ماهية‪ ،‬بييالرغم ميين أ ّ‬
‫دراسة النسان ككل‪.‬‬
‫ب في محورّية النسان‪ ،‬فقد جاء في تعريف هذه‬
‫النسانّية بدورها مدرسة مماثلة وتص ّ‬
‫الحركة الفكرّية في علم النفس‪ ،‬إّنها منهج يستوعب جميع الباحثين في علييم النفييس ول يختييص‬
‫صييب‬
‫بطائفة منهم‪ ،‬ويقوم هذا المنهج على مباديء وُاصول من قبيل الحييترام للقيييم‪ ،‬عييدم التع ّ‬
‫إلى منهج معّين من المناهج السالفة‪ ،‬والسعي للكشف عن جوانب جديدة في النسان‪ ،‬أو تعميييق‬
‫لخرى كالعشق‪ ،‬والبتكييار والبييداع‪ ،‬بنيياء‬
‫البحث في موارد لم تكن ذات أهمّية في النظريات ا ُ‬

‫الذات‪ ،‬الدوافع والرغبات المتعالّية‪ ،‬الحساس بالمسؤولّية‪ ،‬والستقلل‪ ،‬والهدفّية فييي العمييال‪،‬‬
‫لخرى)‪.(91‬‬
‫الشجاعة والجرأة‪ ،‬وكثير من المفاهيم ا ُ‬
‫ن هذه هي أهداف علم النفس الوجودي أيضًا‪.‬‬
‫وتقّدم أ ّ‬
‫وعلييى أي حييال‪ ،‬فالمدرسيية الوجودّييية فييي علييم النفييس وليييدة الفلسييفة كمييا هييو الحييال فييي‬
‫الظواهرّية‪ ،‬فلبد لمعرفة محتويات هذه المدرسيية ميين إلقيياء نظييرة علييى رؤوس نقيياط الفلسييفة‬
‫الوجودّية وتاريخها تاركين التفصيل لكتب الفلسفة‪.‬‬
‫بدايات الفلسفة الوجودّية كانت على يد كاتب دانماركي مؤمن باسم »كيركجارد« في القرن‬
‫خت أقدام هذا النمط‬
‫التاسع عشر‪ ،‬ولكن لم يعرف في حينه حّتى ترجمت كتبه بعد وفاته‪ ،‬وترس ّ‬
‫صة في المانيا‪ ،‬حيث تبّنى تعميق‬
‫لولى وخا ّ‬
‫من التفكير الفلسفي في أروبا بعد الحرب العالمّية ا ُ‬
‫هييذه الفلسييفة ونشييرها إثنييان ميين الفلسييفة اللمييان باسييم » ماترين هايدجر« و » كارل‬
‫ياسبرس«‪ .‬وفي فرنسا »غابريل مارسل« و »جان بول سارتر« و » سيمون دوبوار«‬
‫وغيرهم‪.‬‬
‫وبعد الحرب العالمّية الثانية فاقت الفلسفة الوجودّية في إمتدادها وإنتشييارها جميييع الفلسييفات‬
‫لخرى‪ ،‬وأضحت نهضة علمّية وفلسفّية واسعة النطاق وتعكس جميييع جييوانب الحييياة الفردّييية‬
‫اُ‬
‫والجتماعية في عالمنا المعاصيير‪ ،‬ويصييف »مييوريس فريييدمن« حركيية الوجودييية فييي كتييابه‬
‫» عالم الوجودّية« باّنها » تيار قوي جّدا يغلي من أعماق الرض ويجري في جميع‬
‫الطراف‪ ،‬لكن حركته الصلّية إلى المام حيث يكتسح المظــاهر الثقافّيــة والدبّيــة فــي عــالم‬
‫اليوم«‪.‬‬
‫ن الفلسفة الوجودّية ل تعني اللحاد بالضرورة‪ ،‬والعمدة في قّوتها وإنتشارها‬
‫ويجدر القول بأ ّ‬
‫هي أّنها تستوعب في دائرتها فلسفة مؤمنين على درجيية عالّييية ميين اليمييان كمييا يظهيير ميين‬
‫سس الدانماركي‪ ،‬وكذلك فلسفة على أشّد درجات اللحاد والعناد مثل‬
‫فلسفة »كيركجارد« المؤ ّ‬
‫ن احتمال وجود ال أيضًا غير معقول‪.‬‬
‫»جان بول سارتر« الفرنسي الذي يؤّكد أ ّ‬
‫ل من قرأ للوجودّية أّنها فلسفة في غاية التعقيد واشييتباك المفيياهيم‪ ،‬والمصييطلحات‬
‫ويجمع ك ّ‬
‫ك في‬
‫ن من قرأ للفلسفة الوجودّية ولم يشعر بوجع الرأس فليش ّ‬
‫حّتى قال بعض فلسفة الغرب بأ ّ‬
‫ظ أّننا لسنا في صدد وضع هييذه الفلسييفة علييى طاوليية البحييث والتحقيييق‪،‬‬
‫فهمه لها‪ ،‬ولحسن الح ّ‬
‫ل‪.‬‬
‫ولسنا على إستعداد لوجع الرأس فع ً‬

‫‪ ()91‬م ع ن ي مكتب التنسيق‪ ،‬ج ‪ ،2‬ص ‪.435‬‬

‫لصول هييذه الفلسييفة لتوّقييف علييم‬
‫ما يهّمنا في هذا المقطع من البحث هو إستعراض سريع ُ‬
‫شييعبة‬
‫ن الفلسييفة الوجودّييية مت ّ‬
‫النفس الوجودي على معرفة جذوره الفلسييفّية كمييا ذكرنييا‪ ،‬وبمييا أ ّ‬
‫ن لييدينا فلسييفات وجودّييية‪ ،‬فييالولى القتصييار علييى ذكيير بعييض‬
‫ح القييول أ ّ‬
‫ومتنّوعة‪ ،‬بييل يصي ّ‬
‫رجالتها ونبذة من آرائهم في هذا المجال‪.‬‬
‫)‪(92‬‬

‫كيركجارد )‪ 1813‬ي ‪(1855‬‬

‫تقوم ُاطروحة كيركجارد الفلسفّية على المباديء التالّية‪:‬‬
‫ن الحقيقة كامنة في ذهنّية وفردّية‬
‫ل فرد‪ ،‬ل ّ‬
‫‪ 1‬ي ينبغي الهتمام بالمحتوى الداخلي لك ّ‬
‫الفراد‪ ،‬ل في المحيط الخارجي والمجتمع‪.‬‬
‫ن للنسان غريزة الخلود‪ ،‬ويهدف في سلوكه إل