‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫يناير ‪2013‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫ترويض الدولة القومية‪ ..‬من االستبداد إلى الوكالة‬
‫هل وصلت رسالة الثورة للدولة؟‬

‫لم تكن الدولة منفصلة عن النظام الحاكم قبل الثورة‪ ،‬بل كانت جزءا منه‪ ،‬بل وكانت أداة النظام‬
‫الحاكم للسيطرة على المجتمع‪ ،‬ومنع حدوث أي تحوالت سياسية‪ .‬وليست المشكلة فقط في جهاز الشرطة‪،‬‬
‫والذي كان بالطبع أداة النظام الحاكم في فرض سيطرته عمليا‪ ،‬ولكن المشكلة أيضا في أغلب أجهزة‬
‫الدولة‪ ،‬والتي وظفت لحماية مصالح شبكات النظام السابق‪ ،‬وحماية عملية تركيز الثروة في يد المنتمين‬
‫لشبكة مصالح النظام السابق‪ .‬وليس هذا فقط‪ ،‬فقد صمم أداء الدولة بحيث ال تقوم بأي دور في التنمية‬
‫الحقيقية‪ ،‬وتم منع وإعاقة أي تطوير حقيقي‪ ،‬وعرقلة كل عمل إبداعي‪ ،‬ونزع كفاءة أجهزة الدولة بالكامل‪،‬‬
‫حتى تصبح مجرد أداة في يد الطبقة الحاكمة‪.‬‬
‫فقد تم تدمير كل امكانيات الدولة‪ ،‬والحد من كفاءتها‪ ،‬وعرقلة أي قدرة داخلية ألجهزة الدولة على‬
‫التطور‪ .‬ولم تكن تلك السياسة خاصة بالدولة فقط‪ ،‬فقد تم تدمير القدرات االقتصادية عامة‪ ،‬ببناء اقتصاد‬
‫ضعيف‪ ،‬مبني على الدخول الريعية‪ ،‬وال يمثل أي تطوير اقتصادي أو ابتكاري حقيقي‪ .‬وفي ظل مناخ‬
‫يقوم على تعظيم أرباح الطبقة السياسية‪ ،‬شلت قدرات الدولة عمليا‪ ،‬ولم تعد تملك القدرة على التطوير‬
‫الداخلي‪ ،‬وتم تحويلها إلى جهاز روتيني‪ ،‬يمثل عائقا أمام حركة المجتمع‪.‬‬
‫وألن الدولة بهذا الشكل تحولت إلى جزء من النظام السابق‪ ،‬لذا فإن عالقة المجتمع بالدولة تردت‬
‫كثيرا‪ ،‬ألن المجتمع لم يجد في الدولة أداة لتحقيق احتياجاته‪ ،‬بقدر ما وجد أنها أداة للسيطرة على المجتمع‪،‬‬
‫وحماية النظام السابق‪ .‬فأصبح من الصعب الفصل بين النظام السابق وبين الدولة‪ ،‬وعندما اسقط النظام‬
‫السابق‪ ،‬بدت الدولة وكأنها جزء من النظام الذي لم يسقط‪ .‬وألن الدولة ال تسقط‪ ،‬إال إذا عمت الفوضى‬
‫الشام لة‪ ،‬أصبحت المشكلة في أن وجود الدولة نفسه‪ ،‬يعيد إنتاج النظام السابق‪ ،‬رغم أن وجود الدولة‬
‫ضروري‪ ،‬وسقوطها يهدم ال الدولة فقط‪ ،‬بل والمجتمع أيضا‪.‬‬
‫والمفارقة التاريخية هنا‪ ،‬أن عمال الدولة‪ ،‬بوصفهم المحتوى البشري لجهاز الدولة‪ ،‬لم يعتبروا‬
‫أنفسهم جزءا من النظام السابق‪ ،‬بل غالبهم أعتبر أنه جزء من ضحايا النظام السابق‪ .‬والقلة التي سيطرت‬
‫على الدولة‪ ،‬هي التي تدرك أنها جزء من النظام السابق‪ ،‬ودافعت عنه‪ ،‬وحاولت إعادة إنتاجه‪ ،‬كما‬
‫واجهت الثورة‪ ،‬وحاولت اجهاضها‪ .‬ولكن األغلبية من عمال الدولة‪ ،‬اعتبروا أنفسهم ضحايا النظام‪ ،‬بل‬
‫واعتبر وا أنفسهم جزءا من الثورة‪ ،‬وطالبوا بتحقيق ثمار الثورة لهم‪ ،‬رغم أن أداء الدولة استمر يعيد إنتاج‬
‫ممارسات النظام السابق‪ ،‬ويشعر عامة الناس أن الثورة لم تصل بعد إلى الدولة‪ ،‬بل ويشعرهم أن الثورة‬
‫لم تحقق التغيير المنشود‪.‬‬
‫عمال الدولة‬
‫تلك هي المشكلة المزمنة‪ ،‬والمفارقة االجتماعية‪ ،‬فعمال الدولة يعتبرون أنفسهم جزءا من‬
‫المجتمع‪ ،‬وبالتالي جزءا من الثورة‪ ،‬وفي نفس الوقت يطالبون بتحقيق العدالة االجتماعية وتحقيق أهداف‬
‫الثورة بالنسبة لهم؛ بل ويخرجون في وجه الدولة‪ ،‬فالدولة بالنسبة لهم هي كبار عمال الدولة‪ ،‬وليس كل‬
‫عمال الدولة‪ .‬ف بالنسبة للمجتمع‪ ،‬مثلت الدولة مشكلة في عهد النظام السابق وبعد الثورة‪ ،‬وأصبح المجتمع‬
‫يثور في وجه الدولة‪ ،‬أما بالنسبة لعمال الدولة‪ ،‬فأصبحت ثورتهم ضد كبار عمال الدولة‪ ،‬وكأنهم هم‬
‫ضحايا‪ ،‬وليسوا جزءا من الدولة‪ ،‬وال جزءا من النظام السابق‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫ترويض الدولة القومية‪ ..‬من االستبداد إلى الوكالة‬

‫ولكن الواقع يعطي صورة مختلفة‪ ،‬فتردي أداء الدولة ينسب في النهاية إلى الدولة كلها‪ ،‬ووصل‬
‫التردي في األداء ألغلب عمال الدولة‪ ،‬وليس فقط لكبار عمال الدولة؛ بل أن شبكات المصالح وشبكات‬
‫الفساد‪ ،‬تمددت من كبار عمال الدولة إلى مختلف شرائحهم‪ ،‬مما يجعل من الصعب فصل عمال الدولة عن‬
‫الدولة‪ ،‬أو عن شبكات مصالح النظام السابق‪ .‬وجزء من الدولة‪ ،‬ومن عمال الدولة‪ ،‬تحرك بالفعل ضد‬
‫الثورة‪ ،‬وجزء منه أدار الفوضى المنظمة‪ ،‬وأدار أيضا عملية التحرك العنيف ضد الثورة‪ ،‬ومحاولة‬
‫اختراق الثورة‪ .‬بما يعني أن أول مشكلة تواجهها الدولة بعد الثورة‪ ،‬أنها جزء من النظام السابق‪ ،‬ولكنها‬
‫ليست هي النظام الحاكم‪ ،‬وأن عمال الدولة هم جزء من المشكلة‪ ،‬وفي نفس الوقت جزء من ضحايا النظام‬
‫السابق‪.‬‬
‫فأصبح تغيير توجه عمال الدولة‪ ،‬يمثل تحديا مهما‪ ،‬ألنهم يتمردون على الدولة‪ ،‬ويرفعون‬
‫مطالبهم في وجه الدولة‪ ،‬وفي نفس الوقت‪ ،‬فإن المجتمع كله يتمرد على الدولة‪ ،‬ويرفع مطالبه في وجه‬
‫الدولة كلها‪ .‬وفي لحظات كثيرة‪ ،‬نجد أن تظاهر عمال الدولة‪ ،‬يشل حركة الدولة‪ ،‬ويعرقل التغيير‪ ،‬وكأن‬
‫تمرد عمال الدولة على الدولة‪ ،‬هو في بعض األحيان‪ ،‬تمرد مزدوج ضد الدولة والثورة معا‪.‬‬
‫والمشكلة أن كل تطوير ألداء الدولة‪ ،‬يمس أساسا أداء عمال الدولة‪ ،‬وكل تغيير في دور الدولة‪،‬‬
‫يمس أساسا دور عمال الدولة‪ ،‬وكل تغيير في السلطة المطلقة التي تمتعت بها الدولة‪ ،‬يعد تغييرا للسلطة‬
‫المطلقة التي تمتع بها بعض عمال الدولة‪ ،‬خاصة من الشبكات اإلدارية التي قادها وسيطر عليها كبار‬
‫عمال الدولة‪ ،‬وعاونهم قطاع كبير من عامة عمال الدولة‪.‬‬
‫والمسئولية األساسية تقع على عمال الدولة‪ ،‬لتغيير دور ووظيفة الدولة‪ ،‬وتطوير أدائها‪ ،‬وكسب‬
‫قبول المجتمع ورضاه عن أدائها‪ .‬وفي نفس الوقت‪ ،‬فإن لعمال الدولة حقوقا أهدرت‪ ،‬ألنهم يمثلون قطاعا‬
‫مهما من محدودي الدخل والفقراء‪ .‬كما أن عمال الدولة هم في النهاية جزء كبير من المجتمع‪ ،‬الذي يحتج‬
‫على أداء الدولة‪ .‬لذا فهم جزء من المشكلة‪ ،‬كما أنهم جزء رئيس من الحل‪ ،‬وعليهم مسئولية‪ ،‬كما أنهم‬
‫جزء من ضحايا النظام السابق‪.‬‬
‫مشكلة الدولة المتدخلة‬
‫الدولة القائمة‪ ،‬لم تعاني فقط من االستبداد والفساد‪ ،‬بل تميزت أيضا بأنها دولة متدخلة‪ ،‬تتحكم‬
‫وتسيطر على مختلف أوجه الحياة‪ .‬فهي بحكم القوانين واللوائح‪ ،‬تسيطر على المجتمع وعلى نشاط‬
‫األفراد‪ ،‬ويرتبط بها كل عمل أو نشاط‪ ،‬مما جعل لها سلطة على المجتمع‪ .‬واستخدمت هذه السلطة غالبا‪،‬‬
‫ليس من أجل التطوير والتنمية‪ ،‬بقدر ما استخدمت من أجل هيمنة النظام السابق على المجتمع‪ .‬مما جعل‬
‫تدخل الدولة في غالبه سلبي‪.‬‬
‫والمقصود بالدولة المتدخلة‪ ،‬ليس الدولة القائمة على النظام االشتراكي أو الشيوعي‪ ،‬ولكن الدولة‬
‫التي تتدخل في كل شئون المجتمع‪ ،‬وفي كل نشاط اجتماعي أو ثقافي أو اقتصادي‪ ،‬والتي يلجأ لها أغلب‬
‫الناس‪ ،‬ط لبا للتراخيص والتصاريح‪ ،‬والتي تتدخل بحكم القانون في كل نشاط‪ ،‬مما يمكنها من تسهيل ما‬
‫يحتاجه الناس أو منعه أو وقفه‪ .‬فالدولة التي تدير كل شيء‪ ،‬هي دولة متدخلة‪ ،‬رغم أن دورها ومسئوليتها‬
‫االجتماعية متراجعة‪ .‬فرغم أن دولة النظام السابق وصلت لحد الدولة الفاشلة‪ ،‬والتي ال تقوم بأي دور‬
‫إيجابي‪ ،‬إال أنها ظلت دولة متدخلة في كل شئون المجتمع‪ ،‬وشئون عامة الناس‪ ،‬مما جعل لها سلطة‬
‫وتأثيرا على مختلف أنواع األنشطة‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫ترويض الدولة القومية‪ ..‬من االستبداد إلى الوكالة‬

‫وقد وظف دور الدولة‪ ،‬وتدخلها في مختلف مناحي الحياة لفرض السلطة على المجتمع‪ ،‬مما ساعد‬
‫النظام السابق على تقييد حركة المجتمع‪ ،‬ومنع أي خروج عليه‪ ،‬لتأمين بقائه في السلطة‪ .‬وهو ما أثر على‬
‫عالقة عامة الناس بالدولة‪ ،‬بل وأثر على عالقة عامة الناس بعمال الدولة‪ ،‬وأثر بالتالي على عمال الدولة‬
‫أنفسهم‪ ،‬والذين مارسوا سلطة في وجه المجتمع‪ ،‬رغم أنهم في النهاية من ضحايا النظام‪ ،‬بل ومن ضحايا‬
‫ا لدولة أيضا‪ .‬وتلك مشكلة عمال الدولة‪ ،‬الذين وضعوا في مواجهة مع عامة الناس‪ ،‬وهم منهم‪ ،‬والذين‬
‫تتسبوا في مشكالت لعامة الناس‪ ،‬ولهم أيضا‪ .‬حتى بات العامل بالدولة‪ ،‬مسئول عن تردي أدائه‪ ،‬وفي نفس‬
‫الوقت ضحية لتردي أداء غيره من عمال الدولة‪.‬‬
‫والمشكلة أن نموذج الدولة الحديثة‪ ،‬يقوم اساسا على نمط الدولة المتدخلة‪ ،‬والتي تفترض أن‬
‫المجتمع غير قادر على القيام بأي نشاط أو دور‪ ،‬بدون تدخل الدولة‪ .‬والدولة الحديثة متشعبة‪ ،‬بل وتتدخل‬
‫في كل أنواع النشاط‪ ،‬فهي تمثل المدير األعلى للمجتمع‪ ،‬والذي يدير كل شيء‪ .‬وعندما يطبق هذا النموذج‬
‫في نظام مستبد وفاسد‪ ،‬تصبح الدولة وكأنها خصم للمجتمع‪ ،‬تتدخل في كل شيء‪ ،‬وتنهب ثروات المجتمع‪،‬‬
‫وتحمي الفساد‪ ،‬وتحمي الطبقة السياسية الفاسدة‪ ،‬فيصبح تدخلها ليس نتيجة حاجة مجتمعية‪ ،‬بل نتيجة‬
‫حاجة تخص الطبقة الحاكمة‪.‬‬
‫فنموذج الدولة الحديثة المتدخلة‪ ،‬طبق في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬تحت دعاوى ترى أن‬
‫الهيمنة الشاملة للدولة‪ ،‬هي التي تحقق التقدم والتنمية‪ ،‬لذا أصبحت عسكرة الدولة‪ ،‬جزءا من عملية هيمنة‬
‫الدولة‪ ،‬حتى يتم بناء الدولة القوية الحديثة‪ .‬ولكن في الواقع التطبيقي‪ ،‬لم يكن تدخل الدولة حاجة مجتمعية‪،‬‬
‫ولم يحقق أهداف وحاجات المجتمع‪ ،‬بل تحول تدخل الدولة إلى حاجة تخص الطبقة السياسية‪ ،‬التي‬
‫احتاجت لتدخل الدولة حتى تحمي نظام الحكم الذي تمثله‪ ،‬وتحمي النظام من أي تحوالت سياسية‪ .‬وفي‬
‫النهاية تحول تدخل الدولة‪ ،‬من أداة لحماية النظام‪ ،‬إلى أداة لحماية االستبداد والفساد‪.‬‬
‫لهذا لم يحقق النموذج الحديث للدولة أي دور اجتماعي‪ ،‬يحقق له القبول المجتمعي‪ ،‬سواء في‬
‫زمن النظام االشتراكي أو في زمن النظام الرأسمالي‪ .‬ألن اشتراكية الدولة‪ ،‬تحولت إلى رأسمالية الدولة‪،‬‬
‫وتحولت بالتالي إلى رأسمالية الطبقة السياسية‪ .‬كما أن الرأسمالية‪ ،‬تحولت أيضا إلى رأسمالية شبكة‬
‫المصا لح الحاكمة‪ ،‬وبالتالي رأسمالية الطبقة الحاكمة‪ .‬والدولة الحديثة‪ ،‬قامت أساسا على بنية إدارية معقدة‬
‫ومتمددة‪ ،‬مما يجعلها أداة إدارية مهيمنة‪ .‬وقد استخدمت هذه األداة في كل األحوال‪ ،‬لتركيز الثروة في يد‬
‫الطبقة الحاكمة‪ ،‬واستخدمت لتأمين الطبقة الحاكمة‪ ،‬واستخدمت أيضا لمنع حركة المجتمع‪ .‬والمشكلة‬
‫األكبر‪ ،‬أن األداة اإلدارية للدولة‪ ،‬استخدمت لتفكيك بنية المجتمع‪ ،‬وتفكيك مؤسساته‪ ،‬وتفكيك المنظمات‬
‫األهلية والمدنية‪ ،‬والحد من كل نشاط أهلي‪ .‬فالدولة المتدخلة‪ ،‬كانت أداة تفكيك المجتمع واضعافه‪،‬‬
‫فأصبحت جزءا من المشكلة‪ ،‬بل وجزء رئيس من حالة االستبداد والفساد‪ ،‬وأيضا جزءا من حالة التردي‬
‫الشامل التي وصل لها المجتمع والدولة‪ ،‬قبل الثورة‪.‬‬
‫مما يعني أن نموذج الدولة الحديثة‪ ،‬القائم على التدخل اإلداري الواسع‪ ،‬أصبح جزءا من المشكلة‬
‫التي تواجهها الثورة‪ ،‬وأصبح هذا النموذج في حد ذاته‪ ،‬من مسببات الثورة‪ ،‬ومسببات الخروج على‬
‫النظام الحاكم‪ .‬وقد يرى البعض‪ ،‬أن التطبيق الخاطئ لنموذج الدولة الحديثة‪ ،‬هو الذي أثار المجتمع ضد‬
‫الدولة‪ ،‬ولكن المشكلة قد تتجاوز هذا‪ ،‬فاألغلب أن النموذج نفسه لم يكن مناسبا‪ ،‬وبالتالي لم تكن له‬
‫تطبيقات جيدة‪ ،‬وأيضا لم يحقق نجاحا‪ .‬المشكلة تتجاوز نظام االستبداد والفساد‪ ،‬وتصل إلى جوهر طبيعة‬
‫الدولة الحديثة‪ .‬ما أقصده أن الطابع المتدخل للدولة‪ ،‬بدون الفساد واالستبداد‪ ،‬يمثل نموذجا غير مناسب‬
‫‪4‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫ترويض الدولة القومية‪ ..‬من االستبداد إلى الوكالة‬

‫للمجتمع‪ ،‬وساهم في اضعاف المجتمع‪ ،‬كما ساهم في جعل االستبداد والفساد ممكنا بهذه الصورة‪ .‬فبدون‬
‫نموذج الدولة المتد خلة الحديثة‪ ،‬ما كان االستبداد والفساد ممكنا بهذه الصورة‪ ،‬ولكان التخلص منهما متاحا‬
‫بدرجة أكبر‪ .‬فبدون نموذج الدولة الحديثة المتدخلة‪ ،‬كان من الممكن إحداث التغيير في فترة مبكرة‪ ،‬فالذي‬
‫أخر التغيير‪ ،‬شدة هيمنة الدولة‪ ،‬بسبب بنيتها القائمة على التدخل والسيطرة‪.‬‬
‫هل يمكن استمرار نموذج الدولة القومية؟‬
‫ما نتكلم عنه هو ما يسمى بنموذج الدولة القومية‪ ،‬وهي التي تسمى بالدولة الحديثة‪ .‬وهي دولة لها‬
‫طبيعة خاصة‪ ،‬فهي تدير المجتمع‪ ،‬وتعتبر أن المجتمع ال يوجد بدونها‪ ،‬وكأن وجود الدولة هو الذي يحقق‬
‫وجود المجتمع‪ ،‬وليس العكس‪ .‬وتقوم فكرة الدولة القومية على توسيع دور الدولة على حساب دور‬
‫المجتمع‪ ،‬على أساس أن المجتمع ال يستطيع القيام بدوره بدون الدولة‪ ،‬مما يجعل المجتمع تابعا للدولة‬
‫إداريا‪ ،‬إذا صح التعبير‪.‬‬
‫ويفترض أن الدولة القومية تحدد هوية المجتمع‪ ،‬على أساس أنها تستخلص هوية المجتمع‬
‫وتوحدها وتجمعها‪ ،‬لتشكل الهوية الجامعة للمجتمع‪ ،‬وتعتمد لغته الرسمية‪ ،‬وتعتمد بالتالي قيمه األساسية‪،‬‬
‫وتوجهاته العامة‪ .‬ويفترض أيضا‪ ،‬أن الدولة تقوم بدور يحتاجه المجتمع‪ ،‬وال يستطيع االستغناء عنه‪ ،‬مما‬
‫يجعل الدولة تمثل حاجة ملحة للمجتمع‪ ،‬وهو ما يدفع المجتمع إلى الرضاء بسلطة الدولة‪ ،‬والخضوع لها‪،‬‬
‫نظرا لحاجته إليها‪ .‬كما يفترض أيضا‪ ،‬أن ما تختاره الدولة من هوية ونظام عام‪ ،‬يعبر عن المجتمع‬
‫بدرجة تجعل المجتمع متقبال لما تمثله الدولة‪.‬‬
‫مما يعني‪ ،‬أن الدولة في النهاية تنشأ بقدر ما هي احتياج لدى المجتمع‪ ،‬وبقدر ما تعبر عن‬
‫المجتمع‪ ،‬وبقد ر ما يلقى ما تمثله وتقوم به من رضاء المجتمع‪ .‬فإن لم تكن الدولة اختيارا حرا للمجتمع‪،‬‬
‫وإن لم يكن المجتمع صاحب قرار تشكلها وتكونها وخياراتها‪ ،‬فلن تحظى برضاء المجتمع‪ ،‬وبالتالي لن‬
‫تستمر‪ .‬ورضاء المجتمع عن الدولة‪ ،‬مرتبط أساسا بقدر ما تمثله من تلبية الحتياج‪ ،‬وبقدر ما تعبر عن‬
‫المجتمع‪.‬‬
‫وتلك هي مشكلة الدولة القومية في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬ألنها‪:‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬
‫‪‬‬

‫قامت بأدوار أكثر مما يحتاجه المجتمع‪.‬‬
‫فرضت سلطة على المجتمع بأكثر مما يحتاج‪.‬‬
‫خصمت من دور المجتمع لحساب دور الدولة‪.‬‬
‫دمرت األبنية التقليدية للمجتمع‪.‬‬
‫لم تسمح ببناء أبنية حديثة للمجتمع تعبر عنه‪.‬‬
‫أضعفت المجتمع وقدراته وحركته‪.‬‬
‫لم تستجب لحاجات المجتمع‪ ،‬ولم تقم بدور فاعل تجاهه‪.‬‬
‫لم تعبر عن المجتمع بتلقائية‪ ،‬بحيث تكون مرآة للمجتمع‪.‬‬
‫لم تحقق التقدم للمجتمع‪.‬‬
‫لم تحمي المجتمع من االستبداد والفساد‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫ترويض الدولة القومية‪ ..‬من االستبداد إلى الوكالة‬

‫وخالصة هذا الوضع‪ ،‬أن الدولة القومية في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬لم تنشأ نشأة طبيعية‪ ،‬ولم تعبر عن‬
‫المجتمع‪ ،‬ولم تلبي احتياجاته‪ ،‬ومن ثم لم تحظى بالرضاء المجتمعي الالزم لبقاء الدولة‪ ،‬واستمرار‬
‫سلطتها‪ .‬ثم في النهاية‪ ،‬أصبحت الدولة عمليا‪ ،‬جزءا من نظام حاكم‪ ،‬خرج المجتمع ضده وأسقطه‪ .‬لذا لم‬
‫يعد هناك مب ررا لبقاء طبيعة الدولة كما هي بعد الثورة‪ ،‬والفرق كبير بين طبيعة الدولة‪ ،‬ومجرد وجود‬
‫الدولة‪ .‬ففي كل األحوال‪ ،‬يعد وجود الدولة ضروريا‪ ،‬ولكن المشكلة تتعلق أساسا‪ ،‬بما تمثله الدولة‪ ،‬وما لها‬
‫من أدوار ووظائف‪ ،‬وأيضا ما تعبر عنه من هوية‪ ،‬والعالقة بينها وبين المجتمع‪ .‬فاألسس التي تقوم عليها‬
‫الدولة تختلف من تصور إلى آخر‪ .‬واألسس التي قامت عليها الدولة قبل الربيع العربي‪ ،‬أصبحت محل‬
‫تغيير وإصالح‪ ،‬ألن ما كانت عليه الدولة قبل الربيع العربي‪ ،‬هو جزء ال يتجزأ من أوضاع النظام‬
‫الحاكم‪ ،‬بما كان فيه من استبداد وفساد‪.‬‬
‫لذا تصبح من حتمي ات الثورة التي تغير النظام السياسي‪ ،‬أن ينتج عنها تغييرا واسعا في الدولة‪،‬‬
‫من حيث دورها وهويتها وعالقتها بالمجتمع‪ .‬وهو ما يعني أن الدولة تصبح محال للتغيير بمجرد استكمال‬
‫اسقاط النظام الحاكم‪ .‬وهو ما ظهر جليا في مقاومة مؤسسات الدولة للتغيير‪ ،‬كما ظهر جليا أيضا في‬
‫مقاومة كبار عمال الدولة للتغيير‪ .‬وهو ما أدى إلى تشكل تحالف من كبار عمال الدولة‪ ،‬من أجل المحافظة‬
‫على الدولة القائمة قبل الثورة‪ ،‬تحت عناوين شتى‪ ،‬منها الحفاظ على الدولة وهيبة الدولة‪ ،‬وغيرها‪ .‬ولم‬
‫يكن هذا الصراع‪ ،‬إال مرآة للصراع الحقيقي بين نموذج دولة قائمة‪ ،‬ونموذج دولة أخرى تشكلها عملية‬
‫التغيير واإلصالح‪ ،‬وعملية التحول الديمقراطي‪ ،‬أي دولة يشكلها المجتمع باختياره‪ ،‬بعد أن فرضت عليه‬
‫دولة لم يكن له فيها اختيار‪.‬‬
‫هل يدافع القضاء عن الدولة القومية؟‬
‫وهذا صلب المواجهة التي حدثت مثال‪ ،‬بين قوى الثورة‪ ،‬خاصة القوى اإلسالمية‪ ،‬وبين مؤسسات‬
‫قضائية‪ .‬فبعض المؤسسات القضائية‪ ،‬حاولت الحفاظ على الدولة كما هي‪ ،‬والحفاظ على طبيعتها‬
‫ودورها‪ ،‬وكأنها من ثوابت الوطن‪ .‬وإذا كانت الدولة ضرورة حتمية‪ ،‬فإن طبيعتها وهويتها ودورها‪ ،‬ليس‬
‫من الثوابت التي ال يمكن تغييرها‪ ،‬إال إذا كانت جزءا من ثوابت المجتمع‪ .‬فعندما تعبر الدولة عن ثوابت‬
‫المجتمع وخياراته‪ ،‬تصبح ضرورة وفي نفس الوقت اختيار المجتمع‪ .‬وألن التحول الديمقراطي يعني في‬
‫النهاية غلبة الخيارات الشعبية الحرة‪ ،‬لذا حاولت العديد من المؤسسات حماية الدولة القائمة‪ ،‬من الخيارات‬
‫الشعبية الحرة‪ ،‬ألنها كانت تدرك أن الدولة القائمة‪ ،‬بما تمثله‪ ،‬ليست خيارا شعبيا حرا‪ ،‬بل أنها تتعارض‬
‫مع الخيارات الشعبية الحرة‪.‬‬
‫وهنا يبرز في الواجهة نمط الدولة القومية‪ ،‬القائمة على القومية والعرق‪ ،‬وذات الطابع القطري‪،‬‬
‫والتي تستند أساسا على العلمانية‪ ،‬وهي في النهاية دولة تقوم على القيم المادية وتستند لها وتروج لها‬
‫أيضا‪ .‬وهي بهذا دولة ذات طبيعة خاصة‪ ،‬وتنتمي أساسا للمرجعية الحضارية الغربية‪ ،‬وال تنتمي‬
‫للمرجعية اإلسالمية‪ .‬لذا كان ظهور قوى التيار اإلسالمي‪ ،‬سببا في انتشار القلق بين العديد من القوى‬
‫والنخب والمؤسسات‪ ،‬التي رأت أن صعود القوى اإلسالمية‪ ،‬يهدد الدولة القومية القائمة على النموذج‬
‫الغربي‪ .‬وتلك المخاوف‪ ،‬تعني في حقيقتها‪ ،‬أن البعض‪ ،‬خاصة من النخب والقوى العلمانية‪ ،‬وبعض‬
‫مؤسسات الدولة‪ ،‬خاصة بعض المؤسسات القضائية‪ ،‬يخشى فعال من الخيارات الشعبية الحرة‪ ،‬وليس فقط‬
‫من القوى اإلسالمية‪ .‬فالخيارات الشعبية الحرة‪ ،‬حاضرة في الواقع االجتماعي‪ ،‬حتى قبل الثورة‪ ،‬وهي‬
‫تبدو مختلفة كثيرا عن الخيار المادي العلماني الغربي‪ ،‬مما يعني أن بروز الخيارات الشعبية الحرة‪،‬‬
‫‪6‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫ترويض الدولة القومية‪ ..‬من االستبداد إلى الوكالة‬

‫سيؤدي تدريجيا لتغيير طبيعة ودور وهوية الدولة‪ ،‬من الطابع المادي العلماني الغربي‪ ،‬حتى تصبح معبرة‬
‫عن المجتمع وخياراته‪.‬‬
‫وألن بقاء الدولة القائمة كما كانت في عهد النظام السابق‪ ،‬بات مستحيال‪ ،‬وألن تغييرها يهدد‬
‫طبيعتها كدولة قومية قطرية على النموذج الغربي‪ ،‬لذا باتت المعركة حول الدولة ودورها وهويتها‪ ،‬تمثل‬
‫جوهر المعارك بين القوى السياسية‪ ،‬وبين الثورة والقوى المعادية للثورة‪ ،‬بل وبين دول الربيع العربي‬
‫نفسها‪ ،‬والقوى اإلقليمية والدولية األخرى‪ ،‬التي تخشى من فقدان مصالحها بسبب الربيع العربي‪.‬‬
‫وهذا ما جعل إشكالية الدولة بعد الثورة‪ ،‬تتشابك مع عدة عوامل‪ .‬فعمال الدولة ال يحملون أي‬
‫تصور أيديولوجي عن الدولة‪ ،‬وال يمثلون الدولة القومية‪ ،‬وإن كان كبار عمال الدولة‪ ،‬هم الذين رسموا‬
‫سياسات الدولة ونفذوها‪ .‬ولكن أغلب عمال الدولة‪ ،‬ليسوا جزءا من مشروع سياسي‪ ،‬وإن كانت نخبة‬
‫الدولة‪ ،‬تدرك دورها وموقعها السياسي‪ ،‬كما تدرك خيارات الدولة السياسية‪ ،‬التي كانت قائمة زمن النظام‬
‫السابق‪ .‬مما يعني أن جهاز الدولة يتشكل من غالبية من عمال الدولة‪ ،‬ليسوا جزءا من مشروع سياسي‪،‬‬
‫وغالبية أخرى‪ ،‬هم جزء من شبكات مصالح‪ ،‬بأكثر من كونهم جزءا من مشروع سياسي‪ ،‬ونخبة هي التي‬
‫تدرك ارتباط مصالحها بالمشروع السياسي‪ ،‬وبالدولة القطرية التابعة للغرب وسياساته في المنطقة‪.‬‬
‫والدولة في كل األحوال‪ ،‬ال تقوم على تصور أيديولوجي مسبق‪ ،‬بقدر ما تتشكل من خالل التفاعل‬
‫الحر البناء‪ ،‬بين الدولة والمجتمع‪ ،‬وبين حاجات المجتمع ودور الدولة‪ ،‬وبين هوية المجتمع وما تمثله‬
‫الدولة‪ ،‬وبين دور المجتمع ودور الدولة‪ ،‬ومن خالل التفاعل الحر البناء الرشيد‪ ،‬تتشكل الدولة التي تمثل‬
‫حاجة لدى المجتمع وتعبر عنه‪ ،‬وتلقى قبوله‪ .‬وما يحدث بعد ثورات الربيع العربي‪ ،‬هو بداية جديدة‬
‫لتفاعل حر بين المجتمع والدولة‪ ،‬من أجل تشكيل بنية جديدة للدولة‪ ،‬حتى تلبي حاجات المجتمع وتعبر‬
‫عنه‪ ،‬وتقوم بالدور الذي يكلفها المجتمع به‪.‬‬
‫ما هي العالقة الجديدة بين الدولة والمجتمع؟‬
‫بسبب غياب نخبة أو قيادة تفرض تصورا للدولة على المجتمع‪ ،‬كما حدث في حركات التحرر‬
‫الوطني ذات الطابع العلماني‪ ،‬لذلك أصبحت الدولة تتشكل في مجتمعات الربيع العربي‪ ،‬حسب ما يحدث‬
‫من تفاعل بين الدولة والمجتمع‪ .‬وكل المحاوالت التي تهدف لتصنيع نخبة للثورة‪ ،‬وفرض رؤيتها على‬
‫المجتمع‪ ،‬فشلت‪ .‬كما أن كل محاوالت نخبة الدولة لتقلد موقع المدافع عن الدولة القائمة‪ ،‬مصيرها الفشل‬
‫أيضا‪ .‬فنخبة الدولة لن تستطيع الدفاع عن الدولة القائمة‪ ،‬ألنها دولة فاشلة‪ ،‬قامت الثورة ضدها‪ ،‬كما قامت‬
‫ضد النظام الحاكم‪.‬‬
‫لهذا تدور معارك ما بعد ثورات الربيع العربي‪ ،‬بين مجتمع ثائر‪ ،‬ودولة قائمة ال تعترف ضمنيا‬
‫بالثورة‪ .‬وفي تلك المعارك‪ ،‬يحاول المجتمع فرض رؤيته على الدولة‪ ،‬أي فرض الدولة التي يريدها‪ .‬وهنا‬
‫تظهر أهمية وجود المجتمع بصورة مستقلة عن الدولة‪ .‬فمجتمعات الربيع العربي ظلت باقية‪ ،‬رغم كل ما‬
‫حدث ل ها‪ ،‬وظل لها طابعها الخاص‪ ،‬رغم كل محاوالت تحويلها؛ بل أن محاوالت التغريب المخطط التي‬
‫تعرضت لها الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬وفشلت في النهاية‪ ،‬تدل على أن المجتمعات العربية واإلسالمية‪،‬‬
‫تتميز بأنها مجتمعات كاملة التشكل‪ ،‬حتى في لحظات الضعف‪ .‬فالمجتمع يوجد‪ ،‬حتى في ظل دولة ال‬
‫تعترف بوجوده‪ ،‬والمجتمع يوجد أيضا‪ ،‬حتى في ظل دولة تفكك بنيته الداخلية‪ ،‬والمجتمع يوجد أيضا حتى‬
‫في ظل دولة تعتدي على هويته‪ ،‬وتفرض عليه هوية أخرى‪ .‬لذلك ظلت المجتمعات العربية واإلسالمية‪،‬‬
‫‪7‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫ترويض الدولة القومية‪ ..‬من االستبداد إلى الوكالة‬

‫في ظل نظم حكم مستبدة‪ ،‬تبدو إسالمية وليست علمانية‪ ،‬وتبدو شرقية محافظة متدينة‪ ،‬بأكثر من كونها‬
‫غربية ليبرالية متحررة‪ ،‬رغم أن الدول تبنت الرؤى الغربية‪ ،‬وأصبحت دول تابعة للغرب‪.‬‬
‫والمجتمع الذي ال يملك القدرة على بناء نفسه مستقال عن الدولة‪ ،‬ال يوجد إذا لم توجد الدولة‪ ،‬وال‬
‫توجد له هوية منفصلة عن الدولة‪ ،‬إذا فرضت الدولة عليه هوية أخرى‪ .‬أما المجتمع الذي يوجد في حد‬
‫ذاته‪ ،‬وبغض النظر عن وجود الدولة‪ ،‬هو نفسه المجتمع القادر على تحقيق صورته‪ ،‬حتى وإن اختلفت‬
‫عن صورة الدولة‪ ،‬وهو أيضا المجتمع القادر على التصدي لكل محاوالت فرض هوية مختلفة عن هويته‪.‬‬
‫هنا تبرز معادلة العالقة بين طبيعة المجتمع وطبيعة الدولة‪ .‬فالمجتمع المبني على عالقات‬
‫متماسكة وروابط قوية‪ ،‬والمبني على نظام عام‪ ،‬حتى في لحظات ضعفه‪ ،‬ال يحتاج لدولة حتى يصبح‬
‫موجودا‪ ،‬ولكن يحتاج لدولة لتنظم وجوده السابق على وجود الدولة‪ .‬تلك المعادلة‪ ،‬هي معادلة أسبقية األمة‬
‫على الدولة‪ ،‬في مقابل أسبقية الدولة على المجتمع‪ .‬ورغم أنها تبدو معادلة نظرية‪ ،‬إال أنها تترجم في‬
‫الواقع التاريخي والعملي‪ ،‬إلى مجتمعات ال تستطيع تشكيل كيان لها بدون دولة‪ ،‬ومجتمعات لها كيانها‬
‫حتى في غياب الدولة‪.‬‬
‫والمجتمعات الشرقية المحافظة المتدينة‪ ،‬تتشكل أساسا على القواعد الدينية‪ ،‬مما يرتب لها نظاما‬
‫عاما‪ ،‬ويحدد لها عوامل الحفاظ على النظام العام‪ ،‬ويوفر لها ضوابط االلتزام الديني‪ ،‬التي تحفظ تماسك‬
‫المجتمع‪ .‬وهي مجتمعات لها هوية معرفة‪ ،‬قائمة أساسا على االنتماء الديني‪ ،‬مما يجعل هوية المجتمع‬
‫سابقة على الدولة‪ ،‬كما يجعل النظام العام سابق على الدولة‪ .‬وبهذا المعنى‪ ،‬ال يجوز أن تكون الدولة‪ ،‬إال‬
‫انعكاسا لحالة المجتمع‪ ،‬فتأتي لتتبنى ما عليه المجتمع‪ ،‬وتعبر عنه‪.‬‬
‫وألن المجتمع له هوية ونظام عام‪ ،‬يصبح على الدولة االلتزام بتلك الهوية والنظام العام‪ ،‬ثم القيام‬
‫بدورها الذي يحتاجه المجتمع‪ .‬والمجتمع القائم على هوية مستقلة عن الدولة‪ ،‬ال يريد من الدولة أن تشكله‬
‫أو تحدد حدوده أو تعرف خياراته أو تضع له سياسات عامة‪ ،‬بقدر ما يحتاج من الدولة للقيام بمهمة الحفاظ‬
‫على المجتمع وتوفير العوامل الالزمة لنهضته‪.‬‬
‫فهناك دولة تنتج مجتمعا‪ ،‬كما أن هناك مجتمعا ينتج دولة‪.‬‬
‫هنا يأتي نموذج الدولة الوكيل‪ ،‬والتي تلتزم فقط بدور الوكيل‪ ،‬ألن الموكل نفسه موجود‪ ،‬وقادر‬
‫على تحديد هويته ونظامه العام وتوجهاته األساسية‪ ،‬مما يجعل الدور المنوط بالدولة‪ ،‬هو القيام بالمهام‬
‫التي ال يستطيع المجتمع القيام بها‪ ،‬والتي يحتاجها المجتمع‪ ،‬مع االلتزام بما اختاره المجتمع من هوية‬
‫وتوجهات ونظام عام‪.‬‬
‫لهذا فدور الدولة المفوضة‪ ،‬والتي يحق لها القيام بدورها نيابة عن المجتمع‪ ،‬كما لو أنها حازت‬
‫على تفويض مطلق ومستمر‪ ،‬ال يتناسب إال مع المجتمعات التي ال يكون لها وجود مستقل عن الدولة‪،‬‬
‫وهي غالبا المجتمعات التي تقوم على أسس مادية وطبقية‪ .‬ألن تلك المجتمعات بدون الدولة‪ ،‬ال يكون لها‬
‫نظام عام‪ ،‬وال تحكمها قواعد منظمة‪ .‬فبدون دور الدين‪ ،‬ال يتوفر للمجتمع نظاما عاما يحكمه‪ ،‬مما يجعل‬
‫المجتمع بدون الدولة‪ ،‬بدون نظام عام‪ .‬والمجتمع ال يوجد‪ ،‬كما أن االجتماع البشري ال يوجد‪ ،‬إال عندما‬
‫يتشكل النظام ال عام‪ ،‬الحاكم للعالقة بين األفراد‪ .‬لذا ففي المجتمعات التي تفتقد للنظام العام الخاص بها‬
‫والمستقل عن الدولة‪ ،‬ال يكتمل تشكل المجتمع إال بوجود الدولة‪ ،‬أما في المجتمعات القائمة على نظام عام‬
‫‪8‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫ترويض الدولة القومية‪ ..‬من االستبداد إلى الوكالة‬

‫مستقل عن الدولة‪ ،‬وهي المجتمعات الدينية‪ ،‬فإن المجتمع يوجد مستقال عن الدولة‪ ،‬بما يجبر الدولة على‬
‫أن تكون وكيال عن المجتمع‪ ،‬دون أي تفويض مطلق‪.‬‬
‫والدولة الوكيل ال تملك سلطة‪ ،‬وليس لها نفوذ‪ ،‬مما يؤثر على دور الدولة‪ ،‬ويؤثر أيضا على دور‬
‫عمال الدولة‪ ،‬ويؤثر بالتالي على نخبة الدولة‪ .‬وهو ما يجعل مقاومة التغيير من قبل عمال الدولة‪ ،‬أمرا‬
‫متوق عا‪ ،‬كما أن معاداة نخبة الدولة أو بعضها للثورة‪ ،‬يعد أمرا مفهوما‪ ،‬ألن الثورة تغير طبيعة الدولة‪،‬‬
‫وتنزع عنها السلطة‪ ،‬لتشكل دولة وكيلة‪ ،‬لها دور‪ ،‬ومكانتها أو هيبتها مرتبطة بما تقوم به من دور‪ ،‬دون‬
‫أن يكون لها هيبة ومكانة لمجرد كونها دولة‪ ،‬مما يحرم نخبة الدولة من السلطة‪.‬‬
‫ما هو الدور الجديد للدولة؟‬
‫الدولة الوكيل‪ ،‬تقوم نيابة عن المجتمع بالمهام التي ال يستطيع المجتمع القيام بها‪ ،‬وهي المهام‬
‫العامة‪ ،‬التي يحتاجها المجتمع‪ .‬وفكرة أن الدولة وكيل عن المجتمع‪ ،‬وتلبي احتياجاته‪ ،‬تعني أن الدولة‬
‫يفترض أن تكون خادمة للمجتمع‪ .‬مما يشكل حالة جديدة في العالقة بين المجتمع والدولة‪ .‬ولكن تلك الحالة‬
‫تواجه العديد من العقبات‪ ،‬بعضها من الدولة وبعضها من المجتمع نفسه‪ .‬فبنية الدولة قائمة على السلطة‪،‬‬
‫وكأن وجودها بسبب حاجة المجتمع لوجود سلطة‪ ،‬وهي تمارس تلك السلطة‪ ،‬على افتراض أن المجتمع ال‬
‫يستطيع االستغناء عن السلطة المركزية‪ .‬ومن هذا المنطلق‪ ،‬تصبح الدولة هي جهاز يصدر القرارات‬
‫والتعليمات‪ ،‬ويحدد المسموح والممنوع‪ .‬ولكن الدولة الوكيلة‪ ،‬مهمتها األولى هي تقديم الخدمات التي‬
‫يحتاجها المجتمع‪ ،‬سواء كانت تلك الخدمات دفاعية أو أمنية أو تنظيمية‪ .‬والفرق بين القيام بمهمة الدفاع‬
‫عن الوطن‪ ،‬باعتبارها دفاعا عن الدولة‪ ،‬وبين القيام بها باعتبارها دفاعا عن المجتمع‪ ،‬كبير‪ .‬فإذا كانت‬
‫الدولة وكيلة عن المجتمع وخادمة له‪ ،‬فإن خدمتها الدفاعية تكون لصالح المجتمع أوال‪ ،‬ويصبح الدفاع عن‬
‫الدولة وسيلة للدافع عن المجتمع‪.‬‬
‫ومفهوم الدولة الخادمة يتعارض مع فكرة إلقاء مسئولية كل شيء على الدولة‪ ،‬أي النظرة األبوية‬
‫للدولة‪ ،‬وكأن المجتمع طفل‪ ،‬والدولة مسئولة عنه‪ .‬وتلك النظرة تشكلت بسبب هيمنة الدولة‪ ،‬في العهود‬
‫السابقة لثورات الربيع العربي‪ ،‬مما جعل كل شيء بيد الدولة‪ ،‬والمجتمع يتنظر ما تمنحه الدولة له‪ .‬وكل‬
‫اشكال الدولة القابضة‪ ،‬والتي تقوم بكل األدوار‪ ،‬تتسبب في تقليل دور المجتمع لحساب الدولة‪ ،‬مما يجعل‬
‫للدولة سلطة على المجتمع‪ .‬فال يمكن تعظيم دور الدولة‪ ،‬دون أن يمنحها ذلك المزيد من السلطات‪ .‬لذا‬
‫فالتوازن بين دور المجتمع ودور الدولة‪ ،‬لتصبح الدولة خادمة للمجتمع‪ ،‬يحتاج من المجتمع أن يدرك‬
‫مسئوليته‪ ،‬وال يستمر في االحتجاج على الدولة‪ ،‬وكأنها المانح الوحيد لكل شيء‪ .‬مما يعني أن تغيير دور‬
‫الدولة‪ ،‬من الدولة المالكة للسلطة‪ ،‬إلى الدولة الوكيلة الخادمة‪ ،‬يحتاج أيضا تغيير مواقف عامة الناس‪،‬‬
‫لتدرك ان مسئولية ودور المجتمع تأتي أوال‪ ،‬لذلك فإن الدولة عليها الخضوع للمجتمع‪ .‬ألن المجتمع القوي‬
‫الذي يقوم بدوره في صناعة المستقبل‪ ،‬ال يحتاج الدولة في كل شيء‪ ،‬مما يقلص أدوار الدولة‪ ،‬وهو ما‬
‫يمكن من جعل الدولة خاضعة للمجتمع‪.‬‬
‫كيف تصبح الدولة وكيلة عن األمة؟‬
‫حالة التمرد المجتمعي المستمر‪ ،‬ورغم أنها تشبه حالة الفوضى‪ ،‬إال أنها الفوضى التلقائية المعبرة‬
‫عن مواقف عامة الناس بدون توجيه أو تخطيط‪ .‬وهي حالة تعبر عن رفض الدولة القائمة‪ ،‬وتدفع من أجل‬
‫تغيير الدولة القائمة‪ ،‬بمعنى تغيير طبيعتها ودورها وعالقتها بالمجتمع‪ .‬وتلك الحالة‪ ،‬تمثل أداة ثورية‬
‫‪9‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫ترويض الدولة القومية‪ ..‬من االستبداد إلى الوكالة‬

‫مجتمعية ‪ ،‬تؤدي إلى تغيير الدولة بقوة الدفع الجماهيري‪ .‬فالمجتمع لن يقبل إال ما يتصور أنه دور الدولة‪،‬‬
‫لذا فإن تصور المجتمع عن الدولة يتحقق من خالل التدافع بين الدولة والمجتمع‪ ،‬وهو ما يجعل تصرفات‬
‫الدولة مرفوضة إن لم تأتي استجابة لما يريده المجتمع من الدولة‪ .‬وبهذا تتشكل عالقة جديدة بين الدولة‬
‫والمجتمع‪ ،‬وتصبح الدولة وكيلة عن المجتمع‪ ،‬تلبي احتياجاته‪.‬‬
‫وكلما استجابة الدولة لهوية المجتمع‪ ،‬أصبحت خاضعة للمجتمع‪ ،‬ومعبرة عنه‪ ،‬وتلتزم بالنظام‬
‫العام السائد في المجتمع‪ .‬لذا فمعركة الهوية‪ ،‬ليست معركة بين القوى السياسية فقط‪ ،‬بل هي معركة بين‬
‫المجتمع والدولة‪ ،‬حتى تبدو الدولة معبرة عن المجتمع‪ .‬وكلما اجبرت الدولة على أن تبدو مثل المجتمع‪،‬‬
‫تغير وضعها من مصدر للسلطة‪ ،‬إلى وكيلة عن مصدر السلطة الحقيقي‪ ،‬وهو المجتمع‪.‬‬
‫ومع قدرة المجتمع على فرض سياسات عامة على الدولة‪ ،‬يصبح المجتمع صاحب الحق في‬
‫اختي ار السياسات العامة‪ ،‬فتصبح الدولة وكيلة عن المجتمع‪ ،‬وليست صاحبة حق في تحديد السياسات‬
‫العامة‪ .‬ألن الدولة القابضة‪ ،‬التي تسيطر على المجتمع‪ ،‬تعمل وكأنها وصي على المجتمع‪ ،‬عليها الحفاظ‬
‫عليه‪ ،‬طبقا لتصورها‪ ،‬أي تصور نخبة الدولة‪ .‬وبقدر ما تدرك الدولة‪ ،‬أن تصوراتها وتصورات نخبتها ال‬
‫تقبل من المجتمع‪ ،‬إال إذا كانت تبنيا لتصورات المجتمع‪ ،‬بقدر ما تصبح الدولة وكيلة‪ ،‬وليست صاحبة‬
‫وصاية‪ .‬فالمجتمع إذا استطاع تحديد مصلحته مستقال عن الدولة‪ ،‬وفرض تصوره على الدولة‪ ،‬تغيرت‬
‫طبيعة الدولة‪ ،‬وأصبحت تابعة للمجتمع‪.‬‬
‫ولكن في المقابل‪ ،‬يحتاج المجتمع لمعرفة حاجته للدولة‪ ،‬حتى يسمح لها بالعمل في إطار احتياجه‪،‬‬
‫مما يجعل التدافع بين الدولة والمجتمع مزدوج‪ .‬فالمجتمع الرافض لكل دور للدولة‪ ،‬سيجد نفسه في حالة‬
‫فوضى بالفعل‪ ،‬لذا سيعرف ما يحتاجه من الدولة‪ .‬والدولة عندما تدرك ما يحتاجه المجتمع‪ ،‬تصبح وكيال‬
‫خادما للمجتمع‪ ،‬يقدم للمجتمع ما يحتاجه‪.‬‬
‫عمال الدولة مرة أخرى‬
‫الحاصل‪ ،‬أن عمال الدولة يمثلون في الواقع الرابط بين الدولة والمجتمع‪ ،‬بقدر ما يمثلون جزءا‬
‫من مشكلة الدولة‪ ،‬وجزء من مشكلة المجتمع‪ .‬وعمال الدولة‪ ،‬هم عامة عمال الدولة‪ ،‬وكبار عمال الدولة‪،‬‬
‫ونخبة الدولة‪ ،‬أي قيادات الصف األول‪ .‬والتفاعل الحادث بين الدولة والمجتمع‪ ،‬يحدث أساسا داخل إطار‬
‫عامة عمال الدولة‪ ،‬فهم ذراع الدولة المؤثر‪ ،‬وهم أيضا جزء من المجتمع بكل مشكالته واحتياجاته‪ .‬لذا‬
‫يصبح التفاعل بين عامة الناس‪ ،‬من عمال الدولة وغيرهم‪ ،‬المعبر الحقيقي للتدافع بين الدولة والمجتمع‪.‬‬
‫وبقدر ما يحدث من حالة تمرد متبادل بين الدولة والمجتمع‪ ،‬بقدر ما يدفع الجميع للوصول إلى مرحلة‬
‫التفاهم على عالقات جديدة‪ ،‬تسمح بتطوير دور الدولة‪ ،‬وأيضا قيام المجتمع بدوره‪.‬‬
‫وكلما اضطرت الدولة إلى تلبية مطالب المجتمع‪ ،‬تشكلت توجهاتها في مسار يعبر عن المجتمع‪.‬‬
‫وكلما بدى أن عمال الدولة مع المجتمع ضد الدولة‪ ،‬أتضح لنا قدر غربة الدولة عن المجتمع‪ ،‬لدرجة أن‬
‫عمال الدولة ينسبون أنفسهم للمجتمع ال للدولة‪.‬‬
‫نقصد من هذا‪ ،‬أن التحوالت الرئيسة في طبيعة ودور الدولة‪ ،‬تحدث من خالل التفاعل بين الدولة‬
‫والمجتمع‪ ،‬وهو تفاعل ظاهره الفوضى‪ ،‬وباطنه التدافع بين الطرفين‪ .‬وهو في كل األحوال تفاعل يحدث‬
‫على أرض الواقع‪ ،‬ومن خالل عمال الدولة‪ .‬وألن الدولة لم تعد تملك هيبة مطلقة‪ ،‬وليس لها وصاية‪ ،‬بل‬
‫‪01‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫ترويض الدولة القومية‪ ..‬من االستبداد إلى الوكالة‬

‫ولم تقم بدور في اسقاط النظام السابق‪ ،‬بل كانت جزءا منه‪ ،‬لذا فإن ما تحتاجه الدولة هو اعتراف المجتمع‬
‫بدورها‪ ،‬حتى يعترف بمكانة العاملين بها‪ .‬وهو ما يجعل الدولة في احتياج لقبول ورضاء المجتمع‪ ،‬كما‬
‫أن المجتمع في النهاية في حاجة للدولة‪.‬‬
‫ترويض الدولة‪ ..‬بالتفاوض‬
‫تحويل الدولة من صاحب السلطة إلى وكيل عن صاحب السلطة الفعلية‪ ،‬يمثل أهم تحديات الربيع‬
‫العربي‪ ،‬ألنه العملية التي من خاللها تسقط أدوات االستبداد والفساد‪ ،‬ويعاد تشكيل الدولة بصورة تجعلها‬
‫حامية للثورة وجزء منها‪ .‬فالدولة القائمة تشكلت بصورة تهدر دور المجتمع‪ ،‬وال تعترف بهويته‪ ،‬وال‬
‫تعبر عنه‪ ،‬وبصورة جعلت من الدولة وصية على المجتمع‪ ،‬مما جعل نخبة الدولة وصية على المجتمع‬
‫أيضا‪ .‬ومع تغول السلطة‪ ،‬تزايدت سلطة الدولة على حساب المجتمع‪ ،‬وتعرض المجتمع للتدمير‬
‫واإلضعاف‪ ،‬وتجاهلت الدولة طبيعة المجتمع الدينية‪ ،‬بل وتجاهلت حقوق المجتمع األصلية‪.‬‬
‫لهذا فعملية التمرد المجتمعي ضد الدولة‪ ،‬هي في حقيقتها العملية التاريخية لترويض الدولة‪ ،‬حتى‬
‫تخضع لحاجات وخيارات المجتمع‪ .‬وألن طبيعة الدولة قائمة على الوصاية على المجتمع‪ ،‬لذا فعملية‬
‫ترويض الدولة‪ ،‬تؤدي إلى حالة فوضى‪ ،‬وتضر بالحياة اليومية‪.‬‬
‫والحقيقة أن كل خطوة تتحقق إلى األمام‪ ،‬في مسيرة تغيير وإصالح الدولة‪ ،‬ترتبط بقدر ما يحدث‬
‫من تغيير في الدولة والمجتمع أيضا‪ .‬فبقدر إدراك الدولة لمسئوليتها‪ ،‬يحتاج المجتمع لمعرفة مسئوليته‬
‫أيضا‪ ،‬وبقدر إدراك الدولة لمطالب المجتمع‪ ،‬يحتاج المجتمع أن يعرف مصلحته العامة‪ ،‬حتى ال تضره‬
‫خياراته‪.‬‬
‫وحالة التمرد المتبادل‪ ،‬تمثل رد فعل طبيعي للثورة‪ ،‬ألن الدولة تحاول المحافظة على سلطتها‪،‬‬
‫والمجتمع يحاول فرض مطالبه على الدولة‪ .‬وعندما يتحول التمرد إلى تفاوض‪ ،‬ألن الدولة ال تتحمل‬
‫فقدان هيبتها بالكامل‪ ،‬والمجتمع ال يتحمل ضياع مصالحه‪ ،‬لذا يصبح التفاوض مخرجا للدولة والمجتمع‪،‬‬
‫مما يجعل التفاوض سبيال لتحديد دور الدولة والمجتمع‪ ،‬والوصول إلى تفاهمات بين الطرفين‪ .‬والتفاوض‬
‫يسمح للدولة باستعادة مكانتها من خالل القيام بدورها‪ ،‬كما يسمح للمجتمع بتحقيق مطالبه‪ ،‬فتصبح الدولة‬
‫ملكا للمجتمع ومعبرة عنه‪ ،‬ووكيلة عنه‪ ،‬وخادمة له‪.‬‬
‫والتفاوض‪ ،‬أي التفاعل البناء‪ ،‬يعيد توجيه مسار التمرد واالحتجاج‪ ،‬ليصبح حالة من التفاعل‬
‫اإليجابي التلقائي‪ ،‬مما يساعد على تجاوز مرحلة الفوضى التلقائية‪ ،‬وفرزها عن الفوضى المخططة‪،‬‬
‫والتي تمارسها نخبة الدولة الرافضة للثورة‪ ،‬والتي تريد االنقالب عليها‪ ،‬والتي تشكل الدولة العميقة‬
‫الراغبة في السيطرة على السلطة‪ ،‬بعد سقوط رأس النظام‪ .‬فتعزل الفوضى المخططة حتى تحاصر‪،‬‬
‫وتتحول الفوضى التلقائية إلى احتجاج شبه منظم‪ ،‬ثم إلى تفاعل إيجابي وتفاوض مباشر أو غير مباشر‪،‬‬
‫حتى تتشكل أدوات جديدة للتفاعل بين المجتمع والدولة‪ ،‬تساعد في بناء دولة الربيع العربي‪.‬‬

‫‪00‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful