‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫يناير ‪2013‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫الشارع لمن؟‪ ..‬خريطة الكتل االجتماعية في مصر‬

‫رصد خريطة التوجهات االجتماعية والسياسية في المجتمع‪ ،‬يرسم مالمح التيارات األساسية فيه‪،‬‬
‫ويحدد بالتالي خريطة التيارات السياسية الفاعلة في العملية السياسية‪ .‬وتقدم تلك الخريطة في مصر‪،‬‬
‫نموذجا لما يوجد في أغلب الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬وكذلك في دول الربيع العربي‪ ،‬مع اختالفات‬
‫وفروق تنتج من تكوين المجتمع‪ ،‬ومدى التجانس والتنوع الموجود فيه‪ .‬وفي نفس الوقت‪ ،‬فإن تلك‬
‫الخريطة االجتماعية‪ ،‬تمثل القاعدة الجماهيرية التي يبنى عليها النظام السياسي‪ ،‬وتحدد بالتالي طبيعة هذا‬
‫النظام‪.‬‬
‫ورغم تعدد التيارات االجتماعية والسياسية‪ ،‬إال أنه من المفيد تصنيف هذه التيارات في إطار‬
‫التيارات األساسية‪ ،‬والتي يتفرع منها بعد ذلك عدة تيارات فرعية‪ .‬ألن التيارات األساسية تمثل الكتل‬
‫األكبر‪ ،‬واألكثر تأثيرا‪ ،‬والتي تحدد تيار األغلبية المجتمعية‪ ،‬وتيار أو تيارات األقلية المجتمعية‪ .‬مما يشكل‬
‫التوجه العام السائد في المجتمع‪ ،‬ويشكل بالتالي النظام العام‪ ،‬والذي يصبح النظام العام للدولة والمجتمع‪،‬‬
‫مع عملية التحول الديمقراطي‪.‬‬
‫وفي المجتمع المصري تتحدد التيارات األساسية على أساس الموقف والتوجه الديني‪ ،‬ألن‬
‫التوجهات االجتماعية‪ ،‬في مجتمع شرقي محافظ متدين‪ ،‬تتحدد أساسا على الموقف الديني‪ ،‬حيث يصبح‬
‫التوجه الديني والتوجه االجتماعي‪ ،‬مرتبطان ارتباطا وثيقا‪.‬‬
‫ويمكن رصد ثالثة كتل أساسية في المجتمع المصري‪ ،‬تحدد التوجهات العامة فيه‪ ،‬كما تحدد‬
‫األطر التي تتجمع فيها التيارات الفرعية‪ ،‬وتحدد المشترك بين هذه التيارات‪ ،‬والذي يجعل منها كتلة أو‬
‫تيارا واحدا‪ ،‬وإن تعددت مكوناته الفرعية‪.‬‬
‫الكتلة اإلسالمية‬
‫تتصدر الكتلة اإلسالمية المكونات األساسية للمجتمع‪ ،‬حيث أنها تظهر بوصفها الكتلة األكبر‪ ،‬أو‬
‫الكتلة األكثر نشاطا وحيوية وتأثيرا‪ .‬والكتلة اإلسالمية‪ ،‬تمثل التوجهات التي تنتمي للمرجعية اإلسالمية‪،‬‬
‫وتلتزم بالشريعة اإلسالمية‪ ،‬وتعمل على التطبيق الكامل للشريعة اإلسالمية‪ .‬وهي لهذا كتلة تحمل‬
‫مشروعا إسالميا‪ ،‬حيث تميل إلى تبني المرجعية اإلسالمية بوصفها مشروعا للتطبيق العملي‪ ،‬وتتبنى‬
‫بالتالي تطبيق المرجعية اإلسالمية في المجال السياسي‪.‬‬
‫ومن أهم ما يميز هذه الكتلة‪ ،‬أنها تتبنى مشروع بناء دولة إسالمية‪ ،‬حيث أن توجهها اإلسالمي‪،‬‬
‫ليس فقط التزاما بالمرجعية اإلسالمية‪ ،‬ولكنه تطبيقا عمليا لها في مشروع مستقبلي‪ .‬ولهذا تتميز الكتلة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬بأنها تحمل مشروع بناء الدولة اإلسالمية‪ ،‬كما تتميز بأنها تحمل حلم الوحدة اإلسالمية‪ ،‬وبناء‬
‫كيان سياسي إسالمي‪ ،‬يعبر عن األمة اإلسالمية‪ .‬مما يجعل فكرة األمة اإلسالمية الواحدة‪ ،‬حاضرة لدى‬
‫هذه الكتلة‪ ،‬ومؤثرة على توجهاتها وخياراتها‪ .‬وهو ما يجعل أيضا قضية تحرير فلسطين‪ ،‬تمثل قضية‬
‫محورية لديها‪ ،‬ضمن توجهها األوسع لتحرير كامل البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬باعتبار أن تحرير األمة‪،‬‬
‫يمثل مقدمة ضرورية لبناء وحدتها اإلسالمية‪ .‬وبالنسبة لهذه الكتلة اإلسالمية‪ ،‬تصبح وحدة األمة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬من الشروط األساسية لتحقيق نهضتها‪ ،‬واستعادة الدور الريادي والعالمي للحضارة اإلسالمية‪.‬‬
‫بهذا التوصيف‪ ،‬تصبح الكتلة اإلسالمية‪ ،‬هي كتلة لها التزام إسالمي واضح‪ ،‬ولها أيضا مشروع‬
‫إسالمي متكامل‪ ،‬تحاول تحقيقه على أرض الواقع‪ ،‬وتعمل من أجل بنائه عمليا‪ .‬وهي بهذا كتلة صاحبة‬
‫‪3‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫الشارع لمن؟‪ ..‬خريطة الكتل االجتماعية في مصر‬

‫مشروع حضاري تاريخي‪ ،‬تحمل رسالة حضارية‪ ،‬وتحاول بناء مستقبل سياسي جديد‪ ،‬والقيام بدور‬
‫عالمي‪.‬‬
‫وهذه الكتلة تشمل ضمنا‪ ،‬كل الحركات اإلسالمية‪ ،‬رغم أي اختالف بينها في الرؤية والمنهج‪،‬‬
‫ورغم أي اختالف بينها في المواقف واآلراء الفقهية‪ .‬فكل الحركات اإلسالمية‪ ،‬ال تحمل فقط التزاما‬
‫إسالميا‪ ،‬بل تحمل مشروعا إسالميا‪ ،‬وتعمل من أجل بناء الدولة اإلسالمية‪ ،‬وتحقيق الوحدة اإلسالمية‪،‬‬
‫وتحقيق النهضة اإلسالمية‪ ،‬والقيام بدور عالمي ريادي‪ .‬مما يعني أن كل الحركات اإلسالمية‪ ،‬ومناصريها‬
‫ومؤيديها‪ ،‬ضمن الكتلة اإلسالمية‪ .‬ولكن جماهير الكتلة اإلسالمية أوسع من تلك الحركات ومن مؤيديها‪،‬‬
‫فهي تشمل كل من تبنى المشروع اإلسالمي‪ ،‬حتى وإن لم يكن مؤيدا ألي من الحركات اإلسالمية‪.‬‬
‫الكتلة التقليدية‬
‫الكتلة التي تأتي في المرتبة الثانية بعد الكتلة اإلسالمية‪ ،‬هي الكتلة التقليدية‪ ،‬والتي تحمل التزاما‬
‫واضحا بالمرجعية اإلسالمية‪ ،‬والتزاما واضحا أيضا بالشريعة اإلسالمية‪ ،‬وتتبنى أهمية التمسك بالشريعة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وعدم مخالفتها‪ ،‬كما تتبنى أهمية بقاء النص على مرجعية الشريعة اإلسالمية في دستور‬
‫الدولة‪ ،‬وترفض بالتالي أي تشريع يخالف الشريعة اإلسالمية‪ .‬ولكن هذه الكتلة ال تحمل مشروعا إسالميا‪،‬‬
‫أي ال تتبنى فكرة إقامة الوحدة اإلسالمية‪ ،‬وتحقيق النهضة اإلسالمية‪ ،‬والقيام بدور عالمي ريادي‪ ،‬رغم‬
‫أن الكتلة التقليدية لديها انتماء وجداني وثقافي وحضاري‪ ،‬لألمة اإلسالمية‪ ،‬ولكنها ال تحول هذا االنتماء‬
‫إلى مشروع لبناء الوحدة السياسية اإلسالمية‪ ،‬دون أن يعني ذلك أنها ضد الوحدة السياسية اإلسالمية‪ ،‬وإن‬
‫لم تكن ضمن أولوياتها‪.‬‬
‫ولكن تصورات تلك الكتلة التقليدية عن المرجعية اإلسالمية‪ ،‬وأهمية االلتزام بها‪ ،‬تجعلها ضمنا‬
‫تقف مع نموذج الدولة اإلسالمية‪ ،‬وليس مع أي نموذج آخر‪ ،‬حتى وإن لم تتبنى شعار الدولة اإلسالمية‪.‬‬
‫ألن الكتلة التقليدية‪ ،‬في الواقع‪ ،‬تتبنى االلتزام بمبادئ وأحكام الشريعة اإلسالمية‪ ،‬سواء على المستوى‬
‫االجتماعي أو المستوى السياسي‪ ،‬مما يجعلها ال تقبل بأي خروج للدولة عن الشريعة اإلسالمية‪ .‬ولكن هذه‬
‫الكتلة‪ ،‬ليس لديها تصور عن الدولة اإلسالمية‪ ،‬وتعتبر أن أي دولة تلتزم بالشريعة اإلسالمية‪ ،‬هي دولة‬
‫إسالمية‪.‬‬
‫وأحيانا يكون هناك فرق بين تبني التطبيق الكامل للشريعة اإلسالمية‪ ،‬بوصفه مشروعا سياسيا‪،‬‬
‫وبين االلتزام بمرجعية الشريعة اإلسالمية؛ حيث أن تبني تطبيق الشريعة اإلسالمية‪ ،‬هو في النهاية‬
‫مشروع إسالمي‪ ،‬ولكن االلتزام بمبادئ وأحكام الشريعة‪ ،‬ليس مشروعا سياسيا‪ ،‬بقدر ما هو موقف‬
‫واتجاه‪ .‬وينتج عن ذلك‪ ،‬أن أي قوة سياسية تنتمي للكتلة التقليدية‪ ،‬ال يشترط أن تتبنى تطبيق الشريعة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وتغيير القوانين‪ ،‬ولكنها لن توافق أيضا على أي قانون يخالف الشريعة اإلسالمية‪.‬‬
‫وبالنسبة لموقف الكتلة التقليدية من قضايا األمة‪ ،‬خاصة القضية الفلسطينية‪ ،‬سنجد موقفا يقوم‬
‫على أساس المبادئ العامة‪ ،‬ويستند أيضا على الموقف العملي والمصلحة المباشرة‪ .‬فال شك في موقف‬
‫الكتلة التقليدية المناصر للحق الفلسطيني‪ ،‬ولكن مواقف الكتلة التقليدية قد تتغير مرحليا أو وقتيا‪ ،‬تبعا‬
‫للمصلحة الخاصة‪ ،‬فقد تعطي أولوية لمصلحة بلدها‪ ،‬على دوره في تبني قضايا األمة أحيانا‪ ،‬دون أن يغير‬
‫هذا من موقفها المبدئ‪ ،‬ولكن قد يضعف موقفها في بعض المراحل والظروف‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫الشارع لمن؟‪ ..‬خريطة الكتل االجتماعية في مصر‬

‫ويمكن القول‪ ،‬مع بعض التجاوز‪ ،‬أن الكتلة التقليدية‪ ،‬تظهر لديها المصالح القطرية‪ ،‬واالنتماء‬
‫القطري‪ ،‬سابقا لالنتماء لألمة اإلسالمية أحيانا‪ ،‬وكأنها تتبنى أكثر من انتماء‪ ،‬وتفاضل بينهم أحيانا‪ ،‬وتميل‬
‫لالنتماء القطري والمصالح القطرية‪ ،‬إذا رأت أن االنتماء العام لألمة اإلسالمية يتعارض مع المصالح‬
‫القطرية‪ .‬ولكن الكتلة اإلسالمية‪ ،‬لديها في الحقيقة موقف آخر‪ ،‬حيث ترى أن االنتماء القطري جزء ال‬
‫يتجزأ من االنتماء اإلسالمي العام‪ ،‬كما ترى أن المصالح القطرية‪ ،‬ال تنفصل عن المصلحة العامة لألمة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬لذا يظل االنتماء القطري جزءا من االنتماء اإلسالمي العام لألمة اإلسالمية كلها‪ ،‬بالنسبة‬
‫للكتلة اإلسالمية‪.‬‬
‫وهو ما يوضح الفرق بين تبني االلتزام اإلسالمي‪ ،‬وتبني المشروع اإلسالمي‪ ،‬حيث أن المشروع‬
‫اإلسالمي يهدف إلى تغيير وإصالح الواقع‪ ،‬أما االلتزام اإلسالمي‪ ،‬فال يشمل تبنيا لمشروع لتغيير الواقع‪.‬‬
‫وهو ما يجعل الفرق بين الكتلة اإلسالمية‪ ،‬والكتلة التقليدية‪ ،‬أن األولى تتبنى مشروعا إسالميا‪ ،‬والثانية‬
‫تتبنى التزاما إسالميا‪.‬‬
‫الكتلة المتحررة‬
‫وهي الكتلة الثالثة واألقل وزنا‪ ،‬حيث تمثل أصحاب التوجهات المتحررة‪ ،‬بمختلف تصوراتهم‪،‬‬
‫والتي تتباين فيما بينها كثيرا‪ .‬ولكن ما يجمع تلك الكتلة‪ ،‬أنها تتبنى المواقف األكثر تحررا‪ ،‬فيما يخص‬
‫المسائل الدينية‪ ،‬كما تتبنى فكرة جعل الدين شأنا خاصا وليس شأنا عاما‪ ،‬لذا تميل لجعل المجال العام‬
‫متحررا من القيود والقواعد الدينية‪ ،‬حتى وإن بقى مقيدا باألعراف والتقاليد االجتماعية‪ ،‬ولكن ليس‬
‫بوصفها فروضا وتكاليف دينية‪ ،‬ولكن بوصفها تقاليد وأعراف اجتماعية‪ ،‬ليس لها درجة االلزام الديني‪،‬‬
‫وإن كان لها درجة إلزام بحكم ما تعارف عليه المجتمع من تقاليد‪.‬‬
‫وبالطبع‪ ،‬فإن هذه الكتلة ترفض نموذج الدولة اإلسالمية‪ ،‬وليس لديها انتماء إسالمي عام‪ ،‬وغالبا‬
‫ما يكون انتمائها قاصرا على االنتماء القطري‪ ،‬أو االنتماء القومي األوسع في بعض األحيان القليلة‪ ،‬مثل‬
‫االنتماء القومي العربي‪ .‬وهي بهذا تمثل كتلة قطرية النزعة‪ ،‬ال تميل إلى توسيع دائرة االنتماء‪ ،‬وتقصر‬
‫التعامل مع المحيط الخارجي على المصلحة وليس االنتماء‪.‬‬
‫وهذه الكتلة المتحررة‪ ،‬ترفض فكرة الدولة اإلسالمية‪ ،‬بل وتعاديها‪ ،‬كما ترفض االلتزام بالشريعة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وإن لم تعارض االهتداء بها‪ .‬كما أنها تتبنى تصورات متحررة في تفسير الشريعة اإلسالمية‪،‬‬
‫وتتبنى موقفا متحررا بالنسبة ألحكام الشريعة اإلسالمية‪ .‬وهي بهذا تجعل الدين شأنا فرديا‪ ،‬وتميل إلى‬
‫إبعاده عن الشأن السياسي تماما‪ ،‬وتميل أيضا إلبعاده عن الشأن االجتماعي نسبيا‪.‬‬
‫وليس كل هذه الكتلة ممن تأثروا بالثقافة الغربية‪ ،‬أو من يتبنون الثقافة الغربية‪ ،‬فبعض المنتمين‬
‫لهذه الكتلة ليس لديهم ثقافة غربية‪ ،‬وليس لديهم انتماء ألي مشروع غربي‪ ،‬ولكن لديهم موقف اجتماعي‬
‫وديني متحرر‪ ،‬مما يجعلهم منتمين لهذا التوجه المتحرر‪ ،‬دون أن يكون ذلك نتاجا للتأثر بالحضارة‬
‫الغربية‪.‬‬
‫ولكن بعض المنتمين للكتلة المتحررة‪ ،‬يحملون مشروعا سياسيا‪ ،‬ويتبنون فكرة بناء دولة على‬
‫النموذج الغربي‪ ،‬ويعملون من أجل إعادة إنتاج النموذج السياسي الغربي العلماني‪ .‬وبهذا فجزء مهم‬
‫ومحوري من الكتلة المتحررة‪ ،‬يحمل مشروعا سياسيا علمانيا‪ .‬مما يجعل هذا الجزء له دور محوري‬
‫‪4‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫الشارع لمن؟‪ ..‬خريطة الكتل االجتماعية في مصر‬

‫داخل الكتلة المتحررة‪ ،‬حيث أنه يحول االنتماء للكتلة المتحررة‪ ،‬من موقف اجتماعي وديني‪ ،‬إلى موقف‬
‫سياسي‪ ،‬وبهذا يصبح للكتلة المتحررة مشروعا سياسيا‪ ،‬تعمل من أجل تحقيقه‪.‬‬
‫والمشروع العلماني في حد ذاته‪ ،‬يجعل النظام العام‪ ،‬بل والنظام السياسي‪ ،‬مناسبا للمنتمين للكتلة‬
‫المتح ررة‪ ،‬مما يجعل المشروع العلماني يمثل إطارا مناسبا للمنتمين للكتلة المتحررة‪ ،‬رغم أنه مشروع‬
‫مستورد من الحضارة الغربية‪ .‬وألن الموقف المتحرر‪ ،‬هو في جوهره‪ ،‬موقفا متحررا من معظم قواعد‬
‫االنتماء الحضاري الموروث‪ ،‬أي االنتماء الحضاري اإلسالمي‪ ،‬فإن بناء مشروع يعبر عن الموقف‬
‫المتحرر من خارج إطار الحضارة اإلسالمية‪ ،‬يصبح أمرا مفهوما‪ ،‬بل ومتوقعا أيضا‪.‬‬
‫ومن ينتمون للكتلة المتحررة‪ ،‬لهم مواقف مختلفة من الدين‪ ،‬فبعضهم يتمسك بالدين والتدين‪،‬‬
‫باعتباره شأنا فرديا خاصا‪ ،‬ولكن البعض اآلخر قد يكون له موقف معادي أو رافض للدين‪ .‬ولكن ما يجمع‬
‫كل أطياف المواقف المتحررة‪ ،‬هو موقفها الرافض ألي دور للدين في المجال السياسي‪ ،‬وبالتالي التزامها‬
‫بمبدأ فصل الدين عن الدولة‪ ،‬وفصل الدين عن النظام العام والمجال العام‪ ،‬ليبقى الدين شأنا فرديا خالصا‪.‬‬
‫وهذه الكتلة ال تتبنى قضية تحرير األمة‪ ،‬وال تعتبر أن لألمة اإلسالمية مصيرا واحدا‪ ،‬مما يجعل‬
‫موقفها من القضية الفلسطينية قائما على قواعد األمن القومي‪ ،‬واعتبارات المصالح القطرية‪ .‬دون أن‬
‫يكون موقفا مبنيا على التزام كامل بتحرير كل قطر من اقطار األمة اإلسالمية‪.‬‬
‫األوزان النسبية‬
‫إن العديد من المؤشرات والدراسات‪ ،‬تعطي تقديرا يجعل الكتلة اإلسالمية‪ ،‬كتلة أغلبية‪ ،‬والكتلة‬
‫التقليدية تمثل كتلة أقلية‪ ،‬والكتلة المتحررة تمثل كتلة أقلية أصغر‪.‬‬
‫التيار المحافظ‬
‫يمثل التيار المحافظ مجموع المنتمين للكتلة اإلسالمية والكتلة التقليدية‪ ،‬حيث أنهما يمثالن توجها‬
‫إسالميا عاما مشتركا‪ ،‬يقوم على االلتزام بالمرجعية اإلسالمية‪ ،‬واالنتماء العام لألمة اإلسالمية‪ ،‬ويقوم‬
‫أيضا على التقاليد واألعراف الموروثة‪ ،‬كما يستند أيضا على المرجعية الثقافية والحضارية اإلسالمية‪.‬‬
‫فالتيار المحافظ يمثل االنتماء العام للمرجعية الحضارية اإلسالمية‪ ،‬على مستوى السلوك الخاص‪ ،‬وعلى‬
‫مستوى االلتزام الجماعي‪ ،‬وأيضا على مستوى التوجهات واالتجاهات االجتماعية والسياسية‪.‬‬
‫فالمنتمون للكتلة اإلسالمية والكتلة التقليدية‪ ،‬لديهم اتجاهات اجتماعية وسياسية إسالمية‪ ،‬مما‬
‫يجعلهم يمثلون التيار المحافظ‪ ،‬ويمثلون بالتالي التيار السائد‪ .‬فألن الكتلة اإلسالمية تمثل أغلبية‪ ،‬ويضاف‬
‫لها الكتلة التقليدية‪ ،‬لذا فإن الجماهير المنتمية للكتلة اإلسالمية والكتلة التقليدية‪ ،‬تمثل معا األغلبية‬
‫المجتمعية‪ ،‬أي تمثل التيار السائد في المجتمع‪ ،‬والذي يجمعه االلتزام بالمرجعية والهوية اإلسالمية‪.‬‬
‫والخالف بين الكتلة اإلسالمية والكتلة التقليدية‪ ،‬ال يصل إلى أي خالف حول االلتزام بالمرجعية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬أو الهوية اإلسالمية؛ ألن االختالف بين من يتبنى مشروعا إسالميا متكامال‪ ،‬ومن يتبنى‬
‫االلتزام بالمرجعية اإلسالمية‪ ،‬ال يمس الهوية العامة‪ ،‬والتوجهات العامة‪ ،‬قدر ما يمس الخيارات السياسية‪.‬‬
‫مما يعني أن الفارق بين الكتلة اإلسالمية والكتلة التقليدية‪ ،‬هو في الخيارات السياسية‪ ،‬وفي تصورات‬
‫المستقبل السياسي‪ ،‬أكثر منها في التصورات االجتماعية والثقافية‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫الشارع لمن؟‪ ..‬خريطة الكتل االجتماعية في مصر‬

‫وهذا ما يجعل التيار اإلسالمي‪ ،‬هو التيار السائد في المجتمع‪ ،‬ألن الكتلة التقليدية مثلها مثل الكتلة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬منتمية للتيار اإلسالمي؛ إذا عرفنا التيار اإلسالمي‪ ،‬بأنه التيار الذي تمثله الجماهير المتمسكة‬
‫بالمرجعية الثقافية والحضارية اإلسالمية الموروثة‪ .‬فكل من يحمل الموروث الثقافي والحضاري‬
‫اإلسالمي‪ ،‬ينتمي للتيار اإلسالمي‪ ،‬رغم التباين من المشاريع والتصورات السياسية‪ .‬وهو ما يجعل تيار‬
‫األغلبية هو التيار اإلسالمي المحافظ‪ ،‬وتيار األقلية هو التيار المتحرر‪.‬‬
‫الفروق داخل الكتل‬
‫ليست كل كتلة متجانسة تماما‪ ،‬ولكن هناك ما يجمعها‪ ،‬بجانب التنوع الداخلي فيها‪ .‬فداخل الكتلة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬هناك أكثر من منظور أو رؤية حول المشروع اإلسالمي‪ .‬ويمكن القول‪ :‬أن المشاريع‬
‫اإلسالمية تختلف فيما بينها في درجة المحافظة ودرجة التحديث‪ ،‬مما يؤدي إلى تبلور رؤى مختلفة‬
‫للمشروع اإلسالمي‪ ،‬بين رؤى أكثر محافظة‪ ،‬ورؤى أكثر تحديثا‪ ،‬وهكذا‪ .‬وبهذا تتشكل كتل فرعية داخل‬
‫الكتلة اإلسالمية‪ ،‬أبرزها بالطبع الكتلة التي تعبر عنها جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬والكتلة التي تعبر عنها‬
‫الفصائل السلفية‪ .‬وكأن الكتلة اإلسالمية‪ ،‬تمثل التيار اإلسالمي الحركي صاحب المشروع اإلسالمي‪،‬‬
‫وبداخلها تيارات فرعية‪ ،‬تمثل رؤى إسالمية مختلفة‪.‬‬
‫والمكونات الفرعية للكتلة اإلسالمية‪ ،‬تتفق أساسا في المبادئ العامة‪ ،‬والتوجه العام‪ ،‬حيث تتفق‬
‫في أهمية بناء الدولة اإلسالمية‪ ،‬ولكن تختلف في تصوراتها عن الدولة اإلسالمية‪ ،‬وتتفق في أهمية بناء‬
‫الوحدة السياسي ة اإلسالمية لكل األمة اإلسالمية‪ ،‬وتختلف في تصوراتها عن تلك الوحدة وكيفية تحقيقها‪،‬‬
‫وتتفق في أهمية تحرير كل أوطان األمة اإلسالمية‪ ،‬بال اختالف بينها في ذلك‪.‬‬
‫بجانب وجود اختالفات داخل الكتلة اإلسالمية‪ ،‬في تصورها لتطبيق الشريعة اإلسالمية‪،‬‬
‫واجتهاداتها الفقهية وخياراتها السياسية؛ ولكن كل المنتمين للكتلة اإلسالمية‪ ،‬خاصة من الحركات‬
‫اإلسالمية‪ ،‬يتفقون على منهج التدرج‪ ،‬ومنهج تحصيل الممكن أوال‪ ،‬كما يتفقون على عدة قواعد فقهية‬
‫عامة‪ .‬مما يجعل هناك قدرا من التجانس في المنهج‪ ،‬ربما أكثر من التجانس في التصورات والخيارات‪،‬‬
‫بجانب التجانس في المبادئ العامة‪ ،‬واالختالف في كيفية تطبيقها‪.‬‬
‫وهذه االختالفات‪ ،‬يمكن أن تزيد أحيانا أو تقل احيانا أخرى‪ ،‬خاصة وأن الكثير منها ينبع من‬
‫االختالف حول تقدير الموقف الراهن‪ ،‬وتحديد أفضل وسيلة للتعامل معه‪ ،‬لذا كانت الخالفات بين القوى‬
‫السلفية وجماعة اإلخ وان المسلمين قبل الثورة‪ ،‬أكثر من االختالفات بينهما بعد الثورة‪ ،‬ألن تقدير الموقف‬
‫بينهما قبل الثورة أختلف كثيرا‪ ،‬أما بعد الثورة فتقاربت تقديرات الموقف بين الحركات اإلسالمية نسبيا‪،‬‬
‫أو في أغلب األحيان‪.‬‬
‫أما في داخل الكتلة التقليدية‪ ،‬فإن األمر يختلف‪ ،‬فالكتلة التقليدية ليس لديها تصورات محددة عن‬
‫رؤيتها السياسية‪ ،‬وليس لديها رؤى إسالمية مكتملة‪ .‬فالكتلة التقليدية كانت خارج إطار الحركات‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وليس بداخلها حركات لها تصورات اجتماعية وسياسية محددة‪ ،‬فهي جمهور عام في أغلبها‪،‬‬
‫وليست جمهور منظم‪ ،‬مثل الكتلة اإلسالمية التي تشمل على مساحة واسعة من الجماهير المنظمة‪ ،‬أو التي‬
‫تتحرك داخل إطار مشاريع محددة‪ ،‬ولها رموز أو قيادات مؤثرة‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫الشارع لمن؟‪ ..‬خريطة الكتل االجتماعية في مصر‬

‫لذا يسهل أن تميل بعض مكونات الكتلة التقليدية إلى هذا االتجاه أو ذاك‪ ،‬مما يجعلها جماهير‬
‫متحركة نسبيا‪ ،‬يمكن أن تميل أحيانا لتصور أو آخر‪ .‬ولكن يغلب على الكتلة التقليدية عامل المصلحة‪ ،‬مما‬
‫يجعلها تتحرك طبقا للمصلحة في أحيانا كثيرة‪ ،‬أكثر من تحركها طبقا لرؤية محددة‪ .‬ولكن يبقى انتماء‬
‫الكتلة التقليدية للهوية اإلسالمية‪ ،‬متجاوزا ألي مصلحة‪ ،‬كما يبقى التزامها بالمرجعية اإلسالمية‪ ،‬متجاوزا‬
‫للمصلحة‪ ،‬ولكن مواقفها السياسية ترتبط أساسا بالمصلحة‪ ،‬ألنها ال تحمل رؤية سياسية إسالمية محددة‪.‬‬
‫وهذا ما يجعل مواقف الكتلة التقليدية متغيرة‪ ،‬ودورها وحضورها في المشهد السياسي متغير أيضا‪.‬‬
‫أما الكتلة المتحررة‪ ،‬ورغم أن بداخلها تنوع كبير‪ ،‬إال أنه تنوع غير مؤثر‪ .‬فرغم االختالف حول‬
‫الموقف م ن الدين‪ ،‬إال أنها تتفق على فصل الدين عن السياسة‪ ،‬ورغم االختالف حول الموقف من‬
‫الحضارة الغربية والنموذج الغربي‪ ،‬إال أنها تتفق على أهمية تحرير المجال العام من القيود الدينية‪ .‬ونظرا‬
‫لصغر حجم الكتلة المتحررة‪ ،‬فإن توزعها على عدة كتل فرعية ليس له تأثير كبير‪ ،‬رغم التنوع الشديد في‬
‫النخب الثقافية والسياسية المعبرة عن تلك الكتلة‪ ،‬وهو ما يجعلها تمثل العديد من التيارات الفرعية‪ ،‬إال أن‬
‫محدودية انتشار الكتلة المتحررة‪ ،‬يجمعها في النهاية في إطار واحد‪ ،‬هو في النهاية معادي للمرجعية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬ويرى أنها تقيد المجال العام‪ ،‬لذا يعمل على تضييق دور المرجعية اإلسالمية في المجال العام‬
‫وفي المجال السياسي‪ ،‬بقدر ما يستطيع‪.‬‬
‫وكلما تجمعت الكتلة المتحررة‪ ،‬بوصفها نقيضا للكتلة اإلسالمية‪ ،‬ظهر تجانسها الداخلي‪ ،‬وكلما‬
‫تفاعلت المواقف والرؤى داخل الكتلة المتحررة‪ ،‬ظهر تنوعها الشديد‪ ،‬وخالفاتها الواسعة‪ ،‬خاصة في‬
‫المجال السياسي‪ .‬فموقف الكتلة المتحررة من دور الدين في الحياة العامة‪ ،‬يظهر تجانسها‪ ،‬أما الرؤى‬
‫والمواقف السياسية‪ ،‬فتظهر أنها كتلة غير متجانسة‪ ،‬وبداخلها اختالفات كثيرة‪.‬‬
‫التحوالت بين الكتل‬
‫لكل كتلة من الكتل الثالثة‪ ،‬قاعدة جماهيرية مساندة لها‪ ،‬تمثل وزنها النسبي الثابت‪ ،‬أو القاعدة‬
‫األساسية الثابتة لها‪ .‬وهو ما يجعل لكل كتلة من الكتل‪ ،‬وزنا نسبيا ثابتا‪ ،‬يمثل الحد األدنى لها‪ .‬ولكن الوزن‬
‫النسبي للكتل الثالثة متغير‪ ،‬وسوف يستمر في التغير النسبي‪ .‬ونقول أنه تغير نسبي‪ ،‬ألن المتوقع أن ال‬
‫تتغير مواضع ال كتل الثالثة‪ ،‬حيث تحل الكتلة اإلسالمية أوال‪ ،‬ثم الكتلة التقليدية‪ ،‬ثم الكتلة المتحررة‪.‬‬
‫والتغير في الوزن النسبي‪ ،‬يمكن أن يؤدي إلى تغييرات سياسية‪ ،‬ولكنه ال يغير كثيرا في بنية المجتمع‪ .‬أي‬
‫أن التغييرات في األوزان النسبية تنعكس سياسيا‪ ،‬أكثر من أي يكون لها انعكاسا اجتماعيا‪.‬‬
‫حالة واحدة يمكن أن تحدث تغييرا في الواقع االجتماعي‪ ،‬وليس فقط الواقع السياسي‪ ،‬وهو إذا‬
‫حدثت تحوالت كبرى تجعل التيار المحافظ السائد‪ ،‬مشكال من كتلة واحدة‪ ،‬أي إذا اختفت الكتلة التقليدية‪،‬‬
‫وتوزعت بين الكتلة اإلسالمية والكتلة المتحررة‪ ،‬بحيث لم يبقى إال كتلة إسالمية وكتلة متحررة‪ ،‬وبهذا‬
‫يصبح التيار السائد مشكال من كتلة واحدة‪ ،‬متوافقة في أغلب المبادئ العامة‪ ،‬رغم تنوعها في التصورات‬
‫السياسية‪.‬‬
‫وفي كل األحوال‪ ،‬يمكن القول‪ :‬أن الكتلة التقليدية هي أكثر الكتل المتحركة والمتغيرة‪ ،‬فهي كتلة‬
‫تقف بين كتلتين لهما مشروع سياسي‪ ،‬فالكتلة اإلسالمية لها مشروع إسالمي‪ ،‬والكتلة المتحررة لها‬
‫مشروع علماني‪ ،‬أما الكتلة التقليدية فليس لديها مشروعا سياسيا محددا‪ ،‬مما يجعلها قابلة للذوبان نسبيا أو‬
‫جزئيا في أي من المشروعين اآلخرين‪.‬‬
‫‪7‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫الشارع لمن؟‪ ..‬خريطة الكتل االجتماعية في مصر‬

‫والكتلة التقليدية‪ ،‬ألنها تحمل الهوية اإلسالمية‪ ،‬وال تحمل مشروعا إسالميا محددا‪ ،‬تقف في‬
‫موضع بيني‪ ،‬فهي قريبة من الكتلة اإلسالمية أساسا‪ ،‬ألنها تحمل الهوية اإلسالمية‪ ،‬ولكنها يمكن أن تكون‬
‫قريبة من الكتلة المتحررة‪ ،‬إذا توافقت معها سياسيا‪ ،‬أو توافقت معها في المصالح‪ .‬لذا فإن التغييرات التي‬
‫يمكن أن تشهدها الكتلة التقليدية‪ ،‬تتعلق أساسا باحتمال مناصرتها للكتلة اإلسالمية أحيانا‪ ،‬واحتمال‬
‫مناصرتها للكتلة المتحررة‪ ،‬أحيانا أخرى‪ .‬بجانب أن الكتلة التقليدية يمكن أن تترابط‪ ،‬بحيث تظل كتلة‬
‫مستقلة‪ ،‬لها مواقفها الخاصة‪ ،‬وتعبر عن نفسها في برامج سياسي‪ ،‬يعبر عن مصالحها‪.‬‬
‫ولكن االحتمال اآلخر‪ ،‬يكمن في تسرب جزء من الكتلة التقليدية إلى الكتلة اإلسالمية‪ ،‬على أساس‬
‫أن المشترك بينهما ليس أمرا هينا‪ ،‬فهو توافق على الهوية والمرجعية‪ .‬ويمكن أيضا أن تتسرب أجزاء من‬
‫الكتلة التقليدية إلى الكتلة المتحررة‪ ،‬حيث أن بينهما مشترك في التصورات السياسي‪ ،‬يقوم أساسا على‬
‫إعالء دور المصلحة‪ .‬فالكتلة التقليدية تعلي من شأن المصلحة‪ ،‬ولكن ليس على حساب الهوية‪ ،‬أما الكتلة‬
‫المتحررة‪ ،‬وألنها تحاول الخروج من إطار الهوية الموروثة‪ ،‬فإنها تعلي من شأن المصلحة‪ ،‬كمهرب من‬
‫سؤال الهوية‪.‬‬
‫ولكن المتوقع في أغلب األحيان‪ ،‬أن ما يمكن أن يتسرب من الكتلة التقليدية إلى الكتلة اإلسالمية‪،‬‬
‫هو أكثر بكثير مما يمكن أن يتسرب من الكتلة التقليدية إلى الكتلة المتحررة‪ .‬مما يعني أن تقلص الكتلة‬
‫التقليدية‪ ،‬يأتي على حساب الكتلة المتحررة‪ ،‬ويحول التيار السائد إلى كتلة واحدة‪ ،‬ويعظم من وزنه‬
‫النسبي‪.‬‬
‫والناظر إلى الكتلة التقليدية‪ ،‬يجد أنها تحافظ بل وتدافع عن المرجعية والهوية‪ ،‬ولكن تحركها‬
‫المصلحة‪ .‬فهي إذن‪ ،‬ورغم تمسكها بهويتها‪ ،‬تؤيد أي مشروع يحقق مصلحتها‪ .‬وألن المجتمع بعد الثورة‪،‬‬
‫يمر بفترة انتقالية‪ ،‬تصبح فيها المصالح مهددة بسبب ما يحدث من تغيير‪ ،‬لذا فإن الكتلة التقليدية‪ ،‬تجد‬
‫مصالحها مهددة مع عملية التغيير‪ ،‬لذا تميل أكثر إلى الوقوف في وجه أي تغيير واسع‪.‬‬
‫لذا يمكن القول‪ :‬أن الكتلة التقليدية لن تجد مصالحها أحيانا مع المشروع اإلسالمي‪ ،‬ألنه يمثل‬
‫تغييرا واسعا عن الوضع القائم قبل الثورة‪ ،‬مما يجعلها تنحاز أحيانا لمواقف الكتلة المتحررة‪ .‬ولكن عندما‬
‫يتأكد أن المشروع اإلسالمي ال يمثل تهديدا لمصالح الكتلة التقليدية‪ ،‬فإنها ستكون أقرب إلى تأييد‬
‫المشروع اإلسالمي‪ ،‬حتى إن لم تتبناه حركيا وعمليا بنفسها‪ ،‬مما يبقيها كتلة تقليدية‪ ،‬ولكن يجعلها سياسيا‬
‫أقرب إلى مواقف الكتلة اإلسالمية‪.‬‬
‫ركزنا على الك تلة التقليدية‪ ،‬بوصفها الكتلة األكثر قابلية للتغير‪ ،‬فالكتلة اإلسالمية تبدو متماسكة‬
‫حول مشروع يجمعها‪ ،‬مع تنوعها الداخلي‪ ،‬والكتلة المتحررة تبدو متماسكة حول مشروع يجمعها أيضا‪،‬‬
‫رغم تنوعها الداخلي الشديد‪.‬‬
‫ومن المهم التفرقة بين االجتماعي والسياسي‪ ،‬في العالقة بين هذه الكتل‪ .‬فإذا حضرت قضية‬
‫الهوية‪ ،‬فالكتلة اإلسالمية والكتلة التقليدية‪ ،‬تمثل تيارا متماسكا وسائدا‪ ،‬يدافع عن الهوية اإلسالمية‪ .‬أما إذا‬
‫حضرت القضايا السياسية‪ ،‬فإن المواقف تختلف حسب القضية نفسها‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫الشارع لمن؟‪ ..‬خريطة الكتل االجتماعية في مصر‬
‫مسيحيو مصر‬

‫إذا حاولنا تصنيف الكتل االجتماعية لمسيحي مصر‪ ،‬سنجد أنها لن تختلف كثيرا عن التصنيف‬
‫العام للمجتمع‪ .‬فالكتلة األبرز أو تيار األغلبية بين مسيحي مصر‪ ،‬ينتمي للتيار المحافظ‪ ،‬وللطابع الشرقي‬
‫المحافظ المتدين‪ .‬كما أن تلك الكتلة المحافظة‪ ،‬أو التيار المحافظ المسيحي‪ ،‬يمكن تصنيفه ألكثر من كتلة‬
‫حسب الموقف االجتماعي الديني‪ ،‬خاصة وأن داخل المجموعات المتدينة‪ ،‬هناك غالبا أكثر من نمط‬
‫للتدين ‪ .‬وأيضا سنجد بين مسيحي مصر‪ ،‬كتلة متحررة‪ ،‬وهي أيضا كتلة تمثل أقلية بين مسيحي مصر؛ أي‬
‫أن التيار المحافظ يمثل أغلبية بين المسيحيين‪ ،‬كما يمثل التيار المتحرر أقلية بينهم‪.‬‬
‫ولكن ال توجد روابط بين التيار المحافظ المسيحي‪ ،‬والتيار المحافظ اإلسالمي‪ ،‬وبسبب تعقيدات‬
‫مرحلة ما قبل الثورة‪ ،‬حدثت أكبر فجوة اجتماعية‪ ،‬بين التيار المحافظ المسيحي والتيار المحافظ‬
‫اإلسالمي‪ .‬في حين لم تحدث فجوة بين المنتمين للكتلة المتحررة من مسيحيين ومسلمين‪ .‬وظهر قبل‬
‫الثورة وبعدها‪ ،‬ميل المسيحيين عموما لتأييد التيار العلماني‪ ،‬مما جعل الكتل المسيحية كلها‪ ،‬ورغم التباين‬
‫بينها‪ ،‬تميل إلى صف الكتلة المتحررة سياسيا‪ .‬ولكن أغلب الكتل المسيحية‪ ،‬وهي الكتل المحافظة‪ ،‬ال تميل‬
‫ثقافيا وفكريا‪ ،‬للكتلة المتحررة‪ ،‬بل تميل لها وتؤيدها سياسيا فقط‪ .‬ومن هنا يظهر أن التجمع بين الكتل‬
‫المسيحية والكتلة المتحررة‪ ،‬هو تجمع سياسي فقط‪ ،‬رغم االختالف الكبير في االتجاهات والقيم‪ ،‬بين الكتل‬
‫المسيحية المحافظة‪ ،‬والكتلة المتحررة‪ .‬وال يظهر التجانس الفعلي‪ ،‬إال في حالة المسيحي المنتمي ثقافيا‬
‫وفكريا للكتلة المتحررة‪ ،‬ألن رؤيته مثل المسلم المنتمي للكتلة المتحررة‪.‬‬
‫النظام السابق والكتلة التقليدية‬
‫قبل الثورة‪ ،‬حدث قدر من الترابط الواضح بين النظام السابق والكتلة التقليدية‪ .‬وهذا الترابط في‬
‫جزء مهم منه‪ ،‬حدث بسبب لجوء النظام السابق للكتلة التقليدية‪ ،‬حتى يمدد حضوره في المجتمع‪ ،‬وبالتالي‬
‫يمدد نفوذه وسلطته‪ ،‬من خالل الكتلة التقليدية‪ ،‬والتي تعطي أولوية لعامل المصلحة‪ .‬كما أن الكتل التقليدية‬
‫تتجمع تلقائيا حول الدولة‪ ،‬ألن حركتها السياسية محدودة‪ ،‬مما يجعلها تتجمع حول السلطة‪ ،‬ألن ليس لها‬
‫مشروعا سياسيا محددا‪ ،‬لذا تحقق مصلحتها من خالل قربها من السلطة‪.‬‬
‫كما أن جزءا مهما من الكتلة التقليدية‪ ،‬يتمثل في العائالت والقبائل‪ ،‬وهي مكونات تقليدية‪ ،‬وأغلبها‬
‫ليست حركية‪ ،‬وتحاول تحقيق الحضور االجتماعي‪ ،‬وأيضا تحاول تحصيل قدرا معتبرا من المكانة‬
‫والوجاهة االجتماعية‪ ،‬مما يجعلها لصيقة الصلة بالسلطة‪ ،‬وقريبة العالقة بمؤسسات الدولة‪ .‬مما يجعل‬
‫الكتلة التقليدية مؤهلة للتحالف مع السلطة‪ ،‬أو مستعدة لتحقيق روابط مع أجهزة الدولة؛ وفي نفس الوقت‪،‬‬
‫فإن أي سلطة غير منتخبة تبحث لها عن امتدادات تمكنها من فرض سيطرتها ونفوذها‪ ،‬وهو ما يحقق‬
‫قدرا مهما من االرتباط بين السلطة والكتلة التقليدية‪.‬‬
‫وفي غياب الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة‪ ،‬تصبح الكتلة التقليدية مرتبطة بالسلطة‪ ،‬ليس‬
‫بوصفها خيارا سياسيا‪ ،‬بل بوصفها القادرة على تحقيق المصلحة والمكانة والوجاهة االجتماعية‪ .‬لهذا‬
‫ارتبطت العديد من العائالت والقبائل بالدولة والسلطة‪ ،‬وحققت قدرا مهما من التمدد داخل الوظائف‬
‫الرئيسة في الدولة‪ ،‬بل وداخل العديد من األجهزة المركزية بالدولة‪ ،‬مثل القضاء والشرطة والجيش‪ .‬وهو‬
‫ما حقق تمددا واضحا لقوى النظام السابق داخل البيئة االجتماعية‪ ،‬ومن خالل فئات تقليدية‪ ،‬تنتمي للكتلة‬
‫التقليدية‪ ،‬وتحمل الهوية والمرجعية اإلسالمية‪ ،‬ولكنها ال تحمل مشروعا إسالميا‪.‬‬
‫‪9‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫الشارع لمن؟‪ ..‬خريطة الكتل االجتماعية في مصر‬

‫وهو ما أدى بعد الثورة‪ ،‬إلى ظهور قوى النظام السابق‪ ،‬بوصفها شبكة مصالح ممتدة في‬
‫المجتمع‪ ،‬وقادرة على حشد كتلة مؤيدة لها‪ .‬فأصبح جزء مهم من الكتلة التقليدية‪ ،‬من أنصار النظام‬
‫السابق‪ ،‬بحكم أنهم من المستفيدين من النظام السابق‪ ،‬وأصبحت مصالحهم مهددة بعد سقوط النظام‪ ،‬أو‬
‫على األقل أصبح لديهم شعور بأن مصالحهم مهددة بعد سقوطه‪.‬‬
‫وهذا ال يعني أن الكتلة التقليدية تتشكل فقط في وجود نظام حكم مستبد‪ ،‬فهي تتشكل أساسا من‬
‫فئات تقليدية‪ ،‬تنتمي للموروث الثقافي والحضاري‪ ،‬ولكنها تبحث عن المكانة والوجاهة والمصلحة‪ ،‬بأكثر‬
‫من تبنيها لمشروع سياسي معين‪ .‬مما يجعل الكتلة التقليدية‪ ،‬قريبة من أجهزة الدولة‪ ،‬وقريبة من حزب‬
‫األغلبية أو أحزاب األغلبية‪ .‬وهو ما يعني‪ ،‬أن موضع الكتل التقليدية من النظام السابق‪ ،‬هو نتيجة لهيمنة‬
‫هذا النظام على السلطة‪.‬‬
‫يعني هذا ضمنا‪ ،‬أن في مرحلة التحول الديمقراطي‪ ،‬تظل الكتل التقليدية حذرة لفترة من الوقت‪،‬‬
‫وتبحث عن موضع لها‪ ،‬وتؤيد قوى النظام السابق‪ ،‬حتى تحافظ على مكتسباتها‪ ،‬وتبحث لها عن موضع‬
‫جديد‪ .‬وقد تجد موضعها الجديد مع حزب تشكله قوى النظام السابق‪ ،‬أو حزب آخر يستطيع أن يستوعبها‪.‬‬
‫وقد تندمج في النهاية مع األحزاب الكبرى‪.‬‬
‫مما يعني‪ ،‬أن أغلب الكتلة التقليدية‪ ،‬أما أن تعبر عن نفسها من خالل حزب تقليدي‪ ،‬ترى أنه يعبر‬
‫عنها ويحمي مصلحتها‪ ،‬أو تندمج في الكتل السياسية األخرى‪ .‬وهو ما يجعل الكتلة التقليدية‪ ،‬ذات تأثير‬
‫على المشهد السياسي‪ ،‬رغم أنها ليست أغلبية‪.‬‬
‫الصورة سياسيا‬
‫يتضح من المشهد السياسي أن الكتلة اإلسالمية‪ ،‬تعبر عن نفسها من خالل الحركات اإلسالمية‬
‫أساسا‪ .‬وهو ما يجعل لتلك الحركات قاعدة ثابتة مؤيدة لها‪ ،‬وقابلة للتمدد‪ .‬ولهذا تتصدر جماعة اإلخوان‬
‫المسلمين قيادة الكتلة اإلسالمية‪ ،‬ويعبر حزب الحرية والعدالة‪ ،‬عن قطاع واسع داخل الكتلة اإلسالمية‪،‬‬
‫مما يجعل له موضعا متميزا في الساحة السياسية‪ ،‬خاصة مع تمتعه بقاعدة مؤيدة لها ثبات نسبي وقابلة‬
‫للتمدد‪.‬‬
‫وأيضا نجد أن التيار السلفي يحتل موضعا مركزيا داخل الكتلة اإلسالمية‪ ،‬من خالل العديد من‬
‫الحركات والجمعيات السلفية‪ ،‬والتي يبرز من بينها الدعوة السلفية‪ ،‬والتي يمثلها حزب النور‪ ،‬مما يجعل‬
‫له موضعا متقدما‪ ،‬ويوفر له قاعدة ثابتة نسبية وقابلة للتمدد‪ ،‬فيتصدر الكتلة السلفية‪ ،‬خاصة إذا لم يستطع‬
‫حزب آخر منافسته على صدارة التيار السلفي‪.‬‬
‫لهذا تبدو الكتلة اإلسالمية‪ ،‬هي األكثر تنظيما‪ ،‬واألكثر استقرارا‪ ،‬من حيث تمثيلها في العديد من‬
‫الحركات اإلسالمية واألحزاب اإلسالمية‪ ،‬والتي تحوز أغلبها على قواعد شعبية راسخة‪ .‬مما يمكن الكتلة‬
‫اإلسالمية من التمدد التدريجي‪ ،‬خاصة وأنها تمثل الموروث الثقافي والحضاري‪ ،‬بمختلف تنوعاته‪ ،‬تمثيال‬
‫قويا‪ ،‬يجعلها الكتلة األكثر التصاقا بالمرجعية الحضارية اإلسالمية‪ ،‬بوصفها مشروعا سياسيا وحضاريا‬
‫واجتماعيا‪.‬‬
‫من جانب آخر‪ ،‬نجد أن الكتلة المتحررة‪ ،‬تعاني من كثرة المعبرين عنها‪ ،‬وليس من بين‬
‫المؤسسات المعبرة عنها‪ ،‬من له رسوخ اجتماعي‪ ،‬يجعله يتصدر المشهد‪ .‬ومن الواضح أن تبادل المواقف‬
‫‪01‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫الشارع لمن؟‪ ..‬خريطة الكتل االجتماعية في مصر‬

‫بين األحزاب الممثلة للكتلة المتحررة‪ ،‬سيظل محتمال‪ ،‬حتى تستطيع عدة أحزاب محدودة‪ ،‬تمثيل الكتلة‬
‫المتحررة‪ .‬وكثرة المعبرين عن الكتلة المتحررة‪ ،‬ترتبط أساسا بالطابع النخبوي لهم‪ ،‬مما يجعل التنافس‬
‫بين رموز الكتلة المتحررة‪ ،‬سببا في تعدد األحزاب المعبرة عنها‪ .‬وهذا ال يؤثر كثيرا على قدرة األحزاب‬
‫المعبرة عن الكتلة المتحررة على التحالف فيما بينها‪ ،‬خاصة وأنها تتجمع غالبا في وجه الكتلة اإلسالمية‪،‬‬
‫مما يجعل لديها الدافع الموضوعي للتحالف‪ ،‬ويقلل من احتمالية تشتت تلك الكتلة المتحررة‪.‬‬
‫وخصومة الكتلة المتحررة للمشروع اإلسالمي‪ ،‬هي التي تكسبها التماسك الداخلي‪ ،‬رغم التباين‬
‫في مشاريعها السياسية‪ ،‬وارتباطها فقط بالمرجعية العلمانية‪ .‬ولكن الكتلة المتحررة‪ ،‬وهي تمثل كتلة أقلية‪،‬‬
‫ليس لديها امكانيات التمدد في بيئة محافظة‪ .‬فهي وإن كانت قادرة على التحالف مع الكتلة التقليدية أحيانا‪،‬‬
‫فإن قدرتها على جذب بعض من المنتمين للكتلة التقليدية للفكرة العلمانية أو الفكرة المتحررة ضعيفة‬
‫ومحدودة‪.‬‬
‫وفي ظل نظام مستبد فرض علمنة بالقوة‪ ،‬وفي ظل نظام دولي‪ ،‬فرض التبعية والتغريب‬
‫والعولمة‪ ،‬لم تتمدد الكتلة المتحررة كثيرا‪ .‬وربما يصح القول‪ ،‬أن الكتلة المتحررة وصلت إلى أقصى تمدد‬
‫لها في ظل النظام السا بق‪ ،‬وتحافظ على حجمها وتمددها من خالل عملية التخويف المنظم من القوى‬
‫اإلسالمية‪ ،‬بل وتستمد حضورا من تحالفها مع الكتلة التقليدية‪ ،‬من خالل تخويفها على مصالحها من‬
‫القوى اإلسالمية والمشروع اإلسالمي‪ .‬مما يعني أن الكتلة المتحررة‪ ،‬وصلت إلى أقصى تمدد لها زمن‬
‫النظام ا لسابق‪ ،‬وتستفيد من حالة االرتباك وعدم اليقين بعد الثورة‪ ،‬حتى تحافظ على حضورها‪ ،‬وتوسع‬
‫من تحالفاتها‪ ،‬ولكن امكانية استمراراها في التحالف مع الكتلة التقليدية محدودة‪ ،‬نظرا لالختالف بينهما في‬
‫مسألة الهوية والمرجعية‪ .‬كما أن تمدد األفكار المتحررة‪ ،‬بعد سقوط االستبداد الذي كان حاميا لها‪ ،‬أصبح‬
‫أمرا أقل احتماال‪.‬‬
‫وفي المقابل‪ ،‬نجد أن الكتلة التقليدية‪ ،‬تدخل في مرحلة انتقالية بعد الثورة‪ ،‬فأحيانا يؤيد جزء مهم‬
‫منها القوى اإلسالمية‪ ،‬وأحيانا تتحالف مع القوى العلمانية‪ ،‬وأحيانا أخرى تعمل على تأييد قوى النظام‬
‫السابق‪ ،‬والتي تمثل مصالحها‪ .‬كما نجد أن بعض األحزاب‪ ،‬خاصة حزب الوفد‪ ،‬يحاول تقديم نفسه‪،‬‬
‫كمعبر عن الكتلة التقليدية‪ ،‬ولكنه يجد منافسة مع قوى النظام السابق‪ ،‬ويلجأ للتحالف معها‪ ،‬ولكنه يواجه‬
‫مشكلة‪ ،‬تتمثل في رغبة قوى النظام السابق في القيام بالدور القيادي بنفسها‪ ،‬والحفاظ على القواعد المؤيدة‬
‫لها‪ ،‬والتي كانت جزءا من شبكة مصالح النظام السابق‪.‬‬
‫لهذا فالكتلة التقليدية هي األقل تماسكا‪ ،‬وتغييراتها هي األكثر احتماال‪ ،‬واحتماالت تعبيرها عن‬
‫نفسها سياسيا متعددة‪ ،‬وإن كانت تحوالت مواقفها في مرحلة ما بعد الثورة‪ ،‬تقل بعد الدخول في مرحلة‬
‫االستقرار السياسي‪ ،‬حيث يتبلور موقفها أكثر‪ ،‬وتحدد جزءا مهما من الخريطة السياسية‪.‬‬
‫ثنائي أم ثالثي‬
‫جملة المشهد االجتماعي وتداعياته السياسية‪ ،‬أن قوى الكتلة اإلسالمية تمثل أغلبية سياسية‪ ،‬نظرا‬
‫ألن قاعدتها تمثل أغلبية مجتمعية‪ .‬كما أن الكتلة اإلسالمية والكتلة التقليدية معا‪ ،‬يمثالن تيار أغلبية سائد‪،‬‬
‫يعطي للمجتمع والدولة معا هوية إسالمية‪ .‬كما أن الكتلة المتحررة تمثل أقلية‪ ،‬وغالبا ما سوف تستمر‬
‫ممثلة لكتلة أقلية‪ ،‬حتى مع تحالف المسيحيين معها سياسيا‪.‬‬
‫‪00‬‬

‫يناير ‪3102‬‬

‫الشارع لمن؟‪ ..‬خريطة الكتل االجتماعية في مصر‬

‫وموقف الكتلة التقليدية‪ ،‬هو الذي سوف يحدد الصورة النهائية للكتل االجتماعية والسياسية‪ ،‬فهل‬
‫تصبح هذه الصورة ثنائية أو ثالثية؟ أي هل تذوب الكتلة التقليدية‪ ،‬وتبقى فقط الكتلة اإلسالمية والكتلة‬
‫المتحررة؟‬
‫من الواضح أن ذوبان الكتلة التقليدية في الكتلة المتحررة‪ ،‬يبدو مستحيال‪ ،‬ولكن تحول بعض‬
‫المنتمين للكتلة التقليدية إلى الكتلة المتحررة ممكن‪ ،‬لكنه لن يغير من الوزن النسبي للكتلة المتحررة‪ ،‬حيث‬
‫تبقى ككتلة أقلية‪ .‬لذا تنحصر البدائل بين بقاء الكتلة التقليدية ككتلة لها تميزها الخاص‪ ،‬أو اندماجها في‬
‫الكتلة اإلسالمية‪ ،‬لتصبح أحد مكوناتها‪ ،‬وتتبنى المرجعية اإلسالمية‪ ،‬ليس فقط كالتزام‪ ،‬بل وكمشروع‬
‫أيضا‪.‬‬
‫وبسبب طبيعة الكتلة التقليدية‪ ،‬التي تحافظ على الهوية والمرجعية‪ ،‬وتبحث عن المكانة والدور‪،‬‬
‫لذا فهي تميل للقرب من الدولة والسلطة‪ ،‬خاصة مع غلبة الطبيعة العائلية والقبلية عليها‪ ،‬مما يجعلها‬
‫مشكلة من كيانات عائلية‪ ،‬وشبكات عالقات اجتماعية‪ ،‬تبحث عن الدور والمكانة‪ ،‬وال تتنازل عن الهوية‪،‬‬
‫خاصة وأن الهوية اإلسالمية‪ ،‬هي عماد بنيتها العائلية والقبلية‪ ،‬وعماد بنية شبكات العالقات االجتماعية‪.‬‬
‫لذا فالمتوقع أن تظل الكتلة التقليدية ككتلة لها تميزها الخاص‪ ،‬وتغير تحالفاتها‪ ،‬لحماية مصالحها‪،‬‬
‫فتصبح مواقفها مؤقتة‪ .‬وال يمكن أن تتحول الكتلة التقليدية إلى تحالف مستمر مع الكتلة المتحررة‪ ،‬بسبب‬
‫اختالف الهوية‪ ،‬و بسبب أن الكتلة المتحررة تمثل أقلية ليس لها الغلبة‪ .‬ومع استمرار ظهور غلبة قوى‬
‫الكتلة اإلسالمية‪ ،‬تصبح الكتلة التقليدية أقرب إلى مد الجسور مع القوى اإلسالمية‪ .‬كما أن البنية العائلية‬
‫والقبلية للكتلة التقليدية‪ ،‬وشبكات العالقات االجتماعية التي تقوم عليها‪ ،‬تقربها أكثر من الكتلة اإلسالمية‪.‬‬
‫وبسب قرب الكتلة التقليدية من النظام السابق‪ ،‬والذي حمل عدا ًء خاصا للقوى اإلسالمية‪ ،‬قامت‬
‫فجوة بين الكتلة التقليدية والكتلة اإلسالمية‪ ،‬وهي ليست فجوة حقيقية‪ ،‬ألن الخالف بينهما ال يبرر هذه‬
‫الفجوة‪ .‬لذا فمع انتهاء الخصومة التقليدية‪ ،‬التي أنتجها النظام السابق‪ ،‬يصبح موضع الكتل التقليدية أقرب‬
‫للكتلة اإلسالمية‪ ،‬مما يعظم من تماسك التيار المحافظ السائد تدريجيا‪ ،‬ويقرب المسافة بين الكتلة التقليدية‬
‫والكتلة اإلسالمية‪.‬‬
‫لذا يصبح أمام الكتلة التقليدية‪ ،‬واألحزاب المعبرة عنها‪ ،‬أن تعضد وجودها وحضورها‪ ،‬إما‬
‫باالقتراب من الكتلة اإلسالمية‪ ،‬أو االستحواذ على الكتلة المتحررة‪ ،‬حتى تعظم من حضورها‪ ،‬وتعضد‬
‫هذا الحضور بالقوة المالية لرجال األعمال المنتمين للكتلة المتحررة‪ ،‬وأيضا نخب هذه الكتلة ووسائل‬
‫اإل عالم التابعة لها‪ .‬ومعنى هذا‪ ،‬أن الكتلة التقليدية‪ ،‬والقوى المعبرة عنها‪ ،‬يمكن أن تعظم دورها بالتماهي‬
‫مع الكتلة اإلسالمية‪ ،‬أو إدماج الكتلة المتحررة داخلها‪ ،‬على أن يكون لها القيادة‪ ،‬وتكون لقيمها الغلبة‪،‬‬
‫فتدمج الكتلة المتحررة معها‪ ،‬على شريطة الحفاظ على الهوية والمرجعية اإلسالمية‪ .‬أما إذا ظلت الكتلة‬
‫المتحررة معادية للهوية والمرجعية اإلسالمية‪ ،‬فهذا سوف يدفع الكتلة التقليدية‪ ،‬لالحتماء بالكتلة اإلسالمية‬
‫أكثر‪ ،‬فتقترب منها أكثر‪ ،‬وتتحالف معها‪ ،‬وتبتعد نسبيا عن الكتلة المتحررة‪.‬‬
‫وهو ما يجعل المشهد ثالثي‪ ،‬يقوم على ثالثة كتل اجتماعية‪ ،‬تمثل الكتلة اإلسالمية والكتلة‬
‫التقليدية والكتلة المتحررة‪ ،‬ولكن المشهد يظهر سياسيا بصورة ثنائية أحيانا‪ ،‬حيث تتحالف الكتلة التقليدية‬
‫مع الكتلة المتحررة‪ ،‬خاصة في المراحل األولى من التحول الديمقراطي‪ ،‬أو تتحالف مع الكتلة اإلسالمية‪،‬‬
‫خاصة في مراحل االستقرار السياسي‪.‬‬
‫‪03‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful