‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫فبراير ‪2013‬‬

‫خريطة الخوف بعد الثورة‬

‫فبراير ‪3102‬‬

‫تزايدت حدة المخاوف بعد الثورة‪ ،‬وهي خوف من المستقبل‪ ،‬وخوف من المجهول‪ .‬فبعد الثورة‪،‬‬
‫فتح الباب أمام تغيير واسع‪ ،‬ينتج ضمنا من التحول الديمقراطي‪ ،‬وما يترتب عليه من بناء نظام سياسي‬
‫جديد‪ ،‬وظهور للقوى السياسية التي تحتل صدارة المشهد السياسي‪ ،‬والتي تكون أقرب إلى مقاعد الحكم‪.‬‬
‫فالثورة تنتج نظاما جديدا‪ ،‬مما يؤدي إلى ظهور مخاوف من هذا المستقبل الجديد‪.‬‬
‫وأهم ما يميز مرحلة ما بعد الثورة‪ ،‬هو عدم اليقين‪ ،‬فال يستطيع عامة الناس تحديد ما سيحدث في‬
‫المستقبل‪ ،‬وأي عقبات أو مشكالت أو تحديات سوف تواجهها عملية التغيير واإلصالح‪ .‬كما ال يستطيع‬
‫الكثير من الناس‪ ،‬تحديد ما سينتج في النهاية من عملية التحول الديمقراطي‪ ،‬وشكل النظام السياسي‬
‫الجديد‪ ،‬وتأثيراته على الدولة والمجتمع‪ .‬وال يمكن توفر اليقين الكامل‪ ،‬أو حتى يقين نسبي‪ ،‬بما يمكن أن‬
‫تؤدي له عملية تغيير واسعة‪ ،‬بسبب الخروج من نظام سياسي مستبد استمر لعقود‪ ،‬والتحول إلى نظام‬
‫يقوم على الحرية السياسية‪ .‬كما ال يمكن تحديد ما تؤدي له خيارات عامة الناس مع الوقت‪ .‬باإلضافة إلى‬
‫أن تراكم عملية التغيير عبر الوقت‪ ،‬سيؤدي إلى تشكل أوضاع اجتماعية وسياسية جديدة‪ ،‬ال تظهر مرة‬
‫واحدة‪ ،‬ولكن تتشكل عبر العديد من المراحل‪ ،‬مما يجعل من الصعب توقع شكل المستقبل‪ ،‬بعد سلسلة‬
‫التحوالت التي سوف تمر بها البالد‪.‬‬
‫ومن الطبيعي أن يصاحب الثورة عدم يقين‪ ،‬ألن التحول هو خروج من وضع قائم إلى وضع‬
‫جديد لم يتشكل بعد‪ .‬وألن الثورة كانت لحظة خروج شعبي عام‪ ،‬وليس لها برنامج سياسي‪ ،‬لذا فإن ما‬
‫تنتجه الثورة يتوقف على خيارات عامة الناس عبر الوقت‪ ،‬ومع تراكم تلك الخيارات‪ ،‬يتشكل المستقبل‪.‬‬
‫وال أحد يتحكم في تلك الخيارات‪ ،‬ألنها تنتج من التفاعل الحر المتواصل‪ ،‬حتى تتشكل لتلك الخيارات‬
‫توجهات محددة‪ ،‬بما يشكل صورة المستقبل السياسي واالجتماعي للبالد‪.‬‬
‫وإذا كان عدم اليقين من التوابع الطبيعية للثورات الشعبية‪ ،‬فإن الخوف من توابع الشعور بعدم‬
‫اليقين‪ .‬فمادام البعض ليس لديه تصور عن المستقبل‪ ،‬ولديه شعور بعدم اليقين‪ ،‬لذا يصبح لديه خوف من‬
‫المستقبل‪ ،‬ألنه ال يعرف طبيعة هذا المستقبل أو شكله أو توجهاته‪ .‬وإذا كان أغلب الناس ينتابها شعور‬
‫بعدم اليقين بعد الثورة‪ ،‬فإن بعض الناس‪ ،‬يتحول لديها الشعور بعدم اليقين إلى خوف مزمن من المستقبل‪.‬‬
‫وهنا تبدأ مرحلة اختالف ردود الفعل تجاه الثورة‪ ،‬فمن الشعور بعد اليقين‪ ،‬تظهر عدة توجهات‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪.0‬‬
‫‪.3‬‬
‫‪.2‬‬
‫‪.4‬‬

‫شعور بالقلق على مسار الثورة‪ ،‬ومدى امكانية أن تحقق التغيير واإلصالح‪ ،‬وتبني التقدم‬
‫والنهضة‪.‬‬
‫شعور بالقلق من نتائج التغيير الذي تحدثه الثورة على ما حققته بعض الفئات من مصالح‬
‫وأوضاع مستقرة قبل الثورة‪.‬‬
‫شعور بالقلق من تغير األوضاع االجتماعية بعد الثورة‪ ،‬بما يؤدي إلى شعور بعض الفئات‬
‫بالغربة تجاه ما يحدث من تغيير‪.‬‬
‫شعور بالقلق من حدوث تحوالت واسعة في المجتمع والدولة‪ ،‬تغير ما كان قائما‪ ،‬وتقيم مجتمعا‬
‫جديدا ودولة جديدة‪.‬‬

‫وبهذا يصبح الخوف والقلق نوعين‪ ،‬نوع هو خوف على الثورة‪ ،‬وآخر هو خوف من الثورة‪ .‬فهناك من‬
‫يخاف على الثورة‪ ،‬ويخشى من عدم نجاحها‪ ،‬وهناك من يخشى من ما يترتب على الثورة إذا نجحت‪.‬‬
‫فهناك من يخشى من عدم حدوث تغيير‪ ،‬وهناك من يخشى من ذلك التغيير‪ .‬وإذا كان الخوف والقلق‬
‫والشعور بعدم اليقين‪ ،‬من مصاحبات مرحلة ما بعد الثورة‪ ،‬فإن تزايد درجة الخوف‪ ،‬حتى يصبح خوفا‬
‫‪3‬‬

‫فبراير ‪3102‬‬

‫خريطة الخوف بعد الثورة‬

‫من المستقبل‪ ،‬ورفضا لهذا المستقبل المجهول‪ ،‬ليس من المصاحبات الطبيعية للثورة‪ ،‬ولكنه من نتائج‬
‫الواقع االجتماعي السابق على الثورة‪ ،‬ومن نتائج حالة التفكك والضعف المجتمعي السابقة على الثورة‪ .‬لذا‬
‫فهناك أكثر من نتيجة للخوف الحادث بعد الثورة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪ .0‬خوف يدفع الناس إلى التقدم إلى األمام‪ ،‬حتى يحققوا اإلنجازات المنشودة‪ ،‬ويحققوا ما يتصوروا‬
‫أنه أهداف الثورة‪ ،‬ويحققوا ما يتصورا أنه المستقبل الذي تصنعه الثورة‪.‬‬
‫‪ .3‬خوف يدفع الناس إلى التراجع بعد كل خطوة تتحقق إلى األمام‪ ،‬لشعورهم بأن ما يتحقق قد ال‬
‫يحقق تصورهم للمستقبل‪ ،‬لذا تظهر لديهم الرغبة في إعادة مسار مرحلة التحول مرة ومرات‪.‬‬
‫‪ .2‬خوف يدفع الناس إلى محاولة الحفاظ على الواقع القائم مباشرة بعد الثورة‪ ،‬واعتباره المألوف‬
‫المضمون العواقب‪ ،‬ومحاولة منع أو الحد من أي تغيير قد يحدث‪ ،‬فيصبح الوضع القائم بعد‬
‫الثورة‪ ،‬أفضل من أي مستقبل آخر قد يتحقق‪ ،‬مما يعمق الخوف من المستقبل المجهول‪.‬‬
‫والفرق بين هذه المواقف كبير‪ ،‬فهناك من يتصور أنه قادر على تحقيق حلمه‪ ،‬وهناك من يعتقد أنه غير‬
‫قادر على تحقيق حلمه‪ .‬وهناك من لديه يقين أنه سيحقق ذاته في المستقبل الجديد‪ ،‬وأن تصوراته سوف‬
‫تتحقق‪ ،‬ولن يكون غريبا عن المستقبل الجديد؛ وهناك من لديه يقين أنه لن يحقق ذاته في المستقبل الجديد‪،‬‬
‫وأن تصوراته عن المستقبل المنشود لن تتحقق‪ ،‬وأنه سوف يكون غريبا عن المستقبل الجديد‪.‬‬
‫هنا تختلف السبل والطرق‪ ،‬وتختلف التوجهات والمواقف‪ ،‬ألن أنواع الخوف ومصادره اختلفت‪،‬‬
‫ولم يعد الخوف يجمع الكل معا‪ ،‬ألن كل طرف لديه مخاوف مختلفة‪ .‬فيصبح الخوف دافعا للتقدم لإلمام‬
‫لدى البعض‪ ،‬ويصبح الخوف دافعا لتأجيل المستقبل لدى البعض‪ ،‬ويصبح الخوف دافعا لرفض المستقبل‬
‫أيا كان لدى البعض االخر‪.‬‬
‫والخائفون على الثورة انقسموا‪ ،‬ما بين من يرى أن حماية الثورة تتحقق من خالل التقدم إلى‬
‫األمام دائما‪ ،‬وبين من يرى أن حماية الثورة ال تتحقق إال من خالل تعديل مسار المرحلة االنتقالية‪ ،‬والبقاء‬
‫لمدة أطول في المرحلة االنتقالية‪ ،‬حتى يتضح المسار المضمون للتحول الديمقراطي‪ ،‬من وجهة نظره‪ .‬أما‬
‫الخائفي ن من الثورة‪ ،‬فقد جمعت بينهم الرغبة في أن ال تكون الثورة تغييرا للوضع القائم‪ ،‬بل تحسينا‬
‫لظروف الحياة فقط‪ ،‬مع بقاء الوضع القائم كما هو‪.‬‬
‫يجمعهم الخوف ثم يفرقهم‬
‫منذ اللحظات األولى للثورة‪ ،‬كان الخوف على الثورة ونجاحها‪ ،‬يجمع أغلبية المجتمع‪ ،‬ألن‬
‫التوافق حول الثورة‪ ،‬شمل أغلبية المجتمع أيضا‪ .‬وبهذا كان الخوف يجمع الناس وال يفرقهم‪ .‬ولكن كلما‬
‫بدأ التفكير في مرحلة ما بعد الثورة‪ ،‬وخريطة المرحلة االنتقالية‪ ،‬بدأت المخاوف تختلف‪ ،‬وأصبح من‬
‫لديهم الرغبة في حماية الثورة‪ ،‬لديهم تصورات مختلفة عن كيفية حماية الثورة‪ ،‬ولديهم تصورات مختلفة‬
‫عن كيفية إدارة المرحلة االنتقالية‪ .‬هنا انقسم من لديهم خوف على الثورة‪ ،‬ولم يعد لدينا فريق يخاف على‬
‫الثورة‪ ،‬وفريق يخاف من الثورة فقط‪ ،‬حيث أصبح من يخافون على الثورة‪ ،‬يختلفون في تصوراتهم عن‬
‫حمايتها‪ ،‬وتحقيق أهدافها‪ .‬والسبب الحقيقي في انقسام من يخافون على الثورة‪ ،‬أي من يؤيدون الثورة‪،‬‬
‫أنهم تصورا أن خريطة المرحلة االنتقالية سوف تحدد شكل المستقبل‪ ،‬وهنا ظهر اختالف حول شكل‬
‫المستقبل المنشود‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫فبراير ‪3102‬‬

‫خريطة الخوف بعد الثورة‬

‫وكان من ال مفترض أن يتفق الجميع على القواعد األساسية لتحديد المستقبل السياسي للبالد بعد‬
‫الثورة‪ ،‬والتي تتمثل في االحتكام لإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬وخيارات عامة الناس‪ .‬ألنه إذا اتفق الجميع على‬
‫االحتكام لخيارات الناس‪ ،‬وعلى االحتكام لصندوق االقتراع‪ ،‬فإن أي طريق إلدارة المرحلة االنتقالية‬
‫سوف يؤدي إلى نفس النتائج‪ .‬ولكن ظهرت تصورات‪ ،‬ترى أن موعد االحتكام لخيارات الناس‪ ،‬سوف‬
‫يؤدي إلى نتائج مختلفة‪ ،‬وظهرت تصورات أخرى ترى أن المرحلة التي يتم فيها االحتكام لخيارات‬
‫الناس‪ ،‬سوف تؤدي إلى نتائج مختلفة‪ .‬وتلك التصورات لم تكن دقيقة‪ ،‬ألن المحك الوحيد لما تنتجه‬
‫المرحلة االنتقالية‪ ،‬كان مدى حرية اإلرادة الشعبية في اختيار النظام السياسي الجديد‪ ،‬واختيار ممثلي‬
‫الشعب‪ .‬فإذا كانت اإلرادة الشعبية حرة تماما‪ ،‬فإن النتائج سوف تكون واحدة‪ ،‬أما إذا فرض على اإلرادة‬
‫الشعبية خيارات مسبقة‪ ،‬فإن النتيجة تختلف‪.‬‬
‫هنا ظهر طبيعة اال نقسام بين المؤيدين للثورة‪ ،‬والخائفين عليها‪ ،‬حيث تأكد أن البعض يخاف من‬
‫اإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬ويخاف من الخيارات الحرة لعامة الناس‪ ،‬وهناك من يخاف من تقييد الخيارات‬
‫الحرة لعامة الناس‪ .‬فأصبح فريق يحاول تقييد الخيارات الحرة لعامة الناس‪ ،‬وفريق آخر‪ ،‬يحاول حماية‬
‫اإلرادة الحرة لعامة الناس‪ .‬وبهذا تكشفت التوجهات األساسية في المجتمع بعد الثورة‪ ،‬وبدأت تلك‬
‫التوجهات في التبلور‪ ،‬خاصة مع االستفتاء على التعديالت الدستورية‪ ،‬فأصبح الخائفون على الثورة‬
‫منقسمين في موقفهم من خيارات عامة الناس‪ ،‬بين من يخاف منها‪ ،‬ومن يحاول حمايتها‪ .‬فأصبح الخوف‬
‫على الثورة‪ ،‬ال يجمع كل من أيد الثورة‪ ،‬كما أن مخاوف ما بعد الثورة‪ ،‬لم تجمع الكل معا‪ ،‬حيث هناك من‬
‫خاف على الثورة‪ ،‬ومن خاف من الثورة‪ .‬فأصبحنا أمام الفرقاء الثالثة‪:‬‬
‫‪ ‬من يخاف على الثورة ويخاف على اإلرادة الشعبية الحرة‪.‬‬
‫‪ ‬ومن يخاف على الثورة ويخاف من اإلرادة الشعبية الحرة‪.‬‬
‫‪ ‬ومن يخاف من الثورة‪.‬‬
‫وبهذا بدأت خريطة مختلفة للتوجهات السياسية تتشكل‪ ،‬ويحدث فيها انتقال من موضع إلى آخر‪،‬‬
‫وأصبحت هذه الخريطة‪ ،‬وهي خريطة مخاوف ما بعد الثورة‪ ،‬تحدد توجهات عامة الناس وتياراتهم‬
‫المختلفة‪ ،‬كما تحدد إلى حد كبير نتائج صناديق االقتراع‪ ،‬فأصبحت صناديق االقتراع تعبر عن التيارات‬
‫السياسية‪ ،‬وتعبر عن اختالف المخاوف لدى الفئات المؤيدة لهذه التيارات السياسية‪ ،‬وتتشكل بهذا مالمح‬
‫خريطة سياسية‪ ،‬لها درجة من العمق والثبات النسبي‪ ،‬بقدر ارتباطها بتصورات الناس عن مخاوف ما بعد‬
‫الثورة‪ .‬مما يجعل تغير مخاوف فئة من المجتمع‪ ،‬تنتج صورة مختلفة للخريطة السياسية‪.‬‬
‫اإلسالميون‬
‫وقفت القوى اإلسالمية الكبرى في مربع الثورة منذ البداية‪ ،‬وأصبحت الثورة جاذبة لمختلف‬
‫القوى اإلسالمية‪ ،‬مما جعل القوى اإلسالمية تقف في مربع الخوف على الثورة‪ .‬ولم تكن بعض الرموز‬
‫اإلسالمية المتحالفة مع النظام السابق‪ ،‬لها حضور داخل جسم التيار اإلسالمي‪ ،‬مما جعل الفئات والكتل‬
‫المؤيدة للتوجه اإلسالمي‪ ،‬تقف في أغلبها في مربع الخوف على الثورة‪ ،‬حتى جاءت مرحلة رسم خريطة‬
‫المرحلة االنتقالية‪ ،‬فبدأ االختالف حول المرحلة االنتقالية‪ ،‬والذي أظهر انقساما حول الموقف من اإلرادة‬
‫الشعبية الحرة‪ ،‬حيث اختار اإلسالميون‪ ،‬بمختلف توجهاتهم‪ ،‬االنحياز الكامل لإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬بل‬
‫واختاروا حماية اإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬وكل ما تنتجه اإلرادة الشعبية الحرة من اختيارات‪ ،‬حتى أصبح‬
‫‪4‬‬

‫فبراير ‪3102‬‬

‫خريطة الخوف بعد الثورة‬

‫هذا عنوان موقفهم‪ ،‬والذي يفسر أغلب خياراتهم في المرحلة االنتقالية وما بعدها‪ ،‬كما أصبح موقف حماية‬
‫الثورة وحماية اإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬من المواقف التي توحد كل التيارات اإلسالمية معا‪ ،‬وتظهر التيار‬
‫اإلسالمي العام‪ ،‬وتكشف عن ما بينه من توافقات‪ ،‬وما يوجد بداخله من أسس مشتركة‪.‬‬
‫لهذا كانت قوى التيار اإلسالمي راغبة في التقدم إلى األمام‪ ،‬وكانت ترى أن البقاء في مربع‬
‫المرحلة االنتقالية يهدد الثورة‪ ،‬والتقدم إلى األمام يحمي الثورة‪ ،‬وهو ما أظهر تباينا كبيرا بين القوى‬
‫اإلسالمية والقوى العلمانية في المواقف السياسية‪ .‬وألن القوى اإلسالمية تحاول حماية اإلرادة الشعبية‬
‫الحرة‪ ،‬لذا أصبحت ترى أن كل خالف يحل عند صندوق االقتراع‪ ،‬فأصبح الذهاب لصندوق االقتراع‬
‫يمثل خيار القوى اإلسالمية‪ ،‬مهما كانت تواجه من حرب شرسة من القوى األخرى‪ ،‬ومهما كان تأثير هذه‬
‫الحرب‪ ،‬خاصة الحرب اإلعالمية‪ ،‬على شعبية القوى اإلسالمية‪.‬‬
‫العلمانيون‬
‫ظاهريا كانت كل القوى العلمانية في صف الخائفون على الثورة‪ ،‬والذين يعملون على حماية‬
‫الثورة‪ .‬ولكن الواقع يؤكد على أن القوى العلمانية والرموز العلمانية‪ ،‬كان بعضها مؤيدا للنظام السابق‪ ،‬لذا‬
‫لم تكن الثورة خيارا لكل القوى العلمانية‪ ،‬ولم تكن كل القوى والرموز العلمانية مؤيدة للثورة‪ .‬كما لم تكن‪،‬‬
‫وهذا هو األهم‪ ،‬كل الفئات المؤيدة للتوجه العلماني‪ ،‬مؤيدة للثورة والتغيير‪ .‬ألن بعض الفئات المؤيدة‬
‫للتوجه العلماني‪ ،‬كانت ترى أن النظام السابق هو الذي يحمي العلمانية‪ ،‬ويمنع ظهور القوى اإلسالمية‪ .‬لذا‬
‫كانت بعض الفئات ذات التوجه العلماني ليست مرحبة بالثورة‪ ،‬وليست من الخائفين على الثورة‪ ،‬بل من‬
‫الخائفين من الثورة‪.‬‬
‫لذا لم تكن كل الفئات العلمانية التوجه‪ ،‬على موقف واحد‪ ،‬فبعضها ومنذ البداية‪ ،‬كان يرى أن‬
‫الثورة يمكن أن تكون تهديدا لوجود التوجه العلماني في المجتمع‪ ،‬والبعض لم يكن لديه هذا التصور‪ ،‬مما‬
‫جعل بعض الفئات العلمانية تخاف من الثورة‪ ،‬وبعضها يخاف على الثورة‪ .‬ثم تجمعت كل الكتل العلمانية‬
‫بعد ذلك‪ ،‬في الخوف من خيارات اإلرادة الشعبية‪ ،‬وبدأت تنحاز لموقف واحد تجاه خريطة المرحلة‬
‫االنتقالية‪ ،‬وهو ما جعل كل القوى العلمانية تبدو على موقف واحد‪ ،‬ألنها كلها تجمعت على الخوف من‬
‫اإلرادة الشعبية‪ ،‬ومن كان يخاف من الثورة أو يخاف على الثورة‪ ،‬كان في الواقع يخاف من خيارات‬
‫اإلرادة الشعبية‪.‬‬
‫األقباط‬
‫كان حال األقباط مع الثورة‪ ،‬كحال أصحاب التوجه العلماني‪ ،‬فال يبدو أن كل األقباط كانوا ممن‬
‫أيدوا الثورة‪ ،‬وممن اشترك في مرحلة الخوف على الثورة‪ ،‬بل كان هناك من خاف على الثورة‪ ،‬ومن‬
‫خاف من الثورة‪ .‬وما حدث مع الفئات العلمانية‪ ،‬تكرر أيضا مع األقباط‪ ،‬حيث بات واضحا‪ ،‬مع بداية‬
‫المرحلة االنتقالية‪ ،‬أن أغلب األقباط لديهم خوف من خيارات اإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬رغم أن بعضهم كان‬
‫مع الثورة‪ ،‬وبعضهم لم يكن معها‪ .‬واالختالف على الثورة‪ ،‬كان بسبب الموقف من النظام السابق‪ ،‬فكل من‬
‫أعتبر أن النظام السابق هو حائط الصد الوحيد أمام القوى اإلسالمية‪ ،‬كان متخوفا من الثورة‪ ،‬وكل من‬
‫كان يرفض النظام السابق لم يكن متخوفا من الثورة‪ .‬وعندما بدأت المرحلة االنتقالية‪ ،‬تجمع أغلب األقباط‬
‫في الخوف من الخيارات الشعبية الحرة‪ .‬وإذا كانت الفئات العلمانية تخشى من الخيارات الشعبية الحرة‪،‬‬
‫وترى أن الخيار العلماني لن يكون خيارا شعبيا حرا ألغلبية المجتمع‪ ،‬فإن أغلب األقباط كان لديهم شعور‬
‫‪5‬‬

‫فبراير ‪3102‬‬

‫خريطة الخوف بعد الثورة‬

‫بأن الخيارات الشعبية الحرة لن تنتج نظاما يسع الجميع‪ ،‬أو ليبرالي بالقدر الكافي‪ ،‬أو يقبل التنوع والتعدد‬
‫بدرجة جيدة‪ .‬وغالب تصورات األقباط‪ ،‬كانت تكشف عن مخاوف من غلبة الطابع اإلسالمي على الدولة‬
‫والمجتمع‪ ،‬مما يؤدي في تصورهم إلى أوضاع تقلل من شأنهم‪ ،‬وال تؤمن لهم حقوقهم‪.‬‬
‫لذا فالخوف من اإلرادة الشعبية الحرة لدى األقباط‪ ،‬كان بسبب توجهها اإلسالمي‪ ،‬كما كان بسبب‬
‫الخوف من انتشار التعصب‪ ،‬أو ظهور توجه إسالمي متشدد أو متطرف أو متعصب‪ .‬والفئات العلمانية‪،‬‬
‫لم يكن لديها خوف مختلف في الواقع‪ ،‬حيث أتضح أنها تخشى من خيارات اإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬بسبب‬
‫خوفها من الخيارات اإلسالمية لتلك اإلرادة الشعبية الحرة‪.‬‬
‫فأصبحت المخاوف تجمع العلمانيين واألقباط‪ ،‬سواء كانت تلك المخاوف هي فعال من الثورة‪ ،‬أم‬
‫هي فقط من اإلرادة الشعبية الحرة‪ .‬كما أصبحت المخاوف تجمع القوى اإلسالمية‪ ،‬حيث يجمعهم الخوف‬
‫على الثورة والخوف على اإلرادة الشعبية الحرة‪ .‬فبالنسبة للقوى اإلسالمية‪ ،‬مثل النظام السابق خصما‬
‫شرسا‪ ،‬مارس أشد أنواع التنكيل بهم‪ .‬وبهذا لم يكن لدى القوى اإلسالمية‪ ،‬والجماهير المؤيدة للتوجه‬
‫اإلسالمي‪ ،‬أي شك في أن ما تنتجه الثورة‪ ،‬أفضل مما كان قائما قبل الثورة‪ ،‬فأصبح الخوف على الثورة‪،‬‬
‫توجها رئيسيا للتيار اإلسالمي‪.‬‬
‫أنصار النظام السابق‬
‫وقف أ نصار النظام السابق‪ ،‬بال شك‪ ،‬في مربع الخائفين من الثورة‪ ،‬والرافضين لها‪ .‬ألن كل من‬
‫انتمى للنظام السابق‪ ،‬وكل من استفاد من وجوده‪ ،‬وكل من كان ضمن شبكة مصالح النظام السابق‪ ،‬ومن‬
‫كان ضمن شبكة السلطة والنفوذ‪ ،‬رأى أن أي تغيير يحدث بالثورة على النظام السابق‪ ،‬سوف يهدد‬
‫مصالحه‪ ،‬ويهدد ما حققه ووصل له زمن النظام السابق‪.‬‬
‫وفي كل الثورات‪ ،‬يكون المنتمون والمؤيدون للنظام الذي قامت عليه الثورة‪ ،‬في مربع الرافضين‬
‫للثورة‪ .‬وهذا الموقف يقوم على عدة مخاوف‪ ،‬كلها تتعلق بالتغيير الحادث‪ ،‬أي بما يمكن أن ينتج عن‬
‫الثورة من تغيير‪ ،‬ومدى تأثير هذا التغيير على وضعهم‪ .‬ومشكلة أنصار النظام السابق‪ ،‬أن مخاوفهم من‬
‫وضعهم الجديد تسيطر عليهم‪ ،‬حيث يصبح موضعهم في أي نظام جديد محل تساؤل أو شك‪ .‬فالخوف من‬
‫ما يترتب على الثورة‪ ،‬هو في جزء منه‪ ،‬خوف من عدم قدرة أنصار النظام السابق على تحقيق تواجد في‬
‫مرحلة ما بعد الثورة‪ ،‬أي خوف من أن تكون الثورة سوف تعزلهم عن الحياة السياسية والحياة العامة‪ ،‬بما‬
‫يهدد مصالحهم‪.‬‬
‫وأنصار النظام السابق‪ ،‬إذ يجمعهم الخوف من الثورة‪ ،‬ال يجمعهم الخوف من الخيارات الشعبية‪.‬‬
‫فبعضهم انتمى بالفعل للتوجه العلماني‪ ،‬ولديه مخاوف من الخيارات الشعبية اإلسالمية‪ ،‬وأغلبهم ليس لديه‬
‫هذا الخوف من الخيارات الشعبية اإلسالمية‪ .‬فأغلب أنصار النظام السابق‪ ،‬ليس لهم توجه علماني‪،‬‬
‫وتوجههم العام محافظ وتقليدي‪ ،‬لهذا فليس لديهم خوف من التوجه اإلسالمي‪.‬‬
‫ولكن مشكلة أنصار النظام السابق‪ ،‬أن أغلبهم لديه مخاوف من القوى اإلسالمية‪ ،‬والتي حاربها‬
‫النظام السابق‪ ،‬مما جعل اغلب أنصار النظام السابق‪ ،‬في حالة خصومة مع القوى اإلسالمية‪ ،‬خاصة‬
‫جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬مما أنتج لديهم خوف خاص من القوى اإلسالمية‪ ،‬ومن امكانية أن تصفي‬
‫القوى اإلسالمية حسابها القديم معهم‪ .‬لهذا ظل أنصار النظام السابق‪ ،‬في مربع الخوف من الثورة‪ ،‬دون‬
‫‪6‬‬

‫خريطة الخوف بعد الثورة‬

‫فبراير ‪3102‬‬

‫أن يكون لديهم خوف من خيارات عامة الناس بالنسبة لهوية الدولة والمجتمع‪ ،‬وإن كان لديهم خوف من‬
‫خيارات عامة الناس‪ ،‬عندما تختار أغلبية منهم القوى اإلسالمية‪ ،‬وهي خصم أنصار النظام السابق القديم‪.‬‬
‫والمشكلة أن الخوف من القوى اإلسالمية‪ ،‬والخوف من التوجه اإلسالمي‪ ،‬يحدث بينهم تداخل‬
‫كثيرا‪ .‬ألن البعض يرى أن حضور القوى اإلسالمية‪ ،‬هو الذي يؤدي إلى ظهور التوجه اإلسالمي‪ ،‬فإذا‬
‫غابت القوى اإلسالمي‪ ،‬سوف يغيب التوجه اإلسالمي‪ .‬وحتى من يعرف أن التوجه اإلسالمي غالب في‬
‫المجتمع‪ ،‬بوجود أو عدم وجود القوى اإلسالمية‪ ،‬فإنه يتصور أن الحضور العملي‪ ،‬والتأثير الفعلي لهذا‬
‫التوجه اإلسالمي‪ ،‬سوف يضعف لحد كبير‪ ،‬إذا غابت القوى اإلسالمية‪ ،‬أو قل حضورها‪ .‬لهذه األسباب‪،‬‬
‫يصبح الخوف من القوى اإلسالمية‪ ،‬والخوف من التوجه اإلسالمي‪ ،‬مرتبطان لدى القوى العلمانية‬
‫واألقباط؛ أما بالنسبة ألنصار النظام السابق‪ ،‬فأغلبهم ليس لديه مشكلة مع التوجه اإلسالمي‪ ،‬ويركز أساسا‬
‫على مخاوفه من القوى اإلسالمية‪ ،‬وهو في هذا الموقف‪ ،‬يشترك مع القوى العلمانية‪ ،‬وكذلك األقباط‪ ،‬رغم‬
‫خالفه معهم على الموقف من التوجه اإلسالمي‪.‬‬
‫خريطة تحالفات المخاوف‬
‫تشكلت خريطة التحالفات على أساس التوقعات المستقبلية‪ ،‬وبالتالي المخاوف تجاه المستقبل‪ .‬ففي‬
‫بدايات المرحلة االنتقالية‪ ،‬كان الخوف من عودة النظام السابق‪ ،‬يجمع كل الخائفين على الثورة‪ .‬وكلما‬
‫تقدمت المرحلة االنتقالية‪ ،‬وبدأت مرحلة االحتكام لصندوق االقتراع‪ ،‬أصبحت المخاوف من نتائج‬
‫صندوق االقتراع‪ ،‬هي التي تشكل التحالفات‪ .‬لذا كانت كل قوى الثورة تتجمع في مقابل قوى النظام‬
‫السابق‪ ،‬ثم أصبحت قوى الثورة تنقسم تدريجيا‪ ،‬مع االستفتاء على التعديالت الدستورية‪ ،‬ثم مع ظهور‬
‫نتائج انتخابات مجلس الشعب‪ ،‬لتبدأ مرحلة الخوف من خيارات اإلرادة الشعبية في الظهور‪ ،‬لدرجة‬
‫أصبحت تقارب بين قوى من الثورة مع قوى النظام السابق‪ ،‬حتى إذا جاءت االنتخابات الرئاسية‪،‬‬
‫أصبحت أغلب القوى العلمانية وأغلب األقباط في تحالف مع قوى النظام السابق‪ ،‬وهو ما ظهر بعد ذلك‬
‫في االستفتاء على الدستور الجديد‪.‬‬
‫فليست كل المخاوف على نفس الدرجة من التأثير‪ ،‬حيث ظهر أن الخوف من المستقبل هو‬
‫الخوف الحقيقي‪ ،‬وأن كل المخاوف األخرى‪ ،‬هي مخاوف مرحلية‪ .‬فالخوف الحقيقي‪ ،‬يتعلق أساسا‬
‫بالمستقبل السياسي‪ ،‬أي بشكل وطبيعة وهوية النظام السياسي الجديد‪ ،‬وبالتالي بالهوية التي سوف تسود‬
‫في المجتمع‪ ،‬وتشكل مسار النظام السياسي الجديد وخياراته‪ .‬وبالنسبة ألغلب القوى العلمانية وأغلب‬
‫األقباط‪ ،‬نجد أن الخوف من المستقبل يتعلق أساسا بالخوف من تبني الدولة والمجتمع للهوية اإلسالمية‪،‬‬
‫أما بالنسبة ألنصار النظام السابق‪ ،‬فأغلبهم ال يخاف من الهوية اإلسالمية‪ ،‬ولكن يخاف من تصدر القوى‬
‫اإلسالمية للمشهد السياسي‪ ،‬دون أن يكون لهم مكانا في هذا المشهد‪.‬‬
‫بهذا أصبح الخوف من الهوية اإلسالمية‪ ،‬والخوف على المصالح‪ ،‬يجمع كل الكتل غير اإلسالمية‬
‫معا‪ ،‬ليتشكل تحالف الخائفين من القوى اإلسالمية أو الهوية اإلسالمية‪ ،‬أو كالهما معا‪ .‬وهو ما شكل في‬
‫النهاية تحالف الخائفين على الهوية اإلسالمية‪ ،‬وقرب بين القوى اإلسالمية‪ ،‬وأصبح تحالف الخائفين على‬
‫الهوية اإلسالمية‪ ،‬يمثل الخائفين على اإلرادة الشعبية الحرة‪ .‬وبهذا تشكل فريقان‪ ،‬فريق يحمي اإلرادة‬
‫الشعبية الحرة‪ ،‬ألنه يرى أنها تنتصر للثورة‪ ،‬وتنتصر للهوية اإلسالمية‪ ،‬وفريق يخاف من اإلرادة الشعبية‬
‫الحرة‪ ،‬ألنه أيضا يدرك أنها تنتصر للهوية اإلسالمية‪ ،‬التي يخشاها العلمانيون واألقباط‪ ،‬وتنتصر للتغيير‬
‫والذي يخشاه أنصار النظام السابق‪.‬‬
‫‪7‬‬

‫فبراير ‪3102‬‬

‫خريطة الخوف بعد الثورة‬
‫الخوف من المجهول‬

‫في كل األحوال‪ ،‬يعد المستقبل مجهوال بعد الثورة‪ ،‬فالثورة قامت من أجل التغيير‪ ،‬لكنها لم تحدد‬
‫شكل المستقبل بدقة‪ ،‬فأصبح المستقبل يتشكل من خالل عملية تفاعل حر‪ ،‬وأيضا من خالل عملية بناء‬
‫تدريجي‪ ،‬وخيارات متتالية لإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬مما يعني أن المستقبل سيكون نتيجة لعملية سياسية‬
‫مستمرة ومتدرجة‪ ،‬وليس نتيجة لبرنامج سياسي مخطط ومعد من قبل‪ .‬ومادام المستقبل ليس معروفا على‬
‫وجه الدقة‪ ،‬فكل من لديه مخاوف من هذا المستقبل‪ ،‬أي لديه تصورات عن مخاوف وأخطار قد تحدث في‬
‫المستقبل‪ ،‬يقف في مربع الخوف من المستقبل‪ ،‬والخوف من نتائج العملية السياسية‪ ،‬ونتائج التحول‬
‫الديمقراطي‪ ،‬وخيارات اإلرادة الشعبية الحرة‪.‬‬
‫ولكن القوى اإلسالمية‪ ،‬لم تعتبر المستقبل مجهوال‪ ،‬ولم يكن لديها تخوف من المستقبل‪ ،‬فأصبحت‬
‫القوى اإلسالمية في مربع من ال يخاف من المستقبل‪ ،‬ولكن يخاف من عرقلة الوصول للمستقبل‪ .‬أما‬
‫القوى العلمانية واألقباط وأنصار النظام السابق‪ ،‬فأصبحوا في مربع من يخاف من المستقبل‪ ،‬ألنه مستقبل‬
‫مجهول بالنسبة لهم‪ ،‬فأصبحت مخاوفهم من الوصول إلى المستقبل‪ ،‬وليس من عرقلة الوصول له‪.‬‬
‫والقوى اإلسالمية لديها قناعة بأن عامة الناس مع التغيير واإلصالح‪ ،‬ومع الهوية اإلسالمية‪ ،‬وأن‬
‫أي تذبذب في موقف عامة الناس‪ ،‬لن يكون دائما‪ ،‬بل مؤقتا‪ .‬كما أن لديها قناعة بأن الهوية اإلسالمية لن‬
‫تتحقق إال بإرادة عامة الناس‪ ،‬ألنها تتحقق في المجتمع أوال‪ ،‬وقبل أن تتحقق في الدولة‪ .‬مما يعني أن‬
‫القوى اإلسالمية تدرك‪ ،‬أن الهوية اإلسالمية تتحقق باإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬وإذا لم تجتمع األغلبية على‬
‫هذه الهوية‪ ،‬سيكون على القوى اإلسالمية أن تدعو للهوية اإلسالمية‪ ،‬حتى تجمع أغلبية معتبرة عليها‪.‬‬
‫فالقوى اإلسالمية‪ ،‬تعرف أن الهوية العامة والنظام العام‪ ،‬يتحققان بتوافق أغلبية المجتمع‪ ،‬كما تدرك أن‬
‫المشروع اإلسالمي ال يتحقق إال باإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬كما تدرك أن الهوية هي خيار أمة قبل أن تكون‬
‫خيار دولة‪ ،‬وأن النهوض الحضاري اإلسالمي هو مسئولية أمة قبل أن يكون مسئولية دولة‪.‬‬
‫وهذا ما يفسر التغييرات الحادثة بعد الثورة‪ ،‬ألن الخوف على الثورة تحول إلى خالف على‬
‫المسار األفضل لحماية الثورة‪ ،‬ثم خالف على الموقف من دور اإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬ثم خالف حول‬
‫المستقبل‪ .‬مما جعل الصورة تتغير‪ ،‬والتحالفات تتغير‪ ،‬حتى باتت القضية تتركز في المستقبل الذي تصنعه‬
‫اإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬فأصبح المجتمع منقسما‪ ،‬بين ما يؤيد المستقبل الذي تصنعه اإلرادة الشعبية الحرة‪،‬‬
‫وبين من يخاف من المستقبل الذي تصنعه اإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬أي بين من يخاف من خيارات عامة‬
‫الناس‪ ،‬ومن يثق في خيارات عامة الناس‪ .‬فأصبح المستقبل مجهوال وغامضا‪ ،‬لمن يخاف من خيارات‬
‫عامة الناس‪ ،‬في حين أن من يثق في خيارات عامة الناس‪ ،‬كان لديه ثقة في المستقبل‪.‬‬
‫الخوف من خيارات عامة الناس‬
‫تعددت المخاوف حسب الكتل االجتماعية والسياسية المختلفة‪ ،‬فالبعض يخاف من الهوية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬بل ويرفضها تماما‪ ،‬والبعض يخاف من خيارات الهوية اإلسالمية التي سوف تظهر وتسود‪،‬‬
‫والبعض يخاف من تهديد مصالحه مع خيارات عامة الناس‪ .‬والمشكلة الرئيسة تتمثل في من يخاف من‬
‫الهوية اإلسالمية‪ ،‬جملة وتفصيال‪ ،‬ألنه بهذا يخشى من خيار‪ ،‬هو في األغلب األعم خيار أغلب الناس‪،‬‬
‫أغلب الوقت‪ ،‬أي أنه الخيار الثابت والمستمر‪ .‬فإذا كانت الهوية اإلسالمية‪ ،‬تمثل هوية أغلبية المجتمع‪،‬‬
‫عبر التاريخ‪ ،‬مما يعني أنها الهوية المستمرة مستقبال‪ ،‬إذن فإن من لديه مخاوف أو رفض لهذه الهوية‪،‬‬
‫‪8‬‬

‫فبراير ‪3102‬‬

‫خريطة الخوف بعد الثورة‬

‫يواجه مشكلة مستمرة ومزمنة‪ ،‬ألنه في الواقع يرفض خيارات عامة الناس‪ ،‬مما يعني أن المستقبل ال‬
‫يحمل بالنسبة له‪ ،‬إال خيارا يرفضه‪.‬‬
‫ولكن من يخشى من بعض التوجهات اإلسالمية‪ ،‬دون غيرها‪ ،‬وال يخشى من الهوية اإلسالمية‬
‫والمرجعية اإلسالمية عامة‪ ،‬فإن مخاوفه تتعلق أساسا ببعض الرؤى التي قد تظهر وتسود في المستقبل‪،‬‬
‫وقد ال تظهر‪ .‬مما يعني أن المستقبل قد يكون مقبوال لديه‪ ،‬وقد يكون مرفوضا‪ .‬ولكن المشكلة‪ ،‬بالنسبة لمن‬
‫ال يرفض الهوية اإلسالمية جملة‪ ،‬أنه ال يعرف ما سوف تؤدي له‪ ،‬كما أنه ال يعرف كل خياراتها‬
‫الممكنة‪ ،‬واحتماالت حدوثها‪ .‬وهذا ما جعل من يخشى من بعض تطبيقات الهوية اإلسالمية‪ ،‬يبدو في كثير‬
‫من األحيان كمن يخشى من الهوية اإلسالمية كلها‪.‬‬
‫هنا ربما تنقسم الكتل المسيحية والكتل العلمانية‪ ،‬ففي كل منها من يخشى الهوية اإلسالمية كلها‪،‬‬
‫ويرفضها كلها‪ ،‬وفيها أيضا من يخشى من بعض التصورات اإلسالمية‪ ،‬التي يراها متشددة أو متطرفة‪.‬‬
‫ولكن غالب الكتل المسيحية والكتل العلمانية‪ ،‬ليس لديها تصورات أو توقعات‪ ،‬عن ما يمكن أن ينتج من‬
‫خيارات الهوية اإلسالمية في المستقبل‪ .‬وغالب تلك الكتل‪ ،‬لديها تصور بأن كل الخيارات ممكنة‬
‫ومحتملة‪ ،‬حتى أشد الخيارات تشددا أو تطرفا‪ .‬وأغلب تلك الكتل أيضا‪ ،‬لديها تصور أنه حتى مع ظهور‬
‫خيارات معتدلة ومقبولة‪ ،‬فإن احتمالية ظهور الخيارات التي تراها متطرفة‪ ،‬يظل احتماال قائما‪ ،‬مما يعني‬
‫أن مخاوف تلك الكتل لن تنتهي بظهور تصورات إسالمية معتدلة وتحققها عمليا‪ ،‬حيث يبقى احتمال‬
‫ظهور التصورات المتطرفة محتمال‪.‬‬
‫لهذا السبب يصعب تبين الفاصل بين من يرفض الهوية اإلسالمية‪ ،‬ومن يرفض بعض التصورات‬
‫التي قد تنسب لها‪ .‬فعمليا من يخشى من الهوية اإلسالمية ويرفضها‪ ،‬ومن يرفض بعض التصورات‬
‫المتطرفة دون أن يرفض الهوية اإلسالمية‪ ،‬كالهما يقف في نفس المربع الرافض للخيارات الشعبية‬
‫الحرة‪ .‬ألن من ال يرفض الهوية اإلسالمية كلها‪ ،‬ولكن يخشى من تصورات متطرفة تخرج منها‪ ،‬يعتقد‬
‫أنه إذا ترك األمر لإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬فإن احتمال ظهور تصورات متطرفة قائم‪ ،‬وربما غالب أيضا‪.‬‬
‫مما يعني أن من يخشى من التطرف فقط‪ ،‬يعتقد أن اإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬يمكن أن تختار هذا التطرف‪،‬‬
‫و من يخشى من الهوية اإلسالمية عامة‪ ،‬فإنه يدرك أيضا أن خيارات اإلرادة الشعبية الحرة سوف تنتج‬
‫هوية إسالمية‪.‬‬
‫أما الكتل الممثلة ألنصار النظام السابق‪ ،‬فهي في الواقع تختلف في مخاوفها‪ ،‬ولكن يجمعها‬
‫الخوف من ما ينتجه التغيير‪ ،‬والحقيقة أن التغيير ال يمكن أن يؤدي إلى إقصاء كتل اجتماعية كاملة‪ ،‬مما‬
‫يعني أن مخاوف الكتل المؤيدة للنظام السابق مرحلية‪ .‬ونقصد هنا الكتل االجتماعية‪ ،‬التي مثلت شبكات‬
‫عالقات اجتماعية واسعة‪ ،‬ارتبطت مصلحيا بالنظام السابق‪ ،‬خاصة العائالت والقبائل‪ .‬مما يعني أن كتل‬
‫أنصار النظام السابق‪ ،‬سوف تتفكك في النهاية‪ ،‬حسب موقفها من الهوية اإلسالمية‪ ،‬وخيارات عامة‬
‫الناس‪ .‬وكل كتل النظام السابق‪ ،‬التي ال تخشى من الهوية اإلسالمية‪ ،‬سوف تغيب مخاوفها‪ ،‬بعد غياب‬
‫الخوف من التغيير‪ ،‬وكل كتل النظام السابق المؤيدة للتوجه العلماني‪ ،‬سوف تتجمع مع المتخوفين من‬
‫خيارات عامة الناس‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫فبراير ‪3102‬‬

‫خريطة الخوف بعد الثورة‬
‫الخروج من الخوف‬

‫تختلف مكونات المجتمع‪ ،‬وبالتالي تختلف اتجاهاتها ومواقفها‪ ،‬ويختلف شعورها بالخوف في‬
‫مرحلة ما بعد الثورة‪ .‬فالقوى اإلسالمية‪ ،‬وكلما تقدمت المسيرة لألمام‪ ،‬يتضاءل خوفها‪ ،‬ألن هذا الخوف‬
‫تركز أساسا على الخوف من عرقلة الثورة‪ ،‬وعرقلة الوصول للمستقبل الجديد‪ .‬لذا فمخاوف الكتل‬
‫اإلسالمية تزداد‪ ،‬مع كل محاولة عرقلة‪ ،‬وتقل مع كل تقدم نحو االستقرار‪ .‬والمشكلة أن محاوالت العرقلة‬
‫لم تعد تحدث من أنصار النظام السابق فقط‪ ،‬بل من الكتل االجتماعية األخرى‪ ،‬سواء العلمانية أو‬
‫المسيحية‪.‬‬
‫وفي المقابل سوف نجد أن الكتل العلمانية والمسيحية‪ ،‬تزداد مخاوفها مع استمرار مسيرة االنتقال‬
‫إلى النظام السياسي الجديد‪ ،‬ومع الدخول في مرحلة االستقرار‪ ،‬وربما تقل مخاوفها‪ ،‬كلما بدى أن المرحلة‬
‫االنتقالية تعود للمربع األول مرة أخرى‪ .‬وكأن كل ما تم يمكن أن يعاد بناءه من جديد‪.‬‬
‫أما الكتل المؤيدة للنظام السابق‪ ،‬فهي تريد الوقوف في المربع األول‪ ،‬حتى تعرف موضعها في‬
‫المستقبل‪ ،‬وكلما تقدمت المسيرة إلى األمام‪ ،‬تشعر تلك الكتل بأنها قد تواجه أوضاعا تؤثر سلبا على‬
‫مصالحها‪ .‬ولكن كلما بدى لتلك الكتل أنها قادرة على المشاركة في المستقبل الجديد‪ ،‬فإن مخاوفها تتراجع‪،‬‬
‫ويتحدد موقفها الجديد‪ ،‬ال على أساس ارتباطها بالنظام السابق‪ ،‬بل على أساس موقفها السياسي‪.‬‬
‫وهنا يجب التمييز بين الكتل التي ناصرت النظام السابق‪ ،‬ورموز النظام‪ ،‬ألن رموز النظام في‬
‫كل األحوال لديهم رفض كامل للثورة‪ ،‬ولن يتغير‪ ،‬ولكن الكتل التي شاركت النظام السابق أو استفادت‬
‫منه‪ ،‬فهي جزء من نسيج المجتمع‪ ،‬ويمكنها فصل نفسها عن النظام السابق بعد تأمين مصالحها‪.‬‬
‫وهذا ما يجعل تحقق خيارات اإلرادة الشعبية الحرة عمليا‪ ،‬والوصول إلى النقطة التي ال يمكن‬
‫الرجوع عنها‪ ،‬سببا في تضاؤل العديد من المخاوف لدى كتل واسعة في المجتمع‪ .‬فمع ظهور ترتيبات‬
‫النظام السياسي الجديد‪ ،‬واألوضاع االجتماعية الجديد‪ ،‬يتضاءل الخوف لدى الكتل اإلسالمية وكتل أنصار‬
‫النظام السابق‪ .‬وتبقى المشكلة المزمنة‪ ،‬في مخاوف الكتل العلمانية والكتل المسيحية‪ ،‬والتي ترفض الهوية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬أو تخشى من بعض التصورات اإلسالمية التي تراها متشددة‪ ،‬وتتوقع ظهورها‪ .‬فهذه الكتل‬
‫يتعلق خوفها بمستقبل بعيد نسبيا‪ ،‬فهي ال تخشى فقط من ما يظهر في المرحلة االنتقالية‪ ،‬وال ما يظهر‬
‫بعدها‪ ،‬بل تخشى من ما يمكن أن يظهر بعد استقرار النظام السياسي الجديد‪ ،‬وتحقيق التنمية والتقدم‪،‬‬
‫ورسوخ جذور الدولة الجديدة‪.‬‬
‫وتلك مشكلة من لديه مخاوف من المجهول‪ ،‬فهو ال يستطيع الخروج من تلك المخاوف‪ ،‬قبل أن‬
‫يرى هذا المجهول‪ ،‬وقبل أن يتحقق هذا المجهول عمليا‪ ،‬ويعايشه ويعرفه ويتأكد منه‪ .‬وعندئذ‪ ،‬سوف‬
‫يتغير موقفه‪ ،‬إما إلى قبول هذا المجهول ألنه لم يكن يستحق الخوف‪ ،‬وألنه مقبول فعال‪ ،‬أو رفض لهذا‬
‫الواقع المتحقق‪ ،‬تصديقا للمخاوف التي كانت‪ ،‬بعد أن يثبت أن تلك المخاوف كانت في محلها‪ ،‬وأن‬
‫المستقبل المجهول يحمل فعال مخاطر بالنسبة له‪ ،‬تأكدت بالفعل‪.‬‬
‫لهذا فغالب الكتل العلمانية والمسيحية‪ ،‬تحمل مخاوفها عبر مختلف المراحل‪ ،‬قبل أن يظهر المنتج‬
‫النهائي للثورة‪ ،‬والذي تخشى منه‪ ،‬وتحاول عدم الوصول له‪ ،‬وتحاول أيضا تحويل المسار بعيدا عنه‪،‬‬
‫وترى أن عدم تحققه في كل األحوال أفضل‪ ،‬حتى وإن كان مازال مجهوال وله العديد من االحتماالت‪.‬‬
‫‪01‬‬

‫فبراير ‪3102‬‬

‫خريطة الخوف بعد الثورة‬
‫خوف ما بعد المرحلة االنتقالية‬

‫هي تلك المرحلة األخيرة من مخاوف ما بعد الثورة‪ ،‬حيث ينقسم المجتمع إلى معسكر من يتوجه‬
‫للمستقبل‪ ،‬ومن يريد تعطيل المستقبل‪ ،‬ومن يريد استكمال المسار‪ ،‬ومن يريد البقاء في المربع األول‪ ،‬أو‬
‫حتى المربع صفر‪ ،‬ومن يريد حماية استكمال المسيرة‪ ،‬ومن يريد ضمان إيقاف المسيرة‪ ،‬أي بين من‬
‫يتعلق بالمستقبل‪ ،‬ومن يفضل الحاضر‪ .‬وهذا هو جوهر األزمة التي تعانيها مجتمعات الربيع العربي‪ ،‬بعد‬
‫أن تصل إلى مشارف انتهاء المرحلة االنتقالية‪ ،‬وبعد أن تدخل في مرحلة ما بعد المرحلة االنتقالية‪،‬‬
‫وتصبح داخل النظام السياسي الجديد‪.‬‬
‫فبعد العبور لمرحلة جديدة‪ ،‬تبدأ الكتل االجتماعية في التوزع حسب موقفها من المستقبل فقط‪ ،‬بين‬
‫من يريد العبور للمستقبل‪ ،‬ومن يفضل الحاضر على ما فيه‪ ،‬أي بين من يتشوق لمستقبل جديد‪ ،‬ومن يرى‬
‫أن الحاضر مألوف ومضمون‪ ،‬أي بين من يرى أن المستقبل مضمون العواقب‪ ،‬ومن يرى أنه غير‬
‫مضمون العواقب‪.‬‬
‫وتلك الحالة من الخوف‪ ،‬أي خوف ما بعد المرحلة االنتقالية‪ ،‬تستمر حتى يصبح ذاك المستقبل‬
‫المنشود أو المجهول‪ ،‬حاضرا بما ال يدع مجاال للشك‪ ،‬وال يصبح بعده احتماالت لتغيير آخر مستقبلي‪.‬‬
‫وهنا تنتهي المخاوف‪ ،‬وتبدأ المعركة حول الواقع الجديد الذي تشكل‪ ،‬بين من يقبل هذا الواقع‪ ،‬ومن‬
‫يرفضه‪ ،‬معركة بال مخاوف‪ ،‬ألنها حول واقع متحقق‪ ،‬ولكنها في النهاية معركة تقبل الواقع‪ ،‬الذي تشكل‬
‫وأصبح حقيقة تاريخية‪ .‬ومن ظل يخاف من ذلك الواقع‪ ،‬ومن رفضه عندما تحقق‪ ،‬سوف يصعب عليه أن‬
‫يتقبله‪ ،‬مما يجعل معركة تقبل الواقع‪ ،‬واحدة من فصول تشكل مرحلة تاريخية جديدة‪ ،‬حيث تتحدد طبيعة‬
‫المجتمعات‪ ،‬وموضع مكوناتها المختلفة‪.‬‬

‫‪00‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful