‫انتفاضة أمة‬

‫هبوط وصعود الحضارة اإلسالمية‬

‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫‪3102‬‬
‫حقوق الطبع والنشر محفوظة‬
‫للمؤلف‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫تمهيد‬
‫لكل حضارة تاريخها‪ ،‬والذي يتبع قواعدها الداخلية‪ ،‬فالحضارات تسقط وتنهض‪ ،‬تبعا لقواعد‬
‫خاصة بها‪ .‬وكل حضارات العالم تتقدم وتتراجع‪ ،‬تبعا لشروطها الخاصة‪ .‬ولكن كل حضارة أيضا‪،‬‬
‫تتراجع وتتقدم‪ ،‬تبعا ألوضاع الحضارات األخرى‪ ،‬وتبعا ألوضاع العصر‪ ،‬والتفاعل الحادث بينها وبين‬
‫الحضارات األخرى‪ .‬فال توجد حضارة بمعزل عن التأثر بالحضارات األخرى‪ ،‬أو بمعزل عن مالمح‬
‫العصر وأوضاعه‪.‬‬
‫ولكن التفاعل بين الحضارات‪ ،‬ينتج أيضا من العالقات السياسية‪ ،‬ويتأثر بالقوة العظمى‪ ،‬كما‬
‫يتأثر بمحاوالت بعض القوى فرض هيمنتها على العالم‪ ،‬أو على منطقة منه‪ .‬فتاريخ صعود وسقوط‬
‫الحضارات‪ ،‬يرتبط أيضا بتاريخ االستعمار والتحرير‪ .‬فاالستعمار يسقط حضارات‪ ،‬والتحرير يعيدها مرة‬
‫أخرى‪ ،‬ويفتح الباب أمامها للنهوض‪.‬‬
‫والعالم كله ينتقل من مرحلة إلى أخرى‪ ،‬ولكل مرحلة تميزها الناتج عن مالمح العصر‪ ،‬والتي‬
‫تنتج من المعارف والوسائل والتطبيقات العلمية والصناعية‪ ،‬لتشكل ما هو متوفر ومتاح وسائد في عصر‬
‫معين‪ .‬وتتأثر الحضارات بما هو سائد في العصر‪ ،‬وتؤدي بعض التحوالت إلى ظروف تعرقل نهوض‬
‫حضارة ما‪ ،‬كما تؤدي تحوالت أخرى إلى ظروف تالئم نهوض تلك الحضارة‪.‬‬
‫وال يمكن لقيام ونهوض حضارة أن يحدث دون أن يؤثر على غيره من الحضارات‪ ،‬سواء‬
‫مباشرة أو بصورة غير مباشرة‪ .‬فالعالم يتفاعل ويتأثر بالمراكز النسبية لكل حضارة‪ ،‬وعندما تصعد‬
‫حضارة أو تسقط‪ ،‬يتأثر العالم بما يحدث‪ ،‬وتتأثر الحضارات األخرى كذلك‪ .‬ومعنى السقوط والهبوط‬
‫يتغير من زمن آلخر‪ ،‬فبعد أن كان سقوط حضارة مرادفا الختفائها في الزمن الماضي‪ ،‬أصبح السقوط‬
‫والصعود نسبيا‪ .‬لذا فصعود حضارة ما‪ ،‬يقاس بموضعها في العالم مقارنة بالحضارات األخرى‪ ،‬وقوتها‬
‫النسبية مقارنة بالحضارات األخرى‪.‬‬
‫وقصة الحضارة هي قصة الشعوب واألمم‪ ،‬فالحضارة ال توجد إال في محيط اجتماعي يعبر عنها‬
‫ويؤمن بها‪ ،‬وتمثل الحضارة المنتج اإلنساني للشعب أو األمة‪ .‬فهي ليست مجرد فكرة أو فلسفة‪ ،‬ولكنها‬
‫الرؤية المتحققة عمليا على األرض لشعب من الشعوب أو أمة من األمم‪ .‬فالحضارة هي المنجز اإلنساني‪،‬‬
‫والتراجع الحضاري‪ ،‬هو تراجع المنجز اإلنساني لشعب أو أمة‪ ،‬والنهوض هو نهوض وتقدم المنجز‬
‫اإلنساني لشعب أو أمة‪ .‬وعندما تتراجع أمة‪ ،‬تصبح ضعيفة وتقع تحت هيمنة القوى الكبرى‪ ،‬وال تستطيع‬
‫تح قيق ما تريد في الحياة‪ ،‬وال تستطيع تحقيق النهوض والتقدم‪ .‬وتصبح األمة في حالة تراجع‪ ،‬وتصبح‬
‫حضارتها بالتالي في حالة تراجع‪.‬‬
‫وفي الحضارة الناهضة تتحقق في واقع الشعب أو األمة القيم العليا التي يؤمن بها‪ ،‬أي أنه يحقق‬
‫ذاته وقيمه‪ ،‬ويطبق رؤيته وفكره‪ .‬وعندما تتراجع الحضارة‪ ،‬ال يتمكن الشعب أو األمة من تحقيق قيمه في‬
‫الواقع بالصورة المثالية‪ ،‬بل وتتراجع تلك القيم عن الفعل والتحقق‪ ،‬وتظهر القيم المتنحية في تلك‬
‫الحضارة وتسود‪ .‬فالحضارة المتقدمة هي التي تسود فيها قيمها السائدة واألساسية‪ ،‬والحضارة المتراجعة‬
‫هي التي تسود فيها القيم المتنحية وغير األساسية‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫فصورة الحضارة المتراجعة تكاد تكون عكس صورتها في حالة التقدم‪ .‬فالنهضة عكس التراجع‪،‬‬
‫وحالة الحضارة في زمن النهوض عكس حالها في زمن السقوط والتردي‪.‬‬
‫لكل حضارة إذن‪ ،‬مسار في التاريخ‪ ،‬وهو جزء من مسار التاريخ الحضاري للبشرية‪ .‬وهو مسار‬
‫م تفاعل مع حالة العالم والحضارات األخرى‪ ،‬كما أنه نتاج حالة الحضارة من داخلها‪ ،‬وحالة شعبها أو‬
‫شعوبها‪ ،‬أو حالة أمتها‪ .‬فاألسباب المشكلة لمسار الحضارة تأتي من داخلها أوال‪ ،‬ولكنها تتأثر كثيرا‬
‫بالعوامل الخارجية‪ .‬ويصبح التفاعل بين العوامل الداخلية والعوامل الخارجية‪ ،‬مشكال لمشهد التحوالت‬
‫الحضارية التاريخية‪ ،‬والتي تشكل وتصنع مستقبل الحضارة‪.‬‬
‫لذا يصبح من المهم فهم القواعد الحاكمة لمسار الحضارة‪ ،‬والعوامل المؤثرة عليها من خارجها‪،‬‬
‫والتفاعل الحادث بين الحضارات‪ ،‬حتى نعرف مسار حضارة ما في المستقبل‪ .‬وسؤال الحضارة يلخص‬
‫سؤال المستقبل‪ .‬فمصير الحضارة ومستقبلها يشرح أوضاع األمة ونظامها السياسي وحالة تقدمها العلمي‬
‫والتقني‪ ،‬ومستوى حياة الناس‪ ،‬وحالة نظامها وقيمها ومبادئها‪ ،‬ودورها العالمي‪ ،‬وعالقتها بغيرها من‬
‫الشعوب واألمم‪ ،‬أو عالقتها بغيرها من الحضارات‪.‬‬
‫فسؤال الحضارة ليس فرعا من سؤال المستقبل‪ ،‬بل هو السؤال الرئيس فيه‪ .‬ومستقبل الحضارة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬ليس فرعا من مستقبل األمة اإلسالمية‪ ،‬ولكنه السؤال المركزي الذي يشرح مستقبل األمة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وإلى أين تتجه؟ وفي عالم اليوم والذي تتصادم فيه المصالح والحضارات‪ ،‬وتتصادم فيه‬
‫التوجهات والمواقف‪ ،‬والذي يشهد حالة من االضطراب وعدم االستقرار‪ ،‬نجد أن األمة اإلسالمية‬
‫ومحيطها الجغرافي تمثل بؤرة التفاعالت العالمية‪ ،‬ومركز األحداث الكبرى‪ ،‬ومنطقة الصراع‬
‫واالضطراب‪ .‬لذا فإن مستقبل الحضارة اإلسالمية‪ ،‬هو مستقبل األمة اإلسالمية‪ ،‬وهو جزء مركزي من‬
‫مستقبل العالم‪ ،‬به وعليه تتشكل مرحلة تاريخية جديدة من تاريخ البشرية‪ .‬فكل مرحلة من تاريخ البشرية‬
‫تشكلها أوضاع األمم والشعوب‪ ،‬وحالة كل الحضارات‪ ،‬فتكتسب مالمحها الخاصة‪ .‬ففي القرون الماضية‪،‬‬
‫وحتى بداية األلفية الثالثة‪ ،‬كنا في عصر الحضارة الغربية‪ ،‬والقيم المادية‪ ،‬والعلمانية الفلسفية والفكرية‪،‬‬
‫ألن القوة الغربية كانت هي الناهضة‪ ،‬وهي التي استعمرت العالم أو أغلبه‪ ،‬وفرضت هيمنتها السياسية‬
‫والحضارية عليه‪ .‬وأصبح علينا أن نسأل عن المرحلة التالية لذلك‪ ،‬وكل الشواهد تؤكد على أن المرحلة‬
‫التالية‪ ،‬أيا كانت‪ ،‬تتشكل داخل الحزام الجغرافي لألمة اإلسالمية‪ ،‬باعتباره قلب العالم ومنطقة الصراع‪.‬‬
‫فالمنطقة اإلسالمية تبدو وكأنها الجائزة الكبرى‪ ،‬أو الساحة المركزية‪ ،‬فمنها يتحقق للقوى‬
‫المهيمنة غلبتها‪ ،‬وتتأكد سطوتها‪ ،‬وفيها تهزم القوى العظمى فتتآكل قوتها‪ ،‬وتتغير مكانتها‪ ،‬ويتبدل حال‬
‫العالم‪ .‬ففي المنطقة اإلسالمية‪ ،‬تنهض حضارات وتسقط حضارات‪ ،‬فهي منطقة القلب والمركز‪ ،‬والتي‬
‫تشهد كل تحوالت التاريخ الحضاري اإلنساني‪ .‬والحضارة اإلسالمية عندما تنهض تغير وجه العالم‪،‬‬
‫وعندما تسقط تغير وجه العالم أيضا‪ .‬فيصبح مسار التاريخ الحضاري اإلسالمي‪ ،‬شاهدا على مسار‬
‫التاريخ الحضاري اإلنساني‪ ،‬وجزء مركزيا منه‪ .‬وهو ثمن تدفعه الحضارة وأمتها‪ ،‬عندما يكون موضعها‬
‫في قلب العالم ووسطه‪.‬‬
‫وعندما نسأل عن مستقبل الحضارة اإلسالمية‪ ،‬ال نسأل فقط عن مستقبل األمة اإلسالمية‪ ،‬بل‬
‫نسأل ضمنا عن مستقبل العالم أيضا‪ .‬ولذا نجد الكل ينظر بحذر وترقب‪ ،‬لما يحدث في العالم اإلسالمي‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫ف هنا تصنع اليوم حالة العالم غدا‪ .‬تلك هي المشكلة إذن‪ ،‬فاألمة اإلسالمية ال تصنع فقط مستقبلها‪ ،‬بل تصنع‬
‫أيضا جزءا مهما من مستقبل العالم‪ ،‬ومستقبل الحضارات األخرى‪ ،‬ليس عن اختيار‪ ،‬ولكن بسبب‬
‫الجغرافية والتاريخ‪ ،‬التي جعلت لكل حضارة موضعا‪ ،‬له دوره وتأثيره‪ ،‬وجعلت من موضع الحضارة‬
‫اإلسالمية في الوسط‪ ،‬دورا أكثر تأثيرا على من حوله‪ .‬والوسط حوله كثير من العالم‪ ،‬وتلك هي القضية‬
‫إذن‪ ،‬التي تشكل العوامل الفاعلة والمؤثرة على مسار الحضارة اإلسالمية في المستقبل‪.‬‬
‫ومع بداية موجة الثورات الشعبية والربيع العربي في المنطقة العربية واإلسالمية‪ ،‬والتي بدأت‬
‫في تونس وانتقلت سريعا إلى مصر وتبعتها ليبيا‪ ،‬ثم إلى العديد من الدول األخرى‪ ،‬بدأت مرحلة‬
‫التغييرات الكبرى في المنطقة‪ ،‬ومعها بدأت مرحلة التغييرات الكبرى في التاريخ العالمي‪ .‬فحركة‬
‫الثورات الشعبية‪ ،‬وحركة االحتجاج الشعبي‪ ،‬تمثل زلزاال شعبيا‪ ،‬يحرك اإلرادة الشعبية من أجل تغيير‬
‫األوضاع القائمة‪ ،‬ويفتح الباب أمام بناء مرحلة حضارية جديدة في المنطقة العربية واإلسالمية‪ .‬والربيع‬
‫العربي‪ ،‬يمثل المرحلة الفاصلة بين التراجع والنهوض الحضاري العربي واإلسالمي‪ ،‬لذا تمثل مرحلة‬
‫الثورة الشعبية وما يعقبها‪ ،‬الحد الفاصل أو الفترة البينية الفاصلة بين منحنى الهبوط ومنحنى الصعود‪،‬‬
‫وهي مرحلة بالغة الداللة‪ ،‬وذات تغييرات سريعة‪ ،‬وتحمل في طياتها مالمح الحد األقصى للهبوط‪،‬‬
‫ومالمح بدايات الصعود‪ .‬وفهم تلك المرحلة‪ ،‬يساعد ضمنا في رسم مالمح المستقبل‪ ،‬ومعرفة مراحل‬
‫التحول من التراجع الحضاري إلى النهوض الحضاري‪ ،‬حيث تتداخل مالمح الهبوط والصعود معا‪ ،‬حتى‬
‫يحسم المسار التاريخي نحو الصعود الحضاري‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫الفصل األول‬
‫دورة التفكك والوحدة‬
‫(‪) 0‬‬
‫األمة تتفكك فتتوحد‬
‫من طبائع األمم والشعوب‪ ،‬نعرف المميزات الحضارية لها‪ ،‬ونعرف أيضا نقاط القوة والضعف‪،‬‬
‫ثم نفهم كيف تتحول نقاط القوة إلى نقطة الضعف‪ ،‬وكيف تتبدل حال الحضارة بين حالتها الناهضة‬
‫وحالتها المتردية‪.‬‬
‫والحضارة اإلسالمية مثلت حضارة للعديد من القوميات والعرقيات‪ ،‬وانتمى لها المختلفون في‬
‫المذهب والمختلفون في الدين‪ .‬وكانت الحضارة اإلسالمية ممثلة لوحدة واسعة‪ ،‬بداخلها تعدد واسع‪.‬‬
‫فأصبحت بالفعل حضارة التنوع في الوحدة‪ .‬وتنوعها كان قوميا وعرقيا ودينيا ومذهبيا‪ ،‬ووحدتها تحددت‬
‫في إطارها الجامع‪ ،‬والمتمثل في مرجعية القيم الحضارية اإلسالمية‪ ،‬والتي تنبع من مرجعية الشريعة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وتصان بها‪ .‬فكانت المرجعية اإلسالمية العليا‪ ،‬هي اإلطار الجامع والمنظم لكل التعدد الداخلي‪.‬‬
‫أما حالة التعدد الداخلي‪ ،‬فأصبحت مصدرا لثراء الحضارة اإلسالمية‪ ،‬ومصدرا لقدرتها على تجديد نفسها‪.‬‬
‫فالحضارة اإلسالمية تتجدد من خالل التنوع والثراء الداخلي‪ ،‬والمتوحد داخل إطار جامع مانع‪ ،‬يتمثل في‬
‫المرجعية اإلسالمية‪ ،‬أي مرجعية الشريعة اإلسالمية‪.‬‬
‫مسار السقوط‬
‫تعرضت األمة اإلسالمية لحالة ضعف داخلي‪ ،‬في نهايات الدولة العثمانية‪ ،‬ولم تكن هي أول‬
‫مرحلة من مراحل الضعف‪ ،‬ولكنها كانت المرحلة التي أعقبها السقوط‪ .‬ففي مراحل الضعف السابقة‪،‬‬
‫جمعت األمة قوتها من جديد‪ ،‬وامتلكت قدرتها على التجديد الداخلي‪ ،‬وفادها التنوع الداخلي‪ ،‬الذي يسمح‬
‫بظهور فئة أو جماعة فتية‪ ،‬تعوض ضعف فئة أو جماعة أخرى‪ .‬وكان كل تجديد أعاد لألمة صعودها‬
‫وتقدمها‪ ،‬حدث في ظل وحدتها‪ ،‬والمتمثلة في وحدة المرجعية‪ ،‬والتزام األمة بقيمها وشريعتها‪ .‬وظل‬
‫اإلطار المرجعي الحضاري الجامع‪ ،‬هو مصدر قدرة األمة على تجديد نفسها من داخلها‪ ،‬ألن هويتها‬
‫كانت حاضرة‪ ،‬والمرجعية كانت فاعلة‪.‬‬
‫ولكن عندما ضعفت الدولة العثمانية‪ ،‬وأسقطت الخالفة‪ ،‬ثم أسقطت المرجعية الحضارية العليا‪،‬‬
‫والهوية الجامعة لألمة‪ ،‬وأسقطت مرجعية الشريعة اإلسالمية‪ ،‬تحطم اإلطار الجامع لألمة‪ .‬وعندما غابت‬
‫الوحدة‪ ،‬لم يبقى إال التنوع‪ .‬ولم تستطع األمة تجديد نفسها مرة أخرى‪ ،‬ألنها فقدت الرباط الجامع‪ ،‬وفقدت‬
‫مصدر قوتها‪ ،‬ولم تعد تمثل التنوع في إطار الوحدة‪ ،‬بل أصبحت تمثل التنوع بدون إطار الوحدة‪.‬‬
‫التنوع والتفكك‬
‫بدون اإلطار الجامع أصبح التنوع نوعا من التفكك‪ ،‬فتعدد القوميات واألعراق‪ ،‬صار سببا في‬
‫تفكك األمة‪ .‬ولم يكن هذا التفكك نابعا من داخل األمة فقط‪ ،‬بل كان أيضا وسيلة االستعمار الغربي للهيمنة‬
‫‪5‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫على األمة اإلسالمية‪ .‬لذا أصبح تصنيع التفكك عمال منظما‪ ،‬يراد به تفكيك األمة‪ .‬وألن اإلطار الجامع‬
‫لألم ة لم يعد فاعال في حياتها‪ ،‬لذا تفككت قوميات وأوطان األمة‪ .‬ولم تعد تمثل تنوعا في إطار الوحدة‪ ،‬بل‬
‫أصبحت تمثل تنوعا متناقضا‪ ،‬يضعف األمة ويهدر طاقاتها‪.‬‬
‫وتحولت نقطة القوة األساسية في األمة اإلسالمية‪ ،‬إلى نقطة الضعف‪ .‬فالتنوع في إطار الوحدة‬
‫مثل نقطة قوة للحضارة اإلسالمية‪ ،‬ولكن مع غياب اإلطار الجامع‪ ،‬تحول التنوع إلى نقطة الضعف‪،‬‬
‫والتي تساعد على إبراز عوامل الضعف الداخلي‪ ،‬كما تساعد قوى االستعمار والهيمنة الخارجية على‬
‫تحقيق سياستها القائمة على تجزئة األمة اإلسالمية‪ ،‬حتى يسهل الهيمنة عليها‪.‬‬
‫بهذا تشكل المسار الهابط للحضارة اإلسالمية‪ ،‬متمثال في تفكك الروابط التي تربط بين أوطان‬
‫األمة اإلسالمية‪ ،‬فبدأت دائرة االنتماء للجامعة اإلسالمية تضعف‪ ،‬وتبرز دوائر االنتماء األخرى تدريجيا‪،‬‬
‫فتظهر دائرة االنتماء العربي والمصري‪ ،‬وغيرها‪ .‬وهي تمثل مرحلة النزول من االنتماء العام إلى‬
‫الخاص‪ .‬وقد فرض تحدي االستعمار في البداية التركيز على الدوائر الصغرى‪ ،‬فلم يكن من الممكن‬
‫التفكير في تحرير أوطان األمة‪ ،‬قبل تحرير كل وطن منها‪ .‬وهكذا ظهرت نزعات التحرر الوطني‪ ،‬ولم‬
‫تكن كلها على حساب االنتماء العام‪ ،‬ولكنها كانت محصورة في االنتماء القومي والوطني‪ ،‬ألن بدونه ال‬
‫يمكن تحرير كل األمة اإلسالمية‪ .‬ولكن مسار التفكك كان يتعمق تدريجيا‪ ،‬فتبدأ دوائر االنتماء في الضيق‬
‫تدريجيا‪ ،‬وتتحول الدائرة القومية إلى بديل عن الدائرة الحضارية اإلسالمية تدريجيا‪.‬‬
‫الضيق المتتالي‬
‫إذا نظرنا إلى تجربة القومية العربية‪ ،‬نجد أنها تشكلت كفكرة منفصلة عن الدائرة اإلسالمية‪ ،‬مما‬
‫جعلها فكرة قومية‪ ،‬ال تمتد بجذورها في التاريخ الحضاري لألمة‪ ،‬حتى باتت معادية لالنتماء اإلسالمي‬
‫في النهاية‪ .‬ومع تقلص دائرة االنتماء من الدائرة اإلسالمية‪ ،‬إلى الدائرة العربية‪ ،‬توالت مراحل تضييق‬
‫الهوية بعد ذلك‪ ،‬حتى صارت القومية القطرية هي السائدة‪ .‬ومعنى هذا أن فقدان الرابط الجمعي األساسي‪،‬‬
‫يجعل دائرة االنتماء تضييق تدريجيا وتنحصر بصورة متتالية‪ ،‬ألن الرابط العام لالنتماء لم يعد فاعال‪ .‬فلم‬
‫تستطع فكرة القومية العربية المحافظة على أي إطار جامع لها‪ ،‬ولم تكفي الرابطة القومية للحفاظ على‬
‫االنتماء العربي‪ ،‬بل ظل االنتماء العربي يضيق‪ ،‬حتى ضاعت الرابطة القومية العربية‪ ،‬وحلت مكانها‬
‫الرابطة القومية القطرية‪.‬‬
‫هنا يتضح أن لكل أمة طبيعتها‪ ،‬فاألمة اإلسالمية ليست أمة قومية‪ ،‬وال تستند على القومية‪ ،‬وال‬
‫تقوى بالقومية‪ ،‬فأصبحت القومية تضعفها‪ ،‬كما أصبحت الدائرة القومية‪ ،‬مثل الدائرة العربية‪ ،‬ضعيفة‬
‫وغير قابلة للصمود والبقاء‪ .‬فلم تحل الرابطة العربية مكان الرابطة اإلسالمية‪ ،‬ألنها لم تنجح في تثبيت‬
‫رابطتها بين الشعوب‪ .‬فقد كانت رابطة مستمدة من التاريخ‪ ،‬ولكنها لم تحمل قيم التاريخ‪ .‬فلم تكن القومية‬
‫العربية‪ ،‬إال مشرو عا علمانيا قائما على تقليد النمط القومي الغربي‪ ،‬ولو كانت القومية العربية قائمة على‬
‫الميراث الحضاري العربي‪ ،‬وتستمد قيمها من الرابطة الحضارية العربية‪ ،‬لكانت تحولت إلى رابطة‬
‫عربية بداخل الرابطة اإلسالمية‪ ،‬ولكن عزل الرابطة العربية عن التاريخ‪ ،‬حتى تتشكل كرابطة قومية ال‬
‫ترتبط بالقيم الدينية‪ ،‬جعل الرابطة القومية العربية نبتا غريبا لم يصمد‪ ،‬فتصدعت الرابطة القومية العربية‬
‫وتفككت‪.‬‬
‫‪6‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫وتأكد هنا مسار الهبوط الحضاري لألمة اإلسالمية‪ ،‬فهي في مرحلة التراجع تندفع نحو المزيد‬
‫من التفكك‪ ،‬ويساعد على ذلك التدخل الخارجي والهيمنة واالستعمار‪ ،‬والذي يقوم على سياسة فرق تسد‪.‬‬
‫ولكن العوامل الداخلية أيضا تساهم في عملية التصدع والتراجع‪ ،‬وتتضاءل فرص استعادة وحدة األمة‪،‬‬
‫وتستمر في طريق التفكك‪.‬‬
‫وتتفكك الروابط القومية الكبرى‪ ،‬وتحل محلها الروابط القومية الصغرى‪ .‬وهكذا تطل القومية‬
‫المصرية‪ ،‬لتحل محل القومية العربية‪ ،‬وتنحصر القوميات األخرى داخل حدود الدولة القومية القطرية‪،‬‬
‫ويتراجع االنتماء العابر للقومية والقطرية‪ ،‬ويحل محله االنتماء القطري الضيق‪ .‬ولكن هذا االنتماء أيضا‪،‬‬
‫ال يستند على مرجعية حضارية‪ ،‬وليس له جذوره التاريخية الحضارية الصلبة‪ ،‬فهو انتماء يقوم على‬
‫تفكيك الروابط التاريخية الحضارية‪ ،‬ويستند على التبعية للغرب‪ ،‬وإعادة إنتاج النموذج الغربي السياسي‪.‬‬
‫ويصبح االنتماء القومي القطري بال جذور تمكنه من البقاء‪ ،‬فهو حالة تفكك‪ ،‬وليس حالة أصيلة‪ .‬وهنا‬
‫تتضح المشكلة أكثر‪ ،‬فالقومية والقطرية لم تستطع أن تمثل بديال حضاريا جديدا‪ ،‬بل ظلت حالة تراجع‪،‬‬
‫وظلت تمثل حالة الضعف والتبعية‪.‬‬
‫ويستمر التفكك‪ ،‬فبعد القومية القطرية‪ ،‬يتفكك الوطن الواحد‪ ،‬وكأن سلسلة التفكك ال تنتهي‪ .‬فلم‬
‫تشيد الدولة القومية القطرية رابطة انتماء قوية‪ ،‬بل أصبحت تلك الدولة نتاج الضعف والتراجع‪ ،‬وسرعان‬
‫ما أصا بها التفكك أيضا‪ .‬ودخلت البالد العربية واإلسالمية في مرحلة تفكك الوطن الواحد‪ ،‬وهي قد تكون‬
‫المرحلة األخيرة في التراجع الحضاري‪ .‬فعندما يتفكك الوطن الواحد والمجتمع الواحد‪ ،‬وتبدأ مرحلة‬
‫الصراعات الداخلية‪ ،‬ومرحلة الحرب األهلية والفتن الداخلية‪ ،‬تصل األمة إلى أقصى درجات التفكك‪.‬‬
‫وتفشل الدول القومية القطرية في الحفاظ على وحدة جماعتها ومجتمعها‪ ،‬أو وحدتها القومية‪ ،‬ويتضح أن‬
‫القومية ليست رابطة قوية تجمع‪ ،‬بل هي رابطة تفرق‪ .‬ويتضح أن القومية بالنسبة لألمة اإلسالمية‪ ،‬نوع‬
‫من العصبية التي تضييق باستمرار حتى تصل إلى أضيق دائرة‪ ،‬فتفكك المجتمعات‪ .‬فبعد تفكك األمة إلى‬
‫أوطان‪ ،‬يتفكك الوطن الواحد إلى جماعات‪ ،‬وتصل األمة إلى المرحلة األخيرة في التفكك‪.‬‬
‫الحرب األهلية‬
‫مع سقوط دوائر االنتماء الفرعية بصورة متتالية‪ ،‬والوصول إلى أضيق دائرة قطرية‪ ،‬ثم تفكك‬
‫تلك الدائرة بعد ذلك‪ ،‬يتضح أن كل دوائر االنتماء المصطنعة‪ ،‬وأيضا دوائر االنتماء البديلة‪ ،‬والتي تحل‬
‫محل االنتماء العام األساسي لألمة‪ ،‬تنهار بفعل عدم مصداقيتها‪ ،‬وعدم قدرتها على تحقيق انتماء قوي‬
‫مترابط‪ .‬ومع السقوط المتتالي لدوائر االنتماء‪ ،‬تسقط أيضا المشاريع السياسية المرتبطة بها‪ ،‬حتى باتت‬
‫المشاريع القومية تتساقط واحدة بعد األخرى‪.‬‬
‫ويعد مسار السقوط المتتالي لدوائر االنتماء‪ ،‬ممثال لقاعدة مهمة في مسار الحضارة اإلسالمية‪،‬‬
‫فهو نوع من الرفض التلقائي الضمني لكل انتماء بديل عن االنتماء الجامع‪ ،‬وهو أيضا يؤكد فشل الحلول‬
‫البديلة‪ ،‬ويعيد أهمية الحل األصيل‪ ،‬أي االنتماء العام للمرجعية الحضارية اإلسالمية‪ .‬لذا فإن تفكك‬
‫المجتمع الواحد‪ ،‬ليس في حقيقته تدميرا لالنتماء اإلسالمي العام‪ ،‬بل هو تفكيك لالنتماءات القومية‬
‫والقطرية البديلة‪ .‬فبعد تفكيك االنتماء اإلسالمي‪ ،‬وقيام انتماءات أخرى بديلة‪ ،‬بدأت هذه االنتماءات في‬
‫‪7‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫التفكك‪ ،‬ومعها تتفكك مشاريعها السياسية‪ ،‬القومية والقطرية والعلمانية‪ .‬وما تمر به األمة في مرحلة‬
‫التفكيك العميق‪ ،‬هو عملية إفشال تلقائي لالنتماءات البديلة‪.‬‬
‫وعندما تشتعل الحروب األهلية‪ ،‬أو الحروب شبه األهلية‪ ،‬تدخل األمة في مرحلة تفكيك البدائل‬
‫الدخيلة عليها‪ .‬وتظهر مرحلة فشل القوميات والهويات التي استخدمت لضرب الهوية اإلسالمية الجامعة‪.‬‬
‫ورغم شدة التفكك الحادثة‪ ،‬إال أنها تمهد األرض لعودة الهوية األصلية‪ ،‬بما يحدث من إزالة آلثار الهويات‬
‫البديلة‪ .‬فبعد أن كانت الهوية العربية بديال عن الهوية اإلسالمية‪ ،‬سقطت الهوية العربية‪ ،‬ولم تعد قادرة‬
‫على البقاء واالستمرار بدون السند اإلسالمي‪ .‬وأيضا بعد سقوط الهوية العربية‪ ،‬وقيام الهوية القومية مثل‬
‫المصرية‪ ،‬تسقط الهوية المصرية‪ ،‬ويثبت أنها غير قادرة على البقاء‪ ،‬بدون السند العربي واإلسالمي‪.‬‬
‫العودة إلى الجماعات‬
‫المسار الحالي لتاريخ األمة اإلسالمية‪ ،‬يؤكد على أننا في مرحلة العودة إلى الجماعات الصغيرة‬
‫الضيقة‪ ،‬والتي تستند إلى هوية قومية خاصة بها‪ .‬والجماعات الصغيرة‪ ،‬تمثل أقل دائرة متجانسة‪ ،‬وليس‬
‫بها تعدد داخلي‪ ،‬بل هي التي تمثل عناصر التعدد على مستوى الوطن الواحد‪ ،‬وبالتالي على مستوى‬
‫األمة‪ .‬فالمكونات المتعددة التي شكلت األمة‪ ،‬تميل اآلن إلى االنفصال‪ ،‬حتى نصل إلى مرحلة التفكك‬
‫الكامل‪ .‬وفيه ال نجد مجتمعا متجانسا‪ ،‬فكل مجتمع يتفكك إلى مكوناته‪ ،‬كما تفككت األمة إلى مكوناتها‪ .‬عند‬
‫هذه المرحلة سوف يصبح الحديث عن الوطن‪ ،‬حديث خياليا أو افتراضيا‪ .‬ويصبح الحديث عن المجتمع‬
‫الواحد‪ ،‬حديثا غير واقعي‪ .‬وبهذا تعود األمة‪ ،‬لتصبح في حالة من حالتها األولى‪ ،‬حيث هي جماعات كثيرة‬
‫مختلفة ومتباينة‪.‬‬
‫من الواضح من مراحل المسار الحضاري اإلسالمي‪ ،‬أن تلك اللحظة من التفكك العميق‪ ،‬هي التي‬
‫تسبق مرحلة التوحد الفعلي والعملي‪ .‬فبداخل الجماعات المتفرقة الصغيرة‪ ،‬يتشكل الشعور بالغربة‪،‬‬
‫وتتشكل معه حالة الحرمان من األمان االجتماعي‪ ،‬والشعور بالحرمان من الحاضن االجتماعي الذي‬
‫يحمي الفرد ويحمي الجماعة الصغيرة‪ .‬وبهذا يصبح التفكك العميق هو الخطوة الالزمة لبدء تشكل الوعي‬
‫بالحاجة للوحدة‪.‬‬
‫العودة للوحدة‬
‫داخل التفكك العميق تبدأ مشاعر األمة بالوحدة تتزايد‪ ،‬ومع شدة الدخول في حالة النزاع والحرب‬
‫األهلية‪ ،‬تنمو مشاعر األمة بوحدة هويتها وحضارتها‪ .‬وكأن التفكك الكامل شرط بداية الوعي بالوحدة‪ ،‬أو‬
‫كأن مأساة التفكك وما تؤدي له من نزاعات وحروب‪ ،‬هي الشعلة التي تفجر الهوية الجامعة مرة أخرى‪.‬‬
‫لذا فإن األمة تسير في مسار التفكك العميق‪ ،‬ومعه تبدأ بذور الحاجة للوحدة في التشكل من جديد‪ .‬وألن‬
‫التفكك العميق يزيل كل المشاريع البديلة والهويات البديلة‪ ،‬لذا فهو يمهد للوعي المتفجر من جديد أن يقيم‬
‫هويته اإلسالمية الجامعة‪ ،‬دون عرقلة المشاريع البديلة‪.‬‬
‫وهنا يتضح أن التفكك العميق كان دليال على فشل المشاريع البديلة‪ ،‬وكان الزما لتفكيك المشاريع‬
‫البديلة‪ ،‬ومعه يتضح أن لألمة اإلسالمية هوية خاصة بها‪ ،‬وأن هذه الهوية دينية في األساس وعابرة‬
‫للقومية‪ ،‬وأنها الهوية التي تحقق تماسك األمة‪ ،‬وبدونها ال تستطيع األمة تحقيق التماسك داخل أي هوية‬
‫‪8‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫فرعية أو داخل أي دائرة انتماء فرعية‪ .‬وألن الهوية القومية والعرقية‪ ،‬لم تحقق الوحدة ولو لجزء من‬
‫األمة‪ ،‬ولم تحقق أي قدر من التماسك للجماعات الوطنية‪ ،‬لذا أصبح من الجلي أن األمة ال تستقر هويتها‬
‫إال في اإلطار العابر للقومية‪ ،‬والذي يستند لقيم الدين‪ ،‬وقدرته على التوحيد‪.‬‬
‫وعليه يمكن القول‪ :‬أن األمة تمر بمرحلة التفكيك العميق‪ ،‬ومعه ينمو الوعي بوحدة األمة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وتدفع األمة ثمنا باهظا للنزاعات الداخلية‪ ،‬ولكنها تتخلص من المشاريع البديلة والمزيفة‪.‬‬
‫وتتوقف قدرة األمة على عبور تلك المرحلة‪ ،‬على معدل نمو وعيها بهويتها الجامعة‪ ،‬وقدرتها على بداية‬
‫مرحلة التوحيد مرة أخرى‪ ،‬خاصة في مواجهة القوى التي تريد الحفاظ على تفكك األمة‪.‬‬
‫وفي مرحلة الثورة الشعبية وما يعقبها من مراحل انتقالية‪ ،‬تستمر مرحلة التفكك العميق‪ ،‬وتبدأ‬
‫مرحلة التوحد مرة أخرى‪ ،‬وتختلط صورة التفكك مع صورة التوحد‪ ،‬لتصنع حالة من االضطراب‬
‫والتشوش‪ ،‬ألن التفكك مازال مستمرا‪ ،‬كما أن التوحد قد بدأ تدريجيا‪ ،‬لذا تصبح المرحلة االنتقالية‪ ،‬هي‬
‫مرحلة التدافع الشديد بين عوامل التفكك وعوامل التوحد‪ .‬وتظهر في هذه المرحلة‪ ،‬حالة القلق التي تسيطر‬
‫على الجماعات التي خرجت من الهوية الجامعة‪ ،‬والجماعات التي تعلقت بالهويات القومية الجزئية‪ ،‬ألن‬
‫مرحلة ما بعد الثورة‪ ،‬تشهد بدايات صعود الهوية الجامعة‪ ،‬فتثير قلق من تعلق بهويات أخرى غيرها‪.‬‬

‫(‪) 3‬‬
‫جماعات ضد الوحدة‬
‫مع تفكك وحدة األمة‪ ،‬تتعدد تأثيرات ذلك على الجماعات المشكلة لها‪ ،‬فهناك جماعات تضعف أو‬
‫تنعزل‪ ،‬ولكن هناك أيضا جماعات تخرج من فكرة الوحدة‪ ،‬وتكرس حالة التفكك‪ ،‬وتعتبر تفكك األمة إلى‬
‫قوميات‪ ،‬هو النموذج المناسب لها‪ ،‬مما يجعلها تقف ضد عودة وحدة األمة مرة أخرى‪ .‬وتلك الجماعات‬
‫تصبح عائقا أمام توحيد األمة مرة أخرى‪ ،‬كما تصبح سببا في النزاعات الداخلية‪ ،‬أو شريكة فيها‪ ،‬أو طرفا‬
‫مهما فيها‪.‬‬
‫تعبر تلك الظاهرة عن طبيعة وحدة األمة‪ ،‬فاألمة اإلسالمية تتوحد حول القيم العليا المستمدة من‬
‫المرجعية الدينية‪ ،‬وعندما تغيب تلك القيم عن السيادة والهيمنة‪ ،‬تصبح األمة بال إطار جامع لها‪ ،‬وهنا‬
‫تظهر أطر أخرى بديلة‪ ،‬وترى فيها بعض الجماعات إطارا مناسبا لها‪ .‬وغالب تلك األطر يعتمد على‬
‫اإلطار القومي‪ ،‬بحيث تصبح القومية هي البديل عن الهوية الحضارية اإلسالمية الجامعة‪ .‬ورغم رفض‬
‫قطاعات واسعة من جماهير األمة للهوية القومية كبديل عن اإلطار الحضاري اإلسالمي الجامع‪ ،‬إال أن‬
‫بعض الجماعات تجد نفسها في الهوية القومية‪ ،‬وترى أن الهوية القومية تعلي من شأن حضورها الثقافي‬
‫والحضاري‪ ،‬وتؤمن وضعها وموضعها‪ ،‬بأكثر مما تسمح به الهوية الحضارية اإلسالمية الجامعة‪ ،‬حسب‬
‫تصورها‪.‬‬
‫تلك هي حالة المسيحيين العرب‪ ،‬حيث تظهر النزعة القومية بصورة واضحة لدى الجماعات‬
‫المسيحية العربية‪ ،‬مما يؤدي إلى تعضيد الجماعات المسيحية للنزعة القومية‪ ،‬بدرجة أكبر مما يظهر لدى‬
‫الجماعات المسلمة‪ .‬مما يجعل الجماعات المسيحية تبدو مناصرة للهوية القومية‪ ،‬وتبدو بالتالي معارضة‬
‫للهوية الجامعة اإلسالمية‪ .‬ولكن تلك النزعة تأخذ أشكاال مختلفة لدى الجماعات المسيحية‪ ،‬حسب موضع‬
‫‪9‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫كل جماعة وموضعها الجغرافي وتاريخها الثقافي‪ .‬ولكن المشترك بين تلك الجماعات هو الميل إلى‬
‫اإلطار القومي في مواجهة اإلطار الحضاري اإلسالمي‪ ،‬أي أن غالب الجماعات المسيحية‪ ،‬أو الجماعات‬
‫المختلفة في الدين‪ ،‬تميل إلى الهوية النابعة من إطار ضيق‪ ،‬يخص الموقع الجغرافي الذي تنتمي له‪.‬‬
‫فاالنتماء القومي الضيق‪ ،‬يوفر للجماعة المختلفة في الدين‪ ،‬مثل الجماعات المسيحية‪ ،‬إطارا ضيقا للهوية‪،‬‬
‫تكون مكانتها فيه أكبر أو أوسع‪ ،‬من مكانتها في إطار الهوية الحضارية اإلسالمية الواسعة‪ .‬لذا نجد‬
‫الجماعات المسيحية تميل إلى الهوية القومية‪ ،‬وتؤيد حالة الخروج من الهوية الحضارية العابرة للقومية‪،‬‬
‫ألنها ترى لنفسها مكانة أفضل داخل اإلطار القومي‪.‬‬
‫بين الجماعات المسيحية‬
‫اختلفت الجماعات المسيحية في اإلطار المشكل للهوية التي تؤيدها وتميل لها‪ ،‬فنجد الجماعات‬
‫المسيحية في المشرق العربي‪ ،‬خاصة بالد الشام‪ ،‬تميل إلى الهوية القومية العربية‪ ،‬في حين تميل الجماعة‬
‫المسيحية في مصر إلى الهوية القومية األضيق‪ ،‬وهي الهوية المصرية‪ .‬ويظهر هنا الفرق بين كل بلد من‬
‫البالد‪ ،‬فهناك بالد أصبحت الهوية العربية هي إطارها الجامع األول‪ ،‬وهناك بالد لها أطر جامعة أخرى‬
‫غير الهوية القومية العربية‪ .‬ففي مصر‪ ،‬هناك تاريخ عميق للهوية المصرية‪ ،‬قبل ظهور الهوية العربية‬
‫واإلسالمية‪ ،‬ورغم أن هذا هو حال بالد الشام‪ ،‬إال أن دول المشرق العربي أصبحت تشكل هويتها من‬
‫خالل الهوية العربية‪ ،‬ألن حدودها ودولها تغيرت عبر التاريخ‪ ،‬ولم يكن لها االستمرار والتواصل الحادث‬
‫لبلد مثل مصر‪.‬‬
‫ولكن نتاج تلك الفروق ليس كبيرا‪ ،‬فالجماعات المسيحية في بالد الشام‪ ،‬ترى أن القومية العربية‬
‫هي هويتها الحضارية‪ ،‬وهي بهذا تفصل نفسها عن الهوية اإلسالمية‪ ،‬وتكتفي بالهوية القومية العربية‪.‬‬
‫وفي مصر تفضل الجماعة المسيحية الهوية المصرية‪ ،‬باعتبارها القومية التي تنتمي لها‪ ،‬وتفصل نفسها‬
‫بذلك عن الهوية العربية والهوية اإلسالمية‪ .‬وهناك فرق بالطبع بين الهوية القومية القطرية الضيقة‪،‬‬
‫والهوية القومية األوسع‪ .‬فالجماعات المسيحية التي تنتمي حسب رؤيتها لهوية القومية العربية‪ ،‬تصبح في‬
‫حالة تصالح نسبي مع الهوية اإلسالمية‪ ،‬وإن كانت ال تؤيد وحدة األمة اإلسالمية تحت هوية واحدة‪ ،‬وهي‬
‫الهوية الحضارية اإلسالمية‪ .‬ولكن الجماعة المسيحية في مصر‪ ،‬عندما تحصر هويتها في الهوية‬
‫المصرية وتبتعد عن الهوية العربية‪ ،‬فهي بهذا تبعد نفسها عن الهوية اإلسالمية‪ ،‬وتعزل نفسها عنها‪ ،‬مما‬
‫يجعلها أحيانا في حالة خصام مع الهوية اإلسالمية‪ ،‬مع رفضها الستعادة الوحدة اإلسالمية‪.‬‬
‫والفرق هنا يكمن في المسافة التي تفصل كل هوية قومية عن البعد اإلسالمي‪ ،‬فكلما ابتعدت‬
‫الهوية القومية عن اإلطار العربي‪ ،‬زادت هوة المسافة بينها وبين الهوية اإلسالمية‪ ،‬مما يجعل العداء مع‬
‫الهوية اإلسالمية أكثر ترجيحا‪ .‬لذا يمكن القول بأن الجماعات المسيحية التي تتخذ من الهوية القومية‬
‫القطرية هوية لها‪ ،‬تبتعد عن الهوية اإلسالمية‪ ،‬ويمكن أن تصل لحالة عداء لها‪ ،‬مثل الجماعة المسيحية‬
‫في مصر‪ .‬ولكن الجماعات المسيحية التي تتبنى الهوية القومية الواسعة‪ ،‬مثل الهوية العربية‪ ،‬تصبح في‬
‫موضع يقلل احتمال المواجهة بينها وبين الهوية اإلسالمية‪ ،‬ويقلل احتمال العداء بينها وبين الهوية‬
‫اإلسالمية‪ .‬ولكن هناك اختالف أيضا بين الجماعات المسيحية التي تتخذ من العروبة هوية لها‪ ،‬فالموارنة‬
‫في لبنان غير بقية الجماعات المسيحية األخرى في لبنان‪ ،‬حيث نجد لدى الموارنة نزعة قومية لبنانية ال‬
‫تنفك عن الهوية العربية بالكامل‪ ،‬ولكن تميل إلى تعظيم القومية القطرية‪ .‬لهذا نجد الجماعة المسيحية‬
‫‪01‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫المارونية‪ ،‬مثل الجماعة المسيحية المصرية‪ ،‬تتخذ عبر التاريخ مواقف تجعلها أحيانا في عزلة عن البعد‬
‫اإلسالمي‪ ،‬تصل لحد فك االرتباط مع الهوية اإلسالمية‪ ،‬والوقوف أمام أي محاولة الستعادة الهوية‬
‫اإلسالمية‪.‬‬
‫البحث عن مالذ آمن‬
‫بالبحث عن أسباب تلك الظاهرة لدى الجماعات المسيحية‪ ،‬نفترض أن البعد األهم فيها هو البحث‬
‫عن الشعور باألمان داخل إطار جامع يرفع من موضع الجماعة المسيحية بداخله‪ .‬فبعد تفكك األمة إلى‬
‫قوميات‪ ،‬لم تجد الجماعات المسيحية نفسها مدفوعة إلى البحث عن الهوية اإلسالمية التي تفككت‪ ،‬بل‬
‫وجدت نفسها مدفوعة إلى تأكيد الهوية القومية البديلة‪ .‬ففي داخل الهوية القومية البديلة‪ ،‬تشعر الجماعة‬
‫المسيحية بموضعها ومركزها‪ ،‬وكأن الهوية القومية‪ ،‬ألنها إطار ضيق‪ ،‬تعلي من مكانة الجماعة‬
‫المسيحية‪ .‬وبلغة اإلحصاءات‪ ،‬تصبح الجماعة المسيحية داخل اإلطار القومي لها وجود عددي أكبر‪.‬‬
‫فالجماعة المسيحية المصرية نسبتها إلى إجمالي سكان مصر‪ ،‬أكبر من نسبتها إلى إجمالي سكان البالد‬
‫العربية واإلسالمية‪ .‬لذا تصبح الهوية اإلسالمية بالنسبة لها فضاء تذوب فيه‪ ،‬وتشعر بتضاؤل حجمها‬
‫ونسبتها‪ ،‬أما في داخل الهوية المصرية‪ ،‬تصبح نسبتها أكبر‪.‬‬
‫ولكن هناك بعد آخر يظهر‪ ،‬ففي الهوية القومية تشعر الجماعة المسيحية أنها تنتمي لتلك الهوية‬
‫مثل غيرها من الجماعات‪ .‬فانتماء الجماعة المسيحية للهوية المصرية ال يقل عن انتماء الجماعة المسلمة‬
‫لها‪ ،‬بل يمكن أن يزيد عندما ترى الجماعة المسيحية أنها تمثل الجماعة المصرية األصلية والنقية‪ ،‬أما‬
‫الجماعة المسلمة فبعضها له جذور عربية‪ ،‬تجعل هويتها المصرية غير نقية‪ .‬وهنا تظهر مشكلة اعتبار‬
‫الجماعات المسيحية للهوية اإلسالمية‪ ،‬بوصفها هوية ال تساوي بحكم فكرتها بين الجماعات المنتمية لها‪.‬‬
‫فترى الجماعة المسيحية إنها في داخل اإلطار الحضاري اإلسالمي‪ ،‬ليس لها نفس موضع الجماعة‬
‫المسلمة‪ ،‬ألن الهوية الحضارية اإلسالمية قامت على اإلسالم‪ ،‬مما يجعل لكل الجماعات التي تختلف في‬
‫الدين‪ ،‬موضعا أقل شأنا أو أقل دورا‪.‬‬
‫لذا تصبح الهوية القومية مالذا آمنا للجماعات المسيحية‪ ،‬خاصة في مرحلة تفكك األمة‪ .‬فبعد تفكك‬
‫األمة‪ ،‬تبحث الجماعات المسيحية مثل غيرها عن إطار جامع‪ ،‬وتجد أن اإلطار القومي قد حل بالفعل‬
‫محل اإلطار الحضاري العابر للقومية‪ ،‬أي الهوية اإلسالمية‪ ،‬لذا نجد الجماعات المسيحية لم تختار نموذج‬
‫الدولة أو الوضع القائم‪ ،‬ولكنها في الواقع مالت إلى النموذج البديل الذي حل محل الدولة اإلسالمية‬
‫الجامعة والهوية اإلسالمية الجامعة‪ .‬وأصبحت الجماعات المسيحية تتكيف أكثر من الجماعات المسلمة مع‬
‫الوضع القائم‪ ،‬بعد تفكك األمة‪ ،‬ولكنها بالطبع لم تصنعه بنفسها‪ .‬وهنا أصبحت الجماعة المسيحية تؤيد‬
‫الدولة البديلة التي قامت على انقاض الدولة اإلسالمية‪ ،‬ألنها وجدت فيها إطارا قوميا يعلي من شأن‬
‫الجماعة المسيحية ومن مركزها‪.‬‬
‫هنا تظهر مشكلة الجماعات األقل عددا‪ ،‬داخل محيط واسع يختلف عنها في جانب أو آخر‪.‬‬
‫فالجماعات المسيحية تنتمي للمنطقة العربية واإلسالمية‪ ،‬ولكنها تجد أن الهوية اإلسالمية تعمق اختالفها‬
‫عن اإلطار المحيط بها‪ ،‬وتجد أن تلك الهوية ربما تؤثر على هويتها الدينية‪ ،‬مما يجعلها تفقد تميزها‬
‫وخصوصيتها‪ .‬وفي المقابل مالت الجماعات المسيحية للهوية القومية القطرية‪ ،‬ألنها رأت أنها تعلي من‬
‫‪00‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫موضعها‪ ،‬وال تسمح بذوبانها في محيط مختلف عنها‪ .‬مما يعني أن الجماعات المسيحية تصورت أنها‬
‫قادرة على الحفاظ على خصوصيتها داخل اإلطار القومي‪ .‬ولكن مسار الهوية القومية يكشف على أنها‬
‫هوية بديلة ال تعرف التعددية فيذوب الجميع فيها‪ ،‬وأنها تختلف عن الهوية اإلسالمية‪ ،‬ألن الهوية‬
‫اإلسالمية تسمح بالحفاظ على التعدد والتنوع داخلها‪ ،‬ولكن الهوية القومية ال تسمح بالتعدد والتنوع‬
‫داخلها‪ ،‬فهي هوية تقوم على أساس العرق والجنس‪ ،‬وال يوجد بداخلها مساحة للتنوع‪.‬‬
‫جماعة في خطر‬
‫المالحظ أن الجماعات المسيحية في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬أصبحت جماعات في خطر‬
‫ومهددة بالزوال‪ ،‬أو التقلص‪ ،‬تحت حكم الهوية القومية‪ ،‬وهي لم تكن مهددة بالزوال أو التراجع‪ ،‬تحت‬
‫حكم الهوية اإلسالمية الجامعة‪ ،‬عكس ما تصورت معظم الجماعات المسيحية‪ .‬فالهوية القومية التي أيدتها‬
‫غالب الجماعات المسيحية أصبحت تمثل خطرا على الجماعة المسيحية‪ ،‬وتهدد بقائها ووجودها‪.‬‬
‫فالهوية القومية ال تعرف االختالف‪ ،‬بل تعرف النمطية وتعرف النمط الواحد‪ ،‬والذي يميز الدولة‬
‫القومية هو النمط السائد والغالب‪ ،‬وهو نمط ثقافي واجتماعي وحضاري‪ ،‬ويمثل نمطا مرتبطا بقومية‬
‫بعينها‪ ،‬ويمثل الشخصية القومية السائدة‪ .‬والشخصية القومية تكتسب مالمحها من مالمح الفئة الغالبة‪،‬‬
‫وتتمدد في كل مساحة الدولة والمجتمع‪ ،‬بحيث تغلب الشخصية السائدة لدى األغلبية على النمط العام‬
‫للمجتمع‪ .‬وهنا يصبح اإلسالم جزءا من مالمح الشخصية القومية لألغلبية‪ ،‬بوصفه ملمحا من مالمح‬
‫القومية‪ ،‬أي نمطا بارزا وغالبا‪ .‬وهناك فارق كبير بين الهوية اإلسالمية بوصفها قيما عليا ونظاما حاكما‬
‫لكل الناس‪ ،‬وبين تحول الهوية اإلسالمية إلى جزء من الهوية القومية‪.‬‬
‫فالمرجعية اإلسالمية تمثل قيما تشكل النظام العام‪ ،‬وقد بنيت تلك المرجعية على أساس المبادئ‬
‫واألحكام التي تضعها الشريعة اإلسالمية‪ ،‬فأصبحت نظاما ينتمي له كل من يلتزم به‪ .‬ولم يعد هناك فرق‬
‫بين القوميات داخل هذا اإلطار‪ ،‬ولم يعد ألي تصنيفات أخرى قدرة على التمييز بين الناس‪ ،‬ما داموا‬
‫يلتزمون بالمرجعية اإلسالمية العليا‪ ،‬بوصفها نظاما عاما‪ .‬أما بالنسبة للمسيحيين واليهود‪ ،‬فقد أسست‬
‫الشريعة اإلسالمية لوضع يسمح لهم بمجال خاص يتميزوا فيه‪ ،‬ويكون لهم حكم ذاتي في شئون العقيدة‬
‫والعبادة واألحوال الشخصية‪ ،‬مع انتماءهم في بقية المجاالت لمرجعية الشريعة اإلسالمية‪ .‬وبهذا أصبحت‬
‫الشريعة اإلسالمية تحافظ على خصوصية الجماعة المسيحية واليهودية‪ ،‬وفي نفس الوقت تسمح بتكامل‬
‫تلك الجماعات مع األغلبية المسلمة من خالل االنتماء لمرجعية النظام العام‪.‬‬
‫ولكن الهوية القومية‪ ،‬والتي تعتبر اإلسالم جزءا من مكوناتها‪ ،‬ال تعطي للمرجعية اإلسالمية‬
‫موضع ها كمرجعية عليا‪ ،‬وفي نفس الوقت تعتبر الملمح اإلسالمي مهما لتحديد الهوية القومية‪ .‬ففي مصر‬
‫مثال‪ ،‬أصبح اإلسالم لدى الدولة القومية ملمحا من هويتها‪ ،‬ليس له المرجعية‪ ،‬ولكن ال يمكن التغاضي عنه‬
‫بوصفه ملمحا أساسيا‪ .‬وبهذا أصبح النمط القومي المصري‪ ،‬والذي تعتبر الجماعة المسيحية أنها تمثل‬
‫ركنا أصليا فيه‪ ،‬يبنى على المالمح السائدة لدى األغلبية‪ ،‬بما فيها الملمح اإلسالمي‪ .‬وأصبح الملمح‬
‫اإلسالمي هو نمط ظاهر‪ ،‬تحاول الدولة الحفاظ عليه‪ ،‬لتأكيد هويتها القومية‪ ،‬بوصفه جزءا منها‪ .‬وهنا‬
‫أصبحت الجماعة المسيحية تشعر بمشكلة أكبر‪ ،‬ألن الدولة القومية لم تحافظ لها على مساحة خصوصية‬
‫‪03‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫مثل الدولة اإلسالمية‪ ،‬وفي نفس الوقت أصبحت الدولة القومية تحاول الحفاظ على إسالمية المجتمع‬
‫والدولة‪ ،‬كجزء من مالمح القومية‪.‬‬
‫والقومية في مفهومها‪ ،‬هي بناء بيولوجي جامد‪ ،‬يميز جنس عن جنس‪ ،‬ويفترض أنه يستمر‬
‫بالوراثة‪ ،‬وهي نوع من الهوية يختلف عن الهوية العابرة للقومية‪ ،‬مثل الهوية اإلسالمية‪ ،‬والتي تقوم‬
‫أساسا على القيم وليس على العرق‪ .‬وهنا أصبحت اإلسالمية كمكون من مكونات القومية‪ ،‬تمثل ملمحا‬
‫عاما ينبغي أن يسود‪ ،‬رغم أنه ال يمثل المرجعية العليا‪ ،‬وفي نفس الوقت‪ ،‬يصبح الملمح اإلسالمي‬
‫باعتباره جزءا من مالمح جنس أو عرق‪ ،‬بمثابة نمطا عاما‪ ،‬يمنع ظهور أي تنوعات داخلية‪ .‬فالقومية ال‬
‫تتعايش مع التنوع الداخلي‪ ،‬والذي يهدم فكرتها‪ .‬فكل تنوع داخلي بارز‪ ،‬يعني أن الدولة ليست لقومية‬
‫واحدة‪ ،‬وهو ما يؤدي إلى تفككها‪.‬‬
‫لهذا فقدت الجماعات المسيحية نسبيا مساحة التميز الخاصة بها‪ ،‬ثم أصبحت تجد نفسها في محيط‬
‫يجب أن تتجانس معه‪ ،‬أي تبدو مثله‪ ،‬ووجدت الهوية اإلسالمية تعود كجزء من النمط قومي‪ ،‬وليس كقيم‬
‫حاكمة‪ ،‬بل كملمح ظاهر‪ ،‬فأصبحت الجماعات المسيحية تواجه بمشكلة نابعة من الهوية القومية التي‬
‫أيدتها‪ .‬ومع ذلك نجد ان الجماعات المسيحية‪ ،‬مثل غيرها‪ ،‬والتي تعلقت بالهوية القومية الضيقة‪ ،‬تشعر‬
‫بقلق أكبر عندما تجد الهوية اإلسالمية الجامعة تطل بعد الربيع العربي‪ ،‬فتصبح بين خيار قومي لم يحقق‬
‫لها األمان‪ ،‬وخيار آخر ترى أنه أكثر تهديدا لوجودها‪.‬‬

‫(‪) 2‬‬
‫المسيحيون العرب والعلمانية‬
‫تقدم خبرة الجماعة المسيحية في مصر أبعادا مهمة لتجربة اللجوء للهوية القومية بدال من الهوية‬
‫الحضارية اإلسالمية‪ .‬فالجماعة المسيحية في مصر‪ ،‬وجدت في فترة حكم جمال عبد الناصر مرحلة ذات‬
‫أثر سلبي على الجماعة المسيحية‪ ،‬رغم االتجاه القومي العلماني للنظام الناصري‪ ،‬ورغم أنه لم يكن نظاما‬
‫إسالميا‪ .‬والسبب في ذلك يرجع إلى الهوية القومية العربية للنظام الناصري أوال‪ ،‬حيث رأت الجماعة‬
‫المسيحية أن الهوية القومية العربية تقرب المجتمع من الهوية اإلسالمية أو تفتح الباب للبعد اإلسالمي‬
‫ضمنا‪ .‬كما رأت الجماعة المسيحية ثانيا‪ ،‬في فترة حكم عبد الناصر‪ ،‬أنها تميزت بنزعة إسالمية‪ .‬ورغم‬
‫أن تلك النزعة ال تمثل انتماء للمشروع اإلسالمي‪ ،‬إال أن الجماعة المسيحية في جزء معتبر منها‪ ،‬لم تنظر‬
‫إلى النظام الناصري بوصفه نظاما علمانيا ال ينتمي للمرجعية الدينية‪ ،‬بل رأت أن اإلسالم حاضرا في‬
‫النموذج القومي الناصري‪.‬‬
‫ولم يكن اإلسالم حاضرا في حكم جمال عبد الناصر كمرجعية‪ ،‬لكنه كان حاضرا بوصفه من‬
‫مكونات الهوية‪ ،‬أي أحد مالمح الهوية‪ ،‬ولكن الجماعة المسيحية رأت أن ذلك يجعل اإلسالمية من‬
‫مكونات تعريف الهوية القومية‪ ،‬مما يجعلها تشعر باالختالف أو االغتراب عن األغلبية المحيطة بها‪.‬‬
‫وع ندما جاءت مرحلة أنور السادات‪ ،‬وغابت الهوية العربية‪ ،‬ولم يعد النظام يعترف إال بالهوية المصرية‪،‬‬
‫كان من المتوقع أن يمثل ذلك حال لمخاوف الجماعة المسيحية‪ ،‬والتي اختارت الهوية القومية بديال عن‬
‫الهوية الحضارية اإلسالمية‪ ،‬ولكن فترة حكم السادات شهدت أيضا بروزا للمكون اإلسالمي للهوية‬
‫‪02‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫المصرية‪ .‬فالدين يظل من العناصر المكونة للهوية التاريخية‪ ،‬حتى في النظم العلمانية‪ .‬لهذا أصبحت‬
‫الجماعة المسيحية تشعر بعدم األمان داخل سياق الهوية المصرية القومية‪ ،‬رغم أنها تمثل الخيار السياسي‬
‫والثقافي للجماعة المسيحية‪ ،‬بعد أن فصلت نفسها عن الهوية الحضارية اإلسالمية الجامعة‪.‬‬
‫وكأن القومية لم تحل المشكلة أيضا‪ ،‬فالقومية تعرف بالعرق‪ ،‬ولكنها تعرف أيضا بالخصائص‬
‫الثقافية والحضارية لهذا العرق‪ .‬والقومية تعرف بالعرق الغالب‪ ،‬والخصائص الثقافية والحضارية الغالبة‬
‫له‪ .‬وفي مجتمع أغلبيته من المسلمين‪ ،‬يظل اإلسالم ضمن مكونات تعريف الهوية القومية‪ ،‬رغم أنها تقوم‬
‫على أساس العرق‪ ،‬وليس على أساس القيم المشتركة مثل الهوية الحضارية اإلسالمية العابرة للقوميات‪.‬‬
‫البحث عن العلمانية‬
‫سنجد أن الجماعات المسيحية التي أمنت بالقومية كهوية جامعة مانعة‪ ،‬سواء الهوية القومية‬
‫اإلقليم ية مثل الهوية القومية العربية‪ ،‬أو الهوية القطرية مثل الهوية المصرية‪ ،‬قد مالت إلى تعميق المكون‬
‫العلماني لتلك الهوية‪ .‬ولم يكن تعميق المنظومة العلمانية إال وسيلة إلخراج الهوية القومية من بعدها‬
‫الديني‪ ،‬أو نزع البعد الديني عن الهوية القومية‪ ،‬حتى ال يصبح ملمح من مالمحها‪ ،‬وتصبح الهوية القومية‬
‫بغير ملمح ديني‪ ،‬ومتخلصة من أي ملمح له عالقة بالدين‪ .‬ولكن هذا الوضع ليس أمرا متاحا‪ ،‬ألن أي‬
‫هوية قومية تكتسب مالمحها من المالمح السائدة في المجتمع‪ .‬والدين في المجتمعات المتدينة‪ ،‬يصبح‬
‫ملمحا سائدا وحاضرا‪ .‬ورغم أن القومية كنظام ومرجعية ال تعترف للدين بأي دور مركزي‪ ،‬وال تعتبره‬
‫مرجعية‪ ،‬ولكنها تعتبره في النهاية واحد من مالمح المجتمع‪ ،‬أي واحد من الخصائص الظاهرة في‬
‫المجتمع‪ .‬لذا أصبحت الجماعات المسيحية أميل للبحث عن هوية قومية علمانية خالصة‪ ،‬تجرد الهوية من‬
‫أي ملمح ديني‪.‬‬
‫لم يكن هذا التوج ه إال نتاجا لرؤية ترى أن غياب الملمح الديني العام‪ ،‬وغياب الحضور العام‬
‫للدين‪ ،‬يؤدي إلى حماية الجماعات المسيحية من أي هوية مخالفة لها‪ ،‬يمكن أن تذوب فيها‪ ،‬أو يمكن أن‬
‫تؤثر على تميزها‪ .‬وكأن الهوية العلمانية الخالصة هي هوية محايدة دينيا‪ ،‬مما يعني عدم وجود تأثير لها‬
‫على هوية الجماعات المختلفة دينيا‪ ،‬فيصبح موقف العلمانية من الجماعة المسلمة‪ ،‬مثل موقف العلمانية‬
‫من الجماعة المسيحية‪.‬‬
‫لذا تحولت بعض الجماعات المسيحية في العالم العربي إلى تأييد التوجهات العلمانية‪ ،‬حتى تصاغ‬
‫الهوية القومية بعيدا عن عنصر الدين‪ .‬وفي نفس الوقت كانت بعض أنظمة الحكم تميل إلى درجة أوسع‬
‫من العلمانية‪ ،‬حتى تتخلص من المكون اإلسالمي‪ ،‬الذي ظل يمثل البديل الشعبي عن الهوية القومية‬
‫العلمانية‪ .‬ومع تزايد التوجه العلماني لألنظمة الحاكمة‪ ،‬أصبحت الجماعات المسيحية تتجه أكثر لمواجهة‬
‫الهوية اإلسالمية‪ ،‬وتخرج نفسها منها‪ ،‬وتواجه هوية األغلبية المسلمة‪ ،‬بدعم من أنظمة الحكم‪.‬‬
‫هكذا تشكل موقف الجماعة المسيحية في مصر‪ ،‬وهي من الدول العربية واإلسالمية األكثر‬
‫علمنة‪ ،‬لتصبح الجماعة المسيحية في مواجهة كل محاوالت استعادة الهوية الحضارية اإلسالمية‪ ،‬وتصبح‬
‫من أهم القوى التي تدفع نحو الهوية المصرية القومية‪ ،‬البعيدة عن المكون الديني‪ ،‬والتي تتميز بالعلمنة‬
‫الواضحة‪ .‬وفي عهد حسني مبارك‪ ،‬كانت الدولة المصرية قد وصلت لقناعة مفادها أن هويتها القومية‬
‫المصرية مهددة بسبب تنامي المد اإلسالمي‪ ،‬والشعور اإلسالمي‪ ،‬لذا وضعت الدولة نفسها بفعل موقف‬
‫‪04‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫ال نخب الحاكمة لها في مواجهة الهوية اإلسالمية‪ ،‬ولم تعد تعتبر الهوية اإلسالمية جزءا مهما من مكونات‬
‫الهوية القومية‪ ،‬بل أصبحت ترى أن الهوية اإلسالمية تمثل خطرا على هوية النظام السياسي القومية‬
‫العلمانية‪.‬‬
‫هنا بدأت عجلة العلمنة تدور بسرعة أكبر‪ ،‬وبدأت تمارس عملية استبعاد الدين من المجال العام‪،‬‬
‫والحد من دور التدين في المجتمع‪ .‬وحدث هذا بقبول من الجماعة المسيحية أو أغلبها‪ ،‬وقبول من الكنيسة‬
‫أو أغلب قياداتها‪ .‬وبهذا أصبحت الجماعة المسيحية ضمن القوى التي تعمل على التخلص من الهوية‬
‫الدينية من المجال العام بالكامل‪ .‬ولكن هذا العمل يمثل تحديا مباشرا لألغلبية المسلمة‪ ،‬التي مازالت‬
‫أغلبيتها تميل للهوية اإلسالمية‪ ،‬وترفض الهوية القومية الجامعة المانعة‪ ،‬وترى أن الوطنية والقومية جزء‬
‫من االنتماء اإلسالمي العام‪ .‬لذا أصبحت الجماعة المسيحية في مصر‪ ،‬وهي التي واجهت المكون‬
‫اإلسالمي للهوية المصرية القومية في عهد السادات‪ ،‬وأصبحت تؤيد التوجه القومي العلماني الخالي من‬
‫أي مكون إسالمي في عهد مبارك‪ ،‬أصبحت تلك الجماعة في مواجهة واضحة مع األغلبية المسلمة‪ ،‬أو‬
‫قطاع معتبر منها‪ ،‬وبهذا أصبحت في حاجة إلى سند خارجي‪.‬‬
‫الدعم الغربي‬
‫كلما توجهت جماعة إلى تأييد هوية مختلف عليها‪ ،‬خاصة من أغلبية المجتمع‪ ،‬احتاجت إلى دعم‬
‫خارجي‪ .‬مثلها في ذلك مثل النظام الذي يخرج عن الهوية السائدة في المجتمع‪ ،‬ويفرض على المجتمع‬
‫هوية غير متفق عليها‪ ،‬حيث يحتاج إلى الدعم الغربي‪ ،‬أي الخارجي‪ ،‬ألنه ال يحظى بالدعم الداخلي‪ .‬ومع‬
‫تزايد ميل الجماعات المسيحية للحل العلماني الخالص‪ ،‬والقومي الخالص‪ ،‬أصبحت معظم تلك الجماعات‬
‫ترى أن الغرب بما يفرضه من عولمة لقيمه العلمانية‪ ،‬يمثل السند المباشر للتوجهات العلمانية القومية‪.‬‬
‫وبهذا يصبح الغرب الرسمي‪ ،‬هو السند للجماعات المسيحية التي تؤيد الحل العلماني‪ ،‬ألنه يحاول فرض‬
‫هذا الحل بقوة تفوقه الحضاري والعسكري‪.‬‬
‫وبالطبع تجد الدول الغربية في الجماعات التي تطلب منها حمايتها ولو بطريق غير مباشر‪،‬‬
‫فرصة مناسبة لفرض جدول أعمالها‪ ،‬وممارسة التدخل في الشئون الداخلية لحماية مصالحها في المنطقة‪.‬‬
‫فكل الجماعات التي تطلب الدعم الغربي‪ ،‬ستجد الغرب يضعها على جدول أعماله‪ ،‬وتصبح من أوراقه‬
‫للضغط على الحكومات‪ .‬ولكن ذلك ال يعني أن الغرب يمكن أن يتحالف فعال مع جماعة ضد جماعة‬
‫أخرى داخل نفس المجتمع‪ ،‬ولكنه يستخدم الجماعات التي تميل لقبول تدخله‪ ،‬بوصفها أوراق ضغط‬
‫يستخدمها بالقدر المناسب لتحقيق مصالحه‪ .‬كما يرى الغرب في الجماعات األقل عددا أو األضعف‪ ،‬أنها‬
‫تمثل ركيزة لتمرير مشروع العلمنة والليبرالية‪ ،‬حيث تقدم العلمانية لتلك الجماعات بوصفها الحل‬
‫المناسب الذي يعوض قلتها العددية‪ ،‬ويحميها من الذوبان داخل الجماعة األكثر عددا‪ ،‬أو يحميها من أن‬
‫تكون أقل شأنا من الجماعات األكثر عددا‪.‬‬
‫ولكن الدعم الغربي ال يحل المعضلة األهم‪ ،‬التي تتشكل من ميل الجماعات المسيحية للحل‬
‫العلماني‪ ،‬خاصة عندما تميل الجماعة المسلمة للحل اإلسالمي‪ ،‬ألن الجماعات المسيحية تصبح ممثلة‬
‫لرأي األقلية‪ ،‬وممثلة لحل ال يلقى قبول األغلبية‪ ،‬وبهذا تتحول إلى أقلية سياسية‪ ،‬بجانب أنها أقلية عددية‬
‫دينية‪ .‬وتصبح تلك الجماعات أقلية سياسية تحمل مشروعا غربيا‪ ،‬بدعم غربي‪ ،‬وهو ما يكرس غربتها‪،‬‬
‫‪05‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫بل ويعمقها‪ ،‬ويجعلها غربة حقيقية عن أغلبية المجتمع‪ .‬وهنا تواجه الجماعة المسيحية الشعور‬
‫باالغتراب‪ ،‬والذي بدأ لديها كهاجس جعلها تبتعد عن الهوية اإلسالمية الجامعة‪ ،‬فإذ بهذا االغتراب يتحول‬
‫إلى واقع سياسي‪ ،‬بعد تأييدها للحل العلماني الغربي والمدعوم غربيا بحكم الهيمنة الغربية على المنطقة‪،‬‬
‫والمدعوم محليا من األنظمة االستبدادية المرفوضة شعبيا‪ ،‬والتي أسقطتها الثورات‪ .‬مما يجعل الجماعة‬
‫المسيحية في النهاية‪ ،‬في صف خيار مرفوض شعبيا‪ ،‬ومؤيدة لقوى مرفوضة شعبيا من أغلبية الجماعة‬
‫المسلمة‪ .‬فيتحول هاجس الخوف من الهوية اإلسالمية‪ ،‬إلى واقع يجعل الجماعة المسيحية بحكم اختياراتها‬
‫في مواجهة األغلبية وهويتها‪ ،‬وكأنها أصبحت في حالة عداء مع هوية أغلبية األغلبية المسلمة‪ .‬ومع ثورة‬
‫شعوب الم نطقة على أنظمة الحكم المستبدة‪ ،‬وبداية مسار الخروج من الحكم المستبد‪ ،‬كما حدث في مصر‪،‬‬
‫تصبح الجماعة المسيحية في موقف حرج‪ ،‬ألن ظهور اإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬يعني أن هوية الدولة‬
‫والمجتمع سوف تنتج في النهاية طبقا لإلرادة الشعبية الحرة‪ ،‬والتي يبدو أن أغلبها يؤيد المرجعية والهوية‬
‫اإلسالمية‪.‬‬
‫العلمانية تنقلب على مؤيديها‬
‫ومن الحالة المصرية أيضا‪ ،‬ونظرا لتوسع عملية العلمنة‪ ،‬نجد العلمانية تنقلب على مؤيديها‪،‬‬
‫وتنقلب على الجماعة المسيحية خاصة‪ .‬فتجد الجماعة المسيحية أن حرية التعبير تهدد مقدسها الديني‪ ،‬مع‬
‫تزايد الهجوم على العقائد‪ ،‬واستباحة حرمة الدين‪ .‬ثم تمر الجماعة المسيحية في مصر بتجربة المواجهة‬
‫مع أسس القوانين الوضعية‪ ،‬والتي ال تعترف للدين بحرمة‪ ،‬فإذ بها ال تستطيع تطبيق ما تراه صحيحا في‬
‫شريعتها المسيحية في األحوال الشخصية‪ ،‬إال بدعم من المرجعية اإلسالمية‪ .‬فتجد الجماعة المسيحية أن‬
‫العلمنة وما تمثله من أسس وضعية للقانون‪ ،‬كافية لخرق أي قداسة للمعتقد الديني‪ .‬ولكن الجماعة‬
‫المسيحية والتي تؤيد العلمانية‪ ،‬تظن أن دور العلمانية يظل بعيدا عن المجال الديني‪ ،‬وأن المجال الديني لن‬
‫يخضع للدولة أو النظام السياسي‪ ،‬فتجد أن أي نظام يجب أن يخضع له كل مجاالت الحياة‪ ،‬بما فيها‬
‫المجال الديني‪ .‬ويتضح أن النظام اإلسالمي ينظم المجال الديني‪ ،‬ويعطي له القداسة‪ ،‬ويعتبره أعلى من‬
‫القوانين والدستور‪ ،‬لذا تعد الشريعة في المنظومة اإلسالمية هي المرجعية العليا ألب القوانين أي‬
‫الدستور‪ .‬وعندما تريد الجماعة المسيحية في مصر حماية قداسة المسيحية‪ ،‬وقداسة شريعتها‪ ،‬نجدها تتجه‬
‫إلى الشريعة اإلسالمية طلبا للحماية‪.‬‬
‫وبهذا تقع الجماعات المسيحية في صلب المشكلة‪ ،‬وتصبح في مواجهة النيران‪ ،‬وفي مقدمة مشهد‬
‫معركة الهوية‪ .‬فهي جماعات اختار أغلبها الهوية القومية‪ ،‬ثم شعر بخطر أن تكون اإلسالمية مكون لهوية‬
‫قومية‪ ،‬حيث تتحول إلى نمط ظاهر طاغي‪ ،‬ثم لم تجد إال الحل العلماني‪ ،‬فإذ به يمس مقدسها الديني‪ ،‬ولم‬
‫تجد إال السند الغربي‪ ،‬فإذ به يجعلها في مواجهة مع أغلبية مجتمعاتها‪.‬‬
‫مرحلة المراجعة المؤجلة‬
‫لهذا تصبح الجماعات المسيحية نموذجا للجماعات التي هربت من الهوية اإلسالمية الجامعة‪،‬‬
‫خوفا على هويتها وتميزها‪ ،‬واعتبرت نفسها جماعة معرضة للخطر بسبب الهوية اإلسالمية‪ ،‬فإذ بها‬
‫تتعرض للخطر الفعلي بسبب توجها القومي‪ ،‬وتوجها العلماني‪ ،‬وطلبها للدعم الغربي‪ .‬فهاجس الخوف‬
‫لدى أغلب الجماعات المسيحية‪ ،‬دفعها إلى تعريض نفسها لمخاطر حقيقية‪ ،‬هربا من مخاطر مفترضة‪.‬‬
‫‪06‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫ولم يعد أمام الجماعات المسيحية إال العودة لتبيان واكتشاف موضعها داخل الهوية اإلسالمية‪ ،‬لتختبر تلك‬
‫المخاوف التي سيطرت عليها‪ ،‬وترى إذا كانت حقيقية أم ال‪ ،‬وتختبر ما إذا كانت حتمية أم ال‪ .‬ولكن‬
‫الجماعات المسيحية تسير بالقصور الذاتي لفترات تطول أو تقصر‪ ،‬وتتمادى في التوجه القومي العلماني‪،‬‬
‫وتتمادى أيضا في مساندة النخب العلمانية وفي طلب الدعم الغربي أحيانا‪ ،‬قبل أن تصل لمرحلة الخطر‬
‫الحقيقي‪ ،‬وتبدأ في إعادة النظر مرة أخرى في مسيرتها نحو القومية والعلمانية الغربية‪ ،‬وتحاول أن تعيد‬
‫النظر في الهوية اإلسالمية الجامعة‪ ،‬والتي قد تكون المنقذ األخير للجماعات المسيحية‪ ،‬والذي ظنت تلك‬
‫الجماعات أنها تمثل خطرا عليها‪.‬‬
‫ومع تفجر الثورات الشعبية‪ ،‬وما يحدث فيها من تالحم شعبي واسع‪ ،‬تبدأ مرحلة إلعادة النظر من‬
‫قبل الجماعات المسيحية‪ ،‬ولكنها مرحلة سوف تستغرق وقتا‪ ،‬حتى تدرك الجماعات المسيحية أن توافقها‬
‫على الهوية الجامعة والسائدة في مجتمعها‪ ،‬هو الذي يحمي تميزها‪ ،‬ويعمق دورها‪ ،‬وليس اختالفها مع‬
‫الهوية السائدة لدى األغلبية‪ .‬حيث نجد أن الجماعات المسيحية أو بعضها ينظر للثورات الشعبية بوصفها‬
‫حركة تحرر قومي قطري‪ ،‬يمكن أن تؤدي إلى بناء دولة علمانية‪ .‬وهو ما يعيد إنتاج مشكلة الهوية مرة‬
‫أخرى‪ .‬لذا تندفع الجماعات المسيحية بعد الثورات نحو الحل العلماني أكثر‪ ،‬مما يؤدي إلى بروز مشهد‬
‫التفكك داخل الوطن أكثر‪ ،‬وتحدث حالة من االندفاع نحو المواجهة بين مكونات المجتمع‪ ،‬تبعا للهوية التي‬
‫تختارها‪ .‬وكأن عملية الخروج من حالة التفكك في حد ذاتها‪ ،‬تنتج نزاعا داخليا أصعب‪ .‬مما يشكل ملمح‬
‫رئيس لمرحلة ما بين الهبوط والصعود الحضاري‪ ،‬وهو ملمح التدافع الشديد بين عوامل التفكك والتوحد‪،‬‬
‫وبين الرؤى المختلفة حول الهوية‪.‬‬

‫(‪) 4‬‬
‫انشطار القومية‬
‫تحت مظلة القومية‪ ،‬أسست دول بحدود مصطنعة‪ ،‬وحاولت كل دولة بناء نفسها كدولة قومية‬
‫قطرية‪ ،‬تستند على العلمانية‪ ،‬وتبحث عن الدعم الغربي‪ .‬تلك كانت حالة أغلب الدول العربية واإلسالمية‬
‫بعد االستقالل عن االستعمار العسكري الغربي‪ .‬ولكن حلم الدولة الحديثة‪ ،‬التي تقام على النموذج الغربي‪،‬‬
‫لم يستطع تعميق االستناد إلى القومية كهوية وحيدة له‪ .‬فداخل حدود كل دولة تزدهر قوميات فرعية‪ ،‬أو‬
‫جماعات لها قومية مختلفة‪ .‬ولم تستطع الدولة القومية سحق االختالفات القومية‪ ،‬وتوحيد الشعب في قومية‬
‫واحدة كما فعلت الدول الغربية‪ ،‬عندما ظهرت وأسست الدول بحدودها المعاصرة‪.‬‬
‫تلك قصة مهمة‪ ،‬ففي الغرب قامت دول على حدود معينة‪ ،‬وبداخلها تعدد عرقي وقومي‪ ،‬ولكن‬
‫الدولة سحقت أو أذابت الفروق القومية الداخلية‪ ،‬واستجاب المجتمع لها في بعض األحيان‪ ،‬وظلت بعض‬
‫المناطق تشهد حركات قومية انفصالية‪ ،‬ولكن في غالب التجارب الغربية‪ ،‬نجحت الدولة في توحيد قومية‬
‫الشعب الذي تحكمه‪ ،‬إما قصرا أو رضاء‪ .‬والسبب في ذلك يرجع إلى حالة المجتمعات ما قبل بناء الدولة‬
‫الغربية الحديثة‪ ،‬فقد قامت الدولة ببناء المجتمع‪ ،‬وحددت له هوية وقومية ووحدته‪ ،‬ومن ثم حددت له‬
‫حدوده الجغرافية‪ .‬وكأن قيام الدولة الحديثة كان الحتياج ضمني لدى المجتمعات الغربية‪ ،‬مما ساعد على‬
‫قيام الدولة القومية‪ ،‬وساعد على توحيد القومية بداخلها‪.‬‬
‫‪07‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫ولكن الصورة في البالد العربية واإلسالمية كانت مختلفة‪ .‬فقد كانت الدولة اإلسالمية تضم‬
‫القوميات دون أن تسحقها أو تذيبها‪ ،‬بل ظلت القوميات تمثل جانبا من التنوع الداخلي في الدولة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬ولكن تنوع القوميات لم ينفي انتمائها جميعا إلى دولة واحدة‪ .‬وبهذا كانت الدولة اإلسالمية‬
‫العابرة للقومية‪ ،‬تستند لتنوعها الداخلي‪ ،‬وتستند لتعدد القومية‪ ،‬وال تحتاج للقضاء على هذا التنوع‪ .‬وكانت‬
‫كل القوميات متساوية داخل الدولة اإلسالمية‪ ،‬من حيث أن أيا منها كان يمكن أن يقوم بدور قيادي‪،‬‬
‫وتتغير تلك األدوار على مر التاريخ‪ .‬وبهذا ظلت الهويات القومية حاضرة‪ ،‬دون أن تمثل الهوية العليا‪ ،‬بل‬
‫ظلت هويات فرعية داخل إطار الهوية الواحدة اإلسالمية‪.‬‬
‫وعندما ق امت الدولة القومية في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬لم تستطع توحيد شعبها داخل قومية‬
‫واحدة‪ ،‬إال ما كان منها موحدا‪ ،‬رغم عدم وجود مجتمع متجانس تماما‪ .‬ولم تقبل القوميات الفرعية عملية‬
‫اإلذابة اإلجبارية أو االختيارية‪ ،‬ألن القوميات والهويات الفرعية ظلت حاضرة في النموذج اإلسالمي‪،‬‬
‫الذي لم يحتاج إلذابتها أو قهرها‪ .‬وهنا برزت المشكلة‪ ،‬فالدول القومية في البالد العربية واإلسالمية لم‬
‫تقيم مجتمعا قوميا‪ ،‬يستند لقومية محددة‪ ،‬ويرى في الدولة تعبيرا عن تلك القومية‪ ،‬بل قامت الدول القومية‬
‫كبناء فوقي مفروض‪ ،‬فرضه االستعمار وتبنته النخب الحاكمة التي ورثت دولة االستعمار‪ .‬ومن هنا‬
‫أصبحنا أمام دول قومية قابلة لالنشطار‪.‬‬
‫تفكك الدول‬
‫ظاهرة تفكك بعض الدول العربية أو اإلسالمية‪ ،‬تدل أوال على أن الخيار القومي لم يكن خيارا‬
‫معبرا عن الجماهير‪ ،‬وتدل ثانيا على أنه لم يكن أصال خيارا بل فرضا‪ ،‬ولهذا لم تنتج الدولة القومية‬
‫مجتمعا قوميا‪ ،‬يرى فيها تعبيرا عنه‪ .‬ولم تستطع الدولة القومية صهر كل مجتمعها في بوتقة واحدة‪،‬‬
‫وإذابة كل التنوع الداخلي به‪ ،‬وظلت الدولة القومية حالة افتراضية‪ ،‬ال تمثل حالة المجتمع‪ ،‬بل تمثل حالة‬
‫ظاهرية‪ ،‬تدل في شكلها الخارجي على وجود وحدة قومية داخلية‪ ،‬ولكن في الحقيقة نجد أن الدولة تفشل‬
‫في تحقيق تلك الوحدة على مستوى المجتمع‪ ،‬وعندما تضعف الدولة‪ ،‬نجد أنفسنا أمام تفكك قومي داخلي‪،‬‬
‫يمزق الدولة ويمزق المجتمع أيضا‪.‬‬
‫والداللة المهمة لهذا الواقع‪ ،‬أن الدولة القومية لم تكن احتياجا أو اختيارا‪ ،‬ولم تكن نموذجا مناسبا‬
‫ألوضاع الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬أو على وجه الدقة لم تكن نموذجا مناسبا للمجتمعات العربية‬
‫واإلسالمية‪ .‬ولهذا لم تندمج فيها المجتمعات‪ ،‬ولم تنصهر التنويعات الداخلية في إطار الدولة القومية‪ ،‬ولم‬
‫تستطع الدولة القومية تأسيس نموذج قومي موحد لها‪ ،‬أي لم تستطع تخليق نموذج ونمط موحد‪ ،‬يدل على‬
‫قومية واحدة‪ ،‬كما حدث في الغرب‪ .‬ومن هنا ظهر أن المجتمعات لم تستجب لفكرة الدولة القومية‪ ،‬ولم‬
‫تجد حاجة لها‪ ،‬ولم تجد فيها مستقبال مشرقا‪ ،‬حتى تخضع المجتمعات للدولة القومية‪ ،‬وتقبل النمط القومي‬
‫الذي تفرضه الدولة على كل المجتمع‪.‬‬
‫األركراد نموذجا‬
‫كانت دولة العراق تبدو وكأنا دولة واحدة‪ ،‬وكأنها قومية واحدة‪ ،‬وإذا بها تتفكك وتظهر حقيقة‬
‫المجتمع داخلها‪ ،‬فإذ بالمجتمع نفسه مفكك‪ .‬وكأن تفكك المجتمع لم يتم معالجته بالقوة الجبرية‪ ،‬فظل‬
‫المجتمع مفككا‪ ،‬وعندما ضعفت الدولة‪ ،‬ظهر المجتمع المفكك‪ .‬ويمكن القول‪ :‬بأن المجتمع المفكك هدم‬
‫‪08‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫أسس الدولة‪ ،‬وجعلها دولة قابلة للتفكك والتصدع‪ ،‬وعندما جاءت الظروف المناسبة سقطت الدولة‪ ،‬فظهر‬
‫المجتمع وكأنه مجتمعا غريبا عن تلك الدولة التي كانت قائمة‪ ،‬فإذ به مجتمع الطوائف‪ ،‬التي لم تنصهر في‬
‫بوتقة واحدة‪ .‬وتأكدت هنا حقيقة أن القومية العراقية‪ ،‬بوصفها أحدى القوميات العربية‪ ،‬لم تستطع صهر‬
‫كل شعب العراق في نموذج ونمط واحد وموحد‪ ،‬بل ظل التنوع الداخلي في المجتمع العراقي قائما‪ .‬ولكن‬
‫الدولة القومية العراقية‪ ،‬لم تستطع إدارة هذا التنوع الداخلي داخل إطار الوحدة‪ ،‬على حسب النموذج‬
‫اإلسالمي‪ ،‬ولكن حاولت الدولة العراقية سحق التنوع الداخلي داخل إطار القومية‪ ،‬على حسب النموذج‬
‫الغربي‪ .‬وثبت أن مكونات األمة اإلسالمية ال تقبل الصهر واالنسحاق القومي‪ ،‬ولكنها تقبل التوحد القائم‬
‫على التنوع في إطار الوحدة‪ ،‬حسب النموذج اإلسالمي‪ .‬وبهذا أظهرت القوميات والجماعات المكونة‬
‫للعراق‪ ،‬أنها غير قابلة للصهر‪ ،‬وأنها تمثل كيانات لها تميزها‪ ،‬وأنها ال تقبل الصهر داخل إطار قومي‬
‫يفرض عليها‪ .‬فالدولة اإلسالمية لم تفرض إطارا قوميا على الجماعات المكونة لها‪ ،‬بل نظمتها داخل‬
‫إطار حضاري جامع‪ ،‬يتمثل في منظومة القيم اإلسالمية الحاكمة‪ ،‬وبهذا توحدت تلك المكونات في إطار‬
‫القيم‪ ،‬وليس في إطار القومية‪ .‬والفرق بين القيم وهي معنوية‪ ،‬وبين القومية وهي تقوم على أساس‬
‫بيولوجي وعرقي‪ ،‬كبير‪ .‬والجماعات التي تقبل إطار القيم الجامعة‪ ،‬لم تقبل إطار القومية الذي يسحق‬
‫الفروق الفرعية‪ ،‬ويفرض سطوة قومية على القوميات األخرى‪.‬‬
‫الحلم الكردي‬
‫كان من الطبيعي أن تتمرد األقلية الكردية داخل الدولة العراقية‪ ،‬فقد قامت الدولة العراقية على‬
‫قومية محددة‪ ،‬ومعنى هذا أن تفرض تلك القومية على القوميات األخرى‪ .‬والنموذج القومي للدولة‪ ،‬يحدد‬
‫لها عرق ولغة ودين ومذهب‪ ،‬ويفرض ذلك على الجميع‪ ،‬وكل من يختلف مع تلك المواصفات القومية‬
‫يصبح حالة شاذة‪ ،‬وعليه الخضوع للحالة العامة‪ ،‬حتى يتمتع بحقوقه كاملة‪ .‬وتلك هي حالة المجتمعات‬
‫الغربية‪ ،‬والتي تفرض نموذجا ونمطا قوميا في الحياة‪ ،‬وتطلب من كل المجتمع االلتزام به‪ ،‬بما في ذلك‬
‫الجاليات األجنبية‪ .‬ولكن الدولة القومية التي قامت في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬وألنها لم تقم بسبب حاجة‬
‫مجتمعية‪ ،‬لذا لم تستطع إقناع المجتمع بالخضوع لقومية األغلبية‪ ،‬أو قومية األقلية الحاكمة‪ .‬وهنا برزت‬
‫حركات االنفصال‪ ،‬كتعبير عن رفض القوميات المحكومة‪ ،‬لحكم القومية الحاكمة‪.‬‬
‫فعندما يؤسس العراق الحديث على القومية العربية‪ ،‬تصبح األقلية الكردية خارج إطار تلك‬
‫القومية الوطنية‪ ،‬ويصبح عليها الخضوع للقومية الحاكمة‪ ،‬والتغاضي عن تميزها وعن لغتها وعن‬
‫تاريخها‪ ،‬لمصلحة القومية الحاكمة‪ .‬وهذا وضع يتناقض مع الموروث اإلسالمي‪ ،‬والذي جعل الحضارة‬
‫اإلسالمية كمنظومة قيم ومبادئ وأحكام‪ ،‬هي اإلطار الجامع لكل القوميات‪ ،‬دون صهر أو سحق لتلك‬
‫القوميات‪ ،‬وظلت القوميات تتمتع باالستقالل الداخلي والتميز الداخلي‪ ،‬في إطار المنظومة الحاكمة‪ .‬ولكن‬
‫عندما تصبح الدولة قومية مثل العراق العربي‪ ،‬يجد األكراد أنفسهم أمام قومية حاكمة تفرض عليهم‪ .‬فيبدأ‬
‫حلم االنفصال يداعبهم‪ .‬فلماذا ال تكون لهم دولة خاصة‪ ،‬وتكون لهم دولة قومية‪ ،‬ولماذا تفرض عليهم‬
‫قومية أخرى؟ ولماذا ال يكون لهم الحق في بناء دولة مستقلة‪ ،‬مادامت األمة قد تفككت؟ وهو حلم ليس‬
‫مشروعا بالنسبة للدولة القومية‪ ،‬ولكنه نتاجا طبيعيا ومنطقيا لحالة الدول القومية التي ورثت الدولة‬
‫اإلسالمية‪.‬‬

‫‪09‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬
‫تفكيك القومية بالقومية‬

‫كما قامت الدول القومية على أنقاض الدولة اإلسالمية وفككتها‪ ،‬وبنفس الطريقة والمنهج‪ ،‬تظهر‬
‫حركات االنفصال لتفكك الدول القومية‪ .‬وإذا كانت الدولة القومية قد استندت على تقليد النموذج الغربي‪،‬‬
‫واستند ت على العلمانية السياسية وربما الثقافية والحضارية أيضا‪ ،‬واستندت كذلك على الدعم الغربي‪،‬‬
‫هكذا تظهر حركات االنفصال مستندة على القومية والعلمانية والدعم الغربي‪ ،‬لتفكك الدولة القومية‬
‫القائمة‪ ،‬وتحولها إلى دويالت‪ .‬فكما قامت الدولة العراقية تحت حكم البعث‪ ،‬على النموذج العلماني‬
‫القومي‪ ،‬وعملت من خالل السند الخارجي‪ ،‬هكذا يقوم الحلم الكردي ببناء دولة مستقلة لألكراد على نفس‬
‫المبررات المؤسسة للدولة العراقية‪ .‬والحلم الكردي يتجاوز العراق إلى تركيا وإيران وسوريا‪ ،‬وهو بهذا‬
‫يهدد عدة دول قومية‪ ،‬وتبرز هنا أهمية التحدي الكردي‪ ،‬خاصة وأن إيران تمثل دولة تعلن المرجعية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وتركيا تتحول عن العلمانية المتطرفة‪ ،‬وتقترب من الهوية اإلسالمية‪ .‬ومعنى هذا‪ ،‬أن التحدي‬
‫الكردي يقع في منطقة تشهد تحوالت حول الفكرة القومية‪ ،‬في حين أن التحدي الكردي نفسه يعمل على‬
‫تعميق الحالة القومية‪ ،‬وتكريس تفكيك األمة‪ .‬ومن هنا يصبح النموذج الكردي مهما‪ ،‬ويمثل حالة تحدي‬
‫حقيقي تواجه األمة‪.‬‬
‫ولكن الحلم الكردي‪ ،‬يمثل إعادة إنتاج للدولة القومية التي فككت األمة وأضعفتها وجعلتها تابعة‬
‫للهيمنة الغربية‪ .‬والطريقة التي يشق بها األكراد طريقهم لبناء دولة‪ ،‬هي نفس الطريقة التي أقامت الدولة‬
‫القومية الضعيفة والمفككة‪ .‬ومعنى هذا‪ ،‬أن األكراد في الواقع يبنون دولة أخرى قومية‪ ،‬لها سند قومي‬
‫علماني وافد‪ ،‬وتقوم على تقليد الغرب‪ ،‬والتبعية له‪ .‬وإذا كانت الدولة القومية مثل العراق‪ ،‬لم تقدم نموذجا‬
‫ناجحا‪ ،‬فإن الدولة الكردية المنشودة‪ ،‬لن تقدم إال نفس النموذج‪ ،‬الذي قد يبدأ قويا أو مزدهرا‪ ،‬ثم يصبح‬
‫نموذجا فاشال‪ ،‬ألنه ليس نموذجا يعبر عن الموروث التاريخي والحضاري‪ ،‬ولكنه نموذج يقلد قوى الهيمنة‬
‫الخارجية‪ ،‬فيسقط تحت هيمنتها ويتحول إلى نموذج الدولة التابعة‪ ،‬والتي تتحول بالضرورة إلى دولة‬
‫فاشلة‪ .‬وبهذا يخرج من نموذج الدولة العراقية التي فشلت‪ ،‬نموذج لدولة كردية منشودة‪ ،‬ومعرضة لنفس‬
‫الفشل‪.‬‬
‫ومع قيام حركات االنفصال في العراق والسودان وغيرها‪ ،‬نجد أننا بصدد مرحلة الدويالت‬
‫القومية الهشة‪ ،‬بعد مرحلة الدول القومية التابعة‪ ،‬وهو ما يؤدي إلى تعميق حالة تفكك األمة‪ ،‬وفي نفس‬
‫ال وقت يؤدي إلى إفشال النموذج الغربي للدولة‪ ،‬وتحويله إلى نموذج للدولة الفاشلة‪ ،‬وبهذا يسقط البديل‬
‫الغربي‪ ،‬لصالح الموروث الحضاري‪ .‬ففي عمق تجربة التفكك‪ ،‬يتأكد فشل كل تجارب الدولة القطرية‪،‬‬
‫حتى تفشل فكرة القومية والقطرية بالكامل‪ ،‬ويفشل معها الحل العلماني‪ ،‬كما يفشل نموذج االعتماد على‬
‫الدعم الغربي‪.‬‬

‫(‪) 5‬‬
‫البحث عن القومية من جديد‬
‫مع خضوع الدول العربية واإلسالمية في مجملها لنموذج الدولة القومية العلمانية‪ ،‬بدرجات‬
‫متفاوتة‪ ،‬أصبحت تلك الدول خاضعة للهيمنة الغربية بقيادة أمريكا‪ ،‬بصورة تنزع منها أي درجة من‬
‫‪31‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫االستقالل‪ .‬وعندما بدأت بعض الدول تحاول اإلفالت من الهيمنة الغربية‪ ،‬لم تجد أمامها إال الدولة القومية‬
‫كوعاء لحركتها‪ .‬فبعد السقوط الكامل تحت الهيمنة الغربية‪ ،‬أصبحت محاوالت االستقالل أو حتى‬
‫محاوالت تحسين شروط العالقة مع الغرب‪ ،‬ال تجد إال النموذج القائم للدولة‪ ،‬حتى تتحرك من خالله‪.‬‬
‫وهي لحظة تشابه تلك اللحظة التي مرت بها أوطان األمة عند محاولة تحقيق االستقالل من االستعمار‬
‫العسكري الغربي‪ ،‬في منتصف القرن العشرين‪.‬‬
‫فمحاولة التحرر األولى‪ ،‬قامت من خالل الفكرة الوطنية‪ ،‬والتي لم تكن في بدايتها بديال عن‬
‫الفكرة اإلسالمية أو الجامعة اإلسالمية‪ ،‬ولكنها أصبحت في نهايتها بديال عنها‪ .‬فقد تحركت قوى التحرر‬
‫من داخل اإلطار الوطني‪ ،‬حتى حققت االستقالل من داخل الدولة القومية العلمانية‪ ،‬وأصبحت الوطنية‬
‫والقومية هي اإلطار الوحيد للهوية‪ .‬ثم سقطت تلك الدول القومية واحدة بعد األخرى داخل الهيمنة‬
‫الغربية‪ ،‬حتى بات االستقالل حلما لم يتحقق‪ ،‬وكل ما تغير هو نوع االستعمار‪ ،‬فبعد سيادة االستعمار‬
‫المباشر‪ ،‬بدأ عصر االستعمار غير المباشر‪.‬‬
‫فلم تكن الوطنية كافية لتحقيق االستقالل‪ ،‬ولم تستطع الدولة القومية العلمانية كنموذج تحقيق‬
‫االستقالل أو الحفاظ عليه‪ .‬وبعد سيادة الهيمنة الغربية على اإلقليم العربي واإلسالمي‪ ،‬أصبحت الدولة‬
‫القومية واقعا متحققا على األرض‪ ،‬وأي حركة للتحرر من النموذج الغربي أو الهيمنة الغربية‪ ،‬سوف تبدأ‬
‫ضمنا من داخل اإلطار القومي للدولة‪ ،‬أي من خالل نموذج الدولة المستمد من التجربة الغربية‪ ،‬والذي‬
‫يقوم على الهوي ة القومية‪ .‬ولكن مسار تلك التجارب‪ ،‬قد يفضي إلى إعادة إنتاج النموذج القومي مرة‬
‫أخرى‪ ،‬ومن ثم قد يمهد المتداد الهيمنة الغربية‪ ،‬ألنها تعتمد على النموذج السياسي المستمد من تجربتها‪،‬‬
‫كمعبر لفرض هيمنتها‪ .‬وقد تؤدي تلك التجارب إلى الخروج من الهيمنة الغربية‪ ،‬وتصبح عملية التحرر‬
‫في هذه المرة‪ ،‬تحدث من داخل الدولة القومية‪ ،‬ولكن بغرض تجاوزها إلى الدولة الحضارية اإلسالمية‪،‬‬
‫والقادرة على بناء نموذج مستقل‪ ،‬والقادرة أيضا على تحقيق الوحدة اإلسالمية‪ ،‬والتي تعد السبيل األساسي‬
‫لبناء النهوض اإلسالمي‪.‬‬
‫إيران اإلسالمية‪ ..‬قومية‬
‫حدث أ ول خروج كبير وجذري من الهيمنة الغربية في إيران‪ ،‬فقد كانت إيران أقرب إلى المحمية‬
‫الغربية‪ ،‬المتحالفة مع المحور األمريكي اإلسرائيلي‪ ،‬فكانت تعد نموذجا للدولة القومية العلمانية التابعة‪.‬‬
‫وعندما قامت الثورة اإلسالمية‪ ،‬في عام ‪ ،0979‬قلبت تلك المعادلة مرة واحدة‪ .‬وقد كان قيام الثورة‬
‫اإليرانية سابق لجملة التحوالت التي حدثت بعد ذلك في اإلقليم العربي اإلسالمي‪ ،‬خاصة بعد عام ‪،3111‬‬
‫والذي شهد بداية االنتفاضة الثانية في فلسطين المحتلة‪ .‬إذن يمكن القول‪ :‬أن الثورة اإليرانية كانت تمردا‬
‫مبكرا على الهيمنة الغربية‪ ،‬واألمريكية خاصة‪ ،‬وكانت في الوقت نفسه تمردا كامال‪.‬‬
‫والثورة اإليرانية أقامت دولة إسالمية‪ ،‬مرة واحدة‪ .‬وهي بهذا تمثل نموذجا ثوريا بامتياز‪ ،‬فقد‬
‫أنهت الدولة العلمانية مرة واحدة‪ ،‬وأقامت بدال منها دولة إسالمية‪ .‬ولكن ظل التحدي القومي حاضرا‪ ،‬فهل‬
‫تقييم الثورة اإلسالمية في إيران دولة إسالمية‪ ،‬أم دولة قومية إسالمية؟ والفرق بينهما كبير‪ .‬فالدولة‬
‫اإلسالمية تستند على المرجعية اإلسالمية‪ ،‬كمرجعية عليا حاكمة‪ ،‬وتعتبر القوميات جزءا من الهويات‬
‫الفرعية المشكلة لبناء األمة اإلسالمية‪ .‬وإيران بداخلها العديد من القوميات‪ ،‬فإذا أقامت دولة إسالمية‪،‬‬
‫‪30‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫سوف تصبح تلك القوميات والمذاهب‪ ،‬جزءا من التنوع الداخلي‪ ،‬في إطار المرجعية اإلسالمية‪ .‬أما إذا‬
‫أقامت الثورة اإلسالمية دولة قومية إسالمية‪ ،‬فإنها بهذا تصبح دولة مستندة على المرجعية القومية‬
‫والمذهبية في آن واحد‪ .‬ويصبح للمذهبية والقومية نفس أهمية المرجعية اإلسالمية‪ ،‬في تعريف الهوية‪.‬‬
‫وهكذا تستند الدولة على عرق ومذهب‪ ،‬كما تستند على الدين‪ ،‬وتصبح نموذجا يتخلص من العلمانية‪،‬‬
‫ولكنه ال يتخلص من النزعة القومية‪ ،‬بل ويضيف لها البعد المذهبي‪ ،‬مما يقوي من التميز القومي‪.‬‬
‫والدولة اإلسالمية تستند للمرجعية اإلسالمية فقط‪ ،‬وهي بهذا تلتزم بالقيم السياسية اإلسالمية‪ ،‬دون‬
‫أن تلتزم بمصالح قومية معينة أو مذهب معين‪ .‬ويبدو أن تلك كانت أحد مشكالت الهوية داخل الجمهورية‬
‫اإلسالمية اإليرانية بعد الثورة‪ .‬ففي الداخل اإليراني كان هناك تنوع عرقي ومذهبي‪ ،‬ولم تستطع إيران‬
‫في كل الوقت‪ ،‬التعامل مع هذا التنوع داخل إطار القيم اإلسالمية‪ ،‬وكانت في بعض األوقات تتعامل معه‬
‫في إطار قومي مذهبي‪ .‬وفي نفس الوقت‪ ،‬كانت بعض األقليات العرقية أو المذهبية‪ ،‬تتعامل مع الدولة‬
‫اإليرانية على أساس أنها دولة قومية‪ ،‬وتحاول التمرد عليها‪ ،‬أو االنفصال عنها‪.‬‬
‫وقد دخلت إيران في مواجهات مع الدول المجاورة‪ ،‬وكان البعد المذهبي حاضرا فيها‪ ،‬مثل‬
‫عالقتها مع أفغانستان في فترة حكم طالبان‪ .‬فقد حضر البعد المذهبي في تلك العالقة‪ ،‬رغم أن كل منهما‬
‫كان يرفع شعار الدولة اإلسالمية‪ .‬ثم ظهرت عالقة إيران بالعراق بعد االحتالل األمريكي له‪ ،‬في صورة‬
‫مذهبية‪ .‬رغم أن الصورة األولى للثورة اإليرانية اإلسالمية‪ ،‬والتي قامت على مبدأ تصدير الثورة‪ ،‬كانت‬
‫تقدم مشهدا ثوريا إسالميا‪ ،‬يهدف لتحقيق تحول إسالمي في النظم السياسية في البالد العربية واإلسالمية‪.‬‬
‫ومنذ اليوم األول‪ ،‬أعلنت إيران موقفها المساند لكامل الحق الفلسطيني‪ ،‬وساندت حركات المقاومة‪ ،‬وفي‬
‫البداية ساندت إيران منظمة التحرير الفلسطينية‪ ،‬ثم ابتعدت عنها مع تحول المنظمة للعملية السلمية‪ ،‬ثم‬
‫ساندت إيران حركات المقاومة‪ ،‬خاصة الحركات اإلسالمية‪ ،‬مثل حركة حماس‪ ،‬وهي حركة سنية‪ .‬وهنا‬
‫تؤكد إيران على موقفها اإلسالمي‪ ،‬المتجاوز للقومية والمذهبية‪.‬‬
‫يضاف لهذا‪ ،‬أن الثورة اإليرانية قوبلت بالعداء من معظم الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬خاصة تلك‬
‫الدول التي ترتبط بالحلف الغربي‪ ،‬تحت القيادة األمريكية‪ ،‬لذا لم تكن العالقة بين دولة إيران اإلسالمية‬
‫وال دول المحيطة بها‪ ،‬تسمح بالتفاعل اإليجابي‪ ،‬والذي يمكن أن يقوي البعد اإلسالمي‪ ،‬على حساب البعد‬
‫القومي‪ .‬فالمناخ المحيط بإيران‪ ،‬كان يدفعها لتعظيم البعد القومي المذهبي‪ ،‬على حساب البعد اإلسالمي‪،‬‬
‫في العديد من المراحل والمواقف‪ .‬ومن جانب آخر‪ ،‬يالحظ أن البعد المذهبي‪ ،‬قد قوى من حضور البعد‬
‫القومي‪ .‬فاالرتباط بين المذهبية والقومية‪ ،‬جعل القومية تحضر من خالل المذهبية‪ ،‬والمذهبية حضرت من‬
‫خالل البعد اإلسالمي‪ ،‬لهذا كانت الهوية اإلسالمية إليران‪ ،‬تظهر نفسها في الصورة المذهبية‪ ،‬فإذ بها‬
‫تكتسب الصورة القومية في النهاية‪.‬‬
‫لذا يمكن القول بأن إيران خرجت من العباءة العلمانية بالكامل‪ ،‬وخرجت من التبعية الغربية‪ ،‬ولم‬
‫تخرج بالكامل من النموذج القومي‪ .‬مما يعني أن أي تحوالت تحدث في الدول القائمة‪ ،‬تمر بمرحلة تستمر‬
‫فيها النزعة القومية‪ ،‬والتي ال يمكن التخلص بكامل منها‪ .‬وتبقى المشكلة تتمثل في تلك المرحلة البينية‬
‫الجديدة‪ ،‬والتي تفصل بين الدولة القومية العلمانية الخاضعة للغرب والدولة اإلسالمية المستقلة حضاريا‬
‫والعابرة للقومية‪ ،‬وهي مرحلة الدولة القومية الجديدة التي تخرج من المظلة الغربية‪ ،‬وتواجه النزعة‬
‫‪33‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫القومية أو حالة التفكك‪ ،‬ويكون عليها الخروج من تلك النزعة القومية التي أسست لتفكك األمة‪ ،‬أو البقاء‬
‫في تلك الحالة‪ ،‬فتعيد تكريس تفكك األمة من جديد‪.‬‬
‫ترركيا القومية‪ ..‬إسالمية‬
‫مع التجربة الممتدة للتيار اإلسالمي في تركيا‪ ،‬والتي حاول فيها اختراق الطبقة السياسية‬
‫والوصول للحكم‪ ،‬تحت عناوين مختلفة ليس من بينها العنوان اإلسالمي‪ ،‬ألنه مجرم بحكم العلمانية‬
‫الطاغية‪ ،‬وصل حزب العدالة والتنمية التركي إلى الحكم بأغلبية مريحة في عام ‪ ،3113‬وتكررت تلك‬
‫األغلبية‪ ،‬مما سمح له بالوجود المستقر في الحكم‪ .‬وحزب العدالة والتنمية‪ ،‬حاول تحويل تركيا المنعزلة‬
‫والتابعة والضعيفة‪ ،‬إلى تركيا القوية والمؤثرة والفاعلة‪ ،‬ولكنه احتفظ بالنموذج القومي العلماني‪ ،‬واحتفظ‬
‫أيضا بالعالقات مع الغرب‪ .‬وهنا نرى محاولة أخرى لتحقيق التغيير واإلصالح‪ ،‬من داخل النموذج‬
‫القومي العلماني‪ ،‬بكل ما يعينه من ارتباط بالدول الغربية‪.‬‬
‫فلم يجد حزب العدالة والتنمية أي مفر يسمح له بالخروج من نموذج الدولة القومية‪ ،‬ولم يجد أيضا‬
‫مهربا من المرجعية العلمانية‪ ،‬فأصبحت الدولة القومية العلمانية هي الممر لتحقيق التقدم وبناء الدولة‬
‫القوية‪ .‬ولكن حلم بناء الدولة القوية الحديثة من خالل النموذج القومي العلماني‪ ،‬هو نفس حلم حركات‬
‫التحرر الوطني في منتصف القرن العشرين‪ ،‬ولكن حزب العدالة والتنمية لم يجد طريقا آخر‪ .‬وكأن‬
‫اإلصالح والتغيير لن يتحقق إال من خالل الدولة القائمة أوال‪ ،‬حتى يمكن تجاوز نموذج الدولة القائمة‪ ،‬إلى‬
‫نموذج آخر‪ ،‬يمهد إلعادة بناء النموذج اإلسالمي للدولة‪ .‬ولكن هذه التجربة قد تعني أيضا‪ ،‬أن عدم القدرة‬
‫على استعادة الدولة اإلسالمية‪ ،‬أصبحت مبررا إلعادة بناء الدولة القومية العلمانية ولكن بصورة‬
‫ديمقراطية‪ ،‬وأكثر تقدما‪ .‬وهنا نصبح بصدد محاولة إلعادة بناء النموذج الغربي للدولة‪ ،‬وهو النموذج‬
‫الذي بناه االستعمار في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬والذي سمح له بفرض هيمنته على المنطقة‪.‬‬
‫ومرة أخرى نجد أنفسنا أمام نموذج يقوم على القومية‪ ،‬وأيضا على العلمانية‪ ،‬ويمثل مرحلة بينية‪،‬‬
‫قد تعيد تكريس الوضع القائم قبلها‪ ،‬ولكن ربما بشروط أفضل‪ ،‬أي وضع الدول القومية المفككة الخاضعة‬
‫للهيمنة الغربية‪ ،‬وقد تسمح بمرحلة انتقالية تمهد لبنا النموذج اإلسالمي للدولة والقائم على الوحدة والعابر‬
‫للقوميات‪.‬‬
‫والمهم في تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا‪ ،‬أنه حاول تمرير سياسات ذات بعد إسالمي‪ ،‬أو‬
‫مقبولة إسالميا‪ ،‬من داخل الوعاء القومي العلماني‪ ،‬وهو بهذا قدم نموذجا مقابل النموذج اإليراني‪ ،‬الذي‬
‫قام عل ى األسس اإلسالمية‪ ،‬ومرر بعض السياسات القومية والمذهبية من خالل الوعاء اإلسالمي‪ .‬وفي‬
‫مسار حزب العدالة والتنمية‪ ،‬سنجد موقفه من القضية الفلسطينية يمثل محاول لتمرير سياسات مقبولة‬
‫إسالميا‪ ،‬ولكن من خالل دولة علمانية مرتبطة بالغرب‪ ،‬ال تستطيع الدفاع عن الحق الفلسطيني والعربي‬
‫واإلسالمي في كامل التراب الفلسطيني‪ ،‬ولكن تستطيع فضح الجرائم اإلسرائيلية‪ .‬وبهذا أصبحت‬
‫التحوالت يتم تمريرها من خالل االلتزام بالنموذج القومي العلماني‪ ،‬للدولة التركية‪ ،‬مع تفكيك العلمانية‬
‫المتطرفة والمؤسسات الحامية لها‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬
‫ومازالت قومية‬

‫إذن هذه محاولة أخرى لتحقيق قدر من التغيير في أوضاع اإلقليم العربي اإلسالمي‪ ،‬من خالل‬
‫النموذج العلماني القومي القائم‪ ،‬وليس بالخروج عليه‪ .‬وقد تعني تلك المحاولة‪ ،‬أن المرور إلى مرحلة‬
‫تاريخية جديدة‪ ،‬يبدأ من داخل النموذج القائم لتغييره تدريجيا‪ ،‬حتى يتحول عن ما هو قائم‪ ،‬ويصبح‬
‫نموذجا جديدا‪ .‬وفي هذه الحالة‪ ،‬نكون بصدد مرحلة إلحياء أو تنشيط القومية‪ ،‬من أجل الخروج من‬
‫الهيمنة الغربية‪ .‬ولكن هذه المرحلة قد تطول‪ ،‬وتدخل المنطقة في مرحلة قومية جديدة‪ ،‬وقد تؤدي إلى‬
‫المزيد من التفكك‪ ،‬وربما تشعل حروبا قومية‪ ،‬أو حروبا أهلية عرقية‪ .‬وهذا يتوقف على مجمل القوى التي‬
‫تدفع نحو اإلصالح‪ ،‬وتفاعلها مع القوى المهيمنة الخارجية والداخلية‪.‬‬
‫فمازال النموذج القومي حاضرا‪ ،‬وهو النموذج الذي فكك األمة‪ ،‬وكل محاولة للخروج منه‪ ،‬تبدأ‬
‫من داخله وتبدأ به‪ ،‬وقد يؤدي هذا إلى انتكاسة تاريخية‪ ،‬أو يكون مرحلة بينية تؤدي إلى الخروج من‬
‫النموذج القومي‪ .‬وهو ما تشهده دول الربيع العربي‪ ،‬فبعد الثورة تبدأ مرحلة التدافع الصريح بين النموذج‬
‫القومي العلماني القائم بالفعل‪ ،‬مع إرادة الجماهير التي تحررت‪ .‬فتحدث المواجهة بين النمط القومي‪،‬‬
‫والنمط الحضاري اإلسالمي‪ ،‬وتبدأ مرحلة التقدم إلى األمام ثم التراجع للخلف‪ ،‬نتيجة لعمق المواجهة بين‬
‫نموذجين مختلفين‪ ،‬مما يخلق حالة اضطراب‪ ،‬تصبح سمة المرحلة االنتقالية‪ .‬ولكن الحلول ذات الطابع‬
‫القومي‪ ،‬مثل النموذج اإليراني أو النموذج التركي‪ ،‬أصبحت في الواقع مرحلة تاريخية‪ ،‬مثلت نوعا من‬
‫التكيف مع غلبة النموذج القومي العرقي‪ ،‬ولم تعد بالتالي حال للمستقبل‪ ،‬بل أصبحت من الماضي‪.‬‬
‫فالجماهير المحررة سوف تفرض هويتها‪ ،‬باختيارها الحر‪ ،‬ودون قيود عليها‪ ،‬ولكن ذلك سيصنع مرحلة‬
‫من التدافع العميق بين الدولة القائمة‪ ،‬أي الدولة القومية‪ ،‬والدولة الوليدة‪ ،‬أي الدولة المستندة على‬
‫المرجعية اإلسالمية‪.‬‬

‫(‪) 6‬‬
‫الغرب يفكك الدولة القومية‬
‫يمثل العراق حالة خاصة‪ ،‬فقد قامت فيه دولة قومية علمانية قابضة‪ ،‬ولكنها لم تكن حليفة للغرب‪،‬‬
‫لذا شنت عليها الحروب المتتالية‪ ،‬حتى تصبح دولة حليفة للغرب‪ .‬ولم تكن الدول الغربية تمانع في قيام‬
‫دويالت بدال من دولة العراق الواحدة‪ .‬فالمهم أن تكون النخب الحاكمة حليفة للغرب‪ ،‬والدويالت أفضل‬
‫من الدول‪ ،‬فهي ضعيفة بحكم التكوين والنشأة‪ ،‬لذا يسهل السيطرة عليها‪ ،‬كما أنها تمثل كيانات مصطنعة‪،‬‬
‫ال تعيش إال بالدعم الخارجي‪ .‬فالدويالت تنشأ على أنقاض الدولة الوطنية‪ ،‬وتخرج من رحم الحروب‬
‫األهلية‪ ،‬وتبقى ضعيفة لحد يجعلها مهددة بالحروب األهلية والنزعات الداخلية‪ ،‬مما يجعلها دائما في حاجة‬
‫للدعم الخارجي‪.‬‬
‫دخلت القوات األمريكية العراق غازية‪ ،‬ونظرها موجه نحو بناء عراق جديد‪ ،‬يقع ضمن‬
‫المنظومة الغربية في المنطقة‪ ،‬أو ربما أكثر من عراق‪ .‬ولكنها وصلت في النهاية إلى حالة ملتبسة‪ ،‬ليس‬
‫منها مخرج‪ .‬فلم يعد العراق الموحد حاضرا بالقدر المناسب‪ ،‬وال الدويالت العراقية ممكنة بالقدر‬
‫المعقول‪ ،‬وال دولة الطوائف قادرة على الوجود والبقاء‪ .‬فما تم هدمه في العراق‪ ،‬لم يكن فقط نظاما‬
‫‪34‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫مستبدا‪ ،‬مثل غيره من النظم المستبدة‪ ،‬وغالبها متحالف مع الغرب‪ ،‬ولكن ما تم هدمه في العراق هو الدولة‬
‫القومية العلمانية‪ ،‬التي بناها الغرب االستعماري وتركها تحمي مصالحه في المنطقة‪ .‬ولم تدرك أمريكا‪،‬‬
‫أنها تفكك نموذج الدولة القومية العلمانية‪ ،‬وتثبت فشله‪ ،‬ولم تدرك أنها تفكك نموذجا قائما‪ ،‬وقد يصعب‬
‫بناء نموذج آخر مكانه‪ .‬فالهدف األمريكي توجه نحو تدمير دولة قائمة‪ ،‬وهي دولة قومية علمانية‪ ،‬وبناء‬
‫دولة أو دول مكانها‪ ،‬على نفس النمط القومي العلماني‪ .‬ولكن النتيجة النهائية‪ ،‬أوضحت وجود مشكلة في‬
‫بنية الدولة القومية العلمانية‪ ،‬لدرجة أنها سقطت‪ ،‬وأصبح من الصعب بناء دولة مثلها‪.‬‬
‫دروس العراق‬
‫العديد من الدروس تتضح من التجربة العراقية‪ .‬فالدولة القومية التي حكمت العراق‪ ،‬لم تكن‬
‫تعبيرا عن المجتمع‪ ،‬ولم تحقق وحدة المجتمع بصورة عميقة‪ ،‬بحيث عندما سقطت الدولة تفكك المجتمع‪.‬‬
‫والدولة العلمانية التي قامت في العراق‪ ،‬لم تكن تعبيرا عن المجتمع‪ ،‬وعندما سقطت بات المجتمع دينيا‬
‫وحتى طائفيا‪ ،‬وكأنه لم يكن في يوم من األيام علمانيا‪ ،‬مما يعني أن الدولة كانت علمانية‪ ،‬والمجتمع لم يكن‬
‫كذلك‪ .‬والدولة التي قامت في العراق‪ ،‬لم يدافع عنها أحد في النهاية‪ ،‬ربما ألنها كانت مستبدة‪ ،‬وربما ألنها‬
‫لم تكن مشروع المجتمع‪ ،‬بحيث يدافع عنها ويحميها‪ .‬لذا بات واضحا أن الدولة القومية العلمانية‪ ،‬بقدر ما‬
‫هي مستبدة وطاغية‪ ،‬بقدر ما هي هشة‪ ،‬في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬ألنها دولة بال جذور اجتماعية‪،‬‬
‫ولذا يسهل عليها أن تفرض سيطرتها على المجتمع‪ ،‬ألن صلتها بالمجتمع مقطوعة‪ ،‬وهي دولة غريبة‬
‫ووافدة‪ ،‬لذا يمكنها أن تفرض نفسها على المجتمع بالبطش والقوة‪ .‬ولكن في كل األحوال‪ ،‬فإن هذه الدولة‬
‫هشة‪ ،‬ألنها تفتقد ألي جذور مجتمعية‪ ،‬وليس لها قاعدة جماهيرية حقيقية‪.‬‬
‫ولعل المشهد األكثر إفصاحا عن تلك الحقيقة‪ ،‬هو الحادث يوم سقوط بغداد في يد االستعمار‬
‫األمريكي‪ ،‬فقد بدت العراق بعد ذلك دولة أخرى‪ ،‬لها مالمح مختلفة‪ ،‬ولها مالبس شعبية لم تكن ظاهرة في‬
‫المشهد الرسمي قبل ذلك‪ ،‬وفيها قيادات شعبية ودينية لم تكن حاضرة قبل ذلك‪ .‬فقد كانت دولة العراق‬
‫القومية العلمانية تحت حكم البعث‪ ،‬ترسم صورة للمجتمع الذي تريده‪ ،‬حتى وإن لم يكن حاضرا في‬
‫الواقع‪.‬‬
‫إحياء الدولة القومية‬
‫لم يستطع االستعمار األمريكي الحديث‪ ،‬بناء دولة قومية علمانية‪ ،‬كما فعل االستعمار القديم‪ ،‬فقد‬
‫أصبحت الدولة القومية العلمانية دولة مجربة‪ ،‬وقد سقطت ولم تحمي مجتمعها‪ ،‬فأصبح بناء دولة على‬
‫نفس األسس أمرا ليس له معنى اجتماعي أو تاريخي‪ .‬ولهذا أظهرت تجربة العراق‪ ،‬أن غياب الدولة‬
‫القومية يعني نهاية التجربة‪ ،‬وال يمكن إعادة التجربة نفسها مرة أخرى‪ ،‬فقد أصبحت التجربة فاشلة‪ ،‬لذا لم‬
‫يعد هناك ضرورة إلعادة بنائها من جديد‪ ،‬ولم تعد هناك رغبة في التعلق بذلك النموذج مرة أخرى‪.‬‬
‫فوجدت أمريكا نفسها تبني دولة طائفية‪ ،‬وتعيد إحياء المرجعية الطائفية المتصارعة‪ ،‬وليس من‬
‫المتوقع أن تسمح أمريكا ببناء دولة إسالمية‪ ،‬لذا أصبحت أمريكا توجه الحضور الديني ناحية الطائفية‪ ،‬فلم‬
‫تعد فكرة الدولة القومية أو الدويالت القومية حاضرة‪ ،‬وحتى ال تحضر الفكرة اإلسالمية‪ ،‬أصبحت الفكرة‬
‫الطائفية ه ي البديل‪ ،‬وهي فكرة تقوم على النزاع الداخلي‪ ،‬وتبنى على نتائج الحرب األهلية‪ .‬وهي في كل‬
‫األحوال‪ ،‬تمثل دولة تقوم على الموروث االجتماعي المفكك‪ ،‬وتسترجع الموروث الحضاري بصورته‬
‫‪35‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫المتردية‪ .‬فالطائفية استدعاء للهوية الدينية‪ ،‬ولكن في صورتها المفككة‪ .‬فقد أصبحت أمريكا ترى أن‬
‫الطائفية تمثل األساس الذي يمكن أن تبنى عليه دولة العراق‪ ،‬بعد أن أصبح من الواضح عدم إمكانية بناء‬
‫دولة قومية جديدة‪.‬‬
‫سقوط الدولة‬
‫ليس نموذج العراق وحيدا‪ ،‬بل هناك عدة نماذج شهدت سقوطا لنموذج الدولة القومية‪ ،‬سواء‬
‫بسبب نزاعات داخلية أو تدخالت خارجية‪ ،‬أو كالهما معا‪ .‬ففي السودان محاوالت واضحة لتفكيك الدولة‬
‫إلى دويالت بدأت بانفصال دولة جنوب السودان‪ ،‬ولكن تلك المحاوالت تشعل حروبا أهلية‪ ،‬تجعل من‬
‫استقرار تلك الدويالت احتماال ضعيفا‪ .‬كما أن الصراعات القبلية هددت الدولة السودانية الواحدة‪ ،‬كما‬
‫تهدد مشروع الدويالت‪ .‬وبهذا تتحول الدولة القومية أو الدويالت القومية إلى دولة القبائل والعشائر‪،‬‬
‫فتصبح دولة أو دويالت ال تعرف االستقرار‪ ،‬وال تمثل النموذج المتعارف عليه للدولة القومية العلمانية‪.‬‬
‫فإذا كانت الطوائف تحل محل القومية في العراق‪ ،‬فإن العشائر والقبائل تحل محل القومية في السودان‪،‬‬
‫وبهذا تتحول القومية إلى حالة تفكك كامل‪ ،‬ويعود المشهد إلى صورته األولية‪ ،‬متمثلة في جماعات‬
‫صغرى‪ ،‬ال تشكل مجتمعا وال تشكل دولة‪ .‬فيبلغ التفكك مداه الكامل‪ ،‬وتختفي الدولة القومية العلمانية‪.‬‬
‫وفي الصومال نموذج كامل لسقوط الدولة‪ ،‬وفي اليمن قبل وأثناء الثورة بدايات لسقوط الدولة‪،‬‬
‫وهكذا يتأكد على أن هناك مسارا تاريخيا واضحا للدولة القومية في المنطقة العربية واإلسالمية‪ ،‬يمثل‬
‫مسارا لسقوط الدولة القومية العلمانية‪ ،‬ألنها لم تعد تمثل حاجة للمجتمع‪ ،‬ولم تعد تعبر عنه‪ ،‬وكذلك لم تعد‬
‫تقوم بأي وظيفة للمجتمع‪ .‬لذا تسقط الدول القومية بفعل التدخل الخارجي أو بغيره‪ ،‬وفي كل الحاالت التي‬
‫تشهد سقوط الدولة‪ ،‬نجد تواجدا غربيا مباشرا أو غير مباشر‪ ،‬ألن المناطق التي تشهد سقوط الدولة‪،‬‬
‫تتحول إلى مناطق متحررة من السيطرة الخارجية‪ ،‬لذا يمكن أن تكون قواعد لتنظيم العمل المسلح ضد‬
‫الغرب‪ .‬ولكن التدخل الخارجي يفشل في بناء الدولة القومية مرة أخرى‪ .‬فعندما تسقط الدولة القومية‬
‫العلمانية‪ ،‬تبلغ بذلك نهايتها‪ .‬ويصبح إعادة بنائها صعبا‪ .‬فعندما تم بناء الدولة القومية العلمانية بعد‬
‫االستقالل عن االستعمار الغربي‪ ،‬وكانت تلك الدولة هي الميراث الذي تركه االستعمار‪ ،‬كانت الشعوب‬
‫تتطلع لبناء الدولة القوية حتى تحقق االستقالل‪ ،‬ولكن عندما فشلت الدول القومية العلمانية في تحقيق‬
‫االستقالل الحقيقي‪ ،‬لم تعد لها احتياج‪ ،‬ولم تعد نموذجا مرغوبا‪ ،‬أو نموذجا يبشر بمستقبل أفضل‪ .‬لذا لم‬
‫تعد الجماهير تلتف مرة أخرى حول حلم الدولة القوية الحديثة‪ ،‬بعد أن تحولت تلك الدولة إلى دولة تابعة‬
‫للغرب‪ ،‬ولم تحقق أحالم مجتمعها‪.‬‬
‫الدولة الفاشلة‬
‫بالنظر لمجمل المشهد في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬سنجد بعض الدول تسقط‪ ،‬وبعضها يصل‬
‫لمرحلة الدولة الفاشلة‪ ،‬أي الدولة التي ال تقوم بأي دور إيجابي لمجتمعها‪ .‬وبهذا ال يمثل العراق حالة‬
‫استثنائية‪ ،‬بل يمثل الحالة األكثر وضوحا‪ .‬فمعظم الدول العربية واإلسالمية تمر بمرحلة أفول واضح‪ ،‬ولم‬
‫يعد لها دور مؤثر على مجتمعها‪ ،‬كما لم يعد لها دور إقليمي مؤثر‪ .‬وإذا كانت تركيا وإيران تحاوالن بناء‬
‫دورا لهما‪ ،‬وتحاوالن كذلك بناء دول قوية‪ ،‬وإن كان بطرق مختلفة‪ ،‬فإن غالب الدول يسقط تدريجيا في‬
‫حالة التبعية الكاملة‪.‬‬
‫‪36‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫وهناك عالقة بين الدولة القومية التي تتفكك‪ ،‬والدولة الفاشلة‪ ،‬وكل شكل من أشكال ترهل الدولة‬
‫وضعف حضورها المجتمعي‪ .‬فكل تلك النماذج تمثل فشل النموذج المبني على الدولة القومية العلمانية‬
‫والمستور د من الغرب‪ .‬فنجاح النموذج الغربي‪ ،‬كان يمكن أن يشكل خروجا لألمة من هويتها ولو مرحليا‪،‬‬
‫ولكن النموذج الغربي للدولة لم ينجح‪ ،‬ولم يحقق المستقبل المنشود‪ ،‬وبهذا فقد مبرر وجوده‪ ،‬وأصبح يمثل‬
‫النموذج الفاشل الوافد‪ ،‬والذي يمهد الساحة لعودة النموذج الموروث‪.‬‬
‫وهنا تبرز حقيقة مهمة‪ ،‬ففي المسار التاريخي يبدأ النموذج المستبد أو المستورد أو الغريب أو‬
‫الوافد في األفول‪ ،‬من خالل نقاط ضعفه الداخلية‪ ،‬وهو ما يمهد للمواجهة بينه وبين النموذج البديل‪ ،‬والذي‬
‫يمثل الموروث الحضاري لألمة‪ .‬وانفجار الثورات العربية‪ ،‬مثل انفجارا للغضب في وجه الدولة الفاشلة‪،‬‬
‫فأصبح مشهدا من مشاهد نهايتها‪.‬‬
‫االنهيار الحتمي‬
‫لذا يمكن القول‪ :‬أن النموذج القومي القطري العلماني لن يرحل فجأة وقبل أن ينهار أوال‪ ،‬فقد‬
‫أصبح مسار االنهيار هو طريق معظم الدول القومية العلمانية‪ .‬لذا لم يعد من الممكن تجنب كل حاالت‬
‫االنهيار‪ ،‬ربما يمكن تجنب بعض تلك الحاالت‪ .‬ولكن النموذج القومي العلماني‪ ،‬أصبح يتراجع بفعل‬
‫سقوطه في يد الهيمنة الغربية‪ ،‬وفشله في تحقيق أحالم األمة‪ ،‬وتفريطه في حقوق األمة وأرضها‬
‫ومقدساتها‪ ،‬مما جعله يفقد السيطرة على المجتمع‪ ،‬ويفتح الباب أما الفوضى أو الثورة‪.‬‬
‫وحتى القوى الغربية التي تبني الفوضى أحيانا‪ ،‬وتنادي بالفوضى الخالقة‪ ،‬تجد نفسها تؤسس‬
‫لحالة الفوضى‪ ،‬ولكنها ال تتمكن من بناء بديل لها‪ .‬فلم تعد حالة الفوضى مفيدة إلعادة تأسيس الهيمنة‬
‫الخارجية‪ ،‬بل أصبحت حالة تمثل نهاية للوضع القائم‪ ،‬وتمهد لحالة من الفوضى‪ ،‬قبل ظهور النظام البديل‪.‬‬
‫ولهذا أصبح العراق يمثل نموذجا للمحاولة الفاشلة إلعادة بناء ما انتهى عمره االفتراضي‪ ،‬وهو الدولة‬
‫القومية العلمانية‪ ،‬والتي لن ترحل قبل أن تخلف ورائها قدرا من الدمار ليس بقليل‪.‬‬
‫ولهذا لم تسقط ثورات الربيع العربي النظام الحاكم فقط‪ ،‬بل اسقطت معه نموذج الدولة الذي حكم‬
‫من خاللها‪ ،‬ولكن سقوط نموذج الدولة‪ ،‬يمثل عملية معقدة‪ ،‬خاصة عندما يراد اسقاط السياسات السائدة في‬
‫الدولة دون اسقاط الدولة نفسها‪ .‬كما أن السياسات السائدة في الدولة‪ ،‬تلقى حماية دولية وإقليمية‪ ،‬وتغيير‬
‫طبيعة الدولة‪ ،‬يمثل ثورة أكثر من الثورة التي اسقطت النظام الحاكم‪ ،‬من حيث ما يترتب عليه من آثار‪.‬‬
‫لذا فعملية التغيير التي تعقب الثورات‪ ،‬قد تؤدي إلى حالة نزاع داخلي وخارجي عميق‪ ،‬فهي معركة فعال‪،‬‬
‫حتى وإن تمت تدريجيا‪.‬‬

‫(‪) 7‬‬
‫األمة التي لم تغب‬
‫مع تفكك البالد العربية واإلسالمية إلى دول قومية قطرية‪ ،‬أصبح البحث عن الوجود الفعلي لألمة‬
‫مهما‪ ،‬فهل غابت األمة؟ وهل غابت فكرتها؟ فإذا كانت األمة قد غابت بالكامل‪ ،‬وغابت معها فكرتها‪ ،‬فإنها‬
‫تصبح أمام احتمال أن تبنى من جديد‪ ،‬أو تبنى من عدم مرة أخرى‪ ،‬أو تختفي وال تعود للظهور‪ .‬وإذا‬
‫‪37‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫كانت األمة لم تغب‪ ،‬فهي إذن موجودة في حيز ما وبصورة ما‪ ،‬وتصبح عودتها للظهور مرة أخرى‪،‬‬
‫متوقفة على حيوية األمة وقدرتها على إحداث التغيير في حياتها‪.‬‬
‫واألمة هي رابطة من الشعوب والقوميات‪ ،‬تقوم على أخوة الدين والحضارة‪ ،‬وتستظل بمرجعية‬
‫الحضارة اإلسالمية‪ ،‬وهي تتكون من كل الجماعات المسلمة وأيضا الجماعات غير المسلمة التي تشاركت‬
‫مع الجماعة المسلمة في الحضارة اإلسالمية وفي بنائها‪ ،‬وأصبحت المرجعية اإلسالمية بالنسبة لها‬
‫حضارة‪ ،‬كما أنها بالنسبة للمسلم دين وحضارة‪ .‬األمة إذن‪ ،‬جماعة من البشر تشترك في منظومة قيم‪،‬‬
‫تجعل لها مرجعية عليا واحدة‪ ،‬ومصير واحد‪ ،‬وغايات واحدة‪.‬‬
‫وعندما وجدت األمة أوال في صدر اإلسالم‪ ،‬تشكلت الجماعة المؤمنة األولى‪ ،‬ثم أقامت دولتها‬
‫األولى‪ .‬وبهذا فاألمة سابقة للدولة‪ ،‬ألن وعي الجماعة بوحدة المرجعية وإيمانها بتلك المرجعية‪ ،‬يسبق‬
‫تأسيس الدولة التي تعبر عن تلك المرجعية وتلتزم بها‪ .‬فالدولة القومية تتأسس على وجود قومية معينة‬
‫يمكن تعريفها بصورة دقيقة وتمييزها عن غيرها وتحديد حدودها الجغرافية‪ ،‬فإذا لم توجد القومية بتلك‬
‫الصورة الواضحة‪ ،‬تأسست الدولة أوال‪ ،‬ثم أقامت القومية وحددت حدودها الجغرافية‪ ،‬وعرفت مالمح‬
‫ولغة وسمات تلك القومية‪ ،‬وبذلك تكون الدولة قد بنت القومية‪ ،‬وبنت المجتمع‪ .‬ولكن الدولة في المشروع‬
‫اإلسالمي ال تأتي بجديد من عندها‪ ،‬وال تأسس وضعا ليس قائما‪ ،‬بل تأتي تعبيرا عن وضع قائم‪ ،‬وهو‬
‫وجود أمة تؤمن بالمرجعية اإلسالمية‪ ،‬وتشكل جماعة مترابطة‪ ،‬عابرة للقومية واألعراق‪.‬‬
‫ولما قامت الدولة اإلسالمية عبر مراحلها التاريخية المتعددة‪ ،‬كانت تعبيرا عن وجود األمة‪،‬‬
‫وتحقيقا لما تؤمن به األمة من مرجعية‪ .‬فأصبحت الدولة حامية لألمة‪ ،‬ومنفذة للمرجعية‪ ،‬وخاضعة لما‬
‫توافقت عليه األمة‪ ،‬بل وخاضعة أيضا الجتهادات األمة وعلمائها‪ .‬فأصبحت الدولة تحمل المرجعية التي‬
‫تؤمن بها األمة‪ ،‬ولم تكن الدولة هي التي أسست المرجعية‪ ،‬أو هي التي اختارتها‪ .‬ولكن الدولة أصبحت‬
‫تبني الحضارة مع األمة‪ ،‬ولم تكن أيضا هي المسئولة عن النهضة وحدها‪ ،‬بل كانت مسئولة عن تمهيد‬
‫الطريق لقيام النهضة‪ ،‬وإقامة الدين‪ .‬وظلت الدولة حارسة لألمة وحامية لها‪ .‬وظلت األمة فاعلة بجانب‬
‫الدولة‪ ،‬وتقيم حضارتها وتحقق نهضتها‪.‬‬
‫من الذي غاب؟‬
‫لقد غابت الدولة اإلسالمية‪ ،‬وتفككت أوطانها‪ ،‬وزرعت الدولة القومية القطرية مكانها‪ ،‬واستبدلت‬
‫المرجعية العليا للدولة بالعلمانية بدال من المرجعية اإلسالمية‪ .‬إذن الدولة هي أول من غاب عن أوطان‬
‫األمة‪ ،‬نقصد الدولة اإلسالمية‪ .‬ومع غياب الدولة اإلسالمية‪ ،‬غابت أيضا الوحدة السياسية لألمة‪ ،‬وغابت‬
‫الدولة التي تمثل المرجعية اإلسالمية‪ .‬ولم تستطع األمة إعادة بناء الدولة أو الحفاظ عليها‪ ،‬مما يعني أن‬
‫األمة كانت في حالة ضعف‪ ،‬تمنعها من حماية الدولة‪ ،‬والوقوف أمام عملية تجزئة أوطان األمة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬والتصدي للدولة القومية القطرية‪ ،‬التي قامت كبديل عن الدولة اإلسالمية‪.‬‬
‫بالطبع كان غياب الدولة مؤثرا‪ ،‬فرغم أن فعل النهضة يظل مسئولية األمة‪ ،‬ولكن األمة ال تنهض‬
‫إال من خالل وحدتها‪ ،‬ومن خالل المرجعية‪ ،‬وعندما قسمت األمة غابت وحدتها‪ ،‬وعندما تم علمنة الدولة‪،‬‬
‫غابت المر جعية عن النظام السياسي‪ .‬وبهذا فقد غابت الدولة والوحدة والمرجعية معا‪ ،‬ولم تعد األمة‬
‫‪38‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫تتحرك داخل إطار جامع لها‪ ،‬بل تم تمزيقها إلى قوميات‪ ،‬وكانت األمة من الضعف بحيث أنها لم تستطع‬
‫حماية نفسها مما حاق بها‪.‬‬
‫وألن األمة لم تستطع حماية الدولة‪ ،‬ولم تقدر على استعادتها‪ ،‬لذا أصبحت األمة في حالة ضعف‬
‫وتفكك‪ ،‬ولم تعد األمة القادرة على النهوض‪ .‬وحالة األمة المفككة‪ ،‬ليست كحالة األمة وهي في طور‬
‫التأسيس األول‪ ،‬ألنها في مرحلة التأسيس تكون جماعة صغيرة تتكون منها األمة بعد ذلك‪ ،‬وتقوم تلك‬
‫الجماعة على اإليمان بالفكرة‪ ،‬ثم تنشر فكرتها بين الناس‪ ،‬حتى تؤسس األمة‪ ،‬ومن ثم تؤسس الدولة‪.‬‬
‫واألمة بعد أن لحق بها التفكك‪ ،‬لم تغب عنها فكرتها كليا‪ ،‬ولم تغب عنها المرجعية كليا‪ ،‬ولم تغب تلك‬
‫المرجعية عن الحياة الخاصة واالجتماعية كليا‪ ،‬ولم تغب أيضا حقيقة األمة عن الذاكرة الجمعية لألمة‪،‬‬
‫كما لم يغب تاريخ األمة نفسه‪ .‬فقد أصبحت األمة واقعا تاريخيا‪ ،‬وأصبحت الشعوب المنتمية لألمة تعرف‬
‫تلك الحقيقة التاريخية‪ ،‬وتعرف ما حدث في تاريخها‪ ،‬وتعرف أيضا كيف تفككت‪ ،‬وكذلك تعرف أنها‬
‫تفككت رغما عنها‪ ،‬وأن االستعمار الغربي هو الذي فككها‪ ،‬وأن النخب التي حملت المشروع الغربي‬
‫وحكمت البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬هي التي حمت هذا التفكك وكرسته‪.‬‬
‫كل تلك الحقائق تعرفها األمة‪ ،‬أو على األقل أغلبيتها‪ ،‬لذا فحالة التفكك ليست كحالة التأسيس‬
‫األولى‪ .‬فهي حالة ضعف‪ ،‬تضعف فيها األمة‪ ،‬ولكن ال تفقد كل تاريخها وهويتها ووعيها‪ ،‬ولكن تفقد‬
‫القدرة على الفعل القاد ر على تغيير واقعها‪ ،‬وتكون في حالة استسالم لوضع ترفضه‪ ،‬ولكنها لم تقدر بعد‬
‫على مواجهته‪.‬‬
‫فهل غابت األمة‬
‫من حيث كون األمة جماعة من البشر‪ ،‬تتكون من العديد من األعراق والقوميات‪ ،‬وتؤمن‬
‫بالمرجعية الدينية والحضارية اإلسالمية‪ ،‬فاألمة لم تغب‪ .‬ومن حيث أنها جماعة من البشر لها تاريخ‬
‫مشترك وتدرك أن مصيرها واحد‪ ،‬وأنها كانت أمة موحدة سياسية‪ ،‬فاألمة لم تغب‪ .‬ومن حيث أن األمة‬
‫هي جماعة من البشر لها قيم مشتركة‪ ،‬وتريد الوصول لغايات مشتركة‪ ،‬فهي أيضا لم تغب‪.‬‬
‫فبعد غياب الدولة والوحدة والنهضة‪ ،‬غابت إرادة األمة القادرة على تحقيق غاياتها والخروج من‬
‫أزمتها‪ ،‬ولكن وعيها لم يغب‪ ،‬وهويتها لم تغب أيضا‪ .‬فاألمة كانت ومازالت‪ ،‬ولكن قدرتها على تحقيق‬
‫ذاتها الحضارية في الواقع التاريخي‪ ،‬لم تتبلور بالقدر المناسب لتغيير مسار تاريخ األمة‪ ،‬حتى تستعيد‬
‫دولتها ووحدتها وتنهض من جديد‪ .‬ولكن استمرار بقاء األمة كوعي وهوية موجودة ومتحققة لدى جماعة‬
‫من البشر‪ ،‬ال ينفي أن فئات من األمة قد خرجت من تلك الهوية‪ ،‬أو خرجت عليها‪ ،‬وأن نخب من األمة‬
‫هي التي تبني الدولة القومية العلمانية‪ ،‬وهي التي تساعد القوى الغربية على تفكيك األمة‪ .‬وهذا ال ينفي‬
‫أيضا وجود فئات تشككت في هوية األمة‪ ،‬أو عملت بالفعل على إخراج نفسها من الهوية الجامعة‪،‬‬
‫وأصبحت تعمل من أجل هويتها القومية‪ .‬ولكن بقاء األمة تجسد أساسا أن فكرتها لم تغب‪ ،‬وأن هويتها لم‬
‫تغب‪ ،‬وظلت فكرة وهوية ووعي حاضر لم يغب‪ .‬فأصبح التحدي الذي يواجه األمة‪ ،‬ليس إعادة اكتشافها‬
‫أو تكوينها من جديد‪ ،‬بل تنشيط قدراتها حتى تصبح قادرة على الحركة التاريخية الفاعلة والقادرة على‬
‫إعادة بناء الوحدة والدولة وتحرير كل أراضي األمة من االستعمار بكل أشكاله‪.‬‬
‫‪39‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬
‫ولم تغب طليعة األمة‬

‫من أهم مظاهر استمرار الوجود التاريخي والحضاري لألمة‪ ،‬يتمثل في استمرار طليعة األمة في‬
‫الجهاد من أجل استعادة وحدتها وبناء الكيان السياسي الواحد المعبر عنها‪ ،‬وتحقيق النهوض الحضاري‪.‬‬
‫فمع كل مرحلة من مراحل التراجع الحضاري‪ ،‬ومع كل مرحلة من مراحل تفكك األمة‪ ،‬كانت تظهر‬
‫طليعة اإلصالح الثقافي والحضاري‪ ،‬أو الطليعة الحركية الداعية لإلصالح‪ ،‬والتي تحمل هموم األمة‪،‬‬
‫وتحاول استعادة بناء وحدة األمة من جديد‪ .‬فقبل سقوط الدولة العثمانية كانت محاوالت اإلصالحيين‬
‫تتواصل‪ ،‬منذ جمال الدين األفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا‪ ،‬وبعد سقوط دولة الخالفة العثمانية‪ ،‬كانت‬
‫جماعة اإلخوان المسلمين تتأسس في مصر‪ ،‬لتحمل راية األمة‪ ،‬بعد أن سقطت تلك الراية من الدولة‪ .‬ومع‬
‫تمدد العلمنة والهيمنة الخارجية‪ ،‬تخرج جماعات الغضب اإلسالمي المسلحة‪ ،‬لتعلن حالة من العصيان‬
‫الشامل على كل األوضاع‪ ،‬فتصبح صرخة غضب تزلزل أركان النظام السياسي الحاكم والمتحالف مع‬
‫الغرب ومع العدو الصهيوني‪.‬‬
‫وألن لحظة الصمت الطويل لم تتحقق‪ ،‬لذا لم تغب األمة‪ .‬فقد كانت دائما ترى حلم الوحدة حولها‪،‬‬
‫والرغبة في النهوض ال تفارق طليعتها‪ .‬لذا بقيت األمة حاضرة كوعي وهوية‪ .‬وبقيت أيضا محاوالت‬
‫إنهاضها مستمرة لم تتوقف‪ .‬ولكن فعل النهوض لم يبلغ المستوى الالزم كي يقف أمام فعل التفكيك المضاد‬
‫له‪ .‬ولم تبلغ األمة درجة من اليقظة والهمة‪ ،‬التي تمكنها من مواجهة التحديات التي تتعرض لها‪.‬‬
‫بقاء الوعي وغياب الفعل‬
‫تلك يمكن أن تكون حالة األمة اإلسالمية‪ ،‬فالوعي باألمة وحقيقتها مازال موجودا‪ ،‬رغم تراجعه‬
‫أحيانا‪ ،‬إال أنه لم يغب بالكامل‪ ،‬ولم يتراجع بالكلية‪ ،‬وظل حاضرا في وعي األمة‪ ،‬بوصفه وعيا تاريخيا‬
‫تحقق بالفعل‪ ،‬ومازالت األمة تحلم باستعادته مرة أخرى‪ .‬ولكن الذي غاب هو الفعل‪ ،‬ولكنه لم يغب‬
‫بالكلية‪ ،‬ولكن غاب في أغلب األحيان‪ ،‬وغاب عن أغلب أبناء األمة‪ .‬فظل الوعي حاضرا لدى األغلبية‪،‬‬
‫وبقي الفعل نشطا لدى األقلية‪ .‬فظلت الفكرة‪ ،‬ولم تتحقق بالفعل الجهادي القادر على تحويلها إلى حقيقة‬
‫تاريخية‪ .‬لهذا لم تصل األمة لمرحلة الموت‪ ،‬ولم تبلغها‪ ،‬ألن وعيها لم يمت بالكامل‪ ،‬وألن هويتها لم تمت‬
‫بالكامل‪ ،‬وألن رغبتها في استعادة حقيقتها التاريخية والحضارية‪ ،‬ظلت تراودها‪ ،‬وألن نضال طليعتها لم‬
‫يتوقف في أي مرحلة‪ .‬لذا بقيت األمة فكرة ووعي وقيمة وحقيقة متجسدة في جمهور األمة‪.‬‬
‫وكلما زاد فعل األمة النشط نحو بناء هويتها الحضارية وتحقيق وحدتها‪ ،‬زاد اقترابها من مرحلة‬
‫الفعل المؤثر‪ .‬فمع تزايد الفعل المعبر عن وحدة األمة‪ ،‬ورغبتها في استعادة وحدتها‪ ،‬تزيد احتماالت قرب‬
‫األمة من مرحلة النهوض‪ .‬وكلما انخفض مستوى الفعل النشط داخل األمة الستعادة وحدتها‪ ،‬بات نهوض‬
‫األمة مؤجال‪ .‬فالقاعدة واضحة‪ :‬إذا نشطت األمة المرجعية وحققت وحدتها وحررت بلدانها‪ ،‬سوف تنهض‬
‫في النهاية‪ ،‬وإذا تقاعست أو عجزت عن ذلك‪ ،‬استمر تفككها وتزايد تراجعها الحضاري‪ .‬وكلما باتت األمة‬
‫في خطر‪ ،‬صحت جماهيرها على نداء الوحدة‪ ،‬واستشعرت بخطر ما تتعرض له‪ .‬لذا نجد األمة تحول‬
‫وعيها إلى يقظة‪ ،‬ولكن مقدار ما يتحقق من يقظة ونشاط وفعل جهادي‪ ،‬يحدد قدرة األمة على تحقيق‬
‫الوحدة والنهضة‪ ،‬ويحدد أيضا الموعد الذي تحقق فيه األمة مستقبلها المنشود‪.‬‬
‫‪21‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫وما الثورات الشعبية التي تؤسس لمرحلة جديدة في المنطقة العربية واإلسالمية‪ ،‬إال بداية للفعل‬
‫النشط لجماهير األمة‪ ،‬وهو فعل نشط يتجه أوال نحو االستبداد‪ ،‬باعتباره األداة التي حرمت األمة من‬
‫دورها‪ ،‬وحجبت خياراتها الحرة‪ .‬لذا يمكن اعتبار الثورات الشعبية‪ ،‬حركة لتحرير اإلرادة الشعبية‪،‬‬
‫فالثورة المصرية مثل غيرها حررت اإلرادة الشعبية‪ ،‬وبعدها سوف تبدأ مرحلة تبلور توجه اإلرادة‬
‫الشعبية‪ ،‬حتى تتشكل مالمح المستقبل المنشود‪ .‬وهنا يمكن لوعي األمة أن يتحول إلى فعل نشط‪ ،‬بعد أن‬
‫تتحرر اإلرادة الشعبية لجماهير األمة‪.‬‬

‫(‪) 8‬‬
‫لماذا فشلت القومية؟‬
‫لماذا ال يكون اإلطار القومي القطري هو الحل ولو مرحليا؟ يبدو أن هذا السؤال يتردد بين العديد‬
‫من القوى والنخب‪ ،‬والتي ترى أن الحل القومي القطري يمثل ملمحا من مالمح العصر‪ ،‬وليس فقط سمة‬
‫تميز النظام السياسي الغربي‪ .‬مما يجعل البعض يتصور أننا في مرحلة الدولة القومية القطرية‪ ،‬وال يمكن‬
‫تحقيق التقدم للدول العربية واإلسالمية‪ ،‬إال من خالل الدولة القومية القطرية‪ .‬ولكن تجارب الدولة القومية‬
‫في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬حققت الكثير من الفشل‪ ،‬والقليل من النجاح‪ .‬فإذا بالبعض يتعلق بالتجربة‬
‫التركية في عهد حزب العدالة والتنمية‪ ،‬ليؤكد على أن الحل القومي القطري ممكن‪ ،‬في ظل توافر‬
‫الديمقراطية‪ ،‬وكأن المشكلة ليست في القومية القطرية‪ ،‬ولكن في غياب الديمقراطية‪ .‬وتبدأ مرحلة إعادة‬
‫صياغة الحل القومي الذي فشل بعد موجة التحرر الوطني العلماني‪ ،‬على أساس أن الفشل كان بسبب‬
‫غياب الديمقراطية‪ ،‬فإذا تم تطبيق الديمقراطية‪ ،‬يمكن أن ينجح الحل القومي القطري‪ ،‬وبالتالي ينجح الحل‬
‫العلماني‪ ،‬بشرط توفر أسس الديمقراطية الليبرالية‪.‬‬
‫وهذه المقوالت تتردد أيضا بعد الثورات الشعبية‪ ،‬ففي الحالة المصرية‪ ،‬نجد من يرى أن الثورة‬
‫الشعبية في مصر‪ ،‬هي ثورة تحرر قومي من الحكم المستبد‪ ،‬ويعتبرها بداية لبناء دولة قومية قطرية‬
‫علمانية ديمقراطية مرة أخرى‪.‬‬
‫إذا صحت تلك المقوالت‪ ،‬فنصبح أمام تحليل يرى أن الفشل في تطبيق النموذج الغربي العلماني‪،‬‬
‫لم يكن بسبب عدم مالئمة هذا النموذج للبالد العربية واإلسالمية‪ ،‬وال ألنه نموذج وافد وغريب‪ ،‬ولكن‬
‫بسبب عدم نجاح النخب الحاكمة في تطبيق النموذج الغربي بكل جوانبه‪ ،‬وخاصة الجانب الديمقراطي‪.‬‬
‫فإذا سارت النخب الحاكمة أو النخب الليبرالية التي تقدم نفسها بديال عن النخب الحاكمة‪ ،‬في هذا المسار‪،‬‬
‫فسوف تمر البالد العربية واإلسالمية بمرحلة ثانية من تجربة الحل الغربي العلماني المجرب من قبل‪،‬‬
‫فإذا فشلت هذه التجربة‪ ،‬نكون بصدد الدوران في دائرة مفرغة من الحلول الفاشلة‪ ،‬والتي تستنزف البالد‬
‫العربية واإلسالمية‪ ،‬وتعرقل وحدتها ونهضتها‪ ،‬وربما تعوق خروجها من حالة التراجع الحضاري لعقود‬
‫طويلة‪.‬‬
‫الحل القومي‬
‫ليس صحيح ا القول بأن الحل القومي مناسب للعصر‪ ،‬وال يمكن تحقيق النهضة والتقدم بدونه‪ .‬ألن‬
‫هذه المقولة تعني أن في كل مرحلة زمنية هناك حل واحد صحيح ومناسب لكل الحضارات‪ ،‬ويمكن لكل‬
‫‪20‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫الحضارات إتباعه وتحقيق التقدم‪ ،‬وهذا لم يحدث تاريخيا حتى اآلن‪ .‬فكل حضارة تقدمت من خالل‬
‫نموذجها الخاص‪ ،‬ولم تتقدم من خالل النموذج الخاص بالحضارات األخرى‪ .‬فالحضارة الغربية تقدمت‬
‫في المرحلة اليونانية والرومانية من خالل نموذجها الحضاري الخاص‪ ،‬ثم تراجعت لعدة قرون‪ ،‬وبعد‬
‫ذلك تقدمت مرة أخرى ومن خالل نموذجها الحضاري الخاص أيضا‪ ،‬ولم تتقدم من خالل تقليد النموذج‬
‫العربي واإلسالمي‪ .‬وعندما كانت الحضارة الفرعونية تمثل الحضارة المتقدمة‪ ،‬لم تتقدم أي حضارة‬
‫أخرى من خالل تقليد الحضارة الفرعونية‪ ،‬وكذلك عندما تقدمت الحضارة العربية اإلسالمية‪ ،‬من خالل‬
‫نموذجها الحضاري الخاص‪ ،‬لم تقلدها أي حضارة أخرى‪.‬‬
‫وعليه نجد أن في كل التاريخ البشري المكتوب‪ ،‬لم تقلد أي حضارة نموذج الحضارة المتقدمة في‬
‫لحظة تاريخية معينة‪ ،‬ولم تحقق أي حضارة التقدم من خالل تقليد حضارة أخرى‪ .‬والحاصل‪ ،‬أن في كل‬
‫فترة زمنية ومرحلة تاريخية‪ ،‬تكون هناك حضارة متقدمة‪ ،‬ويكون لها نموذجها الخاص‪ ،‬مما يجعل‬
‫البعض يتصور أن هذا النموذج هو نموذج العصر‪ ،‬وهو في الواقع نموذج الحضارة المتقدمة‪ .‬وعبر‬
‫التاريخ لم يدم أي نموذج حضاري‪ ،‬بل استمرت الدورات الحضارية بين صعود وهبوط‪ ،‬وبالتالي ال يوجد‬
‫دليل تاريخي على وجود نموذج حضاري ناجح دائما‪ ،‬فكل نموذج تقدم ثم تراجع‪ .‬والنموذج الغربي‬
‫المتمثل في ا لدولة القومية القطرية ليس استثناء‪ ،‬فقد حقق التقدم وسوف يمر بمرحلة أفول في النهاية‪ ،‬بل‬
‫أن الدول الغربية نفسها سوف تتحول عن النموذج القومي القطري‪ ،‬عندما يفقد قدرته على تحقيق التقدم‬
‫وتحقيق مصالح الدول الغربية‪ ،‬وسوف تلجأ لنماذج غربية أخرى‪ ،‬ربما ال تحقق لها نفس التقدم الذي حققه‬
‫النموذج القومي القطري لها‪ ،‬ولكنها سوف تلجأ لها لحماية حضارتها من أي أخطار سببها النموذج‬
‫القومي لها‪ .‬فالدول الغربية في عصر العولمة‪ ،‬بدأت في التفكير في األطر اإلمبراطورية الكبرى‪ ،‬حتى‬
‫تخرج من اإلطار القومي‪ ،‬لتتجنب تعارض المصالح بين الدول الغربية‪ ،‬ولتتمكن من الهيمنة على العالم‬
‫وقيادته‪ .‬وهي بهذا تعمم النموذج القومي‪ ،‬لتجعله يخرج من اإلطار القطري إلى اإلطار العالمي أو‬
‫القاري‪ ،‬حتى تبني إمبراطورية الرجل األبيض‪ ،‬وتتجنب صراعات قوميات الرجل األبيض‪ .‬وبهذا تم‬
‫فصل القومية عن القطرية‪ ،‬ولكن العديد من االتجاهات الغربية الداخلية تعارض هذا الخروج من اإلطار‬
‫القطري‪ ،‬وترى فيه تهديدا للقوميات الغربية‪ .‬وفي داخل التنازع بين قومية العولمة‪ ،‬والقومية القطرية‪،‬‬
‫نشاهد نهاية الحل القومي القطري التقليدي‪.‬‬
‫القومية مادية‬
‫ولكن المشكلة ال تقف عند هذا الحد‪ ،‬بل تتعلق أساسا بطبيعة الحل القومي‪ ،‬فهو حل عرقي‬
‫بيولوجي‪ ،‬أي حل مادي‪ ،‬يجعل تعريف الهوية تعريفا ماديا في األساس‪ .‬ومعنى هذا‪ ،‬أن الحل القومي يقوم‬
‫على اعتبارات مادية‪ ،‬تقسم البشر حسب العرق والجنس‪ ،‬وتؤسس الرابطة المجتمعية على الرابطة المادية‬
‫البيولوجية‪ ،‬ومن ثم تؤسس الدولة على أسس من الهوية المادية لجماعة من البشر‪ .‬وهذا الحل المادي‬
‫يفرق بين البشر طبقا للبنية البيولوجية‪ ،‬وهو حل يقود للعنصرية أحيانا‪ ،‬بل يمكن القول‪ :‬أنه يقود‬
‫للعنصرية غالبا‪ .‬ألن التمييز بين البشر طبقا للبنية البيولوجية‪ ،‬يعني التركيز على الخصائص البيولوجية‬
‫لتمييز الشعوب واأل عراق‪ ،‬وهذه الخصائص غير قابلة للتغيير‪ ،‬فهي تتكون عبر القرون الطويلة‪ ،‬لذا‬
‫يصبح التمييز البيولوجي بين البشر‪ ،‬هو تمييز مادي غير قابل للتغيير‪ .‬ومن هنا تظهر النظرة العنصرية‪،‬‬
‫والتي تميز البشر طبقا للخصائص البيولوجية‪ ،‬ألن الشعوب واألعراق تختلف وستظل مختلفة‪.‬‬
‫‪23‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫ولكن الحل المادي ال يقف عند هذا الحد‪ ،‬فمادامت القومية تمثل الهوية‪ ،‬ومادام أساسها مادي‪ ،‬لذا‬
‫فإن منظومة القيم التي تمثل تلك الهوية القومية تصبح منظومة مادية‪ .‬والمقصود هنا‪ ،‬أن منظومة القيم‬
‫الغربية التي أسست عليها الهوية القومية في الغرب‪ ،‬جاءت من أساس مادي دنيوي‪ ،‬وتمثلت في القيم التي‬
‫تميز العرق أو الجنس‪ .‬فقومية ما تمثل عرقا‪ ،‬أو جنسا من البشر‪ ،‬وهذا الجنس له قيمه التي تميزه‪ ،‬وهي‬
‫نتاج تجربته وخبرته‪ ،‬ومن ثم تحددت قيم القومية من خالل القيم التي تميز عرق عن آخر‪ .‬فأصبحت القيم‬
‫المنتجة بشريا‪ ،‬وهي القيم السائدة بين عرق من األعراق‪ ،‬هي القيم التي تميز القومية وتبني الهوية‪ ،‬وعلى‬
‫أساسها تبنى الدولة والنظام السياسي‪.‬‬
‫القومية والدين‬
‫والقومية ال تعرف الدين‪ ،‬إال في حالة خاصة وهي حالة الشعب اليهودي‪ ،‬والذي يربط القومية‬
‫بالدين‪ ،‬ويكون جماعة دينية مغلقة ال تقبل االنضمام لها‪ ،‬وال تعمل على التبشير بدينها بين القوميات‬
‫األخرى‪ .‬مما ينتج عنه قومية دينية عنصرية‪ ،‬ويتحول الدين ألحد مكونات العنصرية‪ ،‬وتنتصر القومية‬
‫على الدين‪ .‬أما في حالة اإلسالم والمسيحية‪ ،‬فهي أديان تبشيرية‪ ،‬تقدم رسالة عالمية‪ .‬ولكن القومية هي‬
‫حالة خاصة‪ ،‬لذا فإن قيمها ال تأتي من الدين الذي يمثل حالة تتجاوز القومية‪ ،‬ولكن قيمها تأتي من القيم‬
‫البشرية السائدة لدى الجماعة التي تنتمي للقومية‪.‬‬
‫حتى عندما يميز الغرب نفسه بالدين المسيحي‪ ،‬سنجده يربط المسيحية به وبالقومية الغربية‪،‬‬
‫وبالرجل األبيض‪ ،‬ويرى أن كل مسيحية خارج الغرب ليست مسيحية صحيحة‪ ،‬وأنه يمثل المسيحية‬
‫الصحيحة أو المسيحية المتقدمة‪ .‬لذا نجد الغرب المسيحي يريد تبشير مسيحي العالم بالمسيحية كما‬
‫يعرفها‪ ،‬ويريد بناء عالم مسيحي يحكمه الغرب المتقدم‪ ،‬بحيث يقود الغرب المسيحية في العالم‪ ،‬والتاريخ‬
‫شاهد على العديد من المواقف التي ربط فيها الغرب بين القومية والمسيحية‪ ،‬حتى باتت المسيحية هي‬
‫ديانة الرجل األبيض‪ .‬وهنا نجد النزعة القومية واضحة‪ ،‬بل نجد أن القومية تأتي أوال قبل المسيحية‪،‬‬
‫وتصبح المسيحية محصورة في إطار قومي‪ .‬وهكذا تتغلب النزعة المادية‪ ،‬والتي تجعل المسيحية‬
‫محصورة في حضارة الرجل األبيض‪ ،‬وتصبح جزءا من مالمح القومية الغربية‪.‬‬
‫ومرة أخرى‪ ،‬نجد أن القومية تمنع القيم الروحية العالمية‪ ،‬وتمنع المعنى المتجاوز للمادة‪ ،‬بل‬
‫تجعل كل معنى محصور في المادة‪ ،‬أي كل قيمة محصورة في العرق والجنس‪ .‬لذا يصبح الحل القومي‬
‫حال يمنع تسامي القيمة الدينية على القومية‪ ،‬ويدخل الدين أحيانا كثيرة في اإلطار القومي العنصري‪ .‬مما‬
‫يجعل القومية تمثل حال يستبعد الدين أو يستخدمه‪ .‬فالقومية الدينية تجعل الدين في خدمة القومية‪ ،‬وتجعله‬
‫وسيلة لتمييز قومية على قوميات أخرى‪ ،‬ووسيلة لتمييز قومية على القوميات التي تنتمي لنفس الدين‪ ،‬مما‬
‫يجعل الدين أحد سما ت القومية في نهاية األمر‪ .‬فالدين في الحل القومي ال يأتي أوال‪ ،‬وال يكون عابرا‬
‫للقومية‪ ،‬بل يأتي ثانيا‪ ،‬ويصبح من مالمح القومية‪.‬‬
‫وهذا ما يفسر لماذا رأى البابا بندكتوس السادس عشر‪ ،‬بابا روما السابق‪ ،‬أن المسيحية الغربية‬
‫القائمة على منهج أرسطو‪ ،‬والتي مزجت بين المسيحية والحضارة اليونانية‪ ،‬هي التي تمثل الديانة العقلية‬
‫األولى والوحيدة في العالم‪ ،‬وقد ميزها عن غيرها من األديان‪ ،‬وميزها أيضا عن غيرها من الطوائف‬
‫المسيحية الشرقية‪ ،‬وحتى الطوائف المسيحية الغربية‪ .‬فأصبحت الكاثوليكية هي الديانة‪ ،‬وهي المسيحية‬
‫‪22‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫الغربية القائمة على فكر أرسطو الفلسفي‪ .‬فأصبحت الكاثوليكية الرومانية هي المسيحية‪ ،‬وغيرها‬
‫مسيحيات غير مكتملة أو غير متقدمة‪ .‬وهنا تبرز القومية‪ ،‬حتى داخل مؤسسة من أقدم وأكبر مؤسسات‬
‫المسيحية في العالم‪.‬‬
‫والشواهد على الفكرة القومية الغربية كثيرة‪ ،‬فعندما بدأت أزمة منع المآذن في سويسرا‪ ،‬رأينا‬
‫كيف يفكر القومي الغربي المتعصب‪ ،‬فهو يرى أن المآذن عالمة قومية وحضارة ودين‪ ،‬ولم يراها عالمة‬
‫لدين فقط‪ .‬ألن المسألة لديه مترابطة‪ ،‬فالقومية ترتبط لديه بالحضارة والدين‪ .‬لذا أصبحت الحرب على‬
‫النقاب والحجاب والمآذن‪ ،‬حربا قومية وحضارية ودينية‪ .‬لذا فهي حرب على المهاجرين‪ ،‬وعلى ارتباط‬
‫المسلمين المحليين بالمهاجرين‪ ،‬ألن انتشار اإلسالم في الغرب نظر له بوصفه غزوا حضاريا قوميا‪ ،‬ولم‬
‫ينظر له بوصفه انتشارا لدين يمكن أن يصبح من ضمن مكونات المجتمعات الغربية‪ ،‬ألنه يرتبط في العقل‬
‫الغربي بالقومية الحضارية‪.‬‬
‫القومية علمانية بالضرورة‬
‫لذا يصبح اختيار القومية‪ ،‬هو اختيار للنزعة المادية‪ ،‬وهو اختيار يتجاوز الدين‪ ،‬أو يحصره في‬
‫النزعة القومية كملمح من مالمحها‪ .‬وبهذا سنجد أن الحل القومي يقود للحل العلماني‪ ،‬وأنه ال انفصال بين‬
‫الحل القومي والحل العلماني‪ .‬فالنزعة القومية تؤسس لهوية ترى تميز عرق عن غيره من األعراق‪ ،‬لذا‬
‫يبرز التميز المادي البيولوجي‪ .‬وحتى يظل هذا العرق متميزا‪ ،‬حتى بدون عنصرية أو تعصب‪ ،‬لذا يصبح‬
‫من الضروري إبراز الخصائص والقيم التي تميزه عن غيره‪ ،‬وهي في النهاية تمثل القيم الخاص بهذا‬
‫العرق‪ ،‬أي القيم التي أنتجها هذا الشعب‪ ،‬وهي قيم بشرية في النهاية‪ .‬وحتى إذا شملت القيم الدينية‪ ،‬فسوف‬
‫تجعل للقيم الدينية تميز لدى هذا العرق عن غيره‪ ،‬مما يجعل تميز القيم الدينية مرتبط بتميز الشعب الذي‬
‫يحملها‪ .‬وكل هذا يقود إلى فكرة التميز القومي‪ ،‬والتي تستند على تميز عرق من األعراق‪ ،‬حيث يتمثل‬
‫تميزه في ما يميزه عن غيره‪ ،‬أي في قيمه البشرية والمادية والدنيوية‪.‬‬
‫ومادامت القومية هي الهوية‪ ،‬إذن تصبح القيم الخاصة بعرق ما هي القيم العليا والتي تميزه عن‬
‫غيره‪ ،‬والتي تعطي له األفضلية على غيره‪ ،‬على األقل في نظر الشعب المنتمي لهذا العرق‪ ،‬مما يجعل‬
‫القيم البشرية الدن يوية هي التي تسود لتميز عرق عن آخر‪ ،‬وتصبح القيم الدنيوية هي المرجعية العليا‪،‬‬
‫وبهذا تتأسس العلمانية‪ ،‬والتي تقوم على أساس أن المرجعية العليا هي للقيم التي يصل لها المجتمع‪ ،‬أي‬
‫القيم البشرية الدنيوية‪ .‬فيتم تنحية الدين عن المجال العام‪ ،‬وتصبح قيم الدين شأنا خاصا‪ ،‬وتصبح القيم‬
‫البشرية هي الحاكمة‪ .‬وكما أشرنا‪ ،‬فإن القيم الدينية عندما تعود في مجتمع علماني‪ ،‬يتم دمجها داخل القيم‬
‫المادية‪ ،‬وداخل القومية‪ ،‬فتصبح محصورة في اإلطار المادي‪ ،‬ويصبح الدين حكرا على قومية ما‪ ،‬تميز‬
‫نفسها دينيا على غيرها من القوميات‪ ،‬وتدخل العنصرية للدين‪ ،‬مع تحوله إلى قيم مادية تحكمها النزعة‬
‫القومية‪ ،‬ويحكمها تميز عرق معين عن غيره من األعراق‪ .‬فالقومية هي عنوان من عناوين المادية‪ ،‬لذا‬
‫تنحي الدين كما في الحل العلماني‪ ،‬أو تحول الدين إلى سلطة دولة مادية‪ ،‬كما في نموذج العصور‬
‫الوسطى الغربي‪ .‬فسيادة النزعة المادية في الغرب‪ ،‬تعد من مميزاته الحضارية‪ ،‬والتي تجعل الحل القومي‬
‫مناسبا له‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫لذا ال يمكن تطبيق الحل القومي دون أن يكون علمانيا وماديا‪ ،‬وعليه يصبح تطبيق الحل القومي‬
‫القطري في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬سببا في فرض نموذج قيم مادية علمانية على المجتمعات العربية‬
‫واإلسالمية‪ ،‬وهي مجتمعات لها طبيعة حضارية خاصة‪ ،‬لذا فالحل القومي يتطلب نزع المجتمعات‬
‫العربية واإلسالمية من حضارتها‪ ،‬وفرض حضارة أخرى عليها‪ ،‬لذلك يفشل الحل القومي‪ .‬ألن الحل‬
‫القومي يعني فرض قيما على المجتمع‪ ،‬مما يؤدي إلى بناء دولة االستبداد‪ ،‬وهي غالبا تكون دولة الفساد‬
‫أيضا‪ ،‬مما يترتب عليه خروج الناس ضد النظام الحاكم‪ ،‬بكل ما يعنيه‪ ،‬فتبدأ مرحلة الثورة‪ .‬وهكذا كان‬
‫الربيع العربي‪ ،‬هو مرحلة حتمية في مسار فرض الدولة المستوردة على المجتمعات العربية واإلسالمية‪،‬‬
‫والتي انتجت أسوأ أنواع الدول المستبدة الفاسدة‪ .‬فجاء الرد من الشعوب‪ ،‬لتعلن فشل النموذج القومي‪،‬‬
‫وتبدأ عملية هدمه‪.‬‬

‫(‪) 9‬‬
‫عدم القابلية للعلمنة‬
‫لم تتوقف عمليات الغزو الثقافي الغربي للبالد العربية واإلسالمية منذ الحملة الفرنسية على‬
‫مصر‪ ،‬وقد أخذت تلك الغزوات الثقافية أشكاال عدة‪ .‬فهي مرة تأتي مع جيوش المستعمر‪ ،‬ومرة تأتي مع‬
‫عمليات التحديث التي يقوم بها الحاكم‪ ،‬ومرة أخرى تأتي مع النخب المتأثرة بالغرب‪ .‬وحتى أجيال التحرر‬
‫الوطني األولى‪ ،‬ألحقت نفسها بالنموذج الغربي‪ ،‬وحاولت مواجهة االستعمار العسكري الغربي‪ ،‬دون‬
‫االستعمار الثقافي والحضاري الغربي‪ .‬فأصبح حلم بناء الدولة القوية الحديثة‪ ،‬ليس إال حلما لبناء الدولة‬
‫القومية العلمانية‪ ،‬على النموذج الغربي‪ .‬فظهرت القابلية لالستعمار‪ ،‬حسب مصطلح مالك بن نبي‪ ،‬وهي‬
‫الرغبة في تقليد النموذج الحضاري المتقدم‪ ،‬رغم أنه يمثل المستعمر‪ .‬ومع تقليد المستعمر طال األمد‬
‫بالدول العربية واإلسالمية‪ ،‬وهي تجرب نماذج الغرب‪ ،‬وتلحق نفسها به‪ ،‬فتقدم له الفرصة حتى يفرض‬
‫هيمنته الحضارية على المنطقة‪.‬‬
‫ولكن القابلية لالستعمار‪ ،‬ظلت تدور في نطاق النخب الثقافية والنخب الحاكمة‪ ،‬ولم يتبعها القابلية‬
‫للتغريب أو القابلية للعلمنة لدى المجتمعات‪ ،‬وتلك كانت الحقيقية التي أوقفت المد الغربي‪ ،‬ومنعته من‬
‫الوصول إلى الهدف النهائي لغزوه الثقافي‪ ،‬والمتمثل في تغريب العالم العربي واإلسالمي‪ .‬فلم يكن لدى‬
‫الجماهير في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬أي قابلية للعلمنة‪ ،‬على عكس الشعوب في البالد الغربية‪ ،‬والتي‬
‫أقبلت على العلمانية وحولتها إلى منهج حياة‪ .‬فالعلمانية صناعة غربية بامتياز‪ ،‬لذا فهي جاءت مناسبة‬
‫للشعوب الغربية في لحظة زمنية معينة‪ ،‬فأقامت العلمانية دوال ناهضة في الغرب‪ .‬ولكن عندما جاءت‬
‫العلمانية إلى البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬لم تستطع علمنة المجتمعات‪ ،‬بل قامت بعلمنة النخب الثقافية‬
‫والحاكمة فقط‪.‬‬
‫ومع تمدد عملية التغريب والعلمنة‪ ،‬تم اختراق النظام السياسي في الدول العربية واإلسالمية‪،‬‬
‫وتحييد مرجعية الشريعة اإلسالمية‪ ،‬أو القضاء عليها‪ .‬فقد أدى التغريب والعلمنة إلى القضاء على‬
‫المرجعية اإلسالمية في النظام العام‪ ،‬وذلك من خالل تعلق النخب الحاكمة بالتغريب والعلمنة‪ ،‬كجزء من‬
‫تعلقها بالدول الغربية‪ ،‬وبحثها المستمر عن الدعم الغربي‪ .‬ورغم تراجع المرجعية اإلسالمية من النظام‬
‫الرسمي‪ ،‬إال أنها لم تتراجع بنفس القدر في النظام العرفي‪ ،‬أي النظام االجتماعي‪ .‬فأصبحت القابلية للعلمنة‬
‫‪25‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫تنحصر في النخب والنظام الرسمي‪ ،‬وفي الدساتير والقوانين‪ ،‬ولكنها ال تنفذ بسهولة إلى بنية المجتمعات‬
‫العربية واإلسالمية‪.‬‬
‫مناعة األمة‬
‫تمثلت مناعة األمة اإلسالمية ضد العلمنة‪ ،‬في فكرتها الدينية أساسا‪ ،‬فالفكرة العلمانية تتعارض‬
‫مع الفكرة اإلسالمية‪ ،‬واألخيرة متحققة داخل وعي األمة‪ ،‬وتوجد على األرض بقدر أو آخر‪ .‬فرغم كل ما‬
‫يحدث من تحييد للفكرة اإلسالمية‪ ،‬إال أنها تظل حاضرة كفكرة ومفهوم‪ ،‬واألهم من ذلك‪ ،‬أنها حاضرة‬
‫كعقيدة وإيمان‪ .‬لذا ظلت الفكرة اإلسالمية تمثل مانعا قويا ضد تسرب الفكرة العلمانية إلى وعي جماهير‬
‫األمة‪ .‬فأصبحت األمة بذلك قادرة على الحفاظ على فكرتها‪ ،‬حتى مع عدم قدرتها على تنشيط تلك الفكرة‬
‫في النظام العام‪.‬‬
‫واألمة لديها العديد من مقومات المناعة ضد العلمنة‪ ،‬فاألمة أقامت نظاما اجتماعيا مستندة إلى‬
‫المرجعية الدينية‪ ،‬وأسست حضارة وثقافة مستندة إلى المرجعية الدينية‪ ،‬وألن الدين له نص مقدس وإلهي‪،‬‬
‫فقد استطاع الدين حماية ثقافة وهوية وحضارة األمة‪ .‬فأصبح لدى األمة وعيا يقاوم أي فكرة غريبة‪،‬‬
‫ويحاول منعها من التسلل داخل المجتمعات‪ ،‬لذا ظلت العلمانية نخبوية‪ .‬فجماهير األمة لديها مناعة‬
‫تاريخية وحضارية ضد تسرب األفكار الغريبة عنها‪ ،‬مما مكنها من عزل العلمانية في نطاق النخب‪.‬‬
‫وأصبحت الجماه ير تقف في موضع مختلف عن النخب الثقافية والنخب الحاكمة‪ ،‬بل وتقف في موضع‬
‫مختلف عن موضع النظام السياسي‪ ،‬والدولة نفسها‪ .‬وهذا التفكك الحادث بين الجماهير والدولة‪ ،‬لم يكن إال‬
‫مظهرا من مظاهر مناعة األمة ضد العولمة‪.‬‬
‫والحاصل أن النظام االجتماعي السائد بين جماهير األمة‪ ،‬ظل يعيد إنتاج نفسه في مواجهة‬
‫األفكار الغربية‪ ،‬حتى وإن كان يعيد إنتاج نفسه بصورة يغلب عليها التقليدية والتشدد‪ .‬فالجماهير تحتاج‬
‫إلى النظام المناسب لها‪ ،‬حتى تنظم حياتها‪ ،‬لذا تعيد إنتاج نظامها االجتماعي وتقاليدها الحياتية‪ ،‬حتى تظل‬
‫تعيش داخل إطار مناسب لها حضاريا‪ ،‬رغم كل ما يحدث من علمنة في المجال الرسمي‪ .‬ومن خالل‬
‫الرغبة في حماية الحياة االجتماعية‪ ،‬تغلب الجماهير قواعدها االجتماعية ونظامها الحضاري‪ ،‬على أي‬
‫نظام رسمي مفروض عليها‪.‬‬
‫وكلما انهارت دولة من دول الحداثة الغربية في المنطقة‪ ،‬نجد مجتمعا لم يتأثر بالحداثة‪ ،‬بل ظل‬
‫يعيد إنتاج قيمه الحضارية‪ ،‬حتى وإن كان في صورة متشددة أو تقليدية‪ .‬لهذا أصبحت البنية االجتماعية‬
‫غير قابلة للعلمنة واقعيا‪ ،‬وأوقفت مد العلمنة إلى جسد المجتمع‪ ،‬وحافظت على البنية االجتماعية بكل‬
‫مكوناتها بعيدا عن التغريب والعلمنة‪ ،‬فلم يعد من الممكن نشر القيم الغربية على نطاق واسع في المجتمع‪.‬‬
‫وما تمر به المجتمعات من حالة تفكك أو اضطراب‪ ،‬ال يشير إلى نفاذ القيم الغربية إلى داخل‬
‫المجتمع‪ ،‬وحلولها محل القيم الحضارية األصيلة‪ ،‬ولكن يشير إلى حالة التردي الحضاري التي تعاني منها‬
‫المجتمعات‪ ،‬والتي تنتج من التأخر الحضاري‪ ،‬كما تنتج من االستعمار الخارجي واالستبداد الداخلي‪،‬‬
‫والحصار الشامل الذي تتعرض له األمة‪ ،‬ويهدف إلى تغريبها ونشر العلمانية فيها‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬
‫تتفكك وال تتعلمن‬

‫ال يمكن أن تكون علميات التغريب والعلمنة بال تأثير على المجتمعات العربية واإلسالمية‪ ،‬فهي‬
‫تؤثر بالطبع‪ ،‬وتؤدي إلى تكريس التراجع الحضاري‪ ،‬وأيضا تؤدي إلى تأخير احتماالت النهوض‬
‫والوحدة‪ ،‬ولكن تلك التأثيرات ليست في الواقع تغريبا أو علمنة‪ ،‬بل هي تفكيك للمجتمعات‪ ،‬مما يؤدي إلى‬
‫انتشار مظاهر سلبية‪ ،‬وإلى إعاقة تنشيط القيم الحضارية األصلية‪ .‬وليست كل مظاهر االنحالل‪ ،‬هي دليل‬
‫على حدوث تغريب في المجتمع‪ ،‬بل هي دليل على حدوث تفكك وتصدع في بنية المجتمعات‪.‬‬
‫فالتغريب يعني إحالل قيم بدال من قيم أخرى‪ ،‬والعلمنة كذلك‪ .‬وهو ما يحدث عندما ترفض‬
‫الجماهير‪ ،‬أو أغلبها القيم الموروثة رفضا كامال‪ ،‬وتقبل القيم الوافدة‪ ،‬وترى أنها تمثل قيما أفضل لها‪،‬‬
‫وتتعلق بها‪ ،‬وتمتدحها‪ ،‬وتغير من انطباعاتها اللغوية عن القيم المفضلة والقيم المرفوضة‪ ،‬وتعييد تشكيل‬
‫المعاني اللغوية المتعلقة بالقيم وما هو مفضل منها‪ ،‬وتصبح عامة الجماهير تنتقد قيمها وليس وضعها‬
‫الحالي‪ ،‬وتقبل القيم األخرى الوافدة‪ ،‬وهو أمر لم يتحقق‪ .‬فعندما تتراجع أحوال المجتمع‪ ،‬ويرى الناس أن‬
‫قيمهم الموروثة قد غابت‪ ،‬فإن هذا يعني أنهم مازالوا متعلقين بتلك القيم الموروثة‪ ،‬وأنهم غاضبون بسبب‬
‫تراجع تلك القيم‪ ،‬وبسبب انتشار القيم الوافدة‪ .‬وهذا الوعي في حد ذاته‪ ،‬يعني أن القيم الموروثة مازالت‬
‫هي القيم المقبولة‪ ،‬وأن القيم الوافدة‪ ،‬حتى وإن كانت قد انتشرت بدرجة أو أخرى‪ ،‬مازالت هي القيم‬
‫المرفوضة‪ .‬فظهور القيم الوافدة‪ ،‬أو ظهور مظاهر غريبة على المجتمع‪ ،‬مع رفض عامة الناس لها‪،‬‬
‫وتحسرهم على ضياع القيم األصلية‪ ،‬يعني أن هذا الوافد الغازي مازال مرفوضا‪ .‬ومادام عامة الناس لم‬
‫يغيروا معي ارهم عن الصواب والخطأ‪ ،‬ومازالوا يرون أن الخطأ حتى وإن انتشر فهو خطأ‪ ،‬فمعنى ذلك‬
‫أن معيار القيم مازال كما هو ولم يتغير‪ .‬فالمشكلة تبدأ‪ ،‬عندما يرى الناس ما كانوا يعتبرونه صوابا على‬
‫أنه خطأ‪ ،‬وإلى ما كانوا يعتبرونه خطأ على أنه صواب‪ ،‬عندئذ يمكن القول بأن شيئا خطيرا قد حدث‪.‬‬
‫وهذا ما يفسر تلك الحمالت المستمرة‪ ،‬والتي تريد تغيير مفاهيم الناس عن الخطأ والصواب‪،‬‬
‫وتريد زرع مفاهيم بعينها ومصطلحات بعينها‪ ،‬من أجل تغيير المكونات اللغوية للتعبير وللخطاب‬
‫الشعبي‪ ،‬حتى يمكن زرع المفاهيم الجديدة داخل وعي العامة‪ ،‬وبهذا يمكن التمهيد لزرع القيم الوافدة في‬
‫وعيهم‪ .‬فالمعركة تتعلق هنا بموروث المفاهيم لدى األمة‪ ،‬والذي يمثل حائط الصد أمام أي محاوالت‬
‫للعلمنة‪.‬‬
‫لكن كل محاوالت العلمنة‪ ،‬والتي تتصدى لها الجماهير وترفضها‪ ،‬تؤثر بالطبع على إضعاف‬
‫المجتمعات‪ ،‬وإضعاف بنية القيم الموروثة‪ ،‬وتفكيك المجتمعات‪ .‬فما يحدث في البالد العربية واإلسالمية‬
‫ليس في الواقع تغريبا أو علمنة‪ ،‬بل هو تفكيك‪ .‬ومع كل حملة تغريب جديد‪ ،‬ومع كل حملة علمنة جديدة‪،‬‬
‫نجد المزيد من الضعف داخل بنية المجتمعات العربية واإلسالمية‪ ،‬والمزيد من التفكك‪ .‬وحالة الضعف‬
‫هذه‪ ،‬تعد نتاجا لتراجع دور القيم األصيلة في حياة المجتمعات‪ ،‬رغم أنها مازالت حاضرة في وعي األمة‪.‬‬
‫ولكن تراجع فاعلية القيم الحضارية الموروثة بسبب عمليات التغريب والعلمنة‪ ،‬تؤدي إلى إضعاف‬
‫المجتمعات‪ ،‬وتفكيك مكوناتها‪ .‬وفي المقابل نجد أن حالة التفكيك مع بقاء وعي األمة بقيمها حاضرا‪ ،‬تمثل‬
‫نتاجا للعلمنة ومقاومة لها في الوقت نفسه‪ ،‬ألن التفكيك ينتج من التغريب والعلمنة‪ ،‬ووعي األمة ضد حالة‬
‫التفكيك والتراجع الحضاري‪ ،‬تمثل الرد الجماهيري على التغريب والعلمنة‪ ،‬وتمثل عملية شعبية لمنع‬
‫التغريب والعلمنة من التسلل إلى داخل البنية االجتماعية لألمة‪.‬‬
‫‪27‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬
‫زرع في أرض غريبة‬

‫يتضح من فشل عمليات التغريب والعلمنة‪ ،‬أن الفكرة الغربية نفسها ال تجد أرضا مناسبة لها في‬
‫البالد العربية واإلسالمية‪ .‬وهذا ليس أمرا جديدا‪ ،‬بل هو حقيقة تاريخية‪ ،‬فكل فكرة حضارية لها ارض‬
‫نشأت فيها‪ ،‬وهي تناسب تلك األرض‪ ،‬وال يمكن زراعتها في أرض أخرى‪ .‬فالفكرة الحضارية هي نتاج‬
‫التفاعل بين اإلنسان والمكان والزمان‪ ،‬وهي نتاج لطبيعة األرض والجغرافية والمناخ‪ ،‬وبالتالي فهي‬
‫مرتبطة باإلنسان الذي أقامها‪ ،‬وباألرض التي أقامها عليها‪ .‬لذا فكل محاوالت إعادة زراعة القيم‬
‫الحضارية خارج نطاقها الجغرافي تفشل‪ ،‬ألن كل أرض لها خصائصها‪ .‬واألرض العربية واإلسالمية لها‬
‫خصائصها الحضارية المعروفة والمتحققة تاريخيا‪ ،‬لذا فهي أرض لها سمات خاصة‪ ،‬ولها قابلية ألفكار‬
‫دون األخرى‪ ،‬وعليه لم تنجح عملية زراعة الفكرة الغربية العلمانية في األرض العربية اإلسالمية‪ .‬فهي‬
‫فكرة ال تناسب األرض التي حاولوا زرعها فيها‪ .‬وتلك حقيقة مهمة‪ ،‬ألنها تعني أن استمرار عمليات‬
‫التغريب والعلمنة‪ ،‬يؤدي إلى تفكيك أو إضعاف األمة‪ ،‬ولكن األمة اإلسالمية لن تكون غربية ولن تكون‬
‫علمانية‪ ،‬ولن تكون أيضا ليبرالية أو يسارية أو غيرها من األفكار والمفاهيم الغربية‪ .‬فهذه األمة حسب‬
‫طبيعتها‪ ،‬وحسب قواعد التاريخ ونظمه‪ ،‬هي أمة لها حضارتها الخاصة‪ ،‬وال يمكن نزعها من حضارتها‪،‬‬
‫وإلحاقها بحضارة أخرى‪ ،‬مثلها في ذلك مثل غيرها من الشعوب واألمم العريقة‪.‬‬
‫هي علمنة تنتهي بتفكيك وإضعاف المجتمعات العربية واإلسالمية‪ ،‬ولكن ال تنتهي بزرع العلمانية‬
‫في أراضي األمة اإلسالمية‪ .‬وفشل العلمنة أصبح واضحا للعيان‪ ،‬ألن الشعوب عندما بدأت مسيرة‬
‫التحرر‪ ،‬أظهرت هويتها العربية اإلسالمية‪ ،‬بصورة ربما فاجأت البعض‪ ،‬وكأن كل عملية العلمنة لم‬
‫تؤدي إلى أي نتائج ملموسة على أرض الواقع‪ ،‬غير علمنة قطاع من المجتمعات‪ ،‬يمثل أقلية‪ .‬ولهذا‬
‫أصبحت صدمة الربيع العربي مزدوجة‪ ،‬ألنها اسقطت النظم المتحالفة مع الغرب‪ ،‬وأصبحت تهدد كل ما‬
‫زرعه الغرب في األرض العربية واإلسالمية‪ ،‬خاصة العلمانية‪.‬‬
‫(‪)01‬‬
‫متى يتوقف التفكك؟‬
‫تمر البالد العربية واإلسالمية بمرحلة المواجهة المباشرة بين عوامل التغريب والتفكيك من جهة‪،‬‬
‫وعوامل استعادة المرجعية اإلسالمية والوحدة اإلسالمية من جهة أخرى‪ .‬فالواقع يؤكد على قوة وفاعلية‬
‫عوامل التفكك والتحلل‪ ،‬والتي تتأكد في وقائع تفكيك الدول القومية العلمانية‪ ،‬ورغم ذلك تظهر قوة عوامل‬
‫استعادة المرجعية اإلسالمية في مواجهة عملية التفكيك والتغريب والعلمنة‪ ،‬ممثلة في الحركات اإلسالمية‪،‬‬
‫والتيار اإلسالمي الواسع‪ ،‬وأيضا في تزايد وعي األمة بوحدتها ومرجعية األمة الحضارية‪ ،‬والتي تظهر‬
‫بوضوح في الخروج الحاشد لجماهير األمة دفاعا عن قضاياها الرئيسة‪ ،‬والخروج الحاشد لجماهير‬
‫الثورات العربية‪ ،‬في مواجهة النخب الحاكمة المستبدة‪ ،‬والتي أظهرت حجم التضامن والتوحد االجتماعي‬
‫الواسع‪.‬‬
‫هي عملية تدافع إذن‪ ،‬بين عوامل متعارضة وتتحرك في اتجاه متعارض‪ ،‬وتتصادم في معظم‬
‫األوقات‪ .‬ولكن مآل تلك المواجهة لم يحسم بعد‪ ،‬ولم تظهر عالمات نهاية تلك المواجهة‪ .‬فهي مواجهة‬
‫حضارية في مضمونها‪ ،‬ولكنها في الوقت نفسه تمثل مواجهة دولية‪ ،‬لها تأثيراتها على أوضاع العالم كله‪.‬‬
‫‪28‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫فما بين قوى العلمنة والقوى اإلسالمية من مواجهة‪ ،‬ال يعد أمرا محليا‪ ،‬بل هو أمر دوليا‪ ،‬له العديد من‬
‫التأثيرات على النظام الدولي كله‪ .‬لذا فالمعركة ليست هينة‪ ،‬ألن كل األطراف الفاعلة في السياق الدولي‪،‬‬
‫تتدخل في تلك المواجهة بصورة أو أخرى‪ .‬والمواجهة أيضا ال تتعلق فقط باألوضاع السياسية الداخلية‬
‫للدول العربية واإلسالمية‪ ،‬بل ترتبط أيضا بما يحدث في البالد التي تشهد مواجهات عسكرية‪ .‬فالمواجهة‬
‫الحضارية الحادثة بين األمة اإلسالمية والدول الغربية‪ ،‬ترتبط مباشرة بما يحدث في فلسطين والعراق‬
‫وأفغانستان‪ ،‬وكل بلد يشهد استعمارا عسكريا غربيا‪.‬‬
‫ونتائج تلك المواجهة لن تؤثر فقط على البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬بل سوف تؤثر على المكانة‬
‫الدولية للدول الغربية‪ ،‬وعلى دورها العالمي‪ ،‬كما سوف تؤثر مباشرة على كل المناطق التي تشهد‬
‫استعمارا خارج يا‪ .‬ويمكن اعتبار فلسطين هي المنطقة المركزية‪ ،‬التي سوف تشهد التحوالت الكبرى في‬
‫المواجهة الحضارية بين األمة اإلسالمية والغرب‪ .‬ومعنى هذا أن مصير االحتالل اإلسرائيلي مرتبط بما‬
‫يحدث من مواجهة بين الفكرة اإلسالمية والفكرة العلمانية‪ ،‬وبين الفكرة اإلسالمية والفكرة القومية‪ .‬لذا فكل‬
‫تلك المعارك متشابكة‪ ،‬ومصيرها مرتبط‪.‬‬
‫هذا ما يجعل شدة المواجهات تتزايد‪ ،‬فالتدخل الغربي في البالد العربية واإلسالمية يتزايد‪،‬‬
‫والغرب يفتح العديد من الجبهات القتالية‪ ،‬بصورة تجعله يتورط أكثر فأكثر‪ .‬ومهما كانت المبررات‬
‫المعلنة‪ ،‬فالتورط الغربي في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬جعله طرفا في كل الصراعات والنزاعات‬
‫السياسية والمذهبية والقومية‪ .‬وفي مواجهة هذا التورط الغربي‪ ،‬تتعدد االستجابات الحركية اإلسالمية‪ ،‬ما‬
‫بين االستجابة اإلصالحية الحضارية‪ ،‬واالستجابة الحركية المسلحة‪ .‬وتتزايد فرق وتيارات الحركات‬
‫اإلس المية‪ ،‬لتعبر عن مختلف المواقف من هجمة التغريب التي تتعرض لها المنطقة‪ .‬وكلما تزايدت شدة‬
‫الهجمات على المنطقة‪ ،‬تزايدت االستجابات األكثر تشددا للرد عليها‪ .‬حتى باتت المواجهات تدور في‬
‫دائرة مغلقة‪ ،‬وال يستطيع طرف حسم القضية لصالحه‪.‬‬
‫وجاءت ثورات الربيع العربي‪ ،‬لتبدأ مرحلة عكس دورة المواجهة بين األمة والقوى المهيمنة‪،‬‬
‫ألن الثورات جعلت للشعوب كلمة مؤثرة‪ ،‬وأصبحت قوتها توازن بل وتزيد على قوة التأثيرات الخارجية‪،‬‬
‫وأصبحت الشعوب قادرة على دعم الهوية التي تختارها‪ ،‬والصمود أمام تغول الهوية الوافدة‪ .‬وبهذا تبدأ‬
‫مرحلة جديدة‪ ،‬في منتصف الطريق بين االنهيار الكامل وبداية الصعود‪.‬‬
‫ولكن شروط الجولة األخيرة لم تتضح بعد‪ ،‬حتى باتت المعارك وكأنها بال نهاية‪ .‬ولكن كل‬
‫المعارك الكبرى التي تنهي مرحلة تاريخية في تاريخ البشر‪ ،‬وتبدأ مرحلة جديدة‪ ،‬يكون لها نفس‬
‫الخصائص‪ .‬فمرحلة التحول التاريخي ال تعرف أحداثها إال بعد أن تتحقق‪ ،‬والمخاض العسير قبل مراحل‬
‫التحوالت الكبرى‪ ،‬ينبئ بقدوم تحول كبير في المستقبل‪ ،‬ولكنه ال يحدد لحظة التحول وزمانها‪ .‬واللحظات‬
‫البينية تكون أكثر اللحظات غموضا‪ ،‬لذا ليس غريبا أن يكتنف الغموض المراحل االنتقالية التي أعقبت‬
‫الربيع العربي‪.‬‬
‫تحول مجرى التاريخ‬
‫عبر العديد من الفترات التاريخية حدثت تحوالت تاريخية كبرى فصلت بين مرحلة تاريخية‬
‫ومرحلة تاريخية تالية لها‪ .‬وتلك هي مشكلة المواجهة الحالية بين العالم اإلسالمي والعالم الغربي‪ ،‬فهذه‬
‫‪29‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫المواجهة هي جزء من مسار تحول تاريخي في حياة البشر‪ ،‬وليست فقط مجرد مواجهة بين حضارتين‪،‬‬
‫أو بين عالمين‪ .‬فلو كانت القضية محصورة في استعمار يحتل البالد اإلسالمية‪ ،‬ثم تقاومه األمة حتى‬
‫يخرج‪ ،‬لكانت تلك المرحلة قد تحققت بالفعل‪ .‬وعندما أرادت نخب التحرر الوطني التخلص من االستعمار‬
‫العسكري المباشر‪ ،‬استطاعت تحقيق ذلك الهدف‪ ،‬ولكنها بقيت تحت الحماية والدعم والتبعية الغربية‪.‬‬
‫ولكن المسألة تحولت إلى جوهرها‪ ،‬فالقضية في جوهرها تتعلق بالتحرر الحضاري‪ ،‬وعندما‬
‫رفعت الحركات اإلسالمية شعار التحرر الحضاري واستعادة المرجعية اإلسالمية‪ ،‬كانت بذلك تركز على‬
‫جوهر المشكلة ومركز الصراع‪ .‬ولذا تحولت األنظار بعد ذلك‪ ،‬إلى المعركة األساسية‪ ،‬والمتمثلة في‬
‫فرض الغرب لنموذجه الحضاري‪ ،‬المتمثل في الحضارة الغربية والنموذج السياسي القومي العلماني‪.‬‬
‫ولما باتت القضية ظاهرة على سطح األحداث‪ ،‬تجلت حقيقتها أمام كل األطراف‪ ،‬فالمشكلة تتعلق برغبة‬
‫األمة في التحرر من النموذج الغربي سواء الحضاري أو السياسي‪ ،‬والنخب الحاكمة المتحالفة مع الغرب‪،‬‬
‫تحاول فرض النموذج الغربي بالوكالة عن الدول الغربية‪ .‬فأصبحت كل الدول العربية واإلسالمية محتلة‬
‫بدرجة أو أخرى‪ ،‬سواء من خالل االحتالل العسكري الغربي المباشر‪ ،‬أو من خالل النخب المستبدة‬
‫المهي منة على السلطة والمتحالفة مع الغرب‪ ،‬أو النخب العلمانية التي تريد أن تحل محل نخب االستبداد‬
‫التي سقطت في ثورات الربيع العربي‪.‬‬
‫هنا باتت المواجهة مرتبطة بدور الحضارة الغربية العالمي‪ ،‬وبدور الدول الغربية في النظام‬
‫الدولي‪ .‬وهو ما يعني أن المواجهة بين الحركات اإلسالمية وبين السياسات الغربية ونخب الدولة القومية‬
‫المتحالفة مع الغرب‪ ،‬ليست مواجهة محلية وليست مواجهة إقليمية‪ ،‬بل هي مواجهة عالمية‪ ،‬تشهد صراعا‬
‫سياسيا بين القوى المختلفة‪ ،‬والتي تختلف في رؤيتها وجدول أعمالها‪ .‬لذا فإن ما تحققه الحركات‬
‫اإلسالمية يجب أن يقاس على حجم األهداف التي تريد تحقيقها‪ ،‬وحجم تأثير تلك األهداف على العالم كله‪.‬‬
‫لن يتغير العالم بين يوم وليلة‪ ،‬ولن تستلم القوى صاحبة النفوذ األقوى في العالم‪ ،‬وتتنازل عن قدر من‬
‫هيمنتها وقوتها الدولية‪ ،‬إال مضطرة‪.‬‬
‫هي حرب استنزاف‬
‫عملية التفكيك التي تتعرض لها األمة تستنزفها‪ ،‬وعملية مقاومة التغريب والعلمنة واالحتالل‬
‫الغربي العسكري‪ ،‬والتدخل السياسي الغربي‪ ،‬تستنزف الغرب‪ .‬فهي عملية استنزاف متبادل‪ ،‬ونتيجتها‬
‫تحسمها قدرة كل طرف على تحمل االستنزاف لوقت أطول‪ .‬فالغرب يستنزف اقتصاديا‪ ،‬ألنه يدفع فاتورة‬
‫مرتفعة لهيمنته على العالم‪ ،‬والحركة اإلسالمية بل واألمة اإلسالمية تستنزف بشريا‪ ،‬بسبب ما تتعرض له‬
‫من حروب ونزاعات داخلية ومواجهات مسلحة مع الخارج‪ ،‬وحصار على الحركات اإلسالمية‪.‬‬
‫هي معادلة االستنزاف االقتصادي في مواجهة االستنزاف البشري‪ .‬وألن الطاقة البشرية لألجيال‬
‫ال تنفد‪ ،‬والطاقة أو القدرة االقتصادية تتعرض للنفاد أو التراجع‪ ،‬لذا أصبحت المعركة في حقيقتها لصالح‬
‫األمة اإلسالمية‪ .‬ولكن قدرة الدول الغربية‪ ،‬خاصة الحلف األمريكي اإلسرائيلي‪ ،‬في االستمرار وتحمل‬
‫االستنزاف االقتصادي‪ ،‬وربما االجتماعي أيضا‪ ،‬يمكن أن تستمر لسنوات أو عقود‪.‬‬
‫هي إذن معركة بين ما ينضب وما ال ينضب‪ ،‬وبين ما يستنزف وما ال يستنزف‪ .‬وهي أيضا‬
‫معركة تتعلق بمصير أمة‪ ،‬لها تاريخ طويل‪ ،‬وهي لهذا معركة ال يمكن أن تنتهي بموت أمة‪ ،‬فاألمم ال‬
‫‪41‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫تموت‪ ،‬مهما وصلت لحالة من التراجع والتردي‪ ،‬ومهما حدث لها من تفكك‪ .‬وقد أعطى الربيع العربي‬
‫دفعة لألمة‪ ،‬بحيث جعلها أبعد من لحظة شبه الموت‪ ،‬بأكثر مما كانت قبل بداية الربيع العربي‪ ،‬لتبدأ‬
‫مرحلة النضال للخروج من الموات النسبي الذي وصلت له األمة‪.‬‬
‫ما بين الحياة والموت‬
‫الناظر إلى ما يحدث في األمة اإلسالمية‪ ،‬يجد أنها كلما تفككت‪ ،‬أدركت خطر التفكك‪ ،‬وكلما‬
‫قدمت الشهداء‪ ،‬أم نت أكثر بقضيتها‪ .‬فاألمة تبدو كمن يستيقظ مع شدة الخطر‪ ،‬وتزداد مقاومته كلما زادت‬
‫المخاطر‪ .‬وهو ما يحدث منذ بداية القرن الحادي والعشرين‪ ،‬فهو القرن الذي قد يشهد تغير مسار التاريخ‪،‬‬
‫ألنه القرن الذي تعرضت له األمة اإلسالمية ألشد المخاطر‪ ،‬فكانت صحوتها وردها فاعلين‪ .‬والتغيرات‬
‫الحادثة على الساحة العربية واإلسالمية منذ بداية القرن الحادي والعشرين‪ ،‬تدل على تسارع وتيرة‬
‫المواجهات والتغيرات والثورات الشعبية‪ .‬وقدرة األمة على المقاومة والصمود‪ ،‬وتحقيق النصر في‬
‫معاركها تزداد‪ .‬ولكن الخطر الذي تتعرض له األمة يزداد أيضا‪ ،‬وكأن الخطر نفسه‪ ،‬هو الذي يرفع من‬
‫قدرات األمة الدفاعية‪ ،‬ويزيد من قدراتها الهجومية‪ ،‬ويحفزها للمواجهة‪.‬‬
‫هي اللحظة التي تفصل بين الحياة والموت‪ ،‬وهي اللحظة التي تدرك فيها األمة أن المواجهة‬
‫حتمية والجهاد حتمي‪ .‬هي اللحظة التي تمر بها مجتمعات األمة بأخطار تهدد بقائها‪ ،‬فتدرك أنها يجب أن‬
‫تستيقظ وتدافع عن نفسها‪ .‬وهي اللحظة التي تدرك فيها كل مكونات األمة‪ ،‬أن أمنها يرتبط بارتباطها‬
‫بأمتها‪ .‬فكلما اقتربت األمة من الموت اإلكلينيكي‪ ،‬ودخلت في الغيبوبة الحضارية‪ ،‬تحركت لتحمي نفسها‬
‫من لحظة الموت الحضاري‪ .‬حتى بات التفكك العميق الذي تواجهه األمة‪ ،‬هو العالمة الرئيسة على بداية‬
‫مرحلة الخروج من التراجع الحضاري‪ ،‬واستعادة الوحدة والمرجعية اإلسالمية‪.‬‬
‫ولم يكن الربيع العربي‪ ،‬إال لحظة ثورة حدثت في اللحظة الفاصلة بين الموت والحياة‪ ،‬وهي‬
‫لحظة منحت األمة قبلة الحياة‪ ،‬لتبعدها قليال عن لحظة الموت‪ ،‬ولكنها لحظة لم تعطي األمة كل الحياة‪ ،‬بل‬
‫أعطت لها بداية‪ ،‬لتبدأ مرحلة النضال من أجل استعادة كامل معنى الحياة‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫الفصل الثاني‬
‫الدين يُغيب فيحضر‬
‫(‪) 0‬‬
‫الدين بين اإلزاحة واإلحياء‬
‫دارت كل معارك األمة اإلسالمية حول دور الدين في حياتها‪ ،‬حتى صارت النهضة مرتبطة‬
‫بدور الدين في حياتها‪ ،‬وأصبح سقوطها وتراجعها مرتبطا أيضا بتراجع دور الدين في حياتها‪ ،‬فمع تغير‬
‫حال األمة يتغير دور الدين في حياتها‪ ،‬ومع تغير دور الدين في حياة األمة‪ ،‬يتغير موضعها الحضاري‪.‬‬
‫وليست األمة اإلسالمية هي الوحيدة التي لعب الدين دورا مركزيا في حياتها‪ ،‬ولكن دور الدين في‬
‫تاريخها‪ ،‬اختلف عن دوره في حضارات أخرى‪ .‬ففي بعض الحضارات‪ ،‬كانت تنحية الدين ضرورة للتقدم‬
‫والنهوض‪ ،‬كما حدث في الحضارة الغربية‪ .‬ولكن في حياة األمة اإلسالمية‪ ،‬ارتبطت تنحية دور الدين‬
‫بالسقوط الحضاري‪ ،‬فأصبح النهوض مرتبطا بعودة دور الدين في حياة األمة‪ .‬ودور الدين في حياة األمم‬
‫يختلف من أمة إلى أخرى‪ .‬ولكل حضارة قواعدها التي تعرف لحظة النهوض ولحظة التراجع الحضاري‪.‬‬
‫لذا فلكل حضارة قانونها الخاص‪ ،‬ومسارها التاريخي‪ .‬ومسار التاريخ الماضي‪ ،‬يحكي ضمنا مسار‬
‫المستقبل‪ ،‬ألنه يحكي القواعد الحاكمة لطبيعة الحضارة وتركيبتها‪.‬‬
‫وفي لحظات التحول‪ ،‬تتجمع عوامل شتى معا‪ ،‬لتصنع لحظة التحول الكبرى‪ .‬وغالبا ما تتجمع‬
‫العوامل الداخلية مع العوامل الخارجية‪ ،‬لتصنع لحظة التحول الكبرى‪ .‬فال توجد أمة تسقط إال بضعف من‬
‫داخلها‪ ،‬ولكن ال توجد أيضا أمة تسقط إال بقوى خارجية تتكالب عليها‪ ،‬فتتجمع العوامل الداخلية‬
‫والخارجية لتصنع لحظة السقوط‪ ،‬وكذلك تتجمع لتصنع لحظة الصعود‪.‬‬
‫البداية من الداخل‬
‫لقد حضر الدين في تاريخ األمة اإلسالمية بوصفه الحاكم األعلى والمحرك األول والقاعدة‬
‫الرئيسة في حياة األمة‪ ،‬وفي تكوين وسلوك الدولة‪ .‬وبهذا ظل الدين ممثال للمرجعية العليا لألمة والدولة‪.‬‬
‫وكانت الدولة تضعف أحيانا‪ ،‬دون أن تضعف األمة‪ ،‬فظلت قدرات الدولة واألمة على التجديد مستمرة‪،‬‬
‫إلى أن حانت لحظة الضعف الشامل‪ ،‬حيث ضعفت الدولة واألمة معا‪ ،‬مع نهاية الدولة العثمانية‪ .‬ضعفت‬
‫األمة ولم تعد قادرة على تجديد طبقاتها ومكوناتها‪ ،‬ولم تعد قادرة على الدفع في مواجهة عوامل التحلل‬
‫والضعف‪ .‬ولكن الدولة ضعفت أيضا‪ ،‬عندما صارت دولة قبل أن تكون رسالة‪ ،‬فلم تعد تحمل الرسالة قدر‬
‫ما تحمل السلطة‪ ،‬ولم تعد تنشر القيمة السياسية اإلسالمية‪ ،‬قدر ما أصبحت تمثل جهازا إداريا‪ .‬فتغير دور‬
‫الدين في حياة األمة‪ ،‬ولم يعد يسير حركتها ويقود دولتها‪ ،‬وهنا بدت األمة في حالة ضعف‪ ،‬والدولة كذلك‪.‬‬
‫فلقد ظهرت النزعة القومية في نهايات الدولة العثمانية‪ ،‬لتجعل لفكرة أخرى مكانة مركزية‪،‬‬
‫وتشارك فكرة الدي ن في موضعها المركزي‪ ،‬وتزيحها تدريجيا عن موضعها‪ .‬فأصبح موضع الدين يتحرك‬
‫من المركز‪ ،‬وال يصبح القيمة المركزية الوحيدة‪ .‬وعندما تتعدد القيم الحاكمة‪ ،‬وال تكون كلها تابعة للقيمة‬
‫المركزية التي يمثلها الدين‪ ،‬يتراجع دور القيمة الدينية كقيمة حاكمة وحيدة‪ .‬وبعد أن كانت نقطة القوة في‬
‫‪43‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫الحضارة اإلسالمية‪ ،‬هي االلتزام بالمرجعية الدينية‪ ،‬أصبح ضعف الحضارة اإلسالمية ينتج من عدم‬
‫االلتزام بالمرجعية الدينية‪.‬‬
‫الغزو الخارجي‬
‫جاء الحصار الغربي للدولة العثمانية‪ ،‬لينهي دورها اإلسالمي‪ ،‬وينهي المرجعية اإلسالمية‪ ،‬فقد‬
‫جاء غزوا علمانيا‪ ،‬يحا ول تفكيك بنية الدولة العثمانية‪ ،‬ويجعلها بنية قومية علمانية‪ .‬وكانت التحوالت‬
‫الداخلية للدولة العثمانية تدفع في اتجاه التحول إلى النزعة القومية‪ .‬وبهذا أصبح الضعف الداخلي يلتقي مع‬
‫الغزو الخارجي‪ ،‬وكالهما يدفع في اتجاه تعظيم نقطة الضعف األساسية التي تفكك الكيان السياسي‬
‫اإلسالمي‪ ،‬وتفكك األمة‪ ،‬والمتمثلة في تراجع دور الدين‪ .‬فقد كان دور الدين يتراجع داخليا‪ ،‬ثم جاءت‬
‫الغزوات الخارجية لتضرب دور الدين‪ ،‬فتتالقى العوامل الداخلية والخارجية‪ ،‬ليصبح لها تأثيرا كبيرا على‬
‫مسار التاريخ الحضاري لألمة‪ ،‬بسبب تجمع قوة التراجع الداخلي مع قوة الغزو الخارجي‪.‬‬
‫فاألمة الناهضة ال تسقط بسبب الغزو الخارجي فقط‪ ،‬ولكن تسقط عندما تضعف من داخلها‪ ،‬ثم‬
‫يأتي الغزو الخارجي ليهدم كل بنائها‪ .‬لذا فاألمة تنهض عندما تقوى من داخلها‪ ،‬فتصبح قادرة على صد‬
‫العدوان عليها‪.‬‬
‫ولم تكن قصة االستعمار الغربي للمنطقة العربية واإلسالمية‪ ،‬إال قصة المواجهة بين الغرب‬
‫ودور الدين في حياة األمة اإلسالمية‪ .‬فظلت السياسات والتصرفات الغربية‪ ،‬في عهد االستعمار العسكري‬
‫المباشر‪ ،‬وبعد ذلك في عهد االستعمار غير المباشر‪ ،‬تعمل على تغيير دور الدين في حياة األمة‪ .‬فعمل‬
‫االستعمار على زراعة قيمة مركزية أخرى بدل قيمة الدين‪ ،‬وأقام دولة مؤسسة على قيمة مركزية أخرى‬
‫غير قيمة الدين‪ .‬وظلت المعركة تدور حول دور الدين في حياة األمة‪ .‬فقد أدرك االستعمار أن مفتاح‬
‫نهضة األمة اإلسالمية يرتبط بدور الدين فيها‪ ،‬وأدركت كل القوى والنخب التي تريد السيطرة على البالد‬
‫العربية واإلسالمية‪ ،‬أن دور الدين هو الذي يحدد مستقبل األمة‪.‬‬
‫اإلزاحة المستمرة‬
‫الناظر لتاريخ األمة اإلسالمية منذ سقوط الدولة العثمانية‪ ،‬سيجد أنه يدور حول موضع الدين‬
‫ومكانته ودوره‪ .‬فقد أصبح مسار التاريخ الحضاري لألمة‪ ،‬يشهد محاوالت مستمرة إلزاحة دور الدين من‬
‫الم جال العام تدريجيا‪ ،‬حتى يصبح الدين شأنا خاصا‪ ،‬وليس شأنا عاما‪ ،‬ويصبح المجال العام حياديا تجاه‬
‫الدين‪ ،‬وال يتأثر به أو يتبع قواعده‪ .‬وفي لحظة النهوض الحضاري‪ ،‬كان الدين يمثل المرجعية العليا‪،‬‬
‫والتي أقامت األمة‪ ،‬ثم أقامت دولة األمة‪ ،‬ثم أقامت نهضة تلك األمة‪ .‬وعندما أصبح دور الدين يتراجع عن‬
‫موضعه المركزي‪ ،‬بدأت مظاهر األمة تغيب تدريجيا‪ ،‬فسقطت دولة األمة أوال‪ ،‬ثم سقطت األمة وتفرقت‪،‬‬
‫فغابت كل مالمح النهوض‪ ،‬وتزايدت مالمح التراجع والتردي الحضاري‪ .‬فعندما أسس الدين كمرجعية‬
‫مركزية قامت األمة‪ ،‬فأقامت دولتها‪ ،‬وعندما غاب الدين عن الدولة‪ ،‬لم تعد دولة األمة حاضرة‪ ،‬وبعد ذلك‬
‫لم تعد األمة نفسها حاضرة‪.‬‬
‫وفصول معركة إزاحة الدين بدأت مع االستعمار المباشر‪ ،‬حيث تم تفكيك بنية األمة والدولة‬
‫بالكامل‪ ،‬حتى يتم زرع بنية أخرى وافدة‪ ،‬مما يمنع األمة من النهوض مرة أخرى‪ .‬ولكن معركة إزاحة‬
‫‪42‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫دور الدين تص اعدت بعد انتهاء االستعمار العسكري المباشر‪ ،‬وتلك حقيقة مهمة‪ .‬فقد عمد االستعمار على‬
‫ترك رؤيته الحياتية والسياسية وترك دولته‪ ،‬حتى تظل الدول العربية واإلسالمية تمارس النمط الذي‬
‫تركه‪ ،‬وال تتحرر من استعماره الحضاري‪ ،‬حتى مع غياب االستعمار العسكري المباشر‪ .‬وظلت حاجة‬
‫الغرب لممارسة االستعمار العسكري المباشر قائمة‪ ،‬فظل االحتالل اإلسرائيلي مستمرا‪ ،‬وعاد االستعمار‬
‫األمريكي في العراق وأفغانستان‪ .‬ولكن كان االستعمار يمارس دوره األوسع من خالل الدولة العلمانية‬
‫التي زرعها في الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬والتي كانت قادرة على الحفاظ على تنحية دور الدين من حياة‬
‫األمة‪ ،‬نيابة عن االستعمار الغربي‪.‬‬
‫وفي ظل القوة العسكرية المحتلة‪ ،‬لم تكن الحاجة ملحة لعلمنة الدولة والمجتمع‪ ،‬قدر ما حدث بعد‬
‫رحيل االستعمار العسكري المباشر‪ .‬فنجد نخب الدولة القومية العلمانية‪ ،‬وجيل التحرر الوطني العلماني‪،‬‬
‫قد حمل لواء الحد من دور الدين‪ ،‬ونشر العلمنة في بنية الدولة‪ ،‬حتى يزيح دور الدين تدريجيا‪ ،‬وربما‬
‫بصورة سريعة‪ ،‬حتى يضمن عدم عودة الدين للعب دور مركزي في الحياة‪ .‬وبهذا أصبحت إزاحة الدين‬
‫من المجال العام‪ ،‬وحصره في المجال الخاص‪ ،‬هي عمل النخب والحكومات في عهد ما بعد االستعمار‬
‫العسكري‪ ،‬وبهذا تحقق النخب المتحالفة مع الغرب‪ ،‬ما لم يستطع الغرب أن يحققه بنفسه‪ ،‬وهو اإلزاحة‬
‫الكاملة لدور الدين‪ ،‬وإحالل قيم سياسية وافدة محل القيم السياسية اإلسالمية‪ ،‬حتى تصبح الدولة ذات‬
‫أساس غير إسالمي‪ ،‬ويصبح المجتمع أيضا قائما على نظام عام غير إسالمي‪ ،‬وبهذا يتم منع عملية‬
‫استعادة القيمة الدينية مرة أخرى في حياة األمة‪ ،‬ثم في بنية الدولة‪.‬‬
‫فمع عملية اإلزاحة المستمرة لموضع القيمة الدينية‪ ،‬يتم زرع قيمة أخرى‪ ،‬حتى تمأل الفراغ الذي‬
‫تتركه القيمة الدينية‪ ،‬وفي نفس الوقت تصبح األساس الجديد لبناء المجتمع والدولة‪ .‬وهي عملية يراد منها‬
‫منع عملية الصعود الحضاري لألمة مرة أخرى‪ ،‬والذي يعتمد على استعادة دور الدين في حياة األمة‪،‬‬
‫حتى تعود مرة أخرى األمة‪ ،‬فتعود دولتها أيضا‪ .‬فمع غياب الدين من المجال العام‪ ،‬غابت األمة والدولة‪،‬‬
‫ومعنى هذا أن األمة ال يمكن أن تعود لهويتها مرة أخرى‪ ،‬وتعيد مسار نهوضها مرة أخرى‪ ،‬مع غياب‬
‫الدين من المجال العام‪ .‬وبنفس هذا المعنى‪ ،‬فإن الدولة المحكومة بالقيم السياسية اإلسالمية‪ ،‬ال يمكن أن‬
‫تعود مرة أخرى‪ ،‬إذا اختفى دور الدين من المجال العام‪ .‬لذا أصبح تغييب الدين عن المجال العام‪ ،‬هو‬
‫العملية المراد بها منع إ حياء دور الدين في المجال العام‪ ،‬لمنع توحيد األمة من جديد‪ ،‬ومنع قيام كيان‬
‫سياسي موحد لها‪ ،‬ومنع نهضتها‪.‬‬
‫بهذا تعد عملية تغييب دور الدين من المجال العام‪ ،‬مثل عملية تغيير في البنية الجينية الحضارية‬
‫لألمة‪ ،‬يراد منها تغيير طبيعة األمة‪ ،‬أو منع عودتها إلى طبيعتها الحضارية‪ ،‬وغلق السبل أمام كل محاولة‬
‫الستعادة التركيبة الجينية الحضارية لألمة‪ ،‬والتي تمكنها من النهوض والتوحد‪ .‬فتصبح عملية حصار‬
‫الدين‪ ،‬هي عملية تغيير منهجية للتركيبة الجينية الحضارية لألمة‪ ،‬تقوم بها القوى الخارجية والقوى‬
‫الداخلية المتحالفة معها‪ ،‬بغرض السيطرة على مجتمعات وأوطان األمة‪ ،‬وحتى ال تتمكن األمة من تحقيق‬
‫استقاللها الحضاري مرة أخرى‪ ،‬وبالتالي ال تتمكن من تحقيق الوحدة والنهضة‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬
‫والدفع مستمر أيضا‬

‫ال يمكن ألمة نهضت وتقدمت‪ ،‬أن تكون بال حراك‪ ،‬وال يمكن ألمة أن تموت كما يموت اإلنسان‪،‬‬
‫فاألمة هي تواصل أجيال‪ ،‬واألمم تنهض وتتراجع‪ ،‬ولكنها ال تموت‪ ،‬خاصة األمم الكبرى‪ ،‬والتي شكلت‬
‫مسار التاريخ البشري في فترات مهمة منه‪ .‬واألمة اإلسالمية مازالت توجد‪ ،‬ولكنها الغائب الحاضر‪،‬‬
‫ودور الدين في حياة األمة مازال موجودا‪ ،‬ولكنها أيضا الغائب الحاضر‪ .‬فلم يغب دور الدين بالكامل‪ ،‬وال‬
‫غابت األمة اإلسالمية بالكامل‪ .‬ولكن فصول التاريخ المعاصر تحكي لنا قصة عملية إزاحة الدين من حياة‬
‫األمة‪ ،‬وتحكي أيضا قصة إحياء دور الدين في حياة األمة‪ .‬ففي مقابل عملية اإلزاحة والتنحية‪ ،‬هناك‬
‫عملية مضادة لها‪ ،‬تدفع من أجل إحياء دور الدين في المجال العام‪ ،‬وفي حياة األمة‪ ،‬الستعادة وحدتها‬
‫ودولتها ونهضتها‪ .‬وفصول التدافع الحضاري بين عملية اختراق األمة لتغيير بنية التركيبة الجينية‬
‫الحضارية‪ ،‬وعملية إحياء التركيبة الجينية الحضارية األصلية‪ ،‬تمثل مرحلة مهمة من التاريخ العربي‬
‫واإلسالمي‪ ،‬فهي مرحلة المواجهة بين قوى االستعمار وقوى التحرر‪.‬‬
‫فلقد عمدت قوى االستعمار‪ ،‬سواء الخارجي أو الداخلي‪ ،‬إلى احتالل مكانة الدين وقيمه بقيم‬
‫وافدة‪ ،‬وعمدت قوى التحرر الحضاري األصيلة‪ ،‬إلى استعادة مكانة وموقع وموضع الدين وتحريره‪.‬‬
‫فأصبحت المعركة تدور بين احتالل وتحرير الموضع األعلى للقيم الحاكمة في حياة األمة وأوطانها‬
‫ودولها‪ .‬واالستعمار بكل أشكاله‪ ،‬بما فيه االستعمار الداخلي المتمثل في النخب الحاكمة المتحالفة مع‬
‫الغرب‪ ،‬والنخب الداعية للمشروع الغربي‪ ،‬يحاول احتالل منطقة وموضع القيمة المركزية‪ ،‬فيزيح الدين‬
‫منها‪ ،‬ثم يفرض قيم أخرى مكانه‪ ،‬ثم يحصن تلك القيم أو ذلك النظام ويحميه بقوة السالح‪ ،‬وبقوة االحتالل‬
‫اإلسرائيلي والتدخل العسكري الخارجي‪ ،‬حتى يستطيع منع عودة الدين ليحتل مكانته التاريخية في حياة‬
‫األمة‪ .‬لذا نجد كل أشكال التطبيقات العلمانية تستخدم السالح واالستبداد‪ ،‬وتفرض هيمنتها على الشعوب‪،‬‬
‫ألنها تخشى من قدرة شعوب األمة على استعادة مرجعية الدين‪ ،‬فتستعيد األمة وجودها‪ ،‬ثم تستعيد دولتها‪.‬‬
‫وهكذا يبقى التدافع بين إزاحة الدين عن موضعه في المجال العام‪ ،‬واستعادة هذا الموضع‪ ،‬هو‬
‫جوهر معركة االستعمار والتحرير‪ ،‬في تاريخ األمة اإلسالمية‪ .‬ولم يتغير هذا المشهد بعد الربيع العربي‪،‬‬
‫بل زادت شدة المواجهة بين عملية إزاحة الدين من النظام العام‪ ،‬وبين محاوالت استعادة دور الدين في‬
‫النظام العام‪ ،‬بل أن المعركة تحولت إلى درجة أكبر من الشدة‪ ،‬ألنها قد تكون المعركة األخيرة‪ ،‬والتي‬
‫يحسم بعدها الخيار الجمعي للجماهير‪ .‬فعندما تستعيد جماهير األمة هويتها القائمة على مرجعية الدين‪،‬‬
‫تكون كل محاوالت استبعاد الدين قد هزمت‪ .‬وهو ما يجعل المعركة بين إزاحة واستعادة الدين بعد ثورات‬
‫الربيع العربي‪ ،‬هي المعركة األشرس‪ ،‬واألهم تاريخيا‪.‬‬

‫(‪) 3‬‬
‫معرركة الدين والقومية‬
‫تعددت وسائل تنحية الدين والسيطرة عليه‪ ،‬حتى ال يقوم بدور مركزي في المجال العام‪ ،‬وكان‬
‫من مظاهر تلك المحاوالت‪ ،‬الربط الحادث بين الدين والقومية‪ ،‬أي استحضار الدين كجزء من القومية‪،‬‬
‫وكذلك تنحية الدين وإحالل القومية مكانه‪ ،‬حتى تمأل فراغ الهوية الحادث بعد تنحية دور الدين‪ .‬واتخذت‬
‫‪45‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫تلك المحاوالت أشكاال عدة‪ ،‬ولكنها اتفقت جميعا في بحثها عن موضع للدين في الدولة القومية العلمانية‪،‬‬
‫يبقيه مكونا تحت سيطرة النظام السياسي الحاكم‪ .‬ووصلت تلك المحاوالت إلى أقصاها‪ ،‬في التجارب التي‬
‫حاولت إقصاء الدين‪ ،‬ليس من المجال السياسي فقط‪ ،‬ولكن حتى من المجال االجتماعي‪.‬‬
‫القومية بدل الدين‬
‫بعد مرحلة التحرر الوطني‪ ،‬التي قامت على أسس علمانية‪ ،‬ظهر الدور المحوري للفكرة القومية‪،‬‬
‫بوصفها أساسا لتعريف الهوية‪ .‬وبدأت عملية إحالل لدور الدين‪ ،‬حيث يتم تنحية دور الدين من المجال‬
‫العام‪ ،‬وزرع الفكرة القومية مكانه‪ .‬فأصبح الدين يغيب في الشارع‪ ،‬لتحضر النزعة القومية مكانه‪.‬‬
‫والحاصل أن تلك العملية نجحت بالفعل‪ ،‬ولكن لفترة محددة‪ ،‬خاصة في ستينات القرن العشرين‪ ،‬حيث‬
‫وصلت لذروتها‪ .‬وباتت القومية حاضرة‪ ،‬بأكثر من حضور الدين‪ .‬ولكن سرعان ما عاد الدين‪ ،‬ليزيح‬
‫الهوية القومية‪ ،‬ويسترد مكانه األصيل‪.‬‬
‫ظلت إزاحة القومية للدين مؤقتة‪ ،‬بما يدل على أن القومية لم تستطع أن تكون بديال‪ ،‬وأن الهوية‬
‫المستمدة من القومية لم تكن إطارا جامعا للمجتمعات‪ ،‬وأنها لم تمثل دافعا للحركة إلى األمام‪ ،‬أي أنها لم‬
‫تكن دافعا أصليا‪ .‬وفي كل الحاالت‪ ،‬سنجد أن الشعور القومي لم يتحول إلى دافع للنهضة‪ ،‬ولم يحرك‬
‫شعوب العالم اإلسالمي‪ ،‬وإن كان حركها في وجه العدو الخارجي‪ ،‬ولكنه لم يحركها حتى تنهض وتبني‬
‫حضارة متميزة‪.‬‬
‫لقد كانت الفكرة القومية حاملة للعلمانية‪ ،‬ولهذا لم يكن لها مضمون حضاري متميز‪ ،‬وفقدت‬
‫بالتالي عالقتها بالقيم الحضارية التاريخية‪ ،‬التي ميزت شعوب المنطقة اإلسالمية‪ .‬وخواء الفكرة القومية‬
‫من المضمون والمعنى‪ ،‬ومن القيم الحضارية األصلية‪ ،‬هو الذي أضعف الفكرة القومية‪ .‬وفي نفس الوقت‪،‬‬
‫سنجد أن بناة الفكرة القومية من النخب العلمانية‪ ،‬لم يستطيعوا تحميلها بالمضمون الحضاري الموروث‪،‬‬
‫ألن ذلك سيؤدي إلى تقريب الفكرة القومية من الفكرة الدينية‪ ،‬وعندها يمكن أن تعود الفكرة الدينية‪ ،‬مرة‬
‫أخرى‪ .‬ولكن ضعف المضمون الداخلي للفكرة القومية‪ ،‬وتحولها إلى مجرد نزعة قومية تقلد الغرب‬
‫العلماني‪ ،‬جعلها فكرة غير قادرة على القيام بدور في حياة المجتمعات‪ ،‬فغابت الفكرة القومية تدريجيا‪،‬‬
‫وعادت الفكرة الدينية تدريجيا أيضا‪.‬‬
‫جاذبية القومية العربية‬
‫مثلت فكرة القومية العربية إطارا له جاذبيته‪ ،‬ألنه مستمد من الموروث التاريخي‪ ،‬حيث تمثل‬
‫القومية العربية مكون رئيس داخل إطار الهوية اإلسالمية‪ .‬ولكن النخب التي استدعت القومية العربية‪،‬‬
‫وجعلتها الشعار األساسي‪ ،‬حاولت فصلها عن الفكرة اإلسالمية‪ ،‬حتى ال تؤدي القومية العربية إلى الهوية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬باعتبار األولى جزءا من األخيرة‪ .‬ولكن مع القومية العربية‪ ،‬تم استحضار الدين أحيانا‪ ،‬وليس‬
‫دائما‪ ،‬حتى بدت القومية العربية غير معادية للهوية اإلسالمية أحيانا‪ .‬ولكن االستمرار في التأكيد على‬
‫القومية العربية‪ ،‬وأيضا إلحاقها بالقيم العلمانية‪ ،‬جعل تلك القومية تبدو منفصلة عن اإلطار اإلسالمي‬
‫تدريجيا‪ ،‬حتى باتت تمثل نموذجا قوميا علمانيا‪ ،‬ليس له عالقة بالتاريخ الحضاري لألمة‪ .‬وربما كان‬
‫استحضار الدين مفيدا في بعض األحيان‪ ،‬ليكسب الفكرة القومية العربية قدرا من الشرعية‪ ،‬ولكن‬
‫‪46‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫االستحضار االنتقائي للدين‪ ،‬ثبت أنه يفتقد للمصداقية مع الوقت‪ ،‬حيث يبدو الدين طارئا في الفكرة‬
‫القومية‪ ،‬وليس أصيال‪.‬‬
‫الدين قومية‬
‫مع استحضار الدين داخل القومية العربية أو القومية القطرية‪ ،‬تم تحويل الدين إلى ملمح من‬
‫مالمح القومية‪ ،‬وكأنه أحد صفات القومية‪ ،‬مثله في ذلك مثل غيره من الصفات‪ .‬ولكن هذا الموضع جعل‬
‫الدين هامشيا‪ ،‬وجعله أيضا شكليا‪ ،‬حيث يتم استدعاءه بوصفه من مالمح القومية‪ ،‬وليس إطارا حاكما لها‪.‬‬
‫ورغم أن هذا االستدعاء كان يرضي الشعور الديني‪ ،‬ولكنه لم يكن كافيا لتحقيق اإلشباع الكامل للهوية‪.‬‬
‫فيبقى الشعور بالهوية ناقصا وغير مكتمل‪.‬‬
‫واستحضار الدين داخل إطار القومية‪ ،‬جعله مكون من المكونات‪ ،‬يمكن االلتزام به أحيانا‪ ،‬وعدم‬
‫االلتزام به في أحيان أخرى‪ .‬وبهذا أصبح الدين يمثل قيمة من القيم‪ ،‬دون أن يكون من القيم العليا دائما‪،‬‬
‫فأصبحت الهوية القومية تمثل إطارا يحرك النظم السياسية تبعا للقيم العلمانية‪ ،‬ويتم استدعاء القيمة‬
‫اإلسالمية عند الحاجة والضرورة‪ .‬وهذا المسعى نحى الدين في نهاية األمر‪ ،‬ألن استدعاء الدين كان‬
‫استخداما له‪ ،‬وليس احتكاما له‪ .‬فأصبحت الفكرة الدينية مستبعدة‪ ،‬ولم يكن استدعائها االنتقائي كافيا‪.‬‬
‫وتفشل كل محاو الت جعل الدين داخل اإلطار القومي‪ ،‬ألن الدين يمثل القيم العليا‪ ،‬وال يجوز أن‬
‫يكون جزءا من إطار أعلى منه‪ .‬وأيضا ألن الدين ال يرتبط بقومية‪ ،‬إال في حالة اقتصار المنتمين لدين ما‬
‫على المنتمين لقومية ما‪ ،‬وهي تمثل الحالة اليهودية فقط‪ ،‬والتي جعلت الدين قومية‪ ،‬والقومية دين‪ .‬ولكن‬
‫االنتماء اإلسالمي ظل انتماء للعديد من القوميات‪ ،‬لذا أصبح يميز العديد من القوميات‪ ،‬وبالتالي يقيم‬
‫رابطة بين هذه القوميات‪ ،‬وهي رابطة عابرة للقومية‪ .‬وكلما وضع الدين في إطار القومية‪ ،‬خرج من هذا‬
‫اإلطار‪ ،‬ليصبح إطارا جامعا للقوميات‪.‬‬
‫تحوير طبيعة الدين‬
‫تلك المحاوالت التي عملت على إعادة صياغة الدين داخل أطر ال تعبر عنه وال تناسبه‪ ،‬مثلت‬
‫محاولة لتحوير طبيعة الدين‪ .‬والسبب وراء تلك المحاوالت تمثل في قناعة الطبقات الحاكمة‪ ،‬بأن تغييب‬
‫الدين بالكامل غير ممكن‪ ،‬لذا لجأت النخب الحاكمة إلى تحويل موضع الدين‪ ،‬حتى تحتفظ له بموضع‬
‫معين‪ ،‬ولكن دون أن يكون القيمة القائدة‪ .‬ولذا تمددت العلمانية كثيرا على حساب الدين‪ ،‬وتركت له‬
‫مساحات في مرات أخرى‪ .‬ألن الدين ظل حاضرا في المجتمع‪ ،‬ولم تستطع الدولة ترك دور الدين حرا‪،‬‬
‫ألنها كانت تخشى من تأثيره على عامة الناس‪ .‬فلم يكن من الممكن تجاهل دور الدين‪ ،‬وال من الممكن‬
‫تحرير دور الدين‪ ،‬ألن تحرير دوره يهدد العلمانية‪.‬‬
‫لكن الواقع أكد على أن الفكرة الدينية حاضرة‪ ،‬ولها قواعدها الخاصة‪ ،‬وهي تعيد بناء نفسها لدى‬
‫عامة الناس‪ ،‬مهما حدث من تحوير لها أو تغيير لمسارها وموضعها ومكانتها‪ .‬وهو ما أفشل كل محاوالت‬
‫زرع القومية مكان الدين‪ ،‬لتصبح القيمة العليا‪.‬‬
‫ولقد مثلت الحالة التركية‪ ،‬واحدة من تجارب نزع الدين بالكامل تحت حكم العلمانية المتطرفة‬
‫المعادية للدين‪ .‬ولكن هذه المحاولة فشلت أيضا‪ ،‬فعاد الدين يكون قاعدته تدريجيا‪ ،‬ويتمدد شيئا فشيء على‬
‫‪47‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫حساب القاعدة العلمانية‪ ،‬حتى أصبحت القاعدة اإلسالمية في تركيا تمثل األغلبية‪ ،‬وتؤثر في السياسة‬
‫والحكم‪ .‬ورغم أن عملية نزع الدين في تركيا‪ ،‬استخدمت فيها وسائل عنيفة‪ ،‬وأصبح الحضور الديني كله‬
‫مقيد بقوة القانون‪ ،‬إال أن عودة الدين أثبتت أن للدين دور قائد في المجتمعات العربية واإلسالمية‪ ،‬وأن‬
‫تغييب هذا الدور غير ممكن‪.‬‬
‫أزمة الهوية‬
‫لم ينتج عن محاوالت تغيير دور الدين في المجال العام‪ ،‬إال العديد من أزمات الهوية‪ ،‬فلم تستطع‬
‫القومية الرد على سؤال الهوية‪ ،‬إال في مراحل محددة‪ ،‬وظل سؤال الهوية معلقا‪ ،‬بل تحول إلى أزمة‬
‫هوية‪ .‬ومع كل عمليات حصار دور الدين بوصفه هوية‪ ،‬كان الدين يستعيد مكانته‪ ،‬ويعود مصدرا للهوية‪.‬‬
‫ومع فشل المشاريع القومية‪ ،‬كان اإلحياء الديني يعيد دور الدين للصدارة مرة أخرى‪ ،‬ويصبح الدين هو‬
‫إجابة سؤال الهوية‪ .‬ولكن تلك المعارك المستمرة حول دور الدين‪ ،‬جعلت دور الدين يتراجع في البناء‬
‫الرسمي‪ ،‬ثم يحاصر في البناء االجتماعي‪ ،‬فيعود اجتماعيا بصورة واضحة‪ ،‬ولكن تسد أمامه إمكانية‬
‫العودة لتنظيم المجال العام‪ .‬فيبقى وضع الدين في حياة الناس غير مكتمال‪ ،‬وتبقى هوية المجتمع في حالة‬
‫قلق وربما تعارض مع هوية الدولة‪.‬‬
‫وتتشكل تدريجيا جبهة المواجهة بين الهوية التي يختارها المجتمع والهوية التي فرضت عليه‪،‬‬
‫لتصبح المساحة الفاصلة بين االجتماعي والسياسي‪ ،‬هي المساحة التي تشهد ذلك التعارض بين موضع‬
‫الدين في النظام االجتماعي‪ ،‬وموضعه في النظام السياسي‪ .‬وهي المساحة التي برزت بشدة بعد ثورات‬
‫الربيع العربي‪ ،‬فإذا بالدولة تبدو كيانا مختلفا عن المجتمع‪ .‬ومعنى هذا أن المواجهة بين جوهر المجتمع‬
‫وطبيعة الدولة‪ ،‬هي جزء أساسي من مواجهة الهوية بعد الثورات الشعبية‪.‬‬

‫(‪) 2‬‬
‫الدولة تحتل مكانة الدين‬
‫تستمد الدولة طبيعتها من النظام السياسي الذي يحدد لها دورها ووظيفتها وسلطتها‪ ،‬وال تختلف‬
‫الدول بين بعضها في الجهاز اإلداري للدولة‪ ،‬فكل دولة هي جهاز إداري مركزي‪ ،‬ولكن االختالف بين‬
‫دولة وأخرى‪ ،‬يكمن في طبيعة السياسات الحاكمة للدولة‪ .‬ومن هنا تظهر الفروق بين دولة وأخرى‪ ،‬تبعا‬
‫لإلطار السياسي الحاكم لكل دولة‪.‬‬
‫والدولة في الحضارة الغربية‪ ،‬هي دولة كلية السلطة‪ ،‬وهي دولة قابضة‪ ،‬تدير كل الشأن العام‪،‬‬
‫وتنظم مختلف مجاالت الحياة‪ ،‬وهي تدير المجال السياسي كما تدير المجال االجتماعي‪ .‬واألمر ال يتوقف‬
‫على دور الدولة في االقتصاد‪ ،‬ولكن يتعلق أساسا بمدى صالحيات الدولة‪ ،‬والتي تمكنها من إدارة كل‬
‫الشأن العام‪ .‬والدولة القومية‪ ،‬دولة قابضة‪ ،‬لها من السلطات والصالحيات‪ ،‬ما يمكنها من إدارة كل الشأن‬
‫العام السياسي واالجتماعي‪ .‬وهي تملك من األساليب والوسائل‪ ،‬ما يمكنها من التأثير على األوضاع‬
‫االقتصادية‪ ،‬حتى في ظل الدولة الرأسمالية التي تقوم على فكرة السوق الحر‪ .‬لذا فهي دولة متدخلة‪،‬‬
‫تمارس صالحيات وسلطات طبقا للقوانين المعمول بها‪ ،‬تمكنها من التدخل في شئون كل المؤسسات‬
‫‪48‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫ومراقبتها وتوجيهها‪ ،‬كما تمكنها تلك الصالحيات من مراقبة كل شأن أسري أو اجتماعي‪ .‬فالدولة تمثل‬
‫القانون‪ ،‬والقانون ينظم كل جوانب الحياة‪ ،‬مما يمكن الدولة من ممارسة صالحياتها في كل جوانب الحياة‪.‬‬
‫واألمر ال يقتصر على تمدد سلطات وصالحيات الدولة في كل مرافق الحياة‪ ،‬بل يتعلق أيضا بأن‬
‫الدولة القومية هي التي تجسد الهوية وتمثلها‪ ،‬لذا تعد الدولة هي رمز المجتمع‪ ،‬وهي رمز هويته‪ ،‬وهي‬
‫التي تمثل وجود المجتمع‪ ،‬وبدونها ال يوجد المجتمع‪ ،‬فوجود الدولة القومية هو الذي يجعلنا نعرف أن‬
‫هناك مجتمعا له هوية قومية محددة‪ ،‬وحدود جغرافية معرفة‪ .‬وهو ما يجعل للدولة دور وموضع وموقع‬
‫مركزي‪ ،‬بحيث يجعلها الجهة اإلدارية التي تدير كل شأن عام‪ ،‬أيا كان نوعه‪.‬‬
‫تلك المالمح جعلت الدولة في النموذج الغربي‪ ،‬هي الجهة األولى بالرعاية من أي جهة أخرى‪،‬‬
‫وم ن أي فكرة أخرى‪ ،‬ومن أي قيمة أخرى‪ .‬فالدولة هي الممثل المادي العيني لقيم المجتمع ولوجوده‪،‬‬
‫وهي التي تحمل الرمزية األهم‪ ،‬وترفع الهوية والعلم والنشيد‪ ،‬وهي التي تمثل تاريخ المجتمع‪ ،‬وتحمي‬
‫وجوده‪ .‬لذا أصبحت الدولة هي األولى بالرعاية‪ ،‬حتى من المجتمع نفسه‪ ،‬فبدونها ال يوجد المجتمع‪ .‬لذا‬
‫عرفت كل الدول استراتيجية األمن القومي‪ ،‬أي استراتيجية حماية الدولة‪ ،‬أو أمن الدولة‪ .‬وفي كل‬
‫التطبيقات الغربية‪ ،‬نجد أن األمن القومي يأتي أوال‪ ،‬وأمن الدولة يأتي أوال‪ ،‬والخروج على الدولة يمثل‬
‫الجريمة العظمى‪ ،‬وتهديد أمن الدولة يمثل أكبر األخطار‪ .‬لهذا أصبح األمن القومي فوق كل القيم‪ ،‬وحماية‬
‫الدولة ضرورة عليا‪ ،‬تبيح الخروج على كل القيم والمعايير من أجل حمايتها‪.‬‬
‫هي دولة مركزية الدور والمكانة والموضع‪ ،‬وهي الجهة األولى بالرعاية والحماية‪ ،‬والتي يأتي‬
‫أمنها أوال وقبل أي جهة أخرى‪ ،‬بما فيها المجتمع نفسه‪ ،‬فهي دولة مقدسة‪ ،‬أو كيان له القداسة التي تسمح‬
‫بفرض الحماية الالزمة له‪ ،‬حتى على حساب حقوق المجتمع أو األفراد‪ .‬تلك هي الدولة في النموذج‬
‫الغربي القومي العلماني‪ ،‬وهي بهذا لها طبيعة خاصة‪ ،‬ومع ذلك تم استيرادها وزرعها في البالد العربية‬
‫واإلسالمية‪ ،‬فحدثت فجوة بين طبيعة الدولة المستوردة‪ ،‬وطبيعة الحضارة اإلسالمية‪ ،‬مما شكل واحدة من‬
‫أزمات التراجع الحضاري لألمة اإلسالمية‪.‬‬
‫الدولة اإلسالمية‬
‫هناك بالطبع تغييرات حدثت في طبيعة الحياة‪ ،‬عن الفترة التي حكمت فيها الدولة اإلسالمية‪ ،‬لذا‬
‫فإن دور الدولة يتغير من فترة إلى أخرى‪ ،‬ولكن القيمة الحاكمة للدولة‪ ،‬هي التي تستمر‪ .‬فالقيم هي التي‬
‫تمثل الخصوصية الحضارية‪ ،‬ولها القدرة على االستمرار والبقاء‪ ،‬وهي التي تربط بين األجيال‪ ،‬وتشكل‬
‫خصائص األمم والشعوب‪.‬‬
‫والناظر إلى السياسات الحاكمة للدولة اإلسالمية‪ ،‬في كل طبعاتها التاريخية‪ ،‬يجد أنها لم تكن دولة‬
‫قابضة‪ ،‬فلم تكن تسيطر على مجاالت الحياة‪ ،‬وكانت المجتمعات لها مساحة معتبرة من اإلدارة الذاتية‪،‬‬
‫وكان الشأن االجتماعي يدار من خالل مؤسسات المجتمع وقواه الفاعلة‪ ،‬ولم تكن الدولة تتدخل في كل‬
‫شأن اجتماعي‪ ،‬ولم يكن للدولة أيضا تدخل مباشر في الشأن األسري‪ ،‬ولم يكن هناك حاجة لذلك‪.‬‬
‫فالمجتمعات في ظل الحضارة اإلسالمية‪ ،‬تحكم بالمرجعية اإلسالمية‪ ،‬من خالل المجتمع الفاعل والمنظم‪،‬‬
‫والقادر على تطبيق المرجعية اإلسالمية في حياته‪ .‬لذا بقت األدوار الرئيسة للدولة‪ ،‬هي األدوار المركزية‬
‫اإلدارية التي ال تقوم بها إال الدولة‪ .‬وكأن ما حدد دور الدولة‪ ،‬هو تلك المساحة من األدوار التي ال يقوم‬
‫‪49‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫بها المجتمع‪ ،‬لذا قامت بها الدولة‪ .‬ورغم تغير طبيعة الحياة‪ ،‬إال أن األمة في الرؤية الحضارية اإلسالمية‪،‬‬
‫يظل لها وجودها السابق على الدولة‪ ،‬ويظل لها أدواتها التي تمكنها من تنظيم نشاطها والقيام بدورها في‬
‫النهضة‪ ،‬حيث أن النهضة هي مسئولية األمة قبل أن تكون مسئولية الدولة في الرؤية الحضارية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وعلى عكس الرؤية الحضارية الغربية‪ ،‬والتي تعتمد أساسا على دور الدولة‪.‬‬
‫ولكن الدولة اإلسالمية تميزت بميزة أخرى هامة‪ ،‬فقد كانت دولة خاضعة للشريعة اإلسالمية‪،‬‬
‫مما جعلها ال تملك الكثير من الصالحيات‪ ،‬بل أصبحت تملك سلطات أكثر مما تملكه من صالحيات‪ .‬فلم‬
‫تكن الدولة هي التي تقرر‪ ،‬بل كانت تطبق ما قرر مسبقا في الشريعة اإلسالمية‪ ،‬لذا ظلت دولة محددة‬
‫الصالحية‪ ،‬فهي تعمل في إطار حاكم لها‪ ،‬وإطار الشريعة اإلسالمية‪ ،‬ليس مثل إطار الدستور‪ .‬فالدستور‬
‫يحدد بعض المبادئ‪ ،‬ثم يعطي للسلطة السياسية والدولة صالحيات واسعة‪ ،‬تسمى بصالحيات السيادة‬
‫والحكم‪ ،‬وهي صالحيات ال ينظمها قانون‪ ،‬ولكن تترك لتقدير السلطة السياسية‪ ،‬وتقدير الدولة‪ .‬ولكن في‬
‫المنظومة اإلسالمية‪ ،‬سنجد أن الشريعة اإلسالمية وضعت منظومة متكاملة من القيم والمبادئ واألحكام‪،‬‬
‫فأصبحت السلطة السياسية والدولة‪ ،‬محكومة بتلك المنظومة‪ ،‬وأصبحت صالحيات الدولة والسلطة‬
‫السياسية‪ ،‬ليست مطلقة‪ ،‬بل هي صالحيات مشروطة‪ ،‬وقابلة للمراجعة طبقا لقواعد الشريعة اإلسالمية‪.‬‬
‫هنا يظهر االختالف الواضح بين الدولة صاحبة السلطة المطلقة‪ ،‬وهي الدولة القومية العلمانية‪،‬‬
‫وبين الدولة صاحبة السلطة بالوكالة‪ ،‬أي السلطة المشروطة‪ .‬وهو ما يؤدي إلى االختالف في العديد من‬
‫المفاهيم‪ ،‬فال وجود لمفهوم أمن الدولة واألمن القومي بالصورة الغربية في المنظومة اإلسالمية‪ ،‬حيث‬
‫حماية الدين تأتي أوال‪ ،‬ثم أمن األ مة‪ ،‬ويصبح الدفاع عن الدولة هو دفاع عن الدين أوال ثم األمة ثم الدولة‪،‬‬
‫ولم تكن الدولة هي الجهاز األولى بالرعاية‪ ،‬بل كان الدين هو األولى بالرعاية‪ ،‬ثم جماعة المؤمنين‪ ،‬أي‬
‫األمة‪.‬‬
‫نزاع حول القداسة‬
‫وهكذا يمكن تصور المفارقة الحادثة‪ ،‬عندما زرعت الدولة القومية الغربية في البالد العربية‬
‫واإلسالمية‪ ،‬حيث بنيت دولة لها دور مركزي وقيمة مركزية‪ ،‬تعلوا فوق كل قيمة‪ ،‬ولكن بنيت في بالد‬
‫يمثل الدين فيها القيمة العليا‪ ،‬وأصبحت الدولة تنافس الدين على الموضع والمكانة المركزية‪ ،‬وتنافسه على‬
‫أولوية الحماية والرعاية‪ ،‬وتحل محله‪ ،‬وتريد طرده من الموضع المركزي‪ ،‬حتى تبقى الدولة هي صاحبة‬
‫القداسة‪ ،‬والتي ال يجوز الخروج عليها‪ ،‬وال يجوز نقد سياساتها‪ ،‬وال يجوز المس بسيادتها أو صالحياتها‬
‫أو سلطاتها‪ ،‬حتى من المجتمع نفسه‪ ،‬أو األمة كلها‪ .‬فأصبحت المواجهة حول صالحيات السيادة العليا‪.‬‬
‫ففي الدولة القومية العلمانية‪ ،‬من حيث أنها تمثل نظاما وضعيا ماديا بشريا‪ ،‬فإن صالحيات‬
‫السيادة العليا تكون للدولة‪ ،‬مما يجعل لها موضعا مقدسا ال يسمح باالقتراب منه‪ ،‬ويصبح الخروج على‬
‫الدولة هو الجريمة الكبرى‪ .‬ولكن في حضارة تستند أساسا على الدين‪ ،‬تكون صالحيات السيادة العليا‬
‫للدين‪ ،‬مما يجعله في موضع مقدس ال يجوز التعدي عليه‪ ،‬ويصبح الخروج على الدين هو الجريمة‬
‫الكبرى‪.‬‬
‫تلك هي المفارقة إذن‪ ،‬فنموذج الدولة الذي أقامه االستعمار‪ ،‬ثم ورثته وطورته نخب التحرر‬
‫الوطني العلماني‪ ،‬يجعل الدولة في موضع مركزي‪ ،‬وتمثل القيمة المركزية‪ .‬لذا كانت الدولة تبنى‪ ،‬ثم يتم‬
‫‪51‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫وضعها في موضع الدين‪ ،‬ويتم إزاحة الدين‪ ،‬حتى تحتل الدولة مكانتها المستهدفة‪ ،‬ويتم تنحية الدين‬
‫تدريجيا‪ ،‬حتى ال يحول دون وضع الدولة في موضع متميز‪ ،‬أو موضع مقدس‪.‬‬
‫وكانت الحركات اإلسالمية تحاول إعادة الدين إلى موضعه‪ ،‬ومعنى هذا أنها تغير موضع الدولة‪،‬‬
‫و تفقد الدولة صالحيات السيادة العليا‪ ،‬وتعيد تلك الصالحيات للدين‪ ،‬مما يعني أن ما تقوم به الحركة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬يمثل تغييرا جوهريا في موضع ومكانة الدولة‪ ،‬وهو ما يفسر لنا لماذا تهاجم الدول الحركات‬
‫اإلسالمية بكل هذه الشراسة‪ ،‬فالمعركة تدور على المكانة المقدسة في النظام السياسي‪ ،‬والدولة تحتل تلك‬
‫المكانة وال تريد التفريط فيها‪ ،‬في حين أن الحركة اإلسالمية تحاول نزع تلك المكانة من الدولة‪ ،‬وإعادتها‬
‫للدين‪ .‬وهو تغيير جوهري في شكل النظام السياسي‪ ،‬لذا ظلت المعركة بين الحركة اإلسالمية وبين‬
‫الدولة‪ ،‬تدور حول موضع صالحيات السيادة العليا‪ ،‬أي حول موضع الدولة والدين في حياة األمة‬
‫اإلسالمية‪.‬‬
‫األزهر والدولة‬
‫حسم هذا النزاع في التجربة الناصرية‪ ،‬بصدور قرار الدولة الناصرية بضم تبعية األزهر لها‪،‬‬
‫ليصبح جزءا من الدولة‪ ،‬ومؤسسة من مؤسساتها‪ .‬وبعد أن سيطرة الدولة على كل المرافق‪ ،‬وجعلتها‬
‫جهات تابعة لها‪ ،‬جاء الدور على األزهر‪ ،‬ليصبح مؤسسة من مؤسسات الدولة‪ ،‬ويصبح هذا القرار‬
‫نموذجا للمراد من الدين‪ ،‬وهو تحويل موضعه من موضع القيمة العليا القائدة‪ ،‬إلى جزء من مكونات‬
‫الدولة‪ ،‬ويصادر الدين لصالح الدولة‪ ،‬ويصبح جزءا منها‪ ،‬وال يكون له موضع أعلى منها‪ .‬وبهذا أراد‬
‫النظام الناصري جعل الدين تحت السيطرة الكاملة للدولة‪.‬‬
‫ولم تكن تلك حادثة خاصة‪ ،‬بل مثلت االتجاه العام في معظم البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬حيث بات‬
‫الدين جهازا من أجهزة الدولة‪ ،‬وأداة من أدوات الدولة‪ .‬حتى بعض الدول ذات الطابع اإلسالمي الواضح‪،‬‬
‫جعلت الدين أيضا من مفردات النظام ومن مكوناته وأسس شرعيته‪ ،‬ولم تجعله القيمة العليا الحاكمة للنظام‬
‫السياسي والدولة‪ ،‬والتي تحكم كل المجال السياسي‪ ،‬فبقيت الدولة هي التي تحتل المكان األول‪ ،‬وتحتل‬
‫موضع القداسة‪.‬‬
‫وكلما تم تغييب الدين‪ ،‬أو تم تنحية دوره‪ ،‬أو تم ضمه ومصادرته لصالح الدولة وأصبح جزءا‬
‫منها‪ ،‬أصبحنا بصدد نظاما علمانيا‪ ،‬يجعل القيمة الوضعية البشرية هي األعلى‪ ،‬ويجعل الدولة هي الممثلة‬
‫للقيمة العليا‪ ،‬وينهي الدور السيادي للدين‪ .‬وهذا ما حدث في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬بدرجات وصور‬
‫مختلفة‪.‬‬
‫ثم يأتي الرد‬
‫المتابع لحالة مجتمعات األمة اإلسالمية‪ ،‬يرصد حالة مواجهة صامتة بين الدولة والدين‪ ،‬كانت‬
‫ساحتها األهم هي جماهير األمة اإلسالمية‪ .‬تلك المواجهة دارت حول موضع القداسة‪ ،‬فقد احتلت الدولة‬
‫هذا الموضع‪ ،‬ولكن ال يمكن أن يتحقق لها موضع القداسة ومكانتها‪ ،‬إال بموافقة الجماهير‪ ،‬وخضوعها‬
‫لهذا الوضع‪ .‬ولكن الجماهير لم تقبل أي قداسة للدولة‪ ،‬ولم تعطها حق وصالحيات السيادة العليا‪ .‬صحيح‬
‫أن الجماهير في فترات معينة انجذبت للدولة ومشروعها‪ ،‬ولكن عندما ظهر زيف تلك المشروعات‬
‫‪50‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫وفشلت‪ ،‬عادت الجماهير تبحث عن القيمة العليا في حياتها‪ ،‬والتي تعبر عن هويتها األصلية‪ ،‬لذا عادت‬
‫الجماهير إلى الدين‪ ،‬وأصبح الدين يحتل مكانه التاريخي والحضاري‪ ،‬وهي المكانة المقدسة في حياة‬
‫الجماهير‪ ،‬ولم تعترف الجماهير بأي صالحيات أو سيادة للدولة‪.‬‬
‫يتأكد هذا المشهد بصور عديدة‪ ،‬ولكنه يظهر أكثر في كل المواقف التي ترفض فيها الجماهير‬
‫الخضوع طوعا لسلطة الدولة‪ ،‬وتقبل الخضوع طوعا لسلطة الدين‪ .‬وبهذا تخرج الجماهير على الدولة‬
‫وإن كان بصورة صامتة‪ ،‬وتعيد للدين اعتباره‪ ،‬وتهدم كل ما قامت به الدولة القومية العلمانية‪ ،‬فتصبح‬
‫الدولة لها صالحيات السيادة العليا‪ ،‬ولكن بدون أي اعتراف جماهيري بذلك‪ ،‬فتفقد شرعيتها‪ ،‬وتصبح دولة‬
‫مستبدة‪ ،‬تفرض سلطتها على المجتمعات بدون أي سند‪ ،‬ودون تفويض أو توكيل من المجتمع‪.‬‬
‫وبهذه الصورة‪ ،‬وعبر عدة عقود بدءا من سبعينات القرن العشرين‪ ،‬استعاد الدين مكانته كقيمة‬
‫حاكمة بين الجماهير‪ ،‬وأصبحت الجماهير تعترف بسلطة الدين‪ ،‬بأكثر مما تعترف بسلطة الدولة‪ .‬فعاد‬
‫الدين مرة أخرى‪ ،‬بعد عملية اإلزاحة التي تعرض لها من الدولة القومية‪ .‬ولكنه لم يبلغ بعد مكانة القيمة‬
‫الحاكمة للنظام السياسي‪ ،‬بسبب بقاء الدولة القومية‪ ،‬ولكنه نزع منها الشرعية بالكامل‪ ،‬بل وحد من تأثيرها‬
‫وقدرتها على توجيه المجتمع‪ .‬فأصبح للمجتمع نظامه الخاص المحقق في المجال االجتماعي‪ ،‬وأصبحت‬
‫الدولة لها سلطاتها في المجال السياسي‪ ،‬والذي أصبح بال فاعلية‪.‬‬
‫لهذا لم يكن خروج الجماهير في ثورات الربيع العربي ضد النظام الحاكم فقط‪ ،‬بل كان ضد ما‬
‫تمثله الدولة‪ ،‬من هيمنة قسرية على المجتمع وخياراته‪ ،‬ومن مكانة مقدسة فرضت على المجتمع‪.‬‬

‫(‪) 4‬‬
‫اختراق الفكر الديني‬
‫تعرض الفكر الديني لعملية حصار واختراق في الوقت نفسه‪ ،‬بسبب سيادة فكرة حضارية أخرى‪،‬‬
‫وتحقيقها التقدم والهيمنة بجميع صورها‪ ،‬وهي الفكرة الحضارية الغربية‪ .‬وفي كل عصر تتقدم فيه‬
‫حضارة على الحضارات األخرى‪ ،‬يكون لها تأثير معنوي قوي على شعوب وأمم الحضارات المتأخرة‪،‬‬
‫حيث تبدو فكرتها متقدمة‪ ،‬ألنها كانت السبب في التقدم‪ ،‬ويعتقد البعض أن هذه الفكرة الحضارية‪ ،‬هي‬
‫العامل الوحيد المتاح للتقدم‪ .‬وتبدأ عملية اختراق الفكرة الدينية بسبب إعجاب البعض بالفكرة المتقدمة‪،‬‬
‫وتعلقهم بها‪ .‬فتبدأ محاوالت للتوفيق بين الفكرة المتقدمة‪ ،‬والفكرة الحضارية أو الدينية‪ ،‬التي لم تحرز‬
‫تقدما‪.‬‬
‫وعلى صعيد الفكر اإلسالمي‪ ،‬يمكن أن نفسر حالة االختالف الواضح في تقييم أعمال المصلحين‬
‫األوائل‪ ،‬خاصة في القرن التاسع عشر‪ ،‬بأنها نتاج لتلك الحالة‪ .‬فالبعض يرى في أعمال المصلحين األوائل‬
‫أنها كانت نتاجا للتأثر بالغرب‪ ،‬والبعض يعتبرها عمال تجديدا من داخل الفكرة الحضارية اإلسالمية‪.‬‬
‫ويمكن النظر ألعمال المصلحين األوائل بوصفها تمثل إعادة إنتاج لبعض األفكار الغربية الحديثة داخل‬
‫المنظومة الفكرية اإلسالمية‪ ،‬على أساس أن تلك األفكار تمثل العصر والتحديث المعاصر‪ .‬ولكن يمكن‬
‫‪53‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫القول أيضا‪ :‬أن عملية تحديث الفكرة اإلسالمية من خالل اقتباس بعض األفكار الغربية‪ ،‬ومحاولة التوفيق‬
‫بين تلك األفكار والمنظومة الفكرية اإلسالمية‪ ،‬ال تنتج منتجا جديدا‪ ،‬بقدر ما تكون محاولة للتوفيق أو‬
‫التوافق مع العصر‪ .‬لذا ال تنتهي تلك المرحلة برؤية فكرية جديدة‪ ،‬وينظر لها البعض بأنها كانت محاولة‬
‫للتوفيق بين الحضارة الغربية والحضارة اإلسالمية‪ ،‬في حين ينظر لها البعض اآلخر على أنها محاولة‬
‫لإلصالح من داخل الفكرة اإلسالمية‪ .‬وفي كل األحوال‪ ،‬سنجد أن ما يحدث يمثل مرحلة سرعان ما‬
‫تنتهي‪.‬‬
‫التمهيد لالختراق‬
‫لكن تلك البدايات التي تعتمد على التوفيق بين النتاج الحضاري الغربي المتقدم‪ ،‬والفكرة‬
‫الحضارية اإلسالمية‪ ،‬تؤدي في كثير من األحيان إلى فتح باب اختراق الفكرة اإلسالمية‪ ،‬والترويج للفكرة‬
‫الغربية‪ .‬حدث هذا تاريخيا‪ ،‬فاإلصالحات التي قام بها محمد علي في مصر‪ ،‬والتي كانت تهدف إلى‬
‫إصالح الدولة العثمانية من داخلها‪ ،‬وإعادة بناء الخالفة وتجديدها‪ ،‬لم تخلو من محاوالت القتباس الفكرة‬
‫الغربية في مجال الفنون والصنائع‪ .‬ولكن هذا االقتباس‪ ،‬ورغم أنه في مجال المعارف العلمية والوسائل‬
‫واألساليب‪ ،‬إال أنه لم يؤدي إلى تجديد المؤسسة العلمية اإلسالمية‪ ،‬بل مهد لقيام بنية تعليمية منفصلة عنها‪،‬‬
‫وال تستند لمرجعية المؤسسة اإلسالمية‪ .‬لذا نجد تلك المحاولة تمهد في الواقع لبناء ثنائية التعليم اإلسالمي‬
‫والتعليم العلماني‪ ،‬والتي أدت في النهاية إلى حصار التعليم اإلسالمي‪ ،‬وربما القضاء عليه‪.‬‬
‫لذا نرى أن ا لبدايات أو النوايا أو األهداف‪ ،‬ال تؤدي دائما إلى الغاية المرجوة منها‪ .‬فقد تؤدي‬
‫عمليات اإلصالح المتمسكة بالمرجعية اإلسالمية‪ ،‬إلى التمهيد لهدم تلك المرجعية أو تحييدها وإنهاء‬
‫دورها القيادي‪ .‬وفي اللحظة التاريخية التي يقوم فيها المصلح بمحاولته‪ ،‬قد ال يرى كل األبعاد التاريخية‬
‫لما يقوم به‪ ،‬فاألحداث تتالحق بعد ذلك‪ ،‬وتعيد توظيف ما قام به لغير الغرض الذي أراده‪ .‬فيمكن القول‬
‫بأن تجربة محمد علي كانت تجربة إلعادة إصالح الدولة اإلسالمية وتجديدها‪ ،‬ولكن ما قام به محمد علي‪،‬‬
‫جعله مؤسس الدولة القومية العلمانية الحديثة‪ ،‬رغم أن تلك لم تكن رغبته‪ ،‬ألن ما فعله مهد لتحييد أو عزل‬
‫مؤسسات األمة التقليدية والتي تحمل هويتها الحضارية اإلسالمية‪ ،‬مما مكن المؤسسات الجديدة من‬
‫الخروج على الهوية الحضارية لألمة‪ ،‬وفتح الباب لمن أتى بعده‪ ،‬حتى يبني مؤسسة الحداثة الغربية بعيدا‬
‫عن مؤسسات األمة الحاملة لهويتها الحضارية‪.‬‬
‫حدث هذا أيضا في نهايات الدولة العثمانية‪ ،‬حيث أخذت من التحديث الغربي‪ ،‬ثم خضعت‬
‫للضغوط الغربية‪ ،‬ثم تفككت الدولة بعد أن فككت الفكرة‪ .‬لذا يمكن القول‪ :‬أن جهود اإلصالح في مرحلته‬
‫األولى لم تثمر عن نهوض حقيقي‪ ،‬ألنها اعتمدت على استخدام الموارد الغربية كمصدر للتحديث‪ ،‬ولم‬
‫تتحول إلى حركة تجديد أصيلة‪ ،‬ولم تبلغ مرحلة تجاوز االنبهار بالغرب‪ ،‬فكانت محاولتها أقل من أن تمنع‬
‫التراجع الحضاري لألمة‪ ،‬وفي نفس الوقت فتحت الباب أمام عملية التغريب الكاملة‪.‬‬
‫الخروج من الهوية‬
‫منذ بدايات القرن العشرين‪ ،‬بدأت تظهر توجهات غربية بالكامل‪ ،‬استخدم بعضها ما حدث من‬
‫اقتباسات عدة من الفكرة الغربية على يد المصلحين األوائل‪ .‬فأصبحت كل مرحلة من مراحل االقتباس من‬
‫الغرب‪ ،‬تمهد للمرحلة التالية لها‪ ،‬وتسهل عملية الخروج الكامل عن الهوية الحضارية اإلسالمية‪ ،‬وتبدأ‬
‫‪52‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫نخب في طرح فكرة االلتحاق بالغرب حضاريا وثقافيا‪ .‬ومثلت تلك النخب بداية مرحلة عزل النظام‬
‫السياسي عن األمة وحضارتها بالكامل‪ ،‬والتأسيس لنخب حاكمة‪ ،‬وطبقة من النخب الثقافية الملتحقة‬
‫بالحضارة الغربية‪.‬‬
‫وقد قامت النخبة الليبرالية بعملية مزدوجة‪ ،‬فهي حاولت تحجيم الفكرة الحضارية اإلسالمية‪ ،‬كما‬
‫حاول بعضها تشويه الفكرة الحضارية اإلسالمية‪ ،‬وفي نفس الوقت روجت للمقولة التي تربط بين تقليد‬
‫الغرب المتقدم‪ ،‬وتحقيق التقدم‪ .‬فأصبح تقليد المتقدم هو وسيلة التقدم‪ ،‬رغم أن تلك ليست حقيقة تاريخية‪،‬‬
‫بل هي في الواقع‪ ،‬فكرة ال تاريخية‪ ،‬أي ضد التاريخ‪ .‬ألن كل تقدم كان نتاجا للقدرة على التجديد‬
‫واالبتكار‪ ،‬وليس للقدرة على التقليد وااللتحاق‪.‬‬
‫وقد تزامنت فكرة تقليد الغرب‪ ،‬مع االستعمار الغربي للمنطقة‪ ،‬سواء في مرحلة االستعمار‬
‫العسكري المباشر والكامل في النصف األول من القرن العشرين‪ ،‬أو في مرحلة االستعمار غير المباشر‪،‬‬
‫والقائم على الهيمنة السياسية واالقتصادية‪ ،‬والذي حل محل االستعمار العسكري‪ .‬لذا أصبحت فكرة تقليد‬
‫الغرب‪ ،‬تسهل عملية الهيمنة واالستعمار الغربي‪ ،‬وتمهد لمزيد من الهيمنة الغربية‪ ،‬بل وتحقق الهدف‬
‫النهائي للهيمنة الغربية‪ ،‬والمتمثل في انتصار فكرتها الحضارية على كل ما عداها من أفكار حضارية‬
‫أخرى‪ ،‬مما يمكنها من توحيد العالم داخل المنظومة الحضارية الغربية‪ ،‬وهو ما يحقق لها قيادة العالم‬
‫وتحقيق مصالحها‪ ،‬وبناء إمبراطورية حضارية غربية‪.‬‬
‫حصار المصطلحات‬
‫من كثرة الترويج للفكرة الحضارية الغربية‪ ،‬بدأت عملية حصار الفكرة اإلسالمية بالمصطلح‬
‫الغر بي‪ .‬فتصبح الفكرة الحضارية اإلسالمية في موضع المتهم‪ ،‬والذي يسأل عن موقفه من األفكار‬
‫الغربية المتقدمة‪ ،‬فطرحت فكرة حقوق اإلنسان والمساواة والمواطنة والديمقراطية‪ ،‬وغيرها‪ .‬وفي كل‬
‫مرحلة تصبح الفكرة الحضارية اإلسالمية مساءلة عن موقفها من تلك المنجزات الفكرية والسياسية‬
‫الغربية‪ ،‬وهل توافق عليها أم ال؟‬
‫مثلت تلك المرحلة واحدة من مراحل محاولة اختراق الفكرة اإلسالمية من داخلها‪ ،‬من خالل‬
‫العديد من المنتجات الفكرية الغربية‪ ،‬والتي لها بريق ما‪ ،‬بحكم التعبير واللفظ نفسه‪ .‬فأصبح مصطلح‬
‫حقوق اإلنسان يواجه الفكرة اإلسالمية‪ ،‬فيأتي الرد على ذلك أن الفكرة اإلسالمية نفسها عرفت حقوق‬
‫اإلنسان قبل الغرب‪ .‬وبهذا أصبحت الفكرة اإلسالمية محاصرة‪ ،‬هي ومن ينتجها‪ ،‬بالمصطلحات التي‬
‫تجبر العاملين في حقل الفكر اإلسالمي‪ ،‬على االعتراف بأهمية الفكرة الغربية المطروحة‪ ،‬وتدفعهم إلى‬
‫البحث عن شهادة تثبت أن الفكرة اإلسالمية ال تعارض تلك األفكار اإليجابية الموجودة لدى الغرب‪.‬‬
‫وتعامل البعض مع الفكرة اإلسالمية وكأنها في موضع اتهام‪ ،‬ألنها كانت معرضة لهجوم دائم‪ ،‬والهجوم‬
‫المستمر يدفع الطرف اآلخر للدفاع‪ .‬وبهذا أصبح حصار المصطلحات مفيدا‪ ،‬في حصار حاملي الفكرة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬في دائرة الرد‪ ،‬إلثبات أن الفكرة اإلسالمية أكثر تقدما وربما اسبق من الفكرة الحضارية‬
‫الغربية‪.‬‬
‫هذه لم تكن مجرد لحظة من الجدل‪ ،‬بل كانت لحظة تاريخية‪ ،‬تمثل مرحلة من مراحل الصراع‬
‫بين فكرتين حضاريتين‪ ،‬لكل منها منهجه ومصطلحه ومفرداته‪ .‬فأصبحت عملية الحصار التي تتعرض‬
‫‪54‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫لها الفكرة اإلسالمية‪ ،‬تهدف إلى تغيير المصطلح السائد تدريجيا‪ ،‬وإضافة مصطلحات جديدة للفكرة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬ثم بذر أفكار غريبة على الفكرة اإلسالمية في داخلها‪ .‬وهذا األمر يتعارض تماما مع التجديد‪،‬‬
‫والذي يقوم على تجديد األفكار والوسائل واألدوات‪ ،‬وتطوير الرؤى والتحليالت‪ ،‬من داخل المنظومة‬
‫الحضارية نفسها‪ ،‬حتى يتم بناء رؤية فكرية جديدة تناسب العصر‪ .‬والمجدد أراد من الرد على الشبهات‬
‫الغربية‪ ،‬أن يبني رؤية جديدة ومتجددة‪ ،‬أما النخب المتغربة فقد أرادت تغيير المصطلح اإلسالمي‬
‫والمفردة الحضارية اإلسالمية‪.‬‬
‫لهذا ظهر خطاب إسالمي يمثل محاول لتقليد الخطاب الحقوقي الغربي‪ ،‬أي خطاب مؤسسات‬
‫حقوق اإلنسان‪ ،‬ويحاول التوفيق بين هذا الخطاب والخطاب اإلسالمي‪ ،‬ويؤسس ألفكار حقوق اإلنسان من‬
‫داخل الفكرة اإلسالمية‪ ،‬ولكن مع استخدام المصطلح الغربي‪ .‬وكانت تلك المحاول في جانب منها‪ ،‬محاولة‬
‫للتوفيق‪ ،‬وفي جا نب منها محاولة للتجديد‪ .‬وأصبحت المشكلة مرة أخرى‪ ،‬في المواجهة بين التوفيق‬
‫والتجديد‪ ،‬ألن انتصار التوفيق يمهد للخروج من الفكرة الحضارية األصلية لصالح الفكرة الوافدة‪ ،‬ولكن‬
‫انتصار التجديد‪ ،‬يقوي الفكرة األصلية‪ ،‬ثم يميز بينها وبين الفكرة الوافدة‪ ،‬ثم يقيم مساحة للمشترك‪،‬‬
‫ومساحة للمختلف عليه‪ ،‬بحيث يمنع أي محاولة لتذويب الفكرة األصلية في الفكرة الوافدة‪.‬‬
‫وفي المقابل سنجد دائما محاوالت تدفع لوقف أي محاولة للتوفيق‪ ،‬وأي محاولة للتجديد تستخدم‬
‫المصطلح الغربي‪ ،‬لتمنع أي اختراق يمكن أن يحدث للفكرة الحضارية اإلسالمية‪ ،‬حتى وإن كان هذا على‬
‫حساب التجديد الحضاري‪ ،‬الضروري لتحقيق النهضة‪.‬‬
‫الرد الحضاري‬
‫كل تلك المحاوالت تمثل سبال لتحويل مجرى دور الدين داخل المنظومة الحضارية اإلسالمية‪،‬‬
‫حتى يمكن إعادة إنتاج الفكرة الغربية داخل المجتمعات العربية واإلسالمية‪ ،‬دون أي مقاومة تلجأ للدين‬
‫وتحتمي به‪ .‬ولكن تلك المحاولة ال تحقق نفس النتائج في كل وقت‪ .‬فالناظر إلى التفاعل بين الفكرة الوافدة‬
‫والفكرة اإلسالمية‪ ،‬سيجد أن الفكرة الوافدة استطاعت أحيانا أن تضعف الفكرة اإلسالمية‪ ،‬ولكن ذلك‬
‫الضعف كان مؤقتا‪ ،‬ثم ما لبست الفكرة اإلسالمية أن استعادت حضورها مرة أخرى‪ ،‬بل أن الفكرة‬
‫اإلسالمية الواضحة لم تغب عن ساحة المواجهة‪ ،‬وظلت تستند لألمة ومكوناتها‪ ،‬وكلما ضعف حصن من‬
‫حصون الفكرة اإلسالمية‪ ،‬لجأت لحصن آخر‪ .‬فقد حمى األزهر الفكرة اإلسالمية‪ ،‬وعندما وقع تحت‬
‫حصار الدولة‪ ،‬قامت الحركات اإلسالمية بحماية الفكرة اإلسالمية‪ .‬وكلما ظهرت كاتبات تغير الفكرة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬يتم التصدي لها‪.‬‬
‫أدى هذا إلى حصار الفكرة الوافدة داخل إطار حاملي الفكرة الغربية العلمانية‪ ،‬لدرجة أدت إلى‬
‫عزل النخبة الثقافية العلمانية‪ ،‬وعزل الفكرة العلمانية نفسها‪.‬‬
‫ولكن من جانب آخر‪ ،‬نجد أن الخطاب اإلسالمي الذي حمل بعض المصطلحات الغربية‪ ،‬استمر‬
‫في بناء تميزه الخاص‪ ،‬وبناء مصطلحه‪ ،‬وتحويل المصطلح الغربي لمعناه الذي يفهم في اللغة العربية‪،‬‬
‫والبعد عن معناه الذي جاء به من الحضارة الغربية‪ .‬وبهذا أصبح الخطاب اإلسالمي يؤسس لمرحلة‬
‫التجديد‪ ،‬والتي تعقب مرحلة االقتباس‪ ،‬ويحاول تجاوز مرحلة االقتباس بكل ما تعنيه‪ ،‬ويبني المرحلة التي‬
‫تقوم على االعتزاز بالتميز الحضاري في مواجهة التميز الحضاري للحضارات األخرى‪.‬‬
‫‪55‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬
‫فك الحصار‬

‫وبهذا بدأت مرحلة فك حصار المصطلح الغربي‪ ،‬والتي ظهرت في إعادة تعريف المصطلحات‬
‫الغربية الشائعة‪ ،‬أو التي لها وقع جيد‪ ،‬بحيث يكون لها معاني تتوافق مع منظومة القيم اإلسالمية‪ .‬وتصبح‬
‫تلك المصطلحات جزءا من أدوات الفكرة اإلسالمية في اإلصالح والتغيير والنهوض‪ .‬فتحولت منظومة‬
‫حقوق اإلنسان والدولة الحديثة والديمقراطية‪ ،‬إلى منظومة مؤسسية لبناء الدولة اإلسالمية الحديثة‪ ،‬والتي‬
‫يراد منها تحقي ق وحدة األمة اإلسالمية وتحقيق نهضتها‪ .‬ثم أعيد إنتاج تلك المصطلحات‪ ،‬بعد فك الروابط‬
‫بينها وبين القيم الغربية‪ ،‬حتى تصبح إجراءات وقواعد تناسب الفكرة اإلسالمية‪ ،‬وتلتزم بالقيم السياسية‬
‫اإلسالمية‪ .‬وهو ما يفقد تلك المصطلحات تميزها الخاص‪ ،‬ويفقدها الروابط بينها وبين القيم الغربية‪ .‬ومن‬
‫هنا تتحول المصطلحات الجديدة إلى أدوات‪ ،‬وليس قيم‪ ،‬وتستخدم تلك األدوات في نشر قيم أخرى‪ ،‬غير‬
‫تلك القيم التي أنتجت األدوات لنشرها‪.‬‬
‫فقد كان الهدف هو اختراق الفكرة اإلسالمية بالمصطلح الغربي‪ ،‬ولكن هذا المصطلح الغربي‬
‫الذي رفض من تيارات إسالمية‪ ،‬قامت تيارات أخرى بنزع أصله الغربي وفك روابطه بالقيم الغربية‪،‬‬
‫وجعلته أداة لنشر القيم اإلسالمية‪ ،‬فأصبح المصطلح الغربي هو المحاصر‪ .‬ألن الفكرة الحضارية والدينية‬
‫لها قوتها حتى في لحظات الضعف‪ ،‬لذا أصبحت تعيد إنتاج نفسها وأصالتها‪ ،‬رغم كل مراحل الحصار‬
‫واالختراق‪ .‬وعندما يعاد بناء وإنتاج الفكرة المقتبسة‪ ،‬حتى تنتج قيما أخرى‪ ،‬يكون طريق التجديد‬
‫الحضاري قد بدأ وأسس له‪ ،‬فتنطلق الفكرة الحضارية األصيلة‪ ،‬وتخرج من كل حصار فرض عليها‪.‬‬
‫ولكن البعض من داخل التيار اإلسالمي ظل محاصرا بالمصطلح الغربي‪ ،‬فأصبح حالة توفيقية دائمة‪،‬‬
‫وليست مرحلية‪ .‬وبهذا تتشكل أسس التيار اإلسالمي بعيدا عن حصار المصطلح الغربي‪ ،‬وبأفكار تحمل‬
‫األصالة والتميز‪ ،‬مما يساعد على التقريب بين من استخدم المصطلح الغربي في عملية التجديد‪ ،‬ومن‬
‫رفضه من األساس‪ ،‬وهو ما يمهد لبناء تيار التجديد الحضاري‪ ،‬بعيدا عن من وقع أسيرا للمصطلح‬
‫الغربي‪ ،‬وبات يعتبر التوفيق مرحلة نهائية‪.‬‬

‫(‪) 5‬‬
‫التدين الفردي‬
‫حتى يستقر النظام العلماني‪ ،‬يصبح من الضروري أن يتم الحد من دور الدين‪ ،‬فإن لم تكن إزاحة‬
‫الدين بالكامل ممكنة‪ ،‬تصبح إزاحة الدين للمجال الفردي ضرورية‪ ،‬حتى يصبح النظام العلماني سائدا‪.‬‬
‫والتدين الفر دي يختلف عن حالة التدين المجتمعي العام‪ .‬فالتدين الفردي يعني أن الدين أصبح شأنا فرديا‬
‫يخص الفرد‪ ،‬ويمارسه الفرد‪ ،‬ويحدد كل فرد موقفه من الدين أو رؤيته له‪ .‬والتدين الفردي أيضا يعني أن‬
‫الدين أصبح شأنا يخص الحياة الشخصية للفرد‪ ،‬وال يخص الحياة العامة‪ ،‬وأيضا ال يخص المجال العام‪.‬‬
‫وبهذا يصبح الدين جزءا من حياة األفراد‪ ،‬دون أن يسمح بتمدد الدين إلى المجال العام‪ .‬فكل فرد من حقه‬
‫أن يمارس العبادة كما شاء‪ ،‬ولكن ليس من حقه إحضار الدين للمجال العام‪ ،‬أو المطالبة بأن يكون الدين‬
‫منظما للمجال العام‪ .‬وفي المجتمعات المتدينة‪ ،‬أي التي يسود فيها التدين‪ ،‬ال يمكن منع مظاهر الدين من‬
‫الحضور الظاهر في الشارع العام‪ ،‬ولكن يصبح من الضروري لتثبيت العلمانية‪ ،‬التأكد من عدم تمدد‬
‫الدين للتأثير على النظام االجتماعي العام‪.‬‬
‫‪56‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫فكلما أصبح تدين األفراد مؤثرا على النظام االجتماعي‪ ،‬وعلى القواعد المتفق عليها بين الناس‪،‬‬
‫وعلى أنماط السلوك المقبولة‪ ،‬أصبح التدين مؤثرا وفاعال في الحياة االجتماعية‪ ،‬مما يجعله يتمدد في‬
‫المجال العام‪ ،‬ويؤثر على المجال السياسي‪ .‬لذا تصبح إزاحة الدين إلى المجال الفردي‪ ،‬عملية صعبة في‬
‫المجتمعات المتدينة‪ ،‬أو التي يغلب فيها التدين‪ .‬ألن تزايد عدد المتدينين‪ ،‬يؤدي بالتالي إلى حضور مكثف‬
‫للدين في الشكل العام للمجتمع‪ ،‬مما يؤدي إلى حضور الدين في النظام االجتماعي‪ ،‬أي في التقاليد والنظم‬
‫االجتماعية السائدة‪.‬‬
‫الدين والنظام االجتماعي‬
‫كل مجتمع يتبع نظاما اجتماعيا ما‪ ،‬وهو الذي ينظم التعامل بين المنتمين للمجتمع‪ ،‬ويضع القواعد‬
‫واألعراف التي تنظم حركة الناس داخل المجتمع الواحد‪ .‬ولما كان الدين غالبا في المجتمعات العربية‬
‫واإلسالمية‪ ،‬لذا فإن حتى التدين الفردي يؤدي إلى حضور ظاهر للدين في المجال العام‪ ،‬ثم حضور فاعل‬
‫له في النظام االجتماعي‪ .‬مما أدى لمشكلة لكل المشاريع العلمانية ومشاريع التغريب‪ ،‬ألن تزايد دور الدين‬
‫في النظام االجتماعي‪ ،‬يجعل النظام االجتماعي دينيا‪ ،‬في حين أن النظام السياسي علمانيا‪ ،‬مما يكشف‬
‫الهوة بين النظام االجتماعي السائد‪ ،‬والنظام السياسي المفروض على المجتمع‪ ،‬فيؤدي هذا إلى إضعاف‬
‫النظام السياسي‪ ،‬وكشف غربته عن المجتمع‪ .‬لذا تحاول األنظمة العلمانية عادة‪ ،‬التمدد داخل النظام‬
‫االجتماعي من خالل القانون‪ ،‬حتى تفرض قيما علمانية على النظام االجتماعي‪ ،‬فتحد بالتالي من دور‬
‫الدين في النظام االجتماعي‪ ،‬حتى تزيح الدين عن المجال العام‪ ،‬وتحاصره في المجال الفردي‪ ،‬بحيث‬
‫يصبح الدين بالفعل شأنا فرديا‪ .‬ولكن عملية إزاحة الدين من المجال االجتماعي‪ ،‬أو النظام االجتماعي‪،‬‬
‫تحتاج إلى قوانين تخترق القواعد الدينية في الشأن االجتماعي واألسري‪ ،‬مما يجعلها عملية صعبة ومليئة‬
‫بالمخاطر‪ .‬فهي تجرؤ من قبل النظام السياسي على قيم وتقاليد المجتمع‪ ،‬وعلى األحكام والقواعد الدينية‬
‫التي يلتزم بها المجتمع‪.‬‬
‫لذا نجد أنظمة الحكم تقترب تدريجيا من قضايا األسرة والطفل والمرأة والمواريث‪ ،‬وتحاول فتح‬
‫ثغرات في بنية النظام االجتماعي المستند للمرجعة الدينية‪ ،‬حتى تسمح بظهور مظاهر جديدة عليه‪ ،‬تنتمي‬
‫للقيم العلمانية وتتحرر من القيم الدينية‪ .‬وهو ما يفسر إصرار الدول والمؤسسات الغربية‪ ،‬على الدفع نحو‬
‫تغيير بعض القواعد األساسية التي يبنى عليها النظام االجتماعي‪ ،‬خاصة في شئون األسرة‪ .‬فكل تلك‬
‫المحاوالت تعمل على إزاحة الدين من النظام االجتماعي‪ ،‬من خالل القانون‪ ،‬حتى يتراجع دور الدين في‬
‫المجال االجتماعي‪ ،‬ويتم حصاره في المجال الفردي‪ ،‬ليصبح شأنا فرديا وليس شأنا اجتماعيا‪ .‬ويتم تأمين‬
‫عملية سيطرة العلمانية على المجال السياسي من خالل فرض هيمنة العلمانية على القوانين المنظمة للشأن‬
‫االجتماعي‪ ،‬فيصبح تمدد العلمانية في الشأن االجتماعي‪ ،‬حماية لبقاء واستمرار العلمانية في المجال‬
‫السياسي‪.‬‬
‫ولكن هذه العملية تنطوي على مخاطرة كبرى‪ ،‬لذا تحدث في حدود ضيقة‪ ،‬ألن مخالفة القوانين‬
‫ألحكام الدين في المجال االجتماعي‪ ،‬تعني فرض قوانين مخالفة ألحكام الدين على المجتمع‪ ،‬وبالتالي‬
‫إجبار المجتمع على مخالفة تعاليم الدين‪ .‬ومع ذلك نجد تلك العملية تتم تدريجيا حتى ال يسمح للدين بالتمدد‬
‫في المجال االجتماعي‪ ،‬ومن ثم التمدد في المجال العام‪ .‬فالهدف النهائي هو إزاحة الدين من كل ما هو عام‬
‫وجماعي‪.‬‬
‫‪57‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬
‫التدين الفردي‬

‫ليس من السهل تصور إمكانية نشر التدين الفردي في المجتمعات العربية واإلسالمية‪ .‬فالتدين‬
‫الفردي ليس رؤية دينية أو اتجاه فكري ديني فقط‪ ،‬ولكنه ممارسة دينية‪ .‬ولهذا فالدعوة لهذا النمط من‬
‫التدين ليست مسألة متاحة‪ ،‬فهو نمط في التصرف والممارسة‪ ،‬وليس بعض األفكار فقط‪ .‬فالبعض يتصور‬
‫أن بعض االتجاهات الدينية تدعو للتدين الفردي‪ ،‬ألنها تركز على خالص الفرد‪ .‬ولكن هذه الرؤية‬
‫تتغاضى عن حقيقة مهمة‪ ،‬وهي أن التدين يقوم على اإليمان‪ ،‬واإليمان فردي في األساس‪ .‬ولهذا فكل فكرة‬
‫دينية لها جانب فردي رئيس‪ ،‬ولكن الممارسة الدينية الفردية تمثل طريقة في تنشيط الفكرة الدينية داخل‬
‫اإلطار الفردي‪ .‬لهذا فليس كل اتجاه يركز على الخالص واإلصالح الفردي‪ ،‬يؤدي إلى ظهور نمط التدين‬
‫الفردي‪ .‬فالتدين يبدأ دائما فرديا‪ ،‬من خالل إيمان فرد بالدين‪ .‬واإليمان حالة فردية في األساس‪ ،‬أي أنها‬
‫قناعة داخل الفرد‪ ،‬وهي حالة باطنية تكمن في الضمير الفردي‪.‬‬
‫ولكن التدين الفردي أمرا آخر‪ ،‬فهو قناعة بأن التدين في حد ذاته هو حالة روحية تخص الفرد‪،‬‬
‫وليست حالة عملية تطبيقية عامة في الحياة‪ ،‬وبالتالي يصبح التدين هو خبرة روحية خاصة بالفرد‪ .‬نعني‬
‫بهذا أن الرؤى الدينية التي تجعل الدين حالة روحية غير تطبيقية‪ ،‬هي رؤى تؤسس للتدين الفردي‪.‬‬
‫وبجانب ذلك‪ ،‬فإن الرؤى التي تجعل اإليمان والتدين يتحقق في الفرد‪ ،‬وليس في الجماعة المؤمنة‪ ،‬هي‬
‫رؤى أيضا تؤسس للتدين الفردي‪ .‬والرؤية التي تجعل اإليمان حالة فرد‪ ،‬ويتحقق داخل الفرد‪ ،‬وليس داخل‬
‫الجماعة المؤمنة‪ ،‬هي حالة اجتماعية وحضارية‪ ،‬تخص المجتمعات التي تقوم على القيم الفردية‪ ،‬ولكنها‬
‫حالة يصعب نشرها في المجتمعات التي تقوم على القيم الجماعية‪.‬‬
‫النمط الجماعي‬
‫هنا تبرز سمات الحضارة نفسها‪ ،‬فالحضارة الشرقية المحافظة المتدينة‪ ،‬هي حضارة تقوم على‬
‫النزعة الجماعية وليس النزعة الفردية‪ ،‬والحضارة اإلسالمية‪ ،‬هي حضارة تقوم على القيم الجماعية‪.‬‬
‫والنمط الجماعي يعلي من شأن الحضور الجماعي‪ ،‬والتفاعل الجماعي والترابط الجماعي‪ .‬والنمط‬
‫الجماعي أيضا‪ ،‬يجعل المجتمع مؤسسا على شبكة عالقات اجتماعية واسعة‪ ،‬وتصبح تلك الشبكة ممثلة‬
‫للعمود الفقري للمجتمع‪ .‬لذا فهناك نمط حضاري سائد‪ ،‬مرتبط بالدين‪ ،‬ويظهر نفسه في العديد من‬
‫المظاهر االجتماعية والسلوكية‪ ،‬وهو النمط الجماعي‪ .‬وهذا على خالف المجتمعات الغربية‪ ،‬والتي يسود‬
‫فيها النمط الفردي‪ .‬لذا يصبح النمط الجماعي‪ ،‬القائم على شبكات للعالقات االجتماعية القوية‪ ،‬سببا في‬
‫تزايد نمط التدين الجماعي في المجتمعات العربية واإلسالمية‪.‬‬
‫وهذا النمط الجماعي‪ ،‬يع يد إنتاج التدين داخل اإلطار الجماعي‪ ،‬كلما دفعت النخب العلمانية نحو‬
‫إزاحة التدين إلى المجال الفردي‪ .‬والنمط الجماعي يجعل اإليمان والتدين متحقق كحالة جماعية‪ ،‬وليس‬
‫كحالة فردية‪ ،‬لذا يتحول التدين إلى موقف جماعي وليس موقف فردي‪ .‬وكلما كان التدين موقفا جماعيا‪،‬‬
‫أصبح يحضر في المجال االجتماعي‪ ،‬ومن ثم في النظام االجتماعي‪ .‬وحضور التدين في النظام‬
‫االجتماعي‪ ،‬يدفع عملية العلمنة بعيدا عن المجال االجتماعي‪ ،‬ومن ثم بعيدا عن المجتمع‪ ،‬ويمثل قوة‬
‫ضغط في مواجهة عملية العلمنة‪ ،‬حتى يزيح العلمنة من المجتمع‪ ،‬ويعيدها إلى الفضاء السياسي‪ ،‬ليصبح‬
‫النظام العلماني مرتبطا بنظام سياسي مفروض على المجتمع ومستبد‪ ،‬وتصبح العلمنة نفسها حالة‬
‫‪58‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫مفروضة على المجتمع‪ ،‬وقيمة غريبة عن المجتمع‪ ،‬ونوع من االستعمار الفكري‪ .‬وبهذا يتم حصار‬
‫العلمنة‪ ،‬وتصبح قيمة غازية‪.‬‬
‫اإلزاحة المضادة‬
‫المالحظ أن النظام السياسي العلماني يدفع التدين إلى المجال الفردي‪ ،‬ولكن التدين عندما ينتشر‬
‫يصبح جماعيا في نهاية المطاف‪ ،‬بحكم رسوخ النمط الحضاري اإلسالمي في المجتمعات‪ ،‬وبهذا يصبح‬
‫تشكيل التدين الفردي صعبا‪ ،‬وربما مستحيال‪ .‬لهذا نجد عملية إزاحة وعملية إزاحة مضادة‪ .‬فكلما تم تنحية‬
‫الدين من المجال العام‪ ،‬عاد في المجال االجتماعي‪ ،‬وكلما تم تنحية الدين في المجال االجتماعي‪ ،‬عاد‬
‫التدين نمطا جماعيا يحرر المجال االجتماعي من هيمنة الدولة‪ ،‬ويجعلها دولة محاصرة في المجال‬
‫السياسي‪ .‬وكما تحاول النخب المهيمنة حصار التدين في المجال الفردي‪ ،‬نجد أن الفعل التلقائي للجماعة‬
‫المؤمنة‪ ،‬يحاصر العلمانية والنخبة المهيمنة معها في المجال السياسي‪ ،‬بل ويحاصر الدولة نفسها بعيدا عن‬
‫المجال االجتماعي‪ .‬مما يؤدي إلى تحرير المجتمع ونطاقه االجتماعي من تأثير الدولة والنخب العلمانية‬
‫ونخب الدولة القومية‪ ،‬وكل القيم الوافدة الغربية والعلمانية تدريجيا‪ ،‬وبهذا يتمكن المجتمع من الرد على‬
‫عملية إزاحة الدين إلى المجال الفردي‪ ،‬ويعيده إلى المجال الجمعي ثم االجتماعي‪ ،‬ثم يعيد تأثيره على‬
‫النظام االجتماعي‪ ،‬وبهذا تبدأ عملية مضادة لحصار القيم العلمانية داخل النخب التي تحاول فرضها‪،‬‬
‫وطرد تلك القيم من المجتمع‪.‬‬
‫التدافع المستمر‬
‫المالحظ على أحوال المجتمعات العربية واإلسالمية‪ ،‬أن عملية إزاحة الدين‪ ،‬واإلزاحة المجتمعية‬
‫المضادة لذلك‪ ،‬والتي تزيح القيم العلمانية‪ ،‬لم تتوقف‪ ،‬ولم تصعد وتهبط بالكامل‪ ،‬قدر ما يحدث في حالة‬
‫األمة عامة‪ ،‬بل قد تتراجع نسبيا عملية إزاحة التدين‪ ،‬أو تتراجع نسبيا عملية اإلزاحة المضادة للقيم‬
‫العلمانية‪ .‬ولكن عملية التدافع مستمرة‪ ،‬رغم كل ما يحدث على المستوى السياسي‪ .‬ففي كل فترة زمنية‬
‫تحدث دوره جديدة من اإلزاحة واإلزاحة المضادة‪ ،‬وعملية إزاحة قيم العلمانية لصالح تمدد قيم التدين‪،‬‬
‫تنجح بأكثر من نجاح عملية اإلصالح والتغيير الحضاري الشامل‪ ،‬وبأكثر من عملية تحقيق الوحدة‬
‫والنهضة لألمة اإلسالمية‪ .‬مما يعني أن مقاومة التدين لكل عوامل نزع القيم من المجال العام‪ ،‬هي عملية‬
‫مستمرة وتحقق نتائجها بصورة متتالية‪ ،‬وتمنع أي إزاحة ولو مؤقتة للقيم الدينية من المجال االجتماعي‪.‬‬
‫مما يؤدي إلى عدم غياب الدين ولو مؤقتا لفترة طويلة زمنيا‪ ،‬وهو ما يحمي المجتمعات‪ ،‬ويمثل عملية‬
‫تعيدها دائما لهويتها الحضارية‪ ،‬وتكسبها المناعة الحضارية‪ ،‬وترد حاالت التفكك في القيم الحادثة في‬
‫المجتمع‪ ،‬وتعيد بناء القاعدة األساسية له‪ ،‬وبهذا يصبح المجتمع قادرا على حماية نفسه‪ ،‬وصد محاوالت‬
‫هدمه من الداخل‪ ،‬حتى إن لم يستطع تحقيق اإلصالح والتغيير المنشود‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫(‪) 6‬‬
‫األخالق بدل الدين‬
‫عندما يكون الدين هو القيمة المركزية في الحضارة‪ ،‬تصبح المرجعية النابعة منه شاملة لمختلف‬
‫جوانب الحضارة‪ ،‬لذا فمحاوالت إزاحة الدين تركز على تحويله إلى أمر يخص الفرد‪ ،‬لهذا يتم الحديث‬
‫عن أخالق الدين‪ ،‬بدال من المنظومة الدينية المتكاملة‪ .‬وتطرح رؤى تحاول ربط الدين بالفرد أوال‪ ،‬فإذا‬
‫تأثر الفرد بالدين‪ ،‬أصبح يتبع أخالق الدين‪ ،‬ومن ثم يؤثر الدين في المجال العام والمجال السياسي‪ ،‬ليس‬
‫بوصفه مرجعية عامة‪ ،‬ولكن بوصف ه مؤثرا على أخالق الفرد‪ .‬وبهذا يتم تحويل الدين من خالل التدين‬
‫الفردي إلى مجموعة من األخالق التي تؤثر على المجتمع‪ ،‬دون أن يكون الدين مرجعية شاملة ومتكاملة‪.‬‬
‫وتلك تمثل أحد المداخل للتعامل مع الدين في المجتمعات العربية واإلسالمية‪ .‬فهناك رؤى ترى‬
‫أن إزاحة الدين بالكامل غير ممكنة‪ ،‬لذا يلزم فتح مساحة للدين‪ ،‬حتى يكون له دور ما‪ ،‬دون أن يكون‬
‫دوره هو الدور المركزي‪ ،‬خاصة وأن المشكلة األساسية تتعلق بدور الدين في المجال السياسي‪ ،‬لذا تصاغ‬
‫تصورات تجعل من الدين مؤثرا على األفراد‪ ،‬فإذا كان له تأثير حقيقي على األفراد‪ ،‬سيكون له تأثير على‬
‫دورهم السياسي‪ .‬ومعنى هذا أن ال يكون الدين مرجعية عامة للمجال السياسي‪ ،‬بل يصبح مرجعية‬
‫لألفراد‪ ،‬ومن ثم يتحول تأثيره في المجال السياسي‪ ،‬إلى تأثير غير مباشر‪ .‬فمادام الدين يؤثر على األفراد‪،‬‬
‫إذن سوف يؤثر على أدائهم السياسي‪.‬‬
‫الوجود الصامت للدين‬
‫في هذ ه الصورة التي يروج لها‪ ،‬والتي تعمل العديد من المؤسسات عليها‪ ،‬يتم تحويل الدين إلى‬
‫متغير غير مباشر‪ ،‬بحيث يظل للدين دوره‪ ،‬ولكن في حياة األفراد‪ ،‬مما يجعله يؤثر على األخالق العامة‬
‫في المجتمع من جانب‪ ،‬ومن الجانب اآلخر يؤثر على األخالق العامة في المجال السياسي‪ .‬لهذا يتم‬
‫توظيف الدين من قبل الحكومات‪ ،‬وفي الخطاب السياسي الغربي‪ ،‬بحيث يكون جزءا من التميز الحضاري‬
‫لشعوب البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬حتى ال يتم تنحيته بالكامل‪ .‬وهي محاولة لتجنب أثر التنحية الكاملة‬
‫للدين‪ ،‬والتي يمكن أن تؤدي إلى عودة كاملة له‪ ،‬وربما عودة غاضبة‪ .‬وحتى يبقى للدين تأثيرا‪ ،‬يتم تحويله‬
‫إلى مجال األخالق‪ ،‬بوصفه منبعا لألخالق الفردية‪.‬‬
‫ولكن األمر ال يتوقف عند هذا الحد‪ ،‬فالنظر إلى الدين بوصفه أخالق‪ ،‬يؤدي في النهاية إلى‬
‫الفصل بين الدين واألخالق‪ ،‬بحيث تكون األخالق ممثلة الختيارات الناس‪ ،‬أيا كان مصدرها‪ ،‬ويصبح‬
‫الدين مصدرا من مصادر األخالق‪ .‬وكل هذا يهدف إلى إبقاء الدين في مساحة ال يتجاوزها‪ ،‬حتى ال يعود‬
‫ليصبح مرجعية عليا للمجتمعات العربية واإلسالمية‪ .‬لهذا نجد العديد من الدعوات‪ ،‬التي تركز على أهمية‬
‫تحول الحركات اإلسالمية إلى أحزاب توظف األخالق اإلسالمية في الممارسة السياسية‪ ،‬فبدال من أن‬
‫تحمل تلك األحزاب المرجعية اإلسالمية‪ ،‬تحول المرجعية إلى أخالق تمارسها في سلوكها السياسي‪.‬‬
‫فإذا أصبحت التيارات اإلسالمية‪ ،‬تحمل األخالق اإلسالمية إلى المجال السياسي‪ ،‬سيكون عليها‬
‫في النهاية اختيار مرجعية عليا للعمل السياسي‪ ،‬ومادامت هذه المرجعية ليست إسالمية‪ ،‬لذا سوف تكون‬
‫تلك المرجعية هي النظام السياسي العلماني‪ .‬وبهذا يتحول الدين إلى مجموعة من األخالق التي تمارس‬
‫‪61‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫تأثيرا ما من داخل المنظومة العلمانية‪ .‬فتصبح العلمانية أو الدولة القومية العلمانية‪ ،‬هي المرجعية العليا‬
‫بكل قيمها‪ ،‬ويصبح الدين هو مصدر للخصوصية األخالقية التي تميز الشعوب اإلسالمية عن غيرها من‬
‫الشعوب‪.‬‬
‫هو وجود صامت إذن‪ ،‬من حيث أنه ال يجعل للدين الدور القائد في مسار العمل السياسي ومسار‬
‫دور الدولة‪ ،‬ولكن يحافظ على وجود الدين كقاعدة أخالقية‪ ،‬تمنع الممارسة السياسية من التصادم مع‬
‫الدين‪ ،‬وتجعل العمل السياسي متشابها أو متواكبا ولو نسبيا مع القيم السائدة في المجتمع‪.‬‬
‫وفي المجتمع أيضا‬
‫المشكلة التي تواجه عملية العلمنة‪ ،‬تتمثل في جانب منها‪ ،‬أنها تصطدم كثيرا بما يحدث على‬
‫المستوى االجتماعي‪ .‬فكل عمليات العلمنة على المستوى السياسي‪ ،‬ال تغير من طبيعة المجتمعات‪ ،‬والتي‬
‫تعود وتبني هويتها على المرجعية الدينية‪ .‬لذا يعد مدخل األخالق مهما في هذا الصدد‪ .‬حيث يتصور أن‬
‫تحويل الدين إلى مصدرا لألخالق‪ ،‬سوف يؤدي في النهاية إلى سيادة أخالق خاصة في المجتمعات‬
‫اإلسالمية‪ ،‬دون أن يكون الدين مرجعية للنظام االجتماعي‪ .‬كأن تسود قيم الكرم والشهامة والتراحم‪ ،‬ولكن‬
‫دون أن تكون المنظومة الدينية هي التي تحدد أحكام األسرة‪ .‬وبهذا يتم تفكيك النظام الديني القائم على‬
‫أحكام الدين‪ ،‬واستبداله بدور أخالقي فردي للدين‪.‬‬
‫فاستمرار الدين بوصفه المرجعية العليا للنظام االجتماعي‪ ،‬يعني أنه سوف يتصادم مع النظام‬
‫السياسي المستند للمرجعية العلمانية‪ ،‬مما يهدد النظام العلماني‪ .‬وتلك واحدة من أهم مشكالت النظام‬
‫العلماني‪ ،‬ألنه يفترض أن يكون النظام االجتماعي والنظام السياسي كالهما مستند للمرجعية العلمانية‪،‬‬
‫حتى تتحقق سيادة القيمة العلمانية‪ ،‬ويتم حماية النظام العلماني‪ .‬وكلما حاولت بعض األنظمة تحييد دور‬
‫الدين في المجال السياسي‪ ،‬وترك دوره في المجال االجتماعي‪ ،‬نجدها تشعر بالقلق من استمرار دور‬
‫الدين في المجال االجتماعي‪ ،‬وتبدأ في تمديد العلمانية على النظام االجتماعي‪ ،‬خاصة في مجال قوانين‬
‫األسرة‪ .‬لذا يتم الترويج لتصور آخر‪ ،‬يستند على فكرة الدين الفردي‪ ،‬والذي يتحول فيه الدين إلى أخالق‬
‫تميز الفرد المتدين‪ ،‬وبهذا يكون السلوك العام في المجتمع متأثرا بالقيم األخالقية الدينية‪ .‬وبهذا يتم تحويل‬
‫الدين إلى تدين فردي‪ ،‬ثم تحويل التدين الفردي إلى أخالق‪ ،‬ثم يتم استالب تلك األخالق داخل منظومة‬
‫علمانية‪ .‬وكأن المجتمع سيصبح مجتمعا علمانيا متمسكا بأخالقه اإلسالمية‪ ،‬بدال من أن يكون مجتمعا‬
‫إسالميا‪.‬‬
‫األخالق بدون دين‬
‫الثابت من الممارسة البشرية ومن التاريخ البشري‪ ،‬أن هناك فارقا كبيرا بين األخالق اإلنسانية‬
‫غير المستمدة من الدين‪ ،‬واألخالق المستمدة من الدين‪ .‬ولكن هذا الفارق يظهر أيضا‪ ،‬إذا تم تحرير‬
‫األخالق الدينية من مرجعية الدين‪ ،‬لتصبح اختيارا فرديا ينبع من التدين‪ ،‬ولكن ال يتقيد به‪ .‬وعلى سبيل‬
‫المثال‪ ،‬عندما يتعلم الفرد قيمة التراحم من الدين‪ ،‬وتتحول هذه القيمة إلى أخالق يعيش بها‪ ،‬ولكن دون أن‬
‫تكون ممارسته له ا محكومة بحكم الدين‪ ،‬فإن ممارسة الفرد سوف يحدث فيها تحوالت مع الوقت‪ ،‬وطبقا‬
‫للظروف‪ .‬فالمتدين الذي يحمل قيمة التراحم بوصفها قيمة دينية‪ ،‬يعرف أنها أيضا حكما دينيا‪ ،‬وأن‬
‫ممارستها ضرورية وإلزامية‪ .‬وبهذا فالمجتمع الذي يستند لقيم الدين وأحاكمه‪ ،‬يلتزم بها بوصفها إلزامية‪.‬‬
‫‪60‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫ولكن عندما تصبح األخالق مستمدة من الدين‪ ،‬ولكن ال يحكمها حكم الدين‪ ،‬فإنها تتحول تدريجيا إلى‬
‫أخالق فردية بشرية‪ ،‬يحدث عليها تحوالت تدريجية‪ ،‬تجعلها تصل إلى حالة مختلفة عن أساسها‪.‬‬
‫فإذا حررنا قوانين األسرة مثال من قيم الدين‪ ،‬في مجتمع ينتشر فيه التدين‪ ،‬وتنتشر بالتالي أخالق‬
‫الدين‪ ،‬ولكن الدين لم يعد هو الحاكم للنظام االجتماعي وال لقوانين األسرة‪ ،‬سنجد أن ممارسات األفراد‬
‫سوف تتجه في أكثر من اتجاه‪ ،‬بين من يلتزم ومن ال يلتزم‪ ،‬وبين من يفسر أخالقه الدينية بصورة ومن‬
‫يفسرها بصورة أخرى‪ .‬وسوف نصل إلى نتيجة نهائية‪ ،‬أن النظام االجتماعي وقوانين األسرة‪ ،‬قد تحررت‬
‫من أحاكم الدين‪ ،‬وتم تنحية الدين بالفعل‪.‬‬
‫فالفصل بين األخالق وبين االلتزام الديني وحكم الدين‪ ،‬يعني الفصل بين القواعد ومصدرها‬
‫الحاكم لها‪ ،‬مما يجعلها تفقد قدرتها اإللزامية على الناس وعلى المجتمع‪ .‬وهو المقصود في الواقع من‬
‫تحويل الدين إلى جملة أخالق‪ ،‬تؤثر على المجال السياسي‪ ،‬ألن ذلك يحرر المجال السياسي من حكم‬
‫الدين‪ ،‬ويسمح بتمرير قيم مختلفة‪ ،‬مثل القيم الغربية العلمانية‪ ،‬بحيث تصبح هي القيم الحاكمة‪.‬‬
‫منظومة الدين‬
‫الواضح أن المجتمعات العربية واإلسالمية تقوم أساسا على قيمة الدين‪ ،‬لهذا فهي تعيد دور الدين‬
‫في كل مرحلة من المراحل‪ ،‬لذا فكل التصورات التي تحاول تحوير الدين إلى مجرد مجموعة من‬
‫األخالق‪ ،‬ال تحقق هدفها في المجال االجتماعي‪ ،‬حتى وإن حققت أهدافها في المجال السياسي مرحليا‪.‬‬
‫وكلما تم تفكيك المرجعية الدينية في المجتمع‪ ،‬تفكك المجتمع نفسه‪ ،‬وأصبح بال مرجعية‪ ،‬وفقد قدرته على‬
‫تنظيم نفسه من خالل المرجعية العلمانية المطعمة باألخالق الدينية‪ ،‬فيعود مرة أخرى للبحث عن‬
‫المرجعية الدينية‪ .‬وكلما تم تحييد دور الدين في المجال السياسي‪ ،‬فقد النظام السياسي شرعيته ودوره‬
‫وتأثيره على المجتمع‪.‬‬
‫فالمنظوم ة الدينية المتكاملة هي جزء من تركيب المجتمعات العربية واإلسالمية‪ ،‬وال تستطيع‬
‫االستغناء عنها‪ ،‬كما أنها ال تستطيع تنظيم نفسها بدونها‪ .‬لهذا يصبح الدين في الحضارة اإلسالمية هو‬
‫القيمة المركزية‪ ،‬التي يعاد إحيائها كلما تعرضت إلى محاولة إزاحة أو تحوير‪.‬‬

‫(‪) 7‬‬
‫الدين مالذ آمن‬
‫عندما يمر شعب أو أمة بمرحلة أزمة عميقة‪ ،‬تشمل مختلف جوانب الحياة‪ ،‬يبدأ البحث عن مخرج‬
‫من تلك األزمة‪ .‬وهنا تظهر ردود الفعل التلقائية‪ ،‬والتي تنبع من موروث األمة التاريخي والحضاري‪،‬‬
‫والذي يمثل بالنسبة لها مخزن القيم‪ .‬واألمة اإلسالمية شهدت عدة أزمات‪ ،‬أوصلتها لمرحلة الهزيمة‬
‫الحضارية‪ ،‬وعندئذ بحثت األمة في مخزون القيم التاريخي لها‪ ،‬فلجأت للدين‪ ،‬ألنه يمثل القيمة األساسية‬
‫في مخزون قيمها التاريخية والحضارية‪ .‬ولكن الدين ليس فقط قيمة‪ ،‬بل هو منظومة أو نظام متكامل‪ ،‬لذا‬
‫لم يكن اللجوء للدين‪ ،‬هو مجرد لجوء لفكرة أو رؤية‪ ،‬بل كان لجو ًء لنظام متكامل‪.‬‬
‫‪63‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫واألمة عندما تفقد مكانتها ودورها‪ ،‬وتتدهور حياتها ومعيشتها‪ ،‬وتتعرض للغزو الخارجي‪،‬‬
‫والهزيمة أمام العدو‪ ،‬تصل لمرحلة الشعور بالخطر‪ ،‬وتفقد الشعور باألمان‪ .‬وهو ما حدث لألمة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬خاصة في هزيمة يونيو ‪ 0967‬أمام العدو اإلسرائيلي‪ ،‬والتي مثلت اللحظة الرمزية للهزيمة‬
‫الحضارية الكاملة لألمة اإلسالمية‪ .‬وفي تلك اللحظة‪ ،‬بدأ الشعور بالخطر يتسرب لكل فرد‪ ،‬وأيضا لكل‬
‫جماعة‪ ،‬ولألمة كلها‪.‬‬
‫وبدأ اللجوء للدين كظاهرة اجتماعية واسعة النطاق‪ ،‬ومثل حالة عامة منتشرة ومتزايدة‪ ،‬بفعل‬
‫الوضع االجتماعي‪ .‬فبدأت ظاهرة الصحوة اإلسالمية‪ ،‬لتمثل تيارا واسعا ومنتشرا منذ سبعينات القرن‬
‫العشرين‪ .‬ولم تكن هذه الظاهرة مجرد ظاهرة عابرة‪ ،‬أو لحظة عارضة‪ ،‬بل عبرت ظاهرة الصحوة‬
‫اإلسالمية عن حالة عامة‪ ،‬لذا كان لها انتشار واسع‪ ،‬وامتدت واستمرت لعقود‪ .‬ورغم اختالف مالمح كل‬
‫مرحلة من م راحل الصحوة اإلسالمية‪ ،‬إال أن الرابط بينها تمثل في ظاهرة العودة إلى الدين‪ ،‬أو اللجوء‬
‫للدين‪ .‬ومن هنا أصبحت تلك الظاهرة‪ ،‬تمثل عملية مستمرة إلعادة الدين إلى موقعه في حياة األمة‪ ،‬رغم‬
‫كل المعارك والمواجهات التي تخوضها األمة‪ ،‬والتي تهدف إلى إزاحة الدين عن موضعه‪.‬‬
‫المالذ اآلمن‬
‫قد تنتشر فكرة في مواجهة تحدي أو خطر‪ ،‬فتنتشر قيمة العدالة االجتماعية في مواجهة االستغالل‬
‫وسيطرة رأس المال‪ ،‬ولكن الدين لم يكن فكرة تنتشر في موجهة خطر‪ ،‬بل كان مالذا آمنا‪ ،‬تلجأ له األمة‬
‫في مواجهة كل األخطار‪ .‬والمالذ اآلمن‪ ،‬يمثل النظام الذي يحتمي به الفرد في مواجهة األخطار التي‬
‫تحيط به‪ ،‬ألنه يرى في هذا المالذ‪ ،‬نظاما يحميه ويرتب له حياته‪ ،‬ويعينه على مواجهة األخطار‪ .‬وعندما‬
‫تنتشر ظاهرة الصحوة اإلسالمية بكل روافدها‪ ،‬ندرك أننا أمام عملية إحالل تحدث على المستوى‬
‫االجتماعي‪ ،‬حيث يتبنى المجتمع نظاما بديال للنظام القائم‪ ،‬ويجعله النظام األولى باإلتباع‪ .‬فيتأكد أن العودة‬
‫للدين كمالذ آمن‪ ،‬تمثل موقفا ضد النظام القائم‪ ،‬والذي لم يعد مالذا آمنا للناس‪ ،‬لذا بحث الناس عن مالذ‬
‫آمن آخر‪ ،‬من خالل تجربتهم التاريخية ومورثهم الحضاري‪ ،‬فأصبح الدين هو المالذ اآلمن لهم‪.‬‬
‫وعندما ت ختار األمة الدين كمالذ آمن‪ ،‬تصبح كل محاوالت حصار دور الدين تدور في حلقة‬
‫مفرغة‪ ،‬ألن الدين أصبح النظام الذي يتبعه الفرد ويحتمي به‪ ،‬ويعمل على طاعته‪ ،‬ومن ثم يكتفي بإتباع‬
‫هذا النظام عن أي نظام آخر‪ .‬ثم أن الدين عندما يقوم بدور المالذ اآلمن‪ ،‬يصبح هو اإلطار الذي يحمي‬
‫الفرد ويقويه ويساعده على مواجهة ظروف الحياة‪ ،‬لذا ال يمكن للفرد ترك هذا المالذ اآلمن تحت أي‬
‫ظروف‪.‬‬
‫والمالذ اآلمن هو الذي يعيد للفرد الثقة في النفس‪ ،‬ويحميه من الشعور بالخوف‪ ،‬ويرتب له حياته‬
‫بطريقة تجعله قادرا على االستمرار‪ .‬لذا ال يمكن إخراج الفرد خارج هذا المالذ اآلمن‪ ،‬ألنه أصبح الملجأ‬
‫الذي أخرجه من الشعور بالخوف‪ .‬لهذا لم تفلح كل محاوالت إزاحة دور الدين‪ ،‬ألن الفرد العادي لن يترك‬
‫نفسه فريسة للمخاطر التي يتعرض لها‪ ،‬ويتعلق بأي فكرة أخرى‪ ،‬ال يرى فيها مالذا آمنا‪.‬‬

‫‪62‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬
‫ليس فرديا فقط‬

‫لم تكن العودة للدين فردية فقط‪ ،‬بل كانت عودة جماعية أيضا‪ .‬فالفرد عندما يعود للدين‪ ،‬ينشر تلك‬
‫الفكرة في محيطه‪ ،‬وتبدأ عملية العودة الجماعية‪ .‬كما أن النمط الجماعي هو الغالب في الحضارة‬
‫اإلسالمية ومجتمعاتها‪ ،‬وهو أيضا الغالب في الفكرة الدينية‪ ،‬والتي تقوم على جماعة المؤمنين‪ .‬لذا لم تكن‬
‫العودة فردية‪ ،‬بل كانت عودة جماعية‪ ،‬حيث تنتشر فكرة العودة للدين لدى جماعة‪ ،‬وتتشكل حركات‬
‫وجماعات وتيارات داخل الفكرة الدينية‪ ،‬وتعود الحياة الجماعية واالجتماعية إلى النظام الديني‪ ،‬وتجد فيه‬
‫مالذا لها‪ ،‬ويصبح الدين هو المنظم األعلى لحياة الفرد والجماعات والمجتمع‪ .‬ولهذا تكتسب الظاهرة بعدا‬
‫آخر‪ ،‬فالعودة للدين تعيد تأسيس الجماعة مرة أخرى‪ ،‬وتبنى المجتمع‪ ،‬ومن ثم تبني األمة مرة أخرى‪.‬‬
‫وبهذا تصبح العودة للدين جزءا من عملية توحيد الجماعات والمجتمعات واألمة كلها‪.‬‬
‫ولكن الظروف التي تتعرض لها األمة‪ ،‬تضغط على البنية الجماعية لها‪ ،‬وتدخلها مرات في‬
‫صراعات داخلية أو خصومات بين التيارات واالتجاهات‪ .‬وفي نفس الوقت‪ ،‬سنجد أن العودة للدين‪ ،‬لم‬
‫تبني تيارا واحدا‪ ،‬بل بنت عدة تيارات داخل األمة‪ ،‬فهي عودة تجمع‪ ،‬ولكنها أيضا تبني التعددية والتنوع‪.‬‬
‫وفي نفس الوقت‪ ،‬نجد من داخل التعددية تظهر الخالفات وربما الصراعات‪ .‬وكل هذا يدخل في مسار‬
‫النمو الطبيعي للعودة للدين‪ ،‬والعودة للذات الحضارية‪ ،‬حيث تتشكل مسارات التجميع والتفريق‪ ،‬وتتقابل‬
‫وتتصارع‪.‬‬
‫وليس من المتوقع أن تحدث عملية العودة للدين من دون معوقات تحاول منعها‪ ،‬ألن محاوالت‬
‫إزاحة الدين من الحياة العامة مستمرة‪ ،‬سواء بفعل القوى الغربية المهيمنة أو النظم الحاكمة أو النخب‬
‫العلمانية‪ .‬وأمام تلك القوى التي تحاول ضرب الفكرة الدينية‪ ،‬وبسبب المشكالت التي تعاني منها األمة‪،‬‬
‫نجد أن مسار العودة للدين كمالذ آمن‪ ،‬تتعرض لضغوط شديدة‪ .‬ولكن تلك الضغوط ال توقف مسار العودة‬
‫للدين‪ ،‬بل تحدث اضطرابا في مساراته‪ ،‬وتنعكس أحيانا على العالقة بين تيارات الصحوة اإلسالمية‪.‬‬
‫ولكن كل هذا ال يوقف الطابع الجماعي للعودة للدين كمالذ آمن‪.‬‬
‫الدولة ليست مالذ آمن‬
‫ظاهرة العودة للدين كمالذ آمن‪ ،‬تعني أن الدولة لم تكن المالذ اآلمن‪ .‬فظاهرة الصحوة اإلسالمية‪،‬‬
‫بوصفها ظاهرة لجوء للدين كمالذ آمن‪ ،‬ال تعني فقط ظاهرة التدين‪ ،‬بل تعني أن ظاهرة انتشار التدين‪،‬‬
‫واكبها تعلق بالدين بوصفه النظام العام البديل عن النظام القائم‪ ،‬والذي تمثله الدولة‪ .‬فاللجوء للدين كمالذ‬
‫آمن‪ ،‬يعني أنه مثل بالنسبة للفرد والجماعة‪ ،‬اإلطار المختار ليكون حاكما لحياتهم‪ .‬والفرد لجأ للدين‪ ،‬كما‬
‫لجأت الجماعات‪ ،‬بعيدا عن خيارات السياسة والدولة‪ .‬فلم تكن تلك هي خيارات الدول‪ ،‬بل خيارات‬
‫الشعوب‪ ،‬وخيار األمة اإلسالمية‪.‬‬
‫فالمالذ اآلمن في الحالة الطبيعية‪ ،‬يكون النظام العام الذي يحمي الناس‪ ،‬ويعبر عن هويتهم‬
‫وآمالهم وتطلعاتهم‪ ،‬ويحقق لهم احتياجاتهم ورغباتهم‪ .‬وعندما يفشل النظام العام في التعبير عن الناس‬
‫وتحقيق رغباتهم‪ ،‬ويشعر الناس بالخطر‪ ،‬يلجئون إلى إطار آخر غير النظام العام القائم‪ ،‬وعندما يلجأ‬
‫الناس إلى الدين‪ ،‬ويعتبرونه مالذا آمنا‪ ،‬يصبح الدين بالنسبة للناس وعامتهم‪ ،‬هو النظام العام‪ ،‬الذي يعبر‬
‫عنهم وينظم سلكوهم‪ ،‬ويحدد رغباتهم وتطلعاتهم‪ .‬وبهذا يكون اللجوء للدين كمالذ آمن‪ ،‬هو رفض ضمني‬
‫‪64‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫للجوء للنظام العام والدولة‪ ،‬كمالذ آمن طبيعي‪ .‬ومعنى هذا أن الدولة لم تعد تعبر عن األمان والشعور‬
‫بالثقة بالنسبة للناس‪ ،‬بل أصبحت هي مصدر الخطر الذي تعرض له الناس‪ .‬ألن فشل الدولة في أن تكون‬
‫النظام العام‪ ،‬والمالذ اآلمن‪ ،‬يجعلها مصدر الخطر والتهديد الذي يتعرض له الناس‪ .‬فيبحث الناس عن‬
‫المالذ اآلمن الحقيقي بالنسبة لهم‪ ،‬فكان لجوئهم للدين‪.‬‬
‫فلم تكن ظاهرة اللجوء للدين‪ ،‬مجرد ظاهرة انتشار تدين‪ ،‬بل كانت عملية خروج منظم وتلقائي‬
‫في وقت واحد‪ ،‬من إطار النظام العام القائم‪ ،‬إلى إطار نظام آخر تم تنحيته بفعل دور الدولة العلمانية‬
‫القائمة‪ .‬لهذا أصبح اللجوء للدين هو أيضا رفض للدولة القائمة‪ ،‬ورفض لمرجعية الدولة‪ ،‬وأيضا سحبا‬
‫لشرعيتها‪ .‬فاللجوء للدين‪ ،‬كان خروجا من إطار النظام العام والدولة‪ ،‬وتأسيسا لنظام عام جديد‪ ،‬يحمي‬
‫الفرد والجماعة والمجتمع‪ ،‬ويعبر عن األمة اإلسالمية‪ ،‬من خالل قيمها الحاكمة‪ ،‬والمتمثلة في الدين‪.‬‬
‫اللجوء للدين‬
‫استمرار ظاهرة اللجوء للدين‪ ،‬تؤكد على فشل كل محاوالت العلمنة والتغريب بكل صورها‪ ،‬بل‬
‫تجعل نجاح عملية العلمنة الجزئية أو الشاملة مستحيلة‪ .‬ألن الناس تترك كل ما يحدث في المجال‬
‫السياسي‪ ،‬وتخرج عن هوية الدولة والنظام العام المفروض عليها‪ ،‬وتلجأ للدين‪ ،‬وتبني هوية مختلفة‪،‬‬
‫وتنتشر تلك الهوية بين الناس‪ ،‬وتبنى على أساسها المجتمعات‪ .‬وكلما بدأت موجة جديدة من العلمنة‪ ،‬نجد‬
‫ردا ع ليها موجة جديدة من التدين واللجوء للدين‪ .‬حتى باتت األنظمة ذات السند العلماني‪ ،‬وهي تمثل‬
‫معظم أنظمة الحكم في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬تبدو كمثل الوافد الغريب المفروض على مجتمعات ذات‬
‫سند إسالمي واضح‪ .‬وأصبحت بذلك عملية اللجوء للدين كمالذ آمن‪ ،‬أي كنظام بديل عن الوضع القائم في‬
‫المجال السياسي‪ ،‬تمثل الرد المجتمعي الذي يدفع العلمنة والتغريب‪ ،‬ويمنع عملية تسرب القيم الغربية في‬
‫المجتمعات اإلسالمية‪.‬‬

‫(‪) 8‬‬
‫الدين في مناخ معادي‬
‫تنمو الظاهرة الدينية في المجتمعات العربية واإلسالمية بصورة واضحة‪ ،‬ولكنها في الواقع تنمو‬
‫في من اخ معادي لها‪ ،‬حيث تحاصر بالعديد من القوى التي تريد تحجيم الظاهرة الدينية‪ ،‬وإخراجها من‬
‫مسارها الطبيعي‪ .‬ولدور الدين في المناخ المعادي صوره المتعددة‪ ،‬حيث تتعارض نتائج ظاهرة الصحوة‬
‫الدينية‪ ،‬مع نتائج عملية العلمنة والتغريب‪ ،‬بصورة تؤدي إلى حدوث الكثير من االضطرابات‪ .‬وتأخذ تلك‬
‫االضطرابات أشكاال عدة‪ ،‬فهي أوال تتمثل في اضطراب رؤية الفرد والجماعة والمجتمع‪ ،‬حيث يجد كل‬
‫فرد العديد من الرؤى التي تحاول إعادة تشكيل تصوره عن الدين‪ ،‬أو تعيد تعريف الدين‪ ،‬ويجد أيضا‬
‫رؤى تشككه في الدين نفسه‪ ،‬ثم يجد نظاما عاما يحاول الضغط عليه بعيدا عن إطار الدين‪ ،‬ويواجه‬
‫بظروف معيشية تعقد عليه قدرته على االلتزام بتعاليم الدين‪.‬‬
‫فهناك العديد من العوامل التي تضرب دور الدين وتعاديه‪ ،‬بدءا من سلوك النظام السياسي الذي‬
‫يخشى من دور الدين في حياة المجتمع‪ ،‬ويخشى من عودة الدين إلى المجال السياسي‪ ،‬وحتى النخب‬
‫العلمانية المتحالفة مع الدولة القائمة‪ ،‬والتي ترى أن دور الدين المتعاظم يمثل تهديدا لمشروعها العلماني‪.‬‬
‫‪65‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫كما أن الدول الغربية الداعمة ألنظمة الحكم المستبد في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬تخشى أيضا من عودة‬
‫دور الدين في حياة األمة‪ ،‬بصورة تجعله يشكل أوضاعها السياسية في المستقبل‪ .‬وكل هذه العوامل ينتج‬
‫عنها رسائل سياسية وإعالمية‪ ،‬تضغط على المجتمع حتى تحجم دور الدين في حياته‪ .‬وهذه العوامل تخلق‬
‫حالة اضطراب أحيانا‪ ،‬عندما يصبح قطاع من المجتمع خارج إطار الدين بالكامل‪ ،‬على عكس وضع‬
‫قطاعات أخرى‪ ،‬مما يجعل مسار تطور المجتمع مضطرب‪ ،‬وينتج عنه اختالف كبير بين المواقف السائدة‬
‫في المجتمع‪ ،‬ومواقف بعض الفئات المتغربة‪ ،‬والمحمية بنخب الدولة القومية‪.‬‬
‫الردود الدينية‬
‫الحاصل أن الفكرة الدينية تأخذ صورا عدة‪ ،‬فهي فكرة بداخلها تنوع داخلي‪ .‬ولكن تلك التعددية‬
‫الداخلية إذا نمت في ظرف طبيعي‪ ،‬سوف تكون نتاجا للتعدد في الفهم‪ ،‬وبالتالي تكون تيارات الفكرة‬
‫الدينية‪ .‬ولكن في الظروف غير الطبيعية‪ ،‬تتشكل رؤى ردا على المخاطر التي تتعرض لها الفكرة الدينية‪،‬‬
‫ويحدث اختالف في الرؤى‪ ،‬حول كيفية الرد على المخاطر التي تتعرض لها هوية األمة‪ ،‬ويتعرض لها‬
‫الدين‪ .‬وهو ما يؤدي إلى أنماط مختلفة من رد الفعل‪ ،‬ال تمثل تيارات طبيعية وتلقائية داخل الفكرة الدينية‪،‬‬
‫بقدر ما تمثل ردود فعل مختلفة‪ ،‬تختلف حسب التكوينات االجتماعية والنفسية‪ ،‬وحسب الظروف‬
‫المعيشية‪ .‬فتنتج بعض فئات المجتمع ردودا مختلفة على الخطر الثقافي الخارجي الذي تتعرض له الفكرة‬
‫الدينية والدين كله‪ .‬ولهذا تحدث اختالفات في ردود الفعل‪ ،‬وتظهر ردود الفعل الغاضبة‪ ،‬وتلك التي تدعو‬
‫للتشدد في مواجهة المخاطر التي تواجه الدين واألمة‪.‬‬
‫وبسبب حالة االضطراب الحادثة‪ ،‬وبسبب عدم التزام النظام العام الرسمي بما يلتزم به المجتمع‪،‬‬
‫تحدث حالة من التشتت داخل الفكرة الدينية‪ ،‬تستخدمها األطراف المعادية لها‪ ،‬لتزيد من حالة التشتت‪،‬‬
‫حتى تصور أن الدين ليس مالذا آمنا‪ ،‬وأنه قد يكون خطرا على التطور والتقدم‪ .‬وهو ما يؤدي إلى حالة‬
‫من النزاع الفكري والثقافي‪ ،‬ويتحول كثيرا إلى نزاع ديني من داخل الفكرة الدينية نفسها‪ .‬فألن المرجعية‬
‫الدينية تواجه بالعديد من الخصوم‪ ،‬وتواجه أيضا بمحاولة الدولة المستمرة لتحجيم المرجعية الدينية في‬
‫حياة المجتمع‪ ،‬كما تخرج الدولة عن االلتزام بالمرجعية الدينية في المجال السياسي‪ ،‬لذا يصبح الدين في‬
‫قلب المعركة‪ .‬وبهذا يصبح الدين هو الحل الذي يلجأ له الناس في معركة الحياة والوجود‪ ،‬وهو أيضا في‬
‫قلب معركة تستهدفه وتستهدف دوره‪ ،‬كما تصبح التيارات الدينية في قلب معركة لحصارها وتحجيم‬
‫دورها‪ .‬وبهذا يفقد المجتمع فرصة النمو الطبيعي لفكرته الحضارية والدينية‪ ،‬ويفقد فرصة تشكل تياره‬
‫السائد‪ ،‬وتنوعاته الداخلية‪ .‬وتتحول األوضاع لما يشبه المعركة الثقافية والحضارية المحتدمة‪.‬‬
‫بين الرسمي والشعبي‬
‫معظم الدول في البالد العربية واإلسالمية تحاول مصادرة الدين لصالح نخب الدولة القومية‪،‬‬
‫ألنها تعرف أن للدين دورا مهما ومركزيا‪ ،‬لذا تحاول السيطرة عليه من خالل مؤسسات دينية رسمية‪.‬‬
‫وتو جه تلك المؤسسات‪ ،‬حتى تحصل منها على تأييد ديني لما تقوم به الدولة ونخبتها من تصرفات‬
‫سياسية‪ .‬ولما أصبح الدين في المؤسسات الرسمية أو العلمية مصادرا من قبل الدولة‪ ،‬وبات الدين حاضرا‬
‫في المجتمع من خالل الجهد الشعبي التلقائي‪ ،‬أصبحت الفجوة بين الفاعلين في المجال الديني واسعة‪ ،‬مما‬
‫أدى إلى ظهور معارك داخل المجال الديني نفسه‪ ،‬تؤثر عليه وعلى دوره في حياة الناس‪ .‬حيث قام نزاع‬
‫‪66‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫بين الرأي الديني المصادر من قبل الدولة‪ ،‬والرأي الديني الحر‪ .‬كما أن سيطرة الدولة على المؤسسات‬
‫العلمية اإلسالمية‪ ،‬أثر على دورها‪ ،‬وأثر بالتالي على التطور العلمي للعلوم الدينية‪.‬‬
‫فسيطرة الدولة المصرية على األزهر‪ ،‬الجامع والجامعة‪ ،‬أثر بال شكل على مسار تطور العلم‬
‫اإلسالمي‪ ،‬وأثر على التفاعل الطبيعي داخل المجال اإلسالمي‪ ،‬بين اآلراء الدينية المختلفة‪ .‬فعندما‬
‫أصبحت المؤسسة العلمية األساسية مصادرة من قبل الدولة‪ ،‬وفقدت مصداقيتها بين الناس‪ ،‬فقد المجال‬
‫اإلسالمي المؤسسة العلمية التي توجهه‪ ،‬وتصنع تطوره وتقدمه‪ .‬وكلما أصبح العلم فرديا بال مؤسسة‬
‫ترعاه‪ ،‬يصبح االختالف في العلم واسعا‪ ،‬وبدون جهة منظمة له‪ ،‬تقود الرأي العلمي‪.‬‬
‫فمصادرة المؤسسات الكبرى في المجال اإلسالمي‪ ،‬سمح بإحداث اضطراب داخل الساحة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وحرمها من المؤسسات القائدة‪ ،‬والتي كان من شأنها تنظيم حركة الفكر والعلم والفقه‬
‫اإلسالمي‪ .‬ولم تكن مصادرة المؤسسات العلمية اإلسالمية‪ ،‬إال نتاجا لرغبة الحاكم في السيطرة على الفكر‬
‫اإلسالمي لصالح حكمه‪ .‬ولكن الفكرة الدينية غير قابلة للمصادرة من قبل أي حاكم‪ ،‬ومصداقية الرأي‬
‫الديني تقوم على حرية صاحب الرأي وبعده عن صاحب السلطة‪ .‬لهذا فشلت عملية مصادرة الرأي الديني‬
‫لصالح السلطة‪ ،‬ولكن ما حدث ساهم في إفقاد المجال الديني لدور مهم لمؤسسات علمية كبرى‪ ،‬مما ساهم‬
‫في اضطراب الساحة الدينية‪ ،‬وفقدان المؤسسات التي تصنع الرأي العام بها‪.‬‬
‫اضطراب مرحلي‬
‫بسبب الضغوط التي تتعرض لها األمة‪ ،‬تنو األفكار والرؤى بداخلها في ظرف غير طبيعي‪ .‬فشدة‬
‫درجة العلمنة التي تتعرض لها األمة‪ ،‬تنتج فكرا دينيا متشددا‪ ،‬وهذا الفكر الديني قد يواجه الرؤى الدينية‬
‫األخرى‪ ،‬التي ال توافقه على تشدده‪ ،‬وبهذا تنتقل المعركة من ساحة المواجهة مع الفكرة العلمانية‪ ،‬إلى‬
‫ساحة المواجهة بين األفكار اإلسالمية‪ .‬وهذا ليس فقط وضعا ينتج من الحصار المضروب على الفكرة‬
‫الدينية‪ ،‬ولكنه وضعا ينتج من السياسات التي تحاول ضرب الفكرة الدينية‪ ،‬من خالل تعميق الخالفات‬
‫الداخلية في الساحة اإلسالمية‪ .‬حيث أن اختالف التيارات اإلسالمية في ما بينها‪ ،‬يمكن أن يؤدي إلى‬
‫إضعافها جميعا‪ ،‬مما يسمح للقوى الراغبة في حصار ظاهرة التدين‪ ،‬باستخدام الخالفات الداخلية‪ ،‬لضرب‬
‫ظاهرة التدين نفسها‪.‬‬
‫لكن الصورة على أرض الواقع تختلف‪ ،‬فتيار الصحوة اإلسالمية ينمو‪ ،‬ويدخل في دورات تشكل‬
‫مراحل تشكله‪ .‬وتتحول خالفاته أحيانا إلى توافق‪ ،‬ثم تظهر خالفات أخرى‪ ،‬ويتحول بعضها إلى اتفاق‬
‫ويستمر بعضها‪ .‬ولكن معظم ما تنتجه تيارات الصحوة اإلسالمية‪ ،‬يصب في توسيع القاعدة الجماهيرية‬
‫للتيار اإلسالمي‪ .‬وتظل الخالفات جزءا من التنوع‪ ،‬أما المواجهات التي تحدث‪ ،‬فهي تدور بالفعل حول‬
‫كيفية مواجهة الخصم‪ ،‬مما يجعل صورة الخصم تبرز أمام الرأي العام‪ ،‬وبهذا يحاصر الخصم‪.‬‬
‫صحيح أن المناخ المعادي يضر بالتطور الطبيعي للفكرة الدينية‪ ،‬ولكنه ال يمنع انتشارها أو‬
‫تطورها بالكامل‪ ،‬بل نجد أن انتشارها مستمر‪ .‬فالمعركة تعرقل حركة تطور دور الدين‪ ،‬ولكنها ال توقفه‪.‬‬
‫فإذا كانت المرجعية الدينية هي اختيار األمة‪ ،‬يصبح تطورها واستمرار انتشارها مستندا على أنها الخيار‬
‫الجماعي لألمة‪ .‬وكل عرقلة للمرجعية الدينية‪ ،‬تؤثر على مسار دور الدين‪ ،‬ولكنها ال توقفه‪ .‬كما أن‬
‫‪67‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫المعارك التي تهدف إلى حصار الدين‪ ،‬ال تؤدي إلى تغيير األمة للمرجعية التي تعبر عنها‪ ،‬ولكنها تعرقل‬
‫قدرة األمة على بناء وحدتها ونهضتها‪.‬‬

‫(‪) 9‬‬
‫مسار عودة الدين‬
‫تشكلت األمة اإلسالمية على المرجعية الحضارية النابعة من الدين‪ ،‬فمثل الدين مركز هويتها‬
‫وقيمها الحضارية‪ ،‬وأصبح الدين هو مصدر استعادة الهوية الحضارية لألمة‪ ،‬وهو الركيزة األساسية‬
‫لتحقيق وحدتها ونهضتها‪ .‬والمشاهد أن الدين يعود مرة أخرى مصدرا للهوية والمرجعية‪ ،‬ولكن هذه‬
‫العودة تواجه بالعديد من التحديات‪ ،‬التي تعرقل مسار عودة الدين للقيام بدوره المركزي‪ ،‬مما يؤخر مسار‬
‫عودة األمة اإلسالمية للنهوض من جديد‪.‬‬
‫ولكن رغم العراقيل التي تمنع من قيام الدين بدوره مرة أخرى‪ ،‬إال أن مسار عودة الدين يأخذ‬
‫منحا تصاعديا‪ ،‬مما يشير ضمنا إلى فشل محاوالت عرقلة عودة الدين بالكامل‪ ،‬رغم ما يحدث من تأخر‬
‫بسبب تلك العرقلة‪ .‬وبعض المشاهد توضح ما يحدث من حالة حراك حضاري وثقافي‪ ،‬تؤدي إلى استعادة‬
‫دور الدين‪.‬‬
‫راية الدين‬
‫لقد بات واضحا أن األفكار السياسية ومشاريعها المستمدة من النماذج السياسية الغربية لم تعد‬
‫جاذبة للشعوب اإلسالمية‪ ،‬بعد أن كان لها جاذبية لعقود من الزمن‪ .‬وهنا يظهر تغير حقيقي في الراية التي‬
‫يتجمع الناس من حولها‪ .‬فلم تعد الشعارات السياسية ممثلة لراية تجمع الناس‪ ،‬سواء الشعارات الليبرالية أو‬
‫اليسارية‪ ،‬وحتى الشعارات القومية العربية والشعارات الناصرية‪ .‬مما يؤكد على حدوث تحول ثقافي‬
‫واضح في وعي الجماهير‪ ،‬والتي لم تعد تتحرك وراء شعارات السياسة المنفصلة عن المرجعية‬
‫الحضارية اإلسالمية‪ .‬لذا أصبح التيار اإلسالمي هو العنوان األبرز للقوى السياسية األكثر شعبية‪،‬‬
‫وتراجعت شعبية التيارات السياسية األخرى‪.‬‬
‫ورغم تعدد التفسيرات المتعلقة بتراجع نشاط التيارات السياسية المختلفة‪ ،‬والتي تصعد حينا‬
‫وتتراجع أحيانا‪ ،‬إال إن السبب وراء ذلك يتعلق بأن تلك الشعارات لم تعد مصدرا لألمل بالنسبة لألمة‪ ،‬بل‬
‫أصبحت ترتبط بما حدث لألمة من تراجع وهزيمة أمام العدو‪ ،‬فباتت العديد من الشعارات السياسية عنوانا‬
‫للهزيمة‪ ،‬ولم تعد تجذب الجماهير‪ .‬وهذا التحول ال يعني أن الجماهير أصبحت تيارا واحدا‪ ،‬ولكن يعني‬
‫أنها أصبحت أميل للتيارات التي تتعلق بالمرجعية الحضارية اإلسالمية‪ ،‬وتقوم على مرجعية الدين‪ .‬لذا‬
‫كلما ظهر تيار إسالمي‪ ،‬سواء سياسيا أو دعويا‪ ،‬حاز على شعبية معقولة‪ ،‬في الوقت الذي تتراجع فيه‬
‫شعبية التيارات السياسية غير اإلسالمية‪ .‬وهو ما يؤكد على أن التنوع داخل الجماهير مازال موجودا‪،‬‬
‫ولكنه تنوع في إطار المرجعية الحضارية اإلسالمية‪ .‬وهو ما يشير ضمنا الستعادة الدين لدوره‪ ،‬كحلقة‬
‫محورية تتشكل من حولها التيارات المختلفة‪.‬‬

‫‪68‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬
‫الدين والوطنية‬

‫لقد رفع شعار الوطنية في مرحلة من المراحل كعنوان للدفاع عن الوطن‪ ،‬وكان الشعار في أوله‬
‫ليس مخاصما للدين‪ ،‬خاصة في بداية القرن العشرين‪ ،‬ثم تحول إلى شعار مفارق للدين‪ ،‬وأحيانا مخاصما‬
‫له‪ .‬ولكن الكثير من التغييرات حدثت‪ ،‬لدرجة يمكن القول معها بأن أساس الوطنية أصبح االنتماء‬
‫للمرجعية اإلسالمية‪ ،‬وأصبحت الحركات اإلسالمية هي التي تقود وتشكل مسار الحركة الوطنية‪ .‬وأصبح‬
‫الدفاع عن أي وطن من أوطان األمة‪ ،‬جزءا ال يتجزأ من الدفاع عن كل أوطان األمة‪ ،‬فأصبحت الوطنية‬
‫هي حماية األمة اإلسالمية‪ .‬فقد أتضح أن األفكار التي تدافع عن وطن‪ ،‬وتهمل بقية األوطان‪ ،‬سقطت في‬
‫التبعية للغرب في النهاية‪ ،‬وأن الدفاع عن كل أوطان األمة اإلسالمية‪ ،‬على أساس المرجعية الحضارية‬
‫اإلسالمية الواحدة‪ ،‬وهو الذي يمثل حركة التحرر الحقيقية‪ .‬وبهذا عادة الوطنية من جديد‪ ،‬لتصبح جامعة‬
‫جزئية داخل إطار الجامعة اإلسالمية‪ .‬وهو ما يعني انتهاء مرحلة الوطنية القطرية‪ ،‬التي أهملت االنتماء‬
‫اإلسالمي لألمة‪.‬‬
‫ويع ود الدين ليصبح مصدرا للوطنية‪ ،‬ويحدد للوطنية معناها ومداها‪ ،‬لتصبح دفاعا عن الدين‬
‫وعن الوطن وعن كل أوطان األمة‪ .‬ويتشكل لدى الجماهير وعيا جديدا‪ ،‬يجعل التحرر مسألة دينية‬
‫وحضارية‪ ،‬وترتبط بمصير كل األمة اإلسالمية‪ .‬والناظر إلى فكرة الوطنية العلمانية‪ ،‬يجد أنها حولت‬
‫قضية فلسطين إلى قضية تخص العرب فقط‪ ،‬ثم جعلتها قضية تخص الفلسطينيين فقط‪ ،‬وبهذا تحولت‬
‫القضية المركزية في حياة األمة اإلسالمية‪ ،‬إلى قضية قطرية قومية تخص شعب من شعوب األمة‪ .‬لهذا لم‬
‫تعد الوطنية العلمانية قادرة على الصمود أمام العدو‪ ،‬ولم تعد قادرة على رفع راية المقاومة في وجه‬
‫الحلف الصهيوني األمريكي‪ ،‬لذا لم تعد الوطنية العلمانية راية تجتمع الجماهير حولها‪.‬‬
‫اإلحالل المضاد‬
‫يفهم من مسار التطورات الحادثة‪ ،‬أن الدين يعود كقيمة مركزية في المساحات التي أزيح منها‪،‬‬
‫والتي بدأت بالمجال السياسي ثم المجال االجتماعي‪ .‬فقد تم احتالل مكان الدين كقيمة مركزية في الهوية‬
‫العامة للمجتمعات‪ ،‬وفي شعارات المقاومة والتحرر‪ ،‬وفي قيم النظام السياسي‪ .‬ولكن ألن المجال السياسي‬
‫مستعمر من نخب الدولة القومية والقوى الغربية المتحالفة معها‪ ،‬لذا يعود الدين في وعي الجماهير أوال‪،‬‬
‫ويظهر ذلك في أنه أصبح يزيح كل الشعارات واألفكار التي حلت محله‪ .‬فبدأت عملية إحالل مضاد‪ ،‬ومن‬
‫خاللها بدأ الدين يحتل مكانته تدريجيا‪ ،‬فأصبح في وعي الجماهير هو الهوية والقيمة المركزية‪.‬‬
‫لهذا يبدأ التدين كحالة فردية ثم ينتشر ليتحول إلى حالة جماعية‪ ،‬ثم ينتشر أكثر ليصبح عنوانا‬
‫للمجتمع‪ .‬وتلك هي المرحلة المهمة في مسار عودة الدين‪ ،‬حيث يعود المجتمع‪ ،‬ويبدو مرة أخرى مجتمعا‬
‫إسالميا‪ ،‬مما يعني أن الجماعة واألمة‪ ،‬استطاعت أن تعيد الكثير من دور الدين في حياتها‪ ،‬ومن خالل‬
‫سلوكها الجمعي‪ .‬وفرضت الجماهير الموضوع الديني والشأن الديني والرأي الديني‪ ،‬ولم تترك مكانا آخر‬
‫لألفكار الوافدة والتي ال تستند على مرجعية الدين‪.‬‬
‫وأصبحت المعركة اآلن‪ ،‬حول المجتمع اإلسالمي الذي يظهر تدريجيا ويفرض هويته‪ ،‬ويعلن‬
‫انتماءه‪ .‬فهذا المجتمع أصبح حتى في صورته االجتماعية‪ ،‬يمثل تهديدا لكل هوية أخرى‪ ،‬تحاول النظم‬
‫السياسية فرضها على المجتمع‪ .‬ومع تحول الدين إلى شأن جماعي‪ ،‬يتحول الدين إلى شأن عام‪ .‬ورغم‬
‫‪69‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫غياب الدين من الشأن العام السياسي‪ ،‬إال أنه يعود للظهور في الشأن العام االجتماعي‪ .‬ويتجه مسار دور‬
‫الدين إلى مرحلة المواجهة مع األوضاع القائمة‪ ،‬وتتعمق معارك الهوية الدينية مع خصومها‪ ،‬خاصة‬
‫أصحاب الهوية العلمانية المضادة للهوية الدينية‪.‬‬
‫والحادث أن الهوية الدينية تعود‪ ،‬ومعها يعود دور الدين المركزي‪ ،‬ولكن هذه العودة تفتح‬
‫صفحات من المعارك مع القوى المعادية للدور الدين في الشأن العام‪ ،‬والمعادية للهوية الحضارية‬
‫اإلسالمية‪ .‬وهي معركة مستمرة بعد الثورات الشعبية‪ ،‬ألن السياسات التي تتبناها الدولة القائمة‪ ،‬تقف ضد‬
‫المرجعية الدينية‪ ،‬مما يجعل سياسات الدولة في مواجهة مع الشعوب بعد الثورات‪ ،‬وهي مواجهة صعبة‪،‬‬
‫ألن سياسات الحكم القائمة‪ ،‬بعد سقوط الطبقة الحاكمة‪ ،‬سياسات بنيت على أوضاع دولية وإقليمية‪ ،‬ومن‬
‫ثم يصبح تغييرها معركة حقيقية‪.‬‬

‫(‪)01‬‬
‫متى يصبح الدين دافعا للنهضة؟‬
‫شهد مسار الحضارة اإلسالمية مرحلة الصعود والنهوض‪ ،‬ثم مرحلة السقوط والتراجع‪ ،‬وكل‬
‫مرحلة شهدت مراحل صغرى وتغييرات مرحلية‪ .‬ولكن دور الدين في حياة األمة اإلسالمية‪ ،‬ظل يشهد‬
‫عملية استعادة مستمرة‪ ،‬فهو ال يغيب إال ويحضر‪ ،‬وال يزاح إال ويعود‪ .‬فظل الدين حاضرا بقدر ما تمت‬
‫محاولة تغييبه‪ ،‬ولكن دور الدين في حياة األمة هو الذي تم عرقلته في مراحل متعددة‪ .‬وبقت قدرة األمة‬
‫على استعادة المرجعية الدينية‪ ،‬مانعة ألي محاولة لتغييب الدين جزئيا أو كليا‪ .‬فظل الدين موجودا‬
‫وحاضرا‪ ،‬بكل معناه ومضمونه‪ ،‬ولكن وظيفته هي التي يتم تعطليها‪ ،‬ألن وظيفته في حياة األمة اإلسالمية‬
‫هي تحقيق الوحدة والنهضة‪ ،‬فإذا عادت للدين وظيفته في حياة األمة‪ ،‬سوف تحقق التحرر الحضاري‬
‫الكامل‪ ،‬وتنهض وتحقق ريادتها ورسالتها في التاريخ البشري‪.‬‬
‫لذا ال تمثل مسألة استعادة دور الدين في المجال السياسي مجرد مسألة سياسية‪ ،‬بل هي في الواقع‬
‫مسألة حضارية ودولية‪ ،‬بمعنى أن استعادة دور الدين في المجال السياسي‪ ،‬تؤدي إلى بداية مسار الوحدة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬ومن ثم بداية مسار النهوض اإلسالمي‪ ،‬وهو ما يؤدي إلى تغييرات كبرى في مسار التاريخ‬
‫البشري‪ ،‬وفي موازين القوى العالمية‪ .‬لذا ظلت الحرب على دور الدين ووظيفته تصاحب كل عودة لدوره‬
‫في حياة األمة‪ .‬فلن تسمح القوى المهيمنة على عالم اليوم‪ ،‬بأن يعود للدين وظيفته كمفتاح للنهوض‬
‫اإلسالمي‪ ،‬مما يؤدي إلى خروج العالم اإلسالمي من حالة التبعية للغرب‪.‬‬
‫وإذا كانت جماهير األمة قد أثبتت قدرتها على استعادة مرجعية الدين في حياتها‪ ،‬فإن مسألة‬
‫استعادة األمة لدور الدين كقيمة مركزية لتأسيس المجال السياسي‪ ،‬تواجه بمقاومة شرسة من الدول‬
‫المهيمنة على العالم‪ .‬لذا ال يمكن أن يعود للدين دوره المركزي في الحضارة اإلسالمية‪ ،‬بدون تحقيق‬
‫األمة الستقاللها الكامل عن كل القوى المهيمنة‪ .‬فالتحرر الحضاري‪ ،‬يمثل الخطوة األولى في طريق‬
‫استعادة المرجعية الدينية والحضارية لألمة‪.‬‬

‫‪71‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬
‫الدفاع يأتي أوال‬

‫لقد بدت عودة الدين في سبعينات القرن العشرين‪ ،‬وكأنها عملية دفاع عن الذات الحضارية لألمة‪،‬‬
‫خاصة بعد هزيمة األمة أمام أعدائها في حرب عام ‪ .0967‬ومنذ ذلك الحين واألمة تشهد دورات إحياء‬
‫للدين‪ ،‬تمثل موجات من الدفاع عن النفس‪ ،‬والذي قد يأتي في صور متشددة‪ ،‬ولكنها تعبر عن حالة دفاع‬
‫عن النفس ضد كل فكرة وافدة تحاول الحلول مكان الدين‪ ،‬أو احتالل موضعه‪.‬‬
‫لذا يبدأ مسار عودة الدين دفاعيا‪ ،‬ويستمر هذا الوضع بقدر ما تتعرض له األمة من مخاطر‪ .‬لذا‬
‫تكررت عملية استعادة الدور الدفاعي للدين‪ ،‬بسبب تزايد الموجات التي تعصف بالذات الحضارية لألمة‪.‬‬
‫وبهذا الدور الدفاعي تدافع األمة عن هويتها الحضارية‪ ،‬وتعرقل كل محاوالت النيل من هويتها‪ .‬ولكن‬
‫الدور الدفاعي للدين‪ ،‬ال يمثل إال المرحلة األولى من استعادة األمة لهويتها‪ ،‬ولكن الحصار المضروب‬
‫على حركة األمة يمنعها من المضي قدما في بناء نهضتها‪ ،‬كما يدفعها إلى الرجوع لمرحلة الدفاع عن‬
‫النفس كثيرا‪ .‬لذا تتشكل مرحلة تعرقل دور الدين‪ ،‬وتحصره في منطقة الدفاع عن النفس‪ ،‬حتى ال تتجاوز‬
‫األمة تلك المرحلة‪ ،‬وتبدأ مرحلة البناء الحضاري الناهض‪.‬‬
‫والمالحظ أن موجات الدفاع عن النفس الدينية تتغير‪ ،‬فهي تبدأ بحالة تشبه حالة الغضب دفاعا‬
‫عن الذات الحضارية وعن الهوية الدينية‪ ،‬ولكن تلك الدفعة الحماسية الغاضبة تتغير مع الوقت‪ ،‬ويغلب‬
‫عليها حالة الترشيد والرشد‪ ،‬وتبدأ مراحل مختلفة في الدفاع عن النفس‪ .‬وتقل عملية الدفاع عن النفس التي‬
‫تلجأ لحماية الذات من كل ما يحيطها‪ ،‬وتقل عملية الدفاع عن النفس التي تعتمد على عزل الذات عن‬
‫محيطها‪ ،‬والتي تعتمد على رفض كل ما في العصر‪ .‬وبهذا تتغير حالة الدفاع عن النفس‪ ،‬وتخرج من‬
‫عملية عزل الجماعة عن كل ما يحيط بها‪ ،‬لتصبح عملية لحماية الذات الحضارية من القيم الغريبة عليها‪،‬‬
‫دون عزلها عن محيطها‪.‬‬
‫من الدفاع إلى البناء‬
‫والمشاهد أن هناك تحوالت بالفعل تفتح الطريق أمام الخروج من مرحلة الدفاع عن النفس‪ ،‬وهي‬
‫تلك المرحلة التي تبدأ بتحديد الذات الحضارية واستعادة الثقة في النفس‪ ،‬حتى تبدو هوية األمة واضحة‪،‬‬
‫وال تعد تشعر بالخطر الذي يتهدد هويتها‪ .‬وكلما تعمق شعور األمة بهويتها‪ ،‬واستطاعت صد الهجمات‬
‫التي تتعرض لها هويتها‪ ،‬استطاعت أن تبني ذاتها بالقوة الالزمة لحشد قوى األمة نحو الحركة اإليجابية‬
‫لبناء النهضة المستقبلية‪.‬‬
‫وهنا تحدث العديد من العمليات المهمة والتي يمكن مشاهدتها في واقع حركة األمة‪ ،‬حيث تظهر‬
‫مالمح هويتها األساسية‪ ،‬ويتم تنقية الوعي بالهوية‪ ،‬من أي مظاهر ليست من صميم هوية األمة‪ ،‬ولكن‬
‫ربما تكون من مالمح أحد عصور التاريخ الحضاري اإلسالمي‪ .‬وتبدأ مرحلة الغربلة بين التشدد‬
‫واالعتدال‪ ،‬حيث تتغلب أفكار على معظم التيارات اإلسالمية‪ ،‬لتشكل حالة االعتدال المتفق عليه والسائد‬
‫بين أبناء األمة‪.‬‬
‫وتبدأ مرحلة التجديد الحضاري تدريجيا‪ ،‬من خالل تحقيق التعمق في الذات الحضارية‪،‬‬
‫واالستفادة من تجارب الشعوب األخرى‪ ،‬واقتباس المناسب من تلك التجارب‪ ،‬وبداية مرحلة التفكير‬
‫‪70‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫والتجديد لصالح األمة‪ ،‬وإعادة إنتاج ما يتم تعلمه من اآلخرين‪ ،‬وتقديم األفكار الجديدة التي تمثل إبداعا‬
‫جديدا من داخل المرجعية الحضارية‪ .‬والمالحظ أن تلك العمليات تحدث‪ ،‬ولكن داخل حصار صارم‬
‫مضروب عليها‪ .‬كما أن التيار اإلسالمي محاصر بمحاوالت اختراق واسعة تتم من أجل تحييد دوره‪ ،‬أو‬
‫اختراق فكرته وتغييرها‪ .‬وكذلك األمة كلها معرضة لحالة من الحرب المعنوية التي تهدف إلى هزيمة‬
‫ذاتها الحضارية وفكرتها التاريخية‪ ،‬وكل ذلك يعيد المسار نحو مرحلة الدفاع عن النفس من جديد‪،‬‬
‫ويعرقل التقدم والتجديد‪ ،‬ولكنه ال يمنعه‪ .‬فمسار حركة األمة نحو تحقيق هويتها‪ ،‬يبدو أنه انطلق لغير‬
‫رجعة‪ ،‬ولكنه يمر بكبوة تعرقل مسيرته وتؤخره‪ ،‬ولكنها ال تمنعه‪ ،‬وال تهزمه‪.‬‬
‫التحرر أوال‬
‫الشاهد من التجربة التاريخية لألمة‪ ،‬أن التحرر هو العنوان األول لبداية مرحلة الوحدة والنهضة‪.‬‬
‫فكلما استطاعت األمة صد العدوان الذي يقع عليها‪ ،‬واستطاعت تحرير أوطان األمة‪ ،‬أصبحت قادرة على‬
‫تحقيق المراحل التالية من نهوضها الحضاري‪ .‬فاألمة لن تنهض قبل أن تتحرر‪ ،‬لذا أصبحت حركة‬
‫المقاومة اإلسالمية هي الطليعة األولى لألمة‪ ،‬ألنها هي التي تقود حركة األمة تجاه حريتها‪ .‬فعندما تحصل‬
‫األمة على حريتها‪ ،‬وتواجه االحتالل العسكري الخارجي‪ ،‬وتحصل على حريتها وتحرر أوطانها‪ ،‬عندئذ‬
‫تبدأ مسار االنتقال من مرحلة الدفاع عن النفس إلى مرحلة بناء النهضة‪ .‬لذا أصبحت راية الدين هي الراية‬
‫التي تقود أغلب حركات المقاومة‪ ،‬التي تتصدى للعدوان الخارجي‪ .‬وعندما استعاد الدين دوره في معركة‬
‫التحرر‪ ،‬تغيرت مالمح حركات المقاومة‪ ،‬بل وتغيرت مسيرة المقاومة‪ ،‬وأصبحت حركة جهادية تهدف‬
‫إلى التحرير الكامل لكل األرض‪ ،‬وليس جزءا منها‪ ،‬ولكل هوية األمة وليس جزءا منها‪ ،‬وكل إرادة األمة‬
‫وليس جزءا منها‪ .‬فبعد التحرر الوطني العلماني‪ ،‬الذي هدف إلى االستقالل الجزئي وفشل‪ ،‬جاء التحرر‬
‫الحضاري اإلسالمي‪ ،‬يهدف إلى التحرر الكامل والشامل‪ ،‬وأصبحت معركة التحرر هي عنوان المرحلة‬
‫الفاصلة بين الدفاع عن النفس‪ ،‬وبناء النهوض الحضاري‪.‬‬
‫وجاءت الثورات الشعبية العربية‪ ،‬لتبدأ مرحلة التحرر من االستبداد السياسي‪ ،‬وتفتح بابا لتحرر‬
‫جماهير األمة‪ ،‬حتى تستطيع بناء نظامها السياسي المعبر عنها‪ .‬وهنا تتزاوج عملية التحرر من االستعمار‬
‫الخارجي مع عملية التحرر من االستعمار الداخلي‪ ،‬والمتمثل في الحكم االستبدادي‪ .‬ومع كل خطوة نحو‬
‫الحرية‪ ،‬يفتح طريق األمة لبناء نهضتها ووحدتها‪.‬‬

‫‪73‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫الفصل الثالث‬
‫المشروع اإلسالمي‪ ..‬حرب الشعارات‬
‫(‪) 0‬‬
‫اإلجهاض المبكر‬
‫تحت عنوان المشروع اإلسالمي‪ ،‬تقف رؤية ترى أن نهضة األمة اإلسالمية لن تتحقق إال من‬
‫خالل المرجعية اإلسالمية‪ ،‬والتي تمثل الهوية الحضارية والدينية لألمة‪ .‬وتلك الرؤية تتوافق مع قواعد‬
‫التاريخ الحضاري‪ ،‬والتي تكشف على أن كل الشعوب واألمم نهضت من خالل خصوصيتها الحضارية‪،‬‬
‫وليس من خالل تقليد الحضارات المغايرة لها‪ .‬لكن النهوض اإلسالمي بهذا المعنى‪ ،‬يمثل مشروعا لتقديم‬
‫نموذج حضاري آخر‪ ،‬منافس ومغاير للنموذج الحضاري الغربي المهيمن‪ .‬وفي كل مراحل التاريخ‪،‬‬
‫تكون لحظة محاولة صعود أمة أو شعب لتحقيق نهضة حضارية‪ ،‬في ظل سيادة حضارة مغايرة‪ ،‬هي‬
‫لحظة مفصلية‪ ،‬تحدث تغييرات واسعة في التاريخ اإلنساني‪ ،‬وليست مجرد لحظة تحوالت سياسية‪.‬‬
‫والدول الغربية من ناحيتها تحاول نشر نموذجها الحضاري وضمان هيمنته على العالم‪ ،‬على‬
‫أساس أن هذا يحمي موضعها وموقعها‪ ،‬ويضمن لها قيادة العالم‪ .‬والدول القائمة في البالد العربية‬
‫واإلسالمية في أغلبها تنتمي للنموذج الحضاري الغربي‪ ،‬لذا فهي دول تابعة‪ .‬وكل تفكير في النهوض‬
‫الحضاري المستقل‪ ،‬يعني نهاية التبعية الحضارية للغرب‪ ،‬ومعها كل أشكال التبعية‪ .‬كما ينهي عهد النخب‬
‫الحاكمة المتحالفة مع الغرب‪ ،‬ويهدد االحتالل اإلسرائيلي بوصفه كيانا يقوم بحماية المصالح الغربية في‬
‫المنطقة من خالل ردع الدول العربية واإلسالمية‪.‬‬
‫وشعوب األمة تعيش مرحلة التراجع الحضاري‪ ،‬لذا فهي لم تصل بعد لمرحلة اإليمان الكامل‬
‫بقدرتها على النهوض‪ ،‬ورغم أن هويتها ال تغيب عنها‪ ،‬إال إن إرادة التغيير والنهوض لم تتحقق بعد لدى‬
‫أغلبية األمة اإلسالمية‪ ،‬بالصورة التي تجعلها تتحرك حركة جماعية منظمة نحو إحداث النهوض‪ .‬ومع‬
‫حالة التراجع الحضاري تفقد األمة الكثير من ثقتها في نفسها‪ ،‬وتفقد القدرة على تحدي الصعاب‪ ،‬وأيضا‬
‫تفقد القدرة على معرفة الطريق للنهضة‪.‬‬
‫وهنا يمكن وصف المشروع الحضاري اإلسالمي‪ ،‬بأنه الرؤى التي تحمل مشروعا لإلصالح‬
‫والنهوض الحضاري الشامل‪ ،‬والقائم على مرجعية الحضارة اإلسالمية‪ .‬وهذا المشروع موجه أساسا‬
‫لأل مة اإلسالمية‪ ،‬حتى تتبناه وتبني من خالله نهضتها‪ .‬فالمخاطب بفعل النهوض هو األمة‪ ،‬والتي يكون‬
‫عليها أن تفرض مشروعها على الحاكم‪ ،‬أو تعمل على تغييره حتى يأتي من يحمل مشروعها‪ .‬ولكن حتى‬
‫تتحرك األمة لتبني نهضتها‪ ،‬يكون عليها أوال أن تعرف طريقها وتدرك مشروعها‪ ،‬وتعرف األسس التي‬
‫تقوم عليها حضارتها‪ ،‬وتحدد القيم المركزية والغايات النهائية واألسس المنهجية الرئيسة‪ ،‬التي تقوم عليها‬
‫المرجعية اإلسالمية‪.‬‬
‫وإذا كان وعي األمة بأسس المشروع اإلسالمي ضرورة حتى تحمل هذا المشروع‪ ،‬فإن تغييب‬
‫وعي األمة بتلك األسس وتشويه وعيها بها‪ ،‬وفقدان اإلجماع حول تلك األسس‪ ،‬يمثل الحل المثالي لخصوم‬
‫‪72‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫المشروع اإلسالمي‪ ،‬حتى يتم عرقلة المشروع وتشويه فكرته‪ ،‬وضمان عدم قدرة األمة على التوافق حول‬
‫أسس مشروعها الحضاري‪ .‬وهو ما يفسر المواجهة المستمرة مع المشروع اإلسالمي في بعض القضايا‬
‫األساسية‪ ،‬من قبل خصومه‪ .‬فإذا كان حامل المشروع يعرف خصائصه‪ ،‬فخصمه أيضا يعرف تلك‬
‫الخصائص‪ ،‬ويعرف نقاط قوة المشروع اإلسالمي‪ ،‬ويهاجم تلك النقاط‪ ،‬ويحاول إظهار عدم مناسبتها‪ ،‬أو‬
‫عدم إمكانية تحقيقها‪.‬‬
‫وفي كل مشروع تتشكل عدة أسس تمثل المقومات األساسية له‪ ،‬وهي نفس األسس التي تشكل‬
‫قدرة المشروع على جذب الناس من حوله‪ .‬لذا تصبح تلك النقاط هي العناوين األساسية والشعارات‬
‫المركزية‪ ،‬وكلما تم تشويه تلك النقاط أو إثارة اللغط حولها‪ ،‬فقد من يحمل المشروع القدرة على الترويج‬
‫لشعاراته‪ .‬فأي مشروع يمثل منظومة من القيم والمبادئ واألفكار‪ ،‬وتكون له عناوينه األساسية وشعاراته‬
‫الجاذبة‪ ،‬فإذا منع حامل المشروع من رفع تلك العناوين والشعارات‪ ،‬فقد قدرته على جذب الجماهير له‪.‬‬
‫وإذا تم تشويه بعض األفكار المركزية‪ ،‬وبث عناوين وشعارات مضادة‪ ،‬يمكن التشويش حول المشروع‪.‬‬
‫وتلك العملية ال تحدث من الخصوم فقط‪ ،‬فاالتجاهات المختلفة داخل المشروع اإلسالمي‪ ،‬وعندما‬
‫تحاول االنتصار لفكرتها‪ ،‬تثير بعض الغموض وااللتباس حول بعض الشعارات والعناوين‪ ،‬مما يؤثر سلبا‬
‫على جماهير المشروع‪ .‬وألن كل تيار أو اتجاه يحاول حسم معاركه أحيانا مع التيارات األخرى‪ ،‬لذا يتم‬
‫تشويه الكثير من المعاني والمصطلحات في تلك المعارك‪ ،‬رغم أن المصطلح الواضح والمعنى المحدد‪،‬‬
‫هو وسيلة أصحاب المشروع لنشره بين الناس‪.‬‬
‫والناس تعرف المشروع من أسسه فقط‪ ،‬فليس كل فرد يهتم بدراسة كل مشروع‪ ،‬ولكن نشر القيم‬
‫المركزية للمشروع‪ ،‬ثم حشد التأييد الشعبي لها‪ ،‬وتشكل وعي عام بأهمية تلك القيم المركزية‪ ،‬أو الغايات‬
‫المركزية‪ ،‬هو الذي يشكل مالمح التيار‪ ،‬ويحشد الناس‪ ،‬ويحدد لهم وجهة واحدة‪ ،‬ومن ثم تصبح حركتهم‬
‫في اتجاه واحد‪ ،‬فيبدأ نشر المشروع وتحقيقه بقدر ما يحوز على تأييد األغلبية‪ .‬وهو ما يجعل عملية‬
‫حصار شعارات المشروع‪ ،‬من أهم الوسائل لضرب قدرته على جذب الجماهير‪ ،‬ألنه بهذا يفقد قدرته على‬
‫الحشد‪ ،‬بعد أن يضطر إلى ترك بعض شعاراته‪ ،‬أو بعد أن يحاط بعضها بالغموض أو االلتباس أو‬
‫التشويه‪.‬‬
‫وتعد معركة ضرب الشعارات اإلسالمية‪ ،‬أو حصار غايات المشروع اإلسالمي‪ ،‬من أهم‬
‫المعارك التي يتعرض لها المشروع اإلسالمي‪ ،‬وتعرقل من قدرته على طرح نفسه بوصفه البديل الذي قد‬
‫يحوز على األغلبية‪ .‬كما أن معركة ضرب الشعارات‪ ،‬تعرقل قدرة الحركات التي تحمل المشروع‬
‫اإلسالمي على توضيح فكرتها بين الناس‪ ،‬فإذا غابت فكرتها نسبيا أو تشوهت‪ ،‬لم تستطع تلك الحركات‬
‫حشد تأييد األغلبية لمشروعها‪ ،‬وبالتالي يتم عرقلة تنفيذ المشروع على األرض‪.‬‬
‫والحرب على شعارات المشروع اإلسالمي وغاياته‪ ،‬ال تقف عند محاولة تشويه الفكرة‪ ،‬ولكن‬
‫تتجاوز ذلك لمحاولة اختراق الفكرة وتغييرها من داخلها‪ ،‬من خالل فرض شروط وأفكار من خارجها‪،‬‬
‫بحيث يعاد صياغة الفكرة والمشروع اإلسالمي‪ ،‬بصورة أقل وضوحا أو أقل تحديدا أو أقل استكماال أو‬
‫أقل جاذبية‪ ،‬مما يجعل المشروع يفقد أرضا يمكن أن يتوسع فيها‪ .‬ومعركة األفكار عموما‪ ،‬تستمر‬
‫وتتواصل‪ ،‬فهي ليست معارك حاسمة‪ ،‬ولكنها أيضا معارك مؤثرة‪ .‬فهي معركة تحاول منع الفكرة من‬
‫‪74‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫المنبع‪ ،‬بمنع وصول الفكرة إلى الناس‪ ،‬حتى إذا اجتمع الناس حول المشروع تكون ثقتهم في الفكرة‬
‫ضعيفة‪ .‬وأيضا حتى يختلف الذين يحملون المشروع مع بعضهم‪ ،‬وبهذا يتم تصدير جزء من المواجهة‬
‫والخصومة إلى داخل المشروع اإلسالمي‪ ،‬وهو ما يساهم في إضعاف كل األطراف‪ ،‬لصالح خصوم‬
‫المشروع اإلسالمي‪.‬‬
‫وال تقف المشكلة عند هذا الحد‪ ،‬فالجدل إذا وصل لصلب المشروع اإلسالمي‪ ،‬يؤدي إلى ردود‬
‫فعل مختلفة‪ ،‬ومنها ردود الفعل المتشددة‪ ،‬وتلك المرنة‪ .‬وردود الفعل المتشددة تحاول حماية الفكرة‬
‫والمشروع من أي دخيل عليها‪ ،‬حتى وإن عرقل ذلك إمكانية تجديد الفكرة‪ .‬والردود المرنة‪ ،‬تحاول تأكيد‬
‫مرونة الفكرة‪ ،‬حتى وإذا فقدت بعض خصائصها ولو مؤقتا‪ ،‬مما يجعل المطروح حول المشروع‬
‫اإلسالمي يتباين لحد يفتح باب الخالف الداخلي‪ ،‬ويتحول بعض الخالف إلى تنافس أو مواجهة أو صراع‪.‬‬
‫وليست المشكلة في عالقة الحركات اإلسالمية ببعض‪ ،‬ولكن المشكلة في أن الكثير من الخالف‪ ،‬يؤدي‬
‫إلى اختالف حول أسس المشروع‪ ،‬فيفقد المشروع عناوينه األساسية المتفق عليها‪ ،‬والتي يمكن أن تشكل‬
‫تيارا سائدا‪.‬‬
‫وهنا نصل إلى النقطة المركزية في عرقلة المشروع اإلسالمي‪ ،‬فهي تتحقق عندما يتعرقل بناء‬
‫التيار السائد الذي يحمل هذا المشروع ويحققه على أرض الواقع‪ ،‬وبقدر ما يحدث من خالف واختالف‪،‬‬
‫بقدر ما تصاب الفكرة ببعض الغموض أو االلتباس‪ ،‬مما يجعلها تحمل العديد من المعاني المختلفة‪ ،‬فيصبح‬
‫االتفاق حولها أضعف‪ ،‬ويتم عرقلة تشكل التيار السائد الذي يحمل المشروع ويحققه‪.‬‬

‫(‪) 3‬‬
‫دين ودولة‬
‫تدور الكثير من المعارك حول عالقة الدين بالدولة‪ ،‬وهي تمثل صلب المعركة مع المشروع‬
‫اإلسالمي والحركات اإلسالمية‪ .‬فبالنسبة لعالقة الدين والدولة‪ ،‬أو الدين والسياسة‪ ،‬هناك الخيار العلماني‬
‫والذي يقوم على فصل الدين عن النظام السياسي بالكامل‪ ،‬وبالتالي فصل الدين عن الدولة‪ ،‬وهناك الخيار‬
‫اإلسالمي الذي يربط بين الدين والسياسة‪ ،‬والدين والدولة‪ .‬وجوهر هذا الخالف يتعلق أساسا بمرجعية‬
‫النظام السياسي‪ ،‬ففي العلمانية تكون المرجعية السياسية هي اختيار بشري‪ ،‬وفي اإلسالمية تكون مرجعية‬
‫النظام السياسي هي الدين‪ .‬وألن هذه المسألة تمثل فارقا مهما بين المشروع اإلسالمي وخصومه‪ ،‬لذا نجد‬
‫هذه القضية في صلب معارك المشروع اإلسالمي‪.‬‬
‫وتحدث المواجهة بين شعار اإلسالم دين ودولة‪ ،‬والعديد من الشعارات المخاصمة له‪ ،‬مثل عدم‬
‫خلط الدين بالسياسة‪ ،‬واستخدام الدين في السياسة‪ ،‬وال دين في السياسة وال سياسة في الدين‪ ،‬وتديين‬
‫السياسة وتسيس الدين‪ ،‬وكلها شعارات تحاول طرح صورة سلبية للعالقة بين الدين والسياسة‪ ،‬حتى تحذر‬
‫الناس من تأييد الحركات التي تحمل تصورا سياسيا دينيا‪ ،‬وتشيع بينهم الخوف من مثل تلك المشاريع‪،‬‬
‫وتثير قلقهم من أي حركة تصل للسلطة وهي تحمل مشروعا سياسيا يقوم على المرجعية الدينية‪ .‬ويالحظ‬
‫أن بعض تلك الشعارات المضادة للمشروع اإلسالمي‪ ،‬ال تحدد معنى محددا لما تقصده‪ ،‬بقدر ما تحاول‬

‫‪75‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫صك شعار يتم نشره بين الناس‪ ،‬ويحمل الصورة السلبية المراد نشرها‪ .‬ومع عدم وضوح المعنى‬
‫المقصود‪ ،‬يفقد المتلقي قدرته على تقييم الواقع الراهن‪ ،‬والمشاريع المعروضة عليه‪.‬‬
‫فالقول بأهمية عدم خلط الدين بالسياسة‪ ،‬ليس له معنى محدد‪ ،‬ولكنه يوحي بأن هناك خطأ ما‬
‫يحدث‪ ،‬عندما تختلط أمور مختلفة عن بعضها البعض‪ .‬وقد يكون المعنى المقصود هو الخلط بين قواعد‬
‫الدين وقواعد السياسة‪ ،‬أي الخلط بين قواعد منفصلة عن بعضها‪ ،‬وال عالقة بينها‪ .‬ولكن المشروع الذي‬
‫تحمله الحركات اإلسالمية يختلف عن هذا‪ ،‬فهو يقوم على مرجعية القواعد الدينية في العمل السياسي‪،‬‬
‫وبهذه ال يصبح هناك خلطا بين قواعد مختلفة عن بعضها‪ .‬ونفس األمر يتكرر في تعبير استخدام الدين في‬
‫السياسة‪ ،‬فهو يعني توظيف الدين لصالح السياسة‪ ،‬فتصبح السياسة هي التي تحدد األهداف والغايات‪،‬‬
‫والدين يستخدم لتحقيق غايات سياسية منفصلة عنه‪ ،‬وغير نابعة منه‪ .‬ولكن الحركة اإلسالمية تقدم تصورا‬
‫مختلفا‪ ،‬فهي ترى أن الدين هو الذي يحدد غايات وأهداف السياسة‪ ،‬ويصبح العمل السياسي خاضعا‬
‫لمعايير الدين‪ ،‬وبالتالي فالحركة اإلسالمية ال تستخدم الدين‪ ،‬ولكن تلزم نفسها به‪ ،‬وتخضع عملها السياسي‬
‫له‪.‬‬
‫والمالحظ أن أنظمة الحكم غير اإلسالمية‪ ،‬هي التي تخلط بين الدين والسياسة‪ ،‬وتستخدم الدين في‬
‫السياسة‪ .‬فهذه األنظمة تقوم على مرجعية علمانية‪ ،‬لذا فقيمها السياسية العليا غير مستمدة من الدين‪ ،‬ولكنها‬
‫توظف الخطاب الديني لتبرير ما تفعل حتى تؤثر على الناس‪ ،‬وحتى تعطي شرعية دينية لبعض‬
‫تصرفاتها‪ .‬وشواهد الواقع تؤكد أن النظم العلمانية في المجتمعات العربية واإلسالمية‪ ،‬ال يمكنها أن‬
‫تتجاهل وجود الدين في حياة المجتمعات اإلسالمية‪ ،‬لذا تحاول السيطرة على المجال الديني وإخضاعه‬
‫للدولة‪ ،‬حتى يبقى المجال الديني مصادرا من قبل النظام العلماني‪ ،‬يوظفه متى شاء وينحيه متى أراد‪ .‬وهنا‬
‫تصبح القيم العليا غير دينية‪ ،‬أي قيم دنيوية‪ ،‬وهي التي تسيطر على الدين‪ ،‬وتجعل الدين أداة‪ ،‬وتضعه في‬
‫موضع تالي لهيمنة النظام السياسي والدولة‪.‬‬
‫ولكن نشر المقوالت التي تحذر الناس من دور الدين في السياسة‪ ،‬ال تسمح لكل من يتلقاها‬
‫بتفسيرها وتحليلها‪ ،‬حتى يعرف الغرض منها‪ .‬فالهدف منها أن تكون شعارا أو مقولة تتناقل بين الناس‪،‬‬
‫حتى تخيف جزءا منهم من المشروع اإلسالمي‪ ،‬فتمنع وصول فكرة المشروع اإلسالمي لبعض فئات‬
‫المجتمع‪ .‬ومن هنا يتشكل ما يسمى بالفئات المتخوفة من المشروع اإلسالمي‪ ،‬ثم يطلب من الحركة‬
‫اإلسالمية طمأنة تلك الفئات‪ ،‬رغم أن جزءا من تخوف هذه الفئات‪ ،‬هو بفعل فاعل‪ ،‬أي بفعل خصوم‬
‫المشروع اإلسالمي‪.‬‬
‫والناظر للمقوالت الرافضة لدور الدين في السياسة‪ ،‬يجدها ال تعبر عن حقيقتها بوضوح‪ ،‬فحقيقة‬
‫تلك الرؤى المناهضة للمشروع السياسي الديني‪ ،‬أنها ترفض أن يكون الدين مرجعية للعمل السياسي‪،‬‬
‫وترفض أن تكون قيم ومبادئ وأحكام الدين‪ ،‬هي المرجعية العليا للدستور‪ ،‬وبالتالي ترفض االحتكام‬
‫للدين‪ ،‬وتحاول جعل السياسة متحررة من الدين‪ ،‬وتصبح السياسة عمال ال يتقيد بأي معيار ديني‪ .‬ولكن‬
‫تلك المعاني ال تصل ح للترديد بين الناس‪ ،‬ألنها تعطي معنى سلبيا في مجتمع متدين‪ ،‬وتظهر قائلها بصورة‬
‫المتحررة من أحكام الدين‪ .‬هنا تبرز قضية جوهرية‪ ،‬فالمشروع اإلسالمي يقدم نفسه للناس بصورته‪ ،‬ألن‬
‫لديه تصور يؤمن به‪ ،‬ولديه قناعة أن الجماهير سوف تؤيده في النهاية‪ ،‬ولكن خصوم المشروع‬
‫اإل سالمي‪ ،‬لديهم تصورات سياسية مرفوضة شعبيا‪ ،‬لذا ال يمكن عرضها على الناس بصورتها الحقيقية‪.‬‬
‫‪76‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫لذا نجد النخب العلمانية ال تسمي نفسها بالعلمانية‪ ،‬وأيضا األحزاب والحكومات العلمانية‪ ،‬ألنها تعرف أن‬
‫مصطلح العلمانية أصبح مصطلحا مكشوفا أمام الناس‪ ،‬ويرى الكثير منهم أن معناه سلبي‪ .‬وإذا تحولت‬
‫المعركة السياسية بين المشروع اإلسالمي والمشروع العلماني‪ ،‬إلى معركة تستخدم المصطلح الواضح‬
‫والمعنى الواضح‪ ،‬وقدمت النخب العلمانية مشروعها بوضوح وانتقدت المشروع اإلسالمي بدون تورية‬
‫وخداع‪ ،‬فإن المعركة يمكن أن تحسم لصالح المشروع اإلسالمي‪ .‬لذا يتم استخدام الشعارات والمقوالت‬
‫التي تشوه المشروع اإلسالمي وتظهره على غير حقيقته‪ ،‬كما يتم تغطية حقيقة المشاريع األخرى المعادية‬
‫له‪.‬‬
‫ومن خالل الضغط اإلعالمي‪ ،‬والمسيطر عليه من االتجاهات العلمانية‪ ،‬توضع الحركة اإلسالمية‬
‫في حالة دفاع عن الفكرة‪ ،‬حتى تستنزف في توضيح فكرتها‪ ،‬والرد على الشبهات التي تثار حولها‪ .‬ولكن‬
‫هذا الموقف ال يمثل كل النتيجة المحققة من خالل الهجوم على المشروع اإلسالمي‪ ،‬ألن الهدف اآلخر‬
‫المراد تحقيقه‪ ،‬هو تسريب قدر من أفكار المشروعات األخرى إلى المشروع اإلسالمي‪ ،‬أي تسريب قدر‬
‫من العلمانية للمشروع ا إلسالمي‪ ،‬بحيث يصبح الجانب السياسي منه علمانيا‪ ،‬يخضع لقواعد سياسية‬
‫منفصل عن المرجعية الدينية‪ .‬ورغم صعوبة تلك المهمة‪ ،‬إال أن المالحظ أن محاولة تشويه دور الدين في‬
‫السياسة‪ ،‬تدفع البعض لعرض رؤيتهم السياسية اإلسالمية‪ ،‬باعتبارها تشابه وتماثل الرؤى األخرى‪ ،‬وأنها‬
‫ف ي النهاية رؤية بشرية‪ ،‬وهذا صحيح ولكنها اجتهاد بشري يلتزم بالمرجعية الدينية‪ ،‬وليست اجتهادا بشريا‬
‫خارج على المرجعية الدينية‪ .‬وفي محاولة توضيح التماثل أو التقارب بين الرؤية السياسية اإلسالمية‬
‫والرؤى السياسية األخرى‪ ،‬يتم إدخال بعض القواعد السياسية العلمانية‪ ،‬حتى تصبح شروطا على‬
‫الممارسة السياسية اإلسالمية‪ .‬وأهم تلك الشروط المتداولة‪ ،‬هي أن يكون كل تصرف سياسي منسوبا إلى‬
‫فرد أو حزب‪ ،‬وال ينسب للدين‪ ،‬وال الجتهاد الفرد أو الحزب أو الجماعة الديني‪ .‬وهي محاولة لمنع‬
‫السياسي من القول بأن رأيه يمثل اجتهاده اإلسالمي‪.‬‬
‫تلك المحاوالت تضغط على الطرف اإلسالمي حتى يقدم رأيه غير منسوبا للمرجعية التي‬
‫اختارها‪ ،‬حتى تصبح تلك قاعدة للعمل السياسي‪ ،‬ومنها يتم تحقيق الهدف األهم‪ ،‬وهو عزل الدين عن‬
‫المجال السياسي‪ .‬ويتم ذلك تدريجيا من خالل إخراج العنوان اإلسالمي من المجال السياسي‪ .‬لذا فقبول‬
‫بعض األطراف اإلسالمية بمثل هذه الشروط‪ ،‬يؤدي إلى ظهور طبعات من المشروع السياسي اإلسالمي‪،‬‬
‫تستجيب لحملة إدانة العالقة بين الدين والسياسة‪ ،‬وتضعف موقف المشروع اإلسالمي‪ ،‬ألنها تضيف‬
‫ضغطا جديدا ومن الداخل اإلسالمي‪ ،‬على الحركات اإلسالمية المتمسكة بالعنوان اإلسالمي لتصرفاتها‬
‫السياسية‪.‬‬

‫(‪) 2‬‬
‫الدولة الدينية‬
‫تم بلورة مصطلح الدولة الدينية إلخافة الناس من الحركة اإلسالمية‪ ،‬رغم أن التعبير باللغة‬
‫العربية ال يعني سوى الدولة التي تستند لمرجعية الدين‪ ،‬في مقابل الدولة غير الدينية التي ال تستند‬
‫لمرجعية الدين‪ .‬ولكن تم إلحاق تعبير الدولة الدينية بمعنى الدولة الثيوقراطية‪ ،‬والتي تقوم على الحكم‬
‫بالحق اإللهي المطلق‪ ،‬حيث يزعم الحاكم أنه يحكم نيابة عن هللا‪ ،‬وأنه مفوض منه‪ .‬والدولة الدينية بهذا‬
‫‪77‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫المعنى ال توجد أصال في اإلسالم‪ ،‬وهي نموذج غريب على الخبرة التاريخية اإلسالمية‪ .‬لذا أصبح‬
‫مصطلح الدول ة الدينية محمال بمعاني ال تحتملها اللغة‪ ،‬وال ترتبط بالمشروع اإلسالمي‪ .‬ولكن تم صياغة‬
‫هذا المصطلح لتكوين صورة سلبية يتم إلصاقها بالمشروع اإلسالمي‪ ،‬حتى يحاصر بمعاني سلبية‪ ،‬وتدخل‬
‫الحركات اإلسالمية في دائرة الدفاع عن مشروعها‪.‬‬
‫وقصد أيضا من هذا المصطلح‪ ،‬اتهام الحركات اإلسالمية بأن ممارستها السياسية سوف تماثل‬
‫الدولة القائمة على الحكم بالحق اإللهي أو التفويض اإللهي‪ ،‬حتى يتكون لدى الناس أو بعضهم‪ ،‬أن تلك‬
‫الدولة تمثل نوعا من االستبداد باسم الدين‪ .‬ويتم تصوير الحركات اإلسالمية‪ ،‬على أنها تريد فرض‬
‫االستبداد باسم الدين‪ .‬وه نا يالحظ أن بعض الخطابات العلمانية المستترة‪ ،‬تحاول فصل اإلسالم عن‬
‫الحركة اإلسالمية‪ ،‬حتى تستطيع إدانة الحركة اإلسالمية‪ ،‬دون إدانة الدين نفسه‪ .‬فيتصور بعض الناس أن‬
‫الحركات اإلسالمية‪ ،‬لن تطبق قواعد الدين‪ ،‬بل سوف تفرض رؤيتها على الناس‪ ،‬وتعتبر نفسها مفوضة‬
‫من هللا بالحكم‪ .‬وهنا يشاع تصور أن الحركة اإلسالمية سوف تفرض حكمها على الناس‪ ،‬ولن تأتي‬
‫باختيارهم‪ ،‬ولن تصل للسلطة بناء على تفويض شعبي‪ ،‬بل سوف تعتبر نفسها مفوضة من هللا‪ ،‬فيحق لها‬
‫الوصول إلى السلطة بأي طريقة‪ ،‬وفرض حكمها على الناس‪.‬‬
‫وفي المقابل نجد أن الدول القائمة‪ ،‬وكل المشاريع العلمانية فرضت على الناس‪ ،‬ولم تكن‬
‫باختيارهم‪ .‬كما أن بعض النخب العلمانية تحاول حصر العمل السياسي في االتجاهات العلمانية‪ ،‬ومنع‬
‫التيار اإلسالمي من العمل السياسي‪ ،‬حتى تصبح هي البديل المتاح أمام الناس‪ .‬وكل التصرفات العلمانية‪،‬‬
‫تلجأ إلى فرض واقع سياسي على المجتمعات بدعم غربي‪ ،‬أي أن معظم المشاريع العلمانية تلجأ إلى شكل‬
‫من الوصاية على الناس‪ ،‬وفرض العلمانية بأدوات االستبداد‪ .‬لذا فالمشروع العلماني الذي يطبق في‬
‫مجتمع غير علماني‪ ،‬هو في الواقع يمثل الدولة المستبدة‪ ،‬حيث أنه يقوم على فرض وصاية نخب علمانية‬
‫بدعم خارجي‪ .‬ولكن مصطلح الدولة الدينية‪ ،‬يحاول إلصاق تهمة االستبداد بكل الحركات اإلسالمية‪.‬‬
‫وبقدر ما تنجح تلك الحملة في تصوير الحركة اإلسالمية‪ ،‬بأنها حركات تريد االستبداد باسم‬
‫الدين‪ ،‬تفقد الحركة اإلسالمية تأييد جزء من المؤمنين بفكرتها‪ ،‬فيصبح المؤيدين للحركة أقل من المؤيدين‬
‫للفكرة‪ .‬وتجبر الحركات اإلسالمية التي تعمل في المجال السياسي‪ ،‬على شرح فكرتها للرد على تلك‬
‫الشبهات‪ .‬وهنا يظهر مصطلح الدولة المدنية ذات المرجعية اإلسالمية‪ ،‬حيث يشرح هذا المصطلح طبيعة‬
‫الدولة وأنها مدنية وليست دينية‪ ،‬وتقوم على المرجعية اإلسالمية‪ .‬فأصبح من الضروري تجنب القول بأن‬
‫الدولة اإلسالمية دولة دينية‪ ،‬بعد أن تم تشويه تعبير الدولة الدينية‪ ،‬رغم أن هذا التشويه ليس من صميم‬
‫التعبير نفسه‪ .‬ثم أصبح لزاما على العاملين في المجال السياسي اإلسالمي‪ ،‬التأكيد على أنهم مع الدولة‬
‫المدنية‪ ،‬وكأن الدولة المدنية هي شرط له توصيف محدد‪ ،‬وعليهم قبوله‪ .‬رغم أن كل دولة هي دولة مدنية‪،‬‬
‫عدا الدولة العسكرية‪ ،‬والتي تقوم على حكم الجيش‪ .‬ولكن مصطلح الدولة المدنية‪ ،‬وألنه فرض على‬
‫الساحة في كتابات النخب العلمانية‪ ،‬وأصبح معيارا تواجه به الحركة اإلسالمية‪ ،‬تحول بالنسبة للنخب‬
‫العلمانية‪ ،‬إ لى شرط تضعه وتعرفه وتحرسه‪ ،‬ثم تقيس موقف الحركة اإلسالمية على تعريفها لهذا‬
‫المصطلح‪ ،‬حتى ترى ما إذا كان من الممكن أن تعطي الحركة اإلسالمية صك االعتراف بفكرتها عن‬
‫الدولة مدنية أم ال‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫وألن تعبير الدولة المدنية إيجابي‪ ،‬لذا يتم تسويقه بين الناس‪ ،‬وتحويله إلى أداة اتهام للحركة‬
‫اإلسالمية‪ .‬والمالحظ أن تعريف الدولة المدنية غير واضح في كتابات النخب العلمانية‪ ،‬ولكن المدقق‬
‫يكتشف أن هذه النخب تتكلم في الواقع عن الدولة العلمانية وليس عن الدولة المدنية‪ .‬ومصطلح الدولة‬
‫المدنية ليس مصطلحا متعارف عليه‪ ،‬ويمكن أن يكون التوصيف األقرب له‪ ،‬أن الدولة المدنية هي التي‬
‫تعبر عن المجتمع وتكون وكيلة له وتستند لقيمه‪ ،‬ويختار فيها المجتمع حكامه وممثليه ويعزلهم ويحاسبهم‪،‬‬
‫وبهذا التعريف تصبح الدولة المدنية مطابقة لفهم معظم االتجاهات السياسية اإلسالمية‪ .‬ولكن مفهوم الدولة‬
‫المدنية لدى النخب العلما نية يتوسع للعديد من المفاهيم األخرى‪ ،‬والتي تلحق فكرة الدولة المدنية‬
‫بالمرجعية العلمانية‪.‬‬
‫وألن الكثير من السجال بين التيارات السياسية ليس مباشرا‪ ،‬بل يعتمد على المراوغة‪ ،‬لذا يتم‬
‫تشكيل مصطلح الدولة الدينية وفي مقابله مصطلح الدولة المدنية‪ ،‬حتى يفتح باب الجدل المستمر بين‬
‫النخب العلمانية والحركة اإلسالمية‪ ،‬وهو جدل ال ينتهي ألن المصطلحات ال يحدد لها معنى واضح‪ .‬ثم‬
‫يتم إلحاق عدد من المصطلحات بمصطلح الدولة المدنية‪ ،‬مثل المساواة والمواطنة وحقوق اإلنسان‪ ،‬وهي‬
‫معاني إيجابية‪ ،‬ولكن يتم توصيف تلك المصطلحات بالمعنى السائد في السياسة الغربية‪ ،‬مما يسمح ضمنا‬
‫بتمرير معاني علمانية داخل هذه المصطلحات اإليجابية‪ ،‬دون نشر العلمانية مباشرة‪.‬‬
‫والمالحظ أن الحركة السياسية اإلسالمية‪ ،‬تؤكد من جانبها على أن فكرتها تشمل تلك المعاني‬
‫اإليجابية‪ ،‬وتحاول التأكيد على معنى لتلك المصطلحات مرتبط برؤيتها اإلسالمية‪ ،‬وليس بالمعنى الشائع‬
‫في األدبيات الغربية‪ ،‬في محاول للرد على االتهامات المتكررة‪ ،‬والتي تهدف لتشويه صورتها‪ .‬ولكن تلك‬
‫المعركة كان لها أثر سلبي على التيار اإلسالمي‪ ،‬ألنها أبعدت العديد من فصائل التيار اإلسالمي عن‬
‫العمل السياسي‪ ،‬والتي تريد ممارسة السياسة بخطاب يقوم على المصطلح اإلسالمي التاريخي‪ ،‬وال تريد‬
‫قبول ما يفرض في الساحة السياسية من مصطلحات‪ .‬وفي ظل هذه الظروف أصبحت بعض التيارات‬
‫اإلسالمية ترى أن المجال السياسي يفرض عليها شروطا‪ ،‬وقد تؤدي تلك الشروط لتنازالت‪ ،‬فتظهر‬
‫االتجاهات التي ترفض العمل السياسي‪ ،‬وفي نفس الوقت تظهر االتجاهات التي تحمل السالح في وجه‬
‫الدولة‪ ،‬وترفض أي ممارسة سياسية سلمية‪ .‬وهو ما يزيد من شدة االختالفات داخل الساحة اإلسالمية‪،‬‬
‫ويفرق بين الحركات اإلسالمية‪ ،‬ويجعل مواقفها من العمل السياسي‪ ،‬كافية لمنع التنسيق والتعاون بينها‪.‬‬
‫وتكتمل تلك الصورة من خالل موقف بعض األطراف اإلسالمية‪ ،‬والتي تحاول التكيف مع‬
‫الشروط المفروضة من قبل النظم العلمانية والنخب العلمانية‪ ،‬ألن هذه الشروط مدعومة ومحمية غربيا‪.‬‬
‫وتبدأ سلسة من محاوالت التكيف المؤقت أو النهائي مع الشروط السياسية المستمدة من النموذج الغربي‬
‫العلم اني‪ ،‬مما يؤدي إلى تعددية في الخطاب اإلسالمي‪ ،‬ليست نابعة من تعدديته الداخلية‪ ،‬ولكن نابعة من‬
‫الحصار المفروض عليه‪ ،‬وحرب الشعارات والمقوالت التي تشن عليه‪ .‬وهو ما ينتج عنه‪ ،‬تغييب نسبي‬
‫للمالمح األساسية للمشروع اإلسالمي‪ ،‬وتغييب أيضا للغته الخاصة ومصطلحه الخاص‪ ،‬مما يؤثر على‬
‫قدرته على حشد الجماهير‪ ،‬ألنه يفقد أحيانا قدرته على طرح شعارات خاصة به‪ ،‬تمكنه من توصيل فكرته‬
‫إلى الناس من غير تشويه متعمد لفكرته وشعاره‪ .‬فالمشكلة التي تواجه الحركة اإلسالمية‪ ،‬ليست في‬
‫معرفة الناس بحقيقة تلك الحركات‪ ،‬ولكن في الصورة المشوهة عنها التي تبثها آلة الدعاية العلمانية‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫ويالحظ أن بعد الثورات العربية‪ ،‬قلت درجة تشدد بعض التيارات اإلسالمية‪ ،‬ودرجة مرونة‬
‫وتوفيقية بعض المجموعات األخرى‪ ،‬مما يؤكد على أن توسع الخالف بين الفصائل اإلسالمية‪ ،‬كان بسبب‬
‫حصارها وحصار فكرتها‪.‬‬

‫(‪) 4‬‬
‫الدولة اإلسالمية‬
‫من بين المشكالت التي تواجه الحركات اإلسالمية‪ ،‬هي أن خطابها تراقبه الدول الغربية وأنظمة‬
‫الحكم والنخب العلمانية‪ ،‬كما تستمع له الجماهير‪ ،‬فيصل الخطاب إلى أكثر من متلقي لكل منهم مواقف‬
‫مختلفة‪ .‬فالخطاب الموجه للجماهير‪ ،‬يفهم من خالل الموروث الحضاري والثقافي للمجتمع‪ ،‬ولكن هذا‬
‫الخطاب يراقب من قبل العديد من الجهات التي تقيسه على الوضع السياسي القائم‪ ،‬وترى مدى خروجه‬
‫على النموذج السياسي القومي العلماني‪ .‬فينتج عن ذلك مواقف متعارضة بين ردود فعل نخب الدولة‬
‫القومية والنخب العلمانية والدول الغربية على الخطاب اإلسالمي‪ ،‬وردود فعل الجماهير عليه‪ .‬وخطاب‬
‫الحركة اإلسالمية موجه أساسا للجماهير‪ ،‬ولكن كل الجهات الفاعلة والحاكمة تراقبه وتعمل على تشويه‬
‫صورته‪ ،‬بقدر ما ترى أنه يغير األوضاع السياسية القائمة‪.‬‬
‫وفي ظل الحصار المضروب على التيار اإلسالمي‪ ،‬تأخذ كل حركة أو فريق موقفا مختلفا‪ ،‬بين‬
‫من يتمسك بشعاره ويتشدد في تعبيراته‪ ،‬وربما يخاصم الوضع القائم جملة‪ ،‬وبين من يحاول الحفاظ على‬
‫تميز خطابه السياسي اإلسالمي‪ ،‬ويحاول الرد على الشبهات المثارة حوله‪ ،‬والحفاظ على اعتدال‬
‫الخطاب‪ ،‬ومن يحاول التجاوب مع المصطلحات المسموح بها في ظل الوضع السياسي القائم‪ ،‬ويتنازل‬
‫عن المصطلح اإلسالمي المميز‪.‬‬
‫ولعل العنوان األبرز للحركة اإلسالمية في المجال السياسي‪ ،‬تمثل في عنوان الدولة اإلسالمية‪.‬‬
‫فالمشروع اإلسالمي يبني دولة تستند على المرجعية اإلسالمية‪ ،‬لذا فهي دولة إسالمية‪ ،‬ولكن رفع شعار‬
‫بناء الدولة اإلسالمية في العمل السياسي‪ ،‬أصبح يواجه بردود فعل شديدة‪ ،‬ألن ذلك يعني أوال أن‬
‫المشروع اإلسالمي يهدف لتغيير جذري في الواقع‪ ،‬كما يعني أن الحركة اإلسالمية تحشد الجماهير من‬
‫أجل بناء مرجعية جديدة للدولة‪ ،‬وأنها تريد تغيير الوضع القائم‪ .‬والمشروع اإلسالمي يستهدف بالفعل بناء‬
‫دولة على المرجعية اإلسالمية‪ ،‬إذن فغايته إقامة الدولة اإلسالمية‪ .‬ولكن رفع هذا الشعار‪ ،‬أصبح ينظر له‬
‫على أنه عمل عدائي للدولة القائمة‪ ،‬خاصة إذا تم رفع الشعار من قبل الحركات اإلسالمية في المجال‬
‫السياسي‪.‬‬
‫ولكن في المقابل يمكن القول بأن شعار إقامة الدولة اإلسالمية‪ ،‬يمثل شعارا جماهيريا‪ ،‬له القدرة‬
‫على حشد الجماهير وتعبئة حركتهم السياسية‪ .‬ومحاولة منع الحركات اإلسالمية من رفع هذا الشعار في‬
‫عملها السياسي‪ ،‬تساعد على نزع بعض األدوات النشطة للحركة اإلسالمية‪ ،‬والتي تمكنها من حشد‬
‫الجماهير‪ .‬لذا فإن حصار مصطلحات الحركة اإلسالمية ذات التأثير الشعبي‪ ،‬يضغط على الحركة حتى‬
‫يفقد خطابها السياسي جزءا من قدرته على التعبئة والحشد‪ .‬كما أن هناك بعض الشعارات القادرة على‬
‫توحيد صفوف الحركة اإلسالمية‪ ،‬مثل شعار إقامة الدولة اإلسالمية‪ ،‬فأغلب تلك الحركات تعلن أن هذا‬
‫‪81‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫هدفها النهائي‪ ،‬ولكن حصار هذا الشعار واعتباره خروجا على الدولة القائمة‪ ،‬يمنع من التفاف الحركات‬
‫اإلسالمية تحت شعار موحد يجمعها رغم التباين بينها‪ ،‬ويظهر الحد المتفق عليه بينها‪ ،‬والذي يمثل‬
‫األسس المشتركة للرؤى اإلسالمية المختلفة‪.‬‬
‫وبنفس هذا المعنى‪ ،‬نجد أن تعبير الحزب اإلسالمي‪ ،‬أصبح يواجه أيضا بحرب واضحة‪ ،‬حيث‬
‫تحاول بعض األنظمة منع األحزاب الدينية‪ ،‬وتعتبر أن الحزب اإلسالمي حزبا دينيا‪ ،‬وبالتالي فهو حزب‬
‫يعمل من اجل إقامة الدولة الدينية‪ ،‬أي الدولة التي تستند فيها السلطة على الحكم باسم هللا‪ .‬ولكن الحزب‬
‫اإلسالمي‪ ،‬ليس حزبا دينيا بهذا المعنى‪ ،‬وال يستهدف بناء دولة يحكم فيها الحاكم باسم هللا‪ ،‬ويعتبر نفسه‬
‫مفوضا من هللا في الحكم‪ .‬وبهذا يرتبط تعبير الحزب اإلسالمي‪ ،‬بسلسلة من التعبيرات التي يوضع لها‬
‫تعريف سلبي‪ ،‬حتى يتحول تعبير الحزب اإلسالمي إلى تعبير سلبي‪ ،‬فيتم اللجوء من قبل الحركة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬إلى تعبير حزب مدني له مرجعية إسالمية‪.‬‬
‫وبعض التيارات اإلسالمية مازالت ترفض فكرة األحزاب كمؤسسات سياسية لممارسة وتنظيم‬
‫العمل السياسي‪ .‬والموقف الرافض لتسمية الحزب اإلسالمي أو الذي يضع عليه العديد من القيود‪ ،‬يدفع‬
‫تلك التيارات إلى االستمرار في رفض فكرة األحزاب السياسية‪ ،‬ألنه يضع شروطا على الحركة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬تراها هذه التيارات مؤثرة على فكرتها‪ .‬وكثرة الشروط التي توضع على الحركات اإلسالمية‪،‬‬
‫التي تقبل العمل من خالل الحزب السياسي‪ ،‬تشجع البعض على المزيد من التشدد في اتجاه رفض‬
‫األوضاع السياسية القائمة‪ .‬ويصبح من يريد االستمرار في موقفه اإلصالحي القائم على اإلصالح السلمي‬
‫المتدرج‪ ،‬ملزما بوضع تعريفات دقيقة لكل مسمى يستخدمه‪ ،‬حتى ال يساء فهمه‪ ،‬وفي نفس الوقت يؤكد‬
‫حرصه على التمسك بالثوابت‪ .‬ولكن بعض األطراف اإلسالمية‪ ،‬ترى أنه من الممكن االستغناء عن‬
‫المسميات التي تلقى رفضا من قبل أنظمة الحكم والنخب العلمانية والدول الغربية‪ ،‬وتحاول تمرير‬
‫المشروع اإلسالمي أو بعضه على األقل‪ ،‬من خالل المسميات التي تتوافق مع طبيعة الدولة القومية‬
‫العلمانية القائمة‪ .‬وتواجه تلك المحاولة بحصار المصطلح السياسي الغربي‪ ،‬الذي ال يسمح بتمرير العديد‬
‫من المفاهيم اإلسالمية‪ ،‬مما يدفع إلى تجزئة المشروع اإلسالمي‪ ،‬وتبني ما يمكن ربطه بالعناوين المتاحة‬
‫والمساحات المتاحة للحركة‪ ،‬وتأجيل كل ما يختلف مع النموذج السياسي القومي العلماني‪ ،‬وهو تأجيل قد‬
‫يكون مؤقتا‪ ،‬أو قد يكون نهائيا‪.‬‬
‫وكأن الحركة اإلسالمية أصبحت محاصرة من اتجاهات عدة‪ ،‬وهو حصار يدفع أحيانا كثيرة نحو‬
‫المزيد من التشدد أو المزيد من المرونة‪ ،‬وتبقى المنطقة المتوسطة‪ ،‬والتي توازن نسبيا بين مختلف‬
‫المواقف‪ ،‬هي المنطقة األكثر حصارا‪ ،‬والتي تتعرض لتشويه أكبر‪ ،‬حيث يتم دفعها نحو مربع أكثر تشددا‬
‫أو أكثر مرونة‪ .‬ألن حرب المصطلحات التي تشنها االتجاهات العلمانية المختلفة‪ ،‬تريد تصنيف الحركة‬
‫اإلسالمية إلى تيار متشدد يتهم بالتطرف‪ ،‬وتيار تحديثي يعتبر متجاوبا مع شروط الواقع السياسي‬
‫العلماني‪ ،‬بحيث ال تبقى مساحة بينهما‪ .‬مما يوضح أن هناك مساحة تثير قلق العديد من الجهات‪ ،‬وهي‬
‫المساحة التي تتمسك بموقف معتدل‪ ،‬يوفق بين التمسك بثوابت المشروع اإلسالمي‪ ،‬وبين المرونة في‬
‫التعامل مع الواقع‪.‬‬
‫هي حرب على الشعارات والعناوين‪ ،‬تهدف إلى عرقلة تشكل الفكرة اإلسالمية المتوازنة بصورة‬
‫طبيعية‪ ،‬حتى ال تتشكل رؤية إسالمية‪ ،‬لها جاذبية جماهيرية مرتفعة‪ ،‬مما يمكن من يحملها من التوصل‬
‫‪80‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫إلى الصيغة التي تشكل التيار السائد في ما بعد‪ ،‬خاصة وأن الحركات اإلسالمية لها شعبية بالفعل وأكثر‬
‫من أي تيارات أخرى‪ ،‬لذا يصبح وصولها إلى الخطاب القادر على حشد تيار سائد في المجتمعات العربية‬
‫واإل سالمية‪ ،‬بمثابة اللحظة التي تمكنها من تأسيس نظام سياسي جديد‪ ،‬وهي اللحظة التي يحاول خصوم‬
‫المشروع اإلسالمي منعها‪.‬‬

‫(‪) 5‬‬
‫الدولة القائمة‬
‫يواجه المشروع اإلسالمي مشكلة التعامل مع الخصوم المختلفين مع مشروعه‪ ،‬ولكن المشكلة‬
‫األكبر تتمثل في كيفية التعامل مع الدولة القائمة‪ ،‬وهي واقعة في يد نخب من خصوم الحركة اإلسالمية‬
‫والمشروع اإلسالمي‪ ،‬وربما من أشد هؤالء الخصوم عداوة للمشروع اإلسالمي‪ .‬فالمشروع اإلسالمي‬
‫يمثل بديال عن الوضع القائم‪ ،‬لذا تنظر له نخب الدولة القومية‪ ،‬بوصفه مشروعا بديال لوجودها في‬
‫السلطة‪ ،‬وال تتعامل معه بوصفه مشروعا فكريا وسياسيا‪ ،‬ولكن تتعامل معه بوصفه حركات منافسة لها‪،‬‬
‫وتؤثر على قدرتها على البقاء في الحكم‪.‬‬
‫ويمثل الموقف اإلسالمي من الدولة القائمة‪ ،‬واحدة من الموضوعات الكاشفة عن المشكلة التي‬
‫تواجه الحركة اإلسالمية في تعاملها مع الواقع الذي تريد إصالحه وتغييره‪ .‬فالدولة تمثل عصب النظام‬
‫السياسي‪ ،‬وحاملة المرجعية العليا له‪ ،‬لذا فالدولة القائمة تحمل المرجعية العليا للوضع السياسي القائم‪،‬‬
‫وتعبر عنه وتمثل نموذجه المركزي‪ .‬وفي المشروع اإلسالمي هناك تصور عن الدولة والمرجعية التي‬
‫تستند لها‪ ،‬ودورها ومسئولياتها االجتماعية والسياسية‪ ،‬لذا تظهر مساحة االختالف بين المشروع‬
‫اإلسالمي والوضع القائم عند مقارنة تصور الدولة عند الحركة اإلسالمية‪ ،‬وواقع الدولة القائم في العديد‬
‫من البالد العربية واإلسالمية‪.‬‬
‫وال يمكن القول بأن الدولة القائمة هي الدولة التي تريد الحركة اإلسالمية إقامتها‪ ،‬ألن هذا يعني‬
‫أن الحركة اإلسالمية تؤيد الحكم القائم‪ ،‬وهذا ليس صحيحا‪ .‬لذا فاألصح أن الدولة القائمة‪ ،‬تختلف عن تلك‬
‫الدولة التي تريد الحركة اإلسالمية إقامتها‪ .‬وفي نفس الوقت‪ ،‬فإن الحركة اإلسالمية‪ ،‬والتي تحمل‬
‫مشروعا إسالميا‪ ،‬يفترض أنها تريد إقامة دولة تستند على المرجعية اإلسالمية‪ ،‬أي دولة إسالمية‪ .‬لذا‬
‫يبرز السؤال عن الدولة القائمة‪ ،‬فمادامت هذه الدولة ليست هي الدولة التي تمثل المشروع اإلسالمي‪ ،‬إذن‬
‫فالدولة القائمة ليست دولة إسالمية‪ .‬وهنا تبدأ معركة من أهم معارك الشعارات والمصطلحات‪ ،‬بين‬
‫الحركة اإلسالمية وخصومها‪.‬‬
‫فم ن يقول أن الدولة القائمة ليست دولة إسالمية‪ ،‬يعني ضمنا أن هذه الدولة خارجة عن أحاكم‬
‫اإلسالم‪ ،‬وهو ما يفتح باب إدانة الدولة ومن ثم النخبة الحاكمة‪ ،‬بالخروج عن أحكام اإلسالم‪ .‬ومن ينفي‬
‫عن الدولة القائمة صفة اإلسالمية‪ ،‬يواجه بحرب من خصوم الحركة اإلسالمية‪ ،‬وأحيانا حتى من داخلها‪،‬‬
‫تتهمه بأنه يكفر الدولة ومن ثم يكفر القائمين عليها‪ ،‬ويفتح الباب أمام الخروج على الدولة‪ ،‬وبالتالي اللجوء‬
‫للعنف‪ .‬وهو ما يعني أن القول بأن الدولة القائمة ليست إسالمية‪ ،‬يمثل اتهاما للدولة‪ ،‬والقائمين عليها‪.‬‬

‫‪83‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫ولكن القول بأن الدولة القائمة هي دولة إسالمية‪ ،‬ال يخلو من مشاكل أيضا‪ .‬ألن الدولة القائمة ال‬
‫تلتزم بالمرجعية اإلسالمية‪ ،‬والنخب الحاكمة لها ال تريد االلتزام بالمرجعية اإلسالمية‪ ،‬بل وتعلن‬
‫خصومتها مع المشروع اإلسالمي ككل‪ .‬والقول بأن الدولة القائمة دولة إسالمية‪ ،‬يواجه برفض من الكثير‬
‫من الحركات اإلسالمية‪ ،‬ألنه يعطي شرعية لوضع قائم مرفوض‪ .‬كما أن هذا القول يعني وضع من يحمل‬
‫المشروع اإلسالمي في مأزق‪ ،‬فمادامت الدولة القائمة إسالمية‪ ،‬فكيف ينادي بتطبيق المشروع اإلسالمي‪،‬‬
‫مادام قائما‪.‬‬
‫فمن يقول أن الدولة القائمة غير إسالمية‪ ،‬سيواجه بتهمة التطرف‪ ،‬ومن يقول بأن الدولة القائمة‬
‫إسالمية‪ ،‬سيواجه بتهمة المهادنة‪ .‬وهكذا يتضح كيف يمكن أن تتطور المواجهة بين أصحاب المشروع‬
‫اإلسالمي وأصحاب المشروع العلماني‪ ،‬إلى مواجهة داخل المنتمين إلى المشروع اإلسالمي‪ .‬ومن خالل‬
‫حرب الشعارات‪ ،‬يتم تصدير المشكلة إلى داخل التيار اإلسالمي‪ ،‬بحيث تتزايد مساحة الجدل والخالف‬
‫الداخلي بين اإلسالميين‪ ،‬وتحد من مساحة الخالف بينهم وبين النخب العلمانية‪.‬‬
‫ولكن الدولة القائمة لها عنوان‪ ،‬فهي ليست حالة بدون عنوان‪ ،‬وتنتظر من يعطي لها عنوانا‪ .‬وإذا‬
‫نظرنا إلى غالب الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬سنجد أنها دول علمانية‪ ،‬تستند على النموذج الغربي‬
‫السياسي‪ ،‬وتقوم على الهوية القومية القطرية‪ ،‬وهي بهذا تمثل النموذج الغربي بأكثر مما تمثل النموذج‬
‫اإلسالمي‪ .‬صحيح أن الكثير من هذه الدول تحتفظ بالهوية اإلسالمية‪ ،‬ولكن بوصفها جزءا من الهوية‬
‫القومية‪ ،‬ومن الصفات التي تميز المجتمع‪ ،‬وبوصفها دين األغلبية‪ .‬وغالب الدول العربية واإلسالمية‪،‬‬
‫تحتفظ بنص في الدستور عن دين الدولة أو المرجعية التشريعية‪ ،‬ولكن تبقي هذا النص بعيدا عن التنفيذ‪،‬‬
‫فيصبح وجود المرجعية اإلسالمية في هذه الدولة‪ ،‬وجودا من حيث الشكل‪ ،‬وليس من حيث المضمون‪.‬‬
‫ومن خالل تصرفات النخب الحاكمة‪ ،‬نجدها تتبنى المنحى العلماني‪ ،‬وترفض أي صلة للدين بالسياسية‪،‬‬
‫وتقيم تحالفها مع الغرب على أساس أنها دول علمانية‪ ،‬بل أن الدول الغربية تساندها وتدعمها على أساس‬
‫أنها دول علمانية‪.‬‬
‫فالقائم في الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬هو نموذج علماني يختلف عن النموذج اإلسالمي‪ .‬ولكن‬
‫الحركة اإلسالمية محاصرة لشل قدرتها على توصيف الوضع القائم ومواجهته‪ .‬كما إن بعض الحركات‬
‫اإلسالمية تتشدد في توصيفها للوضع القائم‪ ،‬وتصف األفراد المنتمين للنخبة الحاكمة‪ ،‬دون االكتفاء‬
‫بتوصيف نوع حكمهم فقط‪ ،‬مما يؤدي إلى فتح الباب أمام تكفير النخب الحاكمة‪ ،‬وهو ما يفتح الباب أمام‬
‫الخروج المسلح عليهم‪ .‬وألن بعض الحركات والرموز أرادت وقف باب التكفير والخروج المسلح‪ ،‬لذا‬
‫بدأت تحاول وصف الوضع القائم بصور تقربه من الصورة اإلسالمية‪ ،‬وكأن الدولة القائمة هي دولة‬
‫إسالمية‪ ،‬وهو أمر يخالف واقعها‪ .‬فأصبحنا أمام موقف يرفض الدولة بالكامل‪ ،‬وموقف يقبل ما هو موجود‬
‫ومتاح‪ ،‬وبينهما نجد االتجاه الذي يرفض سياسة النخب الحاكمة بالكامل‪ ،‬ويعتبر أن الدولة القائمة يفترض‬
‫أن تكون إسالمية‪ ،‬إال أن النخب الحاكمة هي التي أخرجتها من هويتها‪ ،‬حتى تظل معركته مع النخب‬
‫الحاكمة وليس مع الدولة‪.‬‬
‫تلك ليست مجرد معركة أسماء‪ ،‬فالجدل بين المواقف المتشددة والمواقف اللينة داخل المشروع‬
‫اإلسالمي‪ ،‬يصل لمرحلة تؤدي إلى تقسيم المشروع اإلسالمي بين بدائل ال ترتبط ببعض‪ ،‬وبينها من‬
‫الخالف الكثير‪ ،‬لدرجة قد تجعل بعض الخالفات داخل المشروع اإلسالمي‪ ،‬تتساوى مع بعض الخالفات‬
‫‪82‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫بين الفريق العلماني والفريق اإلسالمي‪ .‬كما أن الخالف حول كيفية وصف الدولة القائمة‪ ،‬يجعل الفصائل‬
‫اإلسالمية في حالة جدل داخلي‪ ،‬يعيق توافقها على رؤية لها حد أدنى مشترك‪.‬‬
‫والحاصل أن الحركة اإلسالمية أصبحت محاصرة بين االتهامات المختلفة‪ ،‬والتي تحد من قدرتها‬
‫على طرح شعارها بوضوح كامل على الناس‪ ،‬وفي شعارات واضحة جلية‪ .‬فأصبح الحصار بين التشدد‬
‫واللين‪ ،‬يؤثر على مسار الحركة اإلسالمية‪ ،‬مما يؤثر أيضا على تصورات العامة عن المشروع‬
‫اإلسالمي‪ .‬وألن التوصيف الدقيق للوضع القائم‪ ،‬وتحديد الموقف منه‪ ،‬ثم تحديد البديل الذي يطرحه‬
‫المشروع ا إلسالمي‪ ،‬يساعد على نشر الفكرة بين الناس‪ .‬وهو ما تخشاه النخب العلمانية‪ ،‬والتي ال تريد‬
‫وصف مشروعها بالعلمانية‪ ،‬وتخشاه نخب الدولة القومية والتي ال تريد وصف دولتها بغير اإلسالمية‪،‬‬
‫وتخشاه الدول الغربية والتي ال تريد وصف الدول المتحالفة معها في المنطقة العربية واإلسالمية‪ ،‬بالدول‬
‫ذات الطابع الغربي‪.‬‬
‫المشكلة إذن‪ ،‬أن الوضع القائم يستند للعلمانية‪ ،‬ولكن القائمين على هذا الوضع يحاولون إخفاء‬
‫صفة العلمانية‪ ،‬والجانب اآلخر من المشكلة‪ ،‬أن الحركة اإلسالمية تريد تغيير الوضع القائم‪ ،‬ولكنها تريد‬
‫أيضا خفض حالة الخصومة والمواجهة خاصة مع الدولة‪ ،‬حتى تتمكن من االستمرار في نهجها‬
‫اإلصالحي‪ .‬فالمشروع اإلسالمي ينتشر بقدر اختالفه عن الوضع القائم‪ ،‬ولكنه يحارب أيضا بقدر اختالفه‬
‫عن الوضع القائم‪ ،‬وكلما حاول االقتراب أو التقارب مع الوضع القائم قلت شعبيته وتأثيره؛ وكلما حاول‬
‫االبتعاد عن الوضع القائم‪ ،‬زادت المواجهة معه وحمالت تشويهه‪.‬‬
‫والفكرة تنتصر في النهاية‪ ،‬أو تكسب شعبية كبيرة‪ ،‬بقدر ما تستطيع تحديد تميزها عن الوضع‬
‫القائم‪ ،‬وتحقيق اعتدال منهجها وأساليبها‪ .‬ففكرتها الواضحة تجذب الناس لها‪ ،‬واعتدال منهجها‪ ،‬يشجع‬
‫قطاعات أوسع على تأييدها‪ .‬ولكن وضوح الفكرة واعتدال المنهج يمثالن تهديدا لخصوم المشروع‪ ،‬لذا‬
‫يؤديان إلى زيادة حمالت الحصار والتشويه‪ ،‬والتي تريد دفع الحركات اإلسالمية إما إلى مربع التشدد‬
‫الكامل‪ ،‬أو المرونة الكاملة‪.‬‬

‫(‪) 6‬‬
‫إدانة العلمانية‬
‫كل مشروع يقدم في مواجهة مشاريع أخرى‪ ،‬فيصبح من المهم كشف الفرق بين هذا المشروع‬
‫والمشاريع األخرى المنافسة له‪ ،‬وبيان أوجه االختالف‪ ،‬والتركيز على الجوانب اإليجابية في المشروع‬
‫في مواجهة األوجه السلبية في المشاريع األخرى‪ .‬وهو ما يستلزم نوعا من المواجهة المباشرة والحاسمة‬
‫والواضحة‪ ،‬حتى يدرك الناس طبيعة كل المشاريع المقدمة‪ ،‬فيصبح اختيارهم مبنيا عن رؤية واعية‬
‫بحقيقة كل مشروع‪ .‬والحاصل في المواجهة بين المشروع اإلسالمي والمشروع العلماني‪ ،‬أن المعركة‬
‫بينهما أخذت عدة مراحل‪ ،‬واختلفت طبيعة المواجهة من مرحلة إلى أخرى‪ ،‬حتى باتت المواجهة تشهد‬
‫حصارا للمشروع اإلسالمي‪ ،‬مع هجمات متواصلة من أصحاب المشروع العلماني عليه‪ ،‬وكأن المشروع‬
‫اإلسالمي قد تم تقييده أو فرض قواعد على المنتمين له‪ ،‬حتى يسهل تواصل ضرب المشروع‪ ،‬دون أن‬

‫‪84‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫يتاح ألصحاب المشروع اإلسالمي الرد على الهجوم الموجه ضدهم‪ ،‬وتوجيه سهام نقدهم للمشروع‬
‫العلماني‪.‬‬
‫فالمشاهد في سبعينات القرن العشرين‪ ،‬أن الخطاب اإلسالمي كان يتسم بالحماس والمباشرة‬
‫والهجوم‪ ،‬حتى أنه استطاع توجيه ضربات متتالية للمشروع العلماني‪ .‬ولكن بعض من يحملون المشروع‬
‫اإلسالمي‪ ،‬كان خطابهم يتسم أحيانا بالتشدد أو بالتطرف‪ .‬وهذا الخطاب الحماسي‪ ،‬والذي استمر إلى‬
‫ثمانينات القرن العشرين واجه المشروع العلماني‪ ،‬وافسد الكثير من مفاهيمه ومصطلحات‪ ،‬بل وحول‬
‫مصطلح العلمانية نفسه إلى مصطلح سلبي لدى عامة الناس‪ .‬ولكن الصورة لم تستمر على هذا النحو‪ ،‬فمع‬
‫بداية مرحلة تحديث الخطاب السياسي اإلسالمي‪ ،‬وانتشار المشاركة السياسية لإلسالميين‪ ،‬أصبح الخطاب‬
‫السياسي اإلسالمي‪ ،‬لدى بعض الفصائل خاصة التي تمارس العمل السياسي‪ ،‬يتجه نحو تعميق العمل‬
‫الوطني المشترك‪ ،‬ويحاول تجاوز حالة المواجهة‪ .‬كما أصبح الخطاب السياسي اإلسالمي‪ ،‬وهو يمارس‬
‫العمل السياسي ضمن المنظومة السياسية الراهنة‪ ،‬يعمق قدرته على اقتباس األساليب السياسية من‬
‫النموذج الديمقراطي‪ ،‬ليجعلها وسيلة للوصول لتحرير إرادة المجتمع‪ ،‬مما جعل الطرف اإلسالمي يقلل‬
‫خطابه الحماسي الهجومي على النخب العلمانية‪.‬‬
‫ولكن قبول تيار إسالمي للعمل من خالل المنظومة الديمقراطية فتح بابا آخر للمواجهة مع‬
‫المشروع العلماني‪ ،‬ألن التيار اإلسالمي الذي تبنى آليات العمل الديمقراطي كوسيلة لتحقيق الشورى‬
‫الملزمة‪ ،‬أصبح يستخدم آليات من النموذج الغربي إلقامة مشروع غير غربي‪ ،‬بل ومنافس للمشروع‬
‫الغربي‪ ،‬مما أثار حفيظة النخب العلمانية‪ ،‬والتي رأت أن تبني الديمقراطية كآلية لتطبيق المشروع‬
‫اإلسالمي‪ ،‬ينزع من العلمانية بعض جوانبها اإليجابية‪ ،‬ويفرغ بعض آليات العلمانية من مضمونها‬
‫العلماني‪ ،‬ويستخدمها إلنتاج قيم مخالفة للقيم العلمانية‪ ،‬وهو ما يضعف المشروع العلماني‪ ،‬والذي قدم‬
‫عادة بوصفه الوحيد الذي يعرف الديمقراطية‪ ،‬أو الحرية السياسية‪ .‬لذا تحول مسار المعركة بين المشروع‬
‫العلماني والمشروع اإلسالمي‪ ،‬إلى محاولة لفرض العديد من الشروط على المشروع اإلسالمي مادام‬
‫سيعمل من خالل آليات العمل الديمقراطي‪ ،‬حتى يتم الحد من تميزه‪ ،‬والحد من قدرته على هزيمة‬
‫المشروع العلماني‪.‬‬
‫وتتحول شروط النخب العلمانية إلى أسوار لحصار المشروع اإلسالمي‪ ،‬بهدف التقليل من قدرته‬
‫على إظهار الجوانب التي تميزه‪ ،‬وتقييده بعدد من القيود التي ربما تعيق توجهه نحو غاياته النهائية‪،‬‬
‫فيصبح المشروع اإلسالمي محاصرا في العمل السياسي بقيود تمنعه من تحقيق غايات المشروع‬
‫اإلسالمي التي يحملها‪ .‬ولكن هذا األمر يمثل جزءا من المعركة‪ ،‬فالجزء اآلخر منها كان محاولة فرض‬
‫العديد من المصطلحات على الخطاب السياسي اإلسالمي‪ ،‬حتى يتم تقييده بعدة مصطلحات أساسية‪،‬‬
‫وكأنها معيار يقاس عليها مدى مناسبة عمل الفصائل اإلسالمية في المجال السياسي من عدمه‪ .‬وتصبح‬
‫تلك المصطلحات معيارا لتقييم الخطاب السياسي اإلسالمي‪ ،‬على معيار غربي المنشأ‪ ،‬ونابع من نموذج‬
‫حضاري مغاير‪.‬‬
‫ولكن أهم ما حدث في هذه المعركة‪ ،‬كان ومازال محاولة تقييد قدرة أصحاب المشروع اإلسالمي‬
‫على نقد وكشف المشروع العلماني‪ ،‬وتحجيم قدرتهم على إدانة هذا المشروع سياسيا‪ ،‬وأيضا إدانته دينيا‪.‬‬
‫وتلك مسألة مهمة‪ ،‬فالمشروع العلماني ضد مرجعية الشريعة اإلسالمية‪ ،‬وضد دور الدين في المجال‬
‫‪85‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫العام‪ ،‬ويعمل على تحييد الدين حتى ال يصبح مرجعية للنظام السياسي‪ .‬ومعنى هذا باختصار‪ ،‬أن‬
‫المشروع العلماني يؤثر على مكانة الدين في النظام العام‪ ،‬ويحاصره في المجال االجتماعي والفردي‪ ،‬مما‬
‫ينتج عنه بعد ذلك المزيد من الحصار للدين حتى في المجال االجتماعي‪ .‬وعليه يصبح المشروع العلماني‬
‫معاديا لدور الدين‪ ،‬وهو ما يمكن أن يؤدي إلى عداء أصحاب المشروع العلماني للدين أحيانا‪ ،‬ألنه يمثل‬
‫بالنسبة لهم منبع المشر وع المنافس للعلمانية والذي يحوز على تأييد شعبي واسع‪ ،‬وهو المشروع‬
‫اإلسالمي‪ .‬ولكن قدرة أصحاب المشروع اإلسالمي على الدخول في مواجهة مع المشروع العلماني‬
‫أصبحت محاصرة‪ ،‬سواء بسبب محاولتهم الحفاظ على العالقات مع التيارات السياسية غير اإلسالمية‪ ،‬أو‬
‫بسبب تجنبهم للغ ة الخطاب التي يمكن أن تتهم بالتطرف‪ .‬وبالفعل كلما ظهر أي خطاب يركز على‬
‫الجوانب السلبية الخارجة عن المرجعية اإلسالمية في الواقع السياسي الراهن‪ ،‬أو في الخطاب العلماني‪،‬‬
‫تبدأ تهم التطرف في حصار من يحمل هذا الخطاب‪ ،‬حتى يتوقف عنه‪.‬‬
‫وبجانب التهم الموجهة للتيار اإلسالمي‪ ،‬هناك محاولة لحصار التيار اإلسالمي حتى ال يستطيع‬
‫توجيه التهم للمشروع العلماني أو للنخبة الحاكمة‪ ،‬من أجل حصار شعارات ومقوالت التيار اإلسالمي‪،‬‬
‫ألنها تساعده على حشد الجماهير في صفه‪ .‬وهو ما يحد من قدرة التيار اإلسالمي على رفع الشعارات‬
‫الواضحة‪ ،‬والكافية إلدانة الوضع الحالي‪ ،‬وحشد الجماهير لصالح مشروعه‪ ،‬رغم أن فكرته تحظى‬
‫بانتشار شعبي واضح‪ .‬وتتباين ردود الفعل تجاه هذا الحصار‪ ،‬فهناك تيارات تدين العلمانية بشدة‪ ،‬وهناك‬
‫تيارات تحاول إدانة الفكرة بدون إدانة النخب التي تحملها‪ ،‬حتى ال تعرقل العمل السياسي المشترك‪ ،‬مع‬
‫التركيز على رفض أي مشروع بديل للمشروع اإلسالمي‪ .‬وهناك من يتجنب إدانة العلمانية‪ ،‬ويحاول‬
‫التصالح معها‪ ،‬وكأنها أصبحت ضمن مقتضيات العصر‪.‬‬
‫وكأن المطلوب ممن يريد الحفاظ على خطابه المتميز‪ ،‬أن يترك العمل السياسي‪ ،‬وفي النهاية‬
‫يحاصر بوصفه متطرفا‪ ،‬والمطلوب ممن يريد العمل في المجال السياسي‪ ،‬أن يتنازل عن خطابه السياسي‬
‫المتميز والواضح‪ ،‬مما يفقده القدرة على حشد الجماهير‪ ،‬ويصبح ثمن العمل السياسي هو االقتراب من‬
‫الرؤية العلمانية المدعومة غربيا‪ .‬وبهذا يتم حصار السياسة لدى الحركة اإلسالمية‪ ،‬حتى ال يتاح لها‬
‫مستقبال تغيير النظم السياسية الحاكمة في البالد العربية واإلسالمية‪.‬‬
‫والمشاهد بعد ثورات الربيع العربي‪ ،‬أن الدولة نفسها أصبحت تمثل نخب الدولة القومية المتمسكة‬
‫بسياسات الدولة‪ ،‬رغم سقوط النظام الحاكم‪ .‬مما يجعل كل المعارك مستمرة‪ ،‬والمواجهات التي كانت‬
‫تحدث مع النخب الحاكمة‪ ،‬أصبحت تحدث مع نخب الدولة القومية‪ ،‬ألن الدولة مازالت تحمل نفس‬
‫سياسات نظام الحكم السابق‪ ،‬العلمانية القومية‪ ،‬مما يجعل الدولة في حالة مواجهة ضمنية مع المشروع‬
‫اإلسالمي‪ ،‬ألنه يغير من طبيعتها وهويتها‪.‬‬

‫(‪) 7‬‬
‫التخويف من اإلسالمي‬
‫يتعرض المشروع اإلسالمي لحرب تشويه تهدف إلى التخويف منه‪ ،‬حتى ينفض الناس من حوله‪،‬‬
‫ولكن حرب التشويه ال تعتمد أساسا على كشف حقيقة المشروع اإلسالمي‪ ،‬بل إلى تشويه تلك الحقيقة‬
‫‪86‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫وإنتاج صورة غير حقيقية عن المشروع اإلسالمي‪ ،‬أو بعض تياراته‪ .‬والناظر إلى الصورة التي ترسم‬
‫إعالميا عن المشروع اإلسالمي في داخل البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬وفي الغرب‪ ،‬يجد صورة المتطرف‬
‫واإلرهابي هي العنوان األهم لتلك الصور المنتجة إعالميا عن اإلسالميين عموما‪ .‬ومن المالحظ أيضا أن‬
‫صورة المتطرف أو المتشدد‪ ،‬هي التي يعاد إنتاجها دائما‪ ،‬وكأن وسائل اإلعالم العلمانية والليبرالية في‬
‫الداخل والخارج تفضل وضع كل الحركات اإلسالمية في جانب الحركات المتشددة أو المتطرفة‪.‬‬
‫والحاصل في كل مشروع أنه يقوم على العديد من التيارات بداخله‪ ،‬فكل مشروع له تنوعاته الداخلية‪،‬‬
‫ومن تلك التنوعات تيارات أكثر تشددا‪ ،‬وتيارات أخرى أكثر مرونة‪ ،‬وبينهما التيار الذي يحاول أن يمثل‬
‫موقف وموضع االعتدال‪.‬‬
‫وكل تيار له جماهيره‪ ،‬والتيار اإلسالمي بداخله تيارات فرعية وكل منها له جماهيره‪ ،‬والحرب‬
‫التي تستهدف تشويه صورة الجميع‪ ،‬ووضعهم في قالب واحد‪ ،‬تهدف إلى تقليص حجم التأييد الذي يتمتع‬
‫به التيار اإلسالمي‪ ،‬وإظهاره بصورة متشددة‪ ،‬حتى ينفض من حوله جزءا كبيرا من جمهوره‪ .‬وبهذا يفقد‬
‫التيار اإلسالمي جزءا من جمهوره المستهدف والمؤهل لقبول فكرته‪ ،‬من خالل عمليات التشويه‪.‬‬
‫وبسبب الخلل الحادث في األوزان النسبية للتيارات السياسية‪ ،‬والمتمثل في انخفاض شعبية التيار‬
‫العلماني‪ ،‬لذا يلجأ التيار العلماني ليس إلى توسيع قاعدة شعبيته‪ ،‬بل إلى ضرب شعبية التيار اإلسالمي‪،‬‬
‫ألنه ال يستطيع نشر فكرته بين الناس‪ ،‬ألنها ليست فكرة لها شعبية واسعة‪ ،‬كما أنها تصطدم بتقاليد‬
‫وعادات ومرجعية المجتمع الحضارية والدينية‪ .‬لذا يعمد التيار العلماني إلى نقد التيار اإلسالمي‪ ،‬أكثر من‬
‫تقديم فكرته هو إلى الناس‪ ،‬وكل تيار ال يركز على تقديم فكرته بقدر ما يركز على نقد فكرة أخرى لها‬
‫شعبية‪ ،‬يكشف عن أن فكرته ليس لها الشعبية الكافية‪ ،‬وأنه يحاول الحصول على قدر من الشعبية من‬
‫خالل تخويف الناس من المشاريع األخرى‪ ،‬وليس من خالل إقناع الناس بمشروعه‪ .‬وهنا تظهر أهمية‬
‫عملية التشويه‪ ،‬فال يمكن نقد الفكرة التي تحوز على الشعبية من خالل عرضها عرضا موضوعيا ثم‬
‫نقدها‪ ،‬فمجرد عرضها يعني الدعاية لها والمساعدة في نشرها‪ .‬وألن الفكرة لها شعبية‪ ،‬إذن فهي فكرة‬
‫مقبولة جماهيريا‪ ،‬وال يمكن أقناع الناس بترك األفكار التي تعبر عن المرجعية الحضارية والدينية‬
‫بسهولة‪ ،‬لذا يتم رسم صورة مشوهة عن التيار اإلسالمي ال تمثل حقيقته‪ ،‬ولكن تمثل صورة سلبية يتم‬
‫إنتاجها عنه‪ ،‬ثم يتم الترويج لها‪ ،‬حتى يمكن تخويف الناس من حاملي المشروع اإلسالمي‪.‬‬
‫ويالحظ أن بعض مهاجمي المشروع اإلسالمي يحاول الفصل بين من يحمل المشروع من‬
‫تيارات وحركات‪ ،‬وبين المشروع نفسه‪ ،‬وكأنه يريد تجنب الخوض في المشروع أو نقده بصورة مباشرة‪،‬‬
‫وكأنه يريد القول أن المشكلة ليست في المشروع ولكن في من يحمله‪ .‬ولكن من يهاجم حملة المشروع‬
‫اإلسالمي‪ ،‬وال يهاجم المشروع اإلسالمي‪ ،‬ال يقدم للناس المشروع اإلسالمي بصورته الصحيحة‪ ،‬بل‬
‫يحاول إقناع الناس بأن كل من يحمل المشروع اإلسالمي لن يستطيع تحقيقه بالصورة المثلى‪ ،‬لذا يصبح‬
‫من الضروري التخلي عن المشروع اإلسالمي‪ ،‬والحفاظ على قدسية الفكرة اإلسالمية‪ ،‬وتطبيق أفكار‬
‫أخرى غير دينية‪ ،‬حتى ال يشوه التطبيق الفكرة اإلسالمية‪ .‬ولكن هذه الفكرة سرعان ما تفشل‪ ،‬ألن معناها‬
‫أن على كل يؤمن بالفكرة الدينية‪ ،‬التخلي عن تطبيقها حتى ال يشوها‪ ،‬ويصبح تقديس الدين هو تنحيته‬
‫وتحييده‪.‬‬

‫‪87‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫والناظر إلى واقع التيار اإلسالمي‪ ،‬يجد أن كل الفصائل اإلسالمية لها حضور مؤثر‪ ،‬وبالتالي لها‬
‫قاعدة جماهيرية تستند لها‪ ،‬مما يجعل مجمل التواجد الجماهيري للتيار اإلسالمي يمثل األغلبية في أغلب‬
‫المجتمعات العربية واإلسالمية‪ .‬لذا فإذا تم التنسيق بين التيارات اإلسالمية‪ ،‬يمكنها أن تشكل تحالفا قادرا‬
‫على تغيير األوضاع السياسية‪ .‬ولكن حرب تشويه الصورة اإلعالمية والسياسية عن التيار اإلسالمي‪،‬‬
‫تساعد على توسيع الفجوة بين التيارات اإلسالمية‪ .‬فهذه الحرب تضغط على طرف حتى يتبرأ من األكثر‬
‫منه محافظة‪ ،‬وتدفع طرف إلى اتهام غيره بالمهادنة ألنه مرن سياسيا بأكثر مما ينبغي‪ ،‬وتدفع طرف آخر‬
‫إلى القبول بشروط تلغي نسبيا أو مرحليا المشروع اإلسالمي‪ ،‬ويضطر هذا الطرف إلى الدفاع عن موقفه‬
‫بالهجوم على التيارات اإلسالمية األخرى‪ .‬وبهذا تصبح لعبة الصور المشوهة‪ ،‬وسيلة لمنع أي فرص‬
‫للتنسيق بين التيارات اإلسالمية‪ ،‬كما أنها تزيد من المعارك التي تدور في الداخل اإلسالمي‪.‬‬
‫تلك هي معركة أو حرب الشعارات التي يتعرض لها التيار اإلسالمي‪ ،‬وهي تسبب له الكثير من‬
‫المشكالت‪ ،‬وتعرقل تطوره‪ ،‬وتمنع وصوله لحالة التوازن بين التشدد في موضعه والمرونة في موضعها‪،‬‬
‫من كثرة ما يتعرض له من تشويه وحصار‪ .‬كما أن عملية التشويه المنظم تدفع كل تيار لتحمل تبعات‬
‫مواقفه فقط‪ ،‬فتدفعه للتأكيد على انفصاله عن التيارات األخرى‪ ،‬وعدم مسئوليته عن تصرفاتها‪ ،‬وربما‬
‫رفضه لتلك التصرفات‪ .‬ومصير هذه الحرب يتعلق أساسا بالحقيقة‪ ،‬ففي المعارك يمكن أن يتحقق النصر‬
‫من خالل بث الصور المشوهة ولكن مرحليا فقط‪ ،‬فالصورة الحقيقية تنتصر في النهاية إذا كانت تحظى‬
‫بالشعبية‪ .‬وكما أن تزييف الصورة الحقيقية ال يستمر بال نهاية‪ ،‬كذلك فإن تجميل الصور وتغطية‬
‫المشاريع المرفوضة جماهيريا ال يستمر إلى ما ال نهاية‪ .‬ولكن معركة تشويه الصور‪ ،‬ومعركة التضليل‬
‫تحرم المجتمع من تطوره الطبيعي‪ ،‬الذي يمكن أن يحقق له الخروج من حالة التراجع الحضاري‪.‬‬
‫والمعركة مع المشروع اإلسالمي سوف تظل مستمرة‪ ،‬حتى بعد سقوط أنظمة الحكم في الربيع العربي‪،‬‬
‫ألن المشكلة أصبحت كامنة في الدولة القائمة نفسها‪ ،‬والتي بنيت على مواقف مخالفة للمشروع اإلسالمي‪.‬‬

‫‪88‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫الفصل الرابع‬
‫اإلسالميون‪ ..‬تحديات وبدائل‬
‫(‪)0‬‬
‫اختالف وخالف‬
‫يمثل المشروع اإلسالمي في أساسه محاولة للتصدي للوضع الراهن‪ ،‬إلصالحه وتغييره‪ .‬فهو‬
‫مواجهة لواقع تميز بسيادة النمط القومي العلماني للدولة‪ ،‬وتزايد النفوذ والهيمنة الغربية‪ ،‬وتحالف النخب‬
‫الحاكمة مع القوى الغربية‪ ،‬مما ساعد على تفشي االستبداد السياسي‪ ،‬ومعه انتشر الفساد‪ ،‬وتدهورت‬
‫أحوال أوطان األمة اإلسالمية؛ فهو مشروع لإلصالح الحضاري الشامل‪ ،‬المستمد من المرجعية‬
‫اإلسالمية‪ .‬وهو أيضا مشروع يواجه رفضا غربيا واضحا‪ ،‬فالدول الغربية‪ ،‬خاصة الحلف األمريكي‬
‫اإلسرائيلي‪ ،‬ترفض قيام النموذج اإلسالمي‪ ،‬ألنها تعتبره نموذجا مستقال عنها‪ ،‬وربما يهدد مصالحها‪،‬‬
‫ويهدد بالطبع هيمنتها الحضارية والسياسية واالقتصادية‪.‬‬
‫لذا يعد المشروع اإلسالمي بديال حضاريا‪ ،‬يختلف عن النموذج الغربي الحضاري‪ .‬وهو لهذا‬
‫يمثل محاولة لبناء ذات األمة من خالل المرجعية التي اختارتها‪ ،‬ودون االعتماد على مرجعية الغرب‪ ،‬بل‬
‫هو مشروع لالستقالل الحضاري عن الغرب‪ ،‬لبناء نهضة حضارية مستقلة لألمة اإلسالمية‪ ،‬تقدم فيها‬
‫األمة اإلسالمية تميزها الحضاري الخاص بها‪ ،‬لتصبح نموذجا له دوره العالمي في التاريخ البشري‪.‬‬
‫ولكن التحديات التي تواجه المشروع اإلسالمي‪ ،‬تجعله يبحث عن البدائل الممكنة حتى يستطيع‬
‫تحقيق االنتشار‪ ،‬ومن ثم السيادة‪ .‬وتتواجه البدائل والمواقف من داخل المشروع اإلسالمي نفسه‪ ،‬لتصنع‬
‫حالة من المواجهة الداخلية‪ ،‬يغلب عليها التنافس أحيانا‪ ،‬ويغلب عليها الصراع أحيانا أخرى‪ .‬ولكن تلك‬
‫البدائل تظهر بقدر ما يواجه المشروع اإلسالمي من تحديات‪ ،‬فهي في أغلبها محاوالت لتمرير المشروع‬
‫اإلس المي‪ ،‬أو محاوالت لحماية هذا المشروع‪ ،‬أو محاوالت لنشره بين الناس وتوضيح فكرته‪ .‬فالخالف‬
‫داخل المشروع اإلسالمي‪ ،‬يبدأ في أحيان كثيرة‪ ،‬كخالف على كيفية التعامل مع الواقع‪ ،‬ثم يتمدد الخالف‬
‫حتى يصبح خالفا فكريا وسياسيا‪.‬‬
‫ال نعني بهذا أن الخالفات تبدأ حركية فقط‪ ،‬فبداخل كل منظومة العديد من األفكار‪ ،‬والتي تمثل‬
‫تنوعها الداخلي‪ .‬والفكرة اإلسالمية لها تياراتها المتعددة‪ ،‬عبر كل التاريخ‪ .‬وهناك مدارس إسالمية‬
‫مختلفة‪ ،‬وهي جزء من التنوع والثراء الداخلي للفكرة اإلسالمية‪ .‬ولكن هناك خالفا آخر له آثار مختلفة‪،‬‬
‫وهو الخالف على كيفية التعامل مع الواقع‪ ،‬ومواجهة التحديات التي تعترض طريق الحركة اإلسالمية‪،‬‬
‫وتمنعها من تحقيق مشروعها على أرض الواقع‪ .‬وتلك الخالفات‪ ،‬والتي تبدأ في منهج الحركة‪ ،‬تنتهي‬
‫أحيانا بخالفات فكرية‪ ،‬ويمكن أن تتحول إلى صراعات داخل الساحة اإلسالمية نفسها‪.‬‬
‫لذا يمثل الخالف حول المواقف والسياسات واالستراتيجيات بعدا مهما‪ ،‬يشرح المواقف‬
‫واالستجابات المختلفة للحركة اإلسالمية ورموزها‪ ،‬في مواجهة ما تواجهه من تحديات‪ .‬ولكن تلك‬
‫االستجابات ال تعبر فقط عن حالة تنوع‪ ،‬بل تعبر أحيانا عن خالفات بين الحركات اإلسالمية تعيق‬
‫‪89‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫تعاونها‪ ،‬وتمنع التنسيق بينها‪ .‬وتتحول تلك البدائل إلى مشاريع مطروحة‪ ،‬قد يصبح كل منها رصيدا‬
‫مضافا لآلخر‪ ،‬وقد يصبح خصما من رصيده‪.‬‬
‫ولكن األمر ال يتوقف فقط على خالف المناهج واألفكار‪ ،‬ألن االختالفات حول الفكرة اإلسالمية‪،‬‬
‫تصل في مرحلة من مراحلها‪ ،‬إلى اختالف حول أسس المشروع اإلسالمي‪ ،‬وهنا يحدث التباس حول‬
‫أسس المرجعية الحضارية اإلسالمية‪ ،‬والمقومات األساسية لها‪ ،‬والعناصر الالزمة لوجودها‪ .‬وعندما‬
‫يحدث اختالف على أسس المشروع نفسه‪ ،‬يحدث اختالف حول الصورة المستقبلية المنشودة للمشروع‬
‫اإلسالمي‪ .‬ومع الثورات العربية الشعبية‪ ،‬وبداية التحول الديمقراطي‪ ،‬يفتح الباب أمام التنافس اإلسالمي‪،‬‬
‫مع بقاء النظام القائم علمانيا في جوهره‪ .‬وهنا تبدو الفرق اإلسالمية وكأنها في حالة تنافس على تمثيل‬
‫المشروع اإلسالمي‪ ،‬ثم يرى فريق أن الفرق األخرى تضر مشروعه وتسئ للمشروع اإلسالمي‪ ،‬أو‬
‫تعطل ما يستطيع القيام به من اختراقات للوضع الراهن‪ .‬وتصبح تهم التطرف والتشدد الصادرة من‬
‫أطراف إسالمية‪ ،‬تنافس االتهامات الصادرة من النخب العلمانية للتيارات اإلسالمية‪ .‬وإن كان استمرار‬
‫محاولة حصار مجمل المشروع اإلسالمي‪ ،‬يدفع الفصائل اإلسالمية إلى التعاون‪ ،‬وتجنب أن تستنزف في‬
‫تنافسها الداخلي‪.‬‬
‫وإذا كانت بعض الجهات الغربية أو التيارات السياسية في الغرب‪ ،‬ومعها النخب العلمانية في‬
‫البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬وكذلك نخب الدولة القومية‪ ،‬تصدر اتهامات التطرف والتشدد على كل من‬
‫ينتمي للمشروع اإلسالمي‪ ،‬إال أن تلك االتهامات الصادرة من داخل الساحة اإلسالمية‪ ،‬تثير االنتباه‪.‬‬
‫فعندما يحاول فريق إسالمي اتهام الفرق األخرى بأنها متطرفة‪ ،‬فهو بهذا يحاول وضعها في خانة االتهام‪،‬‬
‫حيث يوافق الطرف العلماني على اتهاماته لها بالتطرف‪ ،‬ويسهل إدانتها من النخب الحاكمة أو المؤسسات‬
‫الغربية‪ .‬وتلك االتهامات التي تصدر بالتطرف من قبل طرف إسالمي‪ ،‬تهدف لتشويه صورة فريق‪،‬‬
‫والتقليل من شأنه بين الناس‪ ،‬ومنافسة هذا الفريق الذي تتهمه بالتطرف لكسب تأييد الناس لها‪.‬‬
‫واالتهام بالتطرف يقابله االتهام بالخروج على المشروع اإلسالمي‪ .‬فتجد فريق يتهم فريق آخر‪،‬‬
‫بأن أفكاره ال تعبر عن المشروع اإلسالمي‪ ،‬وفي ذلك محاولة لمنع تأثر الناس بأفكار هذا الفريق المتهم‬
‫بالتساهل‪ ،‬حتى ال يؤثر على جماهير التيار اإلسالمي‪ .‬وهي محاولة إلزاحة فريق عن المجال اإلسالمي‪،‬‬
‫لصالح فريق آخر‪ .‬وكل فريق يريد أن يكون ممثال للتيار اإلسالمي العريض‪ ،‬ويريد أن تكون فكرته‬
‫معبرة عن أسس المشروع اإلسالمي‪ ،‬بحيث يصبح هو التعبير األدق عن الرؤية اإلسالمية‪.‬‬
‫ليس من الصعب تصور تعقد تلك الحالة‪ ،‬ألنها في الواقع قد تضعف من كل األطراف‪ ،‬لصالح‬
‫الخصم السياسي‪ ،‬وهو في هذه الحالة المشروع العلماني‪ .‬ولكن في المقابل ال يمكن تصور حدوث توافق‬
‫بين كل األطراف‪ ،‬والمشروع اإلسالمي يواجه تحديات جسيمة‪ .‬ألن تلك التحديات في حد ذاتها‪ ،‬هي التي‬
‫تفجر االختالفات ومن ثم الخالفات‪ .‬ألن الطرق الوعرة أمام المشروع اإلسالمي‪ ،‬هي التي تدفع للبحث‬
‫عن سبل لفتح تلك الطرق‪ ،‬أو سبل لتقوية المشروع اإلسالمي وجماهيره‪ ،‬حتى يستطيع تخطي الحواجز‬
‫التي يواجها‪.‬‬
‫وتمثل تلك االختالفات داخل المشروع اإلسالمي‪ ،‬واحدة من العوامل المؤثرة على مستقبله ومآله‪،‬‬
‫لذا فهي اختالفات تستحق الرصد والتحليل‪ .‬والمقصود هنا ليست االختالفات في الجانب الديني‪ ،‬بل‬
‫‪91‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫االختالفات في الجانب الحركي‪ ،‬السياسي واالجتماعي‪ ،‬أي في جوانب تنفيذ المشروع اإلسالمي على‬
‫أرض الواقع‪ .‬وأهمية رصد تلك المواقف‪ ،‬أنها تكشف مسار تبلور مرتكزات المشروع اإلسالمي سياسيا‬
‫والمالمح التي سوف تستقر‪ ،‬ويمكن أن تكون سائدة وغالبة في النهاية‪ ،‬كما تكشف عن المالمح المتنحية‬
‫وغير السائدة‪ ،‬والتي قد ترتبط بمرحلة معينة‪.‬‬
‫كما يمكن من رصد الخالفات بين الفصائل اإلسالمية‪ ،‬معرفة مآل المناهج المختلفة في التعامل‬
‫مع الواقع المعقد‪ ،‬والذي يمثل تحديا للمشروع اإلسالمي‪ .‬ألن قوة العوائق التي تقف أمام المشروع‬
‫اإلسالمي‪ ،‬هي التي أفرزت جزءا كبيرا من التباين بداخله‪ ،‬لذا يصبح رصد تلك التباينات مهما‪ ،‬لكشف‬
‫العالقة التفاعلية بين المشروع اإلسالمي والتحديات التي تواجهه‪ ،‬وهل تنتصر تلك التحديات في نهاية‬
‫األمر‪ ،‬أم ينتصر المشروع اإلسالمي؟ وهل تخترق تلك التحديات المشروع اإلسالمي‪ ،‬أو يتجاوزها‬
‫المشروع اإلسالمي؟‬
‫ورصد تلك العالقة التفاعلية بين المشروع وتحدياته‪ ،‬تفتح الباب أمام معرفة صور تحقق‬
‫المشروع اإلسالمي على أرض الواقع في المستقبل‪ ،‬ونتائج المواجهة بين المشروع اإلسالمي وخصومه‪،‬‬
‫وتأثيرات ذلك على المجتمع‪ .‬فالحاصل أن المشروع اإلسالمي بات الفاعل الرئيس في الساحة العربية‬
‫واإلسالمية‪ ،‬وبات المحرك األساسي لألحداث‪ ،‬حيث تأكد أنه بديل رئيس في معركة المستقبل‪ .‬لذلك‬
‫يصبح التفاعل بين المشروع والمشاريع األخرى المواجهة له‪ ،‬يفتح الطريق أمام فهم دور المشروع‬
‫اإلسالمي في المستقبل‪ .‬ويصبح فهم تأثيرات تلك التحديات على الداخل اإلسالمي‪ ،‬بمثابة مفتاح لفهم‬
‫االختيارات اإلسالمية‪ ،‬التي قد تتحول في المستقبل إلى تيار سائد‪ ،‬وربما حاكم‪.‬‬

‫(‪) 3‬‬
‫تحدي القومية والعلمانية‬
‫وتحدي الدولة القائمة بالنسبة للمشروع اإلسالمي‪ ،‬ال يرتبط فقط بكونها دولة قطرية‪ ،‬ولكن يرتبط‬
‫أيضا بكونها دولة قومية‪ ،‬أي دولة تعبر عن قومية محددة‪ .‬في حين أن الدولة اإلسالمية في أساسها دولة‬
‫عابرة للقومية‪ ،‬ودولة لكل القوميات المنتمية لألمة اإلسالمية‪ .‬لذا ففكرة القومية تعد بابا من أبواب‬
‫االختالف والمواجهة بين الدولة القائمة والحركة اإلسالمية‪.‬‬
‫ومعظم التيارات اإلسالمية األكثر محافظة‪ ،‬ترى أن الفكرة القومية تهدم الفكرة اإلسالمية‪ ،‬لهذا‬
‫فهي تقاوم تلك الفكرة بكل السبل‪ ،‬وتعمل على نشر الهوية اإلسالمية واالنتماء اإلسالمي العابر للقومية‪،‬‬
‫وتعادي كل النزعات القومية‪ ،‬ألنها تعتبرها ضمنا من أسباب تفكيك األمة اإلسالمية‪ ،‬وهو ما حدث‬
‫بالفعل‪ .‬ولكن البديل اإلصالحي التدريجي‪ ،‬ممثال في جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬يرى أن القومية دائرة من‬
‫دوائر االنتماء‪ ،‬ولكنها ليست الدائرة األخيرة أو النهائية‪ ،‬وليست انتماء بديال‪ ،‬حيث تعتبر الهوية اإلسالمية‬
‫هي دائرة االنتماء األخيرة واألساسية والمركزية‪.‬‬
‫وعندما تكون القومية انتماء فرعيا‪ ،‬يصبح األمن القومي جزءا من أمن األمة‪ ،‬وال يكتمل إال من‬
‫خالل دوائر األمن األخرى‪ .‬فاألمن القومي المصري ال يتحقق إال باألمن القومي العربي‪ ،‬واألخير ال‬
‫يتحقق إال باألمن الحضاري لألمة اإلسالمية‪ .‬وبهذا يتم بناء مفهوم جديد للقومية‪ ،‬بوصفها حالة قطرية‬
‫‪90‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫ومرحلية ومؤقتة‪ ،‬فتصبح جزءا من كل تحاول الحركة تحقيقه‪ ،‬وعندما تحقق الجزء‪ ،‬تحققه بالصورة التي‬
‫تحقق الكل وال تعرقل تحقيقه‪ .‬مما يجعل األمن القومي جزءا من أمن األمة‪ ،‬وتصبح القومية مرحلة أو‬
‫دائرة مثل القطرية‪ ،‬وكلها تصب في النهاية داخل االنتماء الرئيس لهوية األمة اإلسالمية‪.‬‬
‫لكن هناك بديل إسالمي توفيقي‪ ،‬يرى أن القومية أصبحت من لوازم الدولة الحديثة‪ ،‬وأنه ال يمكن‬
‫تجاوزها في المستقبل‪ ،‬ألنها أصبحت سمة العصر‪ ،‬أي أن الدولة القومية أصبحت ضرورة عصرية ال‬
‫مفر من قبولها‪ ،‬وأن النموذج اإلسالمي لن يتحقق إال داخل النموذج القومي‪ ،‬وفي حدود الدولة القومية‬
‫القطرية‪ .‬وهذا التصور يعدل من النموذج اإلسالمي التقليدي‪ ،‬ويرى أن بعض أسس هذا النموذج أصبحت‬
‫ترتبط بالماضي‪ .‬وتلك الرؤية تتصور أن لكل عصر مالمحه‪ ،‬وأن مالمح العصر ترتبط بمالمح الدول‬
‫المتقدمة‪ ،‬ومادام النموذج القومي القطري هو السائد في الدول المتقدمة‪ ،‬لذا يصبح هو نموذج العصر الذي‬
‫يجب إتباعه‪ ،‬وال يمكن الخروج عليه‪ ،‬على األقل لمرحلة تاريخية كاملة‪ .‬وهذا الطرح يقدم بديال قوميا‬
‫إسالميا‪ ،‬أي يقدم بديال يجعل االختيار اإلسالمي هو خيار قومي يخص قومية ما حسب ظروفها وأحوالها‪،‬‬
‫ويكيف المشروع اإلسالمي على شروط الدولة القومية القطرية‪ .‬ويالحظ هنا أن ضمن تبعات الموافقة‬
‫على العمل بناء على شروط الدولة‪ ،‬هو قبول تلك الشروط‪ ،‬ومنها مالمح الدولة القائمة الرئيسة‪ ،‬وهي‬
‫القطرية والقومية‪ .‬وبهذا نكون بصدد بديل يحاول تحقيق الممكن في ظل الوضع القائم‪ ،‬ألنه يرى أن‬
‫الوضع القائم لم يعد قابال للتغيير‪.‬‬
‫ولكن جوهر الدولة القائمة يتمثل في حملها لفكرة العلمانية‪ ،‬سواء صراحة أو ضمنا‪ ،‬وتلك‬
‫الخاصية تمثل التحدي األساسي‪ ،‬بل هي سبب المشكلة الرئيس بين الحركة اإلسالمية والدولة القائمة‪.‬‬
‫فالدولة القائمة في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬يمكن أن تتخذ من اإلسالمية هوية جزئية لها‪ ،‬أو تستخدم‬
‫الدين وتوظفه لتكتسب منه الشرعية‪ ،‬ولكنها ال تعترف أبدا بأن المرجعية الدينية هي الحكم األعلى على‬
‫الدولة نفسها وكل النظام السياسي‪ ،‬وإذا اعترفت بذلك تغيرت بالكامل‪ ،‬ولم تعد تلك الدولة القومية العلمانية‬
‫القطرية‪ ،‬التابعة للقوى الغربية‪.‬‬
‫وال يمكن النظر للعلمانية إال بوصفها النقيض للفكرة الدينية‪ ،‬ففي العلمانية تكون المرجعية العليا‬
‫للعقل البشري‪ ،‬وفي الدينية تكون المرجعية العليا للدين‪ .‬أما أشكال وأنواع العلمانية‪ ،‬فهي تتعلق بموقفها‬
‫من الدين في حياة األفراد والمجتمع‪ ،‬ولكن ال توجد علمانية تقبل بإشراك الدين في المرجعية العليا للنظام‬
‫السياسي‪ .‬والسبب في ذلك بسيط‪ ،‬ألن كل مرجعية تمثل نموذجا متكامال‪ ،‬والخلط بين المرجعيات غير‬
‫جائز منطقيا‪ ،‬حيث أن هناك تعارض بين المرجعيات يجب حسمه‪ ،‬فإذا تم حسمه لصالح مرجعية ما‪،‬‬
‫أصبحت هي المرجعية العليا‪ .‬وكل منظومة مرجعية لها مكونات فرعية‪ ،‬ففي الغرب األوروبي مثال‪ ،‬نجد‬
‫للمسيحية حضورا‪ ،‬ولكن بوصفها جزءا من الهوية‪ ،‬أو بوصفها هوية تاريخية‪ ،‬ولكن المرجعية المسيحية‬
‫ليس لها دور في النظم الغربية األوروبية‪ ،‬ألن العلمانية الغربية ال تقبل إشراك المسيحية في المرجعية‬
‫العليا للنظام السياسي‪.‬‬
‫والموقف الواضح لمعظم البدائل اإلسالمية‪ ،‬هو الرفض الكامل للعلمانية‪ .‬ولكن هناك من داخل‬
‫البديل اإلسالمي التوفيقي‪ ،‬من يرى أن العلمانية أصبحت أيضا من مستلزمات الدولة القطرية القومية‪ ،‬لذا‬
‫يحاول البعض التوفيق بين المرجعية اإلسالمية والمرجعية العلمانية‪ ،‬بحيث يوفق بين علمانية جزئية‪ ،‬ال‬
‫تعادي الدين‪ ،‬وإسالمية جزئية تفعل في المجال االجتماعي أكثر من المجال السياسي‪ .‬وهنا نكون –مرة‬
‫‪93‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫أخرى‪ -‬بصدد رؤية تعيد بناء المشروع اإلسالمي‪ ،‬لتحقيق المتاح منه‪ ،‬على أساس أن العصر لم يعد‬
‫يناسب تحقيق المشروع اإلسالمي المتكامل‪.‬‬
‫إذا كنا بصدد دولة قومية علمانية‪ ،‬تم بناؤها على أساس النموذج الغربي السياسي‪ ،‬فنحن أيضا‬
‫بصدد نموذج سياسي غربي‪ ،‬له مصطلحه ومفاهيمه‪ .‬والواضح من موقف الفصائل اإلسالمية المختلفة‪،‬‬
‫أن التيار األكثر محافظة رفض كل المصطلح الغربي جملة وتفصيال‪ ،‬وأعتبره محاولة الختراق الفكرة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬ورفض التعامل مع أي من مكوناته‪ ،‬وفضل المصطلح اإلسالمي التقليدي دون أي تبديل‪ .‬ولكن‬
‫التيار المحافظ المعتدل‪ ،‬أو البديل اإلصالحي المتدرج‪ ،‬فمال إلى التفاعل اإليجابي مع المصطلح السياسي‬
‫الغربي‪ ،‬وبدأ في تفكيكه ليميز القيم عن اآلليات‪ ،‬ويستعير اآلليات بوصفها وسائل للحكم‪ ،‬ويبعد نفسه عن‬
‫القيم‪ ،‬بوصفها تمثل الحضارة الغربية‪ .‬فأصبح يأخذ من آليات الغرب ليحقق قيم وأهداف الحضارة‬
‫اإلسالمية‪ .‬ورؤية هذا التيار تعتمد على أن منتجات العصر وكل عصر‪ ،‬صالحة لتفيد كل الناس‪ ،‬أما القيم‬
‫والمبادئ فهي تخص كل حضارة‪ ،‬وهي ال تقبل االستيراد‪ ،‬كما ال تقبل التعديل والتبديل‪ .‬فالقيم هي‬
‫األصول المستمرة المميزة لكل حضارة‪ ،‬أما المعارف واآلليات فهي المتغيرات التي ترتبط بالعصر‪ .‬لذا‬
‫نجد جماعة اإلخوان المسلمين مثال‪ ،‬تقبل استعارة نماذج غربية في مجال المتغيرات‪ ،‬وتستمد الثوابت من‬
‫المشروع اإلسالمي فقط‪.‬‬
‫أما البديل اإلسالمي التوفيقي‪ ،‬فهو في األساس يمثل محاولة للتوفيق بين المشروع اإلسالمي‬
‫والنموذج السياسي الغربي‪ ،‬على أساس أن القبول بالنموذج السياسي الغربي‪ ،‬يحقق ما هو متاح من‬
‫المشروع اإلسالمي‪ ،‬أما ما هو غير متاح‪ ،‬فقد يكون قد أصبح غير مناسب للعصر‪ ،‬أو ربما يكون مناسبا‬
‫لعصر ال نعرفه بعد‪ .‬لذا نجد البديل التوفيقي يقدم نموذجا يقوم على الجمع بين اإلسالم الحضاري‬
‫اجتماعيا‪ ،‬والعلمانية الغربية سياسيا‪ ،‬مما يجعله ال يجد حرجا في التجاوب مع القيم السياسية الغربية‪ ،‬على‬
‫أن تظل فاعلة في المجال السياسي فقط‪ ،‬دون أن تمس المجتمع وقيمه‪ .‬وهو بهذا يقيم نموذجا مزدوجا‪،‬‬
‫يقوم على ثنائية العلمانية السياسية واإلسالمية االجتماعية‪ .‬ويفهم من موقف البديل التوفيقي‪ ،‬أنه يرى أن‬
‫اإلسالمية يمكن تحقيقها اجتماعيا فقط‪ ،‬أما تحقيقها في المجال السياسي فلم يعد ممكنا‪ ،‬ولم يعد هناك مفر‬
‫من قبول جزئي للعلمانية في المجال السياسي‪ ،‬حتى يتم تحقيق الممكن والمتاح من المشروع اإلسالمي في‬
‫المجال االجتماعي‪ ،‬أو حماية الموجود منه اجتماعيا وثقافيا‪.‬‬
‫هناك اختالفات داخل البديل التوفيقي‪ ،‬فمن يرى أن ما هو غير متاح اآلن سوف يتحقق مستقبال‪،‬‬
‫غير من يرى أن ما هو غير متاح اآلن‪ ،‬لم يعد متاحا في المستقبل منظور‪.‬‬

‫(‪) 2‬‬
‫اختراق أم تكيف‬
‫حاولت الدول القائمة تحجيم التمدد االجتماعي للحركة اإلسالمية‪ ،‬وحصار نشاطها السياسي‪ ،‬أو‬
‫إقصائها من المجال السياسي‪ ،‬لذا يظهر أهمية النظر للبدائل اإلسالمية في مواجهة الحظر الرسمي من‬
‫قبل الدولة‪ ،‬الذي ساد قبل الربيع العربي‪ .‬فالبديل اإلسالمي الدعوي غير السياسي‪ ،‬والذي تحول غالبه‬
‫للعمل السياسي بعد الثورة‪ ،‬رأى أن هذا الحظر لن يوقف تمدده الدعوي‪ ،‬لذا ركز على دعوة الناس‪ ،‬حتى‬
‫‪92‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫تتغير األحوال‪ ،‬ولكنه لم يسلم من الحصار األمني بصورة من الصور‪ ،‬ألن الدولة تدرك أن التمدد‬
‫االجتماعي ي ؤدي إلى تمدد في المجال السياسي‪ .‬أما البديل الدعوي السياسي‪ ،‬والذي يعتمد منهج اإلصالح‬
‫السلمي المتدرج‪ ،‬فحاول الربط بين تمدده الدعوي في المجال االجتماعي‪ ،‬وتمدده في المجال السياسي‪،‬‬
‫على فرضية أن التمدد التدريجي ضرورة‪ ،‬ألن الولوج إلى المجال السياسي‪ ،‬والدخول في غمار عملية‬
‫اإلصالح السياسي‪ ،‬لن تحدث مرة واحدة‪ .‬وهذا البديل واجه حصارا أكبر‪ ،‬ألنه حاول إنجاز حركة داخل‬
‫المجتمع وفي المجال السياسي معا‪ .‬أما البديل التوفيقي‪ ،‬والذي حاول توفيق أوضاعه مع الدولة القائمة‪،‬‬
‫واجه النخب الحاكمة‪ ،‬والتي ال تريد منافس لها‪ ،‬خاصة إذا جاء من خلفية إسالمية‪.‬‬
‫لكن الحالة التركية تقدم نموذجا آخر‪ ،‬قام على آليات العمل الديمقراطي‪ ،‬حيث سمحت‬
‫الديمقراطية التركية لحزب العدالة والتنمية الذي أسسه إسالميون‪ ،‬بالعمل السياسي والوصول للحكم‪ ،‬دون‬
‫أن تنقلب عليه‪ ،‬كما انقلبت على األحزاب السياسية التي أسسها إسالميون قبله‪ .‬والناظر لهذه التجربة‪،‬‬
‫يدرك أن الشروط التي فرضتها الدولة على العمل السياسي‪ ،‬والتي قبلت جزئيا من معظم األحزاب‬
‫اإلسالمية التي انقلبت عليها السلطة‪ ،‬ال تعطي مجاال للعمل السياسي اإلسالمي‪ ،‬لذا كان على حزب العدالة‬
‫والتنمية قبول شروط الدولة كاملة‪ ،‬متمثلة في النمط القومي العلماني للدولة التركية القائمة‪.‬‬
‫يمكن من هذا تصوير الواقع الراهن للدولة‪ ،‬فهي إن كانت دولة ديمقراطية‪ ،‬ولكنها علمانية‬
‫وقومية‪ ،‬فهي تقبل من يعمل طبقا لقواعد النموذج القومي العلماني‪ ،‬وتجبره على الحفاظ عليها‪ .‬وإن كانت‬
‫دولة قومية علمانية مستبدة‪ ،‬فهي ال تقبل أي طرف ينافس النخبة الحاكمة المستبدة‪ ،‬وتغلق الباب أمام‬
‫الجميع‪ ،‬سواء من يقدم مرونة أكثر أو أقل‪ ،‬أو من يقدم تنازل أو من يرفض‪ .‬وتلك مشكلة مضافة في حالة‬
‫النموذج المستبد للدولة القومية العلمانية‪ .‬ومعنى هذا‪ ،‬أن الثورات الشعبية سوف تحول الدولة القومية‬
‫ال علمانية من دولة مستبدة إلى دولة ديمقراطية‪ ،‬وتبقى الشروط العلمانية مفروضة على المجتمع‪ ،‬وليست‬
‫من اختياره‪ ،‬حتى تتمكن المجتمعات من فرض المرجعية التي تختارها‪.‬‬
‫والمشاهد للبدائل اإلسالمية‪ ،‬يلحظ أن البدائل التي تقوم على المشروع اإلسالمي المتكامل‪ ،‬تحاول‬
‫االنتشار مجتمعيا‪ ،‬للضغط على النظام القائم من خالل الحشد الجماهيري‪ ،‬واالختالف بينها ‪-‬بجانب‬
‫االختالف في األفكار والرؤى‪ -‬يكمن في المرحلة التي تتصورها كل حركة عن دورها الراهن‪ .‬فالتيار‬
‫السلفي قدم تصورا يركز على تربية الفرد المسلم‪ ،‬ولكن مجمل أهدافه ترتبط بإقامة الدولة اإلسالمية‪،‬‬
‫وجماعة اإلخوان المسلمين ركزت على بناء الفرد المسلم والمجتمع اإلسالمي‪ ،‬وعملت من أجل الضغط‬
‫على الحكومة لتحقيق اإلصالح السياسي‪ ،‬دون أن تصل لمرحلة إقامة الحكم اإلسالمي‪ .‬والفرق هنا يتعلق‬
‫بالمرحلة التي يرى كل فريق أنها األنسب للحظة الراهنة‪ .‬ولكن حلم الدولة اإلسالمية‪ ،‬رغم االختالفات‬
‫في توصيفها‪ ،‬يظل هو الحلم المركزي لها‪.‬‬
‫أما التيار التوفيقي‪ ،‬والذي رأى في حزب العدالة والتنمية التركي مثاال له‪ ،‬حاول إحداث اختراق‬
‫داخل الوضع السياسي القائم‪ ،‬من خالل تقديم نموذج سياسي مرن‪ ،‬يقبل بشروط الدولة القائمة‪ ،‬خاصة‬
‫القومية والقطرية‪ ،‬ولحد ما العلمانية‪ ،‬حتى يستطيع فتح المجال أمام الديمقراطية‪ .‬ووجهة نظر هذا الفريق‪،‬‬
‫ركزت على أنه ال يمكن فتح باب الديمقراطية أمام التيار اإلسالمي ليقيم مشروعه‪ ،‬ألن النخب الحاكمة‬
‫والنخب العلمانية والغرب‪ ،‬سوف يقفوا في وجهه‪ .‬ولكن تقديم مشروع إسالمي توفيقي‪ ،‬يقوم على علمانية‬
‫السياسة وإسالمية المجتمع‪ ،‬يمكن أن يجذب تأييد النخب العلمانية ومختلف القوى السياسية‪ ،‬واإلعالم‬
‫‪94‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫المحلي والدولي‪ ،‬وربما بعض دول الغرب‪ ،‬مما يسمح بجعل الديمقراطية مطلبا مقبوال من عدة قوى‬
‫مؤثرة‪ ،‬بما يضمن تحقيق التحول الديمقراطي‪ .‬وهنا يصبح التمسك بشروط الدولة العلمانية القومية‪ ،‬والتي‬
‫تسمى كناية بالدولة المدنية‪ ،‬يعد من وجهة نظر التيار التوفيقي‪ ،‬مرونة الزمة من أجل اختراق الوضع‬
‫الحالي‪.‬‬
‫والتاريخ تصنعه جملة األحداث الدافعة في اتجاه واحد‪ .‬لذا فكل التيارات اإلسالمية التي تعمل من‬
‫أجل بناء الوحدة السياسية اإلسالمية والنهوض الحضاري اإلسالمي‪ ،‬تحقق انجازات متراكمة‪ ،‬تتجمع في‬
‫النهاية لتصنع الحدث التاريخي‪ .‬فإذا كانت تلك التيارات تعمل حسب قواعد التاريخ‪ ،‬والتي تقول بأن كل‬
‫أمة تسقط حضاريا‪ ،‬تنهض مرة أخرى بفعل إرادتها الحية‪ ،‬فإن كل من يعمل من أجل إحياء إرادة األمة‬
‫اإلسالمية من جديد‪ ،‬يحصل نتائج تدفع نحو عودة النهوض الحضاري اإلسالمي‪.‬‬
‫والقضية تتعلق أيضا‪ ،‬بمن يستطيع إحداث اختراقات واسعة في الحصار المضروب حول‬
‫الحركة اإلسالمية‪ ،‬خاصة بعد موجة الثورات الشعبية‪ ،‬وتلك القضية تثير الكثير من االختالف‪ .‬وكل تيار‬
‫يتهم من التيارات األخرى‪ ،‬بأنه يعرقل المشروع اإلسالمي بموقفه‪ .‬ومن منظور تاريخي‪ ،‬فكل اختراق‬
‫يسمح للحركة اإلسالمية بالتمدد في المجال العام‪ ،‬والتأثير في المجال السياسي‪ ،‬وبناء دولتها ومشروعها‬
‫السياسي‪ ،‬يمثل اختراقا لصالح المشروع‪ .‬ولكن كل اختراق يقدم بديال عن المشروع اإلسالمي كي يصبح‬
‫مقبوال‪ ،‬فهو يعرقل المشروع اإلسالمي‪ ،‬ويحول دون تمدده‪ .‬ومن هنا يمكن معرفة األثر التاريخي للبدائل‬
‫التوفيقية التي تعمل من أجل اختراق الحصار المضروب حول الحركة اإلسالمية‪ .‬فهي إذا كانت محاوالت‬
‫الختراق الوضع القائم‪ ،‬وفتح الباب أمام المشروع اإلسالمي بكل التيارات التي تحمله‪ ،‬فهي اختراق‬
‫لصالح المشروع‪ .‬أما إذا كانت محاوالت لبناء بديل آخر‪ ،‬وليكن البديل اإلسالمي العلماني المختلط‪ ،‬الذي‬
‫قد يلقى قبوال من الدولة القائمة والداعم الغربي لها‪ ،‬بما يؤدي إلى التحول من نظام علماني إلى نظام‬
‫علماني إسالمي مختلط‪ ،‬فهذه المحاوالت سوف تعرقل المشروع اإلسالمي‪ ،‬وتدخله مرة أخرى في‬
‫مواجهة مع مشروع جديد منافس له‪.‬‬
‫وكل مشروع يتحقق مرحليا وجزئيا وتدريجيا‪ ،‬حتى تأتي لحظة اكتماله ويتحقق كلية‪ .‬وتحقق‬
‫المشروع اإلسالمي مرتبط بالمنهج المتدرج‪ ،‬والذي تلتزم به غالب الحركات اإلسالمية‪ ،‬عدا الحركات‬
‫ال مسلحة‪ .‬وهي بهذا تتوقع تحقق المشروع على مراحل‪ ،‬وفي تلك المراحل لن يكون المحقق هو المشروع‬
‫اإلسالمي‪ ،‬بل جزءا منه‪ .‬فال يمكن تغيير طبيعة الدولة القومية فجأة‪ ،‬بل قد تتغير تدريجيا‪ ،‬أو يتغير‬
‫طابعها العلماني تدريجيا أيضا‪ .‬والتدرج في المراحل يختلف كثيرا عن تعديل المشروع النهائي‪ ،‬أو تأجيله‬
‫إلى أجل غير مسمى‪ ،‬أو اعتباره في ذمة التاريخ وظروفه وأحواله‪ .‬فالقول بأن المشروع اإلسالمي غير‬
‫قابل للتحقق اآلن‪ ،‬يؤدي إلى تغيير المشروع اإلسالمي‪ .‬لذا يعتبر القبول بالقومية كهوية جامعة مانعة‪ ،‬أو‬
‫القبول بالعلمانية الجزئية‪ ،‬أو العلمانية اإليجابية كما تسمى‪ ،‬يعد تعديال في المشروع‪.‬‬
‫ولكن العمل مرحليا من خالل إطار القومية أو العلمانية‪ ،‬حتى يتم تعديلها‪ ،‬وتعديل مرجعية الدولة‬
‫تدريجيا‪ ،‬فهو أمر آخر‪ .‬فقبول العمل في إطار دولة علمانية لتغييرها‪ ،‬غير القبول بالعلمانية‪ ،‬وهذا هو‬
‫الفرق‪ .‬ألن القبول بالعلمانية يعني تعضيدها وحمايتها‪ ،‬أما قبول العمل في نظام علماني‪ ،‬فيهدف إلى تغيير‬
‫هذا الواقع العلماني والحد منه‪.‬‬
‫‪95‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫(‪) 4‬‬
‫اليد الغربية‬
‫قبل حزب العدالة والتنمية التركي العمل داخل المنظومة العلمانية‪ ،‬فأصبح مشروعه مؤيدا غربيا‪.‬‬
‫ولكنه استطاع العمل في مساحة‪ ،‬تدخل في إطار المسموح غربيا‪ .‬ألن الحزب جاء إلى علمانية متطرفة‬
‫وحاول تحجيمها‪ ،‬فهو يخفض من درجة علمانية النظام‪ ،‬ويحول طبيعته العلمانية‪ ،‬وهو ما يعني أن‬
‫مرجعية حزب العدالة والتنمية تختلف عن مرجعية الدولة التركية‪ .‬فما يقوم به حزب العدالة والتنمية‪،‬‬
‫يمثل تغييرا في مرجعية الدولة‪ .‬ولكن يبقى السؤال‪ ،‬هل يريد حزب العدالة والتنمية تغيير مرجعية الدولة‬
‫لتصبح مرجعية علمانية معتدلة‪ ،‬أو مرجعية إسالمية؟ وهذا سؤال تجيب عليه الوقائع على األرض‪.‬‬
‫وهنا قد يرى البعض أن ما حققه حزب العدالة والتنمية التركي من تقدم واستكمال للديمقراطية‪،‬‬
‫كافي في حد ذات ه‪ .‬ولكن معنى هذا هو إعادة إنتاج النظام القومي العلماني مرة أخرى‪ ،‬ولكن في طبعة‬
‫ديمقراطية‪ ،‬وهي إعادة لتجربة جمال عبد الناصر‪ ،‬لكن مع شرط الديمقراطية‪ .‬وهذا مسار آخر‪ ،‬فهو‬
‫مسار في طريق االلتحاق بالغرب وإعادة إنتاج تجربته‪ ،‬والتجارب التاريخية أثبتت أن النهوض مرتبط‬
‫بالخصوصية الحضارية وتقديم نموذج حضاري متميز‪ ،‬أما تقليد النموذج القوي‪ ،‬فهو حلقة من حلقات‬
‫القابلية لالستعمار‪ ،‬كما قال مالك بن نبي‪ .‬وموجة الثورات الشعبية سوف تواجه بمحاوالت لجعلها مرحلة‬
‫إلعادة إنتاج الدولة العلمانية‪ ،‬ولكن بصورة ديمقراطية‪.‬‬
‫فال يمكن النظر إلى الوضع السياسي القائم في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬بدون النظر إلى دور‬
‫التدخل الغربي‪ .‬فغالب الدول الغربية خاصة أمريكا‪ ،‬لها سياسات خارجية تعتمد على تحقيق االستقرار في‬
‫المنطقة العربية واإلسالمية‪ ،‬بصورة تضمن المصالح الغربية في المنطقة‪ .‬وهذه السياسة تهدف إلى‬
‫تعزيز وضع أنظمة الحكم المتحالفة مع الغرب‪ ،‬والضغط على األنظمة غير المتحالفة مع الغرب‪ ،‬لتغيير‬
‫سياستها أو تغييرها‪ ،‬وأيضا ضمان عدم حدوث تغير في األوضاع السياسية في الدول المتحالفة مع‬
‫الغرب‪ ،‬بما يؤدي إلى وصول نخب سياسية ليست حليفة للغرب‪ ،‬وهو ما تعرض لهزة كبيرة‪ ،‬خاصة بعد‬
‫سقوط النظام المصري المتحالف مع الغرب بعد ثورة ‪ 35‬يناير‪ .‬والتحالف مع الغرب‪ ،‬له العديد من‬
‫الشروط التي ترتبط بسياسة الدول الداخلية وعالقاتها الخارجية‪ ،‬وموقفها من المصالح الغربية‪ ،‬وموقفها‬
‫من االحتالل اإلسرائيلي‪.‬‬
‫والمشروع اإلسالمي في جوهره مشروع لالستقالل الحضاري‪ ،‬وهو لهذا مشروع ضد التبعية‬
‫للغرب‪ .‬وغالب السياسات الغربية‪ ،‬تجعل التحالف مع الغرب قائما على التبعية السياسية للغرب‪ ،‬وليس‬
‫على عالقات تقوم على االحترام المتبادل والندية وتبادل المصالح‪ .‬لذا يرى الغرب أن المشروع اإلسالمي‬
‫خطرا على مصالحه‪ ،‬خاصة إذا كان مشروعا يهدف إلى توحيد األمة اإلسالمية سياسيا‪ .‬فالغرب في‬
‫النهاية‪ ،‬يرى أنه القوة التي تقود العالم‪ ،‬وال يريد ظهور قوة عالمية في المنطقة العربية واإلسالمية‪ ،‬تتمتع‬
‫بالقوة واالستقالل‪ .‬لذا فمجمل سياسات الدول الغربية‪ ،‬حاولت منع وصول الحركات اإلسالمية للسلطة‪.‬‬
‫ل هذا دعمت الدول الغربية أنظمة الحكم‪ ،‬رغم استبدادها وفسادها‪ ،‬حتى ال يفتح الباب أمام وصول الحركة‬
‫اإلسالمية للسلطة‪ .‬وفي كل األحوال‪ ،‬هدفت السياسة الغربية إلى ضمان استمرار النخب الحاكمة المتحالفة‬
‫معها‪ ،‬أو وصول نخب أخرى متحالفة مع الغرب أيضا‪ ،‬في حالة حدوث تداول سلمي للسلطة‪ ،‬خاصة بعد‬
‫‪96‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫الثورات الشعبية‪ ،‬حيث باتت السياسة الغربية تركز على أهمية وصول نخب ديمقراطية جديدة للحكم‪،‬‬
‫متحالفة مع الغرب‪.‬‬
‫وكل محاوالت الحركات اإلسالمية لبناء المشروع اإلسالمي‪ ،‬لم تصطدم فقط برفض النخب‬
‫الحاكمة للمشروع اإلسالمي‪ ،‬ورفضها للتداول السلمي للسلطة‪ ،‬ولكن اصطدمت أيضا بالدعم الغربي‬
‫لألنظمة القائمة‪ ،‬ومقاومة الغرب ألي حركة إسالمية تحاول الوصول للسلطة‪ .‬ويعتمد الغرب سياسة‬
‫العقاب والحصار االقتصادي والسياسي‪ ،‬كأداة لترهيب الشعوب من دعم الحركات اإلسالمية‪ ،‬فيربط بين‬
‫وصول تلك الحركات للسلطة‪ ،‬وفرض حصار دولي على الدولة‪ ،‬مما يؤدي إلى تفاقم المشكالت الداخلية‪،‬‬
‫خاصة المشكالت االقتصادية‪ .‬ويبقى أيضا السالح العسكري حاضرا‪ ،‬للتدخل في حالة خروج دولة عن‬
‫نطاق الحلف الغربي‪ ،‬تحت أي حكم‪ ،‬خاصة إذا كان إسالميا‪.‬‬
‫وثورات الربيع العربي اسقطت األنظمة الحاكمة‪ ،‬ولكن بقيت الدولة التابعة القائمة على العالقات‬
‫الوثيقة مع الغرب‪ ،‬وبقيت نخب الدولة القومية المرتبطة بمشروعها العلماني القومي‪ ،‬وشبكات المصالح‬
‫التي ارتبطت مصالحها بالدولة والنظام السابق‪ .‬لذا فإن نظام الحكم مازال قائما بعد الثورة‪ ،‬فالذي سقط‬
‫كان النخبة الحاكمة‪ ،‬ولكن بقي نظام الحكم وبقيت الدولة وسياساتها‪.‬‬
‫لذا فالمواجهة الحادثة بين الدولة والحركة اإلسالمية‪ ،‬هي مواجهة بالوكالة عن الغرب‪ .‬فالدولة‬
‫القائمة موظفة لحماية المصالح الغربية‪ ،‬وليس لحماية مصالح مجتمعها‪ .‬لذا فكل محاولة الختراق حاجز‬
‫السلطة‪ ،‬تفتح المواجهة مع نخب الدولة القومية والدول الغربية الداعمة لها‪ .‬ومشكلة الدول الغربية ليست‬
‫فقط في وصول حركة إسالمية للسلطة‪ ،‬ولكن في انتشار التيار اإلسالمي عموما‪ ،‬ألنها ترى أن أفكار‬
‫ورؤى التيار اإلسالمي ال تخدم مصالحها في المنطقة‪ .‬ومع انتشار التيار اإلسالمي تنتشر فكرته بين‬
‫الناس‪ ،‬مما يشكل رأي عام ال يتوافق مع المصالح الغربية‪ ،‬بل يقوم أساسا على وعي بمصالح األمة‪ ،‬في‬
‫مواجهة كل القوى الطامعة في الهيمنة عليها‪ .‬مما يجعل وجود التيار اإلسالمي وانتشاره‪ ،‬يمثل مشكلة‬
‫مزمنة للدول الغربية‪ ،‬والتي تهتم بفرض هيمنتها على المنطقة العربية واإلسالمية‪ ،‬ألن الهيمنة على هذه‬
‫المنطقة‪ ،‬يعد المدخل الرئيس لقيادة العالم‪.‬‬
‫هنا تجد الحركة اإلسالمية نفسها في مواجهة مفتوحة‪ ،‬بسبب التحالف بين الدولة العلمانية القائمة‪،‬‬
‫والهيمنة الخارجية في مواجهتها‪ .‬وغالب فصائل التيار اإلسالمي‪ ،‬ال تحاول التوصل لتفاهمات مع‬
‫الغرب‪ ،‬ألن أي تفاهم مع الغرب سيكون أول شروطه قبول دولة االحتالل اإلسرائيلي واالعتراف بها‪.‬‬
‫ألن المطلوب من الحركة اإلسالمية‪ ،‬إذا حاولت التفاهم مع الغرب‪ ،‬أن تعطي شرعية لالحتالل‬
‫اإلسرائيلي‪ ،‬ثم سيكون مطلوبا منها أن تتنازل عن حلم الوحدة السياسية لألمة اإلسالمية‪ .‬وسيكون مطلوبا‬
‫منها أيضا‪ ،‬أن تقبل العمل في إطار الدولة القومية القطرية‪ ،‬وسيكون مطلوبا منها أيضا أن تقبل العلمانية‬
‫ولو جزئيا‪ ،‬ومعنى ذلك أن الغرب إذا دخل في تفاهم مع حركة إسالمية‪ ،‬فسيطلب منها التنازل عن الجزء‬
‫األكبر من مشروعها‪ .‬وبهذا يكون التفاهم بين أي حركة إسالمية مع الدول الغربية‪ ،‬هو تنازل من قبل‬
‫الحركة اإلسالمية‪ ،‬وفرض شروط من قبل الغرب‪ .‬لذا نجد بعض التصورات التي طرحت على الساحة‬
‫الغربية‪ ،‬ترحب بوجود نخبة إسالمية‪ ،‬قادرة على تبني المشروع العلماني المعتدل وتحظى بشعبية‪ ،‬وتأتي‬
‫عن طريق الديمقراطية‪ ،‬وتلتزم بقواعد الدولة القومية العلمانية‪ ،‬ألنها ستكون أفضل من النخب المستبدة‬
‫والفاسدة‪ ،‬قبل أن تبدأ مرحلة الثورات العربية‪.‬‬
‫‪97‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫ولهذا نظر الغرب إلى حزب العدالة والتنمية التركي‪ ،‬على أنه بديل مناسب‪ ،‬مادام قبل شروط‬
‫الدولة العلمانية‪ ،‬وعمل تحت مظلتها‪ ،‬وجاء بالديمقراطية‪ ،‬وحاز على شعبية واسعة‪ .‬فقدم حزب العدالة‬
‫و التنمية النموذج الذي يريده الغرب في المنطقة العربية واإلسالمية‪ .‬ولكن سياسات حزب العدالة والتنمية‬
‫التي تظهر ميوال إسالمية‪ ،‬أو مواقف وطنية قومية تقلق الغرب‪ ،‬ويخشى أن تكون بداية تحوالت في‬
‫سياسة الحزب في المستقبل‪ .‬والموقف الغربي المراقب لسياسات حزب العدالة والتنمية‪ ،‬يحاول حصار‬
‫الحزب في مربع العلمانية والتحالف مع الغرب‪ ،‬وحماية المصالح الغربية في المنطقة‪ ،‬بحيث تكون‬
‫حركته في ظل هذه الشروط وال تخرج عنها‪ .‬والغرب يتحفز لحزب العدالة والتنمية‪ ،‬كلما رأى سياسات‬
‫قد تخرج عن هذا النطاق‪ .‬والمعنى الواضح في هذا النموذج‪ ،‬أن الغرب مستعد لقبول وصول إسالميين‬
‫للسلطة‪ ،‬ولكن من خالل برنامج سياسي علماني‪ ،‬وأنه قادر على السماح بهذه التجربة وإعطائها فرصة‬
‫ولكنه يراقبها‪ ،‬وسوف يمنع أي تحوالت مستقبلية لها‪ ،‬خاصة إذا كانت في االتجاه اإلسالمي‪ ،‬وحتى إذا‬
‫كانت في اتجاه قومي علماني ولكن معادي للغرب‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫الفصل الخامس‬
‫الدولة‪ ..‬أرض المعرركة‬
‫(‪) 0‬‬
‫مفتاح التغيير‬
‫تمثل الدولة الجهاز اإلداري التنفيذي في النظام السياسي‪ ،‬فهي بهذا تمثل عصب النظام السياسي‪،‬‬
‫الذي ينفذ السياسات‪ ،‬ويحول النظام السياسي إلى واقع متحقق‪ .‬والدولة أيضا هي الجهاز الذي يملك أدوات‬
‫تن فيذ القانون‪ ،‬وهي أيضا الجهاز الذي يملك السالح الشرعي‪ ،‬لذا فهي تمثل الجهاز الذي يملك كل أدوات‬
‫القوة‪ .‬وكل نظام سياسي يفرض نفسه من خالل جهاز الدولة‪ ،‬والذي يخضع للنظام السياسي وتوجهاته‪،‬‬
‫وكل قوة سياسية تصل للحكم تفرض سياساتها العامة على الدولة‪ ،‬وكل نظام مستبد ال يستطيع البقاء بدون‬
‫السيطرة الكاملة على الدولة‪.‬‬
‫ويفترض أن الدولة تبنى على أساس القواعد األساسية للنظام السياسي‪ ،‬بحيث تصبح الجهاز‬
‫اإلداري الذي يتبنى قواعد النظام السياسي ويتصرف بموجبها ويحققها في كل تصرفاته وقراراته‪ .‬ومن‬
‫هذا تتشكل داخل الدولة قواعد للعمل‪ ،‬تعكس النظام السياسي الذي بنيت الدولة بمقتضاه‪ ،‬وأسست على‬
‫قواعده‪ .‬مما يجعل للدولة قواعد ذاتية داخلية تحركها حسب ما تأسس لها من قواعد ومبادئ وتوجهات‬
‫وغايات‪ .‬وتتشكل من تلك القواعد طبيعة الدولة‪ ،‬والتي تحدد تصرفها في المواقف المختلفة‪.‬‬
‫وال تبنى أي دولة بصورة تسمح بتغييرها‪ ،‬أي تغيير القواعد واألسس والغايات والمبادئ التي‬
‫بنيت عليها‪ .‬فكل نظام سياسي‪ ،‬بما فيه النظام الديمقراطي‪ ،‬قد يسمح بتغير النخبة الحاكمة‪ ،‬ولكنه ال يسمح‬
‫بتغيير النظام السياسي نفسه‪ ،‬وبالتالي ال يسمح بتغيير القواعد التي بنيت عليها الدولة‪ .‬مما يعني أن‬
‫ا لتداول السلمي للسلطة‪ ،‬هو تداول لنخب تحكم النظام السياسي والدولة‪ ،‬ولكنه ليس تبديال للدولة وال‬
‫لقواعدها‪ ،‬كما أنه ليس تبديال للنظام السياسي وال قواعده‪.‬‬
‫واستقرار األوضاع السياسية يعتمد على استقرار قواعد النظام السياسي‪ ،‬وبالتالي استقرار قواعد‬
‫الدولة‪ ،‬مما يحقق االستمرارية للنظام السياسي والدولة‪ ،‬رغم تغير النخب الحاكمة‪ .‬ودرجة استقرار الدولة‬
‫أكبر من درجة استقرار النظام السياسي عامة‪ ،‬بمعنى أن الجانب السياسي والذي تمثله النخب الحاكمة‬
‫يحدث فيه قدر من التغير مع تداول السلطة بين أكثر من نخبة أو أكثر من حزب‪ ،‬ولكن الدولة تمثل‬
‫الجانب اإلداري‪ ،‬والذي يفترض أن يشهد قدرا أكبر من االستقرار واالستمرار‪ ،‬حيث يمثل الجانب‬
‫اإلداري القواعد الثابتة التي أسست عليها الدولة والنظام السياسي‪ ،‬والذي ال يسمح ألي نخبة تصل للسلطة‬
‫بتغييرها‪.‬‬
‫فيصبح التداول السلمي للسلطة‪ ،‬هو تغيير في توجهات السياسة العامة‪ ،‬داخل إطار قواعد النظام‬
‫السياسي المتفق عليها والمستقرة‪ ،‬ولكنه ليس تغييرا في القواعد اإلدارية التي تعمل الدولة بمقتضاها‪ ،‬وال‬
‫في األسس التي شيدت الدولة على أساسها‪ .‬فالدولة تقوم على تعريف محدد للهوية‪ ،‬وتعريف محدد أيضا‬
‫للحدود‪ ،‬وكذلك تعريف محدد للمصلحة القومية أو الوطنية‪ ،‬وتعريف محدد لعالقة الدولة بالمجتمع‪ ،‬وكل‬
‫‪99‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫هذه التعريفات تمثل أسس مستقرة‪ ،‬مما يجعل العمل اإلداري للدولة أكثر استقرار واستمرارا‪ ،‬من العمل‬
‫السياسي للنخبة الحاكمة والذي يتغير بتغير تلك النخبة‪ ،‬أو حتى يتغير بتغير توجهات النخبة الحاكمة‬
‫نفسها‪.‬‬
‫وكل األنظمة السياسية القائمة على الحرية‪ ،‬أو تلك القائمة على االستبداد‪ ،‬لم تصمم حتى تسمح‬
‫بتغير النظام السياسي بطرق سلمية متدرجة‪ .‬فأي نظام سياسي له أسسه‪ ،‬وتمارس الحرية السياسية داخل‬
‫هذه األسس‪ ،‬ولكن ال يسمح بتغيير كل أسس النظام السياسي من خالل الممارسة السياسية الحرة‪ ،‬أو من‬
‫خالل الديمقراطية‪ .‬ألن الديمقراطية تعطي الحق في التداول السلمي للنخب الحاكمة‪ ،‬ولكنها ال تسمح‬
‫بتبديل النظام السياسي أو تبديل الدستور‪.‬‬
‫لهذا نجد أن أحد القضايا المثارة حول مسار الديمقراطية المعرقلة في البالد العربية واإلسالمية‪،‬‬
‫تتعلق بمدى سماح النظام الديمقراطي بوصول حزب إسالمي للسلطة‪ ،‬مما يمكن الحزب من تحويل النظام‬
‫العلماني للدولة إلى نظام إسالمي‪ .‬لذا نجد هجوما شديدا على الحركات اإلسالمية بزعم أنها ال تؤمن‬
‫بالديمقراطية‪ ،‬والمقصود أنها ال تؤمن بالدولة العلمانية‪ ،‬أو كما تسمى أحيانا الدولة المدنية‪ ،‬لتجنب ذكر‬
‫وصف العلمانية السيئ السمعة في معظم البالد العربية واإلسالمية‪ .‬لذا تتصرف الكثير من النخب‬
‫العلمانية طبقا لقاعدة تحاول ربط الديمقراطية بالعلمانية‪ ،‬حتى يصبح االلتزام بالديمقراطية التزاما‬
‫بالعلم انية‪ .‬وهو ما يجعل البعض يبحث عن القيود التي تسمح بفرض العلمانية‪ ،‬حتى ولو فاز حزب‬
‫إسالمي بالحكم‪ ،‬وهي تشمل أيضا محاولة فرض قيود على تشكيل األحزاب نفسها‪ .‬وكل تلك المواقف‪،‬‬
‫والتي تجد دعما غربيا‪ ،‬تمثل محاولة لتطبيق الديمقراطية بصورة ال تؤثر على طبيعة الدولة العلمانية‬
‫القومية القطرية‪ ،‬خاصة مع نص العديد من الدساتير في البالد العربية واإلسالمية على المرجعية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬مما يسمح ألي حزب إسالمي لالستناد لتلك المرجعية الدستورية وتطبيقها عمليا‪ ،‬وتحويل‬
‫الدولة العلمانية إلى دولة إسالمية‪ .‬وهي محاوالت مستمرة بشكلها ومضمونها قبل ثورات الربيع العربي‬
‫وبعده‪ ،‬حتى يتم تقييد الحركة اإلسالمية‪ ،‬والخيارات الشعبية الحرة‪ ،‬داخل قالب علماني ولو جزئيا‪ ،‬يحمي‬
‫طابع الدولة القائمة‪.‬‬
‫نقصد من هذا‪ ،‬أنه طبقا للعملية السياسية الديمقراطية التقليدية‪ ،‬فإن أي حزب إسالمي يفوز في‬
‫االنتخابات‪ ،‬ال يحق له تحويل النظام العلماني إلى نظام إسالمي‪ ،‬ألنه ملزم بالنظام السياسي الذي انتخب‬
‫من خالله‪ .‬وعندما يتم تحويل النظام السياسي من خالل العملية االنتخابية‪ ،‬فإن هذا يمثل عملية تغيير‬
‫سياسي‪ ،‬وليس مجرد تداول سلمي للسلطة‪ .‬ومن الطبيعي أن يسمح كل نظام سياسي مستقر‪ ،‬بقدر مناسب‬
‫من الحرية ولكن من داخله‪ ،‬فال يمكن تصميم نظام سياسي مستقر يسمح بتغيير النظام السياسي مع تغيير‬
‫النخبة الحاكمة‪ ،‬فيصبح التداول السلمي للسلطة‪ ،‬هو تداول ألنظمة سياسية‪ ،‬أي تداول لدول‪.‬‬
‫تلك هي جوهر المشكلة في حالة معظم الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬حيث نجد أنظمة علمانية‬
‫حاكمة‪ ،‬رغم أن معظم دساتيرها تنص على المرجعية اإلسالمية‪ ،‬ولكن دون أن تفعل تلك المرجعية‪،‬‬
‫وحركات إسالمية تريد بناء الدولة اإلسالمية‪ .‬والنظم العلمانية لم تكن ديمقراطية‪ ،‬فهي ال تسمح أساسا‬
‫بالتداول السلمي للسلطة‪ ،‬وغلب عليها طابع االستبداد بدرجات متفاوتة‪ ،‬وعملت على منع التعددية الحزبية‬
‫التي تفضي لتغير النخبة الحاكمة‪ ،‬كما عملت على منع أي تحول في الحكم تجاه النموذج اإلسالمي‪.‬‬
‫والنظم القائمة بعد الثورات العربية‪ ،‬أصبحت ديمقراطية‪ ،‬ولكنها تحاول الحفاظ على الطابع العلماني‬
‫‪011‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫للدولة‪ .‬والحركات اإلسالمية اإلصالحية تعمل من خالل الوضع القائم‪ ،‬وبأدوات العمل السلمي‬
‫اإلصالحي التدريجي‪ ،‬وتحاول بناء الدولة اإلسالمية من خالل التأييد الشعبي‪ ،‬وتعتبر أن الشرعية تأتي‬
‫من المجتمع‪ ،‬فإذا توافق المجتمع على بناء الدولة اإلسالمية‪ ،‬يحق للحركة اإلسالمية أن تبني هذه الدولة‪،‬‬
‫من داخل الدولة ذات السياسات العلمانية‪ .‬والمواجهة الحادثة‪ ،‬تشير إلى عدة جوانب‪ ،‬حول مدى إمكانية‬
‫تغيير النظام السياسي والدولة بطريق اإلصالح السلمي المتدرج‪ ،‬وحول مدى إمكانية تغير النظام‬
‫السياسي من خالل االنتخابات‪ ،‬وهي وسيلة لتغيير النخبة الحاكمة‪ ،‬وليست وسيلة لتغيير النظام السياسي‪.‬‬
‫ول كن المواجهة والجدل الواقعي بين الوضع القائم والحركة اإلسالمية‪ ،‬ال يقف عند هذا الحد‪ ،‬بل يمتد‬
‫لقضية جوهرية أخرى‪ ،‬حول العالقة أو المقارنة بين نموذج الدولة العلمانية ونموذج الدولة اإلسالمية‪،‬‬
‫وهل يمكن بناء نموذج الدولة اإلسالمية من داخل نموذج الدولة العلمانية‪ ،‬أم أن بناء الدولة اإلسالمية يكاد‬
‫يكون هدما للدولة العلمانية وبناء لدولة جديدة؟‬
‫وترتبط هذه المسألة بمصير األمة اإلسالمية‪ ،‬والتي تحكم بأنظمة حكم لم تختارها‪ ،‬وتحاول‬
‫االنتفاض في وجه تلك النظم السياسية الحاكمة والمتحالفة مع الغرب‪ ،‬والمنفذة للسياسات الغربية‪ ،‬فحركة‬
‫الثورات الشعبية تهدف إلى التخلص من نظم الحكم المستبدة‪ .‬وكل محاولة لتحرير األمة اإلسالمية لتبني‬
‫نهضتها ومستقبلها الذي تختاره‪ ،‬تعني تحريرا للدولة من النخب الحاكمة ومن القوى الغربية التي تحمي‬
‫نموذج الدول القومية القطرية العلمانية‪ ،‬ومعنى ذلك أن أي تحرر لألمة هو تغيير في الدولة‪ ،‬وفي النظام‬
‫السياسي‪ ،‬وأنه ال يمكن تحرير األمة دون تحرير الدولة‪ ،‬وال يمكن تغيير حال األمة بدون تغيير حال‬
‫الدولة‪.‬‬

‫(‪) 3‬‬
‫الدولة غير الشرعية‬
‫بالنظر إلى األوضاع السياسية في غالب الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬نجد أنها تمثل أنظمة سياسية‬
‫لم تنتج من االختيار الحر للمجتمعات‪ ،‬بل فرضت عليها‪ .‬مما يعني أن الدول القائمة تم بناؤها لتعبر عن‬
‫نظام سياسي مفروض وليس مختارا‪ ،‬وعليه ال يمكن أن تكون لألنظمة القائمة شرعية‪ ،‬ألن فرضها على‬
‫المجتمعات‪ ،‬دون اختيار حر من الناس‪ ،‬يفقدها الشرعية‪ .‬وعليه ال يمكن بناء نظام ديمقراطي يهدف إلى‬
‫المحافظة على األوضاع القائمة‪ ،‬ألن هذا النظام سيكون غير شرعي أيضا‪ .‬كما أن آليات العمل‬
‫الديمقراطي تقوم على فكرة االختيار الحر للمجتمع‪ ،‬حتى يختار من يمثله ومن يحكمه‪ ،‬فإذا كان النظام‬
‫القائم لم يكتسب الشرعية من خالل االختيار الحر للمجتمع‪ ،‬لذا تصبح أي ديمقراطية تبنى من أجل الحفاظ‬
‫على الوضع القائم‪ ،‬ليست ديمقراطية‪ ،‬أي ليست وسيلة لتحقيق االختيار الحر للمجتمع‪.‬‬
‫لذا تصبح المشكلة األساسية في الوضع السياسي في الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬أنه فرض على‬
‫المجتمعات بدون أن يكون اختيار تلك المجتمعات‪ ،‬وعليه ال يمكن وصفه بالنظام السياسي المستقر‪ ،‬وال‬
‫يمكن العمل من أجل الحفاظ على بقاء النظم السياسية الحاكمة‪ ،‬أو تثبيت دعائم وجودها‪ .‬لهذا فالدول‬
‫القائمة أيضا‪ ،‬ليست تعبيرا عن المجتمع‪ ،‬كما أنها ال تمثل احتياجات المجتمع أو اختياراته‪ ،‬وأيضا ال تمثل‬
‫هويته وال مرجعية المجتمع‪ .‬وعليه يصبح وضع الدول من وضع النظام السياسي‪ ،‬أي أنها دولة ال تتمتع‬
‫بالشرعية‪ ،‬ألنها لم تبنى على االختيارات الحرة للمجتمع‪ .‬وهو ما أدى إلى وجود دول علمانية في‬
‫‪010‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫مجتمعات غير علمانية‪ ،‬على عكس الوضع في الدول الغربية‪ ،‬حيث نجد الدولة علمانية والمجتمع أيضا‬
‫علمانيا‪ ،‬كما نجد فروقا في علمانية الدول الغربية‪ ،‬تعكس الفروق في علمانية المجتمعات الغربية‪ .‬فالدولة‬
‫في الغرب تعكس مجتمعها‪ ،‬وليست مفروضة عليه‪ ،‬لذا توضع آليات العمل الديمقراطي في الغرب من‬
‫أجل الحفاظ على االستقرار السياسي‪ ،‬حيث يسمح بالتنافس من داخل إطار النظام السياسي القائم‪.‬‬
‫وهنا يتضح لنا أهمية النصوص الدستورية التي وضعت في دساتير معظم الدول العربية‬
‫واإلسالمية‪ ،‬والتي نصت على أن دين الدولة هو اإلسالم‪ ،‬أو نصت على أن مرجعية التشريع هي‬
‫الشريعة اإلسالمية‪ .‬فهذه النصوص وضعت من أجل إضفاء شرعية مزيفة على الدولة‪ ،‬ولكنها في الوقت‬
‫نفسه حددت مصدر الشرعية بالهوية اإلسالمية‪ .‬لذا كان اهتمام الحركة اإلسالمية بتلك النصوص‪ ،‬حيث‬
‫أنها تجعل الرؤية السياسية المستندة للمرجعية اإلسالمية لها شرعية‪ ،‬عن أي رؤية سياسية تستند‬
‫للمرجعية العلمانية‪ .‬مما جعل هذه النصوص تسحب الشرعية من النظام السياسي القائم‪ ،‬ومن الدولة‬
‫القائمة‪ ،‬وتعطي تلك الشرعية للحركات اإلسالمية‪ ،‬المحاصرة أو الممنوعة من العمل السياسي‪ .‬فأصبحت‬
‫الحركة اإلصالحية اإلسالمية‪ ،‬ترى أن عملها ليس خارج الشرعية بل تعبيرا عن الشرعية‪ ،‬وأن الوضع‬
‫السياسي القائم هو الخارج عن الشرعية‪ .‬وبنفس هذا المنهج في التفكير‪ ،‬تصبح تصرفات وتوجهات‬
‫وسياسات الدول القائمة خارجة عن الشرعية‪ ،‬ولكن ما تنادي به الحركات اإلسالمية من تصورات عن‬
‫الدولة هو المعبر عن الشرعية الدستورية‪.‬‬
‫ولكن حتى في حالة عدم وجود نصوص دستورية تعبر عن المرجعية اإلسالمية‪ ،‬فإن العمل‬
‫السياسي الشرعي‪ ،‬هو الذي يعبر ع ن المجتمع‪ ،‬أو قطاع كبير منه‪ ،‬ويصبح له شرعية الحكم من خالل‬
‫حصوله على األغلبية‪ .‬والنظام السياسي الشرعي‪ ،‬هو النظام الذي يحوز على توافق المجتمع‪ ،‬مما يجعله‬
‫ممثال لتوافق المجتمع على الهوية والمرجعية‪ ،‬وبالتالي يحق له أن يتحول إلى نظام مستقر‪ ،‬ويصبح هو‬
‫اإلطار الحاك م للعمل السياسي‪ .‬فإذا كان اختيار المجتمع هو للمرجعية اإلسالمية‪ ،‬عندئذ تصبح هي‬
‫المرجعية الملزمة للنشاط السياسي‪ ،‬وإذا كان اختيار المجتمع للمرجعية العلمانية‪ ،‬تصبح هي اإلطار‬
‫الملزم للعمل السياسي‪.‬‬
‫والمالحظ هنا‪ ،‬أن آليات العمل الديمقراطي بوصفها آليات لالختيار الحر للمجتمع‪ ،‬ليختار من‬
‫يحكمه ومن يمثله‪ ،‬ال تطبق في أي دولة تقوم على نظام سياسي مفروض على المجتمع‪ .‬وإذا طبقت‬
‫بدرجة ما‪ ،‬توضع لها قواعد مستبدة تمنع االختيارات الحرة للمجتمع‪ .‬ألن القائمين على النظم السياسية‬
‫العلمانية في الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬يدركون أن االختيار الحر للمجتمع في أغلب الحاالت سيكون‬
‫للمرجعية اإلسالمية‪ ،‬لذا يصبح االستبداد بأي درجة من درجاته هو الذي يحمي النظم العلمانية‪ .‬ومعنى‬
‫هذا‪ ،‬أنه يستحيل تحقيق الحرية السياسية في نظام مفروض على المجتمع‪ ،‬وأن أي تحول حقيقي‬
‫للديمقراطية‪ ،‬لن يجعلها وسيلة للتنافس داخل إطار النظام السياسي القائم‪ ،‬بل سوف تصبح وسيلة‬
‫الستخالص النظام السياسي المعبر عن المجتمع‪ ،‬إال إذا وضعت بها شروط تجعلها ديمقراطية مشروطة‬
‫ومقيدة‪ ،‬أي تجعلها ليست ديمقراطية في نهاية األمر‪.‬‬
‫هنا تضح الصورة‪ ،‬فآليات العمل الديمقراطي‪ ،‬أو آليات العمل السياسي الحر‪ ،‬عندما تبنى داخل‬
‫نظام مستقر ومختار من المجتمع‪ ،‬تصبح وسيلة للتنافس داخل إطار النظام القائم‪ ،‬ولكن عندما تطبق آليات‬
‫العمل السياسي الحر‪ ،‬في أي نظام غير مختار بحرية من المجتمع‪ ،‬تصبح وسيلة الستخالص اختيارات‬
‫‪013‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫المجتمع الحرة‪ ،‬وفرضها على النظام السياسي والدولة‪ ،‬حتى يعاد بناء النظام السياسي والدولة على‬
‫المرجعية المختارة من المجتمع‪ .‬فاالنتخابات الحرة في نظام سياسي يعبر عن المجتمع‪ ،‬تعد وسيلة للتنافس‬
‫داخل إطار النظام القائم‪ ،‬ولكن االنتخابات الحرة في نظام سياسي مفروض على المجتمع‪ ،‬تعد وسيلة‬
‫للتوصل إلى اختيار المجتمع السياسي‪ ،‬وفرضه على النظام السياسي والدولة‪ ،‬أي تعد وسيلة لتغيير النظام‬
‫السياسي والدولة‪ .‬وهذا ما يفسر ما نجده من عوائق تحول دون التحول الديمقراطي في الدول العربية‬
‫واإلسالمية‪.‬‬
‫فأنظمة الحكم والدول الغربية المؤيدة لها‪ ،‬تدرك أن التحول الديمقراطي يعني تنافس حر بين‬
‫الت يارات السياسية من خالل صندوق االنتخابات‪ ،‬وهذا التنافس يسمح بظهور التيارات السياسية األكثر‬
‫شعبية‪ ،‬والتي يرجح أن تكون التيارات اإلسالمية‪ ،‬مما يعني أن االنتخابات الحرة سوف تمكن التيار‬
‫اإلسالمي من الوصول للسلطة‪ ،‬مما يمكنه من تعديل النظام السياسي تدريجيا‪ ،‬حتى يستطيع في النهاية‬
‫بناء نظام إسالمي‪ ،‬إال إذا تدخل الجيش بدعم غربي كما كان يحدث في تركيا‪ ،‬أو تدخلت الدول الغربية‬
‫عسكريا أو سياسيا أو اقتصاديا‪ .‬لذا نجد أن الدول الغربية تريد تطبيق الديمقراطية في الدول العربية‬
‫واإلسالمية‪ ،‬إذا توفرت لها ضمانات تسمح بحماية الطابع القومي العلماني لتلك الدول‪ ،‬ألن الديمقراطية‬
‫من وجهة نظر الغرب‪ ،‬تمنع ثورة المجتمع وتمنع االنقالب المسلح على الدولة‪ ،‬وتمنع الدخول في مرحلة‬
‫عدم االستقرار والفوضى‪ ،‬ولكن الدول الغربية ترفض تطبيق الديمقراطية‪ ،‬بدون وجود ضمانات تمنع‬
‫التحول إلى النظام اإلسالمي‪ ،‬وتفضل في هذه الحالة بقاء االستبداد لحماية مصالحها في المنطقة‪ ،‬ومعنى‬
‫هذا ضمنا‪ ،‬أن بقاء النظام القومي العلماني يحمي المصالح الغربية في المنطقة‪ .‬وألن تطبيق الديمقراطية‪،‬‬
‫مع منع الحركة اإلسالمية من العمل السياسي‪ ،‬ومنع المجتمع من اختيار البديل اإلسالمي‪ ،‬أمر صعب‬
‫ور بما مستحيل‪ ،‬لذا فإن الدول الغربية أيدت بقاء النظم المستبدة ودعمتها‪ .‬وجاءت الثورات الشعبية لتلقب‬
‫الوضع‪ ،‬حيث أصبحت الشعوب هي التي تفرض الديمقراطية على الدولة وتطيح بالنخب المستبدة‪،‬‬
‫ووضعت الغرب في مأزق‪ ،‬ألنه ال يستطيع الوقوف أمام إرادة الشعوب‪ ،‬وفي نفس الوقت ال يستطيع‬
‫فرض شروط على التحول الديمقراطي‪ ،‬تمنع حدوث تحول إسالمي للنظم القائمة‪ .‬لذا نجد أن الدول‬
‫الغربية والنخب العلمانية ونخب الدولة القومية‪ ،‬تحاول بناء ديمقراطية مقيدة في مصر‪ ،‬حتى تكون‬
‫ديمقراطية مشروطة بقبول العلمانية ولو جزئيا‪.‬‬
‫لذا يمكن النظر إلى فكرة التحول الديمقراطي بصورة مختلفة‪ ،‬فهي تعني في حالة النظم السياسية‬
‫المفروضة على المجتمع‪ ،‬كما في حالة الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬استخدام آليات العمل الديمقراطي من‬
‫تعددية وانتخابات حرة وغيرها‪ ،‬من أجل استخالص مرجعية المجتمع‪ ،‬وتغيير النظام السياسي والدولة‬
‫طبقا لتلك المرجعية‪ .‬لذا فإن موقف النخب السياسية من التحول الديمقراطي يختلف اختالفا جذريا‪ ،‬ألن‬
‫النخب العلمانية تريد ديمقراطية تحول الدولة العلمانية القومية القائمة‪ ،‬إلى دولة ديمقراطية‪ ،‬بدون تغيير‬
‫هويتها العلمانية‪ ،‬ولكن الحركات اإلسالمية تريد ديمقراطية تحول الدولة القائمة إلى المرجعية التي‬
‫يختارها المجتمع‪ ،‬ألنها ترى أن المرجعية اإلسالمية سوف تكون خيار المجتمع‪ .‬والديمقراطية في حالة‬
‫النخب العلمانية تحافظ على طبيعة النظام القائم‪ ،‬ولكن في حالة الحركات اإلسالمية‪ ،‬فهي وسيلة لتغيير‬
‫الوضع القائم‪.‬‬

‫‪012‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫(‪) 2‬‬
‫الديمقراطية أداة للتغيير‬
‫عند الحديث عن التحول الديمقراطي‪ ،‬يلزم التفرقة بين القيم الديمقراطية وآليات العمل‬
‫الديمقراطي‪ .‬فالقيم الديمقراطية تعني الفلسفة التي أسست عليها الديمقراطية‪ ،‬وهي الفلسفة الوضعية‪ ،‬التي‬
‫تجعل العقل البشري هو المرجعية العليا للنظام السياسي‪ .‬والفكر الوضعي‪ ،‬هو العلمانية التي تنفي أي دور‬
‫للدين في المجال العام‪ ،‬وتجعل مرجعية النظام السياسي مستندة بالكامل لما يصل له العقل البشري‪،‬‬
‫وتترك للدين دوره في حياة األفراد في حالة العلمانية المعتدلة‪ ،‬وتحارب دور الدين في حياة األفراد في‬
‫حالة العلمانية المتطرفة‪.‬‬
‫وغالب الفكر الديمقراطي يعتمد على الرؤية السياسية الليبرالية‪ ،‬أكثر من الرؤى األخرى‪ ،‬سواء‬
‫الليبرالية الرأسمالية المتطرفة‪ ،‬أو الليبرالية المعتدلة‪ ،‬أو اليسارية‪ .‬والرؤية الليبرالية تجعل هدف النظام‬
‫السياسي هو حماية الحرية الفردية‪ ،‬خارج أي سيطرة للقيم والتقاليد والقواعد الدينية أو االجتماعية‪،‬‬
‫وتحقيق الرفاهية المادية‪ ،‬والتي تقوم على معاني مادية في األساس‪ ،‬وتنتج المجتمع االستهالكي‪.‬‬
‫وبهذا المعنى تصبح الديمقراطية بوصفها نظاما للقيم‪ ،‬متعارضة بالكامل مع الرؤية السياسية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬والتي تستند للقيم السياسية اإلسالمية‪ .‬وهي قيم تجعل المرجعية العليا للدين‪ ،‬وللنص المقدس‪،‬‬
‫ولمرجعية الشريعة اإلسالمية‪ ،‬وتجعل غاية النظام السياسي هي إقامة العدل بين الناس‪ ،‬وتجعل الحرية‬
‫الفردية منضبطة بالقواعد والتقاليد الدينية السائدة بين الناس‪ ،‬في المجتمع المتدين‪ ،‬وتهدف إلى تحقيق‬
‫مجتمع الكفاية والعدل‪ ،‬وليس المجتمع االستهالكي المادي‪.‬‬
‫لذا يصبح تطبيق الفلسفة الديمقراطية‪ ،‬تطبيقا لنظام علماني يخالف الرؤية اإلسالمية‪ ،‬أما تطبيق‬
‫آليات العمل الديمقراطي‪ ،‬فيعني تطبيق أدوات النظام الديمقراطي‪ ،‬ومنها االنتخابات الحرة والمنافسة‬
‫السياسية‪ ،‬ووسائل التوصل إلى اإلرادة الحرة للمجتمع في اختيار الهوية والمرجعية‪ ،‬واختيار حاكمه‬
‫وممثليه‪ .‬وتلك األدوات ليست بالضرورة أفضل األدوات‪ ،‬بقدر ما أنها مفيدة في استخالص مواقف‬
‫المجتمع وتحيزه ورؤيته‪ ،‬وصالحة في تحديد األغلبية المجتمعية والسياسية‪ .‬لذا تصلح أدوات الديمقراطية‬
‫في تحقيق اإلرادة الحرة للمجتمع‪ ،‬إذا كان اختيار المجتمع هو المشروع اإلسالمي‪ ،‬أو كان المشروع‬
‫العلماني‪ .‬نعني بهذا‪ ،‬أن قواعد العمل الديمقراطي‪ ،‬ال تمنع من وصول حركة إسالمية للحكم‪ ،‬مما يساعدها‬
‫على بناء الدولة اإلسالمية‪ ،‬وتنفيذ المشروع اإلسالمي‪.‬‬
‫ولكن المشكلة ليست في أدوات العمل الديمقراطي‪ ،‬ولكن في أن الديمقراطية المراد فرضها على‬
‫العالم العربي واإلسالمي‪ ،‬هي فلسفة الديمقراطية‪ ،‬أي النظام العلماني الليبرالي الوضعي‪ .‬فما يتم تسويقه‬
‫غربيا‪ ،‬هو قيم الديمقراطية‪ ،‬وليس أدوات الديمقراطية‪ .‬فالغرب ال يريد نشر أدوات ووسائل سياسية‪،‬‬
‫تسمح باختيار المجتمع للنظام الذي يريده‪ ،‬مما يسمح له باختيار النظام اإلسالمي‪ .‬والنخب المستبدة في‬
‫أغلبها ال تريد تطبيق أدوات العمل الديمقراطي‪ ،‬وتريد فقط تطبيق قيم الديمقراطية‪ ،‬حتى تبقى في الحكم‪،‬‬
‫وتكون هي النخب الوحيدة المتحالفة مع الغرب والتي تمرر مصالح الغرب في المنطقة‪ ،‬دون أن تطبق‬
‫أ دوات العمل الديمقراطي‪ ،‬حتى ال تأتي نخبة غيرها وتصل للحكم‪ ،‬سواء كانت نخبة علمانية متحالفة مع‬
‫‪014‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫الغرب‪ ،‬أو كانت نخبة إسالمية تحمل المشروع اإلسالمي‪ .‬أما النخب العلمانية‪ ،‬فهي تريد نظاما ديمقراطيا‬
‫يقوم على قيم وأدوات الديمقراطية‪ ،‬أي نظاما علمانيا ليبراليا‪ ،‬سواء كان يمينيا رأسماليا أو يساريا‬
‫اشتراكيا‪ ،‬بشرط أن ال يسمح هذا النظام بأي عمل سياسي للحركات اإلسالمية‪ ،‬ألن النخب العلمانية‬
‫تعرف أنها غير قادرة على منافسة التيار اإلسالمي في انتخابات حرة‪ ،‬وتريد منعه من العمل السياسي من‬
‫خالل قواعد دستورية وقانونية‪ .‬وعندما غابت النخب الحاكمة المستبدة بفعل الثورات الشعبية‪ ،‬ظهر أن‬
‫نخب الدولة القومية نفسها تدافع في أغلبها عن طابع الدولة‪ ،‬وارتباطاتها الخارجية‪ ،‬والدعم الغربي الذي‬
‫تتلقاه‪ ،‬نظرا لطابعها العلماني‪.‬‬
‫وفي ظل هذا الوضع‪ ،‬يصبح التعامل مع الدولة القائمة يمثل مشكلة بالنسبة للحركات اإلسالمية‪،‬‬
‫ألنها تمثل في الواقع النظام العلماني المعادي للمشروع اإلسالمي‪ ،‬والذي يمنع الحركة اإلسالمية من‬
‫الوصول للسلطة‪ .‬ومع هذا‪ ،‬تظل أدوات العمل الديمقراطي هي نقطة التوافق الوحيدة بين قوى علمانية‬
‫وقوى إسالمية‪ ،‬ولكن لكل طرف غرض مختلف منها‪ .‬وأمام صعوبة تحويل الدولة القائمة من دولة‬
‫علمانية إلى دولة إسالمية‪ ،‬تظهر العديد من التجارب التاريخية التي تريد التعامل مع هذا الواقع‪ .‬ومن تلك‬
‫التجارب نعرف مصير المناهج المختلفة في التعامل مع الدولة‪.‬‬
‫وبالنظر لحركة التحرر الوطني العلماني‪ ،‬نجد أن نخب التحرر الوطني قبلت العلمانية‪ ،‬حتى تظل‬
‫داخل إطار الرضا الغربي‪ ،‬وتمنع أي انقالب غربي عليها وعلى ثوراتها‪ .‬وكانت بعض نخب التحرر‬
‫الوطني العلماني تؤمن بالفعل بالعلمانية‪ ،‬وتحاول تقليد الغرب ليس فقط سياسيا‪ ،‬بل أيضا حضاريا وثقافيا‪،‬‬
‫وكانت تحاول بناء التقدم بالسير في طريق الغرب‪ ،‬وتعلقا بنموذجه‪ .‬ولكن تلك النخب التي جعلت من‬
‫الغرب مثاال لها‪ ،‬أصبحت في النهاية في تحالف مع الغرب‪ ،‬يؤسس لدول تابعة‪ ،‬وليست دول مستقلة‪ .‬أما‬
‫مشروع التقدم والتنمية فلم يتحقق أصال‪ ،‬ألن التقدم مع التبعية ال يجتمعان‪ ،‬فالتبعية للقوي تؤدي إلى بقاء‬
‫الضعيف ضعيفا‪ ،‬حتى يبقى ال قوي قويا‪ ،‬كما أن كل تقليد للقوي ال ينتج تقدما‪ ،‬فالمقلد ال يحقق نهضة‪.‬‬
‫وكانت بعض النخب العلمانية‪ ،‬تختار العلمانية حتى ال تعادي الغرب‪ ،‬ولكن النتيجة كانت واحدة‪ ،‬حيث‬
‫سقط الجميع في التبعية‪ ،‬ولم تتحقق التنمية أو التقدم‪.‬‬
‫وأصبحت تجارب العمل من خالل الدولة القائمة والقبول بشروطها العلمانية‪ ،‬تقيم دوال تابعة‬
‫للغرب وتقع تحت الهيمنة الغربية المباشرة‪ .‬ولكن تلك التجارب وغيرها الكثير‪ ،‬لم تلتزم بالديمقراطية‬
‫كأدوات‪ ،‬والتزمت فقط بالرؤية العلمانية جزئيا أو كليا‪ .‬ولكن تجربة حزب العدالة والتنمية التركي سارت‬
‫في اتجاه مختلف‪ ،‬حيث وافق مؤسسو الحزب اإلسالميين‪ ،‬على االلتزام بالعلمانية وفي نفس الوقت تطبيق‬
‫الديمقراطية الكاملة‪ ،‬بأدوات التنافس السياسي الحر‪ ،‬والتي تسمح للمجتمع بتحقيق أرادته الحرة‪ .‬ووافق‬
‫الغرب خاصة أمريكا على هذا الطرح‪ ،‬شريطة الحفاظ على العلمانية‪ ،‬وأعلن قادة الحزب حفاظهم على‬
‫العلمانية‪ .‬وأصبح التحدي الحقيقي يكمن في تطبيق الديمقراطية الكاملة‪ ،‬ألنها تسمح للمجتمع باالختيار‪،‬‬
‫حيث يمكن للمجتمع أن يختار في المستقبل نظاما إسالميا‪ ،‬أو يختار برنامجا إسالميا تدريجيا‪ ،‬يحول‬
‫الدولة في النهاية من دولة علمانية إلى دولة إسالمية‪ .‬ولكن الغرب يتربص بهذا االحتمال‪ ،‬ويعد كل‬
‫وسائله السياسية واالقتصادية لمنع هذا االحتمال‪ .‬لهذا تصبح تجربة حزب العدالة والتنمية التركي‪،‬‬
‫محاولة لفتح باب الديمقراطية بصورة قد تؤدي لتمرير المشروع اإلسالمي‪ ،‬وقد تنتج علمانية ديمقراطية‪.‬‬

‫‪015‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫وهي بهذا تجربة تختبر الدولة العلمانية‪ ،‬ومدى إمكانية تغييرها من داخلها باستخدام أدوات العمل‬
‫الديمقراطي‪.‬‬
‫ويمكن القول‪ :‬أن أدوات العمل الديمقراطي تسمح بتغيير الدولة من داخلها‪ ،‬إذا سمحت بوصول‬
‫النخبة التي تختارها الجماهير للحكم‪ ،‬والتي يمكنها من خالل حصولها على األغلبية‪ ،‬تغيير النظام‬
‫السياسي‪ ،‬من خالل إجراءات سياسية وقانونية تستند للتوافق المجتمعي واألغلبية‪ ،‬مما يؤدي إلى قيام دولة‬
‫إسالمية‪ .‬ولكن المشكلة ليست في أدوات العمل الديمقراطي‪ ،‬ولكن في القوى التي تحمي الدولة العلمانية‬
‫سواء في الداخل أو الخارج‪ ،‬خاصة الدول الغربية‪ ،‬والتي ترى أن الدولة العلمانية القومية القطرية‪ ،‬تمثل‬
‫الحامي األول للمصالح الغربية في المنطقة العربية واإلسالمية‪ .‬لذا يمكن نظريا العمل من خالل أدوات‬
‫العمل الديمقراطي لبناء الدولة اإلسالمية‪ ،‬ولكن القوى المهيمنة على تلك الدول العلمانية‪ ،‬ستعمل على‬
‫حماية طابعها العلماني وفرضه على كل من يصل للسلطة‪.‬‬

‫(‪) 4‬‬
‫الدولة بين العلمانية واإلسالمية‬
‫المقابلة بين الدولة العلمانية والدولة اإلسالمية‪ ،‬تمثل العنصر األهم في مواجهات السياسة‬
‫والحروب أيضا‪ ،‬فهي عنوان للواقع العربي واإلسالمي‪ ،‬وتختصر أهم المعارك والمواجهات‪ .‬ولكن تلك‬
‫المقابلة تطرح تساؤال عن االختالف والتشابه بين الدولة العلمانية والدولة اإلسالمية‪ .‬ألن مدى االختالف‬
‫هو الذي يحدد في تصور البعض‪ ،‬ما إذا كانت عملية تغيير الدولة العلمانية إلى دولة إسالمية‪ ،‬عملية بناء‬
‫أو عملية هدم لما هو قائم أوال‪ ،‬ثم بناء آخر‪ .‬والغالب في تجارب التاريخ‪ ،‬أنه ال يوجد هدم كامل وبناء‬
‫كامل ‪ ،‬فهذا التصور غير واقعي‪ ،‬وال تقوم به إال قوات االحتالل‪ ،‬والتي يمكن أن تهدم كل ما هو قائم‪،‬‬
‫حتى تفرض سيطرتها‪ .‬وتلك مفارقة‪ ،‬ألن الدولة التي كانت قائمة في العراق دولة علمانية‪ ،‬ومع هذا‬
‫احتاج االحتالل األمريكي لهدم الدولة العلمانية القائمة‪ ،‬رغم أنها قائمة على النموذج الغربي السياسي‪،‬‬
‫لكنها لم تكن متحالفة مع الغرب بما يكفي‪ ،‬حتى يستطيع بناء دولة علمانية أيضا ومتحالفة مع أمريكا‬
‫والغرب‪ ،‬تحالف نهائي وأبدي‪ .‬ولكنه في النهاية لم يبني دولة بأي معنى من المعاني‪ ،‬بل بنى حالة‬
‫فوضى‪ ،‬وأصبح غير قادر على الخروج منها‪ ،‬أو تحديد نهاية لها‪ ،‬أو تحديد نتائج نهاية حالة الفوضى‪.‬‬
‫ولكن كل مشاريع التغيير واإلصالح‪ ،‬والتي تأتي من داخل المجتمع نفسه‪ ،‬وتحاول بناء الدولة‬
‫التي يريدها المجتمع‪ ،‬ال تقوم على الهدم‪ ،‬أي هدم ما هو قائم‪ ،‬بقدر ما تقوم على توظيف ما هو قائم‬
‫لصالح بناء ما يراد تحقيقه‪ ،‬ألن عملية الهدم ضارة بالمجتمع كما أنها ضارة بأي حركة تغيير وإصالح‪،‬‬
‫ألنها تفقد الحركة المقومات المتاحة لها‪ ،‬والتي تستطيع من خاللها بناء ما تريد تحقيقه‪ .‬فعملية الهدم‬
‫والبناء ال ترتبط ارتباطا مباشرا بالفرق بين القائم والمراد بناءه‪ ،‬وتلك مسألة من المهم النظر لها بدقة‪.‬‬
‫فالدولة اإلسالمية التي تتأسس إلقامة العدل‪ ،‬تختلف عن الدولة الليبرالية العلمانية التي تقوم من‬
‫أجل تحقيق الحرية الفردية‪ .‬والفرق هنا في القيمة األولى التي تحوز على رعاية الدولة‪ ،‬ولكن هذا الفرق‬
‫يمثل في تصورنا فرقا هائال‪ ،‬ألنه يكفي لتغيير كل سياسات الدولة في مختلف القضايا االجتماعية والثقافية‬
‫واالقتصادية‪ .‬والدولة العلمانية تقوم لحماية القومية فقط‪ ،‬ولكن الدولة اإلسالمية تقوم من أجل تحقيق أمن‬
‫‪016‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫األمة اإلسالمية‪ ،‬وهذا الفرق كافي الختالف كل السياسات الخارجية بين الدولة العلمانية القومية والدولة‬
‫اإلسالمية‪ .‬لذا فالفرق في قيمتين فقط‪ ،‬كافي الختالف كل السياسات الخارجية والداخلية‪ .‬وبهذا يمكن‬
‫القول‪ :‬أن الفرق بين الدولة العلمانية والدولة اإلسالمية هائل‪ ،‬وأنه أكبر من أي تشابه‪ ،‬مما يجعل أي‬
‫تشابه بينهما غير ذي معنى‪.‬‬
‫ولكن البعض قد ينظر من زاوية مختلفة‪ ،‬ويرى أن الفرق بين الدولة العلمانية واإلسالمية‪،‬‬
‫ينحصر في بعض القضايا والسياسات والقيم‪ ،‬وهو بهذا المعنى ينحصر في بعض األبعاد المحددة‪ ،‬وال‬
‫يشمل كل التفاصيل‪ ،‬فالدولة في النهاية هي الدولة‪ ،‬بكل أدواتها ومكوناتها وجهازها اإلداري‪ .‬ويمكن‬
‫القول‪ :‬أن الفرق بين الدولة اإلسالمية والدولة العلمانية يكمن أساسا في القيم والسياسات‪ ،‬وهو فرق من‬
‫حيث الكم ليس كبيرا‪ ،‬ولكنه من حيث الكيف هائل ونوعي وفارق‪ .‬ولكن هذا ال يمنع من وجود تشابه بين‬
‫هياكل الدول أيا كانت مرجعية الدولة‪ ،‬ولكن هذا التشابه ليس تطابقا كامال‪ ،‬وقد يكون مجرد تشابه في‬
‫الشكل مع اختالف المضمون‪.‬‬
‫فمن يتأمل دور الدولة اإلسالمية مقارنة بالدولة العلمانية القومية‪ ،‬يكتشف أن الدولة العلمانية‬
‫مسيطرة ومهيمنة على المجتمع بصورة كبيرة‪ ،‬في حين أن الدولة اإلسالمية ال تسطير على المجتمع‪،‬‬
‫بقدر ما تسيطر المرجعية اإلسالمية عليه وتنظمه‪ ،‬فيصبح مجتمعا متماسكا قويا‪ ،‬من خالل التزامه بقواعد‬
‫المرجعية اإلسالمية‪ ،‬وينحصر دور الدولة في المهام المركزية واألمن وفرض القانون والسياسة‬
‫الخارجية‪ ،‬دون أن تتمدد لتسيطر على حركة المجتمع‪ .‬ففي حالة الدولة اإلسالمية‪ ،‬يكون للمجتمع ولألمة‪،‬‬
‫دورهما في تحقيق النهضة‪ .‬وكلما كان المجتمع قويا‪ ،‬ال يمكن تصور حالة سياسية تسيطر عليها األحزاب‬
‫السياسية‪ ،‬بصورة تجعل النخب السياسية هي العنصر الفاعل في الحياة السياسية‪ ،‬والتي تفرض خيارتها‬
‫على الناس لتختار بينها‪ ،‬بل سيكون المجتمع وقواه ومؤسساته الحية لهم دور كبير في تشكيل وتوجيه‬
‫الرأي العام والتعبير عنه‪ ،‬بقدر قد يجعل للقوى والحركات االجتماعية تأثيرا كبيرا على األحزاب‬
‫السياسية‪.‬‬
‫كل هذا يعني وجود اختالفات في دور ومسئولية الدولة‪ ،‬كما أن هناك اختالفات في قيمها‪ ،‬وبهذا‬
‫يكون نموذج الدولة اإلسالمية مفارقا لنموذج الدولة العلمانية‪ .‬والفرق هنا أن جهاز الدولة في الحالة‬
‫اإلسال مية‪ ،‬ينتج منتجات وأدوار غير ما ينتجه جهاز الدولة في الحالة العلمانية‪ ،‬رغم أن كل منهما يمثل‬
‫جهازا إداريا‪ .‬نعني من هذا‪ ،‬أن التشابه بينهما ليس مهما‪ ،‬حتى وإن كان ملحوظا‪ ،‬ولكن التشابه بينهما‬
‫يعني أن أدوات الجهاز اإلداري يمكن أن تتشابه‪ ،‬بما يعني أنه يمكن تحويل أدوات الجهاز اإلداري للدولة‬
‫العلمانية إلى أدوات لجهاز إداري في دولة إسالمية‪ .‬وهذه هي النقطة المهمة‪ ،‬فالدولة العلمانية يمكن‬
‫تحويلها إلى دولة إسالمية‪ ،‬بمعنى أن أجهزة الدولة العلمانية يمكن توظيفها لتنتج نظاما إسالميا‪ ،‬بدون‬
‫الحاجة لهدمها وبناء أجهزة أخرى لها‪ .‬لذا يصبح التشابه بين الدولة العلمانية والدولة اإلسالمية‪ ،‬كافيا‬
‫لتحويل أيا منهما لآلخر‪ ،‬ولكن ليس كافيا العتبار أن الفرق بينهما محدودا‪ ،‬وليس كافيا بالطبع العتبار أن‬
‫أيا منهما يمكن أن يحقق غايات اآلخر‪ .‬فمن يقول بأن الدولة العلمانية يمكن أن تحقق غايات الدولة‬
‫اإل سالمية أو جزءا مهم منها‪ ،‬يتجاهل حقيقة االختالفات الهيكلية بينهما‪ ،‬ولكن هذه االختالفات ال تعيق‬
‫إمكانية تحويل الدولة العلمانية إلى دولة إسالمية‪ ،‬إذا حكمتها نخبة إسالمية من خالل توافق وأغلبية‬

‫‪017‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫مجتمعية وسياسية‪ ،‬واستطاعت مقاومة النفوذ الغربي‪ ،‬الذي سيحاول منعها من تحويل أي دولة علمانية‬
‫إلى دولة إسالمية‪.‬‬
‫تلك في تصوري مسألة مهمة‪ ،‬ألنها تعني أن اإلصالح التدريجي ممكن‪ ،‬ولكنه ال يعني أن الفرق‬
‫بين الدولة العلمانية والدولة اإلسالمية ضئيل‪ .‬مما يعني أن العمل السياسي السلمي اإلصالحي‪ ،‬ال يعني‬
‫القبول ولو جزئيا بالدولة العلما نية‪ ،‬ألن هذا القبول يعني التنازل عن المشروع اإلسالمي ولو جزئيا‪ .‬وكل‬
‫تنازل جزئي عن المشروع اإلسالمي‪ ،‬سوف يؤدي إلى تنازل نهائي عن المشروع اإلسالمي‪ ،‬ألن هذا‬
‫التنازل سيحدث بسبب الهيمنة الغربية‪ ،‬وخضوعا لها وتحالفا معها‪ ،‬مما يعني أن استعادة المشروع‬
‫اإلسالمي بعد ذلك‪ ،‬ستكون مواجهة مع الدول الغربية‪ .‬وكل تنازل ولو جزئي عن المشروع اإلسالمي‬
‫يفسد كل المشروع‪ ،‬ألنه مشروع متكامل غير قابل للتبعيض أو التجزئة‪ ،‬مثله مثل غيره من المشاريع‪،‬‬
‫بما فيها المشروع العلماني‪ .‬ومن يرى أن هناك مشروعا يمكن أن يكون علمانيا جزئيا وإسالميا جزئيا‪،‬‬
‫سيكتشف أن المحصلة النهائية ستكون علمانية‪ .‬ولكن هذا ال يمنع من أن الدولة العلمانية قابلة للتغيير من‬
‫داخلها‪ ،‬وأن هذا التغيير يمكن أن يصل لبناء دولة إسالمية‪ .‬ومعنى هذا‪ ،‬أن هناك فرق بين التنازل‪ ،‬وبين‬
‫المرحلية‪ .‬وتغيير الدولة العلمانية من داخلها ليس تنازال‪ ،‬فليس من الضروري هدم الدولة العلمانية‬
‫بالكامل‪ ،‬حتى يتم بناء الدولة اإلسالمية‪ ،‬إال في بعض الظروف الخاصة‪ .‬ولكن العمل من داخل الدولة‬
‫العلمانية القائمة وتغييرها‪ ،‬ال يعني أنها تتشابه مع الدولة اإلسالمية‪ ،‬ألن ما بينهما من تشابه ليس له قيمة‬
‫عملية‪.‬‬

‫(‪) 5‬‬
‫هل أدوات العلمانية محايدة؟‬
‫قد يرى البعض أن بناء الدولة اإلسالمية من داخل الدولة العلمانية غير متاح أصال‪ ،‬ألن األدوات‬
‫التي تستخدمها الدولة العلمانية ليست أدوات محايدة‪ ،‬بل أدوات متحيزة للعلمانية‪ ،‬ومعنى هذا أنها سوف‬
‫تنتج العلمانية في كل األحوال‪ ،‬ويصبح استخدامها سببا في إعادة إنتاج العلمانية‪ ،‬وليس وسيلة لبناء الدولة‬
‫اإلسالمية‪ .‬والنقاش هنا يدور حول األساليب وهل هي محايدة أم ال‪ ،‬وقد يمتد هذا النقاش إلى كل األدوات‬
‫ومنتجات التكنولوجيا التي أنتجت في الغرب‪ .‬ومن جانب آخر‪ ،‬يمكن التساؤل حول األساليب واألدوات‬
‫السياسية الغربية‪ ،‬فهي قد ال تكون أفضل أساليب لبناء النموذج اإلسالمي‪ ،‬حتى وإن كانت مناسبة له‪ ،‬أو‬
‫يمكن بناءه من خاللها أحيانا‪.‬‬
‫والواقع أن معظم األدوات ال تنتج منتجا واحدا فقط‪ ،‬بل يمكن أن تنتج عدة منتجات‪ .‬فاألدوات‬
‫التكنولوجية مثل وسائل االتصال‪ ،‬يمكن أن يرسل من خاللها عدة رسائل مختلفة وربما متعارضة‪ .‬وكذلك‬
‫الحال بالنسبة لمختلف األدوات الصناعية والتكنولوجية والتقنية‪ .‬ولكن أدوات العمل السياسي تختلف عن‬
‫األدوات الصناعية والتكنولوجية‪ ،‬فأدوات العمل السياسي مثل أدوات العمل اإلداري‪ ،‬تؤثر على النتائج‬
‫المتحققة منها‪ .‬ولعل المثل المهم في هذا المجال‪ ،‬يتعلق بنمط اإلدارة في اليابان‪ ،‬مقارنة بنمط اإلدارة في‬
‫أمريكا‪ ،‬حيث دارت حوارات بين الطرف األمريكي والطرف الياباني‪ ،‬أراد من خاللها الطرف األمريكي‬
‫فرض نمطه اإلداري على اليابان‪ ،‬ولكن األخيرة رفضت معللة ذلك بأن إنتاجية الياباني أعلى من إنتاجية‬
‫األمريكي‪ ،‬لذ ا فإن النمط اإلداري الياباني يعد أفضل من األمريكي‪ .‬وهذه القصة تكشف عن اهتمام الغرب‬
‫‪018‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫عامة‪ ،‬بنشر أنماطه السياسية واإلدارية‪ ،‬ألنه يظن أن نشر هذه األنماط ينتج دائما القيم الغربية‪ .‬وفي نفس‬
‫الوقت‪ ،‬يتضح أن التفوق الياباني لم يكن تقليدا للغرب‪ ،‬ولكن حدث من خالل تميز األنظمة واألنماط‬
‫اليابانية‪ ،‬والتي صنعت التفوق الياباني‪.‬‬
‫لذا يمكن القول‪ :‬أن األنماط اإلدارية السياسية ليست أدوات تنتج منتجا واحدا‪ ،‬ولكنها أكثر مناسبة‬
‫لهذا المنتج من غيره من المنتجات‪ .‬وفي المجال السياسي‪ ،‬تعد آليات العمل الديمقراطي آلية الختيار‬
‫الحاكم وممثل ي المجتمع‪ ،‬اختيارا حرا‪ .‬وآليات العمل الديمقراطي‪ ،‬وهي التعددية الحزبية واالنتخابات‬
‫الحرة والفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة‪ ،‬يمكن أن تكون وسائل في أنظمة سياسية مختلفة‪،‬‬
‫وتنتج نتائج مختلفة‪ ،‬حتى وإن كانت هذه الوسائل بصورتها الحالية‪ ،‬أكثر مناسبة للنظم الليبرالية‪ .‬فيمكن‬
‫تطبيق الشورى اإلسالمية من خالل آليات العمل الديمقراطي‪ ،‬ولكن هذا التطبيق لن يكون أفضل تطبيق‬
‫للشورى اإلسالمية‪ ،‬ألنه سوف يحصر صناعة القرار السياسي بين القوى المهيمنة في المجال السياسي‪،‬‬
‫دون القوى االجتماعية األخرى‪ ،‬والتي ليس لها حضورا سياسيا‪ ،‬في حين أن الشورى اإلسالمية تفترض‬
‫استخالص الرأي الجماعي‪ ،‬من كل القوى والمكونات في المجتمع أو األمة‪ ،‬أيا كانت قوة تلك المكونات‬
‫المالية والسياسية وما تملكه من سلطة وثروة‪ .‬في حين أن الديمقراطية تعطي ميزة نسبية واضحة في‬
‫العملية السياسية‪ ،‬للقوى التي تملك السلطة والثروة والنفوذ‪ ،‬وتجعلها هي صانعة الرأي العام‪ ،‬والذي من‬
‫خالله تتشكل الحكومات‪ .‬وفي المقابل سنجد أن الشورى اإلسالمية‪ ،‬تجعل كل مكونات المجتمع أو األمة‬
‫هي صانعة الرأي العام‪ ،‬الذي يفرض نفسه على أصحاب السلطة والنفوذ والثروة‪ .‬كما أن الشورى‬
‫اإلسالمية تقوم على استخالص رأي الجماعة داخل إطار المرجعية المتفق عليها‪ ،‬وهي المرجعية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬في حين أن الديمقراطية تقوم على استخالص رأي األغلبية داخل إطار الدستور‪ ،‬والذي يمكن‬
‫أن تغيره األغلبية أيضا‪.‬‬
‫ولكن الناظر إلى الواقع الراهن‪ ،‬يمكنه أن يكتشف أن آليات العمل الديمقراطي‪ ،‬إذا طبقت بشكل‬
‫جيد في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬سوف تسمح للمجتمعات ومن ثم لألمة‪ ،‬باختيار المرجعية‪ ،‬ثم اختيار‬
‫حاكمها وممثليها‪ ،‬مما يتيح لجماهير األمة اختيار المرجعية اإلسالمية‪ ،‬وتأسيس مرجعية الشريعة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬ومن ثم اختيار التيار اإلسالمي ممثال لألمة في الحكم‪ ،‬وهو ما يؤدي إلى قيام دول إسالمية في‬
‫العديد من الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬وقد ينتج عن ذلك بناء الوحدة السياسية اإلسالمية‪ .‬ومعنى هذا‪ ،‬أن‬
‫آليات العمل الديمقراطي يمكن أن تسمح ببناء الدولة اإلسالمية من خاللها‪ .‬ألن هذه اآلليات تمثل أساليب‬
‫توصلت لها الخبرة البشرية‪ ،‬وأصبح لها تجارب وخبرات سابقة‪ ،‬كما شكلت لها العديد من األدوات‪ ،‬مما‬
‫يجعلها أدوات قابلة لالستخدام الفوري‪.‬‬
‫ولكن عندما تستخدم األدوات المتاحة لبناء مشروع إسالمي‪ ،‬ويصبح لهذا المشروع اإلسالمي‬
‫استقالله وقدرته على التطور والتجديد‪ ،‬بعيدا عن الضغوط الخارجية‪ ،‬ستبدأ محاوالت لتطوير تلك‬
‫الوسائل‪ ،‬فقد نجد محاولة لتطوير القوى الفاعلة في الحياة السياسية‪ ،‬بفتح الباب أمام التنظيمات االجتماعية‬
‫بمختلف أشكالها‪ ،‬مما يشكل المجتمع القوي‪ ،‬ويشكل التيارات االجتماعية الحاكمة لهذا المجتمع‪ .‬وعليه‬
‫تصبح قوى المجتمع أقوى من األحزاب السياسية‪ ،‬وقادرة على توجيه هذه األحزاب والتأثير عليها‪ ،‬ألن‬
‫القوى االجتماعية سوف تمثل العمق االجتماعي للعمل السياسي‪ ،‬وسوف تمثل القوى االجتماعية المؤيدة‬
‫لألحزاب‪ ،‬ومادامت هذه القوى أكثر تنظيما وحضورا من األحزاب نفسها‪ ،‬لذا ستكون هي مصدر الحراك‬
‫‪019‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫االجتماعي والسياسي‪ ،‬ثم ينعكس دورها وحضورها في العمل السياسي من خالل األحزاب‪ .‬وإذا تطور‬
‫العمل السياسي بهذه الصورة‪ ،‬ورغم أن االختالف قد يبدو محدودا‪ ،‬إال أنه سوف ينتج نظاما سياسيا‬
‫مختلفا‪ ،‬يعتمد على تعدد القوى االجتماعية وتعدد التنظيمات االجتماعية‪ ،‬وليس فقط تعدد األحزاب‪ .‬وهذه‬
‫القوى االجتماعية سوف يكون لها حضور في مختلف جوانب الحياة وأنشطتها المختلفة‪ ،‬وليس فقط في‬
‫المجال السياسي‪ ،‬مما يجعل للمجتمع قوة وحضورا موازيا لقوة وحضور الدولة‪ ،‬ويقلل الفجوة بين‬
‫المجتمع والدولة‪ ،‬ويمنع توحش الدولة وهيمنتها على المجتمع‪ .‬وبهذا الشكل نصل إلى نظام سياسي‬
‫إسالمي‪ ،‬يستخدم أدوات بعضها يتشابه مع أدوات العمل الديمقراطي‪ ،‬ولكنها في مجملها أصبحت تختلف‬
‫عن أدوات العمل الديمقراطي‪ ،‬وأصبحت تنتج نظاما سياسيا‪ ،‬ال يختلف فقط في القيم‪ ،‬بل يختلف أيضا في‬
‫األدوات‪.‬‬
‫وتلك مسألة مهمة‪ ،‬فإذا كان التميز يظهر في القيم أكثر من األدوات‪ ،‬لذا يمكن استيراد األدوات‬
‫من الغرب‪ ،‬مع عدم استيراد القيم؛ لكن كل حضارة تنهض‪ ،‬تقوم على قيمها الخاصة‪ ،‬وتقتبس المعارف‬
‫واألدوات من غيرها من الحضارات التي سبقتها‪ ،‬وبعد ذلك تتجه الحضارة الناهضة إلى ابتكار أدواتها‬
‫الخاصة‪ ،‬وإدخال تعديالت على األدوات التي أنتجها غيرها‪ ،‬حتى تحقق تميزها الحضاري‪ ،‬وتعكس قيمها‬
‫بصورة أفضل‪ .‬وفي النهاية تنتج الحضارة الناهضة قيمها وتميزها الحضاري‪ ،‬كما تضيف للبشرية أدوات‬
‫ومعارف جديدة‪ ،‬ومن هنا يتحقق دورها الحضاري ورسالتها نحو البشرية‪.‬‬
‫لذا يمكن القول‪ :‬أن أدوات العمل الديمقراطي تصلح حاليا لتحقيق اإلصالح السياسي في البالد‬
‫العربية واإلسالمية‪ ،‬وتمثل أفضل األدوات السياسية السلمية المتاحة‪ ،‬وأنها يمكن أن تكون وسيلة لبناء‬
‫الدولة اإلسالمية في العديد من الدول اإلسالمية والعربية‪ ،‬وأنها سوف تظل لفترة تمثل األسلوب السياسي‬
‫المتبع في المجال السياسي‪ ،‬حتى يمكن بناء نمط سياسي آخر‪ ،‬يكون أكثر مناسبة لنموذج الدولة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وينتج قيمها بصورة أفضل‪ .‬ويعني هذا‪ ،‬أن تطبيق أدوات العمل الديمقراطي بدون فرض قيم‬
‫الديمقراطية والليبرالية‪ ،‬لن ينتج قيما غربية‪ ،‬بل سوف ينتج القيم التي تختارها المجتمعات العربية‬
‫واإلسالمية‪ .‬ولكن ا لمشكلة تكمن في كيفية تطبيق آليات العمل الديمقراطي‪ ،‬بعيدا عن هيمنة نخبة الدولة‬
‫القومية والهيمنة الخارجية‪ ،‬فكالهما يحول دون إعطاء األمة حقها في االختيار الحر‪ ،‬داخل العملية‬
‫الديمقراطية‪.‬‬

‫(‪) 6‬‬
‫مرحلة التحول‬
‫الناظر إلى مرحلة تحول الدولة اإلسالمية إلى دولة قومية قطرية‪ ،‬ونهاية الخالفة اإلسالمية‪،‬‬
‫يمكنه مالحظة أن بداية نهاية نموذج الدولة اإلسالمية بدأ قبل النهاية الرسمية لدولة الخالفة اإلسالمية‪ .‬فقد‬
‫حدثت عدة تغييرات من داخل الدولة اإلسالمية‪ ،‬عرفت وقتها بأنها إصالحات‪ ،‬ولكنها في الواقع كانت‬
‫تفكك بنية الدولة اإلسالمية‪ ،‬وتضعف قوتها وتحد من دورها‪ ،‬يظهر هذا في الشروط التي فرضت على‬
‫الدولة اإلسالمية من قبل الدول الغربية لحماية األجانب وحماية األقليات‪ ،‬فقد كانت تلك التطورات بداية‬
‫لنهاية النموذج الخاص للدولة اإلسالمية‪ .‬والناظر إلى تجربة محمد علي في مصر‪ ،‬يجد أنه حاول إصالح‬
‫الدولة اإلسالمية من داخلها عن طريق تحديث العلوم والمعارف‪ ،‬فأسس لنموذج تعليمي موازي للتعليم‬
‫‪001‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫الديني‪ ،‬من أجل تطوير المهارات العلمية والفنية‪ .‬ورغم أن هذه المحاولة لم تكن من أجل نشر العلمانية‪،‬‬
‫إال أنها ساهمت في تأسيس وضع سمح ببداية نشر العلمانية بعد ذلك‪ .‬ويمكن أن نضيف لذلك العديد من‬
‫محاوالت اإلصالح التي كانت تتم من داخل المنظومة اإلسالمية‪ ،‬ولكنها لم تستطع تجديد المنظومة من‬
‫داخلها‪ ،‬بقدر ما عمدت إلى اقتباس العديد من المعارف والعلوم واألدوات الغربية الحديثة‪ ،‬ولم تستطع‬
‫إدماجها في منظومة إسالمية متكاملة‪ ،‬لذا أصبحت تلك المقتبسات‪ ،‬بداية لبناء مغاير قام على حساب‬
‫النموذج اإلسالمي‪.‬‬
‫لذا يمكن القول‪ :‬أن النموذج اإلسالمي تم تفكيكه من داخله‪ ،‬من خالل زرع أفكار غريبة عنه دون‬
‫تحويلها إلى جزء من منظومة متكاملة‪ ،‬حتى أصبحت األجسام الغريبة تتراكم مع الوقت‪ ،‬وتبني نموذجا‬
‫مغايرا‪ ،‬خاصة في المج ال السياسي‪ ،‬ومنه تنتشر تلك األجسام الغريبة في بنية النظام التعليمي‪ ،‬وهكذا‬
‫تتمدد العلمنة تدريجيا داخل البنية الرسمية للدول العربية واإلسالمية‪ ،‬وتهدم النموذج اإلسالمي‪ ،‬وتحل‬
‫محله‪ .‬وربما تكون تلك الصورة هي صورة مراحل التحول الكبرى‪ ،‬فالتحوالت الكبرى ال تحدث في‬
‫لحظة واحدة‪ ،‬ولكنها تحصل تدريجيا‪ ،‬حتى تتراكم التحوالت والتغيرات الحادثة‪ ،‬لتصنع مرحلة جديدة‪،‬‬
‫وعندئذ تأتي لحظة التحول الرسمية أو لحظة إعالن التحول‪ .‬وهي مثل لحظة إعالن نهاية الخالفة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬والتي كانت لحظة إعالن عن واقع تحقق بالفعل على أرض الواقع‪ ،‬ولم يبقى إال اإلعالن عنه‪،‬‬
‫أي إعالن وفاء الدولة اإلسالمية‪ ،‬رغم أنها كانت في حالة موت سريري منذ فترة‪.‬‬
‫هذا المشهد‪ ،‬ضمن مشاهد أخرى في التاريخ الغربي يمكن أن تشرح مالمح مراحل التحول‬
‫الكبرى‪ .‬فالتقدم العلمي في الغرب حدث من داخل مؤسسة الكنيسة أوال‪ ،‬ولكنه بعد ذلك أصبح له مسار‬
‫مختلف خارج مؤسسة الكنيسة‪ ،‬ثم تم تحييد مؤسسة الكنيسة ونشر العلمانية‪ ،‬وبعد ذلك أعيدت قراءة‬
‫التاريخ بصورة جعلت من الكنيسة هي العقبة أمام العلم‪ ،‬مما يبرر الهجوم المتواصل على الدور العام‬
‫للكنيسة‪ ،‬صحيح أن دور الكنيسة في الغرب لم يكن إيجابيا‪ ،‬ولكن موقف الكنيسة من العلم‪ ،‬والذي أذيع‬
‫ونشر بعد بداية مرحلة العلمنة لم يكن دقيقا كله‪ .‬وهذا النموذج يشرح لنا كيف يكتب تاريخ المراحل‬
‫االنتقالية‪ ،‬عند حدوث تحوالت كبرى‪ ،‬ومنه يمكن أن نعرف كيف كتب تاريخ الدولة اإلسالمية‪ ،‬خاصة‬
‫في بعض مراحلها‪ ،‬ومنها المرحلة العثمانية‪ ،‬حيث كتب بصورة تمتدح بعض ما حدث من إصالحات أو‬
‫تغيرات‪ ،‬رغم أن تلك التغيرات هي التي قضت على الدولة اإلسالمية‪ ،‬وأنهت الخالفة اإلسالمية‪ .‬مما‬
‫يستلزم معه إعادة قراءة التاريخ اإلسالمي مرة أخرى‪ ،‬والنظر في ما حدث من تطور‪ ،‬وما حدث من‬
‫مشكالت بصورة أخرى‪ ،‬غير تلك الصورة الناتجة من الرؤية التي روجت لمشروع العلمنة‪ .‬وعندئذ‬
‫سوف يتضح مثال‪ ،‬أن الدولة العثمانية مثلت مرحلة مهمة من مراحل التاريخ اإلسالمي‪ ،‬وأنها حققت‬
‫الكثير من التقدم واإلنجاز‪ ،‬وأنها مثلت بالنسبة للغرب الخطر الذي أرقه‪ ،‬لما كان لها من قوة ونفوذ‬
‫عالمي‪ .‬ولكن من خالل ضعف الدولة العثمانية الداخلي‪ ،‬ومن خالل التدخل الغربي‪ ،‬بدأ تفكيك تلك الدولة‬
‫تدريجيا‪ ،‬حتى انتهى تاريخ الدولة اإلسالمية‪.‬‬
‫لهذا نتصور أن التحول من الدولة العلمانية القطرية التي زرعها االستعمار‪ ،‬إلى الدولة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬سوف يمر بمراحل مشابه لتلك المراحل التي حدثت مع نهاية الدولة اإلسالمية وبداية الدولة‬
‫العلمانية‪ .‬فالتغييرات سوف تحدث أوال من داخل بنية الدولة العلمانية‪ ،‬مما يشكل تحوالت تدريجية‬
‫بداخلها‪ .‬ثم سوف يكون لتبني القوى اإلسالمية آلليات الدولة العلمانية دورا مهما في إحداث تحوالت‬
‫‪000‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫تدريجية مهمة‪ ،‬فهذا التبني هو نوع من التفكيك الداخلي التدريجي آلليات الدولة العلمانية‪ ،‬مما يجعلها تنتج‬
‫قيما ونتائج غير تلك النتائج التي صممت من أجلها‪ .‬ومن خالل التفكيك المتتالي والمنظم آلليات الدولة‬
‫العلمانية‪ ،‬يحدث تحول تراكمي داخلها‪ ،‬يخرجها عن مسارها‪ ،‬وعن غاياتها وأهدافها‪ .‬وعندما تتجمع‬
‫بعض التحوالت المهمة‪ ،‬والتي تغير مالمح الدولة العلمانية وتفقدها مسارها الذي صممت من أجله‪ ،‬تبدأ‬
‫مرحلة إعالن نهاية الدولة العلمانية‪ ،‬وبداية الدولة اإلسالمية‪.‬‬
‫وهنا يصبح تبني بعض آليات الدولة العلمانية له أثر مزدوج‪ ،‬فهو في بدايته يعتبر نوعا من‬
‫االلتزام بآليات لم تصنع داخل المنظومة اإلسالمية‪ ،‬وهي بهذا آليات وافدة‪ ،‬ولكن بعد تبني تلك اآلليات‬
‫بصورة تسمح بإنتاج القيم اإلسالمية من خاللها‪ ،‬يصبح تبنيها تفكيكا لبعض الجوانب المهمة من المشروع‬
‫العلماني‪ ،‬وعزال لبعض اآلليات الرئيسة عن الغايات التي صممت من أجلها‪ .‬وعندما تنجح بعض تجارب‬
‫إنتاج القيم اإلسالمية من خالل آليات الديمقراطية‪ ،‬يصبح الطريق ممهدا لتطوير الديمقراطية نفسها‪،‬‬
‫وتحويلها إلى آلية أخرى‪ ،‬وبهذا يبدأ العد التنازلي لنهاية الدولة العلمانية القطرية في البالد العربية‬
‫واإلسالمية‪ ،‬وعندما تنجح تلك التجربة في بلد‪ ،‬يصبح انتشارها من بلد آلخر‪ ،‬ليس فقط أمرا ممكنا‪ ،‬بل‬
‫أمرا محتمال‪.‬‬
‫هذا ال يعني ضرورة تبني آليات العمل السياسي الغربي أوال‪ ،‬ولكن هذا المشهد يشرح اللحظات‬
‫البينية في التحوالت الكبرى‪ ،‬حيث أنها تكون لحظات مختلطة ورمادية أحيانا‪ ،‬وتتشكل من مناطق‬
‫غامضة أو متداخلة‪ ،‬يصعب رؤيتها عندما تحدث‪ ،‬ولكن عندما ينظر لها بعين المؤرخ بعد مرورها بعدة‬
‫سنوات أو قرون‪ ،‬تتضح مالمحها بصورة أفضل‪ .‬نعني بهذا أن التحوالت التدريجية الحادثة اآلن‪ ،‬والتي‬
‫تمثل في الواقع بداية نهاية الدولة العلمانية‪ ،‬وبداية الدولة اإلسالمية‪ ،‬ال يمكن مالحظتها بصورة واضحة‪،‬‬
‫لدرجة أن تلك التحوالت يظن البعض أنها ال توجد‪ ،‬ولكن عندما تدور عجلة التحوالت وتبدأ المالمح‬
‫العامة للواقع في التغير‪ ،‬يمكن أن يرى المؤرخ ما حدث من تحوالت تدريجية مهمة‪ ،‬لم يكن المعاصرين‬
‫لها يدركون أهميتها‪.‬‬
‫لذا يمكن القول‪ :‬أن الدولة اإلسالمية كنموذج سوف تبنى من جديد من داخل الدول القائمة‪ ،‬ومن‬
‫خالل تحوير أسس الوضع القائم وتغيير توجهاته ومساراته‪ ،‬حتى تتوقف عملية العلمنة أوال‪ ،‬ثم تصبح‬
‫العلمنة غير فاعلة في الواقع‪ ،‬ثم يحدث تحوالت للدول القائمة‪ ،‬تجعلها تنتج قيما غير علمانية مع مرور‬
‫الوقت‪ .‬ولكن هذه الصورة التدريجية للتحوالت‪ ،‬لن تكون هي الصورة الوحيدة‪ ،‬بل هي واحدة من‬
‫الصور‪ ،‬فهناك تحوالت تحدث في بعض البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬تتسم بالثورية أو التغير الجذري‪،‬‬
‫وهناك بعض المشاريع التي تطرح إحالل الدولة اإلسالمية مرة واحدة مكان الدولة العلمانية‪.‬‬
‫ومرحلة تفكيك أي نموذج قائم‪ ،‬ويملك السلطة‪ ،‬ليست مرحلة هينة‪ ،‬لذا يرى البعض أهمية‬
‫المرونة الشديدة في التعامل مع الواقع الراهن‪ ،‬حتى ال تثار عداوته‪ ،‬والبعض يرى أهمية المواجهة‬
‫الجذرية ألن الوضع القائم فرض بالقوة‪ .‬والبعض يرفض التعامل مع آليات النموذج الغربي ويرفضه‬
‫بالكامل‪ ،‬والبعض يستخدم تلك اآلليات حتى يخترق الوضع القائم‪ .‬فلحظات التحول‪ ،‬تمثل تحديا لكل‬
‫األطراف‪ ،‬للطرف الذي يملك السلطة ومهدد بفقدها‪ ،‬والطرف الذي يحمل مشروعا للتغيير‪.‬‬

‫‪003‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫(‪) 7‬‬
‫اللحظة الحرجة‬
‫يمكن القول‪ :‬أن الدولة تقع في صلب عملية التحول والتغيير واإلصالح‪ ،‬الناتجة من المقابلة بين‬
‫دولة علمانية قائمة‪ ،‬ودولة إسالمية بديلة‪ .‬فالكثير من التغييرات التي تتحقق في المجال العام‪ ،‬تجد طريقها‬
‫للدولة‪ ،‬بوصفها الممثل المركزي للمجال العام‪ .‬لذا يصبح عمل الحركات اإلسالمية في جانب هام منه‪ ،‬هو‬
‫تغيير الدولة القائمة‪ ،‬بأخرى بديلة لها‪ .‬والقضية ال ترتبط بكم هذا التغيير‪ ،‬بل بالكيف‪ ،‬كما أن تغيير الدولة‬
‫ال يعني هدم دولة وبناء دولة أخرى‪ ،‬ولكن يعني تغيير األسس التي تستمد منها الدولة شرعيتها‪ ،‬وبالتالي‬
‫تغيير غاياتها ومبادئها ووظائفها ومسئولياتها‪ .‬وفي المجمل يمكن القول‪ :‬أن التغيير يرتبط أساسا بتغيير‬
‫وظيفة الدولة‪ ،‬وعالقتها بالمجتمع‪ ،‬وأسس تلك العالقة‪.‬‬
‫وعملية تغيير الدولة تواجه العديد من التحديات‪ .‬فهي تواجه تحدي بقاء الدولة القومية بكل أسسها‬
‫ووظائفها‪ ،‬حتى بعد تحولها إلى المرجعية اإلسالمية‪ ،‬مما يؤدي إلى بناء نموذج مختلط بين القومية‬
‫واإلسالمية‪ .‬وهذا النموذج قد يبنى مرحليا‪ ،‬أو يكون ممثال لمرحلة انتقالية‪ ،‬ولكنه قد يتحول إلى نموذج‬
‫مستقر لفترة زمنية طويلة‪ ،‬مما يؤدي إلى بناء نموذج مشوه‪ ،‬فيه قدر من نموذج الدولة القومية‪ ،‬وقدر آخر‬
‫من نموذج الدولة اإلسالمية‪ .‬وهناك بعض الحاالت التي تمثل تجارب إسالمية‪ ،‬ولكنها في الواقع تجارب‬
‫لدولة قومية غيرت المرجعية العلمانية إلى اإلسالمية‪ ،‬دون أن تغير طبيعتها وتكوينها ووظيفتها‪ ،‬فظلت‬
‫دولة قومية‪.‬‬
‫والتحدي األهم في مواجهة عملية تغيير الدولة‪ ،‬أو تغيير مرجعية الدولة‪ ،‬يتعلق بالمواجهة مع‬
‫الوضع القائم‪ .‬وتلك المواجهة ال ترتبط فقط بما تقوم به الحركة اإلسالمية وما تتخذه من مواقف‪ ،‬ولكن‬
‫ترتبط أيضا بوضع الدولة القومية العلمانية‪ ،‬والتي تتوفر لها حماية غربية واضحة‪ .‬فنموذج الدولة القومية‬
‫العلمانية‪ ،‬يحقق مصالح الدول الغربية‪ ،‬والحفاظ على هذا النموذج ضمن السياسة الغربية في المنطقة‬
‫العربية واإلسالمية‪ .‬وربما يمكن افتراض أن الدول الغربية يمكن أن تقبل دولة قومية قطرية لها مرجعية‬
‫إسالمية‪ ،‬أكثر من قبولها لدولة إسالمية بالكامل‪ .‬ألن النموذج القومي القائم على الحدود القطرية‪ ،‬يبنى‬
‫على مصالح القومية‪ ،‬وبالتالي يمكن التعامل معه من خالل المصالح المادية المباشرة‪ ،‬ولكن النموذج‬
‫اإلسالمي للدولة‪ ،‬يقوم على مصالح األمة وااللتزام بمبادئها وقيمها‪ ،‬مما يجعل له أسس معنوية مختلفة‬
‫عن األسس المادية للدولة القومية القائمة على العرق والجنس‪ .‬مما يجعل الدولة القومية القائمة‪ ،‬هي‬
‫الحامية للمصالح الغربية‪ ،‬وهو ما يفسر تركيز الدول الغربية في خطابها السياسي على نموذج الدولة‬
‫القومية‪.‬‬
‫يضاف لهذا‪ ،‬أن الدول القائمة تمثل مصلحة للنخب المتحالفة مع الغرب‪ ،‬مما يجعل القوى‬
‫المساندة للدولة الق ائمة‪ ،‬تمثل تحالفا واسعا يمتد من نخب الدولة القومية والنخب العلمانية حتى الدول‬
‫والحكومات الغربية‪ .‬وال يمكن أن نغفل دور دولة االحتالل اإلسرائيلي‪ ،‬فبقاء نموذج الدولة القومية يمثل‬
‫مصلحة مباشرة لدولة االحتالل اإلسرائيلي‪ ،‬ألنه يساعدها على البقاء‪ ،‬ويؤمن قدرتها على حماية نفسها‪.‬‬
‫فدولة االحتالل اإلسرائيلي‪ ،‬ليست فقط دولة قومية‪ ،‬بل هي دولة قومية عنصرية‪ ،‬وهي دولة تبنى على‬
‫‪002‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫أسس علمانية ودينية مختلطة‪ .‬وبقاء الدول العربية المحيطة بها كدول قومية‪ ،‬يؤمن بقاء االحتالل‬
‫اإلسرائيلي‪.‬‬
‫لذا فكل محاولة لتغيير أو إصالح الدولة القائمة‪ ،‬حتى وإن كانت تدريجية ومن الداخل‪ ،‬تمثل‬
‫محاولة لتغيير الوضع الدولي القائم‪ ،‬وتغيير المرحلة التاريخية التي تعيشها البشرية‪ ،‬وبداية مرحلة‬
‫تاريخية جديدة‪ .‬وهذا ما يجعل المشروع اإلسالمي‪ ،‬ليس مجرد مشروعا لإلصالح السياسي‪ ،‬ولكنه‬
‫مشروع حضاري‪ ،‬يؤثر على المرحلة التاريخية التي تعيشها البشرية‪ ،‬والمتمثلة في عصر هيمنة‬
‫الحضارة الغربية‪ ،‬ويبدأ مرحلة جديدة تنهي الهيمنة الحضارية الغربية‪.‬‬
‫لذا يجب النظر إلى منهج إصالح وتغيير الدولة القائمة من زاوية مختلفة‪ ،‬فالقضية تتعلق بما‬
‫يناسب عملية التحول الحضاري للدولة القائمة‪ .‬فكل فعل إلصالح الدولة سوف يعتبر خروجا على الوضع‬
‫القائم‪ ،‬وتحديا للنظام الدولي الغربي‪ ،‬لذا ال يعد المنهج اإلصالحي المتدرج وسيلة لتقليل المواجهات‬
‫الحادثة والمحتملة‪ ،‬بقدر ما يعد منهجا لبناء دولة‪ ،‬يتجنب هدم الدولة القائمة‪ ،‬قبل بناء الدولة البديلة‪.‬‬
‫فالمشكلة ال ترتبط بخصوم المشروع اإلسالمي‪ ،‬ألن موقفهم محدد سلفا‪ ،‬ولكن المشكلة ترتبط بإمكانية‬
‫بناء مشروع وتغيير الوضع القائم‪ ،‬دون هدم الدولة القائمة فجأة والدخول في مرحلة الفوضى‪ ،‬ودون‬
‫تعريض المجتمعات اإلسالمية لحالة من الفوضى‪ ،‬تهدم البقية الباقية من بنية تلك المجتمعات‪ .‬ولكن‬
‫االختيار األ خير في عملية التحول واإلصالح‪ ،‬ليس في يد الحركة اإلسالمية وحدها‪ ،‬بل هو نتاج التفاعل‬
‫الحادث بينها وبين القوى المهيمنة على الوضع القائم‪ .‬كما أن هدم الدولة القائمة أو انهيارها النسبي‪ ،‬نتج‬
‫من تصرفات النخب الحاكمة والدول الغربية المساندة لها‪ ،‬ألن الدول القائمة اتجهت نحو نموذج الدولة‬
‫الفاشلة‪ ،‬وهو ما يؤدي إلى سقوطها‪ .‬ولذلك قامت الثورات الشعبية ضد بعض الدول الفاشلة‪ ،‬ولكن حتى‬
‫بعد الثورة مازالت الدول على خصائصها السابقة للثورة‪ ،‬ومازالت نموذجا للدولة الفاشلة‪ ،‬ومازالت حتى‬
‫مهددة بالسقوط‪.‬‬
‫ومن داخل هذا المشهد التفاعلي‪ ،‬يصبح موقف الحركات اإلسالمية عامال مهما‪ ،‬ولكنه ليس‬
‫العامل الوحيد‪ .‬وكلما اتجهت الحركات اإلسالمية إلى منهج تغيير الدولة القومية العلمانية من داخلها‪،‬‬
‫استطاعت تجنب مرحلة الفوضى‪ ،‬وأصبحت أقرب إلى منهج يركز على بناء الدولة اإلسالمية‪ ،‬بأكثر من‬
‫تركيزه على هدم الدولة العلمانية‪ ،‬على أساس أن بناء الدولة اإلسالمية يعني ضمنا نهاية الدولة العلمانية‪.‬‬
‫ولكن هذا ال يعني تجنب المواجهة‪ ،‬أو حتى تجنب حاالت العنف والفوضى‪ ،‬ولكن هناك فرق يبن مناهج‬
‫عمل تؤسس لمراحل الفوضى‪ ،‬ومناهج عمل تبني عملية اإلصالح السلمي المتدرج من الداخل‪ ،‬ولكنها‬
‫تواجه بظروف تفرض عليها التعامل مع مرحلة الفوضى أو العنف‪ .‬كما إن هناك فرق بين محاولة بناء‬
‫الدولة اإلسالمية من داخل الدولة العلمانية‪ ،‬حتى إذا حدث وسقطت الدولة العلمانية القائمة فجأة‪ ،‬وبين‬
‫محاولة هدم الدولة العلمانية القائمة‪ ،‬قبل بداية تأسيس الدولة اإلسالمية‪.‬‬
‫والفروق تتعلق أساسا بالنتائج التي تتراكم عبر الزمن‪ ،‬وهي فروق ترتبط أساسا بما تدفعه‬
‫المجتمعات من ثمن في مرحلة التغيير‪ ،‬كما ترتبط أيضا بقدرة المجتمعات على التعامل مع األوضاع‬
‫المختلفة‪ ،‬وعلى التوابع التي قد تنتج من مراحل الفوضى التي ال يستطيع أحد السيطرة عليها‪ .‬يضاف‬
‫لهذا‪ ،‬أن الدول الغربية عندما تجد أنها أمام نظام ال يخدم مصالحها‪ ،‬تتجه مباشرة لهدم الدولة القائمة‪ ،‬حتى‬
‫تهدم النظام المعادي لها‪ ،‬كما فعلت في العراق‪ ،‬وكما تحاول أن تفعل في إيران‪ ،‬ألنها تفضل التحول إلى‬
‫‪004‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫مرحلة الفوضى‪ ،‬حتى تتمكن من بناء الدولة التابعة لها‪ ،‬وإن كانت قدرة اإلدارة األمريكية والدول الغربية‬
‫على الخروج من مرحلة الفوضى‪ ،‬وبناء الدولة التابعة لهم‪ ،‬ثبت أنها محدودة‪ ،‬ألن هدم الدولة القائمة‬
‫أيسر من بناء دولة أخرى بديلة لها‪.‬‬
‫لذا يمكن تصور مسار حركة التحول والتغيير التاريخي الحادثة‪ ،‬فهي في مجملها عملية تحول‬
‫حضاري كبرى‪ ،‬والدولة تمثل نقطة مركزية في هذه العملية‪ ،‬لذا فالمواجهة على أعتاب الدولة ال مفر‬
‫منها‪ .‬ولكن مسار هذه المواجهة سوف يتحدد من خالل التفاعل الحادث بين أطرافها‪ ،‬والمواجهة ال يمكن‬
‫تجنبها‪ ،‬ولكن الكثير من مخاطر مراحل التغيير يمكن تجنبه أو محاولة تجنبه‪ .‬والثورات الشعبية مثلت‬
‫مرحلة مهمة في تغيير الطبيعة االستبدادية للحكم‪ ،‬وفتح باب الحرية‪ ،‬وهو ما يمكن أن يؤسس لمرحلة من‬
‫التحول التدريجي الحر‪ ،‬مما يفتح باب التغيير في طبيعة الدولة ونظام الحكم‪ ،‬حسب مرجعية المجتمع‬
‫وخياراته‪.‬‬

‫‪005‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫الخاتمة‪ :‬بين الموت واالنتفاض‬
‫يتضح من حال الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬أنها تواجه تحديات كثيرة وحادة‪ ،‬وتمر بلحظة تاريخية‬
‫فاصلة‪ .‬فالعديد من الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬تواجه خطر التقسيم والتفكك الداخلي‪ ،‬وبعد أن كانت مشكلة‬
‫األمة اإلسالمية تتمثل في تقسيمها إلى دول قطرية‪ ،‬أصبحت المشكلة تتمثل في تفكك تلك الدول القطرية‪،‬‬
‫وبعد أن كانت األمة اإلسالمية تواجه خطر االستعمار الخارجي فقط‪ ،‬أصبحت تواجه كل أنواع الغزو‬
‫الخارجي والداخلي‪ ،‬وأصبحت النخب الحاكمة لمعظم البالد العربية واإلسالمية تتحالف مع القوى‬
‫الخارجية‪ ،‬وتعمل على تنفيذ السياسات االستعمارية نيابة عن القوى الغربية المهيمنة‪.‬‬
‫لهذا تشكل مسار هبوط الحضارة اإلسالمية‪ ،‬في حالة مستمرة من التفكك والعلمنة والتغريب‪،‬‬
‫والتي تقضي على الهوية الحضارية لألمة‪ ،‬وتهدد ذاتها الحضارية المتحققة تاريخيا‪ .‬ومع غياب الهوية‬
‫الحضارية عن المجال السياسي‪ ،‬قامت أنظمة سياسية ال تنتمي لهوية األمة‪ ،‬وال تمثل المرجعية‬
‫الحضارية لألمة‪ ،‬فأصبحت األنظمة السياسية تعمل على إخراج األمة من هويتها ومن المرجعية الدينية‬
‫والحضارية‪ .‬وتشابكت مسارات االستعمار الخارجي مع مسارات االستعمار الداخلي‪ ،‬لتشكل شبكة‬
‫محكمة تتحكم في مصير األمة‪.‬‬
‫وبد أت العديد من المكونات المشكلة لألمة في التفكك والخروج من هوية األمة‪ ،‬التي كانت جزءا‬
‫منها‪ ،‬أحيانا تحت الفتة قومية وأحيانا تحت الفتة دينية أو مذهبية‪ .‬وهذا الخروج لبعض فئات األمة‪ ،‬مثل‬
‫تحديا داخليا‪ ،‬وحول المشكلة من مواجهة مع قوى خارجية‪ ،‬إلى مواجهة بين مكونات األمة‪ .‬وتعبر تلك‬
‫اللحظة عن حالة من التفكك االجتماعي والثقافي والحضاري العميق‪ ،‬داخل بناء األمة‪ ،‬والذي يكشف عن‬
‫نفسه في محاوالت بعض الفئات للخروج من الهوية العربية اإلسالمية‪ .‬وهنا تتعمق المشكلة داخل بنية‬
‫المجتمعات نفسها‪ ،‬مما يفكك من تلك المجتمعات‪ ،‬ويعرض الجماعات الوطنية للخطر‪ .‬وتصبح المشكلة‬
‫في كيفية حماية تماسك الجماعة الوطنية الواحدة‪ ،‬وليس فقط حماية تماسك األمة‪ ،‬بكل جماعاتها الوطنية‪.‬‬
‫وكأن األمة تقترب من لحظة الموت الحضاري‪ ،‬وكأنها تشرف على لحظة الغياب التاريخي‪ .‬فلم‬
‫تعد األمة محققة وال معبر عنها من خالل الدول الحاكمة لها‪ ،‬كما لم يعد الواقع ممثال لمرجعية األمة‬
‫وهويتها الثقافية والحضارية‪ .‬فهل هي لحظة موت؟‬
‫في قلب تلك اللحظة الحرجة من تاريخ األمة اإلسالمية‪ ،‬نجد العديد من الحركات والتيارات التي‬
‫تعمل على استعادة وعي األمة‪ .‬فالحركة اإلسالمية لم تغب للحظة واحدة‪ ،‬بل كان صعودها وتواجدها‬
‫مستمرا‪ ،‬ويواكب مراحل غياب وحضور األمة‪ ،‬وكأنها تحضر نيابة عن األمة‪ ،‬حتى تستعيد األمة‬
‫حضورها مرة أخرى‪ .‬ولكن التيار اإلسالمي في مجمله‪ ،‬يواجه العديد من التحديات‪ ،‬والتي تعمل على‬
‫حصاره‪ ،‬كما تعمل على تفكيكه من داخله‪ ،‬وتحاول شل قدرته على حشد جماهير األمة من أجل إحداث‬
‫اإلصالح والتغيير‪ .‬والحركة اإلسالمية نفسها تعاني من الكثير من المشكالت‪ ،‬بسبب الحصار المضروب‬
‫حولها‪ ،‬والذي أدى إلى إضعافها من داخلها‪ ،‬أو شل قدرتها على التمدد‪ ،‬كما أنه عمق الخالفات بينها‪.‬‬
‫ورغم ما تنجزه الحركة اإلسالمية من محاولة لبناء مسار العودة إلى الهوية والذات الحضارية‬
‫لألمة‪ ،‬إلى أن جهودها تصطدم بواقع تسود فيه الدولة القومية القطرية العلمانية‪ ،‬وهو واقع مدعوم بالنظام‬
‫‪006‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫الغربي المهيمن دوليا‪ ،‬ومدعوم من النخب المتحالفة مع المشروع الغربي‪ ،‬ونخب الدولة القومية المتحالفة‬
‫مع الغرب‪ .‬لذا أصبحت المعركة شاملة‪ ،‬وأرض المواجهة مفتوحة‪.‬‬
‫ولكن الحركة اإلسالمية ال تقف بمفردها‪ ،‬فالواقع يؤكد على أن وعي األمة ينمو معبرا عن‬
‫هويتها‪ ،‬وجماهير األمة تستيقظ كثيرا لتعبر عن مواقفها وهويتها‪ ،‬وتجدها واعية ومدركة بوحدتها‪ .‬لذا‬
‫فالجماهير لم تمت‪ ،‬وال الوعي بالهوية والمرجعية الحضارية مات‪ .‬فهناك صرخة وسط هذه الحالة‬
‫الحرجة‪ ،‬تعبر عن وعي متزايد بهوية ومرجعية األمة‪ .‬لكن رغم هذا الوعي الشعبي المالحظ‪ ،‬فإن الحالة‬
‫العامة لألمة ولدولها وأوطنها تتراجع بصورة واضحة‪ .‬وتلك هي المفارقة التاريخية‪ ،‬بين لحظة هبوط‬
‫واضح‪ ،‬وفي قلبها لحظة صعود ملحوظة‪.‬‬
‫وفي هذه اللحظة التاريخية الحرجة‪ ،‬تأتي الثورات الشعبية لتمثل بداية اليقظة والخروج من حالة‬
‫الموت الحضاري‪ ،‬حتى وإن لم تكن لها رؤية حضارية مكتملة‪ .‬فهذه الثورات هي نوع من االنتفاض‬
‫الشعبي ضد عوامل الموات الحضاري والحياتي‪ ،‬وهي بهذا لحظة يقظة في وجه حالة التردي الشامل‬
‫ومحاولة للخروج من النفق المظلم‪ .‬لتمثل الثورات الشعبية‪ ،‬مرحلة استعادة اإلفاقة الحضارية مرحليا‪،‬‬
‫وتمنح الشعوب طاقة هائلة‪ ،‬وتفتح مسار التحول من الموت الحضاري إلى االنتفاضة الحضارية الشاملة‪.‬‬
‫لذلك فهي لحظة فارقة وذات داللة تاريخية مهمة‪ ،‬وهي أيضا لحظة حرجة‪ ،‬وهي كذلك لحظة‬
‫تفصل ما قبلها عن ما بعدها‪ .‬فهي لحظة تشهد قدرا واضحا من الهبوط الحضاري‪ ،‬كما تشهد محاوالت‬
‫واضحة للصعود الحضاري‪ ،‬هي لحظة ما بين الهبوط والصعود‪ ،‬وهي لحظة ما بين الموت الحضاري‬
‫واالنتفاض الحضاري‪.‬‬
‫لذلك تبدو بأنها اللحظة األصعب‪ ،‬خاصة مع بدايات القرن الحادي والعشرين‪ .‬فالمواجهة والتدافع‬
‫بين عناصر التفكك والتوحد‪ ،‬وعوامل حضور الدين وتغييبه‪ ،‬وعوامل التغريب والعلمنة ومقاومتها‪ ،‬تمثل‬
‫لحظة مواجهة مستمرة بين ما يدفع األمة للحظة موت حضاري‪ ،‬وما يحاول دفع األمة إلى لحظة ميالد‬
‫حضاري جديد‪ .‬وما بين الموت الحضاري والميالد الحضاري‪ ،‬تتشكل لحظة تفصل مرحلة تاريخية عن‬
‫مرحلة أخرى‪ .‬وبقواعد التاريخ فإن األمة ال تموت‪ ،‬والحضارة ال تغيب‪ ،‬والدين ال يغيب‪ ،‬لذا فلحظة‬
‫الميالد الجديد قادمة‪ .‬ولكن بقواعد التاريخ أيضا‪ ،‬فإن األمم ال تنهض إال بقدر ما تبذل من جهد وتضحية‬
‫جماعية حتى تنهض‪ ،‬لذا فالميالد الجديد لن يأتي كضرورة أو حتمية‪ ،‬إال بقدر ما يبذل من جهد وتضحية‬
‫من أجل تحقيقه‪.‬‬
‫وتبدو لحظات الموت المتتالية‪ ،‬وكأنها هي التي توقظ األمة‪ ،‬ألنها تعرضها لحالة الموت‬
‫الحضاري‪ ،‬وتغيب وجودها الواقعي‪ ،‬وتهدد بقاء وجودها‪ ،‬أو حتى بقاء اسمها‪ .‬ومع شدة التهديدات التي‬
‫تتعرض لها األمة‪ ،‬تزداد حالة اليقظة الحضارية‪ ،‬وتظهر األمة أكثر وعيا بوحدتها والمرجعية الحضارية‬
‫لها‪ .‬ولكن مع شدة الحصار المضروب حول األمة‪ ،‬تفشل العديد من محاوالت الصحوة والنهوض‬
‫الحضاري‪ .‬وتصبح األمة محاصرة بين أخطار تهددها‪ ،‬وقوى تمنعها من الحركة‪ .‬وبقدر ما تشعر األمة‬
‫وقواها الحية بخطورة ما تتعرض له من اغتيال حضاري‪ ،‬بقدر ما تتحرك دفاعا عن نفسها‪ ،‬فتتضح‬
‫درجة الحصار المضروب حولها والتي تمنع حركتها‪ ،‬فتتعرض لمزيد من األخطار‪ ،‬ثم تحاول المواجهة‪،‬‬
‫وتصد الكثير من المخططات‪ ،‬ولكنها ال تنجح في صد القوى المعادية لنهضة األمة نهائيا‪.‬‬
‫‪007‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫وحركة القوى المعادية لوحدة األمة‪ ،‬والتي تعمل على نزع مرجعية األمة الحضارية‪ ،‬تواجه‬
‫كثيرا بقوى األمة وجماهيرها‪ ،‬مما يعيق تحقيق أهدافها النهائية‪ ،‬والتي تتمثل في تغيير هوية األمة‬
‫ومرجعية األمة‪ ،‬وتغيير وعيها الجمعي التاريخي‪ .‬مما يعني أن االنتصار على األمة وتوجهاتها‪ ،‬ليس‬
‫متاحا أيضا‪ ،‬كما أن انتصار األمة لم يتحقق بعد وأمامه عقبات كثيرة‪ .‬لذا فهي مرحلة مواجهة يغيب عنها‬
‫الحسم النهائي‪ .‬وهي أيضا ليست مجرد لحظة حرجة في تاريخ األمة اإلسالمية‪ ،‬بل هي لحظة من لحظات‬
‫التحوالت التاريخية الكبرى‪ ،‬مما يجعل المواجهة بين األمة والقوى المعادية لمرجعية األمة ووحدتها‪،‬‬
‫ليست مجرد معركة سوف تؤثر نتائجها على المنطقة العربية واإلسالمية‪ ،‬ولكنها معركة من معارك‬
‫التحوالت التاريخية الكبرى‪ ،‬والتي يمكن أن تكون نهاية لحقبة تاريخية وبداية لحقبة أخرى‪.‬‬
‫هي إذن لحظة حرجة وفاصلة‪ ،‬تلك اللحظة التي تفصل بين الهبوط والصعود الحضاري‪ ،‬وتفصل‬
‫بين الموت واالنتفاض‪ ،‬فهي لحظة تصنع مرحلة جديدة من تاريخ أمة‪ .‬وقد جاءت الثورات العربية‬
‫لتخرج األمة من لحظة الموات الحضاري‪ ،‬وتقربها من لحظة النهوض الحضاري الشامل‪.‬‬

‫‪008‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬

‫الفهرس‬
‫التمهيد‬

‫‪3‬‬

‫الفصل األول‪ :‬دورة التفكك والوحدة‬

‫‪5‬‬

‫(‪ )0‬األمة تتفكك فتتوحد‬

‫‪5‬‬

‫(‪ )3‬جماعات ضد الوحدة‬

‫‪9‬‬

‫(‪ )2‬المسيحيون العرب والعلمانية‬

‫‪02‬‬

‫(‪ )4‬انشطار القومية‬

‫‪07‬‬

‫(‪)5‬البحث عن القومية من جديد‬

‫‪31‬‬

‫(‪ )6‬الغرب يفكك الدولة القومية‬

‫‪34‬‬

‫(‪ )7‬األمة التي لم تغب‬

‫‪37‬‬

‫(‪ )8‬لماذا فشلت القومية؟‬

‫‪20‬‬

‫(‪ )9‬عدم القابلية للعلمنة‬

‫‪25‬‬

‫(‪ )01‬متى يتوقف التفكك؟‬

‫‪28‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬الدين يغيب فيحضر‬

‫‪43‬‬

‫(‪ )0‬الدين بين اإلزاحة واإلحياء‬

‫‪43‬‬

‫(‪ )3‬معركة الدين والقومية‬

‫‪45‬‬

‫(‪ )2‬الدولة تحتل مكانة الدين‬

‫‪48‬‬

‫(‪ )4‬اختراق الفكر الديني‬

‫‪53‬‬

‫(‪ )5‬التدين الفردي‬

‫‪56‬‬

‫(‪ )6‬األخالق بدل الدين‬

‫‪61‬‬

‫(‪ )7‬الدين مالذ أمن‬

‫‪63‬‬

‫(‪ )8‬الدين في مناخ معادي‬

‫‪65‬‬

‫(‪ )9‬مسار عودة الدين‬

‫‪68‬‬
‫‪009‬‬

‫‪3102‬‬

‫انتفاضة أمة‬
‫(‪ )01‬متى يصبح الدين دافعا للنهضة؟‬

‫‪71‬‬

‫الفصل الثالث‪ :‬المشروع اإلسالمي‪ ..‬حرب الشعارات‬

‫‪72‬‬

‫(‪ )0‬اإلجهاض المبكر‬

‫‪72‬‬

‫(‪ )3‬دين ودولة‬

‫‪75‬‬

‫(‪ )2‬الدولة الدينية‬

‫‪77‬‬

‫(‪ )4‬الدولة اإلسالمية‬

‫‪81‬‬

‫(‪ )5‬الدولة القائمة‬

‫‪83‬‬

‫(‪ )6‬إدانة العلمانية‬

‫‪84‬‬

‫(‪ )7‬التخويف من اإلسالمي‬

‫‪86‬‬

‫الفصل الرابع‪ :‬اإلسالميون‪ ..‬تحديات وبدائل‬

‫‪89‬‬

‫(‪)0‬اختالف وخالف‬

‫‪89‬‬

‫(‪ )3‬تحدي القومية والعلمانية‬

‫‪90‬‬

‫(‪ )2‬اختراق أم تكيف‬

‫‪92‬‬

‫(‪ )4‬اليد الغربية‬

‫‪96‬‬

‫الفصل الخامس‪ :‬الدولة‪ ..‬أرض المعركة‬

‫‪99‬‬

‫(‪ )0‬مفتاح التغيير‬

‫‪99‬‬

‫(‪ )3‬الدولة غير الشرعية‬

‫‪010‬‬

‫(‪ )2‬الديمقراطية أداة للتغيير‬

‫‪014‬‬

‫(‪ )4‬الدولة بين العلمانية واإلسالمية‬

‫‪016‬‬

‫(‪ )5‬هل أدوات العلمانية محايدة؟‬

‫‪018‬‬

‫(‪ )6‬مرحلة التحول‬

‫‪001‬‬

‫(‪ )7‬اللحظة الحرجة‬

‫‪002‬‬

‫الخاتمة‪ :‬بين الموت واالنتفاض‬

‫‪006‬‬
‫‪031‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful