‫‪//‬ابراهيم العريس‬

‫الحياة‬

‫‪03/07/08 -‬‬

‫ألف وجه للف عام ‪« -‬المأوى» لوكتاف ميربو‪ :‬مرآة النفاق الجتماعي‬

‫(اوكتاف ميربو (‪1917 – 1848‬‬
‫إذا كانت الحركة السياسية الفوضوية الفرنسية‪ ،‬التي وصلت الى ذروة ازدهارها عند‬
‫النقطة الفاصلة بين نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين‪ ،‬تفخر‬
‫بواحد من الكتّاب الكبار معلنة‪ ،‬من دون التباس انتماءه اليها‪ ،‬فإن هذا الكاتب لن‬
‫يكون‪ ،‬بكل تأكيد‪ ،‬سوى أوكتاف ميربو‪ ،‬الذي بعد خفوت ذكره خارج فرنسا خصوصاً‪،‬‬
‫طوال النصف الول من القرن المنصرم‪ ،‬أعاده المخرج السباني الفوضوي لويس‬
‫بونويل‪ ،‬الى الواجهة خلل الخمسينات وما بعدها‪ ،‬حين اقتبس فيلمه «يوميات‬
‫وصيفة» من رواية لميربو‪ .‬هذا خارج فرنسا على رغم ان الفيلم فرنسي‪ ،‬أما داخل‬
‫فرنسا فإن أعمال ميربو‪ ،‬ول سيما المسرحية منها‪ ،‬تقدم في كل المواسم مبقية‬
‫ذكره متواصلً‪ ،‬كواحد من الكتّاب الكبار الذين آثروا دائما ً أن يسيروا عكس التيار‪.‬‬
‫غير ان هذا لن يمنعنا من الشارة الى أن سمعة ميربو‪ ،‬في العالم خلل السنوات‬
‫الخيرة من حياته جعلت أعماله الرئيسة تترجم الى نحو ثلثين لغة ول سيما بعد أن‬
‫كتب نصوصا ً عدة دافع فيها عن الضابط درايفوس الذي وقع ضحية للتيارات المعادية‬
‫للسامية في الحكاية المعروفة‪ .‬وقد كان ميربو من أعنف المدافعين عن درايفوس‬
‫‪.‬الى جانب اميل زول‬
‫في شكل عام كان أوكتاف ميربو ثوريا ً حقيقياً‪ ،‬عبر عن ذلك في مواقفه ونضالته >‬
‫ووقوفه الدائم ازاء كل القضايا الطليعية‪ ،‬كما عبر في أعماله المسرحية والروائية‬
‫ومقالته الصحافية‪ ،‬هو الذي كان دائما ً ما يستشهد بالفقرة التالية التي وردت في‬
‫أحد نصوصه‪« :‬طوال القرون التي عاشها النوع البشري‪ ،‬كانت المجتمعات في‬
‫صعود وفي هبوط‪ .‬لكنها على رغم اختلفاتها كانت كلها تتشابه في حقيقة واحدة هي‬

‫ً‬
‫فدائما‬
‫التي حكمت التاريخ‪ :‬حقيقة تقول ان الكبار دائما ً ما كانوا محميين‪ ،‬أما الصغار‬
‫‪«.‬ما كانوا مسحوقين‬
‫لقد كان معظم ما كتبه ميربو انعكاساً‪ ،‬في جوهره‪ ،‬لهذه النظرة‪ ،‬من دون أن >‬
‫نكون – طبعا ً – في حاجة الى أن نشير‪ ،‬الى أي جانب وقف ميربو واتجهت كتاباته‪.‬‬
‫غير ان ما يمكننا قوله هو ان هذه الكتابات نفسها كانت تتفاوت جودة ونضالً‪ ،‬بين‬
‫مرحلة وأخرى‪ .‬أما ذروة تعبير ميربو عن نضاله‪ ،‬فأتت في نصوص له مثل مسرحية‬
‫«المأوى» التي كتبها ومثلت عام ‪ ،1908‬وحملت في شكل أو في آخر أفكار أو‬
‫غضب كاتب كان في ذلك الحين بلغ الستين من عمره ويرصد بعين المرارة أحوال‬
‫‪.‬مجتمع بات من الصعب أكثر وأكثر‪ ،‬إحداث أي تبديلت إيجابية فيه‬
‫عالج ميربو مسرحيته «الكوميدية» هذه في ثلثة فصول‪ ،‬وساعدته في كتابتها >‬
‫تادي ناتانسون‪ .‬ولئن كانت المسرحية قد قدمت‪ ،‬مع شيء من الختصار في‬
‫عروضها المسرحية الولى‪ ،‬فإنها حين نشرت نشرت كاملة‪ .‬وقد قال ميربو في‬
‫مقدمة النص المطبوع ان ما حذف على الخشبة انما حذف لنه يعقّد التقديم بعض‬
‫الشيء و «إن كانت غايتي من هذا التقديم‪ ،‬ول تزال‪ ،‬الكشف عن عيوب اجتماعية‪،‬‬
‫وليس استعراض عضلتي الكتابية»‪ .‬الشخصية المحورية في «المأوى» هي شخصية‬
‫البارون كورتان‪ ،‬الثري النبيل والعالم العضو في الكاديمية‪ ،‬الذي سبق له أن وضع‬
‫عددا ً من كتب تحكي عن التاريخ النابوليوني وعن سللة بونابرت التي يكافح الن‬
‫بغية إعادتها الى السلطة‪ .‬في زمن المسرحية الراهن يرأس البارون جمعية خيرية‬
‫تتولى‪ ،‬بين أمور أخرى‪ ،‬إدارة «المأوى»‪ ،‬الذي يهتم برعاية الطفال الذين يعثر‬
‫عليهم في الشوارع وايوائهم وتربيتهم‪ .‬طوال الوقت ل يتوقف البارون عن الحديث‬
‫عن مشاريعه الخيرية هذه وعن نزعته النسانية وتعاطفه مع الفقراء البائسين‬
‫والمشردين‪ .‬غير أن كثرة الحديث عن مثل هذه المور‪ ،‬تدفع المرء الى التساؤل في‬
‫النهاية عما اذا لم يكن البارون الخيّر يخفي ممارسات أقلها استخدام أموال‬
‫التبرعات والمساعدات التي تجمع للقيام بمضاربات مالية وعقارية تحقق للبارون‬
‫أرباحا ً طائلة‪ .‬وإذ تُطرح هذه السئلة في محيط البارون ترافقها إيحاءات عدة‬
‫يستشف منها ان تصرفات البارون حيال أطفال المأوى أنفسهم ليست في منأى عن‬
‫‪.‬التساؤل بل عن الشبهات‬
‫ومن ناحية أخرى سنعرف بسرعة أن تيريز زوجة البارون تقيم علقة مع صديق‬
‫ل بهذا كله‪ .‬وفي المقابل يفتح‬
‫للزوجين‪ ،‬في ما يبدو واضحا ً أن البارون غير مبا ٍ‬
‫ً‬
‫البارون عينيه على الثري بيرون الذي يطارد الزوجة‪ ،‬إعجابا بها‪ ،‬منذ زمن‪ .‬وهكذا إذ‬
‫تبدأ أعمال البارون بالتدهور ويشعر أنه بات في حاجة الى مال اضافي يغطي به‬
‫خسائره‪ ،‬ل يتورع عن مطالبة زوجته بأن تهتم بالثري‪ ،‬طالبة منه مساعدة الزوج‪.‬‬
‫والثري بيرون قد يقبل بهذا – كما تفيد الزوجة – لكنه يشترط ان تصحبه الزوجة في‬
‫رحلة بحرية على متن يخته‪ .‬غير ان المور‪ ،‬في نهاية المر‪ ،‬تصطلح‪ ،‬حيث إن‬
‫البارون‪ ،‬الشاطر دائما ً في رسم المؤامرات والمناورات‪ ،‬يتمكن من جعل‬
‫المساهمين معه في شركاته يساندونه‪ ،‬وينتخبونه‪ ،‬للمناسبة‪ ،‬رئيسا ً لهم… ما يمكّنه‬
‫من البقاء على المأوى بصفته‪ ،‬في الظاهر‪ ،‬عمل ً خيرياً‪ ،‬وفي الباطن‪ ،‬سندا ً ماليا ً له‬
‫‪.‬وللمساهمين‬
‫صاغ أوكتاف ميربو موضوعه هذا‪ ،‬على خطورته‪ ،‬بأسلوب كوميدي‪ ،‬لكن النتيجة >‬
‫أتت نوعا ً من الكوميديا القاسية والمريرة‪ .‬وأتت المسرحية أشبه بمرآة اجتماعية‬
‫يمكن كثرا ً من أعمدة المجتمع أن يروا فيها صورتهم‪ .‬ذلك أن ميربو‪ ،‬حتى وإن كان‬
‫أعطى خصوصية ما للمأوى‪ ،‬ولسلوب علقة البارون بالمأوى‪ ،‬فإن الخلفية تشي بأن‬
‫كل هذا لم يكن سوى ترميز للواقع الجتماعي‪ .‬ترميز اتاح للكاتب أن يرسم صورة‬
‫قاسية للنفاق الجتماعي‪ ،‬ولكل تلك الحقائق الجتماعية – والمالية والخلقية – التي‬

‫تختفي مقنَّعة وراء واجهات ذهبية براقة‪ .‬ومن الواضح ان ما يحكيه ميربو هنا عن‬
‫المجتمع الذي يتحدث عنه في زمنه‪ ،‬يمكن أن يحكى كذلك عن الكثير من‬
‫المجتمعات الخرى‪ .‬والواقع ان هذا كان دأب أوكتاف ميربو في أعماله‪ ،‬مسرحية‬
‫كانت أم روائية‪ ،‬حيث اعتاد‪ ،‬من خلل وصف مجتمع بعينه‪ ،‬أن يقدم صورة شاملة‬
‫لطبقات ومجتمعات ل يصعب العثور على نسخ طبق الصل منها في أنحاء عدة من‬
‫العالم وفي بلدان كثيرة‪ .‬ولعل هذا ما كان رصده نقاد السينما حين عرض فيلم‬
‫«يوميات وصيفة» الذي‪ ،‬إذ تحدث عن مجتمع ريفي فرنسي محدد‪ ،‬وامتل بشخصيات‬
‫نموذجية تنتمي الى ذلك المجتمع‪ ،‬لم تتوان بلدان عدة عن منعه لـ «أسباب‬
‫أخلقية»‪ ،‬إذ وجدت فيه صورة آتية من بعيد‪ ،‬لما تعيشه مجتمعاتها نفسها ول سيما‬
‫بالنسبة الى واحدة من المسائل التي كثيرا ً ما شدد ميربو عليها‪ :‬النفاق‬
‫الجتماعي… الذي لحظنا كيف أنه يشكل الموضوع الساس في مسرحية‬
‫‪«.‬المأوى» التي نتناولها هنا‬
‫عاش أوكتاف ميربو بين (‪ 1848‬و ‪ ،)1917‬وعُرف واحدا ً من أكثر الصحافيين >‬
‫والنقاد الفرنسيين قسوة في مجال التعبير عن عيوب المجتمع وانقساماته الطبقية‬
‫– التي تصبح بالنسبة اليه انقسامات أخلقية ‪ ،-‬كما عرف كاتبا ً روائيا ً ومسرحياً‪،‬‬
‫احتضنته الطليعة في المدن الوروبية وراحت تتلقف أعماله‪ .‬وهو بدأ حياته صحافياً‬
‫وضع قلمه في خدمة النزعة البونابارتية‪ ،‬كما كتب‪ ،‬بسبب شظف العيش‪ ،‬أعمالً‬
‫لخرين كانوا يوقعونها بأسمائهم… لكنه بعد ذلك راح يكتب نصوصا ً فكرية واجتماعية‬
‫يدعو فيها الى المبادئ والقيم… ومن هنا كان من الطبيعي لميربو‪ ،‬إذ اندلعت تلك‬
‫الفضيحة التي سميت قضية درايفوس‪ ،‬ان يكون من بين المدافعين عن هذا الخير‪،‬‬
‫وهو موقف جعل كبار فناني ذلك العصر وكتابه يتحلقون من حوله هو الذي كان أيضاً‬
‫‪.‬من كبار المدافعين عن فان غوغ وكاميل كلوديل وموريس أوتريلو‬