‫إدريس ولد القابلة‬

‫عبد اللطيف أوفقير أصغر سجين سياسي في العالم‬

‫الطفل الذي ھزم جبروت سنوات الجمر والرصاص‬

‫منشورات ‪ okdriss‬األلكترونية‬
‫‪2011‬‬

‫‪1‬‬

‫عبد اللطيف أوفقير أصغر سجين سياسي في العالم‬
‫الطفل الذي ھزم جبروت سنوات الجمر والرصاص‬

‫‬‫‬‫‬‫‬‫‬‫‬‫‪-‬‬

‫نفخ األمل وروح المقاومة في والدته وشقيقه وأخواته الذين أراد الملك إقبارھم أحياءا‪.‬‬
‫رغم أن الطفل كان ضحية‪ ،‬لم يستسلم‪ ،‬وبطريقته ظل يحاول قلب الطاولة على‬
‫جالديه بوسائل بدائية فطرية‪.‬‬
‫إدريس حصار‪ ":‬لو كنت مكانك‪ ،‬يا حاجة‪ ،‬النتحرت مع أوالدي بدال من معاناة ما‬
‫ينتظركم"‪.‬‬
‫جبروت ملك يھابه الجميع كسره طفل أقبر حيا‪.‬‬
‫كيف أصبحت تساؤالت الطفل تدمي قلوب الكبار وتمزقھا‪.‬‬
‫عبد اللطيف‪ ،‬الطفل الذي كبر وشاب رھن االحتجاز التعسفي‪.‬‬
‫كان أصغرھم سنا‪ ،‬لكن دوره كان حيويا‪ ،‬إنه شرط نجاح عملية الھروب‪.‬‬
‫‪2‬‬

‬‬ ‫حال مغادرة أسرة أوفقير لفيال شارع األميرات‪ ،‬فُتح بيتھا للنھب والسطو والتخريب‪ .‬‬ ‫ليلة انتھاء العدة الشرعية ونھاية الحداد )‪ 160‬يوما(‪ ،‬حسب ما تنص عليه التعاليم اإلسالمية ـ‬ ‫وقد تزامن ذلك مع نھاية سنة ‪ 1972‬ـ تم تبليغ أرملة الجنرال أوفقير‪ ،‬بواسطة إدريس حصار‬ ‫مدير األمن الوطني وقتئذ‪ ،‬بقرار الحسن الثاني بإبعاد عائلتھا عن العاصمة الرباط إلى تزنيت‬ ‫لدواعي أمنية محضة‪.‬‬ ‫عبد اللطيف‪ ،‬نجل الجنرال محمد أوفقير األصغر‪ ،‬أصغر سجين سياسي في العالم‪ ،‬تمكن من‬ ‫نفخ األمل وروح المقاومة في والدته وأخيه وأخواته‪ ،‬الذين سعى الملك الحسن الثاني إلى‬ ‫إقبارھم أحياءا كما فعل مع ضيوف "آكل البشر"‪ ،‬تازمامارت‪.‬ظلت تملي عليه أفكار‬ ‫وتصرفات كي يصمد ويستمر‪ ،‬من حيث ال يدري‪ ،‬في مواجھة جبروت الملك‪...‬‬ ‫رغم أن الطفل عبد اللطيف كان ضحية‪ ،‬لم يستسلم‪ ،‬وبطريقته ظل يحاول قلب الطاولة على‬ ‫جالديه بوسائل بدائية فطرية‪ .‬‬ ‫خالل ما يقارب من العشرين سنة‪ ،‬من مرحلة تعذيب وتنكيل إلى أخرى‪ ،‬صمد الطفل عبد‬ ‫اللطيف بفضل تماسك العائلة وتالحم إخوته وأمه‪ ،‬في وجه الويالت والتحديات‪ ،‬وبفعل‬ ‫اتحادھم ومحبتھم المتبادلة رغم تفريقھم وتطبيق عليھم الغزلة بجحيم "بير جديد" إحدى‬ ‫عشرة سنة‪.‫تقديم‬ ‫لم يعرف طوال أغلب حياته إال السجن‪ ،‬حياته كانت عبارة عن سلسلة متواصلة من العذاب‪،‬‬ ‫منذ أن بدأ يعي مدلول الكلمات‪.‬‬ ‫آنذاك كان البعض قد نصح فاطمة الشنا بالعمل على اللجوء إلى سفارة غربية رفقة أبنائھا‬ ‫تحسبا لما قد يقدم عليه الملك الغاضب من زوجھا‪ ،‬إال أنھا أبت الخضوع لھذا الطلب‪ ،‬معتبرة‬ ‫أن ال ذنب لھا وال ألوالدھا فيما جرى‪..‬غريزة البقاء الطفولي كانت في أوجھا‪ .‬سألت فاطمة الشنا مدير األمن الوطني‬ ‫وھي تحمل طفلھا الصغير‪ ،‬عبد اللطيف‪ ،‬عن معنى ما حدث وما سيحدث‪ ،‬فكان رده توا‪ ،‬إذ‬ ‫‪3‬‬ .‬‬ ‫لم يكن الطفل عبد اللطيف‪ ،‬يعي ما يجري حوله عندما كان ببيت عائلته محاصرا بمعية‬ ‫والدته وأشقائه ممنوعين من تجاوز عتبة فيال شارع األميرات التي د ّكت فترة بعد إقبارھم في‬ ‫غياھب المعتقالت السرية النائية‪ .‬وبعد‬ ‫بضع سنوات أزيلت بناياته بالجرافات بأمر من الجنرال حفيظ العلوي‪.‬آنذاك كان الدكتور محمد بنھيمة‪ ،‬وزير الداخلية‪ ،‬قد عمل‬ ‫على إبالغ فاطمة الشنا‪ ،‬أرملة أوفقير‪ ،‬بواسطة الدكتور بنتلياس الذي كان يتلقى العالج عنده‪،‬‬ ‫بقلقه الشديد بشأن المصير الذي ينتظرھا‪ ،‬ھي وأبنائھا‪ ،‬إذا كان قد علم لحظتئذ أن الملك‬ ‫الحسن الثاني استخبر كثيرا عنھا وعن أطفالھا وأمر أجھزته اإلستخباراته )سيما جھازه‬ ‫الخاص ‪ (SSS‬بتقديم له وصفا ضافيا دقيقا وشامال عن األماكن الصالحة العتقالھم‬ ‫واحتجازھم‪ ،‬سيما تلك المتواجدة بأقصى جنوب المملكة‪.‬‬ ‫أُمھلت عائلة أوفقير ساعتين لجمع حوائج أفرادھا‪ .

..‬‬ ‫وفي ھذا الصدد يقول أحد الحقوقيين المرموقين ‪ ":‬يستحق ھذا الطفل اعتذار الشعب المغربي‬ ‫الذي سكت على ھذا الظلم مغلوبا على أمره‪ ،‬رغم فوات األوان"‪.‬‬ ‫تك ّون لدى عبد اللطيف نقيض من المشاعر حيال حبّ الملك الحسن الثاني‪ ،‬األب الحنون‬ ‫الذي كان يداعب شعره بفيال شارع األميرات‪ ،‬كلما حل بھا على حين غرة‪ ،‬وكرھه ومقته‬ ‫للتعسف والظلم اللذين أنزلھما على عائلته دون شفقة وال رحمة‪ ..‬وكم كان ھذا االنسالخ قاسيا‬ ‫ومريرا بالنسبة لطفل شاب خلف القضبان الحديدة في قبور ھُيأت ألحياء ـ أموات‪ ،‬أو أموات‬ ‫ـ أحياء‪ ،‬فاألمر سيان‪ ...‬كان له‬ ‫شرف كشف "فضيحة" إقبار طفل حي للصحافة الدولية‪ ..‫قال بوقاحة ‪ ":‬لو كنت مكانك‪ ،‬يا حاجة‪ ،‬النتحرت مع أوالدي بدال من معاناة ما ينتظركم‪".‬‬ ‫ثم خرج مسرعا‪.‬‬ ‫قبل ھذا بأيام كان الملك الحسن الثاني قد استدعى المقدم بوعزة ليال إلى قصر الصخيرات‪.‬‬ ‫إن كان الطفل عبد اللطيف أوفقير قد نجا من الموت الذي كان محتما‪ ،‬فإنه صار على ھامش‬ ‫الحياة بعد أن سلخوه عن كل ما يمت بصلة إلى الواقع المعيش‪ .‬وبذلك أنقذ عائلته من الموت‬ ‫واضطر الملك حينھا للخضوع‪ .‬ساعد شقيقه وأخواته على إعداد أكبر مخطط لإلفالت من مخالب‬ ‫الجھاز الخاص بالملك ‪ SSS‬والمخابرات والدرك والجيش وكل المنظومة األمنية ‪ .‬فما ذنب الصغار حتى يؤاخذوا بجريمة الكبار؟‬ ‫سؤال ظل مطروحا ينتظر الجواب منذ أكثر من ‪ 35‬سنة‪ .‬فذاقت‬ ‫أسرة أوفقير‪ ،‬دون ذنب اقترفته‪ ،‬أقسى ألوان العذاب والتنكيل في مطامير الملك التي نعتتھا‬ ‫فاطمة الشنا بـ "حدائق الملك"‪ ،‬يومھا كان عبد اللطيف طفال صغيرا ال يعي ما يجري حوله‪.‬‬ ‫ھل كان الطفل عبد اللطيف ضحية تقليد راسخ ومعتمد من قبل القصر الملكي‪ .‬ھذا الملف يرصد محطات‬ ‫ولحظات من حياة طفل ھزم جبروت ملك‪.‬‬ ‫‪4‬‬ .‬لقد ھزمه لما بلغ ربيعه ‪ 18‬إذ ساھم في حلول الربيع في‬ ‫"حدائق" الحسن الثاني الخريفية المظلمة‪.‬‬ ‫اجتمع به شخصيا لتكليفه بفاطمة أوفقير وأبنائھا بجناح بثكنة أسا‪ ،‬وأوكل إليه ھذه المھمة‬ ‫شخصيا بعد تنبيھه للخطر الذي تشكله ھذه العائلة أما وأطفاال أصغرھم كان ال يتجاوز بعد‬ ‫عمره السنتين والنصف‪.‬ظل الطفل عبد اللطيف‬ ‫يتساءل كيف طاوعه قلبه )الملك( على ارتكاب ھذه الجريمة بحقه‪ ،‬إذ قذفه ما يناھز عشرون‬ ‫عاما في أتون "قبور" ھندست الحتضان موتى ـ أحياء‪...‬جبروت ملك قوي يھابه الجميع كسّره طفل أقبره العاھل‬ ‫وعمره ال يتجاوز سنتين ونصف‪ ..‬‬ ‫سجن الملك الحسن الثاني عائلة أوفقير‪ ،‬انتقاما من ربھا الجنرال محمد أوفقير‪ ،‬بعد فشل‬ ‫انقالب ‪ 16‬غشت ‪ ،1972‬وبعد أن أعدم نفس اليوم بخمس رصاصات استقرت في جسده‪،‬‬ ‫في أماكن مختلفة ومتباعدة‪.‬إنه أشبه ما يكون‬ ‫بالدفن الحي‪.‬‬ ‫يومھا قرر الملك الحسن الثاني‪ ،‬إنزال أشنع العقوبات على ذرية الجنرال المتمرد‪ .‬إنه السجن‬ ‫الذي يعتبر أقصى العقاب الملكي لالقتصاص من أي معارض‪ ،‬يتم إخفاؤه عن األنظار كي‬ ‫يُمحى اسمه ويزول من األذھان‪ ،‬ويُترك كي يموت بمفرده موتا بطيئا‪ .‬‬ ‫عبد اللطيف‪ ،‬طفل قھر المستحيل‪ ،‬تمكن من الفرار من إحدى "حدائق الحسن الثاني"‪ ،‬األكثر‬ ‫حراسة وسرية بالمملكة‪ ..

‫"آسا" بداية المحنة‬ ‫في أول األمر نقلت عائلة أوفقير إلى ثكنة بآسا‪ ،‬حيث بقيت محتجزة من ‪ 25‬دجنبر ‪1972‬‬ ‫إلى ‪ 8‬نونبر ‪ ،1973‬علما أنه رحلت عن ھذه القرية في غضون ‪ 1973‬خوفا من مخطط‬ ‫تھريبھا من طرف "كومندو" من البوليساريو حسب ما قيل‪.‬‬ ‫‪5‬‬ .‬كان السكان يتعاطفون معھم إلى حد كبير‪ ،‬ودأب‬ ‫أبناء أوفقير على العودة إلى "سجنھم" محملين بالحناء والتمر وبعض الھدايا الممنوحة لھم‬ ‫من طرف األھالي‪.‬‬ ‫أحيانا كان عبد اللطيف الصغير يشعر بالملل‪ ،‬وفي أحد األيام قال لشقيقته الكبرى‪ ،‬مليكة‪،‬‬ ‫بلكنة طفولية وھو يبلع الكثير من الحروف وأحيانا الكلمات‪" ":‬أنا عندما أكبر‪ ،‬سيصبح‬ ‫عندي منزال‪ ،‬ولكن ليس كھذا المنزل ھنا‪ ،‬ستكون أرضه مغطاة بـ "الموكيط"‪ ،‬وليس بالرمل‬ ‫والغبار"‪.‬وفي أحد األيام أھدته إحدى الصحراويات من سكان آسا فرخ‬ ‫دجاج‪ ،‬ساعده على تمضية الوقت بسجن العائلة بالثكنة‪.‬‬ ‫عندما رحلت العائلة إلى آسا كان الطفل عبد اللطيف يقوم رفقة شقيقه رؤوف وإخوتيه ماريا‬ ‫وسكينة بجوالت بالقرية الصغيرة وواحاتھا‪ .‬‬ ‫ُوضع الطفل عبد اللطيف رفقة عائلته في شاحنة طُليت نوافذھا بالقطران‪ ،‬ودامت الرحلة ‪18‬‬ ‫ساعة متتالية‪ ،‬دون توقف‪ ،‬وكان الطفل يقضي حاجته بعلبة "نيدو" وسط إخوته وتحت‬ ‫أنظارھم‪.‬كان كل شيء يراه عبد اللطيف‬ ‫الصغير يعتبره لعبة يتلھى بھا‪ .‬‬ ‫أكدز‪ 28 :‬أبريل ‪ 30‬مايو ‪ 1973‬محطة أخرى للمحن‬ ‫تم ترحيل أسرة أوفقير على حين غرة في نھاية أبريل ‪ 1973‬إلى "أكدز" وھي قرية تقع بين‬ ‫زاكورة وورزازات‪ ،‬وذلك ألن سكان آسا بدأوا يتساءلون عن وجود أطفال لم يبلغوا الحلم‬ ‫بقلب الثكنة‪ ،‬سيما بعد أن كشفوا ھويتھم شرع بعض األھالي يستنكرون ھذه المعاملة‪.‬‬ ‫لكن مع حلول مايو ‪ ،1973‬عندما أعادوا األسرة إلى سجنھا بثكنة آسا‪ُ ،‬منع الطفل عبد‬ ‫اللطيف وإخوته من الجولة بالقرية‪ ،‬بعد صدور أوامر من الرباط بعدم السماح لألم وأبنائھا‬ ‫من مغادرة السجن مھما يكن األمر‪.‬‬ ‫عندما علم سكان قرية آسا أن الزوار الصغار يأتون كل يوم في ساعة محددة مراقبين عن‬ ‫قرب من طرف حراس‪ ،‬أصبحوا يحضرون لھم الشاي والخبز الطازج وبعض الحلوى‬ ‫حسب إمكانياتھم المتواضعة‪.‬‬ ‫كانت تلك الساعات مھمة جدا بالنسبة للطفل الصغير عبد اللطيف ـ الذي لم يكن سنه قد بلغ ‪3‬‬ ‫سنوات بعد ـ وأخوتيه بخصوص االرتباط بالحياة العادية‪ .

‬خرير المياه في النبع‪،‬‬ ‫ھمسات الريح‪ ،‬حفيف األشجار‪ ،‬صرخات األطفال وصياحھم وھم يلعبون ويمرحون‪،‬‬ ‫ضحكات النساء ونباح الكالب‪ .‬‬ ‫تازناخت‪ 8 :‬نونبر ‪ 26 ..‬‬ ‫"بير جديد" آخر محطة المحن‬ ‫‪ 26‬فبراير ‪ 1977‬ـ ‪ 19‬أبريل ‪1987‬‬ ‫عندما أمر الحراس فاطمة الشنا وأبنائھا بجمع متاعھم الشخصي‪ ،‬انشغل الطفل عبد اللطيف‬ ‫في اإلمساك بالحمامات‪ ،‬ضحكاته تجلجل مدوية‪ ،‬يخال نفسه على موعد مع رحلة للعب‬ ‫والتسلية‪ ،‬عكس الكبار الذين تملكھم الخوف والقلق‪.‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫ككل سنة‪ ،‬في ذكرى ميالد الملك الراحل الحسن الثاني‪ ،‬دأب أطفال أوفقير على إرسال‬ ‫بطاقات تھنئة إلى العاھل يطلبون فيھا منه العفو‪ ...‬دامت الرحلة أربعة وعشرين ساعة‪.‬‬ ‫والكولونيل بنعيش‪ ،‬ھذا ھو شقيق بنعيش الطبيب الخاص للملك الحسن الثاني‪ ،‬الذي لقي حتفه‬ ‫في الصخيرات يوم ھجوم تالميذ مدرسة أھرمومو على القصر الملكي في االنقالب‬ ‫العسكري األول‪.‬آنذاك أصبحت تساؤالته واستفساراته الطفولية البريئة تدمي‬ ‫قلوب الكبار من عائلته وتمزقھا إربا إربا‪.‬في إحدى األيام بـ "بير جديد" تعذر على الطفل عبد اللطيف فھم مشھد حقد ومقت‬ ‫مروع‪.1973‬فبراير ‪1977‬‬ ‫بتازناخت احتفل الطفل عبد اللطيف ببلوغه سن السابعة‪ ،‬وھناك تعرف إلى أحد رجال جھاز‬ ‫صاحب الجاللة الخاص )‪ ،(SSS‬الكولونيل بنعيش‪ ،‬وھو الذي قلب حياة عائلة أوفقير بدء من‬ ‫سجن تازناخت رأسا على عقب‪.‬آنذاك كثرت أسئلته الغريبة وتناسلت‪ ،‬إذ اختلطت عليه األصوات‬ ‫التي كان يسمعھا دون القدرة على معاينة مصدرھا أو أصحابھا‪ .‬جمعوا الكتب المدرسية وألبومات الصور‬ ‫‪6‬‬ ..‫حُبس عبد اللطيف رفقة أسرته بإحدى الدور بأكدز شھرا كامال دون أن يتمكن من رؤية‬ ‫السماء والنور الطبيعي‪ ...‬‬ ‫دقت ساعة الصفر‪ ...‬أص ّر الحراس على تفريق العائلة‪ ،‬كل اثنين في عربة مصفحة على‬ ‫حدة‪ .‬‬ ‫كانت مھمته أن يجعل حياتھم جحيما مستمرا‪ .‬تم أخرجوھم لمعاينة المشھد‪ .‬وفي تلك السنة لم يتأخر رد الملك طويال‪....‬‬ ‫جمع رئيس المعتقل العائلة في زنزانة واحدة على غير المعتاد‪ .‬فھو الذي أعطى األمر بذبح الحمامات التي‬ ‫كان الطفل عبد اللطيف يتسلى بھا ويقضي كافة وقته في العناية بھا والتواصل معھا‪،‬‬ ‫والكولونيل بنعيش ھو الذي حرم كذلك أسرة أوفقير من الغذاء‪ ،‬رغم أن أفرادھا نادرا جدا ما‬ ‫كانوا يرونه‪ ،‬لقد كانوا يعرفون قدومه‪ ،‬من حين آلخر‪ ،‬دون سابق إنذار عندما يسمعون ھدير‬ ‫الطائرة المروحية أو يفھمون ذلك من حركة الحراس و"المخازنية" التي تصبح غير معتادة‬ ‫على حين غرة‪.‬تناھى إلى أسماعھم ضجيج‬ ‫حطام وتكسير‪ .

‬‬ ‫ال سبيل إالّ الفرار‬ ‫عند اإلقرار بالھروب‪ ،‬كان عبد اللطيف وعائلته محتجزين بمعتقل سري بـ "بير جديد"‬ ‫بمزرعة إلحدى المعمرين الفرنسيين في عھد الحماية‪" ،‬مزرعة بيير مادور" نسبة لمالكھا‬ ‫األصلي‪.‫ولعب الطفل عبد اللطيف وبعض ما تبقى من المؤونة القليلة والمالبس وأضرموا النار في‬ ‫الكومة مما أحدث للصغار‪ ،‬سيما عبد اللطيف‪ ،‬صدمة نفسية غير مسبوقة‪ ..‬‬ ‫بالرغم من دموع الطفل عبد اللطيف وإخوته‪ ،‬نفذ الحراس وعدھم ووعيدھم‪ ..‬وعلى مدى‬ ‫عدة أيام‪ ،‬كانوا يعودون كل صباح بحمامتين مذبوحتين‪ .‬وربما قد يكون‬ ‫أصغر أبناء أوفقير من الحاالت النادرة في تاريخ البشرية‪ ...‬أخرجوا العائلة إلى الباحة وقال‬ ‫لھم رئيسھم إنه يعرف إلى أية درجة كان الصغار‪ ،‬وعلى رأسھم عبد اللطيف‪ ،‬متعلقين‬ ‫بالحمامات‪ ..‬‬ ‫ابتداء من يناير ‪ 1987‬بدأ الشاب عبد اللطيف يستعد للفرار من الجحيم بتمرين جسده النحيل‬ ‫الذي ترعرع في السجن‪ ،‬خلف األسوار ووراء القضبان الحديدية السميكة‪ .‬‬ ‫‪7‬‬ .‬وبعد فترة قصيرة حاول الطفل عبد‬ ‫اللطيف االنتحار‪ ..‬ويحضر السؤال ثانية‪ :‬إلى أين نحن ذاھبون؟‬ ‫ويتزايد قلقھم كلما الحظ أحد أفراد العائلة أن الطريق مزروع برجال الدرك بالبوادي ورجال‬ ‫األمن بالمدن التي يمرون بھا‪.‬جميع أفراد األسرة يتساءلون‪ :‬إلى أين نحن ذاھبون؟‬ ‫تسير بھم السيارة في عتمة الليل‪ ،‬وعبد اللطيف يتقلب في حجر أمه جراء ارتجاج المركبة‬ ‫األمريكية السائرة على طريق غير معبدة‪ ..‬إن ھذه الحمامات إنما خلقت لتؤكل‪ ،‬لذلك تقرر كل يوم ذبح اثنتين‬ ‫منھا‪..‬الطفل الذي كبر وشاب رھن‬ ‫االحتجاز التعسفي‪ ،‬وھي جريمة لم تكن لتتصورھا كافة الشرائع البشرية والقوانين الوضعية‬ ‫على اإلطالق على امتداد التاريخ البشري‪ ،‬وبالتالي لم يحددوا عقوبة بخصوصھا‪.‬‬ ‫‪ ..‬كان عبد اللطيف بجوار والدته تحاول تخفيف أجواء الضيق التي بدأت تخنقه وعائلته في‬ ‫طريقھا إلى المجھول‪ ....‬إذ في الصباح الموالي عاد الحراس مجددا‪ .‬أي المجازفة بحياتھم كمخرج أخير بعد أن جربوا كل اإلمكانيات‬ ‫األخرى‪ :‬طلب العفو‪ ،‬اإلضراب عن الطعام‪ ،‬االنتحار‪..‬لقد اعتقد الطفل‬ ‫عبد اللطيف‪ ،‬ببراءته الطفولية‪ ،‬أنه بموته سيخرج عائلته من الجحيم ويضع حدا لمعاناتھا‬ ‫وأحزانھا‪.‬لم يتوقف األمر‬ ‫عند ھذا الحد‪ ..‬في ظلمات الزنزانة فرض عبد اللطيف على نفسه تداريب رياضية منتظمة وخصص‬ ‫تمارين "يوكا" للتركيز بمساعدة نصائح والدته لالستعداد ذھنيا ليوم الخالص‪ ،‬ومن ذلك‬ ‫الحين لم يعد ينشغل إال بشيء واحد‪ ،‬الھروب من الجحيم‪...‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫عقد عبد اللطيف العزم على المقامرة بكل شيء بعد أن قرر إخوته الفرار‪ .....‬كان قد ابتلع كمية ال بأس بھا من األقراص الطبية )"فاليوم"‬ ‫و"موغادون"(‪.‬‬ ‫لقد ضاق عبد اللطيف ذرعا بكل المرارة التي تنضح من محادثات الكبار وحركاتھم‬ ‫وسكناتھم‪ .‬لم يبق أمامھم إال‬ ‫الھرب أو الموت للخالص‪ .‬وأضاف‪ ..‬منذ نعومة أظافره لم يعرف عالما آخر إال الجدران والقضبان‪ .

‬وعمل ليال‬ ‫طويلة رفقة والدته لحفر فجوة تواصل مع شقيقاته‪.‫لم تبق أمام الشاب عبد اللطيف إال المجازفة بعد أن أيقن أن حياته – وھو الطفل البريء الذي‬ ‫أصبح شابا في فضاءات الحجز التعسفي – ال تساوي "بصلة" في نظر الملك‪ .‬أما التراب المستخلص من الحفر‪ ،‬فقد غربل ووضع في‬ ‫أكياس كانت تستعمل لملء البئر المحفور لتسھيل االستمرار في الحفر في اليوم الموالي ليال‬ ‫بعد إطفاء األنوار‪ ..‬‬ ‫بعد عمل مضني ومتقطع دام أكثر من ‪ 30‬ساعة بتر األنبوب المعدني الذي كان يعترض‬ ‫المرور من زنزانة عبد اللطيف وأمه إلى زنزانة شقيقاته الثالثة‪..‬‬ ‫قام عبد اللطيف بالكثير من المھام‪ ،‬منھا المساھمة في فك العزلة بين أفراد العائلة‪ .‬‬ ‫فلم يكن يھم الشاب – الذي لم يعاين عالم الحرية منذ أكثر من ‪ 15‬سنة يومئذ – يھمه كثيرا إن‬ ‫بلغ ھدفه في معانقة الحرية‪ ،‬لتذوق طعمھا ألول مرة في حياته‪ ،‬أم ال‪ ،‬حسبه أن يخرج من‬ ‫الجمود والسلبية التي تجعله يشعر بأن عقابه دون اقتراف أي ذنب‪ ،‬أكثر فظاعة وھوال‪.‬أرسل له شقيقه رؤوف‪ ،‬بواسطة حليمة‬ ‫وعاشوراء المكلفتين بإمداد العائلة بالطعام وحصة الماء اليومية‪" ،‬سلكا" رفيعا من النوع‬ ‫المستعمل في كابح الدراجة )"كابل ديال لفران"(‪ ،‬وبفضله نجح عبد اللطيف وشقيقاته أن‬ ‫يحز جزا عميقا في األنبوب‪ .1987‬‬ ‫مع بداية الحفر كان عبد اللطيف يتسلق كتفي أمه كل ليلة لينزلق في حجر مؤدي إلى غرفة‬ ‫مھجورة‪ ،‬ويبدأ في تسلم الحجارات المستخلصة من الحفر لترتيبھا بجزء من الفضاء‬ ‫المھجور حتى ال يظھر لھا أثر‪ .‬وقد ساھمت اكتشافاته في تسھيل اإلعداد لعملية الھروب الكبرى‪..‬‬ ‫لقد ساھم عبد اللطيف في إعداد عملية الھروب من معتقل "بير جديد"‪ ،‬إذ ساعد أخاه‪،‬‬ ‫رؤوف‪ ،‬وإخوته البنات في حفر النفق وانجاز الحفر بين الزنازن قصد التنقل من واحدة‬ ‫ألخرى‪.‬‬ ‫حسب روايات شقيقيه‪ ،‬رؤوف ومليكة‪ ،‬كانت مجرد فكرة إمكانية الفرار تنعش عبد اللطيف‬ ‫وتثيره وتحييه‪ ،‬وھو الشاب الذي غادر عالم الحرية وھو طفل لم يكن يتجاوز سنه ثالث‬ ‫سنوات‪..‬‬ ‫بعد إنجاز جزء من الحفر صادف عبد اللطيف أنبوب معدني انتصب وسط الفجوة‪ ،‬وكان‬ ‫عليه رفقة شقيقاته إزاحته للتمكن من المرور‪ .‬‬ ‫‪8‬‬ .‬‬ ‫فمنذ وصول عائلة أوفقير إلى معتقل "بير الجديد" لم يتوقف عبد اللطيف عن التفكير لحظة‬ ‫واحدة بالھرب‪ .‬ولتجنب الحرارة بفعل االحتكاك‬ ‫والكفيلة بتمزيق السلك‪ ،‬دھن ھذا األخير بالشمع وبرد باستمرار بصب الماء عليه‪.‬أمسكوا بطرفي السلك واستخدموه كمنشار لقطع األنبوب‬ ‫الصدئ بتمريره ذھابا وإيابا بحركة سريعة وإيقاع متواصل‪ .‬‬ ‫انتزع القشرة التي كانت تغطي حائط الزنزانة‪ ،‬وبعد عدة تجارب تمكن من التوصل إلى‬ ‫عجين باستعمال مسحوق "التيد" والطحين وبعض االسمنت والرماد والتراب‪ ،‬استعمل‬ ‫بنجاح في سد الثقب الالزمة إلعداد عملية الھروب‪ ،‬منذ أن بدأ الحفر في ‪ 7‬فبراير ‪.‬كما أن األكياس تسھل عملية الفتح واإلغالق وتخفف من الضجيج وتلغي‬ ‫الصدى‪.‬لذلك اختار‬ ‫رفقة إخوته المخاطرة بحياتھم توقا لضمان العيش‪ ،‬وبدا لھم أنه خير لھم أن يموتوا وھم‬ ‫يكافحون من أن ينتھوا في الزنازين معوزين ومشلولين‪..‬‬ ‫في تلك الفترة تقول والدته‪ ،‬فاطمة الشنا‪ ،‬لم يعد طفلھا – الذي أضحى شابا – يحس باأللم وال‬ ‫الجوع وال البرد وال التعب كسائر البشر‪.

..‬آنذاك كان عبد اللطيف في الطرف اآلخر من النفق‪ .‬يكز أسنانه من األلم ويئن أنينا مخنوقا حتى ال تسمعه أمه أو البنات‪.‬ھذه كانت حالة عبد‬ ‫اللطيف في إعداد مخطط الخالص من الجحيم‪.‬‬ ‫كان عبد اللطيف نحيال جدا بفعل ترعرعه في ظلمات الزنازن ويفعل وجبات طعام ال تغني‬ ‫وال تسمن من جوع منذ أن كان طفال في مرحلة النمو‪ ،‬وبذلك ظل "عوده" "مھترئا" وبنيته‬ ‫ھزيلة رغم أن سنه تجاوز وقتئذ ‪ ،16‬وأتاح له جسمه النحيل أن يندس في الحيز الوحيد‬ ‫لجحر الزاوية المرفوعة من جدار زنزانته بعد االلتفاف على نفسه في مساحة ضيقة جدا‬ ‫ليطل على غرفة "تحت أرضية" مھجورة للتخلص من التراب الناتج عن حفر نفق الخالص‪.‬وفي كل زنزانة راقب أحد من تحت الباب المصفح‬ ‫قدوم الحراس‪ .‬ومع مرور فترة احتجازه دون أن يعلم شيئا عن العالم‬ ‫المحسوس‪ ،‬إال عبر ما جادت به حكايات أشقائه ووالدته‪ ،‬تألق عبد اللطيف – الذي قضى‬ ‫طفولته ومراھقته وجزء غير يسير من مرحة شبابه في المعتقل – في تطوير مجموعة من‬ ‫الحيل و"التقنيات" لمساعدة شقيقه وأخواته في اإلعداد لعملية الفرار‪....‬كان رؤوف‬ ‫يحفر‪ ،‬وعلى حين غرة انھالت كتلة من التراب فوقه‪.....‬لم يعد بوسعه التنفس ومأل التراب فمه وأنفه وكاد يختنق‪ ..‬كان كل واحد من األشقاء يحفر فوق رأسه مغمض العينين‪ .‬‬ ‫كما كان عبد اللطيف‪ ،‬الوحيد من أفراد العائلة‪ ،‬الذي يتمكن من المرور في النفق الرابط بين‬ ‫زنزانته رفقة والدته وزنزانة شقيقاته نظرا لضيق الحيز‪..‬بغيط وھيجان اليأس‪ ،‬كان ينبغي الحفر عموديا وتلقى‬ ‫التراب على الوجه‪ .‬تناوب األشقاء في الحفر‪ .‬آنذاك ھمس إليه رؤوف‪ ،‬بين لقمتي طين مألت‬ ‫فمه بأفضل طريقة لمساعدته‪ .‬في تلك الليلة من‬ ‫يوم الجمعة ‪ 17‬إلى يوم السبت ‪ 18‬أبريل ‪ ،1987‬فتح ثقب الحرية وتمكن عبد اللطيف من‬ ‫‪9‬‬ ..‫يقال أن الحاجة أم االختراع‪ ..‬حفروا ليل نھار ألن جھاز "‪ "SSS‬أمر الحراس بإضافة برج جديد للمراقبة فوق‬ ‫زنزانة البنات التي كان يوجد بھا مدخل النفق‪ ...‬‬ ‫وبشھادة جميع أفراد عائلة "أوفقير"‪ ،‬كان الھروب من قبيل المستحيالت لوال مساھمة عبد‬ ‫اللطيف‪ ،‬إذ كان الوحيد الذي يمكنه التخلص من أحجار وتراب الحفر‪ .‬حاول‬ ‫اإلمساك بالخيط الرفيع وسحبه‪ .‬الحظ‬ ‫الخيط يتحرك بطريقة متفق عليھا‪ .‬‬ ‫كان األشقاء أوفقير في إنجاز المرحلة األخيرة للھروب وحفر آخر شطر للنفق المؤدي إلى‬ ‫الحرية‪ .‬مضت الدقائق ثقيلة وخانقة‪ .‬اندفع فورا في السرداب فجذب شقيقه من قدمه بصعوبة‬ ‫جمة نظرا لنحافته وضعف بنيته‪ .‬كانوا مضطرين للحفر دون انقطاع في سباق‬ ‫ضد الساعة‪ .‬‬ ‫على بعد أمتار معدودة من فتحة ثقب النجاة انھار التراب على رؤوف وطمرت كتلة منه‬ ‫جذعه بالكامل‪ ،‬وإذ تثبتت ذراعاه على طول جسمه‪ ،‬ومع حسن الحظ أبقى حبل اإلنذار في‬ ‫متناول يده الممدودة‪ ...‬عندما حل الشفق وانبسط الليل‪ ،‬وما إن انطفأت‬ ‫األنوار مر رؤوف عبر المعابر المحفورة بين الزنازن إلى زنزانة البنات وقد ؟؟ عبد اللطيف‬ ‫من زنزانته واستأنف الحفر من جديد إلزاحة المتر المكعب األخير من التراب الذي يفصلھم‬ ‫عن الحرية شبرا شبرا وحفنة حفنة‪ .‬كان أصغرھم سنا‪،‬‬ ‫لكن دوره كان حيويا‪ ،‬إنه شرط نجاح العملية‪ ،‬وقد قيل إنه غالبا ما تكون أكبر المشاريع‬ ‫وأكثرھا جرأة رھينة بأبسط المشاركين فيھا‪ ،‬ال يكاد ينتبه لھم أحد‪ .‬عندما عجز عن تخليصه ركز عبد اللطيف عن إزاحة‬ ‫التراب عن وجه أخيه لتمكنيه من التنفس‪ .‬‬ ‫كان عبد اللطيف يضطر لسحب كل مالبسه‪ ،‬ما عدا التبان )"السليب"(‪ ،‬ليتمكن من العبور‬ ‫إلى زنزانة البنات‪ ،‬وحين كانت شقيقاته يسحبنه من الفجوة نحوھن‪ ،‬كان غالبا ما تنخدش‬ ‫كتفيه وخاصرتيه‪ ....‬استمرت عملية اإلنقاذ أكثر من ربع ساعة‪ .

‬أصيب بالدوران وھو يرى عبد النافذة المناظر الطبيعية تمر بسرعة فائقة لم يسبق‬ ‫أن عاين مثيلھا‪.‬ثم عاد إلى إخوته يحمل ورقة خضراء من‬ ‫أوراق إحدى شجرات عالم الحرية‪...‬‬ ‫سار عبد اللطيف في المقدمة‪ ،‬وبعد مھلة نادى أخته‪" :‬مليكة‪ ...‬‬ ‫قطف عبد اللطيفر فوال وراح يأكله نيئا‪ .‬فجأة توقف وقال "أعتقد أننا قد نجحنا‪ .‬كان البدر يسلط ضوءه‬ ‫الباھت على أسواره‪ .".‬‬ ‫بعد خروجھم من النفق شعر اإلخوة أوفقير أنھم يراوحون مكانھم ومازالوا يجھلون الوجھة‬ ‫الصحيحة التي تخرجھم من المأزق‪ .‬ألول مرة يركب فيھا عبد اللطيف القطار وھو في ‪ 18‬من عمره بعد النجاة من جحيم "بير‬ ‫جديد"‪ .‬ال أعرف‬ ‫ما ھو؟"‪...‬وقف القطار بمحطة طنجة‪ .‬‬ ‫‪10‬‬ .‬‬ ‫‪ .‬كان طعمه منعشا‪ ،‬لذيذا كطعم الحرية‪..‬‬ ‫قبل ذلك‪ ،‬بعد الخروج من النفق والزحف مليا وجد عبد اللطيف نفسه في حقل مزروع‬ ‫بالفول‪ .‬ولما استفسره شقيقه عن األمر أكد له أنه‬ ‫منذ نزوله من القطار لم يفارقه اإلحساس المزعج بأن األرض ال تزال تجري من تحت‬ ‫قدميه‪ ،‬ويتخيل له أنه يرى المناظر الطبيعية تتعاقب أمام ناظريه بينما ھو جالس مع إخوته‬ ‫بمقعد المحطة‪.‬‬ ‫سار عبد اللطيف مرفوع الرأس‪ ،‬متطلعا إلى النجوم مفتونا‪ ،‬مذھوال أحيانا‪ ،‬ارتسمت على‬ ‫محياه ابتسامة تنم عن سعادة بالغة‪ .‬أعتقد أنھا نقطة‬ ‫بداية نھاية المحن‪.‬كان المنظر فظيعا والشاب عبد اللطيف يعاين المكان الذي أقبر فيه‪،‬‬ ‫وحيث ذاق في أتونه حسرات العذاب والموت البطيء‪..‬أدار وجھه إللقاء أول نظرة على المعتقل من خارجه‪ .‬إنھا طريق النجاة التي ستقودھم‬ ‫إلى فضح سر الملك‪.‬‬ ‫كانت طريق أسفلت لم يسبق أن عاينھا عن قرب من قبل‪ ...‬تعالي‪ ..‬‬ ‫نزل قوله ھذا‪ ،‬على أشقائه‪ ،‬كصرخة نابعة من القلب‪ ،‬ولم تستطع العائلة برمتھا إال الخضوع‬ ‫لرغبة الطفل الذي أصبح شابا دون أن يذوق طعم الحرية‪.‬‬ ‫كما كانت على إحدى شقيقتيه‪ ،‬ماريا أو سكينة‪ ،‬أن تبقى بالمعتقل لتعيد إغالق النفق وكذلك‬ ‫المعبر بين الزنازين ما دامت مريم واھنة جدا وال تقوى على اإلطالع بھذه المھمة‪..‬ظل عبد اللطيف جامدا بحافة المقعد‬ ‫وھو يتشبث به بيديه مركزا نظره على األرض‪ ......‬نزل األشقاء األربعة‪ ....‫استنشاق أول نسمة من عالم لم يعرفه من قبل‪ ...‬‬ ‫‪ .‬إنه صلب‪ ..‬‬ ‫اكتشاف العالم والدنيا‬ ‫كان على رؤوف التقرير في َمن ِمن إخوته سيرافقونه في الفرار‪ ،‬كانت مليكة المؤھلة األولى‬ ‫بدون منازع‪ ،‬وھناك كذلك عبد اللطيف أو سكينة أو ماريا ألن األم ومريم وعاشوراء وحليمة‬ ‫مقصيات ألسباب صحية‪.".‬بإذعان واستسالم طلبت مليكة من شقيقھا عبد اللطيف‬ ‫أن يتولى قيادتھم باعتباره مازال يرفل بالنقاء والطھارة ولم ير شيئا بعد من الدنيا‪ ،‬ولم‬ ‫يقترف بعد ذنبا‪.‬‬ ‫تدخل عبد اللطيف قائال‪" :‬إذا كان علينا أن نموت‪ ،‬أريد على األقل أن أعرف ما ھي البادية‬ ‫والھواء الطلق‪.

‬صدمته روائح الحياة ھذه‪،‬‬ ‫التي لم يسبق أن استمتع بھا من قبل‪ .‬‬ ‫‪ .‬‬ ‫وھناك‪ ،‬بالعاصمة‪ ،‬استضاف طبيب األشقاء الفارين معتبرا أنھم في محنة عائلية ليس إالّ‪.‬‬ ‫منذ الوھلة األولى‪ ،‬بعد الخروج من النفق‪ ،‬اكتشف عبد اللطيف روائح جديدة ألول مرة لم‬ ‫يسبق له أن استنشقھا‪ ،‬إذ ترعرع منذ كان طفال على روائح مغايرة على امتداد أكثر من ‪15‬‬ ‫سنة‪ ،‬روائح الغائط والموت‪ .....‬وما دام الھدف من الھروب‬ ‫ھو اللجوء إلى إحدى السفارات الغربية فإن يوم السبت لم يكن مناسبا‪ ،‬لذلك أرجئت العملية‬ ‫إلى يوم األحد لتقليص ھامش األخطار‪.‬توجه أحدھم إلى الثقب الذي لم يكن أوسع من قطر قلم واعتبر ھذا الفعل من‬ ‫قبيل التخطيط للھروب‪ .‫تنازلت سكينة لماريا وقررت البقاء إلنجاح عملية فرار أشقائھا‪ .‬في اليوم الموالي حضر الكولونيل بنعيش وأصدر أوامره للتفتيش‬ ‫الھمجي وتطبيق نظام العزل وإلغاء الفسحة وتشديد الحراسة إضافة إلى بناء سور جديد‬ ‫خارجي يحيط بالزنازين ونصب برج إضافي للمراقبة فوق زنزانة عبد اللطيف ووالدته‪...‬‬ ‫بقرية "بير جديد"‪ ،‬بعد الھروب‪ ،‬تجلت الحالة المأساوية التي مر بھا عبد اللطيف‪ .‬‬ ‫عانق عبد اللطيف الحرية عبر ثقب النفق كأنه يولد من جديد‪ .‬مر بجانب الكشك فبصر جريدة "إيكيب" الفرنسية‬ ‫الخاصة بالرياضة‪ ،‬لم يقاوم فھ ّم بشرائھا بمعية علبة "بيسكوي" لتقديمھا لشقيقه الذي ظل‬ ‫يحلم في السجن بأن يصبح العب كرة قدم محترف دون أن تتاح له فرصة معاينة أية مباراة‬ ‫في حياته إلى حد ذلك الوقت‪.‬لكن في تلك اللحظة‪ ،‬قبيل فجر يوم األحد‪ ،‬سرى إحساس جديد‬ ‫وغريب في جسده لم يعھده من قبل‪ .‬ظل عبد اللطيف مشدوھا ولم يكف على السؤال‪ :‬ما ھذا؟‬ ‫وھذا ماذا؟‪ .‬‬ ‫قدمت لھم الخادمة فطورا متنوعا‪ .‬لم يكن إلى حدود تلك اللحظة‬ ‫يعي شيئا عن عالم الحرية الذي أختطف منه وسنه لم يبلغ بعد ثالث سنوات‪ .‬وسببت له ھذه األحاسيس الحميمية والمبھجة نشوة‬ ‫غامرة‪ ،‬استعد ألن يموت على أن ال يحرم منھا ثانية‪...‬كان‬ ‫يحدق في كل ما يمر أمامه باندھاش وانبھار غير معتاد‪.‬رائحة العشب المبلل بالردى‪ ،‬نداوة النسيم المحمل‬ ‫بشيء من الطراوة‪ ،‬عبق الحشائش‪ ،‬وشدى لطيف وحلو لبساتين‪ .‬لكن فجأة فُتح باب الزنزانة المصفح ثم انقض رئيس الحراس وزمرته‬ ‫على المكان‪ .‬كان يكد ويجتھد إلحداثه بسرعة كلما الحظ‬ ‫تلھف شقيقه الصغير‪ ..‬‬ ‫‪11‬‬ ..‬بالرباط‪ ،‬ترك رؤوف أخاه عبد اللطيف وشقيقتيه‪ ،‬مليكة وماريا‪ ،‬على درج محطة القطار‬ ‫وذھب القتناء تذاكر السفر إلى طنجة‪ ..‬ومن غرائب الصدف أن الملك محمد السادس عيّن ذلك الطبيب في المجلس‬ ‫االستشاري لحقوق اإلنسان نظرا لنزاھته وكفاءته‪ ،‬إنه الدكتور الرافعي‪ ،‬علما أن الوزير‬ ‫المخلوع‪ ،‬إدريس البصري‪ ،‬كان قد رغب في التنكيل به عندما علم بمساعدته ألبناء الجنرال‬ ‫أوفقير بعد إلقاء القبض عليھم بمدينة طنجة من حيث ال يدري‪ ،‬إال أن الملك الراحل الحسن‬ ‫الثاني أثناه على ذلك قائال له‪" :‬ال تم ّسوه بسوء‪ .‬‬ ‫ففي أحد األيام توسل عبد اللطيف ألخيه لكي يساعده على توسيع ثقب في كوة صغيرة من‬ ‫داخل زنزانته لتمكينه من رؤية السماء والعشب والخضرة‪ ..‬بعد ساعتين من الجھد نجح‬ ‫رؤوف في إحداث ثقب في إطار الكوة الخشبي‪ ...‬كان لقاؤه بالحياة‬ ‫في غاية القسوة والتعقيد‪ ،‬إذ كيف لشاب أقبر في الثالثة من عمره في ظروف حيوانية‬ ‫ووحشية أن يتلقى صدمة اكتشاف الحياة في الثامنة عشرة وفي ظروف فرار من بين مخالب‬ ‫جالدين غالظ خائفين على حياتھم‪ ،‬ما داموا كانوا قد كلفوا من طرف الملك بما كلفوا به‪..‬األولى أن يبتھج المرء ألنه ال يزال يعاين‬ ‫رجاال مثله في المغرب‪..".

‬ولج الجنرال حسني بنسليمان محاطا بضباطه فضاء "إقبار" عائلة‬ ‫الجنرال أوفقير‪ ..‬‬ ‫وبعد لحظة بدأت المھزلة الوقحة‪ .‬آنذاك لم تقو مليكة‬ ‫على مقاومة الرغبة في توقيف "الطاكسي الصغير" بشارع األميرات لتدل شقيقھا عبد‬ ‫اللطيف على جدران بيتھم الذي لم يبق منه سوى أرض خالية محاطة بسور منخفض‪ .‬إذ‬ ‫كان الملك الراحل الحسن الثاني قد أمر بھدمه بعد إقبار أفراد العائلة أحياء‪ ،‬وتم ذلك في‬ ‫غضون سنة ‪ ،1986‬أي سنة واحدة قبل عملية الھروب‪ ..‬ال‬ ‫يمكن ألحد مھما كان ساذجا أن يصدق ھذا‪ .‬يمكن مھاجمة رجال يتحملون‬ ‫مسؤولياتھم‪ ،‬أما مھاجمة أطفال‪ ،‬فھذا ال بد أن يدينه كل كائن حي عاقل ]‪ [.‬‬ ‫علم جسوس أن عبد اللطيف لم يذق طعم السمك الطري منذ سن الثالثة‪ ،‬فق ّدم ألبناء أوفقير‬ ‫الفارين طبقا كبيرا من "البايا" )األكلة اإلسبانية المشھورة( مزخرفا بسخاء بثمار البحر وقال‬ ‫لھم ‪ ":‬ھذا الطبق غير معد في مطعم ولن تدفع الدولة قيمته‪ ،‬لقد أعددته في بيتي ويسعدني أن‬ ‫تقبلوه"‪..‬أوقفا ھذه المھزلة‪...‬تح ّملت مليكة الصدمة بصمت ولم‬ ‫ترد أن تكشف لعبد اللطيف الحقيقة‪ ،‬إذ قالت إنھا قد ضلّت الطريق ولم تعد تذكر موقع المنزل‬ ‫ترعرعت فيه‪."..‬فردت عليھما ‪":‬إذا كنتما تتصوران أنه يسرني أن أرى‬ ‫ھذا المسكين يتألم وما ھو سوى مجرد منفذ لألوامر وكبش فداء‪ .‬أنتم اآلن "ضيوف" سيدنا وستعاملون على ھذا األساس"‪..‬لم أفعل إال تنفيذ أوامرھما‪.‬أعتقل الحراس ورئيسھم و حطّ الوافدون الرحال في زنزانة البنات‬ ‫بعد تكديس ما تبقى من العائلة بزنزانة الوالدة‪ ،‬وبدأ االستنطاق‪..‬‬ ‫قبيل االعتقال بفندق "ميراج" بطنجة" كان عبد اللطيف يشرب كوبا من "الميلك شيك"‪ ،‬أنھاه‬ ‫ثم قال لشقيقه رؤوف‪ ":‬أريد كوبا آخر‪ ،‬ربما لن أتمكن من شربه ثانية‪ ".‬تريدان إيھامي بأنكما تعذبانه بسبب قساوة‬ ‫معاملته لنا‪ ،‬في حين أنكما لن تغفرا له ھروب األوالد‪ .".‬طوقت فرقة الدرك الملكي المزرعة الحاجبة لسجن أسرة أوفقير واستقرت‬ ‫المدرعات في كل جانب‪ ...‬ثم وصل مدير "الديستي" آنذاك‪ ،‬عبد العزيز عالبوش مرفوقا بمعاونيه‬ ‫واليوسفي القدوري‪ ،‬القائم وقتئذ على معتقل درب موالي الشريف سيئ السمعة وفرقته‬ ‫)زوار الليل(‪ ..‬‬ ‫نشوة االنتصار في قلب الجحيم‬ ‫عندما كان أبناؤھا بطنجة‪ ،‬كانت فاطمة الشنا‪ ،‬تخضع للتحقيق وقائد الحرس يُعذب غير بعيد‬ ‫عنھا‪ ،‬وتسمعه يصرخ قائال ‪":‬لماذا ال تذھبون إلحضار العقيد بنعيش والجنرال موالي‬ ‫حفيظ‪ ..‬‬ ‫‪12‬‬ ...‬فمنذ أن علم‬ ‫صاحب الجاللة باألمر أصبحتم في حمايته‪ ،‬لن يعود بوسع موالي حفيظ وال بنعيش إيذاءكم‬ ‫]‪ [..‬‬ ‫بينما التحقيق متواصل بـ "بير جديد"‪ ،‬كان عبد اللطيف وإخوته على متن سيارتي أجرة‬ ‫بالعاصمة‪ ،‬بحي السويسي‪ ،‬حيث كانت تقطن عائلة الجنرال أيام ع ّزھا‪ .‬وما أن أكمل كالمه‬ ‫حتى تم تطويق الفندق وعج بأشخاص مسلحين‪....‬فأنا أتأسف عليكما‪ ..‬قال جسوس‪ ،‬والي أمن طنجة آنذاك‪ ،‬ألبناء أوفقير بعد‬ ‫وضع اليد عليھم‪ ":‬الذين فعلوا ذلك ال يحبون بلدھم وال ملكھم‪ .‬‬ ‫آنذاك طمأن اليوسفي القدوري وعبد العزيز عالبوش أرملة أوفقير قائلين‪":‬إنه ال ينال سوى‬ ‫ما يستحقه‪ ،‬لقد أساء إليكم كثيرا‪ ،".....‫في الوقت الذي كان عبد اللطيف يكتشف عالم الحرية‪ ،‬حلقت أربع طائرات مروحية فوق‬ ‫زنازن "بير جديد"‪ ..

‬آنذاك ـ تقول فاطمة الشنا البنھا عبد اللطيف ـ كان الحسن الثاني يمتاز بخصال‪.‬ال إراديا توقف عبد اللطيف لبرھة‪ ،‬وقال لشقيقه رؤوف "ھذا الذي كنا نكاتبه‬ ‫وال يجيبنا"‪.‬‬ ‫إن البالط كان فضاء أليفا لفاطمة الشنا‪ ..‬‬ ‫دُعيت إلى القصر الملكي بمراكش‪ ..‬ومن النوازل التي أسرت بھا فاطمة الشنا البنھا بھذا الخصوص‪ ،‬أن‬ ‫ذات يوم رفض الملك الراحل محمد الخامس ـ وھو العاھل غير وافر الغنى وقتئذ ـ دفع‬ ‫فاتورة في اسم نجله ولي العھد تركھا عند بائع مجوھرات بباريس‪ ،‬فالتجأ موالي الحسن‬ ‫ألمه‪ ": .‬اعتادت على ارتياده منذ كانت طفلة مقيمة عند‬ ‫إحدى شقيقات الملك الراحل محمد الخامس بمدينة مكناس قبل زواج أبيھا‪ .‬استقبلني الملك الحسن الثاني لمدة قصيرة بحضور‬ ‫إدريس البصري وقال لي ‪":‬أسلمك زوجة أوفقير وأوالده‪ ...‬‬ ‫كانت تربط أسرة أوفير بالعائلة الملكية عرى صداقة قوية‪ .‬‬ ‫تعسر الفھم على عبد اللطيف بخصوص إصرار الملك الرحل الحسن الثاني على اإلساءة‬ ‫لعائلته والنيل منھا‪ .‬‬ ‫عبد اللطيف والملك‬ ‫في مدخل محطة القطار بالعاصمة الرباط‪ ،‬م ّر اإلخوان أوفقير بصورة كبيرة للملك الراحل‬ ‫الحسن الثاني‪ .‬حينما سأطلبھم منك‪ ،‬أريدھم‬ ‫جميعا حاضرين‪ ،‬إن نقص أحدھم سأعقلك من أھدابك‪ ،"..‬‬ ‫على رأسھا استذكار الذين ساعدوه في أوقات الشدة"‪.‫منذ خروج عائلة أوفقير من قبر "بير جديد" ظلت الزمة تكرر على لسان المسؤولين‬ ‫المضطلعين بمھمة مراقبتھم وحراستھم اللصيقة‪" ،‬أنتم ضيوف صاحب الجاللة اآلن"‪،‬‬ ‫فكانت بداية الضيافة بمعتقل درب موالي الشريف السري ثم بفيال بضواحي مراكش مطوقة‬ ‫بالحراس بقيادة عقيد من "السيمي" الذي أسر ألحد أبناء الجنرال المحتجزين قائال‪ ":‬لم أر‬ ‫الملك قط‪ ،‬إال في التلفزة‪ ،‬ولم أكلف سوى باألمن العام واألحداث الرسمية والرياضية‪.‬‬ ‫وحسب المحامي "كيجمان" كان الملك الراحل الحسن الثاني قد عبر له بأنه تأثر للظروف‬ ‫الفظيعة التي خضع لھا عبد اللطيف وإخوانه الذين كانوا بمثابة أطفاله‪ ،‬وال سيما ملكية التي‬ ‫‪13‬‬ ..‬وكان الجنرال وزوجته الوحيدين‬ ‫المسموح لھما بولوج القصر الملكي في أي وقت وحين والتجول فيه بكل حرية ودون‬ ‫استئذان‪ ،‬وذلك منذ عھد الملك الراحل محمد الخامس‪ ،‬عندما كان محمد أوفقير قائد الحرس‬ ‫الملكي‪.‬وبدت له الصورة متناقضة كلما حكت له أمه عالقاتھا الوطيدة مع الملك‬ ‫حينما كان وليا للعھد‪ ،‬وكيف كانت تُعتبر من أفراد العائلة الملكية بحكم قربھا منھا‪.‬وأضاف ‪ ":‬إذ ما حدث وھرب‬ ‫أحدكم‪ ،‬األمر سھل جدا‪ ،‬سأنتحر بدل أن أتحمل تبعات ذلك"‪.‬‬ ‫استعصى الفھم على عبد اللطيف عندما روت له والدته أنھا كانت واحدة من األشخاص‬ ‫القالئل جدا الذين كان الملك الراحل الحسن الثاني )ولي العھد آنذاك( يقترض منھا بعد‬ ‫األموال‪ ،‬سيما عندما كانت تربطه عالقة مع الممثلة الفرنسية "إيتشيكا شورو" التي كان‬ ‫وقتئذ يغمرھا بالھدايا‪ ...‬ولقد رآھا محمد‬ ‫الخامس عندما كان يأتي لزيارة شقيقته‪ ،‬فاستوقفه جمال الطفلة البالغة من العمر ثماني‬ ‫سنوات‪ ،‬وسرعان ما شعر نحوھا بعاطفة وإعجاب لم ينطفئ أوارھا مع مرور الوقت‪.

‬‬ ‫وبعد أن أبلغ المحامي عائلة أوفقير باألمر‪ ،‬طلب منھم توجيه كتاب للملك يتعھدون فيه‬ ‫بالصمت‪":..‬‬ ‫لم يكن الجنرال محمد أوفقير يظن أن الملك سيھاجم أطفاله‪ ،‬ولو كان لديه أدنى شك لما منعھم‬ ‫من مغادرة المغرب في أخر مكالمة معھم‪.‬‬ ‫بعد أيام حضر الكولونيل بنعيش رفقة بعض معاونيه‪ .‬‬ ‫وبعد التماطل صرح المحامي "كيجمان"‪ ،‬لجريدة "لوموند " الفرنسية ‪ [.‬‬ ‫استغل االبن البكر رؤوف الفرصة وطلب قھوة سوداء وسجائر قبل الشروع في العمل‪..‬ألتمس من‬ ‫جاللتكم إجراءا رحيما حيال أوال الجنرال أوفقير‪ ،‬إجراء يحق لكم وحدكم تحديد مداه"‪.‫رباھا كابنته‪ .‬‬ ‫أمر بنعيش رؤوف وإخوته بإعادة رسم تلك الصور تحت مراقبة الحراس اللصيقة‪ .‬نتعھد بأال ندلي بأي تصريح علني قد يضر بمصالح بلدنا ويسيء إلى صورة‬ ‫وطن وملك ھما وطننا وملكنا"‪ ،‬ھذا مما ورد في الكتاب‪..‬‬ ‫حينما كان عبد اللطيف بين الموت والحياة‬ ‫‪14‬‬ .]":‬ال يمكن اعتقال‬ ‫أطفال بھذا الصغر ومن الضروري لالستجابة لروح العدالة واإلنسانية ]‪ [.‬كما أسر له أنه ال يريد أن تذھب عائلة الجنرال إلى فرنسا موضحا أنه ال يرى‬ ‫أي مانع من أن تذھب لإلقامة بإسرائيل‪ .‬‬ ‫ھدية جلبت المآسي‬ ‫في إحدى المناسبات العزيزة على البالط فكر عبد اللطيف وأصغر أخواته في رسم صورة‬ ‫لبعض أفراد العائلة الملكية ‪ ،‬ومن ضمنھم الملك الراحل الحسن الثاني‪ ،‬إلرفاقھا برسالة‬ ‫استعطاف إلنقاذ عائلة الجنرال محمد أوفقير من الجحيم‪.‬‬ ‫بعد إعداد الصور الملك وبعض األميرات واألمراء‪ ،‬إذ تألق رؤوف وإخوانه في إبداعھا‪ ،‬ت ّم‬ ‫تزيين إطاراتھا بخيوط ملونة‪ ،‬ثم سُلّمت لرئيس الحراس لبعثھا للملك بالقصر الملكي‪...‬‬ ‫لقد استطار غضب المكلفين بحراسة وتنغيص حياة عائلة أوفقير في الحجز عندما عاينوا‬ ‫الصور ولم يقتنعوا أنھا رُسمت خلف األسوار العالية ووراء القضبان الحديدية‪ ،‬وأنھا رسمت‬ ‫فعال بالمعتقل وأن أصحابھا ھم أطفال الجنرال‪ ..‬‬ ‫بعد ساعات من الكد والتركيز تمكن أبناء الجنرال أوفقير من إعادة رسم الصور التي بعثوا‬ ‫بھا إلى القصر الملكي‪ ،‬بنفي الدقة والتألق مثل ما أع ّدوا األولى رغم جز الرعب والتنكيل‬ ‫الذي ساد ذلك اليوم‪ .‬بل ذھب بھم التفكير إلى االعتقاد أن تلك‬ ‫الصور سُرّ بت من الخارج لذا حضروا إلى عين المكان على وجه السرعة لطع الشك باليقين‪.‬ظنت األم‪ ،‬فاطمة الشنا‪ ،‬أن ھدية أبنائھا‬ ‫للعاھل قد أتت أكلھا‪ ،‬إال أن األمر كان غير ذلك‪.‬ورغم ذلك لم يِؤت ھذا المجھود أكله‪ ،‬إذ ظلت العائلة تكابد الويالت‬ ‫مجبرة على التكيف مع سيرورة الموت البطيء إلى أن تمكن عبد اللطيف رفقة إخوانه من‬ ‫الفرار وانكشفت الجريمة داخل الحدود وخارجھا‪.‬ھكذا أيقن السجانون أن الصور المبعوثة إلى الملك أنجزت فعال في‬ ‫عقر المعتقل الرھيب‪ .‬لكنه في األخير قبل كندا‪.‬حيث تم‬ ‫وضع اإلخوة في زنزانة واحدة بعد إمدادھم باألقالم واألوراق وطُلب منھم انجاز الصور‪.

‬عادوا على أعقابھم لعرض األمر على الرباط‪ ...‬تشبث عبد اللطيف النحيف‬ ‫النحيل الھزيل بخوض اإلضراب إال انه في نھاية األسبوع األول من االمتناع عن األكل‬ ‫أرغمته العائلة على توقيف اإلمساك عن الطعام ‪...‬بيدين‬ ‫ملطختين بدم أمه‪ ،‬انحنى شاحبا على حفرة المجاري التي تفصله عن زنزانة شقيقاته ليخبرھم‬ ‫أن والدته مازالت تتحرك ‪"..‬وقام الحراس تحت إمرة‬ ‫قائدھم بحفر قبر نموذجي بساحة السجن الستقبال أول من ستوافيه المنية منھم‪...‬وأ ّول من يموت منھم ادفنوه في محله"‪..‬عاينوا المنظر‪ ،‬ثم ذھبوا دون تحريك ساكنا أمام‬ ‫الفاجعة‪ ...‬‬ ‫بعد ‪ 44‬يوما من اإلضراب عن الطعام تأكد عبد اللطيف‪ ،‬أمه و أشقائه أن موتھم جميعا لن‬ ‫يشكل أي إحراج للبالط ما داموا قد أصبحوا في عداد المنسيين‪ ،‬الموتى ‪ -‬األحياء‪ .‬‬ ‫وبعد عشرين يوما من الجوع االختياري‪ ،‬أبلغھم رئيس الحراس بتوصله بأوامر من الرباط‬ ‫ردا على رسالتھم مفادھا دفن أول من يموت منھم في باحة المعتقل‪ .‬حاول الكبار‬ ‫إقناع الصغار بعدم المشاركة في اإلضراب لكن دون جدوى‪ ....‬‬ ‫حاول الحراس خداعھم بالوعود بخصوص تحسين وضعية االعتقال ‪ ،‬ومنحت لھم ورقة‬ ‫وقلم لمكاتبة الملك الحسن الثاني‪ .‬‬ ‫في ليلة مظلمة قطعت فاطمة الشنا شرايينھا بعد أن ودعت أطفالھا ‪ ،‬و ساعدھا عبد‬ ‫اللطيف و ھو يعاين فظاعة لحظة االنتحار بشجاعة قل من يتصرف بھا في مثل ھذه‬ ‫الظروف‪.‬طلبت منه شقيقته أن ّ‬ ‫يلف معصم‬ ‫والدته بضمادة وأن يحاول إرغامھا على الشرب‪ .‬‬ ‫استفاق عبد اللطيف ‪.‫لم تكن محاولة االنتحار التي قدم عليھا عبد اللطيف سبيال للتخلص من واقعه المزري ‪..‬اعتذر إلخوته لضعفه و ھونه‪.‬أنداك كانت قد حلت‬ ‫لعنة البالط على ضيوف معتقل" بير جديد"و حرموا من كل شيء رغم أنه أقل من قليل‪.‬‬ ‫نزفت فاطمة ثم أغمي عليھا و تبعھا طفلھا الواھن مغميا عنه‪ ،‬لم يتحمل مشھد أمه تحتضر‬ ‫وسط بركة من دمائھا‪ ..‬‬ ‫يقول شقيقه رؤوف ‪":‬إن عبد اللطيف عايش تلك الفظاعة بشجاعة فائقة ‪ .‬‬ ‫في صباح اليوم الموالي أخبر رؤوف أمه و إخوانه أن دوره في االنتحار‪ ،‬التضحية‬ ‫بالنفس‪ ،‬قد حل وطلب منھم أال يذرفوا دمعة أمام الجالدين‪.‬‬ ‫في منتصف نونبر ‪ ،1986‬بعد أكثر من ‪ 5100‬يوم من الحجز ألقسري ‪ ،‬عندما انصب‬ ‫غضب البالد من جديد ‪ ،‬قررت عائلة اوفقير الدخول في إضراب عن الطعام ‪ .‬جاء الحراس‪ ..‬رغم ذلك‪،‬‬ ‫عندما أوقفوا اإلضراب في ‪ 27‬دجنبر ‪ 1986‬اجمعوا على قرار رھيب ‪ :‬البد أن يضحي‬ ‫أحدھم بحياته و بنفسه لوضع القائمين على األمور أمام األمر الواقع‪ ..‬‬ ‫السجان بوعزة‬ ‫تململ ضمير‬ ‫ّ‬ ‫‪15‬‬ ..‬و فعال حرروا رسالة رفعت على وجه السرعة إلى الديوان‬ ‫الملكي‪ ،‬لكن استمروا في إضرابھم عن الطعام‪.‬وھو‬ ‫الطفل الذي أصبح شابا دون أن يعلم أي شيء عن الحياة و لم يعاين مجراھا خارج فضاءات‬ ‫االحتجاز التعسفي تاركا إخوانه ووالدته في الجحيم بعد‪ ،‬وإنما تضحية منه لمحاولة إنقادھم‪.‬سھر الطفل على والدته بين الحياة و‬ ‫الموت وحيدا في كنف عتمة الزنزانة والخوف‪.‬وكان الجواب بكل برودة‬ ‫وصالفة‪" :‬أذلوھم ‪ ..

‬‬ ‫في ظل جو اليأس و اإلحباط و القھر ‪ ،‬شكل وجود الطفل عبد اللطيف مبعثا للبھجة و‬ ‫المرح ‪ ،‬إذ كان من حين آلخر‪ ،‬يع ّج بحركية الحياة في قلب "قبر الحياة"الذي قذفت إليه‬ ‫عائلته من حيث ال تدري ودون ذنب اقترفته‪..‬ودون سابق إنذار صرخ‬ ‫قائال ‪":‬عملت أربعين عاما في السجون‪ ،‬غير أنني كنت أتعامل مع رجال‪ .‬‬ ‫تأسف بوعزة عن إنھاء مشواره العسكري الطويل باضطراره للتنكيل بأطفال دون ذنب‬ ‫اقترفوه‪.....‫لم يشعر عبد اللطيف‪ ،‬على امتداد ‪19‬سنة ومنذ كان طفال ال يتجاوز عمره الثالثة‪ ،‬أنه‬ ‫أمضى نھار أو ليلة دون سجانين و مراقبة لصيقة وسبّ وإھانة ووعد ووعيد‪....‬إنني استطيع أن‬ ‫أكسر رقابكم وأسحقكم سحقا لو شئت‪..‬بوعزة الذي استقبلھم وھو يتجشأ بفظاظة ودون إحراج‪،‬‬ ‫ونطق قائال ‪":‬من اآلن فصاعدا يجب عليكم أن تطيعونني طاعة عمياء ‪ .‬‬ ‫وبدا المنظر‪ ،‬في ثكنة أسا المعزولة‪ ،‬تافھا و مثيرا للسخرية ‪ ..‬أن اقتل أ ّما بمعية أطفالھا دون شفقة وال رحمة‪"..‬‬ ‫بوعزة ھذا أول عسكري خاطب عائلة أوفقير كاشفا لھا مآلھا المظلم‪ .‬طفل ال يتحمل منظر البشاعة ينتھي به األمر إلى عالم من القاذورات تثير التقزز و‬ ‫تبعث على الرغبة في التقيؤ‪ ..‬طفل بأزھى مالبس الصغار‬ ‫و من أغالھا اشتريت من أرقى المحالت العالمية يتمرغ في تراب الصحراء تحت شمسھا‬ ‫الحارقة‪.‬‬ ‫الطفل المدلل في قلب الجحيم‬ ‫أطلق عليه أخواته و على والدته تسمية "وسيلة و بورقبية"‪ ،‬إشارة منھم إلى تالصقھما‬ ‫الدائم وارتباطھما ‪ ،‬إذ لم يكونا يفترقان ليل نھار‪.‬بعد وصول السيارة‬ ‫األمريكية إلى ثكنة أسا‪ ،‬سبقت األم بمعية أطفالھا و مرافقاتھم إلى مبنى تحت األرض‪ ،‬وأول‬ ‫من واجھوه رجل طاعن في السن‪ ..‬أما اآلن فرضوا‬ ‫علي أسوا عقاب‪ ..‬من اإلقامة الفاخرة و المربية و الخدم و الحشم يُقذف في وكر‬ ‫للرمال و الغبار وفضاء الدوس على كرامة اإلنسان و اغتيال حقوق الطفولة وبراءتھا مع‬ ‫سبق اإلصرار والترصد‪...‬‬ ‫لقد سبق لبوعزة أن ترأس إدارة السجن العسكري بمدينة القنيطرة على امتداد أربعين سنة‪،‬‬ ‫واكب االنقالبين العسكريين و احتجز عشرات المعتقلين السياسيين و المعارضين‪ ،‬مدنيين و‬ ‫عسكريين‪ ،‬لكنه للمرة األولى في حياته‪ ،‬يوكل إليه حبس ثالث نساء و ستة أطفال‪ ،‬بينھم طفل‬ ‫لم يتجاوزعمره السنة الثالثة‪..‬‬ ‫ذات يوم نفذ صبر الحارس بوعزة و تململ ضميره ‪ .‬‬ ‫‪16‬‬ .‬‬ ‫بين ليلة و ضحاھا‪ ،‬انتقل الطفل عبد اللطيف من العز و الجاھإلى الفقر و البؤس و‬ ‫التنكيل‪ ..‬‬ ‫فعل رئيس الحراس ذلك‪ ،‬و اجتھد في القيام بدوره ألنه كان قد تلقي أوامر من أعلى سلطة‪.‬‬ ‫لم يشعر عبد اللطيف على امتداد ‪ 19‬سنة‪ ،‬ومنذ أن كان عمره ال يتجاوز الثالثة‪ ،‬أنه‬ ‫أمضى يوما بدون حراس و مراقبة لصيقة وشتم وشتيمة‪.‬‬ ‫لم يكن آنداك يتحدث لرجال‪ ،‬وإنما لنساء و أطفال‪ ،‬بينھم ذكرين‪ ،‬واحد منھم لم يكن قد بلغ‬ ‫بعد مرحلة الشباب وقتئذ‪ ،‬والثاني لم يكن قد تجاوز مرحلة الطفولة األولى‪..‬‬ ‫في ھذا الفضاء القذر‪ ،‬كان الطفل عبد اللطيف يرتدي مالبس اقتنتھا له أ ّمه من جينيف ‪......".

‬‬ ‫لقد ُد ّمرت عشرين عاما األولى من حياته أمضاھا في ظروف بھيمية ھباء منثورا وظلما‬ ‫وعدوانا‪..‬ھل يمكنني المرور من تحت‬ ‫بطنھا؟"‪.‬إال انه كان الطفل المدلل في قلب‬ ‫الجحيم‪.‬‬ ‫كان عبد اللطيف قد بلغ السابعة عشرة من عمره‪ ،‬ولم يعرف عن الحياة أي شيء سوى‬ ‫السجن و االعتقال و الحجز القسري في ظروف بھيمية دون أن يعرف السبب ‪.‬آنذاك كان في أمس الحاجة إلى تبادل الحديث مع ذكر مثله‪ ،‬سيما ابتداء من عام‬ ‫‪ 1986‬عندما أصبح شابا يافعا ‪ ،‬وفي ھذه السنة شرع الحراس في تطبيق نظام العزلة من‬ ‫جديد‪..‬‬ ‫ذات يوم قال عبد اللطيف لشقيقه رؤوف‪" :‬لقد فھمت ما ھي البقرة‪ ،‬ولكنني ال استطيع أن‬ ‫أتصور حجمھا بدقة من خالل الصورة التي رسمتھا لي ‪.‬استطاعت في قمة محنتھا‪ ،‬في‬ ‫مطامير الملك ‪ ،‬أن تقاوم و تج ّدد ق ّواھا للمزيد من المقاومة بفضل الطرافة بين أفراد العائلة‪،‬‬ ‫مما ساھم في لعب دور جوھري في تقوية صمود األسرة ‪ ،‬حيث كانت األ ّم و أطفالھا الخمسة‬ ‫و عاشوراء و حليمة قاب قوسين أو أدنى من الموت في أية لحظة على امتداد أكثر من ‪17‬‬ ‫سنة‪...‬األشياء األكثر‬ ‫شيوعا في الحياة لم يكن عبد اللطيف يعلم عنھا شيئا‪.‬‬ ‫كان ال يكل من طرح األسئلة حول أي شيء و كل شيء‪ ،‬أسئلة من قبيل كيف ھو التلفاز؟‬ ‫وإلى ماذا تشبه السينما؟ و كيف ھو البحر أو الجبل أو الغابة أو البحيرة أو النھر‪..‬كانوا يصنعون له األلعاب من الخشب و الكرتون‪،‬‬ ‫ويقصون عليه الحكايات‪ ،‬ويغرقونه بالمداعبة و القبالت و يثيرون انتباھه طول النھار حتى‬ ‫ال يبقى له وقتا للتفكير في واقع حاله المر ولو اضطروا إلى الحيّل و األكاذيب والتصنع‬ ‫المرير‪.‬‬ ‫فلم تكن حياة عائلة اوفقير تخلو من الطرافة في قلب الجحيم‪ .‬؟ أو أسئلة‬ ‫من قبيل أي طعم للسمك و الشوكوالط و المثلجات و الفواكه؟ مشھد مؤلم حقا‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫كان جميع أفراد عائلته يروون عليه القصص التي عاشوھا في الماضي علھم بذلك يفيدونه‬ ‫ببعض الجوانب التي لم تتوفر له الفرصة لمعايشتھا ولكي يُك ّون في ذھنه صورة ولو تقريبية‬ ‫جدا عن ظروف الحياة العادية‪ ،‬كما أنھم في نفس الوقت‪ ،‬كانوا يؤكدون ألنفسھم بأنھم سبق‬ ‫‪17‬‬ .‬‬ ‫كان الحضور الذكوري الوحيد في عيون الطفل عبد اللطيف يمثله شقيقه رؤوف و‬ ‫الجالدين‪ .‬‬ ‫كان جميع أفراد العائلة يحاولون تدليله علّھم يعوضونه ولو حبة خردل من طفولته المفقودة‬ ‫و الضائعة رغما عنه ودون ذنب اقترفه‪ .‫ورغم أن عبد اللطيف ظل يرزح تحت نيران الجوع و الحرمان‪ ،‬إذ لم يشعر بالشبع كما‬ ‫يشعر به األطفال‪ ،‬فكان بالكاد يجد ما يسد به الرمق‪ .‬‬ ‫طفولة مغتالة مع سبق اإلصرار والترصد وحالة التلبس‬ ‫حرم عبد اللطيف بمعتقل "بير جديد" من الخروج من الزنزانة لمدة خمس سنوات متتالية‪،‬‬ ‫لكن في ‪ 9‬يوليوز ‪ 1983‬احتفل الحسن الثاني بعيد ميالده الرابع و الخمسين‪ ،‬واحتفاء بھذه‬ ‫الذكرى سمح الحراس للطفل رفقة والدته بالخروج إلى باحة المعتقل لمدة ساعة كل يوم‬ ‫لمعانقة أشعة الشمس برھة من الوقت‪..

‬‬ ‫وكان إخوانه يصنعون له لعبا من األلواح الكرتونية التي يجمعونھا مسبقا كلما‬ ‫استطاعوا‪.‬عبد اللطيف‪ ،‬ھو‬ ‫الوحيد الذي لم يكن في جعبته ما يرويه عن الحياة و عن الماضي‪ ،‬ألنه اقتلع من حقل الحياة‬ ‫و عمره سنتين و نصف فقط‪ .‬‬ ‫مع مرور السنين أضحى الطفل الحيوي جثة متحركة خالية من الروح الطفولية ‪.‬لذلك قرر صنع مسدس مزور‪،‬‬ ‫وقد ارتكز على ذاكرته الستحضار شكل المسدس الذي طالما استعمله لتعلم الرماية تحت‬ ‫إشراف احد حراس والده المخلصين ‪ .‬رسم النموذج بكل التفاصيل وبعت بالمخطوطات إلى شقيقاته بواسطة‬ ‫‪18‬‬ .‬كانت حالما تفرغ من إعداد الطعام تنصرف لالھتمام بطفلھا‬ ‫الصغير لتلقينه الحروف الھجائية و تحضر له بعض األلعاب لتسليته و ليشعر و كأنه في‬ ‫حضانة أطفال‪...‬‬ ‫كانت أسرة أوفقير ترتعب من كل مرض يصيب الطفل الصغير عبد اللطيف منذ أن سجن‬ ‫في الثالثة من عمره‪ ،‬ولم يحظ أبدا بتلقي لقاحاته المناعية المعتادة‪...‫لھم أن عاشوا من قبل‪ ،‬وبأنھم مازالوا على قيد الحياة إلى إشعار الحق‪ .‬يعرف أن‬ ‫النھار ولى من تغيير الضوء‪.‬‬ ‫رغم صغر سنه‪ ،‬في السنوات األولى من االعتقال‪ ،‬كانت ھذه األصوات تذكره بالمحنة و‬ ‫الحرمان من كل شيء‪.‬‬ ‫ظل عبد اللطيف متعطشا للعلم و التعلم‪ ،‬ولم تبخل عليه عائلته بما يستطيع أفرادھا تقديمه له‬ ‫ولو كان على حساب أنفسھم‪.‬‬ ‫عبد اللطيف ‪ .‬‬ ‫قامت والدته فاطمة بصنع كرة قماشية من بقايا الخرق المتالشية‪ ،‬أخذ عبد اللطيف يلعب‬ ‫بھا داخل الزنزانة‪ ،‬وراح يقذفھا بقدمه اتجاه الجدران‪ .‬‬ ‫كان الزمن عدو عبد اللطيف الرئيسي‪ ،‬يكاد يراه و يشم رائحته و يشعر به ويلمسه لمس‬ ‫اليد‪ ،.‬كان الصمت يزحف عليه و ينھشه بأنيابه‪ ،‬يثور و يغضب من‬ ‫وقع خطى الحراس وخشخشة المفاتيح و صفير الريح و حفيف النخيل وزقزقة العصافير‪.‬صنعوا له حاملة الطائرات و دبابات و شاحنات و مرسيدس‪.‬ووقتئذ تفتح وعيه و ھو رھن الحجز التعسفي‪ ،‬محبوس وراء‬ ‫القضبان الحديدية وخلف األسوارالعالية تحت مراقبة عيون الحراس ليل نھار‪.‬‬ ‫كان يقضي جزءا كبيرا من وقته و ھو يتابع تحركات الصراصير بالزنزانة التي اقتسمھا‬ ‫مع والدته‪ ،‬يظل يعاينھا وھي تنتقل من زاوية إلى أخرى‪.‬‬ ‫كانت العائلة بكاملھا مغرمة بكرة القدم‪ ،‬وقد حضر بعض أفرادھا مباريات المونديال سنة‬ ‫‪ ،1972‬سيما مباراة فرنسا ضد ألمانيا‪ ،‬مما دفع الطفل عبد اللطيف أن يھتم بھذه الرياضة‬ ‫دون أن يسبق له معاينتھا ولو مرّة واحدة‪..‬وبعد أن شرح له أخواته المبادئ‬ ‫األساسية لھذه الرياضة أصبح عبد اللطيف من اشد المتحمسين لھا‪..‬قضى طفولته و مراھقته ال يفعل شيئا مھما و ذا بال‪..‬‬ ‫في البداية اضطلعت أمه بتعليمه‪ ،‬إذ بدأت تخصص له وقتا خاصا منذ رحيل العائلة إلى‬ ‫قصر الكالوي بتاماتاغت‪ .‬نحات ماھر‬ ‫فكر عبد الرؤوف‪ ،‬الشقيق األكبر لعبد اللطيف‪ ،‬أن يتوفر قبل الھروب على وسيلة ردع‬ ‫الستخدامھا في حالة التعرض لمحاولة اعتداء في الخارج ‪ .‬كان السالح من نوع "والتر ‪ 9‬ملم"‪ ،‬استحضر عبد‬ ‫الرؤوف كل تفاصيله‪ ،‬ولم يھمل أية جزئية منھا‪ ،‬من طول السبطانة إلى وضع عالمة التسديد‬ ‫مرورا بصمام األمان‪ ...

‬دخل الدھليز المستخدم كقاعة‬ ‫للدرس ‪ ،‬وكانت صورة الجنرال محمد أوفقير معلقة على الحائط تظھره مع كتيبته في حملة‬ ‫إيطاليا‪ .....‬‬ ‫في أواسط الثمانينات‪ ،‬بعد قضاء ‪ 15‬سنة من االحتجاز‪ ،‬ضمنھا عامين من العزلة التامة‬ ‫بين أفراد العائلة‪ ،‬تجلت بوضوح أوامر الرباط القاسية و الالإنسانية‪ ،‬كما تبين أن القائمين‬ ‫على األمور عازمون على االستمرار في االنتقام الممنھج إلى أخر رمق‪..‬طلب منھا أخوھا عبد‬ ‫الرؤوف أن تصنع بمساعدة عبد اللطيف من لبّ الخبز مسدسا زائفا حسب التصميم الذي‬ ‫أعده‪ .‬استأسد عليھم الكولونيل بنعيش و تنم‪،‬‬ ‫وقبل مغادرته المكان كلّف أحد الحراس باضطھادھم و عدم تمكينھم من الشعور باألمان‪.‬‬ ‫رغم أن عبد اللطيف بلغ سن ‪ ،18‬ظل في عيون أ ّمه فاطمة طفال تراكمت عليه األعوام‬ ‫التي أنضجته قبل األوان لكن دون خبرة و ال ادني معرفة للحياة‪ .‬‬ ‫فسكينة اكتسبت مھارة خاصة في صنع اللعب لشقيقھا الصغير‪ ..‬أعطى الكولونيل بنعيش أمره بنزعھا بغضب مستطير‪ ،‬ثم راح يطأھا بقدميه و‬ ‫الطفل عبد اللطيف يعاين المشھد دون أن يقوى على فھمه‪ .‬جاء للقيام بتفتيش العائلة وتفقد القبور المحتجز بھا أفرادھا‪ .‬تكلف عبد اللطيف‬ ‫بالتوظيب النھائي و آخر الروتوشات‪ ،‬إذ تم ّكن من تغليف المسدس الزائف المصنوع من لبّ‬ ‫الخبز بورق رقيق منزوع من العلب الكارتوني‪ ،‬ثم دھنه بسخام الشمع الممزوج ببضع‬ ‫قطرات من الزيت‪ ،‬وك ّرر العملية أكثر من مرّ ة إلى أن أضحى المسدس المزور يماثل‬ ‫"كولت" حقيقي من شانه أن يرعب من يشاھده إن شھر في وجھه على حين غرة‪..‬داھم المكان‬ ‫رفقة الحراس بعنف‪ ،‬و راح يدفع الجميع و يسيء معاملتھم ‪ .‬‬ ‫آنذاك كتم الشاب عبد اللطيف أالمه و تھيأ ‪ ،‬رفقة والدته و أشقائه‪ ،‬لتحدي القدر بعد أن‬ ‫حسمت الرباط األمر بخصوص مالھم‪،‬و بعد أن اتضح أنه ال يمكن االنتظار و لو نفحة رحمة‬ ‫أو عطف‪ ،‬إذ ُجفّت األقالم ورفعت الصحف ‪.‬و فعال قام الشقيقان بالمطلوب وأنجزا المھمة على أحسن وجه‪ .‫حليمة و عاشوراء اللتين كانتا تتحركان داخل المعتقل أكثر من أي فرد من أفراد عائلة‬ ‫أوفقير‪....‬سحنة باھتة معتلة‪..‬‬ ‫ھاالت مزرورقة مائلة إلى السواد من حول عينيه لفرط اآلالم و الحرمان واليأس‪.‬‬ ‫شعور ظل يسكن عبد اللطيف طفال وفتى يافعا ثم شابا‪ .‬بفعل سؤال لم يعثر له على‬ ‫جواب‪ :‬لماذا نسيھم الجميع ؟‬ ‫"لماذا يكرھون أبي؟ "‬ ‫في أحد األيام وصل الكولونيل بنعيش إلى تاماتاغت قادما من الرباط على متن طائرة‬ ‫مروحية كعادته‪ ...‬‬ ‫بعد رحيل الكولونيل كان البھو أشبه بساحة معركة‪ ،‬لكنھا كانت معركة ضد نساء و أطفال‬ ‫مجمدين بفعل الرعب و الخوف و الحزن و القلق‪ .‬‬ ‫في واقع األمر كانت تلك الرسوم مخصصة لعبد اللطيف وشقيقته سكينة لكونھما أبديا مھارة‬ ‫في الرسم و النحت و صنع األلعاب بأبسط المواد التي تقع بين أيديھما‪.‬لكنه التفت إلى شقيقه عبد‬ ‫الرؤوف قائال ‪":‬لماذا يكرھون أبي ؟"‪..‬‬ ‫ظل التنكيل و التھريب سيد الموقف رغم أن الطفل عبد اللطيف ساھم بدمه في كتابة‬ ‫عريضة رفعت إلى الملك الحسن الثاني وقعھا المحتجزون بدمھم ثم سلموھا إلى رئيس‬ ‫‪19‬‬ .

‬‬ ‫أمر الجميع بالصعود إلى السيارة من جديد‪ ،‬واقتيدوا إلى ثكنة أسا‪...‬ووضعت‬ ‫فاطمة الشنا يديھا على رأس صغيرھا لحمايته و مالت على كتف ابنتھا البكر مليكة و ھمست‬ ‫في أذنھا ‪":‬كيكا‪..‬الطقس حار و الجميع يشعر بالرعب‬ ‫والظمأ و الجوع‪...‬مكان معزول في عمق‬ ‫الصحراء‪ ،‬فضاء أقامه االستعمار الفرنسي لنفي المشاغبين و المقاومين و الرافضين‬ ‫لالحتالل لكسر شوكتھم‪..‫الحراس لرفعھا للرباط‪ ..‬لكن ال صوت لمن كانوا ينادون آنذاك‪.‬‬ ‫استقر رجال األمن أمامھم وجھا لوجه شاھرين رشاشات الكالشينوف صوبھم‪ ..‬آنداك كان الخوف ينھش الكبار قبل الصغار‪.‬إنھا النھاية‪.‬ت ّشبث الطفل عبد اللطيف بأھداب أ ّمه غارسا رأسه الصغير بين فخديھا‪...‬لم تكن إال بداية البداية السقوط في غياھب الجحيم السحيق‬ ‫لحظتئذ"‪......‬‬ ‫‪20‬‬ .‬آنذاك تكتلت العائلة و‬ ‫اعترضت األم و الشقيقات و حليمة و عاشوراء‪ ،‬فانفلت الطفل عبد اللطيف بين األقدام و‬ ‫تمسك بساق الحارس الغليظ لمنعه من إبعاد شقيقه و أخذه إلى زنزانة انفرادية‪.....‬‬ ‫آنذاك كانت التعليمات التي أعطيت لرجال األمن واضحة الغبار عليھا‪ ،‬مفادھا التعامل‬ ‫بقسوة و فظاظة مع آل أوفقير وغير مسموح إبداء أي تساھل آو رأفة معھم‪ ،‬بما في ذلك‬ ‫األطفال‪ .‬لقد كتب أفراد عائلة أوفقير للملك أنه ال يليق بأمير المؤمنين أن‬ ‫يسمح بتعذيب امرأة و أطفالھا‪ ...‬أنزلت العائلة‪ ..‬‬ ‫كانت تلك الرحلة شاقة و أليمة‪ ،‬خصوصا بالنسبة للطفل و شقيقتيه‪ ،‬ماريا و سكينة‪ ،‬ألن‬ ‫عودھم كان طريا و لم يكونوا قد بلغوا الحلم بعد‪ .‬سيما مشھد‬ ‫شقيقھا ورأسه منغرس بين فخذي أمھا‪ ،‬وتقول ‪":‬لألس‪ ،‬ياليتھا كانت النھاية لكان أرحم بكثير‬ ‫مما كان ينتظرنا من جحيم‪ .‬‬ ‫بعد سنوات تتذكر "كيكا")اسم دلع كانت تنادي به العائلة مليكة( ھذه اللحظة‪.‬‬ ‫كان الملك الراحل الحسن الثاني ھو الذي اختار لعبد اللطيف اسمه‪ ،‬و لم يرد ھذا األخير‬ ‫االستمرار في قبول ھذه المنة من الذي استعطفه و لم يبال باستعطابه‪ ،‬فقرر تغيير اسمه و‬ ‫اختار عبد ﷲ عوض عبد اللطيف‪.‬‬ ‫منظر رھيب‬ ‫توقفت السيارة على حين غرة‪ ..‬وأمر الجميع بالوقوف صفا واحدا في‬ ‫أرض الخالء‪ ."..‬‬ ‫فور ھبوط أفراد العائلة من الشاحنة أقبلت مجموعة من الحراس نحو رؤوف فأمره أحدھم‬ ‫بان يتبعه‪ ،‬إال أن والدته أصرت على معرفة إلى أين يريدون اقتياده‪....‬وقد أختير الحراس‪ ،‬من سضطلعون بھذه المھمة من مناطق نائية في المغرب ال‬ ‫يعرفون عائلة أوفقير حتى ال تأخذھم شفقة أو رحمة بأفرادھا‪ ،‬علما أن رؤساءھم استقدموا‬ ‫من الرباط و تأكد أن واحدا منھم على األقل تلقى تعليمات و كلف بمھمته من طرف أعلى‬ ‫سلطة وقتئذ مباشرة ودون وسيط‪..‬‬ ‫عندما وصلت العائلة إلى معتقل "بير جديد"‪ ،‬بعد محنة معتقالت الصحراء‪ ،‬أراد الحراس‬ ‫عزل رؤوف عن والدته و أخيه عبد اللطيف و شقيقاته الثالثة و حليمة و عاشوراء اللتين لم‬ ‫يرتضيا لنفسيھما التخلي عن عائلة ربتا أبنائھا‪ ،‬داقتا معھا الحلوة و المرة رغم أن ال ناقة لھما‬ ‫و ال جمل في كل ما حدث‪.

....‬‬ ‫منشورات ‪ okdriss‬االلكترونية‬ ‫مؤلفات إدريس ولد القابلة‬ ‫المھدي المنجرة رجل "أغراس" ‪2005‬‬ ‫الفساد والشفافية ‪2004‬‬ ‫المسألة الدينية بالمغرب ‪2004‬‬ ‫المغرب وإسرائيل‪ .‬‬ ‫أنھا صفحة طواھا المغرب بال رجعة‪.‫كان على الحراس تطبيق األوامر‪ ،‬سيما و أنھا آتية رأسا من الرباط‪ ،‬لكنھم بدوا صغارا‬ ‫أمام طفل لم يأبه بعددھم وال بأسلحتھم وأوجه جبروت منظومة بكاملھا ‪..‬للذكرى‬ ‫‪2005‬‬ ‫الفقر في بالدي ‪2004‬‬ ‫قضايا سياسية في المغرب ‪2003‬‬ ‫‪21‬‬ .‬‬ ‫حدث ھذا في مغرب كان ال يقوى الكثيرون على مواجھة الظلم و الفساد و االستبداد جھارا‪،‬‬ ‫و من سو"لت له نفسه فعل ذلك كان عليه االستعداد لحمل رأسه على كفه تأھبا لجميع‬ ‫االحتماالت‪ ،‬وقتئذ كانت كرامة المواطن تمرغ في التراب بفعل سيادة الطغيان و االستبداد ‪..‬‬ ‫مقاالت في اإلرھاب ‪2005‬‬ ‫إشكاالت عربية ‪2005‬‬ ‫المسلمون واليھود وفلسطين‪ .‬والموساد ‪2005‬‬ ‫يسمونھم المقاتلون األفغان‪2005 .

‫مدخل لدراسة المنظومة اإلقتصادية اإلسالمية ‪2003‬‬ ‫متاھة انتظار ‪2004‬‬ ‫‪22‬‬ .

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful