‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫الكنيسة والسياسة‬
‫الغائب رغم الحضور‬

‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫مايو ‪3102‬‬

‫مايو ‪3102‬‬

‫الكنيسة والسياسة‪ ..‬الغائب رغم الحضور‬

‫واجهت الكنيسة العديد من التحديات بعد الثورة‪ ،‬خاصة مع تغير النظام الحاكم‪ ،‬ونهاية العالقة‬
‫التي تربط الكنيسة بالنظام‪ ،‬بعد سقوطه‪ .‬ومع التحوالت المؤثرة التي تحدث بعد الثورة‪ ،‬وأيضا مع‬
‫التحوالت الحادثة في أوساط األقباط‪ ،‬تواجه الكنيسة ظروفا جديدة‪ ،‬تستلزم منها‪ ،‬تحديد دورها وموقفها‬
‫وموضعها بصورة مختلفة‪ .‬وفي ظل عملية التحول الديمقراطي‪ ،‬والتوترات السياسية المصاحبة للمرحلة‬
‫االنتقالية‪ ،‬تتخذ الكنيسة مواقف عدة‪ ،‬تشكل دورها المستقبلي‪ .‬ومتابعة تطور اتجاهات األقباط من ناحية‪،‬‬
‫وتطور مواقف الكنيسة من ناحية أخرى‪ ،‬يكشف عن الموضع الجديد للكنيسة في الحياة العامة‪ ،‬كما يكشف‬
‫عن العالقات الجديدة التي تتشكل بين الكنيسة واألقباط من ناحية أخرى‪.‬‬
‫فهل تبني الكنيسة عالقة جديدة مع الدولة‪ ،‬بدال من العالقة مع الحاكم؟ وهل تستمر الكنيسة في‬
‫القيام بدور سياسي؟ وما موقف األقباط من الدور السياسي للكنيسة؟ وهل يستمر الحضور المؤثر للكنيسة‬
‫في المجال السياسي‪ ،‬أم يتراجع؟ وهل تواجه الكنيسة تحديات تغييب دورها العام؟ أم تتمكن من الحفاظ‬
‫على حضورها؟ وهل تدخل الكنيسة في الصراعات السياسية؟ وماذا عن العالقة بين الكنيسة واألزهر؟‬
‫تلك األسئلة تمثل واقعيا تحديات كبرى تواجه الكنيسة‪ ،‬وهي في الوقت نفسه‪ ،‬تحديات تواجه الحضور‬
‫السياسي لألقباط بعد الثورة‪.‬‬
‫مأزق ما قبل الثورة‬
‫أقامت الكنيسة عالقة مباشرة مع النظام الحاكم قبل الثورة‪ ،‬وكانت تلك العالقة تمثل رغبة من‬
‫الطرفين‪ ،‬حيث مال النظام السابق لحصر الحضور السياسي لألقباط داخل الكنيسة‪ ،‬حتى يقيم معها تحالفا‬
‫مباشرا‪ ،‬يتمكن من خالله من استقطاب الموقف القبطي لصالحه‪ ،‬وحشد هذا الموقف ضد الحركة‬
‫اإلسالمية عامة‪ ،‬وجماعة اإلخوان المسلمين خاصة‪ .‬وفي الوقت نفسه‪ ،‬كانت الكنيسة ترى أنها األقدر‬
‫على حماية مصالح األقباط‪ ،‬وحاولت أن تكون المعبر عنهم‪ ،‬والمنظم لحركتهم‪ ،‬ولم يكن هذا الموقف‬
‫مرفوضا من األقباط‪ ،‬بل على العكس من ذلك‪ ،‬كان األقباط يروا أن الكنيسة هي المؤسسة الحاضنة لهم‪،‬‬
‫والقادرة على حماية مصالحهم والدفاع عنهم‪.‬‬
‫نتج عن ذلك‪ ،‬أن الكنيسة رتبت أوضاعا قبل الثورة‪ ،‬تقوم أساسا على افتراض أن األوضاع‬
‫السياسية غير قابلة للتغير‪ ،‬وأن النظام الحاكم مستمر في السيطرة على المجال السياسي‪ ،‬ولم تضع‬
‫الكنيسة أي احتمال لتغير النظام‪ ،‬والدخول في مرحلة التحول الديمقراطي والحرية السياسية‪ ،‬لذا كانت‬
‫التحوالت بعد الثورة‪ ،‬خارج حسابات الكنيسة‪ ،‬بل وخارج حسابات أغلب األقباط أيضا‪ .‬وإذا كانت الثورة‬
‫مفاجئة في كل األحوال‪ ،‬فإن المشكلة تتعلق باختيار الكنيسة لمواقف‪ ،‬قائمة أساسا على بقاء النظام الحاكم‪،‬‬
‫مما جعل بقاءه ليس فقط توقعا‪ ،‬بل أيضا تمنيا‪.‬‬
‫ولكن بعد الثورة تغير المشهد السياسي‪ ،‬فلم يعد هناك نظام حاكم‪ ،‬بل بدأ التحول الديمقراطي‪ ،‬مما‬
‫يعني أن الحكم سيتم تداوله بين القوى السياسية في تنافس حر ودوري‪ .‬كما أن العالقة بين الكنيسة والدولة‬
‫في مرحلة ما قبل الثورة‪ ،‬لم تكن تنفصل عن العالقة بين الكنيسة والنظام الحاكم‪ ،‬ألن النظام الحاكم توحد‬
‫مع الدو لة‪ ،‬وجعل الدولة جزءا منه‪ .‬وبهذا لم تقم عالقة مستقرة ومنفصلة بين الكنيسة والدولة‪ ،‬بعيدا عن‬
‫النظام الحاكم‪ ،‬في حين أن العالقة بين الكنيسة والدولة‪ ،‬تمثل أحد ركائز عالقة الكنيسة بالمجتمع‪.‬‬
‫لذا دخلت الكنيسة عمليا في مرحلة تأسيس عالقاتها من جديد‪ ،‬بعد أن أسقطت المنظومة الحاكمة‬
‫بالكامل‪ ،‬وبدأت منظومة جديدة في التشكل‪ .‬ومشكلة البناء الجديد‪ ،‬أنه ال يظهر مرة واحدة‪ ،‬مما يصعب‬
‫‪3‬‬

‫مايو ‪3102‬‬

‫الكنيسة والسياسة‪ ..‬الغائب رغم الحضور‬

‫تحديد الموقف منه مرة واحدة‪ ،‬لهذا بدأت الكنيسة تشكل تدريجيا مواقفها‪ ،‬وحسب ما يحدث من تغييرات‪،‬‬
‫حتى تحدد في النهاية الموضع الذي تختاره‪ ،‬والدور الذي ستقوم به‪.‬‬
‫ولعل بداية الثورة‪ ،‬تمثل وجها مهما لألزمة األولى‪ ،‬حيث ظهر موقف الكنيسة مساندا للنظام‪،‬‬
‫خاصة الكنيسة األرثوذكسية‪ ،‬وأيضا ظهر موقف األقباط في اللحظة األولى بعيدا عن الثورة‪ ،‬ولكن مع‬
‫توالي لحظات الثورة‪ ،‬أقترب األقباط من الثورة‪ ،‬بأسرع من اقتراب الكنيسة منها‪ ،‬فظهرت أول فجوة بين‬
‫مواقف األقباط والكنيسة‪ ،‬بعد أن توحد موقفهم السياسي قبل ذلك‪ .‬ومع الثورة‪ ،‬ومع خروج عامة الناس‬
‫إلى الشارع‪ ،‬كان خروج األقباط أيضا‪ ،‬وهو خروج من أسوار الكنيسة إلى الشارع‪ ،‬ولم يبدأ هذا الخروج‬
‫مع الثورة فقط‪ ،‬بل كانت له بدايات قبل الثورة‪ ،‬ولكنه اكتمل أثناء الثورة وبعدها‪ .‬وهذا الخروج‪ ،‬جعل‬
‫أسوار الكنيسة‪ ،‬ليست المكان الحصري لفعل وحراك األقباط‪ ،‬وإن ظلت أسوار الكنيسة حاضرة‪ ،‬كما‬
‫ظلت الكنيسة حاضرة أيضا‪ .‬ولكن تغيرا حدث بالفعل في اللحظة األولى للثورة‪ ،‬فانتهت العالقة بين‬
‫الكنيسة ونظام الحكم‪ ،‬وبدأت مرحلة من الحراك السياسي الواسع‪ ،‬وبدأت حركة األقباط تصبح أوسع من‬
‫حركة الكنيسة‪.‬‬
‫الكنيسة والدولة‬
‫لم يعد من الممكن التحدث عن عالقة بين الكنيسة وجهة اإلدارة بعد الثورة‪ ،‬وإن ظلت عالقات‬
‫الكنيسة من الوحدات اإلدارية المختلفة للدولة‪ ،‬ولكن ليس من خالل نمط محدد‪ .‬وهو ما يعني أن الكنيسة‬
‫بدأت بعد الثورة‪ ،‬في مرحلة ليس لها قاعدة راسخة‪ .‬فالعالقة بين الكنيسة والدولة عبر العقود والقرون‪،‬‬
‫كانت لها وضع مركزي‪ ،‬ولم تكن عالقة سياسية‪ ،‬بل كانت عالقة بين مؤسسات مركزية‪ ،‬تقوم أساسا على‬
‫حفظ األوضاع واستقرارها‪ .‬ولكن هذا النوع من العالقات المؤسسية‪ ،‬لم يعد له حضور بعد الثورة‪ .‬ألن‬
‫العالقة اإلدارية للكنيسة مع الدولة قبل الثورة‪ ،‬تحولت عبر العقود إلى عالقة سياسية‪ ،‬مما جعلها تنتهي‬
‫مع انتهاء الوجود الفعلي للنظام الحاكم‪.‬‬
‫وإذا استطاعت الكنيسة بناء عالقة إدارية مع الدولة‪ ،‬تتمكن من خاللها تحقيق مصالح المؤسسة‬
‫الكنسية وحل مشكالتها‪ ،‬فإن ذلك يجنب الكنيسة اتخاذ موقف سياسي‪ ،‬وتصبح المواقف السياسية خاصة‬
‫باألقباط‪ ،‬ومن خالل قياداتهم المدنية غير الكنسية‪ .‬ألن قيام عالقة إدارية راسخة بين الكنيسة والدولة‪،‬‬
‫يؤدي إلى تقسيم لألدوار بين الكنيسة واألقباط‪ ،‬حيث تختص الكنيسة بالعالقات اإلدارية مع الدولة‪،‬‬
‫وبحماية مصالح المؤسسة الكنسية وإدارة شئونها‪ ،‬ويختص األقباط بالعمل في المجال السياسي‪ ،‬حسب‬
‫خياراتهم السياسية‪ ،‬بعيدا عن الكنيسة‪.‬‬
‫ولم يظهر بعد الثورة‪ ،‬إمكانية تقسيم األدوار بين الكنيسة واألقباط‪ ،‬بل ظهر تمدد الشأن السياسي‬
‫على أي شأن آخر‪ .‬فأصبحت القضية السياسية هي التي تستوعب القضايا األخرى‪ ،‬وأصبحت القضايا‬
‫الخاصة بالكنيسة كمؤسسة‪ ،‬مرتبطة بالقضايا السياسية الخاصة باألقباط‪ .‬فتبلورت حالة من االرتباط بين‬
‫مختلف القضايا التي تشغل الكنيسة‪ ،‬وتلك التي تشغل األقباط‪ ،‬بل وظهر أن القضايا التي تشغل الكنيسة‬
‫واألقباط‪ ،‬هي قضايا واحدة‪ ،‬ال يمكن تقسيمها‪ ،‬ومن ثم تقسيم األدوار بين الكنيسة واألقباط‪.‬‬
‫وأصبحت المشكلة التي تواجه الكنيسة‪ ،‬هي في رسم عالقاتها بعد الثورة‪ ،‬وتحديد موقفها أو‬
‫موضعها‪ .‬وألن الكنيسة أساسا مؤسسة مستقلة‪ ،‬حتى وإن كانت تعد حسب القوانين الوضعية تابعة للدولة‪،‬‬
‫لذا مالت الكنيسة التخاذ مواقف‪ ،‬ال تبني لها عالقة مستقرة مع الدولة‪ ،‬بل تعتمد على االستقاللية الكاملة‬
‫‪2‬‬

‫مايو ‪3102‬‬

‫الكنيسة والسياسة‪ ..‬الغائب رغم الحضور‬

‫عن الدولة‪ ،‬وهو ما جعل الكنيسة تصبح أحد الفاعلين في المجال االجتماعي والسياسي‪ ،‬دون أن تحكم‬
‫حركتها قواعد محددة للعالقة مع الدولة‪ ،‬أو أي مؤسسات أخرى‪ .‬وبهذا خرجت الكنيسة من مرحلة العالقة‬
‫الوثيقة مع النظام الحاكم والدولة قبل الثورة‪ ،‬إلى مرحلة االستقاللية‪ ،‬التي تؤدي إلى تحرر حركة الكنيسة‬
‫من أي روابط رسمية‪.‬‬
‫عالقة جديدة مع السياسة‬
‫لم يعد من الممكن أن تكون الكنيسة هي الممثل الرسمي للمسيحيين سياسيا‪ ،‬ألن المجال السياسي‬
‫أصبح يبنى على التعددية الحزبية‪ ،‬وال يمكن أن تكون الكنيسة طرفا بين األحزاب السياسية‪ ،‬بل أصبحت‬
‫العالقة بين الكنيسة والحياة الحزبية‪ ،‬تمثل حساسية خاصة‪ ،‬ألنها تدخل الكنيسة مباشرة في العملية‬
‫السياسية‪ ،‬وبالتالي في الصراع السياسي‪ .‬لذا ظهر اتجاه واضح لبناء عالقة غير مباشرة مع السياسة‪،‬‬
‫حتى ال تكون الكنيسة في صدارة المشهد السياسي‪ ،‬بل تغييب عنه‪ ،‬وفي نفس الوقت‪ ،‬تحضر في المجال‬
‫السياسي‪ ،‬ولكن من خلف الكواليس‪ ،‬حتى يكون حضورها غير مباشر‪ ،‬وتحضر أطراف أخرى في‬
‫المشهد السياسي بدال منها‪ ،‬فتصبح الكنيسة فاعال سياسيا‪ ،‬ولكن من وراء الكواليس‪.‬‬
‫والحضور غير المباشر‪ ،‬أي الحضور رغم الغياب الرسمي‪ ،‬في المجال السياسي‪ ،‬يعد البديل‬
‫المتاح‪ ،‬مادام تقسيم األدوار بين الكنيسة واألقباط لم يتحقق‪ ،‬ومادام فك االرتباط بين الجوانب اإلدارية‬
‫والجوانب السياسية‪ ،‬لم يتحقق أو ليس ممكنا‪ .‬وبهذا يصبح الغياب أو التراجع للخلف‪ ،‬هو أنسب حل‬
‫للكنيسة‪ ،‬حتى ال تحضر بين األحزاب‪ ،‬وحتى ال تزاحم مؤسسات حزبية لها طبيعة مختلفة عنها تماما‪.‬‬
‫ولكن هذا الحضور‪ ،‬رغم الغياب الرسمي‪ ،‬ليس فقط الحل المتاح‪ ،‬بل هو أيضا حاجة نتجت من ما ترتبت‬
‫على دور الكنيسة في العقود السابقة على الثورة‪ .‬فألن الكنيسة قامت بدور في تمثيل األقباط سياسيا‪ ،‬أو‬
‫تمثيل مطالب ومشكالت األقباط سياسيا‪ ،‬فإن تراجعها عن هذا الدور مرة واحدة‪ ،‬يؤثر على مجمل‬
‫أوضاع األقباط‪ ،‬كما يؤثر أساسا على وضع الكنيسة‪ ،‬ومكانتها الفاعلة بين األقباط‪.‬‬
‫لذا لم يعد بديل االنسحاب الكامل من الحياة العامة‪ ،‬في شقها السياسي‪ ،‬مطروحا داخل الكنيسة‪،‬‬
‫ألنه يؤثر على مدى فاعليتها بين األقباط‪ .‬كما أنه يغير من تأثيرها على المسيحيين‪ ،‬ألن تأثيرها تمدد‬
‫فعليا‪ ،‬مع تمدد أدوارها قبل الثورة‪ .‬وألن الغياب الكامل عن المجال السياسي مضر‪ ،‬لذا أصبح الغياب‬
‫الرسمي والحضور الفعلي‪ ،‬هو الخيار المتاح‪ .‬ولم يكن هذا خيارا بين بدائل‪ ،‬بل يبدو أنه كان الخيار‬
‫الوحيد المتاح‪.‬‬
‫األقباط في مرحلة تغير‬
‫إذا كان موقف الكنيسة تغير بعد الثورة‪ ،‬بفعل الضرورة‪ ،‬فإن موقف األقباط بعد الثورة‪ ،‬تغير‬
‫بفعل الحتمية‪ .‬ففي مناخ الحراك االجتماعي والسياسي الواسع‪ ،‬والذي يصل لحد فوضى الحراك‪ ،‬لم يعد‬
‫من الممكن أن تبقى أي فئة في المجتمع في معزل عن هذا الحراك‪ .‬لذا كانت حركة األقباط تتزايد مع‬
‫الوقت‪ ،‬وتنمو أكثر‪ ،‬حتى أصبح حضور األقباط في الشارع‪ ،‬ال يقل عن حضور أي فئة أخرى في‬
‫المجتمع‪ .‬ويعد هذا‪ ،‬أحد إيجابيات الثورة‪ ،‬والتي تجعل كل فئات المجتمع فاعلة ومؤثرة‪ ،‬وأيضا حاضرة‬
‫في الشارع العام‪ ،‬والمجال العام‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫مايو ‪3102‬‬

‫الكنيسة والسياسة‪ ..‬الغائب رغم الحضور‬

‫ولكن حضور األقباط في الشارع‪ ،‬يختلف عن حضورهم داخل أسوار الكنيسة‪ ،‬ألن حضورهم‬
‫داخل أسوار الكنيسة‪ ،‬يكون أكثر تنظيما‪ ،‬كما يظهر فيه الدور المركزي للكنيسة وخياراتها وقرارها‪ .‬أما‬
‫الح ضور العام في الشارع‪ ،‬فإنه يفتقد للتنظيم المركزي‪ ،‬كما يفتقد لالرتباط مع مواقف الكنيسة المختارة‬
‫سلفا‪ .‬مما جعل حركة األقباط في الشارع‪ ،‬تسبق الكنيسة أحيانا‪ ،‬وتسبق أي قرار أو موقف لها‪ ،‬كما جعلها‬
‫تفرض أوضاعا على الكنيسة‪ ،‬ال تستطيع تجاوزها أو البعد عنها‪.‬‬
‫وألن الحركة الحرة لألقباط‪ ،‬فتحت مساحة لحركتهم غير المنظمة‪ ،‬لذا أصبحت أيضا حركة‬
‫قيادات الكنيسة غير منظمة‪ ،‬ورغم توزيع األدوار الذي يحدث بين قيادات الكنيسة أحيانا‪ ،‬إال أن الحركة‬
‫السريعة والحرة‪ ،‬أدت في النهاية لضعف التنظيم المركزي‪ ،‬حتى بالنسبة لقيادات الكنيسة‪ .‬فأصبحت‬
‫الكنيسة تتعامل مع ظروف التحول السياسي المتغيرة‪ ،‬ومع مواقف وتصرفات من األقباط وقيادات‬
‫الكنيسة متغيرة أيضا‪ .‬وهو ما يجعل الكنيسة تدفع لموقف رد الفعل أحيانا‪ ،‬وال تكون هي صاحبة الفعل‬
‫منذ البداية‪ ،‬وبالتالي تفقد التحكم المركزي في مجريات حركة األقباط‪ ،‬وأيضا في مجريات حركة الكنيسة‬
‫نفسها‪.‬‬
‫التوحد في الموقف‬
‫حالة السيولة التي شهدها الموقف المسيحي بعد الثورة‪ ،‬بلورت سريعا مواقف عامة لألقباط‬
‫والكنيسة‪ ،‬وسادت تلك المواقف‪ ،‬وأصبحت مواقف حاكمة‪ .‬وإذا كان هناك اختالف نسبي بين الطوائف‪،‬‬
‫وطبيعتها المؤسسية‪ ،‬فلم يكن هناك اختالف نسبي واضح في مواقف المسيحيين‪ ،‬رغم تباين انتمائهم‬
‫الطائفي‪ .‬مما جعل الرأي العام المسيحي يتشكل ويتبلور سريعا‪ ،‬ويصبح موقفا حاكما‪ ،‬ليس فقط للكنيسة‪،‬‬
‫بل وأيضا لجموع األقباط‪.‬‬
‫ولم تتشكل مواقف األقباط بعد الثورة‪ ،‬بل تشكلت واقعيا قبل الثورة‪ ،‬حيث تشكل الرأي العام‬
‫القبطي عبر عدة سنوات أو عقود‪ ،‬على عدة أسس واضحة‪ .‬حيث بات الرأي العام القبطي منحازا ضد‬
‫المشروع اإلسالمي‪ ،‬وضد الحركات اإلسالمية‪ ،‬خاصة جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬وكان أيضا منحازا‬
‫للعلمانية السياسية‪ ،‬ليس بوصفها نمطا للحياة‪ ،‬بل نمطا للحكم السياسي والنظام السياسي فقط‪ .‬ومن تلك‬
‫األسس التي تشكل عليها الرأي العام بين المسيحيين قبل الثورة‪ ،‬تشكل الرأي الغالب والسائد بينهم بعد‬
‫الثورة‪ .‬وألن الكنيسة لم تكن بعيدة عن هذه المواقف واآلراء قبل الثورة‪ ،‬بل كانت مروجة لها‪ ،‬لذا فلم يكن‬
‫للكنيسة موقفا آخر بعد الثورة‪.‬‬
‫ومن خالل وحدة التوجه‪ ،‬أصبح توحيد الحركة ليس بنفس الضرورة‪ ،‬ألن كل األطراف سوا ًء في‬
‫الكنيسة أو بين األقباط‪ ،‬تتحرك عمليا في اتجاه واحد‪ .‬وأصبح الفرق في درجة التصعيد مثال‪ ،‬أو في‬
‫نوعية التصريحات والمواقف‪ .‬وبهذا أصبح الموقف العام‪ ،‬هو الذي يجمع حركة الكنيسة واألقباط معا‪.‬‬
‫مما جعل تغيير هذا الموقف‪ ،‬إن لم يكن مستحيال‪ ،‬فهو غير متاح‪.‬‬
‫فالتوحد على موقف واحد‪ ،‬بين أغلب األقباط والكنيسة‪ ،‬يجعله الموقف الرسمي‪ ،‬الذي ال يملك‬
‫أحد الخروج عليه‪ .‬مما يجعل تغيير هذا الموقف صعبا‪ ،‬ألنه ال توجد أي جهة مركزية يمكن أن تعيد‬
‫النظر في المواقف السائدة بين األقباط‪ ،‬وتوجههم لتغيير موقفهم‪ .‬وألن الموقف السائد بين األقباط‪ ،‬يتشكل‬
‫بالتفاعل الحر‪ ،‬لقطاع من المجتمع‪ ،‬له قدرة عالية على التواصل‪ ،‬لذا أصبح الوعي العام لألقباط يتشكل‬
‫دون جهة توجهه‪ ،‬وفي نفس الوقت‪ ،‬دون أن يحدث أي قدر من التنوع الظاهر في مواقف وآراء األقباط‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫مايو ‪3102‬‬

‫الكنيسة والسياسة‪ ..‬الغائب رغم الحضور‬

‫فتشكل موقف واحد‪ ،‬ولكن دون جهة واحدة تشكله‪ ،‬وأصبح توحد الموقف دون أن يكون لجهة مركزية‬
‫دور في نشره‪ ،‬يجعل لهذا الموقف القوة‪ ،‬بحيث ال يستطيع أحد الخروج عليه‪ .‬فأصبح الرأي العام بين‬
‫األقباط‪ ،‬يفرض نفسه على الكنيسة‪ ،‬حتى وإن كانت ال تخالفه عمليا‪ ،‬ويفرض نفسه على كل األقباط‪ ،‬حتى‬
‫وإن كان أغلبهم يؤيده فعال‪.‬‬
‫وأصبح أصعب شيء‪ ،‬أن يتغير الوعي العام لدى األقباط‪ ،‬أو يتخذ رؤية أخرى‪ ،‬ألنه يتشكل‬
‫بالتفاعل الحر‪ ،‬وله حضور طاغي‪ ،‬يحول دون خروج أحد عليه‪ .‬مما يعني‪ ،‬أن هذا الموقف بين‬
‫المسيحيين‪ ،‬ال يتغير إال عبر فترات زمنية طويلة‪ ،‬إذا تراكمت فيها خبرات ومواقف مختلفة‪ ،‬تبلور رأيا‬
‫آخر بين األقباط‪.‬‬
‫بين األقباط والكنيسة‬
‫التحول األهم بعد الثورة‪ ،‬أن الكنيسة ظهرت أحيانا وكأنها تتبع مواقف األقباط وليس العكس‪.‬‬
‫فعندما يتحرك األقباط في المجال العام‪ ،‬فالكنيسة ال تستطيع الوقوف أمام حركتهم أو نقدها‪ ،‬بل على‬
‫العكس من ذلك‪ ،‬تكون مضطرة إلى مواكبة حركة األقباط‪ .‬وألن الموقف العام واحد‪ ،‬فإن التوجه العام‬
‫واحد أيضا‪ .‬ولكن الحركة في المجال العام‪ ،‬يمكن أن تتخذ أساليب مختلفة‪ ،‬ويعض تلك األساليب‪ ،‬قد يكون‬
‫مفيدا أكثر‪ ،‬أو مضرا أكثر‪ ،‬ولم يظهر أن الكنيسة قادرة على توجيه حركة األقباط‪ ،‬تجاه خيارات أو‬
‫طريقة في الحركة تراها أفضل‪ .‬مما جعل الكنيسة أسيرة حركة األقباط أحيانا‪ ،‬كما أنها تقود حركتهم‬
‫أحيانا أخرى‪.‬‬
‫وهنا اختلف المشهد‪ ،‬فأصبحت الكنيسة ضمن المكونات المؤثرة والبارزة في حركة األقباط‪،‬‬
‫ولكنها ليست المكون الرئيس أو الوحيد‪ .‬وهو ما يجعل حركة الكنيسة محكومة بما يحدث من حالة حراك‬
‫بين األقباط‪ ،‬ومحكومة بما يتبناه عامة األقباط في مواقف‪ .‬ولكن هذا ال يمنع الكنيسة من اتخاذ القرار في‬
‫بعض المواقف‪ ،‬وتوجيه حركة األقباط‪ ،‬خاصة في المواقف التي تستدعي وجود الكنيسة كمؤسسة‪ .‬لذا‬
‫أصبح ت الكنيسة حاضرة بنفسها أحيانا‪ ،‬وحاضرة ضمنا أو غائبة أحيانا أخرى‪ ،‬ولكن في كل األحوال‪،‬‬
‫أصبح على الكنيسة أن تتخذ نفس الموقف‪ ،‬عندما تحضر بنفسها‪ ،‬وعندما تغيب أيضا‪.‬‬
‫حزب األقباط‬
‫منذ بداية عملية تأسيس األحزاب‪ ،‬وفتح مرحلة التحول الديمقراطي والتنافس الحزبي‪ ،‬ظهر توجه‬
‫لتأسيس حزب‪ ،‬يحظى بتأييد كل المسيحيين‪ .‬حيث ظهرت رؤية تؤكد على أهمية أن يكون الصوت‬
‫المسيحي كله لصالح حزب واحد‪ ،‬حتى ال يتوزع الصوت المسيحي‪ ،‬ويضعف تأثيره‪ .‬ورغم االختالف‬
‫حول حجم الصوت المسيحي‪ ،‬فإن تلك الرؤية تقوم أساسا على تصور سياسي‪ ،‬يرى أن الجماعة األقل‬
‫عددا يزيد تأثيرها في كل األحوال‪ ،‬إذا كانت تمثل كتلة تصويتية لصالح حزب واحد‪ ،‬فتكون مؤثرة‪ ،‬أيا‬
‫كان قدر التأثير‪.‬‬
‫ويبدو أن المشكلة كانت في كيفية تأسيس حزب يحظى بتأييد كل الصوت المسيحي‪ ،‬حيث تأسس‬
‫حزبين‪ ،‬هما حزب المصريين األحرار‪ ،‬والحزب المصري الديمقراطي االجتماعي‪ .‬وأصبحت المشكلة‪،‬‬
‫أن أي تنافس بين الحزبين‪ ،‬ستؤدي إلى تفتيت الصوت المسيحي‪ .‬كما ظهر بعد ذلك حزب الدستور‪ ،‬وبدى‬

‫‪6‬‬

‫مايو ‪3102‬‬

‫الكنيسة والسياسة‪ ..‬الغائب رغم الحضور‬

‫أحيانا‪ ،‬أنه يمكن أن ينضم لألحزاب التي تحظى بتأييد الصوت المسيحي‪ ،‬إذا تحالف مع الحزبين‬
‫اآلخرين‪.‬‬
‫وفي كل األحوال‪ ،‬فإن فكرة تركيز الصوت المسيحي لحزب واحد‪ ،‬تتطلب أن تتحالف األحزاب‬
‫المعبرة عن الصوت المسيحي انتخابيا‪ ،‬حتى ال تفتت الصوت المسيحي‪ .‬وإذا لم يحدث هذا التحالف‪ ،‬فإن‬
‫حزب منهم قد يستطيع الفوز بالصوت المسيحي بمفرده‪ ،‬أو ستتفتت أصوات المسيحيين‪ .‬وهنا يظهر دور‬
‫الكنيسة‪ ،‬الغائب رغم الحضور‪.‬‬
‫فالكنيسة هي المؤسسة المنظمة بين المسيحيين‪ ،‬وهي التي تستطيع توجيه المسيحيين للحزب الذي‬
‫يمثلهم‪ ،‬النتخابه‪ .‬وهي لهذا القادرة على الفعل المنظم‪ ،‬في وقت االنتخابات‪ .‬كما أن األحزاب التي تعبر‬
‫عن المسيحيين‪ ،‬لم تشكل لنفسها قاعدة منظمة‪ ،‬تجعلها قادرة على توجيه وحشد الصوت المسيحي‪ ،‬بل هي‬
‫في الواقع استخدمت القواعد المنظمة الدينية والكنسية الموجودة فعال بين المسيحيين‪ .‬حتى يبدو أحيانا‪ ،‬أن‬
‫الحزب األقوى منها‪ ،‬هو الذي يرتبط بالقواعد المنظمة بين المسيحيين‪ ،‬سوا ًء القواعد الكنسية أو‬
‫المجموعات الدينية‪ ،‬مما يجعل الحزب المصري الديمقراطي االجتماعي‪ ،‬يبدو الحزب األكثر ارتباطا‬
‫بالقواعد المنظمة الموجودة فعال بين المسيحيين‪.‬‬
‫ولكن دور الكنيسة في عملية التوجيه‪ ،‬يظل دورا محوريا‪ ،‬خاصة وأنها األقدر على توصيل أي‬
‫موقف أو توجيه إلى كل المسيحيين‪ ،‬في زمن قليل للغاية‪ .‬ولعل أبرز تجربة‪ ،‬هي تلك المرتبطة‬
‫باالنتخابات الرئ اسية‪ ،‬حيث كان هناك موقف شائع في أروقة الكنيسة لتأييد عمرو موسى‪ ،‬ثم تحول هذا‬
‫الموقف إلى تأييد أحمد شفيق‪ ،‬واستطاعت الكنيسة حشد أغلب الصوت المسيحي للمرشح أحمد شفيق‪ ،‬مما‬
‫أكد على أن الكنيسة‪ ،‬ليس فقط كقيادة‪ ،‬بل أيضا كإطار تنظيمي‪ ،‬هي األقدر على الفعل التنظيمي‬
‫التوجيهي‪.‬‬
‫الكنيسة والحزب‬
‫المتابع للمشهد السياسي‪ ،‬وحركة األقباط‪ ،‬وتوجهات الصوت المسيحي االنتخابية‪ ،‬يلحظ أن‬
‫الحزب السياسي الذي يحظى بالصوت المسيحي‪ ،‬أصبح الواجهة السياسية لألقباط‪ ،‬والتي تحمل خطابهم‬
‫ومطالبهم‪ .‬وفي نفس الوقت‪ ،‬تقف الكنيسة خلف هذه األحزاب‪ ،‬وتمثل القاعدة المساندة لها‪ .‬مما يعني أن‬
‫الكنيسة فضلت أن تقوم بدورها أو تأثيرها السياسي‪ ،‬من خالل حزب أو أحزاب‪ .‬حيث تتوارى الكنيسة‬
‫أحيانا‪ ،‬وإن ظلت ظاهرة‪ ،‬وتتصدر األحزاب المشهد‪ ،‬ولكن مع بقاء الرابطة موصولة بين تلك األحزاب‬
‫والكنيسة‪ ،‬خاصة في األمور التي تهم الكنيسة أو األقباط‪.‬‬
‫بهذا حدث تقسيم عمل‪ ،‬بين الكنيسة واألحزاب التي تعبر عن الموقف المسيحي‪ ،‬حيث تظهر‬
‫الكنيسة في المواقف العامة‪ ،‬والتي يمكن أن تدخل فيها‪ ،‬أو ربما في أغلب المواقف السياسية غير الحزبية‪،‬‬
‫أما في المواقف الحزبية‪ ،‬فإن الكنيسة تتوارى‪ ،‬وتظهر األحزاب‪ ،‬التي تدعمها الكنيسة عمليا‪ .‬وألن وحدة‬
‫الموقف مازالت هي الفاعلة‪ ،‬لذا فإن دور الكنيسة واألحزاب التي تحظى بتأييد المسيحيين‪ ،‬يصب في‬
‫النهاية في اتجاه واحد‪ .‬وكأن الكنيسة بذلك‪ ،‬أصبحت تحضر بقدر غياب البعد الحزبي‪ ،‬وأصبحت تغيب‬
‫مع حضور البعد الحزبي‪ ،‬فيحضر طرف آخر بدال منها‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫مايو ‪3102‬‬

‫الكنيسة والسياسة‪ ..‬الغائب رغم الحضور‬
‫الكنيسة واألزهر‬

‫في أكثر من مناسبة‪ ،‬كان هناك اتجاه واضح لتوحيد المواقف بين الكنيسة واألزهر‪ ،‬أو لتقريب‬
‫المواقف والمسافات بينهما‪ ،‬ولكن ذلك االتجاه كان عمليا ضعيف‪ ،‬وال يؤدي إلى نتائج ملموسة‪ .‬فالتقارب‬
‫بين الكنيسة واألزهر‪ ،‬يمكن أن يبني عالقات من نوع جديد‪ ،‬حيث تتفاعل المؤسسات الدينية معا‪ ،‬رغم‬
‫االختالف في طبيعتها‪ ،‬بحيث يكون لها موقف مشترك‪ ،‬وتبني أرضية مشتركة‪ ،‬ومن ثم تبني توجها عاما‬
‫مشتركا‪ ،‬يكون له تأثير إيجابي في توسيع مساحة األرضية الثقافية والحضارية المشتركة في المجتمع‪،‬‬
‫والتي تجمع المسلم والمسيحي‪ .‬ولكن حدود التفاعل بين األزهر والكنيسة لم تصل إلى هذا الحد‪.‬‬
‫وكانت أكثر المناسبات التي شهدت تقاربا بين األزهر والكنيسة‪ ،‬هي وثيقة األزهر‪ ،‬والتي حظيت‬
‫بتأييد كنسي ومسيحي واسع‪ .‬وكان معنى هذا‪ ،‬أن الكنيسة ومعها األقباط‪ ،‬قد توصلوا لتوافق مع األزهر‪،‬‬
‫حول اإلطار العام الحاكم للهوية والمرجعية‪ ،‬وأيضا اإلطار العام الحاكم لمنظومة الحقوق والواجبات‪.‬‬
‫وإذا صح هذا‪ ،‬لكانت مشكلة أو أزمة الصراع حول الهوية‪ ،‬قد انتهت‪ .‬ألنه إذا قبلت الكنيسة أن تكون‬
‫الهوية العامة للدولة والمجتمع إسالمية‪ ،‬في ظل منظومة ترتب الحقوق والواجبات بين مكونات المجتمع‪،‬‬
‫بصورة مرض ية للمسيحيين‪ ،‬فإن هذا يعني خروج المسيحيين ومعهم الكنيسة من الصراع حول الهوية‪،‬‬
‫ليصبح صراعا إسالميا علمانيا‪ ،‬يدخل فيه العلماني المسلم أو المسيحي‪ ،‬بسبب موقفه الثقافي‪ ،‬دون أن‬
‫يدخل فيه أغلب المسيحيين‪ ،‬بسبب اختالفهم الديني‪.‬‬
‫ولكن ما حدث بعد صدور وثيقة األزهر‪ ،‬أكد على أن صراع الهوية مازال مستمرا‪ ،‬وأن الموقف‬
‫السلبي للكنيسة وعامة المسيحيين من الهوية اإلسالمية‪ ،‬مازال قائما‪ ،‬مما أكد أن وثيقة األزهر لم تحل‬
‫المشكلة‪ .‬وهو ما أثر سلبا على فاعلية دور العالقة بين األزهر والكنيسة‪ .‬ويضاف لذلك‪ ،‬أن مبادرة بيت‬
‫العائلة التي أطلقها األزهر‪ ،‬لم تفعل‪ ،‬وربما لم تجد صدى إيجابي من الكنيسة‪ ،‬أو من بعض الطوائف‪ ،‬مما‬
‫عرقل وجود دور مشترك للكنيسة واألزهر‪ ،‬في مواجهة االحتقان الديني‪ ،‬وما ينتج عنه من حوادث عنف‪.‬‬
‫ويضاف لذلك أيضا‪ ،‬ما حدث عند محاولة وضع قانون لدور العبادة‪ ،‬في فترة حكم المجلس األعلى للقوات‬
‫المسلحة‪ ،‬حيث تأكد أن أي مقترح لن يلقى قبوال من األزهر والكنيسة معا‪ ،‬وأن ما تطرحه الكنيسة ال‬
‫يوافق عليه األزهر‪ ،‬والعكس صحيح‪ .‬مما يعني أن المؤسسات الدينية‪ ،‬فشلت في بناء توافق‪ ،‬يمكن أن‬
‫يتمدد ليصبح توافقا مجتمعيا بعد ذلك‪.‬‬
‫ولم تبدو العالقة بين األزهر والكنيسة قريبة‪ ،‬إال عندما انسحبت الكنيسة من الجمعية التأسيسية‬
‫األولى وانسحب األزهر أيضا‪ .‬ولكن هذا االنسحاب لم يكن ألسباب واحدة‪ ،‬فاألزهر أعترض على اختيار‬
‫ممثليه‪ ،‬والكنيسة خشت من أغلبية التيار اإلسالمي‪ .‬لذا اختلفت المواقف في الجمعية التأسيسية الثانية‪،‬‬
‫حيث شارك الجميع‪ ،‬ثم انسحبت الكنيسة بمفردها‪ ،‬بدون األزهر‪ .‬وليس هذا فقط‪ ،‬بل أن انسحاب الكنيسة‬
‫كان بسبب تعريف األزهر لمبادئ الشريعة اإلسالمية‪ ،‬وبسبب المادة الخاصة بدور هيئة كبار العلماء‬
‫كجهة استشارية‪ .‬وهنا اختلفت المواقف‪ ،‬وسحبت من رصيد ما تحقق رغم محدوديته‪.‬‬
‫وإن ظل األزهر والكنيسة‪ ،‬يعلنان دائما مواقف تدعو للتفاعل اإليجابي بينهما‪ ،‬إال أن األثر الفعلي‬
‫لهذا الموقف اإليجابي بات محدودا‪ ،‬خاصة مع وجود اختالف حقيقي بين األزهر والكنيسة‪ ،‬ألن األزهر‬
‫يضع تصوراته دائما داخل المرجعية اإلسالمية‪ ،‬وعلى أساس أن هوية الدولة والمجتمع إسالمية‪ ،‬أما‬
‫الكنيسة ومعها أغلبية األقباط‪ ،‬فإن مشكلتها الرئيسة هي مع الهوية اإلسالمية‪.‬‬
‫‪8‬‬

‫مايو ‪3102‬‬

‫الكنيسة والسياسة‪ ..‬الغائب رغم الحضور‬

‫ومن المالحظ أن الكنيسة لم تتعامل واقعيا مع األزهر‪ ،‬بل تعاملت مع شيخ األزهر‪ ،‬ولم يظهر ما‬
‫يؤكد معرفة الكنيسة بتكوين األزهر الداخلي‪ ،‬بل ظهر ما يؤكد تخوف الكنيسة من مسار مؤسسة األزهر‪،‬‬
‫ومواقف شيوخها في المستقبل‪ .‬وهو ما جعل العالقة بين األزهر والكنيسة‪ ،‬ليست عالقة مؤسسية واقعيا‪،‬‬
‫بل عالقة بين القيادات‪ ،‬وقابلة للتغير‪ ،‬مع تغير القيادات‪.‬‬
‫الكنيسة والدستور‬
‫أعلنت الكنيسة مرارا عدم اعتراضها على المادة الثانية من الدستور‪ ،‬والخاصة بمرجعية الشريعة‬
‫اإلسالمية‪ .‬ولكن هذا الموقف بات ملتبسا‪ ،‬ألنه مع عدم اعتراض الكنيسة على المادة الثانية‪ ،‬اعترضت‬
‫على المادة ‪ ،309‬والتي تفسر معنى مبادئ الشريعة‪ ،‬والتي وضعها األزهر‪ .‬وألن المادة ‪ ،309‬في‬
‫الواقع‪ ،‬عرفت مبادئ الشريعة‪ ،‬بالمعنى الذي تحتمله‪ ،‬أي أن التعريف لم يضف لمعنى مبادئ الشريعة‬
‫جديدا‪ ،‬لذا بات واضحا‪ ،‬أن موافقة الكنيسة أو حتى األقباط أو بعضهم‪ ،‬على المادة الثانية‪ ،‬وعلى مرجعية‬
‫الشريعة اإلسالمية‪ ،‬هو في جزء منه‪ ،‬محاولة لعدم الصدام مع موقف األغلبية في المجتمع‪ ،‬وهو في‬
‫الوقت نفسه‪ ،‬مبني على أساس أن تعبير مبادئ قد يكون مرنا‪ ،‬لحد يجعل مرجعية الشريعة في نهاية‬
‫األمر‪ ،‬غير ملزمة‪.‬‬
‫كما يبدو أن البعض‪ ،‬راهن على أن مرجعية الشريعة‪ ،‬يمكن أن يتم توسيعها من خالل المحكمة‬
‫الدستورية العليا‪ ،‬لدرجة تجعل النص فضفاضا‪ ،‬وهو نفس السبب الذي دفع الجمعية التأسيسية ضمنا‪،‬‬
‫لوضع مادة تجعل األزهر هو المعني بتفسير الشريعة اإلسالمية‪ ،‬وأيضا وضع مادة تحدد معنى مبادئ‬
‫الشريعة‪.‬‬
‫لذا يمكن القول‪ :‬أنه عندما ظهر أن مرجعية الشريعة اإلسالمية‪ ،‬أصبحت دستوريا مرجعية فعلية‬
‫ومؤثرة‪ ،‬ظهر موقف رافض من الكنيسة أو عامة األقباط للدستور الجديد‪ ،‬وهو ما يؤكد مرة أخرى‪ ،‬أن‬
‫المشكلة الرئيسة لدى الكنيسة واألقباط معها‪ ،‬تتمثل في الهوية اإلسالمية‪ ،‬كهوية للدولة والمجتمع‪.‬‬
‫وعند انسحاب الكنيسة من الجمعية التأسيسية الثانية‪ ،‬ورغم مشاركة ممثليها في المناقشات في‬
‫أغلب مواد الدستور‪ ،‬تأكد أوال‪ :‬أن الكنيسة تظهر بنفسها في القضايا السياسية غير الحزبية‪ ،‬وأنها تقوم‬
‫بدور سياسي‪ ،‬في المساحة العامة‪ ،‬وهو ما يعني أن الكنيسة ضمنا‪ ،‬توسع من مجال القضايا الوطنية‪،‬‬
‫لتشمل قضايا سياسية‪ ،‬ليست بعيدة عن الصراع والتجاذبات السياسية‪ .‬وتأكد ثانيا‪ :‬أن الكنيسة تعتمد سياسة‬
‫الضغط السلبي‪ ،‬كواحدة من استراتيجياتها بعد الثورة‪ ،‬وهي أيضا كانت استراتيجية قبل الثورة‪ ،‬ولكن قبل‬
‫الثورة كانت الكنيسة تتعامل مع طرف واحد‪ ،‬وهو النظام الحاكم‪ ،‬أما بعد الثورة‪ ،‬فتعددت األطراف‪،‬‬
‫وأصبح من الصعب ممارسة ضغط على الجميع‪ ،‬من خالل الضغط السلبي‪ ،‬أي االنسحاب واالعتراض‪.‬‬
‫كما أن ممارسة ضغط سلبي على النظام السابق‪ ،‬كانت جزءا من عالقة تحالف‪ ،‬هي واقعيا عالقة توافق‬
‫واختالف معا‪ ،‬وكان كل طرف يستخدم أدواته في الضغط على الطرف اآلخر‪ ،‬ولكن هذا الوضع تغير‬
‫بعد الثورة‪ ،‬وفي ظل مناخ سياسي مفتوح‪.‬‬
‫ومع انسحاب الكنيسة من الجمعية التأسيسية الثانية‪ ،‬ظهر التوافق الحادث بين الكنيسة واألحزاب‬
‫التي تحظى بدعم الصوت المسيحي‪ ،‬وهي ليست المرة األولى التي يظهر فيها هذا التوافق‪ ،‬ألنه ظهر‬
‫وتكرر عدة مرات‪ ،‬مما يؤكد على التنسيق بين هذه األطراف‪ ،‬وهو تنسيق يسمح بأن يحدث تنسيق أيضا‬
‫بين الكنيسة والقوى العلمانية‪ ،‬وإن كان عن طريق وسيط‪ .‬هذا بجانب ما ظهر من تنسيق بين الكنيسة‬
‫‪9‬‬

‫مايو ‪3102‬‬

‫الكنيسة والسياسة‪ ..‬الغائب رغم الحضور‬

‫وقوى النظام السابق‪ ،‬في االنتخابات الرئاسية‪ ،‬وهو تنسيق ظهر وكأنه مباشر عمليا‪ .‬وبهذا ترسم األدوار‬
‫في الجانب المسيحي‪ ،‬بين أطراف عدة‪ ،‬بينها تنسيق وتواصل‪ ،‬ولكن ليس لها دائما قيادة مركزية‪ ،‬ولكن‬
‫في كل موقف‪ ،‬يظهر أن طرفا من هذه األطراف‪ ،‬هو صاحب القرار‪.‬‬
‫الكنيسة والرئيس‬
‫تأرجح موقف الكنيسة من أول رئيس منتخب‪ ،‬بصورة تكشف عن المأزق الجديد الذي يواجه‬
‫الكنيسة‪ ،‬مع وصول أول رئيس مدني منتخب من جماعة اإلخوان المسلمين للحكم‪ .‬فركز خطاب الكنيسة‬
‫على أنه رئيس منتخب‪ ،‬وهو رئيس الدولة‪ ،‬والكنيسة تتعامل مع الجميع‪ ،‬في محاولة للخروج من أي‬
‫مواجهة مباشرة‪ .‬ومن المفترض أن ال تكون هناك خصومة بين الكنيسة والدولة‪ ،‬أو رئيس الدولة‪ ،‬على‬
‫أساس أن الكنيسة تتعامل مع القيادة الموجودة في السلطة‪ ،‬دون أن تأخذ منها موقفا سياسيا‪ ،‬حتى وإن كان‬
‫لألقباط عموما‪ ،‬موقفا سياسيا من هذه القيادة‪.‬‬
‫ولكن المحافظة على المساحة الفاصلة بين الدور السياسي المباشر‪ ،‬والدور العام‪ ،‬ليست واضحة‬
‫في كل األحوال‪ ،‬مما يجعل موقف الكنيسة متغير حسب الحالة‪ .‬فعندما دعا الرئيس إلى حوار وطني‪،‬‬
‫رفضت الكنيسة المشاركة‪ ،‬بدعوى عدم وجود ضمانات لجدية الحوار‪ ،‬وكان موقفها منحازا ضمنا لموقف‬
‫جبهة اإلنقاذ المعارضة‪ ،‬والتي تضم األحزاب التي تعبر عن الصوت المسيحي انتخابيا‪ .‬وكان هذا موقفا‬
‫سياسيا واضحا‪ ،‬حيث مالت الكنيسة لموقف المعارضة‪ ،‬ودعمت هذا الموقف‪.‬‬
‫وعندما دعا الرئيس لجلسة حوار وطني الختيار األعضاء المعينين في مجلس الشورى‪ ،‬شاركت‬
‫الكنيسة في هذه الجلسة‪ ،‬وقدمت ترشيحاتها لعضوية مجلس الشورى‪ .‬أما جبهة اإلنقاذ فلم تشارك‪،‬‬
‫وشاركت قوى سياسية أخرى‪ .‬والالفت للنظر‪ ،‬أن الكنيسة قدمت أسما ًء تمثلها‪ ،‬وهذه ممارسة مباشرة‬
‫للدور السياسي‪ ،‬مثل ما كان يحدث قبل الثورة‪ .‬حيث ال يكون المعين المسيحي إال مرشحا من الكنيسة‪.‬‬
‫وبهذا أصبح للكنيسة أعضاء معينون في مجلس الشورى‪ ،‬رغم غياب األحزاب المعبرة عن الصوت‬
‫المسيحي‪ ،‬ومع غياب الحزب حضرت الكنيسة‪ ،‬كما أنه مع حضور تلك األحزاب‪ ،‬تغيب الكنيسة‪ .‬ففي كل‬
‫مرة هناك طرف يحضر‪ ،‬وربما يكون حضوره ينوب عن األطراف األخرى‪.‬‬
‫ولكن مع الدعوة الثالثة للكنيسة للحوار الوطني‪ ،‬وبعد أن أصبح مرشحي الكنيسة أعضا ًء معينين‬
‫في مجلس الشورى‪ ،‬رفضت الكنيسة المشاركة‪ ،‬واعتبرت أن للحوار أبعادا سياسية‪ ،‬والكنيسة ال تمارس‬
‫العمل السياسي‪ .‬وهنا ظهر قدر التباين بين مواقف تبدو أنها ممارسة سياسية‪ ،‬ومواقف أخرى تقوم على‬
‫رفض المشارك ة في الممارسة السياسية‪ .‬ولكن هذا التباين في جوهره‪ ،‬ليس إال تعبيرا عن الموقف الجديد‪،‬‬
‫من رئيس منتخب‪ ،‬تعامله الكنيسة على أنه رئيس الدولة أحيانا‪ ،‬وتتعامل معه في أحيان أخرى‪ ،‬باعتباره‬
‫ممثال لجماعة اإلخوان المسلمين‪ .‬كما ظهر‪ ،‬أن الكنيسة رأت أن وجود أعضاء تختارهم في مجلس‬
‫الشورى‪ ،‬هو حق لها‪ ،‬أي أنها اعتبرت أن تمثيلها في كيانات سياسية رسمية‪ ،‬هو حق لها‪ ،‬لذلك شاركت‬
‫فيه‪ ،‬أما مشاركتها في حوار وطني مع قوى سياسية تختلف معها‪ ،‬فهو أمر آخر‪.‬‬
‫ولم يتضح كيف يمكن للكنيسة أن تتعامل مع رئيس دولة‪ ،‬كان مرشح قوى تعتبرها ضمنا معادية‪،‬‬
‫رغ م ضرورة بقاء عالقة الكنيسة بالدولة‪ .‬ولم يتبلور موقف يميز بين التعامل مع الرئيس‪ ،‬العتبارات‬
‫عملية ورسمية‪ ،‬حتى مع االختالف مع القوى التي يعبر عنها‪ .‬ولم تتضح أيضا المسافة الفاصلة‪ ،‬بين ما‬
‫يعتبر ممارسة عامة غير سياسية‪ ،‬وما يعتبر ممارسة للعمل السياسي المباشر‪ .‬ولكن مسار التفاعالت‪،‬‬
‫‪01‬‬

‫مايو ‪3102‬‬

‫الكنيسة والسياسة‪ ..‬الغائب رغم الحضور‬

‫يؤكد على أن األدوار لن تقسم بهذا الشكل الواضح‪ ،‬وأن مواقف الكنيسة سوف تتوقف على الظرف نفسه‪،‬‬
‫خاصة مع انخراط العديد من المؤسسات في العملية السياسية بصورة مباشرة أو غير مباشرة‪ ،‬ومن ضمن‬
‫هذه المؤسسات األزهر نفسه‪ ،‬والذي يتخذ مواقف تؤثر على العملية السياسية‪ ،‬مما يجعل قوى سياسية‬
‫تحاول توظيف مواقف األزهر في معارك سياسية‪.‬‬
‫لذا لن توضع قواعد تحدد األدوار بصورة صارمة‪ ،‬ألن حالة التفاعل الحر‪ ،‬نتج عنها حالة سيولة‬
‫سياسية‪ ،‬سمحت بفتح باب التفاعالت بدرجة كبيرة‪ ،‬مما يعني أن أدوار الكنيسة سوف تتحدد أساسا حسب‬
‫الموقف‪ ،‬ثم مع مرور الوقت‪ ،‬يستقر نمط معين لدور الكنيسة‪ ،‬مثل غيرها من المؤسسات‪.‬‬
‫الخصومة مع اإلخوان‬
‫بعد الصعود السياسي لجماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬ووصول أول رئيس مدني منتخب بعد الثورة‬
‫منهم‪ ،‬ظهرت بوضوح خصومة األقباط‪ ،‬أو أغلبهم‪ ،‬لجماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬وتخوفهم منها‪ .‬ولم تكن‬
‫الكنيسة بعيدة عن هذا الموقف‪ ،‬حيث ظهر تخوفها من جماعة اإلخوان‪ ،‬والقوى اإلسالمية عموما‪ ،‬كما‬
‫تأكد بشكل واضح‪ ،‬تخوف الكنيسة من أي مرجعية دينية للنظام السياسي‪.‬‬
‫ولم تكن الكنيسة بعيدة عن الخصومة مع اإلخوان‪ ،‬كما أنها ال تستطيع أن تعزل نفسها أو تنأى‬
‫بنفسها عن تلك الخصومة‪ ،‬وفي نفس الوقت‪ ،‬تحاول الكنيسة الحفاظ على التعامالت الرسمية والزيارات‪،‬‬
‫حتى ال تبدو الخصومة فجة‪ .‬ولكن ما يظهر من تبادل عالقات‪ ،‬ال يخفي المشكلة‪ ،‬أن الموقف السلبي‬
‫لألقباط من جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬ينسحب على الكنيسة أيضا‪ ،‬مما يجعل الكنيسة في خصومة مع‬
‫القوى اإلسالمية‪ ،‬وأيضا في خصومة مع المشروع اإلسالمي‪ ،‬مما يجعلها في قلب الصراع السياسي‪.‬‬
‫ومشكلة الكنيسة‪ ،‬هي أيضا مشكلة األقباط‪ ،‬فعندما يكون كل األقباط في خصومة مع القوى‬
‫اإلسالمية‪ ،‬فإن ذلك يعني ضمنا‪ ،‬أن كل جماهير التيار اإلسالمي‪ ،‬أصبحت في خصومة مع كل األقباط‪.‬‬
‫وعندما تكون الكنيسة في خصومة مع قوة سياسية معينة‪ ،‬ويكون الرئيس من هذه القوة‪ ،‬تصبح الكنيسة في‬
‫خصومة مع رئيس الدولة‪ ،‬رغم أهمية أن تبقى عالقتها مستمرة ومستقرة مع الدولة‪ .‬وبنفس هذا المعنى‪،‬‬
‫فإن وجود حزب أغلبية في البرلمان من القوى اإلسالمية‪ ،‬يعني أن الكنيسة أصبحت في خصومة مع‬
‫الحزب الحاكم‪.‬‬
‫والمشكلة‪ ،‬أنه لم تتبلور مسارات مختلفة للعالقات في المجال العام‪ ،‬ولم تتبلور مسارات للعالقات‬
‫العامة بعيدا عن المواقف السياسية‪ .‬كما أن غلبة موقف سياسي واحد على األقباط‪ ،‬وغلبة هذا الموقف‬
‫على الكنيسة‪ ،‬وتوحد المواقف النسبي بين األقباط والكنيسة‪ ،‬يؤدي إلى تضييق البدائل المتاحة‪ ،‬مما يجعل‬
‫الموقف السياسي هو الغالب‪ ،‬وال يبقى إال مساحة محدودة من المجامالت‪ ،‬تضيق واقعيا‪ ،‬بسبب حدة‬
‫الموقف السياسي بين األقباط‪ ،‬واستفحال المخاوف المنتشرة بينهم‪ ،‬مما يجعل مساحة المجاملة والعالقات‬
‫العامة تضيق‪.‬‬
‫موقف علماني صريح‬
‫غلبة الموقف العلماني السياسي لألقباط‪ ،‬أصبح هو العنوان الصحيح للمشهد‪ ،‬فاألقباط ليسوا فئة‬
‫علمانية اجتماعيا أو ثقافيا‪ ،‬ولكنهم فئة علمانية سياسيا‪ ،‬وهي فئة من المجتمع لديها مخاوف عميقة ومزمنة‬
‫من أي قوى سياسية إسالمية‪ ،‬ومن أي مشروع إسالمي‪ .‬كما أن الكنيسة في أغلبها‪ ،‬منخرطة أيضا في‬
‫‪00‬‬

‫مايو ‪3102‬‬

‫الكنيسة والسياسة‪ ..‬الغائب رغم الحضور‬

‫هذه المخاوف من أي مشروع إسالمي‪ ،‬وال توجد مساحة منظورة إلعادة النظر في هذا الموقف‪ .‬كما يبدو‬
‫أن الموقف السلبي من المشروع اإلسالمي‪ ،‬له بعد قومي واضح‪ ،‬حيث يبدو أن أغلب األقباط‪ ،‬يروا أن‬
‫الهوية اإلسالمية‪ ،‬تطمس الهوية المصرية‪ ،‬وتؤثر على انتمائهم القومي المصري األصيل‪ ،‬وتجعلهم‬
‫غرباء في وطنهم وأرضهم‪ ،‬وأرض أجدادهم‪.‬‬
‫فالموقف السلبي من المشروع اإلسالمي لدى األقباط‪ ،‬يقوم على عدة أبعاد‪ ،‬البعد األول منها‪ ،‬هو‬
‫الخوف من التضييق على الحريات والحقوق الخاصة بالمسيحيين‪ ،‬وثانيا‪ :‬الخوف من تطبيق نموذج‬
‫إسالمي متشدد‪ ،‬يؤثر على المناخ العام والحريات العامة‪ ،‬بل ويؤثر على المجتمع وطبيعته‪ .‬وثالثا‪:‬‬
‫الخوف من سيادة هوية إسالمية‪ ،‬تجعل الهوية المصرية متراجعة أو فرعية‪ ،‬مما يجعل المسيحي يشعر‬
‫بالغربة في وطنه‪ .‬وتلك المخاوف المزمنة‪ ،‬تشكل وعيا عاما لدى األقباط والكنيسة معا‪ ،‬مما يوحد‬
‫المواقف بينهم‪ ،‬ومما يؤدي إلى صعوبة تغيير تلك المواقف مستقبال‪ ،‬وصعوبة إعادة النظر في هذه‬
‫المخاوف‪.‬‬
‫غياب رغم الحضور‬
‫تشكلت بهذا ممارسة جديدة للسياسة بين األقباط‪ ،‬تقوم أساسا على حركة واسعة لهم في المجال‬
‫العام‪ ،‬مما يجعل مواقفهم هي التي تقود الموقف المسيحي العام‪ .‬ووقفت الكنيسة في المساحة المتداخلة بين‬
‫المواقف السياسية‪ ،‬والممارسة السياسية‪ ،‬ولم تستطع البعد عن المجال السياسي‪ ،‬وفضلت الوقوف على‬
‫أطراف الممارسة السياسية‪ ،‬حتى ال يبقى لها دور مباشر‪ ،‬مع تعاظم دورها السياسي غير المباشر‪.‬‬
‫وأصبحت أحزاب الصوت المسيحي‪ ،‬تمثل المؤسسة السياسية التي تقوم بالدور السياسي المباشر الفعلي‪،‬‬
‫والتي تتحرك في مساحة التنافس االنتخابي‪ ،‬مدعومة بحشد مؤسسي كنسي‪ .‬ورغم تعدد األطراف‪ ،‬إال‬
‫وحدة الموقف‪ ،‬تجعل الخيارات الفعلية‪ ،‬هي خيارات كل األطراف‪.‬‬
‫وهذه الصيغة الثالثية‪ ،‬التي تجمع بين أحزاب والكنيسة واألقباط‪ ،‬فتحت مجاال واسعا للحركة‪،‬‬
‫وعمقت مشاركة المسيحي في الحياة العامة‪ ،‬وعمقت أيضا تأثيره‪ ،‬وظهور مواقفه بشكل واضح‪ .‬لكنها لم‬
‫تسمح بظهور خطوط فاصلة محددة‪ ،‬حتى يظهر موقف الكنيسة بعيدا عن مواقف األطراف األخرى‪ .‬ألن‬
‫الخصومة مع القوى السياسية‪ ،‬ورغم أنها موقف سياسي عادي‪ ،‬إال أنها تصبح مشكلة‪ ،‬عندما تكون‬
‫موقف كل األقباط‪ ،‬ألنها تصبح خصومة بين فئتين في المجتمع‪ ،‬األقباط من ناحية‪ ،‬وجماهير التيار‬
‫اإلسالمي من ناحية أخرى‪ .‬وتصبح تلك الخصومة مشكلة أيضا‪ ،‬عندما تصبح الكنيسة طرفا في‬
‫الخصومة‪ ،‬وال تستطيع أن تجد مخرجا لهذا الموقف‪ .‬فهنا تصبح الخصومة‪ ،‬ليست فقط سياسية‪ ،‬بل‬
‫واجتماعية أيضا‪.‬‬

‫‪03‬‬