‫يونيو ‪3102‬‬

‫الرئيس ومشروع النهضة‪ :‬تقييم استراتيجي‬

‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫الرئيس ومشروع النهضة‬
‫تقييم استراتيجي‬
‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫يونيو ‪3102‬‬
‫‪0‬‬

‫يونيو ‪3102‬‬

‫الرئيس ومشروع النهضة‪ :‬تقييم استراتيجي‬

‫هذه الدراسة تمثل محاولة لتتبع أبرز التوجهات األساسية التي يتبناها الرئيس محمد مرسي‬
‫والحكومة‪ ،‬لمعرفة مسار التغيير واإلصالح بعد أول انتخابات لرئيس مدني في مصر‪ ،‬وبعد التحول‬
‫الديمقراطي بعد الثورة؛ ولمعرفة مسار عملية التنمية‪ ،‬كما حددها الرئيس‪ ،‬وتحديد تأثيرات برنامج‬
‫وتوجهات الرئيس‪ ،‬على مسار التنمية حاليا ومستقبال‪ .‬وهو ما يساعد على تحديد الخطوط األولى التي‬
‫ترسم توجهات الدول ة المصرية بعد الثورة‪ ،‬حيث لم يكن للدولة توجهات تنموية حقيقية قبل الثورة‪ .‬مما‬
‫يجعل من المهم معرفة‪ ،‬ما إذا كانت توجهات الرئيس التنموية‪ ،‬يمكن أن تؤسس لتوجهات الدولة التي‬
‫تستمر‪ ،‬رغم تغير السياسات الحزبية‪ ،‬التي تعبر عنها القوى المنتخبة‪ ،‬أم ال؟‬
‫فما هي أبرز التوجهات العملية للرئيس والحكومة؟ وهل هي جزء من برنامج الرئيس ومشروع‬
‫النهضة؟ وما هو أثرها االستراتيجي على مسار الدولة وعملية التنمية مستقبليا؟ وما هي نقاط القوة ونقاط‬
‫الضعف؟‬
‫القمح أوال‬
‫بال شك يبدو تركيز الحكومة على زيادة إنتاج القمح‪ ،‬من أهم التوجهات االستراتيجية‪ ،‬ذات‬
‫التأثيرات الواسعة‪ .‬حيث تعمل الحكومة على االكتفاء الذاتي من القمح‪ ،‬وهو سلعة استراتيجية غذائية‪ .‬فقد‬
‫كانت مصر تستورد معظم احتياجاتها‪ ،‬مما يعرضها لهيمنة خارجية مباشرة‪ ،‬حيث أنها تعتمد على‬
‫الخارج في غذائها‪ ،‬مما يسمح بفرض شروطه وسياساته عليها‪ ،‬عند الحاجة‪.‬‬
‫وتوجه الحكومة لالكتفاء الذاتي من القمح‪ ،‬حقق في المرحلة األولى إنجازا ملموسا‪ ،‬مما أكد أن‬
‫هدف االكتفاء الذاتي من القمح‪ ،‬لم يكن فقط ممكنا‪ ،‬بل وكان متاحا على المدى القصير والمتوسط‪ .‬وال‬
‫تتجه الحكومة نحو االكتفاء الذاتي من القمح فقط‪ ،‬بل وتعمل أيضا على تحقيق االكتفاء الذاتي من النباتات‬
‫الزيتية‪ ،‬والتي تنتج الزيوت‪ ،‬حيث أن مصر تعتمد على استيراد حاجتها من هذه النباتات من الخارج‪ .‬وهو‬
‫ما يعني أن الحكومة تعمل على تقليص االستيراد الغذائي‪ .‬وكشف الرئيس عن توجه استراتيجي واضح‪،‬‬
‫نحو تحقيق االكتفاء الذاتي من الغذاء‪ ،‬مما يجعل مصر تملك غذائها‪ ،‬وال تعتمد على الخارج لتوفير‬
‫الغذاء‪.‬‬
‫واالكتفاء الذاتي من المواد الغذائية‪ ،‬يمثل واحدة من أهم محاور برنامج الرئيس‪ ،‬ومشروع‬
‫النهضة‪ .‬مما يعني أن الرئيس والحكومة‪ ،‬استطاعا تحقيق تقدم على هذا المحور‪ ،‬بصورة مستمرة‬
‫ومطردة‪ .‬وهو ما يؤكد على أن النظام السابق‪ ،‬كان يتعمد تعميق الفجوة الغذائية‪ ،‬واعتماد مصر على‬
‫استيراد المواد الغذائية الضرورية‪ .‬حيث تحقق نمو ملحوظ في إنتاج القمح‪ ،‬من خالل تطوير تقاوي تزيد‬
‫من إنتاجية الفدان‪ ،‬وتحسين طرق التخزين‪ ،‬مما يؤكد على امتالك مصر لفرص واعدة‪ ،‬لزيادة إنتاجها‬
‫الزراعي‪.‬‬
‫ويضاف لهذا‪ ،‬اهتمام الحكومة بتنمية العديد من المشروعات الغذائية‪ ،‬مثل مشروع المزارع‬
‫السمكية‪ ،‬والتي تفتح المجال أمام تشغيل أعداد من العاطلين‪ ،‬وتوسيع دائرة المشتغلين في إنتاج الغذاء‪،‬‬
‫وأيضا توسيع قاعدة التنمية‪ .‬وهو ما يساهم في تعديل موارد مصر الغذائية‪ ،‬بصورة تحقق لمصر‪ ،‬إنتاجا‬
‫غذائيا يغطي احتياجاتها األساسية‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫يونيو ‪3102‬‬

‫الرئيس ومشروع النهضة‪ :‬تقييم استراتيجي‬

‫وتنمية االنتاج الزراعي‪ ،‬لها بعد استراتيجي آخر‪ ،‬على قدر كبير من األهمية‪ ،‬ألنها تعني أن‬
‫جزءا مهما من التنمية‪ ،‬يتحقق في القرية المصرية‪ ،‬أي في قاعدة المجتمع المصري‪ .‬وهو ما يعني أن‬
‫استراتيجية التنمية‪ ،‬ال تعتمد على التنمية من أعلى‪ ،‬بل أصبحت تعتمد أوال على التنمية من أسفل‪ ،‬أي‬
‫تنمية القدرات اإلنتاجية للفئات األقل دخال‪ ،‬وللقرية المصرية‪ ،‬وهو ما يبني قاعدة اقتصادية مختلفة تماما‪،‬‬
‫عن تلك القاعدة الهشة التي تم بنائها قبل الثورة‪.‬‬
‫وتوجيه الدعم الحكومي للمزارع‪ ،‬من خالل إلغاء الديون‪ ،‬وأيضا من خالل وضع سعر تفضيلي‬
‫للقمح والذرة وغيرهما‪ ،‬يساهم في دعم الفالح اقتصاديا‪ ،‬وبالتالي دعم الريف المصري‪ .‬وتنمية القرية‬
‫المصرية‪ ،‬من خالل تعظيم عائد اإلنتاج الزراعي‪ ،‬يحدث تحوال مهما في مسار عملية اإلصالح‪ ،‬ويعظم‬
‫دور الفئات المهمشة‪ ،‬كما يبني تنمية متوازنة‪ ،‬تحقق توازن بين الريف والمدينة‪.‬‬
‫كما أن االكتفاء الذاتي من الغذاء‪ ،‬أو من الغذاء األساسي والضروري‪ ،‬يحقق لمصر استقالل‬
‫قرارها السياسي‪ ،‬ألن عدم قدرة مصر على توفير الغذاء‪ ،‬تمنعها من تحقيق استقاللها السياسي‪ .‬وهو أمر‬
‫ركز عليه مشروع النهضة‪ ،‬ومن الواضح أنه توجه استراتيجي رئيس للرئيس والحكومة‪.‬‬
‫محور قناة السويس‬
‫من أبرز المشروعات التي تتبناها الحكومة‪ ،‬هو مشروع تنمية محور قناة السويس‪ ،‬وهو مشروع‬
‫مركزي وكبير‪ ،‬يعتمد أساسا على توظيف موقع مصر الجغرافي‪ ،‬وتنمية قناة السويس‪ ،‬حتى ال تكون‬
‫مجرد معبر مائي‪ ،‬بل تتحول إلى منطقة استثمارية‪ .‬والمتابع لهذا المشروع‪ ،‬يجد أنه أساسا مشروع‬
‫ضروري وحتمي‪ ،‬حيث أنه يبنى أساسا على توظيف موارد متاحة بالفعل‪ ،‬ولكن كانت معطلة‪ .‬لذلك‬
‫يصبح السؤال‪ ،‬ليس حول أهمية هذا المشروع‪ ،‬بقدر ما هو حول أسباب عدم تنفيذ المشروع في العهود‬
‫السابقة‪.‬‬
‫ومشروع محور قناة السويس‪ ،‬يقوم أساسا على تقديم الخدمات اللوجستية الالزمة للسفن التي‬
‫تعبر قناة السويس‪ ،‬والتي ال تقدم لها مصر أي خدمة تحتاجها‪ ،‬مما يضطر السفن إلى الحصول على‬
‫الخدمات التي تريدها قبل الدخول إلى قناة السويس‪ .‬كما يعتمد المشروع أيضا‪ ،‬على التوسع في الخدمات‬
‫المرتبطة بالنقل والتخزين‪ ،‬وكل الخدمات المعاونة لهما‪ ،‬أو المرتبطة بهما‪ ،‬ثم التوسع في مشروعات‬
‫التصنيع أيضا‪ ،‬بحيث يتحول محور قناة السويس‪ ،‬إلى ممر تنموي متكامل‪.‬‬
‫وهذا المشروع‪ ،‬جزء من برنامج الرئيس‪ ،‬ومشروع النهضة‪ ،‬وهو يمثل نموذجا للمشروعات‬
‫الكبيرة‪ ،‬والتي تحقق عائدا كبيرا‪ ،‬وتصبح مصدرا رئيسا للدخل القومي‪ .‬لذا فإن التكامل االستراتيجي بين‬
‫مشروع االكتفاء الذاتي من القمح‪ ،‬وبين مشروع محور قناة السويس‪ ،‬يمثل توجها استراتيجيا مهما‬
‫للرئيس والحكومة‪ ،‬حيث يحدث تكامل بين المشاريع الكبرى‪ ،‬والتي تشارك فيها الشركات الكبرى‪،‬‬
‫والمشاريع التي تنمي األسرة المصرية والقرية المصرية‪.‬‬
‫مما يدل على أهمية العمل على العديد من المستويات‪ ،‬وإحداث أكبر قدر من التكامل بين‬
‫المشروعات‪ .‬حتى يتحقق تكامل مسارات التنمية‪ ،‬بين التنمية من أسفل‪ ،‬والتي تعتمد مباشرة على اليد‬
‫العاملة‪ ،‬والتنمية من أعلى‪ ،‬والتي تعتمد أساسا على االستثمارات المحلية والخارجية‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫يونيو ‪3102‬‬

‫الرئيس ومشروع النهضة‪ :‬تقييم استراتيجي‬
‫الثروة المعدنية‬

‫المتابع لبرنامج الرئيس ومشروع النهضة‪ ،‬يجد أهمية مركزية لتنمية الثروة المعدنية لمصر‪ ،‬كما‬
‫يالحظ بالفعل‪ ،‬أن أغلب الثروات المعدنية والثروات الطبيعية لمصر‪ ،‬غير مستغلة‪ .‬كما يضاف لهذا‪ ،‬أن‬
‫النظام السابق أبرم عقودا مجحفة مع الشركات التي تستخرج الثروات المعدنية‪ .‬وهنا يبرز مشروع‬
‫المثلث الذهبي‪ ،‬في صعيد مصر‪ ،‬والذي يحتوي على الجزء األكبر من ثروة مصر المعدنية‪ .‬وهذا‬
‫المشروع يحقق بعدا مهما للتنمية المستدامة‪ ،‬من خالل أفضل استغالل للثروات الطبيعية‪ ،‬كما يالحظ أن‬
‫الثروا ت الطبيعية موجودة في عدة أماكن‪ ،‬مما يؤدي إلى توزيع عملية التنمية جغرافيا‪ ،‬بصورة تحقق‬
‫عدالة التنمية‪ ،‬كما تحقق التوازن الجغرافي للتنمية‪.‬‬
‫وتنمية الثروة المعدنية‪ ،‬تحتاج لتعظيم القيمة المضافة‪ ،‬حتى ال يتم االعتماد على اقتصاد‬
‫االستخراج‪ ،‬كما جاء في برنامج الرئيس ومشروع النهضة‪ ،‬وهو ما يحتاج لتفعيل خطة متكاملة لتنمية‬
‫الثروة المعدنية‪ ،‬وتعظيم القيمة المضافة‪ ،‬لتحويل المادة الخام لمنتج‪ ،‬مما يعظم من إنتاجية االقتصاد‪.‬‬
‫كما أن االستفادة من الثروة المعدنية‪ ،‬تحتاج لتعديل التعاقدات الحكومية الخاصة بحق البحث عن‬
‫الخامات‪ ،‬وهو م ا قامت به الحكومة‪ ،‬حيث وضعت نماذج جديدة للتعاقد‪ ،‬وعدلت التشريعات‪ ،‬مما يعظم‬
‫من نصيب المال العام في الخامات المستخرجة‪ .‬كما وضعت نماج جديدة لعقود استخراج البترول والغاز‪،‬‬
‫حتى تعظم حصة الدولة‪ ،‬وتعيد للمال العام حقوقه‪.‬‬
‫لكن ما يتحقق في مجال الثورة المعدنية من خطوات أقل مما تحقق في تنمية زراعة القمح‪ ،‬أو في‬
‫مشروع قناة السويس‪ ،‬وهو ما يشير إلى أحد أهم التحديات التي تواجه الرئيس‪ ،‬وهي كيفية العمل على‬
‫نفس المحاور بنفس القدر من اإلنجاز‪ ،‬أو بدرجات قريبة نسبيا‪ .‬ألن الخطة المتوازنة للتنمية‪ ،‬تحتاج أيضا‬
‫إلى تحقيق اإلنجاز بصورة متوازنة نسبيا‪ ،‬مما يوزع ثمار التنمية بتوازن‪ ،‬عبر المراحل المختلفة‪.‬‬
‫خدمات النقل واللوجستيات‬
‫ركزت الحكومة على وضع خطة لتطوير خدمات النقل واللوجستيات المصاحبة لها‪ ،‬وهو جزء‬
‫مهم من مشروع النهضة‪ ،‬حيث يمثل تطوير منظومة النقل‪ ،‬أحد الوسائل المهمة‪ ،‬لتنمية مختلف مناطق‬
‫الجمهورية‪ ،‬من خالل توفير البنية التحتية الالزمة لنقل البضائع‪ ،‬ووصولها إلى الموانئ للتصدير‪ ،‬مما‬
‫يساعد على توزيع التنمية على مختلف المحافظات‪ .‬لذا لم تركز الحكومة فقط على تنمية محور قناة‬
‫السويس‪ ،‬بل ركزت أيضا على تنمية مناطق وموانئ لوجستية متعددة‪ ،‬على سواحل مصر المتعددة‪ .‬كما‬
‫ربطت الحكومة بين تنمية منطقة المثلث الذهبي‪ ،‬في صعيد مصر‪ ،‬والتي تشمل على العديد من المواد‬
‫الخام‪ ،‬مع تنمية موانئ مصر على البحر األحمر‪ ،‬حتى تبني منظومة متكاملة‪ ،‬قادرة على تحقيق تنمية‬
‫اقتصادية حقيقية‪.‬‬
‫ويمثل تطوير منظومة النقل‪ ،‬عامال مهما في تطوير الخدمات التي تقدمها مصر‪ ،‬ألن مجال‬
‫الخدمات‪ ،‬يمثل أكثر المجاالت التي تحقق نموا متميزا‪ ،‬خاصة مع توسع التجارة الدولية‪ .‬مما أوضح سبب‬
‫تركيز الحكومة على تطوير الخدمات‪ ،‬وربطها بمناطق اإلنتاج‪ .‬وهو ما يمثل بعدا استراتيجيا مهما في‬
‫التنمية‪ ،‬ألنه يساعد على تحقيق التنمية المتوازنة‪ ،‬كما يساعد على تعميق التوزيع الجغرافي للتنمية‪،‬‬

‫‪4‬‬

‫يونيو ‪3102‬‬

‫الرئيس ومشروع النهضة‪ :‬تقييم استراتيجي‬

‫وأيضا يساعد على رفع قدرة االقتصاد على التشغيل‪ ،‬حيث أن الخدمات كثيفة العمالة‪ ،‬إذا ما قورنت‬
‫بالصناعات الكبيرة‪.‬‬
‫الريادة المحلية‬
‫ترتبط فكرة الريادة المحلية في مشروع النهضة‪ ،‬بما يمكن تحقيقه من تنمية في محافظات مصر‬
‫المختلفة‪ ،‬اعتمادا على طبيعة الموارد والثروات الطبيعية في كل محافظة‪ ،‬لذا فإن مشروعات تنمية‬
‫المحافظات‪ ،‬ترتبط في جانب منها بخريطة توزيع الثورة المعدنية‪ ،‬وأيضا طبيعة الموارد واألنشطة‬
‫السائدة في كل محافظة‪.‬‬
‫وتنمية المحافظات‪ ،‬حسب برنامج الرئيس‪ ،‬تمثل استراتيجية مهمة‪ ،‬تتكامل مع االستراتيجيات‬
‫األخرى‪ ،‬ألنها تهدف أساسا إلى تحقيق التوازن في مسارات التنمية‪ ،‬بتحقيق توازن في توزيع ثمار التنمية‬
‫بين المحافظات‪ ،‬ليتكامل هذا التوازن الجغرافي مع التوازن في توزيع ثمار التنمية بين فئات المجتمع‪،‬‬
‫ومع التوازن بين المجاالت المختلفة لالقتصاد المصري‪ .‬وهذه االستراتيجية‪ ،‬تبني واقعيا بنا ًء اقتصاديا‬
‫مختلفا بشكل كامل‪ ،‬عن اقتصاد ما قبل الثورة‪ ،‬والذي كان يعاني من خلل مزمن‪ ،‬وعدم توازن‪ ،‬وعدم‬
‫عدالة في توزيع ثمار التنمية‪.‬‬
‫ولكن التحدي الذي تمثله مشاريع الريادة المحلية في المحافظات‪ ،‬أتضح عمليا‪ .‬حيث أن تلك‬
‫المشاريع ال تتحقق في كل المحافظات بنفس القدر‪ ،‬بل يوجد تقدم في محافظات أكثر من غيرها‪ .‬واختالف‬
‫أداء اإلدارة المحلية في المحافظات‪ ،‬يقلل نسبيا من فائدة التوازن الجغرافي للتنمية‪ ،‬أو يعرقل تحقيق هذا‬
‫التوازن؛ فإن تحقق مستقبال‪ ،‬فإ ن تأخر تحقيقه يضر بفكرة التنمية المتوازنة والمستدامة‪ ،‬والتي تمثل عماد‬
‫برنامج الرئيس ومشروع النهضة‪ .‬مما يجعل عملية تنشيط وتحريك اإلدارة المحلية في مختلف‬
‫المحافظات‪ ،‬وبقدر متقارب‪ ،‬من أهم التحديات التي تواجه الرئيس والحكومة‪ ،‬ألنها لم تشهد النجاح‬
‫المطلوب‪.‬‬
‫وفكر ة التنمية المتوازنة جغرافيا‪ ،‬لها بعد استراتيجي مهم‪ ،‬فهي يمكن أن تعكس مسار التنمية‬
‫الرأسمالية التقليدية‪ ،‬وتقلل من الهجرة من الريف إلى المدينة‪ ،‬كما تقلل من الهجرة من مدن المحافظات‬
‫إلى العاصمة‪ ،‬مما يساهم في تدشين مسار مختلف للتنمية‪ ،‬ال يقوم على الهجرة المستمرة إلى المراكز‬
‫الحضارية المركزية‪.‬‬
‫وعكس دورة التنمية‪ ،‬بحيث تؤدي إلى تنمية العديد من مناطق الجذب التنموي‪ ،‬وتوزيع تلك‬
‫المناطق على مستوى الجمهورية‪ ،‬يؤدي إلى مسار مختلف للتنمية‪ ،‬ال يعتمد على التنمية المركزة في‬
‫العاصمة‪ ،‬مما يؤدي إلى تعديالت مهمة في التطور الديمغرافي‪ ،‬عن ما تعرفه التنمية الرأسمالية الغربية‪.‬‬
‫ألنه إذا تحقق توازن جغرافي للتنمية‪ ،‬بحيث لم تعد الهجرة نحو المركز الحضري شائعة‪ ،‬فإن هذا يؤدي‬
‫إلى تطورات ديمغرافية‪ ،‬مختلفة عن تلك الحادثة في الدول الغربية‪ ،‬بما يساعد على بناء مسار مختلف‬
‫للتنمية‪ ،‬تكون قاعدته األساسية‪ ،‬هي تحقيق التنمية المتوازنة جغرافيا‪ ،‬بما يحد من الهجرات الداخلية‪،‬‬
‫المصاحبة لعملية التنمية التقليدية‪.‬‬
‫لذا يعد تحقيق اختراق أكبر في توزيع عملية التنمية جغرافيا‪ ،‬من أهم العوامل التي يمكن أن تنجح‬
‫نموذج التنمية الجديد‪ ،‬القائم على التوازن واالستدامة والتوزيع العادل‪ .‬مما يجعل تطوير اإلدارة المحلية‪،‬‬
‫‪5‬‬

‫يونيو ‪3102‬‬

‫الرئيس ومشروع النهضة‪ :‬تقييم استراتيجي‬

‫وتعظيم فرص االستثمار المتوازن عبر المحافظات‪ ،‬من أهم التحديات التي تواجه الحكومة‪ ،‬حتى تبني‬
‫نموذجا تنمويا قويا‪ ،‬تكون له آثار إيجابية متعددة‪ ،‬من خالل تنمية العديد من المناطق في وقت واحد‪،‬‬
‫وبصورة متوازية‪.‬‬
‫المشروعات الصغيرة‬
‫من أهم عوامل التنمية‪ ،‬التي تحقق نسبة تشغيل عالية‪ ،‬وتخفض نسبة البطالة‪ ،‬هي تلك المرتبطة‬
‫بتطوير المشروعات المتوسطة والصغيرة‪ ،‬والمتناهية الصغر‪ .‬ألن المشروعات الصغيرة‪ ،‬تمثل عماد‬
‫التشغيل‪ ،‬كما أنها واقعيا عماد االقتصاد‪ .‬ورغم اهتمام الحكومة بالمشروعات الصغيرة‪ ،‬وهي بعد مهم في‬
‫برنامج الرئيس ومشروع النهضة‪ ،‬إال أنه لم تحقق دفعة واضحة في هذا المجال‪.‬‬
‫وتنمية المشروعات الصغيرة‪ ،‬تحتاج إلى اكتشاف مجاالت متعددة ومتجددة لعمل المشروعات‬
‫الصغيرة‪ ،‬وتنمية الرغبة في المبادرة الفردية‪ ،‬وتنمية الرغبة في العمل واالبتكار‪ .‬وهو ما يمكن تحقيقه‬
‫من خالل تطوير نماذج ناجحة للمشروعات الصغيرة‪ ،‬وتسويقها في العديد من المناطق‪ ،‬وأيضا تنمية‬
‫مناطق صناعية خاصة بالمشروعات الصغيرة‪ .‬كما أن تنمية المشروعات الصغيرة‪ ،‬تحتاج لتعميق‬
‫الصناعات المغزية‪ ،‬وربطها بمصانع التجميع أو التصنيع‪ ،‬مما يفتح مجاال أمام الصناعات الصغيرة‪،‬‬
‫لتتحول إلى مشروعات كبرى‪.‬‬
‫كما أن تعظيم دور المشروعات الصغيرة‪ ،‬يحتاج أيضا لبناء تحالفات بين مؤسسات الدولة‬
‫والمجتمع المدني ورجال األعمال‪ ،‬من أجل تطوير أدوات وفرص لتسويق المنتجات التي تنتجها‬
‫المشروعات الصغيرة‪ ،‬مما يساهم في تعظيم عائد تلك المشروعات‪ .‬لهذا فالتحديات أمام تحقيق طفرة في‬
‫مجال المشروعات الصغيرة‪ ،‬مازالت كبيرة‪.‬‬
‫بجانب هذا‪ ،‬يوجد بعد استراتيجي مهم للمشروعات الصغيرة‪ ،‬حيث أنها تفتح الباب أمام تحقيق‬
‫التنمية للعديد من الفئات في المجتمع‪ .‬وإذا كانت التنمية الزراعية‪ ،‬ومعها المشروعات االستثمارية‬
‫الكبرى‪ ،‬تفتح المجال أمام العديد من الفئات‪ ،‬فإن تحقيق التنمية المتوازنة بين فئات المجتمع‪ ،‬التي‬
‫يستهدفها مشروع النهضة‪ ،‬ال تتحقق إال بفتح مجال واسع أمام المشروعات الصغيرة‪ ،‬حتى تتحقق التنمية‬
‫المتوازنة لكل فئات المجتمع‪.‬‬
‫االقتصاد غير الرسمي‬
‫من المعروف أن في مصر اقتصادا غير رسمي‪ ،‬يمثل نسبة كبيرة من االقتصاد المصري‪ .‬واهتم‬
‫برنامج الرئيس بتنمية االقتصاد غير الرسمي‪ ،‬وضمه إلى االقتصاد الرسمي‪ .‬وال يجب أن ينظر لهذا‬
‫األمر‪ ،‬على أنه يهدف إلى توسيع قاعدة المجتمع الضريبي‪ ،‬أي مجتمع دافعي الضرائب‪ ،‬ولكن يجب‬
‫النظر له على أساس أنه جزء مهم من تطوير المشروعات المتوسطة والصغيرة‪ ،‬وأيضا جزء مهم من‬
‫تطوير أدوات وطرق االنتاج‪ ،‬مما يساعد على تحقيق طفرة في نمو مشروعات االقتصاد غير الرسمي‪،‬‬
‫تجعل دخوله إلى االقتصاد الرسمي‪ ،‬يحقق له أرباحا أكبر‪ ،‬ويوسع من قدرته على التسويق‪ ،‬ويجود‬
‫منتجه‪ ،‬حتى يطابق الشروط الصناعية والصحية والبيئية‪ .‬وبهذا تصبح عملية ادماج االقتصاد غير‬
‫الرسمي‪ ،‬وسيلة لتحقيق طفرة في معدالت نمو المشروعات الصغيرة‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫يونيو ‪3102‬‬

‫الرئيس ومشروع النهضة‪ :‬تقييم استراتيجي‬

‫ورغم اهتمام الحكومة باالقتصاد غير الرسمي‪ ،‬إال أنها لم تصل بعد للمدخل الجيد لتحقيق عملية‬
‫دمج االقتصاد غير الرسمي في االقتصاد الرسمي‪ ،‬خاصة وإن تلك العملية تواجه بصعوبات ثقافية‬
‫واجتماعية عديدة‪ ،‬حيث أن معظم أصحاب مشروعات االقتصاد غير الرسمي‪ ،‬يروا أن دخولهم في‬
‫االقتصاد الرسمي ضد مصلحتهم‪ ،‬وال يهدف إال إلى جباية المزيد من الضرائب‪.‬‬
‫كما إن االقتصاد غير الرسمي‪ ،‬ينتج سلعا رخيصة وغير مطابقة للمواصفات‪ ،‬ولكنها تسد احتياج‬
‫العديد من شرائح المجتمع ذات الدخل المنخفض‪ ،‬مما يعني أن تطوير االقتصاد غير الرسمي‪ ،‬قد يؤثر‬
‫سلبا على قدرته التسويقية‪ ،‬وأيضا يمكن أن يؤثر سلبا على المستهلك محدود الدخل أو الفقير‪.‬‬
‫ويبدو تحدي االقتصاد غير الرسمي‪ ،‬من أهم التحديات التي تواجه الرئيس والحكومة‪ ،‬حيث‬
‫يحتاج التعامل مع هذا الملف‪ ،‬لمدخل متعدد األبعاد‪ ،‬ال يغفل البعد الثقافي واالجتماعي‪ ،‬كما ال يغفل أهمية‬
‫تطوير المشروعات الصغيرة غير الرسمية‪ ،‬حتى تنتج منتج أفضل‪ ،‬وأيضا تحقق عائد جيد‪ ،‬وفي نفس‬
‫الوقت‪ ،‬توفر السلع بالسعر المناسب للشرائح األقل دخال‪.‬‬
‫الخريطة االستثمارية‬
‫وضعت الحكومة خريطة استثمارية لمصر‪ ،‬تتميز بأنها خريطة للتوازن االستثماري بين‬
‫محافظات مصر‪ ،‬وبين مصادرها ومواردها المتنوعة‪ ،‬وبين القطاعات االقتصادية المختلفة‪ .‬وتعكس هذه‬
‫الخريطة‪ ،‬فكرة التنمية المتوازنة‪ ،‬والتي تحقق تعميق الميزة النسبية لالقتصاد المصري‪ ،‬وهو أنه اقتصاد‬
‫متنوع وعريض‪ ،‬وليس اقتصادا قائما على أنشطة محدودة‪ ،‬ومجاالت محددة‪ .‬وبهذا تصبح تلك الخريطة‬
‫االستثمارية‪ ،‬من أهم العوامل الفاعلة لتحقيق برنامج الرئيس ومشروع النهضة‪ ،‬حيث أنها تحقق التنمية‬
‫متعددة المجاالت‪ ،‬ومتعددة المناطق‪ ،‬والتي تشمل شرائح مختلفة من المجتمع‪.‬‬
‫والخريطة االستثمارية لمصر‪ ،‬تنقل مصر من االقتصاد الطفيلي القائم على الريع العقاري‪ ،‬إلى‬
‫االقتصاد الحقيقي القائم على االنتاج‪ .‬ومن الواضح أن الرئيس‪ ،‬سوا ًء في برنامجه‪ ،‬أو في التطبيق‬
‫العملي‪ ،‬يراهن أساسا على تنمية إنتاجية االقتصاد المصري‪ ،‬وهو توجه يبني بالفعل اقتصادا قويا‪ ،‬وله‬
‫أسس عميقة وثابتة وصلبة‪.‬‬
‫كما أن الخريطة االستثمارية‪ ،‬تضع الدولة في موضعها المناسب واألساسي‪ ،‬حيث يتم تعظيم دور‬
‫الدولة‪ ،‬بوصفها جهة تخطيط مركزي‪ ،‬ومنظم وموجه عام‪ ،‬بما يساعد على بناء التنمية المتوازنة‬
‫و المستدامة‪ ،‬وأيضا التنمية الشاملة‪ .‬حيث أن الخريطة االستثمارية لمصر‪ ،‬توزع األدوار بين قطاعات‬
‫المجتمع المختلفة‪ ،‬وتجعل دور التنظيم والتحفيز والتخطيط على الدولة‪ ،‬ودور التنمية واإلنتاج على‬
‫القطاع الخاص‪ .‬كما أن تحقيق التنمية المتوازنة عبر مجاالت االقتصاد المختلفة‪ ،‬توسع من دائرة القطاع‬
‫الخاص‪ ،‬فال يقتصر عمليا على رؤوس األموال الكبيرة‪ ،‬بل يمتد إلى رؤوس األموال الصغيرة‬
‫والمتوسطة‪.‬‬
‫لهذا يعد دور الدولة التنظيمي والتخطيطي مهما‪ ،‬لتحقيق التنمية المستدامة والمتوازنة‪ ،‬والتي‬
‫توزع عوائدها على مختلف شرائح المجتمع بصورة عادلة‪ .‬ألن اكتشاف مختلف مصادر وموارد الدولة‬
‫والمجتمع‪ ،‬كافي لتحقيق تنمية في مجاالت مختلفة ومتنوعة‪ ،‬مما يبني اقتصادا مصريا متميزا‪ ،‬ومناسبا‬

‫‪7‬‬

‫يونيو ‪3102‬‬

‫الرئيس ومشروع النهضة‪ :‬تقييم استراتيجي‬

‫لموقع مصر‪ ،‬وطبيعة مواردها المتنوعة‪ .‬حيث أن مصر ال تتميز بمورد واحد كبير‪ ،‬بل بعدة موارد‬
‫متنوعة ومختلفة‪ ،‬وليس من بينها مورد واحد‪ ،‬يمكن أن يبنى عليه االقتصاد المصري‪.‬‬
‫عكس مسار التنمية‬
‫سياسة الرئيس والحكومة‪ ،‬تعكس مسار النمو االقتصادي القائم قبل الثورة‪ ،‬وتحوله من اقتصاد‬
‫القلة‪ ،‬إلى اقتصاد الكثرة‪ .‬وتحول مسار التنمية‪ ،‬من التنمية من أعلى‪ ،‬والتي يفترض أن تتساقط آثارها‬
‫على الشرائح األدنى مع الوقت‪ ،‬وهو ما لم يحدث ألن عوائد التنمية سرقت أساسا‪ ،‬إلى التنمية الموزعة‬
‫جغرافيا‪ ،‬وموزعة على شرائح المجتمع‪ ،‬وموزعة على مجاالت التنمية المختلفة‪ ،‬بصورة تحقق التوازن‬
‫والعدالة‪.‬‬
‫وتلك السياسة‪ ،‬كافية واقعيا لبناء نموذج اقتصادي جديد‪ ،‬يخالف بالكلية النموذج االقتصادي‬
‫التنموي الذي تتبناه الدول الغربية‪ ،‬والمؤسسات الدولية المتأثرة بالنموذج الغربي‪ ،‬والمهيمن عليها من‬
‫الدول الغربية‪ .‬لهذا‪ ،‬فإن النموذج المصري للتنمية‪ ،‬لن تتبناه أي جهة‪ ،‬إال الدولة المصرية‪ ،‬والقطاع‬
‫الخاص المصري‪ ،‬وهيئات المجتمع المدني واألهلي‪ .‬وتلك حقيقة مهمة‪ ،‬يدركها الرئيس ويعلنها مرارا‪،‬‬
‫فالتنمية الناهضة‪ ،‬لن تتحقق إال بالجهد المحلي‪ ،‬ولن تقوم بسند خارجي‪ ،‬رغم أهمية التعاون الدولي‪،‬‬
‫بمختلف صوره‪ ،‬ولكن هذا التعاون‪ ،‬لن يكون سند التنمية المصرية‪ ،‬بل سيكون عامال مكمال فقط‪ ،‬للجهد‬
‫المحلي‪.‬‬
‫وبدون التركيز على الموارد المحلية‪ ،‬والطاقات المحلية‪ ،‬ال يمكن بناء نموذج تنموي متوازن‬
‫وعادل‪ ،‬وال يمكن أيضا بناء نموذج تنموي يحقق النهضة‪ ،‬وال يحقق فقط قدرا من التقدم‪.‬‬
‫وألن هذا النموذج التنموي‪ ،‬يقوم على التنمية المتوازنة والعادلة‪ ،‬لهذا فإنه يحتاج لجهد مضاعف‪،‬‬
‫وأيضا لبدائل مبتكرة‪ ،‬حتى تسير مسارات التنمية معا‪ ،‬وبشكل متوازن‪ ،‬بما يحقق قدرا من النمو المستمر‪،‬‬
‫في مختلف الجوانب‪ ،‬ولمختلف الشرائح‪ ،‬وفي مختلف المناطق والمحافظات‪ .‬وهو أمر متاح‪ ،‬وإن كانت‬
‫تواجهه العديد من الصعوبات‪ ،‬خاصة تلك المرتبطة بأهمية تفعيل كل أجهزة الدولة المحلية‪ ،‬في مختلف‬
‫المحافظات‪ ،‬وبدرجات متقاربة‪ .‬والناظر إلى الخريطة االستثمارية في مشروع النهضة‪ ،‬يدرك أن مختلف‬
‫مناطق مصر‪ ،‬لها موارد متميزة‪ ،‬ولها ميزة نسبية في مجال أو أكثر‪ ،‬مما يعني أن إمكانية التنمية‬
‫المتوازنة متاحة‪ ،‬ولكن تفعيلها بشكل متوازي ومستدام‪ ،‬يحتاج لمزيد من الجهد واالبتكار‪.‬‬
‫قطاع األعمال والخصخصة‬
‫ركز برنامج الرئيس على أهمية ترشيد الخصخصة‪ ،‬ولكن واقعيا اتجه الرئيس إلى وقف برنامج‬
‫الخصخصة‪ ،‬وتشكلت لديه قناعة مختلفة‪ ،‬تقوم على أهمية مشاركة القطاع العام في االنتاج‪ ،‬حتى يحدث‬
‫توازن نسبي مع القطاعات المختلفة‪ ،‬خاصة القطاع الخاص‪ ،‬بما يساهم في تحقيق التوازن بين أنشطة‬
‫االقتصاد المختلفة‪ ،‬ويساهم أيضا في تعظيم دور الدولة للحفاظ على توازن السوق‪.‬‬
‫وألن تطوير قطاع األعمال‪ ،‬وتشغيل طاقاته المعطلة‪ ،‬وتجديد طاقاته المتهالكة‪ ،‬ليس أمرا سهال‪،‬‬
‫بل ويلقي على الدولة عبئا إضافيا‪ ،‬يتمثل في ما تحققه بعض وحدات قطاع األعمال من خسائر‪ ،‬وما‬
‫تحتاجه من استثمارات‪ ،‬لذا يصبح من المهم وضع تصور جديد لتنمية قطاع األعمال‪ ،‬بحيث يؤدي‬
‫الوظيفة المطلوبة منه‪.‬‬
‫‪8‬‬

‫يونيو ‪3102‬‬

‫الرئيس ومشروع النهضة‪ :‬تقييم استراتيجي‬

‫فإذا كان الهدف من قطاع األعمال‪ ،‬هو وجود ركيزة اقتصادية مملوكة للشعب‪ ،‬تحقق التوازن في‬
‫عملية التنمية في مراحلها األولى خاصة‪ ،‬وتضمن توفير منتجات وخدمات أساسية للمواطن‪ ،‬فإن هذا‬
‫يتطلب إعادة هيكلة قطاع األعمال‪ ،‬من خالل الفصل بين الملكية واإلدارة‪ ،‬وإعادة رسم خريطة لمجاالت‬
‫عمل قطاع األعمال‪ ،‬وتعظيم حجم االستفادة من األصول المملوكة للدولة‪ ،‬بحيث يتم توسيع نشاط قطاع‬
‫األعمال‪ ،‬لالستفادة من فائض العمالة الموجودة فيه‪ ،‬وتوظيفها بشكل جيد‪ ،‬ألنها تمثل عائق أمام التشغيل‬
‫االقتصادي لقطاع األعمال‪.‬‬
‫تشغيل الشركات المعطلة‬
‫ركزت الحكومة على حل مشكلة المصانع المعطلة‪ ،‬وحل مشكالت رجال األعمال‪ ،‬خاصة من‬
‫توقف عن العمل بعد الثورة‪ ،‬أو هرب خارج البالد‪ .‬وهذا االهتمام‪ ،‬يعطي أهمية لتشغيل طاقات االقتصاد‬
‫المصري المعطلة‪ ،‬ألنها تمثل طاقة مهدرة‪ ،‬ويمكن تشغيلها بتكلفة قليلة‪ ،‬وفي وقت قليل نسبيا‪ .‬ولكن‬
‫يالحظ‪ ،‬أن الحكومة‪ ،‬اتخذت عدة مسارات وخطوات مختلفة‪ ،‬قبل أن تفعل عمليا عملية المصالحة مع‬
‫رجال األعمال‪ ،‬وتعيد تشغيل المصانع المعطلة‪ .‬وتلك واحدة من المشكالت التي تواجه الرئيس‬
‫والحكومة‪ ،‬وتتمثل في استغراق وقت في تحديد البدائل أو الطرق المتاحة‪ ،‬قبل الوصول إلى أفضل وسيلة‬
‫لحل المشكلة‪.‬‬
‫وإذا كانت المرحلة األولى بعد الثورة‪ ،‬تمثل أعقد المراحل‪ ،‬فإن استخدام منهج المحاولة والخطأ‪،‬‬
‫وإن كان ضروريا أحيا نا‪ ،‬يستهلك وقتا يمكن توفيره‪ ،‬خاصة وأن عامل الوقت‪ ،‬يمثل أهم تحدي أمام‬
‫الرئيس والحكومة‪ .‬لذا فإن وضع تصورات مسبقة‪ ،‬والشروع في تنفيذها‪ ،‬وتقليص مرحلة الحوار حول‬
‫البدائل‪ ،‬يمكن أن يوفر قدرا مهما من الوقت‪ .‬والبعد عن منهج المحاولة والخطأ‪ ،‬في هذه المرحلة مهم‪،‬‬
‫حتى وإ ن كان من الطبيعي‪ ،‬أن يتم اللجوء لقدر من المحاولة والخطأ‪ ،‬قبل وضع الخطط االستراتيجية‬
‫طويلة األجل ألجهزة الدولة‪.‬‬
‫وتحقيق المصالحة مع رجال األعمال‪ ،‬احتاجت إلى تعديالت تشريعية‪ ،‬وهو ما آخر هذه العملية‪،‬‬
‫كما أن وسائل اإلعالم كانت تحاول عرقلة عملية المصالحة‪ ،‬وأتضح أن بعضها كان يحاول الضغط على‬
‫الحكومة لصالح رجال أعمال‪ ،‬حتى تتم المصالحة بأقل تكلفة على رجال األعمال‪ .‬ولكن مسار المصالحة‬
‫في النهاية‪ ،‬يحقق إنجازا مهما‪ ،‬ألنه جزء من المصالحة الوطنية بعد الثورة‪ ،‬حيث يصبح من الضروري‪،‬‬
‫دفع كل الفئات في المجتمع‪ ،‬للتكيف مع الثورة‪ ،‬ومرحلة ما بعد الثورة‪ ،‬حتى يتم تعظيم قدرة المجتمع على‬
‫العمل واإلنتاج‪.‬‬
‫وفي ملف المصالحة‪ ،‬لوحظ أن رجال األعمال يمارسون ضغطا على الدولة‪ ،‬خاصة من خالل‬
‫البورصة‪ ،‬وفي نفس الوقت‪ ،‬لوحظ أن كثرة التصريحات الصحفية غير الموفقة من الحكومة‪ ،‬تضعف‬
‫موقف الحكومة‪ ،‬وتساعد على فرض المزيد من الضغط عليها‪ .‬وتلك المشكلة‪ ،‬تظهر في حكومة الخبراء‪،‬‬
‫حيث أن بعض الخبراء‪ ،‬ليس لديهم خبرة سياسية‪ ،‬مما يجعل تصريحاتهم تستخدم ضد الحكومة‪ ،‬وتعرقل‬
‫تحقيقها ألهدافها‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫يونيو ‪3102‬‬

‫الرئيس ومشروع النهضة‪ :‬تقييم استراتيجي‬
‫فجوة الميزان التجاري‬

‫ركز برنامج الرئيس ومشروع النهضة‪ ،‬على تعظيم الصادرات وترشيد االستيراد‪ ،‬وبالفعل تحقق‬
‫أول انخفاض في الفجوة بين االستيراد والتصدير‪ ،‬مما يقلل عجز الميزان التجاري مقوما بالدوالر‬
‫األمريكي‪ .‬وهو أمر مهم‪ ،‬نظرا ألن العجز في الميزان التجاري‪ ،‬يمثل السبب الرئيس في أزمات العملة‬
‫األجنبية‪ ،‬والتي ينتج عنها ارتفاع سعر الدوالر‪.‬‬
‫فمع ا رتفاع الفجوة بين االستيراد والتصدير‪ ،‬تتأثر قيمة الجنية أمام الدوالر‪ ،‬بمعدالت االستثمار‬
‫األجنبي‪ ،‬سوا ًء المباشر أو غير المباشر‪ ،‬كما تتأثر بدخل السياحة‪ ،‬وهي عوامل متغيرة‪ ،‬وتخضع‬
‫االقتصاد لعوامل خارجية‪ ،‬تؤثر عليه سلبا‪.‬‬
‫وفي ظل االحتياج لموارد من النقد األجنبي‪ ،‬الستيراد الوقود لحل أزمة الطاقة؛ يصبح تقليل‬
‫الفجوة بين االستيراد والتصدير‪ ،‬واالكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية األساسية‪ ،‬من أهم العوامل التي‬
‫تساعد على استقرار العملة المحلية‪ ،‬مما يساهم في استقرار االقتصاد الوطني‪.‬‬
‫الصكوك اإلسالمية‬
‫ركز مشروع النهضة على أهمية تنويع أدوات التمويل االستثماري‪ ،‬خاصة األدوات المالية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وهو ما قامت الحكومة بتحقيقه من خالل تبني مشروع الصكوك اإلسالمية‪ ،‬وهي أداة من‬
‫األدوات المهمة للتمويل االستثماري‪ ،‬والتي تشهد نموا عالميا ملحوظا‪ .‬وتجربة وضع قانون الصكوك‬
‫اإلسالمية‪ ،‬شهدت خبرة لها تميز خاص‪ ،‬حيث تفاعلت الحكومة ومجلس الشورى وهيئة كبار العلماء‪،‬‬
‫بصورة إيجابية‪ ،‬لم تخلوا من روح المنافسة‪ ،‬ولكنها أكدت على أن تفاعل مختلف األجهزة‪ ،‬يؤدي إلى‬
‫أفضل إنجاز‪ .‬فهذه التجربة‪ ،‬أوضحت أن التنافس بين أجهزة ومؤسسات الدولة‪ ،‬ليس في محله‪ ،‬وأن‬
‫التعاون والتكامل بين مختلف مؤسسات الدولة‪ ،‬يؤدي إلى أفضل نتيجة‪.‬‬
‫لذا جاء قانون الصكوك اإلسالمية‪ ،‬مبرزا تجربة مهمة في التكامل بين مختلف المؤسسات‪ ،‬كما‬
‫أنه حقق بداية لتنويع أدوات االقتصاد المصري المالية‪ .‬وهذا التنويع‪ ،‬يساهم في توسيع قاعدة االقتصاد‪،‬‬
‫ورفع معدالت االستثمار‪ ،‬كما يساهم في توسيع قاعدة المشاركين في االستثمار‪ ،‬من صغار المستثمرين‪،‬‬
‫وهو أمر له أهمية خاصة في تحقيق التنمية المتوازنة والمستدامة والعادلة‪ .‬ألن توسيع قاعدة المساهمين‬
‫في االستثمار المحلي‪ ،‬يؤدي عمليا إلى تعظيم نصيب االستثمار المحلي في التنمية‪ .‬كما أن الصكوك‬
‫اإلسالمية‪ ،‬تهدف إلى جذب االستثمارات الخارجية‪ ،‬ولكن في صورة استثمارات مباشرة‪ ،‬في مشروعات‬
‫تنموية ذات عائد على االقتصاد‪.‬‬
‫ولهذا فالصكوك‪ ،‬تقنن عملية المشاركة في االستثمار المباشر‪ ،‬وتعظم من قيمة االستثمارات‬
‫لصالح االقتصاد الوطني‪ ،‬ألنها توفر الوسيلة الالزمة لتمويل االستثمار من خالل المشاركة‪ ،‬وليس من‬
‫خالل القروض‪ .‬ومن المهم فهم البعد االستراتيجي لخيارات مشروع النهضة‪ ،‬والتي بنيت أساسا على‬
‫توسيع أدوات االقتصاد المالية‪ ،‬ولم تقوم على إلغاء أدوات االقتراض لصالح أدوات المشاركة في‬
‫االستثمار‪ .‬وهذه االستراتيجية‪ ،‬تعتمد أساسا على تأسيس أدوات جديدة والترويج لها‪ ،‬واختبارها‪ ،‬بحيث‬
‫يكون نجاحها‪ ،‬هو سبب انتشارها واالعتماد عليها‪ ،‬وتفوق دورها على أي أدوات أخرى‪ .‬مما يسمح ببناء‬

‫‪01‬‬

‫يونيو ‪3102‬‬

‫الرئيس ومشروع النهضة‪ :‬تقييم استراتيجي‬

‫نموذج مالي جديد‪ ،‬بالتوازي مع النماذج القائمة‪ ،‬حتى يكون له الغلبة‪ ،‬عندما يحقق النجاح ويستقر‪،‬‬
‫ويتطور بالصورة التي تتيح له هذه الغلبة‪.‬‬
‫المبادرات‬
‫تحققت عدة مبادرات جيدة‪ ،‬تؤكد على أن تغير المناخ‪ ،‬يمكن أن يغير بيئة العمل‪ ،‬ويفتح الباب‬
‫أمام االبتكار‪ .‬فتصنيع حاسب لوحي‪ ،‬بنسبة تصنيع محلية مرتفعة‪ ،‬وكذلك إقامة العديد من المصانع إلنتاج‬
‫الوقود الحيوي‪ ،‬وأيضا تصميم أفران تعمل بالوقود الحيوي‪ ،‬وكذلك تصنيع مزلقانات إلكترونية محلية‪،‬‬
‫تمثل نماذج مهمة لدور االبتكار‪ ،‬وهو ما يحتاج لمزيد من الدعم والتشجيع‪ ،‬وتوفير البيئة المناسبة لتطوير‬
‫االبتكارات‪ ،‬بما يجعلها فعليا تمثل قيمة مضافة لالقتصاد‪.‬‬
‫ومن المهم مالحظة‪ ،‬أن الحكومة ال تركز فقط على المحاور الرئيسة‪ ،‬بل وتركز أيضا على‬
‫بعض المحاور الفرعية‪ ،‬وهي استراتيجية جيدة‪ .‬فبعض التطوير‪ ،‬قد ال يمثل قيمة مضافة كبيرة لالقتصاد‪،‬‬
‫ولكنه يمثل إضافة مهمة‪ ،‬حيث أن تراكم المشروعات واألفكار واالبتكارات‪ ،‬يمكن أن يؤدي إلى توسيع‬
‫مدى التطور الحادث في بنية االقتصاد‪ .‬لذا يعد اهتمام الحكومة بكل مشروع‪ ،‬أيا كان اسهامه في االقتصاد‬
‫الوطني‪ ،‬من العوامل اإليجابية المهمة‪.‬‬
‫ويمثل االبتكار التقني‪ ،‬واحد من أهم المداخل لتطوير االقتصاد‪ ،‬لذا فإن إعادة تشغيل مصنع‬
‫السيارات‪ ،‬من خالل وزارة اإلنتاج الحربي‪ ،‬لتصنيع سيارة مصرية‪ ،‬أي بنسبة تصنيع محلي كبيرة‪ ،‬من‬
‫أهم المدخالت المفيدة لالقتصاد‪ .‬مما يجعل االبتكارات الصغيرة أو الكبيرة‪ ،‬وسيلة مهمة لتنشيط االقتصاد‪.‬‬
‫كما أن تفعيل دور الصناعات العسكرية في تطوير الصناعة‪ ،‬من الركائز المهمة ألي اقتصاد‪ ،‬حيث من‬
‫المعروف أن الصناعات الحربية‪ ،‬ساهمت في الدول المتقدمة‪ ،‬في تطوير التكنولوجيا‪ ،‬بشكل كبير‪.‬‬
‫والتوسع في المبادرات التقنية‪ ،‬في مجاالت متعددة‪ ،‬يمكن أن يفيد االقتصاد‪ ،‬كما يفيد في تطوير‬
‫المشروعات الصغيرة والمتوسطة‪ ،‬ويوفر بنية قوية لتنمية االقتصاد‪ .‬فالعديد من المشروعات العمالقة‪،‬‬
‫يمكن أن تبدأ كمشروعات صغيرة‪ ،‬من خالل ابتكارات تقنية‪ ،‬ثم تتحول مع توسعها إلى مشروعات كبيرة‪.‬‬
‫وهو ما يؤكد على أن تطوير المشروعات الصغيرة والمتوسطة‪ ،‬يمثل مدخال استراتيجيا مهما في‬
‫تنمية االقتصاد‪ ،‬فمن خالل تطوير هذه المشروعات‪ ،‬تبنى قاعدة واسعة للمشروعات الصغيرة‬
‫والمتوسطة‪ ،‬تدخل أعدادا كبيرة لسوق العمل‪ ،‬كما تدخل المستثمر الصغير لمجال االستثمار‪ .‬وبقدر ما‬
‫تتوفر الظروف التي تساعد المستثمر الصغير على التحول إلى مستثمر كبير‪ ،‬بقدر ما ترتفع درجة‬
‫الحراك االقتصادي‪ ،‬مما يفتح الباب أمام العديد من الشرائح‪ ،‬لتنضم إلى فئة رجال األعمال‪ .‬وهذا بعد‬
‫استراتيجي مهم‪ ،‬ألنه يفتح أبواب طبقة رجال األعمال المغلقة‪ ،‬كما ينهي احتكار طبقة لرأس مال‪ ،‬ويعيد‬
‫توزيع عوائد التنمية على فئات أوسع‪.‬‬
‫تفعيل دور الشباب‬
‫من أهم محاور مشروع النهضة‪ ،‬هو تفعيل دور الشباب‪ ،‬وتقوم الحكومة بدور مهم في تفعيل دور‬
‫مراكز الشباب‪ ،‬ومحاولة تنشيط حركة الشباب‪ ،‬وجذبهم للقيام بدور فاعل في المجتمع‪ .‬ولكن هذه‬
‫المساعي‪ ،‬تحتاج لتكامل عدة عناصر معا‪ ،‬حتى تحقق النتيجة المرجوة منها‪ .‬فالمطلوب هو توفير العلم‬
‫للشباب‪ ،‬ثم فرص االبتكار والتفكير‪ ،‬ثم فرص العمل‪ .‬مما يحتاج لمنظومة متكاملة‪ ،‬تبدأ بتفعيل دور‬
‫‪00‬‬

‫يونيو ‪3102‬‬

‫الرئيس ومشروع النهضة‪ :‬تقييم استراتيجي‬

‫الشباب‪ ،‬وإتاحة التدريب والتعليم لهم‪ ،‬وتنتهي بتوسيع فرص إقامة المشروعات الصغيرة والمتوسطة‪،‬‬
‫والتي يمكن أن تكون المجال الرئيس لتنمية دور الشباب‪ ،‬وإتاحة فرص لهم لتنمية مهاراتهم‪ ،‬والمساهمة‬
‫في اإلنتاج‪.‬‬
‫ومن خالل تكامل دور الدولة ومؤسسات العمل األهلي والمدني‪ ،‬مع مراكز الشباب والمؤسسات‬
‫والمراكز العلمية‪ ،‬يمكن أن يمهد الطريق أمام الشباب‪ ،‬ليجدوا فرصا مناسبة للعمل والنشاط‪ .‬فتأهيل‬
‫الشباب لممارسة النشاط العام والنشاط االقتصادي هي الخطوة األولى‪ ،‬ثم يأتي بعدها إتاحة العديد من‬
‫الفرص التي تستوعب قدرات الشباب‪ .‬فالشباب سوف يحقق مشاركته الكاملة في التنمية والنهوض‪ ،‬من‬
‫خالل ممارسته للعمل والنشاط‪ ،‬مما يتيح له فرصة التميز والترقي‪ ،‬وتولي المناصب‪ ،‬وتحقيق الذات‪.‬‬
‫واستيعاب نشاط الشباب بعد الثورة‪ ،‬له أهمية خاصة‪ ،‬ألن الشباب هم أكثر الفئات المتحمسة‪ ،‬أو‬
‫التي يغلب عليها الحماس‪ ،‬مما يعني أن تحويل هذا الحماس لطاقة عمل‪ ،‬سوا ًء في مجال العمل العام‬
‫والسياسي‪ ،‬أو العمل االقتصادي‪ ،‬يعد أفضل وسيلة لتحويل الطاقة الحماسية أو الثورية للشباب‪ ،‬بصورة‬
‫تحقق لهم أفضل دور‪ ،‬وتعود بالنفع على المجتمع‪.‬‬
‫النظافة‬
‫تمثل مشكلة النظافة واحدة من المشكالت التي تعاني من تردي شديد‪ ،‬منذ ما قبل الثورة‪ ،‬ثم‬
‫تفاقمت المشكلة أكثر في مرحلة ما بعد الثورة‪ .‬ومن الواضح أن النظام السابق فشل في بناء منظومة فاعلة‬
‫للنظافة والتخلص من المخلفات الصلبة‪ ،‬كما أنه وقع على تعاقدات مع شركات نظافة معظمها أجنبي‪،‬‬
‫تهدر حقوق الدولة‪ .‬كما أن الشركات األجنبية فشلت في العمل‪ ،‬ولم تستطع بناء منظومة للنظافة‪،‬‬
‫واستنزفت موارد الدولة‪.‬‬
‫ويالحظ‪ ،‬أن اإلدارة المحلية عملت على توقيع غرامات على الشركات األجنبية‪ ،‬وعدم تجديد‬
‫عقودها‪ ،‬واستعانت بشركات محلية‪ ،‬وبعقود جديدة‪ ،‬وهو توجه أدى إلى نتائج إيجابية‪ ،‬ولكن مشكلته أن‬
‫أثره محدود‪ ،‬بسبب استمرار التعاقدات مع الشركات األجنبية لمدد طويلة‪ ،‬وعدم إمكانية إلغاء هذه العقود‪،‬‬
‫بدون دفع غرامات فادحة‪ .‬وتلك مشكلة الحكومة في العديد من المجاالت‪ ،‬حيث كبلت الدولة بعقود إذعان‪،‬‬
‫تهدر حقوق الدولة‪ ،‬وتعطي للشركات مزايا غير عادلة‪.‬‬
‫ولكن في العديد من المحافظات‪ ،‬بدأت مشروعات لتدوير المخلفات الصلبة والمخلفات الصلبة‪،‬‬
‫وإنتاج الوقود الحيوي منها‪ ،‬أو منتجات أخرى‪ .‬مما يشير إلى توجه إيجابي‪ ،‬لحل مشكلة النظافة وإدارة‬
‫المخلفات الصلبة‪ .‬ولكن يالحظ أيضا بطء انتشار المشروعات واألفكار اإليجابية والناجحة‪ ،‬عبر‬
‫المحافظات‪ ،‬مما يحتاج لتركيز جهد الحكومة على نشر النماذج الناجحة عبر المحافظات‪ ،‬بصورة‬
‫متوازنة ومتتالية‪ ،‬إذا كانت مناسبة بالطبع‪ .‬ألن نشر النماذج الناجحة‪ ،‬يوفر الكثير من الوقت‪ ،‬ويراكم‬
‫الخبرة بصورة جيدة‪ .‬وهو ما يحتاج لتوسيع دائرة التعاون وتبادل الخبرات بين المحافظات‪ ،‬لنقل التجارب‬
‫الناجحة‪ ،‬ولتوسيع قدرة الحكومة على تضعيف اإلنجاز بصورة توفر الوقت‪ ،‬وتختصر الكثير من‬
‫الدراسات أو التجارب‪.‬‬

‫‪03‬‬

‫الرئيس ومشروع النهضة‪ :‬تقييم استراتيجي‬

‫يونيو ‪3102‬‬

‫مشكلة الطاقة‬
‫هي بالفعل المشكلة المزمنة الرئيسة‪ ،‬فالطاقة تمثل بالنسبة لمصر التحدي األكبر‪ .‬ومشكلة الطاقة‬
‫متعددة الجوانب‪ ،‬حيث تعاني مصر من محدودية إنتاجها لمصادر الطاقة‪ ،‬وعدم تطوير هذا االنتاج في‬
‫مرحلة ما قبل الثورة‪ ،‬حيث لم يتم تطوير إنتاج الغاز الطبيعي‪ ،‬بالصورة التي تواكب تطور الطلب‬
‫المحلي‪ .‬فأصبحت مصر تحتاج إلى بناء منظومة لتوفير موارد الطاقة‪ ،‬في األجل القصير والمتوسط‪ ،‬ثم‬
‫في األجل الطويل‪ ،‬حتى تتوفر الطاقة الالزمة للتنمية‪ ،‬وإال واجهت مصر مشكلة نقص موارد الطاقة‪ ،‬مما‬
‫يجعلها تعتمد على استيراد الطاقة‪ ،‬وهو أمر مكلف‪ ،‬ويمكن أن يؤخر تحقق عوائد التنمية‪.‬‬
‫والنظام السابق بنى منظومة لوقود الطاقة‪ ،‬تقوم أساسا على هدم قدرة مصر على التنمية والتقدم‪،‬‬
‫حيث كان يصدر الغاز الطبيعي بسعر رخيص ويستورده بسعر مرتفع‪ ،‬ويصدر الغاز الطبيعي وهو‬
‫أرخص أنواع الوقود‪ ،‬ويستورد السوالر‪ ،‬وهو أغلى منه ثمنا‪ .‬كما أن النظام السابق وقع عقودا مع‬
‫الشركات األجنبية‪ ،‬التي تستخرج الغاز والبترول وغيرها من المعادن‪ ،‬كانت تنص على حق الشركات‬
‫األجنبية في الحصول على كل استثماراتها من اإلنتاج أوال‪ ،‬دون حصول مصر على حصة من اإلنتاج‪،‬‬
‫ثم أعطت تلك العقود للشريك األجنبي حصة تقارب نصف اإلنتاج بعد ذلك‪ ،‬فأصبحت حصة مصر عمليا‪،‬‬
‫أقل من حصة الشريك األجنبي‪ ،‬وكأنه هو الذي يملك الثروات الطبيعية لمصر‪ .‬ولهذا أصبحت مصر‬
‫تستورد من الشريك األجنبي ما تحتاجه من وقود وبالدوالر‪ ،‬أي أن مصر تستورد ثروات مصر من‬
‫شركة أجنبية بالدوالر‪ .‬وهذه العقود لها آجال‪ ،‬وال يمكن فسخها‪ ،‬وإال تعرضت مصر لدفع تعويضات‪،‬‬
‫تفوق خسائرها الحالية‪ .‬وقد غيرت الحكومة تلك العقود‪ ،‬وأصبح العقد ينص على توزيع ما ينتج من‬
‫وقود‪ ،‬أو أي ثروات معدنية أخرى‪ ،‬بحيث يكون نصيب مصر يقترب من ‪ ،%71‬وتحصل مصر على‬
‫نصيبها من اليوم األول من اإلنتاج‪ ،‬ويحصل الشريك األجنبي على ‪ ،%21‬لتغطية كل استثماراته وتكلفة‬
‫اإلنتاج وتحقيق األرباح‪ .‬والفرق بين التعاقدين‪ ،‬يمثل مليارات الدوالرات التي ضاعت على مصر‪ ،‬بسبب‬
‫فساد النظام السابق‪.‬‬
‫إذن تحتاج مصر لتوفير الوقود الالزم للطاقة‪ ،‬كما تحتاج لتوفير محطات إنتاج الطاقة الكهربائية‪،‬‬
‫وهو احتياج ملح وضروري‪ .‬ومشكلة توفير الوقود الالزم إلنتاج الطاقة‪ ،‬تحتاج لبناء أفضل منظومة‬
‫الستخدام الوقود‪ ،‬وتحديد استخدامات الوقود المتوفر محليا‪ ،‬وتحديد األنواع التي يتم استيرادها‪ ،‬بحيث‬
‫يصبح الوقود متوفر‪ ،‬وبأقل تكلفة‪ .‬لذا عملت الحكومة على البحث عن بدائل سريعة‪ ،‬حتى توفر أكبر قدر‬
‫من الوقود‪ ،‬دون أن يتحول الميزان التجاري للوقود إلى السلب‪ ،‬أي دون أن تستورد مصر وقودا أكثر مما‬
‫تصدر‪ ،‬ألن هذا يعني دخول مصر في مرحلة استنزاف مواردها لتوفير الوقود‪ ،‬قبل أن تتمكن من تنمية‬
‫استخراج الوقود في أماكن جديدة‪.‬‬
‫وأصبح البحث عن البدائل‪ ،‬واستخدام كل البدائل‪ ،‬الخاصة بالوقود‪ ،‬والخاصة بطرق إنتاج‬
‫الكهرباء‪ ،‬ضمن استراتيج ية الحكومة حتى تنمي قدرة مصر على إنتاج الطاقة‪ ،‬وأيضا تقلل من الخسائر‬
‫التي تلحق بمصر‪ ،‬بسبب توقف عملية البحث عن البترول والغاز لسنوات‪ ،‬وحتى تستطيع الحكومة تنمية‬
‫موارد مصر من الوقود‪ ،‬والتي يمكن تحقيقها في األجل المتوسط‪ ،‬وليس العاجل‪.‬‬
‫ومن المالحظ‪ ،‬أن الحل النهائي لمشكلة الطاقة في مصر‪ ،‬يتمثل في التوسع في اكتشافات الغاز‬
‫الطبيعي‪ ،‬خاصة في المياه العميقة‪ ،‬حيث توجد احتماالت لوجود الغاز الطبيعي بكميات تجارية‪ .‬أما في‬
‫مجال إنتاج الكهرباء‪ ،‬فقد لجأت الحكومة للقطاع الخاص لتوسيع دوره في إنتاج الكهرباء‪ ،‬ليشارك‬
‫‪02‬‬

‫الرئيس ومشروع النهضة‪ :‬تقييم استراتيجي‬

‫يونيو ‪3102‬‬

‫الحكومة في إنتاج الكهرباء‪ ،‬حتى يمكن تحقيق أكبر توسع في أقل فترة‪ ،‬وتوفير الموارد المالية الالزمة‬
‫لبناء محطات الكهرباء‪ ،‬من عدة مصادر‪ ،‬أي من موازنة الدولة‪ ،‬ومن القطاع الخاص معا‪ ،‬لتحقيق أفضل‬
‫معدالت نمو إلنتاج الطاقة‪ .‬وهو اختيار رئيس لمشروع النهضة‪ ،‬حيث يقوم القطاع الخاص بإنتاج‬
‫الكهرباء‪ ،‬وتقوم الحكومة بشراء الكهرباء لبيعها بالسعر المدعم‪ ،‬لتوسيع مساهمة القطاع الخاص في تنمية‬
‫المرافق العامة‪.‬‬
‫ولكن حتى تتحقق هذه المنظومة بشكل جيد‪ ،‬تحتاج للحد من الجهات التي تحصل على الكهرباء‬
‫بسعر مدعم‪ ،‬خاصة المصانع‪ ،‬ألن حصول المصانع على الكهرباء بالسعر العادي غير المدعم‪ ،‬يوسع من‬
‫أهمية مشاركة القطاع الخاص في إنتاج الكهرباء‪ ،‬حيث يكون له سوق لبيع الكهرباء بالسعر العالمي‪.‬‬
‫وتلك واحدة من المشكالت المزمنة‪ ،‬فقد سمح النظام السابق للمصانع بالحصول على الكهرباء بالسعر‬
‫المدعم‪ ،‬رغم أنها تبيع منتجاتها بالسعر العالمي‪ .‬وبعد تشكيل أول حكومة من قبل الرئيس محمد مرسي‪،‬‬
‫بدأت عملية التفاوض الشاق مع الشركات‪ ،‬حتى تحصل على الكهرباء بالسعر العالمي‪ ،‬أو حتى تقيم‬
‫محطات كهرباء خاصة بها‪ ،‬مما يوفر طاقة كهربائية لالحتياجات األخرى‪ .‬ومشكلة التفاوض مع رجال‬
‫األعمال‪ ،‬أن الحكومة تبدو أحيانا في موقف أضعف‪ ،‬ربما بسبب تراجع االستثمار‪ ،‬بصورة ال تسمح بأي‬
‫تراجع آخر‪ ،‬وربما بسبب تراجع أرباح الشركات عموما بعد الثورة‪ ،‬مما جعل الوقت غير مناسب لرفع‬
‫الدعم عن الكهرباء للمصانع‪.‬‬
‫ومع استمرار التفاوض يضيع بعض الوقت‪ ،‬كما تستمر المشكلة في استنزاف الدولة‪ ،‬لذا فإن‬
‫التعديالت المستمرة في األسعار‪ ،‬تصبح حال مهما‪ ،‬وقد لجأت الحكومة له نسبيا‪ .‬ولكن التوصل إلى حل‬
‫نهائي‪ ،‬يعد أمرا حتميا‪ ،‬حتى يمكن بناء منظومة طاقة‪ ،‬ال توفر ما تحتاجه مصر فقط‪ ،‬بل وتوفر ما‬
‫تحتاجه خطط التنمية‪ .‬والمتابع لما تقوم به الحكومة‪ ،‬يجد أنها توصلت بعد حوارات شاقة‪ ،‬لحل ممكن‬
‫ومعقول‪ ،‬يطبق على عدة مراحل‪.‬‬
‫وال تكتمل منظومة الطاقة‪ ،‬إال باستخدام كل البدائل الممكنة والمتاحة واألقل تكلفة‪ ،‬مثل الطاقة‬
‫المتجددة‪ ،‬أو الوقود العضوي‪ ،‬أو استخدام األنواع المختلفة من الوقود‪ ،‬طبقا العتبارات اإلتاحة والتكلفة‪.‬‬
‫والمالحظ أن الحكومة تفتح بالفعل كل البدائل‪ ،‬رغم أن بعضها ال يحقق نتائج كبيرة‪ ،‬وتلك مسألة مهمة‪،‬‬
‫ألن استخدام الطاقة المتجددة‪ ،‬أيا كان نصيبها النهائي أمرا مهما‪ .‬وكثيرا ما كان النظام السابق‪ ،‬يرفض أي‬
‫أفكار تخص الطاقة المتجددة‪ ،‬ويعتبر أنها ال تحل المشكلة‪ ،‬حتى تفاقمت المشكلة؛ رغم أن أي وسيلة توفر‬
‫نسبة من الطاقة المطلوبة‪ ،‬تحقق حال جزئيا للمشكلة‪ ،‬مما يساعد على الوصول إلى الحل النهائي‪.‬‬
‫منظومة الدعم والضرائب‬
‫عملت الحكومة على تعديل منظومة الدعم والضرائب‪ ،‬حتى تحقق العدالة االجتماعية‪ ،‬وتوقف‬
‫هدر الدعم‪ ،‬المتمثل في وصوله لغير المستحقين‪ ،‬وأيضا تهريب السلع المدعومة‪ .‬وفي البداية تعددت‬
‫مقترحات الحكومة‪ ،‬بصورة أربكت الرأي العام‪ ،‬كما استغلتها وسائل اإلعالم‪ ،‬حتى توحي لعامة الناس‪،‬‬
‫أن الحكومة سوف تلغي الدعم‪ ،‬كجزء من حرب بعض وسائل اإلعالم على الرئيس‪ .‬وكانت مشكلة‬
‫الحكومة‪ ،‬أنها أعلنت من خالل وزرائها عن العديد من المقترحات‪ ،‬رغم أن تلك المقترحات كانت تتغير‪.‬‬
‫وبهذا لم تستطع الحكومة الترويج لطريقتها في التعامل مع منظومة الدعم‪ ،‬وحشد الرأي العام لصالح‬
‫فكرتها‪ .‬وتعدد األفكار أثار موجات من اللغط‪ ،‬التي أعاقت عمل الحكومة‪ .‬كما استغلت المقترحات‬
‫المختلفة لقانون الضرائب‪ ،‬حتى تشوه توجهات الحكومة‪ ،‬تحقيقا لمصالح رجال األعمال‪.‬‬
‫‪04‬‬

‫يونيو ‪3102‬‬

‫الرئيس ومشروع النهضة‪ :‬تقييم استراتيجي‬

‫وفي النهاية توصلت الحكومة لتصور مختلف عن تصوراتها السابقة‪ ،‬حيث عملت على وقف‬
‫تهريب الدعم أوال‪ ،‬حتى تنتقل إلى المرحلة الثانية‪ ،‬بتوصيل الدعم إلى مستحقيه فقط‪ .‬وقامت وزارة‬
‫التموين بجهد متميز من أجل وقف تهريب السلع المدعومة‪ ،‬ووضع وسائل لتوصيل الدعم لمتلقيه النهائي‪،‬‬
‫أي المستهلك‪ ،‬لمنع التهريب وتجارة السوق السوداء‪ .‬ثم عملت الحكومة على بناء قاعدة معلومات عن‬
‫المواطنين‪ ،‬من خالل مختلف قواعد المعلومات المتاحة‪ ،‬حتى تصل للمرحلة الثانية‪ ،‬وتوجه الدعم‬
‫لمستحقيه فقط‪ .‬ومن خالل استخدام الكروت الذكية‪ ،‬عملت الحكومة على السيطرة على مسار تداول السلع‬
‫المدعومة‪ ،‬مما يمكنها بعد ذلك من توصيل الدعم لمستحقيه‪.‬‬
‫وبالنسبة للضرائب‪ ،‬ترددت الحكومة في اختيار أفضل وسيلة لتعديل منظومة الضرائب‪ ،‬لتحقيق‬
‫العدالة االجتماعية‪ ،‬واستغلت المعارضة التصريحات الحكومية‪ ،‬لتوهم عامة الناس‪ ،‬أن الحكومة سوف‬
‫تزيد الضرائب على محدودي الدخل‪ .‬وبعد العديد من األفكار‪ ،‬توصلت الحكومة لتعديل تدريجي لمنظومة‬
‫الضرائب‪ ،‬بحيث تزيد اإلعفاءات تدريجيا‪ ،‬وفي الوقت نفسه ترفع شرائح الضرائب العليا تدريجيا‪ ،‬حتى‬
‫تشجع االستثمار‪.‬‬
‫وكان أمام الحكومة طريق آخر‪ ،‬بأن تضع تصور متكامل عن تطوير منظومة الدعم والضرائب‪،‬‬
‫وتروج له‪ ،‬وتشرح تأثيره‪ ،‬وتبين فائدته لمحدودي الدخل‪ ،‬حتى يمكنها تنفيذ تلك المنظومة في وقت أقل‪.‬‬
‫ولكن حالة السجال السياسي‪ ،‬والهجوم اإلعالمي‪ ،‬أثرت سلبا على الحكومة والرئيس أيضا‪ ،‬مما عرقل‬
‫تطوير منظومة العدالة االجتماعية في وقت أقصر‪ .‬والغريب أن حملة الهجوم على الحكومة في موضوع‬
‫الدعم والضرائب‪ ،‬كانت ترفع شعار العدالة االجتماعية‪ ،‬في حين أنها كانت تهدف لحماية مصالح‬
‫األغنياء‪ ،‬وعرقلة رفع الضرائب على الدخول المرتفعة‪ ،‬وعرقلة توصيل الدعم لمستحقيه فقط‪.‬‬
‫وظه ر في موضوع الدعم والضرائب‪ ،‬عدم قدرة الحكومة على تعبئة الرأي العام‪ ،‬لقضية تحقق‬
‫مصالح األغلبية الكاسحة من الشعب‪ .‬ورغم حمالت الهجوم المستمرة‪ ،‬إال أن الحكومة لم تنجح في إيجاد‬
‫مخرج‪ ،‬يخرجها من حالة الجدل السياسي‪ ،‬حتى تحقق إنجازات أفضل وأسرع‪.‬‬
‫الخبز والبوتاجاز‬
‫اس تطاعت الحكومة بناء منظومة جديدة لتوزيع بعض السلع المدعومة‪ ،‬وحققت نجاحات واضحة‬
‫في منظومة توزيع الخبز والبوتاجاز‪ ،‬وهو ما ساعد على تطوير أسلوب عمل جديد‪ ،‬للسيطرة على‬
‫عمليات تهريب السلع المدعومة‪ .‬وهذه النجاحات‪ ،‬ساعدت الحكومة على وضع تصور أشمل لتنظيم‬
‫منظومة الدع م‪ ،‬من خالل استخدام تكنولوجيا المعلومات واالتصاالت‪ ،‬وهو ما يتيح بناء منظومة جديدة‪،‬‬
‫تحقق أهداف الحكومة‪ ،‬في منع تهريب السلع المدعومة‪ ،‬وتوصيل الدعم لمستحقيه فقط‪.‬‬
‫في مواجهة البيروقراطية‬
‫لم تعتمد الرئاسة خطة لتعديل البيروقراطية المصرية‪ ،‬وتحسين بيئة العمل الحكومي‪ .‬ولكن أتبعت‬
‫الرئاسة والحكومة‪ ،‬التعديل التدريجي لإلجراءات والتشريعات‪ .‬وهذا النهج واقعيا‪ ،‬يجعل البيروقراطية‬
‫المصرية الروتينية‪ ،‬قادرة على عرقلة عمل الحكومة‪ .‬ورغم أن مشروع النهضة تضمن مسألة إعادة‬
‫تطوير الجهاز اإلداري‪ ،‬إال أنه لم يضع تصورات عاجلة لهذه المسألة‪ .‬وكان من الممكن إتباع نهج آخر‪،‬‬

‫‪05‬‬

‫يونيو ‪3102‬‬

‫الرئيس ومشروع النهضة‪ :‬تقييم استراتيجي‬

‫وذلك بتعديل اللوائح واإلجراءات أوال‪ ،‬وبشكل جذري‪ ،‬ألن تعديلها يعتمد على القرار السياسي‪ ،‬ثم تعديل‬
‫التشريعيات تدريجيا‪ ،‬حتى تكتمل منظومة جديدة للعمل اإلداري‪.‬‬
‫وتعديل اإلجراءات الحكومية‪ ،‬باختصارها إلى الحد األدنى‪ ،‬يمكن أن يغلق أبوابا كثيرة للفساد‬
‫مرة واحدة‪ ،‬كما يساعد على تعديل العالقة بين الدولة والمواطن‪ ،‬وأيضا يفتح الباب أمام عالقة جديدة بين‬
‫الجهات اإلدارية والمستثمرين‪ ،‬خاصة وأن البيروقراطية المصرية‪ ،‬ظلت تعرقل نشاط المستثمرين بعد‬
‫الثورة مثل قبلها‪ .‬وتأخر التطوير اإلداري ألجهزة الدولة‪ ،‬يعد من أهم نقاط الضعف في عمل الحكومة‪،‬‬
‫حيث أنه أتاح للبيروقراطية‪ ،‬االستمرار في عرقلة عمل الحكومة والرئاسة‪.‬‬
‫ومن الواضح أن الحكومة فضلت تطوير أداء الدولة‪ ،‬كجزء من خطة حل المشكالت العاجلة‬
‫واآلجلة‪ ،‬وليس كعملية منفصلة‪.‬‬
‫العالقات الخارجية‬
‫استطاعت الرئاسة بناء منظومة عالقات خارجية جديدة‪ ،‬وفي وقت قصير‪ .‬ألن العالقات‬
‫الخارجية‪ ،‬تحتاج إلى إرادة سياسية وقرار سياسي‪ ،‬فلم يستطع أي طرف عرقلة بناء المنظومة السياسية‬
‫الخارجية الجديدة لمصر‪ .‬وقد ركزت الرئاسة على بناء عالقات عربية وإسالمية متوازنة‪ ،‬وتعميق‬
‫العالقة مع السودان‪ ،‬بوصفه شريك جغرافي اقتصادي‪ ،‬وتقوية العالقة مع مجموعة البريكس‪ ،‬خاصة‬
‫الهند والصن والبرازيل‪ .‬كما أهتمت الرئاسة بإعادة بناء عالقات مصر مع أفريقيا‪ .‬وهو ما حقق منظومة‬
‫جديدة للعالقات الخارجية‪ ،‬حسب برنامج الرئيس ومشروع النهضة‪.‬‬
‫الخالصة‬
‫المتابع بدقة لعمل الرئاسة والحكومة‪ ،‬يجد أن الرئاسة تنفذ بالفعل مشروع النهضة‪ ،‬كما يتضح‬
‫أهمية مشروع النهضة نفسه‪ ،‬ألنه رسم خارطة طريق‪ ،‬قادرة على تحقيق التنمية الحقيقية‪ ،‬ومن ثم تحقيق‬
‫النهوض‪ .‬كما يالحظ أن الرئاسة‪ ،‬استطاعت مشاركة أجهزة الدولة‪ ،‬في رسم التخطيط المركزي لمشروع‬
‫النهضة‪ ،‬مما يتيح تحويله إلى الخطة المركزية للدولة‪ ،‬والتي تمثل التوجهات المستمرة‪ ،‬والتي تحقق‬
‫التراكم مع الوقت‪.‬‬
‫كما يالحظ أن الحكومة استطاعت العمل على العديد من المحاور‪ ،‬رغم الظروف السياسية‬
‫الصعبة‪ ،‬وأنها لم تتوقف عن التقدم إلى األمام‪ .‬ولكن الحكومة لم تستطع التحرك على كل المحاور بنفس‬
‫الدرجة‪ ،‬ولم تتمكن من تحقيق التوازن بين المحاور المختلفة‪ ،‬رغم أنها تحاول ذلك‪ .‬كما لم تستطع‬
‫الرئاسة أو الحكومة‪ ،‬حشد الرأي العام لما تقوم به‪ ،‬رغم أن ما يتحقق على األرض‪ ،‬يعطي أمال حقيقا في‬
‫مستقبل أفضل‪.‬‬
‫وكان من أهم نقاط الضعف في عمل الحكومة‪ ،‬عدم قدرتها على تحقيق تقدم واضح‪ ،‬ومسار‬
‫واضح‪ ،‬للمشروعات الصغيرة والمتوسطة‪ ،‬والتي تمثل عصب التنمية االقتصادية‪.‬‬
‫وأيضا‪ ،‬كان من أهم نقاط الضعف في عمل الرئاسة والحكومة معا عدم التصدي الفوري‬
‫للبيروقراطية المصرية الروتينية‪ ،‬والتي تعرقل العمل‪ ،‬وتشيع الفساد‪ ،‬وهي نقطة ضعف في مشروع‬
‫النهضة‪ ،‬ألنه لم يضع برنامجا للتطوير اإلداري العاجل ألجهزة الدولة‪ ،‬حتى يتم تقليص الدور السلبي‬
‫‪06‬‬

‫يونيو ‪3102‬‬

‫الرئيس ومشروع النهضة‪ :‬تقييم استراتيجي‬

‫للبيروقراطية المصرية‪ ،‬وتعديل مسارها‪ ،‬حتى تصبح عامال مساعدا على النمو‪ .‬كما أن مشروع النهضة‬
‫لم يضع تصورا للتعديالت التشريعية الالزمة لتفكيك منظومة الفساد‪ ،‬مما يجعل تطوير التشريع يتم من‬
‫خالل االحتياجات العملية تدريجيا‪.‬‬
‫وبهذا تشكل توجه جديد لتحقيق التنمية‪ ،‬وإنهاض المجتمع‪ ،‬من خالل توجه الرئاسة والحكومة‪،‬‬
‫يواجه العديد من العقبات والعراقيل‪ ،‬وبعض القصور في األداء‪ .‬وأكبر تحدي يواجه هذا المسار الجديد‪،‬‬
‫هو عامل الوقت‪ ،‬فكلما تحقق اإلنجاز في وقت أقل‪ ،‬وتم تصحيح األداء سريعا‪ ،‬يمكن الخروج من مرحلة‬
‫األزمة‪ ،‬إلى مرحلة االستقرار والبناء‪.‬‬

‫‪07‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful