You are on page 1of 460

‫مـــداد الــعــرفــان‬

‫كلامت الوفاء للعالّمة الفضيل بني الرحيل واألربعني‬

‫يصدر بمناسبة ذكرى أربعني رحيل العالّمة الفضيل ‪‬‬

‫مــداد الــعــرفــان‬
‫كلمات الوفاء للعالّمة الفضلي بني‬
‫الرحيل واألربعني‬
‫إعداد‪:‬‬

‫فؤاد عبد اهلادي الفضيل‬

‫منشورات جلنة مؤلفات العالمة الفضلي‬

‫مجيع احلقوق حمفوظة‬
‫الطبعة األوىل‬
‫‪4131‬ﻫ ـ ‪ 1043‬م‬

‫منشورات جلنة مؤلّفات العالّمة الفضلي‬
‫القطيف ـ اململكة العربية السعودية‬

‫َأنـار َدربـًا إىل األَجي ِ‬
‫ـال فـي ُك ُتب‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ومـا َأرا َد بـﻫا مــالً ول َذﻫبـَـا‬
‫ِ‬
‫احل ِ‬
‫(عىل َ‬
‫يرفد ُه‬
‫صيـر وكو ُز‬
‫الـمـاء ُ‬
‫فـوف ََت ُ‬
‫مـل ال ُك ُتـ َبا)‪!..‬‬
‫ور‬
‫ٌ‬
‫وذﻫنُ ُه ُ‬

‫تـقـديـم‬

‫;‬

‫احلمد هلل وسالم عىل عباده الذين اصطفى‬

‫وبعد‪..‬‬

‫ٍ‬
‫رجل م ّثل‬
‫إننا نسجل يف هذا الكتاب كلامت الوفاء يف ذكرى األربعني لرحيل‬
‫يا حاف خ‬
‫ال وشاهدخ ا ح ًّيا عىل مرحلة تاريية مهمة من تاريخ أمتنا اإلسالمية‬
‫تار خ‬
‫والعربية احلديث‪.‬‬
‫ٍ‬
‫درب عاشوا والفقيد لذة املسري يف‬
‫تنوع كتّاب هذه الكلامت‪ ،‬بني رفقاء‬
‫وقد ّ‬
‫ٍ‬
‫تزودوا من علمه وعلومه يف دروسه‬
‫العلم والعمل يف سبيل اهلل تعاىل‪ ..‬وتالمذة ّ‬
‫اجلامعية واجلوامعية وحمارضاته الثقافية‪..‬‬
‫ٍ‬
‫ورواد جمالسني يف جملسه املبارك (دارة الغريني)‪ ،‬كان املريب واملع ّلم هلم عن‬
‫ٍ‬
‫وفكرا وعاطفة‪ ،‬وإن‬
‫روحا‬
‫قرب‪ ،‬ومحلوا فكره وعلومه وجتربته‪ ..‬وقراء قريبني منه خ‬
‫خ‬
‫بعد املكان‪.‬‬
‫وقد اقترصنا فيه عىل ما كتب بعد رحيله ‪ ‬حتى األربعني فقط‪ ،‬ليكون‬
‫خاصا باملناسبة‪ ،‬ومل نضم إليه ما كتب قبلها من دراسات وبحوث‪ ،‬والتي كان أبرزها‬
‫ًّ‬
‫املنشور يف عدد جملة (الكلمة) اخلاص عن الشيخ الفضيل (العدد ‪ ،55‬السنة ‪،14‬‬
‫ربيع ‪2007‬م‪1421 /‬ه)‪.‬‬
‫‪7‬‬

‫نامذج يسرية من بيانات التعازي والرسائل التي أصدرها املراجع‬
‫وضم الكتاب َ‬
‫بعضا مما أصدرته املجامع‬
‫والعلامء واألساتذة األفاضل والربقيات احلكومية‪ ،‬و خ‬
‫واملراكز العلمية‪ ،‬وذلك لضيق املقام يف الكتاب أن يسعها كلها‪ .‬وأدرجنا كذلك‬
‫بعضا مما وصلنا من قصائد شعرية ترثي سامحة الشيخ‪.‬‬
‫خ‬
‫وشعرا‬
‫نثرا‬
‫خ‬
‫وقد مجعنا كل ما وصلنا من هذه التعازي واملراثي املنشورة خ‬
‫وخطابة يف اإلعالم املقروء واملسموع واملرئي‪ ،‬وعرضناها يف صفحة العالمة الفضيل‬
‫عىل (الفيسبوك) وقناته عىل (اليوتيوب)‪ ،‬ومجعناها يف (قرص) سيوزع مع هذا‬
‫الكتاب يف حفل األربعني‪.‬‬
‫ورغم أن أغلب هذه الكتابات عبارة عن مقاالت وخواطر وانطباعات قصرية‬
‫كتبت عىل عجل من قبل أصحاهبا يف تأبني سامحة الشيخ ‪ ،‬إالّ أن القارئ العزيز‬
‫سيجد فيها ملحات وإضاءات مهمة ومتنوعة رسمت صورة عن مكانته وسريته‬
‫الرسالية‪ ،‬وشواهد مهمة عن عطاءاته الفكرية‪.‬‬
‫وحوى الكتاب بحثني موسعني مهمني‪ ،‬مها‪ :‬بحث الدكتور حممد جواد اخلرس‬
‫وبحث السيد حسن اخلليفة‪.‬‬
‫ونتقدم بالشكر والتقدير لكل من استجاب لدعوتنا باملشاركة الكتابية يف هذا‬
‫الكتاب‪ ،‬رغم ضيق الوقت‪ .‬وهنيب بمن مل يسعفه الوقت إلمتام الكتابة للمشاركة يف‬
‫مناسبة الذكرى السنوية لرحيل الشيخ ‪ ،‬حيث سنعمل ـ إن شاء اهلل تعاىل ـ عىل أن‬
‫مؤمترا تكريم ًّيا علم ًّيا يتناول بحو خثا ودراسات موسعة عن سامحة الفقيد ‪.‬‬
‫تكون خ‬
‫أحاطت بعض هذه الكتابات بشخصية الفضيل (اإلنسان) يف جوانبها‬
‫السلوكية التي تركت هذه السرية العطرة يف قلوب الناس‪ .‬وبعضها بشخصية الفضيل‬
‫(املريب الرسايل) الذي أنار من خالل املحارضة والدرس واملنتدى (دارة الغريني)‬
‫ٍ‬
‫ألجيال من املؤمنني العاملني يف الساحة اإلسالمية‪.‬‬
‫در خبا‬

‫‪1‬‬

‫وبعضها بشخصية الفضيل (الكاتب املفكر املجدّ د) الذي قدّ م هذا الرتاث‬
‫املوسوعي الكبري يف عامل الدراسات اجلامعية واجلوامعية (وهو مصطلح من‬
‫مصطلحات الفضيل اللغوي)‪ ،‬وكيف «تفاعلت االجتهادية يف الشيخ‪ ،‬واملنهجية يف‬
‫الدكتور‪ ،‬تفاع خ‬
‫ال جدل ًّيا ال لينفي أحدمها اآلخر‪ ،‬وإنام ليثبته‪ ،..‬بل ليستحيال شي خئا‬
‫واحدخ ا‪ ،..‬تلك االستحالة التي هتيأ هلا ذهن استثنائي‪ ،‬وعقل مفكر‪ ،‬وقلب عاشق‪،‬‬
‫أديب‪ ،‬شاعر‪ ،‬عارف!!»(‪.)1‬‬
‫والشيخ كام أشار غري واحد يف هذا الكتاب‪ ،‬خري من زاوج بني املؤسستني‬
‫اجلامعية واجلوامعية عرب مرشوعه الكبري يف جتديد مناهج العلوم الرشعية واللغوية‪،‬‬
‫وهو صاحب مدرسة ومنهج جديد يف تقنني علوم الرشيعة وتقديم احلضارة‬
‫اإلسالمية بلغة العرص ليشارك يف محل هذه احلضارة إىل العاملية وإعادهتا إىل مركزها‬
‫ودورها القيادي بني احلضارات اإلنسانية‪.‬‬

‫‪ ‬أمهية مشروع الفضلي التجديدي‬
‫وألن هذا املرشوع‪ ،‬وهو األهم يف تراث الشيخ‪ ،‬قد تناولته أغلب الكتابات يف‬
‫هذا الكتاب‪ ،‬فال أود اإلطالة عىل القارئ يف التعريف به‪ ،‬وإنام أود اإلشارة هنا إىل‬
‫أمهية هذا املرشوع يف عملية إحياء الفكر اإلسالمي احلضاري‪ ،‬والذي يأيت منجز‬
‫شيخنا العالمة الفضيل ‪ ‬من أهم لبناته‪ ..‬وذلك لتكتمل الصورة يف ذهن القارئ‬
‫فيتعرف عىل معنى (التجديد) الذي محله الشيخ كمرشوع حيايت قىض عمره الرشيف‬
‫وهو يبنيه لبنة لبنة‪ ،‬ويقدّ مه لألمة اإلسالمية‪ ،‬ويبعد الصورة النمطية عن التجديد‬
‫التي قد تكون غائمة فيلتبس املعنى ويشوبه الغموض العقيل‪.‬‬
‫وسأستشهد لذلك بشاهد من كلامت شيخنا الفضيل؛ ألنه األقدر عىل وصف‬
‫رؤيته ملرشوعه التجديدي من خالل جوابه عن سؤالني يف حواره مع جملة الكلمة‬
‫(العدد ‪ ،4‬السنة ‪ ،1‬صيف ‪1994‬م‪1415 /‬ه)‪:‬‬
‫(‪ )1‬مقال السيد حسن اخلليفة يف هذا الكتاب‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫«‪ ‬كيف تقيمون احلالة الثقافية اإلسالمية؟ وﻫل ﻫناك أزمة‬
‫ثقافية؟ ما ﻫي أسباهبا؟ وما ﻫي عوامل اخلروج منها؟‬

‫‪ ‬احلالة الثقافية اإلسالمية تتحرك اآلن يف مسارين‪ :‬مسار إحياء الرتاث‪،‬‬
‫ومسار البحث والتأليف‪ .‬وهي يف املسار األول (مسار التحقيق ونرش الرتاث) أوفر‬
‫بكثري منها يف املسار الثاين (مسار البحث والتأليف)‪.‬‬
‫فقد نرش الكثري الكثري من الرتاث ـ حمق خقا وغري حمقق ـ وأعيد طبع الكثري من‬
‫الذي كان مطبو خعا‪ .‬وكانت هذه احلركة الواسعة إلحياء الرتاث وإعادة الطبع عىل‬
‫حساب إضعاف حركة التأليف‪ ،‬وبخاصة يف جمال البحث والدراسة‪.‬‬
‫ومن هنا نحن اآلن بحاجة إىل دراسات موسعة أو موسوعات علمية يف جمال‬
‫األنظمة اإلسالمية يف اإلدارة واالقتصاد واالجتامع واحلكم والقضاء واألخالق‪،‬‬
‫ويف جمال الفلسفة اإلسالمية‪ ،‬واملعارف العامة‪ ...‬كام أننا بحاجة لدائرة معارف‬
‫إسالمية تصدر عن مؤسسة خاصة وتساير التطور إلضافة كل ما يستجد‪ ،‬شأهنا شأن‬
‫الدوائر األخرى‪ ...‬كذلك نحن بحاجة إىل موسوعة تاريية تعتمد التوثيق والتحقيق‬
‫والتحليل والتعليل‪ ....‬نحن بحاجة إىل هذه وأمثاهلا لتكون حضارتنا بني أيدينا‪،‬‬
‫وبني أيدي اآلخرين يف أصالتها وشموليتها‪.‬‬
‫‪ ‬يكثر احلديث يف اآلونة األخرية عن رضورة التجديد يف‬
‫الفكر اإلسالمي‪ ،‬كيف تقيمون مسرية التجديد ﻫذه؟ وما ﻫي‬
‫أسس ومعامل عملية التجديد عىل مستوى الفكر اإلسالمي؟‬

‫‪ ‬قد يقال ـ هنا ـ ال معنى للتجديد بعد اتفاق املسلمني كافة عىل أن حالل حممد‬
‫حالل إىل يوم القيامة وحرامه حرام إىل يوم القيامة‪ .‬من هنا ال بدَّ من أن نحدد حمور‬
‫التجديد أوالخ‪ ،‬ثم نتحدث عن رضورة التجديد وعدم رضورته‪.‬‬
‫علينا أوالخ أن نتفهم أن عندنا أحكا خما رشعية وآراء فقهية‪ ،‬واألحكام الرشعية هي‬
‫التي ُأوحيت من قبل اهلل تعاىل إىل نبينا حممد ‪ ‬وب ّلغها كام هي‪ .‬وهي املقصودة‬
‫‪10‬‬

‫باملقولة املذكورة‪« :‬حالل حممد حالل إىل يوم القيامة وحرامه حرام إىل يوم القيامة»‪.‬‬
‫أما اآلراء الفقهية‪ ،‬فهي نتائج اجتهادات الفقهاء يف فهم النصوص الرشعية‪ ،‬ذلك‬
‫أن املسلمني يف عهد النبي ‪ ‬كانوا يأخذون معنى النصوص الرشعية التي تفيد احلكم‬
‫لتدون من قبل‬
‫من تفسري ورشح النبي ‪ ‬هلا‪ ،‬وما كانت تلكم الرشوح واإلفادات ّ‬
‫الصحابة‪ ،‬و َب ُعدَ العهد وانتهى آخر جيل من الصحابة‪ ،‬وبعد آخر جيل من أصحاب‬
‫أهل البيت ‪ ‬انتقل أمر الترشيع إىل الفقهاء فذهبوا يستقرئون النصوص الرشعية‬
‫ويستنطقوهنا‪ ،‬وكان فهمها من قبلهم يتلف باختالف مستوى ذهنية الفقيه ومستوى‬
‫خلفياته الثقافية‪.‬‬
‫ومن الطبيعي ّ‬
‫أن املب ّلغ ‪ ‬ألنه معصوم ال يطأ يف تبليغه‪ ،‬فام يب ّلغه هو احلالل‬
‫بعينه واحلرام بعينه‪ .‬وعليه‪ :‬ال جمال للتجديد فيه؛ ألنه هو عني الواقع واملصلحة التي‬
‫أرادها اهلل تعاىل من الترشيع لإلنسان تدور مداره‪ .‬أما الفقيه‪ ،‬فألنه غري معصوم‪ ،‬كام أنه‬
‫معرض للخطأ يف اجتهاده‪ ،‬وال أقل من احتامل عدم‬
‫مل يبلغ مستوى الكامل املطلق هو ّ‬
‫ٍ‬
‫حمورا للتجديد حسب مقتضيات‬
‫إصابته للواقع‪ .‬وهذا كاف ألن جيعل الرأي الفقهي خ‬
‫التغريات‪.‬‬
‫وألرضب هلذا مثاالخ‪ :‬ائتامن األموال يف البنوك‪ ،‬والتعامل باألوراق من شيكات‬
‫وبطا قات وما يشاكلهام‪ ،‬إنه أمر تفرضه الرضورة‪ ،‬ويدخل ضمن التجديد‪ ،‬ال سيام أنه مل‬
‫يرد فيه نص رشعي خاص ال يف الكتاب وال يف السنة‪ .‬ومثال آخر‪ :‬التأمني‪ ،‬بنوك الدم‪،‬‬
‫بنوك األعضاء‪ ،‬كل هذه تدخل ضمن التجديد‪.‬‬
‫النظم االقتصادية التي حتكم العامل اليوم‪ ،‬وكذلك النظم السياسية‪ ،‬فاملسلم ـ َق ُر َب‬
‫منها أو َب ُعدَ عنها ـ ال بدَّ أن يتعامل معها بشكل مبارش أو غري مبارش‪ .‬وعىل الفقه‬
‫أيضا ـ يدخل ضمن التجديد‪.‬‬
‫اإلسالمي أن يدرسها وأن يقول كلمته فيها‪ ،‬هذا ـ خ‬
‫أن تكون لدى املسلمني نظرية سياسية وأخرى اقتصادية مدونة وفق منهج‬
‫البحث وأصول الكتابة املعارصين هي من الفكر التجديدي‪ .‬من هنا انطلق الواعون‬
‫‪11‬‬

‫والغيارى من علامء املسلمني جيددون‪ ،‬فرأينا الكثري من أعامل التجديد يف الفكر عىل‬
‫مستوى األفراد‪ ،‬وعىل مستوى املؤسسات‪ .‬وكل الذي أقرتحه ـ هنا ـ هو أن نرسع‬
‫اخلطى يف هذا التجديد لنسد كل الفراغات ونلبي كل املتطلبات‪ ،‬فنحن وجتديدنا يف‬
‫سباق مع الزمن‪ ،‬والسابق هو الفائز»‪.‬‬

‫‪ ‬الفضلي مؤرخًا لثالثة أجيال‬
‫إن مسرية شيخنا الفضيل الطويلة امتدت لتشهد ثالثة أجيال‪:‬‬
‫ اجليل املؤسس‪.‬‬‫‪ -‬واجليل الباين‪.‬‬

‫ واجليل العامل احلاصد‪.‬‬‫املدون لتاريها فيام‬
‫وكان ‪ ‬الشاهد احلي عىل تعاقب هذه األجيال الثالثة‪ّ ،‬‬
‫سطره يراعه األمني من تراجم لرجاالت هذه املراحل وعرضه ألهم إسهامات‬
‫هؤالء الرجال يف صنع تارينا املعارص‪ ،‬وكانت قراءته أشمل للمرحلتني األوىل‬
‫والثانية (جييل املؤسسني والبناة) بحكم معارصته هلام ومشاركته فيهام وألمهية‬
‫دورمها يف عملية اإلحياء‪.‬‬
‫وألنه عامل موسوعي هيتم باجلانب العلمي احلضاري‪ ،‬فام خلده يف كتاباته يلقي‬
‫الضوء عىل أهم معامل التجديد يف كل مرحلة وعن املنارات املهمة يف البنيان الفكري‬
‫لألمة‪ ،‬وكتابه (هكذا قرأهتم) من أهم املصادر التاريية التي يمكن االستفادة منها يف‬
‫دراسة تاريخ النهضة العلمية احلديث وباألخص يف املدرسة اإلمامية‪ ،‬وأدوار‬
‫رجاالت العرص يف هذه النهضة‪.‬‬
‫ومن خالل جلساتنا اليومية الطويلة معه التي أنعم اهلل هبا علينا‪ ،‬فإننا سمعنا‬
‫منه الكثري عن هذه املدارس الفكرية وقاماهتا العلمية‪ ،‬وتعرفنا رؤيته عن املرشوع‬
‫التجديدي الذي بدأه ‪ ‬شا ًّبا مع جيل املؤسسني وأكمله مع جيل البناة‪.‬‬
‫‪12‬‬

‫إن جيل املؤسسني األوائل وجيل البناة كان زمن املفكرين العظام الذين رثاهم‬
‫الشيخ واحدخ ا واحدخ ا فأوىف قدرهم ومنجزهم‪ ،‬وربام مل يبق منهم أحدٌ لريثيه فيوفيه‬
‫ح ّقه‪..‬‬
‫نتحدث عن زمن املفكرين الذين صنعوا التاريخ اإلسالمي املعارص وال أقول‬
‫الشيعي فقط‪ ..‬زمن املؤسسني والبناة‪ :‬السيد حمسن احلكيم والشيخ كاشف الغطاء‬
‫والشيخ آغا بزرگ الطهراين والشيخ األميني والسيد اإلمام اخلميني والسيد اخلوئي‬
‫والشيخ املظفر والسيد التقي احلكيم والشهيد الصدر والشيخ زين الدين والشهيد‬
‫مطهري والشيخ مغنية والسيد القائد اخلامنئي والشيخ الوائيل والسيد فضل اهلل‬
‫والشيخ شمس الدين وشيخنا الفضيل وباقي كوكبة املفكرين الذين أحدثوا أهم‬
‫ثورة حضارية وفكرية وعلمية يف تاريخ مذهب أهل البيت ‪ A‬احلديث‪.‬‬
‫لقد تعلمت من والدي ‪ ‬أن احلضارة يصنعها الفكر والعمل‪ ،‬وأن احلركة‬
‫اإلسالمية ال بدَّ أن تقوم عىل نوعني من الرجال (وهو يرضب املثل دو خما بالنجف‬
‫األرشف؛ ألنه عاشها وهو ينطبق كذلك عىل قم املقدسة)‪ ..‬النوع األول هم‪:‬‬
‫املفكرون الذين ينظرون للحركة اإلسالمية يف مسارها الفكري والترشيعي وأسسها‬
‫ومقوماهتا احلضارية‪ ،‬والنوع الثاين من الرجال هم‪ :‬القادة امليدانيون الذين يقودون‬
‫األحزاب اإلسالمية يف امليدان العميل‪ ،‬ومثاله الذي يرويه لنا أهنم اتفقوا يف بداية‬
‫تأسيس حزب الدعوة اإلسالمي عىل احلاجة إىل هذين النوعني من الرجال لكي‬
‫تستمر احلركة‪ ،‬فكانت املجموعة األوىل‪ ،‬وهم مفكرو الثورة‪ :‬الشهيد الصدر وزين‬
‫الدين والفضيل وفضل اهلل وشمس الدين‪...‬وأقراهنم‪ ،‬واملجموعة الثانية وهم القادة‬
‫امليدانيون‪ ،‬فكانوا قادة الدعوة يف بغداد والبرصة وباقي مدن العراق من الشهيد‬
‫السبيتي والشهيد عز الدين سليم والشهيد عارف البرصي‪...‬وأقراهنم‪ ،‬الذين كانوا‬
‫يعملون حتت إرشاف السيد العسكري والسيد مهدي احلكيم والسيد حممد باقر‬
‫احلكيم ـ رضوان اهلل عليهم‪.‬‬
‫مرة وهي أن األحزاب اإلسالمية اليوم‬
‫رضبت هذا املثال ألقف أمام حقيقة ّ‬
‫‪13‬‬

‫متلك الرجال األكفاء من النوع الثاين‪ ،‬وهم قادة األحزاب‪ ،‬ولكن ـ ولألسف ـ‬
‫كثريا‪.‬‬
‫ينقصها املفكرون واملنظرون‪ ،‬وقد أغفلوا هذا اجلانب وبعدوا عنه خ‬
‫ولألسف‪ ،‬عادت حوزة النجف وحوزة قم إىل سابق عهدها قبل انطالق‬
‫الثورتني املباركتني يف إيران والعراق‪ ،‬وإن كانت حوزة قم بدأ فيها رجال محلوا راية‬
‫وخصوصا يف اجليل اجلديد‪.‬‬
‫الفكر‪،‬‬
‫خ‬
‫نعم‪ ،‬إننا نرثي اليوم مرحلة العرص الذهبي للنجف األرشف كام أسامها الشيخ‬
‫‪ .‬فلقد كانت اإلشعاع للحركة اإلسالمية يف العراق وخارجها‪ ،‬متد احلركات‬
‫اإلسالمية بالفكر والنظرية وتؤسس لدخول احلضارة اإلسالمية يف ميدان الرصاع‬
‫العاملي‪.‬‬
‫ولكن اآلية اليوم معكوسة‪ ،‬فأصبح القادة امليدانيون هم من يقودون نجف‬
‫احلضارة والفكر‪ ،‬نرجو وندعو اهلل القدير أن نشهد عودة رسيعة للنجف إىل دورها‬
‫فكرا إسالم ًّيا يصل إىل العامل أمجع‪.‬‬
‫القيادي الذي يطرح خ‬

‫‪ ‬أمثلة من دور الفضلي يف تأسيس الفكر السياسي اإلسالمي‬
‫وهنا‪ ،‬أشري إىل جانب مهم لدى الشيخ الفضيل مل يدرس بعد ومل يكتب عنه‬
‫ساب خقا ويف هذا الكتاب‪ ،‬لكي أضعه كمحور بحثي بني يدي الكتّاب والباحثني‪:‬‬
‫مع بدايات احلراك الفكري احلضاري يف النجف‪ ،‬حيث كانت كتابات الشهيد‬
‫الصدر كاقتصادنا وفلسفتنا وكتابات باقي الكوكبة التي أسست لتجديد الفكر وكان‬
‫هلا الدور يف انطالق احلضارة اإلسالمية‪ ،‬بدأت أوىل إسهامات الشيخ الفضيل ‪‬‬

‫الفكرية والتنظريية التي سامهت يف رسم خطى الطريق الرسايل للحركة اإلسالمية‪.‬‬
‫ومن هذه اإلسهامات ما كان يف الفكر السيايس اإلسالمي‪ ،‬وسأشري هنا إىل‬
‫ثالثة أمثلة‪ ،‬إشارة فقط؛ ألن استعراضها وحتليلها سيتطلب دراسة موسعة كام قلنا‪،‬‬
‫‪14‬‬

‫األول كتابه (يف انتظار اإلمام) الذي كان أول كتاب يف احلوزات الشيعية يطرح‬
‫النظرية السياسية يف احلكم اإلسالمي بمفهوم الدولة احلديث‪ ،‬والثاين مقاله (نحو‬
‫كتابة دستور إسالمي) الذي أوضح فيه كيف جيب أن تكون معامل الدستور يف الدولة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وذلك يف بدايات انطالق احلركة اإلسالمية كجزء من التنظري‬
‫ألطروحات يتبناها حزب الدعوة الذي كان يف بدايات التأسيس‪ ،‬واملثال األخري هو‬
‫مقاالته التنظريية يف الفكر السيايس اإلسالمي التي نرشت يف سلسلة يف جريدة عامل‬
‫اخلليج التي كانت تصدر يف لندن‪ ،‬والتي مجعناها يف كتاب (رأي يف السياسة)‪ ،‬وهو‬
‫أحد كتبه املهمة التي تفيد األحزاب واحلركات اإلسالمية يف اجلانب الفكري‪.‬‬
‫إن هذه األدوار يف حياة شيخنا الفضيل مل تدرس بعد‪ ،‬ويمكن دراستها مستقلة‬
‫أو ضمن قراءة موسعة للحركة النجفية وتطورها يف جوانبها الفكرية املختلفة‪.‬‬

‫‪ ‬مكانة الفضلي بني الداخل واخلارج‬
‫قبل اخلتام‪ ،‬نقدّ م كلمة عتاب لعوامل الفكر واملعرفة واألدب يف هذه البالد‬
‫العزيزة‪ .‬حيث قال األستاذ حسني بافقيه يف تغريدة له‪« :‬إذا افتخرت العراق‬
‫بمصطفى جواد يف اللغة‪ ،‬ومرص بعباس حسن يف اللغة والنحو‪ ،‬فيحق للسعودية أن‬
‫تفخر بابنها العالمة الدكتور عبد اهلادي الفضيل ‪ ‬يف النحو»‪.‬‬
‫وهي عبارة صادقة من رجل صادق وأمني يف كلمته وقاهلا من خالل معرفته‬
‫وقراءته للشيخ الفضيل كعامل كبري يف علوم اللغة وباألخص النحو‪ ،‬ويمكن التعرف‬
‫أكثر إىل اجتهادات الفضيل وتراثه العلمي املهم يف جماالت اللغة والنحو يف بحث السيد‬
‫حسن اخلليفة يف هذا الكتاب‪ ،‬وسريى القارئ الكريم مصدا خقا لعبارة األستاذ بافقيه‪.‬‬
‫لقد استوقفتني هذه العبارة‪ ،‬وكأن األستاذ بافقيه أثار فيها سؤاالخ استنكار ًّيا‪:‬‬
‫ملاذا مل تفخر هذه البالد بجهاهتا احلكومية واألدبية والتعليمية بالدكتور الفضيل ومل‬
‫كرمه وتقدّ ره بام هو أهل له يف عامل النحو واللغة‪ ،‬هذا إذا جتاوزنا كونه الفقيه‬
‫ت ّ‬
‫األصويل املتبحر يف علوم مذهب أهل البيت ‪ A‬للموقف الطائفي من ذلك‪.‬‬
‫‪15‬‬

‫بالطبع‪ ،‬التكريم للعلامء ال يزيدهم رفعة‪ ،‬ولكنها من شيم األمم املتحرضة أن‬
‫تقدّ ر علامئها‪..‬‬
‫م‬
‫العامل هو الذي‬
‫هل السبب أنه كان بعيدخ ا عن األضواء وال حيب الظهور‪ ،‬وهل‬
‫يبحث ويسعى للظهور‪ ،‬أم أن الدولة واملجتمع هم من يقدر العلامء ويرفعهم إىل‬
‫مكانتهم التي يستحقون وتفخر هبم كام قال األستاذ‪ ..‬ولكن يبدو أن ذات املوقف‬
‫الطائفي هو الذي منع من هذا وذاك‪ ،‬فمتى نخرج من هذا املنغلق الفكري‬
‫واالجتامعي ونعيد صياغة حالة الفكر األوحد إىل فكر متعدد نسمو به من واقعنا‬
‫املثقل بالتخلف الفكري واحلضاري؟!‬
‫مؤسسا ومن ّظ خرا‬
‫وكذلك يقع بعض اللوم عىل العراق التي كان دور الشيخ فيها‬
‫خ‬

‫وجماهدخ ا‪ ،‬ومن القادة األوائل للحركة اإلسالمية هناك‪ ،‬ومل نجدها أ ّبنته بالصورة التي‬
‫يستحقها‪..‬‬
‫وعىل النظري من ذلك‪ ،‬فإن اجلمهورية اإلسالمية تستحق منا كل الشكر‬
‫والتحية عىل تقديرها لسامحة الوالد ‪ ‬قبل وبعد الرحيل‪ .‬فقد كان مراجع التقليد‬
‫يف قم يكنون كل التقدير واالحرتام للشيخ الفضيل رغم عدم معرفتهم به‪ ،‬إال من‬
‫خالل كتبه وأبحاثه‪ ،‬وشهدنا رسائل شفهية عديدة من الشيخ اللنكراين ‪ ‬والشيخ‬

‫مكارم الشريازي والشيخ السبحاين والشيخ حمسن األراكي وغريهم نقلها بعض‬
‫الطلبة وبعض األخوة يف زياراهتم هلؤالء املراجع‪ ،‬وكذلك املرجع السيد القائد الذي‬
‫رأيناه بحق مع سامحة الوالد ومع باقي العلامء يعرف قدر العلامء ويتواضع أمامهم‬
‫إجالالخ‪ ،‬وال ننسى صورته املعربة عن هذا التواضع يف زيارته الشيخ ‪ ‬يف‬
‫املستشفى ورفعه ليده الرشيفة ووصفها بأهنا من األيادي العظيمة التي خدمت‬
‫اإلسالم بام قدمته من تراث وفكر عظيم‪ ،‬وهو الذي قال عن جمموعة من كتبه عندما‬
‫كثريا‪ .‬وقد حصل كتاب الشيخ املهم (دروس يف‬
‫ُأهديت إليه مرة أننا سنستفيد منها خ‬
‫أصول فقه اإلمامية ‪ )2/1‬عىل جائزة الفارايب وهي أعىل جائزة علمية يف إيران‪.‬‬
‫‪16‬‬

‫‪ ‬الواحتان يف طريق املجد املنشود‬
‫أخريا‪ ،‬فإن هذه املنطقة الرشقية العزيزة عىل قلب الشيخ الفضيل جدًّ ا‪ ،‬والتي‬
‫و خ‬

‫اكتسب حبها ومحل مهومها من والده ‪ ،‬ونظر إليها كوحدة اجتامعية وجمتمع‬
‫واحد مع احلفاظ عىل اخلصوصية يف االنتامء املحيل‪ ،‬فيكون للفرد يف نظرمها ‪‬‬

‫انتامء عام جيمع الواحتني وانتامء خاص للمكان املحيل‪ ،‬وكان ينادي لتحقيق هذه‬
‫الوحدة االجتامعية يف العاطفة ويف العمل‪.‬‬
‫ومىض عىل رسالته يف تقديم كل ما يملك من تعليم وتثقيف وتربية لشباهبا قبل‬
‫وبعد القدوم إليها‪ ،‬وأثمرت جهوده يف النقلة الثقافية املهمة التي أرادها وآتت بعض‬
‫أكلها وسارت يف طريقها املأمول‪ ،‬وتشكلت فيها أقالم واعدة وشباب مثقف يف كل‬
‫أنحاء املنطقة وواحاهتا‪ ..‬وما هذا الكتاب إال أحد الشواهد عىل هذه النقلة أو لنقل‬
‫الثورة الثقافية يف هذه املنطقة الغالية‪.‬‬
‫ومشكورا يف ذلك التشييع املهيب‬
‫وكان موقفها يف ر ّد اجلميل إليه مشهو خدا‬
‫خ‬
‫الذي حرضه معظم األهايل من علامء ووجهاء وشيو وشباب‪ ،‬وشاركت فيه‬
‫اللجان الثقافية من كل املدن والقرى‪ ،‬وما أفاض فيه خطباء اجلمعة واملنرب احلسيني‬
‫يف تأبني الشيخ‪ ،‬فجزى اهلل تعاىل اجلميع عنه وعنا أحسن اجلزاء يف الدنيا واآلخرة‪.‬‬
‫ونتمنى أن يستمر احلراك الثقايف والوعي الذي أسس له الشيخ الفضيل ‪‬‬

‫لكي يرى وهو يف املأل األعىل منطقته احلبيبة تتقدم يف خطى حثيثة نحو املجد‬
‫والرقي‪.‬‬
‫وأهم من ذلك أن تتوحد املنطقة كام كان يريدها الشيخ بشخصيته اجلامعة‪.‬‬

‫‪ ‬وكلمة رثاء يف اخلتام‬
‫لقد فقدنا يا والدي صوتك احلنون وصورتك املالئكية وجالل األولياء الذي‬
‫‪17‬‬

‫كنا نشعر بقداسته كلام جلسنا يف حرضتك‪.‬‬
‫وما أروع أبياتك املعربة يف رثاء والدك ‪ ‬وأنت تقف عىل قربه يف بقيع‬
‫الغرقد‪ ،‬وما أمجل أن نرثيك هبا فهي حتكي ما نشعر به اليوم من أمل الفراق (يا أيب‬
‫ُ‬
‫صعب عظيم)‪ ،‬وتصف بأبلغ تعبري ما يصيبنا من شجون القلب ودموع‬
‫والفراق‬
‫ٌ‬
‫العني كلام وقفنا عىل قربك الرشيف‪:‬‬
‫جئت أبكيـك مل أجـد مـن دمـوعي‬
‫فنثــرت الفــؤاد عـنـــدك حـزنـــخا‬
‫ُ‬
‫كيـــف أســـلوك والســـلو عديــــم‬
‫ــب واحلنـــان و ـــ خ‬
‫ال‬
‫كنـــت يل احلـ ّ‬
‫مــات يف ثغــري النشــيد وغابــت‬
‫وعـزائـــــي أنــــي غــــدخ ا ســــأوا‬

‫مــا يوف ــى بـــه املصــاب األليـــ ُم‬
‫فــإذا دمعتـــي الـــد ُم املسجـــو ُم‬
‫ُ‬
‫عظــيم‬
‫صــعب‬
‫والفــراق‬
‫يــا أيب‬
‫ٌ‬
‫ُ‬

‫رحـــيم‬
‫وارف الفـــيء والفـــؤاد‬
‫ُ‬
‫احلـــب فاحليـــاة كلـــو ُم‬
‫نفحــــة‬
‫ا‬
‫فيــك وألقــاك واحليـــاة نـعـيـــ ُم‬

‫رمحك اهلل تعاىل يا أبتاه‪ ..‬وأثابك عىل صنيعك الكبري وتراثك الغني وسريتك‬
‫ونعيام يف دارك األخرى التي رحلت إليها‪.‬‬
‫احلسنة التي تركتها يف هذه الدار‪ ،‬خلو خدا‬
‫خ‬
‫وسالم عىل روحك الطاهرة التي رجعت إىل رهبا راضية مرضية‪.‬‬
‫فؤاد عبد اهلادي الفضيل‬
‫‪4131 /7 /1‬ﻫ ‪1043 /5 /43 :‬م‬

‫‪11‬‬

‫القسم األول‬

‫كلمات التعازي وشواهد العزاء‬
‫‬‫‬‫‬‫‬‫‪-‬‬

‫بيان أبناء الفقيد‬
‫من بيانات املراجع وعلامء الدين‬
‫من الربقيات احلكومية‬
‫من بيانات املراكز واملجامع العلمية واإلعالمية‬
‫شواﻫد مما كتب عن جمالس العزاء وخطب اجلمعة‬

‫‪19‬‬

‫بيان أبناء الفقيد‬

‫‪‬‬

‫ﭑ ﭒﭓﭔ‬
‫﴿ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ‬
‫ﭮ ﭯ ﭰ﴾‬
‫ــم‬
‫مـــاذا سـ‬
‫ُ‬
‫ــيكتب يف تأبيـــ َك القلـ ُ‬
‫ُ‬
‫لظـى‬
‫يسـتحيل‬
‫اجلرح مناـي‬
‫وها هو‬
‫ُ‬
‫خ‬
‫يــا راحـ خ‬
‫جملسـ ُه‬
‫ال كــم زهـا بــالعل مم ُ‬
‫هلل در َك مـــا أسمــــ َ‬
‫اك ممـــن َع َلـــ ٍم‬

‫ـؤادي أضــحى حيفـ ُـر األل ــ ُم‬
‫ويف فـ َ‬
‫م‬
‫م‬
‫مـنحطم‬
‫الصرب‬
‫املصاب ورك ُن‬
‫من‬
‫ُ‬
‫م‬
‫م‬
‫ـم‬
‫السـ َ‬
‫ـنني ُ َ‬
‫جي ـ ايل ُحس ـنَه الكَلـ ُ‬
‫ـرب ا‬
‫عـ َ‬
‫(‪)1‬‬
‫كنت ُحتتَــ َر ُم‬
‫للعل مم‬
‫عشت وفيـه َ‬
‫َ‬

‫السالم عليكم ورمحة اهلل وبركاته‬
‫ببالغ احلزن واألسى ووقع األمل وصدى اجلراح‪ ،‬ننعى فقيدنا الغايل سامحة‬
‫الوالد العالمة الدكتور عبد اهلادي الفضيل قدس اهلل تعاىل روحه الزكية وتقبله بقبوله‬
‫احلسن مع أوليائه حممد ‪ K‬وآله الطاهرين‪.‬‬
‫(‪ )1‬األبيات من قصيدة للشيخ جعفر اهلاليل يف رثاء الشيخ املريزا حمسن الفضيل ‪ ‬والد الشيخ‪،‬‬
‫واقتبسنا منها هذه األبيات؛ ألهنا حتكي صورة األب واالبن م خعا‪ .‬وقد ورث الشيخ الفضيل عن‬
‫والده حب العلم واإليامن والكثري من اخلصال والسلوك‪ ،‬رمحهام اهلل تعاىل برمحته ورضوانه‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫(عز َّ‬
‫وجل) ليختتم‬
‫﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‪ ،‬إهنا الساعة التي اختارها اهلل َّ‬
‫هذا الرجل العظيم حياته الزاخرة بالعلم واجلهاد‪ ،‬بعد أن عاش مراحلها يف عطاء‬
‫دائم وإرشاقات متواصلة مل يتوقف حلظة يف مسريته العلمية والعملية التي رسمها‬
‫وأتقن العمل يف إنجازها وحتقيق مشاريعه واحدخ ا تلو اآلخر‪.‬‬
‫كان يف مرحلته النجفية أستا خذا ورائدخ ا من رواد اجليل النجفي يف عرصه الذهبي‬
‫شارك يف بناء النهضة احلضارية النجفية بقلمه املبارك مع أساتذته املظفر والتقي‬
‫احلكيم وتنظريه وجهاده مع أستاذه الشهيد الصدر والكوكبة املؤمنة العاملة من‬
‫رفاقه‪ ،‬وكأن القدر أراد أن حيكي لنا عمق عالقته بأستاذه الشهيد الصدر فكان رحيله‬
‫يف يوم ذكراه ـ قدس اهلل نفسيهام ومجعهام عنده يف األبرار والصاحلني‪.‬‬
‫وواصل بعد خروجه من العراق دوره التعليمي والرتبوي والرسايل يف‬
‫اجلامعات واملجتمعات التي سكنها فكان دوره الكبري يف تربية جيل مثقف ورعاية‬
‫أقالم واعدة عرب الدرس األكاديمي واملحارضات والندوات وجملسه اليومي املبارك‬
‫(دارة الغريني)‪ ،‬ويدل هذا االسم عىل عمق عالقته الروحية بالنجف األرشف‪.‬‬
‫وأهم إنجاز يف مسريته املباركة كان مرشوعه يف جتديد مناهج الدرس يف العلوم‬
‫الرشعية وعلوم اللغة العربية‪ ،‬والذي استمر يف إكامله خطوة خطوة يف كل مراحل‬
‫حياته حتى أمتها (موسوع خة جامع خة) يف ست جمموعات (جمموعة أصول الفقه‬
‫وجمموعة املعارف العقلية وجمموعة علوم القرآن واحلديث واملجموعة الفقهية‬
‫وجمموعة علوم اللغة العربية وجمموعة املعارف العامة)‪ ،‬إضافة ملؤلفات وبحوث‬
‫وتراجم يف جماالت فكرية متعددة‪.‬‬
‫مل يكن سامحة الشيخ ـ رضوان اهلل عليه ـ حيب الظهور واألضواء مقتد خيا‬
‫بتواضع والده ‪ ‬فعاش يف الظل يقرأ ويكتب و ُيع ّلم ويعمل يف سكون‪ ،‬ولعله أراد‬
‫أن يعطي الدرس العميل لإليامن والتواضع الذي يبتعد دو خما عن زخرف احلياة‬
‫وزبدها وهيتم بام ينفع الناس من فكر وعطاء‪.‬‬
‫‪22‬‬

‫نودعك اليوم يا أبتاه‪ ...‬بعد أن مألت دنيانا بروحك الطاهرة وفكرك املنري‬
‫وقامتك الشاخمة التي يشعر ويفخر هبا كل من انتسب إليها نس خبا طبيع ًّيا أو نس خبا‬
‫معنو ًّيا‪ ،‬فكل تالميذك اليوم افتقدوا فيك األب املريب والعامل األستاذ‪ ،‬وكل‬
‫املجتمعات التي عشت فيها يف البرصة والنجف األرشف وجدة ومثلث البحرين‬
‫احلضاري تعتربك من رجاالهتا وقادهتا‪ ،‬وكل احلوزات واملعاهد العلمية واجلامعات‬
‫األكاديمية يف العامل اإلسالمي تنعاك اليوم وتدعو لك بالغفران والرمحة‪.‬‬
‫فباسم كل هؤالء وباسمنا نرفع أيدينا بالدعاء هلل سبحانه وتعاىل أن يتغمد‬
‫روحك الطاهرة بواسع رمحته ونبتهل إليه تعاىل أن حيرشها مع حممد وآله األطهار‬
‫وأن يلهمنا وكل إخواننا املؤمنني الصرب والسلوان‪.‬‬
‫لقد فقدت األمة اإلسالمية اليوم رج خ‬
‫ال من رجاالت الفقه وعلومه ورجاالت‬
‫العربية وآداهبا ورجاالت احلكمة ومعارفها‪ ،‬أفنى حياته يف خدمة الفكر واملبدأ‪،‬‬
‫وبكل ما لديه من طاقة‪ ،‬حتى خرج من هذه الدنيا راض خيا مرض ًّيا‪ ،‬ألنه قدّ م بني يديه‬
‫يف عامله اآلخر الذي ذهب إليه هذه السرية العطرة‪ ،‬وخ ّلف وراءه يف عاملنا هذا هذه‬
‫الذكرى احلسنة‪.‬‬
‫فسال ٌم عليه يف هذه‪ ،‬ويف تلك‪ ،‬و﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‪.‬‬
‫أبناء الفقيد العالمة الدكتور عبد اهلادي الفضيل‬
‫‪ 12‬مجادى األوىل ‪4131‬ﻫ ‪ 9 :‬أبريل ‪1043‬م‬

‫‪23‬‬

‫أولً‬

‫من بيانات املراجع وعلماء‬
‫الدين‬

‫‪25‬‬

‫بيان اإلمام السيد علي اخلامنيي‬

‫;‬

‫﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‬
‫تلقيت ببالغ احلزن واألسى نبأ رحيل العالمة آية اهلل الدكتور عبد اهلادي‬
‫الفضيل إىل جوار ربه‪.‬‬
‫لقد قىض العالمة الفقيد عمره الرشيف يف اجلهاد العلمي والسيايس والدفاع‬
‫عن مقدسات األمة اإلسالمية وقضاياها العادلة‪.‬‬
‫كان الفقيد من رواد الفكر واملنظرين االسالميني البارزين وخري دليل عىل‬
‫ذلك ما نجده يف مؤلفاته وآثاره اجلليلة‪.‬‬
‫كان ‪ ‬مال خذا لعلامء األمة حيث جسد بفكره وحركته وجهاده وجهوده‬

‫الوحدوية قدوة لتأليف القلوب وتوحيد الصف اإلسالمي ومل ّ الشمل ونبذ‬
‫اخلالفات وتوجيه األنظار واألفكار نحو العدو املشرتك ألبناء أمتنا اإلسالمية‬
‫العظيمة‪.‬‬
‫كام قدم الفقيد الراحل من خالل صربه عىل االبتالء اإلهلي يف أواخر حياته‬
‫‪27‬‬

‫تصويرا ومثاالخ رائ خعا لإلنسان املؤمن‬
‫حيث أمل به املرض وكبده الكثري من العناء‬
‫خ‬
‫الصابر الشاكر املحتسب املتوكل عىل اهلل العيل القدير‪.‬‬
‫إنني هبذه املناسبة األليمة إذ أتقدم بأحر التعازي ألعضاء أرسته الكريمة‬
‫ورفاق دربه وتالمذته وحمبيه وال سيام لعلامء أمتنا اإلسالمية واحلوزات العلمية‬
‫الدينية‪ ،‬أسال اهلل أن يتغمده برمحته الواسعة ويسكنه فسيح جنانه ويدخله يف سعة‬
‫رضوانه ويلهم ذويه وحمبيه الصرب والسلوان‪ ،‬كام أسال اهلل جل وعال أن يمن عىل‬
‫فكرا‬
‫مجيع علامئنا األخيار بوفور الصحة ودوام التوفيق واالقتداء بفقيدنا السعيد خ‬
‫وسلو خكا وجها خدا و﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‪.‬‬
‫السيد عيل احلسيني اخلامنئي‬
‫بتاريخ‪ :‬ثامنية وعرشين من مجادي األوىل من عام ألف وأربع مئة وأربعة وثالثني‬

‫‪21‬‬

‫بيان الشيخ ناصر مكارم الشريازي‬

‫لقد أوجب شديد تأثرنا وتأسفنا الفقدان املؤمل للعامل الرباين املرحوم آية اهلل‬
‫الشيخ عبد اهلادي الفضيل ‪.‬‬
‫إن هذا العامل البارز قدم خدمات كثرية للدين اإلسالمي ومدرسة أهل البيت‬
‫آثارا مفيدة ووافرة‪ ،‬كام كان فعاالخ باألخص يف طريق الوحدة‬
‫‪ ،A‬وقد خ ّلف خ‬

‫اإلسالمية‪.‬‬

‫إننا نأمل من األخوة العلامء األعزاء يف األحساء والقطيف وسائر املناطق أن‬
‫يواصلوا هنجه ‪.‬‬
‫وإننا إذ نعزي يف هذه املصيبة مجيع العلامء املحرتمني يف السعودية وعائلته‬
‫الكريمة نسأل اهلل تعاىل الرسور لروح ذلك العامل اخلدوم‪ ،‬والصرب واألجر العظيم‬
‫لذوي الفقيد السعيد‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫بيان السيد حممود اهلامشي‬

‫بمزيد من األسى نبأ رحيل العامل اجلليل والعالّمة الفقيد الشيخ الدكتور عبد‬
‫بحق من خرية علامئنا العاملني‬
‫اهلادي الفضيل ـ رمحه اهلل تعاىل‪ .‬والذي كان ّ‬
‫واملجاهدين‪ ،‬والذي رصف عمره الرشيف واملبارك يف خدمة اإلسالم واملسلمني‪،‬‬
‫ونرش الوعي والفكر اإلسالمي‪ ،‬ورفد احلوزات العلمية واجلامعات الدينية بالكتب‬
‫الدراسية املفيدة واملثمرة‪.‬‬
‫وخاصة علامء املنطقة‬
‫ونتقدّ م إىل أرسة الفيد العزيز وطلبة احلوزات العلمية‪،‬‬
‫ّ‬
‫الرشقية بوافر العزاء واملواساة‪.‬‬
‫حيب‬
‫يتغمد فقيدنا الكبري برمحته الواسعة‪ ،‬وأن حيرشه مع من ّ‬
‫نسأل اهلل تعاىل أن ّ‬
‫ّ‬
‫ويتوىل حممد وآله الطاهرين‪.‬‬
‫السيد حممود اهلاشمي ‪ /17‬مجادى األول‪4131 /‬ﻫ‬

‫‪30‬‬

‫بيان الشيخ جعفر السبحاين‬

‫;‬

‫﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‬
‫تل ّقينا ببالغ احلزن واألمل نبأ رحيل العامل اجلليل واملحقق الكبري الشيخ عبد‬
‫آثارا‬
‫كرس حياته خلدمة الفقه والتاريخ واألدب‪ ،‬وترك خ‬
‫اهلادي الفضيل ‪ ،‬الذي ّ‬

‫ق ّيمة خالدة يف حقول خمتلفة‪.‬‬

‫أتم دراساته العالية يف اجلامعة الدينية الكربى للشيعة يف‬
‫وفقيدنا الغايل منذ أن ّ‬

‫النجف األرشف‪ ،‬انتقل إىل وطنه‪ ،‬فخدم العلم والنشء اجلديد بقلمه وبيانه‪ ،‬وبذلك‬
‫زرع يف قلوب املؤمنني مكانة سامية‪.‬‬
‫نعزي إمام العرص والزمان‪ ،‬وعلامء اإلسالم‪ ،‬الس ّيام يف املنطقة‬
‫وها نحن ّ‬
‫الرشقية وأرسة الراحل وأبنائه وحم ّبيه‪ .‬نسأل اهلل تعاىل له أن حيرشه مع من توالّه من‬
‫النبي األكرم ‪ K‬واألئمة األطهار ‪ ،A‬وأن يم ّن عىل أهله وذويه بالصرب والسلوان‪.‬‬
‫جعفر السبحاين‬
‫قم املقدّ سة ـ احلوزة العلمية‬
‫‪ 12‬مجادى األوىل ‪4131‬ﻫ‬

‫‪31‬‬

‫بيان أمني عام العتبة العلوية املقدسة‬

‫احلمد هلل وال حول وال قوة إال به‪ ،‬وإنا له وإليه راجعون وصالته وسالمه عىل‬
‫سادة أوليائه وهداة أصفيائه حممد وآله الطاهرين‪.‬‬
‫علام من أعالم األمة ومرب ًّيا من مربيها النجباء‪ ..‬إنه‬
‫يف هذه األيام احلزينة نفقد خ‬

‫فقيد العلم واألدب سامحة العالمة األستاذ الدكتور الشيخ عبد اهلادي الفضيل ‪.‬‬

‫كان املريب اإليامين اخلبري الذي انطلق يف تربيته لألجيال احلوزوية من خالل ما‬
‫حيتاجه اخلط احلوزوي من علوم لريسم املناهج التي ال غنى عنها يف هذا اخلط‬
‫القويم‪.‬‬
‫وانطلق يف تربيته لألجيال اإليامنية املثقفة مما تفتقر إليه هذه الثقافة من أصول‬
‫ثقافية رائدة‪.‬‬
‫وانطلق يف تربيته لألجيال األدبية مما هييئ هلا انضواءها يف غاياهتا لتنال بغيها يف‬
‫هذه املجاالت ومن معينها الصايف‪...‬‬
‫ليبقى تراثه خالدخ ا معطاء ال يف األجيال احلارضة وإنام إىل عديد من العصور‪.‬‬
‫وكان املريب اإليامين اخلبري الذي استكمل كلمته املربية بسلوكه األخالقي‬
‫واإليامين القويم ليكون املعلم وليكون النرباس وليكون العلم الرفيع الذي تتطلع‬
‫العقول واألنفس إىل االهتداء به كام تتطلع اآلذان إىل استامع كلمته واألعني إىل قراءة‬
‫تراثه‪.‬‬
‫‪32‬‬

‫وكان املريب اخلبري الذي مجع إىل تربية األفراد من طلبته ومريديه تربية جمتمعات‬
‫رأت فيام قال وفيام كتب وفيام فعل غناء حاجاهتا من العلم ومن اهلدى ومن األسوة‬
‫ما طبعها بطابعه اخلاص ابنخا خ‬
‫وأخا وأ خبا ولعديد من العقود ويف عديد من البلدان بل‬
‫وليصبح غطاؤه فيها ركنخا يسمها للعديد من األجيال وهي تستهدي به يف طريق اهلل‬
‫القويم‪.‬‬
‫فرمحك اهلل أهيا األستاذ واألديب واملريب اخلالد وحرشك مع ساداتك الكرام‬
‫حممد وآله العظام‪ ،‬و﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‪.‬‬
‫ضياء الدين زين الدين‬

‫‪33‬‬

‫الشيخ عيسى أمحد قاسم البحراين‬

‫;‬

‫األفاضل عائلة سامحة آية اهلل الدكتور عبد اهلادي الفضيل‬

‫املحرتمني‬

‫السالم عليكم ورمحة اهلل وبركاته‬
‫ببالغ احلزن واألسى تلقينا نبأ مصابكم اجللل بوفاة والدكم اجلليل‪ ،‬وكم كان‬
‫نعزيكم عن قرب إالّ أن الظروف كام تعلمون ال تسمح لنا بذلك‪.‬‬
‫بو ّدنا أن ّ‬
‫وأنتم نعم البقية ونعم اخللف‪.‬‬
‫رمحه اهلل رمحة األبرار‪ ،‬وأسكنه فسيح اجلنان‪ ،‬وحرشه يف زمرة ساداته حممد‬
‫وآله األطهار‪ ،‬وأهلمكم وذويه الصرب والسلوان‪.‬‬
‫﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‬
‫الثنني ‪ 17‬مجادى األوىل ‪4131‬ﻫ‬
‫‪ 2‬أبريل ‪1043‬م‬

‫‪34‬‬

‫بيان املجلس اإلسالمي العلمائي بالبحرين‬

‫قامة شاخمة‪ ..‬وخسارة فادحة‬
‫ببالغ احلزن واألسى‪ ،‬تلقينا نبأ رحيل العامل الرباين واملفكر الكبري العالمة‬
‫املحقق آية اهلل الشيخ الدكتور عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬الذي يمثل فقده ثلمة كبرية يف‬
‫اإلسالم‪ ،‬وخسارة فادحة؛ ملما لسامحته من جهود كبرية يف خدمة الدين ونرش املعارف‬
‫اإلسالمية وتربية نخبة من العلامء واملفكرين‪ ،‬عرب الكثري من حلقات الدرس‬
‫واملؤلفات العلمية الرصينة والفكرية األصيلة‪ ،‬التي أثرت املكتبة اإلسالمية‪.‬‬
‫مه مه خدمة اإلسالم‬
‫وكان سامحة الفقيد مثال العامل الرباين الذي كان كل ا‬
‫وعزته‪ ،‬ونرصة العقيدة‪ ،‬من خالل منهج إسالمي رائد‪ ،‬يعتمد االعتدال والعقالئية‬
‫ّ‬
‫رمزا من‬
‫واملواءمة بني األصالة والتجديد يف طرح اإلسالم ورؤاه وأفكاره‪ ،‬كام كان خ‬
‫رموز الوحدة اإلسالمية والتقريب بني املذاهب‪ ،‬وداعية إىل التسامح والتعايش بني‬
‫املسلمني بشتى مذاهبهم‪ ،‬عرب مواقفه التقريبية وفكره الوحدوي‪.‬‬
‫وهبذا املصاب األليم نرفع التعازي ملقام موالنا صاحب العرص والزمان (عجل‬
‫اهلل فرجه الرشيف) وللمرجع ية الدينية وعلامء اإلسالم وعائلة الفقيد وعموم العلامء‬
‫األجالء واملؤمنني يف السعودية وأبناء األمة اإلسالمية‪ ،‬وندعو اهلل تعاىل أن يتغمد‬
‫الراحل بواسع رمحته ويسكنه فسيح جنّته‪ ،‬ويلهم أهله وذويه وحمبيه الصرب والسلوان‪.‬‬
‫‪35‬‬

‫يعوض األمة اإلسالمية علام َء ربانيني ورجاالخ خملصني‬
‫كام نسأل اهلل تعاىل أن ّ‬

‫النري الذي سلكه سامحته وبذل مهجته وعمره الرشيف يف السري‬
‫يواصلون الدرب ّ‬
‫عليه خدمة للدين احلنيف‪.‬‬

‫﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‬
‫املجلس اإلسالمي العلامئي ‪ -‬البحرين‬
‫‪ 12‬مجادى األوىل ‪ 4131‬ﻫ ‪ 2 :‬أبريل ‪1043‬‬

‫‪36‬‬

‫بيان السيد علي فضل اهلل‬

‫اإلسالمي بوفاة سامحة الشيخ عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬عا خملا إسالم ًّيا‬
‫لقد فقد العامل‬
‫ّ‬
‫وفقيها جمدا خدا‪ ،‬أثرى املكتبة اإلسالم ّية باملؤ ّلفات واألبحاث الفقه ّية والفكر ّية‬
‫كبريا‪،‬‬
‫خ‬
‫خ‬

‫واألدب ّية‪ ،‬وكان من الشخص ّيات اإلسالم ّية الوحدو ّية ا ّلتي عملت بصدق للوحدة‬
‫سالمي أن يعيش هذه الوحدة يف مواجهة ّ‬
‫كل‬
‫اإلسالم ّية‪ ،‬وأرادت للمجتمع اإل‬
‫ّ‬

‫أولئك ا ّلذين أرادوا اإليقاع بني املسلمني السنّة ّ‬
‫والشيعة‪ ،‬وكان من األوائل ا ّلذين‬
‫ٍ‬
‫لرؤية علم ّية جديدة‪،‬‬
‫رأوا مرجع ّية سامحة الس ّيد حممد حسني فضل اهلل ‪ ‬منطل خقا‬

‫مي ومحايته‪ ،‬وتقديم صورة إسالمية مرشقة للعرص‪.‬‬
‫وأساسا لصون الواقع اإلسال ّ‬
‫خ‬

‫لقد شكّل رحيل هذا م‬
‫العامل الكبري خسارة كربى ملسرية العلم والعلامء‪ ،‬وثلمة ال‬

‫يتغمده بواسع رمحته‪ ،‬ويسكنه الفسيح من جنّاته‪،‬‬
‫تسدّ ‪ .‬وإننّا إذ نسأل املوىل تعاىل أن ّ‬

‫وعزهتا‬
‫يعوض هذه األ ّمة بأمثاله‪ ،‬وبالعلامء العاملني لوحدة األ ّمة ّ‬
‫نبتهل إليه تعاىل أن ّ‬

‫سميع جميب‪.‬‬
‫وكرامتها ومنعتها‪ ،‬إنّه‬
‫ٌ‬

‫﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‬
‫السيد عيل فضل اهلل‬

‫‪37‬‬

‫بيان احلوزة العلمية باألحساء‬

‫﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‬
‫بمزيد من احلزن واألسى تنعى احلوزة العلمية باألحساء فقيدها الراحل سامحة‬
‫آية اهلل الشيخ عبد اهلادي الفضيل طيب اهلل ثراه‪ ،‬الذي قىض عمره الرشيف يف بيان‬
‫ونرش معارف آل حممد صلوات اهلل عليهم أمجعني وخدمة رشيعة سيد املرسلني ص‬
‫وهبذه املناسبة األليمة ترفع أحر التعازي وفائق املواساة إىل مقام بقية اهلل احلجة بن‬
‫احلسن عج واملراجع العظام ومنسويب احلوزات العلمية وأرسة الفقيد واملؤمنني كافة‪.‬‬
‫وتفيد املؤمنني أنه سيشيع جثامنه الطاهر عرص يوم غد الثالثاء املوافق ‪/5 /21‬‬

‫‪1434‬ه من مسجد االمام الكا م ‪ C‬بالقرب من مجعية سيهات اخلريية‪.‬‬
‫كام تعلن عن إقامة جملس العزاء عىل روحه الرشيفة يف مقر احلوزة العلمية‬
‫عرصا ولي خ‬
‫ال ابتدا خء‬
‫باألحساء الواقعة بحي النزهة شامل املربز وذلك ملدة ثالثة أيام‬
‫خ‬

‫من يوم األربعاء ‪1434/5/29‬ه اىل هناية يوم اجلمعة ‪1434/6/1‬ه‪.‬‬

‫وتدعو عموم العلامء واملؤمنني للمشاركة يف عزاء هذا املصاب اجللل سائلة اهلل‬
‫العيل القدير أن يتغمد فقيدها السعيد برمحته ويسكنه فسيح جنته وحيرشه مع حممد‬

‫وآله الطاهرين‪.‬‬
‫احلوزة العلمية باألحساء‪1434/5/27 ،‬ه‬
‫‪31‬‬

‫علماء القطيف واألحساء يعزون برحيل العالمة‬
‫الفضلي‬

‫جريدة البيان العراقية ـ ‪ 40‬أبريل ‪1043‬م‬
‫أغنى الشيخ الدكتور الفضيل بمؤلفاته وتصانيفه القيمة التي جتاوزت املائة‬
‫ونظرا ملا تتميز به مؤلفاته من منهجية علمية‪،‬‬
‫كتاب املكتبة العربية واإلسالمية‪،‬‬
‫خ‬
‫وأسلوب عرصي؛ فقد أصبح بعضها يدرس يف احلوزات العلمية واجلامعات‬
‫األكاديمية‪.‬‬
‫نعى العديد من الفاعليات الشيعية يف حمافظتي القطيف واألحساء رشقي‬
‫السعودية رحيل (العالمة آية اهلل الشيخ عبد اهلادي الفضيل)‪ ،‬أبرز رجال الدين‬
‫الشيعة يف املنطقة الرشقية والذي وافاه األجل بعد رصاع طويل مع املرض‪.‬‬
‫ووصف الشيخ حسن الصفار يف بيان رحيل العالمة الفضيل بـ «العامل الرباين‪،‬‬
‫والفقيه املجدد‪ ،‬واملفكر الرسايل‪ ،‬الذي تربى عىل يديه‪ ،‬وعرب مناهجه الدراسية‬
‫العلمية‪ ،‬جيل من العلامء البارزين‪ ،‬واملثقفني الرساليني‪ ،‬ورفد احلوزات العلمية‬
‫ببحوثه وطروحاته التجديدية‪ ،‬وأثرى الساحة بعطائه الفكري األصيل»‪.‬‬
‫ونعى الشيخ فوزي السيف رحيل الشيخ الفضيل «بعد عمر قضاه يف العمل‬

‫‪39‬‬

‫الديني واإلسالمي‪ ،‬وبعد حياة مليئة باإلنتاج العلمي واملنهجي»‪ .‬وقال الشيخ‬
‫السيف «يعترب املرحوم الشيخ الفضيل رضوان اهلل عليه من الرعيل األول من قادة‬
‫احلركة االسالمية املعارصة‪ ،‬ومن رواد الدعوة إىل االصالح عىل خمتلف املستويات»‪.‬‬
‫مهام من‬
‫وأضاف «بد خءا من احلوزة العلمية ومناهج التدريس فيها حيث أنتج عد خدا خ‬
‫وأيضا يف العمل الثقايف حيث كانت دراساته‬
‫الدراسات املنهجية للسطوح املختلفة‪ ،‬خ‬

‫وكتبه تعد من األساسيات للتثقيف الديني يف املجاميع الشبابية باإلضافة إىل دوره‬
‫االجتامعي يف التبليغ وإلقاء املحارضات النافعة»‪.‬‬
‫م‬
‫م‬
‫العام َل‬
‫ونعى السيد حسن النمر املوسوي الراحل الفضيل ووصفه بـ «العامل َ‬
‫َ‬
‫املبدع»‪.‬‬
‫والكاتب‬
‫الكبري‬
‫ملفكر‬
‫واألب‬
‫والراعي الكفو َء‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫احلنون؛ والفقي َه املوسوعي وا َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫م‬
‫للقريب‬
‫زاخر بالعطاء‬
‫عمر مديد‬
‫وأشاد السيد املوسوي بجهود الراحل «بعد‬
‫م‬
‫م‬
‫م‬
‫مسرية ٍ‬
‫م‬
‫خري شهد هلا ُ‬
‫الفضل واإلحسان»‪ .‬وتابع «وإننا إذ نستقبل‬
‫أهل‬
‫والبعيد‪ ،‬وبعد‬
‫َ‬
‫الراحل‬
‫هذا القضا َء‬
‫الرباين بالتسلي مم والرضا فإننا ندعو اهللَ تعاىل أن جيز َي الفقيدَ‬
‫َّ‬
‫م‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫م‬
‫م‬
‫جليلة كانت؛ وستظل بإذن اهللم‪،‬‬
‫خدمات‬
‫سبيل اهللم؛ ممن‬
‫اجلزاء عىل ما قدَّ م يف‬
‫بأحسن‬
‫م‬
‫م‬
‫م‬
‫م‬
‫َ‬
‫واالستقامة»‪.‬‬
‫الكرامة‬
‫طريق‬
‫والساعني يف‬
‫لطالب العل مم‬
‫الدرب‬
‫مشاعل وضاء خة تنري‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ونعى الشيخ الدكتور عبد اهلل اليوسف يف بيان صادر عن مكتبه‪ ،‬رحيل العالمة‬
‫الفضيل «بعد حياة مليئة بالعلم والعمل‪ ،‬والعطاء واإلنتاج العلمي والفكري واألديب‬
‫املتميز»‪ .‬وأضاف «إن الساحة الدينية والعلمية قد خرست بفقده قامة علمية متميزة‪،‬‬
‫مستنريا مأل الدنيا بعطائه العلمي‪،‬‬
‫ومفكرا‬
‫ورائدخ ا من رواد اإلصالح والتجديد‪،‬‬
‫خ‬
‫خ‬
‫وفكره املتجدد‪ ،‬ومؤلفاته القيمة‪ ،‬ومصنفاته املتميزة؛ وهذا ما سيجعله خملدخ ا عىل مر‬
‫األيام والسنني»‪ .‬وذكر بيان الشيخ اليوسف «أغنى الشيخ الدكتور الفضيل بمؤلفاته‬
‫ونظرا ملا تتميز‬
‫وتصانيفه القيمة التي جتاوزت املائة كتاب املكتبة العربية واإلسالمية‪،‬‬
‫خ‬

‫به مؤلفاته من منهجية علمية‪ ،‬وأسلوب عرصي؛ فقد أصبح بعضها يدرس يف‬

‫احلوزات العلمية واجلامعات األكاديمية»‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫ٍ‬
‫مسرية حافلة‬
‫كام نعى الشيخ فيصل العوامي يف بيان رحيل الشيخ الفضيل «بعد‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫وأداء متميز يف تثقيف األمة ودعوهتا لعلوم آل حممد»‪ .‬ووصفه أنه‬
‫وكفاح طويل‪،‬‬
‫«مفخر ٌة من مفاخر هجر احلارضة التي قدّ مت إىل العلم واملعرفة رجاالخ خدموا‬
‫ٍ‬
‫وعطاءات هامة»‪ .‬مقد خما تعازيه لعائلة الفقيد‪.‬‬
‫املسرية اإلسالمية بإنجازات‬
‫ووصف الشيخ حممد املدلوح «رحيل هذا العامل الكبري ذائع الصيت يف‬
‫احلوزات العلمية ببحوثه القيمة ومؤلفاته العديدة والتي أسهمت يف تبسيط بعض‬
‫املواد ككتايب مبادئ األصول وخالصة املنطق وغريمها من الكتب واآلثار العلمية‬
‫خلسارة كبرية جدخ ا»‪.‬‬
‫ونعت حوزة (دار العلم) بالقطيف الفقيد الذي اعتربته يف بيان هلا بأنه «كان‬
‫رمزا من رموز العلم والعمل واجلهاد»‪ .‬وأضاف بيان احلوزة «لقد مأل بعلمه اجلم‬
‫خ‬
‫الساحة العلم ّية؛‬
‫املكتبة الفقه ّية واألصول ّية والفكرية اإلسالمية بالكثري ممّا ُيغني ّ‬
‫ومأل بجهاده الروح الرسالية املخلصة‪ ،‬ومأل بخطبه وحمارضاته وتوجيهاته ولذلك‬
‫ّ‬
‫فإن رحيله يعد خسارة كبرية لألمة»‪.‬‬
‫ونعى أعضاء اللجنة التنظيمية لـ (منتدى الثالثاء الثقايف) بالقطيف رحيل‬
‫علام من أعالم الفكر والثقافة يف وطننا»‪ ،‬وأعلن املنتدى بتأجيل ندوة هذا األسبوع‬
‫« خ‬
‫مقررا عقدها أمس األول الثالثاء‪.‬‬
‫الذي كان خ‬

‫علام من أعالم الفكر والوعي‬
‫ووصف الشيخ عيل املعلم العالمة الفضيل أنه « خ‬

‫ومعلام‬
‫ومفكرا من الطراز األول‪،‬‬
‫ورمزا من رموز اإلصالح يف العامل اإلسالمي‪،‬‬
‫خ‬
‫خ‬
‫خ‬
‫بارزا من معامل املسرية اإلسالمية‪ ،‬ومرب ًّيا جليل من أبناء األمة‪ ،‬رفد املكتبة اإلسالمية‬
‫خ‬
‫بأروع ما صاغه يف الفكر والثقافة والدراسات التخصصية»‪.‬‬
‫َ‬
‫رحيل الشيخ الفضيل بعد «رصا ٍع‬
‫ونعت (جلان الوالية اإلسالمية) بأم احلامم‬
‫طويل تكابده مع انتكاساته الصحية‪ ،‬غ َّي َبه عن املحافل العلمية‪ ،‬وحلقات درسه‬
‫‪41‬‬

‫وعطائه»‪ .‬واعتربت «سجله الزاخر يسجل بصامت سامحته التي كانت مفص خ‬
‫ال من‬
‫مفاصل التغيري اهلامة يف منطقتنا بل عموم العامل اإلسالمي‪ ،‬وقد تفيأ بظالله الوارفة‬
‫كل هذا الرعيل الناهض يف العامل اإلسالمي اليوم‪ ،‬بام امتلكه من نبو ٍغ علمي‪،‬‬
‫ٍ ٍ‬
‫ٍ‬
‫راحها‪ ،‬وتعرف طم ّبها‬
‫وطموح متحفز‪ ،‬وبصرية ثاقبة ُتالمس تطلعات األمة‪ ،‬وتعي ج َ‬
‫وما تعتازه إلصالح اعتالالهتا اجلمة»‪ .‬كام وصفت «الرصيدَ الضخم الذي خلفه‬
‫سامحته من املكتوب احلوزوي‪ ،‬واإلسالمي االجتامعي‪ ،‬وسالسل حمارضاته‬
‫ٍ‬
‫شاهد عىل هذه اهل ُ ّوة التي صنعها رحيل هذا ال َع َلم العظيم‪ ،‬فال‬
‫وندواته املسجلة خري‬
‫حول وال قوة إال باهلل العيل العظيم»‪.‬‬

‫ونعى الشيخ حسني الرايض الراحل الفضيل «الذي بذل كل وقته وجهده يف‬
‫سبيل العلم وتطويره من خالل مؤلفاته الكثرية وقلمه السيال الذي ّ‬
‫سخره من أجل‬
‫تطوير املناهج العلمية احلوزوية وغريها»‪ .‬واص خفا إياه أنه «مثال للزهد والورع وحب‬
‫اخلري والتواضع‪ .‬ومثال للجهاد يف سبيل العلم والعلامء»‪.‬‬
‫ونعى الشيخ حسني املصطفى يف بيان تعزية «برحيل جسد هذا العامل املعريف‬
‫املوسوعي إىل بارئها‪ ،‬ال تبقى إالّ املنجزات العظام التي خ َّلفها عىل صعيد العلم‬
‫واملعرفة واحلركة اإلسالمية؛ إنه شاهد فريد عىل عرص مملوء بالرصاعات الفكرية‬
‫العميقة ال غنى ألي باحث عن شهادته وشخوصه»‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫بيان الشيخ اليعقويب‬

‫ُفجع العامل اإلسالمي برحيل سامحة آية اهلل الدكتور الشيخ عبد اهلادي الفضيل‪،‬‬
‫بأمس احلاجة جلهود‬
‫مصلحا مث ّق خفا أدي خبا حصي خفا‪ ،‬ونحن‬
‫وفقد بوفاته عا خملا رسال ًّيا‬
‫ا‬
‫خ‬
‫أمثاله ممن اجتمعت فيه هذه الصفات الكريمة حلل مشاكل األمة واالرتقاء بأبنائها‪.‬‬
‫عرفت سامحة الشيخ الفقيد منذ عقود حينام قرأت ما كان ينرش يف جملة اإليامن‬
‫ُ‬
‫التي كان يصدرها والدي املرحوم الشيخ موسى اليعقويب يف النجف األرشف منذ‬
‫العام ‪ ،1963/1313‬حيث ّ‬
‫شخص بفطرته ووعيه وإخالصه منذ سنوات دراسته‬
‫املبكرة حاجة املناهج الدراسية يف احلوزة العلمية إىل التحديث وإعادة النظر لتواكب‬
‫متطلبات احلياة املعارصة وحتدّ ياهتا‪ ،‬وال عجب يف ميله إىل املدرسة اإلصالحية فقد‬
‫كان من طلبة العالّمة املجدد الشيخ حممد رضا املظفر ‪ ‬يف احلوزة العلمية ويف كلية‬
‫الفقه فتأ ّثر بآرائه وأفكاره‪ ،‬واختار صفحات جملة اإليامن وجملة أضواء التي كانت‬
‫يصدرها مجاعة العلامء يف النجف األرشف ليطلق دعواته تلك‪ ،‬ومل تقف عند حدود‬
‫التمنّيات والتنظري بل وضع فع خ‬
‫تأس خيا‬
‫ال بعض اخلالصات للمنطق وأصول الفقه ّ‬
‫بأستاذه املظفر ‪ ‬واستمر بالدراسة والتدريس حتى حرض بحوث اخلارج عند أبرز‬
‫مراجع وعلامء العرص (قدس اهلل أرواحهم)‪.‬‬

‫كام أدرك (رمحه اهلل تعاىل) يف ذلك الوقت الفجوة الكبرية بني احلوزات العلمية‬
‫واجلامعات األكاديمية بل الشباب واملثقفني عمو خما الذين انخرطوا يف احلركات‬
‫السياسية واأليديولوجيات البعيدة عن الدين‪ ،‬فرأى لزا خما عليه أن يعمل ما بوسعه‬
‫‪43‬‬

‫لردم هذه الفجوة املصطنعة بمكر أعداء اإلسالم وجهل أبنائه واملدّ عني لسدانة‬
‫مؤسسته اإلهلية املباركة‪ ،‬وعرف أن العمل املثمر يكون بولوج هذه اجلامعات من‬
‫عنرصا فاع خ‬
‫ال وصاحب قرار فيها فالتحق بكلية الفقه التي أسسها‬
‫أبواهبا بأن يكون‬
‫خ‬
‫املرحوم الشيخ املظفر وكان من طلبة الدفعة األوىل التي خترجت عام ‪ 1962‬ثم‬
‫واصل دراسة املاجستري والدكتوراه وحصل عليها من القاهرة بامتياز‪.‬‬
‫مهة عالية وشعور كبري باملسؤولية وأمل عريض برفعة‬
‫كل هذا يدل عىل أنه ذا ّ‬

‫وعزة أبنائه‪ ،‬ومل يكتف يف عطائه بعمره يف الدنيا الذي ناهز الثامنني‪ ،‬بل‬
‫اإلسالم ّ‬
‫عمرا ثان خيا ممتدخ ا بإذن اهلل تعاىل حني ط ّبق احلديث النبوي الرشيف (إذا مات‬
‫أضاف له خ‬
‫املرء انقطع عمله إالّ من ثالث) فرتك لنا مؤلفات نافعة ومؤسسات مثمرة وأنجاالخ‬
‫صاحلني لتكون له صدقات جارية‪.‬‬
‫وعضوا يف مجعية الرابطة العلمية األدبية يف‬
‫ومضا خفا إىل ذلك فقد كان أدي خبا‬
‫خ‬
‫أسسها املرحوم جدّ ي الشيخ حممد عيل اليعقويب ونخبة من‬
‫النجف األرشف التي ّ‬

‫زمالئه سنة ‪ 1931‬وبقي عميدخ ا هلا أكثر من ‪ 30‬سنة حتى وفاته عام ‪.1965‬‬

‫لقد رحل فقيدنا اجلليل واجلميع بحاجة إىل مساعيه احلكيمة للقضاء عىل الفتن‬
‫والتوترات التي يعاين منها أحبتنا يف أرض احلرمني الرشيفني املباركة حرسها اهلل‬
‫وأهلها من كل سوء ووقاها رش األعداء املرت ّبصني‪ ،‬ونراهن عىل حكمة العقالء من‬
‫مجيع األطراف لتطويق األزمة وفك عقدها باحلوار البنّاء واالبتعاد عن االنفعال‬
‫والتعصب‪ ،‬وان يكون هاجس اجلميع ازدهار البلد ورفاه أبنائه وع ّزهتم وكرامتهم‪.‬‬
‫ّ‬
‫تغمد اهلل تعاىل فقدينا الراحل برمحته الواسعة وأحلقه بالصاحلني من عباده‪،‬‬
‫ّ‬

‫وجعل روحه الطاهرة مصدر إهلام إلخواننا يف اململكة وجلميع املسلمني يف فعل‬
‫اخلريات‪ ،‬واهلل ويل املؤمنني‪.‬‬
‫حممد اليعقويب ـ النجف األرشف‬
‫‪/12‬مجادى األوىل‪4131/‬ﻫ ‪1043/1/9 :‬‬

‫‪44‬‬

‫بيان مكتب السيد كمال احليدري‬

‫«إذا مات العامل‪ ،‬ثلم يف اإلسالم ثلمة ل يسدﻫا يشء»‬
‫ببالغ احلزن واألسى تلقينا نبأ رحيل العامل املجاهد الكبري واملفكر اإلسالمي‪،‬‬
‫عضو اهليئة العليا للمجمع العاملي ألهل البيت ‪« A‬العالمة الشيخ الدكتور عبد‬
‫اهلادي الفضيل» صباح يوم االثنني املوافق ‪2013/04/01‬م‪ ،‬بعد حياة مليئة بالعلم‬
‫والعمل‪ ،‬والعطاء واالنتاج العلمي والفكري املتميز‪ ،‬عن عمر مديد يف خدمة‬
‫اإلسالم والعقيدة ونرش الفكر املحمدي األصيل‪.‬‬
‫نسأل اهلل عز وجل أن يتغمد الفقيد السعيد بواسع رمحته‪ ،‬وأن يسكنه فسيح‬
‫جناته‪ ،‬وأن حيرشه مع حممد وآله األطهار‪ ،‬وأن يلهم أهله وذويه الصرب والسلوان‪.‬‬
‫فـ﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‪..‬‬
‫مؤسسة اإلمام اجلواد ‪ C‬للفكر والثقافة‬

‫‪45‬‬

‫بيان مكتب السيد حسني الصدر ـ الكاظمية‬

‫;‬

‫﴿ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ﴾‬
‫تلقينا ببالغ األسى واألسف وفاة فضيلة العالمة الدكتور الشيخ عبد اهلادي‬
‫الفضيل ـ رمحه اهلل تعاىل‪ ،‬هذا العامل اجلليل الذي نذر نفسه خلدمة االسالم واملسلمني‬
‫وعمل بجد وإخالص إلعالء كلمة احلق من خالل هتذيب العقول‪ ،‬وتنوير النفوس‬
‫بنور االيامن‪.‬‬
‫لقد كان فقيدنا الراحل‪ ،‬من الشخصيات العلمية املرموقة‪ ،‬التي قدّ مت األفكار‬
‫الناضجة من أجل توحيد صفوف املسلمني‪ ،‬وحماربة مجيع مظاهر االنحرافات‬
‫الفكرية‪ ،‬التي حتاول تصديع صفوف األمة االسالمية‪ ،‬بإشاعة التطرف والتعصب‬
‫ورفض اإلصغاء للرأي اآلخر‪.‬‬
‫أحر تعازي‬
‫وهبذا املصاب اجللل يقدم املكتب اإلعالمي للمرجع الصدر ّ‬
‫سامحة املرجع الصدر إىل عائلة الفقيد ـ رمحه اهلل تعاىل ـ وإىل مجيع حمبيه‪ ،‬سائ خ‬
‫ال املوىل‬
‫يتغمد هذا العامل الكبري بالرمحة والرضوان‪ ،‬وأن يم ّن عىل ذويه‬
‫تبارك وتعاىل أن ّ‬
‫وحمبيه بالصرب والسلوان‪ ،‬و﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‪.‬‬
‫املكتب اإلعالمي للسيد حسني الصدر‪ /‬الكاظمية املقدسة‬
‫‪17‬مجادى األوىل ‪4131‬ﻫ ‪ 1043/ 1/ 2 :‬م‬
‫‪46‬‬

‫بيان الشيخ حممد مهدي اآلصفي‬

‫﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠﭡ ﭢ‬
‫ﭣ ﭤ﴾‬
‫علام من أعالم الفكر‬
‫تسليام خ‬
‫ورضا بقضاء اهلل تعاىل وقدره‪ ،‬ننعى إىل املؤمنني خ‬
‫خ‬

‫اإلسالمي املعارص‪ ،‬وحجة من حجج اإلسالم يف األرض‪ ،‬ورائدخ ا من رواد الوعي‬

‫اإلسالمي املعارصين‪ ...‬املفكر واملنظر والكاتب واملؤلف اإلسالمي املعارص حجة‬
‫اإلسالم واملسلمني الدكتور الشيخ عبد اهلادي الفضيل ‪.‬‬
‫وبفقده فقدنا خربة وجتربة لنصف قرن يف العمل امليداين اإلسالمي‪ ،‬واحلركة‬
‫اإلسالمية املعارصة‪ ،‬والدعوة إىل اهلل‪ ،‬والكتابة والتأليف والتنظري العلمي واملنهجي‪،‬‬
‫وفقدت خ‬
‫عزيزا عارشته طوي خ‬
‫ال‪ ،‬وعرفت فيه التقوى والوعي واملعرفة واالهتامم‬
‫أخا خ‬
‫بشؤون املسلمني واإلخالص‪.‬‬
‫اشتهر بالوعي‪ ،‬والعلم‪ ،‬والتقوى‪ ،‬واالعتدال‪ ،‬واملثابرة‪ ،‬يف ساحات احلوزة‬
‫العلمية واألوساط اجلامعية‪ ،‬واحلركة اإلسالمية واألوساط العلمية املعارصة‪...‬‬
‫وخ ّلف من بعده ترا خثا ناف خعا للحوزات العلمية واجلامعات ولساحات احلركة‬
‫اإلسالمية الناهضة يف العامل اإلسالمي‪.‬‬

‫‪47‬‬

‫تغمده اهلل برمحته الواسعة‪ ،‬وتعازينا إىل املؤمنني الذين يشعرون فداحة اخلسارة‬
‫بفقده وتعازينا ألوالده وأحفاده وأرسته‪ ،‬وإنا لفقده ملحزونون‪.‬‬
‫واحلمد هلل رب العاملني‪ ،‬و﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‪.‬‬
‫حممد مهدي اآلصفي ـ النجف األرشف‬
‫‪ 17‬مجادى الوىل ‪4131‬ﻫ‬

‫‪41‬‬

‫بيان مكتب الشيخ حممد علي العمري‬

‫;‬

‫﴿ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ‬
‫ﭮ ﭯ ﭰ﴾‬
‫ببالغ احلزن واألسى نرفع عزائنا إىل موالنا صاحب األمر والزمان برحيل‬
‫العالمة الكبري آية اهلل الدكتور املجاهد الشيخ عبد اهلادي الفضيل الذي كان له دور‬
‫بارز يف رفد احلوزة العلمية بمؤلفاته القيمة ومسامهاته العلمية والفكرية الرصينة‬
‫التي سيبقى هلا أثر خملد لشخصه وجمده كام ورد يف احلديث الرشيف‪« :‬إذا مات ابن‬
‫آدم انقطع عمله إالّ من ثالث من ولد صالح يدعو له أو صدقة أو علم ينتفع به»‪،‬‬
‫نورا خ‬
‫بازخا‬
‫وكذلك الدور العلمي واملتميز يف الداخل واخلارج وقد فقدنا بفقده خ‬
‫وعلام خال خقا‪.‬‬
‫وطو خدا شاخم خا خ‬

‫واهلل تعاىل نسأل أن يعوض األمة اإلسالمية عن هذه اخلسارة الفادحة من‬

‫يتصدى هلدهيا ومجع كلمتها واألخذ هبا إىل ساحل النجاة واألمان‪ ،‬كام نرفع عزائنا‬
‫إىل عائلة الشيخ الفقيد السعيد ومجيع العامل اإلسالمي وباخلصوص املحبني آلل‬
‫البيت ‪ A‬ومجيع املؤمنني‪ .‬رحم اهلل الفقيد وحرشه يف زمرة حممد وآله الطاهرين‪..‬‬
‫مكتب آية اهلل الشيخ حممد عيل العمري ـ املدينة املنورة‬
‫‪49‬‬

‫ثان ًيا‬

‫من برقيات اجلهات واملؤسسات‬
‫احلكومية‬

‫‪51‬‬

‫صاحب السمو امللكي األمري سلمان بن عبد العزيز‬
‫ويل العهد ووزير الدفاع‬

‫املكرمون أرسة الدكتور عبد اهلادي ابن الشيخ مريزا الفضيل‬
‫ّ‬
‫السالم عليكم ورمحة اهلل وبركاته‬
‫ّ‬
‫وجل أن‬
‫عز‬
‫أحسن اهلل عزاءكم وع ّظم أجركم يف مصابكم‪ ،‬سائلني املوىل ّ‬

‫يلهمكم الصرب‪ ،‬وجيزل لكم األجر‪ .‬واحلمد هلل عىل فضله وقدره‪ .‬و﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ‬
‫ﭷ﴾‪.‬‬
‫سمو ويل العهد‪ ،‬الرياض‬
‫سلامن بن عبد العزيز ـ ديوان ّ‬

‫‪53‬‬

‫صاحب السمو امللكي األمري سعود بن نايف أمري‬
‫املنطقة الشرقية‬

‫املحرتم‬

‫األستاذ عامد عبد اهلادي بن مريزا الفضيل‬

‫تلقينا نبأ وفاة والدكم الشيخ عبد اهلادي ‪ ،‬معربني لكم عن خالص تعازينا‪.‬‬

‫يتغمد الفقيد بواسع رمحته ويسكنه فسيح جنّاته وأن‬
‫سائلني املوىل‬
‫العيل القدير أن ّ‬
‫ّ‬
‫يلهمكم واألرسة الصرب والسلوان‪ .‬و﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‪.‬‬

‫أمري املنطقة الرشقية‬
‫سعود بن نايف بن عبد العزيز‬

‫‪54‬‬

‫صاحب السمو امللكي األمري جلوي بن عبد العزيز بن‬
‫مساعد نائب أمري املنطقة الشرقية‬

‫املحرتم‬

‫األستاذ عامد عبد اهلادي بن مريزا الفضيل‬

‫تلقينا نبأ وفاة والدكم الشيخ عبد اهلادي ‪ ،‬معربني لكم عن خالص تعازينا‪.‬‬

‫يتغمد الفقيد بواسع رمحته ويسكنه فسيح جنّاته وأن‬
‫سائلني املوىل‬
‫العيل القدير أن ّ‬
‫ّ‬
‫يلهمكم واألرسة الصرب والسلوان‪ .‬و﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‪.‬‬

‫نائب أمري املنطقة الرشقية‬
‫جلوي بن عبد العزيز بن مساعد‬

‫‪55‬‬

‫ثال ًثا‬

‫من بيانات املراكز واملجامع‬
‫العلمية واإلعالمية‬

‫‪57‬‬

‫املجمع العاملي ألهل البيت‬

‫‪‬‬

‫;‬

‫م م‬
‫لم خة الَ َي ُسدها ََشء»‬
‫«إذا َمات العامل ُثل َم يف اإلسالم ُث َ‬
‫تلقينا ببالغ احلزن واألسی نبأ ارحتال «العالمة الدكتور سامحة آية اهلل الشيخ‬
‫عبد اهلادي الفضيل قدس اهلل نفسه الزكية» املفكر اإلسالمي الكبري وعضو اهليئة‬
‫العليا للمجمع العاملي ألهل البيت ‪.A‬‬
‫ومفكرا إسالم ًّيا وكان‬
‫علام من أعالم اإلسالم‬
‫خ‬
‫لقد كان املرحوم املغفور له خ‬
‫حيتذى به يف األوساط العلمية واملراكز الدينية وقد قدم خدمات جلية ألبناء األمة‬
‫اإلسالمية طيلة عمره الرشيف واحلافل بالعطاء وقد قضی عمره الرشيف يف خدمة‬
‫اإلسالم والعقيدة ونرش الفكر املحمدي األصيل ومدرسة أهل البيت ‪.A‬‬
‫و كام كان املرحوم املغفور رائدخ ا من رواد التقريب بني املذاهب اإلسالمية حيث‬
‫أضاء طريق اجلامهري املسلمة بأفكاره احلكيمة وآثاره العلمية الصائبة‪ ،‬وكان من‬
‫بارزا وعضدخ ا وسندخ ا فكر ًّيا‬
‫عظيم رشفنا واعتزازنا أن يكون هذا الفقيد السعيد‬
‫عضوا خ‬
‫خ‬
‫ومعنو ًّيا وعمل ًّيا للمجمع العاملي ألهل البيت ‪.A‬‬

‫‪59‬‬

‫ولقد أصاب خرب ارحتال العالمة اجلليل آية اهلل الشيخ عبد اهلادي الفضيل‬
‫املسلمني عامة وأتباع أهل بيت النبوة خاصة‪ ،‬باحلزن واألمل ملا هلذه الشخصية العلمية‬
‫من فضل كبري عىل احلوزات العلمية وأتباع أهل البيت ‪ A‬بسبب ما أرفده من‬
‫مؤلفات كثرية نافعة يف خمتلف املجاالت‪.‬‬
‫وهبذه املناسبة األليمة يتقدم املجمع العاملي ألهل البيت ‪ A‬بالعزاء إلی‬
‫اإلمام املهدي املنتظر (عج) وإىل قائد الثورة اإلسالمية ومراجع التقليد العظام‬
‫واحلوزات العلم ّية والعلامء األعالم واملثقفني وإىل أرسة وذوي فقيدنا العزيز؛ سائلني‬
‫اهلل املتعال أن يتغمد روحه الطاهرة بالرمحة الواسعة وأن يلهم ذويه الصرب والسلوان‬

‫سميع جميب و﴿ﭳ ﭴ ﭵ‬
‫وحيرشه اهلل مع األنبياء والصاحلني واألئمة األطهار إنه‬
‫ٌ‬
‫ﭶ ﭷ﴾‪.‬‬
‫املجمع العاملي ألﻫل البيت ‪A‬‬
‫‪ 72‬مجادی األولی عام ‪4141‬ﻫ‬

‫‪60‬‬

‫املجمع العاملي للتقريب بني املذاهب اإلسالمية‬

‫;‬

‫لقد فجعنا بنبأ رحيل العالمة املفكر آيت اهلل الشيخ عبد اهلادي الفضيل ‪.‬‬
‫كبريا وسخر نفسه خلدمته يف‬
‫لقد كان عل خام خ‬
‫بارزا من أعالم اإلسالم محله خ‬
‫مها خ‬

‫خمتلف املجاالت (الفقهية واألصولية والتاريية واألدبية)‪.‬‬

‫ولقد ألف الكثري من الكتب التي صار بعضها مرج خعا علم ًّيا للباحثني‬
‫واملحققني‪ ،‬كام ربى الكثري من الطلبة والدارسني يف املجاالت احلوزوية واجلامعية‪،‬‬
‫وحارض يف بلدان عديدة فكان املفكر األملعي اجلامع واملؤلف اإلسالمي الكبري‬
‫واملريب الديني للجامهري‪.‬‬
‫ّ‬
‫وقد نال األستاذ املرحوم إعجاب احلوزات العلمية والعلامء األعالم فوصفه‬
‫«املرحوم الطهراين» بأنه الواصل يف حداثة سنه إىل أعىل مراتب الكامل‪ ،‬كام وصفه‬
‫رقام من‬
‫«الشهيد اإلمام السيد حممد باقر الصدر» بأنه ممن يرفع الرأس عال خيا ويشكل خ‬
‫األرقام احل ّية عىل عظمة حوزة النجف العلمية‪.‬‬

‫رمحه اهلل رمحة واسعة وحرشه مع النبيني والصديقني والشهداء والصاحلني‪.‬‬
‫‪61‬‬

‫وإنني باسم علامء التقريب أرفع آيات العزاء لسامحة اإلمام القائد السيد عيل‬
‫اخلامنئي وسائر املراجع العظام‪ ،‬كام أعزي به احلوزات العلمية واجلامعية‪ ،‬وأخص‬
‫بالتعزية أهايل املنطقة الرشقية من اململكة العربية السعودية الذين طاملا نعموا بروحة‬
‫الطاهرة وعلومه اجلمة‪.‬‬
‫حممد عيل التسخريي‬
‫رئيس املجلس األعىل للمجمع العاملي للتقريب بني املذاﻫب السالمية‬
‫‪ 17‬مجادى األوىل ‪4131‬ﻫ‬

‫‪62‬‬

‫األمني العام للمجمع العاملي للتقريب بني املذاهب‬
‫اإلسالمية‬

‫﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‬
‫تلقينا ببالغ األسى نبأ رحيل رجل العلم واجلهاد‪ ،‬وسيد املنرب واملحراب‪،‬‬
‫وأحد رواد التقريب‪ ،‬الكاتب واملفكر اإلسالمي الكبري سامحة العالمة آية اهلل الشيخ‬
‫عبد اهلادي الفضيل ـ رضوان اهلل تعاىل عليه ـ الذي عرف بخدماته اجلليلة للدين‬
‫احلنيف وأمته ونذر حياته املباركة بإخالص من أجل إعالء كلمة احلق والوحدة‬
‫والتقريب بني املذاهب اإلسالمية؛ وقد خرست األمة اإلسالمية بوفاته‪ ،‬عا خملا جلي خ‬
‫ال‬
‫خملصا‪.‬‬
‫كبريا‬
‫ومفكرا مبد خعا ووحدو ًّيا صاد خقا ومرب خيا خ‬
‫خ‬
‫وجماهدخ ا خ‬
‫واملجمع العاملي للتقريب بني املذاهب اإلسالمية‪ ،‬إذ ينعى إىل األمة اإلسالمية‬
‫فقيدها الراحل‪ ،‬يتقدم هبذه املناسبة األليمة بأحر التعازي إىل مجيع علامء األمة‬
‫األجالء وأحبائه وتالمذته وأرسته املوقرة‪ ،‬راجني اهلل جل وعال أن يتغمد فقيدنا‬
‫الغايل برمحته الواسعة ويسكنه فسيح جناته ويلهم ذويه الصرب والسلوان‪.‬‬
‫و ﴿ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‪.‬‬
‫حمسن األراكي‬
‫األمني العام للمجمع العاملي للتقريب بني املذاﻫب اإلسالمية‬
‫‪63‬‬

‫جامعة املصطفى العاملية بقم املقدسة‬

‫و ﴿ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‬
‫ببالغ احلزن واألسى تل ّقينا رحيل العالّمة املجاهد آية اهلل الشيخ عبد اهلادي‬
‫الفضيل ـ قدّ س اهلل نفسه‪ ،‬وقد ُثلم يف اإلسالم ـ بفقد هذا العامل ـ ثلمة ال يسدّ ها‬
‫صف املجاهدين يف سبيل اهلل فرا خغا ال يمأله أي شخصية‬
‫َشء‪ ،‬وقد أوجد رحيله يف‬
‫ّ‬
‫أخرى‪ ،‬وكان رحيله صدمة كبرية للحوزة العلمية ولشعب بالد احلرمني وألتباع‬
‫مذهب أهل البيت ‪.A‬‬
‫وقد أمىض هذا العامل اجلليل حياته يف تل ّقي العلوم اإلسالمية ونرشها‪ ،‬وكان يف‬
‫مقدّ مة الذين دعموا الثورة اإلسالمية‪ ،‬ويف طليعة دعاة التجديد يف احلوزات‬
‫مستمر يف‬
‫املحمدي األصيل‪ .‬وكان له حضور‬
‫املهتمني بنرش الرتاث‬
‫العلمية‪ ،‬ومن‬
‫ٌّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬

‫جمال هداية الشعوب املسلمة وإرشادها والدفاع عن القيم اإلسالمية املتعالية‪ ،‬وكان‬
‫ّ‬
‫وبكل‬
‫متحل ًّيا بالوعي يف هذا املجال‪ ،‬وقد استطاع بحكمته وذكائه وروحه اجلهادية‬
‫قوة وقدرة وقابلية أن يؤ ّلف الكثري من الكتب الق ّيمة اتبا خعا لنهج سلفه‬
‫ما يمتلك من ّ‬

‫الصالح يف احلوزات العلمية والعلامء واملجاهدين يف سبيل اهلل‪ ،‬وبقي عىل عهده مع‬
‫اإلمام الراحل وقائد الثورة حتّى فارق احلياة الدنيا والتحق بعامل امللكوت خم ّل خفا‬
‫وراءه الكثري من الباقيات الصاحلات‪.‬‬

‫‪64‬‬

‫وأنا بدوري‪ ،‬ونيابة عن جامعة املصطفى‪ ،‬أقدّ م أسمى التعازي لصاحب‬
‫عجل اهلل تعاىل فرجه الرشيف ـ وملراجع الدين العظام ولعلامء‬
‫العرص والزمان ـ ّ‬
‫اإلسالم وللحوزات العلمية‪ ،‬والس ّيام علامء وفضالء بالد احلرمني وأرسة الفقيد‬
‫يتغمد الفقيد‬
‫املكرمة‪ .‬وأدعو اجلميع إىل متجيد هذه الشخصية الرفيعة‪ ،‬وأسأل اهلل أن ّ‬
‫ّ‬
‫يفرج عن‬
‫السعيد برمحته الواسعة‪ ،‬وأن يرزقه الدرجات الرفيعة‪ ،‬كام أسأل اهلل أن ّ‬
‫أتباع أهل البيت ‪ A‬يف بالد احلرمني‪.‬‬
‫عاش سعيدخ ا‪ ،‬ومات سعيدخ ا‪.‬‬
‫عيل رضا األعرايف‬

‫‪65‬‬

‫رئيس ديوان الوقف الشيعي بالعراق‬

‫ببالغ األسى واحلزن تلقينا نبأ وفاة آية اهلل العالمة الدكتور عبد اهلادي الفضيل‬
‫ذلك العامل البرصي الذي نشأ نشأة علمية دينية عالية برعاية والده آية اهلل املريزا‬
‫حمسن الفضيل ‪ ‬حيث كان منذ صغره مورد إعجاب الكثريين وقد مجع بني‬

‫علام من أعالم الفقه واألدب‪،‬‬
‫الدراسة احلوزوية والدراسة األكاديمية حتى صار خ‬
‫نجام الم خعا وبري خقا‬
‫ونحن يف هذا اليوم إذا ننعى فقيدنا الشيخ عبد اهلادي الفضيل ننعى خ‬
‫من أعىل البيارق‪ ..‬إذ مجع يف كتاباته بني املوسوعية واملوضوعية فرتك لنا ترا خثا خثرا‬
‫يغني الباحث ويفتح اآلفاق أمام املستقبل‪.‬‬

‫إن رحيل الفضيل خسارة كبرية للعامل اإلسالمي وللمكتبة العربية التي فقدت‬
‫رج خ‬
‫ال وباح خثا يشار له بالبنان وعزائنا الوحيد بام تركه الفقيد من تراث إنساين وثقايف‬
‫كبري‪ ..‬نسأل اهلل تعاىل أن يسكنه فسيح جناته وأن جيعل قربه روضة من رياض اجلنة‬
‫إنه سميع جميب وإنا هلل وإنا اليه راجعون وال قوة إالّ باهلل العيل العظيم‪.‬‬
‫السيد صالح احليدري‬
‫رئيس ديوان الوقف الشيعي‬

‫‪66‬‬

‫حزب الدعوة اإلسالمية‬

‫;‬

‫﴿ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ‬
‫ﭮ ﭯ ﭰ﴾‬
‫انتقل إىل جوار ربه الفقيد العالمة سامحة آية اهلل الشيخ عبد اهلادي الفضيل‬
‫تغمده اهلل برمحته الواسعة الذي وافاه األجل يف اململكة العربية السعودية اليوم‬

‫االثنني‪ 27 ،‬مجادي األوىل ‪ 1434‬للهجرة‪ ،‬املوافق ‪ 1‬نيسان ‪ 2013‬للميالد‪.‬‬
‫كان الفقيد الراحل من رواد احلركة اإلسالمية يف العراق‪ ،‬ومن الرعيل األول‬
‫الذي انضم إىل حزب الدعوة اإلسالمية‪ ،‬وساهم مع آية اهلل العظمى السيد الشهيد‬
‫حممد باقر الصدر يف بناء احلركة اإلسالمية يف العراق وقدم خدمات جليلة للمكتبة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وكان أحد أعالم احلوزة العلمية يف النجف األرشف واملحافل العلمية‬
‫خارجها‪ .‬كام إن املغفور له ساهم مسامهة فاعلة يف إغناء احلركة العلمية يف العراق‬
‫ويف العاملني العريب واإلسالمي وقد ترك عرشات املؤلفات القيمة واستمر يف جهوده‬

‫العلمية إىل آخر يوم من حياته الرشيفة‪.‬‬
‫‪67‬‬

‫وهبذه املناسبة األليمة يعزي حزب الدعوة اإلسالمية احلوزة العلمية يف النجف‬
‫األرشف وأبناء احلركة اإلسالمية يف العراق ومجيع العلامء واملسلمني يف أنحاء العامل‬
‫برحيل هذا العلم الشامخ‪ ،‬سائ خ‬
‫ال اهلل عز وجل أن يتغمد الفقيد برمحته الواسعة‬

‫ويسكنه فسيح جناته إنه سميع جميب‪.‬‬
‫حزب الدعوة اإلسالمية ‪ -‬املكتب اإلعالمي‬
‫‪ 17‬مجادي الوىل ‪ 4131‬ﻫ ‪ -‬املوافق ‪ 2‬نيسان ‪ 1043‬م‬

‫‪61‬‬

‫حزب الدعوة اإلسالمية ـ تنظيم العراق وقناة املسار‬
‫األوىل الفضائية‬

‫انتقل إىل رمحة اهلل العالمة واملفكر الشيخ الدكتور عبد اهلادي الفضيل عضو‬
‫اهليئة العليا للمجمع العاملي ألهل البيت ‪ A‬بعد عمر حافل بالعطاء قضاه يف‬
‫خدمة اإلسالم والعقيدة ونرش الفكر املحمدي األصيل صباح االثنني بعد رصاع‬
‫طويل مع املرض دام لعدة أعوام‪.‬‬
‫للفقيد عدد كبري من املؤلفات املتخصصة باللغة العربية بوصفه أستا خذا فيها‬
‫وكذلك هو من احلائزين عىل مرتبة االجتهاد يف الفقه اإلسالمي‪ ،‬إذ تتلمذ عىل يد‬
‫املرجع الشهيد السيد حممد باقر الصدر ‪ ‬ورافق عد خدا من كبار العلامء أمثال السيد‬

‫حممد حسني فضل اهلل ـ طاب ثراه ـ وآية اهلل الشيخ حممد مهدي شمس الدين ـ طاب‬
‫ثراه‪.‬‬
‫وهبذه املناسبة األليمة التي أفجعت قلوب اإلنسانية نعى حزب الدعوة‬
‫اإلسالمية ‪/‬تنظيم العراق رحيل العالمة الفضيل‪.‬‬
‫كام نعى كل من األمني العام حلزب الدعوة اإلسالمية ـ تنظيم العراق السيد‬
‫هاشم املوسوي ونائب رئيس اجلمهورية د‪ .‬خضري اخلزاعي ومدير عام فضائية‬
‫املسار األوىل األستاذ حسن السعيد ورئيس الكتلة النيابية حلزب الدعوة اإلسالمية ‪/‬‬
‫‪69‬‬

‫تنظيم العراق النائب خالد األسدي‪ ،‬نعوا رحيل العالمة واملفكر اإلسالمي الشيخ‬
‫الدكتور عبد اهلادي الفضيل ‪ ‬وأسكنه فسيح جناته‪.‬‬
‫ويف هذا الصدد تتقدم فضائية املسار األوىل بأحر التعازي لألمة اإلسالمية‬
‫والشعب العراقي برحيل العالمة الشيخ عبد اهلادي الفضيل الذي كان عا خملا وجماهدخ ا‬
‫ومزج بني العلوم احلوزوية واألكاديمية‪ ،‬نسأل اهلل تعاىل أن يتغمد الفقيد برمحته‬
‫وغفرانه‪.‬‬

‫‪70‬‬

‫مركز الغدير للدراسات والنشر‬

‫﴿ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‬
‫«إذا مات العامل‪ ،‬ثلم يف اإلسالم ثلمة ل يسدﻫا يشء»‬
‫اإلمام الصادق ‪C‬‬
‫بكامل الرضا والتسليم بقضاء اهلل تعاىل‪ ،‬تل ّقينا نبأ وفاة العالّمة املجاهد والفيه‬
‫العامل األستاذ الدكتور الشيخ عبد اهلادي الفضيل ‪.‬‬
‫لقد كان العالّمة الفضيل منار خة من منارات العلم واملعرفة والوعي والبصرية‪،‬‬
‫وكان امتدا خدا ملدرسة أستاذه الشهيد السعيد اإلمام السيد حممد باقر الصدر ‪ ،‬وال‬
‫غرو أن يصادف رحيله ذكرى استشهاد أستاذه الشهيد الصدر‪ ،‬فقد كان من أبناء‬

‫هذه املدرسة اجلهادية والعلمية‪ ،‬وقىض عمره الرشيف يف رفد املكتبة اإلسالمية‬
‫املتنوعة يف العلوم اإلسالمية املختلفة‪.‬‬
‫بمجموعة رائعة من الكتب واملصنّفات ّ‬
‫تدر الدمعة وتكرس الفؤاد‪ ،‬وك ّلنا أمل‬
‫إن رحيل هذا الرمز الكبري مأساة عظيمة ّ‬

‫يف أن يم ّن اهلل عىل اإلسالم واملسلمني بأمثال هؤالء العلامء الصاحلني‪.‬‬

‫ومركز الغدير للدراسات والنرش إذ ينعى هذا العامل الفاضل‪ ،‬يفتخر يف عالقته‬
‫ويعتز بمسامهته يف نرش جمموعته العلمية الكاملة‪،‬‬
‫الوطيدة التي كانت تربطه به‪،‬‬
‫ّ‬
‫‪71‬‬

‫خ‬
‫واحلق‪ ،‬كل ذلك يكون عربون وفاء هلذا الفقيه املجاهد مقابل‬
‫خدمة للدين واإلسالم‬
‫ّ‬
‫خدماته الكثرية للفكر واملعرفة واإلنسان‪.‬‬
‫نعزي األمة اإلسالمية وأتباع مدرسة أهل البيت ‪ A‬و ُأرسة الفقيد‬
‫إننا إذ ّ‬
‫الكرام‪ ،‬نسأل اهلل تعاىل لفقيدنا اجلليل الرمحة والرضوان‪ ،‬وأن حيرشه مع أئمته‬
‫الكرام‪ ،‬حممد وآله الطاهرين‪ .‬إنه قريب جميب الدعاء‪.‬‬
‫أسد اهلل حسني‬
‫‪ 12‬مجادى األوىل ‪4131‬ﻫ‬
‫مدير عام مركز الغدير للدراسات والنرش والتوزيع‬
‫لبنان ـ بريوت‬

‫‪72‬‬

‫مؤسسة كاشف الغطاء العامة ـ النجف األشرف‬

‫ومــا كــان قــيس فقــده فقــد واحـ ٍ‬
‫ـد‬
‫ٌ‬

‫ُ‬
‫بنيــــان قــــو ٍم هتــــدّ ما‬
‫ولكنّــــه‬

‫نعزي األمة اإلسالمية واحلوزات العلمية بفقد َع َل ٍم من أعالم الفضل‬
‫ّ‬
‫وأساطني الفكر‪ ،‬ذلكم هو سامحة العالّمة الكبري والكاتب اإلسالمي املعروف‬
‫الدكتور الشيخ عبد اهلادي الفضيل‪.‬‬
‫ط ّيب اهلل رمسه‪ ،‬وقدّ س نفسه‪ .‬ذلك الع ّلم الشامخ الذي أغنى املكتبة العربية‬
‫يدرس يف احلوزات‬
‫واإلسالمية بروائع اآلثار النافعة والتي ما زال الكثري منها َّ‬
‫العلمية‪.‬‬
‫أجل‪ ،‬فقدنا برحيل شيخنا الفضيل ركنخا شاخمخا من أركان الفضل والفضيلة‪.‬‬
‫بأمس‬
‫وقد ّ‬
‫عز عىل مجيع تالمذته وعاريف فضله أن يرحل عنهم يف الوقت الذي هم ّ‬
‫احلاجة إىل توجيهاته العلمية وآرائه الصائبة يف املناهج الدراسية والبحوث العلمية‪،‬‬
‫وهبذه املناسبة األليمة تتقدّ م مؤسسة كاشف الغطاء العا ّمة بتقديم أحر التعازي إىل‬
‫عجل اهلل فرجه ـ ومراجع الدين العظام واألمة اإلسالمية‬
‫صاحب العرص والزمان ـ ّ‬
‫تغمده اهلل برمحته‬
‫واحلوزات العلمية واملعاهد واجلامعات‪ ،‬كام ُت ّ‬
‫عزي أهله وذويه‪ّ .‬‬
‫الواسعة وأسكنه فسيح جنّته‪ .‬و﴿ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‪.‬‬

‫لفضالاقداااعمدااح ا فخـــر األماثـــل صـــفوة األجمـــاد‬
‫ااهااَّاارنان ا‬
‫د‬
‫َ‬
‫ـم األســى بغيــاب عبــد اهلــادي‬
‫اةاأر ا ا عـ ّ‬
‫ونمنتهااىا ألساافا أل با ّ‬
‫‪10‬‬

‫‪110‬‬

‫سنة ‪4131‬ﻫ‬

‫‪102‬‬

‫‪1015‬‬

‫‪76‬‬

‫‪51‬‬

‫العامة‬
‫النجف األرشف ـ مؤسسة كاشف الغطاء ّ‬
‫‪73‬‬

‫جامعة آل البيت ‪ ‬العاملية‬

‫;‬

‫قال عز من قائل‪﴿ :‬ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ‬
‫ﭵ ﭶ ﭷ﴾‬
‫بأسى بالغ يعترص القلوب‪ ،‬تلقينا نبأ الرحيل املفجع للمرشف العام جلامعة آل‬

‫البيت ‪ A‬العاملية العامل الرباين سامحة آية اهلل الدكتور الشيخ عبد اهلادي الفضيل‪.‬‬
‫وهبذا املصاب اجللل نتقدم بالعزاء اخلالص واملواساة لبقية اهلل األعظم أرواحنا‬
‫فداه وويل أمر املسلمني آية اهلل العظمى السيد عيل اخلامنئي ـ دام له الوارف ـ‬
‫واملراجع العظام ـ أدام اهلل بقاءهم ـ واحلوارض العلمية واحلوزات الدينية وأهله‬
‫وذويه ولألمة اإلسالمية مجعاء‪.‬‬

‫فهو علم من األعالم التي طاملا رفرفت فوق أعايل القمم‪ ،‬ومشعل أضاء‬
‫القلوب والعقول بعلمه وعمله وفكره وتقواه وكلامته وحروفه‪ ،‬وهو طود شامخ‬
‫مستلهام هدي السامء بروحه السمحاء‪.‬‬
‫رضبت جذوره عمق األرض‬
‫خ‬

‫أهيا الشيخ الشامخ‪ ،‬بفقدك فقدنا أ خبا حنو خنا وحضنخا داف خئا طاملا وقانا من حر‬
‫الصيف وبرد الشتاء‪.‬‬

‫‪74‬‬

‫نم قرير العني‪ ،‬فرصحك املتمثل يف جامعة آل البيت ‪ A‬العاملية الذي رويته‬
‫مستنريا بالنور الذي أودعته ما بني‬
‫بعلمك وفكرك وهديك‪ ،‬سيواصل الدرب‬
‫خ‬
‫الدفتني‪.‬‬
‫رمحك اهلل أهيا العامل املتقي‪ ،‬وحرشك مع حممد وآله الطيبني الطاهرين‪.‬‬

‫جامعة آل البيت ‪ A‬العاملية‬
‫الثالثاء ‪ -17‬مجادى األوىل‪ 4131-‬ﻫ ق‬
‫قم املقدسة‬

‫‪75‬‬

‫راب ًعا‬

‫شواهد مما كتب عن جمالس‬
‫العزاء وخطب اجلمعة‬

‫‪77‬‬

‫مؤسسة األبرار بلندن تقيم تأبينًا للشيخ الفضلي‬

‫السبت ‪ 43‬أبريل ‪1043‬‬
‫أقامت مؤسسة األبرار يف ‪ 11‬أبريل ‪2013‬م حف خ‬
‫ال تأبين ًّيا لوفاة سامحة آية اهلل‬
‫السيد عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬ختلل احلفل كلامت لطلبة وزمالء الفقيد يف هذه املناسبة‪.‬‬

‫‪ ‬السيد فاضل امليالين‪:‬‬
‫علام من علامء احلوزة البد أن نستذكر نقا خطا يف تعميق الفكر‪.‬‬
‫حني نؤبن خ‬
‫التحديث يف الكتب الدراسية باحلوزة كان موضع انتباه الكثري ومنهم الشيخ‬
‫حممد رضا املظفر‪ ،‬وكذلك السيد حممد تقي احلكيم‪ ،‬ونجد الفكر التجديدي يف‬
‫منتدى النرش وكلية الفقه‪ ،‬والشيخ الفضيل خري من خترج عىل يدي املظفر واحلكيم‪.‬‬
‫أتذكر أنني حني التحقت بكلية الفقه كان الدكتور الفضيل والوائيل والسيد‬
‫مصطفى مجال الدين من الذين سبقونا هلا‪ ..‬ويف ‪1967‬م‪ ،‬خترجت منها وكان‬
‫الفضيل مدير املدرسة الثانوية‪ ،‬واضطررت للعمل يف تلك املدرسة للحصول عىل‬
‫نفقات اجلامعة املستنرصية التي التحقت هبا‪ ..‬كنت أجد فيه روح املريب وليس املدير‬
‫وثمة فرق كبري‪ ،‬الرتبية تعترب مفردة أساسية من الفكر اإلسالمي فاهلل هو رب‬
‫العاملني والرب فيه تركيز عىل الرتبية‪ ،‬هناك أساتذة يقدمون معلومات ولكن بدون‬
‫‪79‬‬

‫إعطاء املنهج‪ ،‬أما الفضيل فكان يربيهم ويقدم هلم املنهج‪.‬‬
‫عشنا مع الشيخ الفضيل قبل (‪ )50‬سنة يف النجف ثم جاءت موجة التهجري‬
‫فعاد إىل السعودية ومارس التدريس بجامعة امللك عبد العزيز وخترج عىل يديه عدد‬
‫كبري من املتعلمني‪.‬‬
‫قبل (‪ )22‬عا خما جلسنا مع الدكتور الشهرستاين ‪ ‬وقررنا أن نبدأ بتأسيس‬

‫اجلامعة العاملية واتفقنا أن يكون اجلانب العلمي بيدي واإلداري بيدي الشهرستاين‪.‬‬

‫كان اسم الشيخ الفضيل من أول األسامء التي وضعتها يف قائمة املقرتحني‬
‫للتدريس ثم السيد مجال الدين والدكتور حممود املظفر والدكتور العايت‪ ...‬ما عرفته‬
‫لدى الشيخ الفضيل من إمكانات إلنجاح املرشوع جعلني أضعه عىل رأس املرشوع‪.‬‬
‫كان للدكتور الفضيل مادة واحدة عىل األقل يف منهج التدريس يف كل عام درايس‪،‬‬
‫وقد خترج من اجلامعة جمموعة من العلامء ومنهم الشيخ حسن الرتيكي‪ ،‬وأشاهد يف‬
‫هذه القاعة عد خدا منهم‪.‬‬
‫إن فكر الفضيل سواء بكلية الفقه أم جامعة عبد العزيز أم اجلامعة اإلسالمية مل‬
‫ٍ‬
‫كمرب رغم ضغوط السلطة‪ ،‬ال يمكن أن‬
‫يمنعه من ممارسة دوره يف املنطقة الرشقية‬
‫حيسب الشيخ الفضيل من املعارضة ألنه كان يركز عىل تربية الشباب‪ ،‬وكان جملسه‬
‫عامرا بالعطاء‪ ...‬هذا العطاء كان له دور يف تنشيط الشباب يف املنطقة الرشقية الذين‬
‫خ‬
‫عادوا إىل اجلامعة االسالمية وقدموا أطروحات املاجستري والدكتوراه‪.‬‬

‫هذه الذكريات حية يف ذهني‪ ،‬وبقينا عىل تواصل مع الدكتور الفضيل الذي ربام‬
‫النري‬
‫كان قاب خعا يف املنزل ولكنه كان يمد الباحثني بالفكر الرصني‪ .‬كان من ممثيل الفكر ّ‬
‫وكانت الوسطية مركزية يف ذهنه ‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫‪ ‬كلمة اجلامعة واألكادمييني ألقاها الدكتور إبراهيم العايت‪:‬‬
‫خريا عرب عاملنا الفاين سامحة آية اهلل الدكتور عبد اهلادي الفضيل وترك فرا خغا‬
‫وأ خ‬

‫لن يسد ولكن الربكة يف تالمذته‪.‬‬

‫يف مهرجان للرابطة األدبية يف النجف يف الستينيات اصطحبني الوالد وألقى‬
‫قصيدة مطلعها‪:‬‬
‫قــالوا وقــوهلم يف الــنفس يرتســم‬

‫نعــم احليــاة حيــاة خطهــا القلــم‬

‫ومل أجد مصدا خقا لذلك الشعر مثل الدكتور الفضيل‪ ...‬حياة زينها القلم طيلة‬
‫عمره‪.‬‬
‫كان بنّاء وصانع أجيال ومبلور عقول‪ ،‬ومل يرتك الكتابة والتأليف‪ ..‬حتى يف‬
‫خ‬
‫نسخا منها بيد ولده البار فؤاد مثل موسوعتي الفقه‬
‫مرضه‪ ،‬كتب الكتب وأهدانا‬
‫واألصول االستداليل‪.‬‬
‫كان للفضيل حياة حافلة بالعطاء‪ ،‬تتلمذ عىل يدي حممد طاهر آل رايض‪،‬‬
‫والشيخ حممد أمني زين الدين والسيد حممد باقر الصدر ولكنه الزم الشيخ املظفر‬
‫والسيد حممد تقي احلكيم‪.‬‬
‫وقد أفاد من الشيخ املظفر تركيزه عىل االنفتاح ودعوته لإلصالح وجتديد‬
‫املناهج العلمية واالنفتاح عىل الثقافات‪ ،‬بل جيب أن يطلع عىل الثقافات املختلفة‪،‬‬
‫ولذلك يف كتبه تفصيل عن املنهج االستقرائي وما قدمه ديكارت وهذه الكتب‬
‫أصبحت موا خدا أساسية يف الدرس لدى طالب احلوزة‪ ،‬مثل كتايب (املنطق) و(أصول‬
‫الفقه)‪.‬‬
‫ومتيز الشيخ الفضيل بالرتكيز عىل اجلوهر وعدم اإلطناب يف األمور األخرى‪،‬‬
‫‪11‬‬

‫فكان كتابه خالصة املنطق مرج خعا وهو أول كتبه الدراسية يف مرشوعه التجديدي‪.‬‬
‫التقيته يف مرص بعد أن ترك العراق وذهب إىل دار العلوم بالقاهرة يف ‪1976‬‬
‫و‪ 1977‬وكانت دراسته يف الدكتوراه عن القراءات القرآنية‪ .‬شملت كتبه أصناف‬
‫املعرفة العربية واإلسالمية واللغوية‪ ،‬وجتدون له كت خبا تدريسية يف هذه األصناف‪ ،‬وله‬
‫كتاب فيه جتديد للعروض‪ .‬متيز باالبتسامة والتواضع فإذا قيل تواضع العلامء فدونك‬
‫الشيخ أبو عامد‪ ،‬ما كان ينشغل بالصغائر‪.‬‬
‫كان ‪ ‬من مؤسيس اجلامعة العاملية للعلوم اإلسالمية‪ ،‬وألف كت خبا هلا من بينها‬

‫(أصول البحث) و(أصول رجال احلديث) وكتب للمرة األوىل كتا خبا حول (تاريخ‬
‫كبريا‪،‬‬
‫الترشيع اإلسالمي) ّبني فيه تطور الفقه الشيعي منذ عرص األئمة فسدّ فرا خغا خ‬

‫خصيصا للجامعة اإلسالمية وسجله كمحارضات‪ ،‬وأينام أذهب أجدها لدى‬
‫وكتبه‬
‫خ‬
‫الشباب‪.‬‬
‫يف الدراسات العليا‪ ،‬كان يشجع الطاقات الشابة‪ ،‬قبل مرضه األخري كانت يف‬
‫جملسه دارة الغريني يستقبل هبا زواره وتدور هبا أحاديث املعرفة‪ ،‬وما طلبت منه أن‬
‫كادرا علم ًّيا هر إىل‬
‫يرشف عىل طالب ورفض‪ ،‬كان يقسو عىل نفسه‪ ،‬ويتعبها لريى خ‬

‫الوجود‪ ،‬وأذكر أننا عملنا حفل تكريم له بقاعة بروناي بمناسبة خترج أول دفعة من‬
‫اجلامعة اإلسالمية وكانت يل قصيدة باملناسبة‪.‬‬
‫وعلام خفا خقا‪ ،‬حرشه اهلل مع حممد وآل حممد‪.‬‬
‫سيظل الشيخ الفضيل طو خدا شاخم خا خ‬

‫‪ ‬فضيلة الدكتور كمال اهللباوي‪:‬‬
‫سامحة آية اهلل الدكتور الفضيل ‪ ‬وأجزل له الغفران يمثل قلة من العلامء‬

‫الذين يمرون بممرات واسعة يف الدنيا‪ ،‬بعضهم عامل يف علم من العلوم وبعضهم‬
‫متخصص ولكن ال يرتك أكثرهم ترا خثا كالذي تركه الشيخ الفضيل‪ .‬الالفت للنظر أن‬
‫‪12‬‬

‫العامل إذا تنقل وتوسعت آفاقه توسع أثره كام نرى يف الشيخ الفضيل‪.‬‬
‫رجل يتنقل بني احلوزة يف العراق والسعودية ومرص ولندن‪ ،‬وهيتم بأمجل ما‬
‫يعني يف تكوين الشخصية كام ذكر السيد امليالين والدكتور العايت االهتامم بمناهج‬
‫الرتبية هو أساس الرتبية وهو العنرص األساس لبناء الشخصية‪ .‬بدون منهج ال‬
‫يستطيع اإلنسان أن يرتقي إىل مراتب من العلم كثرية‪ ،‬هذا فض خ‬
‫ال عن منهج الوحدة‬
‫واألمة الواحدة‪ ،‬هذا كله يشكل نواة األمة الواحدة واستمرارها‪.‬‬
‫حياة الشيخ الفضيل جتعلنا أن نجعل منها مث خ‬
‫كبريا يف العلم الغزير والتواضع‪،‬‬
‫ال خ‬
‫العامل الذي يرى يف رسول اهلل وآله النامذج التي ُحتتذى هلو رجل كبري‪.‬‬
‫الشيخ الفضيل برغم أن لقائنا قليل معه‪ ،‬كان له أثر كبري يف االنفتاح والتقريب‬
‫اإلسالمي وتوسيع مدارك الذين ينتمون إىل األمة وسعدوا بتدريسه هلم املناهج‪ .‬من‬
‫أصعب األمور التي تواجه اإلنسان أن يسعى لتخريج األجيال الداعية للوحدة‬
‫والتقارب‪ .‬رحم اهلل الشيخ الفضيل رمحة واسعة‪.‬‬

‫‪ ‬الشيخ إبراهيم كوين من ساحل العاج‪:‬‬
‫إذا أردنا أن نعطي الشيخ ما له من حق سواء يف علمه وورعه وفضله علينا فلن‬
‫يتوفر لنا الوقت ولكن كام يقال (ما ال يدرك كله ال يرتك جله)‪ ،‬كان والدخ ا ومرب خيا يف‬
‫كل ما مارسناه عندما كنا ندرس يف اجلامعة‪.‬‬
‫عندما التحقنا يف اجلامعة مل تكن املواد سهلة‪ ،‬ولكن يف دروس الشيخ كنا نرتاح‬
‫ال‪ ،‬كنا نجد أسلوبه التدرييس سه خ‬
‫كثريا‪ ،‬يف مادة املنطق مث خ‬
‫منظام يرتاح الطالب‬
‫ال‬
‫خ‬
‫خ‬

‫باالستامع إليه‪.‬‬

‫وعندما فوجئت بنبأ وفاته‪ ،‬تذكرت خطبة اإلمام عيل ‪ C‬لكميل بن زياد‪« :‬يا‬
‫‪13‬‬

‫كميل‪ :‬العلم خري من املال‪ ،‬العلم حيرسك وأنت حترس املال‪ ،‬املال تنقصه النفقة‬
‫والعلم ينمو باإلنفاق»‪ ،‬نتحدث هنا عن اجلميل الذي قدمه شيخنا الفضيل لإلسالم‬
‫واملذهب‪« ،‬العلم حاكم واملال حمكوم عليه‪ ،‬هلك خزان املال وهم أحياء»‪ ،‬شيخنا‬
‫العزيز‪ ،‬أنت بعيد عن األنظار ولكن وجودك يف القلوب حارض‪ ،‬فمؤلفاته جتعله‬
‫خالدخ ا‪.‬‬
‫يف إفريقيا عندنا مثل يقول إن الشجرة التي يصعد عليها والدك أو أستاذك‬
‫ليصل إىل القمة فإذا مل تستطع الصعود فاجلس جانبها‪ ،‬فإذا مل نستطع الصعود إىل ما‬
‫وصل إليه الشيخ فلنجلس قري خبا من الشجرة التي صعد عليها الشيخ ونقطف من‬
‫ثامرها (املؤلفات)‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫رجل علم وإميان وعمل‬

‫من خطبة اجلمعة للشيخ عيسى قاسم بتاريخ ‪1043 /1 /41‬م‬
‫ثالثة أبعاد تنظر يف شخصية اإلنسان بنظر اإليامن‪ ،‬إيامنه ودرجة هذا اإليامن‪،‬‬
‫وعلمه ومستوى ما عليه علمه‪ ،‬ودوره النافع وما هلذا الدور من أمهية ومساحة‬
‫وامتداد‪ ،‬فكل شخصية تكتسب أمهيتها يف مدرسة اإلسالم من جمموع هذه األبعاد‬
‫الثالثة وما هلا من جتذر وترسخ فيها وامتداد‪.‬‬
‫وآية اهلل الدكتور األستاذ الشيخ عبد اهلادي الفضيل مؤمن عامل عامل‪ ،‬مؤمن‬
‫عن علم‪ ،‬وعامل يف إيامن‪ ،‬وعامل بعلمه وإيامنه‪ ،‬وعىل هدى وبصرية وقد عرفته‬
‫األوساط باإلخالص‪.‬‬
‫أعطى لإليامن‪ ،‬وأعطى للعلم‪ ،‬وأعطى حلركة التصحيح والتغيري واإلصالح‬
‫يف األمة‪ ،‬وكان رجل الرت ّفع عام ترتفع عنه الشخصيات اجلليلة‪ ،‬ورجل التواضع ملن‬
‫حيب اهلل أن يتواضع له‪ ،‬ورجل اخللق الكريم‪.‬‬
‫كتب ومل يكتب لتسويق ما كتب‪ ،‬وإنام ل ُينتفع بام كتب‪ ،‬كتابته علمية ّثرة رصينة‬

‫متامسكة بعيدة عن الفضول‪ ،‬ال يرسق من وقت ّقراءها‪ ،‬وال تستهدف متضية الوقت‬

‫وال تقع يف تضييعه‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫تتبع شخصيته الفذة الفطنة والنباهة والوعي والبساطة والتسامح واالنفتاح‬
‫والتواضع‪..‬‬
‫بصدق‪ ،‬وعمل عىل إنقاذها ٍ‬
‫ٍ‬
‫بجد‪ ،‬وعىل استعادة وحدهتا‬
‫هم األمة‬
‫ممن عاش َّ‬
‫ٍ‬
‫خالص‪ ،‬وممن أجاد خماطبة األمة واهتدى طريق إنقاذها بالعودة‬
‫وعزهتا وكرامتها بإ‬
‫اجلادة منها لرهبا‪ ،‬وقرآهنا ونبيها وأئمتها الذين ّ‬
‫دهلا اهلل (عز وجل) عليهم‪ ،‬ورضيهم‬
‫هلا ولإلنسانية مجعاء أئمة وسادة وقادة‪.‬‬
‫ذلك هو الشيخ الفضيل الذي فجعت األمة بفقده‪.‬‬
‫ويف نعيه واقع شاخص من اإليامن والعلم والعمل الصالح‪ ،‬واجلهاد واملصابرة‪.‬‬
‫ولفقده ترفع التعازي لصاحب العرص والزمان (عجل اهلل فرجه الرشيف)‬
‫ولفقهاء األمة وعلامئها‪ ،‬وعموم املؤمنني واملسلمني‪ ،‬وأرسته الكريمة‪.‬‬
‫عوض اهلل األمة املسلمة عن كل عامل من علامئها املخلصني اهلادين ممن تفتقد‬
‫ّ‬
‫وأعزها باتباع الدين احلق‪ ،‬ورحم شيخ نا األستاذ وبوأه املنزلة الرفيعة يف‬
‫نوره وهداه ّ‬
‫اجلنة‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫آية اهلل الشيخ الناصري ينعى الشيخ الفضلي ويقيم‬
‫جملس عزاء على روحه الطاهرة‬

‫عامر احلسيني‪ ،‬شبكة أخبار النارصية‪ 41 ،‬أبريل ‪1043‬م‬
‫أقام آية اهلل الشيخ حممد باقر النارصي جملس عزاء عىل روح فقيد األمة‬
‫اإلسالمية سامحة العالمة الكبري آية اهلل املحقق الشيخ عبد اهلادي الفضيل‪.‬‬
‫وقال الشيخ النارصي يف بيان نعى فيه الفقيد وحصلت شبكة أخبار النارصية‬
‫عىل نسخة منه‪ ،‬إن سامحته لبى نداء ربه اليوم بعد عمر من العلم والعمل والتأليف‪.‬‬
‫علام من أعالم األمة وحمق خقا عرفته حوزة النجف‬
‫وأضاف‪ ،‬لقد كان الفقيد خ‬
‫األرشف واحلوزات واجلامعات العربية واإلسالمية حيث ربى أجياالخ وخرج أجياالخ‬
‫من العلامء واألكاديميني من العرب واملسلمني‪ .‬وأوضح أنه كان من أوائل جيل‬
‫الوعي والصحوة اإلسالمية املعارصة يف العراق والعامل ونشأ عىل يده كثري من‬
‫فضالء احلوزة العلمية والعاملني فيها‪ ،‬فض خ‬
‫ال عن أنه رفد احلوزات بكتبه وحتقيقاته‬
‫فهو من خرية رفاقنا ومفاخر حوزاتنا ألكثر من ستني عا خما خلت يف العلم والعمل‪.‬‬
‫وانتهى الشيخ النارصي قائ خ‬
‫وشق علينا نعيه فإنا هلل وإنا‬
‫عز علينا فراقه ّ‬
‫ال‪« :‬لقد ّ‬
‫إليه راجعون‪ ،‬ونحن إذ نعزي رفاق الدرب من املراجع والعلامء واملحققني وكافة‬
‫عاريف فضل الفقيد نترضع إىل اهلل العيل القدير بأن يرفع درجاته»‪.‬‬
‫‪17‬‬

‫ال لكل األومسة وعمادًا‬
‫كان الشيخ الفضلي أه ً‬
‫للحركة اجلهادية يف السعودية‬

‫الشيخ حممد عيل التسخريي ‪1043/1/41‬م‬
‫قال آية اهلل الشيخ حممد عيل التسخريي املستشار األعىل لقائد الثورة االسالمية‬
‫يف إيران‪ ،‬إن العالمة الفقيد الشيخ الدكتور عبد اهلادي الفضيل ‪ ،‬كان عا خملا‬
‫وفقيها مثق خفا عاش حياته يف ل العلم والعلامء وقدم للوسط العلمي‬
‫موسوع ًّيا‬
‫خ‬
‫اإل سالمي جتربة فريدة صاغت املعرفة بالروحانية ودجمت بني الفكر األصيل‬
‫منهجا‬
‫واملنهجية املعارصة؛ زاوج بني املسرية احلوزوية واألداء األكاديمي‪ ،‬ليعطي‬
‫خ‬
‫نتاجا علم ًّيا للحوزات‪ ،‬صار يف بعض األحيان كتا خبا دراس ًّيا‬
‫جديدخ ا يف الرتبية ويقدم خ‬
‫هلا‪.‬‬
‫وأكد الشيخ التسخريي‪ ،‬يف كلمة له أمام حشد علامئي غفري أقيم‪ ،‬أمس‬
‫اخلميس‪ ،‬بمدرسة احلجازيني اإلسالمية يف حمافظة قم املقدسة‪ ،‬إن شيخنا الفقيد كان‬
‫أدي خبا بار خعا استطاع أن يوصل فكر أهل البيت ‪ ،A‬ويبني فضائل هؤالء األطهار من‬
‫خالل آثاره العلمية واألدبية الثمينة وحضوره الفاعل يف املراكز العلمية‬
‫واألكاديمية‪ ،‬وحارض أكاديم ًّيا يف بلدان عديدة كجامعة الفقه بالنجف األرشف‬
‫وجامعة جدة بالسعودية‪ ،‬وكلية العلوم اإلسالمية يف لندن‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫وأشار آية اهلل التسخريي‪ ،‬إىل أن الشيخ الفضيل‪ ،‬خلف للعامل اإلسالمي العديد‬
‫من املؤلفات التي أصبحت اليوم مرج خعا علم ًّيا للباحثني واملحققني‪ ،‬وقدم نبذة من‬
‫الطلبة والدارسني يف املجاالت احلوزوية واجلامعية‪ ،‬فكان املفكر األملعي اجلامع‬
‫واملؤلف اإلسالمي الكبري واملريب الديني للجامهري‪.‬‬
‫وأضاف سامحته‪ ،‬إن الشيخ الدكتور الفضيل نال إعجاب العلامء األعالم‬
‫بعبقريته يف حتصيل شتى العلوم وقد وصفه الشهيد السيد حممد باقر الصدر بأنه ممن‬
‫رقام من األرقام احلية عىل عظمة حوزة النجف العلمية‪.‬‬
‫يرفع الرأس عال خيا ويشكل خ‬
‫وشدد املستشار األعىل لقائد الثورة االسالمية عىل أن آية اهلل الدكتور الفضيل‪،‬‬
‫أهل لكل األوسمة‪ ،‬وكان العامد الداعم للحركة اجلهادية يف املنطقة الرشقية باململكة‬
‫العربية السعودية‪ ،‬يلجأ إليه العلامء وطالب العلوم اإلسالمية لينتهلوا من آرائه‬
‫وأفكاره احلكيمة والسامية‪.‬‬
‫ودعا الشيخ التسخريي طالب احلوزات االسالمية وعمالء الدين‪« ،‬الذين‬
‫يريدون أن يسلكوا طريق الكامل»‪ ،‬إىل التأيس بالعالمة املرحوم الشيخ الفضيل؛‬
‫سائ خ‬
‫يتغمده برمحته الواسعة وأن يسكنه فسيح جنانه‪.‬‬
‫ال املوىل القدير أن ّ‬

‫‪19‬‬

‫املعتوق‪ :‬عبد اهلادي الفضلي أثرى املكتبة اإلسالمية‬
‫واحلوزات العلمية مبؤلفاته‬

‫عامر اهلاشم‪ ،‬صحيفة النهار الكويتية ‪ -‬العدد ‪1043/1/41 - 4219‬م‬
‫وسط حضور رجال الدين وشخصيات بارزة يف املجتمع وحشد من املؤمنني‪،‬‬
‫أقامت حسينية الزهراء يوم اخلميس حف خ‬
‫ال تأبين ًّيا للفقيد الفقيه واملفكر اإلسالمي‬
‫سامحة العالمة آية اهلل الشيخ عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬حيث تطرق الشيخ حسني املعتوق‬
‫يف كلمته عىل آثاره الكبرية وعن مؤلفاته التي غذت املكتبة‪ ،‬ويستفيد منها طالب‬
‫احلوزات الدينية واجلامعات‪.‬‬
‫وأضاف املعتوق بأن العامل االسالمي فجع بخرب رحيل سامحة آية اهلل د‪ .‬الشيخ‬
‫عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬مؤكدخ ا بأنه بوفاته فقد العامل اإلسالمي أحد أعالمه البارزين‬
‫مصدرا‬
‫ورجال دينه الذين أثروا املكتبة االسالمية بمؤلفاهتم وكتبهم التي أصبحت‬
‫خ‬

‫ومرج خعا ألغلب طالبي العلوم اإلسالمية‪.‬‬

‫وأشار املعتوق إىل أن الفقيد كان رسال ًّيا ومنهج ًّيا مثق خفا‪ ،‬حيث كنا يف شبابنا‬
‫بأمس احلاجة جلهوده وأمثاله ممن اجتمعت فيهم هذه الصفات العلمية والرسالية‬
‫الكريمة حلل مشاكل األمة وامليض هبا لألمام بأبنائها‪ ،‬وكان لنا ما تأملنا به‪ ،‬حيث‬
‫أصبحت علومه وكتبه تدرس يف احلوزات العلمية واملدارس اإلسالمية احلديثة‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫وتطرق املعتوق إىل صفات وخلق الراحل الشيخ الدكتور عبد اهلادي الفضيل‬
‫حيث أكد أنه حتىل بشخصية رائعة حمبوبة بني املسلمني مجي خعا‪ ،‬إذ شخص بفطرته منذ‬
‫سنواته الدراسية املبكرة يف احلوزة احلاجة إىل التحديث وإعادة النظر لتواكب‬
‫متطلبات املعارصة وحتدياهتا واجتهد من أجل حتقيق هذا اهلدف السامي‪.‬‬

‫‪91‬‬

‫أمري الشرقية يُقدّم واجب العزاء يف وفاة الفضلي‬

‫صحيفة الرشق ‪1043/1/41‬م ‪ -‬العدد ‪195‬‬
‫قدم أمري املنطقة الرشقية األمري سعود بن نايف عرص أمس‪ ،‬تعازيه ألرسة‬
‫الفضيل يف وفاة الدكتور الشيخ عبد اهلادي الفضيل الذي وافته املنية اإلثنني املايض‪.‬‬
‫وكان يف استقباله لدى وصوله ملجلس السيد عيل النارص يف حي العنود‬
‫بالدمام‪ ،‬ذوو الفقيد وعدد من املشايخ والعلامء‪.‬‬
‫ودعا األمري سعود بن نايف أن يلهم ذويه وحمبيه الصرب والسلوان‪ ،‬وأن يتغمد‬
‫الفقيد بواسع رمحته‪.‬‬

‫عرب ذوو الراحل عن شكرهم وتقديرهم ألمري الرشقية عىل هذه‬
‫من جهتهم‪ّ ،‬‬

‫اللفتة احلنونة التي كان هلا أثر كبري يف ختفيف أملهم وحزهنم يف هذا املصاب‪.‬‬

‫كام وصل إىل املنطقة الرشقية قاد خما من العاصمة اللبنانية بريوت‪ ،‬السيد عيل‬

‫نجل املرجع الديني الراحل السيد حممد حسني فضل اهلل‪ ،‬وقدم واجب العزاء لذوي‬
‫الفقيد وحمبيه وعلامء املنطقة بمصاب رحيل الفضيل‪ ،‬وحرص فضل اهلل عىل زيارة‬
‫قرب الفقيد يف مقربة سيهات حيث ووري الثرى‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫الراحل الفضلي مصداق العامل الرباين‬

‫من خطبة اجلمعة للشيخ حسن الصفار ‪1043/1/41‬م‬
‫أشاد سامحة الشيخ حسن الصفار بشخصية الراحل آية اهلل الدكتور الشيخ عبد‬
‫نموذجا ومصدا خقا‬
‫ربا إياه «أ‬
‫خ‬
‫اهلادي الفضيل الذي انتقل إىل جوار ربه قبل أيام معت خ‬

‫للعامل الرباين»‪.‬‬

‫جاء ذلك خالل خطبة اجلمعة (‪ 1‬مجادى االخرة ‪1434‬ه املوافق ‪ 12‬ابريل‬
‫‪2013‬م) التي ألقاها الشيخ الصفار يف مدينة القطيف رشق السعودية‪ .‬وقال سامحته‬
‫«آية اهلل الدكتور الشيخ عبد اهلادي الفضيل أنموذج ومصداق للعامل الرباين ملا هر‬
‫من عشقه للعلم واملعرفة طوال حياته الرشيفة والنعكاس العلم عىل سلوكه»‪.‬‬
‫واعترب الشيخ الصفار رحيل الشيخ الفضيل «خسارة ليس علينا يف املنطقة فقط‬
‫وإنام يشعر هبذه اخلسارة احلوزات العلمية واألوساط العلمية»‪.‬‬
‫وتناول سامحته أمام حشد من املصلني جوانب من سرية الراحل‪ .‬وأشاد‬
‫بالفاعلية التي متيز هبا الفضيل يف خمتلف الظروف ومن ذلك دوره يف تأسيس احلركة‬
‫اإلسالمية ويف تطوير املناهج يف اجلامعات واحلوزات العلمية‪ .‬وأضاف بأن الراحل‬
‫استمر بذات الفاعلية مع انتقاله من العراق إىل اململكة واشتغاله بالسلك األكاديمي‬
‫وتأسيسه قسم اللغة العربية يف جامعة امللك عبد العزيز بجدة إىل جانب انخراطه يف‬
‫‪93‬‬

‫سلسلة من اهليئات واملؤسسات داخل وخارج اجلامعة‪.‬‬

‫كبري يف املنطقة عرب ممارسته التثقيف‬
‫وقال سامحته إن الشيخ الفضيل كان له ٌ‬
‫دور ٌ‬

‫اجلامهريي إىل جانب رعاية وتربية جيل من املثقفني‪.‬‬

‫وأشار سامحته إىل ما وصفها باالستمرارية العلمية للفقيه الراحل وحرصه عىل‬
‫ممارسة االجتهاد وتنقيح اآلراء وإضافة اجلديد منها والنأي يف مقابل ذلك عن‬
‫الكتابة اإلنشائية وتكرار ما تناولته البحوث السابقة‪ .‬وأضاف الشيخ الصفار أن‬
‫دائام بغزارة البحث وسعة االطالع‪.‬‬
‫كتابات الشيخ الفضيل اتسمت خ‬

‫وقال بأن الراحل كان طوال حياته مهمو خما بالعلم واستمر يف الكتابة حتى بعد‬

‫تعرضه لظروف صحية قاسية وإصابته بالشلل النصفي نتيجة جلطة دماغية‪.‬‬

‫وتناول الشيخ الصفار مطوالخ السجايا األخالقية العالية التي امتاز هبا الراحل‬
‫قائ خ‬
‫ال «كان ُيجل اإلنسان بتواضعه وحسن انصاته والنأي عن استعراض عضالته‬
‫العلمية عىل أحد»‪ .‬وأشار سامحته إىل أن الراحل الفضيل كان أبعد ما يكون عن‬
‫االنفعالية حتى مع بعض من أساء إليه متناوالخ يف ذات السياق سلسلة من املواقف‬
‫التي عايشها مع الراحل‪.‬‬

‫وقال الشيخ الصفار مشيدخ ا بالشيخ الفضيل «هكذا ينبغي أن يكون العامل املنتمي‬
‫ملدرسة جعفر بن حممد الصادق‪ ،‬العامل الذي يتفاعل مع األجواء احلسنة التي‬
‫يعيشها‪ ،‬وحيسن التعامل مع اجلميع وينفتح عىل اجلميع‪ ،‬وتكون له فاعلية يف كل‬
‫روف»‪.‬‬

‫‪94‬‬

‫الشيخ الفضلي ‪ ‬حفظ للطائفة كينونتها‪ ،‬وردم‬
‫اهلوّة بني السنة والشيعة‬

‫من خطبة اجلمعة للسيد عبد اهلل املوسوي ‪1043/1/41‬م‬
‫ورد يف اخلرب عن اإلمام الصادق ‪ C‬أنه قال‪« :‬عامل ينتفع بعلمه أفضل من‬
‫سبعني عابد»‪.‬‬
‫إنه ملن دواعي األمل أن يتم دفن هذا العلم الذي فقدناه باألمس‪ ،‬ومن األمور‬
‫األكثر إيال خما الوقوف لتأبينه رضوان اهلل عليه‪.‬‬
‫املنطقة بل الطائفة بل العامل اإلسالمي فقد باألمس رج خ‬
‫ال هو بحق رفع راية‬
‫اإلسالم منذ نعومة أ فاره‪ ،‬منذ أن كان يف الرابعة عرشة من عمره الرشيف‪.‬‬

‫‪ ‬من هو الفضليّ؟‬
‫احلديث هنا باقتضاب باعتبار أن هناك ثمة معرفة شخصية هبذا العلم يف‬
‫املنطقة‪ ،‬أقول‪ :‬الشيخ الفضيل رضوان اهلل عليه مولود يف عام ‪ ،1354‬وقد خرج من‬
‫البرصة عام ‪ 1361‬وكان له من العمر أربعة عرش عا خما‪ ،‬نعم قبل الرابعة عرشة كان‬

‫أيضا مقدمات حوزوية عند والده وعند الشيخ جاسم‬
‫يدرس يف االبتدائية‪ ،‬ويدرس خ‬
‫البصري رضوان اهلل عليهام‪ .‬ويف سن الرابعة عرشة أهنى االبتدائية وأهنى املقدمات يف‬
‫‪95‬‬

‫ٍ‬
‫حينئذ ثم رحل إىل النجف األرشف‪.‬‬
‫النحو والرصف والبالغة (اللغويات)‪ ،‬أهناها‬
‫من حيث األبوين عاش يف ل والده الذي يعترب أحد كبار علامء البرصة بل‬
‫حمور علامئها آنذاك‪ ،‬وأمه السيدة اجلليلة من آل البطاط (سادة البطاط) املجودين يف‬
‫البرصة‪ ،‬وهي من قبيلة معروفة وعشرية معروفة بالرشف والسؤدد‪.‬‬
‫الشيخ وإن كان يف األصل من املنطقة من قرية العمران إالّ أنه عاش يف البرصة‬
‫باعتبار أن أباه كان ثقة املراجع يف البرصة وكانت لديه الوكاالت من مراجع العرص‪،‬‬
‫مثل‪ :‬السيد أبو احلسن ـ عليه الرمحة ـ وبقية املراجع ‪ ‬فكان ثقة املراجع آنذاك‪،‬‬
‫لذا ولد ـ رمحة اهلل عليه ـ يف قرية يقال هلا الصبخة يف مدينة البرصة‪ ،‬عرف عنه النبوغ‬
‫لذا اهتم به والده منذ الصغر‪.‬‬
‫تعرف عىل‬
‫والدليل أنه مل يكمل ‪ 20‬سنة أو أنه كان يف العرشين من العمر ّ‬

‫الشيخ اآلغا بزرگ الطهراين ‪ ‬وكتب له إجازة رواية‪ ،‬جاء يف اإلجازة كلامت‬
‫تدل عىل حالة النبوغ املوجودة عند شيخنا الراحل ‪ ،‬وهو بالفعل أحد مفاخر‬
‫هذه املنطقة التي ُيفرتض ‪ -‬حقيق خة ‪ -‬أن أكثر الناس حتتفي به يف هذه املنطقة‪ ،‬يقول‬
‫عنه ‪ ‬يف إجازته‪( :‬الشيخ الفاضل البارع الشاب املقبل الواصل يف حداثة سنه إىل‬
‫أعايل مراقي الكامل والبالغ من الفضائل مبل خغا ال ينال إالّ بالكد األكيد من كبار‬
‫بحاثة عالمة وعنده عالقة‬
‫الرجال)‪ ،‬وهذا تقييم البزورك الطهراين‪ ،‬واآلغا الطهراين ّ‬
‫تواصل مع مجيع احلوزات العلمية‪.‬‬
‫وهذا يعني أنه مر عليه اآلالف من العلامء‪ ،‬فحينام ُيق ايم فإنه ال ُيق ايم إالّ عن‬
‫خربة وليس جزا خفا‪ ،‬ففرق بني إنسان هذه العبارات عنده كقالب يقوله لكل إنسان‪،‬‬
‫وبني إنسان أنضجته السنون‪ ،‬فحينام ُيق ايم يكون تقييمه نا خجتا عن معرفة‪ ،‬الشيخ اآلغا‬
‫الطهراين هو من هذا الصنف‪ .‬أنظر إىل تقييمه يف (طبقات الشيعة) ويف (الذريعة‬
‫لألعالم) من أعالم هذه الطائفة‪ ،‬ال جتد أن هناك ثمة تشابه بني ترمجة وترمجة ألنه‬
‫‪96‬‬

‫يتحدث عن معرفة شخصية وهذا مهم جدخ ا‪.‬‬

‫‪ ‬مخسة عباقرة سبقوا أزمتنهم‪..‬‬
‫الشيخ الفضىل ‪ ‬بعد رحيله إىل النجف بدأ دراسته فاختار األساتذة األكفاء‬
‫أوالخ واألصدقاء النامذج ثان خيا‪ .‬يمكن لإلنسان أن يتار أي مدرس يف احلوزات‬
‫العلمية عندنا هبذه الطريقة ويمكن أن يلتقي بأي شاب أو أي شيخ أو أي سيد‪ ،‬لكن‬
‫الفرق هو حسن االختيار وهذا احلسن لالختيار يدل عىل رجاحة عقل‪ ،‬ألن اإلنسان‬
‫إذا اختار صدي خقا فبالصديق يمكن أن يعرف‪( ،‬قل يل من تصادق أقل لك من أنت)‬
‫كام يقولون‪ ،‬أساتذته يف النجف األرشف هم‪:‬‬
‫‪ .1‬السيد حمسن احلكيم‪.‬‬
‫‪ .2‬والسيد أبو القاسم اخلوئي‪.‬‬
‫‪ .3‬والشيخ حممد رضا املظفر‪.‬‬
‫‪ .4‬والسيد حممد تقي احلكيم‪.‬‬
‫‪ .5‬والشهيد الصدر‪.‬‬
‫فقها وأصوالخ وأخال خقا‪.‬‬
‫إذن األساتذة مخسة من العباقرة الذين سبقوا أزمنتهم خ‬
‫أما زمالؤه ومن اختارهم للعمل معهم‪ ،‬فهم من تركوا أكرب األثر يف حياتنا وما‬
‫زالوا يعتربون قادة املدارس احلركية التي حتكم الساحة اإلسالمية يف يومنا هذا‪ ،‬وهم‬
‫رواد النهضة اإلسالمية احلديثة‪ ،‬أمثال‪:‬‬
‫ّ‬
‫‪ .1‬الشهيد الصدر ‪ ‬كان أستا خذا وزمي خ‬
‫ال يف نفس الوقت كان أستا خذا له يف الفقه‬
‫وزمي خ‬
‫ال له عند السيد اخلوئي ‪ ،‬هذا وضع طبيعي يف احلوزات العلمية‪ ،‬رمحة‬
‫اهلل عىل اإلمام اخلميني كان يدرس عند السيد حممد تقي اخلونساري وبعد أن‬
‫ينهي الدرس يذهب هو وأستاذه مجي خعا إىل درس الشيخ احلائري اليزدي‪.‬‬
‫‪97‬‬

‫‪ .2‬الشيخ حممد مهدي شمس الدين‪.‬‬
‫‪ .3‬الشيخ حممد عيل التسخريي‪.‬‬
‫وكام ذكرت فإن أولئك األساتذة كانوا يتحكمون – حقيقة ‪ -‬يف الساحة‪،‬‬
‫ونحن نتاج تلك احلقبة‪ ،‬كنا ال نقرأ إالّ لواحد من هؤالء‪ ،‬وهؤالء هم زمالء الشيخ‬
‫‪ ،‬وهم رواد النهضة احلديثة كام يقال‪ ،‬تلك الثلة املرتبطة بمرجعية السيد احلكيم‬
‫واملرتبطة بالشهيد الصدر‪.‬‬
‫أذكر مث خ‬
‫ال الشيخ حممد أمني زين الدين عندما تذكره جتده من هذا اجليل‪،‬‬
‫عندما تذكر كل من كتب عن الثقافة اإلسالمية بشكل عام أو عن العقيدة التي يراد‬
‫ان تصل إىل اجلميع ويفهمها اجلميع ستجد أن كتاهبا وروادها هم هذه الثلة‪ ،‬من جاء‬
‫بعدهم فهو عيال عليهم‪.‬‬
‫ومن األمثلة مما كتب الشيخ الفضيل‪ ..،‬وهو يف ريعان شبابه ‪ ‬كتب كتاب‬
‫(مشكلة الفقر) الذي كان يدرس عند النخب املثقفة ملواجهة احلركة الشيوعية‪ .‬إذن‬
‫حينام كان يف النجف كان العلم يمأل جوانحه واالهتامم بالساحة اهتامم بالفكر‬
‫اإلسالمي يأخذ كل وقته ‪.‬‬

‫‪ ‬حىت ال حيصل احنراف فكري يف اجلامعات‬
‫وبعدما انتقل إىل جده وهذه النقلة مهمة فيها َشء من الرمزية لدخول املرحلة‬
‫الثالثة‪ .‬نحن نعلم بأن علامء إيران دخلوا إىل اجلامعة مبكرين؛ لئال حيصل انزالق‬
‫وانحراف‪ .‬فأنت تالحظ أن الدول اإلسالمية األخرى‪ ،‬حينام تَدَ ُع العلامء والدعاة‬
‫الذين يعيشون حالة الوعي وختلوا منهم اجلامعات‪ ،‬ما الذي حصل‪ ،‬ساد الفكر‬
‫الشيوعي والليربايل والعلامين وسادت كل املدارس تقري خبا إال الفكر اإلسالمي‪ .‬بينام‬
‫يف إيران ال جتد هذه احلالة ال يعني أهنا غري موجودة‪ ،‬إالّ أهنا غري سائدة بل بقي‬
‫الناس حيتفظون بمعتقداهتم والتزامهم وارتباطهم بالعلامء‪.‬‬
‫‪91‬‬

‫السيد الربوجردي واإلمام عمال م خعا عىل ملء اجلامعات بطالهبم فوجهوا‬
‫جمموعة من العلامء مثل السيد البهشتي والشهيد املطهري والشيخ حممد جواد باهنر‬
‫جسورا تربط بني املرجعية‬
‫وكثري من العلامء الذين تم توجيههم للجامعات فأوجدوا‬
‫خ‬

‫وبني األمة‪.‬‬

‫يف عاملنا العريب مل يكن هذا موجود‪ ،‬لذا احلركة التي قام هبا الفضيل ‪‬‬

‫ٍ‬
‫ومغر بالنسبة آلية اهلل‬
‫لوحده يف منطقتنا‪ ،‬باعتباره عاملا له مستقبل واملستقبل كبري‬
‫الفضيل ‪ ،‬يقول عنه الشهيد الصدر ‪ ‬يف إحدى رسائله له‪( :‬مما حيز يف النفس‬
‫أن تكون أوضاع احلوزة بشكل يزهد اإلقامة فيها أمثالكم‪ - )..‬مثلك أنت تبقى يف‬
‫احلوزة أنت املستقبل أنت األمل لو كان موجو خدا يف احلوزات لكان أحد كبار مراجع‬
‫رقام‬
‫الطائفة ‪ ،-‬ثم يقول‪( :‬يزهد اإلقامة فيها أمثالكم ممن يرفع الرأس عاليا ويشكل خ‬
‫من األرقام احلية عىل عظمة هذه احلوزة‪ ،)..‬غريب يقول أوالخ يرفع رأس احلوزة فهو‬
‫رقام من األرقام احلية عىل عظمة هذه احلوزة املباركة‪ ،‬انتاج‬
‫مفخرة حقيقية ويشكل خ‬
‫حوزوي هبذا املعنى ترك كل هذا من أجل أن يأخذ بيد شبابنا وأن يقول هلم إن‬

‫الدخول يف اجلهاز األكاديمي ال يعني االصطدام بالدين كام تم تصويره‪ ،‬يف الدول‬
‫العربية األخرى هناك عالقة عناد وعداوة بني العمة وبني األكاديمي‪.‬‬

‫‪ ‬بوعي حفظ للطائفة كينونتها‪..‬‬
‫الشيخ الفضيل ‪ ‬طرح نفسه باعتباره أحد العلامء الذين يعايشون هذه‬
‫األزمة وجيدون بأهنا ليست أزمة وإنام هي حماولة لتأزيم الوضع من غري أن يكون‬
‫هناك أسباب هلذا النوع من التأزم‪ ،‬لوكان يف النجف أو يف قم املقدسة حلصل عىل ما‬
‫ال حيلم به الكثريون ولكنه ضحى بكل هذه األمور من أجل احلفاظ عىل الدين هذا‬
‫األمر األول واألمر اآلخر‪ ،‬أنا زرت املناطق التي يتواجد فيها ‪ ،‬املنطقة الغربية‬
‫فوجدت حالة وعي عند أبنائنا الذين يعيشون حالة عزلة عنا مل تكن لوال وجوده‬
‫‪ ،‬هو من حفظ هلؤالء كينونتهم بل هو من أبقى عليهم عرب تواصله معهم‪ ،‬ومن‬
‫‪99‬‬

‫ثم هو بث احلياة من جديد يف عروقهم بربكة وجوده‪ ،‬نحن نعرف أن هناك جمموعة‬
‫من البدو واملدن القريبة من جدة من القدم مرتبطون بأهل البيت ‪ A‬وباعتبار البعد‬
‫املسايف ضعفت هذه احلالة‪ ،‬وحينام تواجد ‪ ‬كانت إحدى بركات وجوده هو‬
‫حالة الوعي التي انترشت بني هؤالء وأصبحوا ممن يفتخرون باالنتساب إىل أهل‬
‫البيت ‪ A‬باإلضافة إىل احتضانه ألبنائنا املهاجرين من أجل الدراسة هناك‪.‬‬
‫باإلضافة إىل ما قام به من خدمات للدين وهو يعيش هناك‪ ،‬وهي اإلرشاف‬
‫عىل تتبع أوراق حاالت دينية قديمة كادت أن تندثر‪ ،‬مثل‪ :‬مسألة التحقيق يف موقع‬
‫وأيضا التحقيق يف مسألة السيل الكبري وهل هذا املوجود هو امليقات أم ال‬
‫الغدير خ‬
‫وحدود احلرم وإىل آخره‪ ...‬هذا ما أفاد العلامء يف احلوزات العلمية وإىل اآلن‬
‫يستفيدون من هذه البحوث‪.‬‬
‫هذه املرحلة واق خعا مرحلة حساسة أحيت الطائفة يف املنطقة الغربية والرشقية‬
‫عىل حد سواء‪ ،‬يعني خريه وبركاته عىل الطائفة يف كلتا املنطقتني‪.‬‬

‫‪ ‬ردم اهلوة بني السنة والشيعة‪..‬‬
‫باإلضافة إىل تصديه إىل حاالت النفرة واالنقسام بني املسلمني‪ ،‬فأبرز من‬
‫عام كان اآلخرون‬
‫خالل ما تقرأون من كتبه بعض الدكاترة حوله‪ ،‬أبرز واق خعا خمتل خفا ّ‬

‫يعملون له‪ ،‬أال وهو ردم اهلوة بني السنة والشيعة وأبرز هلم العامل الشيعي الذي يق ّيم‬

‫من خالله املذهب فقوبل باعتباره أحد األعالم ال باعتباره من نفس الطائفة‪ ،‬بمعنى‬
‫أنه مل يكن يتعامل بالتقية بل باعتباره أحد أعالم مدرسة أهل البيت ‪A‬؛ لذا وهذا‬
‫املهم يق ّيمه املحقق الدقيق واملؤر الكبري املرحوم الشيخ عيل الدواين وهو أحد كبار‬
‫مؤرخينا وحمققي الرتاث يقول‪( :‬وإذا شئنا أن ننطلق من املحددات التي وضعناها‬
‫وهو وضع حمددات لنرش اإلسالم والدفاع عنه والتصدي لألفكار املعارضة‬
‫للدين‪ ،)..‬قال‪( :‬فإن حممد حسني الطبطبائي‪ - )..‬الحظ ودقق يف هذه العبارة ‪-‬‬

‫‪100‬‬

‫(‪...‬فإن حممد حسني الطبطبائي وعبد اهلادي الفضيل وأرضاهبام يدخالن يف رموز‬
‫اإلحياء اإلسالمي املعارص من خالل ما تضمنه فكرمها من مرتكزات يف اإلحياء‬
‫أيضا)‪ ،‬رائع! إنه يقرن آيه اهلل‬
‫والنهضة وكذلك من خالل بعض مسارات سلوكهام خ‬
‫الفضيل بالعالمة الطبطبائي (رضوان اهلل عليهام) يف املرشوع النهضوي‪ ،‬وهذا يأيت‬
‫ممن قبل َمن؟ من قبل عامل وحمقق هو الشيخ عيل الدواين (رضوان اهلل عليه) الذي هو‬
‫ختصصه علم الرجال وقراءة الفكر‪ ،‬حيث له أكثر من ‪ 40-30‬جملد فقط مرتبط‬
‫بعلم الرجال وفكر الرجال ‪ -‬إذن ‪ -‬يف هذه املرحلة‪ ،‬فالشيخ الفضيل (رضوان اهلل‬
‫عليه) قفز بالطائفة إىل مرتبة معينة من خالل جذب أنظار اآلخرين‪ ،‬وأتباع املدرسة‬
‫األخرى له‪.‬‬

‫‪ ‬عاصر ُت ُه وهكذا وجدتُه‪...‬‬
‫املرحلة األخرية‪ ،‬ال أ ن أهنا تكفي ولكن بشكل عام أنا عارصته يف رحلته‬
‫األخرية ‪ -‬يعني بعد تقاعده‪ ،‬يف فرتة طويلة منذ عام ‪ 1409‬حيث تقاعد‪ ،‬وأنا يف آخر‬
‫هذا العام وصلت إىل املنطقة‪.‬‬
‫وأهم ما يتميز به يف هذه املرحلة عدم الكلل والتعب (هو جاء متقاعد) يفرتض‬
‫أيضا مل نقم حقيقة بعمل إالّ صالة اجلامعة‬
‫أن يلد للراحة‪ ،‬ونحن شباب وأصحاء خ‬
‫وقليل من العمل اإلرشادي والثقايف واالجتامعي‪.‬‬
‫عمل عظيم لكن إذا جئت ألقارنه هبذا الشيخ اجلليل أجد أن هناك ثمة تفاوت‬
‫ٍ‬
‫حينئذ‪ ،‬يعني نحن‬
‫كبري‪ ،‬فالرجل جاء ال ليسرتيح بل لينطلق من جديد وكأنه شاب‬
‫حينام جئنا لسنا أكثر حرارة منه بل كنا نتزود بالطاقة منه كشيخ كبري يف السن‪ ،‬أنا‬
‫كنت حينام أجلس بجانبه‪ ،‬أو أنظر إليه يف مشاركاته واق خعا ألوم نفيس‪ ،‬فنحن كنا‬
‫شبا خبا يف ذلك الوقت وكانت أعامرنا يف حدود ‪ 27‬سنه تقري خبا‪ ،‬كنت واق خعا ألوم نفيس‬
‫أنه كيف أن الشيخ يف الستني من العمر ونحن بعد شباب ال نقوم بام يقوم به‪.‬‬
‫‪101‬‬

‫عىل أقل تقدير ال يكون لنا ثمة تواجد‪ ،‬فهو جتده يف األحساء ويف القطيف‬
‫والدمام ويف أماكن أخرى ليوصل رسالته وحيمل رسالته‪ ،‬بينام نحن كنا نخلد‬
‫للراحة‪.‬‬

‫ت االندفاعة والنشاط‪..‬‬
‫‪ ‬منه استلهم ُ‬
‫هذا األمر وهو األعم وأختم به‪ ،‬وإن كانت بقيت هذه املرحلة ناقصة‪ ،‬حينام‬
‫أردت أن أرشع يف النشاط االجتامعي والتبليغي ذهبت إليه ‪ ،‬طرحت عليه‬
‫ُ‬
‫جمموعة من املسائل قلت له‪ :‬لكنني أخشى‪ ..‬ألنني كنت صاحب جتربة يف النجف‬
‫األرشف‪ ،‬كانت بداية دراستي وبعدها ذهبت إىل قم املقدسة‪ ،‬عشت جتربة‪ ،‬وإذا كان‬
‫هناك ثمة عمل رسايل أجد معوقات كثرية‪ ...‬فاإلنسان تشن عليه محالت ال مربر هلا‬
‫حقيقة‪ ،‬ألهنا إما حتدث عن قضايا يف القلوب‪ ،‬فهذه مشكلة‪ ،‬فكنت أقول له هنالك‬
‫أمور ينبغي التصدي هلا أخشى من هذه املسألة باحلرف الواحد‪ ،‬قال يل‪( :‬سيدنا‬
‫جتاهلهم وال تلتفت للوراء)‪ ،‬قلت له‪ :‬شيخنا اجلليل املسألة ليست مسألة بناء فقط‪،‬‬
‫ألنك حينام تبني فإنه يوجد من هيدم تتحرك‪ ،‬قال يل‪( :‬ما كان هلل ينمو)‪ ،‬وحينها واهلل‬
‫وكنت كلام واجهت مشكلة كنت أجد‬
‫كانت يل هذه االندفاعة بربكة وجوده ‪،‬‬
‫ُ‬
‫منه االحتضان لكل عمل رسايل ولكل عمل يفيد هذه الطائفة‪ ،‬وهذه األمة‪،‬‬
‫واألخوة الذين كانوا يرافقونني أكثر من شخصني من املشايخ وغريهم يشهدون‬
‫بذلك‪ ،‬لذا فنحن حينام نفتقده يف احلقيقة ال نفتقده كأب وال نفتقده فقط آية هلل‪ ،‬لكننا‬
‫نفتقد رج خ‬
‫ال يف الثامنني ولكن حينام تزوره تشعر أنه ال زال يف حرارة العرشينات من‬
‫عمره الرشيف‪ ،‬وهذا الفرق بينه وبني غريه‪.‬‬

‫‪ ‬واخلامتة دعاء‪..‬‬
‫أسأل من اهلل (عز وجل) أن يدخله الفسيح من جناته‪ ،‬وأن حيرشه مع حممد‬
‫وآله‪ ،‬كام أسأل منه عز وجل أن يوفقنا لالستفادة من تراثه ‪ ،‬كام أسال من اهلل أن‬

‫‪102‬‬

‫ينرص اإلسالم واملسلمني وأن يذل الكفار واملنافقني‪ ،‬وأسأل من اهلل أن ينرص ويل‬
‫أمر املسلمني‪ ،‬وأن حيفظ مراجعنا العظام‪ ،‬وأن يؤيدهم وينرصهم‪ ،‬كام أسأله سبحانه‬
‫وتعاىل أن ينرص حكيم آل حممد واملجاهدين عىل الثغور‪ ،‬وأن يوفقكم وحيفظكم‬
‫والسالم عليكم ورمحة اهلل وبركاته‪.‬‬

‫‪103‬‬

‫القسم الثاين‬

‫كـتـابـات الـوفـاء‬
‫مـن الـرحـيـل حـ ّتـى األربـعـيـن‬

‫‪105‬‬

‫املوت يغيب علمًا من أعالم اإلصالح يف الفكر‬
‫والثقافة‬

‫مركز آفاق للدراسات والبحوث ‪1043/1/2 -‬‬
‫غ ّيب املوت اليوم االثنني الشيخ الدكتور عبد اهلادي الفضيل املعروف بعد‬
‫رصاع طويل مع املرض‪.‬‬
‫وعلام من أعالم‬
‫رمزا من رموز اإلصالح الفكري يف املنطقة‬
‫ويعد الفضيل خ‬
‫خ‬
‫الفكر واألدب‪.‬‬
‫وأعلنت عائلة الفقيد أن مراسم التشييع ستجري غدخ ا الثالثاء يف مدينة سيهات‬
‫بمحافظة القطيف‪.‬‬
‫ومجع الفضيل بني الدراسات احلوزوية واألكاديمية وبلغ أعىل الدرجات‬
‫العلمية يف احلوزات العلمية واألكاديمية‪.‬‬
‫ودرس يف احلوزة العلمية يف النجف األرشف األصول عىل أبرز أساتذة احلوزة‬
‫ومنهم آية اهلل السيد أبو القاسم اخلوئي‪ ،‬آية اهلل الشيخ حممد طاهر آل رايض‪ ،‬آية اهلل‬
‫الشيخ حممد رضا املظفر وآية اهلل السيد حممد تقي احلكيم‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫كام درس الفقه عىل يد آية اهلل السيد حمسن احلكيم‪ ،‬آية اهلل السيد أبو القاسم‬
‫اخلوئي وآية اهلل السيد حممد باقر الصدر‪.‬‬
‫وغادر النجف األرشف سنة ‪ 1971‬للعمل أستا خذا ملاديت النحو والرصف يف‬
‫جامعة امللك عبد العزيز يف مدينة جدة‪.‬‬
‫وابتعث بعدها لدراسة الدكتوراه يف كلية دار العلوم بجامعة القاهرة التي خترج‬
‫منها سنة ‪ 1976‬بدرجة دكتوراه يف اللغة العربية يف النحو والرصف والعروض‬
‫بتقدير امتياز مع مرتبة الرشف‪.‬‬
‫وينظر للشيخ الفضيل باعتباره ثقة املفكر اإلسالمي الكبري الشهيد حممد باقر‬
‫الصدر وقد أشار الشهيد يف بعض رسائله للشيخ الفضيل بأنه من مفاخر احلوزة‬
‫العلمية بالنجف‪.‬‬
‫كام نعى الفقيد السيد عيل فضل اهلل بقوله‪« :‬لقد فقد العامل اإلسالمي بوفاة‬
‫وفقيها جمد خدا‪ ،‬أثرى املكتبة‬
‫كبريا‪،‬‬
‫خ‬
‫سامحة الشيخ عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬عا خملا إسالم ًّيا خ‬
‫اإلسالمية باملؤلفات واألبحاث الفقهية والفكرية واألدبية‪ ،‬وكان من الشخصيات‬

‫اإلسالمية الوحدوية التي عملت بصدق للوحدة اإلسالمية‪ ،‬وأرادت للمجتمع‬
‫اإلسالمي أن يعيش هذه الوحدة يف مواجهة كل أولئك الذين أرادوا اإليقاع بني‬
‫املسلمني السنة والشيعة»‪.‬‬
‫ويعد االنتاج العلمي والثقايف املتعدد للعالمة الفضيل‪ ،‬بأنه ال يؤسس للعزلة‬
‫والقطيعة مع العامل احلديث‪ ،‬وإنام هو يبلور خيار الفهم اإلسالمي الذي ال يتناقض‬
‫يف مسريته وخياراته مع التواصل الف ّعال مع العرص والعامل احلديث‪.‬‬
‫واإلسالم يف املحصلة النهائية يمتلك قدرة فكرية ومنهجية وثقافية هائلة‪ ،‬عىل‬
‫التطور واالنفتاح والتفاعل مع مكاسب العلم واحلضارة احلديثة‪.‬‬
‫‪101‬‬

‫وجتربة العالمة الفضيل العلمية (احلوزوية واألكاديمية) والثقافية واالجتامعية‬
‫والسياسية‪ ،‬غنية ومليئة بالعرب والدروس‪ ،‬وفيها الكثري من املحطات التي تثري‬
‫العديد من األسئلة‪.‬‬
‫وإذا كانت جتارب املصلحني وجهودهم الفكرية والعلمية حتتمل أكثر من‬
‫قراءة‪ ..‬فإن امليزة األساسية لتجربة العالمة الفضيل أنه كرس احلدود وألغى الفواصل‬
‫وقديرا يف احلقل احلوزوي بكل تفاصيله‬
‫ومتميزا‬
‫علام‬
‫خ‬
‫خ‬
‫بني احلوزة واجلامعة‪ ،‬وأضحى خ‬

‫ومقتضياته‪ ،‬كام كان بار خعا ونوع ًّيا يف جهده اجلامعي واألكاديمي‪.‬‬

‫‪109‬‬

‫ي وفقيهٌ معاصر‬
‫مل جتديد ٌ‬
‫العالمة الفضلي ‪ ‬عا ٌ‬

‫الكاتبة مالك عبد اهلل‬

‫(*)‬

‫بقدر ما حيتاج فيه العامل اإلسالمي اليوم إىل رو ٍ‬
‫اد ينهضون هبذا الواقع املتخ ّبط‪،‬‬
‫ّ‬
‫امليلء بمخاطر التقسيم والعصبوية‪ ،‬والذي يتّسع ليحضن التخلف واجلهل‪ ،‬بات‬
‫ٍ‬
‫ُ‬
‫عثرة له وقعه الكبري واملؤمل عىل مسرية‬
‫فقدان عاملٍ من العلامء الرائدين بمثابة حجر‬
‫التطور احلضاري يف الركب اإلسالمي العام‪ ،‬وخصوصا يف ّل ٍ‬
‫بيئة أصبح إنتاج‬
‫خ‬
‫ّ‬
‫العلامء املتميزين فيها قليل‪ ،‬وأضحى عىل العامل فيها أن يبذل جهو خدا مضاعف خة وج ّبارة‬
‫ليكون له التأثري اإلجيايب عىل اجلمهور‪ ،‬بعد أن زامحته عىل ذلك تكنولوجيا التَّواصل‬
‫والصورة‪..‬‬
‫وعاملقة اإلعالم ّ‬
‫وجههم االمرباطوريات السياسية‬
‫وإن كان الواقع احلايل وال خدا لعلام َء ُت ّ‬
‫واملصالح الشخصية‪ ،‬فإننا يف احلارض واملستقبل ‪ -‬إن َّل الواقع عىل ما هو عليه ‪-‬‬
‫قد نجد أنفسنا نغرف من معني العلامء الذين سبقوا عرصهم‪ ،‬وهذا رغم إجيابياته هو‬
‫أمر ينم عن عقم األمة‪ ،‬وهذا ما ال نرجوه ألنه ال ُحتمد عقباه‪...‬‬
‫ٌ‬
‫وملا كانت املؤامرات التي ُحتاك يف املنطقة ممصيدخ ا موج خعا للعلامء املستنريين‪ ،‬ال‬
‫س ّيام الوحدو ّيني منهم وال َّساعني إىل نبذ كل أشكال العنف واإلقتتال‪ ،‬والذين كان‬
‫(*) مؤسسة الفكر اإلسالمي املعارص للدراسات والبحوث‪.2013 /4 /9 ،‬‬

‫‪110‬‬

‫البوطي ‪ ،‬مل يكن املرض ا ُملقدَّ ر ّ‬
‫أقل فت خكا وإيال خما‪ ،‬بعد‬
‫آخرهم العالمة حممد سعيد‬
‫ّ‬
‫م‬
‫يمض‬
‫عانق خري خة من املصلحني‪ ،‬واملجتمعات ال تزال أحوج ما تكون إليهم‪ .‬فلم‬
‫أن َ‬
‫الس ّيد حم ّمد حسني فضل اهلل ‪ ‬وا ّلذي اعترب‬
‫وقت طويل عىل رحيل العامل‬
‫ٌ‬
‫احلركي ّ‬
‫ّ‬
‫أن املسلمني حيتاجون مئتي ٍ‬
‫الشيخ الدكتور عبد اهلادي الفضيل َّ‬
‫سنة ما بعد وفاته حتّى‬
‫حق الكتابة عنه‪ ،‬بل‬
‫يفهموا فكره ويط ّبقوه‪ ،‬غادر أمس العالمة الفضيل‪ ،‬ليرتك لنا َّ‬
‫وحق االقتباس منه‪ ،‬لنقول َّ‬
‫السابقني لعرصمها يدفعاننا إىل‬
‫ّ‬
‫بأن وعيك وفكرك َّ‬

‫اإلعرتاف بالقول‪ :‬أنت من ث ّلة العلامء الذين حيتاج املسلمون زمنخا ليدركوا عمق‬
‫وعيك الذي يستوعب األزمنة الغابرة والالحقة‪ ..‬ولسنا بمتك ّلفني حني ننطق هبذا‬
‫الكالم‪ ،‬عىل اعتبار أن السرية العمل ّية والعلم ّية للمرحوم العالمة الشيخ عبد اهلادي‬
‫الفضيل ‪ ‬كانت من النّصاعة بحيث أنه أنار درو خبا مظلمة ووعر خة للعديد من‬
‫احلق واهلدى‪.‬‬
‫السالكني طريق ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫علم من أعالم الفكر واإلصالح‪ ،‬مجع بني الدّ راسة‬
‫فالعالمة الدّ كتور ‪ٌ ‬‬
‫احلوزو ّية واألكاديم ّية‪ ،‬فواكب املناهج العرص ّية عن كثب‪ ،‬حتى أضحى جتديد‬
‫احلوزوي‬
‫أساسا سعى إىل حتقيقه‪ ،‬كام بات تثقيف الطالب‬
‫املناهج احلوزو ّية هد خفا‬
‫ّ‬
‫خ‬

‫مكونات ال بدّ وأن يتزهنا ذاك الطالب‪ ،‬ويمكن‬
‫رضور خة أدركها فضيلته‪ ،‬واض خعا ّ‬
‫واملكون ال ّثقايف والفكري‬
‫اختصارها باملكون العلمي من خالل دروس احلوزة‪،‬‬
‫ّ‬

‫الذي قد ال تقدّ مه احلوزة‪ ،‬وبالتايل عىل الطالب أن يصنع لنفسه برناجم خا ثقاف ًّيا‪،‬‬
‫نموذجا لألخالق والورع‬
‫الروحي واألخالقي والعميل‪ ،‬ليكون املتع ّلم‬
‫خ‬
‫ّ‬
‫واملكون ّ‬

‫احلوزوي‪،‬‬
‫واإلنسان ّية‪ .‬وفضيلته ‪ ‬إن كان له هذا السعي يف تطوير مقررات الدرس‬
‫ّ‬
‫فألن ذلك سبي خ‬
‫اإلسالمي العا ّم‪ ،‬وجتديد الفكر اإلسالمي‬
‫ال إىل حتقيق الوعي‬
‫ّ‬
‫املعارص‪ ،‬الذي ّل سامحته حام خ‬
‫اهلم الرسايل حتى توفاه اهلل‪..‬‬
‫ال ذاك ّ‬
‫وهكذا كان ‪ ‬مفكّرا بحجم األمة اإلسالمية‪ ،‬ومربيا م‬
‫حذ خقا بحجم املح ّبة التي‬
‫ًّ‬
‫ّ‬
‫خ‬

‫احتضنها يف قلبه‪ ،‬فانفتح هبا عىل الناس كلهم‪ ،‬موافقني وخمالفني له‪ ،‬حتّى مت ّيز بروحه‬

‫عي البعيد الغور‪ .‬إنّه العامل‬
‫السامية‪،‬‬
‫وبحسه اإلجتام ّ‬
‫ّ‬
‫الرحبة‪ ،‬وبأخالقه اإليامن ّية ّ‬
‫ّ‬
‫‪111‬‬

‫ّعصب بمنطق‬
‫والوحدوي‬
‫املوسوعي‪ ،‬والفقيه املث ّقف‪،‬‬
‫احلركي‪ ،‬ا ّلذي واجه الت ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫اإلنفتاح‪ ،‬واحلقد بمنطق العفو والتّسامح‪ ،‬واجلهل بالدّ عوة إىل اكتساب املعرفة‬
‫والتعلم الواعي املتجاوز للتقاليد البالية‪ .‬ومن هنا متيز بأصالة النّزعة التّجديد ّية التي‬
‫ٍ‬
‫عرصي حكيم‪.‬‬
‫علمي‬
‫بقالب‬
‫دائام ما حترص عىل تقديم اإلسالم‬
‫ٍّ‬
‫ّ‬
‫خ‬
‫إن ما تركه فضيلة الدكتور الشيخ عبد اهلادي الفضيل ‪ ‬من عل ٍم ومؤ ّل ٍ‬
‫َّ‬
‫فات‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫تالمذة تر ّبوا عىل فكره ومنهجه‪ ،‬جيعلنا ندرك حجم اخلسارة التي‬
‫وسرية طيبة‪ ،‬ومن‬
‫حلقت باألمة اإلسالمية عمو خما برحيله‪ ،‬ويضعنا من جديد أمام املسؤولية الرسالية‬
‫خطرا حقيق ًّيا يتهدّ دنا يف ّل تزايد‬
‫الربانية يف مواجهة هذا الفراغ العلامئي الذي بات خ‬
‫غياب العاملقة‪ ،‬يف ٍ‬
‫زمن نحن أحوج ما نكون إليهم يف ّل تنامي تيار الفكر الظالمي‬
‫الذي يتهدّ د واقعنا وحارضنا وحتى مستقبلنا واملصري‪.‬‬

‫‪112‬‬

‫وجـع الـرحـيـل‬

‫األستاذ حممد حمفوظ‬

‫(*)‬

‫ودورا يفجع ويوجع‪ ،‬ألنه يرتك فرا خغا‬
‫علام ومقا خما‬
‫خ‬
‫دائام فقد ورحيل الكبار خ‬
‫خ‬
‫هائ خ‬
‫ال عىل املستويات النفسية واالجتامعية والعلمية‪ ،‬وهذا الفراغ حيتاج إىل صرب‬
‫ومصابرة ووعي عميق بطبيعة الدنيا الفانية الستيعابه‪ ،‬واخلروج من متوالياته‬
‫السلبية‪.‬‬
‫ورحيل العامل الرباين العالمة الدكتور عبد اهلادي الفضيل ـ رمحه اهلل تعاىل ـ ال‬
‫يرج عن هذا السياق‪ .‬فهو ومنذ مدة زمنية يعاين املرض بصرب حتى تعودنا مجي خعا عىل‬
‫مرضه‪ ،‬ولكن مع كل هذا فإن فقده ورحيله يفجعنا مجي خعا‪ ،‬ألن عطاءه ودوره‬
‫وو يفته الدينية والثقافية والرتبوية‪ ،‬سنفتقده برحليه‪ ،‬وهذا مما يوجعنا وجيعلنا مجي خعا‬
‫نشعر بالفراغ بفقده يف حلظة زمنية عصيبة تعيشها أمتنا عىل أكثر من صعيد‪.‬‬
‫وذكريايت مع الراحل الكبري عديدة ومتنوعة وأحتاج إىل جتاوز صعوبة الفقد‬
‫والرحيل‪ ،‬حتى أمتكن من تدوينها ‪ ..‬ولكن ويف هذه املناسبة األليمة أود ذكر النقاط‬
‫التالية‪:‬‬
‫(*) مركز آفاق للدراسات والبحوث‪2013/4/9 ،‬م‪.‬‬

‫‪113‬‬

‫‪ -1‬إن الراحل الكبري مل يكن يتصنع التواضع‪ ،‬بل هو سجيته األساسية‬
‫والالزمة لشخصه‪ ،‬لذلك تراه يعيش التواضع بكل جوانحه ومع اجلميع بدون‬
‫استثناء ‪ ..‬ولعمري إن هذه اخلصلة من أهم اخلصال ألي عامل ينشد توسيع دائرة‬
‫علمه ويقوم بدوره الرسايل يف جمتمعه وأمته ‪ ..‬وتتناسل من قيمة التواضع املالصقة‬
‫واملالزمة لشخصية الراحل الكبري‪ ،‬قيمة حسن اإلنصات للطرف اآلخر‪ ،‬ومناقشة‬
‫أفكاره وحججه هبدوء وموضوعية وبدون عصبية تقتل األفكار يف مهدها ‪ ..‬ودائم‬
‫التشجيع للجيل الطالع‪ ،‬فهو مل يبخل عىل أحد بكلمة تشجيعية أو دعوة مبارشة‬
‫لتحفيزه وتفعيل دوره‪ ،‬لذلك حتلق حوله الكثري من الشباب املتطلع صوب العلم‬
‫واملعرفة والعمل العام‪ ،‬الستلهام أفكاره والنهل من خرباته الواسعة يف احلياة‪.‬‬
‫وأحسب إن أحد العوامل العميقة التي سامهت يف انجذاب الكثري إليه عىل هذا‬
‫الصعيد هو أبويته وجامعيته واحتضانه للجميع بدون متييز أو حماباة ألحد عىل‬
‫حساب أحد آخر ‪ ..‬لذلك فإن اجلميع يشعر أن لديه عالقة خاصة وشخصية مع‬
‫الراحل الكبري ‪ ..‬فالتواضع والتشجيع الدائم وحسن اإلنصات إىل رأي الشاب‬
‫وفكره وإشكاالته ومشاغباته‪ ،‬كلها عنارص سامهت يف تعزيز موقع ودور الشيخ‬
‫العلمي والرتبوي يف مسرية جمتمعنا وأمتنا‪.‬‬
‫‪ -2‬تعلمنا جتربة الراحل الكبري العلمية والرتبوية‪ ،‬أن االلتزام الفكري َشء‬
‫والتعصب َشء آخر ‪ ..‬فااللتزام ال يساوي التعصب األعمى للذات وأفكارها‪ ،‬وإنام‬
‫يساوي االلتزام بقناعة فكرية وفق أدلة معتربة لدى الذات ‪ ..‬والتعصب هو نزوع‬
‫فكري وسلوكي لتعميم قناعات الذات عىل اآلخرين بوسائل قرسية ‪ -‬قمعية‪.‬‬
‫وانطال خقا من هذا التمييز بني االلتزام والتعصب‪ ،‬نقرأ جتربة الراحل الكبري‪ ،‬فلم‬
‫يدفعه التزامه الفكري صوب االنحباس عىل فئة اجتامعية دون أخرى‪ ،‬بل مارس‬
‫دوره العام بدون متييز بني رشائح وأطياف املجتمع ‪ ..‬فكان والد اجلميع بدون‬
‫تعصب أو انغالق‪ ..‬وهكذا ينبغي أن يكون عامل الدين يف كل بيئاتنا االجتامعية ‪..‬‬
‫‪114‬‬

‫فهو ليس عا خملا لفئة دون أخرى‪ ،‬أو لطيف دون آخر‪ ،‬بل هو عامل للجميع ويامرس‬
‫أنموذجا لكل علامء الدين عىل هذا‬
‫دوره ورعايته للجميع‪ ،‬فالعالمة الفضيل كان‬
‫خ‬
‫الصعيد‪ ،‬انفتح مع اجلميع‪ ،‬وتواصل مع اجلميع‪ ،‬وتعاون مع اجلميع‪ ،‬دون أن يتخىل‬
‫عن قناعاته الفكرية‪.‬‬
‫وبرحيل العالمة الفضيل‪ ،‬تتأكد احلاجة إىل إحياء منهجه الذي يعيل شأن‬
‫الوحدة‪ ،‬ويفتح املجال للتعاون بكل صوره‪ ،‬وهيرب من املعارك اجلزئية والتافهة‪،‬‬
‫ويعمل بجد صوب صياغة أفكار إسالمية قادرة عىل مواكبة العرص ومستجداته‪،‬‬
‫واالستجابة الواعية لتحديات الراهن املعرفية واحلضارية‪ .‬رمحك اهلل يا شيخنا‬
‫الكبري‪ ،‬وأهلم ذويك الصرب والسلوان وحرشك اهلل مع الصديقني والشهداء‪ .‬و﴿ ﭳ‬
‫ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‪.‬‬

‫‪115‬‬

‫أستاذ العلماء‪ ،‬سيبقى نرباسًا للعطاء‬

‫األستاذ عيل آل غراش‬

‫(* )‬

‫الدكتور الشيخ عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬أستاذ العلامء‪ ،‬ورائد التدريس والتأليف‪،‬‬
‫والتأسيس والعمل األكاديمي يف اجلامعات الوطنية‪ ،‬وقدوة العمل‬
‫الوحدوي والوطني‪ ،‬والدعوة للوحدة واملحبة والعطاء‪ .‬رحم اهلل الفقيد الكبري‬
‫الدكتور الشيخ عبد اهلادي الفضيل تغمده اهلل بواسع رمحته‪ ،‬وأسكنه فسيح جناته‪.‬‬
‫الدكتور آية اهلل الشيخ الفضيل ‪ ‬عامل شامخ يف جماله‪ ،‬ونجم يف عامل العلم‬

‫والعلامء‪ ،‬وأستاذ كبري تربى وخترج العديد من العلامء املتميزين يف عاملنا من بني يديه‬
‫ـ من رجال الدين واألكاديمني‪ ،‬وهو عامل فاضل متمكن يشار له بالبنان والفضيلة‪،‬‬
‫أضاف الكثري من العلم واملعرفة إىل املكتبة والعقل العريب واإلسالمي والعاملي‪ ،‬من‬
‫خالل املؤلفات العديدة التي ألفها‪ ،‬وباخلصوص يف جماله اللغة العربية‪ ،‬فهو عالمة‬
‫ودكتور ورائد عظيم يف هذا املجال‪ ،‬باإلضافة للكتب العلمية للحوزات حيث قدم‬
‫العديد من الكتب العلمية‪ ،‬فهو رائد مبدع يف جمال تبسيط وتسهيل املواد العلمية‬
‫احلوزوية‪ ،‬وقد خرست املدارس العلمية برحيله‪ ،‬أستاذ ورائد ومؤسس لكلية‬
‫وقسم اللغة العربية يف جامعة امللك عبد العزيز يف جدة‪.‬‬
‫(*) صحيفة الوطن اجلزائرية‪2013/4/9 ،‬م‪.‬‬

‫‪116‬‬

‫الدكتور الشيخ عبد اهلادي الفضيل عامل ومفكر‪ ،‬وهو أول من فتح جمال‬
‫املطارحات والنقاشات واملحارضات املبارشة مع الشباب‪ .‬عامل حيظى‬
‫بالتقدير واالحرتام‪ ،‬وله عالقات قوية يف معظم دول العامل ومع شخصيات كبرية‬
‫ومرموقة ودولية‪ .‬عامل تعاطى مع األحداث برؤية خاصة بعيدخ ا عن االنفعالية‪ ،‬مل‬
‫يسمح باستغالل اسمه‪ ،‬يف اخلالفات واالنقسامات‪.‬‬
‫شخصيته العلمية واهلادئة تفرض وجوده يف كل مكان يتواجد فيه رغم‬
‫تواضعه وبعده عن األضواء والشهرة‪ ،‬وابتعاده عن القيادة التي أتته زاحفة بني‬
‫يديه‪ .‬ولو أراد الزعامة والقيادة‪ ،‬لتمكن من مجع أكرب عدد من العلامء واألكاديميني‬
‫واملثقفني والنشطاء والشباب ومن عامة املجتمع‪ ،‬ملا يتمتع به الراحل من‬
‫مقومات قيادية وجاذبية ومستوى علمي وعالقات قوية‪ .‬ولكن وجوده رغم هدوئه‬
‫شبحا‪ ،‬ييف من يبحث عن الوجاهة‪ ،‬أو من يظن نفسه‬
‫وبعده عن األضواء كان‬
‫خ‬
‫قائدخ ا للمجتمع‪.‬‬
‫علام‪ ،‬فهو أستاذ للجميع باعرتاف‬
‫لقد كان الدكتور الشيخ الفضيل هو األكثر خ‬

‫اجلميع‪ ،‬من الذين يف داخل الوطن وخارجه‪ .‬ومن الذين سامهوا يف هتميشه‬

‫لكيال يتصدى‪ ،‬ويأخذ املكانة التي تتناسب مع منزلته ومكانته احلقيقية‪ ،‬التي يعلم‬
‫هبا من هم‪ ...‬رمحك اهلل أهيا العامل الفاضل املميز الزاهد‪.‬‬
‫ويف أيام رحيل ووداع جسد الدكتور آية اهلل الشيخ عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬العامل‬
‫الفاضل‪ ،‬واألستاذ الكبري‪ ،‬والعامل العامل يف سبيل الوحدة واالنفتاح عىل اآلخر‪،‬‬
‫والعامل املتواضع الزاهد‪ ..‬ينبغي التأمل يف حياته‪ ،‬املليئة بالعطاء واالبداع للعلم‬
‫واملعرفة‪ ،‬والذي مجع بني الدراسة األكاديمية واحلوزوية بنجاح وبامتياز‪.‬‬
‫إذ رحل الدكتور األستاذ الشيخ الفضيل بجسده‪ ،‬سيبقى ح ًّيا بفكره وعطائه‬
‫العلمي‪ ،‬وما تركه من علوم ومعارف من خالل العديد من الكتب التي تدرس‬
‫‪117‬‬

‫يف اجلامعات واملدارس وباخلصوص يف احلوزات العلمية‪.‬‬
‫م‬
‫امل ثلم ميف م‬
‫الم َثل َم خة‪َ ،‬وال َي ُسد َها ََش ٌء إم َىل َيو مم ال مق َيا َم مة»‪.‬‬
‫«إم َذا َم َ‬
‫اإلس َ‬
‫ات ال َع ُ‬
‫ورمحك اهلل يا أستاذ العلامء‪ ،‬ورائد التدريس والتأليف‪ ،‬والتأسيس والعمل‬
‫األكاديمي يف اجلامعات الوطنية‪ ،‬وقدوة العمل الوحدوي والوطني‪ ،‬والدعوة‬
‫للوحدة واملحبة والعطاء‪.‬‬
‫إنا هلل وإنا إليه راجعون‪ .‬وأهلم اهلل أهل وحمبي الفقيد ‪ -‬فقيد اإلسالم والعلم‬
‫واملعرفة والوطن‪ -‬العزيز‪ ،‬الصرب والسلوان‪ ،‬وجعل اهلل قربه روضة من رياض‬
‫اجلنان‪.‬‬
‫وأفاد اهلل الناس بام تركه الفقيد العامل الشامخ‪ ،‬من العلوم واملعارف‪ ،‬واألخالق‬
‫نرباسا للعطاء‪ ،‬وقدوة للعلامء واألكاديميني‪،‬‬
‫العالية والفنون‪ ،‬فالشيخ الفضيل سيبقى خ‬
‫العامل الزاهد املتواضع املتميز بعلمه وعطائه‪.‬‬

‫‪111‬‬

‫الفضلي يرحل تاركًا ‪ 07‬مؤلفًا يف اللغة واألصول‪..‬‬

‫األستاذ عبد الوﻫاب العريض – الدمام‬

‫(* )‬

‫تشيع يف مدينة سيهات بمحافظة القطيف عرص اليوم الثالثاء جثامن الدكتور‬
‫عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬الذي انتقل إىل رمحة اهلل تعاىل صباح أمس اإلثنني عن عمر يناهز‬
‫الـ ‪ 79‬عا خما‪ ،‬وذلك بعد معاناة طويلة مع املرض‪ ،‬وقد أدخل قبل يومني أحد‬
‫مستشفيات الدمام للعناية املركزة بعد تعرضه لوعكة صحية‪ ،‬وكان الفضيل قد‬
‫أصيب قبل سنوات بجلطة دماغية أثرت عىل نشاطه احلركي‪.‬‬

‫ولد الدكتور عبد اهلادي يف السادس من ديسمرب ‪1935‬م يف إحدى القرى‬
‫القريبة من البرصة يف العراق‪ .‬ونشأ يف البرصة‪ .‬ويف عام ‪ ،1971‬غادر مدينة النجف‬
‫مدرسا ملاديت النحو والرصف يف (جامعة امللك عبد‬
‫عني‬
‫خ‬
‫عائدخ ا إىل (جدة) حيث ّ‬
‫العزيز) وبعد سنتني من التدريس‪ ،‬ابتعث من قبل اجلامعة إىل كلية دار العلوم يف‬
‫جامعة القاهرة‪ ،‬وخترج فيها سنة ‪1976‬م بدرجة دكتوراة يف اللغة العربية يف النحو‬
‫مدرسا يف اجلامعة حتى تقاعده يف عام‬
‫والرصف والعروض بمرتبة الرشف‪ .‬وبقي‬
‫خ‬
‫‪1911‬م‪ ،‬ويف نفس العام اختري أستا خذا ملاديت املنطق وأصول البحث يف (اجلامعة‬
‫العاملية للعلوم اإلسالمية) يف لندن‪ ،‬وقام باإلرشاف عىل بعض طلبة املاجستري‬
‫(*) صحيفة الرشق‪ ،‬العدد ‪2013/4/9 - 492‬م‪.‬‬

‫‪119‬‬

‫والدكتوراة فيها‪ .‬وكان الدكتور يقيم يف مدينة الدمام باملنطقة الرشقية‪.‬‬

‫عضوا يف هيئة حترير نرشة (أخبار اجلامعة) أثناء‬
‫يذكر بأن الفضيل تم اختياره‬
‫خ‬
‫وجوده يف جامعة امللك عبد العزيز‪ ،‬ويف نفس اجلامعة كان هو الرئيس األول‬
‫املؤسس لقسم اللغة العربية والعضو املؤسس والدائم يف جلنة املخطوطات بمكتبتها‬
‫املركزية وشارك يف مناقشة بعض الرسائل اجلامعية للدراسات العليا وكان له‬
‫حمكام جلملة من أبحاث الرتقيات العلمية‪ .‬وله ما‬
‫اإلرشاف عىل بعضها‪ ،‬واختري خ‬
‫أيضا خ‬
‫يزيد عىل ‪ 70‬مؤل خفا بني علوم اللغة العربية‪ ،‬واألصول والرشيعة‪.‬‬

‫أدباء وأكاديميون يطالبون بجمع نتاجه العلمي يف موسوعة‪..‬‬
‫ويؤكدون‪ :‬مل ِ‬
‫يغر ِه بريق الشهرة‬
‫‪ ‬مكة املكرمة – نعيم متيم احلكيم‪ ،‬الزبري األنصاري‬
‫اعترب عدد من األكاديميني واألدباء وفاة الدكتور الفضيل خسارة فادحة لعلوم‬
‫اللغة العربية وآداهبا موضحني أنه من أكثر علامء اللغة الذين أثروا الدرس اللغوي‬
‫خالل العقود األخرية من خالل كتاباته وأبحاثه وعلمه األكاديمي‪.‬‬

‫‪ ‬باحث جمتهد‬
‫وقال رئيس نادي جدة األديب األسبق الناقد الدكتور عبد املحسن القحطاين‬
‫الذي بدا مفجوعا بوفاة الفضيل إن «األخري عامل وأديب مجع ما بني أدب النفس‬
‫وأدب الدرس كام يقال‪ ،‬وله مؤلفات مهمة يف تأسيس النحو واإليقاع الشعري‪ ،‬كام‬
‫أنه باحث دؤوب وجمتهد» الف ختا إىل أن مؤلفاته األخرية تنبئ عن اعتدال فكره‪،‬‬
‫وسامحة نفسه‪ ،‬بحيث ال تلحظ نتوءات فيام يؤلف ويكتب‪.‬‬

‫وأشار إىل أن الدكتور الفضيل كان مجي خ‬
‫ال عىل الصعيد اإلنساين‪ ،‬يجل من نفسه‬
‫وكان حي ًّيا‪ ،‬وهذا طبع الباحث اجلاد الذي ينأى بوقته عام ال فائدة منه من األحاديث‬
‫واجلداالت العقيمة‪ ..‬وتطرق إىل الفرتة التي زامل فيها الفضيل أستاذا يف قسم اللغة‬
‫‪120‬‬

‫العربية يف جامعة امللك عبد العزيز‪ ،‬وقال إنه عمل يف اجلامعة أستا خذا ورئيسا للقسم‪،‬‬
‫وهذا يدل عىل أن العلم يقفز عىل الطائفية وتبايناهتا‪ ،‬فربغم اختالفه املذهبي عن‬
‫باقي أعضاء القسم‪ ،‬حيث كان شيع ًّيا‪ ،‬وبرغم أن رئاسة القسم تتم عن طريق‬
‫االنتخاب‪ ،‬ال التعيني‪ ،‬إال أن هذا مل حيل بني أعضاء هيئة التدريس‪ ،‬وبني انتخابه‬
‫رئيسا للقسم‪ ،‬وقد أدار القسم باقتدار‪ ،‬وكان حيب اجلميع‪ ،‬ومع اجلميع‪ ،‬كام‬
‫باإلمجاع خ‬
‫أن تالميذه جيلونه ويقدرونه غاية التقدير‪.‬‬

‫ولفت إىل أنه سبق له أن طرح الدكتور الفضيل كنموذج للتعايش يف جلسات‬
‫نظرا لسعة علمه‪ ،‬وأخالقه السمحة التي كان يتعاطى هبا مع اجلميع‪.‬‬
‫احلوار الوطني‪ ،‬خ‬

‫‪ ‬زاهد يف الشهرة‬
‫وقال مدير عام األندية األدبية حسني بافقيه عن الراحل «كان العالمة عبد‬
‫اهلادي الفضيل صورة ناصعة لعلامئنا الكبار يف تراثنا العظيم‪ ..‬وأنا أفخر به ما حييت‬
‫وأدعو اهلل أن يرمحه»‪ .‬وأضاف كان العالمة الفضيل ‪ ‬زاهدخ ا يف الشهرة منك خبا عىل‬

‫مشريا إىل أنه يعد مرج خعا جمتهدخ ا يف غري علم من العلوم‬
‫البحث والدرس والتأليف‪،‬‬
‫خ‬
‫العربية واإلسالمية‪.‬‬

‫‪ ‬مرجعية لكل باحث‬
‫ويشري عضو هيئة التدريس يف جامعة أم القرى الدكتور حممود زيني إىل أن‬
‫كبريا ليس عىل مستوى اململكة فحسب بل عىل مستوى العامل‬
‫الراحل يعد مرج خعا خ‬

‫اإلسالمي يف اللغة العربية وفنوهنا وعلومها وآداهبا‪ .‬وشدد عىل أن مآثر الفضيل تعترب‬

‫مرجعية لكل راغب يف البحث والتدريس والتعليم يف جمال اللغة العربية‪ ،‬مطال خبا‬
‫برضورة مجع كل أبحاثه وكتبه وإنتاجه العلمي يف موسوعة يستفيد منها كل طالب‬
‫علم وباحث لغوي‪.‬‬

‫‪ ‬قامة علمية‬
‫بدوره‪ ،‬قال رئيس نادي مكة األديب الدكتور حامد الربيعي إن الدكتور عبد‬
‫‪121‬‬

‫اهلادي الفضيل قامة علمية ال يمكن إنكار أو تغافل جهودها يف الدرس اللغوي‬
‫املعارص‪ ،‬حيث أثرى هذا املجال إثراء منقطع النظري‪ ،‬وقد عرفه طالب الدراسات‬
‫كثريا‪ ،‬وهنلوا منها‪ ،‬فهو‬
‫العليا‪ ،‬والباحثون يف جمال اللغة العربية‪ ،‬وعولوا عىل أبحاثه خ‬

‫رمزا من رموزها‬
‫باختصار شديد من أعالم العرص وبفقده تفقد اللغة العربية خ‬
‫عظيام حيفظه‬
‫وجماهدخ ا يف سبيل محايتها‪ ،‬لغة وأد خبا‪ .‬وأشار إىل أن الفقيد ترك خلفه إر خثا‬
‫خ‬
‫وعلام ناف خعا‪.‬‬
‫عىل مر األزمان‪ ،‬خ‬

‫‪ 97 ‬عا ًما من الترحال‬
‫ عبد اهلادي املريزا حمسن الفضيل‬‫ ولد يف العراق ‪ 10‬رمضان ‪ 1354‬ه‬‫‪1361 -‬ه هاجر إىل النجف إلكامل دراسته وله من العمر (‪ )14‬عا خما‬

‫ ‪1312‬ه حصل عىل البكالوريوس من كلية الفقه يف النجف يف اللغة العربية‬‫ ‪1391‬ه غادر النجف إىل مدينة جدة للعمل يف جامعة امللك عبد العزيز‬‫ ‪19393‬ه ابتعث من مق َبل اجلامعة إىل كلية دار العلوم بجامعة القاهرة‬‫ ‪1396‬ه عاد بدرجة دكتوراة بمرتبة الرشف يف اللغة العربية‬‫ ‪1409‬ه تقاعد من جامعة امللك عبد العزيز‬‫ ‪1409‬ه تم اختياره كأستاذ ملاديت املنطق وأصول البحث يف اجلامعة العاملية‬‫للعلوم اإلسالمية بلندن‪.‬‬

‫‪ -‬تويف يف الدمام ‪ 27‬من مجادى األوىل ‪1434‬ه‪.‬‬

‫‪ ‬نشاطه يف جامعة امللك عبد العزيز‬
‫ مؤسس قسم اللغة العربية‪ ،‬وأول رئيس للقسم يف جامعة امللك عبد العزيز‪.‬‬‫ عضو مؤسس ودائم يف جلنة املخطوطات يف جامعة امللك عبد العزيز‪.‬‬‫ عضو مؤسس يف هيئة حترير نرشة أخبار اجلمعة – جامعة امللك عبد العزيز‪.‬‬‫ أرشف عىل عديد من رسائل الدراسات العليا والدكتوراه‪.‬‬‫‪122‬‬

‫رب من حنجرة الناعي‬
‫العالمة عبد اهلادي الفضلي‪ :‬أك ُ‬

‫األديب جاسم الصحيح‬

‫(* )‬

‫احلناجر من‬
‫الصمت هو أبلغ ما تبتكره‬
‫العظامء ال يموتون بصمت‪ ،‬وإن كان‬
‫ُ‬
‫ُ‬

‫صوت الفاجعة أكرب من حنجرة الناعي‪.‬‬
‫رثاء حينام يكون‬
‫ُ‬

‫رمزا‬
‫ألهنم يم اثلون خ‬
‫وحينام ننفجع يف العظامء‪ ،‬فإنَّنا ننفجع يف احلقيقة واجلوهر َّ‬
‫م‬
‫م‬
‫جلوهر كينونتنا‪.‬‬
‫وإكسريا‬
‫حلقيقة وجودنا‬
‫خ‬
‫رجل بحجم أ َّمة‪ٌ ،‬‬
‫غادرنا إىل فردوس ر ابه ٌ‬
‫رجل جاء يف‬
‫ويف هذا األسبوع‪،‬‬
‫َ‬
‫حقول سنابل‪ٌ ،‬‬
‫َ‬
‫ثم‬
‫موسم اجلفاف وعيناه حتمالن‬
‫رجل َّ‬
‫توحد بالفكر واحلرب والورق َّ‬
‫ٍ‬
‫كائنات من ال ُك ُت م‬
‫ب واسرتاح‪ ..‬ذلك هو فضيلة العالَّمة الدكتور الشيخ عبد‬
‫تش َّظى يف‬
‫اهلادي الفضيل رمحه اهلل تعاىل‪.‬‬
‫الكلامت التي استفاقت عىل فداحة املعنى وأنني العبارة‪ ،‬أيقظت معها‬
‫ُ‬
‫الذكريات النائمة يف مضاجع الزمان ومراقد املكان‪.‬‬
‫هناك يف العراق حيث احلوزة العلمية يف النجف األرشف ومنتدى النرش وك الية‬
‫(*) صحيفة اليوم‪2013/4/10 ،‬م‪.‬‬

‫‪123‬‬

‫الفقه‪ ،‬وهنا حيث جامعة امللك عبد العزيز يف جدَّ ة‪ ،‬واملجالس الدينية يف سيهات‬
‫ّ‬
‫هنارا‬
‫والقطيف واألحساء‪ ..‬هناك وهنا امتدَّ‬
‫العالم ُة الشيخ عبد اهلادي الفضيل خ‬

‫ٌ‬
‫أجيال من طلبة‬
‫مضي خئا بالعلم واملعرفة كي يطرد ذئاب اجلهل والظالم والتخلف‪.‬‬
‫خترجت من أكام مم معارفه‪ ،‬وما تزال هذه األجيال‬
‫العلوم الدينية واألكاديمية َّ‬
‫تستسقي يديه فصوالخ من العطاء‪ ،‬وحتفظ له هذا املعروف وسا خما عىل جبني األعوام‪.‬‬
‫ومن نافل القول أن نذكر َّ‬
‫الرواد املوسوعيني الذين‬
‫أن شيخنا اجلليل كان أحد َّ‬
‫مجعوا بني الثقافة الدينية والثقافة األكاديمية‪ ،‬وأنَّه كان يزاوج ما بني األصالة‬
‫واملعارصة يف صناعة الفكر‪..‬‬
‫م‬
‫جتاوز ا‬
‫كل ما‬
‫الشيخ عبد اهلادي الفضيل رمحه اهلل تعاىل كان فريدخ ا من نوعه يف‬
‫جوهري‪ ،‬والتعامل مع البذور يف ا‬
‫كل احلقول التي قام بفالحتها‪،‬‬
‫قرشي إىل ما هو‬
‫هو‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وعىل رأسها حقول اللغة العربية‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬ال أراين جماف خيا للحقيقة حينام أزعم َّ‬
‫أن اللغ َة بعد رحيل شيخنا اجلليل‬
‫ٍ‬
‫اللغوي الذي أفنى حياته يف‬
‫ورطة كربى حينام حتاول أن ترثيه‪ ،‬فهو‬
‫عالق ٌة يف‬
‫ّ‬
‫وتوحدت‬
‫فتكونت املفردة‪،‬‬
‫جتمعت عىل نفسها يف يديه‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫خدمتها‪ ،‬وكأنَّام احلروف َّ‬
‫فتكونت الفكرة‪ ،‬وجت َّلت الفكرة فأضاء املعنى‪ ،‬وأضاء املعنى فأبرص‬
‫املفردات‬
‫ُ‬
‫َّ‬

‫ُ‬
‫اإلنسان طريق احلياة‪.‬‬

‫توزع حزهنا‬
‫يف رثائك يا (أبا إياد)‪ ،‬ال يمكن للغة أن تصنع شي خئا أكثر من أن ا‬
‫وحزننا عىل الكلامت كي نرفع العزاء إىل أرستك الكبرية‪ ..‬هذه األرسة التي تبدأ من‬
‫أفراد عائلتك وال تنتهي عند حدود األمة اإلسالمية والوطن والثقافة ا‬
‫بكل أطيافها‪..‬‬
‫مت ويوم تبعث ح ًّيا‪.‬‬
‫سال ٌم من اهلل عليك يو َم‬
‫ولدت ويوم َّ‬
‫َ‬

‫‪124‬‬

‫الشَّيخ الفضلي‪ :‬من البصرة والنجف إىل جدة والقطيف‬

‫د‪ .‬رشيد اخل ّيون‬

‫(*)‬

‫إذا جرى احلديث عن اإلسالم السيايس م‬
‫العراقي‪ ،‬بنسخته الشيعية‪ ،‬حيرض اسم‬
‫ا‬

‫ّ‬
‫الشيخ عبد اهلادي املريزا حمسن الفضيل (‪ ،)2013 -1935‬وإذا جرى احلديث عن‬
‫البحث الفقهي حيرض كتاب الفضيل (أصول البحث ‪ ،)1990 -‬هو وكتاب (منهج‬
‫البحث األَديب ‪ )1916 -‬لكبري النقاد عيل جواد ال ّطاهر (ت ‪ُ )1996‬يعدان ممن‬
‫مرورا يف حتضري‬
‫املراجع يف هذا الرضب ممن املعرفة‪ ،‬بداية ممن تعيني موضوع البحث‬
‫خ‬
‫مادته إىل إنجازه‪ .‬بل إن ال َّطاهر يأخذ بيد املؤلف ممن اخلطوة األُوىل حتى يسلم مؤلفه‬
‫إىل املطبعة‪.‬‬
‫الرشق» السعودية نع خيا ا‬
‫للشيخ عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬مع صور‬
‫قرأت يف صحيفة « َّ‬
‫من حمطات حياته‪ ..‬ولد بالبرصة العام ‪ 1935‬ممن أب قطيفي [أحسائي] وأم ممن آل‬
‫جمتازا املراحل‬
‫البطاط برصية‪ ،‬وتعلم يف كتاتيبها‪ ،‬ثم انتقل للدراسة الدا ينية بالنَّجف‪ ،‬خ‬
‫ال َّثالث‪ :‬املقدمات والسطوح ودرس اخلارج‪ ،‬وهذه املراحل متيزها الكتب التي‬
‫ُتدرس فيها‪ ،‬والدَّ رس اخلارج يعتمد عىل علم األستاذ‪.‬‬
‫ل الفضيل‪ ،‬حسب كتاب (قراءات يف فكر العالمة عبد اهلادي الفضيل)‪،‬‬
‫(*) جملة املجلة‪ ،‬لندن‪ ،‬اجلمعة ‪ 12‬أبريل ‪.2013‬‬

‫‪125‬‬

‫الذي أعده نجله فؤاد‪ ،‬يرتدد بني النَّجف والبرصة‪ ،‬حتى استقر بالنَّجف ليرتكها‬
‫مدرسا بجامعة امللك عبد العزيز‪ ،‬وكان قد نال‬
‫العام ‪ 1971‬إىل مدينة جدة‪ ،‬ويتعني‬
‫خ‬

‫شهاديت البكالوريوس واملاجستري يف اللغة‪ ،‬ثم بعثته اجلامعة املذكورة عىل حساهبا‬
‫للدراسة بجامعة القاهرة‪ ،‬وعاد إليها العام ‪ 1976‬فأخذ ُيدرس علوم اللغة واألدب‬
‫من رصف ونحو وعروض مع تدريس حتقيق املخطوطات‪ .‬أسس بجامعة امللك عبد‬
‫دائام يف جلنة‬
‫وعضوا‬
‫العزيز قسم اللغة العربية‪ ،‬وصار أول رئيس له‪،‬‬
‫خ‬
‫مؤسسا خ‬
‫خ‬
‫املخطوطات باجلامعة نفسها‪ ،‬وأرشف عىل رسائل املاجستري والدكتوراه فيها‪.‬‬
‫كثريا ممن ذكرياته التي تضمنها الكتاب املذكور أعاله‪ ،‬أثناء العمل يف‬
‫ُ‬
‫استفدت خ‬
‫كتاب (مئة عام ممن اإلسالم السيايس م‬
‫بالعراق)‪ ،‬بمعلومة تفرد هبا‪ ،‬أو بتأكيد أو نفي‬
‫ا‬
‫معارصا لفرتة تأسيس حزب الدَّ عوة اإلسالمية‪،‬‬
‫معلومات اآلخرين‪ ،‬وهو ُيعد‬
‫خ‬

‫ويؤكد أن ذلك حصل نتيجة لتعا م أمر اليسار بالعراق بعد يوليو‪ /‬متوز ‪،1951‬‬
‫منظام العام ‪ ،1959‬ويؤكد‬
‫وكان ممن املتصدين آنذاك للعمل اإلسالمي الذي بدأ‬
‫خ‬
‫الفضيل بأن االجتاه كان يف بداية األمر بتسمية احلزب باحلزب اإلسالمي‪ ،‬ولكن‬
‫بسبب وجود هذا االسم حلزب اإلخوان املسلمني ُعدل إىل اسم (الدَّ عوة)‪.‬‬
‫كان الفضيل أحد أعضاء مجاعة العلامء‪ ،‬التي تأسست بالنَّجف بعد متوز ‪1951‬‬
‫الشيوعي م‬
‫ملواجهة اليسار العراقي‪ ،‬املمثل باحلزب ا‬
‫العراقي‪ ،‬وكانت تتكون ممن فئتني‪:‬‬
‫الشباب‪ ،‬والفضيل ممن الفئة ال َّثانية‪ .‬يقول أحد هؤالء َّ‬
‫فئة العلامء الكبار وفئة َّ‬
‫الشباب‬
‫الرفاعي اآليت‪« :‬انتخب هؤالء عرشة ممن َّ‬
‫الشباب كطبقة‬
‫السيد طالب ا‬
‫آنذاك وهو َّ‬
‫ثانية بعد طبقتهم األُوىل‪ ،‬ويبقون حتت ُشعاع العرشة األُوىل‪ ،‬ليكونوا مساعدين هلم‪،‬‬
‫م‬
‫وكنت أحد هؤالء َّ‬
‫السيد حممد‬
‫الشباب ممن املعممني خ‬
‫أيضا‪ .‬كان من العرشة ال َّثانية‪َّ :‬‬
‫والسيد حممد سعيد احلكيم (املرجع احلايل بالنَّجف)‪َّ ،‬‬
‫والشيخ عبد‬
‫مهدي احلكيم‪َّ ،‬‬
‫والسيد جعفر بحر العلوم‪َّ ،‬‬
‫الزين‪َّ ،‬‬
‫والشيخ حممد‬
‫احلليم ا‬
‫والشيخ عبد اهلادي الفضيل‪َّ ،‬‬
‫الزين‪َّ ،‬‬
‫الساموي‪ ،‬و َمن فاتني ذكر اسمه‪ ،‬وأنا»‪( ..‬أمايل‬
‫عيل ّ‬
‫والشيخ حممد مهدي ّ‬
‫السيد طالب الرفاعي)‪.‬‬
‫‪126‬‬

‫كان هؤالء يتدربون عىل اخلطابة بنمط جديد خمتلف عن قراء املنرب احلسيني‪ ،‬أو‬
‫بالروزخونية‪ ،‬كي يواجهوا ال َّثقافة املعارصة ويؤثروا يف طبقة املثقفني‪،‬‬
‫الذين عرفوا َّ‬
‫ويتمكنوا ممن دحر خصومهم‪ ،‬ومعلوم أن اليساريني كانوا أهل ثقافة‪ .‬واليشء‬
‫الروزخونية قد نحتت من اسم كتاب املال حسني الكاشفي‬
‫باليشء ُيذكر أن مفردة َّ‬

‫(ت ‪ 910‬ه) «روضة الشهداء»‪ ،‬أي قصة مقتل احلسني‪ ،‬وجرى تأليفها وقراءهتا منذ‬

‫الصفوي (‪ 1723- 1501‬ميالدية)‪.‬‬
‫العهد َّ‬
‫الرفاعي بأن الشيخ الفضيل كان ممن األوائل الذين انتموا لتنظيم الدَّ عوة‪،‬‬
‫حيدد ا‬

‫فـ «حممد مهدي احلكيم هو الذي صدح بالدَّ عوة بعد املبايعة (مبايعة االنتامء‬

‫وحيرضهم‪،‬‬
‫للدعوة)‪ ،‬يف ‪ 14‬أو ‪ 15‬متوز ‪ 1959‬فأخذ يذهب إىل ال ُعلامء وحيدّ ثهم ّ‬
‫ويتار ال َّطلبة املميزين‪ ،‬يف احلوزة الدا ينية‪ ،‬ويأخذ منهم موافقات االنتامء إىل احلزب‪،‬‬
‫دروسا‬
‫الصدر ُيلقي‬
‫السيد حممد باقر َّ‬
‫خ‬
‫وهو يتم عاد خة عىل شكل بيعة‪ .‬وبعدها أخذ ّ‬
‫عليهم ومل أحرضها‪ ،‬كانت دروسا تثقيفية‪ ،‬وكانت ُتنرش يف نرشة الدَّ عوة‪ ،‬م‬
‫ومن‬
‫خ‬
‫هؤالء كان َّ‬
‫عضوا يف هيئة حترير جملة‬
‫الشيخ عبد اهلادي الفضيل»‪ .‬وكان األخري‬
‫خ‬
‫م‬
‫(األضواء) إىل جانب آخرين من الدَّ عوة‪.‬‬
‫الصدر (أعدم ‪ )1910‬توىل قيادة احلزب‬
‫السيد حممد باقر َّ‬
‫وبعد خروج َّ‬

‫بالنَّجف مجاعة بال رأس؛ كان أحدهم عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬وقد دخل األخري يف‬
‫السيد طالب‬
‫النزاع بني أهل العامئم واألفندية داخل احلزب‪ ،‬وكان إىل جانب َّ‬
‫الرفاعي يف هذا األمر‪.‬‬
‫ا‬

‫الرفاعي والفضيل أول انشقاق يف حزب الدَّ عوة ضد األفندية (غري‬
‫قاد ا‬
‫الرفاعي‪« :‬وكان الشيخ عبد اهلادي الفضيل حيمل مثل تلك‬
‫املعممني)‪ .‬يقول ا‬

‫األفكار‪ ،‬يف التَّمييز بني أهل العامئم وحارسي الرؤوس (األفندية) داخل التَّنظيم‪.‬‬

‫قال يل الفضيل‪ :‬أال رأيت ماذا فعل األفندية بنا؟ فقلت له‪ :‬صحيح ما تقول وال بدَّ‬
‫من أن نفعل شي خئا! فقال‪ :‬أنا بخدمتك أبو آمنة! فصارحته‪ :‬جيب أن نأخذ زمام القيادة‬
‫‪127‬‬

‫يف احلزب‪ ،‬أي كمعممني! فقال‪ :‬أنا تابع لك‪ ،‬لكن أنا وأنت ال نتمكن ممن فعل َشء‪.‬‬
‫فام رأيك بعدنان البكّاء! وكان حينها ممن املعممني‪ .‬فقلت‪ :‬إن البكّاء يأيت يف الدَّ رجة‬
‫الرابعة‪ ،‬وأنا يف الدرجة األوىل‪ ،‬وأنت يف ال َّثانية‪ ،‬يف داخل التَّنظيم‪ .‬أليس هذا يعترب‬
‫َّ‬

‫السيد عدنان البكّاء‪.‬‬
‫طفرة يف تسلسل الدَّ رجات احلزبية؟ فقال‪ :‬أرى أن يكون معنا َّ‬

‫الرفاعي)‪.‬‬
‫السيد طالب ا‬
‫وكان كذلك» (أمايل َّ‬

‫َّ‬
‫الشباب‪ ،‬ويف مواجهة رف عصيب‪ ،‬مثلام يعتربه‬
‫كل هذا جرى يف رش‬
‫اإلسالميون‪ ،‬فكان عمر الفضيل يف تلك األيام مل يتجاوز اخلامسة والعرشين‪ ،‬لكن‬
‫بعد ذلك توجه إىل الدرس وطلب م‬
‫العلم‪ ،‬وألف كت خبا عديدة تصل إىل مخسة وسبعني‬
‫كتا خبا‪ ،‬وبينها ما صدر يف أكثر ممن جملد‪ .‬وأن فرتة سبعة عرش عا خما (‪)1911-1971‬‬
‫ممن التدريس وممارسة اإلرشاف العلمي بجامعة امللك عبد العزيز حتى تقاعده‪ ،‬ثم‬
‫مواصلة اإلرشاف العلمي ممن اجلامعة العاملية للعلوم اإلسالمية بلندن‪ ،‬مل تبق‬
‫حيزا يف نفسه‪.‬‬
‫السياسة واحلزبية تشغال خ‬
‫لقد تعدته موجة ال َّثورة اإليرانية‪ ،‬واملوجة الدا ينية السياسية بسبب هذه ال َّثورة‬
‫السيايس بشتى أصنافه‪ ،‬فأصبحت تلك األيام‬
‫وحرب أفغانستان‪ ،‬وانتعاش اإلسالم ا‬

‫قسام علم ًّيا لسنوات طويلة‪ ،‬ال‬
‫تار خ‬
‫ربا‪ ،‬و َمن ينجز مخسة وسبعني كتا خبا ويرتأس خ‬
‫يا وع خ‬

‫جيد فرصة للتفكري يف حزب أو آيديولوجية‪ .‬فامذا لو ل الفضيل مقيدخ ا بقيد احلزبية‬
‫السياسية؟ السؤال ال أجيب عنه أنا‪ ،‬إنام جييب عنه ما آل إليه احلال ممن‬
‫والعقيدة ا‬
‫هزيمة العقل‪.‬‬
‫سمعنا ممن الذين خالطوا الفضيل أنه كان إنسا خنا هادئ ال اطباع‪ ،‬صاد خقا مع نفسه‬
‫ومع َمن حوله‪ ،‬يتمكن برزانته ممن استيعاب خمالفيه‪ ،‬واألوطان عنده تستوعب‬
‫اجلميع‪ ،‬وأن ترحاله بني املدن املختلفة يف مذاهبها مدته بخربة وجتربة‪ ،‬وأن َ‬
‫مثل‬
‫معاممة عبد اهلادي الفضيل ال تفرط يف إنسانية وال تعتمر عىل كراهية‪ ،‬فقد ولد ونشأ‬
‫بالبرصة‪ ،‬تلك املدينة املختلطة‪ ،‬التي تعلم ساكنوها القدرة عىل التعايش‪ ،‬وتعلم‬
‫‪121‬‬

‫السياسة‪ ،‬دون أن تأخذه بعيدخ ا‪ ،‬فام هي إال‬
‫بالنَّجف َ‬
‫وصلب عوده فيها‪ ،‬حيث مارس ا‬
‫م‬
‫أعوام ويفيق لتحقيق حلمه يف العلم‪ ،‬ثم وصل مدينة جدة وهو ناضج‪ ،‬وهي‬
‫األخرى مفتوحة ال تضيق بإنسان مثل الفضيل‪ ،‬ومات وشيع يف مدينة سيهات‪،‬‬
‫وكلها أسامء كتب التَّاريخ ورحالت الرحالني مألى بأخبارها‪.‬‬
‫أخريا‪ ،‬يف حياة َّ‬
‫الشيخ عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬وهو يعرب ممن النَّجف إىل جدة‬
‫خ‬
‫بعاممته البيضاء‪ ،‬ما يمد مجرة ال َّطائفية‪ ،‬وقد احتل منزل خة علمي خة بجامعة امللك عبد‬
‫العزيز‪ ،‬كتلك التي احتلها ابن الكوفة حممد مهدي املخزومي (ت ‪ )1993‬بجامعة‬
‫بالرياض‪ ،‬وما زالت صورته معلقة عىل واجهة قسم اللغة العربية فيها‪،‬‬
‫امللك سعود ا‬

‫وقد وقفت حتتها‪.‬‬

‫درسا عمي خقا َملن يتوىل َّ‬
‫الشأن الدا يني‪ ،‬مغزاه‪ :‬يف الدا ين عىل‬
‫إن يف حياة الفضيل خ‬
‫خمتلف مذاهبه فسحة‪ ،‬ال يضيق هبا البرش‪ ،‬أليس الكتاب الكريم يقول‪﴿ :‬ﭑ ﭒ‬
‫ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ﴾(‪ .)1‬ولنَّا التَّذكري بام قاله صالح‬
‫اجلعفري (ت ‪ ،)1979‬يف رف حالك كظرفنا هذا (شعراء الغري)‪:‬‬
‫للســـــان كـــــال وال‬
‫ال َدخـــــل ا‬

‫َيلـــــز ُم َ‬
‫أن ُنوحـــــدَ املـــــذهبا‬

‫(‪ )1‬سورة هود‪ ،‬اآلية‪.111 :‬‬

‫‪129‬‬

‫من رواد حزب الدعوة اإلسالمية الشيخ الدكتور‬
‫عبد اهلادي الفضلي يف ذمة اهلل‬

‫الدكتور عيل التميمي‬

‫(* )‬

‫يف ‪2013 /4 /1‬م يف الدمام يف املنطقة الرشقية من السعودية‪ ،‬انتقل إىل رمحة‬
‫اهلل تعاىل الشيخ الدكتور عبد اهلادي الفضيل الذي كان من رواد التنظيم الرسايل يف‬
‫حزب الدعوة اإلسالمية يف مرحلة التأسيس واالنتشار العاملي‪.‬‬
‫والراحل الشيخ الدكتور عبد اهلادي الفضيل كان داعية إىل اهلل عندما كانت‬
‫الدعوة اإلسالمية أطروحة عشق روحي‪ ،‬ومرشوع عمل جهادي‪ ،‬ليس فيها ما‬
‫يغري بالتكسب املادي الدنيوي كام هو اليوم‪ ،‬وليس فيها األنانيات والبغضاء‬
‫والتقاطع والتدابر كام هو اليوم‪ ،‬وإنام كنا جنو خدا جمهولني نعمل يف سبيل اهلل لنكون‬
‫جمتم خعا يعرف نفسه ليعرف ربه‪ ،‬ثم ليعرف رسالته‪ ،‬ولذلك كنا كخلية النحل تتكامل‬
‫أدوارنا مع بعضنا‪ ،‬جيوبنا كاألواين املستطرقة‪ ،‬وقلوبنا موحدة‪ ،‬وعقولنا متحدة مل‬
‫نتفاخر بيشء سوى خدمة الناس‪ ،‬حتى أحبنا من عرفنا‪ ،‬واطمأن إلينا من اختربنا‬
‫وجربنا‪.‬‬

‫(*) رئيس مركز الدراسات واألبحاث الوطنية‪2013/4/13 ،‬م‪.‬‬

‫‪130‬‬

‫والراحل الشيخ الدكتور عبد اهلادي الفضيل اختذ من اجلد يف طلب العلم‬
‫سبي خ‬
‫ال لتعزيز الدعوة إىل اهلل مع من يلتقيهم ويعمل معهم‪ ،‬فهو السعودي اجلنسية‬
‫املولود يف البرصة عام ‪ 1935‬ارحتل إىل النجف األرشف عام ‪ 1949‬فدرس عىل يد‬
‫كل من األساتذة‪:‬‬
‫ الشيخ عيل زين الدين‬‫ السيد مجال الدين اخلوئي‬‫ الشيخ حممد أمني زين الدين‬‫ الشيخ عيل شرب‬‫ الشيخ حممد عيل اخلامييس‬‫ السيد حممد حسني احلكيم‬‫ السيد أبو القاسم اخلوئي‬‫ الشيخ حممد طاهر أل رايض‬‫ الشيخ حممد رضا املظفر‬‫ السيد حممد تقي احلكيم‬‫ السيد حمسن احلكيم‬‫ الشهيد السيد حممد باقر الصدر‬‫والراحل هو عبد اهلادي بن مريزا حمسن بن الشيخ سلطان بن حممد الفضيل‪،‬‬
‫درس املقدمات والسطوح والبحث اخلارج يف احلوزة العلمية يف النجف األرشف‪،‬‬
‫وحصل عىل بكالوريوس من كلية الفقه‪ ،‬ثم ماجستري آداب اللغة العربية من جامعة‬
‫مدرسا للنحو والرصف يف جامعة امللك عبد‬
‫بغداد عام ‪ 1391‬هجرية‪ ،‬ثم عمل‬
‫خ‬

‫العزيز‪ ،‬عام ‪ 1396‬حصل عىل الدكتوراه بمرتبة الرشف يف اللغة العربية من جامعة‬
‫مدرسا يف اجلامعة إىل عام ‪1409‬‬
‫القاهرة‪ ،‬بعدها عاد إىل السعودية وبقي يف جدة‬
‫خ‬
‫هجرية حيث أحيل عىل التقاعد‪ ،‬ثم عمل أستا خذا يف اجلامعة العاملية للعلوم اإلسالمية‬
‫يف لندن حيث أرشف عىل تدريس املنطق وأصول البحث‪ ،‬بعدها أقام يف الدمام إىل‬
‫أن توفاه اهلل يوم ‪2013/4/1‬م‪.‬‬
‫‪131‬‬

‫من مؤلفاته‪:‬‬
‫ خالصة املنطق‬‫ مبادئ أصول الفقه‬‫والراحل الشيخ الدكتور عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬أشاد بمنزلته العلمية الشيخ آغا‬
‫بزرگ الطهراين‪ ،‬وأجازه يف الرواية عنه‪ ،‬وكتب له الشهيد حممد باقر الصدر فيلسوف‬
‫القرن العرشين رسالة عندما قرر مغادرة النجف‪ ،‬يثني عليه ويبدي أسفه لرحيله عن‬
‫احلوزة العلمية يف النجف التي خترس من أمثاله‪.‬‬
‫والراحل الشيخ الدكتور عبد اهلادي الفضيل كان من أوائل الدعاة الذين أقبلوا‬
‫بشغف االنخراط يف طريق الدعوة إىل اهلل من خالل التبليغ البعيد عن هبارج الدنيا‬
‫وأغراء العناوين‪ ،‬وكان ‪ ‬مثال اجلد واالستقامة والتواضع‪ ،‬وهو من األوائل الذين‬

‫اكتووا بنار الرصاعات واملعاناة التي واجهت الدعاة األوائل يف مرحلة التأسيس‬
‫حيث كان الشهيد حممد باقر الصدر يقود سفينة العمل الدعويت مما جلب له الكثري‬
‫من الكيد واحلسد حتى بلغ ببعضهم أن ينعتوه بكاتب املقاالت تقلي خ‬
‫ال من شأنه‬
‫وحتديدخ ا يف ن أولئك من قيمته العلمية وموقعه يف قلوب حمبيه وكل من عرفه حتى‬
‫بلغت املضايقات لشخصه الكريم أن بعضهم كان يتعمد عدم احرتام السيد حممد‬
‫باقر الصدر عندما يدخل إىل بعض املجالس‪ ،‬وحدث ذات مرة أن حرض السيد إىل‬
‫جملس عزاء حسيني يقرأ فيه املرحوم السيد جواد شرب‪ ،‬فلام دخل السيد حممد باقر‬
‫الصدر إىل املجلس مل يقم له أحد من وجهاء القوم‪ ،‬فام كان من املرحوم السيد جواد‬
‫شرب وهو عىل املنرب إال أن قطع خطبته وقال‪ :‬املجلس الذي ال حيرتم فيه مثل السيد‬
‫حممد باقر الصدر ال يستحق أن أقرأ فيه وهم بالنزول من املنرب مما أحدث صدمة‬
‫للحارضين الذين رجوه أن يستمر وقام البعض بإفساح املكان املناسب للسيد حممد‬
‫باقر الصدر‪ ،‬و لت هذه املعاناة تالحق املخلصني وأصحاب االستقامة ومنهم‬
‫الراحل الشيخ عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬وانعكست تلك املعاناة حتى داخل اخلط‬
‫‪132‬‬

‫التنظيمي حلزب الدعوة اإلسالمية يف مراحل متقدمة‪ ،‬نتيجة احتدام الرصاع بني‬
‫اإلرهاصات الروحية التي يوفق هلا بعض الدعاة‪ ،‬وبني االنجذاب إىل املادة وغوايتها‬
‫التي تتحرك من خالل سيل املشاعر املندفعة بحركة اهلرمونات وكيمياء الدم التي‬
‫يفشل أمامها احلضور العقيل غري املرتاض بحرارة اإليامن والزخم الروحي املتصل‬
‫بوعي الكون املتدين؟‬
‫ونتيجة لذلك الرصاع اخلفي يف اخلاليا القيادية األوىل كان املرحوم الشيخ عبد‬
‫مرشحا لقيادة اجلناح احلركي بعد قرر السيد املؤسس حممد باقر‬
‫اهلادي الفضيل‬
‫خ‬
‫الصدر أن يتفرغ للدور املرجعي‪ ،‬ويتخىل عن الشأن التنظيمي للقيادة الدعوتية التي‬
‫كانت تظم نخبة من خرية الدعاة‪ ،‬وذلك من أجل أن يفي السيد الصدر بنصيحة من‬
‫املرجع السيد حمسن احلكيم بعد الوشاية التي قام هبا البعثي املدعو «حسني الصايف»‬
‫خ‬
‫الحقا بغري حقيقتها وشوه حمتواها ووصلت إىل الناس حمرفة‬
‫وهذه احلادثة استثمرت‬
‫يتحمل مسؤوليتها من كان ورائها‪.‬‬
‫وقد شاءت األقدار أن تكون هناك مفاضلة غري مقصودة بنوايا مرضة‪،‬‬
‫واملفاضلة هي بني الشهيد املهندس حممد هادي السبيتي «أبو حسن» القيادي‬
‫صاحب العقل احلركي الفذ‪ ،‬وبني الراحل الشيخ الدكتور عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬وكان‬
‫املسؤول عن املفاضلة املرحوم آية اهلل العالمة «مرتىض العسكري» املحقق املعروف‬
‫وصاحب كتاب «مائة ومخسون صحايب خمتلق» وكان ترجيح العالمة مرتىض‬
‫العسكري لألستاذ املهندس حممد هادي السبيتي وليس للشيخ الدكتور عبد اهلادي‬
‫الفضيل‪ ،‬وألن التنظيم كان يف مرحلته الرسية لذلك مل تعرف تفاصيل ما حدث‬
‫سوى بعض الترسيبات القليلة والتي أملح اليها معي العالمة املرحوم مرتىض‬
‫العسكري يف بعض لقاءاتنا يف طهران حيث كان عندما تلم به وعكة صحية يطلب‬
‫من أبنائه أن يتصلوا يب لفحصه وتشخيص حالته الصحية‪ ،‬وكذلك لقائي بالشهيد‬
‫مقيام يف األردن وطلبت منه بإحلاح‬
‫حممد هادي السبيتي الذي زارنا يف دمشق وكان خ‬
‫أن يرتك األردن خو خفا عليه من خمابرات صدام حسني التي كانت مطلقة اليد يف‬
‫‪133‬‬

‫األردن كام يف أمارات اخلليج وكان معي يف لقائنا األ فؤاد الدوركي «أبو سجى»‬
‫وقد اقتنع الشهيد برتك األردن ولكنه عندما دخل األردن ألقت عليه املخابرات‬
‫األردنية القبض وسلمته إىل برزان التكريتي األ غري الشقيق لصدام حسن الذي‬
‫انتقل معه إىل بغداد وشوهد أخر مرة من قبل األستاذ حممد األلويس يف سجن إال من‬
‫العامة والذي سأله‪ :‬كيف تقيض وقتك؟ قال السبيتي‪ :‬ال يوجد عندي فراغ فأنا‬
‫مشغول بالعبادة؟‪.‬‬
‫واليوم عندما يرحل عنا الشيخ الدكتور عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬فإننا نودع رج خ‬
‫ال‬
‫من الذين قالوا ربنا اهلل ثم استقاموا‪ ،‬رحل العالمة الفضيل ومل يأخذ معه من حطام‬
‫الدنيا سوى ما قدمه لطالبه من علم ينتفعون به‪ ،‬وما قدمه لنفسه من عمل صالح‬
‫ينفعه يوم ال ينفع مال وال بنون إالّ من أتى اهلل بقلب سليم‪ ،‬فللذين يريدون العمل‬
‫يف طريق الدعوة إىل اهلل وتعبيد الناس باإليامن واإلسالم أن يعتربوا بسرية الراحل‬
‫الذي كان كأستاذه الشهيد الصدر الذي مل يأخذ من حطام الدنيا وهو الذي رضب‬
‫لنا مث خ‬
‫ال هبارون الرشيد الذي كان يقول للغيمة أين ما متطري فيل خراجك‪ ،‬وعندما‬
‫طواه املوت مل تعد مقولته لرتد عنه الردى‪.‬‬
‫رحل العالمة الفضيل هبدوء كام رحل العالمة العسكري والدكتور الداعية جابر‬
‫العطا وكام رحل الشيخ املجاهد فرج اهلل وكام رحل الشيخ مهدي العطار والشيخ جميد‬
‫الصيمري‪ ،‬أولئك أصحايب فجئني بمثلهم‪ .‬و﴿ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‪.‬‬

‫‪134‬‬

‫األمري سعود بن نايف يعزي أسرة الفضلي يف الدكتور‬
‫عبد اهلادي‬

‫األستاذ سعيد الباحص‬

‫(* )‬

‫واسى صاحب السمو امللكي األمري سعود بن نايف بن عبد العزيز آل سعود‬
‫أمري املنطقة الرشقية أرسة آل الفضيل وأرحامهم يف وفاة الدكتور عبد اهلادي بن‬
‫الشيخ مريزا حمسن الفضيل الذي انتقل إىل رمحة اهلل ووري جثامنه الثري بإحدى‬
‫املقابر يف الدمام بعد أن أديت الصالة عليه‪.‬‬
‫سائ خ‬
‫ال سموه اهلل جلت قدرته بأن يتغمد الفقيد بواسع رمحته ويسكنه فسيح‬
‫جناته ويلهم أهله الصرب والسلوان يف مصاهبم‪ .‬وقدمت أرسة الفضيل شكرها لسمو‬
‫األمري سعود بن نايف هلذه الزيارة‪ ،‬التي خففت الكثري من مصاهبم‪ ،‬داعني اهلل أن‬
‫جيعل ذلك يف ميزان حسناته‪.‬‬
‫يذكر أن الدكتور عبد اهلادي الفضيل كان كات خبا معرو خفا‪ ،‬عرف منذ صغره بحبه‬
‫لطلب العلم وتفوقه الواضح عىل أقرانه‪ ،‬وإتقانه الدروس والعلوم اجلامعية‪ ،‬كام حاز‬
‫عىل الدكتوراه يف اللغة وعلم األصول‪ ،‬وعاش حياته بني العراق ومرص والدمام‬
‫بحي املباركية‪.‬‬
‫وكان الفضيل ‪ ‬له مشاركات واسعة يف املجاالت الثقافية باملنطقة‪ ،‬من‬

‫املحارضات والندوات واملهرجانات الثقافية‪.‬‬

‫(*) صحيفة عكاظ‪1434/6/3 ،‬ه‪2013/4/13 ،‬م‪ ،‬العدد ‪.4311‬‬

‫‪135‬‬

‫رمحك اهلل يا شيخنا الفضلي‬

‫األستاذ سلامن عبد األعىل‬

‫(* )‬

‫الصواب لو قلت َّ‬
‫ّ‬
‫إن فقيدنا الراحل الشيخ الدكتور عبد اهلادي‬
‫لعيل ال أجانب َّ‬
‫الفضيل ‪ ‬هو أبرز علامء املنطقة‪ ،‬األحساء والقطيف‪ ،‬يف تارينا املعارص‪ ،‬وهذا‬

‫الكالم أو احلُكم ليس نتيجة لعاطفة حمضة‪ ،‬وإنام نتيجة مراعاة للجوانب املوضوع َّية‪،‬‬
‫فمن ممن علامء املنطقة املعارصين كانت له جتربة كتجربته‪ ،‬ونتاج كنتاجه‪ ،‬وثقافة‬
‫َ‬
‫كثقافته‪ ،‬ووعي كوعيه! فالفقيد الراحل كان قام خة فكرية كربى يف ميدان الفكر‬
‫ورقام من األرقام احلية عىل عظمة احلوزة العلمية‪ ،‬كام قال يف ّ‬
‫حقه الشهيد‬
‫اإلسالمي‪ ،‬خ‬
‫الس ّيد حممد باقر الصدر‪.‬‬

‫تر ّبى الشيخ الفضيل ‪ ‬يف أحضان احلوزة العلم َّية يف النَّجف األرشف‪ ،‬وتتلمذ‬

‫عىل كبار علامئها آنذاك‪ ،‬كالسيد حمسن احلكيم‪ ،‬والسيد أبو القاسم اخلوئي‪ ،‬والشهيد‬
‫السيد حممد باقر الصدر‪ ،‬والشيخ حممد رضا املظفر‪ ،‬والسيد حممد تقي احلكيم‬
‫خاصة ومميزة‪ ،‬يعرفها ّ‬
‫وغريهم‪ ،‬وكانت تربطه َّ‬
‫كل من ا ّطلع‬
‫الصدر عالقة َّ‬
‫بالشهيد َّ‬
‫عىل الرسائل ا َّلتي بينه وبني الس ّيد ال ّشهيد بعد هجرته من النّجف‪ ،‬وا َّلتي تدل عىل‬
‫املكانة الرفيعة ا ّلتي كانت َّ‬
‫للشيخ الفضيل عند الشهيد الصدر‪.‬‬

‫(*) موقع (بينات)‪1434/6/3 ،‬ه املوافق ‪2013/4/13‬م‪.‬‬

‫‪136‬‬

‫وعىل الرغم مما مت َّيز به الشيخ ‪ ‬يف احلوزة العلمية‪ ،‬إال أنه مل يكتف فقط‬

‫بدراسة العلوم احلوزوية وتدريسها‪ ،‬كام هو شأن الكثري من العلامء وطلبة العلوم‬
‫الدينية‪ ،‬بل اجتمعت فيه من اخلصال التي مل جتتمع لغريه من الشخصيات العلمية‬
‫األخرى يف املنطقة‪ ،‬فهو إضاف خة إىل دراسته وتدريسه يف احلوزة العلم َّية يف النجف‬
‫األرشف؛ واصل دراسته األكاديم َّية‪ ،‬وتن َّقل من أجل ذلك بني عدة جامعات‬

‫للدّ راسة والتدريس‪ ،‬فمن جامعة أصول الفقه يف النجف األرشف حيث درس‬
‫البكالوريوس‪ ،‬إىل جامعة بغداد حيث درس املاجستري يف اللغة العربية‪ ،‬إىل القاهرة‬
‫حيث درس الدكتوراه‪ ،‬إىل مدينة جدة يف اململكة العربية السعود َّية حيث مارس‬
‫التدريس يف جامعة امللك عبد العزيز ورئس قسم اللغة العرب ّية فيها‪ ،‬إىل لندن حيث‬
‫مارس التدريس يف اجلامعة العاملية للعلوم اإلسالمية‪.‬‬
‫ومل يقترص دور الشيخ ‪ ‬ونشاطه عىل الدّ راسة والتّدريس احلوزوي‬

‫واألكاديمي فحسب‪ ،‬بل نجده ساهم يف جتديد املناهج احلوزوية وإصالحه‪ ،‬من‬
‫خالل تأليف العديد من الكتب وإعدادها‪ ،‬ومنها كتب‪ :‬مذكرة املنطق‪ ،‬خالصة‬
‫املنطق‪ ،‬خالصة علم الكالم‪ ،‬أصول البحث‪ ،‬أصول حتقيق الرتاث‪ ،‬أصول احلديث‪،‬‬
‫أصول علم الرجال‪ ،‬تاريخ الترشيع اإلسالمي‪ ،‬مبادئ علم الفقه‪ ،‬ودروس يف فقه‬
‫اإلمامية‪ ،‬وغريها من الكتب واملؤلفات يف الفكر اإلسالمي وعلوم اللغة العربية‪.‬‬
‫ومن ي َّطلع عىل كتب الشيخ الفضيل‪ ،‬يعرف كيف استطاع ‪ ‬أن يزاوج‬

‫ويكامل بني العلوم احلوزوية واألكاديم ّية‪ ،‬فكتابته للمناهج كانت عبارة عن والدة‬
‫ملزاوجة متت بني جتربته احلوزو ّية واألكاديم ّية؛ حيث أسهم يف حتقيق التكامل املعريف‬

‫أيضا يف دروسه يف اجلامعة العاملية‬
‫السمة نجدها واضحة خ‬
‫بني احلوزة واجلامعة‪ ،‬وهذه ّ‬
‫للعلوم اإلسالمية‪ ،‬ويف ندواته وحمارضاته‪.‬‬

‫إضاف خة إىل ذلك ك ّله‪ ،‬اتسم شيخنا الفضيل ‪ ‬باألخالق العمل ّية العالية عىل‬
‫املستوى السلوكي‪ّ ،‬‬
‫السمة أكثر عندما‬
‫فكل من عرفه يذكر له ذلك‪ ،‬وقد برزت هذه ّ‬
‫‪137‬‬

‫تعرض حلمالت التّسقيط بسبب موقفه اإلجيايب من مرجعية السيد حممد حسني‬
‫فضل اهلل ‪ ‬حيث تر َّفع عن الر ّد أو املواجهة‪ ،‬ومل تصدر عنه أي كلمة أو ترصيح أو‬
‫تدخل يف أي رصاع‪.‬‬

‫فرمحك اهلل يا شيخنا الفضيل‪ ،‬وأسكنك فسيح جناته‪ ،‬م‬
‫فمن أمثالك نتع َّلم كيف‬
‫نكون حريصني عىل حتصيل العلم واملعرفة‪ ،‬ومن أمثالك نتع ّلم كيف نعمل هبدوء‬
‫الرصاعات‪.‬‬
‫وصمت‪ ،‬ومن أمثالك نتعلم كيف نتجنَّب ّ‬

‫‪131‬‬

‫العالمة الفضلي‪ ..‬مفكرٌ إصالحي‬

‫املهندس جعفر الشايب‬

‫(*)‬

‫علام من أعالم الفكر والعلم يف املنطقة‪ ،‬هو‬
‫غيب املوت األسبوع املايض خ‬
‫العالمة الدكتور عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬الذي تنقل يف مواقع عديدة دينية وعلمية‪،‬‬
‫ومفكرا وباح خثا‪.‬‬
‫ومصلحا‬
‫دارسا ومرب خيا‬
‫خ‬
‫خ‬
‫خ‬
‫الفضيل ذو األصول األحسائية ولد يف العراق‪ ،‬وهناك بدأ دراسته األولية‬
‫وانتقل إىل املدارس الدينية يف مدينة النجف‪ ،‬ثم يف جامعة بغداد‪ ،‬وبعدها يف مرص‪،‬‬
‫وأسس قسم اللغة العربية يف جامعة امللك عبد العزيز بجدة‪ ،‬ثم مرش خفا عىل أبحاث‬
‫الدراسات العليا يف عديد من اجلامعات والكليات العلمية‪.‬‬

‫له من املؤلفات حوايل سبعني كتا خبا يف خمتلف جوانب علوم اللغة العربية‪،‬‬
‫وأصول البحث والعلوم الدينية كالفقه واملنطق واحلديث وعلم الرجال‪ ،‬وكذلك يف‬
‫قضايا اإلصالح الفكري‪ .‬كام ساهم يف إثراء الساحة من خالل حمارضاته وندواته‬
‫التي متيزت بالطرح العلمي واملوضوعي والنقدي بشكل عام‪.‬‬

‫وبعيدخ ا عن ذكر مناقبه الشخصية العالية‪ ،‬كالتواضع واجلدية‪ ،‬التي هي حمل‬
‫(*) صحيفة الرشق‪ ،‬العدد‪2013/4/14 ،497 :‬م‪.‬‬

‫‪139‬‬

‫إمجاع بني كل من تعرف عليه وعارشه‪ ،‬فإن العالمة الفضيل استطاع خالل مسرية‬
‫حياته أن يعزز منهجية الدمج بني أسلوب التعليم الديني التقليدي والدراسة‬
‫احلديثة‪ .‬وساهم يف تطوير منظومة دراسات حديثة يف خمتلف العلوم الرشعية حتولت‬
‫إىل مناهج تعليمية يف املدارس الدينية وكذلك يف بعض اجلامعات املعروفة‪.‬‬

‫منفتحا عىل العلوم احلديثة‬
‫هذه املنهجية جعلت منه عا خملا فقه ًّيا مترش خعا‪،‬‬
‫خ‬
‫ومتفاع خ‬
‫ال معها‪ ،‬وهو هنج مشى عليه ثلة من املفكرين اإلسالميني الذي سامهوا يف‬
‫انفتاحا واتسا خعا‪ .‬كام أن انتامءه املذهبي مل جيعله أبدخ ا‬
‫حتريك الثقافة الدينية إىل أطر أكثر‬
‫خ‬
‫منغل خقا‪ ،‬بل إنه كان‬
‫منفتحا عىل خمتلف املدارس اإلسالمية داع خيا للوحدة والتآلف‪.‬‬
‫خ‬
‫أيضا حماوالته اإلصالحية يف اخلطاب الديني بشكل‬
‫تربز لدى العالمة الفضيل خ‬
‫عام‪ ،‬مما جيعله من أنصار مدرسة التجديد من حيث التمييز بني النصوص املقدسة‬
‫واالجتهاد البرشي‪ ،‬حيث يتناول تقديس املوروث بعمومه باعتباره من عوامل إبطاء‬
‫حركة التجديد‪.‬‬

‫يسري العالمة الفضيل يف تناوله ملوضوع الرتاث عىل هنج املجددين واملصلحني‬
‫يف تارينا املعارص الذين يرون رضورة تنقيح الرتاث وغربلته مما حلق به‪ ،‬وهو يف‬
‫ذلك يضيف مسامهات جادة وبأسلوب يميل إىل االعتدال وعدم الصدامية‪.‬‬

‫وطوال فرتة أيام العزاء خالل األيام املاضية‪ ،‬حفلت املنطقة بحضور كوكبة من‬
‫املثقفني والعلامء البارزين من داخل اململكة وخارجها‪ ،‬وأتاح ذلك فرص لقاءات‬
‫ثقافية متعددة تناولت أزمة الفكر اإلسالمي‪ ،‬واحلاجة إىل التجديد‪ ،‬والفجوة بني‬
‫اإلنجازات السياسية واالنحسار الثقايف‪.‬‬

‫من أبرز ضيوف املنطقة املعزين كان السيد عيل فضل اهلل والشيخ حسني اخلشن‬
‫والشيخ عيل حالوة من لبنان والسيد عبداهلل الغريفي من البحرين وكلهم من ذوي‬
‫االجتاهات الفكرية التجديدية‪ ،‬حيث التقوا بعديد من الشخصيات الدينية والثقافية‬
‫يف املنطقة‪.‬‬

‫حيق لوطننا أن يفخر هبذه القامة العلمية الرائدة التي تستحق كل تقدير وتكريم‬
‫يف املهرجانات واملناسبات الثقافية والوطنية‪.‬‬

‫‪140‬‬

‫أكادمييون ومشايخ يتذكرون «الفضلي»‪ ...‬عامل‬
‫لغة وهب نفسه للعلم‬

‫األستاذ عبد اهلل الدحيالن‬

‫(* )‬

‫أشاد أكاديميون وباحثون مكانة الشيخ الدكتور عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬الذي‬
‫تويف قبل أيام‪ ،‬بصفته رجل علم وبحث من الطراز النادر‪ ،‬الذي مجع بني سعة األفق‬
‫خصوصا اللغة العربية‪ ،‬ورصانة يف الفكر وانفتاح يف الرؤية جعلته‬
‫يف خمتلف العلوم‬
‫خ‬
‫حيظى بمحبة اجلميع واحرتامهم‪.‬‬
‫فهو الفقيه واألكاديمي وعامل اللغة الذي وهب نفسه للعلم والدرس والبحث‪،‬‬
‫درس فيها‪ ،‬بد خءا من‬
‫وقىض سنوات عمره يف خدمة طالبه يف خمتلف اجلامعات التي ّ‬
‫مرورا بالعراق‬
‫ومؤسسا لقسم اللغة العربية‪،‬‬
‫رئيسا‬
‫خ‬
‫خ‬
‫جامعة امللك عبد العزيز يف جدة خ‬

‫وبريطانيا‪ ،‬حتى استقر يف مدينة سيهات بعد رحلة مع العلم استمرت نحو ‪ 70‬عا خما‪،‬‬
‫وترك إر خثا علم ًّيا يصل إىل ‪ 100‬مؤلف‪.‬‬

‫وانتقل الفضيل إىل مثواه األخري بعد معاناة مع املرض‪ ..‬وكان قبل وفاته أدخل‬
‫العناية املركزة يف أحد املستشفيات إثر تعرضه لوعكة صحية‪ ..‬وشهدت جنازته‬
‫(*) صحيفة احلياة‪ ،‬االثنني ‪ 15‬أبريل ‪2013‬م‪.‬‬

‫‪141‬‬

‫كبريا من طالبه وحمبيه‪ ،‬إضافة إىل ذويه وجمموعة من طلبة العلوم األكاديمية‬
‫حشدخ ا خ‬
‫والرشعية‪ ،‬وعدد كبري منهم من خارج السعودية‪.‬‬

‫وكان أمري املنطقة الرشقية األمري سعود بن نايف قدّ م العزاء ألرسته يوم‬
‫اجلمعة‪ ،‬والتقى جمموعة منهم‪ ،‬مؤكدخ ا أن الفقيد حيظى بمكانة مرموقة علم ًّيا‪.‬‬
‫والفضيل هو سعودي من مواليد العراق‪ ،‬وختم القرآن الكريم لدى ك ّتاب‬
‫البرصة‪ ،‬ثم التحق باملدرسة االبتدائية‪ ،‬ويف الفرتة ذاهتا بدأ دراسة العلوم الدينية‪ ،‬فقرأ‬
‫عىل والده بعض كتب النحو والرصف واملنطق والبالغة‪ ،‬كام قرأ لدى الشيخ جاسم‬
‫البرصي‪ ،‬ثم هاجر إىل النجف إلكامل دراسته وله من العمر ‪ 14‬عا خما‪ ..‬شغل الفضيل‬
‫منصب رئيس قسم اللغة العربية يف جامعة امللك عبد العزيز يف جدة‪ ،‬وهو من‬

‫حائزي مرتبة االجتهاد يف الفقه اإلسالمي‪.‬‬
‫ومجع الراحل بني الدراسة التقليدية (احلوزوية)‪ ،‬والدراسة األكاديمية‬
‫النظامية‪.‬‬
‫ونعى جمموعة من املثقفني ورجاالت الدين الفضيل عرب مواقع التواصل‬
‫االجتامعي‪ ،‬إذ كتب الدكتور حممد اهلريف عرب حسابه يف «تويرت»‪« :‬رحم اهلل الفضيل‪،‬‬
‫فهو أحد علامء اللغة والفقه واملنطق‪ ،‬وهو أول من أسس قسم اللغة العربية يف‬
‫رئيسا للقسم‪ ،‬واستمر أستا خذا يف اجلامعة حتى‬
‫جامعة امللك عبد العزيز‪ ،‬وانتخب خ‬
‫تقاعده‪ ،‬حيث انتقل إىل مدينة سيهات وبدأ التدريس واملحارضات‪ ،‬ومتابعة‬

‫التأليف‪ ،‬وكان حمبو خبا من مجيع من عرفه»‪.‬‬
‫وذكر اهلريف أن الفضيل «ابتعد عن األضواء والشهرة مع أنه كان مؤه خ‬
‫ال هلا أكثر‬
‫من غريه‪ ،‬وآثر عليها العلم والتعليم وكان االعتدال يف الفكر من مزاياه التي‬
‫ربا إياه «واحدخ ا ممن آمن باالعتدال واألخذ من منابع العلم املعتدل‬
‫أفرزته»‪ ،‬معت خ‬

‫السليم»‪.‬‬

‫‪142‬‬

‫فيام رسد الكاتب حسني الشيخ جمموعة من مواقفه ومشاهده مع الراحل‪ ،‬يف‬
‫مقالة له يف مدونته‪ ،‬ذكر فيها أنه «من األمثلة التي يذكرها لنا يف اهلمة والنشاط أنه‬
‫درسا يف اليوم الواحد‪،‬‬
‫كان يف إبان وجوده يف النجف‪ ،‬كان يدرس ما يعادل ‪ 16‬خ‬
‫مبتد خئا من الصباح الباكر بعد صالة الفجر‪ ،‬ومنته خيا يف املغرب»‪.‬‬
‫كام ذكر أنه «عرضت عليه أكثر من جهة إقامة مهرجان تكريم‪ ،‬ورفضها مجي خعا‪،‬‬
‫وكان يف كل مرة يقول‪ :‬األموال الكثرية التي تنفق يف مثل هذه األمور هناك من‬
‫مرصين‪،‬‬
‫حيتاجها من املعوزين‪ ،‬أو حتتاجها بعض الربامج االجتامعية‪ ،‬فإذا كنتم‬
‫ّ‬

‫فاعتربوين كرمت من قبلكم‪ ،‬وابعثوا هذه املرصوفات إىل هذه الربامج أو اجلمعيات‬

‫اخلريية»‪.‬‬

‫‪143‬‬

‫الدكتور الفضلي‪ ...‬جسارة الفقيه املثقف‬

‫الكاتب وسام السبع‬

‫(*)‬

‫برحيل الشيخ عبد اهلادي املريزا حمسن الفضيل (‪ )2013 - 1935‬يكون العامل‬
‫اإلسالمي قد فقد أحد ركائز اإلصالح الديني وأبرز املسامهني يف جتديد املعرفة‬
‫الدينية‪ ،‬ليس من خالل اخلطابيات والشعارات التي يربع يف ترديدها كثريون يف‬
‫االحتفاليات واملؤمترات التي يفرتض أن تكون علمية‪ ،‬بل من خالل تراث علمي‬
‫خصب تركه الفضيل قبل أن يو ّدعنا قبل أيام إىل جوار رمحة اهلل‪.‬‬
‫كثريا ما يرتدد اسم الفضيل‪ ،‬يف الكتب والدراسات املتعلقة باملعرفة الدينية‪ ،‬أو‬
‫خ‬

‫تلك الكتب التي تتحدث عن تاريخ اإلسالم السيايس الشيعي‪ ،‬بوصفه واحدخ ا من‬

‫أبرز املسامهني يف تأسيس احلالة اإلسالمية يف العراق‪ ،‬والفاعلني فيها‪ ،‬ورغم حداثة‬
‫سنه يوم التحق باملجموعة القيادية األوىل يف حزب الدعوة اإلسالمية حيث مل يكن‬
‫يتجاوز عمره ‪ 25‬عا خما‪ ،‬إال أنه وبسبب تفوقه العلمي ونبوغه وجديته استطاع أن‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫خاصة لدى كبار علامء احلوزة العلمية النجفية‪.‬‬
‫بمكانة‬
‫حيظى‬
‫ثنائيات كثرية تبدو واضح خة يف مسرية حياة هذه الشخصية الفذة‪ ،‬ثنائية الدور‪:‬‬
‫الفقيه املثقف‪ ،‬وثنائية التكوين العلمي‪ :‬العامل الذي مجع بني التعليم اجلامعي‬
‫(*) صحيفة الوسط البحرينية‪ ،‬العدد ‪ ،3174‬الثالثاء ‪2013/4/16‬م‪.‬‬

‫‪144‬‬

‫احلديث‪ ،‬وبني التعليم اجلوامعي (من اجلامع أو املسجد‪ ،‬املكان الذي يأخذ فيه‬
‫الطالب احلوزوي دروسه)‪ ،‬وثنائية اجتامعية‪ :‬العراق والسعودية التي أمدته بتجربة‬
‫إنسانية واجتامعية غاية يف اخلصب والغنى‪ ،‬فقد ُولد بالبرصة العام ‪ 1935‬ممن ٍ‬
‫أب‬
‫أحسائي وأم ممن آل البطاط برصية املنحدر‪.‬‬
‫أوراق دفرت عمر هذا الرجل سخية بتفاصيل تاريية مهمة‪ ،‬فالرجل عاش يف‬
‫وقت كانت النجف تعيش عرصها الذهبي‪ ،‬وقد واكب وساهم مع رجال املؤسسة‬
‫الدينية املسكونني باهلم اإلصالحي وبكثري من اجلرأة والشجاعة والتوثب‪ ،‬يف‬
‫إحداث ثورة فكرية يف مدينة بدت شاحبة وبعيدة عن اهتاممات العرص وشئونه‪.‬‬
‫لقد كان الفضيل سخ ًّيا يف ذكر مناقبية الشيخ حممد رضا املظفر (ت ‪)1963‬‬
‫والسيد حممد تقي احلكيم (ت ‪ )2002‬والسيد حممد باقر الصدر (أعدم ‪)1910‬‬
‫والشيخ حممد أمني زين الدين (ت ‪ .)1991‬ومما يرويه عن تأثره بالشيخ زين الدين‪،‬‬
‫أن األخري عقد حلقة تدريس لكتابه «اإلسالم‪ ...‬ينابيعه مناهجه غاياته»‪ ،‬حرضها‬
‫معه ثلة من طلبة احلوزة العلمية منهم السيد مهدي احلكيم (أغتيل ‪ )1911‬والسيد‬
‫حممد باقر احلكيم (أغتيل ‪ )2003‬وآخرون اختارهم الشيخ زين الدين بنفسه‬
‫ٍ‬
‫درس من نوعه يف‬
‫لتعليمهم نظر ًّيا وتطبيق ًّيا عىل كتابة املقالة األدبية‪ ،‬وهو أول‬
‫النجف يف مواجهة األدب االشرتاكي الذي كانت تتلقفه أيدي الشباب‪.‬‬
‫غادر الفضيل النجف األرشف العام ‪ 1971‬بسبب الظرف السيايس الصعب‬
‫وتوجه نحو الكويت ثم منها غادر إىل‬
‫مر بالعراق بعد هيمنة النظام البعثي‪،‬‬
‫ّ‬
‫الذي ّ‬

‫مدرسا ملادة األدب العريب يف جامعة امللك عبد العزيز‪ ،‬وبعد‬
‫عني‬
‫خ‬
‫مدينة جدة‪ ،‬حيث ّ‬
‫سنتني من التدريس ابتعث من قبل اجلامعة إىل كلية دار العلوم بجامعة القاهرة‪.‬‬

‫وألنه عاش وحيدخ ا خالل هذه الفرتة حيث كانت العائلة ما تزال تعيش يف‬
‫العراق‪ ،‬فقد استغل وقته بجوالت ميدانية بسيارته الفولكس يف معامل مكة واملدينة‬
‫‪145‬‬

‫دون ما قرأه عن األماكن التي يقصدها‬
‫يسجل‬
‫ويصور ما يشاهده‪ ،‬ويكون قبلها قد ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫يف كتب التاريخ والفقه والرحالت‪ ،‬ويقول‪ ،‬كام يروي نجله فؤاد‪ ،‬إنه كان حيمل‬
‫فراشه معه بالسيارة‪ ،‬فينام متى ما ج ّن عليه الليل‪.‬‬
‫كبريا من زمالئه ورفاقه النجفيني من الذين كانوا‬
‫يف القاهرة‪ ،‬صادف عد خدا خ‬
‫يدرسون يف اجلامعات‪ ،‬منهم الشيخ أمحد الوائيل (ت ‪ )2003‬والسيد مصطفى مجال‬
‫الدين (ت ‪ ،)1996‬وصالح الظاملي والسيد عبد اهلادي بن السيد حمسن احلكيم‬
‫والسيد حممد بحر العلوم والسيد طالب الرفاعي‪ ،‬وكانت هلم لقاءات علمية وأدبية‪.‬‬
‫مدن وأماكن رسمت معامل جتربة الشيخ الفضيل التي حرص أكثر من كتاب‬
‫عىل اإلمساك بطرف منها‪ ،‬فقد ُولد ونشأ بالبرصة‪ ،‬املدينة املختلطة التي أدركت‬
‫مبكرا أمهية التعايش والتسامح املذهبي‪ ،‬وقد وهبته النجف أكثر من العلم ومنحته‬
‫خ‬
‫السياسة دون أن تستغرق وعيه وتسد منافذه‪ ،‬ثم أغرته مدينة جدة حني أدركه‬
‫خربة ا‬

‫النضج العلمي واض خعا بذلك حدخ ا لنشاطه السيايس يف صفوف الدعوة الذي كان‬
‫أحد قيادييها‪ ،‬ثم استضافته قاهرة املعز لدراسة الدكتوراه‪ ،‬وتر ّدد عىل لندن مستكم خ‬
‫ال‬
‫دوره العلمي عرب دوره اإلرشايف يف اجلامعة العاملية للعلوم اإلسالمية‪.‬‬
‫كام عاش بالقطيف سنواته األخرية هاد خئا كدأبه وهو يف ذروة عطائه وبزوغ‬
‫مستأنسا بالكتاب واملكتبة التي ل وف ًّيا‬
‫مستسلام لثقل السنني‪،‬‬
‫نجمه العلمي‪ ،‬واهنخا‬
‫خ‬
‫خ‬

‫هلا طيلة ‪ 71‬عا خما‪.‬‬

‫بالنسبة للبحرين‪ ،‬يعد الفضيل أكثر من عامل دين اتسمت شخصيته بالشمولية‬
‫والنشاط العلمي‪ ،‬فهو أستاذ جليل واسع من كبار علامء البحرين من الذين تتلمذوا‬
‫عىل يديه يف احلوزة العلمية بالنجف األرشف يف ذروة عطائها العلمي يف النصف‬
‫الثاين من القرن املايض‪ ،‬كان منهم أغلب من درس يف كلية الفقه وهم كثريون‪ ،‬منهم‬
‫الشيخ عيسى أمحد قاسم والسيد عبد اهلل الغريفي‪ ،‬إذ شارك الفضيل أستا خذا يف‬
‫‪146‬‬

‫متوسطة وثانوية منتدى النرش‪ ،‬وأصبح بعد خترجه يف كلية الفقه معيدخ ا فيها‪ ،‬ثم انضم‬
‫إىل أساتذة الكلية يشارك يف دعم مسرية النهضة العلمية النجفية احلديثة‪ ،‬وشارك يف‬
‫كبريا عىل احتفالياهتا‬
‫حمارضا وضي خفا‬
‫الكثري من الفعاليات الدينية يف البحرين‬
‫خ‬
‫خ‬

‫ومناسباهتا الدينية‪.‬‬

‫ناهيك عن الرتاث العلمي الكبري الذي تركه يف سياق اشتغاله بمنهجة التعليم‬
‫الديني يف احلوزة العلمية واملؤسسات اإلسالمية األكاديمية احلديثة‪ ،‬كاجلامعة‬
‫نفر‬
‫العاملية للعلوم اإلسالمية يف لندن‪ ،‬حيث عمل وتتلمذ ‪ -‬مر خة أخرى ‪ -‬عىل يديه ٌ‬
‫غري قليل من الطلبة البحرينيني منهم الشيخ سعيد النوري‪ ،‬سيد صادق الوداعي‪،‬‬
‫الشيخ توفيق احلداد‪ ،‬الشيخ نارص الشويخ‪ ،‬سيد حممد الغريفي والشيخ صادق‬
‫الكربابادي وآخرون‪.‬‬
‫وضع الفضيل مخسة وسبعني كتا خبا‪ ،‬بعضها صدر يف أكثر ممن جملد‪ .‬وقد أعطته‬
‫فرتة العمل ملدة سبعة عرش عا خما (‪ )1911 - 1971‬اخلربة األكاديمية الرضورية‬
‫والالزمة لرجل الدين‪ ،‬واإلفادة منها يف تثبيت دعائم مرشوعه الكبري يف منهجة‬

‫العلوم الدينية يف احلوزة‪.‬‬
‫لقد أخذ مرشوع الفضيل الذي وهبه عمره ووقته يف جتديد مناهج ومقررات‬
‫الدرس احلوزوي مراحل ثالث‪:‬‬
‫األوىل‪ :‬إعادة كتابة مقررات الدرس احلوزوي ملواده الدراسية احلالية بلغة‬
‫ميرسة وأسلوب تربوي جديد‪ ،‬يتناسب ولغة ومتطبات العرص‪ ،‬ومن أمثلتها كتبه‬
‫«خالصة املنطق» و«مبادئ أصول الفقه» و«الرتبية الدينية» و«أصول احلديث»‬
‫و«مبادئ علم الفقه» بأجزائه الثالثة‪.‬‬
‫الثانية‪ :‬استكامل املقررات الناقصة يف الدرس احلوزوي للعلوم القديمة‬
‫وإدخال مقررات لبعض العلوم احلديثة املهمة التي هلا عالقة بالدراسات اإلسالمية‪،‬‬
‫‪147‬‬

‫وقد كان فيها رائدخ ا‪ ،‬ومن أمثلتها كتبه «تاريخ الترشيع اإلسالمي» و«أصول البحث»‬
‫و«أصول علم الرجال» و«أصول حتقيق الرتاث»‪.‬‬
‫أما املرحلة الثالثة‪ :‬فهي بحوث استداللية يف الفقه واألصول وفق منهج جديد‬
‫وضعه وبنى عليه كافة مسائل ونظريات العلم‪ ،‬وهو ما أسامه «املنهج اللغوي‬
‫االجتامعي»‪ ،‬ومؤلفاه يف هذا الباب «دروس يف أصول فقه اإلمامية» و«دروس يف فقه‬
‫اإلمامية»‪.‬‬
‫رحم اهلل الشيخ الفضيل‪ ..‬الفقيه املثقف والرسايل‪.‬‬

‫‪141‬‬

‫رحم اهلل اللغوي الكبري الدكتور عبد اهلادي‬
‫الفضلي‬
‫غزيرا يصب كله يف خدمة لغة القرآن التي‬
‫ترك الدكتور الفضيل إر ًثا علم ًّيا ً‬

‫أخلص هلا أيام إخالص‬

‫أ‪ .‬د‪ .‬حممد خرض عريف‬

‫(* )‬

‫ُفجعنا‪ ،‬كام ُفجع مجهور العلامء عامة واللغويني خاصة يف اململكة العربية‬
‫السعودية والعامل العريب بنبأ وفاة العامل واملفكر‪ ،‬والنحوي والعرويض السعودي‬
‫الكبري الدكتور عبد اهلادي الفضيل ‪.‬‬
‫وكان ‪ ‬من العلامء األفذاذ الذين يتعمدون االبتعاد عن األضواء‪ ،‬فعاش يف‬

‫سكينة ومات يف هدوء بعد أن أثرى املكتبة العربية بمؤلفاته العديدة النافعة‪ ،‬وكان‬
‫مرج خعا يف كل علوم اللغة ال ُيسأل يف مسألة لغوية إالّ أجاب ّ‬
‫ووىف‪.‬‬
‫وكان الدكتور الفضيل ‪ ‬من الرواد واملؤسسني لقسم اللغة العربية بكلية‬

‫اآلداب والعلوم اإلنسانية بجامعة امللك عبد العزيز‪ ،‬فقد تأسس هذا القسم العريق‬
‫(*) صحيفة املدينة‪2013/04/17 ،‬م‪.‬‬

‫‪149‬‬

‫تاذي األستاذ الدكتور عمر الطيب السايس ويد الفقيد جزامها اهلل خري‬
‫عىل يد أس ّ‬
‫اجلزاء‪ ،‬وقد توىل الدكتور الفضيل ‪ ‬رئاسة قسم اللغة العربية يف بداية نشأته‪ ،‬كام‬

‫أرشف عىل جملة (الرائد) التي كانت تصدر عن اللجنة االجتامعية بكلية اآلداب‪،‬‬

‫ورشفت بأن كنت أرأس حتريرها حتت إرشافه ‪ ‬حني كنت أول معيد يف قسم اللغة‬

‫العربية‪ ،‬وعينت يف القسم حني كان سعادة األستاذ الدكتور عمر الطيب السايس‬
‫وكي خ‬
‫رئيسا لقسم اللغة العربية عام‬
‫ال لكلية اآلداب‪ ،‬وسعادة الدكتور الفضيل‬
‫خ‬

‫‪1391‬ه‪ ،‬ولكوين املعيد األول يف القسم والوحيد كذلك يف هذه املرحلة التأسيسية‪،‬‬

‫فقد أتيحت يل الفرصة أكثر من غريي ممن عينوا بعد ذلك أن أستفيد من خربات‬
‫األستاذين الفاضلني م‬
‫املؤس َسني‪ ،‬وتوثقت عالقتي بالدكتور الفضيل أكثر فأكثر حني‬
‫سافرنا م خعا ضمن فريق اإلرشاف عىل رحلة طالبية إىل إسبانيا برئاسة األستاذ‬
‫الدكتور عمر الطيب السايس‪ ،‬وأذكر أن فريق اإلرشاف شمل الدكتور حسن‬
‫خفاجي والدكتور خالد كويتي‪ ،‬وممن رافقونا يف تلك الرحلة‪ :‬الدكتور مبارك‬
‫احلازمي وكان طال خبا وقتها‪ ،‬واألستاذ سامي حنبظا ة واألستاذ إبراهيم دمياطي‪،‬‬
‫والدكتور أمحد اليوسف وكان طال خبا وقتها‪ ،‬إضافة إىل أربعني طال خبا‪ ،‬وكان اهلدف‬
‫زيارة مدن األندلس وقد زرناها مجي خعا وهلل احلمد بام فيها‪ :‬غرناطة وقرطبة وإشبيليا‬
‫وسواها‪.‬‬
‫وقد رافقت الدكتور الفضيل وقتها كظله‪ ،‬وعرفته عن كثب رج خ‬
‫ال دمث‬
‫كثريا يف تلك‬
‫األخالق حسن املعرش كريم اليد‪ ،‬عف اللسان‪ ،‬كام أفدت من علمه خ‬

‫الرحلة الرائعة البديعة أيام الصبا والشباب‪.‬‬

‫وبعد سفري للبعثة يف أمريكا عام ‪1911‬م كام أذكر‪ ،‬زارين يف مدينة سان‬
‫مالحا يف اخلطوط‬
‫دييجو بوالية كاليفورنيا يرافقه ابنه األكرب عامد الذي كان‬
‫خ‬
‫السعودية‪ ،‬ومكثا عندي أسبو خعا كام خ‬
‫ال جتولت فيه معهام يف كل املرافق السياحية يف‬
‫هذه املدينة الساحرة‪ ،‬وسافرنا م خعا إىل املكسيك بالسيارة إذ ال تبعد مدينة تيوانا‬
‫املكسيكية عن سان دييجو إالّ ‪ 20‬مي خ‬
‫ال‪.‬‬
‫‪150‬‬

‫وسافر الدكتور الفضيل بعدها مع ابنه عامد إىل جزر هاواي‪ ،‬ومل يلبث أن ارسل‬
‫يل رسالة رقيقة بالربيد من هاواي ضمنها قصيدة رقيقة جدخ ا‪ ،‬يتغزل فيها بمدينة سان‬
‫عيل فيها بأبيات من عيون الشعر العريب‪ ،‬وما زلت أحفظ‬
‫دييجو الساحرة‪ ،‬ويثني َّ‬
‫منها بيتني‪:‬‬

‫ٍ‬
‫خـــل‬
‫أأبـــا أيمـــن‪ ،‬ويـــا خيــــر‬
‫م‬
‫عهــدك شــعري‬
‫أي َق َظــت ذكريــات‬

‫م‬
‫ُ‬
‫اجلــدود‬
‫أصــول‬
‫ط َّي َبــت فـــر َعه‪،‬‬
‫ـت بيــت القصـ م‬
‫ـيد‬
‫بشــعوري‪ ،‬وكنـ َ‬

‫وقد ضمنت هذين البيتني الرائعني قصيدة مدحت هبا أحد اإلخوة املقربني من‬

‫نفيس‪ ،‬وما زلت أحتفظ بقصيدة الدكتور الفضيل حتى اليوم منذ ‪ 30‬عا خما‪.‬‬
‫وبعد عوديت من البعثة سعدت بزمالته ولقيت منه كل ترحاب وكل عون‬
‫ومؤازرة‪ ،‬وأذكر أنني كنت أزوره يف بيته يف سكن اجلامعة القديم ذي احلديقة‬
‫اجلميلة املنمقة يف كل أسبوع مرتني عىل األقل ألستفيد من علمه الغزير وأعرض‬

‫عليه أبحاثي ودراسايت وأدون ملحو اته وإرشاداته‪.‬‬
‫ومل أفارقه أبدخ ا حتى تقاعد من القسم وأقمنا له حف خ‬
‫كبريا‪ ،‬وأذكر أننا اتفقنا أن‬
‫ال خ‬

‫نقدم له هدية ثمينة‪ ،‬واستقر بنا الرأي عىل تقديم سبيكة ذهبية ثقيلة شارك اجلميع يف‬
‫ثمنها إضافة إىل درع وشهادة شكر‪ ،‬كانت أقل ما يمكن تقديمه هلذا املؤسس الرائد‬
‫والعامل الفاضل‪ ،‬وقد غادر جدة بعدها ليستقر يف املنطقة الرشقية بني أهله وذويه‪،‬‬
‫مريضا وال‬
‫وقد واصلته فرتة ثم انقطعت عنه يف املدة األخرية قبل وفاته ألنه كان‬
‫خ‬
‫غزيرا يصب كله يف‬
‫يتحدث إىل الناس إالّ ملا خما‪ ،‬وقد ترك الدكتور الفضيل إر خثا علم ًّيا خ‬
‫خدمة لغة القرآن التي أخلص هلا أيام إخالص ويمثل كتاباه العظيامن‪« :‬خمترص‬

‫النحو» و«خمترص الرصف» جز خءا من إملامه املوسوعي بعلوم العربية‪ ،‬فهام مرجعان‬
‫لكل متخصص وال غنى لكل مكتبة عربية عنهام‪.‬‬

‫‪151‬‬

‫وله مؤلفات أخرى كثرية مثل «دراسات يف اإلعراب» و«دراسات يف الفعل»‪،‬‬
‫وله كتاب نادر يف حتقيق املخطوطات إضافة إىل رسالة يف العروض‪ ،‬وكتب أخرى‬

‫كثرية وأبحاث ودراسات يصعب حرصها‪.‬‬
‫رحم اهلل العامل اجلليل واللغوي الكبري الدكتور عبد اهلادي الفضيل وأهلم أهله‬

‫وذويه وتالمذته وحمبيه الصرب والسلوان‪.‬‬

‫‪152‬‬

‫املتلقي والعالمة الفضلي بني صدمة الكتابة وذهول‬
‫املجالسة‬

‫األديب السيد حسني اخلليفة‬

‫(*)‬

‫كنت طال خبا يف املرحلة املتوسطة ‪ -‬أن أخوض عباب‬
‫دفعني حبي للشعر‪ -‬وقد ُ‬
‫البحر وأسرب أغوار علم العروض‪ ،‬ألنجح يف كتابة أبيات موزونة سليمة من الكرس‬
‫ومن اخللط بني البحور‪ .‬عندها عزمت عىل ارتياد املكتبات للبحث عن ضالتي‬
‫ولتحقيق الغرض املذكور‪ ،‬وقع نظري عىل كتابني تراثيني‪ ،‬األول حيمل عنوان‬
‫(مفتاح العلوم) للسكاكي والثاين حيمل عنوان (العقد الفريد) البن عبد ربه‬
‫األندليس‪ ..‬املؤلفان جعال للعروض نصي خبا من كتابيهام‪ ،‬ولكنني بعد جتوال متكرر يف‬
‫سفرهيام رأيتني أرجع بخفي حنني‪ ،‬فلم أحصل عىل بعض نصيب من نصيبيهام‪.‬‬
‫ثم وقع نظري عىل كتابني خاصني خالصني يف تقديم علم العروض ومها‬
‫ملؤلفني معارصين‪ ،‬اسم الكتاب األول (ميزان الذهب) واسم الكتاب الثاين (أهدى‬
‫سبيل إىل علمي اخلليل)‪ ..‬الكتابان املعارصان هنجا هنج أخوهيام الرتاثيني؛ فقد‬
‫أربكتني املصطلحات الكثرية للزحافات والعلل‪ ،‬والتفعيالت املبنية عىل دوائر‬
‫اخلليل يف توزيع وتعيني األسباب واألوتاد والفواصل‪.‬‬
‫(*) صحيفة الرشق‪ ،‬العدد ‪2013/4/20 ،503‬م‪.‬‬

‫‪153‬‬

‫لقد أذهلني رسم دوائر اخلليل‪ ،‬فتصورت أنني أقرأ يف كتب السحر‬
‫والطالسم‪!..‬‬
‫لكن كتاب (يف علم العروض نقد واقرتاح) للعالمة األستاذ الفضيل‪ ،‬بمجرد‬
‫أن وقع نظري عىل قسم النقد فيه الذي وجهه إىل نقد املنهج القديم وخ َّلص العلم‬
‫كثريا‬
‫من فرضيات الدوائر ومن كثري من املصطلحات املبنية عىل أساس منها‪ ،‬ارحتت خ‬

‫ألن الكتاب قد نقد جان خبا شكل عقبة يل حالت بيني وبني تعلم بحور الشعر وأوزانه‪.‬‬

‫خالصا لتقديم العلم‬
‫ثم كان كتاب العالمة الفضيل الثاين (تلخيص العروض)‬
‫خ‬
‫وفق منهجه اجلديد‪ ،‬وكان أوسع من سابقه يف التطبيقات‪.‬‬
‫إن لغة العالمة الفضيل تتمتع بسحر اجلاذبية‪ ،‬فتغري القارئ العادي وتدفعه إىل‬
‫أن يكون جري خئا يقتحم دهاليز العلوم التخصصية‪ ،‬فإن حالفه احلظ فر‪ ،‬وإن مل‬
‫حيالفه احلظ‪ ،‬فإنه لن يرجع بخفي حنني‪ ..‬إن استعجايل ووهلي بالشعر جعلني أقرأ‬
‫البحور كلها وأعيد قراءهتا عدة مرات‪ ،‬مما سبب يل بعض التشويش من الناحية‬
‫التطبيقية‪ ..‬وبمقدار رشفات من (استكانة) شاي‪ ،‬وبمدة زمنية ال تتجاوز نصف‬
‫دقيقة‪ ،‬قال يل صاحب املنهج اجلديد يف علم العروض‪ :‬عليك أن تركز عىل بحر‬
‫واحد فتتقنه من خالل التطبيقات‪ ،‬ثم تنتقل إىل البحر اآلخر‪ ،‬وهكذا دواليك حتى‬
‫تتقن البحور كلها؛ ذلك ألن الرتكيز عىل بحر سيبعدك عن االرتباك‪ ،‬وبفهمه‬
‫ستتضح لك الطريقة وتكون بقية البحور بمثابة أمثلة أخرى عىل كيفية امليزان‬
‫طبقت ما قاله يل املؤلف األستاذ‪ ،‬فوجدتني أنطلق برسعة الصارو يف‬
‫الشعري‪..‬‬
‫ُ‬
‫فهم العلم والوقوف عىل تفاصيله كلها‪.‬‬
‫عبقرية العالمة الفضيل يف كتاباته تصدم وتذهل‪ ،‬ولكنك لو سنحت لك‬
‫الفرصة وجالسته‪ ،‬فإن ذهولك سيتعا م حني تكتشف أن جلج بحر كتاباته التي‬
‫أذهلتك ما هي إال قطرات من بحر علمه العجيب‪ ..‬ستكتشف أنه يقدم العلم يف‬
‫‪154‬‬

‫كتاباته وفق خطة تربوية حمسوبة هتدف إىل األخذ بيد املتعلم شي خئا فشي خئا حتى يصلب‬
‫عوده ويقف عىل حقائق العلوم‪.‬‬
‫وعىل طريقة اليشء باليشء ُيذكر‪ ،‬سيكون مثايل اآلخر عىل مستويات علمية‬
‫الفضيل التي تفوق بكثري مستويات علمية كتاباته من خالل استفساري منه حول‬
‫سألت العالمة الفضيل وهو صاحب كتابني شهريين يف علم املنطق‬
‫علم املنطق‪..‬‬
‫ُ‬
‫(خالصة املنطق) و(مذكرة املنطق)‪ ،‬وكان سؤايل حول النقطة التالية‪ :‬كيف لنا أن‬
‫نوفق بني ادعاء املنطق بأنه ُيع الم التفكري الصحيح وأن العلوم كلها حتتاج إليه‪ ،‬بحيث‬
‫عرب عنه بأنه خادم العلوم وسيدها‪ ،‬وبني طريقة الدراسة اجلامعية للعلوم الطبيعية‬
‫واإلنسانية يف الدراسات املعارصة؛ فإن مبدعي التقنيات احلديثة واملنظرين والباحثني‬
‫صحيحا أنتج لنا كل‬
‫مل يدرسوا املنطق‪ ،‬ومع ذلك فإهنم فكروا وكان تفكريهم‬
‫خ‬
‫التطور التقني الذي نتمتع اليوم بمنتوجاته؟!‬
‫تبسم العالمة الفضيل قلي خ‬
‫ال‪ ،‬ثم فاجأين بقوله‪ :‬إن علم املنطق يعترب من مناهج‬
‫البحث القديمة التي تعود إىل أيام أرسطو‪ ،‬أما اآلن فقد تطورت مناهج البحث‪،‬‬
‫وتفكري الباحثني كانت نتائجه علمية سليمة تب خعا ملناهج البحث احلديثة‪ ،‬وهبذا‬
‫اللحاظ مل تعد احلاجة إىل منهج بحث عمره بعمر أرسطو‪ !..‬فام احلاجة ‪ -‬واحلال‬
‫هذه ‪ -‬إىل تسليط األضواء عىل منهج بحث بعمر أرسطو؟!‬
‫املنحى الرتبوي لدى العالمة الفضيل سيقول لنا‪ :‬إن احلاجة تربوية هتدف إىل‬
‫عرض املنطق القديم بأسلوب واضح ليتسنى للدارس هضم مطالبه بيرس‪ ،‬فال يقع‬
‫فريسة التعقيد اللفظي والعبارات املغلقة كام هي حال املصنفات السابقة الكثرية‪.‬‬
‫وبدراسته يستطيع الباحث أن يفهم العبارات التي ُحشيت بمصطلحات منطقية‪..‬‬
‫ففي علم النحو يأيت ابن صاحب ألفية ابن مالك املعروف بـ (ابن النا م) حني‬
‫يرشح قول أبيه‪:‬‬
‫«كالمنا لفظ مفيد كاستقم ‪ ....‬واسم وفعل ثم حرف الكلم»‬
‫‪155‬‬

‫يبدأ ببيان الفرق بني (الكالم والكلم) فيحرش املصطلحات املنطقية يف رشحه‬
‫ليخربنا بوجود (خصوص وعموم من وجه بني الكالم والكلم) وال يعرف طالب‬
‫النحو معنى (اخلصوص والعموم من وجه) حتى يدرس (النسب األربعة) يف (علم‬
‫املنطق)‪.‬‬
‫وبإقحام املصطلحات املنطقية يف علوم العربية والعلوم الرشعية‪ ،‬ستكون‬
‫احلاجة إىل دراسة املنطق األرسطي مطلوبة لغرض فك العبارات امللغزة باملصطلح‬
‫املنطقي‪.‬‬
‫بينام نجد أن ابن عقيل مل حيرش املطالب املنطقية يف رشحه للبيت نفسه‪ ..‬فدارس‬
‫ابن عقيل ال حيتاج إىل منطق أرسطو ليفهم النحو‪ ،‬مثلام حيتاج إليه دارس ابن النا م‪.‬‬
‫وكام وقع كثري من كتّاب اليوم يف دائرة االنبهار باملصطلحات األجنبية‪ ،‬حتى‬
‫إنك قد تصادف مقاالخ بحجم صفحة واحدة أو صفحتني حيرش فيه كاتبه كلامت من‬
‫أيضا‬
‫قبيل (آيديولوجيا‪ ،‬ميثولوجيا‪ ،‬سوسيولوجيا‪ ،‬وكل عائلة لوجيا‪ ،)...‬وقع خ‬
‫الكتّاب القدماء يف دائرة االنبهار بالفكر اليوناين إبان حركة الرتمجة والنقل يف العرص‬
‫العبايس‪.‬‬
‫وقد حيتاج الدارس احلديث إىل االطالع عىل املنطق األرسطي لالستضاءة‬
‫والتعرف إىل تاريخ مناهج البحث‪.‬‬
‫وهلذا وذاك كانت خالصة الفضيل ومذكرته يف علم املنطق‪ ،‬ولتأكيده عىل أمهية‬
‫مناهج البحث احلديثة التي تنبع حاجتها من موضوعيتها الذاتية يف توجيه البحث‬
‫العلمي الوجهة الصحيحة‪ ،‬كان كتابه املوسوم بـ (أصول البحث) ملب ًّيا احلاجة‬
‫املذكورة‪ ،‬بخالف املنطق القديم املقترصة حاجته عىل فك عبارات املصنفات املغلفة‬
‫بمصطلحاته‪ ،‬أو املسامهة يف إضاءة تاريخ منهجية البحث كام تقدم‪.‬‬

‫‪156‬‬

‫خملصا يف عطائه‪ ،‬جيرب‬
‫رحم اهلل العالمة الفضيل‪ ،‬فقد كان متفان خيا يف تواضعه‪،‬‬
‫خ‬
‫من جيالسه أ ًّيا كان عىل تبجيله واإلعجاب به إىل درجة الذهول‪ ،‬وكانت وال زالت‬
‫آثاره العلمية تشكل بوابة يطل من خالهلا القارئ عىل شخصية علمية فذة سيبقى‬
‫عظيام ُتشد إليه رحال القاصدين‪.‬‬
‫يراعها معينخا للواردين خ‬
‫وكنزا معرف ًّيا خ‬

‫‪157‬‬

‫رحيل الفضلي خسارة علمية ومعرفية للوطن العريب‬

‫األستاذ واصل عبد اهلل البو خرض‬

‫(*)‬

‫خرس الوسط العلمي خالل األيام املاضية العالمة عبد اهلادي املريزا الفضيل‬
‫رمزا يف مسارات متعددة وبالذات علوم اللغة العربية والنحو واملنطق‬
‫الذي كان خ‬
‫وشؤون البحث وأرضاب التفكري والتأمل‪ ،‬وكان من أمجل ما قيل يف حق الفضيل ما‬
‫كتبه الدكتور إبراهيم اجلعفري بقوله إن ذلك الفضيل ربط بني اجلامعي واجلوامعي‬
‫ويف هذه الصحيفة عدد (‪ )503‬الصادر بتاريخ السبت ‪ 10/6/1434‬ه مداخلة‬
‫األ حسني اخلليفة حتت عنوان (املتلقي والعالمة الفضيل بني صدمة الكتابة وذهول‬
‫املجالسة)‪..‬‬
‫وقبل أن تندرج هذه املشاركة املتواضعة ضمن موضوع ما ذكرنا‪ ،‬أجدين عىل‬
‫جانب من الرغبة اجلاحمة يف توطئة رسيعة أمام القصد املطلوب‪ ،‬وإن كان قصارى‬
‫ذلك من املفرتض أن يكون أكرب مما حصل وأكثر اتسا خعا وتفاع خ‬
‫ال بشتى أنواع احلراك‬
‫الثقايف والنشاط املتجدد‪ ،‬واجلدير بمكانة الفضيل وتسامغه احلقيق بني القيمة والقيم‬
‫واألمني والقمني باستقرائه يف قامته وبقائه لنقرأ ما هو منسوب إىل األديب أو شيخ‬
‫الكتاب املرصيني توفيق احلكيم (‪1917 -1191‬م) بقلم األستاذ حممد مصطفى‬
‫(*) صحيفة الرشق‪ ،‬العدد ‪2013/4/23 ،506‬م‪.‬‬

‫‪151‬‬

‫ص ‪ 91‬من كتاب «صور وحكايات» عىل لسان الكاتب صالح منترص… قال‪« :‬إن‬
‫الفنان أو األديب ال هيمه الذم أو النقد بل إهنام يدعامن وجوده‪ ،‬إنام الذي هيدمه‬
‫ويقتله ح خقا هو اإلمهال… وقد كان يعتقد أنه كتب أعامالخ تستحق اخللود فوجد نفسه‬
‫شخصا منس ًّيا ال يذكره أحد‪ ،»..‬ولو جسدنا‬
‫بعد شهرين فقط من دخوله املستشفى‬
‫خ‬
‫ما كان هيدم الشخص أو نسيانه وفق نظر احلكيم لوجدنا أن هذا الفقيد الدكتور عبد‬
‫اهلادي املريزا حمسن الفضيل (‪ 1354‬ــ ‪1434‬ه) ‪ ‬له النصيب األوفر يف هذا‬
‫املجال‪ ،‬و(عط خفا) عىل ما قاله‪ :‬احلكيم فقد يكون أكثر ترمجان للواقع إذا ضم إليه نوع‬
‫املرض واملكان والشخص ذاته بمدة تزيد تدرجي ًّيا‪ ،‬وهنا من املمكن أن يكون النسيان‬
‫رفيق ذلك املريض ولكن! مثل هذا املوسوعي الذي قل نظريه حفل بام اعتقد به‬
‫احلكيم وهو فيهم وبينهم ويف مشفاه األخري وما عساه احلال أن يكون بعد رحيله‬
‫األبدي؟‬
‫الكل يعرف من هو الدكتور الفضيل وما طبيعة نشاطه الفكري والعميل‪ ،‬وما‬
‫سأكتبه بعد ذلك ما هو إال مزامحة مع غريه ممن تناولوا هذا املوضوع بحسب ما له‬
‫من نتيجة خالصة بس خطا ومقا خما ومن كانت له تأم خ‬
‫ال دون نتيجة وهي نثار بترصف من‬
‫هذا وذاك‪ ،‬وإال فالفضيل مسريته هي مكانته العلمية وحضوره يف الوسط املتجدد‬

‫واملتنوع‪ ،‬كذلك عواطف حمبيه واملتابعني لفنه واجتاهه بل وكل لون معريف له جزء منه‬
‫وكل حراك رأته اللغة العربية ورضوب املعارف فيها له جزء آخر يتشكل من ذلك‬
‫اسم للفضيل‪ ،‬فبعد ذلك هل يفيد أن نعرف أرقا خما أو أمكنة يف أزمنتها تفيد من هو‬
‫الفضيل؟‪..‬‬

‫لكن ملا هو متعارف ومنظور للجميع نذكر بأنه هو ابن مريزا حمسن بن الشيخ‬
‫سلطان بن حممد الفضيل البرصي األحسائي النجفي؛ حيث ولد ليلة العارش من‬
‫شهر رمضان املبارك سنة ‪1354‬ه املوافق السادس من كانون األول سنة ‪1935‬‬
‫بقرية (صبخة العرب) إحدى القرى القريبة من البرصة ‪ -‬العراق‪ ،‬ونشأ نشأة علمية‬
‫دينية عالية برعاية والده آية اهلل املريزا حمسن الفضيل ‪ ..‬مجع الدكتور الفضيل‬
‫‪159‬‬

‫الدراسة التقليدية احلوزوية والدراسة األكاديمية املنتظمة‪ ،‬عليه‪ !..‬فقد أصبح له‬
‫رأي يف أكثر الفنون املعرفية والثقافية فعام (‪ )1971‬غادر مدينة النجف عائدخ ا إىل‬
‫مدرسا فيها ملاديت النحو والرصف‪ ،‬ويف عام ‪1976‬‬
‫جدة يف جامعة امللك عبد العزيز‬
‫خ‬

‫حصل عىل درجة الدكتوراه يف اللغة العربية ختصص النحو والرصف والعروض‬
‫بمرتبة الرشف من القاهرة‪ ،‬وبقي أستا خذا يف جامعة امللك عبد العزيز حتى تقاعده يف‬

‫أيضا أستا خذا ملاديت املنطق وأصول البحث يف اجلامعة العاملية‬
‫عام ‪ 1401‬ه‪ ،‬ويعترب خ‬
‫عضوا‬
‫للعلوم اإلسالمية يف لندن‪ ،‬وال يمكن أن ننسى أن الدكتور الفضيل تم اختياره‬
‫خ‬
‫أيضا الرئيس األول‬
‫يف هيئة حترير نرشة أخبار اجلامعة أثناء وجوده فيها‪ ،‬وهو خ‬
‫واملؤسس لقسم اللغة العربية والعضو الدائم يف جلنة املخطوطات يف مكتبتها‬
‫حمكام‬
‫املركزية‪ ،‬وشارك يف مناقشة بعض الرسائل اجلامعية للدراسات العليا واختياره خ‬
‫جلملة من أبحاث الرتقيات العلمية وقد رحل الدكتور تار خكا ‪ 70‬مؤل خفا يف اللغة‬
‫العربية واألصول الفقهية واملنطق والفلسفة‪ ،‬وربام كل علم حيتاجه املثقف الواعي‬
‫خلوض غامر مسريته احلياتية من فكر وسلوك‪..‬‬
‫نعم! هو ذلك اجلبل الذي نراه ثاب ختا دون حترك مهام طالت السنون أو اشتدت‬
‫العواصف رحل عن عاملنا بعد رحلة من املعاناة واحلزن واألمل قابلها بالصرب‬
‫وأخريا نذكر بعض ما ذكره الشاعر املرهف احلس األستاذ أمحد الصالح‬
‫والتحمل‪،‬‬
‫خ‬
‫(مسافر) عندما أدخل املستشفى اجلامعي وأجريت له عملية جراحية ضمن قصيدة‬

‫أهداها إىل األستاذ فيصل السيف بعنوان (املشفى اجلامعي)‪:‬‬

‫لـــييل بأوجـــاع تـــؤرقني اســـتبدا‬

‫ثقلت به السـاعات آال خمـا وسـهدا‬
‫وإليه أصغى عاشـ خقا قـد مـل بعـدا‬

‫فـــإذا بمشـــفى اجلـــامعي يقيلنـــي‬

‫ممــا أقاســيه وكــم قــد كنــت جلــدا‬

‫فمللــت صــحبته وكــان مؤانس ــي‬

‫وكذلك الشاعر والوزير غازي القصيبي (‪2010-1940‬م) يف مشفاه األخري‬
‫قال‪:‬‬
‫‪160‬‬

‫أغالـــب الليـــل احلـــزين الطويـــل‬

‫أغالـــب الـــداء املقـــيم الوبيـــل‬

‫أغالــــب اآلالم مهــــام طغــــت‬

‫بحســــبي اهلل ونعــــم الوكيــــل‬

‫فحســــبي اهلل قبيــــل الشـــــروق‬

‫وحســــبي اهلل ونعــــم الوكيــــل‬

‫وقياسا عىل ذلك ما كان يقاسيه ويكابده هذا الفقيد السعيد‪ ،‬وتواص خ‬
‫ال مع ما‬
‫خ‬

‫نحن بصدده نذكر من اتكأنا عليه يف استقراء هذا املصاب اجللل ببعض العناوين‬
‫املنشورة يف بعض الصحف كـ (الفضيل يرحل تاركا ‪ 70‬مؤل خفا يف اللغة العربية‬
‫واألصول) عبدالوهاب العريض الدمام ص ‪ 26‬ثقافة ‪ -‬الرشق‪ ،‬عدد ‪ 492‬بتاريخ‬
‫الثالثاء ‪ 21‬مجادى األوىل ‪ 1434‬إبريل ‪ ،)2013‬وكذلك (تشييع الشيخ الفضيل‬
‫ملثواه األخري يف مقربة سيهات وافته املنية عن عمر ‪ 17‬عا خما بعد معاناة مع املرض‬

‫بالدمام ‪ -‬جعفر تركي سيهات حمليات ‪ -‬اليوم‪ ،‬عدد ‪ 14544‬بتاريخ األربعاء ‪29‬‬

‫مجادى األوىل ‪ 10- 1434‬إبريل ‪ )2013‬وعنوان آخر (الشاعر جاسم الصحيح يف‬
‫اجلرس الثقايف يف صحيفة اليوم‪ ،‬عدد ‪ 14545‬بتاريخ ‪ 1‬مجادى اآلخرة ‪11 – 1434‬‬
‫إبريل ‪ )2013‬وهو العالمة عبداهلادي الفضيل أكرب من حنجرة الناعي‪..‬‬
‫وعليه أال يستحق هذا الفقيد ما يثبت اسمه كمعلم أثري لثقافة يكون ترمجا خنا‬
‫للجيل القادم كأن تكون جامعة باسمه أو مجعية ما ترعى شؤون األدباء والناشطني‬
‫يف احلقل املعريف أو أن تتوفر جلنة متخصصة يف دراسة النتاج الثقايف للفقيد‪.‬‬

‫‪161‬‬

‫خلوات وذكريات يف مناسبة تأبني فقيهنا الدكتور‬
‫الشيخ عبد اهلادي الفضلي ‪‬‬

‫الشيخ حسني املصطفى ‪ -‬القطيف‬
‫نلتقي هذه الليلة يف تأبني ‪ -‬العامل األمة ‪ -‬الذي عاش من أجل رسالة عبقة‪،‬‬
‫م‬
‫م‬
‫م‬
‫والبناء‪.‬‬
‫واحلياة‬
‫اإلنسان‬
‫والروح‪ ،‬وأزهر ثقاف َة‬
‫الفكر‬
‫وأشاع بأيام عمره‬
‫َ‬
‫َ‬
‫لقد كان الفقي ُه الدكتور الشيخ عبد اهلادي الفضيل ‪ ‬رائدخ ا يف فهرسة واق مع‬
‫مؤس خسا لرصوح العلم واملعرفة‪ ..‬و«بحسبك ّ‬
‫أن‬
‫احلوزة‪ ،‬فنا خنا يف الدعوة واإلقناع‪ ،‬ا‬
‫القلوب بذكرهم‪ّ ،‬‬
‫القلوب برؤيتهم»‪.‬‬
‫وأن قو خما أحيا َء تقسو‬
‫قو خما موتى حتيا‬
‫ُ‬
‫ُ‬

‫مصلحا منهج ًّيا‪ ،‬بعيدخ ا عن بعض نامذج‬
‫لقد عاش الدكتور الشيخ الفضيل ‪‬‬
‫خ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫فكرية‬
‫أيديولوجية‬
‫عودنا أطيا ُفه عىل حتويل الدين إىل‬
‫اخلطاب الديني التقليدي الذي َّ‬
‫م‬
‫ٍ‬
‫م‬
‫م‬
‫واإلدانة وأنواع الشتم والتكفري‪.‬‬
‫التشهري‬
‫صواريخ‬
‫منصة إلطالق‬
‫فاشلة‪ ،‬أو إىل‬
‫َ‬
‫ال ج ّي َ‬
‫فاإلسالم يريد رج خ‬
‫احلس بآالم الغري‪ ،‬ينطلق‬
‫اش العاطفة بالعطاء‪،‬‬
‫صادق ا‬
‫كالسهم يف تفرجيها دون توقف‪ ،‬ولو كان يتعامل مع غري م‬
‫أبناء مذهبه ودينه‪ّ ،‬‬
‫النبع‬
‫إن َ‬

‫الس ّي َال ال ُحيبس ُبره عن حمتاج‪ ..‬وهكذا كان شيخنا الدكتور الشيخ الفضيل ‪ ..‬فها‬
‫هو يعرب من النجف إىل جد َة بعاممته البيضاء‪ ،‬ما يمد مجر َة الطائفية‪ ،‬وقد َّ‬
‫خ‬
‫منزلة‬
‫احتل‬
‫علمي خة شاخم خة بجامعة امللك عبد العزيز‪.‬‬

‫‪162‬‬

‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫تربيرية للواقع ُ‬
‫جتعل الدي َن طب خ‬
‫ال ُيدق يف مواكب‬
‫قراءة‬
‫أي‬
‫وبعيدخ ا ‪ -‬خ‬
‫أيضا ‪ -‬عن ا‬
‫ُ‬
‫املستبدا ين‪ ،‬فال دي َن‬
‫حيث ال حرية‪ ،‬وكان ‪ ‬يعشق احلري َة عش ُقه لنسمة الصباح‪.‬‬

‫وأقوهلا‪« :‬ما أحرتمه فيك شيخنا هو احرتامك احلرية يف ممارسة قناعات اآلخرين»‪.‬‬

‫َ‬
‫يستغل‬
‫الدين الذي حيمله ليخدا َر به َمن حوله وحتت منربه‪ ،‬أو‬
‫مل يكن يستخد ُم‬
‫َ‬
‫م‬
‫العقول البسيطة التي ائتمنته عىل وعيها؛ ّ‬
‫ألن الدي َن يف نظر شيخنا‬
‫أصحاب‬
‫به‬
‫َ‬
‫الفضيل من اب ٌه للشعوب يف وعيها وفكرها وروحها‪.‬‬

‫ٍ‬
‫م‬
‫وبعيدخ ا عن ا‬
‫جدل عقي ٍم ليس ممن ورائه‬
‫التغيري إىل‬
‫خطاب‬
‫حيو َل‬
‫َ‬
‫كل َمن أرا َد أن ا‬
‫والتزيني اللفظي‪ ،‬لقد كانت َصناع ُة الكال مم عند شيخنا الدكتور‬
‫التنظري والثرثر َة‬
‫إال‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫لتعايش‪.‬‬
‫والتواصل‪ ،‬وا‬
‫والعلم‪،‬‬
‫احلب‪،‬‬
‫الفضيل هو الدي ُن الذي ينبلج عنه ُ‬
‫ُ‬
‫فالرؤية عند شيخنا الفضيل ‪ ‬ليست عابث خة أو عابرةخ‪ ،‬وإنام بداية اجتهادات‬
‫مستنرية وو َّثابة‪ ،‬فأنت «جمتهد يف اجتهاداتك» ‪ -‬كام وصفك املرجع الراحل السيد‬
‫حممد حسني فضل ‪ - ‬تدعو إىل املزيد من التعقل والتفكر والعناية والتدبر‪.‬‬

‫فالعناية الفائقة التي تستويل عليك تأكيدك عىل احلقائق عن طريق العلم‬
‫واملعرفة؛ ّ‬
‫ألن احلقيق َة أم الفرائض؛ ويف الرواية الصحيحة عن أيب جعفر الباقر‪ ،‬قال‪:‬‬
‫« َع م‬
‫ف َعابم ٍد»‪.‬‬
‫ني َأل َ‬
‫امل ٌ ُين َت َف ُع بم معل مم مه َأف َض ُل ممن َسب مع َ‬
‫لقد رحل جسد هذا العامل املعريف املوسوعي إىل بارئها‪ ،‬وال تبقى إالّ املنجزات‬
‫العظام التي خ َّلفها عىل صعيد العلم واملعرفة واحلركة اإلسالمية؛ إنه شاهد فريد عىل‬
‫ٍ‬
‫م‬
‫ٍ‬
‫باحث عن شهادته‬
‫ألي‬
‫مملوء بالرصاعات الفكرية العميقة‪ ،‬ال غنى‬
‫عرص‬
‫ا‬
‫وشخوصه‪.‬‬

‫لقد تعلمت من مسرييت الطويلة معك ‪ -‬وكانت بدايتها سنة ‪1401‬ه ‪ -‬قواعد‬
‫ذهبية أنثر بعضها‪:‬‬
‫‪163‬‬

‫القاعدة األوىل‪ :‬أن تكون مسا ًملا بعلم وعمل‪:‬‬
‫دين‬
‫لهب اجللود كي يقتنع الناس به‪ .‬فاإلسالم ٌ‬
‫فالتوحيد ال حيتاج إىل عصا ُت ُ‬
‫ميرسا إىل القلوب‪ ،‬ممهدخ ا إىل أويل األلباب؛ قال أمري‬
‫أساسه عقيل فطري‪ ،‬جيد طريقه َّ خ‬
‫م‬
‫م‬
‫املؤمنني‪َ « :‬ألَن ُس َب َّن م‬
‫اإلس َال َم نمس َب خة َمل َين ُسب َها َأ َحدٌ َقب ميل؛ م‬
‫يم‬
‫يم‪َ ،‬والتَّسل ُ‬
‫اإلس َال ُم ُه َو التَّسل ُ‬
‫ني ُه َو التَّص مد ُيق‪َ ،‬والتَّص مد ُيق ُه َو م‬
‫اإلق َر ُار‪َ ،‬و م‬
‫اإلق َر ُار ُه َو األَ َدا ُء‪َ ،‬واألَ َدا ُء‬
‫ني‪َ ،‬وال َي مق ُ‬
‫ُه َو ال َي مق ُ‬
‫ُه َو ال َع َم ُل»‪.‬‬

‫القاعدة الثانية‪ :‬الفطنة والذكاء‪:‬‬
‫مفاهيم احلكمة والوعي‪ ،‬فها هو علم وحجة من أعالم‬
‫لقد ملك شيخنا‬
‫َ‬
‫الرجال واحلديث العالمة الطهراين ‪ -‬صاحب كتاب الذريعة ‪ -‬يصفه يف إجازته‬
‫الروائية له (املؤرخة ‪1374‬ه) وهو ابن عرشين سنة بقوله‪« :‬الشيخ الفاضل البارع‪،‬‬
‫الشاب املقبل‪ ،‬الواصل يف حداثة سنه إىل أعىل مراقي الكامل‪ ،‬والبالغ من الفضائل‬
‫مبل خغا ال ينال إال بالكد األكيد من كبار الرجال املدعو بالشيخ عبد اهلادي بن الشيخ‬
‫مريزا حمسن بن الشيخ سلطان بن حممد الفضيل»‪.‬‬

‫متنورا ورح خبا وجتاوز ثقافة التدين الشعبي‬
‫أفق العلامء والدعاة‬
‫نعم‪ ،‬كلام كان ُ‬
‫خ‬

‫التي تدافع عن مفردات املوت والظالم‪ ،‬أو فقه اخلالص الشخيص‪ ،‬إىل مفاهيم‬
‫ومقاصد الدين الرحبة التي تقوم عىل ترابط الدين والدنيا كلام حقق إنجازات رائعة‪،‬‬
‫وكان أقرب إىل روح اإلسالم‪ ..‬وهذا ما ملسته بصدق يف وعي وروح شيخنا ‪.‬‬

‫القاعدة الثالثة‪ :‬أن تصحب اهلل‪:‬‬
‫وأن تستحرض رقابته لك فهو عزة لتدينك‪ ،‬وقد وقف اجلميع عىل هذه‬
‫املفردات يف حياة شيخنا الفقيد ‪ ،‬وجسدها يف مرضه بشكل منقطع النظري‪ ،‬وقد‬

‫وصفها اإلمام اخلامنئي ‪ -‬دام له ‪ -‬يف تأبينه لفقيدنا فقال‪« :‬قدَّ م الفقيد الراحل من‬
‫‪164‬‬

‫خالل صربه عىل االبتالء اإلهلي يف أواخر حياته؛ حيث أمل به املرض وك َّبده الكثري من‬
‫تصويرا ومثاالخ رائ خعا لإلنسان املؤمن الصابر الشاكر املحتسب املتوكل عىل اهلل‬
‫العناء‬
‫خ‬

‫العيل القدير»‪.‬‬

‫القاعدة الرابعة‪ :‬قرآنية املنهج والتدريس‪:‬‬
‫يف الرتبية املعرفية تصاب بعض املدراس بفقدان مبدأ األولويات فيعطى للفقه‬
‫ مث خ‬‫ال ‪ -‬أولوية عىل حساب السنّة وعلومها‪ ،‬أو تعطى للسنّة أسبقية عىل القرآن‬
‫وفهام وإسقاطه‬
‫تدبرا‬
‫خ‬
‫كثريا ما يؤكد عىل االهتامم بالقرآن خ‬
‫وتدبره‪ .‬وكان شيخنا ‪ ‬خ‬
‫عىل الواقع بذكاء وروية‪.‬‬

‫القاعدة اخلامسة‪ :‬املرأة أولً‬
‫وأخريا‪:‬‬
‫ً‬
‫فقد أوالها اهتاممه اخلاص يف وعيه وثقافته وبرامج‪.‬‬

‫أهيا األحبة‪..‬‬
‫ما نحتاجه اليوم ح خقا هو فكر يسبق فكر هذا الرجل املصلح العمالق‪ ،‬فكر حييا‬
‫باسم اإلسالم ويدافع عن الناس بغض النظر عن معتقداهتم‪ ،‬ويرتقي باخلطاب‬
‫الديني إىل مستوى العرص والراهن‪.‬‬

‫ففي الرواية الصحيحة عن أيب عبد اهلل الصادق ‪ ،C‬قال‪« :‬إم َّن ال معل َم ا َّل مذي‬
‫ن ََز َل مع آدم َمل ير َفع‪ ،‬وما ما َت َع م‬
‫امل ٌ إم َّال َو َقد َو َّر َ‬
‫ث معل َم ُه؛ إم َّن األَر َض َال تَب َقى بم َغ مري‬
‫َ َ ََ ُ‬
‫َ َ َ‬
‫َع م‬
‫املٍ»‪.‬‬
‫أتذكرك يا شيخنا‪ ،‬يف خلوايت معك‪ ،‬وأكثر ما يؤملك ما جتده من حالة س ٍ‬
‫بات‬
‫ُ‬

‫فكري وتبع ّية حمزنة يف الواقع الديني والثقايف‪.‬‬

‫‪165‬‬

‫متأثرا بمنطق‬
‫أتذكرك يا شيخنا‪ ،‬يف خلوايت معك‪ ،‬وأنت توصيني أال أكون‬
‫خ‬

‫العقل اجلمعي‪ ،‬وأحب أن تبقى يف مسريتك كداعية عىل هذا اخلط‪.‬‬

‫لقد اغرتفت منك معينخا ال يزال يغرتف منه عقيل وقلبي‪ ..‬رمحك اهلل يا شيخنا‬
‫فقد اعترصك األمل واألمل يف مسريتك احلافلة ﴿‪¶ µ ´ ³ ² ± °‬‬
‫¸ ‪ ،﴾¹‬و﴿ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾‪.‬‬

‫‪166‬‬

‫الشيخ حيدر حب اهلل يف تأبني الفضلي‬

‫العالمة الفضيل‪. ..‬‬
‫وهلل دره من عامل متواضع مغمور‪..‬‬
‫آثر أن يدم الدين دون زعامة أو شهرة أو رصاعات‪..‬‬
‫كبريا دون حاشية أو حجاب أو ستار‪..‬‬
‫وآثر أن يكون خ‬
‫رحلت عالمتنا الفضيل‪ ..‬وتركت جي خ‬
‫كبريا تر ّبى عىل يديك‪..‬‬
‫َ‬
‫ال خ‬
‫وكنت تعيش األمل يف صناعة وعي جديد‪..‬‬
‫مهك إيصال الفكرة‪ ،‬وليس إخفاؤها أو ا ّدخارها‪..‬‬
‫كان ّ‬
‫يسريا‪ ..‬بدل أن يكون طالسم وأغالالخ‬
‫وسعريا‪.‬‬
‫خ‬
‫قاتلت لكي جتعل العلم خ‬
‫مهك إيصال الفكرة‪ ،‬وليس إخفاؤها أو ا ّدخارها‪..‬‬
‫كان ّ‬
‫يسريا‪ ..‬بدل أن يكون طالسم وأغالالخ‬
‫وسعريا‪..‬‬
‫خ‬
‫قاتلت لكي جتعل العلم خ‬
‫وناضلت ٍ‬
‫لدين بسيط بعيد عن التعقيدات واملتاهات واملهاترات‪..‬‬
‫عن أي ٍ‬
‫َشء أحتدث؟ عن تواضعك وما ولت أذكر اللقاء الرائع الذي مجعني‬
‫بك قبل عرش سنوات يف الدمام‪..‬‬
‫مهك الذي محلته يف صدرك‪ ..‬عن رمحتك‬
‫عن أخالقك‪ ..‬عن علمك‪ ..‬عن ّ‬
‫‪167‬‬

‫ورأفتك‪ ..‬عن روحك األبوية والرتبوية التي بتنا نفتقدها يف حياتنا‪..‬‬
‫رمحك اهلل‪ ..‬وم ّن عىل أرستك الكريمة بالصرب والعافية والرضا والتوكّل‬
‫شخصك وأخالقك وعلمك وجهادك‪..‬‬
‫والتسليم‪ ..‬وأرانا يف ُولدك‬
‫َ‬
‫فهني خئا لكل بلدان اخلليج بك‪ ..‬هني خئا هبذا البستان الذي أينع يف دياركم وأثمر‪..‬‬
‫رمحك اهلل وحرشك مع األنبياء واألوصياء والصاحلني‪ ..‬وحسن أولئك رفي خقا‪..‬‬
‫آمني‪.‬‬

‫‪161‬‬

‫الشيخ الفضلي سرية مناذج ومناهج‬

‫الشيخ عبد اجلليل البن سعد ‪ -‬األحساء‬
‫خ‬
‫وجها من وجوه األمة‬
‫جهبذا‪ ،‬موال خيا صاد خقا‪،‬‬
‫العالمة الفضيل كان عا خملا‬
‫خ‬
‫نورا للجامعة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬عينخا من عيون الطائفة اإلمامية‪ ،‬زينخا للحوزة وأهلها‪ ،‬خ‬

‫رمزا للتفاين واإلخالص‪ ،‬وإن فقده خسارة كبرية ال‬
‫وفخرها‪ ،‬مرب خيا للطليعة‪ ،‬خ‬
‫خ‬
‫يستشعرها إال من عاشه زمي خ‬
‫تلميذا أو مستفيدخ ا من رحيق عطائه‪..‬‬
‫ال أو‬

‫‪ ‬مشروع احلياة‬
‫ّ‬
‫قل ما جتد عا خملا يعيش َه ّم مرشوع إصالحي ينذر له نفسه وما حوت يمينه‬

‫وأي مرشوع؟‬
‫لنصف قرن أو ما يزيد ‪ُ ..‬‬

‫إنه أكدمة احلوزة من غري انبهار وال طرب باألكاديمية عىل نقيض من البعض‬
‫الذين أوغلوا يف متاهات اإلفراط أو التفريط يف هذا اجلانب!‬
‫هذا هو العالمة اللوذعي الشيخ عبد اهلادي نجل املريزا حمسن الفضيل‬
‫(الرايض املريض) الذي قد أخضع احلوزة يف مرحلتيها املبادئ والسطوح للتجربة‬
‫متأثرا ببعض أساتذته الذين كان هلم سبق الريادة يف بذر هذا املرشوع‬
‫األكاديمية‬
‫خ‬
‫وتركوا له رعايته وسقيه‪.‬‬
‫‪169‬‬

‫وقد شخذ طاقاته لتحويل النص املوروث الفقهي اإلمامي وأصوله وفق برامج‬
‫وأدبيات العرض احلديثة‪ ،‬فأبى عشقه وأنفة الوالء لديه أن يبقى فقهنا يف مؤخرة‬
‫القاطرات السائرة عىل طريق الفقاهة اإلسالمية‪ ،‬فمد املكتبات العربية واإلسالمية‬
‫بنفائس مصوغاته كـ (مبادئ علم الفقه) و(دروس يف فقه اإلمامية)‪ ،‬و(دروس يف‬
‫أصول فقه اإلمامية) التي جاءت متثل فقه العرتة الرشيفة إىل جنب مرشوع الشيخ‬
‫مصطفى الزرقا يف (موسوعة الفقه الكويتية)‪ ،‬واملشاريع التي من بعده كعمل‬
‫الدكتور املعارص الشيخ وهبة الزحييل يف موسوعتيه (الفقه اإلسالمي املعارص)‬
‫و(أصول الفقه اإلسالمي)‪.‬‬

‫‪ ‬نَفَس الكاتب وليس كاتب النَّفَس‬
‫ليس مقياس الدقة العلمية وال عالمتها أن يبدي الباحث النهم رأيه أو أن‬
‫يدس اعرتاضه بني النظرية واألخرى فحسب‪ ..‬فقد تلوح الدقة والنضج الفكري‬
‫عندما يكتب العيلم يف شتى فنون املعقول واملنقول والدال منها ‪ -‬علوم اآللة ‪-‬‬
‫واملدلول‪ ،‬كاملنطق‪ ،‬والعقيدة‪ ،‬واألصول‪ ،‬والفقه‪ ،‬والدراية والرجال‪ ...‬وعندما جيدد‬
‫املحاولة مع كل علم يف شكل مراحل متتالية دون أن يؤخذ عليه خطأ أو اختالط أو‬
‫عيب كام برز يف كتابة البعض من عدم لـ َّم شتات العلم الذي انصبت عليه جهودهم‬
‫أو عدم املنع لشتات غريه من املعلوم واملهارات الفكرية البرشية والرشعية‪.‬‬

‫ولكن كان الشيخ الراحل إذا أمسك بريشة حقل من احلقول التي تعزى إىل‬
‫الدراسة اإلسالمية‪ ،‬أو اإلنسانية‪ ،‬أو األلسنية ال يغمسها إالّ يف حمربة ذلك القبيل من‬
‫العلم‪.‬‬

‫فقد نسج لكل بغاة العلم وطالبه بسا خطا من ريح حيملهم فوق املصطلحات‬
‫والطلسامت والتعقيدات فكان هذا نفس كاتبنا اجلليل‪ ،‬ومل يكن ينثر عىل طريقة‬
‫البعض ممن يكتب لنَ َفس االجتهاد الذي يسد به ثغرة تكوينه الذايت أكثر مما يسد به‬

‫‪170‬‬

‫ثغرة العاجز ممن يميش معه ذات الطريق‪ ..‬فلئن كان كالمها من رشائف األنفاس‬
‫ولطيفها املأجور عليها عند اهلل سبحانه‪ ،‬فال مرية يف أن النفس الذي تصعد من صدر‬
‫كاتبنا العظيم أرشف وأحوج لطالب العلم يف هذا الزمان‪.‬‬

‫‪ ‬السليقة السليمة‬
‫إن حسن السليقة واستقامتها وسدادة الطريقة واستيعاهبا وهدوء التفكري هي‬
‫مالمح شيخنا املفضال باملقارنة مع البعض ممن انفتحوا عىل التيارات الثقافكرية الوافدة‪:‬‬
‫والضـــد يكشـــف زيفـــه الضـــد‬

‫وبضـــــدها تتميـــــز األشـــــياء‬

‫فإن البعض ‪ -‬ولألسف اخلارق للقلوب ‪ -‬هتك احلجاب بينه وبني هذه‬
‫التيارات فاندلعت عليه أشباح يأجوج ومأجوج امللبسني وعفارية الثقافة املضادة‬
‫جاهزا سائ خغا يف رسعة ال جتارى إذ حتولوا إىل‬
‫فطبخوا عقله وتفننوا يف طبخه فصار‬
‫خ‬
‫معارضة جتيد النقد التص ُيدي واالستفزازي ال النقد الطامح مع احلوزة معلنني‬
‫روحا‪ ،‬لكن ال يزالون متلبسني هبا ز ًّيا وثو خبا؟!!‬
‫مصارحني باالستقالة منها خ‬
‫ولكن هذا الفارس املغوار وبالرغم من توغله يف معسكرات الثقافات البديلة‬
‫واقتحام أطناهبا مل ُيعرف عنه ما يل بقداسة الكيان العلمي وبقي حمام خيا ذائدخ ا عن‬
‫األصالة مل يتورط يف شبهة أبدخ ا رغم تواصله املبكر مع الوجه الثقايف اآلخر بكل‬
‫السبل‪ ،‬حتى ما كان منها موضع ريبة يف بيئته التي كانت تتخوف (حمقة) من اجلديد‬
‫القادم ورشع أبوابه أمام اجلميع كبيئة النجف آنذاك‪ ،‬وال يفوتني فيام فات حديث‬
‫الشيخ مهدي اآلصفي (بارك اهلل عطاءه) يقول‪ :‬كنت والشيخ عبد اهلادي الفضيل‬
‫نستقل بغرفة يف النجف األرشف وكان لدينا مذياع نخفيه خلف رفوف الكتب لئال‬
‫يطلع عليه أحد وإذا ما أردنا االستامع إىل النرشات اخلربية أو الربامج الثقافية أغلقنا‬
‫الباب وأحكمنا إغالقه!!‪.‬‬

‫‪171‬‬

‫ولكنه جاهد يف سبيل األصالة مضمو خنا وجتاوز ما رسمه السابقون عليه‬
‫ديكورا‪ ،‬وهبذا الوعي اختار الشيخ العزيز أن يتجاوز ما رسمه السابقون لكن يف‬
‫خ‬
‫حركة نقد ميداين؛ وذلك بخلق النامذج‪ ،‬وابتكار املناهج يف عملية أشبه بالزحف إىل‬

‫أن تتم سيطرة اجلديد عىل القديم!‬
‫ومن يوسع النظر ويستقرئ يف اجليل احلوزي الذي خترج عىل يد الشيخ‬
‫الفضيل أو جايله يرى تصدي العديد منهم للتجديد وتنافسهم يف إلقاء املحاوالت‬
‫كل وجتربته‪ ،‬ومن أعالهم صي ختا الشيخ باقر األيرواين (حرسه اهلل عن األسواء‬
‫والرضاء)‪ ،‬بام قدم من طرح ورسم ملصعد السطح اخلاص بحركة االجتهاد الفقهي‪،‬‬
‫خال عن اللجان العلمية التي تشكلت يف قم‪ ،‬وهي مستمرة يف مطالعة السوق‬
‫ومستلهام من سلفهم الشيخ الفضيل‬
‫بالبديل‪ ..‬فقد كان توجه الكثري منهم مستمدخ ا‬
‫خ‬
‫الذي له سبق الفروسية يف هذا املعرتك ورشف البدء يف االنطالقة الشاملة دعك عام‬
‫كان لبعض أساتذته من انطالقة جزئية مل ترمي يف مسريهتا إىل نقطة أقىص من‬
‫األصول أواملنطق‪..‬‬

‫‪ ‬التلميذ املاثل والتلميذ املمثل‬
‫إن التلميذ متى ما حيرز االستفادة من صانعه ومربيه فهو تلميذ ماثل مثل نفسه‪،‬‬
‫وال يكون ممث خ‬
‫ال ألستاذه خملدخ ا له إال بالقدرة عىل اإلفادة بعد االستفادة ومحل‬
‫خصائص األستاذ‪ ،‬وهذا هو النابغة اهلجري وهذه هي مثابته ونسبته إىل أساتذته‬
‫الذين ومن حسن طالعه أن ألقى به القدر يف أحضاهنم وهم املميزون يف النجف‬
‫األرشف فربجموا له حياته العلمية وخطوا له دروب املستقبل‪.‬‬
‫نعود لنروي ثم نحكم فنقول‪:‬‬

‫لقد َم ُث َل الكثري بني أيدي هؤالء العاملقة ورأوهم كام رآهم‪ ،‬فالكثري حظوا‬

‫أيضا‬
‫بدرس السيد الشهيد اخلالد حممد باقر الصدر (رفع اهلل ذكره)‪ ،‬والتصق العديد خ‬
‫‪172‬‬

‫بالشيخ املظفر (أجزل اهلل أجره)‪ ،‬وأما من عايش السيد تقي احلكيم (نور اهلل برهانه)‬
‫فليس بالقليل‪ ،‬ثم غري هذا السيد وذاك الشيخ الكثري من أعالم الفكر واالجتهاد‬
‫خ‬
‫تلميذا كابن‬
‫ومراكز الدفع والطاقة يف النجف األرشف إال أن الكثري من طالهبم عاد‬
‫غلبت عليه صفات األم (احلوزة) ومل يرث من خالل األب واألستاذ الذي انقطع‬
‫شبيهه وعز نظريه إال الذكريات!‬

‫ولكن يبقى هذا العلم السامق واحدخ ا من الباقيات الصاحلات الذي مل ينقطع‬
‫معه عمل سلفه وآبائه الروحيني‪ ،‬ومهنديس فكره البارعني من املشايخ والسادة‬
‫املذكورين‪.‬‬
‫فكان التلميذ ألساتذته الذي يجل سائر التالميذ؛ إذ ورث األم واألب م خعا!!‬

‫‪ ‬من احلوزة‪..‬إىل احلوزة‬
‫إن االنتساب إىل احلوزة املباركة بني العقدين والثالثة ثم االندغام يف اجلامعة‬
‫واالنخراط يف سلك األكاديمية‪ ،‬ثم استئناف االتصال باحلوزة والتفرغ للحبيب‬
‫القديم وهو الورشة الفكرية ومرشوع الكتابة الذي يغطي حاجات الدين واجليل‬
‫الصاعد من طالبه مل تكن نزوة مثقف أو مش خيا وراء أمل خادع انكشف أمره فيام بعد‪،‬‬
‫بل هي مهمة رسالية نجحت يف تثبيت الشخصية احلوزية املميزة مكان القلب من‬
‫اجلامعة‪ ،‬وأحرزت توفي خقا يف تكريم الشخصية اجلامعية يف احلوزة‪ ،‬فهذه وما أدراك ما‬
‫هذه؟؟ إهنا الرسالة اإلصالحية العظيمة التي سخر هلا املصلحون الرتبويون من‬
‫العلامء شعاراهتم وتبليغاهتم ورفعوها يف قمة مطالبهم االجتامعية أمثال اإلمام‬
‫أيضا‪ ،‬ولكن الفقيد أسوة‬
‫اخلميني وكبار األساتذة املصلحني من خرجيي اجلامعة خ‬
‫بالشهيد الالمع املطهري (أحيا اهلل ذكره) قد جسد هذه الرسالة دون شعار ولكن يف‬
‫مرسح ملحمي(‪ )1‬يرى العمل أنجح من إطالق الصوت‪ ،‬واحلقيقة والواقع أهم من‬
‫الدعوة واملناشدة‪.‬‬
‫(‪ )1‬مصطلح أديب للمرسح الذي يرى احلقيقة أهم من املجاز واملضمون أوىل من الشكل‪.‬‬

‫‪173‬‬

‫‪ ‬إبداع يُظهر اإلبداع‬
‫إن اإلبداع مفهوم له معناه املختلف عند شيخنا الكبري واجلامل العلمي واحلسن‬
‫والبهاء الفكري يف نظره املتوازن ال يمكن اختصاره مع شكل من األشكال‪ ،‬بل هو‬
‫من نوع اجلامل اخللقي يف الطبيعة والبرش‪ ..‬أي تتقاسمه األفراد وال ينحاز بكله إىل‬
‫أحد دون أحد‪..‬‬

‫فإن هذا من عالمات الذوق احلر ألن من يرى اجلامل مجيعه يف إنسان فهو أسري‬
‫الذوق وسجني النظر! وإن َع َل َم بالدنا الراحل (قدس اهلل مكنونه) ممن يتمتع هبذا‬

‫الذوق‪ ،‬فهو هو إذا حتدث أو كتب عن أعالم الفكر اجلديد كدراسته للحياة اإلقبالية‬
‫الالهورية‪ ،‬أو دراسته لألدوار األمينية الزينية البحرانية ننت أنه املعرض املستقل‬

‫لشأن األعالم التقليديني ‪ -‬إن سمح االصطالح ‪ -‬فبينا أنت ترسي مع ن‬
‫احلداثوية يف حق الشيخ؛ إذ يفاجئك بعرض فاتن وحديث مليح عن أساتذة الفقه‬
‫واألصول البارعني‪ ،‬وعن مرجعيات وشخصيات علمية مل تتجاوز الرتابة والرتم‬
‫العام فيام ملس و هر من نشاطها‪.‬‬

‫وإن هذه قدرة نادرة عىل تفهم النجاح ودقة مالحظته يف أخفى صوره بني‬
‫عرشات اآلالف من صور الرجال وليس هذا وانتهى‪ ..‬بل إنه وهبذه السرية قد حرر‬
‫لنا مفهوم النجاح واإلبداع وأنه َشء ال يقاس باجلدة والقدم فليس كل جتدد إبداع‬
‫وليس كل قديم إرجاع‪..‬فإن الفرق بني التجدد والتملص وبني االبداع واالبتداع‬
‫أمر ُغ ّم عىل الكثريين يف وقتنا خال الناهبني الفامهني رشوى هذا السلف الذي نرجو‬
‫أن يكون له بني طالب اجلامعتني الدينية واألكاديمية خلف‪.‬‬

‫فامذا كان يبئ لنا من خالل طرحه املشيد الذي جاء يف مقاالت وكتابات‬
‫متفرقة حلياة أستاذين متباينني يف زاوية منن زوايا الفكر وخمتلفني عىل مستوى بعض‬
‫اإليديولوجيات ومها الشهيد الصدر وأستاذه السيد اخلوئي؟‬

‫‪174‬‬

‫لقد صنع منهام لوحة حتمل لونني مستقلني لنرى التجدد الذي ال يؤدي إال‬
‫االستالب الكيل وانقطاع املرء عن نفسه وعن انتامئه إىل غريه حيث أماين االنتامء‬
‫املجهول؟! ولكن جتد خدا كام كان عند الصدر املتصدر يف القلوب (نور اهلل رضحيه)‬
‫الذي كان حيمل أستاذه اخلوئي يف وجدانه وينزلق ذكره من لسانه يف كل جملس ومرفأ‬
‫مدل خ‬
‫ال بذلك عىل أن اخلالف لالنتامء وليس اخلالف لإلرمتاء بعيدخ ا كام يصنع‬
‫البعض؟!!‬

‫‪ ‬معرفة الرجال تصنع الرجال‬
‫إن الشخصيات من ذوي الريادة العلمية والفكرية واألدبية حتمل يف سجالهتا‬
‫لقاح العظمة والسؤدد‪ ،‬ولكن فك رموزها كفك اجلوزة اهلندية‪..‬‬

‫فتلك الشخصيات يف جوف سريهتا ماء حياة العلم والكامل‪ ،‬وإن رشفه من‬
‫حتميات الرقي واإلزدهار‪ ،‬كام أن الدخول من ماضيهم لنقد احلارض دخول‬
‫من أرسع وأوسع األبواب ومن هذا الوعي أسهم الشيخ اهلادي يف تأسيس (علم‬
‫األعالم)‪ ،‬أو الرتمجة املوضوعية يف أيرس تسمياهتا من خالل سفره الثر‪( :‬هكذا‬
‫قرأهتم)‪ ،‬هذا الركن الذي أضيف حدي خثا إىل املكتبة العربية واإلسالمية فالشيعية‪،‬‬
‫عرف أول ما عرف يف النجف األرشف عىل يد األستاذ جعفر اخللييل يف جمموعته‬
‫الرجالية (هكذا عرفتهم)‪ ،‬ثم تابعه كل من الدكتور حممد حسني الصغري يف كتابه‬
‫(هكذا رأيتهم)‪ ،‬وعالمة اخلليج العريب يف عرصنا الشيخ الفضيل يف هذه املجموعة‬
‫(هكذا قرأهتم) وقد توافق إنتاجه وإنتاج الدكتور الصغري يف تاريخ واحد!‬
‫وهكذا أرى بأن العالمة الفضيل وزمالئه قد مهدوا بذلك لعلم (البريو‬
‫سونولوجيا اإلسالمي) أو علم الشخصية اإلسالمية!!‬

‫‪175‬‬

‫‪ ‬العشق املعدي‬
‫إن حتبيب العلم وتزيني البحث يف نفوس الشباب والكتاب مسؤولية ال يقبلها‬
‫الكثري ولكنها ستعرتف ‪ -‬لو خليت ‪ -‬لرجل العلم والفكر يف واحتنا باألمانة وعدم‬
‫العمر ك َله! وليس ذلك من جهة ما يتجىل فيه من حراك وعراك فردي مع‬
‫اخليانة هلا‬
‫َ‬

‫الكتب أيام فتوته إىل حني ركوعه أمام جربوت الشيخوخة فحسب‪ ..‬بل فيام يتجىل‬
‫من رعاية أبوية دائبة راتبة مع كل املحاوالت والتجارب املساقة بني يديه الفتية منها‬
‫واملراهقة للبلوغ العلمي واملسنة ذات العمر الراسخ يف العطاء‪ ..‬نلمس ذلك يف‬
‫مقدماته التي تتصدر اإلبداعات وتعرف القراء بالروائع ومتهد للبواكري من األعامل‬
‫الفكرية‪..‬‬

‫ولعل من أصدق االدعاء القول‪ :‬أنه ال يوجد يف دنيا احلوزة العلمية الشيعية‬
‫طرحا للمقدمات بني يدي‬
‫املقدسة ‪ -‬بعد شهاب الدين املرعيش ‪ -‬من هو أكثر‬
‫خ‬
‫الكتب والدراسات واملحققات من النصوص الرتاثية وغريها من الفقيد السعيد‬
‫(أكرم اهلل جواره) وهذا ما يبني عن قيمة للشيخ يف نفوس العنارص احلوزية‬
‫حكام حيكم يف‬
‫واألكاديمية الفاعلة فقصدوه بأعامهلم وإنجازاهتم‪ ،‬وانتخبوه‬
‫خ‬
‫جهودهم برأيه املستصحف ملا قرأوا فيه من موسوعية وموضوعية بل ملا ملسوا‬
‫قيمتهم عنده بام بدى هلم فيه من بساطة ورحابة خلق‪..‬‬

‫أيضا‬
‫ويذكرين الشيخ الفاضل الفضيل يف ميزته هذه بالشيخ الكوثري الدمشقي خ‬
‫صاحب املقدمات الفائقة عىل اإلحصاء‪.‬‬
‫واحلق أن الكثري (وال نغلوا يف الكل) من تقديامت عاملنا املبجل متلؤك شو خقا‬
‫لقراءة العمل الذي وطئ هبا فرتى وكأن ذلك الكتاب هو العروس وأنه قد شفع بني‬
‫العروس والعريس فجاءت يزفها بكلامته إىل قلب القارئ!‬

‫‪176‬‬

‫‪ ‬عاش السالم مع نفسه فأمثر طريقه‬
‫كان العامل املميز بمقابلة اهلزات والصدامات الطائفية واالجتاهوية بالطمأنينة‬
‫الفكرية والسيطرة النفسية التي تبتني عىل أساس الوعي بحجم تلك الشكاسات‬
‫وليس عىل أساس االمهال ملا حيدث أو عدم اإلكرتاث‪ .‬لقد كان حياَش لسانه ونثر‬
‫كلامته ومقاالته عن التورط يف َشء من ذلك يف العلن‪ ،‬فبقدر ما كان يرحب باجلدل‬
‫يف العلم ويقبل عىل السجال الكالمي املعقم إال أنه كان ويف املقابل يكرم نفسه عن‬
‫اخلوض يف السجال الكالمي العقيم وإن كان قد نال منه‪..‬‬
‫إذا مـــا أراد املـــرء إكــرام نفســه‬

‫رعــاها ووقــاها القبيـــح وزينـــا‬

‫أليس إذا هانت عـىل املـرء نفســه‬

‫ومل يرعها كانت عىل النـاس أهونـا‬

‫خبريا بلغات العامل االستفزازية املختلفة!!‬
‫فكان خ‬
‫ويف قريب الزمان نصب له أحدهم مدفعية ثقيلة ناقدخ ا له كأخشن ما يكون‬
‫النقد بعد هوره أثره البديع (يف ذكرى أيب)‪ ،‬ولكنه صد ما كان من هجامت بسالح‬
‫الصمت واختذ الوعي دريئة!!‬
‫فمن يعش السالم مع نفسه‪ ،‬يعش السالم مع قومه!‬
‫أيضا فزعت طائفة من املؤمنني الغيارى وأطلقوا أصوات‬
‫ويف زمان مقارب خ‬
‫غزوا علامن ًّيا أو إحلاد ًّيا للمنطقة فكان يبارش عقوهلم ويبرش‬
‫اإلنذار فيام حيسبونه خ‬
‫أرواحهم الثائرة بالقول‪ :‬أن ما ترونه هو زوبعة ال هتيج إال يف الفضاء الصحراوي‬
‫اخلايل ولكنها تتفكك وتتبدد بعد وصوهلا واصطدامها بالبقاع املعمورة من املباين‬
‫واجلبال وواحات الزرع كام كان يقول أيضا‪ :‬هذا ما قد عشناه بالعراق وذعرنا له‬
‫بادئ األمر ثم عادت الصحوة اإلسالمية معلنة انتصارها‪ ..‬أبرشوا ثم ابرشوا فإن ما‬
‫كف أداة أولئك عن العمل هناك يكفها عن العمل هنا بإذن اهلل فالتجربة هي التجربة‬
‫‪177‬‬

‫والنرص هو النرص والقول قول العجاج‪ :‬والدهر باإلنسان دواري‪.‬‬

‫‪ ‬الفضلي يف أروقة النقد‬
‫مهام بلغت نشوة التذوق إلسهاماته وانبثاقة صيته املدهشة ومع االحتفالية به‬
‫مي ختا التي ربام تكون استدرا خكا ملا فات من واجبنا جتاهه ح ًّيا إال أننا نريد أن نبدأ من‬
‫حيث انتهى الفضيل ال من حيث بدأ‪ ..‬وهذا ما حيتم علينا تسليمه إىل أروقة النقد‬
‫وإخضاع جسده ومكونه العلمي والفكري ملرشحة النقد الواعي وتسلمه ثمة مع‬
‫النتائج الدقيقة!‬

‫فهل أن كتاباته وأعامله نامذج شكالنية أم هي نامذج عليا وبأي مستوى؟ هل‬
‫يزيد الشيخ الفضيل فيام ورثه من علوم آلية‪ ،‬ومقالية‪ ،‬ونقلية(‪ ،)1‬عىل ما ورثه األقران‬
‫واألتراب أم أنه سابق عليهم إىل النسخ والتو يف واالستخدام فقط؟‬
‫ولست أقصد هبذه األسئلة ما يطرحه البنيويون يف نظرية (موت املؤلف)‪ ..‬إنام‬
‫أنطلق من رضورة التقييم ملا قدمه للمستهلك أو املنتج الثقايف واملعريف يف عاملنا‬
‫العريب واإلسالمي‪ ،‬ومدى استجابة القارئ املنتمي والالمنتمي آلثاره‪ ،‬وهذا ما‬
‫يستدعي حتلي خ‬
‫ال ثقاف ًّيا جمر خدا دون حتيزات إيديولوجية معينة ومعتادة عىل الرتبص‬
‫باملبدعني ممن يمكن أن نسميهم بـ(خصوم النجاح وأهله)؟!!‬

‫خصوصا إذا ما أردنا أن نفتش يف تأهلات الشيخ‬
‫واحلذر ينبغي أن يزداد‬
‫خ‬
‫ووالءاته إذ أن السجال النقدي (وأقول ما أقول بمرارة) يف األجواء املقدسة غال خبا ما‬
‫يربز فيه طرفان يف قبال طرف واحد وهو املنقود‪ ،‬واألخطر بني الطرفني اآلخرين هو‬
‫من يسمع الكالم فيعمل فيه بسحر التأويل وحبال التسقيط؟!‬
‫(‪ )1‬اآللية كاملنطق والنحو وسائر علوم اللغة‪ ،‬واملقالية كالفلسفة‪ ،‬والنقلية أبرز أمثلتها الفقه‬
‫واحلديث‪.‬‬

‫‪171‬‬

‫أما عني ذا ختا فإين أرى تاج الفضل يلوح عىل رأسه وإن تقدمه ‪ -‬يف اعتباري ‪-‬‬
‫البعض يف اهلرمية التفاضلية فإنام يتقدمونه يف بعض اجلوانب فقط‪ ..‬بل وإعجايب‬
‫بتوازنه كبري حيث مل أره يعمل العقالنية األوروبية وما تقوم عليه من منطلقات‬
‫واسرتاتيجيات معرفية يف معاجلة الفجوات والفراغات الثقافية كام فعل بعض أنداده‬
‫واملعارصين له وما مىض من السطور قادر أن يصل بتلك الصورة إىل خيال القارئ‪..‬‬

‫ولكن هذا ال يمنعني من أن ال أسلم له يف كل َشء فربام كان لدي تأمالت يف‬
‫بعض ما تربزه كتاباته الرشيفة‪ ،‬أو حتفظات عىل بعض تعبرياته وإن مل أكن من أنصار‬
‫املذهب القائل‪« :‬إن أي اختالف يف التعبري فهو بالرضورة اختالف يف التفكري»‪،‬‬
‫ولست أبتغي هبذه النهاية للمقال طري خقا إىل زرع الشكوك حول الشيخ‪ ..‬ولكن لقيمة‬
‫النقد احلواري‪ ..‬وليطمئن من يرى أن رشاع عقولنا يقوده هوى التقديس للشيخ من‬
‫غري بصرية فينا!‬
‫رمحك اهلل يا عامد ويا أبا العامد‪ ..‬صىل اهلل عىل روحك ما صىل ويصيل عىل أهل‬
‫املداد من العلامء‪ ،‬ريب أخرجه من هالة الظلمة إىل هالة النور إىل حممد وآل حممد ‪.K‬‬

‫‪179‬‬

‫الفضلي رائد اإلصالح والتجديد احلوزوي‬

‫الشيخ عباس املوسى ‪1043/1/10‬م‬
‫عندما تبحث يف الشخصيات احلوزوية ّ‬
‫قل أن جتد حوزو ًّيا موسوع ًّيا يف الفكر‬
‫والكتابة‪ّ ،‬‬
‫متبحرا يف العلوم املختلفة وله شمولية يف خمتلف اجلوانب‪،‬‬
‫وقل أن جتد‬
‫خ‬
‫وقل أن جتد حوزو ًّيا حيمل هم العلم كله ويسطر ّ‬
‫ّ‬
‫جل حياته يف نرش العلم وبسطه‪ ،‬آية‬

‫اهلل العالمة الفضيل (أعىل اهلل مقامه) وأسكنه الفسيح من جناته وجعله يف أعىل عليني‬
‫مع النبيني والشهداء والصاحلني‪ ،‬هو أحد هؤالء القالئل الذي جاد بنفسه وبقلمه بل‬
‫وبكله للعلم كله‪ ،‬ومل يكتف بذلك بل سعى يف تطوير العلم احلوزوي واألكاديمي‬
‫لكي يصل إىل كل طالب بيرس وبسهولة‪.‬‬

‫فالطالب احلوزوي وعندما يدرس املقدمات والسطوح قد يتخرج منها ‪ -‬بل‬
‫يتخرج منها ‪ -‬ومل يعرف ويدرك أهم املصطلحات التي ينبغي عىل الطالب احلوزوي‬
‫معرفتها‪ ،‬وما ذلك إال ألن الكتب املستخدمة يف احلوزات ليست كت خبا معدّ ة للدرس‬
‫والتدريس وإنام هي أفكار ونتاج مؤلفيها وتقريراهتم بعد إبداعاهتم األصولية‬
‫مدارا للدرس وليست‬
‫درسا وبح خثا فأصبحت خ‬
‫والفقهية مما حدا بطالهبم أن يتناولوها خ‬
‫هي معدة لذلك‪ ،‬فكتب األصول كاملعامل والرسائل والكفاية ليست كت خبا تدريسية‬

‫تعليمية بقدر ما هي متثل آراء أصحاهبا‪ ،‬وكذلك كتب الفقه كالرشائع واللمعة‬
‫واملكاسب إنام هي بحوث استداللية متثل آراء مؤلفيها‪ ،‬هذا يف الفقه واألصول‪ ،‬وأما‬
‫‪110‬‬

‫يف اللغة العربية ‪ -‬مث خ‬
‫ال ‪ -‬فال يوجد كتاب شيعي يدرس يف احلوزات العلمية ‪-‬‬
‫فالقطر ورشح ابن عقيل واملغني ليست كت خبا شيعية ‪ -‬لعدم وجود متخصص منذ‬
‫ذلك الزمن البعيد وإىل يومنا هذا وإن كانت هناك كت خبا علمية وعميقة إال أهنا ال‬
‫تدرس‪.‬‬

‫قديام وحدي خثا ‪ -‬إال ما‬
‫وأما كتب احلديث والرجال فليس يف منهجية احلوزات خ‬

‫شذ ‪ -‬تدريس الرجال واحلديث بل قد ليس هناك كتب متخصصة تالئم مكانة‬
‫هذين العلمني واستنباط الفقيه‪.‬‬
‫وكذلك احلال يف خمتلف العلوم الكالمية والفلسفية والقرآنية بل ال يكاد تذكر‬
‫منهجية تعليمية قرآنية يف احلوزة وكأن القرآن عىل هامش احلوزة وكل ما هو موجود‬

‫من نتاج قرآين فهي اجتهادت شخصية وجهود فردية وكل ما يف احلوزة الفقه‬
‫واألصول‪.‬‬

‫وعندما يدرس الطالب احلوزوي الكتب األصولية والفقهية يكون أكثر مهه أن‬
‫يفكك العبارات وحياول معرفة إرجاع الضامئر إىل متعلقيها ويضيع ّ‬
‫جل وقته‬
‫وسنواته يف فهم العبارات وقد يرج بنتيجة وقد ال!‪ ،‬فمث خ‬
‫ال كتاب اللمعة الدمشقية‬
‫للشهيدين رشحه السيد كالنرت والسيد الرتحيني ‪ -‬مث خ‬
‫ال ‪ -‬وجاء األستاذ وجداين‬
‫فخر يف رشحه (اجلواهر الفخرية يف رشح الروضة البهية) ليتخصص يف إرجاع‬
‫الضامئر إىل متعلقاهتا باإلضافة إىل الرشح املبسط‪ ،‬والطالب احلوزوي لو أراد أن يقرأ‬
‫هذه الرشوحات الحتاج إىل سنوات وملاذا كل ذلك؟! ألن هذه الكتب ليست معدّ ة‬
‫للدرس والتدريس‪.‬‬

‫وهنا يأيت دور شيخنا الراحل واألستاذ املتبحر والعامل املثقف آية اهلل العالمة‬
‫الدكتور الشيخ عبد اهلادي الفضيل الذي مجع بني الدرسني احلوزوي واألكاديمي‬
‫وصاغ جتربته يف كال االجتاهني بمزج مجيل هرت آثاره يف مؤلفاته التعليمية‬
‫‪111‬‬

‫التحقيقية والتي تنم عن ب ٍ‬
‫عد يف العلم والثقافة واإلدراك وقوة البصرية حتى إنك ال‬
‫ُ‬
‫جتد بعض البحوث قد تناوهلا أحد مثلام تناوهلا هو وإن أمكن سنربز بعض تلك‬
‫املالمح‪.‬‬

‫واألهم هنا بيان أن العالمة الدكتور الفضيل كان الرائد األول يف تطوير املناهج‬
‫احلوزوية وإن سبقته بعض التجارب كالشيخ املظفر والسيد الشهيد الصدر إال أهنام مل‬
‫يوفقا إلبراز ذلك يف خمتلف العلوم والتوجهات بل انحرص تطويرمها يف اجلانب‬
‫األصويل بالتحديد‪ .‬أما الشيخ الفضيل (أعىل اهلل مقامه) فقد برز رائدخ ا فكر ًّيا‬
‫وحوزو ًّيا متضل خعا‬
‫ومصلحا جديدخ ا يف إطار البحث والتأليف(‪ .)1‬وأحاول هنا بشكل‬
‫خ‬
‫جممل إبراز ذلك كالتايل‪:‬‬

‫‪ )1 ‬تطوير كتب اللغة العربية‬
‫درس يف احلوزات‬
‫أدرك العالمة الفضيل أن كتب اللغة العربية التي ُت َّ‬
‫واجلامعات ليست قادرة عىل إيصال املعلومة للطالب بشكل سهل وسلس وهذه‬
‫املناهج غري مؤهلة‪ ،‬لذلك فله يف النحو خمترصه ويف الرصف خمترصه‪ ،‬ومها يربزان‬
‫أساسيات العلم ويمكنان الطالب من إدراك كل املطالب التي حيتاج إليها الطالب‬
‫احلوزوي واألكاديمي يف هذا االجتاه‪.‬‬

‫وال تفتقر كتبه عن املادة العلمية واألسلوب احلوزوي بل قد يستعرض اآلراء‬
‫املختلفة يف الفكرة الواحدة ليتمكن الطالب من معرفة تلك اآلراء املتنوعة‪.‬‬

‫كام أنه أول حوزوي ‪ -‬كام يبدو يل ‪ -‬استخدم املشجرات التعليمية كتلخيص‬
‫لألفكار العامة للدرس يف حني أنك عندما تقرأ الكتب احلوزوية املختلفة ترى القسم‬
‫أيضا حاولت التجديد يف التعلم احلوزوي‪ ،‬كام هي جتربة‬
‫(‪ )1‬ولإلنصاف‪ ،‬إن هناك جتارب متعددة خ‬
‫الشيخ حممد جواد مغنية‪ ،‬حيث ألف فقه اإلمام الصادق وعلم أصول الفقه يف ثوبه اجلديد‪،‬‬
‫وكذلك الشيخ حممد باقر األيرواين وقد ألف كتب متعددة كدروس متهيدية يف علم الرجال‪،‬‬
‫ودروس متهيدية يف الفقه االستداليل وغري ذلك‪.‬‬

‫‪112‬‬

‫ال ‪ -‬وقسيميه ‪ -‬مث خ‬
‫األول يف الصفحة األوىل ‪ -‬مث خ‬
‫ال ‪ -‬يف صفحات أخرى حتى ال‬
‫تكاد تعرف املقسم من القسم والقسيم‪ ،‬ولكن العالمة الفضيل يربز هذا املنهج يف كل‬
‫كتبه األصولية واحلديثية والفقهية واللغوية والكالمية‪.‬‬

‫فأسلوب املشجرات والتقسيامت العلمية هي األبرز يف كتب العالمة الفضيل‬
‫نظريا فيمن سبقه‪ .‬وليست هذه هي الكتب اللغوية فقط وإنام ذكرت ما‬
‫وال جتد هلا خ‬

‫يرتبط باجلانب التطويري احلوزوي هنا بالدرجة اخلاصة‪ ،‬مع العلم أن كتبه هذه‬

‫تدرس يف جامعة امللك عبد العزيز بجدة‪.‬‬

‫‪ )2 ‬تطوير الكتب األصولية‬
‫للعالمة الفضيل سعي حثيث يف تطوير كتب األصول فقد ألف يف ذلك أربعة‬
‫كتب‪:‬‬
‫‪ .1‬دروس يف أصول فقه اإلمامية (جملدان)‪.‬‬
‫‪ .2‬مبادئ علم األصول‪.‬‬
‫‪ .3‬الوسيط يف قواعد فهم النصوص الرشعية‪.‬‬
‫‪ .4‬التقليد واالجتهاد‪.‬‬

‫ويف (مبادئ علم األصول) ملحة أصولية عن خمتلف اجلوانب واملواضيع‬
‫األصولية بالرتتيب األصويل املعروف يف الكتب‪ ،‬والبارز يف هذا الكتاب أنك ال جتده‬
‫كتا خبا جامدخ ا‪ ،‬ألفا خ ا يصعب تفكيكها‪ ،‬بل سهولة يف الطرح وإيضاح باألمثلة وإبراز‬
‫للفكرة بصورة جلية ّ‬
‫قل أن جتد الكتب األصولية السابقة له تربز هذه احليثية فيبدأ‬
‫بتعريف وإيضاح التعريف ثم إعطاء مثال لذلك لتكتمل الصورة‪.‬‬

‫ثم ييل هذا الكتاب (دروس يف أصول فقه اإلمامية) وفيه يتناول املطالب‬
‫األصولية بأكثر شمولية وأكثر عمق ويتميز هذا الكتاب بعدة أمور‪:‬‬

‫‪113‬‬

‫‪ .1‬دراسة املصطلح األصويل لغو ًّيا وقد برز هذا اجلانب عنده بشكل واضح‬
‫وملموس مل يربزه غريه بل مل يرش إليه أحد‪.‬‬
‫‪ .2‬الربط بني علم األصول واللغة يف كل األبحاث حتى جتد وتدرك العمق‬
‫والتحقيق يف البحث األصويل واللغوي ومدى إدراكه واطالعه الواسع عىل‬
‫خمتلف اآلراء حتى إنه ليكفيك عناء البحث يف ذلك‪.‬‬
‫‪ .3‬إبراز األمثلة بعنوان خاص وتطبيق التعريف عىل املثال بصورة واضحة‪.‬‬
‫‪ .4‬بيان حمور البحث وحمل النزاع‪.‬‬

‫‪ .5‬استعراض خمتلف التعريفات للمصطلح األصويل عند األصوليني املختلفني‬
‫ومناقشة ذلك‪.‬‬

‫وقبل هذا يعطيك يف هذا الكتاب ملحة عن املناهج التأليفية يف األصول‬
‫واملدارس األصولية وتاريخ التأليف وأهم املصطلحات األصولية التي ال جتدها يف‬
‫كتب من سبقه حتى كأنك إذا درست الكتب األصولية القديمة تدخل يف بحر ال‬
‫تستطيع أن تأخذ من كنوزه ما تشاء لصعوبة ما فيه وغموض ألفا ه‪.‬‬

‫ثم يأيت كتاب الوسيط ‪ -‬املشار إليه ‪ -‬وميزته تكمن يف نوعية تأليفه وأنه‬
‫الكتاب األوحد يف اجتاهه وهو حماولته لعرض الطريقة الصحيحة والنموذجية لفهم‬
‫فكثريا ما يدرس الطالب كتب األصول ثم يرج وال يستطيع‬
‫النصوص الرشعية‬
‫خ‬

‫تطبيق األصول يف الفقه بل ال يعرف كيف يستفيد من دراسته لألصول يف فهم‬

‫النصوص‪ .‬وهذا الكتاب ميزته أن يوضح كيف يسري الفقيه يف فهم النصوص‬
‫الرشعية وبتدرج متقن يستطيع الطالب بدراسة وقراءة متعنية إدراك ذلك كله قبل‬
‫التعمق يف املطالب األصولية املعمقة التي ال طائل وال ثمرة يف الكثري منها‪.‬‬

‫‪ )3 ‬تطوير الكتب املنطقية‬
‫قديام حاشية املال‬
‫ضمن دراسة املقدمات‪ ،‬يدرس الطالب املنطق ويدرسون خ‬
‫‪114‬‬

‫عبد اهلل ورشح الشمسية وغريها وأما حدي خثا فيدرسون منطق املظفر وهو الكتاب‬
‫األشمل واألوضح كام يبدو‪ ،‬ولكن املشكلة فيه كثرة املعلومات وعمقها حتى إذا ما‬
‫خصوصا إذا مل يكن الطالب‬
‫بدأ هبا الطالب وانتهى مل يكن اجلميع متقنخا كل ما فيه‬
‫خ‬
‫احلوزوي قد أهنى دراسته األكاديمية التي تساعده يف فهم املنطق‪ ،‬وهنا جتلت حركة‬
‫العالمة الفضيل التطويرية يف إجياد كتابني أسمى أحدمها (خالصة املنطق) واآلخر‬
‫(مذكرة املنطق) والثاين أوسع بقليل من األول واهلدف منهام إعطاء ملحة عامة‬
‫وإيضاح الدروس بشكل سلس‪ ،‬ويف هذين الكتابني ال تدرس املادة كامدة جامدة‪،‬‬
‫كالم متصل قد ال تعرف بدايته من هنايته يف بعض األحيان كأنك تطالع خمطوطة‪ ،‬أو‬
‫نسخة حجرية‪ ،‬بل تدرس مادة علمية تعليمية تتميز بام ييل‪:‬‬

‫‪.1‬‬

‫تعاريف وتوضيحات سهلة غري ناقصة‪.‬‬

‫‪.2‬‬

‫أمثلة تطبيقية واضحة‪.‬‬

‫‪.3‬‬

‫خالصة مشجرة توضح جممل الدرس‪.‬‬

‫ولو درس الطالب خالصة املنطق ألمكنه استيعاب منطق املظفر بشكل أسهل‪.‬‬
‫ووفقنا يف تدريس الكتابني خالل السنوات الست السابقة‪ .‬بل واستفدنا منهام يف‬
‫إعداد كتابنا املنطقي املعدّ للطباعة (الضوابط املنطقية) واملشابه لكتبه ‪ ‬يف املنهج‪.‬‬

‫‪ )4 ‬تطوير الكتب الكالمية والفلسفية‬
‫للعالمة الفضيل ‪ -‬حسبام أمتلك ‪ -‬ثالثة كتب أحدها (الرتبية الدينية) وهو‬
‫كتاب للشباب يوضح فيه أهم اجلوانب العقدية بأسلوب شيق ومجيل يفهمه‬
‫الشباب‪ ،‬و(خالصة علم الكالم) ويتناول فيه أهم مصطلحاته باإلضافة إىل دراسة‬
‫أصول الدين واألدلة عىل ذلك من ٍ‬
‫عقل ونقل‪ ،‬والكتاب يصلح كمبادئ لدراسة‬
‫علم الكالم قبل التعمق يف ذلك‪ ،‬و(خالصة احلكمة اإلهلية) والتي يربز فيها أهم‬
‫معامل ومصطلحات الفلسفة ألنه يصعب عىل دارس الفلسفة أن يبدأ بـ (بداية‬
‫‪115‬‬

‫احلكمة) للسيد الطباطبائي هكذا دون أن تكون له دروس متهيدية يف ذلك‪ ،‬وهذا‬
‫أيضا يف كتابنا املعدّ للطباعة (دروس متهيدية يف‬
‫الكتاب معدٌّ لذلك وقد استفدنا منه خ‬
‫الفلسفة اإلسالمية)‪.‬‬

‫‪ )5 ‬تطوير الكتب الفقهية‬
‫كتب الشيخ الفضيل يف ذلك كتب وأبحاث متعددة‪ ،‬بعض كتبه دراسية منها‬
‫(مبادئ علم الفقه ‪ -‬جملدان) أحدمها خاص بالطهارة والصالة‪ ،‬ويتميز هذا الكتاب‬
‫بعدة أمور‪:‬‬

‫يمر عىل مصطلح إال ويبينه بخالف‬
‫‪ .1‬تعريف املصطلحات لغو ًّيا وفقه ًّيا بل ال ّ‬

‫قراءتك لكتاب فقهي آخر حتتاج فيه إىل الرجوع للمعاجم والقواميس لفهم‬
‫ذلك أو حتتاج إىل شارح ومبسط لذلك‪.‬‬

‫‪ .2‬يستعرض اآلراء املختلفة يف املسألة‪.‬‬

‫‪ .3‬يبني املصطلحات العلمية للمصطلح الفقهي والطريقة العلمية لتحقق ذلك يف‬
‫اخلارج ويبني الفرق بينه وبني املشابه له كام يف موضوع اخلمر‪.‬‬

‫فالطالب – احلوزوي – عندما يدرس هذه املادة يكون مل خام باملصطلحات‬
‫الفقهية يف بايب الطهارة والصالة وما يرتبط هبام من مصطلحات لغوية وعلمية‬
‫واجتامعية وهذا ال جتده يف الرسائل العملية للمراجع التي حتتاج إىل مزيد عناية‬
‫ملعرفة مصطلحاهتا وال يف البحوث االستداللية‪.‬‬

‫وله كتاب آخر أسامه (دروس يف فقه اإلمامية) من ثالث جملدات ولألسف‬
‫أفتقد اجلزء األول منه‪ ،‬وأما اجلزئني األخريين فقد تناول فيهام اجلانب املعاماليت وبدأ‬
‫كعادته بمنهجة الكتاب وبيان املقصود من املعاملة وأوضح النظريات والقواعد‬
‫املستخدمة يف جانب املعامالت ثم بدأ يف اجلزء الثالث بدراسة البيع وأنواع البيوع‬
‫وبعض املعامالت كالربا والدّ ين والقرض واملضاربة واهلبة واجلعالة ثم ختمه‬
‫‪116‬‬

‫باملعامالت املستحدثة‪ ،‬وميزة الكتاب‪:‬‬

‫‪ .1‬بيان التعريفات اللغوية والفقهية كعادته ‪.‬‬
‫‪ .2‬استعراض اآلراء املختلفة للفقهاء يف ذلك‪.‬‬
‫‪ .3‬بيان احلالة التاريية التي متثل السرية العرفية اجلارية قبل زمن املعصوم وإىل‬
‫زمانه‪.‬‬
‫‪ .4‬بيان أهم عنارص وأحكام املسألة‪.‬‬
‫‪ .5‬إبراز ذلك باألمثلة التطبيقية واألدلة االستداللية يف ذلك‪.‬‬

‫واألهم من ذلك العمق املعلومايت والسهولة يف الطرح التي ّ‬
‫قل أن يتوفرا يف‬
‫شخص واحد‪.‬‬

‫وحني يستعرض القواعد الفقهية يف املعامالت حياول إثبات ما يستظهر من‬
‫ال إثبات العموم من قوله تعاىل‪َ ( :‬أو ُفوا بمالع ُق م‬
‫القاعدة من جوانب خمتلفة‪ ،‬فمث خ‬
‫ود)‬
‫ُ‬
‫فهل هذه من العمومات التي يرجع إليها يف إثبات حل ّية ومرشوعية ما ثبت أنه عقد‬
‫عر خفا سواء أكان عقدخ ا متداوالخ أو مستحد خثا‪.‬‬
‫ولكي يصل إىل النتيجة اإلجيابية من ذلك يدرس ذلك يف عدة خطوات‪:‬‬
‫‪ .1‬دراسة مفردات القاعدة والتدليل عليها من أقوال اللغويني والفقهاء‪.‬‬

‫‪ .2‬دراسة املصطلح قبل زمن اإلسالم بلحاظ استعامل هذه األلفاظ قبل اإلسالم‬
‫وإمضاء الشارع هلا لكون املعامالت ليست مما وضع الشارع ألفاظ بإزائها وإنام‬
‫هي إمضاءات ملا هو موجود يف الغالب‪.‬‬
‫‪ .3‬ربط املصطلح بالقواعد األصولية‪.‬‬
‫‪ .4‬دراسة داللة النص وكيفية االستدالل به عىل املطلوب‪.‬‬
‫‪ .5‬النتيجة من البحث‪.‬‬

‫‪117‬‬

‫وهذا التسلسل تعليمي جيعل الطالب احلوزوي يف مكنة ومقدرة عىل استيعاب‬
‫املطالب العلمية‪.‬‬

‫ومل يقترص العالمة الفضيل يف تطوير هذه االجتاهات احلوزوية فقط‪ ،‬بل هناك‬
‫أيضا تصلح للدرس احلوزوي وتساعد طالب العلم يف فهم املطالب‬
‫كتب مهمة خ‬
‫وربط العلوم ببعضها‪ ،‬فالعالمة يمتاز يف خمتلف كتبه ببيان الرابط والعالقة بني‬
‫العلوم املختلفة‪ ،‬وأهم هذه الكتب‪:‬‬

‫‪ )6 ‬تطوير كتب الرجال واحلديث‬
‫(أصول احلديث) وهو كتاب يف دراية احلديث ويتناول فيه أهم اجلوانب التي‬
‫حيتاج دارس الدراية بدراسة حتليلية تنبأ عن إملام واطالع واسع يف هذا اجلانب‪ ،‬وهو‬
‫كتاب صالح للدرس احلوزوي ّ‬
‫قل مثيله‪.‬‬
‫ومما افتقدته الكتب الشيعية الكتب التي تعنى بعلم احلديث والدراية‪ ،‬نعم ربام‬
‫يتناول القدماء بعض مصطلحات علوم احلديث يف رشوحاهتم للحديث‬
‫وتعليقاهتم‪ ،‬ولكن تناول مصطلحات احلديث وبيان تعاريفها وحتليل ودراسة‬
‫العوامل املؤثرة يف بعض األمور كاألحاديث املوضوعة ‪ -‬مث خ‬
‫ال‪ ،‬وهي ‪ -‬هذه‬
‫املصطلحات احلديثية ‪ -‬وإن تناوهلا بعض من سبقه يف كتبه كاملامقاين يف (مقباس‬
‫اهلداية) وغريه إال أن جعل ذلك يف كتاب حوزوي تعليمي مل يسبقه فيه أحد‪ ،‬فلكي‬
‫يؤسس منهجية متكاملة للحوزوي البد من أن يضع له كتب دراسية تعليمية يف كل‬
‫ختصصاته فكان هذا الكتاب احلاوي للمصطلحات احلديثية وبعض املصطلحات‬
‫الرجالية‪.‬‬

‫وله كتاب يف (أصول علم الرجال) يربز فيه أهم املسائل الرجالية التي ينبغي‬
‫عىل الطالب احلوزوي معرفتها خال خفا ملا يكون يف احلوزوات حيث ينتهي الطالب من‬
‫دروس السطوح وال يدرك وال يعرف شي خئا من املسائل الرجالية مع أمهيتها‪ ،‬وقد ذكر‬
‫‪111‬‬

‫بعض الفضالء أنه انتهى من السطوح وبدأ يف البحث اخلارج وال يعرف أهم‬
‫متطلبات علم الرجال الذي حيتاجه الفقيه يف استنباطه بل ال يمكن االستنباط بدونه‪،‬‬
‫وهنا تكمن الثمرة فيام أحدثه العالمة الفضيل حيث ألف هذا الكتاب ليكون مدخ خ‬
‫ال‬
‫هلذا العلم الذي ّ‬
‫قل من تبحر فيه وألف‪.‬‬

‫كتاب أصول البحث‪:‬‬
‫(أصول البحث) وهذا من أهم الكتب التي تساعد طالب العلم يف البحث‬
‫والتحقيق ببيان املنهجية التي ينبغي عىل الباحث اتباعها يف ذلك‪ ،‬فام هو املنهج‬
‫واملناهج املتعددة واملراجع املستخدمة يف العلوم املختلفة وأنواع البحث وجماالته‬
‫وأسلوب البحث ورشوطه وكيفية البحث وطريقة أداء البحث وإعداده مما يمكن‬
‫الباحث من السري يف الطريقة الصحيحة للبحث وهذا يف حد ذاته حيتاجه كل طالب‬
‫علم‪.‬‬

‫ويف هذا الكتاب يتناول أهم املناهج العلمية التي ينبغي أن يتبعها الباحث‬
‫واملحقق والفقيه والطريقة العلمية الصحيحة التي ينبغي أن تتبع بشكل مرتب يف‬
‫الوصول إىل نتيجة البحث‪.‬‬

‫وبعد أن يستعرض ‪ ‬املناهج العامة – النقيل والعقيل والتجريبي والوجداين‬

‫وغريها – يستعرض يف هذا الكتاب املناهج اخلاصة بالفقه وأصوله باعتبار حاجة‬

‫الطالب احلوزوي إىل معرفة كيفية البحث‪ ،‬وكيفية الوصول إىل النتيجة بطريقة علمية‬
‫ممنهجة‪.‬‬
‫وسنتناول هنا وبشكل موجز ما بينه يف منهجية علم األصول‪:‬‬
‫«اهليكل العام لعلم أصول الفقه‪:‬‬

‫‪119‬‬

‫واهليكل العام لعلم أصول الفقه املستخلص من واقع التجارب العلمية فيام‬
‫يكتب فيه‪ ،‬هو كالتايل‪:‬‬

‫‪ -4‬اهلدف من البحث يف أصول الفقه‪:‬‬
‫هو استخالص القواعد األصولية من مصادرها النقلية أو العقلية بغية‬
‫االستفادة منها يف جمال االجتهاد الفقهي‪.‬‬

‫‪ -1‬مادة البحث األصويل‪:‬‬
‫وتتمثل يف مصادر الترشيع اإلسالمي (أو أدلة األحكام الفقهية)‪.‬‬

‫‪ -3‬خطوات البحث األصويل‪:‬‬
‫وتتلخص يف التايل‪:‬‬
‫أ‪ .‬تعيني املصدر (الدليل)‪.‬‬
‫ب‪ .‬تعريف املصدر (الدليل)‪.‬‬
‫ج‪ .‬إقامة الربهان عىل حجية املصدر (الدليل) إلثبات رشعيته‪.‬‬
‫د‪ .‬حتديد مدى حجية املصدر (الدليل)‪.‬‬
‫ه‪ .‬استخالص القاعدة األصولية من املصدر (الدليل)‪.‬‬
‫و‪ .‬بيان داللة القاعدة‪.‬‬
‫ز‪ .‬بيان كيفية تطبيق القاعدة الستفادة احلكم الفقهي‪.‬‬

‫‪ -1‬املنهج العام للبحث األصويل‪:‬‬
‫سنتبني من خالل التطبيق اآليت أن البحث األصويل يسري وفق املناهج العامة‬
‫التالية‪:‬‬
‫‪190‬‬

‫أ‪ .‬املنهج النقيل يف مجلة من مسائله‪.‬‬
‫ب‪ .‬املنهج العقيل يف مجلة أخرى من مسائله‪.‬‬
‫ج‪ .‬املنهج التكاميل (من النقيل والعقيل) يف مجلة ثالثة من مسائله‪.‬‬
‫وسأحاول ‪-‬هنا‪ -‬توضيح العنارص املذكورة من خالل التطبيق عىل بعض‬
‫القواعد األصولية‪.‬‬
‫ولتكن القواعد التالية‪:‬‬
‫ قاعدة الظهور‪.‬‬‫ قاعدة تعارض اخلربين‪.‬‬‫ قاعدة االستصحاب»‪.‬‬‫ثم بدأ يف توضيح هذه اهليكلة يف القواعد الثالثة املذكورة وختم هذه املنهجية‬
‫ببيان مصادر علم األصول التي ينبغي عىل الطالب احلوزوي معرفتها والرجوع هلا يف‬
‫استعراض اآلراء األصولية والتي تشكل مصادر لألقوال املختلفة األصولية للطائفة‬
‫من الشيخ املفيد وإىل يومنا هذا‪ .‬وقد رتبهم بشكل تاريي يسهل عىل الباحث تناول‬
‫أيضا‪.‬‬
‫األقوال مرتبة خ‬

‫منهج علم الفقه‪:‬‬
‫يف املنهج الفقهي من هذا الكتاب يستعرض العالمة الفضيل (أعىل اهلل مقامه)‬
‫املنهجية يف ذلك ثم يمثل لنا بأمثلة يطبق فيها هذه املنهجية والتي تدل عىل إملام‬
‫بالفكرة وشمولية يف الطرح ومنها موضوع (ال ُكر) ويمكن بيان ذلك كالتايل‪:‬‬
‫‪ .1‬بدأ بتعريف الكر يف اللغة حيث يستعرض آراء اللغويني يف ذلك‪.‬‬
‫‪ .2‬ثم استعرض تقدير الكر بأي وحدة وقد أبرز الرأي اللغوي حسب املعاجم ثم‬
‫‪191‬‬

‫استعرض آراء الفقهاء تب خعا للنصوص الرشعية‪ ،‬وهذا التقدير عند الفقهاء‪ ،‬إما‬
‫أن يكون بالوزن أو باحلجم‪.‬‬
‫‪ .3‬يستعرض اآلراء يف كل قول ويذكر األدلة التي استند الفقهاء عليها ويناقش‬
‫األدلة من حيث السند والداللة‪.‬‬

‫‪ .4‬ثم يستخلص لنا النتائج املرتتبة عىل كال القولني ويربز الرأي الصحيح كام يراه‪.‬‬
‫‪ .5‬واألبرز يف هذه املحاولة هو تصوير األحجام باألشكال اهلندسية العلمية التي‬
‫يمكن للباحث احلوزوي تصوير األحجام املتصورة والتي يمكن أن حتوي الكر‪.‬‬
‫ّ‬
‫وقل أن جتد حوزو ًّيا يامزج بني العلوم بحيث ال تعيش مصطلحات نظرية‬
‫جامدة ال تستطيع تطبيقها عىل الواقع اخلارجي‪.‬‬
‫وقبل أن يربز لنا خطوات املنهج الفقهي يبني لنا نامذج للتطبيقات اللغوية يف‬
‫النصوص الرشعية واألصولية والفقهية والرجالية كام ويستعرض القرائن التاريية‬
‫والتفسريية ليكون احلوزوي يتامشى واخلطوات املنهجية الصحيحة يف معرفة احلكم‬
‫والنتائج ويتم ببيان مصادر الفقه ليطلع احلوزوي والباحث عىل أهم املراجع ملعرفة‬
‫اآلراء الفقهية املختلفة‪.‬‬

‫كتاب القراءات القرآنية‪:‬‬
‫تتجىل أمهية الكتاب يف أنه كتاب إسالمي شمويل الختصاصه باملصدر‬
‫اإلسالمي األول‪ ،‬وهو املتفق عليه بني املسلمني قاطبة‪.‬‬
‫وتكمن أمهية هذا الكتاب يف أنه يناقش ويستعرض مسألة قرآنية ذات ُبعد‬
‫عميل يف التطبيق اخلارجي وهي القراءات والتي هلا انعكاسات متعددة يف القراءة من‬
‫ٍ‬
‫ونواح لغوية وتفسريية من جهة أخرى فكان هذا املبحث يف هذا الكتاب‪.‬‬
‫جهة‬
‫ويتميز هذا الكتاب بعدة أمور‪:‬‬

‫‪192‬‬

‫‪ .1‬استعراض آراء املدرستني مدرسة أهل البيت ومدرسة اخللفاء‪.‬‬
‫‪ .2‬إبراز اآلراء واحلركة التطويرية ملوضوع البحث تارييا بدقة بحيث يتابع القارئ‬
‫هذه احلركة التطورية‪.‬‬
‫‪ .3‬التعريف بالقراءات القرآنية وكيفية نشوئها وتطورها وتناقلها ومصادرها‬
‫وأسباب اختالفها وفوق ذلك كله إن من يقرأ الكتاب وال يعرف العالمة‬
‫الفضيل ال يعرف أنه شيعي مع أنه نقل آراء شيعة وناقشهم كالسيد اخلوئي‪ ،‬ألنه‬
‫مل يناقش املوضوع من جهة طائفية بل من جهة إسالمية لذا قلنا عنه بالشمولية‪.‬‬

‫تاريخ الترشيع اإلسالمي‪:‬‬
‫من أهم الكتب التاريية التي تتحدث عن تطور ونشأة الفقه اإلسالمي‬
‫واإلمامي بشكل خاص‪ ،‬ولعل العالمة الفضيل هو أول من ألف هبذه الفكرة يف‬
‫كتاب مستقل يف املدرسة اإلمامية ومتيزت منهجية الكتاب بعدة أمور‪:‬‬
‫‪ .1‬الرجوع للوثائق التاريية املبينة حلالة التطور الترشيعي للفقه‪.‬‬
‫‪ .2‬الرجوع إىل الرتاث الفقهي املتمثل باملصادر الفقهية لقدماء األصحاب‪.‬‬
‫‪ .3‬الرجوع إىل كتب الفكر األصويل وتاريخ علم األصول‪.‬‬
‫‪ .4‬إبراز ودراسة احلالة التاريية من نصوص املدرستني ومناقشة األفكار املختلفة‪.‬‬

‫‪ .5‬استعراض تطور الترشيع اإلسالمي من زمن النبي ‪ K‬إىل املدارس العلمية‬
‫اليوم‪.‬‬
‫‪ .6‬استعراض أبرز املفكرين والفقهاء واملتكلمني الذين عارصوا األئمة ودورهم‬
‫التاريي يف هذ التطور‪.‬‬
‫‪ .7‬احتواء الكتاب عىل إحصائيات ورسوم بيانية توضيحية وخمططات شجرية‬
‫تعليمية‪.‬‬
‫وفوق كل ذلك اإلحاطة والشمولية والدقة والعمق والتتبع‪.‬‬
‫‪193‬‬

‫هذا ما قدمه شيخنا الراحل ومقتدانا الكبري الذي استفدنا من مؤلفاته الكثرية‬
‫برغم عدم استفادتنا املبارشة منه‪ ،‬وهذا يف اجلانب احلوزوي‪ ،‬وأما اجلانب األكاديمي‬
‫فقد كتب يف ذلك وأبدع وطور بام ال يقل عن اجلانب احلوزوي‪ ،‬وقد تناول ذلك‬
‫أكثر من دكتور لذا اكتفيت باجلانب احلوزوي ليدرك احلوزوي قبل غريه كيف كان‬
‫دوره يف تطوير اجلانب احلوزوي بام ال مثيل له يف ذلك‪ ،‬وإذا الحظت فقد طور‬
‫وأبدع يف خمتلف اجلوانب العلمية اللغوية واملنطقية والكالمية والفلسفية واألصولية‬
‫والفقهية والقرآنية واحلديثية والرجالية ولذا فهو موسوعة يف العلم والتطوير وهو‬
‫بحق الرائد األول يف تطوير العلوم احلوزوية‪.‬‬

‫‪ ‬مميزات وخصائص مؤلفات العالمة الفضلي‬
‫فيام مىض حتدثنا عن دور الراحل الكبري يف تطوير املناهج احلوزوية باخلصوص‬
‫فهام وإدرا خكا‪ ،‬وأما احلديث هنا فعن اخلصائص‬
‫وأثر ذلك عىل الطالب احلوزوي خ‬
‫العامة لرتاث الشيخ‪ ،‬وقبل البدء بتعدادها نشري إىل نقطة مهمة جيب أال نغفل عنها‪،‬‬

‫وهي‪:‬‬
‫مر التاريخ‬
‫إن احلوزات العلمية الشيعية أنتجت علامء ومفكرين ومبدعني عىل ّ‬

‫ولعل باب االجتهاد وحرية الرأي والرأي اآلخر‪ -‬يف اجلملة ويف بعض األحيان –‬
‫كان له األثر يف إنتاج وإبداع علامء الطائفة األفذاذ واملبدعني الكبار‪ ،‬ولكن ليس كل‬
‫من هو مبدع كان له نتاج علمي ملموس‪ ،‬نعم هناك من كانت له نظريات جديدة‬
‫وتطوير يف اجتاه من االجتاهات وإن مل تكن له تلك الكتب املتعددة كام هو املريزا‬
‫النائيني ونظرية الرتتب‪ ،‬وهناك من له مؤلفات متعددة وله من اإلبداع ما ال ينكر‬
‫مثل الشيخ األنصاري ونظرية احلكومة‪ ،‬والشهيد الصدر ونظرية حساب‬
‫أيضا كاملال صدرا واإلمام اخلميني‬
‫االحتامالت‪ ،‬ويف اجلانب الفلسفي هناك مبدعون خ‬
‫والسيد الطباطبائي‪ ،‬ويطول بنا الكالم لو أردنا أن نعدد املبدعني يف خمتلف العلوم‪.‬‬

‫‪194‬‬

‫وعىل أي حال فإن العالمة الفضيل قد حجز مقعده منذ صغر سنه كام شهد‬
‫وتطويرا‪ ،‬ولذا كان له‬
‫ومنهجا‬
‫فكرا‬
‫خ‬
‫خ‬
‫بذلك آقا بزرك الطهراين فهو من بني املبدعني خ‬
‫من املؤلفات ما يظهر هذا اإلبداع والتطوير والتجديد‪ ،‬ومن هنا نحاول إبراز أهم‬

‫مميزات مؤلفاته ولو بشكل إمجايل ليتضح بعض إبداعاته بام يتناسب واملقام‪:‬‬

‫األول‪ :‬التتبع التاريي لآلراء املختلفة للموضوع املبحوث وألصل املسألة منذ‬
‫عرص النبي وإىل زمن املعارصين وهذا ما يرتبط باألبحاث األصولية والفقهية‬
‫والقرآنية – كام يف القراءات القرآنية – والتاريية‪.‬‬

‫الثاين‪ :‬اإليضاحات والتطبيقات واملشجرات التوضيحية التي استخدمها يف‬
‫مجيع الكتب‪.‬‬

‫الثالث‪ :‬النظرة الشمولية اللغوية – للمصطلح املبحوث – من جهة تفسريه‬
‫وتوضيح معناه عن أهل هذا العرف اخلاص‪.‬‬

‫الرابع‪ :‬استقراء وتتبع لآلراء املختلفة يف املسألة الواحدة وأدلتها ومناقشة تلك‬
‫اآلراء املختلفة‪.‬‬

‫اخلامس‪ :‬اعتامد الفهم القرآين يف الكثري من القضايا العلمية املتعددة‪ ،‬حيث‬
‫جعل القرآن مرج خعا ومنطل خقا لفهم النصوص‪.‬‬
‫السادس‪ :‬يف البحوث الفقهية واألصولية ركز عىل الفهم العريف واللغوي بدالخ‬
‫من الفهم الفلسفي الذي أدخله بعض األصوليني يف بحث املسائل األصولية والذي‬
‫شتت بعض املسائل األصولية ووسعها وأبعدها عن حمورها األساس كام يف‬
‫األبحاث التحليلية للمشتق األصويل – مثال – حيث مل يبحثه الشيخ إال من اجلهة‬
‫العلمية اللغوية والعرفية وليس اجلهة التحليلية الفلسفية‪.‬‬

‫‪195‬‬

‫السابع‪ :‬استعراض آراء املدرستني‪ ،‬مدرسة أهل البيت ومدرسة اخللفاء يف‬
‫الكثري من األبحاث ذات الصلة باملوضوع مما يدلل عىل سعة االطالع وشمول‬
‫الفكرة وعدم ضيق األفق‪.‬‬

‫مرارا وهو الذهنية العلمية واألكاديمية املعارصة التي‬
‫الثامن‪ :‬ما أكدنا عليه خ‬

‫استطاع من خالهلا بلورة املناهج التعليمية احلوزوية املتعددة مما يساعد احلوزوي عىل‬
‫فهم املطالب بصورة سهلة وواضحة‪.‬‬

‫هذا ما يمكن إبرازه من مميزات وخصائص يف منهج العالمة الفضيل وخلوف‬
‫اإلطالة جتاوزنا الكثري من األمثلة‪.‬‬

‫وأختم كالمي هبذه القصة‪:‬‬
‫يف عام ‪1424‬ه ويف مدينة الرسول األعظم ‪ K‬التقيت بآية اهلل العظمى‬
‫الشيخ جعفر السبحاين ومل يكن قد طرح مرجعيته آنذاك والشيخ السبحاين كام هو‬
‫أيضا وقد جلست معه يف احلرم‬
‫معروف موسوعة يف التأليف يف خمتلف العلوم خ‬
‫النبوي الرشيف ثالث مرات‪ ،‬توجت بأن أعطاين كتابه املوسوم (املحصول يف علم‬
‫عيل‬
‫الفقه) وطلب مني تسليمه للشيخ الفضيل وقال يل‪ :‬ب ّلغه سالمي وقل له ليتلطف َّ‬
‫ويقول رأيه يف الكتاب هل هو صالح للتدريس أو ال ‪ ..‬هكذا هي مكان العامل بني‬

‫العلامء‪ .‬وليس هو فقط ‪ -‬الشيخ السبحاين ‪ -‬بل الكثري هنا كان ممن يرغب ويتمنى أن‬
‫يقدّ م له الدكتور الفضيل مقدمة لكتابه‪ ،‬ومما يؤسفني أنني مل أمتكن من ذلك مع أهنا‬
‫كانت أمنيتي‪.‬‬
‫فالسالم عليك يا فضيل يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث ح ًّيا ‪ ..‬أذكرين عند‬
‫ربك‪.‬‬

‫‪196‬‬

‫الشيخ الفضلي وزبدة احلقب ‪ -‬جملة الوعي‬

‫األستاذ بدر شبيب الشبيب‬
‫يف بائيته الشهرية يف فتح عمورية يقول أبو متام‪:‬‬
‫ـــها‬
‫َحتَّــى إ َذا َخم َ َ‬
‫ــض اهللُ الســنني َل َ‬

‫خي َل مة كانَت ُزبـدَ َة م‬
‫َخم َض الب م‬
‫احل َقـ م‬
‫ب‬
‫َ‬

‫لو قال أبو متام هذا البيت يف زماننا الراهن لش َّن عليه البعض من أصحاب‬
‫التفكري الضحل محلة ضارية يف خمتلف وسائل اإلعالم والتواصل االجتامعي متهمني‬
‫إياه بالعلامنية والليربالية لصورة التشبيه املوجودة يف البيت‪ .‬ولكنه قاله ومىض قبل أن‬
‫ُيدرك زمن التكفري ومصادرة التفكري باسم الدين من مق َبل من ال يفقه من الدين شي خئا‪.‬‬
‫حرضين هذا البيت بقوة فور سامعي نبأ رحيل الشيخ الفقيه الدكتور عبد‬
‫اهلادي الفضيل ‪ ‬للعالقة الوثيقة يف ذهني بني الراحل الكبري وبني «زبدة احلقب»‪.‬‬

‫فقد كان الشيخ بحق زبدة احلقب بام ُعرف عنه من علم موسوعي غزير وعمل‬

‫منهجي دقيق يف الكتابة والتأليف وأخالق سامية يف تواضع جم‪ .‬وكان زبدة احلقب‬
‫حني مجع بني احلوزة واجلامعة‪ ،‬فأخرج من تزاوجهام مؤلفاته الرصينة ذات اجلينات‬
‫املتميزة‪.‬‬
‫وألنه كان زبدة احلقب‪ ،‬فقد ركز يف تأليفه عىل استخراج الزبدة من كل‬
‫‪197‬‬

‫موضوع كتب فيه‪ .‬ويف العناوين التالية شاهد من أهلها‪ :‬خمترص النحو‪ ،‬خمترص‬
‫الرصف‪ ،‬تلخيص العروض‪ ،‬خالصة علم الكالم‪ ،‬خالصة املنطق‪ ،‬خالصة احلكمة‬
‫اإلهلية‪ ،‬املوجز يف علم التجويد‪.‬‬
‫وحتى الكتب األخرى التي مل تكن رصحية العنوان يف ُز م‬
‫بد ّيتها‪ ،‬كانت بكل‬
‫تأكيد ُزبد ّية املضمون‪ .‬ومنها عل سبيل املثال ال احلرص‪ :‬أصول البحث‪ ،‬تاريخ‬
‫الترشيع اإلسالمي‪ ،‬الوسيط يف قواعد فهم النصوص الرشعية‪ ،‬أصول احلديث‪،‬‬
‫أصول علم الرجال‪ ،‬مبادئ علم الفقه‪...،‬‬
‫اجلمع بني‬
‫الراسخون يف الكتابة وشؤوهنا يدركون صعوبة‪ ،‬بل ربام استحالة‬
‫َ‬
‫التبسيط واالختصار والعمق‪ ،‬إذ غال خبا ما يكون أحدها عىل حساب أخيه أو َ‬
‫أخ َويه‪.‬‬
‫أما عند الشيخ الفضيل فاألمر يف غاية اإلمكان‪ ،‬بل هو فنه الذي يتقنه إتقا خنا فريدخ ا؛‬
‫فكتبه مجيعها متثل النموذج الرفيع للكتابة السهلة املمتنعة‪ ،‬والتي تذهب يف العمق‬
‫بعيدخ ا‪ ،‬وتبتعد يف ذات الوقت عن اإلغالق والتعقيد‪ .‬يقول يف مقدمة كتابه «خالصة‬
‫احلكمة اإلهلية»‪« :‬فبني يدَ ّي القارئ الكريم احللقة الرابعة واألخرية من جمموعة‬
‫املعارف العقلية التي تضم احللقات التالية‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫الرتبية الدينية‬

‫‪-‬‬

‫علم املنطق‬

‫‪-‬‬

‫علم الكالم‬

‫‪-‬‬

‫احلكمة اإلهلية‬

‫وقد حاولت قدر الطاقة أن تأيت موضوعاهتا ب ّينة التعبري واضحة املعنى‪ ،‬وإين‬
‫أخريا ‪ -‬ال تعدو كوهنا حمالة متواضعة آم خ‬
‫ال‬
‫ألرجو أن أكون قد وفقت لذلك‪ .‬وهي ‪ -‬خ‬

‫أن حتقق القصد‪ ،‬إنه تعاىل ويل التوفيق وهو الغاية»‪.‬‬

‫هذه املقدمة عىل قرصها تبني اهتاممه بالعبارة واملعنى الواضحني‪ ،‬كام تكشف‬
‫‪191‬‬

‫عن تواضعه الكبري الذي ال يرى فيام يقدم من أعامل جليلة سوى حماوالت متواضعة‬
‫حسب تعبريه‪ .‬فال يكاد يلو كتاب من كتبه من اإلشارة إىل أنه «حماولة متواضعة»‪،‬‬
‫يطلب من أهل االختصاص فيها التصويب والتصحيح‪ .‬ويقول يف مقدمة كتابه‬
‫«الوسيط يف قواعد فهم النصوص الرشعية»‪« :‬ليس هذا الكتاب إال حماولة متواضعة‬
‫أضيفها إىل املحاولتني السابقتني‪« ،‬يقصد كتاب مبادئ أصول الفقه وكتاب دروس‬
‫يف أصول فقه اإلمامية» راج خيا أن أجد من املعنيني بأمثال هذه الدراسات ما يصحح‬
‫من أخطاء الكتاب»‪.‬‬
‫أمر آخر يتم به مقدمات كتبه يركز فيه عىل غايته الرشيفة من تأليفاته‪ ،‬فاهلل‬
‫دائام‪ .‬ومما ال شك فيه أن إخالصه هلذه الغاية‬
‫تعاىل «ويل التوفيق وهو الغاية» كام يتم خ‬
‫هو رس توفيقه لإلنتاج الغزير املتنوع الذي غطى حقوالخ شتى من املعارف جيمعها‬
‫نا م واحد يتمثل يف الرغبة الصادقة يف جتديد املناهج احلوزوية وتقريبها لتكون «يف‬
‫أيضا»‪.‬‬
‫متناول يد املثقف العام خ‬
‫إن الشيخ الفضيل مدرسة رائدة يف جمال الكتابة العلمية احلوزوية التخصصية‪،‬‬
‫ينبغي العمل عىل إبراز معاملها وكشف أساليبها وفتوحاهتا‪ ،‬لتكون نموذجا حيتذى‬
‫ومنهجا ُي َ‬
‫سرتشد هبديه‪.‬‬

‫‪199‬‬

‫آية اهلل العالمة الفضلي‪ ..‬لغة الفقه والقانون‬

‫األستاذ باقر الرستم‪ ،‬الطرف ـ األحساء‬
‫بسم اهلل الرمحن الرحيم‪ ..‬واحلمد هلل عىل قضائه‪ ..‬ونسأله الصرب والعوض‪.‬‬
‫وإنا هلل وإنا إليه راجعون‪ ..‬وال حول وال قوة إال باهلل العيل العظيم‪ ..‬يوم عىل آل‬
‫الرسول عظي ٍم‪..‬‬
‫عامل ٌ شغل موق خعا مل يزامحه أحدٌ فيه أو عليه‪ ،‬وال نرى يف األمد القريب وري خثا‬
‫بحجمه وبحجم طموحه ومثابرته الدؤوبة يأيت من بعده ليمأل مكانه‪..‬‬
‫عامل ثلم ‪ٍ -‬‬
‫لمة‪ ،‬ال يسدها َشء‪.‬‬
‫بحق‪ -‬يف اإلسالم ُث َ‬
‫ٌ‬
‫ربا عىل بالئك يا بارئ النسامت‪ ..‬وال راد لقضائك‪ ..‬جلل املصاب أورث‬
‫فص خ‬

‫فانشغلت بذهويل أمد‬
‫اللسان بعد ذلك العنفوان صم ختا‪ ..‬حيث أخرسه الذهول‪..‬‬
‫ُ‬
‫ٍ‬
‫قصد هنا وهناك‪ ..‬قد جثمت عىل صدري تداعيات الذكرى‪ ..‬فأملنى‬
‫النظر بال‬
‫املشهد فوق آالم الرحيل‪.‬‬

‫ٍ‬
‫أقف اآلن وما كان يطر ببايل أن أقف مؤبنخا أو ٍ‬
‫ٍ‬
‫ومرب ال‬
‫ألستاذ ومعل ٍم‬
‫باك‬
‫يفارق خميايل جملسه وجمالسته وأنسه ومؤانسته‪ ..‬ولكننا أمام سنة اهلل يف خلقه‪ ..‬فغدخ ا‬

‫‪200‬‬

‫أيضا صالح جرييت فيؤبنني‪ ..‬فاألمر هلل‪ ..‬وال حول وال قوة إال باهلل‪.‬‬
‫سيقف خ‬

‫هنا أقف بني يدي أستاذي‪ ..‬ومعلمي‪ ..‬ورائد جييل وملهمه عىل مستوى‬
‫الكتابة والبناء الرتبوي يف بلدي ومنطقة اخلليج يف العقود الثالثة األخرية‪ ..‬وعندما‬
‫بحق أستاذي‪ ..‬وهو ٍ‬
‫أقول أستاذي فهو ٍ‬
‫استلهمت منه‬
‫بحق معلمي‪ ..‬واملريب الذي‬
‫ُ‬
‫معنى االستامع لآلخر واحرتامه‪ ..‬معنى تقدير منجز اآلخرين‪ ،‬وتقليل ما أنجزه‬
‫جديرا بأن‬
‫تدينخا‪ ،‬ولئال يغلبني هواي‪ ،‬فيجعلني أشعر أال منجز لغريي‪ ..‬قد ال أكون‬
‫خ‬
‫أنسب نفيس له‪ ،‬ولكنه ما كان يتضجر من ذلك‪ ..‬فحق يل أن أفخر بذلك‪ ..‬تلك ثمرة‬

‫عرشين عا خما من العالقة واملودة‪ ..‬ليكون كتايب الذي كان ابن حمارضة يف (منتدى‬
‫السهلة األديب ببلدة الطرف ‪ -‬األحساء) قبل عدة سنوات حمل ثنائه وشكره‪.‬‬

‫كنا نتلقف املعرفة من مصادر شتى‪ ..‬فنقف بني يديه لنقرتف إثم االعتداد‬
‫بالنفس ونحن ما زلنا خ‬
‫فراخا‪ ..‬فيحدب علينا‪ ،‬ليشعرنا أننا أخوته‪ ..‬رشكاؤه يف الفكر‬
‫ّ‬
‫ليتمىل معرفة‪ ..‬فيكتشف أن‬
‫والبناء‪ ..‬بعضنا ال يستسلم لتلك األبوة احلانية‪ ..‬فيذهب‬
‫ذلك االعتداد كان حجا خبا منعه ليفهم تلك األبوة ومنهجها يف احتضان الطاحمني‪..‬‬
‫ُبناة مستقبلهم‪ ..‬أبوة تدفعك دف خعا أن تكون صدي خقا‪ ..‬وأستاذي خة تدفعك دف خعا أن تكون‬
‫ٍ‬
‫عمالق بينكام مراحل وقابلية ومهة وطموح‬
‫مشار خكا‪ ..‬عندها ال تشعر أنك أمام‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫حلظتئذ لشغلتك أن تطمح إىل مقامه أو أن‬
‫واسترشاف للمستقبل‪ ..‬لو خطرت ببالك‬
‫تكون مثله‪.‬‬
‫فكيف بآالم الغربة والفراق والعزلة سنني طوال؟‪!.‬‬

‫فبكيت؛‬
‫تكريام‪..‬‬
‫قبل عدة سنني اأمتروا يف سيهات حيث مثواه اآلن وأسموه‬
‫ُ‬
‫خ‬
‫ٍ‬
‫حمفل للذكريات‪ ..‬يرسدها املشاركون‪ ،‬هم أبطاهلا!!‪ ..‬أو قل هو الثناء‬
‫ألنه حتول إىل‬
‫غص هبا‬
‫عىل الذات وتزكية النفس!!‬
‫ُ‬
‫رأيت باألمس يف حمفل التشييع حشو خدا هائلة ّ‬
‫ٍ‬
‫وسمعت عبارات وازنة عن أمة يف رجل‪ ..‬ألتساءل‪ ..‬أين هذه األمة عن‬
‫املكان‪..‬‬
‫ُ‬
‫‪201‬‬

‫هذا الرجل؟!‬

‫أم أننا اعتدنا أن نمدح العاملني عندما يسكتهم املوت؟‪!.‬‬
‫ٌ‬
‫سائغ رشابه‪ ،‬وهذا‬
‫فرات‬
‫عذب‬
‫ال نتحملهم أحياء؛ ألهنم يقولون لنا‪« :‬هذا‬
‫ٌ‬
‫ٌ‬
‫ملح أجاج»‪ ..‬نريد منهم أن يأخذوا اخلَرز ويقرعوا القرعة لنا‪ ..‬ليكون الدين فقط يف‬
‫لعق عىل‬
‫تلك احلدود‪ ..‬ونكون نحن مصداق «الناس عبيد الدنيا‪ ،‬والدين ٌ‬
‫ألسنتهم‪.»...‬‬
‫لقلت‪ :‬أنى لنا أن نغري‬
‫ولو كان ذلك اجلزع يف حدود أولئك الناس أمثايل فقط‬
‫ُ‬
‫ونحن دونام يريد‪ ..‬ولكن عرشات احلوزويني الذين قصدهم وقصد النهوض هبم‬
‫من خالل العرشات من كتبه‪ ..‬ولو اجتمعوا إىل قصده لصنعوا بمعيته ما ينشدون‪..‬‬

‫ولكنهم ال يتحملون الغربة واهلمز واللمز والنبز مثله‪ ..‬فركنوا إىل الذين لموه‪ ..‬ال‬
‫رىض عن احلال‪.‬‬
‫لرفه العيش‪ ،‬وال يف‬
‫خ‬

‫أيضا‪ ..‬وجرحك‪..‬‬
‫أبكيك أبا عامد‪ ..‬ألنني‬
‫ُ‬
‫عشت منشودك وهو منشودي خ‬
‫وحتى أنينك منهم‪ ..‬فوا أسفاه أن يكون مؤبنوه هم هاجروه‪ ..‬وأن يكون املعني‬
‫هون قيمته وقيمة عطائه‪..‬‬
‫بشفقته وعنائه سنوات طويلة من اجلهاد العلمي هو من ّ‬

‫فأنى هلم العلياء‪ ،‬وقد أخلدوا إىل األرض‪ ،‬وإىل رىض ما تشتهي أنفسهم‪.‬‬
‫كشحا‪ ..‬وسأعترب املوت‬
‫وألنني أعرفك‪ ..‬وأشعر بك‪ ..‬سأطوي عن ذلك‬
‫خ‬
‫صاع خقا يعيدين إليك بتلك الذكريات اجلميلة‪ ..‬واألماين الطموحة‪ ..‬من خالل‬
‫منجزا ومبد خعا‪..‬‬
‫أسفارك ألقرأك‬
‫خ‬

‫ولكن أين ذلك اإلنجاز وما مداه ليكون إبدا خعا فريدخ ا؟!‪..‬‬
‫هو هنا ما أريد قراءته‪ ..‬شيخنا األستاذ العالمة الفضيل ابن احلوزة‪ ..‬وعاش أمل‬
‫‪202‬‬

‫املناهج املثقلة بمشاكل التعقيد واستلذاذ البعض بالسنني الطوال يف ردهات‬
‫الدراسة‪ ..‬قرأ سلبية هذه الظاهرة وتوصل إىل أصل املشكلة بمعية أساتذة عظام‬
‫كاملظفر والصدر وتقي احلكيم ليقوموا بإسهامة نوعية يف صوغ املناهج التي تنسجم‬
‫ومرشوع اإلنجاز واإلبداع‪ ..‬إال أن العالمة الفضيل جتاوز هذا اهلاجس يف عطاءاته‬
‫ليشغله هاجس خطاب احلوزة يف حراكني مزدوجني‪:‬‬
‫األول‪ :‬مكافحة املنطق القائل‪ :‬نظم احلوزة يف عدم نظمها بالعمل اجلاد عىل‬
‫نظمها‪ ،‬فكانت كلية منتدى النرش‪ ..‬وكان املنطق واألصول للمظفر واحللقات‬
‫للشهيد الصدر واألصول املقارن للسيد حممد تقي احلكيم‪ ..‬أما العالمة الفضيل فكان‬
‫عليه مراجعة املنجز‪ ،‬وإنجاز ما تبقى‪ ،‬ولذلك مل يواصل ذلك املرشوع سواه‪.‬‬

‫كان اهلدف هو اختزال ذلك الرتهل يف الدراسة والتعليم‪ ،‬ليبقى يف حدود‬
‫اإلمكان والقابلية السهلة‪ ..‬فاجلراح يتم وضع مثل اإلمام اخلميني بني يديه ليشق‬
‫ٍ‬
‫بروح‬
‫حلمه بمرشطه ثم يستأصل اخلطر ثم ييطه من جديد ليعيد اإلمام اخلميني‬
‫ٍ‬
‫جديدة وبصحة أفضل ‪ ..‬فهل هناك أكرب من هذا اخلطر؟!‪..‬‬
‫فهل يطوي ذلك اجلراح ثالثني عا خما من عمره لعمل تلك اجلراحة اخلطرية‬

‫طبيب اإلمام شا خبا فقط خعا سنقول‬
‫جدخ ا لإلمام وما هيدد مستقبل األمة؟!‪ ..‬عندما نرى‬
‫َ‬

‫بأنه مل يقطع هذا الطبيب ثالثني عا خما فقط دراسة‪ ..‬فيام املجتهد املتعارف عليه يف‬
‫احلوزة ال يتجاوز دراسة مناهج درجوا عليها لعرشات السنني وهي ال تتجاوز فقه‬

‫األحوال الشخصية‪ ..‬فهل هي بحق حتتاج إىل ثالثني عا خما من الدراسة ليصبح‬
‫طالبها جمتهدخ ا‪ ..‬طب خعا ما أقوله ليس دقي خقا بشأن الثالثني عا خما وإنام أقصد الكناية عن‬
‫السنوات الطوال التي يقضيها الطالب ليصبح جمتهدخ ا‪..‬‬

‫مراجعات العالمة املظفر والصدر والفضيل وتقي احلكيم ومغنية أوصلتهم أن‬
‫السبب وراء ذلك هو التعقيد املزدوج يف املفردة واجلملة وتركيبهام‪ ،‬ليوعزه الفضيل‬
‫‪203‬‬

‫ذلك إىل أن تطور علم األصول كان عىل يد الفالسفة واملتكلمني‪.‬‬

‫والظاهرة األخرى قوة االجتاه الساعي إىل حماربة أي خطوة إصالحية تعمل‬
‫لرفع ذلك التعقيد‪.‬‬

‫كانت مساعي الفضيل والصدر واملظفر وتقي احلكيم ومغنية كبرية جدخ ا عىل‬
‫رغم العقبات الكأداء يف هذا السبيل‪ ..‬إال أن فاعليتها يف العقل احلوزوي مل تكن‬
‫بمستوى تلك اإلنجازات اجلبارة واإلبداعات النوعية‪.‬‬

‫جهد الشيخ كام قلنا متيز بأنه جعل خماوف املظفر والصدر وتقي احلكيم ومغنية‬
‫التي قللت من قيمتها نو خعا ما وراء هره‪ ..‬بالرغم من متتع مغنية بجرأة صاعقة‪ ..‬قد‬
‫تفوق جرأة شيخنا الفضيل‪..‬‬

‫إال أن لإلنجاز داخل النجف طعم خاص‪ ..‬بالرغم من أن فقه الصادق وعلم‬
‫األصول يدخل يف ذلك االجتاه‪ ..‬قراءة شيخنا الفضيل تتجاوز أولئك املبدعني‪..‬‬
‫وذلك أن مرشوعهم هو املنهجة املقننة وذات األمد املقروء‪ ..‬فيام هو يرى أن تلك‬
‫اخلطوات متهيدية أو خاصة لتلك املرحلة‪..‬‬
‫احلاجة أن يكون السعي يف كل االجتاهات لعرصنة املنهج واللغة واخلطاب‪ ،‬مع‬
‫احلفاظ عىل أصالة املرشوع وعمق املادة وشمولية احلراك‪.‬‬

‫ولذلك فهو ‪ -‬عىل ما يبدو ‪ -‬مل يكن متعج خ‬
‫ال يف تبنيها والتزامها كمرشو ٍع‬
‫ٍ‬
‫وكخطاب وكمنهج‪ ..‬وإنام يقدمها‪ ،‬بافرتاض أن هوية الطالب احلوزوي اجلديد مل‬
‫نظرا إىل أن رشوط القبول أصبحت أكثر تقد خما‪ ،‬كام أن البقاء فيها‬
‫يعد كالسابق‪ ،‬خ‬
‫أصبحت أكثر تقد خما‪..‬‬

‫الثاين‪ :‬يف ل اهلوية الضائعة للمدارس اإلسالمية يف تقديم ٍ‬
‫فقه للعامل غري‬
‫‪204‬‬

‫اإلسالمي‪ ،‬وعمل اإلعالم الغريب يف رضب تلك اهلوية باإلشارة إىل الغوغائيني‬
‫واجلهلة‪ ،‬وفقه الصبية الذي يتحدث عن رضاع الكبري وجهاد املناكحة‪ ،‬وغرق‬
‫الكثريين وبغوغائية مدمرة فيام يسمى بـ «احليل الرشعية»‪.‬‬
‫تقدم العالمة الفضيل ليقدم الفقه واألصول بمنطق القانون والترشيع املعارص‪،‬‬
‫ليقرأه اآلخر بلغته اخلاصة به‪ ،‬والتي تعتمد القراءة القانونية الرصفة‪ ..‬بتلك اخلطوة‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫وكإنسان عىل أنه‬
‫وكمثقف‬
‫كفقيه‬
‫اجلبارة متكن من أن يقدم الفقه وأصوله بام يقرأه هو‬

‫م‬
‫ومنجزة بدالخ من أن يكون فقه املوت‬
‫فقه اإلنسان لنظم حياة كريمة ومستقرة‬
‫والغوغاء والديكتاتورية والعزلة‪.‬‬
‫حيث أهنك الفقه حاالت الشذوذ هذه يف تقديمه للناس يف الداخل واخلارج‪..‬‬

‫فمن هنا تقرأ فقه املوت وجواز قتل تسعة ماليني من الناس إلسعاد ثامنية عرش‬
‫مليون إنسا خنا‪!..‬‬
‫ٌ‬
‫وثالث أهلك‬
‫وهناك تقرأ فقه االستبداد والديكتاتورية واخلنوع طاعة لإلمام‪..‬‬
‫ورابع أدخل الناس يف عزلة بفقه سد الذرائع‬
‫احلرث والنسل بفقه املصالح املرسلة‪..‬‬
‫ٌ‬
‫ودرء املفاسد باملصالح‪.‬‬

‫والسالم عليكم ورمحة اهلل‪..‬‬

‫‪205‬‬

‫كلمات عن الفضلي‬

‫الشيخ حسني البيات‬
‫إن العمر املبارك لسامحة آية اهلل الشيخ الدكتور عبد اهلادي الفضيل كانت مليئة‬
‫باملفاخر العلمية والرتبوية من العطاء الفكري اجلزيل وتربية النشوء عىل االرتباط‬
‫باهلل دينخا وعقيدة وخل خقا‪ .‬وكان هو الرمز األكرب لتلك الصورة الناصعة فعندما سادت‬
‫الساحة االرتباطات احلقيقية بالدين بعد فرتة جزر طويلة وكانت عملية الرتبية‬
‫اهلادفة تواجه شتى املصاعب فكان سامحته األقوى عىل توطيد معنى اجلهاد الفكري‬
‫والرتبوي ألجل صنع ثقافة علمية عملية قوية‪.‬‬
‫كنا يف ريعان الشباب نواجه مصاعب مجة لتفهم حقيقة الدين اإلسالمي‬
‫والرصاع مع الشيوعية والرأساملية وكيف سيقوم بإدارة املجتمع وكيف يمكن‬
‫لطالب العلم أن يكون فاع خ‬
‫ال ونش خطا يف بناء النفسية والذهنية الشبابية‪ ،‬والشك أن‬
‫خربة الشيخ وكفائته وعلمه وارتباط ثلة مثقفة به‪ ،‬جعلت منه سبا خقا إىل إدارة تلك‬
‫النفسيات وفتح آفاقها وعقوهلا وأبعادها عن الرصاعات املختلفة‪.‬‬
‫إن انفتاحه الفكري وثقافته الثرية وكفائته العلمية وخلقه العايل جعل منه‬
‫شخصية حمبوبة وقريبة من النخب‪ ،‬والتشجيع عىل العمل املخلص‪ ،‬واالقرتاب من‬
‫الساحة االجتامعية املختلفة ملا امتاز به من بساطة يف النفس واالهتامم بالتخصص‬

‫‪206‬‬

‫والكفاءة‪ .‬مل يكن يصعب عليه استنارة أصحاب اخلربة والرأي يف جملسه‪ ،‬لتوضيح‬
‫الفكرة للحارضين من زواره ومل يكن يرى يف التخصص والعلم إال طري خقا عمل ًّيا‬
‫ملعرفة حقيقة األمر‪.‬‬
‫بل كنا نستلهم منه املعرفة ومن أرائه وحتليالته حقائق األمور‪ ،‬ويف كثري من‬
‫املشاكل االجتامعية والقضايا الصعبة‪ ،‬كان األقدر عىل التحليل والتعليم والتوجيه‬
‫سنوات مألها العطاء الفكري والرتبوي‪ ،‬نستمع إليك ونستيضء بفيء علمك ونرى‬
‫احلقائق من خالل حتليلك وتوجيهك فكنت األعىل رأ خيا واألقدر تواض خعا فبنيت فينا‬
‫حب اإلسالم وسالمة النفس وروح العطاء‪ .‬سنوات مرت يف مرضه وانقطاعه عن‬
‫الساحة العلمية واالجتامعية إال أنه بقي ح ًّيا بنقائه وعطائه‪ .‬نعم ترشق الدنيا‬
‫برائحتك العطرة وهلا فيك روح العطاء والسمو‪ .‬فرحم اهلل شيخنا الفضيل وأهلم‬
‫ذويه وأرسته ومجيع حمبيه الصرب والسلوان وعندك نحتسبه يا رب العاملني‪.‬‬

‫‪207‬‬

‫الشيخ الفضلي‪ ..‬مَعنيٌ ال َيغُور‬

‫األستاذ عيل األصيل ‪ -‬القطيف‬
‫نَز ٌر هو عدد اللقاءات التي مجعتني بسامحة العالمة الشيخ الدكتور عبد اهلادي‬

‫الزمن‪ ،‬كان يل ّأول لقاء معه يف منزله‬
‫الفضيل (رض)‪ ،‬فقبل ما يقرب من عقدين من ّ‬
‫بدارة الغريني بالدّ مام‪ ،‬إذ كانت بداية معرفتي بسامحته من خالل ا ّطالعي عىل بعض‬

‫مؤلفاته اللغوية‪ ،‬ومن بعدها كتابه (َتقيق الرتاث)‪ ،‬حيث راقت يل فكرة تع ّلم حتقيق‬
‫املخطوطات بإرشاف مبارش منه نظر ّي خة وتطبي خقا‪.‬‬
‫و ّملا مل يكن يل سابق معرفة شخص ّية بسامحته‪ ،‬عمدت إىل تسطري رسالة قصرية‬
‫أعرف فيها بنفيس‪ ،‬ثم بيان رغبتي يف تع ّلم مبادئ حتقيق املخطوطات‪ ،‬أوصلها‬
‫ّ‬

‫تم ّأول لقاء يل مع سامحته‪ ،‬حيث‬
‫مشكورا لسامحته‪ ،‬نجله األستاذ‪/‬معاد‪ .‬وهكذا ّ‬
‫خ‬
‫السري يف هذا املضامر‪ ،‬مؤ ّكدخ ا رضورة‬
‫مرح خبا‬
‫ّ‬
‫استقبلني ّ‬
‫ومشج خعا ومباركخا إقدامي عىل ّ‬
‫هاميش‬
‫تو ّفر الرغبة والتزام حتقيق املخطوط‪ ،‬فبدوهنام ُيفيض عمل املح ّقق إىل حتقيق‬
‫ٍّ‬
‫غري دقيق؛ فهدف التحقيق ال يكمن يف نرش املخطوط‪ ،‬أو لنيل درجة علم ّية فحسب‪،‬‬

‫وإنّام هيدف إىل إحياء الرتاث ونرشه لإلفادة منه‪ ،‬وتعريف األجيال اجلديدة بام وصل‬
‫تقديرا وإجالالخ‪.‬‬
‫علمي تنحني له الرؤوس‬
‫إليه أسالفهم من مستوى‬
‫خ‬
‫ٍّ‬
‫ٍ‬
‫بيشء من ذكرياته اجلميلة يوم كان َيد ُر ُس مادة حتقيق‬
‫وبعد أن أحتفني‬
‫‪201‬‬

‫املخطوطات يف مرحلة املاجستري‪ ،‬وبعدها يوم كان ُيدَ ار ُسها يف قسم اللغة العربية‬
‫بجامعة امللك عبد العزيز بجدّ ة‪ ،‬إضافة إىل جتربته يف حتقيق ٍ‬
‫عدد من كتب الرتاث‪،‬‬

‫ٍ‬
‫الصفات التي جيب أن ّ‬
‫يتحىل هبا من‬
‫ذكريات أراد من خالهلا إرشادي وتوجيهي إىل ّ‬
‫معني من العلوم املساعدة يف‬
‫يسلك هذا الطريق فيكون متقنخا لعمله‪ ،‬كتحصيل َقد ٍر ّ‬

‫التحقيق‪ ،‬وكذلك رضورة اال ّطالع عىل أعامل املح ّققني السابقني لإلفادة من جترباهتم‬

‫مر هبا‬
‫وتاليف أغالطهم‪ ،‬مستشهدخ ا‪ -‬سامحته‪ -‬ببعض ما أسعفته ذاكرته من مواقف ّ‬
‫دروسا عمل ّية أفدت منها يف عميل الوحيد‪ ،‬ويف تدوين‬
‫مع أستاذه وتالمذته‪ ،‬كانت يل‬
‫خ‬
‫ما ع َّن يل‪ -‬بعد ذلك‪ -‬من ملحو ات يف أثناء مطالعتي للكتب املح ّققة‪.‬‬

‫الرشوع يف تقديم الدّ رس‬
‫وملا ُع مر َ‬
‫مه ٍة ونشاط‪ ،‬مل يشأ تأجيل ّ‬
‫ف عن سامحته من ّ‬

‫النظري إىل جلسة قادمة‪ ،‬فتناول قصاصات ورقية صغرية كانت تتوق إىل تزيني‬
‫ّ‬
‫فضائها بمداد قلمه الذي ّل معان خقا أنامل يده املعطاء مدّ ة نصف ٍ‬
‫قرن من الزمان أو‬
‫تنوف قلي خ‬
‫الرصاص‪ ،‬اخلطوات األول ّية التي‬
‫ال‪ ،‬فكتب فيها بخ ّطه اجلميل املم ّيز بقلم ّ‬
‫خاص‪ ،‬مع مراعاة اعتامد‬
‫ملف‬
‫حيس ُن باملح ّقق اتّباعها‪ ،‬بد خءا بتفريغ املخطوط ك ّله يف ّ‬
‫ّ‬
‫مرورا بعمل قائمة مستق ّلة باملفردات اللغوية‬
‫الرسم اإلمالئي احلديث ملفرداته‪،‬‬
‫خ‬

‫واملصطلحات العلمية التي حتتاج إىل توضيح‪ ،‬وقائمة أخرى بالنصوص املقتبسة‬
‫ّ‬
‫اخلاصة‪ .‬ثم انتها خء بكتابة املقدّ مة‬
‫بمظان تعليقات املح ّقق‬
‫وإسنادها لقائليها‪ ،‬وثالثة‬
‫ّ‬
‫التي جيب أن يذكر فيها املح ّقق دواعي اختياره للمخطوط وبيان منهجية العمل فيه‪،‬‬
‫تتضمن رسد النتائج والفوائد التي ّ‬
‫متخضت عن عمله‪.‬‬
‫وكذا اخلامتة التي‬
‫ّ‬
‫يزودين بمخطوط أن ّفذ فيه اخلطوات املرسومة‪،‬‬
‫بعد ذلك‪ ،‬أبديت رغبتي يف أن ّ‬
‫توسم فيهم حيازة بعض املخطوطات‪،‬‬
‫فأرشدين إىل خماطبة بعض اإلخوة الذين ُي ّ‬
‫مصورة ملخطوط حيوي‬
‫األعزاء بنسخة‬
‫زودين أحدُ األصدقاء‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وكان ذلك كذلك‪ ،‬إذ ّ‬
‫احتضنت اجلزء املذكور وأرسعت‬
‫املفرسين‪.‬‬
‫ُ‬
‫تفسري أحد أجزاء القرآن الكريم‪ ،‬ألحد ّ‬
‫الضوء األخرض للبدء يف العمل‪ ،‬إال أنه اقرتح‬
‫به إىل سامحة الشيخ‪ ،‬طال خبا إعطائي ّ‬
‫ّ‬
‫ثم ألنّه من‬
‫ع َّيل‬
‫نظرا لكرب حجمه ّأوالخ‪ّ ،‬‬
‫التخيل أو تأجيل البدء يف هذا املخطوط؛ خ‬
‫‪209‬‬

‫مرة‪.‬‬
‫الكتب التي ُح ّققت من قبل آخرين‪ ،‬غري ّ‬
‫ٍ‬
‫حجام؛ مستهلكخا زمنخا غري‬
‫خمطوط آخر أصغر‬
‫مرة أخرى عن‬
‫خ‬
‫عاودت البحث ّ‬
‫ولـام أبدأ‬
‫فكدت‬
‫قصري باتصاالت متعدّ دة من هنا و َث َّم‪ ،‬دون جدوى‪،‬‬
‫ُ‬
‫ُ‬
‫أرصف النّظر ّ‬

‫بالصرب من خالل رسده ّ‬
‫ّ‬
‫للذكريات‪ ،‬فقد‬
‫ّرت توجيه سامحته بأمه ّية‬
‫َبعدُ ‪ ،‬فتذك ُ‬
‫التحيل ّ‬
‫ٍ‬
‫ومرات؛ بغرض احلصول عىل نسخة من‬
‫ّ‬
‫مرات ّ‬
‫للسفر إىل غري بلد‪ّ ،‬‬
‫اضطر‪ -‬هو‪ّ -‬‬
‫م‬
‫يرس اهلل يل أمر احلصول عىل نسخة من رسالة صغرية ألحد العلامء‬
‫خمطوط‪ ،‬إىل أن ّ‬

‫األفاضل‪.‬‬

‫وكان اللقاء الثالث الذي مجعني بسامحته‪ .‬س ّلمته املخطوط الصغري‪ ،‬فتناوله‬
‫عيل متاعب‬
‫مستبرشا وحامدخ ا اهلل سبحانه وتعاىل أن خ ّطه واضح‪ ،‬وبذلك و ّفر َّ‬
‫خ‬

‫القراءة الصحيحة‪ .‬ثم راح ُيرشدين إىل اخلطوتني األوىل والثانية‪ .‬حاولت‪ -‬قدر‬

‫طاقتي‪ -‬تنفيذمها بأفضل صورة ممكنة‪ ،‬وعرضت نتيجة عميل عىل سامحته‪،‬‬
‫صو خبا ما ابتعد عن النّجعة‪ ،‬ومرشدخ ا إىل معاودة البحث والتأكد من‬
‫فاستحسنه‪ُ ،‬م ا‬
‫السياق الذي وردت فيه‪،‬‬
‫سالمة بعض املفردات واختيار ما يكون‬
‫منسجام مع ّ‬
‫خ‬
‫ّ‬
‫واب‬
‫فأغالط الن ّّسا غري قليلة‪ ،‬وما يبدو‬
‫الص َ‬
‫ألول َوهلة قد يكون ّ‬
‫للمحقق أنه غلط ّ‬
‫عينَه‪.‬‬

‫فاملفردات التي كان يو ّفها العلامء األوائل يف نسج سطور أسفارهم‪ ،‬كانت‬
‫الرصف‪ ،‬وهم بذلك‬
‫أقرب إىل ما ُيطلق عليه بعض املعارصين باللغة املعجم ّية ّ‬
‫يعيبون عىل من يو ّفها يف الكتابات احلديثة؛ بل ال يرت ّدد بعضهم اآلخر يف صياغة‬
‫التأين وعدم‬
‫ونرش عبارات لتكون موضع تندّ ر وتفكّه‪ .‬لذلك وكّد سامحته أمه ّية ّ‬
‫ٍ‬
‫مفردة ّما إال بعد تقليبها عىل عدّ ة أوجه‪ ،‬وكان‬
‫اإلرساع يف احلكم بصواب أو خطأ‬
‫درسا مفيدخ ا أضاف م َيل الكثري‪.‬‬
‫ذلك خ‬
‫ّ‬
‫إن استعامل الكاتب ملفردات يدور كرورها يف نصوص تراثنا الدّ يني بأنامطه‪،‬‬
‫‪210‬‬

‫وفيام‬
‫بتنوعه‪ ،‬ال غضاضة فيه‪ ،‬وإنّام ُي َعدّ‬
‫اجلم ّ‬
‫تضج به متون تراثنا األد ّ‬
‫ّ‬
‫يي ّ‬
‫يب والتار ّ‬
‫م‬
‫املدون الفخم‪ ،‬وكذا بسعة‬
‫س َم خة إجياب ّية تَيش بارتباط الكاتب واعتزازه بلغة تراثه ّ‬
‫بلغة مقع ٍ‬
‫ا ّطالعه عىل خمزونه ال ّثر‪ ،‬وال يعني ذلك أين أدعو إىل الكتابة ٍ‬
‫رة يصعب‬
‫ّ‬
‫أنكر تكاثر واستعامل مفردات جديدة ُتثري معجم لغتنا العربية‬
‫فهمها‪ ،‬أو أين‬
‫ُ‬
‫الطبيعي للمجتمعات البرشية وتفاعلها مع احلضارات‬
‫التطور‬
‫الرشيفة؛ نتيجة‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫األخرى‪ ،‬ال هذا وال ذاك‪ ،‬فذلك أمر خارج حريم النزاع‪.‬‬
‫كان منّي ذلكم االستطراد ملا يلحظه املتأ ّمل يف مصنّفات سامحته ألسلوب‬
‫السهل املمتنع‪ ،‬بشهادة مج ٍع من أخدانه وجمايليه‪ ،‬فهو جيمع بني مفردات حديثة‬
‫كتابته ّ‬
‫ٍ‬
‫تتوزع بني ما هو كثري الدّ وران يف ألسنة وصحائف‬
‫يف أغلب سياق احلديث‪،‬‬
‫مفردات ّ‬
‫الكتّاب‪ ،‬وبني ما هو صحيح االستعامل ونادره‪ ،‬وكأنه هبذا األسلوب ّ‬
‫حيث القارئ‬
‫اللغوي ما ّدة جديدة أصيلة الن َاج م‬
‫ار‪ ،‬ال ُتد ّنسها رطانة العجمة‬
‫عىل أن ُيضيف ملعجمه‬
‫ّ‬
‫وركاكة األسلوب‪.‬‬
‫أرشت إليه‪ ،‬بل يفجؤنا ‪ -‬بام ُع مرف عنه من َهنَ ٍم‬
‫وال يكتفي ‪ -‬سامحته ‪ -‬بام‬
‫ُ‬
‫تناص مع ذيل آية قرآنية كريمة‪ ،‬أو تضمني‬
‫قرائي‪ -‬بمفردات أو عبارات‪ ،‬تتمظهر يف ٍّ‬
‫َ‬
‫املستعذب من رضوب‬
‫مقولة دون كالم اخلالق وفوق كالم املخلوق‪ ،‬أو تَصي مد‬
‫وقريضا وأمثاالخ م‬
‫ٍ‬
‫بأسلوب ال يشعر القارئ‬
‫وحك خَام‪ ،‬ف ُي َط اعم هبا حديثه‬
‫نثرا‬
‫خ‬
‫اإلنشاء‪ :‬خ‬
‫م‬
‫ُ‬
‫بلب قارئها‪ ،‬فتغ ّلف كيانه نشوة‬
‫ال َفطم ُن بأهنا مقحم ٌة ُعنوةخ‪ ،‬ف ُت‬
‫حدث برنينها ه ّز خة تأخذ ّ‬
‫عارمة‪ ،‬باعثها ذلكم السحر احلالل الذي استودعه اهلل سبحانه وتعاىل يف هيوىل ٍ‬
‫لغة‬
‫ُ ّ‬
‫إذا وقعت عىل األسامع كانت لنا َب َر خدا عىل األكباد‪.‬‬

‫أختم سطوري هذه بالعودة إىل ما كنت أو ّد تسجيله هنا‪ ،‬وفا خء وعرفانخا ملا قدّ مه‬
‫سامحته ‪ ‬يل من علم ومعرفة نظر ّيني‪ ،‬وكذلك تذليل كا ّفة الصعوبات التي‬
‫عيل بكلامت التّشجيع والتعزيز يف مواطن االستحسان‪،‬‬
‫اعرتضت طريقي‪ ،‬فلم َي ُض َّن َّ‬
‫ٍ‬
‫والضعف‪ ،‬وما كان ذلك‬
‫واإلرشاد والتوجيه‬
‫بروح أبو ّي ٍة عطوف‪ ،‬إىل مواطن اخللل ّ‬
‫‪211‬‬

‫خاصا يب وحدي‪ ،‬لكنه َديدَ نه مع أفراد ّ‬
‫كل رشحية اجتامع ّية تعامل معها‪ ،‬وسيبقى‬
‫ًّ‬
‫الزه مر عىل ال َقط مر‪ ،‬نظري ما ر َشح من فمك مرهم‬
‫ُ‬
‫املنصف منهم ُيثني عىل صنيعه اجلميل ثنا َء ّ‬
‫َ َ َ‬
‫الس ّيال وعزيمته املاضية‪ ،‬يف ّ‬
‫كل ما يمكن أن يساهم يف خدمة الدّ ين‬
‫املتو ّقد وقلمه ّ‬
‫الرضاعة والتذ ّلل بأن يرمحه اهلل برمحته الواسعة‬
‫واملذهب واأل ّمة‪ ،‬نارشين‬
‫ّ‬
‫أكف ّ‬
‫رب العاملني‪.‬‬
‫ويسكنه الفسيح من جنانه‪ ،‬آمني ّ‬

‫‪212‬‬

‫الشيخ عبد اهلادي الفضلي من املهد إىل اللحد‬

‫األستاذ مازن مهدي الشاميس‬
‫ليس من السهل أن نرسم حياة شخص بمقام الدكتور الفضيل‪ ،‬هذا العمق‬
‫الذي تعددت جوانبه‪ ،‬ليس من السهل اختزاله يف بضع سطور أو كلامت‪ ،‬فهو‬
‫السهل املمتنع‪.‬‬
‫الشيخ الفضيل بام يملك من امتداد تاريي فهو يعترب نتاج حضارتني خمتلفتني‬
‫حضارة اجلزيرة العربية التي هاجر إليها متنق خ‬
‫ال من حمطة إىل أخرى‪ ،‬عاش يف جدة‬
‫وعمرا ليس بالقليل عارصه فيها الكثريون‬
‫القريبة من مكة واملدينة‪ ،‬وعاش حياة‬
‫خ‬

‫ولكم نتمنى أن نجد أقالمهم تسعفنا عن تلك السرية العطرة للدكتور الفضيل وهو‬
‫يف أوج عطائه العلمي واألكاديمي‪.‬‬

‫نعم الشيخ الفضيل الظاهرة الفريدة يف هذا الوجود والتي تنتمي للعراقة‬
‫واألصالة أصالة النجف والفرتة الذهبية للحوزة العلمية فيها ولد يف البرصة من أم‬
‫عراقية ووالد هاجر لطلب العلم حتى نال الدرجة العليا االجتهاد اعتنى الوالد بابنه‬
‫ملا وجد فيه من نباهة واستعداد ذايت‪.‬‬
‫تدرج الشيخ الفضيل يف تلك الفرتة الذهبية من حيث وفرة العلامء الذين ذاع‬
‫سيطهم كالسيدين اخلوئي واحلكيم وغريهم من كبار علامء الشيعة يف العراق‪ ،‬يف‬
‫‪213‬‬

‫تلك الفرتة عارص الشيخ هذا اجلو املفعم بالعلم والتقوى والزهد واألخالق والبعيد‬
‫نو خعا ما عن مظاهر احلياة املتقدمة حيث كانت النجف مقفلة بشكل تام يف وجه‬
‫فقها وأصوالخ وكال خما‬
‫حتصل للشيخ من املعارف الدينية خ‬
‫احلضارات املختلفة وملا تزل‪َّ ،‬‬
‫وفلسفة‪ ،‬ولكن الشيخ بام يملك من حس معريف وثقايف هو ومجلة من الفقهاء‬
‫املتنورين الذين كانوا ينظرون للحوزة عىل أهنا كيان مغلق خمتص بالدروس احلوزوية‬
‫التقليدية البحتة‪ ،‬مل يكن هذا الوضع ليشبع الفضول العلمي للعالمة والفقيه الفضيل‬
‫نعم لقد حتصل للشيخ املستوى الفقهي ولكن ماذا بعد‪.‬‬
‫هل املستوى الفقهي كاف ملواكبة احلضارات األخرى التي تنمو وتتطور‬
‫وتزدهر بينام احلوزة النجفية غارقة يف دهاليز املايض دون أن يكون هلا أي دور‬
‫وفاعلية يف أي من أحداث العراق والعامل وهذا ما مل يكن ليستسيغه هذا الشاب‬
‫ومجلة قرنائه‪ ،‬فكان لزا خما أن يطلعوا عىل الثقافات األخرى ولكن يف مدينة مغلقة‬

‫جدخ ا كالنجف كان هذا أمر من املستحيل أن تصله أيدهيم‪ ،‬فكانوا يسرتقون بعض‬
‫املجالت القادمة من مرص الكنانة والتي كانت متقدمة عىل العراق يف هذا املجال مما‬
‫ساهم يف توسيع دائرة الثقافة الغري حوزوية عند الشيخ الفضيل ‪.‬‬
‫كانت املواجهة صعبة وتكاد تكون مستحيلة يف حتويل النجف إىل ساحة فكر‬

‫وثقافة عاملية هذا الطموح والذي كان شبيه باحللم يكاد يتحقق عىل أيدي ثلة من‬
‫الشباب املتحمس‪ ،‬وعىل رأسهم الشيخ الفضيل‪ ،‬ومن يعرف الشيخ عن قرب‬
‫يستطيع أن يتصور العزيمة اهلادئة التي يمتلكها الشيخ والصرب والتفاين يف صنع مما‬
‫من شأنه تطوير هذه األمة‪ ،‬كان الشيخ يدرك متا خما أن احلوزة جمرد خة غري قاردة عىل‬

‫مواكبة العصور الالحقة بام هلا من آليات ضعيفة سواء كان يف املنهج العلمي أو‬
‫الفكري‪ ،‬وهذا احلديث يطول جدخ ا‪.‬‬
‫نعم متكنت هذه الثلة املؤمنة والواعية واملثقفة والتي حتصنت بمبادئ اإلسالم‬
‫وبلغت الغاية منه اجتها خدا وحتصي خ‬
‫ال ملعارفه‪ ،‬متكنت من اخرتاق ذلك اجلدار الصلب‬
‫‪214‬‬

‫فكان أن أسست كلية الفقه والتي يعود هلا الفضل الكبري يف تغيري الفهم الديني‬
‫وخلق صحوة رائدة ليس عىل مستوى العراق بل عىل مستوى العامل اإلسالمي وغري‬
‫اإلسالمي‪ ،‬حيث أن خرجيي هذه الكلية انترشوا يف كل أرجاء العامل وهم كوادر‬
‫متعلمة وحتمل بصرية يف الدين والدنيا‪.‬‬
‫نعم ساهم الشيخ الفضيل وبكل قوة يف تأسيس وتطوير هذا الرصح العلمي‬
‫والذي لو قدر له أن يلد فإنه سيخلد بذكر رموزه وعىل رأسهم الشيخ عبد اهلادي‬
‫الفضيل‪ ،‬وهنا فنحن ال نعلم مدى األمل واملصاعب التي قاساها الشيخ وعصبته يف‬
‫سبيل احلفاظ وتطوير هذا الرصح العلمي‪.‬‬
‫نعم تنقل الشيخ الفضيل بني بغداد والنجف حتى كانت اهلجرة جلدة‪ ،‬وبعدها‬
‫ملرص‪ ،‬ولنا أن نتصور مدى األمل الذي كابده الشيخ الصابر وهو يرحل عن كل ما بناه‬
‫وساهم يف إنشائه‪ ،‬اهنار كل َشء وسقط العراق بيد القساة الذين مل يرمحوه‪.‬‬
‫ويل هنا كلمة خاصة أرجو من أرسة الشيخ أن يبيحوين ذكرها‪ ،‬وهي‪ :‬حينام‬
‫قدم الدكتور الفضيل إىل لندن وكنت مالز خما له لفرتة ويف خلوته ملحته وهو يبكي‬

‫غزيرا عىل العراق حيث الظلم الكبري عىل الشعب العراقي‪ ،‬كانت عيونه تغرق‬
‫دم خعا خ‬

‫بالدموع الطيبة واحلنونة وهو الصبور عىل البلوى وهو الكاتم ألرسار العراق‬

‫واملحافظ عىل أرواح الكثريين كان قلبه الكبري يضج باحلرسى‪ ،‬نعم هو الدكتور‬
‫جرحا كشف‬
‫الفضيل من رواد النهضة احلديثة يف العراق كتم العالمة العراق يف قلبه‬
‫خ‬
‫اجلزء اليسري منه حينام شعر أنه لو تكلم لن يرض أحدخ ا بكالمه‪.‬‬
‫كان الشيخ حم خبا للشباب يتأمل آلالمهم وهيتم الهتاممهم‪ ،‬كان منزله يف الدمام‬
‫منارة للجميع كل من صاحبه كان له منزلة بقلبه مل يكن لينكر عىل سائل سؤاالخ قط‪،‬‬
‫فجا وال غلي خظا كان احللم سنته‬
‫كان يأخذك بمنطقه الدافئ واحلنون‪ ،‬مل يكن خ‬
‫والعطف منواله‪ ،‬ولو قدر للشيخ أن يعطي أكثر ألعطى‪.‬‬
‫‪215‬‬

‫رمحك اهلل من فقيد فقدناه وعزيز خرسناه‪ ،‬حقيقة لقد كنا نسمع أن فقد العامل‬
‫ثلمة ال يسدها َشء‪ ،‬أدركنا ذلك بفقدك‪ ،‬رمحك اهلل بصربك الكبري‪ ،‬وحبك لقيمة‬
‫اإلنسان مل نسمع منه غري املعروف‪ ،‬كان الشيخ عا خملا حتى بلغ به علمه درجة أنه زهد‬
‫يف احلياة الدنيا‪.‬‬
‫فهو الكبري‪ ،‬ولكنه كان يتعايش مع الصغار حتى لنحسبه واحدخ ا منا‪ ،‬وهو‬
‫الفقيه حتى ليتواضع عند حمرضه الفقهاء‪ ،‬وهو املفكر واملثقف وإن مضيت جتده‬
‫غزيرا وهامة كبرية ال يضريها التجاهل وال يمشها اجلرح‪ ،‬وبالرغم من كل‬
‫بحرا خ‬
‫خ‬
‫التواضع واالبتعاد عن الشهرة إالّ أن مقام الشيخ الفعيل واحلقيقي ال يدركه إال‬
‫املحبون واملخلصون له والعارفون بحقه‪.‬‬
‫رمحك اهلل شيخي احلبيب وجعل اجلنة مثواك وحرشك مع حممد وآل حممد‪..‬‬

‫‪216‬‬

‫التراث األحسائي يف فكر العالمة الدكتور عبد اهلادي‬
‫الفضلي‬

‫الشيخ حممد عيل احلرز‬
‫للدكتور واملفكر اإلسالمي الكبري الشيخ عبد اهلادي الفضيل آفاق فكرية متعددة‪،‬‬
‫جتمع بني املايض واحلارض‪ ،‬وتتطلع نحو املستقبل بعني الناقد البصري‪ ،‬وتتامه مع متغريات‬
‫بارزا لدى خمتلف هذه‬
‫العرص الدينية والفكرية واالجتامعية‪ ،‬مما جعل له‬
‫حضورا خ‬
‫خ‬
‫التيارات‪ ،‬فهو واحد من اجلميع‪ ،‬بل اجلميع يف واحد‪ ،‬ولعل من أكرب األخطاء التي وقع‬

‫فيها البعض هو حماولة تأطري الشيخ يف رشنقته‪ ،‬وحتجريه يف بوتقة ضيقة‪.‬‬
‫فهو الفقيه النجفي القح‪ ،‬وابن احلوزة البار بجميع مهومها وقضاياها‪ ،‬فقد‬
‫دائام‪ ،‬ترصد وتستشعر مجيع‬
‫رحل عنها جسده‪ ،‬وبقي فكره وروحه حملقة تغرد هناك خ‬

‫ما حيدث‪.‬‬

‫وهو الفقيه املثقف الذي يواكب حركة الفكر بمدها وجزرها‪ ،‬حتى أغنى‬
‫املكتبة اإلسالمية برتاث ثر يف خمتلف احلقول اإلسالمية والفكرية برؤاه املختلفة‪،‬‬
‫وإن اتفق أو أختلف معه البعض‪ ،‬فهو يف الفكر والرأي ال جيامل وال يتوارى خلف‬
‫أحد‪ ،‬وإن جلب ذلك عليه سخط ونقمة البعض‪.‬‬

‫‪217‬‬

‫وهو اللغوي املخرضم فجاب أعامقها‪ ،‬ودخل بحورها حتى عد من أعالمها‬
‫وأبناء بجدهتا‪ ،‬لكثرة ما صنف يف أبعادها النحوية والرصفية والعروضية والتاريية‪،‬‬
‫فهو أبو النحو ورائده يف هذه البالد بال منافس‪.‬‬
‫هلذا احلديث عن الدكتور العالمة الفضيل‪ ،‬هو احلديث عن مؤسسة ثقافية تركت‬
‫بصمتها الواضحة يف البحور الثقافية التي خاضتها‪ ،‬وهذا ليس بالغريب عىل رجل‬
‫استطاع أن يتخطى بفكره من هم حوله‪ ،‬ويتجاوزهم رغم صمته وانكفائه عىل نفسه‪.‬‬
‫ومن بني تلك احلقول املعرفية التي كان للدكتور ريادة ومتيز فيها‪ ،‬هو اجلانب‬
‫الرتاثي بشكل عام‪ ،‬و«الرتاث األحسائي» بشكل خاص‪ ،‬البلد التي تعود إليها‬
‫جذوره التاريية‪ ،‬ومنها تفرع‪ ،‬احلارض الغائب يف حياته‪ ،‬فهي معشعشة يف أعامقه‪،‬‬
‫وإليها يستدير قلبه‪ ،‬حتى أصبح رغم نأيه املكاين عنها‪ ،‬أحد رموز الرتاث فيها من‬
‫خالل عمله املنهجي إلحياء تراثها وجمدها العلمي‪ ،‬وإن كان بطريقة هادئة وسلسة‬
‫قد ال يلحظها البعض‪ ،‬وهنا سنحاول أن نبني البعد األحسائي يف حياة وفكر العالمة‬
‫الدكتور الفضيل من خالل النقاط التالية‪:‬‬

‫‪ ‬تعريف األحساء كحاضرة علمية‬
‫األحساء من احلوارض العلمية الكربى التي أنجبت عرشات العلامء والفقهاء‪،‬‬
‫غزيرا ينافس كربى املراكز العلمية الشهرية‪ ،‬فكان منها‬
‫فهي متتلك ترا خثا علم ًّيا‬
‫خ‬

‫املحدث واملتكلم الشهري الشيخ حممد بن أيب مجهور األحسائي (ت ‪906‬ه)‪ ،‬والعامل‬

‫البارز واملتكلم الشيخ أمحد بن زين الدين األحسائي (ت ‪1241‬ه)‪ ،‬والفقيه الرجايل‬
‫الشيخ عبد املحسن اللويمي (ت ‪1245‬ه)‪ ،‬والشيخ حممد بن حسني آل أيب مخسني‬
‫(ت ‪1219‬ه)‪ ،‬والسيد هاشم بن أمحد السلامن (ت ‪1309‬ه)‪ ،‬والشيخ حممد بن‬
‫عبد اهلل العيثان (ت ‪1331‬ه)‪ ،‬والسلسلة طويلة‪ ،‬إالّ أن التهميش‪ ،‬وضعف الرصد‬
‫لرتاثها‪ ،‬وأعالمها يف الفرتات املتقدمة‪ ،‬جعلها عصية عىل التأريخ‪ ،‬وما كتبه صاحب‬
‫األنوار‪ ،‬ال يفيها حقها‪.‬‬
‫‪211‬‬

‫ولكون الشيخ الفضيل من رموز األحساء البارزين‪ ،‬ورواد الفكر فيها‪ ،‬كان‬
‫خري من يوفيها حقها إذا شحت املصادر أن تشبع الباحث النهم عن مكانتها‪،‬‬
‫وموقعها بني احلوارض العلمية ملدرسة أهل البيت ‪ ،A‬بأسلوب علمي يتناول‬
‫أبعادها املختلفة‪.‬‬
‫هلذا جلأ إليه الدكتور السيد حسن األمني لتناول مفردة (األحساء) يف موسوعته‬
‫(دائرة املعارف اإلسالمية الشيعية)‪.‬‬
‫فكان هذا البحث رغم قرصه‪ ،‬وإجيازه مرج خعا أساس ًّيا لكل من أراد أن يتناول‬
‫األحساء يف كتابته‪.‬‬
‫فقد مجع فيه بني صدق املعلومة ودقتها‪ ،‬واختزال العبارة بعيدخ ا عن احلشو‬
‫واإلطالة‪ ،‬كام أعطى ملحة تاريية وجغرافية واقتصادية عن األحساء جعل اجلاهل هبا‬
‫يأخذ صورة شبه متكاملة‪ ،‬عن أمهية هذه البقعة‪ ،‬ومكانتها بني األقطار العلمية عند‬
‫مدرسة أهل البيت ‪.A‬‬
‫وحول هذا البحث نجده يقول فيه بعد سنوات ليست بالقليلة يف مقدمته‬
‫ألعالم هجر‪« :‬وركزت فيه عىل أعالمها يف الفقاهة واخلطابة والشعر‪ ،‬والتزمت‬
‫االقتصار عىل املهم واالختصار بذكر العدد األقل‪ ،‬وبلغت عدة من ذكرهتم سبعة‬
‫علام‪.‬‬
‫ومخسني خ‬
‫وخرجت بعد كتابة البحث وإعداده بالنتائج التالية‪:‬‬
‫مركزا من مراكز الدراسات‬
‫‪ .1‬إن األحساء يف قطاعها الديني الشيعي متثل‬
‫خ‬
‫اإلسالمية (احلوزات العلمية)‪.‬‬
‫‪ .2‬وهي بقاطعها السكاين الشيعي متثل موطنخا من مواطن التشيع يف العامل‬
‫اإلسالمي‪.‬‬
‫‪219‬‬

‫‪ .3‬قلة وندرة البحوث والدراسات عن األحساء بعامة‪ ،‬وعن الشيعة والتشيع فيها‬
‫خاصة‪.‬‬
‫‪ .4‬صعوبة الوصول إىل املراجع العامة التي يمكن استقاء مادة البحث منها‪،‬‬
‫وصعوبة مجع الشتات املبعثر فيها‪.‬‬
‫‪ .5‬عدم تفرقة الباحثني فيام كتبوا وفيام نسبوا‪ ،‬بني أهل مدينة هجر‪ ،‬وأهل مدينة‬
‫األحساء‪ ،‬ولعل ذلك ألهنم سحبوا اسم هجر عىل األحساء التي قامت عىل‬
‫أنقاضها‪ ،‬حتى أصبح هذا عر خفا أو ما يشبه العرف‪ ،‬أو العتبارهم أهل األحساء‬
‫امتدا خدا ألهل هجر»(‪.)1‬‬
‫وهنا يتجىل اهلاجس الذي حيمله العالمة الفضيل‪ ،‬للرتاث األحسائي‪ ،‬يف‬
‫الوقت الذي حتتل فيه مكانة عظيمة يف صفوف املراكز الشيعية العلمية منها‬
‫والسكانية‪ ،‬ثم جاء بعني اخلبري والعارف ليتحدث عن تاريها املغيب‪ ،‬والصعوبات‬
‫التي تواجه الباحث عند اخلوض وسرب تاريها املجيد‪.‬‬

‫‪ ‬نقده للطائفية يف كتابة التاريخ‬
‫التاريخ أمانة‪ ،‬وهو سجل الشعوب وجذورهم‪ ،‬ومن يوض فيه عليه أن‬
‫يتحىل باألمانة العلمية قد املستطاع وعدم التحيز لطرف عىل حساب طرف آخر‪،‬‬
‫فاحلقيقة وإن خفية حلقبة زمنية‪ ،‬فإنه ال بد أن يأيت الوقت الذي تكشف فيه احلقائق‬
‫وحيصحص احلق‪ ،‬هلذا عىل كل كاتب أن يراعي مسؤولية القلم‪.‬‬
‫نعم قد يؤر الكاتب لطائفته وابناء مذهبه‪ ،‬وهذا أمر مرشوع ويقره العقل‪،‬‬
‫ولكن ال يعني هذا عىل حساب استنقاص من شأن اآلخرين‪ ،‬وهتميشهم‪ ،‬ونعتهم‬
‫بالنعوت التي حتجم من شأهنم‪ ،‬وتضعف من أمرهم‪ ،‬ألن هذا يف هناية األمر سيعود‬
‫عليه‪ ،‬ويكشف زيفه‪ ،‬ولو بعد حني‪.‬‬
‫(‪ )1‬أعالم هجر من املاضني واملعارصين‪ ،‬السيد هاشم حممد الشخص‪ ،‬الطبعة الثالثة‪1430 :‬ه ‪-‬‬
‫‪2009‬م‪ ،‬مؤسسة الكوثر‪ :‬قم املقدسة‪.14 - 13/1 :‬‬

‫‪220‬‬

‫ومن هؤالء الكتاب الذين طغى يف كتابتهم احلس الطائفي الشيخ حممد بن عبد‬
‫اهلل آل عبد القادر يف كتابة (حتفة املستفيد بتاريخ األحساء يف القديم واجلديد)‪،‬‬
‫والكتاب يف اجلملة قيم وحيمل مادة علمية جيدة‪ ،‬ولكن إذا جاء ذكر الشيعة وما‬
‫يرتبط هبم فإنه يتخىل عن هنجه العلمي‪ ،‬ويبدأ بالغمز واللمز‪.‬‬
‫هنا العالمة الدكتور الفضيل‪ ،‬ممن حز يف نفسه كالم العبد القادر فقال معات خبا‬
‫وناقدخ ا‪ ،‬يف مقدمته لـ (مطلع البدرين)‪ ..« :‬غري َشء رأيته يف كتاب من الكتب‬
‫املذكورة هو كتاب (حتفة املستفيد) قدرت أن أذكره هنا خدمة للتاريخ والوطن‪ ،‬وهو‬
‫أن مؤلفه الكريم الشيخ حممد آل عبد القادر عد شيعة األحساء مجيعهم من طبقة‬
‫واحدة وهي طبقة الفالحني‪ ،‬مع علمه ألنه يعيش مع الشيعة عىل هذه األرض الطيبة‬
‫ويعايشهم ويراهم ويسمع منهم وعنهم‪ ،‬ويقرأ هلم وعنهم‪ ،‬وفيهم العلامء واألدباء‬
‫علام أو أد خبا أو خطابة‪ ،‬أقول‪ :‬مع علمه هذا‬
‫واخلطباء وفيهم من هو باملستوى العايل خ‬
‫بأهنم ليسوا من طبقة واحدة وهي طبقة الفالحني يقول ما قاله‪.‬‬

‫هذا هو الغريب واجلديد ألن املنهج العلمي ال يغفر للباحث العامل استخدام‬
‫مثل هذا األسلوب غري العلمي وارتكاب مثل هذا اخلطأ املقصود أسأله تعاىل أن‬
‫يغفر عنه ويغفر له»(‪.)1‬‬
‫ففي نقده حتىل الشيخ الفضيل بعدة أمور لعل من أبرزها‪ ،‬املحافظة عىل‬
‫األخالق اإلسالمية ومنهج أهل البيت ‪ A‬فلم يقابل اإلساءة بمثلها‪ ،‬وإنام دعا له‬
‫باملغفرة‪ ،‬التأكيد عىل رضورة أن يتحىل الباحث باملنهج العلمي يف كتابته‪ ،‬وأال جيعل‬
‫لعواطفه تأثري يف كتابته ومنهجه العلمي‪.‬‬

‫(‪ )1‬مطلع البدرين يف تراجم علامء وأدباء األحساء والقطيف والبحرين‪ ،‬احلاج جواد بن حسني آل‬
‫الشيخ عيل آل رمضان األحسائي‪ ،‬الطبعة األوىل‪1419 :‬ه ‪1999 -‬م‪. 14 / 1 :‬‬

‫‪221‬‬

‫‪ ‬رصد املؤلفات األحسائية‬
‫لعل من أول البحوث التي برزت عىل الساحة األحسائية والتي تعنى برصد‬
‫النتاج األحسائي وحرص تراثه املايض واملعارص عىل مدى التاريخ اإلسالمي‪،‬‬
‫بمختلف اجتاهاهتا الثقافية‪ ،‬هو البحث الذي نرشه الدكتور الفضيل حتت عنوان‪:‬‬
‫«فهرست مؤلفات األحسائية» يف جملة (املوسم) الفصلية يف عددها اخلاص عن‬
‫املنطقة (‪ ،)10-9‬فكان هلذا العمل مجع شتات النتاج الفكري واألديب والديني‪،‬‬
‫والكشف عن األقالم املعارصة يف املنطقة‪ ،‬ومن ثم خرجت الكتابات لتناول‬
‫املوضوع بشكل أكمل وأشمل‪.‬‬
‫فهذا العمل وإن كان يف اهره رصد جمرد‪ ،‬إالّ أنه يكشف عن هم سابق استمر‬
‫عرشات السنني‪ ،‬وتتبع يف الكتب عن كل شاردة وواردة عن الكتاب واملخطوطات‬
‫األحسائية يرد ذكرها بني الكتب‪ ،‬كام يعرفنا عن مدى احلضور األحسائي يف فكر‬
‫العالمة الفضيل‪.‬‬

‫‪ ‬تشجيع الكتاب وحتفيزهم‬
‫كتابة املقدمات من الدكتور الفضيل اهرة جديرة بالدراسة والتأمل‪ ،‬وهي‬
‫حالة عامة ألبناء األحساء وغريها‪ ،‬إالّ أن األحساء وكتّاهبا كان هلم حظوة كبرية بني‬
‫هذه املقدمات‪ ،‬وهنا نلحظ عليها ما ييل‪ :‬أهنا تشمل مجيع املستويات الفكرية‬
‫واألدبية‪ ،‬فإن من يأتون إليه من أجل التقديم فيهم الكاتب املتمرس‪ ،‬وصاحب‬
‫الفكر‪ ،‬وفيهم املبتدئ الضعيف والذي يف كتابته الكثري من الركاكة والضعف‪ ،‬ومع‬
‫ذلك مل يكن الشيخ يرد أحدخ ا أبدخ ا‪ ..‬نعم قد يعطيه بعض املالحظات التي تصلح من‬
‫شأنه الكتايب دون أن جترح كربيائه ومشاعره‪ ،‬كام نجد أهنا ترتاوح بني الطويلة‬
‫واملخترصة القصرية‪ ،‬فهو يقدرها بحسب حجم ومكانة اجلهد املقدم له‪ ،‬وامللفت أنه‬
‫قد يقدم للشخص أكثر من بحث وعمل دون ملل أو كلل‪ ،‬رغم انشغاالته ومهومه‪،‬‬
‫ولكن يشعرك أنه ينظر إىل مسألة التقديم قضية ورسالة جديرة باالهتامم والعناية‪.‬‬
‫‪222‬‬

‫نعم كان ينظر إليها طريق هداية إىل عامل الكتابة والبحث‪ ،‬وأن الكاتب املقدم له‬
‫يعتربها شهادة ووسام‪ ،‬ومصدر فخر واعتزاز يدفعه إىل عمل وكتابة املزيد‪ ،‬وهو‬
‫اهلدف الذي رامه وراء خطوته تلك‪.‬‬
‫فالدكتور الفضيل قامة شاهقة تنظر إىل األمور من علو‪ ،‬وببصرية بعيدة املدى‪،‬‬
‫تتلمس املستقبل البعيد‪ ،‬العارفة بالفكر والعلم وما يصنعه بأهله‪ ،‬والكتابة وبناء األقالم‪،‬‬
‫واألخذ بيد الصغار‪ ،‬ومساندة الكبار‪ ،‬هي رسالة‪ ،‬وليس جمرد أسطر يطها قلمه‪.‬‬

‫‪ ‬حتقيق التراث‬
‫التحقيق ‪ ..‬من األبعاد البحثية التي حازت نصي خبا من اهتامم العالمة الفضيل يف‬
‫كتاباته‪ ،‬ملا للكتابة القديمة من العمق حينخا‪ ،‬والتميز حينخا آخر‪ ،‬وقد يكون يف حتقيقها‬
‫هو حفظ للرتاث من الضياع واالندثار‪ ،‬كام يتضمن العرفان باجلميل والشكر‬
‫لألعالم السابقني جلهدهم املبذول لنا‪ ،‬فالفكر البرشي يتطور من خالل مراحل‬
‫تاريية متعددة‪ ،‬وكل كتاب تراثي هو حلقة من تلك السلسلة‪.‬‬
‫وقد كان عمل الدكتور يف هذا اجلانب عىل بعدين‪:‬‬
‫ وضع األسس لعلم التحقيق‪.‬‬‫ حتقيق نامذج من الرتاث‪.‬‬‫ويف البعد األول سطر كتابه الرائع (أصول حتقيق الرتاث)‪ ،‬املطبوع سنة‬
‫‪1416‬ه‪ ،‬وهو يعد من قمم الكتب التي كتبت يف هذا الفن‪ ،‬ومرجع أسايس لكل من‬
‫أراد أن يقتحم هذا العلم‪.‬‬
‫ويف البعد اآلخر أحىص صاحب (أعالم هجر)‪ ،‬عرشة كتب تشكل عينات يف‬
‫التحقيق وقواعده‪ ،‬يف الفقه واألصول واللغة والقرآنيات‪.‬‬
‫وهنا يتجىل أن العالمة الفضيل كان حيمل هم إحياء الرتاث اإلسالمي بشكل‬
‫عام‪ ،‬إال أنه من بني هذا وذاك كان لألحساء نصي خبا بني حتقيقاته الرتاثية‪ ،‬إليامنه‬
‫‪223‬‬

‫الراسخ بكفاءة أعالمها‪ ،‬وجدارهتم أن يصطفون مع رموز الفكر اإلسالمي وكباره‪،‬‬
‫فقام بتحقيق الرسالة الصغرية يف حجمها الكبرية يف معناها (بداية اهلداية يف‬
‫التجويد) للفقيه الشيخ عبد املحسن اللويمي األحسائي (ت ‪1245‬ه)‪.‬‬

‫‪ ‬إبراز مكانتها العلمية‬
‫كعادته العالمة الفضيل يف البعد األحسائي من حياته حياول أال يكون نسخة‬
‫خصوصا يف جانبها الرتاثي‪ ،‬والعلمي منه عىل وجه اخلصوص‪ ،‬وإنام‬
‫مكررة لغريه‬
‫خ‬
‫الدخول يف الطرق الضيقة منها‪ ،‬وواحدخ ا من هذه اجلوانب حتديد موقعها من احلركة‬
‫العلمية الشيعية يف مراكزها املتعددة‪.‬‬
‫فيقول يف بحثه القيم والرائع الذي قدم به كتاب «أعالم هجر» لسامحة السيد‬
‫هاشم الشخص‪ ،‬اجلديرة بالتأمل‪ ،‬وهو حياول أن يبني مكانة األحساء بني املراكز‬
‫العلمية لدى العامل الشيعي ما نصه‪« :‬وقد رأيت أن أستعرض يف تقديمي هذا التأريخ‬
‫الثقايف ملدرسة أهل البيت التي ينتمي إليها أعالم الكتاب (أعالم هجر)‪ ،‬إذ قد كفاين‬
‫باحثون سابقون الكتابة يف تأريها هجر أو األحساء العام وجغرافيتها وما إليها‪،‬‬
‫وألنه احللقة يف سلسلة تأريخ هذا البلد التي مل توف حقها من البحث‪.‬‬
‫كام رأيت أن أمهد هلذا ببيان العوامل املساعدة يف أن كانت منطقة األحساء‬
‫ومركزا دراس ًّيا‪.‬‬
‫موطنخا حضار ًّيا‬
‫خ‬
‫وبعدُ أنتقل إىل احلديث عن مدرسة أهل البيت يف نشأهتا‪ ،‬ثم يف انتشار مراكزها‬
‫الثقافية حتى وصوهلا إىل هذه البالد‪.‬‬
‫ومن الطبيعي أن يكون العرض بعد هذا ألهم الظواهر الثقافية هلذا املركز‬
‫الثقايف األحسائي»(‪.)1‬‬
‫(‪ )1‬أعالم هجر‪ ،‬مصدر سابق ‪.15 / 1‬‬

‫‪224‬‬

‫وهي جوانب تشكل أمهية كربى يف تاريخ األحساء‪ ،‬تعطيها موقعها العلمي‬
‫بني املراكز العلمية الشهرية‪ ،‬وقد تناوهلا شيخنا الفضيل بيشء من اإلجياز فا خحتا وممهدخ ا‬
‫الطريق‪ ،‬ملن يريد التوغل أكثر‪ ،‬بعد أن وضع يده عىل الطريق‪.‬‬
‫ومن وجهة نظر الدكتور الفضيل إن عوامل التجذر الثقايف يف املنطقة بشكل‬
‫عام يعود لعاملني(‪:)1‬‬
‫‪ .1‬قدم الساللة البرشية احلضارية يف هذه املنطقة‪.‬‬
‫‪ .2‬بكور دخول الدعوة اإلسالمية إىل هذه املنطقة‪.‬‬

‫‪ ‬معاجلة بعض قضايا التراث (الوقف أمنوذجًا)‬
‫مع أن الوقف مسألة فقهية‪ ،‬متجددة جي خ‬
‫ال بعد جيل‪ ،‬إالّ أن تبعاهتا متعلقة‬
‫بدرجة كبرية بالرتاث‪ ،‬إذ معظم األوقاف هي أوقاف تعود إىل مئات وعرشات‬
‫السنني مضت‪ ،‬وما تاله من أوقاف يف العصور املتأخرة ال يشكل إالّ النزر اليسري‬
‫منها‪ ،‬فكان للبعد الزمني بني زمن الوقف‪ ،‬وزمن إدارته ساهم حلدوث الكثري من‬
‫التالعب هبا‪ ،‬وإبعادها عن مسارها‪ ،‬كام أهنا تعد من مهام املهتمني بالرتاث‪ ،‬ملا يف‬
‫الوقف من أبعاد تراثية كثرية‪ ،‬ليس هنا جمال عرضها‪.‬‬
‫و لعل من أوضح اجلهود التي تناولت الوقف األحسائي وحاولت أن ترفع من‬
‫شأنه عىل املستوى التحلييل أو التنظريي ما قام به العالمة الدكتور عبد اهلادي الفضيل‬
‫يف الورقة املقدمة للندوة الرابعة من سلسلة احلوار بني املسلمني والتي بعنوان‬
‫نموذجا)(‪ )2‬مبينخا خالهلا أنواع‬
‫(مشكالت الوقف اإلسالمي وسبل تنميته ‪ -‬األحساء‬
‫خ‬
‫الوقف األحسائي‪ ،‬وخلص أهم املشكالت التي تعرتض الوقف يف املنطقة وهي‪:‬‬
‫(‪ )1‬أعالم هجر‪ ،‬مصدر سابق ‪.15 / 1‬‬
‫(‪ )2‬جملة الكلمة العدد ‪ ،13‬السنة الثالثة خريف ‪1996‬م‪1417/‬ه‪ ،‬ص‪.27‬‬

‫‪225‬‬

‫أوالخ‪ :‬اختالس األولياء الذين يعينون من قبل الفقيه املرجع‪.‬‬
‫ثان خيا‪ :‬إمهال الوقف من قبل أوليائه ألن حمصوهلا ال يعطي ما يرصف عليها‪.‬‬
‫كام قام بعمل تصنيف ألنواع الوقف األحسائي وعدد كل نوع منها وهي‬
‫دراسة جديرة بالنظر‪.‬‬
‫وتكمن أمهية هذه الدراسة التي قام هبا شيخنا الفضيل‪ ،‬أهنا أول دراسة علمية‬
‫حتاول معاجلة مشكلة الوقف يف األحساء‪ ،‬وإعالن بوجود مشكلة حقيقية جديرة‬
‫بالبحث ولفت النظر إليها‪ ،‬بعد أن ذكر إحصائية بعدد األوقاف يف األحساء‪ ،‬وبعض‬
‫اجتاهاهتا‪.‬‬
‫كام يف هذه الدراسة واملشاركة هبا يف مؤمتر إسالمي‪ ،‬هو إبراز للوقف‬
‫األحسائي‪ ،‬وأنه جدير بالدراسة ولفت النظر إليها من لدن الباحثني يف املناطق‬
‫املختلفة‪ ،‬هذا ناهيك عن بروز احلس الوطني لدى الدكتور وطنه األحساء‪ ،‬وأمهية‬
‫السعي حلل مشاكلها‪.‬‬

‫‪226‬‬

‫آية اهلل الفضلي‪ :‬منارة أحسائية ثالثة يف جمال‬
‫الكتب واملؤلفني‬

‫د‪ .‬حممد بن جواد اخلرس‬

‫‪ ‬مقدمة‬
‫قد تنغمر األحساء عن احلضور العاملي يف جمال البحث والتأليف‪ ،‬لكن كام هو‬
‫قدرها هذا‪ ،‬فقدرها أيضا أن تنجب من فلذات كبدها علامء أجالء تذكر العامل‪ ،‬بأهنا‬
‫وتدريسا‪ ،‬إالّ أن فيها من العلامء البحاثة‬
‫درسا‬
‫خ‬
‫عىل الرغم من رمحها العلمي الكبري خ‬
‫من تضيق هبم دائرهتا العلمية الرحبة‪ ،‬وال يتسع هلا غري العامل برشقه وغربه‪ ،‬وقدرها‬

‫أيضا أن تكون هذه الفلذات‪ ،‬تباعد هبا السنون لتكون عىل مدار كل قرنني إىل ثالثة‬
‫خ‬
‫قرون تقري خبا‪ ،‬فقد كان يف سالف أيامها الشيخ حممد بن أيب مجهور األحسائي املولود‬
‫يف عام (‪ 131‬ه ‪1433 -‬م) واملتويف ما بعد عام (‪906‬ه ‪1501-‬م)‪ ،‬ومن بعده‬
‫الشيخ أمحد بن زين الدين األحسائي املولود يف عام (‪1166‬ه ‪1752 -‬م) املتويف‬
‫عام (‪1241‬ه ‪1125 -‬م)‪ ،‬وهذا هو الشيخ الفضيل يودع الدنيا إىل مثواه األخري يف‬
‫عام (‪1434‬ه ‪2013 -‬م)‪ ،‬وقد كانت والدته عام (‪1354‬ه ‪1935 -‬م) وبني‬
‫هؤالء الثالثة قواسم مشرتكة‪ ،‬ميزها العديد من العرب والعجم‪ ،‬بل وصدى أعامهلم‬
‫أدركها العديد من الغرب بعد ذلك‪ ،‬فكل منهم ضاقت دائرة بالده عن استيعاب‬
‫طموحه وأفكاره وإبداعاته لتحتضنها الفضاءات العاملية‪ ،‬مسجلة صو ختا أحسائ خيا‬
‫‪227‬‬

‫جديرا بالتقدير واالحرتام‪ ،‬بل وتلح عليه يف الطلب بطرح املزيد من املؤلفات‬
‫خ‬
‫والبحوث‪ ،‬وذلك ليس يف ندرة من أمثاهلم من الباحثني يف أنحاء العامل‪ ،‬ولكن‬
‫للموسوعية التي أدركتها عقوهلم‪ ،‬واتسعت هلا صدورهم‪ ،‬حتى بات العامل بأرسه مها‬
‫من مهومهم‪ ،‬وللرتابية‪ ،‬والنزاهة‪ ،‬والتقوائية‪ ،‬واخللق الرفيع الذي يزاوج بني العلم‬
‫كعامل‪ ،‬واإلنسانية واخللق الرفيع كفرد يرفض أن يعامل بأكثر مما يستحقه كإنسان‪.‬‬
‫مل تتح يل الفرصة أن أعيش جتربة الشيخ ابن أيب مجهور األحسائي وال الشيخ‬
‫أمحد بن زين الدين األحسائي‪ ،‬وال أزعم أين عشت جتربة الشيخ الفضيل‪ ،‬ولكن من‬
‫بعضا منها‪ ،‬ما جعلني أحتدث عنه بكل اطمئنان فيام سأدونه من‬
‫املؤكد أين عشت خ‬
‫مشاهدات عشتها‪ ،‬أو حديث أرسين به يف بعض اللقاءات التي تكررت عىل مدار‬
‫ثامنية عرش سنة تقري خبا‪ ،‬أو أحداث دارت من حوله‪ ،‬فرأيت كيف يتعاطاها ويتفاعل‬
‫معها‪ ،‬أو مواقف رصحها يل من خالطوه واستفادوا من علمه وجتربته‪.‬‬
‫ترى من هم أولئك الثالثة؟ ابن أيب مجهور‪ ،‬وابن زين الدين‪ ،‬والفضيل‪.‬‬
‫وبحكم اقرتايب املحدود من جتربة الشيخ الفضيل أرى من املالئم أن أطرح عدة‬
‫تساؤالت سأجيب عليها‪ ،‬ومن املؤكد أن من املعارصين أمثايل لدهيم من املعلومات‬
‫اجلديرة بالتدوين والنرش‪ ،‬ودوري هنا هو تدوين مشاهدايت‪ ،‬عىل أمل أن تضاف إىل‬
‫ما تم تدوينه بالفعل من خالل الكتب التي صدرت حول جتربته‪ ،‬وما سيدون‬
‫الح خقا‪ ،‬ما تشكل يف جمموعها‪ ،‬صورة معربة قريبة من واقعه نحفظها جليلنا املعارص‪،‬‬
‫والقادم بإذن اهلل‪ ،‬وتساؤاليت التي سأطرحها تدور هي‪ :‬ما أبرز سامته التي جعلته‬
‫حيظى هبذا القبول العاملي بني معارصيه؟ ولكونه حقق هذا احلضور أليس من‬
‫املناسب استنسا امتياز جتربته الكتابية يف بعدها الفني كمهارات وآليات اعتمدها‬
‫فوصل إىل ما وصل إليه؟ ولكن هل من املمكن حتقيق ذلك؟ وترى هل اقترصت‬
‫جتربة الشيخ الفضيل يف جمال الكتابة عىل العناية بنفسه؟ أم أن عشقه لعامل الكتاب‬
‫والكتابة عزله عن االهتامم بإنجازات اآلخرين يف جمال التأليف؟ أم عىل العكس من‬
‫‪221‬‬

‫ذلك؟ جعل املؤلفني جز خءا من دائرة اهتاممه ومنحهم من التقدير والتفرغ كام لو‬
‫كانت كتبهم التي أنجزوها قد أفرغتها قرحيته‪ ،‬فاحتفى هبا ومنحها من االهتامم‬

‫اليشء الكثري‪ ،‬ولو كان ذاك عىل حساب وقته وصحته؟‬
‫وأخريا بعد قراءة هؤالء األعالم الثالثة‪ ،‬ترى ما هي املحاور التي مجعتهم فيام‬
‫خ‬

‫كتبوا‪ ،‬حتى صاروا أرقا خما عاملية‪ ،‬ومثلوا رحم األحساء العلمي خارج وطنهم؟‬

‫هذه األسئلة وغريها سيتم اإلجابة عليها يف سطور هذا البحث‪ ،‬التي سأتعاطى‬
‫مفرداهتا بلغة مبارشة‪ ،‬ال أستطيع أن أغيب فيها مشاعري وأنا يف أيام عزاء آية اهلل‬
‫الشيخ الدكتور عبد اهلادي الفضيل رمحه اهلل رمحة األبرار‪ ،‬كفاقد خرس اليشء الكثري‬
‫برحيل هذه املفخرة النجفية الشيعية‪ ،‬لكن ماذا نقول؟ وريب املنون ذو غري‪ ،‬ومل‬
‫يعودنا غري انثالم أوعية العلم عرب الزمان‪ ،‬أما إجابات تلك التساؤالت التي طرحتها‬
‫ستكون عرب املباحث التالية‪:‬‬
‫ املبحث األول‪ :‬التعريف باألعالم الثالثة‪ :‬ابن أيب مجهور‪ ،‬وابن زين الدين‪،‬‬‫والفضيل‪.‬‬
‫ املبحث الثاين‪ :‬اهتامم الشيخ الفضيل بالتأليف‪ ،‬واملؤلفني‪.‬‬‫ املبحث الثالث‪ :‬مدى إمكانية استنسا جتربة الشيخ الفضيل يف البحث والتأليف‬‫ املبحث الرابع‪ :‬القواسم املشرتكة التي مجعت ابن أيب مجهور وابن زين الدين‬‫والفضيل‪.‬‬

‫‪ ‬املبحث األول‪ :‬التعريف باألعالم الثالثة‪ :‬ابن أيب مجهور‪،‬‬
‫وابن زين الدين‪ ،‬والفضلي‬
‫‪ -4‬آية اهلل الشيخ حممد بن أيب مجهور األحسائي‪:‬‬
‫ابن أيب مجهور ليس غري خبا عىل صفحات كتب األحسائيني‪ ،‬فقد متت ترمجته من‬
‫‪229‬‬

‫نرشا ما سطره الشيخ الدكتور عبداهلادي الفضيل يف‬
‫قبل العديد منهم‪ ،‬من أسبقها خ‬

‫دائرة املعارف اإلسالمية الشيعية‪ :‬للسيد حسن األمني‪ ،‬حتت مادة «أحساء»‪ ،‬وللشيخ‬

‫موسى عبد اهلادي بومخسني كتاب بعنوان‪« :‬الشيخ إبن أيب مجهور‪ :‬قدوة العلم‬
‫والعمل»‪ ،‬وهو من بواكري األعامل األحسائية التي صدرت عىل هيئة كتب موسعة‬
‫عن شخصيات علامئها‪ ،‬كام ترمجت له يف كتايب «فقهاء األحساء»‪ ،‬املنشور عام‬
‫‪1415‬ه كفقيه أحسائي‪ ،‬ويف طور اإلعداد ترمجة مفصلة من قبل السيد هاشم‬
‫الشخص يف جملده اجلديد لكتابه املعروف بـ «أعالم هجر»‪ ،‬كام أن األمل الكبري يف‬
‫التعريف العميل بإنجازات الشيخ العلمية معقود عىل ناصية مجعية ابن أيب مجهور‬
‫األحسائي إلحياء الرتاث‪ ،‬بحكم أهنا مؤسسة متخصصة يف جمال إحياء تراث أعالم‬
‫األحساء بشكل عام‪ ،‬وهي يف مرحلتها الراهنة متفرغة ألعامل الشيخ ابن أيب مجهور‬
‫بشكل خاص‪ ،‬لطباعة كتبه والتعريف بكل ما يتصل به من كتب دوهنا‪ ،‬وما ُكتب عنه‬
‫من دراسات بشتى لغاهتا‪.‬‬
‫ولكن يف مقام التعريف هبذه الشخصية اهلامة يف املرحلة الراهنة‪ ،‬مل أجد ترمجة‬
‫أخرص وال أمجل منها عىل قرصها‪ ،‬كرتمجة مكتوبة باللغة العربية‪ ،‬مرتمجة عن اللغة‬
‫الفارسية‪ ،‬قدمتها يل مجعية الشيخ ابن أيب مجهور املذكورة كبيانات لرتمجة الشيخ‪،‬‬
‫صدرت للباحث أمحد رضا رحيمي ريسه يف مقالة بعنوان‪« :‬مقدمة تعريفية عىل‬
‫جمموعتني من رسائل ابن أيب مجهور» كتبها يف طهران بتاريخ ‪ 22‬نوفمرب عام‬
‫نظرا ألن هذا‬
‫‪2007‬م‪ ،‬وقد ذكر يف مطلعها أنه ال داعي لتكرار احلديث عن حياته خ‬
‫اجلانب تم إنجازه عىل يد الربوفيسور «زايينه شميتكه» يف كتاب صدر عام ‪1379‬م‪،‬‬

‫نظرا جلامل التفاعل مع هذه الشخصية األحسائية التي جلبت إليها اهتامم علامء‬
‫و خ‬
‫وكتاب من الغرب والرشق غري أحسائيني‪ ،‬ومل جيمعهم به غري األنس بجامل‬
‫اإلنجاز‪ ،‬والوفاء البن أيب مجهور كعامل‪ ،‬عليه سأورد نصها بقلم رحيمي‪:‬‬
‫«ولد ابن أيب مجهور األحسائي حوايل سنة (‪131‬ه ‪1433 -‬م) يف منطقة‬
‫األحساء‪ ،‬يف أرسة علمية‪ ،‬وأهنى دراسته التمهيدية يف مسقط رأسه‪ ،‬وتتلمذ عىل يد‬
‫‪230‬‬

‫والده‪ ،‬توجه بعدها إىل النجف إلكامل الدراسة‪ ،‬فانتهل من فيض أساتذهتا‪ ،‬وال سيام‬
‫أستاذه رشف الدين حسن بن عبد الكريم الفتال‪ ،‬وبعد فرتة من اغرتافه العلم من‬
‫علامء النجف توجه إىل مكة وزيارة مدينة الرسول والبقيع‪ ،‬زار قبلها الشيخ عيل بن‬
‫شهرا‪ ،‬توجه‬
‫هالل اجلزائري‪ ،‬يف منطقة كرك نوح‪ ،‬بغية االستفادة منه‪ ،‬ومكث هناك خ‬

‫بعدها سنة ‪177‬ه ‪1472 -‬م للحج‪ ،‬عاد بعدها إىل مسقط رأسه لزيارة األهل‬

‫واألقارب‪ ،‬واجته بعدها صوب العراق ثم إىل مشهد لزيارة مرقد اإلمام عيل بن‬
‫موسى الرضا‪ ،‬وخالل توجهه إىل مشهد ألف رسالة (زاد املسافرين يف أصول‬
‫الدين)‪ ،‬ولقد جعل ابن أيب مجهور من مشهد منطل خقا لتدريسه وتأليفه‪ ،‬وكان يأنس‬
‫بآراء تلميذه السيد حمسن بن حممد الرضوي القمي (تويف ‪931‬ه ‪1524 -‬م)‪ ،‬وغال خبا‬
‫ما كان قاطنخا يف منزله‪ ،‬وكانت له منا رات مع علامء أهل السنة‪.‬‬
‫انتهز ابن أيب مجهور كل فرصة سانحة لزيارة املدن األخرى‪ ،‬وكان يشري إىل حمل‬
‫التأليف يف مؤلفاته‪ ،‬ويمكن التعرف عىل سريته عىل وجه اإلمجال من سنة ‪190‬ه ‪-‬‬
‫‪1415‬م‪ ،‬وما بعد‪ ،‬يف شهر شعبان من سنة ‪193‬ه املوافق حلزيران سنة ‪1411‬م‪..‬‬
‫وأثناء وجوده يف األحساء‪ ،‬ألف ابن أيب مجهور رسالة (النور املنجي من الظالم)‪،‬‬
‫وهي حاشية عىل كتاب (مسالك األفهام)‪ ،‬ويف شهر مجادى األوىل من سنة ‪191‬ه‬
‫(آذار ‪1493‬م) قطن األحسائي قلفان أو قلقان (من ضواحي اسرتاباد) ويف ذي‬
‫احلجة من تلك السنة صدر عنه إجازتان‪ ،‬ويف اخلامس والعرشين من ذي القعدة من‬
‫سنة ‪904‬ه (املوافق للرابع من حزيران من سنة ‪1499‬م) أهنى آخر مؤلفاته وهو‬
‫(رشح للباب احلادي عرش للعالمة احليل) يف املدينة املنورة‪ ،‬وآخر آثار ابن أيب مجهور‬
‫األحسائي‪ :‬إجازة للشيخ عيل بن قاسم العذاقة‪ ،‬بتاريخ اجلمعة التاسع من رجب‬
‫سنة ‪906‬ه (املوافق ‪ 29‬كانون الثاين ‪1501‬م) كتبت يف احللة‪ ،‬واستنا خدا إىل هذا فإن‬
‫تاريخ وفاة األحسائي يكون ما بعد سنة ‪906‬ه ‪1500 -‬م‪ ،‬والبن أيب مجهور أكثر‬
‫من مخسني مؤل خفا يف‪ :‬الكالم‪ ،‬واملنطق‪ ،‬والفلسفة‪ ،‬والعرفان‪ ،‬وأصول الفقه‪ ،‬والفقه‪،‬‬
‫وعلوم احلديث‪ ،‬و‪ 12‬إجازة‪ ،‬وآثاره املطبوعة وغري املطبوعة مدرجة يف فهرس كامل‬
‫‪231‬‬

‫نسب ًّيا وال داعي لتكرارها‪.‬‬
‫أهم املقاالت واملؤلفات التي نرشت عن ابن أيب مجهور وفق التسلسل السنوي‬
‫ما ييل‪:‬‬
‫ يف عام ‪1356‬ه ‪1977 -‬م‪ ،‬صدرت مقالة لـ (ولفرد مادلونك) بعنوان‪ :‬امتزاج‬‫علوم الكالم والفلسفة والتصوف عند ابن أيب مجهور‪.‬‬
‫ يف عام ‪1403‬ه ‪1912 -‬م‪ ،‬صدر كتاب بعنوان‪« :‬مدخل ابن أيب مجهور» تأليف‬‫(ولفرد مادلونك)‪.‬‬
‫ يف عام ‪1403‬ه ‪1913-‬م‪ ،‬صدرت مقالة لـ آية اهلل شهاب الدين املرعيش‬‫النجفي‪ ،‬بعنوان‪( :‬الردود والنقود‪ ،‬يف عوايل الآليل) يف اجلزء األول من الكتاب‬
‫املذكور‪.‬‬
‫ يف عام ‪1409‬ه ‪1919 -‬م‪ ،‬صدرت مقالة بعنوان‪ :‬مدخل ابن أيب مجهور‪ ،‬يف‬‫دائرة املعارف (بزرك إسالمي) يف اجلزء الثاين‪ ،‬ص ‪.637-634‬‬
‫ يف عام ‪1413‬ه ‪1993 -‬م‪ ،‬صدر كتاب بعنوان‪ :‬الشيخ ابن أيب مجهور‪ :‬قدوة‬‫العلم والعمل‪ ،‬للشيخ موسى اهلادي بومخسني‪ ،‬بريوت‪.‬‬
‫ يف عام ‪1416‬ه ‪1996 -‬م‪ ،‬صدرت مقالة بعنوان‪ :‬مدخل ابن أيب مجهور‪،‬‬‫تأليف ‪ Todd Lawson‬يف دائرة املعارف إيرانيكا‪ ،‬املجلد ‪ ،7‬ص ‪.663-662‬‬
‫ يف عام ‪1417‬ه ‪1997 -‬م‪ ،‬صدرت مقالة للربوفيسور زايينه شميتكه حول‬‫تأثري شمس الدين الشهرزوري عىل أفكار ابن أيب مجهور‪.‬‬
‫ يف عام ‪1420‬ه ‪2000 -‬م‪ ،‬صدرت رسالة مفصلة عن حياة ابن أيب مجهور‪،‬‬‫وأفكاره‪ ،‬ومؤلفاته باللغة األملانية للربوفسور زايينة شميتكه حتت عنوان‪:‬‬
‫(الكالم والفسلفة والعرفان عند الشيعة اإلثنا عرشية يف املئة اهلجرية التاسعة‬
‫القرن اخلامس عرش امليالدية‪ :‬أفكار ابن أيب مجهور األحسائي‪ ،‬ليدن‪ ،‬بريل‬
‫‪2000‬م) وقد كتبت هذه الرسالة املعروفة بـ ‪ Habilitation‬للحصول عىل‬

‫‪232‬‬

‫شهادة الربوفسورية‪ ،‬وتشتمل عىل فصول وملحقني»(‪.)1‬‬
‫هذا وقد وافاين السيد عيل باقر املوسى عضو مجعية ابن أيب مجهور األحسائي‬
‫إلحياء الرتاث بأحدث الدراسات التي متت عن ابن أيب مجهور األحسائي وهي كام‬
‫ييل‪:‬‬
‫ يف بداية األلفية الثانية ميالدية‪ ،‬صدر كتاب بعنوان‪( :‬األوضاع السياسية‬‫واالجتامعية والثقافية يف عرص ابن أيب مجهور األحسائي‪ ،‬للكاتب رضا حيي بور‬
‫فارمد من إيران)(‪.)2‬‬
‫ يف عام ‪1421‬ه ‪2007 -‬م‪ ،‬صدرت مقالة بعنوان‪( :‬مقدمة تعريفية عىل ثالث‬‫رسائل البن أيب مجهور)‪ ،‬للكاتب أمحد رضا رحيمي ريسه من إيران(‪.)3‬‬
‫ يف عام ‪1429‬ه ‪2001-‬م‪ ،‬صدرت مقالة بعنوان‪ :‬الصلة بني التصوف‬‫والتشيع‪ ،‬للدكتور كامل مصطفى الشيبي(‪.)4‬‬
‫ يف ‪1432‬ه ‪2011 -‬م‪ ،‬صدرت مقالة حلجة اإلسالم واملسلمني الشيخ حسني‬‫صالح العايش الرباك‪ ،‬من األحساء يف اململكة العربية السعودية(‪ ،)5‬أحد أساتذة‬
‫البحث اخلارج يف احلوزة العلمية باألحساء مقالة بعنوان‪( :‬اإلبداع الفقهي‬
‫واألصويل البن أيب مجهور األحسائي)‪ ،‬أفصح فيها عن معلم الشيخ وإبداعاته‬
‫(‪ )1‬أمحد رضا رحيمي ريسه‪ ،‬مقدمة تعريفية عىل جمموعتني من رسائل ابن أيب مجهور (األحساء‪:‬‬
‫مجعية ابن أيب مجهور األحسائي إلحياء الرتاث)‪ ،‬نسخة بالكمبيوتر‪.‬‬
‫(‪ )2‬رضا حييى بور فارماد‪ ،‬األوضاع السياسية واإلجتامعية والثقافية يف عرص ابن أيب مجهور‬
‫األحسائي‪( ،‬األحساء‪ :‬مجعية ابن أيب مجهور األحسائي إلحياء الرتاث)‪ ،‬نسخة بالكمبيوتر‪.‬‬
‫(‪ )3‬أمحد رضا رحيمي ريسه‪ ،‬مقدمة تعريفية عىل ثالث رسائل البن أيب مجهور (األحساء‪ :‬مجعية‬
‫ابن أيب مجهور األحسائي إلحياء الرتاث)‪ ،‬نسخة بالكمبيوتر‪.‬‬
‫(‪ )4‬الدكتور كامل مصطفى الشيبي‪ ،‬الصلة بني التصوف والتشيع‪( ،‬األحساء‪ :‬مجعية ابن أيب مجهور‬
‫األحسائي إلحياء الرتاث)‪ ،‬نسخة بالكمبيوتر‪.‬‬
‫(‪ )5‬الشيخ حسني بن صالح العايش الرباك‪ ،‬اإلبداع الفقهي واألصويل البن أيب مجهور األحسائي‪،‬‬
‫(األحساء‪ :‬مجعية ابن أيب مجهور األحسائي إلحياء الرتاث)‪ ،‬نسخة بالكمبيوتر‪.‬‬

‫‪233‬‬

‫بقوله‪« :‬فهمه الدقيق لألصول ودقته يف الفقه صرياه كالشمس يف رابعة النهار‪،‬‬
‫لقد أبدع ‪ ‬يف هذين العلمني‪ ،‬بام جعل أدق األبحاث يف األصول والفقه ترتبط‬

‫بنظرياته التي استلها من الروايات عن النبي ‪ K‬واألئمة اهلداه ‪ ،»A‬هذا‬

‫وقد أصل الشيخ العايش يف مقالته تلك إسهامات ابن أيب مجهور يف جمال الفقه‬
‫واألصول‪ ،‬حيث أوضح أن الشيخ ابن أيب مجهور األحسائي قدم قاعدة أسامها‬
‫كبريا‬
‫– (اجلمع مهام أمكن أوىل من الطرح) ‪ -‬وأن هذه القاعدة أسهمت إسها خما خ‬

‫يف علم األصول‪ ،‬وفتحت آفاق رحبة بام ترتب عليها من أبحاث علمية‬
‫ومناقشات‪ ،‬بلورت نظريات كنظرية احلكومة‪ ،‬والورود‪ ،‬وفهم قواعد اجلمع‬
‫العريف‪ ،‬والضوابط بينه وبني اجلمع التربعي لفهم استنباط احلكم الفقهي من‬
‫الروايات‪ ،‬وقد أشار إىل أن ما وصل إليه الفقه األصويل عىل يد الشيخ األعظم‬
‫وأصل هذا التوجه‪ ،‬وما‬
‫األنصاري ترتب عىل نظرية ابن أيب مجهور املذكورة‪َّ ،‬‬
‫يدور حول نظرية ابن أيب مجهور من كتاب (فرائد األصول) للشيخ األعظم‬
‫األنصاري‪ ،‬وما ورد يف كتاب (زبدة األصول) للسيد الروحاين‪ ،‬و(منتهى‬
‫الدراية) للسيد حممد جعفر الشوشرتي‪ ،‬هذا من جانب‪ ،‬ومن جانب آخر تابع‬
‫أثر الشيخ عىل الصعيد الفقهي من حيث حتول عدد من الروايات التي أوردها‬
‫يف كتابه (غوالئ اللئالئ) إىل قواعد فقهية يف البحوث االستداللية لدى الفقهاء‬
‫من بعد صدور هذا الكتاب وتلك القواعد ما ييل‪:‬‬
‫‪ .1‬قاعدة «الناس مسلطون عىل أمواهلم»‪ ،‬وقد علق سامحة الشيخ العايش عىل‬
‫الرواية‪ ،‬بأن العالمة املجليس رواها يف املجلد الثاين من البحار عن غوالئ‬
‫قديام وحدي خثا‪،‬‬
‫اللئايل‪ ،‬وهي وإن كانت مرسلة لكنها جمبورة بعمل األصحاب خ‬
‫واستنادهم إليها يف خمتلف أبواب الفقه‪ ،‬هذا فض خ‬
‫ال عن أن الرواية هي يف‬

‫كثريا من الفقهاء واألصوليني تصوروا أهنا مرسلة؛ ألن‬
‫األساس مسندة غري أن خ‬

‫ابن أيب مجهور حذف األسانيد ومجعها يف مشيخة‪ ،‬بمعنى أنه مل يذكر السند لكل‬
‫رواية رواية‪ ،‬وإنام اكتفى بذكر أسانيده بنحو عام‪ ،‬كام هو مذكور يف الغوالئ‪،‬‬
‫‪234‬‬

‫أيضا أن الفقهاء مل يستشكل أحد منهم يف العمل بالرواية‪،‬‬
‫ويعلق الشيخ العايش خ‬
‫وأرسلوها إرسال املسلامت‪ ،‬إما ملا تقدم من العمل هبا‪ ،‬وإما ألهنا مسندة عن‬
‫النبي ‪ ،K‬باإلضافة إىل كوهنا منسجمة مع الفطرة ومتفقة مع العقل‪.‬‬
‫أيضا من القواعد الفقهية التي يكاد‬
‫‪ .2‬قاعدة «امليسور ل يسقط باملعسور»‪ ،‬وهي خ‬
‫ينحرص دليلها بابن أيب مجهور‪ ،‬وقد نقلها املحقق األشتياين يف تعليقاته يف كتابه‬
‫القواعد الفقهية‪ ،‬عن غوالئ اللئالئ‪.‬‬
‫‪ .3‬قاعدة «إقرار العقالء عىل أنفسهم»‪ ،‬وقد ذكر الشيخ العايش بأنه ينحرص مدرك‬
‫هذه القاعدة بالرواية املشهورة املستفيضة‪ ،‬أو املتواترة عن النبي ‪ ،K‬والتي‬
‫يروهيا ابن أيب مجهور فقط‪ ،‬وقد تلقاها العلامء بالقبول؛ لكوهنا من املسلامت يف‬
‫املعنى‪ ،‬ذلك أن العاقل ال يقر عىل نفسه برضر إالّ لكونه يتصف بالصدق‪،‬‬
‫وياف احلق تعاىل‪ ،‬وحيذر اآلخرة‪ ،‬نعم قد يقر العاقل عىل نفسه من أجل‬
‫اخلديعة للغري أو حيصل عىل َشء أعظم وأكرب أي ملآرب أخرى‪ ،‬غري أن ذلك‬
‫قليل أو نادر ال يلتفت إليه العقالء؛ ليؤثر عىل حجية القاعدة الثابتة برواية ابن‬
‫أيب مجهور‪ ،‬وقد نقل ما أفاد به السيد البجنوردي يف كتابه (القواعد الفقهية)‬
‫حول هذه القاعدة من حيث أن القاعدة ال إشكال يف جرياهنا‪.‬‬
‫‪ .4‬حديث‪« :‬صلوا كام رأيتموين أصيل»‪ ،‬وقد أورد الشيخ العايش إحدى عرش‬
‫مور خدا مما استدل هبا الشيخ اجلواهري يف كتابه (جواهر الكالم)‪ ،‬كام أورد ما‬
‫استدل به املجدد الشريازي يف تقريراته‪ ،‬وكذلك آقا رضا اهلمداين يف كتابه‬
‫(مصباح الفقيه)‪ ،‬وكذلك املحقق اليزدي صاحب العروة الوثقى يف (حاشيته‬
‫عىل املكاسب) للشيخ األعظم األنصاري‪.‬‬
‫هذا وقد سبق يل أن دعوت يف إحدى اللقاءات العلمية‪ ،‬وكانت متعلقة بأصول‬
‫البحث العلمي يف مجع من الباحثني واملهتمني بالعلوم الرشعية‪ ،‬وذلك يف تاريخ ‪-1‬‬
‫‪1431-7‬ه عن رضورة إعداد دراسة حول كتاب (غوايل اللئالئ) ودوره يف حتديث‬
‫مواد االستدالل الفقهي بعد صدوره‪ ،‬عىل أن يتم اختبار ثالث فرضيات يتم من‬
‫‪235‬‬

‫خالهلا التأكد من صحة ذلك من عدمه‪ ،‬ويتم خالل هذا البحث املقرتح الوقوف عىل‬
‫موارد االستدالل يف الدورات الفقهية التي صدرت عىل أيدى علامء اإلمامية‪،‬‬
‫ووجهات النظر حياهلا‪ ،‬وعن مدى إمكانية جريان تلك القواعد‪ ،‬وفيام ال يصح‬
‫جرياناها‪ ،‬وغريها من البحوث املتعلقة بخصوصها‪ ،‬عىل أن تكون الفرضيات‬
‫املقرتحة كام ييل‪:‬‬
‫الفرضية األوىل‪ :‬إن البحوث االستداللية الفقهية قبل صدور كتاب غوالئ‬
‫اللئالئ‪ ،‬مل يرد فيها استدالل بالقواعد الثالث‪« :‬الناس مسلطون عىل أمواهلم»‪،‬‬
‫«امليسور ال يسقط باملعسور»‪« ،‬إقرار العقالء عىل أنفسهم»‪ ،‬وحديث‪« :‬صلوا كام‬
‫رأيتموين أصيل»‪.‬‬
‫الفرضية الثانية‪ :‬إن البحوث االستداللية الفقهية بعد صدور كتاب غوالئ‬
‫اللئالئ‪ ،‬استدلت بروايات رواها الشيخ ابن أيب مجهور‪ ،‬وحتولت بعد ذلك إىل قواعد‬
‫فقهية وتلك القواعد هي‪« :‬الناس مسلطون عىل أمواهلم»‪« ،‬امليسور ال يسقط‬
‫باملعسور»‪« ،‬قاعدة إقرار العقالء عىل أنفسهم»‪.‬‬
‫الفرضية الثالثة‪ :‬إن حديث «صلوا كام رأيتموين أصيل»‪ ،‬مل يتم تو يفه يف‬
‫البحوث االستداللية الفقهية‪ ،‬إالّ بعد صدور كتاب غوالئ اللئالئ‪.‬‬

‫‪ -1‬آية اهلل الشيخ أمحد بن زين الدين األحسائي‬
‫الشيخ أمحد بن زين الدين األحسائي له سرية عطرة‪ ،‬طويل ُة املسار إذا عدت‬
‫ٌ‬
‫وضيقة إذا عدت بإنجاز‬
‫بسري املؤسسات واملراكز البحثية املتخصصة‪ ،‬قصري ٌة‬
‫األفراد‪.‬‬
‫ولد عام (‪1166‬ه ‪1752 -‬م) وتويف عام (‪1241‬ه ‪1125 -‬م) يف قرية هدية‬
‫بالقرب من املدينة املنورة‪ ،‬ودفن يف البقيع الغرقد‪ ،‬خلف قبور األئمة األربعة ‪A‬‬
‫‪236‬‬

‫عند اجلدار‪ ،‬كتب ما يربو عىل ‪173‬كتا خبا ورسالة بحسب إحصاء السيد هاشم‬
‫الشخص هلا يف كتابه «أعالم هجر»‪ ،‬وأساتذته ثامنية هم‪ :‬الشيخ حممد بن الشيخ‬
‫حمسن األحسائي القريني‪ ،‬والشيخ عبد اهلل بن حسن بن عيل الدندن األحسائي‪،‬‬
‫والسيد قطب الدين حممد احلسيني التربيزي الشريازي‪ ،‬واآلغا حممد باقر الوحيد‬
‫البهبهاين‪ ،‬والسيد عيل الطباطبائي صاحب الرياض‪ ،‬والسيد مريزا مهدي‬
‫الشهرستاين‪ ،‬والشيخ جعفر كاشف الغطاء النجفي‪ ،‬والسيد مهدي حممد بحر‬
‫العلوم‪ ،‬وأجازه يف الرواية تسعة علامء هم‪ :‬السيد حممد مهدي الطباطبائي (بحر‬
‫العلوم) والسيد عيل الطباطبائي صاحب كتاب (الرياض)‪ ،‬والشيخ جعفر كاشف‬
‫الغطاء‪ ،‬والسيد مريزا مهدي الشهرستاين‪ ،‬والشيخ أمحد الدمستاين‪ ،‬والشيخ حسني‬
‫آل عصفور‪ ،‬والشيخ موسى بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء‪ ،‬والشيخ أمحد آل‬
‫عصفور‪ ،‬والشيخ حممد العبد اجلبار القطيفي‪ ،‬والشيخ األحسائي بدوره أجاز ما‬
‫يقارب من ‪ 23‬عا خملا من أبرزهم الشيخ حممد حسن النجفي صاحب اجلواهر املتوىف‬
‫عام ‪1266‬ه‪ ،‬والسيد عبد اهلل شرب احلسيني تلميذ الشيخ األحسائي‪ ،‬والشيخ حممد‬
‫إبراهيم بن حممد حسن الكربايس صاحب (اإلشارات) املتوىف عام ‪1262‬ه والسيد‬
‫يضا‪ ،‬والشيخ أسد اهلل‬
‫حمسن بن السيد حسن األعرجي الكا مي تلميذ األحسائي أ خ‬
‫بن إسامعيل التسرتي الكا مي األنصاري صاحب (املقاييس) املتوىف عام ‪1234‬ه‪،‬‬
‫وذلك بحسب مصادر السيد هاشم الشخص(‪ ،)1‬وزادها السيد معني احليدري إىل‬
‫‪ 37‬عا خملا استجازوا الشيخ(‪ ،)2‬وكام أن الشيخ حممد بن أيب مجهور األحسائي كان‬
‫موض خعا الهتامم الكتاب األحسائيني أنفسهم‪ ،‬كذلك الشيخ أمحد األحسائي‪ ،‬ولعل‬
‫باكورة الرتاجم يف شأنه البنه الشيخ عبد اهلل‪ ،‬وإن مل تصدر كتابات أو مؤلفات يف‬
‫شأنه يف ذلك التاريخ غري الرتمجة املذكورة البنه‪ ،‬إالّ أن ذكره مل ينقطع عن األلسن‪،‬‬
‫(‪ )1‬السيد هاشم الشخص‪ ،‬أعالم هجر‪( ،‬بريوت‪ :‬مؤسسة أم القرى للنرش والتوزيع‪1416 ،‬ه)‬
‫مصدر سابق‪ ،‬ص ‪.160-157‬‬
‫(‪ )2‬السيد معني احليدري‪ ،‬جوهرة األحساء وفوارة النور‪( ،‬بريوت‪ :‬دار املتقني للثقافة والعلوم‬
‫والطباعة والنرش‪1433 ،‬ه)‪ ،‬ص ‪.116-11‬‬

‫‪237‬‬

‫ومل ختل منه جمالس العلم يف األحساء‪ ،‬السيام إذا كان الكالم يف العقائد واحلكمة‬
‫اإلهلية‪ ،‬حيث كتبه وكتب تالمذته موضع درس واهتامم‪ ،‬بل وأفكاره ترست إىل‬
‫املجالس احلسينية كام هو مالحظ يف كتاب الشيخ حممد بن حسني بومخسني (ت‬
‫‪1316‬ه)‪ ،‬مقرح القلوب ومهيج الدمع املسكوب(‪ ،)1‬الذي كتبه عىل هيئة جمالس‬
‫حسينية ليقرأ يف احلسينيات آنذاك عىل احلضور يف تلك املجالس التي يؤمها الكبري‬
‫والصغري من كافة فئات املجتمع املتعلم واألمي‪ ،‬والشيخ حممد يعترب من أبرز علامء‬
‫األحساء الذين أخذوا منهج الشيخ أمحد يف احلكمة اإلهلية‪ ،‬وقد اصطبغ كتابه‬
‫املذكور بالعديد من مفاهيمها‪ ،‬وقد اطلعت عىل الكتاب ومفاهيمه خالل حتقيقي‬
‫لكتابه عندما كنت بصدد البحث عن تاريخ تطور األغراض اخلطابية يف املنرب‬
‫احلسيني‪ :‬األحساء يف اململكة العربية السعودية حالة دراسية(‪ ،)2‬وهكذا ل الشيخ‬
‫أمحد بن زين الدين موضع اهتاممهم جي خ‬
‫ال بعد جيل‪ ،‬كيف ال وهو مفخرة األحساء‬
‫عرف به من األحسائيني املعارصين كال‬
‫إذا فاخرت البلدان بفلذات أكبادها‪ ،‬وممن ّ‬
‫من‪ :‬الشيخ الدكتور عبد اهلادي الفضيل يف (دائرة املعارف اإلسالمية الشيعية)‪:‬‬

‫للسيد حسن األمني‪ ،‬حتت مادة «أحساء»‪ ،‬وترجم له الشيخ جواد الرمضان يف كتابه‬
‫(مطلع البدرين يف تراجم علامء وأدباء األحساء والقطيف والبحرين)(‪ ،)3‬وأما السيد‬
‫هاشم الشخص فقد كتب عنه ترمجة موسعة يف كتابه (أعالم هجر)(‪ ،)4‬وقد كتبت‬
‫عنه ترمجة يف كتايب‪( :‬فقهاء األحساء)‪ ،‬كام كتب فيه الشيخ عبد املنعم العمران كتا خبا‬
‫بعنوان‪( :‬بصائر يف حكمة الشيخ أمحد األحسائي)‪ ،‬كام كتب فيه الشيخ عبد اجلليل‬
‫(‪ )1‬الشيخ حممد بن حسني بومخسني‪ ،‬مقرح القلوب ومهيج الدمع املسكوب‪ ،‬خمطوط‪.‬‬
‫(‪ )2‬حممد بن جود اخلرس (أبوعيل)‪( ،‬املنرب احلسيني) تاريخ تطور األغراض اخلطابية يف املنرب‬
‫احلسيني‪ :‬األحساء يف اململكة العربية السعودية حالة دراسية‪( ،‬بريوت‪ :‬دار األسفار للنرش‬
‫والتوزيع‪1430 ،‬ه)‪ ،‬ص ‪.125 – 120‬‬
‫(‪ )3‬الشيخ جواد بن حسني الرمضان‪ ،‬مطلع البدرين يف تراجم علامء وأدباء األحساء والقطيف‬
‫والبحرين‪( ،‬مكان الطبع‪ :‬بدون‪1419 ،‬ه ‪1999 -‬م)‪ ،‬ص ‪.131‬‬
‫(‪ )4‬السيد هاشم حممد الشخص‪ ،‬أعالم هجر من املاضني واملعارصين‪( ،‬قم‪ :‬مؤسسة أم القرى‬
‫للتحقيق والنرش‪1416 ،‬ه)‪ ،‬الطبعة الثانية‪ ،‬ص ‪.297-144‬‬

‫‪231‬‬

‫األمري كتا خبا بعنوان‪( :‬فكر ومنهج‪ :‬دراسة حتليلية حول فكر ومنهج مدرسة الشيخ‬
‫أمحد األحسائي)‪ ،‬ولألستاذ حسن بن حممد الشيخ دراسة موضوعية بعنوان‪( :‬آخر‬
‫الفالسفة)(‪ ،)1‬وثناها بدراسة موضوعية أخرى قارن فيها بني ابن رشد القرطبي‬
‫وابن زين الدين األحسائي يف كتاب بعنوان‪( :‬فيلسوفان ثائران)(‪ ،)2‬ونظم فيه السيد‬
‫حممد رضا السلامن أرجوزة شعرية بعنوان‪( :‬إرشاقة الشمس)‪ ،‬وأعد فيه األستاذ‬
‫أمحد بن عبد اهلادي حممد املحمد صالح‪ ،‬كتا خبا بعنوان (أعالم مدرسة الشيخ األوحد‬
‫يف القرن الثالث عرش اهلجري)(‪ ،)3‬وثنى كتابه بمقالة حتت عنوان‪( :‬مصادر ترمجة‬
‫مصدرا يف شتى أصناف املدونات‬
‫الشيخ أمحد)‪ ،‬وقد أحىص فيها مائة وعرشين‬
‫خ‬
‫وذلك يف جملة الواحة يف العدد ‪ 60‬لعام ‪2010‬م‪ ،‬شملت الكتب املتخصصة يف‬
‫الرتاجم‪ ،‬يف العديد من اللغات العربية‪ ،‬والفارسية‪ ،‬واإلنجليزية‪ ،‬والفرنسية‪،‬‬
‫واألردو‪ ،‬كام شملت دوائر املعارف‪ ،‬واملعاجم‪ ،‬والرسائل العلمية‪ ،‬ولعل من أبرز‬
‫اجلهات األكاديمية التي اهتمت بفكر الشيخ أمحد كتاب بعنوان‪( :‬نظرة فيلسوف‪ :‬يف‬
‫سرية الشيخ األحسائي والسيد الرشتي) للفيلسوف الفرنيس هنري كوربان‪ ،‬أستاذ‬
‫اإلسالميات يف مدرسة الدراسات العليا بجامعة السوربون(‪.)4‬‬
‫حتام قليل يف حقه‪ ،‬ولكنه إسهام يف‬
‫هذا هو الشيخ يف عيون األحسائيني‪ ،‬وهو خ‬
‫(‪ )1‬األستاذ حسن بن حممد الشيخ‪ ،‬آخر الفالسفة‪ :‬رؤية عرصية جديدة يف فكر الشيخ أمحد‬
‫األحسائي‪( ،‬مكان الطبع‪ :‬بدون‪ ،‬تاريخ الطبع‪1427 :‬ه ‪2007 -‬م)‬
‫(‪ )2‬األستاذ حسن بن حممد الشيخ‪ ،‬فيلسوفان ثائران‪( ،‬بريوت‪ :‬دار الرأي العريب‪1425 ،‬ه ‪-‬‬
‫‪2004‬م)‪.‬‬
‫(‪ )3‬األستاذ أمحد بن عبداهلادي املحمد صالح‪ ،‬أعالم مدرسة الشيخ األوحد يف القرن الثالث عرش‬
‫اهلجري‪( ،‬لبنان‪ :‬دار املحجة البيضاء‪1427 ،‬ه ‪2006 -‬م)‪.‬‬
‫(‪ )4‬الدكتور هنري كوربان‪ ،‬نظرة فيلسوف‪ :‬يف سرية الشيخ األحسائي والسيد الرشتي‪ ،‬ترمجة‪:‬‬
‫االستاذ خليل زامل‪ ،‬إعداد وتعليق‪ :‬الشيخ رايض نارص السلامن‪( ،‬لبنان‪ ،‬توزيع مؤسسة فكر‬
‫األوحد للتحقيق والطباعة والنرش يف سوريا‪ ،‬ودار هجر للنرش والتوزيع يف األحساء باململكة‬
‫العربية السعودية‪1425 ،‬ه ‪2004 -‬م)‪ ،‬الطبعة الثانية‪.‬‬

‫‪239‬‬

‫االعرتاف بجميل إنجازات الشيخ وفضلها‪ ،‬وما كتب عنه من خارج األحساء أكثر‪،‬‬
‫سواء من بعض دول اخلليج العريب كالكويت‪ ،‬وإيران‪ ،‬والعراق‪ ،‬ولبنان‪ ،‬وكتاب‬
‫غربيني من أمريكا‪ ،‬وفرنسا‪ ،‬وهو دليل عىل حضوره العاملي يف الوقت الراهن‪،‬‬
‫وسأورد الح خقا بعض املقتطفات بقلم السيد حممد حسن الطالقاين يف رسالة ماجستري‬
‫قدمها يف اجلامعة اليسوعية بلبنان‪ ،‬حيث متت مناقشتها بعنوان‪( :‬الشيخية نشأهتا‬
‫وتطورها ومصادر دراستها)‪ ،‬وتقع الرسالة يف ‪ 409‬صفحة‪ ،‬يف اجلامعة اليسوعية‬
‫يف لبنان عام ‪1974‬م(‪.)1‬‬
‫ومما كتب عن الشيخ يف خارج بيئة األحساء ما ييل‪:‬‬
‫‪ .1‬متت مناقشة رسالة ماجستري يف جامعة املصطفى بعنوان‪( :‬نظرية إبداع الوجود‬
‫عند الشيخ أمحد بن زين الدين األحسائي)‪ ،‬قدمها الشيخ سامي بومخسني وهو‬
‫أيضا‪ ،‬لكن املرشف األكاديمي عليه من جامعة دمشق يف سوريا‬
‫من األحساء خ‬
‫الدكتور توفيق داود‪ ،‬والشيخ معني دقيق‪ ،‬أستاذ يف جامعة املصطفى فرع دمشق‪،‬‬
‫ومناقشة الرسالة يف كلية اإلهليات يف اجلهة املذكورة‪ ،‬وتقع الرسالة يف‬
‫‪123‬صفحة(‪.)2‬‬
‫‪ .2‬نرش الدكتور جوان ر‪ .‬ي‪ .‬كول أستاذ التاريخ يف جامعة ميشيغان‪ ،‬يف الواليات‬
‫املتحدة األمريكية رسالة بعنوان‪( :‬رفض الذات‪ :‬التصوف عند الشيخ أمحد‬
‫األحسائي)(‪.)3‬‬
‫(‪ )1‬األستاذ أمحد بن عبد اهلادي املحمد صالح‪ ،‬مصادر ترمجة الشيخ أمحد األحسائي‪ ،‬جملة الواحة‪،‬‬
‫عدد ‪2010 ،60‬م‪.‬‬
‫(‪ )2‬الشيخ سامي بومخسني‪ ،‬إبداع الوجود عند الشيخ أمحد األحسائي‪ ،‬رسالة ماجستري‪( ،‬دمشق‪:‬‬
‫فرع جامعة املصطفى يف دمشق‪1431 ،‬ه ‪2011 -‬م)‪.‬‬
‫انظر‪:‬‬
‫‪http://www.altahera.net/article.php?act=printable_version&id=17042‬‬

‫(‪ )3‬جوان كول‪ ،‬رفض الذات‪ :‬التصوف عند الشيخ أمحد األحسائي‪ ،‬جملة الساحل‪ ،‬العدد‬
‫الثالث‪ ،‬السنة األوىل‪2007 ،‬م‪ ،‬ص ‪.112 – 91‬‬

‫‪240‬‬

‫‪ .3‬نرش الدكتور حممد عيل أمري معزي‪ ،‬أستاذ الدراسات اإلسالمية يف قسم العلوم‬
‫الدينية يف معهد الدراسات العليا يف باريس‪ ،‬دراسة بعنوان‪( :‬غياب يملؤه‬
‫احلضور‪ :‬تفسريات الشيخية للغيبة)(‪.)1‬‬
‫‪ .4‬نرش األستاذ يارس عبد اهلل آل مخيس‪ ،‬مقالة بعنوان‪( :‬ميزان املعرفة لدى‬
‫املدرستني األحسائية واخلراسانية)(‪.)2‬‬
‫‪ .5‬العديد مما أحصاه األستاذ أمحد املحمد صالح يف مقالته (مصادر ترمجة الشيخ‬
‫أمحد األحسائي) السابق ذكرها‪ ،‬متت أغلبها بأقالم من خارج األحساء‪.‬‬
‫ونظرا لكثرة ما كتب عن الشيخ أمحد األحسائي ما يغني عن تكراره يف هذه‬
‫خ‬

‫مصدرا جديدخ ا حديث الطباعة حتت عنوان‪( :‬جوهرة‬
‫الصفحات‪ ،‬عليه سأورد‬
‫خ‬
‫األحساء وفوارة النور‪ :‬الشيخ العارف األوحد وخامتة الفقهاء واملجتهد املطلق‪ ،‬أمحد‬
‫بن زين الدين األحسائي)‪ ،‬للسيد معني احليدري‪ ،‬وقد استوقفني الكتاب لكثرة‬
‫ومرورا بعدة مواضيع سلط‬
‫استقصائه ومتابعته‪ ،‬بد خءا من جميزي الشيخ ومستجيزيه‪،‬‬
‫خ‬

‫خالهلا املؤلف الضوء عىل عدد من املفاهيم املتعلقة بسرية الشيخ وآرائه‬

‫واإلشكاالت املوجهة إىل منهجيته وناقشها‪ ،‬ومدى قبول الوسط العلمي آلرائه سل خبا‬
‫وإجيا خبا‪ ،‬وذلك حتت ‪ 44‬عنوا خنا‪ ،‬ويقع الكتاب يف ‪ 355‬صفحة‪.‬‬
‫أما ما أفاد به السيد حممد حسن الطالقاين يف رسالة املاجستري التي تقدم هبا إىل‬
‫اجلامعة (اليسوعية) يف لبنان‪ ،‬حيث أوضح فيها مقدار القبول اإلجتامعي للشيخ‬
‫خارج حدود مدينته األحساء‪ ،‬ولن أستطيع أن أورد مجيع ما وصفه من حاالت لكن‬
‫علام‬
‫سأقتطف منها ما يمنح القارئ نظم صورة عن القبول الذي حظي به الشيخ‪ ،‬خ‬
‫(‪ )1‬الدكتور حممد عيل أمري معزي‪ ،‬غياب يلمؤه احلضور‪ :‬تفسريات الشيخية للغيبة‪ ،‬جملة‬
‫الساحل‪ ،‬العدد اخلامس‪ ،‬السنة الثانية‪2001 ،‬م‪ ،‬ص ‪.95‬‬
‫(‪ )2‬األستاذ يارس عبد اهلل آل مخيس‪ ،‬ميزان املعرفة لدى املدرستني األحسائية واخلراسانية‪ ،‬جملة‬
‫البصائر‪ ،‬العدد ‪ ،46‬عام ‪1431‬ه ‪2010 -‬م‪.‬‬

‫‪241‬‬

‫بأين قد وقفت عىل مصادر أولية حتكي مضامني هذه السطور التي سأوردها بقلم‬
‫السيد الطالقاين يف رسالته حيث يقول فيها‪« :‬قىض ‪ -‬الشيخ أمحد ‪ -‬شهر رمضان يف‬
‫أصفهان و ُأحيص مرة عدد املصلني خلفه فبلغوا ستة عرش أل خفا‪ ....‬وقد أجاز‬
‫األحسائي عدد من كبار علامء الشيعة يف عرصه إجازات مفصلة‪ ... ،‬وتصدر‬
‫األحسائي للتدريس يف املعقول واملنقول سنني طويلة وكانت له حوزات عامرة يف‬
‫كل من كربالء والنجف والبرصة وغريها يف املدن العراقية ويف قزوين ويزد وطهران‬
‫وأصفهان وكرمان شاه‪ ،‬وغريها من املدن اإليرانية ويف األحساء والبحرين وغريمها‬
‫من دول اخلليج‪ ،‬وقد خترج عليه املئات من العلامء وأهل الفضل‪ ،‬وبلغت به احلال‬
‫حدخ ا إذا هبط مدينة علمية تعطلت فيها الدروس واألبحاث‪ ،‬وهرع ُحضارها إىل‬
‫جملس درسه ليستفيدوا منه ‪ ...‬وقد روى باإلجازة عن األحسائي عدد من كبار علامء‬
‫عرصه ومشاهريه‪ ... ،‬ومؤلفات األحسائي كثرية‪ ،‬واحلديث عنها طويل‪ ،‬فقد عاش‬
‫سب خعا وسبعني سنة قىض معظمها يف عزلة عن الناس‪ ،‬معتك خفا يف مكتبته يؤلف‬
‫الرسائل وجييب عىل مئات املسائل‪ ،‬ويرد عىل خمتلف االعرتاضات‪ ،‬ويصحح بعض‬
‫األفكار اخلاطئة واملفاهيم املغلوطة ‪ -‬يف رأيه ‪ -‬يف كتب من عارصه ومن سبقه من‬
‫علامء املعقول واملنقول‪ ،‬وقد بارك اهلل يف إنتاجه فخلف ثروة فكرية ضخمة‪ ،‬شغلت‬
‫عرشات العلامء الفحول يف حياته وبعد وفاته إىل يومنا هذا‪ ،‬وستبقى كذلك إىل ما‬
‫شاء اهلل‪ ... ،‬واحلقيقة أنه لو مل يكن يف مؤلفاته فائدة غري ما كتب يف نقده والدفاع عنه‬
‫وذخرا‪ ،‬فقد أغنت املكتبة اإلسالمية بثروة‬
‫فخرا‬
‫خ‬
‫من كتب قيمة وأسفار مهمة لكفاه خ‬
‫كثريا من اجلوانب الفكرية يف اإلسالم‪،‬‬
‫هائلة وأمدهتا بمصادر عديدة أوضحت خ‬
‫والسيام لدى الشيعة اإلمامية‪ ،‬لقد ألف األحسائي يف كثري من العلوم املتداولة يف‬
‫عرصه وحميطه‪ ،‬فقد كتب يف األدب بفروعه‪ :‬من نحو‪ ،‬ورصف‪ ،‬وبالغة‪ ،‬ولغة‪،‬‬
‫ومنطق‪ ،‬وعروض‪ ،‬وغريها‪ ،‬ويف الرياضيات‪ :‬من حساب‪ ،‬وهندسة‪ ،‬وهيأة‪ ،‬وفلك‪،‬‬
‫ويف الفقه وأصوله‪ ،‬واحلديث‪ ،‬واألخالق‪ ،‬والتاريخ‪ ،‬واحلكمة اإلهلية‪ ،‬والفلسفة‬
‫وعلم الكالم‪ ،‬والعقائد‪ ،‬واملوسيقى‪ ،‬والطب‪ ،‬والعلوم الغريبة‪ ،‬كالرمل واجلفر‬
‫والكيمياء وغريها‪ ... ،‬تألق نجم األحسائي فتلقته األوساط العلمية بقبول حسن‪،‬‬
‫‪242‬‬

‫وعرف بغزارة العلم‪ ،‬وسمو الفكر‪ ،‬وعلو الثقافة‪ ،‬وأشري إليه باألنامل وأمجع الكل‬
‫عىل ورعه‪ ،‬وتقواه‪ ،‬وترسله‪ ،‬وزهده يف الزعامة الدينية‪ ،‬ومتع احلياة كافة‪ ،‬وأخذ‬
‫ينتقل بني النجف‪ ،‬وكربالء والكا مية‪ ،‬فيقيض فيها مد خدا طويلة وكانت فيها يومذاك‬
‫حوزات دراسية ضخمة‪ ،‬وعلامء أفذاذ‪ ،‬وكانوا يتسابقون إىل زيارته‪ ،‬ويبالغون يف‬
‫احرتامه‪ ،‬ولذلك كثر اإلقبال عليه‪ ،‬وعظم يف نفوس العامة عىل اختالف طبقاهتم‪،‬‬
‫وأخذت رياسته بالتوسع رغم إعراضه عنها‪ ،‬وأوشكت شهرته أن تغطي العلامء‬
‫املعارصين له‪.‬‬
‫يف أصفهان ‪ ...‬أذيع أن احلوزات العلمية واحللقات الدراسية كافة قد تعطلت‪،‬‬
‫وأن طالهبا عامة سيحرضون درس الشيخ األحسائي فحرضه مال هادي السبزواري‬
‫مع من حرض‪ ،‬ورأى كبار العلامء ومشاهري املدرسني‪ ،‬كالشيخ حممد إبراهيم‬
‫الكربايس صاحب (اإلشارات) وغريه حتت منربه‪ ،‬وكان يدرس الفلسفة واحلكمة‬
‫اإلهلية وقد أمجع العلامء قاطبة عىل زهد الشيخ وتقواه‪ ... ،‬وهكذا كانت احلال‬
‫بالنسبة له يف كل مدينة دخلها يف إيران‪ .. ،‬تعظيم مل يشاركه فيه أحد من علامء إيران‪،‬‬
‫وفيهم الفطاحل وذوو البيوت الرفيعة العريقة يف الزعامة الدينية‪ ،‬وقد كانوا مجي خعا‬
‫يسارعون إىل استقباله قبل غريهم‪ ،‬وقبل أن ينتدبوا‪ ،‬ويأمتون به يف الصالة ويقدمونه‬
‫عىل أنفسهم يف املناسبات إذا حرض»(‪.)1‬‬
‫لعل هذا حال الشيخ يف أيام حياته‪ ،‬من حيث احلفاوة والتقدير‪ ،‬لكنه تعرض يف‬
‫الوقت ذاته إىل موجة من العداوة الكبرية يف أيام حياته؛ بسبب العديد من‬
‫أطروحاته‪ ،‬وأ ًّيا كانت تلك املامرسة عىل الرغم من بشاعتها‪ ،‬لكن العربة بالنتيجة‪ ،‬أال‬
‫(‪ )1‬السيد حممد حسن الطالقاين‪ ،‬الشيخية‪ ،‬رسالة ماجستري‪( ،‬لبنان‪ :‬اجلامعة اليسوعية‪1974 ،‬م)‪.‬‬
‫ مالحظة‪ :‬هذا نق خ‬‫ال عن كتاب جوهرة األحساء وفوارة النور للسيد معني احلديري ص ‪،32-30‬‬
‫وقد نقلها املذكور عن السيد الطالقاين من صفحات متفرقة من رسالته من صفحة ‪ 71‬وحتى‬
‫‪.109‬‬

‫‪243‬‬

‫وهي أن الشيخ بفضل متاسك نظريته وانسجامها مع املفاهيم اإلسالمية‪ ،‬استطاعت‬
‫بعض أطروحاته أن تترسى إىل الساحة العلمية‪ ،‬ولكن من دون ذكر مصدرها وهو‬
‫الشيخ األحسائي‪ ،‬أو عىل أقل تقدير أنه كان الباعث واملحرك هلا يف الساحة العلمية‪،‬‬
‫وهذه املعلومات أوردها هنا عىل نحو وجهات نظر نقلتها عن بعض أهل الفضل‪،‬‬
‫وعليه تظل يف حالة قبوهلا األويل عىل نحو اإلدعاءات ليس إالّ‪ ،‬ولكي تتحول إىل‬
‫حقائق‪ ،‬ينبغي االنتقال هبا إىل منضدة البحث العلمي‪ ،‬والتعامل معها عىل نحو‬
‫الفرضيات ليتم إثبات صحتها من عدمها‪ ،‬وعليه أقرتح أن تناقش هذه املدعيات عىل‬
‫هيئة أطروحات علمية‪ ،‬وتلك املدعيات كام ييل‪:‬‬
‫‪« .1‬إن تناول املسائل الوالئية‪ ،‬والتحقيق يف مقامات أهل البيت ‪ ،A‬واالجتهاد‬
‫فيها مل تعرفها الساحة العلمية وبالتحديد يف إيران‪ ،‬إالّ بعد أن طرحها الشيخ‬
‫أمحد بن زين الدين األحسائي»‪ ،‬ويستدل املدعي عىل ما طرحه آية اهلل العظمى‬
‫الشيخ الوحيد اخلراساين من رؤى يف حمارضات تم تدوينها من قبل بعض‬
‫طالب العلم يف كتاب بعنوان‪( :‬مقتطفات والئية) وترمجها الشيخ عباس بن‬
‫نخي‪ ،‬وبإرشاف السيد هاشم اهلاشمي الكويتي‪ ،‬وتم نرش الكتاب يف مؤسسة‬
‫االمام للنرش والتوزيع‪ ،‬عام ‪2010‬م يف طبعته الثالثة‪ ،‬وعليه فمن املالئم أن يتم‬
‫تتبع نشأة مثل هذه الرؤى تاري ًّيا‪.‬‬
‫‪« .2‬إن أول من طرح مسألة حكم التقدم عىل قرب املعصوم‪ ،‬هو الشيخ أمحد بن زين‬
‫الدين األحسائي»‪ ،‬وهي مسألة يناقشها الفقهاء ولدهيم فتاوى حياهلا‪ ،‬ومن مجلة‬
‫من طرحها للبحث سامحة آية اهلل الشيخ حممد بن سلامن اهلاجري(‪ ،)1‬واملدعى‬
‫هو أن أول من طرح هذه املسألة الرشعية وناقشها هو الشيخ أمحد بن زين الدين‬
‫األحسائي‪ ،‬وهي األخرى مسألة تستدعي متابعة تاريخ نشأهتا يف الرسائل‬
‫العملية‪ ،‬والبحوث االستداللية املكتوبة‪.‬‬
‫(‪ )1‬الشيخ حمم د بن سلامن اهلاجري‪ ،‬رسالة يف حكم التقدم عىل قرب املعصوم‪ ،‬جملة الفقاهة‪ ،‬العدد‬
‫‪ ،10‬عام ‪2010‬م‪.‬‬

‫‪244‬‬

‫‪ -3‬آية اهلل الشيخ عبد اهلادي الفضيل‬
‫آية اهلل الشيخ عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬ثالث املنائر األحسائية التي تطل من خالهلا‬
‫األحساء عىل الساحة العاملية‪ ،‬ولد عام ‪1354‬ه ‪1935 -‬م‪ ،‬وتويف عام ‪1434‬ه ‪-‬‬
‫‪2013‬م‪ ،‬عرف الكتاب والقلم منذ نعومة أ فاره‪ ،‬كطالب يف املدارس النظامية‪،‬‬
‫ودارس حوزوي لدى والده الفقيه املريزا حمسن الفضيل حيث أهنى عىل يديه مرحلة‬
‫املقدمات يف مدينة البرصة بصبخة العرب‪ ،‬ويف عام ‪1949‬ه يمم وجهه نحو النجف‬
‫األرشف‪ ،‬وله من العمر أربعة عرش عا خما‪ ،‬أمىض فيها ما يقارب من ‪ 20‬سنة متخضت‬

‫عن حراك مل يعرف الكلل وامللل‪ ،‬ما يكاد ينتهي من حمطة حتى ينتقل لألخرى‪ ،‬وربام‬

‫زاوج بني حمطتني يف آن واحد‪ ،‬وال أعلم كيف كان يوفق بينهام؟ لكنه التفكري‬
‫االسرتاتيجي وما ينطوي عليه من تفكري جاد نحو بيئته اخلارجية تارة؛ لريى ما فيها‬
‫من مساحات مل تشغل بإنتاج إبداعي يستحق التضحية من أجله‪ ،‬وتارة أخرى ليبرص‬
‫مكونات بيئته الداخلية وما تشتمل عليه من قابليات‪ ،‬وإمكانيات يمكن تو يفها يف‬
‫إنجاز رؤيته التي رصدها يف بيئته اخلارجية‪ ،‬وبني هذا وذاك راح يسعى بكل طمأنينة‬
‫وثبات نحوها‪ ،‬أال وهي حتديث الكتب الدينية احلوزوية وما يتصل هبا من علوم‬
‫أخرى يف العلوم اللغوية والعقلية لتكون مالئمة للوسطني احلوزوي واجلامعي يف آن‬
‫واحد‪.‬‬
‫وقد رصح هبا ذات مرة‪ ،‬خالل املقابلة التي أجراها له األستاذ حسني منصور‬
‫الشيخ‪ ،‬وقد دون حواره معه يف كتابه‪( :‬الدكتور عبد اهلادي الفضيل‪ :‬تأريخ‬
‫ووثائق)‪ ،‬حيث سأله‪« :‬ما هو أهم مشاريعكم التي كنتم تودون إنجازها‪ ،‬وما الذي‬
‫حتقق منها؟ فأجابه الشيخ‪ :‬مرشوعي األهم كان وضع املقررات الدراسية للحوزات‬
‫العلمية وتطوير موادها وفق مناهج البحث العلمي احلديث‪ ،‬وأمحد اهلل سبحانه‬
‫الذي وفقني يف إنجاز هذا املرشوع»(‪ ،)1‬ويف سبيل هذا الرؤية الطموحة استغرق ما‬
‫(‪ )1‬األستاذ حسني منصور الشيخ‪ ،‬الدكتور عبد اهلادي الفضيل‪ :‬تأريخ ووثائق‪( ،‬البحرين‪ :‬مداد‬

‫=‬

‫‪245‬‬

‫يقارب من مخسني عا خما من عام (‪1310‬ه ‪1960 -‬م) حتى عام (‪1429‬ه ‪-‬‬
‫مركزا عىل رضورة إنجازها‪ ،‬مرت خبا‬
‫‪2001‬م) سعى خالهلا وفق مراحل مدروسة‬
‫خ‬
‫ثامرا يانعة سمتها‬
‫ألولوياهتا‪ ،‬يف نظام ال يرتم من أي فرد كائن من كان‪ ،‬فجنى خ‬
‫اإلتقان‪ ،‬واإلجيابية‪ ،‬تلقتها مجاهريه من طالب حوزويني وجامعني‪ ،‬ومراكز بحثية‪،‬‬
‫يف بالد العرب والعجم‪ ،‬بل وحتى بالد الغرب يف آخر مطاف تنامت فيه نتاج جتربته‪،‬‬
‫فقد اعتمدت إحدى اجلامعات يف الغرب‪ ،‬وهي‪ )Islamic College( :‬يف بريطانيا‪،‬‬
‫أحد كتب الشيخ كمقرر لطالهبا بعد أن ترمجته إىل اللغة اإلنجليزية‪ ،‬وهو كتاب‬
‫(مدخل إىل علم احلديث) مع كتاب (دراية احلديث) للشهيد الثاين وهو من الكتب‬
‫املعتمدة يف احلوزات العلمية منذ أمد بعيد‪ ،‬وأما تاريخ الرتمجة وإدخال كتاب الشيخ‬
‫الفضيل إىل هذه اجلامعة فكان اإلصدار األول يف عام ‪2002‬م‪ ،‬واإلصدار الثاين يف‬
‫عام ‪2011‬م‪ ،‬وال زال التنسيق جيري يف اقتناء مقررات أخرى(‪.)1‬‬
‫و قد بلغ عدد كتبه التي ألفها بام فيها املقررات الدرسية احلوزوية‪/‬اجلامعية‪،‬‬
‫منشورا يف الدوريات املختلفة‪ ،‬وحوايل ‪155‬‬
‫حوارا علم ًّيا‬
‫خ‬
‫‪ 75‬كتا خبا‪ ،‬وحوايل ‪ 15‬خ‬
‫تقريضا ملؤلفات‬
‫مقالة ودراسة منشورة يف الدوريات املختلفة‪ ،‬مضافا عليها ‪130‬‬
‫خ‬
‫آخرين(‪.)2‬‬
‫للثقافة واإلعالم‪1430 ،‬ه ‪2009 -‬م)‪ ،‬ص‪.170‬‬
‫(‪ )1‬إفادة من األستاذ فؤاد بن الشيخ عبد اهلادي الفضيل يف تاريخ ‪2013-4- 24‬م‪ ،‬عرب رسالة‬
‫الكرتونية‪ ،‬بأنه زار اجلامعة يف بريطانيا عام ‪2011‬م‪ ،‬وكان يف استقباله مدير جلنة املقررات‬
‫مجا‪ ،‬وطلبوا جمموعة أخرى من كتب الشيخ الدراسية لرتمجتها‬
‫باجلامعة‪ ،‬ووجد الكتاب مرت خ‬
‫وطباعتها وإدراجها ضمن مقررراهتم‪ ،‬وقد أفادوا بأن الكتاب قد طلب من مؤسسات علمية‬
‫كاجلامعات واملعاهد ومن أساتذة أفراد يف عدة مناطق يف العامل وأكثرها من أمريكا واسرتاليا‪،‬‬
‫واسم اجلامعة وبيانات نرش الكتاب بعد الرتمجة هو‪:‬‬
‫‪Including Dirayat al-Hadith by al-، Abd al-hadi al-Fadli،Introduction to Hadith‬‬
‫‪2 st ، 2002، 1st edition، Translated by Nazmina VirJee،Shahid al-Thani‬‬
‫‪UK، Islamic College، ISAS Press،2011،edition‬‬
‫(‪ )2‬األستاذ فؤاد الفضيل‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬رسالة الكرتونية‪ ،‬يف ‪2013-4- 24‬م‪.‬‬

‫‪246‬‬

‫قصة نجاح آية اهلل الفضيل بدأت أول ما بدأت يف حراك علمي بني دارس‬
‫ومدرس يف الوسطني احلوزوي والتعليم النظامي ‪ -‬يف املدارس‪ ،‬ومن ثم إىل‬
‫اجلامعات ‪ -‬حيث يف احلوزة كدارس يف مرحلة السطوح تلتها مرحلة البحث‬
‫ومدرسا فيها يف الوقت ذاته‪ ،‬كثقافة درجت عليها احلوزة‪ ،‬بل وحترص‬
‫اخلارج‪،‬‬
‫خ‬
‫عليها كأسلوب من أساليب تنمية كفاءاهتا العلمية عرب اجلهد الذايت‪ ،‬ويف اجلامعة‬

‫كطالب يف مرحلة البكالوريوس يف كلية الفقه بالنجف يف عام ‪1959‬م‪ ،‬ومن ثم‬
‫طالب يف مرحلة املاجستري منذ عام ‪1961‬م وحتى ‪1971‬م يف جامعة بغداد‪،‬‬
‫وكأستاذ يف كلية الفقه بعد خترجه فيها بدرجة البكالوريوس(‪.)1‬‬
‫ويف العام ذاته أي عام ‪1971‬م التحق بجامعة امللك عبد العزيز بجدة ليبدأ‬
‫منها مشواره نحو درجة الدكتوراه حيث ابتعث إىل جامعة القاهرة وخترج فيها عام‬
‫أيضا رجع إىل جامعته يف جده ليبدأ مرحلة التدريس بعد‬
‫‪1975‬م‪ ،‬ويف العام ذاته خ‬
‫التخرج‪ ،‬وهناك أسس قسم اللغة العربية يف كلية اآلداب باجلامعة‪ ،‬وكان أول رئيس‬
‫له‪ ،‬كام كان له دور كبري يف تأسيس قسم املخطوطات يف مكتبة اجلامعة املركزية فيها‪،‬‬
‫وملا أن بلغ عام ‪1919‬م‪ ،‬تقاعد من اجلامعة بعدما أتم ‪ 11‬عا خما فيها‪ ،‬ويف العام ذاته‬

‫التحق باجلامعة العاملية للعلوم اإلسالمية يف لندن كمدرس ملادة املنطق‪ ،‬وتاريخ‬
‫الترشيع اإلسالمي‪ ،‬وأصول احلديث‪ ،‬وأصول علم الرجال‪ ،‬وعلم الكالم‪ ،‬ويف عام‬

‫‪1991‬م بدأ الشيخ يامرس هوره كمحارض يف املواسم الثقافية‪ ،‬حتى شكل بثقله‬
‫العلمي‪ ،‬وما يكتنزه من خربة علمية وعملية يف ميدان العلم واملعرفة ونرش الثقافة‪،‬‬
‫مؤثرا جليلها الصاعد‪ ،‬ومن مجلة ما اعتنى به عنايته باملؤلفني والكتاب‪،‬‬
‫رافدخ ا جديدخ ا خ‬
‫واحتضان طاقاهتم‪ ،‬ورعايتها‪.‬‬

‫حينام أتعرض لسريته‪ ،‬ليس فقط من باب الوفاء حلقه كعامل أحسائي استفدت‬
‫(‪ )1‬حسني منصور الشيخ‪ ،‬الدكتور الفضيل‪ :‬تاريخ ووثائق‪( ،‬البحرين‪ :‬مداد للثقافة واإلعالم‪،‬‬
‫‪2009 -1430‬م)‪ ،‬ص ‪.104‬‬

‫‪247‬‬

‫من جتربته اليشء الكثري كام استفاد منه أبناء جييل الذين عاشوا مجال علمه وخلقه‪،‬‬
‫وإنام للرضورة امللحة ليقرأه طالب العلم املعارصين والقادمني يف املستقبل بإذن اهلل‪،‬‬
‫وعندما نقرأه سنقرأه كناجح قادر عىل أن يورث صنعة النجاح يف املتطلعني إليها ولو‬
‫من خالل قراءة بعض السطور عن جتربته‪ ،‬فتجارب احلياة علمتنا أن لكل واحد فينا‬
‫لديه من املؤهالت وامللكات ما يمكنه أن يكون كأمثال الشيخ الفضيل يف إخالصه‬
‫لدينه‪ ،‬وإنسانيته‪ ،‬لكن ربام حيتاج إىل نموذج‪ ،‬يستطيع من خالله حماكاة نجاحه‪،‬‬
‫حتام‬
‫يستنسخ منه امتيازات شخصيته يف إطارها العام‪ ،‬وأما بصمته الفكرية فهي خ‬
‫ستخرج بشكل تلقائي‪ ،‬من وحي ذاته‪ ،‬ولن يستطيع استنسا جتربة الشيخ الفضيل‪،‬‬
‫كفضيل آخر مهام حاول؛ ألن البصمة الفكرية هلا من اخلصوصية الغري قابلة‬
‫لالستنسا ‪ ،‬كام هو احلال ال يستطيع أحد منا أن يستنسخ بصمة إهبام اآلخرين‪،‬‬
‫وسأعرض ملسألة استنسا امتياز جتربته ومدى إمكانيتها يف املبحث الثالث من هذه‬
‫البحث‪.‬‬
‫هلذا الغرض سأجتول ما استطعت‪ ،‬وأسعفتني الذاكرة يف عرض مشاهدايت‬
‫ومسموعايت عن هذا العامل الفذ‪ ،‬وسأعترصها مكتف خيا باإلشارات دون التفصيل ألن‬
‫املقام يطول‪ ،‬فنحن سنظل بحاجة إليه حتى بعد رحيله يف العديد من جوانب جتربتة‬
‫العريضة‪ ،‬وهنا سأقف فقط عىل ساحل جتربته ككاتب‪ ،‬ولن أتعرض إليه كخطيب‬
‫بارع‪ ،‬ومرب فاضل‪ ،‬وأستاذ عرفته أروقة اجلامعات كام عرفته أروقة احلوزات‪ ،‬وال‬
‫كمناقش للرسائل العلمية يف درجاهتا العليا يف مرحلة املاجستري والدكتوراه‪ ،‬أو منظر‬
‫لألنشطة االجتامعية‪ ،‬وقارئ فذ ملا ختبئه األيام من مفاجآت‪ ،‬أو كأديب متذوق‪،‬‬
‫شعرا‪ ،‬ومؤر ‪ ،‬وفيلسوف‪ ،‬ومتكلم‪ ،‬نحن‬
‫وناقد لألعامل اإلبداعية‪ :‬قصة‪ ،‬ورواية‪ ،‬و خ‬
‫هنا عىل ساحله كمؤلف عشق القلم‪ ،‬والدفاتر‪ ،‬والكتب‪ ،‬واملراجع عىل شتى مشارهبا‬
‫الفكرية‪.‬‬
‫فقد كان الفقيه املتبحر يف العلوم اإلسالمية عىل شتى أصنافها‪ ،‬وقد تم تأبينه‬
‫من أعالم عرص الفقهاء منهم واللغويني‪ ،‬وعبارات التأبني من ذوي االختصاص‬
‫‪241‬‬

‫اللغوي واألديب‪ ،‬ال تقل أس خفا عىل فقد هذا الطود العلمي الرفيع من علامء احلوزات‬
‫العلمية يف املجال الرشعي‪.‬‬

‫‪ ‬املبحث الثاين‪ :‬اهتمام الفضلي بالتأليف واملؤلفني‬
‫سأعالج يف هذا املبحث موضوعات جيمعها التأليف واملؤلفون‪ ،‬وسأجيب من‬
‫خالهلا عىل أسئلة هامة‪ ،‬لعل أبرزها هو ماذا قدم الشيخ يف جتربته الكتابية كعامل؟‬
‫وهل اقترصت جتربة الشيخ الفضيل يف جمال الكتابة عىل العناية بنفسه؟ أم أن عشقه‬
‫لعامل الكتاب والكتابة عزله عن االهتامم بإنجازات اآلخرين يف جمال التأليف؟ أم عىل‬
‫العكس من ذلك؟ جعل املؤلفني جزء من دائرة اهتاممه‪ ،‬ومنحهم من التقدير‬
‫والتفرغ كام لو كانت كتبهم التي أنجزوها قد أفرغتها قرحيته‪ ،‬فاحتفى هبا ومنحهم‬
‫من اإلهتامم اليشء الكثري‪ ،‬ولو كان ذاك عىل حساب وقته وصحته؟ أسئلة سبق أن‬
‫طرحتها يف مقدمة البحث‪ ،‬وإعادهتا هنا تنم عن أمهيتها‪ ،‬وستتم اإلجابة عليها يف‬
‫املطالب التالية‪:‬‬
‫ املطلب األول‪ :‬موسوعية الشيخ الفضيل‪ ،‬وأثرها عىل مد جسور التواصل بني‬‫االختصاصات العلمية يف تأليفاته احلوزوية‪.‬‬
‫ املطلب الثاين‪ :‬حفاوة الشيخ باملؤلفني‪.‬‬‫ املطلب الثالث‪ :‬قناعة الشيخ بأمهية التأليف كرسالة للمبلغني والدعاة‪.‬‬‫‪ -‬املطلب الرابع‪ :‬عناية الشيخ بتقريظ املؤلفات‪.‬‬

‫املطلب األول‪ :‬موسوعية الشيخ الفضيل‪ ،‬وأثرﻫا عىل مد جسور التواصل بني‬
‫الختصاصات العلمية يف تأليفاته احلوزوية‪:‬‬
‫كام يتضح من عنوان املطلب أنه سينصب عىل إبراز سمة يف شخصية الشيخ‬
‫العلمية‪ ،‬أال وهي املوسوعية‪ ،‬وهذا يلزمنا أن يكون احلديث عن مصادر تلك‬
‫املوسوعية‪ ،‬وجماالت تو يفها يف مشاريعه التأليفية للمقررات‪ ،‬وما أفضت به نتائج‬
‫‪249‬‬

‫مطالعاته‪ ،‬ومراقبته للساحة العلمية‪ ،‬ومالحظاته عىل طبيعة املقررات الدراسية‪،‬‬
‫ورضورة إعادة صياغة وتطوير بعضها‪ ،‬وفق معطيات طبيعة املنهج اخلاص ألي علم‬
‫من العلوم‪.‬‬
‫فقد أسهم الشيخ بشكل جوهري يف حتقيق إضافة علمية للمكتبة االسالمية‪،‬‬
‫وذلك كنتيجة لعمر مديد قضاه بني دارس ومدرس يف الوسطني احلوزوي‬
‫واجلامعي‪ ،‬وقد بلغ يف هذين الوسطني درجة علمية متقدمة‪ ،‬وكمؤلف للمقررات‬
‫فيام بعد‪ ،‬وقد ترتب عىل هذه امللكات املتنوعة يف دروسها‪ ،‬وأساليبها‪ ،‬وتنوع‬
‫مداركها‪ ،‬أن مكنته من اخلروج بوجهات نظر تصحيحية يف بعض منها‪ ،‬وتطويرية‬
‫يف البعض اآلخر‪ ،‬ذات أمهية‪ ،‬وذلك وف خقا ملعطيات الواقع‪ ،‬وحتديات املرحلة‪ ،‬وقد‬
‫انعكست موسوعيته تلك‪ ،‬بشكل واضح عىل بعض مقرراته الدراسية مما حقق‬
‫إضافة علمية حتسب له‪ ،‬ولقد أسهم يف متكنه من إنجاز رؤيته تلك‪ ،‬أنه ال حيب‬
‫تسليط األضواء وال الشهرة‪ ،‬ويف ل هذه البيئة الداخلية املستقرة التي مألت‬
‫جوانبه‪ ،‬جعلته يرصد الفرص املتاحة له يف بيئته اخلارجية بكل ثقة لكي حيقق إبداعه‬
‫وبصمته اخلاصة به‪.‬‬
‫ولعل من أبرزها منهجه اخلاص يف كتابة الدروس واملقررات بلغة حتتفظ‬
‫باجلانب العلمي فيها‪ ،‬ولكنها يف أسلوب مبسط‪ ،‬خال من التعقيد‪ ،‬حيث له مالحظة‬
‫عىل من يعمد إىل التعقيد يف العبارات‪ ،‬ففي إحدى اللقاءات به‪ ،‬عربعن هدفيته تلك‬
‫بقوله‪ :‬إن الكتب الدرسية تشتمل عىل صعوبتني يواجهها الدارس‪ ،‬طبيعة املفاهيم‬
‫املطروحة فيها‪ ،‬وهي يف حد ذاهتا حتتاج إىل ذهنية جيدة الستيعاهبا‪ ،‬وبالتايل إضافة‬
‫تعقيد للعبارات هي من نوع املبالغة الغري مربرة‪ ،‬وعليه ال بد من تفريغها من تلك‬
‫العقد اللفظية‪ ،‬وإبرازها عىل طبق لغوي‪ ،‬واضح وسهل‪ ،‬جيعل الطالب عىل ثقة تامة‬
‫بأنه قد فهم ما يريد أن يقوله مؤلف الكتاب‪ ،‬ال جيعله يف دائرة من التخمني‬
‫واالحتامل‪ ،‬كام يقع فيه بعض الطالب‪.‬‬

‫‪250‬‬

‫كام للشيخ مالحظة أخرى أال وهي رضورة االستفادة من االختصاصات‬
‫العلمية التي من شأهنا أن تسهم يف منح الفقيه ممارسة دوره كفقيه ال يكتفي بفهم‬
‫بنيوية النصوص‪ ،‬وإنام ال بد له من التعرف عىل البيئة اخلارجية وما فيها من عنارص‬
‫تسهم يف عملية االستنباط‪ ،‬وقد انعكس فهمه هذا عىل العديد من املقررات الدراسية‬
‫التي أعدها لطالب العلوم الرشعية‪.‬‬
‫إن املوضوعات التي كتب فيه الشيخ الفضيل كام ذكرت كثرية‪ ،‬ومؤلفاته بلغت‬
‫السبعني‬

‫(‪)1‬‬

‫كتاب‪ ،‬ويف مراحل متعاقبة لنموه الفكري‪ ،‬ولعل من أواخر جتاربه‬

‫الفكرية هو إسهامه يف كتابة مقرريني أساسيني صنفهام الشيخ لتكون جمال استفادة‬
‫طالب العلم الرشعي منها يف مرحلة السطوح ومها‪( :‬دروس يف أصول فقه‬
‫اإلمامية)‪ ،‬و(دروس يف فقه اإلمامية)‪ ،‬وقد انطبع هذين الكتابني بموسوعيته‪ ،‬وأثر‬
‫انفتاحه‬

‫عىل االختصاصات العلمية األخرى‪ ،‬وو ف العديد من تلك‬

‫االختصاصات فيهام وذكر دواعي رضورة االنفتاح الذي قام به‪ ،‬وقبل أن أتناول‬
‫املؤلفني بتحليل أثر موسوعية الشيخ عليهام وأسباهبا أعرض متثي خ‬
‫ال بيان ًّيا للمجاالت‬
‫التي كتب الشيخ الفضيل وعدد املؤلفات يف كل فرع من فروع املعرفة‪:‬‬
‫املوضوعات‬

‫العدد‬

‫املوضوعات‬

‫العدد‬

‫فقه وأصول وحديث‬

‫‪13‬‬

‫الرتبية واألخالق‬

‫‪1‬‬

‫العقائد وعلم الكالم والفلسفة‬

‫‪11‬‬

‫علوم القرآن‬

‫‪6‬‬

‫واملنطق‬
‫الرتاجم‬

‫‪2‬‬

‫التاريخ والرتاث‬

‫‪2‬‬

‫اللغة وآداهبا‬

‫‪20‬‬

‫القضية احلسينية‬

‫‪1‬‬

‫(‪ )1‬األستاذ حسني منصور الشيخ‪ ،‬الدكتور عبد اهلادي الفضيل‪ :‬تاريخ ووثائق‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‬
‫‪ ،133-132‬وص ‪ ،151-157‬وص ‪.170-169‬‬
‫مالحظة‪ :‬قد أفاد األستاذ فؤاد بن الشيخ الفضيل‪ ،‬أن عدد مؤلفاته ‪ ،75‬وربام أن بعض كتبه مل‬
‫تطبع بعد‪.‬‬

‫‪251‬‬

‫مفاهيم إسالمية‬

‫اجلغرافيا‬

‫‪13‬‬

‫إمجايل عدد الكتب‬

‫‪1‬‬

‫‪70‬‬

‫‪20‬‬

‫‪13‬‬

‫‪13‬‬
‫‪11‬‬
‫‪6‬‬

‫‪2‬‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪1‬‬

‫‪1‬‬

‫أما عن كتابيه (دروس يف أصول فقه اإلمامية)‪ ،‬و(دروس يف فقه اإلمامية) وأثر‬
‫موسوعيته عىل تأليفهام‪ ،‬من حيث مده جلسور من تواصل اإلختصاصيني يف‬
‫املوضوع املطروح يف الكتب احلوزوية‪ ،‬وسد الفجوات املعلوماتية يف البحوث التي‬
‫يطرحها‪ ،‬مها كام ييل‪:‬‬
‫‪252‬‬

‫أولً‪ :‬آثار موسوعيته عىل كتابه (دروس يف أصول فقه اإلمامية)‪:‬‬
‫من املالحظ أن الشيخ قبل أن يط بقلمه يف كتابه املوسوم بـ (دروس يف علم‬
‫يا ‪،‬‬
‫األصول)‪ ،‬قام بمسح واسع وشامل لعلم األصول عند اإلمامية‪:‬‬
‫منهجا‪ ،‬وتار خ‬
‫خ‬
‫ودراية بمراحل تطوره الفكري كعلم‪ ،‬وإحاطة بمصطلحاته‪ ،‬ومعرفة بأعالمه‬
‫واملدارس العلمية التي نشأت خالل تاريه‪ ،‬وإحاطة بفهرس نتاجات علامء اإلمامية‬
‫فيه منذ نشأة هذا العلم‪ ،‬فسجل أول ما سجل من مالحظات عىل علم األصول لدى‬
‫وبني‬
‫اإلمامية‪ ،‬اإلغراق يف تو يف علم الكالم وعلم الفلسفة يف فهم هذا العلم‪ّ ،‬‬
‫أسباب ذلك من خالل دراسة تاريية لنشأة علم أصول الفقه لدى اإلمامية‪ ،‬والتي‬
‫متخضت عن وجود ثالث مدارس هي‪:‬‬
‫املدرسة األوىل‪ :‬وهي مدرسة نقلية‪ ،‬تأسست بريادة الصدوقني‪ ،‬الشيخ ابن‬
‫بابويه القمي املتوىف عام (‪323‬ه) وابنه الشيخ الصدوق‪ ،‬املتوىف عام (‪311‬ه)‪،‬‬
‫وسمتها االعتامد املطلق عىل األحاديث املروية عن أهل البيت ‪ ،A‬وقد ابتعد‬
‫أقطاب هذه املدرسة عن الرجوع إىل العقل حتى يف املعتقدات‪ ،‬وكانت هذه املدرسة‬
‫تستمد أصوهلا الفقهية من األحاديث‪.‬‬
‫املدرسة الثانية‪ :‬وهي مدرسة عقلية‪ ،‬تأسست بريادة القديمني‪ ،‬ومها ابن أيب‬
‫عقيل احلذاء العامين‪ ،‬وابن اجلنيد اإلسكايف املتوىف عام (‪311‬ه)‪ ،‬وسمتها االعتامد‬
‫عىل العقل‪ ،‬بل وميل األخري إىل اجتهاد الرأي وإعطاء اعتبار للقياس الرشعي‬
‫املعروفني لدى علامء السنة‪.‬‬
‫وقد كان بني هاتني املدرستني خالف كبري ما أدى إىل قيام مدرسة جديدة ثالثة‬
‫للشيخ املفيد‪.‬‬
‫املدرسة الثالثة‪ :‬وهي مدرسة تكاملية‪ ،‬تأسست بريادة الشيخ املفيد املتوىف عام‬

‫‪253‬‬

‫(‪413‬ه)‪ ،‬وسمتها اجلمع بني املدرستني‪ ،‬وسلوك خط الوسط بينهام‪ ،‬ومل يأخذ‬
‫الشيخ يف مدرسته الوسطية بالقول بالعقل كام فعلت مدرسة القديمني‪ ،‬وإنام جعل‬
‫الدليل العقيل طري خقا موص خ‬
‫ال إىل معرفة حجية القرآن واألحاديث الرشيفة‪ ،‬وليس‬
‫العمل بالرأي والقياس‪.‬‬
‫و لت املدرسة الثالثة التي متثل االجتاه األصويل لدى االمامية‪ ،‬إىل تارينا‬
‫املعارص‪ ،‬يف قبال االجتاه اإلخباري واملتمثل يف املدرسة األوىل النقلية‪ ،‬ولكن ملما ُمنيت‬
‫به هذه املدرسة من ضعف بسبب التصدي الكبري الذي أبداه الشيخ الوحيد البهبهاين‬
‫هلا املتوىف عام (‪1201‬ه ) قبال رائدها يف زمانه الشيخ يوسف البحراين املتويف عام‬
‫مركزا‪ ،‬وقد كان قبل هذا الرصاع‪ ،‬وغياهبا عن‬
‫(‪1116‬ه)‪ ،‬والذي اختذ من كربالء‬
‫خ‬
‫مرسح األحداث العلمية‪ ،‬ما حدث من إيغال للمدرسة التكاملية يف تو يف علم‬
‫األصول بعلم الكالم والفلسفة كعلوم عقلية‪ ،‬عىل يد ثالثة علامء يف إيران هم‬
‫الفاضل التوين املتوىف عام (‪1071‬ه)‪ ،‬والشيخ املريزا حممد الشريواين املتوىف عام‬
‫(‪1091‬ه) واملحقق اخلونساري املتوىف عام (‪1091‬ه)‪ ،‬ويف مرحلة الحقة بعد‬
‫ضعف االجتاه اإلخباري ممث خ‬
‫ال يف دور الشيخ األنصاري‪ ،‬صاحب الرسائل املتوىف‬
‫عام (‪1271‬ه)‪.‬‬
‫ومن بعده اآلخوند اخلراساين صاحب الكفاية املتوىف عام (‪1329‬ه)‪ ،‬وعقبه‬
‫تلميذه الشيخ حممد حسني األصفهاين املتوىف عام (‪1361‬ه) كام برز معارص‬
‫لصاحب الكفاية الشيخ النائيني املتوىف عام (‪1355‬ه)‪ ،‬وكان متأ خثرا باالجتاه‬
‫الفلسفي والكالمي‪ ،‬وانعكس هذا بوضوح عىل حمارضاته األصولية التي قررها‬
‫معارصا‬
‫أيضا الشيخ آقا ضياء الدين العراقي كان‬
‫السيد اخلوئي والشيخ الكا مي‪ ،‬و خ‬
‫خ‬

‫للشيخني األصفهاين والنائيني‪ ،‬ومجيع هؤالء عمقوا تو يف علم الكالم والفلسفة‬
‫يف علم األصول‪ ،‬لكن بدت يف النجف األرشف ردة فعل جتاه هذا اإلغراق‬
‫الكالمي والفلسفي متثل يف حماوالت لتطوير املناهج متثلت يف دور كل من‪:‬‬

‫‪254‬‬

‫‪ .1‬الشيخ املظفر يف كتابه أصول الفقه‪.‬‬
‫‪ .2‬السيد حممد تقي احلكيم يف كتابه األصول العامة للفقه املقارن‪.‬‬
‫‪ .3‬السيد حممد باقر الصدر يف كتابه دروس يف علم األصول‪.‬‬
‫‪ .4‬السيد السبزواري يف كتابه هتذيب األصول(‪.)1‬‬
‫والشيخ الفضيل كمعارص ومراقب لكل هذا احلراك نحو التخلص مما ثقل بعلم‬
‫أصول الفقه من علم الكالم والفلسفة‪ ،‬ورضورة العودة إىل املنهج التكاميل وفق‬
‫صياغة الشيخ املفيد ‪ ،‬فقد أسهم يف تقديم أبحاث سابقة يف هذا املجال حتت‬

‫عنوان‪( :‬منهج دراسة النص عند األصوليني‪ ،‬ودور السيد حممد تقي احلكيم يف‬
‫تطويره)‪ ،‬وبحث آخر بعنوان‪« :‬عالقة علم األصول بالعلوم األخرى ودور السيد‬
‫الصدر يف تطويرها»‪.‬‬
‫وقد جعل من كتابه دروس يف علم األصول حمطة علمية إلجراء عمليات‬
‫تطبيقية لتخليص موضوعات علم األصول من علم الكالم والفلسفة‪ ،‬وقد اتضح له‬
‫بعد هذه اإلسهامات أن الفقيه لكي يامرس دوره كفقيه يو ف علم األصول يف‬
‫استنباط األحكام الرشعية عليه أن ينفتح عىل علوم مل تكن معهودة لدى طالب‬
‫العلوم الرشعية ومن أبرزها علم االجتامع اللغوي‪ ،‬وعلم النفس اللغوي‪ ،‬لكون‬
‫الذي يقرر طبيعة املنهج اخلاص ألي علم من العلوم شيئان‪ ،‬مها‪:‬‬
‫‪« .1‬طبيعة مادة العلم‪.‬‬
‫‪ .2‬اهلدف من وضع املادة‪.‬‬
‫واهلدف من وضع علم أصول الفقه ودراسته هو الوصول إىل معرفة قواعد‬
‫استنباط األحكام الرشعية من مصادرها املتمثلة بالكتاب والسنة»(‪.)2‬‬
‫(‪ )1‬الشيخ عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬دروس يف أصول فقه اإلمامية‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص ‪.17-5‬‬
‫(‪ )2‬الشيخ عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬دروس يف أصول فقه اإلمامية‪( ،‬بريوت‪ :‬مؤسسة أم القرى‬
‫للتحقيق والنرش‪1420 ،‬ه)‪ ،‬اجلزء األول‪ ،‬ص ‪.16‬‬

‫‪255‬‬

‫وهذا اهلدف يتطلب أن تنطوي مادة علم أصول الفقه عىل موضوعات حمددة‪،‬‬
‫ولكل واحد منها دليل مناسب هلا وقد قسم الشيخ تلك وحدد هلا الدليل املناسب‬
‫وهي موضحة يف اجلدول التايل‪:‬‬
‫املوضوع‬
‫إثبات حجية خرب الثقة‬

‫الدليل املناسب‬
‫سرية العقالء‪ ،‬أو قل ارتفاع درجة التعامل مع خرب‬

‫إثبات حجية هور األلفاظ الثقة و واهر األلفاظ من قبل الناس إىل مستوى‬
‫الظاهرة االجتامعية العامة‪.‬‬
‫تشخيص مراد املتكلم‬

‫قواعد اللغة‪ ،‬ألن تشخيص وتعيني مراد املتكلم من‬
‫كالمه يتوقف عىل حتليل نص كالمه وهذا ال يتأتى إال‬
‫عن طريق قواعد اللغة املتكفلة بذلك‪.‬‬

‫تعيني لوازم امتثال احلكم العقل الفطري‪ ،‬ألهنا من األمور البدهيية‪.‬‬
‫املطلوب‬
‫حتديد و يفة املكلف عند‬

‫واهر اجتامعية عامة‪.‬‬

‫فقدان النص الرشعي‪ ،‬أو‬
‫إمجاله أو سقوطه بسبب‬
‫التعارض املستحكم‬
‫املصدر‪ :‬الشيخ عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬دروس يف أصول الفقه اإلمامي‪ ،‬مصدر‬
‫سابق‪ ،‬اجلزء األول‪ ،‬ص ‪( .120-119‬بترصف)‬
‫وبعد هذا التحديد ملوضوعات علم األصول والدليل املناسب هلا خرج الشيخ‬
‫بنتيجة هي أن الدرس األصويل أمام واهر اجتامعية عامة‪ ،‬تتنوع إىل‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫واهر لغوية ‪ -‬اجتامعية‪.‬‬

‫‪ -‬و واهر اجتامعية ‪ -‬اجتامعية‪.‬‬

‫‪256‬‬

‫وعليه وجد أن هذا يتطلب يف جمال دراساهتا االلتزام بام ييل‪:‬‬
‫ املنهج اللغوي‪ -‬االجتامعي‪.‬‬‫ واملنهج االجتامعي ‪ -‬االجتامعي‪.‬‬‫وكال املنهجني يقومان عىل اعتامد طريقة االستقراء‪ ،‬ويفيد الشيخ الفضيل‬
‫بنتيجة هنائية مفادها‪« :‬ونحن هبذا نعود إىل املنهج الذي وضعه الشيخ املفيد‪ ،‬والذي‬
‫أقيص عن ميدان البحث األصويل عن غري قصد‪ ،‬وإنام بتأثري هيمنة علم الكالم عىل‬
‫منطلقات البحث األصويل» (‪.)1‬‬
‫ونظرا لوضوح أمهية علم االجتامع اللغوي‪ ،‬وعلم النفس اللغوي ‪ -‬لدى‬
‫خ‬
‫الشيخ الفضيل ‪ -‬كمصدر من مصادر علم األصول باإلضافة إىل العلوم األخرى‬
‫املعروفة كعلوم اللغة العربية‪ ،‬وعلم الداللة‪ ،‬وعلم األسلوب‪ ،‬وعلم املنطق‪ ،‬وعلم‬
‫الرجال‪ ،‬وعلم احلديث‪ ،‬وعلم الكالم‪ ،‬والفلسفة القديمة‪ ،‬وعلم الفقه‪ ،‬وعلم‬
‫أصول الفقه‪ ،‬جتده قد و ف العديد من مفاهيمهام يف بناء املقرر الدرايس املذكور بعد‬
‫أن سجل مالحظاته عىل خلو الكتب األصولية من ذكر مصادر علم أصول الفقه‪،‬‬
‫حيث يقول‪:‬‬
‫«مل يذكر األصوليني هذا العنوان يف كتبهم األصولية‪ ،‬ومل يتناولوه‪ ،‬وكان من‬
‫نهجا ‪ -‬أن يبحث بشكل مستقل‪ ،‬ويوضع يف موضعه الطبيعي من‬
‫الطبيعي ‪ -‬م خ‬
‫تصنيف موضوعات هذا العلم‪ ،‬فتنشأ به املقدمة العلمية هلذا العلم»(‪.)2‬‬
‫ومن موارد تو يفه علم االجتامع عىل سبيل املثال‪ ،‬ما سطره يف املبحث‬
‫(‪ )1‬الشيخ عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬دروس يف أصول الفقه اإلمامي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬اجلزء األول‪ ،‬ص‬
‫‪.11‬‬
‫(‪ )2‬م‪ .‬ن‪ ،.‬ج‪ ،1‬ص ‪.112‬‬

‫‪257‬‬

‫التمهيدي لعلم أصول الفقه حيث بعد أن أبرز دور العقل كمصدر ألصول الفقه‪ ،‬أو‬
‫ما يسمى بـ «السرية العقالئية»‪ ،‬والتي تسمى عند املتأخرين بـ «بناء العقالء» أفاد ما‬
‫نصه‪:‬‬
‫«وألن سرية العقالء ‪ -‬أو بناء العقالء ‪ -‬هي اهرة اجتامعية عامة‪ ،‬يأيت من‬
‫املفيد أن نمهد للحديث عنه بتعريف الظاهرة االجتامعية(‪.)1‬‬
‫عرف الظاهرة االجتامعية‪ ،‬وسامهتا من‪ :‬تلقائية‪،‬‬
‫ومن بعد هذا التمهيد َّ‬

‫وشمولية‪ ،‬وإلزام‪ ،‬وعرج بعد ذلك إىل ما يشرتط أن يكون يف السرية العقالئية حتى‬
‫تكون ممضاة من الشارع املقدس‪ ،‬وتكتسب الصفة الرشعية‪ ،‬أضاف هلا رشطني‬
‫آخرين مها‪ :‬العقالنية‪ ،‬والرشعية‪.‬‬
‫وبالتايل خرج برشوط للسرية العقالئية كالتايل‪:‬‬
‫‪ .1‬التلقائية‪.‬‬
‫‪ .2‬الشمولية‪.‬‬
‫‪ .3‬اإللزام‪.‬‬
‫‪ .4‬العقالنية‪.‬‬
‫‪ .5‬الرشعية(‪.)2‬‬
‫وهكذا استطاع الشيخ الفضيل أن يو ف علم االجتامع يف أحد مباحث دروس‬

‫علم األصول لدى اإلمامية يف مقرره الدرايس‪« :‬دروس يف أصول فقه اإلمامية»‪ ،‬وله‬
‫العديد من التوجيهات النابعة من علم االجتامع يف دروسه‪.‬‬

‫(‪ )1‬م‪ .‬ن‪ ،‬ج‪ ،1‬ص ‪.115‬‬
‫(‪ )2‬م‪ .‬ن‪ ،‬ج‪ ،1‬ص ‪.120‬‬

‫‪251‬‬

‫ثان ًيا‪ :‬آثار موسوعيته عىل كتابه «دروس يف فقه اإلمامية»‪:‬‬
‫أعطى الشيخ الفضيل فقه املعامالت املالية اهتام خما واس خعا مقارنة بفقه العبادات‬

‫حيث استوعب يف املجلد األول مسائل باب الطهارة استدالل ًّيا‪ ،‬ويف املجلد الثاين منه‬
‫ركز عىل العديد من النظريات التي هي بمثابة الرتبة التي تنمو فيها املعامالت املالية‪،‬‬
‫والتي من مجلتها نظرية العرف‪ ،‬ونظرية امللك‪ ،‬ونظرية احلق(‪ ،)1‬وغريها من‬
‫النظريات اهلامة‪ ،‬وأما يف جملده الثالث‪ ،‬فقد تناول فيه جل وأهم املعامالت املالية‬
‫القديمة واملستحدثة(‪ ،)2‬وأما املجلد الرابع فقد عنونه بـ «معامالت البنوك التجارية»‬
‫وقد أدرج فيه املسائل املستحدثة كام هو مصطلح عليه يف الفقه اإلمامي‪ ،‬وقد عرض‬
‫عرضا استدالل ًّيا‪.‬‬
‫الشيخ مسائل هذه الكتاب خ‬
‫وما هيمني يف هذا البحث‪ ،‬هو تناوله لفقه املعامالت‪ ،‬حيث هذا القسم من‬
‫فقها متحر خكا‪ ،‬إذا ما قيس باألقسام األخرى من الفقه كالعبادات‪،‬‬
‫الفقه يتسم بأنه خ‬
‫واملعامالت يف تقسيمها لدى علامئنا املتقدمني زما خنا‪ ،‬كام ذكر‪ ،‬أو كام قسمها اجليل‬
‫الثاين منهم بكوهنا‪ :‬عبادات‪ ،‬ومعامالت‪ ،‬وأحكام(‪ ،)3‬وعيل أي حال من حيث‬
‫التقسيم‪ ،‬فإن من املالحظ أن الشيخ مارس دور الفقيه امليداين‪ ،‬حيث يرى بأن الفقيه‬
‫تارة يامرس دوره كفقيه من واقع التزامه باملنهج الفقهي الفلسفي وذلك باعتامده‬
‫دراسة بنيوية النص فقط‪ ،‬وهو يف هذه احلالة يصدق عليه وصف الفقيه الصناعي‪،‬‬
‫وتارة جيمع بني املنهج الفلسفي والبحث العلمي قدر الطاقة‪ ،‬ويكون عندها الفقيه‬
‫حتول إىل فقيه ميداين يتجاوز حدود النص ويبحث يف البيئة اخلارجية ليو ف العرف‬
‫يف فهم املوضوع ومن ثم يصدر احلكم الرشعي ويف هذه احلالة يصدق عليه الفقيه‬
‫(‪ )1‬الشيخ الفضيل‪ ،‬دروس يف فقه اإلمامية‪( ،‬بريوت‪ :‬مؤسسة أم القرى للنرش والتوزيع‪،‬‬
‫‪1419‬ه)‪ ،‬ج‪ ،2‬ص ‪.5-4‬‬
‫(‪ )2‬م‪ .‬ن‪ ،‬ج‪ ،3‬ص ‪.9‬‬
‫(‪ )3‬م‪ .‬ن‪ ،‬ج ‪ ،2‬ص ‪.9‬‬

‫‪259‬‬

‫الذوقي العريف وقد رجح الشيخ منهج البحث العلمي عىل الفلسفي قدر اإلمكان‬
‫عند بحثه لفقه املعامالت وبالتحديد يف أحكام البنوك التجارية‪ ،‬وبالتايل فإن جتربته‬
‫يف البحث االستداليل يف كتابه معامالت البنوك التجارية جاءت من وقع أمرين‬
‫هامني أمجلت هلام فيام سبق‪ ،‬وسأذكر منهجيته بقلمه بشكل أوضح بعد التأليف بني‬
‫أقواله يف عدة كتب وهذين األمرين مها‪:‬‬

‫األمر األول‪ :‬رضورة اتباع منهج البحث العلمي والبتعاد عن املنهج الفلسفي‬
‫قدر الطاقة‬
‫يرى الشيخ الفضيل عند البحث يف مسائل فقه املعامالت‪ ،‬والسيام منها‬
‫املعامالت البنكية‪ ،‬رضورة تو يف املنهج العلمي مبتعدخ ا قدر الطاقة عن املنهج‬
‫الفلسفي‪ ،‬كام عرب بذلك بشكل رصيح حيث يقول‪« :‬وألن هناك منهجني تناول‬
‫الفقهاء والباحثون قضايا الفقه ومسائله يف ضوئهام‪ ،‬وعىل هدي تعليامهتام‪ ،‬ومها‬
‫املنهج الفلسفي واملنهج العلمي‪ ،‬سلكت يف دراستي هذه املنهج العلمي‪ ،‬مبتعدخ ا قدر‬
‫الطاقة عن املنهج الفلسفي‪.‬‬
‫وذلك ملا استشعره من فرق واضح بني موضوع البحث الفلسفي وموضوع‬
‫البحث الفقهي‪ ،‬حيث يتحرك األول يف العامل التكويني‪ ،‬ويتحرك الثاين يف عامل الفكر‬
‫الترشيعي‪ ،‬والفرق بني التكوين والترشيع هو الفرق بني التجسيد والتجريد‪ ،‬فام‬
‫يصدق من قوانني يف عامل التكوين‪ ،‬ال ينطبق ‪ -‬غال خبا ‪ -‬عىل عامل الترشيع للفرق‬
‫املذكور‪.‬‬
‫ومن هنا إذا حاولنا أن نعني موقع املعامالت املالية ‪ -‬وهي من الترشيع ‪-‬‬
‫سوف نصنفها يف عامل االعتباريات‪ ،‬ألهنا غري ذات طبيعة مادية متجسدة يف خارج‬
‫الذهن‪ ،‬وإنام هي واهر اجتامعية تدخل ضمن فعاليات وآليات سلوك اإلنسان‪،‬‬
‫ووفق نظام خاص هبا اعتمد يف وضعه اعتبار املعترب‪.‬‬
‫‪260‬‬

‫وكذلك ملا أدركته َب اينا من الفرق بني الطريقة االستنتاجية يف البحث‪ ،‬والطريقة‬
‫االستقرائية‪ ،‬حيث يعتمد االستنتاج عىل التفكري املجرد ويقوم االستقراء عىل‬
‫مالحظة الواقع‪.‬‬
‫وما هذا إالّ ألن املعامالت املالية ‪ -‬كام قلت ‪ -‬واهر اجتامعية تعيش يف واقع‬
‫حياة الناس والطريق ملعرفة الواقع هو االستقراء‪.‬‬
‫ويتجىل هذا أكثر عندما نعرف أن املصدر األسايس للفكر الفقهي يف مباحث‬
‫املعامالت املالية هو سرية العقالء املعتربة من قبل املرشع اإلسالمي‪ ،‬والسرية ‪ -‬كام‬
‫هو معلوم ‪ -‬أنامط سلوكية تتحرك وتتفاعل يف الواقع االجتامعي‪.‬‬
‫والطريق ملعرفة الواقع ‪ -‬ألنه من احلسيات ‪ -‬ليس االستنتاج وإنام هو‬
‫االستقراء‪ ،‬وعن طريق املالحظة‪.‬‬
‫كثريا من تعليقات فقهية عىل اإلمجاعات املدعاة‬
‫خ‬
‫وأيضا‪ :‬إن آية ذلك ما نقرؤه خ‬
‫يف مباحث املعامالت بأهنا من نوع التسامل والتواضع وا ُملستَقى من سرية العقالء‪،‬‬
‫وليس هو من نوع املصطلح األصويل الكاشف عن رأي املعصوم‪.‬‬
‫وقد حاولت خالل البحث التطعيم باملقارنة ‪ -‬حيث يتأتى هذا ‪ -‬بني الفقه‬
‫الرشعي والفقه القانوين»(‪.)1‬‬
‫إذن كام هو مالحظ أن الشيخ هنج منهج البحث العلمي‪ ،‬ورجحه عىل املنهج‬
‫فقيها ميدان ًّيا قري خبا من‬
‫الفلسفي مبتعدخ ا عنه قدر الطاقة‪ ،‬وهذا من شأنه أن جعل منه خ‬
‫فقها متحر خكا‪ ،‬وبطبيعة احلال‬
‫الواقع الفعيل‪ ،‬وهو ما ينسجم مع كون فقه املعامالت خ‬
‫يف فقه كهذا أن يكون الفقيه متحر خكا جتاهه أينام اجته؛ ليحدد الو يفة الرشعية‬
‫(‪ )1‬م‪ .‬ن‪ ،‬ج ‪ ،2‬ص ‪.4-3‬‬

‫‪261‬‬

‫للمكلفني بشكل حيقق هلم براءة الذمة‪ ،‬وألجل هذا الغرض جتده‪ ،‬يبذل قصارى‬
‫جهده لتحديد املوضوع حتديدخ ا دقي خقا‪ ،‬متهيدخ ا إلصدار احلكم جتاهه‪ ،‬ويف سبيل ذلك‬
‫يبذل أيضا قصارى جهده للرجوع إىل املصادر التالية‪:‬‬
‫‪« .1‬الرجوع إىل أنظمة البنوك التجارية املدونة‪ ،‬تلك البنوك التي يتعامل معها‬
‫املسلمون‪ ،‬سواء كانت قائمة يف البالد اإلسالمية أو يف خارجها‪.‬‬
‫‪ .2‬الرجوع إىل نامذج من أوراق املعامالت املعقودة بني البنوك والعمالء‪.‬‬
‫‪ .3‬الرجوع إىل القرارات البنكية الصادرة عن إدارة البنوك وجمالسها بشأن‬
‫املعامالت املرصفية‪.‬‬
‫‪ .4‬الرجوع إىل الكتب والرسائل املؤلفة يف املوضوع‪ ،‬وكذلك البحوث‬
‫واملحارضات التي تعنى هبذا الشأن»(‪.)1‬‬
‫وقد أشار الشيخ إىل أن عدم االجتاه إىل منهج البحث العلمي القائم عىل‬
‫االستقراء‪ ،‬سيؤدي بالفقيه يف موضوعات فقه املعامالت إىل اتباع املنهج الفلسفي‪،‬‬
‫كام الحظه من خالل اطالعاته‪ ،‬وقد ّبني ذلك بقوله‪:‬‬
‫«وأؤكد عىل أن هذا ألن اتباع املنهج الفلسفي ‪ -‬كام هو معروف مما صدر من‬
‫الكثري منهم ‪ -‬عند عدم القدرة عىل تشخيص املوضوع أو عدم وضوحه‪ ،‬أو ألجل‬
‫االحتياط بغية أن يتقن الباحث من دخول واحد من املحتمالت‪ ،‬يأخذون باملنهج‬
‫املذكور‪ ،‬فيعفون أنفسهم من عناء حماولة التجديد‪ ،‬مكتفني بطرح كل املحتمالت‪،‬‬
‫وحماولة معرفة حكم كل واحد من هذه املحتمالت التي تردد املوضوع بينها حسب‬
‫اعتقاد الباحث‪.‬‬
‫إذ املالحظ ‪ -‬هنا ‪ -‬وبخاصة يف موضوعنا‪:‬‬
‫(‪ )1‬الشيخ الفضيل‪ ،‬معامالت البنوك التجارية‪( ،‬بريوت‪ :‬مركز الفقاهة للبحوث والدراسات‬
‫الفقهية‪1429 ،‬ه ‪2001 -‬م)‪ ،‬ص ‪.43‬‬

‫‪262‬‬

‫‪ .1‬أن املوضوع املبحوث عنه وفيه قد ال يأيت واحد من املحتمالت التي ذكرها‬
‫عقيام ال يوصل إىل النتيجة املطلوبة‪.‬‬
‫الباحث‪ ،‬ويف هذه احلال يصبح البحث خ‬

‫‪ .2‬أن مثل هذا البحث الذي يقوم عىل االحتامالت فيه َشء من اإلطالة غري‬
‫املرغوب فيها‪.‬‬
‫‪ .3‬أن البنوك حقيقة مادية (جزئيات) قائمة يف واقعنا‪ ،‬وماثلة للعيان‪ ،‬يمكن‬
‫معرفتها بشكل مبارش وبيرس‪ ،‬وذلك من خالل الدراسة امليدانية»‪.‬‬
‫وبعد كل هذه املحاذير التي يراها يف اجتاه الفقيه نحو االستدالل عرب املنهج‬
‫الفلسفي يف مثل هذه املوارد‪ ،‬يرج الشيخ الفضيل بنتيجة هامة يقول فيها‪:‬‬
‫«ومن هنا أرى ال بد من انتهاج طريقة االستقراء أو املالحظة‪ ،‬ملعرفة حقيقة‬
‫البنك كموضوع يرتتب عليه احلكم الرشعي‪ ،‬ويتم هذا عن طريق الدراسة امليدانية‬
‫أو باتباع اخلطوات املذكورة»(‪.)1‬‬

‫األمر الثاين‪ :‬ترجيحه للمنهج الفقهي العريف عىل املنهج الفقهي الصناعي‪:‬‬
‫حيث املنهج الفقهي الصناعي‪ ،‬قائم عىل حتليل بنيوية النص وتركيبه كلمة‬
‫وكال خما‪ ،‬كام يو ف هذا املنهج نظريات الفلسفة القديمة واإلسالمية‪ ،‬ومبادئ علم‬
‫الكالم‪ ،‬وضوابط علم املنطق اليوناين‪ ،‬وما إليها من عقليات‪ ،‬أي أن النص الرشعي‬

‫يدرس يف ضوء هذه القواعد العلمية‪ ،‬وعن طريقها يتوصل الفقيه والباحث الفقهي‬
‫إىل داللة ومدلول النص الرشعي‪ ،‬ومن ثم يستخلص احلكم منه‪ ،‬ويقابل هذا املنهج‬
‫الفقهي الصناعي‪ ،‬املنهج الفقهي العريف‪ ،‬ويعني الشيخ الفضيل بالفقيه العريف‪ ،‬هو‬
‫ذلك الفقيه الذي إذا درس النص الذي سيعتمد عليه يف الفتوى‪ ،‬تكون دراسته له مع‬
‫حلاظ كيف يتعامل العرف (وهم أبناء املجتمع) معه‪ ،‬وبمعنى آخر فهم النص من‬
‫(‪ )1‬م‪ .‬ن‪ ،‬ص ‪.45-44‬‬

‫‪263‬‬

‫القرائن االجتامعية املحيطة به وباملالبسات األخرى التي هلا ارتباط به‪ ،‬ألن الفقيه‬
‫الذي يعتمد عىل الدراستني‪ :‬الداخلية للنص من حيث بنيويتها‪ ،‬واخلارجية من‬
‫خالل مالحظة كيف يتعامل العرف معه‪ ،‬سيكون األقرب إىل طبيعة وواقع فهم‬
‫النصوص الرشعية‪ ،‬وعىل أساس من هذا‪ ،‬يفضل الشيخ الفقيه العريف عىل الفقيه‬
‫الصناعي(‪.)1‬‬
‫ويؤكد الشيخ الفضيل رجحان منهج الفقيه الذوقي العريف عىل الفقيه الصناعي‬
‫بام ييل‪:‬‬
‫أولً‪ -‬إن املوقف الفقهي من السلوك إىل معرفة معنى النص الرشعي يتمثل يف‬
‫التايل‪:‬‬
‫‪ .1‬االعتامد عىل الدراسة الداخلية للنص بتطبيق القواعد العلمية عليه‪ ،‬واالقتصار‬
‫عىل ذلك‪ ،‬أي أن الفقيه يعتمد عىل الصناعة العلمية فقط‪ ،‬ومن هنا نعتوه يف‬
‫عرصنا هذا بالفقيه الصناعي‪.‬‬
‫‪ .2‬االعتامد عىل الدراستني م خعا الداخلية واخلارجية‪ ،‬ويف حالة حصول تناف بني‬
‫الداللتني البنيوية والداللة البيئية‪ ،‬أو اختالف بني الفهم العلمي والعريف‪ ،‬تقدم‬
‫نتيجة الفهم العريف عىل نتيجة الفهم العلمي‪ ،‬وذلك للسببني التاليني‪:‬‬
‫أ‪ .‬أنه قد تثبت من االستقراء الستعامالت املرشع اإلسالمي يف خطاباته‬
‫وحواراته أن يسلك طريقة الناس (العرف)‪.‬‬
‫ب‪ .‬أن استعامل العرف هو بمثابة القرينة‪ ،‬والقرينة يف حالة تعارضها تقدم عليه‬
‫املفرس‪ ،‬وهذا من القضايا الواضحة‪.‬‬
‫فرس يقدم عىل َّ‬
‫مفرسة‪ ،‬وامل ا‬
‫ألهنا ا‬
‫والذي يتحكم يف الفهم العريف هو ما يمتلكه الفقيه من ذوق أديب يوقفه عىل‬
‫(‪ )1‬الشيخ الفضيل‪ ،‬النص الرشعي‪ :‬مفهومه وفهمه‪ ،‬جملة الكلمة‪ ،‬العدد ‪.55‬‬

‫‪264‬‬

‫نكات التعبري‪ ،‬ودقائق الرتكيب اللفظي‪ ،‬كام أن الذي حي ُكم فيه هو ما حيمله الفقيه‬
‫من حس اجتامعي يدرك به عرفيات النص التي يضيفها االستعامل االجتامعي عىل‬
‫مغزاه ومؤداه التي هي فوق القواعد والتي هي من نتائج الطريقة االجتامعية‬
‫(العرفية) يف التعامل مع الصياغات الكالمية وداللتها‪ ،‬ومن هنا نعت هذا الفقيه‬
‫وأيضا وعىل أساس منه ندرك أمهية ورضورة إطالع الفقيه عىل‬
‫بالفقيه الذوقي‪،‬‬
‫خ‬
‫حضارة عصور الترشيع اإلسالمي‪ ،‬وبخاصة ما يرتبط منها بفهم دالالت النصوص‬
‫الرشعية‪ ،‬كام ال بد من دراسة داللة النص الرشعي من أجل أن نتحرك داخل إطار‬
‫دائام وأبدخ ا‬
‫املبدأ العام للترشيع اإلسالمي الذي راعى فيه املرشع اإلسالمي أن يلتقي خ‬

‫مع طبيعة االنسان يف تكوينه اجلسدي والروحي والنفيس والعقيل‪ ،‬تلك الطبيعة التي‬

‫عرب عنها تعاىل وتقدس بالفطرة‪﴿ :‬ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ‬
‫ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ‬
‫ﯬ﴾ [الروم ‪ ،]30‬وداخل دائرة عالقاته االجتامعية فر خدا وأرسة وجمتم خعا‬
‫ودولة‪ ،‬وهبا حيافظ عىل مقاصد الرشيعة وهي‪ :‬حفظ الدين‪ ،‬وحفظ النفس‪ ،‬وحفظ‬
‫العقل‪ ،‬وحفظ النسل‪ ،‬وحفظ املال»(‪.)1‬‬
‫وألجل هذين املنطلقني‪ ،‬جتد أن الشيخ يامرس دور الفقيه الذوقي العريف‬
‫بشكل جاد‪ ،‬وعليه إذا أراد أن يطرح موضو خعا لبحثه‪ ،‬جتده قبل أن ينتقل إىل البحث‬
‫امليداين ليالحظ أبناء املجتمع‪ ،‬وليجمع القرائن االجتامعية املحيطة به‪ ،‬وباملالبسات‬
‫مشخصا إياه‬
‫األخرى التي هلا ارتباط باملوضوع‪ ،‬يبحث املوضوع يف إطاره العلمي‬
‫خ‬
‫واصطالحا وبشكل موسع من كل االختصاصات‪ ،‬الفقهية‪ ،‬والقانونية‪،‬‬
‫لغة‬
‫خ‬
‫واالقتصادية‪ ،‬وباملصطلحات اللغوية عىل اختالفها إذا كانت هلا أمهية يف تشخيص‬
‫املوضوع‪ ،‬ومن ثم يتجه إىل دراسة النصوص الرشعية‪.‬‬

‫(‪ )1‬الشيخ الفضيل‪ ،‬النص الرشعي‪ :‬مفهومه وفهمه‪ ،‬مصدر سابق‪.‬‬

‫‪265‬‬

‫وهذا ال شك فيه دور بحثي جاد من شأنه أن يفتح ذوي االختصاصات‬
‫املختلفة عىل املوضوع املطروح عىل مائدة البحث‪ ،‬بشكل يزيل اللبس ويسد‬
‫الفجوات املعلوماتية‪ ،‬مما يسهل أخذ احلكم الرشعي يف ضوء الضوابط الفقهية‬
‫املعروفة‪ ،‬بكل وضوح ويرس‪ ،‬وهذا التنوع يف االستفادة من ذوي االختصاصات‬
‫املختلفة يعكس جان خبا من موسوعية الشيخ‪ ،‬وسعة اطالعه‪.‬‬
‫ولعل يف ل هذا الرتجيح الذي يراه الشيخ الفضيل من رضورة للتحول إىل‬
‫منهج البحث العلمي قدر الطاقة‪ ،‬وأن يكون الفقيه ذوق ًّيا عرف ًّيا ما يعزز من رضورة‬
‫قيام مؤسسة تعنى بدور تزويد مكاتب الفقهاء ببيانات عن املنتجات البنكية‪،‬‬
‫وتكييفها رشع ًّيا يف مرحلة أولية من الناحية الفقهية ثم تقدمها بعد ذلك للفقهاء من‬
‫أجل النظر فيه‪ ،‬وتقديم الفتاوى املناسبة حياهلا‪ ،‬وفق معطيات امليدان‪ ،‬ويكون يف‬
‫ذلك براءة لذمة املكلفني‪.‬‬
‫ثان ًيا‪ :‬البعد التطبيقي ملد اجلسور بني االختصاصيني لفهم موضوعات فقه‬

‫املعامالت‪.‬‬

‫يف ل اإلطار التنظريي الذي طرحه الشيخ الفضيل لدور الفقيه الذوقي‬
‫العريف‪ ،‬الذي يو ف منهج البحث العلمي االستقرائي يف موضوعات فقه‬
‫املعامالت قدر اإلمكان‪ ،‬مما ال شك فيه بأن طرحه هلذا املوضوع يف حد ذاته يعترب‬
‫إنجازا ها خما عىل مسار تطور دور الفقيه‪ ،‬الذي يرجع له املكلفون يف ممارساهتم‪ ،‬سواء‬
‫خ‬
‫كانت العبادية أو املعامالتية‪.‬‬

‫ومن أجل املطابقة بني ما تم تنظريه‪ ،‬وما تم تدوينه يف كتابه املوسوم بـ‬
‫«معامالت البنوك التجارية»‪ ،‬أقرتح بأن ال يتم ذلك يف عجالة من األمر‪ ،‬وإنام تعطى‬
‫فرصة أوسع من حيث الوقت واألدوات‪ ،‬ال سيام وأن هذه املنهجية مستخدمة‬
‫وبكثرة يف الدراسات األكاديمية يف أطروحات املاجستري والدكتوراه‪ ،‬والبحوث‬
‫‪266‬‬

‫املنشورة يف املجالت املحكمة‪ ،‬بل وبعض املؤسسات املتخصصة يف الدراسات‬
‫الفقهية املالية‪ ،‬لدى املذاهب اإلسالمية األخرى(‪ ،)1‬ويف سياق هذا املقرتح أرى بأن‬
‫تعقد هلا أطروحتني علميتني وذلك كام ييل‪:‬‬
‫األطروحة األوىل‪ :‬يتم فيها املقارنة العلمية بني ما نظره الشيخ يف منهجيته‬
‫القائمة عىل رضورة ممارسة دور الفقيه الذوقي العريف الذي يو ف منهج البحث‬
‫العلمي اإلستقرائي يف موضوعات فقه املعامالت وبني ما أنجزه الشيخ يف كتابه‬
‫املوسوم بـ «معامالت البنوك التجارية»‪ .‬يتم من خالله اختبار عدة فرضيات للتأكد‬
‫من صحتها‪ ،‬وتبدو أمهية هذا البحث يف حالة متامه ‪ -‬وذلك من خالل الربط‬
‫التطبيقي ما تم تنظريه وما تم إنجازه يف الكتاب املذكور‪ -‬سيكون زا خدا علم ًّيا لطالب‬
‫العلوم الرشعية‪ ،‬كام سيعمل عىل تزويدهم بمهارة املامرسة العملية ملنهج الفقيه‬
‫(‪ )1‬انظر عىل سبيل املثال‪:‬‬
‫ الدكتور أمحد بن حسن احلسني‪ ،‬الوداع املرصفية‪( ،‬مكة املكرمة‪ :‬دار ابن حزم للطباعة‬‫والنرش والتوزيع‪1999-1420 ،‬م)‪.‬‬
‫ الدكتور عبد الرمحن بن صالح األطرم‪ ،‬الوساطة التجارية يف املعامالت املالية‪( ،‬الرياض‪:‬‬‫دار اشبيليا للنرش والتوزيع‪1416 ،‬ه ‪1995‬م)‪.‬‬
‫ الدكتور يوسف عبد اهلل الشبييل‪ ،‬اخلدمات االستثامرية يف املصارف وأحكامها يف الفقه‬‫االسالمي‪( ،‬الرياض‪ :‬دار ابن اجلوزي للنرش والتوزيع‪1425 ،‬ه ‪2005‬م)‪.‬‬
‫ الدكتور أمحد بن حممد اخلليل‪ ،‬األسهم والسندات وأحكامها يف الفقه االسالمي‪،‬‬‫(الرياض‪ :‬دار ابن اجلوزي للنرش والتوزيع‪1426 ،‬ه)‪.‬‬
‫ الدكتور عمر مصطفى جرب إسامعيل‪ ،‬ضامنات االستثامر يف الفقه االسالمي وتطبيقاهتا‬‫املعارضة‪( ،‬االردن‪ :‬دار النفائس للنرش والتوزيع‪2010 -1430 ،‬م)‪.‬‬
‫ الدكتور صهيب عبد اهلل بشري الشخانبة‪ ،‬الضامنات العينية‪ :‬الرهن ومدى مرشوعية‬‫استثامره يف املصارف االسالمية‪( ،‬االردن‪ :‬دار النفائس للنرش والتوزيع‪1432 ،‬ه ‪-‬‬
‫‪2011‬م)‪.‬‬
‫ فتحي زناكي‪ ،‬رشكات املسامهة يف القانون الوضعي والفقه االسالمي‪( ،‬دار النفائس‬‫للنرش والتوزيع)‪1433 ،‬ه ‪2012 -‬م)‪.‬‬

‫‪267‬‬

‫الذوقي العريف يف فقه املعامالت فيام بعد‪.‬‬
‫األطروحة الثانية‪ :‬وهي دراسة تتجاوز حدود القبول األويل هلذه املنهجية‬
‫بحيث تدرس مدى كفاية األدوات التي طرحها الشيخ لتمكني الفقيه من قيامه بدور‬
‫الفقيه الذوقي العريف؟ وما هي جماالت التطوير املتاحة يف هذا املنهج؟ وما أثرها عىل‬
‫واقع الدراسات العليا الرشعية؟ وما هي أوجه الدعم املطلوبة من املؤسسات‬
‫االختصاصية لدعم طالب العلوم الرشعية فيها؟ ال سيام إذا علمنا بأن هذه املنهجية‬
‫تستلزم من الفقيه الذوقي أن يرج إىل الواقع االجتامعي‪ ،‬واحلال أن بيئة مثل هذه‬
‫البحوث تكتنفها العديد من املعوقات‪ ،‬األمر الذي يستلزم تقديم الدعم واملساندة‬
‫له‪ ،‬من جهات بحثية متخصصة يف إجراء البحوث امليدانية لتوفري املعلومات األولية‬
‫من جمتمع الدراسة التي سيتوىل دراستها متهيدخ ا إلصدار احلكم الرشعي حوهلا‬
‫كمرحلة هنائية‪.‬‬
‫هذا من جهة‪ ،‬ومن جهة أخرى ما مدى أثر دراسة هذه املنهجية عىل امللكات‬
‫البحثية لطالب العلوم الرشعية الذين سيدرسون هذا الكتاب ال سيام وأن الشيخ‬
‫الفضيل طرح هذا الكتاب ليكون كتا خبا دراس ًّيا يف مرحلة السطوح؟‬

‫املطلب الثاين‪ :‬حفاوة الشيخ باملؤلفني‪:‬‬
‫لقد عاش الشيخ الفضيل الكتابة فعشقها‪ ،‬وأحب كل من يأخذها طري خقا يف بناء‬
‫اإلنسان ومعارفه‪ ،‬حتى صار مقب َلة ملن أراد االسرتشاد واالستئناس بوجهات نظره‪،‬‬
‫ليس من أجل التصويب والتصحيح فقط‪ ،‬بل ومن أجل التوسع واإلفاضة يف‬
‫املوضوعات التي سيكتب فيها‪ ،‬إذا كانت يف جمال الدراسات القرآنية‪ ،‬والقراءات‪،‬‬
‫نحوا‪ ،‬ورص خفا‪ ،‬وبالغة‪ ،‬وأد خبا‪،‬‬
‫واحلديث وعلم الرجال‪ ،‬والفقه‪ ،‬واألصول‪ ،‬واللغة‪ :‬خ‬
‫واملنطق‪ ،‬والفلسفة‪ ،‬وعلم الكالم‪ ،‬والتاريخ اإلسالمي‪ ،‬وكل علم من العلوم‬
‫اإلسالمية‪ ،‬ألنه سيجد فيه عا خملا ال ساحل له‪ ،‬وسيدرك عن قرب مصداقية مقولة آية‬
‫‪261‬‬

‫اهلل العظمى السيد حممد باقر الصدر ‪ ‬فيه حينام خرج الشيخ الفضيل من احلوزة‬

‫وتوجه إىل جامعة امللك عبد العزيز بجدة عام ‪1971‬م‪ ،‬حيث قال له‪« :‬إن مما حيز يف‬

‫نفيس أن تكون أوضاع احلوزة بشكل يزهد يف اإلقامة فيها أمثالكم‪ ،‬ممن يرفع الرأس‬
‫رقام من األرقام احلية عىل عظمة هذه احلوزة‪ ،‬التي تتيح رغم كل‬
‫عال خيا‪ ،‬ويشكل خ‬
‫تبعثرها‪ ،‬أن ينمو الطالب يف داخلها بجهده اخلاص إىل أن يصل إىل هذا املستوى‬
‫املرموق فض خ‬
‫ال وأد خبا وثقافة‪ ،‬وعىل أي حال سواء ابتعدت عن احلوزة مكا خنا‪ ،‬أو‬
‫قربت‪ ،‬فأنت من آمال احلوزة ومفاخرها‪ ،‬وأرجو أن ال يكون انقطاعك عنها إالّ شي خئا‬

‫عرض خيا»‪.‬‬
‫هلذه امللكات مل يرتدد العديد من طالب العلم واألكاديميني يف أن يعرضوا‬
‫جتارهبم الكتابية عليه‪.‬‬

‫املطلب الثالث‪ :‬قناعة الشيخ بأمهية التأليف كرسالة للمبلغني والدعاة‪:‬‬
‫إن الفضيل لشدة اهتاممه وقناعته بأمهية التأليف والكتابة لتجده عندما يكون يف‬
‫مقام تقييم جتارب العلامء وطالب العلم‪ ،‬يرى بأن من ال يكتب‪ ،‬أو يغادر هذه الدنيا‬
‫دون أن يرتك مؤل خفا ينتفع به الناس فقد انثلم جانب كبري من وعاء رسالته كداعية‪،‬‬
‫ومبلغ لرشع اهلل بني العاملني‪.‬‬
‫فهو يرى بأن العامل إذا كتب يكون بذلك ترك بصمته الفكرية عىل طول خط‬
‫أيضا‪ :‬املايض‪ ،‬واحلارض‪ ،‬واملستقبل‪ ،‬فبصمته عىل‬
‫الزمان الذي عاشه‪ ،‬والذي مل يعشه خ‬
‫من سبقه تنكشف من خالل مناقشاته آلراء املاضني‪ ،‬أو عند اقتباسه لنصوصهم‬
‫وقبوله هلا‪ ،‬أو تقويمها‪ ،‬وبصمته يف حارضه تتمثل يف تناوالته الفكرية وإفاضاته‬
‫اإلبداعية‪ ،‬واسترشافاته املستقبلية‪ ،‬وبصمته يف مستقبله تتمثل يف كون أفكاره‬
‫ستحتوهيا دفات الكتب لتسجل صو ختا سيظل يدوي عرب األجيال يف مسامع الزمن‪،‬‬
‫بل وسيجني ثامر جهده أكثر وأكثر إذا جاء من بعده من يكمل لوحته الفكرية‬
‫‪269‬‬

‫لتتذوق مجاهلا األجيال‪ ،‬ويكون بذلك ساهم هذا األخري يف إحدى خطوطها‬
‫وألواهنا‪.‬‬
‫ومن مؤرشات قناعته تلك‪ ،‬وجدته ملا أتيته عند كتابتي لكتاب «مالمح احلياة‬
‫الفكرية واألدبية يف األحساء»‪ ،‬ونويت خالهلا التوسع يف كتابة سرية بعض‬
‫الشخصيات العلمية األحسائية ملختلف الطيف املذهبي فيها من إمامية وأحناف‪،‬‬
‫ونظرا لكمها الكبري ذكرت له أين اسرتشدت برأي‬
‫وشافعية‪ ،‬ومالكية‪ ،‬وحنبلية‪،‬‬
‫خ‬
‫الشيخ عبد الرمحن املال مؤلف كتاب تاريخ هجر‪ ،‬يف خصوص من أكتب عنه من‬
‫علامء أحسائيني من غري علامء اإلمامية األحسائيني‪ ،‬وقد فاجأين الشيخ عبد الرمحن‬
‫حينها بأن أكتب فقط عمن كتب‪ ،‬ألنه وإن فقدت أشخاصهم لدى جيل احلارض‬
‫واملستقبل‪ ،‬فهو باق بينهم بعلمه وفضله الذي كتبه‪ ،‬وال يزال يستفيد الناس من‬
‫إنتاجه‪ ،‬عندها أردف الشيخ الفضيل بقوله‪ :‬نعم وهو الرأي الصواب‪ ،‬وزاد عليها ما‬
‫ذكرته من مرئياته حول رضورة التأليف‪ ،‬وكيف حال العامل إذا كتب يكون عاش‬
‫بخط زمني طويل يمتد أوله يف املاضني وينتهي يف القادمني‪.‬‬
‫وألجل هذا العشق الذي عاشه للبحاثة واملؤلفني جتده يمنح األوراق التي‬
‫تدخل مكتبه العناية الفائقة للمراجعة‪ ،‬سواء كانت بغرض االطالع أو التصويب‪ ،‬أو‬
‫التصحيح إن استلزم األمر‪ ،‬حتى ليحسب املؤلف أن الشيخ الفضيل ليس له من‬
‫عمل غري تصحيح الكتب ومراجعتها‪ ،‬وتصويبها إن استلزم األمر لفرط رسعته‪،‬‬
‫واهتاممه بام يقدم إليه‪ ،‬وكلمة‪( :‬إن استلزم األمر) أكررها‪ ،‬وأعني هبا من خالل هذا‬
‫التكرار اليشء الكثري واهلام الذي يميز الشيخ عند مراجعته لكتابات اآلخرين‪ ،‬حيث‬
‫جتد فيه األدب اجلم‪ ،‬والذوق الرفيع‪ ،‬بحيث ال يقتحم عامل الكاتب وأفكاره إال‬
‫بوجه حق‪.‬‬
‫وهذا ما الحظه الدكتور أمحد فتح اهلل التارويت مؤلف كتاب «معجم ألفاظ‬
‫الفقه اجلعفري»‪ ،‬وهو ممن عركته األيام والبحوث باللغتني العربية واإلنجليزية‪،‬‬
‫‪270‬‬

‫وكان الحتياطه العلمي فيام كتبه يف كتابه املذكور أراد أن يستأنس برأي خمتص يف‬
‫شطرا من جتربته عند تأليف هذا املعجم النافع لطالب املعرفة‬
‫جمال الفقه‪ ،‬فقد ذكر يل خ‬
‫يف جمال الفقه‪ ،‬وخالصتها أنه ملا أهنى دراسته يف أمريكا ومن أرقاها مستوى يف جمال‬

‫البحث العلمي‪ ،‬حيث ال يتاح لطالب الدكتوراه أن يسجل عنوان أطروحته ليتم‬
‫حتديد مرشف عليها إالّ بعد أن ينرش بحثني حمكمني يف جملة علمية معرتف هبا‪ ،‬وفع خ‬
‫ال‬
‫قد اجتاز كل تلك الصعاب‪ ،‬وقد كان جمال دراسته يف اللغات‪ ،‬وبالتحديد يف جمال‬
‫اللغة العربية‪ ،‬ومن جامعة أمريكية‪ ،‬وذلك بعدما أهنى درجة البكالوريوس من‬
‫جامعة الرياض واملسامة حال ًّيا جامعة امللك سعود‪.‬‬
‫ويف ل هذه املعطيات عن شخصية الدكتور أمحد‪ ،‬ندرك بأنه قامة علمية‬
‫كبرية‪ ،‬ليس بحاجة إىل مراجعة كتابه معجم ألفاظ الفقه اجلعفري إال احتيا خطا منه‪،‬‬
‫ونزاهة واحرتا خما لالختصاص الفقهي‪ ،‬وهو شعور وممارسة ليست بالغريبة عىل‬
‫فاضل وخمتص مثله‪ ،‬ولو أنه مل يدون كتابه املعجم املذكور لن يمس ذلك من رسالته‬
‫كأستاذ جامعي شهدت له جمالت البحوث اللغوية املحكمة‪ ،‬واجلامعات التي خترج‬
‫فيها بملكاته العلمية‪ ،‬وببحوثه العلمية املتقدمة‪.‬‬
‫معجام أللفاظ الفقه اجلعفري‪ ،‬فاعتزلت يف شقة يف‬
‫يقول‪ :‬ع ّن يل أن أكتب‬
‫خ‬
‫األحساء ملدة سنتني‪ ،‬حيث جامعتي التي أدرس فيها آنذاك جامعة امللك فيصل‬
‫باألحساء‪ ،‬وعائلتي تسكن يف مدينة تاروت يف حمافظة القطيف‪ ،‬وكتابتي ملعجم‬
‫فقهي مل يكن من واقع االختصاص كفقيه‪ ،‬وإنام من واقعي كلغوي أمتلك مهارة‬
‫إعداد املعاجم يف أي جمال من املجاالت‪ ،‬فاخرتت ألفاظ الفقه اجلعفري؛ رغبة مني‬
‫يف خدمة العلم الرشعي‪ ،‬وملا فرغت من املعجم قدمته إىل الشيخ الفضيل‪ ،‬فام كان منه‬
‫إالّ ويف وقت وجيز جدخ ا‪ ،‬قد أرجع الكتاب‪ ،‬وبه بعض املالحظات العلمية والفنية‪،‬‬
‫وقد ذيلها بمالحظات بالقلم الرصاص‪ ،‬مفادها‪ :‬بأن يل القرار باألخذ بتلك‬
‫املالحظات أو عدمها‪ ،‬وزادين دهشة منه أن أجده ذات يوم بعد وفاة والديت يقف‬
‫ومعتذرا عن تأخره يف تقديم واجب العزاء له يف حينه‪ ،‬لعلمه‬
‫عىل باب البيت معز ًّيا‪،‬‬
‫خ‬
‫‪271‬‬

‫متأخرا‪ ،‬عىل الرغم بأنه مل جتمعني به صحبة طويلة‪ ،‬وملا أبديت حرجي‬
‫بوفاة والديت‬
‫خ‬
‫من جتشمه عناء الوصول إىل البيت بعد انتهاء أيام العزاء‪ ،‬حيث فيه مشقة عىل الشيخ‬

‫وهو يف ذاك العمر‪ ،‬فأجابني بأنه مل يقم بغري الواجب‪.‬‬
‫لعل هذه احلادثة تكشف عن عمق احرتامه وتقديره للعلامء الك ّتاب‪ ،‬وحفاوته‬
‫بام يكتبون‪.‬‬
‫هذا شأنه مع النخبة العلمية التي التقت معه يف حمور التأليف‪ ،‬وتراه بنفس هذه‬
‫الروح الطيبة ينفتح عىل الذين يبدأون جتارهبم الكتابية‪ ،‬بل ويبارك هلم أعامهلم إذا‬
‫طبعت‪ ،‬كام لو كان يبارك ألحدهم بوالدة ولد له‪ ،‬وقد عايشت إحدى تلك‬
‫التجارب مع أحد املؤلفني‪ ،‬ومل يكتف بأن يستقبل من يفد إليه بعنوان الدعم يف جمال‬
‫التأليف والكتابة‪ ،‬بل تراه يبحث عنهم وعن إنجازاهتم ويربزها للعامل‪ ،‬وال أدل عىل‬
‫ذلك كتابه الذي مجع فيه عناوين مؤلفات األحسائيني‪ ،‬بشتى اختصاصاهتم‪ ،‬الدينية‬
‫وغري الدينية‪.‬‬
‫وكم كان تفاعله بال خغا ملا طلب منه «مهرجان الغدير» يف مدينة اهلفوف‬
‫بمحافظة األحساء يف عام ‪1412‬ه ‪ -‬وكان حتت رعاية سامحة حجة اإلسالم‬
‫واملسلمني السيد حممد عيل اهلاشم العيل‪ ،‬وإدارة الشيخ عادل بن عيل األمري ‪ -‬بأن‬
‫يكرر جتربة مسابقة البحوث التي أرشف عليها يف لندن‪ ،‬وقد جاءته هناك بحوث‬
‫بالعديد من اللغات‪ ،‬ومن عدة جنسيات‪ :‬العربية‪ ،‬واإلنجليزية‪ ،‬وغريها من اللغات‪،‬‬
‫وكام بلغني منه أن أحد اليابانيني يف لندن تقدم ببحث عن اإلمام عيل ‪ C‬حيث دفع‬
‫ما هو بلغات أجنبية ملختصني يف تلك اللغات‪.‬‬
‫أما التجربة األحسائية يف مسابقة مهرجان الغدير املذكورة‪ ،‬فقد بارك الدعوة‬
‫وتصحيحا ألخطائها‪،‬‬
‫وواصل املشوار‪ :‬حتديدخ ا للعناوين‪ ،‬ومراجعة للبحوث‪،‬‬
‫خ‬
‫وتسليام جلوائزها‪ ،‬وقد أسهم يف حتكيم‬
‫وتقييام هلا متهيدخ ا لتحديد مراكز املتسابقني‪،‬‬
‫خ‬
‫خ‬
‫‪272‬‬

‫البحوث معه سامحة الشيخ الدكتور حممود املظفر‪ ،‬حيث كان يقوم بالتدريس آنذاك‬
‫يف جامعة امللك عبد العزيز بجدة بقسم النظم بكلية االقتصاد واإلدارة‪ ،‬وكررت‬
‫التجربة مع إضافة مسابقة الرتمجة فيها‪ ،‬وكان هذا يف عام ‪1413‬ه‪ ،‬وقد صدرت‬
‫العديد من الدراسات وتم طبعها‪.‬‬

‫املطلب الرابع‪ :‬عنايته بتقريظ املؤلفات‪:‬‬
‫وأما تقريظ املؤلفات فله شأن آخر‪ ،‬حيث ينفق من وقته الثمني للتقريظ‬
‫وتقديرا للجهد املبذول فيها‪ ،‬ولعلمه بام سيرتكه يف أعامق الكاتب‬
‫والتزكية‪ ،‬احرتا خما‬
‫خ‬
‫جديرا لكنه بحاجة إىل كرس حاجز‬
‫حينام يزفه إىل العامل كات خبا واعدخ ا‪ ،‬أو ربام كات خبا‬
‫خ‬

‫ومهي يف نفسه وفقط‪ ،‬وبالتايل كتابة تقريظ له يعمل يف نفسه اليشء الكثري‪ ،‬وكأنام‬

‫يزف شا خبا إىل عروسه‪.‬‬
‫ومن املالحظ أن الشيخ الفضيل كان يكتب تلك التقاريظ‪ ،‬بعد قراءة كامل‬
‫الكتاب وتصحيح ما به من أخطاء إن وجدت‪ ،‬سواء كانت نحوية‪ ،‬أو إمالئية‪ ،‬أو‬
‫تاريية أو رشعية‪ ،‬بعدها يكتب تقريظه‪ ،‬وهذا ما وجدته من خالل مطالعتي ملا قام‬
‫به من تقريظ لبعض الكتب التي َّقر ها‪ ،‬كل هذا وهو يف حالة من أصعب أيام‬
‫وحرجا‪ .‬حيث أنه يشعر بأن صحته يف تدهور مستمر‪ ،‬وأن أيام سنني‬
‫حياته ضي خقا‬
‫خ‬
‫حياته يف عدد‪ ،‬ومل يغادر جامعة امللك عبد العزيز بتقاعد مبكر‪ ،‬إال من أجل أن يتفرغ‬
‫فيام بقي من عمره الرشيف إلنجاز مشاريعه التأليفية وباخلصوص يف جمال كتابة‬
‫املقررات الدراسية‪ ،‬وتطوير موادها وفق مناهج البحث العلمي احلديث‪ ،‬وإذا‬
‫بالك َّتاب تأمل منه أن يكتب هلم تقاريظ لكتبهم‪ ،‬ومع ذلك تراه قد آثر اجلميع بوقته‬
‫الثمني الذي كان نني به إالّ عن املؤلفني والباحثني‪.‬‬
‫ولكن حيسب له من إنجازاته يف جمال التأليف ودعم املؤلفني‪ ،‬أنه قرظ ‪130‬‬
‫كتابا‪ ،‬و‪ %95‬من تلك التقاريظ قدمها للمؤلفني بعد تقاعده من جامعة امللك عبد‬
‫‪273‬‬

‫العزيز بجدة‪ ،‬وعليه يمكن اخلروج بنتيجة مفادها أنه بدوره هذا قد أسهم بشكل‬
‫جوهري يف دفع حركة التأليف يف املنطقة‪.‬‬
‫ومع هذا وذاك ويف غمرة هذه الظروف بني اعتالل الصحة‪ ،‬وطلب املؤلفني أن‬
‫يراجع هلم كتاباهتم‪ ،‬جتده مل يتخل عن القلم والدفاتر واملراجع‪ ،‬حتى يف نقاهته بعد‬
‫وعكته األوىل والتي طلب منه األطباء فيها أن يسرتيح من عناء جدوله اليومي‬
‫الشاق‪ ،‬وإذا به يكتب ثالثة كتب ما بني عام (‪1427‬ه ‪2006 -‬م) وعام (‪1429‬ه‬
‫ ‪2001‬م) وهي‪« :‬خالصة احلكمة اإلهلية»‪ ،‬و«املوجز يف علم التجويد»‪ ،‬و«من‬‫مصادر الفكر اإلمامي يف العقيدة والترشيع»‪ ،‬بعدها أصيب بمرضه األخري الذي‬
‫الزمه حتى آخر أيام حياته‪ ،‬فصح أن يقال عنه‪ :‬أن الفضيل كتب ثالثة كتب بني‬
‫وعكتني‪.‬‬

‫‪ ‬املبحث الثالث‪ :‬مدى إمكانية استنساخ جتربة الفضلي يف‬
‫البحث والتأليف‬
‫ما أحوجنا إىل استنسا امتياز جتربته يف عامل التأليف والكتابة‪ ،‬بغض النظر عام‬
‫سطره يف بعض منها من وجهات نظر‪ ،‬قد جتعله يف مقام النظر والتأمل من قبل‬
‫البعض‪ ،‬والقبول والتأييد من البعض اآلخر‪.‬‬
‫فتجربته مع القلم والكتابة يميزها أهنا ستظل خالدة ما بقي الدهر‪ ،‬وهي سنة‬
‫اهلل يف خلقه‪ ،‬وهذا هو ديدن العلم املكتوب‪ ،‬قد تكون أعيان املؤلفني فيه مفقودة‪،‬‬
‫لكن آثارهم بني أيدي طالب املعرفة موجودة‪ ،‬فقد انتقل إىل رمحة اهلل‪ ،‬وفارقنا ومل‬
‫شطرا من علمه عىل صفحات‬
‫نرتو بعد من منهل جتربته‪ ،‬ولكن مما حيسب له أنه دون خ‬

‫الكتب‪ ،‬لتظل رسالته خالدة ما خلدت األيام والسنون‪ ،‬واستفادت منها اإلنسانية‬
‫حيثام وصلت إليها‪.‬‬

‫وعندما أطل عىل القراء بمسألة استنسا امتياز جتربة الفضيل يف الكتابة‬
‫‪274‬‬

‫والتأليف‪ ،‬ربام أقوهلا من باب ما ينبغي أن يكون يف حياته وليس بعد رحيله‪ ،‬ألن‬
‫استنسا امتياز التجربة ألي مبدع‪ ،‬هي يف واقع األمر علم قائم تتكفل به بعض‬
‫التقنيات يف جمال التنمية البرشية‪ ،‬ولو متكنا من ضبطها وتقييدها آنذاك لكان هلا‬
‫الشأن الكبري يف ترسية نجاحه إىل متطلع للنجاح يف جمال الكتابة‪ ،‬وفع خ‬
‫ال أشعر‬
‫باخلسارة أين مل أقف عليها بشكل تفصييل لكن تلمست بعضها من خالل حديثه يف‬
‫جلسات متفرقة‪ ،‬وهي جديرة بالذكر عىل الرغم من تفرقها‪ ،‬لذا سأذكر بعض ما‬
‫لدي منها‪ ،‬وهي كااليت‪:‬‬
‫‪ .1‬االطالع املكثف عىل املوضوع املراد الكتابة فيه‪ ،‬بشكل مسبق حتى إذا ما جاء‬
‫دور الكتابة يكون لدى الباحث رؤية واضحة‪ ،‬وال يمنع من تدوين املقتطفات‬
‫واملالحظات عىل ما يقرأ‪ ،‬ويف حالة عدم األخذ هبذه اخلطوة سيجد الباحث أنه‬
‫يف مراحل متقدمة من البحث‪ ،‬قد يتعرض للرتقيع‪ ،‬السيام إذا ما واصل‬
‫مطالعاته يف املراجع واملصادر‪ ،‬حيث من املحتمل أن تبدو له فكرة إضافة‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫مطلب دون اإلعداد والتهيئة له يف اخلطة‬
‫مبحث‪ ،‬أو‬
‫فصل‪ ،‬أو‬
‫استشهاد ها ٍم أو‬
‫البحثية‪ ،‬وإذا ما أراد أن يقحم تلك اإلضافة اهلامة يف نظره والتي تولدت بفعل‬
‫املطالعة‪ ،‬سيجد أن من الصعوبة بمكان إدخاهلا‪ ،‬وإن حاول سيكون بعد جهد‬
‫حتام سيصاب بحثه بالرتقيع كام ذكرت‪ ،‬وسيكتشفها‬
‫جهيد‪ ،‬وإن مل تنفع املحاولة خ‬
‫من له خربة بالبحوث والدراسات‪ ،‬بل وحتى القارئ النبيه‪.‬‬

‫‪ .2‬إذا ما تم كتابة النص‪ ،‬عىل الكاتب أن يرتك ما كتبه وينشغل بأي أمر آخر سواء‬
‫بقراءة موضوع ما‪ ،‬أو إنجاز عمل مكتبي آخر‪ ،‬أو ربام السعي لشأن عائيل‪ ،‬ثم‬
‫يعود للنص مرة أخرى‪ ،‬عندها سيكتشف ثغراته البحثية‪ ،‬وربام أخطاءه‬
‫االستداللية‪ ،‬أو أخطاءه اللغوية‪ ،‬واإلمالئية‪ ،‬وإن سلم البحث من كل هذه‬
‫بصيصا من النور يف آفاق بحثه يلزمه متابعته‪،‬‬
‫املشاكل والعيوب‪ ،‬ربام سيجد‬
‫خ‬
‫عندها سيجد جماالخ للتطوير واإلضافة‪.‬‬
‫‪ .3‬تنظيم الوقت‪ ،‬وما أدراك ما تنظيم الوقت يف حياة الشيخ الفضيل‪ ،‬هي مسألة‬
‫‪275‬‬

‫جادة غري قابلة للمزامحة‪ ،‬إال ما استقطعه أو خصصه يف برناجمه اليومي‪ ،‬وقد‬
‫دونت جتربته تلك بشكل تفصييل يف كتايب‪ :‬الناجحون‪ :‬جتارب وعادات‪ ،‬قلت‬
‫فيها‪:‬‬
‫«لقد أتاحت يل العالقة مع الشيخ الدكتور عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬جماالخ لالطالع‬
‫عىل برناجمه اليومي بعد أن تقاعد من جامعة امللك عبد العزيز بجدة‪ ،‬وكان برناجمه‬
‫مثاالخ لالحتذاء فقد أثمر عن شخصية ناجحة‪ ،‬بل حتول بفضل االلتزام بتنظيم‬
‫الوقت إىل مدرسة للنجاح يف عدة ميادين علمية وميدانية‪ ،‬فهو اآلن أحد أعالم‬
‫العربية عىل الصعيد العاملي‪ ،‬وعامل ديني بارز‪ ،‬ومفكر‪ ،‬وكاتب‪ ،‬وأديب بارع‪ ،‬عاش‬
‫الدراسة الدينية يف أرقى منازهلا العلمية‪ ،‬ومارس احلياة األكاديمية وكان يف الطليعة‬
‫املميزة بني أعضاء هيئة التدريس فيها‪.‬‬
‫برناجمه اليومي يبدأ والعامل من حوله يغط يف سبات عميق‪ ،‬عدا أمثاله من‬
‫باكرا‪ ،‬قبل الفجر بساعة‪ ،‬أو ساعتني ويرشع يف برنامج‬
‫الناجحني‪ ،‬فهو يستيقظ خ‬
‫عبادي‪ ،‬وبحثي حتى ترشق الشمس‪ ،‬بعدها يتناول اإلفطار‪ ،‬ثم يطلع عىل الصحافة‬
‫املحلية‪ ،‬بعدها يواصل مشوار بحثه حتى الظهرية‪ ،‬وبعد صالة الظهر والعرص‪،‬‬
‫عرصا وحتى‬
‫وأخذ قسط من الراحة وتناول الغداء‪ ،‬يفرغ ألبنائه وأحفاده وأسباطه‪ ،‬خ‬

‫الغروب‪ ،‬وبعد صالة املغرب والعشاء يستقبل زواره بشكل منتظم حتى الساعة‬
‫التاسعة لي خ‬
‫ال‪ ،‬ثم يلد للنوم استعدا خدا ليوم آخر حافل بالنجاح واإلنجاز‪ ،‬وبفضل‬
‫هذا الربنامج ألف من الكتب واملراجع العلمية‪ ،‬ما يربو عىل ستني كتا خبا‪ ،‬ولعل‬
‫برناجمه يشتمل عىل نظام يشرتك فيه العديد من الناجحني‪ ،‬وذلك القاسم املشرتك هو‬
‫إيداع أكرب إنجازاته يف وعاء يومه قبل كل َشء ثم يتفرغ لألمور االعتيادية املطلوبة‬
‫منه كأب مع أبنائه‪ ،‬أو كعامل بني رواده من الباحثني‪ ،‬واملثقفني‪.‬‬
‫امللفت يف جتربة الشيخ الدكتور‪ ،‬أنه استطاع أن يطبع أفراد عائلته بربناجمه‪،‬‬

‫واستوعبوها جيدخ ا فرسالته يف احلياة معلنة لدى اجلميع‪ ،‬بل والكل يعلمها ويقدرها‪،‬‬
‫‪276‬‬

‫ولذا يسعون بتهيئة الظروف إلنجاحها‪ ،‬وقد حدث أن عشت واحدة من املواقف‬
‫الكاشفة عن هذا األمر‪.‬‬
‫ففي إحدى الليايل التي كنا نرتدد عليه يف منزله املسمى بـ «دارة الغريني» بحي‬
‫املباركية يف مدينة الدمام عام ‪1427‬ه ‪2006 -‬م‪ ،‬وكان كعادته عا خملا‪ ،‬رائ خعا يف عرض‬
‫معلوماته مهام تنوعت من حيث املرشب الفكري‪ ،‬طال بنشأهتا الزمان أو قرص‪،‬‬
‫حيث له من الذاكرة القوية‪ ،‬والرصد الدقيق لألحداث‪ :‬قديمها وحديثها ما يلفت‬
‫االنتباه ويثري االعجاب‪ ،‬وقد ازدحم املجلس باحلضور يف تلك الليلة‪ ،‬وزادت‬
‫املشاركات واملداخالت من الضيوف‪ ،‬ما أدى باجللسة أن تزحف عىل موعد ختام‬
‫برنامج االستقبال اليومي املقرر سل خفا‪ ،‬فام كان من ابنه األستاذ فؤاد إالّ أن اعتذر‬
‫بطريقة لبقة كعادته‪،‬‬
‫موضحا أن برنامج الشيخ قد انتهى وال بد أن يستعد للنوم»(‪.)1‬‬
‫خ‬
‫هذا بعض ما وقفت عليه منه ‪ ،‬وربام تكشف األيام عن باحث استطاع أن‬

‫يرصد بشكل تفصييل عن اخلطوات التي يعتمدها الشيخ كتقنية دأب عليها‪ ،‬فتقنن‬
‫ويستفاد منها‪ ،‬وهذا أمر موكول إىل األخصائيني يف جمال اهلندسة النفسية بشكل‬
‫حرصي‪.‬‬

‫‪ ‬املبحث الرابع‪ :‬القواسم املشتركة اليت مجعت ابن أيب مجهور‬
‫وابن زين الدين والفضلي‬
‫بعد أن جتولنا يف حياة هؤالء األعالم األحسائيني الثالثة‪ ،‬لعل من اجلدير بنا أن‬
‫نستخلص الدروس من حياهتم‪ ،‬وسريهتم العملية‪ ،‬لنرى كيف أصبحوا أرقا خما‬
‫عاملية‪ ،‬ختدم اإلسالم‪ ،‬وتنرش راية املعرفة‪ ،‬كام أهنا م َّثلت األحساء عامل ًّيا‪ ،‬يف حراكه‬
‫منسجم مع واقعها املعريف والثقايف‪ ،‬فهي رحم علمي‬
‫أمر‬
‫ٌ‬
‫نحو العلم واملعرفة‪ ،‬وهذا ٌ‬
‫(‪ )1‬حممد بن جواد اخلرس‪ ،‬الناجحون جتارب وعادات‪( ،‬األحساء‪ :‬مصنع اجلواد للطباعة‬
‫والتغليف‪1434 ،‬ه ‪2013 -‬م)‪ ،‬ص ‪.15-13‬‬

‫‪277‬‬

‫كبري كام يشهد بذلك مراقبي الساحة العلمية‪ ،‬أكدت عىل طول تاريها القديم‬
‫واملعارص بأن أرضها مل ختل من املدارس العلمية‪ ،‬فقد أحصيت يف كتايب فقهاء‬
‫األحساء الصادر بتاريخ ‪1415‬ه من شهدت هلم العلامء بفقاهتهم باملعنى‬
‫االصطالحي الذي يعني القدرة عىل استنباط األحكام الرشعية من أدلتها التفصيلية‬
‫فقيها أحسائ ًّيا من املذهب اإلمامي‪ ،‬وهو مرحلة مبكرة يف اإلحصاء‪ ،‬إذ من‬
‫‪ 41‬خ‬
‫فقيها‪ ،‬وذلك بلحاظ كثرة الفضالء‬
‫املتوقع أن يرتفع العديد يف تارينا املعارص إىل ‪ 50‬خ‬
‫الذين بلغوا درجة الفقاهة من اجليل املعارص السيام منهم من تفرغ للدراسة الدينية‬
‫يف معاقلها العلمية يف كل من العراق وايران يف العقود اخلمسة املاضية وقد وقفت‬
‫عىل اإلجازات الفقهية للعديد منهم‪.‬‬
‫وإن مما يعزز بدهيية هذه النتيجة هو أن األحساء حتظى بطيف مذهبي يندر‬
‫وجوده عىل مستوى العامل يف مساحة جغرافية ال تزيد مساحتها عن ‪ 530‬ألف كم‬
‫مربع‪ ،‬تشكل الصحراء منها ‪ %40‬من مساحتها‪ ،‬ويف الوقت ذاته حتتضن أكرب واحة‬
‫عىل مستوى العامل وفق أدق املقاييس الدولية يف تعريف الواحات‪ ،‬أغلبها أشجار‬
‫النخيل‪ ،‬وكام احتضنت النخل بثامره اليانعة‪ ،‬احتضنت بيوت العلامء‪ ،‬وما يتصل هبم‬
‫من مراكز ذات صلة يف بعد إشعاعهم الروحي‪ :‬من مساجد‪ ،‬وحسينيات‪ ،‬وأربطة‬
‫علمية‪ ،‬ومدارس‪ ،‬وحوزات‪ ،‬ومكتبات‪ ،‬لذا جتد فيها العامل ُ اإلمامي‪ ،‬واحلنفي‪،‬‬
‫والشافعي‪ ،‬واملالكي‪ ،‬واحلنبيل(‪ ،)1‬ليس عىل مستوى األفراد بل عوائل علمية يف‬
‫املجال الرشعي الزمت الدرب طوي خ‬
‫ال تتعهده‪ ،‬بفلذات أكبادها لتؤكد عىل طيب‬
‫القرائح وحب العلم واملعرفة‪ ،‬بل وهناك حراك علمي نحو والدة أرس علمية‬
‫جديدة يف جمال العلوم الرشعية‪ ،‬فقد برز يف اجليل اجلديد من بعض العوائل من‬
‫أنجبت شخصيات علمية قدمت خدماهتا الدينية يف جمال اإلرشاد الديني‬
‫والتدريس‪ ،‬وبعض منها بلغ درجة الفقاهة‪ ،‬وأصبحت شخصيات علمية هامة يف‬
‫(‪ )1‬حممد بن جواد اخلرس‪ ،‬مدينة اهلفوف‪ :‬مدخل حضاري لدراسة مظاهر احلياة يف مدينة اهلفوف‬
‫بمحافظة األحساء‪( ،‬بريوت‪ :‬مؤسسة األسفار‪1431 ،‬ه)‪ ،‬ص‪.397-350‬‬

‫‪271‬‬

‫تاريخ العلم الرشعي يف األحساء‪ ،‬ولعل هذا املوضوع حيتاج إىل بحث بتأن وروية‬
‫حتى يتم استيفاؤه من الناحية البحثية كمصاديق وليست عناوين فقط‪ ،‬ومن أراد‬
‫التوسع يف معرفة علامء األحساء عىل شتى مذاهبهم وشخصياته السابقة واملعارصة‬
‫فيمكنه الرجوع إىل عدة مصادر مطبوعة أو عىل شبكة االنرتنت(‪.)1‬‬
‫حضورا يف التوعية الشفهية والكتابية‪ ،‬لكن يغلب عليهم‬
‫ومما الشك بأن هلم‬
‫خ‬

‫التبليغ الشفهي بشكل أكثر من التحريري‪ ،‬وهي سمة الزمت الكثري منهم‪ ،‬وحتى‬

‫(‪ )1‬انظر عىل سبيل املثال‪:‬‬
‫ أنوار البدرين يف تراجم علامء القطيف واألحساء والبحرين‪ ،‬للشيخ عيل بن حسن البالدي‪.‬‬‫ مطلع البدرين يف تراجم علامء األحساء والقطيف والبحرين‪ ،‬للشيخ جواد بن حسني‬‫الرمضان‪.‬‬
‫ منتظم الدرين تراجم علامء القطيف واألحساء والبحرين‪ ،‬للشيخ عيل بن حسن البالدي‬‫البحراين‪.‬‬
‫ أعالم هجر‪ ،‬للسيد هاشم الشخص‪.‬‬‫ شخصيات رائدة من بالدي‪ ،‬لالستاذ معاذ بن عبد اهلل املبارك‪.‬‬‫ الفهرس املفيد يف تراجم أعالم اخلليج‪ ،‬لألستاذ أبو بكر عبد اهلل الشمري‪.‬‬‫ من أعالم مدينة املربز‪ ،‬لألستاذ عبد اهلل بن عيسى املربز‪.‬‬‫ كتاب «مدينة اهلفوف» السالف ذكره‪ ،‬ذكرت فيه احلوزات‪ ،‬واملدارس‪ ،‬واألربطة العلمية يف‬‫مدينة اهلفوف ومن خترج فيها من أهل العلم‪ ،‬ومن أراد التوسع أكثر يمكنه االطالع يف‬
‫الكتاب نفسه‪ ،‬يف الفصل الثاين منه عىل قائمة الدراسات والكتب والبحوث التي أعددهتا‬
‫عمن قام بالتأليف عن األحساء فقط‪ ،‬حيث كشف الدراسة هناك عن مؤلفني عنها يف جمال‬
‫التاريخ‪ ،‬واجلغرافيا‪ ،‬واالقتصاد‪ ،‬والزراعة‪ ،‬والتعليم‪ ،‬واالجتامع‪ ،‬والفكر واألدب‪ ،‬سواء‬
‫كانت باللغة العربية أو بلغات أجنبية‪ ،‬وما أرغب يف اإلشارة إليه هنا بخصوص احلديث عن‬
‫حالة التأليف وطباعة ما يؤلف وينرش‪ ،‬أن هذا الفصل أورد العديد من أسامء املؤلفني‬
‫وأغلبهم من األحساء‪ ،‬كام يشري إىل أن هناك توجها إجيابيا لدى املؤلفني األحسائيني نحو‬
‫طباعة ونرش ما يتم تأليفه‪.‬‬
‫ العديد من املواقع االنرتنت نرشت العديد من بيانات النرش للمؤلفات األحسائية كام هو‬‫احلال يف موقع مشهد األحساء‪ ،‬وموقع املطرييف‪ ،‬وموقع شبكة هجر‪ ،‬وغريها من املواقع‬
‫املهتمة هبذا الشأن‪.‬‬

‫‪279‬‬

‫من كتب مل يعتن بطباعة ما يكتب(‪ ،)1‬وإن طبع فإن أغلب كتبهم جتدها يف دائرهتم‬
‫اخلاصة‪ ،‬ربام ال تفارق الدول املطلة عىل اخلليج العريب‪ ،‬هذا حال املؤلفني ممن‬
‫سبقوهم وأقراهنم بد خءا من قرون ما قبل عهد الشيخ حممد بن أيب مجهور األحسائي‬

‫املتويف ما بعد عام (‪906‬ه ‪1501-‬م)‪ ،‬حتى أوائل القرن اخلامس عرش اهلجري‪،‬‬
‫وبعد هذا التاريخ بدأت تطل علينا كتابات بأقالم أحسائية جديرة بالذكر‪ ،‬وهي‬

‫تعكس حالة من الوعي نحو التأليف والنرش م خعا‪ ،‬وعرب دور متخصصة‪ ،‬ولكن‬
‫هؤالء األعالم الثالثة‪ ،‬كان هلم ما يميزهم يف جتربتهم العلمية لعل أبرزها ما ييل‪:‬‬
‫‪ .1‬املوسوعية املعرفية‪ ،‬وهي الزمتهم مجي خعا حيث هلم يف أغلب جماالت املعرفة‬
‫حضورا معرف ًّيا‪ ،‬وكتبوا فيها إما كت خبا خاصة بكل علم‪ ،‬أو تعرضوا‬
‫االسالمية‬
‫خ‬

‫ملطالبها بشكل عريض يف بعض كتاباهتم‪ ،‬ما يعكس تضلعهم يف تلك املعارف‪،‬‬

‫بل وقد يزيد عليهم الشيخ األوحد باسرتساله يف بعض العلوم كالرياضيات‪،‬‬
‫والكيمياء والطب‪ ،‬والفلك‪ ،‬واهلندسة والعديد من العلوم التطبيقية‪.‬‬
‫‪ .2‬التجديد واإلبداع فيام يكتبون‪ ،‬وقد ال يكون التجديد يف أصل الفكرة فقط‪ ،‬بل‬
‫أيضا‪ ،‬بام يناسب أبناء اجليل الذين‬
‫يمكن أن يكون التجديد يف طريقة العرض خ‬
‫عارصوهم‪ ،‬استجابة ملتطلبات الساحة التي يعيشها‪ ،‬كالشيخ الفضيل يف أسلوب‬
‫عرضه للعديد من العلوم يف العربية‪ ،‬واملنطق‪ ،‬وعلم الكالم‪ ،‬والفقه‪،‬‬
‫واألصول‪ ،‬بل أغلب كتبه تتسم بطابع التجديد يف أسلوب العرض‪ ،‬ما جعل‬
‫طالب العلم يف بدايات تعلمهم هيفون إليها؛ لكي يعرفوا املراد من ألفا ها دون‬
‫أدرجت يف كتاب يل بعنوان «مالمح احلياة العلمية واألدبية يف األحساء»‪ ،‬وكان زمان تأليفه يف‬
‫(‪)1‬‬
‫ُ‬
‫عام ‪1414‬ه‪ ،‬وقد صدر منه اجلزء املتعلق بفقهاء األحساء يف املذهب اإلمامي يف تاريخ‬
‫‪1415‬ه‪ ،‬وقد اشتمل الكتاب عىل بعض اإلحصائيات ومن مجلتها عناوين الكتب الذين‬
‫كتبها علامء وأدباء األحساء‪ ،‬وقد أحصيت آنذاك عناوين كتب علامء األحساء وطالب العلوم‬
‫الرشعية من اإلمامية فقط ما بلغ ‪ 511‬كتا خبا‪ ،‬بام فيها أغلب كتب ابن أيب مجهور‪ ،‬وكتب الشيخ‬
‫أمحد األحسائي‪ ،‬وكتب الشيخ الفضيل املطبوعة آنذاك‪ ،‬ويالحظ عليها أن أكثرها يصدق‬
‫عليها حكم أن من كتب منهم مل يطبع‪ ،‬ومن طبع كان انتشار كتبه يف دائرة حمدودة‪.‬‬

‫‪210‬‬

‫أي احتامل آخر يف فهم النص‪ ،‬وهذا ما كان هيدف إليه‪.‬‬
‫‪ .3‬العناية بنرش ما يكتبون‪ ،‬عرب القنوات العاملية‪ ،‬وقد سهل هذا الشأن إطالع أبناء‬
‫اجليل الذي عارصهم عىل ما يكتبون‪ ،‬ولكثرة رواجها وانتشارها‪ ،‬تعاقبت‬
‫أجيال عىل قبول تلك املواد واحلفاوة هبا‪ ،‬حتى لقد بلغ من أحدهم وهو الشيخ‬
‫أمحد بن زين الدين األحسائي‪ ،‬أنه كان يعتني باحلرب الذي تستنسخ به كتبه‪ ،‬من‬
‫حيث جودهتا‪ ،‬حيث له خربة يف املركبات الكيميائية‪ ،‬وو ف تلك يف أحبار‬
‫كتبه‪ ،‬أما الشيخ حممد بن أيب مجهور‪ ،‬فكان مدو خنا لكل ما يراه ناف خعا من حراكه‪،‬‬
‫ومن تلك مدوناته ملنا راته مع الفاضل اهلروي يف مشهد بإيران‪ ،‬واستنسخت‬
‫من بعده وتم انتشارها‪.‬‬
‫‪ .4‬اعتامد اجلهات املختصة لنتاجاهتم الفكرية‪ ،‬حيث مل تبق تلك اإلبداعات رهينة‬
‫اإلقبال الفردي من قبل القراء‪ ،‬بل اعتمدهتا النخبة العلمية وكذلك الرسمية‪،‬‬
‫إما كت خبا درسية‪ ،‬يتتلمذ عليه الطالب‪ ،‬أو مرج خعا يرجع إليه العلامء يف أبحاثهم‪،‬‬
‫كام هو احلال يف كتاب عوالئ اللئالئ للشيخ ابن أيب مجهور‪ ،‬حيث حتول إىل‬
‫مرجع يف علم احلديث للعديد من مراجع التقليد يف مباحثهم الفقهية‬
‫واستدالالهتم‪ ،‬بل حتولت بعض الروايات التي نقلها يف كتابه إىل قواعد فقهية‬
‫من بعده‪ ،‬كقاعدة الناس مسلطون عىل أمواهلم‪ ،‬وغريها من القواعد التي مر‬
‫احلديث عنها يف هذا البحث عند احلديث عن الشيخ‪ ،‬وكذلك الشيخ أمحد بن‬
‫زين الدين األحسائي حتولت بعض كتبه إىل مراجع هامة يف باب احلكمة اإلهلية‬
‫واعتمدها العديد من األساتذة يف إيران‪ ،‬والعراق‪ ،‬ودول الساحل الرشقي من‬
‫اجلزيرة العربية‪ ،‬بل وقد ترست العديد من املفاهيم التي كانت مستنكرة يف زمان‬
‫الشيخ إىل عبارات املتكلمني‪ ،‬ويف كتاباهتم من دون اإلشارة إىل مصدريتها من‬
‫الشيخ أمحد كام رصح يل أحد الفضالء هبذا الشأن‪ ،‬أما الفضيل فقد حتولت بعض‬
‫كتبه إىل مراجع يف احلوزات العلمية ككتب خالصة املنطق‪ ،‬وتاريخ الترشيع‬
‫اإلسالمي‪ ،‬وخالصة علم الكالم‪ ،‬والعديد من الكتب‪ ،‬أما يف اجلامعات‬
‫كجامعة امللك عبد العزيز يف جدة فقد خترجت اآلالف وليس املئات عىل كتبه‬
‫‪211‬‬

‫خالل تدريسه هناك وحتى من بعد رحيله عنها‪ ،‬و لت كتبه تطبع من بعده‪،‬‬
‫وقد ساق يل حادثة طريفة يف هذا املقام‪ ،‬وقد كان احلديث يف معرض أمانة بعض‬
‫دور النرش جتاه املؤلفني‪ ،‬فقد كان ضمن إحدى زياراته إىل مدينة جدة‪ ،‬وقد مر‬
‫عىل دار الرشوق بجدة‪ ،‬وكان يسأل عن بعض الكتب واإلصدارات احلديثة‪،‬‬
‫وقد تعرفوا عليه صدفة‪ ،‬فإذا هبم يكربون له التحية‪ ،‬ويف الوقت ذاته يعتبون‬
‫عليه قطيعته هلم طيلة هذه املدة‪ ،‬ألهنم قاموا بطباعة بعض الكتب دون إذنه؛‬
‫لكثرة الطلب عليها‪ ،‬ومل يتمكنوا بعدها أن يصلوا إليه لتسليمه مستحقاته‬
‫كمؤلف‪ ،‬وقد كانوا يرحلون تلك املبالغ من ميزانية سنوية إىل أخرى‪ ،‬فام كان‬
‫منهم إال أن صاحبوه إىل قسم املحاسبة ليدفعوا له مستحقاته‪ ،‬ومن اجلدير‬
‫بالذكر أن كتب الشيخ الفضيل تدرس حال ًّيا يف اجلامعة العاملية للعلوم اإلسالمية‬
‫يف لندن‪ ،‬كام ترمجت بعضها إىل اإلنجليزية من قبل إحدى اجلامعات األمريكية‪،‬‬
‫وتدرس يف احلوزة العلمية يف النجف األرشف‪ ،‬وقم‪ ،‬والعديد من املراكز حول‬
‫العامل‪.‬‬
‫‪ .5‬احلضور الفعال يف املناخات العاملية‪ ،‬للتواصل مع النخبة العلمية‪ ،‬ومتابعة‬
‫تطورات الساحة‪ ،‬ومتطلباهتا‪ ،‬واإلسهام اجلاد فيها‪ ،‬وقد أهلهم هلذا الدور‬
‫احلضور املعلومايت يف يكتبون فيه‪ ،‬بشكل يؤهلهم ملقابلة قراءهم‪ ،‬والرد عىل‬
‫استفساراهتم‪ ،‬ورد إشكاالهتم‪ ،‬ولسان حاهلم يقول‪:‬‬
‫علمـي معي حيث ما كنـت يتبعنـي‬

‫قلبـــي وعـــاء لـــه ال بطـــن صـــندوق‬

‫إن كنت يف البيت قام العلـم يتبعنـي‬

‫أو كنت يف السوق كان العلم يف السـوق‬

‫‪ ‬اخلامتة‪:‬‬
‫وتشتمل عىل النتائج والتوصيات‪:‬‬

‫‪212‬‬

‫النتائج‪:‬‬
‫لعل أبرز النتائج التي خلص إليه البحث‪ ،‬ما ييل‪:‬‬
‫وتدريسا‪ ،‬ومن‬
‫درسا‬
‫خ‬
‫‪ .1‬أن احلارضة األحسائية تشتمل عىل رحم علمي كبري‪ :‬خ‬
‫خمتلف الطيف املذهبي‪ :‬اإلمامي‪ ،‬واحلنفي‪ ،‬والشافعي‪ ،‬واملالكي‪ ،‬واحلنبيل‪ ،‬وقد‬
‫مثلها عامل ًّيا يف جمال العلم واملعرفة‪ ،‬من علامء املذهب اإلمامي ثالثة علامء امتازوا‬
‫باملوسوعية املعرفية يف العلوم اإلسالمية‪ ،‬وهم الشيخ حممد بن أيب مجهور‬
‫األحسائي‪ ،‬والشيخ أمحد بن زين الدين األحسائي‪ ،‬والشيخ الدكتور عبد اهلادي‬
‫الفضيل‪.‬‬
‫‪ .2‬لألعالم الثالثة جتربة كتابية موسوعية كبرية‪ ،‬يف شتى العلوم اإلسالمية‪،‬‬
‫والعلوم املساندة هلا يف جمال العلم الرشعي‪ :‬كعلوم اللغة العربية‪ ،‬وعلم الداللة‪،‬‬
‫وعلم األسلوب‪ ،‬وعلم املنطق‪ ،‬وعلم الرجال‪ ،‬وعلم احلديث‪ ،‬وعلم الكالم‪،‬‬
‫واحلكمة اإلهلية‪ ،‬والفلسفة القديمة‪ ،‬وعلم الفقه‪ ،‬وعلم أصول الفقه‪.‬‬
‫‪ .3‬اتسعت دائرة انتشار النتاجات الفكرية لألعالم الثالثة لتتجاوز احلدود املحلية‬
‫يف النرش واإلهتامم‪ ،‬فاهتم هبا علامء من الرشق والغرب‪ ،‬واملراكز البحثية‪،‬‬
‫واجلهات املعرفية‪ ،‬وهذا يعود إىل قواسم مشرتكة مجعت بني الثالثة األعالم‪،‬‬
‫وهي‪:‬‬
‫أ‪ .‬املوسوعية املعرفية‪.‬‬
‫ب‪ .‬التجديد واإلبداع يف مؤلفاهتم‪ ،‬وبحوثهم‪.‬‬
‫ج‪ .‬العناية بنرش تأليفاهتم‪ ،‬وبحوثهم‪.‬‬
‫د‪ .‬اعتامد اجلهات املختصة لنتاجاهتم الفكرية‪ ،‬فض خ‬
‫ال عن اعتامدها من قبل‬
‫األفراد‪.‬‬
‫‪ .4‬أن نتاج الشيخ الفضيل الفكري املكتوب عىل هيئة مؤلفات وبحوث ومقاالت‪،‬‬
‫‪213‬‬

‫حوارا‪130 ،‬‬
‫وحوارات‪ ،‬وتقاريظ للكتب بلغ‪ 75 :‬كتا خبا‪ ،‬و‪ 155‬مقالة‪15 ،‬‬
‫خ‬
‫تقري خظا‪.‬‬
‫‪ .5‬أن الشيخ الفضيل‪ ،‬جتاوز حدود الذات يف مسألة التأليف والكتابة‪ ،‬ليشكل بؤرة‬
‫إشعاع فكري‪ ،‬جعلت منه مقصدخ ا للباحثني‪ ،‬واملؤلفني؛ ملراجعة املؤلفات‪،‬‬
‫وتصحيحها‪ ،‬واقرتاح عناوينها‪ ،‬ورعاية مهرجاناهتا‪ ،‬وتوسيع مدارك الباحثني‬
‫يف بعض جوانب مؤلفاهتم‪ ،‬األمر الذي يوعز إىل رعايته تلك‪ ،‬زيادة النشاط‬
‫الفكري يف جمال التأليف يف املنطقة‪ ،‬ال سيام إذا أخذنا يف االعتبار أن نسبة‬
‫التقاريظ التي َّقر ها بعد تقاعده من جامعة امللك عبد العزيز بجدة بلغت ‪%95‬‬
‫من امجايل تقاريظه‪.‬‬
‫‪ .6‬أن الشيخ عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬بفضل تدرجه املعريف يف الوسطني احلوزوي‬
‫واألكاديمي‪ ،‬استطاع أن يشخص فرصة هامة يف بيئته اخلارجية تتمثل يف‬
‫رضورة ترسية مناهج البحث العلمي إىل الكتب احلوزوية‪ ،‬وكان من نتاجات‬
‫تلك الترسية أن انفتح هبا عىل العديد من العلوم احلديثة التي ينبغي أن تأخذ هبا؛‬
‫لكون الذي يقرر طبيعة املنهج اخلاص ألي علم من العلوم شيئان‪ ،‬مها‪:‬‬
‫أ‪« .‬طبيعة مادة العلم‪.‬‬
‫ب‪ .‬اهلدف من وضع املادة‪.‬‬
‫‪ .7‬من أبرز املؤلفات التي يمكن التعرف من خالهلا عىل جماالت التجديد التي قام‬
‫هبا الشيخ الفضيل للحوزات العلمية كتابا‪« :‬دروس يف أصول الفقه االمامي»‪،‬‬
‫و«دروس يف فقه االمامية»‪ ،‬وكان أبرز مواضع التجديد أنه طبق فيهام العديد من‬
‫األطر البحثية التي كان ينادي هبا وفق منهج البحث العلمي‪ ،‬وسطرها كمنهجية‬
‫يف بداية كل من أطروحتيه‪ ،‬وبالتايل مل يكتف بالتنظري الفكري ملناهج احلوزة‪ ،‬بل‬
‫قدم جتربة عملية يف هذا املجال‪.‬‬
‫‪ .1‬مما رجحه الشيخ يف منهج «دروس يف أصول الفقه االمامية»‪ ،‬هو التخلص من‬
‫املنهج الفلسفي والكالمي الذي أثقل كاهل هذا العلم‪ ،‬ليكون مدار بحثه يف‬
‫‪214‬‬

‫إطارين مها‪:‬‬
‫ املنهج اللغوي ‪ -‬االجتامعي‪.‬‬‫ املنهج االجتامعي ‪ -‬االجتامعي‪.‬‬‫وذلك لكون الدرس األصويل يعنى بمعاجلة واهر اجتامعية عامة تتنوع إىل‪:‬‬
‫‪-‬‬

‫واهر لغوية ‪ -‬اجتامعية‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫واهر اجتامعية ‪ -‬اجتامعية‪.‬‬

‫ومن شأن هذا املنهج يف نظر الشيخ الفضيل أن يعود بأصول الفقه إىل ما كان يف‬
‫يف عهد الشيخ املفيد حيث يقول‪« :‬ونحن هبذا نعود إىل املنهج الذي وضعه الشيخ‬
‫املفيد‪ ،‬والذي أقيص عن ميدان البحث األصويل عن غري قصد‪ ،‬وإنام بتأثري هيمنة‬
‫علم الكالم عىل منطلقات البحث األصويل»‪.‬‬
‫‪ .9‬مما رجحه الشيخ يف منهج «دروس يف فقه اإلمامية» هو رضورة أن يامرس الفقيه‬
‫دور الفقيه العريف الذوقي‪ ،‬يف قبال الفقيه الصناعي‪ ،‬بحيث ال يكتفي بدراسة‬
‫بنيوية النصوص‪ ،‬وإنام ال بد أن ينتقل إىل البيئة اخلارجية ليعمل أدوات البحث‬
‫العلمي‪ ،‬وفق منهج االستقراء‪ ،‬أو املالحظة قدر الطاقة‪ ،‬ال سيام منها يف فقه‬
‫املعامالت املالية ألهنا غري ذات طبيعة مادية متجسدة يف خارج الذهن‪ ،‬وإنام هي‬
‫واهر اجتامعية تدخل ضمن فعاليات وآليات سلوك اإلنسان‪ ،‬ووفق نظام‬
‫خاص هبا اعتمد يف وضعه اعتبار املعترب‪.‬‬

‫املقرتحات‪:‬‬
‫لعل أبرز املقرتحات التي خرج هبا البحث‪ ،‬ما ييل‪:‬‬
‫‪ .1‬عند استعراض جتربة الشيخ حممد بن أيب مجهور األحسائي اتضح أن حراكه‬
‫‪215‬‬

‫البحثي أثمر عن جهود علمية يف جمال رواية احلديث‪ ،‬وذلك يف كتابه عوالئ‬
‫اللئالئ‪ ،‬وأن هذا الكتاب استطاع أن يؤثر يف جمال االستدالل الفقهي‪ ،‬وقد طرح‬
‫الشيخ حسني العايش الرباك‪ ،‬يف ورقة بحثية بعنوان‪« :‬اإلبداع الفقهي‬
‫واألصويل البن أيب مجهور األحسائي»‪ ،‬العديد من األدلة عىل أثر الشيخ ابن ايب‬
‫مجهور يف املباين الفقهية للعديد من الفقهاء‪ ،‬بحيث أن بعض روايات الشيخ‬
‫حتولت إىل قواعد فقهية‪ ،‬هذا وقد خرج البحث بإقرتاح أن تتبنى يف هذا الصدد‬
‫جهة علمية للقيام بأطروحة علمية ُيترب من خالهلا ثالث فرضيات للتأكد من‬
‫صحتها‪ ،‬وهي تدور حول أثر كتاب عوالئ اللئايل يف املباين الفقهية بعد صدور‬
‫الكتاب املذكور هذا من جهة‪ ،‬ومن جهة أخرى أن تلك الروايات املشار إليها مل‬
‫تدخل دائرة االستدالل الفقهي لدى اإلمامية‪.‬‬
‫‪ .2‬عند استعراض جتربة الشيخ أمحد بن زين الدين األحسائي‪ ،‬اتضح أن هناك‬
‫دعوى من بعض الفضالء‪ ،‬مفادها أن الشيخ وإن تعرضت أفكاره إىل رفض من‬
‫أيضا إال أهنا استطاعت بفضل متاسك‬
‫قبل البعض يف زمانه‪ ،‬ومن بعد وفاته خ‬
‫أطروحته العلمية يف جمال العقائد أن تترسى مع مرور الزمن إىل الساحة العلمية‬
‫املعارصة‪ ،‬بل وتلقاها الكثري بالقبول يف الوقت الراهن‪ ،‬ولكن ال تسند تلك‬
‫أيضا تم التقدم بمقرتح تقديم‬
‫املفاهيم إىل الشيخ أمحد األحسائي‪ ،‬وهنا خ‬
‫أطروحات بحثية تتجاوز القبول األويل هلذا اإلفادة إىل ما هو أهم‪ ،‬أال وهو‬
‫بلورة مصاديق عملية تثبت صحة فرضية هذا املدعى من عدمه‪.‬‬
‫‪ .3‬عند استعراض جتربة الشيخ عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬اتضح أن فضيلته انطوت عىل‬
‫جنبتني‪ :‬حوزوية وأكاديمية‪ ،‬وقد أفىض هذا التالقح الفكري عن جتربته يف‬
‫كتابيه‪« :‬دروس يف أصول الفقه االمامي»‪ ،‬و«دروس يف فقه اإلمامية»‪ ،‬إىل‬
‫تطبيقات عملية ملنهج البحث العلمي القائم عىل االستقراء واملالحظة‪ ،‬وقد تم‬
‫التقدم يف هذا املجال بمقرتح أن تقدم أطروحات بحثية حول منهج الشيخ وأثره‬
‫يف الساحة العلمية‪ ،‬وملكات طالب العلوم الرشعية الذين سيتتلمذون عىل كتبه‬
‫يف مرحلة السطوح‪ ،‬وأوجه تطوير هذه التجربة الفكرية التي أخذت بمعطيات‬
‫‪216‬‬

‫العرص‪ ،‬وحتديات املرحلة‪.‬‬
‫نظرا ملا حيتمل أن يواجهه الفقيه الذوقي العريف يف بحثه يف مسائل املعامالت‬
‫‪ .4‬خ‬
‫املالية‪ ،‬يقرتح بأن تتشكل جهات بحثية داعمة له فيام يتعلق باجلانب امليداين‪،‬‬

‫تكون مسئوليتها مواكبة أطروحات امليدان من بنوك‪ ،‬ومؤسسات مالية‪ ،‬وغريها‬
‫من اجلهات االختصاصية ذات الصلة؛ جلمع إصداراهتا‪ ،‬وحتليلها‪ ،‬وتكييفها‬
‫رشع ًّيا‪ ،‬ومن ثم تزويد الفقهاء هبا‪ ،‬ليستعينوا هبا عند إصدار فتاواهم‬
‫الرشعية(‪.)1‬‬

‫‪ ‬الـمـراجـع‬
‫الكتب‪:‬‬
‫‪ .1‬األطرم‪ :‬الدكتور عبد الرمحن بن صالح‪ ،‬الوساطة التجارية يف املعامالت املالية‪،‬‬
‫(الرياض‪ :‬دار إشبيليا للنرش والتوزيع‪1416 ،‬ه ‪1995‬م)‪.‬‬
‫‪ .2‬إسامعيل‪ :‬الدكتور عمر مصطفى جرب‪ ،‬ضامنات االستثامر يف الفقه االسالمي‬
‫وتطبيقاهتا املعارضة‪( ،‬األردن‪ :‬دار النفائس للنرش والتوزيع‪-1430 ،‬‬
‫‪2010‬م)‪.‬‬
‫‪ .3‬البالدي‪ :‬الشيخ عيل بن حسن أنوار البدرين يف تراجم علامء القطيف واألحساء‬
‫والبحرين‪.‬‬
‫‪ .4‬بومخسني‪ :‬الشيخ حممد بن حسني‪ ،‬مقرح القلوب ومهيج الدمع املسكوب‪،‬‬
‫خمطوط‪.‬‬
‫‪ .5‬بومخسني‪ :‬الشيخ سامي‪ ،‬إبداع الوجود عند الشيخ أمحد األحسائي‪ ،‬رسالة‬
‫ماجستري‪( ،‬قم‪ :‬جامعة املصطفى العاملية‪1431 ،‬ه ‪2011 -‬م)‪.‬‬
‫‪ .6‬البحراين‪ :‬الشيخ عيل بن حسن البالدي منتظم الدرين تراجم علامء القطيف‬
‫(‪ )1‬انتهى بحمده وفضله ليلة ‪1434 /6 /21‬ه‪ ،‬املوافق ‪2013 /5 /1‬م‪.‬‬

‫‪217‬‬

‫واألحساء والبحرين‪.‬الشبييل‪ :‬الدكتور يوسف عبد اهلل‪ ،‬اخلدمات االستثامرية يف‬
‫املصارف وأحكامها يف الفقه االسالمي‪( ،‬الرياض‪ :‬دار ابن اجلوزي للنرش‬
‫والتوزيع‪1425 ،‬ه ‪2005‬م)‪.‬‬
‫‪ .7‬الشيخ‪ :‬األستاذ حسن بن حممد‪ ،‬آخر الفالسفة‪ :‬رؤية عرصية جديدة يف فكر‬
‫الشيخ أمحد األحسائي‪( ،‬مكان الطبع‪ :‬بدون‪ ،‬تاريخ الطبع‪1427 :‬ه ‪-‬‬
‫‪2007‬م)‬
‫‪ .1‬الشيخ‪ :‬األستاذ حسن بن حممد‪ ،‬فيلسوفان ثائران‪( ،‬بريوت‪ :‬دار الرأي العريب‪،‬‬
‫‪1425‬ه ‪2004 -‬م)‪.‬‬
‫‪ .9‬الشيخ‪ :‬األستاذ حسني منصور‪ ،‬الدكتور عبد اهلادي الفضيل‪ :‬تأريخ ووثائق‪،‬‬
‫(البحرين‪ :‬مداد للثقافة واإلعالم‪1430 ،‬ه ‪2009 -‬م)‪.‬‬
‫‪ .10‬الشخص‪ :‬السيد هاشم‪ ،‬أعالم هجر‪( ،‬بريوت‪ :‬مؤسسة أم القرى للنرش‬
‫والتوزيع‪1416 ،‬ه)‪.‬‬
‫‪ .11‬الشخانبة‪ :‬الدكتور صهيب عبداهلل بشري‪ ،‬الضامنات العينية‪ :‬الرهن ومدى‬
‫مرشوعية استثامره يف املصارف االسالمية‪( ،‬االردن‪ :‬دار النفائس للنرش‬
‫والتوزيع‪1432 ،‬ه ‪2011 -‬م)‪.‬‬
‫‪ .12‬الشمري‪ :‬األستاذ أبو بكر عبد اهلل الفهرس املفيد يف تراجم أعالم اخلليج‪.‬‬
‫‪ .13‬احلسني‪ :‬الدكتور أمحد بن حسن‪ ،‬الوداع املرصفية‪( ،‬مكة املكرمة‪ :‬دار ابن حزم‬
‫للطباعة والنرش والتوزيع‪1999-1420 ،‬م)‪.‬‬
‫‪ .14‬احليدري‪ :‬السيد معني‪ ،‬جوهرة األحساء وفوارة النور‪( ،‬بريوت‪ :‬دار املتقني‬
‫للثقافة والعلوم والطباعة والنرش‪1433 ،‬ه)‪.‬‬
‫‪ .15‬اخلرس‪ :‬حممد بن جواد‪( ،‬املنرب احلسيني) تاريخ تطور األغراض اخلطابية يف‬
‫املنرب احلسيني‪ :‬األحساء يف اململكة العربية السعودية حالة دراسية‪( ،‬بريوت‪:‬‬
‫دار األسفار للنرش والتوزيع‪1430 ،‬ه)‪.‬‬
‫‪ .16‬اخلرس‪ :‬حممد بن جواد‪ ،‬مالمح احلياة العلمية واألدبية يف األحساء‪.‬‬
‫‪ .17‬اخلرس‪ :‬حممد بن جواد‪ ،‬مدينة اهلفوف‪ :‬مدخل حضاري لدراسة مظاهر احلياة‬
‫‪211‬‬

‫يف مدينة اهلفوف بمحافظة األحساء‪( ،‬بريوت‪ :‬مؤسسة األسفار‪1431 ،‬ه)‪،‬‬
‫ص‪.397-350‬‬
‫‪ .11‬اخلرس‪ :‬حممد بن جواد‪ ،‬الناجحون جتارب وعادات‪( ،‬األحساء‪ :‬مصنع اجلواد‬
‫للطباعة والتغليف‪1434 ،‬ه ‪2013 -‬م)‪ ،‬ص ‪.15-13‬‬
‫‪ .19‬اخلليل‪ :‬الدكتور أمحد بن حممد‪ ،‬األسهم والسندات وأحكامها يف الفقه‬
‫االسالمي‪( ،‬الرياض‪ :‬دار ابن اجلوزي للنرش والتوزيع‪1426 ،‬ه)‪.‬‬
‫‪ .20‬الطالقاين‪ :‬السيد حممد حسن‪ ،‬الشيخية‪ ،‬رسالة ماجستري‪( ،‬لبنان‪ :‬اجلامعة‬
‫اليسوعية‪1974 ،‬م)‪.‬‬
‫‪ .21‬الرمضان‪ :‬الشيخ جواد بن حسني‪ ،‬مطلع البدرين يف تراجم علامء األحساء‬
‫والقطيف والبحرين‪.‬‬
‫‪ .22‬الرمضان‪ :‬الشيخ جواد بن حسني‪ ،‬مطلع البدرين يف تراجم علامء وأدباء‬
‫األحساء والقطيف والبحرين‪( ،‬مكان الطبع‪ :‬بدون‪1419 ،‬ه ‪1999 -‬م)‪.‬‬
‫‪ .23‬زناكي‪ :‬فتحي‪ ،‬رشكات املسامهة يف القانون الوضعي والفقه االسالمي‪( ،‬دار‬
‫النفائس للنرش والتوزيع)‪1433 ،‬ه ‪2012 -‬م)‪.‬‬
‫‪ .24‬املحمد صالح‪ :‬األستاذ أمحد بن عبد اهلادي‪ ،‬أعالم مدرسة الشيخ األوحد يف‬
‫القرن الثالث عرش اهلجري‪( ،‬لبنان‪ :‬دار املحجة البيضاء‪1427 ،‬ه ‪2006 -‬م‬
‫‪ .25‬الفضيل‪ :‬األستاذ فؤاد بن الشيخ عبد اهلادي‪ ،‬رسالة إلكرتونية‪ ،‬يف تاريخ ‪- 24‬‬
‫‪2013-4‬م‪.‬‬
‫‪ .26‬الفضيل‪ :‬الشيخ عبد اهلادي‪ ،‬دروس يف أصول فقه اإلمامية‪.‬‬
‫‪ .27‬الفضيل‪ :‬الشيخ عبد اهلادي‪ ،‬دروس يف أصول فقه اإلمامية‪( ،‬بريوت‪ :‬مؤسسة‬
‫أم القرى للتحقيق والنرش‪1420 ،‬ه)‪.‬‬
‫‪ .21‬الفضيل‪ :‬الشيخ عبد اهلادي‪ ،‬دروس يف الفقه اإلمامي‪( ،‬بريوت‪ :‬مؤسسة أم‬
‫القرى للنرش والتوزيع‪1419 ،‬ه)‪.‬‬
‫‪ .29‬الفضيل‪ :‬الشيخ عبد اهلادي‪ ،‬دروس يف الفقه اإلمامي‪( ،‬بريوت‪ :‬مؤسسة أم‬
‫القرى للنرش والتوزيع‪1424 ،‬ه ‪2004 -‬م)‪.‬‬
‫‪219‬‬

‫‪ .30‬الفضيل‪ :‬الشيخ عبد اهلادي‪ ،‬دروس يف فقه اإلمامية‪( ،‬بريوت‪ :‬مؤسسة أم‬
‫القرى للنرش والتوزيع‪1419 ،‬ه)‪.‬‬
‫‪ .31‬الفضيل‪ :‬الشيخ عبد اهلادي‪ ،‬معامالت البنوك التجارية‪( ،‬بريوت‪ :‬مركز الفقاهة‬
‫للبحوث والدراسات الفقهية‪1429 ،‬ه ‪2001 -‬م)‪.‬‬
‫‪ .32‬كوربان‪ :‬الدكتور هنري‪ ،‬نظرة فيلسوف‪ :‬يف سرية الشيخ األحسائي والسيد‬
‫الرشتي‪ ،‬ترمجة‪ :‬االستاذ خليل زامل‪ ،‬إعداد وتعليق‪ :‬الشيخ رايض نارص‬
‫السلامن‪( ،‬لبنان‪ ،‬توزيع مؤسسة فكر األوحد للتحقيق والطباعة والنرش يف‬
‫سوريا‪ ،‬ودار هجر للنرش والتوزيع يف األحساء باململكة العربية السعودية‪،‬‬
‫‪1425‬ه ‪2004 -‬م)‪ ،‬الطبعة الثانية‪.‬‬
‫‪ .33‬املبارك‪ :‬االستاذ معاذ بن عبد اهلل‪ ،‬شخصيات رائدة من بالدي‪.‬‬

‫‪ ‬املجالت‪:‬‬
‫‪ .1‬الرباك‪ :‬الشيخ حسني بن صالح العايش‪ ،‬اإلبداع الفقهي واألصويل إلبن أيب‬
‫مجهور األحسائي‪( ،‬األحساء‪ :‬مجعية ابن أيب مجهور األحسائي إلحياء الرتاث)‪،‬‬
‫نسخة بالكمبيوتر‪.‬‬
‫‪ .2‬آل مخيس‪ :‬األستاذ يارس عبد اهلل‪ ،‬ميزان املعرفة لدى املدرستني األحسائية‬
‫واخلراسانية‪ ،‬جملة البصائر‪ ،‬العدد ‪ ،46‬عام ‪1431‬ه ‪2010 -‬م‪.‬‬
‫‪ .3‬الشيبي‪ :‬الدكتور كامل مصطفى‪ ،‬الصلة بني التصوف والتشيع‪( ،‬األحساء‪:‬‬
‫مجعية ابن أيب مجهور األحسائي إلحياء الرتاث)‪ ،‬نسخة بالكمبيوتر‪.‬‬
‫‪ .4‬ريسه‪ :‬أمحد رضا رحيمي‪ ،‬مقدمة تعريفية عىل جمموعتني من رسائل ابن أيب‬
‫مجهور (األحساء‪ :‬مجعية ابن أيب مجهور األحسائي إلحياء الرتاث)‪ ،‬نسخة‬
‫بالكمبيوتر‪.‬‬
‫‪ .5‬ريسه‪ :‬أمحد رضا رحيمي‪ ،‬مقدمة تعريفية عىل ثالث رسائل البن أيب مجهور‬
‫(األحساء‪ :‬مجعية ابن أيب مجهور األحسائي إلحياء الرتاث)‪ ،‬نسخة بالكمبيوتر‪.‬‬
‫‪ .6‬فارماد‪ :‬رضا حييى بور‪ ،‬األوضاع السياسية واإلجتامعية والثقافية يف عرص ابن‬
‫‪290‬‬

‫أيب مجهور األحسائي‪( ،‬األحساء‪ :‬مجعية ابن أيب مجهور األحسائي إلحياء‬
‫الرتاث)‪ ،‬نسخة بالكمبيوتر‪.‬‬
‫‪ .7‬الفضيل‪ :‬الشيخ عبد اهلادي‪ ،‬النص الرشعي‪ :‬مفهومه وفهمه‪ ،‬جملة الكلمة‪،‬‬
‫العدد ‪.55‬‬
‫‪ .1‬كول‪ :‬جوان‪ ،‬رفض الذات‪ :‬التصوف عند الشيخ أمحد األحسائي‪ ،‬جملة‬
‫الساحل‪ ،‬العدد الثالث‪ ،‬السنة األوىل‪2007 ،‬م‪ ،‬ص ‪.112 – 91‬‬
‫‪ .9‬املحمد صالح‪ :‬األستاذ أمحد بن عبد اهلادي‪ ،‬مصادر ترمجة الشيخ أمحد‬
‫األحسائي‪ ،‬جملة الواحة‪ ،‬عدد ‪2010 ،60‬م‪.‬‬
‫‪ .10‬معزي‪ :‬الدكتور حممد عيل أمري‪ ،‬غياب يلمؤه احلضور‪ :‬تفسريات الشيخية‬
‫للغيبة‪ ،‬جملة الساحل‪ ،‬العدد اخلامس‪ ،‬السنة الثانية‪2001 ،‬م‪.‬‬
‫‪ .11‬اهلاجري‪ :‬الشيخ حممد بن سلامن‪ ،‬رسالة يف حكم التقدم عىل قرب املعصوم‪ ،‬جملة‬
‫الفقاهة‪ ،‬العدد ‪ ،10‬عام ‪2010‬م‪.‬‬

‫‪291‬‬

‫الفضلي ‪..‬أمة يف رجل‬

‫األستاذة منى الصالح‬
‫مل يكن فقيها فقط‪..‬‬
‫وال مفكرا مثقفا فحسب‪..‬‬
‫بل رجل اإلنسانية الذي نثر بذور الوعي يف سني اجلدب‪.‬‬
‫الفقيد آية اهلل العالمة الدكتور ‪ ..‬سمه بام شئت من ألقاب فلن تعجزك يف ذاك‬
‫املسميات فقد كان أمة يف رجل‪ ..‬تتغنى األلقاب بثراء يف اتساع فسيح من العلم‬
‫والوعي واإلصالح والفكر والفقه والثقافة واللغة‪.‬‬

‫‪ ‬الرجل املوسوعة‬
‫علام‬
‫كنت دو خما حني أقرأ عن رجل املوسوعة يف بطون تارينا الذي يعبق خ‬
‫وحضارة تستوقفني اللفظة كيف إلنسان واحد أن حيمل يف عقله كل هذه العلوم‬
‫جمتمعة فالكثري من علامء تارينا كانوا جيمعون بني الطب والفقه واحلديث واللغة‬
‫وغريها من العلوم‪ ،‬وإذا يب اليوم أقف أمام رجل ترك لنا من خالل تراثه الفكري ما‬
‫حيمل سامت هذه املوسوعية الفذة جيمع معها إنسانيته بأرسارها النفسية الكامنة وراء‬
‫هذه العظمة لتتكامل كلها عازفة مالمح أمة ختتزل كل مقومات حترضها وحياهتا‬
‫‪292‬‬

‫وسموها وارتقائها برجل نذر نفسه حلمل أعباءها بأكملها‪ ...‬فكان من الدعاة إىل‬
‫اإلصالح عىل مجيع األصعدة واملستويات‪ ..‬ومن الرعيل األول لقادة احلركة‬
‫اإلسالمية املعارصة‪.‬‬
‫فمنذ منتصف القرن العرشين هنض بوعي هذه األمة جمموعة من الشباب‬
‫املعمم منهم وغري املعمم يف مواجهة املد اليساري املثقف‪ ،‬فكان الشيخ املظفر أستاذه‬
‫املؤسس للحوزة ببعدها األكاديمي ومن ثم احلراك الفكري والتجديدي ملدرسة‬
‫الشهيد الصدر وإذا بنا نستفيق عىل كتابات وحمارضات الشهيد حممد باقر الصدر‬
‫والسيد فضل اهلل والشيخ الفضيل وهم يتصدرون الساحة الدينية العربية ليحركوا‬
‫الواقع بام يتناسب مع حتديات العرص وهكذا استطاعوا أن يكونوا عاملقة الفكر‬
‫بتعدد أدوارهم‪ ،‬فكان الشهيد األول املؤسس هلذه احلركة ليكمال طريقه‪ ،‬السيد‬
‫فضل اهلل بتحريك الواقع السيايس واحليايت بام جيعل منه رجل اإلنسانية ياطب‬
‫اإلنسان من خالل مواقعه املختلفة يف احلياة فكان املجتهد الذي يتلمس حاجات‬
‫الشباب وتطلعاهتم يف خمتلف امليادين‪ ،‬قريب من املسيحي كام هو من املسلم تتوحد‬
‫عنده املذاهب‪..‬‬
‫ويف اخلط املكمل له نجد الفضيل يتجه للداخل فينقيه ويقدمه بأبسط وأيرس‬
‫مؤسسا ملنهجية هامة يف‬
‫صورة حماوالخ رفع وعي اجلامهري عىل اختالف طبقاهتم‬
‫خ‬
‫مواجهة تقديس املوروث وعدم املساس به‪ ،‬فإذا به املحقق املتبحر الذي يتابع‬

‫القضايا بدقة علمية وعىل أسس موضوعية فكتب املناهج امليرسة يف اللغة والنحو‬
‫جيا بذلك الستار أمام كل طالب العلم‬
‫واملنطق واألصول واحلكمة والفلسفة مز خ‬
‫واحلقيقة بأحقية القراءة اجلديدة للنصوص مع اعتامده أصالة املنهج وعمق املعرفة‬
‫فال ضري من خمالفة عظامء الفقه واألصول إذا كان عن اجتهاد وبحث وقائم عىل‬
‫أسس‪ ،‬وما حتمله الشيخ من هتميش وإقصاء يف سبيل هذه املنهجية والتي استقرأ‬
‫ببصريته النافذة مستقبل املذهب يف االنفتاح واملحافظة عىل جوهرية معنى االجتهاد‪.‬‬

‫‪293‬‬

‫وقد يكون الشيخ يريد إيصال رسالة عرب هذه املخترصات بأن طالب اليوم غري‬
‫طالب األمس ال حاجة لكل هذا اإلغراق بالتفاصيل وإن املخترص املبسط يفي‬
‫فاسحا املجال لعلوم أكثر حاجة هلا من خالل نظرة مستقبلية لعرص ثورة‬
‫بالغرض‬
‫خ‬
‫املعلومات‪.‬‬

‫‪ ‬الفقيه املثقف‬
‫منحرصا بقضايا املناهج احلوزوية بعيدخ ا عن قضايا‬
‫ومل يكن هذا الفقيه املجدد‬
‫خ‬

‫أمته ومهوم عرصه السياسية واالجتامعية فاملتتبع ملحارضاته وندواته وصالونه الثقايف‬
‫مفتوحا لكل الزائرين من خمتلف الفئات‪ ،‬جيد نفسه أمام مفكر وفقيه‬
‫الذي كان‬
‫خ‬
‫مثقف يستقطب الشباب واملثقفني كام يستقطب الطلبة واحلوزويني يواكب املتغريات‬
‫ويطرح كل اإلشكاليات الثقافية احلديثة وبرؤية إسالمية منفتحة‪ ،‬فتناولت ندواته‬
‫وحمارضاته قضايا اإلمامة واألمة وناقش قضية األمام املهدي ‪ C‬واالنتظار واملنرب‬
‫احلسيني كام تناولت كتابة التاريخ والتجديد والوحدة اإلسالمية وأمهية الوقت‬
‫والعمل اجلامعي‪ ،‬حيتضن كل جديد يستقرأ فيه املستقبل بشكل فريد كام هر يف‬
‫موضوع االنفتاح اإلعالمي حيث طرح فكرة فتح قنوات رسالية يف وقت كان‬
‫اجلميع حيرمها‪.‬‬
‫الثنائية التي امتاز هبا الشيخ الدكتور قد تكون وراء هذا احلضور الفريد ففي‬
‫العادة جتد الفقيه يكتظ جملسه بطلبة العلوم الدينية والزائر ملجلس الشيخ جيد فيه‬
‫جيا من طلبة العلوم الدينية وطلبة العلوم األكاديمية‪ ،‬فقد مجع الشيخ بني العلم‬
‫مز خ‬
‫اجلامعي واجلوامعي‪ ،‬كام يصفه الدكتور اجلعفري‪ ،‬وعىل أعىل املستويات ففي الوقت‬
‫فقيها جمتهدخ ا كان أستا خذا جامع ًّيا‪ ،‬وهذا كان له انعكاساته عىل معارفه‬
‫الذي كان خ‬
‫اإلسالمية من حيث العمق واملوضوعية واألسس العلمية‪.‬‬
‫ويف مقابل هذه الثنائية‪ ،‬كانت تربز ثنائية من نوع آخر قلام نستطيع تلمسها هبذا‬

‫‪294‬‬

‫الوضوح عند اآلخرين وهو املطابقة بني النظرية والتطبيق فقد نجد الكثري عىل‬
‫مستوى التنظري هم ممن يدعون حلرية املرأة وحقوقها وعند التطبيق قد يكونون‬
‫وينظرون لالهتامم باألرسة وتأخذهم مشاغلهم بعيدخ ا عنهم‪،‬‬
‫أبعدهم عن ذلك‪،‬‬
‫ّ‬
‫ويؤكدون عىل أمهية الوقت وتنظيمه ويفتقرون ألبسط مهارته‪ ،‬وينادون باحرتام‬
‫الديانات واملذاهب وحرية الرأي واحرتام املخالف وهم يامرسون اإلرهاب الفكري‬
‫لكل من يالفهم الرأي‪ ،‬ويف مقابل ذلك تشهد حياة الشيخ الدكتور مصداقية هذه‬
‫وكثريا ما‬
‫املفاهيم بمامرساته اليومية من اهتاممه باملرأة وتشجيعها عىل ممارسة حقوقها‬
‫خ‬

‫تشيد بنات املرحوم بمواقفه الداعمة وتشجيعهن الدائم إلكامل مسريهتن العلمية‬

‫وعدم فرض رأيه أو اجتاهاته عليهن أبدخ ا وكان دو خما الداعم لألم والزوجة والبنت‬

‫والعاملة يف املجتمع لتأخذ مكانتها التي تستحقها‪ ،‬كام يشهد كل من جالسه وسأله‬

‫رأ خيا يف موقف أو قضية إنه كان يديل رأيه بكل موضوعية بعيدخ ا عن كل تعصب حمرت خما‬

‫رأي اآلخر مؤكدخ ا عىل ذلك ومل يقبل يف يوم الرد عىل من يالفه الرأي بل يؤكد عىل‬
‫تشجيع النقد وعدم االنقياد ألحادية الرأي‪.‬‬

‫‪ ‬العامل واإلنسان‬
‫كام كان الدكتور موسوعة بالفكر والعلوم والثقافة‪ ،‬كان موسوعة بأبعاده‬
‫النفسية حيث الرس الكامن وراء هذه العظمة‪ ،‬فوراء الكثري من اخلالفات املذهبية‬
‫والعصبيات الطائفية والقبلية وحتى الدينية أبعاد نفسية من الصعب الوقوف عليها‬
‫بسهولة وهذا ما كان يشري اإلمام اخلميني ‪ ‬إنه كلام زاد علم اإلنسان كلام زادت‬

‫جسامة املسؤولية وكانت اآلفات النفسية أشد وأكثر فت خكا حيث يقول يف نصائحه‬
‫لطلبة العلوم الدينية «وآمل منكم عند مغادرتكم احلوزات العلمية أن تكونوا قد‬
‫هذبتم أنفسكم وبنيتموها بنحو تتمكنون من بناء اإلنسان وتربيته وف خقا ألحكام‬
‫اإلسالم وتعاليمه وقيمه األخالقية‪ ..‬ولكن إذا ما عجزتم ـ ال سمح اهلل ـ عن‬
‫إصالح أنفسكم خالل مراحل الدراسة‪ ،‬ومل تكتسبوا الكامالت املعنوية واألخالقية‪،‬‬
‫فإنكم أينام ذهبتم ستضلون الناس ـ والعياذ باهلل ـ وتسيئون إىل اإلسالم وإىل علامء‬
‫‪295‬‬

‫الدين‪ ..‬تقع عىل عاتقكم مسؤولية ثقيلة وجسيمة»‪.‬‬
‫وشيخنا الدكتور كانت نفسه باتساع السامء ح خبا وطهارة وبعدخ ا عن مظاهر‬
‫الشهرة والوجاهة وهو العلم الذي يشار له بالبنان وقد تكون لرحالته وتنقالته‬
‫والصعوبات التي كانت حمطات أضافت له قوة وعزيمة فإذا به ياطب اإلنسان أ ًّيا‬
‫كان باذالخ يف سبيل رفع مستوى أمته عىل اختالف عقائدهم ومذاهبهم‪ ،‬وطلبته يف‬
‫أنحاء العامل تشهد عىل ذلك فقد خترج عىل يديه الشيعي والسني والعراقي‬
‫والسعودي كام خترج اخلليجي والعريب ومل يفرق أبدخ ا يف عطاءه بينهم‪ ،‬مل حيد عطاءه‬
‫مكان وال زمان‪ ،‬معطاء يف العراق بني أروقة النجف وبغداد والبرصة‪ ،‬ويف جدة‬
‫والقاهرة‪ ،‬وحتى حني تقاعد وتفرغ للبحث والتأليف مل يشرتط السكن بني مواليه‬
‫وشيعته ومل يفرق عنده أن يكن جريانه كلهم من املذاهب األخرى كام هو يف كتبه‬
‫ممارسا هلا‪.‬‬
‫وحمارضاته داع خيا للوحدة‬
‫خ‬
‫كام تظهر هذه النفس املتسعة يف التعامل مع خمالفيه واملتهمني له فلم يرد عىل أي‬
‫شخص كان يكيل له التهم ومل يقبل ذلك لتالمذته وكان يرى يف ذلك انجرار للفتنة‪،‬‬
‫رافضا حتى اإلشارة إىل من أخطأ بحقه يف طباعة كتبه كام يذكر تلميذه األستاذ‬
‫خ‬
‫حسني منصور الشيخ حني قدم إلحدى كتبه بأن دار النرش للطبعة السابقة قد‬
‫حذفت أجزاء «وإذا به يطلب منّي إعادة كتابة التقديم وعدم اإلساءة إىل دار النرش‬
‫السابقة‪ ،‬بل عىل العكس من ذلك‪ ،‬إذ قال يل‪ :‬هذه الدار قامت مشكورة بتبنّي‬
‫ربع منها»‪.‬‬
‫الكتاب بت ّ‬
‫الدكتور كان مثاالخ وقدوة لكل ما درسناه من أمهية حتديد اهلدف بطريقة‬
‫واضحة وحمسوسة ومقاسة بحيث توصلنا ألهدافنا مبارشة‪ ،‬فقد كان هدفه حمد خدا‬
‫فهو املفكر والباحث واملحقق الذي كان يسابق الزمن ليثري املكتبة اإلسالمية‬
‫واإلنسانية‪ ،‬فقد عرف عن الشيخ حتى بعد تقاعده رفض الدعوات االجتامعية‬
‫خمط خطا لربناجمه اليومي بدقة بام يدم هدفه فوقت الدراسة والبحث معني ال يتغري فال‬
‫‪296‬‬

‫يستقبل يف هذا الوقت الزائرين وال جييب دعوة الداعني‪ ،‬ومل يكن بعيدخ ا عن مجاهريه‬
‫وال أرسته‪ ،‬فوقت الظهرية وما بعده من حق األرسة‪ ،‬وله يف كل ليلة جملس ثقايف كان‬
‫قبلة املثقفني وطالب العلم واملعرفة فكان ح خقا الربان الذي يقود سفينته هبمة وجد‬
‫إىل حيث يريد مل تعجزه كثرة املشاغل وال مهوم األمة عن الكتاب والقلم وحتى‬
‫املرض كان عص خيا عليه‪.‬‬
‫ومن وراء كل هذه السامت واخلصال اإلهلية تشع يف جنبات روحه هذه الروح‬
‫خ‬
‫املحمدية واملحبة األبوية التي كان يغدق هبا عىل كل من جيالسه سائ خ‬
‫مناقشا‪،‬‬
‫ال كان أو‬
‫فقد كان مصدا خقا لقول أمري املؤمنني ‪« :C‬أال أخربكم بالفقيه حق الفقيه من مل‬
‫يقنط الناس من رمحة اهلل»‪ ،‬أي الذي يضع أسلوبه للروحية الرسولية التي تتحرك‬
‫من أجل أن تدخل الرسالة يف كل قلب والرتكيز عىل هذا اجلانب يف شخصية الدعاة‬
‫العاملني ألن املحبة األبوية التي يعيشها الدعاة يف اجتاه اآلخرين حتقق للعمل الديني‬
‫عدة أمور‪ ،‬منها‪ :‬أن اآلخرون يتفاعلون من خالل العالقة الروحية‪.‬‬
‫شخصا أحب كل ما يتعلق به وينتمي إليه‪ ،‬كام أن طاقة‬
‫فاإلنسان إذا أحب‬
‫خ‬
‫املحبة تكسب اآلخر طاقة الصرب عىل املصاعب التي تعرتض طريقه فاإلنسان يصرب‬
‫عىل من حيب وعىل ما حيب أكثر من صربه عىل ما ال يشعر بوجود رابطه ذاتية معه‪،‬‬
‫كام أن الروح األبوية جتعله ينفتح عىل الظروف املوضوعية املحيطة باآلخرين والتي‬
‫يواجهوهنا هبا فيعطي العذر لآلخرين ويبدأ بحركة جديدة للتغيري وكلنا نعرف أن‬
‫نظرة االستعالء املعريف وعدم االنفتاح واملحبة قد تنفر اآلخرين من الدين‪ ،‬وشيخنا‬
‫مثاالخ للتواضع مع سعة علمه يرفض كل مظاهر الشهرة وأبسطها صالة اجلامعة‪ ،‬بل‬
‫يرتك املجال لتالمذته بأن جييبوا عنه مشيدخ ا بعلميتهم كال يف ختصصه فهو الوالد‬
‫احلنون الذي حيتضن النحوي والناقد والشاعر كام هو والد الفقيه والفيلسوف‬
‫واملفكر املثقف فقد كان موسوعة بروحه ونفسه كام كان موسوعة بعلمه وثقافته‪.‬‬
‫فكان ح خقا أمة يف رجل‪ ،‬وآن لنا أن نقف اليوم بعد رحليه وقفة وفاء نفيه ولو‬
‫‪297‬‬

‫اجلزء اليسري من حقه بعد أن عانى الكثري من عقوقنا‪ ،‬فلسنا بصدد أن نغرق يف عزف‬
‫أنغام الفراق بل وفاءه يتمثل بكم الدراسات التي سوف تطرح كتبه ومؤلفاته‬
‫للبحث والنقاش واملؤمترات والندوات التي تعرف مدرسته للجامهري‪ ،‬فرمحك اهلل‬
‫شيخنا قدوة لنا ومدرسة لألجيال‪.‬‬

‫‪291‬‬

‫النجف األشرف‪ :‬حضور يف دالالت أربع عند العالمة‬
‫الفضلي‬

‫األديب السيد حسن كاظم اخلليفة‬
‫ُتعد مدرسة النجف األرشف من أقدم احلوارض العلمية يف العامل اإلسالمي‪،‬‬
‫ومن أكثرها سع خة وعم خقا‪ ،‬وهو ما تنامز به تلك احلارضة الرتاثية العريقة‪ ،‬وما إىل ذلك‬
‫من انفرادات ال ُتلتمس إال يف أروقتها العتيقة‪ ،‬وهي تعانق العرص يف حراكها الدائب‬
‫وتدريسا‪ ،‬ومع األصالة واإلبداع‪ ،‬بح خثا وكتاب خة‬
‫الصبور مع الطلبة والعلامء‪ ،‬دراس خة‬
‫خ‬

‫وحتقي خقا‪.‬‬

‫لتمر ألف سنة من عمر العراقة والعطاء عىل جامعة النجف األرشف‪ ،‬مؤرخة‬
‫ّ‬

‫تعرض له الشيخ الطويس (ت ‪460‬ه) من‬
‫بداياهتا النوعية ـ كام هو الشائع ـ بام َّ‬
‫هجوم السالجقة عىل بغداد(‪.)1‬‬

‫ومن التضييق عليه‪ ،‬بإحراق كريس درسه‪ ،‬ومكتبته النفيسة لسنة ‪447‬ه(‪،)2‬‬
‫قرأهتم‪ ،‬ج‪ ،1‬بريوت‪ ،‬دار املرتىض‪1422 ،‬ه‪2002 /‬م‪،‬‬
‫(‪ )1‬الفضيل‪ :‬د‪ .‬عبد اهلادي‪ ،‬هكذا ُ‬
‫ص‪.36‬‬
‫(‪ )2‬الفضيل‪ :‬د‪ .‬عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬تاريخ الترشيع اإلسالمي‪ ،‬بريوت‪ ،‬دار الكتاب اإلسالمي‪،‬‬
‫‪1414‬ه‪1993 /‬م‪ ،‬ص ‪.214‬‬

‫‪299‬‬

‫ومن بعدُ ‪ ،‬هجرته من بغداد احلضارة‪ ،‬ومن مدرستها املزدهرة بالتاريخ واللغة‬
‫واألدب‪ ،‬واحلديث والفقه واألصول‪ ،‬واملنطق والفلسفة والكالم‪ ،‬إىل حيث باب‬
‫مدينة العلم‪.‬‬
‫إىل النجف األرشف‪ ،‬حيث يرتعرع ذلك كله‪ ،‬كان وصول الشيخ الطويس‬
‫لسنة ‪449‬ه حام خ‬
‫ال معه عبق املدرسة البغدادية يف إرث أستاذيه‪:‬‬
‫ األول‪ :‬تلميذ الرماين (ت ‪314‬ه) من أعالم اللغة والنحو يف تلك املدرسة‪ ،‬وهو‬‫الشيخ املفيد (ت ‪413‬ه)‪.‬‬
‫ الثاين‪ :‬تلميذ ابن جني (ت ‪392‬ه) من كبار أعالم املدرسة البغدادية يف اللغة‬‫والنحو‪ ،‬وهو الرشيف املرتىض (ت ‪436‬ه)(‪.)1‬‬
‫خ‬
‫مؤرخا‪،‬‬
‫وإذ يسجل العالمة الفضيل لدى اشتغاالته اللغوية عىل النحو العريب‪،‬‬
‫ومفهرسا‪ ،‬وأدي خبا‪ ،‬حضور مدرسة النجف األرشف‪ ،‬فإن يف كل اشتغال‬
‫وجمتهدخ ا‪،‬‬
‫خ‬
‫داللة ‪..‬‬

‫َّ‬
‫إن و يفة الرصد ـ هنا ـ لتلك الدالالت األربع ـ تتجاوز التوصيف اخلارجي‬
‫النجف مدرس خة يف‬
‫هلا‪ ،‬إىل اكتشاف انتظامها الداخيل‪ ،‬ذلك االنتظام الذي ُجي ايل لنا‬
‫َ‬
‫والفضيل عا خملا يف مدرسة النجف‪.‬‬
‫فكر العالمة الفضيل‪،‬‬
‫َّ‬

‫ال‪ :‬داللة اشتغال املؤرِّخ‬
‫‪ ‬أو ً‬
‫يف املرصدين الزماين واملكاين‪ ،‬يؤر العالمة الفضيل لـ «مراكز الدراسات‬
‫النحوية»(‪ )2‬عرب العصور واحلوارض العلمية‪ ،‬لنرى يف اشتغاله التاريي ـ جت ال خيا آخر‬
‫(‪ )1‬انظر‪ :‬الفضيل‪ :‬د‪ .‬عبد اهلادي‪ ،‬الدرس اللغوي يف النجف األرشف‪ ،‬بريوت‪ ،‬مركز الغدير‪،‬‬
‫ط‪1433 ،2‬ه ـ ‪2012‬م‪ ،‬ص ‪.41‬‬
‫(‪ )2‬الفضيل‪ :‬د‪ .‬عبد اهلادي‪ ،‬مراكز الدراسات النحوية‪ ،‬األردن ـ الرزقاء‪ ،‬مكتبة املنار‪1406 ،‬ه‪/‬‬
‫‪1916‬م‪.‬‬

‫‪300‬‬

‫من جت اليات علم النحو العريب يف مدرسة النجف األرشف للقرن اخلامس من اهلجرة‬
‫النبوية الرشيفة‪.‬‬
‫م‬
‫خ‬
‫والنحو مدرس ًّيا ـ يف‬
‫مدرسة‪،‬‬
‫التامس النوعي بني النجف‬
‫القيمة التاريية لذلك‬
‫ا‬
‫عودة املرشوع إىل حارضة املؤسس األول هلذا العلم اجلليل‪.‬‬
‫فالصحيفة التي أمالها بمدينة البرصة عىل أيب األسود الدؤيل (ت ‪69‬ه) أمري‬
‫املؤمنني عيل ‪( ‬ت ‪40‬ه) ل م مس ٍّت وثالثني َخ َلت من اهلجرة النبوية الرشيفة(‪ )1‬ـ‬
‫م‬
‫يج َة مدرستني‪:‬‬
‫عادت إىل النجف األرشف حيملها الشيخ الطويس (ت ‪460‬ه) َنض َ‬
‫ البرصية يف شموخها العقيل(‪.)2‬‬‫ والكوفية يف زمخها النقيل(‪.)3‬‬‫وإذا ب ﴿ َجنَى ﮞ ﮟ﴾(‪ ،)4‬إذ هبام ـ أعني املدرستني ـ وعرب ع َلمني من‬
‫أعالمهام الكبار‪ ،‬ومها‪:‬‬
‫ربد البرصي (ت ‪215‬ه)‪.‬‬
‫‪ -‬أبو العباس امل ا‬

‫ وأبو العباس ثعلب الكويف (ت ‪291‬ه)‪.‬‬‫ـ تأسست املدرسة البغدادية‪ ،‬ليتعاهدها علامء أصائل يف أجيال خصيبة‪ ،‬حتى‬
‫وتطوره‪ ،‬تقديم‪ :‬الدكتور عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬األردن ـ‬
‫(‪ )1‬اخلليفة‪ :‬حسن‪َ ،‬شء يف النحو‪ :‬تاريه‬
‫ّ‬
‫إربد‪1992 ،‬م‪ ،‬ص‪.11‬‬
‫(‪ )2‬انظر‪ :‬السيد‪ :‬د‪ .‬عبد الرمحن‪ ،‬مدرسة البرصة النحوية‪ :‬نشأهتا وتطورها‪ ،‬العراق‪ ،‬توزيع دار‬
‫املعارف‪1961 ،‬م‪.‬‬
‫(‪ )3‬انظر‪ :‬املخزومي‪ :‬د‪ .‬مهدي‪ ،‬مدرسة الكوفة ومنهجها يف دراسة اللغة والنحو‪ ،‬بريوت‪ ،‬دار‬
‫الرائد العريب‪ ،‬ط‪1406 ،3‬ه‪1916 /‬م‪.‬‬
‫(‪ )4‬سورة الرمحن‪ ،‬اآلية‪.54 :‬‬

‫‪301‬‬

‫حرض عىل أيب احلسن الرماين (ت ‪314‬ه) الشيخ املفيد (ت ‪413‬ه)‪ ،‬وعىل أيب الفتح‬
‫بن جني (ت ‪392‬ه) الرشيف املرتىض (ت ‪456‬ه)‪ ،‬وعليهام ببغداد كان حضور‬
‫الشيخ الطويس (ت ‪460‬ه)(‪ )1‬الذي عاد مشب خعا باملدريس من البحث اللغوي‪/‬‬
‫النحوي هناك‪ ،‬إىل كنف باب مدينة العلم‪ ،‬ليظهر جت اليه اجلديد يف مدرسة النجف‬
‫األرشف‪.‬‬
‫َّ‬
‫إن لذلك الرصد التاريي ـ فيام يط ُه أستاذنا الشيخ الفضيل عن تاريخ النحو‬
‫العريب كمفصل أساس من مفاصل الدرس اللغوي يف النجف األرشف ـ داللة ذات‬
‫قيمة‪ ،‬وقيمة تلك الداللة التاريية يف جتاوز تارييتها من رصد ووصف ـ فيام يقدمه‬
‫شيخنا العالمة الفضيل ـ إىل ما يرمي إليه بذلك التجاوز؟‬

‫املدرسة النجفية يف النحو‪/‬رصد احلراك الجتهادي‪:‬‬
‫درس أساس يف النجف األرشف؛ لكونه من‬
‫الدرس اللغوي‪ /‬النحوي‬
‫ٌ‬
‫منهجا من مناهج الدراسة فيها‪ ،‬واهلاء‬
‫مقدمات الدرس الرشعي‪ ،‬األمر الذي جعله‬
‫خ‬
‫يف(فيها) تعود إىل‪( :‬مدرسة النجف)؛ ما يعني أن طرائق التفكري يف تلك املدرسة‬
‫الشاخمة ـ بمقتىض ثقافة االستصحاب(‪ )2‬ـ ستشتغل عىل املادة النحوية اشتغاهلا عىل‬
‫املادة الفقهية‪ ،‬وذلك بتجاوز التقليد إىل االجتهاد‪.‬‬
‫األمر الذي يؤرش ـ رضور خة ـ إىل أن األصالة واإلبداع سيصريان إىل اللغة‬
‫باملتبحرين من‬
‫والنحو بام صارا إىل الفقه وأصوله‪ ،‬يف هذه احلارضة العلمية العامرة‬
‫ا‬
‫أساطني العلم‪.‬‬
‫مشريا إىل ٍ‬
‫ناح من ُنحاهتا الذين سلكوا‬
‫وهذا ما يسجله شيخنا العالمة الفضيل ـ‬
‫خ‬

‫يف دراسة النحو مسلك االجتهاد‪ ،‬إذ يقول‪:‬‬

‫(‪ )1‬انظر‪ :‬الفضيل‪ :‬د‪ .‬عبد اهلادي‪ ،‬الدرس اللغوي يف النجف األرشف‪ ،‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪.41‬‬
‫(‪ )2‬من مفهومات علم (أصول الفقه) التي جت ّلت ـ هنا ـ يف ُبعدها الثقايف‪.‬‬

‫‪302‬‬

‫هورا وأوسعهم شهرة وأبعدهم صي ختا الريض االسرتآبادي (ت‬
‫«وأملع نحاهتا‬
‫خ‬

‫‪611‬ه) املعروف ب (املحقق الريض) وامللقب ب (نجم األئمة) مؤلف رشح كتاب‬
‫كافية ابن احلاجب املعروف ب (رشح الريض) ورشح شافية ابن احلاجب‪.‬‬
‫وقد غطت شهرته عىل ما سواه من نحاة هذا املركز العلمي‪ ،‬وكفى به عمالق‬

‫ٍ‬
‫فكر امتاز باألصالة والعمق‪.‬‬

‫ومتثل منهجه يف كتاب (رشح الكافية) بانتهاج طريقة االجتهاد التي عرفت هبا‬
‫النجف وال تزال قائمة‪ ،‬وتتلخص يف اخلطوات التالية‪:‬‬
‫‪ .1‬ذكر املسألة‪.‬‬
‫‪ .2‬استقصاء األقوال يف املسألة‪ ،‬وتتبع أدلتها التي ذكرها العلامء السابقون‬
‫للباحث‪ ،‬واملعارصون له‪.‬‬
‫‪ .3‬املوازنة بني األقوال‪ ،‬واملقارنة بني األدلة‪.‬‬
‫‪ .4‬حماكمة األدلة‪ ،‬ومناقشتها‪.‬‬
‫‪ .5‬اختبار الدليل الناهض باإلثبات‪ ،‬أو إضافة الدليل القائم باحلجة‪.‬‬
‫‪ .6‬النتيجة بتأكيد الرأي املختار‪ ،‬أو بتدعيم الرأي اجلديد‪.‬‬
‫‪ .7‬بيان اإلضافات اجلديدة»(‪.)1‬‬
‫نتيجة هذا املنهج االستداليل احلر الذي اتبعه املحقق الريض (ت ‪611‬ه) يف‬
‫منسجام مع تقاليد مدرسة النجف االجتهادية ـ‬
‫رشح كافية ابن احلاجب (ت ‪646‬ه)‬
‫خ‬
‫ستؤدي به إىل اخلروج بآراء انفرد هبا بني النحاة‪ ،‬وهو ما التفت إليه َّقراء الرشح‬

‫متقدمني ومتأخرين‪.‬‬

‫عن تلك االنفرادات وما اجتلبته من شهادات ذوي االختصاص‪ ،‬يقدم شيخنا‬
‫(‪ )1‬مراكز الدراسات النحوية‪ ،‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪ 61‬ـ ‪.69‬‬

‫‪303‬‬

‫عرضا مسه خبا‪ ،‬يف أسلوب حتلييل‪ ،‬ش اي ٍق‪ ،‬دا‪ .‬وهو إذ‬
‫الفضيل يف درسه اللغوي بالنجف خ‬
‫يضع الريض يف حميط املدرسة النجفية التي يصدر عنها‪ ،‬وبام يناسب موضوع القراءة‪،‬‬
‫وهو االجتهادات ـ راح يقرأ شيخنا الفضيل‪ ،‬باشرتاطات النقد يف مقتضياته‪ ،‬نا خرا‬

‫نقضا وإبرا خما‪ ،‬كنظر صاحبه إليه‪ ،‬راح يقرأ تلك االجتهادات اللغوية‬
‫إىل القول خ‬
‫النحوية عند املحقق الريض (ت ‪611‬ه)(‪.)1‬‬
‫عام للمحقق الريض من مكانة علمية‬
‫ومن دون أن يغفل ـ يف تلك القراءة ـ َّ‬

‫رصح مؤكدخ ا عىل «أن شهرته‬
‫عليا يف مدرسة النجف األرشف تتجاوز ما اشتهر فيه‪َّ ،‬‬
‫يف علمي النحو والرصف غطت عىل جوانب بارزة يف حياته كاجتهاده الفقهي‪،‬‬

‫ومرجعيته يف التقليد‪ ،‬وتضلعه يف علمي املنطق والكالم»(‪.)2‬‬
‫إن ما تستبطنه املقبوسة األخرية ـ عىل قرصها ـ من العالمة الفضيل عن املحقق‬
‫الريض‪ ،‬هو التدليل عىل ما للفقاهة بمستواها املرجعي‪ ،‬العايل‪ ،‬العميق‪ ،‬من فتوح‬
‫علمية يف الدرس اللغوي‪ ،‬وهي ما كانت لتكون لوال تلك املدرسة التي ال تنفك فيها‬
‫اللغة عن الفقه‪ ،‬والفقه عن اللغة‪ ،‬يف التعبري عن نجف َّيتها بام حيمل ذلك التعبري‬
‫اإلبداعي األصيل من مسؤولية املحافظة عليه‪ ،‬وتنميته عرب الوعي املنهجي الذي‬
‫يقف وراءه‪.‬‬
‫والرتكيز عىل الوعي املنهجي ما برح الشغل الشاغل لشيخنا العالمة الفضيل يف‬
‫دائام‬
‫كل ما أنتجه من عطاء يف هذا السياق طيلة نصف قرن من الزمان؛ إذ جتده خ‬
‫الس َّباق يف احلضور حيث يكون املنهج(‪ ،)3‬كحضوره يف درسه اللغوي ذاك‪.‬‬
‫(‪ )1‬انظر‪ :‬الدرس اللغوي يف النجف‪ ،‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪ 13‬ـ ‪ ،99‬ناقدخ ا شذوذ رأيه يف قضية القراءات‪،‬‬
‫ص ‪ 91‬ـ ‪ ،99‬وحمي خ‬
‫ال يف تلك القضية إىل كتابه‪( :‬القراءات القرآنية‪ :‬تاريخ وتعريف)‪.‬‬
‫(‪ )2‬انظر‪ :‬الدرس اللغوي يف النجف‪ ،‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪.104‬‬
‫(‪ )3‬من الدراسات التي تناولت (الوعي املنهجي) بالرصد والتحليل عند العالمة الفضيل يف‬
‫نموذجه الكالمي‪« :‬حترير العقل من نفسه‪ :‬قراءة يف موقف العالّمة الفضيل من جدل األنامط‪،‬‬
‫جملة الكلمة‪ ،‬ملف خاص عن العالمة الفضيل‪ ،‬العدد ‪.»55‬‬

‫‪304‬‬

‫حضور قد حتسبه يؤر لـ «الدرس اللغوي يف النجف األرشف» عرب رسد‬
‫أسامء الدارسني النجفيني حلقول اللغة عرب العصور‪ ،‬بينام هو كان عرب الرسد ذلك‬
‫كله‪ ،‬مهه األساس يف البحث عام حتقق به مدرسة النجف األرشف مدرس َّيتها‪ ،‬تلك‬
‫املدرس َّية التي هبا تنامز عن غريها من املدارس السابقة والالحقة‪ ،‬عمود ًّيا وأفق ًّيا‪،‬‬
‫وهو املنهج االجتهادي يف أنامطه النجفية اخلاصة‪.‬‬
‫هكذا إذن‪ ،‬وهبذا النحو من االشتغال التاريي عىل اللغة‪ /‬النحو‪ ،‬عند شيخنا‬
‫العالمة الفضيل‪َّ ،‬‬
‫يتجىل لنا علم النحو العريب «مدرس خة نجفي خة» ذات أصالة وإبداع ال‬
‫يفارقان مستوى االجتهاد‪.‬‬

‫‪ ‬ثانيًا‪ :‬داللة اشتغال املجتهد‬
‫من داللة اشتغال املؤر يف «الدرس اللغوي» و«مراكز الدراسات النحوية»‪،‬‬
‫إىل داللة اشتغال املجتهد يف «دراسات يف الفعل»(‪ ،)1‬سنرصد كيف تسجل‬
‫الدراسات األصولية اللغوية‪ ،‬واللغوية األصولية ـ من جديد ـ يف حضورها النجفي‬
‫من املحقق الريض إىل العالمة الفضيل‪ ،‬مع َّيتها االجتهادية‪ ،‬وبموضوعية وجترد‬
‫كبريين‪ ،‬ال رائد هلام غري العلم‪ ،‬بام جيعلنا نقف أمام النجف األرشف بخشوع‪ ،‬وأمام‬
‫مدرستها بتواضع ‪..‬نتأمل شموخها متع المني‪.‬‬

‫ـ نحو دراسات مقارنة بني أصول الفقه والدراسات اللغوية‪:‬‬
‫يف سياق املعاجلة االجتهادية للدرس اللغوي‪ /‬النحوي‪ ،‬عىل رشوط مدرسة‬
‫(‪ )1‬الفضيل‪ :‬د‪ .‬عبد اهلادي‪ ،‬دراسات يف الفعل‪ ،‬بريوت‪ ،‬دار القلم‪1402 ،‬ه‪1912 /‬م‪ ،‬وله مما‬
‫يم ّثل االجتهاد اللغوي‪« :‬أسامء األفعال واألصوات» ـ رسالة ماجستري ـ‪ ،‬و«قراءة ابن كثري‬
‫وأثرها يف الدراسات النحوية» ـ أطروحة الدكتوراه ـ‪ ،‬و«دراسات يف اإلعراب»‪ ،‬و«الالمات‪:‬‬
‫املتفرقة هنا وهناك‪.‬‬
‫دراسة نحوية يف ضوء القراءات القرآنية»‪ ،‬وبعض الدراسات واملقاالت ّ‬

‫‪305‬‬

‫النجف األرشف ـ يشيد شيخنا العالمة الفضيل بتجارب علامء أصول الفقه اللغوية‪،‬‬
‫داع خيا إىل دراستها دراسة مقارنة؛ كوهنا مما تقتضيه الرضورة لتطوير الدرس اللغوي‪،‬‬
‫مقر خرا ذلك بقوله‪« :‬مارس علامء أصول الفقه يف أبحاثهم ودراساهتم األصولية عد خدا‬
‫ا‬

‫من مفاهيم ومسائل اللغة‪ ،‬وذلك لوقوع الكثري منها يف طريق استنطاق نصوص‬

‫الكتاب والسنة‪.‬‬
‫َّسام بالعمق واألصالة‪ ،‬ومنته خيا‬
‫وكان الكثري من جتارهبم العلمية املشار إليها مت خ‬

‫إىل نتائج ذات أمهية‪ ،‬مما يفرض عىل املعنيني بالدراسات اللغوية والنحوية أخذها‬
‫خ‬
‫نحوية‬
‫بعني االعتبار ضمن دراسات مقارنة ليستفاد منها يف تطوير املادة اللغوية‪،‬‬
‫كانت أو غريها»(‪.)1‬‬

‫ـ (فعل األمر ) ليس فع ً‬
‫ال‪:!..‬‬
‫تطبي خقا للمقارنة التي دعا إليها العالمة الفضيل‪ ،‬يقدم مناقش خة نقدي خة لطرائق‬
‫االستدالل عند سيبويه (ت ‪110‬ه) يف الكتاب‪ ،‬والتي هي موضع تسامل أغلب‬
‫ٍ‬
‫(ماض‪ ،‬مضارع‪ ،‬أمر) حاذ خفا األخري من‬
‫النحاة‪ ،‬بام يص التقسيم الثالثي للفعل‪:‬‬
‫حزمة األفعال؛ إذ ال (فعل أمر) يف اجلملة العربية ‪!..‬‬
‫وهو ما التفت إليه الدرس األصويل يف النجف األرشف‪ ،‬ذلك الدرس الذي‬
‫يرى يف تعليل النحاة لعدا هم (األمر) من األفعال؛ كونه رشيكها يف الداللة الزمانية ‪..‬‬
‫ـ رض خبا من اخللط واالشتباه الذي اشتهر عىل ألسنتهم‪.‬‬
‫وبالتحديد‪ ،‬إنه القول الذي يذكره يف (كفاية األصول) الفقيه األصويل النجفي‬
‫الشيخ كا م اخلراساين (ت ‪1329‬ه)‪ ،‬كام يشري شيخنا الفضيل ويعلق عليه بقوله‪:‬‬
‫«وفحوى القول املذكور هو أن استقراء أمثلة الفعل تنهي ـ وببداهة ـ إىل أن (األمر)‬
‫(‪ )1‬دراسات يف الفعل‪ ،‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪.46‬‬

‫‪306‬‬

‫ال داللة فيه عىل الزمان‪ ،‬وأن داللته مقترصة عىل طلب إيقاع الفعل فقط»(‪.)1‬‬
‫وعليه‪ ،‬يلص العالمة الفضيل إىل تأكيد ما عليه أغلب علامء أصول الفقه يف‬
‫النجف األرشف؛ كون مدرستها تظهر ـ بعطاء أولئك املجتهدين من علامئها ـ‬
‫املنهج الذي يلتقي وطبيعة اللغة كامدة نقل َّية‪ ،‬وهو منهج االستقراء‪ ،‬وذلك بتتبع‬
‫« َ‬
‫ومالحظة أمثلة األمر‪.‬‬
‫ومنه نخلص إىل أن األمر ليس فع خ‬
‫ال‪ ،‬كام يقول األصوليون‪ ،‬وإنام هو أسلوب‬
‫إنشائي‪ ،‬شأنه يف ذلك شأن األساليب اإلنشائية األخرى‪ ،‬من هني واستفهام ورشط‬
‫ونداء وغريها»(‪.)2‬‬
‫وهوـ بوضوح شديد ـ رأي اجتهادي رصيح‪ ،‬يرق ما تسامل عليه أغلب النحاة‬
‫منذ كتاب سيبويه (ت ‪110‬ه) حتى اليوم من كون «األمر» ـ وهو أسلوب إنشائي ال‬
‫قسيام فعل ًّيا للفعلني املايض واملضارع‪.‬‬
‫غري ـ خ‬

‫ـ بناء الفعل املضارع وخمالفة اإلمجاع‪:‬‬
‫ينقل العالمة الفضيل من (رشح الكافية) للمحقق الريض عبارته يف استكراه‬
‫اخلروج عليه‪ ،!..‬إذ‬
‫وتفكريه املتفرد‬
‫الرصف‪،‬‬
‫َ‬
‫اخلروج عىل إمجا ٍع يستحسن اجتها ُده ا‬
‫ُ‬

‫حل ُس َن ا ادعاء كون املضارع‬
‫يقول ما نصه‪« :‬لوال كراهية اخلروج من إمجاع النحاة َ‬
‫املسمى جمزو خما مبن ًّيا عىل السكون»(‪.)3‬‬

‫وهوـ أعني العالمة الفضيل ـ إذ ُجيل يف املحقق الريض اجتها َده الذي حيفظ له‬
‫(‪ )1‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪.50‬‬
‫(‪ )2‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪.54‬‬
‫(‪ )3‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪ ،69‬نق خ‬
‫ال عن رشح الكافية للمحقق الريض ‪.223 /2‬‬

‫‪307‬‬

‫تفر َده يف الوصول إىل رأي ال يفيه‪ ،‬من أمثال النتيجة هذه التي ال تأيت إال بام ينسجم‬
‫مع طرائق االستدالل واالستنباط يف املدرسة النجفية ـ يأخذ عليه استسالمه ملا ال‬
‫خ‬
‫رصحية ملبناه األصويل‬
‫يوافق رأيه يف املسألة هذه حتديدخ ا؛ كون ذلك االستسالم خمالف خة‬
‫يف قضية حتريك دليل اإلمجاع يف مثل هذا املوضع‪!..‬‬
‫وباستغراب وتعجب‪ ،‬من اعتبار املحقق الريض حجية اإلمجاع غري املنقول ـ‬
‫كان تساؤل شيخنا العالمة الفضيل‪ ،‬إذ يقول‪« :‬وال أدري كيف يعترب الشيخ الريض‬
‫مثل هذا اإلمجاع حج خة‪ ،‬وهو غري قائم عىل النقل عن العرب»(‪.)1‬‬
‫وبعد تفنيده مستند (اإلمجاع) يف أدلة املعربني للفعل املضارع لدى النحاة ـ ال‬
‫يستسلم الشيخ الفضيل هلذا النوع من اإلمجاع املدركي الذي استطاع أن يفكك‬
‫مرجعياته‪ ،‬ويفندها بآلة االجتهاد‪ ،‬تلك اآللة التي ينبغي أن تعمل هي باإلمجاع‪ ،‬ال‬
‫أن يعمل هو هبا؛ كوهنا مما ال ينبغي تعطيله بحال‪.‬‬
‫كيف ال‪ ،‬وهو يرصح يف (دروسه األصولية)‪« :‬إن مثل اإلمجاع املعلوم املدرك‪،‬‬
‫واملعروف املستند‪ ،‬ال اعتبار له عندنا ـ معارش اإلمامية ـ يف جمال االستدالل‪ ،‬وإنام‬
‫االعتبار للمدرك أو املستند‪ ،‬ويعامل يف االستدالل به معاملة أمثاله من املدارك‬
‫واملستندات»(‪.)2‬‬
‫وإذا كان هذا يف «دروس يف أصول فقه اإلمامية» واألصول منطق الفقه‪،‬‬
‫ومنهجه يف االشتغال عىل إنتاج األحكام الرشعية‪ ،‬فكيف ال يكون يف منطق النحو‪،‬‬
‫ومنهجه‪ ،‬يف تلك «األصول اللغوية» التي يعمل عىل حتريكها الشيخ الفضيل يف‬
‫«دراسات يف اإلعراب» إلنتاج حكم من األحكام النحوية؟!‬
‫(‪ )1‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪.69‬‬
‫(‪ )2‬الفضيل‪ :‬د‪ .‬عبد اهلادي‪ ،‬دروس يف أصول فقه اإلمامية‪ ،‬ج‪ ،1‬بريوت‪ ،‬مركز الغدير‪،‬‬
‫‪1421‬ه‪2007 /‬م‪ ،‬ص ‪.219‬‬

‫‪301‬‬

‫إذ َّ‬
‫إن االستدالل يف نتاج شيخنا العالمة الفضيل ـ يستجيب للمبنى األصويل‬
‫دونام فرق بني مواد البحث‪ ،‬فقهي خة كانت أم لغوي خة‪.‬‬
‫ٍ‬
‫خاف «أال احتياط مع الدليل»‪ ،‬هو من مباين شيخنا الفضيل‪ .‬وإذا كان‬
‫وغري‬
‫ترك الدليل خمالفة‪ ،‬فإن حتكيم االحتياط فيه حتكم ال أصل له‪ ،‬وليس له من منشأ غري‬
‫امليل النفيس‪ ،‬ومتى كانت امليول مصادر لالستنباط‪ ،‬فض خ‬
‫ال عن حتكيمها يف املصادر‬
‫املعتربة التي ال تفتقر لإلثبات؟!‬
‫لذلك كان لشيخنا العالمة الفضيل ما أراده من تفعيل العملية االجتهادية‪،‬‬
‫والتزام رشوطها العلمية املتعارفة يف مدرسة النجف األرشف بحرية وجترد يضمنان‬
‫له األصالة يف الرأي‪ ،‬لينهي البحث ـ وإن خالف اإلمجاع‪ ،‬بالنتيجة التي أدى إليها‬
‫اجتهاده‪ ،‬وبثبات علمي ال يشوبه الرتدد‪ ،‬يقول‪« :‬ونخلص من كل هذا إىل النتيجة‬
‫التالية‪ ،‬وهي‪ :‬أن مجيع األفعال مبنية‪ ،‬وأن اإلعراب يتص باألسامء»(‪.)1‬‬
‫إن ما رأيناه من صنيع شيخنا العالمة الفضيل هو عني ما كان يصنعه املحقق‬
‫الريض‪ ،‬فكالمها يصدر عن النجف األرشف ومدرستها األصولية يف تناول بعض‬
‫قضايا اللغة والنحو بام ال ينفك عن االجتهاد‪.‬‬
‫أيضا ما كان يصنعه ابن جني (ت ‪392‬ه) يف كتابه (اخلصائص) الذي‬
‫وهو خ‬
‫سار فيه عىل «منهج الفقهاء‪ ،‬واألصوليني‪ ،‬واملتكلمني‪ ،‬وعلامء رجال احلديث‬
‫ومصطلحه‪ ،‬وسار عىل نسقهم يف القول»(‪.)2‬‬
‫بيد أن آثار ابن جني عىل الرشيف املرتىض التي تركت أثرها عىل الشيخ‬
‫(‪ )1‬دراسات يف الفعل‪ ،‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪.69‬‬
‫(‪ )2‬األسعد‪ :‬د‪ .‬عبد الكريم حممد‪ ،‬بني النحو واملنطق وعلوم الرشيعة‪ ،‬الرياض‪ ،‬دار العلوم‪،‬‬
‫‪1403‬ه‪1913 /‬م‪ ،‬ص ‪.19‬‬

‫‪309‬‬

‫الطويس ـ اشتغل عليها االجتهاد النجفي لقرون عدة تسري هبا يف صريورة تستجيب‬
‫ملتطلبات احلقب حتى اللحظة الراهنة‪ ،‬بام مل تعد تعكس يف جوهرها غري معامل‬
‫املدرسة النجفية للدرس اللغوي الذي يرصده‪ ،‬عرب أعالمه‪ ،‬وفهارس مؤلفاهتم‪،‬‬
‫شيخنا العالمة الفضيل يف هذا الكتاب‪.‬‬
‫وذلك بعد أن يقدم لنا جتربة رائد خة وجا َّدة يف الفهرسة لكتب النحو يف كتابه‬
‫املوسوم بـ «فهرست الكتب النحوية املطبوعة»(‪ ،)1‬ولذلك داللة وأيام داللة!‬

‫‪ ‬ثالثًا‪ :‬داللة اشتغال املفهرس‬
‫إذا كان الشيخ الطويس ترك لنا كتابه «الفهرست» يف معرفة رواة احلديث‪ ،‬بعد‬
‫كتابه املوسوم ب «رجال الشيخ الطويس» صونخا لعلم احلديث عرب معرفة رجاله‪ ،‬فإن‬
‫الشيخ الفضيل يف كتاب «الدرس اللغوي يف النجف األرشف» ترك أشكاالخ من‬
‫ٍ‬
‫التعريف العام بالنحاة‪ ،‬واشتغاالت اللغة والنحو رجاالخ‬
‫مدارس‬
‫وطبقات‪،‬‬
‫َ‬
‫ٍ‬
‫ٍ‬
‫ومصنفات‪ ،‬بادئخا ـ فيام يتص بمدرسة النجف األرشف ـ‬
‫مصادر‬
‫واختصاصات‪،‬‬
‫َ‬
‫بالشيخ الطويس نفسه‪ ،‬فاملحقق الريض‪ ،‬حتى آخر اسم يرد حتت رقم (‪ )201‬يف‬

‫هذا (الفهرست) من (رجال الشيخ الفضيل) يف الدرس النجفي للغة والنحو ـ كام‬
‫حيلو يل أن أسميه هنا‪ ،‬وإال فهو يسري مع رجاالت النحو العريب منذ نشأته بالبرصة‬
‫حتى دخوله إىل حارضة النجف األرشف‪.‬‬
‫أليس يف هذا النحو من االشتغال بالفهرسة‪ ،‬ورجال العلم‪ ،‬من الشيخ الطويس‬
‫إىل الشيخ الفضيل يف مدرسة النجف األرشف من داللة عىل ما لتلك املدرسة العريقة‬
‫الشاخمة من أصول وتقاليد ال تنفك عنها مهام كان نوع املادة املدروسة؟‬
‫(‪ )1‬الفضيل‪ :‬د‪ .‬عبد اهلادي‪ ،‬فهرست الكتب النحوية املطبوعة‪ ،‬األردن ـ الزرقاء‪ ،‬مكتبة املنار‪،‬‬
‫‪1407‬ه‪1916 /‬م‪.‬‬

‫‪310‬‬

‫ونحوا ـ‬
‫فقها كان ما تدرس‪ ،‬أم لغ خة‬
‫خ‬
‫وأي رس هو يف هذه املدرسة التي مازالت ـ خ‬
‫ال تقتنع بأدنى من مستوى االجتهاد!؟‬
‫إنه اإلبداع الذي سيجد جت اليه األصيل يف حضور مدرسة النجف األرشف عرب‬
‫درب ٍ‬
‫ٍ‬
‫بكر من اجلهد املختص‪ ،‬تصني خفا‪ ،‬وتوصي خفا‪ ،‬وحتلي خ‬
‫ال‪ ،‬يف «فهرست‬
‫اجرتاح‬
‫الكتب النحوية املطبوعة»(‪ ،)1‬لشيخنا العالمة الفضيل‪.‬‬

‫ـ فهرست الكتب النحوية املطبوعة‪:‬‬
‫وصل عدد ما أحصاه شيخنا العالمة الفضيل من الكتب النحوية املطبوعة يف‬
‫هذا الفهرست إىل (‪ )1265‬عنوانخا عرب مسح ببليوجرايف ملا استطاع الوصول إليه من‬
‫املطبوع النحوي يف العامل كله من بدء الطباعة حتى عام ‪1914‬م(‪.)2‬‬
‫ٍ‬
‫مضن ال يعيه إال من حاول االقرتاب من هذا الشكل من التصنيف‬
‫وهو جهد‬
‫الببليوجرايف؛ وذلك ألن «موضوع الفهرسة ـ كام يعرف من كابده وعانى فيه ومنه ـ‬
‫وعر الطريق شائك املسلك خميف املرسى‪.‬‬
‫يعرف كل ما ينرش من نتاج فكري‬
‫وعر‪..‬؛ ألنه مل يمهد حتى اآلن بإصدار ما ا‬
‫ٌ‬

‫نحوي‪.‬‬

‫ٌ‬
‫وشائك؛ ألن ما نرش من قوائم مفهرسة ـ عىل قلتها ـ مل يدقق فيها‪ ،‬ومل يتحقق‬
‫من صحة ما ينرش فيها‪ ،‬ومن هنا ـ كان االعتامد عليه ال يلو من مزالق‪.‬‬
‫وخميف؛ لقلة السالكني فيه‪ ،‬وقد يعود ذلك إىل قلة الوعي ألمهية أمثال هذه‬
‫ٌ‬
‫األعامل»(‪.)3‬‬
‫(‪ )1‬م‪ .‬ن‪.‬‬
‫(‪ )2‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪.4‬‬
‫(‪ )3‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪.17‬‬

‫‪311‬‬

‫بيد أن الوعي املنهجي الذي يتمتع به شيخنا الفضيل ـ كان رائده يف خوض مثل‬
‫هذه اللجج متخط خيا الصعوبات كلها‪ ،‬بمثابرة املجتهدين‪ ،‬وصربهم؛ من أجل القيام‬
‫بمثل هذا العمل اإلبداعي الذي يسد حاجات البحث الرضورية متوخ خيا حتقيق‬
‫أهدافه يف‪« :‬‬
‫‪ .1‬االطالع عىل ما نرش من الرتاث النحوي العريب‪ ،‬فيعاد نرش ما مل يستكمل رشوط‬
‫التحقيق العلمي وعنارصه‪ ،‬ويكتفي بام استوىف ذلك فال يكرر حتقيقه‪.‬‬
‫‪ .2‬االطالع عىل ما نرش من بحوث ودراسات نحوية فيها املفيد من اجلديد يف‬
‫العرض‪ ،‬أو الرأي‪ ،‬أو النقد‪ ،‬أو املوازنة؛ ليستفاد منه يف البحث والتأليف‪،‬‬
‫والرتبية والتعليم‪.‬‬
‫‪ .3‬وضع قائمة باملصادر واملراجع النحوية املطبوعة أمام الدارس والباحث‪ ،‬من‬
‫أساتذة النحو وطالبه وشداته‪ ،‬أو من غريهم‪ ،‬من أمثال املتخصصني يف علم‬
‫املكتبات‪ ،‬واملعلومات‪ ،‬فيفيدون منها يف معرفة التطور التاريي لطبع الكتاب‬
‫النحوي»(‪.)1‬‬
‫تلك القائمة من املصادر واملراجع التي جتد شكلها اخلاص فيام أثبته شيخنا‬
‫العالمة الفضيل يف هذا الكتاب من مؤلفات مدرسة النجف األرشف يف اللغة‬
‫والنحو عرب العصور‪.‬‬
‫والتي جتد شكلها العام فيام طبع يف العامل من املؤلفات النحوية لكل من كتب يف‬
‫أيضا فيام‬
‫هذا العلم بال ختصيص‪ ،‬غري أن مدرسة النجف األرشف كانت حارضة خ‬
‫طبع من تلك املؤلفات املثبتة يف كتاب «فهرست الكتب النحوية املطبوعة» لشيخنا‬
‫حضورا يف متثل روح‬
‫العالمة الفضيل‪ ،‬وكانت مدرسة النجف األرشف أشد‬
‫خ‬
‫االجتهاد فيها عند شيخنا العالمة الفضيل نفسه؛ فام هوـ يف نتاجه هذا‪ ،‬ويف مثله ـ إال‬
‫(‪ )1‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪ 3‬ـ ‪.4‬‬

‫‪312‬‬

‫نموذج حي لتلك الذهن َّية الو َّقادة التي تتحرك هبا عجلة االجتهاد شمول ّي خة وعم خقا يف‬
‫مدرسة النجف األرشف‪.‬‬
‫َّ‬
‫إن القراءة التي قدمها أستاذنا الشيخ الفضيل للجهود النحوية ما بني عرص‬
‫سيبويه (ت ‪110‬ه) وهذا العرص عرب «الفهرست» يف الكتاب املطبوع متج ال خيا‬
‫بأشكال ومضامني شتى‪ ،‬عرب وصف ال يفي ما خلفه من تفكيك وحتليل‪ ،‬وما أمامه‬
‫من تركيب وبناء‪ ،‬وما فيه من تدبر واجتهاد ال يربحان اشتغاالته ـ َلتدعونا‪ ،‬مثل تلك‬
‫القراءة‪ ،‬إىل تأمل امل َلكة التي ُيعملها العالمة الفضيل يف النتاج النحوي عرب هذا‬
‫الرصد‪.‬‬

‫ـ رصد النتاج النحوي شك ً‬
‫ال ومضمو ًنا‪:‬‬
‫ٍ‬
‫أساس من املعيار الذي ارتآه أستاذنا العالمة الفضيل يف حتليل ما أخرجته‬
‫عىل‬
‫علام ـ‬
‫الطباعة إىل سوق الكتاب العاملية يف النحو من مؤلفات ال ا‬
‫يوحدها غري النحو خ‬
‫كان التفكيك وإعادة الرتكيب لعنوانات تلك املؤلفات يف تصنيف ينظر إليه من‬

‫زاويتني إىل الكتاب النحوي املطبوع ليتجىل للدارسني يف هذا الفهرست عىل صعيد‬
‫الشكل‪ ،‬وعىل صعيد املضمون‪.‬‬

‫أ ـ الكتاب النحوي عىل صعيد الشكل‪« :‬‬
‫‪ .1‬الكتاب العلمي االستداليل‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬الكتاب) لسيبويه (ت ‪110‬ه)‪.‬‬
‫‪ .2‬املتون النحوية‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬الكافية) البن احلاجب (ت ‪646‬ه)‪ .‬ومن املنظوم‬
‫مثل‪( :‬األلفية) البن مالك (ت ‪672‬ه)‪.‬‬
‫‪ .3‬رشوح املتون‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬رشح الكافية) للمحقق الريض (ت ‪616‬ه)‪ ،‬ومن‬
‫رشوح املتون املنظومة مثل‪( :‬رشح ألفية ابن مالك) البن النا م (ت ‪616‬ه)‪.‬‬
‫‪ .4‬حواَش الرشوح‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬حاشية الصبان) ملحمد بن عيل الصبان (ت‬
‫‪1206‬ه) عىل رشح األشموين (ت ‪929‬ه) أللفية ابن مالك (ت ‪672‬ه)‪.‬‬
‫‪313‬‬

‫‪ .5‬حواَش احلواَش‪ ،‬وذلك مثل حاشية (ياسني العليمي) لياسني احلميص العليمي‬
‫(ت ‪1061‬ه) عىل (حاشية األزهري) عىل (أوضح املسالك) البن هشام (ت‬
‫‪761‬ه)‪.‬‬
‫‪ .6‬التقريرات عىل احلواَش‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬تقريرات األنبايب) لشمس الدين األنبايب‬
‫(ت ‪1313‬ه) عىل (حاشية السجاعي) للسجاعي (ت ‪1197‬ه) عىل (رشح‬
‫قطر الندى) البن هشام (ت ‪761‬ه)‪.‬‬
‫‪ .7‬التقييدات‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬مقيد قواعد اإلعراب) لعدة من العلامء‪.‬‬
‫‪ .1‬اخلالصة‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬اخلالصة) املعروفة بألفية ابن مالك (ت ‪672‬ه)‪ ،‬وهي‬
‫تلخيص ملنظومته الكربى املوسومة ب (الكافية الشافية)‪.‬‬
‫‪ .9‬املخترص‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬خمترص مفيد يف أصول الرصف والنحو) لسليم حسون‬
‫املوصيل (ت ‪1366‬ه)‪.‬‬
‫‪ .10‬التعليق‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬تعليقة عىل البهجة املرضية) لألصفهاين (ت ‪1231‬ه)‪.‬‬
‫‪ .11‬األمايل أو املجالس‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬جمالس ثعلب) أليب العباس ثعلب الكويف‬
‫(ت ‪291‬ه)‪ ،‬و(أمايل الزجاجي) أليب القاسم الزجاجي البغدادي (ت‬
‫‪337‬ه)‪.‬‬
‫‪ .12‬الرسائل‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬رسائل السيوطي) جلالل الدين السيوطي (ت ‪911‬ه)‪.‬‬
‫‪ .13‬املسائل‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬فوح الشذا يف مسألة كذا) البن هشام (ت ‪761‬ه)‪.‬‬
‫‪ .14‬املجموعة‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬جامع املقدمات)‪ ،‬وحيوي جمموعة متون لعدة مؤلفني‪.‬‬
‫‪ .15‬الدراسات والبحوث‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬بحث يف األفعال املالزمة للمجهول بني‬
‫النحويني واللغويني) ملصطفى النحاس‪.‬‬
‫‪ .16‬املذكرات‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬مذكرات يف قواعد اللغة العربية) لسعيد األفغاين (ت‬
‫‪1417‬ه)‪.‬‬
‫‪ .17‬املختارات‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬خمتارات يف النحو والرصف) ملنى إلياس‪.‬‬
‫‪ .11‬السؤال واجلواب‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬املسائل البغداديات) أليب عيل الفاريس (ت‬
‫‪377‬ه)‪.‬‬
‫‪314‬‬

‫ب ـ الكتاب النحوي عىل صعيد املضمون‪:‬‬
‫‪ .1‬القواعد‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬القواعد الثالثون يف علم العربية) لشهاب الدين القرايف‬
‫(ت ‪614‬ه)‪.‬‬
‫‪ .2‬الشواهد‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬رشح أبيات سيبويه) أليب جعفر النحاس (ت ‪331‬ه)‪.‬‬
‫و(الشواهد) أليب املعايل احلسيني (ت ‪1342‬ه)‪.‬‬
‫‪ .3‬اخلالف‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬اإلنصاف يف مسائل اخلالف بني النحويني البرصيني‬
‫والكوفيني) أليب الربكات األنباري (ت ‪577‬ه)‪.‬‬
‫‪ .4‬املقارن‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬املفصل يف علم النحو والرصف املقارن للغات السامية)‬
‫للمسترشق األملاين كارل بروكلامن ‪( Carl Brockelmmann‬ت ‪1956‬م)‪.‬‬
‫‪ .5‬األصول‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬األصول‪ :‬دراسة إبستولوجية ألصول الفكر اللغوي‬
‫العريب‪ :‬النحو‪ ،‬فقه اللغة‪ ،‬البالغة) لتامم حسان‪.‬‬
‫‪ .6‬اإلعراب‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬إعراب المية الشنفرى) أليب لبقاء العكربي (ت‬
‫‪616‬ه)‪.‬‬
‫‪ .7‬التطبيق‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬تطبيقات نحوية وبالغية) لعبد العال سامل مكرم‪.‬‬
‫‪ .1‬عالقة النحو بالعلوم األخرى‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬البحث النحوي عند األصوليني)‬
‫ملصطفى مجال الدين (ت ‪1417‬ه)‪.‬‬
‫‪ .9‬الرد والنقد‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬الرد عىل النحاة) البن مضاء القرطبي (ت ‪592‬ه)‪.‬‬
‫‪ .10‬املوضوعات املنفردة‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬الالمات) أليب القاسم الزجاجي البغدادي‬
‫(ت ‪337‬ه)‪.‬‬
‫‪ .11‬حروف املعاين‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬اجلنى الداين يف حروف املعاين) البن أم قاسم‬
‫املرادي (ت ‪749‬ه)‪.‬‬
‫‪ .12‬التاريخ‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬بغية الوعاة يف طبقات اللغويني والنحاة) جلالل الدين‬
‫السيوطي (ت ‪911‬ه)‪.‬‬
‫إىل غريها مما أملح إليه‪:‬‬
‫‪315‬‬

‫من أشكال‪:‬‬
‫ كاملعجم‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬املعجم الوايف يف أدوات النحو العريب) لعيل توفيق احلمد‬‫ويوسف مجيل الزعبي‪.‬‬
‫ والفهرست‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬فهارس كتاب سيبويه ودراسة له) ملحمد عبد اخلالق‬‫عضيمة‪.‬‬
‫وغريمها‪.‬‬

‫ومن مضامني‪:‬‬
‫ـ كاألحاجي واأللغاز‪ ،‬وذلك مثل‪( :‬األلغاز النحوية) جلالل الدين السيوطي‬
‫(ت ‪911‬ه)‪ .‬و(األحاجي النحوية) جلار اهلل الزخمرشي (ت ‪531‬ه)‪.‬‬
‫وغريها‪ ،‬يراها الباحث يف املؤلفات النحوية‪ ،‬وهي تؤلف مادة علمية خصبة‬
‫للكتابة يف (التأليف النحوي)»(‪.)1‬‬

‫ـ بني اللغة والرشيعة‪:‬‬
‫خ‬
‫وسنة‪ ،‬وكنَّا يف النجف‬
‫إذا كانت اللغة العربية وعاء الرشيعة املقدسة كتا خبا‬
‫األرشف حارضة اإلمام عيل ‪ ‬سيد البلغاء واملتكلمني بعد رسول اهلل ‪ ،‬وباب‬
‫مدينة علمه املوحى‪َّ ،‬‬
‫فإن ما بني اللغة والرشيعة من صلة ال يمكن تصور عدمها؛ ما‬
‫يعني أن البالغة والبالغ يف ٍ‬
‫متاه شديد‪ ،‬ال يدرج السالكون إليهام غري هنج واحد‪.‬‬
‫من تلك الوحدة كان النهج فيام حفظ الرواة ألمري املؤمنني ‪ ‬يف هنج بالغته‬
‫الذي ما زالت أصداؤه يف األجواء من جامع الكوفة إىل جامعة النجف‪ ،‬وما زال‬
‫وترصف‪.‬‬
‫(‪ )1‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪ 5‬ـ ‪ 16‬باختصار‬
‫ّ‬

‫‪316‬‬

‫احلافون بعيل ‪ ،‬الداخلون إىل الرشيعة من بابه‪ ،‬يتحسسون أسوارها بلغته‪ ،‬يدور‬
‫معها ما دار مع القرآن‪ ،‬ومعهام السنَّة يف قول النبي حممد ‪ ،‬وبوحدة ال تتعدد بني‬
‫اللغة‪ /‬النص‪ ،‬والنص‪ /‬اللغة‪.‬‬
‫ذلك ما يفرس احتفاء مدرسة النجف األرشف باللغة العربية وعلومها‪،‬‬
‫احتفاءها بالرشيعة وعلومها‪ ،‬وخترجيها كبار األدباء والشعراء‪ ،‬كام خترج كبار العلامء‬
‫والفقهاء‪.‬‬
‫أيضا‪ ،‬كانت اإلشارة إىل االقرتان بني اللغة ونحوها‪ ،‬والرشيعة‬
‫ولذلك خ‬
‫وفقهها‪ ،‬حتى عىل مستوى الشكل وطرائق التأليف‪ ،‬إشارة (رضورية) هبذا التنبيه‬
‫الذي ختم به شيخنا العالمة الفضيل حديثه عن املؤلفات النحوية‪ ،‬إذ يقول‪« :‬ومن‬
‫الرضوري أن أنبه ـ هنا ـ إىل أن مثل هذا التأليف النحوي كان شائ خعا يف مؤلفات‬
‫أيضا‪ ،‬وبخاصة علم الفقه‪ ،‬وقد يفرتق املؤلف النحوي عنها يف مثل‬
‫العلوم الرشعية خ‬
‫اإلعراب والشواهد»(‪.)1‬‬
‫أيضا إىل ما تنامز به مدرسة النجف األرشف يف جتاوز إشكالية‬
‫إشارة هي خ‬
‫الشكل واملضمون حني يتامهى اللغوي بالرشعي‪ ،‬والرشعي باللغوي‪ ،‬ويبلغ الذرى‬
‫حني تنعدم احلدود بني األديب يف أدب َّيته‪ ،‬والفقيه يف فقه َّيته‪ ،‬فيرشقان يف واحد َّيتهام‬
‫بواحد أيام إرشاق‪.‬‬
‫ومن هنا‪ ،‬كان اشتغال األديب يف النجف األرشف ومدرستها ليس بغريب‪،‬‬
‫وأن يتمثل شيخنا الفضيل ذلك االشتغال‪َ ،‬هلو من صدق الوصال‪ ،‬ولذلك داللة‪،‬‬
‫وأيام داللة‪.‬‬

‫(‪ )1‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪.16‬‬

‫‪317‬‬

‫‪ ‬رابعًا‪ :‬داللة اشتغال األديب‬
‫خ‬
‫خ‬
‫وفهرسة‬
‫تورخة‪ ،‬واجتها خدا‪،‬‬
‫يكمن االنتظام الداخيل يف الدالالت الثالث املارة‬
‫استعراضا للتجارب االجتهادية‪ ،‬والسائرة يف درهبا‪ ،‬عمود ًّيا‬
‫ـ يف كون التورخة‬
‫خ‬
‫وأفق ًّيا؛ لوعي تطورها وع خيا يضع العلامء يف اجتاه حتاَش األخطاء‪ ،‬ويف آفاق التواصل‬
‫مع الصوابات الكتشاف األساسات التي يمكن أن تبنى عليها التجارب االجتهادية‬
‫اجلديدة‪ ،‬بام يستجيب لرشوط اإلبداع‪.‬‬
‫وال يفى ما الشتغال الفهرسة من صلة مسيسة بتلك الرشوط؛ كون املبدع ال‬
‫رقام يف تراكم‪،‬‬
‫ُيقبل عىل بحث عمل مكرور‪ ،‬وال عىل الكتابة فيه‪ ،‬وال َيقبل أن يكون خ‬

‫إنه يطمح أن يكون له عطاؤه الذي يضيف لعطاءات سابقة إضافة نوعية‪ ،‬وذلك مما‬

‫توفره جهود الفهرسة للباحث األصيل‪.‬‬
‫اشتغاالت ثالث تتكامل فيام بينها عند شيخنا العالمة الفضيل لتدل عىل ما‬
‫ٌ‬
‫تتوفر عليه مدرسة النجف األرشف‪ ،‬وال تدل عىل ما تنامز به تلك املدرسة الرتاثية‬
‫العريقة من دون انضامم البعد الرابع لتلك االشتغاالت‪ ،‬وهو اشتغال األديب‪.‬‬
‫إن االنتظام الداخيل لالشتغال األخري مع االشتغاالت السابقة فيام يتمثله‬
‫العالمة الفضيل من مدرسة النجف األرشف ـ هو يف كونه استجابة لرشط من‬
‫رشوط اإلبداع فيها‪ ،‬وهو إدراك ما بني البالغة والبالغ من ٍ‬
‫متاه ال يدرك إال بتمثل‬
‫يكون امللكة األدبية التي يستعان هبا عىل تنضيج ملكة االجتهاد‪ ،‬مما‬
‫روافع األدب بام ا‬
‫يعيه كل من اشتغل علم ًّيا ضمن رشوط مدرسة النجف األرشف االجتهادية مثل‬
‫شيخنا العالمة الفضيل‪ ،‬الذي رأيناه يسري يف اشتغاالته اللغوية من التاريخ يف «مراكز‬
‫الدراسات النحوية»‪ ،‬إىل االجتهاد يف «دراسات يف الفعل»‪ ،‬إىل الفهرسة يف «فهرست‬
‫الكتب النحوية املطبوعة» وإىل األدب كام سنراه يف «أعراف النحو يف الشعر‬
‫العريب»(‪ ،)1‬وإىل الكثري من ذلك يف هذا الكتاب‪.‬‬
‫(‪ )1‬الفضيل‪ :‬د‪ .‬عبد اهلادي‪ ،‬أعراف النحو يف الشعر العريب‪ ،‬جدّ ة‪ ،‬دار الوفاء‪1406 ،‬ه‪1916 /‬م‪.‬‬

‫‪311‬‬

‫ـ أعراف النحو يف الشعر العريب‪:‬‬
‫للنحو أن يذهب إىل الشواهد مستولدخ ا منها القواعد يف لغة اصطالحية يعرفها‬
‫املشتغلون هبذه الصناعة‪.‬‬
‫وتبقى لغة املصطلح النحوي‪ ،‬وما يتصل بعامله‪ ،‬مما تعارف عليه النحاة من‬
‫أعراف نحوية‪ ،‬تبقى حبيسة أسفار أصحاب تلك الصناعة‪ ،‬حتى يطلقها املشتغلون‬
‫باألدب ممن خربوا تلك الصناعة إىل عوامل أخرى ملقاصد وغايات وأهداف «هبذا‬
‫اللون من ألوان الشعر العريب‪ ،‬وما فيه من استمالح واستمتاع‪ ،‬ورياضة عقلية ذات‬
‫عطاء»(‪.)1‬‬
‫عقل املشتغل باللغة والرشيعة حيتاج إىل تلك الرياضة‪ ،‬كام حتتاج نفسه إىل ما يف‬
‫تلك الرياضة العقلية من (استمالح واستمتاع)‪.‬‬
‫من واقع إشباع تلك احلاجيات كان ذلك العطاء يف مدرسة النجف األرشف‬
‫التي تدرك ما للكبت‪ ،‬والتزمت‪ ،‬وتصنّع (الوقار) املتص ّيد يف غري مواضعه ـ من آثار‬
‫سلبية تعمل عىل تعقيد العملية االجتهادية‪ ،‬واإليقاع برشوط انفراداهتا بحرماهنا مما‬
‫ال تصل إليه إال بسلوك هذا النهج الذي تنامز به مدرسة النجف األرشف‪ ،‬والذي‬
‫هوـ بحق ـ من عوامل إبداعاهتا التي ينبغي لداريس جتربة النجف االجتهادية‬
‫االلتفات إليه‪ ،‬ودراسة ما يضمر من دالالت‪.‬‬
‫وإذ ُيثبت شعر لفيف من الشعراء العرب‪ ،‬شيخنا العالمة الفضيل يف «أعراف‬
‫ترصدها يف تلك النصوص الشعرية ملفتخا إىل ما تضمره من دالالت‬
‫النحو» التي َّ‬
‫يتلمسها كل من يتأمل فيها من مرجعيات االختيار ـ واالختيار بحد ذاته نقد ضمني‬
‫َّ‬

‫ـ يف قوله‪« :‬وتربو عدة ما احتواه هذا الكتيب من أبيات شعرية عىل ثالثمئة‪ ،‬تنتمي‬

‫(‪ )1‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪.10‬‬

‫‪319‬‬

‫(‪)1‬‬
‫نتلمس حضور النجف‬
‫ألكثر من تسعني‬
‫شاعرا» ـ فإنه‪ ،‬ويف الداللة األخص‪َّ ،‬‬
‫خ‬

‫األرشف يف شعرائها‪ ،‬ومنهم كان‪:‬‬

‫ املرجع السيد مهدي بحر العلوم (ت ‪1212‬ه)(‪.)2‬‬‫ الفقيه السيد حممد جواد العاميل‪ ،‬صاحب (مفتاح الكرامة) (ت‬‫‪1226‬ه)(‪.)3‬‬
‫ احلكيم الشيخ حممد جواد اجلزائري (ت ‪1371‬ه)(‪.)4‬‬‫ الشاعر الشيخ حممد رضا الشبيبي (ت ‪1315‬ه)(‪.)5‬‬‫وإذا كان الشيخ الشبيبي ـ وهو من كبار شعراء النجف األرشف ـ عا خملا لغو ًّيا‬
‫مرمو خقا له كتابات دالة عىل ما ملدرسة النجف األرشف من أصالة وإبداع‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫‪ .1‬أصول ألفاظ اللهجة العراقية‪.‬‬
‫‪ .2‬هلجات اجلنوب‪.‬‬
‫‪ .3‬املأنوس من لغة القاموس(‪.)6‬‬
‫فإن الشيخ اجلزائري ـ وهو من أعالم الفلسفة اإلهلية يف النجف األرشف ـ كان‬
‫عا خملا نحو ًّيا‪ ،‬له من الكتب يف النحو العريب دراس خة ونقدخ ا‪:‬‬
‫‪ .1‬حاشية عىل رشح ابن النا م أللفية ابن مالك‪.‬‬
‫‪ .2‬نقد االقرتاحات املرصية يف تيسري العلوم العربية‪.‬‬
‫(‪ )1‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪.10‬‬
‫(‪ )2‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪.57‬‬
‫(‪ )3‬م‪ .‬ن‪ .‬ص ‪.57‬‬
‫(‪ )4‬م‪ .‬ن‪ ،‬ص ‪.42‬‬
‫(‪ )5‬م‪ .‬ن‪ ،‬ص ‪.41 ،23‬‬
‫(‪ )6‬انظر‪ :‬الدرس اللغوي يف النجف األرشف‪ ،‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪.192‬‬

‫‪320‬‬

‫الكتاب الذي علق عليه‪ ،‬وعىل صاحبه ـ شيخنا الفضيل بقوله‪« :‬والشيخ‬
‫اجلزائري يف هذا الكتاب الذي هو مناقشة للمقرتحات التي تقدم هبا ثلة كريمة من‬
‫علامء وأدباء العربية يف مرص‪ ،‬وعىل رأسهم الدكتور طه حسني لتيسري املادة النحوية‬
‫يف املقررات الدراسية والتعليمية يف املدارس واملعاهد ـ يوقفنا عىل حضور النجف يف‬
‫كل قضايا اللغة العربية‪ ،‬ومتابعتها للتطور العلمي يف األوساط العلمية العربية»(‪.)1‬‬
‫وإذا كان الشبيبي واجلزائري من شعراء األعراف النحوية‪ ،‬فإهنام علامن من‬
‫أعالم اللغة والنحو يف النجف األرشف‪ ،‬وشاعران‪ ،‬لكل منهام ديوان مطبوع‪.‬‬
‫فإن الفقيه السيد بحر العلوم ـ وهو من كبار مراجع التقليد يف النجف األرشف‬
‫ـ له منظومات‪ ،‬مثل‪:‬‬
‫ الدرة النجفية (أرجوزة يف الفقه)‪.‬‬‫ الدرة البهية (نظم رؤوس املسائل األصولية)(‪.)2‬‬‫وما تلك املنظومات إال لشديد الصلة ما بني الرشعي والشعري يف مدرسة‬
‫النجف األرشف‪ ،‬وإذا كانت تلك (منظومات)‪ ،‬فإن للمرجع السيد مهدي بحر‬
‫العلوم (ديوان شعر)‪ ،‬وهو ـ بال ريب ـ مما يثري فقاهته‪ ،‬وينضج صلته بالنص‪ ،‬األمر‬
‫الذي حيرص عليه فقهاؤنا األوائل‪ ،‬وليس أشهر من علم اهلدى الرشيف املرتىض‬
‫ضخام من االشتغال الرشعي والشعري‪.‬‬
‫(ت ‪436‬ه) الذي ترك لنا ترا خثا‬
‫خ‬
‫وإذا كان لكل من الشيخ الشبيبي (ت ‪1315‬ه)‪ ،‬والشيخ اجلزائري (ت‬
‫‪1371‬ه)‪ ،‬والسيد بحر العلوم (ت ‪1212‬ه) ديوان شعر‪ ،‬فإن تلميذ األخري‪ ،‬السيد‬
‫العاميل (ت ‪1226‬ه) ـ وهو من كبار فقهاء النجف األرشف ـ مل يعرف له ديوان‬
‫(‪ )1‬انظر‪ :‬م‪ .‬ن‪ ،‬ص ‪.113‬‬
‫(‪ )2‬هكذا قرأهتم‪ ،‬ج‪ ،1‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪.69‬‬

‫‪321‬‬

‫شعر‪ ،‬إال أن ذائقته الرفيعة تتجىل يف كتابه الفقهي الشهري (مفتاح الكرامة يف رشح‬
‫قواعد العالمة)‪ ،‬وهوـ أعني الذوق الرفيع ـ مما تنامز به مدرسة النجف األرشف‬
‫فقه ًّيا وأصول ًّيا ولغو ًّيا‪ ،‬عىل أنه إذا مل يرتك السيد العاميل ديوان شعر ال يعني أنه ليس‬
‫بشاعر‪ ،‬ولذلك كان له موقعه يف شعراء األعراف عند شيخنا العالمة الفضيل‪ ،‬يف‬
‫هذه احلكاية بني التلميذ وأستاذه التي تعكس من خالل االشتغال األديب‪ /‬الشعري‬
‫عىل املصطلح النحوي ـ ثقافة النجف األرشف‪ ،‬ومنظومة قيمها‪ ،‬اللتني توفران‬
‫للدارسني مادة من دوهنا ال يمكن فهم مدرسة النجف األرشف فهام متكام خ‬
‫ال‪:‬‬

‫ـ بني السيدين بحر العلوم والعاميل‪:‬‬
‫«حيكى أن السيد حممد مهدي بحر العلوم املرجع الديني دفع ذات يوم إىل‬
‫تلميذه السيد حممد جواد العاميل صاحب (مفتاح الكرامة) شاميني [من النقود‬
‫العثامنية] ليدفعهام إىل بعض املشايخ املحتاجني من طلبة العلم‪ .‬وبعد أن دفعهام إليه‪،‬‬
‫عاد ليخرب السيد بذلك فلم جيده‪ ،‬فكتب رقعة إلعالمه‪ ،‬ووضعها يف املكتبة‪ ،‬وصورة‬
‫ما كتبه يف الرقعة‪( :‬الشاميني دفعتهام) ثم أمضاها بمهره‪.‬‬
‫معكوسا‪ ،‬فلام رآها السيد كتب حتتها البيت التايل‪:‬‬
‫فاتفق أن املهر كان‬
‫خ‬
‫املهــر يف الكتــاب جــاء مــنعكس‬
‫ُ‬

‫واملبتــدا املرفــوع جــاء منــتكس‬

‫وملا وقف السيد حممد جواد عىل ذلك كتب حتته البيتني التاليني‪:‬‬
‫املهــر اخــتالل ومهــي‬
‫قــد عكــس‬
‫ُ‬

‫واملبتــــدا املرفــــوع ملــــا ُعـــــرضا‬

‫إذ مل يكـــن يل فـــيهام مـــن ســــهم‬
‫عىل الرشيف العلـوي انخفضـا»‬

‫(‪ )1‬أعراف النحو يف الشعر العريب‪ ،‬م‪ .‬س‪ ،‬ص ‪.57‬‬

‫‪322‬‬

‫(‪)1‬‬

‫ـ شعر َّية املصطلحات العلمية يف مدرسة النجف األرشف‪:‬‬
‫تكمن الشعر َّية ـ هنا ـ يف الدعابة‪ ،‬والطرافة‪ ،‬وروح النكتة‪ ،‬وتلك يف الصميم‬
‫من الثقافة النجفية‪ ،‬وقيمتها فيام تبدع من تقنيات التناول التي جتد يف مادة الدرس‬
‫من لغة‪ ،‬ونحو‪ ،‬ورصف‪ ،‬وبالغة‪ ،‬وعروض‪ ،‬وتفسري‪ ،‬ورجال‪ ،‬وحديث‪ ،‬وفقه‪،‬‬
‫وأصول‪ ،‬ومنطق‪ ،‬وفلسفة‪ ،‬وحكمة‪ ،‬وعرفان‪ ،‬وما تزخر هبا تلك املواد العلمية‪ ،‬من‬
‫مصطلحات تظهر عفو ًّيا‪ ،‬ومن دون تكلف‪ ،‬يف لغة الشعر‪ ،‬بيد أهنا تقول أشياء‪ ،‬غري‬
‫ما تقوهلا اللغة املبارشة‪.‬‬
‫إهنا تعكس ثقافة النجف األرشف‪ ،‬وقيمها‪ ،‬وبام يغاير املألوف‪ ،‬يدخل‬
‫املصطلح العلمي‪ ،‬كام شاهدنا ـ هنا ـ كيف يدخل املصطلح النحوي (املبتدأ‪ ،‬الرفع‪،‬‬
‫اخلفض) يف ُمجاع النص؛ لتدشني دالالت جديدة عن طريق طاقة االنزياح‪!..‬‬
‫فاملهر‪ ،‬وهو اخلتم الشخيص الذي يو ّقع به علامء النجف األرشف رسائلهم‪،‬‬
‫وإجازاهتم العلمية ما يعني قيمته التوثيقية‪ ،‬ومصداقيته االجتامعية العالية اللتني‬
‫معكوسا‪ ،‬إال أنه انعكس وانتكس‬
‫منتكسا‬
‫تقتضيان أن يظل سو ًّيا مرفو خعا‪ ،‬ال‬
‫خ‬
‫خ‬
‫النتكاس املبتدأ الذي من حقه الرفع؛ كونه عمدة‪ ،‬وذا رشف ٍ‬
‫عال‪ ،‬بحسب النحو‬
‫املعتق‪ ،‬واعتباراته التي تصدر عن بنية فكرية‪ /‬ثقافية تكامل بناؤها املدريس‪ ،‬من‬
‫البرصة إىل الكوفة إىل بغداد إىل النجف األرشف‪.‬‬
‫ما يلمح إليه السيد بحر العلوم‪ ،‬يف أفق اطالعه عىل تالمذته‪ ،‬وتقشفهم‪،‬‬
‫إخالصا لطلب العلم يف سبيل اهلل‪ ،‬عىل الرغم مما ينتاهبم من‬
‫وزهدهم يف الدنيا‬
‫خ‬
‫حاالت ال تطاق‪ ،‬قد تبدو عىل احلال‪ ،‬بام ال حتتاج إىل السؤال ‪!!..‬‬
‫فهل افتضحت احلال تلميذه السيد العاميل فاختل مقام ما حقه الرفع إىل‬
‫اخلفض من مبتدأ رتبته التقديم‪ ،‬وانعكس خاتم السيد إنبا خء بانتكاس احلال‪!..‬؟‬

‫‪323‬‬

‫رسائل مضمرة يلتقطها احلصيفون يف العلم واألدب يف مدرسة النجف‬
‫األرشف بام تشكل من شعريات يف تلك الرسائل وأمثاهلا تغني األدب العريب لدى‬
‫وعيها ودراسة تقنياهتا‪.‬‬
‫ليأيت توصيف تلك احلال من السيد العاميل ألستاذه السيد بحر العلوم توصي خفا‬
‫املهر اختالل ومهي»‪ ،‬ويف بوح خاطف يوصل مع ال خ‬
‫ال ـ بدعابة‬
‫نفس ًّيا‪« :‬قد عكس ُ‬
‫وذكاء ـ ألستاذه‪« :‬إذ مل يكن يل فيهام من سهم»‪ ،‬والضمري يف‪« :‬فيهام» يعود إىل النقود‬

‫العثامنية «الشاميني»‪ ،‬وتلك قيمة أبوية بني املريب ومريديه يف النجف األرشف؛‬
‫يتوجها حسن التعليل يف قوله اجلميل‪« :‬واملبتدا املرفوع ملا ُعرضا ‪ /‬عىل الرشيف‬
‫ا‬
‫العلوي انخفضا»‪ ،‬إذ فيه ما فيه من اإلجالل الكبري ملكانة املخا َطب السيد بحر‬
‫علوي النسب‪،‬‬
‫العلوم من تلميذه؛ كونه األستاذ‪ ،‬وتلك قيمة؛ وكونه رشي خفا سيدخ ا‬
‫َّ‬
‫وتلك قيمة أخرى يف مدينة اإلمام عيل ‪.‬‬
‫رسائل أراد لنا أن نتعرف فيها شيخنا العالمة الفضيل بـ «أعراف النحو‪ »..‬عىل‬
‫تعرفنا أيضا عىل‬
‫تعرفنا عىل ما أراد ـ َّ‬
‫وجه من وجوه مدرسة النجف األرشف‪ ،‬وإذ َّ‬

‫اشتغال األديب يف شيخنا الفضيل‪ ،‬وعىل داللة ذلك االشتغال فيام يتصل بام نحن فيه‬
‫من دالالت املؤر واملجتهد وا ُمل م‬
‫فهرس‪ ،‬وعىل النجف األرشف‪ ،‬ومدرستها‬
‫العريقة‪ ،‬يف تلك الدالالت األربع عند شيخنا العالمة الفضيل‪.‬‬

‫ـ جتليات النتظام للدللت األربع‪:‬‬
‫وهكذا رأينا كيف جتىل االنتظام الداخيل لتلك الدالالت األربع (تاريخا‬
‫واجتها خدا وفهرس خة وأد خبا) يف‪:‬‬
‫خ‬
‫مدرسة يف فكر الفضيل‪.‬‬
‫‪ .1‬النجف‬
‫‪ .2‬الفضيل عا خملا يف مدرسة النجف‪.‬‬

‫‪324‬‬

‫َّ‬
‫وأن كتا خبا يرصد «الدرس اللغوي يف النجف األرشف» يستند إىل رصيد مؤلفه‬
‫الكبري شيخنا العالمة الفضيل ـ حفظه اهلل ـ‪ ،‬وإىل ما يسكن يف وعيه املنهجي الفريد‪،‬‬
‫مما تزخر به النجف األرشف‪ ،‬ومدرستها الشاخمة من رؤى‪ ،‬ومناهج‪ ،‬يف اللغة‬
‫والنحو‪ ،‬تنامز هبا عن غريها من املدارس يف املجال ـ جيعلنا متأهبني لقراءة مغايرة‪،‬‬
‫ومغرية‪ ،‬بام يستجيب‪ ،‬بتوق‪ ،‬ومتعة‪ ،‬وفائدة‪ ،‬إىل األصالة واإلبداع يف جذبات‬
‫االجتهاد‪.‬‬

‫‪325‬‬

‫مشروع الوحدة وخلفيات التجزئة عند الدكتور‬
‫الفضلي‬

‫األستاذ حسني منصور الشيخ‬

‫‪ ‬مـفـتـتـح‬
‫ٍ‬
‫وبعض‬
‫بدأ رسول اهلل ‪ K‬بعرض دعوته اإلسالمية عىل من حوله من قرابته‬
‫استمرت ثالث‬
‫ممن يأمنهم ويثق هبم يف مرحلة ما ُعرف تاري ًّيا بالدعوة الرسية التي‬
‫ّ‬

‫تكونت النواة املؤمنة للمجتمع املسلم‪ ،‬أمره اهلل تعاىل باجلهر‬
‫سنوات‪ .‬وبعد أن ّ‬

‫جماهرا به أمام قبيلته القرشية‪ ،‬فآمن به جمموعة قليلة من‬
‫بالدعوة‪ ،‬فصدع باإلسالم‬
‫خ‬
‫أهل مكّة‪ ،‬فيام الغالبية منهم كانوا من حماربيه ومناوئيه هو والق ّلة املؤمنة بدعوته‪،‬‬
‫وهي احلال التي استدعته أن ينتقل إىل مرحلة جديدة من الدعوة اإلسالمية‪ ،‬وهي‬
‫املنورة بعد أن أمىض ‪ 13‬سنة من الدعوة‬
‫بناء املجتمع وتأسيس نواة الدولة يف املدينة ّ‬
‫يف مكّة‪.‬‬
‫فهاجر رسول اهلل ‪ K‬ـ ممتث خ‬
‫ال لألمر اإلهلي ـ إىل املدينة املنورة (يثرب حينها)‬
‫مع الثلة املكية املؤمنة‪ ،‬وكان املدنيون يف انتظاره ‪ K‬انتظار الفاحتني‪ ،‬هيللون‬
‫ويستبرشون بقدوم نبي اهلل إليهم‪ .‬فنزل بدار بني مالك بن النجار‪ .‬وكان أول ما قام‬
‫به هو بناء املسجد‪ ،‬ليكون حم ّلة مجاعتهم وأداء صلواهتم اليومية‪ .‬وبدأ بتأسيس نواة‬
‫‪326‬‬

‫املجتمع املسلم ضمن األسس واملبادئ اإلسالمية‪ ،‬فكانت خطبته التوجيهية األوىل‬
‫خ‬
‫ترسيخا لتلكم القيم واملبادئ التي يأيت يف مقدمتها تعزيز اإليامن باملبدأ تعاىل‬
‫وحضور اآلخرة يف قلوهبم وعقوهلم‪ ،‬إذ كان مما قال فيها‪« :‬أهيا الناس‪ ،‬قدموا‬
‫ألنفسكم‪َ ،‬تع َل ُم َّن واهلل َل َيص َع َق َّن َأحدُ كم‪ ،‬ثم َل َيدَ َع َّن غنمه ليس هلا راع‪ ،‬ثم ليقولن له‬

‫ربه‪ ،‬وليس له ترمجان وال حاجب حيجبه دونه‪ :‬أمل يأتك رسويل فبلغك‪ ،‬وآتيتك ماالخ‬

‫وأف َضل ُت عليك؟ فام قدمت لنفسك؟‪ ،‬فلينظرن يمينخا وشامالخ فال يرى شي خئا‪ ،‬ثم‬
‫َل َين ُظ َر َّن ُقدَّ امه فال يرى غري جهنم‪ .‬فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ـ ولو بشق‬
‫من مترة ـ فليفعل‪ ،‬ومن مل جيد فبكلمة طيبة‪ ،‬فإهنا هبا جتزى احلسنة عرش أمثاهلا‪ ،‬إىل‬
‫سبع مئة ضعف»(‪.)1‬‬
‫ُي َذك ُار النبي ‪ K‬يف هذه اخلطبة املسلمني بأمهية املحافظة عىل ذكر اهلل تعاىل‬
‫واستحضار يوم القيامة فيام يم ّثله من العقاب والثواب‪ ،‬وذلك لرتكيز مبادئ العقيدة‬
‫اإلسالمية يف نفوسهم‪ ،‬وهتيئتها الستقبال تفاصيل األحكام الرشعية‪ ،‬لتكون وسيلة‬
‫متسك‬
‫اللتزام املسلم بتلكم األحكام‪ .‬ويف خطبته الثانية يركّز ‪ K‬عىل مسألة ّ‬

‫املسلمني بالكتاب الذي أنزل عليهم‪ ،‬وأن يستشعروا آياته يف قلوهبم ومجيع أعامهلم‪،‬‬

‫يقول ‪« :K‬إن احلمد هلل‪ ،‬أمحده وأستعينه‪ ،‬نعوذ باهلل من رشور أنفسنا‪ ،‬وسيئات‬
‫أعاملنا‪ .‬من م‬
‫َّ‬
‫مضل له‪ ،‬ومن يضلل فال هادي له‪ ،‬وأشهد أالَّ إله إال اهلل‬
‫هيد مه اهلل فال‬
‫وحده ال رشيك له‪َّ .‬‬
‫إن أحسن احلديث كتاب اهلل تبارك وتعاىل‪ ،‬قد أفلح من زينه اهلل‬
‫يف قلبه‪ ،‬وأدخله يف اإلسالم بعد الكفر‪ ،‬واختاره عىل ما سواه من أحاديث الناس‪ ،‬إنه‬
‫أحسن احلديث وأبلغه‪ .‬أحبوا ما أحب اهلل‪ ،‬أحبوا اهلل من كل قلوبكم‪ ،‬وال متلوا كالم‬
‫تقس عنه قلوبكم‪ ،‬فإنه من كل ما يلق اهلل يتار ويصطفي‪ .‬قد سامه‬
‫اهلل وذكره‪ ،‬وال ُ‬
‫اهلل خريته من األعامل‪ ،‬ومصطفاه من العباد‪ ،‬والصالح من احلديث‪ ،‬ومن كل ما أويت‬
‫الناس احلالل واحلرام‪ .‬فاعبدوا اهلل وال ترشكوا به شي خئا‪ ،‬واتقوه حق تقاته‪ ،‬واصدقوا‬
‫(‪ )1‬السرية النبوية البن هشام احلمريي (ت ‪211‬ه)‪ ،‬حتقيق‪ :‬مصطفى السقا وإبراهيم األبياري‬
‫وعبد احلفيظ شلبي‪ ،‬القاهرة‪ ،‬ط‪1313 ،1‬ه ـ ‪1963‬م‪ ،‬ج‪.500 /2‬‬

‫‪327‬‬

‫اهلل صالح ما تقولون بأفواهكم‪ .‬وَتابوا بروح اهلل بينكم‪ ،‬إن اهلل يغضب أن ينكث‬
‫عهده‪ ،‬والسالم عليكم ورمحة اهلل»(‪.)1‬‬
‫يف لقائه العا ّم األول يؤكّد النبي ‪ K‬عىل أمور عدّ ة يف بناء املجتمع املسلم‪ ،‬كان‬

‫أوهلا حضور اليوم اآلخر وتأكيد مسألة اجلنة والنار يف أذهان املسلمني‪ ،‬وبعدها يشري‬
‫متسك املسلمني بكتاهبم املقدّ س الذي يعدّ عنوان عملهم يف مجيع حركاهتم‬
‫إىل أمهية ّ‬
‫واملوجه األول هلم‪ ،‬والوصية الثالثة هي مسألة تبادل املحبة املبنية عىل‬
‫وسكناهتم‬
‫ّ‬
‫تركيزا لطبيعة‬
‫اإليامن باهلل بينهم‪ ،‬إذ يوصيهم ‪ K‬بقوله‪« :‬وحتابوا بروح اهلل بينكم»‪،‬‬
‫خ‬
‫عالقة املسلم بأخيه يف هذا املجتمع الوليد‪ ،‬لتكون عالقة األخوة اإليامنية ـ التي‬
‫ستعززها الح خقا آيات القرآن الكريم ـ من أبرز سامت املجتمع املسلم‪.‬‬
‫ّ‬
‫أتم بناء املسجد‪ ،‬ووضع أسس العالقة بني‬
‫ولذلك فإن النبي ‪ ،K‬بعد أن ّ‬

‫املسلمني ومن يقاسمهم املدينة من اليهود‪ ،‬من خالل الكتاب الذي وادع فيه اليهود‬
‫وعاهدهم‪ ،‬فأقرهم عىل دينهم وأمواهلم‪ ،‬ورشط هلم واشرتط عليهم‪ ،‬بعد هذا‬
‫العهد(‪ ،)2‬بارش الرسول بوضع أسس العالقة بني املسلمني فيام بينهم‪ ،‬فآخى بني‬
‫املهاجرين واألنصار‪ ،‬فجعل لكل أنصاري خ‬
‫أخا من املهاجرين‪ ،‬وذلك يف نموذج‬
‫م‬
‫يكتف ‪ K‬بام أشار إليه من‬
‫اجتامعي فريد لعالقة اإلنسان بأخيه اإلنسان‪ ،‬إذ مل‬
‫إرشاد نبوي يف خطبته الثانية‪ ،‬وإنام بارش بتجسيد ذلكم اإلرشاد إىل واقع عميل يعيشه‬
‫نحوا من تأليف القلوب‬
‫املسلم يف تفاصيل حياته اليومية‪ .‬ومل تكن تلكم اخلطوة خ‬
‫تغيريا جذر ًّيا يف طبيعة عالقة‬
‫ومتتني العالقة فحسب‪ ،‬بل كانت ـ باإلضافة إىل ذلك ـ خ‬
‫العريب بمثيله العريب‪ ،‬فبدالخ من أخوة القبيلة والوالء العشائري‪ ،‬تتبدّ ل إىل أخوة‬
‫احلق تعاىل‪.‬‬
‫الدين والعقيدة والوالء للمبدأ ّ‬

‫(‪ )1‬املصدر السابق‪ ،‬ج‪.501 /2‬‬
‫(‪ )2‬انظر‪ :‬املصدر السابق‪ ،‬ج‪ 501 /2‬ـ ‪.504‬‬

‫‪321‬‬

‫يوجه األجيال إىل أن بناء املجتمع والدولة‬
‫ورسول اهلل ‪ K‬ـ هبذا العمل ـ ّ‬
‫املسلمة له أسس وقواعد‪ ،‬من أبرزها ـ بعد الوالء هلل تعاىل ـ بناء العالقة الصحيحة‬
‫أساسا وأص خ‬
‫ال من أصول ذلكم‬
‫بني أبناء املجتمع املسلم‪ ،‬ولتكون الوحدة االجتامعية‬
‫خ‬

‫املجتمع‪.‬‬

‫يعزز هذا املبدأ تعدد حضوره يف اآليات القرآنية‪ ،‬حيث تناوهلا يف أكثر من‬
‫وما ّ‬
‫موضع‪ ،‬إذ تشكّل بمجموعها رؤية قرآنية متكاملة حول مفهوم الوحدة يف القرآن‪،‬‬
‫وهي النقطة التي س ّلط الضوء عليها الدكتور عبد اهلادي الفضيل يف جمموعة من‬
‫حمارضاته التي مجعنا أرب خعا منها بني دفتي هذا الكتاب‪ ،‬مت ّثل فصوله القادمة‪ ،‬وذلك يف‬
‫عناوين عدّ ة‪ ،‬نحاول يف هذا التمهيد تناول أبرزها بالعرض والتحليل‪:‬‬

‫ال‪ :‬موقعية الوحدة يف املنظور القرآين‬
‫‪ ‬أو ً‬
‫أ) الوحدة عنوان إسالمي أصيل‬
‫يشري الدكتور الفضيل أثناء حديثه عن اإلنسان يف الترشيع اإلسالمي إىل أن له‬
‫موقعية متم ّيزة يف اإلسالم‪ ،‬وذلك أن الشخصية اإلنسانية متزج بني دورين رئيسني ـ‬
‫تحمل مسؤولية أداء‬
‫فيام يرتبط بالدور اإلنساين عىل هذه األرض ـ‪ ،‬أوالمها‪ :‬أنه ي ّ‬
‫األمانة التي عرضها اهلل ﴿‪¼ « º ¹ ¸ ¶ µ ´ ³‬‬
‫½ ¾¿﴾(‪ ،)1‬وذلك من خالل أدائه األمني لألحكام الرشعية‪ .‬ولكن هذا‬
‫االمتثال لألحكام ال جيب أن يتعارض مع الصفة الثانية لإلنسان‪ ،‬وهي الكرامة‪،‬‬
‫انطال خقا من اآلية الكريمة‪ .)2(﴾b a ` _﴿ :‬إذ يرشح هذه العالقة بقوله‪:‬‬
‫«هذه اآلية الكريمة يمكن عدّ ها حاكم خة عىل الترشيعات اإلسالمية من حيث عدم‬
‫(‪ )1‬سورة األحزاب‪ ،‬اآلية‪.72 :‬‬
‫(‪ )2‬سورة اإلرساء‪ ،‬اآلية‪.70 :‬‬

‫‪329‬‬

‫وجود ترشيعات يف الفقه اإلسالمي تؤ ّدي إىل هدر كرامة اإلنسان أو ّ‬
‫حتط من‬
‫مكانته‪ .‬فكرامة اإلنسان حمفو ة يف مجيع أحكام الترشيع اإلسالمي بموجب هذه‬
‫اآلية الكريمة‪ .‬ولذلك يمكننا ـ َّ‬
‫ملخ خصا ـ أن نقول بأن اإلنسان ـ يف موقعيته يف هذه‬
‫احلياة ـ هو‪ :‬مسؤول كريم»(‪.)1‬‬
‫وكام يرى الشيخ الفضيل حاكمية وأصالة الكرامة يف مسألة الترشيع اإلسالمي‪،‬‬
‫أساسا من األسس‬
‫أيضا‪ ،‬إذ يعدها‬
‫فهو يرى أصالة مفهوم الوحدة يف هذا الترشيع خ‬
‫خ‬

‫اإلسالمية األصيلة‪ ،‬فيقول يف ذلك‪« :‬إن الوحدة اإلسالمية يف الوقت الذي تعدها‬

‫مظهرا خلري اإلنسان فر خدا وجمموعات‪ ،‬تقدمها ـ من ناحية أخرى ـ‬
‫اآليات القرآنية‬
‫خ‬

‫عىل أهنا مظهر الرتباط املسلم بعقيدته اإلسالمية‪ ،‬وكذلك منسجمة ومبادئ اخلري‬
‫يبرش به اإلسالم ويم ّثل إحدى ركائز العقيدة اإلسالمية يف بناء أي‬
‫والعدل الذي ّ‬
‫جمتمع‪ .‬فهي عنوان إسالمي أصيل ويم ّثل أحد أبرز التحديات التي تواجه أمتنا‬
‫اإلسالمية اليوم‪ ،‬وذلك يف مواجهتها مع املشاريع اخلارجية التي حتول دون حتقيق‬
‫هذا النوع من االندماج اإلنساين املبني عىل الوالء للمبدأ األول تعاىل شأنه»(‪.)2‬‬

‫ب) الوحدة سبيل إىل َتقيق املصالح الفردية واجلامعية‬
‫يشكّل املسلمون وحدة اجتامعية جيمعهم فيها الوالء للمبدأ‪ ،‬وهذه الوحدة ـ يف‬
‫تضافرا يف اجلهود وتبادالخ للمصالح وحفا خ ا عىل املنهج اإلسالمي‬
‫حتققها ـ تشكّل‬
‫خ‬

‫العام‪ ،‬وهو ما يعني تعميم املصالح للفرد واجلامعة‪ .‬وهو ما يشري إليه الدكتور فيام‬
‫يعرضه من معامل هذه الوحدة‪ ،‬ولكنّه يشرتط أن ّ‬
‫تظل هذه الوحدة حمافظة عىل هويتها‬

‫احلق دون سواه‪ ،‬إذ يرى‪« :‬أن طلب املعونة اإلهلية باحلفظ والعناية‬
‫يف الوالء للمبدأ ّ‬
‫(‪ )1‬الوحدة اإلسالمية‪ :‬أسس البناء ومفاعيل اهلدم يف املجتمع املسلم‪ ،‬الدكتور عبد اهلادي‬
‫الفضيل‪ ،‬حترير ودراسة‪ :‬حسني منصور الشيخ‪ ،‬خمطوط‪ ،‬ص ‪.40‬‬
‫(‪ )2‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.70‬‬

‫‪330‬‬

‫مرتاصة وذات هدف واضح‪ ،‬إذ اجلميع متجه إىل‬
‫يعزز هذه الوحدة ويبقيها‬
‫للجميع ّ‬
‫ّ‬
‫اهلل تعاىل املبدأ الواحد اجلامع للكلمة‪ ،‬وال يلتفت إىل بقية اخلالفات التي قد حتدث‬
‫مكونات املجتمع املختلفة‪ .‬ومن جهة أخرى‪ ،‬إن الوفاء‬
‫أو حدثت يف املايض بني ّ‬
‫للمبدأ الواحد حيافظ عىل تقاسم املصالح بصورة مستديمة أكثر‪ ،‬بخالف الوالء‬
‫تتعجل جمموعة أو جمموعات معينة داخل املجتمع الوصول إىل‬
‫للمصالح‪ ،‬حيث‬
‫ّ‬
‫ويمهد إىل تفرق‬
‫اخلاصة‪ ،‬ليكون عىل حساب بقية املجموعات األخرى‪،‬‬
‫مصاحلها‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫املجتمع وتفكّكه وتنازعه وعدم استدامة املصالح فيه»(‪.)1‬‬
‫ٍ‬
‫بحال من التكافل االجتامعي‬
‫يعزز تبادل املصالح بني أفراد املجتمع املسلم‬
‫وما ّ‬
‫الرحيم هو ما تفرضه الرشيعة اإلسالمية عىل املسلم من واجب املسؤولية االجتامعية‬
‫مسلام كان جياوره فقري حيتاج للمساعدة املالية؛ ألنه ال‬
‫جتاه أفراد جمتمعه‪« ،‬فلو أن‬
‫خ‬

‫يملك قوت يومه‪ ،‬وهو يعلم بحال جاره هذه‪ ،‬ومل يقدّ م له أي مساعدة لينتشله من‬
‫فقره وعوزه‪ ،‬إىل أن أدركه املوت بسبب حاله االقتصادية السيئة تلك‪ ،‬فإن هذا‬
‫عام وصلت إليه حال جاره وحماسب عىل تقصريه جتاهه وجتاه‬
‫اإلنسان مسؤول رش خعا ّ‬

‫أهله‪ .‬وهذا معنى املسؤولية االجتامعية يف اإلسالم‪ ،‬حيث املسلم مسؤول عن نفسه‪،‬‬

‫ويف الوقت نفسه عن مسؤول وحماسب أمام اهلل تعاىل يوم القيامة فيام لو حصل منه‬
‫حتمل هذا النوع من املسؤولية جتاه أفراد جمتمعه»(‪.)2‬‬
‫أي تقصري يف ّ‬

‫ج) الوحدة اإلسالمية خيار تقدمي‬
‫ال متانع كثري من القوى اخلارجية من ممارسة املسلمني لشعائرهم وطقوسهم‬
‫العبادية‪ ،‬من الصالة والصوم واحلج واألدعية والزيارات‪ ،‬ما دامت ستبقى يف إطار‬
‫تتحول الرابطة الدينية إىل‬
‫الطقوس والشعائر‪ .‬ولكن ما يثري حفيظة تلكم القوى أن‬
‫ّ‬
‫(‪ )1‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.73‬‬
‫(‪ )2‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.65‬‬

‫‪331‬‬

‫وحدة اجتامعية تطالب بتحويل هذه الرابطة إىل كيان إسالمي يقوم عىل أسس‬
‫تتحول ـ فيام تطرحه وسائل إعالم تلكم‬
‫العقيدة اإلسالمية‪ .‬إهنا يف تلكم احلال‬
‫ّ‬
‫القوى ـ إىل دعاوى رجعية وأصولية دينية متشدّ دة‪.‬‬
‫مشوه للحالة اإلسالمية‪ ،‬يستعرضها الدكتور الفضيل يف أحد‬
‫وهو تصوير‬
‫ّ‬
‫عناوين الكتاب‪ ،‬إذ يشري هناك إىل أن إلصاق أوصاف الرجعية والتشدّ د واألصولية‬
‫أمرا عشوائ ًّيا أو سوء فهم‪ ،‬وإنام كان بغرض إبعاد املسلمني عن الدعوة إىل‬
‫مل يكن خ‬

‫تسلم املكانة التي أعطاها اهلل تعاىل لألمة اإلسالمية‪ ،‬و«أن هذه الدعوات تقابلها‬

‫تصور األمة اإلسالمية ـ بام حتمله من فكر وقيم وترشيع‬
‫النظرة القرآنية التي‬
‫ّ‬
‫وأخالقية وانسجام مع الفطرة ـ دعو َة ٍ‬
‫خري لإلنسانية‪ ،‬بام تشتمل عليه هذه اخلريية من‬
‫مفاهيم تقدّ مية للحياة االجتامعية‪ ،‬يعيش فيها اإلنسان خ‬
‫ونصريا له‪،‬‬
‫أخا لإلنسان‬
‫خ‬
‫ومستمثرا ملقدراهتا بام حيفظ املصالح العا ّمة للجميع‪ّ ،‬‬
‫وحيقق‬
‫وعامرا هلذه األرض‬
‫خ‬
‫خ‬
‫أكرب مساحة من العدالة االجتامعية بينهم‪ ،‬دون فارق طبقي أو اجتامعي أو ديني أو‬

‫عرقي أو مناطقي أو فئوي‪ .‬وهي مجيعها مبادئ وأساسيات للخطاب التقدّ مي‬
‫اإلنساين العا ّم»(‪.)1‬‬
‫خيارا تقدّ م ًّيا أهنا تعتمد صيغ خة هي أقرب إىل‬
‫وما جيعل خيار الوحدة اإلسالمية خ‬

‫ما تدعو إليه اليوم منظومة حقوق اإلنسان‪ .‬ذلك أن أساس الوحدة ـ يف املنظور‬
‫القرآين ـ اإليامن باملبدأ‪ ،‬إذ يصنّف الناس ـ وفق هذه النظرة ـ إىل مؤمنني باملبدأ وغري‬
‫مؤمنني به‪ .‬وهو بخالف التصنيف الطبقي الذي تتبنّاه النظرية املاركسية يف تصنيفها‬
‫العامل والطبقة الرأساملية‪ .‬كام أنه بخالف التقسيم الذي‬
‫املجتمع اإلنساين إىل طبقة ّ‬
‫متحرضة وأخرى ّ‬
‫متأخرة‬
‫تتبنّاه احلضارة الغربية اليوم يف تصنيف املجتمعات إىل‪:‬‬
‫ّ‬
‫(دول العامل الثالث)‪.‬‬

‫(‪ )1‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.13‬‬

‫‪332‬‬

‫إننا حينام نمعن النظر يف األساس الذي تتبنّاه النظرة اإلسالمية القائم عىل‬
‫الوالء وعدم الوالء له‪ ،‬نجده «مرا خعى فيه جانب العدالة وإنصاف اإلنسان لنفسه‬
‫املهم مراعاهتا يف تصنيف املجتمعات‪ ،‬إذ إن التصنيف‬
‫ولآلخرين‪ .‬وهي نقطة من ّ‬
‫واقع ال حمالة‪ ،‬وما دام األمر كذلك‪ ،‬فعلينا أن نتّخذ تصني خفا ذا داللة منصفة وعادلة‬
‫ٌ‬
‫وواقعية‪ .‬ذلك أن مثل هذا النوع من التصنيفات ال بدّ وأن حيتوي عىل قدر من‬
‫الداللة ذات العالقة بالنظرة الشاملة لإلنسان والكون واحلياة واملجتمع‪ ،‬وبمعنى‬
‫آخر‪ :‬ال بدَّ وأن ينسجم والنظرة الشاملة هلذا املبدأ يف فلسفته اخلاصة يف النظرة إىل‬
‫احلياة‪ .‬وعند املوازنة مع األسس غري اإلسالمية‪ ،‬نجد أن األساس اإلسالمي يف‬
‫التقسيم حيمل درجة أعىل من اإلنصاف وحتقيق العدالة للمجتمع اإلنساين‪ ،‬وهو‬
‫األساس الذي يلتقي ومنظومة حقوق اإلنسان التي هي من أبرز شعارات املرحلة‬
‫املعارصة اليوم»(‪.)1‬‬
‫التطور والتقدّ م‪،‬‬
‫ويضاف إىل هذه النقطة أن املسرية اإلنسانية اليوم آخذة يف‬
‫ّ‬
‫التطور ما هر من دعوات التحول االجتامعي إىل ما يعرف‬
‫ومن أبرز مظاهر ذلكم‬
‫ّ‬
‫باجتاه العوملة‪ ،‬وهو ما يعني حتول املجتمع اإلنساين إىل جمتمع متقارب يف صوره‬
‫يعزز النظرة اإلسالمية يف عالقة‬
‫الثقافية واالقتصادية واملعرفية‪ .‬وهو االجتاه الذي ّ‬
‫اإلنسان مع أخيه فيام يتخ ّطى احلواجز اجلغرافية واإلقليمية والثقافية واللغوية‪.‬‬
‫أمر كانت قد دعت إليه املنظومة االشرتاكية فيام ُع مرف حينها ب (وحدة‬
‫وهو ٌ‬

‫التجمع الدويل الذي كان يضم احتادات وفعاليات القوى‬
‫القوى الثورية يف العامل)‪،‬‬
‫ّ‬
‫اليسارية يف العامل‪ .‬وقد سبقت هذه الدعوة الرؤي ُة اإلسالمية يف رسم العالقة‬
‫يتوحد اإلنسان مع نظريه من بني نوعه دون فارق‬
‫اإلنسانية القائمة عىل املبدأ‪ ،‬بحيث ّ‬
‫أمر يركّز عليه الدكتور الفضيل يف أكثر من موضع‪،‬‬
‫مناطقي أو لغوي أو عرقي‪ .‬وهو ٌ‬

‫يقول يف أحدها‪« :‬يرفض اإلسالم متييز الناس أو تصنيفهم إال عىل أساس االنتامء‬

‫(‪ )1‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.112‬‬

‫‪333‬‬

‫تنوع اإلقليم أو اللغة أو التاريخ أو احلضارة‪ ،‬فاإلنسان‬
‫املبدئي والعقائدي‪ ،‬فمهام ّ‬
‫أخو اإلنسان‪ ،‬ال فارق وال مايز بينه وبني أخيه سوى ما يؤمن به من مبدأ ويعتقده‬
‫بمستوى واحد دون أي‬
‫من عقيدة‪ .‬فاجلميع هلم من احلقوق وعليهم من الواجبات‬
‫خ‬
‫فارق أو مت ّيز أو تغاير‪ ،‬ويشكلون الوحدة اإلسالمية الواحدة املتضامنة واملتكافلة‪.‬‬
‫متهد للدولة العاملية التي يندمج فيها مجيع البرش حتت لواء اإلسالم‬
‫وهي الرؤية التي ّ‬
‫ونظامه العام‪.‬‬
‫تبرش هبا احلضارة الغربية‪ ،‬حيث يذهب الغربيون إىل الدعوة‬
‫وهي رؤية بدأت ّ‬
‫ّ‬
‫التحقق‪ ،‬إهنم‬
‫إىل ما هو أبعد من الوحدة االقتصادية التي بدأت بعض مظاهرها يف‬
‫ينادون اليوم بنرش قيم احلضارة الغربية‪ ،‬ويف مقدّ متها قيم حقوق اإلنسان واحلريات‬
‫واملساواة والنظام الديموقراطي يف ممارسة السلطة‪ .‬وهو ما يعرف اليوم باجتاه العوملة‬
‫(‪.)1(»)Globalization‬‬

‫د) الوحدة اإلسالمية وواقعية التطبيق‬
‫استطاعت بعض الفلسفات احلديثة ـ من خالل تسويقها املثايل ـ أن جتذب‬
‫إليها اجلامهري من خمتلف الطبقات واالنتامءات‪ ،‬وذلك من قبيل الفلسفة املادية‬
‫برشت املؤمنني هبا بمجتمع الشيوعية الذي يعيش فيه الفرد أشبه‬
‫االشرتاكية‪ ،‬التي ّ‬
‫بحياة النعيم األخروية‪ ،‬حيث يتقاسم اإلنسان مع أخيه اخلريات التي ستصبح يف‬
‫تلكم املرحلة مشا خعا عا ًّما للجميع‪ ،‬فال حيتاج اإلنسان ـ يف تلكم املرحلة ـ إىل نظام أو‬
‫دولة أو قانون أو أحكام وأعراف‪.‬‬

‫صور ملجتمعاته حيا خة من احلريات الفردية‬
‫احلر ّ‬
‫كام أن بريق حياة العامل الرأساميل ّ‬

‫التي يستطيع فيها اإلنسان أن يامرس كامل حريته دون أي سلطة رقابية حتول دونه‬
‫(‪ )1‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.107‬‬

‫‪334‬‬

‫وبخاصة منها الرغبات املادية‪ ،‬وذلك بنو ٍع من إشعاره بحرية‬
‫وحتقيق رغباته‪،‬‬
‫ّ‬
‫التنافس الذي يصل اإلنسان فيه ّ‬
‫بكل جهده إىل ما أراد من مراتب‪ .‬ولكنها تبقى‬
‫شعارات مثالية ختفي وراءها ما متارسه االقتصاديات الضخمة من وحشية جشعة‬
‫تسيطر فيه عىل معظم احلركة االقتصادية يف تلكم املجتمعات‪ ،‬فيام يعتاش املواطن‬
‫عىل فتات ما جتود به أنفس أصحاب رؤوس هذه األموال‪.‬‬
‫فكانت بشارة هذين النظامني (االشرتاكية والرأساملية) مقارن خة بالبشارة اإلهلية‬
‫للمجتمع املسلم رض خبا من املثالية احلاملة التي ال حت ّقق لإلنسان ما يسعى إليه من‬
‫سعادة وعدالة اجتامعية وحياة إنسانية كريمة‪ .‬يقول دكتورنا الفضيل حول هذه‬
‫املتوحشة‪ ،‬يقدّ م‬
‫الفكرة‪« :‬وبني تلكم الشيوعية املثالية والرأساملية االقتصادية‬
‫ّ‬
‫اإلسالم رؤيته املتم ّثلة يف بناء املجتمع اإلنساين وفق وحدة اندماجية بني أفراده تقوم‬
‫عىل أساس اإليامن والعقيدة املشرتكة تتقدم فيها املبادئ عىل املصالح‪ ،‬وأن ما جيمع‬
‫تؤسس إىل‬
‫اإلنسان مع أخيه اإلنسان لغة القيم واملبادئ املشرتكة‪ ،‬وهي القيم التي ّ‬
‫متحاب متعاون‪ ،‬تكون أبرز مظاهره التكافل االجتامعي من أجل املصلحة‬
‫جمتمع‬
‫ٍّ‬

‫العا ّمة‪ ،‬واالنطالق املبني عىل األسس الواضحة واملعروفة‪ ،‬وله أنظمته وضوابطه‬
‫املحافظة ـ يف تفصيالهتا الرشعية ـ عىل مصلحة اإلنسان وبكل ما حييط به»(‪.)1‬‬

‫‪ ‬ثانيًا‪ :‬من معامل الوحدة اإلسالمية‬
‫أ) الولء للمبدأ أساس الوحدة اإلسالمية‬
‫ويلم شم َلهم تكا ُفلهم‬
‫شتات املسلمني ـ حسب النظرة القرآنية ـ‬
‫جيمع‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫احلق تعاىل‪ .‬وهو ما يرشحه‬
‫االجتامعي الذي يقوم عىل أساس اإليامن والوالء للمبدأ ّ‬
‫الدكتور الفضيل‪ ،‬حيث يتناول قيمة انتامء األمة إىل هذا املبدأ‪ ،‬فيقول‪« :‬الوحدة التي‬
‫(‪ )1‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.15‬‬

‫‪335‬‬

‫يدعو إليها اإلسالم تنبع من العقيدة اإلسالمية‪ ،‬باعتبارها منطلق أي حترك وعمل يف‬
‫املفهوم القرآين والديني بشكل عا ّم‪ .‬ذلك أن اهلل تعاىل حينام أنزل الترشيعات اإلهلية‬

‫لإلنسان‪ ،‬إنام وضعها لتنتظم مع ذلكم النظام الكوين املتقن‪ ،‬ولتكون ضمن سلسلة‬

‫الرتابط الكوين‪ .‬وهو ما يدفع إىل اعتبار الترشيع اإلسالمي نظا خما عا ًّما للحياة‪ ،‬وال‬

‫يصور البعض يف فهمه‬
‫تنحرص األحكام اإلسالمية يف شؤوهنا العبادية البحتة‪ ،‬كام ّ‬
‫وتعريفه للدين‪ .‬بل إن جمموعة احلقوق والواجبات يف اإلسالم إنام تنطلق من‬
‫الفلسفة والنظام اإلهلي ذاته‪ .‬وهلذا عندما يشري تعاىل إىل أن املسلمني أمة واحدة‪،‬‬
‫يربط هذه الوحدة به سبحانه‪ ،‬يقول يف حمكم آياته‪﴿ :‬ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ‬

‫ﭢ ﭣ ﭤ﴾»(‪.)1‬‬
‫مهمة‪ ،‬وهي مسألة اختيار القيادة االجتامعية املؤهلة‪.‬‬
‫كام أنه يشري إىل نقطة ّ‬
‫املعني‪ ،‬يمكن معرفة مدى‬
‫فعندما تدعو أي قيادة‬
‫ّ‬
‫للتوحد حول مرشوعها االجتامعي ّ‬

‫جمرد قيادة مصلحية من خالل جتربتها يف والئها‬
‫إيامن هذه القيادة ملا تدعو إليه أو أهنا ّ‬
‫ثم الوثوق هبا أو عدم الوثوق‪ ،‬حيث يع ّلق عىل ذلك بقوله‪:‬‬
‫للمبدأ الذي حتمله‪ ،‬ومن ّ‬

‫املهمة يف ترسيخه لدى‬
‫«إن تضحية اإلنسان بنفسه من أجل املبدأ له داللته‬
‫ّ‬
‫املجتمعات اإلنسانية‪ ،‬وذلك ألنه حيفظ هذه املجتمعات ضمن نظام حيقق العدالة‬
‫واملساواة للجميع‪ ،‬إذ يم ّثل املبدأ ألي فكر وفلسفة املنارة التي تنري درب السائرين‬
‫تعرض ملا يشوهه أو حيرفه‪ ،‬فإن أثر هذا االنحراف والتشويه سيطال‬
‫عليه‪ ،‬ويف حال ّ‬

‫مجيع الرشائح والطبقات من أتباع املبدأ‪ .‬وال ُيعلم مقدار الفساد الذي من املمكن أن‬

‫حيدث نتيجة االنحراف الذي قد يسببه السلطان اجلائر‪ ،‬وهلذا كانت التضحية‬
‫املهمة يف حياة أئمة أهل البيت‬
‫بالنفس من أجل املحافظة عىل املبدأ هلا هذه احليثية ّ‬

‫‪.)2(»A‬‬

‫(‪ )1‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.62‬‬
‫(‪ )2‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.64‬‬

‫‪336‬‬

‫ب) عودة باإلنسان إىل الوحدة الفطرية الواعية‬
‫نمو‬
‫الرش‪ .‬ومع ّ‬
‫أودع اهلل تعاىل يف اإلنسان نوازع اخلري يف نفسه‪ ،‬كام أودع نوازع ّ‬
‫وتنوع التط ّلعات‬
‫املواهب والقابليات وبروز اإلمكانات املتفاوتة واتّساع آفاق النظر ّ‬
‫وتع ّقد احلاجات‪ ،‬نشأ االختالف‪ ،‬وبدأ التناقض بني القوي والضعيف‪ ،‬وأصبحت‬
‫وجتسد العدل‪ ،‬وتضمن استمرار‬
‫احلياة االجتامعية بحاجة إىل موازين حتدد احلق‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫نمتها‬
‫إطار سليم‪،‬‬
‫وحدة الناس يف‬
‫ّ‬
‫وتصب كل تلك القابليات واإلمكانات التي ّ‬

‫التجربة االجتامعية يف حمور إجيايب يعود عىل اجلميع باخلري والرخاء واالستقرار‪ ،‬بدالخ‬

‫وأساسا للرصاع واالستغالل‪.‬‬
‫مصدرا للتناقض‬
‫عن أن يكون‬
‫خ‬
‫خ‬
‫يف هذه اللحظات برزت احلاجة إىل بعثة األنبياء من أجل توحيد املجتمعات‬
‫حتت راية الدين الواحد الذي يعيد إىل أفراده قيم ومبادئ الفطرة اإلنسانية السليمة‪.‬‬
‫ولك ّن الفطرة التي تتحدّ ث عنها الرساالت اإلهلية ال مت ّثل تلكم احلالة السابقة‬
‫وبخاصة بعد تلكم التجارب‬
‫الساذجة‪ ،‬وإنام هي حالة من الفطرية اإلنسانية الواعية‪،‬‬
‫ّ‬
‫اإلنسانية التاريية الطويلة‪ .‬يقول الدكتور الفضيل حول هذه الفكرة‪« :‬يف هذه احلال‬
‫[بعد هور الرساالت اإلهلية] لن ترجع املجتمعات اإلنسانية إىل الفطر ّية التي تعيش‬
‫فيها حاالخ من السذاجة والبساطة يف فهم األمور‪ ،‬وإنام ترجع إىل قيم الفطرة اإلنسانية‬
‫عىل بصرية ووعي عميق ملوقعية اإلنسان يف هذه احلياة‪ ،‬ذلك أن هذه الديانات‬
‫والرساالت التي تعاقبت عىل جمتمعات عدّ ة وأزمنة متباعدة وصل معها اإلنسان إىل‬
‫مرحلة من النضج ووعي الذات بدرجة أعىل من تلكم احلال األوىل التي كانوا فيها‬
‫للتو قد سلكوا الطريق عىل هذه البسيطة دونام جتربة سابقة كافية»(‪.)1‬‬
‫ّ‬

‫ج) الوحدة اإلسالمية واملوقف من الوحدات املغايرة‬
‫تتنوع إىل‪ :‬قومية‪ ،‬واقتصادية وعسكرية ومبدئية وصور أخرى‬
‫الوحدات ّ‬
‫(‪ )1‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.24‬‬

‫‪337‬‬

‫التنوع ناتج عن األساس الذي تعتمده كل وحدة‪ .‬وبام أن الوحدة‬
‫مغايرة‪ .‬وهذا ّ‬
‫اإلسالمية قائمة عىل األساس املبدئي‪ ،‬فإهنا تعدّ من تلكم الوحدات العاملية التي‬
‫تتعدّ ى احلدود اجلغرافية واللغوية والعرقية وغريها‪ .‬ولك ّن هذا ال يعني مجو خدا يف‬
‫املرشوع اإلسالمي من أجل حتقيق الوحدة املنشودة‪ .‬ففي حال كان هناك مرشوع من‬
‫أجل بناء الوحدة القومية‪ ،‬كام هي احلال مع مرشوع الوحدة العربية الذي هر يف‬
‫أواسط القرن العرشين مع بزوغ احلركة القومية النارصية‪ ،‬فإنه ال تعارض ـ يف‬
‫الواقع العميل ـ مع كال املرشوعني‪ ،‬وذلك يف حال مل تتعارض دعوات تلكم الوحدة‬
‫مع املرشوع اإلسالمي‪.‬‬
‫كام أنه لو متّت الدعوة إىل إجياد صيغة من أجل بناء احتاد إسالمي اقتصادي أو‬

‫عسكري أو ثقايف‪ ،‬فإن هذه املشاريع ـ مجي خعا ـ ختدم املرشوع العا ّم يف بناء الوحدة‬

‫اإلسالمية الشاملة‪ .‬وهي نقطة أشار إليها الدكتور الفضيل يف أكثر من موقع يف طوايا‬
‫الكتاب‪ ،‬ويرى أن هذه خطوات يف الطريق الصحيح‪.‬‬

‫وَتمل املسؤولية جتاه الذات واآلخر‬
‫د) األمة اإلسالمية ّ‬
‫بعث اهلل أنبياءه ليكونوا الواسطة بينه وبني عباده يف تبليغ الرسالة‪ .‬وكان قوام‬
‫تلكم الرساالت اإلهلية أن يقوم الناس فيام بينهم بالعدل‪ .‬يقول تعاىل‪" !﴿ :‬‬
‫‪ .)1(﴾+*( ) ' & % $ #‬واألمة‬
‫مدعوة إىل حتقيق هذا املبدأ يف‬
‫اإلسالمية ـ النتامئها إىل تلكم الرساالت اإلهلية ـ‬
‫ّ‬
‫تكوينها االجتامعي‪ .‬بل يطالبها تعاىل بأن تتح ّقق هذه الناحية جتاه نفسها قبل‬
‫اآلخرين‪ ،‬وذلك كام يف قوله تعاىل‪) ' & % $ # "﴿ :‬‬
‫( * ‪ +‬ﭜ ‪ / . -‬ﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ‪:‬‬
‫(‪ )1‬سورة احلديد‪ ،‬اآلية‪.25 :‬‬

‫‪331‬‬

‫ﭫ >=<ﭯ @ ‪ .)1(﴾I H G F E D C B A‬وهي‬
‫تستحق ما‬
‫مسؤولية مجاعية حيملها اهلل تعاىل لألمة‪ ،‬فام مل تصل إىل هذه املرحلة‪ ،‬ال‬
‫ّ‬
‫شارحا هذه‬
‫أعطاه اهلل إياها من مكانة الشهادة عىل بقية األمم‪ .‬يقول الشيخ الفضيل‬
‫خ‬
‫النقطة‪« :‬جعل اهلل األمة اإلسالمية (أم خة وس خطا)‪ ،‬وما نفيده من معنى الوسط هنا هو‬
‫كون األمة تتعامل مع األمور بوسطية‪ ،‬بمعنى أهنا أ ّمة عادلة يف حكمها عىل األمور‪.‬‬

‫حيمل األمة مسؤولية كبرية جتاه ذاهتا قبل أن تكون مسؤولة جتاه‬
‫وهو املعنى الذي ّ‬
‫اآلخرين‪ .‬فكام َيش َ مرت ُط الرشع اإلسالمي يف الشاهد يف املسألة القضائية أن يكون‬

‫عادالخ‪ ،‬بمعنى أن يكون ملتز خما بالضوابط الرشعية‪ ،‬فإن األمة لكي تكون شاهدة عىل‬
‫ّ‬
‫والتحيل بالضوابط واخلصائص‬
‫بقية األمم‪ ،‬عليها أن تكون ملتزمة بمعيار العدالة‬

‫التي تؤهلها ألن تكون يف موضع الشهادة عىل األمم األخرى‪ ،‬وهي مطالبة هنا بأن‬
‫تكون منصفة جتاه ذاهتا قبل أن تكون منصفة جتاه اآلخرين‪ ،‬وإال لن تكون خ‬
‫أمة‬
‫وس خطا‪ ،‬ولن تكون مستح ّقة ملنزلة الشهادة»(‪.)2‬‬
‫ويف موضع آخر‪ ،‬يشري حمارضنا إىل أن األمة اإلسالمية ـ يف ترشيعاهتا ونظامها‬
‫اإلهلي ـ «أمة ذات رسالة وو يفة تؤدهيا يف هذه احلياة‪ ،‬وحيمل أفرا ُدها مسؤولية‬
‫القيام بأداء هذا الدور املنوط هبا‪ .‬وهذه الرسالة والو يفة تكمن يف هداية البرشية‬
‫ودعوهتا إىل اإليامن باهلل تعاىل‪ .‬يقول تعاىل‪ / .﴿ :‬ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ‬
‫ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩﭪ﴾(‪ .)3‬هذه اخلريية التي وصف هبا‬
‫تكريام وترشي خفا هلم ـ من املفرتض أن تدفعهم إىل العمل‬
‫اهلل تعاىل عباده املسلمني ـ‬
‫خ‬
‫رش من شأنه أن يفسد املجتمعات‬
‫نحو كل خري لإلنسان‪ ،‬وكذلك النهي عن كل ّ‬

‫واألفراد»(‪.)4‬‬

‫(‪ )1‬سورة النساء‪ ،‬اآلية‪.135 :‬‬
‫(‪ )2‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.116‬‬
‫(‪ )3‬سورة آل عمران‪ ،‬اآلية‪.110 :‬‬
‫(‪ )4‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.114‬‬

‫‪339‬‬

‫‪ ‬ثالثًا‪ :‬على طريق الوحدة‪ :‬املعوّقات واحللول‬
‫أ) املفهوم اخلطأ ملعنى التد ُّين‬
‫التنوع الديني واملذهبي حالة طبيعية يف أي جمتمع‪ .‬وال ينبغي أن يكون عقب خة‬
‫ّ‬
‫أمام التعاون والتواصل بني أبناء املجتمع الواحد‪ .‬وليعذر ٌّ‬
‫كل منهم اآلخر فيام ّاختذ‬
‫بعضا‬
‫من سبيل ومنهج‪ .‬وال يوجد يف اإلسالم ما يدعو املسلمني أن يقاطع بعضهم خ‬
‫باسم املذهب أو الطريقة يف تناول املسائل الدينية‪ ،‬بل إن ذلك يالف مبدأ الوحدة‬
‫الترصفات والسلوكيات العا ّمة بني‬
‫حاكام عىل مجيع‬
‫اإلسالمية الذي جيب أن يكون‬
‫خ‬
‫ّ‬

‫املسلمني‪ .‬يقول الدكتور الفضيل يف تعليقه عىل ذلك‪« :‬هذا النوع من التفرقة‬
‫االجتامعية ـ يف حال كان بمسميات دينية ـ إنام بسبب الفهم اخلطأ للدين والثقافة‬

‫املحدودة عنه‪ .‬مع أننا نعيش اليوم صحوة دينية متزايدة‪ ،‬وكثري من جمتمعاتنا هي‬
‫جمتمعات حمافظة ومتد ّينة يف األساس‪ ،‬وهو أمر إجيايب ومرغوب‪ .‬ولك ّن هذه‬
‫املجتمعات ال تزال حتتاج إىل فهم أعمق للدين والتدين‪ ،‬ذلك أن ما نشهده اليوم من‬
‫أمر ال يتوافق وروح القرآن الذي تأمرنا آياته‬
‫متزق بني أتباع‬
‫حالة ّ‬
‫ّ‬
‫التوجهات الدينية ٌ‬
‫الب ّينات بأن نكون أم خة وجمتم خعا واحدخ ا‪ ،‬وأن نعتصم مجي خعا بحبل اهلل تعاىل‪ ،‬وأن تكون‬
‫كلمتنا وروحنا واحدة»(‪.)1‬‬
‫وانطال خقا من هذه الفكرة يشري حمارضنا الفضيل إىل أمهية الدور العلامئي يف‬
‫معاجلة هذه املسألة ونزع أسباب الفرقة والفتن االجتامعية الناشئة عن هذا الفهم‬
‫املغلوط عن الدين‪ ،‬إذ يظهر‪« :‬يف هذه النقطة الدور املتم ّيز لطلبة العلوم الدينية‬
‫خاصة‪ ،‬وذلك ألمهية توعية وتثقيف املجتمع بدور الدين يف مجع الكلمة وحتقيق‬
‫ّ‬
‫الوحدة واالندماج العا ّم حتت رايته‪ .‬فام دامت جمتمعاتنا حتتفظ بصبغتها املتد ّينة‪ ،‬فإن‬

‫لعامل الدين كلمته املسموعة واملحرتمة بني أفرادها‪ ،‬باإلضافة إىل أن القيام هبذه‬

‫(‪ )1‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.120‬‬

‫‪340‬‬

‫الو يفة هو من صلب اهتاممات واختصاصات عامل الدين دون سواه»(‪.)1‬‬
‫يتخرج فيها علامء‬
‫حيمل املعاهد وكليات الرشيعة واحلوزات الدينية التي ّ‬
‫كام أنه ّ‬

‫مقررات‬
‫مهم يف هذا االجتاه‪ ،‬فيدعو إىل تكثيف حضور ّ‬
‫الدين أن تقوم بدور تربوي ّ‬

‫املهم اإلشارة إىل أمهية‬
‫هتتم بام يعرف اليوم بالدراسات املقارنة‪ ،‬فيقول‪« :‬من ّ‬
‫ومناهج ّ‬

‫مجع الرتاث اإلسالمي فيام يعرف اليوم بالدراسات املقارنة‪ ،‬وأن يكون هذا النوع من‬

‫مهام من املقررات الدراسية يف كليات الرشيعة يف اجلامعات‬
‫الدراسات جز خءا ًّ‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وذلك لتحقيق أمرين من شأهنام أن يذيبا الكثري من مواطن اخلالف‬
‫واالختالف بني االجتاهات الفكرية اإلسالمية‪ .‬ذلك أن الدراسات م‬
‫املقارنة من شأهنا‬
‫أن تغني البحث العلمي من خالل مجع اآلراء الفقهية حول املسألة الواحدة يف مكان‬
‫حمدّ د‪ ،‬كام أن ذلك يساهم بدرجة كبرية يف إزالة الكثري من الغبش والغموض املتبادل‬
‫بني أصحاب هذه التيارات واالجتاهات الفكرية وجتلية الصورة لدى كل طرف من‬
‫مقبل اآلخر‪ ،‬وهي مسألة من شأهنا الح خقا أن تسهم يف التقريب الذهني والنفيس بني‬
‫أيضا»(‪.)2‬‬
‫ثم بني األتباع خ‬
‫القيادات ومن ّ‬
‫وتوكيدخ ا عىل براءة الدين مما حيدث من رصاعات داخلية‪ ،‬يؤكّد الشيخ عىل أن‬
‫معظمها ذات هويات مصلحية وشخصية أو فئوية‪ .‬فيقول‪« :‬إن ما نراه اليوم من‬
‫اختالف وترشذم ال ينبع ـ عاد خة ـ من االختالفات يف الفروع الفقهية‪ ،‬وإنام هو نابع‬
‫من النزعات الذاتية واملصالح الفئوية الض ّيقة التي ال تضع أمام أعينها ما يمكن أن‬
‫قوة اقتدار‬
‫حتققه الوحدة بني أبناء األمة من مصالح أكرب للجميع‪ ،‬وما جتلبه من ّ‬
‫حضاري‬
‫ملجتمعاتنا من شأهنا أن تنهض بواقعنا مما نحن فيه من خت ّلف وتأخ ٍر‬
‫ٍّ‬
‫وعلمي»(‪.)3‬‬
‫وثقايف‬
‫ومدين‬
‫وفكري‬
‫ٍّ‬
‫ٍّ‬
‫ٍّ‬
‫ٍّ‬
‫(‪ )1‬املصدر السابق نفسه‪.‬‬
‫(‪ )2‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.46‬‬
‫(‪ )3‬املصدر السابق نفسه‪.‬‬

‫‪341‬‬

‫ب) الوحدة واملسؤولية املتبادلة بني النخبة واجلمهور‬
‫يتحمل املسلم ـ بغض النظر عن موقعيته االجتامعية ـ املسؤولية جتاه حتقق‬
‫ّ‬

‫القيم اإلسالمية يف الواقع االجتامعي‪ .‬ولك ّن هذا ال يعني احتاد طبيعة الدور‬
‫يتحمل عامل الدين مسؤولية إرشاد اجلمهور إىل‬
‫واملامرسة لدى كل طبقة‪ .‬فغال خبا ما‬
‫ّ‬

‫قيم وتعاليم الدين‪ ،‬حيث تأيت الوحدة من تلكم املفردات القيمية التي يامرس العلامء‬
‫دورهم يف حتقيقها‪ ،‬وحياسبون يف تقصريهم جتاهها‪ .‬وهو ما أشري إليه يف النقطة‬

‫أيضا‪ ،‬إذ عىل‬
‫السابقة‪ .‬وبجانب القيادات الدينية‪،‬‬
‫يتحمل اجلمهور دوره جتاه الوحدة خ‬
‫ّ‬
‫اجلمهور أن يتار القيادة التي يأخذون عنها تعاليم الدين بحيث ال جيدون يف خطاهبا‬

‫تعارضا وقيم الدين العليا‪ ،‬وهو ما يصل إليه اجلمهور من خالل رفع حالة الفهم‬
‫خ‬
‫الواعي للدين‪ .‬وذلك من خالل عرض إرشادات عامل الدين عىل القرآن‪ ،‬فام خالف‬
‫القرآن‪ ،‬فليرضب به عرض احلائط‪ ،‬كام يشري احلديث الرشيف‪.‬‬
‫وحول هذه الفكرة يشري الدكتور الفضيل بقوله‪« :‬ما نراهن عليه يف هذه املرحلة‬
‫متر هبا األمة اإلسالمية هو ارتفاع نسبة الوعي لدى الرشحية‬
‫الصعبة واحلرجة التي ّ‬

‫األوسع من اجلامهري‪ ،‬بحيث تبقى البوصلة يف اجتاه توحيد اجلهود ونبذ اخلالفات‬
‫وتراص الصفوف واالشرتاك يف اآلمال واآلالم للعبور إىل مستقبل أكثر إرشا خقا‬
‫ّ‬
‫يصب يف مصلحة املجموع البرشي العام»(‪.)1‬‬
‫وحتقيق املزيد من الطموحات فيام‬
‫ّ‬
‫ويف موضع آخر يقول‪« :‬عىل اجلامهري أن تعي دورها الذي ُيراهن عليه يف عدم‬
‫شيوع توجهات الفرقة والفتنة‪ .‬وعىل املجتمع ـ أفرا خدا وجمموعات ـ أن يكون يق خظا يف‬
‫حتديد الشخصية الدينية التي يأخذ عنها تعاليم ومبادئ وقيم الدين‪ .‬ويف هذا املجال‪،‬‬
‫يتحرك وفق ما يمليه عليه عقله أكثر من االنتامءات املناطقية والعائلية‬
‫عىل اجلميع أن ّ‬

‫(‪ )1‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.91‬‬

‫‪342‬‬

‫والفئوية الض ّيقة بام يستتبع هذه الوالءات من العاطفة اجلياشة»(‪.)1‬‬
‫حيمل الشيخ الفضيل النخب العلامئية واجلمهور جز خءا من املسؤولية جتاه‬
‫وكام ّ‬

‫أيضا ـ املؤسسات الرسمية يف الدول اإلسالمية املسؤولية‬
‫حيمل ـ خ‬
‫مسألة الوحدة‪ّ ،‬‬

‫األكرب؛ وذلك «ألن عاملنا املعارص اليوم تعدّ الدولة بمؤسساهتا املتعدّ دة‪ ،‬التعليمية‬
‫واإلعالمية واحلكومية‪ ،‬املؤ ّثر الفعيل ألي توجه اجتامعي يراد له أن يتح ّقق عىل‬
‫املهمة منوط خة إىل حدٍّ كبري باملؤسسات الرسمية يف كل‬
‫أرض الواقع‪ .‬لذلك تبقى هذه ّ‬
‫يدعم بقرارات‬
‫دولة‪ .‬إذ مهام بلغت املناشدات األهلية من قوة‪ ،‬فإن ذلك ما مل ّ‬
‫دائام‪ ،‬ويبقى من‬
‫مؤسساتية متلكها الدولة‪ ،‬يبقى األثر متواض خعا ودون املأمول خ‬
‫الصعب أن تغدو هذه‬
‫التوجهات واق خعا عمل ًّيا»(‪.)2‬‬
‫ّ‬
‫ويف موضع آخر يشري إىل أن «املجتمعات اإلسالمية اليوم ال تعيش ذلكم‬
‫االنقسام احلا ّد الذي يمنع من توحيدها‪ ،‬فالشعور باالنتامء العا ّم لإلسالم موجود‬
‫يعزز هذا الشعور الشعبي العا ّم ويساهم يف تطويره هو ما ُيرجى من‬
‫ومتح ّقق‪ .‬وما ّ‬
‫وتوجهات رسمية تقوم هبا احلكومات اإلسالمية‪ .‬وإال فإن الوعي بأمهية‬
‫قرارات‬
‫ّ‬
‫الوحدة واالندماج الروحي موجود عىل املستوى الشعبي العام»(‪.)3‬‬

‫ج) مرشوع الوحدة والعامل اخلارجي‬
‫مهام‪ ،‬وذلك يف احلديث‬
‫دورا حضار ًّيا ًّ‬
‫اختارت العناية اإلهلية لألمة اإلسالمية خ‬

‫القرآين عن األمة اإلسالمية بأهنا خري األمم‪ .‬وذلك ملا متلكه هذه األمة من نظام‬
‫يؤهلها ـ حضار ًّيا ـ لتس ّلم القيادة عىل بقية األمم‪ .‬ولكن هذه املوقعية هي يف حال‬
‫تنافس ورصاع بني احلضارات اإلنسانية ـ كام يشري إىل ذلك الدكتور الفضيل‪ ،‬بحيث‬
‫(‪ )1‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.99‬‬
‫(‪ )2‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.94‬‬
‫(‪ )3‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.96‬‬

‫‪343‬‬

‫تسعى كل حضارة أن تزيح غريها من الوصول إىل هذه املوقعية‪ .‬إن «األمة‬
‫دور‬
‫اإلسالمية خري أمة ُك اونت وهيئت لتامرس دور القيادة عىل املستوى العاملي‪ ،‬وهو ٌ‬

‫كانت اآليات القرآنية ترشد املسلمني إىل التمسك به وعدم متكني اآلخرين منه‪ ،‬وهو‬
‫ما نفهمه من قوله تعاىل‪Ü Û Ú Ù Ø × Ö Õ Ô Ó﴿ :‬‬

‫‪ .﴾à ß Þ Ý‬ذلك أن املسلمني يف حال خت ّلوا عن و يفتهم التاريية‬
‫واحلضارية‪ ،‬ستتس ّلم هذا الدور أمم أخرى ال تدين باإلسالم‪ ،‬وتكون تلكم‬
‫احلضارات واألمم هي املسيطرة بدالخ من األ ّمة اإلسالمية‪ ،‬كام هو مفهوم اآلية‪.‬‬
‫وما يوصل إىل هذه النتيجة هو يف حال أطاع املسلم الكافر وخضع له‪ ،‬ويكون‬
‫يترسب إليه من ّ‬
‫شك يف قدرة اإلسالم عىل تنظيم احلياة وعىل قيادة الناس‪.‬‬
‫ذلك بام ّ‬

‫وهو ما عملت الدوائر االستعامرية الغربية والرشقية عىل ترسيخه بني املسلمني‪،‬‬
‫وكرست وسائلها اإلعالمية والرتبوية والثقافية من أجل الوصول إليه‪ ،‬رغب خة منها يف‬
‫ّ‬
‫كبت أي طموح تنشده املجتمعات اإلسالمية من أجل تس ّلم هذه القيادة من جديد‪.‬‬
‫كام سامهت حكومات دول العامل اإلسالمي سل خبا يف ترسيخه لدى شعوهبا»(‪.)1‬‬
‫وسع خيا من تلكم القوى من أجل الوصول إىل حتقيق أهدافها‪ ،‬تقوم بتسخري‬
‫أدواهتا من أجل احليلولة دون حدوث أي نوع من أنواع الوحدة أو التقارب بني‬
‫املسلمني‪ ،‬وهو ما قامت به جتاه الوحدة العربية‪ ،‬من خالل «العمل عىل تغيري مسار‬
‫اجلمهورية املرصية [التي كانت تتبنى شعارات الوحدة العربية]‪ ،‬وذلك هبدف‬
‫التخفيف من آثار أصوات الوحدة الصاعدة‪ .‬وقد مت ّثل ذلك يف توجهات خلفه (أي‬
‫الرئيس مجال عبد النارص) الرئيس أنور السادات‪ .‬وقد حتقق هلا ما أرادت‪.‬‬
‫ولك ّن هذه القوى تفاجأت ـ بعد كبت مجاح احلركة القومية ـ بصعود التيار‬
‫وبخاصة مع انتصار الثورة اإلسالمية يف إيران‪ ،‬إذ أشعلت هذه الثورة‬
‫اإلسالمي‪،‬‬
‫ّ‬
‫(‪ )1‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.77‬‬

‫‪344‬‬

‫وبخاصة أن من شعاراهتا الوحدة‬
‫احلركة اإلسالمية يف الشارعني العريب واإلسالمي‪،‬‬
‫ّ‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وهو ما يعني حتدا خيا أكرب مما كانت مت ّثله الوحدة العربية‪ .‬ما دفع هبذه‬
‫القوى إىل حتجيم دور اجلمهورية اإليرانية وثورهتا اإلسالمية‪ ،‬من خالل إثارة‬
‫العصبيات القومية بني الفارسية والعربية تارة‪ .‬ومن إثارة العصبيات املذهبية بني‬
‫السنة والشيعة تار خة أخرى»(‪.)1‬‬

‫د) املرحلية يف مرشوع الوحدة اإلسالمية‬
‫تنوع الثقافات بني الغربية والرشقية‪ ،‬ومنها‬
‫بسبب عوامل كثرية‪ ،‬منها ّ‬
‫السياسات الدولية يف اجتاه منع أي شكل من أشكال الوحدة بني الشعوب‬
‫اإلسالمية‪ ،‬ويضاف إليها تراكامت تاريية إسالمية‪ ،‬هلذه العوامل وغريها أصبح‬
‫مفهوم الوحدة من املفاهيم التي حتتاج هذه املجتمعات إىل بعثه فيها من جديد‪.‬‬
‫ولذلك يشري الدكتور الفضيل إىل أمهية الدور الذي تقوم به مؤمترات الوحدة‬
‫والتقريب‪ ،‬ذلك أنه من «شأن هذه املؤمترات أن جتمع شمل قيادات العامل اإلسالمي‬
‫املختلفة فكر ًّيا ومذهب ًّيا وعقائد ًّيا‪ ،‬وهو ما يساهم يف تذويب اجلمود وجتسري العالقة‬
‫بني هذه األطياف املتباعدة‪ .‬كام أن هذه املؤمترات عاد خة ما خترج بتصورات معينة‬
‫يقدّ مها املشاركون فيها‪ ،‬وهذه املشاركات غال خبا ما تنرش ويتم تداوهلا من قبل عامة‬
‫الناس‪ ،‬وهو أمر يساعد بصورة جيدة يف شيوع الفكرة أوالخ‪ ،‬وتقبلها الح خقا»(‪.)2‬‬
‫كام أنه ـ ويف سياق هذه الفكرة ـ يشري إىل أن حتقيق الوحدة الشاملة أمر بعيد‬
‫املنال‪ ،‬ولكن هذا ال جيب أن يثني العزائم يف مسار الوحدة والتضامن‪ ،‬فـ «لتحقيق‬
‫رسالة وو يفة اإلسالم التي أنزل اهلل هبا نبينا الكريم حممدخ ا ‪ K‬رمح خة للعاملني علينا‬
‫دائام دعاة وحدة وتضامن بني أفراد هذه الشعوب اإلسالمية‪ ،‬وصوالخ إىل‬
‫أن نكون خ‬
‫(‪ )1‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.67‬‬
‫(‪ )2‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.91‬‬

‫‪345‬‬

‫الدولة العاملية الواحدة التي ال حتدّ شعوهبا فواصل أو حدود أو حواجز‪ .‬ولكن ما‬
‫تشري إليه الروايات ـ وكذلك الواقع احليايت والتاريي ـ أن حت ّقق هذا النوع من‬
‫الدولة اإلسالمية العاملية مرهون بظهور اإلمام املهدي ‪ ،C‬وأنه من الصعب حتقق‬
‫ذلك دون وجود القيادة املعصومة املتم ّثلة فيه ‪ .C‬ولكن هذا ال جيب أن يسقط‬
‫يتوجب عىل دول العامل اإلسالمي اليوم أن تقوم بام‬
‫واجبنا جتاه شعوبنا وجمتمعاتنا‪ ،‬إذ ّ‬
‫حيقق بينهم الوحدة واالندماج والتواصل الفعيل واالشرتاك يف اآلمال واآلالم‬
‫واألهداف واألعامل املشرتكة»(‪.)1‬‬
‫متنوعة ويف جماالت‬
‫ولذلك يقرتح يف موضع آخر أن تكون هناك وحدات ّ‬
‫متعدّ دة بني دول وشعوب العامل اإلسالمي‪ ،‬إذ يقول حول هذه الفكرة‪« :‬ال بدّ من أن‬
‫تكون هناك خطوات نحو وحدات نوعية‪ ،‬من قبيل الوحدات االقتصادية أو الثقافية‬
‫يمهد إىل حت ّقق وحدة متكاملة‪ ،‬وكذلك إىل‬
‫أو العسكرية‪ ،‬ذلك أن وجود هذا النوع ّ‬
‫وحدات أوسع‪ ،‬كام أنه يساهم يف تطوير مستوى كل دولة يف تلكم النواحي التي‬
‫يتحدون فيها»(‪.)2‬‬

‫ﻫ) دور املشاريع الجتامعية يف توحيد اجلهود‬
‫الوحدة اإلسالمية ال جيب أن ّ‬
‫جمرد شعارات ير ّددها املسلمون بني الفينة‬
‫تظل ّ‬

‫واألخرى‪ ،‬وجيب أن تكون هناك خطوات عملية حتقق هذا املفهوم‪ ،‬وهو ما ترددت‬

‫حوله كلامت الشيخ الفضيل‪ ،‬إذ أشار هناك إىل رضورة احتاد أفراد املجتمع يف مشاريع‬
‫مظهرا هلذه الوحدة‪ ،‬وكذلك ليكون هلا دورها يف إهناض املجتمع‬
‫من شأهنا أن تكون‬
‫خ‬

‫مصاف املجتمعات املتقدّ مة‪ .‬يقول حول هذه الفكرة‪« :‬إن جمتمعاتنا‬
‫والرقي به إىل‬
‫ّ‬
‫اليوم بحاجة إىل مزيد من مظاهر الوحدة والتآلف‪ ،‬وذلك ملا تعانيه من مظاهر ّ‬
‫التأخر‬
‫(‪ )1‬املصدر السابق‪.119 ،‬‬
‫(‪ )2‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.96‬‬

‫‪346‬‬

‫احلضاري والعلمي والثقايف‪ .‬ولتحقيق هذا النوع من النهوض‪ ،‬هي بحاجة إىل‬
‫وبخاصة تلكم املرشوعات التكافلية اخلدمية التي ال‬
‫وجود مؤسسات ُتعنى بالتنمية‪،‬‬
‫ّ‬
‫توحدت اجلهود والنفوس‪ .‬إذ إن أبرز جمال‬
‫يمكن حتقيقها بصورة فاعلة إال يف حال ّ‬
‫إل هار الوحدة بني أطياف املجتمع هو برامج التكافل االجتامعي التي تنعكس عىل‬
‫تنمية جمتمعاتنا وتطوير خدماته وحتسني مستويات أفراده»(‪.)1‬‬
‫كام أنه ـ يف سياق تناوله للدور الذي تقوم به مراكز الدراسات الغربية من دور‬
‫يف تعريف اإلسالم لتلكم املجتمعات بصورة مغايرة عن النمطية السلبية السابقة ـ‬
‫يؤكّد أمهية الدور الذي من املفرتض أن تقوم به املؤسسات الرسمية يف دول العامل‬
‫اإلسالمي يف تعريف اآلخرين باإلسالم وبقيمه العالية‪ ،‬ويشدّ د عىل أمهية تضافر‬
‫اجلهود يف سبيل القيام هبذه املهمة خري قيام‪« .‬فذلك من شأنه أن يفف شي خئا من‬
‫الضغوط عىل جمتمعاتنا‪ ،‬وحيول دون حتقق بعض مشاريع اهليمنة عىل مقدرات‬
‫وخريات املنطقة‪ ،‬وكذلك من شأنه أن يساهم يف حتقيق ذلك التقارب املنشود‪،‬‬
‫وبخاصة إذا تكاتفت وتكاملت اجلهود‪ ،‬بحيث تتشارك أكثر من دولة يف هذا النوع‬
‫ّ‬
‫من التعريف بالدين واحلضارة اإلسالمية»(‪.)2‬‬

‫(‪ )1‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.121‬‬
‫(‪ )2‬املصدر السابق‪ ،‬ص ‪.91‬‬

‫‪347‬‬

‫الفضلي منهج ورسالة يف االعتدال‪ ..‬التبليغ منوذجًا‬

‫األستاذة الفاضلة أم عباس النمر‬
‫قال تعاىل‪﴿ :‬ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ‬
‫ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ﴾‪.‬‬
‫لقد جاءت هذه اآلية‪ ،‬بعد ذكر قس ٍم مهم ٍمن العقائد والربامج العمل ّية‬
‫واألخالق ّية يف اإلسالم‪ ،‬وقد تضمنّت وصايا وتوجيهات تضمن االستقامة‬
‫املسلمني بأن‬
‫والسالمة والسعادة للمسلمني إن تقيدوا هبا‪ ،‬لقد جاءت اآلية لمتويص‬
‫َ‬
‫السبل االُخرى التي تورثهم ال ُفرقة‬
‫يامرسوا العقيدة يف خط االستقامة‪ ،‬بعيدخ ا عن ّ‬
‫واإلنحراف عن ّ‬
‫تؤصل لقاعدة مفادها‪ :‬ارتباط الدين‬
‫خط اإليامن باهلل تعاىل‪ ،‬وهي ّ‬
‫برؤية اإلنسان الكونية‪ ،‬وارتباط أحكامه وأخالقه ومعارفه بالواقع العيني‪ ،‬وهذه‬
‫االستقامة ذات شقني‪:‬‬
‫ األول‪ :‬منهج نظري وعلمي وفكري ومعريف‪.‬‬‫ الثاين‪ :‬يتولد عن األول وهو منهج عميل وسلوكي‪.‬‬‫َ‬
‫وأعمل عقله بشكل صحيح وسليم بحراسة‬
‫فكلام استقام اإلنسان يف فكره‬
‫الوحي اشتد دينه وقويت معتقدا ُته‪ ،‬وكلام سقط يف أوحال الوهم واخليال والظنون‬

‫‪341‬‬

‫وخضع للعادات والتقاليد والشهوات والذاتية وبروق املطامع وابتعد عن الوحي‬
‫هلك وتفرقت به السبل وجانب الواقع‪ ،‬وقد جاء عن األمري‪« :‬أكثر مصارع العقول‬
‫حتت بروق املطامع‪ ،‬وكم عقل أسري حتت هوى أمري»‪ ،‬ال فرق يف ذلك بني األهواء‬
‫م‬
‫م‬
‫م‬
‫الفلسفة صريور ُة‬
‫الفئوية أو حتى األهواء الفكرية‪ ،‬وإذا قال احلكامء أن غاي َة‬
‫املادية أو‬
‫م‬
‫م‬
‫احلق ركني ٌة‬
‫والعقل‬
‫اإلنسان عا َخملا عقل ًّيا مضاه خيا للعامل العيني‪ ،‬فألن للفكر‬
‫واملنطق ا‬

‫أساسي ٌة يف كامل اإلنسان‪ ،‬وما قوله جل وعال «ال إكراه يف الدين» بعد احلديث عن‬
‫م‬
‫التوحيد وآثاره والرشك وآثاره‪ ،‬إالّ‬
‫خ‬
‫حكاية عن هذا االنسجام الكامل بني الدين‬
‫م‬
‫م‬
‫والفطرة ومقتىض التعقل‪ ،‬ومن صفى لب ُه وعقل ُه صفى دينُه‪ ،‬ومن اعتدل‬
‫الواقعية‬
‫و‬
‫وفهمه فقد ّاحتدَ مع السبيل األقوم‪.‬‬
‫فكر ُه‬
‫ُ‬
‫بعد هذه املقدمة سنتناول خاصية االعتدال النظري والعميل عند الشيخ‬
‫الفضيل‪:‬‬

‫‪ .1 ‬االعتدال النظري‬
‫حتت عناوين التحديث واألصالة أو األصالة واخللود‪ ،‬هر خ ّطان عند أهل‬
‫الفكر والرأي‪:‬‬
‫ونزعة م‬
‫م‬
‫النقد للموروث التي خترج من حد االعتدال‪.‬‬
‫ األول‪ :‬التفريط يف التجديد‬‫ٌ‬
‫وثوابت مقدسة غري‬
‫أصول‬
‫مالفكري عىل أن ُه‬
‫ الثاين‪ :‬اجلمو ُد والتش ّب ُث باملوروث‬‫ُ‬
‫ّ‬
‫ٍ‬
‫حكام وال موضو خعا‪.‬‬
‫قابلة للتغري خ‬
‫وكعادة اجلدليات الفكرية التي غال خبا ما ختضع لردود ٍ‬
‫فعل مضطربة يكون‬
‫بروزا وقر خبا من احلق‪.‬‬
‫صوت االعتدال هو األكثر خ‬
‫موذج جيمع بني‬
‫ويف حمرض الراحل الشيخ املجدد عبد اهلادي الفضيل يطالعانا ن‬
‫ٌ‬
‫األصالة والتحديث‪ ،‬ومنهج معتدل يتميز بخصائص‪:‬‬
‫‪349‬‬

‫ اخلاصية األوىل‪ :‬االبتعاد عن إفراط أو تفريط‪.‬‬‫‪ -‬اخلاصية الثانية‪ :‬القدرة عىل التفريع اجلامع املانع‪.‬‬

‫مع اخلاصية األوىل‪:‬‬
‫نستطيع الوقوف عىل حمطات هامة حول منهجية الراحل يف حتديث الثوابت‬
‫بدون إفراط أو تفريط‪ ،‬ففي دراسة ُنرشت يف جملة املنهاج ‪ -‬العدد ‪ - 22‬السنة‬
‫السادسة – صيف ‪1422‬ه‪2001 /‬م‪ ،‬حتت عنوان‪( :‬التبليغ اإلسالمي) ينقل‬
‫الدكتور الفضيل ‪ ‬بعض النامذج العرصية التي تصلح شاهدخ ا ح ًّيا العتدال الرأي يف‬
‫انتخاب النموذج الصالح‪.‬‬

‫ففي حديثه عن الشيخ املشكيني حتت عنوان‪( :‬آية اهلل مشكيني وتقنني التبليغ)‬
‫يعترب الشيخ الفضيل الشيخ املشكيني رائدخ ا موف خقا يف إدخال و يفة التبليغ ضمن‬
‫م‬
‫موقعية احلاكم‬
‫و يفة الدولة‪ ،‬وتعد هذه نظر خة جتديدي خة‪ ،‬ولكنها تنسجم متا خما وأصل‬
‫الرشعي كوارث لدور النبي يف تبليغ األحكام‪ ،‬وهو القدر املتيقن الذي ال يتلف‬
‫فيه أحد‪.‬‬
‫جيل كيف أكد الشيخ‬
‫ومن خالل تسليط الضوء عىل هذا املثال يتضح بشكل ّ‬

‫الفضيل عىل أدوات عملية يف اإلسالم كالتبليغ باعتبارها و يفة أصيلة يف الفكر‬
‫اإلسالمي وبجعلها ضمن مؤسسات الدولة مستندخ ا عىل نظام العمل املؤسيس‬
‫والفكر السيايس احلديث يف الدولة‪.‬‬

‫مع اخلاصية الثانية‪:‬‬
‫إن القدرة عىل التفريع عن األصول وبسط املجمل من العلوم حتتاج لإلحاطة‬
‫ٍ‬
‫منطقية رياضية وذهنية تفكيكية حتليلية‪.‬‬
‫باملفاهيم الكلية وجزئياهتا يف عملية نظم‬

‫‪350‬‬

‫مفصل لتوضيح مصطلح التبليغ‪« :‬و ُيشرتط يف اإلنسان‬
‫يقول ‪ ‬يف تفريع ّ‬
‫ليكون مب ال خغا أن يتوافر عىل األوصاف املستفادة مما أملته التّجارب الكثرية التي قام‬
‫هبا املب الغون‪ ،‬وهي‪:‬‬

‫‪ -4‬اإليامن باملبدأ‪:‬‬
‫وأعني هبذا أن يكون اإلنسان الذي يريد أن يقوم بالدَّ عوة إىل مبدأ ما مؤمنخا‬
‫وصحته‪ ،‬وبفائدته ونفعه للناس‪ ،‬وعن اقتناع بذلك‪ ،‬استنا خدا إىل‬
‫بسالمة ذلك املبدأ‬
‫ّ‬
‫األدلة النّاصعة والرباهني القاطعة‪.‬‬
‫واإليامن دافع نفيس قوي‪ ،‬وكلام ازداد كان املب الغ إىل أن ينكر ذاته من أجل‬
‫مبدئه أقرب‪ ،‬وبمرحلة الفداء والتّضحية يف سبيله ألصق‪.‬‬
‫ّ‬
‫القوة الفاعلة يف تنشيطه وحفزه إىل القيام بو يفة‬
‫إن توافر اإليامن يف املب الغ هو َّ‬
‫التّبليغ‪.‬‬

‫‪ -1‬فهم املبدأ‪:‬‬
‫و ُيراد به أن يكون املب الغ عا خملا بالفكرة أو املعلومة التي يريد أن يقوم بتبليغها‪.‬‬
‫وهو َشء بدهيي‪ ،‬ذلك َّ‬
‫الرسالة‪ ،‬أ ّية رسالة كانت‪ُ ،‬يوجب عىل املب الغ‬
‫أن تبليغ ّ‬
‫مها هلا وعار خفا هبا؛ ّ‬
‫ألن التّبليغ إيصال الفكرة أو املعلومة إىل اآلخر‪ ،‬فمتى‬
‫أن يكون فا خ‬
‫الرسالة التي ُأسند إليه القيام بتبليغها ال يستطيع ‪ -‬وبالبداهة ‪ -‬أداء ما‬
‫مل يفهم املب الغ ّ‬
‫ُأسند إليه القيام به‪.‬‬

‫‪ -3‬معرفة طرق التَّبليغ‪:‬‬
‫ال يتلف التَّبليغ عن غريه من املهارات التي تتط َّلب الدّ ربة واملران‪ ،‬والعلم‬
‫‪351‬‬

‫بطرق إيصال الفكرة أو املعلومة إىل اآلخر من أساليب ووسائل‪ ،‬ليضمن املب الغ‬
‫بذلك نجاحه يف مهمته وأداء رسالته‪.‬‬
‫وهو َشء جيل ال يفتقر إىل إيضاح بأكثر مما ذكرت‪.‬‬
‫‪ -1‬اإلحاطة بأجواء أرضية التَّبليغ»‪ ،‬انتهى كالم الشيخ الفضيل‪.‬‬
‫إن هذين االمتيازين‪ :‬احلفاظ عىل الثوابت‪ ،‬والقدرة عىل التفريع العلمي‬
‫يورثان أص خ‬
‫ال ثال خثا وهو الشمولية واحتامل التنوع يف األدوار‪.‬‬
‫م‬
‫وعو خدا لآلية‪ّ ،‬‬
‫أسباب التفرق عن السبيل (فتفرق بكم عن سبيله)‬
‫فإن أهم‬
‫وعد مم الوحدة هو‪:‬‬
‫‪ .1‬التوهم بأن احلق مع اجلديد وتقديسه‪ ،‬أو العكس‪.‬‬
‫‪ .2‬ضيق األفق عن إدراك آثار احلق من فروع و َأبعاد وتنوع األدوار‪.‬‬
‫‪ .3‬االلتباس بني األصيل وآليات التحديث وخلط املنطلقات بالثامر بام ينتج عنه‬
‫من لبس مفاهيمي معريف‪.‬‬

‫‪ .2 ‬االعتدال العملي‬
‫وهو الشق الثاين الذي سنتناوله يف شخصية الشيخ الدكتور الفضيل‪ ،‬نبدؤه‬
‫بمقدّ مة‪:‬‬
‫يتلف الفقهاء يف تعريف العدالة التي هي رشط يف التصدي لبعض املواقع‬
‫واملناصب العبادية واالجتامعية أو القضايا العامة وتتعدد آراؤهم يف حقيقتها‪ ،‬فمن‬
‫قائل بأن العدالة‪ :‬هي نفس األعامل اخلارجية من فعل الواجبات وترك املحرمات من‬
‫دون اعتبار اقرتاهنا بامللكة أو صدورها عنها‪ ،‬فالعدالة هي االستقامة عم خ‬
‫ال يف جادة‬
‫الرشع وعدم اجلور واالنحراف عنها يمينخا وال شامالخ‪.‬‬
‫‪352‬‬

‫ويعللون ذلك بأنه ليس للعدالة حقيقة رشعية وإنام استعملت يف الكتب‬
‫واألخبار بمعناها اللغوي (أي االستقامة وعدم االعوجاج واالنحراف) وغاية األمر‬
‫أن موارد استعامهلا خمتلفة‪ ،‬فالعدالة وفق هذا الرأي ليست من األوصاف النفسانية‬
‫بل هي صفة عملية‪.‬‬
‫أما الرأي اآلخر يف فهم حقيقة العدالة فهو ما نسب إىل املشهور بني املتأخرين‬
‫من أن العدالة‪ :‬ملكة أو هيئة راسخة‪ ،‬أو حالة‪ ،‬أو كيفية باعثة نحو اإلطاعة باإلتيان‬
‫بالواجبات وترك املعايص واملحرمات‪.‬‬
‫معرفان للعدالة‬
‫والصحيح أن اإلسالم وحسن الظاهر مع عدم هور الفسق‪ّ ،‬‬

‫ال أهنام العدالة نفسها‪ ،‬فال مكان ألن يكون الفاسق يف أعىل مراتب الفسق باطنخا ما‬
‫حت ّفظه عىل جاهه ومقامه لدى الناس‪ ،‬فهو مع أنه َح َسن الظاهر إال أنه حمكوم بالفسق‬
‫يف الواقع الرتكابه املعايص‪ ،‬وال مساغ للحكم بعدالة مثله بوجه‪.‬‬

‫واخلالصة أن العدالة يمكن أن تكون وص خفا للعمل والسلوك واستقامة الفكر‬
‫والعقيدة وسالمة الطوية وحسن األخالق وال ريب أن الستقامة الفكر واعتداله‬
‫دور األصيل وهو املبدأ واملنطلق واألرضية‪ ،‬والعمل إنام هو تابع له بمقتىض طبيعة‬
‫اإلنسان السليم‪.‬‬
‫ويف هذا املجال فإنه يشهد القايص والداين لفقيدنا الراحل بتمكن هذه امللكة‬
‫اجلم الذي يراه كل من جالسه وعرفه‪ ،‬واألبوية ونكران الذات‬
‫فيه‪ ،‬فإن التواضع ّ‬
‫وتذويب اهلموم الشخصية واحلسابات اخلاصة حلساب محل هم األمة هي مما ملسه‬

‫اجلميع‪ ،‬كام أن ديدنه كان التغايض عن إمهال البعض وإقصائهم‪ ،‬فلم يكن‬
‫ذلك ليأخذ من فقيدنا الراحل شي خئا من العناية‪ ،‬ويف املقابل فقد كان يويل االهتامم‬
‫الكبري واجلم بأي نشاط أو خدمة دينية أو اجتامعية‪ ،‬وال يستنكف عن القراءة‬
‫والتقديم والتدقيق ومتابعة أي رسالة أو كتيب او نتاج فكري مهام كان بدائ ًّيا‬
‫‪353‬‬

‫بالقياس ملا عنده من سعة إطالع‪.‬‬
‫وعىل سبيل املثال ومن خالل التجربة الشخصية وقبل ما يقارب العقدين من‬
‫الزمن طلب األخوات دعوة الدكتور إللقاء حمارضة يف الدمام حول موضوع‬
‫املرأة فأرسلنا أحد الشباب الذي مل يكن حينها يتجاوز العرشين من العمر‪ ..‬فقبل‬
‫الشيخ الدعوة وبال مقدمات وال سابق معرفة‪ ،‬وجاء ليطرح بح خثا علم ًّيا متينخا عىل ثله‬
‫من البنات ال يتجاوز عددهن الثالثني‪ ،‬وألقى بحثه وكأنه يف جامعة عاملية تضم‬
‫النخب وأهل العلم!‪.‬‬
‫إن ّهذا السلوك العميل سيبقى شاهدخ ا عىل طهارة ونقاء طوية الفقيد الراحل‪،‬‬
‫وهو أفضل نموذج عميل لتبليغ الرسالة اإلسالمية وخري صورة لتمثيل سرية األنبياء‬
‫وإحياء مآثرهم التي خولتهم جلعل رساالت اهلل فيهم ﴿ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ‬
‫ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ﴾‪.‬‬
‫وإذا كان ال بد ملثل الدكتور الفقيد أن يرتك بعد رحيله لنا رسالة ووصايا‬
‫علمية وعملية‪ ..‬فإن من أمهها هذا املنهج الفكري والروحي واألخالقي والعميل‪..‬‬
‫﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ‬
‫ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ﴾‪.‬‬

‫‪354‬‬

‫العالمة الفضلي ‪ ..‬معامل فكرية وروحية‬

‫السيد حممد حسني مبارك الزيلعي ‪ -‬املدينة املنورة‬
‫يموت بعض الناس ويموت معهم كل َشء يرتبط هبم جسدهم أرواحهم‬
‫يضا وييل إليك أنه ولد من‬
‫فكرهم وحتى آثارهم‪ ..‬ويموت بعض من الناس أ خ‬
‫جديد وانبعثت سريته وفكره وتراثه مرة أخرى‪ ..‬إن عالمتنا الفضيل ‪ ‬من النوع‬
‫الثاين من الناس الذين حيركون بموهتم كل من حوهلم وتتوهج حياهتم ومنهجهم يف‬
‫اليوم ذاته الذي تنطفيء فيه أجسادهم‪ ،‬وكأنام حيدثونك بعد موهتم حدي خثا أعمق‬

‫وأقرب محيمية مما كانوا حيدثونك به يف حياهتم!‪.‬‬
‫حتــدث عنهــا الرمــل بعــد ســكوهتا‬

‫حدي خثا طويل الوصف رغم اقتضـابه‬

‫العالمة الفضيل ‪ ‬قلم رصني‪ ..‬وفكر نري‪ ..‬ومنهج متجدد متقدم‪ ،‬وهو يف‬

‫اآلن ذاته روح تفيض بالطهر والنقاء‪ ..‬وخلق يسمو ويتعاىل وضمري نقي طاهر‪ .‬هو‬
‫اإلنسان الذي يمثل العامل الرباين واملفكر احلكيم واألبوة احلانية الرحيمة‪ ،‬وتراثه‬
‫العلمي والفكري يشهد بأملعيته وسمو فكره‪ ،‬وإن جليسه يكتشف رسي خعا ويشعر‬
‫بعمق بام ينطوي عليه من نفس عظيمة سامية وروح طاهرة كريمة وعقل متوقد‬
‫متجدد‪.‬‬
‫واملطالع املتأمل يف شخصيته ‪ -‬رضوان اهلل عليه – يف بعدهيا العلمي والروحي‬
‫‪355‬‬

‫يالحظ ما ييل‪:‬‬

‫‪ .1 ‬أصالة الفكر‪:‬‬
‫العالمة الفضيل ‪ ‬هو ابن احلوزة العلمية وولدها البار‪ ،‬ولد ونشأ يف أحضان‬

‫مدرسة النجف األرشف‪ ،‬وتلمذ عىل أساطينها وهنل من معينهم‪ ،‬وهبذا فهو يغرتف‬
‫من عمق املدرسة اإلسالمية اإلمامية ويصدر عنها‪ ،‬وهل األصالة الفكرية إالّ االنتامء‬
‫احلقيقي لإلسالم والقرآن فيام يتبناه اإلنسان من أفكار وعقيدة ورؤى؟!‪ ..‬وهل هي‬
‫إالّ أن يكون املنطلق إسالم ًّيا رص خفا غري هجني وال خمرتع؟!‪ ،‬ومن أدعية الصحيفة‬
‫السجادية «وأكمل ذلك يل بدوام الطاعة ولزوم اجلامعة ورفض أهل البدع‬
‫ومستعميل الرأي املخرتع»‪ ،‬وهذا ما نلمحه جل ًّيا يف كتابات الشيخ الفضيل‬
‫وحمارضاته ودروسه‪ ،‬وإن كتبه الفقهية والكالمية واألصولية وحمارضاته خلري شاهد‬
‫عىل ما نقول‪ ،‬فقد دافع ونافح عن مدرسة أهل البيت ‪ A‬وعمل عىل تأصيل‬
‫منهجهم وفكرهم وترسيخ الرؤى اخلاصة واملالمح املنتمية إىل خطهم اإلسالمي‬
‫األصيل!‪.‬‬

‫‪ .2 ‬الزنعة التجديدية‬
‫وهي متثل الصورة االبرز يف شخصية العالمة الفضيل‪ ،‬إذ عرف يف كل‬
‫األوساط العلمية بأنه احلريص قوالخ وعم خ‬
‫ال عىل تطوير املناهج العلمية يف مقررات‬
‫احلوزة العلمية وكتبها‪ ،‬وقد هنض ‪ ‬بدور رائد يف هذا املجال وخطى خطوات‬

‫واسعة يف تطبيق هذه النقلة يف كتبنا الدراسية احلوزية‪ ،‬وإن مطالعة يسرية ورسيعة يف‬
‫كتبه وتراثه العلمي تكشف لنا ذلك بجالء‪ ،‬ففي الوقت الذي نجد فيه املنهج‬
‫خ‬
‫ومشوشا نجد ذلك املنهج العلمي يف‬
‫غائام‬
‫العلمي ‪ -‬يف كتبنا احلوزية القديمة ‪ -‬خ‬

‫واضحا جل ًّيا متامس خكا وهو املنهج السائد يف كتاباته ودراساته‬
‫كتب الشيخ الفضيل‬
‫خ‬
‫عىل خمتلف احلقول املعرفية التي طرقها‪ ،‬ولعل جز خءا من الفضل يف ذلك يعود إىل‬
‫‪356‬‬

‫مترس الشيخ الفضيل واستيعابه ألسس املنهج العلمي احلديث بحكم مزاولته له‬
‫كبريا من حياته العلمية التي قضاها يف التدريس عىل املنهج األكاديمي‪.‬‬
‫خ‬
‫شطرا خ‬

‫‪ .3 ‬املنهج العلمي‬
‫واملراد به يف كالمنا ما يشتمل عىل خصائص ثالث‪:‬‬

‫األوىل‪ :‬املوضوعية يف البحث والدراسة واملناقشة ملا يراد عرضه من أفكار‬
‫وأطروحات‬
‫واملوضوعية هنا مقابل الذاتية إذ إن هذه األخرية ينطلق فيها الباحث من ٍ‬
‫مبان‬
‫مسبقة وآراء مسلمة يف نظره‪ ،‬وعليها يبني البحث يف حماولة منه لتطويع الفكرة‬
‫وجرها ويل عنق األدلة وعكفها لتصب يف املسار الذي يؤمن به ويعتقده الكاتب أو‬
‫الباحث‪ ،‬بينام ينطلق الباحث املوضوعي من صميم الدليل وحاق الربهان متجن خبا أي‬
‫نزعة ذاتية أو هوى خاص يف ترتيب املقدمات واستخالص النتائج‪ ،‬وهذا املنهج‬
‫بعينه هو ما نلمحه يف كتابات الراحل الفضيل ‪ -‬قده ‪ -‬ومعاجلاته العلمية عىل‬
‫اختالف حقوهلا الفقهية واألصولية والكالمية وغريها‪ ،‬وليس هذا ببدع من قلم هذا‬
‫العلم ويراع هذا اجلهبذ فإنه خريج مدرستني مدرسة النجف األرشف الشاخمة‬
‫العريقة بعمقها ومتانتها واملدرسة األكاديمية املعارصة التي متيزت بأهنا اختطت‬
‫أسس املنهج العلمي بقواعده املنطقية يف البحث والتحقيق والتوثيق‪.‬‬

‫الثانية‪ :‬الروح العلمية‪:‬‬
‫وأخص خصائصها القدرة عىل استيعاب اآلراء املخالفة وتفهمها ومعاجلتها‬
‫بلحاظ أهنا حتتمل الصدق والكذب لذاهتا دون األخذ باالعتبار مصدرها أو قائلها‬
‫وانتامءه الفكري والعقدي‪ ،‬والتسامي عىل اإلسفاف والتعنت وتتبع العثرات‪.‬‬

‫‪357‬‬

‫ويقابل هذه الروح العلمية التعصب العلمي وامليل للخروج عن روح البحث‬
‫عن احلقيقة واكتناهها إىل ضيق الصدر وحماولة احتكار املعرفة‪.‬‬
‫وللعالمة الفضيل ‪ ‬يف آثاره العلمية بصامت مضيئة جتسد روح العامل النبيل‬

‫الذي يتحىل بالصرب وسعة الصدر واإلنصاف واملحاولة الدؤوبة للوصول إىل احلقيقة‬
‫وإجالئها ناصعة مهام كان القائل هبا ومهام كان انتامؤه‪.‬‬

‫الثالثة‪ :‬األسلوب العلمي‪:‬‬
‫وحقيقته أنه عبارة عن صب املفاهيم واملعارف يف قالب علمي وألفاظ ناصعة‬
‫جلية هلا مدلول حمدد غري فضفاضة وال مبهمة وال ذات إثارة عاطفية وال حتتمل أكثر‬
‫من معنى وال تأخذ أكثر من داللة‪.‬‬
‫ويقابل األسلوب العلمي األسلوبان األديب واخلطايب‪ ،‬ومها أسلوبان يتكآن يف‬
‫الدرجة األوىل عىل حماولة األخذ باالعتبار اإلثارة النفسية وحتفيز الشعور واستدراج‬
‫املتلقي ليتفاعل مع مضمون اخلطبة او العمل األديب أو الفني ليقع يف هناية املطاف يف‬
‫فخ االنجذاب إليها وعشقها حتى لو مل تكن مربهنة علم ًّيا أو مربرة منطق ًّيا‪.‬‬
‫وشيخنا العالمة الفضيل ‪ ‬مل يعرف عنه أنه كتب كتا خبا أو خط رسالة بغري‬

‫األسلوب العلمي وعىل هنجه فآثاره العلمية اهرة يف هذا املعنى فهي كتب علمية‬
‫حمضة تأخذ األسلوب العلمي وطابعه يف كل مناحيها واجتاهاهتا الفكرية واملعرفية‪،‬‬
‫ومن هنا كانت كتبه هي املرشح األبرز للتدريس يف املراكز العلمية حوزوية كانت أو‬
‫ال وإن كان مق خ‬
‫أكاديمية‪ ،‬نعم له آثار أدبية كالشعر مث خ‬
‫ال فيه لكنه َشء آخر غري ما‬
‫نتحدث عنه إذ أن الكتابة األدبية ‪ -‬إن وجدت ‪ -‬فهي عمل مستقل مل يلطه الشيخ‬
‫بيشء من آثاره العلمية أبدخ ا‪.‬‬

‫‪351‬‬

‫‪ .4 ‬الوعي الرسايل‬
‫وهي سمة جلية يف شخصية العالمة الفضيل فهو الرجل الذي عاش عرصه‬
‫وعلم زمانه وانطلق يف كل مواقفه وأعامله من فهم عميق ملرحلته ووعي شامل‬
‫خلصائص ومالمح عرصه السياسية والدينية واالجتامعية‪ ،‬ويعد بذلك من العلامء‬
‫الرساليني النشطني البارزين يف مواجهة التحديات التي عاشتها أمته‪ ،‬وحترك يف هذا‬
‫املجال بخطى ثابتة وحكمة بالغة يف التعاطي مع جممل القضايا العرصية الراهنة‪،‬‬
‫وكان حيمل هم مذهب أهل البيت ومدرستهم والقضايا املتعلقة بذلك ويعمل بجد‬
‫وكد من أجل ختطي العقبات الفكرية والسياسية واالجتامعية التي كانت حتول دون‬
‫قيام هنضة شاملة هلذه املدرسة االسالمية األصيلة والعريقة وإ هارها كام أراد أهل‬
‫البيت ‪ A‬هلا أن تظهر نقية من الشوائب والتشوهيات املتعمدة وغري املتعمدة‪ ،‬فقد‬
‫محل هم احلوزة العلمية الرشيفة وسعى من أجل رفع مستوى عطاءاهتا العلمية‬
‫والفكرية والسلوكية‪ ،‬وكان بأفقه الواسع ونظرته الثاقبة يرى ما ال يراه غريه من‬
‫مالمح احلاجة إىل حتويل هذه اجلامعة املعطاءة إىل منارة علمية شاخمة ترشق عىل العامل‬
‫بأرسه رش خقا وغر خبا وتطوير مؤسسة املرجعية فيها ومد جسور التواصل بينها وبني‬
‫بقية املراكز العلمية يف العامل كله‪ ،‬ورأى ببصريته النرية أن هذا ال يتأتى إال بالقيام‬
‫بدور ريادي عىل مستوى املناهج العلمية احلوزوية وتطويرها لتصبح قادرة عىل أن‬
‫تواكب عرص املتغريات الرسيعة واحلداثة بمنهجها العلمي وفكرها العميق الشامخ‬
‫فقام بكتابة العلوم اإلسالمية املتعلقة هبذه احلوزة بأسلوب علمي رصني ينسجم‬
‫واملناهج العلمية احلديثة املتفق عليها يف كل املراكز العلمية يف العامل‪.‬‬
‫ومن دالالت وعيه وحسه الدقيق ملرحلته أنه كان يعمل جا خدا عىل مد اجلسور‬
‫بني أبناء مدرسة أهل البيت ‪ A‬عىل اختالف مشارهبم وانتامءاهتم‪ ،‬فكان املجمع‬
‫وامللتقى واملحور لكل تلكم األطراف واألطياف‪.‬‬

‫‪359‬‬

‫‪ .5 ‬زهد العلماء وتواضع العظماء‬
‫الزهد والتواضع قيمتان أخالقيتان تطبع صاحبهام بلون خاص من اجلاذبية‬
‫واجلامل واالستحواذ عىل القلوب‪ ،‬وكأن ثمة معادلة غيبية تتساوى فيها قوة جذب‬
‫اإلنسان للقلوب بمقدار رفضه هلا وزهده فيها‪ ،‬وهذا ما حلظناه يف شخصية هذا‬
‫العامل الرباين الذي كان بعيدخ ا عن األضواء وقري خبا إىل القلوب‪ ،‬وجدنا فيه بساطة‬
‫متناهية ورحابة صدر نادرة وحماولة خملصة للهروب عن األضواء والشعارات‬
‫الرباقة واأللقاب الرنانة‪ ،‬عاش ‪ ‬إنسان املعرفة ورجل الفكر والعلم والتحصيل‪،‬‬

‫ال جتد وأنت جتلس إىل جواره أنك أقل من أ قريب أو صديق محيم أو جليس حمبب‬
‫إىل نفسه الطاهرة‪ ،‬وإن أصعب األشياء عىل العامل أن يتخلص من غرور األلقاب‬
‫وهبرجة املقامات االعتبارية التي يلعها عليه الناس بعلم وبغري علم وقد جيد نفسه‬
‫غار خقا يف وحل الوهم بحقيقة ما بخلع عليه من هذه املسميات من حيث يدري وال‬
‫يدري‪ ،‬لكن هذا العامل الرباين وهو من هو يف الفضل واملقام العلميني مل يكن ليشغله‬
‫َشء من ذلك أو يدعه بريقه الفاتن‪.!..‬‬
‫رفع اهلل مقامه يف أعىل عليني مع حممد وآله الطيبني الطاهرين صلوات اهلل‬
‫عليهم أمجعني‪.‬‬

‫‪360‬‬

‫رحيل رجل الفكر والعلم واألدب‬

‫األستاذ صالح آل شهاب‪ ،‬القطيف ـ اجلارودية‬
‫انحنى للعلم فانحنى له العلامء‪ ،‬انحنى عىل يده الفقهاء وق ّبل رأسه الفضالء‪،‬‬
‫كتب الفكر فكتب له اخللود يف األفكار‪ ،‬وجاءت ثورته الثقافية هادرة لتأيت أمواج‬
‫البرش يف توديعه‪ ،‬رجل ما عرف غري الفضيلة‪ ،‬وما سلك غري مسالك اهلداية‪.‬‬
‫فكرا‪ ،‬وآخر ينري عقلك يف عملية التفكري‪ ،‬يع ّلمك كيف تفكّر‪ ،‬وال‬
‫عامل يعطيك خ‬

‫ريب يف أفضلية هذا‪... ،‬وهو فقيدنا املفكر الفقيه الفضيل‪.‬‬

‫مرارا يف جملسه‪ ،‬وهناك‬
‫هناك من التصق به فالتقط معه صورة تذكارية‪ ،‬أو زاره خ‬
‫من تأ ّثر به يف وعيه وهديه وفكره النري ونرباسه الو ّقاد‪.‬‬
‫فقيدنا املفكر الفقيه اتّسم بصفات ندر من حازها فقد مجع بني النمطية‬
‫األكاديمية والنمطية احلوزوية‪ ،‬وأخذ عىل عاتقه تربية طالب العلم عىل البحث‬
‫والدراسة‪.‬‬
‫بينام نجد يف زاوية من زوايا جمتمعاتنا يعيب عىل العامل انفتاحه عىل اجلامعات‬
‫املعارصة‪ ،‬وحي ّبط الباحث حتت ذريعة من أنت؟ أنت ال تفهم‪ ،‬وال تدرك‪ ،‬ومل تصل‪،‬‬
‫وكيف سمحت لنفسك أن تقرأ الكايف وأمثاله من مراجع العلم؟‬
‫‪361‬‬

‫يا سبحان اهلل! ما هذه الطريقة يف التعاطي مع العلم‪ ،‬ما هذا التعايل والتهميش‬
‫للباحث السائل؟ وكيف جاز له بل وجب عليه أن ينظر يف أقدس كتاب جاء للبرشية‬
‫وهو القرآن الكريم ومل حيل له قراءة غريه‪.‬‬
‫فقيدنا املفكر الفقيه ع ّلمنا عىل ثقافة التشجيع لطالب العلم‪ ،‬وهي من‬
‫خصائص املعلم الناجح‪ ،‬ح ّتى أنّه ليتابع مساراهتم العلمية‪ ،‬ماذا كتبوا وماذا درسوا‬
‫مفكرا وال مثق خفا إالَّ وفقيدنا الع خ‬
‫المة‬
‫وأي َشء أ ّلفوا؟ فال جتد كات خبا وال عا خملا وال‬
‫خ‬
‫الفضيل له اليد البيضاء يف صناعته‪.‬‬

‫درست بح خثا‬
‫وكانت يل معه جتربة قبل ‪ 9‬سنوات‪ ،‬أي يف العامل ‪1425‬ه‪ ،‬حيث ّ‬
‫كنت قد كتبته نزوالخ عند رغبة بعض الفضالء األعزاء يف قاعدة سوق املسلمني‪،‬‬
‫وبعد الفراغ من كتابته وتدريسه ملع يف خاطري عرضه عىل سامحته ‪ ‬لريى رأيه‬
‫ورشف البحث بمقدّ مة ومل أكن قد طلبتها منه‪،‬‬
‫فيه‪ ،‬فام كان منه إالخ أن الحظه ّ‬
‫لتعم الفائدة بنرشها‪:‬‬
‫دررا من فيض علمه‪ ،‬وإليك ّ‬
‫نصها ّ‬
‫وجاءت خ‬

‫«تتأ ّلف وسائل وآليات االجتهاد اإلسالمي للوصول إىل احلكم الرشعي من‪:‬‬
‫‪ .1‬علوم مساعدة‪ ،‬تتدخل يف عملية االستنباط الرشعي تدخ خ‬
‫ال غري مبارش‪ ،‬وتشمل‬
‫ّ‬
‫النص الرشعي باعتبارها (العلوم‬
‫كل العلوم واملعرف العا ّمة التي تساعد يف فهم ّ‬
‫واملعارف العا ّمة) قرائن‪ ،‬كام ّأهنا تساعد يف عملية تشخيص املوضوع باالطالع‬
‫عىل الواقع االجتامعي لعصور الترشيع اإلسالمي‪ ،‬أو ما ُيعرف يف لغة الفقهاء‬
‫بعصور صدور النصوص الرشعية من املعصومني ‪.A‬‬
‫ممهدة‪ ،‬هتيئ للدخول يف عملية االستنباط بصورة شبه مبارشة‪ ،‬وهي‬
‫‪ .2‬علوم ّ‬
‫املمهدة) ما ُيعرف يف اصطالح احلوزات العلمية الدينية‬
‫(أعني العلوم‬
‫ّ‬
‫باملقدمات‪ ،‬وتلك أمثال‪ :‬علوم اللغة العربية‪ ،‬كالرصف والنحو والبالغة‪،‬‬
‫واملعارف العقلية كاملنطق والفلسفة‪.‬‬
‫‪362‬‬

‫‪ .3‬علوم مبارشة‪ ،‬وتتمثل يف القواعد التي تتخل تدخ خ‬
‫مبارشا يف عملية‬
‫ال‬
‫خ‬
‫االستنباط‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫ القواعد األصولية ‪.‬‬‫ القواعد الفقهية ‪.‬‬‫ قواعد علم الدراية ‪.‬‬‫ قواعد علم الرجال ‪.‬‬‫ منهج البحث الفقهي‪ ،‬وهو ما ُيطلق عليه يف العرف الفقهي بطرق‬‫االستنباط‪.‬‬
‫من هذه اللمحة اخلاطفة لبيان وسائل وآليات االجتهاد الرشعي نتبني أمهية‬
‫ألهنا تأيت من حيث التطبيق بمستوى‬
‫القواعد الفقهية يف جمال االستنباط‪ ،‬وذلك ّ‬
‫القواعد األصولية‪.‬‬
‫دعوت يف غري موقع‪ ،‬وأكثر من مناسبة إلدخال مادة القواعد الفقهية‬
‫وقد‬
‫ُ‬
‫مقررا دراس ًّيا يف برامج الدراسات احلوزوية‪ ،‬واحلمد هلل أن صدر يف حقبتنا العلمية‬
‫خ‬
‫الراهنة أكثر من رسالة وأكثر من كتاب‪َ ،‬د َر َست العديد من القواعد الفقهية‪ ،‬ممّا‬
‫يعطينا األمل يف أنّنا نسري يف الطريق املثىل لتحقيق الغاية املنشودة‪.‬‬

‫ومن هذا اجلديد يف املجال املشار إليه الرسالة التي بني يدينا‪ ،‬وهي ـ كام هو‬
‫سيتعرف القارئ الكريم‬
‫واضح من عنواهنا ـ تبحث يف (قاعدة سوق املسلمني) التي‬
‫ّ‬

‫فحواها من الرسالة‪.‬‬

‫وقد د ّلل مؤ ّلفها يف تناوله هلذه القاعدة الفقهية عىل قدرة علمية يف البحث‬
‫موفقة ومثمرة‪.‬‬
‫يمس ويالمس سلوك‬
‫أسأله تعاىل أن يأخذ بيده لبحث أمثال هذه القاعدة‪ ،‬ممّا ّ‬
‫‪363‬‬

‫املسلم املك ّلف بصورة مبارشة‪ ،‬وأن يوفقه لتحقيق الغاية‪ ،‬ويثيبه عىل عمله هذا جزاء‬
‫نص كالمه علت يف اجلنان‬
‫العلامء العاملني إنّه تعاىل ويل التوفيق‪ ،‬وهو الغاية»‪ .‬انتهى ّ‬
‫أقدامه‪.‬‬
‫ــوت النـــاعي بفقـــدك إنـــه‬
‫ال صـ ّ‬
‫إن كنت قد غي ّبت يف جـدث الثـرى‬

‫الرســـول عظـــيم‬
‫يـــوم عـــىل آل ّ‬

‫فالعــدل والتوحيــد فيــك مقــيم‬

‫والقــائم الـــمهدي يفــرح كلمـــا‬

‫تليت عليك مـن الـدّ روس علـوم‬

‫‪364‬‬

‫الدولة اإلسالمية يف فكر العالمة الفضلي‬

‫‪‬‬

‫د‪ .‬السيد عادل حسن احلسني ‪ -‬الرياض‬
‫يف هذه الورقة سوف أتناول مفهوم الدولة اإلسالمية يف فكر آية اهلل الشيخ عبد‬
‫اهلادي الفضيل بمناسبة تأبينه يف اليوم األربعني من رحيله ‪.‬‬
‫يف النصف الثاين من القرن العرشين املنرصم هناك عدة دراسات تناولت‬
‫مفهوم الدولة اإلسالمية يف الفكر الشيعي من عدة زوايا‪ .‬وهذه بعض الدراسات‬
‫التي كتبت يف املوضوع ذاته وفقا للرتتيب الزمني‪:‬‬
‫‪« .1‬األسس اإلسالمية» للشهيد السيد حممد باقر الصدر ‪1951 ،‬م‪.‬‬

‫‪« .2‬يف انتظار اإلمام» للشيخ عبد اهلادي الفضيل ‪1964 ،‬م‪1961 /‬م‪.‬‬
‫‪« .3‬احلكومة اإلسالمية» لإلمام السيد روح اهلل اخلميني ‪1969 ،‬م‪.‬‬

‫‪« .4‬اإلسالم يقود احلياة» للشهيد السيد حممد باقر الصدر ‪1979 ،‬م‪.‬‬
‫‪« .5‬الدولة اإلسالمية» للشيخ عبد اهلادي الفضيل ‪1979 ،‬م‪.‬‬

‫‪« .6‬اخلميني والدولة اإلسالمية» للشيخ حممد جواد مغنية ‪1979 ،‬م‪.‬‬
‫‪« .7‬نظرية والية األمة» للشيخ حممد مهدي شمس الدين ‪1919 ،‬م‪.‬‬

‫وتعترب الدراسات الثالث األوىل هي اللبنة األساس يف تأصيل وبلورة مفهوم‬
‫الدولة اإلسالمية يف الفكر الشيعي‪ .‬وتأيت الدراسات األخرى الالحقة إما كمناقش‬
‫‪365‬‬

‫أو مفرس أو موسع لتلك األصول واألسس التي بحثت من قبل كل من الشهيد‬
‫الصدر والشيخ الفضيل واإلمام اخلميني رضوان اهلل تعاىل عليهم أمجعني‪.‬‬

‫‪ ‬األسس اإلسالمية‬
‫األسس اإلسالمية عبارة عن دروس قد ألقاها الشهيد الصدر عىل طالبه يف‬
‫احلوزة العلمية يف النجف األرشف وذلك عام ‪1951‬م‪ .‬وكان الشيخ الفضيل من‬
‫ضمن طلبة العلوم الدينية الذين حرضوا تلك الدروس‪ ،‬وقد أشار الشيخ الفضيل‬
‫إىل هذه املعلومة يف حوار أجراه معه الباحث األستاذ حسني منصور الشيخ‪ ،‬وتم نرش‬
‫هذا احلوار يف كتاب «الدكتور الفضيل يفتح أوراقه للحوار»‪2009 ،‬م‪.‬‬
‫وقد رسد الشيخ الفضيل تسعة من تلك األسس يف بحثه حتت عنوان‪« :‬األسس‬
‫اإلسالمية عرض وبيان ملا وضعه الشهيد الصدر من أصول للدستور اإلسالمي»‪،‬‬
‫املنشور يف جملة املنهاج‪ ،‬العدد ‪2000 ،17‬م‪ ،‬وهي‪ )1( :‬اإلسالم‪ )2( ،‬املسلم‪)3( ،‬‬
‫الوطن اإلسالمي‪ )4( ،‬الدولة اإلسالمية‪ )5( ،‬الدولة اإلسالمية دولة فكرية‪)6( ،‬‬
‫شكل احلكم يف اإلسالم‪ )7( ،‬نظام الشورى‪ )1( ،‬الفرق بني أحكام الرشيعة‬
‫والتعاليم‪ )9( ،‬مهمتا بيان أحكام الرشيعة وتعيني القضاة ليستا من مهام احلكم‪.‬‬
‫وأشار الشيخ الفضيل إىل أن األسس التي درسها عىل يد الشهيد الصدر كان‬
‫عددها أكثر من تسعة‪ ،‬قد يصل عددها إىل أكثر من ثالثني أساسا إذا أضيفت هذه‬
‫التسعة إىل املخطوط من األسس‪ .‬لكن ال ُيعلم مصري هذا املخطوط‪.‬‬
‫وقد كانت هذه األسس اإلسالمية األنموذج املحتذى ملا جاء بعدها من‬
‫مؤلفات سياسية‪ .‬وهنا يعترب الشهيد الصدر رضوان اهلل تعاىل عليه مؤصال ومنظرا‬
‫ملفهوم الدولة اإلسالمية‪.‬‬
‫وقد ذكر الشيخ الفضيل أن دستور اجلمهورية اإلسالمية اإليرانية اقتبس الكثري‬
‫‪366‬‬

‫من أفكار ورؤى الشهيد الصدر وجتد ذلك جليا عند املقارنة بني ما جاء يف بنود‬
‫الدستور اإليراين وبني ما كتبه الشهيد الصدر حتت عنوان‪« :‬ملحة فقهية متهيدية عن‬
‫مرشوع دستور اجلمهورية اإلسالمية يف إيران»‪ ،‬فقد انتهى من كتابة هذه اللمحة‬
‫الفقهية يف ‪1979/2/4‬م‪ ،‬أي قبيل االنتصار األخري للثورة اإلسالمية‪.‬‬

‫‪ ‬يف انتظار اإلمام‬
‫يم ّثل كتاب «يف انتظار اإلمام» أحد أهم املصادر البحثية التي سلطت الضوء‬
‫عىل فكرة إقامة الدولة اإلسالمية يف عرص الغيبة‪ ،‬ومن خالله تستشف إىل أي مدى‬
‫وصل إليه الشيخ الفضيل من وعي سيايس يف سن مبكرة من عمره الرشيف‪.‬‬
‫انتهى الشيخ الفضيل من تأليف كتابه (يف انتظار اإلمام) يف عام ‪1964‬م وطبع‬
‫يف عام ‪1961‬م‪ .‬وقد تناول الكتاب املوضوعات التالية‪ :‬متذهب فكرة املهدي املنتظر‬
‫مع أهنا فكرة إسالمية عامة‪ ،‬وشخصية اإلمام‪ ،‬ووجود اإلمام‪ ،‬ودولة اإلمام‪،‬‬
‫وانتظار اإلمام‪ ،‬ورئيس الدولة‪ ،‬وتكوين الدولة‪ ،‬والدعوة إىل الدولة‪ .‬وقد ألف‬
‫الشيخ الفضيل هذا الكتاب ليبني للناس أن مفهوم الدولة اإلسالمية موجود يف‬
‫الفكر الشيعي عىل مر العصور‪ .‬ومن خالل تصفح أقسام هذا الكتاب يالحظ‬
‫القارئ وجود بصامت واضحة لفكر الشهيد الصدر يف متن الكتاب‪.‬‬
‫وفيام يص الدولة اإلسالمية فقد أفرد الشيخ الفضيل عدة أقسام تناول فيها‬
‫رئيس الدولة‪ ،‬وتكوين الدولة‪ ،‬والدعوة إىل الدولة‪.‬‬

‫رئيس الدولة‪:‬‬
‫هو نائب اإلمام (احلاكم األعىل زمن الغيبة)‪ ،‬وهو عىل ثالث أقوال‪:‬‬
‫‪ .1‬احلاكم األعىل هو املعني من قبل املسلمني‪.‬‬
‫‪367‬‬

‫‪ .2‬احلاكم األعىل هو الفقيه العادل‪.‬‬
‫‪ .3‬احلاكم األعىل هو الفقيه األعلم‪.‬‬
‫ويف القول الثاين والثالث يتعني عىل حاكم الدولة اإلسالمية أن يكون فقيها‪،‬‬
‫وجتد يف هذين القولني تأصيال ملفهوم «والية الفقيه»‪.‬‬

‫تكوين الدولة‪:‬‬
‫فيام يص تكوين الدولة‪ ،‬تطرق الشيخ الفضيل لعدة موضوعات وهي‪:‬‬
‫‪ .1‬تشكيالت احلكومة يف الترشيع‪.‬‬
‫‪ .2‬اخلط العام للحكومة‪.‬‬
‫‪ .3‬السلطات الثالث‪:‬‬
‫أ‪ .‬السلطة الترشيعية‪.‬‬
‫ب‪ .‬السلطة التنفيذية‪.‬‬
‫ج‪ .‬السلطة القضائية‪.‬‬
‫‪ .4‬شكل احلكومة‪ :‬حكومة دستورية‪.‬‬
‫‪ .5‬مبدأ احلق اإلهلي‪.‬‬
‫‪ .6‬دور األمة يف املراقبة‪.‬‬
‫‪ .7‬الدولة يف جماهلا الواسع‪ :‬وقد خلص الشيخ الفضيل إىل أن الدولة يف جماهلا‬
‫الواسع هو‪:‬‬
‫أ‪ .‬األرض وتعني الوطن‪.‬‬
‫ب‪ .‬األمة وتعني املواطنني‪.‬‬
‫ج‪ .‬احلكومة وتعني السلطة‪.‬‬
‫‪361‬‬

‫الدعوة إىل الدولة‪:‬‬
‫وهنا خلص الشيخ الفضيل إىل وجوب الدعوة إىل بناء الدولة اإلسالمية‪:‬‬
‫إما عن طريق الثورة عند توافر رشوطها‪.‬‬
‫أو عن طريق التدرج باتباع الطرق السلمية من خالل توعية األمة وتثقيف‬
‫املجتمع‪ ،‬والرتكيز عىل الناشئني يف مجيع مراحل التعليم‪ .‬وهذا ما دأب عليه شيخنا‬
‫الراحل الفضيل ‪ ‬يف مسريته الرسالية وجتد ذلك جليا يف كثري من كتبه‪ .‬أذكر عىل‬

‫سبيل املثال‪« :‬الرتبية الدينية»‪ ،‬و«مشكلة الفقر»‪ ،‬و«ثورة احلسني ‪ C‬يف الل‬
‫نصوصها ووثائقها»‪ ،‬و«يف انتظار اإلمام»‪ ،‬و«حضارتنا يف ميدان الرصاع»‪ ،‬و«ملاذا‬
‫اليأس»‪ ،‬و«اإلسالم مبدأ»‪ ،‬وغريها‪.‬‬
‫وقد هنج شيخنا الفضيل يف كثري من كتاباته الثقافية منهجا وسطا جيمع بني‬
‫القديم االستنتاجي واجلديد االستقرائي‪ .‬وعرض كتاباته بأسلوب وسط أيضا جيمع‬
‫بني البحث العلمي واملقالة الصحفية ليكون قريبا من القارئ فيكون معه يف خمتلف‬
‫مستوياته الثقافية والذهنية‪.‬‬
‫وتتلمس هذا األسلوب جليا يف كتابه «يف انتظار اإلمام» بحيث حاول أن يبسط‬
‫األفكار املعمقة واملتشابكة حول مفهوم الدولة اإلسالمية وعرضها بأسلوب مقروء‬
‫ومفهوم من قبل القراء والباحثني مما يمهد للبحث فيها بشكل أعمق وأوسع‪.‬‬
‫وامتاز كتابه «يف انتظار اإلمام» عن غريه من الكتب التي تناولت مفهوم الدولة‬
‫اإلسالمية يف أن الشيخ الفضيل مزج بني فكرة «انتظار اإلمام» وفكرة «إقامة الدولة»‬
‫عىل أسس إسالمية‪ ،‬بحيث و ف فكرة إقامة الدولة اإلسالمية إجيابيا لدعم فكرة‬
‫انتظار اإلمام‪ .‬فيكون إقامة الدولة اإلسالمية يف زمن الغيبة هو مطلب رشعي يف‬
‫التمهيد لدولة اإلمام املهدي ‪ .C‬وهبذا تكون الدولة اإلسالمية ترمجان إجيايب هلذا‬
‫‪369‬‬

‫االنتظار‪.‬‬
‫ويمتاز هذا الكتاب أيضا بأنه كتاب استداليل‪ ،‬حيث استعرض الشيخ الفضيل‬
‫نصوص القرآن الكريم والسنة الرشيفة واآلراء املختلفة التي تناولت عنارص‬
‫املوضوع كال عىل حدة‪ .‬ومن ثم خلص إىل رأيه‪ .‬ويف هذا األسلوب فائدة تربوية‬
‫يضعها الشيخ الفضيل بني يدي الباحثني للتعرف عىل كيفية االستدالل‪.‬‬
‫ويعترب هذا الكتاب من الكتب األوىل التي حتدثت عن الدولة اإلسالمية‬
‫ووالية الفقيه وعن إمكانية تطبيقها يف عرص الغيبة واعتبارها ممهدة لدولة اإلمام‬
‫املنتظر ‪ .C‬إذ مل يعرف يف الفكر الشيعي كتاب قبله تناول الدولة اإلسالمية‬
‫باملفهوم احلديث‪.‬‬

‫‪ ‬احلكومة اإلسالمية‬
‫يضم الكتاب آراء اإلمام السيد اخلميني ‪ ‬االجتهادية حول احلكومة‬

‫اإلسالمية‪ ،‬وحول عدم إمكانية الفصل بني الدين والسياسة‪ ،‬وحول «والية الفقيه»‬

‫يف زمن الغيبة‪ ،‬وقد عرضها اإلمام السيد اخلميني عىل شكل سلسلة من الدروس‬
‫كان قد ألقاها عىل تالمذته يف احلوزة العلمية يف النجف األرشف وذلك يف عام‬
‫‪1969‬م‪ .‬وقد طبع هذا الكتاب عدة مرات باللغة العربية والفارسية قبل وبعد‬
‫انتصار الثورة‪.‬‬

‫‪ ‬اإلسالم يقود احلياة‬
‫وهو عبارة عن سلسلة من الدراسات كتبها الشهيد السيد الصدر رضوان اهلل‬
‫تعاىل عليه يف األيام األوىل النتصار الثورة اإلسالمية يف إيران‪ ،‬أي يف عام ‪1979‬م‪.‬‬
‫وكانت هذه الدراسات عبارة عن أجوبة ألسئلة واستفسارات وجهت إليه من قبل‬
‫جمموعة من علامء الدين يف لبنان حول قضايا أساسية تتعلق بالدولة اإلسالمية‪ ،‬مثل‪:‬‬
‫‪370‬‬

‫الدستور اإلسالمي وصالحية السلطة وغري ذلك من املواضيع التي تعد مسائل‬
‫مستحدثة وحساسة يف الواقع اإلسالمي اجلديد‪ .‬وقد قدم فيها الشهيد السيد الصدر‬
‫الرؤية اإلسالمية بصورة متطورة تواكب احلياة االجتامعية والسياسية‪.‬‬

‫‪ ‬الدولة اإلسالمية‬
‫يعترب هذا الكتاب «الدولة اإلسالمية» إصدار جديد وإعادة نظر للشيخ الفضيل‬
‫يف حماولته السابقة لكتابه «يف انتظار اإلمام» لدراسة موضوع (الدولة اإلسالمية)‬
‫منهجا وفكرا‪ .‬وقد حذف وأضاف ووسع يف بعض الفصول‪ .‬وقد طبع هذا الكتاب‬
‫يف عام ‪1979‬م‪.‬‬
‫وقد صنف الكتاب إىل مخسة فصول كاآليت‪:‬‬
‫‪ .1‬إقامة الدولة‪ :‬وقد دلل فيه عىل لزوم قيام الدولة اإلسالمية وبشكل خاص يف‬
‫املجتمع اإلسالمي‪.‬‬
‫‪ .2‬أركان الدول‪ :‬عرف فيه الدولة وعنارصها املكونة هلا‪.‬‬
‫‪ .3‬رئاسة الدولة‪ :‬استعرض فيه أقوال الفقهاء املسلمني يف رئيس الدولة اإلسالمية‪،‬‬
‫وأدلة تلك األقوال ومناقشتها‪ ،‬وأضاف إليه رأيه يف املسألة‪ ،‬وقد أوضح أيضا‬
‫مفهوم الوالية‪.‬‬
‫‪ .4‬تكوين الدولة‪ :‬عرض فيه شكل الدولة اإلسالمية وعرف الدستور اإلسالمي‪،‬‬
‫وسلط الضوء عىل السلطات داخل إطار تكوين الدولة اإلسالمية‪.‬‬
‫‪ .5‬مراقبة الدولة‪ :‬وبه ختم دراسته موضحا معنى املراقبة من قبل األمة‪ ،‬عارضا‬
‫بعض األمثلة لذلك‪.‬‬

‫‪ ‬اخلميين والدولة اإلسالمية‬
‫هذا الكتاب للشيخ حممد جواد مغنية ‪ ،‬طبع يف عام ‪1979‬م بعد انتصار‬
‫‪371‬‬

‫الثورة اإلسالمية يف إيران‪ .‬والكتاب يستعرض اآلراء واملتبنيات الفقهية للشيخ‬
‫مغنية‪ .‬ويسجل الشيخ مغنية يف هذا الكتاب شدة تفاعله يف الدفاع عن الثورة‬
‫اإلسالمية يف إيران‪ ،‬ويبني برصاحة تامة موقفه الداعم واملؤيد لإلمام اخلميني وشدة‬
‫إعجابه به‪.‬‬

‫‪ ‬نظرية والية األمة‬
‫هذا الكتاب للشيخ حممد مهدي شمس الدين ‪ ،‬طبع يف عام ‪1919‬م‪ .‬وفيه‬

‫يستعرض الشيخ شمس الدين فكرة «والية األمة عىل نفسها» وهي فكرة ختتلف عن‬
‫فكرة «والية الفقيه» لكنهام فكرتان متكاملتان من حيث األسس‪ .‬حيث أن فكرة‬
‫«والية األمة عىل نفسها» ال تعني عدم اختيار األمة فقيها لقيادهتا‪ ،‬وفكرة «والية‬
‫الفقيه» ال تعني أي فقيه‪ ،‬وإنام حترص األمر بالفقيه الذي تقبله األمة كام ينص عليه‬
‫الدستور اإليراين‪ .‬ولكن اجلديد يف فكرة الشيخ شمس الدين أهنا تعطي األمة احلق‬
‫يف اختيار من تشاء لوالية أمورها وإن مل يكن فقيها‪.‬‬

‫‪ ‬اخلالصة‬
‫بعد استعراض مجيع الدراسات التي ابتدأت هذه الورقة هبا يتبني للقارئ أن‬
‫الدراسات الثالث األوىل‪ :‬األسس اإلسالمية‪ ،‬ويف انتظار اإلمام‪ ،‬واحلكومة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وأضم معها أيضا كتاب الدولة اإلسالمية للشيخ الفضيل‪ ،‬بأهنا تعترب‬
‫اللبنات األساسية التي أصلت ونظرت ملفهوم الدولة اإلسالمية يف الفكر اإلسالمي‬
‫الشيعي‪ .‬ويف جمملها اتسمت هذه الدراسات بأهنا اشتملت عىل «مادة علمية بحثية‬
‫أولية»‪ .‬بحيث تناولت هذه الدراسات موضوعا مل يبحث من قبل بشكل معمق‪.‬‬
‫أما الدراسات الثالث األخرى وهي‪ :‬اإلسالم يقود احلياة‪ ،‬واخلميني والدولة‬
‫اإلسالمية‪ ،‬ونظرية والية األمة‪ ،‬تعترب يف جمملها دراسات تفاعلية مع انتصار الثورة‬
‫اإلسالمية يف إيران‪ ،‬مع َشء من االختالفات يف تفاصيلها‪ .‬حيث جتد دراسة الشهيد‬
‫‪372‬‬

‫السيد الصدر «اإلسالم يقود احلياة» ملهمة لكثري من مواد الدستور اإليراين‪ .‬ودراسة‬
‫الشيخ مغنية «اخلميني والدولة اإلسالمية» تعترب إشادة بالثورة اإلسالمية‪ .‬ودراسة‬
‫الشيخ شمس الدين «نظرية والية األمة» يف املجمل ناقشت فكرة «والية الفقيه»‬
‫وطرحت فكرة «والية األمة عىل نفسها»‪.‬‬

‫‪ ‬الـمـصـادر‬
‫ اخلميني‪ ،‬روح اهلل‪ .‬احلكومة اإلسالمية‪1969 ،‬م‪.‬‬‫ شمس الدين‪ ،‬حممد مهدي‪ .‬نظرية والية األمة‪1919 ،‬م‪.‬‬‫ الشيخ‪ ،‬حسني منصور‪ .‬الدكتور الفضيل يفتح أوراقه للحوار‪2009 ،‬م‪.‬‬‫ الصدر‪ ،‬حممد باقر‪ .‬اإلسالم يقود احلياة‪1979 ،‬م‪.‬‬‫ الصدر‪ ،‬حممد باقر‪ .‬ملحة فقهية متهيدية عن مرشوع دستور اجلمهورية اإلسالمية‬‫يف إيران‪1979 ،‬م‪.‬‬
‫ الصدر‪ ،‬حممد باقر‪ .‬األسس اإلسالمية‪1951 ،‬م‪.‬‬‫ الفضيل‪ ،‬عبد اهلادي‪ .‬األسس اإلسالمية‪ :‬عرض وبيان ملا وضعه الشهيد الصدر‬‫من أصول للدستور اإلسالمي‪ ،‬جملة املنهاج‪ ،‬العدد ‪2000 ،17‬م‪.‬‬
‫ الفضيل‪ ،‬عبد اهلادي‪ .‬الدولة اإلسالمية‪1979 ،‬م‪.‬‬‫ الفضيل‪ ،‬عبد اهلادي‪ .‬يف انتظار اإلمام‪1961 ،‬م‪.‬‬‫ الفضيل‪ ،‬عبد اهلادي‪ .‬اإلسالم مبدأ‪1966 ،‬م‪.‬‬‫ الفضيل‪ ،‬عبد اهلادي‪ .‬ملاذا اليأس‪1966 ،‬م‪.‬‬‫ الفضيل‪ ،‬عبد اهلادي‪ .‬حضارتنا يف ميدان الرصاع‪1964 ،‬م‪.‬‬‫ الفضيل‪ ،‬عبد اهلادي‪ .‬ثورة احلسني ‪ C‬يف الل نصوصها ووثائقها‪1963 ،‬م‪.‬‬‫ الفضيل‪ ،‬عبد اهلادي‪ .‬مشكلة الفقر‪1962 ،‬م‪.‬‬‫ الفضيل‪ ،‬عبد اهلادي‪ .‬الرتبية الدينية‪1960 ،‬م‪.‬‬‫‪ -‬مغنية‪ ،‬حممد جواد‪ .‬اخلميني والدولة اإلسالمية‪1979 ،‬م‪.‬‬

‫‪373‬‬

‫الشيخ الفضلي العالم املوسوعي‬

‫د‪ .‬فهد إبراﻫيم أبو العصاري ‪ -‬املدينة املنورة‬
‫بعض الناس تعرفه حينام تتحدث إليه ويتحدث إليك وبعضهم تعرفه من‬
‫خالل قراءاتك عنه وبعضهم تعرفه من خالل قراءتك كتبه ومقاالته وربام تعرفت‬
‫عليه من خالل خطبه‪ ،‬كذلك هناك دور لالحتكاك املبارش واملخالطة سواء يف العمل‬
‫بعضا‪.‬‬
‫أو اجلوار أو أماكن العبادة ليعرف الناس بعضهم خ‬
‫من الناس من تستطيع أن تقنع نفسك أنك عرفته من جلسة واحدة لكن‬
‫البعض اآلخر ربام حتتاج إىل مدة طويلة حتى تتمكن من كشف بعض خمبوءاته‬
‫وعنارص شخصيته‪.‬‬
‫بالنسبة لشيخنا الفاضل آية اهلل الدكتور عبد اهلادي الفضيل ‪ ‬من النوع الذي‬

‫تعتقد أنك تستطيع أن تعرفه بسهولة لقربه من الناس وقرهبم منه ولكثافة إنتاجه‬
‫اخلطايب والكتايب والتدرييس‪.‬‬
‫غامضا‪،‬‬
‫لكن احلقيقة غري ذلك‪ ...‬إنه بحر عميق يصعب غوره‪ ،‬الرجل مل يكن‬
‫خ‬

‫أبدخ ا ال َشء من ذلك‪ ...‬لكنه كان موسوع ًّيا بكل ما حتمله هذه الكلمة من معنى‬
‫وهذا ‪ -‬باعتقادي‪ -‬رس عدم القدرة عىل كشف كل جوانب شخصيته‪.‬‬

‫‪374‬‬

‫كان ‪ ‬متواض خعا لدرجة أنه قد يكون يف جملس فال ُيعامل كام ُيعامل أصحاب‬

‫الفضيلة وأصحاب املعايل والسعادة‪ ...‬إنه جزء من ذلك اجلمهور ال أكثر‪ ...‬وأذكر‬
‫أنه إ ّبان وجوده يف جده وكان وقتها أستا خذا يف جامعة امللك عبد العزيز ‪ -‬كان يف‬
‫املوسم احلسيني حيرض بعض املجالس احلسينية شأنه شأن أي مستمع آخر ومل ُيطلب‬
‫منه أن يشارك بمحارضة أو كلمة يف تلك املجالس وكان اخلطباء يف ذلك الوقت‬
‫قلييل اخلربة بمتطلبات اخلطابة احلسينية‪ ...‬كذلك مل يبادر هو اىل الطلب من‬
‫أصحاب املجلس أن يكون له دور‪ ...‬كان حيرض لربكة املجلس ويستمع ويرج كأي‬
‫فرد آخر من أفراد املجتمع‪.‬‬
‫نعم‪ ،‬إن زمالءه يف العمل عرفوا مقدار علمه وتفوقه يف مواد اللغة العربية عىل‬
‫رئيسا لقسم اللغة العربية‪.‬‬
‫وجه اخلصوص فاختاروه باإلمجاع خ‬
‫تقرأ كتبه مرة وأخرى وثالثة فتزداد إعجا خبا هبذا العامل املحقق وينكشف لك يف‬
‫كل قراءة شي خئا جديدخ ا جيعلك منجذ خبا نحوه‪.‬‬
‫مفكرا يشغل تفكريك وينشطه‪ ،‬ال يفرض نفسه إال‬
‫تستمع إىل خطاباته فتخاله‬
‫خ‬

‫بمقدار ما يقتنع من يستمع له‪ ...‬يطرح آراءه للمناقشة‪ ،‬يتقبل آراء اآلخرين‬
‫وحيرتمها‪ ،‬وهبدوء يقرع احلجة باحلجة فال متلك إال أن حترتمه حتى لو خالفته‬
‫بالرأي‪.‬‬
‫كان سامحة الشيخ الفضيل ‪ ‬أكاديم ًّيا من الطراز األول‪ ،‬عمق يف الفكر‪،‬‬
‫دماثة يف األخالق‪ ،‬قدرة عىل اإلدارة‪ ،‬متكن من مواده التي يدرسها‪.‬‬
‫كان يبذل برشه للجميع وابتسامته ال تفارقه‪ ،‬كان يعي ويطبق ما روي عن‬
‫السيدة فاطمة الزهراء ‪« :‬البرش يف وجه املؤمن يوجب لصاحبه اجلنة‪ ،‬والبرش يف‬
‫وجه املعاند املعادي يقي صاحبه عذاب النار»‪.‬‬

‫‪375‬‬

‫يلتف حوله طالبه وزمالؤه يف اجلامعة لينهلوا من نمري علمه وليسرتشدوا‬
‫بآراءه‪ ..‬يتعامل معهم كأحدهم أساتذة كانوا أم طال خبا‪ ..‬فال يتميز عنهم بيشء إالّ‬
‫بخربته وجتربته وواسع علمه‪.‬‬
‫يف احلوزة وصل درجة االجتهاد وهي مرحلة متقدمة يف العلوم الدينية ولكنه‬
‫بقي ذلك املتواضع القليل الكالم الكثري العلم‪ ..‬يعرفه طالب العلوم الدينية‬
‫املتفوقون فريتاحوا إىل جملسه وهيتموا بفكره ورأيه‪.‬‬
‫أيضا كثري العمل وبالذات العمل‬
‫وان كان شيخنا الفضيل كثري العلم فقد كان خ‬
‫الفكري‪ ..‬لقد ترك خلفه ‪ ‬أكثر من سبعني مؤل خفا باإلضافة إىل بعض التحقيقات‬
‫ملن سبقه من العلامء‪ ..‬ومن هذه املؤلفات ما تبنته بعض اجلامعات وبعض احلوزات‬

‫العلمية مثل‪:‬‬
‫‪ .1‬خالصة علم الكالم‬
‫‪ .2‬خمترص النحو‬
‫‪ .3‬تلخيص العروض‬
‫‪ .4‬أصول البحث‬
‫‪ .5‬مذكرة املنطق‬
‫وغريها‪.‬‬
‫وللفضيل ‪ ‬كتابات أثرت الساحة الدينية واألدبية واالجتامعية عىل حد سواء‬

‫ومن أمثلة ذلك‪:‬‬

‫‪ .1‬الغناء‬
‫‪ .2‬الالمات‬
‫‪ .3‬حتقيق الرتاث‬
‫‪376‬‬

‫‪ .4‬مراكز الدراسات النحوية‬
‫‪ .5‬الدولة اإلسالمية‪.‬‬
‫وغريها الكثري‪.‬‬
‫ومن مؤلفاته الالفتة كتابه املوسوم (مشكلة الفقر) والذي عرض فيه ألهم‬
‫وبني أرضار هذه املشكلة وأسباهبا وطرق معاجلتها ‪-‬‬
‫مشكلة تواجه العامل وهي الفقر َّ‬
‫حتى لتحسبه رجل اقتصاد واجتامع ال ينازع‪.‬‬

‫كام كتب ‪ ‬يف السياسة حيث له كتاب بعنوان (رأي يف السياسة) خلص فيه‬

‫بعض العناوين يف هذا املجال كاملعرفة ودورها يف حتصيل العقيدة وتوفري حق احلياة‬
‫والثقافة العلمية االجتامعية والفكر الترشيعي‪.‬‬
‫كام حتدث يف هذا الكتاب عن بعض املغالطات السياسية والتالعب باأللفاظ‬
‫وركز عىل أمهية األولوية للهوية اإلسالمية‪.‬‬
‫أما بالنسبة للتوجيه عرب املنرب احلسيني فقد كان املرحوم الفضيل من أبرز‬
‫اخلطباء غري التقليديني‪ ،‬وقد أحسن بيت احلكمة الثقايف صن خعا حيث مجع بعض‬
‫خطبه يف الكتاب املوسوم (النهضة احلسينية بني مقتضيات الواقع االجتامعي والقيام‬
‫بالواجب الرشعي)‪ :‬حيث نأى بالقضية احلسينية عن بعض اجلوانب التي ألصقت‬
‫فيها كاجلانب الفئوي والقبيل وبني كيف أن احلسني ‪ C‬إنام قام بواجب األمر‬
‫باملعروف والنهي عن املنكر والتغيري من حالة االنحدار التي فرضتها السياسة‬
‫األموية عىل الناس وكل ذلك من اجلانب الرشعي الذي يمليه الوضع القائم آنذاك‬
‫عىل املسلمني – يأيت احلسني ‪ C‬يف الطليعة‪ ،‬حيث أنه أحق من غري‪.‬‬
‫نعم كان التغيري يتطلب تضحية هائلة‪ ،‬لكن احلسني ‪ C‬وأهل بيته وأصحابه‬
‫اخللص كانوا عىل استعداد لتقديم تلك التضحية املطلوبة‪.‬‬
‫‪377‬‬

‫ومن هنا جاءت خطابات الفضيل التي ضمها هذا الكتاب لتعطينا قراءة‬
‫صحيحة للثورة احلسينية وأبعادها ومراميها وأهدافها ومن ثم تطوراهتا ونتائجها‪،‬‬
‫والتي رسخت يف الناس قابلية التضحية بالنفس والنفيس من اجل املبادئ –‬
‫فاألجساد متوت لكن املبادئ تبقى عىل قيد احلياة ما شاء اهلل‪.‬‬
‫وواقعنا اليوم يشهد عرب املجالس واملواكب وكل وسائل اإلعالم إن تضحية‬
‫احلسني ال مثيل هلا وإن انتصار الدم عىل السيف حقيقة ال مواربة فيها‪.‬‬
‫خريا بام قدم وجعله من رفقاء‬
‫رحم اهلل شيخنا الفضيل رمحة واسعة وجزاه خ‬
‫حممد وآل حممد صلوات اهلل عليهم أمجعني‪ ..‬وجعل الربكة فيمن خلفهم بعده من‬
‫أبناء وطالب ومتابعني واحلمد هلل أوالخ‬
‫وأخريا‪.‬‬
‫خ‬

‫‪371‬‬

‫الشيخ الدكتور عبد اهلادي الفضلي مثا ًال للعامل‬
‫الفاضل‬

‫األستاذ عامر كاظم‬
‫يف أحاديث أئمة أهل البيت ‪ A‬حديث عن صفة العلامء‪ ،‬ألن للعلامء دورهم‬
‫الكبري يف التأثري عىل األمة‪ ،‬فإذا كانوا يف مستوى العلم ويف مستوى الرسالة‪ ،‬فإهنم‬
‫يستطيعون أن يرتفعوا باألمة ليعطوها من العلم احلق‪ ،‬ومن الرسالة العدل واخلري‬
‫واالنفتاح‪ ،‬لينفتح اإلنسان عىل اهلل ألن أي علم ال ينفتح عىل اهلل فهو جهل‪.‬‬
‫حدد األئمة من أهل البيت ‪ A‬صفات العلامء واعتربوا أن قضية العلم تكمن‬
‫يف أن ينطق اإلنسان مع الناس كلهم ومع احلياة كلها يف احلق كله ويف العدل كله‪،‬‬
‫ويف آفاق اهلل بقدر ما يتسع له املجال يف أن ينفتح عىل آفاق اهلل‪.‬‬
‫ففي احلديث عن اإلمام الصادق ‪ C‬فيام رواه معاوية بن وهب‪ ،‬قال‪:‬‬
‫سمعت أبا عبد اهلل ‪ C‬يقول‪« :‬اطلبوا العلم يف أي مكان جتدونه‪ ،‬ويل هناك مكان‬
‫ُحيظر فيه العلم‪ ،‬فإذا انفتحتم عىل طلب العلم ففكروا أنه ال بد أن يلتقي مع سعة‬
‫الصدر‪ ،‬ألنك لن تكون عا خملا كام هو العلم يف قيمته اإلنسانية إذا مل يتسع صدرك‬
‫للذين يتلفون معك‪ ،‬والذين يرفضون أفكارك لتدخل معهم يف حوار العلم مع‬
‫العلم‪ ،‬ولتثبت هلم بالعلم أهنم خمطئون إذا كانت احلقيقة ختتلف عام التزموا به أو‬
‫‪379‬‬

‫تقتنع بام عندهم إذا قدموا لك احلجة والربهان والدليل»‪.‬‬
‫«وتزينوا باحللم والوقار»‪ ،‬فالعلم ليس إنسا خنا يتبخرت ويستعرض عضالته‬
‫وكلامته‪ ،‬ولكن العامل من يعيش وقار العلم ألن العلم يعطيه السكينة وهذا اهلدوء‬
‫اإلنساين الذي جيعله يتحرك مع الناس بإنسانيته دون جعجعة ودون خيالء‪.‬‬
‫«وتواضعوا ملن تعلمونه العلم» فال تتضخم شخصيتكم بام متلكونه من العلم‬
‫عىل من هو دونكم‪ ،‬بل تواضعوا له وكونوا له قدوة حسنة ومتواضعة يف كل نظرية‬
‫تعلمونه إياها‪.‬‬
‫ويف احلديث عن اإلمام الرضا ‪ C‬قال‪« :‬إن من عالمات الفقه احللم»‪ ،‬ألن‬
‫احللم يعلم اإلنسان سعة الصدر عندما يواجه األفكار املختلفة وجيعل اإلنسان‬
‫يعيش معنى اإلنسانية يف ذاته‪.‬‬
‫فقيدنا الراحل آية اهلل الدكتور عبد اهلادي الفضيل كان مثاالخ صاد خقا للعامل‬
‫الرباين والفقيه املجدد واملفكر الرسايل الذي تربى عىل يديه وعرب مناهجه الدراسية‬
‫العلمية جيل من العلامء واملثقفني الرساليني وأثرى الساحة بعطائه الفكري األصيل‪.‬‬
‫الشيخ الفضيل كان قمة يف العلم والفضل‪ ،‬ومث خ‬
‫ال أعىل يف اخللق والتواضع‬
‫وسعة الصدر وحبه للناس‪.‬‬
‫هذه الشخصية التي عرجت إىل رهبا راضية مرضية تنقلت بني ربوع الفضيلة‬
‫ومعاهد العلم‪ ،‬وكان ‪ ‬مفخرة من مفاخر احلوزات العلمية واجلامعات واملعاهد‬
‫العلمية والدينية‪ ..‬كام أشار السيد الشهيد الصدر يف رسالته للشيخ الفضيل إىل مكانته‬

‫رقام من األرقام احلية عىل عظمة هذه احلوزة‬
‫ومقامه «ممن يرفع الرأس عال خيا ويشكل خ‬
‫وأم خ‬
‫ال من آمال احلوزة ومفاخرها»‪ ،‬وكان رفيق درب للمرحوم املرجع السيد حممد‬
‫حسني فضل اهلل‪ ،‬حيث عرب عن هذه العالقة يف رسالته «هكذا عرفناك يا أبا عيل خ‬
‫أخا‬
‫‪310‬‬

‫كبريا‬
‫خ‬
‫عزيزا ورفيق درب طويل حتى عربت إىل ضفة اخللود‪ ،‬ترك رحيلك فرا خغا خ‬

‫وكان له األثر البالغ يف النفوس»‪.‬‬

‫فقيدنا الراحل الشيخ الفضيل مل يقترص دوره ونشاطه عىل الدراسة والتدريس‬
‫احلوزوي واألكاديمي‪ ،‬بل ساهم يف جتديد املناهج احلوزوية وإصالحها من خالل‬
‫تأليف العديد من الكتب وإعدادها ومنها كتب مذكرة املنطق‪ ،‬خالصة علم الكالم‪،‬‬
‫أصول البحث‪ ،‬أصول احلديث‪ ،‬أصول علم الرجال‪ ،‬مبادئ علم الفقه‪ ،‬وغريها من‬
‫الكتب واملؤلفات يف الفكر اإلسالمي وعلوم اللغة العربية‪.‬‬
‫رمحك اهلل يا شيخنا العزيز كل من عرفك شهد بأخالقك العملية العالية عىل‬
‫املستوى السلوكي واحرتامك للحرية يف ممارسة قناعات اآلخرين‪ ،‬وعملك بصدق‬
‫للوحدة اإلسالمية فكنت من الشخصيات اإلسالمية البارزة يف العمل الوحدوي‪،‬‬
‫فمن أمثالكم نتعلم احلرص يف حتصيل العلم واملعرفة ونتعلم كيف تعمل هبدوء‬
‫وصمت‪.‬‬
‫فقدناك يا شيخنا الفضيل‪ ،‬نسأل اهلل تعاىل أن يتغمد روحك الطاهرة بالرمحة‬
‫الواسعة‪ ،‬وحيرشك مع األنبياء والصديقني والصاحلني واألئمة الطاهرين ‪.A‬‬

‫‪311‬‬

‫مسات املشروع الفقهي عند العالمة الفضلي‬

‫الشيخ صالح حممد الغانم‬
‫أرأيــت مــن حـــملوا عــىل األعـ م‬
‫ـواد‬
‫جبل هوى لو خر يف البحـر اغتـدى‬
‫أعلم قبل ح اطـك يف الثـرى‬
‫ما ُ‬
‫كنت ُ‬

‫(* )‬

‫أرأيــت كيــف خبــا ضــياء النــادي‬
‫م‬
‫األزبـــاد‬
‫متتـــابع‬
‫مـــن وقعــــه‬
‫ُ‬
‫أن الثـــرى يعلــو عــىل األطــوادم‬

‫مل يكن الشيخ الدكتور الفضيل ‪ ‬يمثل قم خة تراثي خة ألهل منطقته فحسب‪ ،‬بل كان‬
‫وفكرا وأد خبا «سخر‬
‫وعلام‬
‫خ‬
‫قمة شاخم خة منري خة لألمتني اإلسالمية والعربية ّقل نظريه سم ختا خ‬
‫نفسه خلدمة اإلسالم يف خمتلف املجاالت الفقهية واألصولية والتاريية واألدبية»(‪.)1‬‬

‫حيث «قىض العالمة الفقيد عمره الرشيف يف اجلهاد العلمي والسيايس‬
‫والدفاع عن مقدسات األمة اإلسالمية وقضاياها العادلة‪ ..‬كان ‪ ‬مال خذا لعلامء‬

‫األمة حيث جسد بفكره وحركته وجهاده وجهوده الوحدوية قدوة لتأليف القلوب‬

‫وتوحيد الصف اإلسالمي»(‪.)2‬‬
‫(*) منتدى السهلة األديب‪ ،‬الطرف ‪1434 /5 /21‬ه‬
‫(‪ )1‬من كلمة تأبينه للشيخ حممد عيل التسخريي ‪1434/ 5 /27‬ه‪.‬‬
‫(‪ )2‬تأبني قائد الثورة اإلسالمية يف إيران السيد عيل اخلامنئي ‪1434/ 5 /21‬ه‪.‬‬

‫‪312‬‬

‫وسيكون كتابه املوسوم (مبادئ علم الفقه) مدار االستنطاق والتعليق يف‬
‫موضوعنا هذا عن سامت املرشوع الفقهي عند الفضيل‪.‬‬
‫وأهم هذه السامت التي متيز هبا بحث الشيخ الفضيل ‪ ‬يف مرشوعه الفقهي هي‪:‬‬
‫‪ .1‬العنرص التعليمي‪ :‬والذي يزود الدارس باملعلومات الوافية عن املادة املطلوبة‪.‬‬
‫يعرف الدارس كيفية التعامل مع املعلومة‬
‫‪ .2‬العنرص الرتبوي‪ :‬وهو الذي ا‬
‫واستثامرها‪ ،‬ويفتح آفاق ذهنه عىل خمتلف شؤون احلياة ذات العالقة‪.‬‬

‫هبدف تكوين الذهنية العلمية التي تساعد الطالب عىل االنتقال من مرحلة إىل‬
‫أخرى ولديه من التجارب ونكات التفكري ما جتعله يشق عباب العلم إىل شواطئه‬
‫بكل يرس وسهولة‪.‬‬
‫‪ .3‬العنرص التتبعي‪ :‬حيث نالحظ الشيخ الفضيل يتتبع املعلومة من املعاجم‬
‫ليكون لدى‬
‫واملوسعات والكتب التخصصية والرشوح واحلواَش واملدونات‪ ،‬ا‬
‫املتعلم حصيلة وافية تؤهله جلمع اآلراء املختلفة والرتجيح بينها‪.‬‬
‫‪ .4‬العنرص الشمويل‪ :‬فال يرتيض الشيخ الفضيل يف تناوله لعلم من العلوم أن يذكر‬
‫آخر ما توصل له العلامء يف هذا املجال بل يستعرض كل ما له عالقة من بعيد‬
‫الزمن أو قريبه باملوضوع هبدف توسيع مدارك القارئ أو الدرس لكل ما‬
‫سيواجهه يف ميدان التحصيل العلمي‪.‬‬
‫مث خ‬
‫ال‪ :‬تناول يف موسوعة (مبادئ علم الفقه) تعريف الفقه وموضوعه وفائدته‬
‫وحكم تعلمه‪ ،‬ويقول‪( :‬رأيت أن أهنج يف تبويب موضوعات الفقه ‪ -‬هنا ‪ -‬طريقة‬
‫التطعيم‪ ،‬فألتزم بالقديم مع تطعيمه بيشء من احلديث‪ ،‬حتى يسهل عىل الدارس‬
‫الرجوع إىل كتب الرتاث الفقهية)(‪.)1‬‬
‫(‪ )1‬مبادئ علم الفقه ‪ -‬الفضيل ج‪ 1‬ص‪.21‬‬

‫‪313‬‬

‫و َب َّوب كتابه مبادئ علم الفقه بطريقة جديدة تشحذ األذهان وتنظيم املطلب‪:‬‬
‫ أهلية التكليف‬‫ العبادات‬‫ األحوال الشخصية‬‫ املعامالت املالية‬‫ األطعمة واألرشبة‬‫ اإللزامات الشخصية‬‫ احلكم‬‫ العقوبات‪.‬‬‫نادرا إن مل نقل ال نجده غال خبا يف كتب العلامء‬
‫‪ .5‬التتبع التاريي‪ :‬هذا العنرص خ‬
‫الفقهية‪ ،‬فرتاه يف باب احلج مث خ‬
‫ال عندما يتناول املواقيت‪ ،‬تراه يعرفها وحيقق يف‬
‫أسامئها التاريية واحلديثة ومواقعها وطرقها مدع ُام ذلك بالصور واملشجرات‪،‬‬
‫ويربطها بالطرق عىل الواقع املعاش عىل األرض؛ وجتده يتبع ذلك يف كل معامل‬
‫احلج والزيارة‪ ،‬واجلزء الثالث من كتابه املبادئ اخلاص باحلج نجد شواهد كثرية‬
‫هلذا املنهج‪.‬‬
‫‪ .6‬عنرص التبسيط‪ :‬وهذا من أبرز ما متيز به الفضيل ‪ ‬حيث جتد مؤلفاته بشكل‬

‫عام تنحو منحى التسهيل والتبسيط ليتعامل الطالب مع املادة العلمية بيشء من‬

‫االستيعاب من غري تشتت أو هتيب فيتخرج ناضج الفكر يعطي دروسه ملن بعده‬
‫عىل منهج واضح ميرس‪.‬‬
‫‪ .7‬التعامل مع كل اآلراء واالجتاهات بأسلوب علمي ومهذب‪ :‬فال يستهني رأ خيا‬
‫وال يستبعد مذه خبا‪ ،‬فهو يتتبع آراء الفقهاء القدماء واملتأخرين وحتى متأخري‬
‫كثريا ما يلحق يف كل باب رأيه الفقهي ‪ ‬بام هو الراجح‬
‫املتأخرين‪ ،‬و خ‬
‫أيضا خ‬
‫عنده؛ ولو هيأ لشخص أن جيمع آرائه من هذه املوسوعة لتكونت عندنا رسالة‬

‫عملية بأهم آرائه الفقهية‪.‬‬
‫‪314‬‬

‫‪ .1‬حسن التصنيف‪ :‬إذ نجد الشيخ الفضيل يتار يف مؤلفاته ما يسد به املكتبة‬
‫اإلسالمية ويكثر من روافدها فقد ألف يف جماالت شتى بحسب طاقته وفكره ما‬
‫سد به رفوف املكتبة اإلسالمية بام هو مفيد ونافع‪.‬‬
‫‪ .9‬العنرص التنظيمي املستمر‪ :‬فالشيخ الفضيل ال ختتلف حمارضاته عن كتبه يف‬
‫التنظيم وإعطاء املعلومة بوثوق وأرحييه ليعكس حرصه عىل القارئ أو املتلقي‬
‫يف االستفادة مما يطرح ويكتب‪.‬‬
‫‪ .10‬تضمني املالحق‪ :‬فغال خبا ما نجد العالمة الفضيل يف أكثر كتبه يضع مالح خقا‬
‫استقاها من موسوعات أخرى يقصد هبا عموم الفائدة وكامهلا‪ ،‬فقيمة كل امرئ‬
‫ما حيسنه‪.‬‬
‫وكام قيل قدي خام‪( :‬إن للرجل نصي خبا من اسمه)‪.‬‬
‫وهكذا الشيخ عبد اهلادي الفضيل‪ ،‬حيث اهتدى بنور علمه ومنربه الكثري من‬
‫املسلمني بشتى أطيافهم وطبقاهتم‪ ،‬كام هو الفضيل إذ بفضله سام يف معايل العلم‬
‫واألخالق‪.‬‬
‫ويا حلسن ما قال فيه الشاعر األستاذ أبو متام حسن الربيحي‪:‬‬
‫ُ‬
‫القنــديل‬
‫ســبعون عا خمــا مــا خبــا‬

‫ــر خة‬
‫مــن أيــن أرسجــت العزيمــة ُم َّ‬

‫يف كـــل عصـــف يســـتجدُ فتيـ ُ‬
‫ــل‬
‫وزمــان م‬
‫(قومــك) خ َامـ ٌـل مشـ ُ‬
‫ـلول‬

‫رمحك اهلل أهيا الشيخ اجلليل رمحة مكللة بالرضا واإلكرام‪ ،‬فقد رحلت عنا‬
‫جمل خ‬
‫ال بنور العلم والصرب وتلك عقبى الصابرين املحتسبني‪.‬‬
‫فإنا هلل وإنا إليه راجعون‪.‬‬

‫‪315‬‬

‫من ذكريات الفضلي (استراتيجية نشر فتوى اإلمام‬
‫احلكيم)‬

‫األستاذ حممد بن الشيخ يوسف اجلعفر‬

‫(*)‬

‫يف عرص مرجعية زعيم الطائفة آية اهلل العظمى السيد حمسن احلكيم ‪ ‬اجتاح‬

‫املد الشيوعي أنحاء العراق من أوله اىل آخره حتى أصيب الناس باليأس وأن‬
‫الشيوعية ستستويل عىل العراق وينتهي الدين ومعامله‪ ،...‬فلجأ الناس إىل السيد‬
‫احلكيم ليقول كلمته‪.‬‬
‫فلام أصدر السيد احلكيم فتواه (الشيوعية كفر واحلاد)‪ ...‬كان ذاك الوقت‬
‫ضوا يف هيئة حترير جملة األضواء جلامعة العلامء (مؤلفه من‬
‫الدكتور الشيخ الفضيل ع خ‬
‫السيد حممد حسني فضل اهلل‪ ،‬والشيخ حممد مهدي شمس الدين‪ ،‬والشيخ كا م‬
‫احللفي‪ ،‬والفضيل)‪.‬‬
‫يقول الدكتور الفضيل‪ :‬سألني السيد مهدي نجل السيد احلكيم‪ :‬متى تذهبون‬
‫إىل بغداد ألعامل املجلة‪ ،‬فقلت ربام غدخ ا أو بعد غد أنا والشيخ كا م احللفي فطلب‬
‫أن أقابله أنا والشيخ كا م‪ ،‬فلام التقينا أخرج السيد مهدي الفتوى بخط السيد‬
‫(*) املصدر‪ :‬حمارضة يف تأبني الشيخ األراكي‪.‬‬

‫‪316‬‬

‫احلكيم وختمه وقال‪ :‬أريد أن تذهبا إىل بغداد وتنرشاها عن طريق الصحف‪ ،‬قلت‪:‬‬
‫هذا املوت األمحر راح يقطعوننا ويسحلونا وينكلون بنا لو علموا هبذا قال‪ :‬ال أحد‬
‫رسا حتى تنرش يف الصحف‪.‬‬
‫يعلم هبا إالّ السيد وأنتام‪ ،‬وسيبقى األمر خ‬
‫فخرجنا وركبنا سيارة إىل الكوفة وفيها جتولنا بعد أن أخفينا الفتوى يف مكان‬
‫نقدر أن ال يصلوا إليها أحد باسرتاتيجية درست مع السيد مهدي‪ ،‬وبعدها ركبنا إىل‬
‫احللة ونزلنا باحللة فتجولنا لكيال يفهم أننا نريد بغداد فنراقب‪ ،‬وبعدها ركبنا إىل‬
‫بغداد وكانت االسرتاتيجية أن تنرش الفتوى يف جريدة احلرية للقوميني وجريدة‬
‫اجلهاد للحزب اإلسالمي إلخواننا أهل السنة‪.‬‬
‫وهناك ذهبنا إىل شخص شيعي معمم من احلزب اإلسالمي نطمئن إليه فقلنا له‬
‫املوضوع فقال‪ :‬ما يرتبط بجريدة اجلهاد أنا أتواله وما يرتبط باحلرية أنتام تتوالنه‪.‬‬
‫وبعدها ذهبنا واتصلنا بشخص من جريدة احلرية ألننا ال نستطيع دخول‬
‫مكاتب اجلريدة ألننا كنا مراقبني بشدة فلام جاءنا قلنا له أهم َش تأخذ الفتوى‬
‫بالزنكوغراف أربع نسخ وتسرتجع لنا األصلية‪ ،‬وقام برسية تامه وعمل ما عمل‬
‫فأخذ نسخة للجهاد ونسخة له جلريدته باحللة‪ ،‬ونسخة للحرية‪ ،‬وكنا اشرتطنا أال‬
‫تطبع الفتوى إالّ يف آخر حلظة طباعة اجلريدة كي ال هيجم الشيوعيون وحتذف‬
‫الفتوى وأن ال يشاع عنها أي َشء‪.‬‬
‫وبعدها رجعنا إىل النجف األرشف ووصلنا قريب الفجر وأخربنا السيد‬
‫مهدي باملوضوع وعىل أن يبقى التكتم إىل أن تنزل الفتوى بالصحف‪ ،‬وعندما تأخر‬
‫وصول الصحف للنجف‪ ،‬تم االتصال ببغداد فقيل أن السيد احلكيم أصدر فتوى‬
‫بكفر الشيوعية وإحلادها وحرمة االنتامء للحزب الشيوعي فتهافت الناس عىل‬
‫الصحف ووقعت أحداث وأحداث‪ ،‬فممكن أن تصلكم سيارة الصحف وقد ال‬
‫تصلكم‪.‬‬
‫‪317‬‬

‫وملا وصلت السيارة للنجف هتافت الناس عىل السيارة وهكذا انترشت الفتوى‬
‫وعززت بفتوى من املراجع اآلخرين‪ ،‬ولو مل يكن هذا التحرك من السيد احلكيم ما‬
‫كان ليقىض عىل الشيوعية‪.‬‬
‫وهبذه املناسبة أنشد الشيخ أمحد الوائيل ‪:‬‬
‫حتـــى تـــداركنا كالرعـــد منطلقـــا‬

‫صوت الفتاوى عىل أفواه مـن زأروا‬

‫دوى هبــا نفــر مــن خيـــر قادتنــا‬

‫عن ـد اخلطــوب فمرحــى أهيــا النف ـر‬

‫فانجاب ليل وولـت لمـة ومشـى‬

‫ضــوء ورفــرف فــتح أبلــج نضـــر‬

‫‪311‬‬

‫وترجل الفارس‬

‫األستاذ عبد اهلل عبد الرمحن – اإلمارات‬

‫لـمــــاذا ختـــريت ركنخـــا قصـــيا‬

‫وخلفـــت كـــل املـــرارات فيـــا‬

‫وهكذا ترجل الفضيل عن جواده‪.‬‬
‫ترجل واألمة اإلسالمية بأمس احلاجة اليه‪.‬‬
‫ّ‬
‫ترجل الفارس الذي كان جيوب سوح الظالم بفانوس العلم واملعرفة والوعي‬
‫روح جمبولة من اخللق‬
‫فيبدد لمة اجلهل والتخلف بنور العلم واملعرفة وسكنت ٌ‬
‫ال ب ٍ‬
‫الرفيع‪ ،‬والسجايا التي تبسط فروعها عىل رؤوس حمبيه فتنشئ قلوهبم أم خ‬
‫حياة قد‬
‫شوهتها املصالح واملآرب‪.‬‬
‫ترجل الفضيل‪ ،‬بل ترجل التواضع واألرحيية الفذة‪ ،‬ترجل خمل خفا وراءه‬
‫حرسات وحرسات تتبعه يف رحلته األخرية إىل رحاب الرضوان‪.‬‬
‫يقينخا يا أبا عامد إن ترجلك فريد من نوعه فقد ترك يف قلوب حمبيك شهقة ما‬
‫وجرحا ما إخاله سيندمل‪.‬‬
‫أ نها ستهدأ‪،‬‬
‫خ‬
‫‪319‬‬

‫ٍ‬
‫إيه أبا عامد‪ ...‬ترى من سيودعك يف هذا الرحيل‪ ،‬وكل َشء حولنا يلهج‬
‫بعطاياك الفكرية واملعرفية‪.‬‬
‫وال ريب أن الكثريين يرحلون‪ ،‬وينتقلون من هذه احلياة الدنيا إىل احلياة‬
‫وناقوسا يرتدد صداه‬
‫اآلخرة‪ ،‬لكن القليل من يرتك انتقاله صو ختا مدو ًّيا يف النفوس‪،‬‬
‫خ‬
‫كل حني‪ ،‬إهنم أنت وأمثالك يا أبا عامد‪ ،‬أنت وأمثالك من حباهم اهلل وألبسهم رداء‬

‫األنبياء وكللهم بإكليل العلامء‪ ،‬وكانوا الرقم الصعب يف معادلة العلم والعمل‪ ،‬أنت‬
‫يا أبا عامد من كنا ندرأ بنور علمه لمة اجلهل ون ّقوم به اعوجاج تفكرينا اهلائج‪،‬‬
‫ونستنري به كلام هبت عواصف التخلف اهلوج‪.‬‬
‫ترجل الفضيل عن جواده‪ ،‬ترجل هباء املوضوعية‪ ،‬والصدق يف تبني مرشوع‬
‫الكوة التي تأخذ األلباب‬
‫الفكر‪ ،‬ترجل من مل تغره هبرجة الظهور‪ ،‬ترجل من آثر ّ‬
‫بضيائها عىل دوائر الضوء الزائفة‪.‬‬
‫نعم يا أبا عامد‪ ،‬بكيتك اليوم بكاء الثكىل فقد كان صداك هيز األعامق يف‬
‫ُ‬
‫يشحذ األمل يف قلبي بأن للعلم رجاالخ نذروا أنفسهم له بال‬
‫روحي‪ ،‬وكان علمك‬
‫مقابل دنيوي فقد كان تنوع ثروتك الفكرية يدغدغ روحي وعقيل باحلياة‪.‬‬
‫وأكثر ما استفدته منك يا أبا عامد هو املنهج العلمي املوضوعي الذي كنت أراه‬
‫يف كلامتك وكتاباتك‪ ...‬فكنت عندما أقتني الكتب أقرأ فهارسها لكي أقبل عىل‬
‫رشائها ولكن عندما أقرأ اسم الشيخ الفضيل أقتنيها من دون مراجعة عنوان أو‬
‫فهرس؛ لعلمي ويقيني بموضوعيتك والقيمة املضافة يف جهدك العلمي‪ ....‬يا أبا‬
‫عامد‪.‬‬
‫ُ‬
‫نبحث‬
‫لقد كنا نبحث ونرصد ونفتش عن جواهرك ونتاجاتك العلمية‪ ،‬وكنا‬
‫فكرا حيمل هم‬
‫يف تاريك العلمي منذ اليوم األول الذي عرفنا فيه الفضيل عا خملا وم خ‬

‫الرسالة واإلسالم إىل هذا اليوم الذي اختطفك منا املوت لتلحق بالرفيق األعىل‬
‫‪390‬‬

‫حيث اجلزاء األوىف والنعيم األبدي يا حبيبي يا أبا عامد‪.‬‬
‫روح متقدة بالعلم والعمل وتوقفت مه ٌة اختذت‬
‫ترجل الفضيل واسرتاحت ٌ‬
‫الليل والنهار فضا خء لنبش الرتاث وإخراج جواهره الثمينة ملن يعرف قيمتها ولكن‬

‫الزمن بليله وهناره توقف عند هذا العطاء املخلص الغزير ليكتب لك اهلل الراحة‬

‫خري وأبقى حيث األنس بلقاء احلبيب فهو الغاية التي كنت ترنو‬
‫األبدية‪ ،‬وما عند اهلل ٌ‬
‫إليها من وراء كل هذا العطاء‪.‬‬

‫وجاها ومكاسب دنيوية‪،‬‬
‫إن بعض الذين أعطاهم العلم بعضه صريوه أداة‬
‫خ‬
‫واهلل تبارك وتعاىل أعلم بالنيات وباملقابل كنت ‪ -‬عىل النقيض من هؤالء ‪ -‬أنت‬
‫ُ‬
‫هجا بل‬
‫املتواضع يف علمك‪،‬‬
‫الدمث يف أخالقك‪ ،‬فلم تتخذ الوجاهة العلمية لك من خ‬

‫كنا نراك ونسمع عنك الكثري من تواضع العلم الذي ال نراه متجسدخ ا إالّ يف حياة‬

‫العظامء من أهل بيت الطهر واإلباء‪.‬‬
‫وقد صدق من قال‪:‬‬
‫ترصـ َ‬
‫ــوت كـــم يشـــتهيك‬
‫ــدك املـ ُ‬

‫ألنـ َ‬
‫ــك كنـــت الوجـــو َد الشـــهيا‬

‫فسالم عىل روحك الوثابة وقلبك الطاهر وخلقك الرفيع‪.‬‬
‫وعهدخ ا منا إنا عىل العهد سنبقى نستهدي بعطائك درب اهلداية والنور‪،‬‬
‫وعوضنا اهلل بأمثالك وهني خئا لك االنتقال إىل ضفاف اخللود ‪ ..‬يا حبيبي يا أبا عامد‪.‬‬

‫‪391‬‬

‫وداعًا أبا عـمـاد‬

‫صبخة العرب ترثي الشيخ اجلليل عبد اهلادي الفضلي‬

‫الشيخ صربي الفرحان‬
‫صبخة العرب‪ ،‬البرصة ـ العراق ـ مقيم حال ًّيا يف كندا‬
‫طفل ذكي ما أروع خطابه‪ ،‬هكذا وصفته أمهاتنا يف طفولته املبكرة عندما كان‬
‫يستنهض مهمهن ليوفر املاء للمصلني يف املسجد‪ ،‬مسجد (جرب دهش) يف منطقة‬
‫صبخة العرب(‪ )1‬الذي يصيل فيه والده مريزا حمسن ‪ ‬الذي قدم من السعودية إىل‬

‫العراق ليدرس يف احلوزة العلمية يف النجف األرشف‪ ،‬ويف مرحلة البحث اخلارج‬

‫أشار عليه السيد املرجع حمسن احلكيم ‪ ‬مرجع املسلمني يف ستينيات القرن‬

‫العرشين أن يقيم يف البرصة ليصيل يف املساجد التي يكثر فيها األحسائيون ويكون‬
‫وكي خ‬
‫ال عنه‪ ...‬فكان يقسم األسبوع بني مسجد يف قضاء الزبري ومسجد آخر يف قضاء‬
‫شط العرب ومسجد يقيم يف بيت قريب منه وهو مسجد صبخة العرب القريبة من‬
‫مركز البرصة القديمة‪ ،‬يف هذا البيت قىض طفولته شيخنا اجلليل أبو عامد ‪.‬‬
‫وبعدها انتقل والده الشيخ يف بيت يف منطقة البرصة القديمة حي (حملة)‬
‫(‪ )1‬حي (حملة) تقع بالقرب من منطقة البرصة القديمة ضمن قضاء الرباط الكبري الذي هو قضاء‬
‫مركز حمافظة البرصة جنوب العراق‪.‬‬

‫‪392‬‬

‫اخلليلية‪ ،‬هناك بات شا خبا ياف خعا يدرس عىل يد والده وبعض املشايخ‪.‬‬
‫وانتقل إىل النجف األرشف ليكمل دراسته احلوزوية‪ ،‬ويأيت يف بعض األعياد‬
‫ليصيل باملصلني يف مسجد صبخة العرب يف صالة العيد‪.‬‬
‫كان عقلية فذه‪ ،‬قرأت له كتاب الرتبية الدينية الذي أدخلته مدارس اإلمام‬
‫الصادق اخلاصة ضمن منهجها(‪ ،)1‬كتاب بسيط يف طرحة ياطب األطفال والشباب‬
‫خ‬
‫عميقا يف حمتواه وهدفه‪ ،‬وعرفت أن سامحة الشيخ ألفه يف الوقت الذي كان‬
‫اليافعني‪،‬‬
‫يقضيه يف السيارات أثناء تنقله من مكان إىل آخر خالل يومه‪ ،‬رغم أنه كان يكتب يف‬
‫جملة األضواء(‪ )2‬إالّ أنه يتحرك هبدوء دون ضجيج ويفكر بعمق‪ ،‬ما دلني عىل ذلك‬
‫مدرسا للغة العربية يف إحدى‬
‫إال سفره إىل اململكة العربية السعودية ليستقر‬
‫خ‬
‫جامعاهتا‪ ،‬وكان ذلك عىل أثر اهلجمة الرشسة للبعث عىل احلركة اإلسالمية يف‬
‫العراق التي كان يمثلها حزب الدعوة اإلسالمية‪ ،‬فأعدم الشيخ الشهيد عارف‬
‫وفر من ّفر ومنهم البحاثة‬
‫البرصي ‪ ‬والشيخ الشهيد حسني معن ‪ ‬وآخرين‪ّ ،‬‬
‫العامل الشيخ مهدي اآلصفي ـ حفظه اهلل ـ الذي كان يقيم رجال األمن حفالت‬

‫التعذيب للشباب يف زنزانات البعث الكافر بسبه(‪ ،)3‬وال أجانب احلقيقة أن أقول‬
‫(‪ )1‬مدارس اإلمام الصادق كانت مدارس أهلية ولكن ضمن مديرية الرتبية تدار بتمويل ذايت‬
‫واإلدارة واملدرسني أناس مؤمنون يدخلون ضمن املنهج الرسمي بعض دروس الرتبية‬
‫الدينة‪ ،‬فكان كتاب املدرسة الدينية لسامحة الشيخ عبد اهلادي يدرس يف مرحلة الثالث‬
‫ابتدائي‪ ،‬كانت إحدى هذه املدارس حتت اسم مدرسة اإلمام الصادق ‪ C‬االبتدائية يف‬
‫منطقة البرصة القديمة حملة (نظران) تأسست عىل ما يف البال ‪1970‬م بعدها عندما استتبت‬
‫السلطة للبعث ألغى مجيع املدارس اخلاصة‪ ،‬وبقي اسم املدرسة معلق عىل مدرسة ثانوية‬
‫مسائية حكومية حلد اآلن‪.‬‬
‫(‪ )2‬جملة األضواء‪ :‬هي نرشة احلركة اإلسالمية يف العراق يف منتصف القرن العرشين‪ ،‬كان يكتب‬
‫فيها االفتتاحية فيها السيد الشهيد املرجع حممد باقر الصدر ‪ ‬وعمودا خيكتب فيه السيد‬
‫املرجع حممد حسني فضل اهلل ‪ ،‬ومن كتاهبا سامحة الشيخ عبد اهلادي ‪.‬‬
‫(‪( )3‬كواد مهدي اآلصفي)‪ ،‬هذه أهزوجة جالوزة نظام البعث عند تعذيب أحد الشباب يف‬

‫=‬

‫‪393‬‬

‫شيخنا اجلليل هبذا احلجم‪.‬‬
‫هناك‪ ،‬مجع بني التحصيل احلوزي والتحصيل األكاديمي فكان أستا خذا جامع ًّيا‬
‫يشار إليه‪ ،‬وعا خملا معتدالخ يطرح اإلسالم األصيل‪ ،‬ترك ترك خة علمية ال يستهان هبا فهي‬
‫منه خ‬
‫ال لطالب العلم واحلقيقة‪ ،‬جعلها اهلل صدقة جارية له‪.‬‬
‫جيله ويكربه أكثر املراجع‪ ،‬زاره السيد اخلامنئي ـ حفظه اهلل ـ يف مرضه‪ ،‬وكان‬
‫يزوره السيد حممد حسني فضل اهلل ‪ ‬فيكربه ويشري عليه أن حيارض يف حوزة‬
‫املرتىض يف سوريا التي كان يرشف عليها السيد حممد حسني فضل اهلل ‪.‬‬

‫قبلها كان من تالميذ السيد الشهيد حممد باقر الصدر ‪ ،‬ويكن له السيد حمسن‬

‫احلكيم ‪ ‬والسيد اخلوئي ‪ ‬وحتى السيد السيستاين ـ حفظه اهلل ـ أجل االحرتام‪.‬‬

‫كان متواض خعا مل ينكر واقعه‪ ،‬ذكر منطقة طفولته صبخة العرب بكل تفاصيلها‬
‫يف كتاباته بفقرها بطيبة أهلها وكل َشء عنها‪ ،‬مع تنكر الكثري هلا‪.‬‬
‫فارق الدنيا والكل ينعاه ولكن بصمت كحركته‪ ..‬شيخنا اجلليل الصبخة تنعاك‬
‫لعلها ترد شي خئا من عرفانك هلا‪ ،‬فإىل جنان اخللد يا عامه‪.‬‬

‫سبعينات القرن العرشين‪ ،‬أذكرها بالنص وأرجو أن ال أسف بقلمي‪ ،‬إنام أذكرها ألبني بعض‬
‫من مهجية البعثني ورشاستهم‪.‬‬

‫‪394‬‬

‫العالمة الفضلي مؤرِّخًا للعلوم اإلسالمية‬
‫عامة عىل جتربة «أصول علم الرجال»‬
‫أضواء ّ‬

‫السمني‬
‫الشيخ أمحد عبد اجلبار‬
‫ّ‬

‫‪ ‬متهيد‬
‫رواد ال ّتجديد يف‬
‫ُعرف شيخنا العالمة الدكتور عبد اهلادي الفضيل‪ ‬كأحد ّ‬
‫حممد رضا‬
‫املقررات الدّ راس ّية يف احلوزات العلمية‪ ،‬الذين منهم أساتذته‪ :‬الشيخ َّ‬
‫حممد تقي احلكيم‬
‫حممد باقر الصدر (‪1400‬ه) والس ّيد َّ‬
‫املظ ّفر (‪1313‬ه) والس ّيد َّ‬
‫(‪1423‬ه)‪ ،‬الذين انعطفوا باملقررات الدّ راس ّية احلوزوية إىل ّاجتاه أكثر معارصة‬
‫ومواكَبة ملا هو جديد عىل املستويات العلمية والرتبوية؛ لتكون احلوزات وطالّهبا‬
‫بمستوى املواجهة الثقافية‪/‬احلضارية التي يوضها املسلمون اليوم ضد االجتاهات‬
‫الفكرية األخرى‪.‬‬
‫الزاوية أعني زاوية حتديث‬
‫وريادته هذه حرصته يف ذهن اآلخر يف هذه ّ‬
‫مقررات الدّ راس ّية‪ ،‬و َغ ّيبت واهر علمية مضيئة أثارها الشيخ الفضيل‪ ‬يف ثنايا‬
‫كتاباته الدّ راس ّية وغري الدّ راس ّية‪ ،‬ال ّ‬
‫مهية عن مرشوعه األساس‪ ،‬ومن هذه‬
‫تقل يف األ ّ‬

‫الظواهر؛ التّوسع يف املقدّ مات العلمية (املبادئ التصورية) للعلوم‪ ،‬تو يفه للفروع‬
‫الرشيعة‪ ،‬إعادة هيكلة العلوم بام يتناسب مع‬
‫العلمية املعرفية‬
‫املتنوعة يف العلوم ّ‬
‫ّ‬
‫‪395‬‬

‫الرتتيب املنطقي والرتبوي‪ ،‬إعادة صياغة اللغة العلمية احلوزوية من جديد‪ ،‬وغريها‬
‫ّ‬
‫الرصد فالتقييم والتّقويم‪.‬‬
‫من ال ّظواهر التي تستحق ّ‬
‫هنا ـ يف هذه األوراق املاثلة ـ أتناول إحدى هذه الظواهر ا ُملثارة وهي‪ :‬التأريخ‬
‫للعلوم اإلسالمية‪ ،‬التي درسها يف غري واحد من كتبه الدّ راسية وغري الدراسية كام‬
‫سأبني إن شاء اهلل تعاىل‪ ،‬وال أريد أن أطيل حديثي‪ ،‬لذا فسأقترص عىل اإلضاءة العا ّمة‬
‫ّ‬
‫الرجال من خالل كتابه (أصول علم الرجال)‪.‬‬
‫عىل جتربته يف التأريخ لعلم ّ‬

‫‪ ‬تاريخ العلوم‪ ،‬إطاللة عامة‬
‫‪ -1‬من الواضح ّ‬
‫ونمو ونضج‬
‫تكون ونشأة‬
‫ّ‬
‫أن العلوم كالكائنات احل ّية‪ ،‬هلا ّ‬
‫وقوة و‪ ...‬إىل أن تبدأ بالكرب والشيخوخة‪ ،‬إىل أن يصل حال بعضها إىل املوت‬
‫ّ‬
‫واالندثار‪ّ ،‬‬
‫لتحل علوم أخرى حم ّلها‪.‬‬
‫تتكون دفعة واحدة‪ ،‬إنّام هي جمموعة من األفكار التي يثريها ويثرهيا‬
‫فالعلوم ال ّ‬
‫العلامء يف علوم شتّى لتتشكَّل منها فيام بعد مسائل خمتلفة تدور ك ّلها حول حمور‬
‫أي مسألة‬
‫ضم ّ‬
‫عرب عنه بـ«موضوع العلم» الذي يكون هو املعيار يف ّ‬
‫واحد‪ ،‬هو ما ُي ّ‬
‫لتتطور العمل ّية أكثر فيكون لعالج هذه املسائل‬
‫حتت مظ ّلة هذا العلم أو ذاك‪،‬‬
‫ّ‬
‫منهج خاص يم ّيزها عن غريها من العلوم‪ ،‬فتصنَّف املصنَّفات الباحثة‬
‫والبحث فيها‬
‫ٌ‬
‫ّ‬
‫واالجتاهات يف هذا العلم وهكذا(‪.)1‬‬
‫وتتكون املدارس‬
‫فيه‪،‬‬
‫ّ‬
‫‪ّ -2‬‬
‫إن اجلهود العلم ّية التي يبذهلا العلامء والباحثون يف أي علم من العلوم‬
‫قائمة عىل التّعاطي «املنحاز» مع العلم واملعطيات العلم ّية فيه؛ بمعنى ّ‬
‫خ‬
‫أن‬
‫تكون‬
‫الباحث حال قيامه بالعملية البحثية يكون نظره مرك خّزا عىل احلقيقة وحماولة الكشف‬
‫حممد باقر الصدر‪ ،‬دروس يف علم األصول (احللقة األوىل)‪:‬‬
‫(‪ )1‬كأنموذج عىل هذا الحظ‪ :‬السيد َّ‬
‫‪ ،149‬حتقيق وتعليق‪ :‬جممع الفكر اإلسالمي‪ ،‬الطبعة الثانية‪1419 /‬ه‪ ،‬قم‪.‬‬

‫‪396‬‬

‫َ‬
‫البحث بذهن ّية التّصويب والتّخطئة‪ ،‬ومعياره‬
‫عنها يف داخل العلم نفسه‪ ،‬فيدخل‬
‫لقياس اآلراء والنّظريات هو مدى مطابقتها للواقع أو قرهبا منه‪ ،‬وال تعنيه إىل حدٍّ ما‬
‫الفرتات الزمنية بني هذه اآلراء وسريها التاريي‪.‬‬
‫فاألصو ّيل مث خ‬
‫ال‪ ،‬عند بحثه يف العالقة بني اللفظ واملعنى (حقيقة الوضع) ما‬

‫اخلاصة به أو ترجيح إحدى النظريات‬
‫هيمه يف هذا البحث هو اخلروج بنظر ّيته‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫املطروحة بعد نقده للنّظريات األخرى‪ ،‬فاملعياره عنده مدى حكاية إحدى هذه‬
‫النّظريات أو نظريته للواقع‪ ،‬وإثبات ّ‬
‫أن ما سواها ال ُتطابق الواقع أو تطابقه بنسبة‬
‫مع ّينة‪ ،‬فهو هبذا منحاز للحقيقة التي ينشدها من خالل بحثه‪.‬‬
‫ٍ‬
‫تعاط‬
‫‪ -3‬يف مقابل التّعاطي «املنحاز» مع العلم الذي ب ّينته يف أعاله‪ ،‬هناك‬
‫عرب عنه بالتّعاطي «احليادي»(‪ ،)2‬وهو الدّ راسات التي يقف فيها‬
‫آخرى وهو ما قد ُي ّ‬
‫ٍ‬
‫انتصار لنظر ّية أو رأي‪ ،‬فاملسافة بني‬
‫أي‬
‫الباحث أمام العلم ومعطياته موق خفا بعيدخ ا عن ا‬
‫الباحث وبني كل األطراف من آراء ونظريات مسافة واحدة؛ ّ‬
‫ألن غرضه هنا ليس‬
‫معرفة مدى مطابقة معطيات هذا العلم للواقع‪ ،‬بل قراءة العلم قراء خة تاري ّي خة بعيدة‬

‫سعي‬
‫عن ذهنية التخطئة والتصويب‪ ،‬وهو ما يراد بتاريخ العلوم‪« ،‬فتاريخ العلوم‬
‫ٌ‬
‫فكري لدراسة املعرفة اإلنسانية دراس خة تاري ّي خة تستبعد يف أكثر األحيان عنارص‬
‫ٌّ‬
‫الصواب واخلطأ واحلكم والتحكيم‪ ،‬وإن كانت نتائجه نافعة يف الدّ رجة الثانية لتأكيد‬
‫مقوالت أخرى»(‪ ،)3‬وبتعبري آخر يمكن أن نقول َّ‬
‫إن تاريخ العلم هو رصد حلركة‬
‫العلم الك ّلية واجلزئية رصدخ ا تاري ًّيا؛ فالباحث يالحظ فيه حرك َة العلم منذ نشأته إىل‬
‫تطوره ونضوجه وبروز ّ‬
‫املتنوعة داخله‬
‫وتكون املدارس‬
‫االجتاهات املختلفة فيه‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫وعالقاهتا ببعض وأنواع مصنّفاته وأبرز أعالمه و‪ ،...‬وهذا ما يمكن أن ُيطلق عليه‬
‫(‪ )2‬الشيخ حيدر حب اهلل‪ ،‬مسألة املنهج يف الفكر الديني‪ ،‬وقفات ومالحظات‪ ،93 :‬دار االنتشار‬
‫العريب‪ ،‬الطبعة األوىل‪1427/‬ه‪.‬‬
‫(‪ )3‬املصدر نفسه‪.92 :‬‬

‫‪397‬‬

‫الرصد التاريي لظواهر‬