You are on page 1of 28

‫من أخلق النبي صلى‬

‫الله عليه و سلم‬

‫كان خلقه القرآن‬
‫•‬
‫•‬
‫•‬
‫•‬

‫•‬

‫قالت الفقيهة الحَصان الرزان الصديقة بنت الصديق عائشة رضوان ال‬
‫عليها وهي تصف الحبيب صلى ال عليه وسلم هذا الوصف البليغ العجيب‬
‫حين قالت‪ ( :‬كان خلقه القرآن )‪.‬‬
‫كان قرآناً متحركاً بين الناس‪ ،‬كان إذا أمر فهو أول من يأتمر‪ ،‬وكان إذا‬
‫نهى فهو أول من ينتهي‪ ،‬وكان إذا حد فهو أول من يقف عند حدود ال‬
‫تبارك وتعالى‪.‬‬
‫لما أمر بالعبادة قام متعبداً خاشعاً خاضعاً بين يدي ال حتى تورمت قدماه‪،‬‬
‫فلما سئل عن ذلك قال‪ ( :‬أفل أكون عبدًا شكوراً؟! )‪.‬‬
‫ولما أمر بالبذل؛ أنفق كل ما يملك‪ :‬ما سئل رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم على السلم شيئا إل أعطاه ‪ .‬قال فجاءه رجل فأعطاه غنما بين‬
‫جبلين ‪ .‬فرجع إلى قومه ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا قوم أسلموا ‪ .‬فإن محمدا يعطي عطاء‬
‫ل يخشى الفاقة ‪( .‬صحيح مسلم)‬
‫أمرهم بالجهاد وبذل النفس؛ فكان في مقدمة الصفوف‪ ،‬ل يجبن ول‬
‫يتأخر‪ ،‬بل كان إذا اشتد الوطيس وحميت المعارك‪ ،‬وفر الشجعان‪،‬‬
‫وصمتت اللسنة الطويلة‪ ،‬وخطبت السيوف والرماح على منابر الرقاب؛‬
‫قام الحبيب ينادي بأعلى صوته ويقول‪ ( :‬أنا النبي ل كذب‪ ،‬أنا ابن عبد‬
‫المطلب ) صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫صفة النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم في الكتب السماوية‬
‫السابقة‬

‫• عن عطاء بن يسار قال لقيت عبد ال بن عمرو بن العاص فقلت أخبرني‬
‫عن صفة رسول ال صلى ال عليه وسلم في التوراة (لن عيسى عليه‬
‫وعلى نبينا أفضل الصلة والسلم بشر بنبينا محمداً صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫وكذلك نبي ال موسى‪ { :‬وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ َمرْيَمَ يَا بَنِي ِإسْرَائِيلَ إِنّي‬
‫رَسُولُ الِّ إِلَيْكُمْ مُصَدّقاً لِمَا بَيْنَ يَ َديّ مِنَ التّ ْورَاةِ وَمُ َبشّراً ِب َرسُولٍ يَأْتِي مِنْ‬
‫بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمّا جَاءَهُمْ بِالْبَيّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ } [الصف‪).]6:‬‬
‫فقال أي عبد ال بن عمروبن العاص أجل وال ‪ :‬إنه لموصوف في التوراة‬
‫ببعض صفته في القرآن يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا‬
‫وحرزا للميين أنت عبدي ورسولى سميتك المتوكل ليس بفظ ول غليظ‬
‫ول صخاب في السواق ول يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ولن‬
‫يقبضه ال تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا ل إله إل ال‬
‫ويفتحوا بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا(الدب المفرد)‬

‫هدي النبي صلى ال عليه و سلم بالرفق‬
‫بالحيوان‬
‫• روى مسلم من حديث شداد بن أوس رضي ال عنه أن النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم قال‪ ( :‬إن ال تعالى كتب الحسان على كل‬
‫شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة‪ ،‬وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة‪،‬‬
‫وليحدّ أحدكم شفرته‪ ،‬وليرح ذبيحته )‪.‬‬
‫• في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي ال عنه أنه صلى‬
‫ال عليه وسلم قال‪ :‬بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش ‪.‬‬
‫إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل ‪ .‬فنزعت مزقها ‪ ،‬فاستقت له‬
‫به ‪ ،‬فسقته إياه ‪ ،‬فغفر لها به‬
‫كلب عطشان‪ ،‬وهي امرأة زانية‪ ،‬لكنها رحمته فغفر ال لها‪.‬‬
‫• إذا كانت الرحمة بالكلب تغفر الخطايا للبغايا‪ ،‬فكيف تصنع‬
‫الرحمة بمن وحد رب البرايا؟‬

‫• في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي ال عنهما أن‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم قال‪ ( :‬دخلت امرأة النار في‬
‫هرة )‪ ،‬أي‪ :‬في قطة‪.‬‬
‫• انظر! بغي تدخل الجنة في كلب‪ ،‬وامرأة تدخل النار في‬
‫قطة‪ ،‬لماذا؟ قال صلى ال عليه وسلم‪ ( :‬حبستها ‪-‬أي‪:‬‬
‫حبست القطة‪ -‬فلم تطعمها‪ ،‬ولم تدعها تأكل من خشاش‬
‫الرض‬

‫هديه في معاملة مخالفيه‬
‫حرص النبي عليه الصلة والسلم على هداية قومه‬

‫• عن عائشة رضي ال عنها أنها قالت هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ فقال لقد‬
‫لقيت من قومك فكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل‬
‫بن كلل فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أفق إل في قرن‬
‫الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن‬
‫ال قد سمع قول قومك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ‪.‬‬
‫قال فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد إن ال قد سمع قول قومك وأنا ملك‬
‫الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك إن شئت أطبق عليهم الخشبين فقال رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم بل أرجو أن يخرج ال من أصلبهم من يعبد ال وحده ول يشرك‬
‫به شيئا ‪( .‬متفق عليه)‬
‫• ويوم أحد كان يوماً عظيماً‪ ،‬نزف فيه دم النبي صلى ال عليه وسلم من جسده‪ ،‬وشج‬
‫وجهه‪ ،‬وكسرت رباعيته‪ ،‬وتعرض النبي صلى ال عليه وسلم للموت الحقيقي‪ ،‬بل لقد‬
‫انتشر بالفعل في الميدان خبر قتل النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬حتى ألقى بعض الصحابة‬
‫السلح وقالوا‪ :‬وماذا نصنع بالحياة بعد موت رسول ال صلى ال عليه وسلم؟ فقام أنس‬
‫بن النضر رضي ال عنه ‪-‬وحديثه في الصحيحين‪ -‬فقال لهم‪( :‬قوموا فموتوا على ما مات‬
‫عليه رسول ال صلى ال عليه وسلم)‪ ،‬ونزل في هذه المعركة قول ال جل وعل‪ { :‬وَمَا‬
‫مُحَ ّمدٌ إِلّ رَسُولٌ َقدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ َأوْ قُ ِتلَ انْقَلَبْ ُتمْ عَلَى أَعْقَابِ ُكمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ‬
‫عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ َيضُرّ الَّ شَيْئاً وَسَيَجْزِي الُّ الشّاكِرِينَ } [آل عمران‪.]144:‬‬

‫• تصور معي أنه صلى ال عليه وسلم مشى من مكة إلى الطائف على قدميه‬
‫أكثر من سبعين كيلو‪ ،‬ل توجد سيارة‪ ،‬ول دابة‪ ،‬بل مشى على قدميه‬
‫المتعبتين الداميتين‬
‫• طريق غير ممهدة‪ ،‬لم يركب حماراً‪ ،‬ول بغلً‪ ،‬ول جواداً‪ ،‬ول ناقة‪ ،‬ومع‬
‫ذلك لما وصل إلى الطائف سلط الشرافُ السفهاءَ والصبيان على رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم‪ ،‬ففعلوا به ما ل يتصور البتة أن يفعله إنسان‬
‫صاحب مروءة بإنسان غريب؛ رموه بالحجارة‪ ،‬سبوه‪ ،‬شتموه‬
‫• لو كان الحبيب صلى ال عليه وسلم ممن ينتقمون لنفسهم وذواتهم‬
‫وأشخاصهم‪ ،‬ولو كان الحبيب ممن خرج لذاته أو لمجد شخصي أو لنتفاع‬
‫دنيوي حقيرٍ زائل؛ لمر النبي ملك الجبال أن يحطم هذه الرءوس الصلدة‪،‬‬
‫والجماجم العنيدة‪ ،‬ولسالت دماء من الطائف ليراها أهل مكة بمكة‪ ،‬لكن‬
‫اسمع ماذا قال صاحب الخلق الرفيع؟ اسمع ماذا قال الرحمة المهداة لملك‬
‫الجبال؟ قال النبي صلى ال عليه وسلم‪ ( :‬بل أرجو ال عز وجل أن يخرج‬
‫من أصلبهم من يعبد ال ول يشرك به شيئاً ) لم يبعث لعاناً ول فحاشاً‪،‬‬
‫وإنما كما قال هو عن نفسه صلى ال عليه وسلم‪ ( :‬إنما بعثت رحمة ) ‪،‬‬
‫وكما قال ربه جل جلله‪ { :‬وَمَا َأ ْرسَلْنَاكَ إِلّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }‬
‫[النبياء‪ ،]107:‬وكما قال ابن عباس ‪ :‬هو رحمة للفاجر والبار؛ فمن آمن‬
‫به فقد تمت له النعمة‪ ،‬ومن كفر به أمن من العذاب في الدنيا‪ { :‬وَمَا كَانَ‬
‫الُّ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ } [النفال‪.]33:‬‬

‫نبي الرحمة يطلق ثمامة‬
‫• وعن أبي هريرة قال بعث رسول ال صلى ال عليه وسلم خيل قبل نجد فجاءت‬
‫برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة فربطوه بسارية من‬
‫سواري المسجد فخرج إليه رسول ال صلى ال عليه وسلم فقال ماذا عندك يا ثمامة ؟‬
‫فقال عندي يا محمد خير إن نقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر وإن كنت تريد‬
‫المال فسل تعط منه ما شئت فتركه رسول ال صلى ال عليه وسلم حتى كان الغد فقال‬
‫له ما عندك يا ثمامة ؟ فقال عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل‬
‫ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت ‪ .‬فتركه رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم حتى كان بعد الغد فقال له ما عندك يا ثمامة ؟ فقال عندي ما قلت لك إن تنعم‬
‫تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت ‪.‬‬
‫فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من المسجد‬
‫فاغتسل ثم دخل المسجد فقال أشهد أن ل إله إل ال وأشهد أن محمدا عبده ورسوله يا‬
‫محمد وال ما كان على وجه الرض وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك‬
‫أحب الوجوه كلها إلي وال ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب‬
‫الدين كله إلي ووال ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلد كلها‬
‫إلي ‪ .‬وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى ؟ فبشره رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم وأمره أن يعتمر فلما قدم مكة قال له قائل أصبوت ؟ فقال ل ولكني أسلمت‬
‫مع رسول ال صلى ال عليه وسلم وال ل يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن‬
‫فيها رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ .‬رواه مسلم واختصره البخاري‬

‫•‬
‫•‬
‫•‬
‫•‬

‫•‬
‫•‬
‫•‬

‫ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة‪ ،‬وكان من أعدى أعداء النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم‪ ،‬وكان يتفنن في إيذائه‪ ،‬ويتفنن في تأليب القوم على النبي وعلى‬
‫السلم‬
‫أطلقوه‪ ،‬ل نريد مالً ول شكوراً ول ثناءً‪.‬‬
‫إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإذا أنت أكرمت اللئيم تمردا‬
‫انظر إلى هذا الرجل حين أسلم؛ بدأ يُسخّر كل طاقاته‪ ،‬وقدراته‪ ،‬وإمكاناته‬
‫لدين ربه جل وعل‪ ،‬يوم أن خلع على عتبة اليمان رداء الشرك والكفر؛‬
‫وظّف كل ما يملك لدين ال سبحانه وتعالى‪ ،‬ففرض حصاراً اقتصادياً ‪-‬على‬
‫سبيل التحقيق ل على سبيل المجاز‪ -‬على مكة وأهلها‪.‬‬
‫وفي رواية ابن إسحاق ‪( :‬حتى اشتدت المجاعة بهم بالفعل)؛ لن القمح كان‬
‫يصل إليهم من اليمامة‪ ،‬وهو سيد أهل اليمامة؛ فمنع كل حبة قمح تصل إلى‬
‫مكة وأهلها‪ ،‬إل بعد أن يأذن رسول ال‪.‬‬
‫انظر كيف حول إحسان النبي صلى ال عليه وسلم البغض الكامن الدفين‬
‫في قلب ثمامة إلى حب مشرق‪ ،‬فبالحسان تأسر القلوب‪ ،‬وبالرفق وباللين‬
‫تحول البغض إلى حب‪ ،‬وتحول الكراهية إلى قرب‪.‬‬
‫فالعنف يهدم ول يبني‪ ،‬والشدة إذا استخدمت في غير موضعها تفسد ول‬
‫تصلح‪ ،‬والنبي صلى ال عليه وسلم يقول‪( :‬عليك بالرفق إن الرفق ل يكون‬
‫في شيء إل زانه ول ينزع من شيء إل شانه‪ ،‬صحيح الجامع )‬

‫نبي الرحمة مع وهب بن عمير‬
‫• لما رجع وفد المشركين إلى مكة أقبل عمير بن وهب الجمحي حتى جلس إلى‬
‫صفوان بن أمية في الحجر ‪ ،‬فقال صفوان ‪ :‬قبح العيش بعد قتلى بدر ‪ ،‬قال ‪ :‬أجل‬
‫وال ما في العيش خير بعدهم ولول دين علي ل أجد له قضاء وعيال ل أدع لهم شيئا‬
‫لرحلت إلى محمد فقتلته إن ملت عيني منه ‪ ،‬إن لي عنده علة أعتل بها أقول ‪:‬‬
‫قدمت على ابني هذا السير ‪ ،‬ففرح صفوان بقوله وقال ‪ :‬علي دينك وعيالك أسوة‬
‫عيالي في النفقة ل يسعني شيء ويعجز عنهم ‪ ،‬فحمله صفوان وجهزه وأمر بسيف‬
‫عمير فصقل وسم وقال عمير لصفوان ‪ :‬اكتمني أياما ‪ ،‬فأقبل عمير حتى قدم المدينة‬
‫فنزل بباب المسجد وعقل راحلته وأخذ السيف فعمد إلى رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم فدخل هو وعمر بن الخطاب رضي ال عنه فقال رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم لعمر ‪ :‬تأخر ثم قال ‪ :‬ما أقدمك يا عمير ؟ قال ‪ :‬قدمت على أسيري عندكم ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬اصدقني ما أقدمك ؟ قال ‪ :‬ما قدمت إل في أسيري ‪ ،‬قال ‪ :‬فماذا شرطت‬
‫لصفوان بن أمية في الحجر ؟ ففزع عمير وقال ‪ :‬ماذا شرطت له ؟ قال ‪ :‬تحملت له‬
‫بقتلي على أن يعول بنيك ويقضي دينك ‪ ،‬وال حائل بينك وبين ذلك ‪ ،‬قال عمير ‪:‬‬
‫أشهد أنك رسول ال ‪ ،‬إن هذا الحديث كان بيني وبين صفوان في الحجر لم يطلع‬
‫عليه أحد غيري وغيره فأخبرك ال به فآمنت بال ورسوله ‪ ،‬ثم رجع إلى مكة فدعا‬
‫إلى السلم فأسلم على يده بشر كثير‬
‫الراوي‪ :‬أنس بن مالك ‪ -‬خلصة الدرجة‪ :‬إسناده صحيح ‪ -‬المحدث‪ :‬السيوطي‬

‫قصة الذي تكلم أثناء الصلة‬
‫• عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي قال قلت ‪ :‬يا رسول ال‬
‫إنا حديث عهد بجاهلية فجاء ال بالسلم وان رجال منا يتطيرون قال ذاك‬
‫شيء يجدونه في صدورهم فل يصدنهم ورجال منا يأتون الكهان قال فل‬
‫تأتوهم قال يا رسول ال ورجال منا يخطون قال كان نبي من النبياء يخط‬
‫فمن وافق خطه فذاك قال وبينا أنا مع رسول ال صلى ال عليه وسلم في‬
‫الصلة إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك ال فحدقني القوم بأبصارهم‬
‫فقلت واثكل أمياه مالكم تنظرون الي قال فضرب القوم بأيديهم على‬
‫أفخاذهم فلما رأيتهم يسكتوني لكني سكت فلما انصرف رسول ال صلى‬
‫ال عليه وسلم دعاني بأبي وأمي هو ما ضربني ول كهرني ول سبني ما‬
‫رأيت معلما قبله ول بعده أحسن تعليما منه قال ان صلتنا هذه ل يصلح‬
‫فيها شيء من كلم الناس إنما هو التسبيح والتكبير وتلوة القرآن قال ثم‬
‫اطلعت إلى غنيمة لي ترعاها جارية لي في قبل أحد والجوانية وأني اطلعت‬
‫فوجدت الذئب قد ذهب منها بشاة وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون‬
‫فصككتها صكة ثم انصرفت إلى رسول ال صلى ال عليه وسلم فأخبرته‬
‫فعظم ذلك علي فقلت يا رسول ال أفل أعتقها قال ادعها فقال لها رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم أين ال عز وجل قالت في السماء قال فمن أنا قالت‬
‫أنت رسول ال صلى ال عليه وسلم قال إنها مؤمنة فاعتقها‬
‫قال الشيخ اللباني ‪ :‬صحيح‬

‫رفقه ورحمته بأمته صلى ال عليه وسلم‬
‫• عن أبي هُرَيْرَةَ (رضي ال عنه) أَنّ َرسُولَ الِّ صلى ال عليه وسلم‬
‫سوَاكِ مع كل‬
‫قال‪َ (:‬لوْل أَنْ أَشُقّ على أُ ّمتِي أو على الناس لَمَ ْر ُت ُهمْ بِال ّ‬
‫صَلةٍ)(متفق عليه)‬
‫تتجلى عظمة هذا الخلق النبوي حين يتخلّى الحبيب صلى ال عليه وسلم عن‬
‫استمراء أحب المور إليه‪ ,‬و أعزها لديه التي هي من جملة العبادة مخافة‬
‫المشقة على أمته !!!‬
‫• و عن أَنَس بن مَاِلكٍ قال‪(:‬ما صَلّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطّ أَخَفّ صَلَةً ول أَتَمّ من‬
‫النبي صلى ال عليه وسلم وَإِنْ كان لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصّبِيّ فَيُخَفّفُ مَخَافَةَ أَنْ‬
‫تُفْتَنَ أُمّهُ)(متفق عليه)‬
‫يصلي بالناس الجماعة فيحيا لذة العبادة بالوقوف و المناجاة ل رب العالمين‪،‬‬
‫تلك الصلة التي هي راحته و غاية أنسه و سعادته‪ ،‬فيخفّفها عندما يسمع‬
‫بكاء الصبي رحمةً بأمه !!! و رعايةً لعاطفتها الفطرية تجاهه‪.‬‬

‫قصة العرابي الذي بال في طائفة المسجد‬
‫• عن أنس بن مالك ‪:‬بينما نحن في المسجد مع رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم إذ جاء أعرابي ‪ .‬فقام يبول في المسجد ‪ .‬فقال أصحاب رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪ :‬مه مه ‪ .‬قال ‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسلم "‬
‫ل تزرموه ‪ .‬دعوه " فتركوه حتى بال ‪ .‬ثم إن رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم دعاه فقال له " إن هذه المساجد ل تصلح لشيء من هذا البول ول‬
‫القذر ‪ .‬إنما هي لذكر ال عز وجل ‪ ،‬والصلة ‪ ،‬وقراءة القرآن " ‪ ،‬أو كما‬
‫قال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪ .‬قال فأمر رجل من القوم ‪ ،‬فجاء بدلو‬
‫من ماء ‪ ،‬فشنه عليه ‪ (.‬صحيح مسلم )‬
‫• لحظ‪:‬‬
‫– أن المسجد ما كان خالياً‪ ،‬فالنبي صلى ال عليه و سلم موجود فيه وجالس مع‬
‫أصحابه‪.‬‬
‫– صاحب الخلق‪ ،‬والرحمة المهداة‪ ،‬الذي قال ال في حقه‪ { :‬بِالْ ُمؤْمِنِينَ رَءُوفٌ‬
‫رَحِيمٌ } [التوبة‪ ،]128:‬يقول لهم‪ ( :‬دعوه ل تزرموه ) يا أل (ل تزرموه) يعني‪ :‬ل‬
‫تقطعوا عليه بولته‪ ،‬دعوه يكمل تبوله‪ ،‬ال أكبر! وتبول الرجل‪ ،‬ورسول ال جالس‪،‬‬
‫وإذ بصاحب الخلق الكريم ينادي عليه بعدما انتهى‪ :‬تعال‪ ،‬لكن هل شتمه‪ ،‬نهره‪،‬‬
‫ضربه‪ ،‬جرح مشاعره؟ ل وال‪ :‬فهل استهزأ به‪ ،‬سخر منه‪ ،‬تهكم عليه؟ ل وال!‬
‫فانظر ماذا قال صلى ال عليه وسلم‪ .‬قال‪( :‬إن المساجد ل تصلح لشيء من هذا)‪،‬‬
‫اسمعوا كيف الدب؟! كيف التواضع والرحمة والحكمة والخلق؟‬

‫• وجاءت رواية أخرى في كتاب الدب في صحيح البخاري‪ ،‬أن‬
‫هذا العرابي تأثر بأخلق النبي عليه الصلة والسلم‪ ،‬وبهذا‬
‫الحلم والرفق‪ ،‬فأول ما دخل الصلة خلف رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم قام يدعو ال عز وجل‪ ،‬فقال‪( :‬اللهم ارحمني ومحمداً‪،‬‬
‫ول ترحم معنا أحداً)‪.‬‬
‫فهل تركه رسول ال؟ ل‪ ،‬علمه درساً آخر وبأدب فماذا قال له عليه‬
‫الصلة والسلم؟ قال ‪ (:‬لقد تحجرت واسعاً! ) أنت تضيق ما‬
‫سعَتْ‬
‫وسعه ربنا تبارك وتعالى‪ ،‬لماذا؟ ربنا يقول‪ { :‬وَرَحْ َمتِي وَ ِ‬
‫كُلّ شَيْءٍ } [العراف‪.،]156:‬‬

‫حلمه و عفوه صلى ال عليه وسلم‬
‫• عن أبي سعيد الخدري قال‪( :‬بينا النبي صلى ال عليه وسلم يقسم ذات يوم قسما فقال ذو‬
‫الخويصرة ‪-‬رجل من بني تميم‪ :-‬يا رسول ال اعدل قال‪( :‬ويلك من يعدل إذا لم أعدل؟)‬
‫فقال عمر‪ :‬ائذن لي فلضرب عنقه‪ ،‬قال‪ :‬ل‪()......‬صحيح البخاري)‬
‫• وعن أبي سعيد ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬قال‪ :‬بعث علي ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬إلى النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم بذهيبة فقسمها‪...‬فأقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناتئ الجبين كث اللحية‬
‫محلوق فقال‪ :‬اتق ال يا محمد‪ ،‬فقال‪( :‬من يطع ال إذا عصيت أيأمنني ال على أهل‬
‫الرض فل تأمنونني فسأله رجل قتله أحسبه خالد بن الوليد فمنعه)(متفق عليه)‬
‫• يعترض له (ذو الخويصرة ) بجفاء وهو يقسم للناس حظّهم من المال ؛ فيناديه بفظاظة يا‬
‫رسول ال اعدل!‬
‫• و يأتي آخر رافعاً صوته‪ ،‬متطاولً عليه يدعوه باسمه(يا محمد) مجرّدا من نعت الرسالة‬
‫والصطفاء! فيقول بملء فمه (اتق ال يا محمد) فل تظلم في العطاء!‬
‫إنها كلمة غاية في الشناعة و الصّلف في حق خير البرية صلى ال عليه وسلم و أزكاهم عند‬
‫ال تبارك وتعالى‪ ،‬المؤتمن على وحيه‪ ،‬وتبليغ رسالته‪ ،‬و بيان شرعه‪ ،‬و حلله وحرامه‪،‬‬
‫المخيّر حين نبوّته بين أن يكون ملكا أو عبدا فاختار العبودية‪ ،‬أتغرّه لعاعة من متاع الدنيا‬
‫فينقض عهده مع ربه! ويجرح أمانته‪ ،‬ويخالف رسالته و يهدم مبادئه العليا!!!‬
‫لقد كان لتلك الكلمات الجائرة صدى عنيفاً على سمع أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسلم‪،‬‬
‫فأشعلت فتيل الغضب في نفوسهم‪ ،‬و تبادروا لقتله‪ ،‬فما كان من الحبيب صلى ال عليه‬
‫وسلم إل أن منعهم ذلك‪ ،‬و اكتفى بالتأنيب والعتاب المؤثر (ويحك) و في رواية (ويلك‪،‬من‬
‫يطع ال إذا عصيت أيأمنني ال على أهل الرض فل تأمنونني)‪ ،‬وفي رواية (أو لست‬
‫أحق أهل الرض أن أطيع ال؟)‪.‬‬

‫فتح مكة‬
‫• يبلغ العفو منتهاه حينما يدخل مكة ـ حرسها ال ـ بعد‬
‫كفاح طويل في الدعوة و الجهاد في سبيل ال‪ ،‬فيجتمع‬
‫أهلها إليه في المسجد فيقول لهم‪( :‬ما ترون أني صانع‬
‫بكم؟) قالوا‪ :‬خيرا‪ ،‬أخ كريم وابن أخ كريم‪ .‬فقال‪:‬‬
‫(اذهبوا فأنتم الطلقاء)(سنن البيهقي الكبرى)‬
‫• يا له من صفح جميل‪ ،‬و عفو بليغ‪ ،‬مأمول من ذلك‬
‫الرجل الكريم الذي هو أهله‪ ،‬حيث يكون سائغا‪.‬‬
‫• و حين تنتهك حرمات ال تعالى‪ ،‬فإنه يشتدّ غضبه ل‬
‫حتى يرى أثره على و جهه‪ ،‬فل يعف عن منكر ل‬
‫يرضاه ال سبحانه‪ ،‬أو يحلم عن إقامة حدّ من حدوده‪.‬‬

‫تواضعه و لين جناحه صلى ال عليه وسلم‬
‫• عَنْ أَنَسٍ أَنّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ فَقَاَلتْ يَا َرسُولَ الِّ إِنّ لِي إِلَ ْي َ‬
‫ك‬
‫حَاجَةً فَقَالَ ‪( :‬يَا أُمّ فُلَنٍ‪ ،‬انْظُرِي أَيّ السّ َككِ شِئْتِ حَتّى أَقْضِيَ َلكِ حَاجَتَك)‬
‫فَخَلَ مَعَهَا فِي بَعْضِ الطّرُقِ حَتّى َفرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا‪(.‬رواه مسلم و‬
‫البخاري)‬
‫توافيه تلك المرأة (وفي عقلها شئ) في بعض الطرق الضيقة‪ ،‬المصطفة من‬
‫النخيل‪ ،‬المسلوكة التي ل تنفك عن مرور الناس غالبًا(‪ ،)3‬و تسأله حاجتها‪،‬‬
‫و ما ثمّ لول ما آنسته من الحبيب صلى ال عليه وسلم من تمام التواضع و‬
‫القرب من المستضعفين ‪ ،‬ولينه في أيديهم ومشيه في حوائجهم‪ ،‬وتشوقهِ‬
‫إلى إرضائِهم وسماعِ شَكواهُم وقضاءِ شُؤونِهم ‪.‬‬
‫فيسعها النبي صلى ال عليه وسلم بعطفه المعروف و تواضعه المألوف ‪ ،‬ملبياً‬
‫رغبتها بسخاوة نفس و تقدير (يَا أُمّ فُلَنٍ‪ ،‬انْظُرِي َأيّ السّ َككِ شِئْتِ حَتّى‬
‫َأ ْقضِيَ َلكِ حَاجَتَك) !!!‬
‫فللّه لين ذاع في الناس صيته‬

‫و خفض جناحٍ طوّق الوعر والسّهل‬

‫• عَنْ أُمّ خَاِلدٍ بِنْتِ خَاِلدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَتْ أَتَيْتُ رَسُولَ الِّ ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬مَعَ أَبِي‪ ،‬وَعَلَيّ قَمِيصٌ‬
‫َأصْفَرُ قَالَ رَسُولُ الِّ ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪( -‬سَنَهْ سَنَهْ)‪.‬‬
‫قَالَ عَ ْبدُ الِّ وَهِيَ بِالْحَبَشِيّةِ حَسَنَةٌ قَالَتْ‪َ :‬فذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النّ ُبوّةِ فَزبَرَنِي أَبِي‪ ،‬قَالَ رَسُولُ الِّ ‪-‬‬
‫صلى ال عليه وسلم ‪( :-‬دَعْهَا) ثُمّ قَالَ رَسُولُ الِّ ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪( :-‬أَبْلِي وَأَخْلِقِي ثُمّ أَ ْبلِي‬
‫وَأَخْلِقِي ثُمّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي) قَالَ عَبْدُ الِّ ‪ :‬فَبَقِيَتْ حَتّى ذَكَرَ‪(.‬متفق عليه)‬
‫تأتيه جارية صغيرة هي ‪ :‬أمَة (بمفتوحة وخفّة ميم) بنت خالد بن سَعيْد بن العَاصِ ‪ ،‬تكنّى أم خالد‪ ،‬و‬
‫تقترب منه لترسم صورة أخرى رائعة من التواضع و العطف النبوي ‪.‬‬
‫نرى فيها النّبي المربّي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬و هديه القويم في رعاية الطفال‪ ،‬وقربه من الصّغَار‪،‬‬
‫وتلقّيهم بالبِشْر وسهولة الخلق‪ ..‬والرحابة ‪...‬وشفقته على البنات خاصّة !‪ .‬أل ترى إلى عظيم تقديره‬
‫لم خالد واصطفائها من سائر القوم وتشريفها بهديته ‪ ...‬بعدما سأل الحضور من أصحابه عمن‬
‫يستحقها ‪ ...‬وسكتوا حيرة فاستشرفوا لها وكانت تلك الجارية هي الجديرة بها قَالَ‪( :‬مَنْ تَرَوَنَ أَنْ‬
‫سوَ هذه؟ فسكت القومُ‪ ،‬قَالَ‪ :‬ائتوني بأمّ خالدٍ)‪.‬‬
‫نكْ ُ‬
‫خذَ‬
‫إنه يدعوها بكنيتها زيادة في إكرامها والهتمام بها وجيء بها تحمل في ‪-‬رواية– لحداثة سنّها – (فَأَ َ‬
‫الخَمِ ْيصَةَ – وهي كساء من خزّ أو صوف ‪ -‬بيده الشريفة فألبسه) إياها!‬
‫وبالغ ‪ -‬عليه الصّلة والسلم ‪ -‬في العطف عليها والحسان إليها ‪ ..‬والبّر بها‪( .‬فَجَعَلَ يَمْسَحُ العلم –‬
‫وهي ألوانها البارزة الصفراء أو الخضراء – بيده ويقول مادحًا لها مثنيًا على جمالها وروعتها ‪ ..‬هذا‬
‫(سَنَهْ سَنَهْ) بمعنى حسن‪ ،‬وما قالها الحبيبُ ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬بالحبشيّة‪ ،‬وهو العربيّ الفصيح!‬
‫إل محاكاة لّلغة التي ألفتها منذ طفولتها ‪ ...‬وتطييبًا لخاطرها وطمعًا في إدخال السرور والبهجة إلى‬
‫قلبها‪.‬‬
‫• ويَسْتمرّ الحنانُ النبويّ الدافئ ليحكي مشهدا مؤثّرا من اللطف الغامر بتلك الصبية‪ ،‬دنت منه بعدما‬
‫اطمأنّت لتواضعه ورحمته‪ ...‬لفت نظرها خاتم النبوة البارز بين كتفيه (كزرّ الحجلة)‪ ..‬فَتَاقَتْ نفسُها‬
‫إلى لمسه فطفقت تلعب به‪ ،‬مما أثار حفيظة والدها الذي نهرها بقسوة‪ ،‬فنهاه النبي ‪ -‬صلى ال عليه‬
‫وسلم ‪ -‬وقال‪( :‬دعه) فاستمرت تلهو به مرحًا مستأنسة برضى النبي ‪ -‬صلى ال عليه وسلم ‪ -‬مطمئنة‬
‫إلى سماحته‪ ،‬ثم يختم اللقاء الطيب بدعواتٍ لها مباركةٍ يرددها ثلثًا ويمتدّ أثرها إلى أمد ذاك اللقاء بما‬
‫يحويه من المعاني القيّمة للتواضع وخفض الجناح‬

‫عفّته و حياؤه صلى ال عليه وسلم‬
‫• عن سالم بن عبد ال عن أبيه أن رسول ال صلى ال عليه وسلم مرّ على رجل من‬
‫النصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم ‪(:‬دعه فإنّ الحياء‬
‫من اليمان)‪(.‬البخاري و مسلم)‬
‫• عن أنس قال‪( :‬لما تزوج النبي صلى ال عليه وسلم زينب أهدت له أم سليم حيسا في تور‬
‫من حجارة فقال أنس فقال رسول ال صلى ال عليه وسلم اذهب فادع لي من لقيت من‬
‫المسلمين فدعوت له من لقيت فجعلوا يدخلون عليه فيأكلون ويخرجون ووضع النبي صلى‬
‫ال عليه وسلم يده على الطعام فدعا فيه وقال فيه ما شاء ال أن يقول ولم أدع أحدا لقيته‬
‫إل دعوته فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا وبقي طائفة منهم فأطالوا عليه الحديث فجعل النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم يستحيي منهم أن يقول لهم شيئا فخرج وتركهم في البيت فأنزل ال‬
‫غيْرَ‬
‫عز وجل‪( :‬يَا َأ ّيهَا الّذِينَ آ َمنُوا ل تَدْخُلُوا ُبيُوتَ ال ّن ِبيّ ِإلّ َأنْ يُؤْ َذنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ َ‬
‫نَاظِرِينَ ِإنَاهُ)‪ ،‬قال قتادة‪ :‬غير متحينين طعاما‪( ،‬وَلَ ِكنْ إِذَا ُدعِيتُمْ فَادْخُلُوا)‪ ،‬حتى بلغ‪( :‬ذَلِكُمْ‬
‫طهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِ ِهنّ))‪(.‬مسلم)‬
‫أَ ْ‬
‫• عن أبي سعيد الخدري ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬قال‪( :‬كان النبي صلى ال عليه وسلم أشد حياء‬
‫من العذراء في خدرها حدثني محمد بن بشار حدثنا يحيى وبن مهدي قال‪ :‬حدثنا شعبة‬
‫مثله وإذا كره شيئا عرف في وجهه)‪(.‬متفق عليه)‬

‫• ترجمت لنا سيرته العطرة حقيقة ذلك الحياء‪ ،‬و تمكّنه من خلقه و سلوكه‬
‫العملي‪ ،‬في مواقف شتى منها زواجه من زينب بنت جحش ‪-‬رضي ال‬
‫عنها‪:-‬‬
‫فقد كان صلى ال عليه وسلم حديث عهدٍ بأهله‪ ،‬و الضياف في بيته قد‬
‫حضروا وليمته‪ ،‬و طعموا حتى شبعوا‪ ،‬و ظلّوا مستأنسين بالحديث في غفلةٍ‬
‫عن حال النبي صلى ال عليه وسلم و تكدّره من طول بقائهم‪ ،‬و هو يستحي‬
‫أن يواجههم بأمر الخروج من بيته‪ ،‬و النفراد بعروسه!‬
‫حمله الحياء على أن يترك أخصّ حقوق نفسه في ليلة البناء بأهله و الشوق‬
‫إليهم‪ ،‬و تحمّل مشقة الحرج من أصحابه الذين أكرمهم بضيافته‪ ،‬و التناول‬
‫من مائدته‪ ،‬على أن يصارحهم بما يجول في خاطره و ما يعتمل في نفسه‬
‫إيثاراً للحياء و حرصاً على توفير الراحة و النبساط لهم‪.‬‬
‫فتولّى الرحمن سبحانه أمره‪ ،‬و رفع عنه ما أهمّه‪ ،‬و أنزل قرآنا يتلى إلى يوم‬
‫القيامة يصدع بما للنبي صلى ال عليه وسلم من الحقّ العظيم من الحترام‬
‫و التوقير و الداب المتعّينة له على أصحابه و أمته‪.‬‬
‫و يدعونا في الوقت نفسه إلى القتداء به و التحلي بهذا الخلق الفاضل‪ ،‬فمن‬
‫استحيا من ال سبحانه حق الحياء رأى نعمه و آلءه‪ ،‬و استشعر إساءته‬
‫وتقصيره‪ ،‬و بادر بالخيرات و ترك المنكرات‪ ،‬و من استحيا من نفسه عفّها‬
‫و صانها في الخلوات‪ ،‬و من استحيا من الناس كف أذاه عنهم و ترك‬
‫المجاهرة بالقبيح و السيئات‬

‫أمانته صلى ال عليه وسلم‬
‫• لقد نشأ يتيماً مطبوعاً على المانة و الوفاء بالعهد‪ ،‬فل يكاد يعرف في قومه إل‬
‫بالمين‪ ،‬فيقولون‪:‬جاء المين‪ ،‬و ذهب المين‪ ،‬و حلّ في نفوسهم و قلوبهم‬
‫أعلى منازل الثقة و الرضى!!‬
‫• كما دلّ على ذلك احتكامهم إليه في الجاهلية في قصة رفع الحجر السود عند‬
‫بنائهم الكعبة المشرفة‪ ،‬بعد تنازعهم في استحقاق شرف رفعه و وضعه في‬
‫محله‪ ،‬حتى كادوا يقتتلون لول اتفاقهم على تحكيم أول داخل يدخل المسجد‬
‫الحرام‪ ،‬فكان هو محمد صلى ال عليه وسلم فلما رأوه قالوا‪( :‬هذا المين‪،‬‬
‫رضينا هذا محمد)‬
‫• و بلغ من ثقتهم الكبيرة في أمانته و وفائه ما اعتادوا عليه من حفظ أموالهم و‬
‫نفائس مدّخراتهم لتكون وديعة عنده‪ ،‬و لم يزل هذا شأنهم حتى بعد معاداته‬
‫بسبب نبوّته و دعوتهم إلى اليمان و نبذ عبادة الوثان‪ ،‬فلم يخالجهم الشك في‬
‫أمانته و وفائه! و مما يدل على ذلك ترك علي بن أبي طالب ‪-‬رضي ال‬
‫عنه‪ -‬بمكة بعد هجرته صلى ال عليه وسلم ليرد للناس ودائعهم التي كانت‬
‫عنده‪ ،‬حتى إذا فرغ منها لحق برسول ال صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫• لقد تحقق ذلك الخلق العظيم بأتمّ معانيه‪ ،‬و أحسن مراميه بعد نبوّته صلى‬
‫ال عليه وسلم لن ال تعالى أراده خاتماً لنبيائه و رسله إلى الناس كافة‪ ،‬و‬
‫ل يُمكّن من ذلك إل أمين كامل المانة‪ ،‬يحظى بثقة الناس فيستجيبون له و‬
‫يؤمنون به‪.‬‬
‫و أدّى نبينا صلى ال عليه وسلم شرع ربنا تبارك و تعالى كما أراده ال عزّ و‬
‫جلّ‪ ،‬و بلّغ آياته فلم يكتم منها حرفاً و إن كان عتاباً له و لوماً‪ ،‬و شهد له‬
‫في كتابه بهذا البلغ الكامل حتى تمّ الدين‪ ،‬و ظهر السلم قال تعالى‪:‬‬
‫(الْ َيوْمَ َأكْ َملْتُ َل ُكمْ دِي َنكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْ ُكمْ نِعْ َمتِي وَرَضِيتُ َلكُمْ الِسْلمَ دِيناً)‬
‫[سورة المائدة‪.]3:‬‬
‫• و إن من المواقف العظيمة في أمانته ما رواه سعد ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬قال لما‬
‫كان يوم فتح مكة اختبأ عبد ال بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان‬
‫فجاء به حتى أوقفه على النبي صلى ال عليه وسلم فقال‪ :‬يا رسول ال بايع‬
‫عبد ال‪ .‬فرفع رأسه فنظر إليه ثلثا كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلث‪ ،‬ثم أقبل‬
‫على أصحابه فقال‪( :‬أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني‬
‫كففت يدي عن بيعته فيقتله) فقالوا‪ :‬ما ندري يا رسول ال ما في نفسك أل‬
‫أومأت إلينا بعينك؟ قال‪( :‬إنه ل ينبغي لنبي أن تكون له خائنة‬
‫العين)(رواه أبو داود و الحاكم و قال صحيح على شرط مسلم)‬

‫وفاؤه صلى ال عليه و سلم‬
‫•‬
‫•‬

‫•‬

‫•‬
‫•‬

‫أما الوفاء فله منزلة عظيمة في أخلق النبي صلى ال عليه وسلم‪ ،‬فكان أوفى الناس مع‬
‫ربه تبارك و تعالى‪ ،‬و مع أصحابه و أزواجه و ذويه‪ ،‬بل و أعدائه!‪.‬‬
‫و من أروع المواقف النبوية التي تتجسد فيها هذه السجية الفاضلة ؛ و فاؤه لحاطب بن أبي‬
‫بلتعة ‪-‬رضي ال عنه‪ -‬مع فعلته الكبرى و هي إفشاؤه لسر النبي صلى ال عليه وسلم في‬
‫أشد المواقف خطورة‪ ،‬موقف الغزو الذي ل تغفر البشرية لمثله!لنه تجسس و خيانة‬
‫عظمى‪.‬‬
‫فقد كتب حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بمقدم رسول ال صلى ال عليه وسلم إليهم بجيشه‬
‫لفتح مكة‪ ،‬و أرسله خفية مع ظعينة له‪ ،‬فلما أطلع ال تعالى نبيه صلى ال عليه وسلم على‬
‫ذلك و مكّنه من إحباطه‪ ،‬و راوده بعض أصحابه على ضرب عنقه‪ ،‬قال صلى ال عليه‬
‫وسلم‪( :‬إنه قد شهد بدراً و ما يدريك لعلّ ال اطّلع على من شهد بدراً فقال اعملوا ما‬
‫شئتم فقد غفرت لكم)(رواه البخاري و مسلم)‬
‫فانظر إلى مبلغ وفائه لصحابه! و إن عظمت زلّة أحدهم أو كبر خطؤه ما لم يكن في حدّ‬
‫من حدود ال سبحانه‪ ،‬أو تهاون بشرعه‪ ،‬و أمكن تدارك الخطر قبل و قوعه‪.‬‬
‫و لشك أن هذا الوفاء الفريد و التصرف الرشيد سيعزز حبّ ذلك الصحابي للتوبة‬
‫النصوح من هذا الذنب الذي ل يبرره خوفه على أهله و ذويه في مكة‪.‬‬

‫أسلوب النبي صلى ال عليه و سلم في الدعوة‬
‫•‬

‫•‬
‫•‬
‫•‬

‫لقد كان النبي عليه الصلة والسلم رحمة لكل العالمين‪ ،‬وليس كما يفهم‬
‫البعض من أنه صلى ال عليه وسلم كان رحمة للمسلمين فحسب‪ ،‬كلّ‪ ،‬هو‬
‫رحمة للمسلمين ولغير المسلمين‪ ،‬قال ال تعالى‪ { :‬وَمَا أَ ْرسَلْنَاكَ إِلّ رَحْمَةً‬
‫لِلْعَالَمِينَ } [النبياء‪]107:‬؛ قال ابن عباس رضي ال عنهما‪( :‬رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم رحمة للفاجر والبار)‪ ،‬ما هذا؟ رحمة للبار؟ نعم‪.‬‬
‫لكن النبي عليه الصلة والسلم رحمة للفجار للكفار؟! لماذا؟ لنه بمجرد أن‬
‫بعثه ربه تبارك وتعالى‪ ،‬وعده بأل يعذب القوم ما دام رسول ال فيهم‪ ،‬قال‬
‫ال عز وجل‪ { :‬وَمَا كَانَ الُّ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ } [النفال‪.]33:‬‬
‫فمن آمن به تبارك وتعالى فقد اكتملت له الرحمة في الدنيا والخرة‪ ،‬ومن‬
‫كفر به رحم في الدنيا‪ ،‬ونجا من عذاب الدنيا‪ ،‬وبعد ذلك يعاقبه أو يحاسبه‬
‫ربه بما شاء وكيف شاء في الخرة‪.‬‬
‫ومن ثم كان الحبيب صلى ال عليه وسلم رحمة للعالمين‪ :‬للفجار للكفار‬
‫للبرار الموحدين والمؤمنين المصدقين به صلى ال عليه وسلم‪.‬‬

‫• رسول ال صلى ال عليه وسلم بعثه ربه عز وجل رحمة‪ ،‬ولذلك قال النبي صلى ال عليه وسلم‪:‬‬
‫( إنما أنا رحمة مهداة ‪ )...‬الحديث‪ ،‬وإن كان قد روي مرسلً‪ ،‬إل أن الحاكم قد رواه موصولً‬
‫بسند صحيح‪ ،‬وأقر الحاكم الذهبي وغيره‪.‬‬
‫• وفي صحيح مسلم‪ ( :‬عن ابي هريرة قال قيل للنبي عليه الصلة والسلم‪ :‬ادع على المشركين!‬
‫فقال‪ :‬إني لم أبعث لعاناً‪ ،‬إنما بعثت رحمة)‪،‬‬
‫• انظر إلى رحمته بالمة عليه الصلة والسلم‪ :‬النبي عليه الصلة والسلم جلس يوماً فقرأ قول‬
‫ال تبارك وتعالى في سورة إبراهيم على نبينا وعليه الصلة والسلم‪ { :‬رَبّ إِنّهُنّ َأضْلَلْنَ كَثِيراً‬
‫عصَانِي فَإِنّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [إبراهيم‪ ،]36:‬انظر إلى كلم‬
‫مِنْ النّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنّهُ مِنّي وَمَنْ َ‬
‫سيدنا الخليل‪ ،‬هذا كلم إبراهيم على نبينا وعليه الصلة والسلم‪ ،‬يقول‪( :‬رب إنهن أضللن كثيراً‬
‫من الناس)‪ ،‬يعني‪ :‬الصنام واللهة المكذوبة المدعاة‪( ،‬فمن تبعني فإنه مني‪ ،‬ومن عصاني) لم‬
‫يقل‪ :‬فانتقم منه فأهلكه‪ ،‬بل قال‪( :‬فإنك غفور رحيم)‪.‬‬
‫( فلما قرأ النبي صلى ال عليه وسلم هذه الية في حق خليل ال إبراهيم‪ ،‬وقرأ قول ال في عيسى‬
‫على نبينا وعليه الصلة والسلم‪ { :‬إِنْ تُ َعذّبْهُمْ فَإِنّهُمْ عِبَا ُدكَ َوإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‬
‫} [المائدة‪ ،]118:‬بكى‪ ،‬فقال ال عز وجل لجبريل عليه السلم‪ :‬يا جبريل! انزل إلى محمد ‪-‬صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ -‬فسله‪ :‬ما الذي يبكيك؟ فنزل جبريل عليه السلم إلى النبي صلى ال عليه وسلم‬
‫وسأله‪ :‬ما الذي يبكيك؟! فقال الحبيب صلى ال عليه وسلم‪ :‬أمتي! أمتي! يا جبريل‪ ،‬أمتي! أمتي!‬
‫يا جبريل‪ ،‬فصعد جبريل إلى الملك الجليل‪ ،‬فقال‪ :‬يبكي على أمته ‪-‬وهو أعلم جل جلله‪ -‬فقال ال‬
‫تبارك وتعالى لجبريل‪ :‬انزل وقل لمحمد ‪-‬صلى ال عليه وسلم‪ :-‬إنا سنرضيك في أمتك ول‬
‫نسوءك )‪(.‬رواه مسلم)‬
‫• ولذلك روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي ال عنه أن النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم قال‪( :‬لكل نبي دعوة مستجابة)‪ ،‬أي‪ :‬كل نبي له دعوة‪ ،‬وعده ال تبارك وتعالى أن‬
‫يستجيبها‪ ( ،‬لكل نبي دعوة مستجابة‪ ،‬فتعجل كل نبي دعوته إل أنا‪ ،‬فإني قد اختبأت دعوتي‬
‫شفاعة لمتي يوم القيامة‪ ،‬فهي نائلة إن شاء ال تعالى من مات ل يشرك بال شيئاً )‪(.‬صحيح‬
‫الجامع)‬

‫نبينا محمد صلى ال عليه وسلم آية من آيات ال‪،‬‬
‫وعجيبة من عجائب الكون‪ ،‬فهو نبي الرحمة‪ ،‬والنعمة‬
‫المهداة إلى المة‪ ،‬صاحب الخلق الفاضل الرفيع‪ ،‬وقد‬
‫شهد ال تعالى له بقوله‪( :‬وَإِ ّنكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)‪،‬‬
‫فحري بنا أن نتعرف على أخلقه صلى ال عليه وسلم‬
‫لنقتدي بها في جميع شؤون حياتنا‪.‬‬

‫• من سلسلة ايمانيات لفضيلة الشيخ محمد حسان حفظه ال‬
‫• من موقع شبكة السنة النبوية و علومها (الحلقات و‬
‫الدروس‪ ::‬الشمائل النبوية ) المشرف العام الدكتور فالح‬
‫الصغير حفظه ال‬

‫ل تنسونا و اخوانكم المسلمين في كل بقاع الرض من‬
‫الدعاء‬
‫و الحمدل رب العالمين‬
‫و أصلي و أبارك على المبعوث رحمة للعالمين و على آله‬
‫و صحبه أجمعين‬