‫الفصل الرابع‬

‫ديفيد هيوم‬
‫‪‬‬

‫مقدمـــة‪.‬‬

‫‪‬‬

‫حياته وأعماله‪.‬‬

‫أول ً ‪ -‬المنهج التجريبي في دراســة الطبيعــة‬
‫البشرية‪.‬‬
‫ثانيا ً ‪ -‬المعرفة‪:‬‬
‫‪ - 1‬نظــرة عامــة علــى كتــاب‬
‫»بحــــث فــــي الطبيعــــة‬
‫النسانية«‪.‬‬
‫‪ - 2‬النطباعات والفكار‪.‬‬
‫‪ - 3‬ملكات المعرفة‪.‬‬
‫‪ - 4‬الجواهر‪.‬‬
‫‪ - 5‬السببية‪.‬‬
‫‪ - 6‬العتقاد‪.‬‬
‫‪ - 7‬الحتمال‪.‬‬

‫ديفيد هيوم‬

‫‪ - 8‬الهوية الشخصية‪.‬‬
‫ثالثا ً ‪ -‬اللخل‪.‬ق‪.‬‬
‫‪‬‬

‫لخاتمـــة‬

‫‪140‬‬

‫تيارات فلسفية‬
‫حديثة‬

‫‪141‬‬

‫ديفيد هيوم‬

‫ديفيد هيوم‬
‫) ‪(1776 - 1711‬‬
‫مقدمـــة‪:‬‬
‫ديفيد هيوم هو فيلسوف الطبيعة النســانية‪ ،‬ذلــك ل ن‬
‫عمله الساسي تمثل في كتابه الشهير »بحث في الطبيعــة‬
‫البشــرية« والــذي أصــدره فــي جزئيــن عــامي ‪ 1729‬و‬
‫‪ .1740‬وهو يعــد فيلســوف الطبيعــة النســانية لنــه وضــع‬
‫نظرية متكاملة تفسر المعرفة واللخل‪.‬ق والسياسة والدين‪،‬‬
‫بل والتقتصاد أيضًا‪ ،‬على أساس الطبيعة النسانية‪ ،‬بمعنــى‬
‫أ ن كل ما ينتجه النسا ن من علوم ومعارف ونظم مشروط‬
‫بطبيعته النسانية المكونة بصفة أساسية من مجموعة من‬
‫الرغبات والنفعــالت والمشــاعر والعتقــادات‪ ،‬ومــن بنيــة‬
‫ذهنية معينة تقوامها ملكات معرفية تقف على رأســها ثلثــة‬
‫هي الدراك الحسي‪ ،‬والمخيلة والفهم‪.‬‬
‫وعلى أسـاس نظريتـه الـتي وضـعها فـي »بحـث فـي‬
‫الطبيعة البشرية« وضع هيوم كل أعماله الفلسفية التاليــة‪،‬‬
‫وأهمها »بحث فــي الفهــم النســاني« )‪ (1748‬وفيــه يعيــد‬
‫عــرض الجــزء الخــاص بنظريــة المعرفــة فــي »بحــث فــي‬
‫الطبيعة البشرية« مع مزيــد مــن التوضــيح وإضــفاء الطــابع‬
‫النسقي على نظريته‪ ،‬و»بحث في مبادئ اللخل‪.‬ق« )‪1751‬‬
‫( وهو أيضا ً يفصل ما عرضه في نفس الموضوع فــي بحــث‬
‫الطبيعة البشرية مع مزيد من التوسع‪ .‬وفي ستينات القــر ن‬
‫الثــامن عشــر انشــغل فــي كتــابه »محــاورات فــي الــدين‬
‫الطــبيعي« وفيــه يــدرس الديــا ن الطبيعيــة الســابقة علــى‬
‫‪142‬‬

‬وفــي تقراءاتــه تعــرف‬ ‫هيوم على أعمال الفلسفة المحدثين وعلى رأسهم بيكو ن‬ ‫ومــالبرانش وبايــل‪ .‬وعـاد إلــى لنـد ن سـنة‬ ‫‪ 1737‬لينشر الكتــاب‪ ،‬لكنــه لــم يحـظ بالنجــاح الـذي كـا ن‬ ‫يتوتقعه منه‪ ،‬وهذا هو السبب في أنه أعاد وضع فلسفته في‬ ‫صورة أبحاث أصغر هي »بحث في الفهم النســاني« ســنة‬ ‫‪143‬‬ .‬‬ ‫وفــي ســنة ‪ 1722‬التحــق هيــوم وهــو فــي الحــادة عشــر‬ ‫بمدرسة أدنبرة التي سوف تصبح فيما بعد جامعة شــهيرة‪.‬‬ ‫ودرس فيها علم الفيزياء الذي كا ن يسمى آنذاك بالفلسفة‬ ‫الطبيعية‪ ،‬وتعرف فيها علــى نظريــة نيــوتن‪ ،‬وتلقــى تعليمـا ً‬ ‫راتقيـا ً فــي الداب الكلســيكية اللتينيــة الــتي عرفتــه علــى‬ ‫أعمال المدارس اليونانية البيقورية والرواتقية التي ســوف‬ ‫تسهم في تشكيل فكــره الفلســفي‪ .‬ق كل هذه المجالت من الطبيعة النسانية‪.‬ولذلك ينظر إلى هيوم على أنــه‬ ‫فيلسوف الطبيعة البشرية لنه أسس كل فلسفته بأجزائهــا‬ ‫المعرفيــة واللخلتقيــة والسياســية والدينيــة علــى أســاس‬ ‫انطل‪.‬‬ ‫حياته وأعماله‪:‬‬ ‫ولد ديفيد هيوم فــي مدينــة أدنــبرة باســكتلندا شــمال‬ ‫إنجلترا سنة ‪ 1711‬لب يعمل محاميًا‪ .‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة‬ ‫ـدين ظــاهرة‬ ‫ظهــور الديــا ن الســماوية ويثبــت كيــف أ ن الـ‬ ‫صادرة عن الطبيعة البشرية وكيف أ ن الديا ن السماوية تعد‬ ‫تطورا ً عن الديا ن البدائية‪ .‬وعمــل بالتجــارة لفــترة وجيــزة فــي‬ ‫بريستول‪ ،‬لكن الحياة التجارية لــم تكــن تســتهويه‪ ،‬ففضــل‬ ‫السفر متنقل ً في أوروبا ولخاصة فرنسا‪ ،‬ثــم اســتقر لفــترة‬ ‫في مدينة لفيش غرب فرنسا حيث كتب أحد أهم مؤلفــاته‬ ‫وهو »بحث في الطبيعة البشــرية«‪ .‬توفى أبوه وهو فــي‬ ‫الثالثة ورباه عمه جورج الذي كــا ن راعــي كنيســة متشــدد‪.

‬عبد الرحمن بدوي‪ :‬موسوعة الفلسفة‪ ،‬الجزء الثاني‪،‬‬ ‫)(‬ ‫مــادة ديفيــد هيــوم‪ .(1)1751‬‬ ‫وتعرف هيوم بعد عــودته إلــى لنــد ن علــى هتشســو ن‬ ‫‪ Hatcheson‬الفيلسوف السكتلندي الذي كا ن يشغل منصب‬ ‫أستاذ الفلسفة بجامعة جلســجو‪ ،‬وكــا ن هتشســو ن أســتاذ‬ ‫آدم سميث المفكر التقتصادي الشــهير حيــث تعــرف عليــه‬ ‫هيوم عن طريقه‪ . 55‬ق‪.‬ق منه الفترة من ‪ 1754‬إلى ‪ .‬م)‪.‬المؤسســة العربيــة للدراســات والنشــر‪،‬‬ ‫بيروت‪1984 ،‬م‪ .‬وكــا ن هيــوم تقــد تقــدم‬ ‫لنيل وظيفة أستاذ للفلسفة بجامعة جلســجو ســنة ‪،1741‬‬ ‫لكن طلبه تقد رفض نظــرا ً لتشــدد المتــدينين هنــاك‪ .1752‬وهنــاك تمكــن مــن الطلع علــى الكتــب والوثــائق‬ ‫والسجلت التي مكنته من تأليف كتــابه عــن تاريــخ إنجلــترا‬ ‫الذي استغر‪.‬وفي سنة ‪ 1746‬عم ـل هيــوم ســكرتيرا ً‬ ‫لدى الجنرال سانت كلير‪ ،‬وصحبه معه في مهام دبلوماسية‬ ‫إلى فيينا بالنمسا وتورينو بإيطاليــا‪ .‬وعــاد‬ ‫ســنة ‪ 1751‬للتقــدم لنفــس الجامعــة‪ ،‬فــألخفق فــي نيــل‬ ‫الوظيفة أيضًا‪ ،‬مما جعلــه يبحــث عــن وظيفــة ألخــرى وهــي‬ ‫محــافظ مكتبــة كليــة المحــامين فــي جامعــة أدنــبرة ســنة‬ ‫‪ .‬ق« سنة ‪.‬ص ‪.‫ديفيد هيوم‬ ‫‪ ،1746‬و»بحث في مبادئ اللخل‪.612-611‬‬ ‫المرجع السابق‪ :‬ص ‪.613‬‬ ‫)(‬ ‫‪144‬‬ .1761‬وفي هذا‬ ‫الكتاب اتبع هيوم طريقــة جديــدة غيـر مســبوتقة فـي كتابـة‬ ‫التاريخ‪ ،‬إذا بدأ بالحدث متنقل ً إلى التقدم‪ ،‬حيث بدأ بحكــم‬ ‫جيمس الثاني )‪ (1460-1430‬منتقل ً منه إلى الوراء حــتى‬ ‫وصل إلى غزو يوليوس تقيصر لنجلترا سنة ‪.(2‬‬ ‫وبيــن ســنتي ‪ 1763‬و ‪ 1766‬شــغل هيــوم منصــب‬ ‫سكرتير السفارة النجليزيــة فــي بــاريس‪ ،‬وهنــاك تعــرف‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫د‪ .

‬ق فيها آدم سميث الذي تأثر بأفكار هيوم‬ ‫في كتابــة عملــه الساســي »ثــروة المــم« ســنة ‪.‬وهنــاك شــب نــزاع بينهمــا‪ ،‬كــا ن ســببه الختلف‬ ‫آرائهما ومزاج روسو السوداوي والكئيب ونفسيته الميالة‬ ‫إلى الشك من كل شئ ووساوس الضطهاد والمطــاردة‪،‬‬ ‫حيــث كــا ن هيــوم أحــد الصــدتقاء المقربيــن مــن فلســفة‬ ‫الموســوعة ألــد أعــداء روســو‪ .‬واســـتجاب هيـــوم لطلبهـــا‬ ‫واصــطحب معــه روســو إلــى لنــد ن‪ ،‬لكــن حيــاة المــد ن‬ ‫الكبيرة لم تكن ترو‪.‬وفــي ســنة ‪ 1767‬صــار هيــوم‬ ‫وكيل ً للوزارة‪ ،‬وفي سنة ‪ 1769‬عاد إلى أدنــبرة مســقط‬ ‫رأسه في اسكتلندا‪ ،‬حيــث تقضــى فيهــا الســنوات الباتقيــة‬ ‫من حياته‪ ،‬وصاد‪.‬ق لروســو‪ ،‬فــوفر لــه هيــوم بيت ـا ً فــي‬ ‫الريــف‪ .‬وبعد أ ن عاد إلى لند ن سنة‬ ‫‪ 1766‬طلبت منه الكونتيسة الفرنســية بوفلــور ‪Boufflers‬‬ ‫أ ن يوفر لجا ن جاك روسو مكانا ً للتقامة في إنجلــترا بعــد‬ ‫أ ن طردتـــه مدينـــة جنيـــف‪ .(1‬‬ ‫‪1‬‬ ‫)(‬ ‫المرجع السابق‪ :‬ص ‪.‫تيارات فلسفية‬ ‫علــى أشــهر الفلســفة الفرنســيين حديثة‬ ‫وأهمهــم أصــحاب‬ ‫الموسوعة الذين عرفوا بمــذهبهم المــادي وهــم دالمــبير‬ ‫وديدرو ودولباك وهلفسيوس‪ .1776‬‬ ‫وفي نفس هذه السنة توفى هيوم)‪.614-613‬‬ ‫‪145‬‬ .‬وألخيــرا ً شــك روســو أ ن‬ ‫الحكومة البريطانية تريد تقتله عــن طريــق هيــوم‪ ،‬فهــرب‬ ‫من إنجلــترا إلــى فرنســا‪ .

‬ق‪.‬‬ ‫لم يكن هيوم هو أول من بحث في الطبيعة البشرية‪،‬‬ ‫ذلــك ل ن هــذا البحــث كــا ن ملزمـا ً للفكــر الفلســفي منــذ‬ ‫ظهوره لدى اليونا ن‪ ،‬لكنه يعد أول من بحث فيهــا انطلتق ـا ً‬ ‫‪Barry Stroud. 3-6. 1977).‬ومعنــى هـذا أ ن مـا‬ ‫يفهمــه هيــوم مــن مصــطلح »الفلســفة اللخلتقيــة« ليــس‬ ‫مقتصرا ً على ما يفهم عادة منه أنــه يخــص مبحــث اللخل‪.‬‬ ‫‪146‬‬ ‫‪1‬‬ . Hume (London: Routledge and Kegan‬‬ ‫)(‬ ‫‪Paul.(1‬ولــذلك فــإ ن هيــوم تقــد وضــع لبحثــه فــي‬ ‫الطبيعة البشرية عنوانا ً فرعيا ً هو »محاولة لدلخال المنهــج‬ ‫التجريـــبي فـــي الموضـــوعات اللخلتقيـــة«‪ ،‬وهـــو يقصـــد‬ ‫بالموضوعات اللخلتقية كل أجــزاء كتــابه‪ :‬الفهــم النســاني‬ ‫والنفعالت واللخل‪.‬ق‬ ‫‪ Ethics‬فحسب هيوم تنقسم المعارف البشرية إلى فلســفة‬ ‫طبيعية تضم كل معارفنا عــن الطبيعــة بــالمعنى الفيزيــائي‬ ‫والكيميائي والأحيائي والرياضي‪ ،‬وفلسفة ألخلتقية تضم كل‬ ‫مــا يخــص النســا ن‪ ،‬ول ن المعرفــة ظــاهرة إنســانية هــي‬ ‫والسياسة والتقتصاد والدين‪ ،‬فقد نظر إليها هيوم على أنهــا‬ ‫تنتمي إلى الفلسفة اللخلتقية‪ .‬وكا ن في ذلك منطلقــا ً مــن‬ ‫العتقــاد فــي أ ن مــا يحــدد كــل إنتــاج إنســاني هــو طــبيعته‬ ‫اللخلتقية من انفعالت ومشــاعر وعواطــف وإدراك حســي‬ ‫ومخيلة وفهــم)‪ . PP.‫ديفيد هيوم‬ ‫أول ً ‪ -‬المنهج التجريــبي فــي دراســة الطبيعــة‬ ‫البشرية‪:‬‬ ‫ينظر هيوم إلى كل معرفة تخــص النســا ن علــى أنهــا‬ ‫فلسفة ألخلتقية ‪ Moral Philosophy‬بما فيها نظرية المعرفــة‬ ‫ومبحـث السياسـة والـدين والتقتصــاد‪ .

‬وهو يقصد من المنهج‬ ‫موضــوعات الفلســفة مــن معرفــة وألخل‪. 9-12.‬ق يجعــل نظريتــه‬ ‫سيكولوجية‪ ،‬وهو يعترف بذلك بالفعل ويذهب إلى أ ن علم‬ ‫النفـــس هـــو العلـــم الفلســـفي الحقيقـــى عـــن جـــدارة‪.‬‬ ‫كما يقصد هيــوم مــن تطــبيق المنهــج التجريــبي علــى‬ ‫م ّ‬ ‫شرح الطبيعة‬ ‫الموضوعات الفلسفية واللخلتقية أ ن يكو ن ُ‬ ‫البشرية‪ ،‬مثلمــا يفعــل الطــبيب ودارس الجســم النســاني‬ ‫عنــدما يشــرح الجســم ويكشــف أ ن النســجة والتكــوين‬ ‫الدالخلي ووظائف العضاء‪ .‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة‬ ‫التجريبي تتبع‬ ‫من المنهج التجريبي‪ .‬اكتشف نيوتن عــددا ً‬ ‫تقليل ً من المبادئ التي تحكم كل حركة فيزيائية سواء على‬ ‫‪Ibid: PP.‬ق انطلتقا ً مــن‬ ‫النفعـــالت‪ .‬وهدف هيوم من ذلك الوصــول‬ ‫إلى الدتقة العلمية التي حازتها العلوم الطبيعيــة فــي مجــال‬ ‫الموضــوعات اللخلتقيــة)‪ .‬وتقد ألخذ إيحاءه في ذلــك مــن النجــاز الــذي‬ ‫حققه نيوتن لعلم الطبيعة أو الفيزياء‪ .‬والحقيقـــة أ ن البـــدء بـــالدراك الحســـي‬ ‫والنفعــالت لدراســة المعرفــة واللخل‪.‬‬ ‫والملحــظ أ ن علــم النفــس الــذي يفهمــه هيــوم هــو علــم‬ ‫الطبيعــة البشــرية‪ ،‬ولــذلك نســتطيع أ ن نفهــم مصــطلح‬ ‫»الطبيعة البشرية« باعتبارها العنوا ن العام لفلسفته على‬ ‫أنه الطبيعة السيكولوجية للبشر‪ .‬ولهذا السبب ينظر إلــى‬ ‫هيــوم علــى أنــه مــن إرهاصــات علــم النفــس التجريــبي‬ ‫الحديث‪.‬‬ ‫‪147‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .(1‬كمــا يهــدف هيــوم مــن تشــريح‬ ‫الطبيعة النسانية الوصول إلى المبادئ الساسية الحاكمــة‬ ‫لهذه الطبيعة‪ .‬ق انطلتقــا ً مــن‬ ‫بداياتها الولى‪ ،‬فهو يدرس المعرفــة انطلتقـا ً مــن الدراك‬ ‫الحسي وانطباعات الحواس‪ ،‬ويدرك اللخل‪.

‬‬ ‫‪148‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬‬ ‫إ ن سبب إعجاب هيوم بالعلم الطبيعي النيوتــوني هــو‬ ‫أ ن هذا العلم تقد نجح في تفســير حركــة الجســام الرضــية‬ ‫‪Ibid: PP.‫ديفيد هيوم‬ ‫الرض أو في الفلك‪ ،‬وينظر هيوم إلــى الطبيعــة البشــرية‬ ‫على أنها في النهاية طبيعة‪ ،‬يمكن دراستها والوصــول فيهــا‬ ‫إلــى المبــادئ الساســية الحاكمــة لهــا تمامـا ً مثلمــا أمكــن‬ ‫لنيوتن أ ن يتوصل إلى مبادئ الطبيعة الفيزيائية ول ن العلــم‬ ‫النيوتوني هو في الساس علــم للحركــة‪ ،‬فقــد نظــر هيــوم‬ ‫أيضا ً إلى علــم الطبيعــة البشــرية علــى أنــه علــم للحركــة‪،‬‬ ‫لكنها الحركة النفسية ل الحركة الفيزيائيــة‪ ،‬وبــذلك انطلــق‬ ‫من المبادئ الساسية التي تحــرك النفــس النســانية مثــل‬ ‫النفعالت والحاسيس‪ ،‬والمشاعر‪ ،‬مؤسسا ً عليها نظريتــه‬ ‫في المعرفة وفي اللخل‪.‬بل سيصــبح بحثـا ً عــن‬ ‫الوظيفة‪ .(1‬لكن هيوم الذي بدأ بالعتقــاد‬ ‫في أ ن علم الطبيعة البشرية يجب أ ن يكــو ن علم ـا ً لحركــة‬ ‫النفس‪ ،‬وذلك في »بحث في الطبيعة البشرية« انتهى في‬ ‫مؤلفاته اللحقة إلى النظر إلى ذلــك العلــم علــى أنــه علــم‬ ‫وظائف ل علم حركة‪ ،‬ذلك لنه اكتشــف أ ن حركــة النفــس‬ ‫صادرة عن وظائف للنفس‪ .‬ق)‪ . 12-14.‬وهذا هو بالضبط ما يميز هيوم عن توماس هــوبز‬ ‫مث ً‬ ‫ل‪ ،‬وهو أيضا ً الســبب الــذي جعــل هيــوم يتوصــل إلــى أ ن‬ ‫أفعال النفس صادرة عن ملكات معرفية وألخلتقية‪ ،‬وتحدث‬ ‫بتوســع عــن الدراك الحــس والمخيلــة والفهــم باعتبارهــا‬ ‫ملكات معرفية‪.‬ولذلك فهــو لــم يطبــق نمــوذج‬ ‫العلــم النيوتــوني بحــذافيره‪ ،‬ل ن المنهــج التجريــبي عنــد‬ ‫تطبيقه علــى الموضــوعات اللخلتقيــة لــن يكــو ن بحثـا ً عــن‬ ‫الحركة مثلما هو الحال مع الفيزياء‪ .

‬وفــي‬ ‫مقابل ديكارت يرفض هيـوم طريقـة التأمـل الـدالخلي هـذه‬ ‫‪149‬‬ .‬ق من ملحظة سلوك البــاحث نفســه‬ ‫والتأمــل فــي ذاتــه علــى طريقــة ديكــارت‪ .‬‬ ‫ومن متطلبات المنهج التجريبي رفض النطل‪.‬‬ ‫وكا ن هيوم ينظر إلى المنهج التجريبي على أنه هــو المنهــج‬ ‫العلمي‪ ،‬وأ ن الدراسة العلمية للطبيعة البشرية هي دراسة‬ ‫من منطلق المنهج التجريبي‪.‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة‬ ‫وهذا ما جعله‬ ‫والسماوية بقليل من المبادئ العامة والكلية‪،‬‬ ‫يحــاول دراســة الطبيعـة النسـانية بنفــس الســلوب الـذي‬ ‫درس به نيوتن الطبيعة الفيزيائية‪ ،‬هادفا ً التوصل إلــى أهــم‬ ‫القوانين والمبادئ التي تحكم الطبيعــة البشــرية والســلوك‬ ‫النســاني‪ ،‬اللخلتقــي والمعرفــي والسياســي والتقتصــادي‪.‬ق من أي‬ ‫تصـورات تقبليـة مسـبقة عـن الطبيعـة النسـانية‪ ،‬بـل تـرك‬ ‫البحث يألخذ مجراه الطبيعي ملحظا ً سلوك النســا ن تارك ـا ً‬ ‫التأملت القبلية فى الطبيعة النسانية‪ ،‬مثل الفتراض بأنهــا‬ ‫طبيعة لخيرة أو طبيعة شريرة‪ ،‬مثلمـا كـا ن يفعــل الفلسـفة‬ ‫القـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدماء‪،‬‬ ‫ول يمكن أيضا ً النطل‪.‬ذلــك ل ن هيــوم‬ ‫يرفـض التأمـل البـاطني باعتبـاره وسـيلة يتوصـل بهـا إلـى‬ ‫الطبيعــة النســانية‪ .‬هــذه الطريقــة اســتخدمها ديكــارت‪،‬‬ ‫وتوصل بها إلى أ ن النسا ن ذو طبيعة مفكرة فــي الســاس‬ ‫ويوجد باعتباره شيئا ً مفكــرًا‪ ،‬ومــا الجســد النســاني ســوى‬ ‫ملحقــا ً بالعقــل‪ .‬وتقــد توصــل ديكــارت إلــى هــذه النتيجــة‬ ‫الخاطئة من وجهة نظر هيوم لنه اعتمد على التأمل وحــده‬ ‫وعلـى الحـدس الـدالخلي الـذي أثبـت بـه وجـود النـا أفكـر‬ ‫ووجود الله والعالم‪ ،‬وعندما يعكف المفكر على تأمل فكرة‬ ‫ذاته وحسب يدرك لخطــأ ً أنــه وجــود مفكــر وحســب‪ .

Grieg‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ ‫‪(London: Oxford University Press.‬‬ ‫)(‬ ‫‪Selby-Bigge (Oxford: The Clarendon Press.‬‬ ‫‪150‬‬ ‫‪2‬‬ . 12-13.‫ديفيد هيوم‬ ‫ويشرع في بحث سلوك الناس وما يكشف لنا هذا الســلوك‬ ‫من انفعالت وعواطف‪ . vol.(1‬‬ ‫وتقترب طريقة تفكير هيــوم مــن نيــوتن ومنهجــه فــي‬ ‫جانب أساسي من فلسفته‪ ،‬وهو المتعلــق بالمعرفــة‪ .‬‬ ‫‪Hume. 1896).Association of Ideas‬وترابــط‬ ‫الفكار هذا ينظر إليه هيوم علــى أنــه شــبيه بالتجــاذب بيــن‬ ‫الجسام في مجال الفيزياء النيوتونية‪ . P.Y.‬وهيوم كذلك يــدرس‬ ‫الطبيعــة البشــرية مــن منطلــق أنهــا مكونــة مــن إدراكــات‬ ‫بسيطة يصنع منها الفهم إدراكات مركبة‪ ،‬كمــا يــدرس هــذه‬ ‫الدراكات على أساس الــترابط بينهـا فــي الــذهن‪ ،‬وهــو مــا‬ ‫يعرف بنظرية ترابط الفكــار ‪ .‬وفي ذلك يقول هيوم‪» :‬يجب علينا‬ ‫ممارســة تجاربنــا فــي هــذا العلــم مــن الملحظــة الدتقيقــة‬ ‫والحذرة للحياة النسانية‪ ،‬وألخذها كما تظهر في العالم‪ ،‬عن‬ ‫طريق سلوك البشر في اجتمـاعهم وتسـيير شـئونهم وفـي‬ ‫مشاعرهم«)‪. XXIII. 1969). I. Edited by J.‬ذلــك‬ ‫ل ن نيــوتن تقــد درس الطبيعــة علــى أنهــا مكونــة مــن ذرات‬ ‫بسيطة ومن حركة عامة هي الجاذبية‪ .‬ونجد هنا نوعا ً من الجـذب‪ ،‬الـذي سـوف نكتشـف‬ ‫أ ن له آثارا ً كبيرة في العالم العقلي مثلما كا ن له في العالم‬ ‫الطبيعي«)‪ . PP.(2‬ي ُ ّ‬ ‫شبه هيوم في هذا النص ترابط الفكار وفــق‬ ‫مبدأ عام بالتحاد والتفاعــل بيــن الجســام الفيزيائيــة وفــق‬ ‫‪The Letters of David Hume. Edited by L. A Treatise of Human Nature.A.T.‬يقول هيوم في ذلك‪:‬‬ ‫»هــذه هــي إذ ن مبــادئ اتحــاد وتجــانس أفكارنــا البســيطة‪،‬‬ ‫والتي تقدم لنا في المخيلة رابطا ً ل ينفصل‪ ،‬بها تتحــدد فــي‬ ‫الذاكرة‪ .

Passions‬ويعلــي هيــوم مــن‬ ‫شأنها حتى أنه يعطيها الولويــة علــى العقــل ذاتــه‪ ،‬ويجعــل‬ ‫‪151‬‬ .‬أما العقل فل يحتل دورا ً في‬ ‫هذه المجالت‪ ،‬ويقتصر دوره على المجال العلمــي وحــده‪.‬وأهــم توجهــات الطبيعــة‬ ‫النســانية الــتي تتحكــم فــي ســلوك النســا ن ومعرفتــه‬ ‫ومعتقداته هــي »النفعــالت« ‪ .‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة»الجاذبيــة«‬ ‫مبــدأ الجاذبيــة‪ ،‬وهــو يســتعير نفــس مصــطلح‬ ‫‪ Attraction‬ليصــف مــا يحــدث بيــن الفكــار فــي المخيلــة‬ ‫والذاكرة‪ ،‬وهو ذاته المصطلح الذي يصــف حركــة الجســام‬ ‫في الفيزياء النيوتونية‪.‬‬ ‫والطبيعة النسانية مؤسسة بحيث تجعلنا نستحسن أشــياء‬ ‫ونرفض أشياء ألخرى‪ ،‬ويعني هذا أ ن تقبول أو رفض شئ مــا‬ ‫ســــــــــــــــــواء كــــــــــــــــــا ن صــــــــــــــــــحيحا ً‬ ‫أو لخاطئًا‪ ،‬جميل ً أو تقبيحـًا‪ ،‬لخيــرا ً أو شــريرًا‪ ،‬ل يعتمــد علــى‬ ‫تقــرار نتخــذه عــن طريــق الموازنــة العقليــة والســتدلل‬ ‫والبرها ن‪ ،‬بل يعتمد على طبيعتنــا البشــرية الــتي هــي فــي‬ ‫الساس إحساسات ومشاعر‪ .feallings‬فلننــا نتلقــى‬ ‫إحساسا ً باللو ن الحمر نعتقد في وجود هــذا اللــو ن‪ ،‬ولننــا‬ ‫نتلقى أحاسيس اللذة واللم تكو ن لدينا أفكــارا ً عــن اللــذة‬ ‫واللم‪ ،‬ونسعى بذلك للحصــول علــى اللــذة وتجنــب اللــم‪.‬‬ ‫ينطلق هيوم في بحثه في الطبيعة البشرية من فكــرة‬ ‫أساسية‪ ،‬لم يتوصل إليها ببرها ن عقلي أو استدلل‪ ،‬بل عن‬ ‫طريق ملحظة سلوك البشر‪ .‬تذهب هــذه الفكــرة إلــى أ ن‬ ‫مـــا يحكـــم الســـلوك النســـاني‪ ،‬ســـواء كـــا ن معرفيـــا ً‬ ‫أو ألخلتقيا ً أو فنيًا‪ ،‬هــو الحساســات ‪ .‬‬ ‫والهــدف الساســي لــدى هيــوم هــو اكتشــاف المكانــات‬ ‫والتوجهـات الكامنـة فـي الطبيعــة البشــرية والــتي تجعلهــا‬ ‫تســلك ســلوكها المعــروف عنهــا‪ .

‬‬ ‫فحسب فلسفة هيوم فإ ن العقل النساني ليس سوى ملكة‬ ‫منظمة لما يتلقــاه الدراك مــن انطباعــات علــى المســتوى‬ ‫المعرفي‪ ،‬أو ما تتلقاه النفس النسانية من لــذة وألــم‪ .(1‬‬ ‫والحقيقــة أ ن هــذه النظــرة للطبيعــة النســانية والــتي‬ ‫تعطــي الولويــة للنفعــالت علــى العقــل مناتقضــة تمامــا ً‬ ‫للنظرة التقليدية للنسا ن والتي ســادت التفكيــر الفلســفي‬ ‫منــذ أرســطو الذاهبــة إلــى أ ن النســا ن كــائن عقلنــي فــي‬ ‫الساس‪ ،‬والتي ت ُّعرفه على أنه حيوا ن نــاطق‪ ،‬وتميــزه عــن‬ ‫باتقي الكائنات الحية بما لديه من عقل وتقدرة على التفكير‪.‬هــذا‬ ‫الدور التنظيمـي المحـدود للعقـل يجعـل للنفعـال الولويـة‬ ‫القصوى لــدى هيــوم‪ ،‬فل يمكــن للشــئ الــذي يقتصــر دوره‬ ‫على التنظيم أ ن يكــو ن موجه ـًا‪ ،‬أو دافع ـا ً للســلوك‪ ،‬بــل إ ن‬ ‫العقل نفسه لدى هيوم يعد ملكة في لخدمة النفعال‪ ،‬حيــث‬ ‫‪Ibid: P.‬‬ ‫‪152‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬إذا أردنا‬ ‫البحث عــن الــدوافع الولــى والساســية للســلوك البشــري‬ ‫فيجــب علينــا النتهــاء حتمــا ً إلــى النفعــال والحســاس‬ ‫والعاطفــة ل ن العقــل ل يمكــن أ ن يشــكل دافعـا ً للســلوك‪.‬ويقــول فــي ذلــك‪» :‬العقــل عبــد‬ ‫للنفعالت‪ ،‬ول يمكنه أ ن يفعــل أي شــئ ســوى أ ن يخــدمها‬ ‫ويطيعها«)‪.‬وتقد كا ن مبرره في ذلك تقويًا‪ ،‬ل ن النسا ن يسلك‬ ‫في حياته اليومية حسب نفس الصفات التي حــددها هيــوم‬ ‫للطبيعــة البشــرية‪ ،‬بالضــافة إلــى أ ن اســتخدام العقــل‬ ‫والتفكير العقلني مقصور على الممارسة العلمية‪ .‫ديفيد هيوم‬ ‫العقل نفسه لخاضعا ً لهــا‪ . 415.‬‬ ‫لكــن هيــوم يقــف ضــد هــذا الميــراث الطويــل ويقــر بــأ ن‬ ‫النفعالت والحاسيس والعواطف هي مــا يشــكل الطبيعــة‬ ‫النسانية‪ .

‬والكتاب الثاني عن النفعــالت‪ ،‬وفيــه‬ ‫يتناول هيوم الكبرياء والتواضــع‪ ،‬والحــب والكــره‪ ،‬والرادة‪.‬لكــن ســبق أ ن تقلنــا أ ن أســاس نظريــة‬ ‫هيوم في الطبيعة البشرية هو النظرة إلى الكائن البشــري‬ ‫من منطلق النفعال ل العقل‪ ،‬ولذلك فإ ن البداية الحقيقيــة‬ ‫‪153‬‬ .‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة‬ ‫ـي المنطقــي‬ ‫تضــفي شــيئا ً مــن العقلنيــة والتــبرير العقلنـ‬ ‫لدوافع وتوجهات ليس لها أدنى علتقة بالعقل بل تنتمي كلها‬ ‫إلى النفعال‪ .‬والكتاب بهذه الصورة‬ ‫يحتــوي علــى نظريــة فــي المعرفــة فــي الكتــاب الول‪،‬‬ ‫وسيكولوجيا للنفعالت في الكتاب الثاني‪ ،‬ونظرية ألخلتقية‬ ‫في الكتاب الثالث‪ .‬كما أ ن دوره منعــدم فـي مجــال‬ ‫العتقاد‪ ،‬ول يمكن للبشر أ ن يسلكوا ويستمروا فــي الحيــاة‬ ‫بدو ن اعتقاد وعلى أساس العقــل وحــده ل يمكــن الوصــول‬ ‫إلــى أي اعتقــاد‪ ،‬وإذا كــا ن البشــر يســلكو ن وفقــا ً للعقــل‬ ‫لتوتقفوا عن اليما ن بأي اعتقاد لكن هذا غير صحيح بــالمرة‪،‬‬ ‫فالبشر يمارسو ن العتقاد كل يــوم وفــي كــل وتقــت‪ ،‬وهــذا‬ ‫أكبر دليل على أ ن العقل ل يشكل أى دور في حياتهم‪.‬‬ ‫والكتاب الثالث عن اللخل‪.‬‬ ‫ثانيا ً ‪ -‬المعرفـــة‪:‬‬ ‫نظرة عامة على كتاب »بحث في الطبيعة‬ ‫‪.1‬‬ ‫النسانية«‪:‬‬ ‫يتكو ن كتاب »بحث في الطبيعة النسانية« مــن ثلث‬ ‫كتب‪ ،‬الول عن الفهم‪ ،‬وفيه يتناول هيوم الفكار من حيــث‬ ‫أصلها وأجزاءها وما يجري عليها من تجريد وما يحدث بينهــا‬ ‫من علتقات‪ ،‬بالضافة إلى أفكار الزما ن والمكا ن والســببية‬ ‫والعتقاد والحتمال‪ .‬ق‪ ،‬وفيه يتناول الفضيلة والرذيلة‪،‬‬ ‫والعدالة والظلم‪ ،‬والخير والحسا ن‪ .‬ويصر هيوم على أ ن العقــل ليــس لــه أي دور‬ ‫في حياة البشر وسلوكهم‪ .

159ff.‬‬ ‫‪154‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬ .(2‬لكننــا فــي عرضــنا لفلســفة هيــوم ســف نتبــع‬ ‫الترتيب الذي الختاره هو لعرض فلسفته‪ ،‬ومبررنا فــي هــذا‬ ‫أ ن البدء بنظرية المعرفة له دللــة وجيهــة‪ ،‬ذلــك ل ن هيــوم‬ ‫‪Norman Kemp Smith.‫ديفيد هيوم‬ ‫لنظرية هيوم هــي فــي الكتــاب الثــاني حــول النفعــالت ل‬ ‫الكتاب الول حول الفهــم والمعرفــة‪ .‬ق ل العكــس‪ ،‬وأ ن هــذه البدايــة الخاطئــة أدت إلــى‬ ‫سوء فهم لفلســفة هيــوم‪ ،‬إذ أدت إلــى اشــتهار هيــوم بــأنه‬ ‫فيلسوف الشك‪ ،‬وإلى النظر إلى الفهم النساني على أنــه‬ ‫يشكل أساس النفعالت واللخل‪.(1‬وتقــد ذهــب كيمــب‬ ‫سميث إلى أ ن بداية هيوم بالمعرفة كـانت لخاطئـة‪ ،‬إذ كـا ن‬ ‫عليــه أ ن يبــدأ بالنفعــالت منطلقــا ً منهــا إلــى المعرفــة‬ ‫واللخل‪. A‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ ‫‪critical Analysis of its Origins and Central Doctrines (London:‬‬ ‫‪Macmillan. The Philosophy of David Hume.‬وهذا ما جعل سميث يعيــد ترتيــب أفكــار هيــوم‬ ‫ويبــدأ بالنفعــالت منتقل ً منهــا إلــى اللخل‪.‬ق وهـذا غيـر صـحيح‪ .‬‬ ‫‪Ibid: PP. 1964).‬وهــذا مــا جعــل أبــرز‬ ‫البــاحثين فــي فلســفة هيــوم وهــو نورمــا ن كيمــب ســميث‬ ‫‪ Norman Kemp Smith‬إلى الذهاب إلى أ ن الكتاب الثاني هو‬ ‫البداية الحقيقيــة لفلســفة هيــوم‪ ،‬ومــا الكتــاب الول حــول‬ ‫الفهم والمعرفة سوى تطبيق لنظرية حــول النفعــالت لــم‬ ‫يقدمها هيوم إل فــي الكتــاب الثــاني)‪ . V-VII. PP.‬فلـم‬ ‫يتبنــى هيــوم نظــرة شــكية فــي الفلســفة مــن منطلقــات‬ ‫ابستمولوجية بل من المنطلق السيكولوجي الــذي وضــعه‬ ‫فـــي الكتـــاب الثـــاني حـــول النفعـــالت‪ ،‬مـــا الشـــكية‬ ‫البستمولوجية عنده والتي تنصب حول الســببية والعتقــاد‬ ‫وأفكار الجوهر والعلتقة سوى توسيع لنظرته الشكية حــول‬ ‫النفعالت‪ .‬ق وألخيــرا ً إلــى‬ ‫المعرفــة)‪ .

‬ويبــدو أ ن هيــوم‬ ‫كا ن مدركا ً أ ن البحث في الطبيعة البشرية‪ ،‬حتى ولــو كــا ن‬ ‫أساســها انفعــالي‪ ،‬يجــب أ ن يبــدأ بالقــدرة علــى تلقــي‬ ‫النطباعات الحسية وتكوين الفكار وإتقامة الصــلت بينهــا‪،‬‬ ‫فهذا يعد أول مستوى يكشف عن تعامل الطبيعة النســانية‬ ‫مع الخبرة‪.Ideas‬ويميــز هيــوم بيــن‬ ‫الموضوعات التي تدلخل العقــل علــى أســاس تمييــزه بيــن‬ ‫الحساس والخبرة من جهة والتفكير والستدلل مــن جهــة‬ ‫ألخرى‪ ،‬ذلك لنه كي يتمكن العقل من التفكيــر والســتدلل‬ ‫فيجب أ ن يكو ن حاصل ً في البداية على انطباعات تأتي من‬ ‫الحســاس والدراك الحســي‪ .‬‬ ‫‪.‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثةمــع عناصــر‬ ‫تقبل أ ن يعرض للنفعالت كا ن عليه أ ن يتعامل‬ ‫الدراك الحسي البسيط‪ ،‬ومع الكيفية التي يفهم بها العقل‬ ‫الشياء‪ ،‬فتلقي النطباعات الحسية مــن الخــبرة التجريبيــة‬ ‫له الولوية على تكوين النفس للنفعالت‪ .‬وفــي حيــن أطلــق لــوك‬ ‫مصطلح »الفكار« علــى كــل عناصــر العقــل ســواء كــانت‬ ‫حسية أو عقلية‪ ،‬مجردة أو انفعاليــة‪ ،‬فــإ ن هيــوم يضــع فــي‬ ‫البدايــة »الدراكـات« ويقســمها بعــد ذلــك إلــى انطباعــات‬ ‫حسية وأفكار‪ ،‬محتفظا ً في هذا التقسيم بــالمعنى الصــلي‬ ‫للفكار والذي يدل على الجانب العقلي المجرد من عناصر‬ ‫التفكير‪.‬‬ ‫‪155‬‬ .2‬‬ ‫النطباعات والفكار‪:‬‬ ‫ل يطلــق هيــوم علــى موضــوعات العقــل مصــطلح‬ ‫»الفكار« كمــا فعــل لــوك‪ ،‬بــل يطلــق عليهــا »إدراكــات«‬ ‫‪ ،Perceptions‬وهــو يقســم هــذه الدراكــات إلــى نــوعين‪:‬‬ ‫النطباعات ‪ impressions‬والفكــار ‪ .

‬وأعني بالفكار الصور الخافتــة لهــذه فــي التفكيــر‬ ‫والســتدلل‪ ،‬مثــل تلــك الــتي تظهــر فــي هــذا البحــث«)‪.‫ديفيد هيوم‬ ‫ويميــز هيــوم بيــن النطباعــات والفكــار علــى النحــو‬ ‫التالي‪» :‬إ ن الفر‪.‬ق بينهما أ ن النطباعــات إدراكــات تنطبــع‬ ‫على الدراك الحسي‪ ،‬والفكار إدراكات تنطبع على العقل‪. P.‬ق بين النطباعات والفكار هو فر‪.‬وإذا كــا ن الدراك‬ ‫الحســي يتلقــى تــأثيرات تقويــة مــن الخــارج فــإ ن العقــل ل‬ ‫يتلقــى إل صــورا ً ‪ ،Images‬بمعنــى أنــه ل يتلقــى النطبــاع‬ ‫الحسي نفسه بل يتلقى صورة ذهنية عنه‪.‬وإذا كانت النطباعات حسية فالفكــار أيض ـا ً‬ ‫حسية‪ ،‬وكل الفر‪.‬ق في‬ ‫الدرجة ل في الطبيعة‪ ،‬والثنا ن عنده من نوع واحد‪ ،‬إذ همــا‬ ‫معا ً إدراكات‪ .‬ق بينهما يتمثل في درجة القــوة والحيويــة‬ ‫التي تؤثر بها على العقل وتدلخل عن طريقهــا فــي التفكيــر‬ ‫والوعي‪ . 1‬‬ ‫‪156‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬‬ ‫ول ن هدف هيوم الساســي ســواء فــي الكتــاب الول‬ ‫من »بحث في الطبيعة البشرية« أو فــي كتــابه الآلخـر فــي‬ ‫المعرفة وهو »بحث فــي الفهــم النســاني« الكشــف عــن‬ ‫الطريقة التي يفكر بها النسا ن والتي تتحدد وفـق طـبيعته‪،‬‬ ‫‪Hume: op.‬فتلك الدراكات التي تدلخل بكل تقوة وعنف يمكن‬ ‫أ ن نســميها النطباعــات‪ ،‬وتحــت هــذه التســمية أفهــم كــل‬ ‫إحساساتنا وانفعالتنا وعواطفنــا كمــا تظهــر لل مــرة فــي‬ ‫النفس‪ .(1‬‬ ‫ومعنى هذا أ ن الفر‪.‬والدراك المنطبــع‬ ‫علــى الدراك الحســي هــو تــأثر مباشــر للحــواس بالشــياء‬ ‫وبالخبرة التجريبية‪ ،‬أما الدراك المنطبـع علـى العقـل فهـو‬ ‫مجــرد صــورة لخافتــة للشــياء والخــبرة‪ .‬‬ ‫وما ينطبع على الدراك الحســي يكــو ن تقوي ـا ً وعنيف ـًا‪ ،‬ومــا‬ ‫ينطبع على العقول يكو ن لخافتا ً ضــعيفًا‪ . cit.

‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة الســاس‪،‬‬ ‫ول ن هذه الطبيعة لدى هيوم طبيعة انفعالية في‬ ‫فلقد ذهب إلى أ ن التفكير غير ممكـن إل بحضـور إدراكـات‬ ‫فــي الــذهن‪ ،‬وهــذه الدراكــات إمــا أ ن تكــو ن انطباعــات أو‬ ‫أفكــار‪ .‬‬ ‫ولذلك ينظر إلى لوك وهيوم على أنهما من إرهاصات علــم‬ ‫النفس المعرفي الحديث‪ ،‬ومن الممهدين لبيــاجيه‪ .‬ق شــرحه لنظريتــه فــي المعرفــة إلــى النظــر إلــى‬ ‫‪157‬‬ .‬ولقــد ســبق أ ن لحظنـا أ ن هـذا‬ ‫التشابه مع بياجيه ينسحب على نظرية المعرفة عند لــوك‪.‬والــذي‬ ‫يجعل نظرية هيوم فــي المعرفــة نظريــة ســيكولوجية أنهــا‬ ‫تركز على عملية التفكير باعتبارها عملية وظيفية إجرائيــة‪،‬‬ ‫حتى أنه يميل إلــى النظــر إلــى النفعــال المعرفــي للــذهن‬ ‫البشري على أنه يرجع إلــى ملكــات ذهنيــة‪ ،‬إذ يــذهب فــي‬ ‫ســيا‪.‬كما أنها في نفس الــوتقت تطوريــة‪ ،‬ذلــك ل ن‬ ‫النظر إلى المعرفة على أنها تبــدأ بمرحلــة الحســاس‪ ،‬ثــم‬ ‫الدراك الحسي الذي يتلقى النطباعــات ثــم الــذهن الــذي‬ ‫تنطبع فيه الحساســات فــي شــكل صــور ذهنيــة‪ ،‬ثــم صــنع‬ ‫الذهن من هــذه الصــور الذهنيــة لفكــار ثــم لعلتقــات‪ ،‬يعــد‬ ‫نظرية تطورية في المعرفة‪ ،‬شبيهة بعلم النفس المعرفــي‬ ‫التطوري عند جا ن بيـاجيه‪ .‬ول ن الفكــار ذاتهــا ليســت ســوى صــور عقليــة‬ ‫لنطباعات حسية فمعنى هذا أ ن كل تفكير بالنســبة لهيــوم‬ ‫ينطوي على استقبال لنطباعــات‪ ،‬وبــذلك يعطــي الولويــة‬ ‫للدراك الحســي فــي المعرفــة‪ .‬ويمكننــا النظــر إلــى هــذه‬ ‫النظريــة علــى أنهــا ســيكولوجية أو تكوينيــة ‪ .genetic‬فهــي‬ ‫سيكولوجية لنها ترد ا لمعرفة إلى تــأثر الحــواس بالشــياء‬ ‫في صورة انطباعات وأفكار‪ ،‬وهي تكوينية لنها تتبع عمليــة‬ ‫المعرفــة إلــى أبســط مكوناتهــا أو مــدلخلتها الولــى مــن‬ ‫الحساسات‪ .

‫ديفيد هيوم‬ ‫الحساسات والربط بينها على أنها وظيفة لملكــة الــذاكرة‬ ‫والمخيلة علــى التــوالي‪ ،‬والنظــر إلــى وظيفــة الربــط بيــن‬ ‫النطباعات والفكار على أنهــا وظيفــة لملكــة الفهــم‪ .‬‬ ‫‪158‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬فــاللو ن الحمــر الــذي‬ ‫أفكر فيه هو صورة ذهنيــة لدراكــي الحســي لهــذا اللــو ن‪،‬‬ ‫وهذه الصورة الذهنية هي فكرة أولية‪ ،‬تــؤدي إلــى تكــوين‬ ‫لفكرة ثانوية تكو ن صورة ذهنيــة مــن مســتوى ثــاني أكــثر‬ ‫تجريدا ً عن فكرة اللو ن ذاتها‪ .‬ويــذهب هيــوم إلــى أ ن هــذا‬ ‫التمييز بين فكرة أولية وفكــرة ثانويــة ليــس اســتثناًء مــن‬ ‫نظريته حول أولوية النطباعات على الفكار بل هــو تأكيــد‬ ‫لها)‪ ،(1‬ذلك ل ن هذا التمييز يثبت إمكــا ن أ ن تقــوم الفكــرة‬ ‫الولية بدور انطباع مــن مســتوى ثــاني يــؤدي إلــى ظهــور‬ ‫فكرة ثانوية‪ .‬ومعنــى هــذا أ ن مــا يســميه هيــوم بالنطبــاع‬ ‫ينسحب على ما تســتقبله الحــواس مــن إدراكــات‪ ،‬وأيضـا ً‬ ‫على ما يستقبله العقل من أفكار أولية‪.‬هــذا‬ ‫التأكيد على الملكات المعرفية باعتبارها تقائمة بوظائف هو‬ ‫الذي يميز نظرية هيوم عن نظريـة لـوك‪ ،‬وهـو أيضـا ً الـذي‬ ‫جعل هيوم هو المؤثر الكبر على كانط الذي سوف تكتمــل‬ ‫على يديه نظريــة المعرفــة باعتبارهــا نظريــة فــي وظــائف‬ ‫وملكات الذهن البشري‪.‬‬ ‫ويميز هيوم بين نــوعين مــن النطباعــات‪ :‬انطباعــات‬ ‫‪Ibid: P.‬‬ ‫ويضــيف هيــوم إلــى نظريتــه حــول العلتقــة بيــن‬ ‫النطباعات والفكار توضيحا ً ضروريًا‪ ،‬يقول فيه أنه مثلم ـا‬ ‫و ن أفكــارا ً‬ ‫أ ن الفكــار صــور للنطباعــات‪ ،‬فيمكنن ـا أ ن نك ـ ّ‬ ‫ثانوية تكو ن صورا ً للفكار الوليــة‪ . 6.

‬‬ ‫إ ن هيــــــــــوم فــــــــــي العبــــــــــارة الســــــــــابقة‬ ‫ل يتحدث عن وجود النطباعات الحسية ذاتها‪ ،‬فهو ل يشــك‬ ‫فـــــــــــــــــــــــــــــــي وجودهـــــــــــــــــــــــــــــــا‬ ‫أو فــي الموضــوعات الحســية بــل يتحــدث عــن وجــود‬ ‫النطباعات الحسية ذاتها‪ ،‬فهو ل يشك في وجودهــا أو فــي‬ ‫الموضوعات الحسية التي تــؤثر علــى أعضــاء الحــس‪ ،‬بــل‬ ‫يشك في كيفية النطباع نفسه‪ ،‬في النفس النسانية‪ ،‬ذلــك‬ ‫ل ن عملية النطبـاع فـي حـد ذاتهـا تنطـوي علـى موضـوع‬ ‫مدرك حسيا ً ينطبع في النفس‪ ،‬وعلى النفــس الــتي يظهــر‬ ‫فيها النطباع‪ .‬‬ ‫‪159‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬ل يشك هيوم فـي وجــود وحقيقــة الموضــوع‬ ‫المنطبع أو النطباع ذاته‪ ،‬بل يشــك فــي موضــوع النطبــاع‬ ‫وهو النفس‪ ،‬ذلك ل ن النفس ذاتها ل تعرف بانطباع حســي‬ ‫بـل بعمليـة اسـتدلل عقليـة مجـردة‪ . 7.‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة ‪ Relexion‬أو‬ ‫الحســــاس ‪ Sensation‬وانطباعــــات التفكيــــر‬ ‫النعكاس‪ .‬ويقول عن انطباعات الحساس أنها »تنشأ فــي‬ ‫النفس أساسًا‪ ،‬مــن أســباب غيــر معروفــة«)‪ .(1‬لكــن كيــف‬ ‫تكو ن أسباب انطباعات الحســاس غيــر معروفــة؟ إ ن هــذا‬ ‫التصــريح مــن تقبــل هيــوم يعــد مــن أكــثر أجــزاء فلســفته‬ ‫غموضًا‪ ،‬وكا ن مصدرا ً لعتراضات كثيرة مـن تقبـل دارســي‬ ‫فلسفته‪ ،‬ويمكننا تبرير فكرة هيوم هــذه بمعرفــة رأيــه فــي‬ ‫النفس‪ .‬ومـا يعـرف بانطبـاع‬ ‫‪ibid: P.‬وتعــد هــذه النقطــة مــن أهــم‬ ‫الجوانب التي الختلفت فيها تجريبية هيوم عن تجريبية لوك‪.‬كا ن الحرى لهيوم أ ن يؤكد تأكيدا ً حاسما ً علــى أ ن‬ ‫انطباعات الحساس تتمتع بصحة ويقين مطلق مثلما ذهب‬ ‫لـــــــــــــــــــــــــــــــوك‪ ،‬إل أنـــــــــــــــــــــــــــــــه‬ ‫لم يفعل ذلك والختلــف عنــه‪ .

‬وإذا كـانت النفـس‬ ‫هي سبب نشوء النطباعات فيها لكانت بذلك جوهرًا‪ ،‬لكنها‬ ‫ليست جوهرا ً‪ ،‬بالتالي فسبب النطباعات ل يمكن معرفته‪.‬وكل ما نعرفه عن النفــس هــو تلــك‬ ‫العمليات الذهنية‪ ،‬أما النفــس ذاتهــا مــن حيــث الجــوهر فل‬ ‫نعرفها‪ ،‬ذلك ل ن هيــوم ل يعتقــد فــي أ ن النفــس النســانية‬ ‫جوهر ثابت بعكس ما ذهب ديكارت وليبنتز‪ ،‬وكل ما نعرفه‬ ‫عنها هو آثارها وأفعالها‪ ،‬وهــي فــي حقيقتهــا ليســت ســوى‬ ‫هذه الفعال‪ ،‬فهي وظيفة وليست جوهرا ً ومــن أجــل ذلــك‬ ‫ذهب إلــى أ ن ســبب النطبــاع ل يمكــن معرفتــه بمــا أننــا ل‬ ‫نعرف النفس معرفة حقيقية باعتبارها جــوهرًا‪ .‬كيــف إذ ن ُتعــرف النطباعــات الضــرورية بشــئ‬ ‫محتمل مثل النفــس؟ وكيــف ُيعــرف مــا هــو مباشــر وغيــر‬ ‫متوسط عن طريق وسيط غيــر مباشــر وغيــر واضــح لــدى‬ ‫الذات النسانية أثناء عملية النطباع؟ كل هــذه الصــعوبات‬ ‫هي التي جعلت هيوم يضع العبارة السابقة التي يشك فيهــا‬ ‫في أسباب نشوء النطباعات الحسية في النفس‪ ،‬ذلك ل ن‬ ‫النفس ل تعرف مباشــرة وبوضــوح أثنــاء عمليــة النطبــاع‪،‬‬ ‫وتأتي معرفتها بعد ذلــك بممارســة التفكيــر فــي العمليــات‬ ‫الذهنية التي تقوم بها‪ .‬وإذا فكرنــا‬ ‫في النفس على أنها ليســت ســوى مجموعــة مــن الفعــال‬ ‫الذهنية فكأننا بذلك نردها إلـى وظيفتهـا الحسـية وحسـب‪،‬‬ ‫أما جوهرها العقلي فل يمكـن معرفتـه‪ .‬‬ ‫أما انطباعات التفكير فيذهب هيوم إلى أنها ترجع إلى‬ ‫الفكار‪ .‫ديفيد هيوم‬ ‫حسي يكو ن ضروريًا‪ ،‬أما ما يعرف باستدلل وبرها ن يكـو ن‬ ‫احتمالي ـًا‪ .‬فعندما يؤثر انطباع ما على أعضاء الحس ويجعلنــا‬ ‫نــدرك الحــرارة أو الــبرودة‪ ،‬العطــش أو الجــوع‪ ،‬اللــذة أو‬ ‫اللم‪ ،‬فإ ن لهذا النطباع نسخة ألخرى يستقبلها العقل تبقى‬ ‫‪160‬‬ .

8-9.(1‬ومعنــى هــذا أ ن ملكــتي‬ ‫الذاكرة والمخيلة يختصا ن باستحضار الفكرة بعد أ ن يكــو ن‬ ‫إحساسها تقد غاب عــن الدراك الحســي‪ ،‬الــذاكرة تســتعيد‬ ‫الفكرة كما حدثت وترسمها بألوانها الحقيقية‪ ،‬أما المخيلــة‬ ‫‪Ibid: PP.3‬‬ ‫ملكات المعرفة‪:‬‬ ‫وبعد أ ن يشرح هيوم العلتقة بين النطباعات والفكار‪،‬‬ ‫يــأتي علــى أحــد أهــم جــوانب نظريتــه فــي المعرفــة وهــو‬ ‫المتعلق بالملكات المعرفية‪ ،‬وهو يشرح بالتفصيل ملكــتين‬ ‫هما الذاكرة والمخيلة ‪ Memory / Imagination‬يذهب هيــوم‬ ‫إلى أ ن النطباع عندما يحض ـر للعقــل يكــو ن فكــرة‪ ،‬وهــذه‬ ‫الفكرة توجد فيه بطريقتين‪ :‬إمــا أ ن تحضــر الفكــرة بشــئ‬ ‫من الحيوية‪ ،‬أو أ ن تفقد هذه الحيوية وتصبح فكــرة كاملــة‪.‬وبــذلك يمكننــا ترتيــب‬ ‫العملية الذهنية في الترتيب التالي‪ :‬انطباعــات الح ـواس ‪‬‬ ‫أفكار أولية ‪ ‬انطباعات التفكير ‪ ‬أفكار ثانويــة ‪ ‬أفكــار‬ ‫مجردة )المكا ن والزما ن والسببية والعتقاد(‪.‬هذه الفكرة عن اللذة واللم عندما ترجع إلــى‬ ‫النفس‪ ،‬تنتج انطباعات جديدة بالرغبة والإحجام‪ ،‬أو الرجاء‬ ‫والخوف‪ ،‬وهي ما يطلق عليه هيوم انطباعات التفكير لنهــا‬ ‫مستقاة مــن التفكيــر حــول النطباعــات الوليــة الســابقة‪.‬‬ ‫ومعنى هذا أ ن انطباعات التفكيــر تســبق الفكــار‪ ،‬لكنهــا ل‬ ‫تعتمــد علــى انطباعــات الحســاس‪ .‬‬ ‫والملكــة الــتي يســتعيد بهـا الــذهن الفكــرة بحيويتهــا وكمــا‬ ‫تلقاها من الحواس هي الــذاكرة‪ ،‬والملكــة الــتي يفكــر بهــا‬ ‫الذهن في الفكار بعد أ ن تكو ن إحساساتها تقــد غــابت عــن‬ ‫الدراك الحسي تسمى المخيلة)‪ .‬‬ ‫‪.‬‬ ‫‪161‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثةمــا يســميها‬ ‫فيه بعد أ ن يختفي النطباع‪ ،‬وهذه النسخة هي‬ ‫هيوم فكرة‪ .

‬ق في الدرجة‪ ،‬بحيث تستحضر الذاكرة الفكــرة الحيويــة‬ ‫وتستحضر المخيلة فكرة باهتـة‪ .‬لكـن الفـر‪.(1‬والحقيقة أنــه ألخطــأ فــي ذلــك‪ ،‬ل ن‬ ‫هذه العمليات العقلية تعتمد على الفكــار المجــردة وعلــى‬ ‫الكليات‪ ،‬وهــذه ليســت مــن إنتــاج المخيلــة بــل مــن إنتــاج‬ ‫الفهــم‪ ،‬ومعنــى هــذا أ ن إدراك العلتقــة بيــن فكــرة وألخــرى‬ ‫وإدراك الســببية والقيــام بفعــل الحكــم ل يمكــن أ ن يعتمــد‬ ‫على الذاكرة وحدها بل على المخيلة‪ ،‬ذلك لنها هي القدرة‬ ‫على استحضار علتقات بين انطباعات ليست موجودة فــي‬ ‫الحواس‪ ،‬وهذا الستحضار للعلتقات فــي المخيلــة هــو فــي‬ ‫الحقيقة ليس استحضارا ً لشئ كا ن موجودا ً أمام الحــواس‬ ‫وغــاب عنهــا كــي تســتعيده الــذاكرة‪ ،‬بــل هــو إنتــاج لهــذه‬ ‫العلتقات التي لم يعيها الدراك الحســي منــذ البدايــة‪ .‬ذلــك‬ ‫ل ن الــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــذاكرة‬ ‫ل يمكنهــا إل التفكيــر فــي الفكــار الحســية‪ ،‬أمــا المخيلــة‬ ‫فتختص بالتفكير في الفكار المجردة أو بانطباعات الدرجة‬ ‫الثانيــة‪ .‬تبــدو‬ ‫ملكة المخيلة عند هيوم على أنها سلبية ومتلقيــة وحســب‪،‬‬ ‫في حين أنها إيجابية‪ ،‬ذلك لنها تكتشف وتقيم علتقات بيــن‬ ‫الفكار لم تكن واضحة للحواس‪ .‬ق بينهمــا هــو‬ ‫فر‪.‬ق بينهمـا ليـس‬ ‫فرتقا ً في الدرجة وحسب‪ ،‬بل فر‪.‬ويعطــي هيــوم الولويــة للــذاكرة فــي العمليــات‬ ‫العقلية الكثر رتقيا ً وتعقيدًا‪ ،‬مثــل إدراك التــوالي أو التتــابع‪،‬‬ ‫والستدلل والحكم)‪ . 84-86.‬وكــا ن عــدم تقــدرة هيــوم‬ ‫على التمييز الدتقيق بين وظيفتي الذاكرة والمخيلة من بين‬ ‫‪Ibid: P.‫ديفيد هيوم‬ ‫فهي استحضار صورة ذهنية باهتة عن الفكــرة‪ .‬ق فــي النــوع أيض ـًا‪ .‬‬ ‫‪162‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬ويبــدو مــن‬ ‫شرح هيوم لملكة الذاكرة والمخيلــة أ ن الفــر‪.

‬‬ ‫لكن ل تزال هناك صعوبات في نظرية هيوم فــي المخيلــة‪،‬‬ ‫فإذا كانت المخيلة تقوم بوظيفة التداعي بين الفكار علــى‬ ‫‪Ibid: P.(1‬‬ ‫ولذلك فهو ل يزال يعطــي الولويــة للــذاكرة‪ . 87.‫تيارات فلسفية‬ ‫النقاط التي نقدها كانط وميز على أساسهاحديثة‬ ‫بيــن وظيفــتين‬ ‫للمخيلة‪ ،‬متلقية ومنتجة‪.‬أمــا المخيلــة‬ ‫ذاتها فتختص بالقيــام بفعــل التــداعي نفســه‪ ،‬وهــذا الفعــل‬ ‫يقـــوم بـــوظيفته علـــى أســـاس ثلث مبـــادئ‪ :‬التطـــابق‬ ‫‪ Resemblance‬واللختلف ‪ Contiguity‬والسبب والنتيجة ‪Cause‬‬ ‫‪ .association of ideas‬يذهب هيوم إلى أ ن المخيلة تفصل بين‬ ‫الفكار البسيطة وفـي نفـس الـوتقت تربـط بينهـا‪ ،‬لكنهـا ل‬ ‫تقوم بهذا الربط اعتباطا ً بل على أساس مبــدأ مــوجه وهــو‬ ‫تداعي الفكار‪ .‬‬ ‫وعلى الرغم من تلك النتقــادات الــتي تــوجه لنظريــة‬ ‫هيوم في ملكة المخيلة‪ ،‬إل أنه في الحقيقة يلحق بها شــيئا ً‬ ‫من الستقلل عن الذاكرة ويجعلها في مرتبــة وســط بينهــا‬ ‫وبين ملكة الفهم‪ ،‬ذلك لنه يلحق بها وظيفة تداعي الفكــار‬ ‫‪ .and Effect‬فالمخيلة تستطيع النتقال من فكرة إلى ألخرى‬ ‫والربط بينهما إذا كا ن بينهما تطابق‪ ،‬وإذا كا ن بين الفكرتين‬ ‫الختلف فإ ن حضور الواحدة منهما يؤدي إلى تداعي الفكرة‬ ‫اللخرى‪ ،‬وكذلك الحال بالنسبة للســبب والنتيجــة‪ ،‬فحضــور‬ ‫السبب يؤدي إلى تــداعي النتيجــة فــي الــذهن عــن طريــق‬ ‫المخيلة حتى لو لم تكن النتيجة حاضــرة‪ ،‬والعكــس صــحيح‬ ‫أيضا ً إذا حضرت النتيجة ويتم تــداعي ســببها فــي المخيلـة‪.‬ولم ينظر هيوم إلــى القــدرة علــى إحــداث‬ ‫التداعي بين الفكار على أنهــا لخاصــة بالمخيلــة وحــدها بــل‬ ‫ذهب إلى أ ن للــذاكرة دورا ً أساســيا ً فــي هــذا التــداعي)‪.‬‬ ‫‪163‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .

‬‬ ‫لكن هل يمكن النظر إلــى هـذه المبــادئ علـى أنهـا مبــادئ‬ ‫عقليــــة لخالصــــة أم أنهــــا مجــــرد أفعــــال تلقائيــــة؟‬ ‫ل ينشغل هيوم بهذه النوعية من السئلة‪ ،‬تلك الــتي ســوف‬ ‫تشغل كانط في »نقد العقل الخالص«‪ ،‬وكل مــا كــا ن يهــم‬ ‫هيوم في استعراضه لملكة المخيلة وأفعالها فــي التــداعي‬ ‫هو توضيح أ ن السـببية ليسـت تقانونـا ً حاكمـا ً للعلتقـة بيـن‬ ‫الشــياء يكتشــفه العقــل البشــرى بقــدر مــا هــي طريقــة‬ ‫المخيلة في الربط بيــن الفكــار‪ ،‬بمعنــى أ ن الســببية فعــل‬ ‫ذهني وحسب يصدر بناء على طبيعتنا البشرية ول يمكن أ ن‬ ‫يؤدي إلى معرفة أي حتمية لخاصة بالطبيعــة‪ ،‬فكــل مــا فــي‬ ‫الطبيعة احتمالي وممكن‪.‬‬ ‫فما هو مصدر مبادئ التـداعي الثلثـة فـي المخيلـة؟ يميـل‬ ‫هيوم إلى الذهاب إلى أ ن هذه المبــادئ تنمــو بتلقائيــة بنــاء‬ ‫على اعتماد المخيلة علـى اســتعادة النطباعـات الحســية‪. 110-112.‬وهــو ينتقــل مــن مبــادئ التــداعي فــي‬ ‫المخيلة إلــى مبــادئ ملكــة الفهــم فــي فقــرة يقــول فيهــا‪:‬‬ ‫»ومن بين آثار هــذا التحــاد أو الــترابط بيــن الفكــار ليــس‬ ‫هناك ما هو أكثر أهمية من تلك الفكار المركبة والــتي هــي‬ ‫الموضوعات العامة لتفكيرنا واستدللاتنا‪ ،‬والتي تنش ـأ مــن‬ ‫‪Norman Kemp Smith: op.‫ديفيد هيوم‬ ‫أساس مبادئ التطابق واللختلف والسببية‪ ،‬فهل يعني هــذا‬ ‫أ ن هذه المبادئ الثلثــة تقبليــة فــي المخيلــة؟ )‪ (1‬لــم يطــرح‬ ‫هيوم هذا السؤال وبالتالي ل نجد عليه إجابة فــي فلســفته‪.‬‬ ‫وعند هذا الوصف لمبادئ التداعي لدى المخيلة ينتهي‬ ‫حديث هيوم عنها‪ ،‬وينتقل منهــا إلــى أفكــار ثلثــة ألخــرى‪ ،‬ل‬ ‫تخص المخيلة بل تخص ملكة الفهم وهــي أفكــار العلتقــات‬ ‫والحوال والجواهر‪ .‬‬ ‫‪164‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ . cit. PP.

‬هــذه الفكـ‬ ‫تنقسم إلى العلتقــات ‪ Relations‬والحــوال ‪ modes‬والجــواهر‬ ‫‪ .‬‬ ‫وبذلك لن تكو ن ملكة الفهــم الــتي تشــتغل بأفكــار العلتقــة‬ ‫والحال والجــوهر مســتقلة فـي أفعالهــا بــل ســتكو ن تابعــة‬ ‫لملكة المخيلة‪ ،‬إذ تعتمد عليها في إمــدادها بنظــام وترتيــب‬ ‫معين للفكار في صورة تطابق أو الختلف أو سبب ونتيجة‪. P.Identity‬التطــابق هــو العلتقــات الــتي تــدركها‬ ‫المخيلة‪ ،‬أما الفعل المعرفــي الــذي يقــوم بــه الفهــم علــى‬ ‫أساس التطابق فهو المقارنــة‪ . cit.‬ولذلك يأتي هيوم على‬ ‫فكرة الزما ن والمكا ن مباشــرة مــع مفهــوم الهويــة‪ ،‬وهمــا‬ ‫‪Hume: op.‬ق ســيكومعرفي‪ ،‬إذ يهــدف توضــيح العمليــات‬ ‫الذهنية التي ندرك عن طريقها علتقــات وأحــوال وجــواهر‪.‬والهويــة هــي العلتقــة الــتي‬ ‫يكتشــفها الــذهن فــي الموضــوع الــدائم المســتمر‪ ،‬لكنــه‬ ‫المستمر في زما ن ومكا ن مختلف‪ .‬‬ ‫والملحــظ أ ن هيــوم ل يتنــاول مســألة وجــود علتقــات‬ ‫أو أحــوال أو جــواهر فــي العــالم الحقيقــي‪ ،‬فليــس هــدفه‬ ‫أنطولوجيا ً فى الساس‪ ،‬بل هدفه الساسي إبستمولوجى‪،‬‬ ‫وبمعنــى أد‪.‬‬ ‫وعلــى الرغــم مــن أ ن القــدرة علــى إتقامــة العلتقــات‬ ‫تخص الفهم‪ ،‬إل أ ن للمخيلـة نصــيب فيهــا‪ ،‬إذ يتمثــل دورهـا‬ ‫في إدراك أدنى أنواع العلتقات وهــي التطــابق ‪resemblance‬‬ ‫والهويــة ‪ .‬‬ ‫وهذا عكس وضع ملكة الفهم عند كانط والــتي تحــوز علــى‬ ‫استقلل عن ملكة المخيلة بما لديها من مبــادئ تقبليــة فــي‬ ‫التركيب بين الظاهرات‪.(1) «Substances‬إ ن هيوم بذلك يؤسس تلك الفكار المركبة‬ ‫على أساس أفعال المخيلة وتقوانين التــداعي الثلثــة فيهــا‪. 13‬‬ ‫‪165‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثةـار المركبــة‬ ‫اتحاد أصلي بين أفكارنــا البســيطة‪ .

‬ومــن بيــن العلتقــات‬ ‫اللخرى التي يعددها هيوم تلك المتعلقة بــالكم مثــل العــدد‪،‬‬ ‫والمتعلقة بالكيف مثل الدرجة‪ ،‬وعلتقة ألخــرى يبــدو أنهــا ل‬ ‫تقيم أي صلة بين الفكار لكنها في الحقيقة تقيم صــلة مــن‬ ‫نوع ما وهي التنافر ‪ ،Contrareity‬وألخيرا ً هناك علتقة السبب‬ ‫والنتيجة التي ســوف يتوسـع هيـوم فـي شــرحها فـي بقيــة‬ ‫بحثه)‪.4‬‬ ‫الجواهـــر‪:‬‬ ‫أما الجوهر فإ ن لهيوم نظرية لخاصة فيــه‪ ،‬إذ يرفــض‬ ‫أ ن يكو ن للجوهر وجود حقيقي في الشــياء ويــذهب إلــى‬ ‫أنه مجرد طريقتنا نحن في التفكير‪ ،‬وهو يخــتزل الجــوهر‬ ‫إلــى النطباعــات‪ .(1‬‬ ‫‪.‬‬ ‫‪166‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬يقول هيــوم‪» :‬إننــي‬ ‫أســأل هــؤلء الفلســفة الــذين يؤسســو ن كــثيرا ً مــن‬ ‫استدللتهم على التمييز بيــن الجــوهر والعــرض والــذين‬ ‫يتخيلو ن أننا نحوز على أفكار واضحة حول كل منهما‪ ،‬هل‬ ‫يمكن لفكرة الجوهر أ ن تستقي من انطباعات الحســاس‬ ‫أو انطباعات التفكير؟ إذا كانت فكرة الجوهر تؤكدها لدينا‬ ‫حواسنا‪ ،‬فأنا أتساءل بــأي حاســة منهــا وبــأي طريقــة؟ إذا‬ ‫كانت هذه الفكرة مدركة بالعين فيجب أ ن تكو ن لونًا‪ ،‬وإذا‬ ‫كــانت مدركــة بــالذ ن فيجــب أ ن تكــو ن صــوتا ً وإذا كــانت‬ ‫مدركة باللمس فيجب أ ن تكو ن شيئا ً ملموسًا‪ ،‬أو باللسا ن‬ ‫فيجب أ ن تكو ن طعمًا‪ .‬لكنني أعتقد أ ن أحدا ً لن يقــر بــأ ن‬ ‫‪Ibid: P.‫ديفيد هيوم‬ ‫يعدا ن أساس المقارنة وفق البعاد المكانية والزمانية مثــل‬ ‫التجــاور والمســافة والقبــل والبعــد‪ .‬ولهميــة حــديث هيــوم عــن الجــوهر‬ ‫والعراض نورد فيما يلي نص حديثه على طــوله لمعرفــة‬ ‫ما يقوله بالضبط عن هذا الموضوع‪ . 14-15.

‫تيارات فلسفية‬ ‫الجـــــــــــــــــوهر لـــــــــــــــــو ن أو صـحديثة‬ ‫ــــــــــــــــوت‬ ‫أو ملمس أو طعم‪ .‬ول ن هيوم تقد نظر إلى الجوهر على أنه مجــرد‬ ‫اسم فإ ن مذهبه في المعرفة يسمى لهذا السبب بالمــذهب‬ ‫السمي ‪ . 15-16.Nominalism‬وتعد نظريته هذه حول الجوهر مــن‬ ‫أكــثر النظريــات الفلســفية ثوريــة فــي العصــر الحــديث‪،‬‬ ‫وأثرت علــى فلســفة التحليــل والوضــعية المنطقيــة مــن‬ ‫جورج مور وراسل إلى فتجنشــتين وآيــر‪ ،‬الــذين الخــتزلوا‬ ‫البحــث الفلســفي إلــى بحــث لغــوى فــي معنــى ودللــة‬ ‫الكلمات‪..(1‬ليــس هنــاك‬ ‫وجود حقيقي لما يســمى بــالجوهر‪ .5‬‬ ‫الســـببية‪:‬‬ ‫‪Ibid: PP.‬وبالتالي يجب أ ن تكو ن فكرة الجوهر‬ ‫مستقاة من انطباعــات التفكيــر إذا كــانت موجــودة علــى‬ ‫الحقيقة‪ .‬إ ن فكــرة الجــوهر كمــا فكــرة الحــال‪،‬‬ ‫ليسـت ســوى مجمــوع مــن أفكــار بســيطة‪ ،‬موحــدة عــن‬ ‫طريق المخيلــة‪ ،‬ويلحــق بهــا اســم نســتطيع عــن طريقــه‬ ‫اســتدعائها‪ ،‬ســواء لنفســنا أو لللخريــن«)‪ .‬‬ ‫‪.‬لكن انطباعــات التفكيــر تخــتزل إلــى انفعالتنــا‬ ‫ومشاعرنا‪ ،‬وليــس لحــد منهــا أ ن يقــدم لنــا جــوهرًا‪ .‬إننــا‬ ‫بالتالي ليس لدينا فكرة عن الجوهر مختلفة عن مجمــوع‬ ‫صــفات جزئيــة ‪ .‬وســبب حضــور هــذه‬ ‫الفكرة في أذهاننا عادة عقليــة فــي جمــع صــفات جزئيــة‬ ‫وأفكــار بســيطة ترتبــط مع ـا ً بعلتقــات تحــدثها المخيلــة‪،‬‬ ‫ويطلــق عليهــا اســما ً عام ـا ً بهــدف إمكــا ن التواصــل مــع‬ ‫اللخرين وإفهامهم ماذا نقصــد‪ .‬وبالتــالي فــالجوهر ليــس‬ ‫ســوى اســم كلــي لمجموعــة مــن الصــفات والفكــار‬ ‫البسيطة‪ .‬‬ ‫‪167‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .

‬ل ينكر هيــوم هــذه الوجهــة فــي‬ ‫النظــر‪ ،‬ويــذهب إلــى أ ن الســببية ليسـت إل انتظامـا ً معينـا ً‬ ‫لتسلسل ما ‪ ،(1)regularity of sequence‬وعلى هذا الساس فل‬ ‫يمكننــا تق ـديم تــبرير عقلــي لســبب باعتبــاره تقــادرا ً علــى‬ ‫إحداث نتيجة ما‪ ،‬ل ن السببية بذلك سوف تكو ن مجرد تتابع‬ ‫لحــداث‪ ،‬وليــس فــي هــذا التتــابع أي ضــرورة طبيعيــة أو‬ ‫منطقية‪ . 121.‫ديفيد هيوم‬ ‫يذهب هيوم إلى أ ن ما يجعلنا ندرك أ ن شيئا ً ما ســبب‬ ‫لشئ آلخر هو تقدرة الذهن على الربط بينهمــا وملحظــة أ ن‬ ‫الول ســبب أو مــؤثر والثــاني مســبب أو أثــر‪ . cit.‬وكل ما تؤكده الخبرة هو ارتباط سبب بنتيجة في‬ ‫الماضــي‪ ،‬أمــا النتقــال إلــى حتميــة هــذا الرتبــاط فــي‬ ‫المستقبل فل يمكن تبريره‪ . P.‬لكن يبحــث هيــوم‬ ‫عــن أســاس الســببية وهــل هــو مفهــوم الضــرورة أم ل‪.‬اســتخدام‬ ‫السببية في التفكير إذ ن هو عادة ذهنية‪ . op.‬‬ ‫الحقيقة أ ن كــل الفلســفة الســابقين تقــد أسســوا الســببية‬ ‫على الضرورة‪ ،‬حيث اعتقدوا أ ن هذا المفهوم تقائم على مــا‬ ‫في الطبيعة من ضـرورة وكـذلك علـى القـوانين المنطقيـة‬ ‫والطابع المنطقي للتفكير‪ .‬يقول هيوم في ذلــك‪» :‬إذا طــرأ أي‬ ‫شك حول إمكا ن تغير نظام الطبيعــة‪ ،‬وأ ن الماضــي يمكــن‬ ‫أل يكو ن تقاعدة للمستقبل‪ ،‬فسوف تصبح كل الخبرة بدو ن‬ ‫فائـــــدة‪ ،‬ولـــــن تـــــؤدي بـــــذلك إلـــــى أي اســـــتدلل‬ ‫أو نتيجة‪ .‬‬ ‫‪168‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬بنــاًء علــى أحــداث الماضــي ل‬ ‫يمكــن التنبــؤ بأحــداث المســتقبل ومــا كــا ن منتظم ـا ً فــي‬ ‫الماضي يمكن أل يكو ن منتظما ً في المستقبل دو ن الوتقوع‬ ‫في أين تناتقض عقلي‪ .‬من المستحيل أذ ن أ ن تكو ن أي حجة من الخــبرة‬ ‫تقادرة على ذلك التضامن بين الماضي والمستقبل‪ ،‬بمــا أ ن‬ ‫‪Smith.

‬أمــا العتقــاد فــي وجــود أســباب نهائيــة‬ ‫أو علل أولى كما يعتقد أصحاب المذاهب الميتافيزيقيــة فل‬ ‫مبرر له‪ ،‬وهو مجرد وهم ولخرافــة«)‪ .‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ ‫‪37-38.‬ق بين الماضي والمستقبل يدلخل فــي‬ ‫مجال الحتمال ‪ probability‬وليس له أي علتقــة بالضــرورة‪.(1‬وإذا لــم‬ ‫هذه الحجج مقامة على أساس هــذا التطــابق«‬ ‫يكن من الممكــن تقــديم حجــة مــن الخــبرة علــى ضــرورة‬ ‫السببية‪ ،‬فإ ن هذا يفسر علـى أنهـا نتيجــة اسـتعداد مـا فـي‬ ‫العقل البشري‪ ،‬وهذا الستعداد هــو العــرف والعــادة ‪:habit‬‬ ‫»طالمــــــــا أنتــــــــج كــــــــل تكــــــــرار لفعــــــــل‬ ‫أو عملية نفس النتيجة‪ ،‬دو ن تدلخل مــن اســتدلل أو عمليــة‬ ‫تخيلية يقوم بها الفهم‪ ،‬فنحن نقول أ ن هذا التــوجه هــو أثــر‬ ‫للعادة‪ .‬‬ ‫وكل ما نستطيع أ ن نؤكده بناء على هذا المفهــوم للســببية‬ ‫هو أ ن النتظام الذي اكتشفته الخبرة فــي الماضــي يمكــن‬ ‫أ ن يحدث ويمكن أل يحدث في المسـتقبل‪ ،‬بمعنـى أ ن هـذا‬ ‫النتظام‪ ،‬وذلك التفا‪.‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة)‪ .‬نحن فقط نشير إلى مبدأ فــي الطبيعــة‬ ‫النسانية‪ ،‬متعارف عليه عمومًا‪ ،‬ومعروف جيدا ً عن طريــق‬ ‫آثاره«)‪ . 55. PP.‬‬ ‫‪Hume: Enquiry concerning Human Understanding. 43.(3‬وليــس هنــاك وجــود‬ ‫لي ضرورة في مفهوم السببية الــذي يعتمــد علــى العــادة‪،‬‬ ‫ذلك ل ن المستقبل يمكن أل يكو ن علــى شــاكلة الماضــي‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬ ‫‪Ibid: P.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬ .‬‬ ‫‪169‬‬ ‫‪Ibid: P.(2‬وبهذه الطريقة فإ ن العادة هي الــتي تمكننــا مــن‬ ‫التنبؤ بالمستقبل بناء على الماضي‪ ،‬وبالتــالي نســتطيع بهــا‬ ‫الحصول على أهدافنا‪ ،‬ونحدث انسجاما ً بين نظام الطبيعــة‬ ‫وتتــابع أفكارنــا‪ .‬وباستخدامنا لهذا المصطلح ل نهدف تقــديم ســبب‬ ‫نهائي لهذا التوجه‪ .

P.6‬‬ ‫العتقـــاد‪:‬‬ ‫يتساءل هيوم عن أصل اعتقادنا في وجود موضوعات‬ ‫العالم‪ ،‬وما إذا كا ن مؤسسا ً علــى الحــس أو علــى العقــل‪.(1‬ول يمكــن‬ ‫التوصـــل إلـــى أي ضـــرورة باســـتدلل عقلـــي‪ ،‬ل ن هـــذا‬ ‫الستدلل ليس ســوى العتقــاد فــي أ ن المســتقبل ســوف‬ ‫يكــو ن علــى شــاكلة الماضــي‪ ،‬الســتدلل إذ ن تقــائم علــى‬ ‫اعتقاد وتوتقع ل على أي ضرورة منطقية أو حتمية‪.‬فكل انطباع للحواس هو إدراك لشئ واحد بســيط‬ ‫ليــس فيــه أي اسـتمرار‪ .‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬ ‫‪170‬‬ .‬‬ ‫ويقطـــع هيـــوم بـــأ ن العتقـــاد فـــي الوجـــود المســـتقل‬ ‫للموضوعات عــن العقــل النســانى واســتمرارها فــي هــذا‬ ‫الوجــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــود‬ ‫ل يعتمد على الحس أو العقل أو حتى المخيلــة‪ . 122. A treatise of Human Nature.‬‬ ‫‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ ‫‪Hume.(2‬فــإذا ذهبنــا إلــى أ ن‬ ‫الحـواس تقـادرة علـى إدراك الموضـوعات بعـد أ ن تختفـى‬ ‫فكأننا بذلك نقول أنها تعمل في غيــاب هــذه الموضــوعات‪،‬‬ ‫وهــذا غيــر صــحيح‪ . 189. P.‫ديفيد هيوم‬ ‫والحتمال هو المفهوم الوحيد الذي يمكن التوصل إليه مــن‬ ‫الخــبرة الســابقة بنــاء علــى اســتدلل عقلــي)‪ .‬وإذا كــا ن للحــواس دور فــي إدراك‬ ‫الموضوعات‪ ،‬فإ ن هذا الــدور يتمثــل فـي إدراكهــا لللختلف‬ ‫والتمايز بين هذه الموضوعات‪ ،‬ل إدراكها لســتمرارها فــي‬ ‫الوجود‪ . cit.‬فــالحواس‬ ‫غير تقادرة على تأكيد الوجــود المســتمر للموضــوعات فــي‬ ‫حالــة غيابهــا عــن أعضــاء الحــس)‪ . op.‬وإذا كـانت الحــواس تقـادرة علـى‬ ‫إدراك الشـــياء وإدراك شـــئ آلخـــر غيرهـــا وهـــو النفـــس‬ ‫النسانية‪ ،‬إل أنها ليست تقادرة على التمييز بينهما‪ ،‬ذلك ل ن‬ ‫‪Smith.

(1‬ويأتي هيوم على الحتمال الآلخر هــو أ ن العقــل‬ ‫هو مصدر الوعي بوجود الموضوعات واستمرارها‪ ،‬ويــذهب‬ ‫إلى أ ن هذه الحجة هي حجة الفلسفة وحدهم‪ ،‬في حين أ ن‬ ‫كافة الناس يعتقــدو ن فــي وجــود واســتمرار الموضــوعات‬ ‫دو ن معرفتهم بالحجج العقلية الــتي يســتخدمها الفلســفة‪،‬‬ ‫وبالتالي يستبعد هيوم احتمال أ ن يكــو ن العقــل هــو مصــدر‬ ‫هــذا العتقــاد‪ .‬‬ ‫ول يبقى أمام هيوم سوى القول بــأ ن مصــدر العتقــاد فــي‬ ‫وجـــود واســـتمرار الموضـــوعات ليـــس ســـوى العتقـــاد‬ ‫الطـبيعي ‪ ،Natural Belief‬ويعنـي بـه نزوعـا ً أو توجهـا ً فـي‬ ‫الطبيعــة البشــرية يكمــن فــي مســتوى الــوعي العــادي‬ ‫والبسيط في العتقاد في وجــود واســتمرار الموضــوعات‪،‬‬ ‫وما الحواس التي توهمنا بهذا الوجود‪ ،‬أو الذاكرة والمخيلــة‬ ‫التي تستخدم هذا العتقاد وتطبقه في مجال الخبرة سـوى‬ ‫أدوات في يد هذا العتقاد الطبيعي‪ . 191.‬‬ ‫‪171‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬أمــا الــذاكرة والمخيلــة فينكــر هيــوم أيض ـا ً‬ ‫احتمال كونهما مصدر العتقاد في وجــود الموضــوعات ل ن‬ ‫الذاكرة تحتفظ بما هو دائـم فـي الخـبرة‪ ،‬وكـذلك المخيلـة‬ ‫تتعرف علــى الموضــوعات وعلــى ثباتهــا واســتمرارها بنــاء‬ ‫على اعتقاد مسبق في أنها مستمدة فــي الوجــود‪ .‬ومعنــى‬ ‫هذا أ ن العتقاد في وجود الموضوعات واستمرارها يســبق‬ ‫تعــــرف الــــذاكرة والمخيلــــة عليهــــا فــــي الخــــبرة‪.‬هذا العتقاد الطــبيعي‬ ‫مرتبط بالنزوع النساني ومــا لــديه مــن توجهــات وأهــداف‬ ‫‪Ibid: P.‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثةشــيئا ً مادي ـا ً‬ ‫الحواس ل تدرك إل الجسد النساني باعتبــاره‬ ‫مثلــه مثــل أي شــئ مــادي آلخــر فــي هــذا العــالم‪ ،‬لكنهــا ل‬ ‫تســـتطيع أ ن تـــدرك النفـــس ول أ ن تميـــز بيـــن النفـــس‬ ‫والجسد)‪ .

‬‬ ‫‪172‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬ق أحكــام الحســاس والمخيلــة فــي درجــة العموميــة‬ ‫والدتقة‪ ،‬إل أنها ل تصل إلى النهاية القص ـوى للصــد‪. 69-70.7‬‬ ‫الحتمـــال‪:‬‬ ‫المعرفة عند هيوم هي إتقامة علتقة بين الفكار‪ ،‬سواء‬ ‫كانت هذه الفكار ترجع مباشرة إلى انطباعات الحواس أو‬ ‫كانت ترجع إلى انطباعات التفكير‪ .‬‬ ‫ويذهب هيوم إلى أ ن كل العلتقات التي يمكن أ ن تظهر بين‬ ‫الفكــار تتمثــل فــي ســبعة‪ :‬التطــابق والهويــة والعلتقــات‬ ‫الزمانيــة والمكانيــة‪ ،‬والكــم أو العــدد‪ ،‬ودرجــات الكيــف‪،‬‬ ‫والتنــافر‪ ،‬والســببية‪ .‬أمــا النــوع الثــاني فيعتمــد علــى شــئ مــن‬ ‫الســتدلل مثــل الهويــة والعلتقــات الزمانيــة والمكانيــة‬ ‫والسببية‪ .(1‬‬ ‫وينظر هيوم إلى الهندسة على أنها الفــن الــذي نقــوم‬ ‫فيه بتثبيت التناسب بين الشــكال‪ ،‬وعلــى الرغــم مــن أنهــا‬ ‫تفــو‪.‬فعلى سبيل المثال فــإ ن الســببية ل تعتمــد علــى‬ ‫إتقامة مقارنة بين فكرة وألخرى بل تعتمد على استدلل من‬ ‫السبب إلى النتيجة أو العكس)‪.‬ويقســم هيــوم هــذه العلتقــات إلــى‬ ‫نــوعين‪ :‬الول يعتمــد حصــريا ً علــى الفكــار الــتي تقارنهــا‬ ‫ببعضها البعض‪ ،‬وذلك مثل التطابق التنافر ودرجات الكيــف‬ ‫وأعــداد الكــم‪ .‬ق‪ ،‬ذلــك‬ ‫ل ن المبـــادئ الولـــى للهندســـة تعتمـــد علـــى ظهـــور‬ ‫‪Ibid: PP.‬ومعنى هذا أ ن المعرفة‬ ‫تضم المضــمو ن المــادي الــذي تمثلــه انطباعــات الحــواس‬ ‫والشكل النظري المجرد الــذي تمثلــه انطباعــات التفكيــر‪.‫ديفيد هيوم‬ ‫وغايات‪ ،‬أي مرتبط بالطبيعة النفعاليــة للنفــس البشـرية ل‬ ‫بأي طبيعة عقلنية أو منطقية‪.‬‬ ‫‪.

‬وعلــى عكــس الهندســة فــإ ن الجــبر والحســاب‬ ‫يتمتعــا ن بــاليقين التــام‪ ،‬وذلــك لســبب رئيســي وهــو عــدم‬ ‫اعتمادهمـــــــــــــــا علـــــــــــــــى الظـــــــــــــــواهر‬ ‫أو الخبرة التجريبية بــل علــى اســتدلل عقلــي لخــالص بنــاء‬ ‫على أفكارنا عن العدد)‪ .‬ومــن فكــرة مجــردة‬ ‫‪Ibid: PP.‬ويقصد هيــوم بــذلك أ ن الهندســة ليســت يقينيــة‬ ‫تمامًا‪ .‬الهندســة التقليديــة مقامــة علــى أســاس تصـور‬ ‫المكا ن باعتباره سطحا ً ممتدا ً ذا أبعاد ثلثة‪ ،‬أما الهندســات‬ ‫اللإتقليدية فتعتمد على تصور مختلف عن المكا ن باعتبــاره‬ ‫منحنيا ً وكرويًا‪ ،‬وثبت بذلك أ ن الهندسة التقليدية الــتي كــا ن‬ ‫يعتقد في يقينها التام ليست إل نوعا ً من هندســات عديــدة‬ ‫ممكنة كلها صحيح‪ ،‬وهي في نفس الــوتقت احتماليــة‪ ،‬ذلــك‬ ‫ل ن كل نسـق هندسـي يعتمـد علـى مسـلمات لخاصـة عـن‬ ‫طبيعة المكا ن‪ ،‬وبالتالي نتائــج كــل هندســة يقينيــة بالنســبة‬ ‫لمسلماتها فقط ل بالنسبة لتحققها فــي الواتقــع‪ .(1‬ل يتضمن الجبر والحساب مــا إذا‬ ‫كانت نتائجها صحيحة بالنسبة للواتقع‪ ،‬إذ ليــس لهمــا علتقــة‬ ‫بالخبرة التجريبية‪ ،‬والعلتقة الوحيدة التي يقيمانهــا هــي مــع‬ ‫العدد وحده الذي هــو فكــرة مجــردة‪ .‬‬ ‫‪173‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة‬ ‫وبالتــالي فــإ ن‬ ‫الموضوعات العامة فــي الخــبرة التجريبيــة‪،‬‬ ‫نتائجها ل تزال مرتبطة بإمكانيــة تحققهـا فــي هــذه الخــبرة‬ ‫التجريبية‪ .‬ويبــدو أ ن‬ ‫هذا ما كا ن يقصده هيوم مــن إدلخــال فكــرة الحتمــال فــي‬ ‫الهندســة‪ .‬وتقد كا ن هذا الرأي غريبا ً في عصر هيوم‪ ،‬لكن ثبتت‬ ‫صحته لخاصة في أوالخر القر ن التاسع عشر وأوائــل القــر ن‬ ‫العشرين عندما تــم اكتشــاف الهندســات اللإتقليديــة الــتي‬ ‫تعتمد على مسلمات لخاصة بالمكا ن تختلف عــن مســلمات‬ ‫إتقليــدس‪ . 70-71.

‬فكل استدلل يبني على وجود شئ بالصـدفة‬ ‫يتصف بأنه احتمالي والستدلل المؤســس علــى الســباب‬ ‫أيضا ً احتمالي‪ ،‬لنه يفترض أ ن الحالت التي تثبت فيها صلة‬ ‫بين سبب ونتيجة سوف تتكرر‪ ،‬أو أ ن السبب الــذي أحــدث‬ ‫نتيجــة فــي الماضــي ســوف يحــدث نفــس النتيجــة فــي‬ ‫المســتقبل‪ ،‬لكــن ليــس هنــاك مــا يؤكــد لنــا هــذا النتظــام‬ ‫الحتمي بين السبب والنتيجة في الحــالت الــتي لــم تخضــع‬ ‫بعد للخبرة التجريبية‪ ،‬وبالتالي فالستدلل من السباب هو‬ ‫‪174‬‬ .‬ولنــه يميــز بيــن‬ ‫الفكرة على مستوى الحس والفكرة على مستوى العقــل‪،‬‬ ‫فهو كذلك يميز بين العتقاد في فكرة حسية والعتقاد فــي‬ ‫فكرة عقلية‪ .‬‬ ‫ويبحث هيوم فــي طبيعــة الفكــرة والعتقــاد‪ ،‬ويــذهب‬ ‫إلى أ ن كل اعتقاد هو اعتقــاد فــي فكــرة‪ .‬‬ ‫والحتمال عند هيــوم هــو الســتدلل مــن افتراضــات‪،‬‬ ‫وينقسم إلى نوعين‪ ،‬نوع يؤسس على الصدفة ونــوع ينشــأ‬ ‫عن السباب‪ .‫ديفيد هيوم‬ ‫يمكن الوصـول عـن طريــق الســتدلل العقلــي إلــى نتائـج‬ ‫حتمية‪ ،‬وهذه الحتمية ليــس مصــدرها حتميــة التطــابق مــع‬ ‫الواتقع بل حتمية التطابق مع الفكرة المجــردة عــن طريــق‬ ‫الستدلل العقلي‪.‬والعتقاد في فكرة حسية يعتمــد علــى تلقــي‬ ‫انطباعات حسية عنها ولذلك فهو يقيني‪ ،‬أمــا العتقــاد فــي‬ ‫فكرة عقلية ل يتمتع باليقين المطلق بل بمجــرد الحتمــال‪،‬‬ ‫ل ن الفكــرة العقليــة مجــرد صــورة ذهنيــة عــن النطبــاع‬ ‫الحسي‪ ،‬أو هي ملحظة ما يحــدث فــي العقــل مــن أفعــال‬ ‫عند التعامل مع النطباعات‪.

252.8‬‬ ‫الهوية الشخصية‪:‬‬ ‫ليست أشياء العالم الخارجي وحدها هــي الــتي نعتقــد‬ ‫فــي وجودهــا واســتمرارها عــبر الزمــا ن‪ ،‬فهنــاك أيضــا ً‬ ‫الشخاص‪ ،‬وأولهم الذات أو المـرء باعتبـاره شخصـًا‪ .‬لكـن‬ ‫كيف نحصل علــى فكــرة عــن الهويــة الشخصــية‪ ،‬أو وعــي‬ ‫المرء بذاته باعتباره موجودا ً ومستمرا ً عبر الزما ن؟ ذهــب‬ ‫هيوم إلى أ ن الذي يجعلنــا نقطــع بوجــود شــئ واســتمراره‬ ‫عبر الزما ن هو استقبالنا المستمر والدائم لنطباعــات مــن‬ ‫هذا الشئ‪ .‬وإذا كنــا نحصــل‬ ‫على انطباع عن أنفسنا‪ ،‬فإ ن هذا النطباع يحدث في زمــن‬ ‫محدد ول يتكرر دائمَا‪ . 127-142.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬ .‬لكن النفس النســانية ليســت كــذلك‪ ،‬فنحــن ل‬ ‫نتلقى منها انطباعات مستمرة عبر حياتنا‪ .‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة‬ ‫أيضا ً احتمالي)‪.(2‬فكــل مــا يحــدث عنــدما ألحــظ نفس ـى هــو‬ ‫سلسلة من الدراكـات الحسـية الــتي تحضـر أمـام الحـس‬ ‫الدالخلي‪ .‬لكنني ل أستطيع أ ن أمسـك بــذاتي فـي أي وتقـت‬ ‫دو ن إدراك مــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا‪،‬‬ ‫ول يمكننـــي أ ن ألحـــظ أي شـــئ ســـوى هـــذا الدراك‬ ‫الحســي«)‪ .(1‬‬ ‫‪.‬ق هــذه‬ ‫‪175‬‬ ‫‪Ibid: PP.‬هذه السلسلة من الدراكات المتتابعة هي مجــرد‬ ‫مجموعــة مــن النطباعــات الجزئيــة‪ ،‬أمــا إلحــا‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ ‫‪Ibid: P.‬وبالتالي يصل هيوم إلى القــول بــأ ن‬ ‫فكــرة النفــس ل ترجــع إلــى الحــواس‪ ،‬ويقــول فــي ذلــك‪:‬‬ ‫»عندما أتأمل في ذاتي دائم ـا ً مــا أتقــف عنــد إدراك معيــن‬ ‫أو آلخر‪ ،‬عن الحرارة أو البرودة‪ ،‬الضوء أو الظــل‪ ،‬الحــب أو‬ ‫الكـــــــــــــــــــــــــــــــره‪ ،‬اللـــــــــــــــــــــــــــــــم‬ ‫أو اللذة‪ .

‬ق‪:‬‬ ‫ينظر هيوم إلى السلوك النساني على أنــه مشــروط‬ ‫بالطبيعة النسانية‪ ،‬ولنه ينظر إلى هذه الطبيعــة النســانية‬ ‫على أنها طبيعة انفعالية في الساس ول يحتل فيهــا العقــل‬ ‫إل دورا ً ضــعيفًا‪ ،‬فهــو يــذهب إلــى أ ن كــل ســلوك إنســاني‬ ‫صــادر عــن النفعــالت ‪ .‬لكــن صــدور‬ ‫كل الفعال النسانية عن العواطــف والرغبــات والهــواء ل‬ ‫يجعلها ثابتــة تتبــع لخــط س ـير واحــد ومعــروف‪ ،‬بــل يجعلهــا‬ ‫‪176‬‬ .‫ديفيد هيوم‬ ‫النطباعــات حــول النفــس بمــا يمكــن أ ن يكــو ن القــوام أو‬ ‫الحامل أو الجوهر بالنسبة لها فهذا ما يرفضه هيــوم‪ ،‬لننــا‬ ‫ل نتلقى انطباعا ً بشــئ يمثــل جــوهر النفــس‪ .‬ول يعطي هيوم شــأنا ً‬ ‫كبيرا ً بالحرية أو الرادة في مجال السلوك النســاني‪ ،‬فهــو‬ ‫عنده مقيــد بمــا لــدى النســا ن مــن انفعــالت‪ ،‬وهــي تضــم‬ ‫السعي نحو اللذة وتجنـب اللـم والحصـول علـى المنفعـة‪.‬ق الهويــة بالشــياء وبــذواتنا‪،‬‬ ‫وهذا يرجع إلى دافع أو نزوع طبيعي في طبيعتنــا البشــرية‪،‬‬ ‫وليس له ما يبرره في العالم الواتقعي‪.Passions‬وهــذه النفعــالت تشــكل‬ ‫أســبابا ً ودوافــع للفعــل‪ ،‬تمام ـا ً مثلمــا أ ن كــل حادثــة فــي‬ ‫الطبيعة تسبقها حادثة ألخرى تسببها‪ .‬ورغمــا ً‬ ‫عن ذلك فإننا نستمر في إلحــا‪.‬ومــا ينطبــق‬ ‫على الدراك الدالخلي للنطباعــات النفســية ينطبــق كــذلك‬ ‫على نتلقــاه مــن انطباعــات مــن أشــياء العــالم الخــارجي‪،‬‬ ‫فليس في هذه النطباعات ما يبرر القول بأننا نرى الشياء‬ ‫واحدة وذات هوية ثابتة ووجود مستمر عبر الزمن‪ .‬‬ ‫ثالثا ً ‪ -‬اللخـــل‪.‬‬ ‫والهداف النسانية كلها ليست أهدافا ً عقلية أو صادرة عن‬ ‫مبادئ عقلية‪ ،‬ول يسلك النسا ن سلوكه اليومي بنــاء علــى‬ ‫تقواعد العقل‪ ،‬بل بناء على طبيعته النفعاليــة‪ .

‬وإذا كا ن‬ ‫السلوك النساني يتبع أسسـا ً مــا‪ ،‬فــإ ن هــذه الســس هـي‬ ‫ذاتها تتغير‪ .‬إ ن الضــرورة ثابتــة ويقينيــة‪ .‬‬ ‫ورغما ً عن ذلك فإ ن النسا ن ل يستطيع أ ن يقوم بــأي‬ ‫فعل إل بناء على افتراض بأ ن اللخر سوف يقـوم بـرد فعـل‬ ‫معين إزاء أفعالنا‪ ،‬ولـذلك فـإ ن السـببية هـي اعتقـاد يــوجه‬ ‫السلوك‪ ،‬لكنها ليست سببية حقيقية بل مفترضة ومتوهمة‪،‬‬ ‫ل ن اللخر يمكــن أ ن يصــدر عنـه رد فعــل مختلــف عمــا كنــا‬ ‫نتوتقعه منه‪ .‬لكــن‬ ‫السلوك النســاني غيــر ثــابت وغيــر يقينــي‪ .‬فالسببية في الفعال مثلها مثــل الســببية فــي‬ ‫الطبيعة‪ ،‬مجرد اعتقاد نتمكن به من التعامــل مــع المجتمــع‬ ‫مثلما نتمكن من التعامل مع الطبيعة‪.‬يعتقد دائما ً أ ن الحريــة النســانية تتمثــل فــي القــدرة‬ ‫على القيام بأفعال بناء على الرادة الحرة‪ ،‬وُينظر إلى هذه‬ ‫‪Ibid: P.‬إ ن‬ ‫ساعة واحدة‪ ،‬بل لحظة واحدة‪ ،‬كفيلة بأ ن تجعله يتغير مــن‬ ‫النقيــض إلــى النقيــض‪ .‬‬ ‫‪177‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬يقول هيوم في ذلك‪» :‬ليس‬ ‫أكثر تقلبا ً من الفعال النسانية‪ .‬‬ ‫أما عن حرية الفعل النساني فــإ ن لهيــوم رأي لخــاص‬ ‫فيها‪ُ .‬إنها الهواء والرغبــات والنفعــالت‪ ،‬تلــك الــتي‬ ‫تجعل السلوك النساني غير منتظم مثلها تمامًا‪.‬وبالتــالي فــإ ن‬ ‫الســلوك النســاني ل يمكــن أ ن ينشــأ عــن الضــرورة«)‪.. 403.‬فما هو الكثر تغيرا ً ســوى‬ ‫أهواء البشــر؟ إ ن النســا ن هــو الكــائن الوحيــد الــذي يشــذ‬ ‫بعيدا ً عن العقل السليم‪ ،‬بل وعن شخصيته واستعداده‪ .‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة‬ ‫هناك مــا هــو‬ ‫متقلبة ومتغيرة‪ .(1‬‬ ‫وهكــذا ينكــر هيــوم أي انتظــام أو ضــرورة فــي الســلوك‬ ‫النساني‪ ،‬وينكر لخضوعه لي تقواعد عقلنية ثابتة‪ .

‬لكــن هيــوم‬ ‫ينظر إلى الحرية النسانية علــى أنهــا صــادرة عــن إمكانيــة‬ ‫تغيير النسا ن لسلوكه بنــاء علـى رغبــاته وأهــدافه‪ .‬فهــو ينظـر إلــى تقلـب الســلوك البشــري‬ ‫على أنه هو هذه الحرية النسانية ذاتها‪ .‬ليسـت‬ ‫الحريــة النســانية عنــد هيــوم مفهومــة فــي إطــار العقــل‬ ‫والمنطــق‪ ،‬بــل مفهومــة فــي إطــار الطبيعــة النفعاليــة‬ ‫المتغيرة للبشر‪ .‬ويجــب أ ن‬ ‫نتنبه هنا إلى أ ن هيوم بعكــس معظــم الفلســفة الســابقين‬ ‫عليه ل يصف السلوك النســاني كمــا يجــب أ ن يكــو ن‪ ،‬بــل‬ ‫يصف السلوك النســاني كمــا هــو تقــائم بالفعــل‪ .‬فليس العقل هو ما‬ ‫يجعــل النســا ن حــرًا‪ ،‬بــل طــبيعته المتغيــرة المتقلبــة‬ ‫المشروطة بالنفعالت‪ .‬ول يعنــي لخــروج الســلوك‬ ‫النساني عن العقل أ ن هــذا الســلوك غيــر منتظــم وبــدو ن‬ ‫أسباب‪ ،‬بل علــى العكــس‪ ،‬إذ يعنــي أ ن الســلوك النســاني‬ ‫مبـدأه الساسـي العاطفـة والنفعـال والرغبـات والهـواء‪.‬‬ ‫هذه هي القواعد اللعقلنية للسلوك النســاني‪ .‬فل يمكن أ ن يكو ن العقل مصــدرا ً‬ ‫للحرية‪ ،‬ل ن اتباع العقل هو الضرورة وهــو الحتميــة بعينهــا‪،‬‬ ‫ويســتطيع النســا ن النفلت مــن الضــرورة والحتميــة بنــاء‬ ‫علــى طــبيعته المضــادة للعقــل‪ .‫ديفيد هيوم‬ ‫الرادة الحرة علـى أنهـا الرادة العقلنيــة الــتي تــؤدي إلــى‬ ‫سلوك عقلني سليم متفق مع تقواعــد العقــل‪ .‬لقــد درج‬ ‫الفلسفة دائما ً على الربط بين السلوك النســاني والعقــل‬ ‫والحرية‪ ،‬هادفين بذلك إثبات أ ن الحرية النســانية ل يمكــن‬ ‫أ ن تتحقــق إل فــي إطــار العقــل‪ ،‬لكنهــم بــذلك لــم يكونــوا‬ ‫يصفو ن ما هو تقائم بل ما يجب أ ن يكو ن‪ ،‬ولقد آثر هيوم أ ن‬ ‫يصف السلوك النساني كما هو حادث بالفعــل‪ ،‬كجــزء مــن‬ ‫منهجــه التجريــبي الــذي ل يقحــم أي معيــار لخــارجى يــراد‬ ‫‪178‬‬ .

457.‬فإصــدار حكــم‬ ‫ألخلتقـــــــــــي يعتمـــــــــــد علـــــــــــى انطبـــــــــــاع‬ ‫ما‪ ،‬وهذا النطباع يألخذ صورة إحســاس أو انفعــال‪ .‬ويثبــت‬ ‫هيــــــــوم ذلــــــــك عــــــــن طريــــــــق توضــــــــيح أ ن‬ ‫ما يجعلنا نصدر أحكاما ً ألخلتقيــة حــول مــا إذا كــا ن فعــل مــا‬ ‫فضيلة أو رذيلة‪ ،‬صــح أو لخطــأ‪ ،‬مســتحق الثنــاء والمديــح أو‬ ‫اللـــــوم والـــــذم‪ ،‬ل يعتمـــــد علـــــى فكـــــرة مجـــــردة‬ ‫أو تقيمة عقلية نتوصل إليها باســتدلل أو برهــا ن‪ ،‬بــل يعتمــد‬ ‫على ما لدينا من رغبات وانفعــالت وأهــواء‪ .‬إ ن تقواعــد اللخل‪.‬وعلى الرغــم مــن أ ن‬ ‫هذا العتقاد يبـدو عليـه العقلنيـة إل أنـه ليـس كـذلك‪ ،‬لأنـه‬ ‫موجه عن طريق السـليقة والتلقائيـة ل البرهـا ن العقلـي أو‬ ‫الستدلل من تقيم ألخلتقية عليا‪» .‬‬ ‫وما يجعل فعل ما فضيلة أو رذيلة ليس أي مبدأ عقلي‬ ‫أو تقيمة ألخلتقية بل الـدوافع النفعاليـة الـتي أدت إلـى هـذا‬ ‫‪Ibid: P.(1‬بل نتاج اعتياد الناس على جني المنــافع وتجنــب‬ ‫الضرر‪ ،‬والسعي نحو المنـافع وتجنـب الضـرار شـئ لخـاص‬ ‫بالنفعال ل العقل‪.‬ق ليســت ناتــج اســتدللي‬ ‫عقلي«)‪ .‬‬ ‫‪179‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬ق‪ .‬العقــل وحــده عــاجز فــي‬ ‫هــذا المجــال‪ .‬فالبشــر‬ ‫يجــدو ن أنفســهم مــدفوعين نحــو القيــام بفعــل مــا لنهــم‬ ‫يعتقدو ن أنه لخّير أو صحيح‪ ،‬أو لنهم يعتقدو ن أنـه لـن يـؤدي‬ ‫إلى الخطأ أو إلى نتائج سلبية ولخيمة‪ .‬‬ ‫ومثلما أنكر هيوم أ ن يكــو ن للعقــل دور فــي الســلوك‬ ‫النساني‪ ،‬فهو أيضا ً ينكــر دوره فــي مجــال اللخل‪.‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثةيبحــث فــي‬ ‫للسلوك النســاني أ ن يتوافــق معــه‪ ،‬بــل الــذي‬ ‫السلوك القائم بالفعل كما يوجهه‪.

‬‬ ‫والخير والشر عنده مجــرد انطبــاع انفعــالي‪ .‬ول ن هــذه الظــروف‬ ‫المحيطة معطاة سلفا ً ويجد الفاعل نفسه محاطا ً بها‪ ،‬فإ ن‬ ‫أي ســلوك إنســاني يصــدر وفقهــا لــن يكــو ن صــادرا ً عــن‬ ‫الحتكام للعقل بل سيكو ن مجرد رد فعل عليها أو استجابة‬ ‫لها‪ .‬وليســـــــــت الفضـــــــــيلة واحـــــــــدة‬ ‫أو ثابتة‪ ،‬بل هــي نســبية‪ ،‬ل ن الفعــل الفاضــل فــي ظــروف‬ ‫معينــة يمكــن أ ن ينقلــب إلــى رذيلــة فــي ظــروف ألخــرى‪،‬‬ ‫والحال كذلك مع الرذيلة التي يمكن أ ن تتحول إلى فضــيلة‬ ‫في ظــروف مختلفــة‪ .‬ودائما ً ما يكو ن الفعل الصادر عن الظــروف المحيطــة‬ ‫مجرد رد فعــل‪ ،‬تنتفــي فيــه الرادة العقلنيــة وتتحكــم فيــه‬ ‫الهــواء والمصــالح الذاتيــة‪ .‬وكــذلك الحــال بالنســبة للفعــال‬ ‫النســانية الــتي توصــف بالفضــيلة أو الرذيلــة‪ ،‬أو الخيــر أو‬ ‫الشر‪ ،‬فهذه الشياء ليست تقيما ً مطلقــة وليــس لهــا وجــود‬ ‫واتقعي مستقل عن انفعالت البشر‪ ،‬لكن يستخدمها الناس‬ ‫باعتبارها مبادئ ألخلتقية بالنظر إلى ما يعود عليهم من نفــع‬ ‫أو ضـــــــــرر‪ .‬فالفيضــانات‬ ‫والبراكين والزلزل ليست إل ظواهر طبيعية‪ ،‬أما في نظــر‬ ‫النسا ن فتصبح شرا ً أو عقابًا‪ ،‬وذلك لما لها من آثار ســلبية‬ ‫علــى الحيــاة النســانية‪ .‫ديفيد هيوم‬ ‫الفعل والظــروف المحيطــة بالفعــل‪ .‬والفضيلة والرذيلة ل يحددا ن السلوك تقبل‬ ‫‪180‬‬ .‬ومعنــى هــذا أنــه ليســت هنــاك تقيــم‬ ‫ألخلتقيــة واحــدة وثابتــة‪ ،‬بــل هــي دائم ـا ً نســبية ومتغيــرة‪،‬‬ ‫والظروف المحيطة هــي الــتي تحــدد مــا إذا كــا ن فعــل مــا‬ ‫فضيلة أو رذيلة‪ .‬ويميــل هيــوم إلــى اعتبــار أ ن‬ ‫الفضيلة والرذيلة ليستا إل وجهة نظر إنسانية بحتة صــادرة‬ ‫عن الطبيعــة البشــرية وليــس لهمــا وجــود موضــوعي فــي‬ ‫العالم‪ ،‬ذلك لنهما مؤسسا ن علــى فكرتــي الخيــر والشــر‪.

‬‬ ‫لخاتمـــة‪:‬‬ ‫كانت المشكلة الساسية بالنسبة لهيوم هــي مشــكلة‬ ‫المعرفة‪ :‬طبيعتها ووجودها‪ .‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة فــي توابــع‬ ‫أ ن يقوم النسا ن بالفعل‪ ،‬بل هما نتيجــة التأمــل‬ ‫هذا الفعل بعد أ ن يحدث‪ ،‬ولذلك فهمــا ل يوجهــا ن أي شــئ‬ ‫بل هما مجرد انطباع ألخلتقي عن الفعــل الــذي تحقــق فــي‬ ‫السابق‪ .‬بعــد أ ن تضــع‬ ‫الحرب أوزارها ينظر إليها فريق عل أنها كانت فضيلة وهــم‬ ‫الطرف المنتصر وينظر إليها الطرف اللخرة المهزوم على‬ ‫أنها كانت رذيلة‪ ،‬أو اعتداء سافر علــى الرغــم مــن أ ن هــذا‬ ‫الطرف كا ن يمكن أ ن ينظر إليها على أنهـا فضـيلة إذا كـا ن‬ ‫هو المنتصر‪.‬استفاد هيوم من لوك في حله‬ ‫لهــذه المشــكلة‪ ،‬ذلــك لنــه اســتعار مــن لــوك »المنهــج‬ ‫التجريبي في الستدلل أو البرها ن«‪ ،‬واعترف بأ ن لوك تقد‬ ‫ســبقه فــي البــدء بدراســة الفهــم البشــري كنقطــة أولــى‬ ‫لدراسة المعرفة‪ .‬يعتقد أ ن القتــل المقصــود رذيلـة‪ ،‬إل أ ن الحــرب‬ ‫وينظـر إليهـا علـى أنهـا‬ ‫ليست إل هذا القتل المقصود بعينه ُ‬ ‫فضيلة‪ ،‬بل علــى أنهــا أســمى درجــات الشــرف‪ .‬ويضرب هيوم مثــال ً توضــيحيا ً علــى ذلــك بالقتــل‬ ‫المقصود‪ُ .‬ول يــدلخل‬ ‫البشر في حــروب بعــد أ ن يحــددوا مــا إذا كــانت فضــيلة أم‬ ‫رذيلة‪ ،‬بل يدلخلو ن في الحرب أول ً ثم يبررو ن سلوكهم هذا‬ ‫بأنه فضيلة‪ ،‬وآلخرو ن ينظرو ن إلى نفس هذه الحــرب علــى‬ ‫أنها رذيلة‪ ،‬ربما إذا كــانوا الطــرف المهــزوم‪ .‬إل أ ن استخدام هيــوم للمنهــج التجريــبي‬ ‫تميز عن استخدام لوك له في الدتقة والصــرامة المنهجيــة‪،‬‬ ‫بل والشجاعة الــتي أدت بهيــوم إلــى الســير مــع الفلســفة‬ ‫التجريبية حتى نهايتهــا المنطقيــة والــتي تمثلــت عنــده فــي‬ ‫‪181‬‬ .

‬ومن هنا نســتطيع القــول بــأ ن هيــوم تقــد اســتبق‬ ‫كانط في جزء صغير ومحدد فى فلســفته وهـو بيـا ن حــدود‬ ‫الدراك الحســي وملكــة الفهــم البشــري‪ ،‬إل أ ن كــانط تقــد‬ ‫فاتقه بمراحل فـى فحــص ملكــة العقــل الخــالص الــتي لــم‬ ‫يبحثها هيوم مطلقًا‪.‫ديفيد هيوم‬ ‫نزعة شكية أو نسبية‪ ،‬إذ ذهــب هيــوم إلــى أ ن كــل معارفنــا‬ ‫نســـــبية ودرجـــــة الحتمـــــال فيهـــــا عاليـــــة‪ ،‬وأننـــــا‬ ‫ل نستطيع أ ن نعرف بدتقة الطبيعــة الحقيقيــة لموضــوعات‬ ‫الميتافيزيقا مثل النفس واللوهية والحرية والغائية‪ .‬كل ما‬ ‫نعرفه معرفة يقينيــة هــو أشــياء العــالم الحســي التجريــبي‬ ‫الخاضع للدراك الحسي والخبرة التجريبية‪ ،‬فهذا هــو الحــد‬ ‫النهــائي للمعرفــة البشــرية الــذي ل تســتطيع تجــاوزه‪.‬‬ ‫والحقيقة أ ن كانط سوف لــن يتوصــل إلــى أكــثر مــن هــذه‬ ‫النتيجة‪ ،‬حتى أ ن بعضا ً من أوائــل تقــراء كتــاب كــانط »نقــد‬ ‫العقل الخالص« ذهب إلى أ ن كانط ليس إل هيوم ألمــاني‪،‬‬ ‫هيوم يكتب باللمانية‪ .‬ق ألخرى عقلية بدل ً من الطريق التجريــبي‬ ‫لهيوم‪ ،‬ذلك ل ن فلسفة كانط‪ ،‬وعلى الرغم مــن أنهــا تؤكــد‬ ‫على النتيجة التي توصل إليها هيوم حول محدودية المعرفة‬ ‫البشرية‪ ،‬لــم تكــن تهــدف إلــى مجــرد بيــا ن حــدود ونطــا‪.‬لكن يجب أ ن نحذر القــارئ هنــا مــن‬ ‫العتقــــــــــــــــــــــــــــاد أ ن كــــــــــــــــــــــــــــانط‬ ‫لم يفعل شيئا ً إل أ ن كرر فلسفة هيوم أو وصل إلــى نفــس‬ ‫نتائجه لكن بطر‪.‬‬ ‫ذهب هيوم إلى أ ن كل معرفة هي معرفة بشــرية‪ ،‬أي‬ ‫‪182‬‬ .‬ق‬ ‫المعرفــة البشــرية بــل هــدفت فــي المقــام الول نقــد‬ ‫الميتافيزيقــا التقليديــة مــن منطلــق نقــد الملكــة الذهنيــة‬ ‫المختصة بالبحث في موضوعات الميتافيزيقا وهــي العقــل‬ ‫الخالص‪ .

‬وتقد ذهب هيــوم إلــى‬ ‫أ ن العلم الحقيقي للطبيعة البشرية هو علم النفــس‪ ،‬وإلــى‬ ‫أ ن الفلسفة الحقــة يجــب أ ن تكــو ن ســيكولوجيا للمعرفــة‪،‬‬ ‫الفلســفة الحقــة عنــده هــي علــم النفــس‪ .‬وتقــد كــا ن هــذا‬ ‫العل ن مــــن تقبــــل هيــــوم ثوريــــا ً فــــي عصــــره‪ ،‬إذ‬ ‫لم يسبق لحد من المفكرين أ ن تقطع بأهمية علــم النفــس‬ ‫فــي الفلســفة‪ ،‬وكــا ن هيــوم بــذلك ســابقا ً لسلســلة مــن‬ ‫المفكريــن فــي القرنيــن التاســع عشــر والعشــرين الــذين‬ ‫عاملوا علم النفس على أنه الباب الذي يجب أ ن تدلخل منه‬ ‫الفلسفة لدراسة موضوعاتها‪ ،‬مثل وليــم جيمــس وهرمــا ن‬ ‫لوتزه وهوسرل‪ .‬إ ن الطبيعــة‬ ‫البشرية التي يقصدها هيوم هي طبيعة سيكولوجية‪ ،‬ولذلك‬ ‫فإ ن نظريته فــي المعرفــة لكونهــا تعطــي الولويــة للدراك‬ ‫الحسي فهي تعد نظرية سيكولوجية‪ .‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثةـة البشــرية‬ ‫ظــاهرة إنســانية‪ ،‬وكــي نعــرف طبيعــة المعرفـ‬ ‫ونوضح النسق العام الذي يضم كل العلوم الــتي يمكــن أ ن‬ ‫تنتجها المعرفة البشرية فيجب البدء بــالبحث فــي الطبيعــة‬ ‫البشرية‪ .‬والملحــظ أ ن هــؤلء الــذين أعطــوا علــم‬ ‫النفــس الولويــة كــأداة للبحــث فــي موضــوعات الفلســفة‬ ‫ينتمــو ن إلــى مــذاهب فــي غايــة اللختلف‪ ،‬فــوليم جيمــس‬ ‫براجماتي‪ ،‬وهرما ن لتوتزة مثـالي‪ ،‬وهوسـرل هـو مؤســس‬ ‫فلسفة الفينومنيولوجيا أو علم ظــواهر الــوعي‪ .‬والطبيعــة‬ ‫البشرية عنده تبدأ بالحساس وبملكة الدراك الحسي‪ ،‬ثــم‬ ‫ملكة الفهم التي تستقبل من الحــواس انطباعــات تعاملهــا‬ ‫كأفكار وتشــتغل عليهــا وتقيــم بينهــا علتقــات‪ .‬ولهذا ا لسبب يضع هيوم عنوا ن أحد أهم مؤلفاته‬ ‫تحــت اســم »بحــث فــي الطبيعــة البشــرية«‪ .‬والحقيقــة‬ ‫أنه من كثرة النتقادات والهجوم الذي تعرضت لــه فلســفة‬ ‫‪183‬‬ .

‫ديفيد هيوم‬ ‫هيوم منذ أ ن ظهــرت هــذه الفلســفة وطــوال القــرو ن مــن‬ ‫الثامن عشر إلى العشــرين تقــد جعــل مهــاجميه ل ينتبهــو ن‬ ‫إلى تأثيره القوي على كل التجاهات الفلسفية من بعده‪.‬‬ ‫‪184‬‬ .

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful