You are on page 1of 71

‫فلسطني لنا‬

‫تصحيح تاريخ فلسطني القديم‬

‫ملؾ خاص من إعداد‬

‫املعهد الوطين لتدريب الكوادر‬

‫فلسطني‪-‬القدس‪-‬رام اهلل‬
‫‪1‬‬

‫نصحح تارٌخ فلسطٌن القدٌم‬
‫عندما‬
‫ّ‬
‫بكر أبوبكر‬

‫عندما أشار لنا ٌاسر عرفات فً أحد جلساتنا الثرٌّة معه أنه وهو موجود فً الٌمن اصطحبه الٌمنٌون‬
‫وأروه مفاجأ ة لم ٌكن ٌتوقعها أحد‪ ،‬فش ّنؾ جمٌع الحضور آذانهم‪ ،‬وع ّم الصمت القاعة‪ ،‬لٌفاجؤوا هم أٌضا مما‬
‫قاله ٌاسر عرفات‪.‬‬
‫كان ذلك فً جلسة لنا معه فً مربض النمر فً رام هللا كأعضاء مكتب تعببة وتنظٌم فً حركة فتح‬
‫قبل رحٌله الكبٌر وؼٌابه بؤشهر معدودة‪.‬‬
‫لقد ألقى عرفات عصاه فالتقمت كل الثعابٌن التً أطلت برأسها من قرون طوٌلة‪ ،‬وكانت آٌاته جلٌّة‬
‫واضحة‪ ،‬قال ٌاسر عرفات أنهم اصطحبوه ل ٌشاهد بنفسه موقع "هٌكل سلٌمان " فً جبال الٌمن وهذا ما‬
‫كان‪.1‬‬
‫‪1‬‬
‫دعا وزٌر البناء واإلسكان اإلسرابٌلً (أوري أرٌبٌل)–كما دعا ؼٌره ممن سبقوه‪ -‬إلى بناء ما أسماه زورا "الهٌكل‬
‫الثالث" مكان المسجد األقصى المبارك فً مدٌنة القدس المحتلة‪ .‬وقال (أرٌبٌل) فً تصرٌح نقله موقع "إسرابٌل موطنً"‬
‫الجمعة ‪:2014/1/24‬إن( الهٌكل األول تم تدمٌره عام ‪ 586‬قبل المٌبلد‪ ،‬بٌنما تم هدم الهٌكل الثانً عام ‪ 70‬للمٌبلد‪ ،‬ومنذ‬
‫ذلك الحٌن والشعب الٌهودي بدون هٌكل) حسب زعمه‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫أطلق أبوعمار عصاه فً وجه سحرة التارٌخ ‪ ،‬وأبصرنا بعد زوال السحر فتحا جدٌدا أشار له بقوة‬
‫وإن إبشارة عابرة‪ ،‬وهو ٌبتسم‪.‬‬
‫ظننت فً البداٌة كما ؼٌري أن ما قاله أبوعمار يأتً ربما فً إطار السِ جاالت الفكرٌة والتارٌخٌة‬
‫بٌننا وبٌن االسرابٌلٌن ال الحقابق العلمٌة الموثقة‪ ،‬وخاب ظنً وصدق أبوعمار‪.‬‬
‫عادت لً الذاكرة إلى كتاب كمال صلٌبً (التوراة جاءت من جزٌرة العرب ) الصادر عام ‪1985‬‬
‫الذي قرأته من زمن طوٌل أٌام دراستً الجامعٌة فً الهندسة المدنٌة‪ ،‬وش ّكل حٌنها فتحا واختراقا فً التارٌخ‬
‫المدوّ ن والمتعارؾ علٌه كحقٌقة شبه مقدسة‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫ظللت متشككا بما احتوى علٌه كتاب الصلٌبً رؼم قوة الدالبل فً المضاهاة بٌن األماكن وؼٌرها‪،‬‬
‫وظلّت القصص التارٌخٌة المع شعشة فً أذهاننا مما درسناه فً المدارس والجامعة‪ ،‬ومما قرأناه ‪ ،‬ومما‬
‫استقر فً تارٌخنا الفلسطٌنً والعربً اإلسبلمً ظلت السردٌات تلك أقوى من كتاب (التوراة جاءت من‬
‫جزٌرة العرب) إلى أن تحدث ٌاسر عرفات فً ذلك الٌوم من العام ‪ ، 2003‬حٌث أضاء فً ذهنً مصباحا‬
‫جدٌدا‪.‬‬

‫وأشار إلى أن ("الشعب" الٌهودي مفجوع (؟!) منذ ذلك التارٌخ وٌعٌش على أطبلل الهٌكل)‪ ،‬مدعٌا أن (إسرابٌل الٌوم‬
‫هً أرض الشعب الٌهودي‪ ،‬وهناك من ٌدعو إلعادة بناء الهٌكل الثالث)‬
‫وأضاؾ المذكور قاببل (مكان الهٌكل ٌوجد الٌوم المسجد األقصى على الرؼم من كون الهٌكل أقدس منه بكثٌر‪ ،‬أما‬
‫األقصى فهو المسجد الثالث فً اإلسبلم) حسب تعبٌره‪http://www.noqta.info/page-65066-ar.html .‬‬

‫‪ٌ 2‬قول د‪.‬ماهر الشرٌؾ‪ٌ( :‬فترض كمال الصلٌبً أن البٌبة التارٌخٌة للتوراة لم تكن فً فلسطٌن بل فً ؼرب شبه الجزٌرة‬
‫العربٌة بمحاذاة البحر األحمر‪ ،‬وتحدٌداً فً ببلد السراة ‪ ،‬أي فً جنوب الحجاز وفً المنطقة المعروفة الٌوم بعسٌر‪ .‬وبالتالً‪،‬‬
‫فإن بنً إسرابٌل من شعوب العرب البابدة‪ ،‬أي من شعوب الجاهلٌة األولى‪ ،‬الذٌن كان لهم‪ ،‬بٌن القرن الحادي عشر والقرن‬
‫السادس قبل المٌبلد‪ ،‬ملكا ً فً ببلد السراة‪.‬‬
‫وقد زال هذا الشعب من الوجود بزوال مُلكه‪ ،‬ولم ٌعد له أثر بعد أن انحلت عناصره وامتزجت بشعوب أخرى فً شبه‬
‫الجزٌرة العربٌة وفً ؼٌر شبه الجزٌرة العربٌة‪ .‬أما الٌهودٌة‪ ،‬فهً دٌانة توحٌدٌة وضعت أسسها أصبلً على أٌدي أنبٌاء من‬
‫بنً إسرابٌل‪ ،‬وانتشرت على أٌدٌهم أول األمر ثم استمرت فً االنتشار بعد زوالهم وانقراضهم كشعب (الصلٌبً‪ ،‬التوراة‬
‫جاءت‪ ،...‬ص ‪.)12-11‬‬
‫وبنا ًء على ذلك‪ ،‬فإن االدعاء "الصهٌونً" الحدٌث بؤن الٌهود لٌسوا مجتمعا ً دٌنٌا ً فحسب بل شعب ورٌث لبنً إسرابٌل‪ ،‬وأن‬
‫له الحقوق التارٌخٌة لبنً إسرابٌل‪ ،‬إنما هو ادّعاء باطل أصبلً‪ ،‬ألن بنً إسرابٌل شعب باد منذ القرن الخامس قبل المٌبلد‬
‫(الصلٌبً‪ ،‬التوراة جاءت‪ ،...‬ص ‪).)12‬‬

‫‪3‬‬

‫أسدلت الستار على الموضوع حتى العام ‪ 2011‬عندما انعقد معرض الكتاب فً فلسطٌن وتلقفت‬
‫كتابا هاما اسمه (فلسطٌن المتخٌلة أرض التوراة فً الٌمن القدٌم) الصادر فً العام ‪ 2008‬فً دمشق‪ ،‬وهو‬
‫سفر طوٌل فاق فً صفحاته األلؾ صفحة‪ ،‬وكما أوصى لً به صاحب المكتبة األهلٌة‪ ،‬ثم الحقا الصدٌق‬
‫باسم الجمل مشددا على ضرورة قراءته ووضعه ضمن أولوٌات قراءاتً‪ ،‬وكنت لم أفتح صفحاته بعد‪.‬‬
‫كنت مإهبل لقراءة الرواٌات المختلفة عن التارٌخٌات التقلٌدٌة التً حوتها كتب التارٌخ‪ ،‬فلقد قرأت‬
‫من األعوام ‪ 1998‬دالبل اآلثارٌٌن اإلسرابٌلٌٌن مثل (إسرابٌل فنكلستاٌن) و(زبٌؾ هرتزوغ) من جامعة تل‬
‫أبٌب‪ٌ -‬افا حول ما أثبتوه من عدم صحة كثٌر من مروٌات التوراة ‪ 3‬فً مشاهدها ومعاركها وحوادثها بل‬
‫وجؽرافٌتها حٌث حوت التضخٌم وزحزحة الحوادث كما اشتملت األمانً والرؼبات واألساطٌر والخرافات‪،‬‬
‫كما أشاروا استنادا لعدم وجود ممالك لؤلنبٌاء سلٌمان وداوود (فً فلسطٌن )‪...‬الخ‪ ،‬وؼٌرها من الدالبل‬
‫اآلثارٌة الهامة‪ ،‬لٌلحقهم (شلومو ساند) فً األعوام ‪ 2012‬فً مخطوطته الهامة (اختراع الشعب الٌهودي)‬
‫‪4‬‬
‫وهو زمٌلهم فً جامعة ٌافا حتى الٌوم وإن كان هو فً قسم التارٌخ وهم فً قسم اآلثار‪.‬‬
‫ولٌس ببعٌد ما ٌقوله أٌضا (فكتور سٌؽلمان) حول ذلك إذ ٌقول بوضوح (إن علماء اآلثار لم ٌعثروا‬
‫على أي أثر لخراب معبد‪ ،‬وال مملكة متؤلقة لسلٌمان وال أي شًء آخر‪ .‬والنص التوراتً الذي لٌست له‬
‫قاعدة مادٌة حقٌقٌة‪ ،‬لٌس سوى اختراع أدبً‪ ).‬ولكنه وهو الٌهودي ٌقول قاطعا الطرٌق علٌنا (لكن ذلك ال‬
‫‪5‬‬
‫ٌبدل أبداً ارتباط الشعب الٌهودي بهذه البقعة المسماة أرض اسرائيل‪ ،‬وبالعربٌة فلسطٌن‪).‬‬
‫‪ 3‬مما ٌقوله د‪.‬فلكنستاٌن (اننا نعلم اآلن‪ ،‬أن االستٌبلء على ببلد الكنعان لم ٌكن بالوصؾ البطولً لنص التوراة‪ ،‬ولكن عبر‬
‫هجرة طوٌلة متعبة لعشابر سامٌة‪ ،‬تمت خبلل قرن النشاء ما ٌعرؾ بارض المٌعاد‪ .‬ان عظام الجمال التً عثر علٌها‬
‫االثرٌون ال تتطابق مع وصؾ الجمال التً كانت مع قافلة ابراهٌم كما جاء فً النص‪ ،‬بل هً تعود لجمال استخدمت بعد عدة‬
‫قرون‪ ،‬اٌام اآلشورٌٌن‪).‬‬
‫مضٌفا (ان األوساط المتدٌنة تجهل علم اآلثار‪ ،‬وال ٌهمها البحث‪ ،‬بقدر تصدٌق ما هو امامها فً النص‪ .‬وابحاثنا صفعت بشدة‬
‫مشاٌخ الصهٌونٌة)‬
‫‪ٌ 4‬قول فرج هللا صالح دٌب معلقا على اآلثارٌٌن الٌهود (وهكذا‪ ،‬اذا لم ٌجد العلماء اثاراً فً فلسطٌن تد ّل على االحداث‬
‫التارٌخٌة فً التوراة‪ ،‬لجؤوا الى اعتبارها اساطٌر وخرافات دونما طرح السإال البسٌط‪ :‬هل نبحث فً المكان الخطؤ؟ ان‬
‫مشكلة الفكر الؽربً‪ ،‬الوالد الشرعً للفكر الصهٌونً‪ ،‬انه امضى القرون الثبلثة الماضٌة لٌإكد قصة ارض المٌعاد‪ ،‬ولٌخضع‬
‫كل ابحاثه االثرٌة والتارٌخٌة لمصلحة التفسٌر التوراتً‪ ،‬وٌنفً وجود الشعب الفلسطٌنً‪ ،‬نراه الٌوم وقد فشل فً دعم ركابز‬
‫التفسٌر الصهٌونً‪ٌ ،‬لجؤ الى نفً وجود االنبٌاء والى جعل التوراة اسطورة دونما خجل أٌضا ً!‬
‫لكن الحقٌقة ان مسرح التوراة كان هناك فً الٌمن‪ .‬فمن ابناء نوح حسب التوراة أزال وحضرموت‪ .‬وآزال اسم صنعاء‬
‫عاصمة الٌمن حتى القرن السادس مٌبلدي او مدٌنة سام‪ .‬كما ان ابرهٌم رحل من حاران فً ٌافع السفلى (اور قاصدٌم فً‬
‫التوراة) جنوب الٌمن التً كانت تسمى ببلد بنً قاصد‪ ،‬الى مصر‪ ،‬ولم ٌسؤل الفكر الؽربً (الذي ٌتجاهل العبلقة بٌن العربٌة‬
‫والسرٌانٌة والعبرٌة)‪ ،‬ان التوراة تتحدث عن (مصراٌم) المسقطة الٌوم على دولة مصر التً كان اسمها التارٌخً قبل‬
‫االسبلم‪ ،‬ببلد القبط – الؽبط‪)...‬‬
‫‪ 5‬أنظر مقال د‪.‬فرج هللا صالح دٌب بالموقع التالً ‪http://uaesm.maktoob.com/vb/uae476962/‬‬

‫‪4‬‬

‫لقد كانت اكتشافات ودراسات علماء اآلثار االسرابٌلٌٌن‪ ،‬وبعض المإرخٌن المنصفٌن مصباحا مضٌبا‬
‫فً ذهنً اتقد مع ما سبقه ولحقه من فتوحات المفكرٌن العرب‪.‬‬
‫المهم أن قراءة كتاب (فلسطٌن المتخٌلة) لم تكن شبٌهة أبدا بقراءة كتاب كمال الصلٌبً‪ ،‬فالفرق فً‬
‫لٌهاجم‬
‫المنهج البحثً كبٌر‪ ،‬وان كان الفتح فً هذا المجال ٌنسب للثانً بالطبع‪ ،‬فهو أول من طرق الباب‪،‬‬
‫َ‬
‫من المسلمٌن لؤلسؾ قبل الٌهود أو ؼٌرهم الذٌن تشبثوا بالمروٌات المزورة فً تقدٌس فاسد لكتب التارٌخ‪.‬‬
‫عندما قرأت كتاب (فلسطٌن المتخٌلة) الصادر عام ‪ 2008‬ثم أتبعته بكتاب (القدس لٌست أورشلٌم)‬
‫الصادر عام ‪ 2012‬وجدت فتحا علمٌا تارٌخٌا حقٌقٌا ٌستحق االحترام‪ ،‬وفكرة متكاملة تستحق المتاجرة بها‬
‫لتصحٌح التارٌخ‪ ،‬فاتصلت شاكرا الزمٌل باسم الجمل على حسن اهتمامه وصبلبة رأٌه‪ ،‬ثم اتصلت باألستاذ‬
‫فاضل الربٌعً وتحادثنا طوٌبل ‪ ،‬وهو الذي َسعِد بذلك بعد أن أشرت له لضرورة التعرٌج على المروٌات‬
‫االسبلمٌة وعلماء اآلثار عامة ومنهم االسرابٌلٌٌن (فً كتابه األخٌر " أسطورة عبور األردن وسقوط أرٌحا"‬
‫الصادر عن دار جداول عام ‪ 2013‬منهج جدٌد أضاؾ له ذلك) على أمل أن نتمكن كفلسطٌنٌٌن وعرب من‬
‫فضح التزوٌر العالمً فً التارٌخ لما أسس فعبل الستعمار واحتبلل الفكر والحضارة بالمروٌات األسطورٌة‬
‫‪6‬‬
‫والخٌالٌة وهً التً استند علٌها فً قٌام دولة (إسرابٌل) الحقا‪.‬‬

‫خطورة الكتاب‪-‬فلسطٌن المتخٌلة‪ -‬وأهمٌته معا أنه ٌتماهى –مع بعض االختبلفات ‪ -‬مع ما كتبه أو‬
‫اكتشفه اآلثارٌون االسرابٌلٌون من جهة‪ ،‬ولكنه على عكس االسرابٌلٌٌن ٌإكد الرواٌات القصصٌة التً‬
‫جاءت فً القرآن الكرٌم ببل جؽرافٌا‪ ،‬فٌصحح للمسلمٌن انحراؾ فهمهم للجؽرافٌا فً قصص التراث‬
‫والقرآن الكرٌم‪ ،‬لما هو حقٌقة ما ذكره القرآن الكرٌم بدقة متناهٌة فإذ هً فً مكان آخر بالدلٌل القاطع‪،‬‬
‫ولٌست فً فلسطٌن الحالٌة‪.‬‬

‫وإن كان فً ذلك لدى بعض المشككٌن أو القراء الطاربٌن على العِلم طامة كبرى بمعنى أننا برأٌهم‬
‫ننقل الصراع لتلك المنطقة أي الٌمن القدٌم (جنوب ؼرب الجزٌرة العربٌة) ما رد علٌه األستاذ الربٌعً فً‬
‫كل كتاباته قاببل‪ :‬أن الحدٌث ٌدور عن أمم انقرضت وبادت بتفاصٌل واضحة كما انقرضت ثمود وعاد‬
‫انقرضت قبٌلة إسرابٌل وهكذا‪ ،‬بمعنى أننا ال ننقل صراعا قابم الٌوم من مكان لننقله آلخر فً عالمنا‬
‫العربً‪.‬‬
‫‪ٌ 6‬قول د‪.‬فاضل الربٌعً (لقد آن األوان ألن تتقدم أوروبا‪-‬والؽرب بؤسره‪ -‬باعتذار صرٌح للفاسطٌنٌٌن والعرب والمسلمٌن عن‬
‫النتابج المؤسوٌة التً تسبّب بها الخٌال االستعماري المُفرط‪-‬ونزعات المستشرقٌن التوراتٌٌن وعنجهٌتهم وعنصرٌتهم السقٌمة‪-‬‬
‫فً تدمٌر شعب وتشرٌده عن وطنه‪ .‬لقد أ ًدت هذه النتابج إلى ( تهوٌد) التارٌخ الفلسطٌنً‪ ،‬وإلى وقوع مؤساة شعب وأمة جرى‬
‫اإلستٌبلء على أرضها وتارٌخها وثقافتها االقدٌمة بالقوة الؽاشمة‪ .‬بٌد أن ذلك لن ٌكون ممكنا وال كافٌا من دون خطوة جرٌبة‬
‫من علماء التوراة فً العالم‪ ،‬بإعبلن صرٌح ممابل ال لبس فٌه عن بُطبلن القراءة االستعمارٌة للتوراة‪ ،‬واإلقرار بالخطؤ الفادح‬
‫فً هذه القراءة واالعتراؾ بحقٌقة أن االنتساب الى دٌن بعٌنه‪،‬ال ٌبرر الحق فً أي مُطالبة ؼٌر مشروعة)‬

‫‪5‬‬

‫وفً ذات الوقت نحن نإكد كما ٌتضح من سردٌات الربٌعً العلمٌة قصص القرآن الكرٌم‪ ،‬ؼٌر‬
‫عاببٌن بلًّ عنق األماكن والجؽرافٌا وبعض الحوادث كما فعل مفسرو التوراة الؽربٌون ألسباب فً نفس‬
‫ٌعقوب أصبحت الٌوم واضحة‪.‬‬

‫لقد استطاع د‪.‬الربٌعً (كما استطاع أٌضا األستاذ فرج هللا صالح دٌب فً مإلفه الهام "الٌمن‬
‫وأنبٌاء التوراة" الصادر عام ‪ ) 2012‬أن ٌضع ثبلث وثابق خطٌرة فً مواجهة بعضها وفً مواجهة البحث‬
‫العلمً الرصٌن والدقٌق هً التوراة برواٌاتها المختلفة وبرواٌتها العبرٌة األصلٌة التً تحصل علٌها‪ ،‬وٌعقد‬
‫مقارنات بٌنها وبٌن السفر الكبٌر المسمى (صفة جزٌرة العرب) للحسن الهمدانً لٌصعق إذ ٌكتشؾ أن‬
‫جمٌع األماكن بما اشتملته من جبال وودٌان وقرى وهضاب وسهول وأنهار وسٌول وآلهة وثنٌة‪ ،‬و(مخالٌؾ)‬
‫أي ممالك‪ ،‬وقبابل تسكنها‪ ،‬كلها تقرٌبا مدونة فً هذا الكتاب الثمٌن‪ ،‬الصادر من ألؾ عام‪ ،‬وقارنها بقوة مع‬
‫سِ فر العرب األكبر ودٌوان معاركهم ومراتعهم وطللٌّاتهم وأماكن سكناهم‪ ...‬ما هو فً الشعر العربً‬
‫وخاصة الشعراء الٌمنٌٌن ومنهم امرإ القٌس الشهٌر‪.‬‬

‫ٌقؾ القاريء البسٌط بعد القراءة المتمعنة الدقٌقة ربما فً حٌرة كبٌرة‪ ،‬إذ ٌعز علٌه أن التارٌخ الذي‬
‫درسه سرعان ما ٌتهاوى تحت معاول البحث العلمً الرصٌن ال سٌما أن الباحث ٌستخدم أٌضا مقارنات‬
‫(أنثروبٌولوجٌة) وبٌن اللؽات الٌمنٌة القدٌمة أو اللهجات ومنها العبرٌة والحقا بما احتوته اآلثارٌات‬
‫المصرٌة والعراقٌة والفلسطٌنٌة من أسماء القبابل االسرابٌلٌة العربٌة والعربٌة األخرى ؼٌرها والؽزوات‬
‫ومن زٌارته البلحقة للٌمن فً سٌاق دراسً ‪.....‬الخ‪.‬‬

‫ٌقول العبلمة فاضل الربٌعً فً مقالته حول هٌمنة السردٌات (فلسطٌن هذه التً تؤسست‬
‫صورتها فً وعٌنا طبقا ً للصور التوراتٌة "الزابفة" عن السبً البابلً ومعارك داود وعبور األردن وسقوط‬
‫أرٌحا‪،‬ال وجود لها فً التوراة قط‪ ،‬وهً من تلفٌق واختراع المإرخٌن الؽربٌٌن‪ -‬وعلى خطاهم العرب‬
‫‪7‬‬
‫والمسلمٌن‪ -‬ألن التوراة لم تعرؾ فلسطٌن ولم تذكرها باالسم)‬

‫تكتشؾ أٌضا بدقة علمٌة مذهلة ‪-‬كما بحث الربٌعً‪ -‬كٌفٌة تحوٌر المواضع واألماكن واألحداث‬
‫واألشخاص‪ ....‬لتتفق زورا مع ما هو موجود فً فلسطٌن الجؽرافٌا الٌوم كذبا وخداعا أوجهبل واستسهاال‪،‬‬
‫وكلها هناك حٌث ترقد ثبلث من مدن وجبال اسمها القدس (قدس‪-‬قدش)‪-‬لٌست القدس العربٌة اإلسبلمٌة فً‬
‫فلسطٌن التً ال مكان لهم فٌها أبدا‪ ،-‬وأورشلٌم فً الٌمن القدٌم التً زارها المإلؾ مإخرا ألكثر من مرة‪،‬‬
‫‪7‬‬

‫‪http://www.safsaf.org/word/2013/okt/13.htm‬‬

‫‪6‬‬

‫ومدن مثل أرٌحا (ٌرٌحو)‪ ،‬ونهر (سٌل)األردن (ٌردن) وخوالن (الجوالن) ومؤدبا‪ ،....‬وقبابل الفلستٌٌن‬
‫(ولٌس الفلسطٌنٌٌن المذكورٌن بالتورارة بحرؾ التاء ال الطاء العبرٌٌن) واللخمٌٌن (بٌت لخم‪-‬لحم)‬
‫ُضرٌة (المصرٌة حسب التوراة‪-‬حٌث ال‬
‫والكرثٌٌن العرب (المنسوبٌن خطؤ الى جزٌرة كرٌت) والقبابل الم َ‬
‫حرؾ ضاد بالعبرٌة)‪ ،‬وبٌت بوس (ٌبوس) والبخت نصر (نبوخذ نصر) وسبٌه البابلً للٌهود العرب من‬
‫الٌمن القدٌم‪ ،‬والمبات من المواقع واألشخاص على ذات المنوال‪.‬‬

‫إننا إذ نهٌب بجمٌع المفكرٌن والكتاب والمإرخٌن وأساتذة التارٌخ فً الجامعات الفلسطٌنٌة بل‬
‫والعربٌة واالسبلمٌة أن ٌعودوا ثانٌة للتفكٌر والقراءة والبحث فإننا نعتبرهم فً جهاد إلى ٌوم الدٌن فً هذا‬
‫المجال‪ ،‬وهم ٌسقطون أساسا تارٌخٌا سافر الخداع والكذب والتاوٌل‪ ،‬بؤدوات البحث العلمً الجدٌدة‪ ،‬وهً‬
‫ذاتها التً تجعل من رواٌات وقصص القرآن حقابق ؼٌر قابلة للدحض فٌما جعله هللا عبرة ومثبل فً مكانه‬
‫وزمانه الصحٌح‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫فلسفة التارٌخ "وهٌمنة السردٌات الزابفة فً التارٌخ‬
‫(وتارٌخ فلسطٌن المكذوب)‬
‫د‪.‬فاضل الربٌعً‬

‫د‪.‬فاضل الربٌعً‬

‫تؤسسّت السردٌات التوراتٌة السابدة‪ ،‬والمهٌمنة على التارٌخ الرسمً فً المنطقة العربٌة ( والعالم بؤسره)‬
‫على ( أحتكار الفاجعة )‪ .‬أي أحتكار الحق فً تصوٌر الضحٌة لنفسها على أن تضحٌتها – ومؤساتها كذلك‪-‬‬
‫نادرة وال مثٌل لها فً التارٌخ البشري المؤسوي‪ .‬وهذه فكرة مركزٌة تتؤسس بدورها على أساس أن الضحٌة‬
‫‪8‬‬

‫الٌهودٌة‪ ،‬هً ضحٌة فرٌدة واستثنابٌة فً عذابها التارٌخً‪ ،‬بسبب تعرضها لحادثٌن استثنابٌٌن‪ ،‬أحدهما‬
‫موؼل فً القدم هو ( السبً البابلً) والثانً معاصر‪ ،‬وال ٌزال مستمراً بقوة زخمه األخبلقً والوجدانً هو‬
‫( المحرقة النازٌة )‪ .‬هاتان السرّ دٌتان تتبلزمان عند النقطة التالٌة ‪ :‬بما أن الضحٌة فرٌدة فً ؼذابها‪ ،‬فهً‬
‫تمتلك كل الشروط التً تجعل من الفارق بٌنها وبٌن أي ضحٌة أخرى‪ ،‬شروطا ً ؼٌر قابلة للتخطًّ ‪ .‬وعند‬
‫هذه النقطة تتبلشى مؤساة ‪ 40‬ملٌون أوروبً منهم ‪ 20‬ملٌون روسً قتلوا فً الحرب العالمٌة الثانٌة‪ ،‬وتح ّل‬
‫محلها مؤساة ( حرق الٌهود فً ألمانٌا) تماما ً كما تتبلشى مؤساة مبات القبابل العربٌة الوثنٌة التً تعرضت‬
‫إلضطهاد اآلشورٌٌن‪ ،‬لتحل محلها سردٌة زابفة ال أساس لها فً التارٌخ مفادها‪ ،‬أن اآلشورٌٌن سبوا‬
‫واضطهدوا الٌهود ألنهم ٌهود؟ فً الواقع‪ ،‬لم ٌحدث السبً البابلً فً فلسطٌن قط‪ ،‬ولم تعرؾ أرضها وال‬
‫تارٌخها مثل هذا الحدث الضخم‪ .‬وكل ما ُكتب عن هذا الحدث فً المإلفات التارٌخٌة األجنبٌة والعربٌة‪،‬‬
‫تلفٌق القراءة االستشراقٌة‬
‫بوصفه واقعة جرت فوق أرض فلسطٌن‪ ،‬وضمن تارٌخها القدٌم‪ ،‬هو من‬
‫للتوراة ‪ ،‬وٌتك ّ‬
‫شؾ عن كونه تزٌٌفا ً وتالعبا ً متعمدٌن‪ ،‬إذ ال ٌوجد أي دلٌل مهما كان بسٌطا ًـ أو ٌلمح‬
‫مجرد تلمٌح‪ -‬إلى أنه وقع هناك‪ ،‬أو أن الٌهود وحدهم كانوا ضحاٌاه ؟ ولكن‪ ،‬ما أهمٌة أن نثٌر الٌوم‪،‬‬
‫مسألة الحقٌقة حول السبً البابلً؟ هناك محوران ربٌسان نرى أنهما ٌحددان إطار الصراع الدابر حول‬
‫قصص التوراة‪ ،‬وما إذا كانت فلسطٌن مسرحها أم ال‪ ،‬وهما‪ ،‬فضبل ً عن هذا الجانب الحٌوي؛ ٌمكن لهما أن‬
‫ٌضعا ح ّدا ً فاصبل ً ونهابٌا ً لكل نقاش أو حوله فً ما ٌتصل بمسؤلة السبً‪.‬‬
‫األول ‪ :‬كسر احتكار الرواٌة التوراتٌة السابدة والمهٌمنة على السرد التارٌخً عن السبً البابلً ‪ ،‬بإعادة‬
‫وضعه فً إطاره الصحٌح بوصفه حادثا ُ تارٌخٌا ً مإكدا ً‪ ،‬تعرضت له القبابل العربٌة البابدة‪ ،‬ومن ضمنها‬
‫قبٌلة عربٌة تدعى بنو إسرابٌل‪ ،‬كانت تدٌن بدٌن الٌهودٌة فً الٌمن‪ .‬وهذه القبابل مجتمعة ال الٌهود وحدهم‪،‬‬
‫كانت ضحٌة أعمال اضطهاد مؤسوٌة وقعت على أٌدي اآلشورٌٌن‪ .‬ولكن‪ ،‬بمقدار نقدنا للقراءة االستشراقٌة‬
‫(الؽربٌة) ٌتعٌّن علٌنا االعتراؾ‪ ،‬بحقٌقة أن المصادر العربٌة واإلسبلمٌة المتؤخرة‪ ،‬تستحق نقدا ً الذعا ً‬
‫وحتى رفضا ً تاما ً لمنطوقها ومضمونها‪ .‬إن بعض هذه المصادر تشٌر دون أي علم حقٌقً بالتارٌخ‪،‬‬
‫ودون معارؾ جؽرافٌة رصٌنة إلى أن‪ ،‬البخت نصر( أي نبوخذ نصر) خرّ ب بٌت المقدس فً ببلد الشام‪،‬‬
‫بٌنما هً تتحدث عن الحملة كحدث وقع فً الٌمن ؟ وهذا خلط مرٌع للتارٌخ والجؽرافٌا‪ ،‬كان من شؤنه مع‬
‫مرور الوقت‪ ،‬أن ساهم فً خلق وعً مشوه عند العرب والمسلمٌن لتارٌخهم‪ .‬ومع ذلك؛ فإن أهمٌة‬
‫السردٌات اإلخبارٌة العربٌة القدٌمة تكمن فً أنها رسمت إطارا ً صحٌحا ً لؤلحداث بوصفها مواجهة عنٌفة‬
‫بٌن اإلمبراطورٌة اآلشورٌة والقبابل العربٌة المتمردة‪ ،‬وهذا ما ٌتوافق كلٌا ً مع النقوش والسجبلت‪ .‬لقد‬
‫استخدم التوراتٌون طوال ما ٌزٌد عن مابة عام‪ ،‬رواٌة السبً البابلً باعتبارها حدثا ً ٌخص الٌهود وحدهم‪،‬‬
‫وأنه وقع فً فلسطٌن‪ ،‬وهذان أمران ال صحة لهما على وجه اإلطبلق‪ ،‬فبل السبً البابلً استهدؾ الٌهود‬
‫وحدهم ألنهم ٌهود‪ ،‬وال الحادث وقع فً فلسطٌن ألنها كانت متمردة على سلطة اآلشورٌٌن‪ .‬والصحٌح أن‬
‫هذه الحمبلت استهدفت القبابل العربٌة العاربة فً الجزٌرة والٌمن‪ ،‬ألنها كانت بسلوكها االستقبللً وتقالٌدها‬
‫البطولٌة‪ ،‬تشكل تهدٌدا ً حقٌقٌا ً ٌتعٌن التخلص منه أو اضعافه‪ .‬وهذا ما تإكده لنا النقوش المسجلة عن تسع‬

‫‪9‬‬

‫حروب شنها اآلشورٌون ضد القبابل التً كانت تهاجم حدود اإلمبراطورٌة من التخوم الصحراوٌة‪ ،‬ولم ٌكن‬
‫بنو إسرابٌل آنذاك سوى قبٌلة صؽٌرة من هذه القبابل البابدة‪.‬‬
‫الثانً‪ :‬إن الؽرض من هذا االحتكار المنهجً والمنظم للسرد التارٌخً‪ ،‬ونسبته بالكامل لتارٌخ الٌهود‬
‫وحدهم‪،‬كان وباستمرار‪ ،‬جزء من استراتٌجٌات احتكار صورة الضحٌة الفرٌدة واالستثنابٌة‪ .‬وهو ٌذكرنا‬
‫بالطرٌقة التً جرى فٌها فً القرن الماضً والحالً‪ ،‬احتكار رواٌة االضطهاد الهتلري لشعوب أوروبا‬
‫خبلل الحرب العالمٌة الثانٌة‪ ،‬حٌن جرى تصوٌر الحرب وكؤنها كانت محصورة فً نطاق قضٌة حرق‬
‫الٌهود فً أفران الؽاز الهتلرٌة ( ما ٌعرؾ بالمحرقة)‪ .‬ومع أننا ال ننكر وقوع المحرقة وال نشكك فٌها‪ ،‬إال‬
‫أننا نرى أن احتكارها‪ ،‬ونسٌان حقٌقة أن شعوب أوروبا دفعت المبلٌٌن من الضحاٌا ( واالتحاد السوفٌتً‬
‫السابق خسر لوحده ‪ 20‬ملٌون إنسان سقطوا صرعى جرابم هتلر) إنما هو تبلعب مخز ٍ بالحقٌقة التارٌخٌة‪.‬‬
‫والحال هذه‪ ،‬فكما أن القبابل العربٌة الوثنٌة دفعت ثمنا ً ؼالٌا ً فً الحروب التً شنها اآلشورٌون وهم أخذوا‬
‫أسرى مثلهم مثل المتدٌنٌن( الٌهود)؛ فإن شعوب أوروبا كانت ضحٌة منسٌّة فً حرب مرّ وعة لم ٌتبق من‬
‫ذكراها‪ ،‬سوى الصور المحتكرة عن محرقة الٌهود‪.‬‬
‫سؤوضح هذا األمر بشكل تفصٌلً‪ .‬لكن قبل ذلك دعونا نتساءل‪:‬‬

‫ما أهمٌة تصحٌح التارٌخ؟‬
‫إن األمم ال تقوم وتبقى وتصمد فً المسرح اإلنسانً‪ ،‬بفعل وجود جؽرافٌا مشتركة تجمع مواطنبن فً وطن‬
‫قومً واحد‪ٌ ،‬صبحون بفضله وتلقابٌا ً أمّة لها هوٌة وطنٌة جامعة؛ فهذا وهم ما بعده َوهْ م‪ ،‬إذ ك ْم من أم ٍة‬
‫ّ‬
‫تمزقت وهً تعٌشُ فً جؽرافٌا واحدة؟ إن العامل المركزي فً تشك ّل االم ّم وصمودها فً المسرح اإلنسانً‬
‫وتقدمّها وتطورها أٌضاً‪، ،‬كان وما ٌزال مزٌجا ً خبلّقا ً من عاملٌن (ومحرّ كٌن) جبارٌن‪ :‬اللؽة الواحدة‬
‫(الرسمٌة ولٌس لؽات متنافرة ومتصادمة أو لهجات محلٌة أو قبلٌة منقرضة) والتارٌخ الواحد‪ ،‬أي وجود‬
‫سردٌة تارٌخٌة موح ّدة ومتماسكة‪ ،‬تروي فكرة الهوٌة الوطنٌة الجامعة لمواطنٌن ٌرؼبون فً البقاء كؤمّة‪،‬‬
‫ولٌس رواٌات متناقضة متنافرة‪ ،‬أو " تارٌخات" تجعل منهم جماعات متصارعة حول التارٌخ وأحداثه‪.‬‬
‫ولعل التجربة األمرٌكٌة‪ -‬اإلسرابٌلٌة فً صورتها الراهنة‪ -‬هً التطبٌق العملً لهذا التصورّ ؛ إذ لم تكن‬
‫الجؽرافٌا كافٌة بذاتها ولذاتها‪ ،‬لخلق أمّة أمرٌكٌة موح ّدة‪ ،‬هً فً األساس مواد إجتماعٌة متحللّة من أعراق‬
‫وثقافات مختلفة عبرت ضفة األطلسً من أوروبا‪ .‬ولذا كان البد من انتصار نهابً‪ ،‬ناجز وتام اللؽة‬
‫اإلنجلٌزٌة على كل اللؽات واللهجات التً جاء بها المهاجرون‪ ،‬ومن ثم صهر كل الجماعات اللؽوٌة فً‬
‫جماعة لؽوٌة واحدة‪ .‬ولم ٌكن ذلك كافٌا ً بطبٌعة الحال‪ ،‬لخلق واستكمال عملٌات نشوء األمّة األمرٌكٌة‪ ،‬فكان‬
‫البد من إنشاء سردٌة موح ّدة لهذه الجماعات‪ ،‬تعٌد إنتاج وصٌاؼة وحدتها على أساس وجود تارٌخ مشترك‬
‫ماض بعٌد‪ ،‬وٌوّ ّطد فكرتها الجدٌدة عن نفسها كؤمّة قدٌمة مثل‬
‫ٌجمع مواطنً الدولة‪ -‬األمّة‪ٌ ،‬صعد بها إلى ٍ‬
‫سابر األمم األخرى‪ .‬وهذا ما ٌفسرّ لنا سرّ الهوس فً الثقافة التارٌخٌة األمرٌكٌة‪ ،‬بوجود صلة روحٌة‬
‫‪10‬‬

‫وثقافٌة بإسرابٌل القدٌمة (واستطراداً المعاصرة)؟ إن هذا الهوس القدٌم‪ -‬المستمر والمتجد ّد فً الثقافة‬
‫األمرٌكٌة بوجود عبلقة عضوٌة مع إسرابٌل‪ ،‬ال ٌمكن تفسٌره بالعامل السٌاسً وحده‪ .‬ثمة عامل مركزيّ‬
‫آخر‪ٌ ،‬تصل بحقٌقة أن وحدة األمرٌكٌٌن كؤمّة‪ ،‬باتت رهنا ً بوجود سردٌّة تارٌخٌّة موح ّدة‪ ،‬تروي بصوت‬
‫واحد حكاٌة العبلقة العاطفٌة‪ ،‬الوجدانٌة والروحٌة التً تربطهم بإسرابٌل التوراتٌة‪.‬أي بالماضً المخترع‬
‫لجماعات ال رابط بٌنها‪ ،‬وهً جدت نفسها اثناء الهجرة الجماعٌة الكبرى من أوروبا نحو الضفة األخرى‬
‫من األطلسً‪ ،‬وكؤنها لن تتماسك كجماعة واحدة مهاجرة صوب واطن واحد ٌجمعها‪ ،‬إال إذا امتلكت سردٌة‬
‫تارٌخٌة ذات مضمون عاطفً وروحً ٌصعد بها فً سل ّم التارٌخ البعٌد نحو أبعد نقطة ممكنة فٌه‪ .‬لقد كانت‬
‫ههذ السردٌة نوعا ً من محاكاة لقصة عبور النهر فً التوراة ‪ ،‬وهذه المرة إلى ضفته االخرى‪ ،‬أي أرض‬
‫البرٌّة األمرٌكٌة‪ .‬ومن هنا جاء اسم الوالٌات المتحدة األمرٌكٌة فً اللؽة العبرٌة الحدٌثة ( ءرص‪ -‬ها‪-‬‬
‫برٌت) أي أرض البرٌة؟‬
‫لقد لعبت هذه الرواٌة دوراً هاببل فً إبقاء األمرٌكٌٌن أمّة موحدة على مستوى الوجدان العاطفً التارٌخً‪.‬‬
‫وللمرء أن ٌتخٌّل‪ ،‬ما الذي ٌمكن أن ٌحدث لوحدة هذه األمّة فً ؼٌاب سردٌة مركزٌة من هذا النوع ؟‬
‫وكٌؾ ٌمكن صهر األعراق واالثقافات المتنافرة‪ ،‬األوروبٌة والشرقٌة واألفرٌقٌة ومعها العرق المكسٌكً؟‬
‫ولذلك‪ٌ ،‬توجب مبلحظة‪ ،‬أن خلق األمّة األمرٌكٌة تبلزم مع خلق و( اختراع تارٌخ) مشترك ٌوح ّد وجدان‬
‫المهاجرٌن األوابل وٌمك ّنهم من أن ٌصبحوا مواطنٌن جدداً‪ .‬واألمر ذاته وقع فً فلسطٌن؛ إذ لم ٌكن‬
‫اإلستٌبلء على األرض كافٌا ً بذاته لخلق ( أمّة ٌهودٌة ) فهً ستكون عرضة للتمزق بفعل قوة التباٌنات‬
‫الثقافٌة الحا ّدة بٌن الجماعات المستوطنة؛ ولذا كان البد من ( خلق) لؽة مشتركة تعٌد صٌاؼة الوجدان‬
‫الجماعً لبشر ٌتكلمون لؽات شتى‪ .‬وهكذا‪ ،‬وبموازاة عمل العلماء األلمان لبعث اللؽة العبرٌة وتحوٌلها إلى‬
‫لؽة موح ّدة‪ -‬وهً فً األساس لهجة منقرضة من لهجات الٌمن‪ -‬جرى إختراع تارٌخ سحٌق لهذه الجماعات‪،‬‬
‫المتنافرة ثقافٌا ً والتً ال ترتبط بؤي سردٌة تارٌخٌة واحدة‪ ،‬وأصبح هإالء‪ ،‬فجؤة ولمجرد كونهم ٌدٌنون‬
‫بالٌهودٌة‪ -‬وكؤنهم ٌتح ّدرون من سبللة بنً إسرابٌل القدٌمة‪.‬‬
‫بكالم آخر‪ ،‬جرى اختراع ساللة واحدة (نوع من قومٌة‪ ،‬أو عرق ما فوق ثقافً) اسمها بنو إسرابٌل‪،‬‬
‫لجماعات متحدّ رة من شعوب أوروبٌة وؼربٌة عموما ً ال ترتبط إال بروابط واهٌة‪ ،‬وبعضها ٌمتلك مخزونا ً‬
‫من العداء ألوروبٌٌن آخرٌن؟ وكان الؽرض من اختراع هذا التارٌخ القدٌم‪ ،‬هو تمكٌن هإالء من تخٌّل‬
‫هوٌتهم الثقافٌّة الوهمٌّة ‪ ،‬وأنهم كانوا‪ -‬ذات ٌوم بعٌد‪ -‬مواطنٌن احراراً فً مملكة عظٌمة‪ ،‬ثم تبعثروا فً‬
‫طرقات األقدار واندمجوا فً أم ّم ٍ ؼرٌبة‪ ،‬وأنهم بوحدتهم الجدٌدة‪ ،‬إنما ٌستعٌدون هذا الماضً المجٌد دفعة‬
‫واحدة‪ .‬ولكم أن تتخٌّلوا مثبلً‪ ،‬ما الذي ٌمكن أن ٌجمع الٌهودي األلمانً مع الٌهودي الفرنسً‪ ،‬بٌنما – هما‪-‬‬
‫ٌملكان تارٌخا ً من البؽضاء والحروب؟‬
‫كانت اللؽة العبرٌة هً األداة الهابلة فً إنشاء اإلطار المناسب لتؤسٌس وحدة هذه الجماعات المستوطنة‬
‫القادمة من أوروبا‪ .‬ولم ٌكن ذلك كافٌا ً بطبٌعة الحال‪ ،‬فكان البد من إنشاء سردٌة موح ّدة للوجدان الجماعً‪،‬‬
‫‪11‬‬

‫وإعادة رواٌتها كتارٌخ مشترك قدٌم‪ٌ ،‬عٌد ربط الٌهود من كل القومٌات بعرق ثقافً جدٌد ما فوق قومً‪،‬‬
‫اسمه ( بنو إسرابٌل) ومن دون أن ٌعنً هذا أنه مجرد اسم لقبٌلة؟‪.‬‬
‫ولقد كانت المفارقة فً وجود إسرابٌل المعاصرة والتزال‪ ،‬تكمن فً حقٌقة أن (مواطنٌها) المتح ّدرٌن من‬
‫أم ّم وقومٌات كبٌرة‪ ،‬وجدوا أنفسهم فً نهاٌة المطاؾ‪ ،‬وقد ارت ّدوا فعلٌا ً إلى عصور ما قبل التارٌخ‪ ،‬حٌن لم‬
‫ٌجدوا (عرقا) أو أمّة ٌنتسبون إلٌها‪ ،‬سوى ( قبٌلة) عربٌة بابدة اسمها بنو إسرابٌل؟ وهذا أمر لم ٌحدث فً‬
‫تارٌخ البشرٌة من قبل؟ ثم نجمت عن هذا االختراع مفارقة مثٌرة للحٌرة والتساإل‪ ،‬فقد اصبح تارٌخ هإالء‬
‫إسرابٌلٌاً‪ ،‬بعدما كان أوروبٌا ً ‪ ،‬لكنه أصبح فً اآلن ذاته فلسطٌنٌاً‪ ،‬ألن تارٌخهم الجدٌد الذي انتسبوا إلٌه هو‬
‫تارٌخ فلسطٌن القدٌمة؟ أي ما اعتبروه أرض مٌعادهم‪ .‬بٌد أنه– حتى فً هذه الحالة‪ٌ -‬صبح تارٌخا ً مشتركا ً‬
‫مع شعب آخر اسمه الشعب الفلسطٌنً‪ ،‬وإنْ كانوا ٌك ّنون له العداء وٌرؼبون فً إبادته نهابٌاً؟‬
‫وهكذا أٌضا ً ومرة أخرى‪ ،‬أصبح التارٌخ الجدٌد لهإالء‪ -‬وقد صاروا ٌتكلمون لؽة واحدة وٌتمك ّنون من‬
‫التفاهم فً ما بٌنهم بسهولة أكبر‪ ،‬وٌتجاوزون حواجز وإشكالٌات لؽة التفاهم الٌومً‪-‬هو نفسه تارٌخ فلسطٌن‬
‫القدٌمة ولم ٌعد تارٌخا ً إسرابٌلٌا ً صافٌاً؟ ولذا راحوا ٌنقبّون فً أرضها عن كل شا ٌخصّهم كجماعة قدٌمة‬
‫انبعثت من جدٌد‪.‬‬
‫وبذلك تبلزم وبشكل عضوي‪ ،‬اختراع إسرابٌل القدٌمة مع اختراع فلسطٌن قدٌمة ٌزعم انها كانت وطن‬
‫الٌهود‪.‬‬
‫بٌد أن فلسطٌن هذه التً تؤسست صورتها فً وعٌنا طبقا ً للصور التوراتٌة عن السبً البابلً ومعارك داود‬
‫وعبور األردن وسقوط أرٌحا‪،‬ال وجود لها فً التوراة قط‪ ،‬وهً من تلفٌق واختراع المإرخٌن الؽربٌٌن‪-‬‬
‫وعلى خطاهم العرب والمسلمٌن‪ -‬ألن التوراة لم تعرؾ فلسطٌن ولم تذكرها باالسم‬

‫السبً البابلً والمحرقة النازٌة‪:‬‬
‫سردٌات الهٌمنة‬
‫تؤسسّت هٌمنة السردٌة التوراتٌة على التارٌخ فً المنطقة والعالم بؤسره‪ ،‬طبقا ً لتصورات تارٌخٌة زابفة‬
‫لحادثٌن وقعتا فً عصرٌن‪ ،‬وتفصل بٌنهما مبات القرون‪ .‬وقد أمكن بفضل دمجهما فً سٌاق تارٌخً واحد‪،‬‬
‫الحصول على سردٌة جدٌدة متناسقة‪ ،‬ال تزال حتى اللحظة تهٌمن على الدراسات التارٌخٌة بالكامل‪.‬‬
‫‪12‬‬

‫الحادث االول وهو ما ٌعرؾ ب( السبً البابلً) الذي ٌزعم فٌه أن الٌهود تعرضوا للسبً واإلضطهاد على‬
‫ٌد اآلشورٌٌن‪ .‬أما الحادث الثانً‪ ،‬فهو المعروؾ فً األدبٌات السٌاسٌة والتارٌخٌة ب( المحرقة) النازٌة التً‬
‫تعرض لها ٌهود أوروبا على ٌد القوات النازٌة األلمانٌة‪ .‬فما الذي ٌجمع بٌن الحادثٌن؟ لقد جرى تلفٌق‬
‫الوقابع الخاصة بالسبً البابلً من خبلل قراءة معلوطة لنصوص التوراة والنقوش اآلشورٌة انتهت إلى‬
‫إنشاء سردٌة جدٌدة ‪ ،‬ال تقول سوى الفكرة التالٌة‪ :‬أن السبً الذي قام به اآلشورٌون استهدؾ الٌهود وحدهم‪،‬‬
‫وأن هإالء وقعوا ضحٌة اضطهاد ال سابق له فً التارٌخ‪ ،‬بٌنما تشٌر الوقابع والمعطٌات االعلمٌة المسكوت‬
‫عنها إلى أن السبً شمل القبابل العربٌة الوثنٌة (البابدة ) وأن اآلشورٌٌن استهدفوا أؼضاع ههذ القبابل‬
‫لضمان سٌطرتهم على سواحل البحر األحمر‪ ،‬وتؤمٌن طرق التجارٌة الدولٌة القدٌمة‪ ،‬ولم ٌكن من بٌن‬
‫أهداؾ الحمبلت العسكرٌة ‪ ،‬أي هدؾ ٌتصل بإضطهاد الٌهود ألنهم ٌهود‪ .‬لقد مهدت هذه السردٌة الزابفة‪،‬‬
‫الطرٌق أمام حصول ٌهود أوروبا على ( امتٌاز الضحٌة ) الفرٌدة فً نوعها‪ ،‬فهً وحدها التً تعرضت فً‬
‫التارٌخ القدٌم إلضطهاد أكبر إمبراطورٌة بصفتها ( جماعة ٌهودٌة )‪ .‬وهذه السردٌة مهدت الطرٌق بدورها‬
‫إلنشاء سردٌة موازٌة عن إضطهاد جدٌد ٌقع هذه المرة فً قلب أوروبا مع صعود النازٌة ووقوع ما ٌعرؾ‬
‫ب( المحرقة النازٌة للٌهود)‪ .‬وهكذا اكتملت فرادة الضحٌة‪ ،‬وامتلكت بقوة امتٌازها الذي سوؾ ٌعلًّ الفارق‬
‫بٌنها وبٌن الضحاٌا اآلخرٌن‪ ،‬فهً وحدها ضحٌة تتكرر مؤساتها‪.‬‬

‫ولذلك‪ ،‬جرى استخدام مكثؾ لهاتٌن السردٌتٌن المتبلزمتٌن لتبرٌر البحث عن ( وطن قومً) تستقر فٌه هذه‬
‫الجماعة‪ .‬بٌد أن سردٌة السبً البابلً التً سوؾ تتكرر بصورتها الرمزٌة مع المحرقة‪ ،‬وتتكامل معها‪،‬‬
‫كانت جزءا من تزٌٌؾ أوسع نطاقا ً‪.‬‬

‫إنه ألمر محزن أن ال تتمكن األمم من رواٌة تارٌخها بصوتها ‪.‬ولكن المحزن أكثر أن تستمر‬
‫ٌتجلى فً‬
‫فً اإلصؽاء إلى التارٌخ ٌروى بصوت اآلخر‪.‬إن اختراع التارٌخ فً حالتنا الراهنة‬
‫ّ‬
‫علمً‪ ،‬إن التوراة‬
‫أنصع صوره فً الفكرة الزابفة التالٌة‪ :‬هناك من ٌزعم دون ادنى دلٌل‬
‫ّ‬
‫تحدثت عن فلسطٌن وسجلت اسمها واسم الفلسطٌنٌٌن‪ ،‬وأنها ذكرت اسم القدس‪ ،‬وأن داود‬
‫قاتل الفلسطٌنٌٌن وسلٌمان بنى الهٌكل هناك‪ ،‬وان ٌوشع بن نون فتح أرٌحا بعد عبور األردن‬
‫وأن الفلستٌم هم الفلسطٌنٌون‪ ،‬وأن هؤالء تسللوا من البحر‪ ،‬وأن ( مٌدب ) هً مأدبا‬
‫األردنٌة و( معن ) هً معان‪ ،‬وبٌت بوس هً بٌت ٌابوس فً ضواحً دمشق؟‬

‫وهذه رواٌات كاذبة لٌس لها من الحقٌقة التارٌخٌة أي نصٌب‪.‬ومن ؼٌر شك؛ فإن الكشؾ عن الطرٌقة التً‬
‫جرى فٌها اختراع التارٌخ الفلسطٌنً‪ ،‬سٌكون فً صلب العمل التصحٌحً الذي نقوم به‪ ،‬وأساسه نفً‬
‫الرواٌة المخٌالٌة التً أنشؤها المستشرقون‪ ،‬وإعادة بناء الرواٌة التارٌخٌة من منظور جدٌد ٌتس ّم باألمانة‬
‫‪13‬‬

‫للنص؛ إذ لٌس صحٌحا ً ما ٌقال‪ -‬فً سٌاق التضلٌل المرٌع‪ -‬أن القدس عُرفت باسمها القدٌم بٌت بوس‪ ،‬ألنهذا‬
‫االسم ( بالؾ والم‪ :‬القدس ولٌس قدس كما فً نصوص التوراة) اسم حدٌث ال ٌرقى ألكثر من عصر العهدة‬
‫العمرٌة‪ ،‬وال ٌوجد اي دلٌل لؽويّ أو تارٌخً‪ٌ ،‬إكد أن العرب قبل الفتح اإلسبلمً‪ ،‬عرفوها باسم القدس‪.‬‬
‫وهً لم ُتعرؾ فً أي وقت سابق على ذلك باسم بٌت بوس؟‬
‫لقد عرفها عمر بن الخطاب ‪-‬رض‪ -‬والمسلمون باسمها الرومانً إٌلٌاء ولم ٌعرفوها باسم القدس؟ وعلى‬
‫العكس ممّا ٌقال‪ ،‬فالنبً مح ّمد‪ -‬ص‪ -‬كان ٌعرؾ قدس الجبل المبارك فً الحجاز‪ ،‬وٌعرؾ الجبل المبارك‬
‫قدس فً تعز بالٌمن‪ ،‬بٌنما ال ٌعرؾ المسلمون فً عصره القدس العربٌة‪ -‬اإلسالمٌة‪ ،‬ألن جنوب الشام‬
‫الدٌنً (إٌلٌاء) الذي كان جزء من التقسٌم اإلداري الرومانً للمقاطعات السورٌة‪.‬‬
‫كان ٌعرؾ آنذاك‪ ،‬باسمه‬
‫ّ‬
‫وممّا ٌإكد ذلك بشكل قاطع‪ ،‬أن النبًّ أرسل لهرقل قٌصر بٌزنطة ( ‪627‬م) رسالة مع أحد سفرابه وهو‬
‫دحٌة الكلبً‪ ،‬وطلب منه التوجه إلى بصرى الشام لتسلٌمها له‪ٌ .‬قول البخاري[‪ ]1‬الذي نقل حدٌث الرسالة ما‬
‫ش ْكرً ا لِ َما أَب َْبلهُ َّم‬
‫ؾ َّم‬
‫ِمْص إِلَى إٌِلِ ٌَا َء‪ُ ،‬‬
‫هللاُ)‪ .‬وهذا‬
‫س‪َ ،‬م َشى مِنْ ح َ‬
‫ار َ‬
‫ْصرُ لَمَّما َك َش َ‬
‫ٌلً ( وكان َقٌ َ‬
‫هللاُ َع ْن ُه جُ ُنودَ َف ِ‬
‫ٌعنً أن المسلمٌن كانوا ٌعرفون المكان باسمه الرومانً‪ ،‬ولم ٌعرفوه باسم القدس‪.‬‬
‫لقد ظهر اسمها الجدٌد القدس (بألؾ والم) فقط بعد الفتح اإلسالمً لبالد الشام ولٌس قبله؟ ومن المإكد‬
‫أن الؽرض من هذا الخداع الفظٌع الذي مارسه المستشرقون فً مطالع القرن ما قبل الماضً‪ ،‬كان‬
‫وببساطة‪ ،‬حملنا على أن نإمن مثل المستوطنٌن‪ ،‬بؤن التوراة ذكرت القدس‪ ،‬وبذلك‪ ،‬تصبح كل الرواٌة‬
‫الملفقة عن صراع بنً إسرابٌل مع الفلسطٌنٌٌن قابلة للتصدٌق‪ ،‬كما تصبح رواٌة عبور األردن وفتح أرٌحا‬
‫ووجود اسم البحر المٌت فً التوراة ‪ ،‬حقٌقٌة وال ٌطالها الشكّ؟ إن إعادة بناء الرواٌة التارٌخٌة وإنشاء‬
‫سردٌة جدٌدة تقطع مع الرواٌة الزابفة السابدة ‪ٌ ،‬تطلب أوالً وقبل كل شا‪ ،‬تحطٌم كل أساس زابؾ قامت‬
‫علٌه أسطورة عبور األردن وفتح أرٌحا‪.‬‬
‫وفً هذا اإلطار‪،‬سؤعٌد التذكٌر بما نقله البكري فً (معجم ما استعجم ) من حدٌث عكرمة عن ابن عباس‪،‬‬
‫أن رسول هللا اقطع ببلل بن الحارث المزنً ( معادن القبلٌة‪ ،‬جلسٌّها وؼورٌّه إلى حٌث ٌصلح الزرع من‬
‫القدس)‪ .‬وفً هذا الكتاب الذي كتبه النبً‪-‬ص‪ -‬إشارة صرٌحة لجبل القدس فً وادي الرمّة ‪ ،‬ولٌس ألي‬
‫مكان آخر‪ .‬وفً كتاب البكري كذلك – باب ذكر جزٌرة العرب ‪ -‬قال ( فنزلت جهٌنة تلك الببلد‪ ،‬وتبلقت‬
‫قبابلهم وفضابلهم‪ ،‬فصارت نحواً من عشرٌن بطناً‪ ،‬وتفرّ قت قبابل جهٌنة فً تلك الجبال‪ ،‬وهً األشعر‬
‫واألجرد وقدس وآرة ورضوى وصندد)‪.‬كما ٌنقل البكري عن ٌعقوب بن السكٌت ( ت ‪243‬هـ ) قوله (‬
‫قدس وآره‪ :‬جببلن لجهٌنة‪ ،‬بٌن حرة بنى سلٌم وبٌن المدٌنة) وهما جببلن ٌقال لهما ‪ :‬القدسان ‪ ،‬قدس‬
‫األبٌض‪ ،‬وقدس األسود‪ .‬وأما قدس األبٌض فٌقطع بٌنه وبٌن ورقان عقبة ٌقال لها ركوبة‪ ،‬وهو جبل شامخ‬
‫ٌنقاد إلى المتعشىّ بٌن العرج والسقٌا‪ ،‬وأما قدس األسود فٌقطع بٌنه وبٌن ورقان عقبة ٌقال لها ‪َ :‬حمت‪،‬‬
‫والقدسان لمزٌنة– لقبٌلة مزٌنة ‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫تصور آخر عند الٌمنٌٌن عن‬
‫تصور المسلمٌن لقدس الجبل فً الحجاز‪.‬وبموازاته‪ ،‬هناك‬
‫هذا هو بإٌجاز‪،‬‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫جبل مقدس هو جبل قدس‪ -‬دون أألؾ والم‪ -‬فً تعز ‪ ،‬وهو من أعظم جبالها وأقدسها وأكثرها شهرة فً‬
‫التارٌخ؟‬
‫هذه األوهام واألكاذٌب المستمرة والمتواصلة من جانب التوراتٌٌن ‪ -‬ولؤلسؾ من جانب العرب والمسلمٌن‬
‫كذلك‪ -‬وعلى ح ّد سواء‪ ،‬خلقت فوضى عارمة فً التارٌخ ال سبٌل للخروج من دوامتها‪ ،‬فبل احد است ّدل على‬
‫بٌت بوس التً ٌزعم أنها القدس القدٌمة‪ ،‬حتى بعد نحو قرن كامل من التنقٌبات األثرٌة ؟ وال أحد ما‪ ،‬وجد‬
‫دلٌبلً مادٌا ً ٌإكد أن القدس عُرفت بهذا االسم‪ .‬وبكل ٌقٌن‪ ،‬فقد نشؤت هذه المزاعم واألوهام عن وهم أكبر‪،‬‬
‫أشاعته رواٌة عبور نهر األردن‪ .‬وفً هذا السٌاق‪ -‬ثمة أفكار وصور أخرى خاطبة ورابجة فً مإلفات‬
‫التارٌخ القدٌم بشكل عام‪ ،‬وتارٌخ المنطقة العربٌة بوجه الخصوص‪ ،‬مثبلَ‪ ،‬الخلط بٌن العبرانٌٌن وبنً‬
‫إسرابٌل‪ ،‬ومعاملتهما على أنهما شا واحد‪ ،‬وأن ّكبلً منهما دا ٌّل بذاته على اآلخر‪ .‬وهذا ؼٌر صحٌح فً‬
‫مطلق األحوال‪ .‬كما تتردد فً الكثٌر من المإلفات والدراسات أفكار مزٌفة أخرى‪ ،‬مفادها أن العبرانٌٌن‬
‫اشتقوا اسمهم من حادثة عبور نهر األردن‪ ،‬وأنهم عُرفوا بالعبرانٌٌن بسبب هذه الواقعة المزعومة التً ال‬
‫أساس علمٌا ً لها‬

‫‪:1‬إن ٌوشع بن نون لم ٌعبر األردن‪ -‬النهر والبلد‪ -‬ولم ٌفتح أرٌحا الفلسطٌنٌة‪ ،‬والتوراة ال تعرؾ هذٌن‬
‫االسمٌن فً صورتهما هذه‪ ،‬بل فً صورة مختلفة كل ٌّة ولها عالقة بجؽرافٌة أخرى‪ .‬كما أن العبرانٌٌن لم‬
‫ٌعبروا هذا النهر من قبل‪،‬وهم لم ٌعرفوه قط‪ .‬إن مسرح األحدات‪ -‬التً تخٌّلها واختلقها االستشراقٌون من‬
‫التٌار التوراتً وقاموا بالتروٌج له كمسرح تارٌخًّ ‪ -‬ال ٌتضمن وال بؤيّ شكل من األشكال‪ ،‬المواضع‬
‫واألماكن واسماء القبابل الواردة فً النصوص التوراتٌة‪ .‬وفً الواقع‪ ،‬ال توجد فً التارٌخ القدٌم برمته‪،‬‬
‫حادثة من هذا النوع‪ ،‬نجم عنها ظهور جماعة بشرٌة‪ ،‬سوؾ ُتعّرؾ نفسها بؤنها جماعة عبرانٌة نسبة لعبور‬
‫األردن‪ .‬وكل ما قٌل وكتب من مإلفات ضخمة وكتب ودراسات وبحوث عن هذا الحادث‪ ،‬سواء فً الثقافة‬
‫العربٌة أم الؽربٌة‪،‬ال ٌتعدى فً هذا النطاق من الفكرة‪ ،‬حدود التلفٌق المإسس على الوهم والهوس الممزوج‬
‫باإلعجاب بإسرابٌل المعاصرة‪.‬‬

‫وبرأٌنا‪،‬أن المقصود من (العبرانٌٌن) و( بنً إسرابٌل) اإلشارة إلى جماعتٌن بشرٌتٌن منفصلتٌن ال جماعة‬
‫واحدة‪ .‬وهذا التمٌٌز ها ٌم للؽاٌة ل ّفك اإلرتباط التعسفً الذي جمعهما وأوحى ألجٌال وأجٌال من البشر فً‬
‫مختلؾ أرجاء العالم‪ ،‬بؤن اإلسرابٌلٌٌن أحفاد العبرانٌٌن‪ ،‬وأن هإالء أخذوا من أجدادهم‪ ،‬لؽتهم العبرٌة‬
‫(لسانهم القدٌم) الذي ٌعرفون به‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫‪ :2‬وفً سٌاق هذا الزعم‪ ،‬شاع فً مختلؾ األوساط‪ ،‬حتى األكادٌمٌة والعلمٌة منها‪ ،‬القول أن ٌهود الٌوم فً‬
‫العالم كله‪ ،‬إنما ٌتح ّدرون من سبللة بنً إسرابٌل‪ .‬ولذلك‪ ،‬حدث دمج جدٌد ومزٌؾ ٌماثل بٌن القبٌلة ( بنً‬
‫إسرابٌل) وبٌن معتنقً الدٌانة الٌهودٌة؟ وبحٌث صار كل منهما داالً بذاته ولذاته على اآلخر‪ ،‬فعندما‬
‫تقول(ٌهودي) سٌُفهم من قولك‪ ،‬أنك تعنً بنً إسرابٌل الذٌن ورد ذكرهم فً التوراة والقرآن‪ ،‬وأن قولك‬
‫(بنو إسرابٌل) ٌعنً أنك تقصد الٌهود بعامّة‬

‫وهذا تصور م ُْختلق ال صحّ ة له‪.‬‬

‫‪ :3‬كما شاع القول– وهو خاطا جملة وتفصٌبلً وال أساس له‪ ،‬سواء فً األنثروبولوجٌا أم فً السجبلت‬
‫التارٌخٌة‪ ،‬أن العرب والٌهود أبناء عمومة ترتفع إلى الجد المشترك إبراهٌم‪ ،‬حتى باتت عبارة ( أوالد عمّنا)‬
‫شابعة ومؤلوفة فً الحٌاة الثقافٌة والعامّة‪ .‬وهذا ؼٌر منطقً‪ ،‬ألن قرابة الدم الٌمكن أن تقوم بٌن قبابل‬
‫عربٌة‪ ،‬وجماعات من شعوب أخرى أوروبٌة اعتنق أجدادها الٌهودٌة؟ وكٌؾ ٌمكن تخٌّل أن المصري‬
‫المسلم والمعاصر مثبلً‪ ،‬هو ابن عم لٌهودي إٌرلندي؟ كما سٌبدو من المنظور األنثروبولوجً ذاته‪ ،‬أمراً‬
‫ٌخلو من أي منطق‪ ،‬تخٌّل وجود قرابة دم على أساس الدٌن بٌن أبناء قبٌلتٌن عربٌتٌن‪ ،‬أحداهما من طا‬
‫وآخرى من حمٌر الٌمنٌة‪ ،‬ذلك أن القرابات تقوم على أساس العرق ال المعتقد؟‬
‫‪ :4‬وفً إطار هذه اإللتباسات‪ ،‬حدث تكرّ ٌس منهجً لفكرة زابفة موازٌة‪ ،‬تقول أن الذٌن عبروا نهر األردن‬
‫هم بنو إسرابٌل‪ ،‬وهو استطراد مضلل ناجم عن الدمج التعسفً بٌنهم وبٌن العبرانٌٌن ‪ ،‬وراجت فً هذا‬
‫النطاق داخل المإلفات التً ال تعد وال تحصى‪ ،‬أسطورة أن العبرانٌٌن هم أبناء شخص تارٌخً‪ ،‬حقٌقً‬
‫اسمه عابر‪ ،‬وإلٌهم تنسب اللؽة العبرٌة‪ ،‬وأن أحفادهم‪ ،‬هم اإلسرابٌلٌون ؟‬
‫‪ :5‬وأن هإالء أخذوا اسمهم من حادث ( عبور األردن ) النهر العربً‪ ،‬حٌن دخلوا فلسطٌن بقٌادة ٌوشع بن‬
‫نون بعد معركة فتح أرٌحا‪ .‬وهكذا‪ ،‬جرت سلسلة ال تكاد تنقطع من التماثبلت بٌن أعراق وجماعات ولهجات‬
‫ولؽات‪ ،‬عاشت فً عصور وفترات مختلفة‪ ،‬ولم تجمعها روابط أو قرابات حقٌقة‪.‬‬

‫‪ :6‬وفً سٌاق هذه التماثبلت الزابفة أٌضاً‪ ،‬تناسى الكثٌرون الحقٌقة البسٌطة التالٌة‪:‬‬
‫إن الٌهودٌة دٌن عربً قدٌم من دٌانات العرب‪ ،‬بزغ فجرها فً أوساط العرب الجنوبٌٌن ( الٌمنٌٌن) ولم‬
‫تكن دٌنا ً ؼرٌباً‪ ،‬أو وافداً علٌهم من خارج الجزٌرة العربٌة‪ ،‬وهً انتشرت فً الٌمن فً فترات ومراحل ال‬
‫‪16‬‬

‫ٌعرؾ التارٌخ المكتوب عنها الكثٌر‪ .‬والتوراة كما عرفها العرب القدماء‪ ،‬كتاب إخباري‪ -‬دٌنً مقدس من‬
‫كتب ٌهود الٌمن‪ٌ ،‬تضمن التشرٌعات الدٌنٌة والقصص واألخبار واألشعار التً سجلها بنو إسرابٌل‪ .‬كما‬
‫أنها‪،‬شؤنها شؤن الكتب المقدسة األخرى‪ ،‬تتضمن قصص وأشعار وأخبار األولٌن من القبابل والجماعات التً‬
‫ٌعرفها العرب‪ ،‬وبعض قبابلهم تنتسب إلى هذه الجماعات الٌمنٌة‪ ،‬مثل السلؾ ( الشلؾ) وجشم‪ ،‬وعبد وسلمه‬
‫وجبر والحواشب ( حشبون) إلخ‪...‬‬

‫ٌخص‬
‫التوراة ال تتضمن أي شًء‬
‫‪ :7‬واألمر المإكد بالنسبة لً‪ ،‬كما برهنت فً مناسبات سابقة‪ ،‬أن‬
‫ً‬
‫فلسطٌن أو ٌلمح إلى ذكرها بأي صورة من الصور؛ بل وال توجد أدنى صلة للتوراة بتارٌخها‪ .‬وكل‬
‫ما ٌُزعم عن وجود وصؾ ألرضها فً التوراة‪ ،‬لٌس أكثر من تروٌج ألكاذٌب وخدع استشراقٌة‪ ،‬تنتمً‬
‫الى العصر االستعماري وهً من نتاجه‪ .‬والمثٌر للدهشة‪ ،‬أن التالعب بالتارٌخ و( اختراع تارٌخ بدٌل)‬
‫مؤسسا ً على ترجمة خاطبة وتأوٌل سطحً لكلمة ها‪ -‬فلشتٌم הפלשתים وتصوٌرها على أنها تعنً‬
‫كان‬
‫ّ‬
‫الفلسطٌنٌٌن‪ .‬وهذا فهم خاطا ألن العبرٌة تعرؾ حرؾ الطاء وال تستبدله بالتاء ‪ .‬وقد بٌ ّنا فً مإلفاتنا‬
‫السابقة أن االسم ٌنصرؾ إلى الفلستٌٌن‪ ،‬وهذه هً التهجبة الصحٌحة السم جماعة وثنٌة عربٌة بابدة‪ ،‬عُرفت‬
‫نسبة إلى عبادة اإلله الفلس إله قبٌلة طا وقبابل أخرى‪ ،‬تركت اسم إلهها هذا فً مكان معلوم ال ٌزال‬
‫شاخصا ً حتى الٌوم فً الٌمن باسمه القدٌم بوادي المفالٌس‪ -‬الفلسٌٌن‪ ،‬بمعاملة المٌم الحمٌرٌة كاداة تعرٌؾ‪،‬‬
‫مثل ءم رصاص‪ :‬الرصاص‪ ،‬ءم سمّاق‪ ،‬السمّاق‪ -‬وهذه اسماء بلدات أردنٌة معروفة‪ ..‬والتوراة تإكد أنهم‬
‫بالفعل جماعة وثنٌة استولى داود على أصنامها‪ .‬وقد بلػ التبلعب ذروته حٌن جرى التروٌج لنظرٌة زابفة‬
‫مفادها‪ ،‬أن الفلسطٌنٌٌن دخلوا فلسطٌن متسللٌن عبر جزٌرة كرٌت الٌونانٌة؟ والمحزن فً األمر‪ ،‬أن‬
‫المإلفٌن والدارسٌن العرب راحوا ٌرد ّدون هذه األكذوبة دون تدقٌق‪ ،‬وبعضهم‪ ،‬ربما بسبب جهله باللؽة‬
‫العبرٌة‪ ،‬لم ٌنتبه إلى أن هذه الخرافة بُنٌت‪ ،‬فقط على أساس كلمة واحدة وردت فً سفر ثانوي كتبه الكهنة‬
‫الٌهود فً وقت متؤخر‪ ،‬وداخل نشق سردي ٌتضمن دعا ًء دٌنٌا َ ضد ( أمّة الكرتٌٌن כרתים)‪ .‬والمقصود‬
‫بهإالء جماعة تدعى الكرثٌٌن ( الكرثٌون‪ -‬بالثاء المثلثة ) وهم جماعة ٌمنٌة ورد ذكرها فً أنساب الٌمنٌٌن‪.‬‬
‫وعدا ذلك‪،‬ال توجد فً التوراة أي إشارة أخرى مهما كانت عابرة‪ ،‬تدعم الفكرة المضللة عن تسلل‬
‫الفلسطٌنٌٌن من كرٌت ( الٌونانٌة)‬

‫‪ :8‬لقد ّ‬
‫مٌز القرآن‪ -‬كما فعل العرب فً الجاهلٌة ‪ -‬بٌن الٌهودٌة وبنً إسرابٌل‪ ،‬تمٌٌزاً دقٌقا ً ونهابٌا ً ال ٌقبل‬
‫أي جدل‪ ،‬فالٌهودٌة دٌن‪ ،‬وبنو إسرابٌل قبٌلة‪ .‬وذلك واضح كل الوضوح من اآلٌات والسور القرآنٌة التً‬
‫ند ّدت بالٌهود‪ ،‬ولكنها مجّ دت بنً إسرابٌل[‪].2‬‬

‫إن هذا التمٌٌز ٌستمد صبلبته العلمٌة من حقٌقة ثقافٌة ودٌنٌة معروفة عند العرب القدماء‪ ،‬بؤن الٌهودٌة دٌن‬
‫‪17‬‬

‫عربً ولد فً أرض العرب ( الٌمن) ولم ٌولد فً استرالٌا أو المكسٌك‪ .‬وبكل ٌقٌن‪ ،‬فلم ٌكن النبً موسى‬
‫نبٌا ً ألمانً النشؤة والمولد‪ ،‬وال كان داود أمٌراً دانماركٌا ً‪ .‬وطبقا ً لهذه البدٌهٌة التً طالما جرى التؽاضً عنها‬
‫أو إهمالها أثناء النقاش‪ ،‬فإن التوراة تتضمن اشعاراً وقصصا ً وأساطٌر عن جماعات عربٌة قدٌمة‪ ،‬وهً ال‬
‫تروي بؤي صورة من الصور أي شا من تارٌخ فلسطٌن القدٌم؟ ولطالما جرى التؽاضً أو حتى انعدام‬
‫الفطنة عند قراءة الحدٌث الشرٌؾ الذي ٌذكر فٌه النبًّ محمد –ص‪ -‬اسم موسى كنبًّ ٌمنً‪ ،‬فقد قال فً‬
‫حدٌث اإلسراء أن موسى أشبه برجل جعد ( أسود الشعر) من أزد شنوءة‪ ،‬وهإالء قبٌلة من أشهر قبابل‬
‫الٌمن‪ ،‬إذ ٌذكر العسقبلنً[‪ ]3‬فً صحٌح البخاري نص الحدٌث على النحو األتً‪:‬‬

‫) حدثنا إبراهٌم بن موسى أخبرنا هشام بن ٌوسؾ أخبرنا معمر عن الزهري عن سعٌد بن المسٌب عن أبً‬
‫هرٌرة‪-‬رض‪ -‬قال‪ ،‬قال رسول هللا ‪-‬ص‪ -‬لٌلة أسري بً رأٌت موسى وإذا هو رجل ضرب‪ ،‬رجل كؤنه من‬
‫رجال شنوءة)‪ .‬وهذا الحدٌث الصحٌح ٌإكد‪ ،‬أن الذاكرة التارٌخٌة للعرب‪ ،‬تحتفظ بصورة خاصة لموسى‬
‫النبً كرجل أشبه ما ٌكون بشخص ٌمنً من قبٌلة بعٌنها‪ ،‬هً من أقوى وأعظم قبابل العرب القدٌمة وتدعى‬
‫أزد شنوءة‬

‫ّ‬
‫نمٌز‬
‫‪ :9‬وإذا ما تقبلنا‪ -‬مبدبٌا ً ‪-‬هاتٌن الفرضٌتٌٌن البدهٌتٌن؛ فإن علٌنا التمٌٌز بدقة بٌن القبٌلة والدٌن‪ ،‬كما‬
‫مثبلً‪ ،‬بٌن قرٌش واإلسبلم‪ ،‬إذ ال ت ّدل قرٌش بإطبلق على اإلسبلم‪ ،‬وال ٌمكن االفتراض أن كل قرشً هو‬
‫مسلم‪ ،‬أو أن كل مسلم هو من قرٌش‪ .‬ولذلك‪ٌ ،‬جب أن نمٌّز بٌن بنً إسرابٌل والٌهودٌة‪ ،‬وأن ننشا إطاراً‬
‫مفهومٌا ً ٌعٌد وضعهما فً إطارهما الصحٌح كقبٌلة ودٌن‪ ،‬إذ لٌس كل من انتسب لبنً إسرابٌل هو ٌهودي‪،‬‬
‫ولٌس كل ٌهودي هو من بنً إسرابٌل‪ ،‬ألن هذا المنطق المزٌؾ سٌفرض علٌنا القول‪ ،‬أن كل مسلم هو‬
‫قرشً‪ ،‬وأن كل قرشً هو مسلم؟ وهذا امر فظٌع وؼٌر مقبول؟‬

‫وبكل ٌقٌن‪ ،‬فقد تحدثت التوراة بالتفصٌل عن إنشقاق دٌنً أدى إلى إنقسام مملكة بنً إسرابٌل إلى مملكتٌن‬
‫متصارعتٌن‪ ،‬احداهما فً الجنوب‪ٌ -‬هوذا‪ -‬التً أدٌنت باالرتداد عن الشرعة الٌهودٌة وانؽماس سكانها فً‬
‫العبادة الوثنٌة‪ ،‬وهذا أمر ٌبدو أنه تكرر خبلل حقب تالٌة على عصر موسى وأثناء نبوته اٌضا ً‪ -‬وأشار إلٌه‬
‫القرآن الكرٌم فً السورالتً تناولت بنً إسرابٌل‪ ،‬وكٌؾ أن موسى وجد اتباعه ٌعودون لعبادة العجل‬
‫الذهبً‪ -‬والمملكة األخرى فً الشمال وتحمل اسم إسرابٌل‪ .‬ولعل وصؾ التوراة القابل إن – ٌهوذا فً‬
‫الجنوب وبنً إسرابٌل فً الشمال‪ٌ -‬تعارض كلٌا ً مع وصؾ إسرابٌل الحالٌة‪ ،‬فٌهوذا والسامرة‪-‬أي الضفة‬
‫‪ - 48‬ما ٌسمى إسرابٌل – فً الشمال؟‬
‫الؽربٌة وؼزة‪ -‬تقعان فً الجنوب‪ ،‬بٌنما تقع أراضً‬
‫هذا ٌعنً أن التبلعب بالرواٌة التارٌخٌة قاد إلى للتبلعب بجؽرافٌة إسرابٌل نفسها‪ ،‬فالتوصٌؾ التوراتً لما‬

‫‪18‬‬

‫ٌدعى ارض المٌعاد‪ٌ ،‬تعارض وٌتناقض مع وصؾ فلسطٌن التارٌخٌة‪ ،‬وٌقلب خرٌطتها رأسا ً على عقب‪،‬‬
‫وٌصبح الشمال جنوبا ً والجنوب شماالً ؟‬
‫فكٌؾ ٌمكن قبول هذه األكذوبة عن تطابق الوصؾ وهو ٌقلب جؽرافٌا التوراة ؟‬
‫‪ :10‬إن مصطلح العبرانٌٌن‪ ،‬وبمعاٌٌر البحث التارٌخً والعلمً‪ٌ ،‬دّ ل على جماعات بشرٌة كبٌرة ال جماعة‬
‫واحدة‪ ،‬بٌنما ٌدّ ل اسم ( بنً إسرابٌل) على جماعة قبلٌة صؽٌرة بعٌنها ‪ .‬وكل خلط بٌن المفهومٌن سٌإدي‬
‫ال محالة إلى نتابج خاطبة‪ ،‬مماثلة لما وصلت إلٌه دراسات وبحوث االستشراق‪ .‬والمإسؾ أن علماء‬
‫ومإرخً العرب الكبار‪ ،‬مثل د‪ .‬جواد علً[ ‪ ،]4‬اخطؤوا فً قراءة بعض جوانب الموروث العربً‪ ،‬وثبتوا‬
‫فً اذهان أجٌال وأجٌال من المإلفٌن الشباب‪ ،‬أفكاراً خاطبة عن المقاصد الحقٌقٌة لقصص التوراة‪ ،‬ففً‬
‫تحلٌله لكتابات اإلخبارٌٌن العرب عن وادي حضور الٌمنً ( حصور فً التوراة) التً ؼزتها جٌوش‬
‫اآلشورٌٌن‪ ،‬أخطؤ جواد علً خطؤ فادحا ً حٌن كتب ٌقول مندداً بفهم اإلخبارٌٌن الكبلسٌكٌٌن لما تناقله العرب‬
‫من أخبار‪ ،‬ما ٌلً‪ ( :‬ولم ٌكن لئلخبارٌٌن علم دقٌق بما ٌرد فً التوراة من أمور‪ ،‬فلم ٌفطنوا أن من ؼٌر‬
‫الممكن أن ٌكون أهل حاصور من أهل الٌمن‪ ،‬ألن ذكر التوراة لهم مع قٌدار ٌجعل مواضعهم فً شمال‬
‫جزٌرة العرب‪ .‬ثم إن الٌمن بعٌدة جدا عن بختنصر‪ -‬نبوخذنصرّ ‪ -‬وال ٌعقل أن ٌكون فً إمكان جٌوشه‬
‫الوصول بسهولة إلى هناك‪ .‬ثم إن الكتب الٌهودٌة تصورحاصور فً مكان فً العربٌة الشمالٌة فً جوار‬
‫أرض قٌدار‪ ،‬ولم ٌكن لها علم واسع عن الٌمن‬
‫وكنا بٌَّمنا بالتفصٌل فً المإلؾ السابق[ ‪ -]5‬كما سنبٌن هنا اٌضا ً‪ -‬ان حضور تقع فً جنوب الجزٌرة ال‬
‫شمالها وهً من أعظم ودٌان الٌمن‪ ،‬وفٌها ازدهرت أعظم المخالٌؾ‪ ،‬وأن التوراة ذكرتها فً صورة‬
‫حصور‪ ،‬ألن العبرٌة ال تعرؾ الحرؾ المعجم بنقطة من فوق‪.‬ولذلك‪ٌ ،‬صبح باطبلً كل نصّ ٌسخر من‬
‫معارؾ اإلخبارٌٌن‪ ،‬ما لم ٌكن مبن ٌّا ً على فهم صحٌح ووقابع صحٌحة‪.‬‬

‫‪ :11‬مثل هذا التمٌٌز الذي نقترحه‪ ،‬ضروري للؽاٌة ألجل فهم صحٌح ألحداث التارٌخ‪ ،‬ذلك أن أسطورة‬
‫عبور األردن المزعوم ترتبط فً األصل بالعبرانٌٌن ولٌس ببنً إسرابٌل؟ وهؤالء أخذوا اسمهم‪ ،‬كما ٌقال‬
‫عادة من هذه الواقعة المثٌولوجٌة (األسطورٌة)‪ .‬وبالرؼم من عدم وجود أي دلٌل تارٌخً ٌؤٌد حدوثها ‪،‬‬
‫وأن كل ما ورد عنها فً التوراة ال ٌشٌر بؤي صورة من الصور إلى عبلقة مباشرة ببنً إسرابٌل‪ ،‬فقد طؽى‬
‫فً السرد التارٌخً‪ ،‬الزعم بؤنهم عبروا األردن نحو أرض المٌعاد الفلسطٌنً بعد فتح أرٌحا؟ وبالطبع‪ ،‬فقد‬
‫كان من نتابج هذا الخلط التعسفً الذي قام به علماء آثار وباحثون ودارسون من الؽرب والشرق وعلى‬
‫تعسفً تنسٌب أسطورة العبور تلقابٌا ً إلى بنً إسرابٌل‪ .‬وذلك ما ساهم‬
‫امتداد عقود طوٌلة‪ ،‬أن جرى بشكل‬
‫ّ‬
‫فً خلق فوضى عارمة فً التسلسل التارٌخً للممالك واألحداث فً المنطقة‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫‪ :12‬وحده‪ ،‬فك اإلرتباط بٌن هذه التسمٌات والمفاهٌم والتصورات والمصطلحات‪ ،‬هو الذي ٌم ّكن دارس‬
‫التارٌخ من رإٌة الحقابق بشكل صحٌح‪.‬‬
‫‪ :13‬إن أكثر األوهام الشابعة فً التارٌخ الفلسطٌنً‪ ،‬تسب ّبا ً فً إثارة الفوضى والتشوش؛ إنما هو الزعم‬
‫القابل أن القدس دعٌت أو عرفت ذات ٌوم باسم ( بٌت بوس) وأن سكانها القدامى كانوا ٌبوسٌٌٌن‬
‫و(كنعانٌٌن)‪ .‬لقد استند أصحاب هذا الزعم الرابج‪ -‬دون دلٌل واحد‪ -‬على مؤ أشاعه المستشرقون وبعض‬
‫علماء اآلثار من أفكار خاطبة‪ ،‬تربط بٌن فلسطٌن وقصص التوراة‪ .‬وهذا محض كذب ال أساس له ال فً‬
‫العلم وال فً التارٌخ المكتوب‪ ،‬وال فً النصّ التوراتً‪ ،‬فال أورشلٌم كانت تدعى القدس‪ -‬أو العكس‪ -‬وال‬
‫وٌصر على ترداد هذا التصور‬
‫ٌدعً‬
‫كان اسمها القدٌم بٌت بوس‪ .‬وٌتوجب علٌنا الٌوم‪ ،‬أن نطالب كل من‬
‫ّ‬
‫ّ‬
‫المضلل‪ ،‬أن ٌقدم لنا دلٌالً علمٌا ً أو نقشا ً ترد فٌه هذه المعلومة ؟ كل ما لدى هإالء‪،‬هو الذخٌرة الفاسدة من‬
‫المزاعم التً تركها االستشراقٌون خلفهم‪ ،‬بعد أن أنهوا معركتهم مع التارٌخ الفلسطٌنً و‪-‬العربً القدٌم‪-‬‬
‫وهً ذخٌرة ال تصلح للقتال والسجال العلمً‪ ،‬لسبب بسٌط للؽاٌة‪ ،‬هو أن بٌت بوس الحصن الجبلًّ المنٌع‬
‫كما تصفه التوراة‪ ،‬ال وجود له فً فلسطٌن قط؟ وألن هإالء لم ٌعثروا علٌه‪ ،‬فقد زعموا أنه قرٌة بٌت‬
‫ٌابوس فً ضواحً دمشق‪ .‬وهذا أمر عجٌب حقاً‪ٌ ،‬كشؾ نوع الخداع والتبلعب‪ ،‬إذ كٌؾ ٌمكن لعالم آثار‬
‫ٌحترم العلم‪ ،‬أن ٌزعم بتطابق وصؾ القلعة الجبلٌة فً التوراة‪ ،‬مع قرٌة فً ضواحً دمشق ال تتصل‬
‫بفلسطٌن بسلسلة جبلٌة‪ ،‬فقط بسبب وجود تشابه فً االسمٌن؟‬

‫‪:14‬فً مإلفً السابق(فلسطٌن المتخٌّلة[ ‪ )]6‬كتبت ما ٌلً‪ ( :‬لقد آن األوان ألن تتقدم أوروبا‪-‬والؽرب‬
‫بؤسره‪ -‬باعتذار صرٌح للفاسطٌنٌٌن والعرب والمسلمٌن عن النتابج المؤسوٌة التً تسبّب بها الخٌال‬
‫االستعماري المُفرط‪ -‬ونزعات المستشرقٌن التوراتٌٌن وعنجهٌتهم وعنصرٌتهم السقٌمة كذلك‪ -‬فً تدمٌر‬
‫شعب وتشرٌده عن وطته‪ ،‬فهذه النتابج أ ّدت إلى ( تهوٌد) التارٌخ الفلسطٌنً‪ ،‬وإلى وقوع مؤساة شعب وأمة‬
‫جرى اإلستٌبلء على أرضها وتارٌخها وثقافتها بالقوة الؽاشمة‪ .‬بٌد أن ذلك لن ٌكون ممكنا ً وال كافٌا ً من‬
‫دون خطوة جرٌبة من علماء التوراة فً العالم‪ ،‬بإعبلن صرٌح ال لبس فٌه‪ٌ ،‬إكد بُطبلن القراء االستعمارٌة‬
‫للتوراة‪ ،‬واإلقرار بالخطؤ الفادح فً هذه القراءة واالعتراؾ بحقٌقة أن االنتساب الى دٌن بعٌنه‪،‬ال ٌبرر الحق‬
‫ب أخرى‪ ،‬واإلقرار بوجود حاجة إلى ترجمة جدٌدة للنص‬
‫فً أي مُطالبة ؼٌر مشروعة بؤراضً شعو ٍ‬
‫التوراتً المقدس‪ ،‬تزٌل كل صلة وهمٌة بٌنه وبٌن فلسطٌن‬

‫إن لمن اإلجحاؾ والتعسؾ ؼٌر المبرر‪ ،‬تخًٌل وجود حق دٌنً فً أرض العرب‪ -‬بالنسبة لمسلم فلبٌنً‬
‫مثبل ً‪ -‬قد ٌخرج على العالم‪ٌ ،‬وما ً ما‪ ،‬لٌزعم أنه ٌنتسب لقرٌش وهو من سبللتها‪ ،‬وله الحق بالمطالبة بإرث‬
‫أجداده فً مكة‪ ،‬لمجرد كونه دان بدٌن العرب فؤصبح مسلما ً ؟ إن كونه مسلما ًال ٌعطٌه الحق فً ادعاء‬
‫‪20‬‬

‫االنتساب إلى قرٌش‪ .‬واألمر ذاته ٌنطبق على حالة الٌهود فً العالم كله؛ فهإالء دانوا بالٌهودٌة وهً دٌن‬
‫عربً–مثله مثل المسٌحٌة واإلسبلم‪ -‬ولكنهم لٌسوا بكل تؤكٌد من سبللة قبٌلة بنً إسرابٌل الٌمنٌة المنقرضة‬
‫والبابدة‪ .‬لقد تسببّت دراسات المستشرقٌن‪ -‬من التٌار التوراتً وعلى خطاهم ّكتاب عرب‪ -‬فً حدوث فوضى‬
‫فً التارٌخ اإلنسانً‪ ،‬نجم عنها صراعات دامٌة متواصلة ودون توقؾ‪ ،‬لم تكن مسؤلة النزاع على األرض‬
‫‪.‬‬
‫والحقوق فٌها‪ ،‬هً المسؤلة المركزٌة وحسب؛ بل وأصبح التارٌخ نفسه هو موضوع ومادة هذا النزاع‬
‫إنه صراع عنٌؾ ومؤسويّ بٌن تارٌخ حقٌقً وآخر مخترع‪.‬‬

‫أرٌد فً ختام هذه الخبلصة‪ ،‬أن أذ ّكر بما كتبته من قبل‪ ،‬وأن أكررّ الفكرة اآلنفة منعا ً لكل‪ ،‬وأي سوء‬
‫فهم ُمؽرض أو تؤوٌل ناجم عن فهم سطحً‬
‫أي حق دٌنً أو تارٌخً ألي جماعة تزعم أن لها الحق فً اراضً اآلخرٌن‪ ،‬لمجرد أنها تنتسب‬
‫لٌس ثمة ّ‬
‫للدٌن نفسه‪ ،‬فكما ال ٌحق لمسلم صٌنً‪ ،‬الزعم أنه من قرٌش وأنّ له الحق فً وراثة أرض العرب لمجرد‬
‫أنه مسلم‪-‬ألن قرٌش قبٌلة عربٌة ولٌست قبٌلة صٌنٌة‪ -‬فإن الٌهودي األوكرانً أو األلمانً أو األمرٌكً أو‬
‫ٌهودي الدٌانة‪،‬ألن بنً إسرابٌل قبٌلة‬
‫االسكندنافً‪ ،‬ال ٌملك حق الزعم أنه من بنً إسرابٌل‪ ،‬لمجرد أنه‬
‫ّ‬
‫عربٌة‪ ،‬ولٌست من قبابل الجرمان أو الفاٌكنػ‪.‬‬
‫لذلك‪ ،‬فإن مإلؾ الكتاب ٌرفض سلفا ً أي قول سخٌؾ وسطحً قد ٌصدر من بعض المتطفلٌن على البحث‬
‫العلمً والقرّ اء ؼٌر المهتمٌن كذلك‪ ،‬بؤنه– بنظرٌته هذه ‪ٌ -‬بشرّ ‪ ،‬أو ٌدعو إلعطاء الٌمن للٌهود الؽربٌٌن؟‬
‫وهو قول تردد وٌا لؤلسؾ فً أوساط بعض القرّ اء السطحٌٌن الذٌن ٌجادلون فً هللا بؽٌر علم‪ .‬إن األمم تحٌا‬
‫وتنهض وتتوحد‪ ،‬فقط حٌن تمتلك سردٌة واحدة وصحٌحة عن تارٌخها‪ ،‬بمعنى أن تمتلك رواٌة واحدة‬
‫ومتماسكة عن نفسها‪ ،‬ولٌس رواٌات متعارضة ومتصادمة‪ ،‬فالتارٌخ عامل مركزي فً صناعة األمم وفً‬
‫الحفاظ على وحدتها ووجودها‪ ،‬مثله مثل األرض المشتركة واللعة الموحّ دة‪ .‬ومن ؼٌر شك‪ -‬بالنسبة لً‪ -‬فما‬
‫أقوم به منذ سنوات‪ ،‬هو التؤسٌس لتٌار تصحٌحً ٌضع نهاٌة للفوضى فً السردٌة التً تركها لنا‬
‫اإلستشراقٌون األجانب( والعرب)‪ .‬وما لم تتمكن االمّة من الخروج من دوامة الفوضى فً فهم وقراءة‬
‫تارٌخها؛ فإنها لن تتمكن أبداً من البقاء فً مسرح التارٌخ وسٌكون مصٌرها‪ ،‬وٌا لؤلسؾ‪ ،‬محزنا ً لش ّدة‬
‫التمزق وعمق الخبلؾ وتشعبّه‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫[‪ : ]1‬البخاري‪ ،‬ج ‪ ،95/10‬كذلك شرح النووي على مسلم‪ٌ-‬حًٌ بن شرؾ أبو زكرٌا النووي‪ -‬دار‬
‫الخٌر‪1996‬م‬
‫[‪ ( :]2‬ال إِ َل َه إِال ا َّلذِي آ َم َن ْت ِب ِه َب ُنو إِ ْس َرابٌِلَ َوأَ َنا مِنَ ا ْل ُم ْسلِمٌِنَ ) [ٌونس‪َ .]90 :‬و َل َقدْ َب َّو ْأ َنا َبنًِ إِ ْس َرابٌِلَ‬
‫ُم َب َّوأَ صِ دْ ٍق َو َر َز ْق َنا ُه ْم مِنَ َّ‬
‫ت َف َما ْ‬
‫الط ٌِّ َبا ِ‬
‫اء ُه ُم ا ْل ِع ْل ُم إِنَّ َر َّب َك ٌَ ْقضِ ً َب ٌْ َن ُه ْم ٌَ ْو َم ا ْلقِ ٌَا َم ِة فٌِ َما َكا ُنوا‬
‫اخ َت َلفُوا َح َّتى َج َ‬
‫فٌِ ِه ٌَ ْخ َتلِفُونَ (‪)93‬‬
‫[‪ :]3‬أحمد بن علً بن حجر العسقالنً ‪ :‬فتح الباري شرح صحٌح البخاري‪ -‬دارالرٌان للتراث‪-‬‬

‫‪1407‬هـ ‪/‬‬

‫‪1986‬م‪ :‬ص‪3214‬‬
‫[‪ : ]4‬جواد علً ‪ :‬المفصل ‪121/1‬‬
‫[‪ : ]5‬حقٌقة السبً البابلً‪ ،‬بٌروت‪ -‬دار جداول للنشر ‪2011‬‬
‫[‪ :]6‬فلسطٌن المتخٌلة‪ :‬أرض التوراة فً الٌمن القدٌم‪ ،‬مجلدان‪ ،‬دار الفكر‪ -‬دمشق‪ -‬ثالث طبعات ‪2009‬‬

‫فاضل الربٌعً‪ :‬اسرابٌل قبٌلة عربٌة بابدة وموسى وسلٌمان وداود‬
‫انبٌاء وملوك الٌمن القدماء ٌعتبر اصرار بعض الباحثٌن العرب‬
‫على النظرٌة االستشراقٌة الؽربٌة دعما لالستعمار‬
‫فاضل الربٌعً‪ :‬اسرابٌل قبٌلة عربٌة بابدة وموسى وسلٌمان وداود انبٌاء وملوك الٌمن القدماء‬
‫ٌعتبر اصرار بعض الباحثٌن العرب على النظرٌة االستشراقٌة الؽربٌة دعما لبلستعمار‬
‫‪2011-03-15‬‬
‫القدس العربً‪ :‬حسام الدٌن محمد‬
‫‪http://81.144.208.20:9090/pdf/2011/03/03-15/qad.pdf‬‬
‫فاضل الربٌعً شخصٌة استثنابٌة فهو ٌجمع فً اهابه طاقة الناشط السٌاسً البلهبة وبرود الباحث العلمً‬
‫المتؤنً والمدقق الباحث عن جذور األشٌاء ومصادرها وصوال الى مآالتها وشبكة عبلقاتها الزمنٌة‬
‫والتارٌخٌة والسٌاسٌة‪.‬‬
‫‪22‬‬

‫بدأ الربٌعً كاتبا للقصة (اٌها البرج ٌا عذابً‪ ،1975 ،‬القٌامة ‪ )1984‬والرواٌة (عشاء المؤتم‪،1984 ،‬‬
‫ممرات الصمت‪ )1991 ،‬وزاول كتابة المقالة والبحوث فً األدب والمسرح والفن‪ ،‬وانتهى الى التبحر فً‬
‫مواضٌع االسطورة التارٌخ القدٌم‪ ،‬مع كتابه ‘الشٌطان والعرش’‪ ،‬الذي تبعته عودة الى البحث فً المجال‬
‫السٌاسً مع كتابه ‘كبش المحرقة’ الذي تناول تجربة حركة القومٌٌن العرب السٌاسٌة‪ ،‬وهو الخط الذي لم‬
‫ٌنقطع عنه حٌث أصدر الحقا كتابً ‘الخوذة والعمامة’ قدم فٌه تشرٌحا اجتماعٌا وتارٌخٌا للمجتمع العراقً‪،‬‬
‫وكذلك كتاب ‘من اٌقظ علً بابا’ الذي نشر مسلسبل فً ‘القدس العربً’‪ ،‬ثم كتاب ‘العسل والدم’‪ ،‬كما نشر‬
‫كتابا مشتركا مع تركً علً الربٌعو ‘االسطورة والسٌاسة‪’.‬‬
‫ؼٌر ان الربٌعً لم ٌنقطع اٌضا عن البحث فً التارٌخً واالسطورة من كتابه ‘شقٌقات قرٌش’ و’ابطال ببل‬
‫تارٌخ’ و’قصة حب فً اورشلٌم’ وصوال الى كتابه الضخم هذا ‘فلسطٌن المتخٌلة‪ :‬ارض التوراة فً الٌمن‬
‫القدٌم’‪ ،‬ومرورا بباقً منظومة كتبه التً لم تتوقؾ ومنها ‘المسٌح العربً’ الذي اثار كثٌرا من االهتمام‬
‫والجدل‪.‬‬
‫ٌستند كتاب ‘فلسطٌن المتخٌلة’ على ثالث قواعد‪ :‬الشعر العربً القدٌم‪ ،‬وجؽرافٌة الٌمن القدٌم كما وردت‬
‫فً كتاب ‘وصؾ جزٌرة العرب’ للحسن الهمدانً‪ ،‬وترجمة التوراة من نسختها العبرٌة‪ ،‬ومن خالل‬
‫االشتؽال على هذه المصادر الثالث والمقارنة المستمرة بٌنها ٌكشؾ الربٌعً بما ال ٌترك مجاال للشك ان‬
‫كل تفاصٌل التوراة التارٌخٌة والجؽرافٌة موجودة فً ارض الٌمن القدٌم‪ ،‬وهو األمر الذي تترتب علٌه‬
‫استعادة تارٌخ المنطقة بكامله من المرجعٌة االستشراقٌة التً قامت بالتالعب بهذا التارٌخ لعبة كبرى‬
‫ساهمت فً التأسٌس لنشوء دولة اسرابٌل وفً اشكالٌات تارٌخٌة وجؽرافٌة وسٌاسٌة ال عد لها وال‬
‫حصر‪.‬‬
‫ك هذه المشروع الكبٌر الذي قام به مستفٌدا من حشد من النقود التً ق ّدمت‬
‫أردت من الحوار مع الربٌعً ح ّ‬
‫ضمن هذا االطار‪ ،‬واٌضا ألعمال كمال الصلٌبً التً تعتبر احدى األسس التً وجهت البحث التارٌخً هذه‬
‫الوجهة‪ ،‬وكان هذا الحوار‪:‬‬
‫‘فً نقده لنظرٌة كمال صلٌبً ٌقول سٌد القمنً ‘إن المشكلة الحقٌقٌة التً تواجه عمله بالكامل وباعترافه هو‬
‫نفسه فً مقدمة كتابه هً أنه لم ٌؤخذ علم اآلثار باعتباره على اإلطبلق‪ .‬وحٌن تناول بعض المدونات‬
‫التارٌخٌة القدٌمة كان ٌنتزعها من سٌاقات عدة بها لٌدعم رإٌته فً شمولٌتها محتجا بان المسح اآلثاري‬
‫لمناطق ؼربً الجزٌرة لم ٌتم بعد بشكل تام’ أال ٌنطبق هذا على عملك فً ‘فلسطٌن المتخٌلة ‘فً تجاهلك‬
‫لعلم اآلثار؟‬
‫‘عندما بدأت بالعمل الشاق والمضنً فً (فلسطٌن المتخٌلة) وضعت تصورا ً متكامبلً الستخدام منهج متعدد‬
‫المحاور‪ ،‬ومتشابك الوظابؾ‪ٌ ،‬قوم فً ما ٌقوم على‪:‬‬

‫‪23‬‬

‫أوال‪ :‬إعادة ترجمة النصوص العبرٌة‬

‫ثانٌا‪ :‬مقاربتها مع النص العربً من التوراة‪ ،‬للكشؾ عن جوهر المعضلة فً القراءة االستشراقٌة السابدة‬
‫والمهٌمنة على السرد التارٌخً‬

‫ثالثا‪ :‬إعادة قراءة كتاب الهمدانً (صفة جزٌرة العرب) للبرهنة على أن هذا النص‪ ،‬قام بوصؾ مطابق‬
‫وشامل للجؽرافٌا التً وصفتها التوراة‪ ،‬وهو وصؾ ٌتجاوز بكثٌر مسؤلة التشابه فً أسماء األماكن‪ ،‬ألن‬
‫األمر ٌتعلق بوجود بٌبة تارٌخٌة للنص التوراتً ال عبلقة لفلسطٌن بها‪ .‬وبالفعل‪ ،‬فنصوص الهمدانً تكشؾ‬
‫‪.‬‬
‫عن هذا الجانب وتقوم به على أكمل وجه‪،‬دون أي حاجة من جانبً للعثور على أسماء متشابهة‬
‫رابعا‪ :‬دعم هذا التصور باستخدام الشعر الجاهلً الذي تماثل بنٌته بنٌة النص التوراتً‪ ،‬بما أنهما ٌقومان‬
‫معا ً‪ ،‬وبطرٌقتٌن سردٌتٌن مختلفتٌن بتقدٌم وصؾ جؽرافً دقٌق لنفس األماكن والمواضع‪.‬‬

‫ونظراً لضخامة العمل‪ ،‬فقد قمت بفصل الجانب المتعلق بالمكتشفات األثرٌة‪ ،‬ومقاربتها مع هذه النصوص‪.‬‬
‫وكان علًّ ‪ ،‬بسبب ظروؾ العمل والعتبارات تقنٌة‪ ،‬أن أضعها فً جزء خاص سوؾ ٌصدر هذا العام باسم‬
‫(حقٌقة السبً البابلً) وهو عمل ٌعتمد على إعادة قراءة النقوش والسجبلت اآلشورٌة ووصؾ هٌرودوت‬
‫كذلك‪ ،‬استكماال ً لما طرحته فً فلسطٌن المتخٌلة‪ .‬وهذا ما قادنً إلى أن أقوم بفصل جزء آخر من العمل‬
‫الضخم ونشره مستقبلً فً كتاب (قصة حب فً أورشلٌم‪ :‬ترجمة جدٌدة لنشٌد اإلنشاد) ومنذ أٌام صدرت‬
‫الطبعة الثانٌة من هذا الكتاب‪ .‬ماذا ٌعنً ذلك؟ ببساطة‪ٌ ،‬جب أن ٌقرأ كتاب (فلسطٌن المتخٌلة ) من منظور‬
‫آخر‪ ،‬فهو جزء من مشروع ضخم ٌستحٌل علًّ فً ظروؾ البحث الشاقة (والعمل البدابً مع ؼٌاب روح‬
‫العمل المشترك والمإسسً بٌن المهتمٌن بهذا الشؤن) استكماله دفعة واحدة‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فقد أشرت فً الكتاب‬
‫إلى الكثٌر من المواد األثرٌة التً تتعلق بالحمبلت المصرٌة التً سجلتها التوراة‪ ،‬كما سجلتها جدارٌات معبد‬
‫الكرنك (قابمة مجدو‪ -‬نهارٌا)‪.‬‬
‫وهو ما عدت إلٌه مرة أخرى فً كتابً الجدٌد (القدس لٌست أورشلٌم‪ :‬مساهمة فً تصحٌح تارٌخ فلسطٌن)‪.‬‬
‫لكل ذلك‪ ،‬ال ٌمكن للباحث أن ٌتجاهل علم اآلثار‪ ،‬ألنه األداة العلمٌة الوحٌدة القادرة على حسم النقاش‪ .‬وعلى‬
‫األرجح سوؾ ٌكون كتابً القادم (حقٌقة السبً البابلً) مفاجؤة للقراء والمهتمٌن‪ ،‬ألنه ٌعٌد قراءة النقوش‬
‫والسجبلت اآلشورٌة لتسع حمبلت آشورٌة متتابعة‪ ،‬سجل التوراة منها نحو ست حمبلت فقط‪ ،‬وهً تإكد‬
‫بشكل قاطع ال لبس فٌه‪ ،‬أن مسرح الحروب كان الشرٌط الساحلً الطوٌل للبحر األحمر وعمق الجزٌرة‬
‫العربٌة والٌمن‪ .‬وأوّ د أن ألفت نظر المهتمٌن بهذا العمل‪ ،‬أن (فلسطٌن المتخٌلة) هو محاولة للبرهنة على‬
‫زٌؾ القراءة االستشراقٌة للتوراة‪ ،‬وهذا فً ظنً أمر ٌجعل منه مساهمة مختلفة عن سابر المساهمات‬
‫األخرى‪ .‬ومن دون شك؛ فإن كتاب كمال صلٌبً (التوراة جاءت من جزٌرة العرب) ٌمثل فتحا ً ثقافٌا ً عظٌما ً‬
‫‪24‬‬

‫فً ثقافتنا المعاصرة‪ ،‬وال ٌضٌره أنه لم ٌشمل هذا الجانب‪ ،‬أي مكتشفات علم اآلثار‪ ،‬وألي سبب‪ ،‬ذلك أن‬
‫مجرد طرح الرواٌة التارٌخٌة السابدة عن فلسطٌن للنقاش العلمً‪ ،‬هو عمل ٌستحق التقدٌر والثناء‪.‬‬

‫عشابر المصرٌٌن ولٌس مصر‬
‫‘ تقول فً كتابك أن المصرٌٌن واآلشورٌٌن لم‬
‫ٌشتبكوا على أرض فلسطٌن أبداً‪ .‬وعلٌه فكٌؾ‬
‫تفسر شواهد أركٌولوجٌة عدٌدة منها الحجر‬
‫المإابً الذي عثر علٌه شرق البحر المٌت‪،‬‬
‫وٌتحدث عن مٌشع الملك المإابً وعن حروبه مع‬
‫إسرابٌل‪ ،‬وكٌؾ تفسر نصب رمسٌس الثانً على‬
‫مصب نهر الكلب بٌن بٌروت وجبٌل الذي ٌتحدث‬
‫عن حملته األولى على ببلد الشام‪ ،‬والذي ٌمكن‬
‫اعتباره دلٌبلً على خط سٌر الحملة المصرٌة‪ ،‬تلك‪،‬‬
‫والذي ال ٌمكن أن ٌكون باتجاه الجزٌرة العربٌة‪.‬‬
‫وهناك اللوحة التذكارٌة التً أقامها تحتمس فً‬
‫كركمٌش (جرابلس الحالٌة ) وٌحكً فٌها عن‬
‫انتصاراته هناك‪.‬‬
‫كٌؾ تفسر هذه الشواهد على ضوء نظرٌتك‬
‫الٌمنٌة؟‬

‫‘ نعم‪ ،‬لكن هذه الشواهد القلٌلة والمحدودة ال تزال موضع نقاش بٌن العلماء‪ ،‬وال ٌوجد رأي علمً حاسم‬
‫بشؤنها‪ ،‬فمن هو مٌشع المإابً؟ وكٌؾ قرئ نقشه؟ وهل ٌعنً تسٌٌر حملة مصرٌة صوب ببلد الشام‪ ،‬أن‬
‫مسرح التوراة هو مسرح فلسطٌنً؟ هذان أمران مختلفان‪ .‬لقد كان الصراع المصري‪ -‬اآلشوري ٌجري‬
‫بالكامل من أجل بسط النفوذ على طرق التجارة الدولٌة على طول ساحل البحر األحمر‪ ،‬وهذا هو جوهر‬
‫الصراع بٌن القوتٌن العظمٌٌن‪ .‬أما فلسطٌن التارٌخٌة‪ ،‬فلم تكن سوى قطاع صؽٌر ال تحتمل رقعته‬
‫الجؽرافٌة المحدودة صراع قوى كبرى‪ .‬أن الحمبلت البابلٌة‪ -‬اآلشورٌة التسع التً قادها سرجون األول‪،‬‬
‫وشلمانصر وتجبلت ببلسر وأسرحدون وسنحارٌب‪ ،‬و نبوخذ نصر الخ ال تذكر على وجه اإلطبلق أي‬
‫موضع فً فلسطٌن‪ .‬ما أوّ د إٌضاحه هنا للقراء هو التالً‪ :‬إن ما كرّ سته القراءة االستشراقٌة السابدة للتوراة‬
‫من انطباعات تارٌخٌة عن صراع بٌن المصرٌٌن وبنً إسرابٌل‪ ،‬وبٌن اآلشورٌٌن وبنً إسرابٌل داخل‬
‫المسرح الفلسطٌنً‪ ،‬هو ما ٌجب أن ٌخضع للبحث والنقاش‪ .‬مثبل ً‪ ،‬إن كلمة مصرٌم فً النص العبري من‬
‫‪25‬‬

‫التوراة ‪ ،‬تدل على معنٌٌن‪ ،‬فهً ٌمكن أن تفهم من سٌاق النص أنها تعنً الجٌش المصري‪ ،‬لكنها فً سٌاقات‬
‫أخرى ال تدل علٌهم؛ بل على قبابل المُضرٌٌن (بنقطة من فوق) ألنها تشٌر إلٌهم بعبارة مشفحت‪ -‬مصرٌم –‬
‫أي عشابر المضُرٌٌن‪ .‬وهو أمر ٌتكرر مراراً فً نصوص التوراة وفً معرض أشارتها إلى الصراع مع‬
‫قبابل عربٌة أخرى‪ .‬ولذلك ال ٌبدو منطقٌا ً أن التوراة تسمً مصر اإلقلٌم العربً عشابر المصرٌٌن‪ .‬ومعلوم‬
‫أن العبرٌة ال تعرؾ حرؾ الضاد وتستبدله بحرؾ الصاد المهمل‪ .‬لقد نجم عن هذا االلتباس‪ ،‬أن كل‬
‫الرواٌات التوراتٌة حول صراع بنً إسرابٌل مع ها‪-‬مصرٌم قربت على أنها صراع بٌنهم وبٌن مصر البلد‬
‫العربً‪ .‬ونجم عن هذا الخلط‪ ،‬أن القراءة االستشراقٌة كرّ ست فً أذهاننا انطباعات خاطبة عن مجرى‬
‫التارٌخ وصراعاته‪ ،‬وبحٌث صار أساتذة الجامعات الٌوم ٌدرّ سون الطبلب تارٌخ هذه الحروب‪ ،‬وٌعلمونهم‬
‫خطؤ أن اآلشورٌٌن أسروا ملكا ً مصرٌاً‪ ،‬وأنهم أجبروا المصرٌٌن على دفع جزٌة سنوٌة كما قتلوا ملكا ً‬
‫مصرٌا ً آخر‪ ،‬وهذا ما ال دلٌل له فً السجبلت اآلشورٌة والمصرٌة‪ ،‬ولم ٌحدث قط فً التارٌخ أن دفعت‬
‫مصر جزٌة لآلشورٌٌن‪ ،‬أو أنهم تمكنوا من اسر ملك مصري‪.‬‬
‫ما حدث هو أن اآلشورٌٌن فً حمالتهم على القبابل العربٌة المتمردة على ساحل البحر األحمر‪ ،‬ومنها‬
‫قبابل ال ُمضرٌٌن (وكنانة) وبنً إسرابٌل أسروا أحد ملوك ُمضر (ولٌس مصر) ‪ .‬وهذه المعارك بٌن قبابل‬
‫الساحل‪ ،‬عك‪ ،‬ومُضر‪ ،‬واألشعرٌٌن ( وهم عك واألشٌرٌٌن ومضر فً التوراة باستبدال العٌن بالهمزة وهو‬
‫أمر مؤلوؾ فً لهجات القبابل) سجلها اإلخبارٌون العرب فً كتبهم ‪ ،‬وهً معارك تقلٌدٌة تجري باستمرار‬
‫بٌن سكان المناطق الجبلٌة وسكان الساحل‪.‬‬
‫هذا الخلط المرٌع بٌن حروب القبابل بعضها ضد بعض‪ ،‬وبٌن صداماتها مع القوى العظمى‪ ،‬تسبب فً‬
‫فوضى تارٌخٌة‪ .‬واألمر ذاته ٌنطبق على الجؽرافٌا‪ ،‬ذلك أن السجالت اآلشورٌة والمصرٌة تتحدث عن‬
‫‪ ،‬ألن‬
‫تمرد قبابل واعتصامها فً مناطق وعرة ال ٌمكن بأي صورة من الصور تخٌلها فً فلسطٌن‬
‫المواضع واألماكن المذكورة سواء فً نصوص التوراة‪ ،‬أو فً النقوش‪ ،‬تشٌر إلى أنها فً الٌمن‪ .‬المثٌر‬
‫لبلهتمام فً هذا النطاق‪ ،‬أن اإلخبارٌٌن العرب القدماء‪ ،‬وبشكل أخص ابن حبٌب الذي ٌعتمد الطبري كلٌا ً‬
‫على رواٌته‪ٌ ،‬قولون أن نبوخذ نصر وسنحارٌب وأسرحدون هاجموا أهل حضور فً الٌمن؟‬

‫وهذا ما تإكده رواٌات وهب بن منبه الٌمنً ونشوان بن سعٌد الحمٌري وسواهم‪ .‬واألكثر إثارة‪ ،‬أن ما‬
‫ذكرته التوراة من أسماء أماكن دارت فٌها هذه الحروب سواء بٌن القبابل بعضها ضد بعض‪ ،‬أو بٌنها وبٌن‬
‫القوتٌن العظمٌٌن‪ ،‬تتطابق كلٌا ً مع مثٌبلتها فً النقوش المصرٌة واآلشورٌة‪ ،‬فقدس‪ -‬قدش التً احتلها‬
‫المصرٌون‪ ،‬هً ذاتها قدس‪ -‬قدس التً احتلها اآلشورٌون بعد اجتٌاح وادي حضور (حصور فً التوراة )‬
‫وهً ذاتها قدس‪ -‬قدش الجبل الشاهق الذي تصفه التوراة ضمن سلسلة ودٌان تذكرها هذه السجبلت‪ ،‬وهو ما‬
‫ال ٌنطبق بؤي صورة من الصور على جؽرافٌة فلسطٌن‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫إن العودة إلى لوابح ؼنابم المصرٌٌن واآلشورٌٌن‪ ،‬ومطابقتها مع وصؾ الهمدانً الدقٌق لالماكن نفسها‬
‫وللفضاء الجؽرافً نفسه‪ ،‬بقبابله ومواضعه‪ ،‬ثم مقاربة هذه النصوص مع ما سجلته التوراة سوؾ ٌكشؾ‬
‫عن فضٌحة‪ ،‬فهذه الحروب لم تقع فً فلسطٌن ‪ .‬لقد وقع عالم اآلشورٌات العظٌم هاري ساكز فً الفخ‬
‫نفسه‪ ،‬حٌن افترض أن معركة رفح بٌن بنً إسرابٌل والمصرٌٌن‪ ،‬هً معركة وقعت فً رفح المصرٌة –‬
‫الفلسطٌنٌة‪ ،‬وأن أحد جنراالت مصر أظهر مواقؾ جبانة وأنه فر من المعركة‪.‬‬

‫وإذا افترضنا أن معركة من هذا النوع وقعت فً رفح فسوؾ تصبح إسرابٌل القدٌمة فً هذه الحالة دولة‬
‫إمبراطورٌة كان باستطاعتها تحدي المصرٌٌن على الحدود‪ ،‬بٌنما ال ٌوجد أي دلٌل تارٌخً على وقوع‬
‫معركة من هذا النوع‪ .‬والتارٌخ المصري ٌجهل كلٌا ً معركة عند رفح‪ .‬ما حدث ببساطة‪ ،‬هو أن بنً‬
‫إسرابٌل وفً إطار معاركهم القبلٌة‪ ،‬اصطدموا مع المُضرٌٌن‪ ،‬أي مع مشفحت‪ -‬ها‪ -‬مصرٌم (عشابر‬
‫المضرٌٌن) فً رفح الٌمن‪ ،‬ولم ٌصطدموا مع مصرٌم (أي مصر البلد العربً )‬

‫وفً هذه المعركة فرّ احد فرسان مضر (تسمٌه التوراة سوء)‪ .‬لقد قربت التوراة بخٌال استشراقً سقٌم‪ .‬وإذا‬
‫ما أعدنا قراءتها ضمن بٌبتها التارٌخٌة‪ ،‬بوصفها كتابا دٌنٌا‪ -‬إخبارٌا من كتب ٌهود الٌمن‪ ،‬فإن سرد التارٌخ‬
‫فٌها سوؾ ٌكشؾ عن الحقٌقة التً جرى التبلعب بها‪ .‬إن بعض البدٌهٌات ستبدو ضرورٌة لقراء هذا اللقاء‬
‫الصحفً‪ .‬ولذلك سؤوضح األمر بالنقاط التالٌة‪:‬‬

‫أوالً‪ :‬إن الٌهودٌة القدٌمة هً دٌن عربً‪ .‬والنبً موسى‪ -‬ع‪ -‬لٌس جنراالً برٌطانٌا‪ ،‬كما أن داود النبً لم‬
‫ٌكن أمٌراً دانماركٌا‪ ،‬وسلٌمان لٌس بحاراً سوٌدٌا ً بكل تأكٌد‪ .‬هؤالء أنبٌاء وملوك العرب فً طفولتهم‬
‫البعٌدة‪ .‬وألن وحً الٌهودٌة لم ٌهبط فً أثٌنا أو روما‪ ،‬بل فً أرض العرب‪ ،‬فمن المنطقً أن تكون‬
‫التوراة كتابا ً دٌنٌا ً من كتب الٌهود العرب الذٌن دانوا بهذا الدٌن‪ .‬وبحسب ما ذكره الرواة والمإرخٌن العرب‬
‫القدماء بإجماعهم‪ ،‬فقد ظهرت الٌهودٌة فً الٌمن‪ .‬وعلٌه‪ ،‬فكل ما ورد فً التوراة ٌجب أن ٌكون فً هذه‬
‫الحالة داخل مسرح ٌمنً‪.‬‬

‫ثانٌا ً‪ :‬ولما كانت التوراة كتاب تعلٌم دٌنً‪ٌ ،‬تضمن مروٌات وقصص القبابل وحروبها ومعتقداتها وأدٌانها‬
‫وقواعد وشروط عباداتها‪ ،‬فمن المنطقً أن نتعامل معها بمستوٌٌن‪ :‬المستوى األول‪ ،‬أنها تتضمن المواعظ‬
‫والتشرٌعات المتعلقة بالطهارة والصوم والصبلة والعبادة والحرام والحبلل الخ‪ ..‬والمستوى الثانً‪ ،‬أنها‬
‫‪27‬‬

‫تتضمن قصصا ً ومروٌات ال ٌمكن الجزم بالضرورة أنها ذات طابع تارٌخً مإكد‪ .‬وهذا أمر مؤلوؾ‪ ،‬الن‬
‫القرآن الكرٌم مثبلً‪ٌ ،‬روي قصص األنبٌاء والمرسلٌن من أجل أخذ الموعظة والعبر‪ ،‬وال ٌقول أي شًء عن‬
‫الجانب التارٌخً لهذه القصص والشخصٌات‪ .‬وهذا ٌعنً أننا ٌجب أن نتعامل مع النص الدٌنً فً الجانب‬
‫المتعلق بالقصص والمروٌات‪ ،‬بوصفه نصا ً دٌنٌا ً ال وثٌقة تارٌخٌة‪ ،‬ولكن من دون أن نسقط من اعتبارنا‬
‫حقٌقة أنه ٌتضمن بعضا ً من التارٌخ الشفهً المنسً‪.‬‬

‫تزوٌر المستشرقٌن‬
‫ثالثا ً ‪ :‬أن بنً إسرابٌل قبٌلة عربٌة قدٌمة بابدة‪ ،‬والٌهودٌة دٌن‪ .‬أي أن هذا الدٌن‬
‫ارتبط باسم هذه القبٌلة‪ ،‬والقرآن الكرٌم ٌمٌز بدقة بٌن بنً إسرابٌل والٌهود‪ ،‬فهو‬
‫ٌمجد بنً إسرابٌل‪ ،‬بٌنما ٌندد بعبث الٌهود‪ ،‬بما فً ذلك اتهامهم بتحرٌؾ التوراة‪ .‬وبالطبع‪ ،‬فلٌس كل ٌهودي‬
‫الٌوم هو من بنً إسرابٌل‪ ،‬تماما ً كما كان الحال فً الماضً‪ ،‬فلٌس كل من كان من قبٌلة بنً إسرابٌل هو‬
‫ٌهودي‪ ،‬إذ كان هناك ملوك من بنً إسرابٌل عبدوا األوثان‪ ،‬وهذا ما تإكده التوراة‪ .‬والٌوم نحن نمٌز بٌن‬
‫قرٌش القبٌلة واإلسبلم كدٌن‪ ،‬فلٌس كل قرشً مسلم وال كل مسلم هو قرشً‪ .‬والحال هذه؛ فإن الٌهودي‬
‫‪.‬‬
‫الؽربً‪ ،‬البرٌطانً‪ ،‬األمرٌكً‪ ،‬الهولندي الخ هو ٌهودي ولكنه لٌس من بنً إسرابٌل‬
‫وهذا وضع شبٌه بوضع المسلم الهندي أو الصٌنً أو الفلبٌنً‪ ،‬فهو مسلم ولكنه لٌس من قرٌش‪ .‬ولذلك‪ ،‬ال‬
‫ٌجوز تحت أي اعتبار النقاش حول حق هذا الٌهودي الؽربً باالنتساب إلى تارٌخ بنً إسرابٌل وإدعاء حق‬
‫تمثٌلهم‪ ،‬بما أنه ٌهودي‪ .‬تماما ً كما ال نوافق على مزاعم مسلم صٌنً مثبلً‪ ،‬قد ٌخرج علٌنا لٌقول أنه من‬
‫قرٌش بما أنه أصبح مسلماً‪ ،‬وأن له الحق فً االنتساب إلى تارٌخها وأن له إرثا ً فً أرضها ما دام اعتنق‬
‫اإلسبلم؟ اإلسبلم دٌن وقرٌش قبٌلة‪ ،‬وبنو إسرابٌل قبٌلة والٌهودٌة دٌن‪.‬‬

‫إن فهم هذه البدٌهٌات وااللتزام بها سٌكون ضرورٌا ً لتعمٌق فهم القراء بطبٌعة التزوٌر الفاضح الذي قام به‬
‫المستشرقون وعلماء اآلثار وكتاب التارٌخ‪ .‬لقد تخٌلوا مسرح قصص التوراة على أنه مسرح فلسطٌنً دون‬
‫أي دلٌل علمً‪.‬‬

‫‘فً نقده للصلٌبً أٌضاً‪ٌ ،‬تهمه القمنً بإهمال جمٌع النظرٌات األخرى حول التارٌخ التوراتً مع إهداره‬
‫للجانب التارٌخً والوثابقً‪ ،‬وبخاصة المرتبط منه بمصر وفلسطٌن‪ .‬كٌؾ ترى إلى هذا‪ ،‬بالمقارنة مع‬
‫بحثك؟‬

‫‪28‬‬

‫‘ ما ال ٌرٌد البعض من الكتاب فهمه بعمق‪ ،‬أن عمل كمال صلٌبً‪ ،‬موجه بالضبط لدحض وتدمٌر هذه‬
‫الثقافة االستشراقٌة السابدة‪ ،‬فالنظرٌات األخرى هً نظرٌات االستشراقٌٌن المخٌالٌٌن الذٌن ٌؽرفون منها‬
‫نظرٌاتهم السطحٌة والسقٌمة‪.‬‬

‫والن البعض ٌعتمد على اإلثارة بؤكثر مما ٌعتمد على العلم‪ ،‬فإنه ٌظل متمسكا ً بترهات هإالء‪.‬‬
‫والؽرٌب أن هذا التمسك‪ٌ ،‬جعل منهم‪ ،‬سواء أدركوا ذلك أم لم ٌدركوه‪ ،‬من مروجً نظرٌة أن فلسطٌن هً‬
‫أرض المٌعاد الٌهودي‪.‬‬
‫ُ‬
‫برهنت علٌه‪ ،‬أوالً‪ :‬إن التوراة ال تذكر اسم فلسطٌن وال الفلسطٌنٌٌن‪،‬‬
‫أما الحقٌقة فتقول شٌبا ً آخر‪ ،‬وهذا ما‬
‫وأن التبلعب فً ترجمة كلمة ها‪ -‬فلستٌم وأنها تعنً (الفلسطٌنٌٌن) وأن هإالء جاءوا من جزٌرة كرٌت‬
‫متسللٌن‪ ،‬وان قدش هً القدس وهً أورشلٌم‪ ،‬أدى فً ما أدى إلى رواج نظرٌة كاذبة ال أساس لها ال فً‬
‫النص العبري من التوراة وال فً التارٌخ‪.‬‬
‫إن اإلصرار على صحة النظرٌات االستشراقٌة حول تارٌخ فلسطٌن‪ ،‬هو خدمة مجانٌة تقدم للمشروع‬
‫االستعماري‪ ،‬بٌنما ٌتطلب احترام العلم والحقٌقة الخوض فً نقاش جاد حول هذه النظرٌات التً تبلعبت‬
‫بالتارٌخ‪.‬‬
‫المدهش أن القمنً مثبل ً ال ٌلتفت إلى حقٌقة أن اسم القدس (العربٌة) هو اسم حدٌث ال ٌرقى إلى فترة أبعد‬
‫من العهدة العمرٌة والفتوحات اإلسبلمٌة‪ ،‬بٌنما التوراة تروي تارٌخا ً أقدم‪ ،‬كما أن اسم قدس دون ألؾ والم‬
‫فً التوراة ٌنصرؾ حسب وصؾ التوراة نفسها إلى جبل شاهق (وهناك جماعة متطرفة تسمً نفسها أمناء‬
‫جبل الهٌكل) ألنها تعتقد أن سلٌمان بنى الهٌكل فً جبل قدس‪ ،‬بٌنما القدس العربٌة لٌست فوق جبل ولٌست‬
‫جببلً‪.‬‬

‫أما الجبل المقصود بحسب وصؾ التوراة الدقٌق‪ ،‬فهو بالضبط جبل قدس الشاهق والمبارك‬
‫(‪ 80‬كلم إلى الجنوب من تعز)‪ .‬وٌمكن ألي متشكك‪ ،‬أن ٌقوم بمقاربة نصوص التوراة عن‬
‫قدس‪ ،‬مع وصؾ الهمدانً لٌتعرؾ بدقة علمٌة كافٌة على أسماء الودٌان والقرى والقبابل‬
‫نفسها الواردة فً التوراة‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫واجبنا هو نقد وتجاهل النظرٌات األخرى‪ ،‬االستشراقٌة‪ ،‬وهذه هً الخطوة األولى على طرٌق تصحٌح‬
‫تارٌخ فلسطٌن وتخلٌصه من هٌمنة التؤوٌل التوراتً‪.‬‬

‫‘ تقول إن االستشراق هو الذي ساهم فً رإٌة فلسطٌن مكان الٌمن‪ .‬هل هناك دراسات تقوم بتتبع هذه‬
‫الصٌاؼة االستشراقٌة التً تربط التوراة بفلسطٌن؟‬

‫‘ قد ٌكون الوقت مبكرا ً للحدٌث عن دراسات معمقة فً هذا المٌدان‪.‬ولكن‪ ،‬ما أهمٌة أن نثٌر مسؤلة مسرح‬
‫قصص التوراة؟ إن بعض القراء المتسرعٌن فً األحكام‪ ،‬وبسبب افتقادهم إللمام كاؾ بالموضوع التارٌخً‪،‬‬
‫ٌفترض أن إثارة هذه المسؤلة قد تفتح شهٌة الٌهود للمطالبة بؤرض الٌمن‪ ،‬وهذا تصور ساذج ألهداؾ‬
‫وأؼراض طرح هذا النوع من األفكار الجدٌدة‪.‬‬

‫ما هدفت إلى إثارته فً كتبً السابقة وما سؤواصل إثارته فً الكتب القادمة هو التالً‪ :‬إن تارٌخنا رواه‬
‫صوت آخر لٌس صوتنا‪ ،‬وصفحاته كتبتها ٌد لٌست ٌدنا‪ ،‬وتفسٌر أحداثه ووقابعه‬
‫قام بها مفسرون ال ٌعرفون الكثٌر عن ثقافتنا القدٌمة‪ .‬ولذلك‪ٌ ،‬توجب علٌنا الٌوم‪،‬‬
‫أن نروي تارٌخنا بصوتنا‪ ،‬وأن نعٌد كتابة صفحاته بأقالمنا‪.‬‬

‫وفً هذا السٌاق‪ ،‬فالتوراة بما هً كتاب دٌنً من كتب ٌهود الٌمن‪ ،‬وبما أن الٌهودٌة دٌن عربً قدٌم ظهر‬
‫فً أرض العرب ولٌس فً استرالٌا؛ فإن القبابل التً اعتنقته هً فً األصل قبابل عربٌة هاجر بعضها إلى‬
‫فلسطٌن فً فترات مختلفة‪ ،‬وقد عثر علماء اآلثار فً فلسطٌن على نقش هام للؽاٌة ٌفضح مزاعم التٌار‬
‫التوراتً‪ ،‬هو النقش المعروؾ عند العلماء باسم نقش شعارٌم (نحو ‪ 200‬م) وٌقول بالنص‪ :‬هذا قبر مناحٌم‬
‫قٌل‪ -‬ملك‪ -‬حمٌر‪ .‬وهو ٌسجل أسماء عشرات من األحبار الٌهود الٌمنٌٌن من أبناء القبابل العربٌة الذٌن‬
‫أقاموا فً فلسطٌن‪ ،‬بوصفهم من قبابل العرب ممن دانوا بدٌن الٌهودٌة‪ .‬لقد جرى التؽاضً عن الحقابق التً‬
‫كشفها علم اآلثار‪ ،‬واستبدلت بتؤوٌل المستشرقٌن لكلمات وأسماء توراتٌة‪ .‬وهذا هو جوهر العمل الذي قامت‬
‫به القراءة االستشراقٌة‪ ،‬أي إهمال نتابج البحث األثري والتمسك بالتؤوٌبلت المستندة إلى نص التوراة‪.‬‬
‫ولذلك‪ ،‬فمن الواجب إهمال هذه النظرٌات ونقدها‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫‘ هناك ازدهار كبٌر لكتب ودراسات ألساتذة آثار وتارٌخ إسرابٌلٌٌن مثل إسرابٌل فنكلشتاٌن وشلومو ساند‪،‬‬
‫تقوم بإعادة تفكٌك المثٌولوجٌا التوراتٌة والٌهودٌة‪ .‬كٌؾ تنظر إلى مثل هذه األبحاث‪ ،‬وهل ٌمكن أن تصب‬
‫فً إستراتٌجٌة بحثٌة عامة‪ ،‬تثبت الحقابق العلمٌة بمواجهة الوقابع اإلٌدٌولوجٌة والسٌاسٌة القابمة؟‬
‫‘ كل ما قام به هإالء ٌظل برؼم أهمٌته‪ ،‬خطوة صؽٌرة قد ال ٌملكون ال الجرأة وال الوسابل العلمٌة لتحوٌلها‬
‫إلى خطوة علمٌة كبرى على طرٌق تصحٌح تارٌخ فلسطٌن‪.‬‬

‫والمطلوب الٌوم‪ ،‬أن ٌتشكل تحالؾ عربً‪ -‬عالمً من علماء وكتاب التارٌخ‬
‫الموضوعٌٌن‪ ،‬وأنا أدعو إلى تشكٌل هذا التحالؾ ألؼراض وأهداؾ محض علمٌة‪،‬‬
‫للكشؾ عن الحقٌقة‪ .‬لقد تسبب التالعب بالتارٌخ الفلسطٌنً القدٌم فً مأساة شعب‬
‫وأمة‪ ،‬وقد آن األوان أن ٌتقدم العالم كله باعتذار صرٌح من الشعب الفلسطٌنً بؤنه كان موضوعا ً دراسٌا ً‬

‫زابفاً‪ ،‬فال التوراة ذكرت فلسطٌن‪ ،‬وال التارٌخ المكتوب ٌعرؾ أي‬
‫شًء عن وجود مملكة إسرابٌل القدٌمة على أرضها‪ .‬هذه‬
‫فلسطٌننا العربٌة‪ -‬اإلسالمٌة وهً أرض لم تقع فٌها أحداث‬
‫التوراة‪ ،‬وكل ما ٌقال وٌزعم عن وجود عالقة بٌن فلسطٌن‬
‫ونصوص التوراة هو من تلفٌق التٌار التوراتً ‪ ،‬وأنا أتحدى علماء اآلثار‬
‫والتارٌخ من عرب وأجانب ممن ٌإمنون بمزاعم االستشراقٌٌن‪ ،‬أن ٌقدموا نصا ً واحداً من التوراة أو من‬
‫النقوش ٌقول أن القدس هً أورشلٌم‪ ،‬أو أن اآلشورٌٌن سبوا الٌهود فً فلسطٌن‪ ،‬أو أن مملكة إسرابٌل‬
‫القدٌمة تؤسست فوق أرضها‪ .‬إن وضع التوراة كنص ضمن بٌبته التارٌخٌة كنص دٌنً ٌنتسب إلى ثقافة‬
‫العرب الدٌنٌة القدٌمة‪ ،‬وطرابقهم فً السرد‪ ،‬سوؾ ٌكشؾ عن نوع وطبٌعة التزوٌر‪ .‬ولعل قراءة عربٌة‬
‫جدٌدة‪ ،‬تنقض القراءة الؽربٌة وتزٌحها‪ ،‬هو السبٌل الوحٌد لتصٌح تارٌخ فلسطٌن والمنطقة‬

‫‪31‬‬

‫كتاب "القدس ليست أورشليم" لفاضل الربيعي‬
‫قراءة‪ :‬أحمد العبري‬

‫القدس التارٌخٌة وكشؾ الزٌؾ الٌهودي‬
‫قراءة فً كتاب "القدس لٌست أورشلٌم"‬
‫بدأت فً النصؾ الثانً من القرن العشرٌن دراسات حدٌثة فرٌدة من نوعها‪ ،‬توجهت لقراءة التارٌخ برؤٌة أخرى‬
‫ومن منطلقات ؼٌر معهودة‪ ،‬تمثلت فً البحث التارٌخً‪/‬الجؽرافً لخارطة األنبٌاء‪ ،‬وأنبٌاء بنً إسرابٌل باألخص‪،‬‬
‫ووقفت هذه الدراسات على اكتشافات واستنتاجات أثارت الصدمة وكشفت حجم الزٌؾ التارٌخً الذي نقل جؽرافٌا‬
‫األنبٌاء من جنوب شبه الجزٌرة العربٌة إلى شمالها عبر ممارسات تزوٌر وتحرٌؾ قدٌمة وممنهجة أصبحت الٌوم‬
‫مستنداً للكٌان الصهٌونً فً االدعاء بأحقٌته فً فلسطٌن وما بٌن النهرٌن وفكرة أرض المٌعاد الزابفة‪.‬‬
‫اآلثاري والجٌولوجً‪،‬‬
‫هذه الدراسات ال زالت طرٌة‪ ،‬وتحتاج فً نظري إلى علوم مساندة إلثبات نتابجها؛ كالبحث‬
‫ّ‬
‫ولعل الحابل األهم فً عدم وصول نتابجها إلى الٌقٌن المطلوب ما تمر به المنطقة العربٌة من اضطرابات وما‬
‫‪32‬‬

‫تشهده الٌمن – التً تمثل المسرح األهم – من عدم استقرار وضعؾ الوعً بدورها التارٌخً والحضاري‪.‬‬
‫فالٌمن القدٌم وما جاوره شهد حركة حضارٌة كبٌرة‪ ،‬وتر ّكزت فً هذه الدابرة حركة لعدد من النبوات‪ ،‬وجاءت‬
‫جؽرافٌا التوراة متطابقة مع المنطقة الممتدة من جبال عسٌر نزوالً إلى الٌمن وامتداداً إلى ُعمان‪ ،‬وهو ما أ ّكد‬
‫علٌه باحثوا جؽرافٌا األنبٌاء أمثال كمال الصلٌبً وأحمد داوود وجمعٌة التجدٌد البحرٌنٌة وفرج هللا صالح دٌب‬
‫وؼٌرهم‪ ،‬ووافقهم فً ذلك بعض المستشرقٌن‪.‬‬

‫الكتاب الذي بٌن أٌدٌنا "القدس لٌست أورشلٌم‪ :‬مساهمة فً تصحٌح تارٌخ فلسطٌن" للدكتور فاضل الربٌعً‪،‬‬
‫وهو أحد المشتؽلٌن بكشؾ الزٌؾ التارٌخً وله عمل آخر مع ّمق فً أربعة مجلدات بعنوان "فلسطٌن المتخ ٌّلة‪:‬‬
‫أرض التوراة فً الٌمن القدٌم" نشرته دار الفكر فً ‪2009‬م‪ ،‬وكتاب القدس لٌست أورشلٌم إنما ٌمثل امتداداً لهذه‬
‫‪ 167‬صفحة من نشر رٌاض الرٌس فً ‪2010‬م‪.‬‬
‫الدراسة الموسعة التً ٌقوم بها الربٌعً‪ ،‬والذي جاء فً‬
‫ٌخلص الربٌعً فً كتابه هذا إلى نتٌجة مفادها أن القدس الواردة فً التوراة موضع ٌقع إلى الجنوب من مدٌنة‬
‫تعز بالٌمن‪ ،‬وأن كل ما ٌقال عن أن المكان الوارد ذكره فً التوراة باسم "قدش – قدس" قصد به المدٌنة العربٌة‪،‬‬
‫أمر ٌتنافى مع الحقٌقة التارٌخٌة والتوصٌؾ الجؽرافً وال صلة له بالعلم ال من قرٌب وال من بعٌد‪ ،‬وأن القدس‬
‫لٌست هً أورشلٌم كما تزعم الكتابات المعاصرة للكتاب المقدس‪ ،‬أما القدس العربٌة فقد كان اسمها التارٌخً الذي‬
‫عرفه العرب فً الجاهلٌة ثم مع اإلسالمً ٌتداخل مع اسم "بٌت المقدس"‪ ،‬باعتبار أن تسمٌة "القدس" العربٌة‬
‫بهذا االسم حدٌث نسبٌا ً والحقٌ على التوراة‪.‬‬

‫وٌرى الربٌعً أن هذا الكشؾ قد ال ٌكون صادما ً لوجدان الٌهود المتعصبٌن والتوراتٌٌن االستشراقٌٌن وحسب‪ ،‬بل‬
‫ربما ٌكون صادما ً أٌضا ً للوجدان الفلسطٌنً والعربً واإلسالمً‪ ،‬باعتبار أن الفكرة الرابجة بورود اسم القدس فً‬
‫التوراة هً فكرة جذابة ومؽرٌة فً الثقافة الروحٌة ٌصعب المساس بها الرتباطها بالجانب العاطفً من قدسٌة‬
‫المدٌنة وقِدَ مها‪.‬‬

‫سجلوا فٌه تجربتهم التارٌخٌة والدٌنٌة فمن المنطقً أن ال‬
‫وباعتبار أن التوراة كتاب دٌنً من كتب ٌهود الٌمن‪ّ ،‬‬
‫تكون لفلسطٌن أدنى صلة بهذه التجربة‪ ،‬وذلك هو السر فً فشل الٌهود المعاصرٌن فً العثور على أي مكان أو‬
‫موضع أو اسم قبٌلة مما ورد فً األسفار الدٌنٌة المعتمدة‪.‬‬

‫وٌنطلق الربٌعً فً بحثه من فض االشتباك بٌن مسمى القدس – أو " َق َدش – َق َدس" بحسب‬
‫التعبٌر التوراتً – وبٌن "أورشلٌم" التً ٌُجمع بٌنهما زٌفا ً لٌكونا اسمٌن مترادفٌن للمدٌنة‬
‫العربٌة الفلسطٌنٌة‪ ،‬فً محاولة الٌهود التأكٌد على أحقٌتهم فً "أورشلٌم‪/‬القدس" ووجودهم‬
‫القدٌم بها‪ ،‬وادعابهم المعاصر بفلسطٌن واالمتداد الزابؾ الذي ٌطالبون به لما بٌن النهرٌن‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫وٌستند الربٌعً فً تقرٌره لهذه النتٌجة إلى البحث التارٌخً‪/‬الجؽرافً لهذه األماكن ومحاولة مطابقتها جؽرافٌا ً –‬
‫بحسب الوصؾ التوراتً – مع األماكن الموجودة بفلسطٌن وتلك الموجودة بالٌمن؛ فالرواٌة التوراتٌة تتحدث عن‬
‫"قدس" على جبل‪ ،‬بٌنما القدس العربٌة فً فلسطٌن لٌست جبالً وال تقع فً جبل‪ ،‬ولٌس فً جوارها القرٌب أو‬
‫البعٌد لجبل بهذا االسم ٌمكن أن ٌنسب إلٌها وتعرؾ به‪ ،‬وٌؤ ّكد أن أسماء األماكن والقبابل الواردة فً التوراة‬
‫بشأن القدس ال تنطبق إال على سراة الٌمن‪ ،‬وال تنطبق مع فلسطٌن الحالٌة‪.‬‬

‫وبحسب الربٌعً فإنه سعى فً كتابه إلى تقدٌم البرهان على األمور المترابطة التالٌة‪:‬‬
‫أوالً‪ :‬أن قدس – قدش الوارد ذكرها فً التوراة حسب الزعم االستشراقً‪ ،‬لٌست القدس العربٌة التً نعرفها‪،‬‬
‫وهً ال تدعى أورشلٌم إطالقا ً‪.‬‬
‫ثانٌا ً‪ :‬والقدس المدعى أن التوراة سجلت اسمها‪ ،‬لم تذكر قط إال فً صورة "جبل َقدَ ش" وقصد به ثالثة مواضع‬
‫(أماكن – جبال) ولٌس جبالً أو مكانا ً واحداً‪ .‬وهً بحسب المطابقة الجؽرافٌة التارٌخٌة تقع إلى الجنوب من مدٌنة‬
‫تعز بالٌمن كما تقدَّ م‪.‬‬
‫ثالثا ً‪ :‬كما أن القدس العربٌة لٌست فوق جبل وال قرب جبل‪ ،‬بٌنما تصفها التوراة كجبل‪.‬‬
‫رابعا ً‪ :‬إن جبل صهٌون الذي ٌؤدي إلى أورشلٌم ال وجود له فً فلسطٌن‪ ،‬ومن ؼٌر المنطقً تخٌل اختفاء جبل من‬
‫الجؽرافٌا‪ ،‬أو زوال اسمه أو تحول طرٌقة نطقه‪ ،‬بٌنما ٌزعم التوراتٌون أن كل األسماء الواردة فً التوراة صمدت‬
‫على مر الزمن‪ ،‬وأنها ال تزال موجودة فً فلسطٌن منذ ألفً عام‪ ،‬برؼم أن الكثٌر منها مجرد آبار قدٌمة أو ٌنابٌع‬
‫وعٌون ماء أو قرى ٌسهل زوالها ونسٌان أسمابها‪.‬‬
‫خامسا ً‪ :‬إن التوراة لم تذكر اسم فلسطٌن قط‪ ،‬كما لم تشر أو تل ّمح مجرد تلمٌح إلى اسم الفلسطٌنٌٌن‪ ،‬وكل ما ٌزعم‬
‫وٌقال عن وجود أي ذكر لهما فً كتاب الٌهودٌة المقدس‪ ،‬إنما ٌدخل فً باب الخٌال االستشراقً االستعماري الذي‬
‫تم توظٌفه بدهاء من أجل تبرٌر عملٌة "تهوٌد القدس"‪.‬‬

‫وقد اعتمد الربٌعً فً عملٌة المطابقة الجؽرافٌة التارٌخٌة على كتاب الهمدانً "صفة جزٌرة العرب" وباعتماد‬
‫النص العِبري للتوراة بعٌداً عن التحرٌفات التً طالتها والدراسات االستشراقٌة التً حاولت تشوٌه جؽرافٌتها‬
‫ونقلها من الجنوب الجزٌرة إلى شمالها‪.‬‬

‫الكتاب مشحون بأسماء األماكن والقرى والقبابل ومكتنز بالتحلٌل اللؽوي الجؽرافً التارٌخً فً ربط جمٌل ٌكشؾ‬
‫لك بطرٌقة علمٌة منهجٌة تحلٌلٌة حقٌقة القدس جؽرافٌا ً وما ارتبط بها من أحداث تارٌخٌة دارت فً الٌمن القدٌم‬
‫‪34‬‬

‫وما جاوره‪ ،‬ولذلك فالقارئ الٌمنً ربما ٌجد متعة أكبر فً قراءة هذا العمل باعتباره ابن المكان والشاهد على ما‬
‫تبقى من آثار‪.‬‬

‫ختاما ً فإن هذه الدراسات فً جؽرافٌا النصوص الدٌنٌة وما ٌساندها من حفرٌات وبحوث فً اآلثار من شأنها أن‬
‫تقوض أبنٌة كثٌرة من الوهم والزٌؾ التارٌخً بل وتصحح الكثٌر من األفكار والمسلّمات لدى المسلمٌن أنفسهم‪،‬‬
‫ّ‬
‫ً‬
‫ٌروج لها الٌهود وٌجعلون منها‬
‫مثلما رأٌنا كٌؾ أن البحث فً حقٌقة القدس ٌنسؾ تماما فكرة أرض المٌعاد التً ّ‬
‫مبرراً لوجودهم فً فلسطٌن‪ ،‬وٌنسؾ معها أدبٌات مترسخة فً تفكٌر كثٌر من المسلمٌن كأحداث آخر الزمان‬
‫صورته الرواٌات اإلسرابٌلٌة المبثوثة فً المدونات الحدٌثٌة والتارٌخٌة‪.‬‬
‫بحسب ما ّ‬

‫أحمد العبري‬
‫‪http://morethan1life.blogspot.com/2013/01/blog-post_6.html‬‬

‫‪35‬‬

‫السبً البابلً وال عالقة لفلسطٌن‬
‫د‪.‬فاضل الربٌعً‬

‫فلسطٌن‪-‬القدس‪-‬نقطة‪ :‬كتب د ‪.‬ابراهٌم العربً ربٌس تحرٌر(نقطة وأول السطر) من أبوظبً‪ٌ-‬كتب فاضل‬
‫الربٌعً المفكر وعالم االنثروبٌولوجٌا ضمن مخطط وضمن رسالة كبرى حٌث ٌرى أنه ٌصحح التارٌخ‬
‫المكذوب توراتٌا وؼربٌا ‪ ،‬ثم ما لحقهم فٌه العرب والمسلم ون لٌفسروا قصص القرآن بالتوراة تارٌخٌا ‪،‬‬
‫فوقعوا فً نفس الخطٌبة المقصودة من التارٌخٌٌن الؽربٌٌن‪.‬‬
‫وربما المقصودة او ؼٌر المقصودة ممن كتبوا التوراة لكن هذه الخطٌبة أصبحت هً التارٌخ الذي إن‬
‫صحت حوادثه فً كثٌر منها فً التوراة ‪ ،‬فهً ال تصح على الجؽرافٌا المشار لها الٌوم ‪ ،‬وفً ذلك آالؾ‬
‫األدلة التً ٌتلقفها الربٌعً من بطون كتب ثمٌنة ومن الشعر العربً ومن فتوح اآلثار الحدٌثة ثم مإخرا من‬
‫زٌاراته المٌدانٌة على مسرح أحداث التوراة الحقٌقً كلها فً الٌمن القدٌم‪.‬‬
‫نضعكم فً ‪ 3‬حلقات كتبها الربٌعً فً تصحٌح التارٌخ الذي نحن فٌه جزء كبٌر بل قد نكاد االوحدٌن لما‬
‫جر علٌنا من وٌبلت ؼمست بالدم واألساطٌر‬
‫‪36‬‬

‫السبً البابلً فً المصادر اإلخبارٌة العربٌة القدٌمة‬
‫الحلقة األولى‬
‫إن اهتمام الرواٌات الكبلسٌكٌة بؤنباء هذه الحملة‪ٌ ،‬تبلزم فً الكثٌر من المإلفات‪ ،‬مع اهتمام خاص برواٌة‬
‫أسباب هجرات القبابل وانتقالها من وطن إلى آخر‪ .‬ونظرا ً لوجود طرابق سردٌة تقلٌدٌة تدمج بٌن ما هو‬
‫أسطوري وما هو تارٌخً‪ ،‬فقد بدت رواٌات هإالء‪ ،‬قلٌلة األهمٌة بالنسبة لكثٌر من علماء اآلثار والتارٌخ‪.‬‬
‫بٌد أن م ّدوناتهم‪ ،‬قامت مع ذلك وعلى أكمل وجه بتفسٌر بعض الظاهرات االجتماعٌة والثقافٌة التً تخصّ‬
‫تارٌخ العرب القدٌم‪ ،‬بؤكثر مما قامت بتقدٌم رواٌات تارٌخٌة صافٌة ومتكاملة أو متناسقة عن األحداث‪.‬‬
‫إن هذا االهتمام الذي نجد تعبٌره الدقٌق فً بعض األخبار التً دوّ نها هإالء عن خط مسار الحملة‪ٌ ،‬مكن له‬
‫أن ٌنسؾ من األساس كل الفكرة االستشراقٌة الرابجة عن وقوع السبً البابلً فً فلسطٌن ‪.‬‬
‫وقد ورد فً كتاب المنمق فً أخبار قرٌش‪ ،‬لمحمد بن حبٌب البؽدادي ( ورقة األصل الخطٌة‬
‫مصدر مذكور ) الذي ٌعتمد الطبري كلٌا ً على رواٌته‪ ،‬ما ٌلً‪:‬‬

‫‪ / 4‬ب‪-‬‬

‫ُأمر بؽزو أهل حضور وأهل باعرباٌا الذٌن ال أؼبلق ألبوابهم ‪ ،‬فسار نحوهم واستعرض‬
‫إن بخت نصر َ‬
‫العرب بالسٌؾ حتى انتهى إلى حضور‪ .‬وكان الذي أمر بخت نصر بؽزوهم وقتلهم‪ ،‬فٌما ذكر وهللا اعلم‪ ،‬أن‬
‫هللا تبارك وتعالى أوحى إلى ابراخٌا بن احنٌا بن زرباٌل بن شاثٌل‪ ،‬وهو من ولد ٌهوذا بن ٌعقوب بؤمره‪ ،‬أن‬
‫ٌؤمر بخت نصر بؽزو الذٌن ذكرنا‪ .‬فسار حتى انتهى إلى أرض الٌمن إلى موضع منها ٌقال له حضور ‪.‬‬
‫وكان ٌسكنها بنو إسمعٌل بن إبراهٌم‪ ،‬وهم قدمان‪ ،‬ورعوٌل‪ ،‬وٌامن ‪ ،‬وهم أصحاب الرس الذٌن قتلوا نبٌهم‬
‫حنظلة بن صفوان‪ ،‬فبٌتهّم بخت نصر وهم ال ٌعلمون‪ ،‬فجعل ٌقتلهم‪ .‬فخرجوا هاربٌن‪ .‬ففٌهم نزل‪ ،‬وهللا اعلم‪:‬‬
‫" فلما أحسوا بؤسنا إذا هم منها ٌركضون " إلى قوله عز وجل‪ " :‬فما زالت تلك دعواهمحتى جعلناهم‬
‫حصٌداً خامدٌن "‪ .‬فحصدتهم سٌوؾ بخت نصر‪.‬‬
‫وقد كان هللا عز وجل وهو أعلم‪ ،‬أمر ارمٌا بن حلقٌا‪ ،‬وكان نبً بنً إسرابٌل أن ٌؤتً مكة فٌخرج منها معد‬
‫بن عدنان‪ ،‬فؤخرجه وهو شاب فؤتى به الشام‪ .‬حتى إذا اقلع بخت نصر عن العرب رده إلى مكة‪ ،‬وأرض‬

‫‪37‬‬

‫العرب خاوٌة‪ .‬فولد لمعد بها أوالد‪ .‬فلما كثروا اقتسموا تهامة أسباعا ً لكل قوم سبع‪ .‬فلما كثروا تضاٌقوا‬
‫وتنافسوا ووقعت بٌنهم الحروب وانتشروا ٌطلبون المراعى واالتساع‪ .‬فظهروا عن تهامة إلى النجود‪.‬‬

‫من الواضح أن هذا النصّ الذي كتب فً حدود ‪ 850‬مٌبلدٌة‪ٌ ،‬شٌر دون أدنى لبس إلى وجود قناعة‬
‫تارٌخٌة كانت سابدة عند العرب والمسلمٌن القدماء‪ ،‬مفادها أن حادث السبً البابلً وقع فً الٌمن واستهدؾ‬
‫مخبلؾ حضور‪ -‬حصور فً التوراة‪-‬ولٌس فً فلسطٌن‪ ،‬وأن شمال الجزٌرة‪ ،‬أي الحجاز شهد جزء من‬
‫الصراع الذي دار هناك بٌن القبابل العربٌة الوثنٌة‪ ،‬واآلشورٌٌن الوثنٌٌن على خلفٌة الطاعة لئلمبراطورٌة‬
‫واإللتزام بالمعاهدات المبرمة‪.‬‬
‫وألن كاتب هذا النص مإرخ عبلمة وفقٌه ولؽوي شهٌر‪ ،‬اعتمد الطبري كلٌا ً على مدوناته؛ فإن توظٌفه فً‬
‫سٌاق محاوالتنا لفهم طبٌعة السبً البابلً تصبح مبررة‪ .‬بٌد أن هذا النص لوحده‪ ،‬وبالطرٌقة التقلٌدٌة التً‬
‫ٌعرض فٌها للواقعة‪ ،‬لٌس‬
‫دلٌبل ً كافٌا ً أو قاطعا ً بحد‬
‫ذاته‪ ،‬للبرهنة على ان‬
‫حادث السبً لم ٌقع فً‬
‫فلسطٌن‪.‬‬
‫إن العودة إلى السجبلت‬
‫اآلشورٌة والبابلٌة‬
‫والمصرٌة‪ ،‬ومقاربتها مع‬
‫هذا النص وسواه من‬
‫النصوص المماثلة‪ ،‬هو‬
‫الذي ٌمكن له وحده أن‬
‫ٌإسس لمنظور جدٌد‬
‫للتارٌخ فً المنطقة‪.‬‬
‫ولنبلحظ أن كبل ً من ابن حبٌب والطبري ٌسجبلن األخبار النتعلقة بالحدث‪ ،‬دون حرج‪ ،‬بوصفه حدثا ً وقع‬
‫فً الٌمن؟ ولذلك‪ ،‬فكل ما ٌرد فً هذا الكتاب من إشارة إلى بٌت المقدس ارتباطا ً بحادث السبً البابلً عند‬
‫اإلخبارٌٌن‪ ،‬إنما هو تعبٌر دٌنً قدٌم استخدمه العرب للداللة على اسم أورشلٌم القدٌمة ‪( .‬الصورة ٌافا‬
‫وتصدٌر البرتقال عام ‪1900‬م)‬

‫‪38‬‬

‫تصحٌح تارٌخ فلسطٌن القدٌم (‪)2‬‬
‫د ‪ .‬فاضل الربٌعً‬

‫السبً البابلً فً المصادر اإلخبارٌة العربٌة القدٌمة‬
‫الحلقة الثانٌة‬
‫ورد فً كتاب ( التٌجان ) لوهب بن منبه ما ٌلً‪:‬‬

‫فولً الٌمن رحبعم بن سلٌمان سنة ً‪ ،‬فؤتاه رسول من بنً إسرابٌل من بٌت المقدس‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إن أهل الشام‬
‫ارتدوا بعد سلٌمان عن دٌن هللا فاجتمعت إلٌه حمٌر ‪.‬‬
‫ٌفهم من نص ابن منبه‪ ،‬أن سلٌمان وابنه من بعده رحبعم‪ -‬رحب عم‪ ،‬كانا ٌحكمان الٌمن ولٌس فلسطٌن‪ ،‬وأن‬
‫بعض القبابل العربٌة الٌهودٌة المهاجرة إلى ببلد الشام‪،‬ارت ّدّّ ت عن الدٌن بعد وفاة النبً‪ -‬الملك سلٌمان‪.‬‬
‫وهذا حقٌقً‪ ،‬ألن االنقسام السٌاسً الذي شهدته مملكة بنً إسرابٌل‪ ،‬أدى إلى شقاق دٌنً تبلور فً ما بعد‬
‫فً صورة مملكتٌن متنافستٌن فً شمال الٌمن وجنوبه‪ ،‬وكان من الطبٌعً فً ظل هذا االنقسام‪ ،‬أن تتؤثر‬
‫القبابل العربٌة الٌهودٌة المهاجرة إلى ببلد الشام‪ ،‬بالتداعٌات والنتابج الناجمة عنه‪ ،‬وخصوصا ً فً عصر‬
‫حبعم‪ -‬رحب‪ -‬عم‪.‬‬
‫ولكن القراءة االستشراقٌة التعسفٌة للتارٌخ‪ ،‬قامت دون أي دلٌل بوضع مملكة ٌهوذا فً شمال فلسطٌن‪،‬‬
‫ومملكة إسرابٌل فً جنوبها‪ ،‬لٌتطابق هذا المسرح االفتراضً لؤلحداث مع جؽرافٌة فلسطٌن‪ ،‬وتصبح الضفة‬
‫الؽربٌة المحتلة هً مملكة ٌهوذا‪ ،‬بٌنما تصبح مناطق ‪ (1948‬أي عكا وحٌفا وٌافا والجلٌل وسواها) مملكة‬
‫بنً إسرابٌل؟‬
‫بٌد اننا‪ ،‬إذا ما وضعنا هاتٌن المملكتٌن فً الٌمن‪ ،‬بحسب رواٌات الطبري وابن حبٌب وابن منبه‪ ،‬فإن‬
‫تصورات هإالء تصبح فً هذه الحالة‪ ،‬نوعا ً من تبلعب مكشوؾ بالجؽرافٌا‪ .‬ولذلك ٌجب أن تكون ٌهوذا‬
‫(قوم هود فً القرآن الكرٌم) فً الشمال ولٌس فً الجنوب‪ .‬أي إن علٌنا أن نقلب تصورات علماء التٌار‬
‫التوراتً رأسا ً على عقب‬

‫‪39‬‬

‫لقد تمت رواٌة تارٌخنا‪ -‬وتارٌخ فلسطٌن ٌشكل خاص‪ -‬بصوت اآلخر( المستشرق) ولٌس بصوتنا نحن‪ .‬وقد‬
‫آن األوان ألن نروي التارٌخ نفسه‪ ،‬ولكن بصوتنا‪ .‬ومن الهام للؽاٌة‪ ،‬مبلحظة أن هذا النص وسواه من‬
‫النصوص اإلخبارٌة التً دأبت على وضع الحملة داخل المسرح الجؽرافً الٌمنً‪ ،‬كان ولوقت ٍ طوٌل‬
‫مقبوال ً ومعتمدا ً فً عصر ما قبل اإلسبلم‪ ،‬كؤساس تارٌخً صحٌح لرواٌة حادث السبً البابلً‪ ،‬ولم ٌكن‬
‫لٌثٌر أدنى تحفظ أو اعتراض عند عرب الجاهلٌة ومطلع اإلسبلم‪ .‬لقد كانوا ٌستذكرون الحادث‪ ،‬وٌتداولون‬
‫أخبار الحمبلت اآلشورٌة األخرى فً سٌاق رواٌتهم لتارٌخهم القدٌم‪ ،‬وفقط بوصفه جزء حقٌقٌا ً من التارٌخ‬
‫الشفهً الذي روته القبابل‪.‬‬
‫ولنبلحظ‪ ،‬أن نصًّ ابن حبٌب والطبري ٌتحدثان عن إرمٌا فً مكة ولٌس فً فلسطٌن ( أمر إرمٌا بن حلقٌا‬
‫وكان نبً بنً إسرابٌل أن ٌؤتً مكة وأرض العرب خاوٌة فٌخرج منها معد)؟‬
‫والحقٌقة‪ ،‬أن المعارك بٌن بنً إسرابٌل وقبابل الحجاز‪ ،‬لٌست من نسج خٌال هإالء الرواة‪ ،‬ألنهم ٌتحدثون‬
‫عن بنً إسرابٌل بوصفهم قبٌلة عربٌة بابدة كانت تقٌم فً الٌمن‪ ،‬وأن الصراع معها كان جزء من صراع‬
‫دٌنً ضد الوثنٌة‪ ،‬وأن بعض القبابل نتٌجة تكاثرها‪ ،‬انزاحت صوب تهامة ‪ .‬كما أن بعض قبابل معد‬
‫العدنانٌة انزاحت صوب ببلد الشام نتٌجة التنافس على المراعً الخصبة‪ ،‬لكن بعضها سرعان ما عاد إلى‬
‫موطنه القدٌم فً مكة إثر انتهاء الحملة العسكرٌة‪.‬‬
‫ٌروي الطبري( تارٌخ ‪ )1‬الرواٌة التالٌة التً ٌإكد فٌها أن إرمٌا النبً كان فً نجران وأنه عاش هناك‬
‫كنبً ّ عربً ال صلة له بفلسطٌن مثله مثل برخٌا حفٌد زربابل ‪:‬‬

‫حدثت عن هشام بن محمد قال‪ ،‬كان بدء نزول العرب ارض العراق وثبوتهم فٌها‪ ،‬واتخاذهم الحٌرة واألنبار‬
‫منزال فٌما ذكر لنا وهللا أعلم‪ ،‬أن هللا عز و جل أوحى إلى برخٌا بن أحنٌا بن زربابل بن شلتٌل من ولد‬
‫ٌهوذا‪ ،‬أن ابت ِ بختنصر وأمره أن ٌؽزو العرب الذٌن ال أؼبلق لبٌوتهم وال أبواب‪ ،‬وأن ٌطؤ ببلدهم بالجنود‬
‫فٌقتل مقاتلتهم وٌستبٌح أموالهم‪ .‬وأعلِمْ ه ُ كفرهم بًّ واتخاذهم اآللهة دونً وتكذٌبهم أنبٌابً ورسلً‪ .‬قال‪،‬‬
‫فؤقبل برخٌا من نجران حتى قدم على بختنصر ببابل وهو نبوخذ نصر فعربته العرب‪ .‬وأخبره بما أوحى هللا‬
‫إلٌه وقص علٌه ما أمره به‪ ،‬وذلك فً زمان معد بن عدنان‪ .‬قال‪ ،‬فوثب بختنصر على من كان فً ببلده من‬
‫تجار العرب‪ ،‬وكانوا ٌُقدمون علٌهم بالتجارات والبٌاعات وٌمتارون من عندهم الحب والتمر والثٌاب‬
‫وؼٌرها‪ ،‬فجمع من ظفر به منهم فبنى لهم حٌرا ً على النجؾ وحصنه‪ ،‬ثم ضمهم فٌه ووكل بهم حرسا‬
‫وّ ح ْفظة ثم نادى فً الناس بالؽزو‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫استنادا ً إلى هذه الرواٌة؛ فإن حملة نبوخذ نصر اتجهت إلى الجزٌرة العربٌة‪ ،‬مستعٌنا ً بكتابب من الفرسان‬
‫والمقاتلٌن العرب‪ ،‬شكلها من جماعات قبلٌة كانت تقٌم فً ؼرب ووسط العراق القدٌم‪ ،‬ومن التجار الذٌن‬
‫كانوا ٌتاجرون مع بابل‪.‬لقد أرؼم العاهل اآلشوري ضٌوفه من التجار والزابرٌن على المشاركة فً الؽزو‪،‬‬
‫لحاجته إلٌهم كؤدالء ومساعدٌن‪ .‬والمثٌر لبلهتمام فً رواٌات سابر اإلخبارٌٌن‪ ،‬إلحاحهم على فكرة أن برخٌا‬
‫بن أحنٌا بن زربابل‪ ،‬وهو من أنبٌاء الٌهودٌة‪ ،‬تلقى الوحً من السماء بتحرٌض نبوخذ نصر على الؽزو؟‬
‫وهذا ما ال دلٌل علٌه فً التارٌخ‪ ،‬ألن حفٌد زربابل هذا لم ٌكن له وجود فً هذا العصر‪ .‬ونحن نعلم من‬
‫التارٌخ أن زربابل الجد‪ ،‬فاوض قورش الفارسً بعد سقوط بابل فً ٌده عام ‪ 539‬ق‪.‬م على العودة من‬
‫األسر‪ ،‬أي بعد موت نبوخذ نصر بما ٌقرب من مابة عام؟‬
‫بٌد أن هذه الرواٌات مع ذلك‪ ،‬تشٌر إلى أن أسباب التحرٌض فالؽزو‪ ،‬تتصل بحدوث أعمال قتل طالت‬
‫األنبٌاء‪ .‬واألهم من هذا‪ ،‬أنها تإكد وقوع معارك ضارٌة بٌن قبابل العرب‪ ،‬ومن بٌنها قبٌلة عك بقٌادة‬
‫الشخصٌة األسطورٌة معد بن عدنان‪ -‬أي المُضرٌٌن‪ -‬وبٌن اآلشورٌٌن‪ ،‬وأن الطرفٌن عقدا ً فً النهاٌة‬
‫صلحا ً‪ .‬وهذه برأٌنا أهم إشارة تارٌخٌة إلى الطابع الشامل للؽزو‪ .‬كما أن أهمٌة هذه الرواٌة‪ ،‬تتؤتى من‬
‫كونها أول تؤكٌد صرٌح بوقوع معارك بٌن اآلشورٌٌن والعدنانٌٌن( المُضرٌٌن)‪.‬‬
‫وهو ما ٌدعم حقٌقة أن كلمة مصرٌم الواردة فً التوراة‪ ،‬تنصرؾ إلى المُضرٌٌن‪ -‬العدنانٌٌن‪ -‬ال المصرٌٌن‪.‬‬
‫وهذا ما سنراه بدقة حٌن نقوم بتحلٌل الكلمة فً ضوء النقوش (حٌث ٌراجع فً ذلك‪ :‬كتاب أسطورة عبور‬
‫األردن وكتاب فلسطٌن المتخٌلة للربٌعً)‪.‬‬

‫الصورة‪ :‬مدرجات جبل مطران قدس ‪ -‬تعز‬
‫‪41‬‬

‫تصحٌح تارٌخ فلسطٌن القدٌم (‪)3‬‬
‫د ‪ .‬فاضل الربٌعً‬

‫السبً البابلً لم ٌقع فً فلسطٌن‬
‫لماذا جرى تزٌٌؾ تارٌخ فلسطٌن القدٌم‬
‫الحمبلت المصرٌة على الٌمن فً القوابم الفرعونٌة‬
‫الحلقة الثالثة‬

‫ٌعطً هذا اإلٌجاز التارٌخً فكرة شدٌدة العمومٌة‪ ،‬ولكنها ضرورٌة للؽاٌة لفهم واستٌعاب طبٌعة الحمبلت‬
‫العسكرٌة المصرٌة على الساحل الٌمنً والنجد‪ ،‬إلخضاع القبابل المتمردة‪.‬وهً الحمبلت التً سجلتها قوابم‬
‫معبد الكرنك‪.‬‬
‫لقد تم وضع هذه األحداث بصورة اعتباطٌة‪ ،‬ومن دون دلٌل واحد ضمن التارٌخ الفلسطٌنً على الرؼم من‬
‫انعدام أي برهان أثري أو لؽوي أو جؽرافً‪ .‬وكنا رأٌنا من تحلٌل قوابم ٌشوع وصموبٌل‪ ،‬أن األسماء‬
‫الواردة فً هذا النص( انظر أسماء المواضع التً أقام فٌها رحب‪-‬عم ) هً مواضع ٌمنٌة الٌزال بعضها‬
‫موجودا ً بالصٌػ ذاتها؛ بٌنما على الضد من ذلك‪ ،‬ال ٌوجد اسم واحد منها فً جؽرافٌة فلسطٌن‪ .‬إن تتبع خط‬
‫سٌر هذه الحمبلت سٌكون ُممكنا ً من خبلل تتبع المواضع الواردة فً قوابم الكرنك‪ .‬ولنبدأ من وادي عمق‪-‬‬
‫عمق ‪ٌ ،‬قول الهمدانً فً وصؾ وادي عمق الذي سقط فً ٌد القوات المصرٌة (عصر تحوتمس الثالث‬
‫وشٌشانق األول) ما ٌلً ( صفة جزٌرة العرب للحسن الهمدانً‪:)173 :‬‬
‫‪ //‬فً وصؾ سرو حِمْ ٌَر‪ :‬من هذه المواضع قُرى ومساكن كثٌرة أرض حبللهم وأحبلفهم‪ :‬من األودٌة‬
‫الضباب ووادي حضر الذي فٌه محجة عدن الى صنعاء‪،‬ووادي شكع‪ ،‬ووادي عمق تصب هذه األودٌة الى‬
‫أ ْب ٌَن‪//.‬‬
‫وبكل تؤكٌد ال وجود فً فلسطٌن لواد ٌدعى عمق‪ٌ ،‬قود السابر فٌه إلى وادي حضر(عمق وحضر فً‬
‫القابمة أعبله )‪ .‬فهل سار شٌشانق األول فً مكان مجهول ؟ ها هنا وادي عمق فً سرو حِمْ ٌَر على الطرٌق‬
‫‪42‬‬

‫بٌن صنعاء وعدن‪ٌ .‬عنً هذا أن الحملة المصرٌة تواصلت فً المكان نفسه الذي أصبح مسرحا ً للصدام مع‬
‫اآلشورٌٌن‪.‬‬
‫إن السجبلت اآلشورٌة تروي جوانب هامة من صدامات اآلشورٌٌن والمصرٌٌن‪ ،‬كما تروي أخبارا ً عن‬
‫ُضر‪ .‬بٌد أن القراءة الؽربٌة قرأت االسم فً الحالتٌن فً صورة مصر‪،‬‬
‫حمبلت اآلشورٌٌن على قبابل م َ‬
‫بحٌث وقع خلط مؤسوي بٌن الصدامات اآلشورٌة مع فراعنة مصر على الساحل‪ ،‬وبٌن حمبلت اآلشورٌٌن‬
‫ُضر‪ ،‬وذلك ما أشرنا إلٌه مرارا ً‪.‬‬
‫على قبابل م َ‬
‫فعلٌا" تم رسم جؽرافٌا خٌالٌة إضافٌة‪ ،‬وذلك حٌن جرى وضع األحداث برمتها فً فلسطٌن‪ .‬ولم ٌسلم من‬
‫هذا التخًٌٌل حتى أفضل العلماء ‪.‬إن عالما ً مرموقا" مثل ساكز ال ٌتوانى عن استخدام نصوص سفر الملوك‬
‫الثانً مثبل" ‪ ،‬كمادة تارٌخٌة فً المُطابقة مع التارٌخ المُدون‪ ،‬ولذا نراه ٌتحدث من دون احتراس أو تدقٌق‬
‫عن معارك رفح التً سجلتها الوثابق اآلشورٌة‪ ،‬باعتبارها رفح فلسطٌن على الحدود الصحراوٌة مع مصر؟‬
‫بل ٌتحدث عنها باعتبارها معارك ضد المصرٌٌن‪.‬‬
‫ومع أن النص اآلشوري ٌتحدث بوضوح عن معارك فً موضعً( قو) و(حمة) وهما موضعان ال وجود‬
‫لهما شمال فلسطٌن‪ ،‬ولم تقع فٌهما معارك بٌن الدولتٌن العظمٌٌن فً العالم القدٌم؛ فإن التلفٌق سوؾ ٌستمر‬
‫لٌبلػ ذروته مع ساكز‪ ،‬حٌن ٌقول ما ٌلً ‪ :‬إن الجنرال المصري سو ‪ ،‬هُزم أمام سرجون الثانً ‪ ،‬وذلك‬
‫استنادا" الى رواٌة إشعٌا الشعرٌة والى سفر الملوك الثانً؟ وهذا ؼٌر مقبول من عالم فً التارٌخ‪ ،‬لم ٌجرب‬
‫إمكانٌة العودة إلى السجبلت اآلشورٌة أو النقوش التً تنكر أي معرفة لها بهذا الحادث وتصمت عنه‪ .‬وهذا‬
‫أمر مثٌر بالفعل؛ إذ من ؼٌر المنطقً أن تتجاهل السجبلت اآلشورٌة حدثا ً ضخما ً من هذا النوع لو أنه‬
‫وقع حقٌقة؟ بٌنما برهنا على أن الجنرال المصري المزعوم (سو) لم ٌكن ملكا ً مصرٌا ً وال جنراال؛ بل ملك‬
‫ُضر) كما‬
‫ُضر التً ُهزمت فً الحملة اآلشورٌة التؤدٌبٌة ( انظر ما كتبناه عن سوء ملك قبٌلة م َ‬
‫قبٌلة م َ‬
‫هزمت على أٌدي المصرٌٌن فً هذه الحملة‪ .‬هاكم ما ٌقوله ساكز ‪ ،‬كنموذج عن القراءة التلفٌقٌة ( ساكز ‪:‬‬
‫مصدر مذكور‪:)144:‬‬
‫وتورطت ؼزة بإسناد جبان من الجنرال المصري الذي ٌُسمٌه العهد القدٌم باسم سو‪ .‬ولكن عند االشتباك‬
‫ُخز تاركا ً ملك ؼزة لمصٌر‬
‫فً رفح‪،‬هرب الجنرال المصري ( استنادا ً الى األخبار اآلشورٌة‬
‫ٍ‬
‫بشكل م ٍ‬
‫محتوم)‬

‫فً الواقع‪ ،‬لم ٌكن هناك أبدا ًجنرال أو ملك مصري ُهزم فً معركة رفح التً سجلتها الوثابق اآلشورٌة‪.‬‬
‫والواقعة تروى فً السجبلت العراقٌة القدٌمة على أساس وجود حلؾ من القبابل العربٌة‪ -‬البدوٌة والمتمردة‬
‫ضد اإلمبراطورٌة اآلشورٌة‪ ،‬وقد ت ًم تحطٌمه فً رفح الٌمن‪..‬وبالطبع لم تكن هناك أدنى إشارة إلى فلسطٌن؟‬
‫‪43‬‬

‫ً‬
‫ُضر بقٌادة ملكها سو الذي‬
‫وبالفعل فقد كان هناك حلؾ من قبابل بدوٌة‬
‫لصد اآلشورٌٌن‪ ،‬شاركت فٌه قبابل م َ‬
‫سوؾ ٌقع هو نفسه‪ -‬تالٌا ً ‪ -‬فً أسر القوات اآلشورٌة‪ ،‬فً حٌن لم تكن هناك ؼزة متورطة فً الهجوم ‪.‬‬
‫فكٌؾ حدث هذا االلتباس والخلط؟ فً الواقع كان الصدام المصري المزعوم‪ ،‬مجرد قراءة خاطبة لؤلسماء‬
‫فً السجبلت اآلشورٌة وفً قابمتً الكرنك‪.‬‬
‫وبالنسبة للسجبلت اآلشورٌة؛ فمن المإكد أن اللوحات البطولٌة العمبلقة التً تركها اآلشورٌون‪ ،‬تدحض‬
‫فكرة وجود حدث تارٌخً من طراز أسر جنرال أو ملك مصري ٌدعى سو‪ ،‬ألنها ببساطة لوحات تصور‬
‫قبابل بدوٌة مهزومة وقع فرسانها فً األسر‪.‬‬
‫ولو كان هناك حدث بهذه الضخامة لسجلته الوثابق اآلشورٌة‪ .‬إن األزٌاء التً ٌرتدٌها األسرى‪ ،‬كافٌة بحد‬
‫ذاتها– كما تبًٌن اللوحات‪ -‬للبرهنة على حقٌقة المعركة ومسرحها‪ ،‬فهً مبلبس جماعات بدوٌة‪.‬أما بالنسبة‬
‫لقابمة الكرنك المصرٌة فهً على المنوال ذاته‪ ،‬تضم أسماء مدن وقرى وجبال وودٌان الٌمن ولٌس فلسطٌن‪.‬‬
‫وفً الحالتٌن‪ ،‬ثمة أمر مشترك فً السجبلت اآلشورٌة وقابمة ؼنابم الكرنك‪ٌ ،‬تمثل فً وجود قبابل بدوٌة‪،‬‬
‫لحقت بها الهزٌمة على أٌدي المصرٌٌن واآلشورٌٌن فً فترات وحقب مختلفة‪.‬‬
‫إن التشابه فً بعض األسماء‪ ،‬وصمت اآلشورٌٌن والمصرٌٌن عن ذكر فلسطٌن‪ ،‬واالكتفاء بذكر أسماء‬
‫المدن والجماعات‪ -‬قد ٌكونان السبب المباشر فً حدوث هذا الخلط‪.‬‬

‫مثبل ً ‪ :‬كانت هناك مدٌنة تدعى عزه‪ ،‬ولكن اآلشورٌٌن والمصرٌٌن ال ٌحددون المقصود بها‪ .‬وكانت هناك‬
‫رفح بالفعل‪ ،‬ولكنهم تجاهلوا تحدٌد المقصود منها‪.‬‬
‫واألمر ذاته ٌنطبق على اسم ملك مصرٌم‪ .‬لقد أسفرت القراءة االستشراقٌة للتوراة‪ ،‬التً تبلزمت طوال‬
‫القرن الماضً مع أعمال وجهود علماء اآلثار للمطابقة بٌنها وبٌن المكتشفات‪ ،‬عن تكرٌس قراءة مؽلوطة‬
‫جملة وتفصٌبل ً للتارٌخ القدٌم فً المنطقة‪ ،‬األمر الذي خلق فوضى ال حدود لها‪ .‬فً هذا اإلطار‪ ،‬واستنادا ً‬
‫إلى التوراة وحدها‪ ،‬فقد قرأ التٌار التوراتً فً علم اآلثار‪ ،‬وعلى منواله كتاب التارٌخ ‪ ،‬اسم عزه فً صورة‬
‫ؼزة‪ ،‬ورفح الٌمنٌة فً صورة رفح الفلسطٌنٌة‪ ،‬كما قريء اسم مصرٌم فً كل الحاالت ومن دون تمٌٌز‬
‫أوتدقٌق فً صورة مصر‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫أسطورة عبور األردن وسقوط أرٌحا‬
‫من اخترع هذا التارٌخ؟‬

‫المصري الٌوم‪ :‬أعدته للنشر الكاتبة ‪/‬جمال طنوس‬
‫ما ٌقوله هذا الكتاب‪ ،‬وبخبلؾ النظرٌات الدارجة‪ ،‬هو النالً‪:‬‬
‫‪ :1‬إن العبرانٌٌن لم ٌعبروا نهر األردن‪ -‬البلد العربً‪ -‬وهم لم ٌعرفوا هذا المكان الذي إختلقه االستشراقٌون‬
‫من التٌار التوراتً‪ ،‬وقاموا بتروٌجه وتسوٌقه كواقعة تارٌخٌة‪ .‬وفً الواقع‪ ،‬ال توجد‪ -‬بوجه اإلطبلق‪ -‬فً‬
‫التارٌخ القدٌم حادثة من هذا النوع‪ ،‬نجم عنها ظهور جماعة سوؾ ُ تعرؾ بهذا االسم‪ ،‬وكل ما قٌل وكتب‬
‫من مإلفات معروفة فً الثقافة التارٌخٌة الؽربٌة ‪ ،‬ال ٌتعدى فً هذا النطاق من الفكرة‪ ،‬حدود التلفٌق‬
‫واإلختبلق المإسس على الوهم والهوس الممزوج باإلعجاب بإسرابٌل‪ .‬وبرأٌنا‪ ،‬أن المقصود من‬
‫(العبرانٌٌن) و( بنً إسرابٌل) اإلشارة إلى جماعتٌن بشرٌتٌن منفصلتٌن ال جماعة واحدة‪ .‬وهذا التمٌٌز ها ٌم‬
‫للؽاٌة ل ّفك اإلرتباط التعسفً الذي جمعهما‪ ،‬وأوحى ألجٌال وأجٌال من البشر فً مختلؾ أرجاء العالم‪ ،‬بؤن‬

‫‪45‬‬

‫اإلسرابٌلٌٌن أحفاد العبرانٌٌن‪ ،‬وأن هإالء أخذوا من أجدادهم‪ ،‬لؽتهم العبرٌة ( لسانهم القدٌم) الذي ٌعرفون‬
‫به‪.‬‬
‫‪ :2‬وفً سٌاق هذا الزعم شاع فً مختلؾ األوساط‪ ،‬حتى األكادٌمٌة والعلمٌة منها‪ ،‬القول أن ٌهود الٌوم فً‬
‫العالم كله ٌتح ّدرون من سبللة بنً إسرابٌل‪ .‬ولذلك‪ ،‬حدث دمج جدٌد ومزٌؾ ٌماثل بٌن القبٌلة ( بنو‬
‫إسرابٌل) وبٌن معتنقً الدٌانة الٌهودٌة؟ وبحٌث صار كل منهما داالً على اآلخر‪ ،‬فعندما تقول( ٌهودي) ٌفهم‬
‫من قولك‪ ،‬أنك تعنً بنً إسرابٌل الذٌن ورد ذكرهم فً التوراة والقرآن‪ ،‬وأن قولك ( بنو إسرابٌل) ٌعنً أنك‬
‫تقصد الٌهود بعامّة‪.‬‬
‫‪ :3‬كما شاع القول– وهو خاطا جملة وتفصٌبلً وال أساس له فً السجبلت التارٌخٌة‪ -‬أن العرب والٌهود‬
‫أبناء عمومة ترتفع إلى الجد المشترك إبراهٌم‪ .‬وهذا ؼٌر منطقً‪ ،‬ألن قرابة الدم الٌمكن أن تقوم بٌن قبابل‬
‫عربٌة وجماعات من شعوب أخرى أوروبٌة مثبلً‪ ،‬اعتنق أجدادها الٌهودٌة؟ وكٌؾ ٌمكن تخٌّل أن المصري‬
‫المعاصر‪ ،‬مثبلً‪ ،‬هو ابن عم لٌهودي إٌرلندي؟ ومن المنظور األنثروبولوجً سوؾ ٌبدو أن من ؼٌر المنطقً‬
‫كذلك‪ ،‬تخٌّل وجود قرابة دم على أساس الدٌن‪ ،‬بٌن أبناء قبٌلة عربٌة ( طا أو تمٌم مثبلً) وبٌن عربً آخر‬
‫من أتباع الٌهودٌة لكنه ٌنتمً لقبٌلة حمٌر الٌمنٌة‪ ،‬ذلك أن القرابات تقوم على أساس العرق ال على المعتقد‪.‬‬
‫‪ :4‬وفً إطار هذه اإللتباسات‪ ،‬حدث تكرّ ٌس منهجً للدمج التعسفً بٌن العبرانٌٌن وبنً إسرابٌل‪ ،‬وراجت‬
‫أسطورة أن العبرانٌٌن هم أبناء عابر‪ ،‬وإلٌهم تنسب اللؽة العبرٌة‪.‬‬
‫‪ :5‬وأن هإالء أخذوا اسمهم واسم لؽتهم– العبرٌة‪ -‬من ( عبور األردن ) النهر العربً‪ .‬وهكذا‪ ،‬جرت سلسلة‬
‫ال تكاد تنقطع من التماثبلت بٌن أعراق وجماعات ولهجات ولؽات‪ ،‬عاشت فً عصور وفترات مختلفة‪ ،‬ولم‬
‫تجمعها روابط أو قرابات حقٌقة ‪.‬‬
‫‪ :6‬وفً سٌاق هذه التماثبلت الزابفة أٌضاً‪ ،‬تناسى الكثٌرون الحقٌقة البسٌطة التالٌة‪ :‬إن الٌهودٌة دٌن عربً‬
‫قدٌم من دٌانات العرب‪ ،‬بزغ فجرها فً أوساط العرب الجنوبٌٌن ( الٌمنٌٌن) ولم تكن دٌنا ً ؼرٌباً‪ ،‬أو وافداً‬
‫علٌهم من خارج الجزٌرة العربٌة‪ ،‬وهً انتشرت فً الٌمن فً فترات ومراحل ال ٌعرؾ التارٌخ‬
‫المكتوب عنها الكثٌر‪ .‬والتوراة كما عرفها العرب القدماء‪ ،‬كتاب إخباري‪ -‬دٌنً مقدس من كتبهم‪ٌ ،‬تضمن‬
‫التشرٌعات الدٌنٌة والقصص واألخبار واألشعار التً سجلها بنو إسرابٌل‪ .‬كما أن التوراة شؤنها شؤن الكتب‬
‫المقدسة األخرى‪ ،‬تتضمن قصص وأشعار وأخبار األولٌن من القبابل والجماعات التً ٌعرفها العرب‪،‬‬
‫وبعض قبابلهم تنتسب إلى هذه الجماعات مثل السلؾ ( الشلؾ) وجشم‪ ،‬وعبد وسلمه وجبر إلخ…‬
‫‪ :7‬واألمر المإكد بالنسبة لً‪ ،‬كما برهنت فً مناسبات سابقة‪ ،‬أن التوراة ال تتضمن أي شًء ٌخصً‬
‫فلسطٌن أو ٌلمح إلى ذكرها بؤي صورة من الصور؛ بل ال صلة لها بفلسطٌن أو تارٌخها‪ .‬وكل ما ُ ٌزعم‬
‫عن وجود وصؾ لفلسطٌن كؤرض ٍ للمٌعاد الٌهودي‪ ،‬لٌس أكثر من تروٌج ألكاذٌب وخدع استشراقٌة‪،‬‬
‫تنتمً الى العصر االستعماري وهً من نتاجه‪ ،‬إذ ال وجود السم الفلسطٌنٌٌن أو فلسطٌن فً التوراة‪.‬‬
‫‪ :8‬لقد ّ‬
‫مٌز القرآن‪ -‬كما فعل العرب فً الجاهلٌة تماما ً‪-‬بٌن الٌهودٌة وبنً إسرابٌل‪ ،‬تمٌٌزاً دقٌقا ً ونهابٌا ً ال‬
‫ٌقبل أي جدل‪ ،‬فالٌهودٌة دٌن‪ ،‬وبنو إسرابٌل قبٌلة‪ .‬وذلك واضح كل الوضوح من اآلٌات والسور القرآنٌة‬
‫التً ند ّدت بالٌهود‪ ،‬ولكنها مجّ دت بنً إسرابٌل ‪ .‬ولذلك‪ ،‬ال صلة للجؽرافٌا التً وصفتها التوراة فً‬

‫‪46‬‬

‫قصصها‪ ،‬بؤي جؽرافٌا أخرى سوى جؽرافٌة الٌمن القدٌم التً ولدت فٌها الٌهودٌة‪ .‬لقد ولدت الٌهودٌة كدٌن‬
‫عربً فً أرض العرب( الٌمن) ولم تولد فً استرالٌا أو المكسٌك‪ .‬وبكل ٌقٌن‪ ،‬فلٌس‬
‫النبً موسى نبٌا ً ألمانً النشؤة والمولد‪ .‬وطبقا ً لهذه البدٌهٌة التً طالما جرى التؽاضً عنها أو إهمالها أثناء‬
‫النقاش حول التارٌخ القدٌم‪ ،‬فإن التوراة تتضمن اشعاراً وقصصا ً وأساطٌر عربٌة قدٌمة‪ ،‬راح الكهنة‬
‫ٌقصونها على مرّ األزمان ( ألنها من أحسن القصص) بمعناها الوعظً واإلرشادي‪ ،‬وهً ال تروي بؤي‬
‫صورة من الصور أي شا من تارٌخ فلسطٌن القدٌم؟‬
‫ّ‬
‫نمٌز‬
‫‪ :9‬وإذا ما تقبلنا هاتٌن الفرضٌتٌٌن ( البدٌهٌتٌن) مبدبٌاً؛ فإن علٌنا التمٌٌز بدقة بٌن القبٌلة والدٌن‪ ،‬كما‬
‫مثبلً‪ ،‬بٌن قرٌش واإلسبلم‪ ،‬إذ ال ت ّدل قرٌش بإطبلق على اإلسبلم‪ ،‬وال ٌمكن االفتراض أن كل قرشً هو‬
‫مسلم‪ ،‬أو أن كل مسلم هو من قرٌش‪ .‬ولذلك‪ٌ ،‬جب أن نمٌّز بٌن بنً إسرابٌل والٌهودٌة‪ ،‬وأن نننشا إطاراً‬
‫مفهومٌا ً ٌعٌد وضعهما فً إطارهما الصحٌح كقبٌلة ودٌن‪ ،‬إذ لٌس كل من انتسب لبنً إسرابٌل هو ٌهودي‪،‬‬
‫ولٌس كل ٌهودي هو من بنً إسرابٌل‪ .‬وبكل ٌقٌن‪ ،‬فقد تحدثت التوراة بالتفصٌل عن إنشقاق دٌنً أدى إلى‬
‫إنقسام مملكة بنً إسرابٌل إلى مملكتٌن متصارعتٌن‪ ،‬احداهما فً الجنوب‪ٌ -‬هوذا‪ -‬التً أدٌنت باالرتداد عن‬
‫الشرعة الٌهودٌة‪ ،‬وانؽماس سكانها فً العبادة الوثنٌة‪ ،‬وهذا أمر أشار إلٌه القرآن الكرٌم فً السور التً‬
‫تناولت بنً إسرابٌل وموسى‪ ،‬وكٌؾ أنه وجد اتباعه ٌعودون لعبادة العجل الذهبً‪ ،‬بٌنما ظلت األخرى فً‬
‫الشمال تحمل اسم إسرابٌل‪ .‬ووصؾ التوراة هذا – ٌهوذا فً الجنوب وبنً إسرابٌل فً الشمال‪ٌ -‬تعارض‬
‫كلٌا ً مع وصؾ إسرابٌل الحالٌة‪ ،‬فٌهوذا والسامرة‪-‬أي الضفة الؽربٌة وؼزة‪ -‬تقع فً الجنوب‪ ،‬بٌنما تقع‬
‫أراضً ‪- 48‬أي ما ٌسمى إسرابٌل – فً الشمال؟ أي بما ٌتعارض وٌتناقض مع وصؾ فلسطٌن التارٌخٌة‪.‬‬
‫فكٌؾ ٌمكن قبول هذه األكذوبة عن تطابق الوصؾ؟‬
‫‪ :10‬إن مصطلح العبرانٌٌن‪ ،‬وبمعاٌٌر البحث التارٌخً والعلمً‪ّ ٌ ،‬دل على جماعات بشرٌة كبٌرة ال جماعة‬
‫واحدة‪ ،‬بٌنما ٌ ّدل اسم( بنً إسرابٌل) على جماعة قبلٌة صؽٌرة بعٌنها‪ .‬وكل خلط بٌن المفهومٌن سٌإدي ال‬
‫محالة إلى نتابج خاطبة‪ ،‬مماثلة لما وصلت إلٌه دراسات وبحوث االستشراق‪.‬‬
‫‪ :11‬ومثل هذا التمٌٌز الذي نقترحه‪ ،‬ضروري للؽاٌة لفهم صحٌح ألحداث التارٌخ القدٌم‪ ،‬ذلك أن أسطورة‬
‫عبور األردن ترتبط فً األصل بالعبرانٌٌن ولٌس ببنً إسرابٌل؟ وهإالء أخذوا اسمهم‪ ،‬كما ٌقال عادة من‬
‫هذه الواقعة المثٌولوجٌة ( األسطورٌة)‪ .‬وبالرؼم من عدم وجود أي دلٌل تارٌخً ٌإٌد حدوثها‪ ،‬وأن كل ما‬
‫ورد عنها فً التوراة ال ٌشٌر بؤي صورة من الصور إلى عبلقة مباشرة ببنً إسرابٌل‪ ،‬فقد طؽى فً السرد‬
‫التارٌخً‪ ،‬الزعم بؤنهم عبروا األردن نحو أرض المٌعاد الفلسطٌنً؟ وبالطبع‪ ،‬فقد كان من نتابج هذا الخلط‬
‫التعسفً الذي قام به علماء آثار وباحثون ودارسون من الؽرب والشرق وعلى امتداد عقود طوٌلة‪ ،‬أن جرى‬
‫بشكل تعسفًّ تنسٌب أسطورة العبور تلقابٌا ً إلى بنً إسرابٌل ‪.‬‬
‫‪ :12‬وحده‪ ،‬فك اإلرتباط بٌن هذه التسمٌات والمفاهٌم والتصورات والمصطلحات‪ ،‬هو الذي ٌم ّكن دارس‬
‫التارٌخ من رإٌة الحقابق التارٌخٌة والعلمٌة‪.‬‬
‫فً مإلفً السابق( فلسطٌن المتخٌّلة ) كتبت ما ٌلً‪:‬‬
‫( لقد آن األوان ألن تتقدم أوروبا‪-‬والؽرب بؤسره‪ -‬باعتذار صرٌح للفاسطٌنٌٌن والعرب والمسلمٌن عن‬
‫النتابج المؤسوٌة التً تسبّب بها الخٌال االستعماري المُفرط‪-‬ونزعات المستشرقٌن التوراتٌٌن وعنجهٌتهم‬
‫‪47‬‬

‫وعنصرٌتهم السقٌمة‪ -‬فً تدمٌر شعب وتشرٌده عن وطنه‪ .‬لقد ًأدت هذه النتابج إلى ( تهوٌد) التارٌخ‬
‫الفلسطٌنً‪ ،‬وإلى وقوع مؤساة شعب وأمة جرى اإلستٌبلء على أرضها وتارٌخها وثقافتها االقدٌمة بالقوة‬
‫الؽاشمة‪ .‬بٌد أن ذلك لن ٌكون ممكنا ً وال كافٌا ً من دون خطوة جرٌبة من علماء التوراة فً العالم‪،‬‬
‫بإعبلن صرٌح ممابل ال لبس فٌه ٍ عن بُطبلن القراء االستعمارٌة للتوراة‪ ،‬واإلقرار بالخطؤ الفادح فً هذه‬
‫القراءة واالعتراؾ بحقٌقة أن االنتساب الى دٌن بعٌنه‪،‬ال ٌبرر الحق فً أي مُطالبة ؼٌر مشروعة‬
‫ب أخرى‪ ،‬واإلقرار بوجود حاجة إلى ترجمة جدٌدة للنص التوراتً المقدس‪ ،‬تزٌل كل صلة‬
‫بؤراضً شعو ٍ‬
‫وهمٌة بٌنه وبٌن فلسطٌن‪ .‬إن لمن اإلجحاؾ والتعسؾ ؼٌر المبرر‪ ،‬تخًٌل وجود حق دٌنً فً أرض العرب‪-‬‬
‫بالنسبة لمسلم فلبٌنً مثبل ً‪ -‬قد ٌخرج على العالم‪ٌ ،‬ومًا ما‪ ،‬لٌزعم أنه ٌنتسب لقرٌش وهو من سبللتها‪ ،‬وله‬
‫الحق بالمطالبة بإرث أجداده فً مكة‪ ،‬لمجرد كونه دان بدٌن العرب فؤصبح مسلما ً ؟ إن كونه مسلما ً ال‬
‫ٌعطٌه الحق فً ادعاء االنتساب إلى قرٌش‪ .‬واألمر ذاته ٌنطبق على حالة الٌهود فً العالم كله؛ فهإالء دانوا‬
‫بالٌهودٌة وهً دٌن عربً– مثله مثل المسٌحٌة واإلسبلم‪ -‬ولكنهم لٌسوا‪ ،‬بكل تؤكٌد‪ ،‬من سبللة قبٌلة بنً‬
‫إسرابٌل الٌمنٌة المنقرضة والبابدة ‪.‬‬

‫الدكتور فاضل الربٌعً‬
‫السٌرة الذاتٌة‬
‫ مفكر وباحث عراقً مخصص فً المثٌولوجٌا ( علم‬‫األساطٌر) ودراسات الكتاب المقدس واللؽة العبرٌة‪.‬‬
‫ ولد فً بؽداد ‪.1952‬‬‫ ربٌس تجمع األدباء والكتاب العراقٌٌن ‪.‬‬‫ مقٌم فً هولندا منذ عام ‪ 1996‬وٌحمل الجنسٌة الهولندٌة‬‫ شارك فً مإتمرات أدبٌة وفكرٌة عربٌة وعالمٌة منذ‬‫وشهادات تقدٌرٌة‬
‫عام‪ 1974‬وحصل على جوابز أدبٌة‬
‫رفٌعة ‪.‬‬
‫ فاز مإلفه ( أبطال ببل تارٌخ ‪ :‬المثٌولوجٌا اإلؼرٌقٌة‬‫واألسطورة العربٌة) بالجابزة األولى لئلبداع الثقافً كؤفضل‬
‫كتاب فً‬
‫الدراسات األنثروبولوجٌة – اإلنسانٌة والمستقبلٌة‪،‬القاهرة‬
‫‪ ( 2006‬مإسسة الشاعر السعودي الراحل ناصر‬
‫‪48‬‬

‫باشراحٌل) ‪.‬‬
‫ حاصل على درع الرواد والمبدعٌن العرب مهرجان وملتقى الرواد والمبدعٌن العرب‪ -‬من (مإسسات‬‫الجامعة العربٌة) ‪2008‬‬
‫نشر أكثر من ثبلثٌن مإلفا ً فكرٌا ً وأدبٌا ً ‪ ،‬وهنا بعض المإلفات فً القصة والرواٌة واألدب والتارٌخ‬
‫االجتماعً والسٌاسً العراقً والعربً واألنثروبولوجٌا ‪:‬‬
‫‪.1‬‬

‫الشٌطان والعرش ( رحلة النبً سلٌمان إلى الٌمن) بٌروت‪ ،‬شركة رٌاض الرٌس ‪1996‬‬

‫‪.2‬‬

‫إرم ذات العماد‪ :‬البحث عن الجنة – بٌروت‪ ،‬الرٌس للنشر ‪1999‬‬

‫‪ .3‬كبش المحرقة‪ :‬نموذج مجتمع القومٌٌن العرب ( طبعتان)‪ :‬الرٌس للنشر‪ ،‬بٌروت ‪ ، 2000‬دار الفرقد‬
‫– دمشق ‪2006‬‬
‫‪.4‬‬

‫شقٌقات قرٌش( األنساب والطعام فً الموروث العربً) بٌروت‪ ،‬الرٌس للنشر ‪2001‬‬

‫‪.5‬‬

‫ٌوسؾ والببر ( أسطورة الوقوع فً ؼرام الضٌؾ) بٌروت‪ ،‬شركة رٌاض الرٌس ‪2008‬‬

‫أبطال ببل تارٌخ ‪ :‬المثٌولوجٌا اإلؼرٌقٌة واألسطورة العربٌة( طبعتان) دمشق دار قدمُس للنشر‪،‬‬
‫‪.6‬‬
‫‪ ،2003‬والفرقد ‪2005‬‬
‫‪.7‬‬

‫قصة حب فً أورشلٌم ( ؼرام النبً سلٌمان باإللهة العربٌة سلمى) دار الفرقد للنشر‪2005،‬‬

‫‪.8‬‬

‫الجماهٌرٌات العنٌفة ونهاٌة الدولة الكارٌزمٌة – دمشق ‪ ،‬دار األهالً ‪2005‬‬

‫‪.9‬‬
‫‪2006‬‬

‫الخوذة والعمامة‪ :‬موقؾ المرجعٌات الدٌنٌة من االحتبلل األمرٌكً للعراق‪ -‬دمشق ‪ ،‬دار الفرقد‬

‫‪.10‬ما بعد االستشراق ‪ :‬الؽزو األمرٌكً للعراق وعودة الكولنٌالٌات البٌضاء ‪ -‬بٌروت‪ ،‬مركز دراسات‬
‫‪2007‬‬
‫الوحدة العربٌة‬
‫‪.11‬فلسطٌن المتخٌّلة ‪ :‬ارض التوراة فً الٌمن القدٌم (مجلدان‪ -‬خمسة كتب) دمشق‪ ،‬دار الفكر ‪2007‬‬
‫‪.12‬األسطورة والسٌاسة ( باالشتراك مع الباحث الراحل تركً علً الربٌعو) منشورات دار الفكر‪ -‬دمشق‬
‫‪2007‬‬
‫‪.13‬العسل والدم ‪ :‬من عنؾ الدولة على دولة العنؾ ‪ ،‬دار الفرقد‪ ،‬دمشق ‪2008‬‬
‫‪49‬‬

‫‪.14‬من مجتمع القهوة إلى مجتمع الشاي ‪ :‬دولة الكانتون القبلً‪ ،‬دمشق ‪ ،‬مركز الؽد ‪2009‬‬
‫‪ .15‬المسٌح العربً ‪ :‬النصرانٌة فً جزٌرة العرب والصراع البٌزنطً‪ -‬الفارسً‪ -‬بٌروت ‪ 2009‬شركة‬
‫الرٌس للنشر‬
‫‪ .16‬القدس لٌست أورشلٌم ‪ :‬مساهمة فً تصحٌح تارٌخ فلسطٌن‪ ،‬بٌروت‪ ،‬الرٌس للنشر ‪2010‬‬
‫‪ .17‬الحرب والطابفٌة ( باإلشتراك مع د‪ .‬وجٌه كوثرانً) دار الفكر‪ -‬دمشق ‪2010‬‬
‫‪ .18‬ؼزال الكعبة الذهبً ‪ :‬النظام القرابً فً اإلسبلم‪ ،‬دار جداول‪ -‬بٌروت ‪2011‬‬
‫‪ .19‬حقٌقة السبً البابلً ‪ :‬الحمبلت اآلشورٌة على الجزٌرة العربٌة والٌمن‪ ،‬دار جداول‪ -‬بٌروت ‪2011‬‬
‫‪ .20‬المناحة العظٌمة‪ :‬الجذور التارٌخٌة لطقوس البكاء فً الجاهلٌة واإلسبلم‪ ،‬دار جداول‪ ،‬بٌروت‪2011‬‬
‫‪ .21‬إساؾ ونابلة ‪ :‬أسطورة الحب األبدي فً الجاهلٌة‪ ،‬دار جداول‪ -‬بٌروت ‪2012‬‬
‫‪ .22‬المراثً الضابعة ( مساهمة جدٌدة فً تصحٌح تارٌخ فلسطٌن) دار جداول‪ -‬بٌروت ‪2012‬‬
‫‪ .23‬فً ثٌاب اإلعرابً‪ :‬األصمعً إمام األنثروبولوجٌا العربٌة‪ -‬منشورات المجلة العربٌة‪ -‬الرٌاض ‪2012‬‬
‫موقع الربٌعً على الشابكة‪:‬‬
‫‪http://www.alrubaiee.com/ar/index.php/2013-03-20-12-21-36‬‬

‫‪50‬‬

‫فرج هللا صالح دٌب ومسرح أنبٌاء التوراة فى الٌمن‬

‫روٌترز ‪ - Thu Nov 15, 2012‬مره اخرى ٌبرز من ٌقول إن التوراه جاءت من الجزٌره العربٌه وإن‬
‫مسرحها كان الٌمن ال فلسطٌن‪.‬‬
‫وبعد الكتاب الشهٌر التوراه جاءت من الجزٌره العربٌه للمإرخ والباحث اللؽوى الكبٌر الراحل كمال‬
‫الصلٌبى والذى صدر سنه ‪ٌ 1985‬ؤتى باحث لبنانى آخر هو فرج هللا صالح دٌب لٌقول ان الٌمن هو مسرح‬
‫انبٌاء التوراة‪.‬‬
‫وقد جاء كبلم دٌب فى كتابه الٌمن وأنبٌاء التوراة‪..‬هل جاء المسٌح الى صنعاء الذى تؤلؾ من ‪ 211‬صفحه‬
‫متوسطه القطع وصدر عن دار رٌاض الرٌس للكتب والنشر فى بٌروت‪ .‬ولدٌب كتاب اخر فى هذا المجال‬
‫اسمه التوراه العربٌه وأورشلٌم الٌمنٌه صدر سنه ‪.2009‬‬
‫وأكد المإلؾ عن عمله الحالى ٌتناول هذا الكتاب تبٌان مسرح انبٌاء التوراه فى الٌمن حٌث مدٌنه حبرون‬
‫التى دفن فٌها ابراهٌم تقع شمال عدن وحصن ارٌحا بالعبرٌه ٌرٌخو مازال شمال صنعاء باسم ٌراخ وحصن‬
‫الٌهودٌه مازال جنوب ٌرٌم وجرار حٌث تؽرّ ب ابراهٌم جنوب ؼرب صنعاء اضافه الى مبات االسماء‬
‫التوراتٌة‪.‬‬

‫‪51‬‬

‫كما ٌتناول افبلس علم االثار فى فلسطٌن فى تصدٌق كتابات التوراه وان النبى هود اصل الٌهود كان فى‬
‫االحقاؾ شمال عدن وان االنصار فى ٌثرب كانوا ٌهودا‪ .‬كما ٌتناول المسرح الجؽرافى للنبى ابراهٌم‬
‫وٌوسؾ وموسى وسلٌمان والحبلل والحرام فى دٌن الٌهود واالسبلم‪.‬‬
‫وتحت عنوان االثرٌات فى اسرابٌل تكذب اسطوره ارض المٌعاد قال فرج هللا صالح دٌب مره اخرى ّ‬
‫ٌكذب‬
‫علم االثار فى اسرابٌل اسطوره ارض المٌعاد وخطؤ اسقاط جؽرافٌه التوراه على فلسطٌن‪ .‬فبعد تحقٌق مجله‬
‫تاٌماالمرٌكٌه ‪ 1995-12-18‬بعنوان هل التوراه واقع ام خٌال جاءت مجله لونوفٌل اوبزرفاتور الفرنسٌه‬
‫عدد ‪ 18‬ــ ‪ 2002-7-24‬لتنشر تحقٌقا على إمتداد عشر صفحات بعنوان الطوفان‪ ..‬إبراهٌم‪ ..‬موسى‪..‬‬
‫الخروج‪ ..‬التوراه الحقٌقٌه واالسطورة‪ .‬االكتشافات الجدٌده لعلم االثار كتبه فٌكتور سٌجلمان‪ ..‬جان لوك‬
‫لوتٌٌة‪ ..‬صوفٌا لوران‪.‬‬
‫اضافه الى نحو سبعه كتب نشرت فى فرنسا منذ ‪ 1998‬حول المضمون نفسه وملخصه‪ :‬ان علم االثار فى‬
‫فسطٌن لم ٌإكد ما جاء فى اسفار التوراه وبالتالى فان ارض المٌعاد الكنعانٌة‪ ...‬لٌست فى فلسطٌن وعلٌه‬
‫فاالسطوره الصهٌونٌه عن ارض االجداد باطلة‪.‬‬
‫اضاؾ انه وفى مقابله مع اسرابٌل فلنكشتاٌن مدٌر كلٌه االثار فى تل ابٌب جاء ان الحفرٌات االثرٌه سٌطر‬
‫علٌها نص التوراه الذى كان ٌعتبر مقدسا وكان ٌنتظر ان تصدق الحفرٌات وان تإكد الرواٌه التوراتٌة‪.‬‬
‫وحتى عام ‪ 1960‬لم ٌكن اى عالم ٌشك فى التارٌخٌه المقدسه لرحبلت االباء اى انبٌاء التكوٌن والخروج‬
‫من ابراهٌم حتى موسى‪ .‬وكان المهم العثور على موجودات اثرٌه تإكد النص‪ .‬لكن منذ ذلك الحٌن‬
‫واالثرٌات وسط معمعة‪.‬‬
‫وأكد اما فٌكتور سٌجلمان وإن كان اكثر جرأه من فلنكشتاٌن اال انه صهٌونى بالقوه اذ كما حمل الشعب‬
‫الفلسطٌنى وزر التفسٌر الصهٌونى للتوراه فانه ٌرٌد تحمٌله اٌضا وزر سقوط الوهم وتجلٌاتة‪.‬‬
‫ٌقول سٌجلمان االمر بالنسبه للفلسطٌنى فان شرعٌه وجود دوله اسرابٌل هى المطروح ولٌس االراضى التى‬
‫احتلت عام ‪ .1967‬فبعد المإرخٌن الجدد جاء دور االثارٌٌن الجدد فى اسرابٌل الذٌن وضعوا النص‬
‫التوراتى محل الشك خصوصا حول تارٌخٌه االباء واالنبٌاء وحول معبد سلٌمان‪.‬‬
‫وتابع سٌجلمان ٌقول وعلٌه فان االٌدٌولوجٌا الصهٌونٌه التى اسس الٌهود دولتهم على ارض االجداد علٌها‬
‫لم تعد بالحسبان‪ .‬ان علماء االثار لم ٌعثروا على اى اثر لخراب معبد وال مملكه متؤلقه لسلٌمان وال اى شًء‬
‫اخر‪ .‬والنص التوراتى الذى لٌست له مادٌه حقٌقٌه لٌس سوى اختراع ادبى‪ .‬لكن ذلك ال ٌبدل ابدا ارتباط‬
‫الشعب الٌهودى بهذه البقعه المسماه ارض اسرابٌل وبالعربٌه فلسطٌن‪.‬‬
‫وأكد دٌب الحقٌقه ان مسرح التوراه كان هناك فى الٌمن‪ .‬فمن ابناء نوح حسب التوراه ازال وحضرموت‬
‫وازال اسم صنعاء عاصمه الٌمن حتى القرن السادس مٌبلدى او مدٌنه سام‪ .‬كما ان ابراهٌم رحل من اور‬
‫قاصدٌم من ببلد بنى قاصد اى ٌافع السفلى جنوب الٌمن الى مصر بٌن برٌم وإب جنوب صنعاء‪ .‬ولم‬
‫ٌتساءل الفكر الؽربى التوراتى عن مصراٌٌم التوراتٌه وتناسى ان مصر الدوله الحاضره كان اسمها‬
‫التارٌخى ببلد القبط‪ .‬ثم ارتحل ابراهٌم الى حبرون التى ما زالت باسمها شمال شرق عدن فى منطقه‬
‫الواحدى‪.‬‬
‫‪52‬‬

‫اضاؾ ان الفكر العربى ٌبلم تارٌخٌا وآثارٌا وال ٌبلم الفكر الؽربى‪ .‬فهل كان الهمذانى فى كتاب االكلٌل‬
‫والطبرى فى تارٌخ االمم والملوك من االؼبٌاء عندما ذكرا ان فراعنه مصر اٌام ٌوسؾ وموسى كانا الولٌد‬
‫بن الرٌان والولٌد بن مصعب ام ان احدا لم ٌقرأ الطبرى بل اعتمد فهرسه فقط؟ ان الٌهود عشابر عربٌه‬
‫ٌمنٌه نسبه الى النبى هود الوارد ذكره فى القرآن والذى كان من االحقاؾ شمال حضرموت‪.‬‬
‫وفى الحدٌث عن صور ٌنفى ان تكون هى نفسها المدٌنه اللبنانٌه الحالٌه وٌقول اما فعبل فان مدٌنه ومرفؤ‬
‫وقلعه صور العمانٌة‪ ...‬تقع على بحر العرب وعلى مداخل خلٌج عمان المرتبط بمضٌق هرمز اذن صور‬
‫وقلعتها التوراتٌه هى صور عمان او بنى عمون ألن التوراه التى ظلت محفوظه بالسرٌانٌه تبدل االلؾ الى‬
‫واو‪ ...‬وبالتالى عمان ‪ -‬عمون‪.‬‬
‫وٌنتقل الى مجال اخر فٌقول عن صهٌون انه فى التوراه العبرٌه ترد اسم صٌّون ولٌس صهٌون وبالتالى فان‬
‫الهاء فعل لهجه عربٌه بدلت الٌاء الى هاء‪ .‬لكن اٌن نجد صٌّون فى الٌمن؟ انها مدٌنه سٌبون الٌوم‪...‬‬
‫وسٌبون مدٌنه ٌمنٌه على حافه وادى حضرموت‪.‬‬
‫وعن مصر ٌعود فٌقول ان مصر الحاضره كان اسمها قبل االسبلم فى القرن السابع ببلد القبط وفى التوراه‬
‫ترد باسم مصراٌم وبالتالى فان مصر هنا فى الٌمن‪.‬‬

‫‘‘الٌمن وأنبٌاء التوراة‘‘ ‪‘‘ :‬أرض المٌعاد‘‘ كذبة والٌمن وطن‬
‫الٌهود‪.‬‬
‫ألم ٌؤت الٌهود الى فلسطٌن ابداً؟ واذا جاإوا فمتى؟ أبعدما انتصر علٌهم القابد الرومانً بٌن ‪ 63‬و‪66‬‬
‫مٌبلدٌاً‪ ،‬وهدم أروشلٌم؟ ‘‘الٌمن وأنبٌاء التوراة‘‘ ‪‘‘ :‬أرض المٌعاد‘‘ كذبة والٌمن وطن الٌهود‬
‫ٌقول المإلؾ فرج هللا صالح دٌب أنه اذا تتبعنا رحلة ابرهٌم بحسب النص التوراتً‪ ،‬فانه رحل من كشؾ‬
‫الكاتب فرج هللا صالح دٌب زٌؾ وادعاء نظرٌة ارض المٌعاد فً فلسطٌن‪ ،‬حٌث أكد فً كتابه " الٌمن‬
‫وأنبٌاء التوراة" أن الٌمن هً األرض الفعلٌة ألنبٌاء الٌهود وألحداث التوراة‪ .‬وٌبدأ دٌب من ان اسماء‬
‫االماكن الواردة فً التوراة‪ ،‬حرفت لتقع فً ارض فلسطٌن اما وجودها الفعلً ففً الٌمن‪ ،‬وهً‪ :‬صور‬
‫العمانٌة‪ ،‬حصن براخ (ارٌحا) اورشلٌم او ٌبوس‪ ،‬مدٌنة صهٌون‪ ،‬حصن مسَّمادة المشهور بمذبحته‪ ،‬وكفى به‬
‫دلٌبلً‪ .‬بٌنما ٌرى‪ ،‬كما ورد بجرٌدة النهار‪ ،‬أن مصر التً ٌقال ان موسى رحل الٌها‪ ،‬فهً فً الٌمن اٌضاً‪،‬‬
‫ومصر المعروفة حالٌا ً بهذا االسم‪ ،‬كان اسمها ببلد القبط‪ ،‬الى ما بعد الفتح العربً‪ ،‬وما تسمٌتها االساسٌة‬
‫واالجنبٌة حالٌا ً فهو ‪ Egypt‬اي قبط‪ ،‬وبالتالً فان هجرة مرٌم العذراء الى مصر لم ٌتعد االنتقال من مدٌنة‬
‫الى اخرى فً الٌمن نفسه‪ ،‬بٌنما جهنم فهً على االرض‪ ،‬وهو اسم منطقة فً الٌمن اٌضاً‪ ،‬وفً المقابل قٌل‬
‫‪53‬‬

‫جنات عدن‪ ،‬ربما مقابل جهنم صنعاء ! وٌوضح دٌب ان الٌهود عشٌرة ٌمنٌة تنتسب الى هود وهو نبً‬
‫مرسل الى قوم عاد فً االحقاق شمال حضرموت‪ ،‬وٌبحث فً الحبلل والحرام بٌن الٌهودٌة واالسبلم‪،‬‬
‫وٌعدد اسماء "الخالق " فً مزامٌر التوراة‪ ،‬وٌح ّدد حقٌقة اعمار االنبٌاء فً التوراة وحقٌقة الملوك الذٌن لم‬
‫ٌكونوا سوى جباة عند سلطة اقوى‪.‬‬
‫ان مهمة اآلثارٌٌن ان ال ٌحاولوا تطبٌق النص التوراتً على الواقع‪ ،‬وهو ال ٌنطبق‪ ،‬بل ان ٌسعوا الى‬
‫اٌجاد الواقع الذي ٌنطبق علٌه النص التوراتً‪ ،‬كما ٌفعل دٌب‪.‬‬
‫وٌقول المإلؾ أنه اذا تتبعنا رحلة ابرهٌم بحسب النص‬
‫التوراتً‪ ،‬فانه رحل من " اور قاصدٌم " وهً فً جنوب‬
‫الٌمن‪ ،‬وال عبلقة لها بؤور ببلد ما بٌن النهرٌن‪ ،‬نحو مصر‬
‫(وهً بلدة ٌمنٌة) ثم عاد من مصر الى حبرون ( وهً فً‬
‫الٌمن) لو افترضنا انه جاء من شمال العراق قاصداً مصر‬
‫الحالٌة‪ ،‬ثم عاد الى حبرون التً سمٌت زوراً الخلٌل (فكم سنة‬
‫ٌحتاج؟) فضبلً عن انه لم ٌعثر على اثر له شمال العراق‪ .‬اما‬
‫ارٌحا ( فلسطٌن) التً تنسب الٌها بطوالت ٌشوع بن نون‪ ،‬فلم‬
‫تكن موجودة فً القرن الثامن قبل المسٌح ولم توجد آثار‬
‫حصون وال اسوار وبالتالً لم ٌجد علماء اآلثار فً فلسطٌن‬
‫آثاراً تدل على االحداث التارٌخٌة التً تروٌها التوراة‪.‬‬
‫لكن اذا لم نجد اآلثار‪ ،‬هل ننفً وجود االنبٌاء ونجعل التوراة‬
‫اسطورة‪ ،‬ام نبحث فً مكان آخر؟ والنتٌجة بحسب العلم‬
‫الجؽرافً ‪ -‬التارٌخً (اي اسماء االماكن‪ ،‬واآلثار) فان مسرح‬
‫التوراة كان فً الٌمن‪ ،‬فمن ابناء نوح حسب التوراة أزال‬
‫وحضرموت‪ ،‬وأزال اسم صنعاء عاصمة الٌمن حتى القرن السادس المٌبلدي او مدٌنة سام‪ .‬وابرهٌم رحل‬
‫من اور قاصدٌم‪ ،‬اي من ببلد بنً قاصد‪ ،‬فً ٌافع السفلى جنوب الٌمن‪ ،‬الى مصر اي االقلٌم االخضر‪ ،‬وهً‬
‫بٌن ٌرٌم وإب جنوب صنعاء‪ .‬ثم ارتحل الى حبرون وهً ما زالت باسمها شمال شرق عدن فً منطقة‬
‫الواحدي‪ .‬وٌثبت دٌب مقولته مستنداً الى الهمدانً والطبري اللذٌن ذكرا ان فراعنة مصر ( الٌمن) ( ولٌس‬
‫‪ )Egypt‬اٌام ٌوسؾ وموسى كانا الولٌد بن الرٌان والولٌد بن مصعب‪ ...‬واالمٌن على المال اٌام ٌوسؾ هو‬
‫قطفٌر بن روٌحب‪ .‬وان قبٌلة باسم هود ما زالت تقٌم فً حضرموت بٌن قرٌة هود وظفار‪.‬‬
‫ومنطقة الٌهودٌة ما زالت فً الٌمن حٌث حصن الٌهودٌة فً مخبلؾ العرافة من ببلد خبان‪ ،‬جنوب شرق‬
‫ظفار‪ ،‬واسمها ٌعنً حٌث ٌسكن الٌهود‪ .‬وٌحدد نسبة اسماء انبٌاء الٌهود الى جذورها العربٌة‪ .‬اما تسمٌة‬
‫عبرانً فتعنً البدوي المتنقل‪ ،‬وما زال بنو ساري الذٌن تنتسب الٌهم ساراي جدة ٌعقوب‪ ،‬من قرى ببلد‬
‫ٌرٌم جنوب صنعاء على مسافة من مدٌنة حبرون فً منطقة الواحدي شمال شرق عدن قرب مدٌنة الروضة‬
‫التً ما زال ٌسكنها حتى الٌوم عشابر آل بنً اسرابٌل والنجار‪ .‬اما قرٌة بٌت الوي فؽرب صنعاء‪ .‬كان‬
‫موسى آرامٌاً‪ ،‬وكانت عشابر اآلرامٌٌن فً حال صراع مع بنً اسرابٌل ومع عشابر الٌهود اٌضا ً‪ .‬اذا طبقنا‬
‫التسمٌات على الجؽرافٌا الٌمنٌة نجد ان‪ :‬قوم عاد فً إرم ذات العماد المدٌنة فً االحقاؾ‪.‬‬
‫فمن انتسب الٌها بات إرمٌا ً آرامٌاً‪ ،‬ومن انتسب الى نبً الجماعة هود بات ٌهودٌاً‪ ،‬فٌما بطن ٌعقوب تكنى‬
‫ببنً ساري‪ .‬وألن الكل بدوي متنقل ٌسمى عبرانٌا ً‪ .‬ان اسماء المدن والقرى والعشابر التوراتٌة واردة‬
‫‪54‬‬

‫باتساع فً الٌمن‪ .‬حصن ٌراخ جنوب ؼرب صنعاء الذي حرِّ ؾ الى ارٌحا ( فلسطٌن) واكام المراٌم ( مٌاه‬
‫مٌروم فً التوراة) وقبر ٌشوع بن نون‪ ،‬وحبرون ( حرفت الى الخلٌل فً فلسطٌن) وصحراء سنا ( ولٌس‬
‫سٌناء) وجرار حٌث تؽرَّم ب ابرهٌم‪ ،‬وتٌه أبٌن ( ولٌس التٌاه) فموسى عبر التٌه وٌ ُته‪ .‬وحصن الٌهودٌة‬
‫وعثقبلن ( ولٌس عسقبلن فً فلسطٌن) ومصر القلعة فً ٌرٌم‪ٌ .‬قول دٌب ان السرٌانٌة كانت حافظة‬
‫لزجلٌات التوراة ولٌس العبرٌة التً ال اثر لها فً المنطقة‪ ،‬وبطل استخدامها حوالى ‪ 300‬ق‪ .‬م‪ .‬وان‬
‫العشابر الٌهودٌة من األوس والخزرج فً ٌثرب كانت تعمل فً الزراعة وكان تدٌّنها الٌهودي دون كتاب‪.‬‬
‫ت من فلسطٌن انما من الٌمن‪ ،‬كونها عشابر ٌمنٌة‪ .‬وهذه تإكد المنشؤ العربً للٌهودٌة التً‬
‫وتهوّ د هإالء لم ٌؤ ِ‬
‫كانت اكثر انتشاراً من المسٌحٌة فً الٌمن والجزٌرة‪.‬‬
‫فً التوراة ظلت اورسالم او اورشلٌم كنعانٌة ( الكنعانٌون فً الٌمن أٌضا ً ولٌس فً فلسطٌن) حتى بنى‬
‫سلٌمان فٌها هٌكبلً وقلعة‪ .‬وهً كانت تسمى ٌبوس‪ .‬وصُور‪ ،‬اكثر من اصحاح فً التوراة ٌحدد مكانها‬
‫وجؽرافٌتها‪ ،‬وهً لٌست‪ ،‬صور اللبنانٌة‪ .‬حتى حرّ ان فً شمال العراق‪ ،‬هً ؼٌر حران جنوب ذمار‪،‬‬
‫وصور ترتبط بعدن فً جؽرافٌا التوراة‪.‬‬
‫وهً صور بنً عمون على خلٌج عمان‪ ،‬وجبل صهٌون ومدٌنته هً مدٌنة صٌّون او سٌبون‪ ،‬حصن مسادة‬
‫حٌث انتحر الٌهود‪ ،‬او المِسْ واد هو جبل جنوب مدٌنة إب وقد هاجمه الرومان بٌن ‪ 63‬و‪ 66‬للمٌبلد‪ ،‬بعد‬
‫سقوط " مملكة اسرابٌل " ‪ ،‬فٌما حصن الٌهودٌة شمالها‪ٌ .‬قول المإرخ الٌمنً محمد بن علً االكوع الحوّ الً‬
‫"ان بطون العشابر سمٌت بها االوطان التً ال تزال باقٌة " فإن اسماء النساء والرجال فً التوراة ٌجب ان‬
‫نجدها فً اسماء قرى ومدن فً الٌمن حٌث المسرح الجؽرافً‪.‬‬
‫اما المٌثاق مع ابرام بؤن ٌعطه االرض من نهر مصر فً الٌمن الى النهر الكبٌر نهر الفروات ( ولٌس‬
‫الفرات) فهما نهران‪ ،‬االول جنوب شرق ٌرٌم‪ ،‬والثانً شمال شرق صنعاء‪ .‬جهنم هً تحرٌؾ السم هنوم‪،‬‬
‫وهو واد‪ ،‬حٌث كان عبدة النار ٌقدمون ذبابحهم‪ .‬وجهنمة فً همدان‪ ،‬واد فً جبال األهنوم شمال الٌمن‪ .‬فهل‬
‫كانت عشابر همدان بن حاشد تتولى ادارة بٌوت النار فً وادي وجبال هنوم؟ وهل كان بنو عذرة فً عذر‬
‫قرب االهنوم قبّاضً االرواح فً المعابد‪ .‬والٌهم ٌنسب عزراٌٌن؟‬
‫سإال ٌثٌره هذا النص‪ :‬ألم ٌؤت الٌهود الى فلسطٌن ابداً؟ واذا جاإوا فمتى؟ أبعدما انتصر علٌهم القابد‬
‫الرومانً بٌن ‪ 63‬و‪ 66‬مٌبلدٌاً‪ ،‬وهدم أروشلٌم؟ ‘‘ الٌمن وأنبٌاء التوراة‘‘ ‪ ‘‘ :‬أرض المٌعاد‘‘ كذبة والٌمن‬
‫وطن الٌهود‬
‫شرٌط (فٌلم) ٌحكً قصة موسى علٌه السبلم مما ورد فً التوراة‬
‫‪http://mmeabed.blogspot.com/2012/11/blog-post_46.html‬‬

‫‪55‬‬

‫التوراة جاءت من جزٌرة العرب‬
‫العالم اسرابٌل فلنكشتاٌن‪ :‬األثرٌات لم تؤٌد التوراة‬
‫فرج هللا صالح دٌب‬
‫مرة اخرى ّ‬
‫ٌكذب علم اآلثار فً اسرابٌل اسطورة "أرض المٌعاد" وخطؤ إسقاط جؽرافٌة التوراة على‬
‫فلسطٌن‪ .‬فبعد تحقٌق مجلة "التاٌم" (تارٌخ ‪ )95/12/5‬بعنوان "هل التوراة حقٌقة ام خٌال"‪ ،‬جاءت مجلة‬
‫"لو نوفٌل اوبسرفاتور" الفرنسٌة (عدد ‪ )2002/7/24 -18‬تنشر تحقٌقا ً على امتداد عشر صفحات بعنوان‪:‬‬
‫"الطوفان‪ ،‬ابراهٌم‪ ،‬موسى‪ ،‬الخروج‪ :‬التوراة‪ ،‬الحقٌقة واالسطورة االكتشافات الجدٌدة لعلم اآلثار "‪ ،‬كتبه‪:‬‬
‫"فٌكتور سٌجٌلمان‪ ،‬جان لوك بوتٌه‪ ،‬صوفٌا لوران"‪ .‬اضافة الى نحو سبعة كتب نشرت فً فرنسا منذ‬
‫‪ 1998‬حول المضمون نفسه وملخصه‪ :‬إن علم اآلثار فً فلسطٌن لم ٌإكد ما جاء فً اسفار التوراة‪،‬‬
‫وبالتالً فان "ارض المٌعاد" الكنعانٌة التً تفٌض "لبنا ً وعسبلً" (والحقٌقة لبانا ً وعسبلً)‪ ،‬لٌست فً فلسطٌن‪،‬‬
‫وعلٌه فاالسطورة الصهٌونٌة عن ارض االجداد باطلة‪.‬‬
‫من ناحٌة اخرى فقد سبق للدكتور كمال الصلٌبً‪ ،‬ان كان رابداً فً هذا المجال عبر كتابه "التوراة جاءت‬
‫من جزٌرة العرب" (عام ‪ )1985‬ولكاتب هذا المقال‪ ،‬كتاب "التوراة العربٌة واورشلٌم الٌمنٌة" (عام‬
‫‪ .)1994‬واذا كان ٌحق لنا بتؤٌٌد من "علم اآلثار االسرابىلً" ان نسخر من الذٌن تهجموا علٌنا‪ ،‬من الجهلة‬
‫وبعض مدرسً التارٌخ (او باعة التارٌخ المستورد على العربات)‪ ،‬خصوصا ً فً الجامعة اللبنانٌة‪ ،‬فاننا‬
‫ندعوهم وقد كانوا تبلمذة الساتذتهم فً الؽرب‪ ،‬ان ٌشمّروا عن سواعدهم‪ ،‬وان ٌعٌدوا النظر بكل التارٌخ‬
‫القدٌم الذي نقلوه ونشروه استناداً الى جؽرافٌة التوراة فً فلسطٌن ومحٌطها‪ ،‬وان ٌعٌد "علماء اآلثار" اذا‬
‫وجدوا‪ ،‬النظر فً ما ٌدرسون خصوصا ً ان سادتهم جعلوا التوراة مفتاحا ً الثرٌات ببلد الشام ومصر‪.‬‬
‫"فالكنٌسة القرٌبة تشفً"‪ ،‬اذا كان الناذر مإمنا ً‪.‬‬

‫اسرابٌل فلنكشتاٌن‪ :‬االثرٌات لم تؤٌد التوراة "‬
‫فً مقابلة مع "اسرابٌل فلنكشتاٌن (مدٌر كلٌة اآلثار فً تل ابٌب)‪ ،‬جاء "ان الحفرٌات االثرٌة سٌطر علٌها‬
‫نص التوراة‪ ،‬الذي كان ٌعتبر مقدساً‪ ،‬وكان ٌنتظر ان تصدق الحفرٌات وتإكد الرواٌات التوراتٌة‪ .‬وحتى‬
‫عام ‪ 1960،‬لم ٌكن اي عالم آثار ٌشك فً التارٌخٌة المقدسة لرحبلت اآلباء (اي انبٌاء التكوٌن والخروج) ‪.‬‬
‫وكان المهم العثور على موجودات اثرٌة تإكد النص‪ .‬لكن منذ ذلك الحٌن واالثرٌات وسط معمعة‪ .‬بعد ذلك‬
‫جرّ ب علم اآلثار معرفة وفق اٌة مقاٌٌس ٌتطابق الشاهدان‪ :‬النص واالثر‪.‬‬
‫"معظم الباحثٌن درسوا تارٌخ العبرانٌٌن واالسرابٌلٌٌن استناداً الى التواتر السردي للنص‪ :‬مرحلة اآلباء‪.‬‬
‫الوصول الى مصر‪ ،‬ثم الخروج وؼزو ببلد الكنعان ال االرض الموعودة) ثم االستقرار وانشاء مملكتً‬
‫‪56‬‬

‫اسرابٌل والٌهودٌة‪ .‬اننا الٌوم نسٌر الطرٌق بالعكس‪ .‬من االكثر حداثة حتى االقدم‪ .‬لقد جاهرنا لرإٌة تارٌخ‬
‫قدماء العبرٌٌن ٌعٌشون فً اسرابٌل منطلقٌن من وجهة نظر هإالء الذٌن كتبوا هذا التارٌخ القدٌم فً مرحلة‬
‫متؤخرة‪ .‬لقد مكنتنا الحفرٌات من معرفة شروط حٌاة الناس فً تلك العصور‪ .‬انطبلقا ً من ذلك ٌمكننا ان‬
‫نجرب فهم لماذا وكٌؾ كتبوا هذا القسم او ذاك من النص التوراتً"‪ .‬لقد كتب النص اوالً وتقرٌبا ً قرابة نهاٌة‬
‫مملكة ٌهوذا‪ ،‬وتحت حكم ٌوشٌا اي فً القرن السابع ق‪.‬م‪ .‬واكمل اثناء النفً فً بابل والعودة الى اسرابٌل‬
‫تحت حكم الثور‪ ،‬اي فً القرن السادس‪ .‬وبعدها فان قسما ً كبٌراً من التوراة كان اسطورٌا ً دعابٌا ً‪ .‬وما كتب‬
‫اٌام ٌوشٌا كان لدعم توسع مملكته‪ .‬ولٌس معنى عدم مطابقة االثرٌات المحٌطة فً مصر وآشور مع نص‬
‫التوراة‪ ،‬ان النص مبتدع كلٌا ً‪ .‬ذلك ان التارٌخ دابما ً ما ٌنفع فً االٌدٌولوجٌا‪ .‬وكان على كاتب النص ان‬
‫ٌستند الى اساطٌر مبنٌة حول ابطال سابقٌن انتقلت اخبارهم شفاها ً من جٌل الى جٌل‪.‬‬
‫"لقد اراد ٌوشٌا ان ٌم ّد مجال سٌطرة "الٌهودٌة"‪ ،‬حٌث مملكة اسرابٌل لم تكن موجودة‪ ،‬وتؤثٌر امبراطورٌة‬
‫اآلشورٌٌن الى تراجع ومصر فً انشؽال داخلً‪ .‬لذلك اسند طموحه وامنٌته عبر تعظٌم امجاد داوود‬
‫وسلٌمان اللذٌن لم ٌكونا كما تصورهما النصوص‪ .‬فاالكتشافات االثرٌة االخٌرة تعلمنا ان داوود وسلٌمان‬
‫كانا ؼالبا ً ملوكا ً صؽاراً على مدٌنة اورشٌلم‪ ،‬التً كانت فً حٌنه (القرن ‪ )10-9‬قبل المٌبلد) مدٌنة بابسة‬
‫مشٌدة على منحدر‪ ،‬محاطة بالقرى‪ ،‬والشعب كان قلٌبلً‪ ،‬وبالمجموع امٌا ً منعزالً وؼٌر مستقر‪.‬‬
‫" اننا نعلم اآلن‪ ،‬ان االستٌبلء على ببلد الكنعان لم ٌكن بالوصؾ البطولً لنص التوراة‪ ،‬ولكن عبر هجرة‬
‫طوٌلة متعبة لعشابر سامٌة‪ ،‬تمت خبلل قرن النشاء ما ٌعرؾ بارض المٌعاد‪ .‬ان عظام الجمال التً عثر‬
‫علٌها االثرٌون ال تتطابق مع وصؾ الجمال التً كانت مع قافلة ابراهٌم كما جاء فً النص‪ ،‬بل هً تعود‬
‫لجمال استخدمت بعد عدة قرون‪ ،‬اٌام اآلشورٌٌن‪.‬‬
‫" ان االوساط المتدنٌة تجهل علم اآلثار‪ ،‬وال ٌهمها البحث‪ ،‬بقدر تصدٌق ما هو امامها فً النص‪ .‬وابحاثنا‬
‫صفعت بشدة مشاٌخ الصهٌونٌة الذٌن انشؤوا اسرابٌل والذٌن ٌرٌدوننا كما "اٌؽال ٌادٌن" ان نحمل لهم ما‬
‫ٌإكد النص ال العكس‪".‬‬

‫فٌكتور سٌجلمان‪ :‬علم اآلثار ضد اسرابٌل‪ ،‬ولكن !‬
‫اما فٌكتور سٌجلمان‪ ،‬وان كان اكثر جرأة من فلنكشتاٌن‪ ،‬اال انه صهٌونً بامتٌاز شدٌد‪ .‬اذ كما حمل الشعب‬
‫الفلسطٌنً وزر التفسٌر الصهٌونً الؽربً للتوراة ٌرٌد تحمٌله اٌضا ً وزر سقوط الوهم التوراتً وتجلٌاته‬
‫فً النفً واالقتبلع‪ٌ .‬قول‪ " :‬بالنسبة للفلسطٌنً‪ ،‬فان شرعٌة وجود دولة اسرابٌل هو المطروح‪ ،‬ولٌس فقط‬
‫االراضً التً احتلت عام ‪ 1967 .‬فبعد المإرخٌن الجدد‪ ،‬جاء دور االثرٌٌن الجدد فً اسرابٌل‪ ،‬الذٌن‬
‫وضعوا النص التوراتً محل الشك خصوصا ً حول تارٌخٌة اآلباء واالنبٌاء وحول معبد سلٌمان‪ .‬وعلٌه ان‬
‫االٌدٌولوجٌا الصهٌونٌة التً اسس الٌهود دولتهم على ارض االجداد بناء علٌها لم تعد بالحسبان‪ .‬ان علماء‬
‫اآلثار لم ٌعثروا على اي اثر لخراب معبد‪ ،‬وال مملكة متؤلقة لسلٌمان وال اي شًء آخر‪ .‬والنص التوراتً‬
‫الذي لٌست له قاعدة مادٌة حقٌقٌة‪ ،‬لٌس سوى اختراع ادبً‪ .‬لكن ذلك ال ٌبدل ابداً ارتباط الشعب الٌهودي‬
‫بهذه البقعة المسماة ارض اسرابىل‪ ،‬وبالعربٌة فلسطٌن‪.‬‬

‫‪57‬‬

‫"سواء كان االجداد حقٌقة ام خٌاالً‪ ،‬فان قوة االسطورة الوطنٌة لٌست فً حاجة الى اثبات كً تنمًّ‬
‫دٌنامٌكٌة االنبعاث الوطنً للشعب‪ .‬ان شرعٌة اسرابٌل دولٌة من االمم المتحدة‪ ،‬مثل شرعٌة دولة فلسطٌن‬
‫المقبلة‪ .‬فاستخدام علم اآلثار الثبات ؼٌاب الرابط التارٌخً بٌن الٌهود وببلد اجدادهم‪ ،‬بهدؾ تلبٌة تطلعات‬
‫الشعب الفلسطٌنً‪ ،‬مسؤلة ال طابل منها وخطٌرة‪...".‬‬

‫ال أثر إلبراهٌم‬
‫اما محرر التحقٌق جان لوك بوتٌٌه‪ ،‬فٌرى "ان ال اثر قدم البراهٌم‪ .‬فاثبات وجود ابراهٌم مسؤلة مٌبوس منها‬
‫حسب ابحاث اسرابٌل فلنكشتاٌن‪ .‬النه مع ابراهٌم ٌترك النص التوراتً االسطورة عن الطوفان والجنة‪،‬‬
‫لٌلقً بنفسه فً الجؽرافٌا التارٌخٌة‪ .‬من الممكن متابعة رحلة ابراهٌم من اور الكلدان فً العراق (والحقٌقة‬
‫انه فً النص العبري للتوراة رحل من اور قاصدٌم‪ ،‬وهً منطقة ٌافع السفلى او ببلد بنً قاصد فً جنوب‬
‫الٌمن) نحو مصر‪ ،‬ثم عاد من مصر الى حبرون فً ارض كنعان‪ .‬وهكذا فان ابراهٌم هو البداٌة فً تارٌخ‬
‫اسرابٌل‪ ،‬وعبر التضحٌة باسحق‪ ،‬فانه لعب دوراً فً الوعد بارض المٌعاد‪ ،‬وفً تكملة سلسلة النسب‬
‫واالرتباط باالله‪ .‬لقد درست كل اثرٌات منطقة اور (فً العراق) وماري واوؼارٌت (فً سورٌا) فً‬
‫المرحلة نفسها لهجرة ابراهٌم‪ .‬ولكن ال اثر له‪!.‬‬
‫وفً الوقت نفسه‪ ،‬فان ضرٌح اآلباء فً حبرون (مدٌنة الخلٌل) حٌث ٌتقاتل الٌوم المسلمون والٌهود‪ ،‬هو‬
‫مكان احتفالً تقلٌدي منذ زمن متؤخر‪ .‬ان ابراهٌم شخصٌة تقرٌرٌة‪ ،‬فهو الذي قطع بٌن تع ّدد اآللهة وارتبط‬
‫بإله واحد فً التوراة‪ ،‬واستناداً الى هذه المسؤلة ترتبط الٌوم االدٌان الثبلثة‪".‬‬
‫وتحت عنوان "الحوار بٌن المإرخ والمإمن‪ ،‬اسطورة فعلٌة"‪ٌ ،‬رى الكاتب نفسه‪ ،‬ان التوراة لٌست كتاب‬
‫تارٌخ‪ .‬فالطوفان اسطورة‪ ،‬وابراهٌم خرافة‪ ،‬وموسى والفرعون كانا اقل واقعٌة ومملكة اسرابٌل لم تبدأ مع‬
‫دامود وسلٌمان‪ ،‬فما هً التوراة اذن؟ انها مكتبة ٌتبدل هٌكلها"‪ .‬ثم ٌعرض الكاتب لما نشر من نقد للتوراة‬
‫فً القرون الثبلثة حتى بداٌة القرن العشرٌن فً اوروبا‪ ،‬حٌث بدأت اعمال االثرٌات عام ‪ 1890‬على ٌد‬
‫قسٌس فرنسً‪ .‬لكنه‪ ،‬وان انكر التارخ فً التوراة‪ ،‬اال ان لم ٌهمل المشروع الصهٌونً المبنً على طرد‬
‫الشعب الفلسطٌنً‪ ،‬استناداً الى "حق تارٌخً"‪ ،‬لذلك ٌلجؤ الى الفرنسً ارنست رٌنان لٌقول‪" :‬ان التوراة‬
‫ٌمكن ان تتضمن تارٌخا ً‪".‬‬

‫ال اثر ألرٌما التً دمرها ٌشوع‬
‫ٌرد فً النص التوراتً‪ ،‬ان خلٌفة موسى ٌشوع بن نون‪ ،‬هاجم ملوك الكنعان (بالعشرات كانوا‪ ،‬ولم ٌتطرق‬
‫احد لمعنى كلمة ملك فً النص) وقبلعهم‪ ،‬ومن ضمنها أرٌماالتً تلفظ سرٌانٌا ً وعبرٌا ً (ٌرٌخو)‪ ،‬فٌقول جان‬
‫لوك بوتٌٌه‪" :‬اهتزت وتهدمت اسوار وحصون أرٌما تحت وقع اصوات ابواق ٌشوع‪ .‬انها الصورة االكثر‬
‫انتشاراً من مروٌات التوراة‪ .‬لقد ذهب علماء اآلثار بحثا ً عن اثر الحصون تلك‪ .‬ولكن لبلسؾ ال شًء‪ .‬وبكل‬
‫بساطة‪ ،‬فان هذه المدٌنة (مدٌنة أرٌما فً الضفة الفلسطٌنٌة) لم تكن موجودة فً القرن الثامن قبل المسٌح‪!".‬‬
‫‪58‬‬

‫فً حٌن ان صوفٌا لوران تإكد ان النصوص المصرٌة (نصوص ببلد القبط) االثرٌة لم تإكد ولبلسؾ‬
‫نصوص التوراة وان معظم الباحثٌن ٌإكدون انه من العبث البحث عن قصة موسى والفرعون التً لسنا‬
‫على ٌقٌن من حدوثها‪ ،‬والتً اذا حدثت فانها كانت تخص قلة من الناس"‪ .‬كما ان الكاتبة نفسها تلخص‬
‫الجهود المضنٌة للتحقق من حدوث مسؤلة "الطوفان الضابع"‪ ،‬فما ُسمًّ بسفٌنة نوح فً ارمٌنٌا لم ٌكن‬
‫صحٌحاً‪ ،‬كما ان ورود اخبار الطوفان فً االثرٌات العراقٌة‪ ،‬دفع علماء امٌركٌٌن للبحث عن طوفان فً‬
‫البحر االسود وهكذا‪.‬‬

‫نعم أنبٌاء التوراة حقٌقة تارٌخٌة‬
‫وهكذا‪ ،‬اذا لم ٌجد العلماء اثاراً فً فلسطٌن تد ّل على االحداث التارٌخٌة فً التوراة‪ ،‬لجؤوا الى اعتبارها‬
‫اساطٌر وخرافات دونما طرح السإال البسٌط‪ :‬هل نبحث فً المكان الخطؤ؟ ان مشكلة الفكر الؽربً‪ ،‬الوالد‬
‫الشرعً للفكر الصهٌونً‪ ،‬انه امضى القرون الثبلثة الماضٌة لٌإكد قصة ارض المٌعاد‪ ،‬ولٌخضع كل‬
‫ابحاثه االثرٌة والتارٌخٌة لمصلحة التفسٌر التوراتً‪ ،‬وٌنفً وجود الشعب الفلسطٌنً‪ ،‬نراه الٌوم وقد فشل‬
‫فً دعم ركابز التفسٌر الصهٌونً‪ٌ ،‬لجؤ الى نفً وجود االنبٌاء والى جعل التوراة اسطورة دونما خجل‬
‫أٌضا ً!‬
‫لكن الحقٌقة ان مسرح التوراة كان هناك فً الٌمن‪ .‬فمن ابناء نوح حسب التوراة أزال وحضرموت‪ .‬وآزال‬
‫اسم صنعاء عاصمة الٌمن حتى القرن السادس مٌبلدي او مدٌنة سام‪ .‬كما ان ابرهٌم رحل من حاران فً‬
‫ٌافع السفلى (اور قاصدٌم فً التوراة) جنوب الٌمن التً كانت تسمى ببلد بنً قاصد‪ ،‬الى مصر‪ ،‬ولم ٌسؤل‬
‫الفكر الؽربً (الذي ٌتجاهل العبلقة بٌن العربٌة والسرٌانٌة والعبرٌة)‪ ،‬ان التوراة تتحدث عن (مصراٌم)‬
‫المسقطة الٌوم على دولة مصر التً كان اسمها التارٌخً قبل االسبلم‪ ،‬ببلد القبط ‪ -‬الؽبط‪ ،‬وان هذا االسم‬
‫(إٌجبت) هو السابد فً الٌونانٌة واللؽات االوروبٌة المشتقة من البلتٌنٌة‪ .‬وٌجهل ان مصراٌم ‪ -‬مصر فً‬
‫القاموس العربً هً الحاجز والقلعة‪.‬وان مخبلؾ السمول الٌمنً ٌسمى تارٌخٌا ً مصر الٌمن‪ ،‬وهو ٌقع‬
‫جنوب صنعاء‪ .‬ثم ارتحل ابرهٌم الى حبرون ودفن فً مؽارة المكٌفلة‪ .‬وما زالت مدٌنة حبرون باسمها‬
‫السرٌانً فً منطقة الواحدي شمال عدن وقربها قرٌة المقٌبلة وهً المكٌفلة سرٌانٌا ً‪ .‬وان ابرهٌم تؽرب فً‬
‫جرار وهً تقع جنوب ؼرب صنعاء‪ .‬كما ان حصن ارٌما ما زال باسمه السرٌانً (ٌراخ) جنوب ؼرب‬
‫صنعاء‪ .‬وهكذا مبات االسماء الكنعانٌة الواردة فً التوراة‪ ،‬والتً ثبتناها فً كتابنا "التوراة العربٌة واورشلٌم‬
‫الٌمنٌة‪".‬‬

‫‪59‬‬

‫خالصة‬
‫ان الفكر العربً ٌبلم تارٌخٌا ً واثاراً‪ ،‬وال ٌبلم الفكر الؽربً‪ .‬فمسرح انبٌاء التوراة كان فً الٌمن‪ ،‬وفراعنة‬
‫ٌوسؾ وموسى كانا الولٌد بن الرٌان والرٌان بن الولٌد بشهادة المإرخ الٌمنً الهمدانً فً "كتاب االكلٌل"‪،‬‬
‫والٌهود عشابر عربٌة نسبة للبنً هود "الوارد ذكره فً سورة هود‪ ،‬والذي كان فً االحقاؾ شمال‬
‫حضرموت‬
‫__________________‬
‫‪http://uaesm.maktoob.com/vb/uae476962/‬‬

‫‪60‬‬

‫أطروحة (التوراة جاءت من جزيرة العرب) للصليبي‬
‫د‪.‬ماهر الشريف‬

‫أثارت أطروحة كمال الصلٌبً‪ ،‬الذي كان ٌشؽل منصب أستاذ التارٌخ القدٌم فً الجامعة األمرٌكٌة ببٌروت‪،‬‬
‫وفحواها أن التوراة جاءت من جزٌرة العرب ولٌس من فلسطٌن‪ ،‬ضجة كبٌرة لدى طرحها‪ ،‬وانقسم‬
‫الباحثون المعنٌون بٌن مإٌد ومعارض لها‪.‬‬
‫وفً هذه الحلقة‪ ،‬سؤسعى إلى التعرٌؾ بهذه األطروحة‪ ،‬أو الفرضٌة‪ ،‬وبالحجج التً ٌقدمها الصلٌبً‬
‫لتزكٌتها‪ ،‬وذلك باالستناد إلى ثبلثة كتب أصدرها الباحث المذكور تباعاً‪ ،‬وهً‪" :‬التوراة جاءت من جزٌرة‬
‫العرب" (‪ ،)1985‬و " خفاٌا التوراة وأسرار شعب إسرابٌل " (‪ ،)1988‬و "حروب داود‪ :‬األجزاء‬
‫الملحمٌة من سفر صموبٌل الثانً مترجمة عن األصل العبري" (‪.)1999‬‬
‫كما سؤستعرض موقؾ أحد الباحثٌن الذٌن دعموا هذه األطروحة‪ ،‬وهو فرج هللا صالح دٌب فً كتابه " حول‬
‫أطروحات كمال الصلٌبً‪ .‬التوراة فً اللؽة والتارٌخ والثقافة الشعبٌة" (‪.)1989‬‬

‫‪61‬‬

‫فرضٌة الصلٌبً العلمٌة‬
‫فً مقدمة الطبعة العربٌة من الكتاب الذي أصدره فً عام ‪ ،1985‬بعنوان‪" :‬التوراة جاءت من جزٌرة‬
‫العرب" ‪ٌ ،‬فترض كمال الصلٌبً أن البٌبة التارٌخٌة للتوراة لم تكن فً فلسطٌن بل فً ؼرب شبه الجزٌرة‬
‫العربٌة بمحاذاة البحر األحمر‪ ،‬وتحدٌداً فً ببلد السراة ‪ ،‬أي فً جنوب الحجاز وفً المنطقة المعروفة الٌوم‬
‫بعسٌر‪ .‬وبالتالً‪ ،‬فإن بنً إسرابٌل من شعوب العرب البابدة‪ ،‬أي من شعوب الجاهلٌة األولى‪ ،‬الذٌن كان‬
‫لهم‪ ،‬بٌن القرن الحادي عشر والقرن السادس قبل المٌبلد‪ ،‬ملكا ً فً ببلد السراة‪.‬‬
‫وقد زال هذا الشعب من الوجود بزوال مُلكه‪ ،‬ولم ٌعد له أثر بعد أن انحلت عناصره وامتزجت بشعوب‬
‫أخرى فً شبه الجزٌرة العربٌة وفً ؼٌر شبه الجزٌرة العربٌة‪ .‬أما الٌهودٌة‪ ،‬فهً دٌانة توحٌدٌة وضعت‬
‫أسسها أصبلً على أٌدي أنبٌاء من بنً إسرابٌل‪ ،‬وانتشرت على أٌدٌهم أول األمر ثم استمرت فً االنتشار‬
‫بعد زوالهم وانقراضهم كشعب (الصلٌبً‪ ،‬التوراة جاءت‪ ،...‬ص ‪.)12-11‬‬
‫وبنا ًء على ذلك‪ ،‬فإن االدعاء "الصهٌونً" الحدٌث بؤن الٌهود لٌسوا مجتمعا ً دٌنٌا ً فحسب بل شعب ورٌث‬
‫لبنً إسرابٌل‪ ،‬وأن له الحقوق التارٌخٌة لبنً إسرابٌل‪ ،‬إنما هو ا ّدعاء باطل أصبلً‪ ،‬ألن بنً إسرابٌل شعب‬
‫باد منذ القرن الخامس قبل المٌبلد (الصلٌبً‪ ،‬التوراة جاءت‪ ،...‬ص ‪.)12‬‬

‫منهج الكاتب وؼرضه ومصادره‬
‫ٌعتبر كمال الصلٌبً أن تارٌخٌة عدد من الرواٌات التوراتٌة بقٌت عرضة للنقاش الحاد فً العقود األخٌرة‪،‬‬
‫بٌنما جؽرافٌة هذه الرواٌات استمرت معتبرة من المسلمات‪ .‬ومع أن األراضً الشمالٌة للشرق األدنى قد‬
‫مسحت وحفرت من قبل أجٌال متوالٌة من علماء اآلثار‪-‬كما ٌتابع‪ -‬فإنه لم ٌعثر فً أي مكان كان على أثر‬
‫واحد ٌمكنه أن ٌص ّنؾ جدٌا ً على أنه ٌتعلق مباشرة بالتارٌخ التوراتً‪ .‬وخبلفا ّ للباحثٌن والعلماء التوراتٌٌن‪،‬‬
‫ٌإكد الصلٌبً أنه سٌقلب األمور رأسا ً على عقب‪ ،‬بحٌث بدالً من أن ٌؤخذ جؽرافٌا التوراة كمسلّمة وٌناقش‬
‫صحتها كتارٌخ‪ ،‬سٌؤخذ تارٌخٌتها كمسلّمة وٌناقش جؽرافٌتها (الصلٌبً‪ ،‬التوراة جاءت‪ ،...‬ص‪.)53 -50‬‬
‫فؽرضه هو إذن توضٌح ؼوامض التارٌخ التوراتً عن طرٌق إعادة النظر فً خرٌطة التوراة‪ ،‬وذلك من‬
‫خبلل المقابلة اللؽوٌة بٌن أسماء األماكن المضبوطة فً التوراة بالحرؾ العبري‪ ،‬وأسماء أماكن تارٌخٌة أو‬
‫حالٌة فً جنوب الحجاز وفً ببلد عسٌر مؤخوذة إما عن قدامى الجؽرافٌٌن العرب‪ ،‬أو عن المعجم‬
‫الجؽرافً للمملكة العربٌة السعودٌة‪ ،‬أو عن معاجم جؽرافٌة أخرى مثل "معجم معالم الحجاز" و "معجم‬
‫قبابل الحجاز"‪ ،‬و"معجم قبابل المملكة العربٌة السعودٌة"‪ ،‬وكتاب "فً ربوع عسٌر‪ ،‬ذكرٌات وتارٌخ"‪،‬‬
‫وكتاب "فً ببلد عسٌر"‪ ...‬إلخ‪ .‬وباإلضافة إلى هذه المصادر‪ ،‬قام الباحث ‪-‬كما ٌإكد‪ -‬بزٌارة المنطقة المعنٌة‬
‫ّ‬
‫لبلطبلع المباشر على طبٌعتها‪ ،‬وللتحقق من اللفظ المحلً لبعض أسماء المواقع فٌها (الصلٌبً‪ ،‬التوراة‬
‫جاءت‪ ،...‬ص ‪.)14-13‬‬
‫‪62‬‬

‫وٌشٌر الصلٌبً إلى أنه‪ ،‬فً معالجته للنصوص التوراتٌة‪ ،‬سٌسعى إلى أن ٌفهم المقصود منها كما وردت‬
‫باألحرؾ الساكنة‪ ،‬ولن ٌستند إلى النص التوراتً "المصورٌتً"‪ ،‬الذي ضبطته فبة من أحبار الٌهود‪ ،‬عرفت‬
‫باسم "المصورٌتٌٌن" أو "المسورٌٌن"‪ ،‬ما بٌن القرنٌن السادس والعاشر المٌبلدٌٌن‪ ،‬معتبراً أن هإالء‬
‫األخٌرٌن قاموا " بتحرٌؾ النصوص التوراتٌة عن طرٌق إدخال الحركات والضوابط علٌها بصورة‬
‫اعتباطٌة فً أحٌان كثٌرة‪ ،‬مما ؼٌّر إعراب الجمل وحوّ ر المعانً" (الصلٌبً‪ ،‬التوراة جاءت‪ ،...‬ص ‪.)16‬‬

‫تارٌخ بنً إسرابٌل‬
‫ٌستعرض كمال الصلٌبً‪ ،‬فً كتاب "التوراة جاءت من جزٌرة العرب"‪ ،‬وفً كتاب "حروب داود"‪ ،‬تارٌخ‬
‫بنً إسرابٌل؛ فٌذكر بؤن هإالء كانوا فً ؼابر الزمن شعبا ً تارٌخٌا ً عاش فً ؼرب الجزٌرة العربٌة‪ ،‬متحوالً‬
‫فٌها على مراحل من البداوة إلى التحضر‪ .‬وعندما اكتمل تحضره أو كاد‪ ،‬صارت له مملكة عرفت باسمه‪،‬‬
‫وذلك فً الربع األخٌر من القرن الحادي عشر قبل المٌبلد‪.‬‬
‫وكان بنو إسرابٌل فً زمانهم ٌمثلون ابتبلفا ً قبلٌا ً بٌن مجموعة من "األسباط" اجتمعت حول عبادة إله واحد‬
‫اسمه "ٌهوه"‪ ،‬وهو بالنسبة إلٌهم "الرب"‪ .‬واألسباط هذه من أصول مختلفة‪ ،‬ومنها سبط الوي الذي كان منه‬
‫وحده الكهنة‪ .‬أما بقٌة األسباط‪ ،‬فكانوا أحد عشر فً العدد‪ ،‬ومن هذه عشرة كانت تعرؾ أصبلً‪ ،‬على ما‬
‫ٌبدو‪ ،‬باسم "إسرابٌل"‪ ،‬وتنتسب إلى الشعب "العِبري" أو "العبرانً"‪ .‬وكان أبرز أسباط إسرابٌل العشرة‬
‫سبط بنٌامٌن‪ ،‬بالعبرٌة "بن ٌمٌن"‪ ،‬أي "ابن الجنوب"‪ ،‬أو "ابن الٌمن"‪ .‬أما السبط الحادي عشر فً االبتبلؾ‬
‫القبلً لبنً إسرابٌل‪ ،‬فكان سبط ٌهوذا (بالعبرٌة "ٌهوده")‪ ،‬والسبط هذا من أصل إرمً [آرامً]‪ ،‬وكان بنو‬
‫ٌهوذا فً األصل ٌتكلمون اللؽة اإلرمٌة‪ ،‬وهً من اللؽات السامٌة الشقٌقة للعبرٌة والعربٌة‪ ،‬لكنهم تحولوا من‬
‫اإلرمٌة إلى العبرٌة بعد دخولهم فً االبتبلؾ اإلسرابٌلً (الصلٌبً‪ ،‬حروب داود‪ ،...‬ص ‪.)21-18‬‬
‫وٌتابع الصلٌبً عرضه؛ فٌذكر بؤن أول ملك على مملكة إسرابٌل كان عبرٌا ً من سبط بنٌامٌن اسمه شاوُ ل‬
‫بن قٌس (‪ 1000-1021‬ق‪.‬م تقرٌبا ً)‪ .‬وٌبدو ان هذا األمر لم ٌرُ ق بنً ٌهوذا‪ ،‬فقام هإالء ٌناهضون الملك‬
‫شاول بقٌادة زعٌم شاب منهم اسمه داود بن ٌِ َسًّ ‪ .‬وكانت لشاول طوال سنً ملكه حروب مع ال َفلَ َسة‬
‫(بالعبرٌة التوراتٌة "ه‪-‬فلشتٌم"‪ ،‬وهً صٌؽة جمع النسبة من "فلشت"‪ ،‬وٌقال فً الترجمات التقلٌدٌة‬
‫"الفلسطٌنٌون"‪ ،‬و "الفلسة"‪ ،‬أو " الفلستٌّون")‪ .‬وهإالء شعب كان ٌنافس بنً إسرابٌل آنذاك على السٌطرة‪،‬‬
‫وكانوا ٌتكلمون اللؽة نفسها التً كان ٌتكلمها بنو إسرابٌل‪ ،‬لكنهم كانوا من عبدة األصنام‪ .‬وقتل شاول فً‬
‫آخر واقعة له مع الفلسة‪ ،‬وقتل ثبلثة من أبنابه األربعة معه‪ ،‬وانتقل الملك إلى آخر من تبقى من بنٌه‪.‬‬
‫وكان بنو ٌهوذا قد نصبوا داود ملكا ً على ٌهوذا ٌنافس ابن شاول على ملك جمٌع إسرابٌل‪ ،‬وقامت الحروب‬
‫بٌن الفرٌقٌن فدامت سنتٌن (‪ 1000-1002‬ق‪.‬م)‪ ،‬إلى أن انتهت باؼتٌال ابن شاول ؼدراً ‪ ،‬وبوٌع داود على‬
‫مُلك "جمٌع إسرابٌل"‪ .‬وعند وفاته‪ ،‬انتقل ملكه إلى ابنه سلٌمان (‪ 925-962‬ق‪.‬م‪ .‬تقرٌبا ً)‪.‬‬
‫فؤحسن سلٌمان تدبٌر المملكة‪ ،‬وصارت له شهرة واسعة‪ ،‬لكن ما لبثت مملكته أن انقسمت فور موته إلى‬
‫مملكتٌن‪ :‬األولى مملكة ٌهوذا التً توارثها الملوك من األسرة الداودٌة‪ ،‬من سبللة سلٌمان‪ ،‬والثانٌة مملكة‬
‫إسرابٌل التً انتقل الحكم فٌها من أسرة إلى أسرة من المتؽلبة‪ .‬وكان مركز مملكة ٌهوذا فً مرتفعات‬
‫السراة‪ ،‬وتتبعها نواح مختلفة من تهامة‪ ،‬أما مملكة إسرابٌل فكان مركزها فً تهامة‪ ،‬وجاءت الحدود بٌن‬
‫‪63‬‬

‫المملكتٌن متداخلة فً معظم المواقع (الصلٌبً‪ ،‬حروب داود‪ ،...‬ص ‪. )25-24‬‬
‫واستمرت مملكة إسرابٌل فً الوجود حتى انتهى أمرها عام ‪ 721‬ق‪ .‬م على ٌد الملك اآلشوري سرجون‬
‫الثانً‪ .‬فسٌق أهلها من أسباط إسرابٌل العشرة إلى "حله‪-‬زه" ‪ ،‬وهً الٌوم قرٌة حِلزا بمنطقة نجران‪ ،‬و‬
‫"حبور"‪ ،‬وهً الٌوم قرٌة "الخبار" بناحٌة بلؽازي من منطقة جٌزان‪ .‬وبعد زوال مملكة إسرابٌل وتشتٌت‬
‫أهلها‪ ،‬استمرت مملكة ٌهوذا فً سراة عسٌر وأصدار تهامة‪ ،‬إلى أن كانت نهاٌتها على ٌد نبوخذ نصر ملك‬
‫بابل قرابة عام ‪ 586‬ق‪ .‬م‪ ،‬وسُبً األعٌان من شعبها باإلضافة إلى فرٌق كبٌر من العامة‪ ،‬وسٌقوا إلى ببلد‬
‫بابل فً جنوب العراق (الصلٌبً‪ ،‬حروب داود‪ ،...‬ص ‪.)27 -25‬‬
‫وما لبثت دولة بابل أن انهارت‪ ،‬وجاء دور الدولة الفارسٌة األخمٌنٌة‪ .‬ففً السنة ‪ 538‬قبل المٌبلد فتح‬
‫الفرس بابل‪ ،‬وفً السنة ‪ 525‬اجتاحوا الشام واحتلوا مصر‪ ،‬ووسعوا رقعة حكمهم لٌشمل الكثٌر من شبه‬
‫الجزٌرة العربٌة‪ .‬وبإذن من الفرس أنفسهم‪ ،‬عاد حوالً ‪ 40‬ألفا ً من أبناء األسرى اإلسرابٌلٌٌن فً ببلد‬
‫فارس والعراق مع عاببلتهم إلى ؼرب شبه الجزٌرة العربٌة وفً نٌتهم إعادة بناء مجتمعهم هناك‪ .‬لكن‬
‫سرعان ما خابت آمال هإالء اإلسرابٌلٌٌن العابدٌن‪ ،‬إذ وجدوا كل ما حولهم خرابا ً وفقراً‪ .‬وأما ما تبل ذلك‬
‫فبل ٌمكن اكتشافه إال بالتكهن‪ ،‬ألن الرواٌة التارٌخٌة للتوراة العبرٌة تتبلشى وتنتهً عند هذه النقطة‪ ،‬وٌنتهً‬
‫معها تارٌخ بنً إسرابٌل الذٌن زالوا من الوجود كشعب (الصلٌبً‪ ،‬التوراة جاءت‪ ،...‬ص ‪.)43-42‬‬

‫وتطورها‬
‫نشوء الٌهودٌة‬
‫ّ‬
‫ٌفترض كمال الصلٌبً أن األصول الحقٌقٌة للٌهودٌة ٌجب البحث عنها فً ثناٌا االتجاه فً منحى التوحٌد‬
‫فً عسٌر القدٌمة‪ ،‬حٌث ت ّم الجمع فً وقت ما بٌن عدد من آلهة الجبال (ومنهم ٌهوه وآلهة صبءوت وشلم‬
‫وشدي وعلٌون‪ ،‬وهم فً الترجمة العربٌة المعتمدة "الرب" و "إله الجنود" و"إله السبلم" و "هللا القدٌر"‬
‫و"هللا العلً")‪ ،‬واعترؾ بهم كإله واحد أسمى‪ .‬وهكذا‪ ،‬بات بنو إسرابٌل ٌعبدون "الرب" ٌهوه باعتباره‬
‫الكبٌر بٌن اآللهة‪ ،‬والخالق للكون‪ ،‬وهو اإلله القدٌر الذي اختار بنً إسرابٌل –حسب معتقدهم‪ -‬لٌكونوا له‬
‫شعبا ً خاصا ً ٌخلص العبادة له وحده حسب الشرٌعة التً وضعها لهم موسى‪ .‬والشرٌعة هذه هً "التوراة"‬
‫بمعنى "التعلٌم" [والكلمة تعنً حرفٌا ً "التربٌة"]‪ .‬ولم ٌكن ٌهوه إلها ً منظوراً ٌتمثل بصنم‪ ،‬بل كان روحا ً خفٌة‬
‫مسكنها فً صندوق من خشب السنط ٌحتوي على ألواح "الوصاٌا العشر" التً تسلمها موسى أصبلً من‬
‫ٌهوه‪ ،‬وٌسمى "تابوت العهد"‪ ،‬وكان بنو إسرابٌل ٌحملونه حٌثما توجهوا‪.‬‬
‫وقد قام دواد بنقل هذا التابوت إلى عاصمته "صٌون"‪ ،‬وهً المكان المعروؾ الٌوم بقعوة صٌان‪ ،‬فً منطقة‬
‫رجال ألمع من تهامة عسٌر‪ .‬وبعد وفاته‪ ،‬نقل ابنه سلٌمان قاعدة الملك إلى "ٌروشلم" فً جوار ما هو الٌوم‬
‫بلدة النماص‪ ،‬فً منطقة بنً شِ هر من سراة رجال الحِجر‪ ،‬وقام بتشٌٌد هٌكل ٌلٌق بكبٌر اآللهة فً العاصمة‬
‫الجدٌدة وجًء بتابوت العهد من قعوة صٌان‪ ،‬فوضع فً قدس أقداس الهٌكل الجدٌد‪ ،‬الذي هدمه نبوخذ نصر‬
‫(الصلٌبً‪ ،‬حروب داود‪ ،...‬ص ‪.)29-27‬‬
‫وٌتابع الصلٌبً استعراضه لنشوء الٌهودٌة وتطوّ رها؛ فٌذكر أنه قرابة العام ‪ 621‬ق‪.‬م أعلن حِلقٌٌا‪ ،‬الذي‬
‫شؽل منصب الكاهن األعظم فً زمن الملك ٌوشٌا (‪ 609-640‬ق‪.‬م)‪ ،‬أنه اكتشؾ "سفر الشرٌعة فً بٌت‬
‫ٌهوه"‪ ،‬وكان هذا السفر المكتشؾ‪ ،‬وال شك‪ ،‬من تصنٌؾ حلقٌا نفسه ‪ ،‬وجاء ٌعكس قلق الكهنوت فً مملكة‬
‫‪64‬‬

‫ٌهوذا من حركة التجدٌد التً ٌقودها األنبٌاء‪ .‬وقامت حركة اتسمت بالتشدد فً تطبٌق الشرٌعة الموسوٌة‪،‬‬
‫وهكذا ت ّم ترسٌخ األسس األولى لمذهب "الٌهودٌة" الذي صار ٌعرؾ بهذا االسم نسبة إلى شعب "ٌهوده" أي‬
‫ٌهوذا‪.‬‬
‫ؼٌر أن المذهب الٌهودي لم ٌكتمل تكوٌنه إال بعد سقوط مملكة ٌهوذا وسبً األعٌان من شعبها إلى أرض‬
‫بابل فً اوابل القرن السادس قبل المٌبلد (الصلٌبً‪ ،‬حروب داود‪ ،...‬ص ‪.)33-32‬‬
‫وبعد سقوط مملكة بابل فً أٌدي الفرس فً عام ‪ 539‬ق‪ .‬م‪ ، .‬اهتم الفرس بؤمر الٌهود‪ ،‬وبدأ أحبار الٌهود‬
‫من البلوٌٌن ٌنشطون فً جمع النصوص المقدسة من أسفار التوراة وإخضاعها للضبط والتحقٌق‪ ،‬وأضافوا‬
‫إلٌها أسفاراً جدٌدة مثل سفر عزرا‪ ،‬وسفر نحمٌا‪ .‬وكان من أهم الذٌن قاموا بهذا العمل رجل من البلوٌٌن‪،‬‬
‫من أبناء القرن الخامس قبل المٌبلد‪ٌ ،‬دعى عزرا (والضبط القرآنً لبلسم "عزٌز")‪ ،‬وهو من أحفاد ٌهود‬
‫السبً‪ .‬وهناك شبه إجماع بٌن الباحثٌن على أن عزرا كان عمله هو األساس الحقٌقً فً المذهب الٌهودي‬
‫(الصلٌبً‪ ،‬حروب داود‪ ،...‬ص ‪.)35-34‬‬
‫وكان أتباع عزرا ٌعرفون حتى أواخر القرن األول للمٌبلد باسم "الفرّ ٌسٌٌن" أي "المفسرٌن"‪ ،‬وكانوا ٌقولون‬
‫بوجود توراة شفوٌة ؼٌر مكتوبة تكمل التوراة المكتوبة‪ ،‬فجاإوا ٌفسرون التوراة المكتوبة على أساس‬
‫التوراة الشفوٌة هذه‪ .‬وما "التلمود" عند الٌهود‪-‬ومعظمه مكتوب باللؽة األرمٌة‪ -‬إال تدوٌن الحق للتوراة‬
‫الشفوٌة التً ٌقول بها الفرٌسٌون‪.‬‬
‫واعتماد تعالٌم التوراة الشفوٌة –ومن بعدها التلمود‪ -‬هو ما صار ٌمٌز المذهب الٌهودي أكثر ما ٌكون عن‬
‫ؼٌره من المذاهب الموسوٌة‪ ،‬ومنها مذهب النصرانٌة األولى التً انطلقت منها المسٌحٌة‪ .‬وكان النصارى‬
‫األوابل ٌعتبرون أنفسهم إسرابٌلٌٌن أقحاحا ً وٌصرون على تطبٌق شرٌعة موسى بحذافٌرها‪ ،‬كما هً مدونة‬
‫فً أسفار التوراة‪ ،‬لكن النصرانٌة األولى ما لبثت أن تحولت على ٌد الرسول بولس إلى ما صار ٌعرؾ‬
‫بالمسٌحٌة‪ ،‬التً نجحت إلى حد أنها قضت تماما ً على ما كانت علٌه النصرانٌة األولى‪.‬‬
‫ولما انتهى أمر هذه النصرانٌة األولى كمذهب موسوي‪ ،‬وحلت محلها المسٌحٌة الرسولٌة‪ ،‬لم ٌعد هناك من‬
‫منافس ٌذكر للمذهب الٌهودي بٌن المذاهب الموسوٌة إال بعض المذاهب الصؽرى مثل السمرة‪ ،‬وبدأ األمر‬
‫ٌختلط لدى العامة بٌن مفهوم الٌهودٌة كمذهب موسوي بٌن مذاهب عدة‪ ،‬وبٌن مفهوم بنً إسرابٌل كشعب‬
‫تارٌخً كان له شؤنه فً ؼابر العصور (الصلٌبً‪ ،‬حروب داود‪ ،...‬ص ‪.)37-35‬‬

‫‪65‬‬

‫كٌؾ أُعدّت التوراة ؟‬
‫ٌرجح الصلٌبً أن ٌكون تؤلٌؾ محتوى الجزء األكبر من أسفار التوراة قد ت ّم أصبلً فً زمن ملوك إسرابٌل‬
‫وٌهوذا‪ ،‬أي بٌن القرن العاشر وأوابل القرن السادس قبل المٌبلد‪ .‬أما النص الذي لدٌنا من هذه األسفار‪ ،‬فقد‬
‫جاء نتٌجة لعملٌة جمع وتنسٌق وتحقٌق تمت على مراحل بعد السبً البابلً‪ .‬واألرجح أن العمل هذا لم ٌُبدأ‬
‫به إال فً أواسط القرن الخامس قبل المٌبلد‪ ،‬أي بعد قرنٌن تقرٌبا ً من زمن السبً‪ ،‬وبعد قرن تقرٌبا ً من‬
‫سقوط مملكة بابل بٌد الفرس عام ‪ ، 539‬والذٌن قاموا بهذا العمل كانوا من ٌهود السبً الذٌن ولدوا فً‬
‫اإلرمٌة"‪.‬‬
‫أرض بابل ونشؤوا على لؽتها‪ ،‬وهً اللؽة المسماة "اآلرامٌة" ‪ ،‬واألصح أن ٌقال بالعربٌة " َ‬
‫ولم تكن العبرٌة‪ ،‬بالنسبة إلى هإالء الٌهود‪ ،‬إال لؽة ٌتعلمها الخاصة منهم لقراءة النصوص المقدسة‬
‫وممارسة الطقوس الدٌنٌة‪ .‬والدلٌل على ذلك أن عملٌة جمع نصوص التوراة وتحقٌقها ما كادت أن تتم حتى‬
‫بدأ العمل فً نقل هذه النصوص –شفوٌا ً ثم كتابة‪ -‬إلى اللؽة اإلرمٌة فٌما ٌسمى "الترجوم" حتى ٌصبح‬
‫محتوى هذه النصوص مفهوما ً لدى العامة‪ .‬وكان من الطبٌعً‪ ،‬نظراً لبعد الزمن واختبلؾ البٌبة‪ ،‬أن ٌلتبس‬
‫األمر بشؤن مقاطع كثٌرة من أسفار التوراة فً أصلها العبري على هإالء الذٌن قاموا بجمعها وتحقٌقها فً‬
‫ببلد بابل (الصلٌبً‪ ،‬حروب داود‪ ،...‬ص ‪.)14-13‬‬
‫وعلى أساس النص المحقق –ولٌس النص األصلً‪ -‬من هذه األسفار القدٌمة من التوراة جاءت ترجمتها إلى‬
‫إرمٌة "الترجوم"‪ ،‬وكذلك إلى الٌونانٌة فً ما ٌسمى "السبعونٌة"‪ .‬وعندما بدأت هذه النصوص نفسها تنقل‬
‫إلى اللؽات الحدٌثة‪ ،‬ومنها العربٌة‪ ،‬درج المترجمون على اللجوء إلى "الترجوم"‪ ،‬وأكثر من ذلك إلى‬
‫"السبعونٌة"‪ ،‬كلما تعذر علٌهم فهم المقصود من أي مقطع فً أصله العبري‪.‬‬
‫وٌبدو أن ما فعله علماء التوراة –من حٌث اللجوء إلى "الترجوم" أو إلى "السبعونٌة" لفهم الؽامض من‬
‫النص العبري‪ -‬هو نفسه ما فعله فرٌق "المسورٌٌّن" (أي أهل التقلٌد) من أحبار الٌهود‪ .‬وهو الفرٌق الذي قام‬
‫بإدخال الحركات والضوابط على النص العبري للتوراة بؤكملها بٌن القرنٌن السادس والعاشر بعد المٌبلد‪.‬‬
‫وقد نشط هإالء المسورٌّون فً العراق وبلدة طبرٌة من فلسطٌن‪ ،‬وكانت لؽة األوابل منهم اإلرمٌة‪ ،‬ولؽة‬
‫المتؤخرٌن منهم العربٌة‪.‬‬
‫وهكذا جاء التحرٌك المسوري للؽة التوراة مصطنعاً‪ ،‬منه ما أُخذ قٌاسا ً على لفظ اإلرمٌة أو العربٌة‪ ،‬ومنه ما‬
‫أُخذ عن الٌونانٌة‪ .‬ولٌس ثمة من ٌعرؾ تماما ً كٌؾ كانت لؽة التوراة تنطق فً األصل‪ ،‬حٌث زالت اللؽة‬
‫العبرٌة زواالً تاما ً من الوجود‪ ،‬كلؽة محكٌة‪ ،‬بدءاً من القرن الثالث قبل المٌبلد‪ ،‬إن لم ٌكن قبل (الصلٌبً‪،‬‬
‫حروب داود‪ ،...‬ص ‪.)15-14‬‬
‫وٌخلص الصلٌبً إلى أنه عندما بدأت عملٌة إحٌاء العبرٌة لتكون لؽة محكٌة من جدٌد‪ ،‬بحافز من الحركة‬
‫الصهٌونٌة التً ظهرت فً أواخر القرن التاسع عشر فً أوروبا‪ ،‬تم إحٌاء هذه اللؽة بناء على التصوٌت‬
‫المسوري للؽة التوراة‪ .‬فجاءت العبرٌة الحدٌثة اصطناعا ً على اصطناع (الصلٌبً‪ ،‬حروب داود‪ ،...‬ص‬
‫‪.)17-15‬‬

‫‪66‬‬

‫الٌهود فً فلسطٌن‬
‫جاءت عبلقة الٌهودٌة بفلسطٌن نتٌجة لعوامل عدة‪ ،‬أولها جؽرافً‪ ،‬وهو أن ببلد الشام ما هً إال امتداد‬
‫ألرض ؼرب الجزٌرة العربٌة باتجاه الشمال‪ ،‬وشهدت نزوحا ً بشرٌا ً إلٌها من ببلد ؼرب الجزٌرة العربٌة‬
‫منذ أقدم العصور‪ .‬وقد بدأ المذهب الٌهودي فً البروز بشكله الممٌز فً ببلد بابل فً العراق‪ ،‬ثم انتشر إلى‬
‫ؼرب الجزٌرة العربٌة‪ ،‬وإلى ببلد الشام‪ ،‬ومنها فلسطٌن‪ .‬وسرعان ما صار للٌهود فً فلسطٌن وجود كثٌؾ‪،‬‬
‫بحٌث صار الٌونان ومن بعدهم الرومان ٌطلقون اسم "الٌهودٌة" على جزء منها‪ .‬وفً هذا الجزء أطلق‬
‫الٌهود اسم "ٌروشلم" على بلدة كانت تدعى باألصل "إٌلٌا"‪ .‬وبعد ذلك‪ ،‬صار الٌهود وؼٌرهم من الطوابؾ‬
‫الموسوٌة ٌطلقون أسماء توراتٌة على مواقع أخرى فً فلسطٌن حٌث استوطنوا (الصلٌبً‪ ،‬حروب داود‪،...‬‬
‫ص ‪.)39-38‬‬
‫وٌرجح الصلٌبً أن ٌكون االنتشار المبكر للٌهودٌة من موطنها األصلً فً ؼرب شبه الجزٌرة العربٌة إلى‬
‫فلسطٌن وبقاع أخرى فً الشمال قد ا ّتبع مسار القوافل التجارٌة العابرة لشبه الجزٌرة العربٌة‪ .‬ففً العالم‬
‫القدٌم‪ ،‬كان إقلٌم عسٌر فً ؼرب شبه الجزٌرة العربٌة مكان اللقاء للقوافل المحملة بتجارة ببلد حوض‬
‫المحٌط الهندي (الهند‪ ،‬جنوب الجزٌرة العربٌة‪ ،‬شرق أفرٌقٌا) اآلتٌة من اتجاه‪ ،‬والقوافل المحملة بتجارة‬
‫فارس والعراق وببلد حوض شرق البحر األبٌض المتوسط (الشام‪ ،‬مصر‪ ،‬عالم بحر إٌجه) اآلتٌة من اتجاه‬
‫آخر‪ .‬ونظراً لوقوع فلسطٌن فً الزاوٌة الجنوبٌة للشام‪ ،‬وبالقرب من مصر‪ ،‬فقد كانت هً المحطة الساحلٌة‬
‫األولى لتجارة ؼرب شبه الجزٌرة العربٌة فً ذلك االتجاه‪ .‬وال ب ّد أن المستوطنٌن الٌهود األوابل هناك كانوا‬
‫من تجار ؼرب شبه الجزٌرة العربٌة ومن رجال القوافل العاملٌن فً تلك التجارة (الصلٌبً‪ ،‬التوراة‬
‫جاءت‪ ،...‬ص ‪.)31‬‬
‫بٌد أن الٌهود لم ٌكونوا –كما ٌتابع‪ -‬أول من استوطن فلسطٌن قادما ً من ؼرب شبه الجزٌرة العربٌة‪ ،‬بل‬
‫سبقهم هناك " الفلستٌّون" ‪ ،‬الذٌن أعطوا اسمهم لفلسطٌن‪ ،‬والكنعانٌون الذٌن نزحوا من ؼرب شبه الجزٌرة‬
‫العربٌة فً زمن مبكر‪ ،‬عندما "تفرقت" قبابلهم فً األرجاء‪ ،‬لٌعطوا اسمهم ألرض كنعان (كنعن) على‬
‫امتداد الساحل الشامً شمال فلسطٌن‪ ،‬فً المنطقة التً سمّاها اإلؼرٌق فٌنٌقٌا (على اسم الفنٌقا فً عسٌر)‪.‬‬
‫وفً فلسطٌن‪ٌ ،‬بدو أن الفلستٌٌن أطلقوا على عدد من مستوطناتهم (مثل ؼزة وعسقبلن) أسماء هً فً‬
‫األصل أسماء ألماكن فً ؼرب شبه الجزٌرة العربٌة جاإوا منها‪ .‬كما أعطى الكنعانٌون أٌضا ً أسماء من‬
‫ؼرب شبه الجزٌرة العربٌة لبعض مستوطناتهم‪ ،‬وهً أسماء مثل صور وصٌدون وجبٌل وأرواد‪ .‬وعندما‬
‫بدأ إسرابٌلٌو ؼرب شبه الجزٌرة العربٌة بالهجرة باتجاه الشمال لبلستٌطان فً فلسطٌن‪ ،‬كابنا ً ما كان زمن‬
‫الهجرة‪ ،‬أطلقوا بدورهم أٌضا ً أسماء من ؼرب شبه الجزٌرة العربٌة على مستوطناتهم الفلسطٌنٌة‪ ،‬أو على‬
‫أوابد دٌنٌة محلٌة استولوا علٌها وعرّ فوها بؤوابد ٌهودٌة فً ؼرب شبه الجزٌرة العربٌة‪ ،‬وهً أسماء مثل‬
‫ٌهوده‪ ،‬وٌروشلٌم‪ ،‬وبٌت لحم‪ ،‬وحبرون‪ ،‬وشمرون وتعرٌبها "السامرة " (الصلٌبً‪ ،‬التوراة جاءت‪ ،...‬ص‬
‫‪.)35-33‬‬
‫وخبلل القرن الثانً قبل المٌبلد‪ ،‬اؼتنم الٌهود فرصة استمرار النزاع على فلسطٌن بٌن البطالسة والسلوقٌٌن‪،‬‬
‫فقاموا بثورة ناجحة عام ‪ 167‬قبل المٌبلد‪ ،‬تمكنوا على إثرها من انتزاع استقبللهم عن الحكم السلوقً فً‬
‫‪67‬‬

‫سنة ‪ 142‬أو ‪ 141‬قبل المٌبلد‪.‬‬
‫ونجح قادة هذه الثورة الٌهودٌة‪ ،‬الذٌن كانوا ٌنتمون إلى أسرة الحمشونٌٌن من الكهنة‪ ،‬فً السٌطرة على‬
‫أورشلٌم الفلسطٌنٌة‪ ،‬وأكرهوا السكان على اعتناق الٌهودٌة‪ .‬وفً عهد الرومان‪ ،‬أعاد مجلس الشٌوخ‬
‫الرومانً‪ ،‬فً سنة ‪ 37‬قبل المٌبلد‪ ،‬تنظٌم المنطقة جاعبلً منها مملكة "الٌهودٌة" التابعة لروما‪ ،‬ونصّب‬
‫علٌها هٌرودس األدومً (توفً سنة ‪ 4‬قبل المٌبلد) ملكا ً‪ .‬وقام هٌرودس هذا ببناء هٌكل فً مدٌنة أورشلٌم‬
‫الفلسطٌنٌة‪ ،‬دمره الرومان فٌما بعد عندما خربوا المدٌنة وشتتوا سكانها وسكان جوارها من الٌهود فً سنة‬
‫‪ 70‬بعد المٌبلد‪ .‬وبعد ذلك بزمن ؼٌر بعٌد‪ ،‬أعاد الرومان فً عهد االمبراطور هادرٌان بناء المدٌنة وسمّوها‬
‫"آٌلٌل كابٌتولٌنا" (الصلٌبً‪ ،‬التوراة جاءت‪ ،...‬ص‪.)48 -47‬‬
‫وظلت فلسطٌن بعد زوال الدولة الٌهودٌة فٌها مركزاً من مراكز النشاط الٌهودي فً حقل الفقه والدراسات‬
‫التلمودٌة‪ .‬لكن المركز األهم لهذا النشاط بقً فً العراق‪ ،‬حٌث كان حال الٌهود هناك أفضل من حالهم فً‬
‫ببلد الشام‪ ،‬حٌث صاروا ملة مضطهدة بشكل خاص بعد تحول الدولة الرومانٌة إلى الدٌن المسٌحً فً شكله‬
‫الرسولً‪ .‬ولم ٌنته اضطهاد الٌهود إال مع الفتح اإلسبلمً (الصلٌبً‪ ،‬حروب داود‪ ،...‬ص ‪.)42‬‬

‫إزالة ؼرب شبه الجزٌرة العربٌة من الذاكرة‬
‫وٌتوقؾ كمال الصلٌبً‪ ،‬فً خبلصة عمله‪ ،‬عند عاملٌن ربٌسٌن ساهما‪ ،‬على حد قوله‪ ،‬فً إزالة ؼرب شبه‬
‫الجزٌرة العربٌة من الذاكرة‪ ،‬بوصفها المنطقة التً شهدت ظهور بنً إسرابٌل وقٌام مملكتهم‪ ،‬وأولهما‬
‫التحوّ ل الذي طرأ على اللؽة فً شبه الجزٌرة العربٌة والشام والعراق بحلول القرن السادس قبل المٌبلد‪،‬‬
‫والذي أ ّدى إلى موت اللؽة الكنعانٌة ولهجاتها‪ ،‬مثل العبرٌة التوراتٌة‪ ،‬لتحل محلها اللؽة اآلرامٌة‪ ،‬والتً‬
‫أصبحت لؽة اإلدارة فً أنحاء اإلمبراطورٌة الفارسٌة و "اللؽة المشتركة" لمنطقة الشرق األدنى‪ ،‬واستمرار‬
‫هذا التحوّ ل اللؽوي فً القرون التالٌة والذي جرى التعبٌر عنه فً بروز العربٌة كلؽة راحت تنافس اللؽة‬
‫اآلرامٌة (الصلٌبً‪ ،‬التوراة جاءت‪ ،...‬ص ‪.)44-43‬‬
‫أما العامل الثانً الذي ساهم فً إزالة ؼرب شبه الجزٌرة العربٌة من الذاكرة فقد ّ‬
‫تمثل –كما ٌتابع الصلٌبً‪-‬‬
‫فً التطورات السٌاسٌة فً ؼرب شبه الجزٌرة العربٌة وفً فلسطٌن بعد انقراض بنً إسرابٌل‪ ،‬حٌث أ ّدى‬
‫الضعؾ التدرٌجً الذي أصاب اإلمبراطورٌة األخمٌنٌة فً ؼرب شبه الجزٌرة العربٌة‪ ،‬والذي كان ظاهراً‬
‫منذ سنة ‪ 400‬قبل المٌبلد‪ ،‬إلى نشوء كٌانات سٌاسٌة جدٌدة‪ ،‬وخصوصا ً من بٌنها ما ٌسمى بدولة "معٌن"‪،‬‬
‫التً نشؤت فً المنطقة ذاتها التً شهدت قببلً قٌام مملكة اإلسرابٌلٌٌن‪.‬‬
‫أما فً فلسطٌن‪ ،‬فقد أ ّدى قٌام دولة ٌهودٌة فً عهد األسرة الحمشونٌة إلى االعتراؾ بؤورشلٌم الفلسطٌنٌة‬
‫كؤورشلٌم داود وسلٌمان األصلٌة‪ ،‬وإلى اعتبار فلسطٌن بؤنها هً األرض األصلٌة لشعب إسرابٌل البابد‬
‫وللتوراة العبرٌة‪ .‬وعندما كتب فبلفٌوس ٌوسٌفوس "أٌام الٌهود القدٌمة" (وهم أهل دٌنه) بعد السنة ‪70‬‬
‫مٌبلدٌة بوقت قصٌر‪ ،‬اعتبر أن من المسلم به كون موطنهم التارٌخً كان فلسطٌن دوما ً‪ .‬ولم ٌبتعد أحد منذ‬
‫ذلك الٌوم عن هذا االفتراض (الصلٌبً‪ ،‬التوراة جاءت‪ ،...‬ص ‪.)49-46‬‬

‫‪68‬‬

‫التوراة ولؽة قبابل ؼرب الجزٌرة العربٌة وثقافتها‬
‫فً كتابه‪ " :‬حول أطروحات كمال الصلٌبً‪ .‬التوراة فً اللؽة والتارٌخ والثقافة الشعبٌة" ‪ٌ ،‬شٌر الباحث‬
‫اللبنانً دٌب فرج هللا صالح إلى أن كمال الصلٌبً لم ٌكن أول من طرح فكرة البحث عن جؽرافٌة التوراة‬
‫فً ؼرب شبه الجزٌرة العربٌة‪ ،‬وإن كان أول من قام بالبحث والتحقٌق فً االتجاه المذكور‪ .‬فعام ‪– 1924‬‬
‫كما ٌضٌؾ‪-‬طرح هذه الفكرة المستشرق "مرجلٌوت"‪ ،‬حٌث قال‪" :‬علٌنا أن نبحث عن "وطن" القبابل‬
‫العبرٌة ودٌانتها فً شمال ؼرب الجزٌرة العربٌة‪ ،‬وهً منطقة كانت مركزاً من مراكز الثقافة العربٌة‬
‫القدٌمة"‪ ،‬كما أن بعض المإرخٌن العرب أشار إلى مسرح أحداث أنبٌاء التوراة وأصولهم فً الجزٌرة‬
‫العربٌة (دٌب‪ ،‬حول أطروحات كمال الصلٌٌبً‪ ،‬ص ‪.)30-29‬‬
‫وٌنطلق الباحث المذكور [الذي صار ٌق ّدر فً كتبه البلحقة أن موطن التوراة هو فً الٌمن وفً محٌط‬
‫صنعاء] من افتراض وجود قرابة لؽوٌة بٌن التوراة وبعض الوثنٌات التً عرفتها جزٌرة العرب قبل‬
‫‪69‬‬

‫اإلسبلم‪ ،‬وكذلك وجود عبلقة بٌن التوراة والثقافة الشعبٌة التً كانت تسود هذه المنطقة‪ .‬فباالستناد إلى ما‬
‫كشفه كمال الصلٌبً من مقارنة بٌن أسماء األماكن وأصولها‪ ،‬وما ذكره المإرخون العرب‪ " ،‬فإننا نبحث فً‬
‫التوراة التً أمامنا‪ ،‬كسجل لحكاٌات وقصص وتارٌخ وأؼان وأناشٌد وأنبٌاء كما حفظت فً الذهن الشعبً‪،‬‬
‫ودوّ نت فٌما بعد‪ .‬وبالتالً‪ ،‬فإن تؤكٌد جؽرافٌتها فً ؼرب الجزٌرة‪ٌ ،‬كشؾ كثٌراً من حضارة وثقافة‬
‫وعبلقات المجتمعات الرعوٌة" (دٌب‪ ،‬حول أطروحات كمال الصلٌبً‪ ،...‬ص ‪.)14-13‬‬
‫فعلى مستوى اللؽة‪ ،‬هناك مبلمح مشتركة –كما ٌتابع دٌب‪ -‬فً اللؽات الثبلث‪ :‬العربٌة‪ ،‬والعبرٌة (شفة‬
‫كنعانٌة)‪ ،‬والسرٌانٌة (أرامٌة)‪ ،‬وانتشارهذه اللؽات فً الجزٌرة العربٌة وببلد الشام فً آن ٌإكد اتجاه البحث‬
‫عند كمال الصلٌبً‪ .‬وإذا حاولنا قراءة التوراة التً بٌن أٌدٌنا والمترجمة من توراة مصوّ بة‪ ،‬وأخرجنا أسماء‬
‫األماكن واألشخاص‪ ،‬وبحثنا عن معانٌها فً القاموس العربً‪ ،‬نجد لها معان متوافقة مع النص‪ ،‬و " توافق‬
‫المعنى مع النص التوراتً وأسماء األمكنة ٌإكد جؽرافٌة الحدث وصحة ما جاء به كمال الصلٌبً" (دٌب‪،‬‬
‫حول أطروحات كمال الصلٌبً‪ ،...‬ص ‪.)147‬‬
‫وعلى مستوى العبادات‪ٌ ،‬تضح من النصوص التوراتٌة " تعدد عبادات قبابل العبران وأنبٌاء التوراة أثناء‬
‫تنقلها‪ ،‬وقد شملت بعل‪ ،‬عشتروت‪ ،‬إٌل‪ ،‬وتموز‪ ،‬وهً عٌن آلهة السومرٌٌن والبابلٌٌن والٌمنٌٌن فً‬
‫حضارتهم األولى"‪ ،‬كما ٌتضح وجود مبلمح مشتركة للعبادات " بٌن ما ورد فً التوراة وقصصها‬
‫وأساطٌرها وما كان سابداً فً الجزٌرة " (دٌب‪ ،‬حول أطروحات كمال الصلٌبً‪ ،...‬ص ‪.)63-50‬‬
‫وعلى مستوى الثقافة الشعبٌة والعادات والطقوس‪ ،‬نجد أن ما حُ فظ عن رواة قالوا "كذا وكذا عن إبراهٌم‬
‫واسحق وسلٌمان هو عٌن الحفظ أو المعرفة المتناقلة التً كانت سابدة فً الجزٌرة "‪ ،‬حٌث كانت القبابل‬
‫الرعوٌة المتنقلة تعتمد الحفظ ألنها لٌست صاحبة حضارة زراعٌة ثابتة‪ .‬وبخصوص العادات‪ ،‬نجد أن عادة‬
‫الختان قد قُننت فً التوراة‪ ،‬وأصبحت فرضا ً فً شرابع التلمود‪ ،‬بعد أن كانت عادة منذ إبراهٌم‪ ،‬وكانت‬
‫معظم قبابل الجزٌرة تمارسها‪ ،‬كما كانت عادة مصرٌة ترجع إلى األلؾ الثالث قبل المٌبلد‪.‬‬
‫كما أن الرجم بالحجارة الذي ورد فً التوراة كان عقوبة تارٌخٌة عند معظم قبابل الجزٌرة العربٌة‪ ،‬وتعدد‬
‫الزوجات كان منتشراً بٌن قبابل الجزٌرة‪ ،‬كما كان المهر سابداً فً صفوفها‪ .‬وكانت الطقوس متشابهة‪ :‬أكل‬
‫الجراد وتحرٌم أكل لحم الخنزٌر كان عادة فً شبه الجزٌرة العربٌة‪ .‬و " هذا التوازي ٌإكد االنطبلق من‬
‫منطقة وبإرة حضارٌة واحدة " (دٌب‪ ،‬حول أطروحات كمال الصلٌبً‪ ،...‬ص ‪.)89 -72‬‬
‫وإذ ٌإكد دٌب فً خاتمة كتابه على أن التوراة هً‪ ،‬بما تحتوٌه‪ " ،‬سجل للثقافة الشعبٌة لبعض أنحاء‬
‫الجزٌرة لمراحل تمتد إلى األلفٌن قبل المٌبلد "‪ ،‬فإنه ٌتساءل‪ " :‬فهل ٌبقى الحدٌث عن األمورٌة والكنعانٌة‬
‫واآلرامٌة فً ببلد الشام وارداً‪ ...‬وأي تارٌخ مزوّ ر الذي بٌن أٌدٌنا؟ " (دٌب‪ ،‬حول أطروحات كمال‬
‫الصلٌبً‪ ،...‬ص ‪.)185-184‬‬

‫‪70‬‬

‫المصادر‪:‬‬
‫دٌب‪ ،‬فرج هللا صالح‪ ،‬حول أطروحات كمال الصلٌبً‪ .‬التوراة فً اللؽة والتارٌخ والثقافة الشعبٌة‪ ،‬بٌروت‪،‬‬
‫دار الحداثة‪.1989 ،‬‬
‫الصلٌبً‪ ،‬كمال‪ ،‬التوراة جاءت من جزٌرة العرب‪ ،‬بٌروت‪ ،‬مإسسة األبحاث العربٌة‪ ،‬الطبعة الثانٌة‪ ،‬كانون‬
‫الثانً ‪[ 1986‬صدرت الطبعة األولى فً أٌلول عام ‪.]1985‬‬
‫الصلٌبً‪ ،‬كمال‪ ،‬خفاٌا التوراة وأسرار شعب إسرابٌل‪ ،‬لندن‪ ،‬دار الساقً‪.1988 ،‬‬
‫الصلٌبً‪ ،‬كمال‪ ،‬حروب داود‪ :‬األجزاء الملحمٌة من سفر صموبٌل الثانً مترجمة عن األصل العبري‪،‬‬
‫عمان‪ ،‬دار الشروق‪.1999 ،‬‬
‫‪2012/7/16‬‬
‫‪http://www.palpeople.org/atemplate.php?id=5418‬‬

‫انتهى‬
‫ملؾ خاص من إعداد املعهد الوطين لتدريب الكوادر‬

‫فلسطني‪-‬رام اهلل‬
‫‪2014‬‬

‫‪71‬‬