‫تحوالتت‬

‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫مراحل كسر االنقالب‬
‫حتى المواجهة األخيرة‬
‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫فبراير ‪1024‬‬
‫‪1‬‬

‫مراحل كسر االنقالب‪ ..‬حتى المواجهة األخيرة‬

‫فبراير ‪1014‬‬

‫تمر المواجهة بين االنقالب العسكري وحركة مناهضة االنقالب واستعادة الثورة‪ ،‬بعدة مراحل‬
‫أساسية‪ ،‬ترتبط أساسا بمراحل مخطط االنقالب العسكري‪ ،‬ومحاوالته بناء نظام استبدادي‪ ،‬يعيد نظام ما‬
‫قبل الثورة‪ .‬وتصل تلك المواجهة إلى ذروتها‪ ،‬عند الوصول إلى المرحلة األخيرة من مخطط االنقالب‬
‫العسكري‪.‬‬
‫فانقالب العسكري‪ ،‬استهدف أساسا إعادة بناء الدولة االستبدادية القمعية‪ ،‬مرة أخرى بعد الثورة‪،‬‬
‫واستهدف أيضا‪ ،‬إعادة سيطرة الدولة العميقة على مقاليد الحكم‪ ،‬واستعادة هيمنة منظومة المحسوبية‬
‫والواسطة والمصالح والفساد‪ ،‬والتي شكلت شبكات الحكم قبل الثورة‪ ،‬وأصبحت الدولة العميقة الحاكمة بعد‬
‫الثورة‪.‬‬
‫وألن االنقالب العسكري‪ ،‬جاء بعد ثورة شعبية‪ ،‬لذا فقد حاول إعادة تأسيس النظام السابق على‬
‫الثورة‪ ،‬ولكن في صورة جديدة‪ .‬وبقدر ما ينجح االنقالب العسكري‪ ،‬في تجميل نظام ما قبل الثورة‪ ،‬بقدر ما‬
‫ينجح في خداع قطاعات من المجتمع‪ ،‬وبقدر ما يفشل في تقديم نظام االنقالب العسكري‪ ،‬وكأنه نظام يختلف‬
‫عن ما كان قبل الثورة‪ ،‬بقدر ما يفشل في توسيع القاعدة الجماهيرية التي يخدعها‪.‬‬
‫لذا وضع االنقالب العسكري مخططا‪ ،‬يعتمد على إعادة بناء مسار تحول ديمقراطي‪ ،‬حتى يقنع‬
‫بعض المجتمع‪ ،‬أنه يستهدف استعادة الديمقراطية‪ ،‬وإعادة بناء مرحلة التحول الديمقراطي من جديد‪،‬‬
‫وبصورة أفضل مما حدث بعد الثورة‪ .‬وبقدر ما تبدو إجراءات االنقالب ديمقراطية‪ ،‬بقدر ما يحقق نجاح‬
‫مرحلي‪ ،‬وبقدر ما تكون استبدادية بصورة مكشوفة‪ ،‬بقدر ما يحقق انتكاسات متتالية‪.‬‬
‫لذا تصبح قدرة سلطة االنقالب على إعادة النظام القديم في شكل جديد خادع‪ ،‬وقدرتها على إقناع‬
‫أغلب الناس أنها تبني مرحلة تحول ديمقراطي حقيقي‪ ،‬هي التي تمكنها من تنفيذ عملية خداع واسعة‪ ،‬تمكن‬
‫الدولة العميقة من السيطرة على مقاليد الحكم‪ ،‬وتثبيت دعائم نظام استبدادي‪ ،‬قبل أن يدرك معظم الناس أن‬
‫النظام المستبد قد عاد‪.‬‬
‫المرحلة األولى‪ :‬فرض األمر الواقع‬
‫بدأ االنقالب العسكري أول مراحله‪ ،‬بمرحلة فرض األمر الواقع‪ ،‬والتي حاول من خاللها فرض‬
‫واقع جديد على كل المجتمع‪ ،‬حتى يخضع الجميع لخريطة الطريق التي اختارها‪ .‬وفي هذه المرحلة‪،‬‬
‫استهدفت سلطة االنقالب‪ ،‬إقناع عامة الناس‪ ،‬أنها تقود مرحلة تحول ديمقراطي جديدة‪ ،‬بخريطة طريق‬
‫جديدة‪ ،‬لتحقيق االستقرار والتوافق السياسي والمجتمعي‪.‬‬
‫وقبل بداية االنقالب العسكري‪ ،‬كان تحالف دعم الشرعية معتصما في ميداني رابعة والنهضة‪ ،‬منذ‬
‫‪ 12‬يونيو ‪ ،1012‬ليعلن رفضه المبكر لكل ما يمكن أن يحدث‪ .‬مما جعل االنقالب العسكري‪ ،‬يواجه رفضا‬
‫من قطاع من المجتمع‪ ،‬قبل أن يبدأ‪ .‬ثم استمرت حركة الرفض لالنقالب العسكري‪ ،‬بشكل مستمر وبدون‬
‫توقف‪.‬‬
‫اعتمدت سلطة االنقالب العسكري‪ ،‬على تقسيم المجتمع‪ ،‬حتى تصور الوضع‪ ،‬وكأن كل الشعب‬
‫يقبل ما يحدث‪ ،‬عدا قلة خارجة عن إجماع المجتمع‪ .‬وهذا التقسيم ساهم في إشعال نزاع أهلي‪ ،‬بسبب انحياز‬
‫القوات المسلحة لفريق من المجتمع ضد فريق‪ .‬وهو ما تسبب في عرقلة فرض األمر الواقع‪ ،‬ألن تيارا في‬
‫المجتمع‪ ،‬رفض االنقالب العسكري‪ ،‬ورفض انحياز القوات المسلحة لفريق في المجتمع‪.‬‬
‫وبسبب خطة تقسيم المجتمع‪ ،‬أصبح الواقع منقسما بين فريق يؤيد االنقالب العسكري‪ ،‬وفريق‬
‫رافض له‪ ،‬فلم يعد من الممكن أن يتحول االنقالب العسكري ألمر واقع‪ ،‬يفرض على الكل‪ .‬وألن حركة‬
‫‪1‬‬

‫فبراير ‪1014‬‬

‫مراحل كسر االنقالب‪ ..‬حتى المواجهة األخيرة‬

‫مناهضة االنقالب‪ ،‬استمرت وتوسعت‪ ،‬وتميزت بالصمود والثبات‪ ،‬لذا لم يعد من الممكن إنجاز مرحلة‬
‫فرض األمر الواقع‪.‬‬
‫المرحلة الثانية‪ :‬البحث عن شرعية‬
‫دخلت سلطة االنقالب العسكري مرحلة البحث عن شرعية جديدة‪ ،‬دون أن تتمكن من فرض األمر‬
‫الواقع أوال‪ ،‬فلم تصبح سلطة االنقالب‪ ،‬سلطة بحكم األمر الواقع‪ ،‬ألنها لم تحظى بالقبول الكامل‪ ،‬سوا ًء‬
‫بالتأييد أو الصمت‪ .‬لذا دخلت سلطة االنقالب‪ ،‬في المرحلة الثانية‪ ،‬دون أن تنجز أهدافها في المرحلة األولى‪.‬‬
‫وألن سلطة االنقالب العسكري لم تتمكن من فرض سيطرتها على كل المجتمع‪ ،‬لذا دخلت مرحلة‬
‫إعادة التحول الديمقراطي‪ ،‬وهي تقوم عمليا بإقصاء فريق من المجتمع‪ ،‬وتبني عملية سياسية تخص الفريق‬
‫المؤيد لها‪ ،‬وال تشمل كل المجتمع‪ .‬مما جعل عملية التحول الديمقراطي‪ ،‬تفتقد أساسا لكل شروط الديمقراطية‪.‬‬
‫وبسبب محاولة سلطة االنقالب للسيطرة على مجمل األوضاع في مصر‪ ،‬أصبحت تضيق مساحة‬
‫الحرية إلى أقصى درجة‪ ،‬حتى قضت بالفعل على مناخ الديمقراطية والحرية‪ ،‬وأصبح المجال السياسي‬
‫مجمدا عمليا‪ ،‬وليس فيه تفاعل أو حراك سياسي‪ .‬وتقلصت العملية السياسية‪ ،‬لتصبح محصورة في رأي‬
‫واحد واتجاه واحد‪ ،‬مما جعل مرحلة التحول الديمقراطي‪ ،‬تتحول إلى مرحلة بناء النظام المستبد القديم من‬
‫جديد‪.‬‬
‫وقوضت سلطة االنقالب ضمنيا‪ ،‬أي عملية تحول ديمقراطي‪ ،‬حينما أصبح حزب الدولة العميقة‬
‫هو الحزب السياسي الوحيد‪ ،‬والذي يقوده المجلس العسكري‪ .‬حيث أصبح المجلس العسكري يسمي مرشح‬
‫الرئاسة لحزب الدولة العميقة‪ ،‬وأصبح الجيش منخرطا في العملية السياسية‪ ،‬فأصبح الحكم العسكري‬
‫مباشرا‪ ،‬بما نزع أي غطاء ديمقراطي عن سلطة االنقالب العسكري‪.‬‬
‫وتواصلت حركة مناهضة االنقالب العسكري‪ ،‬بصورة أصبحت تنزع منه أي شرعية يحاول أن‬
‫يفرضها‪ .‬فقد نزع الحراك المناهض لالنقالب شرعية القوة‪ ،‬عندما أحبط كل محاوالت فرض األمر الواقع‬
‫بالقوة‪ ،‬ثم أسقط الشرعية األخالقية عن سلطة االنقالب‪ ،‬بعد أن قتلت واعتقلت وأصابت عشرات اآلالف‪،‬‬
‫ثم نزع الحراك المناهض لالنقالب‪ ،‬أي شرعية سياسية تحاول سلطة االنقالب تأسيسها‪ ،‬ألنه ظل يمثل تيارا‬
‫واسعا ال يشارك في العملية السياسية‪ ،‬ولم تتمكن سلطة االنقالب من استقطابه‪ ،‬أو استيعابه‪ ،‬بل عمدت‬
‫إلقصائه‪.‬‬
‫وأصبحت سلطة االنقالب تمرر خطوات سياسية‪ ،‬ليس لها أثر فعلي على الواقع‪ ،‬وال تمثل أي‬
‫عملية سياسية حرة‪ ،‬بل أصبحت واقعيا‪ ،‬مجرد إجراءات شكلية‪ ،‬تستهدف إضفاء شرعية وهمية على السلطة‬
‫المستبدة‪ ،‬التي تعيد دولة ما قبل الثورة‪ .‬ولم تتمكن سلطة االنقالب‪ ،‬من تحسين صورة النظام القديم‪ ،‬بل ولم‬
‫تتمكن أيضا من اإليحاء بأن ما تبنيه ليس هو النظام السابق لثورة يناير وبصورة أسوأ‪.‬‬
‫وبقدر ما أصبحت سلطة االنقالب‪ ،‬تستعيد دولة االستبداد مرة أخرى‪ ،‬بقدر ما أصبح الحراك‬
‫المناهض لها‪ ،‬يستعيد ثورة يناير مرة أخرى‪ ،‬مما جعل تصرفات سلطة االنقالب‪ ،‬تكرس صورة االنقالب‬
‫العسكري‪ ،‬الذي قام إلجهاض الثورة والتحول الديمقراطي‪ ،‬إلعادة دولة االستبداد مرة أخرى‪.‬‬
‫المرحلة الثالثة‪ :‬استقرار السلطة‬
‫تستهدف سلطة االنقالب من خريطة طريق االنقالب‪ ،‬بناء نظام سياسي مستقر‪ ،‬وقادر على‬
‫االستمرار‪ .‬وتحاول أن تبدو وكأنها أجرت عملية تحول ديمقراطي‪ ،‬حتى تبني نظاما يحظى بالرضى‪ ،‬وال‬
‫‪2‬‬

‫فبراير ‪1014‬‬

‫مراحل كسر االنقالب‪ ..‬حتى المواجهة األخيرة‬

‫ينازعه أحد في سلطته‪ .‬ولكن سلطة االنقالب‪ ،‬تصل إلى مرحلة إنهاء خريطة طريق االنقالب‪ ،‬وهي لم‬
‫تحقق بعد المرحلة األولى الضرورية‪ ،‬وهي مرحلة فرض األمر الواقع‪.‬‬
‫كما أن سلطة االنقالب‪ ،‬تنجز مراحل التحول السياسي المزعوم‪ ،‬وهي غير قادرة على إجراء أي‬
‫عملية لها شكل ديمقراطي‪ ،‬بعد أن قوضت بالكامل كل مناخ الحرية والتعددية‪ ،‬وأصبحت تجرى عملية‬
‫تشمل رأيا واحدا‪ ،‬وهو الرأي الذي تحدده قيادة االنقالب العسكري‪ .‬مما جعل كل مرحلة من مراحل العملية‬
‫السياسية‪ ،‬ليست إال إجرا ًء العتماد قرارات قادة االنقالب‪ ،‬في مشهد جماهيري‪.‬‬
‫ولم يتغير الواقع كثيرا‪ ،‬بل قل لم يتغير أساسا‪ ،‬منذ اليوم األول لالنقالب العسكري‪ ،‬وحتى بعد إنهاء‬
‫مراحل خريطة طريق االنقالب‪ ،‬ففي نهاية كل مرحلة‪ ،‬يستمر النظام القائم على الهيمنة العسكرية المباشرة‬
‫على السلطة‪ ،‬وتستمر سيطرة الدولة العميقة على مقاليد األمور‪ .‬وكأن ما يحدث فعليا‪ ،‬ليس عملية سياسية‪،‬‬
‫ولكن مجرد إجراءات شكلية‪ ،‬لتقنين هيمنة منظومة المحسوبية والمصالح والفساد مرة أخرى‪.‬‬
‫ويستمر الحراك الثوري الرافض لالنقالب العسكري في مساره‪ ،‬دون أن تؤثر عليه الخطوات التي‬
‫يتخذها قادة االنقالب العسكري‪ ،‬فتنتهي كل مرحلة من مراحل مخطط االنقالب العسكري‪ ،‬عند النقطة‬
‫األولى التي لم يتمكن من تحقيقها‪ ،‬وهي فرض األمر الواقع‪ .‬فمخطط االنقالب العسكري‪ ،‬يستهدف الوصول‬
‫إلى مرحلة استقرار السلطة بال منازع‪ ،‬وهو أمر أصبح تحقيقه غير ممكن‪.‬‬
‫مرحلة المواجهة المفتوحة‬
‫اعتمدت سلطة االنقالب على تأسيس مرحلة انتقالية‪ ،‬تعدل فيها مسار الثورة والتحول الديمقراطي‪،‬‬
‫حتى تعيد دولة ما قبل الثورة‪ .‬وفي تلك المرحلة‪ ،‬حاولت سلطة االنقالب‪ ،‬تقديم وعود للقطاع المؤيد لها‪،‬‬
‫حتى يقتنع بأن سلطة االنقالب العسكري‪ ،‬قادرة على تحقيق األمن واالستقرار‪ ،‬فأصبح القطاع المؤيد لها‪،‬‬
‫ينتظر نهاية المرحلة االنتقالية‪ ،‬ليتحقق ما وعدت به سلطة االنقالب‪.‬‬
‫وعند انتهاء المرحلة االنتقالية‪ ،‬تصل سلطة االنقالب إلى المرحلة التي يفترض أن تحقق فيها‬
‫األهداف التي قام االنقالب العسكري من أجلها‪ .‬وفي تلك المرحلة‪ ،‬تبدأ المواجهة المفتوحة بين االنقالب‬
‫العسكري وحركة مناهضة االنقالب واستعادة الثورة‪ .‬حيث تصبح المواجهة بين سلطة تريد أن تستقر‬
‫وتستمر‪ ،‬وبين حراك ثوري‪ ،‬يمنع استمرارها أو استقرارها‪.‬‬
‫فمع استمرار الحراك الثوري‪ ،‬تجد سلطة االنقالب العسكري نفسها‪ ،‬بعد نهاية المرحلة االنتقالية‪،‬‬
‫في نفس وضعها عند بداية االنقالب‪ ،‬حيث تبقى سلطة انقالب عسكري‪ ،‬في نظر التيار المناهض لها‪ ،‬وتبقى‬
‫أيضا في المرحلة األولى‪ ،‬التي فشلت في تحقيقها‪ ،‬وهي مرحلة فرض األمر الواقع‪ .‬فتدخل سلطة االنقالب‬
‫العسكري‪ ،‬في عملية فرض سلطتها‪ ،‬حتى تستقر‪ ،‬بدون أن تتمكن من الوصول إلى نهاية محتملة لهذه‬
‫المرحلة‪.‬‬
‫ومع الدخول في مرحلة المواجهة المفتوحة‪ ،‬تجد سلطة االنقالب نفسها في مواجهة ليس لها سقف‬
‫زمني‪ ،‬بعد أن أنهت سلطة االنقالب كل المراحل التي وضعتها للمرحلة االنتقالية‪ ،‬ولم يعد لدى سلطة‬
‫االنقالب‪ ،‬أي مبررات أو إجراءات‪ ،‬تؤجل الحكم على ما حققه االنقالب العسكري على األرض‪ .‬فلم يعد‬
‫لدى سلطة االنقالب العسكري‪ ،‬أي خطوات تشغل بها الرأي العام‪ ،‬بعد أن أصبحت في نهاية خطتها‪.‬‬
‫ويفترض ألي انقالب عسكري‪ ،‬أن يصل لمرحلة استقرار السلطة‪ ،‬حتى يستمر لفترة طويلة‪ ،‬ولكن‬
‫االنقالب العسكري‪ ،‬وبسبب الحركة المناهضة له‪ ،‬يصل إلى مرحلة فقدان القدرة على تحقيق استقرار‬
‫‪4‬‬

‫فبراير ‪1014‬‬

‫مراحل كسر االنقالب‪ ..‬حتى المواجهة األخيرة‬

‫السلطة‪ ،‬ويظل في معركة فرض سلطته على األرض‪ ،‬وكأنه يقف في المربع األول‪ ،‬دون أن يتمكن من‬
‫الخروج منه‪.‬‬
‫تغير أوزان القوة‬
‫مع تحوالت المواجهة بين االنقالب العسكري والحركة المناهضة له‪ ،‬تتغير أوزان القوة على‬
‫األرض تدريجيا‪ .‬فقد بدأ االنقالب العسكري‪ ،‬وهو يمسك بزمام األمور‪ ،‬فكان االنقالب هو الفعل المؤثر في‬
‫المشهد في ‪ 2‬يوليو ‪ ،1012‬ولكن مع استمرار المعركة بين االنقالب والحركة المناهضة له‪ ،‬تتغير أوزان‬
‫القوة مع الوقت‪.‬‬
‫ففي كل مراحل خارطة طريق االنقالب‪ ،‬يبدو االنقالب العسكري‪ ،‬وكأنه ممسك بزمام األمور‪،‬‬
‫وممسك بزمام المبادرة‪ ،‬ويمتلك الفعل المؤثر على الواقع‪ ،‬من خالل وضع دستور االنقالب‪ ،‬ثم اختيار‬
‫السلطة الجديدة‪ ،‬ممثلة في رئيس وبرلمان‪ .‬ولكن مع نهاية خارطة طريق االنقالب‪ ،‬ال يبقى له إال أن يثبت‬
‫أنه حقق على األرض أهدافه‪ ،‬حتى يصبح فعله نهائيا ومستقرا‪.‬‬
‫واستمرار حركة مناهضة االنقالب‪ ،‬وقدرتها على الصمود والتصعيد‪ ،‬تؤدي عمليا إلى إفشال كل‬
‫فعل لسلطة االنقالب‪ ،‬بحيث ال يصبح لقرارات سلطة االنقالب أثر واقعي‪ ،‬مما يجعل أوزان القوة تتغير بين‬
‫االنقالب وحركة مناهضة االنقالب‪ ،‬حتى تنتقل حركة مناهضة االنقالب من مرحلة رد الفعل إلى الفعل‪.‬‬
‫فحركة مناهضة االنقالب واستعادة الثورة‪ ،‬بدأت كرد فعل على االنقالب العسكري‪ ،‬وتستمر رد‬
‫فعل على كل خطوة من الخطوات التي تتخذها سلطة االنقالب العسكري‪ ،‬حتى تنتهي خريطة طريق‬
‫االن قالب‪ ،‬وتبدأ مرحلة جرد ما تحقق على األرض من نتائج‪ ،‬وعند هذه المرحلة تنتقل حركة مناهضة‬
‫االنقالب من رد الفعل إلى الفعل‪.‬‬
‫فمادامت سلطة االنقالب لم تصبح أمرا واقعا يحظى بالقبول أو الصمت‪ ،‬ومادامت سلطة االنقالب‬
‫لم تؤسس لسلطة مستمرة ومستقرة؛ لذا فإن سلطة االنقالب تكون قد فشلت في تنفيذ أهدافها‪ ،‬ولم تتمكن من‬
‫فرض مخططها على المجتمع‪ .‬ومع بقاء تيار واسع من المجتمع يناهض االنقالب العسكري‪ ،‬يتم إفشال‬
‫مخطط االنقالب العسكري تدريجيا‪.‬‬
‫ومع فشل سلطة االنقالب من فرض سلطة مستقرة ومستمرة‪ ،‬تنتهي قدرة سلطة االنقالب على‬
‫امتالك زمام المبادرة‪ ،‬وتنتهي مرحلة احتكارها للفعل‪ ،‬وتبدأ تدريجيا في فقدان القدرة على التحكم في زمام‬
‫األمور‪ ،‬مما يتيح لحركة مناهضة االنقالب‪ ،‬من االنتقال من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة الفعل‪ ،‬بعد أن‬
‫تستنزف سلطة االنقالب العسكري‪ ،‬وال يبقى لديها فعل جديد‪ ،‬يمكن أن تقوم به‪ ،‬لتغيير الواقع على األرض‪.‬‬
‫تحول زمام المبادرة‬
‫كلما تقدمت سلطة االنقالب في خارطة طريقها‪ ،‬وهي غير قادرة على تغيير أوضاع حركة مناهضة‬
‫االنقالب‪ ،‬تصل لمرحلة ال يبقى لديها فيها أي وسائل جديدة‪ ،‬لتغيير الواقع على األرض‪ .‬وتصل سلطة‬
‫االنقالب لمرحلة يفترض فيها أنها أصبحت سلطة مستقرة ومستمرة‪ ،‬وهي واقعيا لم تصبح كذلك‪ .‬فتصبح‬
‫حركة مناهضة االنقالب‪ ،‬هي الممسكة بزمام األمور‪ ،‬وهي التي تعرقل استقرار سلطة االنقالب‪.‬‬
‫وفي اللحظة التي يصبح فيها تغير أوضاع الواقع‪ ،‬مرتبطا بما تقوم به حركة مناهضة االنقالب‪،‬‬
‫تكون تلك الحركة قد امتلكت زمام األمور‪ .‬وهو ما يؤدي إلى تغير واضح في المواجهة بين االنقالب‬
‫والحركة المناهضة له‪ ،‬حيث تصبح حركة مناهضة االنقالب‪ ،‬هي السلطة الفعلية على األرض‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫فبراير ‪1014‬‬

‫مراحل كسر االنقالب‪ ..‬حتى المواجهة األخيرة‬

‫وبقدر ما تتضاءل قدرة سلطة االنقالب على التأثير على الواقع‪ ،‬وبقدر ما تتنامى قدرة حركة‬
‫مناهضة االنقالب على التأثير على مجريات األمور واقعيا‪ ،‬بقدر ما تنتقل السلطة على األرض من سلطة‬
‫االنقالب‪ ،‬إلى حركة مناهضة االنقالب‪ .‬وتصبح سلطة االنقالب‪ ،‬مالكة ألدوات القوة‪ ،‬ولكنها ال تملك التأثير‬
‫في الواقع على األرض‪.‬‬
‫والتحول في أوزان القوة بين سلطة االنقالب والحركة المناهضة لها‪ ،‬يقلب طبيعة المواجهة‪ ،‬حيث‬
‫تصبح حركة مناهضة االنقالب‪ ،‬هي التي تفرض واقعا على األرض‪ ،‬بعد أن أفشلت محاولة االنقالب‬
‫العسكري لفرض أمر واقع‪ .‬وهو ما يؤدي إلى تغيير المواجهة‪ ،‬ودخولها في مرحلة جديدة‪ ،‬حيث تصبح‬
‫المواجهة نزاعا بين سلطة الشارع وسلطة أدوات القوة التي تملكها الدولة‪ ،‬وبين سلطة اإلرادة الشعبية‪،‬‬
‫وسلطة الدولة العميقة المتحكمة في مقدرات البالد‪.‬‬
‫الخالصة‬
‫ينتقل االنقالب العسكري من مرحلة إلى أخرى‪ ،‬حيث يبدأ بمرحلة فرض األمر الواقع‪ ،‬ثم مرحلة‬
‫البحث عن شرعية‪ ،‬ثم مرحلة استقرار السلطة‪ .‬ولكن حركة مناهضة االنقالب‪ ،‬تفشل أهم مرحلة‪ ،‬وهي‬
‫مرحلة فرض األمر الواقع‪ ،‬مما يجعل كل المراحل التالية لها‪ ،‬ال تحقق الهدف منها‪ ،‬فيدخل االنقالب‬
‫العسكري في مرحلة تلو األخرى‪ ،‬دون أن يتمكن من تغيير الواقع الذي بدأ مع بداية االنقالب العسكري‪.‬‬
‫ويمثل الفشل في فرض األمر الواقع‪ ،‬أهم عقبة تواجه االنقالب العسكري‪ ،‬بسبب استمرار وثبات‬
‫الحركة المناهضة له‪ ،‬والتي تجعله دائما فعال لم يلقى القبول ولو بالصمت عليه‪ ،‬مما يؤدي إلى وصول‬
‫االنقالب العسكري إلى نهاية مرحلته االنتقالية‪ ،‬ويجد نفسه في نفس المعركة األولى‪ ،‬وهي معركة فرض‬
‫األمر الواقع‪.‬‬
‫وإفشال قدرة سلطة االنقالب على تحقيق أهدافها المرحلية‪ ،‬يفشل تحقيق هدفها النهائي‪ ،‬وهو إقامة‬
‫سلطة مستقرة ومستمرة‪ ،‬وهو ما يؤدي إلى فقدان سلطة االنقالب لزمام المبادرة‪ ،‬فتتحول تدريجيا من الفعل‬
‫إلى رد الفعل‪ ،‬وتتحول حركة مناهضة االنقالب واستعادة الثورة‪ ،‬من رد الفعل إلى الفعل‪.‬‬
‫لهذا تصل المواجهة بين االنقالب والحركة المناهضة له‪ ،‬إلى مرحلة المواجهة المفتوحة‪ ،‬عندما‬
‫يستنزف االنقالب كل خطواته ومراحله‪ ،‬ويصل للمرحلة التي يفترض فيها أن يصبح سلطة مستقرة‪ ،‬وبسبب‬
‫فشله في تحقيق هذا الهدف‪ ،‬تصبح المواجهة بين سلطة فرضت بقوة السالح‪ ،‬ولم تتحول إلى أمر واقع‪،‬‬
‫وحركة تناهضها‪ ،‬وترفض االعتراف بها كأمر واقع‪ ،‬فتصبح حركة مناهضة االنقالب‪ ،‬هي األمر الواقع‪.‬‬

‫‪6‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful