‫تحوالتت‬

‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫السلمية والرصاص‬
‫معادلة القوة والنصر‬
‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫فبراير ‪1024‬‬
‫‪1‬‬

‫فبراير ‪1014‬‬

‫السلمية والرصاص‪ ..‬معادلة القوة والنصر‬

‫منذ اللحظة األولى لالنقالب العسكري‪ ،‬بدأت معركة الحراك الثوري الستعادة الثورة‪ ،‬وبدأت‬
‫معركة االنقالب العسكري‪ ،‬إلشعال حرب ضد اإلرهاب‪ .‬فالحراك الثوري استهدف كسر االنقالب‪ ،‬وسلطة‬
‫االنقالب استهدفت إشعال موجات عنف‪ ،‬حتى تغير مسار المعركة ضدها‪ ،‬وكي تحتمي بالحرب على‬
‫اإلرهاب‪ ،‬من الحراك الثوري الذي يستهدف كسر االنقالب‪.‬‬
‫استدعاء العنف‬
‫استدعت سلطة االنقالب العنف السياسي بطرق شتى‪ ،‬حتى تشغل الرأي العام الداخلي والخارجي‪،‬‬
‫بالمعركة ضد العنف أو اإلرهاب‪ ،‬لتأمين نجاح االنقالب العسكري‪ .‬واالنقالب العسكري في حد ذاته‪ ،‬كان‬
‫عمال عنيفا‪ ،‬فهو فعل مسلح ضد سلطة منتخبة ديمقراطيا‪ ،‬مما جعل حدث االنقالب العسكري في حد ذاته‪،‬‬
‫يستدعي فكرة اللجوء للعنف‪.‬‬
‫كان االنقالب العسكري‪ ،‬عمال يفشل الحركات اإلسالمية التي تنتهج الطريق السلمي الديمقراطي‪،‬‬
‫مما دعم نظرية الجماعات العنيفة‪ ،‬والتي ترى أنه لن يسمح إلسالمي بالوصول للسلطة‪ ،‬حتى عن طريق‬
‫الديمقراطية‪ .‬مما جعل االنقالب العسكري‪ ،‬يمثل فعال يدعم نظرية التغيير بالقوة‪ ،‬ويفشل نظرية التغيير‬
‫السلمي‪.‬‬
‫في بداية االنقالب العسكري‪ ،‬تكررت أعمال العنف في سيناء‪ ،‬وهي لم تتوقف منذ ما قبل الثورة‬
‫وبعدها‪ ،‬وإن زاد تكرارها بعد االنقالب العسكري‪ ،‬ولكن سلطة االنقالب ربطت سريعا بين أعمال العنف‬
‫في سيناء‪ ،‬وبين الحراك الثوري المؤيد للشرعية والرافض لالنقالب العسكري‪ ،‬مما أكد أن سلطة االنقالب‬
‫تستدعي العنف‪ ،‬لتحمي االنقالب العسكري‪.‬‬
‫كان خطاب التفويض من قائد االنقالب‪ ،‬والذي تكلم فيه عن العنف واإلرهاب المحتمل‪ ،‬بمثابة‬
‫إعالن واضح عن رغبة سلطة االنقالب‪ ،‬في تحويل المواجهة مع الحراك الثوري السلمي‪ ،‬إلى مواجهة مع‬
‫أعمال عنف‪ ،‬حتى تمنع توسع الحراك شعبيا‪ ،‬وتفقده الدعم الجماهيري‪ ،‬وفي نفس الوقت‪ ،‬حتى تقدم مبررا‬
‫لالنقالب العسكري‪ ،‬أمام الرأي العام الخارجي‪.‬‬
‫لم تمر أيام على االنقالب العسكري‪ ،‬وحدثت مذبحة الفجر عند نادي الحرس الجمهوري‪ ،‬والتي‬
‫كانت بداية العنف الرسمي‪ ،‬وإرهاب الدولة‪ ،‬في مواجهة الحراك الثوري الرافض لالنقالب العسكري‪ .‬ولم‬
‫تكن مذبحة الفجر‪ ،‬والمذابح التالية لها‪ ،‬إال عنفا منهجيا رسميا‪ ،‬يستدعي العنف السياسي‪ ،‬ويقدم له المبررات‪،‬‬
‫التي تساعد على عودة موجات العنف السياسي‪.‬‬
‫تأكد منذ اللحظة األولى‪ ،‬أن سلطة االنقالب العسكري‪ ،‬تريد جر الحراك الثوري الرافض لالنقالب‬
‫إلى ممارسة العنف‪ ،‬حتى تجد غطا ًء لما تقوم به أمام الرأي العام الداخلي والخارجي‪ ،‬وحتى تتمكن من‬
‫إثارة الرأي العام الداخلي ضد الحراك الثوري‪ ،‬وتحجيم حجم الدعم الجماهيري المتزايد الذي يحظى به‪.‬‬
‫ولم تكن فكرة استدعاء العنف السياسي‪ ،‬إال جزءا من مخطط تقسيم المجتمع‪ ،‬حيث أرادت سلطة‬
‫االنقالب العسكري‪ ،‬تقسيم المجتمع إلى شرفاء وإرهابيين‪ ،‬حتى تحصر الحراك الرافض لها في فئة قليلة‪،‬‬
‫وتتمكن من عزل هذا الحراك عن عامة الناس‪ ،‬حتى تضيق مساحة االحتجاج ضد االنقالب العسكري‬
‫تدريجيا‪ ،‬حتى يتوقف‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫فبراير ‪1014‬‬

‫السلمية والرصاص‪ ..‬معادلة القوة والنصر‬
‫الحرب على اإلرهاب‬

‫أعلنت سلطة االنقالب الحرب على اإلرهاب‪ ،‬كعنوان رئيسي لها‪ ،‬بهدف القضاء على الحراك‬
‫الثوري من ناحية‪ ،‬ومن ناحية أخرى‪ ،‬حماية قادة االنقالب العسكري من المالحقة الجنائية الدولية‪ .‬فشعار‬
‫الحرب على اإلرهاب‪ ،‬يهدف إلى إيجاد مبررات قانونية وسياسية لما قامت به سلطة االنقالب العسكري‬
‫من مذابح‪ ،‬حتى تتمكن من وقف المالحقة الدولية ضدها‪.‬‬
‫وفي كل مسار االنقالب العسكري‪ ،‬نجد تصعيدا في لغة الحرب على اإلرهاب‪ ،‬وصل لحد تجريم‬
‫جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬واعتبارها منظمة إرهابية‪ ،‬بهدف التغطية على حقيقة الصراع الدائر بين‬
‫االنقالب العسكري والحراك الثوري‪ ،‬وحتى يتحول الصراع إلى مواجهة مسلحة بين الدولة وجماعات‬
‫خارجة على القانون‪.‬‬
‫ومن الواضح‪ ،‬أن سلطة االنقالب تخطط لبناء تحالف إقليمي ودولي ضد اإلرهاب في مصر‪ ،‬حتى‬
‫يتوفر لها غطاء دولي‪ ،‬لما تقوم به من قمع دموي‪ ،‬مما يمكنها من التمادي في القمع واإلقصاء‪ ،‬حتى تتمكن‬
‫من القضاء على الحراك الثوري‪ ،‬واستئصال جماعة اإلخوان المسلمين؛ مما يعني أن سلطة االنقالب‪ ،‬تريد‬
‫الدخول في معركة تسميها الحرب ضد اإلرهاب‪ ،‬حتى تتمكن من فرض سلطتها‪.‬‬
‫وخطاب سلطة االنقالب العسكري‪ ،‬خاصة اإلعالمي‪ ،‬أظهر رغبة سلطة االنقالب العسكري في‬
‫توسيع نطاق العنف‪ ،‬حتى يصل إلى االقتتال األهلي؛ حيث عمدت وسائل إعالم االنقالب‪ ،‬على دفع عامة‬
‫الناس لالقتتال‪ ،‬ودفع مؤيدي االنقالب العسكري‪ ،‬إلى الدخول في اقتتال أهلي مع رافضي االنقالب‬
‫العسكري‪ ،‬حتى يصبح االقتتال األهلي‪ ،‬وسيلة سلطة االنقالب‪ ،‬لوقف الحراك الثوري‪.‬‬
‫كما ركزت وسائل إعالم االنقالب على مسألة الحرب على اإلرهاب‪ ،‬واتهام القوى المشاركة في‬
‫الحراك الثوري باإلرهاب‪ ،‬خاصة جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬حتى تحافظ على الكتل المؤيدة لالنقالب‬
‫العسكري‪ ،‬من خالل تخويفها من العنف واإلرهاب‪ ،‬وحتى ال تفقد سلطة االنقالب المزيد من مؤيديها‪،‬‬
‫فيتقلص الغطاء الشعبي لالنقالب العسكري‪.‬‬
‫أوراق العنف الغامضة‬
‫اختلطت العديد من األوراق في ملف العنف الحادث بعد االنقالب العسكري‪ ،‬مما جعل معرفة حقيقة‬
‫أعمال العنف أمرا ليس سهال‪ ،‬وربما ال تتاح الحقيقة كاملة‪ ،‬إال بعد سقوط االنقالب العسكري‪ .‬ولكن من‬
‫الواضح‪ ،‬أن العناصر التي تمارس العنف‪ ،‬ليست فقط جماعات العنف‪ ،‬الموجودة في سيناء‪ ،‬والتي ربما‬
‫تمددت خارج سيناء بعد االنقالب العسكري‪ ،‬أو أي جماعات جديدة ظهرت بعد االنقالب‪ .‬فمن الواضح‪ ،‬أن‬
‫هناك عنف تمارسه جماعات تابعة ألجهزة‪ ،‬بهدف إشعال معركة الحرب على اإلرهاب‪.‬‬
‫فحوادث العنف‪ ،‬خاصة بعض العمليات‪ ،‬أفادت سلطة االنقالب‪ ،‬وأضرت بالحراك الثوري‪ ،‬ولم‬
‫تحقق انتصارا سياسيا واضح لجماعات العنف‪ ،‬مما يعني أن نتائج أعمال العنف‪ ،‬تشير بوضوح أن الرابح‬
‫األكبر منها‪ ،‬وربما الرابح الوحيد في بدايتها‪ ،‬هو سلطة االنقالب العسكري‪ .‬لذا أصبح من المرجح‪ ،‬أن‬
‫العنف الحادث‪ ،‬تقوم به جماعات عنف وأجهزة‪ ،‬أي أكثر من طرف‪.‬‬
‫كما يالحظ‪ ،‬أن سلطة االنقالب واجهت جماعات العنف في سيناء بعنف مفرط‪ ،‬طال البيئة‬
‫االجتماعية األهلية‪ ،‬مما يعني أن سلطة االنقالب‪ ،‬أشعلت الوضع في سيناء‪ ،‬بصورة تؤدي إلى تمدد ظاهرة‬
‫العنف في تلك المنطقة‪ ،‬وتجعلها تتمدد مكانيا وزمانيا‪ ،‬مما يساعد على توسعها في خارج سيناء‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫السلمية والرصاص‪ ..‬معادلة القوة والنصر‬

‫فبراير ‪1014‬‬

‫وإشعال العنف السياسي كظاهرة‪ ،‬وأيضا تدبير أعمال عنف من قبل أجهزة‪ ،‬يؤدي في النهاية إلى‬
‫إشعال وتمدد ظاهرة العنف‪ ،‬والتي تخرج في النهاية عن سيطرة أي طرف‪ .‬فحتى العنف الذي تدبره أجهزة‪،‬‬
‫من خالل مجموعات قتالية خاصة‪ ،‬أو من خالل جماعات عنف مخترقة‪ ،‬يؤدي في النهاية إلى تفشي ظاهرة‬
‫العنف‪ ،‬بقدر ال يسمح لتلك األجهزة المشاركة في إشعاله من السيطرة عليه‪.‬‬
‫وسلطة االنقالب العسكري‪ ،‬تحتاج لموجة العنف‪ ،‬حتى تبرر االنقالب‪ ،‬وتفلت من المالحقة‪ ،‬وتوفر‬
‫غطا ًء سياسيا لما تقوم به من مذابح وقمع دموي‪ ،‬وتشغل الرأي العام الداخلي والخارجي‪ ،‬حتى تستقر‬
‫ال سلطة لها‪ ،‬وكأنها توظف العنف‪ ،‬وتعتقد أنها قادرة على إشعاله متى أرادت‪ ،‬وقادرة على إيقافه عندما‬
‫تنتهي وظيفته وفائدته لها‪.‬‬
‫مأزق العنف واالنقالب‬
‫وضعت سلطة االنقالب العسكري نفسها في مأزق حقيقي‪ ،‬عندما أشعلت موجات عنف‪ ،‬ووظفتها‬
‫لمصلحة االنقالب العسكري‪ ،‬ألنها أصبحت أمام عدة تحديات صعبة‪ .‬فسلطة االنقالب العسكري‪ ،‬تهدف‬
‫إلى القضاء على الحراك الثوري بالكامل‪ ،‬ثم وقف موجة العنف أو السيطرة عليها‪ ،‬حتى تتمكن من فرض‬
‫سلطتها بالكامل على النظام السياسي‪.‬‬
‫ولكن سلطة االنقالب العسكري‪ ،‬تواجه في الواقع تحديات عدة‪ ،‬فإذا وقف العنف قبل أن يقف‬
‫الحراك الثوري‪ ،‬فسوف تواجه سلطة االنقالب العسكري تحديا مهما‪ ،‬حيث ينكشف أمام الجميع أن الحراك‬
‫الثوري ليس له عالقة بالعنف‪ ،‬وأن أعمال العنف تمثل رد فعل على االنقالب العسكري‪ ،‬وأيضا تمثل أداة‬
‫من أدوات االنقالب‪.‬‬
‫وسلطة االنقالب العسكري‪ ،‬سوف تواجه مأزقا آخر‪ ،‬إذا توقف الحراك الثوري‪ ،‬واستمرت موجات‬
‫العنف‪ ،‬وربما توسعت‪ ،‬ألن ذلك يعني أن سلطة االنقالب العسكري‪ ،‬أدخلت البالد عمليا في مرحلة من‬
‫المواجهات الدموية التي قد تستمر لسنوات طويلة‪.‬‬
‫وسلطة االنقالب تريد وقف الحراك الثوري‪ ،‬حتى يتحقق لها االستقرار‪ ،‬وتستمر كسلطة قابضة‬
‫على النظام السياسي‪ ،‬كما تريد وقف أعمال العنف‪ ،‬حتى يتحقق االستقرار‪ ،‬مما يمكنها من تأمين بقائها‪،‬‬
‫ولكن سلطة االنقالب العسكري‪ ،‬تريد إنهاء الحراك الثوري قبل إنهاء العنف‪ ،‬أو إنهاء الحراك والعنف معا‪.‬‬
‫والتحدي الذي تواجهه سلطة االنقالب العسكري‪ ،‬أن الحراك الثوري غير قابل لإلجهاض‪ ،‬وبالتالي‬
‫لن يتوقف‪ .‬كما أن ظاهرة العنف السياسي تنمو تلقائيا في ظل دولة القمع واالستبداد‪ ،‬وال يمكن أن تنتهي إال‬
‫بعد تحقيق التحول الديمقراطي الحقيقي والكامل‪ ،‬وبعد استقرار الحريات‪ ،‬وسقوط كل أركان دولة االستبداد‬
‫والفساد‪.‬‬
‫فالربيع العربي‪ ،‬كان أ ول تحدي حقيقي لجماعات العنف‪ ،‬حيث أثبت لها أن المنهج السلمي هو‬
‫القادر على التغيير‪ ،‬وجاء االنقالب العسكري ليحبط المنهج السلمي‪ .‬لذا فجماعات العنف‪ ،‬لن تختفي إال‬
‫عندما ينجح النهج السلمي في تحقيق التحرر الكامل‪ ،‬وهزيمة كل القوى التي تحاول منع تحرر شعوب‬
‫المنطقة العربية واإلسالمية‪.‬‬
‫ومعضلة المواجهة بين الحراك الثوري وسلطة االنقالب من جهة‪ ،‬والمواجهة بين سلطة االنقالب‬
‫والعنف من جهة‪ ،‬أن تصرفات سلطة االنقالب تغذي العنف‪ ،‬والحراك الثوري السلمي‪ ،‬يمتص طاقة‬
‫الغضب‪ ،‬التي تفجر العنف؛ أي أن الحراك الثوري هو الذي يحد من ظاهرة العنف‪ ،‬وتصرفات سلطة‬
‫االنقالب‪ ،‬هي التي تشعل ظاهرة العنف‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫فبراير ‪1014‬‬

‫السلمية والرصاص‪ ..‬معادلة القوة والنصر‬
‫جر الحراك للعنف‬

‫يبدو أن سلطة االنقالب العسكري‪ ،‬تراهن منذ اللحظة األولى على جر الحراك الثوري للعنف‪،‬‬
‫حتى يتوقف الحراك السلمي‪ ،‬وتصبح سلطة االنقالب في مواجهة مع العنف فقط‪ ،‬وبهذا تكون سلطة االنقالب‬
‫قد تمكنت من القضاء على الحراك الثوري‪ ،‬والقضاء على الحراك الجماهيري الواسع‪ ،‬وأيضا تمكنت من‬
‫ضرب الحاضنة الشعبية للحراك الثوري‪ ،‬بسبب دفعه للتحول للعنف‪.‬‬
‫وتتصور سلطة االنقالب‪ ،‬أن انتهاء الحراك الثوري‪ ،‬وتحوله إلى أعمال عنف‪ ،‬يوفر لها الظرف‬
‫األنسب لتعضيد سلطتها‪ ،‬وتوسيع عملياتها األمنية‪ ،‬حتى إذا استمرت المواجهة مع العنف لفترة طويلة‪ .‬مما‬
‫يعني أن الحراك الثوري السلمي‪ ،‬هو الذي يهدد سلطة االنقالب العسكري‪ ،‬ويفشل مشروعها‪ ،‬أما أعمال‬
‫العنف واالقتتال األهلي‪ ،‬فهي التي توفر لها الظرف المناسب لفرض سيطرتها وسلطتها‪.‬‬
‫فسلطة االنقالب العسكري‪ ،‬تعتمد على سيناريو وحيد‪ ،‬وهو إشعال موجات العنف والنزاع األهلي‪،‬‬
‫واستخدام القوة المفرطة ضد القوى المناهضة لها‪ ،‬حتى تتمكن من فرض سلطتها كأمر واقع‪ ،‬ال ينازعه‬
‫أحد‪.‬‬
‫تحدي السلمية‬
‫يواجه الحراك السلمي عدة تحديات‪ ،‬فهو يواجه تحدي عنف الدولة‪ ،‬ويواجه أيضا تحدي عنف‬
‫الجماعات المسلحة‪ ،‬والعنف الذي تصنعه األجهزة‪ ،‬سوا ًء الداخلية أو الخارجية‪ .‬فعنف الدولة‪ ،‬يهدف إلى‬
‫إجهاض الحراك السلمي‪ ،‬ومنع توسع القاعدة الشعبية للحراك الثوري‪ .‬وفي نفس الوقت‪ ،‬فإن عنف‬
‫الجماعات المسلحة‪ ،‬يضر الحراك الثوري‪ ،‬ويستخدم لتشويه صورته‪.‬‬
‫والحراك السلمي‪ ،‬يمثل مصدر قوة الحراك الثوري‪ ،‬فبقدر استمرار الحراك السلمي الواسع‪،‬‬
‫وتواصله عبر المكان والزمان‪ ،‬بقدر ما ينجح الحراك الثوري في إجهاض االنقالب العسكري‪ .‬وبقدر ما‬
‫تتمكن قوى الحراك الثوري‪ ،‬من ردع عنف الدولة‪ ،‬وتقليل الخسائر البشرية‪ ،‬مع قدرتها على دفع ثمن‬
‫الحرية‪ ،‬بقدر ما تتوفر للحراك الثوري فرصة كسر االنقالب العسكري‪.‬‬
‫وكلما تمكن الحراك السلمي من التأثير على مجريات األمور‪ ،‬وامتالك زمام المبادرة‪ ،‬بقدر ما‬
‫يحبط فكرة اللجوء للقوة‪ ،‬وفكرة التغيير بالقوة‪ .‬فالحراك الثوري‪ ،‬يحتاج إجهاض عنف الدولة‪ ،‬وأيضا‬
‫إجهاض فكرة اللجوء للعنف‪ ،‬في آن واحد‪.‬‬
‫فقد أصبح الحراك الثوري محاصرا‪ ،‬بعنف الدولة من جهة‪ ،‬وعنف الجماعات المسلحة من جهة‬
‫أخرى‪ ،‬سوا ًء العنف الذي تمارسه جماعات حقيقية أو العنف الذي تدبره أجهزة أمنية‪ .‬فالعنف يحاصر‬
‫الحراك الثوري‪ ،‬ألنه يعرقل توسع الحراك الشعبي‪ ،‬ويعرقل توسع القاعدة الشعبية المساندة للحراك الثوري‪،‬‬
‫ضد االنقالب العسكري‪.‬‬
‫لذا يصبح أمام الحراك الثوري‪ ،‬أكثر من تحدي‪ ،‬فإحباط العنف بكل أشكاله‪ ،‬يساهم في صعود‬
‫الحراك الثوري‪ ،‬وامتالكه لزمام األمور على األرض‪ .‬فعنف الجماعات المسلحة‪ ،‬يحاول سحب البساط من‬
‫الحراك الثوري‪ ،‬وتشجيع اللجوء للعنف‪ ،‬كما أن عنف الدولة يستهدف إجهاض الحراك الثوري‪ ،‬أو دفعه‬
‫الستخدام العنف‪ .‬وفي كل األحوال‪ ،‬فإن استمرار المنهج السلمي‪ ،‬يعد أهم وسائل إجهاض تأثير العنف على‬
‫مسار النضال الثوري‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫فبراير ‪1014‬‬

‫السلمية والرصاص‪ ..‬معادلة القوة والنصر‬

‫والحراك الثوري يواجه أيضا تحدي النزاع األهلي‪ ،‬مما يجعل عليه مسئولية تجنب االنزالق في‬
‫االقتتال األهلي‪ ،‬ألن النزاع األهلي بكل صوره‪ ،‬يضعف الحراك الثوري‪ ،‬ويفيد سلطة االنقالب‪ .‬فكل أشكال‬
‫النزاع األهلي‪ ،‬تضعف المجتمع‪ ،‬كما تضعف الحراك الشعبي‪ ،‬وتدفع عامة الناس للبحث عن األمان‪ ،‬أيا‬
‫كان الثمن‪ ،‬وحتى إذا كان الثمن هو التنازل عن حريتها‪.‬‬
‫وبسبب عنف الدولة‪ ،‬فإن قوى الحراك الثوري‪ ،‬تواجه تحديا من داخل الكتل المؤيدة للثورة‪،‬‬
‫والمناهضة لالنقالب العسكري‪ ،‬ألن عنف الدولة يؤثر سلبا عليها‪ ،‬ويجعل بعض تلك الكتل‪ ،‬خاصة الشبابية‪،‬‬
‫تتجه لردع عنف الدولة بالقوة‪ ،‬مما يجعل السيطرة على مسار الحراك السلمي‪ ،‬بحيث ال ينجر للعنف‪ ،‬من‬
‫أهم التحديات التي تواجه الحراك الثوري‪.‬‬
‫الحراك الثوري السلمي‪ ،‬ليس عمال سلبيا‪ ،‬بل هو فعل إيجابي‪ ،‬يهدف إلسقاط منظومة االستبداد‬
‫والفساد‪ ،‬ويهدف أيضا لردع سالح االستبداد‪ ،‬وإفشال عنف الدولة‪ ،‬ودفع أجهزة األمن للتراجع عن استخدام‬
‫العنف‪ ،‬دون أن يصبح الحراك الثوري‪ ،‬معتمدا على العنف كوسيلة له‪ ،‬ألن السلمية هي أداته الرئيسة‬
‫الفاعلة‪.‬‬
‫فالثورة الشعبية‪ ،‬تعتمد على بناء قاعدة شعبية واسعة تحقق الثورة والتحرر‪ ،‬وفي نفس الوقت‪،‬‬
‫تحمي مسار الثورة والتغيير‪ .‬لذا فالثورة الشعبية‪ ،‬هي حراك سلمي أساسا‪ ،‬يعتمد على قوة إرادة الجماهير‬
‫المؤيدة للثورة والتغيير‪ ،‬والمناهضة لالستبداد والفساد‪.‬‬
‫الخالصة‬
‫يواجه الحراك الثوري حصار العنف له‪ ،‬سوا ًء عنف الدولة‪ ،‬أو عنف الجماعات المسلحة‪ .‬وفي‬
‫نفس الوقت‪ ،‬فإن سلطة االنقالب تواجه تحدي السيطرة على الحراك الثوري‪ ،‬وعلى موجة العنف السياسي‪.‬‬
‫فسلطة االنقالب تريد إجهاض الحراك الثوري أوال‪ ،‬حتى تواجه العنف السياسي وتقضي عليه‪ .‬وألن الحراك‬
‫الثوري غير قابل لإلجهاض‪ ،‬فإن سلطة االنقالب تواجه مأزق‪ ،‬ألن االستمرار في إشعال العنف‪ ،‬مع‬
‫استمرار الحراك الثوري‪ ،‬يجهض أي فرص لالستقرار‪.‬‬
‫فمعادلة القوة الحقيقية‪ ،‬بين االنقالب العسكري والحراك الثوري‪ ،‬هي أن السلمية هي مصدر قوة‬
‫الثورة‪ ،‬وأن العنف هو أداة االنقالب العسكري من ناحية‪ ،‬وهو أيضا مبرره من ناحية أخرى‪ .‬لذا يمكن أن‬
‫يستمر االنقالب العسكري‪ ،‬إذا أجهض الحراك السلمي‪ ،‬واستمر العنف‪ .‬ولكن االنقالب العسكري يفشل‪ ،‬إذا‬
‫استمر الحراك الثوري‪ ،‬حتى مع استمرار العنف‪ ،‬ويفشل أسرع‪ ،‬إذا توقف العنف‪ ،‬واستمر الحراك السلمي‬
‫الثوري‪.‬‬
‫فمصدر قوة الحراك الثوري‪ ،‬هو السلمية‪ ،‬وقدرة الحراك على تجاوز تأثيرات عنف الدولة‪ ،‬وعدم‬
‫االنجرار إلى منهج التغيير بالقوة‪ ،‬بل وإحباط فكرة التغيير بالقوة‪ ،‬لصالح فكرة التغيير السلمي‪ .‬مما يكسب‬
‫الحراك الثوري‪ ،‬حاضنة شعبية قوية‪ ،‬برغم كل االتهامات التي توجه له‪ ،‬ومحاولة إلصاق تهمة العنف به‪.‬‬
‫فاالنقالب العسكري‪ ،‬عمل عنيف‪ ،‬ينجح بالقوة‪ ،‬ويستمر تحت غطاء العنف السياسي‪ ،‬أما الحراك‬
‫الثوري‪ ،‬فهو عمل سلمي شعبي‪ ،‬يعتمد على اإلرادة وليس السالح‪ ،‬وينجح بالسلمية واإلرادة القوية‪.‬‬

‫‪6‬‬