‫تحوالتت‬

‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫متى يسقط االنقالب؟‬
‫معالم لحظة الحسم‬
‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫مارس ‪1024‬‬
‫‪1‬‬

‫مارس ‪4112‬‬

‫متى يسقط االنقالب؟ معالم لحظة الحسم‬

‫يظل سؤال الوقت ملحا على طرفي المواجهة بين الثورة واالنقالب العسكري‪ ،‬وقدرة الحراك‬
‫الثوري على تجاوز سؤال الوقت‪ ،‬تتيح له القدرة على الوصول إلى هدفه النهائي‪ ،‬أي اسقاط االنقالب‪ ،‬أما‬
‫سلطة االنقالب‪ ،‬فإن مسألة الوقت تصبح حاسمة لها‪ ،‬فكلما تأخر انتصارها‪ ،‬أصبح سقوطها حتمي‪.‬‬
‫واالنقالب العسكري يسقط‪ ،‬عندما تتحقق شروط معينة‪ ،‬والتي تمثل نهاية سلطته الفعلية على‬
‫األرض‪ ،‬مما يجعل مسألة الوقت‪ ،‬تدور حول الظروف والعوامل التي تمكن الحراك الثوري من اإلمساك‬
‫بزمام األمور‪ ،‬والتي تفقد سلطة االنقالب قدرتها على اإلمساك بزمام األمور‪.‬‬
‫وهناك العديد من العوامل التي تؤخر سقوط االنقالب‪ ،‬كما أن هناك عوامل أخرى‪ ،‬تجعل الحراك‬
‫الثوري قادرا على إسقاط االنقالب‪ ،‬رغم تأخر سقوطه‪ .‬فكل من الحراك الثوري وسلطة االنقالب‪ ،‬لديهم‬
‫مصادر قوة مختلفة‪ ،‬تحدد مراحل السقوط‪ ،‬ثم تحدد شروط لحظة نهاية المواجهة‪.‬‬
‫لماذا لم يتحقق السقوط السريع؟‬
‫في المرحلة األولى من المواجهة بين الحراك الثوري واالنقالب العسكري‪ ،‬لم يتمكن الحراك من‬
‫حصار سلطة االنقالب سريعا إلسقاطها‪ .‬وأهم ما جعل إسقاط االنقالب منذ األسابيع أو الشهور األولى‬
‫صعبا‪ ،‬أنه كان انقالبا عسكريا بدعم شعبي‪ ،‬وهو ما جعل حصاره شعبيا في اللحظة األولى صعبا‪.‬‬
‫اعتمدت سلطة االنقالب على إشعال النزاع األهلي‪ ،‬قبل االنقالب ثم بعده‪ ،‬حتى تحمي نفسها من‬
‫الحراك المناهض لها‪ .‬كما اعتمدت على تغذية حرب الكراهية‪ ،‬حتى يتعمق النزاع األهلي‪ ،‬ويمنع سقوطها‪.‬‬
‫كما عملت سلطة االنقالب‪ ،‬على وضع البالد على حافة الحرب األهلية‪ ،‬حتى ال يتمكن الحراك الثوري من‬
‫محاصرتها‪.‬‬
‫والنزاع األهلي‪ ،‬يحاصر الحراك الثوري‪ ،‬حيث يجعل هذا الحراك أمام مخاطر تحوله إلى اقتتال‬
‫أهلي‪ ،‬مما يجعل الحراك الثوري غير قادر على توسيع قاعدته في المرحلة األولى بالقدر الكافي‪ .‬كما أن‬
‫سلطة االنقالب ركزت على دفع بعض العامة لمواجهة الحراك الثوري‪ ،‬حتى تصبح المواجهة أهلية‪ ،‬وقد‬
‫تجنب الحراك الثوري االنزالق في تلك المواجهة‪.‬‬
‫وتمكنت سلطة االنقالب من الهروب من مرحلة السقوط االقتصادي السريع‪ ،‬والتي كان من الممكن‬
‫أن تعقب االنقالب العسكري‪ ،‬بسبب الدعم المالي الخليجي‪ .‬فبدون الدعم المالي‪ ،‬كان سيحدث انهيار مالي‬
‫سريع لسلطة االنقالب‪ ،‬يؤدي إلى سقوطها‪ .‬كما أن الدعم الدولي الغربي المباشر أو المستتر‪ ،‬وفر بيئة دولية‬
‫داعمة لالنقالب‪.‬‬
‫وفي العديد من الحاالت‪ ،‬يصعب نجاح االنقالبات العسكرية بسبب الرفض الدولي لها‪ ،‬ألنها انقالب‬
‫على السلطة السياسية المنتخبة‪ ،‬ولكن االنقالب العسكري في مصر‪ ،‬كان بدعم دولي غربي واسع‪ ،‬حمى‬
‫سلطة االنقالب من أي عزلة دولية قاتلة‪ ،‬حتى وإن ظلت محاصرة دوليا على المستوى المعنوي‪.‬‬
‫قامت وسائل إعالم االنقالب‪ ،‬بعملية تضليل إعالمي واسعة‪ ،‬حتى تؤثر على قطاعات من المجتمع‪،‬‬
‫لتشويه صورة الحراك الثوري‪ ،‬وتجميل سلطة االنقالب العسكري‪ ،‬وإخفاء حقيقتها‪ ،‬مما جعل قطاعات من‬
‫المجتمع ال تدرك حقيقة ما حدث‪ ،‬وهو ما أخر سقوط االنقالب‪.‬‬
‫سارعت سلطة االنقالب بإعالن الحرب على اإلرهاب‪ ،‬واستدعت العنف السياسي والعنف المدبر‬
‫من أجهزة‪ ،‬حتى توحي لقطاعات من المجتمع‪ ،‬بأن مصر تواجه موجة إرهاب‪ .‬وتخويف قطاعات من‬
‫المجتمع من العنف واإلرهاب‪ ،‬أثر سلبا على موقفها من الحراك الثوري‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫مارس ‪4112‬‬

‫متى يسقط االنقالب؟ معالم لحظة الحسم‬

‫قادت سلطة االنقالب عملية تخويف واسعة‪ ،‬وفرضت حالة أمنية قمعية‪ ،‬مما أثر على مشاركة‬
‫قطاعات من المجتمع في الفعل السياسي‪ ،‬ودفع العديد من الفئات إلى السلبية مرة أخرى‪ ،‬وهو ما أثر سلبا‬
‫على الحالة الثورية في مصر‪ ،‬مما منع السقوط السريع لالنقالب العسكري‪.‬‬
‫لكنه سوف يسقط!‬
‫عدم سقوط االنقالب العسكري في األسابيع والشهور األولى‪ ،‬ال تعني أنه قادر على البقاء‬
‫واالستمرار‪ ،‬بل تعني أنه توفرت له الظروف التي تحميه من السقوط السريع‪ .‬ولكن سلطة االنقالب‪ ،‬ال‬
‫تملك العوامل التي تمكنها من فرض سلطتها بشكل نهائي‪.‬‬
‫استطاع الحراك الثوري تحقيق أسباب القوة في مواجهة سلطة قمعية أمنية‪ ،‬مما مكنه من تأسيس‬
‫عوامل النجاح واالنتصار على سلطة االنقالب‪ .‬فقد استطاع الحراك الثوري‪ ،‬وضع أسس بناء قاعدة ثورية‬
‫غير قابلة لإلجهاض‪.‬‬
‫مع استمرار الحراك الثوري‪ ،‬رغم آلة القمع األمني الشرسة‪ ،‬توفر للحراك الثوري‪ ،‬القوة الشعبية‬
‫واإلرادة الحرة‪ ،‬القادرة على إجهاض االنقالب‪ .‬فقدرة الحراك الثوري على االستمرار بدون توقف‪ ،‬وتنويع‬
‫أدوات الحراك‪ ،‬مثلت قوة حقيقية في وجه االنقالب‪.‬‬
‫قدرة الحراك الثوري على التصعيد الثوري‪ ،‬بعد كل موجة من موجات القمع األمني‪ ،‬جعلت الحراك‬
‫ليس فقط مستمرا‪ ،‬بل وقادرا على الحفاظ على قدرته على التصعيد‪ .‬وأصبح قرار تصعيد الحراك الثوري‪،‬‬
‫واالستمرار فيه‪ ،‬هو قرار الميدان الثائر‪ ،‬وال تستطيع سلطة االنقالب التحكم فيه‪.‬‬
‫أبطل الحراك الثوري أدوات القمع‪ ،‬بعد أن أصبحت غير مؤثرة على وتيرة الحراك الثوري‪ ،‬وال‬
‫على قدرته على االستمرار‪ ،‬وال على قدرته على التصعيد‪ .‬فأصبحت أدوات القمع األمني‪ ،‬ليس لها القدرة‬
‫على التحكم في الحراك الثوري‪ ،‬وليس لها القدرة على إجهاضه‪.‬‬
‫رغم توافر عوامل القوة لدى سلطة االنقالب‪ ،‬متمثلة في أدوات القمع‪ ،‬إال أن الحراك الثوري‬
‫استطاع تحقيق نقطة التعادل في القوة‪ .‬فموجة التصعيد الثوري بين ‪ 42‬ديسمبر ‪ 4113‬و‪ 2‬فبراير ‪،4112‬‬
‫أكدت أن الحراك الثوري‪ ،‬أصبح يمتلك القدرة على فرض الحالة الثورية على المشهد السياسي‪ ،‬مما أوصله‬
‫لتعادل القوة مع سلطة االنقالب‪.‬‬
‫تآكل قوة سلطة االنقالب‬
‫اعتمد االنقالب العسكري على توفير دعم شعبي له‪ ،‬حتى ال يبدو أنه انقالب عسكري متكامل‬
‫األركان‪ .‬ولكن الدعم الشعبي ال يغير من حقيقة كونه انقالبا عسكريا‪ .‬كما حاولت سلطة االنقالب‪ ،‬توظيف‬
‫الدعم الشعبي‪ ،‬حتى تكتسب منه شرعية‪ ،‬ولكن وجود تأييد شعبي لسلطة عسكرية‪ ،‬ال يمنحها شرعية‪ ،‬ألنه‬
‫ال شرعية ألي حكم يقوم على االستبداد والقمع‪.‬‬
‫كما حاولت سلطة االنقالب دفع مؤيديها للتصدي للحراك الثوري‪ ،‬حتى يشتعل النزاع األهلي‪،‬‬
‫ويصبح مبررا لقمع الحراك الثوري‪ ،‬وسببا في حصار هذا الحراك‪ ،‬وربما أداة إلجهاض الحراك الثوري‬
‫في نهاية األمر‪.‬‬
‫رغم أن النزاع األهلي تعمق‪ ،‬وحرب الكراهية األهلية انتشرت‪ ،‬إال أن االقتتال األهلي لم ينتشر‪،‬‬
‫وظل محدودا ومدفوعا من السلطة‪ ،‬وتحت حماية تنظيم البلطجية‪ .‬مما أكد أن المجتمع غير مهيئ للدخول‬
‫في مرحلة االقتتال األهلي‪ ،‬وهو ما أفقد سلطة االنقالب‪ ،‬أهم عامل يمكن أن يحقق لها النجاح‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫مارس ‪4112‬‬

‫متى يسقط االنقالب؟ معالم لحظة الحسم‬

‫لم يعد النزاع األهلي‪ ،‬عامال يحمي سلطة االنقالب العسكري‪ ،‬ألنه أصبح عمليا نزاعا حول الثورة‬
‫والحرية‪ ،‬أي نزاعا بين من يؤيد االستبداد‪ ،‬ومن يؤيد الثورة والتحرر الكامل‪ .‬وكل ثورة شعبية‪ ،‬تكون‬
‫واقعيا نزاعا بين القطاع المجتمعي المطالب بالتحرر‪ ،‬والقطاع المؤيد لمنظومة االستبداد‪.‬‬
‫منذ اليوم األول لالنقالب العسكري‪ ،‬وغطاءه الشعبي يتآكل‪ ،‬فلم يتمكن من إضافة شرائح جديدة‬
‫تؤيده‪ ،‬ولم يتمكن من الحفاظ على الشرائح التي أيدته في اللحظة األولى‪ .‬مما جعل الغطاء الشعبي لالنقالب‬
‫يتآكل بشكل مستمر‪ ،‬أيا كانت درجة التآكل‪.‬‬
‫تتعرض سلطة االنقالب إلى نوع مهم من تآكل التأييد الشعبي لها‪ ،‬وهو التآكل بالصمت‪ ،‬أو‬
‫باالنسحاب من العملية السياسية‪ .‬فزيادة األعداد التي تعود إلى مربع السلبية السياسية‪ ،‬بعد أن تركته بعد‬
‫ثورة يناير‪ ،‬يزيد مساحة الكتلة الصامتة‪ ،‬ويحرم سلطة االنقالب من قطاعات يمكن أن تؤيده‪.‬‬
‫ظلت كتلة الحراك الثوري تتزايد‪ ،‬أيا كان المعدل‪ ،‬كما أن المنتمين لها ال ينسحبون من االهتمام‬
‫السياسي‪ ،‬فلديهم دافع سياسي متجدد‪ .‬ومع تقلص كتلة االنقالب‪ ،‬وتوسع كتلة الحراك الثوري‪ ،‬وتزايد الكتلة‬
‫الصامتة‪ ،‬تصبح المواجهة بين الكتل الفاعلة فقط‪ ،‬وهو ما يجعل كتلة الحراك تتفوق‪.‬‬
‫تعرضت وسائل إعالم االنقالب لعملية استنزاف ذاتي هائلة‪ ،‬بسبب تماديها في التضليل والتغييب‪،‬‬
‫وفي سياسة الصوت الواحد‪ ،‬مما جعلها تفقد تأثيرها نسبيا‪ ،‬بعد أن أصبحت تكرر نفسها بصورة لم تعد‬
‫مقنعة لبعض من تأثر بإعالم االنقالب‪.‬‬
‫مع تحول إعالم االنقالب‪ ،‬إلى بوق للترويج للسلطة‪ ،‬والحاكم اإلله‪ ،‬أصبح إعالم االنقالب مثلة مثل‬
‫إعالم ما قبل الثورة‪ ،‬مما يجعل صورته تنكشف لمن ال يؤيد االستبداد‪ .‬واستمرار إعالم االنقالب‪ ،‬في سياسة‬
‫الترويج للتضليل والخداع‪ ،‬تجعل جمهوره ينحصر في من يريد تصديق ما يقال‪ ،‬وينفر منه من يريد معرفة‬
‫الحقيقة‪.‬‬
‫الحملة اإلعالمية الواسعة‪ ،‬للحض على كراهية فريق من المجتمع‪ ،‬مع حملة التشويه والتضليل‬
‫ونشر األكاذيب‪ ،‬تمادت بدرجة كبيرة‪ ،‬جعلتها بعد ذلك ليس لها أي تأثير جديد‪ .‬فقد أقامت وسائل إعالم‬
‫االنقالب حرب كراهية أهلية‪ ،‬تحولت واقعيا لحرب كراهية بين من يؤيد الحرية ومن يؤيد االستبداد‪.‬‬
‫استنزفت سلطة االنقالب الدعم المالي الخليجي بسرعة كبيرة‪ ،‬مما وضعها في موقف صعب‪،‬‬
‫خاصة وإنها استنزفت الدعم المالي في حل المشاكل اليومية‪ .‬فلم تتمكن سلطة االنقالب من توظيف الدعم‬
‫المالي‪ ،‬ليخدم االقتصاد مستقبال‪ ،‬مما يعني أنها استهلكت فرصتها في الهروب من السقوط االقتصادي‪.‬‬
‫مع تمادي سلطة االنقالب العسكري في سياسة القمع األمني‪ ،‬أصبحت تعرض الداعم الغربي لها‬
‫للحرج‪ ،‬خاصة أمام الرأي العام الغربي‪ .‬مما يجعل سلطة االنقالب تتحول إلى عبئ على الداعم الغربي لها‪.‬‬
‫كما أن استخدام القمع األمني كوسيلة وحيدة‪ ،‬جعل البالد معرضة لخطر االنزالق للفوضى‪ ،‬وهو ما يهدد‬
‫مصالح الغرب الداعم لالنقالب‪.‬‬
‫لم تتمكن سلطة االنقالب من تمرير أي تحول ديمقراطي مقيد أو موجه‪ ،‬كما كان يريد الداعم الغربي‬
‫منها‪ ،‬مما جعلها تتجه لبناء سلطة مستبدة أمنية خالصة‪ ،‬وهو ما يهدد المنطقة العربية كلها بالدخول في‬
‫مرحلة فوضى‪ ،‬تهدد االحتالل اإلسرائيلي والمصالح الغربية‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫مارس ‪4112‬‬

‫متى يسقط االنقالب؟ معالم لحظة الحسم‬

‫أصبح الداعم الغربي‪ ،‬خاصة األمريكي‪ ،‬مرتبكا‪ ،‬ألنه ال يستطيع السماح بسقوط سلطة االنقالب‪،‬‬
‫كما أنه ال يقدر على حمايتها من السقوط‪ ،‬كما أنه ال يملك أي تأثير على الحراك الثوري‪ .‬فأصبحت الدول‬
‫الغربية بعد االنقالب‪ ،‬في موقف حرج‪ ،‬ال تملك أي مخرج منه‪ ،‬وال تعرف كيف تحمي مصالحها‪.‬‬
‫استدعت سلطة االنقالب العنف‪ ،‬كمبرر لها‪ ،‬حتى تحول االنقالب العسكري إلى حرب على‬
‫اإلرهاب‪ ،‬لتحصل على الدعم الغربي‪ ،‬وتقدم له مبرر يستخدمه أمام الرأي العام‪ .‬ولكن استدعاء العنف‪،‬‬
‫أصبح يمثل مشكلة أمام سلطة االنقالب‪ ،‬ألنه أصبح تهديدا لقوة سلطة االنقالب‪.‬‬
‫استدعاء العنف في البداية‪ ،‬ساهم في حصار الحراك الثوري‪ ،‬وساهم أيضا في الحد من تمدد شعبية‬
‫الحراك الثوري‪ .‬لكن استمرار العنف‪ ،‬بعد استدعائه‪ ،‬يؤدي إلى خروجه عن السيطرة‪ ،‬مما يجعل سلطة‬
‫االنقالب تستنزف في عدة جبهات‪ ،‬مما يستنزف أدوات القمع األمني‪.‬‬
‫بسيناريو اإلرهاب والحرب األهلية‪ ،‬حاولت سلطة االنقالب إضعاف المجتمع‪ ،‬حتى تفرض‬
‫سلطتها‪ ،‬وقد نجحت نسبيا‪ .‬ولكن مناخ العنف واإلرهاب والكراهية‪ ،‬الذي يضعف المجتمع‪ ،‬سرعان ما‬
‫يضعف الدولة‪ ،‬ويفكك حضور الدولة وفاعليتها‪.‬‬
‫بدايات السقوط‬
‫فحص طبيعة سلطة االنقالب‪ ،‬يكشف عن مقومات فشلها الداخلي‪ ،‬فهي تمثل سلطة استبدادية‬
‫خالصة‪ ،‬تركز على فرض سلطتها أمنيا‪ .‬ومع تمدد سلطة االستبداد‪ ،‬تتوسع قاعدة ضحايا القمع‪ ،‬وال تشمل‬
‫فقط النشطاء السياسيين‪ ،‬بل تتمدد لعامة الناس‪.‬‬
‫القمع األمني يبدأ عادة ضد الخصم السياسي‪ ،‬ثم يتحول لسلوك يومي من األجهزة األمنية‪ ،‬والتي‬
‫تندفع لفرض سطوتها األمنية في مواجهة المواطن العادي‪ .‬ويتحول القمع إلى منهج عمل‪ ،‬من قبل أجهزة‬
‫األمن‪ ،‬ثم كل أجهزة الدولة‪.‬‬
‫تعتمد سلطة االنقالب‪ ،‬على تعميق الشعور بالتفوق لدى أجهزة الجيش والقضاء والشرطة‪ ،‬على‬
‫حساب المواطن العادي‪ .‬ويؤدي الشعور بالتفوق‪ ،‬إلى تفشي نهج في التعامل‪ ،‬يحتقر المواطن العادي‪ ،‬مما‬
‫يوسع من ضحايا سلطة االنقالب‪.‬‬
‫مع تمادي السلوك القمعي‪ ،‬تغيب دولة القانون‪ ،‬ويغيب أي فعل أو تأثير للقانون‪ ،‬وهو ما يؤدي إلى‬
‫انتشار قانون الغابة‪ .‬وغياب القانون‪ ،‬يجعل منطق القوة يحل محل منطق العدل‪ ،‬وتصبح الغلبة للقوي‪ ،‬وهو‬
‫ما يؤدي إلى انهيار المنظومة السياسية برمتها‪.‬‬
‫اعتمدت سلطة االنقالب على شبكات المصالح‪ ،‬في اإلعداد لالنقالب العسكري‪ ،‬ثم في حمايته‬
‫وفرض سلطته‪ .‬واالعتماد على شبكات نظام ما قبل الثورة‪ ،‬يؤدي إلى تفشي الفساد بمعدالت ربما تفوق ما‬
‫كان حادثا قبل الثورة‪ ،‬مما يعرض الدولة واالقتصاد‪ ،‬لنزيف حاد‪ ،‬ال يمكن وقفه‪.‬‬
‫ومع تفشي االستبداد والقمع والفساد‪ ،‬يصبح المسرح معدا لسقوط سلطة االنقالب‪ ،‬ألنها تغيب وجود‬
‫الدولة والنظام السياسي‪ ،‬وتفتح الباب أمام الفوضى‪ .‬ويصبح الحراك الثوري‪ ،‬هو الطريق الباقي للتخلص‬
‫من سلطة االستبداد والفساد‪ ،‬مما يجعله المخرج الوحيد‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫مارس ‪4112‬‬

‫متى يسقط االنقالب؟ معالم لحظة الحسم‬
‫مرحلة السقوط‬

‫مع استمرار الحراك الثوري‪ ،‬تتباين مواقف المجتمع‪ ،‬بين من يؤيد الثورة والتحرر‪ ،‬ومن يؤيد‬
‫االستبداد والعسكرة‪ ،‬ومن ال يهتم بأمور السياسة‪ ،‬ويركز اهتمامه على تحسن أحواله المعيشية‪ .‬وبين من‬
‫يطلب الحرية‪ ،‬ومن يتنازل عن الحرية‪ ،‬ومن يبادل الحرية بالخبز‪ ،‬يصبح المشهد معدا للحظة الحسم‪.‬‬
‫وكل من يتنازل عن الحرية من أجل الخبز‪ ،‬ينتظر تحسن األحوال المعيشية‪ ،‬حتى يكون تنازله عن‬
‫الحرية‪ ،‬مقابل توفر سبل المعيشة له‪ .‬وعندما يجد من تنازل عن الحرية من أجل الخبز‪ ،‬أنه فقد كل شيء‪،‬‬
‫يكتشف أن الخبز ال يأتي بدون حرية‪.‬‬
‫مع فشل سلطة االنقالب في تحقيق تحسن في أحوال المعيشة‪ ،‬مع تفشي الفساد والمحسوبية‬
‫والواسطة‪ ،‬تفقد سلطة االنقالب أهم مبرر لبقائها‪ .‬فالسلطة المستبدة‪ ،‬تعتمد على مقايضة حرية عامة الناس‪،‬‬
‫بتوفير سبل الحياة‪ ،‬فإذا فشلت في توفيرها‪ ،‬تكون قد سلبت من عامة الناس كل شيء‪.‬‬
‫وكل سلطة مستبدة‪ ،‬تعد الناس باألمن‪ ،‬وتحاول أن تربط بين الحرية والفوضى‪ ،‬كما تحاول ربط‬
‫الحراك الثوري بالفوضى‪ .‬مما يعني أن السلطة المستبدة‪ ،‬تعتمد على توفير األمن‪ ،‬حتى تكون هي البديل‬
‫عن الفوضى‪ .‬وتفشي النهج القمعي‪ ،‬ال يمكن أن يحقق األمن‪ ،‬ألن أجهزة األمن تتفرغ لألمن السياسي فقط‪.‬‬
‫واعتماد أجهزة أمن االنقالب‪ ،‬على تنظيم البلطجية‪ ،‬يعد من أهم أسباب تفشي الجريمة وغياب‬
‫األمن‪ .‬وعندما تفشل سلطة االنقالب في تحقيق األمن‪ ،‬تفقد من أيدها وتنازل عن حريته مقابل األمن‪ .‬وعندما‬
‫يغيب االستقرار‪ ،‬بعد غياب األمن‪ ،‬تفقد سلطة االنقالب كل من أيدها رغبة في تحقيق االستقرار‪.‬‬
‫ومجمل الظروف التي تحيط بسلطة االنقالب‪ ،‬خاصة مع عودة شبكات المصالح‪ ،‬وغياب األمن‬
‫واالستقرار‪ ،‬يهدد بسقوط االقتصاد‪ ،‬ومع سقوط االقتصاد‪ ،‬يسقط االنقالب العسكري‪.‬‬
‫ومع غياب أي تحسن في أحوال المعيشة‪ ،‬وغياب األمن واالستقرار‪ ،‬تفشل السلطة في تحقيق‬
‫رغبات أغلبية المجتمع‪ .‬ومع تزايد ضحايا السلطة‪ ،‬مرة بعد مرة‪ ،‬يصبح الحراك الثوري‪ ،‬هو المخرج من‬
‫تلك األزمات التي تسببت فيها السلطة‪.‬‬
‫الخالصة‬
‫يرتبط سقوط سلطة االنقالب العسكري‪ ،‬بسقوط أوراقها واحدة بعد األخرى‪ ،‬وسقوط مصادر قوتها‪،‬‬
‫وأيضا سقوط وعودها‪ ،‬واحدا بعد اآلخر‪ .‬فألنه انقالب عسكري تم بدعم شعبي‪ ،‬واستخدم هذا الدعم كغطاء‬
‫يحميه‪ ،‬لذا فإنه يسقط مع تقلص الغطاء الشعبي‪ ،‬وتقلص فاعلية التأييد الشعبي‪.‬‬
‫يظل الحراك الثوري حامال حلم كل من يريد الثورة والتحرر الكامل‪ ،‬حتى يصبح أيضا المخرج‬
‫الباقي لكل من تنازل عن الحرية من أجل الجبز أو األمن أو االستقرار‪ ،‬بعد فشل سلطة االنقالب في تحقيق‬
‫أي إنجاز‪.‬‬
‫بسبب القبضة األمنية‪ ،‬تكون القاعدة الشعبية للحراك الثوري‪ ،‬هي أول ضحايا سلطة االنقالب‪،‬‬
‫حتى يصبح غالب المجتمع من ضحايا تلك السلطة‪ .‬وكلما توسعت دائرة المتضررين من سلطة االنقالب‪،‬‬
‫ينكشف عنها أي غطاء شعبي‪ ،‬مما يمهد لسقوطها‪ .‬فلحظة سقوط االنقالب العسكري‪ ،‬هي لحظة فشله في‬
‫أن يكون سببا في تحقيق مطالب أغلب المجتمع‪ ،‬فيصبح الحراك الثوري هو المخرج الوحيد‪.‬‬

‫‪6‬‬