‫تحوالتت‬

‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫اإليحيء الثوري‬
‫ضد االنقالب الحضءري‬
‫د‪ .‬رفيق يحبيب‬

‫مءرس ‪1024‬‬
‫‪1‬‬

‫مارس ‪1014‬‬

‫اإلحياء الثوري‪ ..‬ضد االنقالب الحضاري‬

‫كشفت المعركة بين الثورة والثورة المضادة‪ ،‬عن المشكلة الثقافية التي تعاني منها مصر‪ ،‬والتي‬
‫تعاني منها أيضا دول الربيع العربي‪ ،‬وكذلك غالب الدول العربية واإلسالمية‪ .‬فقد زرع االستعمار في البالد‬
‫العربية واإلسالمية‪ ،‬فتنة ثقافية عميقة‪ ،‬فرقت المجتمعات‪ ،‬وأضعفت قدرتها على التحرر والنهوض‪.‬‬
‫فقد زرع االستعمار ثقافته الغربية في البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬حتى يبعدها عن هويتها‪ ،‬ويفكك‬
‫انتمائها الحضاري‪ ،‬حتى ال تتوحد األمة مرة أخرى‪ ،‬وحتى ال تتمكن من تحقيق النهوض الحضاري‪ ،‬وتعود‬
‫كمنافس حضاري للغرب‪.‬‬
‫ومع االستعمار‪ ،‬تم تنمية القابلية لالستعمار‪ ،‬وهي تلك االتجاهات التي تتفشى في المجتمعات‬
‫الضعيفة‪ ،‬وتجعلها قابلة للسقوط تحت الهيمنة األجنبية‪ .‬ومن القابلية لالستعمار‪ ،‬ظهرت ثقافة االستبداد‪،‬‬
‫لتشكل ظاهرة اجتماعية‪ ،‬تجعل جزءا من المجتمع متقبل لالستبداد‪ ،‬وربما راغب فيه‪.‬‬
‫ومن خالل زرع الثقافة العلمانية لدى شرائح من المجتمع‪ ،‬وثقافة االستبداد لدى شرائح أخرى‪،‬‬
‫أصبح المجتمع مقسما ثقافيا‪ ،‬ومفككا حضاريا‪ ،‬مما يجعله متقبال لفرض هيمنة استعمارية خارجية عليه‪،‬‬
‫وهيمنة استعمارية محلية أيضا‪.‬‬
‫وبعد رحيل االستعمار العسكري‪ ،‬ورثت األنظمة المستبدة مجتمعا مفككا‪ ،‬فحافظت على تفككه‪ ،‬بل‬
‫وكرست تفككه‪ ،‬حتى تستمر في السيطرة على المجتمع‪ ،‬لصالح طبقة الحكم المستبد‪ ،‬ولصالح الهيمنة‬
‫الغربية‪ .‬فأصبح التفكك الثقافي للمجتمع‪ ،‬هو من أهم نقاط ضعفه‪.‬‬
‫لم تكن الموجة األولى للربيع العربي‪ ،‬ممثلة لموجة ثورية ثقافية‪ ،‬توحد المجتمع على قاعدة موروثه‬
‫الثقافي‪ ،‬بل كانت موجة تطالب بالحرية‪ .‬وبعد أن تحققت الحرية مرحليا‪ ،‬ظهر االنقسام الثقافي مع بداية‬
‫تجربة التحول الديمقراطي‪ ،‬بين االنتماء للموروث الثقافي‪ ،‬واالنتماء للوافد الثقافي‪.‬‬
‫وبعد الدخول في مرحلة التحرر‪ ،‬برز مرة أخرى الخالف الثقافي‪ ،‬بين ثقافة التحرر وثقافة‬
‫االستبداد‪ ،‬فأصبح المجتمع منقسما‪ ،‬وأصبحت الكتل المنتمية لثقافة االستبداد تعادي الثورة‪ .‬فأنقسم المجتمع‬
‫بين من يؤيد الثورة ومن يرفضها‪ ،‬كما أنقسم المنتمين للثورة بين إسالمي وعلماني‪.‬‬
‫لم تكشف الثورة ومرحلة التحول‪ ،‬عن انقسامات جديدة في المجتمع‪ ،‬بل أظهرت االنقسامات‬
‫الراسخة داخل المجتمع‪ ،‬منذ زمن االستعمار العسكري الغربي‪ ،‬مرورا بمرحلة االستعمار المحلي‪ .‬فمرحلة‬
‫التحول كشفت عن االنقسامات الداخلية‪ ،‬وفتحت الباب أمام الصراع السياسي بين مكونات المجتمع‪ ،‬المختلفة‬
‫ثقافيا‪.‬‬
‫االنقسءم االجتمءعي‬
‫االنقسام السياسي الحادث في مرحلة التحول الديمقراطي‪ ،‬كان كاشفا النقسام اجتماعي موجود‬
‫بالفعل‪ ،‬ولكنه لم يكن فاعال في المشهد السياسي‪ .‬فقد كان المجتمع منقسما اجتماعيا‪ ،‬ولكن هذا االنقسام لم‬
‫يكن له دور في توجيه العملية السياسية في ظل نظام حكم مستبد‪.‬‬
‫وفي ظل عملية ديمقراطية حرة‪ ،‬ظهر االنقسام السياسي‪ ،‬خاصة بين الموروث والوافد‪ ،‬أي بين‬
‫التيار اإلسالمي والتيار العلماني‪ ،‬ألن كل منهما يستند إلى مرجعية ثقافية وحضارية مختلفة‪ .‬لذا أصبحت‬
‫الساحة السياسية تشهد فجوة بين التيارات السياسية‪ ،‬أساسها ثقافي واجتماعي‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫مارس ‪1014‬‬

‫اإلحياء الثوري‪ ..‬ضد االنقالب الحضاري‬

‫وفي كل المجتمعات‪ ،‬يستند بناء المجتمع على قاعدة ثقافية مشتركة‪ ،‬تمثل المرجعية الحضارية‬
‫للمجتمع‪ .‬ولكن في المجتمعات التي عانت من االستعمار واالستبداد‪ ،‬تم تفكيك أو تغييب تلك القاعدة‬
‫الحضارية المشتركة‪ ،‬حتى يتم إضعاف المجتمع‪ ،‬وفرض السلطة المستبدة عليه‪.‬‬
‫لذا فالمجتمع المصري‪ ،‬لديه بالفعل أرضية حضارية مشتركة‪ ،‬ولكن تلك األرضية تم تغييبها‪ ،‬حتى‬
‫يظل المجتمع مفككا‪ .‬مما جعل إدراك كل المنتمين للتيارات السياسية المختلفة لتلك األرضية يتباين‪ ،‬ألن‬
‫المنتمين للثقافة العلمانية‪ ،‬غابت عنهم تلك األرضية الحضارية المشتركة‪.‬‬
‫وانتشار ثقافة االستبداد‪ ،‬أدى إلى تشكل ثقافة قد تنتمي للموروث‪ ،‬ولكنها تشكل صورة مشوهة منه‪.‬‬
‫فثقافة االستبداد‪ ،‬تشكل توجهات سلبية وغير فاعلة‪ ،‬مما يجعلها ثقافة جامدة مستسلمة‪ .‬وهو ما أدى إلى‬
‫تشكل ثقافة استبداد‪ ،‬ال تنتمي بفاعلية للموروث الحضاري‪ ،‬وإن انتمت شكليا له‪.‬‬
‫وغابت األرضية الحضارية المشتركة عمليا‪ ،‬مما جعل االنقسام السياسي بعد الثورة‪ ،‬يتحول إلى‬
‫حالة استقطاب حاد‪ ،‬نظرا ألن الخالف بين التيارات السياسية‪ ،‬ليس سياسيا فقط‪ ،‬بل ثقافيا واجتماعيا أيضا‪.‬‬
‫ففي أي مجتمع‪ ،‬تغيب فيه األرضية الحضارية المشتركة‪ ،‬تتزايد الفجوة بين مكونات المجتمع‪ ،‬لحد االنقسام‬
‫العميق‪.‬‬
‫بين االستبداد والعلمءنية‬
‫الخالف الثقافي الذي زرعه االستعمار‪ ،‬ثم السلطة المستبدة المحلية‪ ،‬أدى إلى وجود رابط بين ثقافة‬
‫االستبداد والثقافة العلمانية‪ ،‬ألن االستعمار الخارجي والمحلي‪ ،‬كالهما كان يبني دولة مستبدة علمانية‪ ،‬مما‬
‫جعل العلمانية تترافق مع االستبداد‪ ،‬طيلة عمر االستعمار الخارجي واالستبداد المحلي‪.‬‬
‫كان االستعمار والسلطة المستبدة‪ ،‬هما الراعي الفعلي لنشر العلمانية‪ ،‬مما جعل العلمانية تتكرس‬
‫على مستوى النظام السياسي‪ ،‬تحت حكم الدولة المستبدة في أشكالها المختلفة‪ .‬مما جعل انتشار ثقافة‬
‫االستبداد‪ ،‬حتى ولو كان لدى فئات تقليدية غير علمانية‪ ،‬يحمي نشر العلمانية عمليا‪.‬‬
‫نظرا ألن ثقافة االستبداد‪ ،‬تضعف االنتماء للموروث الحضاري‪ ،‬أو تجعله غير حاضر أو غير‬
‫فاعل‪ ،‬لذا فإن انتشار ثقافة االستبداد‪ ،‬كان يهدم االنتماء الحضاري‪ ،‬ويقلل فرص النهوض الحضاري‪ ،‬مثل‬
‫انتشار الثقافة العلمانية‪.‬‬
‫ألن النشأة واحدة‪ ،‬وأيضا المسار التاريخي‪ ،‬أصبح الترابط بين ثقافة االستبداد‪ ،‬والثقافة العلمانية‬
‫عميق الجذور‪ ،‬مما جعل الكتل المنتمية لثقافة االستبداد وتلك المنتمية للثقافة العلمانية أو التي تحتمي بها‪،‬‬
‫تتقابل في النهاية في كل منعطف تاريخي‪.‬‬
‫لذا تقابلت كتل ثقافة االستبداد مع الكتل العلمانية في الثورة المضادة سريعا‪ ،‬وأصبحت جميعا تمثل‬
‫كتلة االنقالب العسكري‪ ،‬وأصبح الحراك الثوري‪ ،‬يمثل أساسا كتل الموروث الحضاري‪ ،‬أو التيار اإلسالمي‬
‫الواسع‪ .‬فثقافة االستبداد تؤدي لرفض التحرر‪ ،‬كما أن الثقافة العلمانية تؤدي لرفض أي تحرر‪ ،‬يبرز الهوية‬
‫اإلسالمية‪.‬‬
‫فكل فروع الثقافة الوافدة‪ ،‬وكل فروع الثقافة المترتبة على االستعمار واالستبداد‪ ،‬ظهرت في صف‬
‫الثورة المضادة‪ ،‬وفي صف االنقالب العسكري‪ ،‬ألنها في الواقع وقفت في صف االنقالب على الموروث‬
‫الحضاري‪ ،‬وعلى االنتماء الحضاري المشترك‪ ،‬المؤسس للمجتمع المصري‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫مارس ‪1014‬‬

‫اإلحياء الثوري‪ ..‬ضد االنقالب الحضاري‬
‫سند االستبداد‬

‫تمثل الكتل التي تتبنى ثقافة االستبداد وتلك التي تتبنى الثقافة العلمانية‪ ،‬السند االجتماعي لدولة‬
‫االستبداد‪ ،‬وأيضا السند االجتماعي للهيمنة الخارجية‪ .‬مما يعني‪ ،‬أن إعادة بناء األرضية الحضارية المشتركة‬
‫مرة أخرى بعد الثورة‪ ،‬يمثل تهديدا لدولة االستبداد التابعة للهيمنة الخارجية‪.‬‬
‫ويالحظ المراقب‪ ،‬أن بعد ثورة يناير‪ ،‬تم تكثيف عملية تعميق الفجوة الثقافية بصورة واضحة‪،‬‬
‫خاصة من إعالم الثورة المضادة‪ ،‬ومن التدخالت الغربية‪ ،‬وأيضا من التدخالت اإلقليمية‪ .‬وكان السبب في‬
‫ذلك‪ ،‬أن تحالف الدولة المستبدة‪ ،‬يحاول حماية السند االجتماعي له‪ ،‬حتى ال تسقط دولة االستبداد‪.‬‬
‫وقام االنقالب العسكري أساسا‪ ،‬على فرضية أن هناك نزاعا أهليا أو حربا أهلية سوف تقع‪ ،‬وجاء‬
‫االنقالب العسكري لمنع وقوعها‪ .‬ولكن الحقيقة‪ ،‬أن عملية التحول الديمقراطية كشفت عن الخالف الثقافي‪،‬‬
‫وفتحت الباب أمام حسم هذا الخالف‪ ،‬من خالل ظهور تيار الموروث السائد في المجتمع‪.‬‬
‫ففي أي عملية سياسية حرة‪ ،‬يتم بناء نظام سياسي‪ ،‬يستند على المرجعية الحضارية المؤسسة‬
‫للمجتمع‪ ،‬والتي تمثل تيار الموروث السائد فيه‪ .‬لذا كان تحالف دولة االستبداد يدرك أن بروز تيار الموروث‬
‫السائد‪ ،‬سوف يقضي على دولة االستبداد‪.‬‬
‫وكان إشعال االستقطاب السياسي هو سبيل الثورة المضادة‪ ،‬فقد عمد تحالف دولة االستبداد‪ ،‬على‬
‫تعميق االنقسام الثقافي‪ ،‬ومنع أي محاولة للتقارب‪ ،‬وأيضا عرقلة إدارة هذا الخالف من خالل آلية العمل‬
‫الديمقراطي‪ ،‬حتى يظل خالفا مانعا لبروز هوية عامة في المجتمع‪.‬‬
‫والقوى الغربية المهيمنة‪ ،‬كانت تحاول منع ظهور الهوية اإلسالمية في النظام السياسي الجديد‪،‬‬
‫وتستند في ذلك إلى أن المجتمع متنوع‪ ،‬بدرجة ال تسمح بأن يكون له هوية عامة سائدة‪ .‬مما أظهر محاولة‬
‫لمنع بروز تيار الموروث على حساب تيار الوافد‪ ،‬حتى يعاد فرض هيمنة الوافد مرة أخرى‪.‬‬
‫من عمق االنقسءم‬
‫المتابع يدرك أن تعميق االنقسام الثقافي والسياسي‪ ،‬كان يصب في مصلحة القوى العلمانية والقوى‬
‫المنتمية لمنظومة االستبداد‪ ،‬في حين أن تجسير فجوة الخالف الثقافي‪ ،‬كان يصب في مصلحة غالب القوى‬
‫اإلسالمية‪ ،‬ألنه يساهم في إبراز األرضية الحضارية المشتركة‪.‬‬
‫فاالنقسام يعرقل إعادة بناء األرضية الحضارية المشتركة‪ ،‬لذا فهو في صالح كل القوى التي تعادي‬
‫تلك المرجعية الحضارية‪ .‬في حين أن التقارب‪ ،‬يساهم في إعادة اكتشاف المشترك الحضاري‪ ،‬مما يساهم‬
‫في استعادة الهوية والمرجعية الحضارية‪ ،‬وتوسيع التوافق حولها‪.‬‬
‫فقد كان االنقسام ثم االستقطاب‪ ،‬ثم بعد ذلك النزاع األهلي‪ ،‬لصالح إعادة هيمنة الوافد على الموروث‬
‫مرة أخرى‪ .‬وأصبح الوافد هو الثورة المضادة‪ ،‬كما كان من قبل هو االستعمار واالستبداد‪ ،‬وأصبح الموروث‬
‫هو الثورة‪ ،‬ألنه لن يستعيد دوره إال في ظل التحرر الكامل‪.‬‬
‫لهذا تعمق االنقسام‪ ،‬ألنه يؤدي دورا مهما؛ فهو سند قوى االستبداد المحلي‪ ،‬وهو أيضا سند‬
‫المنظومة اإلقليمية التابعة‪ ،‬وسند الهيمنة الغربية على المنطقة العربية واإلسالمية‪ .‬لهذا كان تعميق وإبراز‬
‫الخالفات‪ ،‬هو أداة الثورة المضادة‪ ،‬لتغييب المشترك‪ ،‬ومنع بروز األساس الثقافي والحضاري المشترك‬
‫للمجتمع‪ ،‬حتى يظل المجتمع ضعيفا‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫مارس ‪1014‬‬

‫اإلحياء الثوري‪ ..‬ضد االنقالب الحضاري‬

‫فتعميق االنقسام المجتمعي‪ ،‬سياسيا وثقافيا واجتماعيا‪ ،‬يستخدم كمبرر لفرض العلمانية‪ ،‬ومنع بروز‬
‫الهوية اإلسالمية‪ ،‬رغم أن العلمانية هوية أيضا‪ ،‬وهي تعبر عن الهوية الوافدة التي فرضت على المجتمع‪،‬‬
‫سواء من قوى االستعمار والتغريب‪ ،‬أو قوى االستبداد‪.‬‬
‫متالزمة العلمءنية العسكرية‬
‫بات واضحا عبر المراحل التاريخية المختلفة‪ ،‬أن فرض العلمانية والتغريب على المجتمعات‬
‫العربية واإلسالمية‪ ،‬يرتبط بفرض الهيمنة العسكرية على النظام السياسي‪ ،‬سواء ألن الجيوش الحديثة قد‬
‫بنيت على أسس غربية‪ ،‬أو ألن العلمانية المفروضة على المجتمعات‪ ،‬تحتاج لقوى استبدادية تحميها من‬
‫هوية المجتمع‪.‬‬
‫لذا لم يكن االنقالب العسكري‪ ،‬إال تعبيرا عن المشكلة الثقافية‪ ،‬التي عانت منها البالد العربية‬
‫واإلسالمية‪ ،‬منذ زمن االستعمار الغربي العسكري‪ .‬فقد مثل االنقالب العسكري‪ ،‬امتدادا لسياسة تعميق‬
‫االنقسام المجتمعي‪ ،‬من أجل فرض العلمانية والتبعية للغرب‪ ،‬وفي نفس الوقت‪ ،‬استعادة الهيمنة العسكرية‬
‫على النظام السياسي‪.‬‬
‫وما يشرح سبب ارتباط القوى الغربية بالجيوش والمؤسسات األمنية والمخابراتية‪ ،‬أنها تمثل رأس‬
‫حربة لفرض الهيمنة الغربية على المنطقة‪ ،‬ألنها ترعى التبعية الثقافية للغرب‪ ،‬كما ترعى التبعية السياسية‬
‫له‪.‬‬
‫مما يعني‪ ،‬أن بروز الهوية اإلسالمية‪ ،‬المعبرة عن الموروث الثقافي والحضاري للمجتمع‪ ،‬تعرقل‬
‫استمرار الهيمنة العسكرية على النظام السياسي‪ ،‬ألنها تؤدي إلى هيمنة المجتمع على النظام السياسي‪،‬‬
‫ليصبح النظام السياسي منتميا للموروث الثقافي والحضاري‪ ،‬الذي ينتمي له المجتمع‪.‬‬
‫لهذا‪ ،‬أصبح بروز الموروث الثقافي والحضاري بعد الثورة‪ ،‬يمثل تهديدا للهيمنة العسكرية‪ ،‬كما‬
‫يمثل تهديدا لثقافة االستبداد والثقافة العلمانية‪ ،‬وهو ما أدى إلى بروز تحالف االستبداد والعلمانية والعسكرية‬
‫معا‪ ،‬ضد الثورة والديمقراطية لمنع بروز وظهور الهوية اإلسالمية‪.‬‬
‫الحراك الثوري الثقءفي‬
‫لم تكن مصادفة أن يتحول الحراك الثوري بعد االنقالب العسكري‪ ،‬إلى حراك يحمل مضمونا ثقافيا‬
‫وحضاريا‪ ،‬ويحمل الهوية الموروثة التي تشكل وتأسس المجتمع عليها‪ .‬فألن االنقالب العسكري‪ ،‬كان في‬
‫أعماقه انقالبا ثقافيا‪ ،‬لذا أصبح الحراك الثوري حراكا ثقافيا أيضا‪.‬‬
‫فقد تغير مسار الثورة بعد االنقالب العسكري‪ ،‬لتصبح ثورة تحمل مضمونا ثقافيا‪ ،‬أي تحمل‬
‫الموروث الثقافي والحضاري للمجتمع‪ .‬فال يمكن تحقيق التحرر‪ ،‬إال باالستقالل الحضاري‪ ،‬مما يعني أن‬
‫المضمون الثقافي للحراك الثوري‪ ،‬يمثل أداة رئيسة في تحقيق التحرر‪.‬‬
‫وإذا كان االنقالب العسكري قد استند لتعميق الخالف الثقافي‪ ،‬فإن الحراك الثوري يستند على‬
‫المشترك الثقافي والحضاري للمجتمع‪ ،‬والذي ترفض بعض فئات المجتمع االنتماء له‪ ،‬بسبب تأثرها‬
‫باالستبداد والتغريب‪.‬‬
‫والمحتوى الثقافي للحراك الثوري‪ ،‬يقوي هذا الحراك‪ ،‬ويعطي له أبعادا قيمية مهمة‪ ،‬حيث يصبح‬
‫نضاال ثقافيا وحضاريا‪ ،‬ضد كل قوى التغريب واالستبداد‪ .‬مما يجعل الحراك الثوري‪ ،‬هو فعليا عملية إحياء‬
‫حضاري‪ ،‬تحاول إحياء قيم الموروث الحضاري‪ ،‬من أجل تحقيق التحرر‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫مارس ‪1014‬‬

‫اإلحياء الثوري‪ ..‬ضد االنقالب الحضاري‬

‫ولهذا‪ ،‬يتجه الحراك الثوري‪ ،‬من خالل تجربة النضال والتضحية‪ ،‬ليصبح عملية إعادة تنقية‬
‫للموروث الثقافي من ترسبات االستبداد‪ ،‬التي فككت الموروث الثقافي‪ ،‬وفرغته من محتواه النضالي‬
‫والنهضوي‪.‬‬
‫ثورة يحضءرية‬
‫تتجه ثورات الربيع العربي لمرحلة المواجهة الشاملة مع أزمة الثقافة‪ ،‬بسبب أن تلك األزمة هي‬
‫التي وظفت في إفشال وإجهاض الربيع العربي‪ .‬مما يجعل ثورات الربيع العربي‪ ،‬تتبنى تدريجيا مضمونا‬
‫ثقافيا‪ ،‬يعيد تأسيس المجتمع على أساس موروثه الثقافي والحضاري‪ ،‬حتى يبنى النظام السياسي الجديد‪،‬‬
‫ليكون معبرا عن حضارة المجتمع‪.‬‬
‫والثورة المصرية‪ ،‬تمثل النموذج األبرز الرتباط الصراع بين الثورة والثورة المضادة‪ ،‬مع الصراع‬
‫الثقافي‪ ،‬مما يجعل مسار الثورة المصرية‪ ،‬يمثل عمليا مرحلة من مراحل اإلحياء الحضاري‪ ،‬التي يمكن أن‬
‫يكون لها تأثير واضح على أوطان األمة العربية واإلسالمية‪.‬‬
‫والموروث الثقافي والحضاري للبالد العربية واإلسالمية‪ ،‬يسع للتعدد والتنوع بدرجة كبيرة‪ ،‬ولكن‬
‫مشكلة تلك المجتمعات‪ ،‬أن التنوع تأسس في العقود أو القرون األخيرة‪ ،‬خارج إطار المشترك الحضاري‪،‬‬
‫مما جعله ليس تنوعا داخل إطار الوحدة الحضارية‪ ،‬بل تنوعا خارج إطار الوحدة‪.‬‬
‫فما شهدته مصر‪ ،‬كغيرها من البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬كان تنوعا حضاريا‪ ،‬وليس مجرد تنوعا‬
‫ثقافيا داخل إطار حضارة واحدة‪ .‬لذا أصبح التعدد في المرجعية الحضارية‪ ،‬هو أداة تقسيم المجتمع‪ ،‬ثم‬
‫وظف هذا التقسيم لمنع نجاح الربيع العربي‪ ،‬وإجهاض عملية التحرر‪.‬‬
‫فالمشكلة الثقافية‪ ،‬تتمثل في وجود تنوع‪ ،‬يفكك المشترك الثقافي والحضاري للمجتمع‪ ،‬رغم أن هذا‬
‫المشترك‪ ،‬هو سبب وجود المجتمع‪ .‬لذا‪ ،‬لم يعد من الممكن أن يتحقق التحرر والنهوض‪ ،‬دون إبراز األساس‬
‫الثقافي والحضاري الذي يستند عليه المجتمع‪ ،‬مما جعل الحراك الثوري‪ ،‬هو إحياء حضاري‪.‬‬
‫الخالصة‬
‫استخدم االنقالب العسكري‪ ،‬نتائج الغزو الثقافي‪ ،‬حتى يجهض الثورة‪ ،‬كما استخدم نتائج عقود‬
‫االستبداد على ثقافة المجتمع‪ ،‬فوظف المشكلة الثقافية كي يجهض الثورة المصرية‪ ،‬وهو ما جعل الحراك‬
‫الثوري‪ ،‬يحمل مضمونا ثقافيا‪ ،‬في مواجهة الخلل الثقافي‪ ،‬الذي أجهض الثورة مرحليا‪.‬‬
‫فإذا كان الربيع العربي هو ثورة على عقود من االستبداد‪ ،‬جاءت بعد عقود من االستعمار‪ ،‬فإن‬
‫الربيع العربي‪ ،‬بفعل التحديات التي يواجها‪ ،‬يصبح ثورة على العلمنة والتغريب‪ ،‬وعلى ثقافة االستبداد‪ ،‬مما‬
‫يجعله عملية تحرر شامل‪ ،‬ال تهدف إلى تحقيق التحرر السياسي فقط‪ ،‬بل وتهدف أيضا لتحقيق التحرر‬
‫الحضاري‪.‬‬
‫وقبل االنقالب العسكري‪ ،‬كان من الممكن حسم المشكلة الثقافية من خالل العملية السياسية‬
‫الديمقراطية تدريجيا‪ ،‬ولكن بعد االنقالب العسكري‪ ،‬أصبح حسم الهوية الثقافية والحضارية‪ ،‬ولو مبدئيا‪،‬‬
‫من ضرورات التحرر‪ ،‬ومن عوامل نجاح الحراك الثوري في إسقاط االنقالب العسكري‪.‬‬

‫‪6‬‬