‫وقرئ { َعَلى َر ْجل} بسكون الجيم‪ِ { .

‬م َن ا ْل َق ْرَيَت ْي ِن َع ِظيم} أي من إحدى القريتين ؛ كقوله تعالى ‪َ{ :‬ي ْخُرُج‬
‫ِ‬
‫ان} [الرحمن ‪ ]22 :‬أي من أحدهما‪ .‬أو على أحد رجلين من القريتين‪ .‬القريتان ‪:‬‬
‫م ْن ُه َما اللُّ ْؤلُ ُؤ َوالْ َم ْرَج ُ‬

‫مكة والطائف‪ .‬والرجالن ‪ :‬الوليد بن المغي رة بن عبداهلل بن عمر بن مخزوم عم أبي جهل‪ .‬والذي من‬
‫الطائف أبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي ؛ قاله قتادة‪ .‬وقيل ‪ :‬عمير بن عبد ياليل الثقفي من‬

‫الطائف ‪ ،‬وعتبة بن ربيعة من مكة ؛ وهو قول مجاهد‪ .‬وعن ابن عباس ‪ :‬أن عظيم الطائف حبيب‬
‫بن عمرو الثقفي‪ .‬وقال السدي ‪ :‬كنانة بن عبد بن عمرو‪ .‬روي أن الوليد بن المغيرة ‪ -‬وكان يسمى‬
‫ريحانة قريش كان يقول ‪ :‬لو كان ما يقول محمد حقا لنزل علي أو على أبي مسعود ؛ فقال اهلل‬
‫تعالى ‪{ :‬أ ُ ِ‬
‫يشَت ُه ْم‬
‫ت َرب َ‬
‫ِّك} يعني النبوة فيضعونها حيث شاؤوا‪َ { .‬ن ْح ُن َق َس ْمَنا َب ْيَن ُه ْم َم ِع َ‬
‫ون َر ْح َم َ‬
‫َه ْم َي ْقس ُم َ‬
‫ِفي الْ َحَي ِاة ُّ‬
‫الد ْنَيا} أي أفقرنا قوما وأغنينا قوما ؛ فإذا لم يكن أمر الدنيا إليهم فكيف يفوض أمر النبوة‬
‫إليهم‪ .‬قال قتادة ‪ :‬تلقاه ضعيف القوة قليل الحيلة عيي اللسان وهو مبسوط له ‪ ،‬ونلقاه شديد الحيلة‬

‫بسيط اللسان وهو مقتر عليه‪ .‬وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن في رواية عنه "معايشهم"‪.‬‬

‫وقيل ‪ :‬أي نحن أعطينا عظيم القريتين ما أعطينا ال لكرامتهما علي وأنا قادر على نزع النعمة عنهما‬
‫ق َب ْعض َدَرَجات} أي فاضلنا بينهم فمن فاضل ومفضول‬
‫ض ُه ْم َف ْو َ‬
‫؛ فأي فضل وقدر لهما‪َ { .‬وَرَف ْعَنا َب ْع َ‬
‫ورئيس ومرؤوس ؛ قال مقاتل‪ .‬وقيل ‪ :‬بالحرية والرق ؛ فبعضهم مالك وبعضهم مملوك‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫بالغنى والفقر ؛ فبعضهم غني وبعضهم فقير‪ .‬وقيل ‪ :‬باألمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪{ .‬لَِيتَّ ِخ َذ‬
‫ض ُه ْم َب ْعضًا ُس ْخ ِرّيًا} قال السدي وابن زيد ‪ :‬خوال وخداما ‪ ،‬يسخر األغنياء الفقراء فيكون به‬
‫َب ْع ُ‬
‫بعضهم سببا لمعاش بعض‪ .‬وقال قتادة والضحاك ‪ :‬يعني ليملك بعضهم بعضا‪ .‬وقيل ‪ :‬هو من‬

‫السخرية التي بمعنى االستهزاء ؛ أي ليستهزئ الغني بالفقير‪ .‬قال األخفش ‪ :‬سخرت به وسخرت منه‬
‫‪ ،‬وضحكت منه وضحكت به ‪ ،‬وهزئت منه وبه ؛ كل يقال ‪ ،‬واالسم السخرية (بالضم)‪ .‬والسخري‬
‫سخريا} إال ابن محيصن ومجاهد فإنهما قرآ { ِس ِ‬
‫والسخري (بالضم والكسر)‪ .‬وكل الناس ضموا { ِ‬
‫خريا}‬
‫ِّك‬
‫ت َرب َ‬
‫{ َوَر ْح َم ُ‬

‫(‪)38/61‬‬

‫ِ‬
‫ون} أي أفضل مما يجمعون من الدنيا‪ .‬ثم قيل ‪ :‬الرحمة النبوة ‪ ،‬وقيل الجنة‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫َخ ْيٌر م َّما َي ْج َم ُع َ‬
‫تمام الفرائض خير مم كثير النوافل‪ .‬وقيل ‪ :‬ما يتفضل به عليهم خير مما يجازيهم عليه من‬
‫أعمالهم‪.‬‬

‫ُم ًة و ِ‬
‫ضة‬
‫الر ْح َم ِن لُِبُيوتِ ِه ْم ُس ُقفًا ِم ْن ِف َّ‬
‫اح َد ًة َل َج َع ْلَنا لِ َم ْن َي ْك ُفُر بِ َّ‬
‫اآلية ‪َ { 88 :‬وَل ْوال أ ْ‬
‫َن َي ُك َ‬
‫ون النَّ ُ‬
‫اس أ َّ َ‬
‫َو َم َع ِ‬
‫ون }‬
‫ارَج َعَل ْي َها َيظْ َهُر َ‬
‫فيه خمس مسائل ‪:‬‬

‫األولى ‪ :‬قال العلماء ‪ :‬ذكر حقارة الدنيا وقلة خطرها ‪ ،‬وأنها عنده من الهوان بحيث كان يجعل بيوت‬
‫الكفرة ودرجها ذهبا وفضة لوال غلبة حب الدنيا على القلوب ؛ فيحمل ذلك على الكفر‪ .‬قال الحسن ‪:‬‬
‫المعنى لوال أن يكفر الناس جميعا بسبب ميلهم إلى الدنيا وتركهم اآلخرة ألعطيناهم في الدنيا ما‬
‫وصفناه ؛ لهوان الدنيا عند اهلل عز وجل‪ .‬وعلى هذا أكثر المفسرين ابن عباس والسدي وغيرهم‪ .‬وقال‬
‫َن ي ُكون النَّاس أُمَّةً و ِ‬
‫اح َد ًة} في طلب الدنيا واختيارها على اآلخرة {لَ َج َعلَْنا لِ َم ْن َي ْكفُُر‬
‫ابن زيد ‪َ { :‬ولَ ْوال أ ْ َ َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ضة} ‪ .‬وقال الكسائي ‪ :‬المعنى لوال أن يكون في الكفار غني وفقير وفي‬
‫الر ْح َم ِن لُِبُيوتِ ِه ْم ُس ُقفًا ِم ْن ِف َّ‬
‫بِ َّ‬
‫المسلمين مثل ذلك ألعطينا الكفار من الدنيا هذا لهوانها‪.‬‬

‫الثانية ‪ :‬ق أر ابن كثير وأبو عمرو { َس ْقفا} بفتح السين واسكان القاف على الواحد ومعناه الجمع ؛‬
‫ف ِم ْن َف ْوِق ِه ْم} [النحل ‪ .] 21 :‬وق أر الباقون بضم السين والقاف‬
‫اعتبارا بقوله تعالى ‪َ { :‬ف َخَّر َعَل ْي ِه ُم السَّ ْق ُ‬
‫على الجمع ؛ مثل رهن ورهن‪ .‬قال أبو عبيد ‪ :‬وال ثالث لهما‪ .‬وقيل ‪ :‬هو جمع سقيف ؛ مثل كثيب‬

‫وكثب ‪ ،‬ورغيف ورغف ؛ قاله الفراء‪ .‬وقيل ‪ :‬هو جمع سقوف ؛ فيصير جمع الجمع ‪ :‬سقف وسقوف‬

‫‪ ،‬نحو فلس وفلوس‪ .‬ثم جعلوا فعوال كأنه اسم واحد فجمعوه على فعل‪ .‬وروي عن مجاهد {سقفا}‬
‫بإسكان القاف‪ .‬وقيل ‪ :‬الالم في {لبيوتهم} بمعنى على ؛ أي على بيوتهم‪ .‬وقيل ‪ :‬بدل ؛ كما تقول ‪:‬‬
‫فعلت هذا لزيد لكرامته ؛ قال اهلل تعالى ‪{ :‬وِألَبوْي ِه لِ ُك ِّل و ِ‬
‫الس ُد ُس} [النساء ‪ ]66 :‬كذلك قال‬
‫احد ِم ْن ُه َما ُّ‬
‫َ‬
‫َ ََ‬
‫الر ْح َم ِن لُِبُيوتِ ِه ْم}‪.‬‬
‫هنا ‪{ :‬لَ َج َعلَْنا لِ َم ْن َي ْكفُُر بِ َّ‬

‫(‪)38/61‬‬

‫الثالثة ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬و َم َع ِ‬
‫ارَج} يعني الدرج ؛ قال ابن عباس وهو قول الجمهور‪ .‬واحدها معراج ‪،‬‬
‫والمعراج السلم ؛ ومنه ليلة المعراج‪ .‬والجمع معارج ومعاريج ؛ مثل مفاتح ومفاتيح ؛ لغتان‪.‬‬
‫{ومعاريج} قرأ أبو رجاء العطاردي وطلحة بن مصرف ؛ وهي المراقي والسالليم‪ .‬قال األخفش ‪ :‬إن‬
‫ون} أي على المعارج يرتقون‬
‫شئت جعلت الواحد معرج ومعرج ؛ مثل مرقاة ومرقاة‪َ { .‬علَ ْي َها َيظْ َهُر َ‬
‫ويصعدون ؛ يقال ‪ :‬ظهرت على البيت أي علوت سطحه‪ .‬وهذا ألن من عال شيئا وارتفع عليه ظهر‬

‫للناظرين‪ .‬ويقال ‪ :‬ظهرت على الشيء أي علمته‪ .‬وظهرت على العدو أي غلبته‪.‬‬
‫وأنشد نابغة بني جعدة رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قوله ‪:‬‬
‫علونا السماء عزة ومهابة ‪ ...‬وانا لنرجو فوق ذلك مظه ار‬

‫أي مصعدا ؛ فغضب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وقال ‪[ :‬إلى أين] ؟ قال إلى الجنة ؛ قال ‪:‬‬
‫[أجل إن شاء اهلل]‪ .‬قال الحسن ‪ :‬واهلل لقد مالت الدنيا بأكثر أهلها وما فعل ذلك ! فكيف لو فعل ؟ !‬
‫الرابعة ‪ :‬استدل بعض العلماء بهذه اآلية على أن السقف ال حق فيه لرب العلو ؛ ألن اهلل تعالى‬
‫جعل السقوف للبيوت كما جعل األبواب لها‪ .‬وهذا مذهب مالك رحمه اهلل‪.‬‬

‫قال ابن العربي ‪ :‬وذلك ألن البيت عبارة عن قاعة وجدار وسقف وباب ‪ ،‬فمن له البيت فله أركانه‪.‬‬
‫وال خالف أن العلول إلى السماء‪ .‬واختلفوا في السفل ؛ فمنهم من قال هو له ‪ ،‬ومنهم من قال ليس‬
‫له في باطن األرض شيء‪ .‬وفي مذهبنا القوالن‪.‬‬
‫وقد بين حديث اإلس رائيلي الصحيح فيما تقدم ‪ :‬أن رجال باع من رجل دارا فبناها فوجد فيها جرة من‬

‫ذهب ‪ ،‬فجاء بها إلى البائع فقال ‪ :‬إنما اشتريت الدار دون الجرة ‪ ،‬وقال البائع ‪ :‬إنما بعت الدار بما‬
‫فيها ؛ وكلهم تدافعها فقضى بينهم النبي صلى اهلل عليه وسلم أن يزوج أحدهما ولده من بنت‬

‫(‪)38/61‬‬

‫اآلخر ويكون المال لهما‪ .‬والصحيح أن العلو والسفل له إال أن يخرج عنهما بالبيع ؛ فإذا باع أحدهما‬
‫أحد الموضعين فله منه ما ينتفع به وباقيه للمبتاع منه‪.‬‬

‫الخامسة ‪ :‬من أحكام العلو والسفل‪ .‬إذا كان العلو والسفل بين رجلين فيعتل السفل أو يريد صاحبه‬
‫هدمه ؛ فذكر سحنون عن أشهب أنه قال ‪ :‬إذا أراد صاحب السفل أن يهدم ‪ ،‬أو أراد صاحب العلو‬
‫أن يبني علوه فليس لصاحب السفل أن يهدم إال من ضرورة ‪ ،‬ويكون هدمه له أرفق لصاحب العلو ؛‬
‫لئال ينهدم بانهدامه العلو ‪ ،‬وليس لرب العلو أن يبني على علوه شيئا لم يكن قبل ذلك إال الشيء‬
‫الخفيف الذي ال يضر بصاحب السفل‪ .‬ولو انكسرت خشبة من سقف العلو ألدخل مكانها خشبة ما‬
‫لم تكن أثقل منها ويخاف ضررها على صاحب السفل‪ .‬قال أشهب ‪ :‬وباب الدار على صاحب‬

‫السفل‪ .‬قال ‪ :‬ولو أنهدم السفل أجبر صاحبه على بنائه ‪ ،‬وليس على صاحب العلو أن يبني السفل‬
‫؛ فإن أبى صاحب الس فل من البناء قيل له بع ممن يبني‪ .‬وروى ابن القاسم عن مالك في السفل‬
‫لرجل والعلو آلخر فأعتل السفل ‪ ،‬فإن صالحه على رب السفل وعليه تعليق العلو حتى يصلع سفله‬
‫؛ ألن عليه إما أن يحمله على بنيان أو على تعليق ‪ ،‬وكذلك لو كان على العلو فتعليق العلو الثاني‬
‫على صاحب األوسط‪ .‬وقد قيل ‪ :‬إن تعليق العلو الثاني على رب العلو حتى يبني األسفل‪ .‬وحديث‬
‫النعمان بن بشير عن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال ‪ " :‬مثل القائم على حدود اهلل والواقع فيها كمثل‬
‫قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعالها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا‬

‫من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لوأنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما‬
‫أرادوا هلكوا جميعا وان أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا" ‪ -‬أصل في هذا الباب‪ .‬وهو حجة‬
‫لمالك وأشهب‪ .‬وفيه دليل على أن صاحب السفل ليس له أن يحدث على صاحب العلو ما يضربه ‪،‬‬
‫وأنه إن أحدث عليه ضررا لزمه إصالحه دون صاحب العلو ‪ ،‬وأن لصاحب العلو منعه من الضرر‬
‫؛ لقوله عليه السالم ‪ [ :‬فإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا] وال يجوز األخذ إال على يد الظالم‬
‫أو من هو ممنوع من‬

‫(‪)31/61‬‬

‫إحداث ما ال يجوز له في السنة‪ .‬وفيه دليل على استح قاق العقوبة بترك األمر بالمعروف والنهي عن‬
‫المنكر ؛ وقد مضى في "األنفال"‪ .‬وفيه دليل على جواز القرعة واستعمالها ‪ ،‬وقد مضى في "آل‬
‫عمران" فتأمل كال في موضعه تجده مبينا ‪ ،‬والحمد هلل‪.‬‬
‫ِ‬
‫اع ا ْل َحَي ِاة ُّ‬
‫الد ْنَيا َو ْاآل ِخَرُة‬
‫ون ‪َ ،‬وُز ْخُرفًا َِوا ْن ُك ُّل َذلِ َك َل َّما َمَت ُ‬
‫اآلية ‪َ { 88 :‬ولُِبُيوتِ ِه ْم أ َْب َوابًا َو ُسُر ًرا َعَل ْي َها َيتَّكُئ َ‬
‫ِع ْن َد رب َ ِ ِ‬
‫ين }‬
‫ِّك للْ ُمتَّق َ‬
‫َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ولُِبُيوتِ ِه ْم أ َْب َوابًا َو ُسُر ًرا} { َولُِبُيوتِ ِه ْم أ َْب َوابًا} أي ولجعلنا لبيوتهم‪ .‬وقيل ‪ِ{ :‬لُبُيوتِ ِه ْم} بدل‬
‫الر ْح َم ِن}‪{ .‬أ َْب َواباً} أي من فضة‪َ { .‬و ُسُرراً} كذلك ؛ وهو جمع السرير‪.‬‬
‫اشتمال من قوله ‪{ :‬لِ َم ْن َي ْك ُفُر بِ َّ‬
‫ِ‬
‫ون} االتكاء والتوكؤ ‪:‬‬
‫وقيل ‪ :‬جمع األسرة ‪ ،‬واألسرة جمع السرير ؛ فيكون جمع الجمع‪َ { .‬علَ ْي َها َيتَّ كئُ َ‬

‫التحامل على الشيء ؛ ومنه ‪{ ،‬أََت َو َّكأُ َعَل ْي َها}‪ .‬ورجل تكأة ؛ مثال همزة ؛ كثير االتكاء‪ .‬والتكأة‬
‫أيضا ‪ :‬ما يتكأ عليه‪ .‬وأتكأ على الشيء فهو متكئ ؛ والموضع متكأ‪ .‬وطعنه حتى أتكأه (على أفعله)‬

‫أي ألقاه على هيئة المتكئ‪ .‬وتوكأت على العصا‪ .‬وأصل التاء في جميع ذلك واو ‪ ،‬ففعل به ما فعل‬
‫ت ِم ْن‬
‫ون َل َك َب ْي ٌ‬
‫باتزن واتعد‪َ { .‬وُز ْخُرفاً } الزخرف هنا الذهب ؛ عن ابن عباس وغيره‪ .‬نظيره ‪{ :‬أ َْو َي ُك َ‬
‫ُز ْخُرف} [اإلسراء ‪ ]38 :‬وقد تقدم‪ .‬وقال ابن زيد ‪ :‬هو ما يتخذه الناس في منازلهم من األمتعة‬

‫واألثاث‪ .‬وقال الحسن ‪ :‬النقوش ؛ وأصله الزينة‪ .‬يقال ‪ :‬زخرفت الدار ؛ أي زينتها‪ .‬وتزخرف فالن ؛‬
‫أي تزبن‪ .‬واتصب {زخرفا} على معنى وجعلنا لهم مع ذلك زخرفا‪ .‬وقيل ‪ :‬ينزع الخافض ؛ والمعنى‬

‫فجعلنا لهم سقفا وأبوابا وسر ار من فضة ومن ذهب ؛ فلما حذف "من" قال ‪{ :‬وزخرفا} فنصب‪َِ { .‬وا ْن‬
‫اع الْ َحَي ِاة ُّ‬
‫اع الْ َحَي ِاة‬
‫الد ْنَيا} قرأ عاصم وحمزة وهشام عن ابن عامر { َِوا ْن ُك ُّل َذلِ َك َل َّما َمَت ُ‬
‫ُك ُّل َذلِ َك َل َّما َمَت ُ‬

‫ُّ‬
‫الدنَْيا } بالتشديد‪ .‬الباقون بالتخفيف ؛ وقد ذكر هذا‪ .‬وروي عن أبي رجاء كسر الالم من "لما" ؛ فـ‬
‫"ما" عنده بمنزلة الذي ‪ ،‬والعائد عليها محذوف ؛ والتقدير ‪ :‬وان كل ذلك للذي‬

‫(‪)38/61‬‬

‫وضةً فَ َما فَ ْوقَ َها }‬
‫هو متاع الحياة الدنيا ‪ ،‬وحذف الضمير ها هنا كحذفه في قراءة من ق أر { َمثَالً َما َب ُع َ‬
‫َح َس َن} [األنعام ‪ .]688 :‬أبو الفتح ‪ :‬ينبغي أن يكون {كل} على‬
‫[البقرة ‪ ]21 :‬و { َت َماماً َعَلى الَِّذي أ ْ‬

‫هذه القراءة منصوبة ؛ ألن "إن" مخففة من الثقيلة ‪ ،‬وهي إذا خففت وبطل عملها لزمتها الالم في‬

‫آخر الكالم للفرق بينها وبين "إن" النافية التي بمعنى ما ؛ نحو إن زيد لقائم ‪ ،‬وال الم هنا سوى‬
‫الجارة‪{ .‬و ْاآل ِخرُة ِع ْن َد رب َ ِ ِ‬
‫ين} يريد الجنة لمن اتقى وخاف‪ .‬وقال كعب ‪ :‬إني ألجد في بعض‬
‫ِّك للْ ُمتَّق َ‬
‫َ‬
‫َ َ‬

‫كتب اهلل المنزلة ‪ :‬لوال أن يحزن عبدي المؤمن لكللت رأس عبدي الكافر باإلكليل ‪ ،‬وال يتصدع وال‬
‫ينبض منه عرق بوجع‪ .‬وفي صحيح الترمذي عن أبي هريرة قال ‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
‫وسلم ‪ " :‬الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"‪.‬‬
‫وعن سهل بن سعد قال ‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬لو كانت الدنيا تعدل عند اهلل جناح‬

‫بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء" ‪ .‬وفي الباب عن أبي هريرة ‪ ،‬وقال ‪ :‬حديث حسن غريب‪.‬‬
‫وأنشدوا ‪:‬‬
‫فلو كانت الدنيا جزاء لمحسن ‪ ...‬إذاً لم يكن فيها معاش لظالم‬
‫لقد جاع فيها األنبياء كرامة ‪ ...‬وقد شبعت فيها بطون البهائم‬

‫وقال آخر ‪:‬‬
‫تمتع من األيام إن كنت حازما ‪ ...‬فإنك فيها بين ناه وآمر‬

‫إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ‪ ...‬فما فاته منها فليس بضائر‬

‫فال تزن الدنيا جناح بعوضة ‪ ...‬وال وزن َر ٌّ‬
‫ق من جناح لطائر‬
‫فلم يرض بالدنيا ثوابا لمحسن ‪ ...‬وال رضي الدنيا عقابا لكافر‬
‫ون ُه ْم‬
‫اآلية ‪َ { 83 - 81 :‬و َم ْن َي ْع ُش َع ْن ِذ ْك ِر َّ‬
‫ص ُّد َ‬
‫ِّض َل ُه َش ْيطَاناً َف ُه َو َل ُه َق ِر ٌ‬
‫الر ْح َم ِن ُن َقي ْ‬
‫ين ‪َِ ،‬وانَّ ُه ْم َلَي ُ‬
‫السبِ ِ‬
‫ت َب ْينِي َوَب ْيَن َك ُب ْع َد الْ َم ْش ِرقَ ْي ِن فَبِئْ َس‬
‫َع ِن َّ‬
‫اءَنا قَ َ‬
‫ال َيا لَ ْي َ‬
‫ون أَنَّ ُه ْم ُم ْهتَ ُد َ‬
‫يل َوَي ْح َسُب َ‬
‫ون ‪َ ،‬حتَّى إِ َذا َج َ‬
‫ين}‬
‫ا ْل َق ِر ُ‬

‫(‪)33/61‬‬

‫ين} وقرأ ابن عباس وعكرمة‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬و َم ْن َي ْع ُش َع ْن ِذ ْك ِر َّ‬
‫ِّض لَ ُه َشيْطَاناً فَ ُه َو لَهُ قَ ِر ٌ‬
‫الر ْح َم ِن نُقَي ْ‬
‫{ومن يعش} بفتح الشين ‪ ،‬ومعناه يعمى ؛ يقال منه عشي يعشى عشا إذا عمي‪ .‬ورجل أعشى وامرأة‬
‫عشواء إذا كان ال يبصر ؛ ومنه قول األعشى ‪:‬‬
‫مختلف الخلق أعشى ضري ار‬
‫افديـ ‪ ...‬ـن‬
‫َ‬
‫رأت رجال غائب الو َ‬
‫وقوله ‪:‬‬

‫أن رأت رجال أعشى أضر به ‪ ...‬ريب المنون ودهر مفند َخبِ ُل‬

‫الباقون بالضم ؛ من عشا يعشو إذا لحقه ما لحق األعشى‪ .‬وقال الخليل ‪ :‬العشو هو النظر ببصر‬

‫ضعيف ؛ وأنشد ‪:‬‬
‫متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ‪ ...‬تجد خير نار عندها خير موقد‬
‫وقال آخر ‪:‬‬

‫لنعم الفتى يعشو إلى ضوء ناره ‪ ...‬إذا الريح هبت والمكان جديب‬

‫الجوهري ‪ :‬والعشا (مقصور) مصدر األعشى وهو الذي ال يبصر بالليل ويبصر بالنهار‪ .‬والمرأة‬
‫عشواء ‪ ،‬وامرأتان عشواوان‪ .‬وأعشاه اهلل فعشي (بالكسر) يعشى عشي ‪ ،‬وهما يعشيان ‪ ،‬ولم يقولوا‬
‫يعشوان ؛ ألن الواو لما صارت في الواحد ياء لكسرة ما قبلها تركت في التثنية على حالها‪ .‬وتعاشى‬
‫إذا أرى من نفسه أنه أعشى‪ .‬والنسبة إلى أعشى أعشوي‪ .‬والى العشية عشوى‪ .‬والعشواء ‪ :‬الناقة‬
‫التي ال تبصر أمامها فهي تخبط بيديها كل شيء‪ .‬وركب فالن العشواء إذا خبط أمره على غير‬

‫بصيرة‪ .‬وفالن خابط خبط عشواء‪.‬‬

‫ِّ‬
‫صفْحاً} [الزخرف ‪ ]8 :‬أي نواصل لكم‬
‫وهذه اآلية تتصل بقول أول السورة ‪{ :‬أ ََفَن ْ‬
‫ض ِر ُ‬
‫ب َع ْن ُك ُم الذ ْكَر َ‬
‫طانًا}‬
‫ِّض َل ُه َش ْي َ‬
‫الذكر ؛ فمن يعش عن ذلك الذكر باإلعراض عنه إلى أقاويل المضلين وأباطيلهم {ُن َقي ْ‬
‫ين} قيل في الدنيا ‪ ،‬يمنعه يمنعه من الحالل ‪،‬‬
‫أي نسبب له شيطانا جزاء له على كفره { َف ُه َو لَ ُه َق ِر ٌ‬
‫ويبعثه على الحرام ‪ ،‬وينهاه عن الطاعة ‪ ،‬ويأمره بالمعصية ؛ وهو معنى قول ابن عباس ‪.‬‬

‫(‪)33/61‬‬

‫وقيل في اآلخرة إذا قام من قبره ؛ قال سعيد الجريري‪ .‬وفي الخبر ‪ :‬أن الكافر إذا خرج من قبره يشفع‬
‫بشيطان ال يزال معه حتى يدخل النار‪ .‬وأن المؤمن يشفع بملك حتى يقضي اهلل بين خلقه ؛ ذكره‬
‫المهدوي‪ .‬وقال القشيري ‪ :‬والصحيح فهو له قرين في الدنيا واآلخرة‪ .‬وقال أبو الهيثم واألزهري ‪:‬‬
‫عشوت إلى كذا أي قصدته‪ .‬وعشوت عن كذا أي أعرضت عنه ‪ ،‬فتفرق بين "إلى" و"عن" ؛ مثل ‪:‬‬
‫ملت إليه وملت عنه‪ .‬وكذا قال قتادة ‪ :‬يعش ‪ ،‬يعرض ؛ وهو قول الفراء‪ .‬النحاس ‪ :‬وهو غير‬

‫معروف في اللغة‪ .‬وقال القرظي ‪ :‬يولي ظهره ؛ والمعنى واحد‪ .‬وقال أبو عبيدة واألخفش ‪ :‬تظلم‬
‫عينه‪ .‬وأنكر العتبي عشوت بمعنى أعرضت ؛ قال ‪ :‬وانما الصواب تعاشيت‪ .‬والقول قول أبي الهيثم‬
‫واألزهري‪ .‬وكذلك قال جميع أهل المعرفة‪ .‬وقرأ السلمي وابن أبي إسحاق ويعقوب وعصمة عن‬
‫عاصم وعن األعمش {يقيض له شيطان فهو له قرين } "بالياء" لذكر {الرحمن} أوال ؛ أي يقيض له‬
‫الرحمن شيطانا‪ .‬الباقون بالنون‪ .‬وعن ابن عباس { يقيض له } أي مالزم ومصاحب‪ .‬قيل ‪{ :‬فهو}‬

‫كناية عن الشيطان ؛ على ما تقدم‪ .‬وقيل عن اإلعراض عن القرآن ؛ أي هو قرين للشيطان‪َِ { .‬وانَّ ُه ْم‬
‫السبِ ِ‬
‫يل} أي وان الشياطين ليصدونهم عن سبيل الهدى ؛ وذكر بلفظ الجمع ألن {من}‬
‫ص ُّدونَ ُه ْم َع ِن َّ‬
‫لََي ُ‬
‫ون} وقيل ‪:‬‬
‫ون} أي ويحسب الكفار {أَنَّ ُه ْم ُم ْهَت ُد َ‬
‫في قوله ‪َ { :‬و َم ْن َي ْع ُش} في معنى الجمع‪َ { .‬وَي ْح َسُب َ‬
‫ويحسب الكفار إن الشياطين مهتدون فيطيعونهم‪.‬‬

‫اءَنا} على التوحيد قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص يعني الكافر يوم‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬حَّتى ِإ َذا َج َ‬
‫القيامة‪ .‬الباقون {جاءانا} على التثنية ‪ ،‬يعني الكافر وقرينه وقد جعال في سلسلة واحدة ؛ فيقول‬
‫ت َب ْيِني َوَب ْيَن َك ُب ْع َد ا ْل َم ْش ِرَق ْي ِن} أي مشرق الشتاء ومشرق الصيف ‪ ،‬كما قال تعالى ‪:‬‬
‫الكافر ‪َ { :‬يا َل ْي َ‬

‫ب ا ْل َم ْغ ِرَب ْي ِن} [الرحمن ‪ ]68 :‬ونحوه قول مقاتل‪ .‬وقراءة التوحيد وان كان ظاهرها‬
‫ب ا ْل َم ْش ِرَق ْي ِن َوَر ُّ‬
‫{َر ُّ‬
‫اإلفراد فالمعنى لهما جميعا ؛ ألنه قد عرف ذلك بما بعده ؛ كما قال ‪:‬‬
‫وعين لها حدرة بدرة ‪ ...‬شقت مآقيهما من أخر‬

‫(‪)39/61‬‬

‫قال مقاتل ‪ :‬يتمنى الكافر أن بينهما بعد المشرق أطول يوم في السنة إلى مشرق أقصر يوم في‬

‫السنة ‪ ،‬ولذلك قال ‪ُ{ :‬ب ْع َد ا ْل َم ْش ِرَق ْي ِن}‪ .‬وقال الفراء ‪ :‬أراد المشرق والمغرب فغلب اسم أحدهما ‪ ،‬كما‬
‫يقال ‪ :‬القمران للشمس والقمر ‪ ،‬والعمران ألبي بكر وعمر ‪ ،‬والبصرتان للكوفة والبصرة ‪ ،‬والعصران‬
‫للغداة والعصر‪ .‬وقال الشاعر ‪:‬‬
‫أخذنا بآفاق السماء عليكم ‪ ...‬لنا قمراها والنجوم الطوالع‬

‫وأنشد أبو عبيدة لجرير ‪:‬‬

‫ما كان يرضى رسول اهلل فعلهم ‪ ...‬والعمران أبو بكر وال عمر‬
‫وأنشد سيبويه ‪:‬‬

‫الخَبيبين قَِد ي‬
‫ني من نصر ُ‬
‫قَ ْد َ‬
‫ين} أي فبئس الصاحب أنت‬
‫يريد عبد اهلل ومصعبا ابني الزبير ‪ ،‬وانما أبو خبيب عبد اهلل‪َ { .‬فِب ْئ َس ا ْل َق ِر ُ‬
‫؛ ألنه يورده إلى النار‪ .‬قال أبو سعيد الخدري ‪ :‬إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين فال يفارقه‬
‫حتى يصير به إلى النار‪.‬‬

‫اآلية ‪ { 83 :‬ولَ ْن َي ْن َف َع ُكم الَْي ْوم إِ ْذ ظَلَ ْمُت ْم أَنَّ ُك ْم ِفي الْ َع َذ ِ‬
‫ون}‬
‫اب ُم ْشَت ِرُك َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ولَ ْن َينْفَ َع ُك ُم الَْي ْوَم إِ ْذ ظَلَ ْمتُ ْم} {إذ} بدل من اليوم ؛ أي يقول اهلل للكافر ‪ :‬لن ينفعكم اليوم‬
‫ت َب ْينِي َوَب ْيَن َك ُب ْع َد ا ْل َم ْش ِرَق ْي ِن} أي ال تنفع‬
‫إذ أشركتم في ال دنيا هذا الكالم ؛ وهو قول الكافر ‪َ { :‬يا َل ْي َ‬
‫الندامة اليوم {إِنكم} بالكسر { ِفي الْ َع َذ ِ‬
‫ون} وهي قراءة ابن عامر باختالف عنه‪ .‬الباقون‬
‫اب ُم ْشَت ِرُك َ‬
‫بالفتح‪ .‬وهي في موضع رفع تقديره ‪ :‬ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب ؛ ألن لكل واحد نصيبه‬
‫األوفر منه‪ .‬أعلم اهلل تعالى أنه منع أهل النار التأسي كما يتأسى أهل المصائب في الدنيا ‪ ،‬وذلك‬

‫أن التأسي يستروحه أهل الدنيا فيقول أحدهم ‪ :‬لي في البالء والمصيبة أسوة ؛ فيسكن ذلك من حزنه‬
‫؛ كما قالت الخنساء ‪:‬‬
‫فلوال كثرة الباكين حولي ‪ ...‬على إخوانهم لقتلت نفسي‬
‫وما يبكون مثل أخي ولكن ‪ ...‬أعزي النفس عنه بالتأسي‬

‫(‪)36/61‬‬

‫فإذا كان في اآلخرة لم ينفعهم التأسي ‪ ،‬شيئا لشغلهم بالعذاب‪ .‬وقال مقاتل ‪ :‬لن ينفعكم االعتذار‬

‫والندم اليوم ؛ ألن قرناءكم وأنتم في العذاب مشتركون كما اشتركتم في الكفر‪.‬‬
‫الص َّم أَو تَهِدي الْعمي وم ْن َك ِ‬
‫اآلية ‪ { 89 :‬أَفَأَنْ َ ِ‬
‫ضالل ُمبِين }‬
‫ان في َ‬
‫َ‬
‫ت تُ ْسم ُع ُّ ْ ْ‬
‫ُْ َ ََ‬
‫الص َّم أَو َتهِدي ا ْلعمي} يا محمد {وم ْن َك ِ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬أ ََفأ َْن َ ِ‬
‫ضالل ُمبِين} أي ليس لك‬
‫ان في َ‬
‫َ‬
‫ت ُت ْسم ُع ُّ ْ ْ‬
‫ََ‬
‫ُْ َ‬
‫ذلك فال يضيق صدرك إن كفروا ؛ ففيه تسلية للنبي صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬وفيه رد على القدرية‬
‫وغيرهم ‪ ،‬وأن الهدى والرشد والخذالن في القلب خلق اهلل تعالى ‪ ،‬يضل من يشاء ويهدي من يشاء ‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ون }‬
‫ون ‪ ،‬أ َْو ُن ِرَينَّ َك الَِّذي َو َع ْدَن ُ‬
‫اه ْم َفإَِّنا َعَل ْي ِه ْم ُم ْقَتدُر َ‬
‫اآلية ‪َ { 86 :‬فإِ َّما َن ْذ َهَب َّن بِ َك َفإِنَّا م ْن ُه ْم ُم ْنَتق ُم َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ون ‪ ،‬أ َْو نُ ِرَينَّ َك‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬فَإِ َّما نَ ْذ َهَب َّن بِ َك} يريد نخرجنك من مكة من أذى قريش‪{ .‬فَإِنَّا منْ ُه ْم ُم ْنتَق ُم َ‬
‫ِ‬
‫ون} قال ابن عباس ‪ :‬قد أراه اهلل ذلك‬
‫الَِّذي َو َع ْدَن ُ‬
‫اه ْم} وهو االنتقام منهم في حياتك‪َ { .‬فإِنَّا َعَل ْي ِه ْم ُم ْقَتدُر َ‬
‫يوم بدر ؛ وهو قول أكثر المفسرين‪.‬‬
‫وقال الحسن وقتادة ‪ :‬هي في أهل اإلسالم ؛ يريد ما كان بعد النبي صلى اهلل عليه وسلم من الفتن‪.‬‬
‫و {نذهبن بك} على هذا نتوفينك‪ .‬وقد كان بعد النبي صلى اهلل عليه وسلم نقمة شديدة فأكرم اهلل نبيه‬
‫صلى اهلل عليه وسلم وذهب به فلم يره في أمته إال التي تقر به عينه وأبقى النقمة بعده ‪ ،‬وليس من‬

‫نبي إال وقد أري النقمة في أمته‪ .‬وروي أن النبي صلى اهلل عليه وسلم أري ما لقيت أمته من بعده ‪،‬‬
‫فما زال منقبضا ‪ ،‬ما انبسط ضاحكا حتى لقي ‪ ،‬اهلل عز وجل‪ .‬وعن ابن مسعود ‪ :‬أن النبي صلى‬
‫اهلل عليه وسلم قال ‪ " :‬إذا أراد اهلل بأمة خيرا قبض نبيها قبلها فجعاه لها فرطا وسلفا‪ .‬واذا أراد اهلل‬
‫بأمة عذابا عذبها ونبيها حي لتقر عينه لما كذبوه وعصوا أمره"‪.‬‬

‫(‪)32/61‬‬

‫ُوحي إَِل ْي َك إِنَّ َك عَلى ِ‬
‫ِ‬
‫ اآلية ‪َ { 88 :‬فاسَتم ِس ْ ِ َِّ‬‫ف‬
‫صَراط ُم ْسَتِقيم ‪َِ ،‬واَّن ُه َلِذ ْكٌر َل َك َولِقَ ْوِم َك َو َس ْو َ‬
‫َ‬
‫ْ ْ‬
‫ك بالذي أ َ‬
‫َلون}‬
‫ُت ْسأ َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬فاسَتم ِس ْك بِالَِّذي أ ِ‬
‫ُوح َي إَِل ْي َك} يريد القرآن ‪ ،‬يريد القرآن ‪ ،‬وان كذب به من كذب ؛ فـ‬
‫ْ ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫{إِنَّ َك عَلى ِ‬
‫صَراط ُم ْسَتقيم} يوصلك إلى اهلل ورضاه وثوابه‪َِ { .‬وانَّ ُه َلذ ْكٌر َل َك َولِقَ ْوِم َك} يعني القرآن شرف‬
‫َ‬
‫لك ولقومك من قريش ‪ ،‬إذ نزل بلغتهم وعلى رجل منهم ؛ نظيره ‪{ :‬لَقَدْ أَنَْزلَْنا إِلَ ْي ُكم ِكتَاباً ِف ِ‬
‫يه ِذ ْكُرُك ْم}‬
‫ْ‬
‫[األنبياء ‪ ] 69 :‬أي شرفكم‪ .‬فالقرآن نزل بلسان قريش واياهم خاطب ؛ فاحتاج أهل اللغات كلها إلى‬
‫لسانهم كل من آمن بذك فصاروا ع ياال عليهم ؛ ألن أهل كل لغة احتاجوا إلى أن يأخذوه من لغتهم‬
‫حتى يقفوا على المعنى الذي عنى به من األمر‪ .‬والنهي وجميع ما فيه من األنباء ‪ ،‬فشرفوا بذلك‬

‫على سائر أهل اللغات ولذلك سمي عربيا‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬بيان لك وألمتك فيما بكم إليه حاجة‪ .‬وقيل ‪ :‬تذكرة تذكرون به أمر الدين وتعملون به‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫{ َِوانَّ ُه لَِذ ْكٌر لَ َك َولِقَ ْوِم َك} يعني الخالفة فإنها في قريش ال تكون في غيرهم ؛ قال النبي مصلى اهلل‬
‫عليه وسلم ‪ " :‬الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم" ‪ .‬وقال‬
‫مالك ‪ :‬هو قول الرجل حدثني أبي عن أبيه ‪ ،‬حكاه ابن أبي سلمة عن أبيه عن مالك بن أنس فيما‬

‫ذكر الماوردي والثعلبي وغيرهما‪ .‬قال ابن العربي ‪ :‬ولم أجد في اإلسالم هذه المرتبة ألحد إال ببغداد‬
‫فإن بني التميمي بها يقولون ‪ :‬حدثني أبي قال حدثني أبي ‪ ،‬إلى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ؛‬
‫وبذلك شرفت أقدارهم ‪ ،‬وعظم الناس شأنهم ‪ ،‬وتهممت الخالفة بهم‪ .‬ورأيت بمدينة السالم ابني أبي‬
‫محمد رزق اهلل بن عبد الوهاب أبي الفرج بن عبد العزيز بن الحارث بن األسد بن الليث آل سليمان‬
‫بن أسود بن سفيان بن يزيد بن أكينة بن عبد اهلل التميمي وكانا يقوالن ‪ :‬سمعنا أبانا رزق اهلل يقول‬

‫سمعت أب ي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت علي‬
‫بن أبي طالب‬

‫(‪)38/61‬‬

‫يقول وقد سئل عن الحنان المنان فقال ‪ :‬الحنان الذي يقبل على من أعرض عنه ‪ ،‬والمنان الذي يبدأ‬
‫بالنوال قبل السؤال‪ .‬والقائل سمعت عليا ‪ :‬أكينة بن عبداهلل جدهم األعلى‪ .‬وا ألقوى أن يكون المراد‬
‫بقوله ‪َِ { :‬وانَّ ُه َلِذ ْكٌر لَ َك َولِ َق ْوِم َك} يعني القرآن ؛ فعليه انبنى الكالم واليه يرجع المصير ‪ ،‬واهلل أعلم‪.‬‬
‫قال الماوردي ‪َ { :‬ولَِق ْوِم َك} فيهم قوالن ‪ :‬أحدهما ‪ :‬من اتبعك من أمتك ؛ قاله قتادة وذكره الثعلبي عن‬
‫الحسن‪ .‬الثاني ‪ :‬لقومك من قريش ؛ فيقال ممن هذا ؟ فيقال من العرب ‪ ،‬فيقال من أي العرب ؟‬
‫فيقال من قريش ؛ قال مجاهد‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬والصحيح أنه شرف لمن عمل به ‪ ،‬كان من قريش أومن غيرهم‪ .‬روى ابن عباس قال ‪ :‬أقبل‬
‫نبي اهلل صلى اهلل عليه وسلم من سرية أو غزاة فدعا فاطمة فقال ‪" :‬يا فاطمة اشتري نفسك من اهلل‬

‫فإني ال أغني عنك من اهلل شيئا" وقال مثل ذلك لنسوته ‪ ،‬وقال مثل ذلك لعترته ‪ ،‬ثم قال نبي اهلل‬

‫صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬ما بنو هاشم بأولى الناس بأمتي إن أولى الناس بأمتي المتقون ‪ ،‬وال قريش‬
‫بأولى الناس بأمتي إن أولى الناس بأمتي المتقون ‪ ،‬وال األنصار بأولى الناس بأمتي إن أولى الناس‬
‫بأمتي المتقون ‪ ،‬وال الموالي بأولى الناس بأمتي إن أولى الناس بأمتي المتقون‪ .‬إنما أنتم من رجل‬
‫وامرأة وأنتم كجمام الصاع ليس ألحد على أحد فضل إال بالتقوى"‪ .‬وعن أبي هريرة قال ‪ :‬قال رسول‬
‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬لينتهين أقوام يفتخرون بف حم من فحم جهنم أو يكونون شرا عند اهلل من‬
‫الجعالن التي تدفع النتن بأنفها ‪ ،‬كلكم بنو آدم وآدم من تراب ‪ ،‬إن اهلل أذهب عنكم عيبة الجاهلية‬

‫وفخرها باآلباء الناس مؤمن تقي وفاجر شقي"‪ .‬خرجهما الطبري‪ .‬وسيأتي لهذا مزيد بيان في‬
‫الحجرات إن شاء اهلل تعالى‪.‬‬
‫َلون} أي عن الشكر عليه ؛ قال مقاتل والفراء‪ .‬وقال ابن جريج ‪ :‬أي‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬و َس ْو َ‬
‫ف تُ ْسأ َ‬
‫تسألون أنت ومن معك على ما أتاك‪ .‬وقيل ‪ :‬تسألون عما عملتم فيه ؛ والمعنى متقارب‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َل م ْن أَر ِ ِ ِ‬
‫َج َعلَْنا ِم ْن ُد ِ‬
‫ون}‬
‫ون َّ‬
‫الر ْح َم ِن آل َهةً ُي ْعَب ُد َ‬
‫سلَْنا م ْن قَ ْبل َك م ْن ُر ُسلَنا أ َ‬
‫اآلية ‪َ { 88 :‬و ْ‬
‫اسأ ْ َ ْ َ‬

‫(‪)38/61‬‬

‫قال ابن عباس وابن زيد ‪ :‬لما أسري برسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد‬
‫األقصى ‪ -‬وهو مسجد بيت المقدس ‪ -‬بعث اهلل له آدم ومن ولد من المرسلين ‪ ،‬وجبريل مع النبي‬
‫صلى اهلل عليه وسلم ؛ فأذن جبريل صلى اهلل عليه وسلم ثم أقام الصالة ‪ ،‬ثم قال ‪ :‬يا محمد تقدم‬
‫فصل بهم ؛ فلما فرغ رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ؛ قال جبريل صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬سل يا‬

‫محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون" ‪ .‬فقال رسول اهلل صلى‬
‫اهلل عليه وسلم ‪" :‬ال أسأل قد اكتفيت" ‪ .‬قال ابن عباس ‪ :‬وكانوا سبعين نبيا منهم إبراهيم وموسى‬
‫وعيسى عليهم السالم ؛ فلم يسألهم ألنه كان أعلم باهلل منهم‪ .‬في غير رواية ابن عباس ‪ :‬فصلوا‬
‫خلف رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم سبعة صفوف ‪ ،‬المرسلون ثالثة صفوف والنبيون أربعة ؛ وكان‬
‫يلي ظهر رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم إبراهيم خليل اهلل ‪ ،‬وعلى يمينه إسماعيل وعلى يساره‬

‫إسحاق ثم موسى ثم سائر المرسلين فأمهم ركعتين ؛ فلما انفتل قام فقال ‪ " :‬إن ربي أوحى إلي أن‬

‫أسألكم هل أرسل أحد منكم يدعو إلى عبادة غير اهلل" ؟ فقالوا ‪ :‬يا محمد ‪ ،‬إنا نشهد إنا أرسلنا‬
‫أجمعين بدعوة واحد ة أن ال إله إال اهلل وأن ما يعبدون من دونه باطل ‪ ،‬وأنك خاتم النبيين وسيد‬
‫المرسلين ‪ ،‬قد استبان ذلك لنا بإمامتك إيانا ‪ ،‬وأن ال نبي بعدك إلى يوم القيامة إال عيسى ابن مريم‬
‫فإنه مأمور أن يتبع أثرك"‪.‬‬

‫س ْلَنا ِم ْن َق ْبلِ َك ِم ْن ُر ُسِلَنا} قال ‪ :‬لقي الرسل ليلة‬
‫اسأ ْ‬
‫وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى ‪َ { :‬و ْ‬
‫َل َم ْن أ َْر َ‬
‫َل َم ْن أ َْر َسلَْنا ِم ْن َق ْبلِ َك ِم ْن ُر ُسلَِنا} قال ‪:‬‬
‫اسأ ْ‬
‫أسري به‪ .‬وقال الوليد بن مسلم في قوله تعالى ‪َ { :‬و ْ‬
‫سألت عن ذلك وليد بن دعلج فحدثني عن قتادة قال ‪ :‬سألهم ليلة أسري به ‪ ،‬لقي األنبياء ولقي آدم‬
‫ومالك خازن النار‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬هذا هو الصحيح في تفسير هذه اآلية‪ .‬و {من} التي قبل {رسلنا} على هذا القول غير زائدة‪.‬‬
‫وقال المبرد وجماعة من العلماء ‪ :‬إن المعنى واسأل أمم من قد أرسلنا من قبلك من رسلنا‪ .‬وروي أن‬
‫في قراءة ابن مسعود ‪ { :‬واسال الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا} ‪.‬‬

‫(‪)38/61‬‬

‫وهذه قراءة مفسرة ؛ فـ {من} على هذا زائدة ‪ ،‬وهو قول مجاهد والسدي والضحاك وقتادة وعطاء‬
‫والحسن وابن عباس أيضا‪ .‬أي واسأل مؤمني أهل الكتابين التوراة واإلنجيل‪ .‬وقيل ‪ :‬المعنى سلنا يا‬
‫محسد عن األنبياء الذين أرسلنا قبلك ؛ فحذفت {عن} ‪ ،‬والوقف على {رسلنا} على هذا تام ‪ ،‬ثم ابتدأ‬
‫باالستفهام على طريق اإلنكار‪ .‬وقيل ‪ :‬المعنى واسأل تباع من أرسلنا من قبلك من رسلنا ‪ ،‬فحذف‬

‫المضاف‪ .‬والخطاب للنبي صلى اهلل عليه وسلم والمراد أمته‪.‬‬
‫ِ‬
‫َج َع ْلَنا ِم ْن ُد ِ‬
‫ون} أخبر عن اآللهة كما أخبر عمن يعقل فقال ‪:‬‬
‫ون َّ‬
‫الر ْح َم ِن آل َه ًة ُي ْعَب ُد َ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬أ َ‬
‫ون} ولم يقل تعبد وال يعبدن ‪ ،‬ألن اآللهة جرت عندهم مجرى من يعقل فأجرى الخبر عنهم‬
‫{ُي ْعَب ُد َ‬
‫مجرى الخبر عمن يعقل‪.‬‬

‫وسبب هذا األمر بالسؤال أن اليهود والمشركين قالوا للنبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ :‬إن ما جئت به‬
‫مخالف لمن كان قبلك ؛ فأمره اهلل بسؤال ا ألنبياء على جهة التوقيف والتقرير ؛ ال ألنه كان في شك‬

‫منه‪.‬‬

‫واختلف أهل التأويل في سؤال النبي صلى اهلل عليه وسلم لهم على قولين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬أنه سألهم‬
‫فقالت الرسل بعثنا بالتوحيد ؛ قاله الواقدي‪ .‬الثاني ‪ :‬أنه لم يسألهم ليقينه باهلل عز وجل ؛ حتى حكى‬
‫ابن زيد أن ميكا ئيل قال لجبريل ‪" :‬هل سألك محمد عن ذلك ؟ فقال جبريل ‪ :‬هو أشد إيمانا وأعظم‬
‫يقينا من أن يسأل عن ذلك"‪ .‬وقد تقدم هذا المعنى في الروايتين حسبما ذكرناه‪.‬‬
‫ِ‬
‫اآلية ‪ { 82 - 81 :‬ولَقَ ْد أَرسلْنَا موسى بِآياتِنَا إِلَى ِفرعون وم َِ‬
‫ين ‪ ،‬فَلَ َّما‬
‫ول َر ِّ‬
‫س ُ‬
‫َلِه فَقَ َ‬
‫ب الْ َعالَم َ‬
‫ال إِنِّي َر ُ‬
‫ْ َْ َ َ َ‬
‫ْ َ ُ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫جاء ُهم بِ ِ‬
‫َّ‬
‫اه ْم بِالْ َع َذ ِ‬
‫اب‬
‫ون ‪َ ،‬و َما ُن ِري ِه ْم م ْن َآية إِال ه َي أَ ْكَبُر م ْن أ ْ‬
‫َخ ْذَن ُ‬
‫ُخت َها َوأ َ‬
‫آياتَنا إِ َذا ُه ْم م ْن َها َي ْ‬
‫ض َح ُك َ‬
‫َ َ ْ‬
‫ِ‬
‫الس ِ‬
‫ون ‪ ،‬فَلَ َّما َك َشفَْنا َعنْ ُه ُم‬
‫ُّها َّ‬
‫ع لََنا َرب َ‬
‫احُر ْاد ُ‬
‫َّك بِ َما َع ِه َد عنْ َد َك إِنََّنا لَ ُم ْهتَ ُد َ‬
‫لَ َعلَّ ُه ْم َي ْرِج ُع َ‬
‫ون ‪َ ،‬وقَالُوا َيا أَي َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫األ ْن َه ُار َت ْج ِري‬
‫صَر َوَهِذِه ْ َ‬
‫ادى ِف ْرَع ْو ُن ِفي َق ْوِم ِه َق َ‬
‫ون ‪َ ،‬وَن َ‬
‫ال َيا َق ْوِم أََل ْي َس لي ُملْ ُك م ْ‬
‫اب إِ َذا ُه ْم َي ْن ُكثُ َ‬
‫ا ْل َع َذ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ون }‬
‫م ْن َت ْحتي أ ََفال ُت ْبصُر َ‬

‫(‪)31/61‬‬

‫ين }‬
‫ين َوال َي َك ُ‬
‫{ أ َْم أََنا َخ ْيٌر ِم ْن َه َذا َّالِذي ُه َو َم ِه ٌ‬
‫اد ُيبِ ُ‬
‫وسى بِآياتَِن ا} لما أعلم النبي صلى اهلل عليه وسلم أنه منتقم له من عدوه‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ولَقَ ْد أ َْر َسلَْنا ُم َ‬

‫وأقام الحجة باستشهاد األنبياء واتفاق الكل على التوحيد أكد ذلك قصة موسى وفرعون ‪ ،‬وما كان من‬

‫فرعون من التكذيب ‪ ،‬وما نزل به وبقومه من اإلغراق والتعذيب ‪ :‬أي أرسلنا موسى بالمعجزات وهي‬

‫التسع اآليات فكذب ؛ فجعلت العاقبة الجميلة له ‪ ،‬فكذلك أنت‪ .‬ومعنى ‪{ :‬يضحكون} استهزاء‬

‫وسخرية ؛ يوهمون أتباعهم أن تلك اآليات سحر وتخيل ‪ ،‬وأنهم قادرون عليها‪ .‬وقوله ‪َ { :‬و َما ُن ِري ِه ْم‬
‫ُختِ َها} أي كانت آيات موسى من أكبر اآليات ‪ ،‬وكانت كل واحدة أعظم‬
‫ِم ْن َآية إِ َّال ِه َي أَ ْكَبُر ِم ْن أ ْ‬
‫ُختِ َها} ألن األولى تقتضي علما والثانية تقتضي علما ‪ ،‬فتضم‬
‫مما قبلها‪ .‬وقيل ‪{ :‬إِ َّال ِه َي أَ ْكَبُر ِم ْن أ ْ‬
‫الثانية إلى األولى فيزداد الوضوح ‪ ،‬ومعنى األخوة المشاكلة المناسبة ؛ كما يقال ‪ :‬هذه صاحبة هذه‬
‫اه ْم بِا ْل َع َذ ِ‬
‫ون} أي على تكذيبهم بتلك اآليات ؛ وهو‬
‫َخ ْذَن ُ‬
‫؛ أي قريبتان في المعنى‪َ { .‬وأ َ‬
‫اب َل َعَّل ُه ْم َي ْرِج ُع َ‬
‫السنِين وَنقْص ِمن الثَّمر ِ‬
‫َخ ْذَنا َ ِ‬
‫ِ‬
‫ات} [األعراف ‪ .]689 :‬والطوفان‬
‫كقوله تعالى ‪َ { :‬ولَ َق ْد أ َ‬
‫َ ََ‬
‫آل ف ْرَع ْو َن ب ِّ َ َ‬

‫ون} من‬
‫والجراد والقمل والضفادع‪ .‬وكانت هذه اآليات األخيرة عذابا لهم وآيات لموسى‪َ{ .‬ل َعَّل ُه ْم َي ْرِج ُع َ‬
‫كفرهم‪.‬‬
‫الس ِ‬
‫احُر} لما عاينوا العذاب قالوا يا أيها الساحر ؛ نادوه بما كانوا ينادونه‬
‫ُّها َّ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وَقالُوا َيا أَي َ‬
‫به من قبل ذلك على حسب عادتهم‪ .‬وقيل ‪ :‬كانوا يسمون العلماء سحرة فنادوه بذلك على سبيل‬
‫الس ِ‬
‫احُر} يا أيها العالم ‪ ،‬وكان الساحر فيهم عظيما يوقرونه ؛ ولم‬
‫ُّها َّ‬
‫التعظيم‪ .‬قال ابن عباس ‪َ{ :‬يا أَي َ‬
‫يكن السحر صفة ذم‪ .‬وقيل ‪ :‬يا أيها الذي غلبنا بسحره ؛ يقال ‪ :‬ساحرته فسحرته ؛ أي غلبته‬
‫بالسحر ؛ كقول العرب ‪ :‬خاصمته فخصمته أي غلبته بالخصومة ‪ ،‬وفاضلته ففضلته ‪ ،‬ونحوها‪.‬‬
‫ويحتمل أن يكون أرادوا به الساحر على الحقيقة على معنى االستفهام ‪ ،‬فلم يلمهم على ذلك رجاء أن‬
‫أيه الساحر} بغير ألف والهاء مضمومة ؛ وعلتها‬
‫يؤمنوا‪ .‬وقرأ ابن عامر وأبو حيوة ويحيى بن ثابت {و ُ‬
‫أن الهاء خلطت بما قبلها وألزمت ضم الياء الذي أوجبه النداء المفرد‪ .‬وأنشد الفراء ‪:‬‬
‫يأيه القلب اللجوج النفس ‪ ...‬أفق عن البيض الحسان اللعس‬

‫(‪)38/61‬‬

‫فضم الهاء حمال على ضم الياء ؛ وقد مضى في "النور" معنى هذا‪ .‬ووقف أبو عمرو وابن أبي‬
‫إسحاق ويحيى والكسائي {أيها} باأللف على األصل‪ .‬الباقون بغير ألف ؛ ألنها كذلك وقعت في‬
‫ِ‬
‫َّك بِ َما َع ِه َد ِع ْن َد َك} أي بما أخبرنا‬
‫ع لََنا َرب َ‬
‫ع لََنا َرب َ‬
‫ون} { ْاد ُ‬
‫المصحف‪ْ { .‬اد ُ‬
‫َّك بِ َما َع ِه َد ع ْن َد َك إِنََّنا لَ ُم ْهَت ُد َ‬

‫ون} أي فيما يستقبل‪{ .‬فَلَ َّما‬
‫عن عهده إليك إنا إن آمنا كشف عنا ؛ فسله يكشف عنا {إِنَّنَا لَ ُم ْهتَ ُد َ‬
‫ون} أي ينقضون العهد على أنفسهم فلم يؤمنوا‪.‬‬
‫اب} أي فدعا فكشفنا‪{ .‬إِ َذا ُه ْم َي ْن ُكثُ َ‬
‫َك َش ْفَنا َع ْن ُه ُم ا ْل َع َذ َ‬
‫ون} إخبار منهم عن أنفسهم باإليمان ؛ فلما كشف عنهم العذاب ارتدوا‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬قولهم ‪{ :‬إَِّنَنا لَ ُم ْهَت ُد َ‬
‫ادى ِف ْرَع ْو ُن فِي قَ ْوِم ِه} قيل ‪ :‬لما رأى تلك اآليات خاف ميل القوم إليه فجمع قومه‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وَن َ‬

‫فقال ‪ :‬فنادى بمعنى قال ؛ قاله أبو مالك‪ .‬فيجوز أن يكون عنده عظماء القبط فرفع صوته بذلك فيما‬
‫بينهم ثم ينشر عنه في جموع القبط ؛ وكأنه نودي بينهم‪ .‬وقيل ‪ :‬إنه أمر من ينادي في قومه ؛ قاله‬

‫ال يا َقوِم أََل ْيس لِي م ْل ُ ِ‬
‫صَر} أي ال ينازعني فيه أحد‪ .‬قيل ‪ :‬إنه ملك منها أربعين‬
‫كم ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ابن جريج‪َ { .‬ق َ َ ْ‬
‫فرسخا في مثلها ؛ حكاه النقاش‪ .‬وقيل أراد بالملك هنا اإلسكندرية‪َ { .‬وَهِذِه ْاأل َْن َه ُار َت ْج ِري ِم ْن َت ْحتِي}‬
‫يعني أنهار النيل ‪ ،‬ومعظمها أربعة ‪ :‬نهر الملك ونهر طولون ونهر دمياط ونهر تنيس‪ .‬وقال قتادة ‪:‬‬
‫كانت جنانا وأنهارا تجري من تحت قصوره‪ .‬وقيل ‪ :‬من تحت سريره‪ .‬وقيل ‪ِ { :‬م ْن َت ْحتِي} قال‬
‫القشيري ‪ :‬ويجوز ظهور خوارق العادة على مدعي الربوبية ؛ إذ ال حاجة في التمييز اإلله من غير‬
‫اإلله إلى فعل خارق للعادة‪ .‬وقيل معنى { َوَهِذِه ْاأل َْن َه ُار َت ْج ِري ِم ْن َت ْحتِي} أي القواد والرؤساء والجبابرة‬
‫يسيرون من تحت لوائي ؛ قاله الضحاك‪ .‬وقيل ‪ :‬أراد باألنهار األموال ‪ ،‬وعبر عنها باألنهار لكثرتها‬
‫وظهورها‪ .‬وقوله ‪َ{ :‬ت ْج ِري ِم ْن َت ْحِتي} أي أفرقها على من يتبعني ؛ ألن الترغيب والقدرة في األموال‬

‫دون‬

‫(‪)33/61‬‬

‫ِ‬
‫ون} عظمتي وقوتي وضعف موسى‪ .‬وقيل ‪ :‬قدرتي على نفقتكم وعجز موسى‪.‬‬
‫األنهار‪{ .‬أَفَال تُبْصُر َ‬
‫والواو في {وهذه} يجوز أن تكون عاطفة لَلنهار على {ملك مصر} و {تجري} نصب على الحال‬
‫منها‪ .‬ويجوز أن تكون واو الحال ‪ ،‬واسم اإلشارة مبتدأ ‪ ،‬و{األنهار} صفة السم اإلشارة ‪ ،‬و {تجري }‬
‫خبر للمبتدأ‪ .‬وفتح الياء من {تحتي} أهل المدينة والبزي وأبو عمرو ‪ ،‬وأسكن الباقون‪ .‬وعن الرشيد‬
‫أنه لما قرأها قال ‪ :‬ألولينها أحسن عبيدي ‪ ،‬فوالها الخصيب ‪ ،‬وكان على وضوئه‪ .‬وعن عبداهلل بن‬

‫طاهر أنه وليها فخرج إليها شارفها ووقع عليها بصره قال ‪ :‬أهذه القرية التي افتخر بها فرعون حتى‬
‫قال ‪{ :‬أَلَ ْيس لِي ملْ ُ ِ‬
‫صَر} ؟ ! واهلل لهي عندي أقل من أن أدخلها ! فثنى عنانه‪ .‬ثم صرح بحاله‬
‫كم ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫فقال ‪{ :‬أ َْم أَنَا َخيٌْر} قال أبو عبيدة السدي ‪{ :‬أم} بمعنى "بل" وليست بحرف عطف ؛ على قول أكثر‬
‫ين} أي ال عزله فهو يمتهن‬
‫المفسرين‪ .‬والمعنى ‪ :‬قال فرعون لقومه بل أنا خير { ِم ْن َه َذا الَِّذي ُه َو َم ِه ٌ‬
‫ين} يعني ما كان في لسانه من العقدة ؛ على ما تقدم‬
‫نفسه في حاجاته لحقارته وضعفه { َوال َي َك ُ‬
‫اد ُيبِ ُ‬

‫في "طه" وقال الفراء ‪ :‬في "أم" وجهان ‪ :‬إن شئت جعلتها من االستفهام الذي جعل بأم التصاله‬
‫بكالم قبله ‪ ،‬وان شئت جعلتها نسقا على قوله ‪{ :‬أَلَ ْيس لِي ملْ ُ ِ‬
‫صَر} وقيل ‪ :‬هي زائدة‪ .‬وروى أبو‬
‫كم ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫زيد عن العرب أنهم يجعلون "أم" زائدة ؛ والمعنى أنا خير من هذا الذي هو مهين‪ .‬وقال األخفش ‪:‬‬
‫في الكالم حذف ‪ ،‬والمعنى ‪ :‬أفال تبصرون أم تبصرون ؛ كما قال ‪:‬‬
‫أيا ظبية الوعساء بين جالجل ‪ ...‬وبين النقا آأنت أم أم سالم‬
‫أي أنت أحسن أم أم سالم‪ .‬ثم ابتداء فقال ‪{ :‬أََنا َخ ْيٌر}‪ .‬وقال الخليل وسيبويه ‪ :‬المعنى {أَفَال‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ون} ‪ ،‬ألن معنى {أ َْم أََنا َخ ْيٌر} أم أي‬
‫ون} ‪ ،‬أم أنتم بصراء ‪ ،‬فعطف بـ {أم} على {أ ََفال ُت ْبصُر َ‬
‫ُت ْبصُر َ‬
‫تبصرون ؛ وذلك أنهم إذا قالوا له أنت خير منه كانوا عنده بصراء‪ .‬وروي عن عيسى‬

‫(‪)33/61‬‬

‫الثقفي ويعقوب الحضرمي أنهما وقفا على {أم} على أن يكون التقدير أفال تبصرون أم تبصرون ؛‬
‫فحذف تبصرون الثاني‪ .‬وقيل من وقف على {أم} جعلها زائدة ‪ ،‬وكأنه وقف على "تبصرون" من‬
‫ِ‬
‫ون} ‪ ،‬وال يتم الكالم على "تبصرون" عند الخليل وسيبويه ؛ ألن {أم} تقتضي‬
‫قوله ‪{" :‬أَفَال تُ ْبصُر َ‬
‫ِ‬
‫ون} ‪ ،‬ثم ابتدأ {أ َْم أََنا َخ ْيٌر} بمعنى بل‬
‫االتصال بما قبلها‪ .‬وقال قوم ‪ :‬الوقف على قوله ‪{ :‬أ ََفال ُت ْبصُر َ‬
‫أنا ؛ وأنشد الفراء ‪:‬‬

‫بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ‪ ...‬وصورتها أم أنت في العين أملح‬
‫فمعناه ‪ :‬بل أنت أملح‪ .‬وذكر الفراء أن بعض القراء قرأ {أما أنا خير} ؛ ومعنى هذا ألست خيرا‪.‬‬
‫وروي عن مجاهد أنه وقف على {أم} ثم يبتدئ {أنا خير} وقد ذكر‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين }‬
‫اء َم َع ُه ا ْل َمالئ َك ُة ُم ْقَت ِرنِ َ‬
‫اآلية ‪َ { 88 :‬فلَ ْوال أُ ْلق َي َعَل ْيه أ ْ‬
‫َس ِوَرٌة م ْن َذ َهب أ َْو َج َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َس ِوَرٌة ِم ْن َذ َهب} إنما قال ذلك ألنه كان عادة الوقت وزي‬
‫ي َعَل ْيه أ ْ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬فلَ ْوال} أي هال {أُلْق َ‬
‫أهل الشرف‪ .‬وق أر حفص {أسورة} جمع سوار ‪ ،‬كخمار وأخمرة‪ .‬وق أر أبي {أساور} جمع إسوار‪ .‬وابن‬
‫مسعود {أساوير}‪ .‬الباقون {أساورة} جمع األسورة فهو جمع الجمع‪ .‬ويجوز أن يكون {أساورة} جمع‬
‫{إسوار} وألحقت الهاء في الجمع عوضا من الياء ؛ فهو مثل زناديق وزنادقة ‪ ،‬وبطاريق وبطارقة ‪،‬‬
‫وشبهه‪ .‬وقال أبو عمرو بن العالء ‪ :‬واحد األساورة واألساور واألساوير إسوار ‪ ،‬وهي لغة في سوار‪.‬‬
‫قال مجاهد ‪ :‬كانوا إذا سوروا رجال سوروه بسوارين وطوقوه بطوق ذهب عالمة لسيادته ‪ ،‬فقال‬
‫اء َم َع ُه الْ َمالئِ َكةُ‬
‫فرعون ‪ :‬هال ألقى رب موسى عليه أساورة من ذهب إن كان صادقا ! {أ َْو َج َ‬
‫ين} يعني متتابعين ؛ في قول قتادة‪ .‬مجاهد ‪ :‬يمشون معا‪ .‬ابن عباس ‪ :‬يعاونونه على من‬
‫ُم ْقَت ِرنِ َ‬

‫خالفه ؛ والمعنى ‪ :‬هال ضم إليه المالئكة التي يزعم أنها عند ربه حتى يتكثر بهم ويصرفهم على‬
‫أمره ونهيه ؛ فيكون ذلك أهيب في القلوب‪ .‬فأوهم قومه أن رسل اهلل ينبغي أن يكونوا‬

‫(‪)699/61‬‬

‫كرسل الملوك في الشاهد ‪ ،‬ولم يعلم أن رسل اهلل إنما أيدوا بالجنود السماوية ؛ وكل عاقل يعلم أن‬

‫حفظ اهلل موسى مع تفرده ووحدته من فرعون مع كثرة أتباعه ‪ ،‬وامداد موسى بالعصا واليد البيضاء‬

‫كان أبلغ من أن يكون له أسورة أو مالئكة يكونون معه أعوانا ‪ -‬في قول مقاتل ‪ -‬أو دليال على‬
‫صدقه ‪ -‬في قول الكلبي ‪ -‬وليس يلزم هذا ألن اإلعجاز كان ‪ ،‬وقد كان في الجائز أن يكذب مع‬
‫مجيء المالئكة كما كذب مع ظهور اآليات‪ .‬وذكر فرعون المالئكة حكاية عن لفظ موسى ؛ ألنه ال‬

‫يؤمن بالمالئكة من ال يعرف خالقهم‪.‬‬

‫ِِ‬
‫اسَت َخ َّ‬
‫ين}‬
‫وه إِنَّ ُه ْم َك ُانوا َق ْومًا َفاسق َ‬
‫اع ُ‬
‫ف َق ْو َمهُ َفأَطَ ُ‬
‫اآلية ‪َ { 88 :‬ف ْ‬
‫استَ َخ َّ‬
‫وه} لخفة أحالمهم‬
‫اع ُ‬
‫ف قَ ْو َم ُه} قال ابن األعرابي ‪ :‬المعنى فاستجهل قومه { َفَأطَ ُ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬فَ ْ‬
‫وقلة عقولهم ؛ يقال ‪ :‬استخفه الفرح أي أزعجه ‪ ،‬واستخفه أي حمله على الجهل ؛ ومنه ‪َ { :‬وال‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ون} [الروم ‪ .] 19 :‬وقيل ‪ :‬استفزهم بالقول فأطاعوه على ‪ ،‬التكذيب‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫ين ال ُيوِقُن َ‬
‫َي ْستَخفَّنَّ َك الَّذ َ‬
‫استخف قومه أي وجدهم خفاف األول‪ .‬وهذا ال يدل على أنه يجب أن يطيعوه ‪ ،‬فال بد من إضمار‬
‫بعيد تقديره وجدهم خفاف العقول فدعاهم إلى الغواية فأطاعوه‪ .‬وقيل ‪ :‬استخف قومه وقهرهم حتى‬
‫ِِ‬
‫ين}أي خارجين‬
‫أتبعوه ؛ يقال ‪ :‬استخفه خالف استثقله ‪ ،‬واستخف به أهانه‪{ .‬إِنَّ ُه ْم َك ُانوا َق ْومًا َفاسق َ‬
‫عن طاعة اهلل‪.‬‬
‫اهم أ ْ ِ‬
‫ين }‬
‫ونا ْانَت َق ْمَنا ِم ْن ُه ْم َفأ ْ‬
‫آس ُف َ‬
‫َج َمع َ‬
‫َغَرقَْن ُ ْ‬
‫اآلية ‪َ { 88 :‬فلَ َّما َ‬
‫ونا ْانَت َق ْمَنا ِم ْن ُه ْم} روى الضحاك عن ابن عباس ‪ :‬أي غاظونا وأغضبونا‪.‬‬
‫آس ُف َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬فَل َّما َ‬
‫وروى عنه علي بن أبي طلحة ‪ :‬أي أسخطونا‪ .‬قال الماوردي ‪ :‬ومعناها مختلف ‪ ،‬والفرق بينهما أن‬
‫السخط إظهار الكراهة‪ .‬والغضب إرادة االنتقام‪ .‬القشيري ‪ :‬واألسف ها هنا بمعنى الغضب ؛‬
‫والغضب من اهلل إما إرادة العقوبة فيكون من صفات الذات ‪ ،‬واما عين العقوبة فيكون من صفات‬
‫الفعل ؛ وهو معنى قول الماوردي‪.‬‬

‫(‪)696/61‬‬

‫وقال عمر بن ذر ‪ :‬يا أهل معاصي اهلل ‪ ،‬ال تغتروا بطول حلم اهلل عنكم ‪ ،‬واحذروا أسفه ؛ فإنه‬
‫ِ‬
‫آسفُونَا} أي أغضبوا رسلنا وأولياءنا المؤمنين ؛ نحو‬
‫آسفُونَا انْتَقَ ْمنَا منْ ُه ْم} ‪ .‬وقيل ‪َ { :‬‬
‫قال ‪{ :‬فَلَ َّما َ‬
‫ون اللَّ َه} [األحزاب ‪ ]88 :‬و {ُي َح ِ‬
‫ون اللَّ َه} [المائدة ‪:‬‬
‫ارُب َ‬
‫السحرة وبني إسرائيل‪ .‬وهو كقوله تعالى ‪ُ{ :‬ي ْؤُذ َ‬

‫‪ ]88‬أي أولياءه ورسله‪.‬‬

‫اهم سَلفاً ومثَ ً ِ ِ‬
‫ين}‬
‫ال ل ْْلخ ِر َ‬
‫اآلية ‪{ 81 :‬فَ َج َع ْلَن ُ ْ َ َ َ‬
‫اه ْم َسلَفاً} أي جعلنا قوم فرعون سلفا‪ .‬قال أبو ِم ْجَلز ‪{ :‬سلفا} لمن عمل عملهم ‪،‬‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬فَ َج َعلَْن ُ‬
‫{ َو َمثَالً} لمن يعمل عملهم‪ .‬وقال مجاهد ‪َ { :‬سلَفاً} إخبارا ألمة محمد صلى اهلل عليه وسلم ‪َ { ،‬و َمثَالً}‬

‫ال}‬
‫أي عبرة لهم‪ .‬وعنه أيضا { َسَلفًا} لكفار قومك يتقدمونهم إلى النار‪ .‬قتادة ‪{ :‬سلفا} إلى النار ‪َ { ،‬و َمثَ ً‬

‫عظة لمن يأتي بعدهم‪ .‬والسلف المتقدم ؛ يقال ‪ :‬سلف يسلف سلفا ؛ مثل طلب طلبا ؛ أي تقدم‬

‫ومضى‪ .‬وسلف له عمل صالح أي تقدم‪ .‬والقوم السالف المتقدمون‪ .‬وسلف الرجل ‪ :‬آباؤه المتقدمون‬
‫؛ والجمع أسالف وسالف‪ .‬وقراءة العامة { َسلَفاً} (بفتح السين والالم) جمع سالف ؛ كخادم وخدم ‪،‬‬
‫وراصد ورصد ‪ ،‬وحارس وحرس‪ .‬وق أر حمزة والكسائي { َس ْلفًا} (بضم السين والالم)‪ .‬قال الفراء هو‬

‫جمع سليف ‪ ،‬نحو سرير وسرر‪ .‬وقال أبو حاتم ‪ :‬هو جمع سلف ؛ نحو خشب وخشب ‪ ،‬وثمر وثمر‬
‫؛ ومعناهما واحد‪ .‬وقرأ علي وابن مسعود وعلقمة وأبو وائل والنخعي وحميد بن قيس { ُسلَفاً} (بضم‬
‫السين وفتح الالم) جمع سلفة ‪ ،‬أي فرقة متقدمة‪ .‬قال المؤرج والنضر بن شميل ‪ُ { :‬سلَفاً} جمع سلفة‬

‫‪ ،‬نحو غرفة وغرف ‪ ،‬وطرفة وطرف ‪ ،‬وظلمة وظلم‪.‬‬
‫ِ‬
‫اآلية ‪{ 88 :‬ولَ َّما ض ِرب ْابن مريم مثَالً إِ َذا قَوم َ ِ‬
‫ون}‬
‫ك منْ ُه َيص ُّد َ‬
‫ُْ‬
‫ُ َ ُ َ ْ ََ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َج َع ْلَنا م ْن ُد ِ‬
‫ون}‬
‫ون َّ‬
‫اسأ ْ‬
‫الر ْح َم ِن آل َه ًة ُي ْعَب ُد َ‬
‫س ْلَنا م ْن َق ْبل َك م ْن ُر ُسلَنا أ َ‬
‫لما قال تعالى ‪َ { :‬و ْ‬
‫َل َم ْن أ َْر َ‬
‫[الزخرف ‪ ] 88 :‬تعلق المشركون بأمر عيسى وقالوا ‪ :‬ما يريد محمد إال أن نتخذه إلها كما اتخذت‬
‫النصارى عيسى ابن مريم الها ؛ قال قتادة‪ .‬ونحوه عن مجاهد قال ‪ :‬إن قريشا قالت إن محمدا‬

‫(‪)692/61‬‬

‫يريد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى ؛ فأنزل اهلل هذه اآلية‪ .‬وقال ابن عباس ‪ :‬أراد به مناظرة‬

‫عبداهلل بن الزبعرى مع النبي صلى اهلل عليه وسلم في شأن عيسى ‪ ،‬وأن الضارب لهذا المثل هو‬
‫ون ِم ْن ُد ِ‬
‫ون‬
‫عبداهلل بن الزبعرى اسهمي حالة كفره لما قالت له قريش إن محمدا يتلو ‪{ :‬إِنَّ ُك ْم َو َما َت ْعُب ُد َ‬
‫َّ ِ‬
‫ب َج َهنَّ َم} [األنبياء ‪ ] 33 :‬اآلية ‪ ،‬فقال ‪ :‬لو حضرته لرددت عليه ؛ قالوا ‪ :‬وما كنت تقول‬
‫صُ‬
‫الله َح َ‬

‫له ؟ قال ‪ :‬كنت أقول له هذا المسيح تعبده النصارى ‪ ،‬واليهود تعبد عزيرا ‪ ،‬أفهما من حصب جهنم‬
‫ِ‬
‫ون} فما نزل اهلل تعالى ‪:‬‬
‫؟ فعجبت قريش من مقالته ورأوا أنه قد خصم ؛ وذلك معنى قوله ‪َ{ :‬يص ُّد َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ون} [األنبياء ‪ .] 696 :‬ولو تأمل ابن الزبعرى‬
‫ين َسَب َق ْ‬
‫ت َل ُه ْم منَّا ا ْل ُح ْسَنى أُوَلئ َك َع ْن َها ُم ْب َع ُد َ‬
‫{ إِ َّن الَّذ َ‬
‫ون} ولم يقل ومن تعبدون وانما أراد األصنام ونحوها‬
‫اآلية ما أعترض عليها ؛ ألنه قال ‪َ { :‬و َما َت ْعُب ُد َ‬
‫مما ال يعقل ‪ ،‬ولم يرد المسيح وال المالئكة وان كانوا معبودين‪ .‬وقد مضى هذا في آخر سورة‬

‫"األنبياء"‪.‬‬
‫وروى ابن عباس أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال لقريش ‪" :‬يا معشر قريش ال خير في أحد‬
‫يعبد من دون اهلل"‪ .‬قالوا ‪ :‬أل يس تزعم أن عيسى كان عبدا نبيا وعبدا صالحا ‪ ،‬فإن كان كما تزعم‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ون}‬
‫ب ْاب ُن َم ْرَي َم َمثَالً إِ َذا َق ْو ُم َك م ْن ُه َيص ُّد َ‬
‫ض ِر َ‬
‫فقد كان يعبد من دون اهلل !‪ .‬فأنزل اهلل تعالى ‪َ { :‬ولَ َّما ُ‬
‫ون} (بضم‬
‫ص ُّد َ‬
‫أي يضجون كضجيج اإلبل عند حمل األثقال‪ .‬وقرأ نافع وابن عامر والكسائي {َي ُ‬
‫الصاد) ومعناه يعرضون ؛ قاله النخعي ‪ ،‬وكسر الباقون‪ .‬قال الكسائي ‪ :‬هما لغتان ؛ مثل يعرشون‬

‫ويعرشون وينمون وينمون ‪ ،‬ومعناه يضجون‪ .‬قال الجوهري ‪ :‬وصد يصد صديدا ؛ أي ضج‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫إنه بالضم من الصدود وهو اإلعراض ‪ ،‬وبالكسر من الضجيج ؛ قال قطرب‪ .‬قال أبو عبيد ‪ :‬لو‬
‫كانت من الصدود عن الحق لكانت ‪ :‬إذا قومك عنه يصدون‪ .‬الفراء ‪ :‬هما سواء ؛ منه وعنه‪ .‬ابن‬

‫المسيب ‪ :‬يصدون يضجون‪ .‬الضحاك يعجون‪ .‬ابن عباس ‪ :‬يضحكون‪ .‬أبو عبيدة ‪ :‬من ضم فمعناه‬

‫ِ‬
‫ون} بمن ‪ ،‬ومن كسر فمعناه‬
‫يعدلون ؛ فيكون المعنى ‪ :‬من أجل الميل يعدلون‪ .‬وال يعدى {َيص ُّد َ‬
‫يضجون ؛ فـ {من} متصلة بـ { يصدون} والمعنى يضجون منه‪.‬‬

‫(‪)698/61‬‬

‫ِ‬
‫ِ‬
‫ون}‬
‫وه َل َك إِ َّال َج َد ً‬
‫ال َب ْل ُه ْم َق ْوٌم َخص ُم َ‬
‫ضَرُب ُ‬
‫ اآلية ‪َ { 83 :‬وَقاُلوا أَآل َهُتَنا َخ ْيٌر أ َْم ُه َو َما َ‬‫قوله تعالى ‪َ { :‬وقَالُوا أَآلِ َهتَُنا َخ ْيٌر أ َْم ُه َو} أي ألهتنا خير أم عيسى ؟ قال السدي‪ .‬وقال ‪ :‬خاصموه‬

‫وقالوا إن كل من عبد من دون اهلل في النار ‪ ،‬فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى والمالئكة‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ون} [األنبياء ‪]696 :‬‬
‫ين َسَب َق ْ‬
‫ت َل ُه ْم منَّا الْ ُح ْسَنى أُوَلئ َك َع ْن َها ُم ْب َع ُد َ‬
‫وعزير ‪ ،‬فأنزل اهلل تعالى ‪ { :‬إِ َّن الَّذ َ‬
‫اآلية‪ .‬وقال قتادة ‪{ :‬أم هو} يعنون محمدا صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬وفي قراءة ابن مسعود {ألهتنا خير‬
‫أم هذا }‪ .‬وهو يقوي قول قتادة ‪ ،‬فهو استفهام تقرير في أن آلهتهم خير‪ .‬وق أر الكوفيون ويعقوب‬
‫ِ‬
‫ون}‬
‫وه لَ َك إِ َّال َج َدالً َب ْل ُه ْم قَ ْوٌم َخص ُم َ‬
‫ضَرُب ُ‬
‫{أألهتنا} بتحقيق الهمزتين ‪ ،‬ولين الباقون‪ .‬وقد تقدم‪َ { .‬ما َ‬
‫ال} حال ؛ أي جدلين‪ .‬يعني ما ضربوا لك هذا المثل إال إرادة الجدل ؛ ألنهم‬
‫وه َل َك إِ َّال َج َد ً‬
‫ضَرُب ُ‬
‫{ َما َ‬
‫ِ‬
‫ون} مجادلون بالباطل‪ .‬وفي‬
‫علموا أن المراد بحصب جهنم ما اتخذوه من الموت { َب ْل ُه ْم َق ْوٌم َخص ُم َ‬
‫صحيح الترمذي عن أبي أمامة قال ‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬ما ضل قوم بعد هدى‬

‫وه َل َك إِ َّال‬
‫ضَرُب ُ‬
‫كانوا عليه إال أوتوا الجدل ‪ -‬ثم تال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم هذه اآلية – { َما َ‬
‫ِ‬
‫ون}‬
‫َج َدالً َب ْل ُه ْم َق ْوٌم َخص ُم َ‬
‫ِ‬
‫اء َل َج َع ْلَنا ِم ْن ُك ْم‬
‫اه َمثَ ً‬
‫ال ِلَبِني إِ ْسر َ‬
‫اآلية ‪{ 19 - 83 :‬إِ ْن ُه َو إِ َّال َع ْب ٌد أ َْن َع ْمَنا َعَل ْيه َو َج َع ْلَن ُ‬
‫ائيل ‪َ ،‬وَل ْو َن َش ُ‬
‫َمالئِ َكةً ِفي ْاأل َْر ِ‬
‫ون}‬
‫ض َي ْخلُ ُف َ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬إِ ْن ُه َو إِ َّال َعبْ ٌد أَنْ َع ْمنَا َعلَيْ ِه} أي ما عيسى إال عبد أنعم اهلل عليه بالنبوة ‪ ،‬وجعله مثال‬
‫لبني إسرائيل ؛ أي آية وعبرة يستدل بها‪ .‬على قدرة اهلل تعالى ؛ فإن عيسى كان من غير أب ‪ ،‬ثم‬

‫جعل اهلل من إحياء الموتى وابراء األكمه واألبرص واألسقام كلها ما لم يجعل لغيره في زمانه ‪ ،‬مع‬
‫أن بني إسرائيل كانوا يومئذ خير الخلق وأحبه إلى اهلل عز وجل ‪ ،‬والناس دونهم ‪ ،‬ليس أحد عند اهلل‬

‫عز وجل مثلهم‪.‬‬

‫وقيل المراد بالعبد المنعم عليه محمد صلى اهلل عليه وسلم ؛‬

‫(‪)698/61‬‬

‫اء لَ َج َع ْلَنا ِم ْن ُك ْم} أي بدال منكم { َمالئِ َك ًة} يكونون خلفا عنكم ؛ قال السدي‪.‬‬
‫واألول أظهر‪َ { .‬وَل ْو َن َش ُ‬
‫ونحوه عن مجاهد قال ‪ :‬مالئكة يعمرون األرض بدال منكم‪ .‬وقال األزهري ‪ :‬إن "من" قد تكون للبدل‬
‫؛ بدليل هذه اآلية‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬قدم تقدم هذا المعنى في "التوبة" وغيرها‪ .‬وقيل ‪ :‬لو نشاء لجعلنا من اإلنس مالئكة وان لم‬

‫تجر العادة بذلك ‪ ،‬والجواهر جنس واحد واالختالف باألوصاف ؛ والمعنى ‪ :‬لو نشاء ألسكنا األرض‬
‫المالئكة ‪ ،‬وليس في إسكاننا إياهم السماء ش رف حتى يعبدوا ‪ ،‬أو يقال لهم بنات اهلل‪ .‬ومعنى‬

‫ون} يخلف بعضهم بعضا ؛ قاله ابن عباس‪.‬‬
‫{َي ْخلُ ُف َ‬
‫ِ‬
‫ون َه َذا ِ‬
‫ص َّدنَّ ُكم َّ‬
‫اع ِة َفال َت ْمَتُرَّن بِ َها َواتَّبِ ُع ِ‬
‫ان إِنَّ ُه‬
‫صَ ار ٌ‬
‫اآلية ‪َِ { 16 :‬وانَّ ُه َل ِع ْل ٌم لِ َّ‬
‫الش ْي َ‬
‫طُ‬
‫لس َ‬
‫ط ُم ْسَتق ٌ‬
‫يم ‪َ ،‬وال َي ُ ُ‬
‫ين }‬
‫َل ُك ْم َع ُد ٌّو ُمبِ ٌ‬
‫اع ِة} قال الحسن وقتادة وسعيد بن جببر ‪ :‬يريد القرآن ؛ ألنه يدل على‬
‫قوله تعالى ‪َِ { :‬وانَّ ُه لَ ِعلْ ٌم لِ َّ‬
‫لس َ‬
‫قرب مجيء الساعة ‪ ،‬أو به تعلم الساعة وأهوالها وأحوالها‪.‬‬
‫وقال ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي وقتادة أيضا ‪ :‬إنه خروج عيسى عليه السالم ‪ ،‬وذلك من‬
‫أعالم الساعة‪ .‬ألن اهلل ينزله من السماء قبيل قيام الساعة ‪ ،‬كما أن خروج الدجال من أعالم‬
‫اع ِة} (بفتح العين‬
‫الساعة‪ .‬وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة ومالك بن دينار والضحاك { َِوانَّ ُه َل َعَل ٌم لِ َّ‬
‫لس َ‬
‫والالم) أي أمارة‪ .‬وقد روي عن عكرمة {وانه للعلم} (بالمين) وذلك خالف للمصاحف‪ .‬وعن عبداهلل‬
‫بن مسعود‪ .‬قال ‪ :‬لما كان ليلة أسري برسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم لقي إبراهيم وموسى وعيسى‬

‫عليهم السالم فتذاكروا الساعة فبدؤوا بإبراهيم فسألوه عنها فلم يكن عنده منها علم ‪ ،‬ثم سألوا موسى‬

‫فلم يكن عنده منها علم ؛ فرد الحديث إلى عيسى ابن مريم قال ‪ :‬قد عهد إلي فيما دون وجبتها فأت‬
‫وجبتها فال يعلمها إال اهلل عز وجل ؛ فذكر خروج الدجال ‪ -‬قال ‪ :‬فأنزل فأقتله‪ .‬وذكر الحديث ‪،‬‬
‫خرجه ابن ماجة في سننه‪ .‬وفي صحيح مسلم "فبينما هو ‪ -‬يعني المسيح الدجال ‪ -‬إذ بعث اهلل‬
‫المسيح بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي‬

‫(‪)698/61‬‬

‫دمشق بين مهرودتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر واذا رفعه تحدر منه‬

‫جمان كاللؤلؤ فال يحل لكافر يجد ريح نفسه إال مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى‬

‫يدركه بباب لد فيقتله‪ "...‬الحديث‪...‬‬
‫وذكر الثعلبي والزمخشري وغيرهما من حدي ث أبي هريرة أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال ‪" :‬ينزل‬
‫عيسى بن مريم عليه السالم من السماء على ثنية من األرض المقدسة يقال لها أفيق بين ممصرتين‬
‫وشعر رأسه دهين وبيده حربة يقتل بها الدجال فيأتي بيت المقدس والناس في صالة العصر واإلمام‬

‫يؤم بهم فيتأخر اإلمام فيقدمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد صلى اهلل عليه وسلم ثم يقتل‬
‫الخنازير ويكسر الصليب ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى إال من آمن به"‪ .‬وروى خالد عن‬
‫الحسن قال ‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬األنبياء إخوة لعالت أمهاتهم شتى ودينهم واحد‬
‫وأنا أولى الناس بعيس ى ابن مريم إنه ليس بيني وبينه نبي وانه أول نازل فيكسر الصليب ويقتل‬

‫الخنزير ويقاتل الناس على اإلسالم"‪ .‬قال الماوردي ‪ :‬وحكى ابن عيسى عن قوم أنهم قالوا إذا نزل‬
‫عيسى رفع التكليف لئال يكون رسوال إلى ذلك الزمان يأمرهم عن اهلل تعالى وينهاهم‪ .‬وهذا قول مردود‬

‫لثالثة أمور ؛ منها الحديث ‪ ،‬وألن بقاء الدنيا يقتضي التكليف فيها ‪ ،‬وألنه ينزل آمرا بمعروف وناهيا‬
‫عن منكر‪ .‬وليس يستنكر أن يكون أمر اهلل تعالى له مقصورا على تأييد اإلسالم واألمر به والدعاء‬
‫إليه‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬ثبت في صحيح مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة قال ‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪:‬‬

‫" لينزلن عيسى بن مريم حكما عادال فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن‬

‫القالص فال يسعى عليها ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعون إلى المال فال يقبله أحد"‪.‬‬
‫وعنه قال ‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬كيف أنتم إذا نزل ‪ ،‬ابن مريم فيكم وامامكم منكم"‬
‫وفي رواية "فأمكم منكم" قال ابن أبي ذئب ‪ :‬تدري "ما أمكم‬

‫(‪)691/61‬‬

‫منكم" ؟ قلت ‪ :‬تخبرني ‪ ،‬قال ‪ :‬فأمكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬قال علماؤنا‬

‫رحمة اهلل عليهم ‪ :‬فهذا نص على أنه ينزل مجددا لدين النبي صلى اهلل عليه وسلم للذي درس منه ‪،‬‬

‫ال بشرع مبتدأ والتكليف باق ؛ على ما بيناه هنا وفي كتاب التذكرة‪.‬‬
‫اع ِة} أي وان إحياء عيسى الموتى دليل على الساعة وبعث الموتى ؛ قال ابن‬
‫وقيل ‪َِ { :‬وانَّ ُه َل ِع ْل ٌم لِ َّ‬
‫لس َ‬
‫إسحاق‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬ويحتمل أن يكون المعنى {وانه} وان محمدا صلى اهلل عليه وسلم لعلم للساعة ؛ بدليل قوله‬

‫عليه السالم ‪" :‬بعثت أنا والساعة كهاتين" وضم السبابة والوسطى ؛ خرجه البخاري ومسلم‪ .‬وقال‬

‫الحسن ‪ :‬أول أشراطها محمد صلى اهلل عليه وسلم‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬فال َت ْمَتُرَّن بِ َها َواتَّبِ ُع ِ‬
‫يم} { َفال َت ْمَتُرَّن بِ َها} فال تشكون فيها ؛ يعني‬
‫ون َه َذا صَ ارطٌ ُم ْسَتق ٌ‬
‫في الساعة ؛ قاله يحيى بن سالم‪ .‬وقال السدي ‪ :‬فال تكذبون بها ‪ ،‬وال تجادلون فيها فإنها كائنة ال‬
‫ِ‬
‫ون} أي في التوحيد وفيما أبلغكم عن اهلل‪َ { .‬ه َذا ِ‬
‫محالة‪َ { .‬واتَّبِ ُع ِ‬
‫يم} أي طريق قويم إلى اهلل‬
‫صَ ار ٌ‬
‫ط ُم ْسَتق ٌ‬
‫‪ ،‬أي إلى جنته‪ .‬وأثبت الياء يعقوب في قوله ‪َ { :‬واتَّبِ ُع ِ‬
‫ون} في الحالين ‪ ،‬وكذلك {وأطيعون}‪ .‬وأبو‬
‫ص َّدنَّ ُك ُم‬
‫عمرو واسماعيل عن نافع في الوصل دون الوقف ‪ ،‬وحذف الباقون في الحالين‪َ { .‬وال َي ُ‬

‫َّ‬
‫ان} أي ال تغتروا بوساوسه وشبه الكفار‪ .‬المجادلين ؛ فإن شرائع األنبياء لم تختلف في التوحيد‬
‫الش ْي َ‬
‫طُ‬
‫ين} تقدم‪.‬‬
‫وال فيما أخبروا به من علم الساعة وغيرها بما تضمنته من جنه أو نار‪{ .‬إِنَّ ُه لَ ُك ْم َع ُد ٌّو ُمبِ ٌ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫اآلية ‪ { 18 - 18 :‬ولَ َّما جاء ِعيسى بِالْبيِّنَ ِ‬
‫ون‬
‫ات قَ َ‬
‫ض الَّذي تَ ْختَلفُ َ‬
‫ِّن لَ ُك ْم َب ْع َ‬
‫ال قَ ْد ِجئْتُ ُك ْم بِالْح ْك َمة َوِألَُبي َ‬
‫َ‬
‫َ َ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫يع ِ‬
‫يم}‬
‫ون ‪ ،‬إِ َّن اللَّ َه ُه َو َربِّي َوَربُّ ُك ْم َف ْ‬
‫اعُب ُد ُ‬
‫وه َه َذا صَ ارطٌ ُم ْسَتق ٌ‬
‫فيه َفاتَّ ُقوا الل َه َوأَط ُ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬ولَ َّما جاء ِعيسى بِالْبيَِّن ِ‬
‫ات} قال ابن عباس ‪ :‬يريد إحياء الموتى وابراء األسقام ‪ ،‬وخلق‬
‫َ‬
‫َ َ َ َ‬
‫الطير ‪ ،‬والمائدة وغيرها ‪ ،‬واإلخبار بكثير من الغيوب‪ .‬وقال قتادة ‪ :‬البينات‬

‫(‪)698/61‬‬

‫ال قَ ْد ِجئْتُ ُك ْم بِالْ ِح ْك َم ِة} أي النبوة ؛ قاله السدي‪ .‬ابن عباس ‪ :‬علم ما يؤدي إلى‬
‫هنا اإلنجيل‪{ .‬قَ َ‬
‫ِ‬
‫َِّ‬
‫ون‬
‫ض الذي َت ْخَتل ُف َ‬
‫ِّن َل ُك ْم َب ْع َ‬
‫الجميل ويكف عن القبيح‪ .‬وقيل اإلنجيل ؛ ذكره القشيري والماوردي‪َ { .‬وِألَُبي َ‬
‫ِف ِ‬
‫يه} قال مجاهد ‪ :‬من تبديل التوراة‪ .‬الزجاج ‪ :‬المعنى ألبين لكم في اإلنجيل بعض الذي تختلفون‬
‫فيه من تبديل التوراة‪.‬‬
‫قال مجاهد ‪ :‬وبين لهم في غير اإلنجيل ما احتاجوا إليه‪ .‬وقيل ‪ :‬بين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من‬
‫أحكام التوراة على قدر ما سألوه‪ .‬ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عنها‪ .‬وقيل ‪ :‬إن‬
‫بني إسرائيل اختلفوا بعد موت موسى في أشياء من أمر دينهم وأشياء من أمر دنياهم فبين لهم أمر‬
‫دينهم‪ .‬ومذهب أبي عبيدة أن البعض بمعنى الكل ؛ ومنه قوله تعالى ‪{ :‬يصبكم بعض الذي يعدكم}‬
‫[غافر ‪ .] 23 :‬وأنشد األخفش قول لبيد ‪:‬‬

‫تراك أمكنة إذا لم أرضها ‪ ...‬أوتعتلق بعض النفوس حمامها‬
‫والموت ال يعتلق بعض النفوس دون بعض‪ .‬ويقال للمنية ‪ :‬علوق وعالقة‪ .‬قال المفضل البكري ‪:‬‬
‫وسائلة بثعلبة بن سير ‪ ...‬وقد علقت بثعلبة العلوق‬
‫ِ‬
‫ض الَِّذي ُحِّرَم َعلَ ْي ُك ْم} [آل عمران ‪ .]89 :‬يعني ما أحل في‬
‫وقال مقاتل ‪ :‬هو كقوله ‪َ { :‬وِألُح َّل لَ ُك ْم َب ْع َ‬
‫اإلنجيل مما كان محرما في التوراة ؛ كلحم اإلبل والشحم من كل حيوان وصيد السمك يوم السبت‪.‬‬
‫{ َف َّات ُقوا اللَّ َه} أي اتقوا الشرك وال تعبدوا إال اهلل وحده ؛ واذا كان هذا قول عيسى فكيف يجوز أن يكون‬
‫ِ‬
‫يع ِ‬
‫وه َه َذا‬
‫ون} فيما أدعوكم إليه من التوحيد وغيره‪{ .‬إِ َّن اللَّ َه هُ َو َربِّي َوَربُّ ُك ْم فَ ْ‬
‫اعُب ُد ُ‬
‫إلها أو ابن إله‪َ { .‬وأَط ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يم} أي عبادة اهلل صراط مستقيم ‪ ،‬وما سواه معوج ال يؤدي سالكه إلى الحق‪.‬‬
‫صَ ارطٌ ُم ْسَتق ٌ‬
‫ِ‬
‫ِِ‬
‫َحَز ِ ِ‬
‫ين ظَلَ ُموا ِم ْن َع َذ ِ‬
‫ون إِ َّال‬
‫اآلية ‪َ { 18 :‬ف ْ‬
‫اخَتلَ َ‬
‫اب َي ْوم أَليم ‪َ ،‬ه ْل َي ْنظُُر َ‬
‫اب م ْن َب ْين ِه ْم َف َوْي ٌل للَّذ َ‬
‫ف ْاأل ْ ُ‬
‫الساع َة أ ْ ِ‬
‫ون }‬
‫َن َتأْتَي ُه ْم َب ْغَت ًة َوُه ْم ال َي ْش ُعُر َ‬
‫َّ َ‬

‫(‪)693/61‬‬

‫اب ِم ْن َب ْينِ ِه ْم} قال قتادة ‪ :‬يعني ما بينهم ‪ ،‬وفيهم قوالن ‪ :‬أحدهما ‪ :‬أنهم‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ف ْ‬
‫ف ْاأل ْ‬
‫اخَتَل َ‬
‫َحَز ُ‬
‫أهل الكتاب من اليهود والنصارى ‪ ،‬خالف بعضهم بعضا ‪ ،‬قال مجاهد والسدي‪ .‬الثاني ‪ :‬فرق‬
‫النصارى من النسطورية والملكية واليعاقبة ‪ ،‬اختلفوا في عيسى ؛ فقال النسطورية ‪ :‬هو ابن اهلل‪.‬‬
‫وقالت اليعاقبة ‪ :‬هو اهلل‪ .‬وقالت الملكية ‪ :‬ثالث ثالثة أحدهم اهلل ؛ قال الكلبي ومقاتل ‪ ،‬وقد مضى‬
‫ِِ‬
‫ين ظَلَ ُموا} أي كفروا وأشركوا ؛ كما في سورة "مريم"‪ِ { .‬م ْن َع َذ ِ‬
‫اب َي ْوم‬
‫هذا في سورة "مريم"‪َ { .‬ف َوْي ٌل للَّذ َ‬
‫ون} يريد األحزاب ال ينتظرون‪{ .‬إِ َّال‬
‫أَلِيم} أي أليم عذابه ؛ مثله ‪ :‬ليل نائم ؛ أي ينام فيه‪َ { .‬ه ْل َي ْن ُ‬
‫ظُر َ‬
‫الساع َة} يريد القيامة‪{ .‬أ ْ ِ‬
‫الساع َة أ ْ ِ‬
‫ون}‬
‫َن َتأْتَي ُه ْم َب ْغَت ًة} أي فجأة‪َ { .‬وُه ْم ال َي ْش ُعُر َ‬
‫َن َتأْتَي ُه ْم َب ْغَت ًة} {إِ َّال َّ َ‬
‫َّ َ‬
‫يفطنون‪ .‬وقد مضى في غير موضع‪ .‬وقيل ‪ :‬المعنى ال ينتظر مشركو العرب إال الساعة‪ .‬ويكون‬
‫"األحزاب" على هذا ‪ ،‬الذين تحزبوا على النبي صلى اهلل عليه وسلم وكذبوه من المشركين‪ .‬ويتصل‬

‫وه لَ َك إِ َّال َج َدالً} [الزخرف ‪.]83 :‬‬
‫ضَرُب ُ‬
‫هذا بقوله تعالى ‪َ { :‬ما َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين }‬
‫ض ُه ْم لَب ْعض َع ُد ٌّو إِ َّال ا ْل ُمتَّق َ‬
‫اآلية ‪ْ { 18 :‬األَخ َّال ُء َي ْو َمئذ َب ْع ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ض ُه ْم لَِب ْعض َع ُد ٌّو} أي أعداء ‪ ،‬يعادي بعضهم‬
‫قوله تعالى ‪ْ { :‬األَخ َّال ُء َي ْو َمئذ} يريد يوم القيامة‪َ{ .‬ب ْع ُ‬
‫ِ‬
‫ين} فإنهم أخالء في الدنيا واآلخرة ؛ قال معناه ابن عباس‬
‫بعضا ويلعن بعضهم بعضا‪{ .‬إِ َّال الْ ُمتَّق َ‬
‫ومجاهد وغيرهما‪ .‬وحكى النقاش أن هذه اآلية نزلت في أمية بن خلف الجمحي وعقبة بن أبي معيط‬
‫‪ ،‬كانا خليلين ؛ وكان عقبة يجالس النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬فقالت قريش ‪ :‬قد صبأ عقبة بن‬
‫أبي معيط ؛ فقال له أمية ‪ :‬وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدا ولم تتفل في وجهه ؛ ففعل عقبة‬
‫ذلك ؛ فنذر النبي صلى اهلل عليه وسلم قتله فقتله يوم بدر صب ار ‪ ،‬وقتل أمية في المعركة ؛ وفيهم‬
‫نزلت هذه اآلية‪ .‬وذكر الثعلبي رضي اهلل عنه في هذه اآلية قال ‪ :‬كان خليالن مؤمنان وخليالن‬
‫كافران ‪ ،‬فمات أحد المؤمنين فقال ‪ :‬يا رب ‪،‬‬

‫(‪)693/61‬‬

‫إن فالنا كان يأمرني بطاعتك ‪ ،‬وطاعة رسولك ‪ ،‬وكان يأمرني بالخير وينهاني عن الشر‪ .‬ويخبرني‬
‫أني مالقيك ‪ ،‬يا رب فال تضله بعدي ‪ ،‬وأهده كما هديتني ‪ ،‬وأكرمه كما أكرمتني‪ .‬فإذا مات خليله‬
‫المؤمن جمع اهلل ببنهما ‪ ،‬فيقول اهلل تعالى ‪ :‬ليثن كل واحد منكما على صاحبه ‪ ،‬فيقول ‪ :‬يا رب ‪،‬‬
‫إنه كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك ‪ ،‬ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر ‪ ،‬ويخبرني أني مالقيك‬

‫‪ ،‬فيقول اهلل تعالى ‪ :‬نعم الخليل ونعم األخ ونعم الصاحب كان‪ .‬قال ‪ :‬ويموت أحد الكافرين فيقول ‪:‬‬
‫يا رب ‪ ،‬إن فالنا كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك ‪ ،‬ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير ‪،‬‬

‫ويخبرني أني غير مالقيك ‪ ،‬فأسألك يا رب أال تهده بعدي ‪ ،‬وأن تضله كما أضللتني ‪ ،‬وأن تهينه‬
‫كما أهنتني ؛ فإذا مات خليله الكافر قال اهلل تعالى لهما ‪ :‬لثين كل واحد منكما على صاحبه ‪،‬‬
‫فيقول ‪ :‬يا رب ‪ ،‬إنه كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك ‪ ،‬ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير‬
‫ويخبرني أني غير مالقيك ‪ ،‬فأسألك أن تضاعف عليه العذاب ؛ فيقول اهلل تعالى ‪ :‬بئس الصاحب‬

‫واألخ والخليل كنت‪ .‬فيلعن كل واحد منهما صاحبه‪.‬‬

‫قلت ‪ :‬واآلية عامة في كل مؤمن ومتق وكافر ومضل‪.‬‬
‫ون}‬
‫اآلية ‪َ { 13 :‬يا ِعَب ِاد ال َخ ْو ٌ‬
‫ف َعلَ ْي ُك ُم الَْي ْوَم َوال أ َْنُت ْم َت ْحَزُن َ‬
‫ف َعَل ْي ُك ُم‬
‫قال مقاتل ورواه المعتمر بن سليمان عن أببه ‪ :‬ينادي مناد في العرصات {َيا ِعَب ِاد ال َخ ْو ٌ‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين} فينكس‬
‫آمُنوا بِآياتَنا َو َك ُانوا ُم ْسلم َ‬
‫ا ْلَي ْوَم} ‪ ،‬فيرفع أهل العرصة رؤوسهم ‪ ،‬فيقول المنادي ‪{ :‬الَّذ َ‬
‫ين َ‬
‫أهل األديان رؤوسهم غير المسلمين‪.‬‬
‫وذكر المحاسبي في الرعاية ‪ :‬وقد روي في هذا الحديث أن المنادي ينادي يوم القيامة ‪َ{ :‬يا ِعَب ِاد ال‬
‫ون} فيرفع الخالئق رؤوسهم ‪ ،‬يقولون ‪ :‬نحن عباد اهلل‪ .‬ثم ينادي‬
‫َخ ْو ٌ‬
‫ف َعلَ ْي ُك ُم الَْي ْوَم َوال أ َْنُت ْم َت ْحَزُن َ‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين} فينكس الكفار رؤوسهم ويبقى الموحدون رافعي رؤوسهم‪.‬‬
‫آمُنوا بِ آياتَنا َو َك ُانوا ُم ْسلم َ‬
‫الثانية ‪{ :‬الَّذ َ‬
‫ين َ‬
‫ِ‬
‫ون} [يونس ‪ ]18 :‬فينكس أهل الكبائر رؤوسهم ‪ ،‬ويبقى‬
‫آمُنوا َو َك ُانوا َيتَّ ُق َ‬
‫ثم ينادي الثالث ‪{ :‬الَّذ َ‬
‫ين َ‬
‫أهل التقوى رافعي رؤوسهم ‪ ،‬قد أزال عنهم الخوف والحزن كما وعدهم ؛ ألنه أكرم األكرمين ‪ ،‬ال‬

‫يخذل وليه وال يسلمه عند الهلكة‪ .‬وقرئ {يا عباد} ‪.‬‬

‫(‪)669/61‬‬

‫ِِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ون}‬
‫اج ُك ْم تُ ْحَبُر َ‬
‫ين ‪ْ ،‬اد ُخلُوا الْ َجنَّةَ أَنْتُ ْم َوأ َْزَو ُ‬
‫آمنُوا بِآياتنَا َو َكانُوا ُم ْسلم َ‬
‫ اآلية ‪ { 13 :‬الَّذ َ‬‫ين َ‬
‫ِ‬
‫ين‬
‫قال الزجاج ‪{ :‬الذين} نصب على النعت لـ {عبادي} ألن { عبادي} منادى مضاف‪ .‬وقيل ‪{ :‬الَّذ َ‬

‫آمُنوا} خبر لمبتدأ محذوف أو ابتداء وخبره محذوف ؛ تقديره هم الذين آمنوا ‪ ،‬يقال لهم ‪ْ { :‬اد ُخلُوا‬
‫َ‬
‫اج ُك ْم} المسلمات في الدنيا‪ .‬وقيل ‪ :‬قرناؤكم‬
‫ا ْل َجنَّ َة} أو يا عبادي الذين آمنوا ادخلوا الجنة‪{ .‬أ َْنُت ْم َوأ َْزَو ُ‬

‫ون} تكرمون ؛ قاله ابن عباس ؛ والكرامة في‬
‫من المؤمنين‪ .‬وقيل ‪ :‬زوجاتكم من الحور العين‪ُ{ .‬ت ْحَبُر َ‬
‫المنزلة‪ .‬الحسن ‪ :‬تفرحون‪ .‬والفرح في القلب‪ .‬قتادة ‪ :‬ينعمون ؛ والنعيم في البدن‪ .‬مجاهد ؛ تسرون ؛‬
‫والسرور في العين‪ .‬ابن أبي نجيح ‪ :‬تعجبون ؛ والعجب ها هنا درك ما يستطرف يحي بن أبي‬

‫كثير ‪ :‬هو التلذذ بالسماع‪ .‬وقد مضى‪.‬‬
‫ِ‬
‫صحاف ِم ْن َذ َهب وأَ ْكواب وِفيها ما َت ْشَت ِه ِ‬
‫ِ‬
‫يها‬
‫اآلية ‪ُ { 86 :‬ي َ‬
‫يه ْاأل َْن ُف ُس َوَتَل ُّذ ْاأل ْ‬
‫ط ُ‬
‫اف َعَل ْي ِه ْم بِ َ‬
‫َعُي ُن َوأ َْنُت ْم ف َ‬
‫َ َ َ َ َ‬
‫ِ‬
‫ون}‬
‫َخال ُد َ‬
‫فيه أربع مسائل ‪:‬‬

‫اف عَل ْي ِهم ِب ِ‬
‫ص َحاف ِم ْن َذ َهب َوأَ ْك َواب} أي لهم في الجنة أطعمة وأشربة‬
‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪ُ{ :‬ي َ‬
‫ط ُ َ ْ‬
‫يطاف بها عليهم في صحاف من ذهب وأكواب‪ .‬ولم يذكر األطعمة واألشربة ؛ ألنه يعلم أنه ال‬
‫معنى لإلطافة بالصحاف واألكواب عليهم من غير أن يكون فيها شيء‪ .‬وذكر الذهب في الصحاف‬
‫واستغنى به عن اإلعادة في األكواب ؛ كقوله تعالى ‪:‬‬

‫(‪)666/61‬‬

‫اكر ِ‬
‫َّ ِ‬
‫اك ِر َّ ِ‬
‫{و َّ ِ‬
‫ات} [األحزاب ‪ .]88 :‬وفي الصحيحين عن حذيفة أنه سمع النبي صلى‬
‫الذ َ‬
‫ين الل َه َكثي ًرا َوالذ َ‬
‫َ‬
‫اهلل عليه وسلم يقول ‪ " :‬ال تلبسوا الحرير وال الديباج وال تشربوا في آنية الذهب والفضة وال تأكلوا في‬
‫صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في اآلخرة"‪ .‬وقد مضى في سورة "الحج" أن من أكل فيهما في‬
‫الدنيا أو لبس الحرير في الدنيا ولم يتب حرم ذلك في اآلخرة تحريما مؤيدا‪ .‬واهلل أعلم‪ .‬وقال‬

‫المفسرون ‪ :‬يطوف على أدناهم في الجنة منزلة سبعون ألف غالم بسبعين ألف صحفة من ذهب ‪،‬‬
‫يغدى عليها بها ‪ ،‬في كل واحدة منها لون ليس في صاحبتها ‪ ،‬يأكل من آخرها كما يأكل من أولها ‪،‬‬
‫ويجد طعم آخرها كما يجد طعم أولها ‪ ،‬ال يشبه بعضه بعضا ‪ ،‬ويراح عليه بمثلها‪ .‬ويطوف على‬
‫أرفع هم درجة كل يوم سبعمائة ألف غالم ‪ ،‬مع كل غالم صحفة من ذهب ‪ ،‬فيها لون من الطعام‬
‫ليس في صاحبتها ‪ ،‬يأكل من آخرها كما يأكل من أولها ‪ ،‬ويجد طعم آخرها كما يجد طعم أولها ‪ ،‬ال‬
‫يشبه بعضه بعضا ‪.‬‬

‫ضة َوأَ ْك َواب}‬
‫اف َعَل ْي ِه ْم بِ آنَِية ِم ْن ِف َّ‬
‫{ َوأَ ْك َواب} أي ويطاف عليهم بأكواب ؛ كما قال تعالى ‪َ { :‬وُي َ‬
‫ط ُ‬
‫[اإلنسان ‪.]68 :‬‬
‫وذكر ابن المبارك قال ‪ :‬أخبرنا معمر عن رجل عن أبي قالبة قال ‪ :‬يؤتون بالطعام والشراب ‪ ،‬فإذا‬
‫كان في آخر ذلك أوتوا بالشراب الطهور فتضمر لذلك بطونهم ‪ ،‬ويفيض عرقا من جلودهم أطيب‬
‫شَراباً طَ ُهوراً} [اإلنسان ‪ .] 26 :‬وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبداهلل‬
‫من ريح المسك ؛ ثم قرأ { َ‬
‫قال ‪ :‬سمعت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يقول ‪ " :‬إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون وال يتفلون‬
‫وال يبولون وال يتغوطون وال يمتخطون قالوا فما بال الطعام ؟ قال ‪ :‬جشاء ورشح كرشح المسك‬

‫يلهمون التسبيح والتحميد والتكبير ‪ -‬في رواية ‪ -‬كما يلهمون النفس"‪.‬‬
‫الثانية ‪ :‬روى األئمة من حديث أم سلمة عن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال ‪ " :‬الذي يشرب في آنية‬
‫الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" وقال ‪ " :‬ال تشربوا في آنية الذهب والفضة وال تأكلوا‬
‫في صحافها" وهذا يقتضي التحريم ‪ ،‬وال خالف في ذلك‪.‬‬

‫(‪)662/61‬‬

‫واختلف الناس في استعمالها في غير ذلك‪ .‬قال ابن العربي ‪ :‬والصحيح أنه ال يجوز للرجال‬

‫استعمالها في شي لقول النبي صلى اهلل عليه وسلم الذهب والحرير ‪" :‬هذان حرام لذكور أمتي حل‬

‫إلناثها" ‪ .‬والنهي عن األكل والشرب فيها يدل علن تحريم استعمالها ؛ ألنه نوع من المتاع فلم يجز‪.‬‬
‫أصله األكل والشرب ‪ ،‬وألن العلة في ذلك استعجال أمر اآلخرة ‪ ،‬وذلك يستوي فيه األكل والشرب‬
‫وسائر أجزاء االنتفاع ؛ وألنه صلى اهلل عليه وسلم قال ‪" :‬هي لهم في الدنيا ولنا في اآلخرة" فلم‬
‫يجعل لنا فيها حظا في الدنيا‪.‬‬
‫الثالثة ‪ :‬إذا كان اإلناء مضببا بهما أو فيه حلقة منهما ؛ فقال مالك ‪ :‬ال يعجبني أن يشرب فيه ‪،‬‬
‫وكذلك المرأة تكون فيها الحلقة من الفضة وال يعجبني أن ينظر فيها وجهه‪.‬‬

‫وقد كان عند أنس إناء مضبب بفضة وقال ‪ :‬لقد سقيت فيه النبي صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬قال ابن‬
‫سيرين ‪ :‬كانت فيه ح لقة حديد فأراد أنس أن يجعل فيه حلقة فضة ؛ فقال أبو طلحة ‪ :‬ال أغير شيئا‬
‫مما صنعه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ؛ فتركه‪.‬‬
‫الرابعة ‪ :‬إذا لم يجز استعمالها لم يجز اقتناؤها ؛ ألن ما ال يجوز استعماله ال يجوز اقتناؤه كالصنم‬
‫والطنبور‪ .‬وفي كتب علمائنا أنه يلزم الغرم ف ي قيمتها لمن كسرها ‪ ،‬وهو معنى فاسد ‪ ،‬فإن كسره‬

‫واجب فال ثمن لقيمتها‪ .‬وال يجوز تقويمها في الزكاة بحال‪ .‬وغير هذا ال يلتفت إليه‪.‬‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬بِ ِ‬
‫ص َحاف} قال الجوهري ‪ :‬الصحفة كالقصعة والجمع صحاف‪ .‬قال الكسائي ‪ :‬أعظم‬
‫القصاع الجفنة ثم القصعة طيها تشبع العشرة ‪ ،‬ثم الصحفة تشبع الخمسة ‪ ،‬ثم المئكلة تشبع الرجلين‬
‫والثالثة ‪ ،‬ثم الصحيفة تشبع الرجل‪ .‬والصحيفة الكتاب والجمع صحف وصحائف‪َ { .‬وأَ ْك َواب} قال‬
‫الجوهري ‪ :‬الكوب كوز ال عروة له ‪ ،‬والجمع أكواب قال األعشى يصف الخمر ‪:‬‬

‫(‪)668/61‬‬

‫صريفية طيب طعمها ‪ ...‬لها زبد بين كوب ودن‬
‫وقال آخر ‪:‬‬

‫متكئا تصفق أبوابه ‪ ...‬يسعى عليه العبد بالكوب‬
‫وقال قتادة ‪ :‬الكوب المدور القصير العنق القصير العروة‪ .‬واإلبريق ‪ :‬المستطيل العنق الطويل‬
‫العروة‪ .‬وقال األخفش ‪ :‬األكواب األباريق التي ال خراطيم لها‪ .‬وهي األباريق التي ليست لها عرى‪.‬‬
‫وقال مجاهد ‪ :‬إنها اآلنية المدورة األفواه‪ .‬السدي ‪ :‬هي التي ال آذان لها‪ .‬ابن عزيز ‪{ :‬أكواب}‬
‫أباريق ال عرى لها وال خراطيم ؛ واحدها كوب‪.‬‬

‫قلت ‪ :‬وهو معنى قول مجاهد والسدي ‪ ،‬وهو مذهب أهل اللغة أنها التي ال آذان لها وال عرى‪.‬‬
‫قوله تعالى ‪ِ { :‬فيها ما َت ْشَت ِه ِ‬
‫األ ْعُي ُن} روى الترمذي عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن‬
‫يه ْاأل َْن ُف ُس َوَتلَ ُّذ ْ َ‬
‫َ َ‬
‫رجال سأل النبي صلى اهلل عليه وسلم فقال ‪ :‬يا رسول اهلل ‪ ،‬هل في الجنة من خيل ؟ قال ‪" :‬إن اهلل‬
‫أدخلك الجنة فال تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء يطير بك في الجنة حيث شئت"‪.‬‬

‫قال ‪ :‬وسأله رجال فقال يا رسول اهلل ‪ ،‬هل في الجنة من إبل ؟ قال ‪ :‬فلم يقل له مثل ما قال‬

‫لصاحبه قال ‪ " :‬إن أدخلك اهلل الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك"‪ .‬وقرأ أهل المدينة ‪،‬‬
‫ابن عامر وأهل الشام { وفيها ما تشتهيه األنفس} ‪ ،‬الباقون {تشتهي األنفس} أي تشتهيه األنفس ؛‬

‫َعُي ُن} تقول ‪ :‬لذ الشيء يلذ لذاذا ‪ ،‬ولذاذة‪.‬‬
‫تقول الذي ضربت زيد ‪ ،‬أي الذي ضربته زيد‪َ { .‬وَتَل ُّذ ْاأل ْ‬
‫ولذذت‪ .‬بالشيء ألذ (بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل" لذاذا ولذاذة ؛ أي وجدته لذيذا‪.‬‬
‫والتذذت به وتلذذت به بمعنى‪ .‬أي في الجنة ما تستلذه العين فكان حسن المنظر‪ .‬وقال سعيد بن‬
‫َعُي ُن} النظر إلى اهلل عز وجل ؛ كما في الخبر ‪ " :‬أسألك لذة النظر إلى وجهك"‪.‬‬
‫جبير ‪َ { :‬وَتَل ُّذ ْاأل ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ون} باقون دائمون ؛ ألنها لو انقطعت لتبغضت‪.‬‬
‫يها َخال ُد َ‬
‫{ َوأ َْنُت ْم ف َ‬

‫(‪)668/61‬‬

‫اآلية ‪َ { 82 :‬وِت ْل َك الْ َجنَّ ُة الَّتِي أ ِ‬
‫ون }‬
‫ُورثُْت ُم َ‬
‫وها بِ َما ُك ْنُت ْم َت ْع َمُل َ‬
‫ك الْ َجنَّةُ} أي يقال لهم هذه تلك الجنة التي كانت توصف لكم في الدنيا‪ .‬وقال ابن‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وتِلْ َ‬

‫خاَلويه ‪ :‬أشار تعالى إلى الجنة بتلك والى جهنم بهذه ؛ ليخوف بجهنم ويؤكد التحذير منها‪ .‬وجعلها‬
‫باإلشارة القريبة كالحاضرة التي ينظر إليها‪{ .‬الَّتِي أ ِ‬
‫ون} قال ابن عباس ‪ :‬خلق‬
‫ُورثُْت ُم َ‬
‫وها بِ َما ُك ْنُت ْم َت ْع َملُ َ‬
‫اهلل لكل نفس جنة ونارا ؛ فالكافر يرث نار المسلم ‪ ،‬والمسلم يرث جنة الكافر ؛ وقد تقدم هذا مرفوعا‬

‫ون} [المؤمنون ‪ ] 6 :‬من حديث أبي هريرة ‪ ،‬وفي "األعراف" أيضا‪.‬‬
‫في { َق ْد أَفَْل َح ا ْل ُم ْؤِمُن َ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ون }‬
‫يها َفاك َهةٌ َكث َيرٌة م ْن َها َتأْ ُكلُ َ‬
‫اآلية ‪{ 88 :‬لَ ُك ْم ف َ‬
‫الفاكهة معروفة ‪ ،‬وأجناسها الفواكه ‪ ،‬و ِ‬
‫الفاكهاني الذي يبيعها‪ .‬وقال ابن عباس ‪ :‬هي الثمار كلها ‪،‬‬

‫رطبها وطيبا ؛ أي لهم في الجنة سوى الطعام والشراب فاكهة كثيرة يأكلون منها‪.‬‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ين ِفي َع َذ ِ‬
‫ون ‪َ ،‬و َما‬
‫ون ‪ ،‬ال ُيفَتَُّر َعنْ ُه ْم َوُه ْم فيه ُمبْل ُس َ‬
‫اب َج َهنَّ َم َخالدُ َ‬
‫اآلية ‪{ 81 - 88 :‬إِ َّن الْ ُم ْج ِرِم َ‬
‫َّ ِ ِ‬
‫ظَلمَن ُ ِ‬
‫ين }‬
‫اه ْم َوَلك ْن َك ُانوا ُه ُم الظالم َ‬
‫َْ‬
‫ِ‬
‫ين ِفي َع َذ ِ‬
‫ون} لما ذكر أحوال أهل الجنة ذكر أحوال أهل‬
‫اب َج َهنَّ َم َخال ُد َ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬إِ َّن الْ ُم ْج ِرِم َ‬
‫النا ر أيضا ليبين فضل المطيع على العاصي‪{ .‬ال ُي َفتَُّر َع ْن ُه ْم} أي ال يخفف عنهم ذلك العذاب‪.‬‬
‫ِ ِ ِ‬
‫اه ْم}‬
‫ون} أي آيسون من الرحمة‪ .‬وقيل ‪ :‬ساكتون سكوت يأس ؛ وقد مضى‪َ { .‬و َما ظََل ْمَن ُ‬
‫{ َوُه ْم فيه ُم ْبل ُس َ‬
‫َّ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ين} أنفسهم بالشرك‪ .‬ويجوز " ولكن كانوا هم الظالمون" بالرفع على‬
‫بالعذاب { َوَلك ْن َك ُانوا ُه ُم الظالم َ‬

‫االبتداء والخبر والجملة خبر كان‪.‬‬
‫ِ‬
‫اد ْوا َيا َمالِ ُك لَِيقْ ِ‬
‫ون}‬
‫ُّك َق َ‬
‫ض َعلَ ْيَنا َرب َ‬
‫اآلية ‪َ { 88 :‬وَن َ‬
‫ال إِنَّ ُك ْم َماكثُ َ‬

‫(‪)668/61‬‬

‫اد ْوا َيا َم ِال ُك} وهو خازن جهنم ‪ ،‬خلقه لغضبه ؛ إذا زجر النار زجرة أكل بعضها‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وَن َ‬
‫بعضا‪ .‬وق أر علي وابن مسعود رضي اهلل عنهما {ونادوا يا ِ‬
‫مال} وذلك خالف المصحف‪ .‬وقال أبو‬
‫الدرداء وابن مسعود ‪ :‬قرأ النبي صلى اهلل عليه وسلم {ونادوا يا مال} بالالم خاصة ؛ يعني رخم‬
‫االسم وحذف الكاف‪ .‬والترخيم الحذف ‪ ،‬ومنه ترخيم االسم في النداء ‪ ،‬وهو أن يحذف من آخره‬
‫حرف أوكثر ‪ ،‬فتقول في مالك ‪ :‬يا مال ‪ ،‬وفي حارث ‪ :‬يا حار ‪ ،‬وفي فاطمة ‪ :‬يا فاطم ‪ ،‬وفي‬
‫عائشة يا عائش وفي مروان ‪ :‬يا مرو ‪ ،‬وهكذا‪ .‬قال ‪:‬‬

‫يا حار ال أرمين منكم به بداهية ‪ ...‬لم يلقها سوقة قبلي وال ملك‬
‫وقال امرؤ القيس ‪:‬‬
‫أحار ترى برقا أريك وميضه ‪ ...‬كلمع اليدين في حبي مكلل‬
‫وقال أيضا ‪:‬‬
‫أفاطم مهال بعض هذا التدليل ‪ ...‬وان كنت قد أزمعت صرمي فأجملي‬
‫وقال آخر ‪:‬‬

‫يا مرو إن مطيتي محبوسة ‪ ...‬ترجو الحباء وربها لم ييأس‬
‫وفي صحيح الحديث "أي فل ‪ ،‬هلم"‪ .‬ولك في آخر االسم المرخم وجهان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬أن تبقيه على‬
‫ما كان عليه قبل الحذف‪ .‬واآلخر ‪ :‬أن تبقيه على الضم ؛ مثل ‪ :‬يا زيد ؛ كأنك أنزلته منزلته ولم‬
‫تراع المحذوف‪ .‬وذكر أبو بكر األنباري قال ‪ :‬حدثنا محمد بن يحيى المروزي قال حدثنا محمد ‪-‬‬
‫وهو ابن سعدان ‪ -‬قال حدثنا حجاج عن شعبة عن الحكم بن‬

‫(‪)661/61‬‬

‫عيينة عن مجاهد قال ‪ :‬كنا ال ندري ما الزخرف حتى وجدناه في قراءة عبداهلل {بيت من ذهب} ‪،‬‬

‫وكنا ال ندري {ونادوا يا مالك} أو يا ملك (بفتح الالم وكسرها) حتى وجدناه في قراءة عبداهلل {ونادوا‬

‫يا مال} على الترخيم‪ .‬قال أبو بكر ‪ :‬ال يعمل على هذا الحديث ألنه مقطوع ال يقبل مثله في الرواية‬
‫عن الرسول عليه السالم ؛ وكتاب اهلل أحق بأن يحتاط له وينفى عنه الباطل‪.‬‬

‫قلت ‪ :‬وفي صحيح البخاري عنه صفوان بن يعلى عن أبيه قال سمعت النبي صلى اهلل عليه وسلم‬
‫اد ْوا َيا َمالِ ُك لَِيقْ ِ‬
‫ُّك} بإثبات الكاف ‪.‬‬
‫ض َعلَ ْيَنا َرب َ‬
‫يقرأ على المنبر ‪َ { :‬وَن َ‬
‫وقال محمد بن كعب القرظي ‪ :‬بلغني ‪ -‬أو ذكر لي ‪ -‬أن أهل النار استغاثوا بالخزنة فقال اهلل‬
‫تعالى ‪ { :‬وَق َ ِ‬
‫ف َعنَّا َي ْومًا ِم َن ا ْل َع َذ ِ‬
‫ين ِفي النَّ ِ‬
‫اب} [غافر ‪] 83 :‬‬
‫ار لِ َخَزَنةِ َج َهنَّ َم ْاد ُعوا َربَّ ُك ْم ُي َخفِّ ْ‬
‫ال الَّذ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ْ‬
‫فسألوا يوما واحدا يخفف عنهم فيه العذاب ؛ فردت عليهم ‪{ :‬قَالُوا أَ َولَ ْم تَ ُك تَأتي ُك ْم ُر ُسلُ ُك ْم بالَْبيَِّنات قَالُوا‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ضالل} [غافر ‪ ]89 :‬قال ‪ :‬فلما يئسوا مما عند الخزنة‬
‫َبَلى َقاُلوا َف ْ‬
‫ين إِ َّال في َ‬
‫اء ا ْل َكاف ِر َ‬
‫اد ُعوا َو َما ُد َع ُ‬
‫نادوا مالكا ؛ وهو عليهم وله مجلس في وسطها ‪ ،‬وجسور تمر عليها مالئكة العذاب ؛ فهو يرى‬
‫أقصاها كما يرى أدناها فقالوا ‪َ{ :‬يا َم ِال ُك ِلَي ْق ِ‬
‫ُّك} سألوا الموت ‪ ،‬قال ‪ :‬فسكت عنهم ال‬
‫ض َعَل ْيَنا َرب َ‬
‫يجيبهم ثمانين سنة ‪ ،‬قال ‪ :‬والسنة ستون وثالثمائة يوم ‪ ،‬والشهر ثالثون يوما ‪ ،‬واليوم كألف سنة‬
‫ِ‬
‫ون} وذكر الحديث ؛ ذكره ابن المبارك‪.‬‬
‫مما تعدون ‪ ،‬ثم لحظ إليهم بعد الثمانين فقال ‪{ :‬إِنَّ ُك ْم َماكثُ َ‬
‫وفي حديث أبي الدرداء عن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال ‪ " :‬فيقولون ادعوا مالكا فيقولون يا مالك‬
‫ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون"‪ .‬قال األعمش ‪ :‬نبئت أن بين دعائهم وبين إجابة مالك إياهم‬
‫ألف عام ؛ خرجه الترمذي‪ .‬وقال ابن عباس ‪ :‬يقولون ذلك فال يجيبهم ألف سنة ‪ ،‬ثم يقول إنكم‬
‫ماكثون‪ .‬وقال مجاهد ونوف البكالي ‪ :‬بين ندائهم واجابته إياهم مائة سنة‪ .‬وقال عبداهلل بن عمرو ‪:‬‬
‫أربعون سنة ؛ ذكره ابن المبارك‪.‬‬

‫(‪)668/61‬‬

‫ق َك ِ‬
‫ق َوَل ِك َّن أَ ْكثََرُك ْم لِلْ َح ِّ‬
‫ اآلية ‪َ { 83 :‬ل َق ْد ِج ْئَنا ُك ْم بِالْ َح ِّ‬‫ون}‬
‫ارُه َ‬
‫يحتمل أن يكون هذا من قول مالك لهم ؛ أي إنكم ماكثون في النار ألنا جئناكم في الدنيا بالحق فلم‬
‫تقبلوا‪ .‬ويحتمل أن يكون من كالم اهلل لهم اليوم ؛ أي بينا لكم األدلة وأرسلنا إليكم الرسل‪َ { .‬وَل ِك َّن‬
‫أَ ْكثََرُك ْم} قال ابن عباس ‪َ { :‬ولَ ِك َّن أَ ْكثََرُك ْم} أي ولكن كلكم‪ .‬وقيل ‪ :‬أراد بالكثرة الرؤساء والقادة منهم ؛‬
‫ق} أي لإلسالم ودين اهلل { َك ِ‬
‫وأما األتباع فما كان لهم أثر {ِل ْل َح ِّ‬
‫ون} ‪.‬‬
‫ارُه َ‬
‫ون}‬
‫َمراً َفإِنَّا ُم ْب ِرُم َ‬
‫اآلية ‪{ 83 :‬أ َْم أ َْبَرُموا أ ْ‬
‫قال مقاتل ‪ :‬نزلت في تدبيرهم المكر بالنبي صلى اهلل عليه وس لم في دار الندوة ‪ ،‬حين استقر أمرهم‬
‫على ما أشار به أبو جهل عليهم أن يبرز من كل قبيلة رجل ليشتركوا في قتله فتضعف المطالبة‬
‫بدمه ؛ فنزلت هذه اآلية ‪ ،‬وقتل اهلل جميعهم ببدر‪.‬‬
‫{أ َْبَرُموا} أحكموا‪ .‬واإلبرام اإلحكام‪ .‬أبرمت الشيء أحكمته‪ .‬وأبرم القتال إذا أحكم القتل ‪ ،‬وهو القتل‬
‫الثاني ‪ ،‬واألول سحيل ؛ كما قال ‪:‬‬
‫‪ ...‬من سحيل ومبرم‬

‫فالمعنى ‪ :‬أم أحكموا كيدا فإنا محكمون لهم كيدا ؛ قال ابن زيد ومجاهد‪ .‬قتادة ‪ :‬أم أجمعوا على‬
‫التكذيب فإنا مجمعون على الجزاء بالبعث‪ .‬الكلبي ‪ :‬أم قضوا أمرا فإنا قاضون عليهم بالعذاب‪ .‬وأم‬
‫ِ‬
‫َج َعلْنَا ِم ْن ُد ِ‬
‫ون} [الزخرف ‪:‬‬
‫ون َّ‬
‫الر ْح َم ِن آل َهةً ُي ْعَب ُد َ‬
‫بمعنى بل‪ .‬وقيل ‪{ :‬أ َْم أَبَْرُموا} عطف على قوله ‪{ :‬أ َ‬
‫‪ .]88‬وقيل ‪ :‬أي ولقد جئناكم بالحق فلم تسمعوا ‪ ،‬أم سمعوا فأعرضوا ألنهم في أنفسهم أبرموا أم ار‬
‫أمنوا به العقاب‪.‬‬

‫ون }‬
‫ون أَنَّا ال َن ْس َمعُ ِسَّرُه ْم َوَن ْج َو ُ‬
‫اه ْم َبلَى َوُر ُسُلَنا َل َد ْي ِه ْم َي ْكُتُب َ‬
‫اآلية ‪{ 39 :‬أ َْم يَ ْح َسُب َ‬

‫(‪)663/61‬‬

‫اه ْم} أي ما يسرونه في أنفسهم ويتناجون به بينهم‪.‬‬
‫ون أَنَّا ال َن ْس َم ُع ِسَّرُه ْم َوَن ْج َو ُ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬أ َْم َي ْح َسُب َ‬
‫ون} أي الحفظة عندهم يكتبون عليهم‪ .‬وروي أن هذا نزل في‬
‫{َبَلى} نسمع ونعلم‪َ { .‬وُر ُسُلَنا َل َد ْي ِه ْم َي ْكُتُب َ‬
‫ثالثة نفر كانوا بين الكعبة وأستارها ؛ فقال أحدهم ‪ :‬أترون أن اهلل يسمع كالمنا ؟ وقال الثاني ‪ :‬إذا‬

‫جهرتم سمع ‪ ،‬واذا أسررتم لم يسمع‪ .‬وقال الثالث ‪ :‬إن كان يسمع إذا أعلنتم فهو يسمع إذا أسررتم ؛‬
‫قاله محمد بن كعب ا لقرظي ‪ ،‬وقد مضى هذا المعنى عن ابن مسعود في سورة "فصلت"‪.‬‬
‫السم ِ‬
‫ِ‬
‫اآلية ‪ { 36 :‬قُ ْل إِ ْن َك ِ‬
‫ب الْ َع ْر ِ‬
‫ات و ْاأل َْر ِ‬
‫ش‬
‫ض َر ِّ‬
‫ان َر ِّ‬
‫ين ‪ُ ،‬س ْب َح َ‬
‫ان ل َّلر ْح َم ِن َولَ ٌد فَأََنا أ ََّو ُل الْ َعابِد َ‬
‫َ‬
‫او َ‬
‫ب َّ َ َ‬
‫ِ‬
‫ون }‬
‫َع َّما َيص ُف َ‬
‫ِ‬
‫قوله تعالى ‪ُ { :‬ق ْل إِ ْن َك ِ‬
‫ين} اختلف في معناه ؛ فقال ابن عباس والحسن‬
‫ان ل َّلر ْح َم ِن َولَ ٌد َفأََنا أ ََّو ُل الْ َعابِد َ‬
‫َ‬
‫والسدي ‪ :‬المعنى ما كان للرحمن ولد ‪ ،‬فـ "إن" بمعنى ما ‪ ،‬ويكون الكالم على هذا تاما ‪ ،‬ثم تبتدئ ‪:‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين} تام‪.‬‬
‫ين} أي الموحدين من أهل مكة على أنه ال ولد له‪ .‬والوقف على {الْ َعابِد َ‬
‫{ َفأََنا أ ََّو ُل الْ َعابِد َ‬
‫وقيل ‪ :‬المعنى قل يا محمد إن ثبت هلل ولد فأنا أول من يعبد ولده ‪ ،‬ولكن يستحيل أن يكون له ولد ؛‬
‫وهو كما تقول لمن تناظره ‪ :‬إن ثبت بالدليل فأنا أول من يعتقده ؛ وهذا مبالغة في االستبعاد ؛ أي ال‬
‫ِ‬
‫ضالل ُمبِين}‬
‫دى أ َْو في َ‬
‫سبيل إلى اعتقاده‪ .‬وهذا ترقيق في الكالم ؛ كقوله ‪َِ { :‬وانَّا أ َْو إِيَّا ُك ْم لَ َعلَى ُه ً‬
‫ِ‬
‫ضالل‬
‫دى أ َْو في َ‬
‫[سبأ ‪ .] 28 :‬والمعنى على هذا ‪ :‬ترقيق في الكالم ؛ كقول ‪َِ { :‬وانَّا أ َْو إِيَّا ُك ْم َل َعَلى ُه ً‬
‫ُمبِين} [سبأ ‪ .]28 :‬والمعنى على هذا ‪ :‬فأنا أول العابدين لذلك الولد ‪ ،‬ألن تعظيم الولد تعظيم للوالد‪.‬‬
‫وقال مجاهد ‪ :‬المعنى إن كان للرحمن ولد فأنا أول من عبده وحده ‪ ،‬على أنه ال ولد له‪ .‬وقال‬

‫السدي أيضا ‪ :‬المعنى لو كان له ولد كنت أول من عبده على أن له ولدا ؛ ولكن ال ينبغي ذلك‪ .‬قال‬
‫المهدوي ‪ :‬فـ {إن} على هذه األقوال للشرط ‪ ،‬وهو األجود ‪ ،‬وهو ا ختيار الطبري ‪ ،‬ألن كونها بمعنى‬
‫ما يتوهم معه أن المعنى لم يكن له فيما مضى‪ .‬وقيل ‪ :‬إن معنى {العابدين} اآلنفين‪ .‬وقال بعض‬
‫العلماء ‪ :‬لو كان كذلك لكان العبدين‪.‬‬

‫(‪)663/61‬‬

‫وكذلك قرأ أبو عبدالرحمن واليماني {فأنا أول العبدين} بغير ألف ‪ ،‬يقال ‪ :‬عبد يعبد عبدا (بالتحريك)‬
‫إذا أنف وغضب فهو عبد ‪ ،‬واالسم العبدة مثل األنفة ‪ ،‬عن أبي زيد‪ .‬قال الفرزدق ‪:‬‬
‫أولئك أجالسي فجئني بمثلهم ‪ ...‬واعبد أن أهجو كلبا بدارم‬
‫وينشد أيضا ‪:‬‬

‫أولئك ناس إن هجوني هجوتهم ‪ ...‬وأعبد أن يهجى كليب بدارم‬
‫ِ‬
‫ين} من األنف والغضب ‪ ،‬وقال‬
‫قال الجوهري ‪ :‬وقال أبو عمرو وقوله تعالى ‪َ { :‬فأََنا أ ََّو ُل ا ْل َعابِد َ‬
‫الكسائي والقتبي ‪ ،‬حكاه الماوردي عنهما‪ .‬وقال الهروي ‪ :‬وقوله تعالى ‪{ :‬فأنا أول العابدين} قيل هو‬
‫من عبد يعبد ؛ أي من اآلنفين‪ .‬وقال ابن عرفة ‪ :‬إنما يقال عبد يعبد فهو عبد ؛ وقلما يقال عابد ‪،‬‬
‫والقرآن ال يأتي بالقليل من اللغة وال الشاذ ‪ ،‬ولكن المعنى فأنا أول من يعبد اهلل عز وجل على أنه‬
‫واحد ال ولد له‪.‬‬

‫وروي أن امرأة دخلت على زوجها فولدت منه لستة أشهر ‪ ،‬فذكر ذلك لعثمان رضي اهلل عنه فأمر‬

‫ون َش ْهراً} [األحقاف ‪ ]68 :‬وقال في‬
‫صاُل ُه ثَالثُ َ‬
‫برجمها ؛ فقال له علي ‪ :‬قال اهلل تعالى ‪َ { :‬و َح ْمُل ُه َوِف َ‬
‫ِ‬
‫ام ْي ِن} [لقمان ‪ ]68 :‬فواهلل ما َعبِد عثمان أن بعث إليها تَُرُّد‪ .‬قال عبداهلل‬
‫صالُهُ في َع َ‬
‫آية أخرى ‪َ { :‬وِف َ‬
‫بن وهب ‪ :‬يعني ما استنكف وال أنف‪ .‬وقال ابن األعرابي {فأنا أول العابدين} أي الغضاب اآلنفين‬
‫ِ‬
‫ين} أي أنا أول من يعبده على الوحدانية مخالفا لكم‪ .‬أبو عبيدة ‪ :‬معناه‬
‫وقيل ‪َ { :‬فأََنا أ ََّو ُل الْ َعابِد َ‬
‫الجاحدين ؛ وحكى ‪ :‬عبدني حقي أي جحدني‪ .‬وقرأ أهل الكوفة إال عاصما {ولد} بضم الواو واسكان‬
‫السم ِ‬
‫ات و ْاأل َْر ِ‬
‫ض} أي تنزيها له وتقديسا‪ .‬نزه‬
‫ان َر ِّ‬
‫الالم‪ .‬الباقون وعاصم {ولد} وقد تقدم‪ُ { .‬س ْب َح َ‬
‫او َ‬
‫ب َّ َ َ‬
‫ب الْ َع ْر ِ‬
‫ش َع َّما‬
‫نفسه عن كل ما يقتضي الحدوث ‪ ،‬وأمر النبي صلى اهلل عليه وسلم بالتنزيه‪َ{ .‬ر ِّ‬
‫ِ‬
‫ون} أي عما يقولون من ‪ ،‬الكذب‪.‬‬
‫َيص ُف َ‬
‫ِ‬
‫ون }‬
‫وضوا َوَيلْ َعُبوا َحتَّى ُي ُ‬
‫وع ُد َ‬
‫القوا َي ْو َم ُه ُم الَّذي ُي َ‬
‫اآلية ‪َ { 38 :‬فذَ ْرُه ْم َي ُخ ُ‬

‫(‪)629/61‬‬

‫وضوا َوَي ْل َعُبوا} يعني كفار مكة حين كذبوا بعذاب اآلخرة‪ .‬أي اتركهم يخوضوا‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ف َذ ْرُه ْم َي ُخ ُ‬
‫ِ‬
‫ون} إما العذاب في الدنيا أو في اآلخرة‪.‬‬
‫وع ُد َ‬
‫في باطلهم ويلعبوا في دنياهم { َحتَّى ُيالقُوا َي ْو َم ُه ُم الَّذي ُي َ‬
‫وقيل ‪ :‬إن هذا منسوخ بآية السيف‪ .‬وقيل ‪ :‬هو محكم ‪ ،‬وانما أخرج مخرج التهديد‪ .‬وقرأ ابن محيصن‬
‫ومجاهد وحميد وابن القعقاع وابن السميقع { حتى يلقوا} بفتح الياء واسكان الالم من غير ألف ؛ وفتح‬

‫القاف هنا وفي"الطور" و"المعارج"‪ .‬الباقون "يالقوا"‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫اآلية ‪{ 38 :‬وُهو الَِّذي ِفي َّ ِ ِ ِ‬
‫يم}‬
‫يم الْ َعل ُ‬
‫الس َماء إلَ ٌه َوفي ْاأل َْرض إلَهٌ َوُه َو الْ َحك ُ‬
‫َ َ‬
‫السم ِ‬
‫َِّ ِ‬
‫اء إِلَهٌ وِفي ْاأل َْر ِ‬
‫ض إِلَهٌ} هذا تكذيب لهم في أن هلل شريكا وولدا ؛‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وُه َو الذي في َّ َ‬
‫َ‬

‫أي هو المستحق للعبادة في السماء واألرض‪ .‬وقال عمر رضي اهلل عنه وغيره ‪ :‬المعنى وهو الذي‬

‫في السماء إله في األرض ؛ وكذلك ق أر‪ .‬والمعنى أنه يعبد فيهما‪ .‬وروي أنه ق أر هو وابن مسعود‬

‫وغيرهما { وهو الذي في السماء اهلل وفي األرض اهلل} وهذا خالف المصحف‪ .‬و {إله} رفع على أنه‬
‫خبر مبتدأ محذوف ؛ أي وهو الذي في السماء هو إله ؛ قاله أبو علي‪ .‬وحسن حذفه لطول الكالم‪.‬‬
‫ُصلَِّبنَّ ُك ْم ِفي ُج ُذوِع النَّ ْخ ِل} [طه ‪ ]86 :‬أي على جذوع‬
‫وقيل ‪" :‬في" بمعنى على ؛ كقوله تعالى ‪َ { :‬وَأل َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يم} تقدم‪.‬‬
‫يم ا ْل َعل ُ‬
‫النخل ؛ أي هو القادر على السماء واألرض‪َ { .‬وُه َو ا ْل َحك ُ‬
‫ض وما ب ْيَنهما وِع ْن َده ِعلْم ال َّس ِ ِ‬
‫السم ِ‬
‫َِّ‬
‫ِ‬
‫ون}‬
‫اعة َِوالَ ْيه ُت ْرَج ُع َ‬
‫َ‬
‫اوات َو ْاأل َْر َ َ َ ُ َ َ ُ ُ‬
‫اآلية ‪َ { 38 :‬وَتَب َار َك الذي لَ ُه ُملْ ُك َّ َ َ‬
‫اع ِة} أي وقت قيامها‪َِ { .‬واَل ْي ِه‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وَتَب َار َك} تفاعل من البركة ؛ وقد تقدم‪َ { .‬وِع ْن َد ُه ِع ْل ُم َّ‬
‫الس َ‬
‫ِ‬
‫ون} بالياء‪ .‬الباقون بالتاء‪ .‬وكان ابن محيصن‬
‫ون} قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي { َوِالَ ْيه ُت ْرَج ُع َ‬
‫ُت ْرَج ُع َ‬
‫وحميد ويعقوب وابن أبي إسحاق يفتحون أوله على أصولهم‪ .‬وضم الباقون‪.‬‬

‫(‪)626/61‬‬

‫ِ ِ‬
‫ون ِم ْن ُدونِ ِه َّ‬
‫اعةَ إَِّال َم ْن َش ِه َد بِالْ َح ِّ‬
‫ون}‬
‫ق َوُه ْم َي ْعلَ ُم َ‬
‫الش َف َ‬
‫ين َي ْد ُع َ‬
‫اآلية ‪َ { 31 :‬وال َي ْمل ُك الَّذ َ‬
‫فيه مسألتان ‪:‬‬
‫َِّ‬
‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪{ :‬إِ َّال َم ْن َش ِه َد بِالْ َح ِّ‬
‫ون ِم ْن ُدونِ ِه}‬
‫ين َي ْد ُع َ‬
‫ق} في موضع الخفض‪ .‬وأراد بـ {الذ َ‬
‫عيسى وعزيرا والمالئكة‪ .‬والمعنى وال يملك هؤالء الشفاعة إال لمن شهد بالحق وآمن على علم‬
‫وبصيرة ؛ قال سعيد بن جبير وغيره‪ .‬قال ‪ :‬وشهادة الحق ال إله إال اهلل‪ .‬وقيل ‪{ :‬من} في محل رفع‬
‫؛ أي وال يملك ا لذين يدعون من دونه الشفاعة ؛ يعني اآللهة ‪ -‬في قول قتادة ‪ -‬أي ال يشفعون‬
‫لعابديها إال من شهد بالحق ؛ يعني عزيرا وعيسى والمالئكة فإنهم يشهدون بالحق والوحدانية هلل‪.‬‬

‫ون} حقيقة ما شهدوا به‪ .‬قيل ‪ :‬إنها نزلت بسبب أن النضر بن الحارث ونفرا من قريش‬
‫{ َوُه ْم َي ْعلَ ُم َ‬
‫قالوا ‪ :‬إن كان ما يقول محمد حقا فنحن نتولى المالئكة وهم أحق بالشفاعة لنا منه ؛ فأنزل اهلل ‪:‬‬
‫ِ‬
‫{ وال يملِ ُك الَِّذين ي ْدع ِ‬
‫اع َة إِ َّال َم ْن َش ِه َد بِا ْل َح ِّ‬
‫ق} أي اعتقدوا أن المالئكة أو األصنام أو‬
‫ون م ْن ُدونِه الشَّ َف َ‬
‫َ َ ُ َ‬
‫َ َْ‬
‫الجن أو الشياطين تشفع لهم وال شفاعة ألحد يوم القيامة‪.‬‬
‫{إِ َّال َم ْن َش ِه َد بِا ْل َح ِّ‬
‫ق} يعني المؤمنين إذا أذن لهم‪ .‬قال ابن عباس ‪" :‬إن من شهد بالحق" أي شهد أن‬
‫ال إله إال اهلل وأن محمدا رسول اهلل‪ .‬وقيل ‪ :‬أي ال يملك هؤالء العابدون من دون اهلل أن يشفع لهم‬
‫أحد إال من شهد بالحق ؛ فإن من شهد بالحق يش فع له وال يشفع لمشرك‪ .‬و"إال" بمعنى لكن ؛ أي ال‬

‫ينال المشركون الشفاعة لكن ينال الشفاعة من شهد بالحق ؛ فهو استئناء منقطع‪ .‬ويجوز أن يكون‬
‫متصال ؛ ألن في جملة {الذين يدعون من دونِ ِه} المالئكة‪ .‬ويقال ‪ :‬شفعته وشفعت له ؛ مثل كاته‬
‫وكلت له‪.‬‬

‫وقيل ‪{ :‬إِ َّال َم ْن َش ِه َد بِا ْل َح ِّ‬
‫ق} إال من تشهد له المالئكة بأنه كان على الحق في الدنيا ‪ ،‬مع علمهم‬
‫بذلك منه بأن يكون اهلل أخبرهم به ‪ ،‬أو بأن شاهدوه على اإليمان‪.‬‬

‫(‪)622/61‬‬

‫قوله تعالى ‪ِ { :‬إ َّال َم ْن َش ِه َد بِالْ َح ِّ‬
‫ون} يدل على معنيين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬أن الشفاعة بالحق‬
‫ق َوُه ْم َي ْعَل ُم َ‬
‫غير نافعة إال مع العلم ‪ ،‬وأن التقليد ال يغني مع عدم العلم بصحة المقالة‪ .‬والثاني ‪ :‬أن شرط سائر‬
‫الشهادات في الحقوق وغيرها أن يكون الشاهد عالما بها‪ .‬ونحوه ما روي عن النبي صلى اهلل عليه‬

‫وسلم ‪" :‬إذا رأيت مثل الشمس فاشهد واال فدع"‪ .‬وقد مضى‪.‬‬
‫ِ‬
‫ون}‬
‫اآلية ‪َ { 38 :‬وَلئ ْن َسأَ ْلَت ُه ْم َم ْن َخَل َق ُه ْم َلَي ُقوُل َّن اللَّ ُه َفأَنَّى ُي ْؤَف ُك َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وَلئِ ْن َسأَلَْت ُه ْم َم ْن َخَل َق ُه ْم َلَيقُوُل َّن اللَّ ُه} أي ألقروا بأن اهلل خلقهم بعد أن لم يكونوا شيئا‪.‬‬
‫ون} أي كيف ينقلبون عن عبادته وينصرفون حتى أشركوا به غيره رجاء شفاعتهم له‪.‬‬
‫{فَأَنَّى ُي ْؤفَ ُك َ‬

‫يقال ‪ :‬أفكه يأفكه أفكا ؛ أي قلبه وصرفه عن الشيء‪ .‬ومنه قوله تعالى ‪َ { :‬قاُلوا أ ِ‬
‫َج ْئَتَنا لَِتأِْف َكَنا َع ْن‬
‫آلِ َهتَِن ا} [األحقاف ‪ .]22 :‬وقيل ‪ :‬أي ولئن سألت المالئكة وعيسى { َم ْن َخلَ َق ُه ْم} لقالوا اهلل‪َ { .‬فأَنَّى‬
‫ون} أي فأنى يؤفك هؤالء في ادعائهم إياهم آلهة‪.‬‬
‫ُي ْؤَف ُك َ‬
‫ِ‬
‫ون}‬
‫اآلية ‪َ { 33 :‬وِقيلِ ِه َيا َر ِّ‬
‫ب إِ َّن َه ُؤالء قَ ْوٌم ال ُي ْؤِمُن َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وِقيلِ ِه} فيه ثالث قراءات ‪ :‬النصب ‪ ،‬والجر ‪ ،‬والرفع‪ .‬فأما الجر فهي قراءة عاصم‬
‫وحمزة‪ .‬وبقية السبعة بالنصب‪ .‬وأما الرفع فهي قراءة األعرج وقتادة وابن هرمز ومسلم بن جندب‪.‬‬
‫فمن جر حمله على معنى ‪ :‬وعنده علم الساعة وعلم قيله‪ .‬ومن نصب فعلى معنى ‪ :‬وعنده علم‬
‫الساعة ويعلم قيله ؛ وهذا اختيار الزجاج‪.‬‬

‫ون أَنَّا ال َن ْس َمعُ ِسَّرُه ْم‬
‫وقال الفراء واألخفش ‪ :‬يجوز أن يكون {قيله} عطفا على قوله ‪{ :‬أ َْم يَ ْح َسُب َ‬
‫اه ْم} [الزخرف ‪ .] 39 :‬قال ابن األنباري ‪ :‬سألت أبا العباس محمد بن يزيد المبرد بأي شيء‬
‫َونَ ْج َو ُ‬

‫تنصب القيل ؟ فقال ‪ :‬أنصبه على " وعنده علم الساعة ويعلم قيله"‪ .‬فمن هذا الوجه ال يحسن الوقف‬
‫على {ترجعون} ‪ ،‬وال على {يعلمون}‪ .‬ويحسن الوقف على {يكتبون} ‪ .‬وأجاز الفراء واألخفش أن‬
‫ينصب القيل على معنى ‪ :‬ال نسمع سرهم ونجواهم‬

‫(‪)628/61‬‬

‫وقيله ؛ كما ذكرنا عنهما فمن هذا الوجه ال يحسن الوقف على {يكتبون}‪ .‬وأجاز الفراء واألخفش‬

‫أيضا ‪ :‬أن ينصب على المصدر ؛ كأنه قال ‪ :‬وقال قيله ‪ ،‬وشكا شكواه إلى اهلل عز وجل ‪ ،‬كما قال‬
‫كعب بن زهير ‪:‬‬
‫تمشي الوشاة جنابيها وقيلهم ‪ ...‬إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول‬
‫أراد ‪ :‬ويقولون قيلهم‪ .‬ومن رفع {قيله} فالتقدير ‪ :‬وعنده قيله ‪ ،‬أوقيله مسموع ‪ ،‬أوقيله هذا القول‪.‬‬
‫الزمخشري ‪ :‬والذي قالوه ليس بقوي في المعنى مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما‬
‫ال يحسن اعتراضا ومع تنافر النظم‪ .‬وأقوى من ذلك وأوجه أن يكون الجر والنصب على إضمار‬

‫حرف القسم وحذفه‪ .‬والرفع على قولهم ‪ :‬ايمن اهلل وأمانة اهلل ويمين اهلل ولعمرك ‪ ،‬ويكون قوله ‪{ :‬إِ َّن‬
‫ِ‬
‫ون} جواب القسم ؛ كأنه قال ‪ :‬وأقسم بقيله يا رب ‪ ،‬أو قيله يا رب قسمي ‪ ،‬إن‬
‫َه ُؤالء َق ْوٌم ال ُي ْؤِمُن َ‬
‫هؤالء قوم ال يؤمنون‪ .‬وقال ابن األنباري ‪ :‬ويجوز في العربية {وقيله} بالرفع ‪ ،‬على أن ترفعه بإن‬
‫هؤالء قوم ال يؤمنون‪ .‬المهدوي ‪ :‬أويكون على تقدير وقيله قيله يا رب ؛ فحذف قيله الثاني الذي هو‬
‫خبر ‪ ،‬وموضع {يا رب} نصب بالخبر المضمر ‪ ،‬وال يمتنع ذلك من حيث امتنع حذف بعض‬
‫الموصول وبقي بعضه ؛ ألن حذف القول قد كثر حتى صار بمنزلة المذكور‪ .‬والهاء في {قيله}‬
‫ان لِ َّلر ْح َم ِن َوَل ٌد}‬
‫لعيسى ‪ ،‬وقيل لمحمد صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬وقد جرى ذكره إذ قال ‪ُ { :‬ق ْل إِ ْن َك َ‬
‫[الزخرف ‪ .] 36 :‬وقرأ أبو قالبة {يا رب} بفتح الباء‪ .‬والقيل مصدر كالقول ؛ ومنه الخبر (نهى عن‬
‫ال} [النساء ‪.]622 :‬‬
‫ق ِم َن اللَّ ِه ِقي ً‬
‫َص َد ُ‬
‫قيل وقال)‪ .‬ويقال ‪ :‬قلت قوال وقيال وقاال‪ .‬وفي النساء { َو َم ْن أ ْ‬
‫ون}‬
‫س ْو َ‬
‫ف َي ْعَل ُم َ‬
‫اآلية ‪َ { 33 :‬ف ْ‬
‫الم َف َ‬
‫س ٌ‬
‫اص َف ْح َع ْن ُه ْم َوُق ْل َ‬
‫قال قتادة ‪ :‬أمر بالصفح عنهم ثم أمره بقتالهم ؛ فصار الصفح منسوخا بالسيف‪ .‬ونحوه عن ابن‬
‫الم} أي معروفا ؛ أي قل المشركين أهل مكة‬
‫عباس قال ‪َ { :‬ف ْ‬
‫اص َف ْح َع ْن ُه ْم} أعرض عنهم‪َ { .‬وُق ْل َس ٌ‬
‫ِ‬
‫وه ْم}‬
‫ين َح ْي ُ‬
‫ث َو َج ْدتُ ُم ُ‬
‫{فَ َس ْو َ‬
‫ون} ثم نسخ هذا في سورة "التوبة" بقوله تعالى ‪{ :‬فَاقْتُلُوا الْ ُم ْش ِرك َ‬
‫ف َي ْعلَ ُم َ‬
‫ف‬
‫س ْو َ‬
‫[التوبة ‪ ]8 :‬اآلية‪ .‬وقيل ‪ :‬هي محكمة لم تنسخ‪ .‬وقراءة العامة { َف َ‬

‫(‪)628/61‬‬

‫ون} (بالباء) على أنه خبر من اهلل تعالى لنبيه بالتهديد‪ .‬وقرأ نافع وابن عامر {تعلمون} (بالتاء)‬
‫َي ْعلَ ُم َ‬
‫على أنه من خطاب النبي صلى اهلل عليه وسلم المشركين بالتهديد‪ .‬و {سالم} رفع بإضمار عليكم ؛‬
‫قاله الفراء‪ .‬ومعناه األمر بتوديعهم بالسالم ‪ ،‬ولم يجعله تحية لهم ؛ حكاه النقاش‪ .‬وروى شعيب بن‬
‫الحبحاب أنه عرفه بذلك كيف السالم عليهم ؛ واهلل أعلم‪.‬‬

‫تفسير سورة الدخان‬
‫‪...‬‬
‫سورة الدخان‬
‫المقدمة‬

‫سورة الدخان مكية باتفاق ‪ ،‬إال قوله تعالى ‪{ :‬إِنَّا َك ِ‬
‫اشفُو الْ َع َذ ِ‬
‫اب قَلِيالً} [الدخان ‪ .]68 :‬وهي سبع‬
‫وخمسون آية‪ .‬وقيل تسع‪ .‬وفي مسند الدارمي عن أبي رافع قال ‪" :‬من قرأ الدخان في ليلة الجمعة‬
‫أصبح مغفورا له وزوج من الحور العين" رفعه الثعلبي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى اهلل عليه‬

‫وسلم قال ‪" :‬من قرأ الدخان في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له"‪ .‬وفي لفظ آخر عن أبي هريرة أن‬
‫النبي صلى اهلل عليه وسلم قال ‪ " :‬من ق أر الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك"‪ .‬وعن‬
‫أبي أمامة قال ‪ :‬سمعت النبي صلى اهلل عليه وسلم يقول ‪ " :‬من ق أر حم الدخان ليلة الجمعة أو يوم‬

‫الجمعة بنى اهلل له بيتا في الجنة"‪.‬‬
‫ِ‬
‫ين ‪ ،‬إِنَّا أ َْنَزلَْن ِ‬
‫اآلية ‪ { 6 :‬حم ‪ ،‬اولْ ِكَت ِ‬
‫اب الْ ُمبِ ِ‬
‫ين }‬
‫اه في لَ ْيلَة ُمَب َارَكة إِنَّا ُكنَّا ُم ْنذ ِر َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫إن جعلت {حم} جواب القسم تم الكالم عند قوله ‪{ :‬المبين} ثم تبتدئ {إنا أنزلناه} ‪ .‬وان جعلت {إِنَّا‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َمر‬
‫يها ُي ْفَر ُ‬
‫ق ُك ُّل أ ْ‬
‫ُكنَّا ُم ْنذ ِر َ‬
‫ين} جواب القسم الذي هو {الكتاب} وقفت على {منذرين} وابتدأت {ف َ‬
‫ِ‬
‫اه} ‪ ،‬وأنكره بعض النحويين من حيث كان صفة للمقسم به ‪ ،‬وال‬
‫َحكيم}‪ .‬وقيل ‪ :‬الجواب {إِنَّا أَنَْزلَْن ُ‬
‫تكون صفة المقسم به جوابا للقسم ‪ ،‬والهاء في {أنزلناه}‬

‫(‪)628/61‬‬

‫اه} كنى به عن غير القرآن ‪ ،‬على ما تقدم‬
‫للقرآن‪ .‬ومن قال ‪ :‬أقسم بسائر الكتب فقوله ‪{ :‬إِنَّا أَنَْزلْنَ ُ‬
‫بيانه في أول "الزخرف" والليلة المباركة ليلة القدر‪ .‬ويقال ‪ :‬ليلة النصف من شعبان ‪ ،‬ولها أربعة‬
‫أسماء الليلة المباركة ‪ ،‬وليلة البراءة ‪ ،‬وليلة الصك ‪ ،‬وليلة القدر‪ .‬ووصفها بالبركة لما ينزل اهلل فيها‬
‫على عباده من البركات والخيرات والثواب‪ .‬وروى قتادة عن واثلة أن النبي صلى اهلل عليه وسلم‬

‫قال ‪ " :‬أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان‬

‫وأنزلت الزبور الثنتي عشرة من رمضان وأنزل اإلنجيل لثمان عشرة خلت من رمضان وأنزل القرآن‬
‫ألربع وعشرين مضت من رمضان"‪ .‬ثم قيل ‪ :‬أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا في هذه الليلة‪ .‬ثم‬
‫أنزل نجما نجما في سائر األيام على حسب اتفاق األسباب‪ .‬وقيل ‪ :‬كان ينزل في كل ليلة القدر ما‬
‫ينزل في سائر السنة‪ .‬وقيل ‪ :‬كان ابتداء اإلنزال في هذه الليلة‪ .‬وقال عكرمة ‪ :‬اللي لة المباركة ها هنا‬
‫اه ِفي َل ْيَل ِة الْ َق ْد ِر} [القدر ‪ .] 6 :‬قال‬
‫ليلة النصف من شعبان‪ .‬واألول أصح لقوله تعالى ‪{ :‬إِنَّا أ َْنَزلَْن ُ‬
‫قتادة وابن زيد ‪ :‬أنزل اهلل القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب إلى بيت العزة في سماء الدنيا ‪ ،‬ثم‬

‫أنزل اهلل على نبيه صلى اهلل ع ليه وسلم في الليالي واأليام في ثالث وعشرين سنة‪ .‬وهذا المعنى قد‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫آن} [البقرة ‪ ، ]638 :‬ويأتي‬
‫ان الَّذي أ ُْن ِزَل فيه الُْق ْر ُ‬
‫ضَ‬
‫مضى في "البقرة" عند قوله تعالى ‪َ { :‬ش ْهُر َرَم َ‬
‫آنفا إن شاء اهلل تعالى‪.‬‬
‫ِ‬
‫َمر َح ِكيم}‬
‫يها ُي ْفَر ُ‬
‫ق ُك ُّل أ ْ‬
‫اآلية ‪{ 8 :‬ف َ‬
‫قال ابن عباس ‪ :‬يحكم اهلل أمر الدنيا إلى قابل في ليلة القدر ما كان من حياة أوموت أورزق‪ .‬وقاله‬
‫قتادة ومجاهد والحسن وغيرهم‪ .‬وقيل ‪ :‬إال الشقاء والسعادة فإنهما ال يتغيران ‪ ،‬قاله ابن عمر‪ .‬قال‬
‫المهدوي ‪ :‬ومعنى هذا القول أمر اهلل عز وجل المالئكة بما يكون في ذلك العام ولم يزل ذلك في‬
‫علمه عز وجل‪ .‬وقال عكرمة ‪ :‬هي ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة وينسخ األحياء من‬
‫األموات ‪ ،‬ويكتب الحاج فال يزاد فيهم أحد وال ينقص منهم أحد‪ .‬وروى عثمان بن المغيرة قال ‪ :‬قال‬
‫النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬تقطع اآلجال من شعبان‬

‫(‪)621/61‬‬

‫إلى شعبان حت ى أن الرجل لينكح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى"‪ .‬وعن النبي صلى اهلل عليه‬
‫وسلم قال ‪ " :‬إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلتها وصوموا نهارها فإن اهلل ينزل لغروب‬
‫الشمس إلى سماء الدنيا يقول أال مستغفر فأغفر له أال مبتلى فأعافيه أال مسترزق فأرزقه أال كذا أال‬
‫كذا حتى يطلع الفجر" ذكره الثعلبي‪ .‬وخرج الترمذي بمعناه عن عائشة عن النبي صلى اهلل عليه‬

‫وسلم قال ‪ " :‬إن اهلل عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر ألكثر من عدد‬
‫شعر غنم كلب"‪ .‬وفي الباب عن أبي بكر الصديق قال أبو عيسى ‪ :‬حديث عائشة ال نعرفه مرفوعا‬
‫إال من حديث الحجاج بن أرطاة عن يحيى بن أبي كثيرة عن عروة عن عائشة ‪ ،‬وسمعت محمدا‬

‫يضعف هذا الحديث ‪ ،‬وقال ‪ :‬يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة ‪ ،‬والحجاج بن أرطاة لم يسمع‬
‫من يحيى بن أبي كثير‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وقد ذكر حديث عائشة مطوال صاحب كتاب العروس ‪ ،‬واختار أن الليلة التي يفرق فيها كل‬

‫أمر حكيم ليلة النصف من شعبان ‪ ،‬وأنها تسمى ليلة البراءة‪ .‬وقد ذكرنا قوله والرد عليه في غير هذا‬

‫الموضع ‪ ،‬وأن الصحيح إنما هي ليلة القدر على ما بيناه‪ .‬روى حماد بن سلمة قال أخبرنا ربيعة بن‬
‫كلثوم قال ‪ :‬سأل رجل الحسن وأنا عنده فقال ‪ :‬يا أبا سعيد ‪ ،‬أرأيت ليلة القدر أفي كل رمضان هي‬
‫؟ قال ‪ :‬أي واهلل الذي ال إله إال هو ‪ ،‬إنها في كل رمضان ‪ ،‬إنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر‬
‫حكيم ‪ ،‬فيها يقضي اهلل كل خلق وأجل ورزق وعمل إلى مثلها‪ .‬وقال ابن عباس ‪ :‬يكتب من أم‬
‫الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحج ؛ يقال ‪ :‬يحج‬

‫فالن ويحج فالن‪ .‬وقال في هذه اآلية ‪ :‬إنك لترى الرجل يمشي في األسواق وقد وقع اسمه في‬

‫الموتى‪ .‬وهزه اإلبانة إلحكام السنة إنما هي للمالئكة الموكلين بأسباب الخلق‪ .‬وقد ذكرنا هذا المعنى‬
‫آنفا‪ .‬وقال القاضي أبو بكر بن العربي ‪ :‬وجمه ور العلماء على أنها ليلة القدر‪ .‬ومنهم من قال ‪ :‬إنها‬
‫ان‬
‫ضَ‬
‫ليلة النصف من شعبان ؛ وهو باطل ألن اهلل تعالى قال في كتابه الصادق القاطع ‪َ { :‬ش ْهُر َرَم َ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫آن} [البقرة ‪ ]638 :‬فنص على أن ميقات نزوله رمضان ‪ ،‬ثم عين من زمانه الليل‬
‫الَّذي أ ُْن ِزَل فيه الُْق ْر ُ‬
‫ها هنا بقوله ‪{ :‬فِي لَ ْيلَة ُمَب َارَكة}‬

‫(‪)628/61‬‬

‫فمن زعم أنه في غيره فقد أعظم الفرية على اهلل ‪ ،‬وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول‬
‫عليه ال في فضلها وال في نسخ اآلجال فيها فال تلتفتوا إليها‪ .‬الزمخشري ‪ " :‬وقيل يبدأ في استنساخ‬
‫ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البرا ءة ويقع الفراغ في ليلة القدر ؛ فتدفع نسخة األرزاق إلى ميكائيل‬
‫‪ ،‬ونسخة الحروب إلى جبريل ‪ ،‬وكذلك الزالزل والصواعق والخسف ؛ ونسخة األعمال إلى إسماعيل‬

‫صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم ؛ ونسخة المصائب إلى ملك الموت‪ .‬وعن بعضهم ‪ :‬يعطى كل‬
‫نفَّرق} بالتشديد ‪،‬‬
‫عامل بركات أعماله ؛ فيلقى عل ى ألسنة الخلق مدحه ‪ ،‬وعلى قلوبهم هيبته‪ .‬وقرئ { َ‬
‫و {َيفْرق} كل على بنائه للفاعل ونصب {كل} ‪ ،‬والفارق اهلل عز وجل‪ .‬وقرأ زيد بن علي رضي اهلل‬
‫َمر َح ِكيم} كل شأن ذي حكمة ؛ أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة "‪.‬‬
‫عنه {نفرق} بالنون‪ .‬و { ُك ُّل أ ْ‬
‫ِ‬
‫ِّك إِنَّه ُهو َّ ِ‬
‫ِ‬
‫ِِ‬
‫اآلية ‪ { 8 :‬أ ِ ِ ِ‬
‫يم}‬
‫َمراً م ْن ع ْندَنا إِنَّا ُكنَّا ُم ْرسل َ‬
‫ْ‬
‫السم ُ‬
‫يع الْ َعل ُ‬
‫ين ‪َ ،‬ر ْح َمةً م ْن َرب َ ُ َ‬
‫َم ًرا ِم ْن ِع ْنِدَنا} قال النقاش ‪ :‬األمر هو القرآن أنزله اهلل من عنده‪ .‬وقال ابن عيسى ‪:‬‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬أ ْ‬
‫هو ما قضاه اهلل في الليلة المباركة من أحوال عباده‪ .‬وهو مصدر في موضع الحال‪ .‬وكذلك {َر ْح َمةً‬
‫َمراً} في‬
‫ِم ْن َرب َ‬
‫ِّك} وهما عند األخفش حاالن ؛ تقديرهما ‪ :‬أنزلناه آمرين به وراحمين‪ .‬المبرد ‪{ :‬أ ْ‬
‫َم ًرا} نصب بـ {يفرق} ‪ ،‬مثل قولك‬
‫موضع المصدر ‪ ،‬والتقدير ‪ :‬أنزلناه إنزاال‪ .‬الفراء والزجاج ‪{ :‬أ ْ‬
‫"يفرق فرقا" فأم ر بمعنى فرق فهو مصدر ‪ ،‬مثل قولك ‪ :‬يضرب ضربا‪ .‬وقيل ‪{ :‬يفرق} يدل على‬
‫ِِ‬
‫ِّك } قال الفراء {رحمة} مفعول‬
‫ين ‪َ ،‬ر ْح َم ًة ِم ْن َرب َ‬
‫يؤمر ‪ ،‬فهو مصدر عمل فيه ما قبله‪ {.‬إِنَّا ُكنَّا ُم ْرسل َ‬
‫بـ {مرسلين}‪ .‬والرحمة النبي صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬وقال الزجاج ‪{ :‬رحمة} مفعول من أجله ؛ أي‬
‫أرسلناه للرحمة‪ .‬وقيل ‪ :‬هي بدل من قول‪{ .‬أمرا} وقيل ‪ :‬هي مصدر‪ .‬الزمخشري ‪{ :‬أمرا} نصب‬
‫على االختصاص ‪ ،‬جعل كل أمر جزال فخما بأن وصفه بالحكيم ‪ ،‬ثم زاده جزالة وكسبه‬

‫(‪)623/61‬‬

‫فخامة بأن قال ‪ :‬أعنى بهذا األمر أمرا حاصال من عندنا ‪ ،‬كائنا من لدنا ‪ ،‬وكما اقتضاه علمنا‬
‫َمٌر ِم ْن ِع ْنِدَنا} على هو أمر ‪ ،‬وهي تنصر انتصابه على‬
‫وتدبيرنا‪ .‬وفي قراءة زيد بن علي {أ ْ‬
‫االختصاص‪ .‬وق أر الحسن {رحمةٌ} على تلك هي رحمة ‪ ،‬وهي تنصر انتصابها بأنه مفعول له‪.‬‬
‫ِ‬
‫السم ِ‬
‫ات و ْاأل َْر ِ‬
‫يت‬
‫ال َر ُّ‬
‫اآلية ‪َ { 3 - 8 :‬ق َ‬
‫ين ‪ ،‬ال إِلَ َه إِ َّال ُه َو ُي ْحيِي َوُي ِم ُ‬
‫ض َو َما َب ْيَن ُه َما إِ ْن ُك ْنُت ْم ُموِقن َ‬
‫او َ‬
‫ب َّ َ َ‬
‫ِ‬
‫ربُّ ُكم ور ُّ ِ‬
‫ون}‬
‫ين ‪َ ،‬ب ْل ُه ْم في َش ٍّك َيلْ َعُب َ‬
‫ب َآبائ ُك ُم ْاأل ََّولِ َ‬
‫َ ْ ََ‬
‫ِ‬
‫الس َماوات و ْاأل َْر ِ‬
‫ض} قرأ الكوفيون {رب} بالجر‪ .‬الباقون بالرفع ؛ ردا على قوله ‪:‬‬
‫قوله تعالى ‪َ{ :‬ر ُّ‬
‫ب َّ َ َ‬
‫ِ‬
‫{إِنَّه ُهو َّ ِ‬
‫يم}‪ .‬وان شئت على االبتداء ‪ ،‬والخبر ال إله إال هو‪ .‬أو يكون خبر ابتداء‬
‫السم ُ‬
‫يع الْ َعل ُ‬
‫ُ َ‬
‫ب‬
‫محذوف ؛ تقديره ‪ :‬هو رب السماوات واألرض‪ .‬والجر على البدل من {ربك} وكذلك ‪َ{ :‬ربُّ ُك ْم َوَر ُّ‬
‫ِ‬
‫ين} بالجر فيهما ؛ رواه الشيزري عن الكسائي‪ .‬الباقون بالرفع على االستئناف‪ .‬ثم يحتمل‬
‫َآبائ ُك ُم ْاأل ََّولِ َ‬
‫أن يكون هذا الخطاب مع المعترف بأن اهلل خلق السماوات واألرض ؛ أي إن كنتم موقنين به‬
‫فاعلموا أن له أن يرسل الرسل ‪ ،‬ويجوز الكتب‪ .‬ويجوز أن يكون الخطاب مع من ال يعترف أنه‬

‫الخالق ؛ أي ينبغي أن يعرفوا أنه الخالق ؛ وأنه الذي يحيي ويميت‪ .‬وقيل ‪ :‬الموقن ها هنا هو الذي‬

‫يريد اليقين ويطلبه ؛ كما تقول ‪ :‬فالن ينجد ؛ أي يريد نجدا‪ .‬ويتهم ؛ أي يريد تهامة‪{ .‬ال ِإَل َه ِإ َّال ُه َو‬
‫يت} أي هو خالق العالم ؛ فال يجوز أن يشرك به غيره ممن ال يقدر على خلق شيء‪ .‬و‬
‫ُي ْحيِي َوُي ِم ُ‬
‫يت} أي يحيي األموات ويميت األحياء‪{ .‬ربُّ ُكم ور ُّ ِ‬
‫ين} أي مالككم ومالك‬
‫{ ُه َو ُي ْحيِي َوُي ِم ُ‬
‫ب َآبائ ُك ُم ْاأل ََّولِ َ‬
‫َ ْ ََ‬
‫ِ‬
‫ون} أي ليسوا على‬
‫من تقدم منكم‪ .‬واتقوا تكذيب محمد لئال ينزل بكم العذاب‪َ{ .‬ب ْل ُه ْم في َش ٍّك َي ْل َعُب َ‬
‫يقين فيما يظهرونه من اإليمان واإلقرار في قولهم ‪ :‬إن اهلل خالقهم ؛ وانما‬

‫(‪)623/61‬‬

‫يقولونه لتقليد آبائهم من غير علم فهم في شك‪ .‬وان توهموا أنهم مؤمنون فهم يلعبون في دينهم بما‬
‫ون} يضيفون إلى النبي صلى اهلل عليه وسلم االفتراء استهزاء‪.‬‬
‫يعن لهم من غير حجة‪ .‬وقيل ‪َ{ :‬يلْ َعُب َ‬
‫ويقال لمن أعرض عن المواعظ ‪ :‬العب ؛ وهو كالصبي الذي يلعب فيفعل ما ال يدري عاقبته‪.‬‬
‫السماء ِب ُد َخان مِبين ‪ ،‬ي ْغ َشى النَّاس َه َذا ع َذ ٌ ِ‬
‫ِ‬
‫يم}‬
‫اآلية ‪َ { 69 :‬ف ْارَتِق ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫اب أَل ٌ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ب َي ْوَم َتأْتي َّ َ ُ‬
‫اء بِ ُد َخان ُمبِين} ارتقب معناه انتظر يا محمد بهؤالء الكفار يوم‬
‫ب َي ْوَم تَأْتِي َّ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬فَ ْارتَِق ْ‬
‫الس َم ُ‬

‫تأتي ال سماء بدخان مبين ؛ قال قتادة‪ .‬وقيل ‪ :‬معناه أحفظ قولهم هذا لتشهد عليهم يوم تأتى السماء‬
‫بدخان مبين ؛ ولذلك سمي الحافظ رقيبا‪ .‬وفي الدخان أقوال ثالثة ‪ :‬األول ‪ :‬أنه من أشراط الساعة‬
‫لم يجيء بعد ‪ ،‬وأنه يمكث في األرض أربعين يوما يمَل ما بين السماء واألرض ؛ فأما المؤمن‬
‫فيصيبه مثل الزكام ‪ ،‬وأما الكافر والفاجر فيدخل في أنوفهم فيثقب مسامعهم ‪ ،‬ويضيق أنفاسهم ؛‬

‫وهو من آثار جهنم يوم القيامة‪ .‬وممن قال إن الدخان لم يأت بعد ‪ :‬علي وابن عباس وابن عمرو‬

‫وأبو هريرة وزيد بن علي والحسن وابن أبي مليكة وغيرهم‪ .‬وروى أبو سعيد الخدري مرفوعا أنه دخان‬
‫يهيج بالناس يوم القيامة ؛ يأخذ المؤمن منه كالزكمة‪ .‬ومنفخ الكافر حتى يخرج من كل مسمع منه ؛‬
‫ذكره الماوردي‪ .‬وفي صحيح مسلم عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال ‪ :‬أطلع النبي‬
‫صلى اهلل عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال ‪" :‬ما تذكرون" ؟ قالوا ‪ :‬نذكر الساعة ؛ قال ‪" :‬إنها لن‬

‫تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات ‪ -‬فذكر ‪ -‬الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول‬
‫عيسى ابن مريم وخروج يأجوج ومأجوج وثالثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بجزيرة العرب وآخر‬
‫ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم"‪ .‬في رواية عن حذيفة " إن الساعة ال تكون حتى‬
‫تكون عشر آيات ‪ :‬خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف في جزيرة العرب والدخان والدجال‬

‫(‪)689/61‬‬

‫ودابة األرض ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس"‪.‬‬

‫وخرجه الثعلبي أيضا عن حذيفة قال ‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬أول اآليات خروجا‬

‫الدجال ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم‬
‫حيث باتوا وتقيل معهم إذا قالوا وتصبح معهم إذا أصبحوا وتمسي معهم إذا أمسوا" ‪ .‬قلت ‪ :‬يا نبي‬
‫اء بِ ُد َخان ُمبِين} يمَل ما بين المشرق‬
‫ب َي ْوَم َتأْتِي َّ‬
‫اهلل ‪ ،‬وما الدخان ؟ قال هذه اآلية ‪َ { :‬ف ْارَتِق ْ‬
‫الس َم ُ‬
‫والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة أما المؤمن فيصيبه منه شبه الزكام والكافر فيكون بمنزلة السكران‬

‫يخرج الدخان من فمه ومنخره وعينيه وأذنه ودبره"‪ .‬فهذا قول‪ .‬القول الثاني ‪ :‬أن الدخان هو ما‬
‫أصاب قريشا من ال جوع بدعاء النبي صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬حتى كان الرجل يرى بين السماء‬

‫واألرض دخانا ؛ قاله ابن مسعود‪ .‬قال وقد كشفه اهلل عنهم ‪ ،‬ولو كان يوم القيامة لم يكشفه عنهم‪.‬‬
‫والحديث عنه بهذا في صحيح البخاري ومسلم والترمذي‪ .‬قال البخاري ‪ :‬حدثني يحيى قال حدثنا أبو‬
‫معاوية عن األعمش عن مسلم عن مسروق قال ‪ :‬قال عبداهلل ‪ :‬إنما كان هذا ألن قريشا لما‬
‫استعصت على النبي صلى اهلل عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف ‪ ،‬فأصابهم قحط وجهد‬

‫حتى أكلوا العظام ‪ ،‬فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد ؛‬
‫السماء بِ ُد َخان مبِين‪ .‬ي ْغ َشى النَّاس َه َذا ع َذ ٌ ِ‬
‫ِ‬
‫يم}‪ .‬قال ‪ :‬فأتي‬
‫فأنزل اهلل تعالى ‪{ :‬فَ ْارتَِق ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫اب أَل ٌ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ب َي ْوَم تَأْتي َّ َ ُ‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فقيل ‪ :‬يا رسول اهلل ‪ ،‬استسق اهلل لمضر فإنها قد هلكت‪ .‬قال ‪:‬‬
‫ِ‬
‫ون} [الدخان ‪ .] 68 :‬فلما أصابتهم الرفاهية‬
‫"لمضر! إنك لجريء" فاستسقى فسقوا ؛ فنزلت {إِنَّ ُك ْم َعائ ُد َ‬
‫ط َش َة ا ْل ُك ْبَرى إِنَّا‬
‫عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية ؛ فأنزل اهلل عز وجل ‪َ { :‬ي ْوَم َن ْب ِط ُش ا ْلَب ْ‬
‫ِ‬
‫ون} قال ‪ :‬يعني يوم بدر‪ .‬قال أبو عبيدة ‪ :‬والدخان الجدب‪ .‬القتبي سمي دخانا ليبس األرض‬
‫ُم ْنَتق ُم َ‬
‫منه حين يرتفع منها كالدخان‪ .‬القول الثالث ‪ :‬إنه يوم‪ .‬فتح مكة لما حجبت السماء الغبرة ؛ قاله‬

‫عبدالرحمن األعرج ‪.‬‬

‫اس} في موضع الصفة للدخان ‪ ،‬فإن كان قد مضى على ما قال ابن مسعود‬
‫قوله تعالى ‪َ{ :‬ي ْغ َشى النَّ َ‬
‫فهو خاص بالمشركين من أهل مكة ‪ ،‬وان كان من‬

‫(‪)686/61‬‬

‫اب أَلِيم} أي يقول اهلل لهم ‪َ { :‬ه َذا ع َذ ٌ ِ‬
‫يم} ‪ .‬فمن‬
‫َ‬
‫اب أَل ٌ‬
‫أشراط الساعة فهو عام على ما تقدم‪َ { .‬ه َذا َع َذ ٌ ٌ‬
‫قال ‪ :‬إن الدخان قد مضى فقوله ‪َ { :‬ه َذا ع َذ ٌ ِ‬
‫يم} حكاية حال ماضية ‪ ،‬ومن جعله مستقبال‪ .‬فهو‬
‫َ‬
‫اب أَل ٌ‬
‫حكاية حال آتية‪ .‬وقيل ‪{ :‬هذا} بمعنى ذلك‪ .‬وقيل ‪ :‬أي يقول الناس لذلك الدخان ‪َ { :‬ه َذا ع َذ ٌ ِ‬
‫يم}‬
‫َ‬
‫اب أَل ٌ‬
‫وقيل ‪ :‬هو إخبار عن دنو األمر ؛ كما تقول ‪ :‬هذا الشتاء فأعد له‪.‬‬
‫ون }‬
‫اآلية ‪َ { 62 :‬ربََّنا ا ْك ِش ْ‬
‫اب إِنَّا ُم ْؤِمُن َ‬
‫ف َعنَّا ا ْل َع َذ َ‬
‫ون} ؛ أي نؤمن بك إن كشفته عنا‪ .‬قيل ‪ :‬إن قريشا‬
‫أي يقولون ذلك ‪ :‬اكشف عنا العذاب فـ {إِنَّا ُم ْؤِمُن َ‬
‫أتوا النبي صلى اهلل عليه وسلم وقالوا ‪ :‬إن كشف اهلل عنا هذا العذاب أسلمنا ‪ ،‬ثم نقضوا هذا القول‪.‬‬

‫قال قتادة ‪" :‬العذاب" هنا الدخان‪ .‬وقيل ‪ :‬الجوع ؛ حكاه النقاش‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وال تناقض ؛ فإن الدخان لم يكن ‪ ،‬إال من الجوع الذي أصابهم ؛ على ما تقدم‪ .‬وقد يقال‬
‫للجوع والقحط ‪ :‬الدخان ؛ ليبس األرض في سنة الجدب وارتفاع الغبار بسبب قلة األمطار ؛ ولهذا‬
‫يقال لسنة الجدب ‪ :‬الغبراء‪ .‬وقيل ‪ :‬إن العذاب هنا الثلج‪ .‬قال الماوردي ‪ :‬وهذا ال وجه له ؛ ألن هذا‬
‫إنما يكون في اآلخرة أو في أهل مكة ‪ ،‬ولم تكن مكة من بالد الثلج ؛ غير أنه مقول فحكيناه‪.‬‬
‫ِّ‬
‫ون}‬
‫ين ‪ ،‬ثَُّم َت َولَّ ْوا َع ْن ُه َوَقالُوا ُم َعلَّ ٌم َم ْجُن ٌ‬
‫اء ُه ْم َر ُسو ٌل ُمبِ ٌ‬
‫اآلية ‪ { 68 :‬أَنَّى لَ ُه ُم الذكَْرى َوَق ْد َج َ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬أَنَّى لَهم ِّ‬
‫الذكَْرى} أي من أين يكون لهم التذكر واالتعاظ عند حلول العذاب‪َ { .‬وقَ ْد‬
‫ُُ‬

‫ين} يبين لهم الحق ‪ ،‬والذكرى والذكر واحد ؛ قاله البخاري‪{ .‬ثَُّم َت َولَّ ْوا َع ْن ُه} أي‬
‫اء ُه ْم َر ُس ٌ‬
‫ول ُمبِ ٌ‬
‫َج َ‬
‫أعرضوا‪ .‬قال ابن عباس ‪ :‬أي متى يتعظون واهلل أبعدهم من االتعاظ والتذكر بعد توليهم عن محمد‬

‫صلى اهلل عليه وسلم وتكذيبهم إياه‪ .‬وقيل ‪ :‬أي أنى ينفعهم‬

‫(‪)682/61‬‬

‫ون} ؛ بعد ظهور العذاب غدا أو بعد ظهور أعالم الساعة ‪ ،‬فقد صارت المعارف‬
‫قولهم ‪{ :‬إِنَّا ُم ْؤِمُن َ‬
‫ون} أي علمه بشر أو علمه الكهنة‬
‫ضرورية‪ .‬وهذا إذا جعلت الدخان آية مرتقبة‪َ { .‬وَقاُلوا ُم َعَّل ٌم َم ْجُن ٌ‬
‫والشياطين ‪ ،‬ثم هو مجنون وليس برسول‪.‬‬

‫ِ‬
‫اآلية ‪ِ { 68 :‬إَّنا َك ِ‬
‫اش ُفو ا ْل َع َذ ِ‬
‫ون }‬
‫اب قَلِي ً‬
‫ال إِنَّ ُك ْم َعائ ُد َ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬إِنَّا َك ِ‬
‫اشفُو الْ َعذَ ِ‬
‫اب َقلِيالً} أي وقتا قليال ‪ ،‬وعد أن يكشف عنهم ذلك العذاب قليال ؛ أي‬
‫في زمان قليل ليعلم أنهم ال يفون بقولهم ‪ ،‬بل يعودون إلى الكفر بعد كشفه ؛ قال ابن مسعود‪ .‬فلما‬

‫كشف ذلك عنهم باستسقاء النبي صلى لهم اهلل عليه وسلم عادوا إلى تكذيبه‪ .‬ومن قال ‪ :‬إن الدخان‬

‫منتظر قال ‪ :‬أشار بهذا إلى ما يكون من الفرجة بين آية وآية من آيات قيام الساعة‪ .‬ثم من قضي‬

‫عليه بالكفر يستمر على كفره‪ .‬ومن قال هذا في القيامة قال ‪ :‬أي لو كشفنا عنكم العذاب لعدتم إلى‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ون}‬
‫ون} إلينا ؛ أي مبعوثون بعد الموت‪ .‬وقيل ‪ :‬المعنى {إِنَّ ُك ْم َعائ ُد َ‬
‫الكفر‪ .‬وقيل ‪ :‬معنى {إِنَّ ُك ْم َعائ ُد َ‬
‫إلى نار جهنم إن لم تؤمنوا‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ون }‬
‫اآلية ‪َ { 61 :‬ي ْوَم َن ْبط ُش ا ْلَبطْ َش َة ا ْل ُك ْبَرى إِنَّا ُم ْنَتق ُم َ‬
‫ِ‬
‫ون} ؛ أي ننتقم منهم يوم نبطش‪ .‬وأبعده بعض‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬يوم} محمول على ما دل عليه { ُم ْنَتق ُم َ‬
‫ِ‬
‫ون} وهو بعيد أيضا ؛‬
‫النحويين بسبب أن ما بعد "إن" ال يفسر ما قبلها‪ .‬وقيل ‪ :‬إن العامل فيه { ُم ْنَتق ُم َ‬
‫ألن ما بعد "إن" ال يعمل فيما قبلها‪ .‬وال يحسن تعلقه بقوله ‪{ :‬عائِ ُدون} وال بقوله ‪{ :‬إِنَّا َك ِ‬
‫اش ُفو‬
‫َ َ‬
‫ا ْل َع َذ ِ‬
‫ابً } ؛ إذ ليس المعنى عليه‪ .‬ويجوز نصبه بإضمار فعل ؛ كأنه قال ‪ :‬ذكرهم أو أذكر‪ .‬ويجوز‬
‫أن يكون المعنى فإنهم عائدون ‪ ،‬فإذا عدتم أنتقم منكم يوم نبطش البطشة الكبرى‪ .‬ولهذا وصل هذا‬

‫بقصة فرعون ‪ ،‬فإنهم وعدوا موسى اإليمان إن كشف عنهم العذاب ‪ ،‬ثم لم يؤمنوا حتى غرقوا‪.‬‬
‫ِ‬
‫وقيل ‪{ :‬إِنَّا َك ِ‬
‫اش ُفو ا ْل َع َذ ِ‬
‫ط َش َة ا ْل ُك ْبَرى إِنَّا‬
‫ون} كالم تام‪ .‬ثم ابتدأ ‪َ { :‬ي ْوَم َن ْب ِط ُش ا ْلَب ْ‬
‫اب َقلِي ً‬
‫ال إِنَّ ُك ْم َعائ ُد َ‬
‫ِ‬
‫ون} أي ننتقم من جميع الكفار‪ .‬وقيل ‪ :‬المعنى وارتقب الدخان وارتقب يوم نبطش ‪ ،‬فحذف واو‬
‫ُم ْنَتق ُم َ‬
‫العطف ؛‬

‫(‪)688/61‬‬

‫كما تقول ‪ :‬اتق النار اتق العذاب‪ .‬و {الَْبطْ َشةَ الْ ُك ْبَرى} في قول ابن مسعود ‪ :‬يوم بدر‪ .‬وهو قول ابن‬
‫عباس وأبي بن كعب ومجاهد والضحاك‪ .‬وقيل ‪ :‬عذاب جهنم يوم القيامة ؛ قال الحسن وعكرمة وابن‬

‫عباس أيضا ‪ ،‬واختاره الزجاج‪ .‬وقيل ‪ :‬دخان يقع في الدنيا ‪ ،‬أوجوع أو قحط يقع قبل يوم القيامة‪.‬‬

‫الماوردي ‪ :‬ويحتمل أنها قيام الساعة ؛ ألنها خاتمة ‪ :‬بطشاته في الدنيا‪ .‬ويقال ‪ :‬انتقم اهلل منه ؛ أي‬
‫عاقبه‪ .‬واالسم منه النقمة والجمع النقمات‪ .‬وقيل بالفرق بين النقمة والعقوبة ؛ فالعقوبة بعد المعصية‬
‫ألنها من العاقبة‪ .‬والنقمة قد تكون قبلها ؛ قال ابن عباس‪ .‬وقيل ‪ :‬العقوبة ما تقدرت واالنتقام غير‬
‫مقدر‪.‬‬

‫ِ‬
‫يم}‬
‫اء ُه ْم َر ُس ٌ‬
‫ول َك ِر ٌ‬
‫اآلية ‪َ { 68 :‬وَل َق ْد َفَتنَّا َق ْبَل ُه ْم قَ ْوَم ف ْرَع ْو َن َو َج َ‬
‫أي ابتليناهم‪ .‬ومعنى هذه الفتنة واالبتالء األمر بالطاعة‪ .‬والمعنى عاملناهم معاملة المختبر ببعثة‬

‫موسى إليهم فكذبوا فأهلكوا ؛ فهكذا أفعل بأعدائك يا محمد إن لم يؤمنوا‪ .‬وقيل ‪ :‬فتناهم عذبناهم‬
‫بالغرق‪ .‬وفي الكالم تقديم وتأخير ؛ والتقدير ‪ :‬ولقد جاء آل فرعون رسول كريم وفتناهم ‪ ،‬أي‬
‫أغرقناهم ؛ ألن الفتنة كانت بعد مجيء الرسول‪ .‬والواو ال ترتب‪ .‬ومعنى {كريم} أي كريم في قومه‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬كريم األخالق بالتجاوز والصفح‪ .‬وقال الفراء ‪ :‬كريم على ربه إذ اختصه بالنبوة واسماع‬
‫الكالم‪.‬‬

‫َن أ َُّدوا إِلَ َّي ِعب َ َّ ِ‬
‫طان‬
‫َن ال َت ْعُل او َعَلى اللَّ ِه إِنِّي آتِي ُك ْم بِ ُس ْل َ‬
‫س ٌ‬
‫ين ‪َ ،‬وأ ْ‬
‫ول أ َِم ٌ‬
‫اآلية ‪ { 63 :‬أ ْ‬
‫َ‬
‫اد الله إِنِّي َل ُك ْم َر ُ‬
‫ُمبِين }‬
‫اد اللَّ ِه} قال ابن عباس ‪ :‬المعنى جاءهم فقال ‪ :‬اتبعوني‪ .‬فـ {عباد اهلل}‬
‫َن أ َُّدوا إِلَ َّي ِعَب َ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬أ ْ‬
‫منادى‪ .‬وقال مجاهد ‪ :‬المعنى أرسلوا معي عباد اهلل وأطلقوهم من العذاب‪ .‬فـ {عباد اهلل} على هذا‬
‫ين} أي أمين‬
‫س ٌ‬
‫ول أ َِم ٌ‬
‫مفعول‪ .‬وقيل ‪ :‬المعنى أدوا إلي سمعكم حتى أبلغكم رسالة ربي‪{ .‬إِنِّي لَ ُك ْم َر ُ‬
‫ع لى الوحي فأقبلوا نصحي‪ .‬وقيل ‪ :‬أمين على ما أستأديه‬

‫(‪)688/61‬‬

‫َن ال تَ ْعلُوا َعلَى اللَّ ِه} أي ال تتكبروا عليه وال ترتفعوا عن طاعته‪ .‬وقال قتادة ‪:‬‬
‫منكم فال أخون فيه‪َ { .‬وأ ْ‬
‫ال تبغوا على اهلل‪ .‬ابن عباس ‪ :‬ال تفتروا على اهلل‪ .‬والفرق بين البغي واالفتراء ‪ :‬أن البغي بالفعل‬
‫واالفتراء بالقول‪ .‬وقال ابن جريج ‪ :‬ال تعظموا على اهلل‪ .‬يحيى بن سالم ‪ :‬ال تستكبروا على عبادة‬

‫اهلل‪ .‬والفرق بين التعظيم واالستكبار ‪ :‬أن التعظيم تطاول المقتدر ‪ ،‬واالستكبار ترفع المحقر ؛ ذكره‬
‫الماوردي {إِنِّي آتِي ُك ْم بِ ُسلْطَ ان ُمبِ ين} قال قتادة ‪ :‬بعذر بين‪ .‬وقال يحيى بن سالم بحجة بينة‪ .‬والمعنى‬
‫واحد ؛ أي برهان بين ‪.‬‬
‫َن َت ْرُج ُم ِ‬
‫ون}‬
‫ت بَِربِّي َوَربِّ ُك ْم أ ْ‬
‫اآلية ‪َِ { 29 :‬واِّني ُع ْذ ُ‬
‫كأنهم توعدوه بالقتل فاستجار باهلل‪ .‬قال قتادة ‪َ{ :‬ت ْرُج ُم ِ‬
‫ون} بالحجارة‪ .‬وقال ابن عباس ‪ :‬تشتمون ؛‬

‫ت} نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم ويعقوب‪ .‬وأدغم‬
‫فتقولوا ساحر كذاب‪ .‬وأظهر الذال من { ُع ْذ ُ‬
‫الباقون‪ .‬واإلدغام طلبا للتخفيف ‪ ،‬واإلظهار على األصل‪ .‬ثم قيل ‪ :‬إني عذت باهلل فيما مضى ؛ ألن‬
‫ِ‬
‫ون إِلَيْ ُك َما} [القصص ‪ .]88 :‬وقيل ‪ :‬إني أعوذ ؛ كما تقول نشدتك باهلل ‪،‬‬
‫اهلل وعده فقال ‪{ :‬فَال َيصلُ َ‬
‫وأقسمت عليك باهلل ؛ أي أقسم‪.‬‬
‫اعَت ِزلُ ِ‬
‫ون}‬
‫اآلية ‪َِ { 26 :‬وا ْن لَ ْم تُ ْؤِمُنوا لِي َف ْ‬
‫قوله تعالى ‪َِ { :‬وا ْن َل ْم ُت ْؤِمُنوا لِي} أي إن لم تصدقوني ولم تؤمنوا باهلل ألجل برهاني ؛ فالالم في {لي}‬

‫آم َن َل ُه لُوطٌ} [العنكبوت ‪ ] 21 :‬أي به‪.‬‬
‫الم أجل‪ .‬وقيل ‪ :‬أي وان لم تؤمنوا بي ؛ كقوله ‪َ { :‬ف َ‬
‫اعَت ِزُل ِ‬
‫ون} أي دعوني كفافا ال لي وال علي ؛ قال مقاتل‪ .‬وقيل ‪ :‬أي كونوا بمعزل مني وأنا به معزل‬
‫{ َف ْ‬

‫منكم إلى أن يحكم اهلل بيننا‪ .‬وقيل ‪ :‬فخلوا سبيلي وكفوا عن أذاي‪ .‬والمعنى متقارب ‪ ،‬واهلل أعلم‪.‬‬
‫ِ‬
‫ون}‬
‫َّه أ َّ‬
‫َن َه ُؤالء َق ْوٌم ُم ْج ِرُم َ‬
‫اآلية ‪َ { 22 :‬ف َد َعا َرب ُ‬

‫(‪)688/61‬‬

‫َن َهؤ ِ‬
‫الء} بفتح "أن" أي بأن هؤالء‪َ { .‬ق ْوٌم‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ف َد َعا َرب ُ‬
‫َّه} فيه حذف ؛ أي فكفروا فدعا ربه‪{ .‬أ َّ ُ‬
‫ون} أي مشركون ‪ ،‬قد امتنعوا من إطالق بنى إسرائيل ومن اإليمان‪.‬‬
‫ُم ْج ِرُم َ‬
‫ون }‬
‫َس ِر بِ ِعَب ِادي َل ْي ً‬
‫ال إِنَّ ُك ْم ُمتََّب ُع َ‬
‫اآلية ‪َ { 28 :‬فأ ْ‬
‫َس ِر بِ ِعَب ِادي َل ْيالً} أي فأجبنا دعاءه وأوحينا إليه أن أسر بعبادي ؛ أي بمن آمن باهلل‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬فأ ْ‬
‫ون} وق أر أهل الحجاز {فأسر}بوصل األلف‪.‬‬
‫من بني إسرائيل‪{ .‬لَ ْيالً} أي قبل الصباح {إِنَّ ُك ْم ُمتََّب ُع َ‬
‫وكذلك ابن كثير ؛ من سرى‪ .‬الباقون {فأسر} بالقطع ؛ من أسرى‪ .‬وقد تقدم‪ .‬وتقدم خروج فرعون‬

‫وراء موسى في "البقرة واألعراف وطه والشعراء ويونس" واغراقه وانجاء موسى" ؛ فال معنى لإلعادة‪.‬‬
‫أمر موسى عليه السالم بالخروج ليال‪ .‬وسير الليل في الغالب إنما يكون عن خوف ‪ ،‬والخوف يكون‬
‫بوجهين ‪ :‬إما من العدو فيتخذ ال ليل سترا مسدال ؛ فهو من أستار اهلل تعالى‪ .‬واما من خوف المشقة‬
‫على الدواب واألبدان بحر أو جدب ‪ ،‬فيتخذ السرى مصلحة من ذلك‪ .‬وكان النبي صلى اهلل عليه‬
‫وسلم يسري ويدلج ومترفق ويستعجل ‪ ،‬بحسب الحاجة وما تقتضيه المصلحة‪ .‬وفي الصحيح عن‬
‫النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬إذا سافرتم في الخصب فأعطوا اإلبل حظها من األرض واذا سافرتم‬

‫في السنة فبادروا بها نقيها"‪ .‬وقد مضى في أول "النحل" ؛ والحمد هلل‪.‬‬
‫ِ‬
‫ون}‬
‫اآلية ‪َ { 28 :‬واتُْرك الَْب ْحَر َرْهواً إِنَّ ُه ْم ُج ْن ٌد ُم ْغَرُق َ‬

‫(‪)681/61‬‬

‫قال ابن عباس ‪َ{ :‬رْهوًا} أي طريقا‪ .‬وقال كعب والحسن‪ .‬وعن ابن عباس أيضا سمتا‪ .‬الضحاك‬
‫ب َل ُه ْم طَ ِريقاً فِي الَْب ْح ِر َيَبساً} وقيل ‪ :‬مفترقا‪.‬‬
‫اض ِر ْ‬
‫والربيع ‪ :‬سهال‪ .‬عكرمة ‪ :‬يبسا ‪ ،‬لقوله ‪َ { :‬ف ْ‬
‫مجاهد ‪ :‬منفرجا‪ .‬وعنه يابسا‪ .‬وعنه ساكنا ‪ ،‬وهو المعروف في اللغة‪ .‬وقاله قتادة والهروي‪ .‬وقال‬
‫غيرهما ‪ :‬منفرجا‪ .‬وقال ابن عرفة ‪ :‬وهما يرجعان إلى معنى واحد وان اختلف لفظاهما ‪ ،‬ألنه إذا‬
‫سكن جريه انفرج‪ .‬وكذلك كان البحر يسكن جريه وانفرج لموسى عليه السالم‪ .‬والرهو عند العرب ‪:‬‬
‫الساكن ‪ ،‬يقال ‪ :‬جاءت الخيل رهوا ‪ ،‬أي ساكنة‪ .‬قال ‪:‬‬
‫والخيل تنزع رهوا في أعنتها ‪ ...‬كالطير تنجو من الشؤبوب ذي البرد‬

‫الجوهري ‪ :‬ويقال أفعل ذلك رهوا ‪ ،‬أي ساكنا على هينتك‪ .‬وعيش راه ‪ ،‬أي ساكن رافه‪ .‬وخمس راه ‪،‬‬
‫إذا كان سهال‪ .‬ورها البحر أي سكن‪ .‬وقال أبو عبيد ‪ :‬رها بين رجليه يرهو رهوا أي فتح ‪ ،‬ومنه قوله‬
‫تعالى ‪َ { :‬واتُْرِك الَْب ْحَر َرْهواً} ‪ :‬السير السهل ‪ ،‬يقال ‪ :‬جاءت الخيل رهوا‪ .‬قال ابن األعرابي ‪ :‬رها‬
‫يرهو في السير أي رفق‪ .‬قال القطامي في نعت الركاب ‪:‬‬
‫يمشين رهوا فال األعجاز خاذلة ‪ ...‬وال الصدور على األعجاز تتكل‬

‫والرهو والرهوة ‪ :‬المكان المرتفع ‪ ،‬والمنخفض أيضا يجتمع فيه الماء ‪ ،‬وهو من األضداد‪ .‬وقال أبو‬
‫عبيد ‪ :‬الرهو ‪ :‬الجوبة تكون في محلة القوم يسيل فيها ماء المطر وغيره‪ .‬وفي الحديث أنه قضى أن‬
‫" ال شفعة في فناء وال طريق وال منقبة وال ركح وال رهو"‪ .‬والجمع رهاء‪ .‬والرهو ‪ :‬المرأة الواسعة الهن‪.‬‬
‫حكاه النضير بن شميل‪ .‬والرهو ‪ :‬ضرب من الطير ‪ ،‬ويقال ‪:‬‬

‫(‪)688/61‬‬

‫هو الكركي‪ .‬قال الهروي ‪ :‬ويجوز أن يكون {رهوا} من نعت موسى ‪ -‬وقال القشيري ‪ -‬أي سر‬

‫ساكنا على هينتك ؛ فالرهو من نعت موسى وقومه ال من نعت البحر ‪ ،‬وعلى األول هو من نعت‬

‫البحر ؛ أي اتركه ساكنا كما هو قد انفرق فال تأمره باالنضمام‪ .‬حتى يدخل فرعون وقومه‪ .‬قال‬
‫قتادة ‪ :‬أراد موسى أن يضرب البحر لما قطعه بعصاه حتى يلتئم ‪ ،‬وخاف أن يتبعه فرعون فقيل له‬
‫هذا‪ .‬وقيل ‪ :‬ليس الرهو من السكون بل هو الفرجة بين الشيئين ؛ يقال ‪ :‬رها ما بين الرجلين أي‬

‫فرج‪ .‬فقوله ‪{ :‬رهوا} أي منفرجا‪ .‬وقال الليث ‪ :‬الرهو ومشي في سكون ‪ ،‬يقال ‪ :‬رها يرهو رهوا فهو‬

‫راه‪ .‬وعيش راه ‪ :‬وادع خافض‪ .‬وافعل ذلك سهوا رهوا ؛ أي ساكنا بغير شدة‪ .‬وقد ذكرناه آنفا‪{ .‬إِنَّ ُه ْم}‬

‫ون} أخبر موسى بذلك ليسكن قلبه‪.‬‬
‫أي إن فرعون وقومه‪ُ { .‬جنْ ٌد ُم ْغَرقُ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين }‬
‫يها َفاك ِه َ‬
‫اآلية ‪َ { 28 - 28 :‬ك ْم َتَرُكوا م ْن َجنَّات َو ُعُيون ‪َ ،‬وُزُروع َو َم َقام َك ِريم ‪َ ،‬وَن ْع َمة َك ُانوا ف َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ك ْم َتَرُكوا ِم ْن َجنَّات َو ُعُيون ‪َ ،‬وُزُروع َو َم َقام كَ ِريم} {كم} للكثير‪ .‬وقد مضى الكالم في‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين} النعمة (بالفتح) ‪ :‬التنعيم ‪ ،‬يقال ‪ :‬نعمه اهلل وناعمه‬
‫يها َفاك ِه َ‬
‫معنى هذه اآلية‪َ { .‬وَن ْع َمة َك ُانوا ف َ‬
‫فتنعم‪ .‬وامرأة منعمة ومناعمة ‪ ،‬بمعنى‪ .‬والنعمة (بالكسر) ‪ :‬اليد والصنيعة والمنة وما أنعم به عليك‪.‬‬
‫وكذلك النعمى‪ .‬فإن فتحت النون مددت وقلت ‪ :‬النعماء‪ .‬والنعيم مثله‪ .‬وفالن واسع النعمة ‪ ،‬أي‬
‫واسع المال ؛ جميعه عن الجوهري‪ .‬وقال ابن عمر ‪ :‬المراد بالنعمة نيل مصر‪ .‬ابن لهيعة ‪ :‬الفيوم‪.‬‬
‫ابن زياد ‪ :‬أرض مصر لكثرة خيرها‪ .‬وقيل ‪ :‬ما كانوا فيه من السعة والدعة‪ .‬وقد يقال ‪ :‬نعمة ونعمة‬
‫(بفتح النون وكسرها) ‪ ،‬حكاه الماوردي‪ .‬قال ‪ :‬وفي الفرق بينهما وجهان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬أنها بكسر النون‬
‫في الملك ‪ ،‬وبفتحها في البدن والدين ‪ ،‬قاله النضير بن شميل‪ .‬الثاني ‪ :‬أنها بالكسر من المنة وهو‬
‫اإلفضال والعطية ؛ وبالفتح من التنعيم وهو سعة العيش والراحة ؛ قال ابن زياد‪.‬‬

‫(‪)683/61‬‬

‫قلت ‪ :‬هذا الفرق هو الذي وقع في الصحاح وقد ذكرناه‪ .‬وق أر أبو رجاء والحسن وأبو األشهب‬
‫واألعرج وأبو جعفر وشيبة {فكهين} بغير ألف ‪ ،‬ومعناه أشرين بطرين‪ .‬قال الجوهري ‪ :‬فكة الرجل‬
‫(بالكسر) فهو فكه إذا كان طب النفس مزاحا‪ .‬والفكه أيضا األشر البطر‪ .‬وقرئ {ونعمة كانوا فيها‬
‫فكهين} أي أشرين بط رين‪ .‬و {فاكهين} أي ناعمين‪ .‬القشيري ‪{ :‬فاكهين} الهين مازحين ‪ ،‬يقال ‪ :‬إنه‬
‫لفاكه أي مزاج‪ .‬وفيه فكاهة أي مزح‪ .‬الثعلبي ‪ :‬وهما لغتان كالحاذر والحذر ‪ ،‬والفاره والفره‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫إن الفاكه هو المستمتع بأنواع اللذة كما يتمتع اآلكل بأنواع الفاكهة‪ .‬والفاكهة ‪ :‬فضل عن القوت‬
‫الذي ال بد منه‪.‬‬
‫ين}‬
‫اآلية ‪َ { 23 :‬ك َذلِ َ‬
‫اها قَ ْوماً َ‬
‫ك َوأ َْوَرثَْن َ‬
‫آخ ِر َ‬
‫قال الزجاج ‪ :‬أي األمر كذلك ؛ فيوقف على { َك َذلِ َك} ‪ .‬وقيل ‪ :‬إن الكاف في موضع نصب ‪ ،‬على‬
‫تقدير نفعل فعال كذلك بمن نريد إهالكه‪ .‬وقال الكلبي ‪َ { :‬ك َذلِ َك} أفعل بمن عصاني‪ .‬وقيل ‪َ { :‬ك َذلِ َك}‬

‫ين} يعني بنى إسرائيل ‪ ،‬ملكهم اهلل تعالى أرض مصر بعد‬
‫اها َق ْومًا َ‬
‫كان أمرهم فأهلكوا‪َ { .‬وأ َْوَرثَْن َ‬
‫آخ ِر َ‬
‫أن كانوا فيها مستعبدين ‪ ،‬فصاروا لها وارثين ؛ لوصول ذلك إليهم كوصول الميراث‪ .‬ونظيره ‪:‬‬
‫ِ‬
‫ق ْاأل َْر ِ‬
‫ض َو َم َغ ِ‬
‫ون َم َش ِ‬
‫ارَب َها} [األعراف ‪.]688 :‬‬
‫ار َ‬
‫ين َك ُانوا ُي ْستَ ْ‬
‫ض َعفُ َ‬
‫{ َوأ َْوَرثَْنا الْقَ ْوَم الَّذ َ‬
‫ين }‬
‫ت َعَل ْي ِه ُم َّ‬
‫ض َو َما َك ُانوا ُم ْن َ‬
‫اآلية ‪َ { 23 :‬ف َما َب َك ْ‬
‫ظ ِر َ‬
‫اء َو ْاأل َْر ُ‬
‫الس َم ُ‬
‫ين} أي مؤخرين بالغرق‪.‬‬
‫ت َعلَ ْي ِه ُم َّ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ف َما َب َك ْ‬
‫ض} أي لكفرهم‪َ { .‬و َما َك ُانوا ُم ْنظَ ِر َ‬
‫اء َو ْاأل َْر ُ‬
‫الس َم ُ‬
‫وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم ‪ :‬بكت له السماء واألرض ؛ أي عمت مصيبته األشياء‬
‫حتى بكته السماء واألرض والريح والبرق ‪ ،‬وبكته الليالي الشاتيات‪ .‬قال الشاعر ‪:‬‬

‫(‪)683/61‬‬

‫فالريح تبكي شجوها ‪ ...‬والبرق يلمع في الغمامة‬
‫وقال آخر ‪:‬‬
‫والشمس طالعة ليست بكاسفة ‪ ...‬تبكي عليك نجوم الليل والقم ار‬

‫وقالت الخارجية ‪:‬‬

‫أيا شجر الخابور مالك مورقا ‪ ...‬كأنك لم تجزع على ابن طريف‬
‫وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه‪ .‬والمعنى أنهم هلكوا فلم‬
‫تعظم مصيبتهم ولم يوجد لهم فقد‪ .‬وقيل ‪ :‬في الكالم إضمار ‪ ،‬أي ما بكى عليهم أهل السماء‬

‫اسأ ِ‬
‫َل ا ْلقَْرَي َة} [يوسف ‪ ]32 :‬بل سروا بهالكهم ‪ ،‬قاله‬
‫واألرض من المالئكة ؛ كقوله تعالى ‪َ { :‬و ْ‬
‫الحسن‪ .‬وروى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال ‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬ما من‬
‫مؤمن إال وله في السماء بابان باب ينزل منه رزقه وباب يدخل منه كالمه وعمله فإذا مات فقداه‬

‫ض}‪ .‬يعني أنهم لم يعملوا على األرض عمال‬
‫ت َعَل ْي ِه ُم َّ‬
‫فبكيا عليه ‪ -‬ثم تال – { َف َما َب َك ْ‬
‫اء َو ْاأل َْر ُ‬
‫الس َم ُ‬
‫صالحا تبكي عليهم ألجله ‪ ،‬وال صعد لهم إلى السماء عمل صالح فتبكي فقد ذلك‪ .‬وقال مجاهد ‪:‬‬
‫إن السماء واألرض يبكيان على المؤمن أربعين صباحا‪ .‬قال أبو يحيى ‪ :‬فعجبت من قوله فقال ‪:‬‬
‫أتعجب ! وما لَلرض ال تبكي على عبد يعمرها بالركوع والسجود ! وما للسماء ال تبكي على عبد‬
‫كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوي كدوي النحل !‪ .‬وقال علي وابن عباس رضي اهلل عنهما ‪ :‬إنه يبكي‬
‫عليه مصاله من األرض ومصعد عمله من السماء‪ .‬وتقدير اآلية على هذا ‪ :‬فما بكت عليهم‬
‫مصاعد عملهم من السماء وال مواضع عبادتهم من األرض‪ .‬وهو معنى قول سعيد بن جبير‪ .‬وفي‬

‫بكاء السماء واألرض ثالثة أوجه ‪ :‬أحدها أنه كالمعروف من بكاء الحيوان‪ .‬ويشبه أن يكون قول‬
‫مجاهد‪ .‬وقال شريح الحضرمي قال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬إن اإلسالم بدأ غريبا وسيعود‬
‫غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء يوم القيامة‬

‫(‪)689/61‬‬

‫قيل ‪ :‬من هم يا رسول اهلل ؟ قال ‪ -‬هم الذين إذا فسد الناس صلحوا ‪ -‬ثم قال ‪ -‬أال ال غربة على‬

‫مؤمن وما مات مؤمن في غربة غائبا عنه بواكيه إال بكت عليه السماء واألرض ‪ -‬ثم قرأ رسول اهلل‬

‫صلى اهلل عليه وسلم ‪ { -‬فما بكت عليهم السماء واألرض} ثم قال ‪ :‬أال إنهما ال يبكيان على الكافر‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وذكر أبو نعيم محمد بن معمر قال ‪ :‬حدثنا أبو شعيب الحراني قال حدثنا يحيى بن عبداهلل‬
‫قال حدثنا األوزاعي قال حدثني عطاء الخراساني قال ‪ :‬ما من عبد يسجد هلل سجدة في بقعة من‬
‫بقاع األرض إال شهدت له يوم القيامة وبكت عليه يوم يموت‪ .‬وقيل ‪ :‬بكاؤهما حمرة أطرافهما ؛ قال‬
‫علي بن أبي طالب ‪ -‬رضي اهلل عنه ‪ -‬وعطاء والسدي والترمذي محمد بن علي وحكاه عن‬

‫الحسن‪ .‬قال السدي ‪ :‬لما قتل الحسين بن علي رضي اهلل عنهما بكت عليه السماء ؛ وبكاؤها‬
‫حمرتها‪ .‬وحكى جرير عن يزيد بن أبي زياد قال ‪ :‬لما قتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اهلل‬

‫عنهما احمر له آفاق السماء أربعة أشهر‪ .‬قال يزيد ‪ :‬واحمرارها بكاؤها‪ .‬وقال محمد بن سيرين ‪:‬‬
‫أخبرونا أن الحمرة التي تكون مع الشفق لم تكن حتى قتل الحسين بن علي رضي اهلل عنهما‪ .‬وقال‬
‫سليمان القاضي ‪ :‬مطرنا دما يوم قتل الحسين‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬روى الدارقطني من حديث مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال ‪ :‬قال النبي صلى اهلل‬

‫عليه وسلم ‪" :‬الشفق الحمرة"‪ .‬وعن عبادة بن الصامت وشداد بن أوس قاال ‪ :‬الشفق شفقان ‪ :‬الحمرة‬

‫والبياض ؛ فإذا غابت الحمرة حلت الصالة‪ .‬وعن أبي هريرة قال ‪ :‬الشفق الحمرة‪ .‬وهذا يرد ما حكاه‬
‫ابن سيرين‪ .‬وقد تقدم في "اإلسراء" عن قرة بن خالد قال ‪ :‬ما بكت السماء على أحد إال على يحيى‬
‫بن زكريا والحسين بن علي ‪ ،‬وحمرتها بكاؤها‪ .‬وقال محمد بن علي الترمذي ‪ :‬البكاء إدرار الشيء‬
‫فإذا أدرت العين بمائها قيل بكت ‪ ،‬واذا أدرت السماء بحمرتها قيل بكت ‪ ،‬واذا أدرت األرض بغبرتها‬

‫قيل بكت ؛ ألن المؤمن نور ومعه نور اهلل ؛ فاألرض مضيئة بنوره وان غاب عن عينيك ‪ ،‬فان‬
‫فقدت نور المؤمن اغبرت فدرت‬

‫(‪)686/61‬‬

‫باغبرارها ؛ ألنها كانت غبراء بخطايا أهل الشرك ‪ ،‬وانما صارت مضيئة بنور المؤمن ؛ فإذا قبض‬
‫المؤمن منها درت بغبرتها‪ .‬وقال أنس ‪ :‬لما كان اليوم الذي دخل فيه النبي صلى اهلل عليه وسلم‬

‫المدينة أضاء كل شيء ‪ ،‬فلما كان اليوم الذي قبض فيه أظلم كل شيء ‪ ،‬وانا لفي دفنه ما نفضنا‬
‫األيدي منه حتى أنكرنا قلوبنا‪ .‬وأما بكاء السماء فحمرتها كما قال الحسن‪ .‬وقال نصر بن عاصم ‪:‬‬
‫إن أول اآليات حمرة تظهر ‪ ،‬وانما ذلك لدنو الساعة ‪ ،‬فتدر بالبكاء لخالئها من أنوار المؤمنين‪.‬‬

‫وقيل ‪ :‬بكاؤها أمارة تظهر منها تدل على أسف وحزن‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬والقول األول أظهر ؛ إذ ال استحالة في ذلك‪ .‬واذا كانت السماوات واألرض تسبح وتسمع‬
‫وتتكلم كما بيناه في " اإلسراء ومريم وحم فصلت" فكذلك تبكي ‪ ،‬مع ما جاء من الخبر في ذلك واهلل‬
‫أعلم بصواب هذه األقوال‪.‬‬

‫اب الْم ِه ِ ِ ِ‬
‫اآلية ‪{ 86 - 89 :‬ولَ َق ْد َنج ْ ِ‬
‫ائيل ِم َن الْ َع َذ ِ‬
‫ان َعالِياً ِم َن‬
‫سر َ‬
‫ين ‪ ،‬م ْن ف ْرَع ْو َن إِنَّ ُه َك َ‬
‫َّيَنا َبني إِ ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫ين}‬
‫الْ ُم ْس ِرِف َ‬

‫يعني ما كانت القبط تفعل بهم بأمر فرعون ‪ ،‬من قتل األبناء واستخدام النساء ‪ ،‬واستعبادهم إياهم‬
‫وتكلفهم األعمال الشاقة‪{ .‬من فرعون} بدل من {الْ َع َذ ِ‬
‫اب الْ ُم ِه ِ‬
‫ين} فال تتعلق { من} بقوله ‪ِ { :‬م َن‬
‫ا ْل َع َذ ِ‬
‫اب} ألنه قد وصف ‪ ،‬وهو ال يعمل بعد الوصف عمل الفعل‪ .‬وقيل ‪ :‬أي أنجيناهم من العذاب‬
‫ِ ِ‬
‫ين} أي جبارا من المشركين‪ .‬وليس هذا علو مدح بل هو‬
‫ان َعالياً م َن الْ ُم ْس ِرِف َ‬
‫ومن فرعون‪{ .‬إِنَّ ُه َك َ‬

‫علو في اإلسراف‪ .‬كقوله ‪{ :‬إِ َّن فِ ْرَع ْو َن َعال ِفي ْاأل َْر ِ‬
‫ض} [القصص ‪ .] 8 :‬وقيل ‪ :‬هذا العلو هو‬
‫الترفع عن عبادة اهلل‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين}‬
‫اآلية ‪َ { 82 :‬ولَ َقِد ْ‬
‫اخَت ْرَن ُ‬
‫اه ْم َعلَى علْم َعلَى الْ َعالَم َ‬
‫اه ْم} يعني بني إسرائيل‪َ { .‬عَلى ِع ْلم} أي على علم منا بهم لكثرة األنبياء‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وَل َقِد ْ‬
‫اخَت ْرَن ُ‬
‫ِ‬
‫ين} أي عالمي زمانهم ‪ ،‬بدليل قوله لهذه األمة ‪ُ { :‬ك ْنُت ْم َخ ْيَر‬
‫منهم‪َ { .‬عَلى الْ َعاَلم َ‬

‫(‪)682/61‬‬

‫ت لِلنَّ ِ‬
‫اس} [آل عمران ‪ .] 669 :‬وهذا قول قتادة وغيره‪ .‬وقيل ‪ :‬على كل العالمين بما جعل‬
‫ُخ ِرَج ْ‬
‫ُُ َّمة أ ْ‬

‫فيهم من األنبياء‪ .‬وهذا خاصة لهم ولي س لغيرهم ؛ حكاه ابن عيسى والزمخشري وغيرهما‪ .‬ويكون‬

‫ُمة} أي بعد بني إسرائيل‪ .‬واهلل أعلم‪ .‬وقيل ‪ :‬يرجع هذا االختيار إلى تخليصهم‬
‫قوله ‪ُ { :‬كنْتُ ْم َخ ْيَر أ َّ‬
‫من الغرق وايراثهم األرض بعد فرعون‪.‬‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫اآلية ‪{ 88 :‬و َآت ْيَن ُ ِ‬
‫ين }‬
‫الء ُمِب ٌ‬
‫اه ْم م َن ْاآليات َما فيه َب ٌ‬
‫َ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬و َآت ْيَن ُ ِ‬
‫ين} قال قتادة ‪:‬‬
‫الء ُمبِ ٌ‬
‫اه ْم م َن ْاآليات} أي من المعجزات لموسى‪َ { .‬ما فيه َب ٌ‬
‫َ‬
‫اآليات إنجاؤهم من فرعون وفلق البحر لهم ‪ ،‬وتظليل الغمام عليهم وانزال المن والسلوى‪ .‬ويكون هذا‬
‫الخطاب متوجها إلى بني إسرائيل‪ .‬وقيل ‪ :‬إنها العصا واليد‪ .‬ويشبه أن يكون قول الفراء‪ .‬ويكون‬
‫الخطاب متوجها إلى قوم فرعون‪ .‬وقول ثالث ‪ :‬إنه الشر الذي كفهم عنه والخبر الذي أمرهم به ؛‬
‫قال عبدالرحمن بن زيد‪ .‬ويكون الخطاب متوجها إلى الفريقين معا من قوم فرعون وبني إسرائيل‪ .‬وفي‬

‫ين} أربعة أوجه ‪ :‬أحدها ‪ :‬نعمة ظاهرة ؛ قال الحسن وقتادة‪ .‬كما قال اهلل تعالى ‪:‬‬
‫الء ُمِب ٌ‬
‫قوله ‪َ{ :‬ب ٌ‬
‫{ولِي ْبلِي الْمؤِمنِ ِ‬
‫الء َح َسناً} [األنفال ‪ .] 68 :‬وقال زهير ‪:‬‬
‫َ ُ َ ُْ َ‬
‫ين م ْن ُه َب ً‬
‫فأبالهما خير البالء الذي يبلو‬

‫الثاني ‪ :‬عذاب شديد ؛ قاله الفراء‪ .‬الثالث ‪ :‬اختبار يتميز به المؤمن من الكافر ؛ قاله عبدالرحمن‬
‫بن زيد‪ .‬وعنه أيضا ‪ :‬ابتالؤهم بالرخاء والشدة ؛ ثم قرأ {وَن ْبلُو ُك ْم بِ َّ‬
‫الشِّر َاولْ َخ ْي ِر ِفتَْنةً} [األنبياء ‪.]88 :‬‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين ‪ ،‬فَأْتُوا بِ َآبائَِنا إِ ْن ُكنْتُ ْم‬
‫ون ‪ ،‬إِ ْن ه َي إَِّال َم ْوتَتُنَا ْاألُولَى َو َما نَ ْح ُن بِ ُمنْ َش ِر َ‬
‫اآلية ‪ { 88 :‬إِ َّن هَ ُؤالء لََيقُولُ َ‬
‫ِِ‬
‫ين }‬
‫صادق َ‬
‫َ‬

‫(‪)688/61‬‬

‫ِ‬
‫ون} يعني ‪ ،‬كفار قريش {إِ ْن ِه َي ِإ َّال َم ْوَتُتَنا ْاألُولَى} ابتداء وخبر ؛‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬إِ َّن َه ُؤالء َلَي ُقولُ َ‬
‫مثل ‪{ :‬إِ ْن ِهي إِ َّال ِف ْتَنُت َك} [األعراف ‪{ ، ]688 :‬إِ ْن ِهي إِ َّال َحَي ُاتَنا ُّ‬
‫الد ْنَيا} [المؤمنون ‪َ { ]88 :‬و َما‬
‫َ‬
‫َ‬

‫ين} أي بمبعوثين‪ .‬أنشر اهلل الموتى فنشروا‪ .‬وقد تقدم‪ .‬والمنشورون المبعوثون‪ .‬قيل ‪ :‬إن‬
‫َن ْح ُن بِ ُمنْ َش ِر َ‬
‫قائل هذا من كفار قريش أبو جهل ‪ ،‬قال ‪ :‬يا محمد ‪ ،‬إن كنت صادقا في قولك فابعث لنا رجلين‬
‫من آبائنا ‪ :‬أحدهما ‪ :‬قصي بن كالب فإنه كان رجال صادقا ؛ لنسأله عما يكون بعد الموت‪ .‬وهذا‬
‫القول من أبي جهل من أضعف الشبهات ؛ ألن اإلعادة إنما هي للجزاء ال للتكليف ؛ فكأنه قال ‪:‬‬
‫إن كنت صادقا في إعادتهم للجزاء فأعدهم للتكليف‪ .‬وهو كقول قائل ‪ :‬لو قال إن كان ينشأ بعدنا‬

‫قوم من األبناء ؛ فلم ال يرجع من مضى من اآلباء ؛ حكاه الماوردي‪ .‬ثم قيل ‪َ { :‬فأُْتوا بِ َآبائَِن ا}‬
‫ب ْارِج ُع ِ‬
‫ون} [المؤمنون ‪ ]33 :‬قاله الفراء‪.‬‬
‫مخاطبة ولنبي صلى اهلل عليه وسلم وحده ؛ كقوله ‪َ{ :‬ر ِّ‬

‫وقيل ‪ :‬مخاطبة له وألتباعه‪.‬‬

‫السماو ِ‬
‫ِ‬
‫ات‬
‫ين ِم ْن َق ْبلِ ِه ْم أ ْ‬
‫َهَل ْكَن ُ‬
‫اآلية ‪ { 88 :‬أ ُ‬
‫اه ْم إِنَّ ُه ْم َكاُنوا ُم ْج ِرِم َ‬
‫َه ْم َخ ْيٌر أ َْم َق ْوُم ُتبَّع َوالَّذ َ‬
‫ين ‪َ ،‬و َما َخَل ْقَنا َّ َ َ‬
‫اهما إِ َّال بِالْح ِّ ِ‬
‫ِ‬
‫ون}‬
‫ق َولَك َّن أَ ْكثََرُه ْم ال َي ْعلَ ُم َ‬
‫َ‬
‫ض َو َما َب ْيَن ُه َما العِب َ‬
‫َو ْاأل َْر َ‬
‫ين ‪َ ،‬ما َخلَقَْن ُ َ‬
‫َه ْم َخ ْيٌر أ َْم قَ ْوُم ُتبَّع} هذا استفهام إنكار ؛ أي إنهم مستحقون في هذا القول العذاب ؛‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬أ ُ‬
‫إذ ليسوا خيرا من قوم تبع واألمم المهلكة ‪ ،‬واذا أهلكنا أولئك فكذا هؤالء‪ .‬وقيل ‪ :‬المعنى أهم أظهر‬

‫نعمة وأكثر أمواال أم قوم تبع‪ .‬وقيل ‪ :‬أهم أعز وأشد وأمنع أم قوم تبع‪ .‬وليس المراد بتبع رجال واحدا‬
‫بل المراد به ملوك اليمن ؛ فكانوا يسمون ملوكهم التبابعة‪ .‬فتبع لقب للملك منهم كالخليفة للمسلمين ‪،‬‬
‫وكسرى للفرس ‪ ،‬وقيصر للروم‪ .‬وقال أبو عبيدة ‪ :‬سمي كل واحد منهم تباعا ألنه يتبع صاحب‪ .‬قال‬

‫الجوهري ‪ :‬والتبابعة ملوك اليمن ‪ ،‬واحدهم تبع‪ .‬والتبع أيضا الظل ؛ وقال ‪:‬‬

‫(‪)688/61‬‬

‫يرد المياه حضيرة ونفيضة ‪ ...‬ورد القطاة إذا اسمأل التبع‬
‫والتبع أيضا ضرب من الطير‪ .‬وقال السهيلي ‪ :‬تبع اسم لكل ملك ملك اليمن والشحر وحضرموت‪.‬‬
‫وان ملك اليمن وحدها لم يقل له تبع ؛ قاله المسعودي‪ .‬فمن التبابعة ‪ :‬الحارث الرائش وهو ابن همال‬

‫ذي سدد‪ .‬وأبرهة ذو المنار‪ .‬وعمرو ذو األذعار‪ .‬وشمر بن مالك ‪ ،‬الذي تنسب إليه سمرقند‪.‬‬

‫وأفريقيس بن قيس ‪ ،‬الذي ساق البربر إلى أفريقية من أرض كنعان ‪ ،‬وبه سميت إفريقية‪ .‬والظاهر‬
‫من اآليات ‪ :‬أن اهلل سبحانه إنما أراد واحدا من هؤالء ‪ ،‬وكانت العرب تعرفه بهذا االسم أشد من‬
‫معرفة غيره ؛ ولذلك قال عليه السالم ‪" :‬وال أدري أتبع لعين أم ال"‪ .‬ثم قد روي عنه أنه قال ‪" :‬ال‬
‫تسبوا تبعا فإنه كان مؤمنا" فهذا يدلك على أنه كان واحدا بعينه ؛ وهو ‪ -‬واهلل أعلم ‪ -‬أبو كرب الذي‬
‫كسا البيت بعد ما أراد غزوه ‪ ،‬وبعد ما غ از المدينة وأراد خرابها ‪ ،‬ثم انصرف عنها لما أخبر أنها‬

‫مهاجر نبي اسمه أحمد‪ .‬وقال شعرا أودع ه عند أهلها ؛ فكانوا يتوارثونه كابرا عن كابر إلى أن هاجر‬
‫النبي صلى اهلل عليه وسلم فأدوه إليه‪ .‬ويقال ‪ :‬كان الكتاب والشعر عند أبي أيوب خالد بن زيد‪.‬‬
‫وفيه ‪:‬‬
‫شهدت على أحمد أنه ‪ ...‬رسول من اهلل باري النسم‬
‫فلو مد عمري إلى عمره ‪ ...‬لكنت وزيرا له وابن عم‬
‫وذكر الزج اج وابن أبي الدنيا والزمخشري وغيرهم أنه حفر قبر له بصنعاء ‪ -‬ويقال بناحية حمير ‪-‬‬
‫في اإلسالم ‪ ،‬فوجد فيه امرأتان صحيحتان ‪ ،‬وعند رؤوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب "هذا‬

‫قبر ُحبَّى ولميس" ويروى أيضا ‪ " :‬حبي وتماضر" ويروى أيضا ‪" :‬هذا قبر رضوي وقبر حب ابنتا‬

‫تبع ‪ ،‬ماتتا وهما يشهدان أن ال إله إال اهلل وال يشركان به شيئا ؛ وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما‪.‬‬

‫(‪)688/61‬‬

‫قلت ‪ :‬وروى ابن إسحاق وغيره أنه كان في الكتاب الذي كتبه ‪ " :‬أما بعد ‪ ،‬فإني آمنت بك وبكتابك‬
‫الذي أنزل عليك ‪ ،‬وأنا على دينك وسنتك ‪ ،‬وآمنت بربك ورب كل شيء ‪ ،‬وآمنت بكل ما جاء من‬

‫ربك من شرائع اإلسالم ؛ فإن أدركتك فبها ونعمت ‪ ،‬وان لم أدركك فاشفع لي وال تنسني يوم القيامة ‪،‬‬
‫فإني من أمتك األولين وبايعتك قبل مجيئك ‪ ،‬وأنا على ملتك وملة أبيك إبراهيم عليه السالم"‪ .‬ثم ختم‬
‫الكتاب ونقش عليه ‪{ :‬هلل األمر من قبل ومن بعد} [الروم ‪ .] 8 :‬وكتب على عنوانه (إلى محمد بن‬
‫عبداهلل نبي اهلل ورسوله ‪ ،‬خاتم النبيين ورسول رب العالمين صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬من تبع األول‪.‬‬

‫وقد ذكرنا بقية خبره وأوله في " اللمع اللؤلؤية شرح العشر بينات النبوية" للفارابي رحمه اهلل‪ .‬وكان من‬
‫اليوم الذي مات فيه تبع إلى اليوم الذي بعث فيه النبي صلى اهلل عليه وسلم ألف سنة ال يزيد وال‬
‫ينقص‪.‬‬
‫واختلف هل كان نبيا أو ملكا ؛ فقال ابن عباس ‪ :‬كان تبع نبيا‪ .‬وقال كعب ‪ :‬كان تبع ملكا من‬
‫الملوك ‪ ،‬وكان قومه كهانا وكان معهم قوم من أهل الكتاب ‪ ،‬فأمر الفريقين أن يقرب كل فريق منهم‬
‫قربانا ففعلوا ‪ ،‬فتقبل قربان أهل الكتاب فأسلم ‪ ،‬وقالت عائشة رضي اهلل عنها ‪ :‬ال تسبوا تبعا فإنه‬

‫كان رجال صالحا‪ .‬وحكى قتادة أن تبعا كان رجال من حمير ‪ ،‬سار بالجنود حتى عبر الحيرة وأتى‬
‫سمرقند فهدمها ؛ حكاه الماوردي‪ .‬وحكى الثعلبي عن قتادة أنه تبع الحميري ‪ ،‬وكان سار بالجنود‬
‫حتى عبر الحيرة‪ .‬وبنى سمرقند وقتل وهدم البالد‪ .‬وقال الكلبي ‪ :‬تبع هو أبو كرب أسعد بن‬
‫ملكيكرب ‪ ،‬وانما سمي تبعا ألنه تبع من قبله‪ .‬وقال سعيد بن جبير ‪ :‬هو الذي كسا البيت الحبرات‪.‬‬
‫وقال كعب ‪ :‬ذم اهلل قومه ولم يذمه ‪ ،‬وضرب بهم لقريش مثال لقربهم من دارهم وعظمهم في نفوسهم‬
‫؛ فلما أهلكهم اهلل تعالى ومن قبلهم ‪ -‬ألنهم كانوا مجرمين ‪ -‬كان من أجرم مع ضعف اليد وقلة‬

‫العدد أحرى بالهالك‪ .‬وافتخر أهل اليمن بهذه اآلية ‪ ،‬إذ جعل اهلل قوم تبع خي ار من قريش‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫سمي أولهم تبعا ألنه أتبع قرن الشمس وسافر في الشرق مع العساكر‪.‬‬

‫(‪)681/61‬‬

‫ِ‬
‫ين} {الذين} في موضع رفع عطف على‬
‫ين ِم ْن َق ْبِل ِه ْم أ ْ‬
‫َهَل ْكَن ُ‬
‫اه ْم ِإَّن ُه ْم َك ُانوا ُم ْج ِرِم َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬والَّذ َ‬
‫اه ْم} صلته‪ .‬ويكون { ِم ْن َق ْبلِ ِه ْم} متعلقا به‪ .‬ويجوز أن يكون { ِم ْن َق ْبلِ ِه ْم} صلة‬
‫{ َق ْوُم ُتبَّع}‪{ .‬أ ْ‬
‫َهلَ ْكَن ُ‬
‫اه ْم} على أحد أمرين ‪:‬‬
‫{الذين} ويكون في الظرف عائد إلى الموصول‪ .‬واذا كان كذلك كان {أ ْ‬
‫َهلَ ْكنَ ُ‬

‫إما أن يقدر معه "قد" فيكون في موضع الحال‪ .‬أو يقدر حذف موصوف ؛ كأنه قال ‪ :‬قوم أهلكناهم‪.‬‬
‫والتقدير أفال تعتبرون أنا إذا قدرنا على إهالك هؤالء المذكورين قدرنا على إهالك المشركين‪ .‬ويجوز‬

‫أن يكون {والذين من قبلهم} ابتداء خبره {أهلكناهم}‪ .‬ويجوز أن يكون {الذين} في موضع جر عطفا‬
‫على {تبع} كأنه قال ‪ :‬قوم تبع المهلكين من قبلهم‪ .‬ويجوز أن يكون {الذين} في موضع نصب‬
‫بإضمار فعل دل عليه {أهلكناهم} ‪ .‬واهلل أعلم‪.‬‬
‫ِ‬
‫السم ِ‬
‫ين} أي غافلين ‪ ،‬قاله مقاتل‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫ض َو َما َب ْيَن ُه َما العبِ َ‬
‫اوات َو ْاأل َْر َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬و َما َخَل ْقَنا َّ َ َ‬
‫اه َما إِ َّال بِالْ َح ِّ‬
‫ق} أي إال باألمر الحق ؛ قاله مقاتل‪ .‬وقيل ‪ :‬إال‬
‫الهين ؛ وهو قول الكلبي‪َ { .‬ما َخلَقَْن ُ‬
‫للحق ؛ قال الكلبي والحسن‪ .‬وقيل ‪ :‬إال إلقامة الحق إلظهاره من توحيد اهلل والتزام طاعته‪ .‬وقد‬
‫ِ‬
‫ون} ذلك‪.‬‬
‫مضى هذا المعنى في "األنبياء"‪َ { .‬ولَك َّن أَ ْكثََرُه ْم} يعني أكثر الناس {ال َي ْعلَ ُم َ‬
‫يق ُاتهم أ ْ ِ‬
‫اآلية ‪{ 89 :‬إِ َّن يوم ا ْل َف ِ ِ‬
‫ين}‬
‫َج َمع َ‬
‫ْ‬
‫صل م َ ُ ْ‬
‫َْ َ‬
‫ص ِل} هو يوم القيامة ؛ وسمي بذلك ألن اهلل تعالى يفصل فيه بين خلقه دليله‬
‫قوله تعالى ‪َ{ :‬ي ْوَم الْ َف ْ‬
‫الد ُكم يوم الِْقيام ِة يفْ ِ‬
‫ص ُل َب ْيَن ُك ْم} [الممتحنة ‪ .] 8 :‬ونظيره قوله تعالى ‪:‬‬
‫ام ُك ْم َوال أ َْو ُ ْ َ ْ َ َ َ َ‬
‫قوله { لَ ْن تَنْفَ َع ُك ْم أ َْرَح ُ‬
‫ِ‬
‫ون} [الروم ‪ .] 68 :‬فـ "يوم الفصل" ميقات الكل ؛ كما قال تعالى ‪{ :‬إِ َّن‬
‫وم َّ‬
‫اع ُة َي ْو َمئذ َيَت َفَّرُق َ‬
‫الس َ‬
‫{ َوَي ْوَم َت ُق ُ‬
‫يقاتاً} [النبأ ‪ ]68 :‬أي الوقت المجهول لتمييز المسيء من المحسن ‪ ،‬والفصل‬
‫ان ِم َ‬
‫ص ِل َك َ‬
‫َي ْوَم الْ َف ْ‬
‫بينهما ‪ :‬فريق في الجنة وفريق في السعير‪ .‬وهذا غاية في التحذير والوعيد‪ .‬وال خالف بين القراء في‬
‫رفع‬

‫(‪)688/61‬‬

‫ص ِل }‪ .‬وأجاز الكسائي ‪ ،‬والفراء نصب {ميقاتهم}‪ .‬بـ‬
‫{ميقاتهم} على أنه خبر "إن" واسمها { َي ْوُم الَْف ْ‬
‫{إن} و {يوم الفصل} ظرف في موضع خبر {إن} ؛ أي إن ميقاتهم يوم الفصل‪.‬‬
‫ِ‬
‫ون ‪ ،‬إِ َّال َم ْن َرِح َم اللَّهُ إِنَّ ُه ُه َو‬
‫صُر َ‬
‫لى َشيْئاً َوال ُه ْم ُينْ َ‬
‫لى َع ْن َم ْو ً‬
‫اآلية ‪َ { 82 - 86 :‬ي ْوَم ال ُي ْغني َم ْو ً‬
‫ا ْلع ِز ُيز َّ ِ‬
‫يم}‬
‫َ‬
‫الرح ُ‬
‫ِ‬
‫لى َش ْيئاً} {َي ْوَم } بدل من {يوم} األول‪ .‬والمولى ‪ :‬الولي وهو‬
‫لى َع ْن َم ْو ً‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ي ْوَم ال ُي ْغني َم ْو ً‬
‫ابن العم والناصر‪ .‬أي ال يدفع ابن عم عن ابن عمه ‪ ،‬وال قريب عن قريبه ‪ ،‬وال صديق عن صديقه‪.‬‬
‫س‬
‫ون} أي ال ينصر المؤمن الكافر لقرابته‪ .‬ونظير هذه اآلية ‪َ { :‬واتَّ ُقوا يَ ْوماً ال َت ْج ِزي َن ْف ٌ‬
‫صُر َ‬
‫{ َوال ُه ْم ُي ْن َ‬
‫َع ْن َن ْفس َش ْيئًا} [البقرة ‪ ]83 :‬اآلية‪{ .‬إِ َّال م ْن رِحم َّ‬
‫الل ُه} {من} رفع على البدل من المضمر في‬
‫َ َ َ‬

‫ون} ؛ كأنك قلت ‪ :‬ال يقوم أحد إال فالن‪ .‬أو على االبتداء والخبر مضمر ؛ كأنه قال ‪ :‬إال‬
‫صُر َ‬
‫{ُي ْن َ‬
‫من رحم اهلل فمغفور له ؛ أو فيغني عنه ويشفع وينصر‪ .‬أو على البدل من "مولى" األول ؛ كأنه‬
‫قال ‪ :‬ال يغني إال من رحم اهلل‪ .‬وهو عند الكسائي والفراء نصب على االستثناء المنقطع ؛ أي لكن‬
‫من رحم اهلل ال ينالهم ما يحتاجون فيه إلى من يغنيهم من المخلوقين‪ .‬ويجوز أن يكون استثناء‬

‫متصل ؛ أي ال يغني قريب عن قريب إال المؤمنين فإنه يؤذن لهم في شفاعة بعضهم لبعض‪{ .‬إِنَّ ُه‬
‫الرِحيم} أي المنتقم من أعدائه الرحيم بأوليائه ؛ كما قال ‪َ { :‬شِد ِيد ا ْل ِع َق ِ‬
‫اب ِذي الطَّ ْو ِل}‬
‫ُه َو ا ْل َع ِز ُيز َّ ُ‬
‫[غافر ‪ ]8 :‬فقرن الوعد بالوعيد ‪.‬‬

‫الزُّق ِ‬
‫ط ِ‬
‫ت َّ‬
‫ون ‪َ ،‬ك َغ ْل ِي ا ْل َح ِم ِيم}‬
‫ام ْاألَثِ ِيم ‪َ ،‬كا ْل ُم ْه ِل َي ْغلِي فِي ا ْلُب ُ‬
‫وم ‪َ ،‬‬
‫اآلية ‪ { 88 :‬إِ َّن َش َجَر َ‬
‫ط َع ُ‬
‫الزقُّ ِ‬
‫ت َّ‬
‫وم} كل ما في كتاب اهلل تعالى من ذكر الشجرة فالوقف عليه بالهاء ؛‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬إِ َّن َ‬
‫ش َجَر َ‬
‫ت َّ ُّ ِ‬
‫ام ْاألَثِ ِيم} قاله‬
‫إال حرفا واحدا في سورة الدخان {إِ َّن َش َجَر َ‬
‫الزقوم ‪ ،‬طَ َع ُ‬

‫(‪)683/61‬‬

‫ابن األنباري‪{ .‬األثيم} الفاجر ؛ قاله أبو الدرداء‪ .‬وكذلك قرأ هو وابن مسعود‪ .‬وقال همام بن‬
‫ت َّ ُّ ِ‬
‫ام ْاألَثِ ِيم} والرجل يقول ‪ :‬طعام اليتيم‬
‫الحارث ‪ :‬كان أبو الدرداء يقرئ رجال {إِ َّن شَ َجَر َ‬
‫الزقوم ‪ ،‬طَ َع ُ‬
‫‪ ،‬فلما لم يفهم قال له ‪" :‬طعام الفاجر"‪ .‬قال أبو بكر األنباري ‪ :‬حدثني أبي قال حدثنا نصر قال‬
‫حدثنا أبو عبيد قال حدثنا نعيم بن حماد عن عبدالعزيز بن محمد عن ابن عجالن عن عون بن‬

‫عبداهلل بن عتبة بن مسعود قال ‪ :‬علم عبداهلل بن مسعود رجال {أن شجرة الزقوم‪ .‬طعام األثيم} فقال‬
‫الرجل ‪ :‬طعام اليتيم ‪ ،‬فأعاد عليه عبداهلل الصواب وأعاد الرجل الخطأ ‪ ،‬فلما رأى عبداهلل أن لسان‬
‫الرجل ال يستقيم على الصواب قال له ‪ :‬أما تحسن أن تقول طعام الفاجر ؟ قال بلى ‪ ،‬قال فافعل‪.‬‬
‫وال حجة في هذا للجهال من أهل الزيغ ‪ ،‬أنه يجوز إبدال الحرف من القرآن بغيره ‪ ،‬ألن ذلك إنما‬
‫كان من عبداهلل تقريبا للمتعلم ‪ ،‬وتوطئة منه له للرجوع إلى الصواب ‪ ،‬واستعمال الحق والتكلم‬
‫بالحرف على إنزال اهلل وحكاية رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬وقال الزمخشري ‪" :‬وبهذا يستدل‬

‫على أن إبدال كلمة مكان كلمة جائز إذا كانت مؤدية معناها‪ .‬ومنه أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية‬
‫على شريطة ‪ ،‬وهي أن يؤدي القارئ المعاني على كمالها من غير أن يخرم منها شيئا‪ .‬قالوا ‪ :‬وهذه‬
‫الشريطة تشهد أنها إجازة كال إجازة ؛ ألن في كالم العرب خصوصا في القرآن الذي هو معجز‬
‫بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه ‪ ،‬من لطائف المعاني واألغ ارض ما ال يستقل بأدائه لسان من‬
‫فارسية وغيرها ‪ ،‬وما كان أبو حنيفة رحمه اهلل يحسن الفارسية ‪ ،‬فلم يكن ذلك منه عن تحقق‬
‫وتبصر‪ .‬وروى علي بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل قول صاحبيه في إنكار القراءة‬

‫بالفارسية"‪ .‬وشجرة الزقوم ‪ :‬الشجرة التي خلقها اهلل في جهنم وسماها الشجرة الملعونة ‪ ،‬فإذا جاع أهل‬

‫النار التجؤوا إليها فأكلوا منها ‪ ،‬فغليت في بطونهم كما يغلي الماء الحار‪ .‬وشبه ما يصير منها إلى‬
‫بطونهم بالمهل ‪ ،‬وهو النحاس المذاب‪ .‬وقراءة العامة {تغلي} بالتاء حمال على الشجرة‪ .‬وق أر ابن‬
‫كثير وحفص وابن محيصن ورويس عن يعقوب {يغلي} بالياء حمال على الطعام ؛ وهو في معنى‬
‫الشجرة‪ .‬وال يحمل على المهل ألنه‬

‫(‪)683/61‬‬

‫ذكر للتشبيه‪ .‬و {األثيم} اآلثم ؛ من أثم يأثم إثما ؛ قال القشيري وابن عيسى‪ .‬وقيل هو المشرك‬
‫المكتسب لإلثم ؛ قاله يحيى بن سالم‪ .‬وفي الصحاح ‪ :‬قد أثم الرجل (بالكسر) إثما ومأثما إذا وقع‬
‫ام ْاألَثِ ِيم} أي ذي اإلثم الفاجر ‪ ،‬وهو أبو جهل‪.‬‬
‫في اإلثم ‪ ،‬فهو آثم وأثيم وأثوم أيضا‪ .‬فمعنى {طَ َع ُ‬
‫وذلك أنه قال ‪ :‬يعدنا محمد أن في جهنم الزقوم ‪ ،‬وانما هو الثريد بالزبد والتمر ‪ ،‬فبين اهلل خالف ما‬

‫قاله‪ .‬وحكى النقاش عن مجاهد أن شجرة الزقوم أبو جهل‪.‬‬

‫قلت ‪ :‬وهذا ال يصح عن مجاهد‪ .‬وهو مردود بما ذكرناه في هذه الشجرة في سورة "الصافات‬
‫واإلسراء" أيضا‬

‫اآلية ‪ُ { 83 - 88 :‬خ ُذوه فَ ْ ِ‬
‫وه إِلَى َس َو ِاء‬
‫اعتلُ ُ‬
‫ُ‬
‫وه} أي يقال للزبانية خذوه‬
‫قوله تعالى ‪ُ { :‬خ ُذ ُ‬

‫ِِ‬
‫ق َأرْ ِس ِه ِم ْن َع َذ ِ‬
‫اب الْ َح ِم ِيم}‬
‫صبُّوا فَ ْو َ‬
‫الْ َجحيم ‪ ،‬ثَُّم ُ‬
‫؛ يعني األثيم‪َ { .‬ف ْ ِ‬
‫وه} أي جروه وسوقوه‪ .‬والعتل ‪ :‬أن‬
‫اعتُل ُ‬

‫تأخذ بتالبيب الرجل فتعتله ‪ ،‬أي تجره إليك لتذهب به إلى حبس أو بلية‪ .‬عتلت الرجل أعتله وأعتله‬

‫عتال إذا جذبته جذبا عنيفا‪ .‬ورجل ‪ ،‬معتل (بالكسر)‪ .‬وقال يصف فرسا ‪:‬‬
‫نفرعه فرعا ولسانا نعتله‬

‫وفيه لغتان ؛ عتله وعتنه (بالالم والنون جميعا) ‪ ،‬قاله ابن السكيت‪ .‬وقرأ الكوفيون وأبو عمرو‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫{ َف ْ ِ‬
‫ق َأْر ِسهِ ِم ْن َع َذ ِ‬
‫اب‬
‫صبُّوا َف ْو َ‬
‫اعتُل ُ‬
‫وه} بالكسر‪ .‬وضم الباقون‪{ .‬إَِلى َس َواء الْ َجحيم} وسط الجحيم‪{ .‬ثَُّم ُ‬
‫الْ َح ِم ِيم} قال مقاتل ‪ :‬يضرب مالك خازن النار ضربة‪ .‬على رأس أبي جهل بمقمع من حديد ‪ ،‬فيتفتت‬
‫رأسه عن دماغه ‪ ،‬فيجري دماغه عل جسده ‪،‬‬

‫(‪)689/61‬‬

‫ثم يصب الملك فيه ماء حميما قد انتهى حره فيقع في بطنه ؛ فيقول الملك ‪ :‬ذق العذاب‪ .‬ونظيره‬
‫ِ‬
‫{يص ُّ ِ‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫يم} [الحج ‪.]63 :‬‬
‫ُ َ‬
‫ب م ْن َف ْوق ُرُؤوسه ُم ا ْل َحم ُ‬
‫ِ‬
‫ون }‬
‫اآلية ‪ُ { 89 - 83 :‬ذ ْ‬
‫ق إِنَّ َك أ َْن َ‬
‫يم ‪ ،‬إِ َّن َه َذا َما ُك ْنُت ْم بِه َت ْمَتُر َ‬
‫ت الْ َع ِز ُيز الْ َك ِر ُ‬

‫يم} قال ابن األنباري ‪ :‬أجمعت العوام على كسر "إن" وروي‬
‫قوله تعالى ‪ُ { :‬ذ ْ‬
‫ق إِنَّ َك أ َْن َ‬
‫ت ا ْل َع ِز ُيز ا ْل َك ِر ُ‬
‫عن الحسن عن علي رحمه اهلل {ذق أنك} بفتح { أن} ‪ ،‬وبها قرأ الكسائي‪ .‬فمن كسر {إن} وقف على‬
‫{ذق} ‪ .‬ومن فتحها لم يقف على {ذق} ؛ ألن المعنى ذق ألنك وبأنك أنت العزيز الكريم‪ .‬قال قتادة ‪:‬‬
‫ت ا ْل َع ِز ُيز‬
‫نزلت في أبي جهل وكان قد قال ‪ :‬ما فيها أعز مني وال أكرم ؛ فلذلك قيل له ‪ُ { :‬ذ ْ‬
‫ق إِنَّ َك أ َْن َ‬
‫يم}‪ .‬وقال عكرمة ‪ :‬التقى النبي صلى اهلل عليه وسلم وأبو جهل فقال النبي صلى اهلل عليه‬
‫الْ َك ِر ُ‬
‫وسلم ‪ " :‬إن اهلل أمرني أن أقول لك أولى لك فأولى" فقال ‪ :‬بأي شيء تهددني ! واهلل ما تستطيع أنت‬
‫وال ربك أن تفعال بي شيئا ‪ ،‬إني لمن أعز هذا الوادي وأكرمه على قومه ؛ فقتله اهلل يوم بدر وأذله‬
‫ونزلت هذه اآلية‪ .‬أي يقول له الملك ‪ :‬ذق إن أنت العزيز الكريم بزعمك‪ .‬وقيل ‪ :‬هو على معنى‬
‫االستخفاف والتوبيخ واالستهزاء واإلهانة والتنقيص ؛ أي قال له ‪ :‬إنك أنت الذليل المهان‪ .‬وهو كما‬
‫قال قوم شعيب لشعيب ‪{ :‬إِنَّ َك َأل َْن َ ِ‬
‫يد} [هود ‪ ] 38 :‬يعنون السفيه الجاهل في أحد‬
‫يم َّ‬
‫الرِش ُ‬
‫ت الْ َحل ُ‬
‫ِ‬
‫ون} أي تقول لهم‬
‫التأويالت عل ى ما تقدم‪ .‬وهذا قول سعيد بن جبير‪{ .‬إِ َّن َه َذا َما ُك ْنُت ْم بِه َت ْمَتُر َ‬

‫المالئكة ‪ :‬إن هذا ما كنتم تشكون فيه في الدنيا‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اآلية ‪ { 88 - 86 :‬إِ َّن ا ْلمتَِّق ِ‬
‫ون ِم ْن ُس ْن ُدس َِوا ْسَت ْبَرق‬
‫س َ‬
‫ُ َ‬
‫ين في َم َقام أَمين ‪ ،‬في َجَّنات َو ُعُيون ‪َ ،‬ي ْلَب ُ‬
‫ِ‬
‫ين }‬
‫ُمَت َقابِل َ‬

‫(‪)686/61‬‬

‫ِ‬
‫ين ِفي َم َقام أ َِمين} لما ذكر مستقر الكافرين وعذابهم ذكر نزل المؤمنين‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬إِ َّن ا ْل ُمتَّق َ‬
‫ونعيمهم‪ .‬وق أر نافع وابن عامر {في مقام} بضم الميم‪ .‬الباقون بالفتح‪ .‬قال الكسائي ‪ :‬المقام المكان ‪،‬‬
‫والمقام اإلقامة ‪ ،‬كما قال ‪:‬‬
‫عفت الديار محلها فمقامها‬
‫قال الجوهري ‪ :‬وأما المقام والمقام فقد يكون كل واحد منهما بمعنى اإلقامة ‪ ،‬وقد يكون بمعنى‬
‫موضع القيام ؛ ألنك إذا جعلته من قام يقوم فمفتوح ‪ ،‬وان جعلته من أقام يقيم فمضموم ‪ ،‬ألن الفعل‬
‫إذا جاوز الثالث فالموضع مضموم الميم ‪ ،‬ألنه مشب ه ببنات األربعة ‪ ،‬نحو دحرج وهذا مدحرجنا‪.‬‬

‫وقيل ‪ :‬المقام (بالفتح) المشهد والمجلس ‪ ،‬و(بالضم) يمكن أن يراد به المكان ‪ ،‬ويمكن أن يكون‬
‫مصدرا ومقدر فيه المضاف ‪ ،‬أي في موضع إقامة‪{ .‬أمين} يؤمن فيه من اآلفات {ِفي َجنَّات َو ُعُيون}‬
‫ِ‬
‫بدل من {م َقام أ َِمين}‪{ .‬يلْب س ِ‬
‫ين} ال يرى بعضهم قفا بعض ‪ ،‬متواجهين‬
‫ون م ْن ُس ْن ُدس َِوا ْسَت ْبَرق ُمَت َقابِل َ‬
‫ََُ َ‬
‫َ‬
‫يدور بهم مجلسهم حيث داروا‪ .‬والسندس ‪ :‬ما رق من الديباج‪ .‬واإلستبرق ‪ :‬ما غلظ منه‪ .‬وقد مضى‬
‫في"الكهف"‪.‬‬

‫اه ْم بِ ُحور ِعين }‬
‫اآلية ‪َ { 88 :‬ك َذلِ َ‬
‫ك َوَزَّو ْجَن ُ‬

‫قوله تعالى ‪َ { :‬ك َذلِ َك} أي األمر كذلك الذي ذكرناه‪ .‬فيوقف على "كذلك"‪ .‬وقيل ‪ :‬أي كما أدخلناهم‬

‫الجنة وفعلنا بهم ما تقدم ذكره ‪ ،‬كذلك أكرمناهم بأن‬
‫اه ْم بِ ُحور ِعين} وقد مضى الكالم في العين في "والصافات"‪ .‬والحور ‪ :‬البيض‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وَزَّو ْجنَ ُ‬
‫؛ في قول قتادة والعامة ‪ ،‬جمع حوراء‪ .‬والحوراء ‪ :‬البيضاء التي يرى ساقها من وراء ثيابها ‪ ،‬ويرى‬

‫الناظر وجهه في كعبها ؛ كالمرآة من دقة الجلد وبضاضة البشرة وصفاء اللون‪ .‬ودليل ‪ ،‬هذا التأويل‬

‫أنها في حرف ابن مسعود {بعيس عين}‪ .‬وذكر أبو بكر األنباري أخبرنا أحمد بن الحسين قال حدثنا‬
‫حسين‬

‫(‪)682/61‬‬

‫قال حدثنا عمار بن محمد قال ‪ :‬صليت خلف منصور بن المعتمر فقرأ في {حم} الدخان {بعيس‬

‫عين‪ .‬ال يذوقون طعم الموت إال الموتة األولى } ‪ .‬والعيس ‪ :‬البيض ؛ ومنه قيل لإلبل البيض ‪:‬‬
‫عيس ‪ ،‬واحدها بعير أعيس وناقة عيساء‪ .‬قال امرؤ القيس ‪:‬‬
‫يرعن إلى صوتي إذا ما سمعنه ‪ ...‬كما ترعوي عيط إلى صوت أعيسا‬
‫فمعنى الحور هنا ‪ :‬الحسان الثاقبات البياض بحسن‪ .‬وذكر ابن المبارك أخبرنا معمر عن أبي‬
‫إسحاق عن عمرو بن ميمون األودي عن ابن مسعود قال ‪ :‬إن المرأة من الحور العين ليرى مخ‬
‫ساقها من وراء اللحم والعظم ‪ ،‬ومن تحت سبعين حلة ‪ ،‬كما يرى الشراب األحمر في الزجاجة‬

‫البيضاء‪ .‬وقال مجاهد ‪ :‬إنما سميت الحور حورا ألنهن يحار الطرف في حسنهن وبياضهن وصفاء‬
‫لونهن‪ .‬وقيل ‪ :‬إنما قيل لهن حور لحور أعينهن‪ .‬والحور ‪ :‬شدة بياض العين في شدة سوادها‪ .‬امرأة‬
‫حوراء بينة الحور‪ .‬يقال ‪ :‬أحورت عينه أحورا ار‪ .‬والحور الشيء ابيض‪ .‬قال األصمعي ‪ :‬ما أدري ما‬
‫الحور في العين ؟ وقال أبو عمرو ‪ :‬الحور أن تسود العين كلها مثل أعين الظباء والبقر‪ .‬قال ‪:‬‬
‫وليس في بني آدم حور ؛ وانما قيل للنساء ‪ :‬حور العين ألنهن يشبهن بالظباء والبقر‪ .‬وقال‬
‫العجاج ‪:‬‬

‫بأعين محورات حور‬
‫يعني األعين النقيات البياض الشديدات سواد‪ .‬الحدق‪ .‬والعين جمع عيناء ؛ وهي الواسعة العظيمة‬
‫العينين‪ .‬وعن أبي هريرة رضي اهلل عنه أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال ‪" :‬مهور الحور‬
‫العين قبضات التمر وفلق الخبز"‪ .‬وعن أبي قرصافة سمعت النبي صلى اهلل عليه وسلم يقول ‪:‬‬
‫" إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين"‪ .‬وعن أنس أن النبي صلى اهلل عليه وسلم‬

‫(‪)688/61‬‬

‫قال ‪" :‬كنس المساجد مهور الحور" ذكره الثعلبي رحمه اهلل‪ .‬وقد أفردنا لهذا المعنى بابا مفردا في‬
‫(كتاب التذكرة) والحمد هلل‪.‬‬

‫واختلف أيما أفضل في الجنة ؛ نساء اآلدميات أم الحور ؟ فذكر ابن المبارك قال ‪ :‬وأخبرنا رشدين‬
‫عن ابن أنعم عن حبان بن أبي جبلة قال ‪ :‬إن نساء اآلدميات من دخل منهن الجنة فضلن على‬
‫الحور العين بما عملن في الدنيا‪ .‬وروي مرفوعا إن " اآلدميات أفضل من الحور العين سبعين ألف‬
‫ضعف" ‪ .‬وقيل ‪ :‬إن الحور العين أفضل ؛ لقوله عليه السالم في دعائه ‪" :‬وأبدله زوجا خيرا من‬
‫زوجه"‪ .‬واهلل أعلم‪ .‬وقرأ عكرمة {بحور عين} مضاف‪ .‬واإلضافة والتنوين في {بحور عين} سواء‪.‬‬
‫ِ ِِ‬
‫اآلية ‪{ 88 :‬ي ْدع ِ‬
‫ين }‬
‫يها بِ ُك ِّل فَاك َهة آمن َ‬
‫َ ُ َ‬
‫ون ف َ‬
‫ِِ‬
‫ين} من الموت والوصب والشيطان‪ .‬وقيل ‪ :‬آمنين من انقطاع ما هم فيه من النعيم ‪،‬‬
‫قال قتادة ‪{ :‬آمن َ‬

‫أو من أن ينالهم من أكلها أذى أو مكروه‪.‬‬
‫وق ِ‬
‫ِّك‬
‫ض ً‬
‫ال ِم ْن َرب َ‬
‫اب الْ َج ِح ِيم ‪َ ،‬ف ْ‬
‫ت إِ َّال ا ْل َم ْوَت َة ْاألُولَى َوَوَق ُ‬
‫يها ا ْل َم ْو َ‬
‫اه ْم َع َذ َ‬
‫اآلية ‪ { 88 - 81 :‬ال َي ُذ ُ َ‬
‫ون ف َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يم }‬
‫َذل َك ُه َو الْ َف ْوُز الْ َعظ ُ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬ال ي ُذوقُ ِ‬
‫ت إَِّال الْ َم ْوتَةَ ْاألُولَى} أي ال يذوقون فيها الموت البتة ألنهم‬
‫يها الْ َم ْو َ‬
‫َ َ‬
‫ون ف َ‬
‫خالدون فيها‪ .‬ثم قال ‪{ :‬إَِّال الْ َم ْوَت َة ْاألُولَى} على االستثناء المنقطع ؛ أي لكن الموتة األولى قد ذاقوها‬
‫في الدنيا‪ .‬وأنشد سيبويه ‪:‬‬

‫من كان أسرع في تفرق فالج ‪ ...‬فلبونه جربت معا وأغدت‬

‫(‪)688/61‬‬

‫ثم استثنى بما ليس من األول فقال ‪:‬‬

‫إال كناشرة الذي ضيعتم ‪ ...‬كالغصن في غلوائه المتنبت‬

‫وقيل ‪ :‬إن {إال} بمعنى بعد ؛ كقولك ‪ :‬ما كلمت رجال اليوم إال رجال عندك ‪ ،‬أي بعد رجل عندك‪.‬‬
‫وقيل ‪{ :‬إال} بمعنى سوى ‪ ،‬أي سوى الموتة التي ماتوها في الدنيا ‪ ،‬كقوله تعالى ‪َ { :‬وال َت ْن ِك ُحوا َما‬
‫َن َكح آباؤ ُكم ِمن النِّس ِ‬
‫ف} [النساء ‪ .]22 :‬وهو كما تقول ‪ :‬ما ذقت اليوم طعاما سوى‬
‫اء إِ َّال َما َق ْد َسَل َ‬
‫َ َُ ْ َ َ‬
‫ما أكلت أمس‪ .‬وقال القتبي ‪{ :‬إِ َّال الْ َم ْوتَةَ ْاألُولَى} معناه أن المؤمن إذا أشرف على الموت استقبلته‬
‫مالئكة الرحمة ويلقى الروح والريحان ‪ ،‬وكان م وته في الجنة التصافه بأسبابها ‪ ،‬فهو استثناء‬

‫صحيح‪ .‬والموت عرض ال يذاق ‪ ،‬ولكن جعل كالطعام الذي يكره ذوقه ‪ ،‬فاستعير فيه لفظ الذوق‪.‬‬
‫ِّك} أي فعل ذلك بهم تفضال منه عليهم‪ .‬فـ {فضال} مصدر‬
‫ض ً‬
‫ال ِم ْن َرب َ‬
‫اب ا ْل َج ِح ِيم‪َ ، .‬ف ْ‬
‫{ َوَوَق ُ‬
‫اه ْم َع َذ َ‬

‫عمل فيه {يدعون} ‪ .‬وقيل ‪ :‬العامل فيه {ووقاهم} وقيل ‪ :‬فعل مضمر‪ .‬وقيل ‪ :‬معنى الكالم الذي‬
‫قبله ‪ ،‬ألنه تفضل منه عليهم ‪ ،‬إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة‪" .‬ذلك هو الفوز‬
‫العظيم" أي السعادة والربح العظيم والنجاة العظيمة‪ .‬وقيل ‪ :‬هو من قولك فاز بكذا ‪ ،‬أي ناله وظفر‬
‫به‪.‬‬

‫ِ‬
‫اآلية ‪ { 83 :‬فَإِنَّما ي َّسرَن ِ ِ‬
‫ون}‬
‫ون ‪ ،‬فَ ْارتَقِ ْ‬
‫ب إِنَّ ُه ْم ُم ْرتَقُب َ‬
‫اه بِل َسان َك لَ َعلَّ ُه ْم َيتَ َذ َّكُر َ‬
‫َ َ ْ ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اه بِل َسان َك} يعني القرآن ‪ ،‬أي سهلناه بلغتك عليك وعلى من يقرؤه {َل َعلَّ ُه ْم‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬فإِنَّ َما َي َّس ْرَن ُ‬
‫آن لِ ِّلذ ْك ِر َف َه ْل ِم ْن ُم َّد ِكر} [القمر ‪]68 :‬‬
‫ون} أي يتعظون وينزجرون‪ .‬ونظيره ‪َ { :‬ولَ َق ْد يَ َّس ْرَنا الْقُْر َ‬
‫َيَت َذ َّكُر َ‬
‫اه‬
‫فختم السورة بالحث على آتباع القرآن وان لم يكن مذكورا ‪ ،‬كما قال في مفتتح السورة ‪{ :‬إِنَّا أ َْنَزْلَن ُ‬
‫ِ‬
‫ب إِنَّ ُه ْم‬
‫اه ِفي َل ْيَل ِة ا ْل َق ْد ِر} [القدر ‪ ]6 :‬على ما تقدم‪َ { .‬ف ْارَتِق ْ‬
‫في َل ْيَلة ُمَب َارَكة} [الدخان ‪{ ، ]8 :‬إِنَّا أ َْنَزْلَن ُ‬
‫ِ‬
‫ون }‬
‫ُم ْرَتقُب َ‬
‫أي انتظر ما وعدتك من النصر عليهم إنهم منتظرون لك الموت ؛ حكاه‬

‫(‪)688/61‬‬

‫النقاش‪ .‬وقيل ‪ :‬انتظر الفتح من ربك إنهم منتظرون بزعمهم قهرك‪ .‬وقيل ‪ :‬انتظر أن يحكم اهلل بينك‬
‫وبينهم فإنهم ينتظرون بك ريب الحدثان‪ .‬والمعنى متقارب‪ .‬وقيل ‪ :‬ارتقب ما وعدتك من الثواب فإنهم‬
‫كالمنتظرين لما وعدتهم من العقاب‪ .‬وقيل ‪ :‬ارتقب يوم القيامة فإنه يوم الفصل ‪ ،‬وان لم يعتقدوا وقوع‬
‫القيامة ‪ ،‬جعلوا كالمرتقبين ألن عاقبتهم ذلك‪ .‬واهلل تعالى أعلم‪.‬‬

‫تفسير سورة الجاثية‬
‫‪...‬‬
‫سورة الجاثية‬
‫مقدمة السورة‬
‫سورة الجاثية مكية كلها في قول الحسن وجابر وعكرمة‪ .‬وقال ابن عباس وقتادة ‪ :‬إال آية ‪ ،‬هي { ُق ْل‬
‫ِ ِِ‬
‫ِِ‬
‫َّام اللَّه} [الجاثية ‪ ]68 :‬نزلت بالمدينة في عمر بن الخطاب‬
‫ين ال َي ْرُج َ‬
‫آمُنوا َي ْغفُروا للَّذ َ‬
‫للَّذ َ‬
‫ين َ‬
‫ون أَي َ‬
‫رضي اهلل عنه ؛ ذكره الماوردي‪ .‬وقال المهدوي والنحاس عن ابن عباس ‪ :‬إنها نزلت في عمر رضي‬
‫اهلل عنه ‪ ،‬شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة‪ .‬فأراد أن يبطش به ‪ ،‬فأنزل اهلل عز وجل ‪:‬‬
‫ِ‬
‫ِ ِِ‬
‫ِِ‬
‫ين‬
‫َّام اللَّه} [الجاثية ‪ ] 68 :‬ثم ن سخت بقوله ‪َ { :‬فاقُْتلُوا الْ ُم ْش ِرك َ‬
‫ين ال َي ْرُج َ‬
‫آمُنوا َي ْغفُروا للَّذ َ‬
‫{ ُق ْل للَّذ َ‬
‫ين َ‬
‫ون أَي َ‬
‫وه ْم} [التوبة ‪ .] 8 :‬فالسورة كلها مكية على هذا من غير خالف‪ .‬وهي سبع وثالثون آية‪.‬‬
‫َح ْي ُ‬
‫ث َو َج ْدُت ُم ُ‬
‫وقيل ست‪.‬‬

‫يل ا ْل ِكَت ِ‬
‫اب ِم َن اللَّ ِه ا ْل َع ِز ِ‬
‫يز الْ َح ِك ِيم}‬
‫اآلية ‪ { 6 :‬حم ‪َ ،‬ت ْن ِز ُ‬

‫يل ا ْل ِكَت ِ‬
‫اب} مبتدأ‪.‬‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬حم} مبتدأ و {تنزيل} خبره‪ .‬وقال بعضهم ‪{ :‬حم} اسم السورة‪ .‬و {َت ْن ِز ُ‬
‫وخبره { ِم َن اللَّ ِه} ‪ .‬والكتاب القرآن‪{ .‬الْ َع ِز ِ‬
‫يز} المنيع‪{ .‬الْ َح ِك ِيم} في فعله‪ .‬وقد تقدم جميعه‪.‬‬
‫ِ ِِ‬
‫السم ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ين ‪ ،‬وِفي َخلِْق ُك ْم و َما َيُب ُّ‬
‫ِ‬
‫ات‬
‫ث ِم ْن َدابَّة َآي ٌ‬
‫َ‬
‫اوات َو ْاأل َْرض َآليات للْ ُم ْؤمن َ َ‬
‫اآلية ‪ { 8 - 8 :‬إ َّن في َّ َ َ‬
‫السم ِ‬
‫َّ ِ‬
‫اختِ ِ‬
‫ِ‬
‫الف اللَّ ْي ِل َوالنَّ َه ِ‬
‫ض َب ْع َد َم ْوتِ َها‬
‫َحَيا بِ ِه ْ َ‬
‫ون ‪َ ،‬و ْ‬
‫اء ِم ْن ِرْزق َفأ ْ‬
‫األ ْر َ‬
‫ل َق ْوم ُيوِقُن َ‬
‫ار َو َما أ َْنَزَل الل ُه م َن َّ َ‬
‫ِ‬
‫اح آي ٌ ِ‬
‫وتَص ِر ِ‬
‫ون}‬
‫يف ِّ‬
‫ات لقَ ْوم َي ْعقلُ َ‬
‫الرَي ِ َ‬
‫َ ْ‬

‫(‪)681/61‬‬

‫ِ ِِ‬
‫السم ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ين‪.‬وِفي َخلِْق ُك ْم و َما َيُب ُّ‬
‫ِ‬
‫ث ِم ْن‬
‫َ‬
‫اوات َو ْاأل َْرض} أي في خلقهما { َآليات للْ ُم ْؤمن َ َ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬إ َّن في َّ َ َ‬
‫اء ِم ْن ِرْزق فَأ ْ ِ‬
‫السم ِ‬
‫َّ ِ‬
‫اختِ ِ‬
‫َدابَّة آي ٌ ِ‬
‫الف اللَّ ْي ِل َوالنَّ َه ِ‬
‫ض‬
‫ون ‪َ ،‬و ْ‬
‫َحَيا بِه ْاأل َْر َ‬
‫ات لقَ ْوم ُيوِقُن َ‬
‫َ‬
‫ار َو َما أَنَْزَل الل ُه م َن َّ َ‬
‫ِ‬
‫اح آي ٌ ِ‬
‫بعد موتِها وَتص ِر ِ‬
‫ون} تقدم جميعه‪ .‬وقراءة العامة {وما َيُب ُّ‬
‫ات}‬
‫يف ِّ‬
‫ث ِم ْن َدابَّة َآي ٌ‬
‫ات ل َق ْوم َي ْعقُل َ‬
‫الرَي ِ َ‬
‫ََْ َْ َ َ ْ‬
‫ََ‬
‫{وتَص ِر ِ‬
‫ات} بالرفع فيهما‪ .‬وقرأ حمزة والكسائي بكسر التاء فيهما‪ .‬وال خالف في األول‬
‫الرَي ِ‬
‫يف ِّ‬
‫اح َآي ٌ‬
‫َ ْ‬
‫السماو ِ‬
‫ِ‬
‫ات}‪ .‬ووجه الكسر في {آيات} الثاني العطف على ما‬
‫أنه بالنصب على اسم {إن} وخبرها {في َّ َ َ‬
‫عملت فيه ؛ التقدير ‪ :‬إن في خلقكم وما يبث من دابة آيات‪ .‬فأما الثالث فقيل ‪ :‬إن وجه النصب فيه‬
‫تكرير {آيات} لما طال الكالم ؛ كما تقول ‪ :‬ضرب زيدا زيدا‪ .‬وقيل ‪ :‬إنه على الحمل على ما عملت‬
‫فيه {إن} على تقدير حذف {في} ؛ التقدير ‪ :‬وفي اختالف الليل والنهار آيات‪ .‬فحذفت {في} لتقدم‬
‫ذكرها‪ .‬وأنشد سيبويه في الحذف ‪:‬‬

‫كل امرئ تحسبين امرأ ‪ ...‬ونار توقد بالليل نا ار‬

‫فحذف {كل} المضاف إلى نار المجرورة لتقدم ذكرها‪ .‬وقيل ‪ :‬هو من باب العطف على عاملين‪ .‬ولم‬
‫يجزه سيبوبه ‪ ،‬وأجازه األخفش وجماعة من الكوفيين ؛ فعطف {واختالف} على قوله ‪{ :‬وفي خلقكم}‬
‫ثم قال ‪{ :‬وتصريف الرياح آيات} فيحتاج إلى العطف على عاملين ‪ ،‬والعطف على عاملين قبيح من‬
‫أجل أن حروف العطف تنوب مناب العامل ‪ ،‬فلم تقو أن تنوب مناب عاملين مختلفين ؛ إذ لو ناب‬
‫مناب رافع وناصب لكان رافعا ناصبا في حال‪ .‬وأما قراءة الرفع فحمال على موضع {إن} مع ما‬

‫عملت فيه‪ .‬وقد ألزم النحويون في ذلك أيضا العطف على عاملين ؛ ألنه عطف {واختالف} على‬
‫{وفي خلقكم} ‪ ،‬وعطف {آيات} على موضع {آيات} األول ‪ ،‬ولكنه يقدر على تكرير { في} ‪ .‬ويجوز‬
‫أن يرفع‬

‫(‪)688/61‬‬

‫على القطع مما قبله فيرفع باالبتداء ‪ ،‬وما قبله خبره ‪ ،‬ويكون عطف جملة على جملة‪ .‬وحكى الفراء‬
‫رفع {واختالف} و {آيات} جميعا ‪ ،‬وجعل االختالف هو اآليات‪.‬‬
‫ِ ِِ‬
‫ق فَبِأ ِّ ِ‬
‫وها َعلَيْ َك بِالْ َح ِّ‬
‫ون}‬
‫ات اللَّ ِه نَتْلُ َ‬
‫اآلية ‪{ 1 :‬تِلْ َك َآي ُ‬
‫َي َحديث َب ْع َد اللَّه َو َآياته ُي ْؤِمنُ َ‬
‫ات اللَّ ِه} أي هذه آيات اهلل أي حججه وبراهينه الدالة على وحدانيته وقدرته‪.‬‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬تِ ْل َك َآي ُ‬
‫وها َعلَ ْي َك بِالْ َح ِّ‬
‫َي َحِديث‬
‫ق} أي بالصدق الذي ال باطل وال كذب فيه‪ .‬وقرئ {يتلوها} بالياء‪{ .‬فَِبأ ِّ‬
‫{َنتْلُ َ‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫ون} وقراءة العامة بالياء على الخبر‪ .‬وق أر ابن‬
‫َب ْع َد اللَّه} أي بعد حديث اهلل وقيل بعد قرآنه { َو َآياته ُي ْؤِمُن َ‬
‫محيصن وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي {تؤمنون} بالتاء على الخطاب‪.‬‬
‫ات اللَّهِ ُت ْتَلى عَل ْي ِه ثَُّم ي ِ‬
‫اآلية ‪ { 3 - 8 :‬وْي ٌل لِ ُك ِّل أَفَّاك أَثِيم ‪ ،‬يسمع آي ِ‬
‫َن َل ْم َي ْس َم ْع َها‬
‫صُّر ُم ْسَت ْكبِ ًرا َكأ ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ َْ ُ َ‬
‫َ‬
‫َفَب ِّش ْرُه بِ َع َذاب أَلِيم}‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وْي ٌل لِ ُك ِّل أَفَّاك أَثِيم} {ويل} واد في جهنم‪ .‬توعد من ترك االستدالل بآياته‪ .‬واألفاك ‪:‬‬
‫الكذاب‪ .‬واإلفك الكذب‪{ .‬أَثِيم} أي مرتكب لإلثم‪ .‬والمراد فيما روي ‪ :‬النض ر بن الحارث وعن ابن‬
‫عباس أنه الحارث بن كلدة‪ .‬وحكى الثعلبي أنه أبو جهل وأصحابه‪{ .‬يسمع آي ِ‬
‫ات اللَّ ِه ُتتْلَى َعلَ ْي ِه}‬
‫َ َْ ُ َ‬
‫يعني آيات القرآن‪{ .‬ثَُّم ي ِ‬
‫َن َل ْم َي ْس َم ْع َها} أي يتمادى على كفره متعظما في نفسه عن‬
‫صُّر ُم ْسَت ْكبِ ًرا َكأ ْ‬
‫ُ‬
‫االنقياد مأخوذ من صر الصرة إذا شدها‪ .‬قال معناه ابن عباس وغيره‪ .‬وقيل ‪ :‬أصله من إصرار‬

‫الحمار على العانة وهو أن ينحني عليها صارا أذنيه‪ .‬و {أن} من {كأن} مخففة من الثقيلة ؛ كأنه لم‬
‫يسمعها ‪ ،‬والضمير ضمير الشأن ؛ كما في قوله ‪:‬‬
‫كأن ظبية تعطو إلى ناضر السلم‬

‫(‪)683/61‬‬

‫ومحل الجملة النصب ‪ ،‬أي يصر مثل غير السامع‪ .‬وقد تقدم في أول "لقمان" القول في هذه اآلية‪.‬‬
‫وتقدم معنى { َفَب ِّش ْرُه بِ َع َذاب أَلِيم} في "البقرة"‪.‬‬
‫ين ‪ِ ،‬م ْن َوَرائِ ِه ْم َج َهنَّ ُم َوال‬
‫اب ُم ِه ٌ‬
‫اآلية ‪َِ { 69 - 3 :‬وا َذا َعلِ َم ِم ْن َآياتَِنا َش ْيئًا اتَّ َخ َذ َها ُهُزوًا أُوَلئِ َك َل ُه ْم َع َذ ٌ‬
‫ون اللَّ ِه أَولِياء ولَهم ع َذ ٌ ِ‬
‫ُي ْغنِي َع ْن ُه ْم َما َك َسُبوا َش ْيئاً َوال َما اتَّ َخ ُذوا ِم ْن ُد ِ‬
‫يم }‬
‫ْ َ َ َ ُْ َ‬
‫اب َعظ ٌ‬
‫قوله تعالى ‪َِ { :‬وا َذا َعلِ َم ِم ْن َآي ِاتنَا َشيْئاً اتَّ َخ َذ َها ُهُزواً} نحو قوله في الزقوم ‪ :‬إنه الزبد والتمر وقوله في‬
‫ين} مذل مخز‪ِ { .‬م ْن‬
‫اب ُم ِه ٌ‬
‫خزنة جهنم ‪ :‬إن كانوا تسعة عشر فأنا ألقاهم وحدي‪{ .‬أُوَلئِ َك َل ُه ْم َع َذ ٌ‬
‫َوَرائِ ِه ْم َج َهَّن ُم} أي من وراء ما هم فيه من التعزز في الدنيا والتكبر عن الحق جهنم‪ .‬وقال ابن‬

‫ِ‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫صِديد} [إبراهيم ‪:‬‬
‫عباس ‪{ :‬من ورائهم جهنم} أي أمامهم ‪ ،‬نظيره ‪{ :‬م ْن َوَرائه َج َهنَّ ُم َوُي ْسقَى م ْن َماء َ‬
‫‪ ]61‬أي من أمامه‪ .‬قال ‪:‬‬
‫أليس ورائي إن تراخت منيتي ‪ ...‬أدب مع الولدان أزحف كالنسر‬

‫ِ‬
‫ِ‬
‫الد ُه ْم‬
‫َم َواُل ُه ْم َوال أ َْو ُ‬
‫{ َوال ُي ْغني َع ْن ُه ْم َما َك َسُبوا َش ْيئًا} أي من المال والولد ؛ نظيره ‪َ { :‬ل ْن ُت ْغن َي َع ْن ُه ْم أ ْ‬
‫ِمن اللَّ ِه َش ْيئاً} [آل عمران ‪ ]69 :‬أي من المال والولد‪َ { .‬ش ْيئاً وال ما اتَّ َخ ُذوا ِم ْن ُد ِ َّ ِ‬
‫اء} يعني‬
‫َ‬
‫ون الله أ َْولَِي َ‬
‫َ َ‬
‫األصنام‪{ .‬ولَهم ع َذ ٌ ِ‬
‫يم} أي دائم مؤلم‪.‬‬
‫َ ُْ َ‬
‫اب َعظ ٌ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يم}‬
‫ين َك َفُروا بِآيات َربِّ ِه ْم َل ُه ْم َع َذ ٌ‬
‫دى َوالَّذ َ‬
‫اب م ْن ِر ْجز أَل ٌ‬
‫اآلية ‪َ { 66 :‬ه َذا ُه ً‬
‫دى} ابتداء وخبر ؛ يعني القرآن‪ .‬وقال ابن عباس ‪ :‬يعني كل ما جاء به محمد‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ه َذا ُه ً‬
‫صلى اهلل عليه وسلم‪{ .‬والَِّذين َك َفروا بِ ِ‬
‫آيات َربِّ ِه ْم} أي جحدوا دالئله‪.‬‬
‫َ َ ُ‬

‫(‪)683/61‬‬

‫ِ‬
‫{لَهم ع َذ ٌ ِ‬
‫يم} الرجز العذاب ؛ أي لهم عذاب من عذاب أليم دليله قوله تعالى ‪{ :‬فَأَنَْزلَْنا‬
‫ُْ َ‬
‫اب م ْن ِر ْجز أَل ٌ‬
‫السم ِ‬
‫ِ‬
‫َِّ‬
‫اء} [البقرة ‪ ]83 :‬أي عذابا‪ .‬وقيل ‪ :‬الرجز القذر مثل الرجس ؛ وهو‬
‫ين َ‬
‫َعَلى الذ َ‬
‫ظَل ُموا ِر ْج ًزا م َن َّ َ‬
‫ِ‬
‫صِديد} [إبراهيم ‪ ] 61 :‬أي لهم عذاب من تجرع الشراب القذر‪ .‬وضم‬
‫كقوله تعالى ‪َ { :‬وُي ْ‬
‫سقَى م ْن َماء َ‬
‫الراء من الرجز ابن محيصن حيث وقع‪ .‬وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحفص {أليم} بالرفع ؛ على‬
‫معنى لهم عذاب أليم من رجز‪ .‬الباقون بالخفض نعتا للرجز‪.‬‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫َّ َِّ‬
‫ضلِ ِه َولَ َعلَّ ُك ْم‬
‫َم ِرِه َولِتَ ْبتَ ُغوا ِم ْن فَ ْ‬
‫ي الْفُلْ ُك فيه بِأ ْ‬
‫س َّخَر لَ ُك ُم الَْب ْحَر لتَ ْج ِر َ‬
‫اآلية ‪ { 68 - 62 :‬الل ُه الذي َ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ات وما ِفي ْاألَر ِ ِ ِ‬
‫السم ِ‬
‫ِ‬
‫ون}‬
‫ض َجميعًا م ْن ُه إِ َّن في َذل َك َآليات لقَ ْوم َيَت َف َّكُر َ‬
‫ْ‬
‫َت ْش ُكُر َ‬
‫او َ َ‬
‫ون ‪َ ،‬و َس َّخَر َل ُك ْم َما في َّ َ َ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬اللَّه الَِّذي س َّخر لَ ُكم الْب ْحر لَِت ْج ِري الُْفلْ ُك ِفيهِ بِأَم ِرِه ولَِت ْب َت ُغوا ِم ْن َف ْ ِ ِ‬
‫ون}‬
‫ضله َولَ َعلَّ ُك ْم َت ْش ُكُر َ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫َ َ ُ َ َ‬
‫ْ َ‬
‫س َّخَر َل ُك ْم َما ِفي‬
‫ذكر كمال قدرته وتمام نعمته على عباده ‪ ،‬وبين أنه خلق ما خلق لمنافعهم‪َ { .‬و َ‬
‫السم ِ‬
‫ات و َما ِفي ْاأل َْر ِ‬
‫ض َج ِميعاً ِم ْن ُه} يعني أن ذلك فعله وخلقه واحسان منه وانعام‪ .‬وق أر ابن عباس‬
‫او َ‬
‫َّ َ َ‬
‫والجحدري وغيرهما { جميعا ِمنُّ ُه} بكسر الميم وتشديد النون وتنوين الهاء ‪ ،‬منصوبا على المصدر‪.‬‬
‫قال أبو عمرو ‪ :‬وكذلك سمعت مسلمة يقرؤها { ِمنَّ ًة} أي تفضال وكرما‪ .‬وعن مسلمة بن محارب‬
‫أيضا " جميعا منه" على إضافة المن إلى هاء الكناية‪ .‬وهو عند أبي حاتم خبر ابتداء محذوف ‪ ،‬أي‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ون}‪.‬‬
‫ذلك ‪ ،‬أو هو منه‪ .‬وقراءة الجماعة ظاهرة‪{ .‬إِ َّن في َذل َك َآليات ل َق ْوم َيَت َف َّكُر َ‬
‫ِ‬
‫اآلية ‪ُ { 68 :‬ق ْل لِلَِّذين آمُنوا ي ْغِفروا لِلَِّذين ال يرجون أَي َّ ِ ِ‬
‫ون }‬
‫ي قَ ْوماً بِ َما َك ُانوا َي ْكسُب َ‬
‫َّام الله لَي ْج ِز َ‬
‫َ َ َ ُ‬
‫َ َْ ُ َ َ‬
‫ِِ‬
‫آمنُوا َي ْغِفُروا} جزم على جواب {قل} تشبيها بالشرط والجزاء كقولك ‪ :‬قم‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬قُ ْل للَّذ َ‬
‫ين َ‬

‫تصب خيرا‪ .‬وقيل ‪ :‬هو على حذف الالم‪ .‬وقيل ‪ :‬على معنى قل‬

‫(‪)619/61‬‬

‫لهم اغفروا يغفروا ؛ فهو جواب أمر محذوف دل الكالم عليه ؛ قال علي بن عيسى واختاره ابن‬
‫العربي‪ .‬ونزلت اآلية بسبب أن رجال من قريش شتم عمر بن الخطاب فهم أن يبطش به‪ .‬قال ابن‬
‫العربي ‪ :‬وهذا لم يصح‪ .‬وذكر الواحدي والقشيري وغيرهما عن ابن عباس أن اآلية نزلت في عمر‬
‫مع عبداهلل بن أبي في غزوة بني المصطلق ‪ ،‬فإنهم نزلوا على بئر يقال لها "المريسيع" فأرسل عبداهلل‬

‫غالمه ليستقي ‪ ،‬وأبطأ عليه فقال ‪ :‬ما حبسك ؟ قال ‪ :‬غالم عمر بن الخطاب قعد على فم البئر ‪،‬‬
‫فما ترك أحدا يستقي حتى مَل قرب النبي صلى اهلل عليه وسلم وقرب أبي بكر ‪ ،‬ومَل لمواله‪ .‬فقال‬
‫عبداهلل ‪ :‬ما مثلنا ومثل هؤالء إال كما قيل ‪ :‬سمن كلبك يأكلك‪ .‬فبلغ عمر رضي اهلل عنه قول ‪،‬‬
‫فاشتمل على سيفه يريد ا لتوجه إليه ليقتله ؛ فأنزل اهلل هذه اآلية‪ .‬هذه رواية عطاء عن ابن عباس‪.‬‬
‫ِ‬
‫ض اللَّ َه َق ْرضًا َح َسنًا} [البقرة ‪]288 :‬‬
‫وروى عنه ميمون بن مهران قال ‪ :‬لما نزلت { َم ْن َذا الَّذي ُي ْق ِر ُ‬
‫قال يهودي بالمدينة يقال له فنحاص ‪ :‬احتاج رب محمد! قال ‪ :‬فلما سمع عمر بذلك اشتمل على‬

‫سيفه وخرج في طلبه ؛ فجاء جبريل عليه السالم إلى النبي صلى اهلل عليه وسلم فقال ‪" :‬إن ربك‬
‫ِ ِِ‬
‫ِِ‬
‫َّام اللَّ ِه}‪ .‬وأعلم أن عمر قد أشتمل عل سيفه وخرج‬
‫ين ال َي ْرُج َ‬
‫آمُنوا َي ْغفُروا للَّذ َ‬
‫يقول لك { ُق ْل للَّذ َ‬
‫ين َ‬
‫ون أَي َ‬
‫في طلب اليهودي ‪ ،‬فبعث رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم في طلبه ‪ ،‬فلما جاء قال ‪" :‬يا عمر ‪،‬‬
‫ضع سيفك" قال ‪ :‬يا رسول اهلل ‪ ،‬صدقت‪ .‬أشهد أنك أرسلت بالحق‪ .‬قال ‪" :‬فإن ربك يقول ‪ُ { :‬ق ْل‬
‫ِ ِِ‬
‫ِِ‬
‫َّام اللَّ ِه}‪ .‬قال ‪ :‬ال جرم! والذي بعثك بالحق ال ترى الغضب في‬
‫ين ال َي ْرُج َ‬
‫آمُنوا َي ْغفُروا للَّذ َ‬
‫للَّذ َ‬
‫ين َ‬
‫ون أَي َ‬
‫وجهي‪.‬‬

‫قلت ‪ :‬وما ذكره المهدوي والنحاس فهو رواية الضحاك عن ابن عباس ‪ ،‬وهو قول القرظي والسدي ‪،‬‬
‫وعليه يتوجه النسخ في اآلية‪ .‬وعلى أن اآلية نزلت بالمدينة أو في غزوة بني المصطلق فليست‬
‫ِ‬
‫َّام اللَّ ِه} أي ال يرجون ثوابه‪.‬‬
‫بمنسوخة‪ .‬ومعنى {َي ْغفُروا} يعفوا ويتجاوزوا‪ .‬ومعنى ‪{ :‬ال َي ْرُج َ‬
‫ون أَي َ‬
‫ون لِلَّ ِه‬
‫وقيل ‪ :‬أي ال يخافون بأس اهلل ونقمه‪ .‬وقيل ‪ :‬الرجاء بمعنى الخوف ؛ كقوله ‪َ { :‬ما لَ ُك ْم ال تَ ْرُج َ‬
‫َوَقا ًرا} [نوح ‪ ]68 :‬أي ال تخافون له عظمة‪ .‬والمعنى ‪ :‬ال تخشون‬

‫(‪)616/61‬‬

‫مثل عذاب األمم الخالية‪ .‬واأليام يعبر بها عن الوقائع‪ .‬وقيل ‪ :‬ال يأملون نصر اهلل ألوليائه وايقاعه‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ي}‬
‫ي قَ ْومًا بِ َما َك ُانوا َي ْكسُب َ‬
‫ون} قراءة العامة {لَي ْج ِز َ‬
‫بأعدائه‪ .‬وقيل ‪ :‬المعنى ال يخافون البعث‪{ .‬لَي ْج ِز َ‬
‫ِ‬
‫ي} بالنون على التعظيم‪ .‬وقرأ أبو‬
‫بالياء على معنى ليجزي اهلل‪ .‬وق أر حمزة والكسائي وابن عامر {لَن ْج ِز َ‬

‫جعفر واألعرج وشيبة {ِلُي ْجَزى} بياء مضمومة وفتح الزاي على الفعل المجهول ‪{ ،‬قوما} بالنصب‪.‬‬
‫ك‬
‫قال أبو عمرو ‪ :‬وهذا لحن ظاهر‪ .‬وقال الكسائي ‪ :‬معناه ليجزي الجزاء قوما ‪ ،‬نظيره ‪َ { :‬و َك َذلِ َ‬
‫ِ‬
‫ين} على قراءة ابن عامر وأبي بكر في سورة "األنبياء"‪ .‬قال الشاعر ‪:‬‬
‫ُن ِّج ُِي ا ْل ُم ْؤِمن َ‬

‫ِ‬
‫الجرو الكالبا‬
‫ب بذلك‬
‫س َّ‬
‫ولو َوَلدت ُقفيرة جرو كلب ‪َ ...‬ل ُ‬
‫ب السب‪.‬‬
‫أي لَ ُس َّ‬
‫اآلية ‪{ 68 :‬م ْن ع ِم َل ِ ِ ِ ِ‬
‫ون}‬
‫اء فَ َعلَيْ َها ثَُّم إِلَى َربِّ ُك ْم تُ ْرَج ُع َ‬
‫َ َ‬
‫َس َ‬
‫صالحاً فَلنَفْسه َو َم ْن أ َ‬
‫َ‬
‫تقدم‪.‬‬
‫اهم ِمن الطَّيِّب ِ‬
‫اآلية ‪{ 68 - 61 :‬ولَقَ ْد آتَ ْيَنا بنِي إِسر َ ِ‬
‫اه ْم‬
‫ات َوفَ َّ‬
‫ضلَْن ُ‬
‫َ‬
‫اب َوالْ ُح ْك َم َوالنُُّب َّوَة َوَرَزقَْن ُ ْ َ‬
‫ائيل الْكتَ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫َّك‬
‫اء ُه ُم ا ْلع ْل ُم َب ْغيًا َب ْيَن ُه ْم إِ َّن َرب َ‬
‫َم ِر َف َما ْ‬
‫ين ‪َ ،‬و َآت ْيَن ُ‬
‫اه ْم َبيَِّنات م َن ْاأل ْ‬
‫َعَلى ا ْل َعاَلم َ‬
‫اخَتَل ُفوا إِال م ْن َب ْعد َما َج َ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ضي ب ْيَنهم يوم الِْقي ِ ِ‬
‫يقْ ِ‬
‫ون}‬
‫يما َك ُانوا فيه َي ْخَتل ُف َ‬
‫َ‬
‫امة ف َ‬
‫َ ُْ َْ َ َ َ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬وَل َق ْد َآت ْيَنا بنِي إِسر َ ِ‬
‫اب} يعني التوراة‪َ { .‬وا ْل ُح ْك َم َوالنُُّب َّوَة} الحكم ‪ :‬الفهم في‬
‫ائيل ا ْلكَت َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫َ‬

‫الكتاب‪ .‬وقيل ‪ :‬الحكم على الناس والقضاء‪{ .‬والنبوة} يعني األنبياء من وقت يوسف عليه السالم إلى‬
‫اهم ِمن الطَّيِّب ِ‬
‫ات} أي الحالل‬
‫َ‬
‫زمن عيسى عليه السالم‪َ { .‬وَرَزقَْن ُ ْ َ‬

‫(‪)612/61‬‬

‫اه ْم‬
‫من األقوات والثمار واألطعمة التي كانت بالشام‪ .‬وقيل ‪ :‬يعني المن والسلوى في التيه‪َ { .‬وَف َّ‬
‫ضلَْن ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َم ِر} قال ابن عباس ‪ :‬يعني أمر النبي‬
‫ين} أي على عالمي زمانهم‪َ { .‬وآتَ ْيَن ُ‬
‫اه ْم َب يَِّنات م َن ْاأل ْ‬
‫َعلَى الْ َعالَم َ‬
‫صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬وشواهد نبوته بأنه يهاجر من تهامة إلى يثرب ‪ ،‬وينصره أهل يثرب‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫اء ُه ُم الْ ِعلْ ُم}‬
‫بينات األم شرائع واضحات في الحالل والحرام ومعجزات‪َ { .‬ف َما ْ‬
‫اخَتلَ ُفوا إِال م ْن َب ْعد َما َج َ‬
‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫اء ُه ُم‬
‫يريد يوشع بن نون ؛ فآمن بعضهم وكفر بعضهم ؛ حكاه النقاش‪ .‬وقيل ‪{ :‬إِال م ْن َب ْعد َما َج َ‬
‫الْ ِعلْ ُم} نبوة النبي صلى اهلل عليه وسلم فاختلفوا فيها‪َ{ .‬ب ْغياً َب ْيَن ُه ْم} أي حسدا على النبي صلى اهلل‬
‫عليه وسلم ؛ قال معناه الضحاك‪ .‬قيل ‪ :‬معنى {َب ْغياً} أي بغى بعضهم على بعض يطلب الفضل‬
‫والرياسة ‪ ،‬وقتلوا األنبياء ؛ فكذا مشركو عصرك يا محمد ‪ ،‬قد جاءتهم البينات ولكن أعرضوا عنها‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ضي ب ْيَنهم} أي يحكم ويفصل‪{ .‬يوم الِْقي ِ ِ‬
‫َّك يقْ ِ‬
‫ون}‬
‫يما َك ُانوا فيه َي ْخَتل ُف َ‬
‫للمنافسة في الرياسة‪{ .‬إِ َّن َرب َ َ‬
‫امة ف َ‬
‫َْ َ َ َ‬
‫َ ُْ‬
‫في الدنيا‪.‬‬
‫َهو ِ‬
‫ش ِر ِ‬
‫ون َف َّاتِب ْع َها َوال‬
‫اآلية ‪{ 63 :‬ثَُّم َج َعلَْن َ‬
‫ين ال َي ْعلَ ُم َ‬
‫اء الَّذ َ‬
‫يعة م َن ْاأل ْ‬
‫َم ِر َف َّاتِب ْع َها َوال َتَّتِب ْع أ ْ َ َ‬
‫اك َعلَى َ َ‬
‫َهو ِ‬
‫ون }‬
‫ين ال َي ْعلَ ُم َ‬
‫اء الَّذ َ‬
‫تَتَّبِ ْع أ ْ َ َ‬
‫اك علَى َش ِر ِ‬
‫َم ِر} الشريعة في اللغة ‪ :‬المذهب والملة‪ .‬ويقال لمشرعة‬
‫يعة م َن ْاأل ْ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬ثَُّم َج َع ْلَن َ َ‬
‫َ‬
‫الماء ‪ -‬وهي مورد الشاربة ‪ : -‬شريعة‪ .‬ومنه الشارع ألنه طريق إلى المقصد‪ .‬فالشريعة ‪ :‬ما شرع‬

‫اهلل لعباده من الدين ؛ والجمع الشرائع‪ .‬والشرائع في الدين ‪ :‬المذاهب التي شرعها اهلل لخلقه‪.‬‬
‫اك عَلى َش ِر ِ‬
‫َم ِر} أي على منهاج واضح من أمر الدين يشرع بك إلى الحق‪.‬‬
‫يعة م َن ْاأل ْ‬
‫فمعنى ‪َ { :‬ج َعلَْن َ َ‬
‫َ‬

‫يعة} أي على هدى من األمر‪ .‬قتادة ‪ :‬الشريعة األم والنهي والحدود‬
‫وقال ابن عباس ‪َ { :‬عَلى َش ِر َ‬
‫والفرائض‪ .‬مقاتل ‪ :‬البينة ؛ ألنها‬

‫(‪)618/61‬‬

‫طريق إلى الحق‪ .‬الكلبي ‪ :‬السنة ؛ ألنه يستن بطريقة من قبله من األنبياء‪ .‬ابن زيد ‪ :‬الدين ؛ ألنه‬

‫طريق النجاة‪ .‬قال ابن العربي ‪ :‬واألمر يرد في اللغة بمعنيين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬بمعنى الشأن كقوله ‪:‬‬
‫{ َفاتَّبعوا أ ِ‬
‫َمُر ِف ْرَع ْو َن بَِرِشيد} [هود ‪ .]38 :‬والثاني ‪ :‬أحد أقسام الكالم الذي يقابله‬
‫َمَر ف ْرَع ْو َن َو َما أ ْ‬
‫َُ ْ‬
‫الذي يقابله النهي‪ .‬وكالهما يصح أن يكون مرادا هاهنا ؛ وتقديره ‪ :‬ثم جعلناك على طريقة من الدين‬
‫اه ِ‬
‫وهي ملة اإلسالم ؛ كما قال تعالى ‪{ :‬ثَُّم أَوح ْيَنا إِلَ ْي َك أ ِ َِّ ِ َّ ِ ِ‬
‫ان ِم َن‬
‫يم َحنيفاً َو َما َك َ‬
‫َْ‬
‫َن اتب ْع ملةَ إ ْبَر َ‬
‫ِ‬
‫ين} [النحل ‪.]628 :‬‬
‫ا ْل ُم ْش ِرك َ‬
‫وال خالف أن اهلل تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح ‪ ،‬وانما خالف بينهما‬
‫في الفروع حسبما علمه سبحانه‪.‬‬
‫قال ابن العربي ‪ :‬ظن بعض من يتكلم في العلم أن هذه اآلية دليل على أن شرع من قبلنا ليس بشرع‬
‫لنا ؛ ألن اهلل تعالى أفرد النبي صلى اهلل عليه وسلم وأمته في هذه اآلية بشريعة ‪ ،‬وال ننكر أن النبي‬
‫صلى اهلل عليه وسلم وأمته منفردان بشريعة ‪ ،‬وانما الخالف فيما أخبر النبي صلى اهلل عليه وسلم‬
‫َهو ِ‬
‫ين ال‬
‫اء الَّذ َ‬
‫عنه من شرع من قبلنا في معرض المدح والثناء هل يلزم اتباعه أم ال‪َ { .‬وال َتتَّبِ ْع أ ْ َ َ‬
‫ون} يعني المشركين‪ .‬وقال ابن عباس ‪ :‬قريظة والنضير‪ .‬وعنه ‪ :‬نزلت لما دعته قريش إلى دين‬
‫َي ْعَل ُم َ‬

‫آبائه ‪.‬‬

‫ِ‬
‫َّ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين}‬
‫اء َب ْعض َواللَّ ُه َولِ ُّي الْ ُمتَّق َ‬
‫ين َب ْع ُ‬
‫اآلية ‪ { 63 :‬إِنَّ ُه ْم لَ ْن ُي ْغنُوا َعنْ َك م َن اللَّه َشيْئاً َِوا َّن الظالم َ‬
‫ض ُه ْم أ َْولَِي ُ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬إِنَّ ُه ْم َل ْن ُي ْغُنوا َع ْن َك ِم َن اللَّ ِه َش ْيئًا} أي إن اتبعت أهواءهم ال يدفعون عنك من عذاب‬
‫َّ ِ ِ‬
‫اء َب ْعض} أي أصدقاء وأنصار وأحباب‪ .‬قال ابن عباس ‪ :‬يريد‬
‫ين َب ْع ُ‬
‫اهلل شيئا‪َِ { .‬وا َّن الظالم َ‬
‫ض ُه ْم أ َْولَِي ُ‬
‫ِ‬
‫ين} أي ناصرهم ومعينهم‪ .‬والمتقون هنا ‪ :‬الذين أتقوا‬
‫أن المنافقين أولياء اليهود‪َ { .‬واللَّ ُه َولِ ُّي ا ْل ُمتَّق َ‬
‫الشرك والمعاصي‪.‬‬

‫(‪)618/61‬‬

‫ِ‬
‫ص ِائُر لِ َّلن ِ‬
‫ون}‬
‫دى َوَر ْح َم ٌة ل َق ْوم ُيوِقُن َ‬
‫اس َوُه ً‬
‫اآلية ‪َ { 29 :‬ه َذا َب َ‬
‫صائُِر لِلنَّ ِ‬
‫اس} ابتداء وخبر ؛ أي هذا الذي أنزلت عليك براهين ودالئل ومعالم‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ه َذا َب َ‬

‫ِ‬
‫ون} أي‬
‫دى َوَر ْح َم ٌة ل َق ْوم ُيوِقُن َ‬
‫للناس في الحدود واألحكام‪ .‬وقرئ {هذه بصائر} أي هذه اآليات‪َ { .‬وُه ً‬
‫ِ‬
‫ون}‪.‬‬
‫رشد وطريق يؤدي إلى الجنة لمن أخذ به‪َ { .‬وَر ْح َمةٌ} في اآلخرة {لقَ ْوم ُيوِقنُ َ‬
‫َن نَ ْجعلَهم َكالَِّذين آمنُوا وع ِملُوا َّ ِ ِ‬
‫اجتَرحوا َّ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اء‬
‫َ َ ََ‬
‫ين ْ َ ُ‬
‫ب الَّذ َ‬
‫اآلية ‪ { 26 :‬أ َْم َحس َ‬
‫الصال َحات َس َو ً‬
‫السيِّئَات أ ْ َ ُ ْ‬
‫ون }‬
‫َم ْحَي ُ‬
‫اء َما َي ْح ُك ُم َ‬
‫اه ْم َو َم َم ُات ُه ْم َس َ‬
‫السيِّئَ ِ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬أَم ح ِس ِ‬
‫ات} أن اكتسبوها‪ .‬واالجتراح ‪ :‬االكتساب ؛ ومنه الجوارح‬
‫اجتََرُحوا َّ‬
‫ين ْ‬
‫ب الَّذ َ‬
‫ْ َ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اجَتَرُحوا} عتبة وشيبة‬
‫آمُنوا َو َعمُلوا َّ‬
‫ين ْ‬
‫‪ ،‬وقد تقدم‪{ .‬أ ْ‬
‫الصال َحات} قال الكلبي ‪{ :‬الَّذ َ‬
‫َن َن ْج َعَل ُه ْم َكالَّذ َ‬
‫ين َ‬
‫ِ‬
‫آمُنوا} علي وحمزة وعبيدة بن الحارث ‪ -‬رضي اهلل عنهم ‪-‬‬
‫ابنا ربيعة والوليد بن عتبة‪ .‬و {الَّذ َ‬
‫ين َ‬
‫حين برزوا إليهم يوم بدر فقتلوهم‪ .‬وقيل ‪ :‬نزلت في قوم من المشركين قالوا ‪ :‬إنهم يعطون في اآلخرة‬
‫ت إِلَى َربِّي إِ َّن لِي ِع ْن َد ُه‬
‫خيرا مما يعطاه المؤمن ؛ كما أخبر الرب عنهم في قوله ‪َ { :‬وَلئِ ْن ُرِج ْع ُ‬
‫لَلْ ُح ْسَنى} [فصلت ‪ .]89 :‬وقوله ‪{ :‬أم حسب} استفهام معطوف معناه اإلنكار‪ .‬وأهل العربية يجوزون‬
‫ذلك من غير عطف إذا كان متوسطا للخطاب‪ .‬وقوم يقولون ‪ :‬فيه إضمار ؛ أي واهلل ولي المتقين‬

‫أفيعلم المشركون ذلك أم حسبوا أنا نسوي بينهم‪ .‬وقيل ‪ :‬هي أم المنقطعة ‪ ،‬ومعنى الهمزة فيها إنكار‬
‫الحسبان‪ .‬وقراءة العامة {سواء} بالرفع على أنه خبر ابتداء مقدم ‪ ،‬أي محياهم ومماتهم سواء‪.‬‬
‫والضمير في {محياهم ومماتهم} يعود على الكفار ‪ ،‬أي م حياهم محيا سوء ومماتهم كذلك‪ .‬وقرأ حمزة‬
‫اء} بالنصب ‪ ،‬واختاره أبو عبيد قال ‪ :‬معناه‬
‫والكسائي واألعمش {سو ً‬

‫(‪)618/61‬‬

‫ومماتهم} بالنصب ؛ على معنى سواء في‬
‫نجعلهم سواء‪ .‬وقرأ األعمش أيضا وعيسى بن عمر { َ‬
‫محياهم ومماتهم ؛ فلما أسقط الخافض انتصب‪ .‬ويجوز أن يكون بد ال من الهاء والميم في نجعلهم ؛‬
‫المعنى ‪ :‬أن نجعل محياهم ومماتهم سواء كمحيا الذين آمنوا ومماتهم‪ .‬ويجوز أن يكون الضمير في‬
‫{محياهم ومماتهم} للكفار والمؤمنين جميعا‪ .‬قال مجاهد ‪ :‬المؤمن يموت مؤمنا ويبعث مؤمنا ‪،‬‬
‫والكافر يموت كافرا ويبعث كافرا‪ .‬وذكر ابن المبارك أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحا‬

‫عن مسروق قال ‪ :‬قال رجل من أهل مكة ‪ :‬هذا مقام تميم الداري ‪ ،‬لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح‬
‫السيِّئَ ِ‬
‫أو قرب أن يصبح يقرأ آية من كتاب اهلل ويركع ويسجد ويبكي {أَم ح ِس ِ‬
‫َن‬
‫اجتََرُحوا َّ‬
‫ات أ ْ‬
‫ين ْ‬
‫ب الَّذ َ‬
‫ْ َ َ‬
‫الصالِح ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ات} اآلية كلها‪ .‬وقال بشير ‪ :‬بت عند الربيع بن خيثم ذات ليلة‬
‫آمُنوا َو َعمُلوا َّ َ‬
‫َن ْج َعَل ُه ْم َكالَّذ َ‬
‫ين َ‬

‫فقام يصلي فمر بهذه اآلية فمكث ليله حتى أصبح لم يعدها ببكاء شديد‪ .‬وقال إبراهيم بن األشعث ‪:‬‬
‫كثيرا ما رأيت الفضيل بن عياض يردد من أول الليل إلى آخره هذه اآلية ونظيرها ‪ ،‬ثم يقول ‪ :‬ليت ‪،‬‬

‫شعري! من أي الفريقين أنت ؟ وكانت هذه اآلية تسمى مبكاة العابدين ألنها محكمة‪.‬‬
‫السم ِ‬
‫اآلية ‪{ 22 :‬و َخَل َ َّ‬
‫ض بِا ْل َح ِّ‬
‫ون }‬
‫ت َوُه ْم ال ُي ْ‬
‫ق َولِتُ ْجَزى ُك ُّل َن ْفس بِ َما َك َسَب ْ‬
‫ظَل ُم َ‬
‫اوات َو ْاأل َْر َ‬
‫ق الل ُه َّ َ َ‬
‫َ‬

‫ق اللَّه َّ ِ‬
‫ض بِا ْل َح ِّ‬
‫ق} أي باألمر الحق‪َ {.‬ولِتُ ْجَزى} أي ولكي تجزى‪.‬‬
‫الس َما َوات َو ْاأل َْر َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬و َخَل َ ُ‬
‫ون}‪.‬‬
‫{ ُك ُّل َنفْس بِ َما َك َسَب ْ‬
‫ت} أي في اآلخرة‪َ { .‬وُه ْم ال ُيظْلَ ُم َ‬
‫َضلَّهُ اللَّ ُه َعلَى ِعلْم َو َختَ َم َعلَى َس ْم ِع ِه َوقَلْبِ ِه َو َج َع َل َعلَى‬
‫اآلية ‪ { 28 :‬أَفََ أرَيْ َ‬
‫ت َم ِن اتَّ َخذَ إِلَ َههُ َه َو ُاه َوأ َ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ب ِ ِ‬
‫ون}‬
‫اوًة َف َم ْن َي ْهديه م ْن َب ْعد اللَّه أ ََفال َت َذ َّكُر َ‬
‫َ َ‬
‫ص ِره غ َش َ‬
‫ت َم ِن اتَّ َخذَ إِلَ َههُ َه َو ُاه} قال ابن عباس والحسن وقتادة ‪ :‬ذلك الكافر اتخذ دينه ما‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬أَفََ أر َْي َ‬
‫يهواه ؛ فال يهوى شيئا إال ركبه‪ .‬وقال عكرمة ‪ :‬أفرأيت من جعل إلهه الذي يعبده ما يهواه أو‬

‫يستحسنه ؛ فإذا استحسن‬

‫(‪)611/61‬‬

‫شيئا وهويه اتخذه إلها‪ .‬قال سعيد بن جبير ‪ :‬كان أحدهم يعبد الحجر ؛ فإذا رأى ما هو أحسن منه‬

‫رمى به وعبد اآلخر‪ .‬وقال مقاتل ‪ :‬نزلت في الحارث بن قيس السهمي أحد المستهزئين ‪ ،‬ألنه كان‬
‫يعبد ما تهواه نفسه‪ .‬وقال سفيان بن عيينة ‪ :‬إنما عبدوا الحجارة ألن البيت حجارة‪ .‬وقيل ‪ :‬المعنى‬
‫أفرأيت من ينقاد لهواه ومعبوده تعجيبا لذوي العقول من هذا الجهل‪ .‬وقال الحسن بن الفضل ‪ :‬في‬
‫هذه اآلية تقديم وتأخير ‪ ،‬مجازه ‪ :‬أفرأيت من اتخذ هواه إلهه‪ .‬وقال الشعبي ‪ :‬إنما سمي الهوى هوى‬
‫ألنه يهوي بصاحبه في النار‪ .‬وقال ابن عباس ‪ :‬ما ذكر اهلل هوى في القرآن إال ذمه ‪ ،‬قال اهلل‬

‫َمُرُه‬
‫ان أ ْ‬
‫تعالى ‪َ { :‬واتََّب َع َه َو ُاه َف َمثَلُ ُه َك َمثَ ِل الْ َكلْ ِب} [األعراف ‪ .]681 :‬وقال تعالى ‪َ { :‬واتََّب َع َه َو ُاه َو َك َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َض َّل‬
‫ين َ‬
‫ظَل ُموا أ ْ‬
‫اء ُه ْم بِ َغ ْي ِر ع ْلم َف َم ْن َي ْه دي َم ْن أ َ‬
‫ُفُرطًا} [الكهف ‪ .] 23 :‬وقال تعالى ‪َ { :‬ب ِل اتََّب َع الَّذ َ‬
‫َه َو َ‬
‫اللَّه} [الروم ‪ .]23 :‬وقال تعالى ‪{ :‬وم ْن أ ُّ ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫دى ِم َن اللَّ ِه} [القصص ‪.]89 :‬‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫َضل م َّم ِن اتَب َع َه َو ُاه ب َغ ْي ِر ُه ً‬
‫ََ‬
‫وقال تعالى ‪{ :‬وال تَتَّبِ ِع الْهوى فَي ِ‬
‫ضلَّ َك َع ْن سبِ ِ‬
‫يل اللَّ ِه} [ص ‪ .]21 :‬وقال عبداهلل بن عمرو بن‬
‫ََ ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫العاص عن النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬ال يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به"‪ .‬وقال‬

‫أبو أمامة ‪ :‬سمعت النبي صلى اهلل عليه وسلم يقول ‪ " :‬ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى اهلل من‬
‫الهوى"‪ .‬وقال شداد بن أوس عن النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد‬
‫الموت‪ .‬والفاجر من أتبع نفسه هواها وتمنى على اهلل"‪ .‬وقال عليه السالم ‪ " :‬إذا رأيت شحا مطاعا‬
‫وهوى متبعا ودنيا مؤثرة واعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة" ‪.‬‬
‫وقال صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬ثالث مهلكات وثالث منجيات فالمهلكات شح مطاع وهوى متبع‬
‫واعجاب المرء بنفسه‪ .‬والمنجيات خشية اهلل في السر والعالنية والقصد في الغنى والفقر والعدل في‬
‫الرضا والغضب"‪ .‬وقال أبو الدرداء رضي اهلل عنه ‪ :‬إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله وعلمه ؛‬
‫فإن كان عمله‬

‫(‪)618/61‬‬

‫تبعا لهواه فيومه يوم سوء ‪ ،‬وان كان عمله تبعا لعلمه فيومه يوم صالح‪ .‬وقال األصمعي سمعت‬
‫رجال يقول ‪:‬‬
‫إن الهوان هو الهوى قلب اسمه ‪ ...‬فإذا هويت فقد لقيت هوانا‬
‫وسئل ابن المقفع عن الهوى فقال ‪ :‬هوان سرقت نونه ‪ ،‬فأخذه شام فنظمه وقال ‪:‬‬

‫نون ا لهوان من الهوى مسروقة ‪ ...‬فإذا هويت فقد لقيت هوانا‬
‫وقال آخر ‪:‬‬
‫إن الهوى لهو الهوان بعينه ‪ ...‬فإذا هويت فقد كسبت هوانا‬

‫تعبدك الهوى ‪ ...‬فاخضع لحبك كائنا من كانا‬
‫واذا هويت فقد ّ‬
‫ولعبداهلل بن المبارك ‪:‬‬
‫ومن الباليا للبالء عالمة ‪ ...‬أال يرى لك عن هواك نزوع‬

‫العبد عبد النفس في شهواتها ‪ ...‬والحر يشبع تارة ويجوع‬
‫والبن دريد ‪:‬‬

‫إذا طالبتك النفس يوما بشهوه ‪ ...‬وكان إليها للخالف طريق‬
‫فدعها وخالف ما هويت فإنما ‪ ...‬هواك عدو والخالف صديق‬
‫وألبي عبيد الطوسي ‪:‬‬
‫والنفس إن أعطيتها مناها ‪ ...‬فاغرة نحو هواها فاها‬

‫وقال أحمد بن أبي الحوارى ‪ :‬مررت براهب فوجدته نحيفا فقلت له ‪ :‬أنت عليل‪ .‬قال نعم‪ .‬قلت ‪ :‬مذ‬
‫كم ؟ قال ‪ :‬مذ عرفت نفسي! قلت فتداوى ؟ قال ‪ :‬قد أعياني الدواء وقد عزمت على الكي‪ .‬قلت وما‬
‫الكي ؟ قال ‪ :‬مخالفة الهوى‪ .‬وقال سهل بن عبداهلل التري ‪ :‬هواك داؤك‪ .‬فان خالفته فدواؤك‪ .‬وقال‬
‫وهب ‪ :‬إذا شككت في أمرين ولم تدر خيرهما فانظر أبعدهما من هواك فأته‪.‬‬

‫(‪)613/61‬‬

‫وللعلماء في هذا الباب في ذم الهوى ومخالفته كتب وأبواب أشرنا إلى ما فيه كفاية منه ؛ وحسبك‬
‫ام َربِّهِ َوَن َهى النَّفْ َس َع ِن الْ َه َوى‪ .‬فَإِ َّن الْ َجنَّةَ ِه َي الْ َمأْ َوى} [النازعات ‪:‬‬
‫بقوله تعالى ‪َ { :‬وأ َّ‬
‫َما َم ْن َخ َ‬
‫اف َمقَ َ‬
‫‪.]86‬‬
‫َضلَّهُ اللَّ ُه َعَلى ِعلْم} أي على علم قد علمه منه‪ .‬وقيل ‪ :‬أضله عن الثواب على علم‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وأ َ‬

‫منه بأنه ال يستحقه‪ .‬وقال ابن عباس ‪ :‬أي على علم قد سبق عنده أنه سيضل‪ .‬مقاتل ‪ :‬على علم‬
‫منه أنه ضال ؛ والمعنى متقارب‪ .‬وقيل ‪ :‬على علم من عابد الصنم أنه ال ينفع وال يضر‪ .‬ثم قيل ‪:‬‬
‫{على علم} يجوز أن يكون حاال من الفاعل ؛ المعنى ‪ :‬أضله على علم منه به ‪ ،‬أي أضله عالما‬
‫بأنه من أهل الضالل في سابق علمه‪ .‬ويجوز أن يكون حاال من المفعول ؛ فيكون المعنى ‪ :‬أضله‬
‫في حال علم الكافر بأنه ضال‪َ { .‬و َختَ َم َعلَى َس ْم ِعهِ َوقَلْبِ ِه} أي طبع على سمعه حتى ال يسمع الوعظ‬
‫‪ ،‬وطبع على قلبه حتى ال يفقه الهدى‪{ .‬وجع َل عَلى ب ِ ِ‬
‫اوًة} أي غطاء حتى ال يبصر الرشد‪.‬‬
‫َََ َ َ َ‬
‫ص ِره غ َش َ‬
‫وقرأ حمزه والكسائي "غشوة" بفتح الغين من غير ألف وقال الشاعر ‪:‬‬
‫أما والذي أنا عبد له ‪ ...‬يمينا ومالك أبدى اليمينا‬
‫لئن كنت ألبستني غشوة ‪ ...‬لقد كنت أصفيتك الود حينا‬
‫ِ ِ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ون} تتعظون وتعرفون أنه قادر على ما‬
‫{ َم ْن َي ْه ديه م ْن َب ْعد اللَّه} أي من بعد أن أضله‪{ .‬أ ََفال َت َذ َّكُر َ‬
‫يشاء‪.‬‬
‫وهذه اآلية ترد على القدرية واإلمامية وسلك سبيلهم في االعتقاد ؛ إذ هي مصرحة بمنعهم من‬
‫الهداية‪ .‬ثم قيل ‪َ { :‬و َخَت َم َعَلى َس ْم ِع ِه َوَق ْلبِ ِه} إنه خارج مخرج الخبر عن أحوالهم‪ .‬وقيل ‪ :‬إنه خارج‬
‫مخرج الدعاء بذلك عليهم ؛ كما تقدم في أول "البقرة"‪ .‬وحكى ابن جريج أنها نزلت‬

‫(‪)613/61‬‬

‫في الحارث بن قيس من الغياطلة‪ .‬وحكى النقاش أنها نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف‪.‬‬

‫وقال مقاتل ‪ :‬نزلت في أبي جهل ‪ ،‬وذلك أنه طاف بالبيت ذات ليلة ومعه الوليد بن المغيرة ‪ ،‬فتحدثا‬
‫في شأن النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬فقال أبو جهل ‪ :‬واهلل إني ألعلم إنه لصادق! فقال له مه! وما‬
‫دلك على ذلك! ؟ قال ‪ :‬يا أبا عبد شمس ‪ ،‬كنا نسميه في صباه الصادق األمين ؛ فلما تم عقله‬
‫وكمل رشده ‪ ،‬نسميه الكذاب الخائن!! واهلل إني ألعلم إنه لصادق! قال ‪ :‬فما يمنعك أن تصدقه‬
‫وتؤمن به ؟ قال ‪ :‬تتحدث عني بنات قريش أني قد اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة ‪ ،‬والالت‬
‫والعزى إن اتبعته أبدا‪ .‬فنزلت ‪َ { :‬و َخَت َم َعلَى َس ْم ِع ِه َوَقلِْب ِه}‪.‬‬
‫وت َونَ ْحَيا َو َما ُي ْهلِ ُكنَا إِ َّال َّ‬
‫اآلية ‪َ { 28 :‬وقَالُوا َما ِهي إِ َّال َحَياتُنَا ُّ‬
‫الد ْهُر َو َما لَ ُه ْم بِ َذلِ َك ِم ْن ِعلْم‬
‫الدنَْيا نَ ُم ُ‬
‫َ‬

‫ون }‬
‫إِ ْن ُه ْم ِإ َّال َي ُ‬
‫ظنُّ َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وَقالُوا َما ِهي إِ َّال َحَي ُاتَنا ُّ‬
‫وت َوَن ْحَيا} هذا إنكار منهم لْلخرة وتكذيب للبعث‬
‫الد ْنَيا َن ُم ُ‬
‫َ‬
‫وت َوَن ْحَيا} أي نموت نحن وتحيا أوالدنا ؛ قال الكلبي‪ .‬وقرئ {ونحيا}‬
‫وابطال للجزاء‪ .‬ومعنى ‪َ{ :‬ن ُم ُ‬

‫بضم النون‪ .‬وقيل ‪ :‬يموت بعضنا ويحيا بعضنا‪ .‬وقيل ‪ :‬فيه تقديم وتأخير ؛ أي نحيا ونموت ؛ وهي‬
‫قراءة ابن مسعود‪َ { .‬و َما ُي ْهلِ ُكَنا إِ َّال َّ‬
‫الد ْهُر} قال مجاهد ‪ :‬يعني السنين واأليام‪ .‬وقال قتادة ‪ :‬إال العمر‬

‫‪ ،‬والمعنى واحد‪ .‬وقرئ {إال دهر يمر}‪ .‬وقال ابن عيينة ‪ :‬كان أهل الجاهلية يقولون ‪ :‬الدهر هو‬
‫الذي يهلكنا وهو الذي يحيينا ويميتنا ؛ فنزلت هذه اآلية‪ .‬وقال قطرب ‪ :‬وما يهلكنا إال الموت ؛ وأنشد‬
‫قول أبي ذؤيب ‪:‬‬
‫أمن المنون وريبها تتوجع ‪ ...‬والدهر ليس بمعتب من يجزع‬

‫(‪)689/61‬‬

‫وقال عكرمة ‪ :‬أي وما يهلكنا إال اهلل‪ .‬وروى أبو هريرة عن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال ‪" :‬كان‬
‫أهل الجاهلية يقولون ما يهلكنا إال الليل والنها ر وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا فيسبون الدهر قال‬
‫اهلل تعالى ‪ :‬يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي األمر أقلب الليل والنهار"‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬قوله "قال اهلل" إلى آخره نص البخاري ولفظه‪ .‬وخرجه مسلم أيضا وأبو داود‪ .‬وفي الموطأ عن‬
‫أبي هريرة أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال ‪" :‬ال يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإن اهلل هو‬

‫الدهر"‪ .‬وقد استدل بهذا الحديث من قال ‪ :‬إن الدهر من أسماء اهلل‪ .‬وقال ‪ :‬من لم يجعله من‬
‫العلماء اسما إنما خرج ردا على العرب في جاهليتها ؛ فإنهم كانوا يعتقدون أن الدهر هو الفاعل كما‬
‫أخبر اهلل عنهم في هذه اآلية ؛ فكانوا إذا أصابهم ضر أو ضيم أو مكروه نسبوا ذلك إلى الدهر فقيل‬
‫لهم على ذلك ‪ :‬ال تسبوا الدهر فإن اهلل هو الدهر ؛ أي إن اهلل هو الفاعل لهذه األمور التي‬
‫تضيفونها إلى الدهر فيرجع السب إليه سبحانه ؛ فنهوا عن ذلك‪ .‬ودل على صحة هذا ما ذكره من‬
‫حديث أبي هريرة قال ‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬قال اهلل تبارك وتعالى يؤذيني ابن‬

‫آدم‪ "...‬الحديث‪ .‬ولقد أحسن من قال ‪ ،‬وهو أبو علي الثقفي ‪:‬‬
‫يا عاتب الدهر إذا نابه ‪ ...‬ال تلم الدهر على غدره‬
‫الدهر مأمور ‪ ،‬له آمر ‪ ...‬وينتهي الدهر إلى أمره‬
‫كم كافر أمواله جمة ‪ ...‬تزداد أضعافا على كفره‬
‫ومؤمن ليس له درهم ‪ ...‬يزداد إيمانا على فقره‬

‫وروي أن سالم بن عبداهلل بن عمر كان كثيرا ما يذكر الدهر فزجره أبوه وقال ‪ :‬إياك يا بني وذكر‬

‫الدهر! وأنشد ‪:‬‬
‫فما الدهر بالجاني لشيء لحينة ‪ ...‬وال جالب البلوى فال تشتم الده ار‬
‫ولكن متى ما يبعث اهلل باعثا ‪ ...‬على معشر يجعل مياسيرهم عس ار‬

‫(‪)686/61‬‬

‫وقال أبو عبيد ‪ :‬ناظرت بعض الملحدة فقال ‪ :‬أال تراه يقول ‪" :‬فإن اهلل هو الدهر" ؟ فقلت ‪ :‬وهل‬
‫كان أحد يسب اهلل في آباد الدهر ‪ ،‬بل كانوا يقولون كما قال األعشى ‪:‬‬
‫إن محال وان مرتحال ‪ ...‬وان في السفر إذ مضوا مهال‬
‫استأثر اهلل بالوفاء وبالعد ‪ ...‬ل وولى المالمة الرجال‬

‫قال أبو عبيد ‪ :‬ومن شأن العرب أن يذموا الدهر عند المصائب والنوائب ؛ حتى ذكروه في أشعارهم‬
‫‪ ،‬ونسبوا األحداث إليه‪ .‬قال عمرو بن قميئة ‪:‬‬
‫رمتني بنات الدهر من حيث ال أرى ‪ ...‬فكيف بمن يرمى وليس برام‬
‫فلو أنها نبل إذًا التقيتها ‪ ...‬ولكنني أرمى بغير سهام‬

‫على الراحتين مرة وعلى العصا ‪ ...‬أنوء ثالثا بعدهن قيامي‬
‫ومثله كثير في الشعر‪ .‬ينسبون ذلك إلى الدهر ويضيفونه إليه ‪ ،‬واهلل سبحانه الفاعل ال رب سواه‪.‬‬
‫ون} أي‬
‫{ َو َما َل ُه ْم بِ َذلِ َك ِم ْن ِع ْلم إ} أي علم‪ .‬و {من} زائدة ؛ أي قالوا ما قالوا شاكين‪{ .‬إِ ْن ُه ْم إِ َّال َي ُ‬
‫ظنُّ َ‬
‫ما هم إال يتكلمون بالظن‪ .‬وكان المشركون أصنافا ‪ ،‬منهم هؤالء ‪ ،‬ومنهم من كان يثبت الصانع‬
‫وينكر البعث ‪ ،‬ومنهم من كان يشك في البعث وال يقطع بإنكاره‪ .‬وحدث في اإلسالم أقوام ليس‬
‫يمكنهم إنكار البعث خوفا من المسلمين ؛ فيتأولون ويرون القيامة موت البدن ‪ ،‬ويرون الثواب‬
‫والعقاب إلى خياالت تقع لَلرواح بزعمهم ؛ فشر هؤالء أضر من شر جميع الكفار ؛ ألن هؤالء‬
‫يلبسون على الحق ‪ ،‬ويغتر بتلبيسهم الظاهر‪ .‬والمشرك المجاهر بشركه يحذره المسلم‪ .‬وقيل ‪ :‬نموت‬
‫وتحيا آثارنا ؛ فهذه حياة الذكر‪ .‬وقيل ‪ :‬أشاروا إلى التناسخ ؛ أي يموت الرجل فتجعل روحه‪ .‬في‬

‫موات فتحيا به‪.‬‬

‫َن َقاُلوا ا ْئُتوا بِ َآبائَِنا إِ ْن ُك ْنُت ْم‬
‫ان ُحجَ‬
‫َّت ُه ْم إِ َّال أ ْ‬
‫اآلية ‪َِ { 21 - 28 :‬وا َذا ُت ْتَلى َعَل ْي ِه ْم َآي ُاتَنا َبيَِّنات َما َك َ‬
‫ص ِادِقين ‪ ،‬قُ ِل اللَّه ي ْحيِي ُكم ثَُّم ي ِميتُ ُكم ثَُّم ي ْجمع ُكم إِلَى يوِم الِْقيام ِة ال رْي ِ ِ‬
‫يه ولَ ِك َّن أَ ْكثََر النَّ ِ‬
‫اس ال‬
‫َ َ‬
‫ُُ‬
‫َ َ‬
‫ََ‬
‫َْ‬
‫ْ ُ ْ َ َُ ْ‬
‫بف َ‬

‫ون }‬
‫َي ْعَل ُم َ‬

‫(‪)682/61‬‬

‫قوله تعالى ‪َِ { :‬وا َذا تُتْلَى َعلَ ْي ِه ْم َآي ُاتَنا َب يَِّنات} أي واذ تقرأ على هؤالء المشركين آياتنا المنزلة في جواز‬
‫َن َقاُلوا ا ْئُتوا بِآبائَِنا إِ ْن ُك ْنُتم ِ ِ‬
‫َّت ُه ْم} خبر كان‬
‫ين} { ُحجَ‬
‫ان ُحجَ‬
‫َّت ُه ْم إِ َّال أ ْ‬
‫صادق َ‬
‫َ‬
‫البعث لم يكن ثم دفع { َما َك َ‬
‫ْ َ‬
‫َن َقالُوا ائُْتوا بِ َآبائَِنا} الموتى نسألهم عن صدق ما تقولون ‪ ،‬فرد اهلل عليهم بقوله { ُق ِل اللَّ ُه‬
‫واالسم {إِ َّال أ ْ‬
‫ي ْحيِي ُكم} يعني بعد كونكم نطفا أمواتا {ثَُّم ي ِم ُيت ُكم ثَُّم ي ْجمع ُكم إَِلى يوِم ا ْلِقيام ِة ال رْيب ِف ِ‬
‫يه} كما أحياكم‬
‫َ َ‬
‫ُ‬
‫ََ‬
‫َْ‬
‫ُ ْ َ َُ ْ‬
‫ْ‬
‫ِ‬
‫في الدنيا‪{ .‬وَلك َّن أَ ْكثََر النَّ ِ‬
‫ون} أن اهلل يعيدهم كما بدأهم‪ .‬الزمخشري ‪ :‬فإن قلت لم سمي‬
‫اس ال َي ْعَل ُم َ‬
‫َ‬
‫قولهم حجة وليس بحجة ؟ قلت ‪ :‬ألنهم أدلوا به كما يدلي المحتج بحجته ‪ ،‬وساقوه مساقها فسميت‬

‫حجة على سبيل التهكم‪ .‬أو ألنه في حسبانهم وتقديرهم حجة‪ .‬أو ألنه في أسلوب قوله ‪:‬‬
‫تحية بينهم ضرب وجيع‬
‫كأنه قيل ‪ :‬ما كان حجتهم إال ما ليس بحجة‪ .‬والمراد نفي أن تكون لهم حجة البتة‪ .‬فإن قلت ‪ :‬كيف‬
‫وقع قوله ‪ُ { :‬ق ِل اللَّه ي ْحيِي ُكم} جواب {ا ْئُتوا بِآبائَِنا إِ ْن ُك ْنُتم ِ ِ‬
‫ين} ؟ قلت ‪ :‬لما أنكروا البعث وكذبوا‬
‫صادق َ‬
‫َ‬
‫ُُ‬
‫ْ َ‬
‫ْ‬
‫الرسل ‪ ،‬وحسبوا أن ما قالوه قول مبكت ألزموا ما هم مقرون به من أن اهلل عز وجل وهو الذي‬
‫يحييهم ثم يميتهم ‪ ،‬وضم إلى إلزام ذلك إلزام ما هو واجب اإلقرار به إن أنصفوا وأصغوا إلى داعى‬
‫الحق وهو جمعهم يوم القيامة ‪ ،‬ومن كان قادرا على ذلك كان قاد ار على اإلتيان بآبائهم ‪ ،‬وكان‬
‫أهون شيء عليه‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫السم ِ‬
‫َِّ ِ‬
‫ِ‬
‫ون}‬
‫وم َّ‬
‫اع ُة َي ْو َمئذ َي ْخ َسُر ا ْل ُم ْبطُل َ‬
‫الس َ‬
‫اوات َو ْاأل َْرض َوَي ْوَم َتقُ ُ‬
‫اآلية ‪َ { 28 :‬ولله ُم ْل ُك َّ َ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫السم ِ‬
‫َِّ ِ‬
‫ِ‬
‫ون}‬
‫وم َّ‬
‫سُر الْ ُم ْبطلُ َ‬
‫الس َ‬
‫اعةُ َي ْو َمئذ َي ْخ َ‬
‫اوات َو ْاأل َْرض} خلقا وملكا‪َ { .‬وَي ْوَم َت ُق ُ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ولله ُملْ ُك َّ َ َ‬
‫{يوم} األول منصوب بـ {يخسر} و {يومئذ} تكرير للتأكيد‬

‫(‪)688/61‬‬

‫أو بدل‪ .‬وقيل ‪ :‬إن التقدير وله الملك يوم تقوم الساعة‪ .‬والعامل في {يومئذ} {يخسر} ‪ ،‬ومفعول‬
‫{يخسر} محذوف ‪ ،‬والمعنى يخسرون منازلهم في الجنة‪.‬‬
‫ِ‬
‫ون }‬
‫ُمة َجاثَِيةً ُك ُّل أ َّ‬
‫ اآلية ‪َ { 23 :‬وَتَرى ُك َّل أ َّ‬‫ُمة ُت ْد َعى إِلَى كَتابِ َها الَْي ْوَم ُت ْجَزْو َن َما ُك ْنُت ْم َت ْع َملُ َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وَتَرى ُك َّل أُمَّة َجاثَِي ًة} أي من هول ذلك اليوم‪ .‬واألمة هنا ‪ :‬أهل كل ملة‪ .‬وفي الجاثية‬
‫تأويالت خمس ‪ :‬األول ‪ :‬قال مجاهد ‪ :‬مستوفزة‪ .‬وقال سفيان ‪ :‬المستوفز الذي ال يصيب األرض‬
‫منه إال ركبتاه وأطراف أنامله‪ .‬الضحاك ‪ :‬ذلك عند الحساب‪ .‬الثاني ‪ :‬مجتمعة قاله ابن عباس‪.‬‬
‫الفراء ‪ :‬المعنى وترى أهل كل دين مجتمعين‪ .‬الثالث ‪ :‬متميزة ‪ ،‬قاله عكرمة‪ .‬الرابع ‪ :‬خاضعة بلغة‬
‫قريش ‪ ،‬قال مؤرج‪ .‬الخامس ‪ :‬باركة على الركب قاله الحسن‪ .‬والجثو ‪ :‬الجلوس على الركب‪ .‬جثا‬
‫وجِثيا ‪ ،‬على فعول ؟ ؟ منها ‪ ،‬وقد مضى في "مريم" ‪ :‬وأصل‬
‫على ركبتيه يجثو ويجثي ُجثُّوا ُ‬
‫الجثوة ‪ :‬الجماعة من كل شيء‪ .‬قال طرفه يصف قبرين ‪:‬‬
‫ترى جثوتين من تراب عليهما ‪ ...‬صفائح صم من صفيح منضد‬
‫ثم قيل ‪ :‬هو خاص بالكفار ‪ ،‬قاله يحي بن سالم‪ .‬وقيل ‪ :‬إنه عام للمؤمن والكافر انتظارا للحساب‪.‬‬
‫وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو عن عبداهلل بن باباه أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال ‪" :‬كأني‬
‫أراكم بالكوم جاثين دون جهنم" ذكره الماوردي‪ .‬وقال سلمان ‪ :‬إن في يوم القيامة لساعة هي عشر‬
‫سنين يخر الناس فيها جثاة على ركبهم حتى إن إبراهيم عليه السالم لينادي "ال أسألك اليوم إال‬

‫ُمة ُت ْد َعى إَِلى ِكَتابِ َها} قال يحي بن سالم ‪ :‬إلى حسابها‪ .‬وقيل ‪ :‬إلى كتابها الذي كان‬
‫نفسي"‪ُ { .‬ك ُّل أ َّ‬
‫يستنسخ لها فيه ما عملت من خير وشر ‪،‬‬

‫(‪)688/61‬‬

‫قال مقاتل‪ .‬وهو معنى قول مجاهد‪ .‬وقيل ‪{ :‬كتابها} ما كتبت المالئكة عليها‪ .‬وقيل كتابها المنزل‬

‫عليها لينظر هل عملوا بما فيه‪ .‬وقيل ‪ :‬الكتاب ها هنا اللوح المحفوظ‪ .‬وقرأ يعقوب الحضرمي { ُك َّل‬
‫ُمة} بالنصب على البدل من {كل} األولى لما في الثانية من اإليضاح الذي ليس في األولى ‪ ،‬إذ‬
‫أ َّ‬
‫ليس في جثوها شيء من حال شرح الجثو كما في الثانية من ذكر السبب الداعي إليه وهو‬

‫استدعاؤها إلى كتابها‪ .‬وقيل ‪ :‬انتصب بإعمال "ترى" مضمرا‪ .‬والرفع على االبتداء‪{ .‬الَْي ْوَم تُ ْجَزْو َن َما‬
‫ون} من خير أو شر‪.‬‬
‫ُك ْنُت ْم َت ْع َمُل َ‬
‫ِ‬
‫ق َعلَ ْي ُك ْم بِالْ َح ِّ‬
‫ون }‬
‫اآلية ‪َ { 23 :‬ه َذا ِكتَ ُابَنا َينْ ِط ُ‬
‫ق إِنَّا ُكنَّا َن ْستَنْس ُخ َما ُكنُْت ْم تَ ْع َملُ َ‬
‫ق َعَل ْي ُك ْم بِا ْل َح ِّ‬
‫ق} أي‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ه َذا ِكَت ُابَنا} قيل من قول اهلل لهم‪ .‬وقيل من قول المالئكة‪َ{ .‬ي ْن ِط ُ‬

‫يشهد‪ .‬وهو استعارة يقال ‪ :‬نطق الكتاب بكذا أي بين‪ .‬وقيل ‪ :‬إنهم يقرؤونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا‬
‫ِ‬
‫ون َيا وْيلَتََنا م ِ‬
‫ال َه َذا الْ ِكتَ ِ‬
‫ص ِغ َيرًة َوال َكبِ َيرًة إِ َّال‬
‫اب ال ُي َغادُر َ‬
‫َ‬
‫‪ ،‬فكأنه ينطق عليهم ‪ ،‬دليله قوله ‪َ { :‬وَيقُولُ َ َ‬
‫ق بِا ْل َح ِّ‬
‫ون} وقد تقدم‪.‬‬
‫اب َي ْن ِط ُ‬
‫اها} [الكهف ‪ .] 83 :‬وفي المؤمنين ‪َ { :‬وَل َد ْيَنا ِكَت ٌ‬
‫ص َ‬
‫أْ‬
‫ق َوُه ْم ال ُيظَْل ُم َ‬
‫َح َ‬

‫و"ينطق" في ‪ ،‬موضع الحال من الكتاب ‪ ،‬أو من ذا ‪ ،‬أو خبر ثان لذا ‪ ،‬أو يكون {كتابنا} بدال من‬
‫ِ‬
‫ون} أي نأمر بنسخ ما كنتم تعملون‪ .‬قال علي‬
‫{هذا} و {ينطق} الخبر‪{ .‬إِنَّا ُكنَّا َن ْسَت ْنس ُخ َما ُك ْنُت ْم َت ْع َمُل َ‬
‫رضي اهلل عنه ‪ :‬إن هلل مالئكة ينزلون كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم‪ .‬وقال ابن عباس ‪:‬‬
‫إن اهلل وكل مالئكة مطهرين فينسخون من أم الكتاب في رمضان كل ما يكون من أعمال بني آدم‬
‫فيعارضون حفظة اهلل على العباد كل خميس ‪ ،‬فيجدون ما جاء به الحفظة من أعمال العباد موافقا‬
‫لما في كتابهم الذي استنسخوا من ذلك الكتاب ال زيادة فيه وال نقصان‪ .‬قال ابن عباس ‪ :‬وهل يكون‬
‫النسخ إال من كتاب‪ .‬الحسن ‪ :‬نستنسخ ما كتبته الحفظة‬

‫(‪)688/61‬‬

‫على بني آدم ‪ ،‬ألن الحفظة ترفع إلى الخزنة صحائف األعمال‪ .‬وقيل ‪ :‬تحمل الحفظة كل يوم ما‬
‫كتبوا على العبد ‪ ،‬ثم إذا عادوا إلى مكانهم نسخ منه الحسنات والسيئات ‪ ،‬وال تحول المباحات إلى‬
‫النسخة الثانية‪ .‬وقيل ‪ :‬إن المالئكة إذا رفعت أعمال العباد إلى اهلل عز وجل أمر بأن يثبت عنده‬

‫منها ما فيه ثواب وعقاب ‪ ،‬ويسقط من جملتها ما ال ثواب فيه وال عقاب‪.‬‬
‫ِِ ِ‬
‫ات َفي ْد ِخلُهم رب ِ‬
‫الصالِح ِ‬
‫ِ‬
‫اآلية ‪َ { 86 - 89 :‬فأ َّ ِ‬
‫ين‬
‫ُّه ْم في َر ْح َمته َذل َك ُه َو الْ َف ْوُز الْ ُمبِ ُ‬
‫آمُنوا َو َعملُوا َّ َ‬
‫َما الَّذ َ‬
‫ُ ُْ َ ُ‬
‫ين َ‬
‫ِ‬
‫‪ ،‬وأ َّ ِ‬
‫ين}‬
‫استَ ْكَب ْرتُ ْم َو ُكنُْت ْم قَ ْوماً ُم ْج ِرِم َ‬
‫ين َكفَُروا أَفَلَ ْم تَ ُك ْن َآياتي تُتْلَى َعلَيْ ُك ْم فَ ْ‬
‫َما الَّذ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُّه ْم في َر ْح َمته} أي الجنة { َذل َك ُه َو ا ْل َف ْوُز‬
‫آمُنوا َو َعمُلوا َّ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬فأ َّ‬
‫َما الَّذ َ‬
‫الصال َحات َفُي ْدخُل ُه ْم َرب ُ‬
‫ين َ‬
‫الْمبِين ‪ ،‬وأ َّ ِ‬
‫ين َكفَُروا أَفَلَ ْم تَ ُك ْن َآياتِي تُتْلَى َعلَ ْي ُك ْم} أي فيقال لهم ذلك‪ .‬وهو استفهام توبيخ‪.‬‬
‫َما الَّذ َ‬
‫ُ ُ َ‬
‫ين} أي مشركين تكسبون المعاصي‪ .‬يقال ‪ :‬فالن جريمة‬
‫اسَت ْكَب ْرُت ْم} عن قبولها‪َ { .‬و ُك ْنُت ْم َق ْومًا ُم ْج ِرِم َ‬
‫{ َف ْ‬
‫ِِ‬
‫ين‬
‫أهله إذا كان كاسبهم ‪ ،‬فالمجرم من أكسب نفسه المعاصي‪ .‬وقد قال اهلل تعالى ‪{ :‬أ ََفَن ْج َع ُل الْ ُم ْسلم َ‬
‫ين} [القلم ‪ ]88 :‬فالمجرم ضد المسلم فهو المذنب بالكفر إذا‪.‬‬
‫َكا ْل ُم ْج ِرِم َ‬
‫الساع ُة ال رْي ِ‬
‫يل ِإ َّن و ْع َد َّ‬
‫اللهِ َح ٌّ‬
‫ظ ُّن ِإ َّال‬
‫يها ُق ْلُت ْم َما َن ْد ِري َما َّ‬
‫اع ُة ِإ ْن َن ُ‬
‫اآلية ‪َِ { 82 :‬وا َذا ِق َ‬
‫الس َ‬
‫َ َ‬
‫ق َو َّ َ‬
‫بف َ‬
‫َ‬
‫ِِ‬
‫ين }‬
‫ظَنَّاً َو َما َن ْح ُن بِ ُم ْسَت ْيق ن َ‬
‫الساع ُة ال رْي ِ‬
‫يل إِ َّن َو ْع َد اللَّهِ َح ٌّ‬
‫يها} وق أر حمزة‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وِا َذا ِق َ‬
‫َ َ‬
‫ق} أي البعث كائن‪َ { .‬و َّ َ‬
‫بف َ‬
‫اعةَ} بالنصب عطفا على { َو ْع َد}‪ .‬الباقون بالرفع على االبتداء ‪ ،‬أو العطف‬
‫{ َو َّ‬
‫الس َ‬

‫(‪)681/61‬‬

‫على موضع {إِ َّن و ْع َد َّ‬
‫الل ِه}‪ .‬وال يحسن على الضمير الذي في المصدر ‪ ،‬ألنه غير مؤكد ‪،‬‬
‫َ‬
‫اعةُ} هل هي حق أم‬
‫والضمير المرفوع إنما يعطف عليه بغير تأكيد في الشعر‪ُ { .‬قلُْت ْم َما َن ْد ِري َما َّ‬
‫الس َ‬
‫ظنًَّا} تقديره عند المبرد ‪ :‬إن نحن إال نظن ظنا‪ .‬وقيل ‪ :‬التقدير ‪ :‬إن نظن إال‬
‫ظ ُّن إِ َّال َ‬
‫باطل‪{ .‬إِ ْن َن ُ‬
‫ِِ‬
‫ين} أن الساعة آتية‪.‬‬
‫أنكم تظنون ظنا‪ .‬وقيل ‪ :‬أي وقلتم إن نظن إال ظنا { َو َما َن ْح ُن بِ ُم ْسَت ْي قن َ‬
‫ِ‬
‫ون }‬
‫ات َما َع ِملُوا َو َح َ‬
‫اآلية ‪َ { 88 :‬وَب َدا لَ ُه ْم َسيِّئَ ُ‬
‫اق بِ ِه ْم َما َكانُوا بِه َي ْستَ ْه ِزئُ َ‬
‫ق بِ ِه ْم} أي نزل‬
‫ات َما َع ِمُلوا} أي ظهر لهم جزاء سيئات ما عملوا‪َ { .‬و َحا َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وَب َدا َل ُه ْم َسيَِّئ ُ‬
‫ِ‬
‫ون} من عذاب اهلل‪.‬‬
‫بهم وأحاط‪َ { .‬ما َك ُانوا بِه َي ْسَت ْه ِزُئ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ين }‬
‫اآلية ‪َ { 88 :‬وِق َ‬
‫اء َي ْوِم ُك ْم َه َذا َو َمأْ َوا ُك ُم النَّ ُار َو َما َل ُك ْم م ْن َناص ِر َ‬
‫يل ا ْلَي ْوَم َن ْن َسا ُك ْم َك َما َنس ُيت ْم ل َق َ‬
‫ِ ِ‬
‫اء َي ْوِم ُك ْم َه َذا} أي نترككم في النار كما تركتم لقاء‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وِق َ‬
‫يل الَْي ْوَم َن ْن َسا ُك ْم َك َما َنس ُيت ْم ل َق َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين} من‬
‫يومكم هذا أي تركتم العمل له‪َ { .‬و َمأْ َوا ُك ُم النَّ ُار} أي مسكنكم ومستقركم‪َ { .‬و َما لَ ُك ْم م ْن نَاص ِر َ‬
‫ينصركم ‪.‬‬

‫اآلية ‪َ { 88 :‬ذلِ ُكم بِأَنَّ ُكم اتَّ َخ ْذُتم آي ِ‬
‫اة ُّ‬
‫ون ِم ْن َها َوال ُه ْم‬
‫ات اللَّ ِه ُه ُزوًا َو َغَّرتْ ُك ُم الْ َحَي ُ‬
‫الد ْنَيا َفالَْي ْوَم ال ُي ْخَرُج َ‬
‫ْ َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ون }‬
‫ُي ْسَت ْعَتُب َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ذلِ ُكم بِأَنَّ ُكم اتَّ َخ ْذُتم آي ِ‬
‫اة ُّ‬
‫الد ْنَيا} أي‬
‫ات اللَّ ِه} يعني القرآن‪ُ { .‬هُزواً} لعبا‪َ { .‬و َغَّرْت ُك ُم الْ َحَي ُ‬
‫ْ َ‬
‫ْ‬
‫ُ‬
‫ون ِم ْن َها} أي‬
‫خدعتكم بأباطيلها وزخارفها ‪ ،‬فظننتم أن ليس ثم غيرها ‪ ،‬وأن ال بعث‪َ { .‬فا ْلَي ْوَم ال ُي ْخَرُج َ‬

‫ون} بفتح الياء وضم‬
‫ون} يسترضون‪ .‬وقرأ حمزة والكسائي { َفا ْلَي ْوَم ال َي ْخُرُج َ‬
‫من النار‪َ { .‬وال ُه ْم ُي ْسَت ْعَتُب َ‬
‫الراء لقوله تعالى ‪:‬‬

‫(‪)688/61‬‬

‫ُع ُ ِ‬
‫َن ي ْخرجوا ِم ْنها أ ِ‬
‫يها} [السجدة ‪ ]29 :‬الباقون بضم الياء وفتح الراء ‪ ،‬لقوله‬
‫{ ُكلَّ َما أََر ُادوا أ ْ َ ُ ُ‬
‫يدوا ف َ‬
‫َ‬
‫َخ ِر ْجَنا} [فاطر ‪ ]88 :‬ونحوه‪.‬‬
‫تعالى ‪َ{ :‬ربََّنا أ ْ‬
‫لسماو ِ‬
‫ب ا ْلعاَل ِمين ‪ ،‬وَله ا ْل ِك ْب ِري ِ‬
‫السماو ِ‬
‫ب ْاأل َْر ِ‬
‫ات‬
‫ات َوَر ِّ‬
‫اآلية ‪َ { 81 :‬فلِلَّ ِه ا ْل َح ْم ُد َر ِّ‬
‫ض َر ِّ َ َ َ ُ‬
‫َُ‬
‫اء في ا َّ َ َ‬
‫ب َّ َ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يم}‬
‫َو ْاأل َْرض َوُه َو الْ َع ِز ُيز الْ َحك ُ‬
‫ِ‬
‫السماو ِ‬
‫ب ْاأل َْر ِ‬
‫ين} ق أر مجاهد وحميد وابن محيصن‬
‫ض َر ِّ‬
‫ات َوَر ِّ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬فَلِلَّ ِه الْ َح ْم ُد َر ِّ‬
‫ب الْ َعالَم َ‬
‫ب َّ َ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫السماو ِ‬
‫ب ْاأل َْر ِ‬
‫اء} أي‬
‫ض َر ُّ‬
‫ات َوَر ُّ‬
‫{ َر ُّ‬
‫ب ا ْل َعاَلم َ‬
‫ين} بالرفع فيها كلها على معنى هو رب‪َ { .‬وَلهُ ا ْلك ْب ِرَي ُ‬
‫ب َّ َ َ‬
‫ِ‬
‫السم ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يم} واهلل‬
‫اوات َو ْاأل َْرض َوُه َو الْ َع ِز ُيز الْ َحك ُ‬
‫العظمة والجالل والبقاء والسلطان والقدرة والكمال‪{ .‬في َّ َ َ‬
‫أعلم‪.‬‬

‫تفسير سورة األحقاف‬
‫‪...‬‬
‫سورة األحقاف‬

‫السم ِ‬
‫ِِ‬
‫يل الْ ِكَت ِ‬
‫اب ِم َن اللَّ ِه الْ َع ِز ِ‬
‫ض َو َما َب ْيَن ُه َما إِ َّال‬
‫اآلية ‪ { 6 :‬حم ‪َ ،‬ت ْن ِز ُ‬
‫اوات َو ْاأل َْر َ‬
‫يز الْ َحكيم ‪َ ،‬ما َخلَقَْنا َّ َ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫بِا ْل َح ِّ‬
‫ون}‬
‫ض َ‬
‫ين َك َفُروا َع َّما أ ُْنذُروا ُم ْع ِر ُ‬
‫ى َوالَّذ َ‬
‫ق َوأ َ‬
‫َجل ُم َس ّم ً‬
‫السم ِ‬
‫ِِ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬حم ‪َ ،‬ت ْن ِز ُ ِ ِ ِ َّ ِ ِ ِ‬
‫ض َو َما‬
‫اوات َو ْاأل َْر َ‬
‫يل الْكَتاب م َن الله الْ َعزيز الْ َحكيم} تقدم‪َ { .‬ما َخلَقَْنا َّ َ َ‬
‫َبيْنَ ُه َما إِ َّال بِالْ َح ِّ‬
‫َجل ُم َس ّم ًى} يعني القيامة ‪ ،‬في قول ابن عباس‬
‫َجل ُم َس ّم ًى}{ َوأ َ‬
‫ق} تقدم أيضا‪َ { .‬وأ َ‬
‫وغيره‪ .‬وهو األجل الذي تنتهي إليه السموات واألرض‪ .‬وقيل ‪ :‬إنه هو األجل‬

‫(‪)683/61‬‬

‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين َكفَُروا َع َّما أُنِْذُروا} ُخوفوه‬
‫ون} { َوالَّذ َ‬
‫ض َ‬
‫ين َكفَُروا َع َّما أُنْذُروا ُم ْع ِر ُ‬
‫المقدور لكل مخلوق‪َ { .‬والَّذ َ‬
‫ون} مولون ال هون غير مستعدين له‪ .‬يجوز أن تكون {ما} مصدرية ‪ ،‬أي عن إنذارهم ذلك‬
‫ض َ‬
‫{ ُم ْع ِر ُ‬
‫اليوم‪.‬‬

‫ون ِم ْن‬
‫اآلية ‪ُ { 8 :‬ق ْل أَأ‬
‫َر َْيُت ْم َما َت ْد ُع َ‬
‫ائُْتونِي بِ ِكَتاب ِم ْن َق ْب ِل َه َذا أ َْو أَثَ َارة‬

‫السماو ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ُد ِ َّ ِ ِ‬
‫ات‬
‫ون الله أَُروني َما َذا َخَل ُقوا م َن ْاأل َْرض أ َْم َل ُه ْم ش ْر ٌك في َّ َ َ‬
‫ِم ْن ِعلْم إِ ْن ُك ْنُتم ِ ِ‬
‫ين }‬
‫صادق َ‬
‫ْ َ‬

‫فيه خمس مسائل ‪:‬‬

‫ون ِم ْن ُد ِ‬
‫ون اللَّ ِه} أي ما تعبدون من األصنام واألنداد من‬
‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪ُ { :‬ق ْل أَ أ‬
‫َر َْيُت ْم َما َت ْد ُع َ‬
‫دون اهلل‪{ .‬أَُرونِي َما َذا َخلَقُوا ِم َن ْاأل َْر ِ‬
‫ض} أي هل خلقوا شيئا من األرض {أ َْم لَ ُه ْم ِش ْر ٌك} أي نصيب‬
‫السماو ِ‬
‫ِ‬
‫ات} أي في خلق السموات مع اهلل‪{ .‬ا ْئُتونِي بِ ِكَتاب ِم ْن َق ْب ِل َه َذا} أي من قبل هذا القرآن‪.‬‬
‫{في َّ َ َ‬
‫ار ِم ْن ِعلْم} قراءة العامة {أ َْو أَثَ َارة} بألف بعد الثاء‪ .‬قال ابن عباس عن‬
‫الثانية ‪ :‬قوله تعالى ‪{ :‬أ َْو أَثَ َة‬
‫النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬هو خط كانت تخطه العرب في األرض" ‪ ،‬ذكره المهدوي والثعلبي‪.‬‬

‫وقال ابن العربي ‪ :‬ولم يصح‪ .‬وفي مشهور الحديث عن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال ‪" :‬كان نبي‬
‫من األنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك" ولم يصح أيضا‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬هو ثابت من حديث معاوية بن الحكم السلمي ‪ ،‬خرجه مسلم‪ .‬وأسند النحاس ‪ :‬حدثنا محمد‬
‫بن أحمد (يعرف بالجرايجي) قال حدثنا محمد بن بندار قال حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان الثوري‬
‫عن صفوان بن سل يم عن أبي سلمة عن ابن عباس عن النبي صلى اهلل عليه وسلم في قوله عز‬
‫وجل ‪{ :‬أ َْو أَثَ َارة ِم ْن ِعلْم} قال ‪" :‬الخط" وهذا صحيح أيضا‪ .‬قال ابن العربي ‪ :‬واختلفوا في تأويله ‪،‬‬
‫فمنهم من قال ‪ :‬جاء إلباحة الضرب ‪ ،‬ألن بعض األنبياء كان يفعله‪.‬‬

‫(‪)683/61‬‬

‫ومنهم من قال جاء للنهي عنه ‪ ،‬ألنه صلى اهلل عليه وسلم قال ‪" :‬فمن وافق خطه فذاك"‪ .‬وال سبيل‬
‫إلى معرفة طريق النهي المتقدم فيه ‪ ،‬فإذا ال سبيل إلى العمل به‪ .‬قال ‪:‬‬

‫لعمرك ما تدري الضوارب بالحصا ‪ ...‬وال زاجرات الطير ما اهلل صانع‬
‫وحقيقته عند أربابه ترجع إلى صور الكواكب ‪ ،‬فيدل ما يخرج منها على ما تدل عليه تلك الكواكب‬
‫من سعد أو نحس يحل بهم ‪ ،‬فصار ظنا مبنيا على ظن ‪ ،‬وتعلقا بأمر غائب قد درست طريقه وفات‬
‫تحقيقه ‪ ،‬وقد نهت الشريعة عنه ‪ ،‬وأخبرت أن ذلك مما اختص اهلل به ‪ ،‬وقطعه عن الخلق ‪ ،‬وان‬
‫كانت لهم قبل ذلك أسباب يتعلقون بها في درك األشياء المغيبة ‪ ،‬فإن اهلل قد رفع تلك األسباب‬

‫وطمس تلك األبواب وأفرد نفسه بعلم الغيب ‪ ،‬فال يجوز مزاحمته في ذلك ‪ ،‬وال يحل ألحد دعواه‪.‬‬

‫وطلبه عناء لو لم يكن فيه نهي‪ .‬فإذ وقد ورد النهي فطلبه معصية أو كفر بحسب قصد الطالب‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬ما اختاره هو قول الخطابي‪ .‬قال الخطابي ‪ :‬قوله عليه السالم ‪" :‬فمن وافق خطه فذاك" هذا‬
‫يحتمل الزجر إذ كان ذلك علما لنبوته وقد انقطعت ‪ ،‬فنهينا عن التعاطي لذلك‪ .‬قال القاضي‬
‫عياض ‪ :‬األظهر من اللفظ خالف هذا ‪ ،‬وتصويب خط من يوافق خطه ‪ ،‬لكن من أين تعلم الموافقة‬
‫والشرع منع من التخرص وادعاء الغيب جملة ‪ -‬فإنما معناه أن من وافق خطه فذاك الذي يجدون‬

‫إصابته ‪ ،‬ال أنه يريد إباحة ذلك لفاعله على ما تأوله بعضهم‪ .‬وحكى مكي في تفسير قوله ‪[ :‬كان‬

‫نبي من األنبياء يخط] أنه كان يخط بأصبعه السبابة والوسطى في الرمل ثم يزجر‪ .‬وقال ابن عباس‬
‫في تفسير قوله [ومنا رجال يخطون ] ‪ :‬هو الخط الذي يخطه الحازي فيعطى حلوانا فيقول ‪ :‬اقعد‬
‫حتى أخط لك ‪ ،‬وبين يدي الحازي غالم معه ميل ثم يأتي إلى أرض رخوة فيخط األستاذ خطوطا‬
‫معجلة لئال يلحقها العدد ‪ ،‬ثم يرجع فيمحو على مهل خطين خطين ‪ ،‬فإن بقي خطان فهو عالمة‬

‫النجح ‪ ،‬وان بقي خط فهو عالمة الخيبة‪ .‬والعرب تسميه األسحم وهو مشؤوم عندهم‪.‬‬

‫(‪)639/61‬‬

‫الثالثة ‪ :‬قال ابن العربي ‪ :‬إن اهلل تعالى لم يبق من األسباب الدالة على الغيب التي أذن في التعلق‬
‫بها واالستدالل منها إال الرؤيا ‪ ،‬فإنه أذن فيها ‪ ،‬وأخبر أنها جزء من النبوة وكذلك الفأل ‪ ،‬وأما الطيرة‬
‫والزجر فإنه نهى عنهما‪ .‬والفأل ‪ :‬هو االستدالل بما يسمع من الكالم على ما يريد من األمر إذا كان‬
‫حسنا ‪ ،‬فإذا سمع مكروها فهو تطير ‪ ،‬أمره الشرع بأن يفرح بالفأل ويمضى على أمره مسرورا‪ .‬واذا‬

‫سمع المكروه أعرض عنه ولم يرجع ألجله ‪ ،‬وقد قال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬اللهم ال طير إال‬
‫طيرك وال خير إال خيرك وال إله غيرك"‪ .‬وقد روى بعض األدباء ‪:‬‬
‫الفأل والزجر والكهان كلهم ‪ ...‬مضللون ودون الغيب أقفال‬
‫وهذا كالم صحيح ‪ ،‬إال في الفأل فإن الشرع استثناه وأمر به ‪ ،‬فال يقبل من هذا الشاعر ما نظمه‬
‫فيه ‪ ،‬فإنه تكلم بجهل ‪ ،‬وصاحب الشرع أصدق وأعلم وأحكم‪.‬‬

‫قلت ‪ :‬ق د مضى في الطيرة والفأل وفي الفرق بينهما ما يكفي في (المائدة) وغيرها‪ .‬ومضى في‬
‫(األنعام) أن اهلل سبحانه منفرد بعلم الغيب ‪ ،‬وأن أحدا ال يعلم ذلك إال ما أعلمه اهلل ‪ ،‬أو يجعل على‬
‫ذلك داللة عادية يعلم بها ما يكون على جري العادة ‪ ،‬وقد يختلف‪ .‬مثال إذا رأى نخلة قد أطلعت‬
‫فإنه يعلم أنها ستثمر ‪ ،‬واذا رآها قد تناثر طلعها علم أنها ال تثمر‪ .‬وقد يجوز أن يأتي عليها آفة‬
‫تهلك ثمرها فال تثمر ‪ ،‬كما أنه جائز أن تكون النخلة التي تناثر طلعها يطلع اهلل فيها طلعا ثانيا‬
‫فتثمر‪ .‬وكما أنه جائز أيضا أال يلي شهره شهر وال يومه يوم إذا أراد اهلل إفناء العالم ذلك الوقت‪ .‬إلى‬

‫غير ذلك مما تقدم في (األنعام) بيانه‪.‬‬

‫الرابعة ‪ :‬قال ابن خويز منداد ‪ :‬قوله تعالى ‪{ :‬أ َْو أَثَ َارة ِم ْن ِعلْم} يريد الخط‪ .‬وقد كان مالك رحمه اهلل‬
‫يحكم بالخط إذا عرف الشاهد خطه‪ .‬واذا عرف الحاكم خطه أو خط من كتب إليه حكم به ‪ ،‬ثم رجع‬
‫عن ذلك حين ظهر في الناس ما ظهر من الحيل والتزوير‪ .‬وقد روي عنه أنه قال ‪" :‬ي ِ‬
‫حدث الناس‬
‫ُ‬
‫فجو ار فتحدث لهم أقضية"‪ .‬فأما إذا شهد الشهود على الخط المحكوم به ‪ ،‬مثل أن يشهدوا أن هذا‬
‫الحاكم وكتابه ‪ ،‬أشهدنا على‬

‫(‪)636/61‬‬

‫ما فيه وان لم يعلموا ما في الكتاب‪ .‬وكذ لك الوصية أو خط الرجل باعترافه بمال لغيره يشهدون أنه‬
‫خطه ونحو ذلك ‪ -‬فال يختلف مذهبه أن يحكم به‪ .‬وقيل ‪{ :‬أ َْو أَثَ َارة ِم ْن ِعلْم} أو بقية من علم ‪ ،‬قبل‬
‫ابن عباس والكلبي وأبو بكر بن عياش وغيرهم‪ .‬وفي الصحاح {أو أثارة من علم} بقية منه‪ .‬وكذلك‬
‫األثرة (بالتحريك) ‪ .‬ويقال ‪ :‬سمنت اإلبل على أثارة ‪ ،‬أي بقية شحم كان قبل ذلك‪ .‬وأنشد الماوردي‬
‫والثعلبي قول الراعي ‪:‬‬

‫وذات أثارة أكلت عليها ‪ ...‬نباتا في أكمته ففا ار‬
‫وقال الهروي ‪ :‬واألثارة واألثر ‪ :‬البقية ‪ ،‬يقال ‪ :‬ما ثم عين وال أثر‪ .‬وقال ميمون بن مهران وأبو سلمة‬
‫ار ِم ْن ِعلْم} خاصة من علم‪ .‬وقال مجاهد ‪ :‬رواية تأثرونها عمن كان‬
‫بن عبدالرحمن وقتادة ‪{ :‬أ َْو أَثَ َة‬
‫قبلكم‪ .‬وقال عكرمة ومقاتل ‪ :‬رواية عن األنبياء‪ .‬وقال القرظي ‪ :‬هو اإلسناد‪ .‬الحسن ‪ :‬المعنى شيء‬
‫يثار أو يستخرج‪ .‬وقال الزجاج ‪{ :‬أ َْو أَثَ َارة} أي عالمة‪ .‬واألثارة مصدر كالسماحة والشجاعة‪ .‬وأصل‬
‫الكلمة من األثر ‪ ،‬وهي الرواية ‪ ،‬يقال ‪ :‬أثرت الحديث آثره أث ار وأثارة وأثرة فأنا آثر ‪ ،‬إذا ذكرته عن‬
‫غيرك‪ .‬ومنه قيل ‪ :‬حديث مأثور ‪ ،‬أي نقله خلف عن سلف‪ .‬قال األعشى ‪:‬‬
‫إن الذي فيه تماريتما ‪ُ ...‬بيِّن للسامع واآلثر‬
‫ويروى {َبيَّن} وقرئ {أو أُثَْرة} بضم الهمزة وسكون الثاء‪ .‬ويجوز أن يكون معناه بقية من علم‪ .‬ويجوز‬
‫أن يكون معناه شيئا مأثورا من كتب األولين‪ .‬والمأثور ‪ :‬ما يتحدث به مما صح سنده عمن تحدث‬

‫به عنه‪ .‬وقرأ السلمي والحسن وأبو رجاء بفتح الهمزة والثاء من غير ألف ‪ ،‬أي خاصة من علم‬

‫أوتيتموها أو أوثرتم بها على غيركم‪ .‬وروي عن الحسن أيضا وطائفة {أَثْرة} مفتوحة األلف ساكنة‬

‫الثاء ‪ ،‬ذكر األولى الثعلبي والثانية الماوردي‪ .‬وحكى الثعلبي عن عكرمة ‪ :‬أو ميراث علم‪{ .‬إِ ْن ُكنُْت ْم‬
‫ِِ‬
‫ين} ‪.‬‬
‫صادق َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬ائُْتونِي بِكَتاب م ْن َق ْبل َه َذا أ َْو أَثَ َارة م ْن علْم} فيه بيان مسالك األدلة بأسرها ‪ ،‬فأولها‬
‫ون ِم ْن ُد ِ‬
‫ون‬
‫المعقول ‪ ،‬وهو قوله تعالى ‪{ :‬قُ ْل أَ أ‬
‫َرَيْتُ ْم َما تَ ْد ُع َ‬

‫(‪)632/61‬‬

‫السماو ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ ِ ِ‬
‫ات} وهو احتجاج بدليل العقل في أن‬
‫الله أَُروني َما َذا َخلَُقوا م َن ْاأل َْرض أ َْم لَ ُه ْم ش ْر ٌك في َّ َ َ‬
‫الجماد ال يصح أن يدعى من دون اهلل فإنه ال يضر وال ينفع‪ .‬ثم قال ‪{ :‬ا ْئُتونِي بِ ِكَتاب ِم ْن َق ْب ِل َه َذا}‬
‫فيه بيان أدلة السمع {أ َْو أَثَ َارة ِم ْن ِعلْم}‪.‬‬

‫ِ‬
‫اآلية ‪ { 8 :‬وم ْن أَض ُّل ِم َّم ْن ي ْدعو ِم ْن ُد ِ ِ‬
‫ام ِة َوُه ْم َع ْن ُد َعائِ ِه ْم‬
‫ون اللَّه َم ْن ال َي ْسَت ِج ُ‬
‫َ ُ‬
‫َ‬
‫يب َل ُه إَِلى َي ْوِم ا ْلقَي َ‬
‫ََ‬
‫ِ‬
‫ون }‬
‫َغافلُ َ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬وم ْن أَض ُّل} أي ال أحد أضل وأجهل { ِم َّم ْن ي ْدعو ِم ْن ُد ِ ِ‬
‫يب لَ ُه إِلَى‬
‫ون اللَّه َم ْن ال َي ْستَ ِج ُ‬
‫َ ُ‬
‫َ‬
‫ََ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يوِم ا ْلِقي ِ‬
‫ون} يعني ال يسمعون وال يفهمون ‪ ،‬فأخرجها وهي‬
‫امة} وهي األوثان‪َ { .‬وُه ْم َع ْن ُد َعائ ِه ْم َغافُل َ‬
‫ََ‬
‫َْ‬

‫جماد مخرج ذكور بني آدم ‪ ،‬إذ قد مثلتها عبدتها بالملوك واألمراء التي تُخدم‪.‬‬
‫ِ‬
‫َع َداء و َك ُانوا بِ ِعب َ ِ‬
‫ِ‬
‫ين }‬
‫ادت ِه ْم َكاف ِر َ‬
‫َ‬
‫اآلية ‪َِ { 1 :‬وا َذا ُحشَر النَّ ُ‬
‫اس َك ُانوا َل ُه ْم أ ْ ً َ‬
‫ِ‬
‫َع َداء و َك ُانوا بِ ِعب َ ِ‬
‫ِ‬
‫ين} أي هؤالء‬
‫ادت ِه ْم َكاف ِر َ‬
‫َ‬
‫قوله تعالى ‪َِ { :‬وا َذا ُحشَر النَّ ُ‬
‫اس} يريد يوم القيامة‪َ { .‬ك ُانوا لَ ُه ْم أ ْ ً َ‬
‫المعبودون أعداء الكفار يوم القيامة‪ .‬فالمالئكة أعداء الكفار ‪ ،‬والجن والشياطين يتبرؤون غدا من‬

‫عبدتهم ‪ ،‬ويلعن بعضهم بعضا ‪.‬‬
‫ويجوز أن تكون األصنام للكفار الذين عبدوها أعداء ‪ ،‬على تقدير خلق الحياة لها ‪ ،‬دليله قوله‬

‫ون} [القصص ‪ .] 18 :‬وقيل ‪ :‬عادوا معبوداتهم ألنهم كانوا‬
‫تعالى ‪َ { :‬تَبَّ أْرَنا إَِل ْي َك َما َك ُانوا ِإي َ‬
‫َّانا َي ْعُب ُد َ‬
‫ِ‬
‫سبب هالكهم ‪ ،‬وجحد المعبودون عبادتهم ‪ ،‬وهو قوله ‪{ :‬و َك ُانوا بِ ِعب َ ِ‬
‫ين} ‪.‬‬
‫ادت ِه ْم َكاف ِر َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫اآلية ‪ِ { 8 :‬وا َذا ُت ْتَلى عَل ْي ِهم آي ُاتَنا بِّي َنات َق َ ِ‬
‫ين َك َفُروا لِ ْل َح ِّ‬
‫ين }‬
‫اء ُه ْم َه َذا ِس ْحٌر ُمبِ ٌ‬
‫ال الَّذ َ‬
‫َ ْ َ َ‬
‫ق َل َّما َج َ‬
‫َ‬

‫(‪)638/61‬‬

‫قوله تعالى ‪ِ { :‬وا َذا ُتتْلَى علَ ْي ِهم آي ُاتَنا ب يَِّنات} يعني القرآن‪َ { .‬ق َ ِ‬
‫ين َك َفُروا لِلْ َح ِّ‬
‫اء ُه ْم َه َذا‬
‫ال الَّذ َ‬
‫َ ْ َ َ‬
‫ق لَ َّما َج َ‬
‫َ‬
‫ين}‪.‬‬
‫ِس ْحٌر ُمبِ ٌ‬
‫َعلَم بِما ُتِفيضون ِف ِ‬
‫اآلية ‪ { 3 :‬أَم يقُولُون افَْتراه ُق ْل إِ ِن افَْترْيُته َفال َتملِ ُك ِ ِ َّ ِ‬
‫يه‬
‫ُ َ‬
‫ْ َ‬
‫َ ُ‬
‫ْ َ َ َُ‬
‫ون لي م َن الله َش ْيئاً ُه َو أ ْ ُ َ‬
‫َكفَى بِ ِه َش ِهيداً بيْنِي وبيْنَ ُكم وُهو الْ َغفُور َّ ِ‬
‫يم}‬
‫ُ‬
‫الرح ُ‬
‫َ ََ ْ َ َ‬

‫ون ا ْفَتَر ُاه} الميم صلة ‪ ،‬التقدير ‪ :‬أيقولون افتراه ‪ ،‬أي تقوله محمد‪ .‬وهو إضراب‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬أ َْم َيقُولُ َ‬
‫عن ذكر تسميتهم اآليات سحرا‪ .‬ومعنى الهمزة في {أم} اإلنكار والتعجب ‪ ،‬كأنه قال ‪ :‬دع هذا‬
‫واسمع قولهم المستنكر المقضي منه العجب‪ .‬وذلك أن محمدا كان ال يقدر عليه حتى يقوله ويفتريه‬

‫على اهلل ‪ ،‬ولو قدر عليه دون أمة العرب لكانت قدرته عليه معجزة لخرقها العادة ‪ ،‬واذا كانت معجزة‬
‫كانت تصديقا من اهلل له ‪ ،‬والحكيم ال يصدق الكاذب فال يكون مفتريا ‪ ،‬والضمير للحق ‪ ،‬والمراد به‬
‫ِ‬
‫ون لِي ِم َن اللَّهِ َش ْيئًا} أي ال تقدرون على أن‬
‫اآليات‪ُ { .‬ق ْل إِ ِن ا ْفَتَرْيُت ُه} على سبيل الفرض‪َ { .‬فال َت ْمل ُك َ‬
‫َعلَم بِما ُتِفيضون ِف ِ‬
‫يه} أي تقولونه ‪ ،‬عن‬
‫ُ َ‬
‫تردوا عني عذاب اهلل ‪ ،‬فكيف أفتري على اهلل ألجلكم‪ُ { .‬ه َو أ ْ ُ َ‬

‫مجاهد‪ .‬وقيل ‪ :‬تخوضون فيه من التكذيب‪ .‬واإلفاضة في الشيء ‪ :‬الخوض فيه واالندفاع‪ .‬أفاضوا‬

‫في الحديث أي أندفعوا فيه‪ .‬وأفاض البعير أي دفع جرته من ك رشه فأخرجها ‪ ،‬ومنه قول الشاعر ‪:‬‬

‫وأفضن بعد كظومهن بجرة‬

‫(‪)638/61‬‬

‫وأفاض الناس من عرفات إلى منى أي دفعوا ‪ ،‬وكل دفعة إفاضة‪َ { .‬ك َفى بِ ِه َش ِهيدًا َب ْيِني َوَب ْيَن ُك ْم}‬
‫{ َك َفى بِ ِه َش ِهيداً} نصب على التمييز‪َ{ .‬ب ْينِي َوَب ْيَن ُك ْم} أي هو يعلم صدقي وأنكم مبطلون‪َ { .‬وُه َو‬
‫الْ َغفُور} لمن تاب { َّ ِ‬
‫يم} بعباده المؤمنين ‪.‬‬
‫ُ‬
‫الرح ُ‬
‫ي َو َما‬
‫ت بِ ْدعًا ِم َن ُّ‬
‫وحى إَِل َّ‬
‫اآلية ‪ُ { 3 :‬ق ْل َما ُك ْن ُ‬
‫الر ُس ِل َو َما أ َْد ِري َما ُي ْف َع ُل بِي َوال بِ ُك ْم إِ ْن أَتَّبِ ُع إِ َّال َما ُي َ‬
‫ين }‬
‫أََنا إِ َّال َنِذ ٌير ُمبِ ٌ‬
‫الر ُس ِل} أي أول من أرسل ‪ ،‬قد كان قبلي رسل ‪ ،‬عن ابن عباس‬
‫ت بِ ْدعًا ِم َن ُّ‬
‫قوله تعالى ‪ُ { :‬ق ْل َما ُك ْن ُ‬
‫وغيره‪ .‬والبدع ‪ :‬األول‪ .‬وقرأ عكرمة وغيره {بِ َدعاً} بفتح الدال ‪ ،‬على تقدير حذف المضاف ‪،‬‬
‫والمعنى ‪ :‬ما كنت صاحب بدع‪ .‬وقيل ‪ :‬بدع وبديع بمعنى ‪ ،‬مثل نصف ونصيف‪ .‬وأبدع الشاعر ‪:‬‬

‫جاء بالبديع‪ .‬وشيء بدع (بالكسر) أي مبتدع‪ .‬وفالن بدع في هذا األمر أي بديع‪ .‬وقوم أبداع ‪ ،‬عن‬
‫األخفش‪ .‬وأنشد قطرب قول عدي بن زيد ‪:‬‬

‫فال أنا بدع من حوادث تعتري ‪ ...‬رجاال غدت من بعد بؤسى بأسعد‬

‫{ َو َما أ َْد ِري َما ُي ْف َع ُل بِي َوال بِ ُك ْم} يريد يوم القيامة‪ .‬ولما نزلت فرح المشركون واليهود والمنافقون‬
‫وقالوا ‪ :‬كيف نتبع نبيا ال يدري ما يفعل به وال بنا ‪ ،‬وأنه ال فضل له علينا ‪ ،‬ولو ال أنه ابتدع الذي‬
‫يقول من تلقاء نفسه ألخبره الذي بعثه بما يفعل به ‪ ،‬فنزلت ‪ِ { :‬لَي ْغِفَر َل َك اللَّهُ َما َت َق َّد َم ِم ْن َذ ْنبِ َك َو َما‬
‫َتأ َّ‬
‫َخَر} [الفتح ‪ ]2 :‬فنسخت هذه اآلية ‪ ،‬وأرغم اهلل أنف الكفار‪ .‬وقالت الصحابة ‪ :‬هنيئا لك يا رسول‬
‫اهلل ‪ ،‬لقد بين اهلل لك ما يفعل بك يا رسول اهلل ‪ ،‬فليت شعرنا ما هو فاعل بنا ؟ فنزلت ‪{ :‬لُِي ْد ِخ َل‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين‬
‫ين َوالْ ُم ْؤِمَنات َجنَّات َت ْج ِري م ْن َت ْحت َها ْاأل َْن َه ُار} [الفتح ‪ ]8 :‬اآلية‪ .‬ونزلت ‪َ { :‬وَب ِّش ِر الْ ُم ْؤِمن َ‬
‫الْ ُم ْؤِمن َ‬
‫ضالً َكبِيراً} [األحزاب ‪ .] 88 :‬قاله أنس وابن عباس وقتادة والحسن وعكرمة‬
‫بِأ َّ‬
‫َن لَ ُه ْم ِم َن اللَّ ِه فَ ْ‬
‫والضحاك‪ .‬وقالت أم العالء امرأة من األنصار ‪ :‬اقتسمنا المهاجرين فطار لنا عثمان‬

‫(‪)638/61‬‬

‫ابن مظعون بن حذافة بن جمح ‪ ،‬فأنزلناه أبياتنا فتوفي ‪ ،‬فقلت ‪ :‬رحمة اهلل عليك أبا السائب إن اهلل‬

‫أكرمك‪ .‬فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬وما يدريك أن اهلل أكرمه" ؟ فقلت ‪ :‬بأبي وأمي يا رسول‬
‫اهلل فمن ؟ قال ‪ " :‬أما هو فقد جاءه اليقين وما رأينا إال خيرا فواهلل إني ألرجو له الجنة وواهلل إني‬
‫لرسول اهلل وما أدري ما يفعل بي وال بكم" ‪ .‬قالت ‪ :‬فواهلل ال أزكي بعده أحدا أبدا‪ .‬ذكره الثعلبي ‪،‬‬
‫وقال ‪ :‬وانما قال هذا حين لم يعلم بغفران ذنبه ‪ ،‬وانما غفر اهلل له ذنبه في غزوة الحديبية قبل موته‬

‫بأربع سنين ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬حديث أم العالء خرجه البخاري ‪ ،‬وروايتي فيه ‪" :‬وما أدري ما يفعل به" ليس فيه "بي وال بكم"‬
‫وهو الصحيح إن شاء اهلل ‪ ،‬على ما يأتي بيانه‪ .‬واآلية ليست منسوخة ‪ ،‬ألنها خبر‪ .‬قال النحاس ‪:‬‬
‫محال أن يكون في هذا ناسخ وال منسوخ من جهتين ‪ :‬أحدهما أنه خبر ‪ ،‬واآلخر أنه من أول السورة‬
‫إلى هذا الموضع خطاب للمشركين وا حتجاج عليهم وتوبيخ لهم ‪ ،‬فوجب أن يكون هذا أيضا خطابا‬
‫للمشركين كما كان قبله وما بعده ‪ ،‬ومحال أن يقول النبي صلى اهلل عليه وسلم للمشركين "ما أدري‬
‫ما يفعل بي وال بكم" في اآلخرة ‪ ،‬ولم يزل صلى اهلل عليه وسلم من أول مبعثه إلى مماته يخبر أن‬
‫من مات على الكفر مخلد ف ي النار ‪ ،‬ومن مات على اإليمان واتبعه وأطاعه فهو في الجنة ‪ ،‬فقد‬
‫رأى صلى اهلل عليه وسلم ما يفعل به وبهم في اآلخرة‪ .‬وليس يجوز أن يقول لهم ما أدري ما يفعل‬
‫بي وال بكم في اآلخرة ‪ ،‬فيقولون كيف نتبعك وأنت ال تدري أتصير إلى خفض ودعة أم إلى عذاب‬

‫وعقاب‪.‬‬

‫والصحيح في اآل ية قول الحسن ‪ ،‬كما قرأ علي بن محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى‬
‫قال حدثنا وكيع قال حدثنا أبو بكر الهذلي عن الحسن ‪ " :‬وما أدري ما يفعل بي وال بكم في الدنيا"‬
‫قال أبو جعفر ‪ :‬وهذا أصح قول وأحسنه ‪ ،‬ال يدري صلى اهلل عليه وسلم ما يلحقه واياهم من مرض‬
‫ت ِم َن الْ َخ ْي ِر َو َما َم َّسنِ َي‬
‫ب َال ْستَ ْكثَْر ُ‬
‫تأْ‬
‫وصحة ورخص وغالء وغنى وفقر‪ .‬ومثله ‪َ { :‬ولَ ْو ُكنْ ُ‬
‫َعلَ ُم الْ َغ ْي َ‬
‫وء إِ ْن أََنا إِ َّال َنِذ ٌير َوَب ِش ٌير} [األعراف ‪ .] 633 :‬وذكر الواحدي وغيره عن الكلبي عن أبي صالح‬
‫ُّ‬
‫الس ُ‬

‫عن‬

‫(‪)631/61‬‬

‫ابن عباس ‪ :‬لما اشتد البالء بأصحاب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم رأى في المنام أنه يهاجر إلى‬
‫أرض ذات نخل وشجر وماء ‪ ،‬فقصها على أصحابه به فاستبشروا بذلك ‪ ،‬ورأوا فيها فرجا مما هم‬
‫فيه من أذى المشركين ‪ ،‬ثم إنهم مكثوا برهة ال يرون ذلك فقالوا ‪ :‬يا رسول اهلل ‪ ،‬متى نهاجر إلى‬
‫األرض التي رأيت ؟ فسكت النبي صلى اهلل عليه وسلم فأنزل اهلل تعالى ‪َ { :‬و َما أ َْد ِري َما ُيفْ َع ُل ِبي َوال‬
‫بِ ُك ْم} أي ال أدري أأخرج إلى الموضع الذي رأيته في منامي أم ال‪ .‬ثم قال ‪ " :‬إنما هو شيء رأيته في‬

‫منامي ما أتبع إال ما يوحى إلي" أي لم يوح إلي ما أخبرتكم به‪ .‬قال القشيري ‪ :‬فعلى هذا ال نسخ في‬

‫اآلية‪ .‬وقيل ‪ :‬المعنى ال أدري ما يفرض علي وعليكم من الفرائض‪ .‬واختار الطبري أن يكون‬
‫المعنى ‪ :‬ما أدري ما يصير إليه أمري وأمركم في الدنيا ‪ ،‬أتؤمنون أم تكفرون ‪ ،‬أم تعاجلون بالعذاب‬
‫أم تؤخرون‪.‬‬

‫قلت ‪ :‬وهو معنى قول الحسن والسدي وغيرهما‪ .‬قال الحسن ‪ :‬ما أد ري ما يفعل بي وال بكم في الدنيا‬

‫‪ ،‬أما في اآلخرة فمعاذ اهلل قد علم أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل ‪ ،‬ولكن قال ما أدري ما‬
‫يفعل بي في الدنيا أأخرج كما أخرجت األنبياء قبلي ‪ ،‬أو أقتل كما قتلت األنبياء قبلي ‪ ،‬وال أدري ما‬
‫يفعل بكم ‪ ،‬أأمتي المصدقة أم المكذبة ‪ ،‬أم أمتى المرمية بالحجارة من السماء قذفا ‪ ،‬أو مخسوف بها‬
‫الد ِ‬
‫ق لُِيظْ ِهَرُه َعَلى ِّ‬
‫ين ا ْل َح ِّ‬
‫خسفا ‪ ،‬ثم نزلت ‪ُ { :‬ه َو الَِّذي أ َْر َس َل َر ُسوَل ُه بِا ْل ُه َدى َوِد ِ‬
‫ين ُكلِّ ِه} [التوبة ‪:‬‬
‫ت ِفي ِه ْم}‬
‫ان اللَّ ُه لُِي َع ِّذَب ُه ْم َوأَنْ َ‬
‫‪ .] 88‬يقول ‪ :‬سيظهر دينه على األديان‪ .‬ثم قال في أمته ‪َ { :‬و َما َك َ‬
‫[األنفال ‪ ]88 :‬فأخبره تعالى بما يصنع به وبأمته ‪ ،‬وال نسخ على هذا كله ‪ ،‬والحمد هلل‪ .‬وقال‬

‫الضحاك أيضا ‪َ { :‬ما أ َْد ِري َما ُيفْ َع ُل بِي َوال بِ ُك ْم} أي ما تؤمرون به وتنهون عنه‪ .‬وقيل ‪ :‬أمر النبي‬
‫صلى اهلل عليه وسلم أن يقول للمؤم نين ما أدري ما يفعل بي وال بكم في القيامة ‪ ،‬ثم بين اهلل تعالى‬
‫ذلك في قوله ‪ { :‬لَِي ْغِفَر َل َك اللَّهُ َما َت َق َّد َم ِم ْن َذ ْنبِ َك َو َما َتأ َّ‬
‫َخَر} [الفتح ‪ ]2 :‬وبين فيما بعد ذلك حال‬
‫المؤمنين ثم بين حال الكافرين‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وهذا معنى القول األول ‪ ،‬إال أنه أطلق فيه النسخ بمعنى البيان ‪ ،‬وأنه أمر أن يقول ذلك‬
‫للمؤمنين ‪ ،‬والصحيح ما ذكرناه عن الحسن وغيره‪ .‬و {ما} في {ما يفعل} يجوز أن‬

‫(‪)638/61‬‬

‫تكون موصولة ‪ ،‬وأن تكون استفهامية مرفوعة‪.‬‬

‫ين} وقرئ {يوحي} أي اهلل عز وجل‪ .‬تقدم‬
‫وحى إِلَ َّي َو َما أََنا إِ َّال َنِذ ٌير ُمبِ ٌ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬إِ ْن أَتَّبِ ُع إِ َّال َما يُ َ‬
‫في غير موضع‪.‬‬
‫ِ ِِ‬
‫َر َْيُتم إِ ْن َكان ِم ْن ِع ْنِد اللَّ ِه وكَ َفرُتم بِ ِه و َش ِه َد َش ِ‬
‫آم َن‬
‫اه ٌد ِم ْن َبنِي إِ ْسر َ‬
‫َ‬
‫ائيل َعلَى مثْله َف َ‬
‫اآلية ‪ُ { 69 :‬ق ْل أَ أ ْ‬
‫َ ْ ْ َ‬
‫َّ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ين }‬
‫استَ ْكَب ْرتُ ْم إِ َّن اللَّ َه ال َي ْهدي الْقَ ْوَم الظالم َ‬
‫َو ْ‬
‫ان ِم ْن ِع ْنِد اللَّ ِه} يعني القرآن‪َ { .‬و َك َف ْرُت ْم بِ ِه} وقال الشعبي ‪ :‬المراد محمد‬
‫قوله تعالى ‪ُ { :‬ق ْل أَ أ‬
‫َر َْيُت ْم إِ ْن َك َ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ائيل} قال ابن عباس والحسن وعكرمة وقتادة‬
‫سر َ‬
‫صلى اهلل عليه وسلم‪{ .‬بِه َو َش ِه َد َشاه ٌد م ْن َبني إِ ْ‬

‫ومجاهد ‪ :‬هو عبداهلل بن سالم ‪ ،‬ش هد على اليهود أن رسول اهلل صلى اهلل مذكور في التوراة ‪ ،‬وأنه‬
‫نبي من عند اهلل‪ .‬وفي الترمذي عنه ‪ :‬ونزلت في آيات من كتاب اهلل ‪ ،‬نزلت في ‪{ :‬و َش ِه َد َش ِ‬
‫اه ٌد ِم ْن‬
‫َ‬
‫َّ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِِ‬
‫ين}‪ .‬وقد تقدم في آخر سورة‬
‫َبنِي إِ ْسر َ‬
‫استَ ْكَب ْرتُ ْم إِ َّن اللَّهَ ال َي ْهدي الْقَ ْوَم الظالم َ‬
‫آم َن َو ْ‬
‫ائيل َعلَى مثْله فَ َ‬

‫"الرعد"‪ .‬وقال مسروق ‪ :‬هو موسى والتوراة ‪ ،‬ال ابن سالم ؛ ألنه أسلم بالمدينة والسورة مكية‪ .‬وقال ‪:‬‬
‫وقول ‪َ { :‬و َك َف ْرُت ْم بِ ِه} مخاطبة لقريش‪ .‬الشعبي ‪ :‬هو من آمن من بني إسرائيل بموسى والتوراة ‪ ،‬ألن‬
‫ابن سالم إنما أسلم قبل وفاة النبي صلى اهلل عليه وسلم بعامين ‪ ،‬والسورة مكية‪ .‬قال القشيري ‪ :‬ومن‬
‫قال الشاهد موسى قال السورة مكية ‪ ،‬وأسلم ابن سالم قبل موت النبي صلى اهلل عليه وسلم بعامين‪.‬‬
‫ويجوز أن تكون اآلية نزلت بالمدينة وتوضع في سورة مكية ‪ ،‬فإن اآلية كانت تنزل فيقول النبي‬

‫صلى اهلل عليه وسلم ضعوها في سورة كذا‪ .‬واآلية في محاجة المشركين ‪ ،‬ووجه الحجة أنهم كانوا‬
‫يراجعون اليهود في أشياء ‪ ،‬أي شهادتهم لهم وشهادة نبيهم لي من أوضح الحجج‪ .‬وال يبعد أن تكون‬
‫السورة في محاجة اليهود ‪ ،‬ولما جاء ابن سالم مسلما من قبل أن تعلم اليهود بإسالمه قال ‪ :‬يا‬
‫رسول اهلل ‪ ،‬اجعلني حكما بينك وبين اليهود ‪ ،‬فسألهم عنه ‪ " :‬أي رجل هو فيكم ؟ " قالوا ‪ :‬سيدنا‬

‫وعالمنا‪ .‬فقال ‪" :‬إنه قد آمن بي" فأساؤوا القول فيه‪ ...‬الحديث ‪،‬‬

‫(‪)633/61‬‬

‫وقد تقدم‪ .‬قال ابن عباس ‪ :‬رضيت اليهود بحكم ابن سالم ‪ ،‬وقالت للنبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ :‬إن‬
‫يشهد لك آمنا ب ك ‪ ،‬فسئل فشهد ثم أسلم‪َ { .‬علَى ِمثْلِ ِه} أي على مثل ما جئتكم به ‪ ،‬فشهد موسى على‬
‫التوراة ومحمد على القرآن‪ .‬وقال الجرجاني‪{ .‬مثل} صلة ‪ ،‬أي وشهد شاهد عليه أنه من عند اهلل‪.‬‬

‫استَ ْكَب ْرتُ ْم} أنتم عن اإليمان‪ .‬وجواب "إن كان" محذوف تقدي هر ‪ :‬فآمن‬
‫آم َن} أي هذا الشاهد‪َ { .‬و ْ‬
‫{فَ َ‬
‫اسَت ْكَب ْرُت ْم} أليس قد ظلمتم ‪ ،‬يبينه {إِ َّن اللَّ َه ال َي ْهِدي ا ْلقَ ْوَم‬
‫آم َن َو ْ‬
‫أتؤمنون ‪ ،‬قال الزجاج‪ .‬وقيل ‪َ { :‬ف َ‬
‫َّ ِ ِ‬
‫اسَت ْكَب ْرُت ْم} أفتأمنون عذاب اهلل‪ .‬و {أرأيتم} لفظ موضوع للسؤال واالستفهام ‪،‬‬
‫آم َن َو ْ‬
‫الظالم َ‬
‫ين} وقيل ‪َ { :‬ف َ‬
‫ولذلك ال يقتضي مفعوال‪ .‬وحكى النقاش وغيره ‪ :‬أن في اآلية تقديما وتأخيرا ‪ ،‬وتقديره ‪ :‬قل أرأيتم إن‬

‫كان من عند اهلل وشهد شاهد من بني إسرائيل فآمن هو وكفرتم إن اهلل ال يهدي القوم الظالمين‪.‬‬
‫ِ‬
‫ال الَِّذين َك َفروا لِلَِّذين آمُنوا لَو َكان َخ ْيراً ما سبقُ َ ِ‬
‫ون َه َذا‬
‫اآلية ‪َ { 66 :‬وَق َ‬
‫ونا إِلَ ْيه َِواذْ لَ ْم َي ْهَت ُدوا بِه َف َسَيقُولُ َ‬
‫َ ََ‬
‫َ َ ْ َ‬
‫َ ُ‬
‫ِ‬
‫يم}‬
‫إِ ْف ٌك َقد ٌ‬
‫َِِّ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬وَق َ َِّ‬
‫ونا إِلَ ْي ِه} اختلف في سبب نزولها‬
‫ان َخ ْيراً َما َسَبقُ َ‬
‫آمُنوا لَ ْو َك َ‬
‫ين َك َفُروا للذ َ‬
‫ال الذ َ‬
‫ين َ‬
‫َ‬

‫على ستة أقوال ‪ :‬األول ‪ :‬أن أبا ذر الغفاري دعاه النبي صلى اهلل عليه وسلم إلى اإلسالم بمكة‬

‫فأجاب ‪ ،‬واستجار به قومه فأتاه زعيمهم فأسلم ‪ ،‬ثم دعاهم الزعيم فأسلموا ‪ ،‬فبلغ ذلك قريشا فقالوا ‪:‬‬
‫غفار الحلفاء لو كان هذا خيرا ما سبقونا إليه ‪ ،‬فنزلت هذه اآلية ‪ ،‬قال أبو المتوكل‪ .‬الثاني ‪ :‬أن‬
‫زنيرة أسلمت فأصيب بصرها فقالوا لها ‪ :‬أصابك الالت والعزى ‪ ،‬فرد اهلل عليها بصرها‪ .‬فقال عظماء‬

‫قريش ‪ :‬لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا إليه زنيرة ‪ ،‬فأنزل اهلل تعالى هذه اآلية ‪ ،‬قاله عروة‬
‫بن الزبير‪.‬‬

‫(‪)633/61‬‬

‫الثالث ‪ :‬أن الذين كفروا هم بنو عامر وغطفان وتميم وأسد وحنظلة وأشجع قالوا لمن أسلم من غفار‬
‫وأسلم وجهينة ومزينة وخزاعة ‪ :‬لو كان ما جاء به محمد خي ار ما سبقتنا إليه رعاة البهم إذ نحن أعز‬
‫منهم ‪ ،‬قاله الكلبي والزجاج ‪ ،‬وحكاه القشيري عن ابن عباس‪ .‬الرابع ‪ :‬وقال قتادة ‪ :‬نزلت في مشركي‬
‫قريش ‪ ،‬قالوا ‪ :‬لو كان ما يدعونا إليه محمد خيرا ما سبقنا إليه بالل وصهيب وعمار وفالن وفالن‪.‬‬

‫الخامس ‪ :‬أن الذين كفروا من اليهود قالوا للذين آمنوا يعني عبداهلل بن سالم وأصحابه ‪ :‬لو كان دين‬
‫محمد حقا ما سبقونا إليه ‪ ،‬قال أكثر المفسرين ‪ ،‬حكاه الثعلبي‪.‬‬
‫وقال مسروق ‪ :‬إن الكفار قالوا لو كان خيرا ما سبقتنا إليه اليهود ‪ ،‬فنزلت هذه اآلية‪ .‬وهذه المعارضة‬
‫من الكفار في قولهم ‪ :‬لو كان خيرا ما سبقونا إليه من أكبر المعارضات بانقالبها عليهم لكل من‬
‫خالفهم ‪ ،‬حتى يقال لهم ‪ :‬لو كان ما أنتم عليه خيرا ما عدلنا عنه ‪ ،‬ولو كان تكذيبكم للرسول خي ار‬
‫ونا إِلَ ْي ِه} يجوز أن يكون من قول الكفار‬
‫ما سبقتمونا إليه ‪ ،‬ذكره الماوردي‪ .‬ثم قيل ‪ :‬قوله ‪َ { :‬ما َسَب ُق َ‬
‫لبعض المؤمنين ‪ ،‬ويجوز أن يكون على الخروج من الخطاب إلي الغبة ‪ ،‬كقوله تعالى ‪َ { :‬حتَّى إِ َذا‬
‫ُك ْنُت ْم ِفي الْ ُفلْ ِك َو َجَرْي َن بِ ِه ْم} [يونس ‪َِ { .]22 :‬وا ْذ لَ ْم َي ْهَت ُدوا بِ ِه} يعني اإليمان‪ .‬وقيل القرآن‪ .‬وقيل محمد‬
‫ِ‬
‫يم} أي لما لم يصيبوا الهدى بالقرآن وال بمن جاء به‬
‫صلى اهلل عليه وسلم‪َ { .‬ف َسَي ُقوُل َ‬
‫ون َه َذا إِ ْف ٌك َقد ٌ‬
‫عادوه ونسبوه إلى الكذب ‪ ،‬وقالوا هذا إفك قديم ‪ ،‬كما قالوا ‪ :‬أساطير األولين وقيل لبعضهم ‪ :‬هل‬
‫ِ‬
‫ون َه َذا إِفْ ٌك‬
‫في القرآن ‪ :‬من جهل شيئا عاداه ؟ فقال نعم ‪ ،‬قال اهلل تعالى ‪َِ { :‬وا ْذ لَ ْم َي ْهتَ ُدوا بِه فَ َسَيقُولُ َ‬
‫ِ‬
‫طوا بِ ِع ْل ِم ِه} [يونس ‪.]83 :‬‬
‫يم} ومثله ‪َ { :‬ب ْل َك َّذُبوا بِ َما َل ْم ُي ِحي ُ‬
‫َقد ٌ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫اب مص ِّد ٌ ِ‬
‫ِ‬
‫ِِ ِ‬
‫ين ظَلَ ُموا‬
‫ق ل َساناً َعَربِّياً لُي ْنذَر الَّذ َ‬
‫اآلية ‪َ { 62 :‬وِم ْن َق ْبله كَت ُ‬
‫وسى إِ َماماً َوَر ْح َمةً َوَه َذا كَت ٌ ُ َ‬
‫اب ُم َ‬
‫ِ ِِ‬
‫ين }‬
‫َوُب ْشَرى ل ْل ُم ْحسن َ‬

‫(‪)639/61‬‬

‫ِ‬
‫ِِ‬
‫وسى} أي التوراة {إِ َماماً} يقتدى بما فيه‪ .‬و‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وِم ْن َق ْبله} أي ومن قبل القرآن {كَت ُ‬
‫اب ُم َ‬
‫{إِ َمامًا} نصب على الحال ‪ ،‬ألن المعنى ‪ :‬وتقدمه كتاب موسى إماما‪َ { .‬وَر ْح َم ًة} معطوف عليه‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬انتصب بإضمار فعل ‪ ،‬أي أنزلناه إماما ورحمة‪ .‬وقال األخفش ‪ :‬على القطع ‪ ،‬ألن كتاب‬
‫موسى معرفة باإلضافة ‪ ،‬ألن النكرة إذا أعيدت أو أضيفت أو أدخل عليها ألف والم صارت معرفة‪.‬‬
‫{ َوَر ْح َم ًة} من اهلل‪ .‬وفي الكالم حذف ‪ ،‬أي فلم تهتدوا به‪ .‬وذلك أنه كان في التوراة نعت النبي صلى‬
‫اهلل عليه وسلم واإليمان به فتركوا ذلك‪ .‬و {إِ َماماً} نصب على الحال ‪ ،‬ألن المعنى ‪ :‬وتقدمه كتاب‬

‫موسى إماما‪َ { .‬وَر ْح َم ًة} معطوف عليه‪ .‬وقيل ‪ :‬انتصب بإضمار فعل ‪ ،‬أي أنزلناه إماما ورحمة‪ .‬وقال‬
‫األخفش ‪ :‬على القطع ‪ ،‬ألن كتاب موسى معرفة باإلضافة ‪ ،‬ألن النكرة إذا أعيدت أو أضيفت أو‬
‫ص ِّد ٌق} يعني للتوراة ولما قبله من‬
‫أدخل عليها ألف والم صارت معرفة‪َ { .‬وَه َذا ِكَت ٌ‬
‫اب} يعني القرآن { ُم َ‬

‫الكتب‪ .‬وقيل ‪ :‬مصدق للنبي صلى اهلل عليه وسلم‪{ .‬لِ َسانًا َعَرِبّيًا} منصوب على الحال ‪ ،‬أي مصدق‬
‫لما قبله عربيا ‪ ،‬و {لِ َسانا} توطئة للحال أي تأكيد ‪ ،‬كقولهم ‪ :‬جاءني زيد رجال صالحا ‪ ،‬فتذكر رجال‬

‫توكيدا‪.‬‬

‫وقيل ‪ :‬نصب بإضمار فعل تقديره ‪ :‬وهذا كتاب مصدق أعني لسانا عربيا‪ .‬وقيل ‪ :‬نصب بإسقاط‬

‫حرف الخفض تقديره ‪ :‬بلسان عربي‪ .‬وقيل ‪ :‬إن لسانا مفعول والمراد به النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪،‬‬

‫أي وهذا كتاب مصدق للنب ي صلى اهلل عليه وسلم ألنه معجزته ‪ ،‬والتقدير ‪ :‬مصدق ذا لسان عربي‪.‬‬
‫فاللسان منصوب بمصدق ‪ ،‬وهو النبي صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬ويبعد أن يكون اللسان القرآن ‪ ،‬ألن‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ظَل ُموا} قراءة العامة {ِلُي ْنِذَر} بالياء خبر عن الكتاب ‪ ،‬أي‬
‫ين َ‬
‫المعنى يكون يصدق نفسه‪{ .‬لُي ْنذَر الَّذ َ‬
‫لينذر الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية‪ .‬وقيل ‪ :‬هو خبر عن الرسول صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬وقرأ‬
‫نافع وابن عامر والبزي بالتاء ‪ ،‬واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ‪ ،‬على خطاب النبي صلى اهلل عليه وسلم‬
‫ت م ْنِذر} [الرعد ‪{ .] 8 :‬وب ْ ِ ِ ِ‬
‫ين} { َوُب ْشَرى} في موضع رفع ‪ ،‬أي‬
‫شَرى ل ْل ُم ْحسن َ‬
‫َُ‬
‫‪ ،‬قال اهلل تعالى ‪{ :‬إِنَّ َما أ َْن َ ُ ٌ‬
‫وهو بشرى‪ .‬وقيل ‪ :‬عطفا على الكتاب ‪ ،‬أي وهذا كتاب مصدق وبشرى‪ .‬ويجوز أن يكون منصوبا‬
‫بإسقاط حرف الخفض ‪ ،‬أي لينذر الذين ظلموا وللبشرى ‪ ،‬فلما حذف الخافض نصب‪ .‬وقيل ‪ :‬على‬
‫المصدر ‪ ،‬أي وتبشر المحسنين بشرى ‪ ،‬فلما جعل مكان وتبشر بشرى أو بشارة نصب ‪ ،‬كما تقول ‪:‬‬
‫أتيتك ألزورك ‪ ،‬وكرامة لك وقضاء لحقك ‪ ،‬يعني ألزورك وأكرمك وأقضي حقك ‪ ،‬فنصب الكرامة‬
‫بفعل مضمر‪.‬‬

‫(‪)636/61‬‬

‫ِ‬
‫ِ‬
‫اب‬
‫اموا فَال َخ ْو ٌ‬
‫َص َح ُ‬
‫ون ‪ ،‬أُولَئ َك أ ْ‬
‫ف َعلَيْ ِه ْم َوال ُه ْم َي ْحَزنُ َ‬
‫ين قَالُوا َربُّنَا اللَّهُ ثَُّم ْ‬
‫اآلية ‪ { 68 :‬إِ َّن الَّذ َ‬
‫استَقَ ُ‬
‫ا ْلجنَّ ِة َخالِِد ِ‬
‫ون}‬
‫اء بِ َما َك ُانوا َي ْع َمُل َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫يها َجَز ً‬
‫ين ف َ‬
‫ِ‬
‫اموا} اآلية تقدم معناها‪ .‬وقال ابن عباس ‪ :‬نزلت في‬
‫ين َقالُوا َربَُّنا اللَّهُ ثَُّم ْ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬إِ َّن الَّذ َ‬
‫اسَت َق ُ‬
‫اء} نصب على المصدر‪.‬‬
‫أبي بكر الصديق‪ .‬واآلية تعم‪َ { .‬جَز ً‬
‫ِ‬
‫ون‬
‫ان ِب َوالِ َد ْي ِه إِ ْح َساناً َح َملَتْ ُه أ ُّ‬
‫اآلية ‪َ { 68 :‬وَو َّ‬
‫صالُ ُه ثَالثُ َ‬
‫ُم ُه كُ ْرهاً َوَو َ‬
‫ص ْيَنا ْاأل ْن َس َ‬
‫ض َعتْ ُه ُك ْرهاً َو َح ْملُ ُه َوِف َ‬
‫ِ‬
‫ت َعلَ َّي َو َعلَى‬
‫ال َر ِّ‬
‫ين َسنَةً قَ َ‬
‫َش ْهراً َحتَّى إِ َذا َبلَغَ أ ُ‬
‫َن أَ ْش ُكَر نِ ْع َمتَ َك الَّتِي أَنْ َع ْم َ‬
‫ب أ َْوِز ْعنِي أ ْ‬
‫َش َّد ُه َوَبلَغَ أ َْرَبع َ‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫َعم َل ِ‬
‫ين}‬
‫َوالِ َد َّ‬
‫َصلِ ْح لِي فِي ُذِّريَّتِي إِنِّي ُت ْب ُ‬
‫ي َوأ ْ‬
‫ت إَِل ْي َك َِوانِّي م َن ا ْل ُم ْسلم َ‬
‫اه َوأ ْ‬
‫ضُ‬
‫صالحًا َت ْر َ‬
‫َن أ ْ َ َ‬
‫فيه سبع مسائل ‪:‬‬

‫ِ‬
‫ان بِ َوالِ َد ْي ِه إِ ْح َسانًا} بين اختالف حال اإلنسان مع أبويه ‪ ،‬فقد‬
‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬وَو َّ‬
‫ص ْيَنا ْاأل ْن َس َ‬
‫يطيعهما وقد يخالفهما ‪ ،‬أي فال يبعد مثل هذا في حق النبي صلى اهلل عليه وسلم وقومه حتى‬

‫يستجيب له البعض ويكفر البعض‪ .‬فهذا وجه اتصال الكالم بعضه ببعض ‪ ،‬قاله القشيري‪.‬‬

‫الثانية ‪{ :‬حسنا} قراءة العامة { ُحسنًا} وكذا هو في مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام‪ .‬وقرأ ابن‬
‫عباس والكوفيون {إحسانا} وحجتهم قوله تعالى في سورة ( األنعام وبني إسرائيل) ‪َ { :‬وبِالْ َوالِ َد ْي ِن‬
‫إِ ْح َساناً} [األنعام ‪ ]686 :‬وكذا هو في مصاحف الكوفة‪ .‬وحجة القراءة األولى قوله تعالى في سورة‬
‫ِ‬
‫ان بِ َوالِ َد ْي ِه ُح ْسنًا} [العنكبوت ‪]3 :‬‬
‫العنكبوت ‪َ { :‬وَو َّ‬
‫ص ْيَنا ْاأل ْن َس َ‬

‫(‪)632/61‬‬

‫ولم يختلفوا فيها‪ .‬والحسن خالف القبح‪ .‬واإلحسان خالف اإلساءة‪ .‬والتوصية األمر‪ .‬وقد مضى‬
‫القول في هذا وفيمن نزلت‪.‬‬
‫ض َعتْ ُه كُ ْرهاً} أي بكره ومشقة‪ .‬وقراءة العامة بفتح الكاف‪.‬‬
‫الثالثة ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬ح َملَتْ ُه أ ُّ‬
‫ُم ُه كُ ْرهاً َوَو َ‬
‫ِ‬
‫ب‬
‫واختاره أبو عبيد ‪ ،‬قال ‪ :‬وكذلك لفظ الكره في كل القرآن بالفتح إال التي في سورة البقرة ‪ُ { :‬كت َ‬
‫ال َوُه َو ُك ْرٌه لَ ُك ْم} [البقرة ‪ ]261 :‬ألن ذلك اسم وهذه كلها مصادر‪ .‬وق أر الكوفيون {كرها}‬
‫َعلَ ْي ُك ُم الِْقتَ ُ‬

‫بالضم‪ .‬قيل ‪ :‬هما لغتا ن مثل الضعف والضعف والشهد والشهد ‪ ،‬قاله الكسائي ‪ ،‬وكذلك هو عند‬

‫جميع البصريين‪ .‬وقال الكسائي أيضا والفراء في الفرق بينهما ‪ :‬إن الكره (بالضم) ما حمل اإلنسان‬
‫على نفسه ‪ ،‬وبالفتح ما حمل على غيره ‪ ،‬أي قه ار وغضبا ‪ ،‬ولهذا قال بعض أهل العربية إن كرها‬
‫(بفتح الكاف) لحن‪.‬‬

‫ون َش ْهراً} قال ابن عباس ‪ :‬إذا حملت تسعة أشهر‬
‫صالُهُ ثَالثُ َ‬
‫الرابعة ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬و َح ْملُهُ َوِف َ‬
‫أرضعت إحدى وعشرين شهرا ‪ ،‬وان حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرا‪ .‬وروي أن‬

‫عثمان قد أتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر ‪ ،‬فأراد أن يقضي عليها بالحد ‪ ،‬فقال له علي رضي اهلل‬
‫ات‬
‫ون َشهْراً} وقال تعالى ‪َ { :‬والْ َوالِ َد ُ‬
‫صالُ ُه ثَالثُ َ‬
‫عنه ‪ :‬ليس ذلك عليها ‪ ،‬قال اهلل تعالى ‪َ { :‬و َح ْملُ ُه َوِف َ‬
‫الد ُه َّن حوَل ْي ِن َك ِ‬
‫ير ِ‬
‫امَل ْي ِن} [البقرة ‪ ]288 :‬فالرضاع أربعة وعشرون شهرا والحمل ستة أشهر ‪،‬‬
‫ض ْع َن أ َْو َ‬
‫ُْ‬
‫َْ‬
‫فرجع عثمان عن قول ولم يحدها‪ .‬وقد مضى في "البقرة"‪ .‬وقيل ‪ :‬لم يعد ثالثة أشهر في ابتداء‬

‫الحمل ‪ ،‬ألن الولد فيها نطفة وعلقة ومضغة فال يكون له ثقل يحس به ‪ ،‬وهو معنى قوله تعالى ‪:‬‬
‫ت ِب ِه} [األعراف ‪ .] 633 :‬والفصال الفطام‪ .‬وقد تقدم في "لقمان"‬
‫ت َح ْمالً َخِفيفاً َف َمَّر ْ‬
‫اها َح َملَ ْ‬
‫{ َفلَ َّما َت َغ َّش َ‬
‫صلِه} بفتح الفاء وسكون الصاد‪ .‬وروي أن اآلية نزلت‬
‫الكالم فيه‪ .‬وقرأ الحسن ويعقوب وغيرهما {وفَ ْ‬
‫في أبي بكر الصديق ؛ وكان حمله وفصاله في ثالثين شهرا ‪ ،‬حملته أمه تسعة أشهر وأرضعته‬
‫إحدى وعشرين شهرا‪ .‬وفي الكالم إضمار ‪،‬‬

‫(‪)638/61‬‬

‫أي ومدة حمله ومدة فصاله ثالثون شهرا ‪ ،‬ولو ال هذا اإلضمار لنصب ثالثون على الظرف وتغير‬
‫المعنى‪.‬‬

‫َش َّد ُه} ثماني عشرة سنة‪ .‬وقال في‬
‫َش َّد ُه} قال ابن عباس ‪{ :‬أ ُ‬
‫الخامسة ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬حتَّى إِ َذا َبلَغَ أ ُ‬
‫رواية عطاء عنه ‪ :‬إن أبا بكر صحب النبي صلى اهلل عليه وسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة والنبي‬
‫صلى اهلل عليه وسلم ابن عشرين سنة ‪ ،‬وهم يريدون الشام للتجارة ‪ ،‬فنزلوا منزال فيه سدرة ‪ ،‬فقعد‬
‫النبي صلى اهلل عليه وسلم في ظلها ‪ ،‬ومضى أبو بكر إلى راهب هناك فسأله عن الدين‪ .‬فقال‬

‫الراهب ‪ :‬من الرجل الذي في ظل الشجرة ؟ فقال ‪ :‬ذاك محمد بن عبداهلل بن عبدالمطلب‪ .‬فقال ‪:‬‬
‫هذا واهلل نبي ‪ ،‬وما استظل أحد تحتها بعد عيسى‪ .‬فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق ‪ ،‬وكان‬
‫ال يكاد يفارق رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم في أسفاره وحضره‪ .‬فلما نبئ رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
‫وسلم وهو ابن أربعين سنة ‪ ،‬صدق أبو بكر رضى اهلل عنه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وهو ابن‬
‫ي‬
‫ال َر ِّ‬
‫ت َعَل َّ‬
‫ثمانية وثالثين سنة‪ .‬فلما بلغ أربعين سنة قال ‪َ { :‬ق َ‬
‫َن أَ ْش ُكَر نِ ْع َمَت َك َّالتِي أ َْن َع ْم َ‬
‫ب أ َْوِز ْعنِي أ ْ‬
‫ي} اآلية‪ .‬وقال الشعبي وابن زيد ‪ :‬األشد الحلم‪ .‬وقال الحسن ‪ :‬هو بلوغ األربعين‪ .‬وعنه‬
‫َو َعلَى َوالِ َد َّ‬
‫قيام الحجة عليه‪ .‬وقد مضى في "األنعام" الكالم في اآلية‪ .‬وقال السدي والضحاك ‪ :‬نزلت في سعد‬

‫بن أبي وقاص‪ .‬وقد تقدم‪ .‬وقال الحسن ‪ :‬هي مرسلة نزلت على العموم‪ .‬واهلل أعلم‪.‬‬
‫َن أَ ْش ُكَر نِ ْع َمتَ َك} في موضع نصب على‬
‫ال َر ِّ‬
‫السادسة ‪ :‬قوله تعالى ‪{ :‬قَ َ‬
‫ب أ َْوِز ْعنِي} أي ألهمني‪{ .‬أ ْ‬
‫ي} بالتحنن والشفقة‬
‫ا لمصدر ‪ ،‬أي شكر نعمتك { َعَل َّي} أي ما أنعمت به علي من الهداية { َو َعَلى َوالِ َد َّ‬
‫حتى ربياني صغيرا‪ .‬وقيل ‪ :‬أنعمت علي بالصحة والعافية وعلى والدي بالغنى والثروة‪ .‬وقال علي‬
‫رضي اهلل عنه ‪ :‬هذه اآلية نزلت في أبي بكر الصديق رضي اهلل عنه ‪ ،‬أسلم أبواه جميعا ولم يجتمع‬
‫ألحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غيره ‪ ،‬فأوصاه اهلل بهما ولزم ذلك من بعده‪ .‬ووالده هو قحافة‬
‫عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم‪ .‬وأمه‬

‫(‪)638/61‬‬

‫أم الخير ‪ ،‬واسمها سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد‪ .‬وأم أبيه أبي قحافة "قيلة" "بالياء‬

‫المعجمة باثنتين من تحتها"‪ .‬وامرأة أبي بكر الصديق اسمها "قتيلة" "بالتاء المعجمة باثنتين من فوقها"‬
‫َعم َل ِ‬
‫اه } قال ابن عباس ‪ :‬فأجابه اهلل فأعتق تسعة من المؤمنين‬
‫بنت عبد العزى‪َ { .‬وأ ْ‬
‫ضُ‬
‫صالحًا َت ْر َ‬
‫َن أ ْ َ َ‬
‫يعذبون في اهلل منهم بالل وعامر بن فهيرة ‪ ،‬ولم يدع شيئا من الخير إال أعانه اهلل عليه‪ .‬وفي‬
‫الصحيح عن أبي هريرة قال ‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬من أصبح منكم اليوم صائما"‬
‫؟ قال أبو بكر أنا‪ .‬قال ‪ " :‬فمن تبع منكم اليوم جنازة" ؟ قال أبو بكر أنا‪ .‬قال ‪" :‬فمن أطعم منكم‬

‫اليوم مسكينا" ؟ قال أبو بكر أنا‪ .‬قال ‪" :‬فمن عاد منكم اليوم مريضا" ؟ قال أبو بكر أنا‪ .‬قال رسول‬

‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬ما اجتمعن في امرئ إال دخل الجنة" ‪.‬‬
‫َصلِ ْح لِي فِي ُذِّريَّتِي} أي اجعل ذريتي صالحين‪ .‬قال ابن عباس ‪ :‬فلم يبق‬
‫السابعة ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬وأ ْ‬
‫له ولد وال والد وال والدة إال امنوا باهلل وحده‪ .‬ولم يكن أحد من أصحاب رسول اهلل أسلم هو وأبواه‬
‫وأوالده وبناته كلهم إال أبو بكر‪ .‬وقال سهل بن عبداهلل ‪ :‬المعنى اجعلهم لي خلف صدق ‪ ،‬ولك عبيد‬

‫حق‪ .‬وقال أبو عثمان ‪ :‬اجعلهم أبرا ار لي مطيعين لك‪ .‬وقال ابن عطاء ‪ :‬وفقهم لصالح أعمال‬

‫ترضى بها عنهم‪ .‬وقال محمد بن علي ‪ :‬ال تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيال‪ .‬وقال مالك‬
‫بن مقول ‪ :‬اشتكى أبو معشر ابنه إلى طلحة بن مصرف ‪ ،‬فقال ‪ :‬استعن عليه بهذه اآلية ‪ ،‬وتال ‪:‬‬
‫َعم َل ِ‬
‫َصلِ ْح ِلي‬
‫{ َر ِّ‬
‫ت َعَل َّي َو َعَلى َوالِ َد َّ‬
‫ي َوأ ْ‬
‫َن أَ ْش ُكَر نِ ْع َمَت َك الَّتِي أ َْن َع ْم َ‬
‫ب أ َْوِز ْعنِي أ ْ‬
‫اه َوأ ْ‬
‫ضُ‬
‫صال حًا َت ْر َ‬
‫َن أ ْ َ َ‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫ت إَِل ْي َك} قال ابن عباس ‪ :‬رجعت عن األمر‬
‫ين}‪{ .‬إِنِّي ُت ْب ُ‬
‫ِفي ُذِّريَّتِي إِنِّي ُت ْب ُ‬
‫ت إَِل ْي َك َِوانِّي م َن ا ْل ُم ْسلم َ‬
‫ِِ‬
‫ِ‬
‫ين} أي المخلصين بالتوحيد‪.‬‬
‫الذي كنت عليه‪َِ { .‬وانِّي م َن الْ ُم ْسلم َ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫َص َح ِ‬
‫اب ا ْل َجنَّ ِة َو ْع َد‬
‫ين َنَت َقب ُ‬
‫َّل َع ْن ُه ْم أ ْ‬
‫اوُز َع ْن َسيَِّئات ِه ْم في أ ْ‬
‫اآلية ‪{ 61 :‬أُوَلئ َك الَّذ َ‬
‫َح َس َن َما َعمُلوا َوَنَت َج َ‬
‫الص ْد ِ ِ‬
‫ون }‬
‫ِّ‬
‫وع ُد َ‬
‫ق الَّذي َك ُانوا ُي َ‬

‫(‪)638/61‬‬

‫ِ ِ‬
‫َح َس َن‬
‫ين َنَت َقب ُ‬
‫َّل َع ْن ُه ْم أ ْ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬أُوَلئ َك الَّذ َ‬
‫اوُز} بفتح الياء ‪،‬‬
‫فيهما‪ .‬وقرئ {َيَت َقب ُ‬
‫َّل} و {َيَت َج َ‬

‫ِ‬
‫اوُز َع ْن َسيَِّئاتِ ِه ْم} قراءة العامة بضم الياء‬
‫َما َعمُلوا َوَنَت َج َ‬
‫والضمير فيهما يرجع هلل عز وجل‪ .‬وق أر حفص وحمزة‬

‫اوُز } النون فيهما ‪ ،‬أي نغفرها ونصفح عنها‪ .‬والتجاوز أصله من جزت‬
‫والكسائي {َنَت َقب ُ‬
‫َّل ‪َ ،‬وَنَت َج َ‬
‫ِ‬
‫ان} إلى آخرها‬
‫الشيء إذا لم تقف عليه‪ .‬وهذه اآلية تدل على أن اآلية التي قبلها { َوَو َّ‬
‫ص ْيَنا ْاأل ْن َس َ‬
‫مرسلة نزلت على العموم‪ .‬وهو قول الحسن‪ .‬ومعنى {نتقبل عنهم} أي نتقبل منهم الحسنات ونتجاوز‬

‫عن السيئات‪ .‬قال زيد بن أسلم ‪ -‬ويحكيه مرفوعا ‪ : -‬إنهم إذا أسلموا قبلت حسناتهم وغفرت‬
‫سيئاتهم‪ .‬وقيل ‪ :‬األحسن ما يقتضى الثواب من الطاعات ‪ ،‬وليس في الحسن المباح ثواب وال عقاب‬
‫ِ‬
‫َص َح ِ‬
‫اب ا ْل َجنَّ ِة} {في} بمعنى مع ‪ ،‬أي مع أصحاب الجنة ‪ ،‬تقول ‪ :‬أكرمك‬
‫‪ ،‬حكاه ابن عيسى‪{ .‬في أ ْ‬
‫وأحسن إليك في جميع أهل البلد ‪ ،‬أي مع جميعهم‪{ .‬وعد الصدق} نصب ألنه مصدر مؤكد لما قبله‬
‫‪ ،‬أي وعد اهلل أهل اإليمان أن يتقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم وعد الصدق‪ .‬وهو من باب‬
‫إضافة الشيء إلى نفسه ‪ ،‬ألن الصدق هو ذلك الوعد الذي وعده اهلل ‪ ،‬وهو كقوله تعالى ‪َ { :‬ح ُّ‬
‫ق‬
‫الَْيِق ِ‬
‫ين} [الواقعة ‪ .]38 :‬وهذا عند الكوفيين ‪ ،‬فأما عند البصريين فتقديره ‪ :‬وعد الكالم الصدق أو‬
‫ِ‬
‫ون} في‬
‫وع ُد َ‬
‫الكتاب الصدق ‪ ،‬فحذف الموصوف‪ .‬وقد مضى هذا في غير موضع‪{ .‬الَّذي َك ُانوا ُي َ‬

‫الدنيا على ألسنة الرسل ‪ ،‬وذلك الجنة‪.‬‬
‫ِ‬
‫ال لِ َو ِال َد ْي ِه أ ٍّ‬
‫ون ِم ْن َق ْبلِي َوُه َما‬
‫اآلية ‪َ { 63 - 68 :‬والَِّذي َق َ‬
‫َن أ ْ‬
‫ُف َل ُك َما أََت ِع َدانِنِي أ ْ‬
‫ُخَرَج َوَق ْد َخَلت ا ْل ُقُر ُ‬

‫َي ْسَت ِغيثَ ِ‬
‫ان اللَّ َه‬
‫ِ‬
‫ُمم‬
‫الْ َق ْو ُل في أ َ‬

‫ك ِ‬
‫آم ْن إِ َّن َو ْع َد‬
‫َوْيَل َ‬
‫ت ِم ْن َق ْبلِ ِه ْم‬
‫َق ْد َخلَ ْ‬

‫اطير ْاأل ََّولِين ‪ ،‬أُوَلئِ َ ِ‬
‫ول ما َه َذا إِ َّال أ ِ‬
‫ين َح َّ‬
‫اللَّ ِه َح ٌّ‬
‫ق َعَل ْي ِه ُم‬
‫ك الَّذ َ‬
‫َ‬
‫َس ُ‬
‫َ‬
‫ق َفَيقُ ُ َ‬
‫ِ‬
‫ِمن الْ ِج ِّن و ِْ‬
‫األ ْن ِ‬
‫ين}‬
‫س إِنَّ ُه ْم َك ُانوا َخاس ِر َ‬
‫َ‬
‫َ‬

‫(‪)631/61‬‬

‫ِ‬
‫ال ِل َو ِال َد ْي ِه أ ٍّ‬
‫ون ِم ْن‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬والَِّذي َق َ‬
‫َن أ ْ‬
‫ُف َل ُك َما أََت ِع َدانِنِي أ ْ‬
‫ُخَرَج} أي أن أبعث‪َ { .‬وَق ْد َخَلت ا ْل ُقُر ُ‬
‫قَ ْبلِي} قراءة نافع وحفص وغيرهما {أ ٍّ‬
‫ُف} مكسور منون‪ .‬وقرأ ابن كثير وابن محيصن وابن عامر‬

‫والمفضل عن عاصم {أ َّ‬
‫ُف} بالفتح من غير تنوين‪ .‬الباقون بالكسر غير منون ‪ ،‬وكلها لغات ‪ ،‬وقد‬
‫مضى في "بني إسرائيل"‪ .‬وقراءة العامة {أََت ِع َدانِنِي} بنونين مخففتين‪ .‬وفتح ياءه أهل المدينة ومكة‪.‬‬
‫وأسكن الباقون‪ .‬وقرأ أبو حيوة والمغيرة وهشام {أَتَ ِع َدانِّي} بنون واحدة مشددة ‪ ،‬وكذلك هي في‬

‫ُخَرَج}‪ .‬وق أر الحسن ونصر وأبو‬
‫َن أ ْ‬
‫مصاحف أهل الشام‪ .‬والعامة على ضم األلف وفتح الراء من {أ ْ‬
‫العالية واألعمش وأبو معمر بفتح األلف وضم الراء‪ .‬قال ابن عباس والسدي وأبو العالية ومجاهد ‪:‬‬
‫نزلت في عبداهلل بن أبي بكر رضي اهلل عنهما ‪ ،‬وكان يدعوه أبواه إ لى اإلسالم فيجيبهما بما أخبر‬
‫اهلل عز وجل‪.‬‬
‫وقال قتادة والسدي أيضا ‪ :‬هو عبدالرحمن بن أبي بكر قبل إسالمه ‪ ،‬وكان أبوه وأمه أم رومان‬
‫يدعوانه إلى اإلسالم ويعدانه بالبعث ‪ ،‬فيرد عليهما بما حكاه اهلل عز وجل عنه ‪ ،‬وكان هذا منه قبل‬
‫إسالمه‪ .‬وروي أن عائشة رضي اهلل عنها أنكرت أن تكون نزلت في عبدالرحمن‪ .‬وقال الحسن وقتادة‬

‫أيضا ‪ :‬هي نعت عبد كافر عاق لوالديه‪ .‬وقال الزجاج ‪ :‬كيف يقال نزلت في عبدالرحمن قبل إسالمه‬
‫ِ‬
‫ِ َِّ‬
‫ين َح َّ ِ‬
‫ُمم} أي العذاب ‪ ،‬ومن ضرورته عدم‬
‫واهلل عز وجل يقول ‪{ :‬أُولَئ َك الذ َ‬
‫ق َعلَ ْيه ُم الْ َق ْو ُل في أ َ‬
‫اإليمان ‪ ،‬وعبدالرحمن من أفاضل المؤمنين ‪ ،‬فالصحيح أنها نزلت في عبد كافر عاق لوالديه‪ .‬وقال‬
‫محمد بن زياد ‪ :‬كتب معاوية إلى مروان بن الحكم حتى يبايع الناس ليزيد ‪ ،‬فقال عبدالرحمن بن أبي‬
‫ال‬
‫بكر ‪ :‬لقد جئتم بها هرقلية ‪ ،‬أتبايعون ألبنائكم فقال مروان ‪ :‬هو الذي يقول اهلل فيه ‪َ { :‬والَِّذي َق َ‬
‫لِ َوالِ َد ْي ِه أ ٍّ‬
‫ُف َل ُك َما} اآلية‪ .‬فقال ‪ :‬واهلل ما هو به‪ .‬ولو شئت لسميت ‪ ،‬ولكن اهلل لعن أباك وأنت في‬
‫صلبه ‪ ،‬فأنت فضض من لعنة اهلل‪ .‬قال المهدوي ‪ :‬ومن جعل اآلية في عبدالرحمن كان قوله بعد‬
‫ِ ِ‬
‫ين‬
‫ذلك {أُولَئ َك الَّذ َ‬

‫(‪)638/61‬‬

‫َح َّ‬
‫ق َعَل ْي ِه ُم ا ْل َق ْو ُل} يراد به من اعتقد ما تقدم ذكره ‪ ،‬فأول اآلية خاص وآخرها عام‪ .‬وقيل إن‬
‫ِ‬
‫ون ِم ْن َق ْبلِي} قال مع ذلك ‪ :‬فأين عبداهلل بن جدعان ‪ ،‬وأين‬
‫عبدالرحمن لما قال ‪َ { :‬وَق ْد َخلَت الْ ُقُر ُ‬
‫عثمان بن عمرو ‪ ،‬وأين عامر بن كعب ومشايخ قريش حتى أسألهم عما يقولون‪ .‬فقول ‪{ :‬أُولَئِ َك‬
‫ِ‬
‫ين َح َّ‬
‫ق َعَل ْي ِه ُم ا ْل َق ْو ُل} يرجع إلى أولئك األقوام‪.‬‬
‫الَّذ َ‬
‫اب‬
‫َص َح ٌ‬
‫قلت ‪ :‬قد مضى من خبر عبدالرحمن بن أبي بكر في سورة (األنعام) عند قوله ‪{ :‬لَ ُه أ ْ‬
‫ون ُه إَِلى ا ْل ُه َدى ا ْئتَِنا} [األنعام ‪ ]86 :‬ما يدل على نزول هذه اآلية فيه ‪ ،‬إذ كان كاف ار وعند‬
‫َي ْد ُع َ‬
‫ِ ِ‬
‫ين َح َّ‬
‫ق َعلَ ْي ِه ُم الْ َق ْو ُل}‪َ { .‬وُه َما} يعني والديه‪.‬‬
‫إسالمه وفضله تعين أنه ليس المراد بقوله ‪{ :‬أُولَئ َك الَّذ َ‬
‫{ َوُه َما َي ْسَت ِغ يثَ ِ‬
‫ان اللَّ َه} أي يدعوان اهلل له بالهداية‪ .‬أو يستغيثان باهلل من كفره ‪ ،‬فلما حذف الجار‬

‫وصل الفعل فنصب‪ .‬وقيل ‪ :‬االستغاثة الدعاء ‪ ،‬فال حاجة إلى الباء‪ .‬قال الفراء ‪ :‬أجاب اهلل دعاءه‬
‫وغواثه‪{ .‬وْيلَ َك ِ‬
‫آم ْن} أي صدق بالبعث‪{ .‬إِ َّن َو ْع َد اللَّ ِه َح ٌّ‬
‫ول َما َه َذا}‬
‫ق} أي صدق ال خلف فيه‪َ { .‬فَي ُق ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫ين‬
‫ين} أي أحاديثهم وما سطروه مما ال أصل له‪{ .‬أُوَلئ َك الَّذ َ‬
‫َساط ُير ْاأل ََّولِ َ‬
‫أي ما يقوله والداه‪{ .‬إِال أ َ‬
‫َح َّ‬
‫ق َعلَ ْي ِه ُم الْ َق ْو ُل} يعني الذين أشار إليهم ابن أبي بكر في قوله أحيوا لي مشايخ قريش ‪ ،‬وهم‬
‫ِ‬
‫ون ِم ْن َق ْبلِي} ‪ .‬فأما ابن أبي بكر عبداهلل أو عبدالرحمن فقد أجاب‬
‫المعنيون بقوله ‪َ { :‬وَق ْد َخَلت ا ْل ُقُر ُ‬
‫صلِ ْح لِي ِفي ُذِّريَّتِي} [األحقاف ‪ ]68 :‬على ما تقدم‪ .‬ومعنى ‪َ { :‬ح َّ‬
‫ق‬
‫اهلل فيه دعاء أبيه في قوله ‪َ { :‬وأَ ْ‬

‫َعلَ ْي ِه ُم الْقَ ْو ُل} أي وجب عليهم العذاب ‪ ،‬وهي كلمة اهلل ‪" :‬هؤالء في الجنة وال أبالي وهؤالء في النار‬
‫ت ِم ْن َق ْبلِ ِهم} تقدمت ومضت‪ِ { .‬من ا ْل ِج ِّن و ِْ‬
‫ِ‬
‫األ ْن ِ‬
‫س} الكافرين‬
‫ُمم} أي مع أمم { َق ْد َخَل ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫وال أبالي"‪{ .‬في أ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ين} ألعمالهم ‪ ،‬أي ضاع سعيهم وخسروا الجنة‪.‬‬
‫{إِنَّ ُه ْم} أي تلك األمم الكافرة { َك ُانوا َخاس ِر َ‬
‫ون}‬
‫َع َماَل ُه ْم َوُه ْم ال ُي ْ‬
‫اآلية ‪َ { 63 :‬ولِ ُك ٍّل َدَرَج ٌ‬
‫ات ِم َّما َع ِمُلوا َولُِي َوفَِّي ُه ْم أ ْ‬
‫ظَل ُم َ‬

‫(‪)633/61‬‬

‫ات ِم َّما َع ِملُوا} أي ولكل واحد من الفريقين المؤمنين والكافرين من الجن‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ولِ ُك ٍّل َدَرَج ٌ‬
‫واإلنس مراتب عند اهلل يوم القيامة بأعمالهم‪ .‬قال ابن زيد ‪ :‬درجات أهل النار في هذه اآلية تذهب‬
‫َع َمالَ ُه ْم} قرأ ابن كثير وابن محيصن وعاصم وأبو عمرو‬
‫سفاال ‪ ،‬ودرج أهل الجنة علوا‪َ { .‬وِلُي َوِّفَي ُه ْم أ ْ‬
‫ويعقوب بالياء لذكر اهلل قبله ‪ ،‬وهو قوله تعالى ‪{ :‬إِ َّن َو ْع َد اللَّهِ َح ٌّ‬
‫ق} واختاره أبو حاتم‪ .‬الباقون بالنون‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ون} أي ال يزاد‬
‫ردا على قوله تعالى ‪َ { :‬وَو َّ‬
‫ان بِ َوال َد ْيه} وهو اختيار أبي عبيد‪َ { .‬وُه ْم ال ُيظَْل ُم َ‬
‫ص ْيَنا ْاأل ْن َس َ‬
‫على مسيء وال ينقص من محسن‪.‬‬
‫ِ‬
‫طيَِّب ِات ُك ْم ِفي َحَي ِات ُك ُم ُّ‬
‫ين َك َفُروا َعَلى النَّ ِ‬
‫اسَت ْمَت ْعُت ْم بِ َها‬
‫ار أَ ْذ َه ْبُت ْم َ‬
‫الد ْنَيا َو ْ‬
‫ض الَّذ َ‬
‫اآلية ‪َ { 29 :‬وَي ْوَم ُي ْعَر ُ‬
‫ون ِفي ْاأل َْر ِ‬
‫ض بِ َغ ْي ِر الْ َح ِّ‬
‫اب الْ ُه ِ‬
‫ون}‬
‫ق َوبِ َما ُك ْنُت ْم َت ْف ُس ُق َ‬
‫ون بِ َما ُك ْنُت ْم َت ْسَت ْكبُِر َ‬
‫َفالَْي ْوَم ُت ْجَزْو َن َع َذ َ‬
‫ض} أي ذكرهم يا محمد يوم يعرض‪َ { .‬عَلى النَّ ِ‬
‫ار} أي يكشف الغطاء فيقربون‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ويَ ْوَم ُي ْعَر ُ‬

‫طيَِّب اتِ ُك ْم ِفي َحَي ِات ُك ُم ُّ‬
‫اسَت ْمَت ْعُت ْم بِ َه ا} أي يقال لهم أذهبتم ‪،‬‬
‫من النار وينظرون إليها‪ { .‬أَ ْذ َه ْبُت ْم َ‬
‫الد ْنَيا َو ْ‬
‫فالقول مضمر‪ .‬وقرأ الحسن ونصر وأبو العال ويعقوب وابن كثير {أأذهبتم} بهمزتين مخففتين ‪،‬‬
‫واختاره أبو حاتم‪ .‬وقرأ أبو حيوة وهشام {آذهبتم} بهمزة واحدة مطولة على االستفهام‪ .‬الباقون بهمزة‬
‫واحدة من غير مد على الخبر ‪ ،‬وكلها لغات فصيحة ومعناها التوبيخ ‪ ،‬والعرب توبخ باالستفهام‬

‫وبغير االستفهام ‪ ،‬وقد تقدم‪ .‬واختار أبو عبيد ترك االستفهام ألنه قراءة أكثر أئمة السبعة نافع‬

‫وعاصم وأبي عمرو وحمزة والكسائي ‪ ،‬مع من وافقهم شيبة والزهري وابن محيصن والمغيرة بن أبي‬
‫شهاب ويحيى بن الحارث واألعمش ويحيى بن وثاب وغيرهم ‪ ،‬فهذه عليها جلة الناس‪ .‬وترك‬
‫االستفهام أحسن ‪ ،‬ألن إثباته يوهم أنهم لم يفعلوا ذلك ‪ ،‬كما تقول ‪ :‬أنا ظلمتك ؟ تريد أنا لم أظلمك‪.‬‬
‫واثباته حسن أيضا ‪ ،‬يقول القائل ‪ :‬ذهبت فعلت كذا ‪ ،‬يوبخ ويقول ‪ :‬أذهبت فعلت كل ذلك جائز‪.‬‬
‫ومعنى‬

‫(‪)633/61‬‬

‫طيَِّب اتِ ُك ْم} أي ت متعتم بالطيبات في الدنيا واتبعتم الشهوات واللذات ‪ ،‬يعني المعاصي‪َ { .‬فالَْي ْوَم‬
‫{أَ ْذ َه ْبُت ْم َ‬
‫اب الْ ُه ِ‬
‫ون} أي عذاب الخزي والفضيحة‪ .‬قال مجاهد ‪ :‬الهون الهوان‪ .‬قتادة ‪ :‬بلغة قريش‪.‬‬
‫تُ ْجَزْو َن َع َذ َ‬
‫ون ِفي ْاأل َْر ِ‬
‫ض بِ َغ ْي ِر الْ َح ِّ‬
‫ق} أي تستعلون على أهلها بغير استحقاق‪َ { .‬وبِ َما ُك ْنُت ْم‬
‫{بِ َما ُك ْنُت ْم َت ْسَت ْكبُِر َ‬
‫ون} في أفعالكم بغيا وظلما‪ .‬وقيل ‪{ :‬أَ ْذ َه ْبُت ْم طَيَِّباتِ ُك ْم} أي أفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي‪.‬‬
‫َتفْ ُس ُق َ‬
‫قال ابن بحر ‪ :‬الطيبات الشباب والقوة ‪ ،‬مأخوذ من قولهم ‪ :‬ذهب أطيباه ‪ ،‬أي شبابه وقوته‪ .‬قال‬
‫الماوردي ‪ :‬ووجدت الضحاك قاله أيضا‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬القول األول أظهر ‪ ،‬روى الحسن عن األحنف بن قيس أنه سمع عمر بن الخطاب رضي اهلل‬
‫عنه يقول ‪ :‬ألنا أعلم بخفض العيش ‪ ،‬ولو شئت لجعلت أكبادا وصالء وصنابا وصالئق ‪ ،‬ولكني‬
‫أستبقي حسناتي ‪ ،‬فإن اهلل عز وجل وصف أقواما فقال ‪{ :‬أَ ْذ َه ْبُت ْم طَيَِّباتِ ُك ْم ِفي َحَياتِ ُك ُم ُّ‬
‫الد ْنَيا‬
‫اسَت ْمَت ْعُت ْم بِ َه ا} وقال أبو عبيد في حديث عمر ‪ :‬لو شئت لدعوت بصالئق وصناب وكراكر وأسنمة‪.‬‬
‫َو ْ‬
‫وفي بعض الحديث ‪ :‬وأفالذ‪ .‬قال أبو عمرو وغيره ‪ :‬الصالء (بالمد والكسر) ‪ :‬الشواء ‪ ،‬سمي بذلك‬
‫ألنه يصلى بالنار‪ .‬والصالء أيضا ‪ :‬صالء النار ‪ ،‬فإن فتحت الصاد قصرت وقلت ‪ :‬صلى النار‪.‬‬
‫والصناب ‪ :‬األصبغة المتخذة من الخردل والزبيب‪ .‬قال أبو عمرو ‪ :‬ولهذا قيل للبرذون ‪ :‬صنابي ‪،‬‬
‫وانما شبه لونه بذلك‪ .‬قال ‪ :‬والسالئق (بالسين" هو ما يسلق من البقول وغيرها‪ .‬وقال غيره ‪ :‬هي‬
‫الصالئق بالصاد ‪ ،‬قال جرير ‪:‬‬
‫تكلفني معي شة آل زيد ‪ ...‬ومن لي بالصالئق والصناب‬

‫والصالئق ‪ :‬الخبز الرقاق العريض‪ .‬وقد مضى هذا المعنى في (األعراف)‪ .‬وأما الكراكر فكراكر‬

‫اإلبل ‪ ،‬واحدتها كركرة وهي معروفة ‪ ،‬هذا قول أبي عبيد‪.‬‬
‫وفي الصحاح ‪ :‬والكركرة رحى زور البعير ‪ ،‬وهي إحدى النفثات الخمس‪ .‬والكركرة أيضا الجماعة‬
‫من‬

‫(‪)299/61‬‬

‫الناس‪ .‬وأبو مالك عمرو بن كركرة رجل من علماء اللغة‪ .‬قال أبو عبيد ‪ :‬وأما األفالذ فإن واحدها فلذ‬
‫‪ ،‬وهي القطعة من الكبد‪ .‬قال أعشى باهلة ‪:‬‬

‫تكفيه حزة فلذ إن ألم بها ‪ ...‬من الشواء ويروي شربه الغمر‬
‫وقال قتادة ‪ :‬ذكر لنا أن عمر رضي اهلل عنه قال ‪ :‬لو شئت كنت أطيبكم طعاما ‪ ،‬وألينكم لباسا ‪،‬‬
‫ولكني أستبقي طيباتي لْلخرة‪ .‬ولما قدم عمر الشام صنع له طعام لم ير قط مثله قال ‪ :‬هذا لنا! فما‬

‫لفقراء المسلمين الذين ماتوا وما شبعوا من خبز الشعير فقال خالد بن الوليد ‪ :‬لهم الجنة ‪ ،‬فاغرورقت‬

‫عينا عمر بالدموع وقال ‪ :‬لئ ن كان حظنا من الدنيا هذا الحطام ‪ ،‬وذهبوا هم في حظهم بالجنة فلقد‬
‫باينونا بونا بعيدا ‪.‬‬
‫وفي صحيح مسلم وغيره أن عمر رضي اهلل عنه دخل على النبي صلى اهلل عليه وسلم وهو في‬
‫مشربته حين هجر نساءه قال ‪ :‬فالتفت فلم أر شيئا يرد البصر إال أهبا جلودا معطونة قد سطع‬
‫ريحها ‪ ،‬فقلت ‪ :‬يا رسول اهلل ‪ ،‬أنت رسول اهلل وخيرته ‪ ،‬وهذا كسرى وقيصر في الديباج والحرير ؟‬

‫قال ‪ :‬فاستوى جالسا وقال ‪ " :‬أفي شك أنت يا ابن الخطاب‪ .‬أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في‬
‫حياتهم الدنيا" فقلت ‪ :‬استغفر لي فقال ‪" :‬اللهم اغفر له" ‪ .‬وقال حفص بن أبي العاص ‪ :‬كنت‬

‫أتغدى عند عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه الخبز والزيت ‪ ،‬والخبز والخل ‪ ،‬والخبز واللبن ‪ ،‬والخبز‬
‫والقديد ‪ ،‬وأقل ذلك اللحم الغريض‪ .‬وكان يقول ‪ :‬ال تنخلوا الدقيق فإنه طعام كله ‪ ،‬فجيء بخبز متفلع‬
‫غليظ ‪ ،‬فجعل يأكل ويقول ‪ :‬كلوا ‪ ،‬فجعلنا ال نأكل ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما لكم ال تأكلون ؟ فقلنا ‪ :‬واهلل يا أمير‬
‫المؤمنين نرجع إلى طعام ألين من طعامك هذا ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا بن أبي العاص أما ترى بأني عالم أن لو‬
‫أمرت بعناق سمينة فيلقى عنها شعرها ثم تخرج مصلية كأنها كذا وكذا ‪،‬‬

‫(‪)296/61‬‬

‫أما ترى بأني عالم أن لو أمرت بصاع أو صاعين من زبيب فأجعله في سقاء ثم أشن عليه من‬
‫الماء فيصبح كأنه دم غزال ‪ ،‬فقلت ‪ :‬يا أمير المؤمنين ‪ ،‬أجل ما تنعت العيش ‪ ،‬قال ‪ :‬أجل واهلل‬

‫الذي ال إله إال هو لوال أني أخاف أن تنقص حسناتي يوم القيامة لشاركناكم في العيش ولكني سمعت‬
‫اهلل تعالى يقول ألقوام ‪{ :‬أَ ْذ َه ْبُت ْم طَ يَِّباتِ ُك ْم ِفي َحَياتِ ُك ُم ُّ‬
‫اب‬
‫اسَت ْمَت ْعُت ْم بِ َها}‪َ { .‬فالَْي ْوَم ُت ْجَزْو َن َع َذ َ‬
‫الد ْنَيا َو ْ‬
‫ون ِفي ْاأل َْر ِ‬
‫ض بِ َغيْ ِر الْ َح ِّ‬
‫الْ ُه ِ‬
‫ق} أي تتعظمون عن طاعة اهلل وعلى‬
‫ون} أي الهوان‪{ .‬بِ َما ُكنْتُ ْم تَ ْستَ ْكبُِر َ‬

‫ون} تخرجون عن طاعة اهلل‪ .‬وقال جابر ‪ :‬اشتهى أهلي لحما فاشتريته لهم‬
‫عباد اهلل‪َ { .‬وبِ َما ُك ْنُت ْم َت ْف ُس ُق َ‬
‫فمررت بعمر بن الخطاب رضي اهلل عنه فقال ‪ :‬ما هذا يا جابر ؟ فأخبرته ‪ ،‬فقال ‪ :‬أو كلما اشتهى‬
‫أحدكم شيئا جعله في بطنه أما يخشى أن يكون من أهل هذه اآلية ‪{ :‬أذهبتم طيباتكم} اآلية‪.‬‬
‫قال ابن العربي ‪ :‬وهذا عتاب منه له على التوسع ب ابتياع اللحم والخروج عن جلف الخبز والماء ‪،‬‬
‫فإن تعاطي الطيبات من الحالل تستشره لها الطباع وتستمرئها العادة فإذا فقدتها استسهلت في‬
‫تحصيلها بالشبهات حتى تقع في الحرام المحض بغلبة العادة واستشراه الهوى على النفس األمارة‬
‫بالسوء‪ .‬فأخذ عمر األمر من أوله وحماه من ابتدائه كما يفعله مثله‪ .‬والذي يضبط هذا الباب ويحفظ‬

‫قانونه ‪ :‬على المرء أن يأكل ما وجد ‪ ،‬طيبا كان أو قفارا ‪ ،‬وال يتكلف الطيب ويتخذه عادة ‪ ،‬وقد كان‬
‫النبي صلى اهلل عليه وسلم يشبع إذا وجد ‪ ،‬ويصبر إذا عدم ‪ ،‬ويأكل الحلوى إذا قدر عليها ‪ ،‬ويشرب‬
‫العسل إذا اتفق له ‪ ،‬ويأكل اللحم إذا تيسر ‪ ،‬وال يعتمد أصال ‪ ،‬وال يجعله ديدنا‪ .‬ومعيشة النبي صلى‬
‫اهلل عليه وسلم معلومة ‪ ،‬وطريقة الصحابة منقولة ‪ ،‬فأما اليوم عند استيالء الحرام وفساد الحطام‬
‫فالخالص عسير ‪ ،‬واهلل يهب اإلخالص ‪ ،‬ويعين على الخالص برحمته‪ .‬وقيل ‪ :‬إن التوبيخ واقع‬

‫على ترك الشكر ال على تناول الطيبات المحللة ‪ ،‬وهو حسن ‪ ،‬فإن‬

‫(‪)292/61‬‬

‫تناول الطيب الحالل مأذون فيه ‪ ،‬فإذا ترك الشكر عليه واستعان به على ما ال يحل له فقد أذهبه‪.‬‬
‫واهلل أعلم‪.‬‬

‫َح َق ِ‬
‫اف َوَق ْد َخلَ ِت النُّ ُذُر ِم ْن َب ْي ِن َي َد ْي ِه َوِم ْن َخلِْف ِه أ ََّال‬
‫َخا َعاد إِ ْذ أ َْن َذَر َق ْو َم ُه بِ ْ‬
‫األ ْ‬
‫اآلية ‪َ { 26 :‬وا ْذ ُك ْر أ َ‬
‫اب َي ْوم َع ِظيم }‬
‫َخ ُ‬
‫َت ْعُب ُدوا إِ َّال اللَّهَ إِنِّي أ َ‬
‫اف َعَل ْي ُك ْم َع َذ َ‬

‫َخا َعاد} هو هود بن عبداهلل بن رباح عليه السالم ‪ ،‬كان أخاهم في النسب ال‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وا ْذ ُك ْر أ َ‬
‫َحقَ ِ‬
‫اف} أي اذكر لهؤالء المشركين قصة عاد ليعتبروا بها‪ .‬وقيل ‪ :‬أمره‬
‫في الدين‪{ .‬إِ ْذ أَنْ َذَر قَ ْو َم ُه بِ ْ‬
‫األ ْ‬
‫بأن يتذكر في نفسه قصة هود ليقتدي به ‪ ،‬ويهون عليه تكذيب قومه له‪ .‬واألحقاف ‪ :‬ديار عاد‪.‬‬

‫وهي الرمال العظام ‪ ،‬في قول الخليل وغيره‪ .‬وكانوا قهروا أهل األرض بفضل قوتهم‪ .‬واألحقاف جمع‬
‫حقف ‪ ،‬وهو ما استطال من الرمل العظيم وأعوج ولم يبلغ أن يكون جبال ‪ ،‬والجمع حقاف وأحقاف‬
‫وحقوف‪ .‬واحقوقف الرمل والهالل أي اعوج‪ .‬وقيل ‪ :‬الحقف جمع حقاف‪ .‬واألحقاف جمع الجمع‪.‬‬
‫ويقال ‪ِ :‬حقف أحقف‪ .‬قال األعشى ‪:‬‬

‫بات إلى أرطاة حقف أحقفا‬
‫أي رمل مستطيل مشرف‪ .‬والفعل منه احقوقف‪ .‬قال العجاج ‪:‬‬
‫طي الليالي زلفا فزلفا ‪ ...‬سماوة الهالل حتى احقوقفا‬
‫أي انحنى واستدار‪ .‬وقال امرؤ القيس ‪:‬‬

‫كحقف النقا يمشي الوليدان فوقه ‪ ...‬بما احتسبا من لين مس وتسهال‬
‫وفيما أريد باألحقاف ها هنا مختلف فيه‪ .‬فقال ابن زيد ‪ :‬هي رمال مشرفة مستطيلة كهيئة الجبال ‪،‬‬
‫ولم تبلغ أن تكون جباال ‪ ،‬وشاهده ما ذكرناه‪ .‬وقال قتادة ‪ :‬هي جبال‬

‫(‪)298/61‬‬

‫مشرفة بالشحر ‪ ،‬والشحر قريب من عدن ‪ ،‬يقال ‪ :‬شحر عمان وشحر عمان ‪ ،‬وهو ساحل البحر‬

‫بين عمان وعدن‪ .‬وعنه أيضا ‪ :‬ذكر لنا أن عادا كانوا أحياء باليمن ‪ ،‬أهل رمل مشرفين على البحر‬
‫بأرض يقال لها ‪ :‬الشحر‪ .‬وقال مجاهد ‪ :‬هي أرض من حسمى تسمى باألحقاف‪ .‬وحسمى (بكسر‬
‫الحاء) اسم أرض بالبادية فيها جبال شواهق ملس الجوانب ال يكاد القتام يفارقها‪ .‬قال النابغة ‪:‬‬
‫فأصبح عاقال بجبال حسمى ‪ ...‬دقاق الترب محتزم القتام‬
‫قاله الجوهري‪ .‬وقال ابن عباس والضحاك ‪ :‬األحقاف جبل بالشام‪ .‬وعن ابن عباس أيضا ‪ :‬واد بين‬
‫عمان ومهرة‪ .‬وقال مقاتل ‪ :‬كانت منازل عاد باليمن في حضر موت بواد يقال له مهرة ‪ ،‬واليه تنسب‬
‫اإلبل المهرية ‪ ،‬فيقال ‪ :‬إبل مهرية ومهاري‪ .‬وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع فإذا هاج العود رجعوا‬

‫إلى منازلهم ‪ ،‬وكانوا من قبيلة إرم‪ .‬وقال الكلبي ‪ :‬أحقاف الجبل ما نضب عنه الماء زمان الغرف ‪،‬‬
‫كان ينضب الماء من األرض ويبقى أثره‪ .‬وروى الطفيل عن علي بن أبي طالب رضي اهلل عنه أنه‬
‫فال ‪ :‬خير واديين في الناس واد بمكة وواد نزل به آدم بأرض الهند‪ .‬وشر واديين في الناس واد‬
‫باألحقاف وواد بحضر موت يدعى برهوت تلقى فيه أرواح الكفار‪ .‬وخير بئر في الناس بئر زمزم‪.‬‬
‫وشر بئر في الناس بئر برهوت ‪ ،‬وهو في ذلك الوادي الذي بحضر موت‪َ { .‬وَق ْد َخَل ِت النُّ ُذُر} أي‬
‫مضت الرسل‪ِ { .‬م ْن َب ْي ِن َي َد ْي ِه} أي من قبل هود‪َ { .‬وِم ْن َخلِْف ِه} أي ومن بعده ‪ ،‬قال الفراء‪ .‬وفي قراءة‬

‫ابن مسعود {من بين يديه ومن بعده}‪{ .‬أ ََّال تَ ْعُب ُدوا إِ َّال اللَّ َه} هذا من قول المرسل ‪ ،‬فهو كالم‬
‫اب َي ْوم َع ِظيم} وقيل ‪{ :‬أ ََّال َت ْعُب ُدوا إِ َّال اللَّ َه} من كالم‬
‫َخ ُ‬
‫معترض‪ .‬ثم قال هود ‪{ :‬إِنِّي أ َ‬
‫اف َعَل ْي ُك ْم َع َذ َ‬
‫هود ‪ ،‬واهلل أعلم‪.‬‬
‫اآلية‬
‫الْ ِعلْ ُم‬

‫ت ِمن َّ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫‪َ { 28 - 22 :‬قاُلوا أ ِ ِ ِ‬
‫ال إِنَّ َما‬
‫ين ‪َ ،‬ق َ‬
‫الصادق َ‬
‫َج ْئَتَنا لَتأْف َكَنا َع ْن آل َه تَنا َفأْتَنا ِب َما َتع ُدَنا إِ ْن ُك ْن َ َ‬
‫ون}‬
‫ت بِ ِه َوَل ِكنِّي أَا‬
‫ِع ْن َد اللَّهِ َوأَُبلِّ ُغ ُك ْم َما أ ُْرِسلْ ُ‬
‫َر ُك ْم َق ْوماً َت ْجهَُل َ‬

‫(‪)298/61‬‬

‫ض مم ِطرَنا ب ْل ُهو ما اسَتعج ْلُتم ِب ِه ِر ٌ ِ‬
‫ارضًا ُم ْسَت ْقبِ َل أ َْوِدَيتِ ِه ْم َقاُلوا َه َذا َع ِ‬
‫{ َفَل َّما َ أر َْوُه َع ِ‬
‫اب‬
‫يها َع َذ ٌ‬
‫يح ف َ‬
‫ار ٌ ُ ْ ُ َ َ َ ْ ْ َ ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين }‬
‫يم ‪ُ ،‬ت َد ِّمُر ُك َّل َ‬
‫َصَب ُحوا ال ُيَرى إِ َّال َم َساكُن ُه ْم َك َذل َك َن ْج ِزي الْ َق ْوَم الْ ُم ْج ِرِم َ‬
‫ِّها َفأ ْ‬
‫ش ْيء بِأ ْ‬
‫َم ِر َرب َ‬
‫أَل ٌ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬قَالُوا أ ِ‬
‫َجئْتََنا لِتَأِْف َكَنا َع ْن آلِ َهِتَنا} فيه وجهان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬لتزيلنا عن عبادتها باإلفك‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬لتصرفنا عن آلهتنا بالمنع ‪ ،‬قال الضحاك‪ .‬قال عروة بن أذينة ‪:‬‬
‫إن تك عن أحسن الصنيعة مأ ‪ ...‬فوكا ففي آخرين قد أفكوا‬
‫يقول ‪ :‬إن لم توفق لإلحسان فأنت في قوم قد صرفوا‪َ { .‬فأِْتَنا بِ َما َت ِع ُدَنا} هذا يدل على أن الوعد قد‬
‫ت ِمن َّ ِ ِ‬
‫ال إِنَّ َما الْ ِعلْ ُم} بوقت مجيء العذاب‪.‬‬
‫ين} أنك نبي { َق َ‬
‫الصادق َ‬
‫يوضع موضع الوعيد‪{ .‬إِ ْن ُك ْن َ َ‬
‫ون} في سؤالكم‬
‫ت بِ ِه} عن ربكم‪َ { .‬ولَ ِكنِّي أَ ا‬
‫{ ِعنْ َد اللَّ ِه} ال عندي { َوأَُبلِّ ُغ ُك ْم َما أ ُْرِسلْ ُ‬
‫َر ُك ْم قَ ْوماً تَ ْج َهلُ َ‬

‫استعجال العذاب‪َ { .‬فَل َّما َ أر َْوُه َع ِ‬
‫ارضًا} قال المبرد ‪ :‬الضمير في {َ أر َْوُه} يعود إلى غير مذكور ‪ ،‬وبينه‬
‫ارضاً} فالضمير يعود إلى السحاب ‪ ،‬أي فلما رأوا السحاب عارضا‪ .‬فـ { َع ِ‬
‫قوله ‪َ { :‬ع ِ‬
‫ارضاً} نصب‬

‫على التكرير ‪ ،‬سمي بذلك ألنه يبدو في عرض السماء‪ .‬وقيل ‪ :‬نصب على الحال‪ .‬وقيل ‪ :‬يرجع‬
‫الضمير إلى قوله ‪َ { :‬فأْتَِنا بِ َما َت ِع ُدَنا} فلما رأوه حسبوه سحابا يمطرهم ‪ ،‬وكان المطر قد أبطأ عنهم ‪،‬‬
‫فلما رأوه { ُم ْستَقْبِ َل أ َْوِدَيتِ ِه ْم} استبشروا‪ .‬وكان قد جاءهم من واد جرت العادة أن ما جاء منه يكون غيثا‬

‫‪ ،‬قاله ابن عباس وغيره‪ .‬قال الجوهري ‪ :‬والعارض السحاب يعترض في األفق ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪:‬‬
‫{ َقالُوا َه َذا َع ِ‬
‫ض ُم ْم ِطُرَنا} أي ممطر لنا ‪ ،‬ألنه معرفة ال يجوز أن يكون صفة لعارض وهو نكرة‪.‬‬
‫ار ٌ‬
‫والعرب إنما تفعل مثل هذا في األسماء المشتقة من األفعال دون غيرها‪ .‬قال جرير ‪:‬‬
‫يا رب غابطنا لو كان يطلبكم ‪ ...‬القى مباعدة منكم وحرمانا‬

‫وال يجوز أن يقال ‪ :‬هذا رجل غالمنا‪ .‬وقال أعرابي بعد الفطر ‪ :‬رب صائمة لن تصومه ‪ ،‬وقائمة لن‬
‫تقومه ‪ ،‬فجعله نعتا للنكرة وأضافه إلى المعرفة‪.‬‬

‫(‪)298/61‬‬

‫قلت ‪ :‬قوله ‪" :‬ال يجوز أن يكون صفة لعارض" خالف قول النحويين ‪ ،‬واإلضافة في تقدير‬

‫االنفصال ‪ ،‬فهي إضافة لفظية ال حقيقية ‪ ،‬ألنها لم تفد األول تعريفا ‪ ،‬بل االسم نكرة على حاله ‪،‬‬

‫فلذلك جرى نعتا على النكرة‪ .‬هذا قول النحويين في اآلية والبيت‪ .‬ونعت النكرة نكرة‪ .‬و"رب" ال تدخل‬
‫إال على النكرة‪َ{ .‬ب ْل ُه َو} أي قال هود لهم‪ .‬والدليل عليه قراءة من قرأ {قال هود بل هو} وقرئ {قل‬
‫بل ما استعجلتم به هي ريح} أي قال اهلل ‪ :‬قل بل هو ما استعجلتم به ‪ ،‬ويعني قولهم ‪َ { :‬فأْتَِنا بِ َما‬

‫يح ِفيها ع َذ ٌ ِ‬
‫ِ‬
‫يم} والريح التي عذبوا بها نشأت من ذلك السحاب‬
‫َتع ُدَن ا} ثم بين ما هو فقال ‪ِ { :‬ر ٌ َ َ‬
‫اب أَل ٌ‬
‫الذي رأوه ‪ ،‬وخرج هود من بين أظهرهم ‪ ،‬فجعلت تحمل الفساطيط وتحمل الظعينة فترفعها كأنها‬
‫جرادة ‪ ،‬ثم تضرب بها الصخور‪ .‬قال ابن عباس ‪ :‬أول ما رأوا العارض قاموا فمدوا أيديهم ‪ ،‬فأول ما‬
‫عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجا من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم الريح ما بين السماء‬
‫واألرض مثل الريش ‪ ،‬فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم ‪ ،‬فقلعت الريح األبواب وصرعتهم ‪ ،‬وأمر اهلل‬

‫الريح فأمالت عليهم الرمال ‪ ،‬فكانوا تحت الرمال سبع ليال وثمانية أيام حسوما ‪ ،‬ولهم أنين ‪ ،‬ثم أمر‬
‫اهلل الريح فكشف عنهم الرمال واحتملتهم فرمتهم في البحر ‪ ،‬فهي التي قال اهلل تعالى فيها ‪ُ{ :‬ت َد ِّمُر‬
‫ِّها} أي كل شيء مرت عليه من رجال عاد وأموالها‪ .‬قال ابن عباس ‪ :‬أي كل‬
‫ُك َّل َش ْيء بِأ ْ‬
‫َم ِر َرب َ‬
‫شيء بعثت إليه‪.‬‬

‫والتدمير ‪ :‬الهالك‪ .‬وكذلك الدمار‪ .‬وقرئ {يدمر كل شيء} من دمر دمارا‪ .‬يقال ‪ :‬دمره تدميرا ودمارا‬
‫ودمر عليه بمعنى‪ .‬ودمر يدمر دمورا دخل بغير إذن‪ .‬وفي الحديث ‪" :‬من سبق طرفه استئذانه فقد‬

‫ِّها} بإذن‬
‫دمر" مخفف الميم‪ .‬وتدمر ‪ :‬بلد بالشام‪ .‬ويربوع تدمري إذا كان صغيرا قصيرا‪{ .‬بِأ ْ‬
‫َم ِر َرب َ‬
‫ربها‪ .‬وفي البخاري عن عائشة رضي اهلل عنها زوج النبي صلى اهلل عليه وسلم قالت ‪ :‬ما رأيت‬

‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ضاحكا حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم‪ .‬قالت ‪ :‬وكان إذا رأى‬
‫غيما أو ريحا‬

‫(‪)291/61‬‬

‫عرف في وجهه‪ .‬قالت ‪ :‬يا رسول اهلل ‪ ،‬الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر ‪ ،‬وأراك‬
‫إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية ؟ فقال ‪" :‬يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب عذب قوم‬

‫بالريح وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارض ممطرنا" خرجه مسلم والترمذي ‪ ،‬وقال فيه ‪ :‬حديث‬
‫حسن‪ .‬وفي صحيح مسلم عن ابن عباس عن النبي صلى اهلل عليه وسلم أنه قال ‪" :‬نصرت بالصبا‬
‫وأهلكت عاد بالدبور"‪ .‬وذكر الماوردي أن القائل { َقاُلوا َه َذا َع ِ‬
‫ض ُم ْم ِطُرَنا} من قوم عاد ‪ :‬بكر بن‬
‫ار ٌ‬
‫معاوية ‪ ،‬ولما رأى السحاب قال ‪ :‬إني ألرى سحابا مرمدا ‪ ،‬ال تدع من عاد أحدا‪ .‬فذكر عمرو بن‬
‫ميمون أنها كانت تأتيهم بالرجل الغائب حتى تقذفه في ناديهم‪ .‬قال ابن إسحاق ‪ :‬واعتزل هود ومن‬
‫معه من المؤمن ين في حظيرة ‪ ،‬ما يصيبه ومن معه منها إال ما يلين أعلى ثيابهم‪ .‬وتلتذ األنفس به ‪،‬‬
‫ألنها لتمر من عاد بالظعن بين السماء واألرض وتدمغهم بالحجارة حتى هلكوا‪ .‬وحكى الكلبي أن‬
‫شاعرهم قال في ذلك ‪:‬‬
‫فدعا هود عليهم ‪ ...‬دعوة أضحوا همودا‬

‫عصفت ريح عليهم ‪ ...‬تركت عادا خمودا‬

‫سخرت سبع ليال ‪ ...‬لم تدع في األرض عودا‬

‫وعمر هود في قومه بعدهم مائة وخمسين سنة‪َ { .‬فأَصبحوا ال يرى ِإ َّال مس ِ‬
‫اكُن ُه ْم}‬
‫َْ ُ‬
‫ََ‬
‫َُ‬
‫قرأ عاصم وحمزة {ال يرى إال مساكنهم} بالياء غير مسمى الفاعل‪ .‬وكذلك روى حماد بن سلمة عن‬
‫ابن كثير إال أنه ق أر {ترى} بالتاء‪ .‬وقد روى ذلك عن أبي بكر عن عاصم‪ .‬الباقون {ترى} بتاء‬

‫مفتوحة‪{ .‬مساكنهم} بالنصب ‪ ،‬أي ال ترى يا محمد إال مساكنهم‪ .‬قال المهدوي ‪ :‬ومن ق أر بالتاء غير‬
‫مسمى الفاعل فعلى لفظ الظاهر الذي هو المساكن المؤنثة ‪ ،‬وهو قليل ال يستعمل إال في الشعر‪.‬‬
‫وقال أبو حاتم ‪ :‬ال يستقيم هذا في اللغ ة إال أن يكون فيها إضمار ‪ ،‬كما تقول في الكالم أال ترى‬
‫النساء إال زينب‪.‬‬

‫(‪)298/61‬‬

‫وقال سيبويه ‪ :‬معناه ال ترى أشخاصهم إال مساكنهم‪ .‬واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة عاصم‬

‫وحمزة‪ .‬قال الكسائي ‪ :‬معناه ال يرى شيء إال مساكنهم ‪ ،‬فهو محمول على المعنى ‪ ،‬كما تقول ‪ :‬ما‬
‫قام إال هند ‪ ،‬والمعنى ما قام أحد إال هند‪ .‬وقال الفراء ‪ :‬ال يرى الناس ألنهم كانوا تحت الرمل ‪،‬‬
‫ِ‬
‫ين} أي مثل هذه العقوبة نعاقب بها‬
‫وانما ترى مساكنهم ألنها قائمة‪َ { .‬ك َذل َك َن ْج ِزي الْقَ ْوَم الْ ُم ْج ِرِم َ‬
‫المشركين‪.‬‬
‫ِ ِ‬
‫اآلية ‪{ 21 :‬ولَ َق ْد م َّكنَّ ُ ِ‬
‫َّ‬
‫َغَنى َع ْن ُه ْم َس ْم ُع ُه ْم‬
‫صاراً َأوَفْئِ َد ًة َف َما أ ْ‬
‫يما إِ ْن َمكنَّا ُك ْم فيه َو َج َعلَْنا لَ ُه ْم َس ْمعاً َوأ َْب َ‬
‫اه ْم ف َ‬
‫َ َ‬
‫ِ‬
‫وال أ َْبصارُهم وال أَ ْفئِ َدُتهم ِم ْن َشيء إِ ْذ َك ُانوا ي ْجح ُدون بِ ِ‬
‫ون }‬
‫آيات اللَّ ِه َو َح َ‬
‫اق بِ ِه ْم َما َك ُانوا بِه َي ْسَت ْه ِزُئ َ‬
‫َ َ َ‬
‫ُْ‬
‫ْ‬
‫َُ ْ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫َّ‬
‫يما إِ ْن َمكنَّا ُك ْم فيه} قيل ‪ :‬إن {إن} زائدة ‪ ،‬تقديره ولقد مكناكم فيما مكناكم‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ولَ َق ْد َمكنَّ ُ‬
‫اه ْم ف َ‬

‫فيه‪ .‬وهذا قول القتبي‪ .‬وأنشد األخفش ‪:‬‬

‫يرجي المرء ما إن ال يراه ‪ ...‬وتعرض دون أدناه الخطوب‬
‫وقال آخر ‪:‬‬
‫فما إن طبنا جبن ولكن ‪ ...‬منايانا ودولة آخرينا‬

‫وقيل ‪ :‬إن {ما} بمعنى الذي‪ .‬و {إن} بمعنى ما ‪ ،‬والتقدير ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه ‪،‬‬
‫قاله المبرد‪ .‬وقيل ‪ :‬شرطية وجوابها مضمر محذوف ‪ ،‬والتقدير ولقد مكناهم في ما إن مكناكم فيه‬
‫كان بغيكم أكثر وعنادكم أشد ‪ ،‬وتم الكالم‪.‬‬

‫َغَنى َع ْن ُه ْم َس ْم ُع ُه ْم َوال‬
‫صاراً َوأَفْئِ َد ًة} يعني قلوبا يفقهون بها‪َ { .‬ف َما أ ْ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬و َج َعلَْنا لَ ُه ْم َس ْمعاً َوأ َْب َ‬
‫أ َْبصارُهم وال أَ ْفئِ َدُتهم ِم ْن َشيء} ما أغنت عنهم من عذاب اهلل‪{ .‬إِ ْذ َك ُانوا ي ْجح ُدون} يكفرون {بِ ِ‬
‫آيات‬
‫َ َ َ‬
‫ُْ‬
‫ْ‬
‫َُ ْ َ‬
‫ِ‬
‫ون} ‪.‬‬
‫اللَّ ِه َو َح َ‬
‫اق بِ ِه ْم} أحاط بهم { َما َك ُانوا ِبه َي ْسَت ْه ِزُئ َ‬

‫(‪)293/61‬‬

‫ِ‬
‫ِ‬
‫ون}‬
‫اآلية ‪َ { 28 :‬وَل َق ْد أ ْ‬
‫صَّرْفَنا ْاآليات َل َعَّل ُه ْم َي ْرِج ُع َ‬
‫َهَل ْكَنا َما َح ْوَل ُك ْم م َن ا ْلقَُرى َو َ‬
‫َهَل ْكَنا َما َح ْوَل ُك ْم ِم َن الْ ُقَرى} يريد حجر ثمود وقرى لوط ونحوهما مما كان يجاور‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وَل َق ْد أ ْ‬
‫بالد الحجاز ‪ ،‬وكانت أخبارهم متواترة عندهم‪{ .‬وصَّرفَْنا ْاآل ِ‬
‫يات} يعني الحجج والدالالت وأنواع‬
‫َ َ‬
‫ون} فلم يرجعوا‪ .‬وقيل ‪ :‬أي صرفنا آيات‬
‫البينات والعظات ‪ ،‬أي بيناها ألهل تلك القرى‪َ{ .‬ل َعلَّ ُه ْم َي ْرِج ُع َ‬
‫القرآن في الوعد والوعيد والقصص واإلعجاز لعل هؤالء المشركين يرجعون‪.‬‬
‫ِ‬
‫اآلية ‪َ { 23 :‬فلَوال َنصرُهم الَِّذين اتَّ َخ ُذوا ِم ْن ُد ِ ِ‬
‫ضلُّوا َع ْن ُه ْم َوَذِل َك إِ ْف ُك ُه ْم َو َما َك ُانوا‬
‫ون اللَّه ُق ْرَبانًا آل َه ًة َب ْل َ‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ََ ُ‬
‫ون }‬
‫َي ْفَتُر َ‬
‫صَرُه ُم} {لوال} بمعنى هال ‪ ،‬أي هال نصرهم آلهتهم التي تقربوا بها بزعمهم إلى‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬فَلَ ْوال َن َ‬
‫ِ‬
‫اؤَنا ِع ْن َد اللَّ ِه} [يونس ‪ ]63 :‬ومنعتهم من الهالك الواقع بهم‪.‬‬
‫اهلل لتشفع لهم حيث قالوا ‪َ { :‬ه ُؤالء ُش َف َع ُ‬
‫قال الكسائي ‪ :‬القربان كل ما يتقرب به إلى اهلل تعالى من طاعة ونسيكة ‪ ،‬والجمع قرابين ‪ ،‬كالرهبان‬
‫والرهابين‪ .‬وأحد مفعولي اتخذ الراجع إل ى الذين المحذوف ‪ ،‬والثاني { ِآل َه ًة} ‪ .‬و { ُق ْرَبانًا} حال ‪ ،‬وال‬
‫يصح أن يكون {قربانا} مفعوال ثانيا‪ .‬و {آلِ َه ًة} بدل منه لفساد المعنى ‪ ،‬قال الزمخشري‪ .‬وقرئ { ُق ْرَباناً}‬
‫ضلُّوا َعنْ ُه ْم} أي ضلت عنهم آلهتهم ألنها‬
‫ضلُّوا َعنْ ُه ْم} أي هلكوا عنهم‪ .‬وقيل ‪َ{ :‬ب ْل َ‬
‫بضم الراء‪َ{ .‬ب ْل َ‬
‫ضلُّوا َع ْن ُه ْم} أي تركوا األصنام وتبرؤوا منها‪َ { .‬وَذِل َك‬
‫لم يصبها ما أصابهم ‪ ،‬إذ هي جماد‪ .‬وقيل ‪َ { :‬‬
‫إِفْ ُك ُه ْم} أي واآللهة التي ضلت عنهم هي إفكهم في قولهم ‪ :‬إنها تقربهم إلى اهلل زلفى‪ .‬وقراءة العامة‬

‫{إِفْ ُك ُه ْم} بكسر الهمزة وسكون الفاء ‪ ،‬أي كذبهم‪ .‬واإلفك ‪ :‬الكذب ‪ ،‬وكذلك األفيكة ‪ ،‬والجمع األفائك‪.‬‬
‫ورجل أفاك أي كذاب‪ .‬وق أر ابن عباس ومجاهد وابن الزبير {وذلك أ ََف َك ُهم} بفتح الهمزة‬

‫(‪)293/61‬‬

‫والفاء والكاف ‪ ،‬على الفعل ‪ ،‬أي ذلك القول صرفهم عن التوحيد‪ .‬واألفك "بالفتح" مصدر قولك ‪:‬‬

‫أفكه يأفكه أفكا ‪ ،‬أي ق لبه وصرفه عن الشيء‪ .‬وق أر عكرمة {أَفَّكهم} بتشديد الفاء على التأكيد‬

‫والتكثير‪ .‬قال أبو حاتم ‪ :‬يعني قلبهم عما كانوا عليه من النعيم‪ .‬وذكر المهدوي عن ابن عباس أيضا‬
‫آفكهم} بالمد ‪،‬‬
‫{ ِآفكهم} بالمد وكسر الفاء ‪ ،‬بمعنى صارفهم‪ .‬وعن عبداهلل بن الزبير باختالف عنه { َ‬
‫فجاز أن يكون أفعلهم ‪ ،‬أي أصارهم إلى اإلفك‪ .‬وجاز أن يكون فاعلهم كخادعهم‪ .‬ودليل قراءة‬

‫ون} أي يكذبون‪ .‬وقيل {أفكهم} مثل {أفكهم} ‪ .‬اإلفك واألفك‬
‫العامة {إفكهم} قوله ‪َ { :‬و َما َك ُانوا َي ْفَتُر َ‬
‫كالحذر والحذر ‪ ،‬قاله المهدوي‪.‬‬

‫صُتوا َفَل َّما ُق ِ‬
‫اآلية ‪ِ { 23 :‬وا ْذ صرْفَنا إَِل ْي َك َن َف ًرا ِمن الْ ِج ِّن يسَت ِمعون ا ْلقُرآن َفَل َّما حضروه َقاُلوا أ َْن ِ‬
‫ض َي َولَّ ْوا‬
‫َ َُ ُ‬
‫َْ ُ َ ْ َ‬
‫َ‬
‫َ ََ‬
‫ِ‬
‫ين }‬
‫إِلَى قَ ْوِم ِه ْم ُم ْنذ ِر َ‬
‫صَرفْنَا إِلَيْ َك نَفَ ًرا ِم َن الْ ِج ِّن} هذا توبيخ لمشركي قريش ‪ ،‬أي إن الجن سمعوا القرآن‬
‫قوله تعالى ‪َِ { :‬وا ْذ َ‬
‫فآمنوا به وع لموا أنه من عند اهلل وأنتم معرضون مصرون على الكفر‪ .‬ومعنى ‪{ :‬صرفنا} وجهنا إليك‬

‫وبعثنا‪ .‬وذلك أنهم صرفوا عن استراق السمع من السماء برجوم الشهب ‪ -‬على ما يأتي ‪ -‬ولم يكونوا‬
‫بعد عيسى قد صرفوا عنه إال عند مبعث النبي صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬قال المفسرون ابن عباس‬
‫وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم ‪ :‬لما مات أبو طالب خرج النبي صلى اهلل عليه وسلم وحده إلى‬
‫الطائف يلتمس من ثقيف النصرة فقصد عبد ياليل ومسعودا وحبيبا وهم إخوة ‪ -‬بنو عمرو بن عمير‬
‫ وعندهم امرأة من قريش من بني جمح ‪ ،‬فدعاهم إلى اإليمان وسألهم أن ينصروه على قومه فقال‬‫أحدهم ‪ :‬هو يمرط ثياب الكعبة إن كان اهلل أرسلك وقال اآلخر ‪ :‬ما وجد اهلل أحدا يرسله غيرك وقال‬
‫الثالث ‪ :‬واهلل ال أكلمك كلمة أبدا ‪ ،‬إن كان اهلل أرسلك كما تقول فأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك‬
‫الكالم ‪ ،‬وان كنت تكذب فما ينبغي لي أن أكلمك‪ .‬ثم أغروا به سفهاءهم‬

‫(‪)269/61‬‬

‫وعبيدهم يسبونه ويضحكون به ‪ ،‬حتى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة‪.‬‬
‫فقال للجمحية ‪" :‬ماذا لقينا من أحمائك" ؟ ثم قال ‪ " :‬اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي‬

‫وهواني على الناس ‪ ،‬يا أرحم الراحمين ‪ ،‬أنت رب المستضعفين ‪ ،‬وأنت ربي ‪ ،‬لمن تكلني إلى عبد‬

‫يتجهمني ‪ ،‬أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فال أبالي ‪ ،‬ولكن عافيتك هي أوسع‬
‫لي ‪ ،‬أعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك ‪ ،‬أو يحل علي سخطك ‪ ،‬لك العتبى حتى ترضى ‪،‬‬
‫وال حول وال قوة إال بك" ‪ .‬فرحمه ابنا ربيعة وقاال لغالم لهما نصراني يقال له عداس ‪ :‬خذ قطفا من‬
‫العنب وضعه في هذا الطبق ثم ضعه بين يدي هذا الرجل ‪ ،‬فلما وضعه بين يدي رسول اهلل صلى‬
‫اهلل عليه وسلم قال النبي صلى اهلل عليه وسلم "باسم اهلل" ثم أكل ‪ ،‬فنظر عداس إلى وجهه ثم قال ‪:‬‬
‫واهلل إن هذا الكالم ما يقوله أهل هذه البلدة فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬من أي البالد أنت يا‬

‫عداس وما دينك" قال ‪ :‬أنا نصراني من أهل نينوى‪ .‬فقال له النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬أمن قرية‬
‫الرجل الصالح يونس بن متى" ؟ فقال ‪ :‬وما يدريك ما يونس بن متى ؟ قال ‪" :‬ذاك أخي كان نبيا‬
‫وأنا نبي" فانكب عداس حتى قبل رأس النبي صلى اهلل ع ليه وسلم ويديه ورجليه‪ .‬فقال له ابنا ربيعة ‪:‬‬
‫لم فعلت هكذا ؟ فقال ‪ :‬يا سيدي ما في األرض خير من هذا ‪ ،‬أخبرني بأمر ما يعلمه إال نبي‪.‬‬
‫ثم انصرف النبي صلى اهلل عليه وسلم حين يئس من خير ثقيف ‪ ،‬حتى إذا كان ببطن نخلة قام من‬

‫الليل يصلي فمر به نفر من جن أهل نصيبين‪ .‬وك ان سبب ذلك أن الجن كانوا يسترقون السمع ‪،‬‬

‫فلما حرست السماء ورموا بالشهب قال إبليس ‪ :‬إن هذا الذي حدث في السماء لشيء حدث في‬
‫األرض ‪ ،‬فبعث سراياه ليعرف الخبر ‪ ،‬أولهم ركب نصيبين وهم أشراف الجن إلى تهامة ‪ ،‬فلما بلغوا‬
‫بطن نخلة سمعوا النبي صلى اهلل عليه وسلم يصلي ص الة الغداة ببطن نخلة ويتلو القرآن ‪ ،‬فاستمعوا‬
‫له وقالوا ‪ :‬أنصتوا‪ .‬وقالت طائفة ‪ :‬بل أمر النبي صلى اهلل عليه وسلم أن ينذر‬

‫(‪)266/61‬‬

‫الجن ويدعوهم إلى اهلل تعالى ويقرأ عليهم القرآن ‪ ،‬فصرف اهلل عز عز وجل إليه نفرا من الجن من‬
‫نينوى وجمعهم له ‪ ،‬فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬إني أريد أن أق أر القرآن على الجن الليلة فأيكم‬
‫يتبعني" ؟ فأطرقوا ‪ ،‬ثم قال الثانية فأطرقوا ‪ ،‬ثم قال الثالثة فأطرقوا ‪ ،‬فقال ابن مسعود ‪ :‬أنا يا رسول‬
‫اهلل ‪ ،‬قال ابن مسعود ‪ :‬ولم يحضر معه أحد غيري ‪ ،‬فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة دخل النبي‬

‫صلى اهلل عليه وسلم شعبا يقال له ( شعب الحجون) وخط لي خطا وأمرني أن أجلس فيه وقال ‪" :‬ال‬
‫تخرج منه حتى أعود إليك" ‪ .‬ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن ‪ ،‬فجعلت أرى أمثال النسور تهوي‬
‫وتمشي في رفرفها ‪ ،‬وسمعت لغطا وغمغمة حتى خفت على النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬وغشيته‬
‫أسودة كثي رة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته ‪ ،‬ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين ‪،‬‬
‫ففرغ النبي صلى اهلل عليه وسلم مع الفجر فقال ‪" :‬أنمت" ؟ قلت ‪ :‬ال واهلل ‪ ،‬ولقد هممت م اررا أن‬
‫أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول اجلسوا ‪ ،‬فقال ‪ " :‬لو خرجت لم آمن عليك أن‬

‫يخطفك بعضهم" ثم قال ‪" :‬هل رأيت شيئا" ؟ قلت ‪ :‬نعم يا رسول اهلل ‪ ،‬رأيت رجاال سودا مستثفري‬
‫ثيابا بيضا ‪ ،‬فقال ‪ " :‬أولئك جن نصيبين سألوني المتاع والزاد فمتعتهم بكل عظم حائل وروثة‬
‫وبعرة" ‪ .‬فقالوا ‪ :‬يا رسول اهلل يقذرها الناس علينا‪ .‬فنهى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أن يستنجى‬
‫بالعظم والروث‪ .‬قلت ‪ :‬يا نبي اهلل ‪ ،‬وما يغني ذلك عنهم قال ‪ " :‬إنهم ال يجدون عظما إال وجدوا‬
‫عليه لحمه يوم أكل ‪ ،‬وال روثة إال وجدوا فيها حبها يوم أكل" فقلت ‪ :‬يا رسول اهلل ‪ ،‬لقد سمعت لغطا‬
‫شديدا ؟ فقال ‪ " :‬إن الجن تدارأت في قتيل بينهم فتحاكموا إلي فقضيت بينهم بالحق"‪ .‬ثم تبرز النبي‬

‫صلى اهلل عليه وسلم ثم أتاني فقال ‪" :‬هل معك ماء" ؟ فقلت يا نبي اهلل ‪ ،‬معي إداوة فيها شيء من‬
‫نبيذ التمر فصببت على يديه فتوضأ فقال ‪" :‬تمرة طيبة وماء طهور" ‪ .‬روى معناه معمر عن قتادة‬
‫وشعبة أيضا عن ابن مسعود‪ .‬وليس‬

‫(‪)262/61‬‬

‫في حديث معمر ذكر نبيذ التمر‪ .‬روي عن أبي عثمان النهدي أن ابن مسعود أبصر زطا فقال ‪ :‬ما‬
‫هؤالء ؟ قال ‪ :‬هؤالء الزط‪ .‬قال ‪ :‬ما رأيت شبههم إال الجن ليلة الجن فكانوا مستفزين يتبع بعضهم‬
‫بعضا‪ .‬وذكر الدارقطني عن عبداهلل بن لهيعة حدثني قيس بن الحجاج عن حنش عن ابن عباس‬
‫عن ابن مسع ود أنه وضأ النبي صلى اهلل عليه وسلم ليلة الجن بنبيذ فتوضأ به وقال ‪" :‬شراب‬

‫وطهور" ‪ .‬ابن لهيعة ال يحتج به‪ .‬وبهذا السند عن ابن مسعود ‪ :‬أنه خرج مع النبي صلى اهلل عليه‬
‫وسلم ليلة الجن ‪ ،‬فقال له رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬أمعك ماء يا ابن مسعود" ؟ فقال ‪ :‬معي‬
‫نبيذ في إداوة ‪ ،‬فقال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬صب علي منه"‪ .‬فتوضأ وقال ‪" :‬هو شراب‬
‫وطهور" تفرد به ابن لهيعة وهو ضعيف الحديث‪ .‬قال الدارقطني ‪ :‬وقيل إن ابن مسعود لم يشهد مع‬
‫النبي صلى اهلل عليه وسلم ليلة الجن‪ .‬كذلك رواه علقمة بن قيس وأبو عبيدة بن عبداهلل وغيرهما عنه‬
‫أنه قال ‪ :‬ما شهدت ليلة الجن‪ .‬حدثنا أبو محمد بن صاعد حدثنا أبو األشعث حدثنا بشر بن‬

‫المفضل حدثنا داود بن أبي هند عن عامر عن علقمة بن قيس قال قلت لعبداهلل بن مسعود ‪ :‬أشهد‬

‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أحد منكم ليلة أتاه داعى الجن ؟ قال ال‪ .‬قال الدارقطني ‪ :‬هذا إسناد‬
‫صحيح ال يختلف في عدالة راويه‪ .‬وعن عمرو بن مرة قال قلت ألبي عبيدة ‪ :‬حضر عبداهلل بن‬
‫مسعود ليلة الجن ؟ فقال ال‪ .‬قال ابن عباس ‪ :‬كان الجن سبعة نفر من جن نصيبين فجعلهم النبي‬
‫صلى اهلل عليه وسلم رسال إلى قومهم‪ .‬وقال زر بن حبيش ‪ :‬كانوا تسعة أحدهم زوبعة‪ .‬وقال قتادة ‪:‬‬
‫إنهم من أهل نينوى‪ .‬وقال مجاهد ‪ :‬من أهل حران‪ .‬وقال عكرمة ‪ :‬من جزيرة الموصل‪ .‬وقيل ‪ :‬إنهم‬

‫كانوا سبعة ‪ ،‬ثالثة من أهل نجران وأربعة من أهل نصيبين‪ .‬وروى ابن أبي الدنيا أن النبي صلى اهلل‬

‫عليه وسلم قال في هذا الحديث وذكر فيه نصيبين فقال ‪" :‬رفعت إلي حتى رأيتها فدعوت اهلل أن‬
‫يكثر مطرها وينضر شجرها وأن يغزو نهرها" ‪ .‬وقال السهيلي ‪ :‬ويقال كانوا سبعة ‪ ،‬وكانوا يهودا‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫وسى} ‪ .‬وقيل في أسمائهم ‪ :‬شاصر وماصر ومنشي‬
‫فأسلموا ‪ ،‬ولذلك قالوا ‪{ :‬أُنْ ِزَل م ْن َب ْعد ُم َ‬

‫(‪)268/61‬‬

‫وماشي واألحقب ‪ ،‬ذكر هؤالء الخمسة ابن دريد‪ .‬ومنهم عمرو بن جابر ‪ ،‬ذكره ابن سالم من طريق‬

‫أبي إسحاق السبيعي عن أشياخه عن ابن مسعود أنه كان في نفر من أصحاب النبي صلى اهلل عليه‬

‫وسلم يمشون فرفع لهم إعصار ثم جاء إعصار أعظم منه فإذا حية قتيل ‪ ،‬فعمد رجل منا إلى ردائه‬
‫فشقه وكفن الحية ببعضه ودفنها ‪ ،‬فلما جن الليل إذا امرأتان تسأالن ‪ :‬أيكم دفن عمرو بن جابر ؟‬
‫فقلنا ‪ :‬ما ندري من عمرو بن جابر فقالتا ‪ :‬إن كنتم ابتغيتم األجر فقد وجدتموه ‪ ،‬إن فسقة الجن‬
‫اقتتلوا مع المؤمنين فقتل عمرو ‪ ،‬وهو الحية التي رأيتم ‪ ،‬وهو من النفر الذين استمعوا القرآن من‬

‫محمد صلى اهلل عليه وسلم ثم ولوا إلى قومهم منذرين‪ .‬وذكر ابن سالم رواية أخرى ‪ :‬أن الذي كفنه‬

‫هو صفوان بن المعطل‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وذكر هذا الخبر الثعلبي بنحوه فقال ‪ :‬وقال ثابت بن قطبة جاء أناس إلى ابن مسعود فقالوا ‪:‬‬
‫إنا كنا في سقر فرأينا حية متشحطة في دمائها ‪ ،‬فأخذها رجل منا فواريناها ‪ ،‬ف جاء أناس فقالوا ‪:‬‬
‫أيكم دفن عمرا ؟ قلنا وما عمرو ؟ قالوا الحية التي دفنتم في مكان كذا ‪ ،‬أما إنه كان من النفر الذين‬

‫سمعوا القرآن من النبي صلى اهلل عليه وسلم وكان بين حيين من الجن مسلمين وكافرين قتال فقتل‪.‬‬
‫ففي هذا الخبر أن ابن مسعود لم يكن في سفر وال حضر الدفن ‪ ،‬واهلل أعلم‪ .‬وذكر ابن أبي الدنيا‬
‫عن رجل من التابعين سماه ‪ :‬أن حية دخلت عليه في خبائه تلهث عطشا فسقاها ثم أنها ماتت‬

‫فدفنها ‪ ،‬فأتي من الليل فسلم عليه وشكر ‪ ،‬وأخبر أن تلك الحية كانت رجال عن جن نصيبين اسمه‬
‫زوبعة‪ .‬قال السهيلي ‪ :‬وبلغنا في فضائل عمر بن عبدالعزيز رضي اهلل عنه مما حدثنا به أبو بكر‬
‫بن طاهر األشبيلي أن عمر بن عبدالعزيز كان يمشي بأرض فالة ‪ ،‬فإذا حية ميتة فكفنها بفضلة من‬

‫ردائه ودفنها ‪ ،‬فإذا قائل يقول ‪ :‬يا سرق ‪ ،‬أشهد لسمعت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يقول ‪:‬‬

‫" ستموت بأرض فالة فيكفنك رجل صالح" ‪ .‬فقال ‪ :‬ومن أنت يرحمك اهلل ؟ فقال ‪ :‬رجل من الجن‬
‫الذين استمعوا القرآن من رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم لم يبق منهم إال أنا وسرق ‪ ،‬وهذا سرق قد‬
‫مات‪ .‬وقد قتلت‬

‫(‪)268/61‬‬

‫عائشة رضي اهلل عنها حية رأتها في حجرتها تستمع وعائشة تق أر ‪ ،‬فأتيت في المنام فقيل لها ‪ :‬إنك‬

‫قتلت رجال مؤمنا من الجن الذين قدموا على رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬فقالت ‪ :‬لو كان مؤمنا‬
‫ما دخل على حرم رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬فقيل لها ‪ :‬ما دخل عليك إال وأنت متقنعة ‪ ،‬وما‬
‫جاء إال ليستمع الذكر‪ .‬فأصبحت عائشة فزعة ‪ ،‬واشترت رقابا فأعتقتهم‪ .‬قال السهيلي ‪ :‬وقد ذكرنا‬
‫من أسماء هؤالء الجن ما حضرنا ‪ ،‬فإن كانوا سبعة فاألحقب منهم وصف ألحدهم ‪ ،‬وليس باسم علم‬
‫‪ ،‬فإن األسماء التي ذكرناها آنفا ثمانية باألحقب‪ .‬واهلل أعلم‪.‬‬

‫قلت ‪ :‬وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه ‪ :‬هامة بن الهيم بن األقيس بن إبليس ‪ ،‬قيل ‪ :‬إنه‬
‫من مؤمني الجن وممن لقي النبي صلى اهلل عليه وسلم وعلمه سورة {إِ َذا َوقَ َع ِت الْ َو ِاق َعةُ} [الواقعة ‪]6 :‬‬
‫و {المرسالت} [المرسالت ‪ ]6 :‬و {عم يتساءلون} [النبأ ‪ ]6 :‬و {إذا الشمس كورت} [التكوير ‪ ]6 :‬و‬
‫{الحمد} [الفاتحة ‪ ]6 :‬و" المعوذتين وذكر أنه حضر قتل هابيل وشرك في دمه وهو غالم ابن أعوام‬
‫‪ ،‬وأنه لقي نوحا وتاب على يديه ‪ ،‬وهودا وصالحا ويعقوب ويوسف والياس وموسى بن عمران‬
‫وعيسى ابن مريم عليهم السالم‪ .‬وقد ذكر الماوردي أسماءهم عن مجاهد فقال ‪ :‬حسى ومسى ومنشى‬

‫وشاصر وماصر واألرد وأنيان واألحقم‪ .‬وذكرها أبو عمرو عثمان بن أحمد المعروف بابن السماك‬

‫قال ‪ :‬حدثنا محمد بن البراء قال حدثنا الزبير بن بكار قال ‪ :‬كان حمزة بن عتبة بن أبي لهب يسمي‬
‫جن نصيبين الذين قدموا على رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فيقول ‪ :‬حسى ومسى وشاصر‬
‫وماصر واألفخر واألرد وأنيال‪.‬‬
‫وه} أي حضروا النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬وهو من باب تلوين الخطاب‪.‬‬
‫ضُر ُ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬فَل َّما َح َ‬
‫وقيل ‪ :‬لما حضروا القرآن واستماعه‪{ .‬قَالُوا أَنْ ِ‬
‫صتُوا} أي قال بعضهم لبعض اسكتوا الستماع القرآن‪.‬‬
‫قال ابن مسعود ‪ :‬هبطوا على النبي صلى اهلل عليه وسلم‬

‫(‪)268/61‬‬

‫وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة ‪ ،‬فلما سمعوه {قالوا أنصتوا} قالوا صه‪ .‬وكانوا سبعة ‪ :‬أحدهم زوبعة ‪،‬‬
‫فأنزل اهلل تعالى ‪ِ { :‬وا ْذ صرْفنا إَِلي َك ن َف ًرا ِمن الْ ِج ِّن يسَت ِمعون ا ْلقُرآن َفَل َّما حضروه َقاُلوا أ َْن ِ‬
‫صُتوا} اآلية‬
‫َ ََ َ ْ َ‬
‫َ َُ ُ‬
‫َْ ُ َ ْ َ‬
‫َ‬
‫إلى قوله ‪ِ{ :‬في ضالل مبِين} [األحقاف ‪ .]82 :‬وقيل ‪{ :‬أَنْ ِ‬
‫صتُوا} لسماع قول رسول اهلل صلى اهلل‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين} وقرأ الحق بن حميد وخبيب بن‬
‫ي َولَّ ْوا إِلَى قَ ْوِم ِه ْم ُم ْنذ ِر َ‬
‫عليه وسلم ‪ ،‬والمعنى متقارب‪َ { .‬فَل َّما ُقض َ‬
‫عبداهلل بن الزبير { َفَل َّما ُق ِ‬
‫ض َي} بفتح القاف والضاد ‪ ،‬يعني النبي صلى اهلل عليه وسلم قبل الصالة‪.‬‬
‫وذلك أنهم خرجوا حين حرست السماء من استراق السمع ليستخبروا ما أوجب ذلك ؟ فجاؤوا وادي‬

‫نخلة والنبي صلى اهلل عليه وسلم يق أر في صالة الفجر ‪ ،‬وكانوا سبعة ‪ ،‬فسمعوه وانصرفوا إلى قومهم‬
‫منذرين ‪ ،‬ولم يعلم بهم النبي صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬وقيل ‪ :‬بل أمر النبي صلى اهلل عليه وسلم أن‬

‫ينذر الجن ويقرأ عليهم القرآن ‪ ،‬فصرف اهلل إليه نفرا من الجن ليستمعوا منه وينذروا قومهم ‪ ،‬فلما تال‬
‫عليهم القرآن وفرغ انصرفوا بأمره قاصدين من وراءهم من قومهم من الجن ‪ ،‬منذرين لهم مخالفة‬
‫القرآن ومحذرين إياهم بأس اهلل إن لم يؤمنوا‪ .‬وهذا يدل على أنهم آمنوا بالنبي صلى اهلل عليه وسلم ‪،‬‬
‫اعي اللَّ ِه و ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫آمُنوا بِ ِه} [األحقاف ‪ ] 86 :‬ولوال‬
‫َ‬
‫وأنه أرسلهم‪ .‬ويدل على هذا قولهم ‪َ { :‬يا َق ْو َمَنا أَج ُيبوا َد َ‬
‫ذلك لما أنذروا قومهم‪ .‬وقد تقدم عن ابن عباس أن النبي صلى اهلل عليه وسلم جعلهم رسال إلى‬
‫قومهم ‪ ،‬فعلى هذا ليلة الجن ليلتان ‪ ،‬وقد تقدم هذا المعنى مستوفى‪ .‬وفي صحيح مسلم ما يدل على‬
‫ذلك على ما يأتي بيانه في { ُق ْل أ ِ‬
‫ُوح َي ِإلَ َّي} [الجن ‪ .]6 :‬وفي صحيح مسلم عن معن قال ‪ :‬سمعت‬
‫أبي قال سألت مسروقا ‪ :‬من آذن النبي صلى اهلل عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا القرآن ؟ فقال ‪:‬‬
‫حدثني أبوك ‪ -‬يعني ابن مسعود ‪ -‬أنه آذنته بهم شجرة‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫وسى‬
‫اآلية ‪َ { 89 :‬قالُوا َيا َق ْو َمَنا إِنَّا َسم ْعَنا كَتاباً أ ُْن ِزَل م ْن َب ْعد ُم َ‬
‫اعي اللَّ ِه و ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َِواَلى َ ِ‬
‫آمُنوا بِ ِه َي ْغِف ْر‬
‫َ‬
‫طريق ُم ْسَتقيم ‪َ ،‬يا َق ْو َمَنا أَج ُيبوا َد َ‬
‫أَلِيم}‬

‫ص ِّدقاً لِ َما َب ْي َن َي َد ْي ِه َي ْهِدي إِلَى الْ َح ِّ‬
‫ق‬
‫ُم َ‬
‫َل ُك ْم ِم ْن ُذُنوبِ ُك ْم َوُي ِج ْرُك ْم ِم ْن َع َذاب‬

‫(‪)261/61‬‬

‫اعي اللَّ ِه و ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫آمُنوا بِ ِه َي ْغِف ْر َل ُك ْم ِم ْن ُذُنوِب ُك ْم َوُي ِج ْرُك ْم ِم ْن َع َذاب أَلِيم}‬
‫َ‬
‫[‪َ { ] 86‬يا َق ْو َمَنا أَج ُيبوا َد َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫وسى} أي القرآن ‪ ،‬وكانوا مؤمنين بموسى‪.‬‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬قاُلوا َيا َق ْو َمَنا إِنَّا َسم ْعَنا كَتاباً أ ُْن ِزَل م ْن َب ْعد ُم َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫وسى}‪ .‬وعن ابن عباس ‪ :‬أن الجن‬
‫قال عطاء ‪ :‬كانوا يهودا فأسلموا ‪ ،‬ولذلك قالوا ‪{ :‬أُنْ ِزَل م ْن َب ْعد ُم َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ص ِّدقًا لِ َما َب ْي َن َي َد ْي ِه} يعني ما‬
‫وسى} ‪ُ { .‬م َ‬
‫لم تكن سمعت بأمر عيسى ‪ ،‬فلذلك قالت ‪{ :‬أ ُْن ِزَل م ْن َب ْعد ُم َ‬
‫ق} دين الحق‪ِ { .‬والَى طَ ِريق ُم ْسَتِقيم} دين اهلل القويم‪َ{ .‬يا َق ْو َمَنا أ ِ‬
‫قبله من التوراة‪ْ { .‬هِدي إِلَى الْ َح ِّ‬
‫َج ُيبوا‬
‫َ‬

‫َد ِ‬
‫اع َي اللَّ ِه} يعني محمدا صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬وهذا يدل على أنه كان مبعوثا إلى الجن واإلنس‪.‬‬
‫قال مقاتل ‪ :‬ولم يبعث اهلل نبيا إلى الجن واإلنس قبل محمد صلى اهلل عليه وسلم‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬يدل على قوله ما في صحيح مسلم عن جابر بن عبداهلل األنصاري قال ‪ :‬قال رسول اهلل‬
‫صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة‬

‫وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأحلت لي الغنائم ولم تحل ألحد قبلي وجعلت لي األرض طيبة طهورا‬

‫ومسجدا فأيما رجل أدركته الصالة صلى حيث كان ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر وأعطيت‬

‫الشفاعة"‪ .‬قال مجاهد ‪ :‬األحمر واألسود ‪ :‬الجن واإلنس‪ .‬وفي رواية من حديث أبي هريرة "وبعثت‬
‫إلى الخلق كافة وختم بي النبيون"‪.‬‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬و ِ‬
‫آمُنوا بِ ِه} أي بالداعي ‪ ،‬وهو محمد صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬وقيل ‪{ :‬به} أي باهلل ‪،‬‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫لقوله ‪َ{ :‬ي ْغِف ْر لَ ُك ْم م ْن ُذُنوبِ ُك ْم}‪ .‬قال ابن عباس ‪ :‬فاستجاب لهم من قومهم سبعون رجال ‪ ،‬فرجعوا‬
‫إلى النبي صلى اهلل عليه وسلم فوافقوه بالبطحاء ‪ ،‬فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم‪.‬‬

‫مسألة ‪ :‬هذه اآلي تدل على أن الجن كاإلنس في األمر والنهي والثواب والعقاب‪ .‬وقال الحسن ‪:‬‬
‫ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار ‪ ،‬يدل عليه قوله تعالى ‪َ{ :‬ي ْغِف ْر لَ ُك ْم ِم ْن ُذُنوبِ ُك ْم‬
‫َوُي ِج ْرُك ْم ِم ْن َع َذاب أَلِيم}‪ .‬وبه قال أبو حنيفة قال ‪ :‬لي س ثواب الجن إال أن يجاروا من النار ‪ ،‬ثم يقال‬
‫لهم ‪ :‬كونوا ترابا مثل البهائم‪ .‬وقال آخرون ‪ :‬إنهم كما يعاقبون‬

‫(‪)268/61‬‬

‫في اإلساءة يجازون في اإلحسان مثل اإلنس‪ .‬واليه ذهب مالك والشافعي وابن أبي ليلي‪ .‬وقد قال‬

‫الضحاك ‪ :‬الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون‪ .‬قال القشيري ‪ :‬والصحيح أن هذا مما لم يقطع فيه‬
‫بشيء ‪ ،‬والعلم عند اهلل‪.‬‬

‫ات ِم َّما َع ِمُلوا} [األنعام ‪ ] 682 :‬يدل على أنهم يثابون ويدخلون الجنة‬
‫قلت ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬ولِ ُك ٍّل َدَرَج ٌ‬

‫‪ ،‬ألنه قال في أول اآلية ‪{ :‬يا مع َشر ا ْل ِج ِّن و ِْ‬
‫األ ْن ِ‬
‫ون َعَل ْي ُك ْم َآياتِي} إلى أن‬
‫س أََل ْم َي ْأِت ُك ْم ُر ُس ٌل ِم ْن ُك ْم َي ُق ُّ‬
‫ص َ‬
‫َ َْ َ‬
‫َ‬
‫ات ِم َّما َع ِمُلوا} [األنعام ‪ .]689 :‬واهلل أعلم ‪ ،‬وسيأتي لهذا في سورة "الرحمن" مزيد‬
‫قال { َولِ ُك ٍّل َدَرَج ٌ‬
‫بيان إن شاء اهلل تعالى‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اع َّ ِ‬
‫اآلية ‪{ 82 :‬وم ْن ال ي ِج ْ ِ‬
‫س بِ ُم ْع ِجز ِفي ْاأل َْر ِ‬
‫اء أُوَلئِ َك ِفي‬
‫ُ‬
‫ض َوَل ْي َس َلهُ م ْن ُدونِه أ َْولَِي ُ‬
‫ي الله َفَل ْي َ‬
‫ََ‬
‫ب َد َ‬
‫ضالل ُمبِين }‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ب َداعي اللَّه َفَل ْي َس بِ ُم ْع ِجز في ْاأل َْر ِ‬
‫ض} أي ال يفوت اهلل وال يسبقه { َوَل ْي َس‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬و َم ْن ال ُي ِج ْ‬
‫َ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ضالل ُمبِين} ‪.‬‬
‫اء} أي أنصار يمنعونه من عذاب اهلل‪{ .‬أُولَئ َك في َ‬
‫لَ ُه م ْن ُدونِه أ َْولَِي ُ‬
‫السم ِ‬
‫َن ُي ْحيِ َي‬
‫اآلية ‪{ 88 :‬أ ََوَل ْم َيَرْوا أ َّ‬
‫ض َوَل ْم َي ْع َي بِ َخلِْق ِه َّن بِ َق ِادر َعَلى أ ْ‬
‫َن اللَّهَ الَِّذي َخَل َ‬
‫اوات َو ْاأل َْر َ‬
‫ق َّ َ َ‬
‫ش ْيء َقِد ٌير}‬
‫ا ْل َم ْوَتى َبلَى إِنَّ ُه َعَلى ُك ِّل َ‬
‫السم ِ‬
‫ض} الرؤية هنا بمعنى العلم‪ .‬و {أن}‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬أ ََولَ ْم َيَرْوا أ َّ‬
‫َن اللَّ َه الَِّذي َخلَ َ‬
‫اوات َو ْاأل َْر َ‬
‫ق َّ َ َ‬
‫َن ُي ْحيِ َي ا ْل َم ْوَتى َبَلى إِنَّ ُه‬
‫ي بِ َخ ْلِق ِه َّن بِ َق ِادر َعَلى أ ْ‬
‫واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي الرؤية‪َ { .‬وَل ْم َي ْع َ‬
‫َعلَى ُك ِّل َش ْيء َقِد ٌير} احتجاج على منكري البعث‪ .‬ومعنى {لَ ْم َي ْع َي} يعجز ويضعف عن إبداعهن‪.‬‬
‫يقال ‪ :‬عي بأمره وعيي إذا لم يهتد لوجهه ‪ ،‬واإلدغام أكثر‪ .‬وتقول في الجمع عيوا ‪ ،‬مخففا ‪ ،‬وعيوا‬
‫أيضا بالتشديد‪ .‬قال‬

‫(‪)263/61‬‬

‫عيوا بأمرهم كما ‪ ...‬عيت ببيضتها الحمامة‬

‫وعييت بأمري إذا لم تهتد لوجهه‪ .‬وأعياني هو‪ .‬وق أر الحسن { َولَ ْم َي ِعي} بكسر العين واسكان الياء ‪،‬‬
‫وهو قليل شاذ ‪ ،‬لم يأت إعالل العين وتصحيح الالم إال في أسماء قليلة ‪ ،‬نحو غاية وآية‪ .‬ولم يأت‬
‫في الفعل سوى بيت أنشده الفراء ‪ ،‬وهو قول الشاعر ‪:‬‬

‫فكأنها بين النساء سبيكة ‪ ...‬تمشى بسدة بيتها فتعي‬
‫{بِ َق ِادر} قال أبو عبيدة واألخفش ‪ :‬الباء زائدة للتوكيد كالباء في قوله ‪َ { :‬و َكفَى بِاللَّ ِه َش ِهيدًا} [النساء ‪:‬‬
‫ت ِب ُّ‬
‫الد ْه ِن} [المؤمنون ‪ .] 29 :‬وقال الكسائي والفراء والزجاج ‪ :‬الباء فيه خلف‬
‫‪ ، ] 611‬وقوله ‪َ{ :‬ت ْنُب ُ‬
‫االستفهام والجحد في أول الكالم‪ .‬قال الزجاج ‪ :‬والعرب تدخلها مع الجحد تقول ‪ :‬ما ظننت أن زيدا‬

‫بقائم‪ .‬وال تقول ‪ :‬ظننت أن زيدا بقائم‪ .‬وهو لدخول "ما" ودخول "أن" للتوكيد‪ .‬والتقدير ‪ :‬أليس اهلل‬
‫السم ِ‬
‫ض بِ َق ِادر} [يس ‪ .]36 :‬وق أر ابن مسعود‬
‫بقادر ‪ ،‬كقوله تعالى ‪{ :‬أ ََولَ ْي َس الَِّذي َخلَ َ‬
‫اوات َو ْاأل َْر َ‬
‫ق َّ َ َ‬
‫واألعرج والجحدري وابن أبي إ سحاق ويعقوب "يقدر" واختاره أبو حاتم ‪ ،‬ألن دخول الباء في خبر‬
‫السم ِ‬
‫ض َق ِادٌر}‬
‫"أن" قبيح‪ .‬واختار أبو عبيد قراءة العامة ‪ ،‬ألنها في قراءة عبداهلل { َخَل َ‬
‫اوات َو ْاأل َْر َ‬
‫ق َّ َ َ‬
‫بغير باء‪ .‬واهلل أعلم‪.‬‬

‫ِ‬
‫ار أَ َل ْي َس َه َذا بِالْ َح ِّ‬
‫ين َك َفُروا َعَلى النَّ ِ‬
‫اب‬
‫ق َقاُلوا َبَلى َوَربَِّنا َق َ‬
‫ال َف ُذ ُ‬
‫وق او ا ْل َع َذ َ‬
‫ض الَّذ َ‬
‫اآلية ‪َ { 88 :‬وَي ْوَم ُي ْعَر ُ‬
‫ون }‬
‫بِ َما ُك ْنُت ْم َت ْك ُفُر َ‬
‫ِ‬
‫ار} أي ذكرهم يوم يعرضون فيقال لهم ‪{ :‬النَّ ِ‬
‫ين َكفَُروا َعلَى النَّ ِ‬
‫ار أَلَيْ َس‬
‫ض الَّذ َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ويَ ْوَم ُي ْعَر ُ‬
‫َه َذا بِا ْل َح ِّ‬
‫ون} أي بكفركم‪.‬‬
‫ق َقاُلوا َبَلى َوَربَِّنا} فيقول لهم المقرر ‪َ { :‬ف ُذ ُ‬
‫اب بِ َما ُك ْنُت ْم َت ْك ُفُر َ‬
‫وقوا ا ْل َع َذ َ‬

‫(‪)263/61‬‬

‫ون َل ْم‬
‫صَبَر أُوُلوا ا ْل َع ْ ِزم ِم َن ُّ‬
‫وع ُد َ‬
‫الر ُس ِل َوال َت ْسَت ْع ِج ْل َل ُه ْم َكأَنَّ ُه ْم َي ْوَم َيَرْو َن َما ُي َ‬
‫اآلية ‪َ { 88 :‬ف ْ‬
‫اصِب ْر َك َما َ‬
‫ِ‬
‫ون}‬
‫اع ًة ِم ْن َن َهار َبال ٌ‬
‫غ َف َه ْل ُي ْهَل ُك إِ َّال الَْق ْوُم الْ َفاس ُق َ‬
‫َيلَْبثُوا إِ َّال َس َ‬
‫الر ُس ِل} وقال ابن عباس ‪ :‬ذوو الحزم والصبر ‪ ،‬قال‬
‫صَبَر أُولُوا الْ َع ْزِم ِم َن ُّ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬فَ ْ‬
‫اصبِ ْر َك َما َ‬
‫مجاهد ‪ :‬هم خمسة ‪ :‬نوح ‪ ،‬وابراهيم ‪ ،‬وموسى ‪ ،‬وعيسى ‪ ،‬ومحمد عليهم الصالة والسالم‪ .‬وهم‬

‫أصحاب الشرائع‪ .‬وقال أبو العالية ‪ :‬إن أولي العزم ‪ :‬نوح ‪ ،‬وهود ‪ ،‬وابراهيم‪ .‬فأمر اهلل عز وجل نبيه‬

‫عليه الصالة والسالم أن يكون رابعهم‪ .‬وقال السدي ‪ :‬هم ستة ‪ :‬إبراهيم ‪ ،‬وموسى ‪ ،‬وداود ‪،‬‬
‫وسليمان ‪ ،‬وعيسى ‪ ،‬ومحمد ‪ ،‬صلوات اهلل عليهم أجمعين‪ .‬وقيل ‪ :‬نوح ‪ ،‬وهود ‪ ،‬وصالح ‪ ،‬وشعيب‬
‫‪ ،‬ولوط ‪ ،‬وموسى ‪ ،‬وهم المذكورون على النسق في سورة "األعراف والشعراء"‪ .‬وقال مقاتل ‪ :‬هم‬
‫ستة ‪ :‬نوح صبر على أذى قومه مدة‪ .‬وابراهيم صبر على النار‪ .‬واسحاق صبر على الذبح‪ .‬ويعقوب‬
‫صبر على فقد الولد وذهاب البصر‪ .‬ويوسف صبر على البئر والسجن‪ .‬وأيوب صبر على الضر‪.‬‬
‫وقال ابن جريج ‪ :‬إن منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب ‪ ،‬وليس منهم يونس وال سليمان وال آدم‪ .‬وقال‬

‫الشعبي والكلبي ومجاهد أيضا ‪ :‬هم الذين أمروا بالقتال فأظهروا المكاشفة وجاهدوا الكفرة‪ .‬وقيل ‪ :‬هم‬
‫نجباء الرسل المذكورون في سورة "األنعام" وهم ثمانية عشر ‪ :‬إبراهيم ‪ ،‬واسحاق ‪ ،‬ويعقوب ‪ ،‬ونوح ‪،‬‬
‫وداود ‪ ،‬وسليمان ‪ ،‬وأيوب ‪ ،‬ويوسف ‪ ،‬وموسى ‪ ،‬وهرون ‪ ،‬وزكرياء ‪ ،‬ويحيى ‪ ،‬وعيسى ‪ ،‬والياس ‪،‬‬
‫ِ ِ‬
‫ين َه َدى‬
‫واسماعيل ‪ ،‬واليسع ‪ ،‬ويونس ‪ ،‬ولوط‪ .‬واختاره الحسن بن الفضل لقوله في عقبه ‪{ :‬أُولَئ َك الَّذ َ‬
‫اه ُم ا ْقَتِد ْه} [األنعام ‪ ]39 :‬وقال ابن عباس أيضا ‪ :‬كل الرسل كانوا أولي عزم‪ .‬واختاره علي‬
‫اللَّ ُه َفبِ ُه َد ُ‬

‫بن مهدي الطبري ‪ ،‬قال ‪ :‬وانما دخلت {من} للتجنيس ال للتبعيض ‪ ،‬كما تقول ‪ :‬اشتريت أردية من‬

‫البز وأكسية من الخز‪ .‬أي اصبر كما صبر الرسل‪ .‬وقيل ‪ :‬كل األنبياء أولو عزم إال يونس بن متى‬
‫‪ ،‬أال ترى أن‬

‫(‪)229/61‬‬

‫النبي صلى اهلل عليه وسلم نهي أن يكون مثله ‪ ،‬لخفة وعجلة ظهرت منه حين ولى مغاضبا لقومه ‪،‬‬
‫فابتاله اهلل بثالث ‪ :‬سلط عليه العمالقة حتى أغاروا على أهله وماله ‪ ،‬وسلط الذئب على ولده فأكله‬
‫‪ ،‬وسلط عليه الحوت فابتلعه ‪ ،‬قال أبو القاسم الحكيم‪.‬‬
‫وقال بعض العلماء ‪ :‬أولو العزم اثنا عشر نبيا أرسلوا إلى بني إسرائيل بالشام فعصوهم ‪ ،‬فأوحى اهلل‬
‫إليهم األنبياء أني مرسل عذابي إلى عصاة بني إسرائيل ؛ فشق ذلك على المرسلين فأوحى اهلل إليهم‬

‫اختاروا ألنفسكم ‪ ،‬إن شئتم أنزلت بكم العذاب وأنجيت بني إسرائيل ‪ ،‬الن شئتم نجيتكم وأنزلت‬
‫العذاب ببني إسرائيل ‪ ،‬فتشاوروا بينهم فاجتمع رأيهم على أن ينزل بهم العذاب وينجي اهلل بني‬
‫إسرائيل ‪ ،‬فأنجى اهلل بني إسرائيل وأنزل بأولئك العذاب‪ .‬وذلك أنه سلط عليهم ملوك األرض ‪ ،‬فمنهم‬
‫من نشر بالمناشير ‪ ،‬ومنهم من سلخ جلدة رأسه ووجهه ‪ ،‬ومنهم من صلب على الخشب حتى مات‬
‫‪ ،‬ومنهم من حرق بالنار‪ .‬واهلل أعلم‪ .‬وقال الحسن ‪ :‬أولو العزم أربعة ‪ :‬إبراهيم ‪ ،‬وموسى ‪ ،‬وداود ‪،‬‬
‫ِ‬
‫ين} [البقرة ‪ ]686 :‬ثم ابتلي في ماله‬
‫ت لَِر ِّ‬
‫َسلِ ْم َق َ‬
‫َسَل ْم ُ‬
‫ب ا ْل َعاَلم َ‬
‫ال أ ْ‬
‫وعيسى ‪ ،‬فأما إبراهيم فقيل له ‪{ :‬أ ْ‬
‫وولده ووطنه ونفسه ‪ ،‬فوجد صادقا وافيا في جميع ما ابتلي به‪ .‬وأما موسى فعزمه حين قال له‬
‫ال َك َّال إِ َّن َم ِعي َربِّي َسَي ْهِد ِ‬
‫ين} [الشعراء ‪ .] 16 :‬وأما داود فأخطأ خطيئته فنبه‬
‫ون‪َ .‬ق َ‬
‫قومه ‪{ :‬إِنَّا َل ُم ْدَرُك َ‬
‫َ‬
‫عليها ‪ ،‬فأقام يبكي أربعين سنة حتى نبتت من دموعه شجرة ‪ ،‬فقعد تحت ظلها‪ .‬وأما عيسى فعزمه‬
‫أنه لم يضع لبنة على لبنة وقال ‪ " :‬إنها معبرة فاعبروها وال تعمروها"‪ .‬فكأن اهلل تعالى يقول لرسوله‬
‫صلى اهلل عليه وسلم ‪ :‬اصبر ‪ ،‬أي كن صادقا فيما ابتليت به مثل صدق إبراهيم ‪ ،‬واثقا بنصرة‬

‫موالك مثل ثقة موسى ‪ ،‬مهتما بما سلف من هفواتك مثل اهتمام داود ‪ ،‬زاهدا في الدنيا مثل زهد‬

‫عيسى‪ .‬ثم قيل هي ‪ :‬منسوخة بآية السيف‪ .‬وقيل ‪ :‬محكمة ‪ ،‬واألظهر أنها منسوخة ‪ ،‬ألن السورة‬
‫مكية‪ .‬وذكر مقاتل ‪ :‬أن هذه اآلية نزلت على رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يوم أحد ‪ ،‬فأمره اهلل‬
‫عز وجل أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولو العزم من الرسل ‪ ،‬تسهيال عليه وتثبيتا له‪ .‬واهلل‬
‫أعلم‪.‬‬

‫قوله تعالى ‪َ { :‬وال َت ْسَت ْع ِج ْل َل ُه ْم} قال مقاتل ‪ :‬بالدعاء‬

‫(‪)226/61‬‬

‫عليهم‪ .‬وقيل ‪ :‬في إحالل العذاب بهم ‪ ،‬فإن أبعد غاياتهم يوم القيامة‪ .‬ومفعول االستعجال محذوف ‪،‬‬
‫ون} قال يحيى ‪ :‬من العذاب‪ .‬النقاش ‪ :‬من اآلخرة‪َ{ .‬ل ْم َيلَْبثُوا}‬
‫وع ُد َ‬
‫وهو العذاب‪{ .‬أَنَّ ُه ْم َي ْوَم َيَرْو َن َما ُي َ‬
‫أي في الدنيا حتى جاءهم العذاب ‪ ،‬وهو مقتضى قول يحيى‪ .‬وقال النقاش ‪ :‬في قبورهم حتى بعثوا‬
‫اع ًة ِم ْن َن َهار} يعني في جنب يوم القيامة‪ .‬وقيل ‪ :‬نساهم هول ما عاينوا من العذاب‬
‫للحساب‪{ .‬إِ َّال َس َ‬
‫غ} أي هذا القرآن بالغ ‪ ،‬قاله الحسن‪ .‬فـ "بالغ" رفع على إضمار مبتدأ ‪،‬‬
‫طول لبثهم في الدنيا‪َ{ .‬بال ٌ‬

‫غ لِلنَّ ِ‬
‫اس َولُِي ْن َذُروا بِ ِه} [إبراهيم ‪ ، ] 82 :‬وقوله ‪ِ { :‬إ َّن ِفي َه َذا َلَبالغًا لِقَ ْوم‬
‫دليله قوله تعالى ‪َ { :‬ه َذا َبال ٌ‬
‫ِ‬
‫ين} [األنبياء ‪ .] 691 :‬والبالغ بمعنى التبليغ‪ .‬وقيل ‪ :‬أي إن ذلك اللبث بالغ ‪ ،‬قاله ابن عيسى‬
‫َعابِد َ‬
‫‪ ،‬فيوقف على هذا على {بالغ} وعلى {نهار}‪ .‬وذكر أبو حاتم أن بعضهم وقف على { َوال تَ ْستَ ْع ِج ْل}‬
‫ثم ابتدأ {لهم} على معنى لهم بالغ‪ .‬قال ابن األنباري ‪ :‬وهذا خطأ ‪ ،‬ألنك قد فصلت بين البالغ‬
‫وبين الالم ‪ - ،‬وهي رافعة ‪ -‬بشيء ليس منهما‪ .‬ويجوز في العربية ‪ :‬بالغا وبالغ ‪ ،‬النصب على‬

‫معنى إال ساعة بالغا ‪ ،‬على المصدر أو على النعت للساعة‪ .‬والخفض على معنى من نهار بالغ‪.‬‬
‫وبالنصب قرأ عيسى بن عمو والحسن‪ .‬وروي عن بعض القراء {بلغ} على األمر ‪ ،‬فعلى هذه القراءة‬
‫ِ‬
‫ون} أي الخارجون عن‬
‫يكون الوقف على {من نهار} ثم يبتدئ {بلغ} ‪َ { .‬ف َه ْل ُي ْهَل ُك إِ َّال ا ْلقَ ْوُم الَْفاسقُ َ‬
‫أمر اهلل ‪ ،‬قاله ابن عباس وغيره‪ .‬وق أر ابن محيصن { َف َه ْل ُي ْهَل ُك إِ َّال ا ْلقَ ْوُم} على إسناد الفعل إلى‬
‫القوم‪ .‬وقال ابن عباس ‪ :‬إذا عسر على المرأة ولدها تكتب هاتين اآليتين والكلمتين في صحيفة ثم‬

‫تغسل وتسقى منها ‪ ،‬وهي ‪ :‬بسم اهلل الرحمن الرحيم ال إله إال اهلل العظيم الحليم الكريم ‪ ،‬سبحان اهلل‬
‫ِ‬
‫اها}‬
‫ض َح َ‬
‫رب السموات ورب األرض ورب العرش العظيم { َكأَنَّ ُه ْم َي ْوَم َيَرْوَن َها لَ ْم َيلَْبثُوا إِ َّال َعشيَّةً أ َْو ُ‬
‫غ َف َه ْل ُي ْهَل ُك إِ َّال ا ْل َق ْوُم‬
‫اع ًة ِم ْن َن َهار َبال ٌ‬
‫ون َل ْم َي ْلَبثُوا إِ َّال َس َ‬
‫وع ُد َ‬
‫[النازعات ‪َ { .] 81 :‬كأَنَّ ُه ْم َي ْوَم َيَرْو َن َما ُي َ‬
‫ِ‬
‫ون} صدق اهلل العظيم‪ .‬وعن قتادة ‪ :‬ال يهلك اهلل إال هالكا مشركا‪ .‬وقيل ‪ :‬هذه أقوى آية في‬
‫الْ َفاسقُ َ‬
‫الرجاء‪ .‬واهلل أعلم‪.‬‬

‫(‪)222/61‬‬

‫تفسير سورة القتال ‪ ،‬وهي سورة محمد‬
‫‪...‬‬

‫سورة القتال وهي سورة محمد صلى اهلل عليه وسلم‬
‫مدنية في قول ابن عباس ‪ ،‬ذكره النحاس‪ .‬وقال الماوردي ‪ :‬في قول الجميع إال ابن عباس وقتادة‬
‫فإنهما قاال ‪ :‬إال آية منها نزلت عليه بعد حجة الوداع حين خرج من مكة ‪ ،‬وجعل ينظر إلى البيت‬
‫َش ُّد ُق َّوًة ِم ْن َق ْرَيتِ َك} [محمد ‪ .]68 :‬وقال‬
‫ِّن ِم ْن َق ْرَية ِه َي أ َ‬
‫وهو يبكي حزنا عليه ‪ ،‬فنزل عليه { َو َكأَي ْ‬
‫الثعلبي ‪ :‬إنها مكية ‪ ،‬وحكاه ابن هبة اهلل عن الضحاك وسعيد بن جبير‪ .‬وهي تسع وثالثون آية‪.‬‬
‫وقيل ثمان‪.‬‬

‫اآلية ‪{ 6 :‬الَِّذين َك َفروا وص ُّدوا ع ْن سبِ ِ ِ‬
‫َض َّل أَ ْع َمالَ ُه ْم}‬
‫يل اللَّه أ َ‬
‫َ َ‬
‫َ ُ َ َ‬
‫قال ابن عباس ومجاهد ‪ :‬هم أهل مكة كفروا بتوحيد اهلل ‪ ،‬وصدوا أنفسهم والمؤمنين عن دين اهلل‬
‫وهو اإلسالم بنهيهم عن الدخول فيه ‪ ،‬وقال السدي‪ .‬وقال الضحاك ‪َ { :‬ع ْن سبِ ِ‬
‫يل اللَّ ِه} عن بيت اهلل‬
‫َ‬
‫َع َماَل ُه ْم} ‪ :‬أبطل كيدهم وم كرهم بالنبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬وجعل‬
‫َض َّل أ ْ‬
‫بمنع قاصديه‪ .‬ومعنى {أ َ‬

‫الدائرة عليهم ‪ ،‬قال الضحاك‪ .‬وقيل ‪ :‬أبطل ما عملوه في كفرهم بما كانوا يسمونه مكارم ‪ ،‬من صلة‬
‫األرحام وفك األسارى وقرى األضياف وحفظ الجوار‪ .‬وقال ابن عباس ‪ :‬نزلت في المطعمين ببدر ‪،‬‬
‫وهم اثنا عشر رجال ‪ :‬أبو جهل ‪ ،‬والحارث بن ه شام ‪ ،‬وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ‪ ،‬وأبي وأمية ابنا‬
‫خلف ‪ ،‬ومنبه ونبيه ابنا الحجاج ‪ ،‬وأبو البختري بن هشام ‪ ،‬وزمعة بن األسود ‪ ،‬وحكيم بن حزام ‪،‬‬

‫والحارث بن عامر بن نوفل‪.‬‬
‫اآلية ‪ { 2 :‬والَِّذين آمُنوا وع ِمُلوا َّ ِ ِ‬
‫آمُنوا بِ َما ُنِّزَل َعَلى ُم َح َّمد َوُه َو الْ َح ُّ‬
‫ق ِم ْن َربِّ ِه ْم َك َّفَر َع ْن ُه ْم‬
‫َ َ َ ََ‬
‫الصال َحات َو َ‬
‫ِ‬
‫َصلَ َح َبالَ ُه ْم }‬
‫َسيَِّئات ِه ْم َوأ ْ‬

‫(‪)228/61‬‬

‫َِّ‬
‫آمُنوا} قال ابن عباس ومجاهد ‪ :‬هم األنصار‪ .‬وقال مقاتل ‪ :‬إنها نزلت خاصة‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬والذ َ‬
‫ين َ‬
‫َع َمالَ ُه ْم} ‪ :‬أبطلها‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫َض َّل أ ْ‬
‫في ناس من قريش‪ .‬وقيل ‪ :‬هما عامتان فيمن كفروا وآمن‪ .‬ومعنى {أ َ‬
‫الصالِح ِ‬
‫ِ‬
‫ات} من قال إنهم األنصار‬
‫أضلهم عن الهدى بما صرفهم عنه من التوفيق‪{ .‬وعملوا َو َعمُلوا َّ َ‬
‫فهي المواساة في مساكنهم وأموالهم‪ .‬ومن قال إنهم من قريش فهي الهجرة‪ .‬ومن قال بالعموم‬

‫آمُنوا بِ َما ُنِّزَل َعلَى ُم َح َّمد} لم يخالفوه في شيء‬
‫فالصالحات جميع األعمال التي ترضي اهلل تعالى‪َ { .‬و َ‬
‫‪ ،‬قال سفيان الثوري‪ .‬وقيل ‪ :‬صدقوا محمدا صلى اهلل عليه وسلم فيما جاء به‪َ { .‬وُه َو الْ َح ُّ‬
‫ق ِم ْن َربِّ ِه ْم}‬
‫يريد أن إيمانهم هو الحق من ربهم‪ .‬وقيل ‪ :‬أي إن القرآن هو الحق من ربهم ‪ ،‬نسخ به ما قبله { َكفََّر‬
‫ِ‬
‫َصَل َح َباَل ُه ْم} أي شأنهم ‪ ،‬عن مجاهد‬
‫َع ْن ُه ْم َسيَِّئ ات ِه ْم} أي ما مضى من سيئاتهم قبل اإليمان‪َ { .‬وأ ْ‬
‫وغيره‪ .‬وقال قتادة ‪ :‬حالهم‪ .‬ابن عباس ‪ :‬أمورهم‪ .‬والثالثة متقاربة وهي متأولة على إصالح ما تعلق‬
‫بدنياهم‪ .‬وحكى النقاش أن المعنى أصلح نياتهم ‪ ،‬ومنه قول ال شاعر ‪:‬‬
‫فإن تقبلي بالود أقبل بمثله ‪ ...‬وان تدبري أذهب إلى حال باليا‬
‫وهو على هذا التأول محمول على صالح دينهم‪{ .‬والبال} كالمصدر ‪ ،‬وال يعرف منه فعل ‪ ،‬وال‬
‫تجمعه العرب إال في ضرورة الشعر فيقولون فيه ‪ :‬باالت‪ .‬المبرد ‪ :‬قد يكون البال في موضع آخر‬

‫بمعنى القلب ‪ ،‬يقال ‪ :‬ما يخطر فالن على بالي ‪ ،‬أي على قلبي‪ .‬الجوهري ‪ :‬والبال رخاء النفس ‪،‬‬
‫يقال فالن رخي البال‪ .‬والبال ‪ :‬الحال ؛ يقال ما بالك‪ .‬وقولهم ‪ :‬ليس هذا من بالي ‪ ،‬أي مما أباليه‪.‬‬
‫والبال ‪ :‬الحوت العظيم من حيتان البحر ‪ ،‬وليس بعربي‪ .‬والبالة ‪ :‬وعاء الطيب ‪ ،‬فارسي معرب ‪،‬‬
‫وأصله بالفارسية بيلة‪ .‬قال أبو ذؤيب ‪:‬‬
‫كأن عليها بالة لطمية ‪ ...‬لها من خالل الدأيتين أريج‬

‫(‪)228/61‬‬

‫اط َل وأ َّ ِ‬
‫َن الَِّذين َك َفروا اتَّبعوا ا ْلب ِ‬
‫آمُنوا اتََّب ُعوا ا ْل َح َّ‬
‫ب‬
‫ك بِأ َّ‬
‫اآلية ‪َ { 8 :‬ذلِ َ‬
‫ق ِم ْن َربِّ ِه ْم َك َذلِ َك َي ْ‬
‫ض ِر ُ‬
‫َن الَّذ َ‬
‫َ ُ َُ َ‬
‫ين َ‬
‫َ‬
‫اللَّ ُه لِلنَّا ِ‬
‫َمثَالَ ُه ْم}‬
‫س أْ‬
‫اط َل وأ َّ ِ‬
‫َن الَِّذين َكفَروا اتَّبعوا الْب ِ‬
‫آمُنوا اتََّب ُعوا الْ َح َّ‬
‫ق ِم ْن َربِّ ِه ْم} { َذلِ َك} في‬
‫ك بِأ َّ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ذلِ َ‬
‫َن الَّذ َ‬
‫َ ُ َُ َ‬
‫ين َ‬
‫َ‬
‫موضع رفع ‪ ،‬أي األم ذلك ‪ ،‬أو ذلك اإلضالل والهدى المتقدم ذكرهما سببه هذا‪ .‬فالكافر اتبع الباطل‬
‫ب اللَّ ُه لِلنَّ ِ‬
‫اس‬
‫‪ ،‬والمؤمن اتبع الحق‪ .‬والباطل ‪ :‬الشرك‪ .‬والحق ‪ :‬التوحيد واإليمان‪َ { .‬ك َذلِ َك َي ْ‬
‫ض ِر ُ‬
‫َمثَاَل ُه ْم} أي كهذا البيان الذي بين يبين اهلل للناس أمر الحسنات والسيئات‪ .‬والضمير في {أمثالهم}‬
‫أْ‬

‫يرجع إلى الذين كفروا والذين آمنوا‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫الرقَ ِ‬
‫اق فَإِ َّما َمنّاً َب ْع ُد َِوا َّما‬
‫ب ِّ‬
‫وه ْم فَ ُش ُّدوا الَْوثَ َ‬
‫اب َحتَّى إِ َذا أَثْ َخنْتُ ُم ُ‬
‫ض ْر َ‬
‫ين َكفَُروا فَ َ‬
‫اآلية ‪{ 8 :‬فَإِ َذا لَقيتُ ُم الَّذ َ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين‬
‫ب أ َْوَزَارَها َذلِ َ‬
‫اء اللَّ ُه ْ‬
‫ض ُك ْم بَِب ْعض َوالَّذ َ‬
‫صَر م ْن ُه ْم َوَلك ْن لَي ْبُل َو َب ْع َ‬
‫ض َع الْ َح ْر ُ‬
‫اء َحتَّى َت َ‬
‫النَت َ‬
‫ك َوَل ْو َي َش ُ‬
‫ف َد ً‬
‫يل اللَّ ِه َفلَ ْن ي ِ‬
‫ُقتِلُوا ِفي سبِ ِ‬
‫َع َمالَ ُه ْم}‬
‫ض َّل أ ْ‬
‫ُ‬
‫َ‬
‫فيه أربع مسائل ‪:‬‬

‫ِ‬
‫ِ‬
‫الرَق ِ‬
‫اب} لما ميز بين الفريقين أمر بجهاد‬
‫ب ِّ‬
‫ض ْر َ‬
‫ين َك َفُروا َف َ‬
‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬فإِ َذا َلق ُيت ُم الَّذ َ‬
‫الكفار‪ .‬قال ابن عباس ‪ :‬الكفار المشركون عبدة األوثان‪ .‬وقيل ‪ :‬كل من خالف دين اإلسالم من‬

‫مشرك أو كتابي إذا لم يكن صاحب عهد وال ذمة ‪ ،‬ذكره الماوردي‪ .‬واختاره ابن العربي وقال ‪ :‬وهو‬

‫الرَق ِ‬
‫اب} مصدر‪ .‬قال الزجاج ‪ :‬أي فاضربوا الرقاب ضربا‪.‬‬
‫ب ِّ‬
‫ض ْر َ‬
‫الصحيح لعموم اآلية فيه‪{ .‬فَ َ‬
‫وخص الرقاب بالذكر ألن القتل أكثر ما يكون بها‪ .‬وقيل ‪ :‬نصب على اإلغراء‪ .‬قال أبو عبيدة ‪ :‬هو‬
‫كقولك يا نفس صبرا‪ .‬وقيل ‪ :‬التقدير‬

‫(‪)228/61‬‬

‫الرَق ِ‬
‫اب} ولم يقل فاقتلوهم ‪ ،‬ألن في العبارة بضرب الرقاب‬
‫ب ِّ‬
‫ض ْر َ‬
‫اقصدوا ضرب الرقاب‪ .‬وقال ‪َ { :‬ف َ‬
‫من الغلظة والشدة ما ليس في لفظ القتل ‪ ،‬لما فيه من تصوير القتل بأشنع صوره ‪ ،‬وهو حز العنق‬
‫واطارة العضو الذي هو رأس البدن وعلوه وأوجه أعضائه‪.‬‬

‫وه ْم} أي أكثرتم القتل‪ .‬وقد مضى في "األنفال" عند قوله‬
‫الثانية ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬حَّتى ِإ َذا أَثْ َخ ْنُت ُم ُ‬
‫تعالى ‪َ { :‬حتَّى ُيثْ ِخ َن ِفي ْاأل َْر ِ‬
‫اق} أي إذا أسرتموهم‪ .‬والوثاق اسم من‬
‫ض} [األنفال ‪{ .]18 :‬فَ ُش ُّدوا الْ َوثَ َ‬
‫اإليثاق ‪ ،‬وقد يكون مصدرا ‪ ،‬يقال ‪ :‬أوثقته إيثاقا ووثاقا‪ .‬وأما الوثاق (بالكسر) فهو اسم الشيء الذي‬

‫يوثق به كالرباط ؛ قاله القشيري‪ .‬وقال الجوهري ‪ :‬وأوثقه في الوثاق أي شده ‪ ،‬وقال تعالى ‪َ { :‬ف ُش ُّدوا‬
‫ِ‬
‫اء}‬
‫ا ْل َوثَ َ‬
‫اق} ‪ .‬والوثاق (بكسر الواو) لغة فيه‪ .‬وانما أمر بشد الوثاق لئال يفلتوا‪َ { .‬فإِ َّما َمّنًا َب ْع ُد َِوا َّما ف َد ً‬

‫ِ‬
‫اء}‪ .‬ولم يذكر القتل ها هنا اكتفاء بما تقدم من‬
‫{ َفِإ َّما َمّنًا} عليهم باإلطالق من غير فدية { َِوا َّما ف َد ً‬
‫ِ‬
‫اء} نصب بإضمار فعل‪ .‬وقرئ { َف ًدى} بالقصر مع فتح الفاء‬
‫القتل في صدر الكالم ‪ ،‬و { َمّناً} و {ف َد ً‬
‫‪ ،‬أي فإما أن تمنوا عليهم منا ‪ ،‬واما أن تفادوهم فداء‪.‬‬

‫روي عن بعضهم أنه قال ‪ :‬كنت واقفا على رأس الحجاج حين أتي باألسرى من أصحاب عبدالرحمن‬
‫بن األشعث وهم أربعة آالف وثمانمائة فقتل منهم نحو من ثالثة آالف حتى قدم إليه رجل من كندة‬

‫فقال ‪ :‬يا حجاج ‪ ،‬ال جازاك اهلل عن السنة والكرم خيرا قال ‪ :‬ولم ذلك ؟ قال ‪ :‬ألن اهلل تعالى قال ‪:‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫الرَق ِ‬
‫اء} في‬
‫ب ِّ‬
‫وه ْم َف ُش ُّدوا الْ َوثَ َ‬
‫اب َحتَّى إِ َذا أَثْ َخ ْنُت ُم ُ‬
‫ض ْر َ‬
‫ين َك َفُروا َف َ‬
‫{ َفإِ َذا لَق ُيت ُم الَّذ َ‬
‫اق َفإِ َّما َمّناً َب ْع ُد َِوا َّما ف َد ً‬
‫حق الذين كفروا ‪ ،‬فواهلل ما مننت وال فديت ؟ وقد قال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم‬
‫األخالق ‪:‬‬
‫وال نقتل األسرى ولكن نفكهم ‪ ...‬إذا أثقل األعناق حمل المغارم‬

‫فقال الحجاج ‪ :‬أف لهذه الجيف أما كان فيهم من يحسن مثل هذا الكالم ؟ خلوا سبيل من بقي‪.‬‬
‫فخلي يومئذ عن بقية األسرى ‪ ،‬وهم زهاء ألفين ‪ ،‬بقول ذلك الرجل‪.‬‬

‫(‪)221/61‬‬

‫الثالثة ‪ :‬واختلف العلماء في تأويل هذه اآلية على خمسة أقوال ‪:‬‬
‫األول ‪ :‬أنها منسوخة ‪ ،‬وهي في أهل األوثان ‪ ،‬ال يجوز أن يفادوا وال يمن عليهم‪ .‬والناسخ لها‬
‫عندهم قوله تعالى ‪َ { :‬فا ْقُتُلوا ا ْلم ْ ِ‬
‫وه ْم} [التوبة ‪ ] 8 :‬وقوله ‪َ { :‬فإِ َّما َتثَْق َفنَّ ُه ْم ِفي‬
‫ين َح ْي ُ‬
‫ث َو َج ْدُت ُم ُ‬
‫ش ِرك َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين َكافَّةً} [التوبة ‪ ] 81 :‬اآلية ‪،‬‬
‫الْ َح ْر ِب َف َ‬
‫شِّرْد بِ ِه ْم َم ْن َخلْ َف ُه ْم} [األنفال ‪ ]88 :‬وقوله ‪َ { :‬وَقاتلُوا الْ ُم ْش ِرك َ‬
‫قال قتادة والضحاك والسدي وابن جريج والعوفي عن ابن عباس ‪ ،‬وقاله كثير من الكوفيين‪ .‬وقال‬

‫عبدالكريم الجوزي ‪ :‬كتب إلى أبي بكر في أسير أسر ‪ ،‬فذكروا أنهم التمسوه بفداء كذا وكذا ‪ ،‬فقال‬
‫اقتلوه ‪ ،‬لقتل رجل من المشركين أحب إلي من كذا وكذا‪ .‬الثاني ‪ :‬أنها في الكفار جميعا‪ .‬وهي‬
‫منسوخة على قول جماعة من العلماء وأهل النظر ‪ ،‬منهم قتادة ومجاهد‪ .‬قالوا ‪ :‬إذ أسر المشرك لم‬

‫يجز أن يمن عليه ‪ ،‬وال أن يفادى به فيرد إلى المشركين ‪ ،‬وال يجوز أن يفادى عندهم إال بالمرأة ‪،‬‬
‫ِ‬
‫وه ْم} [التوبة ‪ ]8 :‬إذ كانت براءة آخر ما‬
‫ين َحيْ ُ‬
‫ث َو َج ْدتُ ُم ُ‬
‫ألنها ال تقتل‪ .‬والناسخ لها ‪{ :‬فَاقْتُلُوا الْ ُم ْش ِرك َ‬
‫نزلت بالتوقيف ‪ ،‬فوجب أن يقتل كل مشرك إال من قامت الداللة على تركه من النساء والصبيان‬
‫ومن يؤخذ منه الجزية‪ .‬وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة ‪ ،‬خيفة أن يعودوا حربا للمسلمين‪ .‬ذكر‬
‫ِ‬
‫اء} قال ‪ :‬نسخها { َف َشِّرْد بِ ِه ْم َم ْن َخ ْل َف ُه ْم }‪.‬‬
‫عبدالرزاق أخبرنا معمر عن قتادة { َفإِ َّما َمّنًا َب ْع ُد َِوا َّما ف َد ً‬
‫ِ‬
‫وه ْم} [التوبة ‪ .]8 :‬وهو قول الحكم‪.‬‬
‫ين َح ْي ُ‬
‫ث َو َج ْدُت ُم ُ‬
‫وقال مجاهد ‪ :‬نسخها { َفا ْقُتُلوا الْ ُم ْش ِرك َ‬
‫الثالث ‪ :‬أنها ناسخة ‪ ،‬قال الضحاك وغيره‪ .‬روى الثوري عن جويبر عن الضحاك ‪َ { :‬فا ْقُتُلوا‬

‫ِ‬
‫ِ‬
‫اء} ‪ .‬وقال ابن المبارك‬
‫ين َح ْي ُ‬
‫ث َو َج ْدُت ُم ُ‬
‫ا ْل ُم ْش ِرك َ‬
‫وه ْم} [التوبة ‪ ]8 :‬قال ‪ :‬نسخها { َفإِ َّما َمّنًا َب ْع ُد َِوا َّما ف َد ً‬
‫عن ابن جريج عن عطاء ‪ " :‬فإما منا بعد واما فداء فال يقتل المشرك ولكن يمن عليه ويفادى ‪ ،‬كما‬
‫ِ‬
‫اء} ‪.‬‬
‫قال اهلل عز وجل‪ .‬وقال أشعث ‪ :‬كان الحسن يكره أن يقتل األسير ‪ ،‬ويتلو {فَإِ َّما َمنّاً َب ْع ُد َوِا َّما ف َد ً‬
‫وقال الحسن أيضا ‪ :‬في اآلية تقديم وتأخير ‪ ،‬فكأنه قال ‪ :‬فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها‪.‬‬

‫اق}‪.‬‬
‫وه ْم فَ ُش ُّدوا الْ َوثَ َ‬
‫ثم قال ‪َ { :‬حتَّى إِ َذا أَثْ َخنْتُ ُم ُ‬

‫(‪)228/61‬‬

‫وزعم أنه ليس لإلمام إذا حصل األسير في يديه أن يقتله ‪ ،‬لكنه بالخيار في ثالثة منازل ‪ :‬إما أن‬
‫يمن ‪ ،‬أو يفادي ‪ ،‬أو يسترق‪.‬‬
‫الرابع ‪ :‬قول سعيد بن جبير ‪ :‬ال يكون فداء وال أسر إال بعد اإلثخان والقتل بالسيف ‪ ،‬لقوله تعالى ‪:‬‬
‫َسَرى َحتَّى ُيثْ ِخ َن ِفي ْاأل َْر ِ‬
‫ض} [األنفال ‪ .] 18 :‬فإذا أسر بعد ذلك فلإلمام‬
‫ان لَِنبِ ٍّي أ ْ‬
‫ون لَ ُه أ ْ‬
‫َن َي ُك َ‬
‫{ َما َك َ‬
‫أن يحكم بما رآه من قتل أو غيره‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬أن اآلية محكمة ‪ ،‬واإلمام مخير في كل حال ‪ ،‬رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ‪،‬‬
‫وقال كثير من العلماء منهم ابن عمر والحسن وعطاء ‪ ،‬وهو مذهب مالك والشافعي والثوري‬
‫واألوزاعي وأبي عبيد وغيرهم‪ .‬وهو االختيار ‪ ،‬ألن النبي صلى اهلل عليه وسلم والخلفاء الراشدين‬
‫فعلوا كل ذلك ‪ ،‬قتل النبي صلى اهلل عليه وسلم عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث يوم بدر‬

‫صبرا ‪ ،‬وفادى سائر أسارى بدر ‪ ،‬ومن على ثمامة بن أثال الحنفي وهو أسير في يده ‪ ،‬وأخذ من‬
‫سلمة بن األكوع جارية ففدى بها أناسا من المسلمين ‪ ،‬وهبط عليه عليه السالم قوم من أهل مكة‬
‫فأخذهم النبي صلى اهلل عليه وسلم ومن عليهم ‪ ،‬وقد من على سبي هوازن‪ .‬وهذا كله ثابت في‬
‫الصحيح ‪ ،‬وقد مضى جميعه في "األنفال" وغيرها‪.‬‬
‫قال النحاس ‪ :‬وهذا على أن اآليتين محكمتان معمول بهما ‪ ،‬وهو قول حسن ‪ ،‬ألن النسخ إنما يكون‬
‫لشيء قاطع ‪ ،‬فإذا أمكن العمل باآليتين فال معنى للقول بالنسخ ‪ ،‬إذا كان يجوز أن يقع التعبد إذا‬
‫لقينا الذين كفروا قتلناهم ‪ ،‬فإذا كان األسر جاز القتل واالسترقاق والمفاداة والمن ‪ ،‬على ما فيه‬

‫الصالح للمسلمين‪ .‬وهذا القول يروى عن أهل المدينة والشافعي وأبي عبيد ‪ ،‬وحكاه الطحاوي مذهبا‬
‫عن أبي حنيفة ‪ ،‬والمشهور عنه ما قدمناه ‪ ،‬وباهلل عز وجل التوفيق‪.‬‬

‫ب أ َْوَزَارَها} قال ‪ ،‬مجاهد وابن جبير ‪ :‬هو خروج عيسى عليه‬
‫ض َع الْ َح ْر ُ‬
‫الرابعة ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬حتَّى َت َ‬
‫السالم‪ .‬وعن مجاهد أيضا ‪ :‬أن المعنى حتى ال يكون دين إال دين اإلسالم ‪ ،‬فيسلم كل يهودي‬
‫ونصراني وصاحب ملة ‪ ،‬وتأمن الشاة من الذئب‪ .‬ونحوه‬

‫(‪)223/61‬‬

‫عن الحسن والكلبي والفراء والكسائي‪ .‬قال الكسائي ‪ :‬حتى يسلم الخلق‪ .‬وقال الفراء ‪ :‬حتى يؤمنوا‬
‫ويذهب الكفر‪ .‬وقال الكلبي ‪ :‬حتى يظهر اإلسالم على الدين كله‪ .‬وقال الحسن ‪ :‬حتى ال يعبدوا إال‬
‫اهلل‪ .‬وقيل ‪ :‬معنى األوزار السالح ‪ ،‬فالمعنى شدوا الوثاق حتى تأمنوا وتضعوا السالح‪ .‬وقيل ‪ :‬معناه‬
‫حتى تضع الحرب ‪ ،‬أي األعداء المحاربون أوزارهم ‪ ،‬وهو سالحهم بالهزيمة أو الموادعة‪ .‬ويقال‬

‫للكراع أوزار‪ .‬قال األعشى ‪:‬‬

‫وأعددت للحرب أوزارها ‪ ...‬رماحا طواال وخيال ذكو ار‬
‫ومن نسج داود يحدى بها ‪ ...‬على أثر الحي عيرا فعي ار‬

‫ب أ َْوَزَارَها} أي أثقالها‪ .‬والوزر الثقل ‪ ،‬ومنه وزير الملك ألنه يتحمل عنه‬
‫ض َع الْ َح ْر ُ‬
‫وقيل ‪َ { :‬حتَّى تَ َ‬
‫األثقال‪ .‬وأثقالها السالح لثقل حملها‪ .‬قال ابن العربي ‪ :‬قال الحسن وعطاء ‪ :‬في اآلية تقديم وتأخير‬
‫‪ ،‬المعنى فضرب ال رقاب حتى تضع الحرب أوزارها فإذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ‪ ،‬وليس لإلمام أن‬

‫يقتل األسير‪ .‬وقد روي عن الحجاج أنه دفع أسيرا إلى عبداهلل بن عمر ليقتله فأبى وقال ‪ :‬ليس بهذا‬

‫اق} ‪ .‬قلنا ‪ :‬قد قاله رسول اهلل ‪ :‬صلى اهلل عليه وسلم‬
‫وه ْم َف ُش ُّدوا الْ َوثَ َ‬
‫أمرنا اهلل ‪ ،‬وقرأ { َحتَّى إِ َذا أَثْ َخ ْنُت ُم ُ‬
‫وفعله ‪ ،‬وليس في تفسير اهلل للمن والفداء منع من غيره ‪ ،‬فقد بين اهلل في الزنى حكم الجلد ‪ ،‬وبين‬
‫النبي صلى اهلل عليه وسلم حكم الرجم ‪ ،‬ولعل ابن عمر كره ذلك من يد الحجاج فاعتذر بما قال ‪،‬‬

‫وربك أعلم‪.‬‬

‫ِ‬
‫ك ولَو َي َش َّ‬
‫صَر ِمنْ ُه ْم} {ذلك} في موضع رفع على ما تقدم ‪ ،‬أي األمر‬
‫اء الل ُه النْتَ َ‬
‫ُ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ذل َ َ ْ‬
‫ذلك الذي ذكرت وبينت‪ .‬وقيل ‪ :‬هو منصوب على معنى افعلوا ذلك‪ .‬ويجوز أن يكون مبتدأ ‪،‬‬
‫المعنى ذلك حكم الكفار‪ .‬وهي كلمة يستعملها الفصيح عند الخروج من كالم إلى كالم ‪ ،‬وهو كما‬
‫ِ َّ ِ‬
‫ين َل َشَّر َمآب} [ص ‪ .]88 :‬أي هذا حق وأنا أعرفكم أن للظالمين كذا‪.‬‬
‫قال تعالى ‪َ { :‬ه َذا َوِا َّن للطاغ َ‬
‫صَر ِم ْن ُه ْم} أي أهلكهم بغير قتال‪ .‬وقال‬
‫ومعنى ‪ْ { :‬‬
‫النَت َ‬

‫(‪)223/61‬‬

‫ِ ِ‬
‫ض ُك ْم بَِب ْعض} أي أمركم بالحرب ليبلو‬
‫ابن عباس ‪ :‬ألهلكهم بجند من المالئكة‪َ { .‬وَلك ْن لَي ْبُل َو َب ْع َ‬
‫ِ‬
‫ين قُتِلُوا فِي سبِ ِ‬
‫يل‬
‫ويخت بر بعضكم ببعض فيعلم المجاهدين والصابرين ‪ ،‬كما في السورة نفسها‪َ { .‬والَّذ َ‬
‫َ‬
‫اللَّ ِه} يريد قتلى أحد من المؤمنين { َفَل ْن ي ِ‬
‫َع َماَل ُه ْم} قراءة العامة {قاتلوا} وهي اختيار أبي عبيد‪.‬‬
‫ض َّل أ ْ‬
‫ُ‬
‫وقرأ أبو عمرو وحفص {قتلوا} بضم القاف وكسر التاء ‪ ،‬وكذلك ق أر الحسن إال أنه شدد التاء على‬

‫التكثير‪ .‬وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر وأبو حيوة {قتلوا} بفتح القاف والتاء من غير ألف ‪ ،‬يعني‬
‫الذين قتلوا المشركين‪ .‬قال قتادة ‪ :‬ذكر لنا أن هذه اآلية نزلت يوم أحد ورسول اهلل صلى اهلل عليه‬
‫وسلم في الشعب ‪ ،‬وقد فشت فيهم الجراحات والقتل ‪ ،‬وقد نادى المشركون ‪ :‬اعل هبل‪ .‬ونادى‬
‫المسلمون ‪ :‬اهلل أعلى وأجل‪ .‬وقال المشركون ‪ :‬يوم بيوم بدر والحرب سجال‪ .‬فقال النبي صلى اهلل‬

‫عليه وسلم ‪" :‬قولوا ال سواء‪ .‬قتالنا أحياء عند ربهم يرزقون وقتالكم في النار يعذبون"‪ .‬فقال‬

‫المشركون ‪ :‬إن لنا العزى وال عزى لكم‪ .‬فقال المسلمون ‪ :‬اهلل موالنا وال مولى لكم‪ .‬وقد تقدم ذكر ذلك‬
‫في (آل عمران"‪.‬‬
‫ِ‬
‫صلِ ُح َباَل ُه ْم}‬
‫اآلية ‪َ { 8 :‬سَي ْهدي ِه ْم َوُي ْ‬
‫ِ‬
‫صلِ ُح َباَل ُه ْم} والمقتول ال‬
‫قال القشيري ‪ :‬قراءة أبي عمرو {قتلوا} بعيدة ‪ ،‬لقوله تعالى ‪َ { :‬سَي ْهدي ِه ْم َوُي ْ‬
‫يوصف بهذا‪ .‬قال غيره ‪ :‬ي كون المعنى سيهديهم إلى الجنة ‪ ،‬أو سيهدي من بقي منهم ‪ ،‬أي يحقق‬

‫لهم الهداية‪ .‬وقال ابن زياد ‪ :‬سيهديهم إلى محاجة منكر ونكير في القبر‪ .‬قال أبو المعالي ‪ :‬وقد ترد‬

‫الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية إليها ‪ ،‬ومن ذلك قوله تعالى‬
‫صر ِ‬
‫ِ‬
‫في صفة المجاهدين ‪َ { :‬فَل ْن ي ِ‬
‫اط‬
‫َع َماَل ُه ْم‪َ .‬سَي ْهِدي ِه ْم} ومنه قوله تعالى ‪َ { :‬ف ْ‬
‫اه ُد ُ‬
‫ض َّل أ ْ‬
‫ُ‬
‫وه ْم إَِلى َ‬
‫الْ َج ِح ِيم} [الصافات ‪ ]28 :‬معناه فاسلكوا بهم إليها‪.‬‬
‫اآلية ‪َ { 1 :‬وُي ْد ِخلُ ُه ُم الْ َجنَّةَ َعَّرفَ َها لَ ُه ْم}‬

‫(‪)289/61‬‬

‫أي إذا دخلوها يقال لهم تفرقوا إلى منازلكم ؛ فهم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى‬

‫منازلهم‪ .‬قال معناه مجاهد وأكثر المفسدين‪ .‬وفي البخاري ما يدل على صحة هذا القول عن أبي‬

‫سعيد الخدري ‪ ،‬قال ‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬يخلص المؤمنون من النار فحبسون‬
‫على قنطرة بين الجنة والنا ر فيقص لبعضهم من بعض مظالم كان بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا‬
‫ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده ألحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله في‬

‫الدنيا"‪ .‬وقيل ‪َ { :‬عَّرَف َها لَ ُه ْم} أي بينها لهم حتى عرفوها من غير استدالل‪ .‬قال الحسن ‪ :‬وصف اهلل‬
‫تعالى ل هم الجنة في الدنيا ‪ ،‬فلما دخلوها عرفوها بصفتها‪ .‬وقيل ‪ :‬فيه حذف ؛ أي عرف طرقها‬
‫ومساكنها وبيوتها لهم ؛ فحذف المضاف‪ .‬وقيل ‪ :‬هذا التعريف ‪ ،‬بدليل ‪ ،‬وهو الملك الموكل بعمل‬
‫العبد يمشي بين يديه ويتبعه العبد حتى يأتي العبد منزله ‪ ،‬ويعرفه الملك جميع ما جعل له في‬

‫الجنة‪ .‬وحديث أبي سعيد الخدري يرده‪ .‬وقال ابن عباس ‪َ { :‬عَّرَف َها َل ُه ْم} أي طيبها لهم بأنواع المالذ ؛‬
‫مأخوذ من العرف ‪ ،‬وهو الرائحة الطيبة‪ .‬وطعام معرف أي مطيب ؛ تقول العرب ‪ :‬عرفت القدر إذا‬

‫طيبتها بالملح واألبزار‪ .‬وقال الشاعر يخاطب رجال ويمدحه ‪:‬‬

‫عرفت كإتب عرفته اللطائم‬
‫يقول ‪ :‬كما عرف اإلتب ‪ ،‬وهو البقير والبقيرة ‪ ،‬وهو قميص ال كمين له تلبسه النساء‪ .‬وقيل ‪ :‬هو‬
‫من وضع الطعام بعضه على بعض من كثرته ‪ ،‬يقال حرير معرف ‪ ،‬أي بعضه على بعض ‪ ،‬وهو‬
‫من العرف المتتابع كعرف الفرس‪ .‬وقيل ‪{ :‬عرفها لهم} أي وفقهم للطاعة حتى استوجبوا الجنة‪.‬‬

‫وقيل ‪ :‬عرف أهل السماء أنها لهم إظهارا لكرامتهم فيها‪ .‬وقيل ‪ :‬عرف المطيعين أنها لهم‪.‬‬
‫اآلية ‪{ 8 :‬يا أَي ِ‬
‫َّ‬
‫ام ُك ْم}‬
‫ص ْرُك ْم َوُيثَب ْ‬
‫ُّها الَّذ َ‬
‫ِّت أَ ْق َد َ‬
‫صُروا الل َه َي ْن ُ‬
‫آمُنوا إِ ْن َت ْن ُ‬
‫ين َ‬
‫َ َ‬

‫(‪)286/61‬‬

‫قوله تعالى ‪{ :‬يا أَي ِ‬
‫َّ‬
‫ص ْرُك ْم} أي إن تنصروا دين اهلل ينصركم على‬
‫ُّها الَّذ َ‬
‫صُروا الل َه َينْ ُ‬
‫آمُنوا إِ ْن تَنْ ُ‬
‫ين َ‬
‫َ َ‬
‫َّ‬
‫صُرُه} [الحج ‪ ]89 :‬وقد تقدم‪ .‬وقال قطرب ‪ :‬إن تنصروا نبي‬
‫صَرَّن الل ُه َم ْن َي ْن ُ‬
‫الكفار‪ .‬نظيره ‪َ { :‬وَلَي ْن ُ‬

‫ام ُك ْم} أي عند القتال‪ .‬وقيل على اإلسالم‪ .‬وقيل على‬
‫اهلل ينصركم اهلل ‪ ،‬والمعنى واحد‪َ { .‬وُيثَب ْ‬
‫ِّت أَقْ َد َ‬
‫الصراط‪ .‬وقيل ‪ :‬المراد تثبيت القلوب باألمن ‪ ،‬فيكون تثبيت األقدام عبارة عن النصر والمعونة في‬
‫موطن الحرب‪ .‬وقد مضى في "األنفال" هذا المعنى‪ .‬وقال هناك ‪{ :‬إِذْ ي ِ‬
‫ُّك إَِلى الْ َمالئِ َك ِة أَنِّي‬
‫وحي َرب َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫آمُنوا} [األنفال ‪ ] 62 :‬فأثبت هناك واسطة ونفاها هنا ‪ ،‬كقوله تعالى ‪{ :‬قُ ْل َيتَ َوفَّا ُك ْم‬
‫َم َع ُك ْم فَثَبِّتُوا الَّذ َ‬
‫ين َ‬
‫َمَل ُك ا ْل َم ْو ِت} [السجدة ‪ ]66 :‬ثم نفاها بقوله ‪{ :‬اللَّ ُه الَِّذي َخَل َق ُك ْم ثَُّم َرَزَق ُك ْم ثَُّم ُي ِم ُيت ُك ْم} [الروم ‪.] 89 :‬‬
‫اة} [الملك ‪ ] 2 :‬ومثله كثير ‪ ،‬فال فاعل إال اهلل وحده‪.‬‬
‫ت َوالْ َحَي َ‬
‫ق الْ َم ْو َ‬
‫{الَِّذي َخلَ َ‬
‫ِ‬
‫َع َماَل ُه ْم}‬
‫َض َّل أ ْ‬
‫ين َك َفُروا َفَت ْعسًا َل ُه ْم َوأ َ‬
‫اآلية ‪َ { 3 :‬و َّالذ َ‬
‫َِّ‬
‫ين َك َفُروا} يحتمل ‪ ،‬الرفع على االبتداء ‪ ،‬والنصب بما يفسره { َفَت ْعساً لَ ُه ْم} كأنه‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬والذ َ‬
‫قال ‪ :‬أتعس الذين كفروا‪ .‬و {تعسا لهم} نصب على المصدر بسبيل الدعاء ‪ ،‬قاله الفراء ‪ ،‬مثل سقيا‬
‫له ورعيا‪ .‬وهو نقيض لعا له‪ .‬قال األعشى ‪:‬‬
‫فالتعس أولى لها من أن أقول لعا‬
‫وفيه عشرة أقوال ‪ :‬األول ‪ :‬بعدا لهم ‪ ،‬قاله ابن عباس وابن جريج‪ .‬الثاني ‪ :‬حزنا لهم ‪ ،‬قاله السدي‪.‬‬

‫الثالث ‪ :‬شقاء لهم ‪ ،‬قال ابن زيد‪ .‬الرابع ‪ :‬شتما لهم من اهلل ‪ ،‬قاله الحسن‪ .‬الخامس ‪ :‬هالكا لهم ‪،‬‬
‫قال ثعلب‪ .‬السادس ‪ :‬خيبة لهم ‪ ،‬قاله الضحاك وابن زيد‪ .‬السابع ‪ :‬قبحا لهم ‪ ،‬حكاه النقاش‪.‬‬
‫الثامن ‪ :‬رغما لهم ‪ ،‬قاله الضحاك أيضا‪.‬‬

‫(‪)282/61‬‬

‫التاسع ‪ :‬ش ار لهم ‪ ،‬قاله ثعلب أيضا‪ .‬العاشر ‪ :‬شقوة لهم ‪ ،‬قال أبو العالية‪ .‬وقيل ‪ :‬إن التعس‬
‫االنحطاط والعثار‪ .‬قال ابن السكيت ‪ :‬التعس أن يخر على وجهه‪ .‬والنكس أن يخر على رأسه‪.‬‬
‫قال ‪ :‬والتعس أيضا الهالك‪ .‬قال الجوهري ‪ :‬وأصله الكب ‪ ،‬وهو ضد االنتعاش‪ .‬وقد تعس "بفتح‬
‫العين" يتعس تعسا ‪ ،‬وأتعسه اهلل‪ .‬قال مجمع بن هالل ‪:‬‬

‫تقول وقد أفردتها من خليلها ‪ ...‬تعست كما أتعستني يا مجمع‬
‫يقال ‪ :‬تعسا لفالن ‪ ،‬أي ألزمه اهلل هالكا‪ .‬قال القشيري ‪ :‬وجوز قوم تعس "بكسر العين"‪ .‬قلت ‪ :‬ومنه‬
‫حديث أبي هريرة قال ‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة‬
‫والخميصة إن أعطي رضي وان لم يعط لم يرض" خرجه البخاري‪ .‬في بعض طرق هذا الحديث‬
‫"تعس وانتكس واذا شيك فال انتقش" خرجه ابن ماجة‪.‬‬
‫َع َمالَ ُه ْم} أي أبطلها ألنها كانت في طاعة الشيطان‪ .‬ودخلت الفاء في قوله ‪:‬‬
‫َض َّل أ ْ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وأ َ‬
‫َع َماَل ُه ْم} على الخبر حمال على لفظ الذين ‪،‬‬
‫َض َّل أ ْ‬
‫{فتعسا} ألجل اإلبهام الذي في {الذين} ‪ ،‬وجاء { َوأ َ‬
‫َض َّل} حمال على اللفظ‪.‬‬
‫ألنه خبر في اللفظ ‪ ،‬فدخول الفاء حمال على المعنى ‪َ { ،‬وأ َ‬
‫َع َماَل ُه ْم }‬
‫َحَب َ‬
‫اآلية ‪َ { 3 :‬ذِل َ‬
‫طأْ‬
‫ك بِأَنَّ ُه ْم َك ِرُهوا َما أ َْنَزَل اللَّ ُه َفأ ْ‬
‫َع َماَل ُه ْم} أي‬
‫َحَبطَ أ ْ‬
‫أي ذلك اإلضالل واإلتعاس ‪ ،‬ألنهم {كرهوا ما أنزل اهلل} من الكتب والشرائع‪َ { .‬فأ ْ‬
‫ما لهم من صور الخيرات ‪ ،‬كعمارة المسجد وقرى الضيف وأصناف القرب ‪ ،‬وال يقبل اهلل العمل إال‬

‫من مؤمن‪ .‬وقيل ‪ :‬أحبط أعمالهم أي عبادة الصنم ‪.‬‬
‫ِ ِ‬
‫اآلية ‪ { 69 :‬أَفَلَ ْم َي ِس ُيروا ِفي ْاأل َْر ِ‬
‫ين ِم ْن َق ْبلِ ِه ْم َد َّمَر اللَّ ُه َعلَ ْي ِه ْم‬
‫ض َفَي ْنظُُروا َك ْي َ‬
‫ان َعاقَبةُ الَّذ َ‬
‫ف َك َ‬
‫ِ‬
‫َمثَاُل َها}‬
‫ين أ ْ‬
‫َولِ ْل َكاف ِر َ‬

‫(‪)288/61‬‬

‫بين أحوال المؤمن والكافر تنبيها على وجوب اإليمان ‪ ،‬ثم وصل هذا بالنظر ‪ ،‬أي ألم يسر هؤالء‬
‫ان} آخر أمر الكافرين‬
‫في أرض عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا بهم { َفَي ْن ُ‬
‫ظُروا} بقلوبهم { َك ْي َ‬
‫ف َك َ‬
‫ِ‬
‫ين‬
‫قبلهم‪َّ { .‬مَر اللَّهُ َعلَ ْي ِه ْم} أي أهلكهم واستأصلهم‪ .‬يقال ‪ :‬دمره تدميرا ‪ ،‬ودمر عليه بمعنى‪َ { .‬ولِلْ َكاف ِر َ‬
‫ِ‬
‫َمثَالُ َها} أي أمثال هذه الفعلة ‪ ،‬يعني التدمير‪ .‬وقال‬
‫ين أ ْ‬
‫َمثَالُ َها} ثم تواعد مشركي مكة فقال ‪َ { :‬ولِلْ َكاف ِر َ‬
‫أْ‬
‫الزجاج والطبري ‪ :‬الهاء تعود على العاقبة ‪ ،‬أي وللكافرين من قريش أمثال عاقبة تكذيب األمم‬

‫السالفة إن لم يؤمنوا‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َن َّ‬
‫ين ال َم ْولَى َل ُه ْم}‬
‫آمُنوا َوأ َّ‬
‫ك بِأ َّ‬
‫اآلية ‪َ { 66 :‬ذِل َ‬
‫َن ا ْل َكاف ِر َ‬
‫الل َه َم ْوَلى الَّذ َ‬
‫ين َ‬
‫ِ‬
‫آمُنوا} أي وليهم وناصرهم‪ .‬وفي حرف ابن مسعود {ذلك بأن‬
‫ك بِأ َّ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ذلِ َ‬
‫َن اللَّ َه َم ْوَلى الَّذ َ‬
‫ين َ‬
‫اهلل ولي الذين آمنوا} ‪ .‬فالمولى ‪ :‬الناصر ها هنا ‪ ،‬قاله ابن عباس وغيره‪ .‬قال ‪:‬‬

‫فغدت كال الفرجين تحسب أنه ‪ ...‬مولى المخافة خلفها وأمامها‬
‫قال قتادة ‪ :‬نزلت يوم أحد والنبي صلى اهلل عليه وسلم في الشعب ‪ ،‬إذ صاح المشركون ‪ :‬يوم بيوم ‪،‬‬
‫لنا العزى وال عزى لكم ‪ ،‬قال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ [ :‬قولوا اهلل موالنا وال مولى لكم] وقد تقدم‪.‬‬
‫ِ‬
‫ين ال َم ْوَلى َل ُه ْم} أي ال ينصرهم أحد من اهلل‪.‬‬
‫{ َوأ َّ‬
‫َن ا ْل َكاف ِر َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اآلية ‪{ 62 :‬إِ َّن اللَّه ي ْد ِخ ُل الَِّذين آمُنوا وع ِملُ وا َّ ِ ِ‬
‫ين‬
‫الصال َحات َجنَّات تَ ْج ِري م ْن تَ ْحت َها ْاألَنْ َه ُار َوالَّذ َ‬
‫َ َ ََ‬
‫َُ‬
‫وى َل ُه ْم }‬
‫ون َوَيأْ ُكُل َ‬
‫َك َفُروا َيَت َمتَّ ُع َ‬
‫ام َوالنَّ ُار َمثْ ً‬
‫ون َك َما َتأْ ُك ُل ْاأل َْن َع ُ‬

‫(‪)288/61‬‬

‫الصالِح ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ات َجنَّات تَ ْج ِري ِم ْن تَ ْحتِ َها ْاألَنْ َه ُار} تقدم‪.‬‬
‫آمُنوا َو َعملُوا َّ َ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬إِ َّن اللَّ َه ُي ْدخ ُل الَّذ َ‬
‫ين َ‬
‫َِّ‬
‫ون} في الدنيا كأنهم أنعام ‪ ،‬ليس لهم همة إال بطونهم وفروجهم ‪ ،‬ساهون عما‬
‫ين َك َفُروا َيَت َمتَّ ُع َ‬
‫{ َوالذ َ‬

‫وى لَ ُه ْم} أي‬
‫في غدهم‪ .‬وقيل ‪ :‬المؤمن في الدنيا يتزود ‪ ،‬والمنافق يتزين ‪ ،‬والكافر يتمتع‪َ { .‬والنَّ ُار َمثْ ً‬
‫مقام ومنزل‪.‬‬
‫اهم َفال َن ِ‬
‫اصَر َل ُه ْم}‬
‫َخَرَج ْت َك أ ْ‬
‫َشدُّ ُق َّوًة ِم ْن َق ْرَيتِ َك الَّتِي أ ْ‬
‫ِّن ِم ْن َق ْرَية ِه َي أ َ‬
‫‪ - 8‬اآلية ‪َ { 68 :‬و َكأَي ْ‬
‫َهَل ْكَن ُ ْ‬
‫ِّن ِم ْن قَ ْرَية} تقدم الكالم في {كأين} في "آل عمران"‪ .‬وهي ها هنا بمعنى كم ‪ ،‬أي‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬و َكأَي ْ‬
‫وكم من قرية‪ .‬وأنشد األخفش قول لبيد ‪:‬‬
‫وكائن رأينا من ملوك وسوقة ‪ ...‬ومفتاح قيد لَلسير المكبل‬
‫اهم َفال َن ِ‬
‫اصَر َل ُه ْم} قال‬
‫فيكون معناه ‪ :‬وكم من أهل قرية‪َ { .‬ق ْرَيتِ َك َّالِتي} أي أخرجك أهلها‪{ .‬أ ْ‬
‫َهَل ْكَن ُ ْ‬
‫قتادة وابن عباس ‪ :‬لما خرج النبي صلى اهلل عليه وسلم من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال ‪:‬‬

‫" اللهم أنت أحب البالد إلى اهلل وأنت أحب البالد إلي ولوال المشركون أهلك أخرجوني لما خرجت‬
‫منك"‪ .‬فنزلت اآلية ‪ ،‬ذكره الثعلبي ‪ ،‬وهو حديث صحيح‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اء ُه ْم}‬
‫ِّن لَ ُه ُسوُء َع َملِ ِه َواتََّب ُعوا أ ْ‬
‫ان َعلَى َبيَِّنة م ْن َربِّه َك َم ْن ُزي َ‬
‫اآلية ‪ { 68 :‬أ ََف َم ْن َك َ‬
‫َه َو َ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬أ ََفم ْن َكان عَلى بيَِّنة ِم ْن رب ِ‬
‫ِّه} األلف ألف تقرير‪ .‬ومعنى { َعَلى َبيَِّنة} أي على ثبات‬
‫َ َ َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِّن‬
‫ويقين ‪ ،‬قال ابن عباس‪ .‬أبو العالية ‪ :‬وهو محمد صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬والبينة ‪ :‬الوحي‪َ { .‬ك َم ْن ُزي َ‬
‫وء َع َملِ ِه} أي عبادة األصنام ‪ ،‬وهو أبو جهل والكفار‪.‬‬
‫لَ ُه ُس ُ‬

‫(‪)288/61‬‬

‫اء ُه ْم} أي ما اشتهوا‪ .‬وهذا التزيين من جهة اهلل خلقا‪ .‬ويجوز أن يكون من الشيطان دعاء‬
‫{ َو َّاتَب ُعوا أ ْ‬
‫َه َو َ‬
‫ووسوسة‪ .‬ويجوز أن يكون من الكافر ‪ ،‬أي زين لنفسه سوء عمله وأصر على الكفر‪ .‬وقال ‪{ :‬سوء}‬
‫على لفظ {من} {واتبعوا} على معناه ‪.‬‬
‫اآلية ‪{ 68 :‬مثَ ُل الْجنَّ ِة الَّتِي وِع َد ا ْلمتَّ ُقون ِفيها أ َْنهار ِم ْن ماء َغ ْي ِر ِ‬
‫آسن َوأ َْن َه ٌار ِم ْن َلَبن َل ْم َيَت َغيَّ ْر‬
‫ُ َ َ ٌَ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ‬
‫اربِين وأَنْهار ِم ْن عسل مصفّى ولَهم ِفيها ِم ْن ُك ِّل الثَّمر ِ‬
‫طَ ْع ُم ُه وأَنْ َه ٌار ِم ْن َخ ْمر لَ َّذة لِ َّ‬
‫ات َو َم ْغِفَةرٌ ِم ْن‬
‫لش ِ َ َ َ ٌ‬
‫ََ‬
‫َ َ ُ َ ً َ ُْ َ‬
‫َ‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َربِّ ِه ْم َك َم ْن ُه َو َخال ٌد في النَّ ِ‬
‫اء ُه ْم }‬
‫اء َحميمًا َف َقط َع أ ْ‬
‫َم َع َ‬
‫ار َو ُس ُقوا َم ً‬
‫ِ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫آمُنوا َو َع ِملُوا‬
‫ون} لما قال عز وجل ‪{ :‬إِ َّن اللَّهَ ُي ْدخ ُل الَّذ َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬مثَ ُل الْ َجنَّة الَّتي ُوِع َد الْ ُمتَّ ُق َ‬
‫ين َ‬
‫الصالِح ِ‬
‫ات َجنَّات} [الحج ‪ ]68 :‬وصف تلك الجنات ‪ ،‬أي صفة الجنة المعدة للمتقين‪ .‬وقد مضى‬
‫َّ َ‬
‫ِ‬
‫يها أ َْن َه ٌار ِم ْن‬
‫الكالم في هذا في "الرعد"‪ .‬وقرأ علي بن أبي طالب {مثال الجنة التي وعد المتقون}‪{ .‬ف َ‬
‫ماء َغ ْي ِر ِ‬
‫آسن} أي غير متغير الرائحة‪ .‬واآلسن من الماء مثل اآلجن‪ .‬وقد أسن الماء يأسن ويأسن‬
‫َ‬
‫أسنا وأسونا إذا تغيرت رائحته‪ .‬وكذلك أجن الماء يأجن ويأجن أجنا وأجونا‪ .‬ويقال بالكسر فيهما ‪:‬‬
‫أجن وأسن يأسن ويأجن أسنا وأجنا ‪ ،‬قاله اليزيدي‪ .‬وأسن الرجل أيضا يأسن "بالكسر ال غير" إذا‬
‫دخل البئر فأصاب ته ريح منتنة من ريح البئر أو غير ذلك فغشي عليه أو دار رأسه ‪ ،‬قال زهير ‪:‬‬
‫قد أترك ِ‬
‫القرن مصفرا أنامله ‪ ...‬يميد في الرمح ميد المائح األسن‬
‫ويروى "الوسن"‪ .‬وتأسن الماء تغير‪ .‬أبو زيد ‪ :‬تأسن علي تأسنا اعتل وأبطأ‪ .‬أبو عمرو ‪ :‬تأسن‬
‫الرجل أباه أخذ أخالقه‪ .‬وقال اللحياني ‪ :‬إذا نزع إليه في الشبه ‪ ،‬وقراءة العامة "آسن" بالمد‪ .‬وقرأ ابن‬

‫كثير وحميد {أسن} بالقصر ‪ ،‬وهما لغتان ‪ ،‬مثل حاذر وحذر‪ .‬وقال األخفش ‪ :‬أسن للحال ‪ ،‬وآسن‬
‫"مثل فاعل" يراد به االستقبال‪.‬‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وأ َْن َه ٌار ِم ْن‬

‫(‪)281/61‬‬

‫ط ْع ُم ُه} أي لم يحمض بطول المقام كما تتغير ألبان الدنيا إلى الحموضة‪{ .‬أ َْن َه ٌار ِم ْن‬
‫َلَبن َل ْم َيَت َغي َّْر َ‬
‫َخ ْمر لَ َّذة لِ َّ‬
‫لش ِ‬
‫ين} أي لم تدنسها األرجل ولم ترنقها األيدي كخمر الدنيا ‪ ،‬فهي لذيذة الطعم طيبة‬
‫اربِ َ‬
‫الشرب ال يتكرهها الشاربون‪ .‬يقال ‪ :‬شراب لذ ولذيذ بمعنى‪ .‬واستلذه عده لذيذا‪َ { .‬وأَنْ َه ٌار ِم ْن َع َسل‬
‫ص ّف ًى} أي من الشمع والقذى ‪ ،‬خلقه اهلل كذلك لم يطبخ‬
‫ص ّف ًى} العسل ما يسيل من لعاب النحل‪ُ { .‬م َ‬
‫ُم َ‬
‫على نار وال دنسه النحل‪ .‬وفي الترمذي عن حكيم بن معاومة عن أبيه عن النبي صلى اهلل عليه‬

‫وسلم قال ‪ " :‬إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق األنهار بعد"‪.‬‬
‫قال ‪ :‬حديث حسن صحيح‪ .‬وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال ‪ :‬قال رسول اهلل‬

‫صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة"‪ .‬وقال كعب ‪ :‬نهر دجلة‬

‫نهر ماء أهل الجنة ‪ ،‬ونهر الفرات نهر لبنهم ‪ ،‬ونهر مص ر نهر خمرهم ‪ ،‬ونهر سيحان نهر عسلهم‪.‬‬
‫وهذه األنهار األربعة تخرج من نهر الكوثر‪ .‬والعسل ‪ :‬يذكر ويؤنث‪ .‬وقال ابن عباس ‪" :‬من عسل‬
‫مصفى" أي لم يخرج من بطون النحل‪{ .‬ولَهم ِفيها ِم ْن ُك ِّل الثَّمر ِ‬
‫ات} "من" زائدة للتأكيد‪َ { .‬و َم ْغِفَةرٌ ِم ْن‬
‫ََ‬
‫َ ُْ َ‬
‫َربِّ ِه ْم} أي لذنوبهم‪َ { .‬ك َم ْن ُه َو َخالِ ٌد ِفي النَّ ِ‬
‫ار} قال الفراء ‪ :‬المعنى أفمن يخلد في هذا النعيم كمن يخلد‬
‫في النار‪ .‬وقال الزجاج ‪ :‬أي أفمن كان على بينة من ربه وأعطى هذه األشياء كمن زين له سوء‬
‫وء َع َملِ ِه} [فاطر ‪.]3 :‬‬
‫عمله وهو خالد في النار‪ .‬فقوله ‪{ :‬كمن} بدل من قوله ‪{ :‬أ ََف َم ْن ُزي َ‬
‫ِّن َلهُ ُس ُ‬
‫وقال ابن كيسان ‪ :‬مثل هذه الجنة التي فيها الثمار واألنهار كمثل النار التي فيها الحميم والزقوم‪.‬‬
‫اء َح ِميمًا} أي حارا‬
‫ومثل أهل الجنة في النعيم المقيم كمئل أهل النار في العذاب المقيم‪َ { .‬و ُس ُقوا َم ً‬
‫شديد الغليان ‪ ،‬إذا أدنى منهم شوى وجوههم ‪ ،‬ووقعت فروة رؤوسهم ‪ ،‬فإذا شربوه قطع أمعاءهم‬

‫وأخرجها من دبورهم‪ .‬واألمعاء ‪ :‬جمع معى ‪ ،‬والتثنية معيان ‪ ،‬وهو جميع ما في البطن من الحوايا‪.‬‬

‫(‪)288/61‬‬

‫ِِ‬
‫ِ ِِ‬
‫ِ‬
‫ال آنِفاً أُوَلئِ َك‬
‫ُوتوا الْ ِعلْ َم َما َذا َق َ‬
‫ين أ ُ‬
‫‪َ { 61‬وِم ْن ُه ْم َم ْن َي ْسَتم ُع إَِل ْي َك َحتَّى إِ َذا َخَرُجوا م ْن ع ْند َك َقاُلوا للَّذ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اه ْم }‬
‫ين ْ‬
‫ين طََب َع اللَّ ُه َعلَى قُلُوبِ ِه ْم َواتََّب ُعوا أ ْ‬
‫اه ْم تَقْ َو ُ‬
‫دى َوآتَ ُ‬
‫اء ُه ْم ‪َ ،‬والَّذ َ‬
‫الَّذ َ‬
‫اهتَ َد ْوا َز َاد ُه ْم ُه ً‬
‫َه َو َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وِم ْن ُه ْم َم ْن َي ْسَت ِم ُع إَِل ْي َك} أي من هؤالء الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل األنعام ‪ ،‬وزين‬
‫لهم سوء عملهم قوم يستمعون إليك وهم المنافقون ‪ :‬عبداهلل بن أبي ابن سلول ورفاعة بن التابوت‬
‫وزيد بن الصليت والحارث بن عمرو ومالك بن دخشم ‪ ،‬كانوا يحضرون الخطبة يوم الجمعة فإذا‬

‫سمعوا ذكر المنافقين فيها أعرضوا عنه ‪ ،‬فإذا خرجوا سألوا عنه ‪ ،‬قاله الكلبي ومقاتل‪ .‬وقيل ‪ :‬كانوا‬
‫يحضرون عند رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم مع المؤمنين ‪ ،‬فيستمعون منه ما يقول ‪ ،‬فيعيه‬
‫ِِ‬
‫ِ ِِ‬
‫ُوتوا ا ْل ِع ْل َم}‬
‫ين أ ُ‬
‫المؤمن وال يعيه الكافر‪َ { .‬حتَّى إِ َذا َخَرُجوا م ْن ع ْند َك} أي إذا فارقوا مجلسك‪َ { .‬قاُلوا للَّذ َ‬
‫قال عكرمة ‪ :‬هو عبداهلل بن العباس‪ .‬قال ابن عباس ‪ :‬كنت ممن ُيسأل ‪ ،‬أي كنت من الذين أوتوا‬

‫العلم‪ .‬وفي رواية عن ابن عباس ‪ :‬أنه يريد عبداهلل بن مسعود‪ .‬وكذا قال عبداهلل بن بريدة ‪ :‬هو‬

‫عبداهلل بن مسعود‪ .‬وقال القاسم بن عبدالرحمن ‪ :‬هو أبو الدرداء‪ .‬وقال ابن زيد ‪ :‬إنهم الصحابة‪.‬‬
‫{ َما َذا قَا َل آنِفاً} أي اآلن ‪ ،‬على جهة االستهزاء‪ .‬أي أنا لم ألتفت إلى قوله‪ .‬و {آنِفاً} يراد به الساعة‬
‫التي هي أقرب األوقات إليك ‪ ،‬من قولك ‪ :‬استأنفت الشيء إذا ابتدأت به‪ .‬ومنه أمر أنف ‪ ،‬وروضة‬
‫أنف ‪ ،‬أي لم يرعها أحد‪ .‬وكأس أنف ‪ :‬إذا لم يشرب منها شيء ‪ ،‬كأنه استؤنف شربها مثل روضة‬
‫أنف‪ .‬قال الشاعر ‪:‬‬
‫ويحرم سر جارتهم عليهم ‪ ...‬ويأكل جارهم أنف القصاع‬

‫(‪)283/61‬‬

‫وقال آخر ‪:‬‬
‫إن الشواء والنشيل والرغف ‪ ...‬والقينة الحسناء والكأس األنف‬
‫للطاعنين الخيل والخيل قطف‬
‫وقال امرؤ القيس ‪:‬‬

‫قد غدا يحملني في أنفه‬

‫أي في أوله‪ .‬وأنف كل شيء أوله‪ .‬وقال قتادة في هؤالء المنافقين ‪ :‬الناس رجالن ‪ :‬رجل عقل عن‬
‫اهلل فانتفع بما سمع ‪ ،‬ورجل لم يعقل ولم ينتفع بما سمع‪ .‬وكان يقال ‪ :‬الناس ثالثة ‪ :‬فسامع عامل ‪،‬‬
‫وسامع عاقل ‪ ،‬وسامع غافل تارك‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ين‬
‫ين َ‬
‫طَب َع اللَّ ُه َعَلى قُُلوبِ ِه ْم} فلم يؤمنوا‪َ { .‬واتََّب ُعوا أ ْ‬
‫اء ُه ْم} في الكفر‪َ { .‬والَّذ َ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬أُوَلئ َك الَّذ َ‬
‫َه َو َ‬
‫اهَت َد ْوا} أي لإليمان زادهم اهلل هدى‪ .‬وقيل ‪ :‬زادهم النبي صلى اهلل عليه وسلم هدى‪ .‬وقيل ‪ :‬ما‬
‫ْ‬

‫يستمعونه من القرآن هدى ‪ ،‬أي يتضاعف يقينهم‪ .‬وقال الفراء ‪ :‬زادهم إعراض المنافقين واستهزاؤهم‬
‫هدى‪ .‬وقيل ‪ :‬زادهم نزول الناسخ هدى‪ .‬وفي الهدى الذي زادهم أربعة أقاويل ‪ :‬أحدها ‪ :‬زادهم علما‬
‫‪ ،‬قاله الربيع بن أنس‪ .‬الثاني ‪ :‬أنهم علموا ما سمعوا وعملوا بما علموا ‪ ،‬قاله الضحاك‪ .‬الثالث ‪:‬‬
‫زادهم بصيرة في دينهم وتصديقا لنبيهم ‪ ،‬قاله الكلبي‪ .‬الرابع ‪ :‬شرح صدورهم بما هم عليه من‬
‫اإليمان‪.‬‬
‫اه ْم} أي ألهمهم إياها‪ .‬وقيل ‪ :‬فيه خمسة أوجه ‪ :‬أحدها ‪ :‬آتاهم الخشية ‪،‬‬
‫اه ْم تَقْ َو ُ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وآتَ ُ‬
‫قاله الربيع‪ .‬الثاني ‪ :‬ثواب تقواهم في اآلخرة ‪ ،‬قاله السدي‪ .‬الثالث ‪ :‬وفقهم للعمل الذي فرض عليهم‬
‫‪ ،‬قاله مقاتل‪ .‬الرابع ‪ :‬بين لهم ما يتقون ‪ ،‬قاله ابن زياد والسدي أيضا‪ .‬الخامس ‪ :‬أنه ترك المنسوخ‬
‫والعمل بالناسخ ‪ ،‬قاله عطية‪ .‬الماوردي ‪ :‬ويحتمل‪ .‬سادسا ‪:‬‬

‫(‪)283/61‬‬

‫أنه ترك الرخص واألخذ بالعزائم‪ .‬وقرئ {وأعطاهم} بدل { وآتاهم}‪ .‬وقال عكرمة ‪ :‬هذه نزلت فيمن‬

‫آمن من أهل الكتاب‪.‬‬

‫الساعةَ أ ْ ِ‬
‫اه ْم}‬
‫اءتْ ُه ْم ِذ ْكَر ُ‬
‫ون إِ َّال َّ َ‬
‫اآلية ‪{ 63 :‬فَ َه ْل َينْظُُر َ‬
‫اء أَ ْشَارطُ َها فَأَنَّى لَ ُه ْم إِذَا َج َ‬
‫َن تَأْتَي ُه ْم َب ْغتَةً فَقَ ْد َج َ‬
‫الساع َة أ ْ ِ‬
‫اء‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ف َه ْل َي ْن ُ‬
‫ون إِ َّال َّ َ‬
‫ظُر َ‬
‫َن َتأْتَي ُه ْم َب ْغَت ًة} أي فجأة‪ .‬وهذا وعيد للكفار‪َ { .‬ف َق ْد َج َ‬

‫أَ ْشَارطُ َها} أي أماراتها وعالماتها‪ .‬وكانوا قد قرؤوا في كتبهم أن محمدا صلى اهلل عليه وسلم آخر‬

‫األنبياء ‪ ،‬فبعثه من أشراطها وأدلتها ‪ ،‬قاله الضحاك والحسن‪ .‬وفي الصحيح عن أنس قال ‪ :‬قال‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬بعثت أنا والساعة كهاتين" وضم السبابة والوسطى ‪ ،‬لفظ مسلم ‪:‬‬
‫وخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه‪ .‬ويروى "بعثت والساعة كفرسي رهان"‪ .‬وقيل ‪ :‬أشراط الساعة‬
‫أسبابها التي هي دون معظمها‪ .‬ومنه يقال للدون من الناس ‪ :‬الشرط‪ .‬وقيل ‪ :‬يعني عالمات الساعة‬
‫انشقاق القمر والدخان ‪ ،‬قال الحسن أيضا‪ .‬وعن الكلبي ‪ :‬كثرة المال والتجارة وشهادة الزور وقطع‬

‫األرحام ‪ ،‬وقلة الكرام وكثرة اللئام‪ .‬وقد أتينا على هذا الباب في كتاب "التذكرة" مستوفى والحمد هلل‪.‬‬
‫وواحد األشراط شرط ‪ ،‬وأصله األعالم‪ .‬ومنه قيل الشرط ‪ ،‬ألنهم جعلوا ألنفسهم عالمة يعرفون بها‪.‬‬
‫ومنه الشرط في البيع وغيره‪ .‬قال أبو األسود ‪:‬‬
‫فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا ‪ ...‬فقد جعلت أشراط أوله تبدو‬
‫ويقال ‪ :‬أشرط فالن نفسه في عمل كذا أي أعلمها وجعلها له‪ .‬قال أوس بن حجر يصف رجال تدلى‬
‫بحبل من رأس جبل إلى نبعة يقطعها ليتخذ منها قوسا ‪:‬‬

‫فأشرط نفسه فيها وهو معصم ‪ ...‬وألقى بأسباب له وتوكال‬

‫(‪)289/61‬‬

‫ُوه ْم} [الفتح ‪ ]28 :‬من قوله ‪:‬‬
‫َن َت َ‬
‫طأ ُ‬
‫َن َتأِْتَي ُه ْم َب ْغَت ًة} {أن} بدل اشتمال من {الساعة} ‪ ،‬نحو قوله ‪{ :‬أ ْ‬
‫{أ ْ‬
‫ات} [الفتح ‪ .] 28 :‬وقرئ {َب ْغَتةً} بوزن جربة ‪ ،‬وهي غريبة لم ترد في‬
‫{ ِرَج ٌ‬
‫اء ُم ْؤِمَن ٌ‬
‫ون َونِ َس ٌ‬
‫ال ُم ْؤِمُن َ‬
‫المصادر أختها ‪ ،‬وهي مروية عن أبي عمرو‪ .‬الزمخشري ‪ :‬وما أخوفني أن تكون غلطة من الراوي‬
‫عن أبي عمرو ‪ ،‬وأن يكون الصواب {َب َغَتةً} بفتح الغين من غير تشديد ‪ ،‬كقراءة الحسن‪ .‬وروى أبو‬
‫جعفر الرؤاسي وغيره من أهل مكة {إن تأتهم بغتة} ‪ .‬قال المهدوي ‪ :‬ومن قرأ {إن تأتهم بغتة} كان‬
‫الوقف على {الساعة} ثم استأنف الشرط‪ .‬وما يحتمله الكالم من الشك مردود إلى الخلق ‪ ،‬كأنه‬
‫اء أَشَْ ارطُ َها} ‪.‬‬
‫قال ‪ :‬إن شكوا في مجيئها { َف َق ْد َج َ‬
‫اه ْم} ابتداء و{أنى لهم} الخبر‪ .‬والضمير المرفوع في‬
‫اه ْم} {ِذ ْكَر ُ‬
‫اء ْت ُه ْم ِذ ْكَر ُ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬فأَنَّى َل ُه ْم إِ َذا َج َ‬
‫اءتْ ُه ْم} للساعة ‪ ،‬التقدير ‪ :‬فمن أين لهم التذكر إذا جاءتهم ا لساعة ‪ ،‬قال معناه قتادة وغيره‪.‬‬
‫{ َج َ‬
‫وقيل ‪ :‬فكيف لهم بالنجاة إذا جاءتهم الذكرى عند مجيء الساعة ‪ ،‬قاله ابن زيد‪ .‬وفي الذكرى‬
‫وجهان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬تذكيرهم بما عملوه من خير أو شر‪ .‬الثاني ‪ :‬هو دعاؤهم بأسمائهم تبشيرا‬
‫وتخويفا ‪ ،‬روى أبان عن أنس عن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال ‪" :‬أحسنوا أسماءكم فإنكم تدعون‬
‫بها يوم القيامة يا فالن قم إلى نورك يا فالن قم ال نور لك" ذكره الماوردي‪.‬‬
‫اعَلم أَنَّه ال إِلَه إَِّال اللَّه واسَت ْغِفر لِ َذ ْنبِ َك ولِلْمؤِمنِين والْمؤِمَن ِ‬
‫ات َواللَّ ُه َي ْعَل ُم ُمَت َقلََّب ُك ْم َو َمثَْوا ُك ْم}‬
‫َ ُْ َ َ ُْ‬
‫ُ َ ْ ْ‬
‫َ‬
‫اآلية ‪َ { 63 :‬ف ْ ْ ُ‬
‫اعَل ْم أَنَّ ُه ال إِلَ َه إِ َّال اللَّ ُه} قال الماوردي ‪ :‬وفيه ‪ -‬وان كان الرسول عالما باهلل ‪ -‬ثالثة‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ف ْ‬

‫أوجه ‪ :‬يعني اعلم أن اهلل أعلمك أن ال إله إال اهلل‪ .‬الثاني ‪ :‬ما علمته استدالال فاعلمه خب ار يقينا‪.‬‬
‫الثالث ‪ :‬يعني فاذكر أن ال إله إال اهلل ‪ ،‬فعبر عن الذكر بالعلم‬

‫(‪)286/61‬‬

‫لحدوثه عنه‪ .‬وعن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فقال ‪ :‬ألم تسمع قوله حين بدأ به‬
‫اة ُّ‬
‫الدنَْيا‬
‫اعلَ ُموا أَنَّ َما الْ َحَي ُ‬
‫استَ ْغِف ْر لِ َذنْبِ َك} فأمر بالعمل بعد العلم وقال ‪ْ { :‬‬
‫{فَ ْ‬
‫اعلَ ْم أَنَّ ُه ال إِلَهَ إِ َّال اللَّهُ َو ْ‬
‫َم َواُل ُك ْم‬
‫ب َوَل ْه ٌو} إلى قوله { َسابِ ُقوا إَِلى َم ْغِفَرة ِم ْن َربِّ ُك ْم} [الحديد ‪ ]26 - 29 :‬وقال ‪َ { :‬و ْ‬
‫َل ِع ٌ‬
‫اعَل ُموا أَنَّ َما أ ْ‬
‫اعَل ُموا أَنَّ َما‬
‫وه ْم} [التغابن ‪ .] 68 :‬وقال تعالى ‪َ { :‬و ْ‬
‫اح َذُر ُ‬
‫الد ُك ْم ِف ْتَنةٌ} [األنفال ‪ .]23 :‬ثم قال بعد ‪َ { :‬ف ْ‬
‫َوأ َْو ُ‬
‫َن لِلَّ ِه ُخ ُم َس ُه} [األنفال ‪ .] 86 :‬ثم أمر بالعمل بعد‪.‬‬
‫َغنِ ْمتُ ْم ِم ْن َش ْيء فَأ َّ‬
‫اسَت ْغِف ْر لِ َذ ْنبِ َك} يحتمل وجهين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬يعني استغفر اهلل أن يقع منك ذنب‪.‬‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬و ْ‬
‫الثاني ‪ :‬استغفر اهلل ليعصمك من الذنوب‪ .‬وقيل ‪ :‬لما ذكر له حال الكاف رين والمؤمنين أمره بالثبات‬
‫على اإليمان ‪ ،‬أي اثبت على ما أنت عليه من التوحيد واإلخالص والحذر عما تحتاج معه إلى‬
‫استغفار‪ .‬وقيل ‪ :‬الخطاب له والمراد به األمة ‪ ،‬وعلى هذا القول توجب اآلية استغفار اإلنسان لجميع‬
‫المسلمين‪ .‬وقيل ‪ :‬كان عليه السالم يضيق صدره من كفر الك فار والمنافقين ‪ ،‬فنزلت اآلية‪ .‬أي فاعلم‬
‫أنه ال كاشف يكشف ما بك إال اهلل ‪ ،‬فال تعلق قلبك بأحد سواه‪ .‬وقيل ‪ :‬أمر باالستغفار لتقتدي به‬
‫األمة‪{ .‬ولِلْمؤِمنِين والْمؤِمَن ِ‬
‫ات} أي ولذنوبهم‪ .‬وهذا أمر بالشفاعة‪ .‬وروى مسلم عن عاصم األحول‬
‫َ ُْ َ َ ُْ‬
‫عن عبداهلل بن سرجس المخزومي قال ‪ :‬أتيت النبي صلى اهلل عليه وسلم وأكلت من طعامه فقلت ‪:‬‬
‫يا رسول اهلل ‪ ،‬غفر اهلل لك فقال له صاحبي ‪ :‬هل استغفر لك النبي صلى اهلل عليه وسلم ؟ قال ‪:‬‬
‫نعم ‪ ،‬ولك‪ .‬ثم تال هذه اآلية ‪{ :‬واستَ ْغِفر لِ َذنْبِ َك ولِلْمؤِمنِين والْمؤِمنَ ِ‬
‫ات} ثم تحولت فنظرت إلى خاتم‬
‫َ ُْ َ َ ُْ‬
‫َ ْ ْ‬
‫النبوة بين كتفيه ‪ ،‬جمعا عليه خيالن كأنه الثآليل‪.‬‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬واللَّ ُه َي ْعلَ ُم ُمَت َقلََّب ُك ْم َو َمثَْوا ُك ْم} فيه خمسة أقوال ‪ :‬أحدها ‪ :‬يعلم أعمالكم في تصرفكم‬
‫واقامتكم‪ .‬الثاني ‪ُ { :‬مَت َقلََّب ُك ْم} في أعمالكم نهارا { َو َمثَْوا ُك ْم} في ليلكم نياما‪ .‬وقيل‬

‫(‪)282/61‬‬

‫{ ُمتَقَلََّب ُك ْم} في الدنيا‪َ { .‬و َمثَْوا ُك ْم} في الدنيا واآلخرة ‪ ،‬قال ابن عباس والضحاك‪ .‬وقال عكرمة ‪:‬‬
‫{ ُمَت َقلََّب ُك ْم} في أصالب اآلباء إلى أرحام األمهات‪َ { .‬و َمثَْوا ُك ْم} مقامكم في األرض‪ .‬وقال ابن كيسان‬
‫{ ُمَت َقلََّب ُك ْم} من ظهر إلى بطن الدنيا‪َ { .‬و َمثَْوا ُك ْم} في القبور‪.‬‬

‫قلت ‪ :‬والعموم يأتي على هذا كله ‪ ،‬فال يخفى عليه سبحانه شيء من حركات بني آدم وسكناتهم ‪،‬‬
‫وكذا جميع خلقه‪ .‬فهو عالم بجميع ذلك قبل كونه جملة وتفصيال أولى وأخرى‪ .‬سبحانه! ال إله إال‬
‫هو‪.‬‬

‫اآلية ‪{ 26 - 29 :‬وي ُق ُ ِ‬
‫ين‬
‫ول الَّذ َ‬
‫ََ‬
‫ِ‬
‫ون‬
‫ين ِفي قُلُوبِ ِه ْم َمَر ٌ‬
‫ض َينْظُُر َ‬
‫الَّذ َ‬

‫ِ ِ‬
‫ت‬
‫يها ا ْلِقَت ُ‬
‫ورٌة َفإِ َذا أ ُْن ِلزَ ْ‬
‫آمُنوا َل ْوال ُنِّزَل ْ‬
‫ال َأر َْي َ‬
‫ورٌة ُم ْح َك َمةٌ َوُذكَر ف َ‬
‫ت ُس َ‬
‫ت ُس َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫إِلَ ْي َك َنظَر الْم ْغ ِش ِّ ِ ِ‬
‫اعةٌ َوقَ ْو ٌل‬
‫ي َعلَ ْيه م َن الْ َم ْوت فَأ َْولَى لَ ُه ْم ‪ ،‬طَ َ‬
‫َ َ‬

‫ان َخيْ ًرا َل ُه ْم}‬
‫َم ْعُر ٌ‬
‫ص َد ُقوا اللَّ َه َل َك َ‬
‫وف َفإِ َذا َعَزَم ا ْأل ْ‬
‫َمُر َفَل ْو َ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬ويقُ ُ ِ‬
‫ورٌة} اشتياقا للوحي وحرصا‬
‫آمُنوا} أي المؤمنون المخلصون‪{ .‬لَ ْوال ُنِّزلَ ْ‬
‫ول الَّذ َ‬
‫ََ‬
‫ت ُس َ‬
‫ين َ‬
‫ورٌة ُم ْح َك َم ٌة} ال نسخ فيها‪ .‬قال قتادة ‪ :‬كل سورة‬
‫على الجهاد وثوابه‪ .‬ومعنى {لوال} هال‪َ { .‬فإِ َذا أ ُْن ِزَل ْ‬
‫ت ُس َ‬

‫ذكر فيها الجهاد فهي محكمة ‪ ،‬وهي أشد القرآن على المنافقين‪ .‬وفي قراءة عبداهلل {فإذا أنزلت سورة‬
‫ِ ِ‬
‫ال} أي فرض فيها الجهاد‪ .‬وقرئ { فإذا أنزلت سورة وذكر‬
‫يها الِْقَت ُ‬
‫محدثة} أي محدثة النزول‪َ { .‬وُذكَر ف َ‬
‫فيها القتال} على البناء للفاعل ونصب القتال‪ { .‬أر َْي َ ِ‬
‫ض} أي شك ونفاق‪.‬‬
‫ين ِفي ُقُلوبِ ِه ْم َمَر ٌ‬
‫ت الَّذ َ‬
‫َ‬
‫ون إِلَ ْي َك َنظََر الْ َم ْغ ِش ِّي َعلَ ْي ِه ِم َن الْ َم ْو ِت} أي نظر مغموصين مغتاظين بتحديد وتحديق ‪ ،‬كمن‬
‫{ َي ْنظُُر َ‬
‫يشخص بصره عند الموت ‪ ،‬وذلك لجبنهم عن القتال جزعا وهلعا ‪ ،‬ولميلهم في السر إلى الكفار‪.‬‬

‫قوله تعالى ‪َ { :‬فأ َْوَلى َل ُه ْم} قال الجوهري ‪ :‬وقولهم ‪ :‬أولى لك ‪ ،‬تهديد ووعيد‪ .‬قال الشاعر ‪:‬‬
‫فأولى ثم أولى ثم أولى ‪ ...‬وهل للدر يحلب من مرد‬

‫(‪)288/61‬‬

‫قال األصمعي ‪ :‬معناه قاربه ما يهلكه ‪ ،‬أي نزل به‪ .‬وأنشد ‪:‬‬
‫فعادى بين هاديتين منها ‪ ...‬وأولى أن يزيد على الثالث‬

‫أي قارب أن يزيد‪ .‬قال ثعلب ‪ :‬ولم يقل أحد في {أولى} أحسن مما قال األصمعي‪ .‬وقال المبرد ‪:‬‬
‫يقال لمن هم بالعطب ثم أفلت ‪ :‬أولى لك ‪ ،‬أي قاربت العطب‪ .‬كما روي أن أعرابيا كان يوالي رمي‬
‫الصيد فيفلت منه ليقول ‪ :‬أولى لك‪ .‬ثم رمى صيدا فقاربه ثم أفلت منه فقال ‪:‬‬

‫فلو كان أولى يطعم القوم صدتهم ‪ ...‬ولكن أولى يترك القوم جوعا‬

‫وقيل ‪ :‬هو كقول الرجل لصاحبه ‪ :‬يا محروم ‪ ،‬أي شيء فاتك وقال الجرجاني ‪ :‬هو مأخوذ من‬
‫الويل ‪ ،‬فهو أفعل ‪ ،‬ولكن فيه قلب ‪ ،‬وهو أن عين الفعل وقع موقع الالم‪ .‬وقد تم الكالم على قوله ‪:‬‬
‫{فأولى لهم}‪ .‬قال قتادة ‪ :‬كأنه قال العقاب أولى لهم‪ .‬وقيل ‪ :‬أي وليهم المكروه‪ .‬ثم قال ‪" :‬طاعة‬
‫وقول معروف" أي طاعة وقول معروف أمثل وأحسن ‪ ،‬وهو مذهب سيبويه والخليل‪ .‬وقيل ‪ :‬إن‬
‫التقدير أمرنا طاعة وقول معروف ‪ ،‬فحذف المبتدأ فيوقف على { َفأ َْولَى َل ُه ْم} وكذا من قدر يقولون منا‬
‫طاعة‪ .‬وقيل ‪ :‬إن اآلية الثانية متصلة باألولى‪ .‬والالم في قوله ‪{ :‬لهم} بمعنى الباء ‪ ،‬أي الطاعة‬

‫أولى وأليق بهم ‪ ،‬وأحق لهم من ترك أمتثال أمر اهلل‪ .‬وهي قراءة أبي {يقولون طاعة} ‪ .‬وقيل إن ‪:‬‬
‫{طاعة} نعت لـ "سورة" ‪ ،‬على تقدير ‪ :‬فإذا أنزلت سورة ذات طاعة ‪ ،‬فال يوقف على هذا على‬
‫{فأولى لهم} ‪ .‬قال ابن عباس ‪ :‬إن قولهم {طاعة} إخبار من اهلل عز وجل عن المنافقين‪ .‬والمعنى‬
‫لهم طاعة وقول معروف ‪ ،‬قيل ‪ :‬وجوب الفرائض عليهم ‪ ،‬فإذا أنزلت الفرائض شق عليهم نزولها‪.‬‬

‫َمُر} أي جد القتال ‪ ،‬أو وجب فرض القتال ‪ ،‬كرهوه‪.‬‬
‫فيوقف على هذا على {فأولى} ‪{ .‬فَإِ َذا َعَزَم ْاأل ْ‬
‫ص َد ُقوا اللَّ َه} أي في‬
‫فكرهوه جواب {إذا} وهو محذوف‪ .‬وقيل ‪ :‬المعنى فإذا عزم أصحاب األمر‪َ { .‬فَل ْو َ‬
‫ان َخ ْيراً لَ ُه ْم} من المعصية والمخالفة‪.‬‬
‫اإليمان والجهاد‪{ .‬لَ َك َ‬

‫(‪)288/61‬‬

‫ِ َِّ‬
‫ِّ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ين‬
‫اآلية ‪َ { 28 - 22 :‬ف َه ْل َع َس ْيُت ْم إِ ْن َت َولَّ ْيُت ْم أ ْ‬
‫ام ُك ْم ‪ ،‬أُوَلئ َك الذ َ‬
‫َن ُت ْفس ُدوا في ْاأل َْرض َوُت َقط ُعوا أ َْرَح َ‬
‫َّ‬
‫آن أ َْم َعلَى قُلُوب أَقْفَالُ َها}‬
‫َص َّم ُه ْم َوأ ْ‬
‫ون الْقُ ْر َ‬
‫ص َارُه ْم ‪ ،‬أَفَال َيتَ َدبَُّر َ‬
‫َع َمى أ َْب َ‬
‫لَ َعَن ُه ُم الل ُه فَأ َ‬
‫فيه أربع مسائل ‪:‬‬

‫َن ُت ْف ِس ُدوا ِفي ْاأل َْر ِ‬
‫ض} اختلف في معنى {إِ ْن َت َولَّ ْيُت ْم}‬
‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬ف َه ْل َع َس ْيُت ْم إِ ْن َت َولَّ ْيُت ْم أ ْ‬
‫فج ِعلتم حكاما أن تفسدوا‬
‫فقيل ‪ :‬هو من الوالية‪ .‬قال أبو العالية ‪ :‬المعنى فهل عسيتم إن توليتم الحكم ُ‬
‫في األرض بأخذ الرشا‪ .‬وقال الكلبي ‪ :‬أي فهل عسيتم إن توليتم أمر األمة أن تفسدوا في األرض‬

‫بالظلم‪ .‬وقال ابن جريج ‪ :‬المعنى فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في األرض‬

‫بالمعاصي وقطع األرحام‪ .‬وقال كعب ‪ :‬المعنى فهل عسيتم إن توليتم األمر أن يقتل بعضكم بعضا‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬من اإلعراض عن الشيء‪ .‬قال قتادة ‪ :‬أي فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب اهلل أن تفسدوا في‬
‫األرض بسفك الدماء الحرام ‪ ،‬وتقطعوا أرحامكم‪ .‬وقيل ‪{ :‬فَ َه ْل َع َسيْتُ ْم} أي فلعلكم إن أعرضتم عن‬
‫القرآن وفارقتم أحكامه أن تفسدوا في األرض فتعودوا إلى جاهليتكم‪ .‬وقرئ بفتح السين وكسرها‪ .‬وقد‬
‫مضى في "البقرة" القول فيه مستوفى‪ .‬وقال بكر المزني ‪ :‬إنها نزلت في الحرورية والخوارج ‪ ،‬وفيه‬

‫بعد‪ .‬واألظهر أنه إنما عني بها المنافقون‪ .‬وقال ابن حيان ‪ :‬قريش‪ .‬ونحوه قال المسيب بن شريك‬

‫والفراء ‪ ،‬قاال ‪ :‬نزلت في بني أمية وبني هاشم ‪ ،‬ودليل هذا التأويل ما روى عبداهلل بن مغفل قال‬
‫َن تُفْ ِس ُدوا ِفي ْاأل َْر ِ‬
‫ض} ‪ -‬ثم قال‬
‫سمعت النبي صلى اهلل عليه وسلم يقول ‪{ :‬فَ َه ْل َع َسيْتُ ْم إِ ْن تَ َولَّيْتُ ْم أ ْ‬
‫ هم هذا الحي من قريش أخذ اهلل عليهم إن ولوا الناس أال يفسدوا في األرض وال يقطعوا أرحامهم"‪.‬‬‫وقرأ علي بن أبي طالب {إن ُت ُوليتم أن تفسدوا في األرض} بضم التاء والواو وكسر الالم‪ .‬وهي قراءة‬
‫ابن أبي إسحاق ‪ ،‬ورواها رويس عن‬

‫(‪)288/61‬‬

‫يعقوب‪ .‬يقول ‪ :‬إن وليتكم والة جائرة خرجتم معهم في الفتنة وحاربتموهم‪.‬‬
‫ِّ‬
‫ام ُك ْم} بالبغي والظلم والقتل‪ .‬وقرأ يعقوب وسالم وعيسى وأبو حاتم‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وُت َقط ُعوا أ َْرَح َ‬
‫َمَر اللَّ ُه بِ ِه‬
‫{وتَقْطعوا} بفتح التاء وتخفيف القاف ‪ ،‬من القطع ‪ ،‬اعتبارا بقوله تعالى ‪َ { :‬وَيقْطَ ُع َ‬
‫ون َما أ َ‬
‫وص َل} [البقرة ‪ .]28 :‬وروى هذه القراءة هارون عن أبى عمرو‪ .‬وقرأ الحسن {وتقطعوا} مفتوحة‬
‫أْ‬
‫َن ُي َ‬
‫َّ‬
‫وت َقطِّعوا}‬
‫َمَرُه ْم َب ْيَن ُه ْم} [األنبياء ‪ .] 38 :‬الباقون { ُ‬
‫الحروف مشددة ‪ ،‬أعتبارا بقوله تعالى ‪َ { :‬وَت َقط ُعوا أ ْ‬
‫بضم ا لتاء مشددة الطاء ‪ ،‬من التقطيع على التكثير ‪ ،‬وهو اختيار أبي عبيد‪ .‬وتقدم ذكر {عسيتم}‬
‫[البقرة ‪ ]281 :‬في "البقرة"‪ .‬وقال الزجاج في قراءة نافع ‪ :‬لو جاز هذا لجاز "عيسى" بالكسر‪ .‬قال‬
‫الجوهري ‪ :‬ويقال عسيت أن أفعل ذلك ‪ ،‬وعسيت بالكسر‪ .‬وقرئ {فهل َع ِسيتم} بالكسر‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬ويدل قوله هذا على أنهما لغتان‪ .‬وقد مضى القول فيه في "البقرة" مستوفى‪.‬‬
‫ِ ِ‬
‫َّ‬
‫َع َمى‬
‫َص َّم ُه ْم} عن الحق‪َ { .‬وأ ْ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬أُولَئ َك الَّذ َ‬
‫ين لَ َعَن ُه ُم الل ُه} أي طردهم وأبعدهم من رحمته‪َ { .‬فأ َ‬
‫ص َارُه ْم} أي قلوبهم عن الخير‪ .‬فأتبع األخبار بأن من فعل ذلك حقت عليه لعنته ‪ ،‬وسلبه االنتفاع‬
‫أ َْب َ‬

‫بسمعه وبصره حتى ال ينقاد للحق وان سمعه ‪ ،‬فجعله كالبهيمة التي ال تعقل‪ .‬وقال ‪{ :‬فهل عسيتم}‬
‫ِ ِ‬
‫ين لَ َعَن ُه ُم اللَّ ُه} فرجع من الخطاب إلى الغيبة على عادة العرب في ذلك‪.‬‬
‫ثم قال ‪{ :‬أُولَئ َك الَّذ َ‬
‫آن} أي يتفهمونه فيعلمون ما أعد اهلل للذين لم يتولوا عن اإلسالم‪{ .‬أ َْم‬
‫ون الْ ُق ْر َ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬أَفَال َيَت َدبَُّر َ‬

‫َعلَى قُلُوب أَقْفَالُ َها} أي بل على قلوب أقفال أقفلها اهلل عز وجل عليهم فهم ال يعقلون‪ .‬وهذا يرد على‬
‫القدرية واإلمامية مذهبهم‪ .‬وفي حديث مرفوع أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال ‪" :‬إن عليها أقفاال‬
‫كأقفال الحديد حتى يكون اهلل يفتحها" ‪ .‬وأصل القفل اليبس والصالبة‪ .‬ويقال لما يبس من الشجر ‪:‬‬
‫القفل‪ .‬والقفيل مثله‪ .‬والقفيل أيضا نبت‪ .‬والقفيل ‪ :‬الصوت‪ .‬قال الراجز ‪:‬‬
‫لما أتاك يابسا قرشبا ‪ ...‬قمت إليه بالقفيل ضربا‬

‫كيف قريت شيخك األزبا‬

‫(‪)281/61‬‬

‫ِ‬
‫ب (بكسر القاف) المسن ‪ ،‬عن األصمعي‪ .‬وأقفله الصوم أي أيبسه ‪ ،‬قاله القشيري والجوهري‪.‬‬
‫ش ُّ‬
‫الق ْر َ‬
‫فاألقفال ها هنا إشارة إلى ارتجاج القلب وخلوه عن اإليمان‪ .‬أي ال يدخل قلوبهم اإليمان وال يخرج‬
‫منها الكفر ‪ ،‬ألن اهلل تعالى طبع على قلوبهم وقال ‪" :‬على قلوب" ألنه لو قال على قلوبهم لم يدخل‬

‫قلب غيرهم في هذه الجملة‪ .‬والمراد أم على قلوب هؤالء وقلوب من كانوا بهذه الصفة أقفالها‪.‬‬

‫الثالثة ‪ :‬في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال ‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬إن اهلل خلق‬

‫الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ من القطيعة قال نعم أما ترضين أن‬
‫أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال فذاك لك ‪ -‬ثم قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
‫ِ ِ‬
‫ِّ‬
‫َن تُفْ ِس ُدوا ِفي ْاأل َْر ِ‬
‫ين‬
‫ اقرؤوا إن شئتم { فَ َه ْل َع َسيْتُ ْم إِ ْن تَ َولَّيْتُ ْم أ ْ‬‫ام ُك ْم ‪ ،‬أُولَئ َك الَّذ َ‬
‫ض َوتُقَط ُعوا أ َْرَح َ‬
‫َّ‬
‫آن أ َْم َعَلى ُقلُوب أَقَْفاُل َها} " ‪ .‬وظاهر اآلية‬
‫َص َّم ُه ْم َوأ ْ‬
‫ون ا ْل ُق ْر َ‬
‫ص َارُه ْم ‪ ،‬أَفَال َيَت َدبَُّر َ‬
‫َع َمى أ َْب َ‬
‫َل َعَن ُه ُم الل ُه َفأ َ‬
‫أنها خطاب لجميع الكفار‪ .‬وقال قتادة وغيره ‪ :‬معنى اآلية فلعلكم ‪ ،‬أو يخاف عليكم ‪ ،‬إن أعرضتم‬

‫عن اإليمان أن تعودوا إلى الفساد في األرض ل سفك الدماء‪ .‬قال قتادة ‪ :‬كيف رأيتم القوم حين تولوا‬
‫عن كتاب اهلل تعالى ألم يسفكوا الدماء الحرام ويقطعوا األرحام وعصوا الرحمن‪ .‬فالرحم على هذا رحم‬
‫دين اإلسالم واإليمان ‪ ،‬التي قد سماها اهلل إخوة بقوله تعالى ‪ { :‬إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات ‪:‬‬
‫‪ .] 69‬وعلى قول الفراء أن اآلية نزلت في بني هاشم وبني أمية ‪ ،‬والمراد من أضمر منهم نفاقا ‪،‬‬
‫فأشار بقطع الرحم إلى ما كان بينهم وبين النبي صلى اهلل عليه وسلم من القرابة بتكذيبهم النبي‬

‫صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬وذلك يوجب القتال‪ .‬وبالجملة فالرحم على وجهين ‪ :‬عامة وخاصة ‪ ،‬فالعامة‬
‫رحم الدين ‪ ،‬ويوجب مواصلتها بمالزمة اإليمان والمحبة ألهله ونصرتهم ‪ ،‬والنصيحة وترك مضارتهم‬
‫والعدل بينهم ‪ ،‬والنصفة في معاملتهم والقيام بحقوقهم الواجبة ‪ ،‬كتمريض المرضى وحقوق الموتى‬
‫من غسلهم والصالة عليهم ودفنهم ‪ ،‬وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم‪ .‬وأما الرحم الخاصة وهي‬
‫رحم القرابة من طرفي الرجل أبيه وأمه ‪ ،‬فتجب لهم الحقوق الخاصة وزيادة ‪ ،‬كالنفقة وتفقد أحوالهم ‪،‬‬

‫(‪)288/61‬‬

‫وترك التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم ‪ ،‬وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة ‪ ،‬حتى إذا‬

‫تزاحمت الحقوق بدئ باألقرب فاألقرب‪ .‬وقال بعض أهل العلم ‪ :‬إن الرحم التي تجب صلتها هي كل‬
‫رحم محرم وعليه فال تجب في بني األعمام وبني األخوال‪ .‬وقيل ‪ :‬بل هذا في كل رحم ممن ينطلق‬
‫عليه ذلك من ذوي األرحام في المواريث ‪ ،‬محرما كان أو غير محرم‪ .‬فيخرج من هذا أن رحم األم‬
‫التي ال يتوارث بها ال تجب صلتهم وال يحرم قطعهم‪ .‬وهذا ليس بصحيح ‪ ،‬والصواب أن كل ما‬

‫يشمله ويعمه الرحم تجب صلته على كل حال ‪ ،‬قربة ودينية ‪ ،‬على ما ذكرناه أوال واهلل أعلم‪ .‬قد روى‬

‫أبو داود الطيالسي في مسنده قال ‪ :‬حدثنا شعبة قال أخبرني محمد بن عبدالجبار قال سمعت محمد‬
‫بن كعب القرظي يحدث عن أبي هريرة قال ‪ :‬سمعت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يقول ‪" :‬إن‬
‫للرحم لسانا يوم القيامة تحت العرش يقول يا رب قطعت يا رب ظلمت يا رب أسيء إلي فيجيبها‬
‫ربها أال ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك" ‪ .‬وفي صحيح مسلم عن جبير بن مطعم‬
‫عن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال ‪" :‬ال يدخل الجنة قاطع" ‪ .‬قال ابن أبي عمر قال سفيان ‪ :‬يعني‬
‫قاطع رحم‪ .‬ورواه البخاري‪.‬‬

‫الرابعة ‪ :‬قوله عليه السالم ‪ " :‬إن اهلل تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم‪" "...‬خلق" بمعنى اخترع‬
‫ق اللَّ ِه} [لقمان ‪:‬‬
‫وأصله التقدير ‪ ،‬كما تقدم‪ .‬والخلق هنا بمعنى المخلوق‪ .‬ومنه قوله تعالى ‪َ { :‬ه َذا َخلْ ُ‬

‫‪ ]66‬أي مخلوقه‪ .‬ومعنى [فرغ منهم] كمل خلقهم‪ .‬ال أنه اشتغل بهم ثم فرغ من شغله بهم ‪ ،‬إذ ليس‬
‫فعله بمباشرة وال مناولة ‪ ،‬وال خلقه بآلة وال محاولة ‪ ،‬تعالى عن ذلك‪ .‬وقوله ‪[ :‬قامت الرحم فقالت ]‬

‫يحمل على أحد وجهين ‪ :‬أحدهما ‪ :‬أن يكون اهلل تعالى أقام من يتكلم عن الرحم من المالئكة فيقول‬
‫ذل ك ‪ ،‬وكأنه وكل بهذه العبادة من يناضل عنها ويكتب ثواب من وصلها ووزر من قطعها ‪ ،‬كما‬
‫وكل اهلل بسائر األعمال كراما كاتبين ‪ ،‬وبمشاهدة أوقات الصلوات مالئكة متعاقبين‪ .‬وثانيهما ‪:‬‬

‫(‪)283/61‬‬

‫أن ذلك على جهة التقدير والتمثيل المفهم لإلعياء وشدة االعتناء‪ .‬فكأنه قال ‪ :‬ل و كانت الرحم ممن‬
‫يعقل ويتكلم لقالت هذا الكالم ‪ ،‬كما قال تعالى ‪ { :‬لَو أَنَْزلَْنا َه َذا الْقُرآن علَى جبل لَ أر َْيتَه َخ ِ‬
‫اشعاً‬
‫ْ َ َ ََ َ ُ‬
‫ْ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ض ِرُب َها لِلنَّ ِ‬
‫ون} [الحشر ‪.]26 :‬‬
‫َمثَ ُ‬
‫ال َن ْ‬
‫اس َل َعلَّ ُه ْم َيَت َف َّكُر َ‬
‫ص ِّدعًا م ْن َخ ْشَية اللَّه} ثم قال { َوتِ ْل َك ْاأل ْ‬
‫ُمَت َ‬

‫وقوله ‪ " :‬فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة" مقصود هذا الكالم اإلخبار بتأكد أمر صلة الرحم ‪،‬‬
‫وأن اهلل سبحانه قد نزلها بمنزلة من استجار به فأجاره ‪ ،‬وأدخله في ذمته وخفارته‪ .‬واذا كان كذلك‬
‫فجار اهلل غير مخذول وعهده غير منقوض‪ .‬ولذلك قال مخاطبا للرحم ‪ " :‬أما ترضين أن أصل من‬
‫وصلك وأقطع من قطعك"‪ .‬وهذا كما قال عليه السالم ‪ " :‬ومن صلى الصبح فهو في ذمة اهلل تعالى‬

‫فال يطلبنكم اهلل من ذمته بشيء فإنه من يطلبه بذمته بشيء يدركه ثم يكبه في النار على وجهه"‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِِ ِ‬
‫َّن لَ ُهم الْ ُه َدى َّ‬
‫اآلية ‪{ 28 :‬إِ َّن الَِّذ َ ُّ‬
‫َملَى لَ ُه ْم}‬
‫ان َس َّو َل لَ ُه ْم َوأ ْ‬
‫الش ْيطَ ُ‬
‫ين ْارَتدوا َعلَى أ َْدَباره ْم م ْن َب ْعد َما َتَبي َ ُ‬
‫ِ‬
‫ين ْارتَ ُّدوا َعلَى أ َْدَب ِ‬
‫ارِه ْم} قال قتادة ‪ :‬هم كفار أهل الكتاب ‪ ،‬كفروا بالنبي صلى‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬إِ َّن الَّذ َ‬

‫اهلل عليه وسلم بعد ما عرفوا نعته عندهم ‪ ،‬قاله ابن جريج‪ .‬وقال ابن عباس والضحاك والسدي ‪ :‬هم‬

‫المنافقون ‪ ،‬قعدوا عن القتال بعد ما علموه في القرآن‪َّ { .‬‬
‫ان َس َّو َل لَ ُه ْم} أي زين لهم خطاياهم ‪،‬‬
‫الش ْيطَ ُ‬
‫َملَى َل ُه ْم} أي مد لهم الشيطان في األمل ووعدهم طول العمر ‪ ،‬عن الحسن أيضا‪.‬‬
‫قاله الحسن‪َ { .‬وأ ْ‬

‫وقال ‪ :‬إن الذي أملى لهم في األ مل ومد في آجالهم هو اهلل عز وجل ‪ ،‬قاله الفراء والمفضل‪ .‬وقال‬

‫الكلبي ومقاتل ‪ :‬إن معنى {أملى لهم} أمهلهم ‪ ،‬فعلى هذا يكون اهلل تعالى أملى لهم باإلمهال في‬
‫ُملِى َل ُه ْم} بضم الهمزة‬
‫عذابهم‪ .‬وق أر أبو عمرو وابن إسحاق وعيسى بن عمرو أبو جعفر وشيبة { َوأ ْ‬
‫وكسر الالم وفتح الياء ‪ ،‬على ما لم يسم فاعله‪ .‬وكذلك قرأ ابن هرمز ومجاهد والجحدري ويعقوب ‪،‬‬
‫إال أنهم سكنوا الياء على وجه الخبر من اهلل تعالى عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم ‪ ،‬كأنه قال ‪ :‬وأنا‬
‫أملي لهم‪ .‬واختاره أبو حاتم ‪ ،‬قال ‪ :‬ألن فتح الهمزة يوهم أن الشيطان‬

‫(‪)283/61‬‬

‫يملي لهم ‪ ،‬وليس كذلك ‪ ،‬فلهذا عدل إلى الضم‪ .‬قال المهدوي ‪ :‬ومن ق أر {وأملى لهم} فالفاعل اسم‬
‫اهلل تعالى‪ .‬وقيل الشيطان‪ .‬واختار أبو عبيد قراءة العامة ‪ ،‬قال ‪ :‬ألن المعنى معلوم ‪ ،‬لقوله ‪:‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫وه} [الفتح ‪ ]3 :‬رد التسبيح على اسم اهلل ‪ ،‬والتوقير‬
‫ِّح ُ‬
‫وه َوتُ َسب ُ‬
‫وه َوتُ َوقُِّر ُ‬
‫{ لتُ ْؤِمُنوا بِاللَّه َوَر ُسولِه َوتُ َعِّزُر ُ‬
‫والتعزير على اسم الرسول‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِِ‬
‫َّ‬
‫يع ُك ْم ِفي َب ْع ِ‬
‫سَرَارُه ْم}‬
‫اآلية ‪َ { 21 :‬ذلِ َ‬
‫َم ِر َواللَّ ُه َي ْعلَ ُم إِ ْ‬
‫ض ْاأل ْ‬
‫ك بِأَنَّ ُه ْم َقالُوا للَّذ َ‬
‫ين َك ِرُهوا َما َنَّزَل اللهُ َسُنط ُ‬
‫ك بِأَنَّ ُه ْم َقاُلوا} أ ي ذلك اإلمالء لهم حتى يتمادوا في الكفر بأنهم قالوا ‪ ،‬يعني‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ذلِ َ‬
‫ِ‬
‫ِِ‬
‫َّ‬
‫يع ُك ْم ِفي َب ْع ِ‬
‫َم ِر َواللَّ ُه‬
‫ض ْاأل ْ‬
‫المنافقين واليهود‪َ { .‬قاُلوا لَّلذ َ‬
‫ين َك ِرُهوا َما َنَّزَل الل ُه} وهم المشركون‪َ { .‬سُنط ُ‬
‫َي ْعلَ ُم إِ ْسَرَارُه ْم} أي في مخالفة محمد والتظاهر على عداوته ‪ ،‬والقع ود عن الجهاد معه وتوهين أمره‬
‫في السر‪ .‬وهم إنما قالوا ذلك سرا فأخبر اهلل نبيه‪ .‬وقراءة العامة {أسرارهم} بفتح الهمزة جمع سر ‪،‬‬
‫وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم‪ .‬وقرأ الكوفيون وابن وثاب واألعمش وحمزة والكسائي وحفص عن‬

‫ت َل ُه ْم إِ ْسَار ًرا} [نوح ‪] 3 :‬‬
‫َسَرْر ُ‬
‫عاصم {إسرارهم} بكسر الهمزة على المصدر ‪ ،‬نحو قوله تعالى ‪َ { :‬وأ ْ‬
‫جمع الختالف ضروب السر‪.‬‬
‫وه ُه ْم َوأ َْدَب َارُه ْم}‬
‫ون ُو ُج َ‬
‫ف إِ َذا تَ َوفَّتْ ُه ُم الْ َمالئِ َكةُ َي ْ‬
‫اآلية ‪{ 28 :‬فَ َك ْي َ‬
‫ض ِرُب َ‬
‫وه ُه ْم َوأ َْدَب َارُه ْم} أي‬
‫ون ُو ُج َ‬
‫ف} أي فكيف تكون حالهم‪{ .‬إِ َذا َت َوفَّ ْت ُه ُم ا ْل َمالئِ َك ُة َي ْ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ف َك ْي َ‬
‫ض ِرُب َ‬
‫ضاربين ‪ ،‬فهو في موضع الحال‪ .‬ومعنى الكالم التخويف والتهديد ‪ ،‬أي إن تأخر عنهم العذاب فإلى‬
‫انقضاء العمر‪ .‬وقد مضى في "األنفال والنحل"‪ .‬وقال ابن عباس ‪ :‬ال يتوفى أحد على معصية إال‬

‫بضرب شديد لوجهه وقفاه‪ .‬وقيل ‪ :‬ذلك عند القتال نصرة لرسول اهلل‬

‫(‪)289/61‬‬

‫صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬بضرب المالئكة وجوههم عند الطلب وأدبارهم عند الهرب‪ .‬وقيل ‪ :‬ذلك في‬
‫القيامة عند سوقهم إلى النار‪.‬‬
‫َع َمالَ ُه ْم}‬
‫اآلية ‪َ { 23 :‬ذلِ َ‬
‫َحَبطَ أ ْ‬
‫ض َو َان ُه فَأ ْ‬
‫َس َخطَ اللَّ َه َو َك ِرُهوا ِر ْ‬
‫ك بِأَنَّ ُه ُم اتََّب ُعوا َما أ ْ‬
‫ِ‬
‫َس َخطَ اللَّ َه} قال ابن عباس ‪ :‬هو كتمانهم ما‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ذل َك} أي ذلك جزاؤهم‪{ .‬بِأَنَّ ُه ُم اتََّب ُعوا َما أ ْ‬
‫في التوراة من نعت محمد صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬وان حملت على المنافقين فهو إشارة إلى ما‬

‫َع َماَل ُه ْم} أي ما عملوه من صدقة‬
‫َحَب َ‬
‫طأْ‬
‫ض َو َان ُه} يعني اإليمان‪َ { .‬فأ ْ‬
‫أضمروا عليه من الكفر‪َ { .‬و َك ِرُهوا ِر ْ‬
‫وصلة رحم وغير ذلك ‪ ،‬على ما تقدم‪.‬‬

‫ِ‬
‫ِ‬
‫اء‬
‫َن َل ْن ُي ْخ ِرَج اللَّهُ أ ْ‬
‫ض أْ‬
‫ين ِفي ُقلُوِب ِه ْم َمَر ٌ‬
‫ب َّالذ َ‬
‫اآلية ‪ { 89 - 23 :‬أ َْم َحس َ‬
‫َض َغ َان ُه ْم ‪َ ،‬ولَ ْو َن َش ُ‬
‫ِ‬
‫َع َمالَ ُك ْم}‬
‫اه ْم َولََت ْع ِرَفنَّ ُه ْم ِفي لَ ْح ِن الْقَ ْو ِل َواللَّ ُه َي ْعلَ ُم أ ْ‬
‫يم ُ‬
‫َألََرْيَنا َك ُه ْم َفلَ َعَرفَْت ُه ْم بِس َ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬أَم ح ِس ِ‬
‫َن لَ ْن ُي ْخ ِرَج اللَّ ُه‬
‫ض} نفاق وشك ‪ ،‬يعني المنافقين‪{ .‬أ ْ‬
‫ين ِفي قُلُوبِ ِه ْم َمَر ٌ‬
‫ب الَّذ َ‬
‫ْ َ َ‬
‫َض َغ َان ُه ْم} األضغان ما يضمر من المكروه‪ .‬واختلف في معناه ‪ ،‬فقال السدي ‪ :‬غشهم‪ .‬وقال ابن‬
‫أ ْ‬

‫عباس ‪ :‬حسدهم‪ .‬وقال قطرب ‪ :‬عداوتهم ‪ ،‬وأنشد قول الشاعر ‪:‬‬
‫قل البن هند ما أردت بمنطق ‪ ...‬ساء الصديق وشيد األضغانا‬
‫وقيل ‪ :‬أحقادهم‪ .‬واحدها ضغن‪ .‬قال ‪:‬‬
‫وذي ضغن كففت النفس عنه‬
‫وقد تقدم‪ .‬وقال عمرو بن كلثوم ‪:‬‬
‫وان الضغن بعد الضغن يفشو ‪ ...‬عليك ويخرج الداء الدفينا‬

‫(‪)286/61‬‬

‫قال الجوهري ‪ :‬الضغن والضغينة ‪ :‬الحقد‪ .‬وقد ضغن عليه "بالكسر" ضغنا‪ .‬وتضاغن القوم‬
‫واضطغنوا ‪ :‬أبطنوا على األحقاد‪ .‬واضطغنت الصبي إذا أخذته تحت حضنك‪ .‬وأنشد األحمر ‪:‬‬
‫كأنه مضطغن صبيا‬
‫أي حامله في حجره‪ .‬وقال ابن مقبل ‪:‬‬

‫إذا اضطغنت سالحي عند مغرضها ‪ ...‬ومرفق كرئاس السيف إذ شسفا‬

‫وفرس ضاغن ‪ :‬ال يعطي ما عنده من الجري إال بالضرب‪ .‬والمعنى ‪ :‬أم حسبوا أن لن يظهر اهلل‬
‫اء َألََريْنَا َك ُه ْم} أي لعرفناكهم‪ .‬قال ابن عباس ‪ :‬وقد عرفه‬
‫عداوتهم وحقدهم ألهل اإلسالم‪َ { .‬ولَ ْو نَ َش ُ‬
‫إياهم في سورة "التوبة"‪ .‬تقول العرب ‪ :‬سأريك ما أصنع ‪ ،‬أي سأعلمك ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪{ :‬بِ َما‬
‫ِ‬
‫َر َ َّ‬
‫اه ْم} أي بعالماتهم‪ .‬قال أنس‪ .‬ما خفي‬
‫أَ ا‬
‫يم ُ‬
‫ك الل ُه} [النساء ‪ ]698 :‬أي بما أعلمك‪َ { .‬فلَ َعَرفَْت ُه ْم بِس َ‬
‫على النبي صلى اهلل عليه وسلم بعد هذه اآلية أحد من المنافقين ‪ ،‬كان يعرفهم بسيماهم‪ .‬وقد كنا في‬

‫غزاة وفيها سبعة من المنافقين يشك فيهم الناس ‪ ،‬فأصبحوا ذات ليلة وعلى جبهة كل واحد منهم‬

‫مكتوب "هذا منافق" فذلك سيماهم‪ .‬وقال ابن زيد ‪ :‬قدر اهلل إظهارهم وأمر أن يخرج او من المسجد‬
‫فأبوا إال أن يتمسكوا بال إله إال اهلل ‪ ،‬فحقنت دماؤهم ونكحوا وأنكحوا بها‪َ { .‬وَلَت ْع ِرَفنَّ ُه ْم ِفي َل ْح ِن ا ْل َق ْو ِل}‬
‫أي في فحواه ومعناه‪ .‬ومنه قول الشاعر ‪:‬‬
‫وخير الكالم ما كان لحنا‬
‫أي ما عرف بالمعنى ولم يصرح به‪ .‬مأخوذ من اللحن في اإلعراب ‪ ،‬وهو الذهاب عن الصواب ‪،‬‬

‫ومنه قول النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته‬
‫من بعض" أي أذهب بها في الجواب لقوته على تصريف الكالم‪ .‬أبو زيد ‪:‬‬

‫(‪)282/61‬‬

‫لحنت له (بالفتح) ألحن لحنا إذا قلت له قوال يفهمه عنك ويخفى على غيره‪ .‬ولحنه هو عني‬

‫(بالكسر) يلحنه لحنا أي فهمه‪ .‬وألحنته أنا إياه ‪ ،‬والحنت الناس فاطنتهم ‪ ،‬قال الفزاري ‪:‬‬
‫وحديث ألذه هو مما ‪ ...‬ينعت الناعتون يوزن وزنا‬
‫منطق رائع وتلحن أحيانا ‪ ...‬وخير الحديث ما كان لحنا‬

‫يريد أنها تتكلم بشيء وهي تريد غيره ‪ ،‬وتعرض في حديثها فتزيله عن جهته من فطنتها وذكائها‪.‬‬
‫وقد قال تعالى ‪َ { :‬وَلَت ْع ِرَفنَّ ُه ْم ِفي لَ ْح ِن ا ْلقَ ْو ِل}‪ .‬وقال القتال الكالبي ‪:‬‬
‫ولقد وحيت لكم لكيما تفهموا ‪ ...‬ولحنت لحنا ليس بالمرتاب‬
‫وقال مرار األسدي ‪:‬‬
‫ولحنت لحنا فيه غش ورابني ‪ ...‬صدودك ترضين الوشاة األعاديا‬
‫قال الكلبي ‪ :‬فلم يتكلم بعد نزولها عند النبي صلى اهلل عليه وسلم منافق إال عرفه‪ .‬وقيل ‪ :‬كان‬
‫المنافقون يخاطبون النبي صلى اهلل عل يه وسلم بكالم تواضعوه فيما بينهم ‪ ،‬والنبي صلى اهلل عليه‬
‫وسلم يسمع ذلك ويأخذ بالظاهر المعتاد ‪ ،‬فنبهه اهلل تعالى عليه ‪ ،‬فكان بعد هذا يعرف المنافقين إذا‬

‫سمع كالمهم‪ .‬قال أنس ‪ :‬فلم يخف منافق بعد هذه اآلية على رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪،‬‬
‫َع َمالَ ُك ْم} أي ال يخفى عليه شيء‬
‫عرفه اهلل ذلك بوحي أو عالمة عرفها بتعريف اهلل إياه‪َ { .‬واللَّ ُه َي ْعلَ ُم أ ْ‬
‫منها‪.‬‬
‫ِِ‬
‫َخَب َارُك ْم }‬
‫ين ِم ْن ُك ْم َو َّ‬
‫ين َوَن ْبُل َو أ ْ‬
‫الصابِ ِر َ‬
‫اآلية ‪َ { 86 :‬وَلَن ْبُل َونَّ ُك ْم َحتَّى َن ْعَل َم ا ْل ُم َجاهد َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ولََن ْبلُ َونَّ ُك ْم} أي نتعبدكم بال شرائع الن علمنا عواقب األمور‪ .‬وقيل ‪ :‬لنعاملنكم معاملة‬
‫ِِ‬
‫ين} عليه‪ .‬قال ابن عباس ‪َ { :‬حتَّى َن ْعَل َم} حتى نميز‪.‬‬
‫ين ِم ْن ُك ْم َو َّ‬
‫الصابِ ِر َ‬
‫المختبرين‪َ { .‬حتَّى َن ْعَل َم ا ْل ُم َجاهد َ‬
‫وقال على رضي اهلل عنه‪َ { .‬حتَّى َن ْعلَ َم} حتى نرى‪ .‬وقد مضى‬

‫(‪)288/61‬‬

‫في "البقرة"‪ .‬وقراءة العامة بالنون في {نبلونكم} و {نعلم} {ونبلو} ‪ .‬وقرأ أبو بكر عن عاصم بالياء‬
‫فيهن‪ .‬وروى رويس عن يعقوب إسكان الواو من {نبلو} على القطع مما قبل‪ .‬ونصب الباقون ردا‬

‫على قوله ‪ { :‬حتى نعلم} ‪ .‬وهذا العلم هو العلم الذي يقع به الجزاء ‪ ،‬ألنه إنما يجازيهم بأعمالهم ال‬
‫بعلمه القديم عليهم‪ .‬فتأويله ‪ :‬حتى نعلم المجاهدين علم شهادة ‪ ،‬ألنهم إذا أمروا بالعمل يشهد منهم‬
‫َخَب َارُك ْم} نختبرها ونظهرها‪ .‬قال‬
‫ما عملوا ‪ ،‬فالجزاء بالثواب والعقاب يقع على علم الشهادة‪َ { .‬ونَبْلُ َو أ ْ‬
‫إبراهيم بن األشعث ‪ :‬كان الفضيل بن عياض إذا ق أر هذه اآلية بكى وقال ‪ :‬اللهم ال تبتلنا فإنك إذا‬

‫بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا ‪.‬‬
‫ِ‬
‫الرس َ ِ‬
‫ِ َّ ِ‬
‫ِ‬
‫َّن َل ُه ُم ا ْل ُه َدى َل ْن‬
‫ول م ْن َب ْعد َما َتَبي َ‬
‫اآلية ‪ { 82 :‬إِ َّن الَّذ َ‬
‫ص ُّدوا َع ْن َسبِيل الله َو َشاقُّوا َّ ُ‬
‫ين َك َفُروا َو َ‬
‫َع َمالَ ُه ْم }‬
‫ضُّروا اللَّ َه َش ْيئاً َو َسُي ْحبِطُ أ ْ‬
‫َي ُ‬
‫َِّ‬
‫ين َك َفروا وص ُّدوا َع ْن سبِ ِ‬
‫يل اللَّ ِه} يرجع إلى المنافقين أو إلى اليهود‪ .‬وقال ابن‬
‫َ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬إِ َّن الذ َ ُ َ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َمواَلهم لَِيص ُّدوا َع ْن سبِ ِ‬
‫يل اللَّ ِه}‬
‫ين َك َفُروا ُي ْنف ُق َ‬
‫عباس ‪ :‬هم المطعمون يوم بدر‪ .‬نظيرها ‪ { :‬إِ َّن الَّذ َ‬
‫َ‬
‫ون أ ْ َ ُ ْ ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّن لَ ُه ُم الْ ُه َدى} أي علموا‬
‫[األنفال ‪ ]81 :‬اآلية‪َ { .‬و َشاقُّوا َّ‬
‫س َ‬
‫ول} أي عادوه وخالفوه‪{ .‬م ْن َب ْعد َما َتَبي َ‬
‫الر ُ‬
‫َع َماَل ُه ْم} أي ثواب ما عملوه‪.‬‬
‫ضُّروا اللَّ َه َش ْيئًا} بكفرهم‪َ { .‬و َسُي ْحبِ ُ‬
‫طأْ‬
‫أنه نبي بالحجج واآليات‪َ{ .‬ل ْن َي ُ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ‬
‫اآلية ‪{ 88 :‬يا أَي ِ‬
‫َع َمالَ ُك ْم }‬
‫يعوا َّ‬
‫الر ُسو َل َوال ُت ْب ِطلُوا أ ْ‬
‫ُّها الَّذ َ‬
‫يعوا الل َه َوأَط ُ‬
‫آمُنوا أَط ُ‬
‫ين َ‬
‫َ َ‬
‫فيه مسألتان ‪:‬‬
‫َّ ِ‬
‫ِ‬
‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪{ :‬يا أَي ِ‬
‫ول} لما بين حال الكفار أمر‬
‫يعوا َّ‬
‫س َ‬
‫ُّها الَّذ َ‬
‫الر ُ‬
‫يعوا الل َه َوأَط ُ‬
‫آمُنوا أَط ُ‬
‫ين َ‬
‫َ َ‬
‫َع َمالَ ُك ْم} أي حسناتكم بالمعاصي ‪،‬‬
‫المؤمنين بلزوم الطاعة في أوامره والرسول في سننه‪َ { .‬وال تُ ْب ِطلُوا أ ْ‬
‫قال الحسن‪ .‬وقال الزهري ‪ :‬بالكبائر‪ .‬ابن جريج ‪ :‬بالرياء والسمعة‪.‬‬

‫(‪)288/61‬‬

‫وقال مقاتل والثمالي ‪ :‬بالمن ‪ ،‬وهو خطاب لمن كان يمن على النبي صلى اهلل عليه وسلم بإسالمه‪.‬‬
‫وكله متقارب ‪ ،‬وقول الحسن يجمعه‪ .‬وفيه إشارة إلى أن الكبائر تحبط الطاعات ‪ ،‬والمعاصي تخرج‬
‫عن اإليمان ‪.‬‬
‫الثانية ‪ :‬احتج علماؤنا وغيرهم بهذه اآلية على أن التحلل من التطوع ‪ -‬صالة كان أو صوما ‪ -‬بعد‬
‫التلبس به ال يجوز ‪ ،‬ألن فيه إبطال العمل وقد نهى اهلل عنه‪ .‬وقال من أجاز ذلك ‪ -‬وهو اإلمام‬

‫الشافعي وغيره ‪ : -‬المراد بذلك إبطال ثواب العمل المفروض ‪ ،‬فنهى الرجل عن إحباط ثوابه‪ .‬فأما‬
‫ما كان نفال فال ‪ ،‬ألنه ليس واجبا عليه‪ .‬فان زعموا أن اللفظ عام فالعام يجوز تخصيصه أن النفل‬
‫تطوع ‪ ،‬والتطوع يقتضي تخبيرا‪ .‬وعن أبي العالية كانوا يرون أنه ال يضر مع اإلسالم ذنب ‪ ،‬حتى‬
‫نزلت هذه اآلية فخافوا الكبائر أن تحبط األعمال‪ .‬وقال مقاتل ‪ :‬يقول اهلل تعالى إذا عصيتم الرسول‬
‫فقد أبطلتم أعمالكم‪.‬‬
‫َِّ‬
‫ين َك َفروا وص ُّدوا َع ْن سبِ ِ‬
‫يل اللَّهِ ثَُّم َم ُاتوا َوُه ْم ُكفَّ ٌار َفَل ْن َي ْغِفَر اللَّ ُه َل ُه ْم}‬
‫َ‬
‫اآلية ‪ { 88 :‬إِ َّن الذ َ ُ َ َ‬

‫بين أن االعتبار بالوفاة على الكفر يوجب الخلود في النار‪ .‬وقد مضى في "البقرة" الكالم فيه‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫إن المراد باآلية أصحابة القليب‪ .‬وحكمها عام‪.‬‬
‫َع َمالَ ُك ْم }‬
‫َعلَ ْو َن َواللَّ ُه َم َع ُك ْم َولَ ْن َيتَِرُك ْم أ ْ‬
‫اآلية ‪ { 88 :‬فَال تَ ِهنُوا َوتَ ْد ُعوا إِلَى السَّلِْم َوأَنْتُ ُم ْاأل ْ‬
‫فيه ثالث مسائل ‪:‬‬

‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪{ :‬فَال تَ ِهُنوا} أي تضعفوا عن القتال‪ .‬والوهن ‪ :‬الضعف وقد وهن اإلنسان ووهنه‬
‫غيره ‪ ،‬يتعدى وال يتعدى‪ .‬قال ‪:‬‬
‫إنني لست بموهون فقر‬

‫(‪)288/61‬‬

‫ووهن أيضا (بالكسر) وهنا أي ضعف ‪ ،‬وقرئ {فما وهنوا} بضم الهاء وكسرها‪ .‬وقد مضى في (آل‬

‫عمران"‪.‬‬

‫َعَل ْو َن} أي وأنتم أعلم باهلل منهم‪.‬‬
‫الثانية ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬وَت ْد ُعوا إَِلى َّ‬
‫الس ْلِم} أي الصلح‪َ { .‬وأ َْنُت ُم ْاأل ْ‬
‫وقيل ‪ :‬وأنتم األعلون في الحجة‪ .‬وقيل ‪ :‬المعنى وأنتم الغالبون ألنكم مؤمنون وان غلبوكم في‬
‫الظاهر في بعض األحوال‪ .‬وقال قتادة ‪ :‬ال تكونوا أول الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها‪.‬‬
‫اجَن ْح َل َها}‬
‫الثالثة ‪ :‬واختلف العلماء في حكمها ‪ ،‬فقيل ‪ :‬إنها ناسخة لقوله تعالى ‪َِ { :‬وا ْن َجَن ُحوا لِلسَّ ْلِم َف ْ‬
‫[األنفال ‪ ، ]16 :‬ألن اهلل تعالى منع من الميل إلى الصلح إذا لم يكن بالمسلمين حاجة إلى الصلح‪.‬‬
‫اجَن ْح َل َها} ‪ .‬وقيل ‪ :‬هي محكمة‪ .‬واآليتان نزلتا في‬
‫وقيل ‪ :‬منسوخة بقوله تعالى ‪َِ { :‬وا ْن َجَن ُحوا ِل َّ‬
‫لس ْلِم َف ْ‬
‫وقتين مختلفي الحال‪ .‬وقيل ‪ :‬إن قوله ‪ِ { :‬وا ْن جَنحوا لِ َّ ِ‬
‫اجَن ْح لَ َها} مخصوص في قوم بأعيانهم ‪،‬‬
‫لسلْم َف ْ‬
‫َ َ ُ‬
‫واألخرى عامة‪ .‬فال يجوز مهادنة الكفار إال عند الضرورة ‪ ،‬وذلك إذا عجزنا عن مقاومتهم لضعف‬

‫َّ‬
‫َّ‬
‫المسلمين‪ .‬وقد مضى هذا المعنى مستوفى‪َ { .‬والل ُه َم َع ُك ْم} أي بالنصر والمعونة ‪ ،‬مثل ‪َِ { :‬وا َّن الل َه َل َمعَ‬
‫ِِ‬
‫َع َمالَ ُك ْم} أي لن ينقصكم ‪ ،‬عن ابن عباس وغيره‪ .‬ومنه‬
‫ين} [العنكبوت ‪َ { : ] 13 :‬ولَ ْن َيتَِرُك ْم أ ْ‬
‫الْ ُم ْحسن َ‬
‫الموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه ‪ ،‬تقول منه ‪ :‬وتره يتره وترا وترة‪ .‬ومنه قوله عليه السالم ‪:‬‬

‫" من فاتته صالة العصر فكأنما وتر أهله وماله" أي ذهب بهما‪ .‬وكذلك وتره حقه أي نقصه‪ .‬وقوله‬
‫َع َمالَ ُك ْم} أي لن ينتقصكم في أعمالكم ‪ ،‬كما تقول ‪ :‬دخلت البيت ‪ ،‬وأنت تريد‬
‫تعالى ‪َ { :‬ولَ ْن َيتَِرُك ْم أ ْ‬
‫في البيت ‪ ،‬قاله الجوهري‪ .‬الفراء ‪{ :‬ولن يتركم} هو مشتق من الوتر وهو الفرد ‪ ،‬فكان المعنى ‪ :‬ولن‬
‫يفردكم بغير ثواب‪.‬‬

‫(‪)281/61‬‬

‫اة ُّ‬
‫َم َواَل ُك ْم ‪،‬‬
‫الد ْنَيا َل ِع ٌ‬
‫اآلية ‪ { 88 - 81 :‬إِنَّ َما ا ْل َحَي ُ‬
‫ورُك ْم َوال َي ْسأَ ْل ُك ْم أ ْ‬
‫ب َوَل ْه ٌو َِوا ْن ُت ْؤِمُنوا َوَتَّت ُقوا ُي ْؤتِ ُك ْم أ ُ‬
‫ُج َ‬
‫َض َغ َان ُك ْم }‬
‫جأ ْ‬
‫وها َفُي ْحِف ُك ْم َت ْب َخلُوا َوُي ْخ ِرْ‬
‫إِ ْن َي ْسأَلْ ُك ُم َ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬إِنَّ َما الْ َحَياةُ ُّ‬
‫ورُك ْم} شرط‬
‫الدنَْيا لَ ِع ٌ‬
‫ب َولَ ْه ٌو} تقدم في "األنعام‪َِ { .‬وا ْن تُ ْؤِمنُوا َوتَتَّقُوا ُي ْؤتِ ُك ْم أ ُ‬
‫ُج َ‬
‫َم َواَل ُك ْم} أي ال يأمركم بإخراج جميعها في الزكاة ‪ ،‬بل أمر بإخراج البعض ‪ ،‬قاله‬
‫وجوابه‪َ { .‬وال َي ْسأَ ْل ُك ْم أ ْ‬

‫َم َاولَ ُك ْم} لنفسه أو لحاجة منه إليها ‪ ،‬إنما يأمركم باإلنفاق في‬
‫أين عيينة وغيره‪ .‬وقيل ‪{ :‬ال َي ْسأَلْ ُك ْم أ ْ‬
‫َم َواَل ُك ْم} إنما يسألكم أمواله ‪ ،‬ألنه المالك لها وهو المنعم‬
‫سبيله ليرجع ثوابه إليكم‪ .‬وقيل ‪{ :‬ال َي ْسأَ ْل ُك ْم أ ْ‬
‫َسأَلُ ُك ْم َعلَ ْي ِه ِم ْن‬
‫بإعطائها‪ .‬وقيل ‪ :‬وال يسألكم محمد أموالكم أج ار على تبليغ الرسالة‪ .‬نظيره ‪ُ { :‬ق ْل َما أ ْ‬
‫َجر} [الفرقان ‪ ]88 :‬اآلية‪.‬‬
‫أْ‬
‫وها َفُي ْحِف ُك ْم} يلح عليكم ‪ ،‬يقال ‪ :‬أحفى بالمسألة وألحف وألح بمعنى واحد‪.‬‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬إِ ْن َي ْسأَ ْل ُك ُم َ‬
‫والحفي المستقصي في السؤال ‪ ،‬وكذلك اإلحفاء االستقصاء في الكالم والمنازعة‪ .‬ومنه أحفى شاربه‬
‫َض َغ َان ُك ْم} أي يخرج البخل أضغانكم‪ .‬قال قتادة ‪ :‬قد علم اهلل‬
‫أي استقصى في أخذه‪َ{ .‬ت ْب َخُلوا َوُي ْخ ِرْج أ ْ‬
‫أن في سؤال المال خروج األضغان‪ .‬وق أر ابن عباس ومجاهد وابن محيصن وحميد {وتخرج} بتاء‬

‫مفتوحة وراء مضمومة‪{ .‬أضغانكم} بالرفع لكونه الفاعل‪ .‬وروى الوليد عن يعقوب الحضرمي‬
‫{ونخرج} بالنون‪ .‬وأبو معمر عن عبدالوارث عن أبي عمرو {ويخرج} بالرفع في الجيم على القطع‬
‫واالستئناف والمشهور عنه {ويخرج} كسائر القراء ‪ ،‬عطف على ما تقدم‪.‬‬
‫اآلية ‪َ { 83 :‬ها أ َْنُتم َهؤ ِ‬
‫الء ُت ْد َعو َن لُِت ْنِف ُقوا فِي سبِ ِ‬
‫يل اللَّ ِه َف ِم ْن ُك ْم َم ْن َي ْب َخ ُل َو َم ْن َي ْب َخ ْل َفإَِّن َما َي ْب َخ ُل َع ْن‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫ِ ِ َّ‬
‫َمثَالَ ُك ْم}‬
‫اء َِوا ْن َتَت َول ْوا َي ْس َت ْبد ْل َق ْوماً َغ ْيَرُك ْم ثَُّم ال َي ُك ُ‬
‫ونوا أ ْ‬
‫َنفْسه َوالل ُه الْ َغن ُّي َوأ َْنُت ُم الْ ُفقََر ُ‬

‫(‪)288/61‬‬

‫قوله تعالى ‪َ { :‬ها أ َْنُتم َهؤ ِ‬
‫الء ُت ْد َعو َن} أي ها أنتم هؤالء أيها المؤمنون تدعون {لُِت ْنِف ُقوا ِفي سِب ِ‬
‫يل اللَّ ِه}‬
‫َ‬
‫ْ‬
‫ْ ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫أي في الجهاد وطريق الخير‪َ { .‬فم ْن ُك ْم َم ْن َي ْب َخ ُل َو َم ْن َي ْب َخ ْل َفإنَّ َما َي ْب َخ ُل َع ْن َنفْسه} أي على نفسه ‪،‬‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫اء} إليها‪َِ { .‬وا ْن‬
‫أي يمنعها األجر والثواب‪َ { .‬والل ُه ا ْل َغن ُّي} أي إنه ليس بمحتاج إلى أموالكم‪َ { .‬وأ َْنُت ُم ا ْل ُفقََر ُ‬
‫َمثَالَ ُك ْم} أي أطوع هلل منكم‪ .‬روى الترمذي عن أبى هريرة‬
‫َتَت َولَّ ْوا َي ْسَت ْبِد ْل َق ْوماً َغ ْيَرُك ْم ثَُّم ال َي ُك ُ‬
‫ونوا أ ْ‬
‫قال ‪ :‬تال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم هذه اآلية { َِوا ْن تَتَ َولَّ ْوا َي ْستَبِْد ْل قَ ْوماً َغيَْرُك ْم ثَُّم ال َي ُكونُوا‬

‫َمثَاَل ُك ْم} قالوا ‪ :‬ومن يستبدل بنا ؟ قال ‪ :‬فضرب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم على منكب سلمان‬
‫أْ‬
‫ثم قال ‪" :‬هذا وقومه‪ .‬هذا وقومه" قال ‪ :‬حديث غريب في إسناده مقال‪ .‬وقد روى عبداهلل بن جعفر‬

‫بن نجيح والد على بن المديني أيضا هذا الحديث عن العالء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة‬
‫قال ‪ :‬قال أنس من أصحاب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يا رسول اهلل ‪ ،‬من هؤالء الذين ذكر اهلل‬
‫إن تولينا استبدلوا ثم ال يكونوا أمثالنا ؟ قال ‪ :‬وكان سلمان جنب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬

‫قال ‪ :‬فضرب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فخذ سلمان ‪ ،‬قال ‪" :‬هذا وأصحابه‪ .‬والذي نفسي بيده‬
‫لو كان اإليمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس"‪ .‬وقال الحسن ‪ :‬هم العجم‪ .‬وقال عكرمة ‪ :‬هم‬
‫فارس والروم‪ .‬قال المحاسبي ‪ :‬فال أحد بعد العربي من جميع أجناس األعاجم أحسن دينا ‪ ،‬وال كانت‬
‫العلماء منهم إال الفرس‪ .‬وقيل ‪ :‬إنهم اليمن ‪ ،‬وهم األنصار ‪ ،‬قال شريح بن عبيد‪ .‬وكذا قال ابن‬

‫عباس ‪ :‬هم األنصار‪ .‬وعنه أنهم المالئكة‪ .‬وعنه هم التابعون‪ .‬وقال مجاهد ‪ :‬إنهم من شاء من‬

‫َمثَاَل ُك ْم} قال الطبري ‪ :‬أي في البخل باإلنفاق في سبيل اهلل‪ .‬وحكي عن‬
‫سائر الناس‪{ .‬ثَُّم ال َي ُك ُ‬
‫ونوا أ ْ‬
‫أبي موسى األشعري أنه لما نزلت هذه اآلية فرح بها رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وقال ‪" :‬هي‬
‫أحب إلي من الدنيا" ‪ .‬واهلل أعلم‪.‬‬

‫(‪)283/61‬‬

‫" صفحة رقم ‪" 283‬‬

‫سورة الفتح مدنية بإجماع وهي تسع وعشرون آية ونزلت ليال بين مكة والمدينة في شأن الحديبية‬

‫روى محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قاال ‪ :‬نزلت‬
‫سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إل ى آخرها وفي الصحيحين عن زيد بن‬
‫أسلم عن أبيه أن رسول اهلل ( صلى اهلل عليه وسلم ) كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب‬
‫يسير معه ليال فسأله عمر عن شيء فلم يجبه رسول اهلل ( صلى اهلل عليه وسلم ) ثم سأله فلم يجبه‬

‫ثم سأله فلم يجبه فقال عمر بن الخطاب ‪ :‬ثكلت أم عمر نزرت رسول اهلل ( صلى اهلل عليه وسلم )‬

‫ثالث مرات كل ذلك لم يجبك فقال عمر ‪ :‬فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل في‬
‫قرآن فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي فقلت ‪ :‬لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن فجئت‬
‫رسول اهلل ( صلى اهلل عليه وسلم ) فسلمت عليه فقال ‪ ) :‬ل قد أنزلت على الليلة سورة لهي أحب إلي‬
‫مما طلعت عليه الشمس ثم ق أر إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) لفظ البخاري وقال الترمذي ‪ :‬حديث حسن‬
‫غريب صحيح وفي صحيح مسلم عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم قال ‪ :‬لما نزلت ‪ :‬إنا فتحنا لك‬
‫فتحا مبينا ليغفر لك اهلل ما تقدم من ذنبك وما ت أخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما إلى‬

‫قوله فو از عظيما مرجعه من الحديبية وهم يخالطهم الحزن والكآبة وقد نحر الهدى بالحديبية فقال ‪) :‬‬
‫لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا ) وقال عطاء عن بن عباس ‪ :‬إن اليهود شتموا‬
‫النبي ( صلى اهلل عليه وسلم ) والمسلمين لما نزل قوله تعالى ‪ ) :‬وما أدري ما يفعل بي وال بكم‬
‫وقالوا ‪ :‬كيف تنبع رجال ال يدري ما يفعل به فاشتد ذلك على النبي ( صلى اهلل عليه وسلم ) فأنزل‬
‫اهلل تعالى ‪ :‬إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك اهلل ما تقدم من ذنبك وما تأخر ونحوه قال مقاتل‬

‫(‪)283/61‬‬

‫تفسير سورة الفتح‬
‫‪...‬‬
‫سورة الفتح‬
‫مقدمة السورة‬

‫مدنية بإجماع ‪ ،‬وهي تسع وعشرون آية‪ .‬ونزلت ليال بين مكة والمدينة في شأن الحديبية‪ .‬روى محمد‬
‫بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ‪ ،‬قاال ‪ :‬نزلت سورة‬
‫الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها‪ .‬وفي الصحيحين عن زيد بن أسلم‬
‫عن أبيه أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير‬
‫معه ليال فسأله عمر عن شيء فلم يجبه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬ثم سأله فلم يجبه ‪ ،‬ثم‬
‫سأله فلم يجبه ‪ ،‬فقال عمر بن الخطاب ‪ :‬ثكلت أ م عمر ‪ ،‬نزرت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬

‫ثالث مرات كل ذلك لم يجبك ‪ ،‬فقال عمر ‪ :‬فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل‬
‫في قرآن ‪ ،‬فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي ‪ ،‬فقلت ‪ :‬لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن ‪،‬‬
‫فجئت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فسلمت عليه ‪ ،‬فقال ‪ " :‬لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب‬

‫إلي مما طلعت عليه الشمس ‪ -‬ثم ق أر ‪{ -‬إِنَّا َفَت ْحَنا َل َك َف ْتحًا ُمِبينًا} " لفظ البخاري‪ .‬وقال الترمذي ‪:‬‬
‫حديث حسن غريب صحيح‪ .‬وفي صحيح مسلم عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم قال ‪ :‬لما نزلت ‪:‬‬
‫َخر ويتِ َّم نِعمتَه علَيْ َك ويهِدي َك ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫صَراطاً‬
‫ََ ْ َ‬
‫{إِنَّا فَتَ ْحنَا لَ َك فَتْحاً ُمبِيناً‪ .‬لَي ْغفَر لَ َك اللَّ ُه َما تَقَ َّد َم م ْن َذنْبِ َك َو َما تَأ َّ َ َ ُ ْ َ ُ َ‬
‫ُم ْسَتِقيماً} ‪ -‬إلى قوله ‪َ { -‬ف ْوزاً َع ِظيماً} مرجعه من الحديبية وهم يخالطهم الحزن والكآبة ‪ ،‬وقد نحر‬
‫الهدي بالحديبية ‪ ،‬فقال ‪" :‬لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا" ‪ .‬وقال عطاء عن ابن‬

‫عباس ‪ :‬إن اليهود شتموا النبي صلى اهلل عليه وسلم والمسلمين لما نزل قوله تعالى ‪َ { :‬و َما أ َْد ِري َما‬
‫ُيفْ َع ُل بِي َوال بِ ُك ْم} [األحقاف ‪ ]3 :‬وقالوا ‪ :‬كيف نتبع رجال ال يدري ما يفعل به فاشتد ذلك على النبي‬
‫صلى اهلل عليه وسلم فأنزل اهلل تعالى ‪{ :‬إِنَّا فَتَ ْحنَا لَ َك فَتْحاً ُمبِيناً‪ .‬لَِي ْغِفَر لَ َك اللَّ ُه َما تَقَ َّد َم ِم ْن َذنْبِ َك‬
‫َو َما َتأ َّ‬
‫َخَر} ‪ .‬ونحوه قال مقاتل‬
‫ابن سليمان ‪ :‬لما نزل قوله تعالى ‪َ { :‬و َما أ َْد ِري َما ُيفْ َع ُل بِي َوال بِ ُك ْم} [األحقاف ‪ ]3 :‬فرح المشركون‬
‫والمنافقون وقالوا ‪ :‬كيف نتبع رجال ال يدري ما يفعل به وال بأصحابه ‪ ،‬فنزلت بعد ما رجع من‬

‫الحديبية ‪{ :‬إِنَّا َفَت ْحَنا لَ َك َفتْحاً ُمبِيناً} أي قضينا لك قضاء‪ .‬فنسخت هذه اآلية تلك‪ .‬فقال النبي صلى‬
‫اهلل عليه وسلم ‪ " :‬لقد أنزلت علي سورة ما يسرني بها حمر النعم" ‪ .‬وقال المسعودي ‪ :‬بلغني أنه من‬
‫قرأ سورة الفتح في أول ليلة من رمضان في صالة التطوع حفظه اهلل ذلك العام‪.‬‬

‫ك َف ْتحًا ُمبِينًا }‬
‫اآلية ‪ِ{ 6 :‬إَّنا َفَت ْحَنا َل َ‬
‫اختلف في هذا الفتح ما هو ؟ ففي البخاري حدثني محمد بن بشار قال حدثنا غندر قال حدثنا شعبة‬

‫قال سمعت قتادة عن أنس {إِنَّا فَتَ ْحنَا لَ َك فَتْحاً ُمبِيناً} قال ‪ :‬الحديبية‪ .‬وقال جابر ‪ :‬ما كنا نعد فتح‬
‫مكة إال يوم الحديبية‪ .‬وقال الفراء ‪ :‬تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد‬
‫الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية ‪ ،‬كنا نعد مع النبي صلى اهلل عليه وسلم أربع عشرة مائة ‪،‬‬

‫ك َف ْتحًا ُمِبينًا} بغير قتال‪ .‬وكان الصلح من الفتح‪ .‬وقال‬
‫والحديبية بئر‪ .‬وقال الضحاك ‪{ :‬إِنَّا َفَت ْحَنا َل َ‬
‫مجاهد ‪ :‬هو منحره بالحديبية وحلقه رأسه‪ .‬وقال ‪ :‬كان فتح الحديبية آية عظيمة ‪ ،‬نزح ماؤها فمج‬
‫فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه‪ .‬وقال موسى بن عقبة ‪ :‬قال رجل عند منصرفهم‬
‫من الحديبية ‪ :‬ما هذا بفتح ‪ ،‬لقد صدونا عن البيت‪ .‬فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬بل هو‬
‫أعظم الفتوح قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بالدهم بالراح ويسألكم القضية ويرغبوا إليكم في‬

‫األمان وقد رأوا منكم ما كرهوا"‪ .‬وقال الشعبي في قوله تعالى ‪{ :‬إِنَّا َفَت ْحَنا َل َك َف ْتحًا ُمِبينًا} قال ‪ :‬هو‬
‫فتح الحديبية ‪ ،‬لقد أصاب بها ما لم يصب في غزوة ‪ ،‬غفر اهلل له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ‪،‬‬
‫وبويع بيعة الرضوان ‪،‬‬

‫(‪)219/61‬‬

‫وأطعموا نخل خيبر ‪ ،‬وبلغ الهدي محله ‪ ،‬وظهرت الروم على فارس ‪ ،‬ففرح المؤمنون بظهور أهل‬

‫الكتاب على المجوس‪ .‬وقال الزهري ‪ :‬لقد كان الحديبية أعظم الفتوح ‪ ،‬وذلك أن النبي صلى اهلل‬

‫عليه وسلم جاء إليها في ألف وأربعمائة ‪ ،‬فلما وقع الصلح مشى الناس بعضهم في بعض وعلموا‬
‫وسمعوا عن اهلل ‪ ،‬فما أراد أحد اإلسالم إال تمكن منه ‪ ،‬فما مضت تلك السنتان إال والمسلمون قد‬
‫جاؤوا إلى مكة في عشرة آالف‪ .‬وقال مجاهد أيضا والعوفي ‪ :‬هو فتح خبير‪ .‬واألول أكثر ‪ ،‬وخيبر‬

‫ون إِ َذا ْانطَلَقُْت ْم} [الفتح ‪:‬‬
‫إنما كانت وعدا وعدوه ‪ ،‬على ما يأتي بيانه في قوله تعالى ‪َ { :‬سَيقُ ُ‬
‫ول الْ ُم َخلَّفُ َ‬
‫ون َها َف َع َّج َل َل ُك ْم َهِذِه} [الفتح ‪ .]29 :‬وقال مجمع بن جارية‬
‫‪ ]69‬وقوله ‪َ { :‬و َع َد ُك ُم اللَّهُ َم َغانِ َم َكثِ َيرًة َتأْ ُخ ُذ َ‬
‫‪ -‬وكان أحد القراء الذين قرؤوا القرآن ‪ : -‬شهدنا الحديبية مع النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬فلما‬

‫انصرفنا عنها إذا الناس يهزون األباعر ‪ ،‬فقال بعض الناس لبعض ‪ :‬ما بال الناس ؟ قالوا ‪ :‬أوحى‬
‫اهلل إلى النبي صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬قال ‪ :‬فخرجنا نوجف فوجدنا نبي اهلل صلى اهلل عليه وسلم عند‬

‫كراع الغميم ‪ ،‬فلما اجتمع الناس ق أر النبي صلى اهلل عليه وسلم {إِنَّا َفَت ْحَنا لَ َك َفتْحاً ُمبِيناً} فقال عمر‬
‫بن الخطاب ‪ :‬أو فتح هو يا رسول اهلل ؟ قال ‪" :‬نعم ‪ ،‬والذي نفسي بيده إنه لفتح"‪ .‬فقسمت خيبر‬
‫على أهل الحديبية ‪ ،‬لم يدخل أحد إال من شهد الحديبية‪ .‬وقيل ‪ :‬إن قوله تعالى ‪{ :‬فتحا} يدل على‬

‫أن مكة فتحت عنوة ‪ ،‬ألن اسم الفتح ال يقع مطلقا إال على ما فتح عنوة‪ .‬هذا هو حقيقة االسم‪ .‬وقد‬

‫يقال ‪ :‬فتح البلد صلحا ‪ ،‬فال يفهم الصلح إال بأن يقرن بالفتح ‪ ،‬فصار الفتح في الصلح مجازا‪.‬‬
‫واألخبار دالة على أنها فتحت عنوة ‪ ،‬وقد مضى القول فيها ‪ ،‬ويأتي‪.‬‬
‫َخر ويتِ َّم نِعمتَه علَيْ َك ويهِدي َك ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫صَراطاً ُم ْستَِقيماً ‪،‬‬
‫ََ ْ َ‬
‫اآلية ‪ { 2 :‬لَي ْغفَر لَ َك اللَّهُ َما تَقَ َّد َم م ْن َذنْبِ َك َو َما تَأ َّ َ َ ُ ْ َ ُ َ‬
‫ص ًرا َع ِزي اًز‬
‫صَر َك اللَّ ُه َن ْ‬
‫َوَي ْن ُ‬

‫(‪)216/61‬‬

‫قال ابن األنباري ‪َ { :‬ف ْتحًا ُمبِينًا} غير تام ‪ ،‬ألن قوله ‪{ :‬لَِي ْغِفَر َل َك اللَّهُ َما َت َق َّد َم} متعلق بالفتح‪ .‬كأنه‬
‫قال ‪ :‬إنا فتحنا لك فتحا مبينا لكي يجمع اهلل لك مع الفتح المغفرة ‪ ،‬فيجمع اهلل لك به ما تقر به‬
‫عينك في الدنيا واآلخرة‪ .‬وقال أبو حاتم السجستاني ‪ :‬هي الم القسم‪ .‬وهذا خطأ ‪ ،‬ألن الم القسم ال‬
‫تكسر وال ينصب بها ‪ ،‬ولو جاز هذا لجاز ‪ :‬ليقوم زيد ‪ ،‬بتأويل ليقومن زيد‪ .‬الزمخشري ‪ :‬فإن قلت‬

‫كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة ؟ قلت ‪ :‬لم يجعل علة للمغفرة ‪ ،‬ولكن الجتماع ما عدد من األمور‬

‫األربعة ‪ ،‬وهي ‪ :‬المغفرة ‪ ،‬واتمام النعمة ‪ ،‬وهداية الصراط المستقيم ‪ ،‬والنصر العزيز‪ .‬كأنه قال‬
‫يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك ليجمع لك عز الدارين وأعراض العاجل واآلجل‪ .‬ويجوز أن‬
‫يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سببا للغفران والثواب‪ .‬وفي الترمذي عن أنس قال ‪ :‬أنزلت‬
‫على النبي صلى اهلل عليه وسلم { لَِي ْغِفَر َل َك اللَّهُ َما َت َق َّد َم ِم ْن َذ ْنبِ َك َو َما َتأ َّ‬
‫َخَر} مرجعه من الحديبية ‪،‬‬
‫فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬لقد أنزلت علي آية أحب إلي مما على وجه األرض" ثم قرأها‬

‫النبي صلى اهلل عليه وسلم عليهم ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬هنيئا مريئا يا وسول اهلل ‪ ،‬لقد بين اهلل لك ماذا يفعل بك‬
‫‪ ،‬فماذا يفعل بنا ‪ ،‬فنزلت عليه ‪ { :‬لِي ْد ِخ َل الْمؤِمنِين والْمؤِمَن ِ‬
‫ات َجنَّات َت ْج ِري ِم ْن َت ْحتِ َها ْاأل َْن َه ُار ‪ -‬حتى‬
‫ُْ َ َ ُْ‬
‫ُ‬
‫بلغ ‪ -‬فَ ْوزاً َع ِظيماً} قال حديث حسن صحيح‪ .‬وفيه عن مجمع بن جارية‪ .‬واختلف أهل التأويل في‬
‫معنى { لَِي ْغِفَر َل َك اللَّ ُه َما َت َق َّد َم ِم ْن َذ ْنبِ َك َو َما َتأ َّ‬
‫َخَر} فقيل ‪َ { :‬ما َت َق َّد َم ِم ْن َذ ْنبِ َك} قبل الرسالة‪َ { .‬و َما‬
‫َتأ َّ‬
‫َخَر} بعدها ‪ ،‬قال مجاهد‪ .‬ونحوه قال الطبري وسفيان الثوري ‪ ،‬قال الطبري ‪ :‬هو راجع إلى قوله‬
‫صُر اللَّ ِه َوا ْل َف ْت ُح} إلى قول {َت َّوابًا} [النصر ‪ِ { .]8 - 6 :‬لَي ْغِفَر َل َك اللَّهُ َما َت َق َّد َم ِم ْن‬
‫اء َن ْ‬
‫تعالى ‪{ :‬إِ َذا َج َ‬
‫َذ ْنبِ َك} قبل الرسالة { َو َما َتأ َّ‬
‫ك اللَّ ُه َما‬
‫َخَر} إلى وقت نزول هذه اآلية‪ .‬وقال سفيان الثوري ‪{ :‬لَِي ْغِفَر لَ َ‬
‫تَقَ َّد َم ِم ْن َذنْبِ َك} ما عملته في الجاهلية من قبل أن يوحى إليك‪َ { .‬و َما تَأ َّ‬
‫َخَر} كل شيء لم تعمله ‪،‬‬
‫وقاله الواحدي‪ .‬وقد مضى الكالم في جريان الصغائر على األنبياء في سورة "البقرة" ‪ ،‬فهذا قول‪.‬‬

‫وقيل ‪:‬‬

‫(‪)212/61‬‬

‫َخَر} بعد الفتح‪ .‬وقيل ‪َ { :‬ما َت َق َّد َم} قبل نزول هذه اآلية‪َ { .‬و َما َتأ َّ‬
‫{ َما َت َق َّد َم} قبل الفتح‪َ { .‬و َما َتأ َّ‬
‫َخَر}‬
‫بعدها‪ .‬وقال عطاء الخرساني ‪َ { :‬ما َت َق َّد َم ِم ْن َذ ْنبِ َك} يعني من ذنب أبويك آدم وحواء‪َ { .‬و َما َتأ َّ‬
‫َخَر} من‬
‫ذنوب أمتك‪ .‬وقيل ‪ :‬من ذنب أبيك إبراهيم‪َ { .‬و َما تَأ َّ‬
‫َخَر} من ذنوب النبيين‪ .‬وقيل ‪َ { :‬ما تَ َق َّد َم} من‬
‫ذنب يوم بدر‪َ { .‬و َما َتأ َّ‬
‫َخَر} من ذنب يوم حنين‪ .‬وذلك أن الذنب المتقدم يوم بدر ‪ ،‬أنه جعل يدعو‬
‫ويقول ‪ " :‬اللهم إن تهلك هذه العصابة ال تعبد في األرض أبدا" وجعل يردد هذا القول دفعات ‪،‬‬

‫فأوحى اهلل إليه ‪ :‬من أين تعلم أني لو أهلكت هذه العصابة ال أعبد أبدا ‪ ،‬فكان هذا الذنب المتقدم‪.‬‬
‫وأما الذنب المتأخر فيوم حنين ‪ ،‬لما انهزم الناس قال لعمه العباس والبن عمه أبي سفيان ‪" :‬ناوالني‬
‫كفا من حصباء الوادي" فناواله فأخذه بيده ورمى به في وجوه المشركين وقال ‪ " :‬شاهت الوجوه‪ .‬حم‪.‬‬
‫ال ينصرون" فانهزم القوم عن آخرهم ‪ ،‬فلم يبق أحد إال امتَلت عيناه رمال وحصباء‪ .‬ثم نادى في‬
‫ت‬
‫أصحابه فرجعوا فقال لهم عند رجوعهم ‪ " :‬لو لم أرمهم لم ينهزموا" فأنزل اهلل عز وجل ‪َ { :‬و َما َرَم ْي َ‬
‫ت َوَل ِك َّن اللَّ َه َرَمى} [األنفال ‪ ]68 :‬فكان هذا هو الذنب المتأخر‪ .‬وقال أبو علي الروذباري ‪:‬‬
‫إِ ْذ َرَم ْي َ‬

‫يقول لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك‪.‬‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وُيِت َّم ِن ْع َمَت ُه َعَل ْي َك} قال ابن عباس ‪ :‬في الجنة‪ .‬وقيل ‪ :‬بالنبوة والحكمة‪ .‬وقيل ‪ :‬بفتح‬
‫مكة والطائف وخيبر‪ .‬وقيل ‪ :‬بخضوع من استكبر وطاعة من تجبر‪{ .‬ويهِدي َك ِ‬
‫صَراطاً ُم ْسَتِقيماً} أي‬
‫ََ ْ َ‬
‫صراً َع ِزيزاً} أي غالبا منيعا ال يتبعه ذل‪.‬‬
‫صَر َك اللَّهُ َن ْ‬
‫يثبتك على الهدى إلى أن يقبضك إليه‪َ { .‬وَينْ ُ‬
‫ود ال َّسماو ِ‬
‫وب ا ْلمؤِمنِين لِي ْزَد ُادوا إِيمانًا مع إِ ِ ِ َِّ ِ‬
‫اآلية ‪ُ { 8 :‬هو الَِّذي أ َْنَزَل َّ ِ ِ‬
‫ات‬
‫السك َين َة في ُقُل ِ ُ ْ َ َ‬
‫َ ََ َ‬
‫يمانه ْم َولله ُجُن ُ َ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫و ْاأل َْر ِ‬
‫ان الل ُه َعليماً َحكيماً}‬
‫ض َو َك َ‬
‫َ‬

‫(‪)218/61‬‬

‫{السكينة} ‪ :‬السكون والطمأنينة‪ .‬قال ابن عباس ‪ :‬كل سكينة في القرآن هي الطمأنينة إال التي في‬
‫ِ‬
‫يمانِ ِه ْم} قال ابن عباس ‪ :‬بعث النبي صلى اهلل عليه وسلم بشهادة أن ال‬
‫يماناً َم َع إِ َ‬
‫"البقرة"‪{ .‬لَي ْزَد ُادوا إِ َ‬
‫إله إال اهلل ‪ ،‬فلما صدقوه فيها زادهم الصالة ‪ ،‬فلما صدقوه زادهم الزكاة ‪ ،‬فلما صدقوه زادهم الصيام ‪،‬‬
‫ِ‬
‫يمانِ ِه ْم} أي تصديقا‬
‫يماناً َم َع ِإ َ‬
‫فلما صدقوه زادهم الحج ‪ ،‬ثم أكمل لهم دينهم ‪ ،‬فذلك قوله ‪{ :‬لَي ْزَد ُادوا ِإ َ‬
‫بشرائع اإليمان مع تصديقهم باإليمان‪ .‬وقال الربيع بن أنس ‪ :‬خشية مع خشيتهم‪ .‬وقال الضحاك ‪:‬‬
‫السم ِ‬
‫ات و ْاأل َْر ِ‬
‫ض} قال ابن عباس ‪ :‬يريد المالئكة والجن والشياطين‬
‫يقينا مع يقينهم‪َ { .‬ولِلَّ ِه ُجُن ُ‬
‫او َ‬
‫ود َّ َ َ‬
‫ان اللَّ ُه َعلِيماً} بأحوال خلقه { َح ِكيماً} فيما يريده‪.‬‬
‫واإلنس { َو َك َ‬
‫ات جنَّات َت ْج ِري ِم ْن َت ْحِتها ْاأل َْنهار َخ ِالِد ِ‬
‫اآلية ‪ِ{ 8 :‬لي ْد ِخ َل ا ْلمؤِمِنين وا ْلمؤِمَن ِ‬
‫يها َوُي َكفَِّر َع ْن ُه ْم‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُْ َ َ ُْ‬
‫ُ‬
‫ين ف َ‬
‫َُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫ان َذل َك ع ْن َد الله َف ْوزاً َعظيماً }‬
‫َسيَِّئات ِه ْم َو َك َ‬
‫أي أنزل السكينة ليزدادوا إيمانا‪ .‬ثم تلك الزيادة بسبب إدخالهم الجنة‪ .‬وقيل ‪ :‬الالم في {ليدخل} يتعلق‬

‫بما يتعلق به الالم في قوله ‪{ :‬ليغفر لك اهلل} {وكان ذلك} أي ذلك الوعد من دخول مكة وغفران‬
‫الذنوب‪ِ { .‬ع ْن َد اللَّهِ َف ْو اًز َع ِظيماً} أي نجاة من كل غم ‪ ،‬وظف ار بكل مطلوب‪ .‬وقيل ‪ :‬لما قرأ النبي‬
‫صلى اهلل عليه وسلم على أصحابه {لَِي ْغِفَر لَ َك اللَّهُ َما تَقَ َّد َم ِم ْن َذنْبِ َك َو َما تَأ َّ‬
‫َخَر} قالوا ‪ :‬هنيئا لك يا‬
‫رسول اهلل ‪ ،‬فماذا لنا ؟ فنزل ‪{ :‬لِي ْد ِخ َل ا ْلمؤِمنِين وا ْلمؤِمَن ِ‬
‫ات َجنَّات} ولما قرأ { َوُيتِ َّم نِ ْع َمَت ُه َعَل ْي َك}‬
‫ُْ َ َ ُْ‬
‫ُ‬
‫ت علَ ْي ُكم نِعمتِي} [المائدة ‪ ] 8 :‬فلما ق أر {ويهِدي َك ِ‬
‫صَراطاً ُم ْستَِقيماً}‬
‫ََ ْ َ‬
‫قالوا ‪ :‬هنيئا لك ‪ ،‬فنزلت ‪َ { :‬وأَتْ َم ْم ُ َ ْ ْ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ص ًرا َع ِزي ًزا}‬
‫صَر َك اللَّ ُه َن ْ‬
‫نزل في حق األمة ‪َ { :‬وَي ْهدَي َك صَراطًا ُم ْسَتقيمًا} [الفتح ‪ .] 2 :‬ولما قال ‪َ { :‬وَي ْن ُ‬
‫صُر‬
‫ان َحقًّا َعلَ ْيَنا َن ْ‬
‫[الفتح ‪ ]8 :‬نزل ‪َ { :‬و َك َ‬

‫(‪)218/61‬‬

‫الئ َكَته يصُّلون عَلى النَِّب ِّي يا أَي َِّ‬
‫ا ْلمؤِمنِين} [الروم ‪ .] 88 :‬وهو كقوله تعالى ‪ { :‬إِ َّن اللَّه وم ِ‬
‫آمُنوا‬
‫ُّها الذ َ‬
‫ُُ َ َ َ‬
‫ُْ َ‬
‫ين َ‬
‫َ َ‬
‫َ ََ‬
‫َِّ‬
‫ِ‬
‫صلُّوا َعلَ ْي ِه و ِّ‬
‫صلِّي َعلَ ْي ُك ْم} [األحزاب ‪] 88 :‬‬
‫سل ُموا تَ ْسليماً} [األحزاب ‪ .] 81 :‬ثم قال ‪ُ { :‬ه َو الذي ُي َ‬
‫َ َ‬
‫َ‬
‫ذكره القشيري‪.‬‬

‫ِ َّ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِِ‬
‫الس ْوِء َعَل ْي ِه ْم‬
‫ين بِاللَّ ِه ظَ َّن َّ‬
‫ين َوالْ ُم ْش ِرَكات الظانِّ َ‬
‫ين َوالْ ُمَناف َقات َوالْ ُم ْش ِرك َ‬
‫ب الْ ُمَنافق َ‬
‫اآلية ‪َ { 8 - 1 :‬وُي َع ِّذ َ‬
‫السماو ِ‬
‫تم ِ‬
‫ِ‬
‫ات‬
‫َدائَِرُة َّ‬
‫صي اًر ‪َ ،‬ولِلَّ ِه ُجُن ُ‬
‫ب اللَّ ُه َعلَ ْي ِه ْم َولَ َعَن ُه ْم َوأ َ‬
‫الس ْوِء َو َغض َ‬
‫اء ْ َ‬
‫َع َّد لَ ُه ْم َج َهنَّ َم َو َس َ‬
‫ود َّ َ َ‬
‫و ْاأل َْر ِ‬
‫ان اللَّ ُه َع ِزي ًزا َح ِكيمًا}‬
‫ض َو َك َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِّ‬
‫ين َوالْ ُم ْش ِرَكات} أي بإيصال الهموم إليهم بسبب‬
‫ين َوالْ ُمَناف َقات َوالْ ُمشْ ِرك َ‬
‫ب الْ ُمَنافق َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وُي َعذ َ‬
‫َّ‬
‫الس ْوِء}‬
‫ظ َّن َّ‬
‫ين بِاللَّ ِه َ‬
‫علو كلمة المسلمين ‪ ،‬وبأن يسلط النبي عليه السالم قتال وأس ار واسترقاقا‪{ .‬الظانِّ َ‬

‫يعني ظنهم أن النبي صلى اهلل عليه وسلم ال يرجع إلى المدينة ‪ ،‬وال أحد من أصحابه حين خرج إلى‬
‫ِ‬
‫ون إِلَى‬
‫ب َّ‬
‫س ُ‬
‫الحديبية ‪ ،‬وأن المشركين يستأصلونهم‪ .‬كما قال ‪َ { :‬ب ْل ظَنَنْتُ ْم أ ْ‬
‫ول َوالْ ُم ْؤِمنُ َ‬
‫َن لَ ْن َينْقَل َ‬
‫الر ُ‬
‫الس ْوِء} في الدنيا‬
‫َهلِي ِه ْم أََبدًا} [الفتح ‪ .] 62 :‬وقال الخليل وسيبويه ‪{ :‬السوء} هنا الفساد‪َ { .‬عَل ْي ِه ْم َدائَِرُة َّ‬
‫أْ‬

‫بالقتل والسبي واألسر ‪ ،‬وفي اآلخرة جهنم‪ .‬وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {دائرة السوء} بالضم‪ .‬وفتح‬

‫الباقون‪ .‬قال الجوهري ‪ :‬ساءه يسوءه سوءا (بالفتح" ومساءة ومساية ‪ ،‬نقيض سره ‪ ،‬واالسم السوء‬
‫ِ‬
‫ب اللَّ ُه‬
‫"بالضم"‪ .‬وقرئ {عليهم دائرة ُّ‬
‫السوء} يعني الهزيمة والشر‪ .‬ومن فتح فهو من المساءة‪َ { .‬و َغض َ‬
‫السماو ِ‬
‫تم ِ‬
‫األ ْر ِ‬
‫ان اللَّ ُه َع ِزي اًز َح ِكيماً}‬
‫ات َو ْ َ‬
‫صي اًر ‪َ ،‬ولِلَّهِ ُجنُ ُ‬
‫ض َو َك َ‬
‫َعلَيْ ِه ْم َولَ َعنَ ُه ْم َوأ َ‬
‫اء ْ َ‬
‫َع َّد لَ ُه ْم َج َهنَّ َم َو َس َ‬
‫ود َّ َ َ‬
‫تقدم في غير موضع جميعه‪ .‬والحمد هلل‪ .‬وقيل ‪ :‬لما جرى صلح الحديبية قال ابن أُبي ‪ :‬أيظن محمد‬
‫أنه إذا صالح أهل مكة أو فتحها ال يبقى له عدو ‪ ،‬فأين فارس والروم فبين اهلل عز وجل أن جنود‬
‫السموات واألرض أكثر من فارس والروم‪ .‬وقيل ‪ :‬يدخل فيه‬

‫(‪)218/61‬‬

‫السماو ِ‬
‫ات} المالئكة‪ .‬وجنود األرض المؤمنون‪.‬‬
‫جميع المخلوقات‪ .‬وقال ابن عباس ‪َ { :‬ولِلَّ ِه ُجُن ُ‬
‫ود َّ َ َ‬
‫وأعاد ألن الذي سبق عقيب ذكر المشركين من قريش ‪ ،‬وهذا عقيب ذكر المنافقين وسائر المشركين‪.‬‬
‫والمراد في الموضعين التخويف والتهديد‪ .‬فلو أراد إهالك المنافقين والمشركين لم يعجزه ذلك ‪ ،‬ولكن‬
‫يؤخرهم إلى أجل مسمى‪.‬‬

‫اهداً ومبشِّ اًر وَنِذيراً ‪ ،‬لُِتؤِمُنوا بِاللَّهِ ور ِ‬
‫اك َش ِ‬
‫وه‬
‫اآلية ‪ { 3 - 3 :‬إِنَّا أ َْر َسلَْن َ‬
‫ِّح ُ‬
‫وه َوُت َسب ُ‬
‫وه َوُت َوقُِّر ُ‬
‫سولِه َوُت َعِّزُر ُ‬
‫ْ‬
‫ََ ُ‬
‫َ َُ َ‬
‫ب ْكرًة وأ ِ‬
‫ال}‬
‫َصي ً‬
‫ُ َ َ‬
‫ِ‬
‫اك َشاهداً} قال قتادة ‪ :‬على أمتك بالبالغ‪ .‬وقيل ‪ :‬شاهدا عليهم بأعمالهم من‬
‫قوله تعالى ‪ِ{ :‬إنَّا أ َْر َسلَْن َ‬
‫طاعة أو معصية‪ .‬وقيل ‪ :‬مبينا لهم ما أرسلناك به إليهم‪ .‬وقيل ‪ :‬شاهدا عليهم يوم القيامة‪ .‬فهو‬

‫شاهد أفعالهم اليوم ‪ ،‬والشهيد عليهم يوم القيامة‪ .‬وقد مضى في "النساء" عن سعيد بن جبير هذا‬
‫المعنى مبينا‪َ { .‬و ُمَب ِّشراً} لمن أطاعه بالجنة‪َ { .‬وَنِذيراً} من النار لمن عصى ‪ ،‬قاله قتادة وغيره‪ .‬وقد‬
‫مضى في "البقرة" اشتقاق البشارة والنذارة ومعناهما‪ .‬وانتصب { شاهدًا ومبش ًرا ونذي ًرا} على الحال‬
‫المقدرة‪ .‬حكى سيبويه ‪ :‬مررت برجل معه صقر صائدا به غدا ‪ ،‬فالمعنى ‪ :‬إنا أرسلناك مقدرين‬

‫بشهادتك يوم القيامة‪ .‬وعلى هذا تقول ‪ :‬رأيت عمرا قائما غدا‪.‬‬
‫َّ ِ‬
‫ِ‬
‫سولِ ِه} ق أر ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو {ليؤمنوا} بالياء ‪ ،‬وكذلك‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬لُت ْؤِمُنوا بِالله َوَر ُ‬
‫{يعزروه ويوقروه ويسبحوه} كله بالياء على الخبر‪ .‬واختاره أب و عبيد لذكر المؤمنين قبله وبعده ‪ ،‬فأما‬
‫ِ‬
‫ون َك} [الفتح ‪ ]69 :‬الباقون بالتاء على‬
‫ين ُيَبايِ ُع َ‬
‫قبله فقوله ‪{ :‬ليدخل} وأما بعده فقوله ‪{ :‬إِ َّن الَّذ َ‬
‫وه} أي تعظموه وتفخموه ‪ ،‬قاله الحسن والكلبي ‪ ،‬والتعزيز ‪:‬‬
‫الخطاب ‪ ،‬واختاره أبو حاتم‪َ { .‬وُت َعِّزُر ُ‬
‫التعظيم والتوقير‪ .‬وقال قتادة ‪ :‬تنصروه وتمنعوا منه‪ .‬ومنه التعزير في الحد‪ .‬ألنه مانع‪ .‬قال‬
‫القطامي ‪:‬‬

‫(‪)211/61‬‬

‫أال بكرت مي بغير سفاهة ‪ ...‬تعاتب والمودود ينفعه العزر‬

‫وه} أي‬
‫وقال ابن عباس وعكرمة ‪ :‬تقاتلون معه بالسيف‪ .‬وقال بعض أهل اللغة ‪ :‬تطيعوه‪َ { .‬وُت َوِّقُر ُ‬
‫تسودوه ‪ ،‬قاله السدي‪ .‬وقيل تعظموه‪ .‬والتوقير ‪ :‬التعظيم والترزين أيضا‪ .‬والهاء فيهما للنبي صلى اهلل‬
‫عليه وسلم‪ .‬وهنا وقف تام ‪ ،‬ثم تبتدئ {وُتسبِّحوه} أي تسبحوا اهلل {ب ْكرًة وأ ِ‬
‫ال} أي عشيا‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫َصي ً‬
‫َ َ ُ ُ‬
‫ُ َ َ‬
‫وه} أي تثبتوا له صحة الربوبية وتنفوا‬
‫وه َوُت َوقُِّر ُ‬
‫الضمائر كلها هلل تعالى ‪ ،‬فعلى هذا يكون تأويل {ُت َعِّزُر ُ‬
‫عنه أن يكون له ولد أو شريك‪ .‬واختار هذا القول القشيري‪ .‬واألول قول الضحاك ‪ ،‬وعليه يكون‬

‫وه} من غير خالف‪ .‬وبعضه راجعا إلى‬
‫ِّح ُ‬
‫بعض الكالم راجعا إلى اهلل سبحانه وتعالى وهو { َوُت َسب ُ‬
‫وه} أي تدعوه بالرسالة والنبوة ال باالسم والكنية‪ .‬وفي‬
‫وه َوُت َوقُِّر ُ‬
‫رسول صلى اهلل عليه وسلم وهو { َوُت َعِّزُر ُ‬

‫وه} وجهان ‪ :‬تسبيحه بالتنزيه له سبحانه من كل قبيح‪ .‬والثاني ‪ :‬هو فعل الصالة التي فيها‬
‫ِّح ُ‬
‫{تُ َسب ُ‬
‫التسبيح‪{ .‬ب ْكرًة وأ ِ‬
‫ال} أي غدوة وعشيا‪ .‬وقد مضى القول فيه‪ .‬وقال الشاعر ‪:‬‬
‫َصي ً‬
‫ُ َ َ‬
‫لعمري ألنت البيت أكرم أهله ‪ ...‬وأجلس في أفيائه باألصائل‬
‫ِ‬
‫ث َعَلى َن ْف ِس ِه َو َم ْن‬
‫ث َفإِنَّ َما َي ْن ُك ُ‬
‫ق أ َْيِدي ِه ْم َف َم ْن َن َك َ‬
‫ون اللَّ َه َي ُد اللَّهِ َف ْو َ‬
‫ين ُيَبايِ ُع َ‬
‫ون َك إِنَّ َما ُيَبايِ ُع َ‬
‫‪ { 69‬إِ َّن الَّذ َ‬
‫اه َد علَ ْيه اللَّه فَسيؤتِ ِ‬
‫َجراً َع ِظيماً }‬
‫يه أ ْ‬
‫أ َْوَفى بِ َما َع َ َ ُ َ َ ُ ْ‬
‫ِ‬
‫ون اللَّ َه} بين أن بيعتهم لنبيه إنما‬
‫ين ُيَباِي ُع َ‬
‫ون َك} بالحديبية يا محمد‪{ .‬إِنَّ َما ُيَبايِ ُع َ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬إِ َّن الَّذ َ‬
‫اع اللَّ َه} [النساء ‪ .]39 :‬وهذه المبايعة هي‬
‫هي بيعة اهلل ‪ ،‬كما قال تعالى ‪َ { :‬م ْن ُي ِط ِع َّ‬
‫ول َف َق ْد أَ َ‬
‫س َ‬
‫ط َ‬
‫الر ُ‬
‫ق أ َْيِدي ِه ْم} قيل ‪:‬‬
‫بيعة الرضوان ‪ ،‬على ما يأتي بيانها في هذه السورة إن شاء اهلل تعالى‪َ{ .‬ي ُد اللَّ ِه فَ ْو َ‬
‫يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء ‪ ،‬ويده في المنة عليهم بالهداية فوق أيديهم في الطاعة‪ .‬وقال‬
‫الكلبي ‪ :‬معناه نعمة اهلل عليهم فوق ما صنعوا‬

‫(‪)218/61‬‬

‫ث} بعد البيعة‪َ { .‬فإِنَّ َما‬
‫من البيعة‪ .‬وقال ابن كيسان ‪ :‬قوه اهلل ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم‪َ { .‬ف َم ْن َن َك َ‬
‫ث َعلَى َنفْ ِس ِه} أي يرجع ضرر النكث عليه ‪ ،‬ألنه حرم نفسه الثواب وألزمها العقاب‪َ { .‬و َم ْن أ َْوَفى‬
‫َي ْن ُك ُ‬
‫اه َد َعَل ْي ُه َّ‬
‫الل َه} قيل في البيعة‪ .‬وقيل في إيمانه‪ .‬وقرأ حفص والزهري "عليه" بضم الهاء‪ .‬وجرها‬
‫بِ َما َع َ‬
‫ِ‬
‫َج اًر َع ِظيماً} يعني في الجنة‪ .‬وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر {فسنؤتيه} بالنون‪.‬‬
‫الباقون‪َ { .‬ف َسُي ْؤتِيه أ ْ‬
‫واختاره الفراء وأبو معاذ‪ .‬وق أر الباقون بالياء‪ .‬وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم ‪ ،‬لقرب اسم اهلل منه‪.‬‬
‫ونا َف ِ‬
‫َعَر ِ‬
‫ون بِأَ ْل ِسَنتِ ِه ْم َما‬
‫ول َل َ‬
‫اآلية ‪َ { 66 :‬س َيقُ ُ‬
‫َم َواُلَنا َوأ ْ‬
‫ون ِم َن ْاأل ْ‬
‫اسَت ْغف ْر َلَنا َي ُقوُل َ‬
‫َهلُ َ ْ‬
‫اب َش َغَل ْتَنا أ ْ‬
‫ك ا ْل ُم َخلَّفُ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ان اللَّ ُه بِ َما‬
‫ضّاًر أ َْو أََر َاد بِ ُك ْم َنفْعاً َب ْل َك َ‬
‫لَ ْي َس في قُلُوبِ ِه ْم ُق ْل َف َم ْن َي ْمل ُك لَ ُك ْم م َن اللَّه َش ْيئاً إِ ْن أََر َاد بِ ُك ْم َ‬

‫ون َخبِي ًرا}‬
‫َت ْع َمُل َ‬
‫َعَر ِ‬
‫اب} قال مجاهد وابن عباس ‪ :‬يعني أعراب غفار‬
‫ول لَ َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬سَيقُ ُ‬
‫ون ِم َن ْاأل ْ‬
‫ك الْ ُم َخلَّفُ َ‬
‫ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع والديل ‪ ،‬وهم األعراب الذين كانوا حول المدينة ‪ ،‬تخلفوا عن رسول اهلل‬
‫صلى اهلل عليه وسلم حين أراد السفر إلى مكة عام الفتح ‪ ،‬بعد أن كان استنفرهم ليخرجوا معه حذرا‬
‫من قريش ‪ ،‬وأحرم بعمرة وساق معه الهدي ‪ ،‬ليعلم الناس أنه ال يريد حربا فتثاقلوا عنه واعتلوا‬
‫بالشغل ‪ ،‬فنزلت‪ .‬وانما قال ‪{ :‬المخلفون} ألن اهلل خلفهم عن صحبة نبيه‪ .‬والمخلف المتروك‪ .‬وقد‬
‫اسَت ْغِف ْر َلَنا} جاؤوا يطلبون‬
‫َم َواُلَنا َوأ ْ‬
‫َهلُ َ‬
‫ونا} أي ليس لنا من يقوم بهما‪َ { .‬ف ْ‬
‫مضى في "التوبة"‪َ { .‬ش َغَل ْتَنا أ ْ‬
‫االستغفار واعتقادهم بخالف ظاهرهم ‪ ،‬ففضحهم اهلل تعالى بقوله ‪{ :‬يقولون بألسنتهم ما ليس في‬

‫قلوبهم} وهذا هو النفاق المحض‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ضرا} بضم‬
‫ضّ اًر} ق أر حمزة والكسائي { ُ‬
‫قوله تعالى ‪ُ { :‬ق ْل َف َم ْن َي ْمل ُك لَ ُك ْم م َن اللَّه َش ْيئاً إِ ْن أََر َاد بِ ُك ْم َ‬
‫الضاد هنا فقط ‪ ،‬أي أمرا يضركم‪ .‬وقال ابن عباس ‪ :‬الهزيمة‪.‬‬

‫(‪)213/61‬‬

‫الباقون بالفتح ‪ ،‬وهو مصدر ضررته ض ار‪ .‬وبالضم اسم لما ينال اإلنسان من الهزال وسوء الحال‪.‬‬

‫والمصدر يؤدي عن المرة وأكثر‪ .‬واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ‪ ،‬قاال ‪ :‬ألنه قابله بالنفع وهو ضد‬

‫الضر‪ .‬وقيل ‪ :‬هما لغتان بمعنى ‪ ،‬كالفقر والفقر والضعف والضعف‪{ .‬أ َْو أََر َاد بِ ُك ْم َن ْفعاً} أي نصرا‬
‫وغنيمة‪ .‬وهذا رد عليهم حين ظنوا أن التخلف عن الرسول يدفع عنهم الضر ويعجل لهم النفع‪.‬‬
‫الرسو ُل وا ْلمؤِمنون إَِلى أ ْ ِ‬
‫ِ‬
‫ظَن ْنُت ْم‬
‫ِّن َذِل َك ِفي ُقلُوبِ ُك ْم َو َ‬
‫اآلية ‪َ { 62 :‬ب ْل َ‬
‫ظَن ْنُت ْم أ ْ‬
‫َهلي ِه ْم أََبدًا َوُزي َ‬
‫ب َّ ُ َ ُ ْ ُ َ‬
‫َن َل ْن َي ْن َقل َ‬
‫الس ْوِء َو ُكنْتُ ْم قَ ْوماً ُبوراً}‬
‫ظَ َّن َّ‬
‫ِ‬
‫َهِلي ِه ْم أََبدًا} وذلك أنهم قالوا ‪ :‬إن‬
‫ب َّ‬
‫قوله تعالى ‪َ{ :‬ب ْل َ‬
‫الر ُس ُ‬
‫ون إَِلى أ ْ‬
‫ظَن ْنُت ْم أ ْ‬
‫ول َوا ْل ُم ْؤِمُن َ‬
‫َن َل ْن َي ْن َق ل َ‬
‫ِّن َذلِ َك} أي النفاق‪ِ{ .‬في ُقُلوبِ ُك ْم} وهذا التزيين من‬
‫محمدا وأصحابه أكلة رأس ال يرجعون‪َ { .‬وُزي َ‬
‫الشيطان ‪ ،‬أو يخلق اهلل ذلك في قلوبهم‪َ { .‬وظََننْتُ ْم ظَ َّن َّ‬
‫الس ْوِء} أن اهلل ال ينصر رسوله‪َ { .‬و ُكنْتُ ْم قَ ْوماً‬
‫ُبو ًرا} أي هلكى ‪ ،‬قاله مجاهد‪ .‬وقال قتادة ‪ :‬فاسدين ال يصلحون لشيء من الخير‪ .‬قال الجوهري ‪:‬‬
‫البور ‪ :‬الرجل الفاسد الهالك الذي ال خير فيه‪ .‬قال عبداهلل بن الزبعرى السهمي ‪:‬‬

‫يا رسول المليك إن لساني ‪ ...‬راتق ما فتقت إذ أنا بور‬

‫وامرأة بور أيضا ‪ ،‬حكاه أبو عبيد‪ .‬وقوم بور هلكى‪ .‬قال تعالى ‪َ { :‬و ُك ْنُت ْم َق ْوماً ُبوراً} وهو جمع بائر ‪،‬‬
‫مثل حائل وحول‪ .‬وقد بار فالن أي هلك‪ .‬وأباره اهلل أي أهلكه‪ .‬وقيل ‪ُ{ :‬بوراً} أش اررا ‪ ،‬قاله ابن بحر‪.‬‬
‫وقال حسان بن ثابت ‪:‬‬

‫ال ينفع الطول من نوك الرجال وقد ‪ ...‬يهدي اإلله سبيل المعشر البور‬
‫أي الهالك‪.‬‬

‫(‪)213/61‬‬

‫‪ { 68‬وم ْن لَم يؤِم ْن بِاللَّ ِه ورسولِهِ فَإِنَّا أ ْ ِ ِ‬
‫ين َس ِعيراً}‬
‫َعتَ ْدَنا للْ َكاف ِر َ‬
‫َ َ ْ ُْ‬
‫ََ ُ‬
‫وعيد لهم ‪ ،‬وبيان أنهم كفروا بالنفاق ‪.‬‬
‫ات و ْاألَر ِ ِ ِ‬
‫السم ِ‬
‫َِّ ِ‬
‫ان اللَّ ُه َغ ُفو اًر َرِحيماً}‬
‫اء َو َك َ‬
‫اء َوُي َع ِّذ ُ‬
‫او َ ْ‬
‫ب َم ْن َي َش ُ‬
‫ض َي ْغفُر ل َم ْن َي َش ُ‬
‫اآلية ‪َ { 68 :‬ولله ُملْ ُك َّ َ َ‬

‫أي هو غني عن عباده ‪ ،‬وانما ابتالهم بالتكليف ليثيب من آمن ويعاقب من كفر وعصى‪.‬‬
‫الم اللَّ ِه‬
‫اآلية ‪َ { 68 :‬سَيقُ ُ‬
‫ون أ ْ‬
‫وها َذُر َ‬
‫ون إِ َذا ْانطَلَقُْت ْم إِلَى َم َغانِ َم لَِتأْ ُخ ُذ َ‬
‫ونا َنتَّبِ ْع ُك ْم ُي ِري ُد َ‬
‫ول الْ ُم َخلَّفُ َ‬
‫َن ُيَب ِّدلُوا َك َ‬
‫ِ‬
‫ون إِ َّال قَلِيالً}‬
‫قُ ْل لَ ْن تَتَّبِ ُعونَا َك َذلِ ُك ْم قَ َ‬
‫ون َب ْل تَ ْح ُس ُدونَنَا َب ْل َكانُوا ال َيفْقَ ُه َ‬
‫ال اللَّ ُه م ْن قَبْ ُل فَ َسَيقُولُ َ‬
‫وها} يعني مغانم خيبر ‪ ،‬ألن اهلل عز‬
‫ون إِ َذا ْان َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬سَيقُ ُ‬
‫طَل ْقُت ْم إَِلى َم َغانِ َم لَِتأْ ُخ ُذ َ‬
‫ول ا ْل ُم َخلَّفُ َ‬
‫وجل وعد أهل الحديبية فتح خيبر ‪ ،‬وأنها لهم خاصة من غاب منهم ومن حضر‪ .‬ولم يغب منهم‬
‫عنها غير جابر بن عبداهلل فقسم له رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم كسهم من حضر‪ .‬قال ابن‬
‫إسحاق ‪ :‬وكان المتولي للقسمة بخيبر جبار بن صخر ا ألنصاري من بني سلمة ‪ ،‬وزيد بن ثابت من‬

‫ونا َنَّتبِ ْع ُك ْم} أي دعونا‪ .‬تقول ‪ :‬ذره ‪ ،‬أي دعه‪ .‬وهو يذره ‪،‬‬
‫بني النجار ‪ ،‬كانا حاسبين قاسمين‪َ { .‬ذُر َ‬
‫أي يدعه‪ .‬وأصله وذره يذره مثال وسعه يسعه‪ .‬وقد أميت صدره ‪ ،‬ال يقال ‪ :‬وذره وال واذر ‪ ،‬ولكن‬

‫تركه وهو تارك‪ .‬قال مجاهد ‪ :‬تخل فوا عن الخروج إلى مكة ‪ ،‬فلما خرج النبي صلى اهلل عليه وسلم‬
‫وأخذ قوما‬

‫(‪)289/61‬‬

‫الم اللَّ ِه} أي يغيروا‪ .‬قال ابن زيد ‪ :‬هو‬
‫ون أ ْ‬
‫ووجه بهم قالوا ذرونا نتبعكم فنقاتل معكم‪ُ{ .‬ي ِر ُ‬
‫يد َ‬
‫َن ُيَب ِّدلُوا َك َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬فاسَتأْ َذُن َ ِ‬
‫ي َع ُد ّوًا} [التوبة ‪]38 :‬‬
‫ْ‬
‫وك ل ْل ُخُروِج َف ُق ْل َل ْن َت ْخُرُجوا َمع َي أََبدًا َوَل ْن ُت َقاتُلوا َمع َ‬
‫اآلية‪ .‬وأنكر هذا القول الطبري وغيره ‪ ،‬بسبب أن غزوة تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة‪.‬‬

‫وقيل ‪ :‬المعنى يريدون أن يغيروا وعد اهلل الذي وعد ألهل الحديبية ‪ ،‬وذلك أن اهلل تعالى جعل لهم‬
‫غنائم خي بر عوضا عن فتح مكة إذ رجعوا من الحديبية على صلح ‪ ،‬قاله مجاهد وقتادة ‪ ،‬واختاره‬

‫الطبري وعليه عامة أهل التأويل‪ .‬وقرأ حمزة والكسائي {كلم} بإسقاط األلف وكسر الالم جمع كلمة ‪،‬‬

‫نحو سلمة وسلم‪ .‬الباقون {كالم} على المصدر‪ .‬واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ‪ ،‬اعتبارا بقوله ‪{ :‬إِنِّي‬
‫اس بِ ِرساالتِي وبِ َك ِ‬
‫المي} [األعراف ‪ .]688 :‬والكالم ‪ :‬ما استقل بنفسه من الجمل‪.‬‬
‫ْ‬
‫اصطَ َف ْيُت َك َعلَى النَّ ِ َ‬
‫َ‬
‫قال الجوهري ‪ :‬الكالم اسم جنس يقع على القليل والكثير‪ .‬والكلم ال يكون أقل من ثالث كلمات ألنه‬
‫جمع كلمة ‪ ،‬مثل نبقة ونبق‪ .‬ولهذا قال سيبويه ‪" :‬هذا باب علم ما الكلم من العربية" ولم يقل ما‬

‫الكالم ‪ ،‬ألنه أراد نفس ثالثة أشياء ‪ :‬االسم والفعل والحرف ‪ ،‬فجاء بما ال يكون إال جمعا ‪ ،‬وترك ما‬
‫يمكن أن يقع على الواحد والجماعة‪ .‬وتميم تقول ‪ :‬هي كلمة ‪ ،‬بكسر الكاف ‪ ،‬وقد مضى في "التوبة"‬
‫القول فيها‪.‬‬

‫ال َّ‬
‫اللهُ ِم ْن َق ْب ُل} أي من قبل رجوعنا من الحديبية إن غنيمة خيبر لمن شهد‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ك َذِل ُك ْم َق َ‬
‫ونَنا} أن نصيب معكم من الغنائم‪ .‬وقيل ‪ :‬قال رسول اهلل صلى‬
‫ون َب ْل َت ْح ُس ُد َ‬
‫الحديبية خاصة‪َ { .‬ف َسَيقُوُل َ‬
‫اهلل عليه وسلم ‪ " :‬إن خرجتم لم أمنعكم إال أنه ال سهم لكم"‪ .‬فقالوا ‪ :‬هذا حسد‪ .‬فقال المسلمون ‪ :‬قد‬

‫أخبرنا اهلل في الحديبية بما سيقولونه وهو قوله تعالى ‪{ :‬فسيقولون بل تحسدوننا} فقال اهلل تعالى ‪:‬‬
‫ون إِ َّال َقلِيالً} يعني ال يعلمون إال أمر الدنيا‪ .‬وقيل ‪ :‬ال يفقهون من أمر الدين إال‬
‫{ َب ْل َك ُانوا ال َيفْ َق ُه َ‬
‫قليال ‪ ،‬وهو ترك القتال‪.‬‬

‫(‪)286/61‬‬

‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫َعَر ِ‬
‫يعوا‬
‫اب َسُت ْد َع ْو َن إِلَى قَ ْوم أُولِي َبأْس َشِديد ُت َقاتِلُ َ‬
‫ين ِم َن ْاأل ْ‬
‫ون ُه ْم أ َْو يُ ْسل ُم َ‬
‫‪ُ { 61‬ق ْل للْ ُم َخلَّف َ‬
‫ون َفإِ ْن ُتط ُ‬
‫َج ًرا َح َسنًا َِوا ْن َتَت َولَّ ْوا َك َما َت َولَّ ْيُت ْم ِم ْن َق ْب ُل ُي َع ِّذ ْب ُك ْم َع َذابًا أَلِيمًا }‬
‫ُي ْؤتِ ُك ُم اللَّ ُه أ ْ‬
‫فيه أربع مسائل ‪:‬‬

‫ِ ِ‬
‫َعَر ِ‬
‫اب} أي قل لهؤالء الذين تخلفوا عن الحديبية‪.‬‬
‫ين ِم َن ْاأل ْ‬
‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪{ :‬قُ ْل للْ ُم َخلَّف َ‬
‫{ َسُت ْد َع ْو َن إَِلى َق ْوم أُولِي َبأْس َشِديد} قال ابن عباس وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وابن أبي ليلى‬

‫وعطاء الخراساني ‪ :‬هم فارس‪ .‬وقال كعب والحسن وعبدالرحمن بن أبي ليلى ‪ :‬الروم‪ .‬وعن الحسن‬

‫أيضا ‪ :‬فارس والروم‪ .‬وقال ابن جبير ‪ :‬هوازن وثقيف‪ .‬وقال عكرمة ‪ :‬هوازن‪ .‬وقال قتادة ‪ :‬هوازن‬
‫وغطفان يوم حنين‪ .‬وقال الزهري ومقاتل ‪ :‬بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة‪ .‬وقال رافع بن‬
‫خديج ‪ :‬واهلل ل قد كنا نقرأ هذه اآلية فيما مضى { َستُ ْد َع ْو َن إِلَى قَ ْوم أُولِي َبأْس َشِديد} فال نعلم من هم‬
‫حتى دعانا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم‪ .‬وقال أبو هريرة ‪ :‬لم تأت هذه اآلية بعد‪.‬‬
‫وظاهر اآلية يرده‪.‬‬

‫الثانية ‪ :‬في هذه اآلية دليل على صحة إمامة أبي بكر وعمر رضي اهلل عنهما ‪ ،‬ألن أبا بكر دعاهم‬
‫إلى قتال بني حنيفة ‪ ،‬وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم‪ .‬وأما قول عكرمة وقتادة إن ذلك في‬
‫هوازن وغطفان يوم حنين فال ‪ ،‬ألنه يمتنع أن يكون الداعي لهم الرسول عليه السالم ‪ ،‬ألنه قال ‪:‬‬
‫{ َل ْن َت ْخُرُجوا َم ِع َي أََبدًا َوَل ْن ُت َقاتُِلوا َم ِع َي َع ُد ّوًا} فدل على أن المراد بالداعي غير النبي صلى اهلل عليه‬
‫وسلم‪ .‬ومعلوم أنه لم يدع هؤالء القوم بعد النبي صلى اهلل عليه وسلم إال أبو بكر وعمر رضي اهلل‬
‫عنهما‪ .‬الزمخشري ‪ :‬فإن صح ذلك عن قتادة فالمعنى لن تخرجوا معي أبدا ما دمتم على ما أنتم‬

‫عليه من مرض القلوب واالضطراب في الدين‪.‬‬

‫(‪)282/61‬‬

‫أو على قول مجاهد كان الموعد أنهم ال يتبعون رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم إال متطوعين ال‬
‫نصيب لهم في المغنم‪ .‬واهلل أعلم‪.‬‬

‫ِ‬
‫ون} هذا حكم من ال تؤخذ منهم الجزية ‪ ،‬وهو معطوف على‬
‫الثالثة ‪ :‬قوله تعالى ‪ُ{ :‬ت َق ِاتُل َ‬
‫ون ُه ْم أ َْو يُ ْسل ُم َ‬
‫ون ُه ْم} أي يكون أحد األمرين ‪ :‬إما المقاتلة واما اإلسالم ‪ ،‬ال ثالث لهما‪ .‬وفي حرف أُبي {أو‬
‫{ُت َقاتِلُ َ‬
‫يسلموا} بمعنى حتى يسلموا ‪ ،‬كما تقول ‪ :‬كل أو تشبع ‪ ،‬أي حتى تشبع‪ .‬قال ‪:‬‬

‫فقلت له ال تبك عينك إنما ‪ ...‬نحاول ملكا أو نموت فنعذ ار‬
‫ِ‬
‫ون} ألن المعنى أو هم يسلمون من غير قتال‪ .‬وهذا في قتال المشركين‬
‫وقال الزجاج ‪ :‬قال {أ َْو ُي ْسل ُم َ‬
‫ال في أهل الكتاب‪.‬‬
‫ِ‬
‫َجراً َح َسناً} الغنيمة والنصر في الدنيا ‪ ،‬والجنة في‬
‫يعوا ُي ْؤتِ ُك ُم اللَّ ُه أ ْ‬
‫الرابعة ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬فإِ ْن ُتط ُ‬
‫اآلخرة‪َِ { .‬وا ْن َتَت َولَّ ْوا َك َما َت َولَّ ْيُت ْم ِم ْن َق ْب ُل} عام الحديبية‪ُ{ .‬ي َع ِّذ ْب ُك ْم َع َذابًا أَلِيمًا} وهو عذاب النار‪.‬‬
‫ِ‬
‫َعَرِج َحَرٌج وال َعَلى ا ْل َم ِر ِ‬
‫َع َمى َحَرٌج َوال َعَلى ْاأل ْ‬
‫اآلية ‪َ { 68 :‬ل ْي َس َعلَى ْاأل ْ‬
‫يض َحَرٌج َو َم ْن ُيط ِع اللَّهَ‬
‫َ‬
‫َوَر ُسولَ ُه ُي ْد ِخلْهُ َجنَّات َت ْج ِري ِم ْن َت ْحتِ َها ْاأل َْن َه ُار َو َم ْن َيَت َو َّل ُي َع ِّذ ْب ُه َع َذاباً أَلِيماً}‬
‫قال ابن عباس ‪ :‬لما نزلت ‪َِ { :‬وا ْن َتَت َولَّ ْوا َك َما َت َولَّ ْيُت ْم ِم ْن َق ْب ُل ُي َع ِّذ ْب ُك ْم َع َذابًا أَلِيمًا} قال أهل الزمانة ‪:‬‬
‫َعَرِج َحَرٌج وال َعلَى الْ َم ِر ِ‬
‫يض‬
‫َع َمى َحَرٌج َوال َعلَى ْاأل ْ‬
‫كيف بنا يا رسول اهلل ؟ فنزلت {لَ ْي َس َعلَى ْاأل ْ‬
‫َ‬
‫َحَرٌج} أي ال إثم عليهم في التخلف عن الجهاد لعماهم وزمانتهم وضعفهم‪ .‬وقد مضى في "التوبة"‬

‫وغيرها الكالم فيه مبينا‪ .‬والعرج ‪ :‬آفة تعرض لرجل واحدة ‪ ،‬واذا كان ذلك مؤثرا فخلل الرجلين أولى‬

‫أن يؤثر‪ .‬وقال مقاتل ‪ :‬هم أهل الزمانة‬

‫(‪)288/61‬‬

‫الذين تخلفوا عن الحديبية وقد عذرهم‪ .‬أي من شاء أن يسير منهم معكم إلى خيبر فليفعل‪َ { .‬و َم ْن‬
‫ِ َّ‬
‫سولَ ُه} فيما أمره‪ُ{ .‬ي ْد ِخلْهُ َجنَّات تَ ْج ِري ِم ْن تَ ْحتِ َها ْاألَنْ َه ُار} ق أر نافع وابن عامر {ندخله}‬
‫ُيط ِع الل َه َوَر ُ‬

‫بالنون على التعظيم‪ .‬الباقون بالياء ‪ ،‬واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لتقدم اسم اهلل أوال‪َ { .‬و َم ْن َيَت َو َّل‬
‫ُي َع ِّذ ْب ُه َع َذاباً أَلِيماً} ‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫لس ِك َين َة‬
‫ت الشَّ َجَ ِرة َف َعِل َم َما ِفي ُقلُوبِ ِه ْم َفأ َْنَزَل ا َّ‬
‫ون َك َت ْح َ‬
‫ين إِ ْذ ُيَبايِ ُع َ‬
‫اآلية ‪{ 63 :‬لََق ْد َرض َي اللَّ ُه َع ِن ا ْل ُم ْؤِمن َ‬
‫ان اللَّ ُه َع ِزيزاً َح ِكيماً}‬
‫َعلَ ْي ِه ْم َوأَثَ َاب ُه ْم َفتْحاً َق ِريباً ‪َ ،‬و َم َغانِ َم َكثِ َيرًة َيأْ ُخ ُذ َ‬
‫ون َها َو َك َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ت َّ‬
‫الش َجَرِة} هذه بيعة الرضوان ‪ ،‬وكانت‬
‫ين إِ ْذ ُيَبايِ ُعونَ َك تَ ْح َ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬لَقَدْ َرض َي اللَّهُ َع ِن الْ ُم ْؤِمن َ‬

‫بالحديبية ‪ ،‬وهذا خبر الحديبية على اختصار ‪ :‬وذلك أن النبي صلى اهلل عليه وسلم أقام منصرفه‬
‫من غزوة بني المصطلق في شوال ‪ ،‬وخرج في ذي القعدة معتمرا ‪ ،‬واستنفر األعراب الذين حول‬
‫المدينة فأبطأ عنه أكثرهم ‪ ،‬وخرج النبي صلى اهلل عليه وسلم بمن معه من المهاجرين واألنصار‬

‫ومن اتبعه من العرب ‪ ،‬وجميعهم نحو ألف وأربعمائة‪ .‬وقيل ‪ :‬ألف وخمسمائة‪ .‬وقيل غير هذا ‪ ،‬على‬

‫ما يأتي‪ .‬وساق معه الهدي ‪ ،‬فأحرم رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ليعلم الناس أنه لم يخرج لحرب‬

‫‪ ،‬فلما بلغ خروجه قريشا خرج جمعهم صادين لرسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عن المسجد الحرام‬
‫ودخول مكة ‪ ،‬وانه إن قاتلهم قاتلوه دون ذلك ‪ ،‬وقدموا خالد بن الوليد في خيل إلى (كراع الغميم)‬
‫فورد الخبر بذلك على رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وهو (بعسفان) وكان المخبر له بشر بن‬
‫سفيان الكعبي ‪ ،‬فسلك طريقا يخرج به في ظهورهم ‪ ،‬وخرج إلى الحديبية من أسفل مكة ‪ ،‬وكان دليله‬

‫فيهم رجل من أسلم ‪ ،‬فلما بلغ ذلك خيل قريش التي مع خالد جرت إلى قريش تعلمهم بذلك ‪،‬‬

‫(‪)288/61‬‬

‫فلما وصل رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم إلى الحديبية بركت ناقته صلى اهلل عليه وسلم فقال‬
‫الناس ‪ :‬خَلت خَلت فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬ما خَلت وما هو لها بخلق ولكن حبسها‬
‫حابس الفيل عن مكة ‪ ،‬ال تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة رحم إال أعطيتهم‬

‫إياها" ‪ .‬ثم نزل صلى اهلل عليه وسلم هناك ‪ ،‬فقيل ‪ :‬يا رسول اهلل ‪ ،‬ليس بهذا الوادي ماء فأخرج‬
‫عليه الصالة والسالم سهما من كنانته فأعطاه رجال من أصحابه ‪ ،‬فنزل في قليب من تلك القلب‬
‫فغرزه في جوفه فجاش بالماء الرواء حتى كفى جميع الجيش‪ .‬وقيل ‪ :‬إن الذي نزل بالسهم في القليب‬
‫ناجية بن جندب بن عمير األسلمي وهو سائق بدن النبي صلى اهلل عليه وسلم يومئذ‪ .‬وقيل ‪ :‬نزل‬
‫بالسهم في القليب البراء بن عازب ‪ ،‬ثم جرت السفراء بين رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وبين كفار‬
‫قريش ‪ ،‬وطال التراجع والتنازع إلى أن جاء سهيل بن عمرو العامري ‪ ،‬فقاضاه عل أن ينصرف عليه‬
‫الصالة والسالم عامه ذلك ‪ ،‬فإذا كان من قابِل أتى ِ‬
‫معتم ار ودخل هو وأصحابه مكة بغير سالح ‪،‬‬

‫حاشا السيوف في ِقربها فيقيم بها ثالثا ويخرج ‪ ،‬وع لى أن يكون بينه وبينهم صلح عشرة أعوام ‪،‬‬

‫يتداخل فيها الناس ويأمن بعضهم بعضا ‪ ،‬وعلى أن من جاء من الكفار إلى المسلمين مسلما من‬
‫رجل أو امرأة رد إلى الكفار ‪ ،‬ومن جاء من المسلمين إلى الكفار مرتدا لم يردوه إلى المسلمين ‪،‬‬
‫فعظم ذلك على المسلمين حتى كان لبعضهم فيه ك الم ‪ ،‬وكان رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أعلم‬
‫بما علمه اهلل من أنه سيجعل للمسلمين فرجا ‪ ،‬فقال ألصحابه " اصبروا فإن اهلل يجعل هذا الصلح‬

‫سببا إلى ظهور دينه" فأنس الناس إلى قوله هذا بعد نفار منهم ‪ ،‬وأبى سهيل بن عمرو أن يكتب في‬

‫صدر صحيفة الصلح ‪ :‬من محمد رسول اهلل ‪ ،‬وقالوا له ‪ :‬لو صدقناك بذلك ما دفعناك عما تريد فال‬
‫بد أن تكتب ‪ :‬باسمك اللهم‪ .‬فقال لعلي وكان يكتب صحيفة الصلح ‪ " :‬امح يا علي ‪ ،‬واكتب باسمك‬
‫اللهم" فأبى علي أن يمحو بيده "محمد رسول اهلل" ‪ .‬فقال له رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪:‬‬
‫"اعرضه علي" فأشار إليه فمحاه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بيده ‪ ،‬وأمره أن‬

‫(‪)288/61‬‬

‫يكتب "من محمد بن عبداهلل"‪ .‬وأتى أبو جندل بن سهيل يومئذ بأكثر كتاب الصلح وهو يرسف في‬

‫قيوده ‪ ،‬فرده رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم إلى أبيه ‪ ،‬فعظم ذلك على المسلمين ‪ ،‬فأخبرهم رسول‬

‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم وأ خبر أبا جندل " أن اهلل سيجعل له فرجا ومخرجا" ‪ .‬وكان رسول اهلل صلى‬
‫اهلل عليه وسلم قبل الصلح قد بعث عثمان بن عفان إلى مكة رسوال ‪ ،‬فجاء خبر إلى رسول اهلل‬
‫صلى اهلل عليه وسلم بأن أهل مكة قتلوه ‪ ،‬فدعا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم حينئذ إلى المبايعة‬
‫له على الحرب والقتال ألهل مكة ‪ ،‬فروي أنه بايعهم على الموت‪ .‬وروي أنه بايعهم على أال يفروا‪.‬‬
‫وهي بيعة الرضوان تحت الشجرة ‪ ،‬التي أخبر اهلل تعالى أنه رضي عن المبايعين لرسول اهلل صلى‬

‫اهلل عليه وسلم تحتها‪ .‬وأخبر رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أنهم ال يدخلون النار‪ .‬وضرب رسول‬
‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم بيمينه على شماله لعثمان ‪ ،‬فهو كمن شهدها‪.‬‬
‫وذكر وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال ‪ :‬أول من بايع رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
‫وسلم يوم الحديبية أبو سفيان األسدي‪ .‬وفي صحيح مسلم عن أبي الزبير عن جابر قال ‪ :‬كنا يوم‬

‫الحديبية ألفا وأربعمائة ‪ ،‬فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة ‪ ،‬وقال ‪ :‬بايعناه على أال‬
‫نفر ولم نبايعه على الموت وعنه أنه سمع جابرا يسأل ‪ :‬كم كانوا يوم الحديبية ؟ قال ‪ :‬كنا أربع‬
‫عشرة مائة ‪ ،‬فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة ‪ ،‬فبايعناه ‪ ،‬غير جد بن قيس‬

‫األنصاري اختبأ تحت بطن بعيره‪ .‬وعن سالم بن أبي الجعد قال ‪ :‬سألت جابر بن عبداهلل عن‬
‫أصحاب الشجرة‪ .‬فقال ‪ :‬لو كنا مائة ألف لكفانا ‪ ،‬كنا ألفا وخمسمائة‪ .‬وفي رواية ‪ :‬كنا خمس عشرة‬
‫مائة‪.‬‬
‫وعن عبداهلل بن أبي أوفى قال ‪ :‬كان أصحاب الشجرة ألفا وثالثمائة ‪ ،‬وكانت أسلم ثمن المهاجرين‪.‬‬
‫وعن يزيد بن أبي عبيد قال ‪ :‬قلت لسلمة ‪ :‬على أي شيء بايعتم رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يوم‬
‫الحديبية ؟ قال ‪ :‬على الموت‪ .‬وعن البراء بن عازب قال ‪ :‬كتب علي رضي اهلل عنه الصلح بين‬

‫النبي صلى اهلل عليه وسلم وبين المشركين يوم الحديبية ‪ ،‬فكتب ‪ :‬هذا ما كاتب عليه محمد رسول‬
‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم فقالوا ‪:‬‬

‫(‪)281/61‬‬

‫ال تكتب رسول اهلل ‪ ،‬فلو نعلم أنك رسول اهلل لم نقاتلك‪ .‬فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم لعلي ‪:‬‬

‫"امحه" ‪ .‬فقال ‪ :‬ما أنا بالذي أمحاه ‪ ،‬فمحاه النبي صلى اهلل عليه وسلم بيده‪ .‬وكان فيما اشترطوا ‪:‬‬
‫أن يدخلوا مكة فيقيموا فيها ثالثا ‪ ،‬وال يدخلها بسالح إال جلبان السالح‪ .‬قلت ألبي إسحاق وما جلبان‬

‫السالح ؟ قال ‪ :‬القراب وما فيه‪ .‬وعن أنس ‪ :‬أن قريشا صالحوا النبي صلى اهلل عليه وسلم فيهم‬
‫سهيل بن عمرو ‪ ،‬فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم لعلي ‪ " :‬اكتب بسم اهلل الرحمن الرحيم" فقال‬
‫سهيل بن عمرو ‪ :‬أما باسم اهلل ‪ ،‬فما ندري ما بسم اهلل الرحمن الرحيم ولكن اكتب ما نعرف ‪:‬‬
‫باسمك اللهم‪ .‬فقال ‪ " :‬اكتب من محمد رسول اهلل" قالوا ‪ :‬لو علمنا أنك رسوله التبعناك ولكن اكتب‬
‫اسمك واسم أبيك‪ .‬فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬اكتب من محمد بن عبداهلل" فاشترطوا على‬

‫ا لنبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ :‬أن من جاء منكم لم نرده عليكم ‪ ،‬ومن جاءكم منا رددتموه علينا‪.‬‬
‫فقالوا ‪ :‬يا رسول اهلل ‪ ،‬أنكتب هذا قال ‪" :‬نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده اهلل ومن جاءنا منهم‬
‫فسيجعل اهلل له فرجا ومخرجا"‪ .‬وعن أبي وائل قال ‪ :‬قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال يا أيها‬
‫الناس ‪ ،‬اتهموا أنفسكم ‪ ،‬لقد كنا مع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يوم الحديبية ولو نرى قتاال‬
‫لقاتلنا ‪ ،‬وذلك في الصلح الذي كان ببن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وبين المشركين‪ .‬فجاء عمر‬

‫بن الخطاب ‪ -‬رضي اهلل عنه ‪ -‬فأتى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فقال ‪ :‬يا رسول اهلل ‪ ،‬ألسنا‬

‫على حق وهم على باطل ؟ قال "بلى" قال ‪ :‬أليس قتالنا في الجنة وقتالهم في النار ؟ قال "بلى" قال‬
‫ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم اهلل بيننا وبينهم ؟ فقال "يا ابن الخطاب إني رسول اهلل‬
‫ولن يضيعني اهلل أبدا" قال ‪ :‬فانطلق عمر ‪ ،‬فلم يصبر متغيظا فأتى أبا بكر فقال ‪ :‬يا أبا بكر ‪،‬‬
‫ألسنا على حق وهم على باطل ؟ قال بلى ‪ ،‬قال ‪ :‬أليس قتالنا في الجنة وقتالهم في النار ؟ قال‬
‫بلى‪ .‬قال ‪ :‬فعالم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم اهلل بيننا وبينهم ؟ فقال ‪ :‬يا ابن الخطاب‬
‫‪ ،‬إنه رسول اهلل ولن يضيعه اهلل أبدا‪ .‬قال ‪ :‬فنزل القرآن على رسول اهلل‬

‫(‪)288/61‬‬

‫صلى اهلل عليه وسلم بالفتح ‪ ،‬فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا رسول اهلل ‪ ،‬أو فتح هو ؟ قال‬
‫"نعم" ‪ .‬فطابت نفسه ورجع‪.‬‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ف َعلِ َم َما ِفي ُقُلوبِ ِه ْم} من الصدق والوفاء ‪ ،‬قاله الفراء‪ .‬وقال ابن جريج وقتادة ‪ :‬من‬
‫الرضا بأمر البيعة على أال يفروا‪ .‬وقال مقاتل ‪ :‬من كراهة البيعة على أن يقاتلوا معه على الموت‬
‫الس ِكينَةَ َعلَيْ ِه ْم} حتى بايعوا‪ .‬وقيل ‪{ :‬فَ َعلِ َم َما فِي قُلُوبِ ِه ْم} من الكآبة بصد المشركين إياهم‬
‫{فَأَنَْزَل َّ‬
‫وتخلف رؤيا النبي صلى اهلل عليه وسلم عنهم ‪ ،‬إذا رأى أنه يدخل الكعبة ‪ ،‬حتى قال رسول اهلل‬
‫صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬إنما ذلك رؤيا منام"‪ .‬وقال الصديق ‪ :‬لم يكن فيها الدخول في هذا العام‪.‬‬

‫والسكينة ‪ :‬الطمأنينة وسكون النفس إلى صدق الوعد‪ .‬وقيل الصبر‪َ { .‬وأَثَ َاب ُه ْم َف ْتحًا َق ِريبًا} قال قتادة‬
‫ون َها} يعني أموال‬
‫وابن أبي ليلى ‪ :‬فتح خيبر‪ .‬وقيل فتح مكة‪ .‬وقرئ { وآتاهم} { َو َم َغانِ َم َكثِ َيرًة َيأْ ُخ ُذ َ‬
‫خيبر ‪ ،‬وكانت خيبر ذات عقار وأموال ‪ ،‬وكانت بين الحديبية ومكة‪ .‬فـ {مغانم} على هذا بدل من‬

‫{فتحا قريبا} والواو مقحمة‪ .‬وقيل {ومغانم} فارس والروم‪.‬‬
‫ونها َفع َّج َل لَ ُكم َهِذِه و َك َّ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫َّ‬
‫ي النَّ ِ‬
‫ون َآيةً‬
‫اس َع ْن ُك ْم َولَِت ُك َ‬
‫ف أ َْيد َ‬
‫ْ‬
‫اآلية ‪َ { 29 :‬و َع َد ُك ُم اللهُ َم َغان َم َكث َيرًة َتأْ ُخ ُذ َ َ َ‬
‫َ‬
‫لِلْمؤِمنِين ويهِدي ُكم ِ‬
‫صَراطاً ُم ْستَِقيماً }‬
‫ُْ َ ََ ْ َ ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ون َها} قال ابن عباس ومجاهد‪ .‬إنها المغانم التي تكون إلى‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬و َع َد ُك ُم اللَّهُ َم َغان َم َكث َيرًة َتأْ ُخ ُذ َ‬
‫يوم القيامة‪ .‬وقال ابن زيد ‪ :‬هي مغانم خيبر‪{ .‬فَ َع َّج َل لَ ُك ْم َهِذِه} أي خيبر ‪ ،‬قاله مجاهد‪ .‬وقال ابن‬
‫عباس ‪ :‬عجل لكم صلح الحديبية‪{ .‬و َك َّ ِ‬
‫ي النَّ ِ‬
‫اس َع ْن ُك ْم} يعني أهل مكة ‪ ،‬كفهم عنكم بالصلح‪.‬‬
‫ف أ َْيد َ‬
‫َ‬
‫وقال قتادة ‪ :‬كف أ يدي اليهود عن المدينة بعد خروج النبي صلى اهلل عليه وسلم إلى الحديبية‬
‫وخيبر‪ .‬وهو اختيار الطبري ‪ ،‬ألن كف أيدي المشركين بالحديبية مذكور في قوله ‪َ { :‬وُه َو الَِّذي َك َّ‬
‫ف‬
‫أ َْيِدَي ُه ْم َع ْن ُك ْم} [الفتح ‪ .]28 :‬وقال ابن‬

‫(‪)283/61‬‬

‫عباس ‪ :‬في { َك َّ ِ‬
‫ي النَّ ِ‬
‫اس َعنْ ُك ْم} يعني عيينة بن حصن الفزاري وعوف بن مالك النضري ومن‬
‫ف أَيْد َ‬
‫كان معهما ‪ ،‬إذ جاؤوا لينصروا أهل خيبر والنبي صلى اهلل عليه وسلم محاصر لهم ‪ ،‬فألقى اهلل عز‬
‫ِ ِ‬
‫ين} أي ولتكون هزيمتهم وسالمتكم‬
‫ون َآيةً للْ ُم ْؤِمن َ‬
‫وجل في قلوبهم الرعب وكفهم عن المسلمين { َولِتَ ُك َ‬
‫آية للمؤمنين ‪ ،‬فيعلموا أن اهلل يحرسهم في مشهدهم ومغيبهم‪ .‬وقيل ‪ :‬أي لتكون كف أيديهم عنكم آية‬
‫للمؤمنين‪ .‬وقيل ‪ :‬أي ولتكون هذه التي عجلها لكم آية للمؤمنين على صدقك حيث وعدتهم أن‬

‫يصيبوها‪ .‬والواو في {ولتكون} مقحمة عند الكوفيين‪ .‬وقال البصريون ‪ :‬عاطفة على مضمر ‪ ،‬أي‬
‫وك ف أيدي الناس عنكم لتشكروه ولتكون آية للمؤمنين‪{ .‬ويهِدي ُكم ِ‬
‫صَراطاً ُم ْسَتِقيماً} أي يزيدكم هدى ‪،‬‬
‫ََ ْ َ ْ‬
‫أو يثبتكم على الهداية‪.‬‬
‫ِ‬
‫ان اللَّ ُه َعَلى ُك ِّل َش ْيء َقِدي ًرا}‬
‫َحا َ‬
‫اآلية ‪َ { 26 :‬أو ْ‬
‫ط اللَّ ُه بِ َها َو َك َ‬
‫ُخَرى َل ْم َت ْقدُروا َعَل ْي َها َق ْد أ َ‬
‫ُخَرى} {أخرى} معطوفة على {هذه} ‪ ،‬أي فعجل لكم هذه المغانم ومغانم أخرى‪{ .‬لَ ْم‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬أو ْ‬
‫ِ‬
‫ط اللَّهُ بِ َها} قال ابن عباس ‪ :‬هي الفتوح التي فتحت على المسلمين ‪ ،‬كأرض‬
‫َحا َ‬
‫َت ْقدُروا َعَل ْي َها َق ْد أ َ‬
‫فارس والروم ‪ ،‬وجميع ما فتحه المسلمون‪ .‬وهو قول الحسن ومقاتل وابن أبي ليلى‪ .‬وعن ابن عباس‬

‫أيضا والضحاك وابن زيد وابن إسحاق ‪ :‬هي خيبر ‪ ،‬وعدها اهلل نبيه قبل أن يفتحها ‪ ،‬ولم يكونوا‬
‫يرجونها حتى أخبرهم اهلل بها‪ .‬وعن الحسن أيضا وقتادة ‪ :‬هو فتح مكة‪ .‬وقال عكرمة ‪ :‬حنين ‪ ،‬ألنه‬
‫قال ‪{ :‬لَ ْم َتقِْدُروا َعلَ ْي َها}‪ .‬وهذا يدل على تقدم محاولة لها وفوات درك المطلوب في الحال كما كان‬
‫ط اللَّ ُه بِ َها} ‪:‬‬
‫َحا َ‬
‫في مكة ‪ ،‬قال القشيري‪ .‬وقال مجاهد ‪ :‬هي ما يكون إلى يوم القيامة‪ .‬ومعنى { َق ْد أ َ‬
‫أي أعدها لكم‪ .‬فهي كالشيء الذي قد أحيط به من جوانبه ‪ ،‬فهو محصور ال يفوت ‪ ،‬فأنتم وان لم‬
‫ط َّ‬
‫الل ُه بِ َها} علم أنها ستكون لكم‬
‫َحا َ‬
‫تقدروا عليها في الحال فهي محبوسة عليكم ال تفوتكم‪ .‬وقيل ‪{ :‬أ َ‬

‫َن َّ‬
‫ط ِب ُك ِّل َش ْيء ِع ْلمًا} [الطالق ‪ .]62 :‬وقيل ‪ :‬حفظها اهلل عليكم‪ .‬ليكون‬
‫‪ ،‬كسا قال ‪َ { :‬وأ َّ‬
‫َحَا َ‬
‫اللهَ َق ْد أ َ‬
‫ان اللَّ ُه َعلَى ُك ِّل َش ْيء َقِديراً}‪.‬‬
‫فتحها لكم‪َ { .‬و َك َ‬

‫(‪)283/61‬‬

‫‪{ 22‬وَلو َق َاتَل ُكم الَِّذين َك َفروا َلوَّلوا ْاأل َْدبار ثَُّم ال ي ِج ُدون وِلّيًا وال َن ِ‬
‫ت ِم ْن‬
‫صي اًر ‪ُ ،‬سنَّ َة اللَّ ِه الَّتِي َق ْد َخَل ْ‬
‫ََ‬
‫َ ْ‬
‫َ َ َ َ‬
‫ُ َ ُ َُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫قَ ْب ُل َولَ ْن تَج َد ل ُسنَّة الله تَ ْبديالً }‬
‫ِ‬
‫ين َك َفُروا َل َوَّل ُوا ْاأل َْدَب َار} قال قتادة ‪ :‬يعني كفار قريش في الحديبية‪.‬‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وَل ْو َق َاتَل ُك ُم َّالذ َ‬
‫ون‬
‫وقيل ‪َ { :‬ولَ ْو َق َاتَل ُك ُم} غطفان وأسد والذين أرادوا نصرة أهل خيبر ‪ ،‬لكانت الدائرة عليهم‪{ .‬ثَُّم ال َي ِج ُد َ‬
‫ولِّياً وال َن ِ‬
‫ت ِم ْن قَ ْب ُل} يعني طريقة اهلل وعاداته السالفة نصر أوليائه على‬
‫صيراً ‪ُ ،‬سنَّةَ اللَّ ِه الَّتِي قَ ْد َخلَ ْ‬
‫َ َ‬
‫أعدائه‪ .‬وانتصب { ُسنَّ َة} على المصدر‪ .‬وقيل ‪ُ { :‬سنَّ َة اللَّ ِه} أي كسنة اهلل‪ .‬والسنة الطريقة والسيرة‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬
‫فال تجزعن من سيرة أنت سرتها ‪ ...‬فأول راض سنة من يسيرها‬
‫والسنة أيضا ‪ :‬ضرب من تمر المدينة‪َ { .‬وَل ْن َت ِج َد لِ ُسنَّ ِة اللَّ ِه َت ْبِديالً}‪.‬‬
‫اآلية ‪َ { 28 :‬وُه َو الَِّذي َك َّ‬
‫ان‬
‫ف أ َْيِدَي ُه ْم َعنْ ُك ْم َوأ َْيِدَي ُك ْم َعنْ ُه ْم بَِب ْ‬
‫ط ِن َم َّكةَ ِم ْن َب ْعِد أ ْ‬
‫َن أَظْفََرُك ْم َعلَ ْي ِه ْم َو َك َ‬
‫اللَّه بِما َتعمُلون ب ِ‬
‫صي ًرا}‬
‫ُ َ َْ َ َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وُه َو الَِّذي َك َّ‬
‫َن‬
‫ف أ َْيِدَي ُه ْم َع ْن ُك ْم َوأ َْيِدَي ُك ْم َع ْن ُه ْم بَِب ْ‬
‫ط ِن َم َّكةَ} وهي الحديبية‪ِ { .‬م ْن َب ْعِد أ ْ‬

‫أَظْ َفَرُك ْم َعَل ْي ِه ْم} روى يزيد بن هارون قال ‪ :‬أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن ثمانين رجال‬
‫من أهل مكة هبطوا على النبي صلى اهلل عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي‬
‫صلى اهلل عليه وسلم وأصحابه ‪ ،‬فأخذناهم سلما‬

‫(‪)239/61‬‬

‫فاستحييناهم ‪ ،‬فأنزل اهلل تعالى ‪َ { :‬وُه َو الَِّذي َك َّ‬
‫َن‬
‫ف أ َْيِدَي ُه ْم َع ْن ُك ْم َوأ َْيِدَي ُك ْم َع ْن ُه ْم بَِبطْ ِن َم َّك َة ِم ْن َب ْعِد أ ْ‬
‫ظ َفَرُك ْم َعَل ْي ِه ْم}‪ .‬وقال عبداهلل بن مغفل المزني ‪ :‬كنا مع النبي صلى اهلل عليه وسلم بالحديبية في‬
‫أَ ْ‬
‫أصل الشجرة التي قال اهلل في القرآن ‪ ،‬فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثالثون شابا عليهم السالح‬

‫فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم النبي صلى اهلل عليه وسلم فأخذ اهلل بأبصارهم ‪ ،‬فقال لهم رسول اهلل‬
‫صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬هل جئتم في عهد أحد أو هل جعل لكم أحد أمانا"‪ .‬قالوا ‪ :‬اللهم ال ‪ ،‬فخلى‬
‫سبيلهم‪ .‬فأنزل اهلل تعالى ‪َ { :‬وُه َو الَِّذي َك َّ‬
‫ف أ َْيِدَي ُه ْم َع ْن ُك ْم} اآلية‪ .‬وذكر ابن هشام عن وكيع ‪ :‬وكانت‬

‫قريش قد جاء منهم نحو سبعين رجال أو ثمانين رجال لإليقاع بالمسلمين وانتهاز الفرصة في أطرافهم‬
‫‪ ،‬ففطن المسلمون لهم فأخذوهم أسرى ‪ ،‬وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح ‪ ،‬فأطلقهم‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬فهم الذين يسمون العتقاء ‪ ،‬ومنهم معاوية وأبوه‪ .‬وقال مجاهد ‪:‬‬
‫أقبل النبي صلى اهلل عليه وسلم معتم ار ‪ ،‬إذ أخذ أصحابه ناسا من الحرم غافلين فأرسلهم النبي‬

‫صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬فذلك اإلظفار ببطن مكة‪ .‬وقال قتادة ‪ :‬ذكر لنا أن رجال من أصحاب رسول‬
‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم يقال له زنيم ‪ ،‬اطلع الثنية من الحديبية فرماه المشركون بسهم فقتلوه ‪،‬‬
‫فبعث النبي صلى اهلل عليه وسلم خيال فأتوا باثني عشر فارسا من الكفار ‪ ،‬ف قال لهم النبي صلى اهلل‬
‫عليه وسلم ‪" :‬هل لكم علي ذمة" قالوا ال ؟ فأرسلهم فنزلت‪ .‬وقال ابن أبزى والكلبي ‪ :‬هم أهل‬
‫الحديبية ‪ ،‬كف اهلل أيديهم عن المسلمين حتى وقع الصلح ‪ ،‬وكانوا خرجوا بأجمعهم وقصدوا‬
‫المسلمين ‪ ،‬وكف أيدي المسلمين عنهم‪ .‬وقد تقدم أن خالد بن الوليد كان في خيل المشركين‪ .‬قال‬

‫القشيري ‪ :‬فهذه رواية ‪ ،‬والصحيح أنه كان مع النبي صلى اهلل عليه وسلم في ذلك الوقت‪ .‬وقد قال‬
‫سلمة بن األكوع ‪ :‬كانوا في أمر الصلح إذ أقبل أبو سفيان ‪ ،‬فإذا الوادي يسير بالرجال والسالح ‪،‬‬
‫قال ‪ :‬فجئت بستة من المشركين أسوقهم متسلحين ال يملكون ألنفسهم نفعا وال ضرا ‪ ،‬فأتيت بهم‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬وكان عمر قال في الطريق ‪ :‬يا رسول اهلل ‪ ،‬نأتي قوما حربا وليس‬
‫معنا سالح وال كراع ؟ فبعث‬

‫(‪)236/61‬‬

‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم إلى المدينة من الطريق فأتوه بكل سالح وكراع كان فيها ‪ ،‬وأُخبر‬

‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أن عكرمة بن أبي جهل خرج إليك في خمسمائة فارس ‪ ،‬فقال رسول‬
‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم لخالد بن الوليد ‪" :‬هذا ابن عمك أتاك في خمسمائة" ‪ .‬فقال خالد ‪ :‬أنا‬
‫سيف اهلل وسيف رسوله ‪ ،‬فيومئذ سمي بسيف اهلل ‪ ،‬فخرج ومعه خيل وهزم الكفار ودفعهم إلى حوائط‬
‫مكة‪ .‬وهذه الرواية أصح ‪ ،‬وكان بينهم قتال بالحجارة ‪ ،‬وقيل بالنبل والظفر‪ .‬وقيل ‪ :‬أراد بكف اليد أنه‬
‫شرط في الكتاب أن من جاءنا منهم فهو رد عليهم ‪ ،‬فخرج أقوام من مكة مسلمون وخافوا أن يردهم‬

‫الرسول عليه السالم إلى المشركين لحقوا بالساحل ‪ ،‬ومنهم أبو بصير ‪ ،‬وجعلوا يغيرون على الكفار‬
‫ويأخذون عيرهم ‪ ،‬حتى جاء كبار قريش إلى النبي صلى اهلل عليه وسلم وقالوا ‪ :‬اضممهم إليك حتى‬
‫نأمن ‪ ،‬ففعل‪ .‬وقيل ‪ :‬همت غطفان وأسد منع المسلمين من يهود خيبر ‪ ،‬ألنهم كانوا حلفاءهم‬

‫ط ِن َم َّك َة} فيه قوالن ‪ :‬أحدهما ‪ :‬يريد به مكة‪ .‬الثاني ‪:‬‬
‫فمنعهم اهلل عن ذلك ‪ ،‬فهو كف اليد‪{ .‬بَِب ْ‬
‫َن أَظْ َفَرُك ْم َعَل ْي ِه ْم}‬
‫الحديبية ‪ ،‬ألن بعضها مضاف إلى الحرم‪ .‬قال الماوردي ‪ :‬وفي قوله ‪ِ { :‬م ْن َب ْعِد أ ْ‬
‫بفتح مكة‪ .‬تكون هذه نزلت بعد فتح مكة ‪ ،‬وفيها دليل على أن مكة فتحت صلحا ‪ ،‬لقوله عز وجل ‪:‬‬

‫{ َك َّ‬
‫ف أ َْيِدَي ُه ْم َع ْن ُك ْم َوأ َْيِدَي ُك ْم َع ْن ُه ْم} ‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬الصحيح أن هذه اآلية نزلت في الحديبية قبل فتح مكة ‪ ،‬حسب ما قدمناه عن أهل التأويل‬
‫من الصحابة والتابعين‪ .‬وروى الترمذي قال ‪ :‬حدثنا عبد بن حميد قال حدثني سليمان بن حرب قال‬
‫حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ‪ :‬أن ثمانين هبطوا على رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬

‫وأصحابه من جبل التنعيم عند صالة الصبح وهم ي ريدون أن يقتلوه ‪ ،‬فأخذوا أخذا فأعتقهم رسول اهلل‬
‫صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬فأنزل اهلل تعالى ‪َ { :‬وُه َو الَِّذي َك َّ‬
‫ف أ َْيِدَي ُه ْم َع ْن ُك ْم َوأ َْيِدَي ُك ْم َع ْن ُه ْم} اآلية‪ .‬قال أبو‬
‫عيسى ‪ :‬هذا حديث حسن صحيح ‪ ،‬وقد تقدم‪ .‬وأما فتح مكة فالذي تدل عليه األخبار أنها إنما‬
‫فتحت عنوة ‪ ،‬وقد مضى القول في ذلك في "الحج" وغيرها‪{ .‬و َكان اللَّه بِما َتعمُلون ب ِ‬
‫صي ًرا}‪.‬‬
‫َ َ ُ َ َْ َ َ‬

‫(‪)232/61‬‬

‫ِ‬
‫اآلية ‪ُ { 28 :‬هم الَِّذين َك َفروا وص ُّدو ُكم ع ِن الْم ِ‬
‫ال‬
‫َن َي ْبلُ َغ َم ِحلَّهُ َولَ ْوال ِرَج ٌ‬
‫ي َم ْع ُكوفاً أ ْ‬
‫ُ َ ُ َ َ ْ َ َْ‬
‫س ِجد الْ َحَرام َاولْ َه ْد َ‬
‫ُوهم َفُت ِ‬
‫ص َيب ُك ْم ِم ْن ُه ْم َم َعَّرٌة بِ َغ ْي ِر ِع ْلم لُِي ْد ِخ َل اللَّ ُه فِي َر ْح َمِت ِه‬
‫َن َت َ‬
‫اء ُم ْؤِمَن ٌ‬
‫وه ْم أ ْ‬
‫ات َل ْم َت ْعَل ُم ُ‬
‫ون َونِ َس ٌ‬
‫ُم ْؤِمُن َ‬
‫طأ ُ ْ‬
‫ِ‬
‫ين َك َفُروا ِم ْن ُه ْم َع َذاباً أَلِيماً }‬
‫اء َل ْو َتَزيَُّلوا َل َع َّذ ْبَنا الَّذ َ‬
‫َم ْن َي َش ُ‬
‫ِ‬
‫قوله تعالى ‪ُ { :‬هم الَِّذين َكفَروا وص ُّدو ُكم ع ِن الْم ِ‬
‫َن َي ْبلُ َغ َم ِحلَّ ُه} فيه ثالث‬
‫ي َم ْع ُكوفاً أ ْ‬
‫ُ َ ُ َ َ ْ َ َْ‬
‫س ِجد الْ َحَرام َاولْ َه ْد َ‬

‫مسائل ‪:‬‬

‫ِ‬
‫ين َك َفُروا} يعني قريشا ‪ ،‬منعوكم دخول المسجد الحرام عام الحديبية‬
‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪ُ { :‬ه ُم الَّذ َ‬
‫حين أحرم النبي صلى اهلل عليه وسلم مع أصحابه بعمرة ‪ ،‬ومنعوا الهدي وحبسوه عن أن يبلغ محله‪.‬‬
‫وهذا كانوا ال يعتقدونه ‪ ،‬ولكنه حملتهم األنفة ودعتهم حمية الجاهلية إلى أن يفعلوا ما ال يعتقدونه‬
‫دينا ‪ ،‬فوبخهم اهلل على ذلك وتوعدهم علي ه ‪ ،‬وأدخل األنس على رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬

‫ببيانه ووعده ‪.‬‬
‫ي َم ْع ُكوفاً} أي محبوسا‪ .‬وقيل موقوفا‪ .‬وقال أبو عمرو بن العالء ‪ :‬مجموعا‪.‬‬
‫الثانية ‪َ { :‬والْ َه ْد َ‬
‫ي َم ْع ُكوفًا} ‪،‬‬
‫الجوهري ‪ :‬عكفه أي حبسه ووقفه ‪ ،‬يعكفه ويعكفه عكفا ‪ ،‬ومنه قوله تعالى ‪َ { :‬وا ْل َه ْد َ‬
‫َن َي ْبلُ َغ َم ِحلَّ ُه} أي منحره ‪،‬‬
‫يقال ما عكفك عن كذا‪ .‬ومنه االعتكاف في المسجد وهو االحتباس‪{ .‬أ ْ‬
‫قاله الفراء‪ .‬وقال الشافعي رضي اهلل عنه ‪ :‬الحرم‪ .‬وكذا قال أبو حنيفة رضي اهلل عنه ‪ ،‬المحصر‬
‫محل هديه الحرم‪ .‬والمحل (بكسر الحاء) ‪ :‬غاية الشيء‪" .‬وبالفتح" ‪ :‬هو الموضع الذي يحله الناس‪.‬‬
‫وكان الهدي سبعين بدنة ‪ ،‬ولكن اهلل بفضله جعل ذلك الموضع له محال‪ .‬وقد اختلف العلماء في هذا‬
‫ُح ِ‬
‫ص ْرُت ْم} والصحيح ما ذكرناه‪ .‬وفي صحيح‬
‫على ما تقدم بيانه في "البقرة" عند قوله تعالى ‪َ { :‬فإِ ْن أ ْ‬
‫مسلم عن أبي الزبير عن جابر‬

‫(‪)238/61‬‬

‫ابن عبداهلل قال ‪ :‬نحرنا مع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة ‪ ،‬والبقرة‬
‫عن سبعة‪ .‬وعنه قال ‪ :‬اشتركنا مع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم في الحج والعمرة كل سبعة في‬
‫بدنة‪ .‬فقال رجل لجابر ‪ :‬أيشترك في البدنة ما يشترك في الجزور ؟ قال ‪ :‬ما هي إال من البدن‪.‬‬
‫وحضر جابر الحديبية قال ‪ :‬ونحرنا يومئذ سبعين بدنة ‪ ،‬اشتركنا كل سبعة في بدنة‪ .‬وفي البخاري‬

‫عن ابن عمر قال ‪ :‬خرجنا مع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم معتمرين ‪ ،‬فحال كفار قريش دون‬
‫البيت ‪ ،‬فنحر رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بدنة وحلق رأسه‪ .‬قيل ‪ :‬إن الذي حلق رأسه يومئذ‬

‫خ ار ش بن أمية بن أبي العيص الخزاعي ‪ ،‬وأمر رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم المسلمين أن ينحروا‬
‫ويحلوا ‪ ،‬ففعلوا بعد توقف كان منهم أغضب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬فقالت له أم سلمة ‪ :‬لو‬
‫نحرت لنحروا ‪ ،‬فنحر رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم هديه ونحروا بنحره ‪ ،‬وحلق رسول اهلل صلى‬
‫اهلل عليه وسلم رأسه ودعا للمحلقين ثالثا وللمقصرين مرة‪ .‬ورأى كعب بن عجرة والقمل يسقط على‬

‫وجهه ‪ ،‬فقال ‪" :‬أيؤذيك هوامك" ؟ قال نعم ‪ ،‬فأمره أن يحلق وهو بالحديبية‪ .‬خرجه البخاري‬
‫والدارقطني‪ .‬وقد مضى في "البقرة"‪.‬‬

‫الثالثة ‪ :‬قوله تعالى ‪{ :‬والْه ْدي} والهدي و ِ‬
‫ي َم ِحلَّ ُه} [البقرة ‪]631 :‬‬
‫الهد ّ‬
‫ي لغتان‪ .‬وقرئ { َحتَّى َي ْبلُ َغ الْ َه ْد ُ‬
‫َ ُ َ‬
‫َ َ َ‬
‫بالتخفيف والتشديد ‪ ،‬الواحدة هدية‪ .‬وقد مضى في "البقرة" أيضا‪ .‬وهو معطوف على الكاف والميم‬
‫َن َي ْبلُ َغ َم ِحلَّ ُه} نصب على تقدير الحمل‬
‫أن} من قوله ‪{ :‬أ ْ‬
‫ص ُّدو ُك ْم}‪ .‬و{ َم ْع ُكوفاً} حال ‪ ،‬وموضع { ْ‬
‫من { َ‬
‫ص ُّدو ُك ْم} أي صدوكم وصدوا الهدي عن أن يبلغ‪ .‬ويجوز أن يكون مفعوال له ‪ ،‬كأنه قال ‪:‬‬
‫على { َ‬
‫وصدوا الهدي كراهية أن يبلغ محله‪ .‬أبو علي ‪ :‬ال يصح حمله على العكف ‪ ،‬ألنا ال نعلم {عكف}‬

‫جاء متعديا ‪ ،‬ومجيء { َم ْع ُكوفاً} في اآلية يجوز أن يكون محموال على المعن ى ‪ ،‬كأنه لما كان حبسا‬
‫حمل المعنى على ذلك ‪ ،‬كما حمل الرفث على معنى اإلفضاء فعدي بإلى ‪ ،‬فإن حمل على ذلك‬

‫كان موضعه نصبا على قياس قول سيبويه ‪ ،‬وج ار على قياس‬

‫(‪)238/61‬‬

‫قول الخليل‪ .‬أو يكون مفعوال له ‪ ،‬كأنه قال ‪ :‬محبوسا كراهية أن يبلغ محله‪ .‬ويجوز تقدير الجر في‬

‫{أن} ألن عن تقدمت ‪ ،‬فكأنه قال ‪ :‬وصدوكم عن المسجد الحرام ‪ ،‬وصدوا الهدي {عن} أن يبلغ‬

‫محله‪ .‬ومثله ما حكاه سيبويه عن يونس ‪ :‬مررت برجل إن زيد وان عمرو ‪ ،‬فأضمر الجار لتقدم‬
‫ذكره‪.‬‬

‫ُوهم َفُت ِ‬
‫ص َيب ُك ْم ِم ْن ُه ْم َم َعَّرٌة بِ َغ ْي ِر‬
‫َن َت َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬ولَ ْوال ِرَج ٌ‬
‫اء ُم ْؤِمَن ٌ‬
‫وه ْم أ ْ‬
‫ات َل ْم َت ْعَل ُم ُ‬
‫ون َونِ َس ٌ‬
‫ال ُم ْؤِمُن َ‬
‫طأ ُ ْ‬
‫ِعلْم } فيه ثالث مسائل ‪:‬‬

‫ون} يعني المستضعفين من المؤمنين بمكة وسط الكفار ‪،‬‬
‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬ولَ ْوال ِرَج ٌ‬
‫ال ُم ْؤِمنُ َ‬
‫وه ْم } أي تعرفوهم‪.‬‬
‫كسلمه بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وأبي جندل بن سهيل ‪ ،‬وأشباههم‪َ{ .‬ل ْم َت ْعَل ُم ُ‬

‫ُوه ْم} بالقتل واإليقاع بهم ‪ ،‬يقال ‪ :‬وطئت القوم ‪ ،‬أي أوقعت‬
‫َن تَطَأ ُ‬
‫وقيل لم تعلموهم أنهم مؤمنون‪{ .‬أ ْ‬
‫بهم‪ .‬و {أن} يجوز أن يكون رفعا على البدل من رجال ‪ ،‬ونساء كأنه قال ولوال وطؤكم رجاال مؤمنين‬
‫ونساء مؤمنات‪ .‬ويجوز أن يكون نصبا على البدل من الهاء والميم في {تعلموهم} ‪ ،‬فيكون التقدير ‪:‬‬
‫وه ْم} نعت لـ {رجال} و {نساء}‪ .‬وجواب‬
‫لم تعلموا وطأهم ‪ ،‬وهو في الوجهين بدل االشتمال‪َ{ .‬ل ْم َت ْعَل ُم ُ‬
‫{لوال} محذوف ‪ ،‬والتقدير ‪ :‬ولو أن تطؤوا رجاال مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم ألذن اهلل لكم في‬
‫دخول مكة ‪ ،‬ولسلط كم عليهم ‪ ،‬ولكنا صنا من كان فيها يكثم إيمانه‪ .‬وقال الضحاك ‪ :‬لوال من في‬
‫أصالب الكفار وأرحام نسائهم من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموا أن تطؤوا آباءهم فتهلك‬

‫أبناؤهم ‪.‬‬

‫الثانية ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬فُت ِ‬
‫ص َيب ُك ْم ِم ْن ُه ْم َم َعَّرٌة} المعرة العيب ‪ ،‬وهي مفعلة من العر وهو الجرب ‪ ،‬أي‬
‫يقول المشركون ‪ :‬قد قتلوا أهل دينهم‪ .‬وقيل ‪ :‬المعنى يصيبكم من قتلهم ما يلزمكم من أجله كفارة‬
‫قتل الخطأ ‪ ،‬ألن اهلل تعالى إنما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها ولم‬
‫ان ِم ْن َق ْوم َع ُد ٍّو َل ُك ْم َوُه َو ُم ْؤِم ٌن َفَت ْح ِر ُير َرَقَبة ُم ْؤِمَنة}‬
‫يعلم بإيمانه الكفارة دون الدية في قوله ‪َ { :‬فإِ ْن َك َ‬
‫[النساء ‪ ]32 :‬قاله الكلبي ومقاتل وغيرهما‪ .‬وقد مضى‬

‫(‪)238/61‬‬

‫في "النساء" القول فيه‪ .‬وقال ابن زيد ‪َ { :‬م َعَّرٌة} إثم‪ .‬وقال الجوهري وابن إسحاق ‪ :‬غرم الدية‪.‬‬
‫قطرب ‪ :‬شدة‪ .‬وقيل غم‪{ .‬بِ َغ ْي ِر ِعلْم} تفضيل للصحابة واخبار عن صفتهم الكريمة من العفة عن‬

‫المعصية والعصمة عن التعدي ‪ ،‬حتى لو أنهم أصابوا من ذلك أحدا لكان عن غير قصد‪ .‬وهذا كما‬
‫ِ‬
‫ود ُه َوُه ْم ال‬
‫ان َو ُجُن ُ‬
‫وصفت النملة عن جنه سليمان عليه السالم في قولها ‪{ :‬ال يَ ْحط َمنَّ ُك ْم ُسلَ ْي َم ُ‬
‫َي ْش ُعُرو َن} [النمل ‪.]63 :‬‬
‫ِِ‬
‫ِ ِ َّ ِ‬
‫اء َل ْو َتَزيَُّلوا } فيه أربع مسائل ‪:‬‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬لُي ْدخ َل اللهُ في َر ْح َمته َم ْن َي َش ُ‬
‫ِِ‬
‫ِ ِ َّ ِ‬
‫اء} الالم في {ليدخل} متعلقة بمحذوف ‪ ،‬أي لو‬
‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪{ :‬لُي ْدخ َل الل ُه في َر ْح َمته َم ْن َي َش ُ‬

‫قتلتموهم ألدخلهم اهلل في رحمته‪ .‬ويجوز أن تتعلق باإليمان‪ .‬وال تحمل على مؤمنين دون مؤمنات وال‬

‫على مؤمنات دون مؤمنين ألن الجميع يدخلون في الرحمة‪ .‬وقيل ‪ :‬المعنى لم يأذن اهلل لكم في قتال‬
‫المشركين ليسلم بعد الصلح من قضى أن يسلم من أهل مكة ‪ ،‬وكذلك كان أسلم الكثير منهم وحسن‬

‫إسالمه ‪ ،‬ودخلوا في رحمته ‪ ،‬أي جنته‪.‬‬
‫الثانية ‪ :‬قوله تعالى ‪{ :‬لَ ْو َتَزيَّلُوا} أي تميزوا ‪ ،‬قاله القتبي‪ .‬وقيل ‪ :‬لو تفرقوا ‪ ،‬قاله الكلبي‪ .‬وقيل ‪ :‬لو‬
‫زال المؤمنون من بين أظهر الكفار لعذب الكفار بالسيف ‪ ،‬قاله الضحاك‪ .‬ولكن اهلل يدفع بالمؤمنين‬
‫عن الكفار‪ .‬وقال علي رضي اهلل عنه ‪ :‬سألت النبي صلى اهلل عليه وسلم عن هذه اآلية {َل ْو َتَزيَُّلوا‬
‫ِ‬
‫ين َكفَُروا} فقال ‪ [ :‬هم المشركون من أجداد نبي اهلل ومن كان بعدهم وفي عصرهم كان في‬
‫لَ َع َّذ ْبَنا الَّذ َ‬
‫أصالبهم قوم مؤمنون فلو تزيل المؤمنون عن أصالب الكافرين لعذب اهلل تعالى الكافرين عذابا‬

‫أليما]‪.‬‬
‫الثالثة ‪ :‬هذه اآلية دليل على مراعاة الكافر في حرمة المؤمن ‪ ،‬إذ ال يمكن أذية الكافر إال بأذية‬
‫المؤمن‪ .‬قال أبو زيد قلت البن القاسم ‪ :‬أرأيت لو أن قوما من المشركين في حصن من حصونهم ‪،‬‬
‫حصرهم أهل اإلسالم وفيهم قوم من المسلمين أسارى في أيديهم ‪،‬‬

‫(‪)231/61‬‬

‫أيحرق هذا الحصن أم ال ؟ قال ‪ :‬سمعت مالكا وسئل عن قوم من المشركين في مراكبهم ‪ :‬أنرمي‬
‫في مراكبهم بالنار ومعهم األسارى في مراكبهم ؟ قال ‪ :‬فقال مالك ال أرى ذلك ‪ ،‬لقوله تعالى ألهل‬
‫ِ‬
‫ين َك َفُروا ِم ْن ُه ْم َع َذابًا أَلِيمًا}‪ .‬وكذلك لو تترس كافر بمسلم لم يجز رميه‪.‬‬
‫مكة ‪َ { :‬ل ْو َتَزيَُّلوا َل َع َّذ ْبَنا الَّذ َ‬
‫وان فعل ذلك فاعل فأتلف أحدا من المسلمين فعليه الدية والكفارة‪ .‬فإن لم يعلموا فال دية وال كفارة ‪،‬‬
‫وذلك أنهم إذا علموا فليس لهم أن يرموا ‪ ،‬فإذا فعلوه صاروا قتلة خطأ والدية على عواقلهم‪ .‬فإن لم‬

‫يعلموا فلهم أن يرموا‪ .‬واذا أبيحوا ا لفعل لم يجز أن يبقى عليهم فيها تباعة‪ .‬قال ابن العربي ‪ :‬وقد قال‬
‫جماعة إن معناه لو تزيلوا عن بطون النساء وأصالب الرجال‪ .‬وهذا ضعيف ‪ ،‬ألن من في الصلب‬

‫رجال ِ‬
‫ساء‬
‫أو في البطن ال يوطأ وال تصيب منه معرة‪ .‬وهو سبحانه قد صرح فقال ‪{ :‬ولوال‬
‫ٌ‬
‫مؤمنون ونِ ٌ‬
‫ِ‬
‫نات لم تعلموهم أن تطؤوهم} وذلك ال ينطلق على من في بطن المرأة وصلب الرجال ‪ ،‬وانما‬
‫مؤم ٌ‬
‫ينطلق على مثل الوليد بن الوليد ‪ ،‬وسلمة بن هشام ‪ ،‬وعياش بن أبي ربيعة ‪ ،‬وأبي جندل بن سهيل‪.‬‬

‫وكذلك قال مالك ‪ :‬وقد حاصرنا مدينة الروم فحبس عنهم الماء ‪ ،‬فكانوا ينزلون األسارى يستقون لهم‬
‫الماء ‪ ،‬فال يقدر أحد على رميهم بالنبل ‪ ،‬فيحصل لهم الماء بغير اختيارنا‪ .‬وقد جوز أبو حنيفة‬
‫وأصحابه والثوري الرمي في حصون المشركين وان كان فيهم أسارى من المسلمين وأطفالهم‪ .‬ولو‬
‫تترس كافر بولد مسلم رمي المشرك ‪ ،‬وان أصيب أحد من المسلمين فال دية فيه وال كفارة‪ .‬وقال‬
‫الثوري ‪ :‬فيه الكفارة وال دية‪ .‬وقال الشافعي بقولنا‪ .‬وهذا ظاهر ‪ ،‬فإن التوصل إلى المباح بالمحظور‬
‫ال يجوز ‪ ،‬سيما بروح المسلم ‪ ،‬فال قول إال ما قاله مالك رضي اهلل عنه‪ .‬واهلل أعلم‪.‬‬

‫قلت ‪ :‬قد يجوز قتل الترس ‪ ،‬وال يكون فيه اختالف إن شاء اهلل ‪ ،‬وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية‬

‫كلية قطعية‪ .‬فمعنى كونها ضرورية ‪ :‬أنها ال يحصل الوصول إلى الكفار إال بقتل الترس‪ .‬ومعنى‬
‫أنها كلية ‪ :‬أنها قاطعة لكل األمة ‪ ،‬حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين ‪ ،‬فإن لم‬
‫يفعل قتل الكفار الترس واستولوا على كل األمة‪ .‬ومعنى كونها‬

‫(‪)238/61‬‬

‫قطعية ‪ :‬أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعا‪ .‬قال علماؤنا ‪ :‬وهذه المصلحة بهذه القيود‬
‫ال ينبغي أن يختلف في اعتبارها ‪ ،‬ألن الفرض أن الترس مقتول قطعا ‪ ،‬فإما بأيدي العدو فتحصل‬

‫المفسدة العظيمة التي هي استيالء العدو على كل المسلمين‪ .‬واما بأيدي المسلمين فيهلك العدو‬
‫وينجو المسلمون أجمعون‪ .‬وال يتأتى لعاقل أن يقول ‪ :‬ال يقتل الترس في هذه الصورة بوجه ‪ ،‬ألنه‬
‫يلزم منه ذهاب الترس واإلسالم والمسلمين ‪ ،‬لكن لما كانت هذه المصلحة غير خالية من المفسدة ‪،‬‬

‫نفرت منها نفس من لم يمعن النظر فيها ‪ ،‬فإن تلك المفسدة بالنسبة إلى ما حصل منها عدم أو‬
‫كالعدم‪ .‬واهلل أعلم‪.‬‬

‫الرابعة ‪ :‬قراءة العامة {َل ْو َتَزيَُّلوا} إال أبا حيوة فإنه قرأ {تزايلوا} وهو مثل {تزيلوا} في المعنى‪.‬‬
‫ِ‬
‫ين َكفَُروا} قيل ‪ :‬الالم‬
‫والتزايل ‪ :‬التباين‪ .‬و {تزيلوا} تفعلوا ‪ ،‬من زلت‪ .‬وقيل ‪ :‬هي تفيعلوا‪{ .‬لَ َع َّذ ْبَنا الَّذ َ‬
‫جواب لكالمين ‪ ،‬أحدهما ‪{ :‬لوال رجال} والثاني ‪{ :‬لو تزيلوا}‪ .‬وقيل جواب {لوال} محذوف ‪ ،‬وقد تقدم‪.‬‬
‫و {لو تزيلوا} ابتداء كالم‪.‬‬
‫اآلية ‪ { 21 :‬إِ ْذ جع َل َّالِذين َك َفروا ِفي قُُلوبِ ِهم الْح ِميَّ َة ح ِميَّ َة ا ْلج ِ‬
‫اهلِيَّةِ َفأ َْنَزَل اللَّ ُه َس ِك َينَت ُه َعَلى َر ُسولِ ِه‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ َ‬
‫َ ُ‬
‫ََ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َح َّ‬
‫ش ْيء َعلِيماً }‬
‫ان اللَّ ُه بِ ُك ِّل َ‬
‫ق بِ َها َوأ ْ‬
‫َهلَ َها َو َك َ‬
‫ين َوأَلَْزَم ُه ْم َكل َمةَ التَّقْ َوى َو َك ُانوا أ َ‬
‫َو َعلَى الْ ُم ْؤ ِمن َ‬
‫اهلِي ِ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬إِ ْذ جع َل الَِّذين َكفَروا فِي قُلُوبِ ِهم الْح ِميَّةَ ح ِميَّةَ الْج ِ‬
‫َّة} العامل في {إذ} قوله تعالى ‪:‬‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ُ َ‬
‫َ ُ‬
‫ََ‬
‫ِ‬
‫{َل َع َّذ ْبَن ا} أي لعذبناهم إذ جعلوا هذا‪ .‬أو فعل مضمر تقديره واذكروا‪{ .‬ا ْل َحميَّ َة } فعيلة وهي األنفة‪.‬‬
‫يقال ‪ :‬حميت عن كذا حمية (بالتشديد) ومحمية إذا أنفت منه وداخلك عار وأنفة أن تفعله‪ .‬ومنه‬
‫قول المتلمس ‪:‬‬

‫أال إنني منهم وعرضي عرضهم ‪ ...‬كذي األنف يحمي أنفه أن يكشما‬

‫أي يمنع‪ .‬قال الزهري ‪ :‬حميتهم أنفتهم من اإلقرار للنبي صلى اهلل عليه وسلم بالرسالة‬

‫(‪)233/61‬‬

‫واالستفتاح ببسم اهلل الرحمن الرحيم ‪ ،‬ومنعهم من دخول مكة‪ .‬وكان الذي امتنع من كتابة بسم اهلل‬
‫الرحمن الرحيم ومحمد رسول اهلل ‪ :‬سهيل بن عمرو ‪ ،‬على ما تقدم‪ .‬وقال ابن بحر ‪ :‬حميتهم‬
‫عصبيتهم آللهتهم التي كانوا يعبدونها من دون اهلل تعالى ‪ ،‬واألنفة من أن يعبدوا غيرها‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫اهلِي ِ‬
‫{ ح ِميَّ َة ا ْلج ِ‬
‫َّة} إنهم قالوا ‪ :‬قتلوا أبناءنا واخواننا ثم يدخلون علينا في منازلنا ‪ ،‬والالت والعزى ال‬
‫َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ين} وقيل ‪ :‬ثبتهم‬
‫يدخلها أبدا‪{ .‬فَأَنَْزَل اللَّ ُه َسك َينتَ ُه} أي الطمأنينة والوقار‪َ { .‬علَى َر ُسولِه َو َعلَى الْ ُم ْؤِمن َ‬

‫على الرضا والتسليم ‪ ،‬ولم يدخل قلوبهم ما أدخل قلوب أولئك من الحمية‪.‬‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وأَلَْزَم ُه ْم َكلِ َمةَ التَّقْ َوى} قيل ‪ :‬ال إله إال اهلل‪ .‬روي مرفوعا من حديث أبي بن كعب عن‬
‫النبي صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬وهو قول علي وابن عمر وابن عباس ‪ ،‬وعمرو بن ميمون ومجاهد‬
‫وقتادة وعكرمة والضحاك ‪ ،‬وسلمة بن كهيل وعبيد بن عمير وطلحة بن مصرف ‪ ،‬والربيع والسدي‬

‫وابن زيد‪ .‬وقال عطاء الخرساني ‪ ،‬وزاد "محمد رسول اهلل"‪ .‬وعن علي وابن عمر أيضا هي ال إله إال‬
‫اهلل واهلل أكبر‪ .‬وقال عطاء بن أبي رباح ومجاهد أيضا ‪ :‬هي ال إله إال اهلل وحده ال شريك له ‪ ،‬له‬

‫الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير‪ .‬وقال الزهري ‪ :‬بسم اهلل الرحمن الرحيم‪ .‬يعني أن‬
‫المشركين لم يقروا بهذه الكلمة ‪ ،‬فخص اهلل بها المؤمنين‪ .‬و { َكِل َم َة التَّ ْق َوى} هي التي يتقى بها من‬
‫َح َّ‬
‫َهَل َها} أي أحق بها من‬
‫ق بِ َها َوأ ْ‬
‫الشرك‪ .‬وعن مجاهد أيضا أن "كلمة التقوى" اإلخالص‪َ { .‬و َك ُانوا أ َ‬
‫ان اللَّ ُه بِ ُك ِّل َش ْيء َعلِيماً}‪.‬‬
‫كفار مكة ‪ ،‬ألن اهلل تعالى اختارهم لدينه وصحبة نبيه‪َ { .‬و َك َ‬
‫ِ‬
‫ِِ‬
‫اآلية ‪{ 28 :‬لََق ْد ص َد َ َّ‬
‫الرْؤيا بِا ْل َح ِّ‬
‫ين‬
‫سوَلهُ ُّ‬
‫ين ُم َحلِّق َ‬
‫اء اللَّ ُه آمن َ‬
‫ق َلَت ْد ُخُل َّن ا ْل َم ْ‬
‫س ِج َد ا ْل َحَر َام إِ ْن َش َ‬
‫ق اللهُ َر ُ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ون َف َعل َم َما لَ ْم َت ْعلَ ُموا فَ َج َع َل م ْن ُد ِ‬
‫ون َذل َك َفتْحاً َق ِريباً}‬
‫وس ُك ْم َو ُم َق ِّ‬
‫ين ال َت َخافُ َ‬
‫ص ِر َ‬
‫ُرُؤ َ‬
‫قال قتادة ‪ :‬كان رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم رأى في المنام أنه يدخل مكة على هذه الصفة ‪،‬‬
‫فلما صالح قريشا بالحديبية ارتاب المنافقون حتى قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬

‫(‪)233/61‬‬

‫الرْؤيا بِا ْل َح ِّ‬
‫ق} فأعلمهم أنهم سيدخلون في‬
‫ق اللَّ ُه َر ُسولَ ُه ُّ‬
‫ص َد َ‬
‫إنه يدخل مكة ‪ ،‬فأنزل اهلل تعالى ‪َ { :‬ل َق ْد َ‬
‫غير ذلك العام ‪ ،‬وأن رؤياه صلى اهلل عليه وسلم حق‪ .‬وقيل ‪ :‬إن أبا بكر هو الذي قال إن المنام لم‬
‫يكن مؤقتا بوقت ‪ ،‬وأنه سيدخل‪ .‬وروي أن الرؤيا كانت بالحديبية ‪ ،‬وأن رؤيا األنبياء حق‪ .‬والرؤيا‬

‫اء اللَّ ُه} قال ابن‬
‫أحد وجوه الوحي إلى األنبياء‪َ{ .‬لَت ْد ُخُل َّن} أي في العام القابل {ا ْل َم ْ‬
‫س ِج َد ا ْل َحَ ار َم إِ ْن َش َ‬
‫كيسان ‪ :‬إنه حكاية ما قيل للنبي صلى اهلل عليه وسلم في منامه ‪ ،‬خوطب في منامه بما جرت به‬
‫العادة ‪ ،‬فأخبر اهلل عن رسول أنه قال ذلك ولهذا استثنى ‪ ،‬تأدب بأدب اهلل تعالى حيث قال تعالى ‪:‬‬
‫{وال َت ُقوَل َّن لِ َشيء إِنِّي َف ِ‬
‫اء اللَّ ُه} [الكهف ‪ .] 28 :‬وقيل ‪ :‬خاطب اهلل العباد‬
‫اع ٌل َذلِ َك َغداً‪ .‬إِ َّال أ ْ‬
‫َن َي َش َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِّ‬
‫اء اللَّ ُه} ‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫ش‬
‫ي‬
‫َن‬
‫أ‬
‫ال‬
‫إ‬
‫‪.‬‬
‫ا‬
‫د‬
‫غ‬
‫ك‬
‫ل‬
‫ذ‬
‫ل‬
‫اع‬
‫ف‬
‫ي‬
‫ن‬
‫إ‬
‫ء‬
‫ي‬
‫ش‬
‫ل‬
‫ن‬
‫َّ‬
‫ل‬
‫و‬
‫ق‬
‫ت‬
‫ال‬
‫و‬
‫{‬
‫‪:‬‬
‫قال‬
‫كما‬
‫‪،‬‬
‫يقولوه‬
‫أن‬
‫يحب‬
‫بما‬
‫َ ٌ َ َ َ ً‬
‫ْ ََ َ‬
‫َ َُ َ َ ْ‬

‫استثنى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما ال يعلمون ‪ ،‬قاله ثعلب‪ .‬وقيل ‪ :‬كان اهلل علم أنه يميت بعض‬
‫هؤالء الذين كانوا معه بالحديبية فوقع االستثناء لهذا المعنى ‪ ،‬قال الحسين بن الفضل‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫االستثناء من {آمنين} ‪ ،‬وذلك راجع إلى مخاطبة العباد على ما جرت به العادة‪ .‬وقيل ‪ :‬معنى {إن‬
‫شاء اهلل} إن أمركم اهلل بالدخول‪ .‬وقيل ‪ :‬أي إن سهل اهلل‪ .‬وقيل ‪{ :‬إن شاء اهلل} أي كما شاء اهلل‪.‬‬
‫وقال أبو عبيدة ‪{ :‬إن} بمعنى {إذ} ‪ ،‬أي إذ شاء اهلل ‪ ،‬كقوله تعالى ‪{ :‬اتَّقُوا اللَّ َه َوَذُروا َما َبِق َي ِم َن‬
‫ِ‬
‫ين} [البقرة ‪ ]283 :‬أي إذ كنتم‪ .‬وفيه بعد ‪ ،‬ألن {إذ} في الماضي من الفعل ‪ ،‬و‬
‫ِّ‬
‫الربا إِ ْن ُك ْنُت ْم ُم ْؤِمن َ‬

‫{إذا} في المستقبل ‪ ،‬وهذا الدخول في المستقبل ‪ ،‬فوعدهم دخول المسجد الحرام وعلقه بشرط المشيئة‬
‫‪ ،‬وذلك عام الحديبية ‪ ،‬فأخبر أصحابه بذلك فاستبشروا ‪ ،‬ثم تأخر ذلك عن العام الذي طمعوا فيه‬

‫ق اللَّ ُه‬
‫ص َد َ‬
‫فساءهم ذلك واشتد عليهم وصالحهم ورجع ‪ ،‬ثم أذن اهلل في العام المقبل فأنزل اهلل ‪َ{ :‬ل َق ْد َ‬
‫الرْؤيا بِالْ َح ِّ‬
‫اء اللَّ ُه} فحكى في‬
‫َر ُسولَ ُه ُّ‬
‫ق}‪ .‬وانما قيل له في المنام ‪ { :‬لََت ْد ُخلُ َّن الْ َم ْ‬
‫س ِج َد الْ َحَر َام إِ ْن َش َ‬
‫التنزيل ما قيل له في المنام ‪ ،‬فليس هنا شك كما زعم بعضهم أن االستثناء يدل على الشك ‪ ،‬واهلل‬
‫ِِ‬
‫ين} أي من العدو‪.‬‬
‫تعالى ال يشك ‪ ،‬و {لََت ْد ُخلُ َّن} تحقيق فكيف يكون شك‪ .‬فـ {إن} بمعنى {إذا}‪{ .‬آمن َ‬
‫ِ‬
‫وس ُك ْم‬
‫{ ُم َحلِّق َ‬
‫ين ُرُؤ َ‬

‫(‪)239/61‬‬

‫ين} والتحليق والتقصير جميعا للرجال ‪ ،‬ولذلك غلب المذكر على المؤنث‪ .‬والحلق أفضل ‪،‬‬
‫َو ُم َق ِّ‬
‫ص ِر َ‬
‫وليس للنساء إال التقصير‪ .‬وقد مضى القول في هذا في "البقرة"‪ .‬وفي الصحيح أن معاوية أخذ من‬
‫شعر النبي صلى اهلل عليه وسلم على المروة بمشقص‪ .‬وهذا كان في العمرة ال في الحج ‪ ،‬ألن النبي‬
‫ون} حال من المحلقين والمقصرين ‪ ،‬والتقدير ‪ :‬غير‬
‫صلى اهلل عليه وسلم حلق في حجته‪{ .‬ال تَ َخافُ َ‬
‫خائفين‪َ { .‬ف َعلِ َم َما َل ْم َت ْعَل ُموا} أي علم ما في تأخير الدخول من الخير والصالح ما لم تعلموه أنتم‪.‬‬

‫وذلك أنه عليه السالم لما رجع مضى منها إلى خيبر فافتتحها ‪ ،‬ورجع بأموال خيبر وأخذ من العدة‬

‫والقوة أضعاف ما كان فيه في ذلك العام ‪ ،‬وأقبل إلى مكة على أهبة وقوة وعدة بأضعاف ذلك‪ .‬وقال‬

‫الكلبي ‪ :‬أي علم أن دخولها إلى سنة ولم تعلموه أنتم‪ .‬وقيل ‪ :‬علم أن بمكة رجاال مؤمنين ونساء‬
‫مؤمنات لم تعلموهم‪.‬‬

‫قوله تعالى ‪{ :‬فَ َج َع َل ِم ْن ُد ِ‬
‫ون َذلِ َك َف ْتحاً َق ِريبًا} أي من دون رؤيا النبي صلى اهلل عليه وسلم فتح‬
‫خيبر ‪ ،‬قال ابن زيد والضحاك‪ .‬وقيل فتح مكة‪ .‬وقال مجاهد ‪ :‬هو صلح الحديبية ‪ ،‬وقاله أكثر‬
‫المفسرين‪ .‬قال الزهري ‪ :‬ما فتح اهلل في اإلسالم أعظم من صلح الحديبية ‪ ،‬ألنه إنما كان القتال‬
‫حين تلتقي الناس ‪ ،‬فلما كانت الهدنة وضعت الحرب أوزارها وأمن الناس بعضهم بعضا ‪ ،‬فالتقوا‬

‫وتفاوضوا الحديث والمناظرة‪ .‬فلم يكلم أحد باإلس الم يعقل شيئا إال دخل فيه ‪ ،‬فلقد دخل تينك السنتين‬

‫في اإلسالم مثل ما كان في اإلسالم قبل ذلك وأكثر‪ .‬يدلك على ذلك أنهم كانوا سنة ست يوم‬
‫الحديبية ألفا وأربعمائة ‪ ،‬وكانوا بعد عام الحديبية سنة ثمان في عشرة آالف‪.‬‬
‫َِّ‬
‫الد ِ‬
‫ق لُِيظْ ِهَرُه َعلَى ِّ‬
‫ين الْ َح ِّ‬
‫سولَهُ بِالْ ُه َدى َوِد ِ‬
‫ين ُكلِّ ِه َوكَفَى بِاللَّ ِه َش ِهيداً}‬
‫اآلية ‪ُ { 23 :‬ه َو الذي أ َْر َس َل َر ُ‬
‫الد ِ‬
‫قوله تعالى ‪ُ { :‬ه َو الَِّذي أ َْر َس َل َر ُسولَ ُه} يعني محمدا صلى اهلل عليه وسلم {لُِيظْ ِهَرُه َعَلى ِّ‬
‫ين ُكلِّ ِه}‬
‫أي يعليه على كل األديان‪ .‬فالدين اسم بمعنى المصدر ‪،‬‬

‫(‪)236/61‬‬

‫ويستوي لفظ الواحد والجمع فيه‪ .‬وقيل ‪ :‬أي ليظهر رسول على الدين كله ‪ ،‬أي على الدين الذي هو‬
‫شرعه بالحجة ثم باليد والسيف ‪ ،‬ونسخ ما عداه‪َ { .‬وكَفَى بِاللَّ ِه َش ِهيداً} { َش ِهيداً} نصب على التفسير ‪،‬‬
‫والباء زائدة ‪ ،‬أي كفى اهلل شهيدا لنبيه صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬وشهادته له تبين صحة نبوته‬

‫بالمعجزات‪ .‬وقيل ‪َ { :‬ش ِهيداً} على ما أرسل به ‪ ،‬ألن الكفار أبوا أن يكتبوا ‪ :‬هذا ما صالح عليه‬
‫محمد رسول اهلل‪.‬‬

‫ِ‬
‫اآلية ‪{ 23 :‬مح َّم ٌد رس ُ ِ ِ‬
‫اء َعَلى الْ ُكفَّ ِ‬
‫ون‬
‫اء َب ْيَن ُه ْم َتَر ُ‬
‫اه ْم ُرَّكعاً ُس َّجداً َي ْبَت ُغ َ‬
‫ول اللَّه َوالَّذ َ‬
‫ار ُرَح َم ُ‬
‫ين َم َع ُه أَش َّد ُ‬
‫َُ َ ُ‬
‫ِ‬
‫الس ُج ِ‬
‫اه ْم ِفي و ُج ِ‬
‫ك َمثَلُ ُه ْم ِفي التَّ ْوَرِاة َو َمثَلُ ُه ْم ِفي‬
‫وه ِه ْم ِم ْن أَثَِر ُّ‬
‫ود َذلِ َ‬
‫يم ُ‬
‫ضالً ِم َن اللَّ ِه َوِر ْ‬
‫فَ ْ‬
‫ض َواناً س َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِْ‬
‫األ ْن ِج ِ‬
‫ب ُّ‬
‫ظ بِ ِه ُم ا ْل ُكفَّ َار َو َع َد‬
‫اع لَِي ِغي َ‬
‫اسَت ْغَل َ‬
‫يل َكَزْرع أ ْ‬
‫الزَّر َ‬
‫اسَت َوى َعَلى ُسوقِه ُي ْع ِج ُ‬
‫ظ َف ْ‬
‫َخَرَج َشطْأ َُه َف َآزَرُه َف ْ‬
‫الصالِح ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َجراً َع ِظيماً }‬
‫ات ِم ْن ُه ْم َم ْغِفَرًة َأو ْ‬
‫آمُنوا َو َعملُوا َّ َ‬
‫اللَّ ُه الَّذ َ‬
‫ين َ‬
‫فيه خمس مسائل ‪:‬‬

‫ول اللَّ ِه} {محمد} مبتدأ و {رسول} خبره‪ .‬وقيل ‪{ :‬محمد} ابتداء و‬
‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪ُ { :‬م َح َّم ٌد َر ُس ُ‬
‫ِ‬
‫ين َم َع ُه} عطف على المبتدأ ‪ ،‬والخبر فيما بعده ؛ فال يوقف على هذا التقدير‬
‫{رسول اهلل} نعته‪َ { .‬والَّذ َ‬
‫على {رسول اهلل}‪ .‬وعلى األول يوقف على {رسول اهلل} ؛ ألن صفاته عليه السالم تزيد على ما‬
‫وصف أصحابه ؛ فيكون {محمد} ابتداء و {رسول اهلل} الخبر {والذين معه} ابتداء ثان‪ .‬و}أشداء}‬
‫خبره و {رحماء} خبر ثان‪ .‬وكون الصفات في جملة أصحاب النبي صلى اهلل عليه وسلم هو األشبه‪.‬‬
‫ِ‬
‫اء َعلَى الْ ُك َّف ِ‬
‫ار} قال ابن عباس ‪ :‬أهل الحديبية‬
‫وقيل ‪ :‬المراد بـ {الذين معه} جميع المؤمنين‪{ .‬أَش َّد ُ‬
‫اء َبيْنَ ُه ْم} أي يرحم بعضهم بعضا‪.‬‬
‫أشداء على الكفار ؛ أي غالظ عليهم كاألسد على فريسته‪ُ{ .‬رَح َم ُ‬
‫وقيل ‪:‬‬

‫(‪)232/61‬‬

‫ِ‬
‫اء َعَلى ا ْل ُكفَّ ِ‬
‫اء َب ْيَن ُه ْم} بالنصب على الحال ‪ ،‬كأنه قال ‪:‬‬
‫ار ُرَح َم ُ‬
‫متعاطفون متوادون‪ .‬وقرأ الحسن {أَش َّد ُ‬
‫والذين معه في حال شدتهم على الكفار وتراحمهم بينهم‪َ{ .‬تر ُ َّ‬
‫س َّجداً} إخبار عن كثرة‬
‫اه ْم ُركعاً ُ‬
‫َ‬
‫ض َواناً} أي يطلبون الجنة ورضا اهلل تعالى‪.‬‬
‫ضالً ِم َن اللَّ ِه َوِر ْ‬
‫ون فَ ْ‬
‫صالتهم‪َ { .‬ي ْبتَ ُغ َ‬
‫ِ‬
‫الس ُج ِ‬
‫اه ْم ِفي و ُج ِ‬
‫ود} السيما العالمة ‪ ،‬وفيها لغتان ‪ :‬المد‬
‫وه ِه ْم ِم ْن أَثَِر ُّ‬
‫يم ُ‬
‫الثانية ‪ :‬قوله تعالى ‪ { :‬س َ‬
‫ُ‬
‫والقصر ‪ ،‬أي الحت عالمات التهجد بالليل وأمارات السهر‪ .‬وفي سنن ابن ماجة قال ‪ :‬حدثنا‬

‫إسماعيل بن محمد الطلحي قال حدثنا ثابت بن موسى أبو يزيد عن شريك عن األعمش عن أبي‬
‫سفيان عن جابر قال ‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬من كثرت صالته بالليل حسن وجهه‬
‫بالنهار"‪ .‬وقال ابن العربي ‪ :‬ودسه قوم في حديث النبي صلى اهلل عليه وسلم على وجه الغلط ‪،‬‬
‫ِ‬
‫اه ْم ِفي‬
‫يم ُ‬
‫وليس عن النبي صلى اهلل عليه وسلم فيه ذكر بحرف‪ .‬وقد روى ابن وهب عن مالك { س َ‬
‫الس ُج ِ‬
‫و ُج ِ‬
‫ود} ذلك مما يتعلق بجباههم من األرض عند السجود ‪ ،‬وبه قال سعيد بن‬
‫وه ِه ْم ِم ْن أَثَِر ُّ‬
‫ُ‬

‫جبير‪ .‬وفي الحديث الصحيح عن النب ي صلى اهلل عليه وسلم ‪ :‬صلى صبيحة إحدى وعشرين من‬
‫رمضان وقد وكف المسجد وكان على عريش ‪ ،‬فانصرف النبي صلى اهلل عليه وسلم من صالته‬
‫وعلى جبهته وأرنبته أثر الماء والطين‪ .‬وقال الحسن ‪ :‬هو بياض يكون في الوجه يوم القيامة‪ .‬وقاله‬
‫سعيد بن جبير أيضا ‪ ،‬ورواه العوفي عن ابن عباس ؛ قاله الزهري‪ .‬وفي الصحيح عن رسول اهلل‬
‫صلى اهلل عليه وسلم من حديث أبي هريرة ‪ ،‬وفيه ‪ " :‬حتى إذا فرغ اهلل من القضاء بين العباد وأراد أن‬
‫يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر المالئكة أن يخرجوا من النار من كان ال يشرك باهلل شيئا‬

‫ممن أراد اهلل أن يرحمه ممن يقول ال إله إال اهلل فيعرفونهم في النار بأثر السجود تأكل النار ابن آدم‬
‫إال أثر السجود حرم اهلل على النار أن تأكل أثر السجود"‪ .‬وقال شهر بن حوشب ‪ :‬يكون موضع‬
‫السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر‪ .‬وقال ابن عباس ومجاهد ‪ :‬السيما في الدنيا وهو السمت‬
‫الحسن‪ .‬وعن مجاهد أيضا ‪ :‬هو الخشوع والتواضع‪ .‬قال‬

‫(‪)238/61‬‬

‫ِ‬
‫اه ْم ِفي و ُج ِ‬
‫وه ِه ْم} أهو أثر يكون بين عيني الرجل ؟‬
‫يم ُ‬
‫منصور ‪ :‬سألت مجاهدا عن قوله تعالى ‪ { :‬س َ‬
‫ُ‬
‫قال ال ‪ ،‬ربما يكون بين عيني الرجل مثل ركبة العنز وهو أقسى قلبا من الحجارة ولكنه نور في‬
‫وجوههم من الخشوع‪ .‬وقال ابن جريج ‪ :‬هو الوقار والبهاء‪ .‬وقال شمر بن عطية ‪ :‬هو صفرة الوجه‬
‫من قيام الليل‪ .‬قال الحسن ‪ :‬إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى‪ .‬وقال الضحاك ‪ :‬أما إنه‬
‫ليس بالندب في وجوههم ولكنه الصفرة‪ .‬وقال سفيان الثوري ‪ :‬يصلون بالليل فإذا أصبحوا رئي ذلك‬
‫في وجوههم ‪ ،‬بيانه قوله صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬من كثرت صالته بالليل حسن وجهه بالنهار" ‪ .‬وقد‬

‫مضى القول فيه آنفا‪ .‬وقال عطاء الخراساني ‪ :‬دخل في هذه اآلية كل من حافظ على الصلوات‬

‫الخمس‪.‬‬

‫ك مثَلُهم ِفي التَّورِاة ومثَلُهم ِفي ِْ‬
‫ِ‬
‫األ ْن ِج ِ‬
‫يل} قال الفراء ‪ :‬فيه وجهان ‪ ،‬إن شئت‬
‫َْ َ َ ُ ْ‬
‫الثالثة ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬ذل َ َ ُ ْ‬
‫قلت المعنى ذلك مثلهم في التوراة وفي اإلنجيل أيضا ‪ ،‬كمثلهم في القرآن ‪ ،‬فيكون الوقف على‬

‫{اإلنجيل} وان شئت قلت ‪ :‬تمام الكالم ذلك مثلهم في التوراة ‪ ،‬ثم ابتداء فقال ‪ :‬ومثلهم في اإلنجيل‪.‬‬
‫وكذا قال ابن عباس وغيره ‪ :‬هما مثالن ‪ ،‬أحدهما في التوراة واآلخر في اإلنجيل ‪ ،‬فيوقف على هذا‬

‫على {التوراة}‪ .‬وقال مجاهد ‪ :‬هو مثل واحد ‪ ،‬يعني أن هذه صفتهم في التوراة واإلنجيل ‪ ،‬فال يوقف‬
‫َخَرَج َشطْأ َُه} على معنى وهم‬
‫على {التوراة} على هذا ‪ ،‬ويوقف على {اإلنجيل} ‪ ،‬ويبتدئ ‪َ { :‬كَزْرع أ ْ‬
‫كزرع‪ .‬و {شطأه} يعني فراخه وأوالده ‪ ،‬قاله ابن زيد وغيره‪ .‬وقال مقاتل ‪ :‬هو نبت واحد ‪ ،‬فإذا خرج‬
‫ما بعده فقد شطأه‪ .‬قال الجوهري ‪ :‬شطء الزرع والنبات فراخه ‪ ،‬والجمع أشطاء‪ .‬وقد أشطأ الزرع‬
‫َخَرَج َشطْأ َُه} أي طرفه‪ .‬وحكاه الثعلبي عن الكسائي‪ .‬وقال‬
‫خرج شطؤه‪ .‬قال األخفش في قوله ‪{ :‬أ ْ‬
‫الفراء ‪ :‬أشطأ الزرع فهو مشطئ إذا خرج‪ .‬قال الشاعر ‪:‬‬
‫أخرج الشطء على وجه الثرى ‪ ...‬ومن األشجار أفنان الثمر‬
‫الزجاج ‪ :‬أخرج شطأه أي نباته‪ .‬وقيل ‪ :‬إن الشطء شوك السنبل ‪ ،‬والعرب أيضا تسميه ‪ :‬السفا ‪،‬‬
‫وهو شوك البهمى ‪ ،‬قاله قطرب‪ .‬وقيل ‪ :‬إنه السنبل ‪ ،‬فيخرج من الحبة‬

‫(‪)238/61‬‬

‫عشر سنبالت وتسع وثمان ‪ ،‬قال الفراء ‪ ،‬حكاه الماوردي‪ .‬وق أر ابن كثير وابن ذكوان {شطأه} بفتح‬

‫الطاء ‪ ،‬وأسكن الباقون‪ .‬وقرأ أنس ونصر بن عاصم وابن وثاب {شطاه} مثل عصاه‪ .‬وقرأ الجحدري‬

‫وابن أبي إسحاق {شطه} بغير همز ‪ ،‬وكلها لغات فيها‪.‬‬
‫وهذا مثل ضربه اهلل تعالى ألصحاب النبي صلى ا هلل عليه وسلم ‪ ،‬يعني أنهم يكونون قليال ثم‬
‫يزدادون ويكثرون ‪ ،‬فكان النبي صلى اهلل عليه وسلم حين بدأ بالدعاء إلى دينه ضعيفا فأجابه الواحد‬
‫بعد الواحد حتى قوي أمره ‪ ،‬كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفا فيقوى حاال بعد حال حتى يغلظ نباته‬

‫وأفراخه‪ .‬فكان هذا من أصح مثل وأقوى بيان‪ .‬وقال قتادة ‪ :‬مثل أصحاب محمد صلى اهلل عليه وسلم‬
‫في اإلنجيل مكتوب أنه سيخرج من قوم ينبتون نبات الزرع ‪ ،‬يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر‪.‬‬
‫{ َف َآزَرُه} أي قواه وأعانه وشده ‪ ،‬أي قوى الشطء الزرع‪ .‬وقيل بالعكس ‪ ،‬أي قوى الزرع الشطء‪ .‬وقراءة‬
‫العامة {آزره} بالمد‪ .‬وقرأ ابن ذكوان وأبو حيوة وحميد بن قيس {فأزره} مقصورة ‪ ،‬مثل فعله‪.‬‬
‫والمعروف المد‪ .‬قال امرؤ القيس‬
‫بمحنية قد آزر الضال نبتها ‪ ...‬مجر جيوش غانمين وخيب‬
‫اسَت َوى َعَلى ُسوِق ِه} على عوده الذي يقوم عليه فيكون ساقا له‪ .‬والسوق ‪ :‬جمع الساق‪.‬‬
‫اسَت ْغَل َ‬
‫ظ َف ْ‬
‫{ َف ْ‬

‫ب ُّ‬
‫اع} أي يعجب هذا الزرع زراعه‪ .‬وهو مثل كما بينا ‪ ،‬فالزرع محمد صلى اهلل عليه وسلم‬
‫الزَّر َ‬
‫{ُي ْع ِج ُ‬
‫‪ ،‬والشطء أصحابه ‪ ،‬كانوا قليال فكثروا ‪ ،‬وضعفاء فقووا ‪ ،‬قال الضحاك وغيره‪{ .‬لَِي ِغيظَ بِ ِه ُم الْ ُكفَّ َار}‬
‫الالم متعلقة بمحذوف ‪ ،‬أي فعل اهلل هذا لمحمد صلى اهلل عليه وسلم وأصحابه ليغيظ بهم الكفار‪.‬‬
‫ِ‬
‫آمُنوا} أي وعد اهلل هؤالء الذين مع محمد ‪ ،‬وهم المؤمنون‬
‫الرابعة ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬ع َد اللَّ ُه الَّذ َ‬
‫ين َ‬
‫َجراً َع ِظيماً} أي ثوابا ال ينقطع وهو الجنة‪ .‬وليست {من} في قوله ‪:‬‬
‫الذين أعمالهم صالحة‪َ { .‬م ْغِفَرًة َوأ ْ‬
‫{منهم} مبعضة لقوم من الصحابة دون قوم ‪ ،‬ولكنها عامة‬

‫(‪)238/61‬‬

‫الر ْج َس ِم َن ْاأل َْوثَ ِ‬
‫ان} [الحج ‪ ]89 :‬ال يقصد للتبعيض لكنه‬
‫اجتَنُِبوا ِّ‬
‫مجنسة ‪ ،‬مثل قوله تعالى ‪{ :‬فَ ْ‬
‫يذهب إلى الجنس ‪ ،‬أي فاجتنبوا الرجس من جنس األوثان ‪ ،‬إذ كان الرجس يقع من أجناس شتى ‪،‬‬
‫منها الزنى والربا وشرب الخمر والكذب ‪ ،‬فأدخل {من} يفيد بها الجنس وكذا {منهم} ‪ ،‬أي من هذا‬

‫الجنس ‪ ،‬يعني جنس الصحابة‪ .‬ويقال ‪ :‬أنفق نفقتك من الدراهم ‪ ،‬أي اجعل نفقتك هذا الجنس‪ .‬وقد‬
‫يخصص أصحاب محمد صلى اهلل عليه وسلم بوعد المغفرة تفضيال لهم ‪ ،‬وان وعد اهلل جميع‬
‫المؤمنين المغفرة‪ .‬وفي اآلية جواب آخر ‪ :‬وهو أن {من} مؤكدة للكالم ‪ ،‬والمعنى وعدهم اهلل كلهم‬
‫مغفرة وأج ار عظيما‪ .‬فجرى مجرى قول العربي ‪ :‬قطعت من الثوب قميصا ‪ ،‬يريد قطعت الثوب كله‬
‫ِ‬
‫قميصا‪ .‬و {من} لم يبعض شيئا‪ .‬وشاهد هذا من القرآن { َوُنَنِّزُل ِم َن الْ ُق ْر ِ‬
‫اء} [اإلسراء ‪:‬‬
‫آن َما ُه َو ش َف ٌ‬
‫‪ ]32‬معناه وننزل القرآن شفاء ‪ ،‬ألن كل حرف منه يشفي ‪ ،‬وليس الشفاء مختصا به بعضه دون‬
‫بعض‪ .‬على أن من اللغويين من يقول ‪{ :‬من} مجنسة ‪ ،‬تقديرها ننزل الشفاء من جنس القرآن ‪ ،‬ومن‬
‫جهة القرآن ‪ ،‬ومن ناحية القرآن‪ .‬قال زهير ‪:‬‬
‫أمن أم أوفى دمنة لم تكلم‬
‫أراد من ناحية أم أوفى دمنة ‪ ،‬أم من منازلها دمنة‪ .‬وقال اآلخر ‪:‬‬
‫أخو رغائب يعطيها ويسألها ‪ ...‬يأبى الظالمة منه النوفل الزفر‬

‫فـ {من} لم تبعض شيئا ‪ ،‬إذ كان المقصد يأبى الظالمة ألنه نوفل زفر‪ .‬والنوفل ‪ :‬الكثير العطاء‪.‬‬
‫والزفر ‪ :‬حامل األثقال والمؤن عن الناس‪.‬‬
‫الخامسة ‪ :‬روى أبو عروة الزبيري من ولد الزبير ‪ :‬كنا عند مالك بن أنس ‪ ،‬فذكروا رجال ينتقص‬
‫أصحاب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬فقرأ مالك هذه اآلية { ُم َح َّم ٌد‬

‫(‪)231/61‬‬

‫ول َّ ِ ِ‬
‫ب ُّ‬
‫ظ ِب ِه ُم ا ْل ُكفَّ َار}‪ .‬فقال مالك ‪ :‬من أصبح من‬
‫اع لَِي ِغي َ‬
‫َر ُس ُ‬
‫الزَّر َ‬
‫ين َم َع ُه} حتى بلغ {ُي ْع ِج ُ‬
‫الله َوالَّذ َ‬
‫الن اس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فقد أصابته هذه اآلية ‪،‬‬
‫ذكره الخطيب أبو بكر‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله‪ .‬فمن نقص واحدا منهم أو طعن عليه في‬

‫ول اللَّهِ‬
‫روايته فقد رد على اهلل رب العالمين ‪ ،‬وأبطل شرائع المسلمين ‪ ،‬قال اهلل تعالى ‪ُ { :‬م َح َّم ٌد َر ُس ُ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اء َعَلى ا ْل ُكفَّ ِ‬
‫ت‬
‫ون َك َت ْح َ‬
‫ين إِ ْذ ُيَبايِ ُع َ‬
‫ار} اآلية‪ .‬وقال ‪َ { :‬ل َق ْد َرض َي اللَّ ُه َع ِن ا ْل ُم ْؤِمن َ‬
‫َوالَّذ َ‬
‫ين َم َع ُه أَش َّد ُ‬
‫َّ‬
‫الش َجَرِة} [الفتح ‪ ] 63 :‬إلى غير ذلك من اآلي التي تضمنت الثناء عليهم ‪ ،‬والشهادة لهم بالصدق‬
‫اه ُدوا اللَّ َه َعَل ْي ِه} [األحزاب ‪ .]28 :‬وقال ‪ِ{ :‬للُْفقََر ِاء‬
‫والفالح ‪ ،‬قال اهلل تعالى ‪ِ { :‬رَج ٌ‬
‫ص َد ُقوا َما َع َ‬
‫ال َ‬
‫ارِهم وأ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫اج ِر ِ‬
‫ض َوانًا} إلى قوله {أُوَلئِ َك ُه ُم‬
‫ض ً‬
‫ين أ ْ‬
‫ال ِم َن اللَّ ِه َوِر ْ‬
‫ون َف ْ‬
‫َم َوال ِه ْم َي ْبَت ُغ َ‬
‫ُخ ِرُجوا م ْن دَي ِ ْ َ ْ‬
‫ين الَّذ َ‬
‫ا ْل ُم َه ِ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫ين َتَب َّوأُوا َّ‬
‫ان ِم ْن َق ْبلِ ِه ْم} إلى قوله‬
‫يم َ‬
‫ون} [الحشر ‪ ، ]3 :‬ثم قال عز من قائل ‪َ { :‬والَّذ َ‬
‫الصاد ُق َ‬
‫الد َار َو ْاأل َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ون} [الحشر ‪ .]3 :‬وهذا كله مع علمه تبارك وتعالى بحالهم ومآل أمرهم ‪ ،‬وقال‬
‫{ َفأُوَلئ َك ُه ُم ا ْل ُمفْل ُح َ‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬خير الناس قرني ثم الذين يلونهم" وقال ‪" :‬ال تسبوا أصحابي فلو‬
‫أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا لم يدرك مد أحدهم وال نصيفه" خرجهما البخاري‪ .‬وفي حديث آخر ‪:‬‬
‫" فلو أن أحدكم أنفق ما في األرض لم يدرك مد أحدهم وال نصيفه"‪ .‬قال أبو عبيد ‪ :‬معناه لم يدرك مد‬
‫أحدهم إذا تصدق به وال نصف المد ‪ ،‬فالنصيف هو النصف هنا‪ .‬وكذلك يقال للعشر عشير ‪،‬‬
‫وللخمس خميس ‪ ،‬وللتسع تسيع ‪ ،‬وللثمن ثمين ‪ ،‬وللسبع سبيع ‪ ،‬وللسدس سديس ‪ ،‬وللربع ربيع‪ .‬ولم‬

‫تقل العرب للثلث ثليث‪.‬‬

‫وفي البزار عن جابر مرفوعا صحيحا ‪ " :‬إن اهلل اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين‬
‫والمرسلين واختار لي من أصحابي أربعة ‪ -‬يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ‪ -‬فجعلهم أصحابي"‪.‬‬
‫وقال ‪" :‬في أصحابي كلهم خير"‪ .‬وروى عويم بن ساعدة قال ‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
‫وسلم ‪ " :‬إن اهلل عز وجل اختارني واختار لي أصحابي فجعل لي منهم وزراء وأختانا وأصهارا فمن‬
‫سبهم فعليه لعنة‬

‫(‪)238/61‬‬

‫اهلل والمالئكة والناس أجمعين وال يقبل اهلل منه يوم القيامة صرفا وال عدال"‪ .‬واألحاديث بهذا المعنى‬
‫كثيرة ‪ ،‬فحذار من الوقوع في أحد منهم ‪ ،‬كما فعل من طعن في الدين فقال ‪ :‬إن المعوذتين ليستا‬
‫من القرآن ‪ ،‬وما صح حديث عن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم في تثبيتهما ودخولهما في جملة‬
‫التنزيل إال عن عقبة بن عامر ‪ ،‬وعقبة بن عامر ضعيف لم يوافقه غيره عليها ‪ ،‬فروايته مطروحة‪.‬‬

‫وهذا رد لما ذكرناه من الكتاب والسنة ‪ ،‬وابطال لما نقلته لنا الصحابة من الملة‪ .‬فإن عقبة بن عامر‬

‫بن عيسى الجهني ممن روى لنا الشريع ة في الصحيحين البخاري ومسلم وغيرهما ‪ ،‬فهو ممن مدحهم‬
‫اهلل ووصفهم وأثنى عليهم ووعدهم مغفرة وأجرا عظيما‪ .‬فمن نسبه أو واحدا من الصحابة إلى كذب‬
‫فهو خارج عن الشريعة ‪ ،‬مبطل للقرآن طاعن على رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬ومتى ألحق‬
‫واحد منهم تكذيبا فقد سب ‪ ،‬ألنه ال عار وال عيب بعد الكفر باهلل أعظم من الكذب ‪ ،‬وقد لعن رسول‬

‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم من سب أصحابه ‪ ،‬فالمكذب ألصغرهم ‪ -‬وال صغير فيهم ‪ -‬داخل في لعنة‬
‫اهلل التي شهد بها رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬وألزمها كل من سب واحدا من أصحابه أو طعن‬

‫عليه‪ .‬وعن عمر بن حبيب قال ‪ :‬حضرت مجلس هارون الرشيد فجرت مسألة تنازعها الحضور‬
‫وعلت أصواتهم ‪ ،‬فاحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة عن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬فرفع‬
‫بعضهم الحديث وزادت المدافعة والخصام حتى قال قائلون منهم ‪ :‬ال يقبل هذا الحديث على رسول‬
‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬ألن أبا هريرة متهم فيما يرويه ‪ ،‬وصرحوا بتكذيبه ‪ ،‬ورأيت الرشيد قد نحا‬

‫نحوهم ونصر قولهم فقلت أنا ‪ :‬الحديث صحيح عن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬وأبو هريرة‬
‫صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن النبي صلى اهلل عليه وسلم وغيره ‪ ،‬فنظر إلي الرشيد نظر‬

‫مغضب ‪ ،‬وقمت من المجلس فانصرفت إلى منزلي ‪ ،‬فلم ألبث حتى قيل ‪ :‬صاحب البريد بالباب ‪،‬‬
‫فدخل فقال لي ‪ :‬أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول ‪ ،‬وتحنط وتكفن فقلت ‪ :‬اللهم إنك تعلم أني‬
‫دافعت عن صاحب نبيك ‪ ،‬وأجللت نبيك أن يطعن على أصحابه ‪،‬‬

‫(‪)233/61‬‬

‫فسلمني منه‪ .‬فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب ‪ ،‬حاسر عن ذراعيه ‪ ،‬بيده‬

‫السيف وبين يديه النطع ‪ ،‬فلما بصر بي قال لي ‪ :‬يا عمر بن حبيب ما تلقاني أحد من الرد والدفع‬

‫لقولي بمثل ما تلقيتني به فقلت ‪ :‬يا أمير المؤمنين ‪ ،‬إن الذي قلته وجادلت عنه فيه ازدراء على‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وعلى ما جاء به ‪ ،‬إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة ‪،‬‬
‫والفرائض واألحكام في الصيام والصالة والطالق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول فرجع إلى‬

‫نفسه ثم قال ‪ :‬أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك اهلل ‪ ،‬وأمر لي بعشرة آالف درهم‪.‬‬

‫قلت ‪ :‬فالصحابة كلهم عدول ‪ ،‬أولياء اهلل تعالى وأصفي اؤه ‪ ،‬وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله‪ .‬هذا‬
‫مذهب أهل السنة ‪ ،‬والذي عليه الجماعة من أئمة هذه األمة‪ .‬وقد ذهبت شرذمة ال مباالة بهم إلى‬
‫أن حال الصحابة كحال غيرهم ‪ ،‬فيلزم البحث عن عدالتهم‪ .‬ومنهم من فرق بين حالهم في بداءة‬
‫األمر فقال ‪ :‬إنهم كانوا على العدالة إذ ذ اك ‪ ،‬ثم تغيرت بهم األحوال فظهرت فيهم الحروب وسفك‬
‫الدماء ‪ ،‬فال بد من البحث‪ .‬وهذا مردود ‪ ،‬فإن خيار الصحابة وفضالءهم كعلي وطلحة والزبير‬

‫وغيرهم رضي اهلل عنهم ممن أثنى اهلل عليهم وزكاهم ورضي عنهم وأرضاهم ووعدهم الجنة بقوله‬

‫َج ًار َع ِظيمًا}‪ .‬وخاصة العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول هم القدوة مع‬
‫تعالى ‪َ { :‬م ْغِفَرًة َأو ْ‬
‫علمهم بكثير من الفتن واألمور الجارية عليهم بعد نبيهم بإخباره لهم بذلك‪ .‬وذلك غير ُمسقط من‬

‫مرتبتهم وفضلهم ‪ ،‬إذ كانت تلك األمور مبنية على االجتهاد ‪ ،‬وكل مجتهد مصيب‪ .‬وسيأتي الكالم‬

‫في تلك األمور في سورة "الحجرات" مبينة إن شاء اهلل تعالى‪.‬‬

‫(‪)233/61‬‬

‫تفسير سورة الحجرات‬
‫‪...‬‬
‫سورة الحجرات‬

‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫اآلية ‪{ 6 :‬يا أَي َِّ‬
‫َّ‬
‫يم }‬
‫آمُنوا ال ُت َق ِّد ُموا َب ْي َن َي َد ِي الله َوَر ُسولِه َواتَّ ُق او الل َه إِ َّن الل َه َسم ٌ‬
‫ُّها الذ َ‬
‫يع َعل ٌ‬
‫ين َ‬
‫َ َ‬
‫فيه ثالث مسائل ‪:‬‬
‫َّ ِ‬
‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪{ :‬يا أَي ِ‬
‫سولِ ِه} قال العلماء ‪ :‬كان في‬
‫ُّها الَّذ َ‬
‫آمُنوا ال ُت َق ِّد ُموا َب ْي َن َي َد ِي الله َوَر ُ‬
‫ين َ‬
‫َ َ‬
‫العربي جفاء وسوء أدب في خطاب النبي صلى اهلل عليه وسلم وتلقيب الناس‪ .‬فالسورة في األمر‬

‫بمكارم األخالق ورعاية اآلداب‪ .‬وقرأ الضحاك ويعقوب الحضرمي ‪{ :‬ال تَقَ َّدموا} بفتح التاء والدال من‬
‫التقدم‪ .‬الباقون {ُت ِقدموا} بضم التاء وكسر الدال من التقديم‪ .‬ومعناهما ظاهر ‪ ،‬أي ال تقدموا قوال وال‬
‫فعال بين يدي اهلل وقول رسوله وفعله فيما سبيله أن تأخذوه عنه من أمر الدين والدنيا‪ .‬ومن قدم قوله‬

‫أو فعله على الرسول صلى اهلل عليه وسلم فقد قدمه على اهلل تعالى ‪ ،‬ألن الرسول صلى اهلل عليه‬
‫وسلم إنما يأمر عن أمر اهلل عز وجل‪.‬‬
‫الثانية ‪ :‬واختلف في سبب نزولها على أقوال ستة ‪:‬‬
‫األول ‪ :‬ما ذكره الواحدي من حديث ابن جريج قال ‪ :‬حدثني ابن أبي مليكة أن عبداهلل بن الزبير‬

‫أخبره أنه قدم ركب من ب ني تميم على رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬فقال أبو بكر ‪ :‬أمر القعقاع‬
‫بن معبد‪ .‬وقال عمر ‪ :‬أمر األقرع بن حابس‪ .‬فقال أبو بكر ‪ :‬ما أردت إال خالفي‪ .‬وقال عمر ‪ :‬ما‬
‫أردت خالفك‪ .‬فتماديا حتى ارتفعت أصواتهما ‪،‬‬

‫(‪)899/61‬‬

‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫فنزل في ذلك ‪{ :‬يا أَي ِ‬
‫صَبُروا‬
‫ُّها الَّذ َ‬
‫آمُنوا ال ُت َق ِّد ُموا َب ْي َن َي َد ِي الله َوَر ُسولِه ‪ -‬إلى قوله ‪َ -‬وَل ْو أَنَّ ُه ْم َ‬
‫ين َ‬
‫َ َ‬
‫َحتَّى َت ْخُرَج إِلَ ْي ِه ْم} ‪ .‬رواه البخاري عن الحسن بن محمد بن الصباح ‪ ،‬ذكره المهدوي أيضا‪.‬‬

‫الثاني ‪ :‬ما روي أن النبي صلى اهلل عليه وسلم أراد أن يستخلف على المدينة رجال إذا مضى إلى‬
‫َّ ِ‬
‫خيبر ‪ ،‬فأشار عليه عمر برجل آخر ‪ ،‬فنزل ‪{ :‬يا أَي ِ‬
‫سولِ ِه}‪.‬‬
‫ُّها الَّذ َ‬
‫آمُنوا ال ُت َق ِّد ُموا َب ْي َن َي َد ِي الله َوَر ُ‬
‫ين َ‬
‫َ َ‬
‫ذكره المهدوي أيضا‪.‬‬
‫الثالث ‪ :‬ما ذكره الماوردي عن الضحاك عن ابن عباس رضي اهلل عنهما ‪ :‬أن النبي صلى اهلل عليه‬
‫وسلم أنفذ أربع ة وعشرين رجال من أصحابه إلى بني عامر فقتلوهم ‪ ،‬إال ثالثة تأخروا عنهم فسلموا‬

‫وانكفؤوا إلى المدينة ‪ ،‬فلقوا رجلين من بني سليم فسألوهما عن نسبهما فقاال ‪ :‬من بني عامر ‪ ،‬ألنهم‬
‫أعز من بني سليم فقتلوهما ‪ ،‬فجاء نفر من بني سليم إلى رسول اهلل صلى فقالوا ‪ :‬ان بيننا وبينك‬
‫عهدا ‪ ،‬وقد قتل منا رجالن ‪ ،‬فوداهما النبي صلى اهلل عليه وسلم بمائة بعير ‪ ،‬ونزلت عليه هذه اآلية‬
‫في كذا ؟ فنزلت هذه‬
‫في قتلهم الرجلين‪ .‬وقال قتادة ‪ :‬إن ناسا كانوا يقولون لو أنزل في كذا ‪ ،‬لو أنزل ّ‬
‫اآلية‪ .‬ابن عباس ‪ :‬نهوا أن يتكلموا بين يدي كالمه‪ .‬مجاهد ‪ :‬ال ت فتاتوا على اهلل ورسول حتى يقضي‬
‫اهلل على لسان رسوله ‪ ،‬ذكره البخاري أيضا‪.‬‬

‫الحسن ‪ :‬نزلت في قوم ذبحوا قبل أن يصلي رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬فأمرهم أن يعيدوا‬
‫الذبح‪ .‬ابن جريج ‪ :‬ال تقدموا أعمال الطاعات قبل وقتها الذي أمر اهلل تعالى به ورسوله صلى اهلل‬
‫عليه وسلم‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬هذه األقوال الخمسة المتأخرة ذكرها القاضي أبو بكر بن العربي ‪ ،‬وسردها قبله الماوردي‪ .‬قال‬
‫القاضي ‪ :‬وهي كلها صحيحة تدخل تحت العموم ‪ ،‬فاهلل أعلم ما كان السبب المثير لْلية منها ‪،‬‬
‫ولعلها نزلت دون سبب ‪ ،‬واهلل أعلم‪ .‬قال القاضي ‪ :‬إذا قلنا إنها نزلت في تقديم الطاعات على‬
‫أوقاتها فهو صحيح ‪ ،‬ألن كل عبادة مؤقتة بميقات ال يجوز تقديمها‬

‫(‪)896/61‬‬

‫عليه كالصالة والصوم والحج ‪ ،‬وذلك بين‪ .‬إال أن العلماء اختلفوا في الزكاة ‪ ،‬لما كانت عبادة مالية‬
‫وكانت مطلوبة لمعنى مفهوم ‪ ،‬وهو سد خلة الفقير ‪ ،‬وألن النبي صلى اهلل عليه وسلم استعجل من‬

‫العباس صدقة عامين ‪ ،‬ولما جاء من جمع صدقة الفطر قبل يوم الفطر حتى تعطى لمستحقيها يوم‬

‫الوجوب وهو يوم الفطر ‪ ،‬فاقتضى ذلك كله جواز تقديمها العام واالثنين‪ .‬فإن جاء رأس العام‬
‫والنصاب بحاله وقعت موقعها‪ .‬وان جاء رأس العام وقد تغير النصاب تبين أنها صدقة تطوع‪ .‬وقال‬
‫أشهب ‪ :‬ال يجوز تقديمها على الحول لحظة كالصالة ‪ ،‬وكأنه طرد األصل في العبادات فرأى أنها‬
‫إحدى دعائم اإلسالم فوفاها حقها في النظام وحسن الترتيب‪ .‬ورأى سائر علمائنا أن التقديم اليسير‬
‫فيها جائز ‪ ،‬ألنه معفو عنه في الشرع بخالف الكثير‪ .‬وما قاله أشهب أصح ‪ ،‬فإن مفارقة اليسير‬

‫الكثير في أصول الشريعة صحيح ‪ ،‬ولكنه لمعان تختص باليسير دون الكثير‪ .‬فأما في مسألتنا فاليوم‬

‫فيه كالشهر ‪ ،‬والشهر كالسنة‪ .‬فإما تقديم كلي كما قال أبو حنيفة والشافعي ‪ ،‬واما حفظ العبادة على‬
‫ميقاتها كما قال أشهب‪.‬‬

‫الثالثة ‪ :‬قوله تعالى ‪{ :‬ال تُقَ ِّد ُموا َبيْ َن َي َد ِي اللَّ ِه َوَر ُسولِ ِه} أصل في ترك التعرض ألقوال النبي صلى‬
‫اهلل عليه وسلم ‪ ،‬وايجاب اتباعه واالقتداء به ‪ ،‬وكذلك قال النبي صلى اهلل عليه وسلم في مرضه ‪:‬‬

‫"مروا أبا بكر فليصل بالناس" ‪ .‬فقالت عائشة لحفصة رضي اهلل عنهما ‪ :‬قولي له إن أبا بكر رجل‬
‫أسيف وانه متى يقم مقامك ال ُي ْسمع الناس من البكاء ‪َ ،‬ف ُم ْر عمر فليصل بالناس‪ .‬فقال صلى اهلل‬
‫عليه وسلم ‪ " :‬إنكن ألنتن صواحب يوسف‪ .‬مروا أبا بكر فليصل بالناس"‪ .‬فمعنى قول [صواحب‬
‫يوسف] الفتنة بالرد عن الجائز إلى غير الجائز‪.‬‬

‫(‪)892/61‬‬

‫اة القياس بهذه اآلية‪ .‬وهو باطل منهم ‪ ،‬فإن ما قامت داللته فليس في فعله تقديم بين‬
‫وربما احتج ُب َغ ُ‬
‫تقدم بين‬
‫يديه‪ .‬وقد قامت داللة الكتاب والسنة على وجوب القول بالقياس في فروع الشرع ‪ ،‬فليس إذاً ٌ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يم} بفعلكم‪.‬‬
‫يديه‪َ { .‬و َّات ُقوا اللَّ َه} يعني في التقدم المنهي عنه‪ِ{ .‬إ َّن اللَّهَ َسم ٌ‬
‫يع} لقولكم { َعل ٌ‬
‫اآلية ‪{ 2 :‬يا أَي ِ‬
‫ص ْو ِت النَّبِ ِّي َوال تَ ْج َهُروا لَ ُه بِالْقَ ْو ِل كَ َج ْه ِر‬
‫َص َواتَ ُك ْم فَ ْو َ‬
‫آمُنوا ال تَ ْرفَ ُعوا أ ْ‬
‫ُّها الَّذ َ‬
‫ق َ‬
‫ين َ‬
‫َ َ‬
‫بع ِ‬
‫ون}‬
‫َن َت ْحَب َ‬
‫طأْ‬
‫ض ُك ْم لَِب ْعض أ ْ‬
‫َع َماُل ُك ْم َوأ َْنُت ْم ال َت ْش ُعُر َ‬
‫َْ‬
‫فيه ست مسائل ‪:‬‬
‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪{ :‬يا أَي ِ‬
‫ص ْو ِت النَّبِ ِّي} روى البخاري‬
‫َص َو َات ُك ْم َف ْو َ‬
‫آمُنوا ال َت ْرَف ُعوا أ ْ‬
‫ُّها َّالذ َ‬
‫ق َ‬
‫ين َ‬
‫َ َ‬
‫والترمذي عن ابن أبي مليكة قال ‪ :‬حدثني عبداهلل بن الزبير أن األقرع بن حابس قدم على النبي‬
‫صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬فقال أبو بكر ‪ :‬يا رسول اهلل استعمله على قومه ‪ ،‬فقال عمر ‪ :‬ال تستعمله يا‬
‫رسول اهلل ‪ ،‬فتكلما عند النبي صلى اهلل عليه وسلم حتى ارتفعت أصواتهما ‪ ،‬فقال أبو بكر لعمر ‪:‬‬
‫ما أردت إال خالفي‪ .‬فقال عمر ‪ :‬ما أردت خالفك ‪ ،‬قال ‪ :‬فنزلت هذه اآلية ‪{ :‬يا أَي ِ‬
‫آمُنوا ال‬
‫ُّها الَّذ َ‬
‫ين َ‬
‫َ َ‬
‫ص ْو ِت النَّبِ ِّي} قال ‪ :‬فكان عمر بعد ذلك إذا تكلم عند النبي صلى اهلل عليه‬
‫َص َو َات ُك ْم َف ْو َ‬
‫َت ْرَف ُعوا أ ْ‬
‫ق َ‬

‫وسلم لم يسمع كالمه حتى يستفهمه‪ .‬قال ‪ :‬وما ذكر ابن الزبير جده يعني أبا بكر‪ .‬قال ‪ :‬هذا حديث‬

‫غريب حسن‪ .‬وقد رواه بعضهم عن ابن أبي مليكة مرسال ‪ ،‬لم يذكر فيه عن عبداهلل بن الزبير‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬هو البخاري ‪ ،‬قال ‪ :‬عن ابن أبي مليكة كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر ‪ ،‬رفعا أصواتهما‬
‫عند النبي صلى اهلل عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم ‪ ،‬فأشار أحدهما باألقرع بن حابس‬
‫أخي بني مجاشع ‪ ،‬وأشار اآلخر برجل آخر ‪ ،‬فقال نافع ‪ :‬ال أحفظ اسمه ‪ ،‬فقال أبو بكر لعمر ‪ :‬ما‬
‫أردت إال خالفي‪ .‬فقال ‪ :‬ما أردت خالفك‪ .‬فارتفعت أصواتهما‬

‫(‪)898/61‬‬

‫في ذلك ‪ ،‬فأنزل اهلل عز وجل ‪{ :‬يا أَي ِ‬
‫ص ْو ِت النَّبِ ِّي} اآلية‪.‬‬
‫َص َو َات ُك ْم َف ْو َ‬
‫آمُنوا ال َت ْرَف ُعوا أ ْ‬
‫ُّها الَّذ َ‬
‫ق َ‬
‫ين َ‬
‫َ َ‬
‫فقال ابن الزبير ‪ :‬فما كان عمر يسمع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بعد هذه اآلية حتى يستفهمه‪.‬‬
‫ولم يذكر ذلك عن أبيه ‪ ،‬يعني أبا بكر الصديق‪ .‬وذكر المهدوي عن علي رضي اهلل عنه ‪ :‬نزل‬
‫ص ْو ِت النَّبِ ِّي} فينا لما ارتفعت أصواتنا أنا وجعفر وزيد بن حارثة ‪،‬‬
‫َص َو َات ُك ْم َف ْو َ‬
‫قوله ‪{ :‬ال َت ْرَف ُعوا أ ْ‬
‫ق َ‬
‫نتنازع ابنة حمزة لما جاء بها زيد من مكة ‪ ،‬فقضى بها رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم لجعفر ‪ ،‬ألن‬
‫خالتها عنده‪ .‬وقد تقدم هذا الحديث في "آل عمران"‪.‬‬
‫وفي الصحيحين عن أنس بن مالك أن النبي صلى اهلل عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس فقال رجل ‪:‬‬
‫يا رسول اهلل ‪ ،‬أنا أعلم لك علمه ‪ ،‬فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه ‪ ،‬فقال له ‪ :‬ما شأنك ؟‬
‫فقال ‪ :‬شر كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى اهلل عليه وسلم فقد حبط عمله وهو من أهل‬
‫النار‪ .‬فأتى الرجل النبي صلى اهلل عليه وسلم فأخبره أنه قال كذا وكذا‪ .‬فقال موسى ‪ :‬فرجع إليه‬
‫المرة اآلخرة ببشارة عظيمة ‪ ،‬فقال ‪ " :‬اذهب إليه فقل له إنك لس ت من أهل النار ولكنك من أهل‬

‫الجنة" "لفظ البخاري" وثابت هذا هو ثابت بن قيس بن شماس الخزرجي يكنى أبا محمد بابنه محمد‪.‬‬
‫وقيل ‪ :‬أبا عبدالرحمن‪ .‬قتل له يوم الحرة ثالثة من الولد ‪ :‬محمد ‪ ،‬ويحيى ‪ ،‬وعبداهلل‪ .‬وكان خطيبا‬
‫بليغا معروفا بذلك ‪ ،‬كان يقال له خطيب رسول اهلل ص لى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬كما يقال لحسان شاعر‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬ولما قدم وفد تميم على رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وطلبوا‬
‫المفاخرة قام خطيبهم فافتخر ‪ ،‬ثم قام ثابت بن قيس فخطب خطبة بليغة جزلة فغلبهم ‪ ،‬وقام شاعرهم‬

‫وهواألقرع بن حابس فأنشد ‪:‬‬

‫(‪)898/61‬‬

‫أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا ‪ ...‬إذا خلفونا عند ذكر المكارم‬
‫وانا رؤوس الناس من كل معشر ‪ ...‬وأن ليس في أرض الحجاز كدارم‬
‫وان لنا المرباع في كل غارة ‪ ...‬تكون بنجد أو بأرض التهائم‬
‫فقام حسان فقال ‪:‬‬

‫بني دارم ال تفخروا إن فخركم ‪ ...‬يعود وباال عند ذكر المكارم‬
‫هبلتم علينا تفخرون وأنتم ‪ ...‬لنا خول من بين ظئر وخادم‬
‫في أبيات لهما‪.‬‬

‫فقالوا ‪ :‬خطيبهم أخطب من خطيبنا ‪ ،‬وشاعرهم أشعر من شاعرنا ‪ ،‬فارتفعت أصواتهم فأنزل اهلل‬
‫ص ْو ِت النَّبِ ِّي َوال َت ْج َهُروا لَ ُه بِالْ َق ْو ِل} ‪ .‬وقال عطاء الخراساني ‪:‬‬
‫َص َو َات ُك ْم َف ْو َ‬
‫تعالى ‪{ :‬ال َت ْرَف ُعوا أ ْ‬
‫ق َ‬
‫حدثتني ابنة ثابت بن قيس قالت ‪ :‬لما نزلت ‪{ :‬يا أَي ِ‬
‫ص ْو ِت‬
‫َص َواتَ ُك ْم فَ ْو َ‬
‫آمنُوا ال تَ ْرفَ ُعوا أ ْ‬
‫ُّها الَّذ َ‬
‫ق َ‬
‫ين َ‬
‫َ َ‬

‫النَّبِ ِّي} اآلية ‪ ،‬دخل أبوها بيته وأغلق عليه بابه ‪ ،‬ففقده النبي صلى اهلل عليه وسلم فأرسل إليه يسأله‬
‫ما خبره ‪ ،‬فقال ‪ :‬أنا رجل شديد الصوت ‪ ،‬أخاف أن يكون حبط عملي‪ .‬فقال عليه السالم ‪" :‬لست‬
‫ب ُك َّل ُم ْخَتال َف ُخور}‬
‫منهم بل تعيش بخير وتموت بخير"‪ .‬قال ‪ :‬ثم أنزل اهلل ‪{ :‬إِ َّن اللَّ َه ال ُي ِح ُّ‬
‫[لقمان ‪ ]63 :‬فأغلق بابه وطفق يبكي ‪ ،‬ففقده النبي صلى اهلل عليه وسلم فأرسل إليه فأخبره ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫يا رسول اهلل ‪ ،‬إني أحب الجمال وأحب أن أسود قومي‪ .‬فقال ‪" :‬لست منهم بل تعيش حميدا وتقتل‬
‫شهيدا وتدخل الجنة"‪ .‬قالت ‪ :‬فلما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة فلما التقوا‬
‫انكشفوا ‪ ،‬فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيقة ‪ :‬ما هكذا كنا نقاتل مع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
‫‪ ،‬ثم حفر كل واحد منهما له حفرة فثبتا وقاتال حتى قتال ‪ ،‬وعلى ثابت يومئذ درع له نفيسة ‪ ،‬فمر به‬

‫رجل من‬

‫(‪)898/61‬‬

‫المسلمين فأخذها ‪ ،‬فبينا رجل من المسلمين نائم أتاه ثابت في منامه فقال له ‪ :‬أوصيك بوصية ‪،‬‬
‫فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه ‪ ،‬إني لما قتلت أمس مر بي رجل من المسلمين فأخذ درعي ومنزله‬
‫في أقصى الناس ‪ ،‬وعند خبائه فرس يستن في طوله ‪ ،‬وقد كفأ على الدرع برمة ‪ ،‬وفوق البرمة رحل‬

‫‪ ،‬فأت خالدا فمره أن يبعث إلى درعي فيأخذها ‪ ،‬واذا قدمت المدينة على خليفة رسول اهلل صلى اهلل‬
‫عليه وسلم ‪ -‬يعني أبا بكر ‪ -‬فقل له ‪ :‬إن علي من الدين كذا وكذا ‪ ،‬وفالن من رقيقي عتيق وفالن‬
‫‪ ،‬فأتى الرجل خالدا فأخبره ‪ ،‬فبعث إلى الدرع فأتى بها وحدث أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته‪ .‬قال ‪:‬‬
‫وال نعلم أحدا أجيزت وصيته بعد موته غير ثابت ‪ ،‬رحمه اهلل ‪ ،‬ذكره أبو عمر في االستيعاب‪.‬‬

‫الثانية ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬وال َت ْج َهُروا َل ُه بِا ْلقَ ْو ِل} أي ال تخاطبوه ‪ :‬يا محمد ‪ ،‬ويا أحمد‪ .‬ولكن ‪ :‬يا نبي‬
‫اهلل ‪ ،‬ويا رسول اهلل ‪ ،‬توقي ار له‪ .‬وقيل ‪ :‬كان المنافقون يرفعون أصواتهم عند النبي صلى اهلل عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬ليقتدي بهم ضعفة المسلمين فنهي المسلمون عن ذلك‪ .‬وقيل ‪{ :‬ال تَ ْج َهُروا لَ ُه} أي ال تجهروا‬
‫عليه ‪ ،‬كما يقال ‪ :‬سقط لفيه ‪ ،‬أي على فيه – { َكجه ِر بع ِ‬
‫ض ُك ْم لَِب ْعض} الكاف كاف التشبيه في محل‬
‫َ ْ َْ‬
‫النصب ‪ ،‬أي ال تجهروا له جهرا مثل جهر بعضكم لبعض‪ .‬وفي هذا دليل على أنهم لم ينهوا عن‬

‫الجهر مطلقا حتى ال يسوغ لهم إال أن يكلموه بالهمس والمخافتة ‪ ،‬وانما نهوا عن جهر مخصوص‬
‫مقيد بصفة ‪ ،‬أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم ‪ ،‬وهو الخلو من مراعاة‬
‫َع َماُل ُك ْم‬
‫َن َت ْحَب َ‬
‫طأْ‬
‫أبهة النبوة وجاللة مقدارها وانحطاط سائر الرتب وان جلت عن رتبتها‪ِ { .‬لَب ْعض أ ْ‬

‫ون} أي من أجل أن تحبط ‪ ،‬أي تبطل ‪ ،‬هذا قول البصريين‪ .‬وقال الكوفيون ‪ :‬أي لئال‬
‫َوأ َْنُت ْم ال َت ْش ُعُر َ‬
‫تحبط أعمالكم ‪.‬‬
‫الثالثة ‪ :‬معنى اآلية األمر بتعظيم رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وتوقيره ‪ ،‬وخفض الصوت‬
‫بحضرته وعند مخاطبته ‪ ،‬أي إذا نطق ونطقتم فعليكم أال تبلغوا بأصواتكم وراء الحد‬

‫(‪)891/61‬‬

‫الذ ي يبلغه بصوته ‪ ،‬وأن تغضوا منها بحيث يكون كالمه غالبا لكالمكم ‪ ،‬وجهره باه ار لجهركم ‪،‬‬
‫حتى تكون مزيته عليكم الئحة ‪ ،‬وسابقته واضحة ‪ ،‬وامتيازه عن جمهوركم كشية األبلق‪ .‬ال أن‬
‫تغمروا صوته بلغطكم ‪ ،‬وتبهروا منطقه بصخبكم‪ .‬وفي قراءة ابن مسعود {ال ترفعوا بأصواتكم}‪ .‬وقد‬
‫كره بعض العلماء رفع الصوت عند قبره عليه السالم‪ .‬وكره بعض العلماء رفع الصوت في مجالس‬
‫العلماء تشريفا لهم ‪ ،‬إذ هم ورثة األنبياء ‪.‬‬

‫الرابعة ‪ :‬قال القاضي أبو بكر بن العربي ‪ :‬حرمة النبي صلى اهلل عليه وسلم ميتا كحرمته حيا ‪،‬‬
‫وكالمه المأثور بعد موته في الرفعة مثال ك المه المسموع من لفظه ‪ ،‬فإذا قرئ كالمه ‪ ،‬وجب على‬
‫كل حاضر أال يرفع صوته عليه ‪ ،‬وال يعرض عنه ‪ ،‬كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به‪.‬‬

‫آن‬
‫ئ الُْق ْر ُ‬
‫وقد نبه اهلل سبحانه على دوام الحرمة المذكورة على مرور األزمنة بقوله تعالى ‪َِ { :‬وا َذا ُق ِر َ‬
‫َفاسَت ِمعوا لَه وأ َْن ِ‬
‫صُتوا} [األعراف ‪ .] 298 :‬وكالمه صلى اهلل عليه وسلم من الوحي ‪ ،‬وله من الحكمة‬
‫ْ ُ ُ َ‬
‫مثل ما للقرآن ‪ ،‬إال معاني مستثناة ‪ ،‬بيانها في كتب الفقه‪.‬‬

‫الخامسة ‪ :‬وليس الغرض برفع الصوت وال الجهر ما يقصد به االستخفاف واالستهانة ‪ ،‬ألن ذلك‬
‫كفر والمخاطبون مؤمنون‪ .‬وانما الغرض صوت هو في نفسه والمسموع من َج ْرِسه غير مناسب لما‬
‫يهاب به العظماء ويوقر الكبراء ‪ ،‬فيتكلف الغض منه ورده إلى حد يميل به إلى ما يستبين فيه‬
‫المأمور به من التعزير والتوقير‪ .‬ولم يتناول النهي أيضا رفع الصوت الذي يتأذى به رسول اهلل‬
‫صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬وهو ما كان منهم في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدو أو ما أشبه ذلك‬
‫‪ ،‬ففي الحديث أنه قال عليه السالم للعباس بن عبدالمطلب لما انهزم الناس يوم حنين ‪" :‬اصرخ‬

‫بالناس" ‪ ،‬وكان العباس أجهر الناس صوتا‪ .‬يروى أن غارة أتتهم يوما فصاح العباس ‪ :‬يا صاحباه‬
‫فأسقطت الحوامل لشدة صوته ‪ ،‬وفيه يقول نابغة بني جعدة ‪:‬‬

‫(‪)898/61‬‬

‫زجر أبي عروة السباع إذا ‪ ...‬أشفق أن يختلطن بالغنم‬
‫زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيفتق م اررة السبع في جوفه‪.‬‬
‫َع َمالُ ُك ْم} التقدير ألن تحبط ‪ ،‬أي فتحبط أعمالكم ‪ ،‬فالالم المقدرة‬
‫َن تَ ْحَبطَ أ ْ‬
‫السادسة ‪ :‬قال الزجاج ‪{ :‬أ ْ‬
‫ون} بموجب أن يكفر اإلنسان وهو ال‬
‫َن َت ْحَب َ‬
‫طأْ‬
‫الم الصيرورة وليس قوله ‪{ :‬أ ْ‬
‫َع َماُل ُك ْم َوأ َْنُت ْم ال َت ْش ُعُر َ‬
‫يعلم ‪ ،‬فكما ال يكون الكافر مؤمنا إال باختياره اإليمان على الكفر ‪ ،‬كذلك ال يكون المؤمن كافرا من‬
‫حيث ال يقصد إلى الكفر وال يختاره بإجماع‪ .‬كذلك ال يكون الكافر كافرا من حيث ال يعلم‪.‬‬
‫ول اللَّ ِه أُولَئِ َ ِ‬
‫ِ‬
‫َصو َاتهم ِع ْن َد رس ِ‬
‫وب ُه ْم لِلتَّقْ َوى لَ ُه ْم‬
‫ين َي ُغ ُّ‬
‫امَت َح َن اللَّ ُه ُقلُ َ‬
‫ين ْ‬
‫ك الَّذ َ‬
‫ض َ‬
‫اآلية ‪ { 8 :‬إِ َّن الَّذ َ‬
‫َ ُ‬
‫ون أ ْ َ ُ ْ‬
‫ِ‬
‫يم }‬
‫َم ْغِفَرٌة َوأ ْ‬
‫َجٌر َعظ ٌ‬
‫ِ‬
‫َصو َاتهم ِع ْن َد رس ِ‬
‫ول اللَّ ِه} أي يخفضون أصواتهم عنده إذا تكلموا‬
‫ين َي ُغ ُّ‬
‫ض َ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬إِ َّن الَّذ َ‬
‫َ ُ‬
‫ون أ ْ َ ُ ْ‬
‫َص َو َات ُك ْم} قال‬
‫إجالال له ‪ ،‬أو كلموا غيره بين يديه إجالال له‪ .‬قال أبو هريرة ‪ :‬لما نزلت {ال َت ْرَف ُعوا أ ْ‬
‫أبو بكر رضي اهلل عنه ‪ :‬واهلل ال أرفع صوتي إال كأخي السرار‪ .‬وذكر سنيد قال ‪ :‬حدثنا عباد بن‬
‫َّ ِ‬
‫سولِ ِه}‬
‫العوام عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة قال ‪ :‬لما نزلت ‪{ :‬ال ُت َق ِّد ُموا َب ْي َن َي َد ِي الله َوَر ُ‬
‫[الحجرات ‪ ]6 :‬قال أبو بكر ‪ :‬والذي بعثك بالحق ال أكلمك بعد هذا إال كأخي السرار‪ .‬وقال عبداهلل‬
‫َص َو َات ُك ْم} م ا حدث عمر عند النبي صلى اهلل عليه وسلم بعد ذلك‬
‫بن الزبير ‪ :‬لما نزلت ‪{ :‬ال َت ْرَف ُعوا أ ْ‬
‫ِ‬
‫َصواتَهم ِعنْ َد رس ِ‬
‫ول اللَّ ِه أُولَئِ َك‬
‫ين َي ُغ ُّ‬
‫ض َ‬
‫فسمع كالمه حتى يستفهمه مما يخفض ‪ ،‬فنزلت ‪ { :‬إِ َّن الَّذ َ‬
‫َ ُ‬
‫ون أ ْ َ ُ ْ‬
‫ِ‬
‫وب ُه ْم لِلتَّقَْوى}‪ .‬قال الفراء ‪ :‬أي أخلصها للتقوى‪ .‬وقال األخفش ‪ :‬أي اختصها‬
‫امَت َح َن اللَّ ُه قُُل َ‬
‫ين ْ‬
‫الَّذ َ‬
‫وب ُه ْم لِلتَّقَْوى} طهرهم من كل قبيح ‪ ،‬وجعل في قلوبهم‬
‫امَت َح َن اللَّ ُه قُلُ َ‬
‫للتقوى‪ .‬وقال ابن عباس ‪ْ { :‬‬
‫الخوف من اهلل‬

‫(‪)893/61‬‬

‫والتقوى‪ .‬وقال عمر رضي اهلل عنه ‪ :‬أذهب عن قلوبهم الشهوات‪ .‬واالمتحان افتعال من محنت األديم‬
‫محنا حتى أوسعته‪ .‬فمعنى أمتحن اهلل قلوبهم للتقوى وسعها وشرحها للتقوى‪ .‬وعلى األقوال المتقدمه ‪:‬‬

‫امتحن قلوبهم فأخلصها ‪ ،‬كقولك ‪ :‬امتحنت الفضة أي اختبرتها حتى خلصت‪ .‬ففي الكالم حذف يدل‬

‫عليه الكالم ‪ ،‬وهو اإلخالص‪ .‬وقال أبو عمرو ‪ :‬كل شيء جهدته فقد محنته‪ .‬وأنشد ‪:‬‬
‫أتت رذايا باديا كاللها ‪ ...‬قد محنت واضطربت آطالها‬
‫ِ‬
‫يم} ‪.‬‬
‫{لَ ُه ْم َم ْغِفَرٌة َوأ ْ‬
‫َجٌر َعظ ٌ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اد َ ِ‬
‫ِ‬
‫ون}‬
‫ين ُيَن ُ‬
‫ون َك م ْن َوَراء ا ْل ُح ُجَرات أَ ْكثَُرُه ْم ال َي ْعقُل َ‬
‫اآلية ‪ { 8 :‬إِ َّن الَّذ َ‬
‫ون َك ِم ْن ور ِاء الْحجر ِ‬
‫ِ‬
‫ات} قال مجاهد وغيره ‪ :‬نزلت في أعراب بني تميم ‪،‬‬
‫اد َ‬
‫ين ُيَن ُ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬إِ َّن الَّذ َ‬
‫ُ َُ‬
‫ََ‬
‫قدم الوفد منهم على النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬فدخلوا المسجد ونادوا النبي صلى اهلل عليه وسلم‬

‫من وراء حجرته أن اخرج إلينا ‪ ،‬فإن مدحنا زين وذمنا شين‪ .‬وكانوا سبعين رجال قدموا الفداء ذراري‬
‫لهم ‪ ،‬وكان النبي صلى اهلل عليه وسلم نام للقائلة‪ .‬وروي أن الذي نادي األقرع بن حابس ‪ ،‬وأنه‬
‫القائل ‪ :‬إن مدحي زين وان ذمي شين ‪ ،‬فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬ذاك اهلل" ‪ .‬ذكره الترمذي‬
‫عن البراء بن عازب أيضا‪ .‬وروى زيد بن أرقم فقال ‪ :‬أتى أناس النبي صلى اهلل عليه وسلم فقال‬

‫بعضهم لبعض ‪ :‬انطلقوا بنا إلى هذا الرجل ‪ ،‬فإن يكن نبيا فنحن أسعد الناس باتباعه ‪ ،‬وان يكن‬
‫ملكا نعش في جنابه‪ .‬فأتوا النبي صلى اهلل عليه وسلم فجعلوا ينادونه وهو في حجرته ‪ :‬يا محمد ‪ ،‬يا‬
‫محمد ‪ ،‬فأنزل اهلل تعالى هذه اآلية‪ .‬قيل ‪ :‬إنهم كانوا من بني تميم‪ .‬قال مقاتل كانوا تسعة عشر ‪:‬‬
‫قيس بن عاصم ‪ ،‬والزبرقان بن بدر ‪ ،‬واألقرع بن حابس ‪ ،‬وسويد بن هاشم ‪ ،‬وخالد بن مالك ‪،‬‬
‫وعطاء بن حابس ‪ ،‬والقعقاع بن معبد ‪ ،‬ووكيع بن وكيع ‪ ،‬وعيينة بن حصن‬

‫(‪)893/61‬‬

‫وهو األحمق المطاع ‪ ،‬وكان من الج اررين يجر عشرة آالف قناة ‪ ،‬أي يتبعه ‪ ،‬وكان اسمه حذيفة‬
‫وسمي عيينة ِل ُِ ُِ َشتركان في عينيه ذكر عبد الرزاق في عيينة هذا ‪ :‬أنه الذي نزل فيه { َوال ُت ِط ْع َم ْن‬
‫َغفَلَْنا قَلَْب ُه َع ْن ِذ ْك ِرَنا} [الكهف ‪ .]23 :‬وقد مضى في آخر "األعراف" من قول لعمر رضي اهلل عنه‬
‫أْ‬
‫ما فيه كفاية ‪ ،‬ذكره البخاري‪ .‬وروي أنهم وفدوا وقت الظهيرة ورسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم راقد ‪،‬‬

‫فجعلوا ينادونه ‪ :‬يا محمد يا محمد ‪ ،‬أخرج إلينا ‪ ،‬فاستيقظ وخرج ‪ ،‬ونزلت‪ .‬وسئل رسول اهلل صلى‬
‫اهلل عليه وسلم فقال ‪ " :‬هم جفاة بني تميم لوال أنهم من أشد الناس قتاال لَلعور الدجال لدعوت اهلل‬

‫عليهم أن يهلكهم"‪ .‬والحجرات جمع الحجرة ‪ ،‬كالغرفات جمع غرفة ‪ ،‬والظلمات جمع ظلمة‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫الحجرات جمع الحجر ‪ ،‬والحجر جمع حجرة ‪ ،‬فهو جمع الجمع‪ .‬وفيه لغتان ‪ :‬ضم الجيم وفتحها‪.‬‬
‫قال ‪:‬‬
‫ولما رأونا باديا ركباتنا ‪ ...‬على موطن ال نخلط الجد بالهزل‬
‫والحجرة ‪ :‬الرقعة من األرض المحجورة بحائط يحوط عليها‪ .‬وحظيرة اإلبل تسمى الحجرة ‪ ،‬وهي‬
‫فعلة بمعنى مفعولة‪ .‬وقرأ أبو جعفر بن القعقاع {الحجرات} بفتح الجيم استثقاال للضمتين‪ .‬وقرئ‬

‫{الحجرات} بسكون الجيم تخفيفا‪ .‬وأصل الكلمة المنع‪ .‬وكل ما منعت أن يوصل إليه فقد حجرت‬
‫ِ‬
‫ون} أي إن الذين‬
‫عليه‪ .‬ثم يحتمل أن يكون المنادي بعضا من الجملة فلهذا قال ‪{ :‬أَ ْكثَُرُه ْم ال َي ْعقلُ َ‬
‫ينادونك من جملة قوم الغالب عليهم الجهل‪.‬‬
‫ِ‬
‫يم}‬
‫ان َخ ْي ًرا َل ُه ْم َواللَّهُ َغ ُف ٌ‬
‫صَبُروا َحتَّى َت ْخُرَج إَِل ْي ِه ْم َل َك َ‬
‫ور َرح ٌ‬
‫اآلية ‪َ { 8 :‬وَل ْو أَنَّ ُه ْم َ‬
‫أي لو انتظروا خروجك لكان أصلح في دينهم ودنياهم‪ .‬وكان صلى اهلل عليه وسلم ال يحتجب عن‬
‫الناس إال في أوقات يشتغل فيهما بمهمات نفسه ‪ ،‬فكان إزعاجه في تلك الحالة‬

‫(‪)869/61‬‬

‫من سوء األدب وقيل ‪ :‬كانوا جاؤوا شفعاء في أساري بني عنبر فأعتق رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
‫ِ‬
‫يم}‪.‬‬
‫وسلم نصفهم ‪ ،‬وفادي على النصف‪ .‬ولو صبروا ألعتق جميعهم بغير فداء‪َ { .‬واللَّ ُه َغ ُف ٌ‬
‫ور َرح ٌ‬
‫ق بَِنبأ فَتَ بيَُّنوا أ ْ ِ‬
‫ِ‬
‫اآلية ‪{ 1 :‬يا أَي ِ‬
‫صبِ ُحوا َعلَى َما‬
‫َن تُ ص ُيبوا قَ ْوماً بِ َج َهالَة فَتُ ْ‬
‫اء ُك ْم فَاس ٌ َ َ‬
‫ُّها الَّذ َ‬
‫آمُنوا إِ ْن َج َ‬
‫ين َ‬
‫َ َ‬
‫ِِ‬
‫ين }‬
‫َف َع ْلُت ْم َنادم َ‬
‫فيه سبع مسائل ‪:‬‬
‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪{ :‬يا أَيُّها الَِّذين آمُنوا إِ ْن جاء ُكم َف ِ‬
‫ق بَِنَبأ} قيل ‪ :‬إن هذه اآلية نزلت في الوليد‬
‫اس ٌ‬
‫َ َ ْ‬
‫َ َ‬
‫َ َ‬
‫بن عقبة بن أبي معيط‪ .‬وسبب ذلك ما رواه سعيد عن قتادة أن النبي صلى اهلل عليه وسلم بعث‬
‫الوليد بن عقبة مصدقا إلى بني المصطلق ‪ ،‬فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم ‪ -‬في رواية ‪ :‬إلحنة‬
‫كانت بينه وبينهم ‪ ، -‬فرجع إلى النبي صلى اهلل عليه وسلم فأخبره أنهم قد ارتدوا عن اإلسالم‪ .‬فبعث‬
‫نبي اهلل صلى اهلل عليه وسلم خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت وال يعجل ‪ ،‬فانطلق خالد حتى أتاهم ليال‬
‫‪ ،‬فبعث عيونه فلما جاؤوا أخبروا خالدا أنهم متمسكون باإلسالم ‪ ،‬وسمعوا أذانهم وصالتهم ‪ ،‬فلما‬

‫أصبحوا أتاهم خالد ورأ ى صحة ما ذكروه ‪ ،‬فعاد إلى نبي اهلل صلى اهلل عليه وسلم فأخبره ‪ ،‬فنزلت‬
‫هذه اآلية ‪ ،‬فكان يقول نبي اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬التأني من اهلل والعجلة من الشيطان" ‪ .‬وفي‬
‫رواية ‪ :‬أن النبي صلى اهلل عليه وسلم بعثه إلى بني المصطلق بعد إسالمهم ‪ ،‬فلما سمعوا به ركبوا‬
‫إل يه ‪ ،‬فلما سمع بهم خافهم ‪ ،‬فرجع إلى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فأخبره أن القوم قد هموا بقتله‬
‫‪ ،‬ومنعوا صدقاتهم‪ .‬فهم رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بغزوهم ‪ ،‬فبينما هم كذلك إذ قدم وفدهم على‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فقالوا ‪ :‬يا رسول اهلل ‪ ،‬سمعنا برسولك فخرجنا إليه لنكرمه ‪ ،‬ونؤدي‬
‫إليه ما قبلنا من الصدقة ‪ ،‬فاستمر راجعا ‪ ،‬وبلغنا أنه يزعم لرسول اهلل أنا خرجنا لنقاتله ‪ ،‬واهلل ما‬
‫خرجنا لذلك ‪ ،‬فأنزل اهلل تعالى هذه اآلية‪ .‬وسمي الوليد فاسقا أي كاذبا‪ .‬قال‬

‫(‪)866/61‬‬

‫ابن زيد ومقاتل وسهل بن عبداهلل ‪ :‬الفاسق الكذاب‪ .‬وقال أبو الحسن الوراق ‪ :‬هو المعلن بالذنب‪.‬‬

‫وقال ابن طاهر ‪ :‬الذي ال يستحي من اهلل‪ .‬وق أر حمزة والكسائي {فتثبتوا} من التثبت‪ .‬الباقون {فتبينوا}‬
‫َن تُ ِ‬
‫ص ُيبوا قَ ْوماً} أي لئال تصيبوا ‪ ،‬فـ {أن} في محل نصب بإسقاط الخافض‪{ .‬بِ َج َهالَة}‬
‫من التبيين {أ ْ‬
‫ِِ‬
‫ين} على العجلة وترك التأني‪.‬‬
‫صبِ ُحوا َعَلى َما َف َع ْلُت ْم َنادم َ‬
‫أي بخطأ‪َ { .‬فُت ْ‬
‫الثانية ‪ :‬في هذه اآلية دليل على قبول خبر الواحد إذا كان عدال ‪ ،‬ألنه إنما أمر فيها بالتثبت عند‬

‫نقل خبر الفاسق‪ .‬ومن ثبت فسقه بطل قوله في األخبار إجماعا ‪ ،‬ألن الخبر أمانة والفسق قرينة‬
‫يبطلها‪ .‬وقد استئنى اإلجماع من جملة ذلك ما يتعلق بالدعوى والجحود ‪ ،‬واثبات حق مقصود على‬
‫الغير ‪ ،‬مثل أن يقول ‪ :‬هذا عبدي ‪ ،‬فإنه يقبل قوله‪ .‬واذا قال ‪ :‬قد أنفذ فالن هذا لك هدية ‪ ،‬فإنه‬
‫يقبل ذلك‪ .‬وكذلك يقبل في مثله خبر الكافر‪ .‬وكذلك إذا أقر لغيره بحق على نفسه فال يبطل إجماعا‪.‬‬
‫وأ ما في اإلنشاء على غيره فقال الشافعي وغيره ‪ :‬ال يكون وليا في النكاج‪ .‬وقال أبو حنيفة ومالك ‪:‬‬

‫يكون وليا ‪ ،‬ألنه يلي مالها فيلي بضعها‪ .‬كالعدل ‪ ،‬وهو وان كان فاسقا في دينه إال أن غيرته موفرة‬
‫وبها يحمي الحريم ‪ ،‬وقد يبذل المال ويصون الحرمة ‪ ،‬واذا ولي المال فالنكاج أولى‪.‬‬
‫الثالثة ‪ :‬قال ابن العربي ‪ :‬ومن العجب أن يجوز الشافعي ونظراؤه إمامة الفاسق‪ .‬ومن ال يؤتمن‬
‫على حبة مال كيف يصح أن يؤتمن على قنطار دين‪ .‬وهذا إنما كان أصله أن الوالة الذين كانوا‬
‫يصلون بالناس لما فسدت أديانهم ولم يمكن ترك الصالة وراءهم ‪ ،‬وال استطيعت إزالتهم صلي معهم‬

‫ووراءهم ‪ ،‬كما قال عثمان ‪ :‬الصالة أحسن ما يفعل الناس ‪ ،‬فإذا أحسنوا فأحسن ‪ ،‬واذا أساؤوا‬

‫فآجتنب إساءتهم‪ .‬ثم كان من الناس من إذا صلى معهم تقية أعادوا الصالة هلل ‪ ،‬ومنهم من كان‬
‫يجعلها صالته‪ .‬ويوجوب اإلعادة أقول ‪،‬‬

‫(‪)862/61‬‬

‫فال ينبغي ألحد أن يترك ال صالة من ال يرضى من األئمة ‪ ،‬ولكن يعيد سرا في نفسه ‪ ،‬وال يؤثر ذلك‬

‫عند غيره‪.‬‬

‫الرابعة ‪ :‬وأما أحكامه إن كان واليا فينفذ منها ما وافق الحق ويرد ما خالفه ‪ ،‬وال ينقض حكمه الذي‬
‫أمضاه بحال ‪ ،‬وال تلتفتوا إلى غير هذا القول من رواية تؤثر أو قول يحكى ‪ ،‬فإن الكالم كثير والحق‬
‫ظاهر‪.‬‬
‫الخامسة ‪ :‬ال خالف في أنه يصح أن يكون رسوال عن غيره في قول يبلغه أو شيء يوصله ‪ ،‬أو‬
‫إذن يعلمه ‪ ،‬إذا لم يخرج عن حق المرسل ‪ ،‬والمبلغ ‪ ،‬فإن تعلق به حق لغيرهما لم يقبل قوله‪ .‬وهذا‬

‫جائز للضرورة الداعية اليه ‪ ،‬فإنه لو لم يتصرف بين الخلق في هذه المعاني إال العدول لم يحصل‬
‫منها شيء لعدمهم في ذلك‪ .‬واهلل أعلم‪.‬‬

‫السادسة ‪ :‬وفي اآلية دليل على فساد‪ .‬من قال ‪ :‬إن المسلمين كلهم عدول حتى تثبت الجرحة ‪ ،‬ألن‬
‫اهلل تعالى أمر بالتثبت قبل القبول ‪ ،‬وال معنى للتثبت بعد إنفاذ الحكم ‪ ،‬فإن حكم الحاكم قبل التثبت‬
‫فقد أصاب المحكوم عليه بجهالة‪.‬‬
‫السابعة ‪ :‬فإن قضى بما يغلب على الظن لم يكن ذلك عمال بجهالة ‪ ،‬كالقضاء بالشاهدين العدليين‬

‫‪ ،‬وقبول قول العالم المجتهد‪ .‬وانما العمل بالجهالة قبول قول من ال يحصل غلبة الظن بقبوله‪ .‬ذكر‬

‫هذه المسألة القشيري ‪ ،‬والذي قبلها المهدوي‪.‬‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫َن ِفي ُكم رس َ َّ ِ‬
‫َم ِر لَ َعنِتُّ ْم َولَ ِك َّن اللَّ َه‬
‫‪ - 8‬اآلية ‪َ { 3 - 8 :‬وا ْعلَ ُموا أ َّ‬
‫يع ُك ْم في َكثير م َن ْاأل ْ‬
‫ول الله لَ ْو ُيط ُ‬
‫ْ َ ُ‬
‫وق والْ ِعصيان أُولَئِ َك ُهم َّ ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ال‬
‫ض ً‬
‫ون ‪ ،‬فَ ْ‬
‫الراشدُ َ‬
‫ان َوَزيَّنَ ُه في قُلُوبِ ُك ْم َوكََّرَه إِلَيْ ُك ُم الْ ُكفَْر َوالْفُ ُس َ َ ْ َ َ‬
‫يم َ‬
‫َحب َ‬
‫َّب إِلَيْ ُك ُم ْاأل َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ َّ ِ‬
‫يم}‬
‫يم َحك ٌ‬
‫م َن الله َونِ ْع َم ًة َواللهُ َعل ٌ‬

‫(‪)868/61‬‬

‫ول اللَّ ِه} فال تكذبوا ‪ ،‬فإن اهلل يعلمه أنباءكم فتفتضحون‪َ{ .‬ل ْو‬
‫اعَل ُموا أ َّ‬
‫َن ِفي ُك ْم َر ُس َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬و ْ‬
‫ِ ِ ِ‬
‫ِ‬
‫َم ِر َل َعنِتُّ ْم} أي لو تسارع إلى ما أردتم قبل وضوح األمر لنالكم مشقة واثم ‪،‬‬
‫يع ُك ْم في َكثير م َن ْاأل ْ‬
‫ُيط ُ‬
‫فإنه لو قتل القوم الذين سعى بهم الوليد بن عقبة إليه لكان خطأ ‪ ،‬ولعنت من أراد إيقاع الهالك‬

‫بأولئك القوم لعداوة كانت بينه وبينهم‪ .‬ومعنى طاعة الرسول لهم ‪ :‬اإلئتمار بما يأمر به فيما يبلغونه‬

‫عن الناس والسماع منهم‪ .‬والعنت اإلثم ‪ ،‬يقال ‪ :‬عنت الرجل‪ .‬والعنت أيضا الفجور والزني ‪ ،‬كما في‬
‫سورة "النساء"‪ .‬والعنت أيضا الوقوع في أمر شاق ‪ ،‬وقد مضى في آخر "التوبة" القول في { َعِنتُّ ْم}‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ان} هذا خطاب للمؤمنين المخلصين الذين‬
‫يم َ‬
‫[التوبة ‪ ]623 :‬بأكثر من هذا‪َ { .‬لك َّن اللَّ َه َحب َ‬
‫َّب إَِل ْي ُك ُم ْاأل َ‬

‫ال يكذبون النبي صلى اهلل عليه وسلم وال يخبرون بالباطل ‪ ،‬أي جعل اإليمان أحب األديان إليكم‪.‬‬
‫{ َوَزيََّن ُه ِفي ُقُلوبِ ُك ْم} { َوَزيََّن ُه} بتوفيقه‪ِ{ .‬في ُقلُوبِ ُك ْم} أي حسنه إليكم حتى اخترتموه‪ .‬وفي هذا رد على‬
‫القدرية واإلمامية وغيرهم ‪ ،‬حسب ما تقدم في غير موضع‪ .‬فهو سبحانه المنفرد بخلق ذوات الخلق‬

‫وق‬
‫وخلق أفعالهم وصفاتهم واختالف ألسنتهم وألوانهم ‪ ،‬ال شريك له‪َ { .‬و َكَّرَه إَِل ْي ُك ُم ا ْل ُك ْفَر َوا ْلفُ ُس َ‬
‫ِ‬
‫ان} قال ابن عباس ‪ :‬يريد به الكذب خاصة‪ .‬وقاله ابن زيد‪ .‬وقيل ‪ :‬كل ما خرج عن الطاعة‬
‫صَي َ‬
‫َوالْع ْ‬

‫‪ ،‬مشتق من فسقت الرطبة خرجت من قشرها‪ .‬والفأرة من جحرها‪ .‬وقد مضى في "البقرة" القول فيه‬
‫مستوفى‪ .‬والعصيان جمع المعاصي‪ .‬ثم انتقل من الخطاب إلى الخبر فقال ‪{ :‬أُوَلئِ َك} يعني هم الذين‬
‫وفقهم اهلل فحبب إليهم اإليمان وكره إليهم الكفر أي قبحه عندهم { َّ ِ‬
‫ون} كقوله تعالى ‪َ { :‬و َما َآت ْيُت ْم‬
‫الراش ُد َ‬
‫يدون و ْجه اللَّ ِه َفأُوَلئِ َك ُهم ا ْلم ْ ِ‬
‫ِ‬
‫ون} [الروم ‪ .] 83 :‬قال النابغة ‪:‬‬
‫ضع ُف َ‬
‫م ْن َزَكاة ُت ِر ُ َ َ َ‬
‫ُ ُ‬

‫ت وطال عليها سالف األمد‬
‫أقو ْ‬
‫يا َ‬
‫دارَميَّةَ بالعلياء فالسند ‪َ ...‬‬
‫والرشد االستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه ‪ ،‬من الرشاد وهي الصخرة‪.‬‬

‫(‪)868/61‬‬

‫قال أبو الوازع ‪ :‬كل صخرة رشادة‪ .‬وأنشد ‪:‬‬
‫وغير مقلد وموشمات ‪ ...‬صلين الضوء من صم الرشاد‬
‫ضالً ِم َن اللَّ ِه َونِ ْع َمةً} أي فعل اهلل ذلك بكم فضال ‪ ،‬أي الفضل والنعمة ‪ ،‬فهو مفعول له‪َ { .‬واللَّ ُه‬
‫{فَ ْ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يم} في تدبيركم ‪.‬‬
‫يم} بما يصلحكم { َحك ٌ‬
‫يم} { َعل ٌ‬
‫يم َحك ٌ‬
‫َعل ٌ‬
‫ِ‬
‫اآلية ‪ِ { 3 :‬وا ْن طَائِفَتَ ِ ِ‬
‫ُخَرى فَقَاتِلُوا‬
‫اه َما َعلَى ْاأل ْ‬
‫َصلِ ُحوا َب ْيَن ُه َما فَإِ ْن َب َغ ْ‬
‫ت إِ ْح َد ُ‬
‫ين اقْتَتَلُوا فَأ ْ‬
‫ان م َن الْ ُم ْؤِمن َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫الَّتِي َت ْب ِغي َحتَّى َتفيء إَِلى أ ْ َّ‬
‫ب‬
‫طوا إِ َّن اللَّ َه ُيح ُّ‬
‫َصل ُحوا َب ْيَن ُه َما بِا ْل َع ْد ِل َوأَ ْقس ُ‬
‫اء ْ‬
‫ت َفأ ْ‬
‫َم ِر الله َفإِ ْن َف َ‬
‫َ‬
‫ِ ِ‬
‫ين }‬
‫الْ ُمقْسط َ‬
‫فيه عشر مسائل ‪:‬‬

‫ِ‬
‫طائِ َفَت ِ ِ‬
‫ين} روى المعتمر بن سليمان عن أنس بن مالك‬
‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪َِ { :‬وا ْن َ‬
‫ان م َن ا ْل ُم ْؤِمن َ‬
‫قال ‪ :‬قلت ‪ :‬يا نبي اهلل ‪ ،‬لو أتيت عبداهلل بن أبي ؟ فانطلق إليه النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬فركب‬
‫حما ر وانطلق المسلمون يمشون ‪ ،‬وهي أرض سبخة ‪ ،‬فلما أتاه النبي صلى اهلل عليه وسلم قال ‪:‬‬

‫إليك عني فواهلل لقد أذاني نتن حمارك‪ .‬فقال رجل من األنصار ‪ :‬واهلل لحمار رسول اهلل صلى اهلل‬
‫عليه وسلم أطيب ريحا منك‪ .‬فغضب لعبداهلل رجل من قومه ‪ ،‬وغضب لكل واحد منهما أصحابه ‪،‬‬
‫فك ان بينهم حرب بالجريد واأليدي والنعال ‪ ،‬فبلغنا أنه أنزل فيهم هذه اآلية‪ .‬وقال مجاهد ‪ :‬نزلت في‬
‫األوس والخزرج‪ .‬قال مجاهد ‪ :‬تقاتل حيان من األنصار بالعصي والنعال فنزلت اآلية‪ .‬ومثله عن‬
‫سعيد بن جبير ‪ :‬أن األوس والخزرج كان بينهم على عهد رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قتال‬

‫(‪)868/61‬‬

‫بالسعف والنعال ونحوه ‪ ،‬فأنزل اهلل هذه اآلية فيهم‪ .‬وقال قتادة ‪ :‬نزلت في رجلين من األنصار كانت‬
‫بينهما مداراة في حق بينهما فقال أحدهما ‪ :‬آلخذن حقي عنوة ‪ ،‬لكثرة عشيرته‪ .‬ودعاه اآلخر إلى أن‬
‫يحاكمه إلى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فأبي أن يتبعه ‪ ،‬فلم يزل األمر بينهما حتى تواقعا‬
‫وتناول بعضهم بعضا باأليدي والنعال والسيوف ‪ ،‬فنزلت هذه اآلية‪ .‬وقال الكلبي ‪ :‬نزلت في حرب‬

‫ُسمير وحاطب ‪ ،‬وكان سمير قتل حاطبا ‪ ،‬فاقتتل األوس والخزرج حتى أتاهم النبي صلى اهلل عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬فنزلت‪ .‬وأمر اهلل نبيه صلى اهلل عليه وسلم والمؤمنين أن يصلحوا بينهما‪ .‬وقال السدي ‪:‬‬
‫كانت امرأة من األنصار يقال لها ‪ :‬أم زيد تحت رجل من غير األنصار ‪ ،‬فتخاصمت مع زوجها ‪،‬‬
‫أرادت أن تزور قومها فحبسها زوجها وجعلها في علية ال يدخل عليها أحد من أهلها ‪ ،‬وأن المرأة‬
‫بعثت إلى قومها ‪ ،‬فجاء قومها فأنزلوها لينطلقوا بها ‪ ،‬فخرج الرجل فاستغاث أهله فخرج بنو عمه‬
‫ليحولوا بين المرأة وأهلها ‪ ،‬فتدافعوا وتجالدوا بالنعال ‪ ،‬فنزلت اآلية‪ .‬والطائفة تتناول الرجل الواحد‬

‫والجمع واألثنين ‪ ،‬فهو مما حمل على المعنى دون اللفظ ‪ ،‬ألن الطائفتين في معنى القوم والناس‪.‬‬

‫وفي قراءة عبداهلل { حتى ي فيؤوا إلى أمر اهلل فإن فاؤوا فخذوا بينهم بالقسط} ‪ .‬وقرأ ابن أبي عبلة‬
‫{اقتتلتا} على لفظ الطائفتين‪ .‬وقد مضى في آخر "التوبة" القول فيه‪ .‬وقال ابن عباس في قوله عز‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ين} [الروم ‪ ]2 :‬قال ‪ :‬الواحد فما فوقه ‪ ،‬والطائفة من‬
‫وجل ‪{ :‬لَْي ْش َه ْد َع َذ َاب ُه َما طَائفَةٌ م َن الْ ُم ْؤِمن َ‬
‫اه َما‬
‫َصلِ ُحوا َب ْيَن ُه َما} بالدعاء إلى كتاب اهلل لهما أو عليهما‪َ { .‬فإِ ْن َب َغ ْ‬
‫ت إِ ْح َد ُ‬
‫الشيء القطعة منه‪َ { .‬فأ ْ‬
‫ِ‬
‫َم ِر‬
‫َعلَى ْاأل ْ‬
‫يء إِلَى أ ْ‬
‫ُخَرى} تعدت ولم تجب إلى حكم اهلل وكتابه‪ .‬والبغي ‪ :‬التطاول والفساد‪َ { .‬حتَّى تَف َ‬
‫َّ ِ‬
‫َصلِ ُحوا َب ْيَن ُه َما بِا ْل َع ْد ِل} أي احملوهما على‬
‫اء ْ‬
‫ت} أي فإن رجعت { َفأ ْ‬
‫الله} أي ترجع إلى كتابه‪َ { .‬فإِ ْن َف َ‬
‫ب‬
‫اإلنصاف‪َ { .‬وأَقْ ِسطُوا} أقسطوا أيها الناس فال تقتتلوا‪ .‬وقيل ‪ :‬أقسطوا أي اعدلوا‪{ .‬إِ َّن اللَّ َه ُي ِح ُّ‬
‫ِ ِ‬
‫ين} أي العادلين المحقين‪.‬‬
‫ا ْل ُم ْقسط َ‬

‫(‪)861/61‬‬

‫الثانية ‪ :‬قال العلماء ‪ :‬ال تخلو الفئتان من المسلمين في اقتتالهما ‪ ،‬إما أن يقتتال على سبيل البغي‬

‫منهما جميعا أو ال‪ .‬فإن كان األول فالواجب في ذلك أن يمشي بينهما بما يصلح ذات البين ويثمر‬

‫المكافة والموادعة‪ .‬فإن لم يتحاجزا ولم يصطلحا وأقامتا على البغي صير إلى مقاتلتهما‪ .‬وأما إن كان‬
‫الثاني وهو أن تكون إحداهما باغية على األخرى ‪ ،‬فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن تكف وتتوب‬
‫‪ ،‬فإن فعلت أصلح بينها وبين المبغي عليها بالقسط والعدل‪ .‬فإن التحم القتال بينهما لشبهة دخلت‬
‫عليهما وكلتاهما عند أنفسهما محقة ‪ ،‬فالواجب إزالة الشبهة بالحجة النيرة والبراهين القاطعة على‬

‫مراشد الحق‪ .‬فإن ركبتا متن اللجاج ولم تعمال على شاكلة ما هديتا إليه ونصحتا به من اتباع الحق‬
‫بعد وضرحه لهما فقد لحقتا بالفئتين الباغيتين‪ .‬واهلل أعلم‪.‬‬
‫الثالثة ‪ :‬في هذه اآلية دليل على وجوب قتال الفئة الباغية المعلوم بغيها على اإلمام أو على أ حد من‬
‫المسلمين‪ .‬وعلى فساد قول من منع من قتال المؤمنين ‪ ،‬واحتج بقوله عليه السالم ‪" :‬قتال المؤمن‬
‫كفر" ‪ .‬ولو كان قتال المؤمن الباغي كفرا لكان اهلل تعالى قد أمر بالكفر ‪ ،‬تعالى اهلل عن ذلك وقد‬

‫قاتل الصديق رضي اهلل عنه ‪ :‬من تمسك باإلسالم وامتنع من الزكاة ‪ ،‬وأمر أال يتبع م ٍّ‬
‫ول ‪ ،‬وال‬
‫ُ‬
‫يجهز على جريح ‪ ،‬ولم تحل أموالهم ‪ ،‬بخالف الواجب في الكفار‪ .‬وقال الطبري ‪ :‬لو كان الواجب‬
‫في كل اختالف يكون بين الفريقين الهرب منه ولزوم المنازل لما أقيم حد وال أبطل باطل ‪ ،‬ولوجد‬
‫أهل النفاق والفجور سبيال إلى استحالل كل ما حرم اهلل عليهم من أموال المسلمين وسبي نسائهم‬
‫وسفك دمائهم ‪ ،‬بأن يتحزبوا عليهم ‪ ،‬ويكف المسلمون أيديهم عنهم ‪ ،‬وذلك مخالف لقوله عليه‬

‫السالم ‪ " :‬خذوا على أيدي سفهائكم" ‪.‬‬
‫الرابعة ‪ :‬قال القاضي أبو بكر بن العربي ‪ :‬هذه اآلية أصل في قتال المسلمين ‪ ،‬والعمدة في حرب‬

‫المتأولين ‪ ،‬وعليها عول الصحابة ‪ ،‬واليها لجأ األعيان من أهل الملة ‪ ،‬واياها عني النبي صلى اهلل‬
‫عليه وسلم بقوله ‪" :‬تقتل عمارا الفئة الباغية" ‪ .‬وقوله عليه السالم في شأن‬

‫(‪)868/61‬‬

‫الخوارج ‪" :‬يخرجون على خير فرقة أو على حسين فرقة" ‪ ،‬والرواية األولى أصح ‪ ،‬لقوله عليه‬

‫السالم ‪" :‬تقتلهم أولى الطائفتين إلى الحق" ‪ .‬وكان الذي قتلهم علي بن أبي طالب ومن كان معه‪.‬‬
‫فتقرر عند علماء المسلمين وثبت بدليل الدين أن عليا رضي اهلل عنه كان إماما ‪ ،‬وأن كل من خرج‬
‫عليه باغ وأن قتال واجب حتى يفيء إلى الحق وينقاد إلى الصلح ‪ ،‬ألن عثمان رضي اهلل عنه قتل‬
‫والصحا بة برآء من دمه ‪ ،‬ألنه منع من قتال من ثار عليه وقال ‪ :‬ال أكون أول من خلف رسول اهلل‬
‫صلى اهلل عليه وسلم في أمته بالقتل ‪ ،‬فصبر على البالء ‪ ،‬واستسلم للمحنة وفدى بنفسه األمة‪ .‬ثم لم‬

‫يمكن ترك الناس سدي ‪ ،‬فعرضت على باقي الصحابة الذين ذكرهم عمر في الشوري ‪ ،‬وتدافعوها ‪،‬‬
‫وكان علي كرم اهلل وجهه أحق بها وأهلها ‪ ،‬فقبلها حوطة على األمة أن تسفك دماؤها بالتهارج‬

‫والباطل ‪ ،‬أو يتخرق أمرها إلى ما ال يتحصل‪ .‬فربما تغير الدين وانقض عمود اإلسالم‪ .‬فلما بويع له‬
‫طلب أهل الشام في شرط البيعة التمكن من قتلة عثمان وأخذ القود منهم ‪ ،‬فقال لهم علي رضي اهلل‬
‫عنه ‪ :‬ادخلوا في البيعة واطلبوا الحق تصلوا إليه‪ .‬فقالوا ‪ :‬ال تستحق بيعة وقتلة عثمان معك تراهم‬
‫ومساء‪ .‬فكان علي في ذلك أشد رأيا وأصوب قيال ‪ ،‬ألن عليا لو تعاطى القود منهم لتعصبت‬
‫صباحاً‬
‫ً‬
‫لهم قبائل وصارت حربا ثالثة ‪ ،‬فانتظر بهم أن يستوثق األمر وتنع قد البيعة ‪ ،‬ويقع الطلب من‬
‫األولياء في مجلس الحكم ‪ ،‬فيجري القضاء بالحق‪.‬‬
‫وال خالف بين األمة أنه يجوز لإلمام تأخير القصاص إذا أدى ذلك إلى إثارة الفتنة أو تشتيت‬
‫الكلمة‪ .‬وكذلك جرى لطلحة والزبير ‪ ،‬فإنهما ما خلعا عليا من والية وال اعترضا عليه في ديانة ‪،‬‬
‫وانما رأيا أن البداءة بقتل أصحاب عثمان أولى‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فهذا قول في سبب الحرب الواقع بينهم‪ .‬وقال جلة من أهل العلم ‪ :‬إن الوقعة بالبصرة بينهم‬
‫كانت على غير عزيمة منهم على الحرب بل فجأة ‪ ،‬وعلى سبيل دفع كل واحد من الفريقين عن‬

‫أنفسهم لظنه أن الفريق اآلخر قد غدر به ‪ ،‬ألن األمر كان قد انتظم بينهم ‪،‬‬

‫(‪)863/61‬‬

‫وتم الصلح والتفرق على الرضا‪ .‬فخاف قتلة عثمان رضي اهلل عنه من التمكين منهم واإلحاطة بهم ‪،‬‬
‫فاجتمعوا وتشاوروا واختلفوا ‪ ،‬ثم أتفقت آراوهم على أن يفترقوا فريقين ‪ ،‬ويبدأوا بالحرب سحرة في‬
‫العسكرين ‪ ،‬وتختلف السهام بينهم ‪ ،‬ويصيح ال فريق الذي في عسكر علي ‪ :‬غدر طلحة والزبير‪.‬‬
‫والفريق الذي في عسكر طلحة والزبير ‪ :‬غدر علي‪ .‬فتم لهم ذلك على ما دبروه ‪ ،‬ونشبت الحرب ‪،‬‬

‫فكان كل فريق دافعا لمكرته عند نفسه ‪ ،‬ومانعا من اإلشاطة بدمه‪ .‬وهذا صواب من الفريقين وطاعة‬

‫هلل تعالى ‪ ،‬إذ وقع القتال واالمتناع منهما على هذه السبيل‪ .‬وهذا هوالصحيح المشهور‪ .‬واهلل أعلم‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ َِّ ِ‬
‫َم ِر اللَّ ِه} أمر بالقتال‪ .‬وهو فرض على‬
‫يء إِلَى أ ْ‬
‫الخامسة ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬ف َقاتلُوا التي َت ْبغي َحتَّى َتف َ‬
‫الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين ‪ ،‬ولذلك تخلف قوم من الصحابة رضي اهلل عنهم عن‬
‫هذه المقامات ‪ ،‬كسعد بن أبي وقاص وعبداهلل بن عمرو ومحمد بن مسلمة وغيرهم‪ .‬وصوب ذلك‬
‫علي بن أبي طالب لهم ‪ ،‬واعتذر إليه كل واحد منهم بعذر قبله منه‪ .‬ويروي أن معاوية رضي اهلل‬

‫عنه لما أفضى إليه األمر ‪ ،‬عاتب سعدا على ما فعل ‪ ،‬وقال له ‪ :‬لم تكن ممن أصلح بين الفئتين‬
‫حين أقتتال ‪ ،‬وال ممن قاتل الفئة الباغية‪ .‬فقال له سعد ‪ :‬ندمت على تركي قتال الفئة الباغية‪ .‬فتبين‬
‫أنه ليس على الكل درك فيما فعل ‪ ،‬وانما كان تصرفا بحكم االجتهاد واعماال بمقتضى الشرع‪ .‬واهلل‬
‫أعلم‪.‬‬

‫َصلِ ُحوا َب ْيَن ُه َما بِالْ َع ْد ِل} ومن العدل في صلحهم أال يطالبوا بما جرى‬
‫اء ْ‬
‫ت فَأ ْ‬
‫السادسة ‪ :‬قوله تعالى ‪{ :‬فَ َ‬
‫بينهم من دم وال مال ‪ ،‬فإنه تلف على تأويل‪ .‬وفي طلبهم تنفير لهم عن الصلح واستشراء في البغي‪.‬‬
‫وهذا أصل في المصلحة‪ .‬وقد قال لسان األمة ‪ :‬إن حكمة اهلل تعالى في حرب الصحابة التعريف‬

‫منهم ألحكام قتال أهل التأويل ‪ ،‬إذ كان أحكا م قتال أهل الشرك قد عرفت على لسان الرسول صلى‬
‫اهلل عليه وسلم وفعله‪.‬‬

‫(‪)863/61‬‬

‫السابعة ‪ :‬إذا خرجت على اإلمام العدل خارجة باغية وال حجة لها ‪ ،‬قاتلهم اإلمام بالمسلمين كافة أو‬
‫من فيه كفاية ‪ ،‬ويدعوهم قبل ذلك إلى الطاعة والدخول في الجماعة ‪ ،‬فإن أبوا من الرجوع والصلح‬

‫قوتلوا‪ .‬وال يقتل أسيرهم وال يتبع مدبرهم وال يذفف على جريحهم ‪ ،‬وال تسبي ذراريهم وال أموالهم‪ .‬واذا‬
‫قتل العادل الباغي ‪ ،‬أو الباغي العادل وهو وليه لم يتوارثا‪ .‬وال يرث قاتل عمدا على حال‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫إن العادل يرث الباغي ‪ ،‬قياسا على القصاص‪.‬‬
‫الثامنة ‪ :‬وما استهلكه البغاة والخوارج من دم أو مال ثم تابوا لم يؤاخذوا به‪ .‬وقال أبو حنيفة ‪:‬‬
‫يضمنون‪ .‬وللشافعي قوالن‪ .‬وجه قول أبي حنيفة أنه إتالف بعدوان فيلزم الضمان‪ .‬والمعول في ذلك‬

‫عندنا أن الصحابة رضي اهلل عنهم في حروبهم لم يتبعوا مدبرا وال ذففوا على جريح وال قتلوا أسيرا وال‬

‫ضمنوا نفسا وال ماال ‪ ،‬وهم القدوة‪.‬‬
‫وقال ابن عمر ‪ :‬قال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬يا عبداهلل أتدري كيف حكم اهلل فيمن بغى من‬
‫هذه األمة" ؟ قال ‪ :‬اهلل ورسوله أعلم‪ .‬فقال ‪ " :‬ال يجهز على جريحها وال يقتل أسيرها وال يطلب طلب‬
‫هاربها وال يقسم فيئها"‪ .‬فأما ما كان قائما رد بعينه‪.‬‬

‫هذا كله فيمن خرج بتأويل يسوغ له‪ .‬وذكر الزمخشري في تفسيره ‪ :‬إن كانت الباغية من قلة العدد‬

‫بحيث ال منعة لها ضمنت بعد الفيئة ما جنت ‪ ،‬وان كانت كثيرة ذات منعة وشوكة لم تضمن ‪ ،‬إال‬
‫عند محمد بن الحسن رحمه اهلل فإنه كان يفتي بأن الضمان يلزمها إذا فاءت‪ .‬وأما قبل التجمع‬
‫والتجند أو حين تتفرق عند وضع الحرب أوزارها ‪ ،‬فما جنته ضمنته عند الجميع‪ .‬فحمل اإلصالح‬
‫َصلِ ُحوا َب ْيَن ُه َما بِا ْل َع ْد ِل} على مذهب محمد واضح منطبق على لفظ التنزيل‪.‬‬
‫بالعدل في قوله ‪َ { :‬فأ ْ‬
‫وعلى قول غيره وجهه أن يحمل على كون الفئة الباغية قليلة العدد‪ .‬والذي ذكروا أن الغرض إماتة‬
‫الضغائن وسل األحقاد دون ضمان الجنايات ‪ ،‬ليس بحسن الطباق المأمور به من أعمال العدل‬

‫ومراعاة القسط‪ .‬قال الزمخشري ‪ :‬فإن قلت ‪ :‬لم قرن باإلصالح الثاني العدل دون األول ؟ قلت ‪:‬‬
‫ألن المراد باالقتتال في أول اآلية أن يقتتال باغيتين أو راكبتي شبهة ‪ ،‬وأيتهما كانت‬

‫(‪)829/61‬‬

‫فالذي يجب على المسلمين أن يأخذوا به في شأنهما إصالح ذات البين وتسكين الدهماء بإراءة الحق‬

‫والمواعظ الشافية ونفي الشبهة ‪ ،‬إال إذا أصرتا فحينئذ تجب المقاتلة ‪ ،‬وأما الضمان فال يتجه‪ .‬وليس‬
‫كذلك إذا بغت إحداهما ‪ ،‬فإن الضمان مت جه على الوجهين المذكورين‪.‬‬

‫التاسعة ‪ :‬ولو تغلبوا (أي البغاة) على بلد فأخذوا الصدقات وأقاموا الحدود وحكموا فيهم باألحكام ‪ ،‬لم‬
‫تثن عليهم الصدقات وال الحدود ‪ ،‬وال ينقض من أحكامهم إال ما كان خالفا للكتاب أو السنة أو‬
‫اإلجماع ‪ ،‬كما تنقض أحكام أهل العدل والسنة ‪ ،‬قال مطرف وابن الماجشون‪ .‬وقال ابن القاسم ‪ :‬ال‬
‫تجوز بحال‪ .‬وروي عن أصبغ أنه جائز‪ .‬وروي عنه أيضا أنه ال يجوز كقول ابن القاسم‪ .‬وبه قال‬

‫أبو حنيفة ‪ ،‬ألنه عمل بغير حق ممن ال تجوز توليته‪ .‬فلم يجز كما لو لم يكونوا بغاة‪ .‬والعمدة لنا ما‬

‫قدمناه من أن الصحابة رضي اهلل عنه م ‪ ،‬لما أنجلت الفتنة وارتفع الخالف بالهدنة والصلح ‪ ،‬لم‬
‫يعرضوا ألحد منهم في حكم‪ .‬قال ابن العربي ‪ :‬الذي عندي أن ذلك ال يصلح ‪ ،‬ألن الفتنة لما‬
‫انجلت كان اإلمام هو الباغي ‪ ،‬ولم يكن هناك من يعترضه واهلل أعلم‪.‬‬
‫العاشرة ‪ :‬ال يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به ‪ ،‬إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما‬
‫فعلوه وأرادوا اهلل عز وجل ‪ ،‬وهم كلهم لنا أئمة ‪ ،‬وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم ‪ ،‬وأال نذكرهم إال‬

‫بأحسن الذكر ‪ ،‬لحرمة الصحبة ولنهي النبي صلى اهلل عليه وسلم عن سبهم ‪ ،‬وأن اهلل غفر لهم ‪،‬‬

‫وأخبر بالرضا عنهم‪ .‬هذا مع ما قد ورد من األخبار من طرق مختلفة عن النبي صلى اهلل عليه‬
‫وسلم أن طلحة شهيد يمشي على وجه األرض ‪ ،‬فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصيانا لم يكن‬
‫بالقتل فيه شهيدا‪ .‬وكذلك لو كان ما خرج إليه خطأ في التأويل وتقصي ار في الواجب عليه ‪ ،‬ألن‬
‫الشهادة ال تكون إال بقتل في طاعة ‪ ،‬فوجب حمل أمرهم على ما بيناه‪ .‬ومما يدل على ذلك ما قد‬

‫صح وانتشر من أخبار علي بأن قاتل الزبير في النار‪ .‬وقول ‪ :‬سمعت رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
‫وسلم يقول ‪" :‬بشر قاتل ابن صفية بالنار"‪ .‬واذا كان كذلك فقد ثبت أن طلحة والزبير‬

‫(‪)826/61‬‬

‫غير عاصيين وال أثمين بالقتال ‪ ،‬ألن ذ لك لو كان كذلك لم يقل النبي صلى اهلل عليه وسلم في‬
‫طلحة ‪" :‬شهيد"‪ .‬ولم يخبر أن قاتل الزبير في النار‪ .‬وكذلك من قعد غير مخطئ في التأويل‪ .‬بل‬
‫صواب أراهم اهلل االجتهاد‪ .‬واذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم والبراءة منهم وتفسيقهم ‪ ،‬وابطال‬

‫فضائلهم وجهادهم ‪ ،‬وعظيم غنائهم في الدين ‪ ،‬رضي اهلل عنهم‪ .‬وقد سئل بعضهم عن الدماء التي‬
‫َلون َع َّما َك ُانوا‬
‫أريقت فيما بينهم فقال ‪{ :‬تِلْ َك أ َّ‬
‫ت َل َها َما َك َسَب ْ‬
‫ُمةٌ َق ْد َخَل ْ‬
‫ت َوَل ُك ْم َما َك َس ْبُت ْم َوال ُت ْسأ َ‬
‫ون} [البقرة ‪ .]686 :‬وسئل بعضهم عنها أيضا فقال ‪ :‬تلك دماء طهر اهلل منها يدي ‪ ،‬فال‬
‫َي ْع َملُ َ‬

‫أخضب بها لساني‪ .‬يعني في التحرز من الوقوع في خطأ ‪ ،‬والحكم على بعضهم بما ال يكون مصيبا‬

‫فيه‪ .‬قال ابن فورك ‪ :‬ومن أصحابنا من قال ‪ :‬إن سبيل ما جرت بين الصحابة من المنازعات كسبيل‬
‫ما جرى بين إخوة يوسف مع يوسف ‪ ،‬ثم إنهم لم يخرجوا بذلك عن حد الوالية والنبوة ‪ ،‬فكذلك األمر‬

‫فيما جرى بين الصحابة‪ .‬وقال المحاسبي ‪ :‬فأما الدماء فقد أشكل علينا القول فيها باختالفهم‪ .‬وقد‬
‫سئل الحسن البصري عن قتالهم فقال ‪ :‬قتال شهده أصحاب محمد صلى اهلل عليه وسلم وغبنا ‪،‬‬
‫وعلموا وجهلنا ‪ ،‬واجتمعوا فاتبعنا ‪ ،‬واختلفوا فوقفنا‪ .‬قال المحاسبي ‪ :‬فنحن نقول كما قال الحسن ‪،‬‬
‫ونعلم أن القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا ‪ ،‬ونتبع ما اجتمعوا عليه ‪ ،‬ونقف عند ما اختلفوا فيه وال‬
‫نبتدع رأيا منا ‪ ،‬ونعلم أنهم أجتهدوا وأرادوا اهلل عز وجل ‪ ،‬إذ كانوا غير متهمين في الدين ‪ ،‬ونسأل‬

‫اهلل التوفيق‪.‬‬

‫ون}‬
‫َصلِ ُحوا َبيْ َن أ َ‬
‫َخ َويْ ُك ْم َواتَّقُوا اللَّ َه لَ َعلَّ ُك ْم تُ ْرَح ُم َ‬
‫ون إِ ْخ َوةٌ فَأ ْ‬
‫اآلية ‪{ 69 :‬إِنَّ َما الْ ُم ْؤِمنُ َ‬
‫فيه ثالث مسائل ‪:‬‬

‫ون إِ ْخ َوٌة} أي في الدين والحرمة ال في النسب ‪ ،‬ولهذا قيل ‪ :‬أخوة‬
‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪{ :‬إِنَّ َما الْ ُم ْؤِمُن َ‬
‫الدين أثبت من أخوة النسب ‪ ،‬فإن أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين ‪،‬‬

‫(‪)822/61‬‬

‫وأخوة الدين ال تنقطع بمخالفة النسب‪ .‬وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي اهلل عنه قال ‪ :‬قال‬

‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬ال تحاسدوا وال تباغضوا وال تجسسوا وال تحسسوا وال تناجشوا‬
‫وكونوا عباد اهلل إخوانا" ‪ .‬وفي رواية ‪ " :‬ال تحاسدوا وال تناجشوا وال تباغضوا وال تدابروا وال يبع‬

‫بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد اهلل إخوانا ‪ ،‬المسلم أخو المسلم ال يظلمه وال يخذله وال يحقره ‪،‬‬
‫التقوى ها هنا ‪ -‬ويشير إلى صدره ثالث مرات ‪ -‬بحسب أمريء من الشر أن يحقر أخاه المسلم ‪،‬‬
‫كل المسلم على ا لمسلم حرام دمه وماله وعرضه" لفظ مسلم‪ .‬وفي غير الصحيحين عن أبي هريرة‬
‫قال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬المسلم أخو المسلم ال يظلمه وال يعيبه وال يخذله وال يتطاول عليه‬
‫في البنيان فيستر عليه الريح إال بإذنه وال يؤذيه بقتار قدره إال أن يغرف له غرفة وال يشتري لبنيه‬

‫الفاكهة فيخرجون بها إلى صبيان جاره وال يطعمونهم منها" ‪ .‬ثم قال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪:‬‬
‫" احفظوا واليحفظ منكم إال قليل"‪.‬‬
‫َخ َوْي ُك ْم} أي بين كل مسلمين تخاصما‪ .‬وقيل ‪ :‬بين األوس‬
‫َصِل ُحوا َب ْي َن أ َ‬
‫الثانية ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬فأ ْ‬
‫والخزرج ‪ ،‬على ما تقدم‪ .‬وقال أبو علي ‪ :‬أراد باألخوين الطائفتين ‪ ،‬ألن لفظ التثنية يرد والمراد به‬

‫الكثرة ‪ ،‬كقوله تعالى ‪َ{ :‬ب ْل َي َد ُاه َم ْب ُسوطََت ِ‬
‫ان} [المائدة ‪ .] 18 :‬وقال أبو عبيدة ‪ :‬أي أصلحوا بين كل‬
‫أخوين ‪ ،‬فهو آت على الجميع‪ .‬وقرأ ابن سيرين ونصر بن عاصم وأبو العالية والجحدري ويعقوب‬

‫{بين إ خوتكم} بالتاء على الجمع‪ .‬وقرأ الحسن {إخوانكم} ‪ .‬الباقون ‪{ :‬أخويكم} بالياء على التثنية‪.‬‬
‫الثالثة ‪ :‬في هذه اآلية والتي قبلها دليل على أن البغي ال يزيل اسم اإليمان ‪ ،‬ألن اهلل تعالى سماهم‬
‫إخوة مؤمنين مع كونهم باغين‪ .‬قال الحارث األعور ‪ :‬سئل علي بن أبي طالب رضي اهلل عنه وهو‬
‫القدوة عن قتال أهل البغي من أهل الجمل وصفين ‪ :‬أمشركون هم ؟‬

‫(‪)828/61‬‬

‫قال ‪ :‬ال ‪ ،‬من الشرك فروا‪ .‬فقيل ‪ :‬أمنافقون ؟ قال ‪ :‬ال ‪ ،‬ألن المنافقين ال يذكرون اهلل إال قليال‪ .‬قيل‬

‫له ‪ :‬فما حالهم ؟ قال إخواننا بغوا علينا‪.‬‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫اآلية ‪{ 66 :‬يا أَي ِ‬
‫اء ِم ْن نِ َساء‬
‫َن َي ُك ُ‬
‫آمُنوا ال َي ْس َخ ْر َق ْوٌم ِم ْن قَ ْوم َع َسى أ ْ‬
‫ونوا َخ ْيراً م ْن ُه ْم َوال ن َس ٌ‬
‫ُّها الَّذ َ‬
‫ين َ‬
‫َ َ‬
‫ِ‬
‫األلْقَ ِ‬
‫يم ِ‬
‫ان َو َم ْن‬
‫َن َي ُك َّن َخ ْيراً ِمنْ ُه َّن َوال تَلْ ِمُزوا أَنْفُ َس ُك ْم َوال تََن َابُزوا بِ ْ َ‬
‫اب بِئْ َس ِاال ْس ُم الْفُ ُس ُ‬
‫َع َسى أ ْ‬
‫وق َب ْع َد ْاأل َ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ‬
‫ون}‬
‫َل ْم َيُت ْ‬
‫ب َفأُوَلئ َك ُه ُم الظال ُم َ‬
‫فيه أربع مسائل ‪:‬‬
‫ِ‬
‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪{ :‬يا أَي ِ‬
‫ونوا َخ ْي ًرا ِم ْن ُه ْم} قيل‬
‫َن َي ُك ُ‬
‫سى أ ْ‬
‫ُّها الَّذ َ‬
‫آمُنوا ال َي ْس َخ ْر قَ ْوٌم م ْن َق ْوم َع َ‬
‫ين َ‬
‫َ َ‬

‫عند اهلل‪ .‬وقيل { خيرا منهم} أي معتقدا وأسلم باطنا‪ .‬والسخرية االستهزاء‪ .‬سخرت منه أسخر سخرا‬
‫(بالتحريك) ومسخرا وسخ ار (بالضم)‪ .‬وحكى أبو زيد سخرت به ‪ ،‬وهو أردأ اللغتين‪ .‬وقال األخفش ‪:‬‬
‫سخرت منه وسخرت به ‪ ،‬وضحكت منه وضحكت به ‪ ،‬وهزئت منه وهزئت به ‪ ،‬كل يقال‪ .‬واالسم‬
‫ِ ِ‬
‫ض ُه ْم َب ْعضًا ُس ْخ ِرّيًا} [الزخرف ‪ ] 82 :‬وقد‬
‫السخرية والسخري ‪ ،‬وقرئ بهما قوله تعالى ‪{ :‬لَيتَّخ َذ َب ْع ُ‬
‫تقدم‪ .‬وفالن سخرة ‪ ،‬يتسخر في العمل‪ .‬يقال ‪ :‬خادم سخرة‪ .‬ورجل سخرة أيضا يسخر منه‪ .‬وسخرة‬
‫(بفتح الخاء) يسخرمن الناس‪.‬‬
‫الثانية ‪ :‬واختلف في سبب نزولها ‪ ،‬فقال ابن عباس ‪ :‬نزلت في ثابت بن قيس بن شماس كان في‬
‫أذنه وقر ‪ ،‬فإذا سبقوه الى مجلس النبي صلى اهلل عليه وسلم أوسعوا له إذا أتى حتى يجلس إلى‬
‫جنبه ليسمع ما يقول ‪ ،‬فأقبل ذات يوم وقد فاتته من صالة الفجر ركعة مع النبي صلى اهلل عليه‬
‫وسلم ‪ ،‬فلما انصرف النبي صلى اهلل عليه وسلم أخذ أصحابه مجالسهم منه ‪،‬‬

‫(‪)828/61‬‬

‫فرفض كل رجل منهم بمجلسه ‪ ،‬وعضوا فيه فال يكاد يوسع أحد ألحد حتى يظل الرجل ال يجد‬
‫مجلسا فيظل قائما ‪ ،‬فلما انصرف ثابت من الصالة تخطي رقاب الناس ويقول ‪ :‬تفسحوا تفسحوا ‪،‬‬
‫ففسحوا له حتى انتهى إلى النبي صلى اهلل عليه وسلم وبينه وبينه رجل فقال له ‪ :‬تفسح‪ .‬فقال له‬
‫الرجل ‪ :‬قد وجدت مجلسا فأجلس ف جلس ثابت من خلفه مغضبا ‪ ،‬ثم قال ‪ :‬من هذا ؟ قالوا فالن ‪،‬‬

‫فقال ثابت ‪ :‬ابن فالنة يعيره بها ‪ ،‬يعني أما له في الجاهلية ‪ ،‬فاستحيا الرجل ‪ ،‬فنزلت‪ .‬وقال‬

‫الضحاك ‪ :‬نزلت في وفد بني تميم الذي تقدم ذكرهم في أول "السورة" استهزؤوا بفقراء الصحابة ‪،‬‬
‫مثل عمار وخباب وابن فهيرة وبالل وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم ‪ ،‬لما رأوا من‬
‫رثاثة حالهم ‪ ،‬فنزلت في الذين آمنوا منهم‪ .‬وقال مجاهد ‪ :‬هو سخرية الغني من الفقير‪ .‬وقال ابن‬
‫زيد ‪ :‬ال يسخر من ستر اهلل عليه ذنوبه ممن كشفه اهلل ‪ ،‬فلعل إظهار ذنوبه في الدنيا خير له في‬
‫اآلخرة‪ .‬وقيل ‪ :‬نزلت في عكرمة بن أبي جهل حين قدم المدينة مسلما ‪ ،‬وكان المسلمون إذا رأوه قالوا‬
‫ابن فرعون هذه األمة‪ .‬فشكا ذلك إلى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فنزلت‪.‬‬

‫وبالجملة فينبغي أال يجتريء أحد على االستهزاء بمن يقتحمه بعينه إذا رءاه رث الحال أو ذا عاهة‬
‫في بدنه أو غير ل بيق في محادثته ‪ ،‬فلعله أخلص ضمي ار وأنقى قلبا ممن هو على ضد صفته ‪،‬‬
‫فيظلم نفسه بتحقير من وقره اهلل ‪ ،‬واالستهزاء بمن عظمه اهلل‪ .‬ولقد بلغ بالسلف إفراط توقيهم‬
‫وتصونهم من ذلك أن قال عمرو بن شرحبيل ‪ :‬لو رأيت رجال يرضع عنزا فضحكت منه لخشيت أن‬
‫أصنع مثل الذي صنع‪ .‬وعن عبداهلل بن مسعود ‪ :‬البالء موكل بالقول ‪ ،‬لو سخرت من كلب لخشيت‬

‫أن أحول كلبا‪ .‬و {قوم} في اللغة للمذكرين خاصة‪ .‬قال زهير ‪:‬‬

‫وما أدري وسوف إخال أدري ‪ ...‬أقوم آل حصن أم نساء‬
‫وسموا قوما ألنهم يقومون مع داعيهم في الشدائد‪ .‬وقيل ‪ :‬إنه جمع قائم ‪ ،‬ثم استعمل في كل جماعة‬
‫وان لم يكونوا قائمين‪ .‬وقد يدخل في القوم النساء مجا از ‪ ،‬وقد مضى في "البقرة" بيانه‪.‬‬

‫(‪)828/61‬‬

‫ِ‬
‫َن َي ُك َّن َخ ْي اًر ِم ْن ُه َّن} أفرد النساء بالذكر ألن السخرية‬
‫اء ِم ْن نِ َساء َع َسى أ ْ‬
‫الثالثة ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬وال ن َس ٌ‬
‫منهن أكثر‪ .‬وقد قال اهلل تعالى ‪{ :‬إِنَّا أَ ْر َس ْلَنا ُنوحًا إَِلى َق ْوِم ِه} [نوج ‪ ]6 :‬فشمل الجميع‪ .‬قال‬
‫المفسرون ‪ :‬نزلت في امرأتين من أزواج النبي صلى اهلل عليه وسلم سخرتا من أم سلمة ‪ ،‬وذلك أنها‬
‫ربطت خصريها بسبيبة ‪ -‬وهو ثوب أبيض ‪ ،‬ومثلها السب ‪ -‬وسدلت طرفيها خلفها فكانت تجرها ‪،‬‬
‫فقالت عائشة لحفصة رضي اهلل عنهما ‪ :‬انظري ما تجر خلفها كأنه لسان كلب ‪ ،‬فهذه كانت‬

‫سخريتهما‪ .‬وقال أنس وابن زيد ‪ :‬نزلت في نساء النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬عيرن أم سلمة‬
‫بالقصر‪ .‬وقيل ‪ :‬نزلت في عائشة ‪ ،‬أشارت بيدها إلى أم سلمة ‪ ،‬يا نبي اهلل إنها لقصيرة‪ .‬وقال‬
‫عكرمة عن ابن عباس ‪ :‬إن صفية بنت حيي بن أخطب أتت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
‫فقالت ‪ :‬يا رسول اهلل ‪ ،‬إن النساء يعيرنني ‪ ،‬ويقلن لي يا يهودية بنت يهوديين فقال رسول اهلل صلى‬
‫اهلل عليه وسلم ‪" :‬هال قلت إن أبي هارون وان عمي موسى وان زوجي محمد" ‪ .‬فأنزل اهلل هذه اآلية‪.‬‬
‫الرابعة ‪ :‬في صحيح الترمذي عن عائشة قالت ‪ :‬حكيت للنبي صلى اهلل عليه وسلم رجال ‪ ،‬فقال ‪:‬‬

‫" ما يسرني أني حكيت رجال وأن لي كذا وكذا" ‪ .‬قالت فقلت ‪ :‬يا رسول اهلل ‪ ،‬إن صفية امرأة ‪-‬‬

‫وقالت بيدها ‪ -‬هكذا ‪ ،‬يعني أنها قصيرة‪ .‬فقال ‪ " :‬لقد مزجت بكلمة لو مزج بها البحر لمزج" ‪ .‬وفي‬
‫البخاري عن عبداهلل بن زمعة قال ‪ :‬نهى النبى صلى اهلل عليه وسلم أن يضحك الرجل مما يخرج‬
‫من األنفس‪ .‬وقال ‪ " :‬لم يضرب أحدكم امرأته ضرب الفحل ثم لعله يعانقها"‪ .‬وفي صحيح مسلم عن‬
‫أبي هريرة قال ‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬إن اهلل ال ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن‬
‫ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"‪ .‬وهذا حديث عظيم يترتب عليه أال يقطع بعيب أحد لما يرى عليه من‬

‫صور أعمال الطاعة أو المخالفة ‪ ،‬فلعل من يحافظ على األعمال الظاهرة يعلم اهلل من قلبه وصفا‬

‫مذموما ال تصح‬

‫(‪)821/61‬‬

‫معه تلك األعمال‪ .‬ولعل من رأينا عليه تفريطا أو معصية يعلم اهلل من قلبه وصفا محمودا يغفر له‬
‫بسببه‪ .‬فاألعمال أمارات ظنية ال أدلة قطعية‪ .‬ويترتب عليها عدم الغلو في تعظيم من رأينا عليه‬
‫أفعاال صالحة ‪ ،‬وعدم االحتقار لمسلم رأينا عليه أفعاال سيئة‪ .‬بل تحتقر وتذم تلك الحالة السيئة ‪ ،‬ال‬
‫تلك الذات المسيئة‪ .‬فتدبر هذا ‪ ،‬فإنه نظر دقيق ‪ ،‬وباهلل التوفيق‪.‬‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬وال تَلْ ِمُزوا أَنْفُ َس ُك ْم} فيه ثالث مسائل ‪:‬‬
‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬وال َت ْل ِمُزوا أ َْن ُف َس ُك ْم} اللمز ‪ :‬العيب ‪ ،‬وقد مضى في "التوبة" عند قوله تعالى ‪:‬‬
‫الص َد َق ِ‬
‫ات} [التوبة ‪ .]83 :‬وقال الطبري ‪ :‬اللمز باليد والعين واللسان واإلشارة‪.‬‬
‫{ َوِم ْن ُه ْم َم ْن َيلْ ِمُز َك ِفي َّ‬
‫والهمز ال يكون إال باللسان‪ .‬وهذه اآلية مثل قوله تعالى ‪َ { :‬وال َت ْقُتُلوا أ َْن ُف َس ُك ْم} [النساء ‪ ] 23 :‬أي ال‬
‫يقتل بعضكم بعضا ‪ ،‬ألن المؤمنين كنفس واحدة ‪ ،‬فكأنه بقتل أخيه قاتل نفسه‪ .‬وكقوله تعالى ‪:‬‬
‫{ َف َسلِّ ُموا َعلَى أ َْن ُف ِس ُك ْم} [النور ‪ ] 16 :‬يعني يسلم بعضكم على بعض‪ .‬والمعنى ‪ :‬ال يعب بعضكم‬
‫بعضا‪ .‬وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير ‪ :‬ال يطعن بعضكم على بعض‪ .‬وقال‬

‫الضحاك ‪ :‬ال يلعن بعضكم بعضا‪ .‬وقرئ ‪{ :‬وال ُتلمزوا} بالضم‪ .‬وفي قوله ‪{ :‬أنفسكم} تنبيه على أن‬

‫العاقل ال يعيب نفسه ‪ ،‬فال ينبغي أن يعيب غيره ألنه كنفسه ‪ ،‬قال صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬المؤمنون‬
‫كجسد واحد إن اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ‪ .‬وقال بكر بن عبداهلل‬

‫المزني ‪ :‬إذا أردت أن تنظر العيوب جمة فتأمل عيابا ‪ ،‬فإنه إنما يعيب الناس بفضل ما فيه من‬
‫العيب‪ .‬وقال صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه ويدع الجذع في عينه"‬

‫وقيل ‪ :‬من سعادة المرء أن يشتغل بعيوب نفسه عن عيوب غيره‪ .‬قال الشاعر ‪:‬‬
‫المرء إن كان عاقال ورعا ‪ ...‬أشغله عن عيوبه ورعه‬
‫كما السقيم المريض يشغله ‪ ...‬عن وجع الناس كلهم وجعه‬

‫(‪)828/61‬‬

‫وقال آخر ‪:‬‬

‫ال تكشفن مساوي الناس ما ستروا ‪ ...‬فيهتك اهلل سترا عن مساويكا‬
‫واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ‪ ...‬وال تعب أحدا منهم بما فيكا‬

‫األ ْل َق ِ‬
‫اب} النبز "بالتحريك" اللقب ‪ ،‬والجمع األنباز‪ .‬والنبز‬
‫الثانية ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬وال َتَن َابُزوا بِ ْ َ‬
‫(بالتسكين) المصدر ‪ ،‬تقول ‪ :‬نبزه ينبزه نبزا ‪ ،‬أي لقبه‪ .‬وفالن ينبز بالصبيان أي يلقبهم ‪ ،‬شدد‬
‫للكثرة‪ .‬ويقال النبز والنزب لقب السوء‪ .‬وتنابزوا باأللقاب ‪ :‬أي لقب بعضهم بعضا‪ .‬وفي الترمذي عن‬
‫أبي جبيرة بن الضحاك قال ‪ :‬كان الرجل منا يكون له االسمين والثالثة فيدعي ببعضها فعسى أن‬

‫األ ْل َق ِ‬
‫اب}‪ .‬قال هذا حديث حسن‪ .‬وأبو جبيرة هذا هو أخو ثابت‬
‫يكره ‪ ،‬فنزلت هذه اآلية ‪َ { :‬وال َتَن َابُزوا بِ ْ َ‬

‫بن الضحاك بن خليفة األنصاري‪ .‬وأبو زيد سعيد بن الربيع صاحب الهروي ثقة‪ .‬وفي مصنف أبي‬
‫األلْ َق ِ‬
‫وق َب ْع َد‬
‫داود عنه قال ‪ :‬فينا نزلت هذه اآلية ‪ ،‬في بني سلمة { َوال َتَن َابُزوا بِ ْ َ‬
‫اب بِئْ َس ِاال ْس ُم الْفُ ُس ُ‬
‫ِ‬
‫يم ِ‬
‫ان } قال ‪ :‬قدم رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وليس منا رجل إال وله اسمان أو ثالثة ‪ ،‬فجعل‬
‫ْاأل َ‬

‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يقول يا فالن فيقولون مه يا رسول اهلل ‪ ،‬إنه يغضب من هذا االسم ‪،‬‬

‫األلْ َق ِ‬
‫اب} فهذا قول‪ .‬وقول ثان ‪ -‬قال الحسن ومجاهد ‪ :‬كان الرجل‬
‫فنزلت هذه اآلية ‪َ { :‬وال تََن َابُزوا بِ ْ َ‬
‫يعير بعد إسالمه بكفره يا يهودي يا نصراني ‪ ،‬فنزلت‪ .‬وروي عن قتادة وأبي العالية وعكرمة‪ .‬وقال‬
‫وق‬
‫قتادة ‪ :‬هو قول الرجل للرجل يا فاسق يا منافق ‪ ،‬وقاله مجاهد والحسن أيضا‪{ .‬بِئْ َس ِاال ْس ُم الْفُ ُس ُ‬
‫ِ‬
‫يم ِ‬
‫ان} أي بئس أن يسمى الرجل كافرا أو زانيا بعد إسالمه وتوبته ‪ ،‬قال ابن زيد‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫َب ْع َد ْاأل َ‬

‫المعنى أن من لقب أخاه أو سخر منه فهو فاسق‪ .‬وفي الصحيح "من قال ألخيه يا كافر فقد باء بها‬

‫أحدهما إن كان كما قال واال رجعت عليه"‪ .‬فمن فعل ما نهى اهلل عنه من السخرية والهمز والنبز‬

‫فذلك فسوق وذلك ال يجوز‪ .‬وقد روي أن أبا ذر رضي اهلل عنه كان عند النبي صلى اهلل عليه وسلم‬

‫فنازعه‬

‫(‪)823/61‬‬

‫رجل فقال له أبو ذر ‪ :‬يا ابن اليهودية فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬ما ترى ها هنا أحمر‬

‫األلْ َق ِ‬
‫اب}‪ .‬وقال ابن عباس ‪ :‬التنابز‬
‫وأسود ما أنت بأفضل منه" يعني بالتقوى ‪ ،‬ونزلت ‪َ { :‬وال َتَن َابُزوا بِ ْ َ‬
‫باأللقاب أن يكون الرجل قد عمل السيئات ثم تاب ‪ ،‬فنهى اهلل أن يعير بما سلف‪ .‬يدل عليه ما روي‬
‫أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال ‪ " :‬من عير مؤمنا بذنب تاب منه كان حقا على اهلل أن يبتليه به‬
‫ويفضحه فيه في الدنيا واآلخرة" ‪.‬‬
‫الثالثة ‪ :‬وقع من ذلك مستثني من غلب عليه االستعمال كاألعرج واألحدب ولم يكن له فيه كسب‬
‫يجد في نفسه منه عليه ‪ ،‬فجوزته األمة وأتفق على قول أهل الملة‪ .‬قال ابن العربي ‪ :‬وقد ورد لعمر‬
‫اهلل من ذلك في كتبهم ما ال أرضاه في صالح جزرة ‪ ،‬ألنه صحف "خرزة" فلقب بها‪ .‬وكذلك قولهم‬

‫في محمد بن سليمان الحضرمي ‪ :‬مطين ‪ ،‬ألنه وقع في طين ونحو ذلك مما غلب على المتأخرين‬
‫‪ ،‬وال أراه سائغا في الدين‪ .‬وقد كان موسى بن علي بن رباح المصري يقول ‪ :‬ال أجعل أحدا صغر‬
‫اسم أبي في حل ‪ ،‬وكان الغالب على اسمه التصغير بضم العين‪ .‬والذي يضبط هذا كله ‪ :‬أن كل ما‬
‫يكره اإلنسان إذا نودي به فال يجوز ألجل األذية‪ .‬واهلل أعلم‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وعلى هذا المعنى ترجم البخاري رحمه اهلل في (كتاب األدب) من الجامع الصحيح‪ .‬في (باب‬
‫ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم الطويل والقصير ال يراد به شين الرجل) قال ‪ :‬وقال النبي صلى‬

‫اهلل عليه وسلم ‪" :‬ما يقول ذو اليدين" قال أبو عبداهلل بن خويز منداد ‪ :‬تضمنت اآلية المنع من‬

‫تلقيب اإلنسان بما يكره ‪ ،‬ويجوز تلقيبه بما يحب ‪ ،‬أال ترى أن النبي صلى اهلل عليه وسلم لقب عمر‬
‫بالفاروق ‪ ،‬وأبا بكر بالصديق ‪ ،‬وعثمان بذي النورين ‪ ،‬وخزيمة بذي الشهادتين ‪ ،‬وأبا هريرة بذي‬
‫الشمالين وبذي اليدين ‪ ،‬في أشباه ذلك‪.‬‬

‫(‪)823/61‬‬

‫الزمخشري ‪ :‬روي عن النبي صلى اهلل عليه وسلم " من حق المؤمن على المؤمن أن يسميه بأحب‬
‫أسمائه إليه" ‪ .‬ولهذا كانت التكنية من السنة واألدب الحسن ‪ ،‬قال عمر رضي اهلل عنه ‪ :‬أشيعوا‬

‫الكني فإنها منبهة‪ .‬ولقد لقب أبو بكر بالعتيق والصديق ‪ ،‬وعمر بالفاروق ‪ ،‬وحمزة بأسد اهلل ‪ ،‬وخالد‬
‫بسيف اهلل‪ .‬وقل من المشاهير في الجاهلية واإلسالم من ليس له لقب‪ .‬ولم تزل هذه األلقاب الحسنة‬
‫في األمم كلها ‪ -‬من العرب والعجم ‪ -‬تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير‪ .‬قال‬

‫الماوردي ‪ :‬فأما مستحب األلقاب ومستحسنها فال يكره‪ .‬وقد وصف رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
‫عددا من أصحابه بأوصاف صارت لهم من أجل األلقاب‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬فأما ما يكون ظاهرها الكراهة إذا أريد بها الصفة ال العيب فذلك كثير‪ .‬وقد سئل عبداهلل بن‬
‫وحميد األعرج ‪ ،‬ومروان األصغر ‪،‬‬
‫المبارك عن الرجل يقول ‪ُ :‬حميد الطويل ‪ ،‬وسليمان األعمش ‪ُ ،‬‬
‫فقال ‪ :‬إذا أردت صفته ولم ترد عيبه فال بأس به‪ .‬وفي صحيح مسلم عن عبداهلل بن سرجس قال ‪:‬‬
‫رأيت األصلع ‪ -‬يعني عمر ‪ -‬يقبل الحجر‪ .‬في رواية األصيلع‪.‬‬

‫َّ ِ‬
‫ون}‬
‫ب} أي عن هذه األلقاب التي يتأذى بها السامعون‪َ { .‬فأُوَلئِ َ‬
‫قوله تعالى ‪َ { :‬و َم ْن َل ْم َيُت ْ‬
‫ك ُه ُم الظال ُم َ‬
‫ألنفسهم بارتكاب هذه المناهي‪.‬‬
‫َّ‬
‫اآلية ‪{ 62 :‬يا أَيُّها الَِّذين آمنُوا ْ ِ ِ ِ‬
‫ب‬
‫ض الظَّ ِّن إِثٌْم َوال تَ َج َّس ُسوا َوال َي ْغتَ ْ‬
‫اجتَنُبوا َكثيراً م َن الظ ِّن إِ َّن َب ْع َ‬
‫َ َ‬
‫َ َ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫يم}‬
‫ض ُك ْم َب ْعضًا أَُي ِح ُّ‬
‫وه َواتَّ ُقوا اللَّ َه إِ َّن اللَّ َه َت َّو ٌ‬
‫َح ُد ُك ْم أ ْ‬
‫َن َيأْ ُك َل َل ْح َم أَخيه َم ْيتًا َف َك ِرْهُت ُم ُ‬
‫ب أَ‬
‫َب ْع ُ‬
‫اب َرح ٌ‬
‫فيه عشر مسائل ‪:‬‬

‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪{ :‬يا أَي ِ‬
‫اجَتنُِبوا َكِثي ًرا ِم َن الظَّ ِّن} قيل ‪ :‬إنها نزلت في رجلين من‬
‫آمُنوا ْ‬
‫ُّها الَّذ َ‬
‫ين َ‬
‫َ َ‬
‫أصحاب النبي صلى اهلل عليه وسلم اغتابا رفيقهما‪ .‬وذلك أن النبي‬

‫(‪)889/61‬‬

‫صلى اهلل عليه وسلم كان إذا سافر ضم الرجل المحتاج إلى الرجلين الموسرين فيخدمهما‪ .‬فضم‬
‫سلمان إلى رجلين ‪ ،‬فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فنام ولم يهيئ لهما شيئا ‪ ،‬فجاءا فلم يجدا‬

‫طعاما واداما ‪ ،‬فقاال له ‪ :‬انطلق فاطلب لنا من النبي صلى اهلل عليه وسلم طعاما واداما ‪ ،‬فذهب‬
‫فقال له النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬اذهب إلى أسامة بن زيد فقل له إن كان عندك فضل من‬
‫طعام فليعطك" وكان أسامة خازن النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬فذهب إليه ‪ ،‬فقال أسامة ‪ :‬ما عندي‬
‫شيء ‪ ،‬فرجع إليهما فأخبرهما ‪ ،‬فقاال ‪ :‬قد كان عنده ولكنه بخل‪ .‬ثم بعثا سلمان إلى طائفة من‬
‫الصحابة فلم يجد عندهم شيئا ‪ ،‬فقاال ‪ :‬لو بعثنا سلمان إلى بئر ُس َميحة لغار ماؤها‪ .‬ثم انطلقا‬

‫يتجسسان هل عند أسامة شيء ‪ ،‬فرآهما النبي صلى اهلل عليه وسلم فقال ‪" :‬مالي أرى خضرة اللحم‬
‫في أفواهكما" فقاال ‪ :‬يا نبي اهلل ‪ ،‬واهلل ما أكلنا في يومنا هذا لحما وال غيره‪ .‬فقال ‪" :‬ولكنكما ظلتما‬
‫اجَتنِبوا َكِثي ًرا ِمن الظَّ ِّن إِ َّن بعض َّ‬
‫تأكالن لحم سلمان وأسامة" فنزلت ‪{ :‬يا أَي ِ‬
‫الظ ِّن إِثٌْم}‬
‫َْ َ‬
‫َ‬
‫آمُنوا ْ ُ‬
‫ُّها الَّذ َ‬
‫ين َ‬
‫َ َ‬
‫ذكره الثعلبي‪ .‬أي ال تظنوا بأهل الخير سوءا إن كنتم تعلمون من ظاهر أمرهم الخير‪.‬‬
‫الثانية ‪ :‬ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال ‪" :‬إياكم والظن فإن‬

‫الظن أكذب الحديث وال تحسسوا وال تجسسوا وال تناجشوا وال تحاسدوا وال تباغضوا وال تدابروا وكونوا‬

‫عباد اهلل إخوانا" لفظ البخاري‪ .‬قال علماؤنا ‪ :‬فالظن هنا وفي اآلية هو التهمة‪ .‬ومحل التحذير والنهي‬
‫إنما هو تهمة ال سبب لها يوجبها ‪ ،‬كمن يتهم بالفاحشة أو بشرب الخمر مثال ولم يظهر عليه ما‬
‫يقتضي ذلك‪ .‬ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قوله تعالى ‪َ { :‬وال َت َج َّس ُسوا} وذلك أنه قد يقع له‬
‫خاطر التهم ة ابتداء ويريد أن يتجسس خبر ذلك ويبحث عنه ‪ ،‬ويتبصر ويستمع لتحقيق ما وقع له‬
‫من تلك التهمة‪ .‬فنهى النبي صلى اهلل عليه وسلم عن ذلك‪ .‬وان شئت قلت ‪ :‬والذي يميز الظنون‬
‫التي يجب اجتنابها عما سواها ‪ ،‬أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراما‬

‫واجب االجتناب‪.‬‬

‫(‪)886/61‬‬

‫وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والعالج ‪ ،‬وأونست منه األمانة في الظاهر ‪ ،‬فظن‬
‫الفساد به والخيانة محرم ‪ ،‬بخالف من أشتهره الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث‪ .‬وعن النبي‬

‫صلى اهلل عليه وسلم " إن اهلل حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء"‪ .‬وعن الحسن ‪:‬‬
‫كنا في زمن الظن بالناس فيه حرام ‪ ،‬وأنت اليوم في زمن اعمل واسكت وظن في الناس ما شئت‪.‬‬
‫الثالثة ‪ :‬وللظن حالتان ‪ :‬حالة تعرف وتقوى بوجه من وجوه األدلة فيجوز الحكم بها ‪ ،‬وأكثر أحكام‬

‫الشريعة مبنية على غلبة الظن ‪ ،‬كالقياس وخبر الواحد وغير ذلك من قيم المتلفات وأروش الجنايات‪.‬‬
‫والحالة الثانيه ‪ :‬أن يقع في النفس شيء من غير داللة فال يكون ذلك أولى من ضده ‪ ،‬فهذا هو‬
‫الشك ‪ ،‬فال يجوز الحكم به ‪ ،‬وهو المنهي عنه على ما قررناه آنفا‪ .‬وقد أنكرت جماعة من المبتدعة‬

‫تعبداهلل بالظن وجواز العمل به ‪ ،‬تحكما في الدين ودعوى في المعقول‪ .‬وليس في ذلك أصل يعول‬

‫عليه ‪ ،‬فإن البارئ تعالى لم يذم جميعه ‪ ،‬وانما أورد الذم في بعضه‪ .‬وربما تعلقوا بحديث أبي هريرة‬
‫"إياكم والظن" فإن هذا ال حجة فيه ‪ ،‬ألن الظن في الشريعة قسمان ‪ :‬محمود ومذموم ‪ ،‬فالمحمود‬

‫منه ما سلم معه دين الظان والمظنون به عند بلوغه‪ .‬والمذموم ضده ‪ ،‬بداللة قوله تعالى ‪{ :‬إِ َّن‬
‫ِ‬
‫َّ‬
‫ات بِأ َْن ُف ِس ِه ْم َخ ْي ًرا} [النور ‪، ]62 :‬‬
‫وه َ‬
‫ون َوا ْل ُم ْؤِمَن ُ‬
‫ظ َّن ا ْل ُم ْؤِمُن َ‬
‫ض الظ ِّن إِثٌْم} ‪ ،‬وقوله ‪َ { :‬ل ْوال إِ ْذ َسم ْعُت ُم ُ‬
‫َب ْع َ‬
‫الس ْوِء َو ُكنْتُ ْم قَ ْوماً ُبوراً} [الفتح ‪ ]62 :‬وقال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬إذا‬
‫ظ َّن َّ‬
‫وقوله ‪َ { :‬وظََننْتُ ْم َ‬

‫كان أحدكم مادحا أخاه فليقل أحسب كذا وال أزكي على اهلل أحدا" ‪ .‬وقال ‪" :‬إذا ظننت فال تحقق واذا‬

‫حسدت فال تبغ واذا تطيرت فامض" خرجه أبو داود‪ .‬وأكثر العلماء على أن الظن القبيح بمن ظاهره‬
‫الخير ال يجوز ‪ ،‬وأنه ال حرج في الظن القبيح بمن ظاهره القبيح ‪ ،‬قاله المهدوي‪.‬‬
‫الرابعة ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬وال َت َج َّس ُسوا} قرأ أبو رجاء والحسن باختالف وغيرهما {وال تحسسوا} بالحاء‪.‬‬
‫واختلف هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين ‪ ،‬فقال األخفش ‪ :‬ليس‬

‫(‪)882/61‬‬

‫تبعد إحداهما من األخرى ‪ ،‬ألن التجسس البحث عما يكتم عنك‪ .‬والتحسس (بالحاء) طلب األخبار‬
‫والبحث عنها‪ .‬وقيل ‪ :‬إن التجسس (بالجيم) هو البحث ‪ ،‬ومنه قيل ‪ :‬رجل جاسوس إذا كان يبحث‬
‫عن األمور‪ .‬وبالحاء ‪ :‬هو ما أدركه اإلنسان ببعض حواسه‪ .‬وقول ثان في الفرق ‪ :‬أنه بالحاء تطلبه‬
‫لنفسه ‪ ،‬وبالجيم أن يكون رسوال لغيره ‪ ،‬قال ثعلب‪ .‬واألول أعرف‪ .‬جسست األخبار وتجسستها أي‬

‫تفحصت عنها ‪ ،‬ومنه الجاسوس‪ .‬ومعنى اآلية ‪ :‬خذوا ما ظهر وال تتبعوا عورات المسلمين ‪ ،‬أي ال‬
‫يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يطلع عليه بعد أن ستره اهلل‪ .‬وفي كتاب أبى داود عن معاوية قال‬
‫سمعت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يقول ‪ " :‬إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت‬
‫تفسدهم" فقال أبو الدرداء ‪ :‬كلمة سمعها معاوية من رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم نفعه اهلل تعالى‬
‫بها‪ .‬وعن المقدام بن معد يكرب عن أبي أمامة عن النبي صلى اهلل عليه وسلم قال ‪" :‬إن األمير إذا‬
‫ابتغى الريبة في الناس أفسدهم"‪ .‬وعن زيد بن وهب قال ‪ :‬أتي ابن مسعود فقيل ‪ :‬هذا فالن تقطر‬

‫لحيته خمرا‪ .‬فقال عبداهلل ‪ :‬إنا قد نهينا عن التجسس ‪ ،‬ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به‪ .‬وعن أبي‬
‫برزة األسلمي قال ‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل‬
‫اإليمان قلبه ال ت غتابوا المسلمين وال تتبعوا عوراتهم ‪ ،‬فإن من اتبع عوراتهم يتبع اهلل عورته ومن يتبع‬
‫اهلل عورته يفضحه في بيته" ‪ .‬وقال عبدالرحمن بن عوف ‪ :‬حرست ليلة مع عمر بن الخطاب رضي‬
‫اهلل عنه بالمدينة إذ تبين لنا سراج في بيت بابه مجاف على قوم لهم أصوات مرتفعة ولغط ‪ ،‬فقال‬
‫عمر ‪ :‬هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف ‪ ،‬وهم اآلن شرب فما ترى ! ؟ قلت ‪ :‬أرى أنا قد أتينا ما‬
‫نهى اهلل عنه ‪ ،‬قال اهلل تعالى ‪َ { :‬وال َت َج َّس ُسوا} وقد تجسسنا ‪ ،‬فانصرف عمر وتركهم‪ .‬وقال أبو‬

‫قالبة ‪ :‬حدث عمر بن الخطاب أن أبا محجن الثقفي يشرب الخمر مع أصحاب له في بيته ‪،‬‬
‫فانطلق عمر حتى دخل عليه ‪ ،‬فإذا ليس عنده إال رجل ‪ ،‬فقال أبو محجن ‪ :‬إن هذا ال يحل لك قد‬
‫نهاك اهلل عن التجسس ‪ ،‬فخرج عمر وتركه‪ .‬وقال زيد بن أسلم ‪ :‬خرج عمر وعبدالرحمن يعسان ‪،‬‬

‫(‪)888/61‬‬

‫إذ تبينت لهما نار فاستأذنا ففتح الباب ‪ ،‬فإذا رجل وامرأة تغني وعلى يد الرجل قدح ‪ ،‬فقال عمر ‪:‬‬

‫وأنت بهذا يا فالن ؟ فقال ‪ :‬وأنت بهذا يا أمير المؤمنين! قال عمر ‪ :‬فمن هذه منك ؟ قال امرأتي ‪،‬‬
‫قال فما في هذا القدح ؟ قال ماء زالل ‪ ،‬فقال للمرأة ‪ :‬وما الذي تغنين ؟ فقالت ‪:‬‬
‫تطاول هذا الليل واسود جانبه ‪ ...‬وأرقني أن ال خليل أالعبه‬
‫فواهلل لوال اهلل أني أراقبه ‪ ...‬لزعزع من هذا السرير جوانبه‬

‫ولكن عقلي والحياء يكفني ‪ ...‬وأ كرم بعلي أن تنال مراكبه‬

‫س ُسوا} ‪ .‬قال صدقت‪.‬‬
‫ثم قال الرجل ‪ :‬ما بهذا أمرنا يا أمير المؤمنين قال اهلل تعالى ‪َ { :‬وال َت َج َّ‬
‫قلت ‪ :‬ال يفهم من هذا الخبر أن المرأة كانت غير زوجة الرجل ‪ ،‬ألن عمر ال يقر على الزنى ‪،‬‬
‫وانما غنت بتلك األبيات تذكارا لزوجها ‪ ،‬وأنها قالتها في مغيبه عنها‪ .‬واهلل أعلم‪ .‬وقال عمرو بن‬
‫دينار ‪ :‬كان رجل من أهل المدينة له أخت فاشتكت ‪ ،‬فكان يعودها فماتت فدفنها‪ .‬فكان هو الذي‬
‫نزل في قبرها ‪ ،‬فسقط من كمه كيس فيه دنانير ‪ ،‬فاستعان ببعض أهله فنبشوا قبرها فأخذ الكيس ثم‬

‫قال ‪ :‬ألكشفن حتى أنظر ما آل حال أختي إليه ‪ ،‬فكشف عنها فإذا القبر مشتعل نارا ‪ ،‬فجاء إلى‬

‫أمه فقال ‪ :‬أخبريني ما كان عمل أختي ؟ فقالت ‪ :‬قد ماتت أختك فما سؤالك عن عملها فلم يزل بها‬
‫حتى قالت له ‪ :‬كان من عملها أنها كانت تؤخر ال صالة عن مواقيتها ‪ ،‬وكانت إذا نام الجيران قامت‬
‫إلى بيوتهم فألقمت أذنها أبوابهم ‪ ،‬فتجسس عليهم وتخرج أسرارهم ‪ ،‬فقال ‪ :‬بهذا هلكت‬
‫ض ُك ْم َب ْعضاً} نهى عز وجل عن الغيبة ‪ ،‬وهي أن تذكر الرجل‬
‫الخامسة ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬وال َي ْغَت ْ‬
‫ب َب ْع ُ‬
‫بما فيه ‪ ،‬فإن ذكرته بما ليس فيه فهو البهتان‪ .‬ثبت معناه في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول‬
‫اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال ‪" :‬أتدرون ما الغيبة" ؟ قالوا ‪ :‬اهلل ورسول أعلم‪ .‬قال ‪" :‬ذكرك أخاك بما‬

‫يكره" قيل ‪ :‬أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟‬

‫(‪)888/61‬‬

‫قال ‪ " :‬إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وان لم يكن فيه فقد بهته"‪ .‬يقال ‪ :‬اغتابه اغتيابا إذا وقع فيه ‪،‬‬
‫واالسم الغيبة ‪ ،‬وهي ذكر العيب بظهر الغيب‪ .‬قال الحسن ‪ :‬الغيبة ثالثة أوجه كلها في كتاب اهلل‬
‫تعالى ‪ :‬الغيبة واإلفك والبهتان‪ .‬فأما الغيبة فهو أن تقول في أخيك ما هو فيه‪ .‬وأما اإلفك فأن تقول‬
‫فيه ما بلغك عنه‪ .‬وأما البهتان فأن تقول فيه ما ليس فيه‪ .‬وعن شعبة قال ‪ :‬قال لي معاومة ‪ -‬يعني‬

‫ابن قرة ‪ : -‬لو مر بك رجل أقطع ‪ ،‬فقلت هذا أقطع كان غيبة‪ .‬قال شعبة ‪ :‬فذكرته ألبي إسحاق‬
‫فقال صدق‪ .‬وروى أبو هريرة أن األسلمي ما ع از جاء إلى النبي صلى اهلل عليه وسلم فشهد على‬

‫نفسه بالزنى فرجمه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‪ .‬فسمع نبي اهلل صلى اهلل عليه وسلم رجلين من‬
‫أصحابه يقول أحدهما لْلخر ‪ :‬انظر إلى هذا الذي ستر اهلل عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم‬
‫الكلب ‪ ،‬فسكت عنهما‪ .‬ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل برجله فقال ‪ " :‬أين فالن وفالن" ؟‬
‫فقاال ‪ :‬ن حن ذا يا رسول اهلل ‪ ،‬قال ‪ " :‬انزال فكال من جيفة هذا الحمار" فقاال ‪ :‬يا نبي اهلل ومن يأكل‬

‫من هذا ! قال ‪ " :‬فما نلتما من عرض أخيكما أشد من األكل منه والذي نفسي بيده إنه اآلن لفي‬
‫أنهار الجنة ينغمس فيها" ‪.‬‬

‫َن يأْ ُك َل َل ْحم أ ِ‬
‫َخيهِ َم ْيتًا} مثل اهلل الغيبة بأكل الميتة ‪ ،‬ألن‬
‫َُُي ِح ُّ‬
‫َح ُد ُك ْم أ ْ َ‬
‫بأَ‬
‫السادسة ‪ :‬قوله تعالى ‪{ :‬أ َ‬
‫َ‬
‫الميت ال يعلم بأكل لحمه كما أن الحي ال يعلم بغيبة من اغتابه‪ .‬وقال ابن عباس ‪ :‬إنما ضرب اهلل‬
‫هذا المثل للغيبة ألن أكل لحم الميت حرام مستقذر ‪ ،‬وكذا الغيبة حرام في الدين وقبيح في النفوس‪.‬‬
‫وقال قتادة ‪ :‬كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا كذلك يجب أن يمتنع من غيبته حيا‪ .‬واستعمل‬
‫أكل اللحم مكان الغيبة ألن عادة العرب بذلك جارية‪ .‬قال الشاعر ‪:‬‬

‫فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ‪ ...‬وان هدموا مجدي بنيت لهم مجدا‬

‫(‪)888/61‬‬

‫وقال صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬ما صام من ظل يأكل لحوم الناس" ‪ .‬فشبه الوقيعة في الناس بأكل‬
‫لحومهم‪ .‬فمن تنقص مسلما أو ثلم عرضه فهو كاآلكل لحمه حيا ‪ ،‬ومن اغتابه فهو كاآلكل لحمه‬

‫ميتا‪ .‬وفي كتاب أبي داود عن أنس بن مالك قال ‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬لما عرج‬
‫بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وج وههم وصدورهم فقلت من هؤالء يا جبريل ؟ قال‬
‫هؤالء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" ‪ .‬وعن المستورد أن رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
‫وسلم قال ‪ " :‬من أكل برجل مسلم أكلة فإن اهلل يطعمه مثلها من جهنم ومن كسي ثوبا برجل مسلم‬
‫فإن اهلل يكسوه مثله من جهنم ومن أقام برجل مقام سمعة ورياء فإن اهلل يقوم به مقام سمعة ورياء يوم‬
‫القيامة"‪ .‬وقد تقدم قوله صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل اإليمان قلبه ال‬

‫تغتابوا المسلمين" ‪ .‬وقوله للرجلين ‪" :‬ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما"‪ .‬وقال أبو قالبة‬

‫الرقاشي ‪ :‬سمعت أبا عاصم يقول ‪ :‬ما اغتبت أحدا مذ عرفت ما في الغيبة‪ .‬وكان ميمون بن سياه‬
‫ال يغتاب أحدا ‪ ،‬وال يدع أحدا يغتاب أحدا عنده ‪ ،‬ينهاه فإن انتهى واال قام‪ .‬وذكر الثعلبي من حديث‬
‫أبي هريرة قال ‪ :‬قام رجل من عند النبي صلى اهلل عليه وسلم فرأوا في قيامه عجزا فقالوا ‪ :‬يا رسول‬
‫اهلل ما أعجز فالنا فقال ‪ " :‬أكلتم لحم أخيكم وأغتبتموه" ‪ .‬وعن سفيان الثوري قال ‪ :‬أدني الغيبة أن‬

‫تقول إن فالنا جعد قطط ‪ ،‬إال أنه يكره ذلك‪ .‬وقال عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه ‪ :‬إياكم وذكر‬
‫الناس فإنه داء ‪ ،‬وعليكم بذكر اهلل فإنه شفاء‪ .‬وسمع علي بن الحسين رضي اهلل عنهما رجال يغتاب‬

‫آخر ‪ ،‬فقال ‪ :‬إياك والغيبة فإنها إدام كالب الناس‪ .‬وقيل لعمرو بن عبيد ‪ :‬لقد وقع فيك فالن حتى‬
‫رحمناك ‪ ،‬قال ‪ :‬إياه فارحموا‪ .‬وقال رجل للحسن ‪ :‬بلغني أنك تغتابني فقال ‪ :‬لم يبلغ قدرك عندي أن‬
‫أحكمك في حسناتي‪.‬‬

‫(‪)881/61‬‬

‫السابعة ‪ :‬ذهب قوم إلى أن الغيبة ال تكون إال في الدين وال تكون في الخلقة والحسب‪ .‬وقالوا ‪ :‬ذلك‬

‫الخُلق والحسب‪.‬‬
‫الخلْق و ُ‬
‫فعل اهلل به‪ .‬وذهب آخرون إلى عكس هذا فقالوا ‪ :‬ال تكون الغيبة إال في َ‬
‫والغيبة في الخلق أشد ‪ ،‬ألن من عيب صنعة فإنما عيب صانعها‪ .‬وهذا كله مردود‪ .‬أما األول فيرده‬
‫حديث عائشة حين قالت في صفية ‪ :‬إنها امرأة قصيرة ‪ ،‬فقال لها النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬لقد‬
‫قلت كلمة لو مزج بها البحر لمزجته" ‪ .‬خرجه أبو داود‪ .‬وقال فيه الترمذي ‪ :‬حديث حسن صحيح ‪،‬‬

‫وما كان في معناه حسب ما تقدم‪ .‬واجماع العلماء قديما على أن ذلك غيبة إذا أريد به العيب‪ .‬وأما‬
‫ا لثاني فمردود أيضا عند جميع العلماء ‪ ،‬ألن العلماء من أول الدهر من أصحاب رسول اهلل صلى‬
‫اهلل عليه وسلم والتابعين بعدهم لم تكن الغيبة عندهم في شيء أعظم من الغيبة في الدين ‪ ،‬ألن‬

‫عيب الدين أعظم العيب ‪ ،‬فكل مؤمن يكره أن يذكر في دينه أشد مما يكره في بدنه‪ .‬وكفى ردا لمن‬
‫قال هذا القول قول عليه السالم ‪ " :‬إذا قلت في أخيك ما يكره فقد أغتبته‪ "...‬الحديث‪ .‬فمن زعم أن‬
‫ذلك ليس بغيبة فقد رد ما قال النبي صلى اهلل عليه وسلم نصا‪ .‬وكفى بعموم قول النبي صلى اهلل‬

‫عليه وسلم ‪" :‬دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" وذلك عام للدين والدنيا‪ .‬وقول النبي ‪" :‬من‬

‫كانت عنده ألخيه مظلمة في عرضه أو ماله فليتحلله منه"‪ .‬فعم كل عرض ‪ ،‬فمن خص من ذلك‬
‫شيئا دون شيء فقد عارض ما قال النبي صلى اهلل عليه وسلم‪.‬‬
‫الثامنة ‪ :‬ال خالف أن الغيبة من الكبائر ‪ ،‬وأن من اغتاب أحدا عليه أن يتوب إلى اهلل عز وجل‪.‬‬
‫وهل يستحل المغتاب ؟ اختلف فيه ‪ ،‬فقالت فرقة ‪ :‬ليس عليه استحالله ‪ ،‬وانما هي خطيئة بينه وبين‬
‫ربه‪ .‬واحتجت بأنه لم يأخذ من ماله وال أصاب من بدنه ما ينقصه ‪ ،‬فليس ذلك بمظلمة يستحلها منه‬
‫‪ ،‬وانما المظلمة ما يكون منه البدل والعوض في المال والبدن‪ .‬وقال فرقة ‪ :‬هي مظلمة ‪ ،‬وكفارتها‬

‫االستغفار لصاحبها الذي اغتابه‪ .‬واحتجت بحديث يروي عن الحسن قال ‪ :‬كفارة الغيبة أن تستغفر‬
‫لمن اغتبته‪ .‬وقالت فرقة ‪ :‬هي مظلمة وعليه االستحالل منها‪ .‬واحتجت بقول النبي صلى اهلل عليه‬
‫وسلم ‪ " :‬من كانت ألخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليتحلله منه من قبل أن يأتي يوم ليس‬
‫هناك دينار وال درهم يؤخذ من حسناته فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فزيد على‬

‫سيئاته"‪ .‬خرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه قال ‪ :‬قال وسول اهلل صلى اهلل عليه‬
‫وسلم ‪:‬‬

‫(‪)888/61‬‬

‫" من كانت له مظلمة ألخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أال يكون له دينار وال درهم‬
‫إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وان لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل‬
‫ِ‬
‫ين قُتِلُوا ِفي سبِ ِ‬
‫يل‬
‫عليه"‪ .‬وقد تقدم هذا المعنى في سورة "آل عمران" عند قوله تعالى ‪َ { :‬وال تَ ْح َسَب َّن الَّذ َ‬
‫َ‬
‫ِ‬
‫اء} [آل عمران ‪ .]613 :‬وقد روي من حديث عائشة أن امرأة دخلت عليها فلما‬
‫َم َواتًا َب ْل أ ْ‬
‫َحَي ٌ‬
‫اللَّه أ ْ‬
‫قامت قالت امرأة ‪ :‬ما أطول ذيلها فقالت لها عائشة ‪ :‬لقد اغتبتيها فاستحليها‪ .‬فدلت اآلثار عن النبي‬
‫صلى اهلل عليه وسلم أنها مظلمة يجب على المغتاب استحاللها‪ .‬وأما قول من قال ‪ :‬إنما الغيبة في‬
‫المال وال بدن ‪ ،‬فقد أجمعت العلماء على أن على القاذف للمقذوف مظلمة يأخذه بالحد حتى يقيمه‬
‫عليه ‪ ،‬وذلك ليس في البدن وال في المال ‪ ،‬ففي ذلك دليل على أن الظلم في العرض والبدن والمال‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ِ ِ‬
‫‪ ،‬وقد قال اهلل تعالى في القاذف ‪َ { :‬فإِ ْذ َلم يأُْتوا بِ ُّ ِ‬
‫ون} [النور ‪.] 68 :‬‬
‫الش َه َداء َفأُوَلئ َك ع ْن َد اللَّه ُه ُم ا ْل َكاذُب َ‬
‫ْ َ‬
‫وقد قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬من بهت مؤمنا بما ليس فيه حبسه اهلل في طينة الخبال"‪.‬‬
‫وذلك كله في غير المال والبدن‪ .‬وأما من قال ‪ :‬إنها مظلمة ‪ ،‬وكفارة المظلمة أن يستغفر لصاحبها ‪،‬‬
‫فقد ناقض إذ سماها مظلمة ثم قال ‪ :‬كفارتها أن يستغفر لصاحبها ‪ ،‬ألن قول مظلمة تثبت ظالمة‬
‫المظلوم ‪ ،‬فإذا ثبتت الظالمة لم يزلها عن الظالم إال إحالل المظلوم له‪ .‬وأما قول الحسن فليس‬
‫بحجة ‪ ،‬وقد قال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬من كانت له عند أخيه مظلمة في عرض أو مال‬

‫فليتحللها منه" ‪ .‬وقد ذهب بعض هم إلى ترك التحليل لمن سأله ‪ ،‬ورأى أنه ال يحل ما حرم اهلل عليه ‪،‬‬

‫منهم سعيد بن المسيب قال ‪ :‬ال أحلل من ظلمني‪ .‬وقيل البن سيرين ‪ :‬يا أبا بكر ‪ ،‬هذا رجل‬

‫(‪)883/61‬‬

‫سألك أن تحلله من مظلمة هي لك عنده ‪ ،‬فقال ‪ :‬إني لم أحرمها عليه فأحلها ‪ ،‬إن اهلل حرم الغيبة‬
‫عليه ‪ ،‬وماكنت ألحل ما حرم اهلل عليه أبدا‪ .‬وخبر النبي صلى اهلل عليه وسلم يدل على التحليل ‪،‬‬
‫وهو الحجة والمبين‪ .‬والتحليل يدل على الرحمة وهو من وجه العفو ‪ ،‬وقد قال تعالى ‪{ :‬فَ َم ْن َعفَا‬
‫َجُرُه َعَلى اللَّ ِه} [الشوري ‪.]89 :‬‬
‫َصَل َح َفأ ْ‬
‫َوأ ْ‬

‫التاسعة ‪ :‬ليس من هذا الباب غيبة الفاسق المعلن به المجاهر ‪ ،‬فإن في الخبر "من ألقى جلباب‬
‫الحياء فال غيبة له"‪ .‬وقال صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس"‪ .‬فالغيبة‬
‫إذا في المرء الذي يستر نفسه‪ .‬وروي عن الحسن أنه قال ‪ :‬ثالثة ليس لهم حرمة ‪ :‬صاحب الهوي ‪،‬‬
‫والفاسق المعان ‪ ،‬واإلمام الجائر‪ .‬وقال الحسن لما مات الحجاج ‪ :‬اللهم أنت أمته فاقطع عنا سنته‬
‫ وفي رواية شينه ‪ -‬فإنه أتانا أخيفش أعيمش ‪ ،‬يمد بيد قصيرة البنان ‪ ،‬واهلل ما عرق فيها غبار في‬‫سبيل اهلل ‪ ،‬يرجل جمته ويخطر في مشيته ‪ ،‬ويصعد المنبر فيهدر حتى تفوته الصالة‪ .‬ال من اهلل‬

‫ي تقي ‪ ،‬وال من الناس يستحي ‪ ،‬فوقه اهلل وتحته مائة ألف أو يزيدون ‪ ،‬ال يقول له قائل ‪ :‬الصالة أيها‬
‫الرجل‪ .‬ثم يقول الحسن ‪ :‬هيهات ! حال دون ذلك السيف والسوط‪ .‬وروى الربيع بن صبيح عن‬
‫الحسن قال ‪ :‬ليس ألهل البدع غيبة‪ .‬وكذلك قولك للقاضي تستعين به على أخذ حقك ممن ظلمك‬
‫فتقول فالن ظلمني أو غضبني أو خانني أو ضربني أو قذفني أو أساء إلي ‪ ،‬ليس بغيبة‪ .‬وعلماء‬
‫األمة على ذلك مجمعة‪ .‬وقال النبي صلى اهلل عليه وسلم في ذلك ‪" :‬لصاحب الحق مقال" ‪ .‬وقال ‪:‬‬
‫"مطل الغني ظلم" وقال ‪َ " :‬ل ّي الواجد يحل عرضه وعقوبته" ‪ .‬ومن ذلك االستفتاء ‪ ،‬كقول هند للنبي‬
‫صلى اهلل عليه وسلم ‪ :‬إن أبا سفيان رجل شحيح ال يعطيني ما يكفيني أنا وولدي ‪ ،‬فآخذ من غير‬

‫علمه ؟ فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬نعم فخذي" ‪ .‬فذكرته بالشح والظلم لها ولولدها ‪ ،‬ولم يرها‬
‫مغتابة ‪ ،‬ألنه لم يغير عليها ‪ ،‬بل أجابها عليه الصالة والسالم بالفتيا لها‪ .‬وكذلك إذا كان في ذكره‬
‫بالسوء فائدة ‪ ،‬كقوله صلى اهلل عليه وسلم ‪:‬‬

‫(‪)883/61‬‬

‫" أما معاوية فصعلوك ال مال له وأما أبو جهم فال يضع عصاه عن عاتقه"‪ .‬فهذا جائز ‪ ،‬وكان‬
‫مقصوده أال تغتر فاطمة بنت قيس بهما‪ .‬قال جميعه المحاسبي رحمه اهلل‪.‬‬

‫العاشرة ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬م ْيتًا} وقريء {ميِّتًا} وهو نصب على الحال من اللحم‪ .‬ويجوز أن ينصب‬
‫على األخ ‪ ،‬ولما قررهم عز وجل بأن أحدا منهم ال يجب أكل جيفة أخيه عقب ذلك بقوله تعالى ‪:‬‬

‫وه} وفيه وجهان ‪ :‬أحدهما ‪ :‬فكرهتم أكل الميتة فكذلك فاكرهوا الغيبة ‪ ،‬روي معناه عن‬
‫{ َف َك ِرْهُت ُم ُ‬
‫مجاهد‪ .‬الثاني ‪ :‬فكرهتم أن يغتابكم الناس فاكرهوا غيبة الناس‪ .‬وقال الفراء ‪ :‬أي فقد كرهتموه فال‬
‫تفعلوه‪ .‬وقيل ‪ :‬لفظه خبر ومعناه أمر ‪ ،‬أي اكرهوه‪{ .‬واتَّ ُقوا َّ‬
‫الل َه} عطف عليه‪ .‬وقيل ‪ :‬عطف على‬
‫َ‬

‫قوله ‪" :‬اجتنبوا‪ .‬وال تجسسوا"‪ِ{ .‬إ َّن اللَّه َت َّو ٌ ِ‬
‫يم}‪.‬‬
‫َ‬
‫اب َرح ٌ‬
‫اس إِنَّا َخلَقَْنا ُك ْم ِم ْن َذ َكر َوأ ُْنثَى َو َج َع ْلَنا ُك ْم ُش ُعوباً َوَقَبائِ َل لَِت َع َارُفوا إِ َّن أَ ْكَرَم ُك ْم ِع ْن َد‬
‫ُّها النَّ ُ‬
‫اآلية ‪َ{ 68 :‬يا أَي َ‬
‫َّ ِ‬
‫َّ ِ‬
‫يم َخبِ ٌير}‬
‫الله أَتْقَا ُك ْم إِ َّن الل َه َعل ٌ‬
‫فيه سبع مسائل ‪:‬‬
‫اس إِنَّا َخلَقَْنا ُك ْم ِم ْن َذ َكر َوأُنْثَى} يعني آدم وحواء‪ .‬ونزلت اآلية في‬
‫ُّها النَّ ُ‬
‫األولى ‪ :‬قوله تعالى ‪َ{ :‬يا أَي َ‬
‫أبي هند ‪ ،‬ذكره أبو داود في (المراسيل) ‪ ،‬حدثنا عمرو بن عثمان وكثير بن عبيد قاال حدثنا بقية بن‬
‫الوليد قال حدثني الزهري قال ‪ :‬أمر رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بني بياضة أن يزوجوا أبا هند‬
‫امرأة منهم ‪ ،‬فقالوا لرسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ :‬نزوج‬

‫(‪)889/61‬‬

‫بناتنا موالينا ؟ فأنزل اهلل عز وجل ‪ { :‬إِنَّا َخلَقَْنا ُك ْم ِم ْن َذ َكر َوأ ُْنثَى َو َج َعلَْنا ُك ْم ُش ُعوباً} اآلية‪ .‬قال‬
‫الزهري ‪ :‬نزلت في أبي هند خاصة‪ .‬وقيل ‪ :‬إنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس‪ .‬وقوله في‬
‫الرجل الذي لم يتفسح له ‪ :‬ابن فالنة ‪ ،‬فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬من الذاكر فالنة" ؟ قال‬
‫ثابت ‪ :‬أنا يا رسول اهلل ‪ ،‬فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬انظر في وجوه القوم" فنظر ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫"ما رأيت" ؟ قال رأيت أبيض وأسود وأحمر ‪ ،‬فقال ‪" :‬فإنك ال تفضلهم إال بالتقوى" فنزلت في ثابت‬
‫هذه اآلية‪ .‬ونزلت في الرجل الذي لم يتفسح له ‪{ :‬يا أَي ِ‬
‫يل لَ ُك ْم َت َفسَّ ُحوا ِفي‬
‫آمُنوا إِ َذا ِق َ‬
‫ُّها الَّذ َ‬
‫ين َ‬
‫َ َ‬
‫ا ْل َم َجالِ ِ‬
‫س} [المجادلة ‪ ]66 :‬اآلية‪ .‬قال ابن عباس ‪ :‬لما كان يوم فتح مكة أمر النبي صلى اهلل عليه‬

‫وسلم بالال حتى عال على ظهر الكعبة فأذن ‪ ،‬فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص ‪ :‬الحمد هلل الذي‬
‫قبض أبي حتى ال يرى هذا اليوم‪ .‬قال الحارث بن هشام ‪ :‬ما وجد محمد غير هذا الغراب األسود‬

‫مؤذنا‪ .‬وقال سهيل بن عمرو ‪ :‬إن يرد اهلل شيئا يغيره‪ .‬وقال أبو سفيان ‪ :‬إني ال أقول شيئا أخاف أن‬
‫يخبر به رب السماء ‪ ،‬فأتى جبريل النبي صلى اهلل عليه وسلم وأخبره بما قالوا ‪ ،‬فدعاهم وسألهم عما‬
‫قالوا فأقروا ‪ ،‬فأنزل اهلل تعالى هذه اآلية‪ .‬زجرهم عن التفاخر باألنساب ‪ ،‬والتكاثر باألموال ‪،‬‬

‫واالزدراء بالفقراء ‪ ،‬فإن المدار على التقوى‪ .‬أي الجميع من آدم وحواء ‪ ،‬إنما الفضل بالتقوى‪ .‬وفي‬
‫الترمذي عن ابن عمر أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم خطب بمكة فقال ‪" :‬يا أيها الناس إن اهلل‬

‫قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعاظمها بآبائها‪ .‬فالناس رجالن ‪ :‬رجل بر تقي كريم على اهلل ‪،‬‬

‫ُّها َّ‬
‫اس‬
‫الن ُ‬
‫وفاجر شقي هين على اهلل‪ .‬والناس بنو آدم وخلق اهلل آدم من تراب قال اهلل تعالى ‪َ{ :‬يا أَي َ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ َّ ِ‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫يم‬
‫إِنَّا َخَل ْقَنا ُك ْم م ْن َذ َكر َوأ ُْنثَى َو َج َع ْلَنا ُك ْم ُش ُعوبًا َوَقَبائ َل لَت َع َارُفوا إِ َّن أَ ْكَرَم ُك ْم ع ْن َد الله أَ ْت َقا ُك ْم إِ َّن الل َه َعل ٌ‬
‫َخبِ ٌير} خرجه من حديث عبداهلل بن جعفر والد علي بن المديني وه و ضعيف ‪ ،‬ضعفه يحيى بن‬

‫معين وغيره‪ .‬وقد خرج الطبري في كتاب (آداب النفوس) وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا‬
‫إسماعيل قال حدثنا سعيد الجريري عن أبي نضرة قال ‪ :‬حدثني أو حدثنا من‬

‫(‪)886/61‬‬

‫شهد خطب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بمنى في وسط أيام التشريق وهو على بعير فقال ‪" :‬أيها‬

‫الناس أال إن ربكم واحد وان أباكم واحد أال ال فضل لعربي على عجمي وال عجمي على عربي وال‬

‫ألسود على أحمر وال ألحمر على أسود إال بالتقوى أال هل بلغت ؟ ‪ -‬قالوا نعم قال ‪ -‬ليبلغ الشاهد‬
‫الغائب" ‪ .‬وفيه عن أبو مالك األشعري قال ‪ :‬قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬إن اهلل ال ينظر‬
‫إلى أحسابكم وال إلى أنسابكم وال إلى أجسامكم وال إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم فمن كان له‬
‫قلب صالح تحنن اهلل عليه وانما أنتم بنو آدم وأحبكم إليه أتقاكم" ‪ .‬ولعلي رضي اهلل عنه في هذا‬
‫المعنى وهو مشهور من شعره ‪:‬‬

‫الناس من جهة التمثيل أكفاء ‪ ...‬أبوهم آدم واألم حواء‬
‫نفس كنفس وأرواح مشاكلة ‪ ...‬وأعظم خلقت فيهم وأعضاء‬
‫فإن يكن لهم من أصلهم حسب ‪ ...‬يفاخرون به فالطين والماء‬
‫ما الفضل إال ألهل العلم إنهم ‪ ...‬على الهدى لمن استهدىأدالء‬
‫وقدر كل امرئ ما كان يحسنه ‪ ...‬وللرجال على األفعال سيماء‬

‫وضد كل امرئ ما كان يجهله ‪ ...‬والجاهلون ألهل العلم أعداء‬

‫الثانية ‪ :‬بين اهلل تعالى في هذه اآلية أنه خلق الخلق من الذكر واألنثى ‪ ،‬وكذلك في أول سورة‬
‫"النساء"‪ .‬ولو شاء لخلقه دونهما كخلقه آلدم ‪ ،‬أو دون ذكر كخلقه لعيسى عليه السالم ‪ ،‬أو دون‬
‫أنثى كخلقه حواء من إحدى الجهتين‪ .‬وهذا الجائز في القدرة لم يرد به الوجود‪ .‬وقد جاء أن آدم خلق‬
‫اهلل منه حواء من ضلع انتزعها من أضالعه ‪ ،‬فلعله هذا القسم ‪ ،‬قاله ابن العربي‪.‬‬
‫الثالثة ‪ :‬خلق اهلل الخلق بين الذكر واألنثى أنسابا وأصهارا وقبائل وشعوبا ‪ ،‬وخلق لهم منها التعارف‬
‫‪ ،‬وجعل لهم بها ال تواصل للحكمة التي قدرها وهو أعلم بها ‪ ،‬فصار كل أحد يحوز نسبه ‪ ،‬فإذا نفاه‬
‫رجل عنه استوجب الحد بقذفه ‪ ،‬مثل أن ينفيه عن رهطه وحسبه ‪،‬‬

‫(‪)882/61‬‬

‫بقول للعربي ‪ :‬يا عجمي ‪ ،‬وللعجمي ‪ :‬يا عربي ‪ ،‬ونحو ذلك مما يقع به النفي حقيقة‪ .‬انتهى‪.‬‬
‫الرابعة ‪ :‬ذهب قوم من األوائل إل ى أن الجنين إنما يكون من ماء الرجل وحده ‪ ،‬ويتربى في رحم األم‬
‫ِ‬
‫اه ِفي‬
‫‪ ،‬ويستمد من الدم الذي يكون فيه‪ .‬واحتجوا بقوله تعالى ‪{ :‬أَلَ ْم نَ ْخلُقْ ُك ْم م ْن َماء َم ِهين‪ .‬فَ َج َعلْنَ ُ‬
‫َقَرار َم ِكين} [المرسالت ‪ .] 26 :‬وقوله تعالى ‪{ :‬ثَُّم َج َع َل َن ْسَلهُ ِم ْن ُساللَة ِم ْن َماء َم ِهين} [السجدة ‪:‬‬
‫‪ .]3‬وقوله ‪{ :‬أَلَ ْم َي ُك ُنطْفَةً ِم ْن َمنِ ٍّي ُي ْمَنى} [القيامة ‪ .]88 :‬فدل على أن الخلق من ماء واحد‪.‬‬
‫والصحيح أن الخلق إنما يكون من ماء الرجل والمرأة لهذه اآلية ‪ ،‬فإنها نص ال يحتمل التأويل‪.‬‬
‫الصلْ ِب َوالتََّرائِ ِب} [الطارق ‪ ] 1 :‬والمراد منه‬
‫ق ِم ْن َماء َد ِافق‪َ .‬ي ْخُرُج ِم ْن َب ْي ِن ُّ‬
‫وقوله تعال ‪ُ { :‬خلِ َ‬
‫أصالب الرجال وترائب النساء ‪ ،‬على ما يأتي بيانه‪ .‬وأما ما احتجوا به فليس فيه أكثر من أن اهلل‬
‫تعالى ذكر خلق اإلنسان من الماء والساللة والنطفة ولم يضفها إلى أحد األبوين دون اآلخر‪ .‬فدل‬
‫على أن الماء والساللة لهما والنطفة منهما بداللة ما ذكرنا‪ .‬وبأن المرأة تمني كما يمني الرجل ‪،‬‬

‫وعن ذلك يكون الشبه ‪ ،‬حسب ما تقدم بيانه في آخر "الشورى"‪ .‬وقد قال في قصة نوج ‪َ { :‬فا ْلَت َقى‬
‫َمر َق ْد ُقِدَر} [القمر ‪ ]62 :‬وانما أراد ماء السماء وماء األرض ‪ ،‬ألن االلتقاء ال يكون إال‬
‫اء َعلَى أ ْ‬
‫الْ َم ُ‬
‫من أثنين ‪ ،‬فال ينكر أن يكون {ثَُّم َج َع َل َن ْسَل ُه ِم ْن ُسالَلة ِم ْن َماء َم ِهين} [السجدة ‪ .]3 :‬وقوله‬
‫تعالى ‪{ :‬أََل ْم َن ْخُل ْق ُك ْم ِم ْن َماء َم ِهين} [المرسالت ‪ ]26 :‬ويريد ماءين‪ .‬واهلل أعلم‪.‬‬
‫الخامسة ‪ :‬قوله تعالى ‪َ { :‬و َج َعلَْنا ُك ْم ُش ُعوباً َوقََبائِ َل لِتَ َع َارفُوا} الشعوب رؤوس القبائل ‪ ،‬مثل ربيعة‬
‫ومضر واألوس والخزرج ‪ ،‬وأحدها َش ْعب بفتح الشين ‪ ،‬سموا به‬

‫(‪)888/61‬‬

‫لتشعبهم واجتماعهم كشعب أغصان الشجرة‪ .‬والشعب من األضداد ‪ ،‬يقال شعبته إذا جمعته ‪ ،‬ومنه‬
‫المشعب (بكسر الميم) وهو اإلشفي ‪ ،‬ألنه يجمع به ويشعب‪ .‬قال ‪:‬‬
‫فكاب على حر الجبين ومتق ‪ ...‬بمدرية كأنه ذلق مشعب‬
‫وشعبته إذا فرقته ‪ ،‬ومنه سميت المنية شعوبا ألنها مفرقة‪ .‬فأما الشعب (بالكسر) فهو الطريق في‬

‫الجبل ‪ ،‬والجمع الشعاب‪ .‬قال الجوهري ‪ :‬الشعب ‪ :‬ما تشعب من قبائل العرب والعجم ‪ ،‬والجمع‬
‫الشعوب‪ .‬والشعوبية ‪ :‬فرقة ال تفضل العرب على العجم‪ .‬وأما الذي في الحديث ‪ :‬أن رجال من‬

‫الشعوب أسلم ‪ ،‬فإنه يعني من العجم‪ .‬والشعب ‪ :‬القبيلة العظيمة ‪ ،‬وهو أبو القبائل الذي ينسبون إليه‬
‫‪ ،‬أي يجمعهم ويضمهم‪ .‬قال ابن عباس ‪ :‬الشعوب الجمهور ‪ ،‬مثل مضر‪ .‬والقبائل األفخاذ‪ .‬وقال‬
‫مجاهد ‪ :‬الشعوب البعيد من النسب ‪ ،‬والقبائل دون ذلك‪ .‬وعنه أيضا أن الشعوب النسب األقرب‪.‬‬
‫وقال قتادة‪ .‬ذكر األول عنه المهدوي ‪ ،‬والثاني الماوردي‪ .‬قال الشاعر ‪:‬‬
‫رأيت سعودا من شعوب كثيرة ‪ ...‬فلم أر سعدا مثل سعد بن مالك‬

‫وقال آخر ‪:‬‬
‫قبائل من شعوب ليس فيهم ‪ ...‬كريم قد يعد وال نجيب‬
‫وقيل ‪ :‬إن الشعوب عرب اليمن من قحطان ‪ ،‬والقبائل من ربيعة ومضر وسائر عدنان‪ .‬وقيل ‪ :‬إن‬
‫الشعوب بطون العجم ‪ ،‬والقبائل بطون العرب‪ .‬وقال ابن عباس في رواية ‪ :‬إن الشعوب الموالي ‪،‬‬

‫والقبائل العرب‪ .‬قال القشيري ‪ :‬وعلى هذا فالشعوب من ال يعرف لهم أصل نسب كالهند والجبل‬
‫والترك ‪ ،‬والقبائل من العرب‪ .‬الماوردي ‪ :‬ويحتمل أن‬

‫(‪)888/61‬‬

‫الشعوب هم المضافون إلى النواحي والشعاب ‪ ،‬والقبائل هم المشركون في األنساب‪ .‬قال الشاعر ‪:‬‬
‫وتفرقوا شعبا فكل جزيرة ‪ ...‬فيها أمير المؤمنين ومنبر‬

‫وحكى أبو عبيد عن ابن الكلبي عن أبيه ‪ :‬الشعب أكبر من القبيلة ثم الفصيلة ثم العمارة ثم البطن‬

‫ثم الفخذ‪ .‬وقيل ‪ :‬الشعب ثم القبيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ ثم الفصيلة ثم العشيرة ‪ ،‬وقد نظمها‬
‫بعض األدباء فقال ‪:‬‬
‫اقصد الشعب فهو أكثر حي ‪ ...‬عددا في الحواء ثم القبيله‬
‫ثم تتلوها العمارة ثم الـ ‪ ...‬ـبطن والفخذ بعدها والفصيله‬
‫ثم من بعدها العشيرة لكن ‪ ...‬هي في جنب ما ذكرناه قليله‬
‫وقال آخر ‪:‬‬

‫قبيلة قبلها شعب وبعدهما ‪ ...‬عمارة ثم بطن تلوه فجذ‬
‫وليس يؤوي الفتى إال فصيلته ‪ ...‬وال سداد لسهم ماله قذذ‬
‫السادسة ‪ :‬قوله تعالى ‪{ :‬إِ َّن أَ ْكَرَم ُك ْم ِع ْن َد اللَّ ِه أَ ْت َقا ُك ْم} وقد تقدم في سورة "الزخرف" عند قوله تعالى ‪:‬‬
‫{ َِوانَّ ُه لَِذ ْكٌر لَ َك َولِقَ ْوِم َك} [الزخرف ‪ .] 88 :‬وفي هذه اآلية ما يدلك على أن التقوى هي المراعى عند‬
‫اهلل تعالى وعند رسوله دون الحسب والنسب‪ .‬وقريء {أن} بالفتح‪ .‬كأنه قيل ‪ :‬لم يتفاخر باألنساب ؟‬

‫قيل ‪ :‬ألن أكرمكم عند اهلل أتقاكم ال أنسبكم‪ .‬وفي الترمذي عن سمرة عن النبي صلى اهلل عليه وسلم‬
‫قال ‪ " :‬الحسب المال والكرم التقوى"‪ .‬قال ‪ :‬هذا حديث حسن غريب صحيح‪ .‬وذلك يرجع إلى قوله‬
‫تعالى ‪{ :‬إِ َّن أَ ْكَرَم ُك ْم ِع ْن َد اللَّهِ أَ ْت َقا ُك ْم} ‪ ،‬وقد جاء منصوصا عنه عليه السالم ‪" :‬من أحب أن يكون‬
‫أكرم الناس فليتق اهلل"‪ .‬والتقوى معناه مراعاة حدود اهلل تعالى أمرا ونهيا ‪ ،‬واالتصاف بما أمرك أن‬
‫تتصف به ‪ ،‬والتنزه عما نهاك عنه‪ .‬وقد مضى هذا في غير موضع‪ .‬وفي الخبر من رواية أبي هريرة‬
‫عن النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬إن اهلل تعالى يقول يوم القيامة إني جعلت نسبا وجعلتم‬

‫(‪)888/61‬‬

‫نسبا فجعلت أكرمكم أتقاكم وأبيتم إال أن تقولوا فالن ابن فالن وأنا اليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم‬
‫أين المتقون أين المتقون"‪ .‬وروى الطبري من حديث أبي هريرة أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
‫قال ‪ " :‬إن أوليائي المتقون يوم القيامة وان كان نسب أقرب من نسب‪ .‬يأتي الناس باألعمال وتأتون‬
‫بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون يا محمد فأقول هكذا وهكذا"‪ .‬وأعرض في كل عطفيه‪ .‬وفي‬

‫صحيح مسلم من حديث عبداهلل بن عمرو قال ‪ :‬سمعت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم جهارا غير‬
‫سر يقول ‪ " :‬إن آل أبي ليسوا لي بأولياء إنما وليي اهلل وصالح المؤمنين"‪ .‬وعن أبي هريرة أن النبي‬
‫صلى اهلل عليه وسلم سئل ‪ :‬من أكرم الناس ؟ فقال ‪ " :‬يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم"‬
‫قالوا ‪ :‬ليس عن هذا نسألك ‪ ،‬قال ‪" :‬فأكرمهم عند اهلل أتقاهم" فقالوا ‪ :‬ليس عن هذا نسألك ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫"عن معادن العرب ؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في اإلسالم إذا فقهوا" وأنشدوا في ذلك ‪:‬‬
‫ما يصنع العبد بعز الغني ‪ ...‬والعز كل العز للمتقي‬

‫من عرف اهلل فلم تغنه ‪ ...‬معرفة اهلل فذاك الشقي‬

‫السابعة ‪ :‬ذكر الطبري حدثني عمر بن محمد قال حدثنا عبيد بن إسحاق العطار قال حدثنا مندل‬
‫بن علي عن ث ور بن يزيد عن سالم بن أبي الجعد قال ‪ :‬تزوج رجل من األنصار امرأة فطُ ِعن عليها‬

‫في حسبها ‪ ،‬فقال الرجل ‪ :‬إني لم أتزوجها لحسبها إنما تزوجتها لدينها وخلقها ‪ ،‬فقال النبي صلى اهلل‬

‫عليه وسلم ‪ " :‬ما يضرك أال تكون من آل حاجب بن ز اررة" ‪ .‬ثم قال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪:‬‬
‫" إن اهلل تبارك وتعالى جاء باإلسالم فرفع به الخسيسة وأتم به الناقصة وأذهب به اللوم فال لوم على‬
‫مسلم إنما اللوم لوم الجاهلية"‪ .‬وقال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ " :‬إني ألرجو أن أكون أخشاكم هلل‬
‫وأعلمكم بما أتقي" ولذلك كان أكرم البشر على اهلل تعالى‪ .‬قال ابن العربي ‪ :‬وهذا الذي لحظ مالك‬
‫في الكفاءة في النكاح‪ .‬روى عبداهلل عن مالك ‪ :‬يتزوج المولى العربية ‪ ،‬واحتج بهذه اآلية‪ .‬وقال أبو‬
‫حنيفة والشافعي ‪:‬‬

‫(‪)881/61‬‬

‫يراعى الحسب والمال‪ .‬وفي الصحيح عن عائشة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة ‪ -‬وكان ممن شهد‬
‫بدرا مع النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ -‬تبني سالما وأنكحه هندا بنت أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة ‪،‬‬
‫وهو مولى المرأة من األنصار‪ .‬وضباعة بنت الزبير كانت تحت المقداد بن األسود‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وأخت عبدالرحمن بن عوف كانت تحت بالل‪ .‬وزينب بنت جحش كانت تحت زيد بن حارثة‪.‬‬

‫فدل على جواز نكاح الموالي العربية ‪ ،‬وانما تراعى الكفاءة في الدين‪ .‬والدليل عليه أيضا ما روى‬
‫سهل بن سعد في صحيح البخاري أن النبي صلى اهلل عليه وسلم مر عليه رجل فقال ‪ " :‬ما تقولون‬

‫في هذا" ؟ فقالوا ‪َ :‬حري إن خطب أن ُين َكح ‪ ،‬وان شفع أن ُي ْشفَّع وان قال أن ُي ْس َمع‪ .‬قال ‪ :‬ثم سكت‬
‫‪ ،‬فمر رجل من فقراء المسلمين فقال ‪" :‬ما تقولون في هذا" قالوا ‪ :‬حري إن خطب أال ُي ْن َكح ‪ ،‬وان‬
‫سمع‪ .‬فقال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬هذا خير من ملء‬
‫شفع أال ُي َشفّع ‪ ،‬وان قال أال ُي َ‬
‫األرض مثل هذا"‪ .‬وقال صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬تنكح المرأة لمالها وجمالها ودينها ‪ -‬وفي رواية ‪-‬‬

‫ولحسبها فعليك بذات الدين تربت يداك"‪ .‬وقد خطب سلمان إلى أبي بكر ابنته فأجابه ‪ ،‬وخطب إلى‬
‫عمر ابنته فالتوى عليه ‪ ،‬ثم سأله أن ينكحها فلم يفعل سلمان‪ .‬وخطب بالل بنت البكير فأبى إخوتها‬
‫‪ ،‬قال بالل ‪ :‬يا رسول اهلل ‪ ،‬ماذا لقيت من بني البكير خطبت إليهم أختهم فمنعوني وآذوني ‪،‬‬
‫فغضب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم من أجل بالل ‪ ،‬فبلغهم الخبر فأتوا أختهم فقالوا ‪ :‬ماذا لقينا‬

‫من سببك ؟ فقالت أختهم ‪ :‬أمري بيد رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬فزوجوها‪ .‬وقال النبي صلى‬
‫اهلل عليه وسلم في أبي هند حين حجمه ‪ " :‬أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه"‪ .‬وهو مولى بني بياضة‪.‬‬
‫وروى الدارقطني من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أن أبا هند مولى بني بياضة كان حجاما‬
‫فحجم النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬فقال النبي صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬من سره أن ينظر إلى من‬
‫صور اهلل اإليمان في قلبه فلينظر إلى أبي هند" ‪ .‬وقال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪" :‬أنكحوه‬
‫وأنكحوا إليه"‪ .‬قال القشيري أبو نصر ‪:‬‬

‫(‪)888/61‬‬

‫وقد يعتبر النسب في الكفاءة في النكاح وهو االتصال بشجرة النبوة أو بالعلماء الذين هم ورثة‬
‫األنبياء ‪ ،‬أو بالمرموقين في الزهد والصالح‪ .‬والتقي المؤمن أفضل من الفاجر النسيب ‪ ،‬فإن كانا‬
‫تقيي ن فحينئذ يقدم النسيب منهما ‪ ،‬كما تقدم الشاب على الشيخ في الصالة إذا استويا في التقوى‪.‬‬
‫ِ ِ‬
‫ِ‬
‫ان ِفي قُُلوبِ ُك ْم َِوا ْن‬
‫اآلية ‪َ { 68 :‬قاَل ِت ْاأل ْ‬
‫يم ُ‬
‫آمنَّا ُق ْل َل ْم ُت ْؤِمُنوا َوَلك ْن ُقوُلوا أ ْ‬
‫َعَر ُ‬
‫َسَل ْمَنا َوَل َّما َي ْد ُخل ْاأل َ‬
‫اب َ‬
‫ِ‬
‫ُت ِطيعوا اللَّه ورسولَ ه ال يلِتْ ُكم ِم ْن أ ْ ِ‬
‫يم}‬
‫َع َمال ُك ْم َش ْيئاً إِ َّن اللَّ َه َغ ُف ٌ‬
‫ور َرح ٌ‬
‫َ ََ ُ ُ َ ْ‬
‫ُ‬
‫نزلت في أعرب من بني أسد بن خزيمة قدموا على رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم في سنة جدبة‬
‫وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر‪ .‬وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعاوها ‪،‬‬
‫وكانوا يقولون لرسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ‪ :‬أتينال باألثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو‬
‫فالن فأعطنا من الصدقة ‪ ،‬وجعلوا يمنون عليه فأنزل اهلل تعالى فيهم هذه اآلية‪ .‬وقال ابن عباس ‪:‬‬
‫نزلت في أعراب أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة قبل أن يهاجروا ‪ ،‬فأعلم اهلل أن لهم أسماء األعراب ال‬

‫أسماء المهاجرين‪ .‬وقال السدي ‪ :‬نزلت في األعراب المذكورين في سورة الفتح ‪ :‬أعراب مزينة‬

‫وجهينة وأسلم وغفار والديل وأشجع ‪ ،‬قالوا آمنا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم ‪ ،‬فلما استنفروا إلى‬
‫المدينة تخلفوا ‪ ،‬فنزلت‪ .‬وبالجملة فاآلية خاصة لبعض األعراب ‪ ،‬ألن منهم من يؤمن باهلل واليوم‬
‫ِ‬
‫َسلَ ْمنَا} أي استسلمنا خوف القتل والسبي ‪ ،‬وهذه‬
‫اآلخر كما وصف اهلل تعالى‪ .‬ومعنى { َولَك ْن قُولُوا أ ْ‬
‫صفة المنافقين ‪ ،‬ألنهم أسلموا في ظاهر إيمانهم ولم تؤمن قلوبهم ‪ ،‬وحقيقة اإليمان التصديق بالقلب‪.‬‬

‫وأما اإلسالم فقبول ما أتى به النبي صلى اهلل عليه وسلم في الظاهر ‪ ،‬وذلك يحقن الدم‪َِ { .‬وا ْن‬
‫ِ‬
‫َع َمالِ ُك ْم َش ْيئًا } الته‬
‫يعوا اللَّ َه َوَر ُسوَل ُه} يعني إن تخلصوا اإليمان {ال َيلِ ْت ُك ْم} أي ال ينقصكم‪ِ { .‬م ْن أ ْ‬
‫ُتط ُ‬
‫يليته ويلوته ‪ :‬نقصه‪ .‬وقرأ أبو عمرو {ال يألتكم} بالهمزة ‪ ،‬من ألت يألت‬

‫(‪)883/61‬‬

‫اه ْم ِم ْن َع َملِ ِه ْم ِم ْن َش ْيء} [الطور ‪]26 :‬‬
‫ألتا ‪ ،‬وهو اختيار أبي حاتم ‪ ،‬اعتبارا بقوله تعالى ‪َ { :‬و َما أََل ْتَن ُ‬
‫قال الشاعر ‪:‬‬
‫أبلغ بني ثعل عني مغلغلة ‪ ...‬جهد الرسالة ال ألتا وال كذبا‬
‫واختاو األولى أبو عبيد‪ .‬قال رؤبة ‪:‬‬
‫وليلة ذات ندى سريت ‪ ...‬ولم يلتني عن سراها ليت‬
‫أي لم يمنعني عن سراها مانع ‪ ،‬وكذلك ألته عن وجهه ‪ ،‬فعل وأفعل بمعنى‪ .‬ويقال أيضا ‪ :‬ما أالته‬
‫من عمله شيئا ‪ ،‬أي ما نقصه ‪ ،‬مثل ألته ‪ ،‬قال الفراء‪ .‬وأنشد ‪:‬‬

‫ويأكلن ما أعني الولي فلم يلت ‪ ...‬كأن بحافات النهاء المزارعا‬
‫َعَني} بمعنى أنبت ‪ ،‬يقال ‪ :‬ما أعنت األرض شيئا ‪،‬‬
‫قوله ‪ :‬فلم {َيلِ ْ‬
‫ت} أي لم ينقص منه شيئا‪ .‬و {أ ْ‬
‫الولِ ّي} المطر بعد الوسمي ‪ ،‬سمي وليا ألنه يلي الوسمي‪ .‬ولم يقل ‪ :‬ال يألتاكم ‪،‬‬
‫أي ما أنبتت‪ .‬و { َ‬
‫ألن طاعة اهلل تعالى طاعة الرسول‪.‬‬

‫َّ ِ‬
‫ِ‬
‫َم َوالِ ِه ْم َوأ َْن ُف ِس ِه ْم ِفي‬
‫سولِهِ ثَُّم لَ ْم َي ْرَت ُابوا َو َج َ‬
‫اه ُدوا بِأ ْ‬
‫ون الَّذ َ‬
‫اآلية ‪{ 61 - 68 :‬إِنَّ َما الْ ُم ْؤِمُن َ‬
‫آمُنوا بِالله َوَر ُ‬
‫ين َ‬
‫ِ‬
‫َّ ِِ ِ‬
‫يل اللَّ ِه أُوَلئِ َك ُهم َّ ِ‬
‫َّ‬
‫سبِ ِ‬
‫الس َماوا ِت و َما فِي ْاأل َْر ِ‬
‫ض‬
‫ون ‪ُ ،‬ق ْل أَُت َعلِّ ُم َ‬
‫الصاد ُق َ‬
‫َ‬
‫ون الل َه بدين ُك ْم َوالل ُه َي ْعَل ُم َما في َّ َ َ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫ِّ‬
‫َّ‬
‫ش ْيء َعلي ٌم }‬
‫َوالل ُه بِ ُكل َ‬
‫َّ ِ‬
‫ِ‬
‫سولِ ِه ثَُّم لَ ْم َي ْرتَ ُابوا} أي صدقوا ولم يشكوا وحققوا ذلك‬
‫ون الَّذ َ‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬إِنَّ َما الْ ُم ْؤِمنُ َ‬
‫آمنُوا بِالله َوَر ُ‬
‫ين َ‬
‫بالجهاد واألعمال الصالحة‪{ .‬أُوَلئِ َك ُهم َّ ِ‬
‫ون} في إيمانهم ‪ ،‬ال من أسلم خوف القتل ورجاء‬
‫الصاد ُق َ‬
‫ُ‬
‫الكسب‪ .‬فلما نزلت حلف األعراب أنهم مؤمنون في السر‬

‫(‪)883/61‬‬

‫السماو ِ‬
‫ِ‬
‫َّ ِِ ِ‬
‫َّ‬
‫ات َو َما‬
‫والعالنية وكذبوا ‪ ،‬فنزلت‪ُ { .‬ق ْل أَُت َعلِّ ُم َ‬
‫ون اللهَ بدين ُك ْم} الذي أنتم عليه‪َ { .‬والل ُه َي ْعَل ُم َما في َّ َ َ‬
‫ِ‬
‫ِفي ْاأل َْر ِ‬
‫يم}‪.‬‬
‫ض َواللَّ ُه بِ ُك ِّل َ‬
‫ش ْيء َعل ٌ‬

‫َن َه َدا ُك ْم‬
‫الم ُك ْم َب ِل اللَّهُ َي ُم ُّن َعلَيْ ُك ْم أ ْ‬
‫َسلَ ُموا قُ ْل ال تَ ُمنُّوا َعلَ َّي إِ ْ‬
‫ون َعلَيْ َك أَ ْن أ ْ‬
‫اآلية ‪َ{ 63 - 68 :‬ي ُمنُّ َ‬
‫س َ‬
‫ِ‬
‫السم ِ‬
‫ان إِ ْن ُك ْنُتم ِ ِ‬
‫ات و ْاأل َْر ِ‬
‫لِ ِْ‬
‫يم ِ‬
‫ون}‬
‫ض َواللَّ ُه َبص ٌير بِ َما َت ْع َمُل َ‬
‫ين ‪ ،‬إِ َّن اللَّ َه َي ْعَل ُم َغ ْي َ‬
‫صاد ق َ‬
‫ْ َ‬
‫إل َ‬
‫او َ‬
‫ب َّ َ َ‬

‫َسلَ ُموا} إشارة إلى قولهم ‪ :‬جئناك باألثقال والعيال‪ .‬و"أن" في موضع‬
‫قوله تعالى ‪َ{ :‬ي ُمنُّو َن َعلَ ْي َك أ ْ‬
‫َن أ ْ‬
‫َن‬
‫الم ُك ْم} أي بإسالمكم‪َ { .‬ب ِل اللَّ ُه َي ُم ُّن َعَل ْي ُك ْم أ ْ‬
‫نصب على تقدير ألن أسلموا‪ُ { .‬ق ْل ال َت ُمنُّوا َعَل َّي إِ ْس َ‬
‫َه َدا ُك ْم لِ ِْ‬
‫يم ِ‬
‫ان} {أن} موضع نصب ‪ ،‬تقديره بأن‪ .‬وقيل ‪ :‬ألن‪ .‬وفي مصحف عبداهلل {إذ هداكم}‪.‬‬
‫إل َ‬

‫{إِ ْن ُك ْنُتم ِ ِ‬
‫ين} صادقين أنكم مؤمنون‪ .‬وقرأ عاصم {إن هداكم} بالكسر ؛ وفيه بعد ؛ لقوله ‪ِ{ :‬إ ْن‬
‫صاد ق َ‬
‫ْ َ‬
‫ُك ْنُتم ِ ِ‬
‫َن َه َدا ُك ْم}‪ .‬وهذا ال يدل‬
‫ين}‪ .‬وال يقال يمن عليكم أن يهديكم إن صدقتم‪ .‬والقراءة الظاهرة {أ ْ‬
‫صادق َ‬
‫ْ َ‬
‫ب‬
‫على أنهم كانوا مؤمنين ‪ ،‬ألن تقدير الكالم ‪ :‬إن آمنتم فذلك منة اهلل عليكم‪{ .‬إِ َّن اللَّ َه َي ْعلَ ُم َغ ْي َ‬
‫ِ‬
‫السم ِ‬
‫ات و ْاأل َْر ِ‬
‫ون}‪ .‬قرأ ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو بالياء على‬
‫ض َواللَّهُ َبص ٌير بِ َما َت ْع َمُل َ‬
‫او َ‬
‫َّ َ َ‬
‫اب}‪ .‬الباقون بالتاء على الخطاب‪.‬‬
‫الخبر ‪ ،‬ردا على قوله ‪َ { :‬قالَ ِت ْاأل ْ‬
‫َعَر ُ‬

‫(‪)889/61‬‬

‫المجلد السابع عشر‬
‫سورة ق‬

‫‪...‬‬

‫الجزء ‪ 68‬من الطبعة‬
‫سورة ق‬
‫مقدمة السورة‬
‫مكية كلها في قول الحسن وعطاء وعكرمة وجابر‪ .‬قال ابن عباس وقتادة ‪ :‬إال آية ‪ ،‬وهي قوله‬
‫السم ِ‬
‫ض َو َما َب ْيَن ُه َما ِفي ِستَّةِ أَيَّام َو َما َم َّسَنا ِم ْن ُل ُغوب} [ق ‪.] 83 :‬‬
‫اوات َوْاأل َْر َ‬
‫تعالى ‪َ { :‬وَل َق ْد َخلَ ْقَنا َّ َ َ‬
‫وفي صحيح مسلم عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت ‪ :‬لقد كان تنورنا وتنور رسول اهلل صلى‬
‫اهلل عليه وسلم واحدا سنتين ‪ -‬أو سنة وبعض سنة ‪ -‬وما أخذت {ق َوالْقُ ْر ِ‬
‫آن الْ َم ِج ِيد} إال عن لسان‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ؛ يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس‪ .‬وعن عمر بن‬
‫الخطاب رضي اهلل عنه سأل أبا واقد الليثي ما كان يقرأ به رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم في‬
‫اع ُة َو ْان َش َّ‬
‫األضحى والفطر ؟ فقال ‪ :‬كان يق أر فيهما بـ {ق َوا ْل ُق ْر ِ‬
‫ق ا ْل َق َمُر}‪.‬‬
‫آن ا ْل َم ِج ِيد} و{ا ْقَتَرَب ِت َّ‬
‫الس َ‬
‫وعن جابر بن سمرة أن النبي صلى اهلل عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بـ {ق َوالْقُْر ِ‬
‫آن الْ َم ِج ِيد} وكانت‬
‫صالته بعد تخفيفا‪.‬‬

‫‪{ 6‬ق َوا ْل ُق ْر ِ‬
‫آن ا ْل َم ِج ِيد}‪.‬‬
‫ِ‬
‫يب}‪.‬‬
‫اء ُه ْم ُم ْنِذٌر ِم ْن ُه ْم َف َق َ‬
‫ون َه َذا َ‬
‫ش ْي ٌء َع ِج ٌ‬
‫‪َ { 2‬ب ْل َع ِجُبوا أ ْ‬
‫ال الْ َكافُر َ‬
‫َن َج َ‬
‫يد} ‪.‬‬
‫‪{ 8‬أَإِ َذا ِمتْنَا َو ُكنَّا تَُراباً َذلِ َك َر ْجعٌ َب ِع ٌ‬
‫ِ‬
‫ظ} ‪.‬‬
‫اب َحِفي ٌ‬
‫ض ِم ْن ُه ْم َوِع ْن َدَنا ِكَت ٌ‬
‫ص األ َْر ُ‬
‫‪َ { 8‬ق ْد َعل ْمَنا َما َت ْن ُق ُ‬
‫ِ‬
‫‪َ { 8‬ب ْل َك َّذُبوا بِالْ َح ِّ‬
‫َمر َم ِريج}‪.‬‬
‫اء ُه ْم فَ ُه ْم في أ ْ‬
‫ق لَ َّما َج َ‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬ق َوا ْلقُْآر ِن ا ْل َم ِج ِيد} قرأ العامة "قاف" بالجزم‪ .‬وق أر الحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن‬
‫عاصم "قاف" بكسر الفاء ؛ ألن الكسر أخو الجزم ‪ ،‬فلما سكن‬

‫(‪)6/68‬‬

‫آخره حركوه بحركة الخفض‪ .‬وقرأ عيسى الثقفي بفتح الفاء حركه إلى أخف الحركات‪ .‬وقرأ هارون‬
‫ومحمد بن السميقع "قاف" بالضم ؛ أل نه في غالب األمر حركة البناء نحو منذ وقد وقبل وبعد‪.‬‬

‫واختلف في معنى "قاف" ما هو ؟ فقال ابن زيد وعكرمة والضحاك ‪ :‬هو جبل محيط باألرض من‬
‫زمردة خضراء أخضرت السماء منه ‪ ،‬وعليه طرفا السماء والسماء عليه مقبية ‪ ،‬وما أصاب الناس‬
‫من زمرد كان مما تساقط من ذلك الجبل‪ .‬ورواه أبو الجوزاء عن عبد اهلل بن عباس‪ .‬قال الفراء ‪:‬‬
‫كان يجب على هذا أن يظهر اإلعراب في {ق} ؛ ألنه اسم وليس بهجاء‪ .‬قال ‪ :‬ولعل القاف وحدها‬
‫ذكرت من اسمه ؛ كقوله القائل ‪:‬‬
‫قلت لها قفي فقالت قاف‬

‫أي أنا واقفة‪ .‬وهذا وجه حسن وقد تقدم أول "البقرة"‪ .‬وقال وهب ‪ :‬أشرف ذو القرنين على جبل قاف‬
‫فرأى تحته جباال صغارا ‪ ،‬فقال له ‪ :‬ما أنت ؟ قال ‪ :‬أنا قاف ‪ ،‬قال ‪ :‬فما هذه الجبال حولك ؟ قال ‪:‬‬
‫هي عروقي وما من مدينة إال وفيها عرق من عروقي ‪ ،‬فإذا أراد اهلل أن يزلزل مدينة أمرني فحركت‬
‫عرقي ذلك فتزلزلت تلك األرض ؛ فقال له ‪ :‬يا قاف أخبرني بشيء من عظمة اهلل ؛ قال ‪ :‬إن شأن‬
‫ربنا لعظيم ‪ ،‬وان ورائي أرضا مسيرة خمسمائة عام في خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم به بعضها‬

‫بعضا ‪ ،‬لوال هي الحترقت من حر جهنم‪ .‬فهذا يدل على أن جهنم على وجه األرض واهلل أعلم‬

‫بموضعها ؛ وأين هي من األرض‪ .‬قال ‪ :‬زدني ‪ ،‬قال ‪ :‬إن جبريل عليه السالم واقف بين يدي اهلل‬
‫ترعد فرائصه ‪ ،‬يخلق اهلل من كل رعدة مائة ألف ملك ‪ ،‬فأولئك المالئكة وقوف بين يدي اهلل تعالى‬
‫وم‬
‫منكسو رؤوسهم ‪ ،‬فإذا أذن اهلل لهم في الكالم قالوا ‪ :‬ال إله إال اهلل ؛ وهو قوله تعالى ‪َ{ :‬ي ْوَم َي ُق ُ‬
‫ِ‬
‫ص َوابًا} [النبأ ‪ ]83 :‬يعني قوله ‪ :‬ال‬
‫ون إِالَّ َم ْن أَِذ َن َلهُ َّ‬
‫ُّ‬
‫الر ْح َم ُن َوَق َ‬
‫ص ّفًا ال َيَت َكلَّ ُم َ‬
‫ال َ‬
‫الروُح َوا ْل َمالئ َك ُة َ‬
‫إله إال اهلل‪.‬‬

‫وقال الزجاج ‪ :‬قوله {ق} أي قضي األمر ‪ ،‬كما قيل في {حم} أي حم األمر‪ .‬وقال ابن عباس ‪{ :‬ق}‬
‫اسم من أسماء اهلل تعالى أقسم به‪ .‬وعنه أيضا ‪ :‬أنه اسم من أسماء‬

‫(‪)2/68‬‬

‫القرآن‪ .‬وهو قول قتادة‪ .‬وقال القرظي ‪ :‬افتتاح أسماء اهلل تعالى قدير وقاهر وقريب وقاض وقابض‪.‬‬

‫وقال الشعبي ‪ :‬فاتحة السورة‪ .‬وقال أبو بكر الوراق ‪ :‬معناه قف عند أمرنا ونهينا وال تعدهما‪ .‬وقال‬
‫ب إَِل ْي ِه ِم ْن َح ْب ِل ا ْل َوِر ِيد}‬
‫محمد بن عاصم األنطاكي ‪ :‬هو قرب اهلل من عباده ‪ ،‬بيانه { َو ََُن ْح ُن أَ ْقَر ُ‬
‫[ق ‪ ]61 :‬وقال ابن عطاء ‪ :‬أقسم اهلل بقوة قلب حبيبه محمد صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬حيث حمل‬

‫الخطاب ولم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله‪.‬‬
‫{ َوا ْل ُق ْر ِ‬
‫آن ا ْل َم ِج ِيد} أي الرفيع القدر‪ .‬وقيل ‪ :‬الكريم ؛ قاله الحسن‪ .‬وقيل ‪ :‬الكثير ؛ مأخوذ من كثرة‬
‫القدر والمنزلة ال من كثرة العدد ‪ ،‬من قولهم ‪ :‬كثير فالن في النفوس ؛ ومنه قول العرب في المثل‬
‫السائر ‪ " :‬كل شجر نار ‪ ،‬واستمجد المرخ والعفار"‪ .‬أي استكثر هذان النوعان من النار فزادا على‬
‫ِ‬
‫ض ِم ْن ُه ْم} على إرادة‬
‫ص األ َْر ُ‬
‫سائر الشجر ؛ قاله ابن بحر‪ .‬وجواب القسم قيل هو ‪َ { :‬ق ْد َعل ْمَنا َما َت ْن ُق ُ‬
‫ك لَِذ ْكَرى} وهو اختيار الترمذي محمد بن علي قال ‪:‬‬
‫الالم ؛ أي لقد علمنا‪ .‬وقيل ‪ :‬هو {إِ َّن فِي َذلِ َ‬

‫{ق} قسم باسم هو أعظم األسماء التي خرجت إلى العباد وهو القدرة ‪ ،‬وأقسم أيضا بالقرآن المجيد ‪،‬‬

‫ثم اقتص ما خرج من القدرة من خلق السموات واألرضين وأرزاق العباد ‪ ،‬وخلق اآلدميين ‪ ،‬وصفة‬
‫ِ‬
‫يوم القيامة والجنة والنار ‪ ،‬ثم قال ‪ { :‬إِ َّن فِي َذلِ َ ِ‬
‫ب} [ق ‪ ]88 :‬فوقع القسم‬
‫ان َل ُه قَْل ٌ‬
‫ك َلذ ْكَرى ل َم ْن َك َ‬
‫على هذه الكلمة كأنه قال ‪{ :‬ق} أي بالقدرة والقرآن المجيد أقسمت أن فيما أقتصصت في هذه السورة‬
‫ِ‬
‫ِ‬
‫ب أ َْو أَلْقَى َّ‬
‫يد} [ ق ‪ .] 88 :‬وقال ابن كيسان ‪ :‬جوابه { َما َيلِْفظُ‬
‫الس ْم َع َوُه َو َش ِه ٌ‬
‫ان لَ ُه قَلْ ٌ‬
‫{ لَذ ْكَرى ل َم ْن َك َ‬
‫ِم ْن َق ْول}‪ .‬وقال أهل الكوفة ‪ :‬جواب هذا القسم {َب ْل َع ِجُبوا} وقال األخفش ‪ :‬جوابه محذوف كأنه‬
‫قال ‪{ :‬ق َوالْ ُق ْر ِ‬
‫آن الْ َم ِج ِيد} لتبعثن ؛ يدل عليه { أئذا متنا وكنا ترابا } ‪.‬‬
‫قوله تعالى ‪ { :‬بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم} "أن" في موضع نصب على تقدير ألن جاءهم‬
‫منذر منهم ‪ ،‬يعني محمدا صلى اهلل عليه وسلم والضمير للكفار‪ .‬وقيل ‪ :‬للمؤمنين والكفار جميعا‪ .‬ثم‬

‫ميز بينهم بقوله تعالى { فقال الكافرون} ولم يقل فقالوا ‪ ،‬بل قبح حالهم وفعلهم ووصفهم بالكفر ‪ ،‬كما‬
‫تقول ‪ :‬جاءني فالن فأسمعني المكروه ‪ ،‬وقال لي الفاسق‬

‫(‪)8/68‬‬

‫يب} العجيب األمر الذي يتعجب منه ‪ ،‬وكذلك العجاب بالضم ‪،‬‬
‫أنت كذا وكذا‪َ { .‬ه َذا َ‬
‫ش ْي ٌء َع ِج ٌ‬
‫والعجاب بالتشديد أكثر منه ‪ ،‬وكذلك األعجوبة‪ .‬وقال قتادة ‪ :‬عجبهم أن دعوا إلى إله واحد‪ .‬وقيل ‪:‬‬
‫من إنذارهم بالبعث والنشور‪ .‬والذي نص عليه القرآن أولى‪.‬‬
‫يد} الرجع الرد أي هو رد بعيد‬
‫قوله تعالى ‪{ :‬أَإِ َذا ِم ْتَنا َو ُكنَّا ُتَرابًا} نبعث ؛ ففيه إضمار‪َ { .‬ذلِ َ‬
‫ك َر ْج ٌع َب ِع ٌ‬
‫أي محال‪ .‬يقال ‪ :‬رجعته أرجعه رجعا ‪ ،‬ورجع هو يرجع رجوعا ‪ ،‬وفيه إضمار آخر ؛ أي وقالوا‬
‫أنبعث إذا متنا‪ .‬وذكر البعث وان لم يجرها هنا فقد جرى في مواضع ‪ ،‬والقرآن كالسورة الواحدة‪.‬‬
‫اء ُه ْم ُم ْنِذٌر ِم ْن ُه ْم} ألنه إنما ينذر بالعقاب‬
‫وأيضا ذكر البعث منطو تحت قوله ‪َ { :‬ب ْل َع ِجُبوا أ ْ‬
‫َن َج َ‬
‫ِ‬
‫ض ِم ْن ُه ْم} أي ما تأكل من أجسادهم فال‬
‫ص األ َْر ُ‬
‫والحساب في اآلخرة‪ .‬قوله تعالى { َق ْد َعل ْمَنا َما َت ْن ُق ُ‬
‫ال ا ْل ُقُر ِ‬
‫ال ِع ْل ُم َها‬
‫ون األُوَلى َق َ‬
‫ال َف َما َب ُ‬
‫يضل عنا شيء حتى تتعذر علينا اإلعادة‪ .‬وفي التنزيل ‪َ { :‬ق َ‬
‫ِع ْن َد ربِّي ِفي ِكَتاب ال ي ِ‬
‫ض ُّل َربِّي َوال َي ْن َسى} [طه ‪ .]86 :‬وفي الصحيح ‪" :‬كل ابن آدم يأكله التراب‬
‫َ‬
‫َ‬
‫إال عجب الذنب منه خلق وفيه يركب" وقد تقدم‪ .‬وثبت أن ألنبياء واألولياء والشهداء ال تأكل األرض‬
‫أجسادهم ؛ حرم اهلل على األرض أن تأكل أجسادهم‪ .‬وقد بينا هذا في كتاب "التذكرة" وتقدم أيضا في‬
‫هذا الكتاب‪ .‬وقال السدي ‪ :‬النقص هنا ا لموت يقول قد علمنا منهم من يموت ومن يبقى ؛ ألن من‬
‫مات دفن فكأن األرض تنقص من الناس‪ .‬وعن ابن عباس ‪ :‬هو من يدخل في اإلسالم من‬
‫اب َحِفيظٌ} أي بعدتهم وأسمائهم فهو فعيل بمعنى فاعل‪ .‬وقيل ‪ :‬اللوح المحفوظ‬
‫المشركين‪َ { .‬وِعنْ َدَنا ِ