‫الفصل الثانى‬

‫سبينـــــوزا‬
‫‪‬‬

‫حياته وأعماله‪.‬‬

‫أول ً ‪ -‬الميتافيزيقا‪.‬‬
‫‪ - 1‬الهدف من كتاب »اللخل«ق«‬
‫‪ - 2‬المنهج الهندسي‬
‫‪ - 3‬الجوهر وصفاته‬
‫‪ - 4‬الله أو الطبيعة‬
‫ثانيا ً ‪ -‬النسان‪ :‬طبيعته ومعرفته‪.‬‬
‫‪ - 1‬غايات النسانية‪.‬‬
‫‪ - 2‬طبيعة المعرفة‬
‫‪ - 3‬التـــــوازي بيـــــن الفكـــــر‬
‫والمتداد‪.‬‬
‫‪ - 4‬العقل والجسد‬

‫ســـــبينوزا‬

‫ثالثا ً ‪ -‬اللخل«ق والدين والسياسة‪.‬‬
‫‪ - 1‬العقل واليمان‬
‫‪ - 2‬مقومات الدولة‬

‫‪60‬‬

‫تيارات فلسفية‬
‫حديثة‬

‫‪61‬‬

‫ســـــبينوزا‬

‫سبينـــوزا‬

‫) ‪( 1677 - 1632‬‬
‫حياته وأعماله ‪:‬‬
‫ولد باروخ ســبينوزا بأمســتردام بهولنــدا ســنة ‪،1632‬‬
‫لب وأم يهوديين هاجرا من البرتغال‪ .‬اضطر كثير من يهــود‬
‫شبه جزيرة إيبريا )أســبانيا والبرتغــال( إلــى الهجــرة لكــثير‬
‫من دول غرب أوروبا هروبا ً من اضطهاد الســلطات هنــاك‪.‬‬
‫وفي البداية اضطروا إلى اعتنــا«ق المســيحية ‪ ،‬أمــا بعــد أن‬
‫وجدوا منالخا ً متسامحا ً في هولندا فقــد عــادوا مــرة ألخــرى‬
‫إلــى اليهوديــة‪ .‬كــان والــد ســبينوزا تــاجرا ً ناجحــا ً فــي‬
‫أمستردام‪ ،‬وبالضافة إلى تجارته تولى كثيرا ً من المناصب‬
‫الدينية في المجتمع اليهودي هناك‪ ،‬بل وعــددا ً مــن المهــام‬
‫التدريسية المنصبة على تعاليم التلمود‪.‬‬
‫وكان ســبينوزا تلميــذا ً نجيبـا ً وموهوبـًا‪ ،‬وتلقــى تعليمـا ً‬
‫دينيا ً في مدرسة الجالية اليهودية بأمستردام‪ ،‬وعلى الرغــم‬
‫مــن تعمقــه فــي دراســة التــوراة والتلمــود‪ ،‬إل أنــه لــم يتــم‬
‫إعداده ليصـبح كاهنـا ً يهوديـا ً كمـا أعتقـد الكـثير مـن كتـاب‬
‫سيرته)‪ .(1‬بعد وفاة أبيه تولى ألخــوه الكــبر شــئون تجــارته‪،‬‬
‫وعندما مات هذا الخ‪ ،‬وقع على عتق سبينوزا إدارة الشركة‬
‫التجارية التي تركها الب‪ .‬لكــن لــم تكــن لســبينوزا مــواهب‬
‫تجارية ولــم تكــن شــئون المــال والعمــال مــن اهتمامــاته‪،‬‬
‫ولذلك أهمل التجارة حتى تراكمت الديون وتوقفت الشركة‬
‫عن نشاطها‪ .‬وعلى الرغــم مــن ذلــك فقــد حصــل ســبينوزا‬
‫على قليل من مال أبيه مكنه من إكمال دراسته‪ ،‬وعندما لم‬
‫)(‬
‫‪James Martineau, A study of Spinoza (London: Macmillan,‬‬
‫‪1883), PP. 1-8.‬‬

‫‪62‬‬

‫‪1‬‬

‫تيارات فلسفية‬
‫حديثة‬
‫عمل ذي طـابع‬
‫يكفيه الميراث لمتطلبات حياته‪ ،‬انشغل في‬
‫نادر في تلك الونة وهـو صـنع العدسـات الطبيـة‪ .‬ويبـدو أن‬
‫هذه المهنة كانت هي الوحيـدة الـتي شـدت انتبـاه سـبينوزا‬
‫وكانت متفقة مع ميــوله‪ ،‬إذ كــانت مهنــة ذات طــابع علمــي‬
‫تعتمد على جــانب نظــري متعلــق بعلــم البصــريات وجــانب‬
‫عملي يعتمد على العلم التجريبي والخبرة المعملية‪.‬‬
‫تعرف في أوائل لخمسينات القرن السابع عشــر علــى‬
‫السياسي الراديكالي المفكــر الحــر فــان ده إنــده ‪Van den‬‬
‫‪ ،Ende‬الــذي عرفــه علــى الداب اللتينيــة وعلــى فلســفة‬
‫ديكارت)‪ (1‬وكلما زاد اهتمام سبينوزا بالداب والفلسفة قــل‬
‫إيمانه بالديانة اليهودية‪ ،‬على الرغم من أنه في هذه الفــترة‬
‫كان مواظبا ً على حضــور الجتماعــات والمناســبات الدينيــة‬
‫فــي المعبــد اليهــودى وملتزمــا ً بــأداء الصــدقات والزكــاة‬
‫والتبرعات للمجتمع اليهودي‪ .‬لكن كــل ذلــك لــم يشــفع لــه‬
‫لدى القائمين على الدين اليهــودي‪ ،‬وهــاجموه نظــرا ً لراءه‬
‫المتحررة التي نظــروا إليهــا علــى أنهــا متطرفــة وإلحاديــة‪،‬‬
‫حتى أنهم أصدروا في حقه سنة ‪ 1656‬مرسوما ً بالحرمان‪،‬‬
‫يحظـر التعامـل معـه أو محـادثته مـن قبـل أعضـاء الجاليـة‬
‫اليهودية‪ .‬لكن هذا المرسوم لم يذكر السباب الــتي دفعــت‬
‫الجالية اليهوديــة لحرمــانه ولــم تــذكر آراءه تلــك‪ ،‬ولــذلك ل‬
‫نعرف على وجه الدقة السبب في هــذا الحرمــان ولي آراء‬
‫بالضبط‪ .‬وكان هذا الحرمان عامل ً على مزيــد مــن البتعــاد‬
‫من قبل سبينوزا عن الديانة اليهودية‪ ،‬والمزيـد مـن اقـترابه‬
‫من الفكار التنويرية الحديثـة المليئـة بـالثورة علـى سـلطة‬
‫رجال الدين‪.‬‬
‫‪Ibid: PP. 15-18.‬‬

‫‪63‬‬

‫)(‬

‫‪1‬‬

40-45.(1‬وعنــدما بــدأ ســبينوزا مــن لخلل‬ ‫هذه الجماعة فى وضــع فلســفته الخاصــة بـدأت الجماعــة‬ ‫في دراسة فلسفته ومناقشتها معه تاركة فلسفة ديكارت‪. PP.‬‬ ‫وعنــدما لحظــت الجماعــة براعــة وتعمــق ســبينوزا فــي‬ ‫الفلسفة الديكارتية طلبت منه أن يكتب لها ملخصا ً شامل ً‬ ‫لها‪ ،‬وهكذا ألخرج سبينوزا أول مؤلفاته وهو كتاب »مبــادئ‬ ‫الفلسفة الديكارتيــة«)‪ . 11-13. 2006). Spinoza’s Ethics.‫ســـــبينوزا‬ ‫وفــي أوالخــر الخمســينات مــن القــرن الســابع عشــر‬ ‫تعرف سبينوزا على مفكر حر هو لود فيج ماير‪ ،‬وكون معه‬ ‫ومــع مجموعــة مــن الصــدقاء المقربيــن جماعــة قــراءة‬ ‫ودراسة انصــب اهتمامهــا علــى دراســة فلســفة ديكــارت‪. 1996).(2‬والحقيقة أن ســبينوزا لــم يكمــل‬ ‫هذه الرسالة ولم ينشرها أبدا ً في حيــاته بــل نشــرت بعــد‬ ‫وفاته بعشرات السنين‪ ،‬ويرجع الســبب فــي ذلــك إلــى أن‬ ‫‪Steven Nadler. An introduction (Nw‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ ‫‪York: Cambridge University Press. PP.‬‬ ‫‪64‬‬ ‫‪2‬‬ . The Cambridge Companion to Spinoza‬‬ ‫)(‬ ‫‪(New York: Cambridge University Press.‬‬ ‫‪Don Garrett.‬‬ ‫وفي نفس هذه الفترة بدأ ســبينوزا فــي تــأليف أول عمــل‬ ‫فلسفي لخاص به وهو رسالة في تهذيب العقل« ‪Tractatus‬‬ ‫‪ ،de intellectus emendotione‬وفيها تنــاول ســبينوزا طبيعــة‬ ‫المعرفة وأنواعها‪ ،‬والسبل المناسبة للوصــول إلــى الفهــم‬ ‫الصــــــــــــــــــــــــــــــحيح ل كـــــــــــــــــــــــــــــــل‬ ‫ما يمثل لخير النسان‪ ،‬وذلك عن طريق علجه من أوهامها‬ ‫وألخطائه وتطهيره بمنهج سليم يستطع به التمييــز بــه بيــن‬ ‫الفكار الغامضة والواضحة والهم مـن ذلــك إثبــات وحــدة‬ ‫العقل والطبيعة‪ ،‬وأنه ليــس هنــاك أي تنــاقض بيــن الــروح‬ ‫والجسم والفكــر والمــادة‪ ،‬تلــك الثنائيــات الــتي ســيطرت‬ ‫على فلسفة ديكارت)‪ .

‬وكان ســبينوزا قــد انشــغل فــي أوالخــر الســتينات‬ ‫بأحد أهم مؤلفاته وهو »رسالة فــي اللهــوت والسياســة«‬ ‫الــذي يتنــاول فيــه قضــية العلقــة بيــن العقــل واليمــان‪،‬‬ ‫والســلطة الدينيــة والســلطة السياســية‪ ،‬وفيــه يثبــت أن‬ ‫التفلسف ليس لخطرا ً علــى الدولــة أو علــى اليمــان‪ ،‬وأن‬ ‫الحرية الفكريــة والدينيــة ضــرورية فــي دولــة ديمقراطيــة‬ ‫‪65‬‬ .‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة‬ ‫ـية الصــغيرة‪،‬‬ ‫سبينوزا كان دائما ً ما يكتب لجمــاعته النقاشـ‬ ‫ولذلك لم يكن لديه الحافز لنشر آراءه علــى الجمهــور‪ ،‬إذ‬ ‫كان يشعر أن أفكاره ينقصها الكمال‪ .‬واســتغر«ق منــه‬ ‫العمل في هذا الكتــاب ســنوات طويلــة حــتى أكملــه ســنة‬ ‫‪ ،1675‬ولم يســتطع نشــره إل قبيــل وفــاته بأشــهر ســنة‬ ‫‪ 1677‬دون وضع اسمه على الكتاب لخوفا ً من الســلطات‬ ‫الدينية‪ .1661‬لكنه ســرعان مــا توقــف عــن كتابتهــا بســبب‬ ‫اعتقاده أن أفكاره لن تنال القبول‪ ،‬وتركها كي ينشغل في‬ ‫عمل آلخر يتناول فيه نفس الموضوعات ولكن بمنهج جديد‬ ‫يستطيع به تقديم أفكاره بصورة منطقية تجبر قارئها على‬ ‫العتقاد بها دون معارضة‪ ،‬وهذا هو المنهج الهندسي الــذي‬ ‫يبدأ بمسلمات وفــروض ثــم قضــايا مســتنبطة منهــا‪ ،‬وهــو‬ ‫الذي اتبعه في كتابه الرئيسي »اللخل«ق«‪ .‬كمــا يرجــع الســبب‬ ‫إلــى أن ســبينوزا عنــدما اكتشــف أن النتائــج النهائيــة فــي‬ ‫رسالة تهذيب العقــل هــي إثبــات وحــدة العقــل والطبيعــة‬ ‫والقضاء على الثنائيات التقليدية في تاريخ الفلســفة تــرك‬ ‫العمــل فــي الرســالة واتجــه اهتمــامه إلــى عمــل أكــثر‬ ‫ميتافيزيقية يركز على العلقة بين الفكر والوجود والــروح‬ ‫والجسد‪ ،‬ولذلك عكف على تأليف رسالة ألخــرى عنوانهــا‪:‬‬ ‫»رسالة قصيرة حول الله والنسان وصلحه في الحيــاة«‬ ‫سنة ‪ .

‬‬ ‫أول ً ‪ -‬الميتافيزيقيا‪:‬‬ ‫‪. cit.‬‬ ‫‪66‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .1‬‬ ‫الهدف من كتاب »اللخل«ق«‪:‬‬ ‫ألف سبينوزا عددا ً صغيرا ً من المؤلفــات‪ ،‬أولهــا عــن‬ ‫»مبــادئ الفلســفة الديكارتيــة« وألخرهــا كتــابه الشــهير‬ ‫»اللخل«ق« الذي نشر بعد وفاته‪ .‬يبــدو مــن عنــوان الكتــاب أنــه‬ ‫يتحدث عــن اللخل«ق باعتبارهــا نوعـا ً مــن فــروع الفلســفة‪،‬‬ ‫‪James Martineau.‬‬ ‫وآلخر عمل انشغل فيه كان »رسالة فــي السياســة« ســنة‬ ‫‪ ،1676‬ونشر بعد وفاته‪ ،‬وفيه يضع نظريته فــي الحقــو«ق‬ ‫الطبيعية والمدنيــة ويوضــح أفضــلية النظــام الــديمقراطي‬ ‫والجمهوري‪ ،‬ويتناول فيه أنواع الحكومــات المختلفــة مــن‬ ‫أرستقراطية وملكية وديمقراطية‪ ،‬موضحا ً أفضلية النظام‬ ‫الديمقراطي على غيره‪ . op. PP.‫ســـــبينوزا‬ ‫حديثة‪ ،‬وقد نشــره ســبينوزا فــي ‪ 1670‬دون وضــع اســمه‬ ‫علــى الغلف‪ ،‬وقــد اتبــع هــذا الســلوب أيضــا ً مــع كتــاب‬ ‫اللخل«ق سنة ‪ .‬وتوفى ســبينوزا فــي ‪ 21‬فــبراير‬ ‫‪ ،1677‬وتــولى أصــدقاءه بعــد وفــاته نشــر طبعــة كاملــة‬ ‫لمؤلفاته‪.‬وعلـــــى الرغـــــم مـــــن قلـــــة مؤلفـــــاته‬ ‫إل أنها أحدثت تأثيرا ً واسعا ً فــي الفكــر الفلســفي اللحــق‪،‬‬ ‫ولخاصــة كتــاب »اللخل«ق«‪ .‬والحقيقة أن كــل فلســفة‬ ‫ســبينوزا يجــدها المــرء فــي كتــابه »اللخل«ق«‪ ،‬أمــا كتــابه‬ ‫الشهير اللخر »رسالة في اللهوت والسياسة« فهــو بحــث‬ ‫نقدي في العلقة بين الدين والسياسة‪ ،‬والمؤسسة الدينية‬ ‫والدولـــــة‪ . 72-78.(1)1677‬وعلى الرغم من ذلك فإن كل مــن‬ ‫عاصروا سبينوزا كــانوا يعلمــون أنــه هــو مؤلــف الكتــابين‪.

‬‬ ‫‪67‬‬ ‫‪1‬‬ .‫تيارات فلسفية‬ ‫لكــن الكتــاب ل يتنــاول هــذا المعنــى حديثة‬ ‫المعــروف لكلمــة‬ ‫»اللخل«ق« ‪ Ethics‬إل في الجزء اللخير من الكتــاب‪ . 187.H. Elwes (New York: Dorer‬‬ ‫‪Publications.‬ويفاجــأ‬ ‫القارئ أن كتاب اللخل«ق ل يحتوي على مذهب سبينوزا فى‬ ‫اللخل«ق إل فــــــــــــــــــــــــي نهــــــــــــــــــــــــايته)‪،(1‬‬ ‫أم ـا أغلبــه فهــو بحــث فــي اللــه‪ ،‬وفــي النســان‪ :‬طــبيعته‬ ‫وطبيعة معرفته‪ ،‬وألخيرا ً اللخل«ق‪ . p.‬وهكذا يعود سبينوزا إلى معنــى‬ ‫قديم في الفلسفة تم تناسيه لفــترة طويلــة‪ ،‬وهــو المعنــى‬ ‫الذي يربط كل تأمل عقلي وكــل نظــرة مجــردة بالســعادة‬ ‫النســـانية‪ .‬‬ ‫وكان ســبينوزا فــي ذلــك مفتتحـا ً لتــوجه جديــد فــي الفكــر‬ ‫الوروبي يربط بين العقل واللخل«ق‪ ،‬وكأنه يقول أن اللخل«ق‬ ‫‪Spinoza.‬لماذا وضع سبينوزا كلمــة‬ ‫»اللخل«ق« عنوانــا ً لكتــابه الــذي يضــم مــذهبا ً يجمــع بيــن‬ ‫الميتافيزيقا والمعرفــة واللخل«ق؟ إن ســبينوزا يتعامــل فــي‬ ‫أغلبـــه مـــع الموضـــوعات الميتافيزيقيـــة والأنطولوجيـــة‬ ‫والبســتمولوجية مثــل اللــه والعــالم والجــوهر والكمــال‬ ‫والمعرفة البشرية والفهم النساني‪ ،‬فما هي دللــة تســمية‬ ‫كتابه باللخل«ق إذن؟ الحقيقة أن ما جعل سبينوزا يضــع هــذا‬ ‫العنوان قناعته أن كل تأملت الفلسفة الميتافيزيقيــة وكــل‬ ‫ما يمكن أن يضعه العقــل البشــري مــن أفكــار أنطولوجيــة‬ ‫ليس له غاية نهائية إل توجيه النسان فــي حيــاته مــن أجــل‬ ‫هدف سامي لهذه الحياة النسانية وهــو الســعادة وســلمة‬ ‫النسان العقلية واللخلقية‪ .‬إذا كـــان ســـبينوزا يضـــع نســـقا ً ميتافيزيقيـــا ً‬ ‫وانطولوجيا ً ومعرفيا ً في كتابه فإن هذا يهـدف فـي النهايـة‬ ‫إلى سعادة النسان وسلوكه السليم فــي مجتمــع عقلنــي‪. The Ethics in: The Chief Works of Benedict de‬‬ ‫)(‬ ‫‪Spinoza.M. 1955). Translated by R.

‬وفي مقابل ذلك ذهب سبينوزا إلى أنه ليس هناك‬ ‫انفصال حقيقي بين الله والعالم أو الروح والمادة أو الروح‬ ‫والجسد‪ .‬فالكون عنده شئ واحد مكون من جانبين‪ :‬جــانب‬ ‫إلهـي وجـانب عـالمي دنيـوي‪ ،‬والنسـان عنـده شـئ واحـد‬ ‫مكون من جانب روحي وجانب جسدي‪ .‫ســـــبينوزا‬ ‫السليمة القويمة الهادية لسلوك البشر تســتند فــي النهايــة‬ ‫على عقل سليم منفتح وواع بمكانه في هذا الكون‪ .‬ذلـك لن العتقـاد‬ ‫في وجود الله مفارقا ً للعالم يـؤدي إلـى أن يزهـد النسـان‬ ‫فــي هــذا العــالم ويتقشــف أو يــترهبن ويــترك حيــاته كلهــا‬ ‫باعتبارهــا زيفـا ً وفنــاًء‪ ،‬والعتقــاد فــي أولويــة الــروح علــى‬ ‫الجســد يــؤدي أيضــا ً إلــى إهمــال الجــانب الجســدي مــن‬ ‫النسان‪ .2‬‬ ‫المنهج الهندسي‪:‬‬ ‫يمكن تقسيم كتاب »اللخل«ق« من ثلثة أجــزاء‪ ،‬الول‬ ‫عن الله وفيه يضع سبينوزا نظريتـه النطولوجيــة‪ ،‬والثــاني‬ ‫‪68‬‬ .‬بل أن سبينوزا قــد‬ ‫ألخرج لنا نتيجة ألخرى ثوريــة تقــول بــأن اللــه والعــالم شــئ‬ ‫واحد‪ ،‬والروح والجسـم شـئ واحـد‪ ،‬والـروح والمـادة شـئ‬ ‫واحد‪.‬واجه‬ ‫سبينوزا تراثا ً فلســفيا ً ســابقا ً عليــه يقيــم فصـل ً تامـا ً بيــن‬ ‫الجانب الروحي والجانب الجسدي من النسان‪ ،‬وبين اللــه‬ ‫والعالم‪ ،‬وكانت نتيجـة ذلـك أن تـم إعطـاء الولويـة للـروح‬ ‫علــى الجســد‪ ،‬ولللــه علــى العــالم‪ .‬وفــي نظــر ســبينوزا‬ ‫فل يمكن أن يقسم النسان إلى هذه الثنائية ما لــم يــترتب‬ ‫على ذلك نتائج ولخيمــة بالنسـبة لللخل«ق‪ .‬‬ ‫‪.‬واعتقد‬ ‫ســبينوزا أن مــذهبا ً ألخلقي ـا ً ل يمكــن تأسيســه علــى نحــو‬ ‫صحيح ما لم يتضمن حل ً للمشاكل التقليدية حــول العلقــة‬ ‫بين الله والعالم‪ ،‬والنفس والجسم‪ ،‬والروح والمادة‪ .

op.cit.‬وهذه الصعوبة لم تكن مقتصرة على القــارئ‬ ‫العــــــــــــــــــــــــــــــــادي‪ ،‬بــــــــــــــــــــــــــــــــل‬ ‫إن فلسفة كبار من أمثال هنري برجسون قــد أعلن ـوا عــن‬ ‫الصــعوبة الــتي واجهوهــا فــي قــراءة كتــاب »اللخل«ق«‬ ‫لسبينوزا‪ .‬‬ ‫‪69‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬ما الذي جعل سبينوزا يفضــل المنهــج الهندســي‬ ‫في عرض فلسفته؟‬ ‫‪Steven Nadler. PP. 39-42.‬وقد وجـد كـثير مـن قـراء سـبينوزا‬ ‫صـــــــــــــــــــعوبة بالغـــــــــــــــــــة فـــــــــــــــــــي‬ ‫تتبع حججه في هذا الكتاب نظرا ً لصعوبة الشكل الهندسي‬ ‫الــــــــــــــــــــــــــــــــذي وضــــــــــــــــــــــــــــــــع‬ ‫فيه فلسفته‪ .‬كتب سبينوزا كتابه هذا بالطريقة الهندســية‪،‬‬ ‫إذ بدأ بمجموعة من التعريفات‪ ،‬فقد بــدأ بتعريــف الجــوهر‪،‬‬ ‫منتقل ً منه إلى المصادرات ‪ ،Axioms‬فمن تعريــف الجــوهر‬ ‫على أنه هو القائم بذاته والذي ليس فــي حاجــة إلــى شــئ‬ ‫آلخر ليقوم أو يوجد‪ ،‬يتوصل في المصادرة إلــى أن الجــوهر‬ ‫الحقيقـــي هــــو اللــــه أو العــــالم‪ ،‬ثـــم فـــي القضـــايا‬ ‫أو المبرهنــات يثبــت كيــف أن الجــوهر اللهــي والجــوهر‬ ‫المادي شئ واحــد‪ ،‬وكيــف أن الــروح والمــادة شــئ واحــد‪،‬‬ ‫وكيف أن المتداد يجب أن يكون لخاصية للجــوهر الحقيقــي‬ ‫وهو الله أو العالم)‪ ،(1‬ويفاجئ القارئ بقوله إن اللــه يجــب‬ ‫أن يكون محتويا ً على المتداد‪ ،‬في حيــن أن كــل المــذاهب‬ ‫الفلســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــفية‬ ‫السابقة قد فصلت بين الجانب الروحــي الــذي يقــف اللــه‬ ‫علـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى‬ ‫رأسه والجانب المادي‪ .‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثةـة‪ ،‬والثــالث‬ ‫حول النسان وهو نظرية ســبينوزا فــي المعرفـ‬ ‫حول اللخل«ق‪ .

‬والغريب حقا ً أن يتبــع فيلســوفا ً هــذا المنهــج‬ ‫في عرض فلسفته المكونة مــن ميتافيزيقــا وإبســتمولوجيا‬ ‫وألخل«ق‪ .‬وبعد سبينوزا نجد أن نيوتن في تأسيسه لعلــم‬ ‫الطبيعة قد استند على نفس السلوب‪ . op.‬ليس غريبا ً أن يتبع‬ ‫المرء المنهج الهندسي فــي عــرض علــم الهندســة أو علــم‬ ‫الفيزيــاء‪ ،‬ذلــك لن هــذا المنهــج مناســب تمامــا ً لهــذين‬ ‫الموضوعين‪ . cit.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ ‫‪Martineau.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬ ‫‪70‬‬ .(1‬والحقيقــة أن‬ ‫»اللخل«ق« لســبينوزا تتبــع طريقــة إقليــدس فــي كتــابه‬ ‫»العناصر«‪ .‬لكن فضل سبينوزا المنهــج الهندســي فــي ع ـرض‬ ‫هذه الموضوعات نظرا ً لنه كان يتبنى اعتقادا ً قويا ً بإمكان‬ ‫الوصول إلى الحقيقة وإلى الدقة العلمية والمنهجية التامــة‬ ‫في بحث قضــايا الفلســفة)‪ ،(2‬لــذلك لنــه كــان يــذهب إلــى‬ ‫قــدرة العقــل اللمحــدودة علـى الوصــول إلــى تنظيــم كــل‬ ‫المعــارف والفكــار وعلــى معرفــة حقــائق الكــون‪ .‬وكــان‬ ‫ســبينوزا فــي ذلــك متبنيـا ً وجهــة النظــر اليونانيــة القديمــة‬ ‫القائلة أن العالم ونظم بصــورة هندســية ورياضــية قوامهــا‬ ‫النظام والنسجام والدقة وأن النسان جزء من هذا العالم‪،‬‬ ‫وإذا أراد تنظيم حياته‪ ،‬وسلوكه وألخلقه ومعتقداته‪ ،‬فيجــب‬ ‫عليــه أن يتيــح للعقــل فرصــة كــي يضــفي نفــس النظــام‬ ‫والنســجام والدقــة الموجــودة فــي الكــون علــى حيــاته‬ ‫‪Nodelr. PP.‫ســـــبينوزا‬ ‫الحقيقة أن هناك أسباب كثيرة دفعته إلى ذلك منها‪) :‬‬ ‫‪ (1‬أن الهندسة في عصر سبينوزا بالذات كانت مثال ً علــى‬ ‫العلــم التــام والمكتمــل واليقيــن الــذي وصــل إلــى الدقــة‬ ‫المتناهية والصرامة المنهجية والوضوح الفكري‪ . cit.‬وقد مثلت‬ ‫الهندسة نموذج العلم الكامل منذ أن وضع إقليدس مبــادئ‬ ‫هذا العلم في القــرن الثــالث قبــل الميلد)‪ . op. PP. 39-40. 161-166.

‬‬ ‫)‪ (2‬هنــاك ســبب آلخــر جعــل ســبينوزا يفضــل المنهــج‬ ‫الهندســي وهــو القلل مــن فوضــى اللختلف والتعــارض‬ ‫والتنـــاقض الـــذي ينشـــأ دائمـــا ً فـــى مناقشـــة القضـــايا‬ ‫الميتافيزيقية واللخلقية‪ ،‬وكـأنه يلـزم قـارءه بشـكل صـارم‬ ‫ودقيق من البرهان ل يستطيع معــه اللختلف أو العــتراض‪،‬‬ ‫ذلـــك لن المعـــترض عليـــه أن يرجـــع إلـــى التعريفـــات‬ ‫والمصادرات التي يضعها سبينوزا في بداية كل برهان‪ ،‬ومن‬ ‫الصعب على المعترض أن يناقشها نظرا ً لنها واضحة بذاتها‬ ‫يعتنقها الفكر النساني كله)‪ .‬وبمــا أنهمــا شــئ واحــد فل توجــد‬ ‫إل عقلنية واحدة‪ .‬هذه العقلنية الواحدة الشاملة للنســان‬ ‫والكون هي التي تتيح لسبينوزا أن يطبق المنهـج الهندسـي‬ ‫على قضايا اللوهية والعالم والنسان والمعرفة واللخل«ق‪.(1‬فليس من السهل علــى أحــد‬ ‫‪1‬‬ ‫)(‬ ‫د‪ .‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة‬ ‫كمــــــــــــــــــــــــــــــا‬ ‫وســــــــــــــــــــــــــــــلو كه‪.‬وجاء هذا الرأي بفضل نظرته إلــى الــروح‬ ‫والمادة على أنهما شئ واحد‪ ،‬والنفس والجسم على أنهما‬ ‫أيضــا ً شــئ واحــد‪ .‬حســن حنفــي‪» :‬رســالة فــي اللهــوت والسياســة‬ ‫‪71‬‬ .‬يعتقد الفكر المعاصـر أن عـالم النسـان هـو عـالم‬ ‫الفوضى والليقين والحتمــال‪ ،‬وذلــك مــن جــراء الكــوارث‬ ‫الــتي حلــت بالنســان فــي العصــر الحــديث‪ ،‬أمــا ســبينوزا‪،‬‬ ‫وعلــى الرغــم مــن وعيــه بالفوضــى الــتي تســود العــالم‬ ‫النساني‪ ،‬كان متفائل ً ومعتقدا ً في إمكانيــة تنظيــم الحيــاة‬ ‫النسانية تنظيم ـا ً عقلني ـًا‪ ،‬والعقلنيــة عنــده واحــدة ســواء‬ ‫تجلت في صورة قوانين طبيعية في الكون أو قوانين تحكم‬ ‫العالم النساني‪ .‬‬ ‫لم يكن سبينوزا يفصل بيــن عقلنيــة تســود عــالم الطبيعــة‬ ‫وعقلنيــة ألخــرى تســود عــالم النســان‪ ،‬فالعقلنيــة عنــده‬ ‫واحدة‪ .

(1‬ومعنــى ذلــك أن الجــوهر عنــد‬ ‫سبينوزا هو ذلك الذي يتقوم من ذاته وفــي غيــر حاجــة لأي‬ ‫شئ آلخر كي يوجد‪ .‫ســـــبينوزا‬ ‫أن يعترض على تعريف الجوهر بـأنه ل يقـوم بـذاته‪ ،‬وبـذلك‬ ‫تصبح النتيجة المترتبة على ذلــك هــي أن اللــه هــو الجــوهر‬ ‫الوحيد الحقيقي‪ ،‬وأن المتداد يجب أن يكــون لخاصـية لللــه‬ ‫أو لي جانب روحي‪ .59‬‬ ‫‪Spinoza.‬هكذا يستفيد سبينوزا من المنهـج الهندسـي‬ ‫في تقديم أفكاره الثورية غير المسبوقة بأسلوب يقلل مــن‬ ‫غرابتها التي تبدو للوهلة الولى والتي تخــالف كــل مــا كــان‬ ‫متعارف عليه في المذاهب الفلسفية السابقة‪.‬وبما أن الجوهر واحد فيجب أن يكون‬ ‫روحيا ً وماديا ً في نفس الوقت‪ ،‬ويجب أن يكون المتداد من‬ ‫ماهية اللوهية‪ .‬‬ ‫‪. 45.‬‬ ‫‪72‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬وهذا ما يجعل مفهوم الجوهر ل ينطبق علــى‬ ‫شئ إل الله أو الطبيعة حسب قــول ســبينوزا‪ ،‬فــإذا نظرنــا‬ ‫إلى اللوهية على أنها الضرورة الحاكمــة للشــياء فســوف‬ ‫لســبينوزا«‪ ،‬فــي‪ :‬قضــايا معاصــرة‪ (2 ،‬فــي الفكــر الغربــي‬ ‫المعاصر‪ ،،‬دار التنوير‪ ،‬بيروت‪ ،1982 ،‬ص ‪. P. op.‬ذلك لن الجوهر الواحد يجب أل يكــون‬ ‫هناك شئ لخارجا ً عنه أو مختلفا ً عنه‪ ،‬فل يمكن تصور وجــود‬ ‫مــادة مســتقلة عــن الجــوهر الواحــد وإل لقلنــا أن هنــاك‬ ‫جوهرين‪ ،‬روح ومادة‪ .‬والحقيقة أن هذا التعريــف ل يمكــن أن‬ ‫ينطبق على أي شئ محدد‪ ،‬ذلك لن أشياء العالم الطــبيعي‬ ‫بما فيها النبات والحيوان والنسان فــي حاجــة إلــى أشــياء‬ ‫ألخرى لتوجد‪ .3‬‬ ‫الجوهر وصفاته‪:‬‬ ‫عـّرف ســبينوزا الجــوهر بـأنه »مـا هــو فـي ذاتـه ومــا‬ ‫ُيتصور مــن ذاتــه‪ ،‬أي الــذي ل يتطلــب مفهــومه مفهــوم أي‬ ‫شــئ آلخــر يتكــون منــه«)‪ . The Ethics. cit.

(2‬‬ ‫وعلـى الرغــم مـن غرابـة هـذه الفكــرة إل أن مـن السـهل‬ ‫تبريرها كــي تتفــق مــع فلســفة ســبينوزا‪ .‬إذ تناولنــا جســما ً‬ ‫ممتــدا ً فســوف نــدرك مباشــرة أن مــا يشــكل مــاهيته هــو‬ ‫جسميته‪ ،‬أي اتخاذه شكل ً معينا ً وإشغاله حيز مــن المكــان‪،‬‬ ‫أي أن المتــداد هــو ماهيــة كــل الشــياء الجســمية‪ .‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ ‫‪Ibid: P.‬وهــو ل يــذهب إلــى أن للجــوهر ماهيــة‬ ‫مزدوجة يجمــع بينهمــا فــي تضــايف‪ ،‬الفكــر والمتــداد‪ ،‬بــل‬ ‫يذهب إلى أن الجوهر الواحد الحقيقــي لــديه صــفة واحــدة‬ ‫هي فكر وامتداد‪ . 86. 45.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬ .‬إن الفكر والمتــداد شــئ واحــد عنــده)‪.‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثةـى الطبيعــة‬ ‫تصبح بذلك هي الجوهر الحقيقي‪ ،‬وإذا نظرنا إلـ‬ ‫على أنها الكل المتجانس المنسجم الذي تحكمــه القــوانين‬ ‫الضرورية وإلى أشياء الطبيعة على أنهــا تعتمــد كلهــا علــى‬ ‫بعضها البعض في تناسق وتــوازن لدركنــا أن الطبيعــة هـي‬ ‫ذلك الكل الذي ل يعتمــد فـي وجــوده إل علــى ذاتــه‪ ،‬أي أن‬ ‫الطبيعة هي الجوهر الحقيقي‪ ،‬وبالتالي ذهب ســبينوزا إلــى‬ ‫التوحيد بين الله والطبيعة باعتبارهما معنيين لجوهر واحد‪.(1‬وفي مقابل ديكارت الذي أقــر بوجــود جــوهرين‬ ‫متمايزين ومنفصـلين فـي الكـون‪ :‬الفكـر والمـادة‪ ،‬يـذهب‬ ‫سبينوزا إلى أنه ليس هناك في الكون جــوهرين بــل جــوهر‬ ‫واحد‪ ،‬وهذا الجوهر الواحد يحمــل صــفتي الفكــر والمتــداد‬ ‫في نفــس الــوقت‪ .‬‬ ‫ويعرف سبينوزا الصفة بأنهــا »مــا يفهمــه الــذهن مــن‬ ‫الجوهر باعتباره ما يؤسس ماهيته« الصفة إذن هي ماهيــة‬ ‫الجوهر)‪ .‬كيــف‬ ‫سينظر سبينوزا إلى هذا المتداد على أنه فكــر؟ إذا تناولنــا‬ ‫مفهوم المتداد في ذاته وجدنا أن لخاصيته الساسية تتمثــل‬ ‫‪73‬‬ ‫‪Ibid: P.

‬فكلمة حيوان مثل ً لها مفهوم وهو الكــائن الحــي‬ ‫الممتلك لصفات التغذية والنمو والحساس والتكاثر‪ ،‬أما ما‬ ‫صد«ق الحيوان فهو كل مــا ينــدرج تحــت هــذا التعريــف مــن‬ ‫كائنات حية مثل الحصان والجمــل والقطــة والثعلــب‪ .‬لكــل‬ ‫مقولــــــــــة فكريــــــــــة إذن امتــــــــــدادها مــــــــــن‬ ‫الما صدقات‪ ،‬وبالتالي فالمتداد صفة للفكر نفسه‪ .‬ومن جهــة ألخــرى فــإن‬ ‫الفكــر كــذلك يحتــوي علــى المتــداد‪ ،‬حــتى علــى مســتوى‬ ‫الفكار المجردة‪ .‬وهكــذا‬ ‫نظر سبينوزا إلى الفكر والمتــداد علــى أنهمــا شــئ واحــد‪،‬‬ ‫فالفكر له امتداده من الما صدقات‪ ،‬والمتداد نفســه ليــس‬ ‫إل البعد الهندسي الرياضي الذي ليس سوى فكر‪.‬لكــل مفهــوم‬ ‫النطا«ق الممتد الذي يشمله‪ .‬مفهوم الحيوان يمتـد ليشـمل‬ ‫كل النواع الجزئية مــن الحيوانــات‪ ،‬ومفهــوم النبــات يمتــد‬ ‫ليشمل كــل الشــجار والزهــور والحشــائش ‪ .‫ســـــبينوزا‬ ‫في أبعاده الهندسية‪ ،‬والحيز الذي يشغله من المكان أيضــا ً‬ ‫هــو عبــارة عــن حيــز هندســي يمكــن أن يقــاس وتحكمــه‬ ‫القوانين الرياضية‪ .‬إن مصطلح المتداد فــي معظــم اللغــات‬ ‫الوربية شبيه بالمصــطلح النجليــزي وهــو ‪ .‬المفهوم هو معنــى الكلمــة الــذي نتوصــل إليــه‬ ‫بالتعريف‪ ،‬أما الما صد«ق فهو الشياء التي ينطبق عليها هــذا‬ ‫المفهوم‪ ..‬وبالتــالي فــإن‬ ‫الماهية الحقيقية للمتداد هي فكر‪ .‬المــا‬ ‫صــد«ق إذن هــو المتــداد العينــى للمفهــوم‪ ..‬‬ ‫‪74‬‬ .‬لكن العلقات الرياضية الهندســية الــتي‬ ‫تميز المتداد هي ذاتها نوع من الفكر‪ ،‬هذا بالضافة إلى أن‬ ‫القوانين الفيزيائية والكيميائية التي تحكم تفاعلت الجســم‬ ‫وحركات الجسام هي أيضا ً نوع من الفكــر‪ .extension‬وفــي‬ ‫المنطـــــــــــق نميـــــــــــز بيـــــــــــن المفهـــــــــــوم‬ ‫والما صد«ق‪ .‬إلــخ‪ .

‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة‬ ‫»أعنى بالحال‬ ‫أما تعريف سبينوزا للحال فهو كالتالي‪:‬‬ ‫ما يطرأ على الجوهر‪ ،‬أو ما يوجد في شئ غير ذاته ويتصور‬ ‫بشــئ غيــر ذاتــه«)‪ .‬إذا كــان‬ ‫هناك مثـال واحـد فقـط للشـكل الكـروي فلـن يكـون هـذا‬ ‫المثال حــال ً أو تنويعـا ً علــى الشــكل الكــروي بــل ســيكون‬ ‫صفة‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ ‫‪Nadler: op. PP.(1‬ويعنــى هــذا التعريــف أن الحــال هــو‬ ‫التعينات الجزئية للجوهر‪ . 56-57..‬يذهب سبينوزا‬ ‫إلى أنه ليس هناك إل جوهر واحد ول يمكن أن يكــون هنــاك‬ ‫‪Ibid: P.‬الحــال إذن هــو المثــال الجزئــي للجــوهر)‪.(2‬‬ ‫ومن طبيعة هذا المثال الجزئي أل يوجد فــي ذاتــه بــل فــي‬ ‫شئ آلخر‪ ،‬ذلــك لن الشـمس كرويــة والقمـر كــروي وكــرة‬ ‫القدم كروية وهي ل توجد بذاتها بل توجد باعتبارهـا ملحقـة‬ ‫بالشــكل الكــروي الــذي ل يمكــن تصــورها بــدونه‪ .‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬ ‫‪75‬‬ .‬‬ ‫يلحق سبينوزا بالجوهر عددا ً مــن الصــفات وهــي فــي‬ ‫الحقيقة تصل إلى أربعة‪ :‬الجوهر واحد‪ ،‬بمعنى أنه ل يمكــن‬ ‫وجود جوهرين اثنين‪ ،‬كمــا أن وجــوده ضــروري‪ ،‬ولخالــد‪ ،‬ول‬ ‫متناهي‪ . 45.. cit.‬وإذا نظرنــا إلــى الشــكل الكــروي‬ ‫على أنه الجوهر سوف تكون الدائرة هي صفته أو مــاهيته‪،‬‬ ‫وتكــون أحــواله أو تنويعــاته هــي كــل الشــكال الكرويــة‬ ‫الموجودة مثل الشمس والقمر وكرة القدم وكرة البلياردو‬ ‫والتنس‪.‬فإذا نظرنا إلى النسان على أنــه‬ ‫جوهر‪ ،‬فإن الشــكال المختلفــة للجســام البشــرية ســوف‬ ‫تكون أحوا ً‬ ‫ل‪ ،‬أي تنويعات على الجوهر النساني‪ ،‬أو المثلــة‬ ‫الجزئية لجنس النسان‪ .‬إلخ‪ .‬لنتناول كل صفة من هذه الصفات‪ .

‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬ ‫‪Nadler: P. P. 48.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ ‫‪Ibid: P.(3‬الملحظ أن سبينوزا يــدرك جيــدا ً الفــر«ق بيــن‬ ‫الفكرة والوجود الحقيقي‪ ،‬ويعلم أن الفكر يمكــن أن يثبــت‬ ‫‪Spinoza. 65.‬‬ ‫ويشبه هذا البرهــان الفكــار الــتي قــدمها فلســفة العصــور‬ ‫الوسطى المسيحيون والمسلمون حول وحدانية الله وهــو‬ ‫عدم إمكان وجود إله آلخر بجـانبه أو اسـتحالة وجـود إلهيـن‪،‬‬ ‫كما تشبه فلسفة أفلوطين التي وضعت على رأس الوجــود‬ ‫الواحد الذي يصدر عنه كل شئ من عقل كلي ونفس كلية‪.(2‬وهذه الحجة أيض ـا ً شــبيهة بحجــة‬ ‫إثبــات وجــود اللــه عنــد القــديس أنســلم وتومــا الكــوينى‬ ‫وديكارت)‪ . 47. The Ethics.‬‬ ‫والحقيقة أن فــي فلســفة ســبينوزا قليــل مــن التشــابه مــع‬ ‫الفلطونية المحدثة ونظريتها في الصدور التي تــذهب إلــى‬ ‫صدور كل شئ عن الواحد المعروفة في الفلســفة بنظريــة‬ ‫الفيض التي كان يعتنقها الفارابي وابن سينا‪.‬‬ ‫أما الصفة الثانية للجــوهر فهــي أن وجــوده ضــروري‪.‫ســـــبينوزا‬ ‫جوهران)‪ ،(1‬ذلك لنه إذا كان هناك وجود لجــوهرين فمعنــى‬ ‫هذا أن كل منهمــا ســوف يحتــوي علــى صــفة مختلفــة عـن‬ ‫اللخــر‪ ،‬إذ ل يمكــن أن نميــز بينهمــا إل علــى أســاس تمــايز‬ ‫صفاتهما‪ ،‬ولن الجوهر الحقيقي يحتوي علــى كــل الصــفات‬ ‫وعلى رأسها الفكر والمتــداد فمعنــى هــذا أنــه ل يمكــن أن‬ ‫يكون هناك جوهر آلخر بجــانبه يحتــوي علــى صــفة مختلفــة‪.‬‬ ‫يذهب سبينوزا إلى أننــا ل يمكــن أن نتصــور جــوهرا ً واحــدا ً‬ ‫يحتوي على كــل الصــفات وفـي نفــس الــوقت يفتقــر إلــى‬ ‫الوجــــود‪ ،‬ذلــــك لن الوجــــود صــــفة لزمــــة للجــــوهر‬ ‫ل يمكن تصوره بدونها)‪ .‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬ ‫‪76‬‬ .

‬ول يجــب أن نفهــم لخلــود الجــوهر هنــا علــى أنــه‬ ‫ل تناهي بالقياس إلى الزمان‪ ،‬أي على أنــه أزلــي ليــس لــه‬ ‫أول وأبدي ليــس لــه نهايــة‪ ،‬ذلــك لن لخلــود الجــوهر صــفة‬ ‫زمانيـــــــــة لـــــــــه بـــــــــل صـــــــــفة وجوديـــــــــة‬ ‫أو أنطولوجية)‪ . 62.‬‬ ‫الصفة الثالثة للجوهر هي الخلود ‪ ،eternity‬بمعنــى أن‬ ‫الجــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوهر‬ ‫لم يظهر من العدم ول يمكن أن يفنى)‪ .‬إن عدم وجود هذا الشئ في‬ ‫حد ذاته يعنى أن فكرتنا عنه غير صحيحة وغير دقيقة‪ .(2‬ويــدلل ســبينوزا علــى صــحة هــذا الــرأي‬ ‫بــــــــــــــــــــذهابه إلــــــــــــــــــــى أنــــــــــــــــــــه‬ ‫بما أن الجوهر هو علة ذاتــه وأن وجــوده ح ـال فــي مــاهيته‬ ‫‪Spinoza. The Ethics. P.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬ ‫‪77‬‬ .‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثةجنــب النقــد‬ ‫الوجود نظريا ً لشياء ل وجود حقيقي لها‪ ،‬وهو ي‬ ‫المحتمــل الــذي يمكــن أن يــوجه إلــى فكرتــه عــن الوجــود‬ ‫الضــروري للجــوهر مــن حيــث أنــه يســتخلص الوجــود مــن‬ ‫الفكــر‪ ،‬ولــذلك يــذهب إلــى أن الفكــرة‪ ،‬وهــي هنــا فكــرة‬ ‫الجوهر‪ ،‬إذا كانت صحيحة فمعنى هذا أن الجــوهر موجــود‪،‬‬ ‫ذلـــــــــــــــــــــــــــــــــك لننـــــــــــــــــــــــــــــــــا‬ ‫ل يمكن أن نحــوز علــى فكــرة صــحيحة ودقيقــة عــن شــئ‬ ‫ويكـــــــــــــــــــون هـــــــــــــــــــذا الشـــــــــــــــــــئ‬ ‫غير موجود في نفس الوقت‪ . op. PP.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ ‫‪Nadler. 66-67. cit.‬لكننا‬ ‫نحوز على فكرة صــحيحة عـن الجـوهر‪ ،‬وبالتــالي يجـب أن‬ ‫يتصف هذا الجوهر بالوجود ضرورة‪.(1‬فــإذا كــان وجــود‬ ‫الجوهر ضروري فإن وجــوده هــذا مرتبــط بــه علــى نحــو ل‬ ‫يمكن أن ينفصل‪ ،‬ويترتب على ذلك أنه في وجود دائــم‪ ،‬أي‬ ‫لخالــد‪ .

‬يعنـي لخلـود‬ ‫الجوهر عند سبينوزا أنه علــة ذاتــه وليــس فــي حاجــة إلــى‬ ‫الزمــان كــي يتحقــق فيــه أو يســير فيــه منــذ الزل والبــد‪. PP.‬ل نهائية الجوهر عنــد ســبينوزا تعنــي أن كــل مــا‬ ‫يوجد وما يمكن أن يوجد دالخل فيه وليس هنــاك شــئ آلخــر‬ ‫لخــــــــــــــــــارجه‪ ،‬فهــــــــــــــــــي ليــــــــــــــــــس‬ ‫ل نهائية في الكم بل ل نهائية في الكيف‪ ،‬ذلــك لن الجــوهر‬ ‫هو المحدد لكل ما يمكن أن يظهر إلى الوجود‪ ،‬وهو السبب‬ ‫الكافي لي حادثة تحدث في الكون)‪ .(1)Infinity‬ل‬ ‫تعني ل نهائية الجوهر ل نهائية مكانية‪ ،‬بمعنى أنها ليســت ل‬ ‫نهائية في إمكان انقسام الجوهر إلــى عــدد ل متنــاهي مــن‬ ‫الجزاء‪ ،‬ول تعني كذلك أن الجوهر ل متناهي في الحجم أو‬ ‫الضخامة‪ .‬‬ ‫الصــفة الرابعــة للجــوهر هــي اللنهائيــة ‪ . The Ethics.‬‬ ‫الجوهر ليس شيئا ً يسير فــي زمــان وتطــرأ عليــه الحــوال‬ ‫الزمانية من بداية ونهاية أو تغير أو صيرورة‪ ،‬ذلك لنه فو«ق‬ ‫الزمان‪ ،‬أنه يلغي الزمان ذاته‪ ،‬ومن هنــا فـإنه لخالـد بمعنــى‬ ‫أنه غير لخاضع للزمان وفو«ق الزمان‪. 73-75.‬إذا نظرنــا إلــى‬ ‫لخلود الجوهر على أنه أحد أحوال الجوهر فمعنــى هــذا أننــا‬ ‫ألحقنا به لخاصــية الس ـتمرار والــدوام فــي الزمــان‪ ،‬ولكــن‬ ‫الخلود عند سبينوزا ليس صفة زائدة على الجــوهر أو حــال‬ ‫يطرأ عليـه بـل هـو ماهيـة مرتبطـة بـه دائمـًا‪ .‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬ ‫‪78‬‬ .‬يكون الشــئ متناهيـا ً إذا كــان‬ ‫هنــاك شــئ آلخــر يحــده أو يشــكل لــه حــدوده الخارجيــة‪،‬‬ ‫‪Spinoza. 63. 48.(2‬كما يعرف ســبينوزا‬ ‫اللتناهي في مقابل التناهي‪ .‫ســـــبينوزا‬ ‫ذاتها فمعنى هذا أن الوجــود ليــس صــفة أو حــال مكتســب‬ ‫يطرأ على الجوهر بل هــو مــاهيته الصــلية‪ . PP.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ ‫‪Nodler.

‬فؤاد زكريا‪ :‬سبينوزا‪ ،‬دار التنوير‪ ،‬بيروت‪ ،1983 ،‬ص‬ ‫)(‬ ‫‪.(1‬‬ ‫وهذا ما أدى بكثير من الفلسفة والمفســرين إلــى العتقــاد‬ ‫في أن كل مذهب سبينوزا تأليهي »أو هو بحث في اللــه أو‬ ‫أن مــذهبه هــو وحــدة الوجــود ‪ ،Pantheism‬أي مــذهب يقــر‬ ‫بحضور الله الدائم في الطبيعة‪ ،‬لكن كل هــذه التفســيرات‬ ‫على لخطأ‪ ،‬ذلك لنه سبق أن وحد بيــن فكــرة اللــه وفكــرة‬ ‫‪1‬‬ ‫د‪ .‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة‬ ‫ـان‪ ،‬إذ تشــكل‬ ‫فالحجم متناهي لنه يشــغل حيــزا ً مــن المكـ‬ ‫حدوده المكانية حدوده النهائيــة الـتي ل يســتطيع تجاوزهـا‪،‬‬ ‫كما أن النسان الفرد متناهي ذلك لن له عمر محدد ينتهي‬ ‫بمــوته‪ ،‬ويعنــي التنــاهي أيض ـا ً أن يكــون للفــرد ســببا ً فــي‬ ‫وجوده من غير ذاته أو لخارجا ً عنه‪ ،‬بحيث أن هــذا الشــئ ل‬ ‫يمكن أن يوجد بدون هــذا الســبب الخــارجي‪ .‬والحقيقــة أن ســبينوزا عنــدما يبــدأ فــي‬ ‫الحديث عن الله بعــد أن يفــرغ مــن مفهــوم الجــوهر يعــود‬ ‫ليلحق به كل تلك الصفات التي ألحقها بالجوهر‪ ،‬كما أنه بعد‬ ‫ذلك يثبت أنها هي نفسها صفات الطبيعة‪ ،‬ثـم يـأتي بفكرتـه‬ ‫الثوريــة القائلــة أن اللــه والطبيعــة شــئ واحــد ويســتخدم‬ ‫تعبيره الشهير »الله أو الطبيعة« لمرة أو مرتين‪ ،‬ثم يكــف‬ ‫عن استخدامه هذا التعبير بعد أن أثبـت للقـارئ أنهمـا شـئ‬ ‫واحد ويستمر عبر باقي كتابه في استخدام كلمة »الله«)‪.118-115‬‬ ‫‪79‬‬ .‬‬ ‫‪.‬أمــا ل تنــاهي‬ ‫الجوهر فيعني أنه سبب لذاته‪ ،‬وأنــه ليــس هنــك شــئ آلخــر‬ ‫غيره يحده أو يعيقه‪.4‬‬ ‫الله أو الطبيعة‪:‬‬ ‫والملحظ أن كل تلك الصــفات الــتي ألحقهــا ســبينوزا‬ ‫بالجوهر هي نفس الصفات الــتي ألحقهــا الفكــر الفلســفي‬ ‫واللهــوتي بــالله‪ .

‬‬ ‫‪80‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬‬ ‫لكــل موجــود طــبيعته الخاصــة‪ ،‬والطبيعــة بــالمعنى العــام‬ ‫الكلي والشامل هــي كــل تلــك القــوى الكيميائيــة والنباتيــة‬ ‫والحيوانية والنسانية‪ ،‬فالطبيعة هي التي تطبع كل شــئ أو‬ ‫كائن بــالقوى الخاصــة بــه‪ ،‬وإذا كــانت الطبيعــة هـي القــوة‬ ‫الشاملة على جعل الشياء تتغذى وتنمو وتتحــرك وتتفاعــل‬ ‫‪Spinoza. cit.‬‬ ‫لكن كيف وحد سبينوزا بينهما واعتبرهما شيئا ً واحدًا؟ يعني‬ ‫أن كل ما يمكن أن نصف بــه الطبيعــة يمكــن أن نصــف بــه‬ ‫الله أيضًا‪ .(1‬‬ ‫ثــم يــأتي ســبينوزا بإشــارة هامــة وهــي أن هــذا الجــوهر‬ ‫اللمتنامي هو المتعـارف علـى تســميته بـالله أو الطبيعــة‪.‬فالطبيعة هي الضــرورة وهــي القــانون الحــاكم‬ ‫للشــياء وهــي الطبيعــة الطابعــة‪ ،‬أي الــتي تطبــع الشــياء‬ ‫بصفاتها وأحوالها‪ ،‬فقدرة النبـات علـى التغذيـة والنمـو مثل ً‬ ‫هي طبيعة‪ ،‬وقدرة الحيوان علــى الحســاس والدراك هــي‬ ‫الطبيعة الخاصة بــالحيوان‪ ،‬وقــدرة النســان علــى التعقــل‬ ‫والتفكير هي طبيعته الخاصة به‪ ،‬وقدرة العناصر الكيميائيــة‬ ‫على التفاعل مع بعضها هي الطبيعة الكيميائية الخاصة بها‪. P.‬وكــذلك فعنــدما يتكلــم‬ ‫سبينوزا عن الله فهو في الحقيقــة يقصــد الطبيعــة بمعنــى‬ ‫القوانين الضرورية الثابتة واللنهائية للكون ل الله بــالمعنى‬ ‫الديني‪. op.‫ســـــبينوزا‬ ‫الطبيعة واعتقــد أنهمــا شــئ واحــد‪ .‬‬ ‫يذهب سبينوزا إلــى أن الجــوهر الحقيقــي ل متنــاهي‪،‬‬ ‫بمعنى أنه يحوز على عدد ل نهائي من الصــفات والحــوال‪،‬‬ ‫إنه الكل الشامل لكل ما يمكن تصوره من صفات وأحوال‪،‬‬ ‫وكـــل مـــا يمكـــن أن يظهـــر فـــي الوجـــود مـــن صـــفة‬ ‫أو حال جديد موجود مسبقا ً في هذا الجوهر اللمتنــاهي)‪. 59.

‬حــاولت‬ ‫المذاهب الفلسفية دائما ً تفسير كيفيــة صــدور المـادة مــن‬ ‫الروح‪ ،‬وذلك لعتقادها في الختلفهما وتمايزهمــا وتناقضــها‬ ‫الصلي‪ .‬إذ ســوف توقعنــا فــي‬ ‫ثنائية الله الروحي الخالص والعالم المــادي‪ ،‬ويكــون لــدينا‬ ‫إله في جانب وطبيعة مادية في جانب آلخر‪. 84.‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة‬ ‫هذه هي نفس‬ ‫وتحس وتعقل‪ ،‬فمعنى هذا أن صفة الطبيعة‬ ‫صــفة اللــه‪ ،‬أي القــدرة الشــاملة علــى الخلــق واليجــاد‬ ‫والتحريك‪ .‬‬ ‫‪81‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬‬ ‫وحسب مذهب سبينوزا فإن في الكــون جــوهر واحــد‬ ‫فقط‪ ،‬وإذا نظرنا إلى الكون على أنه إله وعالم فمعنى هذا‬ ‫أننا اعترفنا بجوهرين‪ ،‬جوهر روحي وجوهر مــادي‪ .‬فالطبيعــة إذن غايــة‬ ‫وقدرة على إحداث النتظام والنسجام‪ ،‬وهذه القدرة هــي‬ ‫الــتي يلحقهــا الفكــر دائمـا ً بــالله‪ ،‬وعلــى هــذا فــإن قــدرة‬ ‫الطبيعة هي نفســها قــدرة اللــه‪ ،‬وبــذلك يكــون اللــه عنــد‬ ‫سبينوزا هو الطبيعة‪.‬لكن يعتقد سبينوزا أن نفي صفة المتداد عــن‬ ‫الله سوف توقعنا في صعوبة بالغة‪ .‬لكن سبينوزا كان قد ســبق وأن وحــد بيــن الــروح‬ ‫‪Ibid: P.‬كما أن الطبيعة تحتوي على الغائيــة والنتظــام‪،‬‬ ‫بمعنى أن أشــياءها تتبــع أهــدافا ً نهائيــة وتــترتب فــي صــور‬ ‫منتظمة ومنسجمة مع بعضها البعــض‪ .‬‬ ‫وعلوة على ذلك يأتينا سبينوزا بفكرة غيــر مســبوقة‪،‬‬ ‫إذ يصل توحيده للله والطبيعة إلــى درجــة أن يلحــق بــالله‬ ‫صفة لخاصة بالطبيعــة وهــي المتــداد)‪ .(1‬مــا هــي مــبررات‬ ‫سبينوزا في ذلــك؟ الحقيقــة أن كــل الفكــر النســاني قبــل‬ ‫سبينوزا كان ينفي أي صفة مادية عن الله ويعتبره موجودا ً‬ ‫روحيا ً فقط‪ .

‬الله عند سبينوزا باعتباره جــوهرا ً واحــدا ً ل يمكــن‬ ‫أن يفتقــر إلــى أي صــفة‪ ،‬وإذا اعتبرنــا اللــه روحــا ً فقــط‬ ‫فسوف يكون مفتقرا ً بذلك إلى المادة أو المتداد‪ ،‬وســوف‬ ‫يكون المتــداد صــفة لخاصــة بالطبيعــة وتميزهــا عــن اللــه‪.‬المتــداد عنــد‬ ‫سبينوزا ليس امتدادا ً شيئيا ً جسميا ً بل هو امتــداد رياضــي‪،‬‬ ‫المتداد هو في جوهره رياضــي‪ ،‬والرياضــة فكــر‪ ،‬وبالتــالي‬ ‫فإن الله باعتباره الجوهر الوحيــد يجــب أن يكــون ممتلك ـا ً‬ ‫لفكــرة المتــداد الرياضــي الهندســي‪ .‬ولن هناك جوهر واحد فقط في الكون فيجــب أن‬ ‫يكون هذا الجوهر روحيا ً وماديا ً في نفــس الــوقت‪ .‬هل يعني ذلك أن سبينوزا قد أقر بــأن اللــه شــئ‬ ‫ممتد‪ ،‬بمعنى كونه حائزا ً على جسم معين أو شــكل وأبعــاد‬ ‫هندســـــــية ويشـــــــغل حيـــــــزا ً مـــــــن المكـــــــان؟‬ ‫ل يقصد سبينوزا أبدأ ً هذا المعنى من المتــداد‪ ،‬إذ ل يقصــد‬ ‫المتــداد الجســمي الهندســي المكــانى بــل يقصــد صــفة‬ ‫المتــداد ذاتهــا بصــرف النظــر عــن أحوالهــا مــن الطــول‬ ‫والعرض والجســمية والمكانيــة‪ .124-120‬‬ ‫‪82‬‬ .‫ســـــبينوزا‬ ‫والمادة‪ .(1‬لكن يجــب أن نفهــم معنــى إلحــا«ق‬ ‫صــفة المتــداد بــالله عنــد ســبينوزا علــى نحــو يتفــق مــع‬ ‫فلسفته‪ .‬اللــه عنــد ســبينوزا‬ ‫‪1‬‬ ‫)(‬ ‫د‪ .‬ولــذلك‬ ‫أصر سبينوزا على أن المتداد صفة للله أو الطبيعة حسب‬ ‫تعبيره‪ .‬اللــه عنــد ســبينوزا ممتــد‬ ‫بمعنى أن فكرة المتــداد دالخلــة فــي جــوهره ومــاهيته‪ ،‬فل‬ ‫يمكن أن توجد في الكون صفة ليســت موجــودة فـي اللــه‬ ‫باعتباره الجوهر الواحــد والوحيــد الحقيقــي‪ .‬‬ ‫رفــض ســبينوزا أن يكــون اللــه باعتبــاره الجــوهر الواحــد‬ ‫والوحيد مفتقرا ً لصفة المتداد‪ ،‬وعلى ذلــك اقــر بــأن اللــه‬ ‫يمتلك صفة المتداد)‪ .‬فؤاد زكريا‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.

81-83.(2‬‬ ‫كمــا تعنــي فكــرة أن اللــه والعــالم شــئ واحــد أن‬ ‫اللوهية هي تعبير عن النظام القصدي والغائية والقــوانين‬ ‫الضرورية الموجودة والمنتشرة في كــل العــالم‪ ،‬والعــالم‬ ‫تعبير عن الجانب المادي للكون)‪ . P.‬ولن سبينوزا لم يطــرح هــذه الســئلة‬ ‫أصل ً وبالتالي لم يقــدم لهــا إجابــات فقــد ظــل المفســرون‬ ‫مختلفين حول مذهب سبينوزا حتى الن)‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬ ‫‪83‬‬ .(3‬فإذا نظرنا إلى العــالم‬ ‫من حيث كــونه محكوم ـا ً بنظــام وقــوانين ثابتــة تجلــي لنــا‬ ‫الجانب اللهي منه والذي ينظر فيه على أنــه إرادة فاعلــة‬ ‫نحو غاية‪ ،‬وإذا نظرنا إلى العالم من حيث كونه مادة تجلي‬ ‫‪Nadler: op. PP. 86.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ ‫‪Ibid: PP. The Ethics. cit.‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثةـرة أوقعــت‬ ‫يمتلك صــفة المتــداد‪ .‬فإذا كان المتداد صفة لللــه‬ ‫فهل معنى هذا أن الطبيعة تشكل جسدا ً للله‪ ،‬أم معناه أن‬ ‫اللـــه منتشـــر فـــي كـــل أجـــزاء الطبيعـــة ويتخللهـــا؟‬ ‫أم أنه ليس هناك إل الطبيعة الممتدة؟ )‪ (1‬إذا فسرنا امتــداد‬ ‫الله عند سبينوزا على أنه يعني انتشار اللــه فــي الطبيعــة‬ ‫المادية فمعنــى هــذا أن مــذهبه هــو مــذهب وحــدة الوجــود‬ ‫‪ Pantheism‬والتي تعني حرفيا ً الحضور الكلي للله فــي كــل‬ ‫أجزاء العالم‪ ،‬وإذا فسرناها على أن الله عنــد ســبينوزا هــو‬ ‫المتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــداد‬ ‫أو المادة فمعنى هذا أن مذهب سبينوزا ل إلهي ويعتقد في‬ ‫أن المادة هي كل ما يوجد ‪ ،atheism‬وهو المذهب المتعارف‬ ‫على وصفه باللحاد‪ .‬والحقيقــة أن هــذه الفكـ‬ ‫المفسـرين فـي مشـكلت عديـدة‪ ،‬ســببها أن سـبينوزا لــم‬ ‫يجب عن السئلة التي تثيرها‪ .‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬ ‫‪Spinoza. 112-121.

(2‬الحقيقة أن سبينوزا لم يعطنا إجابة شافية عــن‬ ‫تلك التساؤلت التي لم يطرحها أص ً‬ ‫ل‪ ،‬ولعله تــرك لقــراءه‬ ‫ومفســريه حريــة اللختيــار بيــن هــذين التفســيرين‪ .(1‬إذا نظرنــا إلــى وجــود اللــه والعــالم‬ ‫على أنها تعني أن اللوهية ليســت ســوى قــوانين الطبيعــة‬ ‫فلن يكون هناك إلهي شخصي مفار«ق ومنفصل عن العالم‬ ‫وهذا بالتالي يعد إنكارا ً للمفهوم التقليدي عن الله‪ ،‬وبذلك‬ ‫ســـــــوف يكـــــــون مـــــــذهب ســـــــبينوزا ماديـــــــا ً‬ ‫أو مــذهبا ً ل إلهي ـا ً ‪ ،atheism‬أي مــذهبا ً إلحادي ـا ً كمــا يصــفه‬ ‫البعض)‪ . 120-121.‬يذهب سبينوزا إلى أن الجوهر هو ما يقــوم بــذاته‬ ‫وما ليس في حاجــة إلــى شــئ آلخــر ســواه كــي يتحقــق أو‬ ‫يتقوم‪ .‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬ .‬وإذا بحثنا في أشياء العالم عن شئ يمثــل الجــوهر‬ ‫الحقيقي فلن نجــده لن كــل أشــياء العــالم معتمــدة علــى‬ ‫غيرها وعلــى النظــام الــذي يشــملها‪ .‫ســـــبينوزا‬ ‫لنــا الجــانب المــادي منــه‪ ،‬والجانبــان غيــر منفصــلين‪.‬وإذا‬ ‫كان نظام العالم الضروري والثابت هــو الجــوهر الحقيقــي‬ ‫فيجــــــــــب أن تكــــــــــون اللوهيــــــــــة هــــــــــي‬ ‫هذا النظام الضروري الثابت‪ . 84.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ ‫‪Nadler: PP.‬‬ ‫وقد توصل سبينوزا إلى هــذه النتيجــة بفضــل فكرتــه عــن‬ ‫الجوهر‪ .‬وبالتــالي فيجــب أن‬ ‫يكون النظــام الضــروري للعــالم هــو هــذا الجــوهر الواحــد‬ ‫الثابت لنه غيــر معتمــد علــى العــالم بــل هــو الــذي ينظــم‬ ‫العالم‪ ،‬وهذا النظام الضروري ليــس ســوى اللوهيــة‪ .‬وهكذا توصــل ســبينوزا إلــى‬ ‫أن العــالم الــذي هــو النظــام الضــروري الحــاكم لوجــود‬ ‫الشياء ليس سوى اللوهيــة‪ ،‬وانتهــى بــذلك إلــى أن اللــه‬ ‫والعالم شئ واحد)‪ .‬لكننــا‬ ‫نســتطيع أن نلتمــس الجابــة علــى هــذه التســاؤلت فــى‬ ‫‪84‬‬ ‫‪Ibid: P.

‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة‬ ‫فــي حقيقتــه‬ ‫التفسير الثاني القائل أن مذهب سبينوزا هو‬ ‫مـــــــــــــــذهب ل إلهـــــــــــــــي‪ ،‬أي مـــــــــــــــذهب‬ ‫يقول بأن الله والعالم جانبين لشئ واحــد‪ ،‬ووجهــتي نظــر‬ ‫فــــــــــــــــــــــــــــــــي الكــــــــــــــــــــــــــــــــون‪،‬‬ ‫إذا نظرنا إليه من حيث كونه مادة وجــدنا أنــه عــالم مــادي‬ ‫وإذا نظرنـــــــــــــــــــــــــــــا إليـــــــــــــــــــــــــــــه‬ ‫من حيث انتظامه وغــائيته المقصــودة وجــدنا أنــه ألوهيــة‪.‬‬ ‫ويتفق هذا التفسير مع مــا ذهــب إليــه ســبينوزا فــي كتــابه‬ ‫»رسالة في اللهوت والسياسة« من أن الله ليس ســوى‬ ‫نظام الطبيعة الغائي والقصدي‪ ،‬وأن النبوة ليســت ســوى‬ ‫النور الفطري الذي يدرك الحقــائق مباشــرة دون توســط‬ ‫مـــــــــــــــــــــــــــــــن اســـــــــــــــــــــــــــــــتدلل‬ ‫أو برهان أو إدراك حسي‪. 62.‬‬ ‫‪85‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬ولعل سبينوزا قد قصد من ذلك‬ ‫‪Spinoz.‬ولقد رفض سبينوزا هذه الفكرة بأن قــال بــأن هنــاك‬ ‫جوهر واحد فقط ول شئ لخــارجه‪ ،‬يمكــن أن نســميه اللــه‬ ‫ويمكن أن نسميه الطبيعة‪ .‬‬ ‫وقـد كـان لقـول ســبينوزا بعــدم وجــود اللـه لخـارج العـالم‬ ‫مبرراته القوية‪ ،‬ذلك لننا إذا اعتقدنا أن اللــه لخــارج العــالم‬ ‫فمعنى هذا أننــا أثبتنــا لــه مكان ـا ً آلخــر يعلــو هــذا العــالم)‪،(1‬‬ ‫واعتقدنا بذلك في وجود مكانين‪ :‬مكــان يوجــد فيــه العــالم‬ ‫بدون إله ومكان آلخر يوجد فيه الله بدون العالم أو أي شئ‬ ‫مادي‪. P.‬‬ ‫كما ذهب سبينوزا إلى أن الله هو العلــة الكامنــة فــي‬ ‫العالم ل العلة المفارقة‪ ،‬بمعنى أن الله ليس لخارج العــالم‬ ‫بل محايث له‪ ،‬وبــذلك ل يكــون اللــه شــيئا ً مفارقـا ً للعــالم‬ ‫ويقع لخارجه بل هو المبدأ البــاطن فــي هــذا العــالم نفســه‪.

‫ســـــبينوزا‬ ‫أن يترك للقـارئ حريــة اللختيــار بيــن التعــبيرين وهــو يعلـم‬ ‫أنهما يعنيان الشئ نفسه‪.‬اعترض الفيلسوف بيير بايل على هذا الوصــف قــائل ً‬ ‫أن ما يــترتب عليــه هــو القــول بــأن كــل جمــاد وكــل نبــات‬ ‫وحيوان وإنســان يوجــد فــي اللــه‪ . 55.‬إن الشــياء كلهــا‬ ‫موجـــــــودة فـــــــي اللـــــــه باعتبارهـــــــا تنويعـــــــات‬ ‫أو أحوال للقانون اللهي أو القانون الطبيعي‪ ،‬وبما أن الله‬ ‫هو السبب المحايث في الكون لحدوث أي حادثة أو ظهــور‬ ‫أي شئ مادي فإن كل شئ يوجد في اللــه مــن حيــث أنهــا‬ ‫نتائــج للضــرورة الســببية لللــه‪ .(1‬وحســب فلســفة ســبينوزا الــذي وحــد بيــن اللــه‬ ‫والطبيعة‪ ،‬فإن قولنا إن أي شئ يوجد في الطبيعــة مســاير‬ ‫لقولنا كل شئ يوجد في الله‪ ،‬بما أن الله والطبيعة بمعنى‬ ‫واحد‪ .‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬ .‬‬ ‫من بين الصفات العديدة التي وصف بها سبينوزا الله‬ ‫وصفا ً الختلف حوله الشراح‪ ،‬وهو القائــل‪» :‬كــل مــا يوجــد‪،‬‬ ‫يوجد في الله«‪ ،‬بمعنى أن كل شئ في الكــون يوجــد فــي‬ ‫اللــه)‪ . PP.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ ‫‪Nadler. 70-73.‬كمــا اعــترض بايــل علــى‬ ‫سبينوزا بقوله أن ما يترتب على أن كل شئ يوجد في الله‬ ‫هــو القــول بــأن اللــه ســوف يكــون محتوي ـا ً علــى أشــياء‬ ‫متناقضة)‪ :(2‬الخير والشر والفضيلة والرذيلة‪ ،‬وسوف يكون‬ ‫‪86‬‬ ‫‪Ibid: P.‬فكيــف إذن توجــد هــذه‬ ‫الشياء المادية في اللــه؟ الحقيقــة أن ســبينوزا لــم يقصــد‬ ‫بقوله إن كل شئ يوجد في الله أن يعنــي أن هــذا الوجــود‬ ‫وجـود تضـمن‪ ،‬بمعنـى أن اللـه ليـس حاويـة تحتـوي علـى‬ ‫الشياء المادية بل كان يعني أن اللــه هــو الســبب الكــافي‬ ‫والضــروري والمحــايث لوجــود الشــياء‪ .

‬‬ ‫الخمر مثل ً عنصر كيميائي موجود فــي الطبيعــة وناتــج عــن‬ ‫تفاعلت كيمائية طبيعية وهو بذلك ليس شرا ً فـي حــد ذاتـه‬ ‫بل هــو يصــبح كــذلك إذا تنــاوله النســان وأدى إلــى الســكر‬ ‫والهذيان‪ .‬ليس في الطبيعة ذاتها لخير وشر ورذيلة وفضيلة‪،‬‬ ‫بــل إن أفعــال النســان وحــدها هــي الــتي تتصــف بــذلك‪.‬الحرارة والضــوء أثــران‬ ‫‪87‬‬ .‬فالزلزل والبراكين والفيضانات ليســت‬ ‫شرا ً في ذاتها بل هي مجرد ظواهر طبيعيــة‪ ،‬بــل يمكــن أن‬ ‫تكون أهم مـن الظـواهر العاديـة لنهـا تحـدث التـوازن فـي‬ ‫الطبيعة‪ ،‬لكنها تصبح شرورا ً عندما تؤثر سلبا ً على النسان‪.‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثةميلد ونمــو‬ ‫الله أيضا ً محل ً للتغير الحادث في الطبيعة من‬ ‫ومـوت‪ ،‬فكيـف يكـون اللـه محل ً للشـر وللرذيلـة وللتغيـر‬ ‫وللموت؟ نستطيع أن نجيب على هذا العتراض من فلسفة‬ ‫سبينوزا ذاتها‪ ،‬ذلك لن سبينوزا ل ينظــر إلــى الخيــر والشــر‬ ‫والفضيلة والرذيلة على أنها صفات أو أحوال موجودة بذاتها‬ ‫في الطبيعة‪ ،‬بل ينظـر إليهـا علـى أنهـا طريقـة البشـر فـي‬ ‫النظر إلى الشياء‪ .‬النــوع الول هــو أن يكــون‬ ‫الثر صادرا ً عن طبيعة السبب‪ ،‬مثل الحرارة المتولدة عــن‬ ‫الشمس‪ ،‬والضوء الذي يشع منها‪ .‬ماذا يعني أن كـل شـئ يوجــد فـى اللـه وفـي نفـس‬ ‫الـوقت يكــون اللـه محايثـا ً كسـبب ضــروري شـامل لكــل‬ ‫شئ؟ الحقيقة أن مفهوم سبينوزا عن السببية يعتمــد علــى‬ ‫التمييز بين معنيين من السببية‪ .‬‬ ‫وبالتالي فل معنى لعتراض بايل أن الله عن سبينوزا محــل‬ ‫للمتناقضات وللخير والشر معًا‪ ،‬ذلك لن الخير والشر ليسا‬ ‫أحوال ً للطبيعة‪.‬‬ ‫يجب علينا الن أن نشرح فكرة ســبينوزا عــن أن كــل‬ ‫ما يوجد يوجد في اللــه وأن اللــه هــو العلــة الكامنــة لكــل‬ ‫شئ‪ .

‬كما أن الباني الذي بنى‬ ‫بيتا ً هو السبب في وجود البيت‪ ،‬لكنه عندما ينتهي من بنــائه‬ ‫يصبح البيت قائما ً ول يحتاج الباني بعد ذلــك‪ ،‬ويصــير الــبيت‬ ‫قائمًا‪ ،‬ينتهي الباني عن البناء‪ ،‬ومعنى هــذا أن الــبيت ليــس‬ ‫في حاجة في استمراره في الوجود إلــى الفعــل المســتمر‬ ‫للباني‪ ،‬لن الباني بناه مرة واحدة وانتهى‪ .(2‬والذي يجعل سبينوزا يساوي بين الله والطبيعة‬ ‫أن كليهما سببا ً دائما ً لستمرار الشياء في الوجود‪ .‬‬ ‫لكن السببية التي يعتقد فيها سبينوزا هى مـن النــوع الول‪،‬‬ ‫أي الســببية الدائمــة الـتي تكــون ســببا ً مســتمرا ً فـي بقـاء‬ ‫الشياء في الوجود‪ ،‬تماما ً مثل الشمس الــتي هــي الســبب‬ ‫المستمر في وجود الحرارة والضوء في العــالم‪ ،‬بحيــث إذا‬ ‫الختفت الشمس الختفت الحرارة والختفى الضوء‪ .‬فالنبات‬ ‫‪Ibid: PP. cit.‬‬ ‫‪88‬‬ . 80-88.‬هذا هــو المعنــى‬ ‫الثاني للسببية التي يكون الثر فيهــا مســتقل ً عــن الســبب‪. op.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ ‫‪Jonathan Bennett: “Spinoza’s Metaphysics”. 85-87.).‬المعنى الثاني للسببية هو أن يكون الثــر‬ ‫منفصل ً ومستقل ً عن سببه)‪ ،(1‬فإذا تسببت كرة فــي كســر‬ ‫نافذة فإن هذا النوع من السببية غيــر متضــمن فــي طبيعــة‬ ‫الكــرة‪ ،‬لن الكــرة ليــس مــن طبيعتهــا أن تكســر النوافــذ‪،‬‬ ‫ويصــبح انكســار النافــذة مســتقل ً عــن طبيعــة الكــرة‪ ،‬لن‬ ‫النافذة كان يمكن أن تنكسر بأي شئ آلخر غير الكرة‪ ،‬ولن‬ ‫الكرة كان يمكن أل تكسر النافذة‪ . PP.‬والله هو‬ ‫ســبب حـدوث كـل شـئ عنـد ســبينوزا بهــذا المعنــى الول‬ ‫للسببية)‪ .‫ســـــبينوزا‬ ‫أو نتيجتان لطبيعة الشمس ذاتها‪ ،‬وهذا النــوع مــن الســببية‬ ‫يبطل أثره وينعدم إذا كان السبب غير موجـود‪ ،‬بمعنـى أنــه‬ ‫إذا لم يكن هناك شمس فإن الحــرارة والضــوء لــن يظهــرا‬ ‫على وجه الرض‪ . in Don‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬ ‫‪Garrett (ed.

‬وهذا هو معنــى قــول ســبينوزا أن اللــه هــو العلــة‬ ‫الكامنـــــــــــــــة المحايثــــــــــــــــة للشــــــــــــــــياء‬ ‫ل المفارقة أو المنفصــلة عنهــا‪ ،‬ولن اللــه والطبيعــة شــئ‬ ‫واحــد عنــده فــإن ســببية الطبيعــة الكامنــة والمحاثيــة فــي‬ ‫الشياء هي نفسها سببية الله وقدرته الشاملة الكامنة في‬ ‫الشياء‪.‬‬ ‫أما الحوال المتناهية فهي تلك التي في حاجة إلى وســيط‬ ‫تتحقق به وفيه‪ .‬الحوال اللمتناهية هي المرتبطة بصفات‬ ‫اللــه الجــوهر الوحــد مباشــرة‪ ،‬مثــل الســببية والفكــر‬ ‫والمتداد والحركة‪ .‬السببية حال ل متناهي لن صفة اللــه‬ ‫هي كونه السبب الول والكافي والــدائم لحــدوث الشــياء‬ ‫واســتمرارها فــي الوجــود‪ .‬والنامية والمدركة القادرة على الفهـــم‬ ‫والفكر‪ ،‬هي المجموع الكلي لكل هذه القدرات‪ .‬إذ كــان اللــه هــو الجــوهر‬ ‫الوحد اللمتناهي فإن الحوال اللمتناهيــة هــي تلــك الــتي‬ ‫تصـــدر عنـــه أو عـــن صـــفاته مباشـــرة دون وســـيط‪.‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثةــتمرة علــى‬ ‫ل يمكن أن يستمر في الوجود إل بقــدرته المس‬ ‫التغذية والنمو‪ ،‬والحيوان يستمر في الوجود بفضــل قــدرته‬ ‫المستمرة على الحساس والحركة‪ ،‬والنسان مستمر فــي‬ ‫الوجود بفضل قدرته على التفكير‪ ..‬والفكر حــال متنــاهي لن‬ ‫‪89‬‬ ...‬ومعنى هذا أن الطبيعــة‬ ‫هي القدرة ‪ ..‬ويعنــي كــون الســببية حــال ً ل‬ ‫متناهيـا ً أنهــا تســود العــالم كلــه بكــل أشــيائه وأحــداثه ول‬ ‫يمكن تصور العالم بدون سببية‪ ...‬فالطبيعــة‬ ‫جوهر كلــي واحــد يتخــذ أحــوال ً مختلفــة فــي صــورة قــوى‬ ‫متعــددة يحيــا بهــا كــل كــائن حــي ويتحــرك بهــا كــل جســم‬ ‫متحرك‪ .‬‬ ‫يميــز ســبينوزا بيــن نــوعين مــن الحــوال‪ :‬الحــوال‬ ‫اللمتناهية والحوال المتناهيــة‪ ...

‬ولن الحركة دائمة‬ ‫الوجود ومستمرة الحضور في كل العالم فهي ل متناهية‪،‬‬ ‫إذ ل يمكن أن يوجد العالم بدونها‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ ‫‪Ibid: P.‬‬ ‫أما الحوال المتناهية فهي على نوعين‪ ،‬نوع يصدر عن‬ ‫صفة المتداد و هي الجسام‪ ،‬ونوع يصدر من صــفة الفكــر‬ ‫وهي العقول الفردية والفكار الجزئية)‪ .‬فلن اللــه نفســه هــو مصــدر كــل‬ ‫امتداد يكون المتداد حال ً مرتبطا ً على نحــو وثيــق بــالله‪.‬‬ ‫أما بالنسبة للحركة فيقول عنها ســبينوزا أنهــا هــي ماهيــة‬ ‫المتداد‪ ،‬ذلك لن كل شئ ممتــد متحــرك‪ ،‬أو علــى القــل‬ ‫قابل للحركة ولن كل شئ في العالم متحرك فإن الحركة‬ ‫بذلك تكون حال ً دائما ً وأبديا ً لكل ما يوجد‪ ،‬إذ ل يمكــن أن‬ ‫نتصور أي شئ في العالم بدون حركة‪ . The Ethics.‬والعقــول‬ ‫الفردية أيضا ً في حاجة إلى الفرد أو الشخص كي تقوم‪. 65-66‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬ ‫‪90‬‬ .‫ســـــبينوزا‬ ‫من طبيعة الله أن يكون جوهرا ً مفكرا ً)‪ ،(1‬وبالتــالي فــإنه‬ ‫هــو مــا يعطــي الفكــر للوجــود ولكــل الكائنــات المفكــرة‪. P.‬والعقــول الفرديــة‬ ‫أيضا ً متناهية ذلك لنها تنتهي بموت حاملها من البشر‪ .‬‬ ‫‪Spinoza.‬‬ ‫والمتداد أيض ـا ً ح ـال ل متنــاهي لنــه صــادر مباشــرة عــن‬ ‫طبيعــة أو جــوهر اللــه‪ .(2‬الجســام أحــوال‬ ‫متناهية لنها فانية‪ ،‬إذ يمكن أن تصير إلى العدم أو تتلشى‪،‬‬ ‫كما يمكن تصور العــالم بــدون أجســام‪ .‬هذه‬ ‫الحوال متناهية لنه ل يمكن أن تقوم بذاتها بـل فـي حاجــة‬ ‫إلى وسيط كي تتحقق‪ ،‬فكل جسم في حاجة إلى حيز مــن‬ ‫المكان يوجد فيه‪ ،‬وفــي حاجــة إلــى صــفات يكتســبها مثــل‬ ‫اللــون والملمــس والطعــم والرائحــة والشــكل‪ . 65.

‬‬ ‫‪.‫ثانيا ً ‪ -‬النسان‪ :‬طبيعته‬ ‫تيارات فلسفية‬ ‫ومعرفته‪:‬حديثة‬ ‫تناول سبينوزا طبيعة النسان وطبيعة وأصل المعرفــة‬ ‫النسانية فـي الجــزء الثــاني مــن »اللخل«ق« بالضــافة إلــى‬ ‫مقال صغير بعنوان »في إصلح العقل«‪ . 3-5.‬الحقيقــة أن‬ ‫كتاب »اللخل«ق« ل يحوي على مقدمة أو مــدلخل يوضــح مــا‬ ‫ينوي سبينوزا القيام به في هــذا الكتــاب ولــذلك يعــد مقـال‬ ‫»في إصلح العقل« هو مقدمة »اللخل«ق« الــتي توضــح لنــا‬ ‫الهداف التي تصدى لها سبينوزا في فلسفته‪. II.1‬‬ ‫غايات النسانية‪:‬‬ ‫عندما فكر سبينوزا في الوضع النساني وجــد أن كــل‬ ‫البشر يسعون وراء عــدد مــن الهــداف‪ :‬الــثروة والشــهرة‬ ‫والمتعــة‪ ،‬معتقــدين أن هــذه الشــياء ســوف تجلــب لهــم‬ ‫الســعادة‪ .‬إل أن ســعيهم وراءهــا أو حــتى حصــولهم عليهــا‬ ‫لم يوصلهم إلى تلــك الســعادة الــتي يتصــورونها‪ . cit. op. PP.‬‬ ‫‪91‬‬ ‫‪1‬‬ .‬وفي حين أن هــذا‬ ‫المقال يتناول المعرفة النسانية حصريا ً ويربطهــا بــاللخل«ق‬ ‫والسعادة والفضيلة النسانية‪ ،‬فهــو فــي الجــزء الثــاني مــن‬ ‫»اللخل«ق« يتناول النسان مــن حيــث طــبيعته ووضــعه فـي‬ ‫الكون وعلقته بالعالم ويحاول حل قضية الثنائيــة التقليديــة‬ ‫بين العقل والجسم التي ظهرت لدى ديكارت‪ . vol.‬ومــن ثــم‬ ‫يستبعد سبينوزا الثروة والشــهرة واللــذة باعتبارهــا ليســت‬ ‫الهــدف الحقيقــي للنســان الفاضــل الــذي يســمو نحــو‬ ‫السعادة)‪ (1‬ذلــك لن هــذه الشــياء هــي فــي النهايــة مجــرد‬ ‫وسـائل وليسـت أهـدافا ً فـي ذاتهـا‪ ،‬وعنـدما يتضـح أن هـذه‬ ‫الوسائل ل توصلنا إلى السعادة الحقيقية أو الفضــيلة الحقــة‬ ‫‪Spinoza. “On The Improvement of the Understadig” in‬‬ ‫)(‬ ‫‪The Chief works of Benedict de Spinoza.

‬وبالتــالي‬ ‫فيجب على العقل أن يكون هو الموجه للنســان وأن يكــون‬ ‫أداته ووسيلته نحــو هــذه الهــداف‪ .‬وإذا كـان الهـدف عقلنيـا ً فيجـب أن‬ ‫تكون الوسيلة عقلنية هي اللخـرى‪ .‬وإذا كانت السعادة والفضيلة والحياة الكريمة أهدافا ً‬ ‫تتطلب لتحقيقها وسائل‪ ،‬فإن لسبينوزا فلسفة لخاصــة حــول‬ ‫الوســائل الخاصــة لتحقيــق هــذه الهــداف‪ .(1‬ومعنى هذا أن تنظيم النســـان‬ ‫لحيــاته وســلوكه بطريقــة عقلنيــة هــو الوســيلة الوحيــدة‬ ‫للوصول إلى السعادة والفضيلة والحيــاة الكريمــة‪ .‬يجــب أن‬ ‫تكــون الوســيلة مـن طبيعــة الهــدف‪ .‬إن الوســائل‬ ‫الموصلة للسعادة والفضيلة والحياة الكريمة يجب أن تكــون‬ ‫متفقــة مــع هــذه الهــداف ذاتهــا‪ ،‬فكيــف إذن للنســان أن‬ ‫يسـتخدم وسـائل مختلفـة طبيعتهـا عـن هـذه الهـداف؟ إن‬ ‫السعي نحو الثروة والشهرة واللذة مختلف في طبيعته عــن‬ ‫السعي نحو السعادة والفضــيلة والحيــاة الكريمــة‪ .‬‬ ‫‪92‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬وبـذلك تكـون العقلنيـة‬ ‫هي هدف الحياة النسانية وهـي أيضـا ً وسـيلة لهـذا الهـدف‪.‫ســـــبينوزا‬ ‫فيجب علينا أن نتخلى عن اســتخدامها ونبحــث عــن وســائل‬ ‫ألخرى‪ .‬ول يجــد ســبينوزا مـن‬ ‫وســيلة توصــل النســان إلــى هــذه الهــداف ســوى العقــل‬ ‫المستنير والتفكير القويم)‪ .‬‬ ‫كــل العلــوم تهــدف الوصــول إلــى معرفــة صــحيحة‬ ‫بالشياء‪ ،‬وتهدف قيادة العقل نحو الحقيقة‪ ،‬وبالتــالي فكــل‬ ‫‪Ibid: PP.‬‬ ‫ومن أجل هذا السبب يبدأ سبينوزا بمحاولـة لصـلح العقـل‪،‬‬ ‫أي محاولة توضح كيفية تهذيب النسان لحياته العقلية‪.‬ذلــك لن هــذه الهــداف‬ ‫ذاتها ليست في حقيقتها سوى العقلنية المتحققة فـي حيـاة‬ ‫النسان‪ ،‬أما الــثروة والشــهرة واللــذة فليســت بأهــداف ول‬ ‫حتى بوسـائل عقلنيـة‪ . 7-10.

‬وهكذا يختزل سبينوزا إشــكاليات البحــث‬ ‫عــن غايــات النســان الســامة فــي البحــث فــي المعرفــة‬ ‫النســانية‪ .‬هذا النوع من المعرفة‬ ‫لـــــــم يتعامـــــــل معـــــــه العقـــــــل بالتحليـــــــل‬ ‫‪Ibid: PP.2‬‬ ‫طبيعة المعرفة‪:‬‬ ‫والمعرفة عند سبينوزا هــي الدراك الصــحيح‪ ،‬ولــذلك‬ ‫فهو يبدأ بالبحث في أنواع الدراك وهي تتمثل في أربعة‪:‬‬ ‫‪ -1‬الدراك الشائع‪ ،‬أي ذلك النوع من المعرفة‬ ‫المباشرة التي نتلقاها بتلقائية من الناس مثل معرفــة‬ ‫يوم ميلدي أو والدي أو أي شئ آلخر لم أشك يوما ً في‬ ‫وجوده‪.‬‬ ‫‪93‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة‬ ‫آلخــر يســبقها‬ ‫العلوم تسعى لهداية العقل‪ .(1‬إصلح العقل إذن هو الهــدف الساســي والولــى‬ ‫للوصول إلى العقلنيــة‪ ،‬وبالتــالي إلــى الســعادة والفضــيلة‬ ‫والحياة الكريمة‪ .‬‬ ‫‪.‬‬ ‫‪ -2‬الدراك النابع من الخبرة‪ ،‬أي المعلومات من‬ ‫الحداث التي سبق وأن حدثت‪ .‬وبالتــالي يكــون أول شــئ يقــوم بــه العقــل هــو‬ ‫إصلح ذاته بمعرفة الكيفيــة الــتي يفكــر بهــا ويتوصــل إلــى‬ ‫الصد«ق واليقين والحقيقة‪ .‬أول ما يجب القيــام بــه إذن هــو‬ ‫البحــث فــي المعرفــة النســانية‪ ،‬أي تأســيس نظريــة فــي‬ ‫المعرفة أو إبستمولوجيا‪. 38-40.‬لكن هنــاك علــم‬ ‫وهي إصلح العقل نفسه قبل أن ينشغل بأي بحــث أو ينتــج‬ ‫أي معرفــة‪ ،‬وهــذا هــو العلــم الــذي يتنــاول العقــل نفســه‪،‬‬ ‫طريقة إدراكه للشياء وطريقة تفكيره فيهـا‪ ،‬فـالعلم الـذي‬ ‫يتناول العقل يجب أن يسبق أي علم أو معرفة ينتجهــا هــذا‬ ‫العقل)‪ .

‬‬ ‫‪ -3‬الدراك الذي يرجع إلى معرفتي أن شيئ ا ً ما‬ ‫ينتج من شئ آخر لكن دون معرفة السبب‪،‬‬ ‫مثــل أن الحــرارة تــذيب الجليــد‪ ،‬وأن المــاء يغلــي‬ ‫بالتسخين ويصير بخارًا‪ .‬هذا النوع من‬ ‫المعرفة هو المعرفة العلمية الدقيقة والصــحيحة عــن‬ ‫حق‪ .‬وهذا النوع من المعرفــة يشــمل‬ ‫كل المعرفة العملية أو الخبرات النسانية اليومية‪.‫ســـــبينوزا‬ ‫أو الفهم‪ ،‬وذلك مثل معرفتي أننــي ســأموت مــن لخلل‬ ‫مشاهداتي للناس الذين يموتون كل يــوم وإدراكــي أن‬ ‫مصيري سوف يكون نفس مصيرهم علــى الرغــم مــن‬ ‫الختلف أسباب موتهم عن أســباب مـوتى‪ .‬ويضيف سبينوزا أن هذا النوع يوصلنا إلى معرفة‬ ‫‪Ibid: P.‬‬ ‫‪ -4‬الدراك النابع من معرفة الشياء من‬ ‫اااا)‪ ،(1‬مثـل معرفـتي أن مـن ماهيـة المثلـث أن‬ ‫ماهيته‬ ‫تكون مجموع زواياه ‪ 180‬درجــة‪ ،‬وأن زاويــتي قاعــدة‬ ‫المثلث المتساوين الضلعين متساويتان‪ . 8.‬وأعلــم مــن‬ ‫الخــبرة المجــردة أن الزيــت يشــعل النــار وأن المــاء‬ ‫يطفئهــا‪ ،‬وأعلــم أن الكلــب حيــوان ثــديي ينبــح وأن‬ ‫النسان حيوان عاقل‪ .‬كما أننا عندما نتــأثر جســديا ً‬ ‫بشئ فإننا نعلم بذلك أن العقل مرتبط بالجسم على‬ ‫نحو ما‪ ،‬لكننا ل نعلم علــى وجــه الدقــة كيــف يرتبــط‬ ‫الثنان معا ً ول طبيعة الحساس ذاته‪ ،‬أو عندما ندرك‬ ‫أن من طبيعة العين أن تجعــل الشــياء البعيــدة تبــدو‬ ‫أصــغر ممــا هــي عليــه ونتوصــل مــن ذلــك إلــى أن‬ ‫الشمس أكبر مما يراها البصر‪.‬‬ ‫‪94‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .

11-12.(1‬ويــذهب ســبينوزا‬ ‫إلى أن لكل شئ مادي الفكــرة الــتي تعــبر عنــه‪ ،‬وبالتــالي‬ ‫فليس هناك انفصــال بيــن الفكــر والمتــداد‪،‬ذلــك لن كــل‬ ‫فكرة هي إما فكرة عن شئ ممتد أو فكرة عن فكرة هــذا‬ ‫الشــئ الممتــد‪ .‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ ‫‪Ibid: P. 12.‬‬ ‫فالجسم شئ غير ملموس‪ ،‬أما فكرة الجسم كمــا تتعامــل‬ ‫معها الفيزياء مثل ً فهي فكرة مجردة)‪ .‬‬ ‫ولســبينوزا تحليــل طريــف حــول الفكــرة المباشــرة‬ ‫والفكرة المجردة‪ ،‬إذ يذهب إلى أن العقل يسير في تعامله‬ ‫مع موضوعات المعرفة ومع أفكاره مثلما يتعامل النســان‬ ‫مع الدوات‪ ،‬أي أدوات العمــل)‪ (2‬فصــنع الحديــد مثل ً يحتــاج‬ ‫إلــى المطرقــة‪ ،‬والمطرقــة أداة تحتــاج فــي صــناعتها إلــى‬ ‫أدوات ألخــرى مثــل المنشــار الــذي يصــنع ذراع المطرقــة‪،‬‬ ‫‪95‬‬ ‫‪Ibid: P.‬‬ ‫المعرفة عن سبينوزا تتكون من أفكار‪ ،‬وهذه الفكار‬ ‫مجــردة لكنهــا فــي نفــس الــوقت أفكــار لشــياء عينيــة‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬ .‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة‬ ‫بدقــة ماهيــة‬ ‫كيفية ارتبــاط العقــل بالجســم إذا عرفنــا‬ ‫العقل‪.‬فالشــمس مثل ً شــئ مــادي محســوس‬ ‫ومشاهد‪ ،‬والشكل الكروي هو فكــرة الشــمس‪ ،‬والــدائرة‬ ‫هي فكرة الكرة‪ .‬ومصــدر تجريــد وعموميــة الفكــرة أنهــا‬ ‫ل تشير مباشرة إلى الشئ المادي بــل إلــى فكــرة ألخــرى‬ ‫عن هذا الشئ المادي‪ ،‬مثل الدائرة التي تشير بصورة غير‬ ‫مباشرة للشمس عبر فكرة الشكل الكروي‪.‬فعلى الرغم مما تبدو عليــه الفكــار مــن‬ ‫تجريد وعمومية إل أنها تشير في النهاية إلى فكرة بسيطة‬ ‫عــن شــئ ممتــد‪ .

‫ســـــبينوزا‬ ‫ومثــل البوتقــة الــتي يصــب فيهــا لخــام الحديــد لصــنع رأس‬ ‫المطرقة‪.‬الحقيقــة أن أفكــار‬ ‫سبينوزا البســيطة والثوريــة‪ ،‬ونظريتــه حــول التــوازي بيــن‬ ‫النشــاط المــادي والنشــاط الفكــري تقربــه مــن الفلســفة‬ ‫التجريبيين النجليزي مثل جــون لــوك وديفيــد هيــوم‪ ،‬إل أن‬ ‫مذهبه في المعرفة ليس تجريبيًا‪ ،‬ذلك لنه أعمق مـن ذلـك‬ ‫بكثير‪ ،‬كما أنه ليس براجماتيا ً مثل مــذهب وليـم جيمــس أو‬ ‫جون ديوى‪ ،‬ذلك لن ما يريد سبينوزا إثباته وحــدة النشــاط‬ ‫البشري سواء كان ماديا ً أو فكريًا‪ ،‬والقضاء على النفصــال‬ ‫التقليدي بين العمل اليدوي والعمل الذهني‪ ،‬وإثبـات وحـدة‬ ‫العقــل والجســم بمــا أن كليهمــا يتبــع نفــس الطريقــة فــي‬ ‫التعامل مع موضوعات الطبيعــة‪ ،‬ســواء كــانت موضــوعات‬ ‫‪Ibid: P.(1‬ومعنى هــذا أن النســان‪،‬‬ ‫سواء في نشاطه المادي أو في نشــاطه الفكــري‪ ،‬يتعامــل‬ ‫مــع الطبيعــة بــأدوات مــن صــنعه هــو‪ .‬والتفكيــر‬ ‫يســير بنفــس الطريقــة الــتي يقــوم بهــا النســان بأعمــاله‬ ‫الصناعية‪ ،‬فــالفكر يصــنع أدوات مــن أدوات ســابقة عليهــا‪،‬‬ ‫ويتوصل من ذلك إلى أدوات تستعمل لغــراض كــثيرة بعــد‬ ‫أن كانت أدواته البسيطة الولى تستعمل فــي التعامــل مــع‬ ‫شئ واحد فقط‪ .‬‬ ‫‪96‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬والتفكير كــذلك يصــنع أفكــارا ً عامــة مــن‬ ‫أفكار بسيطة‪ ،‬وتمكننا هذه الفكار العامة من التعامــل مــع‬ ‫عدد ل نهائي من الموضوعات)‪ .‬‬ ‫وهذه الدوات فـي حاجـة إلـى أدوات ألخـرى لصـنعها‪،‬‬ ‫وهكذا تستمر فـي تتبـع الدوات حـتى تصـل إلـى الوسـائل‬ ‫البسيطة التي بدأ في استعمالها النسان مثل قطعة الحجر‬ ‫المسننة التي كــان يســتعملها النســان البــدائي‪ . 13.

‬إن هدف‬ ‫سبينوزا النهــائي هــدف ميتــافيزيقي أو انطولــوجي يســعى‬ ‫نحو إثبــات وحــدة الكــائن البشــري عقل ً وجســمًا‪ ،‬وتفــادي‬ ‫الثنائية الديكارتية بين الفكر والمادة أو العقل والجسم‪.‬وبذلك نستطيع التمييز بدقــة‬ ‫وحســم بيــن نظريــة المعرفــة عنــد ســبينوزا والنظريــة‬ ‫التجريبية لدى لــوك وهيــوم‪ ،‬ذلــك لن الفكــر فــي النظريــة‬ ‫التجريبية ليس سوى انعكاس للواقع‪ ،‬حيــث تكــون العلقــة‬ ‫‪Spinoza: The Ethics.‬‬ ‫‪. 86.‬فيـــذهب ســـبينوزا إلـــى أن التـــوازي بينهمـــا‬ ‫ل يقف عند حد كون كل فكرة هي فكرة عن امتداد بــل إن‬ ‫النظام الموجـود بيـن الشــياء الممتــدة هـو نفســه النظــام‬ ‫الموجود بين الفكار‪ . P.‬‬ ‫‪97‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬فــإذا أدى الجســم أ إلــى الجس ـم ب‪،‬‬ ‫فإن فكرة الجسم أ تؤدي إلى فكرة الجسم ب‪ ،‬بمعنى أنــه‬ ‫إذا كانت هناك علقة سببية بيــن أ و ب‪ ،‬حيــث تكــون أ هــي‬ ‫سبب حدوث ب‪ ،‬فإن الفكر كــذلك يســير بنفــس الطريقــة‬ ‫السببية)‪ .(1‬ويؤكد سبينوزا على أن العلقــة بينهمــا‪ ،‬أي بيــن‬ ‫الفكر والمتداد‪ ،‬هي علقة توازي بمعنى الكلمة‪ .‬ولــذلك ل‬ ‫نستطيع القول بأن العلقة السببية في الفكر‪ ،‬فالفكر عنــد‬ ‫سبينوزا ليس مجرد انعكاس لما يحدث في الواقــع‪ ،‬بــل إن‬ ‫له اســتقل ً‬ ‫ل‪ ،‬لكــن اســتقلله هــذا نســبي لن نفــس ترتيــب‬ ‫الفكر هو نفس ترتيب الواقع‪ .‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثةـداف كــانت‬ ‫عمل أو موضوعات إدراك ومعرفة‪ ،‬وهــذه الهـ‬ ‫غائبة تماما ً عن المذهبين التجريبي والبراجماتي‪ .3‬‬ ‫التوازي بين الفكر والمتداد‪:‬‬ ‫سبق وأن أوضحنا أن سبينوزا يذهب إلى أن كل فكرة‬ ‫هي فكرة عن المتــداد أو فكــرة عــن فكــرة عــن المتــداد‪،‬‬ ‫وهــذا مــا يوضــح بدايــة نظريتــه حــول التــوازي بيــن الفكــر‬ ‫والمتـــداد‪ .

‬‬ ‫‪.‬لكن نظريـة المعرفــة عنــد ســبينوزا ليسـت نظريـة‬ ‫انعكاسية على شاكلة الفلســفة التجريبيــة بــل هــي نظريــة‬ ‫توازي‪ ،‬ذلك لن الفكر والمتداد عنده شئ واحــد‪ .‬وديكارت بذلك يعد ثنائيا ً فــي نظريتــه حــول‬ ‫العقل والجسد‪ ،‬وبمزيد من الدقة نقول أنه جوهراني ثنائي‬ ‫‪.‬ذهب ديكارت إلــى أن الكــائن‬ ‫النساني مكون من جوهرين منفصلين ومتمــايزين‪ ،‬جــوهر‬ ‫مفكر وهــو العقــل وجــوهر ممتــد وهــو الجســم‪ .4‬‬ ‫العقل والجسد‪:‬‬ ‫وضع سبينوزا نظريته حول العقل والجسد في مقابــل‬ ‫نظريــة ديكــارت الــتي تعــد فــي حقيقتهــا إعــادة صــياغة‬ ‫لنظريات العصور الوسطى‪ .‬وبالنســبة‬ ‫لديكارت فإننا نستطيع التفكير في العقل في استقلل عن‬ ‫الجسم ونستطيع التفكيــر فــي الجســد فــي اســتقلل عــن‬ ‫العقل‪ ،‬لنه لكل جوهر قوانينه الحاكمة لــه والمختلفــة عــن‬ ‫الجوهر اللخر‪ .‬فالمــادة‬ ‫في حد ذاتها تحتوي على عنصر فكر وهو القوانين الحاكمة‬ ‫لها‪ ،‬والفكر يحتوي على عنصر مادي إذا نظرنا إليه على أنه‬ ‫يحتوي على علقات التضــمن واللــزوم وهــي فــي حقيقتهــا‬ ‫علقات امتداد‪ ،‬والمتداد مفهوم من مفاهيم المتداد أو هو‬ ‫ذو طابع مكاني وهندسي‪.substantialist Dualist‬ويـــذهب ديكـــارت إلـــى أن العقـــل‬ ‫والجسد منفصلين عن بعضــهما البعــض لكنهمــا فــي نفــس‬ ‫الوقت موجودين معًا‪ ،‬وهذا التواجد معا ً ليـس ضـروريا ً بـل‬ ‫عارضًا‪ ،‬لن الجسد يمكنه أن يوجــد بــدون عقــل فــي حالــة‬ ‫الطفال والمجــانين والحيوانــات‪ ،‬والعقــل أيضـا ً يمكنــه أن‬ ‫يوجد بــدون الجســد فــي حالــة النــوم وبعــد المــوت عنــدما‬ ‫‪98‬‬ .‫ســـــبينوزا‬ ‫بين الشياء في الواقع سببا ً لظهور نفس هذه العلقــة فــي‬ ‫الفكر‪ .

‬كمــا يــذهب ديكـ‬ ‫العقل موجود في الجسد كله ل في جزء فيه وحسب‪ ،‬ذلــك‬ ‫لن العقل ليس مثل ربان السفينة الموجود في مكان منها‬ ‫ويوجهها من هذا المكان‪ ،‬فالعقل منتشــر فــي كــل الجســد‬ ‫لن العقل هو مصدر الرادة التي تحرك كل أجزاء الجســد‬ ‫كما أنه مصدر الحاسيس التي يشعر بها المرء في جســده‬ ‫كله‪ . 89-92.‬‬ ‫‪99‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ .‬‬ ‫وفي مقابل الثنائيــة الديكارتيــة بيــن العقــل والجســد‬ ‫يأتينا سبينوزا بنظرية مختلفـة لـم يسـبق لي فيلسـوف أن‬ ‫جاء بهــا‪ ،‬إذ يــذهب ســبينوزا إلــى أن العقــل والجســد شــئ‬ ‫واحد‪ ،‬وذلك من منطلق وجود جــوهر واحــد يحمــل صــفتي‬ ‫الفكر والمتداد في نفــس الــوقت‪ .‬فالعقــل والجســد عنــد‬ ‫سبينوزا صــفتان أو حــالن للجــوهر الواحــد)‪ .(1‬كمــا يــذهب‬ ‫سبينوزا إلى أن العقل هو الحال المخصوص لجسد أنساني‬ ‫معين‪ .‬ذلك لن لكل جسد إنساني عقله الخاص‪ ،‬وهو يقول‬ ‫في ذلك‪» :‬إن موضع الفكرة التي تشكل العقــل النســاني‬ ‫هي الجسد‪ ،‬الذي هو حال لخاص للمتداد وليــس شــيئا ً ألخــر‬ ‫سوى ذلك« ‪ IIP3‬وكل حادثة جسدية توازيهــا حادثــة ألخــرى‬ ‫مماثلة لها على مستوى العقل‪ ،‬بمعنى أن كل ما يشــعر بــه‬ ‫الجسد باعتباره إحساس يشعر به العقــل باعتبــاره شــعورا ً‬ ‫أو فكرة‪ .‬ذلك لن الجوع أحساس جسدي‪ ،‬أما الرغبــة فــي‬ ‫تناول الطعـام فهـي شــعور عقلــي‪ ،‬ومثلمــا يشـعر الجسـد‬ ‫بالجوع يشــعر العقــل بالرغبــة الــتي هــي شــئ عقلــي فــي‬ ‫السعي نحو البحث عن الطعام‪.‬‬ ‫‪Ibid: PP.‬والجسد عند ديكارت آلة يحركها العقل‪.‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة‬ ‫ـارت إلــى أن‬ ‫يموت الجسد وتبقى الــروح‪ .

‬‬ ‫والحقيقــة أن نظريــة ســبينوزا هــذه تعرضــت لســوء‬ ‫فهم من قبل بعض الشراح‪ ،‬إذ جعلت البعض منهم يعتقــد‬ ‫‪100‬‬ .‬وبالضافة إلى ذلك فإن سبينوزا يقصــد مــن‬ ‫قوله بأن الروح والجسد شئ واحد أن الروح إذا نظرنا إليها‬ ‫علــى أنهــا تمثــل وظــائف التفكيــر والنطــق والحيــاة فــي‬ ‫النسان فسوف تظهر مرتبطة بالجسد لن هذه الوظائف‬ ‫ل تقوم إل في جسد حي بيولوجي‪ ،‬وإذا نظرنا إلى الجســد‬ ‫النساني سنجد أنه هو اللخر ل يقوم بــذاته بــل بفضــل مــا‬ ‫فيه مــن روح‪ .‬‬ ‫وكان ســبينوزا بــذلك متجــاوزا ً فلســفة ديكــارت وفلســفة‬ ‫العصور الوسطى الــتي كــانت تفصــل فصـل ً حاســما ً بيــن‬ ‫الروح والجسد‪.‫ســـــبينوزا‬ ‫عندما يقول سبينوزا أن الروح والجسد شئ واحد فهو‬ ‫يعني بذلك أن النســان وحــدة واحــدة متكاملــة‪ ،‬إذا نظرنــا‬ ‫إليها من حيث أنه كائن عاقل مفكر وناطق فســوف يظهــر‬ ‫علــى أنــه روح‪ ،‬وإذا نظرنــا إليــه علــى أنــه كــائن عضــوي‬ ‫بيولــوجي فسـوف يظهــر علـى أنـه جسـد‪ .‬والحقيقــة أنــه ســبينوزا ينظــر إلــى الثنائيــة‬ ‫التقليدية بيــن الــروح والجســد علــى أنهــا ثنائيــة زائفــة‪ ،‬أو‬ ‫ليس لها وجود حقيقي في الواقع‪ ،‬بل هي مجرد ثنائية في‬ ‫الفكر الذي يفكر في النسان ويفصله إلــى جــانب روحــي‬ ‫وجــانب جســدي‪ ،‬إنهــا ثنائيــة ناتجــة عــن الفصــل والتمييــز‬ ‫الفكري المجرد في ماهية النسان وليست ثنائية حقيقية‪.‬ويعـد التعريــف‬ ‫الرسطي القديم للنســان بــأنه حيــوان نــاطق تخيل ً لــذلك‬ ‫التحاد بين الــروح والجســد‪ ،‬فالحيوانيــة فـي النســان هــي‬ ‫جســده‪ ،‬والنطــق الناتــج عــن العقــل والفكــر هــو الجــانب‬ ‫الروحاني فيه‪ .

132-136.(1‬لكــن‬ ‫نظرية سبينوزا حول العقل والجســد ليســت ســيكولوجية‬ ‫ول أرسطية‪ ،‬ذلك لنه ل ينظر إلى العقل على أنه العضــو‬ ‫السيكوفيزيقي المفكر للجسد‪ ،‬ول ينظر إليه أيضــا ً علــى‬ ‫أنه الصورة التي تعطي للجسد ماهيته وشكله ووظــائفه‪.‫تيارات فلسفية‬ ‫أن العقل ليس إل ظاهرة سيكولوجية حديثة‬ ‫باعتبارها أثــرا ً مــن‬ ‫آثار الجسد‪ ،‬وجعلــت البعــض اللخــر يعتقــد أن العقــل هــو‬ ‫الصورة أو الهيئة التي تعطــي للجســد طــبيعته ووظــائفه‪. op.‬‬ ‫العتقاد الول متأثر بالفلسفة التجريبية النجليزيــة الــتي‬ ‫نظرت إلى العقل على أنه شئ ملحق بالجسد وعلى أنــه‬ ‫عضــو ســيكوفيزيقي‪ ،‬والعتقــاد الثــاني تــأثر بفلســفة‬ ‫أرســطو حــول الصــورة والمــادة واتحادهمــا مع ـًا‪ ،‬بحيــث‬ ‫يكون العقــل هــو الصــورة والجســد هــو المــادة)‪ .‬‬ ‫‪Della‬‬ ‫‪Micahel‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬ ‫‪Bychology” in Don Garrett (ed.‬‬ ‫إن نظريته بالحرى هي نظرية التوازي الكامل بين العقل‬ ‫والجسد‪ ،‬تلــك النظريــة الــتي ل تــرد أحــدهما إلــى اللخــر‬ ‫وتنظر إليهما على أنهما حالين لجوهر واحد ‪ .. 193-200. cit. PP.‬‬ ‫‪101‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬ .‬إن ما تتميز‬ ‫به فلسفة سبينوزا أنها ل تنظر إلى العقل والجســد علــى‬ ‫أنهما جوهرين‪ ،‬ذلــك لن الجــوهر عنــده واحــد‪ ،‬بــل تنظــر‬ ‫إليهما على أنهما حالين ‪ modes‬لجوهر واحد‪.).‬‬ ‫‪Nadler: PP.(2‬يمكــن أن توجــد بالنســبة لســبينوزا‬ ‫‪Metaphysical‬‬ ‫‪“Spinoza’s‬‬ ‫‪Rocaa.‬‬ ‫وإذا كان العقل النساني أحــد أحــوال الجــوهر الواحــد‬ ‫في الجانب المفكر فيه‪ ،‬فإن ما يميز هــذا العقــل النســاني‬ ‫تمتعه بمزيد من الواقعية والتعقيد‪ ،‬فالعقل النساني فكرة‪،‬‬ ‫وما يميزها عن أي فكرة ألخرى مجردة ارتباط هذه الفكــرة‬ ‫بالجســد النســاني)‪ .

‬والملحـظ أن سـبينوزا بـذلك يوحـد بيـن الوجـود‬ ‫والمعرفة‪ ،‬ذلك لن وجود النسان هو الــذي يحــدد إدراكــه‪،‬‬ ‫بمعنى أنه فكر وامتداد على المســتوى النطولــوجي وهــذا‬ ‫هــو الــذي يمكنــه مــن إدراكهمــا معرفي ـا ً علــى المســتوى‬ ‫البستيمولوجي‪ ،‬ويـأتي سـبينوزا بفكـرة طريفـة وهـي أنـه‬ ‫كلما كان الجسم معقدا ً كلما كانت فكرته معقدة ومركبــة‪،‬‬ ‫والجسم البسيط فكرتــه بســيطة‪ ،‬ولهــذا الســبب يســتطيع‬ ‫النسان إدراك أفكار مركبة ومعقدة نظــرا ً لتعقـد وتركيــب‬ ‫جســمه‪ .‬هــذا بالضــافة إلــى أن ســبينوزا يصــف الكــائن‬ ‫النساني كما وصف الله تمامًا‪ ،‬فالثنان لديه يتكونــان مــن‬ ‫فكر وامتداد ل في ثنائية بل في اتحاد ووحدة يشــيران إلــى‬ ‫صــفتين متمــايزتين لجــوهر واحــد‪ .‬‬ ‫ومصــدر العينيــة والواقعيــة فــي العقــل النســاني أنــه أكــثر‬ ‫ارتباطا ً بالجسد وأكثر تعقيدا ً لرتبــاطه بجســد أكــثر تركيب ـا ً‬ ‫وتعقيدا ً في الوظائف‪.‬إذ يذهب إلى أن النسان يدرك الفكر والمتــداد‬ ‫لنــه هــو نفســه مكــون مــن فكــر وامتــداد‪ ،‬فــإدراك الفكــر‬ ‫والمتداد باعتبارهما صفتين يأتي من امتلك النسان لفكــر‬ ‫وامتـداد‪ .‬فالنســان عنــده جــوهر‬ ‫واحد بصفتين هما الفكر والمتداد‪ ،‬وكان سبينوزا قد ســبق‬ ‫وأن وصـــــــــــــــــــــــــــــف اللـــــــــــــــــــــــــــــه‬ ‫‪102‬‬ .‬‬ ‫عندما يأتي سبينوزا بنظريته فــي النســان مــن حي ـث‬ ‫كــونه عقل ً وجســدا ً فــي الجــزء الثــاني مــن اللخل«ق تتضــح‬ ‫نظريته حول الفكر والمتداد والتي وضعها في الجزء الول‬ ‫حول الله‪ .‫ســـــبينوزا‬ ‫أحــوال كــثيرة للفكــر‪ ،‬مثــل الفكــار الرياضــية والهندســية‬ ‫وقوانين الطبيعة باعتبارها أفكــار‪ ،‬لكــن هــذه الفكــار عامــة‬ ‫ومجردة ل تتمتع بما يتصف به العقل النســاني مــن عينيــة‪.

‬ولــم‬ ‫يكن فلسفة العصر الحــديث اســتثناء فــي هــذا التجــاه‪ ،‬إذ‬ ‫‪103‬‬ .‬‬ ‫ثالثا ً ‪ -‬اللخل«ق والدين والسياسة‪:‬‬ ‫‪.‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة‬ ‫أو الطبيعة بنفس الوصف‪.‬ووجـه اللختلف أن‬ ‫الفلسفة المحــدثين قبــل ســبينوزا والمعاصــرين لــه جــروا‬ ‫علــى عــادة فلســفة العصــور الوســطى فــي محــاولتهم‬ ‫التوفيق بين اللهوت أو الدين واليمان من جهة والعقــل أو‬ ‫الفلســفة مــن جهــة ألخــرى‪ ،‬وإثبــات عــدم تعارضــهما أو‬ ‫تناقضهما‪ ،‬بحيث أصبح العقل لديهم أوليا ً في إثبــات صــحة‬ ‫بعض العقائد اللهوتية المعنية‪ .‬وبــذلك رأينــا فــي العصــور‬ ‫الوسطى سلسلة من الفلســفة بيــن القــديس أوغســطين‬ ‫في القرن السادس الميلدي والقديس توما الكــويني فــي‬ ‫القرنيــن الثــاني عشــر والثــالث عشــر يســتخدمون حججـا ً‬ ‫عقلية في إثبات صحة اللهوت‪ .1‬‬ ‫العقل واليمان‪:‬‬ ‫تختلف فلسفة سبينوزا فــي هــذه المجــالت عــن كــل‬ ‫الفلسفات السابقة عليه‪ ،‬بــل واللحقــة أيض ـًا‪ ،‬حــتى ليبــدو‬ ‫سبينوزا وكأنه يقف وحده بين مفكري العصر الحــديث‪ ،‬مــا‬ ‫عدا اقتراب فولتير وروسو والفلسفة الماديين الفرنســيين‬ ‫فـي أوالخــر القـرن الثـامن عشــر منـه‪ .‬ولم يخرج فلسفة السلم‬ ‫عن ذلك‪ ،‬إذ ظهرت في الفلسفة السلمية مذاهب كلميــة‬ ‫أهمهــا المعتزلــة والشــاعرة هــدفت الــدفاع عــن العقائــد‬ ‫اليمانية بالدلة العقليــة‪ ،‬وظهــرت أيض ـا ً فلســفات تحــاول‬ ‫التوفيق بين العقل والنقل‪ ،‬أهمهــا محاولــة ابــن رشــد فــي‬ ‫كتــابه »فص ـل المقــال فيمــا بيــن الحكمــة والشــريعة مــن‬ ‫اتصال«‪ ،‬و»درء تعارض العقل والنقــل« لبــن تيميــة‪ .

‬ترجمــة د‪.‬كمــا أن‬ ‫السس التي تقوم عليها الفلسفة هــي الفكــار المشــتركة‬ ‫أي المبادئ العامة التي تحكم الشــياء‪ ،‬أو القــوانين الثابتــة‬ ‫للطبيعة‪ ،‬وهذه نستخلصها من دراستنا للطبيعة وحدها‪ .‬فؤاد زكريا‪ .‬‬ ‫أما سـبينوزا فهـو يشـن عـن كـل هـؤلء ويقـف برأيـه‬ ‫منفردا ً في القــرن الســابع عشــر‪ ،‬علــى الرغــم مــن تبنــي‬ ‫فولــتير وروســو وكــثير مــن الفلســفة المعاصــرين لوجهــة‬ ‫نظره‪ ،‬إذ أوضح في كتابه »رسالة في اللهوت والسياسة«‬ ‫أن اليمان والفلســفة منفصــلين‪ ،‬وأن العقــل ليــس لخادمـا ً‬ ‫للهوت – ولكل مجال لخاص يختلف عن مجال اللخـــر)‪ .(1‬إذ‬ ‫يذهب إلى أن غاية الفلسفة هي الحــق وحــده أو الحقيقــة‪،‬‬ ‫وغايــة اليمــان هــي الطاعــة والتقــوى وحســب‪ .‬أما‬ ‫اليمان فيتأسس على الكتــب المقدســة والتسـليم بواقعـة‬ ‫الوحي‪ ،‬ولن مجال الفلســفة يختلــف عــن مجــال اليمــان‪،‬‬ ‫فــــــــــــــــــــــــــــــإن التفلســــــــــــــــــــــــــــــف‬ ‫‪1‬‬ ‫ســبينوزا‪ :‬رســالة فــي اللهــوت والسياســة‪ .‫ســـــبينوزا‬ ‫رأينا كيف أن ديكارت يســتخدم منهجـا ً عقليـا ً يبــدأ بالشــك‬ ‫كي ينتهي إلى وجود النا أفكر‪ ،‬ووجود الله ولخلود النفس‪،‬‬ ‫وقد سار في التجاه نفسه بعد سبينوزا كل مــن مـالبرانش‬ ‫وباسكال مــن الفرنســيين وليبنــتز وكرســتيان فولــف مــن‬ ‫اللمان‪ ،‬حتى أن كانط نفسه بعــد أن نقــد أول ً وجــود اللــه‬ ‫ولخلود النفس في »نقــد العقــل الخــالص« عــاد فــي »نقــد‬ ‫العقـــــــل العملـــــــي« إلـــــــى توضـــــــيح أن اللخل«ق‬ ‫ل يمكــن أن تقــوم لهــا قائمــة دون التســليم‪ ،‬مــن بــاب‬ ‫الضرورات العملية اللخلقية‪ ،‬بوجود الله ولخلود النفس‪.363‬‬ ‫‪104‬‬ .‬‬ ‫)(‬ ‫حسن حنفي‪ ،‬مراجعة د‪ .‬مكتبة النجلــو المصــرية‪،‬‬ ‫القاهرة‪1981 ،‬م‪ ،‬ص ‪.

‬ولن الهدف الساسي لليمان هو تهذيب اللخل«ق‬ ‫بجعل الناس يطيعون الوامر اللخلقية‪ ،‬فإنه لن يتضــرر إذا‬ ‫لم تدعو الفلسفة إلى أي عصيان أو تعصب أو كراهيــة فــي‬ ‫المجتمع‪ .‬وينطلــق ســبينوزا فــي وجهــة‬ ‫نظره هذه من مبــدأ يــذهب إلــى أن العقائــد مختلفــة لــدى‬ ‫الشعوب‪ ،‬وكذلك فهــي تتغيــر وتتطــور‪ ،‬أمــا اليمــان الــذي‬ ‫يتمثل في التقوى والطاعة والدعوة إلى العــدل والحســان‬ ‫فثابت وغير متغير‪ .‫تيارات فلسفية‬ ‫ل يضر اليمان ول يشكل لخطرا ً عليه‪ .‬‬ ‫ويميل سبينوزا إلى الــرأي القائــل أن اليمــان طريــق‬ ‫ضروري لقيادة العامة‪ ،‬ذلك لن الكتاب المقدس يعتمد في‬ ‫نصوصه على الخيال التصــويري والمجــاز وضــرب المثلــة‪،‬‬ ‫ولغته لخطابية حماسية‪ .‬والجمهور ل يستطيع الوصول إلــى‬ ‫المبادئ اللخلقيــة عــن طريــق النظــر العقلــي والتفلســف‬ ‫والبرهان مثلما يفعل الفلسفة)‪ ،(1‬ولــذلك فهــو فــي حاجــة‬ ‫إلــى مــن يقــدم لــه حقــائق اللخل«ق بالســلوب الخيــالي‬ ‫والمجازي في صورة مباشرة‪ ،‬وعلى أنها قوانين مفروضــة‬ ‫في صورة شريعة‪ .‬والمؤمنون الحقيقيون هم أولئــك الــذين يــدعون‬ ‫الناس إلى العدل والحسان‪ ،‬ل اللجوء إلى حجــج وبراهيــن‬ ‫عقلية لثبــات عقائــد معينــة‪ .‬ذلك لن العامة ل يســتطيعون التوصــل‬ ‫بتفكيرهم الخــاص إلــى الصــواب والخطــأ وهــم فــي حاجــة‬ ‫‪1‬‬ ‫)(‬ ‫المرجع السابق‪ :‬ص ‪.‬ولنحديثة‬ ‫اليمــان يعتمــد‬ ‫على التسليم بــالوحي والكتــب المقدســة‪ ،‬فمعنــى هــذا أن‬ ‫اليمان في جوهره يكفل لكل فرد الحرية المطلقة فــي أن‬ ‫يتفلسف‪ .3676-365‬‬ ‫‪105‬‬ .‬ولــذلك ل يجــب أن يتــدلخل العقــل فــي‬ ‫إثبات عقائد معينـة لن هـذه ليسـت وظيفتـه‪ ،‬بـل وظيفتـه‬ ‫الساسية اكتشاف القوانين وإدراك نظام الطبيعة‪.

‬وإذا كانت الغاية من الحياة النسانية هي‬ ‫السعادة‪ ،‬فإن الدين يقدم للعامة طريقا ً مختصرا ً وبســيطا ً‬ ‫للوصول إليها‪ ،‬وهــو الطاعــة والخضــوع واللــتزام بــالوامر‬ ‫اللهيــة‪ ،‬وهــذا ضــروري بالنســبة لهــم لن طريــق النظــر‬ ‫العقلي إلى السعادة والمتمثــل فــي إدراك طبيعــة الوجــود‬ ‫والقــانون الطــبيعي الــذي إذا اتفــق ســلوك النســان معــه‬ ‫تحققــت لــه الســعادة ليــس متاح ـا ً للعامــة بــل هــو لخــاص‬ ‫بأصحاب العقل والتفكير الفلسفي‪ .(1)Jus Naturale‬الحــق‬ ‫الطبيعي هــو الحــق الــذي يكتسـبه الكـائن النســاني وفقـا ً‬ ‫لطبيعته‪ .‫ســـــبينوزا‬ ‫دائمة إلى من يقودهم ويقدم لهم القواعد جاهزة‪ ،‬وهذا مــا‬ ‫يوفره لهم الدين‪ .377‬‬ ‫‪106‬‬ .‬فلكل كائن حي طبيعة‪ ،‬فمــن طبيعــة الســمك أن‬ ‫يعيش في الماء ويأكل الكبير منــه الصــغير‪ ،‬وبــذلك فالمــاء‬ ‫‪1‬‬ ‫)(‬ ‫المرجع السابق‪ :‬ص ‪.‬‬ ‫‪.‬‬ ‫ويبــدأ ســبينوزا بــالحق الطــبيعي ‪ .‬ولذلك يــذهب سـبينوزا‬ ‫إلى ضرورة التسليم بسلطة الدين والكتب المقدسة وعــدم‬ ‫إلخضاعها للعقل‪ ،‬لن هذا اللخضاع إما أن يــؤدي إلــى انهيــار‬ ‫كثير مــن العقائــد الضــرورية أو يولــد اللختلفــات اللهوتيــة‬ ‫والمذهبية الـتي يجــب علـى اليمــان الحقيقـى تجنبهــا‪ ،‬لن‬ ‫هدفه النهائي ليــس نظريـا ً بــل عمليـًا‪ ،‬ليــس هــدفه إثبــات‬ ‫عقائد معينة بل هدفه التقوى والطاعة والعدل والحسان‪.2‬‬ ‫مقومات الدولة‪:‬‬ ‫بعد أن فصل سبينوزا بيــن اللهــوت والفلســفة وبيــن‬ ‫الدين والسياسة يشرع في توضيح الســس الـتي يجــب أن‬ ‫تقوم عليها الدولة‪ ،‬وهــي عنــده تقــوم علــى مجموعــة مــن‬ ‫الحقو«ق يجب على أي نظام سياسي تأسيسها والمحافظــة‬ ‫عليها‪ ،‬وهي الحق الطبيعي والحــق المــدني وحــق الحــاكم‪.

‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثة‬ ‫ينطبــق علــى‬ ‫هــو الحــق الطــبيعي الخــاص بالســمك‪ ،‬ومــا‬ ‫السماك ينطبق على كل كائن حي‪ ،‬ومعنــى هــذا أن الحــق‬ ‫الطبيعي للكائن الحر هو حقه في حفظ بقــاءه واســتمراره‬ ‫فى الحياة بتمكنه من وضع يــده علــى كـل مــا يحفــظ هــذه‬ ‫الحياة ويديمها‪ .‬وهذا الحــق‬ ‫الطــبيعي المطلــق يحــدث لــه تهــذيبا ً وتعــدي ً‬ ‫ل‪ ،‬ذلــك لن‬ ‫النســان مجــبر علــى العيــش فــي جماعــة‪ ،‬وتكــون هــذه‬ ‫الجماعة هي اللخرى ممتلكة لحــق طــبيعي فـي البقــاء‪ ،‬ول‬ ‫يمكــن أن يســتمر بقاءهــا إذا كــان لكــل فــرد فيهــا الحــق‬ ‫المطلق في أن يفعل ما يشاء وفقا ً لرغباته وشــهواته‪ ،‬لن‬ ‫هذا ينتهي إلى الصـراع الـذي يهـدد وجـود الجماعـة ذاتهـا‪.378‬‬ ‫‪107‬‬ .(1‬‬ ‫ويقـــوم التنظيـــم الجتمـــاعي علـــى تعاهـــد الفـــراد‬ ‫‪1‬‬ ‫)(‬ ‫المرجع السابق‪ :‬ص ‪.‬هــذا الحــق المطلــق فــي الحيــاة‬ ‫وحفظ البقــاء يشــترك فيــه النســان مــع الحيــوان‪ ،‬ولــذلك‬ ‫فـــــــــــــــالحق الطـــــــــــــــبيعي المطلـــــــــــــــق‬ ‫أو البيولوجي يعطي للنسان الحق في أن يفعــل مــا يشــاء‬ ‫ويعتبر من يقف في طريقه عدوا ً له‪،‬وهو فــي ذلــك يســلك‬ ‫وفقــــــــا ً للرغبــــــــة والشــــــــهوة‪ .‬لكــــــــن هــــــــذا‬ ‫ما يؤدي إلى حدوث صراع بين الناس ل ينتهي‪ .‬والكائن النساني أيضا ً له حق طــبيعي فـي‬ ‫المحافظة على وجــوده‪ ،‬وبــذلك يكــون هــو الســلوك وفقـا ً‬ ‫لقوانين طبيعته الخاصــة‪ .‬‬ ‫وهكذا ينتقــل ســبينوزا مــن الحــق الطــبيعي المطلــق إلــى‬ ‫الحق الطبيعي الجتمــاعي والعقلنــي‪ ،‬الــذي يفــرض علــى‬ ‫النــاس العيــش وفقــا ً للعقــل بمراعــاة مصــالح اللخريــن‬ ‫وحقوقهم)‪.

‬ويكــون‬ ‫الفرد الملتزم بقوانين مجتمعــه مواطنـا ً طالمـا ظــل قـابل ً‬ ‫للسلطة التي يمثلها الحاكم والتي تستمد شرعيتها من هذا‬ ‫المجتمع نفسه‪.‬ويذهب سبينوزا إلى أن الفــرد فــي‬ ‫لخضــوعه لوامــر الســلطة ل يكــون عبــدا ً لهــا‪ ،‬ذلــك لن‬ ‫العبودية هي أن يتبع المرء أهواءه وشــهواته‪ ،‬أمــا الخضــوع‬ ‫للسلطة الشــرعية ولمــا تمثلــه مــن مصــلحة عامــة فليــس‬ ‫عبودية بــل هــو طاعــة للعقــل وأوامــره العقلنيــة‪ .(1‬‬ ‫ولن السلطة السياسية تنشأ من رغبة الجماعــة فــي‬ ‫الحفاظ على ذاتها وعلى مصــلحتها العامــة ولنهــا تتأســس‬ ‫فـي تخلــي الفــراد عــن حقهــم المطلــق فــي الــدفاع عــن‬ ‫أنفســهم للســلطة‪ ،‬فــإن مــن واجــب الفــراد إطاعــة هــذه‬ ‫الســلطة والخضــوع لهــا تمامــًا‪ ،‬طالمــا أن هــذه الســلطة‬ ‫تســتمد شــرعيتها مـن المجتمــع وطالمـا أنهـا تمثلـه وتــدير‬ ‫شئون مصالحه العامة‪ .‫ســـــبينوزا‬ ‫المكــونين لــه علــى أن يتخلــوا عــن أهــدافهم وشــهواتهم‬ ‫ويضــعوا المصــلحة العامــة فــو«ق مصــالحهم الشخصــية‪،‬‬ ‫ويتجسد هذا التعاهد في صورة عقد اجتماعي‪ ،‬يفــوض فيــه‬ ‫المجتمع أموره العامة إلى شخص يمثله وينوب عنه‪ ،‬ويضع‬ ‫في يده سلطة تسيير المــور العامــة‪ .‬وبالتــالي يكــون هــذا‬ ‫العقد بين طرفين‪ :‬الجمهور الذي يعين شخصا ً منه لتــولي‬ ‫شئون المصلحة العامة‪ ،‬والشخص الذي تم الختياره ليكــون‬ ‫نائبا ً عن الجمهور‪ ،‬وهذا هو الحـاكم الـذي يسـتمد سـلطانه‬ ‫من الجمهور ومـن المجتمــع‪ ،‬والــذي يســتمد شــرعيته مــن‬ ‫كونه ممثل ً للشعب وقائما ً على المصلحة العامة)‪.‬‬ ‫‪1‬‬ ‫)(‬ ‫المرجع السابق‪ :‬ص ‪.380-379‬‬ ‫‪108‬‬ .

‬فعندما تخلى الفــراد عــن حقهــم‬ ‫المطلق في حماية أنفسهم للسلطة أصبحت هذه السلطة‬ ‫ملزمة بحمايتهم‪ ،‬كما أصــبح المواطنــون ملزميــن بكــل مــا‬ ‫تفرضه هذه السلطة من قوانين‪ ،‬طالما كانت هذه السلطة‬ ‫شرعية وتمثل المصلحة العامة‪.‬‬ ‫‪109‬‬ .‬يعنــي القــانون المــدني حــق‬ ‫المواطن في أن يحفظ حياته ويحميها فــي إطــار الســلطة‬ ‫السياسية التي لخضع لها‪ .‫تيارات فلسفية‬ ‫حديثةــات الدولــة‬ ‫وبعد أن يشرح سبينوزا نظريته فــي مقوم‬ ‫وكيف أنها قائمة على حفظ الحق الطبيعي الجتماعي عــن‬ ‫طريق عقد اجتماعي‪ ،‬يشرع في توضيح الحــق المــدني‪ ،‬أو‬ ‫القــانون المــدني الخــاص‪ .