‫تحوالتت‬

‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫تزييف هوية مصر‬
‫مخطط الحكم العسكري‬
‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫مايو ‪1024‬‬
‫‪1‬‬

‫مايو ‪1014‬‬

‫تزييف هوية مصر‪ ..‬مخطط الحكم العسكري‬

‫تستهدف السلطة العسكرية الحاكمة‪ ،‬تغيير هوية مصر‪ ،‬بصورة تسمح باستئصال الحركة السياسية‬
‫اإلسالمية‪ ،‬وتؤدي أيضا لعدم ظهور حركات إسالمية مرة أخرى‪ .‬فالسلطة العسكرية‪ ،‬تريد القضاء على‬
‫الحركية اإلسالمية في مجملها‪ ،‬وهو ما فشل فيه الحكم العسكري عبر العقود‪ ،‬كما فشل فيه االستعمار بكل‬
‫أشكاله‪.‬‬
‫والحكم العسكري يستهدف اإلسالم السياسي‪ ،‬وهو ليس إال المشروع السياسي اإلسالمي‪ ،‬والذي‬
‫يمثل الركيزة األساسية للمشروع الحضاري اإلسالمي‪ .‬فالمشروع السياسي اإلسالمي‪ ،‬هو وسيلة لتحقيق‬
‫المشروع الحضاري اإلسالمي‪ ،‬وتحقيق النهوض الحضاري‪.‬‬
‫والمشروع السياسي اإلسالمي‪ ،‬جزء من مشاريع اإلحياء اإلسالمي‪ ،‬بكل جوانبها الدعوية‬
‫واالجتماعية والثقافية‪ .‬وكل المشاريع اإلسالمية‪ ،‬تمثل معا منهجا متكامال لتحقيق المشروع الحضاري‬
‫اإلسالمي‪ ،‬بكل جوانبه‪.‬‬
‫أهم ما يميز المشروع السياسي اإلسالمي‪ ،‬أنه يمثل الجانب النشط والفاعل‪ ،‬الذي يحرك ويفعل‬
‫الجوانب المختلفة للمشروع الحضاري اإلسالمي‪ ،‬في التطبيق الواقعي‪ .‬فالمشروع السياسي اإلسالمي‪ ،‬يعد‬
‫جانبا جوهريا من تطبيق المشروع اإلسالمي في الحياة العملية والنظام العام‪.‬‬
‫والحكم العسكري‪ ،‬يستهدف عزل األفكار والقيم والقواعد التي يبنى عليها المشروع السياسي‬
‫اإلسالمي من الهوية اإلسالمية السائدة‪ .‬فالحكم العسكري‪ ،‬يريد إعادة تصنيع الهوية اإلسالمية‪ ،‬من خالل‬
‫عزل بعض مكوناتها والتركيز على مكونات أخرى‪.‬‬
‫مجمل األطروحات التي تتبنى مشروعا إسالميا بجوانبه المختلفة‪ ،‬تستهدف تطبيق الهوية اإلسالمية‬
‫عمليا‪ .‬لذا فالمشاريع اإلسالمية‪ ،‬هي منهج يقوم على تفعيل الهوية‪ ،‬بصورة تجعلها مطبقة في الواقع‪ ،‬ومحددة‬
‫للمستقبل‪.‬‬
‫والحكم العسكري‪ ،‬يريد نزع عناصر المشروع من الهوية اإلسالمية‪ ،‬أي يريد نزع القيم والقواعد‬
‫التطبيقية من الهوية‪ .‬ونزع القيم والقواعد التطبيقية من أي هوية‪ ،‬يجعلها هوية بال مشروع‪ ،‬أي هوية خاملة‪.‬‬
‫والهوية التي تحمل مشروعا‪ ،‬هي واقعيا هوية نشطة‪.‬‬
‫مراحل تصنيع الهوية‬
‫خطاب الحكم العسكري‪ ،‬يكشف عن مخطط الحكم العسكري لمصر بعد االنقالب‪ ،‬وهو يكشف عن‬
‫مركزية دور الهوية في هذا المخطط‪ .‬فيمكن القول‪ :‬أن مخطط االنقالب العسكري‪ ،‬يقوم على تعديل هوية‬
‫مصر‪ ،‬حتى يستقر الحكم العسكري‪.‬‬
‫منذ بداية االنقالب العسكري‪ ،‬وهو يعمل على عزل الحركات السياسية اإلسالمية‪ ،‬والتي تحمل‬
‫مشروعا إسالميا‪ .‬ويعمل إعالم االنقالب العسكري‪ ،‬على تشويه الحركية السياسية اإلسالمية برمتها‪ ،‬حتى‬
‫يعزلها عن الحاضن االجتماعي‪.‬‬
‫تبنى الحكم العسكري اإلقصاء الدموي للحركات اإلسالمية التي تحمل مشروعا‪ ،‬حتى يقلص‬
‫حضورها المادي والمعنوي‪ ،‬وحتى يتمكن من عزل وتحجيم تأثيرها على المجتمع‪ ،‬مما يمكنه من استئصالها‬
‫في النهاية‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫مايو ‪1014‬‬

‫تزييف هوية مصر‪ ..‬مخطط الحكم العسكري‬

‫يعمل الحكم العسكري على تشكيل هوية إسالمية للكتل المؤيدة له‪ ،‬تختلف جذريا عن الهوية‬
‫اإلسالمية التي تحملها الحركة اإلسالمية‪ ،‬فهي هوية بال مشروع‪ .‬فالحكم العسكري‪ ،‬يحاول بناء كتل لها‬
‫هوية إسالمية خاملة‪ ،‬ال تؤثر على المجال العام عموما‪ ،‬وعلى المجال السياسي خصوصا‪.‬‬
‫مع عزل كتلة الهوية النشطة عن كتلة الهوية الخاملة‪ ،‬يعمل الحكم العسكري على وقف أي فرصة‬
‫للتفاعل بين الكتلتين‪ ،‬حتى ال تتأثر الكتلة المؤيدة له‪ ،‬بالكتلة التي تحمل هوية إسالمية نشطة‪ ،‬وحتى تظل‬
‫هوية تلك الكتلة خاملة‪.‬‬
‫مخطط االنقالب العسكري‪ ،‬يقوم على عزل الكتل اإلسالمية النشطة‪ ،‬ثم تحجيمها واستئصالها بقدر‬
‫الممكن‪ ،‬حتى ال تتبقى إال كتل تحمل هوية إسالمية خاملة‪ .‬وعندما تسود الهوية اإلسالمية الخاملة‪ ،‬يتم تعديل‬
‫مكونات تلك الهوية‪ ،‬وتغيير محتوى الهوية اإلسالمية‪.‬‬
‫فمن خالل نشر هوية إسالمية خاملة‪ ،‬ليس لها تأثير عملي‪ ،‬يمكن بعد ذلك تغيير مكونات تلك‬
‫الهوية‪ ،‬حتى تفقد خصائصها التاريخية‪ ،‬ألن في كل المراحل التي وصلت فيها الهوية اإلسالمية لمرحلة‬
‫الخمول‪ ،‬أعيد إحيائها من جديد‪.‬‬
‫حتى ال يكون هناك احتمال إلعادة إحياء الهوية اإلسالمية النشطة من جديد‪ ،‬يحاول الحكم العسكري‬
‫فصل الهوية اإلسالمية عن مسارها التاريخي‪ ،‬وقطع صلتها بتاريخها‪ ،‬حتى يمكن تعديلها من خالل ما‬
‫يسمى بتجديد الخطاب الديني‪ ،‬مما يمنع أي إمكانية إلحياء الهوية اإلسالمية وتنشيطها من جديد‪.‬‬
‫الهوية الخاملة‬
‫الكتل المؤيدة لالنقالب العسكري‪ ،‬يحمل بعضها هوية علمانية قومية‪ ،‬ويحمل بعضها هوية إسالمية‬
‫خاملة‪ ،‬والك تل التي تحمل الهوية اإلسالمية الخاملة‪ ،‬تمثل في تقديري أغلبية داخل الكتل المؤيدة لالنقالب‪.‬‬
‫لذا فاالنقالب العسكري‪ ،‬يعتمد على الكتل التي تحمل هوية إسالمية خاملة‪.‬‬
‫تسكين الهوية‪ ،‬وجعلها خاملة‪ ،‬يعظم من المظاهر الشكلية للهوية‪ ،‬على أي مضمون حقيقي‪ ،‬كما‬
‫يعظم من التدين الشعائري على حساب التدين التطبيقي‪ .‬مما يجعل الهوية في النهاية‪ ،‬ممارسة شكلية‪ ،‬ليس‬
‫لها تطبيق عملي‪.‬‬
‫والهوية اإلسالمية الخاملة‪ ،‬انتشرت في عدة مراحل تاريخية‪ ،‬بفعل التردي الحضاري واالستبداد‬
‫السياسي واالستعمار الخارجي‪ .‬وفي كل مرة انتشرت فيها الهوية اإلسالمية الخاملة‪ ،‬انتشر معها عدة‬
‫مظاهر‪ ،‬أهمها الجمود الثقافي‪.‬‬
‫والمجتمع الذي تنتشر فيه الهوية الخاملة‪ ،‬يفقد صلته العملية بموروثه الثقافي والحضاري‪ ،‬مما‬
‫يجعله في حالة جمود‪ ،‬ال تمكنه من صناعة مستقبله أو تحقيق حريته واستقالله‪ .‬والحكم العسكري ينشر‬
‫هوية إسالمية خاملة‪ ،‬لن تحقق إال الجمود والتراجع والتردي‪.‬‬
‫والحكم العسكري يواجه أساسا حالة التراجع التي وصلت لها مصر‪ ،‬وحالة عدم االستقرار بعد‬
‫الثورة ثم بعد االنقالب‪ ،‬لذا فإن نشر الحكم العسكري للهوية اإلسالمية الخاملة‪ ،‬يجعله يدفع البالد عمليا‬
‫لمرحلة من التراجع والتردي السريع‪.‬‬
‫الهوية اإلسالمية الخاملة‪ ،‬مثلها مثل كل هوية حضارية خاملة‪ ،‬تؤدي إلى تفكيك المجتمع‪ ،‬وتفكيك‬
‫قيم وقواعد المجتمع‪ .‬فالمجتمع يحتاج إلى هوية نشطة‪ ،‬حتى يدعم القيم والقواعد الحامية له‪ ،‬وعندما تفقد‬
‫هوية المجتمع نشاطها‪ ،‬تتفكك قيم وقواعد المجتمع‪ ،‬فيتفكك المجتمع نفسه‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫مايو ‪1014‬‬

‫تزييف هوية مصر‪ ..‬مخطط الحكم العسكري‬

‫وتغييب القيم والقواعد النشطة‪ ،‬ساهم في حالة التردي السلوكي المستمرة منذ عقود‪ ،‬وأصبحت حالة‬
‫التردي السلوكي تتزامن مع خمول الهوية والحكم العسكري‪ .‬واالنقالب العسكري‪ ،‬يعيد المجتمع لحالة‬
‫خمول الهوية‪ ،‬ومعها يعيد إنتاج حالة التردي السلوكي‪ ،‬التي لم تغب أصال بعد الثورة‪.‬‬
‫وال يمكن لمجتمع أن يحقق التقدم‪ ،‬إال من خالل منظومة سلوكية إيجابية‪ ،‬تنظم حياة المجتمع‪ ،‬وتسند‬
‫دولة القانون‪ ،‬وتعظم قيم العمل واالبتكار‪ .‬ولم يشهد أي مجتمع نهوضا‪ ،‬إال من خالل تبنيه لهويته في صورة‬
‫نشطة‪ ،‬حتى يحولها لمشروع مستقبلي‪.‬‬
‫ومن أهم مشاكل الهوية الخاملة‪ ،‬أنها تنشر التشدد الفردي واالجتماعي بصورة واسعة‪ ،‬كما تنشر‬
‫التعصب الفردي واالجتماعي أيضا‪ .‬فالهوية الخاملة‪ ،‬هي هوية مهددة بالغروب‪ ،‬مما يجعل حاملها يحاول‬
‫تأكيدها في أمور ثانوية‪ ،‬وهو ما ينشر التشدد‪.‬‬
‫والمالحظ‪ ،‬أن العديد من القوى اإلسالمية التي تهجر السياسة‪ ،‬تركز على جوانب غير سياسية‪،‬‬
‫وتتشدد في مواقفها لتعويض غياب الجانب السياسي‪ .‬والقوى اإلسالمية التي تؤيد الحكم العسكري‪ ،‬وال تريد‬
‫فقد أرضيتها الشعبية‪ ،‬تستخدم لغة أكثر تشددا في مواضيع غير سياسية‪.‬‬
‫لذا‪ ،‬فإن كتلة االنقالب العسكري‪ ،‬والتي تحمل هوية إسالمية خاملة‪ ،‬تنشر فعليا حالة من التردي‬
‫والتراجع‪ ،‬كما تفكك القيم والقواعد مما ينتج عنه تردي سلوكي‪ ،‬كما أنها تنشر حالة من التشدد الشكلي‪،‬‬
‫الذي يوسع دائرة التعصب في المجتمع‪.‬‬
‫فراغ الهوية‬
‫هل يتمكن الحكم العسكري من مأل فراغ الهوية؟ فمشكلة الهوية الخاملة أنها تنتج حالة من الفراغ‬
‫الثقافي والقيمي‪ ،‬مما يجعل المجتمع في حالة تفكك وتراجع مستمر‪ .‬وال يمكن وقف حالة التراجع المجتمعي‪،‬‬
‫إال من خالل مضمون ثقافي يغذي قيم في المجتمع حتى ال يتراجع‪.‬‬
‫وبعد تفريغ الهوية من مضمونها لدى الكتل المؤيدة لالنقالب‪ ،‬سوف يحتاج الحكم العسكري‪ ،‬لوضع‬
‫مضمون جديد داخل الهوية الخاملة‪ ،‬حتى ال يتفكك المجتمع‪ ،‬ويصبح حتى وجود الدولة والنظام العام صعبا‪.‬‬
‫ولكن تفريغ الهوية من مضمونها‪ ،‬ثم البحث عن مضمون جديد لها‪ ،‬هو عملية تاريخية فاشلة‪.‬‬
‫في كل مراحل االستعمار والحكم المستبد‪ ،‬حاول المستعمر المحلي أو الخارجي‪ ،‬أن يغير مضمون‬
‫الهوية السائدة‪ ،‬ويجعل لها مضمونا علمانيا حديثا وفشل‪ .‬فكل محاوالت التغريب والعلمنة فشلت‪ ،‬فلم يتم‬
‫علمنة إال قطاع صغير من المجتمع يمثل أقلية‪.‬‬
‫والكتل التي تتبنى الهوية اإلسالمية الخاملة‪ ،‬تحاول الحفاظ على الشكل اإلسالمي‪ ،‬لذا فهي ترفض‬
‫العلمنة والتغريب‪ ،‬كما أ نها تخشى من ضياع الشكل بعد ضياع المضمون‪ .‬لذا تلجأ بعض الكتل الحاملة‬
‫للهوية الخاملة للتشدد والتعصب‪ ،‬خوفا من ضياع شكل الهوية‪.‬‬
‫القومية المتعصبة‬
‫كلما خملت الهوية الثقافية والحضارية للمجتمع‪ ،‬أصبح معرضا للتفكك والتردي‪ ،‬مما يدفع الحكم‬
‫العسكري عادة‪ ،‬إلى البحث عن هوية بديلة‪ .‬والحكم العسكري عادة ما يبحث عن هوية قومية‪ ،‬حتى يؤسس‬
‫لحكم علماني‪ ،‬يستند لهوية عرقية خالصة‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫مايو ‪1014‬‬

‫تزييف هوية مصر‪ ..‬مخطط الحكم العسكري‬

‫سبق للدولة العسكرية أن استندت على الهوية القومية العربية‪ ،‬ولكنها لم تعطي لها مضمونا ثقافيا‪،‬‬
‫ولم تجعلها حاملة لقيم الموروث العروبي‪ ،‬خوفا من إحياء الموروث اإلسالمي ضمنا‪ .‬وتراجعت القومية‬
‫العربية تدريجيا‪ ،‬عبر مراحل الحكم العسكري‪ ،‬حتى أصبحت قومية مصرية خالصة‪ ،‬بدون حتى البعد‬
‫العروبي‪.‬‬
‫الحكم العسكري بعد االنقالب‪ ،‬يريد إحياء القومية المصرية‪ ،‬ويدفع لبروز تلك القومية من خالل‬
‫معارك مفتعلة مع اإلرهاب‪ ،‬وأيضا مع المشروع السياسي اإلسالمي‪ .‬وتلك المعارك‪ ،‬ال تعطي للهوية‬
‫المصرية الخالصة أي معنى‪ ،‬سوى أنها نقيض للمشروع اإلسالمي عامة‪.‬‬
‫التركيز على الهوية المصرية‪ ،‬ال يمكن أن يبني هوية ولو مؤقتا بدون مضمون ثقافي‪ .‬وأي محاولة‬
‫الستدعاء القيم السائدة في المجتمع المصري‪ ،‬سوف تستدعي ضمنا الهوية العروبية واإلسالمية معا‪ .‬مما‬
‫يجعل الحكم العسكري‪ ،‬يستدعي هوية مصرية خالصة‪ ،‬بدون محتوى قيمي‪.‬‬
‫تركيز الحكم العسكري على تنوع المجتمع بعد االنقالب‪ ،‬يعني ضمنا أنه يريد بناء هوية مصرية‬
‫خالصة‪ ،‬ليس فيها قيم أو قواعد سائدة أو شائعة‪ .‬مما يعني أن القومية المصرية بالنسبة للحكم العسكري‪،‬‬
‫ليست إال عنوانا يميز من يحمل الجنسية المصرية‪ ،‬بدون محتوى حضاري‪.‬‬
‫تركيز الحكم العسكري على أن الهوية المصرية معرضة للخطر‪ ،‬يدفع لنوع من التعصب تجاه هذه‬
‫الهوية المصنعة‪ ،‬مما يجعل القومية المصرية تتحول اجتماعيا‪ ،‬إلى نوع من االنتماء المتعصب لهوية مهددة‬
‫من قبل أخطار مفترضة‪.‬‬
‫بناء هوية على مخاطر مفترضة وحروب افتراضية‪ ،‬يجعل الهوية بمثابة حالة دفاعية تجاه مخاوف‬
‫ومخاطر‪ ،‬وهو ما يعمق التعصب االجتماعي بجميع صوره‪ .‬وفي مناخ القومية المتعصبة‪ ،‬يتفكك المجتمع‬
‫أكثر‪ ،‬مع بروز كافة أشكال التعصب‪ ،‬مما يجعل دائرة االنتماء القومي المصري تضعف‪ ،‬لصالح انتماءات‬
‫فرعية أخرى‪.‬‬
‫هوية في حالة ثورة‬
‫يواجه الحكم العسكري حالة نادرة تاريخيا‪ ،‬فقد وقف ضده تحالف دعم الشرعية ورفض االنقالب‬
‫منذ اللحظة األولى‪ ،‬وحملت مكونات هذا التحالف‪ ،‬أغلب الحركات التي تحمل مشروعا إسالميا‪ ،‬وبالتالي‬
‫التي تحمل مشروعا سياسيا إسالميا‪ ،‬لتحقيق المشروع الحضاري اإلسالمي‪.‬‬
‫وعملية العزل واإلقصاء التي يمارسها الحكم العسكري ضد الحركات اإلسالمية‪ ،‬تؤدي عمليا إلى‬
‫بلورة كتلة الهوية النشطة‪ ،‬في مواجهة كتلة الهوية الخاملة‪ ،‬حتى أصبحت كتلة الهوية اإلسالمية النشطة‪،‬‬
‫في حالة حراك ثوري مستمر‪.‬‬
‫ومع استمرار الحكم العسكري في مخطط االقصاء للمشروع السياسي اإلسالمي‪ ،‬أصبحت‬
‫المواجهة بين الثورة واالنقالب‪ ،‬هي مواجهة أيضا بين الهوية الخاملة والهوية النشطة‪ .‬وأصبحت المقابلة‬
‫بين كتلة الهوية الخاملة وكتلة الهوية النشطة‪ ،‬تمثل فرزا تاريخيا مضادا لعملية االستئصال التي يقوم بها‬
‫الحكم العسكري‪.‬‬
‫أدى االنقالب العسكري‪ ،‬لدفع كتلة الهوية اإلسالمية النشطة لخوض ثورة كاملة األركان‪ ،‬ضد‬
‫انقالب عسكري كامل األركان‪ ،‬لذا أصبحت المعركة حول الثورة هي نفسها المعركة حول الهوية‪ .‬وبهذا‬
‫‪5‬‬

‫مايو ‪1014‬‬

‫تزييف هوية مصر‪ ..‬مخطط الحكم العسكري‬

‫يصبح الحراك الثوري‪ ،‬حراكا إحيائيا‪ ،‬يعيد تفعيل الهوية اإلسالمية‪ ،‬في مواجهة هويات يصنعها الحكم‬
‫العسكري‪.‬‬
‫واستمرار الحراك الثوري المدافع عن الهوية‪ ،‬يجعل عملية عزل الهوية اإلسالمية النشطة غير‬
‫فاعل‪ ،‬فهو يؤدي فقط إلى تباعد اجتماعي بين أصحاب الهوية النشطة والهوية الخاملة‪ ،‬دون أن يقصي‬
‫الهوية النشطة‪ ،‬والتي تتقوى تدريجيا بسبب حالة الحراك الثوري التي تفعلها‪.‬‬
‫والتباعد بين الكتلة المؤيدة لالنقالب‪ ،‬يجعل الهوية الخاملة التي تحملها ال تتأثر إيجابيا بالهوية‬
‫النشطة التي تحملها الكتل الثائرة‪ .‬ففي مختلف المراحل التاريخية‪ ،‬كانت عملية إحياء الهوية تؤثر إيجابا‬
‫على المجتمع‪ ،‬حيث تعيد له تماسكه وقيمه‪ ،‬ولكن بعد االنقالب‪ ،‬أصبح اإلحياء الثوري الحضاري‪ ،‬يؤثر‬
‫على قطاع من المجتمع دون القطاع اآلخر‪.‬‬
‫عزل كتل الهوية النشطة عن كتل الهوية الخاملة‪ ،‬يؤدي عمليا إلى تماسك كتلة الهوية النشطة وتفكك‬
‫كتلة الهوية الخاملة‪ ،‬مما يحدث تحول نوعي مستمر في الكتل المؤيدة للثورة وتلك المؤيدة لالنقالب‪ .‬والمقابلة‬
‫بين قطاع متماسك وله هوية نشطة‪ ،‬وقطاع مفكك وله هوية خاملة‪ ،‬يجعل قاعدة الحراك الثوري‪ ،‬تمثل‬
‫القطاع القوي في المجتمع‪.‬‬
‫الخالصة‬
‫يحاول الحكم العسكري عزل العوامل النشطة والفاعلة في الهوية اإلسالمية‪ ،‬ولكن حربه على‬
‫المشروع اإلسالمي‪ ،‬جعلت الحراك الثوري ضد الحكم العسكري إسالميا‪ ،‬مما يفشل معركة استئصال‬
‫مكونات الهوية اإلسالمية النشطة‪.‬‬
‫أصبح الحاضن االجتماعي للحراك الثوري‪ ،‬هو أيضا حاضن اجتماعي للهوية اإلسالمية النشطة‪،‬‬
‫مما يجعل إقصاء الهوية اإلسالمية النشطة غير ممكن‪ .‬كما أن محاوالت عزل الحاضن االجتماعي للهوية‬
‫اإلسالمية النشطة تقويه‪ ،‬وفي نفس الوقت تضعف الكتل الحاملة للهوية الخاملة بالمقارنة به‪.‬‬
‫وعندما تفشل عملية عزل عوامل الهوية النشطة وإقصائها بالكامل‪ ،‬تفشل بالتالي عملية توسيع‬
‫حضور الهوية اإلسالمية الخاملة‪ ،‬مما يعني أن الهوية الخاملة تظل مرتبطة بالكتل المؤيدة لالنقالب‬
‫العسكري‪ ،‬دون أن تصبح لها تأثير على عموم المجتمع‪.‬‬
‫والفشل في عزل وإقصاء الهوية اإلسالمية النشطة‪ ،‬يعني أن مخطط تصنيع هوية جديدة يفشل‬
‫أيضا‪ .‬وهو ما يجعل مخطط الحكم العسكري‪ ،‬يؤدي فقط إلى قسمة المجتمع بين كتل لها هوية إسالمية‬
‫نشطة‪ ،‬وكتل لها هوية إسالمية خاملة‪ ،‬وأخرى لها هوية علمانية‪.‬‬
‫وبقدر ما يفشل الحكم العسكري في تنفيذ مخططه لتغيير الهوية بشكل نهائي‪ ،‬يصبح الحراك الثوري‬
‫ضد الحكم العسكري مستمرا‪ ،‬ويكتسب قوة ثقافية وحضارية واضحة‪ ،‬ألن الحراك الثوري‪ ،‬أصبح مدفوعا‬
‫بقوة العوامل النشطة في الهوية اإلسالمية التي تدافع عن حضورها االجتماعي‪.‬‬
‫تتحول المعركة بسبب استهداف الهوية‪ ،‬إلى معركة بين المكونات الثقافية والحضارية للمجتمع‪،‬‬
‫مما يجعل من ينتصر‪ ،‬هو من يحمل المكونات الفاعلة في الهوية‪ ،‬والتي حمت تلك الهوية عبر التاريخ‪،‬‬
‫وجعلتها مستمرة ومتواصلة‪ .‬وعندما تنتصر الثورة‪ ،‬تنتصر الهوية النشطة أيضا‪.‬‬

‫‪6‬‬