You are on page 1of 226

‫)مقتل المام الحسين )عليه السلم(‬

‫تأليف المغفور له العلمة عبد الرزاق المقرم‬


‫قدم له ولده المغفور له محمد حسين المقّرم‬

‫فيها تحقيقات وملحظات نفيسة من المؤلف رحمه الله‬

‫بسم الله الرحمن الرحيم‬


‫ترجمة المؤّلف‬
‫بقتله ـ بأرض كربلء ممنوعا ً عن الورود ؟ ‪ .‬وفيما قال لها ‪) :‬إّني أعلم اليوم‬
‫من ُيقتل من أهل بيتي‬ ‫ساعة التي ُاقتل فيها ‪ ،‬وأعلم َ‬ ‫الذي ُاقتل فيه ‪ ،‬وال ّ‬
‫م‬
‫نل ْ‬ ‫م أعلمه ؟ وهل من الموت بد ّ ! فإ ْ‬ ‫ك علمت ما ل ْ‬ ‫وأصحابي ‪ .‬أتظّنين أن ّ ِ‬
‫ن‬
‫ن أبي أخبرني بأ ّ‬ ‫ت غدا ‪ ).‬وقال لخيه عمر الطرف ‪):‬إ ّ‬ ‫أذهب اليوم ذهب ُ‬
‫م أعلمه ؟ (‪ .‬وقال لخيه‬ ‫ن أّنك تعلم ما ل ْ‬ ‫تربتي تكون إلى جنب تربته ‪ ،‬أتظ ّ‬
‫مد بن الحنفّية ‪)) :‬شاء الله أن يراني قتيل ً ‪ ،‬ويرى النساء سبايا( (‪ .‬وقال‬ ‫مح ّ‬
‫جحر هامة من هذه الهوام ل ستخرجوني حّتى‬ ‫ت في ُ‬ ‫لبن الزبير ‪)) :‬لو كن ُ‬
‫ي حاجتهم (‪ .‬وقال لعبد الله بن جعفر‪)) :‬إّني رأيت رسول الله في‬ ‫يقضوا ف ّ‬
‫من معه ‪)) :‬ما‬ ‫ض له(‪ .‬وفي بطن العقبة قال ل ِ َ‬ ‫المنام ‪ ،‬وأمرني بأمر أنا ما ٍ‬
‫ب‬
‫ي كل ٌ‬ ‫دها عل ّ‬ ‫ً‬
‫أراني إل مقتول ً ‪ ،‬فإّني رأيت في المنام كلبا تنهشني ‪ ،‬وأش ّ‬
‫ن ينظر‬ ‫ما أشار عليه عمرو بن لوذان بالنصراف عن الكوفة إلى أ ْ‬ ‫أبقع(‪ .‬ول ّ‬
‫ي الرأي ‪ ،‬ولكن ل‬ ‫ما يكون عليه حال الناس ‪ ،‬قال )ع‪)) :‬ليس ُيخفى عل ّ‬
‫ُيغلب على أمر الله ‪ .‬وإّنهم ل يدعوني حّتى يستخرجوا هذه العلقة من‬
‫جوفي(‪.‬‬
‫ّ‬
‫إلى غير ذلك من تصريحاته وتلويحاته في المدينة ومكة والطريق إلى‬
‫سلم( كان‬ ‫الكوفة ـ كما ستقرؤها بتمامها ـ فإّنها شاهدة على أّنه )عليه ال ّ‬
‫على علم ويقين بأّنه مقتول في اليوم الموعود به بأرض كربلء ‪ .‬ثم هل‬
‫سفر منها إلى العراق ‪،‬‬ ‫كة حين أراد ال ّ‬ ‫دد أحد في هذا وهو يقرأ خطبته بم ّ‬ ‫يتر ّ‬
‫طعها عسلن الفلوات بين‬ ‫التي يقول فيها ‪)) :‬كأّني بأوصالي هذه ُتق ّ‬
‫النواويس وكربل ‪ ،‬فيملن مّني أكراشا ً جوفا ‪ ,‬وأجربة سغبا ‪ ،‬ل محيص عن‬
‫من طلب منه‬ ‫ط بالقلم(؟ ‪ .‬فدّلت هذه الجوبة من الحسين )عـ ل ِ َ‬ ‫خ ّ‬ ‫يوم ُ‬
‫سفر أو الذهاب في أرض الله العريضة ـ على وقوف سّيد‬ ‫الترّيث في ال ّ‬
‫ف عليه نوايا الكوفّيين ‪ .‬ولكّنه سّر إلهي تعلق‬ ‫م تخ َ‬ ‫الشهداء على أمره ‪ ،‬ول ْ‬
‫جة على هذا الخلق المتعوس كانت استغاثاته‬ ‫ح ّ‬
‫به خاصة ؛ ولجل إلقاء ال ُ‬
‫طف قبل نشوب الحرب وبعده‪.‬‬ ‫وانتصاراته يوم ال ّ‬
‫سفر‬ ‫من رغب في إعراضه عن ال ّ‬ ‫ل َ‬‫م يصارح بما عنده من العلم لك ّ‬ ‫وإّنما ل ْ‬
‫إلى‬

‫الحسين فاتح‬
‫كان الحسين )ع( يعتقد في نهضته أّنه فاتح منصور ؛ ِلما في شهادته من إحياء دين‬
‫ق‬
‫مة أّنهم أح ّ‬ ‫رسول الله )ص(‪ ،‬وإماتة البدعة ‪ ،‬وتفظيع أعمال المناوئين ‪ ،‬وتفهيم ال ُ ّ‬
‫حقَ بنا منكم‬ ‫من ل َ ِ‬
‫بالخلفة من غيرهم ‪ .‬وإليه يشير في كتابه إلى بني هاشم ‪َ ) :‬‬
‫م يرد بالفتح إل ما يترتب على‬ ‫من تخّلف ل ْ‬
‫م يبلغ الفتح ( )‪) . (1‬فإّنه ل ْ‬ ‫استشهد ‪ ،‬و َ‬
‫نهضته وتضحيته من نقض دعائم الضلل ‪ ،‬وكسح أشواك الباطل عن صراط‬
‫مة القيام‬‫ن الواجب على ال ُ ّ‬ ‫الشريعة المطّهرة ‪ ،‬وإقامة أركان العدل والتوحيد ‪ ،‬وأ ّ‬
‫في وجه المنكر ‪.‬‬
‫ما قال‬
‫وهذا معنى كلمة المام زين العابدين)ع( لبراهيم بن طلحة بن عبيد الله ‪ ،‬ل ّ‬
‫سجاد )ع( ‪) :‬إذا دخل وقت‬ ‫من الغالب ؟ فقال ال ّ‬ ‫له حين رجوعه إلى المدينة ‪َ :‬‬

‫‪2‬‬
‫حى‬ ‫قق الغاية التي ض ّ‬ ‫ذن وأِقم ‪ ،‬تعرف الغالب) )‪ ،2‬فإّنه يشير إلى تح ّ‬ ‫الصلة ‪ ،‬فأ ّ‬
‫سّيد الشهداء )ع( بنفسه القدسّية لجلها ‪ ،‬وفشل يزيد بما سعى له من إطفاء نور‬
‫الله تعالى ‪ ،‬وما أراده أبوه من نقض مساعي الرسول )ص(‪ ،‬وإماتة الشهادة له‬
‫ي‬
‫مة في الوقات الخمس العلن بالشهادة لنب ّ‬ ‫ن كان الواجب على ال ُ ّ‬ ‫بالرسالة بعد أ ْ‬
‫السلم ؛ ذلك الذي هدم صروح الشرك ‪ ،‬وأبطل العبادة للصنام ‪ .‬كما وجب على‬
‫ن الصلة عليه بدون‬ ‫دين ‪ ،‬وأ ّ‬ ‫ي وآله الطاهرين في الّتشهُ َ‬ ‫مة الصلة على النب ّ‬ ‫ال ُ ّ‬
‫الصلة على آله ‪ ،‬بتراء))‪.3‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬كامل الزيارات ‪ ، 75 /‬بصائر الدرجات ‪. 141 / 10‬‬
‫)) ‪2‬أمالي الشيخ الطوسي ‪. 66 /‬‬
‫مة ‪ ، 194 / 1‬ولحظ كتابنا )زين العابدين(‬ ‫)) ‪3‬الصواعق المحرقة ‪ ، 87 /‬كشف الغ ّ‬
‫ص ‪. 371‬‬
‫سلم( ‪ ،‬أشارت إلى هذا الفتح بقولها‬ ‫ن العقيلة ابنة أمير المؤمنين )عليها ال ّ‬ ‫كما أ ّ‬
‫ليزيد ‪ :‬فكد كيدك ‪ ،‬واسع سعيك ‪ ،‬وناصب جهدك ‪ ،‬فوالله ل تمحو ذكرنا ‪ ،‬ول تميت‬
‫وحينا ‪ ،‬ول تدرك أمدنا ‪ ،‬ول يرحض عنك عارها وشنارها ‪.‬‬
‫ن‬
‫ن هذه الشهادة أعظم من يوم بدر ‪ ،‬وإ ْ‬ ‫ف يتجّلى له ؛ أ ّ‬ ‫ن المتأمل في حادثة الط ّ‬ ‫إ ّ‬
‫ن المسلمين يومئذ خاضوا غمرات الموت تحت راية‬ ‫كان هو أول فتح إسلمي ؛ ل ّ‬
‫ومين ‪ ،‬وهتاف النبي )ص( بالنصر‬ ‫ف بهم ثلثة آلف من الملئكة مس ّ‬ ‫وة ‪ ،‬وقد احت ّ‬ ‫النب ّ‬
‫والظهور على العدوّ ملء مسامعهم ‪ ،‬فقابلوا طواغيت قريش مطمئنين بالغلبة ‪.‬‬
‫ف ‪ ،‬فالمقاسات فيه أصعب ‪ ،‬والكرب أشد ّ ‪ .‬وقد التطمت فيه‬ ‫ما مشهد الط ّ‬ ‫وأ ّ‬
‫ي أقطار‬ ‫ُ‬
‫شرت الحرب عن نابها ‪ ،‬وأخذ بنو امّية على سبط النب ّ‬ ‫أمواج الحتوف ‪ ،‬وك ّ‬
‫سماء ‪.‬‬ ‫الرض ‪ ،‬وآفاق ال ّ‬
‫ب طغياَنها‬ ‫عـشـيـة أنـهضها بغُيها فـجـاءتـه ترك ُ‬
‫طـى النجود وغيطاَنها‬ ‫بجمع من الرض سد ّ الفروج وغـ ّ‬
‫وطا الوحش إذ لم يجد مهربا ً ول زمـت الـطـير أوكاَنه‬
‫م يثن من عزمهم شيء ‪ ،‬فقابلوا تلك الخطار من غير مدد‬ ‫لكن عصبة الحقّ ل ْ‬
‫يأملونه ‪ ،‬أو نصرة يرقبونها ‪ .‬وقد انقطعت عنهم خطوط الوسائل الحيوّية حّتى الماء‬
‫الذي هو أوفر الشياء ‪ ،‬والناس فيه شرع سواء ‪ ،‬وضوضاء الحرم من الشر‬
‫قوا جبال‬ ‫المقبل ‪ ،‬وصراخ الطفال من الوام المبرح في مسامعهم ‪ ،‬إل أّنهم تل ّ‬
‫ل تلك النفوس الطاهرة إل على‬ ‫ل صدر رحيب ‪ ،‬وجنان طامن ‪ .‬ولم تس ُ‬ ‫الحديد بك ّ‬
‫فتل ُامّية المنقوض ‪ ،‬ول ُاريقت دماؤهم الزاكية إل على حبلهم المنتكث ؛ فكان‬
‫ملك آل حرب كلعقة الكلب أنفه حّتى اكتسحت معّرتهم عن أديم الرض ‪.‬‬
‫سلم بقوله‬ ‫ولقد أجاد شاعر أهل البيت عليهم ال ّ‬
‫‪:‬‬
‫ف يكفينا‬ ‫ل الُعل فينا لـكان ما كان يوم الط ّ‬ ‫جمعت ك ّ‬ ‫م تكن ُ‬ ‫َلو ل ْ‬
‫َ‬
‫لسود به وأقـبلت كـالدبا زحفا ً أعادينا‬ ‫م نهضنا كأمثال ا ُ‬ ‫يـو ٌ‬
‫ل بقيَتهم هل قابلونا وقد جئنا بسبعينا )‪(1‬‬ ‫س ْ‬ ‫ً‬
‫جاؤوا بـسبعين ألفا َ‬
‫____________________________‬
‫ور الله ضريحه ‪.‬‬ ‫)‪ 1‬شعراء الغري ‪ ، 387 / 1‬والشاعر هو السّيد باقر الهندي ن ّ‬
‫لموّيين ‪،‬‬ ‫ف فتح أسلمي بعد الجاهلّية المستردة من جّراء أعمال ا ُ‬ ‫فيوم الط ّ‬
‫وة ‪.‬‬‫ساطع ؛ نور التوحيد وشعاع النب ّ‬ ‫م يستضيئوا بذلك اللق ال ّ‬ ‫ولفيفهم الذين ل ْ‬

‫‪3‬‬
‫ض السلطنة ‪ ،‬والرئاسة ‪ ،‬وخفقان‬ ‫م يكن قاصدا ً في خروجه مح ّ‬ ‫ن الحسين ل ْ‬ ‫إ ّ‬
‫الرايات ‪ .‬فإّنه لو كان هذا غرضه ؛ لّتخذ الوسائل الموصلة إليه وهو أعرف بها ‪،‬‬
‫من معه ‪ ،‬واستسلم عائلته‬ ‫من كان معه من العراب قتله ‪ ،‬وهلك َ‬ ‫م يذع إلى َ‬ ‫ول ْ‬
‫دسة ـ وهكذا‬ ‫للسر ؛ فيتفّرق جيشه ‪ ،‬وتتضاءل قواه الصورّية ‪ .‬لكن نفسه المق ّ‬
‫الحرار ـ أبت كتمان المر وإيهام الحال حّتى أختبرهم بالذن في المفارقة ‪ ،‬فذهب‬
‫مه الطمع ‪ ،‬وأبى أولئك الصفوة إل مواساته ونصرته ‪ .‬فل الجبن‬ ‫من كان ه ّ‬ ‫عنه َ‬
‫ن ذلك شأن اليس من غايته ‪،‬‬ ‫يطرق ساحتهم ‪ ،‬ول النكسار يبين في مجاليهم ؛ ل ّ‬
‫والقوم كانوا على يقين من الظفر بالمنية ‪ ،‬كما تنم عنه كلماتهم التي أجابوا‬
‫ما أنبأهم ـ ليلة عاشوراء ـ بحراجة الموقف ‪ ،‬ورفع عنهم البيعة‪،‬‬ ‫الحسين)ع( بها ل ّ‬
‫وخّلى لهم السبيل ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬الحمد لله الذي شّرفنا بالقتل معك ‪ .‬ولو كانت الدنيا‬
‫باقية ‪ ،‬وكّنا فيها مخّلدين ؛ لثرنا النهوض معك على القامة فيها ‪ .‬فوجدهم عليه‬
‫ب عن قدس الشريعة ‪ .‬وتل على المل سطرا ً‬ ‫سلم متفانين في الجهاد معه ‪ ،‬والذ ّ‬ ‫ال ّ‬
‫ً‬
‫من صحيفتهم البيضاء بقوله ‪)) :‬إّني ل أجد أصحابا أوفى من أصحابي ‪ ،‬ول أهل بيت‬
‫أبّر وأوصل من أهل بيتي )‪. (1‬‬
‫ُ‬
‫سعوا في النقل ‪ ،‬فقذفوا اولئك‬ ‫وإّني لعجب من الرواة وحملة التاريخ ‪ ،‬حيث تو ّ‬
‫الطهار بما يندى منه وجه النسانّية ‪ ،‬ويأباه الوجدان الصادق ‪ ،‬فقيل ‪ :‬كان القوم‬
‫ن أسّرة‬ ‫ما اشتد الحال إل الحسين ‪ ،‬فإ ّ‬ ‫بحالة ترتعد فرائصهم ‪ ،‬وتتغير ألوانهم كل ّ‬
‫وجهه تشرق كالبدر المنير !!)‪ .(2‬وهذا بعد أن أعوزتهم الوقيعة في شهيد العّز‬
‫م يجدوا للغمز فيه نصيبا ً ؛ فمالوا على صحبه وأهل بيته ! وليس هذا إل‬ ‫والباء ‪ ،‬فل ْ‬
‫م في الدسم إلى سذ ٍّج حسبوه حقيقة‬ ‫من الداء الدفين ‪ ،‬بين أضالع قوم دافوا الس ّ‬
‫وهوا وجه التاريخ ‪.‬‬ ‫راهنة ‪ ،‬فش ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ 1‬الكامل في التاريخ ‪. 24 / 4‬‬
‫فس المهموم ‪ 135 /‬عن معاني الخبار ‪ ،‬وبحار النوار ‪ 134 / 3‬باب سكرات‬ ‫)) ‪ 2‬ن َ َ‬
‫الموت ‪ ،‬وكذلك في البحار ‪ 167 / 10‬عن معاني الخبار ‪.‬‬
‫ن البصير الّناقد ل تخفى عليه نفسّية القوم ‪ ،‬ول ما جاؤوا به ‪ .‬وأعجب من‬ ‫غير أ ّ‬
‫ذلك ‪ ،‬قول زجر بن قيس الجعفي ليزيد ‪ :‬إّنا أحطنا بهم ‪ ،‬وهم يلوذون عّنا بالكام‬
‫م تشاهد‬ ‫والحفر ‪ ،‬لواذ الحمام من الصقر !! )‪ . (1‬بفيك الكثكث أّيها القائل ‪ ،‬كأّنك ل ْ‬
‫دين‬ ‫ذلك الموقف الرهيب ‪ ،‬فترى ما للقوم من بسالة وإقدام ‪ ،‬ومفاداة دون ال ّ‬
‫صفين وما شاكلها من حروب‬ ‫الحنيف حّتى أغفل يومهم مع ابن المصطفى أّيام ِ‬
‫دث إل بشجاعتهم ‪.‬‬ ‫دامية ‪ ،‬وحّتى أخذت أندية الكوفة ل تتح ّ‬
‫قة بعدت عليك‬ ‫ن الش ّ‬‫م تدرِ ما تقول ! أو أ ّ‬ ‫ن تلك الحوال أدهشتك فل ْ‬ ‫أجل ‪ ،‬إ ّ‬
‫فنسيت ما كان ‪ .‬ولكن هل غاب عن سمعك صراخ اليتام ‪ ،‬وعويل اليامى في دور‬
‫الكوفة حّتى طبق أرجاءها من جّراء ما أوقعه أولئك الصفوة بأعداء الله وأعداء‬
‫رسوله بسيوفهم الماضية ؟! ‪ .‬والعذر لك إّنك أدركت ساعة العافية ‪ ،‬فطفقت‬
‫وه مقامهم المشكور ؛ طلبا ً لمرضاة )يزيد الخمور( ‪.‬‬ ‫تش ّ‬
‫ً‬
‫جاج ‪ ،‬محّرضا قومه ‪:‬‬ ‫ولقد صّرح عن صدق نّياتهم عدّوهم اللد ‪ ،‬عمرو بن الح ّ‬
‫ً‬
‫من تقاتلون ؟ تقاتلون فرسان المصر وأهل البصائر ‪ ،‬وقوما مستميتين ل‬ ‫أتدرون َ‬
‫م ترموهم إل بالحجارة‬ ‫يبرز إليهم أحد منكم إل قتلوه على قلتهم ‪ .‬والله لو ل ْ‬
‫لقتلتموهم)‪.(2‬‬
‫ف مع ابن سعد ‪ :‬ويحك أقتلتم ذرّية الرسول ؟! فقال ‪:‬‬ ‫وقيل لرجل شهد الط ّ‬
‫عضضت بالجندل ‪ ،‬إّنك لو شهدت ما شهدنا ؛ لفعلت ما فعلنا ‪ .‬ثارت علينا عصابة ‪،‬‬

‫‪4‬‬
‫طم الفرسان يمينا ً وشمال ‪ ،‬تلقي‬ ‫لسود الضارية ‪ ،‬تح ّ‬ ‫أيديها على مقابض سيوفها كا ُ‬
‫نفسها على الموت ‪ ،‬ل تقبل المان ول ترغب في المال ‪ ،‬ول يحول حائل بينها وبين‬
‫المنية أو الستيلء على الملك ‪ .‬فلو كففنا عنها رويدا ً ؛ لتت على نفوس العسكر‬
‫م لك؟!)‪(.3‬‬ ‫بحذافيرها ‪ ،‬فما كّنا فاعلين ل ا ُ ّ‬
‫ما قتل بريرا ً ؛ عتبت عليه زوجته‬ ‫وشهد لهم بذلك كعب بن جابر ‪ ،‬فانه ل ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ 1‬العقد الفريد ‪. 313 / 2‬‬
‫)‪ (2‬تاريخ الطبري ‪. 247 / 6‬‬
‫)) ‪ 3‬شرح نهج البلغة ‪. 307 / 1‬‬
‫وقالت ‪ :‬أعنت على ابن فاطمة ! وقتلت سّيد القّراء ! لقد أتيت عظيما ً من المر !‬
‫والله ل ُاكّلمك من رأسي كلمة واحدة ‪ .‬فقال يخاطبها من أبيات‬
‫‪.‬‬
‫ع‬
‫م تـَر عيني مثلهم في زمانهم ول قـبلهم في الناس إذ أنا ياف ُ‬ ‫ولـ ْ‬
‫مـن يحمي الذمار مقارعُ‬ ‫ل َ‬‫سيوف لدى الوغى أل كـ ّ‬ ‫أشـد ّ قراعا ً بال ّ‬
‫ن ذلك نافعُ )‪(1‬‬ ‫سرا وقـد نـازلوا لو أ ّ‬ ‫وقد صبروا للضرب والطعن ح ّ‬

‫م أي فرد منهم أقلقه الحال حّتى ارتعدت فرائصه ؟ أهو زهير بن القين الذي وضع‬ ‫ث ّ‬
‫ً‬
‫يده على منكب الحسين ‪ ،‬وقال مستأذنا ‪:‬‬
‫ااااااااا‬ ‫اااا اااا ااااااااااا اااااا اااا ا ا‬
‫أم ابن عوسجة الذي يوصي حبيب بن مظاهر بنصرة الحسين)ع( ‪ ،‬وهو في آخر‬
‫ل ما لقاه من جهد وبلء ؟ ‪ .‬أم‬ ‫م يقنعه في المفاداة ‪ ،‬ك ّ‬ ‫رمق من الحياة ‪ ،‬فكأّنه ل ْ‬
‫ل ما هنالك من‬ ‫سير إلى رّبه تعالى ‪ ،‬ك ّ‬ ‫مه في سبيل ال ّ‬ ‫أبو ثمامة الصائدي الذي لم يه ّ‬
‫فوادح وآلم ‪ ،‬إل الصلة التي دنا وقتها ؟ ‪ .‬أم سعيد الحنفي الذي اسُتهدف لهم عند‬
‫ت يابن رسول الله‬ ‫الصلة حّتى سقط ؛ لكثرة نزف الدم ‪ ،‬فيقول للحسين)ع( ‪ :‬أوفي ُ‬
‫؟ ‪ .‬أم ابن شبيب الشاكري الذي يلقي جميع لمته ؛ لتقرب منه الرجال فيموت ‪،‬‬
‫في حين نرى الكماة البطال المعروفين بالشجاعة والقدام ‪ ،‬يتدرعون للحرب ؛‬
‫كيل يخلص إليهم ما يزهق نفوسهم ؟ ‪ .‬أم جون الذي يأذن له الحسين)ع( في‬
‫ن لوني لسود ‪ ،‬وحسبي‬ ‫النصراف ‪ ،‬فيقع على قدميه يقّبلهما ‪ ،‬وهو يبكي ويقول ‪ :‬إ ّ‬
‫ض لوني ‪ ،‬ويشرف حسبي ‪ ،‬ويطيب‬ ‫ي بالجنة ؛ ليبي ّ‬ ‫لئيم ‪ ،‬وريحي منتن ‪ ،‬فتّنفس عل ّ‬
‫ريحي ؟ ‪.‬‬
‫س‬
‫دي الحسين لم يجدوا ألم م ّ‬ ‫ن أصحاب ج ّ‬ ‫وإذا تأملنا قول أبي جعفر الباقر )ع( ‪) :‬إ ّ‬
‫ضح ما عليه أولئك الطايب من الثبات ‪ ،‬وأّنهم غير مكترثين بما لقوه‬ ‫الحديد )‪ ،2‬و ّ‬
‫من‬
‫____________________________‬
‫)‪ 1‬تاريخ الطبري ‪. 247 / 6‬‬
‫) )‪2‬الخرائج للراوندي ‪. 138 /‬‬
‫ألم الجراح ؛ ولعا ً منهم بالغاية ‪ ،‬وشوقا ً إلى جوار المصطفى )ص( ‪.‬‬
‫جه مشاعره نحو المحبوب‬ ‫من يعرف حالة العاشق ‪ ،‬وأّنه عند تو ّ‬ ‫ول تستغرب هذا ‪ ،‬ف َ‬
‫ً‬
‫ن كثّيرا الشاعر )‪(1‬‬‫ل يشعر بما يلقيه من عناء ونكد ‪ .‬ولقد حكى المؤّرخون ‪ :‬أ ّ‬
‫ما دخلت عليه عَّزة ونظر إليها أدهشه الحال ‪،‬‬ ‫كان في خبائة يبري سهاما ً له ‪ ،‬فل ّ‬
‫س باللم))‪.2‬‬‫فأخذ يبري أصابعه ‪ ،‬وسالت الدماء وهو ل يح ّ‬
‫ن شابا ً من النصار استقبل امرأة فأعجبته فأتبعها النظر ؛‬ ‫دث الرواة ‪ :‬أ ّ‬‫ويتح ّ‬

‫‪5‬‬
‫فدخلت في زقاق وهو خلفها ينظر إليها ‪ ،‬فاعترضت وجهه زجاجة في حائط ؛‬
‫ما مضت المرأة رأى الدماء تسيل على ثوبه وصدره‬ ‫فشقت وجهه وهو ل يشعر ‪ ،‬فل ّ‬
‫ضوا من‬ ‫ن ي َغُ ّ‬‫مؤمني َ‬ ‫ّ‬
‫‪ ،‬فأتى رسول الله )ص( وحكى له ‪ ،‬فنزل قوله تعالى‪ُ) :‬قل لل ُ‬
‫م )‪.3‬‬ ‫َ‬
‫صارِهِ ْ‬ ‫أب َ‬
‫س‬
‫ن الشهيد المقتول في سبيل الدعوة اللهّية ل يجد من م ّ‬ ‫دث النبي )ص( ‪ ،‬بأ ّ‬ ‫ويح ّ‬
‫س القرصة)‪( .4‬‬ ‫القتل ‪ ،‬إل كما يجد النسان من م ّ‬
‫ما أخبره أمير المؤمنين‬ ‫ما دعاه ابن زياد ‪ ،‬وسأله ع ّ‬ ‫ما رشيد الهجري))‪ ،5‬فإّنه ل ّ‬ ‫وأ ّ‬
‫سلم ‪ ،‬قال ‪ :‬بلى ‪ ،‬دخلت عليه يوما ً وعنده أصحابه ‪ ،‬وكان في بستان ‪،‬‬ ‫علي عليه ال ّ‬
‫فدعا‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬الغاني ‪. 37 / 2‬‬
‫ن‬
‫)) ‪2‬في الموشح للمرزباني ‪ 144 /‬عند ذكر الشاعر كثّير عّزة ‪ ،‬عن أبي عبيدة ‪ ،‬أ ّ‬
‫مد بن علي)ع( قال لكثّير ‪) :‬تزعم أنك من شيعتنا وتمدح آل مروان ؟!( فقال ‪:‬‬ ‫مح ّ‬
‫إّنما أسخر منهم ‪ ،‬وأجعلهم حيات وعقارب وآخذ أموآله م ‪.‬‬
‫) ) ‪3‬الكافي ‪ 511 / 3‬باب ‪ 160‬ما يحل النظر إليه من المرأة عن الباقر عليه‬
‫سلم ‪ ،‬وعنه في تفسير البرهان ‪ 731 / 3‬في تفسير الية ‪ 30‬من سورة النور ‪.‬‬ ‫ال ّ‬
‫) ) ‪4‬تيسير الوصول لبن الديبع ‪ ، 129 / 1‬وكنز العمال ‪ 278 / 2‬فضل الشهادة ‪.‬‬
‫)‪ (5‬في الخلصة للعلمة الحّلي ‪ :‬رشيد بضم الراء المهملة ‪ ،‬وفي رجال أبي داود ‪:‬‬
‫الهجري بفتحتين ‪ ،‬ومثله السيوطي في لب اللباب ‪ 277 /‬باب الهاء ‪ ،‬وفي أنساب‬
‫السمعاني ‪ :‬هجري بفتح الهاء والجيم وكسر الراء وفي اخره ياء ‪ ،‬النسبة إلى‬
‫هجر ‪ :‬بلد باليمن من أقصاها ‪ .‬والمشهور بهذه النسبة جماعة ذكرهم ومنهم ‪:‬‬
‫رشيد من أهل الكوفة يروي عن أبيه ‪ .‬وفي تاريخ البخاري ج ‪ 1‬القسم الثاني ص‬
‫‪ : 305‬يروي عن أبيه عن عبد الله ‪ ،‬وأّنهم تكّلموا فيه ‪ .‬وفي اللباب لبن الثير ‪/ 3‬‬
‫ما هجر التي قرب المدينة ‪،‬‬ ‫‪ :285‬رشيد الهجري ‪ ،‬نسبة إلى بلد معروف باليمن ‪ .‬وأ ّ‬
‫فذكر ابن القيسراني في النساب المتفقة ‪ ، 223 /‬وتاج العروس ‪ ،‬ولسان العرب‬
‫دة هجر ‪ ،‬وابن الثير في النهاية ‪ ،‬واختلف في القلتين المنسوبة إلى هجر ؛ ففي‬ ‫ما ّ‬
‫وفاء الوفاء للسمهودي ‪ 386 / 2‬عن النووي ‪ :‬أنها هجر قرب المدينة ‪ ،‬ومثله في‬
‫مصباح المنير ‪ ،‬ولسان العرب ‪ ،‬وتاج العروس ‪ ،‬ونهاية ابن الثير ‪ .‬وفي آثار البلد‬
‫لزكريا بن محمود القزويني ‪ : 280 /‬نسب إلى هجر التي بالبحرين ‪ ،‬وسعتها‬
‫خمسمئة ‪ .‬وحكاه الزركشي عن الزهري كما في وفاء الوفاء مادة هجر ‪.‬‬
‫برطب من نخلة ‪ ،‬فقلت له ‪ :‬يا أمير المؤمنين أطّيب هذا الرطب ؟ فعّرفه عليه‬
‫ديه ورجَليه‬ ‫ي عبيد الله سيحمله على البراءة منه ؛ وإل فيقطع ي َ‬ ‫دع ّ‬
‫ن ال ّ‬
‫سلم بأ ّ‬ ‫ال ّ‬
‫ولسانه ويصلبه على جذع من هذه النخلة ‪ .‬فقال رشيد ‪ :‬آخر ذلك إلى الجنة ؟ قال‬
‫)ع( ‪) :‬أنت معي في الدنيا والخرة ‪ ),‬قال ‪ :‬إذا ً والله ل أتبّرأ منك ‪.‬‬

‫فكان رشيد يختلف إلى تلك الّنخلة في الّنهار ويسقيها الماء ‪ ،‬ويقول ‪ :‬لك غذيت‬
‫ما أخبره به‬ ‫ولي نبت ! وما دارت الّيام حّتى توّلى ابن زياد الكوفة ؛ فدعاه وسأله ع ّ‬
‫أمير المؤمنين ‪ ,‬قال ‪ :‬أخبرني خليلي أّنك تدعوني إلى البراءة منه فل أبرأ أبدا ً ؛‬
‫ديه‬
‫ن قوله ‪ .‬ثم أمر به فقطعوا ي َ‬ ‫فتقطع يدي ورجلي ولساني ‪ .‬قال ابن زياد ‪ :‬لكذب ّ‬
‫دثهم بما أطلعه‬ ‫حمل إلى أهله ؛ فاجتمع عليه الناس وهو يح ّ‬ ‫ورجَليه وتركوا لسانه ‪ ،‬و ُ‬
‫م قال ‪ :‬أّيها الناس ‪،‬‬ ‫أمير المؤمنين من علم المنايا والبليا وفضل أهل البيت ‪ ،‬ث ّ‬
‫م يقضوها ‪ .‬فأسرع رجل إلى ابن زياد وقال ‪ :‬ما‬ ‫طلبة ل ْ‬
‫ن للقوم عندي ِ‬ ‫سلوني إ ّ‬

‫‪6‬‬
‫دث الناس بالعظائم ! فأمر به بأن يقطع لسانه‬ ‫ديه ورجَليه وهو يح ّ‬ ‫صنعت ! قطعت ي َ‬
‫حريث))‪.2‬‬ ‫صلب )‪ (1‬على باب دار عمرو بن ُ‬ ‫؛ فمات من ليلته ‪ ،‬ثم ُ‬
‫ما يجده من اللم ‪ ،‬فقال ‪ :‬يا بنّية ‪ ،‬ل أجد إل‬ ‫تقول ابنته قنواء ‪ :‬سألت أبي ع ّ‬
‫كالزحام بين الّناس) ) ‪ .3‬واستفاد رشيد الهجري من صحبة أمير المؤمنين )ع( علم‬
‫ماه أمير المؤمنين )ع(‬ ‫المنايا والبليا)‪ ,4‬وكان يخبر الرجل بما يجري عليه ؛ فس ّ‬
‫راشدًا)‪( .5‬‬
‫ل من اتجهت مشاعره نحو المولى سبحانه‬ ‫نك ّ‬ ‫مل بصيرة ؛ بأ ّ‬ ‫وهذا الحال يفيد المتأ ّ‬
‫وتعالى ‪ ،‬وتجّلت له المظاهر الربوبّية ‪ ،‬وشاهد ما أعد ّ له من الّنعيم الخالد في‬
‫كد ما قلنا من ذهول العاشق عندما‬ ‫دين ؛ هان عليه ألم الجراح ‪ .‬ويؤ ّ‬ ‫سبيل دعوة ال ّ‬
‫ل ما يرد عليه من الذى ؛ غفلة الّنسوة عن ألم قطع المدية‬ ‫يشاهد محبوبه عن ك ّ‬
‫ن؛‬ ‫أيديه ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬رجال الكشي ‪. 51 /‬‬
‫) ) ‪2‬ميزان العتدال ‪ ، 339 / 2‬لسان الميزان ‪. 461 / 2‬‬
‫) )‪3‬رجال الكشي ‪ ، 51 /‬بشارة المصطفى ‪ ، 113 /‬أمالي الطوسي ‪ 103 /‬مجلس‬
‫ميت في هذين الخيرين )أمة الله)‪.‬‬ ‫س ّ‬‫‪ ، 6‬وقد ُ‬
‫) )‪4‬بصائر الدرجات ‪ 73 / 6‬باب إن الئمة يعرفون حال شيعتهم ‪ ،‬وعنه في بحار‬
‫النوار ‪ 246 / 11‬في أحوال المام موسى بن جعفر ـ ط كمباني ‪.‬‬
‫لولى ‪.‬‬ ‫) )‪5‬أمالي الطوسي ‪ 104 /‬المجلس السادس ـ الطبعة الحجرية ا ُ‬
‫َ‬
‫ه‬‫ما َرأين َ ُ‬‫ل شأنه )فَل َ ّ‬ ‫سلم كما حكاه ج ّ‬ ‫ديق يوسف عليه ال ّ‬ ‫لمحض مشاهدة جمال الص ّ‬
‫َ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫طع َ‬ ‫َ‬
‫م( )‪. (1‬‬ ‫ري ٌ‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬
‫ملك ك ِ‬ ‫نه َ‬
‫ذا ِإل َ‬ ‫شرا إ ِ ْ‬‫ذا ب َ َ‬
‫ما ه َ‬‫ش للهِ َ‬ ‫حا َ‬‫ن َ‬ ‫ن وَُقل َ‬‫ن أيدِي َهُ ّ‬‫ه وَقَ ّ َ‬ ‫أكَبرن َ ُ‬
‫م تشعر الّنسوة ‪ ( (2‬بمضض الجراح ‪ ،‬فليس من الغريب أل يجد أصحاب‬ ‫)وإذا ل ْ‬
‫ّ‬
‫الحسين )ع( ـ وهم زبدة العالم كله ـ ألم مس الحديد عند نهاية عشقهم لمظاهر‬
‫الجمال اللهي ‪ ،‬ونزوع أنفسهم إلى الغاية القصوى من القداسة بعد التكهرب بولء‬
‫سّيد الشهداء )ع( ‪:‬‬

‫صفاحا‬‫م صـافحوا في كربل فيها ال ِ‬ ‫بـأبـي ُافـدي وجـوها ً مـنه ُ‬


‫م ويـقطرن سـماحا‬ ‫أوجـهـا ً يـشرقن بـشرا ً كـّلما كـلح الـعا ُ‬
‫تـتجّلى تـحت ظـلماء الـوغى كـالمصابيح إلـتماعا ً وإلـتماحا‬
‫أرخصوا دون ابن بنت المصطفى أنـفسا ً تـاقت إلـى الله رواحـا‬
‫ج الـعّز بـثوب الـدهر فاحا‬ ‫فـقضوا صـبرا ً ومـن أعطافه ْ‬
‫م أر ُ‬
‫ث مـن دم القلب به غصت جراحا‬ ‫ق مـاءا ً سـوى منبع ٍ‬‫لـم تـذ ْ‬
‫ت مـن دمـها لـو أنـه كان من ظامي الحشا يطفى التياحا‬ ‫أنـهـل ْ‬
‫ُاعـريت فـهي عـلى أن ترتدي بـنسيج الّترب تمتاح الرياحا)‪(3‬‬

‫الحسين مع أصحابه‬
‫تمهيد ‪:‬‬
‫دسة أوجبت على الّناس الّنهضة ؛ لسد ّ باب المنكر ‪ ،‬والردع عن‬ ‫ن الشريعة المق ّ‬ ‫إ ّ‬
‫مة بمتابعة المام في رد ّ عادية الباغين على الخليفة المنصوب‬ ‫الفساد ‪ .‬وألزمت ال ُ ّ‬
‫ما هم فيه من معاندة الحقّ ‪ ,‬والرجوع‬ ‫ن يدعوهم إلى التوبة ع ّ‬ ‫علما ً للعباد ؛ بعد أ ْ‬
‫ن‬
‫مِني َ‬‫مؤ ِ‬
‫ن ال ُ‬
‫م َ‬
‫ن ِ‬
‫فَتا ِ‬ ‫إلى ساحة الشرع العظم ‪ ،‬كما في قوله تعالى ‪) :‬وِإن َ‬
‫طائ ِ َ‬
‫داهُما عََلى ا ُ‬ ‫َ‬
‫فيَء‬‫حّتى ت َ ِ‬ ‫قات ُِلوا الِتي َتبِغي َ‬ ‫لخَرى فَ َ‬ ‫ت ِإح َ َ‬ ‫ما فَإ ِ ْ‬
‫ن ب َغَ ْ‬ ‫اقت َت َُلوا فَأصل ِ ُ‬
‫حوا َبين َهُ َ‬

‫‪7‬‬
‫َ‬
‫ه( ))‪،4‬‬‫ِإلى أمرِ الل ّ ِ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬سورة يوسف ‪. 31 /‬‬
‫))‪ 2‬في ديوان الصبابة )في هامش تزيين السواق‪ : 39 /‬بلغ عدد اللئي قطعن‬
‫أيديهم أربعين امرأة ‪ ،‬منهن تسع شوقا ً ووجدًا( ‪.‬‬
‫ذكرت بتمامها في‬ ‫طلب الحّلي ُ‬ ‫)‪ (3‬من قصيدة في الحسين )ع( للسّيد عبد الم ّ‬
‫شعراء الحلة ‪. 214 / 3‬‬
‫) )‪4‬الحجرات ‪ /‬آية ‪. 9‬‬
‫مة‬ ‫وقد نهض أمير المؤمنين )ع( أّيام خلفته ؛ للدفاع عن قدس الشريعة ‪ ،‬وتنبيه ال ُ ّ‬
‫عن رقدة الجهل ‪ .‬وكان الواجب على الناس الفيء إليه ؛ لّنه إمام الحقّ ‪،‬‬
‫المفروضة طاعته ‪ .‬وقد اعترف جمهور المسلمين بتمامّية البيعة لمير المؤمنين‬
‫ن قتاله لمن خرج عليه حقّ ‪ ،‬وهذه كلماتهم‬ ‫علي بن أبي طالب )ع( ‪ ،‬وحكموا بأ ّ‬
‫جلوها في صحفهم ‪ ،‬شواهد متقنة على هذه الدعوى المدعومة بالعقل‬ ‫التي س ّ‬
‫والّنقل ‪.‬‬
‫فهذا أبو حنيفة يقول ‪ :‬ما قاتل أحد عليا ً إل وعلي أولى بالحقّ منه ‪ .‬ولول ما سار‬
‫ن علي ّا ً )ع(‬ ‫كأ ّ‬‫سيرة في المسلمين ‪ .‬ول ش ّ‬ ‫علي )ع( فيهم ‪ ،‬لما علم أحد كيف ال ّ‬
‫ي )ع(‬ ‫إّنما قاتل طلحة والزبير بعد أن بايعاه وخالفاه ‪ ،‬وفي يوم الجمل سار عل ّ‬
‫سّنة في قتال أهل البغي )‪. (1‬‬ ‫فيهم بالعدل وهو أعلم المسلمين ‪ ،‬فكانت ال ُ‬
‫م‬
‫مد بن الحسن الشيباني ‪ ،‬المتوفى سنة )‪ 87 (1‬فقال ‪ :‬لو ل ْ‬ ‫واقتفاه تلميذه مح ّ‬
‫يقاتل معاوية عليا ً )ع( ظالما له متعديا باغيا ؛ كّنا ل نهتدي لقتال أهل البغي))‪.2‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫ي أولى بالحقّ منه)‪.(3‬‬ ‫ي )ع( أحدا ً إل كان عل ّ‬ ‫وقال سفيان الثوري ‪ :‬ما قاتل عل ّ‬
‫ق‬
‫ي )ع( أولى بالح ّ‬ ‫ن كان عل ّ‬ ‫ن ؛ وإ ْ‬‫س ٌ‬ ‫ح َ‬‫فين َ‬‫سكوت عن قتلى ص ّ‬ ‫وقال الشافعي ‪ :‬ال ّ‬
‫من قاتله)‪( .4‬‬ ‫ل َ‬ ‫من ك ّ‬
‫ي محقّا ً‬ ‫صاص ‪ ،‬المتوفى سنة ‪ : 370‬كان عل ّ‬ ‫ي الرازي الج ّ‬ ‫وقال أبو بكر أحمد بن عل ّ‬
‫م يخالف فيه أحد ‪ .‬وكان معه من كبراء الصحابة وأهل بدر‬ ‫في قتال الفئة الباغية ‪ ،‬ل ْ‬
‫من قد علم مكانهم)‪( .5‬‬ ‫َ‬
‫ي إماما ً ؛ لّنهم‬ ‫ّ‬ ‫عل‬ ‫كان‬ ‫‪:‬‬ ‫‪546‬‬ ‫سنة‬ ‫المتوفى‬ ‫‪،‬‬ ‫العربي‬ ‫ابن‬ ‫بكر‬ ‫أبو‬ ‫القاضي‬ ‫وقال‬
‫مة‬ ‫قهم بالبيعة ‪ ،‬فقب َِلها حوطة على ال ّ‬
‫ُ‬ ‫م يمكنه ترك الّناس ؛ لّنه أح ّ‬ ‫اجتمعوا عليه ‪ .‬ول ْ‬
‫ض عمود‬ ‫دين ‪ ،‬وانق ّ‬ ‫ن ل ُتسفك دماؤها بالتهارج فيتخّرق المر ‪ .‬ورّبما تغّير ال ّ‬ ‫أ ْ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مناقب أبي حنيفة للخوارزمي ‪ 83 / 2‬ـ ‪ 84‬ط حيدر آباد ‪.‬‬
‫) )‪2‬الجواهر المضيئة ‪. 26 / 2‬‬
‫) )‪3‬حلية الولياء ‪. 31 / 7‬‬
‫)‪ (4‬أدب الشافعي ومناقبه ‪. 314 /‬‬
‫))‪ 5‬أحكام القرآن ‪. 492 / 3‬‬
‫ي )ع( ‪:‬‬ ‫السلم ‪ ,‬وطلب أهل الشام منه التمكين من قتلة عثمان ‪ ،‬فقال لهم عل ّ‬
‫دهم رأيا ً‬ ‫ي )ع( أس ّ‬ ‫)ادخلوا في البيعة ‪ ،‬واطلبوا الحقّ تصلوا إليه (‪ .‬وكان عل ّ‬
‫ة‪،‬‬ ‫ً‬
‫ت لهم قبائلهم فتكون حربا ثالث ً‬ ‫ود ؛ لتعصب ْ‬ ‫وأصوبهم قول ً ‪ ،‬لّنه لو تعاطى الق َ‬
‫مة ‪ ،‬ثم ينظر في مجلس الحكم‬ ‫فانتظر بهم أن يستوثق المر وتنعقد البيعة العا ّ‬
‫دى ذلك‬ ‫مة ‪ :‬أّنه يجوز للمام تأخير القصاص ‪ ،‬إذا أ ّ‬ ‫ويجري القضاء ‪ .‬ول خلف بين ال ُ ّ‬
‫إلى إثارة الفتنة وتشتيت الكلمة ‪.‬‬
‫ل الباغي واجب حّتى يفيء إلى‬ ‫ي )ع( فهو باغ ‪ ،‬وقتا ُ‬ ‫من خرج على عل ّ‬ ‫ل َ‬ ‫وحينئذ فك ّ‬

‫‪8‬‬
‫ن قتاله لهل الشام الذين أبوا الدخول في البيعة ‪،‬‬ ‫الحقّ وينقاد إلى الصلح ‪ .‬وإ ّ‬
‫ن يصلوا إليه ‪،‬‬ ‫وأهل الجمل والّنهروان الذين خلعوا بيعته حقّ ‪ ،‬وكان حقّ الجميع أ ْ‬
‫ما تركوا ذلك بأجمعهم ‪ ،‬صاروا بغاة ‪،‬‬ ‫ديه ويطالبوه بما رأوا ‪ ،‬فل ّ‬ ‫ويجلسوا بين ي َ‬
‫ّ‬
‫مرِ الله )‪. (1‬‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫فتناولهم قوله تعالى ‪) :‬فَ َ‬
‫فيَء إلى أ ْ‬ ‫قات ِلوا الِتي ت َب ِْغي حّتى ت َ ِ‬
‫ولقد عتب معاوية على سعد بن أبي وّقاص))‪ ،2‬بعدم مشاركته في قتال علي )ع( ؛‬
‫من‬‫فرد ّ عليه سعد ‪ :‬بأّني ندمت على تأخيري عن قتال الفئة الباغية ‪ ،‬يعني معاوية و َ‬
‫تابعه))‪.3‬‬
‫مد الباقلني ‪ ،‬المتوفى سنة ‪403‬هـ بعد ذكر جملة من فضائل‬ ‫وقال أبو بكر مح ّ‬
‫ن عليا ً يصلح للخلفة ببعض هذه الخصال ‪ ،‬ودون هذه‬ ‫أمير المؤمنين )ع( ‪ :‬إ ّ‬
‫الفضائل ‪ ،‬ويستحقّ المامة ‪ .‬فهو حقيق بما نظر فيه وتوله ؛ فوجب النقياد له‬
‫بعقدِ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬سورة الحجرات ‪. 9 /‬‬
‫)‪ (2‬في كامل ابن الثير ‪ 74 / 3‬عند ذكر البيعة لمير المؤمنين )ع( قال ‪ :‬لم يبايع‬
‫سان بن ثابت ‪ ،‬وكعب بن مالك ‪،‬‬ ‫سعد بن أبي وّقاص ‪ ،‬وعبد الله بن عمر ‪ ،‬وح ّ‬
‫مسلمة بن مخلد ‪ ،‬وأبو سعيد الخدري ‪ ،‬ومحمد بن مسلمة ‪ ،‬والنعمان بن بشير ‪،‬‬ ‫و َ‬
‫وزيد بن ثابت ‪ ،‬ورافع بن حديج ‪ ،‬وفضالة بن عبيد ‪ ،‬وكعب بن عجرة ‪ ،‬وعبد الله بن‬
‫سلم ‪ ،‬وصهيب بن سنان ‪ ،‬وسلمة بن سلمة بن وقش ‪ ،‬وُاسامة بن زيد ‪ ،‬وقدامة‬
‫بن مظعون ‪ ،‬والمغيرة بن شعبة ‪ .‬وتعّرض لهم أبو منصور عبد القاهر البغدادي في‬
‫ُاصول الدين ‪ ، 290 /‬والباقلني في التمهيد ‪ ، 233 /‬وابن تيمية في الفتاوى‬
‫المصرّية ‪ ، 226 / 4‬والطبري في تاريخه ‪ . 153 / 3‬وتعّرض لعتزال سعد بن أبي‬
‫وّقاص الذهبي في سير أعلم النبلء ‪ 79 / 1‬ـ ‪ ، 83‬وذكر اعتذاره غير المقبول عند‬
‫الله وعند رسوله ‪ ،‬وهو عدم اتباعه أحدا ً إل أن يعطيه سيفا ً له لسان وعينان يعرف‬
‫ن معاوية كتب إليه شعرا ً‬ ‫بهما المؤمن من الكافر! وفي ترجمته من الستيعاب ‪ :‬إ ّ‬
‫يستميله إليه ؛ فرد ّ عليه بأبيات يقول فيها ‪:‬‬
‫ااااا اا اااا اااا ااااا ااا اا اا اااا اا ااااااا‬
‫اااااا اااا ااا ااا اااا ااااااا اااا ااااا ااااااا‬
‫اا اااا اااااا ااااا ااااا اااااا ااااا ااااااا‬ ‫ااا ا‬
‫))‪ 3‬أحكام القرآن ‪ 224 / 2‬ـ ‪ 225‬ط مصر ‪1331 /‬ه ‪.‬‬
‫من عقدها له من وجوه المهاجرين والنصار ‪ ،‬عشّية اليوم الثالث من مقتل عثمان‬ ‫َ‬
‫من بقي ‪ ،‬وأفضلهم وأولهم بهذا‬ ‫بعد إمتناعه عليهم وإصرارهم عليه ؛ لّنه أعلم َ‬
‫مة ‪ ،‬وصيانة دار الهجرة ‪ ،‬فبايعوه قبل‬ ‫المر ‪ .‬وناشدوه الله تعالى في حفظ بقّية ال ُ ّ‬
‫خرا عن‬ ‫حضور طلحة والزبير ومبايعتهما له ؛ تبعا ً لغيرهما بعد وجوبها عليهما ‪ ،‬ولو تأ ّ‬
‫ي عليه‬ ‫مين ‪ .‬وقولهما له ‪ :‬بايعناك مكَرهين )‪ (1‬ل يضّر بإمامة عل ّ‬ ‫النقياد لكانا مأثو َ‬
‫ً‬
‫ل قتلة عثمان خطأ ‪،‬‬ ‫مت قبل مبايعتهما ‪ ،‬وطلبهما منه قَت ْ َ‬ ‫ن البيعة له ت ّ‬‫سلم ؛ ل ّ‬ ‫ال ّ‬
‫ن كان المام‬ ‫ن َيقتل الجماعة بالواحد ل يصح ؛ بعد أ ْ‬ ‫ن عقد المامة لرجل على أ ْ‬ ‫ل ّ‬
‫دى إليه‬ ‫نأ ّ‬‫دي إلى أّنه ل يجوز قَْتل الجماعة بالواحد ‪ ،‬وإ ْ‬ ‫ً‬
‫متعّبدا باجتهاده ‪ ،‬فقد يؤ ّ‬
‫ن عليا )ع( يرى جواز قْتل الجماعة‬ ‫ً‬ ‫اجتهاده فقد يجتهد ثانيا ً إلى عدمه ‪ ،‬ولو ثبت أ ّ‬
‫ن تقوم البّينة على القتلة‬ ‫ن يقتل جميع قتلة عثمان ؛ إل بعد أ ْ‬ ‫م يجز أ ْ‬ ‫بالواحد ‪ ،‬ل ْ‬
‫دي‬ ‫ن ل يؤ ّ‬ ‫دم مجلسه ويطالبون بدم أبيهم وولّيهم ‪ ،‬وأ ْ‬ ‫ن يحضر أولياء ال ّ‬ ‫بأعيانهم ‪ ،‬وأ ْ‬
‫هرج عظيم ٍ وفساد شديد ‪ ،‬قد يكون مثل قتلة عثمان أو أعظم منه ‪.‬‬ ‫القتل إلى َ‬
‫مة وأنفى للفساد))‪.2‬‬ ‫وتأخير إقامة الحد ّ إلى وقت إمكانه أولى وأصلح لل ُ ّ‬

‫‪9‬‬
‫مد بن عبد الله المعروف بالحاكم النيسابوري ‪ ،‬المتوفى سنة‬ ‫وقال أبو عبد الله مح ّ‬
‫ّ‬
‫‪ : 405‬الخبار الواردة في بيعة أمير المؤمنين كلها صحيحة مجمع عليها ‪ ،‬وفيها‬
‫يقول خزيمة بن ثابت وهو واقف بين يدي المنبر ‪:‬‬
‫ن‬
‫ما نخاف من الفت ْ‬ ‫إذا نـحن بـايعنا عـليا ً فـحسبنا أبـو حـسن مـ ّ‬
‫ن‬
‫سن ْ‬‫ب قـريش بـالكتاب وبال ّ‬ ‫وجـدناه أولـى الناس بالناس إنه أطـ ّ‬
‫ن قـريـشا ً مـا تـشق غـباَره إذا ما جرى يوما على الضمر البد ْ‬
‫ن‬ ‫ً‬ ‫وإ ّ‬
‫ن‬
‫حس ْ‬ ‫ل الذي فيه من َ‬ ‫مك ّ‬ ‫وفـيه الـذي فـيهم من الخير كّله ومـا فـيه ُ‬
‫قبه)‪ ،3‬ثم حكى الحاكم‬ ‫وساق الذهبي جميعه في تلخيص المستدرك ولم يتع ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬في مستدرك الحاكم ‪ : 114 / 3‬أول من بايعه طلحة فقال ‪ :‬هذه بيعة ُتنكث ‪.‬‬
‫) )‪2‬التمهيد ‪ 229 /‬ـ ‪. 232‬‬
‫) )‪3‬المستدرك ‪ ، 115 / 3‬وقد زاد عليها السيد المرتضى في الفصول المختارة ‪/ 2‬‬
‫‪ 67‬أبياتا ً أربعة ‪ ،‬هي ‪:‬‬
‫ااااااااا اااا اا ااا ااااا اااااااا اا ااا اا اااا اااااا‬
‫ااا‬
‫اا اا ااااا ا اا‬ ‫ا ا‬ ‫ااا‬
‫ااااا ا‬
‫ااا اااا ااااااا ااااا اا اااااا‬
‫اااااا ااا ااااا اا اا ااااا اااا ااا ااا اااااا ااا اااااا‬
‫ااااا اا اااااا‬ ‫اا ا‬‫ااا ا ا‬ ‫اااا ااااااا ااااا اااا ا‬ ‫ااااا اااا ا‬
‫عن عبد الله بن عمر بن الخطاب أّنه قال ‪ :‬ما وجدت في نفسي من شيء من أمر‬
‫م ُاقاتل هذه‬ ‫َ‬
‫مرِ الّله )( )‪ 1‬إل أّني ل ْ‬ ‫فيَء ِإلى أ ْ‬ ‫حّتى ت َ ِ‬ ‫قات ُِلوا الِتي َتبِغي َ‬ ‫هذه الية ‪) :‬فَ َ‬
‫الفئة الباغية كما أمرني الله تعالى))‪.2‬‬
‫مد بن إسحاق بن خزيمة ‪ ،‬أّنه قال ‪:‬‬ ‫وحكى الحاكم النيسابوري عن أبي بكر مح ّ‬
‫من نازع أمير المؤمنين علي بن أبي‬ ‫ل َ‬ ‫نك ّ‬ ‫عهدت مشايخنا يقولون ‪ :‬إّنا نشهد بأ ّ‬
‫طالب في خلفته ‪ ،‬فهو باغ ‪ .‬وبه قال ابن ادريس))‪.3‬‬
‫وقال أبو منصور عبد القاهر البغدادي ‪ ،‬المتوفى سنة ‪ : 429‬أجمع أهل الحقّ على‬
‫قا ً مصيبا ً في‬ ‫ي )ع( وقت انتصابه لها بعد قْتل عثمان ‪ ،‬وأّنه كان مح ّ‬ ‫حة إمامة عل ّ‬ ‫ص ّ‬
‫فين)‪( .4‬‬ ‫التحكيم ‪ ،‬وفي قتال أصحاب الجمل ‪ ،‬وأصحاب معاوية بص ّ‬
‫وقال أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي الفيروز آبادي ‪ ،‬المتوفى سنة ‪: 476‬‬
‫قا ً‬
‫ة من المسلمين ‪ ،‬ورأت خلعه بتأويل ‪ ،‬أو منعت ح ّ‬ ‫ت على المام طائف ٌ‬ ‫إذا خرج ْ‬
‫ت عليه بمنعة ‪ ،‬قاتلها المام ؛‬ ‫ت عن قبضة المام ‪ ،‬وامتنع ْ‬ ‫جه عليها بتأويل ‪ ،‬وخرج ْ‬ ‫تو ّ‬
‫ن أبا بكر‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬
‫قات ِلوا الِتي ت َب ِْغي )‪(5‬؛ ول ّ‬ ‫َ‬
‫خَرى ف َ‬ ‫ُ‬
‫ما عَلى ال ْ‬‫َ‬ ‫َ‬ ‫لقوله عّز وج ّ‬
‫داهُ َ‬‫ح َ‬
‫ت إِ ْ‬‫ن ب َغَ ْ‬
‫ل ‪ :‬فإ ِ ْ‬
‫فين ‪،‬‬ ‫ي أهل البصرة يوم الجمل ‪ ،‬وقاتل معاوية بص ّ‬ ‫قاتل مانعي الزكاة ‪ ،‬وقاتل عل ّ‬
‫ن قتال علي )ع( لهؤلء بحقّ ؛ لّنه إمام‬ ‫وقاتل الخوارج بالنهروان) )‪ .6‬وظاهره أ ّ‬
‫حقّ وجبت بيعته في أعناقهم ‪ ،‬وخروجهم عن طاعته ـ وإن كان بتأويل ـ ل يبّرر‬
‫عملهم ‪.‬‬
‫وقال إمام الحرمين الجويني ‪ ،‬المتوفى سنة ‪ : 478‬كان علي بن أبي طالب إماما ً‬
‫قا ً في توليته ‪ ،‬ومقاتلوه بغاة)‪( .7‬‬ ‫ح ّ‬
‫ي أهل‬ ‫دين الكاساني الحنفي ‪ ،‬المتوفى سنة ‪ : 587‬قاتل سّيدنا عل ٌ‬ ‫وقال علء ال ّ‬
‫حروراء بالّنهروان بحضرة الصحابة ؛ تصديقا ً لقوله )ص( لسّيدنا علي )ع( ‪)) :‬إّنك‬
‫تقاتل على التأويل كما تقاتل على التنزيل (‪ ،‬والقتال على التأويل هو‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬سورة الحجرات ‪. 9 /‬‬

‫‪10‬‬
‫) )‪2‬المستدرك ‪. 463 / 2‬‬
‫)‪ (3‬معرفة علوم الحديث ‪. 84 /‬‬
‫)‪ُ (4‬اصول الدين ‪ 286 /‬ـ ‪. 292‬‬
‫)‪ (5‬سورة الحجرات ‪. 9 /‬‬
‫ذب في الفقه الشافعي ‪ 234 / 2‬ط مصر ‪1343 /‬ه ‪.‬‬ ‫)‪ (6‬المه ّ‬
‫)‪ (7‬الرشاد في اصول العتقاد ‪. 433 /‬‬ ‫ُ‬
‫ن النبي )ص( شّبه‬ ‫ي؛ل ّ‬
‫ل الحديث على إمامة سّيدنا عل ّ‬ ‫القتال مع الخوارج ‪ .‬ود ّ‬
‫قا في قتاله على‬ ‫ً‬ ‫ي بقتاله على التنزيل ‪ ،‬وكان رسول الله )ص( مح ّ‬ ‫قتال سّيدنا عل ّ‬
‫ق‬
‫م يكن إمام ح ّ‬ ‫ي محقا في قتاله بالتأويل ‪ .‬فلو ل ْ‬‫ً‬ ‫ن يكون سّيدنا عل ّ‬ ‫التنزيل ‪ ،‬فلزم أ ْ‬
‫ن الدعوة قد بلغتهم لكونهم في دار السلم ومن‬ ‫قا ً في قتاله إّياهم ؛ ل ّ‬ ‫َلما كان مح ّ‬
‫ن يجيبه إلى ذلك ‪ ،‬ول يسعه‬ ‫من دعاه إلى قتالهم أ ْ‬ ‫ل َ‬ ‫المسلمين ‪ ،‬ويجب على ك ّ‬
‫ن طاعة المام فيما ليس بمعصية فرض ‪،‬‬ ‫ى وقدرة ؛ ل ّ‬ ‫ّ‬
‫التخلف إذا كان عنده غن ً‬
‫فكيف فيما هو طاعة ؟ وما روي عن أبي حنيفة ‪ :‬إذا وقعت الفتنة بين المسلمين ‪،‬‬
‫فينبغي للرجل أن يلزم بيته ‪ ،‬محمول على وقت خاص ؛ وهو أل يكون إمام يدعوه‬
‫ما إذا كان ‪ ،‬فدعاؤه يفترض عليه الجابة ِلما ذكرنا )‪. (1‬‬ ‫إلى قتال ‪ ،‬وأ ّ‬
‫ق‬
‫مح ّ‬ ‫ي هو ال ُ‬‫وقال يحيى بن شرف النووي الشافعي ‪ ،‬المتوّفى سنة ‪ : 677‬كان عل ّ‬
‫مة علماء السلم ‪:‬‬ ‫المصيب في تلك الحروب ‪ .‬وقال معظم الصحابة والتابعين وعا ّ‬
‫يجب نصر المحقّ في الفتن ‪ ،‬والقيام معه بمقاتلة الباغين ‪ .‬قال الله تعالى ‪:‬‬
‫قات ُِلوا ال ِّتي َتبِغي ‪ ،‬وهذا هو الصحيح))‪.2‬‬ ‫)فَ َ‬
‫ي )ع( على الحقّ في قتال‬ ‫وقال ابن همام الحنفي ‪ ،‬المتوفى سنة ‪ : 681‬كان عل ّ‬
‫مار ‪) :‬تقتلك الفئة الباغية) وقد‬ ‫فين ‪ ،‬وقول النبي )ص( لع ّ‬ ‫الجمل وقتال معاوية بص ّ‬
‫قتله أصحاب معاوية ‪ ،‬صريح بأّنهم بغاة ‪ .‬ولقد أظهرت عائشة الّندم ـ كما ذكره أبو‬
‫عمرو في الستيعاب ـ وقالت لعبد الله بن عمر ‪ :‬يا أبا عبد الرحمن ما منعك أن‬
‫تنهاني عن مسيري ؟ قال لها ‪ :‬رأيت رجل ً قد غلبك ‪ ،‬يعني ابن الزبير ‪ .‬فقالت ‪ :‬أما‬
‫ت)‪.(3‬‬ ‫لو نهيتني ‪ ،‬ما خرج ُ‬
‫ما ُقتل عثمان ‪ ،‬بايعوا أمير المؤمنين علي‬ ‫وقال ابن تيمية ‪ ،‬المتوّفى سنة ‪ : 728‬ل ّ‬
‫من بقي ‪ ،‬لكن كانت القلوب‬ ‫بن أبي طالب )ع( ‪ ،‬وهو أحقّ بالخلفة حينئذ وأفضل َ‬
‫كن‬‫م تنتظم الجماعة ‪ ،‬ولم يتم ّ‬ ‫م تّتفق الكلمة ول ْ‬ ‫متفّرقة ‪ ،‬ونار الفتنة موقدة ؛ فل ْ‬
‫الخليفة‬
‫____________________________‬
‫)‪ 1‬بدائع الصنائع ‪ 140 / 7‬أحكام المرتدين ‪.‬‬
‫) )‪2‬شرح صحيح مسلم )في هامش إرشاد الساري )‪. 338 ، 336 / 10‬‬
‫) )‪3‬فتح القدير ‪ 461 / 5‬كتاب القضاء ـ أدب القاضي ‪ ،‬وفي تاريخ الطبري ‪/ 5‬‬
‫ت قبل يوم الجمل بعشرين سنة ‪ .‬وفي العقد‬ ‫َ‬
‫‪ 221‬قالت عائشة ‪ :‬وددت أني م ّ‬
‫الفريد ‪ 288 / 2‬عند ذكر أصحاب الجمل ‪ ،‬ومعارف ابن قتيبة ‪ 59 /‬قيل لعائشة ‪:‬‬
‫ندفنك مع رسول الله )ص( قالت ‪ :‬ل ‪.‬‬
‫ن ظهرت الحرورّية المارقة ‪ ،‬فقاتلوا‬ ‫ل ما يرون من الخير ‪ ،‬إلى أ ْ‬ ‫مة من ك ّ‬ ‫وخيار ال ُ ّ‬
‫ة‬
‫من معه ‪ ،‬فقتلهم بأمر الله تعالى ورسول الله )ص( ؛ طاع ً‬ ‫أمير المؤمنين عليا ً و َ‬
‫ن الطائفة المارقة يقتلها أدنى الطائفتين إلى الحقّ ‪ ،‬فكان‬ ‫لقول الّنبي )ص( ‪ :‬إ ّ‬
‫ل كلم النبي )ص( على أّنهم‬ ‫من معه هم الذين قاتلوهم ؛ فد ّ‬ ‫علي بن أبي طالب و َ‬
‫من معه )‪. (1‬‬ ‫أدنى إلى الحقّ من معاوية و َ‬
‫ي )ع( بالخلفة ‪،‬‬ ‫ً‬
‫ن معاوية ليس كفؤا لعل ّ‬ ‫مقّرة بأ ّ‬ ‫ل فرقة من المتشّيعين ُ‬ ‫وقال ‪ :‬ك ّ‬

‫‪11‬‬
‫ي وسابقته‬ ‫ن فضل عل ّ‬ ‫ي )ع( ؛ فإ ّ‬ ‫ن يكون خليفة مع إمكان استخلف عل ّ‬ ‫ول يجوز أ ْ‬
‫م يكن بقي‬ ‫وعلمه ودينه وشجاعته وسائر فضائله ‪ ،‬كانت عنده ظاهرة معروفة ‪ ،‬ول ْ‬
‫م‬‫من أهل الشورى غيره وغير سعد ‪ ،‬وقد ترك سعد هذا المر ‪ ،‬وتوّفي عثمان فل ْ‬
‫ي))‪ .2‬وقال الزيلعي ‪ ،‬المتوّفى سنة ‪ : 762‬كان الحقّ بيد عل ّ‬
‫ي‬ ‫يبقَ لها معين إل عل ّ‬
‫مار ‪)) :‬تقتلك الفئة الباغية( ‪ ،‬ول‬ ‫)ع( في نوبته ‪ ،‬فالدليل عليه ؛ قول الّنبي )ص( لع ّ‬
‫ن عليا ً‬ ‫م قال ‪ :‬أجمعوا على أ ّ‬ ‫خلف أّنه كان مع علي )ع( وقَتله أصحاب معاوية ‪ .‬ث ّ‬
‫من معهم ‪ ،‬وأهل‬ ‫كان مصيبا ً في قتال أهل الجمل ؛ وهم طلحة والزبير وعائشة و َ‬
‫ي )ع( الخلفة ‪ ،‬وكان معاوية‬ ‫ما ولي عل ّ‬ ‫م قال ‪ :‬ل ّ‬ ‫فين ؛ وهم معاوية وعسكره ‪ .‬ث ّ‬ ‫ص ّ‬
‫دم عليه)‪.(3‬‬ ‫بالشام قال ‪ :‬ل ألي له شيئا ً ‪ ،‬ول ُابايعه ‪ ،‬ول أق ِ‬
‫مة‬‫ي في وقته سابق ال ُ ّ‬ ‫وقال ابن القّيم الجوزّية ‪ ،‬المتوّفى سنة ‪ : 751‬كان عل ّ‬
‫م يكن فيهم حين وليها أولى بها منه)‪( .4‬‬ ‫وأفضلها ‪ ،‬ول ْ‬
‫ي )ع(‬ ‫ّ‬
‫مد بن مفلح الحنبلي ‪ ،‬المتوفى سنة ‪ : 763‬كان عل ّ‬ ‫وقال أبو عبد الله بن مح ّ‬
‫أقرب إلى الحقّ من معاوية ‪ ،‬وأكثر المنصفين في قتال أهل البغي يرى القتال من‬
‫ناحية علي )ع( ‪ ،‬ومنهم من يرى المساك ‪ .‬وقال ابن هبيرة في حديث أبي بكرة‬
‫م يكن لحد‬ ‫ما ما جرى بعده ‪ ،‬فل ْ‬ ‫في ترك القتال في الفتنة ‪ ،‬أي في قتل عثمان‪ :‬فأ ّ‬
‫ما تخّلف عنه سعد وابن عمر واسامة‬
‫ُ‬ ‫ي )ع( ‪ ،‬ول ّ‬ ‫من المسلمين التخّلف عن عل ّ‬
‫ومحمد‬
‫____________________________‬
‫)‪ 1‬مجموع فتاوى ابن تيمية ‪. 251 / 2‬‬
‫) )‪2‬المصدر نفسه ‪. 224 / 4‬‬
‫)‪ (3‬نصب الراية ‪ 69 / 4‬في تخريج أحاديث الهداية ـ كتاب أدب القاضي ‪.‬‬
‫)‪ (4‬بدائع الفوائد ‪ 208 / 3‬لبن القّيم الجوزية ‪.‬‬
‫ابن مسلمة ومسروق والحنف ندموا ‪ .‬وكان عبد الله بن عمر يقول عند الموت ‪:‬‬
‫ي )ع( ‪ .‬وكذا روي‬ ‫إّني أخرج من الدنيا وليس في قلبي حسرة ‪ ،‬إل تخّلفي عن عل ّ‬
‫عن مسروق وغيره ؛ بسبب تخلفهم )‪. (1‬‬
‫وقال ابن حجر العسقلني ‪ ،‬المتوّفى سنة ‪ : 852‬كان المام علي بن أبي طالب‬
‫فين وغيرهما)‪.(2‬‬ ‫من قاتله في حروبه ‪ :‬الجمل وص ّ‬ ‫على الحقّ والصواب في قتال َ‬
‫ن عليا ً‬ ‫ويحكي محمود العيني ‪ ،‬المتوّفى سنة ‪ 855‬عن الجمهور ‪ :‬أّنهم صّرحوا بأ ّ‬
‫من‬‫ي )ع( أحقّ الناس بالخلفة ‪ ،‬وأفضل َ‬ ‫)ع( وأشياعه كانوا مصيبين ؛ إذ كان عل ّ‬
‫على وجه الدنيا حينئذ)‪.(3‬‬
‫ً‬
‫فين رموا عليا )ع(‬ ‫ن أهل الجمل وص ّ‬ ‫ّ‬
‫وقال ابن حجر الهيثمي ‪ ،‬المتوفى سنة ‪ : 974‬إ ّ‬
‫م قال ‪ :‬ويجب على‬ ‫بالمواطاة مع قتلة عثمان ‪ ،‬وهو بريء من ذلك وحاشاه) )‪ .4‬ث ّ‬
‫المام قتال البغاة ؛ لجماع الصحابة عليه ‪ ،‬ول يقاتلهم حّتى يبعث إليهم أمينا ً عدل ً‬
‫ي )ع( في بعثه‬ ‫سيا ً بعل ّ‬ ‫ما ينقمونه على المام ؛ تأ ّ‬ ‫فطنا ً ناصحا ً يسألهم ع ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬الفروع ‪ 542 / 3‬ـ ‪. 543‬‬
‫دين ـ باب ترك قتال الخوارج ‪.‬‬ ‫) )‪2‬فتح الباري ‪ 244 / 12‬كتاب استتابة المرت ّ‬
‫)‪ (3‬عمدة القاري ‪ 346 / 11‬كتاب الفتن ‪.‬‬
‫مد بن سيرين يقول ‪ :‬ما علمت أن‬ ‫)‪ (4‬في الكامل لبن الثير ‪ ، 240 / 2‬كان مح ّ‬
‫عليا ً اّتهم في قْتل عثمان حّتى بويع ‪ ،‬إّتهمه الناس ‪ .‬وفي التمهيد للباقلني ص ‪235‬‬
‫ن‬
‫كان علي )ع( يقول بالبصرة ‪)) :‬والله ما قتلت عثمان ‪ ،‬ول مالت على قتله ‪ ،‬ولك ّ‬
‫ن قوم أنه أخبر عن نفسه بالقتل بقوله ‪)) :‬وأنا معه( وإّنما‬ ‫الله قتله وأنا معه) فظ ّ‬

‫‪12‬‬
‫أراد الله أن أماته ويميتني معه ؛ لّنه حلف وهو الصادق ‪ :‬أّنه ما قتله ول مال عليه ‪.‬‬
‫وفي العقد الفريد ‪ 274 / 2‬في باب براءة علي من دم عثمان ‪ :‬كان علي )ع( في‬
‫لباهلّنهم عند الكعبة خمسين يمينا ً ما بدأت‬‫الكوفة يقول ‪) :‬ولئن شاءت بنو ُامية ُ‬
‫في حقّ عثمان بشيء(‪ .‬وفي مجموع الفتاوى المصرّية لبن تيمية ‪ 224 / 4‬كان‬
‫علي )ع( يحلف وهو البار الصادق بل يمين ‪ :‬أنه لم يقتل عثمان ‪ ،‬ول رضي بقتله ‪.‬‬
‫وفي تاج العروس ‪ 141 / 8‬مادة )نفل ‪ ،‬النفل ‪ :‬الحلف ‪ ،‬ومنه حديث علي )ع( ‪:‬‬
‫))لوددت أن بني ُامية رضوا ‪ ،‬ونفلنا خمسين من بني هاشم يحلفون ما قتلنا‬
‫ل(‪ ،‬أي ‪ :‬حلفنا لهم خمسين يمينا ً على البراءة ‪ .‬وفي إصلح‬ ‫عثمان ‪ ،‬ول نعلم له قات ً‬
‫المنطق لبن السكيت ص ‪ 170‬باب ما ُيهمز وترك العامة همزه ‪ ،‬في مادة )مل( ‪:‬‬
‫يروى عن علي بن أبي طالب أنه قال ‪)) :‬والله ما قتلت عثمان ‪ ،‬ول مالت على‬
‫قتله ‪ ،‬والتمالؤ ‪ :‬الجتماع على المر ‪ .‬وفي كتاب صفين لنصر بن مزاحم ص ‪، 60‬‬
‫ُقتل المغيرة بن الخنس يوم الدار مع عثمان ‪ ،‬فقال ابنه شعرا ً يعذر عليا ً عن‬
‫الشتراك مع القوم ‪ ،‬فقال من أبيات ‪:‬‬
‫فل آمٌر فيها ولم يك ناهيا‬ ‫ما علي فاستغاث ببيته‬‫فأ ّ‬
‫ولبن أبي الحديد كلمة في شرح النهج ‪ 112 / 1‬تدل على فقهه بالحوادث فقال ‪:‬‬
‫كان معاوية شديد النحراف عن علي )ع( ؛ لنه يوم بدر قتل أخاه حنظلة ‪ ،‬وخاله‬
‫مه شيبة ‪ ،‬وقتل من أعيان بني عبد شمس‬ ‫ده عتبة أو ع ّ‬
‫الوليد ‪ ،‬وشرك في ج ّ‬
‫وأمثالهم نفرا ً كثيرا ً ؛ فمن هناك أشاع نسبة قتل عثمان إليه أو انضواء القتلة إليه ‪.‬‬
‫وفي الكامل للمبرد ‪ 240 / 2‬كان عروة بن الزبير يقول ‪ :‬كان علي )ع( أتقى لله‬
‫من أن يعين على قتل عثمان ‪.‬‬

‫يتعقبها لسان ذرب ‪ ،‬وجنان ثابت‬


‫مة ضلل ابن ميسون ‪،‬‬ ‫يعّرفان ال ُ ّ‬
‫وطغيان ابن مرجانة باعتدائهما على‬
‫الذرّية الطاهرة ‪ ،‬الثائرة في وجه المنكر‬
‫‪ ،‬ودحض ما ابتدعوه في الشريعة‬
‫دسة ‪.‬‬ ‫المق ّ‬
‫دين‬
‫ي الضيمخوف رجال ال ّ‬ ‫كما عرف )أب ّ‬
‫ل‬‫من التظاهر بالنكار ‪ ،‬وخضوع الك ّ‬
‫للسلطة الغاشمة ‪ ،‬ورسوف الكثير منهم‬
‫بقيود الجور ؛ بحيث ل يمكن لكبر رجل‬
‫العلن بفظاعة أعمالهم ‪ .‬وما جرى‬
‫كد هذه‬‫على ابن عفيف الزدي ‪ ،‬يؤ ّ‬
‫الدعوى المدعومة بالوجدان الصحيح ‪.‬‬
‫وعرف سّيد الشهداء من حرائر الرسالة‬
‫الصبر على المكاره ‪ ،‬وملقاة الخطوب‬
‫والدواهي بقلوب أرسى من الجبال ؛ فل‬
‫يفوتهن تعريف المل ‪ ،‬المغمور بالترهات‬

‫‪13‬‬
‫والضاليل نتائج أعمال هؤلء المضلين ‪،‬‬
‫ن‬
‫دين ‪ ،‬وأ ّ‬ ‫وما يقصدونه من هدم ال ّ‬
‫الشهداء أرادوا بنهضتهم مع إمامهم )ع(‬
‫ده‬ ‫ـ قتيل الحنيفّية ـ إحياء شريعة ج ّ‬
‫)ص( ‪.‬‬
‫ن‬‫والعقائل من آل الرسول )ص( (‪ ،‬وإ ْ‬
‫استعرت أكبادهن بنار المصاب ‪ ،‬وتفاقم‬
‫ن السى ‪،‬‬ ‫الخطب عليهن ‪ ،‬وأشجاه ّ‬
‫ن على جانب عظيم من الخذ بالثأر‬ ‫لكنه ّ‬
‫دين ‪.‬‬ ‫‪ ،‬والدفاع عن قدس ال ّ‬
‫ن )العقيلةابنة أمير المؤمنين سلم‬ ‫وفيه ّ‬
‫الله عليها ‪ ،‬التي لم يرعها السر وذ ّ‬
‫ل‬
‫المنفى ‪ ،‬وفقد العزاء وشماتة العدوّ ‪،‬‬
‫وعويل اليامى وصراخ الطفال وأنين‬
‫المريض ‪ ،‬فكانت تلقي خواطرها بين‬
‫تلك المحتشدات الرهيبة ‪ ،‬أو فقل بين‬
‫المخلب والّناب غير متلعثمة ‪ ،‬وتقذفها‬
‫كالصواعق على مجتمع خصومها ‪.‬‬
‫فوقفت أمام ابن مرجانة ‪ ،‬ذلك اللد ‪،‬‬
‫وهي امرأة عزلء ليس معها من حماتها‬
‫حمي ‪ ،‬ول من رجالها ولي غير المام‬
‫الذي أنهكته العّلة ‪ ،‬ونسوة مكتنفة بها ‪،‬‬
‫ظه العطش‬ ‫بين شاكية وباكية ‪ ،‬وطفل ك ّ‬
‫‪ ،‬إلى ُاخرى أقلقها الوجل ‪ ،‬وأمامها‬
‫رأس عّلة الكائنات ورؤوس صحبه وذويه‬
‫طعة في‬ ‫‪ ،‬وقد تركت تلك الشلء المق ّ‬
‫البيداء تصهرها الشمس ‪ ،‬والواحدة من‬
‫هذه تهد ّ القوى ‪ ،‬وتبلبل الفكر ‪.‬‬
‫لكن )ابنة حيدرة كانت على جانب‬
‫عظيم من الثبات والطمأنينة ‪ ،‬فأفرغت‬
‫سهم ‪،‬‬ ‫عن لسان أبيها بكلم أنفذ من ال ّ‬
‫حجرا ً ‪ ،‬إذ قالت‬ ‫وألقمت ابن مرجانة َ‬
‫له ‪)) :‬هؤلء قوم كتب الله عليهم‬
‫القتل ؛ فبرزوا إلى مضاجعهم ‪ ،‬وسيجمع‬
‫ج وتخاصم ‪،‬‬ ‫الله بينك وبينهم ‪ ،‬فتحا ّ‬
‫مك يابن‬ ‫من الفلج ‪ .‬ثكلتك ا ُ ّ‬ ‫فانظر ل ِ َ‬
‫مرجانة ! (‪.‬‬
‫وأوضحت للمل المتغافل خبثه ولؤمه ‪،‬‬
‫وأّنه لن يرحض عنه عارها وشنارها ‪،‬‬
‫كما أّنها أدهشت العقول وحّيرت الفكر‬
‫كناسة الكوفة ‪ ،‬والّناس‬ ‫في خطبتها ب ُ‬
‫يومئذ حيارى يبكون ‪ ،‬ل يدرون ما‬

‫‪14‬‬
‫يصنعون ‪ ،‬وأّنى يرحض عنهم العار‬
‫بقتلهم سليل النبوة ‪ ،‬ومعدن الرسالة ‪،‬‬
‫وسّيد شباب أهل الجنة ؟ وقد خاب‬
‫سعي ‪ ،‬وتّبت اليدي ‪ ،‬وخسرت‬ ‫ال ّ‬
‫الصفقة ‪ ،‬وباؤوا بغضب من الله وخزي‬
‫في الخرة ‪ ،‬ولعذاب الله أكبر لو كانوا‬
‫يعلمون ‪.‬‬
‫ن فرغت من خطابها اندفعت‬ ‫وبعد أ ْ‬
‫فاطمة ابنة الحسين)ع( بالقول الجزل ‪،‬‬
‫مع ثبات جأش وهدوء بال ‪ ،‬فكان‬
‫سنان في القلوب ‪ ،‬ولم‬ ‫خطابها كوخز ال ّ‬
‫ن ارتفعت أصواتهم‬ ‫يتمالك الّناس دون أ ْ‬
‫بالبكاء ‪ ،‬وعرفوا عظيم الجناية‬
‫والشقاء ‪ ،‬فقالوا لها ‪ :‬حسبك يا ابنة‬
‫الطاهرين ‪ ،‬فقد احرقت قلوبنا‬
‫وانضجعت نحورنا ‪.‬‬
‫م كلثوم ‪،‬‬ ‫ُ‬
‫وما سكتت حّتى ابتدرت ا ّ‬
‫زينب بنت علي بن أبي طالب )ع( ‪،‬‬
‫فعّرفت الحاضرين عظيم ما اقترفوه ‪،‬‬
‫فولول الجمع وكثر الصراخ ‪ ،‬ولم يَر إذ‬
‫ذاك أكثر باك وباكية )‪. (1‬‬
‫ن أحدا ً‬‫فهل يا ترى يمكنك الجزم بأ ّ‬
‫يستطيع في ذلك الموقف الرهيب ‪،‬‬
‫فه سيوف الجور أن يتكّلم‬ ‫الذي تح ّ‬
‫بكلمة واحدة مهما بلغ من المنعة في‬
‫ن يعلن‬ ‫عشيرته ؟ وهل يقدر أحد أ ْ‬
‫بموبقات ابن هند وابن مرجانة غير بنات‬
‫ن على‬ ‫أمير المؤمنين )ع( ؟ كل ‪ .‬إ ّ‬
‫اللسن أوكية ‪ ،‬واليدي مغلولة ‪،‬‬
‫والقلوب مشفقة ‪.‬‬
‫م‬
‫ن هذا ‪ ،‬إّنما يقّبح ويستهجن إذا ل ْ‬ ‫على أ ّ‬
‫يترّتب عليه إل فوائد دنيوّية مثارها‬
‫ما إذا ترّتبت‬ ‫مارة ‪ ،‬وأ ّ‬ ‫رغبات الّنفس ال ّ‬
‫مها ‪ :‬تنزيه دين‬ ‫عليه فوائد دينّية ‪ ،‬أه ّ‬
‫ما ألصقوه بساحته من‬ ‫الرسول )ص( ع ّ‬
‫الباطل ‪ ،‬فل قبح فيه عقل ً ‪ ،‬ول يستهجنه‬
‫العرف ‪ ،‬ويساعد عليه الشرع ‪.‬‬
‫ن وضع الله عنها الجهاد‬ ‫والمرأة ‪ ،‬وإ ْ‬
‫ومكافحة العداء ‪ ،‬وأمرها سبحانه‬
‫ن تقّر في بيتها ؛ فذاك فيما إذا‬ ‫وتعالى أ ْ‬
‫قام بتلك المكافحة غيرها من الرجال ‪.‬‬
‫ما إذا توّقف إقامة الحقّ عليها فقط ؛‬ ‫وأ ّ‬

‫‪15‬‬
‫بحيث لول قيامها لدرست ُاسس‬
‫الشريعة ‪ ،‬وذهبت‬
‫____________________________‬
‫لمور‬ ‫)‪ (1‬إقرأ الخطب الثلثة في ا ُ‬
‫المتأخرة عن الشهادة من هذا الكتاب ‪.‬‬
‫تضحية ُاولئك الصفوة دونه أدراج‬
‫التمويهات ‪ ،‬كان الواجب عليها القيام به‬
‫‪.‬‬
‫ولذلك نهضت سّيدة نساء العالمين‬
‫سلم( للدفاع عن‬ ‫الزهراء )عليها ال ّ‬
‫ُ‬
‫خلفة الله الكبرى ؛ حين اخذ العهد على‬
‫سّيد الوصياء بالقعود ‪ ،‬فخطبت في‬
‫مسجد الّنبي )ص( الخطبة البليغة في‬
‫محتشد من المهاجرين والنصار ‪.‬‬
‫ن الحسين )ع( كان على علم‬ ‫على أ ّ‬
‫ن‬
‫ن القوم وإ ْ‬ ‫ده المين )ص( ؛ بأ ّ‬ ‫بإخبار ج ّ‬
‫بلغوا الغاية ‪ ،‬وتناهوا في الخروج عن‬
‫دون إلى الّنساء يد‬ ‫سبيل الحمّية ‪ ،‬ل يم ّ‬
‫سوء ‪ ،‬كما أنبأ عنه سلم الله عليه‬ ‫ال ّ‬
‫ن ساعة الوداع الخيرة ‪:‬‬ ‫بقوله له ّ‬
‫دوا للبلء ‪،‬‬ ‫))البسوا أزركم ‪ ،‬واستع ّ‬
‫ن الله حاميكم وحافظكم ‪،‬‬ ‫واعلموا أ ّ‬
‫وسينجيكم من شّر العداء ‪ ،‬ويجعل‬
‫ذب أعاديكم‬ ‫عاقبة أمركم إلى خير ‪ ،‬ويع ّ‬
‫وضكم عن هذه‬ ‫بأنواع العذاب ‪ ،‬ويع ّ‬
‫البلّية بأنواع الّنعم والكرامة ‪ .‬فل تشكوا‬
‫ول تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم‬
‫(‪.‬‬
‫هذا كّله لو لم نقل بالمامة لسّيد‬
‫ما مع الخضوع لناموس‬ ‫الشهداء )ع( ‪ .‬وأ ّ‬
‫علم المام الشامل ِلما كان ويكون ‪،‬‬
‫وسيره حسب المصالح الواقعّية ‪،‬‬
‫وعصمته في أقوآله وأفعاله ‪ ،‬كما هو‬
‫الحقّ الذي ل محيص عنه ‪ ،‬فكان المحّتم‬
‫ن ما صدر منه ناشئ عن‬ ‫علينا الذعان بأ ّ‬
‫حك َم ٍ ربانّية ‪ ،‬ومصالح إلهّية ل يتطّرق‬ ‫ِ‬
‫ك ‪ ،‬وليس الواجب علينا إل‬ ‫إليها الش ّ‬
‫التصديق بجميع أفعاله ‪ ،‬من دون أن‬
‫يلزمنا العقل بمعرفة المصالح الباعثة‬
‫على تلك الفعال الصادرة منه ‪ .‬وهكذا‬
‫ل ما وجب على المكّلفين ‪،‬‬ ‫الحال في ك ّ‬
‫م يجب على العباد إل التسليم‬ ‫فإّنه ل ْ‬

‫‪16‬‬
‫ن تعرف‬ ‫والخضوع للمولى ‪ ،‬من دون أ ْ‬
‫الغراض الباعثة عليها ‪ .‬وهكذا الحال‬
‫ن العقل ل‬ ‫في العبيد مع مواليهم ‪ ،‬فإ ّ‬
‫يلزم العبد بأكثر من طاعة سّيده وموله‬
‫حينما يأمره وينهاه ‪.‬‬
‫نهضات العلوّيين‬
‫دسة‬ ‫لقد كان من نتائج تلك الّنهضة المق ّ‬
‫ور في‬ ‫ومن ولئد ذلك )الفتح المبينتط ّ‬
‫من أخذ‬ ‫نظر العلويين نسبا ً أو مذهبا ً أو َ‬
‫مد ‪،‬‬‫لدعوته لونا ً من النتماء إلى آل مح ّ‬
‫ن كان مضمرا ً غير ما يتظاهر به ‪،‬‬ ‫وإ ْ‬
‫م يعدم التشييد لدعوة‬ ‫ل من هؤلء ل ْ‬ ‫وك ٌ‬
‫الحقّ ‪ ،‬والوهن في دولة الباطل ‪،‬‬
‫قا ً مغتصبا ً‬ ‫مد ح ّ‬ ‫ن لل مح ّ‬ ‫مة بأ ّ‬ ‫وتعريف ال ُ ّ‬
‫‪،‬‬
‫والواجب عليهم الّنهوض لقطع اليد‬
‫العادية ‪.‬‬
‫فكانت تلكم الثورات المتتابعة باعثة إلى‬
‫فزها إلى تحّري الرشد‬ ‫الفئدة دواعي تح ّ‬
‫حّتى تقف على صراح الحقيقة ‪.‬‬
‫مة تعتقد أّنه ليس من‬ ‫كانت ال ُ ّ‬
‫المستطاع الّنهوض في وجه ا‬
‫مة وإمرة‬ ‫لمستحوذين على أمر ال ُ ّ‬
‫ن القيام‬ ‫وة سلطانهم ‪ ،‬وإ ّ‬ ‫المسلمين لق ّ‬
‫سلطة القاسية ل يعقب إل‬ ‫أمام ال ّ‬
‫ن المحظور في الشريعة‬ ‫فشل ‪ ،‬بل إ ّ‬
‫القاء الّنفس في التهلكة من غير ما‬
‫جدوى هنالك ‪.‬‬
‫لكن سّيد الباء والحمّية وسّيد شباب‬
‫ديني‬ ‫أهل الجنة أوحى إلى المل ال ّ‬
‫ف التي لم يزل‬ ‫بصرخته في مشهد الط ّ‬
‫دويّ صداها في مسامع القرون والجيال‬
‫ن الواجب في الشريعة الثورة أمام‬ ‫‪:‬إ ّ‬
‫م يكن ما يدحره غيرها ‪.‬‬ ‫ل باطل ‪ ،‬إذا ل ْ‬ ‫ك ّ‬
‫ن في مستوى اليقين بلوغ الغاية‬ ‫وإ ّ‬
‫من يجعل طلب الحق عنوان‬ ‫خاة ل ِ َ‬ ‫المتو ّ‬
‫ن يفوز الّناهض‬ ‫ما أ ْ‬ ‫نهضته ‪ ،‬فإّنه إ ّ‬
‫من يتلوه في نهضته حّتى‬ ‫بالظفر أو َ‬
‫سد الماني بالفتح المبين ‪.‬‬ ‫تتج ّ‬
‫وهذا ما نراه من تعاقب الّنهضات تجاه‬
‫لموّيين بالشريعة المطّهرة ‪،‬‬ ‫عبث ا ُ‬
‫فكانت دعوة المختار هي ثارات لل‬

‫‪17‬‬
‫مد ‪.‬‬
‫مح ّ‬
‫وقام زيد بن علي بن الحسين )ع(‬
‫وولده يحيى داعَيين إلى الرضا من آل‬
‫مر‬ ‫مد ‪ ،‬وأظهر بقّية الهاشمّيين التذ ّ‬ ‫مح ّ‬
‫سيل‬ ‫جور ووثبوا لسد ّ َ‬ ‫من خلفاء ال َ‬
‫الضلل الجارف ‪.‬‬
‫سَير المعصومين من آل‬ ‫مل في ِ‬ ‫ن التأ ّ‬ ‫وإ ّ‬
‫الرسول ‪ ،‬وما قيضهم المولى سبحانه‬
‫له من كسح أشواك المنكر وإرشاد‬
‫العباد إلى الطريقة المثلى تتجّلى له‬
‫سلم( في هاتيك‬ ‫رغبتهم ‪).‬عليهم ال ّ‬
‫ن الغاية‬‫المحتشدات الدامية ‪ ،‬ل ّ‬
‫مة‬ ‫ُ‬
‫خاة لهم إّنما هي تعريف ال ّ‬ ‫المتو ّ‬
‫ن‬
‫أحقّيتهم بمنصب الرسول القدس ‪ ،‬وإ ّ‬
‫الدافع لهم عن هذا الحق المجعول لهم‬
‫من الباري عّز اسمه مائل عن الّنهج‬
‫القويم ‪ ،‬وهذا المعنى إّنما يتسّرب إلى‬
‫الدمغة وتلوكه الشداق ؛ بسبب هاتيك‬
‫جة‬‫ح ّ‬‫الثورات في مختلف الصقاع لتتم ال ُ‬
‫مة ‪ ،‬فل يسع أحدا ً العتذار‬ ‫على ال ُ ّ‬
‫بالجهل بالمام المنصوص عليه من‬
‫الّنبي العظم ‪.‬‬
‫مة الهدى‬ ‫وإّنما نشاهد من بعض أئ ّ‬
‫النكار والتبّري من العلوّيين وغيرهم‬
‫جور ‪ ،‬فإّنما هو‬ ‫الخارجين على خلفاء ال َ‬
‫سلطة الغاشمة ؛ كيل‬ ‫للتقّية من ال ّ‬
‫تنسب إليهم الثورة فينالهم مال يحمد‬
‫عقباه ‪.‬‬
‫نعم كان في الثائرين ُاناس اّتخذوا‬
‫خا ً يصطادون به‬ ‫مظلومّية أهل البيت ف ّ‬
‫البسطاء ‪ .‬فابن الزبير الذي كان يشيد‬
‫بذكر الحسين )ع( والظلم الذي جرى‬
‫ما حسب أّنه ملك المر تركه ‪،‬‬ ‫عليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫فكان أشد ّ المناوئين لهل البيت ‪).‬عليهم‬
‫سلم( وأظهر ما انحنت عليه جوانحه ‪.‬‬ ‫ال ّ‬
‫فترك الصلة على الّنبي )ص( أربعين‬
‫ن له‬ ‫جمعة فقيل له في ذلك ‪ ،‬قال ‪ :‬إ ّ‬
‫أهل بيت سوء ‪ ،‬إذا ذكرته ‪ ،‬اشرأبت‬
‫ن‬
‫بأ ْ‬ ‫نفوسهم إليه وفرحوا بذلك ‪ ،‬فل ُاح ّ‬
‫ُاقّر أعينهم )‪. (1‬‬
‫ولقد جّرأه على ذلك معاوية بن أبي‬
‫ذن‬‫ما سمع المؤ ّ‬ ‫سفيان الذي يقول ل ّ‬

‫‪18‬‬
‫ن أخا هاشم‬ ‫يشهد بالرسالة ‪ ...) :‬وإ ّ‬
‫ل يوم خمس‬ ‫يصرخ باسمه في ك ّ‬
‫ن محمدا رسول الله‬ ‫ً‬ ‫مّرات ‪ :‬أشهد أ ّ‬
‫م لك‬ ‫ُ‬
‫)ص( (‪ ،‬فأيّ عمل يبقى مع هذا ل ا ّ‬
‫‪ ،‬والله إل دفنا ً دفنا )‪.2‬‬
‫ما سمع المأمون بهذا الحديث كتب‬ ‫ول ّ‬
‫إلى الفاق بلعنه على المنابر فأعظم‬
‫مة‬ ‫الّناس ذلك وأكبروه واضطربت العا ّ‬
‫ما كان‬ ‫فُاشير عليه بالترك فأعرض ع ّ‬
‫عليه)‪.3‬‬
‫وأعطف عليه بني العّباس الذين ملوا‬
‫مد‬‫جوّ هتافا ً بالستياء ِلما أصاب آل مح ّ‬ ‫ال َ‬
‫ُ‬
‫ما حصلوا على المنية ‪،‬‬ ‫ف ‪ ،‬ول ّ‬ ‫يوم الط ّ‬
‫قلبوا لهم ظهر المجن وأبادوهم عن‬
‫جديد الرض ‪ ،‬وكان موسى بن عيسى‬
‫العباسي ‪ ،‬صاحب الوقعة )بفخيقول ‪ :‬لو‬
‫نازعنا الّنبي )ص( هذا المر لضربنا‬
‫سيف)‪.4‬‬ ‫خيشومه بال ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬المقاتل لبي الفرج ص ‪ 165‬ط‬
‫ايران ‪.‬‬
‫)‪2‬شرح النهج الحديدي ج ‪ 2‬ص ‪. 537‬‬
‫)‪3‬مروج الذهب ج ‪ 2‬ص ‪ 343‬آخر أخبار‬
‫المأمون ‪.‬‬
‫)‪4‬مقاتل الطالبيين لبي الفرج ص ‪158‬‬
‫ط ايران ‪.‬‬
‫مة‬ ‫فهؤلء إلى أمثالهم برئت منهم الذ ّ‬
‫مة‬ ‫وانقطعت العصمة وإن استفادت ال ُ ّ‬
‫بنهضتهم من ناحية استئصال شأفة‬
‫أعدائها من آل حرب وُامّية ‪:‬‬
‫طـمعت ابـناء حـرب ان تـرى‬
‫فـيه لـلضيم انـعطافا ً وانـكسارا‬
‫حـاولـت تـصطاد مـنه اجـدل‬
‫ل عـلى الوكر وطارا‬ ‫نـفض الـذ ّ‬
‫ورجــت لـلـخسف أن تـجذبه ارقـما ً‬
‫قـد ألـف الـعّز وجـارا‬
‫كـيف يـعطي بـيد الـهون إلى‬
‫طـاعة الـرجس عن الموت حذارا‬
‫فـأبـى إل الـتـي إن ذكــرت‬
‫هـّزت الـكون انـدهاشا ً وانذعارا‬
‫فـأتى مـن بـأسه فـي جـحفل زحـفه‬
‫سـد ّ عـلى الباغي القفارا‬

‫‪19‬‬
‫ولـيوث مـن بـني عـمرو العلى‬
‫لـبسوا الـصبر عـلى الطعن دثارا‬
‫أشـعـروا ضـربا ً بـهيجاء غـدا لـهم‬
‫فـي ضـنكها الموت شعارا‬
‫ق الـمعالي ومـضوا‬ ‫فـقضوا حـ ّ‬
‫طـاهري العراض لم يدنس عارا‬
‫بـذلـوهـا أنـفـسـا ً غـالـية‬
‫كبرت بالعّز أن ترضى الصغارا )‪( (1‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬من قصيدة للسيد عبد المطلب‬
‫الحلي ‪ ،‬ذكرت بتمامها بترجمته من‬
‫شعراء الحلة للخاقاني ‪.‬‬
‫حديث كربلء‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫قال رسول الله )ص( (‪:‬‬
‫ن لقتل الحسين حرارة في قلوب‬ ‫)إ ّ‬
‫ً‬
‫المؤمنين ل تبرد أبدا )‬
‫مستدرك الوسائل ‪. 217 / 2‬‬
‫ل المحرم‬ ‫ه ّ‬
‫ل الـمحّرم فـاستهل مـكّبرا ً‬ ‫هـ ّ‬
‫وانـثر به درر الدموع على الثرى‬
‫وانـظر بـغرته الهلل إذا انجلى‬
‫كرا ً‬ ‫مـتف ّ‬ ‫جعا ً ُ‬ ‫مـسـترجعا ً ُ‬
‫مـتـف ّ‬
‫واخلع شعار الصبر منك وزّر من‬
‫سقام عـليك ثوبا ً أصفرا‬ ‫خـلع الـ ّ‬
‫فـثياب ذي الشـجان ألـقيها به مـا‬
‫حمر الثياب مزررا‬ ‫كـان من ُ‬
‫كمت‬ ‫شـهر بـحكم الـدهر فيه تح ّ‬
‫سود في ُاسد الشرى‬ ‫شـر الكلب ال ّ‬
‫لـّلـه أي مـصـيبة نـزلت بـه بـكت‬
‫سماء لـه نجيعا ً أحمرا‬ ‫الـ ّ‬
‫ب دهـى السلم عند وقوعه‬ ‫خـط ٌ‬ ‫َ‬
‫م القرى(‬ ‫ُ‬
‫لـبست عـليه حدادها )ا ّ‬
‫أو ما ترى الحرم الشريف تكاد من‬
‫زفـراته الـجمرات أن تـتسّعرا‬
‫)وأبـا قبيسفي حشاه تصاعدت قـبسات‬
‫وجد حرها يصلي )حرا(‬
‫طمه السى ودرى‬ ‫مبه فح ّ‬ ‫م )الـحطي ُ‬ ‫عـل ِ َ‬
‫َ‬
‫درا‬‫)الـصفابـمصابه فتك ّ‬
‫واسـتشعرت مـنه المشاعر بالبل‬
‫سرا‬ ‫ى وتح ّ‬ ‫وعـفا )مـحسرهاجو ً‬
‫ُقـتل الـحسين فـيا لها من نكبة‬

‫‪20‬‬
‫أضحى لها السلم منهدم الذرى )‪(1‬‬
‫شهر المحّرم‬
‫م والـحزن‬ ‫مـحّر ُ‬ ‫م فـيه الـهنا ُ‬ ‫مـحـّر ٌ‬ ‫ُ‬
‫م‬
‫محت ُّ‬
‫ُ‬ ‫والبكا‬ ‫ض‬‫ٌ‬ ‫فـر‬
‫شـهٌر بـه اليـمان َثل عرشه‬
‫والـكفر بـالسلم بـان بطشه‬
‫هـلله قوس رمى قلب الهدى‬
‫دين في سهم الحتوف والردى‬ ‫وال ّ‬
‫قـد كـان عند الكفر والسلم‬
‫فـيـه الـقتال أعـظم الثـام‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬ديوان معتوق بن شهاب الموسوي‬
‫ط مصر سنة ‪1330‬ه ‪.‬‬
‫سما فـيه‬ ‫ب ال ّ‬ ‫وآل حرب حاربوا ر ّ‬
‫وحـّللوا الدم المحّرما‬
‫وانتهكوا حرمة سادات الحرم وارتكبوا‬
‫سماء دم‬ ‫ما أمطر ال ّ‬
‫سَلما ً‬ ‫يـا آل حـرب ل لقيتم َ‬
‫ول وقـيتم مـن لـسان ذما‬
‫سماء عـلى‬ ‫م في الرض وال ّ‬ ‫ُلـعنت ُ ُ‬
‫لـسان جملة الحياء‬
‫م بـالويل والـثبون وبـالعذاب‬ ‫بـشراك ُ ُ‬
‫يوم َنفخ الصور‬
‫م‬
‫كـم حـرة للمصطفى هتكت ُ ُ‬
‫م‬
‫وكــم دم ِلـولـده سـفكت ُ ُ‬
‫يـا امـة الخذلن والكفران‬
‫وعـصبة الضلل والشيطان‬
‫جده‬ ‫بـأي عـين تبصرون َ‬
‫وقـد فـعلتم مـا فعلتم بعده‬
‫م‬‫م جزر الضاحي نسله وسـقت ُ ُ‬ ‫جزرت ُ ُ‬
‫سـوق الماء أهله‬
‫م‬‫م احـسان يـوم الفتح نـسيت ُ ُ‬ ‫نـسيت ُ ُ‬
‫فـيه جميل الصفح‬
‫م لول بدور هاشم‬ ‫قـد كـنت ُ ُ‬
‫سـرا ً يضيع في ضلوع كاتم‬
‫بـهم تـسنمتم ذرى المنابر‬
‫كما علوتم صهوة المفاخر )‪(1‬‬
‫يزيد بعد معاوية‬
‫ما هلك معاوية بدمشق للنصف من‬ ‫ل ّ‬
‫رجب سنة ستين هجرية ‪ ،‬كان ابنه يزيد‬
‫حاك بن قيس‬ ‫في حوران ‪ ،‬فأخذ الض ّ‬
‫أكفانه ورقى المنبر ‪ ،‬فقال بعد الحمد‬

‫‪21‬‬
‫لله والثناء عليه ‪ :‬كان معاوية سور‬
‫دهم ‪ ،‬قطع الله به‬ ‫العرب وعونهم وج ّ‬
‫الفتنة ومّلكه على العباد وفتح به البلد ‪،‬‬
‫إل أّنه قد مات وهذه أكفانه فنحن‬
‫ّ‬
‫مدرجوه فيها ‪ ،‬ومدخلوه قبره ومخلون‬
‫م هو البرزخ إلى يوم‬ ‫بينه وبين عمله ‪ ،‬ث ّ‬
‫ن يشهد‬ ‫من كان منكم يريد أ ْ‬ ‫القيامة ‪ ،‬ف َ‬
‫فليحضر ‪.‬‬
‫حاك ‪ ،‬ودفنه بمقابر‬ ‫م صّلى عليه الض ّ‬ ‫ث ّ‬
‫باب الصغير وأرسل البريد إلى يزيد‬
‫يعّزيه بأبيه ‪ ،‬والسراع في القدوم ؛‬
‫ة مجددةً من الّناس)‪ ،2‬وكتب‬ ‫ليأخذ بيع ً‬
‫في أسفل الكتاب)‪:3‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬المقبولة الحسينية ص ‪ 9‬للحجة‬
‫آية الله الشيخ هادي كاشف الغطاء‬
‫دس سره ‪.‬‬ ‫ق ّ‬
‫)‪2‬البداية والنهاية لبن كثير ‪. 143 / 8‬‬
‫)‪3‬مقتل الخوارزمي ج ‪ 1‬ص ‪. 178‬‬
‫ااا ااا ااا ااااا ااااا اااا‬
‫ا ااااا ااااا اااا ااا اااا‬
‫ااااا ااا ااااااا ااااا اااا‬
‫اااااااااا ااااااا ااا اااا‬
‫فلما قرأ يزيد الكتاب أنشأ يقول )‪:( (1‬‬
‫ب به‬‫جـاء الـبريد بقرطاس يخ ّ‬
‫فـأوجس القلب من قرطاسه فزعا‬
‫قـلنا لك الويل ماذا في صحيفتكم قـال‬
‫الخليفة أمـسى مثقل وجعا‬
‫مادت بنا الرض أو كادت تميد بنا‬
‫كـأن مـا عـّز من أركانها انقلعا‬
‫من لم تزل نفسه توفي على وجل‬
‫تـوشك مقادير تلك النفس أن تقعا‬
‫لـما وردت وباب القصر منطبق‬
‫لـصوت رملة هُد ّ القلب فانصدعا‬
‫وسار إلى دمشق ‪ ،‬فوصلها بعد ثلثة‬
‫أيام من دفن معاوية ))‪ ،2‬وخرج‬
‫ما‬ ‫حاك في جماعة لستقباله ‪ ،‬فل ّ‬ ‫الض ّ‬
‫حاك أول ً إلى‬ ‫وافاهم يزيد جاء به الض ّ‬
‫قبر أبيه ‪ ،‬فصّلى عند القبر ‪.‬‬
‫م دخل البلد ورقى المنبر ‪ ،‬وقال ‪ :‬أّيها‬ ‫ث ّ‬
‫الّناس ‪ ،‬كان معاوية عبدا ً من عبيد الله ‪،‬‬
‫م قبضه إليه ‪ .‬وهو خير‬ ‫أنعم الله عليه ث ّ‬

‫‪22‬‬
‫كيه على‬ ‫من بعده ودون من قبله ‪ .‬ول أز ّ‬
‫ل ؛ فإّنه أعلم به ‪ ،‬إن عفا‬ ‫الله عّز وج ّ‬
‫عنه فبرحمته ‪ ،‬وإن عاقبه فبذنبه ‪ .‬وقد‬
‫ت آسى على‬ ‫ت المر من بعده ‪ ،‬ولس ُ‬ ‫وّلي ُ‬
‫طلب ‪ ،‬ول أعتذر من تفريط ‪ ،‬وإذا أراد‬
‫الله شيئا ً كان ‪ .‬ولقد كان معاوية يغزو‬
‫ت حامل ً أحدا ً‬ ‫بكم في البحر ‪ ،‬وإّني لس ُ‬
‫من المسلمين في البحر ‪ .‬وكان يشتيكم‬
‫ت مشتيا ً أحدا ً بأرض‬ ‫بأرض الروم ‪ ،‬ولس ُ‬
‫الروم ‪ .‬وكان يخرج عطاءكم أثلثا ً ‪ ،‬وأنا‬
‫أجمعه كّله لكم)‪.3‬‬
‫فلم يقدم أحد على تعزيته حّتى دخل‬
‫سلولي ‪،‬‬ ‫عليه عبد الله بن همام ال ّ‬
‫فقال ‪ :‬يا أمير المؤمنين ‪ ،‬آجرك الله‬
‫على الرزّية ‪ ،‬وبارك لك في العطّية ‪،‬‬
‫وأعانك على الرعّية ‪ ،‬فقد رزئت عظيما ً‬
‫وُاعطيت جسيما ً ‪ ،‬فاشكر الله على ما‬
‫ُاعطيت ‪ ،‬واصبر على ما رزئت ‪ .‬فقد‬
‫ت خليفة الله وُاعطيت خلفة الله ‪،‬‬ ‫فقد ّ‬
‫ففارقت جليل ً ووهبت جزيل ً ‪ ،‬إذ قضى‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬الغاني ج ‪ 16‬ص ‪ 34‬طبعة دي‬
‫ساسي ‪.‬‬
‫)‪2‬مقتل الخوارزمي ج ‪ 1‬ص ‪ 178‬وفي‬
‫الستيعاب على هامش الصابة بترجمة‬
‫معاوية عن الشافعي ‪ :‬أن معاوية لما‬
‫ثقل كتب إلى يزيد وكان غائبا ً يخبره‬
‫بحاله فأنشأ يزيد يقول وذكر أربع أبيات‬
‫الول والثالث واثنان لم يذكرا هنا ‪.‬‬
‫)‪3‬البداية لبن كثير ج ‪ 8‬ص ‪. 143‬‬
‫معاوية نحبه ‪ ،‬ووّليت الرياسة وُاعطيت‬
‫سرور‬ ‫سياسة ‪ ،‬فاورده الله موارد ال ّ‬ ‫ال ّ‬
‫م أنشأ ‪:‬‬ ‫ووفقك لصالح المور ‪ ،‬ث ّ‬
‫إصـبر يـزيد فقد فارقت ذا كرم‬
‫واشـكر حباء الذي بالملك أصفاك‬
‫ل رزء أصبح في القوام قد علموا‬
‫كـما رزئـت ول عـقبى كعقباك‬
‫م‬
‫أصـبحت راعي أهل الدين كلهُ ُ‬
‫م والله يـرعاك‬ ‫فـأنـت تـرعاهُ ُ‬
‫وفـي مـعاوية الـباقي لنا خلف إذا‬
‫نـعيت ول نـسمع بـمنعاك‬
‫فانفتح بذلك للخطباء )‪ ، (1‬وقال له‬

‫‪23‬‬
‫سلم عليك يا أمير‬ ‫رجل من ثقيف ‪ :‬ال ّ‬
‫المؤمنين ورحمة الله وبركاته ‪ ،‬إّنك قد‬
‫ُفجعت بخير الباء ‪ ،‬وُاعطيت جميع‬
‫الشياء ‪ ،‬فاصبر على الرزّية ‪ ،‬واحمد‬
‫حسن العطّية ‪ ،‬فل أحد ُاعطي‬ ‫الله على ُ‬
‫كما ُاعطيت ول رزئ كما رزئت ‪.‬‬
‫وأقبل الناس عليه يهّنئونه ويعّزونه فقال‬
‫دين ‪،‬‬ ‫يزيد ‪ :‬نحن أنصار الحقّ وأنصار ال ّ‬
‫ن الخير لم‬ ‫وأبشروا يا أهل الشام ‪ ،‬فإ ّ‬
‫يزل فيكم وستكون بيني وبين أهل‬
‫العراق ملحمة ؛ وذلك إّني رأيت في‬
‫ن بيني وبين‬ ‫منامي منذ ثلث ليال كأ ّ‬
‫طرد بالدم جريا ً شديدا ً‬ ‫أهل العراق نهرا ً ي ّ‬
‫ت أجهد نفسي لجوزه فلم أقدر‬ ‫‪ ،‬وجعل ُ‬
‫حّتى جازه بين يدي عبيد الله بن زياد‬
‫وأنا أنظر إليه ! ‪.‬‬
‫فصاح أهل الشام إمض بنا حيث شئت ‪،‬‬
‫معك سيوفنا التي عرفها أهل العراق‬
‫فين ‪ ،‬فجزاهم خيرا ً وفّرق فيهم‬ ‫في ص ّ‬
‫أموال ً جزيلة ‪.‬‬
‫مال في البلدان يخبرهم‬ ‫وكتب إلى الع ّ‬
‫م‬
‫بهلك أبيه ‪ ،‬وأقّرهم على عملهم ‪ ،‬وض ّ‬
‫العراَقين إلى عبيد الله بن زياد ـ بعد أن‬
‫أشار عليه بذلك سرجون مولى معاوية ـ‬
‫‪ ،‬وكتب إلى الوليد بن عتبة وكان على‬
‫المدينة ‪:‬‬
‫ً‬
‫ن معاوية كان عبدا من عباد‬ ‫ما بعد ‪ ،‬فإ ّ‬ ‫أ ّ‬
‫م‬ ‫ّ‬
‫الله أكرمه واستخلصه ومكن له ‪ ،‬ث ّ‬
‫قبضه إلى روحه و ريحانه ورحمته‬
‫وعقابه ‪ ،‬عاش بقدر ومات بأجل ‪ ،‬وقد‬
‫ي وأوصاني بالحذر من آل‬ ‫كان عَهَد َ إل ّ‬
‫أبي تراب ؛ لجرأتهم على سفك الدماء ‪،‬‬
‫ن الله تبارك وتعالى‬ ‫ت يا وليد أ ّ‬ ‫وقد علم َ‬
‫منتقم للمظلوم عثمان بآل أبي سفيان ؛‬
‫لّنهم أنصار الحقّ وطلب العدل ‪ ،‬فإذا‬
‫ورد عليك كتابي هذا ‪ ،‬فخذ البيعة على‬
‫أهل المدينة ‪.‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬البيان والتبيين للجاحظ ‪، 109 / 2‬‬
‫ط ‪ ، 2‬باب وصية معاوية ‪ ،‬وكامل المبرد‬
‫‪ ، 300 / 3‬والعمدة لبن رشيق ‪/ 2‬‬
‫‪ ، 148‬باب الرثاء )وبينهم اختلف‬

‫‪24‬‬
‫يسير ‪ ،‬والعقد الفريد لبن عبد رّبه ‪/ 2‬‬
‫‪ ، 309‬باب طلب معاوية البيعة ليزيد ‪.‬‬
‫م أرفق الكتاب بصحيفة صغيرة فيها ‪:‬‬ ‫ث ّ‬
‫خذ الحسين وعبد الله بن عمر وعبد‬ ‫ُ‬
‫الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير‬
‫ب‬‫من أبى فاضر ْ‬ ‫بالبيعة أخذا ً شديدا ً ‪ ،‬و َ‬
‫ي برأسه )‪! (1‬‬ ‫عنقه ‪ ،‬وابعث إل ّ‬
‫مة ‪ ،‬فبعث على‬ ‫وقام العامل بهذه المه ّ‬
‫الحسين وابن الزبير نصف الليل ‪ ،‬رجاء‬
‫ن يغتنم الفرصة بمبايعتهما قبل‬ ‫أ ْ‬
‫الّناس ‪ ،‬فوجدهما رسوله عبد الرحمن‬
‫فان)‪2‬في‬ ‫بن عمرو بن عثمان بن ع ّ‬
‫مسجد الّنبي )ص( (‪ ،‬فارتاب ابن الزبير‬
‫من هذه الدعوة التي لم تكن في الوقت‬
‫جة‬‫ح ّ‬ ‫الذي يجلس فيه للناس)‪ ،3‬لكن ُ‬
‫الوقت )حسين الصلح أوقفه على أمر‬
‫غيبي ‪ ،‬وهو هلك معاوية ‪ ،‬وأّنه يطلب‬
‫منهم البيعة ليزيد وأّيده )ع( بما رآه في‬
‫المنام من اشتعال الّنيران في دار‬
‫ن منبره منكوس)‪.4‬‬ ‫معاوية ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ورام ابـن ميسون على الدين امرة‬
‫فـعاثت بـدين الله جهرا ً جرائمه‬
‫ن‬‫م ْ‬ ‫دين شبل َ‬ ‫فـقام مغيثا ً شرعة ال ّ‬
‫بـصمصامه بـدءا ً اقيمت دعائمه‬
‫س معشر نـمته‬ ‫ص النا َ‬ ‫ف به )إذ مح ّ‬ ‫وح ّ‬
‫إلى اوج الـمعالي مكارمه‬
‫فـمن اشوس ينميه للطعن )حيدر‬
‫وينميه جد في قرى الطير )هاشمه(‬
‫ورهط تفانى في حمى الدين لم تهن‬
‫لـقـلته بـين الـجموع عـزائمه‬
‫إلى أن قضوا دون الشريعة صّرعا ً‬
‫كما صرعت دون العرين ضراغمه‬
‫أراد ابن هند خاب مسعاه أن يرى‬
‫)حسينابأيدي الضيم تلوى شكائمه‬
‫ولـكن أبـى المجد المؤثل والبا لـه‬
‫ل ثـوبا ً والحسام ينادمه‬ ‫الـذ ّ‬
‫مه‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬
‫أبـوه عـلي وابـنة الـطهر ا ّ‬
‫جـد ّ وجـبريل خادمه‬ ‫وطـه لـه َ‬
‫إلـى ابن سمي وابن ميسون ينثني‬
‫سيف في اليد قائمه‬ ‫يـمد ّ يـدا ً والـ ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مقتل الخوارزمي ‪ 178 / 1‬ـ‬

‫‪25‬‬
‫‪ ، 180‬طبع النجف ‪ ،‬وقد أشرنا في‬
‫سر في إنشاء هذا‬ ‫دمة إلى ال ّ‬ ‫المق ّ‬
‫الكتاب الصغير فاقرأه ‪.‬‬
‫)‪2‬ابن عساكر ‪. 327 / 4‬‬
‫)‪3‬الطبري ‪. 189 / 6‬‬
‫)‪4‬مثير الحزان لبن نما ‪ ، 10 /‬ومقتل‬
‫الخوارزمي ‪ 182 / 1‬الفصل الثامن ‪ .‬ول‬
‫ن رؤيا المام )ع( مشاهدة‬ ‫يخفى أ ّ‬
‫لحقيقة الحال ‪ ،‬إبصار بنور المامة الذي‬
‫ل تمنعه الحواجز عن ادراك ما في‬
‫ونه الله‬ ‫من ك ّ‬ ‫الكون ‪ ،‬ول بدع في ذلك م ّ‬
‫جة على العالمين ‪ ،‬فهو )ع( في‬ ‫ح ّ‬‫تعالى ُ‬
‫مقام الكناية عن نكوس منبره بانقلب‬
‫المر من يده وانقطاع شهواته بهلكه ‪،‬‬
‫واشتعال النيران كناية عن احتدام الفتن‬
‫ف ‪ ،‬و واقعة الحرة ‪،‬‬ ‫بمثل فاجعة الط ّ‬
‫وهدم البيت الحرام إلى أمثالها ‪.‬‬
‫فصال عليهم صولة الليث مغضبا ً وعسا‬
‫له خصم النفوس وصارمه‬
‫كم فـي أعـناقهم نافذ القضا صقيل ً‬ ‫فـح ّ‬
‫فل يستأنف الحكم حاكمه‬
‫ضا ً ولم يكن‬‫الى أن أعاد الدين غ ّ‬
‫سبط تسقى معالمه )‪( (1‬‬ ‫بغير دماء ال ّ‬
‫ضح لبن الزبير ما عزم عليه‬ ‫وو ّ‬
‫الحسين من ملقاة الوالي في ذلك‬
‫الوقت ‪ ،‬فأشار عليه بالترك حذار‬
‫الغيلة ‪ ،‬فعّرفه الحسين )ع( القدرة على‬
‫المتناع)‪.2‬‬
‫وصار إليه الحسين في ثلثين)‪3‬من‬
‫مواليه وأهل بيته وشيعته ‪ ،‬شاكين‬
‫سلح ‪ ،‬ليكونوا على الباب فيمنعونه‬ ‫بال ّ‬
‫إذا عل صوته)‪4‬وبيده قضيب رسول الله‬
‫ما استقّر المجلس بأبي عبد‬ ‫)ص( ‪ .‬ول ّ‬
‫الله )ع( ‪ ،‬نعى الوليد إليه معاوية ‪ ،‬ثم‬
‫عرض عليه البيعة ليزيد ‪ ،‬فقال )ع( ‪:‬‬
‫ت الّناس‬ ‫))مثلي ل يبايع سّرا ً ‪ ،‬فإذا دعو َ‬
‫إلى البيعة دعوتنا معهم ‪ ،‬فكان أمرا ً‬
‫واحدا ً )‪.5‬‬
‫فاقتنع الوليد منه ‪ ،‬لكن مروان ابتدر‬
‫ساعة ولم يبايع ‪ ،‬لم‬ ‫قائل ً ‪ :‬إن فارقك ال ّ‬
‫تقدر منه على مثلها حّتى تكثر القتلى‬
‫بينكم ‪ ،‬ولكن احبس الرجل حّتى يبايع أو‬

‫‪26‬‬
‫تضرب عنقه ‪.‬‬
‫فقال الحسين ‪)) :‬يابن الزرقاء)‪6‬أنت‬
‫تقتلني أم هو ؟! كذبت وأثمت )‪.7‬‬
‫____________________________‬
‫مد‬‫)‪ (1‬من قصيدة للعلمة الشيخ مح ّ‬
‫تقي آل صاحب الجواهر ‪.‬‬
‫)‪2‬ابن الثير ‪. 6 / 4‬‬
‫)‪3‬اللهوف للسّيد رضي الدين ابن‬
‫طاووس ‪.‬‬
‫)‪4‬مقتل الخوارزمي ‪ 183 / 1‬الفصل‬
‫الثامن ‪.‬‬
‫)‪5‬الطبري ‪. 189 / 6‬‬
‫)‪6‬في تذكرة الخواص لسبط ابن‬
‫الجوزي ‪ ، 229 /‬طبع ايران ‪ ،‬والداب‬
‫دة‬ ‫السلطانية للفخري ‪ ، 88 /‬كانت ج ّ‬
‫مروان من البغايا ‪.‬‬
‫وفي كامل ابن الثير ‪ ، 75 / 4‬كان‬
‫الناس يعّيرون ولد عبد الله بن مروان‬
‫بالزرقاء بنت موهب ؛ لّنها من‬
‫المومسات ومن ذوات الرايات ‪.‬‬
‫وفي تاريخ ابن عساكر ‪ ، 407 / 7‬جرى‬
‫كلم بين مروان وعبد الله بن الزبير‬
‫فقال له عبد الله ‪ :‬وإنك لههنا يابن‬
‫الزرقاء ‪.‬‬
‫وفي أنساب الشراف للبلذري ‪129 / 5‬‬
‫‪ ،‬قال عمرو بن العاص لمروان ـ في‬
‫كلم جرى بينهما ـ ‪ :‬يابن الزرقاء ‪ ،‬فقال‬
‫مروان ‪ :‬إن كانت زرقاء ‪ ،‬فقد أنجبت‬
‫وأدت الشبه إذا لم تؤده غيرها ‪.‬‬
‫وفي تاريخ الطبري ‪ ، 16 / 8‬كان مروان‬
‫مد بن الشعث يقول ‪ :‬لم يزل بنو‬ ‫بن مح ّ‬
‫مروان يعّيرون بالزرقاء وان بني العاص‬
‫من أهل )ص( فورية‪.‬‬
‫ن أدب الشريعة وإن حرج‬ ‫غير خفي أ ّ‬
‫على المؤمن التنابز باللقاب والطعن‬
‫من تستفاد منه الحكم‬ ‫في النساب ‪ ،‬و َ‬
‫ن‬‫والداب اللهّية أحرى بالخذ بها ‪ ،‬إل أ ّ‬
‫جة على الخليفة العارف‬ ‫ح ّ‬
‫مة وال ُ‬ ‫إمام ال ُ ّ‬
‫دى هذه المقررات ‪،‬‬ ‫بالملبسات ل يتع ّ‬
‫وابتعادنا عن مقتضيات أحوال ذلك‬
‫الزمن يلزمنا بالتسليم للمام المعصوم‬
‫ل ما يصدر منه خصوصا ً مع‬ ‫)ع( في ك ّ‬

‫‪27‬‬
‫مطابقته للقرآن العزيز الذي هو مصدر‬
‫الحكام ‪ ،‬والتعيير الصادر من الحسين‬
‫لمروان صدر مثله من الجليل عّز شأنه‬
‫مع الوليد بن المغيرة المخزومي إذ‬
‫ل‬‫يقول في سورة القلم ‪) : 13 /‬ع( ت ُ ّ‬
‫ك َزِنيم ٍ والزنيم ‪ ،‬في اللغة ‪:‬‬ ‫ب َعْد َ ذ َل ِ َ‬
‫الدعي في النسب ‪ ،‬اللصيق به ‪.‬‬
‫و ورد في حديث الّنبي )ص( كما في‬
‫كنز العمال ‪)) : 156 / 1‬العتل الزنيم ‪:‬‬
‫الفاحش اللئيم (‪.‬‬
‫ويروي اللوسي في روح المعاني ‪/ 29‬‬
‫دعاه بعد ثمان‬ ‫ن أباه المغيرة ا ّ‬ ‫‪ : 28‬إ ّ‬
‫عشرة سنة من مولده ‪.‬‬
‫فإذا كان )ينبوع الدب والسراريغمز في‬
‫مه بالقبيح في كتابه‬ ‫حقّ رجل معّين ويس ّ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الذي يتلى في المحاريب ليل ونهارا ‪ ،‬فل‬
‫يستغرب من ابن النبوة إذا رمى مروان‬
‫بالشائنة ‪ ،‬وهو ذلك المترّبص بهم‬
‫الغوائل ‪.‬‬
‫)‪7‬تاريخ الطبري ‪ ،‬وابن الثير ‪ ،‬والرشاد‬
‫‪ ،‬وإعلم الورى ‪.‬‬
‫يتعقبها لسان ذرب ‪ ،‬وجنان ثابت‬
‫مة ضلل ابن ميسون ‪،‬‬ ‫يعّرفان ال ُ ّ‬
‫وطغيان ابن مرجانة باعتدائهما على‬
‫الذرّية الطاهرة ‪ ،‬الثائرة في وجه المنكر‬
‫‪ ،‬ودحض ما ابتدعوه في الشريعة‬
‫دسة ‪.‬‬ ‫المق ّ‬
‫ي الضيم( خوف رجال‬ ‫كما عرف )أب ّ‬
‫دين من التظاهر بالنكار ‪ ،‬وخضوع‬ ‫ال ّ‬
‫ل للسلطة الغاشمة ‪ ،‬ورسوف الكثير‬ ‫الك ّ‬
‫منهم بقيود الجور ؛ بحيث ل يمكن لكبر‬
‫رجل العلن بفظاعة أعمالهم ‪ .‬وما‬
‫كد هذه‬ ‫جرى على ابن عفيف الزدي ‪ ،‬يؤ ّ‬
‫الدعوى المدعومة بالوجدان الصحيح ‪.‬‬
‫وعرف سّيد الشهداء من حرائر الرسالة‬
‫الصبر على المكاره ‪ ،‬وملقاة الخطوب‬
‫والدواهي بقلوب أرسى من الجبال ؛ فل‬
‫يفوتهن تعريف المل ‪ ،‬المغمور بالترهات‬
‫والضاليل نتائج أعمال هؤلء المضلين ‪،‬‬
‫ن‬
‫دين ‪ ،‬وأ ّ‬
‫وما يقصدونه من هدم ال ّ‬
‫الشهداء أرادوا بنهضتهم مع إمامهم )ع(‬
‫ده‬‫ـ قتيل الحنيفّية ـ إحياء شريعة ج ّ‬

‫‪28‬‬
‫)ص( ‪.‬‬
‫ن‬‫والعقائل من آل الرسول )ص( (‪ ،‬وإ ْ‬
‫استعرت أكبادهن بنار المصاب ‪ ،‬وتفاقم‬
‫ن السى ‪،‬‬ ‫الخطب عليهن ‪ ،‬وأشجاه ّ‬
‫ن على جانب عظيم من الخذ بالثأر‬ ‫لكنه ّ‬
‫دين ‪.‬‬ ‫‪ ،‬والدفاع عن قدس ال ّ‬
‫ن )العقيلة( ابنة أمير المؤمنين‬ ‫وفيه ّ‬
‫سلم الله عليها ‪ ،‬التي لم يرعها السر‬
‫ل المنفى ‪ ،‬وفقد العزاء وشماتة‬ ‫وذ ّ‬
‫العدوّ ‪ ،‬وعويل اليامى وصراخ الطفال‬
‫وأنين المريض ‪ ،‬فكانت تلقي خواطرها‬
‫بين تلك المحتشدات الرهيبة ‪ ،‬أو فقل‬
‫بين المخلب والّناب غير متلعثمة ‪،‬‬
‫وتقذفها كالصواعق على مجتمع‬
‫خصومها ‪ .‬فوقفت أمام ابن مرجانة ‪،‬‬
‫ذلك اللد ‪ ،‬وهي امرأة عزلء ليس معها‬
‫من حماتها حمي ‪ ،‬ول من رجالها ولي‬
‫غير المام الذي أنهكته العّلة ‪ ،‬ونسوة‬
‫مكتنفة بها ‪ ،‬بين شاكية وباكية ‪ ،‬وطفل‬
‫ظه العطش ‪ ،‬إلى ُاخرى أقلقها‬ ‫ك ّ‬
‫الوجل ‪ ،‬وأمامها رأس عّلة الكائنات‬
‫ورؤوس صحبه وذويه ‪ ،‬وقد تركت تلك‬
‫طعة في البيداء تصهرها‬ ‫الشلء المق ّ‬
‫الشمس ‪ ،‬والواحدة من هذه تهد ّ‬
‫القوى ‪ ،‬وتبلبل الفكر ‪.‬‬
‫لكن )ابنة حيدرة( كانت على جانب‬
‫عظيم من الثبات والطمأنينة ‪ ،‬فأفرغت‬
‫سهم ‪،‬‬ ‫عن لسان أبيها بكلم أنفذ من ال ّ‬
‫حجرا ً ‪ ،‬إذ قالت‬ ‫وألقمت ابن مرجانة َ‬
‫له ‪)) :‬هؤلء قوم كتب الله عليهم‬
‫القتل ؛ فبرزوا إلى مضاجعهم ‪ ،‬وسيجمع‬
‫ج وتخاصم ‪،‬‬ ‫الله بينك وبينهم ‪ ،‬فتحا ّ‬
‫مك يابن‬ ‫من الفلج ‪ .‬ثكلتك ا ُ ّ‬ ‫فانظر ل ِ َ‬
‫مرجانة ! (‪.‬‬
‫وأوضحت للمل المتغافل خبثه ولؤمه ‪،‬‬
‫وأّنه لن يرحض عنه عارها وشنارها ‪،‬‬
‫كما أّنها أدهشت العقول وحّيرت الفكر‬
‫كناسة الكوفة ‪ ،‬والّناس‬ ‫في خطبتها ب ُ‬
‫يومئذ حيارى يبكون ‪ ،‬ل يدرون ما‬
‫يصنعون ‪ ،‬وأّنى يرحض عنهم العار‬
‫بقتلهم سليل النبوة ‪ ،‬ومعدن الرسالة ‪،‬‬
‫وسّيد شباب أهل الجنة ؟ وقد خاب‬

‫‪29‬‬
‫سعي ‪ ،‬وتّبت اليدي ‪ ،‬وخسرت‬ ‫ال ّ‬
‫الصفقة ‪ ،‬وباؤوا بغضب من الله وخزي‬
‫في الخرة ‪ ،‬ولعذاب الله أكبر لو كانوا‬
‫يعلمون ‪.‬‬
‫ن فرغت من خطابها اندفعت‬ ‫وبعد أ ْ‬
‫فاطمة ابنة الحسين)ع( بالقول الجزل ‪،‬‬
‫مع ثبات جأش وهدوء بال ‪ ،‬فكان‬
‫سنان في القلوب ‪ ،‬ولم‬ ‫خطابها كوخز ال ّ‬
‫ن ارتفعت أصواتهم‬ ‫يتمالك الّناس دون أ ْ‬
‫بالبكاء ‪ ،‬وعرفوا عظيم الجناية‬
‫والشقاء ‪ ،‬فقالوا لها ‪ :‬حسبك يا ابنة‬
‫الطاهرين ‪ ،‬فقد احرقت قلوبنا‬
‫وانضجعت نحورنا ‪.‬‬
‫م كلثوم ‪،‬‬ ‫ُ‬
‫وما سكتت حّتى ابتدرت ا ّ‬
‫زينب بنت علي بن أبي طالب )ع( ‪،‬‬
‫فعّرفت الحاضرين عظيم ما اقترفوه ‪،‬‬
‫فولول الجمع وكثر الصراخ ‪ ،‬ولم يَر إذ‬
‫ذاك أكثر باك وباكية )‪. (1‬‬
‫ن أحدا ً‬‫فهل يا ترى يمكنك الجزم بأ ّ‬
‫يستطيع في ذلك الموقف الرهيب ‪،‬‬
‫فه سيوف الجور أن يتكّلم‬ ‫الذي تح ّ‬
‫بكلمة واحدة مهما بلغ من المنعة في‬
‫ن يعلن‬ ‫عشيرته ؟ وهل يقدر أحد أ ْ‬
‫بموبقات ابن هند وابن مرجانة غير بنات‬
‫ن على‬ ‫أمير المؤمنين )ع( ؟ كل ‪ .‬إ ّ‬
‫اللسن أوكية ‪ ،‬واليدي مغلولة ‪،‬‬
‫والقلوب مشفقة ‪.‬‬
‫م‬
‫ن هذا ‪ ،‬إّنما يقّبح ويستهجن إذا ل ْ‬ ‫على أ ّ‬
‫يترّتب عليه إل فوائد دنيوّية مثارها‬
‫ما إذا ترّتبت‬ ‫مارة ‪ ،‬وأ ّ‬ ‫رغبات الّنفس ال ّ‬
‫مها ‪ :‬تنزيه دين‬ ‫عليه فوائد دينّية ‪ ،‬أه ّ‬
‫ما ألصقوه بساحته من‬ ‫الرسول )ص( ع ّ‬
‫الباطل ‪ ،‬فل قبح فيه عقل ً ‪ ،‬ول يستهجنه‬
‫العرف ‪ ،‬ويساعد عليه الشرع ‪.‬‬
‫ن وضع الله عنها الجهاد‬ ‫والمرأة ‪ ،‬وإ ْ‬
‫ومكافحة العداء ‪ ،‬وأمرها سبحانه‬
‫ن تقّر في بيتها ؛ فذاك فيما إذا‬ ‫وتعالى أ ْ‬
‫قام بتلك المكافحة غيرها من الرجال ‪.‬‬
‫ما إذا توّقف إقامة الحقّ عليها فقط ؛‬ ‫وأ ّ‬
‫ُ‬
‫بحيث لول قيامها لدرست اسس‬
‫الشريعة ‪ ،‬وذهبت‬
‫____________________________‬

‫‪30‬‬
‫لمور‬ ‫)‪ (1‬إقرأ الخطب الثلثة في ا ُ‬
‫المتأخرة عن الشهادة من هذا الكتاب ‪.‬‬
‫تضحية ُاولئك الصفوة دونه أدراج‬
‫التمويهات ‪ ،‬كان الواجب عليها القيام به‬
‫‪.‬‬
‫ولذلك نهضت سّيدة نساء العالمين‬
‫سلم( للدفاع عن‬ ‫الزهراء )عليها ال ّ‬
‫ُ‬
‫خلفة الله الكبرى ؛ حين اخذ العهد على‬
‫سّيد الوصياء بالقعود ‪ ،‬فخطبت في‬
‫مسجد الّنبي )ص( الخطبة البليغة في‬
‫محتشد من المهاجرين والنصار ‪.‬‬
‫ن الحسين )ع( كان على علم‬ ‫على أ ّ‬
‫ن‬
‫ن القوم وإ ْ‬ ‫ده المين )ص( ؛ بأ ّ‬ ‫بإخبار ج ّ‬
‫بلغوا الغاية ‪ ،‬وتناهوا في الخروج عن‬
‫دون إلى الّنساء يد‬ ‫سبيل الحمّية ‪ ،‬ل يم ّ‬
‫سوء ‪ ،‬كما أنبأ عنه سلم الله عليه‬ ‫ال ّ‬
‫ن ساعة الوداع الخيرة ‪:‬‬ ‫بقوله له ّ‬
‫دوا للبلء ‪،‬‬ ‫))البسوا أزركم ‪ ،‬واستع ّ‬
‫ن الله حاميكم وحافظكم ‪،‬‬ ‫واعلموا أ ّ‬
‫وسينجيكم من شّر العداء ‪ ،‬ويجعل‬
‫ذب أعاديكم‬ ‫عاقبة أمركم إلى خير ‪ ،‬ويع ّ‬
‫وضكم عن هذه‬ ‫بأنواع العذاب ‪ ،‬ويع ّ‬
‫البلّية بأنواع الّنعم والكرامة ‪ .‬فل تشكوا‬
‫ول تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم‬
‫(‪.‬‬
‫هذا كله لو لم نقل بالمامة لسّيد‬ ‫ّ‬
‫ما مع الخضوع لناموس‬ ‫الشهداء )ع( ‪ .‬وأ ّ‬
‫علم المام الشامل ِلما كان ويكون ‪،‬‬
‫وسيره حسب المصالح الواقعّية ‪،‬‬
‫وعصمته في أقوآله وأفعاله ‪ ،‬كما هو‬
‫الحقّ الذي ل محيص عنه ‪ ،‬فكان المحّتم‬
‫ن ما صدر منه ناشئ عن‬ ‫علينا الذعان بأ ّ‬
‫حك َم ٍ ربانّية ‪ ،‬ومصالح إلهّية ل يتطّرق‬ ‫ِ‬
‫إليها الشك ‪ ،‬وليس الواجب علينا إل‬ ‫ّ‬
‫التصديق بجميع أفعاله ‪ ،‬من دون أن‬
‫يلزمنا العقل بمعرفة المصالح الباعثة‬
‫على تلك الفعال الصادرة منه ‪ .‬وهكذا‬
‫ل ما وجب على المكّلفين ‪،‬‬ ‫الحال في ك ّ‬
‫م يجب على العباد إل التسليم‬ ‫فإّنه ل ْ‬
‫ن تعرف‬ ‫والخضوع للمولى ‪ ،‬من دون أ ْ‬
‫الغراض الباعثة عليها ‪ .‬وهكذا الحال‬
‫ن العقل ل‬ ‫في العبيد مع مواليهم ‪ ،‬فإ ّ‬

‫‪31‬‬
‫يلزم العبد بأكثر من طاعة سّيده وموله‬
‫حينما يأمره وينهاه ‪.‬‬
‫نهضات العلوّيين‬
‫دسة‬ ‫لقد كان من نتائج تلك الّنهضة المق ّ‬
‫ور في‬ ‫ومن ولئد ذلك )الفتح المبينتط ّ‬
‫من أخذ‬ ‫نظر العلويين نسبا ً أو مذهبا ً أو َ‬
‫مد ‪،‬‬‫لدعوته لونا ً من النتماء إلى آل مح ّ‬
‫ن كان مضمرا ً غير ما يتظاهر به ‪،‬‬ ‫وإ ْ‬
‫م يعدم التشييد لدعوة‬ ‫ل من هؤلء ل ْ‬ ‫وك ٌ‬
‫الحقّ ‪ ،‬والوهن في دولة الباطل ‪،‬‬
‫قا ً مغتصبا ً‬ ‫مد ح ّ‬ ‫ن لل مح ّ‬ ‫مة بأ ّ‬ ‫وتعريف ال ُ ّ‬
‫‪،‬‬
‫والواجب عليهم الّنهوض لقطع اليد‬
‫العادية ‪.‬‬
‫فكانت تلكم الثورات المتتابعة باعثة إلى‬
‫فزها إلى تحّري الرشد‬ ‫الفئدة دواعي تح ّ‬
‫حّتى تقف على صراح الحقيقة ‪.‬‬
‫مة تعتقد أّنه ليس من‬ ‫كانت ال ُ ّ‬
‫المستطاع الّنهوض في وجه ا‬
‫مة وإمرة‬ ‫لمستحوذين على أمر ال ُ ّ‬
‫ن القيام‬ ‫وة سلطانهم ‪ ،‬وإ ّ‬ ‫المسلمين لق ّ‬
‫سلطة القاسية ل يعقب إل‬ ‫أمام ال ّ‬
‫ن المحظور في الشريعة‬ ‫فشل ‪ ،‬بل إ ّ‬
‫القاء الّنفس في التهلكة من غير ما‬
‫جدوى هنالك ‪.‬‬
‫لكن سّيد الباء والحمّية وسّيد شباب‬
‫ديني‬ ‫أهل الجنة أوحى إلى المل ال ّ‬
‫ف التي لم يزل‬ ‫بصرخته في مشهد الط ّ‬
‫دويّ صداها في مسامع القرون والجيال‬
‫ن الواجب في الشريعة الثورة أمام‬ ‫‪:‬إ ّ‬
‫م يكن ما يدحره غيرها ‪.‬‬ ‫ل باطل ‪ ،‬إذا ل ْ‬ ‫ك ّ‬
‫ن في مستوى اليقين بلوغ الغاية‬ ‫وإ ّ‬
‫من يجعل طلب الحق عنوان‬ ‫خاة ل ِ َ‬ ‫المتو ّ‬
‫ن يفوز الّناهض‬ ‫ما أ ْ‬ ‫نهضته ‪ ،‬فإّنه إ ّ‬
‫من يتلوه في نهضته حّتى‬ ‫بالظفر أو َ‬
‫سد الماني بالفتح المبين ‪.‬‬ ‫تتج ّ‬
‫وهذا ما نراه من تعاقب الّنهضات تجاه‬
‫لموّيين بالشريعة المطّهرة ‪،‬‬ ‫عبث ا ُ‬
‫فكانت دعوة المختار هي ثارات لل‬
‫مد ‪.‬‬‫مح ّ‬
‫وقام زيد بن علي بن الحسين )ع(‬
‫وولده يحيى داعَيين إلى الرضا من آل‬

‫‪32‬‬
‫مر‬ ‫مد ‪ ،‬وأظهر بقّية الهاشمّيين التذ ّ‬ ‫مح ّ‬
‫سيل‬ ‫جور ووثبوا لسد ّ َ‬ ‫من خلفاء ال َ‬
‫الضلل الجارف ‪.‬‬
‫سَير المعصومين من آل‬ ‫مل في ِ‬ ‫ن التأ ّ‬ ‫وإ ّ‬
‫الرسول ‪ ،‬وما قيضهم المولى سبحانه‬
‫له من كسح أشواك المنكر وإرشاد‬
‫العباد إلى الطريقة المثلى تتجّلى له‬
‫سلم( في هاتيك‬ ‫رغبتهم ‪).‬عليهم ال ّ‬
‫ن الغاية‬‫المحتشدات الدامية ‪ ،‬ل ّ‬
‫مة‬ ‫خاة لهم إّنما هي تعريف ال ُ ّ‬ ‫المتو ّ‬
‫ن‬
‫أحقّيتهم بمنصب الرسول القدس ‪ ،‬وإ ّ‬
‫الدافع لهم عن هذا الحق المجعول لهم‬
‫من الباري عّز اسمه مائل عن الّنهج‬
‫القويم ‪ ،‬وهذا المعنى إّنما يتسّرب إلى‬
‫الدمغة وتلوكه الشداق ؛ بسبب هاتيك‬
‫جة‬‫ح ّ‬‫الثورات في مختلف الصقاع لتتم ال ُ‬
‫مة ‪ ،‬فل يسع أحدا ً العتذار‬ ‫على ال ُ ّ‬
‫بالجهل بالمام المنصوص عليه من‬
‫الّنبي العظم ‪.‬‬
‫مة الهدى‬ ‫وإّنما نشاهد من بعض أئ ّ‬
‫النكار والتبّري من العلوّيين وغيرهم‬
‫جور ‪ ،‬فإّنما هو‬ ‫الخارجين على خلفاء ال َ‬
‫سلطة الغاشمة ؛ كيل‬ ‫للتقّية من ال ّ‬
‫تنسب إليهم الثورة فينالهم مال يحمد‬
‫عقباه ‪.‬‬
‫ُ‬
‫نعم كان في الثائرين اناس اّتخذوا‬
‫خا ً يصطادون به‬ ‫مظلومّية أهل البيت ف ّ‬
‫البسطاء ‪ .‬فابن الزبير الذي كان يشيد‬
‫بذكر الحسين )ع( والظلم الذي جرى‬
‫ما حسب أّنه ملك المر تركه ‪،‬‬ ‫عليه ‪ ،‬ل ّ‬
‫فكان أشد ّ المناوئين لهل البيت ‪).‬عليهم‬
‫سلم( وأظهر ما انحنت عليه جوانحه ‪.‬‬ ‫ال ّ‬
‫فترك الصلة على الّنبي )ص( أربعين‬
‫ن له‬ ‫جمعة فقيل له في ذلك ‪ ،‬قال ‪ :‬إ ّ‬
‫أهل بيت سوء ‪ ،‬إذا ذكرته ‪ ،‬اشرأبت‬
‫ب‬ ‫نفوسهم إليه وفرحوا بذلك ‪ ،‬فل ُاح ّ‬
‫ن ُاقّر أعينهم )‪. (1‬‬ ‫أ ْ‬
‫ولقد جّرأه على ذلك معاوية بن أبي‬
‫ذن‬ ‫ما سمع المؤ ّ‬ ‫سفيان الذي يقول ل ّ‬
‫ن أخا هاشم‬ ‫يشهد بالرسالة ‪ ...) :‬وإ ّ‬
‫ل يوم خمس‬ ‫يصرخ باسمه في ك ّ‬
‫ن محمدا ً رسول الله‬ ‫مّرات ‪ :‬أشهد أ ّ‬

‫‪33‬‬
‫م لك‬ ‫)ص( (‪ ،‬فأيّ عمل يبقى مع هذا ل ا ُ ّ‬
‫‪ ،‬والله إل دفنا ً دفنا )‪.2‬‬
‫ما سمع المأمون بهذا الحديث كتب‬ ‫ول ّ‬
‫إلى الفاق بلعنه على المنابر فأعظم‬
‫مة‬ ‫الّناس ذلك وأكبروه واضطربت العا ّ‬
‫ما كان‬ ‫فُاشير عليه بالترك فأعرض ع ّ‬
‫عليه)‪.3‬‬
‫وأعطف عليه بني العّباس الذين ملوا‬
‫مد‬‫جوّ هتافا ً بالستياء ِلما أصاب آل مح ّ‬ ‫ال َ‬
‫لمنية ‪،‬‬ ‫ما حصلوا على ا ُ‬ ‫ف ‪ ،‬ول ّ‬ ‫يوم الط ّ‬
‫قلبوا لهم ظهر المجن وأبادوهم عن‬
‫جديد الرض ‪ ،‬وكان موسى بن عيسى‬
‫العباسي ‪ ،‬صاحب الوقعة )بفخيقول ‪ :‬لو‬
‫نازعنا الّنبي )ص( هذا المر لضربنا‬
‫سيف)‪.4‬‬ ‫خيشومه بال ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬المقاتل لبي الفرج ص ‪ 165‬ط‬
‫ايران ‪.‬‬
‫)‪2‬شرح النهج الحديدي ج ‪ 2‬ص ‪. 537‬‬
‫)‪3‬مروج الذهب ج ‪ 2‬ص ‪ 343‬آخر أخبار‬
‫المأمون ‪.‬‬
‫)‪4‬مقاتل الطالبيين لبي الفرج ص ‪158‬‬
‫ط ايران ‪.‬‬
‫مة‬ ‫فهؤلء إلى أمثالهم برئت منهم الذ ّ‬
‫مة‬ ‫وانقطعت العصمة وإن استفادت ال ُ ّ‬
‫بنهضتهم من ناحية استئصال شأفة‬
‫أعدائها من آل حرب وُامّية ‪:‬‬
‫طـمعت ابـناء حـرب ان تـرى‬
‫فـيه لـلضيم انـعطافا ً وانـكسارا‬
‫حـاولـت تـصطاد مـنه اجـدل‬
‫ل عـلى الوكر وطارا‬ ‫نـفض الـذ ّ‬
‫ورجــت لـلـخسف أن تـجذبه ارقـما ً‬
‫قـد ألـف الـعّز وجـارا‬
‫كـيف يـعطي بـيد الـهون إلى‬
‫طـاعة الـرجس عن الموت حذارا‬
‫فـأبـى إل الـتـي إن ذكــرت‬
‫هـّزت الـكون انـدهاشا ً وانذعارا‬
‫فـأتى مـن بـأسه فـي جـحفل زحـفه‬
‫سـد ّ عـلى الباغي القفارا‬
‫ولـيوث مـن بـني عـمرو العلى‬
‫لـبسوا الـصبر عـلى الطعن دثارا‬
‫أشـعـروا ضـربا ً بـهيجاء غـدا لـهم‬

‫‪34‬‬
‫فـي ضـنكها الموت شعارا‬
‫ق الـمعالي ومـضوا‬ ‫فـقضوا حـ ّ‬
‫طـاهري العراض لم يدنس عارا‬
‫بـذلـوهـا أنـفـسـا ً غـالـية‬
‫كبرت بالعّز أن ترضى الصغارا )‪( (1‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬من قصيدة للسيد عبد المطلب‬
‫الحلي ‪ ،‬ذكرت بتمامها بترجمته من‬
‫شعراء الحلة للخاقاني ‪.‬‬
‫حديث كربلء‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫ن لقتل‬ ‫قال رسول الله )ص( ‪) ):‬إ ّ‬
‫الحسين حرارة في قلوب المؤمنين ل‬
‫تبرد أبدا ً )‬
‫مستدرك الوسائل ‪. 217 / 2‬‬
‫ل المحرم‬ ‫ه ّ‬
‫ل الـمحّرم فـاستهل مـكّبرا ً‬ ‫هـ ّ‬
‫وانـثر به درر الدموع على الثرى‬
‫وانـظر بـغرته الهلل إذا انجلى‬
‫كرا ً‬ ‫مـتف ّ‬ ‫جعا ً ُ‬ ‫مـسـترجعا ً ُ‬
‫مـتـف ّ‬
‫واخلع شعار الصبر منك وزّر من‬
‫سقام عـليك ثوبا ً أصفرا‬ ‫خـلع الـ ّ‬
‫فـثياب ذي الشـجان ألـقيها به مـا‬
‫حمر الثياب مزررا‬ ‫كـان من ُ‬
‫ّ‬
‫شـهر بـحكم الـدهر فيه تحكمت‬
‫سود في ُاسد الشرى‬ ‫شـر الكلب ال ّ‬
‫لـّلـه أي مـصـيبة نـزلت بـه بـكت‬
‫سماء لـه نجيعا ً أحمرا‬ ‫الـ ّ‬
‫ب دهـى السلم عند وقوعه‬ ‫خـط ٌ‬ ‫َ‬
‫م القرى(‬ ‫ُ‬
‫لـبست عـليه حدادها )ا ّ‬
‫أو ما ترى الحرم الشريف تكاد من‬
‫زفـراته الـجمرات أن تـتسّعرا‬
‫)وأبـا قبيسفي حشاه تصاعدت قـبسات‬
‫وجد حرها يصلي )حرا(‬
‫طمه السى ودرى‬ ‫مبه فح ّ‬ ‫م )الـحطي ُ‬ ‫عـل ِ َ‬
‫َ‬
‫درا‬‫)الـصفابـمصابه فتك ّ‬
‫واسـتشعرت مـنه المشاعر بالبل‬
‫سرا‬ ‫ى وتح ّ‬ ‫وعـفا )مـحسرهاجو ً‬
‫ُقـتل الـحسين فـيا لها من نكبة‬
‫أضحى لها السلم منهدم الذرى )‪(1‬‬
‫شهر المحّرم‬
‫م والـحزن‬ ‫مـحّر ُ‬ ‫م فـيه الـهنا ُ‬ ‫مـحـّر ٌ‬ ‫ُ‬

‫‪35‬‬
‫م‬
‫محت ّ ُ‬‫ض والبكا ُ‬ ‫فـر ٌ‬
‫شـهٌر بـه اليـمان َثل عرشه‬
‫والـكفر بـالسلم بـان بطشه‬
‫هـلله قوس رمى قلب الهدى‬
‫دين في سهم الحتوف والردى‬ ‫وال ّ‬
‫قـد كـان عند الكفر والسلم‬
‫فـيـه الـقتال أعـظم الثـام‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬ديوان معتوق بن شهاب الموسوي‬
‫ط مصر سنة ‪1330‬ه ‪.‬‬
‫سما فـيه‬ ‫ب ال ّ‬ ‫وآل حرب حاربوا ر ّ‬
‫وحـّللوا الدم المحّرما‬
‫وانتهكوا حرمة سادات الحرم وارتكبوا‬
‫سماء دم‬ ‫ما أمطر ال ّ‬
‫سَلما ً‬ ‫يـا آل حـرب ل لقيتم َ‬
‫ول وقـيتم مـن لـسان ذما‬
‫سماء عـلى‬ ‫م في الرض وال ّ‬ ‫ُلـعنت ُ ُ‬
‫لـسان جملة الحياء‬
‫م بـالويل والـثبون وبـالعذاب‬ ‫بـشراك ُ ُ‬
‫يوم َنفخ الصور‬
‫م‬
‫كـم حـرة للمصطفى هتكت ُ ُ‬
‫م‬
‫وكــم دم ِلـولـده سـفكت ُ ُ‬
‫يـا امـة الخذلن والكفران‬
‫وعـصبة الضلل والشيطان‬
‫جده‬ ‫بـأي عـين تبصرون َ‬
‫وقـد فـعلتم مـا فعلتم بعده‬
‫م‬
‫م جزر الضاحي نسله وسـقت ُ ُ‬ ‫جزرت ُ ُ‬
‫سـوق الماء أهله‬
‫م‬‫م احـسان يـوم الفتح نـسيت ُ ُ‬ ‫نـسيت ُ ُ‬
‫فـيه جميل الصفح‬
‫م لول بدور هاشم‬ ‫قـد كـنت ُ ُ‬
‫سـرا ً يضيع في ضلوع كاتم‬
‫بـهم تـسنمتم ذرى المنابر‬
‫كما علوتم صهوة المفاخر )‪(1‬‬
‫يزيد بعد معاوية‬
‫ما هلك معاوية بدمشق للنصف من‬ ‫ل ّ‬
‫رجب سنة ستين هجرية ‪ ،‬كان ابنه يزيد‬
‫حاك بن قيس‬ ‫في حوران ‪ ،‬فأخذ الض ّ‬
‫أكفانه ورقى المنبر ‪ ،‬فقال بعد الحمد‬
‫لله والثناء عليه ‪ :‬كان معاوية سور‬
‫دهم ‪ ،‬قطع الله به‬ ‫العرب وعونهم وج ّ‬
‫الفتنة ومّلكه على العباد وفتح به البلد ‪،‬‬

‫‪36‬‬
‫إل أّنه قد مات وهذه أكفانه فنحن‬
‫ّ‬
‫مدرجوه فيها ‪ ،‬ومدخلوه قبره ومخلون‬
‫م هو البرزخ إلى يوم‬ ‫بينه وبين عمله ‪ ،‬ث ّ‬
‫ن يشهد‬ ‫من كان منكم يريد أ ْ‬ ‫القيامة ‪ ،‬ف َ‬
‫فليحضر ‪.‬‬
‫حاك ‪ ،‬ودفنه بمقابر‬ ‫م صّلى عليه الض ّ‬ ‫ث ّ‬
‫باب الصغير وأرسل البريد إلى يزيد‬
‫يعّزيه بأبيه ‪ ،‬والسراع في القدوم ؛‬
‫ة مجددةً من الّناس)‪ ،2‬وكتب‬ ‫ليأخذ بيع ً‬
‫في أسفل الكتاب)‪:3‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬المقبولة الحسينية ص ‪ 9‬للحجة آية‬
‫دس‬ ‫الله الشيخ هادي كاشف الغطاء ق ّ‬
‫سره ‪.‬‬
‫)‪2‬البداية والنهاية لبن كثير ‪. 143 / 8‬‬
‫)‪3‬مقتل الخوارزمي ج ‪ 1‬ص ‪. 178‬‬
‫ااا ااا ااا ااااا ااااا اااا‬
‫ا ااااا ااااا اااا ااا اااا‬
‫ااااا ااا ااااااا ااااا اااا‬
‫اااااااااا ااااااا ااا اااا‬
‫فلما قرأ يزيد الكتاب أنشأ يقول )‪: (1‬‬
‫ب به‬‫جـاء الـبريد بقرطاس يخ ّ‬
‫فـأوجس القلب من قرطاسه فزعا‬
‫قـلنا لك الويل ماذا في صحيفتكم قـال‬
‫الخليفة أمـسى مثقل وجعا‬
‫مادت بنا الرض أو كادت تميد بنا‬
‫كـأن مـا عـّز من أركانها انقلعا‬
‫من لم تزل نفسه توفي على وجل‬
‫تـوشك مقادير تلك النفس أن تقعا‬
‫لـما وردت وباب القصر منطبق‬
‫لـصوت رملة هُد ّ القلب فانصدعا‬
‫وسار إلى دمشق ‪ ،‬فوصلها بعد ثلثة‬
‫حاك‬ ‫أيام من دفن معاوية)‪ ،2‬وخرج الض ّ‬
‫ما وافاهم يزيد‬ ‫في جماعة لستقباله ‪ ،‬فل ّ‬
‫حاك أول ً إلى قبر أبيه ‪،‬‬ ‫جاء به الض ّ‬
‫فصّلى عند القبر ‪.‬‬
‫م دخل البلد ورقى المنبر ‪ ،‬وقال ‪ :‬أّيها‬ ‫ث ّ‬
‫ً‬
‫الّناس ‪ ،‬كان معاوية عبدا من عبيد الله ‪،‬‬
‫م قبضه إليه ‪ .‬وهو خير‬ ‫أنعم الله عليه ث ّ‬
‫كيه على‬ ‫من بعده ودون من قبله ‪ .‬ول أز ّ‬
‫ل ؛ فإّنه أعلم به ‪ ،‬إن عفا‬ ‫الله عّز وج ّ‬
‫عنه فبرحمته ‪ ،‬وإن عاقبه فبذنبه ‪ .‬وقد‬

‫‪37‬‬
‫ت آسى على‬ ‫ت المر من بعده ‪ ،‬ولس ُ‬ ‫وّلي ُ‬
‫طلب ‪ ،‬ول أعتذر من تفريط ‪ ،‬وإذا أراد‬
‫الله شيئا ً كان ‪ .‬ولقد كان معاوية يغزو‬
‫ت حامل ً أحدا ً‬ ‫بكم في البحر ‪ ،‬وإّني لس ُ‬
‫من المسلمين في البحر ‪ .‬وكان يشتيكم‬
‫ت مشتيا ً أحدا ً بأرض‬ ‫بأرض الروم ‪ ،‬ولس ُ‬
‫ً‬
‫الروم ‪ .‬وكان يخرج عطاءكم أثلثا ‪ ،‬وأنا‬
‫أجمعه كّله لكم)‪.3‬‬
‫فلم يقدم أحد على تعزيته حّتى دخل‬
‫سلولي ‪،‬‬ ‫عليه عبد الله بن همام ال ّ‬
‫فقال ‪ :‬يا أمير المؤمنين ‪ ،‬آجرك الله‬
‫على الرزّية ‪ ،‬وبارك لك في العطّية ‪،‬‬
‫وأعانك على الرعّية ‪ ،‬فقد رزئت عظيما ً‬
‫وُاعطيت جسيما ً ‪ ،‬فاشكر الله على ما‬
‫ُاعطيت ‪ ،‬واصبر على ما رزئت ‪ .‬فقد‬
‫ت خليفة الله وُاعطيت خلفة الله ‪،‬‬ ‫فقد ّ‬
‫ففارقت جليل ً ووهبت جزيل ً ‪ ،‬إذ قضى‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬الغاني ج ‪ 16‬ص ‪ 34‬طبعة دي‬
‫ساسي ‪.‬‬
‫)‪2‬مقتل الخوارزمي ج ‪ 1‬ص ‪ 178‬وفي‬
‫الستيعاب على هامش الصابة بترجمة‬
‫معاوية عن الشافعي ‪ :‬أن معاوية لما‬
‫ثقل كتب إلى يزيد وكان غائبا ً يخبره‬
‫بحاله فأنشأ يزيد يقول وذكر أربع أبيات‬
‫الول والثالث واثنان لم يذكرا هنا ‪.‬‬
‫)‪3‬البداية لبن كثير ج ‪ 8‬ص ‪. 143‬‬
‫معاوية نحبه ‪ ،‬ووّليت الرياسة وُاعطيت‬
‫سرور‬ ‫سياسة ‪ ،‬فاورده الله موارد ال ّ‬ ‫ال ّ‬
‫م أنشأ ‪:‬‬ ‫ووفقك لصالح المور ‪ ،‬ث ّ‬
‫إصـبر يـزيد فقد فارقت ذا كرم‬
‫واشـكر حباء الذي بالملك أصفاك‬
‫ل رزء أصبح في القوام قد علموا‬
‫كـما رزئـت ول عـقبى كعقباك‬
‫م‬
‫أصـبحت راعي أهل الدين كلهُ ُ‬
‫م والله يـرعاك‬ ‫فـأنـت تـرعاهُ ُ‬
‫وفـي مـعاوية الـباقي لنا خلف إذا‬
‫نـعيت ول نـسمع بـمنعاك‬
‫فانفتح بذلك للخطباء )‪ ، (1‬وقال له‬
‫سلم عليك يا أمير‬ ‫رجل من ثقيف ‪ :‬ال ّ‬
‫المؤمنين ورحمة الله وبركاته ‪ ،‬إّنك قد‬
‫ُفجعت بخير الباء ‪ ،‬وُاعطيت جميع‬

‫‪38‬‬
‫الشياء ‪ ،‬فاصبر على الرزّية ‪ ،‬واحمد‬
‫حسن العطّية ‪ ،‬فل أحد ُاعطي‬ ‫الله على ُ‬
‫كما ُاعطيت ول رزئ كما رزئت ‪.‬‬
‫وأقبل الناس عليه يهّنئونه ويعّزونه فقال‬
‫دين ‪،‬‬ ‫يزيد ‪ :‬نحن أنصار الحقّ وأنصار ال ّ‬
‫ن الخير لم‬ ‫وأبشروا يا أهل الشام ‪ ،‬فإ ّ‬
‫يزل فيكم وستكون بيني وبين أهل‬
‫العراق ملحمة ؛ وذلك إّني رأيت في‬
‫ن بيني وبين‬ ‫منامي منذ ثلث ليال كأ ّ‬
‫طرد بالدم جريا ً شديدا ً‬ ‫أهل العراق نهرا ً ي ّ‬
‫ت أجهد نفسي لجوزه فلم أقدر‬ ‫‪ ،‬وجعل ُ‬
‫حّتى جازه بين يدي عبيد الله بن زياد‬
‫وأنا أنظر إليه ! ‪.‬‬
‫فصاح أهل الشام إمض بنا حيث شئت ‪،‬‬
‫معك سيوفنا التي عرفها أهل العراق‬
‫فين ‪ ،‬فجزاهم خيرا ً وفّرق فيهم‬ ‫في ص ّ‬
‫أموال ً جزيلة ‪.‬‬
‫مال في البلدان يخبرهم‬ ‫وكتب إلى الع ّ‬
‫م‬
‫بهلك أبيه ‪ ،‬وأقّرهم على عملهم ‪ ،‬وض ّ‬
‫العراَقين إلى عبيد الله بن زياد ـ بعد أن‬
‫أشار عليه بذلك سرجون مولى معاوية ـ‬
‫‪ ،‬وكتب إلى الوليد بن عتبة وكان على‬
‫المدينة ‪:‬‬
‫ً‬
‫ن معاوية كان عبدا من عباد‬ ‫ما بعد ‪ ،‬فإ ّ‬ ‫أ ّ‬
‫م‬ ‫ّ‬
‫الله أكرمه واستخلصه ومكن له ‪ ،‬ث ّ‬
‫قبضه إلى روحه و ريحانه ورحمته‬
‫وعقابه ‪ ،‬عاش بقدر ومات بأجل ‪ ،‬وقد‬
‫ي وأوصاني بالحذر من آل‬ ‫كان عَهَد َ إل ّ‬
‫أبي تراب ؛ لجرأتهم على سفك الدماء ‪،‬‬
‫ن الله تبارك وتعالى‬ ‫ت يا وليد أ ّ‬ ‫وقد علم َ‬
‫منتقم للمظلوم عثمان بآل أبي سفيان ؛‬
‫لّنهم أنصار الحقّ وطلب العدل ‪ ،‬فإذا‬
‫ورد عليك كتابي هذا ‪ ،‬فخذ البيعة على‬
‫أهل المدينة ‪.‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬البيان والتبيين للجاحظ ‪، 109 / 2‬‬
‫ط ‪ ، 2‬باب وصية معاوية ‪ ،‬وكامل‬
‫المبرد ‪ ، 300 / 3‬والعمدة لبن رشيق‬
‫‪ ، 148 / 2‬باب الرثاء )وبينهم اختلف‬
‫يسير ‪ ،‬والعقد الفريد لبن عبد رّبه ‪/ 2‬‬
‫‪ ، 309‬باب طلب معاوية البيعة ليزيد ‪.‬‬
‫م أرفق الكتاب بصحيفة صغيرة فيها ‪:‬‬ ‫ث ّ‬

‫‪39‬‬
‫خذ الحسين وعبد الله بن عمر وعبد‬ ‫ُ‬
‫الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير‬
‫ب‬
‫من أبى فاضر ْ‬ ‫بالبيعة أخذا ً شديدا ً ‪ ،‬و َ‬
‫ي برأسه )‪! (1‬‬ ‫عنقه ‪ ،‬وابعث إل ّ‬
‫مة ‪ ،‬فبعث على‬ ‫وقام العامل بهذه المه ّ‬
‫الحسين وابن الزبير نصف الليل ‪ ،‬رجاء‬
‫ن يغتنم الفرصة بمبايعتهما قبل‬ ‫أ ْ‬
‫الّناس ‪ ،‬فوجدهما رسوله عبد الرحمن‬
‫فان)‪2‬في‬ ‫بن عمرو بن عثمان بن ع ّ‬
‫مسجد الّنبي )ص( (‪ ،‬فارتاب ابن الزبير‬
‫من هذه الدعوة التي لم تكن في الوقت‬
‫جة‬‫ح ّ‬ ‫الذي يجلس فيه للناس)‪ ،3‬لكن ُ‬
‫الوقت )حسين الصلح أوقفه على أمر‬
‫غيبي ‪ ،‬وهو هلك معاوية ‪ ،‬وأّنه يطلب‬
‫منهم البيعة ليزيد وأّيده )ع( بما رآه في‬
‫المنام من اشتعال الّنيران في دار‬
‫ن منبره منكوس)‪.4‬‬ ‫معاوية ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ورام ابـن ميسون على الدين امرة‬
‫فـعاثت بـدين الله جهرا ً جرائمه‬
‫ن‬
‫م ْ‬ ‫دين شبل َ‬ ‫فـقام مغيثا ً شرعة ال ّ‬
‫بـصمصامه بـدءا ً اقيمت دعائمه‬
‫س معشر نـمته‬ ‫ص النا َ‬ ‫ف به )إذ مح ّ‬ ‫وح ّ‬
‫إلى اوج الـمعالي مكارمه‬
‫فـمن اشوس ينميه للطعن )حيدر‬
‫وينميه جد في قرى الطير )هاشمه(‬
‫ورهط تفانى في حمى الدين لم تهن‬
‫لـقـلته بـين الـجموع عـزائمه‬
‫إلى أن قضوا دون الشريعة صّرعا ً‬
‫كما صرعت دون العرين ضراغمه‬
‫أراد ابن هند خاب مسعاه أن يرى‬
‫)حسينابأيدي الضيم تلوى شكائمه‬
‫ولـكن أبـى المجد المؤثل والبا لـه‬
‫ل ثـوبا ً والحسام ينادمه‬ ‫الـذ ّ‬
‫طهر ا ُ ّ‬
‫مه‬ ‫أبـوه عـلي وابـنة الـ ّ‬
‫جـد ّ وجـبريل خادمه‬ ‫وطـه لـه َ‬
‫إلـى ابن سمي وابن ميسون ينثني‬
‫سيف في اليد قائمه‬ ‫يـمد ّ يـدا ً والـ ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مقتل الخوارزمي ‪ 178 / 1‬ـ‬
‫‪ ، 180‬طبع النجف ‪ ،‬وقد أشرنا في‬
‫سر في إنشاء هذا‬ ‫دمة إلى ال ّ‬ ‫المق ّ‬
‫الكتاب الصغير فاقرأه ‪.‬‬

‫‪40‬‬
‫)‪2‬ابن عساكر ‪. 327 / 4‬‬
‫)‪3‬الطبري ‪. 189 / 6‬‬
‫)‪4‬مثير الحزان لبن نما ‪ ، 10 /‬ومقتل‬
‫الخوارزمي ‪ 182 / 1‬الفصل الثامن ‪ .‬ول‬
‫ن رؤيا المام )ع( مشاهدة‬ ‫يخفى أ ّ‬
‫لحقيقة الحال ‪ ،‬إبصار بنور المامة الذي‬
‫ل تمنعه الحواجز عن ادراك ما في‬
‫ونه الله‬ ‫من ك ّ‬ ‫الكون ‪ ،‬ول بدع في ذلك م ّ‬
‫جة على العالمين ‪ ،‬فهو )ع( في‬ ‫ح ّ‬‫تعالى ُ‬
‫مقام الكناية عن نكوس منبره بانقلب‬
‫المر من يده وانقطاع شهواته بهلكه ‪،‬‬
‫واشتعال النيران كناية عن احتدام الفتن‬
‫ف ‪ ،‬و واقعة الحرة ‪،‬‬ ‫بمثل فاجعة الط ّ‬
‫وهدم البيت الحرام إلى أمثالها ‪.‬‬
‫فصال عليهم صولة الليث مغضبا ً وعسا‬
‫له خصم النفوس وصارمه‬
‫كم فـي أعـناقهم نافذ القضا صقيل ً‬ ‫فـح ّ‬
‫فل يستأنف الحكم حاكمه‬
‫ضا ً ولم يكن‬‫الى أن أعاد الدين غ ّ‬
‫سبط تسقى معالمه )‪( (1‬‬ ‫بغير دماء ال ّ‬
‫ضح لبن الزبير ما عزم عليه‬ ‫وو ّ‬
‫الحسين من ملقاة الوالي في ذلك‬
‫الوقت ‪ ،‬فأشار عليه بالترك حذار‬
‫الغيلة ‪ ،‬فعّرفه الحسين )ع( القدرة على‬
‫المتناع)‪.2‬‬
‫وصار إليه الحسين في ثلثين)‪3‬من‬
‫مواليه وأهل بيته وشيعته ‪ ،‬شاكين‬
‫سلح ‪ ،‬ليكونوا على الباب فيمنعونه‬ ‫بال ّ‬
‫إذا عل صوته)‪4‬وبيده قضيب رسول الله‬
‫ما استقّر المجلس بأبي عبد‬ ‫)ص( ‪ .‬ول ّ‬
‫الله )ع( ‪ ،‬نعى الوليد إليه معاوية ‪ ،‬ثم‬
‫عرض عليه البيعة ليزيد ‪ ،‬فقال )ع( ‪:‬‬
‫ت الّناس‬ ‫))مثلي ل يبايع سّرا ً ‪ ،‬فإذا دعو َ‬
‫إلى البيعة دعوتنا معهم ‪ ،‬فكان أمرا ً‬
‫واحدا ً )‪.5‬‬
‫فاقتنع الوليد منه ‪ ،‬لكن مروان ابتدر‬
‫ساعة ولم يبايع ‪ ،‬لم‬ ‫قائل ً ‪ :‬إن فارقك ال ّ‬
‫تقدر منه على مثلها حّتى تكثر القتلى‬
‫بينكم ‪ ،‬ولكن احبس الرجل حّتى يبايع أو‬
‫تضرب عنقه ‪.‬‬
‫فقال الحسين ‪)) :‬يابن الزرقاء)‪6‬أنت‬
‫تقتلني أم هو ؟! كذبت وأثمت )‪.7‬‬

‫‪41‬‬
‫____________________________‬
‫مد‬‫)‪ (1‬من قصيدة للعلمة الشيخ مح ّ‬
‫تقي آل صاحب الجواهر ‪.‬‬
‫)‪2‬ابن الثير ‪. 6 / 4‬‬
‫)‪3‬اللهوف للسّيد رضي الدين ابن‬
‫طاووس ‪.‬‬
‫)‪4‬مقتل الخوارزمي ‪ 183 / 1‬الفصل‬
‫الثامن ‪.‬‬
‫)‪5‬الطبري ‪. 189 / 6‬‬
‫)‪6‬في تذكرة الخواص لسبط ابن‬
‫الجوزي ‪ ، 229 /‬طبع ايران ‪ ،‬والداب‬
‫دة‬ ‫السلطانية للفخري ‪ ، 88 /‬كانت ج ّ‬
‫مروان من البغايا ‪.‬‬
‫وفي كامل ابن الثير ‪ ، 75 / 4‬كان‬
‫الناس يعّيرون ولد عبد الله بن مروان‬
‫بالزرقاء بنت موهب ؛ لّنها من‬
‫المومسات ومن ذوات الرايات ‪.‬‬
‫وفي تاريخ ابن عساكر ‪ ، 407 / 7‬جرى‬
‫كلم بين مروان وعبد الله بن الزبير‬
‫فقال له عبد الله ‪ :‬وإنك لههنا يابن‬
‫الزرقاء ‪.‬‬
‫وفي أنساب الشراف للبلذري ‪/ 5‬‬
‫‪ ، 129‬قال عمرو بن العاص لمروان ـ‬
‫في كلم جرى بينهما ـ ‪ :‬يابن الزرقاء ‪،‬‬
‫فقال مروان ‪ :‬إن كانت زرقاء ‪ ،‬فقد‬
‫أنجبت وأدت الشبه إذا لم تؤده غيرها ‪.‬‬
‫وفي تاريخ الطبري ‪ ، 16 / 8‬كان مروان‬
‫مد بن الشعث يقول ‪ :‬لم يزل بنو‬ ‫بن مح ّ‬
‫مروان يعّيرون بالزرقاء وان بني العاص‬
‫من أهل )ص( فورية(‪.‬‬
‫ن أدب الشريعة وإن حرج‬ ‫غير خفي أ ّ‬
‫على المؤمن التنابز باللقاب والطعن‬
‫من تستفاد منه الحكم‬ ‫في النساب ‪ ،‬و َ‬
‫ن‬‫والداب اللهّية أحرى بالخذ بها ‪ ،‬إل أ ّ‬
‫جة على الخليفة العارف‬ ‫ح ّ‬
‫مة وال ُ‬ ‫إمام ال ُ ّ‬
‫دى هذه المقررات ‪،‬‬ ‫بالملبسات ل يتع ّ‬
‫وابتعادنا عن مقتضيات أحوال ذلك‬
‫الزمن يلزمنا بالتسليم للمام المعصوم‬
‫ل ما يصدر منه خصوصا ً مع‬ ‫)ع( في ك ّ‬
‫مطابقته للقرآن العزيز الذي هو مصدر‬
‫الحكام ‪ ،‬والتعيير الصادر من الحسين‬
‫لمروان صدر مثله من الجليل عّز شأنه‬

‫‪42‬‬
‫مع الوليد بن المغيرة المخزومي إذ‬
‫ل‬‫يقول في سورة القلم ‪) : 13 /‬ع( ت ُ ّ‬
‫ك َزِنيم ٍ والزنيم ‪ ،‬في اللغة ‪:‬‬ ‫ب َعْد َ ذ َل ِ َ‬
‫الدعي في النسب ‪ ،‬اللصيق به ‪.‬‬
‫و ورد في حديث الّنبي )ص( كما في‬
‫كنز العمال ‪)) : 156 / 1‬العتل الزنيم ‪:‬‬
‫الفاحش اللئيم (‪.‬‬
‫ويروي اللوسي في روح المعاني ‪/ 29‬‬
‫دعاه بعد ثمان‬ ‫ن أباه المغيرة ا ّ‬‫‪ : 28‬إ ّ‬
‫عشرة سنة من مولده ‪.‬‬
‫فإذا كان )ينبوع الدب والسراريغمز في‬
‫مه بالقبيح في كتابه‬ ‫حقّ رجل معّين ويس ّ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الذي يتلى في المحاريب ليل ونهارا ‪ ،‬فل‬
‫يستغرب من ابن النبوة إذا رمى مروان‬
‫بالشائنة ‪ ،‬وهو ذلك المترّبص بهم‬
‫الغوائل ‪.‬‬
‫)‪7‬تاريخ الطبري ‪ ،‬وابن الثير ‪ ،‬والرشاد‬
‫‪ ،‬وإعلم الورى ‪.‬‬
‫وة ‪ ،‬ومعدن‬ ‫ثم أقبل )ع( على الوليد وقال ‪)) :‬أيها المير ‪ ،‬إّنا أهل بيت النب ّ‬
‫الرسالة ‪ ،‬ومختلف الملئكة ‪ ،‬بنا فتح الله وبنا يختم ‪ .‬ويزيد رجل شارب‬
‫الخمور ‪ ،‬وقاتل الّنفس المحّرمة ‪ ،‬معلن بالفسق ‪ ،‬ومثلي ل يبايع مثله ‪ ،‬ولكن‬
‫نصبح وتصبحون ‪ ،‬وننظر وتنظرون أّينا أحقّ بالخلفة ( )‪. (1‬‬
‫فأغلظ الوليد في كلمه ‪ ،‬وارتفعت الصوات ‪ ،‬فهجم تسعة عشر رجل ً قد انتضوا‬
‫خناجرهم وأخرجوا الحسين إلى منزله قهرًا)‪.2‬‬
‫كنك على مثلها ‪ .‬قال الوليد ‪ :‬وَّبخ‬ ‫فقال مروان للوليد ‪ :‬عصيتني ‪ ،‬فولله ل يم ّ‬
‫ن قال ل ُابايع !‬‫غيرك يا مروان ! اخترت لي ما فيه هلك ديني ‪ ،‬أقتل حسينا ً أ ْ‬
‫والله ل أظن امرءا ً يحاسب بدم الحسين إل خفيف الميزان يوم القيامة)‪ ،3‬ول‬
‫كيه ‪ ،‬وله عذاب أليم)‪.4‬‬ ‫ينظر الله إليه ‪ ،‬ول يز ّ‬
‫ما‬
‫وعتبت أسماء بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ‪ ،‬امرأة الوليد عليه ؛ ل ّ‬
‫ن‬
‫ب أباه إ ْ‬ ‫سب ‪ ،‬قالت ‪ :‬أتسّبه وتس ّ‬ ‫جرى منه مع الحسين ‪ ،‬فاعتذر بأّنه بدأه بال ّ‬
‫سّبك ! فقال ‪ :‬ل أفعل أبدًا)‪.5‬‬
‫ده )ص( (‪ ،‬فسطع له نور من القبر)‪6‬فقال ‪:‬‬ ‫وفي هذه الليلة زار الحسين قبر ج ّ‬
‫سلم عليك يا رسول الله ‪ ،‬أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك ‪،‬‬ ‫))ال ّ‬
‫ي الله أّنهم خذلوني ولم‬ ‫متك ‪ ،‬فاشهد عليهم يا نب ّ‬ ‫وسبطك الذي خّلفتني في ا ُ ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مثير الحزان لبن نما الحّلي ‪ ،‬من أعلم القرن السادس ‪.‬‬
‫)‪2‬مناقب ابن شهرآشوب ‪. 208 / 2‬‬
‫)‪3‬تاريخ الطبري ‪. 19 / 6‬‬
‫)‪4‬اللهوف ‪. 13 /‬‬
‫)‪5‬ابن عساكر ‪. 328 / 4‬‬
‫)‪6‬امالي الصدوق ‪ 93 /‬المجلس الثلثون ‪.‬‬
‫يحفظوني ‪ ،‬وهذه شكواي إليك حّتى ألقاك (‪ ،‬ولم يزل راكعا ً وساجدا ً حّتى‬

‫‪43‬‬
‫الصباح )‪. (1‬‬
‫وأرسل الوليد من يتعّرف له خبر الحسين ‪ ،‬وحيث لم يصبه الرسول في منزله ‪،‬‬
‫اعتقد أّنه خارج من المدينة ‪ ،‬فحمد الله على عدم ابتلئه به ‪.‬‬
‫وعند الصباح لقي مروان أبا عبد الله )ع( ‪ ،‬فعرفه النصيحة التي يدخرها‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مقتل العوالم ص ‪ 54‬والبحار ج ‪ 10‬ص ‪ 172‬عن محمد بن أبي طالب إن‬
‫مسألة وجود النبياء والوصياء في قبورهم أو أنهم مرفوعون إلى السماء محل‬
‫الخلف لختلف الثار ‪ .‬ففي كامل الزيارات والتوحيد والمجالس والعيون‬
‫والخصال للصدوق والخرايجك للراوندي والبصائر ص ‪ 130‬أخبار دلت على‬
‫وجود نبينا )صّلى الله عليه وآله( وعلي والحسين ونوح وشعيب وخالد العبسي‬
‫ويوشع بن نون وعظام آدم وعظام يوسف وعظم النبي المذكور في خبر‬
‫الستسقاء في الرض وإنها أول ما تنشق عن نبينا )صّلى الله عليه وآله( ولهذه‬
‫الخبار اختار السيد محمود بن فتح الله الحسيني الكاظمي في رسالة كتبها في‬
‫المسألة انهم موجودون في قبورهم ‪ ،‬ولكن في كامل الزيارات ص ‪ 390‬باب‬
‫‪ 108‬وتهذيب الطوسي آخر المزار باب الزيارات ما من نبي أو وصي يبقى في‬
‫الرض أكثر من ثلثة أيام حتى ترفع روحه وعظمه إلى السماء ‪ ،‬وفي تهذيب‬
‫الشيخ الطوسي ل يبقى اكثر من أربعين يوما ً فيرفع إلى السماء ‪ .‬والختلف‬
‫بينهما أما لبيان الغاية في القلة والكثرة أو للختلف في مراتبهم ‪ ،‬وفي شرح‬
‫الربعين للمجلسي ص ‪ 76‬جمع آخر بين الخبرين وهو أن بعضهم يرفع بعد‬
‫الثلثة وبعضهم بعد الربعين ‪ .‬واحتمل أن تكون الخبار واردة لقطع طمع‬
‫الخوارج عن النبش ‪ .‬وممن وافق على رفع الجساد الصلية الشيخ المفيد في‬
‫المقالت ص ‪ 84‬والكراجكي في كنز الفوائد ص ‪ 258‬والمجلسي في مرآة‬
‫العقول ج ‪ 1‬ص ‪ 373‬والشيخ يوسف البحراني في الدرة النجفية ص ‪266‬‬
‫والمحدث النوري في دار السلم ج ‪ 2‬ص ‪ 331‬وذهب الفيض في )الوافيالى‬
‫أنهم يرتفعون بالجساد المثالية وتبقى العنصرية في الرض‪ ،‬وفي مرآة العقول‬
‫ج ‪ 1‬ص ‪ 227‬أن جماعة ذهبوا الى رجوعهم الى ضرائحهم بعد الرفع ‪.‬‬
‫ولما سأل ابن الحاجب شيخنا المفيد عن معنى حضور الوافدين الى هذه‬
‫الضرائح ؟ حينئذ أجابه الشيخ المفيد بأنه انما جاء العباد الى محال قبورهم وان‬
‫لم يكونوا فيها اكبارا ً لهم وتقديسا ً للمواضع التي حلوا فيها ثم ارتفعوا عنها وهذا‬
‫مثل تبعد الله العباد بالسعي الى بيته الحرام مع انه سبحانه ل يحويه مكان‬
‫وانما ذلك ذلك تعظيم له وتجليل لمقامه جل شأنه ‪.‬‬
‫وفي الفتاوى الحديثية لبن حجر في ‪ 213‬عن ابن العربي ان النبياء ترد اليهم‬
‫أرواحهم في القبور ويؤذن لهم في الخروج والتصرف في الملكوت العلوي أو‬
‫السفلي فل مانع من أن يرى النبي )صّلى الله عليه وآله( الكثيرون لنه‬
‫كالشمس ‪ .‬وفي وفاء الوفاء للسمهودي ج ‪ 2‬ص ‪ 407‬الفصل الثاني في بنية‬
‫المزارات روى عنه انه )صّلى الله عليه وآله( قال ‪ :‬ما من نبي دفن ال وقد رفع‬
‫بعد ثلث غيري فاني سألت الله تعالى أن أكون بينكم إلى يوم القيامة وروى‬
‫عبد الرزاق ان سعيد بن المسيب رأى قوما ً يسلمون على النبي )صّلى الله‬
‫عليه وآله( فقال ‪ :‬ما مكث نبي في الرض أكثر من أربعين ‪ ...‬وفي روح‬
‫المعاني لللوسي ج ‪ 2‬ص ‪ 37‬سورة الحزاب آية )ما كان محمدا ًَ أبا أحد من‬
‫رجالكمأحاديث عن أنس قال )صّلى الله عليه وآله( ما من نبي يموت فيقيم في‬
‫قبره إل أربعين صباحا ً ‪ .‬وعن سعيد بن المسيب وأبي المقدم ثابت بن هرمز ما‬

‫‪44‬‬
‫مكث نبي في الرض أكثر من أربعين يوما ً ‪ ..‬ومن الخبار ما ذكره امام‬
‫الحرمين في النهاية والرافعي في الشرح ان النبي قال ‪ :‬أنا أكرم على ربي أن‬
‫يتركني في قبري بعد ثلث ‪ ..‬زاد امام الحرمين وروى أكثر من يومين ونقل عن‬
‫القاضي ابن العربي والروض ‪ :‬ان النبياء ترد اليهم أرواحهم بعد ما قبضوا‬
‫ويؤذن لهم في الخروج من قبورهم والتصرف في الملكوت العلوي والسفلي ‪،‬‬
‫ثم ذكر رأيه ‪.‬‬
‫دين والدنيا ‪ ،‬فاسترجع الحسين‬ ‫ن فيها خير ال ّ‬ ‫لمثاله ‪ ،‬وهي البيعة ليزيد ؛ فإ ّ‬
‫مة براع مثل يزيد ‪ ،‬ولقد سمعت‬ ‫ُ‬
‫سلم ؛ إذا بليت ال ّ‬ ‫وقال ‪)) :‬ع( لى السلم ال ّ‬
‫دي رسول الله )ص( يقول ‪ :‬الخلفة محّرمة على آل أبي سفيان )‪ ، (1‬فاذا‬ ‫ج ّ‬
‫رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه ‪ ،‬وقد رآه أهل المدينة على المنبر فلم‬
‫يبقروا فابتلهم الله بيزيد الفاسق (‪ ،‬وطال الحديث بينهما حّتى انصرف مروان‬
‫مغضبًا))‪.2‬‬
‫م‪،‬‬ ‫ده ‪ ،‬وصّلى ركعات ثم قال ‪)) :‬الله ّ‬ ‫وفي الليلة الثانية جاء الحسين إلى قبر ج ّ‬
‫مد )ص( وأنا ابن بنت نبّيك ‪ ،‬وقد حضرني من المر ما قد‬ ‫ن هذا قبر نبّيك مح ّ‬ ‫إ ّ‬
‫كر المنكر ‪ ،‬وأسألك يا ذا الجلل والكرام‬ ‫ب المعروف وُان ِ‬ ‫م إّني ُاح ّ‬ ‫علمت ‪ ،‬الله ّ‬
‫ى (‪ ،‬وبكى ‪.‬‬ ‫ى ولرسولك رض ً‬ ‫من فيه إل اخترت لي ما هو لك رض ً‬ ‫بحقّ القبر و َ‬
‫ما كان قريبا ً من الصبح وضع رأسه على القبر فغفا ‪ ،‬فرأى رسول الله )صّلى‬ ‫ول ّ‬
‫م‬
‫ديه ‪ ،‬فض ّ‬ ‫الله عليه وآله( في كتيبة من الملئكة عن يمينه وشماله وبين ي َ‬
‫الحسين إلى صدره وقّبل ما بين عينيه ‪ ،‬وقال ‪ :‬حبيبي يا حسين ‪ ،‬كأّني أراك‬
‫متي ‪ ،‬وأنت مع‬ ‫مل ً بدمائك ‪ ،‬مذبوحا ً بأرض كربل بين عصابة من ا ُ ّ‬ ‫عن قريب مر ّ‬
‫ذلك عطشان ل ُتسقى ‪ ،‬وظمآن ل تروى ‪ ،‬وهم بعد ذلك يرجون شفاعتي ‪ ،‬ل‬
‫مك وأخاك قدموا‬ ‫ن أباك وا ُ ّ‬ ‫أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة ! حبيبي يا حسين ‪ ،‬إ ّ‬
‫ن يأخذه معه ويدخله في‬ ‫ده أ ْ‬‫ي وهم مشتاقون إليك ‪ .‬فبكى الحسين وسأل ج ّ‬ ‫عل ّ‬
‫قبره ‪.‬‬
‫ن يمضي ولده على حال أربى في نيل الجزاء‬ ‫ولكن الرسول القدس أبى إل أ ْ‬
‫ن ترزق الشهادة ؛‬ ‫وآثر عند الجليل سبحانه يوم الخصام فقال )ص( ‪ :‬لبد أ ْ‬
‫م أبيك‬ ‫مك وع ّ‬ ‫ليكون لك ما كتب الله فيها من الثواب العظيم ‪ ،‬فاّنك وأباك وع ّ‬
‫تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حّتى تدخلوا الجّنة ‪.‬‬
‫ص رؤياه على أهل بيته فاشتد حزنهم وكثر بكاؤهم)‪3‬‬ ‫فانتبه الحسين وق ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬اللهوف ‪ ، 13 /‬ومثير الحزان ‪. 10 /‬‬
‫)‪2‬مقتل الحوارزمي ‪ ، 185 / 1‬الفصل التاسع ‪.‬‬
‫مر بيان لمقتضى‬ ‫مد بن أبي طالب ‪ ،‬وهذا التذ ّ‬ ‫)‪3‬مقتل العوام ‪ ، 54 /‬عن مح ّ‬
‫ن في مشاهدة تلكم الحوال من تداول المنكرات وإزهاق‬ ‫الحال وتعليم لل ُ ّ‬
‫مة بأ ّ‬
‫ما يستهان معه الموت ‪ ،‬وذلك بقضاء من الشهامة والتعّرق في‬ ‫المعروف م ّ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الدين ‪ ،‬ولم يكن هذا من سّيد الشهداء نكوصا عن الفضل ول جزعا ـ وحاشاه ـ‬
‫كدة وهو جد ّ عليم بأّنه‬ ‫در له ورضى به ‪ ،‬وأخذ عليه العهد والمواثيق المؤ ّ‬ ‫ما ق ّ‬ ‫م ّ‬
‫ده )ص(‬ ‫ن دعاء ج ّ‬ ‫ن أبي الضيم حسب أ ّ‬ ‫لبد ّ من وقوع ما جرت به المقادير ‪ ،‬لك ّ‬
‫ن الله تعالى أجرى قضاءه بإعطائه‬ ‫دعوة اللهّية أ ّ‬ ‫بغير القضاء فعرفه صاحب ال ّ‬
‫سبط الشهيد‬ ‫ل حرف من قضّية ال ّ‬ ‫صل إل مع الشهادة ‪ .‬وفي ك ّ‬ ‫منازل ل تح ّ‬
‫من يعتبر بها أو يدرسها ؟‬ ‫مة َ‬ ‫دروس راقية ‪ ،‬وهل في ال ُ ّ‬
‫وة‬‫وعلموا قرب الموعد الذي كان رسول الله يخبر به ‪ ،‬ولحرصهم على نور النب ّ‬

‫‪45‬‬
‫ن ل يحجب عنهم ول يفقدوا تلك الهبات العلوّية اجتمعوا عليه ‪ ،‬وطلبوا منه‬ ‫أ ْ‬
‫الموافقة ليزيد أو البتعاد عن هذه البلد ‪.‬‬
‫وفون على الحسين‬ ‫جماعة يتخ ّ‬
‫‪1‬ـ رأي عمر الطرف‬
‫مد الحسن عن‬ ‫دثني أبو مح ّ‬ ‫فقال له عمر الطرف بن أمير المؤمنين )‪ : (1‬ح ّ‬
‫ً‬
‫أبيه أمير المؤمنين ‪ ،‬أّنك مقتول ‪ ،‬فلو بايعت لكان خيرا لك ‪ .‬قال الحسين ‪:‬‬
‫ن تربته تكون بالقرب من‬ ‫ن رسول الله أخبره بقتله وقتلي ‪ ،‬وإ ّ‬ ‫دثني أبي أ ّ‬ ‫))ح ّ‬
‫ن أّنك علمت ما لم أعلمه ؟ ‪ ،‬وإّني ل أعطي الدنّية من نفسي أبدا ً ‪،‬‬ ‫تربتي ‪ ،‬أتظ ّ‬
‫مته ‪ ،‬ول يدخل الجنة من‬ ‫ما لقيت ذرّيتها من ا ُ ّ‬ ‫ولتلقين فاطمة أباها شاكية م ّ‬
‫آذاها في ذرّيتها)‪.2‬‬
‫وجاء عمر بن علي بن أبي طالب إلى المختار ـ حينما نهض بالكوفة ـ فقال له‬
‫مد بن الحنفّية ؟ فقال ‪ :‬ل ‪ .‬فطرده عنه ‪ .‬فسار إلى‬ ‫المختار ‪ :‬هل معك مح ّ‬
‫من ُقتل من الّناس)‪.3‬‬ ‫مصعب حّتى حضر الوقعة وُقتل في َ‬
‫اا‬
‫اا ااا اا اااا اااااااا اااا اااااااا اااا اااااا اا ا‬
‫اا ااااااا اااااا اااااا اا ااا ااااااا اااا)‪(4‬‬ ‫ااااا اا ا‬
‫‪2‬ـ رأي ابن الحنفية‬
‫ي‬
‫ي وأعّزهم عل ّ‬ ‫ب الّناس إل ّ‬ ‫مد بن الحنفية)‪ :5‬يا أخي أنت أح ّ‬ ‫وقال مح ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬ذكرنا ترجمته في هامش كتابنا زيد الشهيد ‪ 100 /‬الطبعة الثانية ‪.‬‬
‫)‪2‬اللهوف ‪ ، 15 /‬طـ صيدا ‪.‬‬
‫)‪3‬الخبار الطوال للدينوري ‪. 29 /‬‬
‫)‪4‬في مناقب ابن شهرآشوب ‪ : 91 / 2‬إّنها لمسعود بن عبد الله القايني ‪.‬‬
‫ن له يوم البصرة عشرين سنة ‪،‬‬ ‫)‪5‬ذكرنا في كتابنا )قمر بني هاشم ‪ : 104 /‬أ ّ‬
‫فهو أكبر من العّباس بعشر سنين ‪ ،‬وكانت راية أمير المؤمنين معه في الجمل‬
‫والنهروان ‪ ،‬وذكرنا في كتابنا )زين العابدين ‪ 316 /‬بعض أحوآله ‪.‬‬
‫وفي مقتل الخوارزمي ‪ 79 / 2‬كتاب يزيد إلى ابن الحنفية بعد قتل الحسين‬
‫ط من مقامه ‪ ،‬وإّني أقطع بالفتعال عليه ؛ لّنه ل‬ ‫ما يح ّ‬ ‫وحضوره عنده ؛ وهذا م ّ‬
‫يعقل صدوره من غيور موتور ‪.‬‬
‫ح ببيعتك عن‬ ‫دخر الّنصيحة لحد من الخلق إل لك وأنت أحقّ بها ‪ ،‬تن ّ‬ ‫تأ ّ‬
‫ولس ُ‬
‫ن‬
‫يزيد بن معاوية وعن المصار ما استطعت ‪ ،‬ثم ابعث برسلك إلى الّناس ‪ ،‬فإ ْ‬
‫ن اجتمعوا على غيرك لم ينقص الله بذلك‬ ‫ت الله على ذلك ‪ ،‬وإ ْ‬ ‫بايعوك حمد َ‬
‫ن تدخل‬ ‫دينك ول عقلك ‪ ،‬ولم تذهب مروءتك ول فضلك ‪ ،‬وإّني أخاف عليك أ ْ‬
‫مصرا ً من هذه المصار فيختلف الّناس بينهم فطائفة معك وُاخرى عليك‬
‫ما ً ‪،‬‬
‫مة كّلها نفسا ً وأبا ً وا ُ ّ‬ ‫فيقتتلون ‪ ،‬فتكون لول السّنة غرضا ً ‪ ،‬فإذا خيُر هذه ال ُ ّ‬
‫أضيعها دما ً ‪ ،‬وأذّلها أهل ً ‪.‬‬
‫ن اطمأّنت بك الدار ‪ ،‬وإل‬ ‫كة فإ ْ‬ ‫فقال الحسين ‪)) :‬فأين أذهب ؟ (‪ ،‬قال ‪ :‬تنزل م ّ‬
‫لحقت بالرمال وشعب الجبال وخرجت من بلد إلى آخر حّتى تنظر ما يصير إليه‬
‫لمور‬ ‫أمر الّناس ‪ ،‬فإّنك أصوب ما تكون رأيا ً وأحزمه عمل ً حّتى تستقبل ا ُ‬
‫استقبال ً ول تكون المور أبدا ً أشكل عليك منها حين تستدبرها استدبارا ً )‪. (1‬‬
‫فقال الحسين ‪)) :‬يا أخي ‪ ،‬لو لم يكن في الدنيا ملجأ ول مأوى ‪َ ،‬لما بايعت يزيد‬
‫مد كلمه بالبكاء ‪.‬‬ ‫ابن معاوية (‪ ،‬فقطع مح ّ‬
‫ً‬
‫فقال الحسين ‪)) :‬يا أخي ‪ ،‬جزاك الله خيرا ‪ ،‬لقد نصحت وأشرت بالصواب ‪،‬‬

‫‪46‬‬
‫ت لذلك أنا وإخوتي وبنو أخي‬ ‫كة ‪ ،‬وقد تهّيأ ُ‬ ‫وأنا عازم على الخروج إلى م ّ‬
‫ن تقيم بالمدينة ‪،‬‬ ‫ما أنت فل عليك أ ْ‬ ‫وشيعتي أمرهم أمري ورأيهم رأيي ‪ ،‬وأ ّ‬
‫فتكون لي عينا ً عليهم ل تخفي عّني شيئا من امورهم )‪.2‬‬
‫ُ‬ ‫ً‬
‫وقام من عند ابن الحنفية ودخل المسجد ‪ ،‬وهو ينشد ‪:‬‬
‫اا اااا اااااا اا ااا ااااا اااااااااا ااااا اااااا)‪(3‬‬
‫اااا اااااا ااااا اااا اااااااا ااااااا اا ااااا)‪(4‬‬ ‫ااا ا‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬الطبري ‪ ، 191 / 6‬وكامل ابن الثير ‪. 7 / 4‬‬
‫مد بن أبي طالب ‪ ،‬ولم يذكر أرباب المقاتل هذا العذر ‪ ،‬واعتذر‬ ‫)‪2‬مقتل مح ّ‬
‫العلمة الحّلي في أجوبة مسائل ابن مهنا بالمرض ‪.‬‬
‫في )أخذ الثأرلبن نما الحلي ص ‪ : 81‬أصابته قروح من عين نظرت إليه ‪ ،‬فلم‬
‫كن من الخروج مع الحسين )ع( ‪ ،‬وجللة ابن الحنفية ومواقفه المشهودة ‪،‬‬ ‫يتم ّ‬
‫سجاد )ع( ل يدع لنا إل الذعان بمشروعّية تأخيره عن هذا‬ ‫واعترافه بإمامة ال ّ‬
‫المشهد على الجمال ‪.‬‬
‫)‪3‬هو يزيد بن مفرغ ‪.‬‬
‫)‪4‬في أنساب الشراف ‪ : 66 / 4‬تمثل بهما في مكة ‪.‬‬
‫وسمعه أبو سعيد المقبري فعرف أّنه يريد أمرا ً عظيما ً )‪. (1‬‬
‫م سلمة‬ ‫‪3‬ـ رأي ا ُ ّ‬
‫دك رسول‬ ‫م سلمة ‪ :‬ل تحزنني بخروجك إلى العراق ‪ ،‬فإّني سمعت ج ّ‬ ‫وقالت ا ُ ّ‬
‫الله يقول ‪ُ)) :‬يقتل ولدي الحسين بأرض العراق في أرض يقال لها كربل (‪،‬‬
‫ي الّنبي )ص( ‪.‬‬ ‫وعندي تربتك في قارورة دفعها إل ّ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ماه ‪ ،‬وأنا أعلم أّني مقتول مذبوح ظلما وعدوانا ‪ ،‬وقد شاء‬ ‫فقال الحسين ‪)) :‬يا ا ُ ّ‬
‫ن يرى حرمي ورهطي مشّردين ‪ ،‬وأطفالي مذبوحين مأسورين‬ ‫لأ ْ‬ ‫عّز وج ّ‬
‫ً‬
‫مقّيدين ‪ ،‬وهم يستغيثون فل يجدون ناصرا (‪.‬‬
‫م سلمة ‪ :‬وآعجبا ً ! فأّنى تذهب وأنت مقتول ؟! ‪.‬‬ ‫قالت ا ُ ّ‬
‫ن لم أذهب في غد ذهبت‬ ‫ت غدا ً ‪ ،‬وإ ْ‬ ‫ن لم أذهب اليوم ذهب ُ‬ ‫ماه ‪ ،‬إ ْ‬ ‫قال )ع( ‪)) :‬يا ا ُ ّ‬
‫ساعة‬ ‫بعد غد ‪ ،‬وما من الموت والله بد ّ ‪ ،‬واني لعرف اليوم الذي ُاقتل فيه وال ّ‬
‫التي ُاقتل فيها والحفرة التي ُادفن فيها ‪ ،‬كما أعرفك ‪ ،‬وأنظر إليها كما أنظر‬
‫ن أريك مضجعي ومكان أصحابي (‪ ،‬فطلبت منه‬ ‫ماه أ ْ‬‫ت يا ا ُ ّ‬‫ن أحبب ِ‬ ‫إليك ‪ ،‬وإ ْ‬
‫ن تحتفظ بها‬ ‫م أعطاها من تلك التربة ‪ ،‬وأمرها أ ْ‬ ‫ذلك ‪ ،‬فأراها تربة أصحابه)‪ ،2‬ث ّ‬
‫قنت قتله ‪ .‬وفي اليوم العاشر بعد الظهر‬ ‫ً‬
‫في قارورة ‪ ،‬فإذا رأتها تفور دما تي ّ‬
‫ً‬
‫نظرت إلى القارورتين فإذا هما يفوران دما)‪.3‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬الطبري ‪ ، 191 / 6‬والغاني ‪ ، 68 / 17‬والمقتل للخوارزمي ‪186 / 1‬‬
‫الفصل التاسع ‪ ،‬وتهذيب تاريخ ابن عساكر ‪. 339 / 4‬‬
‫مد‬‫)‪2‬مدينة المعاجز ‪ ، 244 /‬عن ثاقب المناقب لمؤّلفه الجليل أبي جعفر مح ّ‬
‫مد المشهدي الطوسي ‪ ،‬كما في دار السلم للنوري ‪، 102 / 1‬‬ ‫بن علي بن مح ّ‬
‫وحكى في روضات الجنات ‪ : 593 /‬نسبة الكتاب إليه عن كامل البهائي ‪ ،‬وعلى‬
‫مد الدرويستي الراوي عن‬ ‫ما في دار السلم من ذكر روايته عن جعفر بن مح ّ‬
‫المفيد في سنة ‪ 401‬يكون من أعلم القرن الخامس ‪.‬‬
‫)‪3‬الخرايج في باب معجزاته ومقتل العوالم ‪. 47 /‬‬
‫الصفحة )‪(37 (1‬‬

‫‪47‬‬
‫الهاشمّيات ‪:‬‬
‫ّ‬
‫وك َب َُر خروجه على نساء بني عبد المطلب فاجتمعن ؛ للنياحة ‪ ،‬فمشى إليه ّ‬
‫ن‬
‫ن تبدين هذا المر معصية لله ولرسوله‬ ‫ن الله أ ْ‬‫كتهن وقال‪ُ)) :‬انشدك ّ‬‫الحسين وس ّ‬
‫من نستبقي الّنياحة والبكاء ؟! فهو عندنا كيوم مات فيه رسول الله‬ ‫(‪ ،‬فقلن ‪ :‬ول ِ َ‬
‫م كلثوم ‪ ،‬فننشدك الله ـ جعلنا الله فداك ـ‬ ‫ُ‬
‫وعلي وفاطمة والحسن وزينب وا ّ‬
‫ماته أّنها سمعت‬‫من الموت يا حبيب البرار من أهل القبور ‪ .‬وأخبرته بعض ع ّ‬
‫هاتفا ً يقول )‪: (1‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬في كامل الزيارة ص ‪ 96‬ذكر بيتين ثم هذا البيت وورد في أربعة أبيات في‬
‫حماسة أبي تمام كما في شرحها للتبريزي ج ‪ 2‬ص ‪ ، 14‬ومروج الذهب ج ‪2‬‬
‫ص ‪ 92‬نقل ً عن انساب الزبير بن بكار ومناقب ابن شهر اشوب ج ‪ 2‬ص ‪228‬‬
‫ومثير الحزان عن المرزباني وتذكرة الخواص ص ‪ 124‬وورد في خمسة أبيات‬
‫في معجم البلدان ج ‪ 6‬ص ‪ 52‬ومقالت السلميين لبي الحسن الشعري ج ‪1‬‬
‫ص ‪ 142‬وفي ست أبيات في كامل ابن الثير ج ‪ 4‬ص ‪ 37‬وسير أعلم النبلء‬
‫للذهبي ج ‪ 2‬ص ‪ 215‬وفي سبع أبيات في مقاتل الطالبيين ص ‪ 19‬ط ايران‬
‫ونسب قريش لمصعب الزبيري ص ‪ 41‬وفي ثمان أبيات في البداية لبن كثير ج‬
‫‪ 8‬ص ‪ 211‬ومقتل الخوارزمي ج ‪ 2‬ص ‪ 149‬ومثير الحزان لبن نما ‪ .‬وتهذيب‬
‫تاريخ ابن عساكر ج ‪ 4‬ص ‪. 343‬‬
‫)واختلفوا في قائلهاففي كامل ابن الثير ج ‪ 4‬ص ‪ 37‬انها للتيمي تيم مرة وكان‬
‫منقطعا ً لبني هاشم ‪ ،‬وفي الصابة ج ‪ 4‬ص ‪ 74‬ومقالت السلميين انها لبي‬
‫رمح الخزاعي وهي رواية ابن نما عن المرزباني ‪ ،‬وفي شرح التبريزي على‬
‫الحماسة ج ‪ 3‬ص ‪ 13‬انها لبي رمج الخزاعي بالجيم المعجمة وفي الستيعاب‬
‫انها لبي زميج الخزاعي وسماه البكري في المعجم مما استعجم ج ‪ 3‬ص ‪891‬‬
‫ابن رمح الخزاعي ولم يذكر ال هذا البيت الذي في روايته )اذل رقاب‬
‫المسلمين فذلت‪.‬‬
‫ويذهب الزبير بن بكار في أنساب قريش كما ذكره المسعودي في مروج‬
‫الذهب انها لسليمان بن قبه بالباء الموحدة وعند ابن عساكر في تاريخه ج ‪4‬‬
‫ص ‪ 342‬والذهبي في سير اعلم النبلء ج ‪ 3‬ص ‪ 215‬وابي عمرو في‬
‫الستيعاب )قنةبالنون بعد القاف ويضيف ابن شهر اشوب الى ذلك )الهاشمي‪.‬‬
‫وفي تهذيب كامل المبردج )‪2‬ص ‪ 235‬واعيان الشيعة ج ‪ 35‬ص ‪ 136‬ونسب‬
‫قريش لمصعب الزبيري ص ‪ 41‬سليمان بن قته ويضيف اليه ابو تمام في‬
‫الحماسة )العدويوفي شرح التبريزي منسوب الى عدي وفي وفي الحماسة‬
‫البصرية لصدر الدين بن أبي الفرج بن الحسين البصري المتوفى سنة ‪ 659‬هـ‬
‫ج ‪ 1‬ص ‪ 200‬رقم ‪ 10‬قال سليمان ابن قته العدوي مولى عمر بن عبد الله‬
‫التيمي ‪:‬‬
‫اااا ااا ااااا اا اااا ااا اااا ااااااا ااا ااا ااا‬
‫وكتب المعلق عليه انها خمسة ولم يذكرها وقال مثلها في الستيعاب ‪ .‬وفي‬
‫تذكرة الخواص ص ‪ 154‬ط ‪ .‬ايران مر سليمان بن قته فنظر الى مصارع القوم‬
‫فبكى ثم قال ‪ :‬وان قتيل الطف ‪ ...‬الى أربعة أبيات ‪.‬‬
‫وفي مقاتل أبي الفرج ص ‪ 49‬والبداية لبن كثير ج ‪ 8‬ص ‪ 211‬سليمان بن‬
‫)قتيبةبالتاء المثناة من فوق بعد القاف ثم الياء المثناة من تحت بعدها باء‬
‫موحدة ملحقه بهاء ‪ ،‬وفي مثير الحزان لبن نما ان سليمان بن قتيبة العدوي‬

‫‪48‬‬
‫مولى بني تميم مر بكربل بعد قتل الحسين بثلث فنظر الى مصارعهم فاتكأ‬
‫على قوس له عربية وانشأ البيات وفي اللهوف لبن طاووس ص ‪ 119‬ط صيدا‬
‫ولقد احسن ابن قتيبة رحمه الله ‪ ،‬وفي معجم البلدان ج ‪ 6‬ص ‪ 52‬انها لبي‬
‫دهبل الجمحي ‪ ،‬ووافقه في تاج العروس بمادة الطف مع القتصار على نفس‬
‫البيت )وابو = دهبلكما في الغاني ج ‪ 6‬ص ‪ 149‬وهب بن زمعة بن اسد مادح‬
‫معاوية وعبد الله بن الزبير والوالي على اليمن من قبله وهذا يضعف كون‬
‫الشعر له ‪ ،‬وفي الغاني ج ‪ 17‬ص ‪ 165‬دخل مصعب بن الزبير الكوفة وأخذ‬
‫يسأل عن الحسين وقتله وعروة بن المغيرة يحدثه فقال متمثل بقول سليمان‬
‫بن قته ‪:‬‬
‫ااا اااااا ااااا اا اا اااا ااااا ااااا اااااا ااااااا‬
‫وفي طبقات القراء لبن الجزري ج ‪ 1‬ص ‪ 314‬سليمان بن قتة بفتح القاف‬
‫والمثناة من فوق المشددة ‪ ،‬وقته امه ‪ ،‬التيمي مولهم البصري ثقة عرض على‬
‫ابن عباس ثلث عرضات وعرض عليه عاصم الجحدري ‪.‬‬
‫)ويمضيعلى اللسن ان التي سمعت الهاتف أم هاني ول يصح لنها ماتت أما في‬
‫أيام النبي )صّلى الله عليه وآله( كما في مناقب ابن شهر آشوب ج ‪ 1‬ص ‪110‬‬
‫أو أيام معاوية كما في تقريب التهذيب لبن حجر ص ‪ 620‬ط لكنهو ‪.‬‬
‫اااااااا اااا ااااا‬ ‫اااا اااا اا اا اااا ااااا‬ ‫ااااا‬
‫فصّبرها الحسين وعّرفها أّنه أمر جارٍ وقضاء محتوم ‪.‬‬
‫‪4‬ـ رأي عبد الله بن عمر‬
‫وطلب منه عبد الله بن عمر بن الخطاب البقاء في المدينة فأبى الحسين‬
‫ن رأس يحيى بن زكرّيا‬ ‫ن من هوان الدنيا على الله أ ّ‬ ‫وقال ‪)) :‬يا عبد الله ‪ ،‬إ ّ‬
‫ن رأسي ُيهدى إلى بغي من بغايا بني‬ ‫ي من بغايا بني إسرائيل ‪ ،‬وأ ّ‬ ‫ُيهدى إلى بغ ّ‬
‫ن بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الشمس سبعين‬ ‫ُامّية ‪ ،‬أما علمت أ ّ‬
‫جل الله عليهم بل‬ ‫م يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئا ً ؟! فلم ُيع ّ‬ ‫نبيا ً ث ّ‬
‫أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر ذي انتقام ( )‪. (1‬‬
‫ولما عرف ابن عمر من الحسين العزم على مغادرة المدينة والّنهضة في وجه‬
‫أتباع الضلل وقمع المنكرات وكسح أشواك الباطل عن صراط الشريعة‬
‫دسة ‪ ،‬قال له ‪ :‬يا أبا عبد الله أكشف لي عن الموضع الذي لم يزل رسول‬ ‫المق ّ‬
‫الله )صّلى الله عليه وآله( يقّبله منك ‪ ،‬فكشف له عن سّرته ‪ ،‬فقّبلها ثلثا ً‬
‫وبكى)‪.2‬‬
‫ن نصرتي )‪.3‬‬ ‫فقال له ‪)) :‬اّتق الله يا أبا عبد الرحمن ‪ ،‬ول ت َد َعَ ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬ابن نما واللهوف ‪.‬‬
‫)‪2‬أمالي الصدوق مجلس ‪. 93 / 30‬‬
‫)‪3‬اللهوف ‪. 17 /‬‬
‫الوصّية‬
‫ة قال فيها ‪:‬‬ ‫وكتب الحسين قبل خروجه من المدينة وصي ّ ً‬
‫))بسم الله الرحمن الرحيم ‪ ،‬هذا ما أوصى به الحسين بن علي )ع( إلى أخيه‬
‫ن‬
‫ن ل إله إل الله وحده ل شريك له ‪ ،‬وأ ّ‬ ‫ن الحسين يشهد أ ْ‬ ‫مد بن الحنفّية ‪ ،‬إ ّ‬ ‫مح ّ‬
‫ن الجنة حقّ والّنار حقّ ‪،‬‬ ‫محمدا عبده ورسوله جاء بالحقّ من عنده ‪ ،‬وأ ّ‬ ‫ً‬
‫ن الله يبعث من في القبور ‪.‬‬ ‫ساعة آتية ل ريب فيها ‪ ،‬وأ ّ‬ ‫وال ّ‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫وإّني لم أخرج أشرا ول بطرا ول مفسدا ول ظالما ‪ ،‬وإّنما خرجت لطلب‬ ‫ً‬

‫‪49‬‬
‫ن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير‬ ‫دي )ص( (‪ُ ،‬اريد أ ْ‬ ‫مة ج ّ‬ ‫الصلح في ا ُ ّ‬
‫من قبلني بقبول الحقّ فالله أولى‬ ‫دي وأبي علي بن أبي طالب ‪ ،‬ف َ‬ ‫بسيرة ج ّ‬
‫ي هذا أصبر حّتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير‬ ‫من رد ّ عل ّ‬ ‫بالحقّ ‪ ،‬و َ‬
‫الحاكمين ‪.‬‬
‫م‬ ‫ُ‬
‫كلت وإليه انيب ‪ ،‬ث ّ‬ ‫وهذه وصّيتي إليك يا أخي ‪ .‬وما توفيقي إل بالله عليه تو ّ‬
‫مد ( )‪. (1‬‬ ‫طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى أخيه مح ّ‬
‫ف ظـلمة العمى ببهجته‬ ‫ع رايـة الـهدى بمهجته كـاش ٌ‬ ‫رافـ ٌ‬
‫بـه اسـتقامت هـذه الشريعة بـه عـلت أركـانها الرفيعة‬
‫بـنى الـمعالي بمعالي هممه ما اخضّر عود الدين إل بدمه‬
‫بـنفسه اشـترى حـياة الدين فـيا لـها مـن ثـمن ثـمين‬
‫أحـيا مـعالم الـهدى بروحه داوى جروح الدين من جروحه‬
‫جـفت ريـاض العلم بالسموم لـم يـروها إل دم الـمظلوم‬
‫فـأصبحت مـورقة الشجار يـانـعة زاكـيـة الـثـمار‬
‫أقـعـد كـل قـائم بـنهضته حّتى أقـام الدين بعد كبوته‬
‫قـامت بـه قـواعد التوحيد مـذ لـجأت بـركنها الشديد‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مقتل العوام ‪ ، 54 /‬والمقتل للخوارزمي ‪ 188 / 1‬الفصل التاسع ‪.‬‬
‫وغير خاف مغزى السبط المقدس من هذه الوصية ‪ ،‬فإّنه أراد الهتاف بغايته‬
‫سه ونفسيته ومبدأ أمره ومنتهاه‬ ‫الكريمة من نهضته المقدسة ‪ ،‬وتعريف المل نف َ‬
‫‪ ،‬ولم يبرح يواصل هذا بأمثاله إلى حين شهادته دحضا ً لما كان الموّيون‬
‫ق‬
‫ن الحسين خارج على خليفة الوقت يريد ش ّ‬ ‫ولفائفهم يموهون على الّناس بأ ّ‬
‫العصا وتفريق الكلمة واستهواء الّناس إلى نفسه ؛ لنهمة الحاكمية وشره‬
‫الرياسة ؛ تبريرا ً لعمالهم القاسية في استئصال آل الرسول ‪ ،‬ولم يزل )ع(‬
‫لكذوبة ‪،‬‬ ‫مترسل ً كذلك في جميع مواقفه هو وآله وصحبه حّتى دحروا تلكم ا ُ‬
‫ونالوا ُامنيتهم في مسيرهم ومصير أمرهم ‪.‬‬
‫سـنة والـكتاب‬ ‫غـدت بـه سـامية الـقباب مـعـاهد الـ ّ‬
‫و ظام ٍ صادي‬ ‫أفـاض كـالحيا عـلى الوّراد مـاء الـحياة َوه َ‬
‫ي الحشا ريّ الورى والله يقضي ما يشا‬ ‫ظه الظما وفي ط ّ‬ ‫وكـ ّ‬
‫والـتهبت أحـشاؤه من الظما فأمطرت سحائب القدس دما )‪( (1‬‬
‫الخروج من المدينة‬
‫جها نحو مكة ليلة الحد ليومين بقيا من رجب‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫وخرج الحسين من المدينة متو ّ‬
‫خاِئفا ً‬‫من َْها َ‬ ‫ج ِ‬ ‫خَر َ‬ ‫َ‬
‫ومعه بنوه وإخوته وبنو أخيه الحسن وأهل بيته)‪ ،2‬وهو يقرأ ‪) :‬ف َ‬
‫ن )‪.(3‬‬ ‫مي َ‬ ‫قوْم ال ّ‬
‫ظال ِ ِ‬ ‫م َ ْ‬ ‫ب َقا َ‬ ‫ي َت ََرقَ ُ‬
‫ن ال َ ِ‬ ‫جِني ِ‬ ‫ب نَ ّ‬
‫ل َر ّ‬
‫ّ‬
‫ولزم الطريق العظم ‪ ،‬فقيل له ‪ :‬لو تنكبت الطريق كما فعل ابن الزبير ؛ كيل‬
‫يلحقك الطلب ‪ ،‬قال ‪)) :‬ل والله ‪ ،‬ل أفارقه حّتى يقضي الله ما هو قاض (‪.‬‬
‫ه ت ِل ْ َ‬
‫قاَء‬ ‫ج َ‬‫ما ت َوَ ّ‬‫كة يوم الجمعة لثلث مضين من شعبان وهو يقرأ ‪) :‬وَل َ ّ‬ ‫ودخل م ّ‬
‫سِبيل )‪.5)4‬‬ ‫َ‬ ‫ن َقا َ‬
‫واَء ال ّ‬ ‫س َ‬
‫ن ي َهْدِي َِني َ‬
‫سى َرّبي أ ْ‬ ‫ل عَ َ‬ ‫مد ْي َ َ‬
‫َ‬
‫من بها من‬ ‫َ‬ ‫و‬ ‫ّ‬
‫كة‬ ‫م‬ ‫أهل‬ ‫إليه‬ ‫واختلف‬ ‫‪6‬‬ ‫المطلب)‬ ‫عبد‬ ‫بن‬ ‫باس‬ ‫ّ‬ ‫الع‬ ‫دار‬ ‫فنزل‬
‫المعتمرين وأهل الفاق ‪ ،‬وابن الزبير ملزم جانب الكعبة ‪ ،‬ويأتي إلى الحسين‬
‫ل منه وأطوع في‬ ‫كة ؛ لكونه أج ّ‬ ‫من يأتيه وكان ثقيل ً عليه دخول الحسين م ّ‬ ‫في َ‬
‫الّناس ‪ ،‬فل يباَيع له ما دام الحسين فيها ‪.‬‬
‫دته خديجة ‪ ،‬فصّلى هناك وابتهل إلى‬ ‫وخرج )ع( في بعض اليام إلى زيارة قبر ج ّ‬

‫‪50‬‬
‫الله كثيرًا)‪.7‬‬
‫____________________________‬
‫دس الله سّره ‪.‬‬ ‫مد حسين الصفهاني ق ّ‬ ‫)‪ (1‬للعلمة الحجة الشيخ مح ّ‬
‫)‪2‬تاريخ الطبري ‪. 190 / 6‬‬
‫)‪3‬سورة القصص ‪. 31 /‬‬
‫)‪4‬سورة القصص ‪. 22 /‬‬
‫)‪5‬إرشاد المفيد ‪.‬‬
‫)‪6‬تاريخ ابن عساكر ‪. 328 / 4‬‬
‫)‪7‬الخصائص الحسينية للشيخ جعفر الشوشتري ‪ 35 /‬ط تبريز ‪ ،‬ومقتل‬
‫العوالم ‪. 20 /‬‬
‫أفدي الولى للعلى أسرى بهم ظعن وراء حـادٍ مـن القـدار يزعجه‬
‫ب عـلى جنة الماوى معّرسه لـكن عـلى محن البلوى معّرجه‬ ‫َر ْ‬
‫كـ ٌ‬
‫مثل الحسين تضيق الرض فيه فل يـدري إلى أيـن ماواه ومولجه‬ ‫ِ‬
‫ويطلب المن بالبطحا وخوف بني سـفيان يـقلقه مـنها ويـخرجه‬
‫ف البيت الحرام به ولح بـعد الـعمى لـلناس منهجه‬ ‫شُر َ‬‫وهـو الذي َ‬
‫يـا حـائرا ً ل وحاشا نور عزمته بـمن سواك الهدى قد شع مسرجه‬
‫وواسـع الـحلم والدنيا تضيق به سـواك ان ضاق خطب من يفّرجه‬
‫وجه )‪( (1‬‬ ‫ويـا مـليكا ً رعـاياه عليه طغت وبـالـخلفة بـاريه مـت ّ‬
‫في م ّ‬
‫كة‬
‫كة كتب الحسين )ع( نسخة واحدة إلى رؤساء الخماس بالبصرة وهم ؛‬ ‫وفي م ّ‬
‫مالك بن مسمع البكري)‪ ،2‬والحنف بن قيس ‪ ،‬والمنذر بن الجارود)‪ ،3‬ومسعود‬
‫بن عمرو ‪ ،‬وقيس بن الهيثم ‪ ،‬وعمرو بن عبيد بن معمر ‪ .‬وأرسله مع مولى له‬
‫ن الله اصطفى محمدا ً )ص( من خلقه‬ ‫ما بعد ‪ ،‬فإ ّ‬ ‫يقال له سليمان)‪4‬وفيه ‪)) :‬أ ّ‬
‫ُ‬ ‫ّ‬
‫م قبضه إليه ‪ ،‬وقد نصح لعباده وبلغ ما ارسل‬ ‫وته واختاره لرسالته ‪ ،‬ث ّ‬ ‫وأكرمه بنب ّ‬
‫به )ص( وكّنا أهله وأولياءه وورثته وأحقّ الّناس بمقامه في الّناس ‪ ،‬فاستأثر‬
‫ق‬
‫علينا قومنا بذلك فرضينا وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية ‪ ،‬ونحن نعلم أّنا أح ّ‬
‫ت رسولي إليكم بهذا الكتاب‬ ‫من توله ‪ ،‬وقد بعث ُ‬ ‫بذلك الحقّ المستحقّ علينا م ّ‬
‫سّنة قد ُاميتت والبدعة قد‬ ‫ن ال ُ‬
‫وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسّنة نبّيه ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ن تسمعوا قولي أهدكم إلى سبيل الرشاد (‪.‬‬ ‫ُاحييت ‪ ،‬فإ ْ‬
‫____________________________‬
‫دس سّره ‪.‬‬ ‫مد حسين كاشف الغطاء ق ّ‬ ‫جة السلم الشيخ مح ّ‬ ‫)‪ (1‬لح ّ‬
‫لولى سنة ‪ : 38‬كان مالك بن مسمع مائل ً‬ ‫)‪2‬في تاريخ الطبري ‪ 63 / 6‬الطبعة ا ُ‬
‫إلى بني أمية وإليه لجأ مروان يوم الجمل ‪.‬‬
‫)‪3‬في الصابة ‪ : 480 / 3‬كان المنذر بن الجارود مع علي )ع( يوم الجمل ‪،‬‬
‫مه ُامامة بنت النعمان ‪ ،‬ووله عبيد الله بن زياد الهند ‪،‬‬ ‫مره على اصطخر ‪ ،‬وا ُ ّ‬ ‫وأ ّ‬
‫فمات هناك سنة ‪ ، 61‬وعند خليفة ‪ :‬وله السند فمات به سنة ‪. 62‬‬
‫ن مصعب بن الزبير قال‬ ‫وفي تاريخ الطبري ‪ 183 / 7‬الطبعة أولى سنة ‪71‬ه ‪ :‬أ ّ‬
‫ً‬
‫للحكم بن المنذر بن الجارود ‪ :‬كان الجارود علجا بجزيرة )ابن كاوانفارسيا ‪،‬‬
‫فقطع إلى ساحل البحر فانتمى إلى عبد القيس ‪ ،‬ول والله ما أعرف حيا ً أكثر‬
‫اشتمال على سوأة منهم ثم انكح اخته المكعبر الفارسي فلم يصب شرفا ً قط ‪.‬‬
‫)‪4‬هذا في تاريخ الطبري ‪ ، 200 / 6‬وفي اللهوف ‪ : 21 /‬يكّنى أبا رزين ‪ ،‬وفي‬
‫مثير الحزان ‪ : 12 /‬أرسله مع ذراع السدوسي ‪.‬‬

‫‪51‬‬
‫ل الحسين إلى ابن زياد فصلبه عشّية‬ ‫فسّلم المنذر بن الجارود العبدي رسو َ‬
‫الليلة التي خرج في صبيحتها إلى الكوفة ؛ ليسبق الحسين إليها )‪ . (1‬وكانت‬
‫ن يكون الرسول دسيسا ً من ابن‬ ‫ابنة المنذر ‪ ،‬بحرية زوجة ابن زياد فزعم أ ْ‬
‫ن وعد الله‬ ‫ما بعد ‪ ،‬فاصبر إ ّ‬ ‫ما الحنف فإّنه كتب إلى الحسين )ع( ‪ :‬أ ّ‬ ‫زياد ‪ ،‬فأ ّ‬
‫حقّ ول يستخفّنك الذين ل يوقنون)‪.2‬‬
‫ما‬
‫ما يزيد بن مسعود)‪3‬فإّنه جمع بني تميم وبني حنظلة وبني سعد ‪ ،‬فل ّ‬ ‫وأ ّ‬
‫حضروا قال ‪ :‬يا بني تميم كيف ترون موضعي فيكم وحسبي منكم ؟ قالوا ‪ :‬بخ‬
‫دمت‬ ‫بخ ! أنت والله فقرة الظهر ورأس الفخر ‪ ،‬حللت في الشرف وسطا ً وتق ّ‬
‫ن ُاشاوركم فيه وأستعين بكم‬ ‫فيه فرطا ً ‪ ،‬قال ‪ :‬فإّني قد جمعتكم لمر أريد أ ْ‬
‫عليه ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬إّنا والله نمنحك النصيحة ‪ ،‬ونجد لك الرأي ‪ ،‬فقل حّتى نسمع ‪.‬‬
‫ن معاوية مات فأهون به والله هالكا ً ومفقودا ً ‪ ،‬إل وأّنه قد انكسر باب‬ ‫فقال ‪ :‬إ ّ‬
‫ن‬ ‫ً‬
‫جور والثم ‪ ،‬وتضعضعت أركان الظلم ‪ ،‬وكان قد أحدث بيعة عقد بها أمرا ظ ّ‬ ‫ال َ‬
‫أّنه قد أحكمه ‪ ،‬وهيهات الذي أراد اجتهد والله ففشل ‪ ،‬وشاور فخذل ‪ ،‬وقد قام‬
‫مر‬ ‫دعي الخلفة على المسلمين ‪ ،‬ويتأ ّ‬ ‫يزيد ـ شارب الخمور ورأس الفجور ـ ي ّ‬
‫ّ‬
‫ى منهم مع قصر حلم وقلة علم ‪ ،‬ل يعرف من الحقّ موطأ‬ ‫عليهم بغير رض ً‬
‫دين أفضل من جهاد‬ ‫ميه ‪ ،‬فُاقسم بالله قسما مبرورا لجهاده على ال ّ‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫قد َ َ‬
‫المشركين ‪ ،‬وهذا الحسين بن علي وابن رسول الله )ص( ذو الشرف الصيل‬
‫والرأي الثيل له فضل ل يوصف وعلم ل ينزف ‪ ،‬وهو أولى بهذا المر ؛ لسابقته‬
‫دمه وَقرابته ‪ ،‬يعطف على الصغير وُيحسن إلى الكبير ‪ ،‬فأكرم به‬ ‫وسّنه وقِ َ‬
‫جة ‪ ،‬وبلغت به الموعظة ‪ ،‬فل تعشوا‬ ‫ح ّ‬ ‫راعي رعّية وإمام قوم وجبت لله به ال ُ‬
‫عن نور الحقّ ‪ ،‬ول تسكعوا في وهد الباطل ‪ ،‬فقد كان‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬تاريخ الطبري ‪. 200 / 6‬‬
‫)‪2‬مثير الحزان ‪. 13 /‬‬
‫)‪3‬هذا في مثير الحزان ‪ ،‬وعند الطبري وابن الثير ‪ :‬مسعود بن عمرو وقال ابن‬
‫حزم في جمهرة أنساب العرب ‪ : 218 /‬كان عّباد بن مسعود بن خالد بن مالك‬
‫النهشلي سيدا ً ‪ ،‬وُاخته ليلى بنت مسعود تحت علي بن أبي طالب ‪ ،‬ولدت له ابا‬
‫بكر ُقتل مع الحسين ‪ ،‬وعبد الله كان مع مصعب بن الزبير في خروجه على‬
‫المختار وُقتل يوم هزيمة أصحاب المختار ‪ ،‬وذكرنا في )زيد الشهيد ‪، 101 /‬‬
‫الطبعة الثاني نصوص المؤّرخين في قتله بالمذار من سواد البصرة ‪ ،‬ولم ُيعلم‬
‫جد مذبوحا ً في‬‫قاتله ‪ ،‬وفي الخرايج للراوندي في معجزات علي )ع( ‪ :‬وُ ِ‬
‫فسطاطه ‪ ،‬ولم ُيعلم ذابحه ‪.‬‬
‫صخر بن قيس انخذل بكم يوم الجمل ‪ ،‬فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول‬
‫صر أحدكم عن نصرته ‪ ،‬إل أورثه الله تعالى الذ ّ‬
‫ل‬ ‫الله )ص( ونصرته ‪ ،‬والله ل يق ّ‬
‫ت لها‬ ‫ت للحرب لمتها وادرع ُ‬ ‫في ولده والقّلة في عشيرته ‪ ،‬وها أنا ذا قد لبس ُ‬
‫م يفت ‪ ،‬فأحسنوا رحمكم الله رد ّ‬ ‫من يهرب ل َ ْ‬ ‫م ُيقتل َيمت ‪ ،‬و َ‬ ‫من ل َ ْ‬ ‫بدرعها ‪َ ،‬‬
‫الجواب ‪.‬‬
‫ت‬
‫ن رمي َ‬ ‫فقالت بنو حنظلة ‪ :‬يا أبا خالد ‪ ،‬نحن نبل كنانتك وفرسان عشيرتك ‪ ،‬إ ْ‬
‫ت ‪ ،‬ل تخوض والله غمرةً إل ّ خضناها ‪ ،‬ول تلقى‬ ‫ت بنا فتح َ‬
‫ن غزو َ‬ ‫ت وإ ْ‬ ‫بنا أصب َ‬
‫دة إل ّ لقيناها ‪ ،‬ننصرك بأسيافنا ونقيك بأبداننا إذا شئت ‪.‬‬ ‫والله ش ّ‬
‫ت بنو عامر بن تميم فقالوا ‪ :‬يا أبا خالد ‪ ،‬نحن بنو أبيك وحلفاؤك ‪ ،‬ل‬ ‫وتكّلم ْ‬
‫ت ‪ ،‬والمر إليك فادعنا إذا شئت ‪.‬‬ ‫ت ‪ ،‬ول نبقى إن ظعن َ‬ ‫ن غضب َ‬ ‫نرضى إ ْ‬

‫‪52‬‬
‫ن أبغض الشياء إلينا خلفك والخروج عن‬ ‫وقالت بنو سعد بن زيد ‪ :‬أبا خالد ‪ ،‬إ ّ‬
‫رأيك ‪ ،‬وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال يوم الجمل ‪ ،‬فحمدنا ما أمرنا‬
‫وبقى عّزنا فينا ‪ ،‬فأمهلنا نراجع المشورة ونأتيك برأينا ‪ .‬فقال لهم ‪ :‬لئن‬
‫سيف عنكم أبدا ً ‪ ،‬ول زال سيفكم فيكم ‪.‬‬ ‫فعلتموها ل رفع الله ال ّ‬
‫ت ما ندبتني‬ ‫ي كتابك ‪ ،‬وفهم ُ‬ ‫ما بعد ‪ ،‬فقد وصل إل ّ‬ ‫م كتب إلى الحسين )ع( ‪ :‬أ ّ‬ ‫ث ّ‬
‫ن‬ ‫ّ‬
‫إليه ودعوتني له من الخذ بحظي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك ‪ ،‬وإ ّ‬
‫م يخل الرض قط من عامل عليها بخير ودليل على سبيل نجاة ‪ ،‬وأنتم‬ ‫الله ل ْ‬
‫جة الله على خلقه ووديعته في أرضه ‪ ،‬تفّرعتم من زيتونة أحمدّية هو أصلها‬ ‫ح ّ‬ ‫ُ‬
‫ت لك أعناق بني تميم ‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ذلل‬ ‫فقد‬ ‫‪،‬‬ ‫طائر‬ ‫بأسعد‬ ‫ت‬
‫َ‬ ‫سعد‬ ‫دم‬ ‫ِ‬ ‫فأق‬ ‫‪،‬‬ ‫فرعها‬ ‫وأنتم‬
‫ماء لورود الماء يوم خمسها ‪ ،‬وقد‬ ‫ّ‬ ‫الظ‬ ‫البل‬ ‫من‬ ‫طاعتك‬ ‫في‬ ‫ً‬ ‫وتركتهم أشد ّ تتابعا‬
‫ل‬‫ت درن قلوبها بماء سحاب مزن حين استه ّ‬ ‫ت لك رقاب بني سعد ‪ ،‬وغسل ُ‬ ‫ذلل ُ‬
‫برقها فلمع ‪.‬‬
‫ما قرأ الحسين )ع( كتابه ‪ ،‬قال ‪)) :‬مالك ‪ ،‬آمنك الله من الخوف وأعزك‬ ‫فل ّ‬
‫وأرواك يوم العطش الكبر (‪.‬‬
‫ما تجهز ابن مسعود إلى المسير ‪ ،‬بلغه قَْتل الحسين )ع( فاشتد ّ جزعه ‪ ،‬وكثر‬ ‫ول ّ‬
‫سعادة بالشهادة )‪. (1‬‬ ‫ُ‬
‫أسفه لفوات المنية من ال ّ‬
‫وكانت مارية ابنة سعد أو منقذ أيما ‪ ،‬وهي من الشيعة المخلصين ‪ ،‬ودارها‬
‫دثون فيه فضل أهل البيت ‪ ،‬فقال يزيد بن نبيط وهو من عبد‬ ‫مألف لهم يتح ّ‬
‫القيس لولده ـ وهم عشرة ـ ‪ :‬أّيكم يخرج معي ؟ فانتدب منهم اثنان عبد الله‬
‫وعبيد الله ‪ .‬وقال له أصحابه ـ في بيت تلك المرأة ـ ‪ :‬نخاف عليك أصحاب ابن‬
‫ي طلب من طلبني)‪،2‬‬ ‫زياد ‪ ،‬قال ‪ :‬والله لو استوت اخفافها بالجدد لهان عل ّ‬
‫وصحبه موله عامر وسيف بن مالك والدهم بن ّامّية)‪3‬فوافوا الحسين بمكة‪،‬‬
‫ّ‬
‫موا رحالهم إلى رحله حّتى وردوا كربل‪ ،‬وُقتلوا معه ‪.‬‬ ‫وض ّ‬
‫كتب الكوفّيين‬
‫كة وافته كتب أهل الكوفة من الرجل والثنين والثلثة والربعة ‪ ،‬يسألونه‬ ‫وفي م ّ‬
‫القدوم عليهم ؛ لّنهم بغير إمام ‪ ،‬ولم يجتمعوا مع الّنعمان بن بشير في جمعة‬
‫ول جماعة ‪ ،‬وتكاثرت عليه الكتب حّتى ورد عليه في يوم واحد ستمئة كتاب ‪،‬‬
‫ل ذلك يشددون‬ ‫واجتمع عنده من نوب متفّرقة إثنا عشر ألف كتاب وفي ك ّ‬
‫جار بن‬ ‫الطلب وهو ل يجيبهم ‪ .‬وآخر كتاب ورد عليه من شبث بن ربعي ‪ ،‬وح ّ‬
‫جاج ‪ ،‬ومحمد بن‬ ‫أبجر ‪ ،‬ويزيد بن الحارث)‪ ،4‬وعزرة بن قيس ‪ ،‬وعمرو بن الح ّ‬
‫ن الّناس ينتظرونك ل رأي لهم غيرك ‪ ،‬فالعجل العجل‬ ‫مير ابن عطارد وفيه ‪ :‬إ ّ‬ ‫عُ َ‬
‫يابن رسول الله فقد اخضر الجناب وأينعت الثمار وأعشبت الرض وأورقت‬
‫الشجار ‪ .‬فأقدم إذا شئت ‪ ،‬فإّنما تقدم على جند لك مجّندة)‪.5‬‬
‫بعثت بزور الكتب سر واقدم إلى نحو العراق بمكرها ودهاتها‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مثير الحزان ‪ 13 /‬واللهوف ‪. 21 /‬‬
‫)‪2‬تاريخ الطبري ‪. 198 / 6‬‬
‫)‪3‬ذخيرة الدارين ‪. 224 /‬‬
‫)‪4‬في أنساب الشراف للبلذري ‪ : 338 / 5‬كان حوشب بن يزيد بن رويم‬
‫يتبارى في اطعام الطعام مع عكرمة بن ربعي احد بني تيم الله بن ثعلبة فقال‬
‫مصعب ‪ :‬دعوهما ينفقا من خيانتهما وفجورهما ‪.‬‬
‫)‪5‬إبن نماص ‪ . 11 /‬وذكر الخوارزمي ‪ 193 / 1‬وما بعدها الفصل العاشر ‪،‬‬

‫‪53‬‬
‫تفصيل اجتماع الكوفيين وكتبهم إلى الحسين ‪.‬‬
‫ي لها ول كـفؤ وإّنـك مـن خـياركفاتها‬ ‫هـذي الـخلفة ل ولـ ّ‬
‫ج الـيعملت بـمعشر كـالسد والشـطان مـنغاباتها‬ ‫فـأتى يـز ّ‬
‫وحـصان ذيـل كـالهلة اوجها ً بـسـنائها وبـهـائها وصـفاتها‬
‫ل في عرصاتها‬ ‫مـا زال يـخترق الفل حّتى أتى أرض الطفوف وح ّ‬
‫وإذا بـه وقـف الـجواد فقاليا قـوم اخبروني عن صدوق رواتها‬
‫ما الرض قالوا ذي معالم كربل مـا بـال طرفك حاد َ عن طرقاتها‬
‫قـال انـزلوا فالحكم في أجداثنا ان ل تـشق سـوى على جنباتها‬
‫ماتها‬ ‫ط الرحال وقال يصلح عضبه الـماضي لقطع البيض في ق ّ‬ ‫حـ ّ‬
‫بـينا يـجيل الطرف إذ دارت به زمـر يـلوح الـغدر من راياتها‬
‫ن بـدور تـم بالعرا تمسي )بنو الزرقاء من هالتها )‪( (1‬‬ ‫مـا خـلت أ ّ‬
‫جواب الحسين‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ما اجتمع عند الحسين ما مل خرجين ‪ ،‬كتب إليهم كتابا واحدا دفعه إلى هاني‬ ‫ول ّ‬
‫سل ‪ ،‬وصورته ‪:‬‬ ‫بن هاني السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي وكانا آخر الُر ُ‬
‫))بسم الله الرحمن الرحيم ‪ ،‬من الحسين بن علي إلى المل من المؤمنين‬
‫دم‬
‫من ق ِ‬ ‫ي بكتبكم ـ وكانا آخر َ‬ ‫ن هانئا ً وسعيدا ً قدما عل ّ‬ ‫ما بعد ‪ ،‬فإ ّ‬‫والمسلمين أ ّ‬
‫ل الذي قصصتم وذكرتم ‪ ،‬ومقالة جّلكم أّنه‬ ‫تك ّ‬‫سلكم ـ وقد فهم ُ‬ ‫ي من ُر ُ‬ ‫عل ّ‬
‫ل الله يجمعنا بك على الهدى والحقّ ‪ ،‬وقد بعثت إليكم‬ ‫ليس علينا إمام فأقِبل لع ّ‬
‫ي بحالكم وأمركم‬ ‫ن يكتب إل ّ‬ ‫مي وثقتي من أهل بيتي ‪ ،‬وأمرته أ ْ‬ ‫أخي وابن ع ّ‬
‫ن كتب أّنه قد اجتمع رأي ملكم وذوي الفضل والحجى منكم على‬ ‫ورأيكم ‪ ،‬فإ ْ‬
‫ن شاء‬ ‫ً‬
‫دم عليكم وشيكا إ ْ‬ ‫ت في كتبكم ‪ ،‬أق ِ‬ ‫سلكم وقرأ ُ‬ ‫ي به ُر ُ‬ ‫دمت عل ّ‬ ‫مثل ما قَ ِ‬
‫ق‬ ‫ّ‬
‫الله ‪ ،‬فلَعمري ما المام إل العامل بالكتاب والخذ بالقسط والدائن بالح ّ‬
‫سلم )‪.(2‬‬ ‫سه على ذات الله ‪ ،‬وال ّ‬ ‫والحابس نف َ‬
‫جهك إلى أهل‬ ‫م دفع الكتاب إلى مسلم بن عقيل ‪ ،‬وقال له ‪)) :‬إّني مو ّ‬ ‫ث ّ‬
‫ن أكون أنا وأنت‬ ‫ب ويرضى ‪ ،‬وأنا أرجو أ ْ‬ ‫الكوفة ‪ ،‬وسيقضي الله من أمرك ما ُيح ّ‬
‫في‬
‫____________________________‬
‫مد بن اسماعيل البغدادي الحّلي ‪،‬‬ ‫)‪ (1‬من قصيدة في الحسين للشيخ مح ّ‬
‫الشهير بابن الخلفة ‪ ،‬المتوفى سنة ‪) 1247‬شعراء الحلة ‪.174 / 5‬‬
‫)‪2‬الطبري ‪ ، 198 / 6‬والخبار الطوال ‪. 238 /‬‬
‫ض ببركة الله وعونه ‪ ،‬فإذا دخلتها فانزل عند أوثق أهلها ( )‬ ‫درجة الشهداء فام ِ‬
‫‪. (1‬‬
‫سفر مسلم‬
‫وبعث مع مسلم بن عقيل )ع( قيس بن مسّهر الصيداوي ‪ ،‬وعمارة بن عبد الله‬
‫السلولي ‪ ،‬وعبد الرحمن بن عبد الله الزدي وأمره بتقوى الله والنظر فيما‬
‫جل إليه‬ ‫اجتمع عليه أهل الكوفة ‪ ،‬فإن رأى الّناس مجتمعين مستوثقين ع ّ‬
‫بكتاب)‪.2‬‬
‫فخرج مسلم من مكة للنصف من شهر رمضان)‪3‬على طريق المدينة ‪ ،‬فدخلها‬ ‫ّ‬
‫م استأجر رجلَين من قيس ليد ّ‬
‫له‬ ‫دع أهله)‪ ،4‬ث ّ‬ ‫وصّلى في مسجد الّنبي )ص( وو ّ‬
‫حر ‪،‬‬‫على الطريق ‪ ،‬فضل ّ ذات ليلة وأصبحا تائهين ‪ ،‬وقد اشتد ّ بهما العطش وال َ‬
‫سمت فالزمه‬ ‫فقال لمسلم )ع( ـ وقد بان لهما سنن الطريق ـ ‪ :‬عليك بهذا ال ّ‬
‫لعّلك تنجو ‪ ،‬فتركهما ومضى على الوصف ومات الدليلن عطشا)‪ ،5‬ولم يسعه‬
‫ً‬

‫‪54‬‬
‫حملهما ؛ لّنهما على وشك الهلك ‪ ،‬وغاية ما وضح للدليَلين العلئم المفضية إلى‬
‫الطريق ‪ ،‬ل الطريق نفسه ‪ .‬وَلم تكن المسافة بينهم وبين الماء معلومة ‪،‬‬
‫وليس لهما طاقة على الركوب بأنفسهما ول مردفين مع آخر ‪ ،‬وبقاء مسلم )ع(‬
‫من معه ‪ ،‬فكان الواجب الهم‬ ‫معهما إلى منتهى المر يفضي إلى هلكه و َ‬
‫فظ على الّنفوس المحترمة بالمسير لدراك الماء ؛ فلذلك تركهما في‬ ‫التح ّ‬
‫المكان ‪.‬‬
‫ونجا مسلم ومن معه من خدمه بحشاشة النفس حّتى أفضوا إلى الطريق و‬
‫وردوا الماء فأقام فيه ‪.‬‬
‫وكتب إلى الحسين )ع( مع رسول استأجره من أهل ذلك الماء يخبره بموت‬
‫الدليَلين وما لقاه من الجهد وإّنه مقيم بمنزله ‪ ،‬وهو المضيق من بطن الخبت‬
‫كة وأعطاه‬ ‫حّتى يعرف ما عنده من الرأي ‪ ،‬فسار الرسول ووافى الحسين بم ّ‬
‫الكتاب ‪.‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مقتل الحسين للخوارزمي ‪ ، 196 / 1‬الفصل العاشر ‪.‬‬
‫)‪2‬إرشاد المفيد ‪.‬‬
‫)‪3‬مروج الذهب ‪. 86 / 2‬‬
‫)‪4‬الطبري ‪. 198 / 6‬‬
‫)‪5‬الخبار الطوال ‪. 232 /‬‬
‫فكتب الحسين )ع( يأمره بالمسير إلى الكوفة ول يتأخر ‪.‬‬
‫ما قرأ مسلم الكتاب سار من وقته ‪ ،‬ومر بماء لطي فنزل عليه ثم ارتحل ‪ ،‬فإذا‬ ‫ول ّ‬
‫رجل يرمي ظبيا ً حين أشرف له فصرعه ‪ ،‬فتفأل بقتل عدّوه )‪. (1‬‬
‫دخول الكوفة‬
‫وال دخل الكوفة)‪ ،2‬فنزل دار المختار بن أبي عبيد الثقفي)‬ ‫ولخمس خلون من ش ّ‬
‫مة مقداما ً مجّربا ً قويّ الّنفس ‪ ،‬شديدا ً‬ ‫‪ ،3‬وكان شريفا ً في قومه ‪ ،‬كريما عالي اله ّ‬
‫ً‬
‫سلم( (‪ ،‬له عقل وافر ورأي مصيب ‪ ،‬خصوصا ً‬ ‫على أعداء أهل البيت ‪).‬عليهم ال ّ‬
‫بقواعد الحرب والغلبة على العدوّ ‪ ،‬كأّنه مارس التجارب فحنكته ‪ ،‬أو لبس‬
‫ما ً وأخلقا ً‬‫ذبته ‪ ،‬انقطع إلى آل الرسول القدس فاستفاد منهم أدبا ً ج ّ‬ ‫الخطوب فه ّ‬
‫سر والعلنية ‪.‬‬ ‫فاضلة ‪ ،‬وناصح لهم في ال ّ‬
‫البيعة‬
‫ووافت الشيعة مسلما في دار المختار بالترحيب وأظهروا له من الطاعة والنقياد‬‫ً‬
‫ما زاد في سروره وابتهاجه ‪ ،‬فعندما قرأ عليهم كتاب الحسين ‪ ،‬قام عابس ابن‬
‫شبيب الشاكري وقال ‪ :‬إّني ل أخبرك عن الّناس ‪ ،‬ول أعلم ما في نفوسهم ‪ ،‬ول‬
‫طن عليه نفسي ‪ ،‬والله لجيبّنكم إذا‬ ‫ما أنا مو ّ‬ ‫أغّرك بهم ‪ ،‬والله إّني ُاح ّ‬
‫دثك ع ّ‬
‫ن بسيفي دونكم حّتى ألقى الله ل ُاريد‬ ‫ن معكم عدّوكم ‪ ،‬ولضرب ّ‬ ‫دعوتم ‪ ،‬و ُ‬
‫لقاتل ّ‬
‫بذلك إل ّ ما عند الله ‪.‬‬
‫ت ما في نفسك بواجز من قولك ‪ ،‬وأنا والله‬ ‫وقال حبيب بن مظاهر ‪ :‬قد قضي َ‬
‫الذي ل إله إل ّ هو ‪ ،‬على مثل ما أنت عليه ‪.‬‬
‫وقال سعيد بن عبد الله الحنفي مثل قولهما)‪.4‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬ارشاد المفيد ‪.‬‬
‫)‪2‬مروج الذهب ‪. 86 / 2‬‬
‫)‪3‬الطبري ‪. 199 / 6‬‬

‫‪55‬‬
‫)‪4‬الطبري ‪. 199 / 6‬‬
‫وأقبلت الشيعة يبايعونه حّتى أحصى ديوانه ثمانية عشر ألفا ً )‪ ، (1‬وقيل بلغ خمسا ً‬
‫من بايعه أربعين ألفًا)‪ ،3‬فكتب مسلم‬ ‫وعشرين ألفًا)‪ ،2‬وفي حديث الشعبي بلغ َ‬
‫إلى الحسين مع عابس بن شبيب الشاكري ‪ ،‬يخبره باجتماع أهل الكوفة على‬
‫طاعته وانتظارهم لقدومه وفيه يقول ‪ :‬الرائد ل يكذب أهله ‪ ،‬وقد بايعني من أهل‬
‫جل القبال حين يأتيك كتابي)‪.4‬‬ ‫الكوفة ثمانية عشر ألفا ً فع ّ‬
‫وكان ذلك قبل مقتل مسلم بسبع وعشرين ليلة)‪ ،5‬وانظم إليه كتاب أهل الكوفة‬
‫ن لك بالكوفة مئة ألف سيف فل تتأخر)‬ ‫جل القدوم يابن رسول الله ‪ ،‬فا ّ‬ ‫وفيه ‪ :‬ع ّ‬
‫‪.6‬‬
‫ُ‬
‫من لهم هوى في بني امّية منهم ؛ عمر بن سعد بن أبي وّقاص‬ ‫فساء هذا جماعة م ّ‬
‫‪ ،‬وعبد الله بن مسلم بن ربيعة الحضرمي ‪ ،‬وعمارة بن عقبة بن أبي معيط ‪،‬‬
‫ن‬
‫فكتبوا إلى يزيد يخبرونه بقدوم مسلم بن عقيل وإقبال أهل الكوفة عليه وأ ّ‬
‫الّنعمان بن بشير ل طاقة له على المقاومة)‪.7‬‬
‫فأرسل يزيد على سرجون)‪8‬موله يستشيره ـ وكان كاتبه وأنيسه ـ فقال سرجون‬
‫‪ :‬عليك بعبيد الله بن زياد ‪ ،‬قال ‪ :‬إّنه ل خير عنده ‪ ،‬فقال سرجون ‪ :‬لو كان معاوية‬
‫حي ّا ً وأشار عليك به أكنت توليه ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬فقال ‪ :‬هذا عهد معاوية إليه بخاتمه‬
‫ن أعلمك به إل معرفتي ببغضك له ‪ ،‬فانفذه إليه ‪ .‬وعزل الّنعمان بن‬ ‫ولم يمنعني أ ْ‬
‫ن المسبوب يوما‬ ‫ن الممدوح مسبوب يوما ً ‪ ،‬وإ ّ‬ ‫ما بعد فإ ّ‬ ‫بشير ‪ ،‬وكتب إليه ‪ :‬أ ّ‬
‫ممدوح ‪ ،‬وقد سمي بك إلى غاية أنت فيها كما قال الول ‪.‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬تذكرة الخواص ‪ ، 138 /‬وتاريخ الطبري ‪. 211 / 6‬‬
‫)‪2‬ابن شهرآشوب ‪. 310 / 2‬‬
‫)‪3‬ابن نما ‪. 11 /‬‬
‫)‪4‬الطبري ‪. 210 / 6‬‬
‫)‪5‬الطبري ‪. 224 / 6‬‬
‫)‪6‬البحار ‪. 185 / 10‬‬
‫)‪7‬تاريخ الطبري ‪ 99 / 6‬إلى ‪. 201‬‬
‫)‪8‬في السلم والحضارة العربية ‪ ، 158 / 2‬لمحمد كرد علي ‪ :‬كان سرجون بن‬
‫منصور من نصارى الشام ‪ ،‬استخدمه معاوية في مصالح الدولة ‪ ،‬وكان أبوه‬
‫منصور على المال في الشام من عهد هرقل قبل الفتح ‪ ،‬ساعد المسلمين على‬
‫قتال الروم ومنصور بن سرجون بن منصور ‪ :‬كانت له خدمة في الدولة كأبيه ‪،‬‬
‫وكان عمر بن الخطاب يمنع من خدمة النصارى إل ّ إذا أسلموا ‪.‬‬
‫)‪( (1‬‬ ‫ااااا‬
‫اااا ااااا ااااااااا ااااااااااا ا‬ ‫ااااااااااااا اا‬ ‫ااا‬
‫وأمره بالستعجال على الشخوص إلى الكوفة ؛ ليطلب ابن عقيل فيوثقه أو يقتله‬
‫أو ينفيه)‪.2‬‬
‫جل ابن زياد المسير إلى الكوفة مع مسلم بن عمرو الباهلي والمنذر بن‬ ‫فتع ّ‬
‫الجارود وشريك الحارثي وعبد الله بن الحارث بن نوفل في خمسمئة رجل‬
‫انتخبهم من أهل البصرة ‪ ،‬فجد ّ في السير وكان ل يلوي على أحد يسقط من‬
‫ن شريك بن العور سقط أثناء الطريق ‪ ،‬وسقط عبد الله بن‬ ‫أصحابه حّتى أ ّ‬
‫ن‬ ‫َ‬
‫خر ابن زياد من أجلهم فلم يلتفت ابن زياد إليهم ؛ مخافة أ ْ‬ ‫ن يتأ ّ‬‫الحارث ؛ رجاء أ ْ‬
‫ما ورد القادسّية سقط موله مهران فقال له ابن‬ ‫يسبقه الحسين إلى الكوفة ‪ .‬ول ّ‬
‫ن أمسكت على هذا الحال فتنظر القصر فلك مئة ألف ‪ ،‬فقال ‪ :‬والله ل‬ ‫زياد ‪ :‬إ ْ‬

‫‪56‬‬
‫أستطيع ‪ ،‬فتركه عبيد الله ولبس ثيابا ً يمانّية وعمامة سوداء وانحدر وحده ‪ ،‬وكّلما‬
‫مّر بالمحارس ظّنوا أّنه الحسين )ع( فقالوا ‪ :‬مرحبا ً بابن رسول الله ‪ ،‬وهو‬
‫ما يلي الّنجف)‪.3‬‬ ‫ساكت ‪ ،‬فدخل الكوفة م ّ‬
‫ً‬
‫واستقبله الّناس بهتاف واحد ‪ :‬مرحبا بابن رسول الله ‪ ،‬فساءه هذا الحال وانتهى‬
‫إلى قصر المارة ‪ ،‬فلم يفتح الّنعمان باب القصر ‪ ،‬وأشرف عليه من أعلى القصر‬
‫يقول ‪ :‬ما أنا بمؤد إليك أمانتي يابن رسول الله ‪ ،‬فقال له ابن زياد)‪ :4‬افتح‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬أنساب الشراف للبلذري ‪. 82 / 4‬‬
‫)‪2‬الطبري ‪. 199 / 6‬‬
‫)‪3‬مثير الحزان لبن نما الحّلي ‪.‬‬
‫)‪4‬لم ينص المؤرخون على ولدة ابن زياد على التحقيق ‪ ،‬وما ذكروه منه ل يصح ‪،‬‬
‫ومنه يصح على وجه التقريب والظن ؛ فالول ما يحكيه ابن كثير في البداية ‪/ 8‬‬
‫‪ : 283‬عن ابن عساكر عن أحمد بن يونس الضبي أن مولد عبيد الله بن زياد سنة‬
‫ف أواخر سنة ‪ 60‬هـإحدى وعشرون سنة ‪ ،‬وله‬ ‫تسع وثلثين ‪ ،‬فيكون له يوم الط ّ‬
‫يوم موت أبيه زياد الواقع سنة ‪ 53‬هـأربع عشرة سنة ‪ ...‬وهذا ل يّتفق مع ما ذكره‬
‫ن معاوية وّلى عبيد الله بن زياد خراسان سنة‬ ‫ابن جرير في التاريخ ‪ : 166 / 6‬أ ّ‬
‫‪ 53‬هـفإّنه يبعد أن يتوّلى ابن أربع عشرة سنة بلدا كبيرا مثل خراسان ‪ ،‬وما ذكره‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ابن جرير يكون له وجه على الظن فإنه في ‪ 166 / 6‬من تاريخه يقول ‪ :‬في سنة‬
‫‪ 53‬هـوّلى معاوية عبيد الله بن زياد خراسان وله خمس وعشرون سنة ؛ وعليه‬
‫ف اثنتان وثلثون سنة ‪ ،‬وما ذكره يّتفق مع ما‬ ‫تكون ولدته سنة ‪ 28‬هـوله يوم الط ّ‬
‫ن لعبيد الله بن زياد‬ ‫حكاه ابن كثير في البداية ‪ : 283/ 8‬عن الفضل بن ركين إ ّ‬
‫يوم قتل الحسين ‪ 28‬سنة ؛ وعليه تكون ولدته سنة ‪32‬هـويوم موت زياد الواقع‬
‫في سنة ‪53‬هـله إحدى وعشرون سنة ‪.‬‬
‫ن عبيد الله بن زياد‬ ‫وذكر ابن حجر في )تعجيل المنفعة ‪ 271 /‬طبعة حيدر آباد‪ :‬أ ّ‬
‫ف الواقع أول عام )‪61‬هـسبع‬ ‫ولد سنة ‪) 32‬أو سنة ‪ 33‬هـفيكون له يوم الط ّ‬
‫وعشرون سنة أو ثمان وعشرون سنة ‪.‬‬
‫مه مرجانة مجوسّية ‪ ،‬وعند ابن كثير في البداية ‪، 383 / 8‬‬ ‫ل ‪ ،‬كانت ا ُ ّ‬
‫وعلى ك ّ‬
‫وعند العيني في )ع( مدة القاري شرح البخاري ‪ 656 / 7‬كتاب الفضائل في‬
‫مناقب الحسنين ‪ :‬أّنها سبّية من اصفهان وقيل مجوسّية ‪.‬‬
‫ما ُقتل الحسين ـ لعبيد الله ‪ :‬ويلك !‬ ‫وفي تاريخ الطبري ‪ : 6 / 7‬قالت مرجانة ـ ل ّ‬
‫ماذا صنعت ؟ وماذا ركبت ؟ ‪.‬‬
‫وفي كامل ابن الثير ‪ 103 / 4‬في مقتل ابن زياد ‪ ،‬قالت مرجانة لعبيد الله ‪ :‬يا‬
‫خبيث ‪ ،‬قتلت ابن رسول الله ؟! والله ل ترى الجنة أبدا ً ‪.‬‬
‫ت ابن رسول‬ ‫مه مرجانة ‪َ :‬قتل َ‬ ‫سير أعلم النبلء للذهبي ‪ 359 / 3‬قالت له ا ُ ّ‬ ‫وفي ِ‬
‫الله ! ل ترى الجنة ‪ ،‬ونحو هذا ‪.‬‬
‫ت أّنك حيظة ولم تأت إلى الحسين ما‬ ‫ويذكر بعض المؤرخين أّنها قالت له ‪ :‬ودد ُ‬
‫أتيت ‪.‬‬
‫وفي تاريخ الطبري ‪ ، 268 / 6‬وكامل ابن الثير ‪ 34 / 4‬عليه مروج الذهب قال له‬
‫ن‬
‫ل رجل من بني زياد خزامة إلى يوم القيامة وأ ّ‬ ‫ت في أنف ك ّ‬ ‫أخوه عثمان ‪ :‬ودد ُ‬
‫الحسين لم ُيقتل ‪ ،‬فلم يرد عليه عبيد الله ‪ ،‬وكيف يرد عليه ؟! وقد شاهد حيطان‬
‫دس عليه ‪ ،‬كما في الصواعق‬ ‫قصر المارة تسيل دما ً حينما ُادخل الرأس المق ّ‬
‫المحرقة ‪ ، 116 /‬وتاريخ ابن عساكر ‪. 339 / 4‬‬

‫‪57‬‬
‫وفي أنساب الشراف للبلذري ‪ : 77 / 4‬كان عبيد الله بن زياد جميل ً أرقطا ً ‪.‬‬
‫وفي صفحة ‪ : 81‬كان مملوا ً شّرا ً ‪ ،‬وهو أول من وضع المثالب ؛ ليعارض بها‬
‫الّناس بمثل ما يقولون فيه ‪ .‬وفي صفحة ‪ : 86‬كان أكول ً ل يشبع ‪ ،‬يأكل في اليوم‬
‫أكثر من خمسين أكلة ‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫وفي المعارف لبن قتيبة ‪ : 256 /‬كان طويل ً جد ّا ل يرى ماشيا إل ّ ظنوه راكبا ‪.‬‬
‫وفي البيان والتبيين للجاحظ ‪ 75 / 1‬الطبعة الثانية ‪ :‬كان ألكنا ً ‪ ،‬يقلب الحاء هاًء‬
‫قال لهارون بن قبيصة ‪) :‬اهروري يريد )احروري ‪ ،‬ويقلب القاف كافا ً يقول )كلت‬
‫ن زيادا ً تزّوج‬ ‫له يريد )قلت له ‪ ،‬وفيه ‪ : 167 / 2‬جاءته اللكنة من الساورة ؛ فإ ّ‬
‫)مرجانة من شيرويه السواري ‪ ،‬وكان عبيد الله معها فنشأ بين الساورة ؛ تغّلبت‬
‫عليه لغتهم‬
‫وفي أنساب الشراف ‪ : 84 / 5‬كان ابن زياد إذا غضب على أحد ‪ ،‬ألقاه من فوق‬
‫قصر المارة واطمار كل مرتفع وفي صفحة ‪ : 82‬تزّوج عبيد الله هندا ً بنت أسماء‬
‫مد بن عمير بن عطارد ومحمد بن الشعث وعمرو بن‬ ‫بن خارجة ‪ ،‬فعاب عليه مح ّ‬
‫مد بن الشعث ‪ ،‬وزّوج أخاه عثمان‬ ‫م النعمان بنت مح ّ‬ ‫حريث ‪ ،‬فتزّوج عبيد الله ا ُ ّ‬
‫ابنة عمير بن عطارد ‪ ،‬وزّوج أخاه عبد الله ابنة عمرو بن حريث ‪.‬‬
‫وفي النقود القديمة السلمية للتبريزي ‪ ، 50 /‬ضمن مجموعة النقود العربية ‪،‬‬
‫ش الدراهم وضربها زيوفا ً عبيد الله بن زياد‬ ‫ن أول من غ ّ‬ ‫جمع انستاس الكرملي ‪ :‬أ ّ‬
‫مة‬‫م فشت بالمصار ‪ .‬ومثله جاء في إغاثة ال ُ ّ‬ ‫‪ ،‬حين فّر من البصرة سنة ‪64‬هـ ث ّ‬
‫مة للمقريزي ‪ ، 61 /‬والنقود السلمية القديمة للمقريزي ‪ ، 50 /‬وفي‬ ‫بكشف الغ ّ‬
‫مآثر الناقة للقلقشندي ‪ : 185 / 1‬في خلفة المهدي انه رد ّ نسب زياد بن أبيه‬
‫إلى عبيد الله الرومي ‪.‬‬
‫ب الكعبة )‬ ‫فقد طال ليلك ! فسمعها رجل وعرفه ‪ ،‬فقال للناس ‪ :‬انه ابن زياد ور ّ‬
‫‪. (1‬‬
‫فتفّرقوا إلى منازلهم ‪ ،‬وعند الصباح جمع ابن زياد الّناس في الجامع العظم ‪،‬‬
‫جد عنده أحد من بغية أمير‬ ‫ذرهم ومّناهم العطّية وقال ‪ :‬أّيما عريف وُ َ‬ ‫وخطبهم وح ّ‬
‫صِلب على باب داره)‪.2‬‬ ‫المؤمنين وَلم يرفعه إلينا ‪ُ ،‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬الطبري ج ‪ 6‬ص ‪. 201‬‬
‫)‪2‬الرشاد ‪.‬‬
‫موقف مسلم‬
‫ن‬
‫ما بلغ مسلم بن عقيل خطبة ابن زياد ووعيده وظهر له حال الّناس ‪ ،‬خاف أ ْ‬ ‫ول ّ‬
‫ة ‪ ،‬فخرج من دار المختار بعد العتمة إلى دار هاني بن عروة المذحجي ‪،‬‬ ‫يؤخذ غيل ً‬
‫وكان شديد التشيع )‪ ، (1‬ومن أشراف الكوفة)‪ ،2‬وقّرائها)‪ ،3‬وشيخ مراد‬
‫وزعيمها ‪ ،‬يركب في أربعة آلف دارع وثمانية آلف راجل ‪ ،‬فإذا تلها أحلفها من‬
‫ص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب)‬ ‫كندة ركب في ثلثين ألفًا)‪ ،4‬وكان من خوا ّ‬
‫‪ ،5‬حضر حروبه الثلثة)‪ ،6‬وأدرك الّنبي )ص( (‪ ،‬وتشّرف بصحبته ‪ ،‬وكان له يوم‬
‫قتله بضع وتسعون سنة)‪.7‬‬
‫ونزل مع مسلم بن عقيل شريك)‪8‬بن عبد الله)‪9‬العور الحارثي‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬كامل ابن الثير ‪. 10 / 4‬‬
‫)‪2‬الخبار الطوال ‪. 235 /‬‬
‫)‪3‬الغاني ‪. 95 / 14‬‬

‫‪58‬‬
‫)‪4‬مروج الذهب ‪. 89 / 2‬‬
‫)‪5‬الصابة ‪ 616 / 3‬القسم الثالث ‪.‬‬
‫)‪6‬ذخيرة الدارين ‪ ، 278 /‬وفي كامل ابن الثير ‪ : 10 / 4‬حارب في صفين مع‬
‫عمار بن ياسر ‪.‬‬
‫)‪7‬الصابة ‪ 616 / 3‬القسم الثالث ‪.‬‬
‫)‪8‬الصابة ‪ 616 / 3‬القسم الثالث ‪.‬‬
‫)‪9‬مقتل الخوارزمي ‪ : 201 / 1‬لقد اشتبه المر على الحجة السيد المين في‬
‫ل من ؛ الخوارزمي‬ ‫التعريف عن شريك )بالهمداني ‪ ،‬والذي أوقعه في الشتباه ك ّ‬
‫في مقتل الحسين ‪ ،‬وابن نما في مثير الحزان ‪ ،‬مع ما ذكره ابن جرير في الذيل‬
‫ن سلسلة‬ ‫لمم والملوك ‪ .‬فإ ّ‬ ‫على تاريخه الملحق بالجزء الثاني عشر من تاريخ ا ُ‬
‫النسب المذكورة لشريك هي للحارث بن العور صاحب أمير المؤمنين ؛ ومنشأ‬
‫ن شريكا ً‬ ‫الشتباه قول المؤرخين )شريك بن العور الحارثي ‪ ،‬وذهب عليهم أ ّ‬
‫مذحجي والحارث العور همداني ‪.‬‬
‫ص على مذحجية شريك ابن دريد في الشتقاق ‪ ، 401 /‬فإّنه قال ‪ :‬من‬ ‫من ن ّ‬ ‫وم ّ‬
‫رجال عبد المدان بن الحارث ‪ ،‬شريك بن العور الذي خاطب معاوية فقال ‪:‬‬
‫ااااااا اااااا اا ااا ااااا اااا اااا ااااا‬
‫ً‬
‫مون مذحجا ‪ ،‬وهو مالك بن‬ ‫وفي صفحة ‪ 397‬وما بعدها ‪ :‬رجال سعد العشيرة يس ّ‬
‫أدد ‪ ،‬ومن رجالهم عبد المدان ‪ ،‬وبيت عبد المدان أحد بيوتات العرب الثلثة ؛ بيت‬
‫زرارة بن عدس في بني تميم ‪ ،‬وبيت خذيفة بن بدر في فزارة ‪ ،‬وبيت عبد المدان‬
‫في بني الحارث ‪ ،‬ومن رجالهم شريك بن العور الذي خاطب معاوية وله معه‬
‫حديث ‪.‬‬
‫والمحاورة التي جرت بين معاوية وشريك ذكرها الهمداني في )الكليل ‪229 / 2‬‬
‫طبعة مصر سنة ‪1386‬هـ‪ ،‬وذكر فيها أربعة أبيات لشريك ‪.‬‬
‫وذكرها البشيهي في )المستطرف ‪ 55 / 1‬الباب الثامن في الجوبة المسكتة ‪،‬‬
‫وذكر ثلثة أبيات ‪.‬‬
‫وذكرها ابن حجة في )ثمرات الوراق على هامش المستطرف ‪ ، 45 / 1‬وذكر‬
‫الجوبة الهاشمية ولم يذكر الشعر ‪ ،‬وذكر ستة أبيات فقط في )الحماسة البصرية‬
‫‪. 70 / 1‬‬
‫وفي مادة )ع( وى من تاج العروس الشارة إلى هذه المحاورة ‪.‬‬
‫ً‬
‫وفي )ربيع البرار للزمخشري باب الجوبة المسكتة ذكر المحاورة وأبياتا أربعة ‪.‬‬
‫ما يستأنس لمذحجيته ‪ ،‬نزوله بالكوفة في ] بيت [ هاني بن عروة ؛ فإّنه من‬ ‫وم ّ‬
‫ً‬
‫عشيرته ولحمته ‪ ،‬ولو كان ابن الحارث همدانيا لنزل في بيت والده ‪ ،‬مات الحارث‬
‫الهمداني سنة ‪65‬هـ ‪.‬‬
‫سلم بالبصرة ‪،‬‬ ‫الهمداني البصري ‪ ،‬وكان من كبار شيعة أمير المؤمنين عليه ال ّ‬
‫فين وقاتل مع عمار بن ياسر)‪ .2‬ولشرفه‬ ‫جليل القدر في أصحابنا )‪ ، (1‬شهد ص ّ‬
‫له عبيد الله بن زياد من قَِبل معاوية كرمان)‪ ،3‬وكانت له مواصلة وصحبة‬ ‫وجاهه و ّ‬
‫مع هاني ابن عروة ‪.‬‬
‫فمرض مرضا ً شديدا عاده فيه ابن زياد ‪ ،‬وقبل مجيئه قال شريك لمسلم )ع( ‪ :‬إ ّ‬
‫ن‬ ‫ً‬
‫ن عندي ‪ ،‬اخرج إليه‬ ‫غايتك وغاية شيعتك هلكه ‪ ،‬فأقم في الخزانة حّتى إذا اطمأ ّ‬
‫واقتله ‪ ،‬وأنا أكفيك أمره بالكوفة مع العافية)‪.4‬‬
‫وبينا هم على هذا إذ قيل المير على الباب ‪ ،‬فدخل مسلم الخزانة ودخل عبيد الله‬
‫ما استبطأ شريك خروج مسلم ‪ ،‬جعل يأخذ عمامته من على‬ ‫على شريك ‪ ،‬ول ّ‬

‫‪59‬‬
‫م يضعها على رأسه فعل ذلك مرارا ً ‪ ،‬ونادى بصوت‬ ‫رأسه ويضعها على الرض ث ّ‬
‫عال ـ يسمع مسلما ً ـ ‪:‬‬
‫ااا اااااا ااااا اا اااااا اااا ااااا ااااا اا اااااا‬
‫اا اااا اااا اااا ااا ااا اااا اااا ااااا ااااا اااا‬
‫ااا ااااا اا اااا اااااا ااااا اااا ااااا اا ااااااا‬
‫ً‬
‫م صاح بصوت رفيع ـ يسمع مسلما ـ ‪:‬‬ ‫ولم يزل يكّرره وعينه رامقة إلى الخزانة ‪ ،‬ث ّ‬
‫مك‬ ‫اسقونيها ولو كان فيها حتفي)‪ .5‬فالتفت عبيد الله إلى هاني وقال ‪ :‬ابن ع ّ‬
‫يخلط في عّلته ‪ ،‬فقال هاني ‪ :‬إن شريكا ً يهجر منذ وقع في عّلته ‪ ،‬وانه ليتكّلم بما‬
‫ل يعلم)‪.6‬‬
‫لولى ‪ :‬حديث علي )ع( عن‬ ‫فقال شريك لمسلم ‪ :‬ما منعك منه ؟ قال خلتان ؛ ا ُ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬ابن نما ‪. 14 /‬‬
‫)‪2‬الطبري ‪. 203 / 6‬‬
‫)‪3‬النجوم الزاهرة ‪ ، 153 / 1‬وكامل ابن الثير ‪ ، 206 / 3‬والغاني ‪ 60 / 17‬و ‪64‬‬
‫و ‪ 70‬طبعة ساسي ‪.‬‬
‫)‪4‬ابن نما ‪. 14 /‬‬
‫)‪5‬رياض المصائب ‪ ، 60 /‬وفي تاريخ الطبري ‪ : 204 / 6‬كان شريك يقول ‪ :‬ما‬
‫تنظرون بسلمى ل تحيوها ‪ ،‬اسقونيها ولو كان فيها حتفي ‪.‬‬
‫)‪6‬ابن نما ‪. 14 /‬‬
‫ن اليمان قيد الفتك ‪ ،‬فل يفتك مؤمن ( )‪. (1‬‬ ‫رسول الله )ص( ‪)) :‬إ ّ‬
‫ن ل أفعل هذا في‬ ‫ي بالله أ ْ‬ ‫ّ‬
‫والثانية ‪ :‬امرأة هاني ‪ ،‬فإّنها تعلقت بي وأقسمت عل ّ‬
‫دارها ‪ ،‬وبكت في وجهي فقال هاني ‪ :‬يا ويلها ! قتلتني وقتلت نفسها ‪ ،‬والذي‬
‫فّرت منه وقعت فيه)‪.2‬‬
‫ما‬ ‫ّ‬
‫ولبث شريك بعد ذلك ثلثة أيام ومات فصلى عليه ابن زياد)‪ ،3‬ودفن بالثوبة ‪ ،‬ول ّ‬
‫ن شريكا ً كان يحّرض على قتله ‪ ،‬قال ‪ :‬والله ل ُاصّلي على جنازة‬ ‫وضح لبن زياد أ ّ‬
‫ت شريكًا)‪.4‬‬ ‫ن قبر زياد فيهم لنبش ُ‬ ‫عراقي أبدا ً ولول أ ّ‬
‫وأخذت اليشعة تختلف إلى مسلم بن عقيل في دار هاني على تسّتر واستخفاء‬
‫من ابن زياد وتواصوا بالكتمان ؛ فخفي على ابن زياد موضع مسلم ‪ ،‬فدعا معقل ً‬
‫ن يلقى الشيعة ويعّرفهم أّنه من أهل الشام‬ ‫موله ‪ ،‬وأعطاه ثلثة آلف ‪ ،‬وأمره أ ْ‬
‫ب أهل بيت رسوله ‪ ،‬وبلغه قدوم رجل‬ ‫مولى لذي الكلع ‪ ،‬وقد أنعم الله عليه بح ّ‬
‫ة للحسين ‪ ،‬وعنده مال يريد أن يلقاه ويوصله‬ ‫منهم إلى هذا المصر داعي ً‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬ابن الثير ‪ ، 11 / 4‬وتاريخ الطبري ‪ ، 240 / 6‬وقد تكرر ذكر الحديث في‬
‫مال بهامشه ‪، 57 / 1‬‬ ‫الجوامع ‪ ،‬ففي مسند أحمد ‪ ، 166 / 1‬ومنتخب كنز الع ّ‬
‫والجامع الصغير للسيوطي ‪ ، 123 / 4‬وكنوز الحقايق بهامشه ‪ ، 95 / 1‬ومستدرك‬
‫الحاكم ‪ ، 352 / 4‬ومقتل الخوارزمي ‪ 202 / 1‬الفصل العاشر ‪ ،‬ومناقب ابن شهر‬
‫آشوب ‪ ، 318 / 2‬والبحار الجزء الحادي عشر في معاجز الصادق )ع( ‪ ،‬و وقايع‬
‫اليام عن الشهاب في الحكم والداب ‪.‬‬
‫)‪2‬ابن نما ‪ : 14 /‬وهذه الكلمة من عالم أهل البيت وخليفة سّيد الشهداء في‬
‫المور الدينية والمدنية تفيد المل الديني المقتفي آثارهم فقها ً بشريعة الرسول‬
‫من‬‫ن يدخل ب َ‬ ‫ن النفوس الطاهرة تأبى للضيف أ ْ‬ ‫القدس المانعة من الغدر ‪ ،‬وأ ّ‬
‫مة لو كانوا يفقهون ‪.‬‬ ‫دسة لل ُ ّ‬ ‫استضافهم ما يكرهون وهذه تعاليم مق ّ‬

‫‪60‬‬
‫وهناك سّر دقيق ومغزى آخر نظر إليه )شهيد القصر لمسناه جوهرة فريدة من‬
‫من قال له ‪ :‬أل تقتل ابن ملجم ؟ فقال )ع( ‪:‬‬ ‫مه أمير المؤمنين في جواب َ‬ ‫قول ع ّ‬
‫م سلمة ‪)) :‬إذا لم أمض إلى كربل‬ ‫ُ‬
‫من يقتلني ؟ (‪ ،‬ومن قول الحسين ل ّ‬ ‫))إذن ف َ‬
‫ن مفاد ذلك‬ ‫فمن يقتلني ؟ ومن ذا يكون ساكن حفرتي ؟ وبماذا يختبرون ؟! (‪ ،‬فإ ّ‬
‫عدم قدرة أحد على تغيير المقادير اللهية المحّتمة ‪ ،‬وقد أجرى الله القضاء‬
‫بشهادة أمير المؤمنين والحسين على يد ابن ملجم ويزيد ‪.‬‬
‫وإذا كان من الجائز أن يطلع أمير المؤمنين الخواص من أصحابه كميثم وحبيب‬
‫ن يوقف‬ ‫من يكون ‪ ،‬فمن القريب جدا ً أ ْ‬ ‫ورشيد وكميل على كيفية قتلهم وعلى يد َ‬
‫ن ابن عقيل‬ ‫سّيد الشهداء )ع( مسمل بن عقيل على ما يجري عليه حرفا ً حرفا ً ؛ ل ّ‬
‫ن الظرف لم يساعده على‬ ‫في السنام العلى من اليقين والبصيرة النافذة ‪ ،‬ولك ّ‬
‫مد مستصعب ‪ ،‬فأخذ يجمل في البيان ‪،‬‬ ‫ن سّر آل مح ّ‬ ‫إظهار هذه السرار ‪ ،‬فإ ّ‬
‫سطنا في إيضاح ذلك تحت‬ ‫وعليك بمراجعة كتابنا )الشهيد مسلم ‪ 134 /‬فقد تب ّ‬
‫عنوان )مسلم ل يغدر ‪.‬‬
‫)‪3‬مقتل الحسين للخوارزمي ‪ 202 / 1‬الفصل العاشر ‪ ،‬وتاريخ الطبري ‪. 202 / 6‬‬
‫)‪4‬تاريخ الطبري ‪. 202 / 6‬‬
‫إليه ‪ ،‬فدخل معقل الجامع العظم ورأى مسلم بن عوسجة السدي يصّلي ‪ ،‬فل ّ‬
‫ما‬
‫ص عليه حاله ‪ ،‬فدعا له مسلم بالخير والتوفيق ‪ ،‬وأدخله على ابن‬ ‫فرغ دنا منه وق ّ‬
‫عقيل ‪ ،‬فدفع إليه المال وبايعه )‪ (1‬وسّلمه إلى أبي ثمامة الصائدي ‪ ،‬وكان بصيرا ً‬
‫شجاعا ً ومن وجوه الشيعة عّينه مسلم لقبض ما يرد عليه من الموال ؛ ليشتري‬
‫به سلحا ً ‪.‬‬
‫ل يوم فل ُيحجب عنه ويتعّرف الخبار ‪،‬‬ ‫فكان ذلك الرجل يختلف إلى مسلم ك ّ‬
‫ويرفعها إلى ابن زياد عند المساء)‪.2‬‬
‫موقف هاني‬
‫ن مسلما مختبئ في دار هاني بن عروة ‪ ،‬دعا‬ ‫ً‬ ‫ما وضح المر لبن زياد وعرف أ ّ‬ ‫ول ّ‬
‫جاج وسألهم عن انقطاع هاني‬ ‫ح ّ‬
‫أسماء بن خارجة ومحمد بن الشعث وعمرو بن ال َ‬
‫عنه ‪ ،‬قالوا ‪ :‬الشكوى تمنعه ‪ ،‬فلم يقتنع ابن زياد بعد أن أخبرته العيون بجلوسه‬
‫ل عشّية ‪ ،‬فركب هؤلء الجماعة إليه وسألوه المسير إلى‬ ‫على باب داره ك ّ‬
‫ما طلع عليه قال‬ ‫حوا عليه ‪ ،‬فركب بغلته ‪ ،‬ول ّ‬ ‫ن الجفاء ل يحتمله وأل ّ‬ ‫سلطان فإ ّ‬ ‫ال ّ‬
‫ابن زياد ‪ :‬أتتك بخائن رجله)‪ ،3‬والتفت إلى شريح القاضي وقال)‪:4‬‬
‫اااا ااااا ااااا اااا ااااا اا ااااا اا اااا‬ ‫ا‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬الخبار الطوال ‪. 237 /‬‬
‫)‪2‬الرشاد للمفيد ‪.‬‬
‫ما ظفر‬ ‫)‪3‬في مجمع المثال للميداني ‪ : 19 / 1‬قاله الحارث بن جبلة الغساني ل ّ‬
‫بالحرث بن عفيف العبدي حين هجاه ‪.‬‬
‫ن البيت لعمرو بن معد‬ ‫)‪4‬في الصابة ‪) 274 / 2‬بترجمة قيس بن المكشوح ‪ :‬إ ّ‬
‫يكرب من أبيات قالها في ابن ُاخته وكانا متباعدين ‪.‬‬
‫ما دخل عليه ابن ملجم‬ ‫ن أمير المؤمنين )ع( تمثل به ل ّ‬ ‫وفي الغاني ‪ : 32 / 14‬إ ّ‬
‫المرادي يبايعه ‪.‬‬
‫ن أبا العّباس السفاح‬ ‫وفي تاريخ اليعقوبي ‪ 97 / 3‬المطبة الحيدرية بالنجف ‪ :‬أ ّ‬
‫مد بن عبد الله بالمدينة ‪ ،‬فكتب إلى أبيه عبد الله بذلك وكتب في‬ ‫بلغه تحرك مح ّ‬
‫الكتاب ‪.‬‬

‫‪61‬‬
‫اااا ااااا ااااا اااا ااااا اا ااااا اا اااا‬ ‫ا‬
‫فكتب إليه عبد الله‪:‬‬
‫وكـيف يريد ذاك وأنت منه بـمنزلة الـنياط من الفؤاد‬
‫وكـيف يريد ذاك وأنت منه وزندك حين يقدح من زنادي‬
‫وكـيف يريد ذاك وأنت منه وأنـت لـهاشم رأس وهاد‬
‫سلح ؟!‬ ‫م التفت إلى هاني وقال ‪ :‬أتيت بابن عقيل إلى دارك ‪ ،‬وجمعت له ال ّ‬ ‫ث ّ‬
‫ن الخبر أتاه‬ ‫ً‬
‫فأنكر عليه هاني وإذ كثر الجدال ‪ ،‬دعا ابن زياد معقل ‪ ،‬ففهم هاني أ ّ‬
‫ب مكافأته ‪ ،‬فهل لك‬ ‫ن لبيك عندي بلًء حسنا ً وأنا ُاح ّ‬ ‫من جهته ‪ ،‬فقال لبن زياد ‪ :‬إ ّ‬
‫من هو‬ ‫في خير ؟ تمضي أنت وأهل بيتك إلى الشام سالمين بأموالكم ؛ فإّنه جاء َ‬
‫أحقّ بالمر منك ومن صاحبك )‪ ، (1‬فقال ابن زياد ‪ :‬وتحت الرغوة اللبن الصريح)‬
‫‪.2‬‬
‫فقال ابن زياد ‪ :‬والله ل تفارقني حّتى تأتيني به ‪ ،‬قال ‪ :‬والله لو كان تحت قدمي‬
‫دده بالقتل فقال هاني ‪ :‬إذا ً تكثر البارقة‬ ‫ما رفعتهما عنه ‪ ،‬فأغلظ له ابن زياد وه ّ‬
‫سيف‬ ‫ن مرادا ً تمعنه ‪ ،‬فأخذ ابن زياد بظفيرتيه وقنع وجهه بال ّ‬ ‫نأ ّ‬ ‫حولك ‪ ،‬وهو يظ ّ‬
‫ديه وجبينه على لحيته وحبسه عنده)‪.3‬‬ ‫حّتى كسر أنفه ونثر لحم خ ّ‬
‫ن هانيا ً قُِتل ـ وكانت ُاخته روعة تحت هاني ‪ ،‬وهي ا ُ ّ‬
‫م‬ ‫جاج أ ّ‬ ‫ح ّ‬
‫وبلغ عمرو بن ال َ‬
‫ما علم به ابن‬ ‫يحيى بن هاني ـ فأقبل في جمع من مذحج ‪ ،‬وأحاط بالقصر فل ّ‬
‫ما‬
‫زياد ‪ ،‬أمر شريح القاضي)‪4‬أن يدخل على هاني ويعلمهم بحياته ‪ ،‬قال شريح ‪ :‬ل ّ‬
‫ي عشرة أنقذوني ‪ .‬فلو‬ ‫ن دخل عل ّ‬ ‫رآني هاني صاح بصوت رفيع ‪ :‬يا للمسلمين ! إ ْ‬
‫ت أصحابه مقالته‬ ‫َلم يكن معي حميد بن أبي بكر الحمري وهو شرطي ‪ ،‬لبلغ ُ‬
‫جاج وانصرف بقومه)‪.5‬‬ ‫ح ّ‬‫ي ‪ ،‬فحمد الله عمرو بن ال َ‬ ‫ت ‪ :‬إّنه ح ّ‬‫ولكن قل ُ‬
‫نهضة مسلم‬
‫جل الخروج قبل الجل الذي‬ ‫ة فتع ّ‬ ‫ً‬
‫ما بلغ مسلما خبر هاني ‪ ،‬خاف أن يؤخذ غيل ً‬ ‫ول ّ‬
‫ن ينادي في أصحابه ‪ ،‬وقد مل بهم‬ ‫بينه وبين الّناس ‪ ،‬وأمر عبد الله بن حازم أ ْ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مروج الذهب ‪. 88 / 2‬‬
‫)‪2‬المستقصى للزمخشري ‪ 15 / 1‬ط حيدر آباد ‪.‬‬
‫)‪3‬مثير الحزان لبن نما ‪.‬‬
‫)‪4‬ذكر خليفة بن عمرو في كتاب الطبقات ‪ 330 / 1‬رقم ‪ : 1037‬إّنه من )البناء‬
‫الذين باليمن وعداده في كندة ‪ ،‬مات سنة ‪76‬ه ‪.‬‬
‫وفي التعليق على الطبقات لسهيل زكار ‪ 1 / 16‬قال ‪ :‬البناء ‪ ،‬هم ولد الفرس‬
‫الذين أتوا مع سيف بن ذي يزن لمساعدته على طرد الحباش ‪ ،‬والبناء في اليمن‬
‫صة فان آباءهم فرس وُامهاتهم عربيات ‪.‬‬ ‫كلون طبقة خا ّ‬ ‫يش ّ‬
‫)‪5‬الطبري ‪ : 206 / 6‬وعند ابن نما وابن طاووس اسمها رويحة بنت عمرو بن‬
‫الحجاج ‪.‬‬
‫الدور حوله فاجتمع إليه أربعة آلف ينادون بشعار المسلمين يوم بدر ‪) :‬يا منصور‬
‫ت‪.‬‬‫أم ْ‬
‫م عقد لعبيد الله بن عمرو بن عزيز الكندي على ربع كندة وربيعة ‪ ،‬وقال ‪ :‬سر‬ ‫ث ّ‬
‫أمامي على الخيل ‪ .‬وعقد لمسلم بن عوسجة السدي على ربع مذحج وأسد ‪،‬‬
‫وقال ‪ :‬انزل في الرجال ‪ .‬وعقد لبي ثمامة الصائدي على ربع تميم وهمدان ‪.‬‬
‫وعقد للعّباس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة ‪.‬‬
‫َ‬
‫وأقبلوا نحو القصر فتحّرز ابن زياد فيه وغلق البواب ولم يستطع المقاومة ؛ لّنه‬

‫‪62‬‬
‫َلم يكن معه إل ّ ثلثون رجل ً من الشرطة وعشرون رجل ً من الشراف ومواليه ‪،‬‬
‫لكن نفاق الكوفة وما جبلوا عليه من الغدر لم يدع لهم علما ً يخفق ‪ ،‬فلم يبقَ من‬
‫الربعة آلف إل ّ ثلثمئة )‪. (1‬‬
‫ل يوم بع ً‬
‫ل)‪.2‬‬ ‫وقد وصفهم الحنف بن قيس بالمومسة تريد ك ّ‬
‫من في القصر يا أهل الكوفة اتقوا لله ول توردوا على أنفسكم خيول‬ ‫ما صاح َ‬ ‫ول ّ‬
‫ن الرجل يأتي‬ ‫الشام ‪ ،‬فقد ذقتموهم وجّربتموهم ‪ ،‬فتفّرق هؤلء الثلثمئة حّتى أ ّ‬
‫مه فيقول له ‪ :‬انصرف ‪ ،‬والمرأة تأتي زوجها فتتعلق به حّتى‬ ‫ابنه وأخاه وابن ع ّ‬
‫يرجع)‪.3‬‬
‫م انصرف نحو‬ ‫سلم العشاء بالمسجد ومعه ثلثون رجل ً ث ّ‬ ‫فصّلى مسلم عليه ال ّ‬
‫من يدّله على الطريق)‪،6‬‬ ‫كنده)‪4‬ومعه ثلثة ولم يمض إل قليل ً وإذا لم يشاهد َ‬
‫جه)‪.5‬‬ ‫فنزل عن فرسه ومشى متلددا ً في أزّقة الكوفة ل يدري إلى أين يتو ّ‬
‫ما تفرق الناس عن مسلم وسكن لغطهم ولم يسمع ابن زياد أصوات‬ ‫ول ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬تاريخ الطبري ‪. 207 / 6‬‬
‫)‪2‬أنساب الشراف ‪ ، 338 / 5‬وفي الغاني ‪ : 162 / 17‬وصفهم بذلك إبراهيم بن‬
‫ده بأهل العراق ‪.‬‬ ‫ن يم ّ‬‫ما أراد أ ْ‬
‫الشتر لمصعب ل ّ‬
‫)‪3‬تاريخ الطبري ‪. 208 / 6‬‬
‫)‪4‬الخبار الطوال ‪. 240 /‬‬
‫)‪5‬شرح مقامات الحريري للشريشي ‪ 192 / 1‬آخر المقامة العاشرة ‪.‬‬
‫)‪6‬اللهوف ‪. 29 /‬‬
‫ن يشرفوا على ظلل المسجد لينظروا هل‬ ‫من معه في القصر أ ْ‬ ‫مَر َ‬‫الرجال ‪ ،‬أ َ‬
‫كمنوا فيها ‪ ،‬فكانوا يدلون القناديل ‪ ،‬ويشعلون الّنار في القصب ويدلونها بالحبال‬
‫ن‬
‫مَر مناديه أ ْ‬ ‫ن تصل إلى صحن الجامع فلم يروا أحدا ً ‪ ،‬فأعلموا ابن زياد ‪ ،‬وأ َ‬ ‫إلى أ ْ‬
‫ما امتل المسجد بهم ‪ ،‬رقى المنبر‬ ‫ينادي في الّناس ؛ ليجتمعوا في المسجد ‪ ،‬ول ّ‬
‫مة‬‫ن ابن عقيل قد أتى ما قد علمتم من الخلف والشقاق ‪ ،‬فبرأت الذ ّ‬ ‫وقال ‪ :‬إ ّ‬
‫من رجل َوجدناه في داره ‪ ،‬ومن جاء به فله ديته ‪ ،‬فاتقواء الله عباد الله ‪ ،‬والزموا‬
‫طاعتكم وبيعتكم ول تجعلوا على أنفسكم سبيل ً ‪.‬‬
‫سكك ‪ ،‬وح ّ‬
‫ذره‬ ‫ن يفّتش الدور وال ّ‬ ‫م أمر صاحب شرطته ‪ ،‬الحصين بن تميم أ ْ‬ ‫ث ّ‬
‫ن أفلت مسلم وخرج من الكوفة )‪. (1‬‬ ‫بالفتك به إ ْ‬
‫سكك ‪ ،‬وتتّبع الشراف الّناهضين مع مسلم ‪،‬‬ ‫فوضع الحصين الحرس على أفواه ال ّ‬
‫م‬
‫فقبض على عبد العلى بن يزيد الكلبي وعمارة بن صلخب الزدي ‪ ،‬فحبسهما ث ّ‬
‫قتلهما ‪ ،‬وحبس جماعة من الوجوه ؛ استيحاشا ً منهم ‪ ،‬وفيهم الصبغ بن نباته ‪،‬‬
‫والحارث العور الهمداني)‪.2‬‬
‫حبس المختار‬
‫وكان المختار عند خروج مسلم في قرية له تدعى )خطوانية )‪ ،3‬فجاء بمواليه‬
‫ة‬
‫كز المختار راي ً‬ ‫يحمل راية خضراء ‪ ،‬ويحمل عبد الله بن الحارث راية حمراء ‪ ،‬ور ّ‬
‫ن أمنع عمرًا)‪ ،4‬ووضح لهما قتل مسلم‬ ‫على باب عمرو بن حريث وقال ‪ :‬أردت أ ْ‬
‫وهاني وُاشير عليهما بالدخول تحت راية المان عند عمرو بن حريث ففعل وشهد‬
‫ن شتم المختار‬ ‫لهما ابن حريث باجتنابهما ابن عقيل ‪ ،‬فأمر ابن زياد بحبسهما بعد أ ْ‬
‫ن‬
‫سجن إلى أ ْ‬ ‫واستعرض وجهه بالقضيب فشتر عينه)‪ ،5‬وبقيا في ال ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬تاريخ الطبري ‪ 209 / 6‬و ‪. 210‬‬

‫‪63‬‬
‫)‪2‬في طبقات ابن سعد ‪ 169 / 6‬طبعة صادر ‪ :‬كانت وفاة الحارث العور بالكوفة‬
‫أيام خلفة عبد الله بن الزبير وعامله عليها عبد الله بن يزيد النصاري الخطمي ‪،‬‬
‫فصّلى على جنازة الحارث بوصّية منه ‪.‬‬
‫)‪3‬أنساب الشراف للبلذري ‪ ، 214 / 5‬وفي معجم البلدان ‪ : 449 / 3‬هي ناحية‬
‫في بابل العراق ‪.‬‬
‫)‪4‬تاريخ الطبري ‪. 215 / 6‬‬
‫)‪5‬في المعارف لبن قتيبة ‪ 253 /‬باب ذوي العاهات ‪ ،‬والمحبر لبن حبيب ‪: 303 /‬‬
‫ضرب عبيد الله بن زياد وجه المختار بالسوط فذهبت عينه ‪.‬‬
‫الصفحة )‪(58 (1‬‬
‫سلم ( )‪. (1‬‬ ‫ُقتل الحسين عليه ال ّ‬
‫مد بن الشعث)‪ ،2‬وشبث بن ربعي ‪ ،‬والقعقاع بن شور الذهلي)‬ ‫وأمر ابن زياد مح ّ‬
‫ن يرفعوا راية‬ ‫جار بن أبجر)‪ ،4‬وشمر بن ذي الجوشن ‪ ،‬وعمرو بن حريث أ ْ‬ ‫ح ّ‬‫‪ ،3‬و َ‬
‫من خّيم عليهم الفرق ‪ ،‬وآخرون جّرهم‬ ‫ذلوا الّناس)‪ ،5‬فأجاب جماعة م ّ‬ ‫المان ويخ ّ‬
‫الطمع الموهوم ‪ ،‬واختفى الذين طُهرت ظمائرهم وكانوا يترّقبون فتح البواب‬
‫للحملة على صولة الباطل ‪.‬‬
‫مسلم في بيت طوعة‬
‫سير إلى دور بني جبلة من كندة ‪ ،‬و وقف على باب امرأة‬ ‫وانتهى بابن عقيل ال ّ‬
‫م ولد كانت للشعث بن قيس أعتقها ‪ ،‬وتزّوجها أسيد الحضرمي‬ ‫يقال لها طوعة ا ُ ّ‬
‫مه واقفة على الباب تنتظره ‪ ،‬فاستسقاها‬ ‫فولدت له بلل ً ‪ ،‬كان مع الّناس ‪ ،‬وا ُ ّ‬
‫ن عّرفها أّنه ليس له في المصر أهل‬ ‫مسلم فسقته ‪ ،‬واستضافها فأضافته ‪ ،‬بعد أ ْ‬
‫ول عشيرة ‪ ،‬وأّنه من أهل بيت لهم الشفاعة يوم الحساب ‪ ،‬وهو مسلم بن عقيل‬
‫فأدخلته بيتا ً غير الذي ياوي إليه ابنها ‪ ،‬وعرضت عليه الطعام فأبى ‪ ،‬وأنكر ابنها‬
‫ن حلف لها‬ ‫كثرة الدخول والخروج لذلك البيت ‪ ،‬فاستخبرها فلم تخبره إل ّ بعد أ ْ‬
‫كتمان المر ‪.‬‬
‫وعند الصباح أعلم ابن زياد بمكان مسلم ‪ ،‬فأرسل ابن الشعث في سبعين من‬
‫ما سمع مسلم وقع حوافر الخيل ‪ ،‬عرف أّنه قد ُاتي)‬ ‫قيس ليقبض عليه ‪ ،‬ول ّ‬
‫م لبس لمته وقال لطوعة‬ ‫جل دعاءه الذي كان مشغول ً به بعد صلة الصبح ‪ ،‬ث ّ‬ ‫‪6‬فع ّ‬
‫ت نصيبك من شفاعة رسول الله ‪ ،‬ولقد رأيت‬ ‫ت ما عليك من الب ِّر ‪ ،‬وأخذ ِ‬ ‫دي ِ‬
‫‪ :‬قد أ ّ‬
‫مي أمير المؤمنين في المنام وهو يقول لي ‪ :‬أنت معي غدًا)‪.7‬‬ ‫البارحة ع ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬أنساب الشراف ‪. 215 / 5‬‬
‫ُ‬
‫مه ام‬ ‫ُ‬
‫مد بن الشعث بن قيس ا ّ‬ ‫)‪2‬في الطبقات لخليفة ‪ 331 / 1‬رقم ‪ : 1043‬مح ّ‬
‫فروة بنت أبي قحافة قتل سنة ‪ 67‬مع مصعب أيام المختار ‪ ،‬الجرح والتعديل ‪3‬‬
‫القسم الثاني ‪206 /‬‬
‫)‪3‬في الطبقات لخليفة ‪ 328 / 1‬رقم ‪ : 1032‬القعقاع بن شور بن النعمان بن‬
‫غنال بن حارثة بن عباد ابن امرئ القيس بن عمرو بن شيبان بن ذهل ‪ ،‬نزل‬
‫الكوفة ‪ .‬الجرح والتعديل ‪ 3‬القسم الثاني ‪. 137 /‬‬
‫)‪4‬في تاريخ الطبري ‪ : 84 / 6‬كان ابجر نصرانيا ً ‪ ،‬مات سنة أربعين ‪.‬‬
‫)‪5‬كامل ابن الثير ‪. 12 / 4‬‬
‫)‪6‬المقاتل لبي الفرج ‪ ،‬وتاريخ الطبري ‪ ، 210 / 6‬ومقتل الخوارزمي ‪208 / 1‬‬
‫الفصل العاشر ‪.‬‬
‫)‪7‬نفس المهموم ‪. 56 /‬‬

‫‪64‬‬
‫م عادوا إليه‬ ‫وخرج إليهم مصلتا ً سيفه ‪ ،‬وقد اقتحموا عليه الدار فأخرجهم منها ‪ ،‬ث ّ‬
‫وأخرجهم وهو يقول ‪:‬‬
‫اا ااااا ااااا ااا اا ااا اااا ااااا ااااا ااااا اا اا اااا‬
‫اااااااا ااااا اااا ااااا اااااا‬
‫ااااا ااااا اااا ااا ااااا اااا‬
‫وته يأخذ الرجل بيده ويرمي به‬ ‫فقتل منهم واحدا ً وأربعين رجل ً )‪ ، (1‬وكان من ق ّ‬
‫فوق البيت)‪.2‬‬
‫ده الرجال ‪ ،‬فبعث إليه اللئمة ‪ ،‬فأرسل‬ ‫وأنفذ ابن الشعث إلى ابن زياد يستم ّ‬
‫ي الكوفة أو جرمقاني من جرامقة‬ ‫قال ّ‬
‫قال من ب ّ‬ ‫ن أّنك أرسلتني إلى ب ّ‬ ‫إليه ‪ :‬أتظ ّ‬
‫ده‬
‫مد بن عبد الله ‪ ،‬فم ّ‬‫الحيرة)‪3‬وإّنما أرسلتني إلى سيف من أسياف مح ّ‬
‫بالعسكر)‪.4‬‬
‫َ‬
‫واشتد ّ القتال فاختلف مسلم وُبكير بن حمران الحمري بضربتين ‪ ،‬ضرب ُبكير فم‬
‫سفلى ونصلت لها ثنيتان ‪ ،‬وضربه‬ ‫سيف إلى ال ّ‬ ‫مسلم فقطع شفته العليا وأسرع ال ّ‬
‫ن تطلع إلى‬ ‫ة منكرةً وُاخرى على حبل العاتق حّتى كادت أ ْ‬ ‫مسلم على رأسه ضرب ً‬
‫جوفه ‪ ،‬فمات)‪.5‬‬
‫م أشرفوا عليه من فوق ظهر البيت يرمونه بالحجارة ويلهبون الّنار في أطنان‬ ‫ث ّ‬
‫سكة ‪ ،‬وهو يرتجز بأبيات‬ ‫القصب)‪6‬ويلقونها عليه ‪ ،‬فشد ّ عليهم يقاتلهم في ال ّ‬
‫حمران بن مالك ‪:‬‬
‫اااا ااااا ااااا اااا‬ ‫اا ااا‬ ‫ااااا ااا ااا‬ ‫اااااا اا ا‬
‫اا‬
‫اا اااااا ااااااا ااااا ا ا‬ ‫اااا اااا ااااا اااا ا ا‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مناقب ابن شهر آشوب ‪. 212 / 2‬‬
‫)‪2‬نفس المهموم ‪. 57 /‬‬
‫)‪3‬في الصحاح ‪ :‬الجرامقة ‪ :‬قوم من العجم صاروا إلى الموصل ‪ ،‬وزاد في‬
‫القاموس )أوائل السلم ‪ ،‬والواحد جرمقاني ‪ ،‬وفي تاج العروس ‪ :‬إّنه كالسم‬
‫م الميم‬ ‫الخاص ‪ ،‬وفي اللسان ‪ :‬جرامقة الشام ‪ :‬أنباطها ‪ ،‬واحدهم جرمقاني )بض ّ‬
‫والجيم بينهما راء ‪ ،‬وفي جمهرة ابن دريد ‪ : 324 / 3‬وجرمق ‪ :‬غير عربي ‪،‬‬
‫والجرامق ‪ :‬جيل من الناس ‪.‬‬
‫)‪4‬المنتخب ‪ 299 /‬الليلة العاشرة ‪.‬‬
‫)‪5‬مقتل الخوارزمي ‪ 210 / 1‬الفصل العاشر ‪.‬‬
‫م ‪ :‬حزمة القصب ‪ ،‬والقصبة الواحدة من‬ ‫)‪6‬في الصحاح والقاموس ‪ :‬الطن )بالض ّ‬
‫الحزمة طنة ‪.‬‬
‫)‪( (1‬‬ ‫اا‬
‫اااا ااااا اااااا اااا اا اااا اا اا ا‬ ‫اااا‬
‫دم ‪ ،‬فاستند إلى جنب تلك الدار ‪ ،‬فتحاملوا‬ ‫وأثخنته الجراحات ‪ ،‬وأعياه نزف ال ّ‬
‫فار‬
‫سهام والحجارة ‪ ،‬فقال ‪ :‬مالكم ترموني بالحجارة كما ترمى الك ّ‬ ‫عليه يرمونه بال ّ‬
‫‪ ،‬وأنا من أهل بيت النبياء البرار ‪ ،‬أل ترعون حقّ رسول الله في عترته ؟‬
‫متي ‪ ،‬قال مسلم ‪ :‬أُاوسر وبي‬ ‫فقال له ابن الشعث ‪ :‬ل تقتل نفسك وأنت في ذ ّ‬
‫طاقة ؟! ل والله ل يكون ذلك أبدا ً ‪ ،‬وحمل على ابن الشعث فهرب منه ‪ ،‬ث ّ‬
‫م‬
‫ل جانب وقد اشتد به العطش ‪ ،‬فطعنه رجل من خلفه فسقط‬ ‫حملوا عيه من ك ّ‬
‫إلى الرض وُاسر)‪.2‬‬
‫ديه حّتى إذا‬ ‫م انكشفوا بين ي َ‬‫وقيل ‪ :‬إّنهم عملوا له حفيرة وستروها بالتراب ‪ ،‬ث ّ‬
‫وقع فيها أسروه)‪.3‬‬

‫‪65‬‬
‫سلمي من بكائه ‪.‬‬ ‫جب عمرو بن عبيد الله ال ّ‬ ‫ما انتزعوه سيفه ‪ ،‬دمعت عينه فتع ّ‬ ‫ول ّ‬
‫مسلم وابن زياد‬
‫ّ‬
‫وجيء به إلى ابن زياد ‪ ،‬فرأى على باب القصر قلة مبّردة فقال ‪ :‬اسقوني من‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬هذه البيات ذكرها ابن طاووس في اللهوف ‪ 30/‬طبعة صيدا ‪ ،‬وابن نما في‬
‫ماه يوم )القرم ‪ ،‬وذكرها الخوارزمي في‬ ‫مثير الحزان بدون الشطر الخامس ‪ ،‬وس ّ‬
‫المقتل ‪ 209 / 1‬الفصل العاشر بزيادة شطرين ولم ينسبها ‪ ،‬وذكر ابن شهر‬
‫لولى ايران ستة أشطر ‪.‬‬ ‫آشوب في المناقب ‪ 212 / 2‬الطبعة ا ُ‬
‫وهذا اليوم لم يذكره المؤلفون في أيام العرب الجاهلية ‪ ،‬نعم في معجم البلدان‬
‫ما استعجم للبكري ‪ ، 1062 / 3‬وتاج العروس ‪: 310 / 9‬‬ ‫‪ ، 64 / 7‬والمعجم م ّ‬
‫قرن ‪ :‬اسم جبل كانت فيه واقعة على بني عامر ‪ ،‬وفي نهاية الرب للقلقشندي ‪/‬‬
‫‪ : 321‬بنو قرن ‪ :‬بطن من مراد ‪ ،‬ومنهم ُاويس القرني ‪ ،‬وكّله ل يرشدنا إلى‬
‫مد بن حبيب النسابة في رسالة المغتالين ‪243 /‬‬ ‫شيء صحيح ‪ ،‬نعم ذكر مح ّ‬
‫المدرجة في المجموعة السابعة من نوادر المخطوطات ‪ ،‬تحقيق عبد السلم‬
‫ن خثعما ً قتلت الصميل أخا ذي الجوشن الكلبي ؛ فغزاهم ذو الجوشن ‪،‬‬ ‫هارون ‪ :‬أ ّ‬
‫وسانده عيينة بن حصن على أن يكون له المغنم ‪ ،‬ولقوا خثعما بـ )الفزر ‪ ،‬وهو‬
‫جبل ‪ ،‬فقتل واثخنا وغنما ‪ ،‬قوتل بالجبل حمران بن مالك بن عبد الملك الخثعمي ‪،‬‬
‫فأمره أن يستأسر فأنشأ يقول ‪:‬‬
‫اا اااا ااااا ااااااااا‬ ‫اا ا ا‬‫اااا ااااا ا‬ ‫ااااا اا ا‬
‫اااا‬
‫اااا اا ا‬ ‫اااا اا ا‬
‫م ُقتل ‪ ،‬و رثته ُاخته فقالت ‪:‬‬ ‫ث ّ‬
‫اااا ااااا ااا اااا اااا ااا ااااا ااا اااا‬
‫ااااااا ااااااا اااااا اااااا ااا اااا ااااا‬
‫)‪2‬مناقب ابن شهر آشوب ‪ ، 212 / 2‬ومقتل الخوارزمي ‪ 209 /1‬و ‪. 210‬‬
‫)‪3‬المنتخب للطريحي ‪ 299 /‬المطبعة الحيدرية في النجف ‪ ،‬عند ذكر الليلة‬
‫العاشرة ‪.‬‬
‫هذا الماء ‪ ،‬فقال له مسلم بن عمرو الباهلي )‪ : (1‬ل تذوق منها قطرة حّتى تذوق‬
‫الحميم في نار جهّنم ‪ ،‬قال مسلم )ع( ‪ :‬من أنت ؟ قال ‪ :‬أنا من عرف الحقّ إذ‬
‫مك الثكل ‪ ،‬ما أقساك‬ ‫أنكرته ‪ ،‬ونصح لمامه إذ غششته ‪ ،‬فقال له ابن عقيل ‪ :‬ل ُ ّ‬
‫م جلس وتساند إلى حائط القصر)‪.2‬‬ ‫ظك ‪ ،‬أنت ابن باهلة أولى بالحميم ‪ ،‬ث ّ‬ ‫وأف ّ‬
‫فبعث عمارة بن عقبة بن أبي معيط غلما ً له ُيدعى قيسًا)‪3‬فأتاه بالماء ‪ ،‬وكّلما‬
‫ن يشرب ‪ ،‬امتل القدح دما ً ‪ ،‬وفي الثالثة ذهب ليشرب فامتل القدح دما ً‬ ‫أراد أ ْ‬
‫وسقطت فيه ثناياه فتركه وقال ‪ :‬لو كان من الّرزق المقسوم لشربُته ‪.‬‬
‫وخرج غلم ابن زياد فأدخله عليه ‪ ،‬فلم يسّلم ‪ ،‬فقال له الحرسي ‪ :‬أل تسلم على‬
‫ّ‬
‫سلم على من‬ ‫المير ؟ قال له ‪ :‬اسكت إّنه ليس لي بأمير)‪ ،4‬ويقال أّنه قال ‪ :‬ال ّ‬
‫شي عواقب الردى وأطاع الملك العلى ‪ ،‬فضحك ابن زياد وقال ‪:‬‬ ‫خ ِ‬‫اتبع الهدى و َ‬
‫ن هو شّر‬ ‫ن قتلتني فلقد قََتل َ‬
‫م ْ‬ ‫م تسلم إّنك مقتول)‪ ،5‬فقال مسلم ‪ :‬إ ْ‬ ‫ّ‬ ‫سّلمت أو ل َ ْ‬
‫ن هو خيرا ً مّني ‪ ،‬وبعد فإّنك ل تدع سوء القتلة ول قبح المثلة وخبث‬ ‫م ْ‬‫منك َ‬
‫السريرة ولؤم الغلبة لحد أولى بها منك ‪.‬‬
‫ت عصا المسلمين ‪ ،‬والقحت‬ ‫ت على إمامك ‪ ،‬وشقق َ‬ ‫فقال ابن زياد ‪ :‬لقد خرج َ‬
‫الفتنة ‪ ،‬قال مسلم ‪ :‬كذبت إّنما شقّ العصا معاوية وابنه يزيد ‪ ،‬والفتنة ألقحها‬
‫ن يرزقني الله الشهادة على يد شّر برّيته)‪.6‬‬ ‫أبوك ‪ ،‬وأنا أرجوا أ ْ‬

‫‪66‬‬
‫ن يوصي إلى بعض قومه فأِذن له ونظر إلى الجلساء فرأى عمر‬ ‫م طلب مسلم أ ْ‬ ‫ث ّ‬
‫ن بيني وبينك قرابة ‪ ،‬ولي إليك حاجة ‪ ،‬ويجب عليك نجح‬ ‫بن سعد ‪ ،‬فقال له ‪ :‬إ ّ‬
‫ّ‬
‫حاجتي وهي سّر ‪ .‬فأبى أن يمكنه من ذكرها ‪ ،‬فقال ابن زياد ‪ :‬ل تمتنع أن تنظر‬
‫ن‬
‫مك ‪ ،‬فقام معه بحيث يراهما ابن زياد ‪ ،‬فأوصاه مسلم أ ْ‬ ‫في حاجة ابن ع ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬في كامل ابن الثير ‪ 126 / 4‬حوادث سنة ‪71‬هـ ‪ :‬مسلم بن عمرو الباهلي ‪،‬‬
‫لولى حوادث سنة ‪71‬هـ ‪ :‬قتل‬ ‫والد قتيبة ‪ ،‬وفي تاريخ الطبري ‪ 185 / 7‬الطبعة ا ُ‬
‫ما التقى مع‬ ‫مسلم بن عمرو الباهلي )بدير الجاثليق وكان مع مصعب بن الزبير ل ّ‬
‫جيش عبد الملك ‪..‬‬
‫)‪2‬الرشاد للشيخ المفيد ‪.‬‬
‫ن عمرو بن حريث بعث غلمه سليما فأتاه‬ ‫)‪3‬الطبري ‪ : 212 / 6‬وعند المفيد ‪ :‬أ ّ‬
‫بالماء ‪.‬‬
‫)‪4‬اللهوف ‪ ، 30 /‬وتاريخ الطبري ‪. 212 / 6‬‬
‫)‪5‬المنتخب ‪. 300 /‬‬
‫)‪6‬ابن نما ‪ ، 17 /‬ومقتل الحوارزمي ‪ 211 / 1‬الفصل العاشر ‪.‬‬
‫يقضي من ثمن سيفه ودرعه دينا ً استدانه منذ دخل الكوفة يبلغ ستمئة درهم )‪، (1‬‬
‫ن يكتب إلى الحسين بخبره ‪ .‬فقام‬ ‫ن يستوهب جّثته من ابن زياد ويدفنها ‪ ،‬وأ ْ‬ ‫وأ ْ‬
‫ل ما أسّره إليه فقال ابن زياد ‪ :‬ل يخونك‬ ‫عمر بن سعد إلى ابن زياد وأفشى ك ّ‬
‫المين ‪ ،‬ولكن قد يؤتمن الخائن )‪.(2‬‬
‫ً‬
‫م التفت ابن زياد إلى مسلم وقال ‪ :‬أيها يابن عقيل ‪ ،‬أتيت الّناس وهم جمع‬ ‫ث ّ‬
‫ن أباك قتل‬ ‫ت لذلك ‪ ،‬ولكن أهل المصر زعموا أ ّ‬ ‫ت أتي ُ‬ ‫ّ‬
‫ففّرقتهم ‪ ،‬قال ‪ :‬كل ‪ ،‬لس ُ‬
‫خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر ‪ ،‬فأتيناهم لنأمر بالعدل‬
‫وندعوا إلى حكم الكتاب ‪.‬‬
‫ن الله‬‫م نكن نعمل فيهم بالعدل ؟ فقال مسلم ‪ :‬إ ّ‬ ‫َ‬
‫قال ابن زياد ‪ :‬ما أنت وذاك أوَ ل ْ‬
‫ن ‪ ،‬فشمته‬ ‫َليعلم إّنك غير صادق ‪ ،‬وإّنك لتقتل على الغضب والعداوة وسوء الظ ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬في الخبار الطوال ‪ : 241 /‬يبلغ ألف درهم ‪.‬‬
‫)‪2‬الرشاد وتاريخ الطبري ج ‪ 6‬ص ‪ 212‬وهذه الجملة التي هي كالمثل وردت في‬
‫لسان أهل البيت )ع( ليهم السلم‪ ،‬ففي الوسائل للحر العاملي ج ‪ 2‬ص ‪ 643‬باب‬
‫‪ 9‬عدم جواز ائتمان الخائن ‪ ،‬روى الكليني مسندا ً عن معمر بن خلد قال سمعت‬
‫أبا الحسن )ع( ليه السلميقول كان أبو جعفر )ع( ليه السلميقول ‪ :‬لم يخنك‬
‫المين ولكن ائتمنت الخائن ‪.‬‬
‫ثم انه لم تخف على شهيد القصر مسلم )ع( ليه السلمنفسية عمر بن سعد ولم‬
‫يجهل دنس أصله ولكنه أراد ان يعرف الكوفيين مبلغه من المروءة والحفاظ كي‬
‫ل يغتر به احد ‪ ،‬وهناك سر آخر وهو ارشاد المل الكوفي إلى أن أهل البيت )ع(‬
‫ليهم السلموولتهم لم يقصدوا ال الصلح ونشر الدعوة اللهّية وهذا الوالي من‬
‫قبلهم لم يمد يده الى بيت المال وكان له ان يتصرف فيه كيف شاء غير انه قضى‬
‫أيامه البالغة أربعا ً وستين بالستدانة وهكذا ينبغي أن تسير الولة فل يتخذون مال‬
‫الفقراء مغنما ‪ ...‬ولقد ذكرني هذا )الخائنبقصة خالد القسري على كتمان السر‬
‫لنه من شيم العرب واخلق السلم مع ما يحمله من المباينة لنبي السلم )صّلى‬
‫الله عليه وآله( وشتم سيد الوصياء على المنابر وقوله فيه ما ل يسوغ لليراع ان‬
‫يذكره وذلك أن الوليد بن عبد الملك أراد الحج فعزم جماعة على اغتياله وطلبوا‬

‫‪67‬‬
‫من خالد المشاركة معه فأبى ‪ ،‬فقالوا له اكتم علينا ‪ ،‬فأتى خالد الوليد وقال له دع‬
‫مهم لي ‪،‬‬ ‫الحج هذا العام فاني خائف عليك قال الوليد من الذين تخافهم علي ؟ س ّ‬
‫فامتنع أن يسمهم وقال ‪ :‬اني نصحتك ولن اسمهم لك فقال اني ابعث بك الى‬
‫عدوك يوسف بن عمر قال ‪ :‬وان فعلت فلن اسمهم فبعث به الى يوسف فعذبه‬
‫ولم يسمهم فسجنه ثم وضع على صدره المضرسة فقتل سنة ‪ 126‬هـ عن ستين‬
‫سنة ودفن بناحية ‪ ،‬وعقر عامر بن سهل الشعري فرسه على قبره فضربه‬
‫يوسف سبعمائة سوط ولم يرثه احد من العرب على كثرة أياديه عندهم ال ابا‬
‫الشغب العبسي قال ‪:‬‬
‫ااا اا اااا اااااا ااااا اااااا‬
‫ااااا ااااا ااااا اا ااااااا‬
‫اااااا اااا ااااا ااااا اااااا ااااااااااا‬
‫اااااا ااااااااا‬
‫ااا اااااا اااااا اا اااااا اااا ااا‬
‫ااااااا ااااااا اا ااااااا‬
‫تهذيب ابن عساكر ج ‪ 5‬ص ‪. 79‬‬
‫ابن زياد وشتم عليا ً وعقيل ً والحسين )‪ ، (1‬فقال مسلم ‪ :‬أنت وأبوك أح ّ‬
‫ق‬
‫بالشتم ‪ ،‬فاقض ما أنت قاض يا عدوّ الله)‪.2‬‬
‫ن يصعد به إلى أعلى القصر ويضرب عنقه ‪ ،‬ويرمي‬ ‫فأمر ابن زياد رجل ً شاميًا)‪3‬أ ْ‬
‫رأسه وجسده إلى الرض ‪ ،‬فأصعده إلى أعلى القصر ‪ ،‬وهو يسّبح الله ويهّلله‬
‫م احكم بيننا وبين قوم غّرونا وخذلونا وكذبونا ‪ ،‬وتوجه نحو‬ ‫ويكّبره)‪4‬ويقول ‪ :‬الله ّ‬
‫المدينة وسّلم على الحسين)‪.5‬‬
‫وأشرف به الشامي على موضع الحذائين وضرب عنقه ورمى برأسه وجسده إلى‬
‫الرض)‪ ،6‬ونزل مذعورا ً ‪ ،‬فقال له ابن زياد ‪ :‬ما شأنك ؟ قال ‪ :‬رأيت ساعة قتله‬
‫ت منه فقال ابن زياد ‪:‬‬ ‫ضا ً على إصبعه ‪ ،‬ففزع ُ‬ ‫يء الوجه حذائي عا ّ‬ ‫رجل ً أسود َ‬
‫س ّ‬
‫دهشت)‪.7‬‬ ‫لعّلك ُ‬
‫م أخرج هاني إلى مكان من السوق ُيباع فيه الغنم وهو مكتوف ‪ ،‬فجعل يصيح‬ ‫ث ّ‬
‫ن‬
‫ما رأى أ ّ‬‫وآمذحجاه ! ول مذحج لي اليوم ‪ ،‬وآمذحجاه ! وأين مّني مذحج ؟ فل ّ‬
‫أحدا ً ل ينصره جذب يده ونزعها من الكتاف وقال ‪ :‬أما من عصا أو سكين أو حجر‬
‫أو عظم يدافع رجل عن نفسه ؟ ووثبوا عليه وأوثقوه كتافا ً وقيل له ‪ :‬مد ّ عنقك ‪،‬‬
‫سيف مولى‬ ‫فقال ‪ :‬ما أنا بها سخي ‪ ،‬وما أنا بمعينكم على نفسي ‪ ،‬فضربه بال ّ‬
‫لعبيد الله ابن زياد تركي ُيقال له رشيد ‪ ،‬فلم يصنع فيه شيئا ً فقال هاني ‪ :‬إلى الله‬
‫م ضربه ُاخرى فقتله ‪ .‬وهذا العبد قتله عبد‬ ‫م إلى رحمتك ورضوانك ‪ ،‬ث ّ‬ ‫المعاد الله ّ‬
‫الرحمن بن الحصين المرادي رآه مع عبيد الله بـ )الخازر)‪.8‬‬
‫وأمر ابن زياد بسحب مسلم وهاني بالحبال من أرجلهما في السواق)‪9‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬كامل ابن الثير ‪ 14 / 4‬والطبري ‪. 213 / 6‬‬
‫)‪2‬اللهوف ‪. 31 /‬‬
‫)‪3‬مقتل الخوارزمي ‪. 213 / 1‬‬
‫)‪4‬تاريخ الطبري ‪. 213 / 6‬‬
‫)‪5‬أسرار الشهادة ‪. 259 /‬‬
‫)‪6‬ميثر الحزان ‪. 18 /‬‬
‫)‪7‬مقتل الخوارزمي ‪ ، 312 / 1 /‬والملهوف ‪.‬‬

‫‪68‬‬
‫)‪8‬تاريخ الطبري ‪. 214 / 6‬‬
‫)‪9‬المنتخب ‪ ، 301 /‬وفي تاريخ الخميس ‪ 266 / 2‬عند ذكر أولد أبي بكر ‪ :‬أمر‬
‫مد بن أبي بكر في الطريق ويمّروا على دار عمرو بن‬ ‫معاوية ابن خديج بسحب مح ّ‬
‫م أمر بإحراقه ‪ ،‬فاحرقت جثته بعد ان وضع في‬ ‫ُ‬ ‫العاص ؛ لعلمه بكراهيته لقتله ‪ ،‬ث ّ‬
‫جوف حمار ‪.‬‬
‫ما قتل‬ ‫وفي كامل ابن الثير ‪ 153 / 11‬حوادث سنة ‪ ، 555‬عليه مروج الذهب ‪ :‬ل ّ‬
‫ظهير الدين ابن العطار أمر فوضعوا حبل ً في مذاكيره وسحبوه في الشوارع ‪ ،‬و‬
‫لخرى وضعوا قلما ً وهم يصيحون ‪:‬‬ ‫وضعوا في يده مغرفة فيها عذرة وفي يده ا ُ‬
‫وّقع لنا يا مولنا ‪.‬‬
‫ن‬
‫مد بن تقي الدين اليوبي ‪ : 12 /‬أ ّ‬ ‫وفي مضمار الحقائق لصاحب حماة مح ّ‬
‫بعضهم قطع ُاذنه وذلك في ‪ 15‬ذي القعدة سنة ‪575‬هـ ‪.‬‬
‫وصلبهما بالكناسة منكوسين )‪ ، (1‬وأنفذ الرأسين إلى يزيد ‪ ،‬فنصبهما في درب‬
‫من دمشق)‪.2‬‬
‫قه وكفاه مؤنة‬ ‫ما بعد ‪ ،‬فالحمد لله الذي أخذ لمير المؤمنين بح ّ‬ ‫وكتب إلى يزيد ‪ :‬أ ّ‬
‫ن مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هاني بن‬ ‫عدّوه ‪ ،‬أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أ ّ‬
‫عروة المرادي ‪ ،‬وإّني جعلت عليهما العيون ودسست إليهما الرجال وكدتهما حّتى‬
‫ت إليك برأسيهما مع‬ ‫ت أعناقهما ‪ ،‬وبعث ُ‬ ‫استخرجتهما ‪ ،‬وأمكن الله منهما فضرب ُ‬
‫هاني بن أبي حّية الوادعي الهمداني ‪ ،‬والزبير بن الروح التميمي ‪ ،‬وهما من أهل‬
‫ن عندهما‬ ‫ب ‪ ،‬فإ ّ‬ ‫ما أح ّ‬ ‫سمع والطاعة والنصيحة ‪ ،‬فليسألهما أمير المؤمنين ع ّ‬ ‫ال ّ‬
‫سلم ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫علما وصدقا وفهما وورعا ‪ ،‬وال ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫ب ‪ ،‬عملت عمل‬ ‫ُ‬
‫ت كما اح ّ‬ ‫ن كن َ‬ ‫َ‬
‫ما بعد ‪ ،‬فإّنك لم تعد أ ْ‬ ‫وكتب يزيد إلى ابن زياد ‪ :‬أ ّ‬
‫الحازم ‪ ،‬وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش ‪ ،‬فقد أغنيت وكفيت وصدقت ظّني‬
‫بك ورأيي فيك ‪ ،‬وقد دعوت رسوليك فسألتهما وناجيتهما ‪ ،‬فوجدتهما في رأيهما‬
‫ن الحسين بن علي قد‬ ‫ت فاستوص بهما خيرا ً ‪ ،‬وإّنه قد بلغني أ ّ‬ ‫وفضلهما كما ذكر َ‬
‫جه نحو العراق ‪ ،‬فضع المناظر والمسالح ‪ ،‬واحترس على الظن ‪ ،‬وخذ على‬ ‫تو ّ‬
‫التهمة)‪ ،3‬وهذا الحسين قد ابتلي به زمانك من بين الزمان وبلدك من بين‬
‫البلدان ‪ ،‬وابتليت‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مناقب ابن شهر آشوب ‪ ، 21 / 2‬ومقتل الخوارزمي ‪ : 215 / 1‬وهذه الفعلة‬
‫ل شيء من العطف‬ ‫ل يأتي بها إل ّ من خرج عن ربقة السلم ‪ ،‬ولم يحمل أق ّ‬
‫جاج بعبد الله بن الزبير ‪ ،‬كما في أنساب الشراف‬ ‫ح ّ‬ ‫والرّقة ‪ ،‬وبمثلها صنع ال َ‬
‫للبلذري ‪ ، 268 / 5‬وابن حبيب في المحبر ‪. 481 /‬‬
‫وفي مختصر تاريخ الدول لبن العبري ‪ : 116 /‬إن الملك نارون صلب فطرسا‬
‫وبولسا منكوسين بعد أن قتلهما ‪.‬‬
‫ُ‬
‫ن ابراهيم الفزاري ضبطت عليه امور منكرة‬ ‫وفي حياة الحيوان مادة الكلب ‪ :‬إ ّ‬
‫ُ‬ ‫ً‬
‫من الستهزاء بالله والنبياء فأفتى فقهاء القيروان بقتله وصلب منكسا ثم انزل‬
‫وُاحرق بالّنار ‪.‬‬
‫جاج بن يوسف‬ ‫ح ّ‬‫وفي المحبر لمحمد بن حبيب ‪ 481 /‬طبعة حيدر آباد ‪ :‬صلب ال َ‬
‫عبد َ الله بن الزبير بمكة منكسا ً ‪.‬‬
‫)‪2‬تاريخ أبي الفدا ‪ ، 190 / 1‬والبداية لبن كثير ‪. 157 / 8‬‬
‫)‪3‬تاريخ الطبري ‪. 214 / 6‬‬
‫ن تحاربه‬ ‫ما أ ْ‬‫مال ‪ ،‬وعندها تعتق أو تعود عبدا ً كما تعبد العبيد )‪ (1‬فأ ّ‬ ‫به من بين الع ّ‬

‫‪69‬‬
‫ي)‪.2‬‬ ‫أو تحمله إل ّ‬
‫سقتك دما ً يا ابن عم الحسين مـدامع شـيعتك الـسافحة‬
‫ول برحت هاطلت العيون تـحـييك غـادية رائـحة‬
‫لنـك لـم تـرِو من شربة ثـناياك فـيها غدت طائحة‬
‫مت فيك من جارحة‬ ‫سل ِ َ‬ ‫رموك من القصر إذ اوثقوك فهل َ‬
‫م الـبارحة‬ ‫جّر بـأسواقهم ألـست أمـيرهُ ُ‬ ‫وسـحـبا ً ُتـ َ‬
‫أتـقضي ولم تبكك الباكيات أمـالك في المصر من نائحة‬
‫ض نحبا ً فكم في زرود عليك العشية من صائحة)‪(3‬‬ ‫ن تق ِ‬ ‫لئ ْ‬
‫سفر إلى العراق‬ ‫ال ّ‬
‫مره على‬ ‫ن يزيد انفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر ‪ ،‬وأ ّ‬ ‫ما بلغ الحسين إ ّ‬ ‫ل ّ‬
‫موسم ‪ ،‬وأوصاه بالفتك بالحسين أينما وجد)‪ ،4‬عزم على‬ ‫ّ‬
‫الحاج ‪ ،‬و وله أمر ال َ‬
‫ن تستباح به‬ ‫كة قبل إتمام الحج ‪ ،‬واقتصر على العمرة ؛ كراهية أ ْ‬ ‫الخروج من م ّ‬
‫حرمة البيت)‪.5‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مقتل العوالم ‪ ، 66 /‬وتاريخ ابن عساكر ‪. 332 / 4‬‬
‫)‪2‬مقتل الخوارزمي ‪. 215 / 1‬‬
‫ن القوال في يوم شهادة مسلم ثلثة ؛‬ ‫)‪3‬للسّيد باقر الهندي رحمه الله ‪ .‬ل يخفى أ ّ‬
‫جة ذكره في )الخبار الطوال ‪ ،‬ويظهر من ابن‬ ‫ح ّ‬‫الول ‪ :‬يوم الثالث من ذي ال ِ‬
‫كة لثلث مضين من‬ ‫جه الحسين من م ّ‬ ‫طاووس في )اللهوف موافقته فإّنه قال ‪ :‬تو ّ‬
‫كة في اليوم الذي قتل فيه مسلم‬ ‫م قال بعد ذلك ‪ ،‬وكان خروجه من م ّ‬ ‫جة ث ّ‬ ‫ح ّ‬‫ذي ال ِ‬
‫جة ‪ ،‬ذكره الوطواط في )غرر الخصائص ‪210 /‬‬ ‫ح ّ‬‫‪ .‬الثاني ‪ :‬يوم الثامن من ذي ال ِ‬
‫وهو الظاهر من )تاريخ أبي الفدا ‪ ، 19 / 2‬و )تذكرة الخواص ‪ 139 /‬قال ‪ :‬قتل‬
‫جة )وتذكير العدد يراد منه الليلة ‪ .‬الثالث ‪ :‬يوم‬ ‫ح ّ‬‫مسلم لثمان مضين من ذي ال ِ‬
‫ص عيه المفيد في )الرشاد ‪ ،‬والكفعمي في )المصباح ‪ ،‬وهو الظاهر من‬ ‫عرفة ‪ ،‬ن ّ‬
‫ابن نما في )مثير الحزان ‪ ،‬و )تاريخ الطبري ‪ ، 215 / 6‬و )مروج الذهب ‪90 / 2‬‬
‫جة ‪ ،‬وقد قتل ثاني يوم‬ ‫ح ّ‬
‫قالوا ‪ :‬وكان ظهور مسلم بالكوفة يوم الثامن من ذي ال ِ‬
‫خروجه ‪ .‬ويحكي المسعودي في )مروج الذهب قول ً بخروجه يوم التاسع من ذي‬
‫جة ‪ ،‬واذا كان قتله ثاني يوم خروجه تكون شهادته يوم الضحى ‪.‬‬ ‫ح ّ‬ ‫ال ِ‬
‫)‪4‬المنتخب ‪ 304 /‬الليلة العاشرة ‪.‬‬
‫)‪5‬ابن نما ‪ ، 89 /‬وتاريخ الطبري ‪. 177 / 6‬‬
‫كة‬ ‫خطبته )ع( في م ّ‬
‫وة إل ّ بالله وصّلى‬ ‫ن يخرج قام خطيبا ً فقال ‪)) :‬الحمد لله وما شاء الله ول ق ّ‬ ‫وقبل أ ْ‬
‫خط القلدة على جيد الفتاة ‪ ،‬وما‬ ‫ّ‬ ‫م َ‬
‫خط الموت على ولد آدم َ‬ ‫ّ‬ ‫الله على رسوله ‪ُ ،‬‬
‫خّير لي مصرعٌ أنا لقيه ‪ ،‬كأّني‬ ‫أولهني إلى أسلفي اشتياق يعقوب إلى يوسف ‪ ،‬و ُ‬
‫ً‬
‫طعها عسلن الفلة بين الّنواويس وكربلء ‪ ،‬فيملن مّني أكراشا جوفا‬ ‫بأوصالي تق ّ‬
‫ط بالقلم ‪ ،‬رضى الله رضانا أهل البيت ‪ ،‬نصبر‬ ‫خ ّ‬ ‫وأجربة سغبا ‪ ،‬ل محيص عن يوم ُ‬
‫ن تشذ عن رسول الله لحمته ‪ ،‬بل هي‬ ‫على بلئه ويوّفينا ُاجور الصابرين ‪ .‬ل ْ‬
‫من كان فينا‬ ‫مجموعة له في حضيرة القدس ‪ ،‬تقّر بهم عينه وينجز بهم وعده ‪ .‬أل َ‬
‫ن شاء‬ ‫ً‬
‫سه فليرحل معنا ‪ ،‬فإّني راحل مصبحا إ ْ‬ ‫طنا ً على لقاء الله نف َ‬ ‫باذل ً مهجته مو ّ‬
‫الله تعالى ( )‪. (1‬‬
‫جة ‪ ،‬ومعه أهل بيته ومواليه‬ ‫ح ّ‬‫ضين من ذي ال ِ‬ ‫كة لثمان م َ‬ ‫وكان خروجه )ع( من م ّ‬
‫كة‬‫موا إليه أيام إقامته بم ّ‬ ‫وشيعته من أهل الحجاز والبصرة والكوفة الذين انض ّ‬

‫‪70‬‬
‫ل واحد منهم عشرة دنانير وجمل ً يحمل عليه زاده)‪( .2‬‬
‫وأعطى ك ّ‬

‫سفر‬ ‫محاولت لصرفه عن ال ّ‬


‫سفر حّتى يستبين له حال‬ ‫وسأله جماعة من أهل بيته وغيرهم الترّيث عن هذا ال ّ‬
‫م تسعه‬ ‫ن )أبي الضيم ل ْ‬ ‫الّناس ؛ خوفا ً من غدر الكوفّيين وانقلب المر عليه ‪ ،‬ولك ّ‬
‫ن الحقائق كما هي ل‬ ‫ل من قابله ؛ ل ّ‬ ‫المصارحة بما عنده من العلم بمصير أمره لك ّ‬
‫ة وضيقا ً ‪ ،‬فكان عليه‬ ‫تفاض ليّ متطلب بعد تفاوت المراتب واختلف الوعية سع ً‬
‫مله معرفته ‪.‬‬ ‫ل واحد ٍ بما يسعه ظرفه وتتح ّ‬ ‫سلم ُيجيب ك ّ‬ ‫ال ّ‬
‫ب‬‫ل حرمتها ‪ ،‬فما ُاح ّ‬ ‫كة كبشا ً به تستح ّ‬ ‫ن بم ّ‬‫دثني أ ّ‬ ‫ن أبي ح ّ‬ ‫فيقول لبن الزبير ‪)) :‬إ ّ‬
‫ن ُاقتل فيها)‪،3‬‬ ‫ي من أ ْ‬ ‫ب إل ّ‬ ‫ن أكون ذلك الكبش ‪ ،‬وَلئن ُاقتل خارجا ً منها بشبر أح ّ‬ ‫أ ْ‬
‫ي‬
‫ت في ثقب هامة من هذه الهوام لستخرجوني حّتى يقضوا ف ّ‬ ‫َ‬
‫م الله لو كن ُ‬ ‫وأي َ‬
‫ي كما اعتدت اليهود في السبت (‪.‬‬ ‫ن عل ّ‬ ‫حاجتهم ‪ ،‬والله ليعتد ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬اللهوف ‪ ، 33 /‬وابن نما ‪. 20 /‬‬
‫)‪2‬نفس المهموم ‪. 91 /‬‬
‫)‪3‬في تاريخ مكة للزرقي ‪ : 150 / 2‬قال ذلك لبن عّباس ‪.‬‬
‫ن هذا ليس‬ ‫من حضر عنده ‪)) :‬إ ّ‬ ‫ما خرج من عنده ابن الزبير قال الحسين )ع( ل َ‬ ‫ول ّ‬
‫ن الّناس ل يعدلونه‬ ‫مأ ّ‬ ‫ن أخرج من الحجاز ‪ ،‬وقد عَل ِ َ‬ ‫ب إليه من أ ْ‬ ‫شيء من الدنيا أح ّ‬
‫ت حّتى يخلو له ( )‪. (1‬‬ ‫بي ‪ ،‬فود ّ أّني خرج ُ‬
‫مد بن الحنفّية في الليلة التي سار الحسين في صبيحتها إلى العراق وقال‬ ‫وأتاه مح ّ‬
‫ن يكون حالك حال من مضى‬ ‫ت غدر أهل الكوفة بأبيك وأخيك ‪ ،‬وإّني أخاف أ ْ‬ ‫‪ :‬عرف َ‬
‫ن يغتالني‬ ‫فأ ْ‬ ‫من في الحرم وأمنعه فقال الحسين )ع( ‪)) :‬أخا ُ‬ ‫‪ ،‬فأقم هنا فإّنك أعّز َ‬
‫يزيد بن معاوية في الحرم فأكون الذي ُتستباح به حرمة هذا البيت (‪ ،‬فأشار عليه‬
‫ابن الحنفّية بالذهاب إلى اليمن أو بعض نواحي البر ‪ ،‬فوعده أبو عبد الله في‬
‫الّنظر في هذا الرأي ‪.‬‬
‫حر تلك الليلة ارتحل الحسين )ع( ‪ ،‬فأتاه ابن الحنفّية وأخذ بزمام ناقته وقد‬ ‫س َ‬‫وفي َ‬
‫م تعدني الّنظر فيما سألتك ؟ قال ‪)) :‬بلى ‪ ،‬ولكن بعد ما فارقتك‬ ‫ركبها وقال ‪ :‬أل ْ‬
‫ن يراك‬ ‫ن الله تعالى شاء أ ْ‬ ‫أتاني رسول الله )ص( وقال ‪ :‬يا حسين اخرج ‪ ،‬فإ ّ‬
‫م يعرف الوجه في حمل العيال معه ‪ ،‬وهو على‬ ‫مد ‪ ،‬وحينما ل َ ْ‬ ‫قتيل ً (‪ ،‬فاسترجع مح ّ‬
‫ن سبايا )‪.2‬‬ ‫ن يراه ّ‬ ‫مثل هذا الحال قال له الحسين )ع( ‪)) :‬قد شاء الله تعالى أ ْ‬
‫ما بعد ‪ ،‬فإّني أسألك‬ ‫مد ‪ :‬أ ّ‬ ‫وكتب إليه عبد الله بن جعفر الطّيار مع ابَنيه عون ومح ّ‬
‫ن يكون‬ ‫مشفق عليك من هذا الوجه أ ْ‬ ‫ما انصرفت حين تقرأ كتابي هذا ‪ ،‬فإّني ُ‬ ‫الله ل ّ‬
‫م‬ ‫َ‬
‫ت اليوم ‪ ،‬اطفئ نور الرض ‪ ،‬فإّنك عَل ُ‬ ‫ُ‬ ‫ن هلك َ‬ ‫فيه هلكك واستئصال أهل بيتك ‪ ،‬إ ْ‬
‫سلم ‪.‬‬ ‫سير ‪ ،‬فإّني في أثر كتابي ‪ ،‬وال ّ‬ ‫المهتدين ‪ ،‬ورجاء المؤمنين ‪ ،‬فل تعجل بال ّ‬
‫ثم أخذ عبد الله كتابا ً من عامل يزيد على مكة عمرو بن سعيد بن العاص فيه أمان‬
‫ّ‬
‫ن يصرف‬ ‫للحسين وجاء به إلى الحسين ومعه يحيى بن سعيد بن العاص وجهد أ ْ‬
‫الحسين عن الوجه الذي أراده فَلم يقبل أبو عبد الله )ع( وعّرفه أّنه رأى رسول‬
‫ت‬‫دث ُ‬ ‫الله في المنام وأمره بأمر لبد ّ من انفاذه ‪ ،‬فسأله عن الرؤيا ‪ ،‬فقال ‪)) :‬ما ح ّ‬
‫ل )‪.3‬‬ ‫دث بها حّتى ألقى رّبي عّز وج ّ‬ ‫بها أحدا ً ‪ ،‬وما أنا مح ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬كامل ابن الثير ‪. 16 / 4‬‬
‫)‪2‬البحار ‪. 184 / 10‬‬

‫‪71‬‬
‫)‪3‬تاريخ الطبري ‪ ، 219 / 6‬وكامل ابن الثير ‪ ، 17 / 4‬والبداية لبن كثير ‪/ 6‬‬
‫‪. 163‬‬
‫ف عليك في هذا‬ ‫وقال له ابن عّباس ‪ :‬يابن العم ‪ ،‬إّني أتصّبر وما أصبُر ‪ ،‬وأتخوّ ُ‬
‫غدرٍ فل تقربّنهم ‪ .‬أقم في هذا‬ ‫ن أهل العراق قوم َ‬ ‫الوجه الهلك والستئصال ‪ .‬إ ّ‬
‫ن كانوا يريدونك ـ كما زعموا ـ فلينفوا‬ ‫البلد فإّنك سّيد أهل الحجاز ‪ ،‬وأهل العراق إ ْ‬
‫ن‬
‫سر إلى اليمن ‪ ،‬فإ ّ‬ ‫ن تخرج ‪ ،‬ف ِ‬ ‫ّ‬
‫ت إل أ ْ‬ ‫ن أبي َ‬‫م اقدم عليهم ‪ ،‬فإ ْ‬ ‫عاملهم وعدّوهم ث ّ‬
‫ت عن الّناس‬ ‫بها حصونا ً وشعابا ً وهي أرض عريضة طويلة ‪ ،‬ولبيك فيها شيعة وأن َ‬
‫ن يأتيك عند ذلك‬ ‫ث دعاتك ‪ ،‬فإّني أرجو أ ْ‬ ‫في عزلة ‪ ،‬فتكتب إلى الّناس وترسل وتب ّ‬
‫ب في عافية ‪.‬‬ ‫الذي تح ّ‬
‫ت‬
‫فقال الحسين )ع( ‪)) :‬يابن العم ‪ ،‬إّني والله لعلم أّنك ناصح مشفق ‪ ،‬وقد أزمع ُ‬
‫على المسير (‪.‬‬
‫ن ُتقتل‬ ‫سر بنسائك وصبيتك ‪ ،‬فإّني لخائف أ ْ‬ ‫ً‬
‫ت سائرا فل ت ِ‬ ‫ن كن َ‬ ‫فقال ابن عّباس ‪ :‬إ ْ‬
‫وهم ينظرون إليك ‪ ،‬فقال الحسين ‪)) :‬والله ‪ ،‬ل يدعوني حّتى يستخرجوا هذه‬
‫ل من‬ ‫جوفي ‪ ،‬فإذا فعلوا ذلك سّلط الله عليهم من يذّلهم حّتى يكونوا أذ ّ‬ ‫العلقة من َ‬
‫فرام المرأة ( )‪. (1‬‬
‫سفر‬ ‫توجيه لدواعي ال ّ‬
‫سفر إلى‬‫هذه غاية ما وصل إليه إدراك من رغب في ترّيث الحسين )ع( عن ال ّ‬
‫ف عليه نفسّيات الكوفّيين وما شيبت به من الغدر‬ ‫م تخ َ‬ ‫العراق ‪ ،‬وأبو عبد الله ل َ ْ‬
‫والّنفاق ‪ ،‬ولكن ماذا يصنع بعد إظهارهم الولء والنقياد له والطاعة لمره ؟ وهل‬
‫مة في ترك ما يطلبونه من الرشاد والنقاذ من مخالب الضلل‬ ‫يعذر أمام ال ُ ّ‬
‫م يظهر منهم الشقاق‬ ‫ب العالمين ؟ مع أّنه ل َ ْ‬ ‫وتوجيههم إلى الصلح المرضي لر ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬كامل ابن الثير ‪ ، 16 / 4‬وفي القاموس وتاج العروس ‪ :‬الفرام ككتاب دواء‬
‫تضيق به المرأة المسلك او حب الزبيب تحتشي به لذلك ‪ ،‬وكتب عبد الملك بن‬
‫مروان إلى الحجاج لما شكا منه أنس بن مالك ‪ :‬يابن المستفرمة بعجم الزبيب ‪.‬‬
‫وكانت في احراح ثقيف سعة يتضيقن بعجم الزبيب ‪.‬‬
‫والفرامة )ككتابة ‪ :‬هي الخرقة تحتشي بها المرأة عند الحيض كالفرام ‪ .‬وفيها‬
‫يقول الشاعر ‪:‬‬
‫م الغلم متى ما تجد فارما ً تفترم‬ ‫وجدتك فيها كا ُ ّ‬
‫وفي مقاييس اللغة لبن فارس ‪ : 496 / 4‬أظنها غير عربية ‪ ،‬وقال الخليل ‪ :‬ليست‬
‫من كلم أهل البادية ‪.‬‬
‫والخلف ‪ ،‬واعتذاره )ع( عن المصير إليهم بما جبلوا عليه من الخيانة كما فعلوا مع‬
‫من يبصر ظواهر الشياء ‪ ،‬والمام المقيض‬ ‫ل َ‬‫أبيه وأخيه ُيسّبب إثارة اللوم من ك ّ‬
‫جة عليه ‪ ،‬والبلد التي أشار‬ ‫ح ّ‬‫مة ال ُ‬ ‫ن يعمل عمل ً يكون لل ُ ّ‬ ‫ل من أ ْ‬ ‫لهداية البشر أج ّ‬
‫بها ابن عباس )‪ (1‬وغيره ل منعة فيها ‪ ،‬وما جرى من بسر بن أرطاة مع أهل اليمن‬
‫كد وهنهم في المقاومة والضعف عن رد ّ الباغي ‪.‬‬ ‫تؤ ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬هذا شيء يجب أن ننبه له وهو أن ابن عباس لم يكن بالمنزلة العالية ليكون‬
‫محل ً لتقي العلوم الغريبة كحبيب بن مظاهر ورشيد الهجري وعمر وبن الحمق‬
‫وحجر بن عدي وكميل بن زياد وميثم التمار‪ ،‬فانهم كانوا على جانب كبير من‬
‫التبصر في المور ووصلوا الى حق اليقين‪ ،‬فلم يعبأوا بكل ما يجري عليهم من‬
‫الفوادح والتنكيل لذلك لم يعدموا من امير المؤمنين )ع( الحبوة بايقافهم على‬

‫‪72‬‬
‫الحوادث والملحم وما تملكه الجبابرة والعلوم الغريبة!! نلمس ذلك من المحاورة‬
‫الدائرة بين حبيب بن مظاهر وميثم التمار من اخبار كل منهما الخر بما يجري‬
‫عليه من القتل ونصرة أهل البيت عليهم السلم‪ ،‬فكذبهما من لم يفقه السرار‬
‫اللهية من بني اسد ولما جاء رشيد الهجري يسأل عنهما قيل له افترقا وكان من‬
‫امرهما كذا وكذا فقال رحم الله ميثما لقد نسي انه يزداد في عطاء الذي يأتي‬
‫برأس حبيب مئة درهم ثم ادبر! فقال القوم هذا والله اكذبهم‪ ،‬ولم تذهب اليام‬
‫حتى وقع كل ذلك! صلب ميثم بالقرب من دار عمرو بن حريث وقتل حبيب مع‬
‫الحسين )ع( وقطع ابن زياد يدي رشيد الهجري ورجليه ولسانه كما أخبره أمير‬
‫المؤمنين )ع( ( راجع رجال الكشتئـ ص ‪ 51‬وما بعدها طبع الهند(‪.‬‬
‫وعلى هذا فابن عباس وغيره أقل رتبة من هؤلء الفذاذ ومن شهداء الطف‪ ،‬مهما‬
‫نعترف له بالموالة الصادقة لمير المؤمنين وولده الطهار‪ .‬فان حديثه مع ميثم‬
‫التمار يرشدنا الى عدم بلوغه تلكم المنازل العالية التي حواها ميثم وأمثاله‪ ...‬ففي‬
‫رجال الكشي ص ‪54‬أن ابن عباس اجتمع مع ميثم بالمدنية‪ ،‬فقال ميثم سل يا ابن‬
‫عباس ما شئت من تفسير القرآن فلقد قرأت تنزيله على امير المؤمنين )ع(‬
‫فعلمني تأويله‪ ،‬فاخذ ابن عباس القرطاس ليكتب فقال له ميثم كيف بك لو رأيتني‬
‫مصلوبا ً على خشبة تاسع تسعة أقربهم من المطهرة فتعجب ابن عباس من هذا‬
‫ي‪ ،‬فقال‬‫العبد السدود المخبر عن الغيب‪ ،‬فرمى القرطاس وقال انك تكهن عل ّ‬
‫ميثم يا ابن عباس احتفظ بما سمعت مني فان يكن حقا ً امسكته وان يكن باطل ً‬
‫خرقته فكتب ابن عباس عن ميثم ما وعاه عن أمير المؤمنين من تفسير القرآن‪.‬‬
‫وعلى هذا فما يتحدث بن ابن البار في تكملة الصلة ج ‪2‬ص ‪600‬طبع ثاني من أن‬
‫ابن عباس كان يقول له فسرت )الحمد الله رب العالمينعلى كنهم ما حملت ابل‬
‫الرض كتب تفسيرها ل نصيب له من الصحة وهو من موضوعات دعاة بني‬
‫العباس‪ ،‬أرادوا به المقابلة لقول سيد الوصياء المروي في احياء العلوم للغزالي ج‬
‫‪ 1‬ص ‪) 260‬فصل القرآن الباب الرابعفي التفسير بالرأي‪ ،‬وعلم القلوب لبي‬
‫طالب المكي ص ‪ 72‬والتقان للسيوطي ج ‪ 2‬ص ‪ 186‬النوع ‪ 28‬فيما يرجع الى‬
‫تفسير القرآن‪ ،‬والمحجة البيضاء للفيض الكاشاني ج ‪ 1‬ص ‪ 251‬في التفسير‬
‫بالرأي‪ :‬أن أمير المؤمنين قال لو شئت ل وقرت سبعين بعيرا ً من تفسير فاتحة‬
‫الكتاب‪.‬‬
‫وفي سعد السعود لبن طاووس ص ‪ 286‬نقل عن العلم اللدني للغزالي‪ :‬انه )ع(‬
‫ل! وحكاه‬ ‫قال‪ :‬لو اذن الله لي ورسوله لشرحت ألف الفاتحة حتى يبلغ أربعين جم ً‬
‫في البحار ج ‪ 9‬ص ‪ 277‬وص ‪ 463‬طبع كمبني ول غرابة ممن هو النقطة تحت باء‬
‫البسملة! ففي مقدمة تفسير القرآن للشيخ محمد حسين الصفهاني روى عن‬
‫أمير المؤمنين )ع( أنه قال‪ :‬كل ما في القرآن في الحمد وكل ما في الحمد في‬
‫البسملة وما في البسملة في الباء وما في الباء في النقطة‪ ،‬وانا النقطة تحتها‪..‬‬
‫وفي العنايات الرضوية تكلم في شرحه ص ‪..119‬‬
‫وبهذا يصّرح الشيخ الشوشتري أعلى الله مقامه فإّنه قال ‪ :‬كان للحسين تكليفان‬
‫واقعي وظاهري ‪:‬‬
‫ما الواقعي الذي دعاه للقدام على الموت وتعريض عياله للسر وأطفاله للذبح‬ ‫أـأ ّ‬
‫ن‬ ‫ُ‬
‫ن عتاة بني امّية قد اعتقدوا أّنهم على الحقّ وأ ّ‬
‫مع علمه بذلك ‪ ،‬فالوجه فيه ‪ :‬أ ّ‬
‫عليا ً وأولده وشيعتهم على الباطل حّتى جعلوا سّبه من أجزاء صلة الجمعة ‪ ،‬وبلغ‬
‫سفر فقضاه ‪.‬‬ ‫سي اللعن في خطبة الجمعة فذكره وهو في ال ّ‬ ‫الحال ببعضهم أّنه ن َ ِ‬
‫موه )مسجد الذكر ‪ ،‬فلو بايع الحسين يزيد وسّلم المر إليه ‪ ،‬ل ْ‬
‫م‬ ‫وبنوا مسجدا ً س ّ‬

‫‪73‬‬
‫ن المحالفة لبني ُامّية دليل‬ ‫ن كثيرا ً من الّناس يعتقد بأ ّ‬ ‫يبقَ من الحقّ أثر ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ما بعد محاربة الحسين لهم وتعريض نفسه‬ ‫حسن سيرتهم ‪ ،‬وأ ّ‬ ‫استصواب رأيهم و ُ‬
‫دسة وعياله وأطفاله للفوادح التي جرت عليهم ‪ ،‬فقد تبّين لهل زمانه‬ ‫المق ّ‬
‫من بغى عليه ‪.‬‬ ‫قيته بالمر وضلل َ‬ ‫والجيال المتعاقبة أح ّ‬
‫ل وجه ‪،‬‬ ‫ما التكليف الظاهري ‪ :‬فلّنه )ع( سعى في حفظ نفسه وعياله بك ّ‬ ‫ب ـ وأ ّ‬
‫ن‬‫سر له وقد ضّيقوا عليه القطار حّتى كتب يزيد إلى عامله على المدينة أ ْ‬ ‫فلم يتي ّ‬
‫ن الخائف وكهف‬ ‫َ‬ ‫ً‬
‫يقتله فيها ‪ ،‬فخرج منها خائفا يترّقب فلذ بحرم الله الذي هو ام ُ‬
‫جد متعّلقا ً بأستار‬ ‫ة ولو وُ ِ‬ ‫دوا في إلقاء القبض عليه أو قتله غيل ً‬ ‫المستجير ‪ ،‬فج ّ‬
‫جه إلى‬ ‫ن يجعل احرامه عمرةً مفردةً وترك التمّتع بالحج ‪ ،‬فتو ّ‬ ‫الكعبة ‪ ،‬فالتزم بأ ْ‬
‫لموّيين ‪،‬‬ ‫كدوا المصير إليهم ؛ لنقاذهم من شرور ا ُ‬ ‫الكوفة ؛ لّنهم كاتبوه وبايعوه وأ ّ‬
‫جة عليهم ؛ لئل ّ‬ ‫ح ّ‬ ‫فألزمه التكليف بحسب ظاهر الحال إلى موافقتهم إتماما ً لل ُ‬
‫يعتذروا يوم الحساب بأّنهم لجأوا إليه واستغاثوا به من ظلم الجائرين ‪ ،‬فاّتهمهم‬
‫ن يتوجه وقد ضاقت عليه‬ ‫بالشقاق ولم يغثهم ‪ ،‬مع أّنه َلو َلم يرجع إليهم فإلى أي َ‬
‫جحر هامة‬ ‫ت في ُ‬ ‫الرض بما رحبت ؟ وهو معنى قوله )ع( لبن الحنفّية ‪َ)) :‬لو دخل ُ‬
‫ن‬
‫من هذه الهوام ‪ ،‬لستخرجوني حّتى يقتلوني (‪ .‬وقال )ع( لبي هّرة السدي ‪)) :‬إ ّ‬
‫بني ُامّية أخذوا مالي فصبرت ‪ ،‬وشتموا عرضي فصبرت ‪ ،‬وطلبوا دمي فهربت ( )‬
‫‪. (1‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬الخصائص الحسينية ‪ 32 /‬ط تبريز ‪.‬‬
‫ما أكثروا القول عليه أنشد أبيات أخي‬ ‫كة أحد إل ّ حزن لمسيره ‪ ،‬ول ّ‬ ‫م يبق بم ّ‬ ‫ول ْ‬
‫مه من الجهاد مع رسول الله )ص(‬ ‫ما حذره ابن ع ّ‬ ‫الوس ل ّ‬
‫‪.‬‬
‫ااااا ااا اااااا ااا ااا ااااا ااا‬
‫ااا اااا ااااا ااااا ااااا‬
‫اااااا ااااااا اااااااا ااااا اااااا اااااااااااااا اااا‬
‫ا‬
‫َ‬
‫دوًرا ( )‪.2)) (1‬‬ ‫ق ُ‬ ‫مُر الل ّهِ قَد ًَرا َ‬
‫م ْ‬ ‫نأ ْ‬ ‫كا َ‬‫ثم قرأ ‪) :‬وَ َ‬

‫وسـامته أن يـنقاد لـلسلم ضارعا لـديها ويـأبى الّعز أن يضرع الحّر‬


‫ضيم يـستعذب المّر‬ ‫فـقال ردي يا نفس من سورة الّردى فـعند ورود الـ ّ‬
‫وحـفت بـه مـن آلـه خـير فتية لـها يـنتمي الـمجد المؤثل والفخر‬
‫إذا هي سارت في دجي الليل أزهرت وباهت سواري النجم اوجهها الزهر‬
‫ي فـوق اجـرد َ سـابح يـتيه بـه فـي مـشيه الد ّ‬
‫ل والكبر‬ ‫بـكل كـم ّ‬
‫ن لـه ظـهر‬‫ف فـي الـهيجاء وْقر بمتنه بـنجدة بـأس فـاطمأ ّ‬ ‫إذا خـ ّ‬
‫ن وجهها بـنضح دم العـداء ل اللطم يحمّر‬ ‫ويـلطم خـد ّ الرض لـك ّ‬
‫ي وغالب بـهم تـكشف الجلى ويستدفع الضّر‬ ‫م الـقوم مـن عليا لو ّ‬ ‫هـ ُ‬
‫ي الـسيوف بـاوجه وحـد ّ الـمواضي بـاسم الغر يفتر‬ ‫يـحيون هـند ّ‬
‫ّ‬
‫يـلـفون آحــاد اللـوف بـمثلها تـهلل مـن لـئلء طـلعتها البشر‬
‫ب إذا حـل مـن مـعقود راياتها نشر‬ ‫مـقط ّ ٌ‬ ‫بـيوم ٍ بـه وجـه الـمنون ُ‬
‫ن بابها لـهم اوجـه والـشوس ألوانها صفر‬ ‫إذا اسـود ّ يـوم الـنقع اشرق َ‬
‫ي من دونه جسر‬ ‫ومـا وقـفوا في الحرب إل ليعبروا إلى الموت والخط ّ‬
‫يـكرون والبـطال نكصا ً تقاعست مـن الـخوف والسـاد شيمتها الكّر‬

‫‪74‬‬
‫الـى أن َثـوْوا تحت العجاج بمعرك هـو الحشر ل بل دون موقفه الحشر‬
‫ومـاتوا كـراما ً تـشهد الحرب اّنهم ُأبـاة إذا ألـوى بـهم حـادث نكر‬
‫دما حلل حمر‬ ‫ي بيض عصائب تـروق ومـن وشي ال ّ‬ ‫عـلهيم مـن الهند ّ‬
‫ضيم بـين عـداته ونـاصـره الـبّتار والرن الـمهر‬ ‫ي الـ ّ‬
‫وعـاد أبـ ّ‬
‫فـغّبر فـي يـوم الـكفاح بـاوجه الـكتائب والفـاق شـاحبة غـبر‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬سورة الحزاب ‪38 /‬‬
‫ذره الحر من مخالفة بني ُامية ‪.‬‬ ‫ما ح ّ‬ ‫)‪2‬تذكرة الخواص ‪ : 137 /‬وأنشدها ل ّ‬
‫ه فـلـلسيف فـي أعـناق أعـدائه نـثر‬ ‫ب الـقـلوب قـنات ُ‬ ‫حــ ّ‬
‫إذا نـظـمت َ‬
‫فـل الـوتر وتـر حـين تقترع الظبى ول الـشفع شـفع حـين تـشتبك السمر‬
‫ولـو شـاء أن يـفني العـادي لزلزل الـوجـود بـهم لـكنما قـضي المـر‬
‫ي الـضيم شـيمتها الـصبر‬ ‫وآثـر أن يـسعى إلى الـموت صابرا ونـفس أبـ ّ‬
‫فـأضحى عـلى الرمضاء شلوا ً تناهبت حـشـاه الـعـوالي والـمـهندة الـبتر‬
‫حّر حـشى مـن دون غـلتها الـجمر‬ ‫سـنة ظـاميا ً ِبـ َ‬ ‫قـضى بـين أطـراف ال ّ‬
‫فـلـهفي عـليه فـوق صـالية الـثرى عـلى جـسمه تـجري المسومة الضمر‬
‫ج أشـجان يـجيش بـها الـصدر‬ ‫أبــا حـسـن شـكوى الـيك وانـها لـواع ُ‬
‫ف أبـناؤك الـغر‬ ‫أتـدري بـما لقـت مـن الكرب والبل ومـا واجـهت بـالط ّ‬
‫ُأعـزيـك فـيـهم انـهم وردوا الـردى بـأفـئدة مــا بــل غـّلـتها قـطر‬
‫ن فـي حـر الـهجيرة بـالعرا عـليهم سـوافي الـريح بـالترب تنجّر‬ ‫وثـاويـ َ‬
‫مـتـى أيـها الـموتور تـبعث غـارة تـعيد الـعدى والـبر مـن دمـهم بحر‬
‫أتـغضي وأنـت الـمدرك الثار عن دم بـرغم الـهدى أضـحى ولـيس له وتر‬
‫ت تـحت أطـراف الـقنا دمها هدر‬ ‫طف فـتيان هـاشم َثـوَ ْ‬ ‫وتـلـك بـجنب الـ ّ‬
‫ط ل يـلوي بـخرصانها كسر‬ ‫فــل صـبر حّتى تـرفعوها ذوابـل مـن الـخ ّ‬
‫وتـقـتـدحوها بـالـصوارم جــذوة من الحرب يصلى جمرها الجحفحل المجر‬
‫وتـبـتعثوها فــي الـمغار صـوأهل مـن الـخيل مـقرونا ً بـأعرافها النصر‬
‫فـكـم نـكـأت مـنـكم أمـية قـرحة إلى الـحشر ل يأتي على جرحها السبر‬
‫ن صـبـية قـد ارضـعتها أمـية ضــروع الـمـنايا والـدماء لـها دّر‬ ‫مـ ْ‬
‫فـ ِ‬
‫فـها هـي صـرعى والـسهام عواطف حـنـوا ً عـليها والـرمال لـها حـجر‬
‫حـّرة بـعد الـمقاصير أصبحت بـمـقفرة كـالـجمر يـوقـدها الـحّر‬ ‫ومـن ُ‬
‫وزاكـية لـم تـلف فـي الـنوح مسعدا ً سـوى انـها بـالسوط يـزجرها زجـر‬
‫ومـذعـورة أضـحـت وخـفاق قـلبها تـكـاد شـظـاياه يـطير بـها الـذعر‬
‫ومـذهولة مـن دهـشة الـخيل ابرزت عـشـّية ل كـهـف لـديها ول خـدر‬
‫ستر‬
‫تـجـاذبها أيــدي الـعـدو خـمارها فـتـستر بـاليـدي اذا أعـوز الـ ّ‬
‫ســرت تـتـراماها الـعداة سـوافرا ً يـروح بـها مـصر ويـغدو بها مصر‬
‫ن ما السهل والوعر‬ ‫طة الـموامي ول يـدري َ‬ ‫ن خـ ّ‬ ‫ربـيـبات خـدر أيـن مـنه ّ‬
‫مهٍ فـيـجذبها قـفـر ويـقـذفها قـفر )‪( (1‬‬ ‫مه َ‬‫تـطوف بـها العـداء فـي كـل َ‬
‫التنعيم‬
‫كة ومّر بالتنعيم)‪ ،2‬فلقى عيرا ً عليها وََرس وحلل أرسلها إلى‬ ‫وسار الحسين من م ّ‬
‫يزيد بن معاوية واليه على اليمن ‪ ،‬بحير بن يسار الحميري ‪ ،‬فأخذها الحسين )ع(‬
‫ن ينصرف معنا إلى العراق أوفينا كراءه‬ ‫ب منكم أ ْ‬ ‫من أح ّ‬ ‫وقال لصحاب البل ‪َ )) :‬‬
‫ب المفارقة أعطيناه من الكراء على ما قطع من‬ ‫من أح ّ‬ ‫وأحسّنا صحبته ‪ ،‬و َ‬
‫ب صحبته)‪.3‬‬ ‫من أح ّ‬ ‫الرض (‪ ،‬ففارقه بعضهم ومضى َ‬

‫‪75‬‬
‫ن هذا ماله الذي جعله الله تعالى له يتصّرف فيه كيف‬ ‫وكان الحسين )ع( يرى أ ّ‬
‫مة منصوب من المهيمن سبحانه ‪ ،‬وقد اغتصب يزيد وأبوه‬ ‫شاء ؛ لّنه إمام على ال ُ ّ‬
‫ن يحتوي على َفيء المسلمين‬ ‫قه وحقّ المسلمين ‪ ،‬فكان من الواجب عليه أ ْ‬ ‫ح ّ‬
‫لينعش المحاويج منهم ‪ ،‬وقد أفاض على العراب الذين صحبوه في الطريق‬
‫كن سّيد‬ ‫ن محتوم القضاء َلم يم ّ‬ ‫سهم من مضض الفقر ‪ ،‬غير أ ّ‬ ‫ورفعوا إليه ما م ّ‬
‫مة الّنبي العظم‬ ‫ُ‬
‫شباب أهل الجّنة من استرداد ما اغتصبه الجائرون من أموال ا ّ‬
‫دسة عن البصائر حجب التمويه ‪ ،‬وعرفوا ضلل‬ ‫ن ارتفعت بتضحيته المق ّ‬ ‫)ص( وإ ْ‬
‫المستعدين على الخلفة اللهّية ‪.‬‬
‫____________________________‬
‫مد حسين الكيشوان ‪ ،‬طِبعت في مثير الحزان للعلمة‬ ‫)‪ (1‬للحجة السيد مح ّ‬
‫الشيخ شريف الجواهري ‪.‬‬
‫)‪2‬في معجم البلدان ‪ : 416 / 2‬التنعيم )بالفتح ثم السكون وكسر العين المهملة‬
‫ن‬
‫وياء ساكنة وميم موضع ‪ :‬بمكة في الحل على فرسخين من مكة ؛ وسمى به ل ّ‬
‫عن يمينه جبل اسمه نعيم ‪ ،‬وآخر عن شماله اسمه ناعم ‪ ،‬والوادي نعيمان وبه‬
‫مساجد ‪.‬‬
‫مد الخضراوي ‪، 60/‬‬ ‫وفي العقد الثمين في فضائل البلد المين لحمد بن مح ّ‬
‫الفصل الثالث ‪ ،‬الطبعة الثانية ‪ :‬التنعيم يبعد عن مكة ثلثة أو أربعة أميال ‪.‬‬
‫)‪3‬تاريخ الطبري ‪ ، 218 / 6‬ومقتل الخوارزمي ‪ ، 220 / 1‬والبداية ‪، 166 / 8‬‬
‫والرشاد للشيخ المفيد ‪ ،‬ومثير الحزان لبن نما ‪. 21 /‬‬
‫ن هذا‬ ‫لولى بمصر ‪ :‬وإ ّ‬ ‫وفي شرح نهج البلغة لبن أبي الحديد ‪ 327 / 4‬الطبعة ا ُ‬
‫ن الحسين كتب إلى‬ ‫المال الذي أخذه الحسين حمل إلى معاوية بن أبي سفيان وإ ّ‬
‫ن عيرا ً مّرت بنا من اليمن تحمل مال ً وحلل ً وعنبرا ً إليك لتودعه في‬ ‫معاوية ‪)) :‬أ ّ‬
‫خزائن دمشق وتعل بها بعد النهل بني أبيك ‪ ،‬وإّني احتجت إليها فأخذتها (‪ .‬فكتب‬
‫ن‬
‫ي؛ل ّ‬ ‫إليه معاوية وفيه ‪ :‬إّنك أخذت المال وَلم تكن جديرا ً به بعد أن نسبته إل ّ‬
‫ي لم‬ ‫م عليه الخرج ‪ .‬وأيم الله لو ترك ذلك حّتى صار إل ّ‬ ‫الوالي أحق بالمال ‪ ،‬ث ّ‬
‫دي أن يكون ذلك في زماني‬ ‫ظك منه ‪ ،‬ولكن في رأسك نزوة ‪ ،‬وبو ّ‬ ‫أبخسك ح ّ‬
‫وف أن تبلى بمن ل ينظرك فواق‬ ‫فأعرف قدرك وأتجاوز عنك ‪ ،‬ولكّني والله لتخ ّ‬
‫ناقة ‪.‬‬
‫الصفاح‬
‫قي الحسين )ع( الفرزدق بن غالب الشاعر ‪ ،‬فسأله عن خبر الّناس‬ ‫وفي الصفاح ل َ ِ‬
‫خلفه ‪ ،‬فقال الفرزدق ‪ :‬قلوبهم معك والسيوف مع بني ُامّية ‪ ،‬والقضاء ينزل من‬
‫السماء ‪ .‬فقال أبو عبد الله )ع( ‪)) :‬ص( دقت لله المر ‪ ،‬والله يفعل ما يشاء ‪،‬‬
‫ب فنحمد الله على نعمائه وهو‬ ‫ن نزل القضاء بما نح ّ‬ ‫ل يوم رّبنا في شأن ‪ ،‬إ ْ‬ ‫وك ّ‬
‫ق‬
‫من كان الح ّ‬ ‫المستعان على أداء الشكر ‪ ،‬وان حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد َ‬
‫م سأله الفرزدق عن نذور ومناسك ‪ ،‬وافترقا )‪. (1‬‬ ‫نّيته والتقوى سريرته (‪ ،‬ث ّ‬
‫ً‬
‫ت عسكرا في‬ ‫ُ‬
‫ويروى عن الفرزدق أّنه قال ‪ :‬خرجت من البصرة اريد العمرة فرأي ُ‬
‫ق‬
‫نح ّ‬ ‫ت ‪ :‬لقضي ّ‬ ‫ت ‪ :‬عسكر من ؟ قالوا عسكر حسين بن علي ‪ ،‬فقل ُ‬ ‫البرية ‪ ،‬فقل ُ‬
‫من الرجل ؟ (قلت ‪ :‬الفرزدق بن‬ ‫ّ‬
‫رسول الله )ص( فأتيته وسلمت عليه ‪ ،‬فقال ‪َ )) :‬‬
‫ً‬
‫غالب ‪ ،‬فقال ‪ :‬هذا نسب قصير ‪ ،‬قلت ‪ :‬أنت أقصر مّني نسبا أنت ابن بنت رسول‬
‫الله)‪( .2‬‬

‫ذات عرق‬

‫‪76‬‬
‫وسار أبو عبد الله )ع( ل يلوي على أحد ‪ ،‬فلقي في ذات عرق) )‪3‬ب ُ ْ‬
‫شَر‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬تاريخ الطبري ‪ ، 218 / 6‬وكامل ابن الثير ‪ ، 16 / 4‬والرشاد للمفيد ‪.‬‬
‫وفي تذكرة الحفاظ للذهبي ‪ : 338 / 1‬كانت ملقاة الفرزدق معه بذات عرق ‪.‬‬
‫وفي معجم البلدان ‪ :‬الصفاح ‪ :‬بين حنين وانصاب الحرم بسرة الداخل إلى مكة ‪.‬‬
‫)‪2‬أنوار الربيع للسيد علي خان ‪ ،‬باب التكرار ‪. 703 /‬‬
‫)‪3‬في البحر الرائق لبن نجيم الحنفي ‪ : 317 / 2‬بين ذات عرق ومكة مرحلتان ‪.‬‬
‫وفي الفروع لبن مفلح ‪ : 216 / 2‬بينهما ليلتان ‪ ،‬وسمي بجبل صغير فيه ‪ ،‬كما في‬
‫تاج العروس ‪ ، 8 / 7‬وذات عرق عند أهل السنة ميقات أهل الشرق ومنه العراق‬
‫وخراسان ‪ ،‬و روايات المامية تحكي توقيت رسول الله للعراقيين العقيق ‪،‬‬
‫ن ذات عرق غير منصوص عليه‬ ‫واستحسنه الشافعي في الم ‪ 118 / 2‬؛ لعتقاده أ ّ‬
‫‪ ،‬وإّنما وّقته عمر ‪ ،‬كما في البخاري عن ابن عمر ‪ ،‬وفي المغني لبن قدامة ‪/ 3‬‬
‫ن كان ذات عرق ميقات أهل‬ ‫‪ : 257‬عن ابن عبد البر الحرام من العقيق أولى ‪ ،‬وإ ْ‬
‫الشرق أجمع ‪ ،‬وفي فتح الباري ‪ : 250 / 3‬قطع الغزالي والرافعي والنووي‬
‫ن ذات عرق غير منصوص ‪ ،‬وصحح الحنفية والحنابلة وجمهور‬ ‫والمدونة لمالك ‪ :‬أ ّ‬
‫الشافعية أّنه منصوص ‪.‬‬
‫وفي معجم البلدان ‪ : 199 / 6‬يقع العقيق ببطن وادي ذي الحليفة ‪ ،‬وهو أقرب‬
‫كة ‪ ،‬واحتاط فقهاء المامّية بترك الحرام من ذات عرق ‪ ،‬وهو آخر‬ ‫منها إلى م ّ‬
‫العقيق ‪.‬‬
‫ابن غالب وسأله عن أهل الكوفة قال ‪ :‬السيوف مع بني ُامّية والقلوب معك قال‬
‫)ع( ‪)) :‬ص( دقت ( )‪. (1‬‬
‫من اجتمع مع الحسين )ع( في أثناء الطريق إلى الكوفة يقول‬ ‫دث الرياشي ع ّ‬ ‫وح ّ‬
‫ت‬
‫سف الطريق وحدي ‪ ،‬فبينا أسير إذ رفع ُ‬ ‫ت أتع ّ‬‫ت انطلق ُ‬ ‫ن حجج ُ‬ ‫الراوي ‪ :‬بعد أ ْ‬
‫من هذه الخبية ؟ قالوا ‪:‬‬ ‫ت ‪ :‬لِ َ‬‫ت نحوها فقل ُ‬ ‫طرفي إلى أخبية وفساطيط فانطلق ُ‬
‫ت نحوه فإذا هو مّتكئ‬ ‫سلم( وانطلق ُ‬ ‫للحسين بن علي ‪ ،‬وابن فاطمة ‪).‬عليهم ال ّ‬
‫ت ‪ :‬يابن رسول الله )ص( بأبي أنت‬ ‫ديه فقل ُ‬‫على باب الفسطاط يقرأ كتابا ً بين ي َ‬
‫مي ‪ ،‬ما أنزلك في هذه الرض القفراء التي ليس فيها ريف ول منعة ؟ قال عليه‬ ‫وا ُ ّ‬
‫ن هؤلء أخافوني ‪ ،‬وهذه كتب أهل الكوفة وهم قاتلي ‪ ،‬فإذا فعلوا ذلك‬ ‫سلم ‪)) :‬إ ّ‬‫ال ّ‬
‫ل من‬ ‫وَلم يدعوا لله محرما ً إل ّ انتهكوه ‪ ،‬بعث الله إليهم من يقتلهم حّتى يكونوا أذ ّ‬
‫فرام المة )‪.(2‬‬

‫الحاجر‬
‫ما بلغ الحاجر) )‪3‬من بطن الرمة كتب إلى أهل الكوفة جواب كتاب مسلم ابن‬ ‫ول ّ‬
‫ي‬
‫ما بعد ‪ ،‬فقد ورد عل ّ‬ ‫عقيل وبعثه مع قيس بن مسّهر الصيداوي) )‪4‬وفيه ‪) :‬أ ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مثير الحزان لبن نما ‪. 21 /‬‬
‫سر القرم بالمقنعة‬ ‫ل من قرم المة (وف ّ‬ ‫)‪2‬وفي البداية ‪)) : 169 / 8‬حّتى يكونوا أذ ّ‬
‫حدة ‪:‬‬‫دم )فرام المة بالفاء المو ّ‬ ‫‪ ،‬ولم أجد هذا التفسير في اللغة ‪ ،‬والصحيح كما تق ّ‬
‫وهو عجم الزبيب ‪ ،‬تضّيق به المرآة مسلكها ‪.‬‬
‫)‪3‬في معجم البلدان ‪ :‬الحاجز ما يمسك الماء من شفة الوادي وفيه ‪: 290 / 4‬‬
‫بطن الرمة منزل لهل البصرة إذا أرادوا المدينة ‪ ،‬وفيه تجتمع أهل الكوفة‬
‫كة ‪ ،‬وفي تاريخ‬ ‫والبصرة ‪ ،‬وفي تاج العروس ‪ : 136 / 3‬الحاجر مكان بطريق م ّ‬

‫‪77‬‬
‫الدب العربي لعمر فروخ ‪ ، 195 / 1‬بترجمة زهير بن أبي سلمى قال ‪ :‬الحاجر‬
‫جنوب الرياض اليوم من أرض نجد ‪ .‬وفي معجم البلدان ‪ : 219 / 2‬بطن الرمة‬
‫)بتشديد الميم والراء وادٍ معروف بعالية نجد‪ .‬ونقل رضا كحالة في هامش كتاب‬
‫جغرافية شبه جزيرة العرب ص ‪ 274‬عن ابن دريد ان الرمة قاع عظيم بنجد‬
‫تنصب فيه أوديه وعن ابن العرابي‪ :‬الرمة طويلة عريضة تكون مسيرة يوم تنزل‬
‫أعاليها بنو كلب ثم تنحدر فتنزل عبس وغيرهم من غطفان ثم تنحدر فتنزل بنو‬
‫اسد‪ .‬وقال الصمعي بطن الرمة واد عظيم يدفع عن يمين فلجع والدثينة حتى يمر‬
‫بين أبانين البيض والسود وبينهما ثلثة أميال ثم قال‪ :‬الرمة تحييء من الغور‬
‫والحجاز فأعلى الرمة لهل المدينة وبني سليم ووسطها لبني كلب وغطفان‬
‫واسفلها لبني أسد وعبس ثم يقع في رمل العيون‪..‬‬
‫مد الفتال النيسابوري ‪ : 152 /‬يقال بعثه مع‬ ‫)‪4‬في روضة الواعظين لعلي بن مح ّ‬
‫عبد الله بن يقطر ‪ ،‬ويجوز أّنه أرسل اليهم كتابين أحدهما مع عبد الله بن يقطر‬
‫ن ذكر نسب قيس قال ‪:‬‬ ‫والخر مع قيس بن مسهر ‪ .‬وفي الصابة ‪ 492 / 3‬بعد أ ْ‬
‫ن ابن زياد قتله بالكوفة ‪.‬‬
‫ما قتل بالطف ‪ ،‬وهو اشتباه ؛ فإ ّ‬ ‫وكان مع الحسين ل ّ‬
‫ت الله‬‫قنا ‪ ،‬فسأل ُ‬‫كتاب مسلم بن عقيل يخبرني باجتماعكم على نصرنا والطلب بح ّ‬
‫كة‬‫ن ُيحسن لنا الصنع ويثيبكم على ذلك أعظم الجر ‪ ،‬وقد شخصت إليكم من م ّ‬ ‫أ ْ‬
‫جة ‪ ،‬فإذا قدم عليكم رسولي ‪ ،‬فانكمشوا في‬ ‫ح ّ‬‫يوم الثلثاء لثمان مضين من ذي ال ِ‬
‫أمركم ‪ ،‬فإّني قادم في أّيامي هذه (‪.‬‬

‫بعض العيون‬
‫ّ‬
‫وسار من الحاجر ‪ ،‬وكان ل يمّر بماء من مياه العرب إل اتبعوه )‪ ، (1‬فانتهى إلى‬
‫ن الحسين قاصد‬ ‫ما عرف أ ّ‬ ‫ماء من مياه العرب عليه عبد الله بن مطيع العدوي ‪ ،‬ول ّ‬
‫ُ‬
‫ن تنتهك ‪ ،‬انشدك‬ ‫كرك الله يابن رسول الله وحرمة السلم أ ْ‬ ‫للعراق قال له ‪ُ :‬اذ ّ‬
‫ت ما في أيدي بني ُامّية ليقتلوك ‪ ،‬ولئن‬ ‫الله في حرمة العرب ‪ ،‬فوالله لئن طلب َ‬
‫ن يمضي)‪.2‬‬ ‫قتلوك ل يهابوا أحدا ً بعدك ‪ .‬فأبى الحسين إل ّ أ ْ‬

‫الخزيمية‬
‫ت إليه ُاخته زينب‬ ‫سلم في الخزيمية)‪3‬يوما ً وليلة فل ّ‬
‫ما أصبح أقبل ْ‬ ‫وأقام عليه ال ّ‬
‫ت هاتفا ً يقول ‪:‬‬‫سلم( وقالت ‪ :‬إّني سمع ُ‬‫)عليها ال ّ‬

‫ااا ااا ااااا ااااااا اااا ااا اااا ااا ااااااا اااا‬
‫اااا اااا اااااااا ااااااا ااااااااااا اااااا اااا‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬البداية لبن كثير ج ‪ 8‬ص ‪. 168‬‬
‫)‪2‬ارشاد المفيد ‪.‬‬
‫)‪3‬بضم اوله وفتح ثانيه نسبة إلى خزيمة بن حازم تقع بعد زرود للذاهب من‬
‫الكوفة إلى مكة وما نذكره من ترتيب المنازل اخذناه من ))معجم البلدان(‪.‬‬
‫)‪4‬ابن نما ص ‪. 23‬‬
‫زرود‬
‫ما نزل الحسين في زرود )‪ (1‬نزل بالقرب منه زهير بن القين البجلي)‪ ،2‬وكان‬ ‫ول ّ‬
‫ن الماء جمعهم في المكان ‪ .‬وبينا زهير‬
‫غير مشايع له ‪ ،‬ويكره الّنزول معه ‪ ،‬لك ّ‬
‫ً‬
‫وجماعة على طعام صنع لهم إذ أقبل رسول الحسين يدعو زهيرا إلى سّيده أبي‬

‫‪78‬‬
‫ن امرأته دلهم بنت عمرو حّثته على‬ ‫عبد الله )ع( ‪ ،‬فتوّقف زهير عن الجابة غير أ ّ‬
‫المسير إليه وسماع كلمه)‪( .3‬‬
‫ً‬
‫فمشى زهير إلى الحسين )ع( ‪ ،‬وما أسرع أن عاد إلى أصحابه فرحا قد أسفر‬
‫ول إلى جهة سّيد شباب أهل الجّنة ‪ ،‬وقال‬ ‫وجهه وأمر بفسطاطه وثقله فح ّ‬
‫من‬‫م قال ل َ‬ ‫ن يصيبك بسببي إل ّ خير ‪ .‬ث ّ‬ ‫بأ ْ‬ ‫ُ‬
‫لمرأته ‪ :‬الحقي بأهلك ‪ ،‬فإّني ل اح ّ‬
‫ب منكم نصرة ابن الرسول )ص( وإل ّ فهو آخر العهد ‪.‬‬ ‫من أح ّ‬ ‫معه ‪َ :‬‬
‫جر)‬‫دثهم بما أوعز به سلمان الفارسي من هذه الواقعة فقال ‪ :‬غزونا ب ََلن َ‬ ‫مح ّ‬ ‫ث ّ‬
‫ما رأى سلمان الفارسي) )‪5‬ما نحن فيه‬ ‫‪4‬ففتحنا وأصبنا الغنائم ‪ ،‬وفرحنا بذلك ‪ ،‬ول ّ‬
‫مد )صّلى الله عليه وآله( فكونوا‬ ‫من السرور قال ‪ :‬إذا أدركتم سّيد شباب آل مح ّ‬
‫____________________________‬
‫ما استعجم ‪) : 696 / 2‬بفتح أوله وبالدال المهملة في آخره‬ ‫)‪ (1‬في المعجم م ّ‬
‫وفي معجم البلدان ‪ : 327 / 4‬إنها رمال بين الثعلبية والخزيمية بطريق الحاج من‬
‫الكوفة ‪ ،‬وهي دون الخزيمية بميل وفيها بركة وحوض ‪ ،‬وفيها وقعة يقال لها يوم‬
‫زرود ‪.‬‬
‫)‪2‬وفي جمهرة أنساب العرب لبن حزم ‪ ، 365 /‬عند ذكر قبائل بجيلة قال ‪ :‬زهير‬
‫بن القين بن الحارث بن عامر بن سعد بن مالك بن زهير بن عمرو بن يشكر بن‬
‫علي بن مالك بن سعد بن ت َُزين بن قسر بن عبقر بن أنمار بن أراش بن عمرو بن‬
‫الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلن بن سبأ ‪ .‬وفي صفحة ‪ 310‬قال ‪ :‬سبأ بن‬
‫يشجب بن يعرب بن قحطان ‪.‬‬
‫) )‪3‬اللهوف ‪. 40 /‬‬
‫ما استعجم ‪) :‬بالباء واللم المفتوحتين والنون‬ ‫)‪ (4‬في معجم البلدان والمعجم م ّ‬
‫الساكنة والجيم المفتوحة والراء المهملة مدينة الخزر عند باب البواب فتحت سنة‬
‫‪ 33‬على يد سلمان بن ربيعة الباهلي ‪ ،‬ولم أجد فيهما ول في غيرهما مدينة ُاخرى‬
‫ن ابن حجر في الصابة ‪ ، 274 / 3‬القسم الثالث ‪ ،‬ترجمة قيس‬ ‫مى بلنجر إل ّ أ ّ‬ ‫تس ّ‬
‫بن فروة بن زرارة بن الرقم قال ‪ :‬شهد فتوح العراق واستشهد في بلنجر من‬
‫دم ـ قال ‪ :‬وكان أمير الوقعة سلمان بن ربيعة‬ ‫م ذكر ضبطها كما تق ّ‬ ‫أرض العراق ـ ث ّ‬
‫‪.‬‬
‫ص عليه الشيخ المفيد في الرشاد ‪ ،‬والفتال في روضة الواعظين ‪، 153 /‬‬ ‫) )‪5‬ن ّ‬
‫وابن نما في مثير الحزان ‪ ، 23 /‬والخوارزمي في المقتل ‪ 225 / 1‬الفصل‬
‫ما استعجم‬ ‫الحادي عشر ‪ ،‬وابن الثير في الكامل ‪ ، 17 / 4‬والبكري في المعجم م ّ‬
‫‪ ، 376 / 1‬ويؤّيده ما في تاريخ الطبري ‪ ، 77 / 5‬وابن الثير في الكامل ‪50 / 3‬‬
‫من وجود سلمان الفارسي في هذه الغزوة ‪.‬‬
‫ما أنا فأستودعكم الله )‪. (1‬‬ ‫أشد ّ فرحا ً بقتالكم معه بما أصبتم من الغنائم ‪ .‬فأ ّ‬
‫ن تذكرني يوم القيامة عند جد ّ الحسين عليه‬ ‫فقالت زوجته ‪ :‬خار الله لك وأسألك أ ْ‬
‫سلم )‪.2‬‬ ‫ال ّ‬
‫ً‬
‫وفي زرود اخبر بقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة ‪ ،‬فاسترجع كثيرا وترحم‬ ‫ُ‬
‫ج الموضع‬ ‫عليهما مرارًا)‪3‬وبكى ‪ ،‬وبكى معه الهاشمّيون وكثر صراخ الّنساء حّتى ارت ّ‬
‫ل مسيل)‪( .4‬‬ ‫لقتل مسلم بن عقيل وسالت الدموع ك ّ‬
‫فقال له عبد الله بن سليم والمنذر بن المشمعل السدّيان ‪ :‬ننشدك الله يابن‬
‫رسول الله أل ّ انصرفت من مكانك هذا ؛ فإّنه ليس لك بالكوفة ناصر ‪.‬‬
‫فقام آل عقيل وقالوا ‪ :‬ل نبرح حّتى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أخونا ‪ ،‬فنظر إليهم‬
‫الحسين وقال ‪)) :‬ل خير في العيش بعد هؤلء )‪).(5‬‬

‫‪79‬‬
‫فـيا ابن عقيل فدتك النفو س لـعظم رزيتك الفادحة‬
‫ك لـها بـمذاب القلو ب فما قدر ادمعنا المالحة‬ ‫ِلـن َب ْ ِ‬
‫وكـم طفلة لك قد اعولت وجمرتها في الحشا قادحة‬
‫يـعززها السبط في حجره لتغدو في قربه فارحة )‪(6‬‬
‫م مني أبي فـمن لـيتيمته النائحة )‪(7‬‬ ‫تقول ‪ :‬مضى ع ّ‬
‫ج وعن دارها نازحة‬ ‫ثـكول تبيت بليل اللسيع تـع ّ‬
‫ي بأحشائه تـركت زناد السى قادحه‬ ‫وكـم مـن كم ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬تاريخ الطبري ‪ ، 224 / 6‬ومقتل الخوارزمي ‪. 222 / 1‬‬
‫) )‪2‬مثير الحزان لبن نما ‪ ، 23 /‬واللهوف ‪ ، 40 /‬و ورد في تاريخ الطبري ‪/ 6‬‬
‫ن زهيرا ً قال لزوجته ‪ :‬أنت طالق ‪ ،‬ألحقي بأهلك ‪ ،‬فإّني ل‬ ‫لولى ‪ :‬إ ّ‬ ‫‪ 224‬الطبعة ا ُ‬
‫ن يلحقك بسببي إل خيرا هـ ‪ .‬ول أعرف الغاية المقصودة له من هذا‬ ‫بأ ْ‬ ‫ُاح ّ‬
‫الطلق ؟ هل أراد طردها من الميراث ؟ أو أّنه أباح لها التزويج بعد انتهاء ثلثة‬
‫أشهر ؟ أو أّنه ل يرغب في أن تكون زوجة له في الخرة ؟ كما طّلق أمير‬
‫المؤمنين )ع( بعض نساء النبي )ص( وطّلق المام الرضا )ع( ُام فروة ‪ :‬زوجة‬
‫سعادة‬
‫ن هذه الحّرة لها فضل عليه بإرشاده إلى طريق ال ّ‬ ‫الكاظم )ع( ؟ مع إ ّ‬
‫سدي(‪.‬‬‫بالشهادة ‪ ،‬والذي يهون المر أن مصدر الحديث )ال ّ‬
‫) )‪3‬تاريخ الطبري ‪ ، 995 / 6‬وفي البداية لبن كثير ‪ : 168 / 8‬استرجع مرارا ً‬
‫ن الحسين أخذ بنت‬ ‫ص على أ ّ‬‫م أقف على مصدر وثيق ين ّ‬ ‫) )‪4‬اللهوف ‪ : 41 /‬ول ْ‬
‫ست بالشّر ‪ ،‬إلى آخره ‪.‬‬ ‫ماة حميدة ومسح على رأسها فأح ّ‬ ‫مسلم المس ّ‬
‫سَير أعلم النبلء للذهبي ‪. 208 / 2‬‬ ‫) )‪5‬كامل ابن الثير ‪ ، 17 / 4‬و ِ‬
‫ذكرت في كتاب الشهيد مسلم ‪. 210 /‬‬ ‫)‪ (6‬من أبيات للشيخ قاسم المل الحّلي ُ‬
‫دربت ابن عمك يوم الطفو ف نـعاك باسرته الناصحة‬
‫م فـتية صـباح واحسابهم واضحة‬ ‫ف بـه مـنهُ ُ‬
‫تـح ّ‬
‫شبا والوغى وجـوه الـمنايا بها كالحة‬ ‫بكاك بماضي ال ّ‬
‫ً‬
‫أقـام بضرب الطلى مأتما عليك وبيض الظبى نائحة‬
‫ونـادى عشيرتك القربين خذي الثأر يا اسرة الفاتحة‬
‫وخاض بهم في غمار الحتو ف ولـكّنها بالظبى طائحة‬

‫دها مازحة )‪(1‬‬


‫ج ّ‬
‫وقـال لها‪ :‬يا نزار النزال فحربك في ِ‬

‫الثعلبية‬
‫م)‬ ‫ُ‬ ‫عو ك ُ ّ‬
‫مه ِ ْ‬
‫ما ِ‬
‫س ب ِإ ِ َ‬
‫ل أَنا ٍ‬ ‫م ن َد ْ ُ‬
‫وفي الثعلبّية أتاه رجل وسأله عن قوله تعالى ‪) :‬ي َوْ َ‬
‫سلم ‪)) :‬إمام دعا إلى هدى فأجابوا إليه ‪ ،‬وإمام دعا إلى ضللة‬ ‫‪2‬فقال عليه ال ّ‬
‫ريقٌ ِفي‬ ‫فأجابوا إليها ‪ ،‬هؤلء في الجّنة وهؤلء في الّنار ‪ ،‬وهو قوله تعالى ‪) :‬فَ ِ‬
‫سِعيرِ )‪.4) 3‬‬
‫ريقٌ ِفي ال ّ‬ ‫ال ْ َ‬
‫جن ّةِ وَفَ ِ‬
‫وفي هذا المكان اجتمع به رجل من أهل الكوفة فقال له الحسين ‪)) :‬أما والله ‪ ،‬لو‬
‫دي ‪ .‬يا أخا أهل‬ ‫لقيتك بالمدينة لريتك أثر جبرئيل في دارنا ونزوله بالوحي على ج ّ‬
‫ما ل يكون )‪.4‬‬ ‫الكوفة ‪ ،‬من عندنا مستقى العلم ‪ ،‬أفَعَِلموا وجهلنا ؟! هذا م ّ‬
‫وحديث بجير من أهل الثعلبية ‪ ،‬قال مّر الحسين بنا وأنا غلم فقال له أخي ‪ :‬يابن‬
‫سوط إلى حقيبة لرجل وقال ‪:‬‬ ‫بنت رسول الله أراك في قّلة من الّناس ‪ ،‬فأشار بال ّ‬

‫‪80‬‬
‫))هذه مملوءة كتبا ً )‪.5‬‬
‫____________________________‬
‫مد رضا الخزاعي ‪ ،‬راجع كتابنا الشهيد مسلم ‪.‬‬ ‫)‪ (1‬للشيخ مح ّ‬
‫)‪2‬سورة السراء ‪. 71 /‬‬
‫)‪3‬سورة الشورى ‪. 7 /‬‬
‫)‪4‬أمالي الصدوق ‪ : 93 /‬الثعلبية )بفتح أوله سمي باسم رجل اسمه ثعلبة من بني‬
‫أسد نزل الموضع واستنبط عينًا‪ ،‬وهي بعد الشقوق للذاهب من الكوفة إلى مكة‪،‬‬
‫معجم البلدان ‪.‬‬
‫مى فيه ماء يقال له الثعلبية ‪ .‬وفي البلدان‬
‫وفي وفاء الوفاء للسمهودي ‪ :35 / 2‬ح ّ‬
‫لليعقوبي ‪ 311 /‬ملحق بالعلق النفسّية لبن رسته ‪ ،‬بالفست ‪ :‬الثعلبية مدينة‬
‫عليها سور ‪.‬‬
‫ُ‬
‫)‪5‬بصائر الدرجات للصفار ‪ ، 3 /‬واصول الكافي باب مستقى العلم من بيت آل‬
‫مد ‪.‬‬‫مح ّ‬
‫سَير أعلم النبلء للذهبي ‪. 205 / 3‬‬ ‫)‪ِ 6‬‬

‫الشقوق‬
‫ل)‪2‬مقبل ً من الكوفة فسأله عن أهل العراق‬ ‫وفي الشقوق )‪ (1‬رأى الحسين رج ً‬
‫ن المر لله ‪ ،‬يفعل ما يشاء ‪،‬‬
‫سلم ‪)) :‬إ ّ‬ ‫فأخبره أّنهم مجتمعون عليه فقال عليه ال ّ‬
‫م أنشد ‪.‬‬ ‫ورّبنا تبارك هو ك ّ‬
‫ل يوم في شأن (‪ ،‬ث ّ‬

‫ن تـكن الـدنيا ُتـعَد ّ نـفيسة فـدار ثـواب اللـه أعـلى وانبل‬


‫فـإ ْ‬
‫ن تـكن المـوال للترك جمعها فـما بـال متروك به المرء يبخل‬ ‫وإ ْ‬
‫درا ً فقّلة حرص المرء في الكسب أجمل‬ ‫سما ً مـق ّ‬
‫ن تـكن الرزاق َقـ ْ‬ ‫وإ ْ‬
‫ُ‬
‫ن تـكن البـدان للموت أنشئت فقتل امرىء بالسيف في الله أفضل‬ ‫وإ ْ‬
‫م سوف أرحل))‪3‬‬ ‫ُ‬
‫عـليكم سـلم الله يـا آل أحـمد فاّني أراني عنك ُ‬

‫ُزبالة‬
‫وفي زبالة اخبر بقتل عبد الله بن يقطر الذي أرسله الحسين من الطريق إلى‬ ‫ُ‬
‫مسلم بن عقيل ‪ ،‬فقبض عليه الحصين بن نمير في القادسّية وسّرحه إلى عبيد‬
‫ما أشرف على‬ ‫ذاب ‪ ،‬ول ّ‬ ‫ذاب ابن الك ّ‬
‫ن يصعد المنبر ويلعن الك ّ‬
‫الله بن زياد ‪ ،‬فأمره أ ْ‬
‫الّناس قال ‪ :‬أّيها الّناس أنا رسول الحسين بن فاطمة ؛ لتنصروه وتؤازروه على‬
‫سرت عظامه وبقي به‬ ‫ابن مرجانة ‪ ،‬فأمر به عبيد الله فُالقي من فوق القصر ‪ ،‬فتك ّ‬
‫ما عيب عليه‬ ‫مق ‪ ،‬فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه ‪ ،‬فل ّ‬ ‫َر َ‬
‫ن ُاريحه ‪ ،‬وقيل الذي ذبحه رجل طوال يشبه عبد الملك بن عمير‬ ‫قال ‪ :‬إّنما أردت أ ْ‬
‫‪..‬‬
‫ن لهم بالنصراف ‪ ،‬فتفّرقوا عنه يمينا ً وشمال ً ‪ ،‬وبقي في‬ ‫فأعلم بذلك الّناس وأذِ َ‬
‫ّ‬
‫أصحابه الذين جاؤا معه من مكة وإّنما تبعه خلق كثير من العراب ؛ لظّنهم أّنه‬
‫علم ٍ بما يقدمون‬‫سلم أن يسيروا معه إل ّ على ِ‬ ‫يأتي بلدا ً أطاعه أهله ‪ ،‬فكره عليه ال ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬ابن شهر آشوب ‪ : 213 / 2‬الشقوق )بالضم ‪ :‬منزل بعد زبالة للذاهب من‬
‫الكوفة إلى مكة ‪ ،‬هو لبني أسد فيه قبر العبادي )معجم البلدان ‪.‬‬
‫ماه الخوارزمي في المقتل ‪ : 233 / 1‬الفرزدق ‪ .‬وهو اشتباه ‪.‬‬ ‫)‪2‬س ّ‬

‫‪81‬‬
‫)‪3‬لم يذكر الخوارزمي في المقتل ‪ 223 / 1‬البيت الخامس ‪ ،‬وجعلها من إنشائه‬
‫سلم ‪.‬‬ ‫عليه ال ّ‬
‫من يريد مواساته على‬‫ن لهم بالنصراف َلم يصحبه إل ّ َ‬
‫عليه ‪ ،‬وقد عَِلم أّنه إذا أذِ َ‬
‫الموت )‪. (1‬‬

‫بطن العقبة‬
‫وسار من زبالة حّتى نزل بطن العقبة وفيها قال لصحابه ‪)) :‬ما أراني إل ّ مقتول ‪ً،‬‬
‫ي كلب أبقع )‪.2‬‬ ‫فإّني رأيت في المنام كلبا ً تنهشني ‪ ،‬وأش ّ‬
‫دها عل ّ‬
‫وأشار عليه عمرو بن لوذان من بني عكرمة بالرجوع إلى المدينة ؛ ِلما عليه أهل‬
‫ي‬
‫سلم ‪)) :‬ليس يخفى عل ّ‬ ‫الكوفة من الغدر والخيانة ‪ ،‬فقال أبو عبد الله عليه ال ّ‬
‫ن الله ل يغلب على أمره )‪.3‬‬ ‫الرأي ‪ ،‬وإ ّ‬
‫جوفي ‪،‬‬ ‫َ‬
‫سلم ‪)) :‬إّنهم لن يدعوني حّتى يستخرجوا هذه العلقة من َ‬ ‫ثم قال عليه ال ّ‬
‫لمم )‪.4‬‬ ‫ل فَِرق ا ُ‬ ‫ّ‬
‫من يذلهم حّتى يكونوا أذ ّ‬ ‫ّ‬
‫فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم َ‬

‫شراف‬
‫ن يستقوا من‬ ‫سحر أمر فتيانه أ ْ‬ ‫وسار من بطن العقبة حّتى نزل شراف)‪ ،5‬وعند ال ّ‬
‫الماء ويكثروا ‪ ،‬وفي نصف الّنهار سمع رجل ً من أصحابه يكّبر فقال الحسين ‪)) :‬ل ِ َ‬
‫م‬
‫ن يكون بهذا الموضع نخل ‪ ،‬وإّنما‬ ‫من معه أ ْ‬ ‫كّبرت ؟ (قال ‪ :‬رأيت الّنخل فأنكر َ‬
‫____________________________‬
‫م الزاي المعجمة وتقع قبل الشقوق للذاهب‬ ‫)‪ (1‬الطبري ‪) : 226 / 6‬وهي بض ّ‬
‫مي الموضع باسم زبالة بنت‬ ‫من الكوفة إلى مكة فيها حصن وجامع لبني أسد ‪ ،‬س ّ‬
‫مسعر امرأة من العمالقة ‪ ،‬ويوم زبالة من أيام العرب ‪ ،‬ونسب إلى المكان جماعة‬
‫دثين )معجم البلدان ‪.‬‬ ‫من المح ّ‬
‫)‪2‬كامل الزيارات ‪. 75 /‬‬
‫)‪3‬تاريخ الطبري ‪. 226 / 6‬‬
‫لولى ‪،‬‬ ‫دث القمي ‪ 98 /‬وما بعدها الطبعة ا ُ‬ ‫)‪4‬إرشاد المفيد ‪ ،‬ونفس المهموم للمح ّ‬
‫ايران ‪.‬‬
‫مي باسم رجل يقال‬ ‫)‪5‬في معجم البلدان ‪) :‬بفتح أوله وآخره فاء وثانيه مخفف س ّ‬
‫ذب ‪ ،‬ومن شراف إلى‬ ‫م حدثت آبار كبار كثيرة ماؤها عَ ِ‬ ‫له شراف ‪ ،‬استخرج عينا ً ‪ ،‬ث ّ‬
‫ما كان سعد بن أبي وقاص بشراف ‪،‬‬ ‫واقصة ميلن ‪ ،‬وفي تأريخ الطبري ‪ : 87 / 4‬ل ّ‬
‫قدم عليه الشعث بن قيس بألف وسبعمئة من أهل اليمن ‪ ،‬فترك الجموع بشراف‬
‫ونهض إلى العراق ‪.‬‬
‫م سألهم عن‬ ‫هو أسّنة الرماح وآذان الخيل ‪ ،‬فقال الحسين ‪)) :‬وأنا أراه ذلك (‪ ،‬ث ّ‬
‫سم ( )‪ (1‬عن يسارك فهو كما تريد ‪ ،‬فسبق‬ ‫ملجأ يلجأون إليه ‪ ،‬فقالوا ‪ :‬هذا )ذو ح َ‬
‫إليه الحسين وضرب أبنيته ‪.‬‬
‫وطلع عليهم الحّر الرياحي)‪2‬مع ألف فارس بعثه ابن زياد ؛ ليحبس الحسين عن‬
‫الرجوع إلى المدينة أينما يجده أو يقدم به الكوفة ‪ ،‬فوقف الحّر وأصحابه مقابل‬
‫حر الظهيرة)‪.3‬‬ ‫الحسين في َ‬
‫ن يسقوهم ويرشفوا‬ ‫ما رأى سّيد الشهداء ما بالقوم من العطش أمر أصحابه أ ْ‬ ‫فل ّ‬
‫م أخذوا يملون القصاع والطساس‬ ‫الخيل ‪ ،‬فسقوهم وخيولهم عن آخرهم ‪ ،‬ث ّ‬
‫ب فيها ثلثا ً أو أربعا أو خمسا عزلت ‪ ،‬وسقي آخر حّتى‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ويدنونها من الفرس فإذا ع ّ‬
‫سقوا الخيل كّلها)‪.4‬‬

‫‪82‬‬
‫وكان علي بن الطّعان المحاربي مع الحّر فجاء آخرهم وقد أضّر به العطش فقال‬
‫م يفهم مراده فقال له ‪:‬‬ ‫الحسين ‪)) :‬أنخ الراوية (ـ وهي الجمل بلغة الحجاز ـ فل ْ‬
‫سقاء ‪ ،‬فقال له ريحانة‬ ‫ن يشرب جعل الماء يسيل من ال ّ‬ ‫ما أراد أ ْ‬
‫))أنخ الجمل (ول ّ‬
‫دة العطش ‪ ،‬فقام )ع( بنفسه‬ ‫سقاء (‪ ،‬فلم يدرِ ما يصنع لش ّ‬ ‫الرسول ‪)) :‬أخنث ال ّ‬
‫سقاء حّتى ارتوى وسقى فرسه ‪.‬‬ ‫وعطف ال ّ‬
‫وهذا لطف وحنان من أبي الضيم على هؤلء الجمع في تلك البيداء المقفرة التي‬
‫ن غدا ً دونه‬‫تعّز فيها الجرعة الواحدة وهو عالم بحراجة الموقف ونفاد الماء ‪ ،‬وإ ّ‬
‫ن يحوز‬‫م يتركا صاحبهما إل ّ أ ْ‬ ‫ن العنصر النبوي والكرم العلويّ ل َ ْ‬ ‫تسيل الّنفوس ‪ ،‬ولك ّ‬
‫الفضل ‪.‬‬
‫ح النبي الهادي‬ ‫ة ال ّ‬
‫كرار يا رو َ‬ ‫ة الزهراء بل يا مهج َ‬ ‫أحشاش َ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬حسم )بضم الحاء المهملة وفتح السين بعدها ميم ‪ :‬جبل كان النعمان بن‬
‫المنذر يصطاد به ‪ ،‬وفيه للنابغة أبيات ‪.‬‬
‫)‪2‬في جمهرة أنساب العرب لبن حزم ‪ : 215 /‬الحر بن يزيد بن ناجية بن قعنب‬
‫ن الملوك‬ ‫بن عتاب الردف بن هرمي بن رياح يربوع ‪ ،‬وقيل لعتاب الردف ؛ ل ّ‬
‫تردفه ‪ ،‬وفي صفحة ‪ 213‬قال ‪ ،‬يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ‪.‬‬
‫)‪3‬مقتل الخوارزمي ‪ 230 / 1‬الفصل الحادي عشر ‪.‬‬
‫)‪4‬تاريخ الطبري ‪ ، 226 / 6‬والطساس ‪ :‬جمع طس ‪ ،‬طبقات النحويين للنبيذي ‪/‬‬
‫ما طست فجمعه طسات ‪.‬‬ ‫‪ ، 50‬قال ‪ :‬وأ ّ‬
‫عـجبا ً لهذا الخلق هل أقبلوا كـل إلـيك بروحه لك فادي‬
‫س الذر بالطواد‬ ‫لـكّنهم مـا وازنـوك نفاسة أّنـى ُيـقا ُ‬
‫و بالمرصاد‬ ‫عـجبا ً لـحلم الله جل جلله هتكوا حجابك وَهْ َ‬
‫عجبا ً لل الله صاروا مغنما ً لـبني يزيد هدية وزياد )‪(1‬‬

‫ن الحسين استقبلهم فحمد الله وأثنى عليه وقال ‪)) :‬إّنها معذرةً إلى الله عّز‬ ‫مإ ّ‬ ‫ث ّ‬
‫دم‬‫ن اق ْ ِ‬‫سلكم أ ْ‬‫ي ُر ُ‬‫مت بها عل ّ‬ ‫َ‬
‫ل وإليكم ‪ ،‬وإّني لم آتكم حّتى أتتني كتبكم وقَدِ َ‬ ‫وج ّ‬
‫ن كنتم على ذلك‬ ‫معنا بك على الهدى ‪ ،‬فإ ْ‬ ‫ن يج َ‬
‫ل الله أ ْ‬ ‫علينا فإّنه ليس لنا إمام ولع ّ‬
‫مقدمي‬ ‫ن كنتم ل َ‬ ‫ن به من عهودكم ومواثيقكم ‪ ،‬وإ ْ‬ ‫فقد جئتكم ‪ ،‬فاعطوني ما أطمئ ّ‬
‫ت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم (‪ .‬فسكتوا جميعا ً ‪.‬‬ ‫كارهين ‪ ،‬انصرف ُ‬
‫جاج بن مسروق الجعفي لصلة الظهر ‪ ،‬فقال الحسين للحّر ‪)) :‬أتصّلي‬ ‫ح ّ‬
‫ن ال َ‬ ‫وأذ ّ َ‬
‫بأصحابك ؟ (‪ ،‬قال ‪ :‬ل ‪ ،‬بل نصّلي جميعا ً بصلتك ‪ ،‬فصّلى بهم الحسين ‪.‬‬
‫ن فرغ من الصلة أقبل عليهم فحمد الله وأثنى عليه وصّلى على الّنبي‬ ‫وبعد أ ْ‬
‫ن تّتقوا الله وتعرفوا الحقّ لهله يكن أرضى لله ‪،‬‬ ‫مد وقال ‪)) :‬أّيها الّناس إّنكم إ ْ‬ ‫مح ّ‬
‫دعين ما ليس لهم‬ ‫مد )ص( أولى بولية هذا المر من هؤلء الم ّ‬ ‫ونحن أهل بيت مح ّ‬
‫قنا وكان رأيكم‬ ‫ّ‬
‫ن أَبيتم إل الكراهّية لنا والجهل بح ّ‬ ‫والسائرين بالجور والعدوان ‪ ،‬وإ ْ‬
‫ت عنكم (‪.‬‬ ‫الن على غير ما أتتني به كتبكم ‪ ،‬انصرف ُ‬
‫فقال الحّر ‪ :‬ما أدري ما هذه الكتب التي تذكرها ‪ ،‬فأمر الحسين عقبة بن سمعان‬
‫جين مملوأين كتبا ً ‪.‬‬ ‫فأخرج خر َ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬من قصيدة طويلة للعلمة الشيخ أحمد النحوي ذكرت في شعراء الحّلة ‪/ 1‬‬
‫مد الكشميري‬ ‫‪ ، 70‬وللسيد الحجة ثقة السلم السيد مح ّ‬
‫)‪: (2‬‬

‫‪83‬‬
‫اااا ااااا‬‫ااااا اااااا ااا اا ا‬ ‫ااااا ا‬
‫ااااا اااا اا اااا ااااا‬
‫ااااا ااا ااااا اااااا اا اا ااااا اا ااااااا اا اااا اااا‬
‫ن ل ُافارقك إذا لقيتك حّتى أقدمك‬ ‫ت من هؤلء ‪ ،‬وإّني ُامرت أ ْ‬ ‫قال الحّر ‪ :‬إّني لس ُ‬
‫الكوفة على ابن زياد‪.‬‬
‫فقال الحسين ‪)) :‬الموت أدنى إليك من ذلك (‪ ،‬وأمر أصحابه بالركوب ‪ ،‬و ركبت‬
‫الّنساء ‪ ،‬فحال بينهم وبين النصراف إلى المدينة فقال الحسين للحّر ‪)) :‬ثكلتك‬
‫مك ما تريد منا ؟ (‪.‬‬ ‫اُ ّ‬
‫ت‬‫قال الحّر ‪ :‬أما لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل هذا الحال ‪ ،‬ما ترك ُ‬
‫مك من سبيل إل ّ بأحسن ما‬ ‫مه بالثكل كائنا ً من كان ‪ ،‬والله ما لي إلى ذكر ا ُ ّ‬ ‫ذكر ا ُ ّ‬
‫دك إلى المدينة حّتى‬ ‫نقدر عليه ‪ .‬ولكن خذ طريقا ً نصفا ً بيننا ل يدخلك الكوفة ول ير ّ‬
‫ن يرزقني العافية ‪ ،‬ول يبتليني بشيء من أمرك ‪.‬‬ ‫أكتب إلى ابن زياد ؛ فلع ّ‬
‫ل الله أ ْ‬
‫م قال للحسين ‪ :‬إّني ُاذكرك الله في نفسك ‪ ،‬فإّني أشهد لئن قاتلت لتقتل ّ‬
‫ن‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ث ّ‬
‫ن تقتلوني ‪،‬‬‫فقال الحسين ‪)) :‬أفبالموت تخوفني ؟! وهل يعدو بكم الخطب أ ْ‬
‫مه وهو يريد نصرة رسول الله صّلى الله عليه‬ ‫وسأقول ما قال أخو الوس لبن ع ّ‬
‫وآله‬
‫)‪:2‬‬

‫سأمضي وما بالموت عار على الفتى إذا مـا نـوى حـقا ً وجـاهد مسلما‬
‫وواسـى الـرجال الصالحين بنفسه وفـارق مـثبورا ً وخـالف مجرما‬
‫ُ‬
‫ت لم أل َ ْ‬
‫م كـفى بـك ذ ّل ً ان تـعيش وت ُْرغما‬ ‫فـان عشت لم اندم وان م ّ‬

‫ما سمع الحّر هذا منه ‪ ،‬تنحى عنه ‪.‬‬


‫فل ّ‬

‫من معه في ناحية))‪.3‬‬


‫فكان الحسين يسير بأصحابه في ناحية والحّر و َ‬

‫البيضة‬
‫ب الحر فقال بعد الحمد لله والثناء عليه ‪)) :‬أّيها‬ ‫وفي البيضة)‪ (3‬خطب أصحا َ‬
‫____________________________‬
‫دم استشهاده )ع( وتكّرر منه الستشهاد بها ‪.‬‬ ‫)‪ (1‬تق ّ‬
‫)‪2‬ارشاد المفيد ‪ ،‬وزاد ابن شهر آشوب في المناقب ‪ 193 / 2‬بعد البيت الثاني ‪:‬‬
‫اااا اااا اا اااا اااااا ااااا اااااااا اااااا اااااا‬
‫سلم بالبيت الول والثاني وما جرى بين الحر والحسين في‬ ‫دم تمثله عليه ال ّ‬ ‫تق ّ‬
‫الطريق )مقتل الخوارزمي ‪ 230 / 1‬وما بعدها ‪.‬‬
‫)‪3‬البيضة ما بين واقصة إلى عذيب الهجانات وهي أرض واسعة لبني يربوع بن‬
‫حنظلة ‪.‬‬
‫من رأى سلطانا ً جائرا ً ‪ ،‬مستحل ً لحرام الله ‪ ،‬ناكثا ً‬ ‫ن رسول الله قال ‪َ :‬‬ ‫الّناس إ ّ‬
‫عهده ‪ ،‬مخالفا لسّنة رسول الله ‪ ،‬يعمل في عباد الله بالثم والعدوان ‪ ،‬فلم يغّير‬ ‫ً‬
‫ن هؤلء قد لزموا‬ ‫ن يدخله مدخله ‪ ،‬أل وإ ّ‬ ‫قا ً على الله أ ْ‬
‫عليه بفعل ول َقول ‪ ،‬كان ح ّ‬
‫طلوا الحدود واستأثروا‬ ‫الشيطان وتركوا طاعة الرحمن ‪ ،‬وأظهروا الفساد ‪ ،‬وع ّ‬
‫من غير ‪ ،‬وقد أتتني كتبكم‬ ‫فيء ‪ ،‬وأحّلوا حرام الله وحّرموا حلله ‪ ،‬وأنا أحقّ م ّ‬ ‫بال َ‬
‫ي‬
‫ن أتممتم عل ّ‬ ‫ّ‬
‫سلكم ببيعتكم أّنكم ل تسلموني ول تخذلوني فإ ْ‬ ‫ي ُر ُ‬‫ت عل ّ‬ ‫وقدم ْ‬

‫‪84‬‬
‫بيعتكم تصيبوا رشدكم ‪ ،‬فأنا الحسين بن علي ‪ ،‬وابن فاطمة بنت رسول الله‪،‬‬
‫ن لَ ْ‬
‫م تفعلوا وَنقضتم‬ ‫ي ُاسوة ‪ ،‬وإ ْ‬
‫نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهليكم ولكم ف ّ‬
‫عهدكم وخلعتم بيعتي من أعناقكم فل ََعمري ما هي لكم بنكر ‪ ،‬لقد فعلتموها بأبي‬
‫ظكم أخطأتم ونصيبكم ضّيعتم‬ ‫مي مسلم‪ ،‬فالمغرور من اغتّر بكم فح ّ‬ ‫وأخي وابن ع ّ‬
‫سلم عليكم ورحمة‬ ‫من نكث فإّنما ينكث على نفسه ‪ ،‬وسيغني الله عنكم‪ ،‬وال ّ‬ ‫و َ‬
‫الله وبركاته ( )‪. (1‬‬

‫هيمة‬
‫الُر َ‬
‫وفي الرهيمة)‪2‬لقيه رجل من أهالي الكوفة يقال له أبو هرم فقال ‪ :‬يابن رسول‬
‫ن بني ُامّية شتموا‬
‫الله ما الذي أخرجك عن حرم جدك ؟ فقال ‪ :‬يا أبا هرم إ ّ‬
‫م الله ليقتلوني‬
‫عرضي فصبرت ‪ ،‬وأخذوا مالي فصبرت ‪ ،‬وطلبوا دمي فهربت ‪ ،‬وأي َ‬
‫فيلبسهم الله ذل ً شامل ً وسيفا ً قاطعا ً ويسّلط عليهم من يذّلهم)‪3‬حّتى يكونوا أذلّ‬
‫من قوم سبأ ‪ ،‬إذ ملكتهم امرأة فحكمت في أموآله م ودمائهم )‪.4‬‬

‫القادسّية‬
‫وفي القادسّية) )‪5‬قبض الحصين بن نمير التميمي على قيس بن مسّهر‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬الطبري ‪ ، 229 / 6‬وكامل ابن الثير ‪. 21 / 4‬‬
‫)‪2‬في معجم البلدان ‪ :‬الرهيمة )بالتصغير ‪ :‬عين تبعد عن خفية ثلثة أميال ‪ ،‬وتبعد‬
‫خفية عن الرحبة مغربا ً بضعة عشر ميل ً ‪ .‬وفي وفاء الوفاء لمسهودي ‪: 236 / 2‬‬
‫من حمي فيدماء يقال له الرحيمة بالحاء المهملة ‪.‬‬
‫)‪3‬أمالي الصدوق ‪ 93 /‬المجلس الثلثون ‪.‬‬
‫)‪4‬في مقتل الخوارزمي ‪ ، 226 / 1‬ومثير الحزان لبن نما ‪ ،‬وفيه رواية الحديث‬
‫بتمامه ‪.‬‬
‫)‪5‬في معجم البلدان ‪ : 451 / 3‬خفان ‪ :‬موضع قرب الكوفة فيه عين عليها قرية‬
‫لولد عيسى بن موسى الهاشمي ‪ .‬وفيه ‪ : 125 / 7‬القطقطانة تبعد عن الرهيمة‬
‫إلى الكوفة نيفا وعشرين ميل ‪.‬‬
‫الصيداوي رسول الحسين إلى أهل الكوفة ‪ ،‬وكان ابن زياد أمره أن ينظم الخيل ما‬
‫ن يفّتشه أخرج‬ ‫ما أراد أ ْ‬
‫بين القادسّية إلى خفان ومنها إلى القطقطانة )‪ ، (1‬ول ّ‬
‫قيس الكتاب وخّرقه وجيء به إلى ابن زياد ‪ ،‬فقال له ‪ :‬لماذا خّرقت الكتاب ؟ قال‬
‫ن ُيخبره بما فيه ‪ ،‬فأبى قيس ‪ ،‬فقال ‪ :‬إذا ً‬ ‫طلع عليه ‪ ،‬فأصّر ابن زياد على أ ْ‬‫‪ :‬لئل ّ ت ّ‬
‫طعتك إربا ً ‪ ،‬فصعد قيس المنبر‬ ‫ب الحسين وأباه وأخاه وإل ّ ق ّ‬ ‫اصعد المنبر وس ّ‬
‫حم على أمير‬ ‫ّ‬
‫فحمد الله وأثنى عليه وصلى على الّنبي وآله وأكثر من التر ّ‬
‫ُ‬
‫المؤمنين والحسن والحسين ‪ ،‬ولعن عبيد َ الله بن زياد وأباه وبني امّية ‪ ،‬ثم قال ‪:‬‬
‫أّيها الّناس أنا رسول الحسين إليكم ‪ ،‬وقد خّلفته في موضع كذا ‪ ،‬فأجيبوه ‪ .‬فأمر‬
‫سرت عظامه ومات)‪ ،2‬ويقال كان‬ ‫ن ُيرمى من أعلى القصر ‪ ،‬فرمي وتك ّ‬ ‫ابن زياد أ ْ‬
‫ُ‬
‫مير اللخمي ‪ ،‬فعيب عليه قال ‪ :‬أردت أن اريحه)‪.3‬‬ ‫به رمق فذبحه عبد الملك بن ع َ‬
‫العذيب‬
‫وفي عذيب الهجانات)‪4‬وافاه أربعة نفر خارجين من الكوفة على رواحلهم ويجنبون‬
‫فرسا ً لنافع بن هلل يقال له )الكامل وهم ؛ عمرو بن خالد الصيداوي ‪ ،‬وسعد‬
‫ماح بن عدي‬ ‫موله ‪ ،‬ومجمع بن عبد الله المذحجي ‪ ،‬ونافع بن هلل ‪ ،‬ودليلهم الطر ّ‬
‫الطائي يقول ‪:‬‬

‫‪85‬‬
‫مري قـبل طلوع الفجر‬ ‫يا ناقتي ل تذعري من زجري وشـ ّ‬
‫بـخير ركـبان وخـير سفر حّتى تـحلى بـكريم النجر‬
‫الـماجد الحر رحيب الصدر أتـى بـه الله لـخير أمـر‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬الرشاد ‪ ،‬و روضة الواعظين ‪ ،‬والبداية لبن كثير ‪ ، 118 / 8‬وإعلم الورى ‪/‬‬
‫لولى ‪ ،‬ايران ‪.‬‬ ‫‪ 136‬الطبع ا ُ‬
‫وفي ميزان العتدال للذهبي ‪ : 151 / 1‬ولي عبد الملك بن عمير اللخمي قضاء‬
‫الكوفة بعد الشعبي ‪ ،‬وساء حفظه وكان يغلط ‪ ،‬وفي تهذيب السماء للنووي ‪/ 1‬‬
‫‪ : 309‬توفي سنة ‪ 136‬وعمره مئة وثلث سنين ‪.‬‬
‫)‪2‬الرشاد للشيخ المفيد وروضة الواعظين للفتال ‪.‬‬
‫)‪3‬العذيب ‪ :‬واد لبني تميم ‪ ،‬وهو حد السواد ‪ ،‬وفيه مسلحة للفرس بينه وبين‬
‫ن خيل النعمان ملك الحيرة‬ ‫القادسية ست أميال ‪ ،‬وقيل له عذيب الهجانات ؛ ل ّ‬
‫ترعى فيه ‪.‬‬
‫من‬ ‫)‪4‬في مقتل الخوارزمي ‪ : 23 / 1‬قال الحسين )ع( لصحابه ‪)) :‬هل فيكم َ‬
‫ماح بن عدي الطائي ‪ :‬أنا يابن‬ ‫يعرف الطريق على غير الجادة ؟ (فقال الطر ّ‬
‫سر أمامنا (‪ ،‬فسار أمام الظعن يرتجز بالبيات ‪.‬‬ ‫رسول الله ‪ ،‬فقال له ‪ِ )) :‬‬
‫ن الحر سار أمام الحسين يرتجز بها ‪ ،‬وفي كامل‬ ‫وعند ابن نما صفحة ‪ : 24‬إ ّ‬
‫الزيارات لبن قولويه ‪ : 95 /‬عن الرضا )ع( ‪)) :‬بينا الحسين يسير في جوف الليل‬
‫سمع رجل ً يرتجز بها (‪ ،‬وفي نفس المهموم ‪ : 153 /‬عن بعض المقاتل أ ّ‬
‫ن‬
‫ما وقع نظره على الحسين أنشأها ‪.‬‬ ‫ماح ل ّ‬‫الطر ّ‬
‫سلم ‪)) :‬أما‬ ‫سلم أنشدوه البيات ‪ ،‬فقال عليه ال ّ‬ ‫ما انتهوا إلى الحسين عليه ال ّ‬ ‫فل ّ‬
‫ْ‬
‫ن يكون خيرا ما أراد الله بنا قُت ِلنا أم ظفرنا (‪.‬‬ ‫ً‬ ‫والله ‪ ،‬إّني لرجوا أ ْ‬
‫ن الشراف عظمت رشوتهم وقلوب‬ ‫وسألهم الحسين عن رأي الّناس ‪ ،‬فأخبروه بأ ّ‬
‫م أخبروه عن قتل قيس بن مسّهر‬ ‫سيوف عليك ‪ ،‬ث ّ‬ ‫سائر الّناس معك وال ّ‬
‫ُ‬
‫ما ب َد ّلوا‬
‫ن ي َن ْت َظ ُِر وَ َ‬
‫م ْ‬‫م َ‬ ‫من ْهُ ْ‬‫ه وَ ِ‬
‫حب َ ُ‬‫ضى ن َ ْ‬ ‫ن قَ َ‬‫م ْ‬
‫م َ‬ ‫سلم ‪)):‬فَ ِ‬
‫من ْهُ ْ‬ ‫الصيداوي ‪ ،‬فقال عليه ال ّ‬
‫ديل ً )‪ .( (1‬اللهم اجعل لنا ولهم الجّنة ‪ ،‬واجمع بيننا وبينهم في مستقّر من‬ ‫ت َب ْ ِ‬
‫رحمتك ورغائب مذخور ثوابك (‪.‬‬
‫ت الّناس قبل خروجي من الكوفة مجتمعين في ظهر‬ ‫ماح ‪ :‬رأي ُ‬ ‫وقال له الطر ّ‬
‫ت عنهم ‪ ،‬قيل ‪ :‬إّنهم يعرضون ثم يسّرحون إلى الحسين ‪ ،‬فانشدك‬ ‫الكوفة فسأل ُ‬
‫ن ل تقدم عليهم ‪ ،‬فإّني ل أرى معك أحدا ً ‪ ،‬وَلو َلم يقاتلك إل ّ هؤلء الذين‬ ‫الله أ ْ‬
‫سر معنا لتنزل جبلنا الذي ُيدعى )أجا فقد امتنعنا به‬ ‫أراهم ملزميك لكفى ‪ ،‬ولكن ِ‬
‫سان وحمير ‪ ،‬ومن النعمان بن المنذر ومن السود والحمر ‪ ،‬فوالله ل‬ ‫من ملوك غ ّ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫يأتي عليك عشرة أيام حّتى تأتيك طيء رجال وركبانا وأنا زعيم لك بعشرين ألف‬
‫ن يستبين لك ما أنت صانع ‪.‬‬ ‫طائي يضربون بين يديك بأسيافهم إلى أ ْ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ن بيننا وبين القوم عهدا وميثاقا ولسنا نقدر‬ ‫فجزاه الحسين وقومه خيرا ً وقال ‪)) :‬إ ّ‬
‫لمور في عاقبة (‪.‬‬ ‫على النصراف حّتى تتصّرف بنا وبهم ا ُ‬
‫جل المجيء لنصرته ‪.‬‬ ‫ماح وحده بأن يوصل الميرة إلى أهله ‪ ،‬ويع ّ‬ ‫فاستأذنه الطر ّ‬
‫حبه الباقون ‪.‬‬ ‫فأِذن له وص ِ‬
‫ما بلغ عذيب الهجانات ‪ ،‬بلغه‬ ‫ماح الميرة إلى أهله ورجع مسرعا ً ‪ ،‬فل ّ‬ ‫فأوصل الطر ّ‬
‫سلم فرجع إلى أهله )‪. (1‬‬ ‫خبر قتل الحسين عليه ال ّ‬
‫____________________________‬

‫‪86‬‬
‫)‪ (1‬سورة الحزاب ‪. 23 /‬‬
‫)‪ (1‬تاريخ الطبري ‪. 230 / 6‬‬
‫قصر بني مقاتل‬
‫وسار من عذيب الهجانات حّتى نزل قصر بني مقاتل )‪ ، (1‬فرأى فسطاطا ً مضروبا ً‬
‫ورمحا ً مركوزا ً وفرسا ً واقفا ً ‪ ،‬فسأل عنه ‪ ،‬فقيل ‪ :‬هو لعبيد الله بن الحّر الجعفي)‬
‫ما وراءه قال ‪ :‬هدّية‬ ‫جاج بن مسروق الجعفي ‪ ،‬فسأله ابن الحّر ع ّ‬ ‫ح ّ‬
‫‪ .2‬فبعث إليه ال َ‬
‫ديه‬
‫ت بين ي َ‬‫ن قاتل َ‬‫ن قِبلتها ‪ ،‬هذا الحسين يدعوك إلى نصرته فإ ْ‬ ‫إليك وكرامة إ ْ‬
‫ت من الكوفة ؛ إل ّ‬ ‫ن ُقتلت استشهدت فقال ابن الحّر ‪ :‬والله ‪ ،‬ما خرج ُ‬ ‫اُ ِ‬
‫جرت ‪ ،‬وإ ْ‬
‫ت أّنه مقتول ول أقدر على‬ ‫لكثرة ما رأيته خارجا ً لمحاربته وخذلن شيعته ‪ ،‬فعلم ُ‬
‫____________________________‬
‫سان بن ثعلبة ‪ ،‬وساق نسبه الحموي في‬ ‫)‪ (1‬ينسب القصر إلى مقاتل بن ح ّ‬
‫المعجم إلى امرىء القيس بن زيد بن مناة بن تميم ‪ ،‬يقع بين عين التمر‬
‫دده ‪.‬‬‫والقطقطانة والقريات ‪ .‬خربه عيسى بن علي بن عبد الله بن العّباس ثم ج ّ‬
‫)‪2‬في تاريخ الطبري ج ‪ 7‬ص ‪ 168‬وجمهرة أنساب العرب لبن حزم ص ‪ 385‬كان‬
‫عثماني العقيدة ولجله خرج إلى معاوية وحارب عليا ً يوم صفين وفي ص ‪ 169‬من‬
‫تاريخ الطبري ج ‪ 7‬طبعة أولى ذكر أحاديث في تمرده على الشريعة بنهبه الموال‬
‫وقطعه الطرق وذكر ابن الثير ج ‪ 4‬ص ‪ 112‬انه لما أبطأ على زوجته في إقامته‬
‫بالشام زوجها اخوها من عكرمة بن الخبيص ولما بلغه الخبر جاء وخاصم عكرمة‬
‫الى علي بن أبي طالب فقال له ظاهرت علينا عدونا قال ابن الحر ‪ :‬ايمنعني‬
‫عدلك من ذلك فقال )ع( ليه السلم‪ :‬ل ثم أخذ أمير المؤمنين المرأة وكانت حبلى‬
‫فوضعها عند ثقة حتى وضعت فألحق الولد بعكرمة ودفع المرأة الى عبيد الله فعاد‬
‫الى الشام الى ان قتل علي )ع( ليه السلم‪ ،‬والى هذه القصة أشار محمد بن‬
‫الحسن في المبسوط ج ‪ 10‬ص ‪ 136‬باب الخوارج ولم يذكر اسم عبيد الله بن‬
‫الحر وفي أيام عبد الملك سنة ‪ 68‬قتل عبيد الله بالقرب من النبار وفي أنساب‬
‫الشراف ج ‪ 5‬ص ‪ 297‬قاتله عبيد الله بن العباس السلمي من قبل القباع ولما‬
‫اثخن بالجراح ركب سفينة ليعبر الفرات وأراد أصحاب عبيد الله أن يقبضوا‬
‫السفينة فاتلف نفسه في الماء خوفا ً منهم وجراحاته تشخب دما ً وفي رسالة‬
‫المغتالين لبن حبيب ص ‪ 268‬من المجموعة السابعة من نوادر المخطوطات‬
‫تحقيق هارون عبد السلم ان عبد الملك أرسل عبيد الله بن الحر الجعفي لمحاربة‬
‫مصعب في جيش كثيف ثم تخلف عنه الجيش حتى قتل من معه وعرض له عبيد‬
‫الله بن العباس السلمي فقاتله ففر منه ابن الحر وركب معبرة الفرات فصاح عبيد‬
‫الله السلمي بالملح لئن عبرت به لقتلنك فكربه راجعا ً فعانقه ابن الحر فغرقا‬
‫جميعا ً فاستخرجوا ابن الحر ونصبوه غرضا ً ورموه وهم يقولون امغازل تجدها حتى‬
‫قتلوه ويذكر ابن حبيب في )المحبرص ‪ 492‬أن مصعب بن الزبير نصب رأس عبيد‬
‫الله بن الحر الجعفي بالكوفة وفي جمهرة أنساب العرب لبن حزم ص ‪ 583‬أن‬
‫أولد عبيد الله بن الحر وهم ‪ :‬صدقة وبرة والشعر شهدوا واقعة الجماجم مع ابن‬
‫الشعث ‪ .‬وفي الخبار الطوال ص ‪ 289‬لما تجرد المختار للخذ بثأر الحسين كان‬
‫عبيد الله بن الحر الجعفي في الجبل يغير على اموال الناس فأرسل اليه المختار‬
‫للمشاركة معه في الطلب بدم الحسين فلم يجبه فهدم المختار داره ونهب جميع‬
‫ما فيها واخذ امرأته فسجنها بالكوفة اهـ ولو كان صحيح الندم على تأخره عن‬
‫نصرة المظلوم لناصر المختار على قتلة الحسين وكيف يتوفق للتوبة وقد امتنع‬
‫عن اجابة سيد الشهداء وقد مشى اليه بنفسه والنور اللهي يعلوه وصبيانه اقمار‬

‫‪87‬‬
‫الدجى من حوله ‪.‬‬
‫نصره ‪ ،‬ولست أحب أن يراني وأراه )‪. (1‬‬
‫جاج كلمه على الحسين ‪ ،‬فقام صلوات الله عليه ومشى إليه في جماعة‬ ‫ح ّ‬
‫فأعاد ال َ‬
‫سع له عن صدر المجلس ‪ ،‬يقول‬ ‫من أهل بيته وصحبه ‪ ،‬فدخل عليه الفسطاط ‪ ،‬فو ّ‬
‫ابن الحّر ‪ :‬ما رأيت أحدا ً قط أحسن من الحسين ول أمل للعين منه ‪ ،‬ول رققت‬
‫على أحد قط رّقتي عليه حين رأيته يمشي والصبيان حوله ‪ ،‬ونظرت إلى لحيته‬
‫جل‬ ‫فرأيتها كأّنها جناح غراب ‪ ،‬فقلت له أسواد أم خضاب ؟ قال ‪)) :‬يابن الحّر ع ّ‬
‫ما استقّر المجلس بأبي عبد الله ‪ ،‬حمد‬ ‫ت أّنه خضاب)‪ .2‬ول ّ‬ ‫ي الشيب (‪ .‬فعرف ُ‬ ‫عل ّ‬
‫ي أّنهم مجتمعون على‬ ‫ن أهل مصركم كتبوا إل ّ‬ ‫الله وأثنى عليه وقال ‪)) :‬يابن الحّر إ ّ‬
‫ن عليك ذنوبا ً‬ ‫نصرتي ‪ ،‬وسألوني القدوم عليهم ‪ ،‬وليس المر على ما زعموا)‪ ،3‬وإ ّ‬
‫كثيرة ‪ ،‬فهل لك من توبة تمحو بها ذنوبك ؟ (قال ‪ :‬وما هي يابن رسول الله ؟‬
‫فقال ‪)) :‬تنصر ابن بنت نبّيك وتقاتل معه )‪ .4‬فقال ابن الحّر ‪ :‬والله ‪ ،‬إّني لعلم‬
‫سعيد في الخرة ‪ ،‬ولكن ما عسى أن أغني عنك ‪ ،‬وَلم اخلف‬ ‫ن من شايعك كان ال ّ‬ ‫إ ّ‬
‫ن نفسي ل‬ ‫ملني على هذه الخطة ‪ ،‬فإ ّ‬ ‫ن تح ّ‬ ‫ً‬
‫لك بالكوفة ناصرا ‪ ،‬فانشدك الله أ ْ‬
‫ت عليها شيئا ً قط إل ّ‬ ‫تسمح بالموت ‪ ،‬ولكن فََرسي هذه )الملحقة والله ‪ ،‬ما طلب ُ‬
‫خذها فهي لك ‪).‬‬ ‫لحقته ‪ ،‬ول طلبني أحد وأنا عليها إل ّ سبقته ‪ ،‬ف ُ‬
‫ما إذا رغبت بنفسك عّنا ‪ ،‬فل حاجة لنا في فََرسك))‪ 5‬ول فيك ‪،‬‬ ‫قال الحسين ‪) :‬أ ّ‬
‫نل‬ ‫ت مّتخذ المضّلين عضدًا)‪ ،(6‬وإّني أنصحك كما نصحتني ‪ ،‬إن استطعت أ ْ‬ ‫وما كن ُ‬
‫تسمع صراخنا ‪ ،‬ول تشهد وقعتنا فافعل ‪ .‬فوالله ‪ ،‬ل يسمع واعيتنا أحد ول ينصرنا‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬الخبار الطوال ‪. 246 /‬‬
‫)‪2‬خزانة الدب للبغدادي ‪ ، 298 / 1‬طبعة بولق وأنساب الشراف ‪. 291 / 5‬‬
‫)‪3‬نفس المهموم ‪. 104 /‬‬
‫)‪4‬أسرار الشهادة ‪. 233 /‬‬
‫)‪5‬الخبار الطوال ‪. 249 /‬‬
‫)‪6‬أمالي الصدوق ‪ 94 /‬المجلس الثلثون ‪.‬‬
‫إل ّ أكّبه الله في نار جهّنم )‪. (1‬‬
‫دم ابن الحّر على ما فاته من نصرة الحسين )ع( ‪ ،‬فأنشأ ‪:‬‬ ‫ون ِ‬

‫دد بـين صدري والتراقي‬ ‫أيـا لـك حـسرة ما دمت حي ّا ً تـر ّ‬


‫غـداةَ يـقول لي بالقصر قول أتـتـركنا وتـعزم بـالفراق‬
‫حسين حين يطلب بذل نصري عـلى أهـل الـعداوة والشقاق‬
‫م الـيوم قـلبي بـانفلق‬ ‫فـلو فـلق الـّتلّهف قلب حّر لـه ّ‬
‫ولـو واسـيته يـوما ً بـنفسي لـنلت كـرام ً‬
‫ة يـوم الـّتلق‬
‫مد تفديه نفسي فـودع ثـم أسـرع بـانطلق‬ ‫مـع ابـن مح ّ‬
‫لـقد فاز الولى نصروا حسينا ً وخاب الخرون ذووا النفاق ‪((2‬‬
‫مه فقال لهما‬ ‫وفي هذا الموضع اجتمع به عمرو بن قيس المشرفي وابن ع ّ‬
‫الحسين ‪)) :‬جئتما لنصرتي ؟ (قال له ‪ :‬إّنا كثيروا العيال ‪ ،‬وفي أيدينا بضائع للناس‬
‫ن نضيع المانة ‪.‬‬ ‫وَلم ندرِ ماذا يكون ‪ ،‬ونكره أ ْ‬
‫سلم ‪) :‬انطلقا ‪ ،‬فل تسمعا لي واعية ول تريا لي سوادا ً ؛ فإّنه‬ ‫فقال لهما عليه ال ّ‬
‫ن‬
‫لأ ْ‬‫قا على الله عّز وج ّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬
‫مع واعيتنا أو رأى سوادنا فلم يجبنا أو يغثنا ‪ ،‬كان ح ّ‬ ‫س ِ‬
‫من َ‬
‫يكّبه على منخريه في الّنار( )‪.(3‬‬

‫‪88‬‬
‫قرى الطف‬
‫ما كان آخر الليل ‪ ،‬أمر فتيانه بالستقاء والرحيل من قصر بني مقاتل وبينا‬ ‫ول ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬خزانة الدب ‪. 298 / 1‬‬
‫دسة إلى ابن الحر تعرف الغاية الملحوظة لبي‬ ‫وفي مسير الحسين بنفسه المق ّ‬
‫الضيم ‪ ،‬فإّنه )ع( ليه السلمبصدد إعلم الناس بما يجب عليهم من الّنهوض لسد ّ‬
‫عني إلى نصرته ‪.‬‬‫جة عليهم ؛ كيل يقول أحد ‪ :‬أنه لم يد ُ‬‫باب المنكر ‪ ،‬وإلقاء الح ّ‬
‫)‪2‬مقتل الخوارزمي ‪ ، 228 / 1‬وذكر الدينوري في الخبار الطوال ‪ 258 /‬أربعة‬
‫منها ‪ ،‬وفي رواية للثالث ‪:‬‬

‫ااا اااا اااا اااا اااا ااااااا ااااا ااااااا‬

‫) )‪3‬عقاب العمال للصدوق ‪ ، 35 /‬ورجال الكشي ‪. 74 /‬‬


‫ب‬‫معَ الحسين يقول ‪)) :‬إّنا لله وإّنا إليه راجعون ‪ ،‬والحمد لله ر ّ‬ ‫س ِ‬
‫يسيرون إذ ُ‬
‫ت برأسي‬ ‫العالمين (وكّرره ‪ .‬فسأله علي الكبر عن استرجاعه ‪ ،‬فقال ‪)) :‬إّني خفق ُ‬
‫ت أّنها‬ ‫ن لي فارس وهو يقول ‪ :‬القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم ‪ ،‬فعلم ُ‬ ‫‪ ،‬فع ّ‬
‫أنفسنا ُنعيت إلينا (‪ .‬فقال علي الكبر ‪ :‬ل أراك الله سوءا ً ‪ ،‬ألسنا على الحق ؟ قال‬
‫ن نموت محقين ‪.‬‬ ‫‪)) :‬بلى والذي إليه مرجع العباد (‪ ،‬فقال ‪ :‬يا أبت ‪ ،‬إذن ل نبالي أ ْ‬
‫فقال )ع( ‪)) :‬جزاك الله من ولد خير ما جزى ولدا ً عن والده ( )‪. (1‬‬
‫ولم يزل الحسين يتياسر إلى أن انتهى إلى نينوى)‪2‬وإذا راكب على نجيب وعليه‬
‫سلح فانتظروه ‪ ،‬وإذا هو رسول ابن زياد إلى الحّر ‪ ،‬معه كتاب يقول فيه ‪:‬‬ ‫ال ّ‬
‫جع)‪3‬بالحسين حين تقرأ كتابي ‪ ،‬ول تنزله إل بالعراء على غير ماء وغير حصن ‪.‬‬ ‫جع ِ‬‫َ‬
‫فقرأ الحّر الكتاب على الحسين فقال له ‪) :‬دعنا ننزل نينوى أو الغاضريات أو‬
‫ي)‪.4‬‬‫ن الرجل عين عل ّ‬ ‫شفية (‪ .‬فقال الحّر ‪ :‬ل أستطيع فإ ّ‬
‫من يأتينا‬ ‫ن قتال هؤلء أهون علينا من قتال َ‬ ‫قال زهير بن القين ‪ :‬يابن رسول الله إ ّ‬
‫ت أبدأهم‬ ‫من بعدهم ‪ ،‬فَلعمري ليأتينا ما ل قَِبل لنا به ‪ ،‬فقال الحسين ‪)) :‬ما كن ُ‬
‫ط الفرات وهي في عاقول‬ ‫م قال زهير ‪ :‬ههنا قرية بالقرب مّنا على ش ّ‬ ‫بقتال (‪ .‬ث ّ‬
‫حصينة ‪ ،‬والفرات يحدق بها إل ّ من وجه واحد قال الحسين ‪)) :‬ما اسمها ؟ (فقال ‪:‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬الطبري ‪. 231 / 6‬‬
‫ن الحسين نام القيلولة بالعذيب فرأى في منامه قائل ً‬ ‫وفي مقتل العوالم ‪ : 48 /‬إ ّ‬
‫يقول ‪ :‬تسرعون السير والمنايا تسرع بكم إلى الجنة ‪.‬‬
‫وفي مقتل الخوارزمي ‪ : 226 / 1‬نزل الحسين الثعلبية ‪ ،‬ونام وقت الظهيرة ‪،‬‬
‫فانتبه باكيا ً فسأله ابنه علي الكبر عن بكائه فقال ‪)) :‬يا بني إّنها ساعة ل تكذب‬
‫فيها الرؤيا ‪ ،‬وإّني خفقت برأسي ‪.( ...‬‬
‫)‪2‬في مجّلة المقتبس ج ‪ 10‬من المجلد ‪ 7‬سنة ‪1330‬هـ ‪ :‬كانت من قرى الطف‬
‫الزاهرة بالعلوم ‪ ،‬وصادف عمرانها زمن المام الصادق )ع( ‪ ،‬وفي أوائل القرن‬
‫الثالث َلم يبق لها خبر ‪.‬‬
‫)‪3‬في مقاييس اللغة لبن فارس ‪ : 416 / 1‬كتب ابن زياد إلى ابن سعد ‪ :‬أن‬
‫جع بالحسين )ع( ‪ .‬أراد به الجئه إلى مكان خشن ‪ .‬وقال بعضهم ‪ :‬الجعجعة في‬ ‫جع ِ‬ ‫َ‬
‫هذا الموضع الزعاج ‪ .‬وذكر الزهري في تهذيب اللغة ‪ : 68 / 1‬مادة )جع هذا‬

‫‪89‬‬
‫الكتاب وقال ‪ :‬معناه ضّيق عليه ‪ .‬وقال الصمعي ‪ :‬الجعجعة ‪ :‬الحبس ‪ .‬وأراد ابن‬
‫جع به أي ‪ :‬احبسه ‪ .‬ومنه قول أوس بن حجر )إذا جعجعوا بين‬ ‫جع ِ‬‫زياد بقوله ‪َ :‬‬
‫ن جلود النمر جيبت عليهم ‪.‬‬ ‫الناخة الحبس ‪ ،‬وفي هامش ديوانه صدر البيت )كأ ّ‬
‫))‪ 4‬ارشاد المفيد ‪.‬‬
‫تسمى )العقر )‪ 1‬فقال )ع( ‪)) :‬نعوذ بالله من العقر( ‪.‬‬
‫ً‬
‫سر بنا قليل ً فساروا جميعا حّتى إذا وصلوا أرض‬ ‫والتفت الحسين إلى الحّر وقال ‪ِ :‬‬
‫ن هذا‬‫كربلء وقف الحّر وأصحابه أمام الحسين )ع( ومنعوه عن المسير وقالوا ‪ :‬إ ّ‬
‫المكان قريب من الفرات ‪.‬‬
‫ويقال ‪ :‬بيناهم يسيرون إذ وقف جواد الحسين ولم يتحّرك ‪ ،‬كما أوقف الله ناقة‬
‫سر‬‫الّنبي )ص( عند الحديبّية)‪2‬فعندها سأل الحسين عن الرض ‪ .‬قال له زهير ‪ِ :‬‬
‫مى الطف ‪.‬‬ ‫ن هذه الرض تس ّ‬ ‫راشدا ً ول تسأل عن شيء حّتى يأذن الله بالفَرج ‪ ،‬إ ّ‬
‫سلم ‪)) :‬فهل لها اسم غيره ؟ (قال ‪ُ :‬تعرف كربلء ‪ .‬فدمعت عيناه)‬ ‫فقال عليه ال ّ‬
‫ّ‬
‫م ‪ ،‬أعوذ بك من الكرب والبلء)‪ ،4‬ههنا محط ركابنا وسفك دمائنا‬ ‫‪3‬وقال ‪)) :‬الله ّ‬
‫دي رسول الله )‪.5‬‬ ‫دثني ج ّ‬‫ل قبورنا ‪ ،‬بهذا ح ّ‬ ‫ومح ّ‬
‫ف وقـفة مهره المتسّرع‬ ‫تالله ل أنـسى وإن نسي الورى بـالط ّ‬
‫جـواده هـل قـيدتك يد الردى حّتى وقـفت بـه وقوف تمّنع‬ ‫أ َ‬
‫قد كنت أسرع من وميض سحابة نـزل البل اسرعت ام لم تسرع‬
‫ت عن ذاك المضيق إلى الفضاء الوسع‬ ‫حد َ‬‫كبت الطريق وَ ِ‬ ‫هـل تن ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬الغاضرية ‪ :‬قرية منسوبة إلى غاضرة من بني أسد ‪ .‬وقيل ‪ :‬تقع في شمالي‬
‫قبر عون ‪.‬‬
‫وفي مناهل الضرب للسّيد جعفر العرجي الكاظمي مخطوط في مكتبة‬
‫جة الشيخ آغا بزرگ الطهراني ‪ :‬هو عون بن عبد الله بن جعفر بن مرعي‬ ‫الح ّ‬
‫بن علي بن الحسن البنفسج بن ادريس بن داود بن أحمد المسود بن عبد الله‬
‫بن موسى الجون بن عبد الله بن المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن‬
‫أمير المؤمنين )ع( ‪ ،‬سكن الحائر المقدس وله ضيعة على فرسخ من كربلء ‪،‬‬
‫أدركه الموت بها فدفن فيها ‪ ،‬وعليه قبة ويقصد بالزيارة والنذور ‪.‬‬

‫واشتبه على الّناس أّنه عون بن علي بن أبي طالب ‪ ،‬أو عون بن عبد الله بن‬
‫ن الخير دفن في حومة الشهداء بالحائر ‪.‬‬
‫جعفر الطّيار ‪ ،‬فإ ّ‬

‫ما شفية ‪ :‬فهي بئر لبني أسد ‪ .‬والعقر ‪:‬‬‫وهناك آثار قلعة تعرف بقلعة بني أسد ‪ .‬وأ ّ‬
‫كانت به منازل بخت نصر ‪ .‬ويوم العقر ‪ :‬قتل به يزيد بن المهّلب سنة ‪102‬هـ ‪،‬‬
‫وهذه قرى متقاربة ‪.‬‬
‫ما استعجم ‪ : 95 / 3‬كانوا يقولون ضحى بنو حرب‬ ‫وقال البكري في المعجم م ّ‬
‫بالدين يوم كربلء وضحى بنو مروان بالمروءة يوم العقر ‪ ،‬يعنون قتل الحسين‬
‫بكربلء وقتل يزيد بن المهلب بالعقر ‪.‬‬
‫وفي تاريخ الموصل لبن إياس المتوّفى سنة ‪ 334‬ص ‪ 16‬قال كثير بن عبد‬
‫الرحمن الخزاعي ‪ :‬فتك والله بالكرم يوم فتك بآل المهّلب ‪ .‬وفي ص ‪ : 16‬أ ّ‬
‫ن‬
‫الفرزدق رثى يزيد ابن المهّلب بأبيات منها ‪:‬‬
‫ول حملت ُانثى ول وضعت بعد الغر اصيب بالعقر‬
‫)‪2‬منتخب الطريحي ‪ ، 308 /‬المطبعة الحيدرية ‪ ،‬سنة ‪. 1369‬‬

‫‪90‬‬
‫)‪3‬تحفة الزهار لبن شدقم ـ مخطوط ـ ‪ ،‬وفي سير أعلم النبلء للذهبي ‪/ 3‬‬
‫‪ : 209‬سأل الحسين عن الرض ‪ ،‬فقيل ‪ :‬كربلء ‪ .‬قال ‪)) :‬كرب وبلء (‪.‬‬
‫) )‪4‬البحار ‪. 188 / 10‬‬
‫)‪ (5‬اللهوف ‪.‬‬
‫كـيف اقتحمت به المهالك ل أبا لـك كـيف ذلك كيف لم تتمّنع‬
‫أعـظم بها من وقفة قامت بعر صـتها قيامة أهل ذاك المجمع‬
‫ي تضعضع‬ ‫اعظم بها من وقفة قد ضعضعت أركـان عرش الله أ ّ‬
‫هـي وقـفة لـيزيد َ منها وقفة يـوما يـقال لحمد َ ‪ :‬قم واشفع‬
‫صة لم تجرع‬ ‫هـي وقـفة قـد أعقبتها وقعة قـد جـّرعتنا غ ّ‬
‫دعي )‪(1‬‬ ‫هـي وقـفة قـعدت بآل محمد احـزانها حّتى يقوم الم ّ‬

‫كربلء‬
‫وكان نزوله في كربلء في الثاني من المحّرم سنة إحدى وسّتين)‪ ،2‬فجمع )ع(‬
‫مد قد‬ ‫م ‪ ،‬إّنا عترة نبّيك مح ّ‬‫ولده وإخوته وأهل بيته ونظر إليهم وبكى وقال ‪)) :‬الله ّ‬
‫قنا‬‫م فخذ لنا بح ّ‬ ‫دت بنو ُامّية علينا ‪ ،‬الله ّ‬
‫دنا ‪ ،‬وتع ّ‬
‫عجنا عن حرم ج ّ‬ ‫ردنا وُاز ِ‬
‫رجنا وط ُ ِ‬
‫ُاخ ِ‬
‫وانصرنا على القوم الظالمين (‪ .‬وأقبل على أصحابه فقال ‪)) :‬الّناس عبيد الدنيا ‪،‬‬
‫حصوا بالبلء ‪ ،‬ق ّ‬
‫ل‬ ‫م ّ‬
‫والدين لعق على ألسنتهم ‪ ،‬يحوطونه ما درت معائشهم ‪ ،‬فإذا ُ‬
‫الديانون )‪.(3‬‬
‫____________________________‬
‫مد بن شريف بن فلح الكاظمي صاحب‬ ‫)‪ (1‬من قصيدة تبلغ ‪ 93‬بيتا ً للشيخ مح ّ‬
‫القصيدة الكرارية في مدح أمير المؤمنين وقد قرضها ثمانية عشر شاعرا ً من ادباء‬
‫عصره والقصيدتان في مكتبة الحجة المحقق الميني صاحب الغدير ‪.‬‬
‫ص عليه الطبري في التاريخ ‪ ، 233 / 6‬وابن الثير في الكامل ‪، 20 / 4‬‬ ‫)‪2‬ن ّ‬
‫والمفيد في الرشاد ‪.‬‬
‫)‪3‬البحار ج ‪ 10‬ص ‪ ، 198‬والمقتل للخوارزمي ج ‪ 1‬ص ‪ 237‬ل تذهب على القارئ‬
‫النكتة في سؤال الحسين )ع( ليه السلمعن اسم الرض وكل قضايا سيد الشهداء‬
‫غامضة السرار والمام عندنا معاشر المامية عالم بما يجري في الكون من‬
‫حوادث وملحم عارف بما اودع الله تعالى في الكائنات من المزايا اقدارا ً له من‬
‫مبدع السماوات والرضين تعالى شأنه وقد ذكرنا في المقدمة ما يشهد له وكان‬
‫السر في سؤاله )ع( ليه السلمعن اسم الرض التي منعوا من اجتيازها أو ان الله‬
‫تعالى أوقف الجواد كما أوقف ناقة النبي )صّلى الله عليه وآله( عند )الحديبيةأن‬
‫يعترف أصحابه بتلك الرض التي هي محل التضحية الموعودين بها باخبار النبي أو‬
‫الوصي صّلى الله عليهما لتطمئن القلوب وتمتاز الرجال ‪ ،‬وتثبت العزائم ‪ ،‬وتصدق‬
‫المفاداة فتزداد بصيرتهم في المر والتأهب للغاية المتوخاة لهم حتى ل يبقى لحد‬
‫مجال للتشكيك في موضع كربل التي هي محل تربته ! ول جزاف في هذا النحو‬
‫من السئلة بعد أن صدر مثله من النبي )صّلى الله عليه وآله( فقد سأل عن اسم‬
‫الرجلين اللذين قاما لحلب الناقة وعن اسم الجبلين اللذين في طريقه الى )بدرالم‬
‫يكن النبي )صّلى الله عليه وآله( عالما ً بذلك ؟ بلى ‪ ،‬كان عالما ً ولكن المصالح‬
‫الخفية علينا دعته إلى السؤال وقد أشرنا اليها في كتاب )الشهيد مسلمص ‪ 90‬في‬
‫عنوان )مسلم ل يتطير‪ ،‬وهذا باب من السئلة يعرف عند علماء البلغة )بتجاهل‬
‫العارفوإذا كان فاطر الشياء الذي ل يغادر علمه صغيرا ً ول كبيرا ً يقول لموسى )ع(‬
‫ليه السلم‪) :‬وما تلك بيمينك يا موسىويقول لعيسى )ع( ليه السلم‪) :‬أأنت قلت‬

‫‪91‬‬
‫للناس اتخذوني وأمي إلهينلضرب من المصلحة وقال سبحانه للخليل )ع( ليه‬
‫السلمأو لم تؤمن ؟ مع انه عالم بايمانه فالمام المنصوب من قبله أمينا ً على‬
‫شرعه ل تخفى عليه المصالح ‪.‬‬
‫كما ان سيد الشهداء )ع( ليه السلملم يكن في تعوذه من الكرب والبلء عندما‬
‫سمع باسم كربلء متطيرا ً ‪ ،‬فان المتطير ل يعلم ما يرد عليه وإنما يستكشف ذلك‬
‫من الشياء المعروفة عند العرب انها سبب للشر ‪ ،‬والحسين )ع( ليه السلمعلى‬
‫يقين مما ينزل به في أرض الطف من قضاء الله ‪ ،‬فهو عالم بالكرب الذي يحل به‬
‫وباهل بيته وصحبه كما انبأ عنه غير مرة ‪.‬‬
‫ما بعد ‪ ،‬فقد نزل من‬ ‫مد وآله وقال ‪)) :‬أ ّ‬ ‫م حمد الله وأثنى عليه وصّلى على مح ّ‬ ‫ث ّ‬
‫َ‬ ‫ّ‬
‫ن الدنيا قد تغّيرت وتنكرت ‪ ،‬وأدبر معروفها ‪ ،‬ولم يبقَ منها‬ ‫المر ما قد ترون ‪ ،‬وإ ّ‬
‫إل صبابة كصبابة الناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ‪ ،‬أل ترون إلى الحقّ ل‬
‫مل به وإلى الباطل ل ي َُتناهى عنه ؟! ليرغب المؤمن في لقاء الله ‪ .‬فإّني ل أرى‬ ‫ُيع َ‬
‫الموت إل ّ سعادة والحياة مع الظالمين إل ّ برما ( )‪. (1‬‬
‫فقام زهير وقال ‪ :‬سمعنا يابن رسول الله مقالتك ‪ ،‬ولو كانت الدنيا لنا باقية وكّنا‬
‫فيها مخّلدين لثرنا الّنهوض معك على القامة فيها ‪.‬‬
‫طع‬ ‫ق ّ‬‫ديك ‪ ،‬ت ُ َ‬
‫ن نقاتل بين ي َ‬ ‫ن الله بك علينا ؛ أ ْ‬ ‫وقال بريد ‪ :‬يابن رسول الله ‪ ،‬لقد م ّ‬
‫دك شفيعنا يوم القيامة))‪.2‬‬ ‫م يكون ج ّ‬ ‫فيك أعضاؤنا ‪ ،‬ث ّ‬
‫ن يشرب الّناس‬ ‫َ‬
‫دك رسول الله لم يقدر أ ْ‬ ‫نج ّ‬ ‫وقال نافع بن هلل ‪ :‬أنت تعلم أ ّ‬
‫ب ‪ ،‬وقد كان منهم منافقون يِعدونه بالنصر‬ ‫ن يرجعوا إلى أمره ما أح ّ‬ ‫محّبته ‪ ،‬ول أ ْ‬
‫مّر من الحنظل حّتى‬ ‫ّ‬
‫ويضمرون له الغدر ‪ ،‬يلقونه بأحلى من العسل ويخلفونه بأ َ‬
‫ن أباك عليا ً كان في مثل ذلك فقوم قد أجمعوا على نصره‬ ‫قبضه الله إليه ‪ ،‬وإ ّ‬
‫وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين حّتى أتاه أجله فمضى إلى رحمة الله‬
‫َ‬
‫من نكث عهده وخلع بيعته فلن‬ ‫ورضوانه ‪ ،‬وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة ‪ ،‬ف َ‬
‫ن شئت أو‬ ‫سر بنا راشدا ً معافى مشّرقا إ ْ‬
‫ً‬ ‫يضّر إل ّ نفسه والله مغن عنه ‪ ،‬ف ِ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬هذا في اللهوف ‪ ،‬وعند الطبري ج ‪ 6‬ص ‪ : 229‬انه خطب به بذي حسم ‪،‬‬
‫وفي العقد الفريد ج ‪ 2‬ص ‪ 312‬وحلية الولياء ج ‪ 3‬ص ‪ 39‬وابن عساكر ج ‪ 4‬ص‬
‫‪ 333‬مثل اللهوف ‪ ،‬وفي مجمع الزوائد ج ‪ 1‬ص ‪ 192‬وذخائر العقبى ص ‪149‬‬
‫والعقد الفريد ج ‪ 2‬ص ‪ : 312‬يظهر منه انه خطب ذلك يوم عاشوراء وفي سير‬
‫أعلم النبلء للذهبي ج ‪ 3‬ص ‪ : 209‬لما نزل عمر بن سعد بالحسين خطب أصحابه‬
‫‪.‬‬
‫) )‪2‬اللهوف ص ‪. 44‬‬
‫مغّربا ً ‪ ،‬فوالله ما أشفقنا من قدر الله ‪ ،‬ول كرهنا لقاء رّبنا وإّنا على نّياتنا وبصائرنا‬
‫من والك ونعادي من عاداك )‪. (1‬‬ ‫نوالي َ‬

‫ن شروا لقاء الحسين بـفـراق الـنفوس والرواح‬ ‫مـ ْ‬


‫بـأبي َ‬
‫وقـفوا يـدرأون سمر العوالي عـنه والـنبل وقـفة الشباح‬
‫صباح‬ ‫فوقوه بيض ال ّ‬
‫ظبى بالنحور ال بـيض والنبل بالوجوه ال ِ‬
‫فـئة ان تـعاور الـنقع لـيل أطـلعوا في سماه شهب الرماح‬
‫ؤس الموت وانتشى كل صاح‬ ‫سيوف وطافت أك ُ‬ ‫غـنت الـ ّ‬ ‫وإذا ّ‬
‫بـاعدوا بين قربهم والمواضي وجـسـوم العـداء والرواح‬
‫أدركـوا بـالحسين أكـبر عيد فغدوا في منى الطفوف أضاحي‬

‫‪92‬‬
‫لست أنسى من بعدهم طود عّز وأعـاديه مـثل سـيل البطاح‬
‫وهـو يحمي دين النبي بعضب بـسناه لـظلمة الـشرك ماحي‬
‫فـتطير الـقلوب منه ارتياعا ً كـلما شـد ّ راكـبا ً ذا الـجناح‬
‫دما وثـقل السلح‬ ‫م لما نال الظما منه والشمس ونـزف الـ ّ‬ ‫ُثـ ّ‬
‫ّ‬
‫اوقـف الـطرف يستريح قليل ً فـرماه الـقضا بـسهم مـتاح‬
‫مت بـرماد المصاب منها النواحي‬ ‫فـهوى العرش للثرى وادله ّ‬
‫ً‬
‫حـّر قـلبي لـزينب إذ رأته تـرب الـجسم مثخنا بالجراح‬ ‫َ‬
‫قها فدعته بـدموٍع بـما تـجن ِفـصاح‬ ‫ب نط َ‬
‫ُ‬ ‫الخط‬ ‫س‬
‫َ‬ ‫أخـر‬
‫يـا مـنار الظلل والليل داٍج وظلل الرميض واليوم ضاحي‬
‫ت لي يوم كنت كهفا ً منيعا ً سـجسج الـظل خافق الرواح‬ ‫كـن َ‬
‫أتـرى الـقوم إذ عليك مررنا مـنعونا مـن الـبكا والـنياح‬
‫إن يـكن هـينا ً عـليك هواني واغترابي مع الِعدى وانتزاحي‬
‫ومـسيري أسـيرةً لـلعادي وركـوبي على النياق الطلح‬
‫صفاح‬‫فـبرغمي أّنـي أراك مـقيما ً بـين سمر القنا وبيض ال ِ‬
‫لـك جسم على الرمال ورأس رفـعوه عـلى رؤوس الرماح‬
‫بـأبي الواردون حوض المنايا يـوم ذيدوا عن الفرات المباح‬
‫ن سافيات الرياح )‪(1‬‬ ‫بـأبي الـلبسون حـمر ثياب طـرزتهُ ّ‬

‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مقتل العوالم ‪. 76 /‬‬
‫دس سّره‪.‬‬ ‫مد الهندي )ق ّ‬
‫) )‪2‬للعلمة الطاهر السيد رضا ابن آية الله السيد مح ّ‬
‫سلم اشترى الّنواحي التي فيها قبره من أهل نينوى والغاضرّية‬ ‫م إّنه عليه ال ّ‬‫ث ّ‬
‫ن يرشدوا إلى قبره‬‫دق بها عليهم ‪ ،‬واشترط عليهم أ ْ‬ ‫بسّتين ألف درهم وتص ّ‬
‫من زاره ثلثة أيام ‪ ،‬وكان حرم الحسين )ع( الذي اشتراه أربعة أميال في‬ ‫ويضيفوا َ‬
‫أربعة أميال ‪ ،‬فهو حلل لولده ولمواليه وحرام على غيرهم ممن خالفهم وفيه‬
‫البركة ‪ ،‬وفي الحديث عن الصادق )ع( ‪)) :‬إّنهم لم يفوا بالشرط ( )‪. (1‬‬
‫ما‬
‫ما نزل الحسين )ع( كربلء كتب إلى ابن الحنفية وجماعة من بني هاشم ‪)) :‬أ ّ‬ ‫ول ّ‬
‫سلم )‪.(2‬‬ ‫ن الخرة َلم تزل ‪ ،‬وال ّ‬
‫ن الدنيا َلم تكن وكأ ّ‬
‫بعد ‪ ،‬فكأ ّ‬

‫ابن زياد مع الحسين‬


‫وبعث الحّر إلى ابن زياد يخبره بنزول الحسين في كربلء فكتب ابن زياد إلى‬
‫ي أمير‬
‫ما بعد ‪ ،‬يا حسين فقد بلغني نزولك كربلء ‪ ،‬وقد كتب إل ّ‬ ‫الحسين ‪ :‬أ ّ‬
‫ُ‬
‫سد الوثير ‪ ،‬ول أشبع من الخمير أو الحقك باللطيف الخبير ‪،‬‬ ‫ن ل أتو ّ‬
‫المؤمنين يزيد أ ْ‬
‫سلم ‪.‬‬‫أو تنزل على حكمي وحكم يزيد ‪ ،‬وال ّ‬
‫ما قرأ الحسين الكتاب رماه من يده وقال ‪)) :‬ل أفلح قوم اشتروا مرضاة‬ ‫ول ّ‬
‫المخلوق بسخط الخالق ! (‪ .‬وطالبه الرسول بالجواب ‪ ،‬فقال ‪)) :‬ما له عندي‬
‫قت عليه كلمة العذاب (‪.‬‬ ‫جواب ؛ لّنه ح ّ‬
‫ااااااا‬‫اا ااااا ا‬ ‫اااااا اااا اااا اااااا ااا ا ا‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬كشكول الشيخ البهائي ‪ ، 91 / 2‬طبعة مصر ‪ :‬نقل ً عن كتاب الزيارات لمح ّ‬
‫مد‬
‫بن أحمد بن داود القمي ‪ ،‬وحكاه عنه السيد ابن طاووس في مصباح الزائر ‪.‬‬
‫والعجب من صاحب مفتاح الكرامة في كتاب المتاجر ‪ : 245 /‬أّنه أنكر شراء‬

‫‪93‬‬
‫دعيا ً عدم وقوفه على ذلك في‬ ‫الحسين أربعة أميال من جهات قبره الشريف ‪ ،‬م ّ‬
‫ن أمير المؤمنين اشترى من الدهاقين ما بين‬ ‫الخبار وعلى كلمات العلماء ‪ .‬كما أ ّ‬
‫من اعترض عليه بأّنها‬ ‫الخورنق إلى الحيرة وإلى الكوفة بأربعين ألف درهم وقال ل ِ َ‬
‫أرض ل تنبت ‪)) :‬إّني سمعت رسول الله يقول ‪ :‬كوفان يرد أولها على آخرها ‪،‬‬
‫ن يحشروا‬ ‫يحشر من ظهرها سبعون ألفا ً يدخلون الجّنة بغير حساب ‪ ،‬واشتهيت أ ْ‬
‫في ملكي (فرحة الغري لبن طاووس ‪ ، 29 /‬الباب الثاني ‪ ،‬المطبعة الحيدرية في‬
‫النجف ‪.‬‬
‫)‪2‬كامل الزيارات ‪ 75 /‬الباب الثالث والعشرون ‪ ،‬وذكر أبو الفرج في الغاني ‪/ 8‬‬
‫ما‬
‫ن الحسن البصري كتب إلى عمر بن عبد العزيز بذلك ل ّ‬ ‫‪ 151‬طبعة ساسي ‪ :‬أ ّ‬
‫وّلي الخلفة ‪ ،‬وفي مروج الذهب ‪ :‬أخبار عمر بن عبد العزيز أّنه كتب إلى أبي حازم‬
‫المدني العرج ‪ :‬اوصني واوجز ‪ ،‬فكتب إليه بذلك ‪ .‬وفي موضوعات على القاري‬
‫أول حرف الكاف ‪ ،‬قال السيوطي ‪َ :‬لم أقف عليه مرفوعا ً وأخرجه أبو نعيم عن‬
‫عمر بن عبد العزيز ‪.‬‬
‫فـإما ُيـرى مذعنا ً او تموت نـفس أبـ ّ‬
‫ي الـعّز إذعـانها‬
‫فـقال لـها اعتصمي بالبا فـنفس البـي ومـا زانـها‬
‫إذا لـم تجد غير لبس الهوان فـبالموت تـنزع جـثمانها‬
‫يرى القتل صبرا ً شعار الكرام وفـخرا ً يـزين لـها شـأنها‬
‫ت فرسانها‬ ‫ك المو ُ‬‫عـر َ‬ ‫مر لـلحرب عن معرك بـه َ‬ ‫فـش ّ‬
‫سماء حـمـراء تـلـفح نـيرانها‬ ‫وأضـرمها لـعنان الـ ّ‬
‫ركـين وللرض تحت الكماة رجـيف يـزلزل ثهلنها )‪(1‬‬

‫وأخبر الرسول ابن زياد بما قاله أبو عبد الله )ع( فاشتد ّ غضبه))‪ ،2‬وأمر عمر بن‬
‫كرا ً )بحمام أعينفي أربعة آلف ليسير بهم‬ ‫سعد بالخروج إلى كربلء ‪ ،‬وكان معس ِ‬
‫ً‬
‫ن الديلم قد غلبوا عليها)‪ ،3‬وكتب له ابن زياد عهدا بولية الري وثغر‬ ‫إلى دستبى ؛ ل ّ‬
‫ما استرد ّ منه العهد استمهله ليلته ‪ ،‬وجمع‬‫دستبى والديلم)‪4‬فاستعفاه ابن سعد ‪ ،‬ول ّ‬
‫ُ‬
‫عمر بن سعد نصحاءه فنهوه عن المسير لحرب الحسين ‪ ،‬وقال له ابن اخته حمزة‬
‫ن ل تسير لحرب الحسين ‪ ،‬فتقطع رحمك‬ ‫بن المغيرة بن شعبة ‪ُ :‬انشدك الله أ ْ‬
‫وتأثم برّبك ‪ ،‬فوالله لئن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الرض كّله لو كان لك‬
‫ن تلقى الله بدم الحسين))‪.5‬‬ ‫لكان خيرا ً لك من أ ْ‬
‫كرا ً في أمره و ُ‬
‫سمع يقول ‪:‬‬ ‫ن شاء الله ‪ .‬وبات ليلته مف ّ‬ ‫فقال ابن سعد ‪ :‬أفعل إ ْ‬
‫ااااا ااا اااا ااااا ااااا اا ااااا اااااااااااا اااا‬
‫اااا اااا ااااا اااا ااا ااااا اااا اااا اااا ااا اااا)‪((6‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬للسيد حيدر الحلي رحمه الله ‪.‬‬
‫)‪2‬البحار ‪ ، 189 / 10‬ومقتل العوالم ‪. 76 /‬‬
‫)‪3‬في تجريد الغاني ‪ 277 / 1‬القسم الول ‪ ،‬لبن واصل الحموي المتوّفى سنة‬
‫‪697‬هـ في أول أخبار حنين قال ‪ :‬عرف هذا الحمام بأعين حاجب بشر بن مروان‬
‫بن الحكم ‪ .‬وفي معجم البلدان ‪ : 334 / 3‬مادة حمام أعين بالكوفة منسوب إلى‬
‫أعين مولى سعد بن أبي وقاص ‪.‬‬
‫)‪4‬الطبري ‪. 232 / 6‬‬
‫)‪5‬الخبار الطوال ‪ ، 251 /‬وفي معجم البلدان ‪ : 58 / 4‬دستبى )بفتح أّوله وسكون‬
‫ثانيه وفتح التاء المثناة من فوق والباء الموحدة المقصورة ‪ :‬كورة كبيرة بين همدان‬

‫‪94‬‬
‫والري ‪ ،‬فقسم يقال له دستبى الرازي وقسم دستبى همدان ‪ ،‬وبسعي أبي مالك‬
‫حنظلة بن خالد التميمي ُاضيفت إلى قزوين ‪.‬‬
‫)‪6‬في أحسن التقاسيم للمقدسي ‪ : 385 /‬قال ‪ :‬وهذه المدينة أهلكت عمر بن‬
‫م اختارها مع الّنار حيث يقول أخزاه الله‬ ‫سعد الشقي حّتى قتل الحسين بن علي ‪ ،‬ث ّ‬
‫)وذكر البيتين كما هنا إل ّ قوله ) والري رغبتي ‪.‬‬
‫وعند الصباح أتى ابن زياد وقال ‪ :‬إّنك وّليتني هذا العمل وسمع به الّناس ‪ ،‬فأنفذني‬
‫مى له ُاناسا ً من‬ ‫ت أغنى في الحرب منه ‪ .‬وس ّ‬ ‫من لس ُ‬ ‫له وابعث إلى الحسين َ‬
‫أشراف الكوفة ‪.‬‬
‫ت استأمرك فيمن ُأريد أن أبعث ‪ ،‬فإن سرت بجندنا ‪ ،‬وإل ّ‬ ‫فقال ابن زياد ‪ :‬لس ُ‬
‫حا قال ‪ :‬إّني سائر )‪ ، (1‬فأقبل في أربعة آلف‬ ‫ً‬ ‫ما رآه مل ّ‬ ‫فابعث إلينا عهدنا ‪ ،‬فل ّ‬
‫م إليه الحّر فيمن معه ‪ .‬ودعا عمر بن سعد عزرة بن قيس الحمسي ‪ ،‬وأمره‬ ‫وانض ّ‬
‫من‬ ‫من كاتبه ‪ ،‬فسأل َ‬ ‫ما جاء به فاستحيا عزرة ؛ لّنه م ّ‬ ‫أن يلقى الحسين ويسأله ع ّ‬
‫ن يلقوه فأبوا ؛ لنهم كاتبوه ‪.‬‬ ‫معه من الرؤساء أ ْ‬
‫ن أفتك‬ ‫ن شئت أ ْ‬ ‫فقام ك َُثير بن عبد الله الشعبي وكان جريئا ً فاتكا ً وقال ‪ :‬أنا له ‪ ،‬وإ ْ‬
‫به لفعلت ‪ .‬قال ‪ :‬ل ‪ ،‬ولكن سله ما الذي جاء به ؟ فأقبل ك َُثير وعرفه أبو ثمامة‬
‫سيفك وادخل على الحسين ‪ ،‬فأبى واستأبى‬ ‫الصائدي فقام في وجهه ‪ ،‬وقال ‪ :‬ضع َ‬
‫م انصرف ‪.‬‬ ‫ث ّ‬
‫ما أبلغه رسالة ابن‬ ‫فدعا عمر بن سعد قّرة بن قيس الحنظلي ليسأل الحسين ‪ ،‬ول ّ‬
‫ما إذا‬
‫ن اقدم علينا ‪ ،‬فأ ّ‬ ‫يأ ْ‬‫ن أهل مصركم كتبوا إل ّ‬ ‫سعد ‪ :‬قال أبو عبد الله ))إ ّ‬
‫ت عنكم (‪.‬‬ ‫كرهتموني انصرف ُ‬
‫فرجع بذلك إلى ابن سعد ‪ ،‬وكتب إلى ابن زياد بما يقول الحسين ‪ ،‬فأتاه جوابه ‪:‬‬
‫ن فعل رأينا رأينا)‪.2‬‬ ‫ما بعد ‪ ،‬فاعرض على الحسين وأصحابه البيعة ليزيد ‪ ،‬فإ ْ‬ ‫أ ّ‬

‫خطبة ابن زياد‬


‫وجمع ابن زياد الّناس في جامع الكوفة فقال ‪ :‬أّيها الّناس إّنكم بلوتم آل أبي‬
‫____________________________‬
‫دث ابن الجوزي‬ ‫من عافاك أغناك ‪ ،‬يتح ّ‬ ‫)‪ (1‬ابن الثير ‪ : 22 / 4‬أقول جاء المثل َ‬
‫واد ابن زياد سقط من‬ ‫ن رجل بالبصرة من ق ّ‬‫في صفوة الصفوة ‪ : 161 / 3‬إ ّ‬
‫سرت رجله فعاده أبو قلبة وقال ‪ :‬أرجو أن يكون هذا خيرا ً لك فتحقق‬ ‫السطح فتك ّ‬
‫قوله حين حمله ابن زياد على الخروج إلى حرب الحسين )ع( ‪ ،‬فقال للرسول ‪:‬‬
‫انظر ما أنا فيه ‪ .‬وبعد سبعة أيام أتاه الخبر بقتل الحسين )ع( ‪ ،‬فحمد الله على‬
‫العافية ‪.‬‬
‫)‪2‬الطبري ‪ 233 / 6‬و ‪. 234‬‬
‫سفيان فوجدتموهم كما تحّبون ‪ ،‬وهذا أمير المؤمنين يزيد قد عرفتموه ‪ ،‬حسن‬
‫قه ‪ ،‬وقد أمنت‬ ‫سيرة ‪ ،‬محمود الطريقة محسنا ً إلى الرعّية ‪ ،‬يعطي العطاء في ح ّ‬ ‫ال ّ‬
‫سبل على عهده وكذلك كان أبوه معاوية في عصره ‪ ،‬وهذا ابنه يزيد ُيكرم العباد‬ ‫ال ّ‬
‫ن أوفرها عليكم ‪،‬‬ ‫ويغنيهم بالموال ‪ ،‬وقد زادكم في أرزاقكم مئة مئة ‪ ،‬وأمرني أ ْ‬
‫وأخرجكم إلى حرب عدّوه الحسين ‪ ،‬فاسمعوا له وأطيعوا ‪.‬‬
‫م نزل و وّفر العطاء ‪ ،‬وخرج إلى النخيلة )‪ (1‬وعسكر فيها ‪ .‬وبعث على الحصين‬ ‫ث ّ‬
‫جار بن أبجر ‪ ،‬وشمر بن ذي الجوشن ‪ ،‬وشبث بن ربعي‬ ‫بن نمير التميمي ‪ ،‬وح ّ‬
‫ل شبث بالمرض)‪ ،2‬فأرسل إليه ‪ :‬أن رسولي‬ ‫وأمرهم بمعاونة ابن سعد ‪ .‬فاعت ّ‬
‫ن تكون من الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمّنا وإذا‬ ‫يخبرني بتمارضك وأخاف أ ْ‬

‫‪95‬‬
‫ن كنت في طاعتنا‬ ‫خلوا إلى شياطينهم قالوا إّنا معكم إّنما نحن مستهزؤن ‪ ،‬فإ ْ‬
‫فأقبل مسرعا ً ‪ ،‬فأتاه بعد العشاء ؛ لئل ينظر إلى وجهه فلم يجد عليه أثر العلة ‪ ،‬و‬
‫ّ‬
‫وافقه على ما يريد))‪.3‬‬
‫وجعل عبيد الله بن زياد زجر بن قيس الجعفي على مسلحة في خمسمئة فارس ‪،‬‬
‫من يخرج من الكوفة يريد الحسين )ع( ‪ ،‬فمّر به‬ ‫ن يقيم بجسر الصراة يمنع َ‬ ‫وأمره أ ْ‬
‫ت حيث‬ ‫عامر بن أبي سلمة بن عبد الله بن عرار الدالني فقال له زجر ‪ :‬قد عرف ُ‬
‫تريد فارجع ‪ ،‬فحمل عليه وعلى أصحابه فهزمهم ومضى ‪ ،‬وليس أحد منهم يطمع‬
‫سلم حّتى ُقتل معه ‪ ،‬وكان قد‬ ‫في الدنوّ منه ‪ ،‬فوصل كربلء ولحق بالحسين عليه ال ّ‬
‫سلم )‪.4‬‬‫شهد المشاهد مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه ال ّ‬ ‫َ‬

‫الحسين عند الكوفيين‬


‫ولم تزل الكراهية ظاهرة على الناس في قتال الحسين لنه ابن الرسول‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬هي العباسية في كلم ابن نما ‪ ،‬وتعرف اليوم بالعباسيات ‪ ،‬وموقعها قريب من‬
‫ن النخيلة‬
‫ذي الكفل ‪ ،‬وفي اليقين لرضي الدين ابن طاووس ‪ 147 /‬باب ‪ : 146‬إ ّ‬
‫تبعد عن الكوفة فرسخين ‪.‬‬
‫)‪2‬الخبار الطوال ‪. 253 /‬‬
‫مد بن أبي طالب ‪.‬‬ ‫)‪3‬البحار عن مقتل مح ّ‬
‫م‬
‫)‪4‬الكليل للهمداني ‪ 87 / 10‬و ‪ : 101‬ودالن بطن من همدان منهم بنو عرار بض ّ‬
‫العين وهو عرار ابن رؤاس بن دالن بن جييش بن ماشبح بن وادعه ‪ .‬وفي جمهرة‬
‫أنساب العرب لبن حزم ‪ 321 /‬ذكر نسب وادعة ‪.‬‬
‫القدس وسّيد شباب أهل الجّنة وَلم تغب عن أذهانهم مصارحات الّنبي )ص( وأبيه‬
‫الوصي فيه وفي أخيه المجتبى ‪ ،‬وقد عرفوا فضله يوم أجدبت الكوفة وقحط‬
‫سبط الشهيد للستسقاء ‪ ،‬وببركات‬ ‫الّناس ‪ ،‬ففزعوا إلى أبي الحسن ‪ ،‬فأخرج ال ّ‬
‫مد ّية استجاب الله تعالى له‬
‫ون من الحقيقة المح ّ‬ ‫نفسه القدسّية ونوره المتك ّ‬
‫وأرسل المطر حّتى أعشبت الرض بعد جدبها ‪ .‬وهو الذي ملك المشرعة يوم‬
‫ن جهدهم العطش )‪ ، (1‬ولنبأ سقيه الحّر وألف‬ ‫صفين فسقى المسلمين بعد أ ْ‬
‫فارس معه في تلك الرض القاحلة حّتى أرواهم وخيولهم ‪ ،‬دوي في أرجاء الكوفة ‪.‬‬
‫فهل يستطيع أحد ـ والحالة هذه ـ على مقابلته ومحاربته ؟! لول غلبة الهوى‬
‫والتناهي في الطغيان وضعف الّنفوس ؛ ولذلك كان الجمع الكثير يتسّلل إذا وصل‬
‫ما عرف ابن زياد ذلك بعث سويد بن عبد الرحمن‬ ‫كربلء ‪ ،‬وَلم يبقَ إل ّ القليل ‪ ،‬فل ّ‬
‫ن يطوف في سكك الكوفة وأحياء العرب ويعلن بالخروج‬ ‫المنقري في خيل وأمره أ ْ‬
‫ً‬
‫من تخلف جاء به إليه‪ ،‬فوجد رجل من أهل الشام قدم‬ ‫ّ‬ ‫إلى حرب الحسين ‪ ،‬و َ‬
‫الكوفة في طلب ميراث له فقبض عليه وجاء به إلى ابن زياد فأمر بضرب عنقه‪،‬‬
‫ما رأى الّناس الشّر منه خرجوا جميعًا)‪(.2‬‬ ‫فل ّ‬

‫الجيوش‬
‫فخرج الشمر)‪3‬في أربعة آلف ‪ ،‬ويزيد بن الركاب في ألفين ‪ ،‬والحصين بن نمير‬
‫التميمي في أربعة آلف ‪ ،‬وشبث بن ربعي في ألف ‪ ،‬وكعب بن طلحة في ثلثة‬
‫جار بن أبجر في ألف ‪ ،‬ومضاير بن رهينة المازني في ثلثة آلف ‪ ،‬ونصر‬
‫آلف ‪ ،‬وح ّ‬
‫ت خلون من المحرم عشرون‬ ‫بن حرشة في ألفين)‪ ،4‬فتكامل عند ابن سعد لس ٍ‬
‫ألفًا)‪ ،5‬وَلم يزل ابن زياد يرسل العساكر إلى ابن سعد حّتى تكامل عنده ثلثون‬

‫‪96‬‬
‫ألفا ً ‪.‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مقتل العوالم ‪ 15 /‬و ‪.45‬‬
‫)‪2‬الخبار الطوال ‪. 253 /‬‬
‫ماه بشر بن ذي الجوشن ‪ .‬وفي عجالة المبتدي‬ ‫)‪3‬في البدء والتاريخ ‪ : 10 / 6‬س ّ‬
‫مد بن أبي عثمان الحازمي الهمداني‬ ‫في الّنسب تأليف الحافظ أبي بكر مح ّ‬
‫المتوّفى سنة ‪ : 584‬اسمه شور بن ذي الجوشن ‪ ،‬ولبيه صحبة ورواية ‪ ،‬روى عنه‬
‫ابنه شور ‪.‬‬
‫)‪4‬ابن شهر آشوب ‪. 215 / 2‬‬
‫)‪5‬ابن نما واللهوف ‪.‬‬
‫ن الحسين دخل على أخيه الحسن في‬ ‫سلم ‪) :‬إ ّ‬ ‫روى أبو عبد الله الصادق عليه ال ّ‬
‫ما رأى ما به بكى ‪ ،‬فقال له الحسن ‪ :‬ما يبكيك يا أبا‬ ‫مرضه الذي استشهد فيه فل ّ‬
‫ي‬ ‫ُ‬
‫ن الذي اوتي إل ّ‬ ‫سلم ‪ :‬إ ّ‬‫عبد الله ؟ قال ‪ :‬أبكي لما صنع بك ‪ ،‬فقال الحسن عليه ال ّ‬
‫دعون‬ ‫م ُاقتل به ‪ ،‬ولكن ل يوم كيومك يا أبا عبد الله وقد ازدلف إليك ثلثون ألفا ً ي ّ‬ ‫س ّ‬
‫مد وينتحلون دين السلم فيجتمعون على قتلك وسفك دمك‬ ‫دنا مح ّ‬ ‫أّنهم من ا ُ ّ‬
‫مة ج ّ‬
‫ل ببني ُامّية‬ ‫وانتهاك حرمتك وسبي ذراريك ونسائك وانتهاب ثقلك ‪ ،‬فعندها تح ّ‬
‫ل شيء حّتى الوحوش في‬ ‫سماء رمادا ً ودما ً ‪ ،‬ويبكي عليك ك ّ‬‫اللعنة ‪ ،‬وتمطر ال ّ‬
‫الفلوات والحيتان في البحار ( )‪. (1‬‬
‫وكتب ابن زياد إلى ابن سعد ‪ :‬إّني َلم أجعل لك علة في كثرة الخيل والرجال ‪،‬‬
‫ّ‬
‫فانظر ل تمسي ول تصبح إل ّ وخبرك عندي غدوة وعشية ‪ .‬وكان يستحّثه على‬
‫الحرب لست خلون من المحرم)‪.2‬‬

‫كرت آباءها‬‫طف حيث تذ ّ‬‫مد بـال ّ‬‫حشدت كتائبها على ابن مح ّ‬


‫الله أكـبر يـا رواسي هذه ال رض البسيطة زايلي ارجاءها‬
‫يلقى ابن منتجع الصلح كتائبا ً عقد ابن منتجع ال ّ‬
‫سفاح لواءها‬
‫ما كان أوقحها صبيحة قابلت بـالبيض جبهته تريق دماءها‬

‫المشرعة‬
‫ل أوجـهها الحيا ولو أّنه قـطع الـصفا ب ّ‬
‫ل الحيا ملساءها‬ ‫مـا بـ ّ‬
‫ذات الفجور حياءها‬ ‫ة سـكبت بـل ّ‬ ‫ه ُاموي ّ ٌ‬‫مـن أيـن تـنجل أوجـ ٌ‬
‫قهرت بني الزهراء في سلطانها واسـتأصلت بـصفاحها امراءها‬
‫مـلكت عليها المر حّتى حّرمت في الرض مطرح جنبها وثواءها‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬أمالي الصدوق ‪ 71 /‬المجلس الثلثون ‪ ،‬وفي مطالب السؤول ‪ :‬إّنهم عشرون‬
‫ألفا ً ‪ .‬وفي هامش تذكرة الخواص ‪ :‬أّنهم مئة ألف ‪ .‬وفي تحفة الزهار لبن شدقم ‪:‬‬
‫ثمانون ألفا ً ‪ .‬وفي أسرار الشهادة ‪ : 237 /‬سنة آلف فارس وألف ألف راجل ‪.‬‬
‫ولم يذكر أبو الفدا في تأريخه ‪ : 190 / 2‬غير خروج ابن سعد في أربعة آلف والحر‬
‫في ألفين ‪ .‬وفي عمدة القارئ للعيني ‪ : 656 / 7‬كتاب المناقب كان جيش ابن زياد‬
‫ألف فارس رئيسهم الحر ‪ ،‬وعلى مقدمتهم الحصين بن نمير ‪.‬‬
‫مد بن أبي طالب ‪.‬‬ ‫سلم( ‪ ، 101 /‬ومقتل مح ّ‬ ‫))‪ 2‬تظّلم الزهراء )عليها ال ّ‬
‫جهت رأت الـحتوف امـامها ووراءهـا‬ ‫ضـاقت بـها الدنيا فحيث تو ّ‬
‫ولت لـلعّز عـن ظـهر الهوان وطاءها‬ ‫حمام وح ّ‬ ‫فـاستوطأت ظـهر ال ِ‬

‫‪97‬‬
‫طـلعت ثـنّيات الـحتوف بعصبة كـان الـسيوف قضاءها ومضاءها‬
‫لـقلبوبها امـتحن اللـه بـموقف مـحضته فـيهِ صـبرها وبـلءها‬
‫مد وسـيوف نـجدتها على من ساءها‬ ‫كـانت سـواعد آل بـيت مح ّ‬
‫ب الله فـيه لـقاءها‬
‫ن أحــ ّ‬
‫كـره الـحمام لـقاءها فـي ضنكه لـكـ ْ‬
‫ل سـوى الردى أحشاءها‬ ‫فـثوت بـأفئدة صـواد لـم تـجد ريـا ً يـب ّ‬
‫وأراك تـنشىء يا غمام على الورى ظـل وتـروي مـن حياك ظماءها‬
‫طرت عـطشا ً بـقفر ارمـضت أشلءها‬ ‫وقـلـوب أبـناء الـنبي تـف ّ‬
‫ض ما جرعت من الغصص التي قـدحت بـجانحة الـهدى ايراءها‬ ‫وام ّ‬
‫مد حـجب الـنبوة خـدرها وخـباءها‬ ‫هـتك الـطغاة عـلى بـنات مح ّ‬
‫فـتنازعت احـشاءها حرق الجوى وتـجاذبت أيـدي الـعدوّ رداءهـا‬
‫عـجـبا ً لـحلم الله وهـي بـعينه بـرزت تـطيل عـويلها وبـكاءها‬
‫ويـرى مـن الـزفرات تجمع قلبها بـيـد وتـدفع فـي يـد اعـداءها‬
‫ض في كبد )البتولةداءها )‪(1‬‬ ‫مـا كـان اوجـعها لمهجة )أحمد وامـ ّ‬

‫وأنزل ابن سعد الخيل على الفرات فحموا الماء وحالوا بينه وبين سّيد الشهداء ‪،‬‬
‫وَلم يجد أصحاب الحسين طريقا ً إلى الماء حّتى أضّر بهم العطش ‪ ،‬فأخذ الحسين‬
‫فأسا ً وخطا وراء خيمة الّنساء تسع عشرة خطوة نحو القبلة وحفر فنبعت له عين‬
‫م غارت العين وَلم يَر لها أثر ‪ ،‬فأرسل ابن زياد إلى ابن سعد ‪:‬‬ ‫ماء عذب ‪ ،‬فشربوا ث ّ‬
‫ن الحسين يحفر البار ويصيب الماء فيشرب هو وأصحابه فانظر إذا ورد‬ ‫بلغني أ ّ‬
‫عليك كتابي ‪ ،‬فامنعهم من حفر البار ما استطعت وضّيق عليهم غاية التضّييق ‪.‬‬
‫جاج في خمسمئة فارس ونزلوا على الشريعة)‪،2‬‬ ‫فبعث في الوقت عمرو بن الح ّ‬
‫وذلك قبل مقتل الحسين بثلثة أّيام)‪(.3‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬من قصيدة للسّيد حيدر الحّلي رضوان الله عليه ‪.‬‬
‫)‪2‬نفس المهموم للمحدث القمي ‪ ، 116 /‬ومقتل الخوارزمي ‪ ، 244 / 1‬ومقتل‬
‫العوالم ‪. 78 /‬‬
‫)‪3‬الطبري ‪ ، 234 / 6‬وإرشاد المفيد ‪ ،‬ومقتل الخوارزمي الجزء الول ‪ ،‬وكامل ابن‬
‫الثير ‪. 22 / 4‬‬
‫سابع‬‫اليوم ال ّ‬
‫سد ّ عنهم باب‬ ‫من معه ‪ ،‬و ُ‬‫سابع اشتد ّ الحصار على سّيد الشهداء و َ‬ ‫وفي اليوم ال ّ‬
‫ل واحد يعالج لهب العطش ‪ .‬وبطبع الحال‬ ‫الورود ونفد ما عندهم من الماء ‪ ،‬فعاد ك ّ‬
‫ل غّلته‬‫كان العيال بين أنة وحنة وتضور ونشيج ومتطّلب للماء إلى متحر له بما يب ّ‬
‫ن يجدوا‬ ‫ل ذلك بعين أبي علي والغيارى من آله والكارم من صحبه ‪ ،‬وماعسى أ ْ‬ ‫وك ّ‬
‫لهم شيئا وبينهم وبين الماء رماح مشرعة وسيوف مرهفة ‪ ،‬لكن ساقي العطاشى‬ ‫ً‬
‫ل تلك الحالة ‪.‬‬‫َلم يتطامن على تحم ّ‬

‫أو تشتكي العطش الفواطم عنده وبـصدر صعدته الفرات المفعم‬


‫سـّلم‬
‫وَلـو استقى نهر المجّرة لرتقى وطـويـل ذابـله إلـيها ُ‬
‫مته بـما هو أعظم‬ ‫فته هـ ّ‬ ‫َلـو سد ّ ذو القرنين دون وروده نـ َ‬
‫س َ‬
‫فه الـُيمنى الحسام المخذم‬ ‫سقاء يقّله وبـك ّ‬
‫فه اليسرى ال ّ‬
‫فـي كـ ّ‬
‫سحابة للفواطم صوبه فيصيب حاصبه العدو فيرجم )‪(1‬‬ ‫مـثل الـ ّ‬

‫‪98‬‬
‫ن نفسه الكريمة تنازعه إليه قبل‬ ‫مة ‪ ،‬في حين أ ّ‬ ‫هنا قيض أخاه العّباس لهذه المه ّ‬
‫ً‬
‫م إليه عشرين راجل مع عشرين‬ ‫ن يستقي للحرائر والصبية ‪ ،‬وض ّ‬ ‫المطلب ‪ ،‬فأمره أ ْ‬
‫من وُكل بحفظ الشريعة ؛ لّنهم محتفون‬ ‫ّ‬ ‫قربة ‪ ،‬وقصدوا الفرات بالليل غير مبالين ب َ‬
‫من‬ ‫جاج ‪َ :‬‬
‫ح ّ‬
‫دم نافع بن هلل الجملي باللواء ‪ ،‬فصاح عمرو بن ال َ‬ ‫مد وتق ّ‬ ‫بأسد آل مح ّ‬
‫الرجل ؟ قال ‪ :‬جئنا لنشرب من هذا الماء الذي حلتمونا عنه ‪ .‬فقال ‪ :‬اشرب هنيئا ً‬
‫ول تحمل إلى الحسين منه ‪ .‬قال نافع ‪ :‬ل والله ‪ ،‬ل أشرب منه قطرة والحسين‬
‫من معه من آله وصحبه عطاشى ‪ .‬وصاح نافع بأصحابه ‪ :‬املوا أسقيتكم ‪ .‬فشد ّ‬ ‫و َ‬
‫جاج فكان بعض القوم يمل القرب وبعض يقاتل وحاميهم ابن‬ ‫ح ّ‬
‫عليهم أصحاب ابن ال َ‬
‫بجدتها المترّبي في حجر البسالة الحيدرّية أبو الفضل ‪ ،‬فجاؤا بالماء ‪ .‬وليس في‬
‫أعدائهم من تحدثه‬
‫____________________________‬
‫ور الله ضريحه ‪.‬‬ ‫)‪ (1‬من قصيدة للسّيد جعفر الحّلي ن ّ‬
‫نفسه بالدنوّ منهم فرقا ً من ذلك البطل المغوار ‪ ،‬فبلت غلة الحرائر والصبية الطّيبة‬
‫من ذلك الماء )‪. (1‬‬
‫ن تلك الكمّية القليلة من الماء ما عسى أن تجدي ُاولئك الجمع‬ ‫ولكن ل يفوتنا أ ّ‬
‫الذي هو أكثر من مئة وخمسين رجال ً ونساًء وأطفال ً أو أّنهم ينيفون على المئتين ‪،‬‬
‫ن عاد إليهم الظما ‪،‬‬ ‫ومن المقطوع به أّنه َلم ترو أكبادهم إل ّ مّرة واحدة فسرعان أ ْ‬
‫وإلى الله ورسوله المشتكى ‪.‬‬

‫إذا كان ساقي الحوض في الحشر حيدر فـساقي عـطاشي كربلء أبو الفضل‬
‫ن الـناس فـي الـحشر قلبه مـريع وهـذا بـالظلما قـلبه يـغلي‬ ‫عـلى أ ّ‬
‫َ‬
‫ت عـلى مـاء الفرات ولم أزل أقـول لـه والـقول يـحسنه مـثلي‬ ‫وقـف ُ‬
‫ً‬
‫عـلمك تـجري ل جـريت لـوارد وأدركـت يـوما بعض عارك بالغسل‬
‫ل ول نـهل‬ ‫مد لـهـيبا ً ول ابـتّلت بـع ّ‬ ‫أمــا نـشـفت أكـبـاد آل مح ّ‬
‫ذبل‬ ‫م الـ ُ‬‫ى وحـياء مـن شـفاههِ ُ‬ ‫ن تـذوي غصونك ذّبل أسـ ً‬ ‫مـن الـحقّ أ ْ‬
‫ن عذلي‬ ‫ن قـابل عذري ول تكثر ْ‬ ‫ً‬
‫ن كنت سامعا وكـ ْ‬ ‫فـقال اسـتمع للقول إ ْ‬
‫م شغلي‬ ‫ن ذا دمـعي الـذي أنـت نـاظر غـداى جـعلت الـنوح بعدهُ ُ‬ ‫أل إ ّ‬
‫م بـه وهـم صرعي على عطش حولي‬ ‫بـرغـمي أرى مـائي يـلذ سـواه ُ‬
‫مهم أبـا الفضل خيرا ً لو شهدت أبا الفضل‬ ‫جـزى الله عـنهم في المواساة ع ّ‬
‫ي فـلم يـحتج شباه إلى الصقل‬ ‫لـقـد كـان سـيفا ً صـاغه بـيمينه عـل ّ‬
‫مد رآه أخـاهـم مـن رآه بـل فـضل‬ ‫ي محـ ّ‬ ‫إذا عــد ّ ابـنـاء الـنـب ّ‬
‫َ‬
‫م) )‪2‬حـوله الـماء قبله ولـم يـرو مـنه وهو ذو مهجة تغلي‬ ‫ولـم أَر ظـا ٍ‬
‫ً‬
‫ل مـا يـرى هـكذا خـل وفـي ّا مـع الخ ّ‬
‫ل‬ ‫ّ‬
‫ومـا خـطبه إل الـوفاء وقـ ّ‬
‫يـمـينا ً بـيـمناك الـقطيعة والـتي تـسمى شـمال وهـي جامعة الشمل‬
‫ً‬
‫ي بـكربل عـلى الـَهول امر ل يحيط به عقلي‬ ‫بـصبرك دون ابـن الـنب ّ‬
‫و وافــاك ل يـدري افـقدك راعـه أم الـعرش غـالته الـمقادير بـالثل‬
‫____________________________‬
‫مد بن أبي طالب ‪ .‬وعلى هذه الرواية يكون طلبهم للماء في‬ ‫)‪ (1‬مقتل مح ّ‬
‫السابع ‪ ،‬ولعّله هو المنشأ في تخصيص ذكر العّباس بيوم السابع ‪ .‬وفي أمالي‬
‫الصدوق ‪ ، 95 /‬المجلس الثالث ‪ :‬أرسل الحسين بن علي ولده عليا ً الكبر في‬
‫ثلثين فارسا ً وعشرين راجل ً ليستقوا الماء ‪.‬‬
‫) )‪2‬كذا ورد في ديوان الشاعر أبي الحب ‪.‬‬

‫‪99‬‬
‫ااا اااا )‪(1‬‬
‫ااا اااااا اااااااااا اااااا اااااااا اااا ااااا‬

‫غرور ابن سعد‬


‫وأرسل الحسين عمرو بن قرظة النصاري إلى ابن سعد يطلب الجتماع معه ليل ً‬
‫ن‬
‫من معه أ ْ‬ ‫ل منهما في عشرين فارسا ً ‪ ،‬وأمر الحسين َ‬ ‫بين المعسكرين ‪ ،‬فخرج ك ّ‬
‫خر إل ّ العّباس وابنه عليا ً الكبر ‪ ،‬وفعل ابن سعد كذلك وبقي معه ابنه حفص‬ ‫يتأ ّ‬
‫وغلمه ‪.‬‬
‫فقال الحسين ‪)) :‬يابن سعد أتقاتلني ؟ أما تتقي الله الذي إليه معادك ؟! فأنا ابن‬
‫ت ! أل تكون معي وتدع هؤلء فإّنه أقرب إلى الله تعالى ؟ (قال عمر ‪:‬‬ ‫من قد علم َ‬ ‫َ‬
‫ن تؤخذ‬‫ن تهدم داري ‪ .‬قال الحسين ‪)) :‬أنا أبنيها لك (‪ .‬فقال ‪ :‬أخاف أ ْ‬ ‫أخاف أ ْ‬
‫ً‬
‫سلم ‪)) :‬أنا أخلف عليك خيرا منها من مالي بالحجاز )‪،2‬‬ ‫ضيعتي ‪ .‬قال عليه ال ّ‬
‫ويروى أّنه قال لعمر ‪)) :‬أعطيك البغيبغة (‪ ،‬وكانت عظيمة فيها نخل وزرع كثير ‪،‬‬
‫ن لي بالكوفة‬ ‫دفع معاوية فيها ألف ألف دينار فَلم يبعها منه)‪ .3‬فقال ابن سعد ‪ :‬إ ّ‬
‫عيال ً وأخاف عليهم من ابن زياد القتل ‪ .‬ولما أيس منه الحسين قام وهو يقول ‪:‬‬
‫))مالك ‪ ،‬ذبحك الله على فراشك عاجل ً ‪ ،‬ول غفر لك يوم حشرك ‪ ،‬فوالله إّني‬
‫ن ل تأكل من ب َّر العراق إل يسيرا ً (‪ .‬قال ابن سعد مستهزءا ً ‪ :‬في الشعير‬ ‫لرجو أ ْ‬
‫كفاية)‪(.4‬‬
‫ما رجع من كربلء‬ ‫وأول ما شاهده من غضب الله عليه ذهاب ولية الري ‪ ،‬فإّنه ل ّ‬
‫دد‬
‫دعى ابن سعد ضياعه ‪ ،‬فش ّ‬ ‫طالبه ابن زياد بالكتاب الذي كتبه بولية الري ‪ ،‬فا ّ‬
‫عليه باحضاره ‪ ،‬فقال له ابن سعد ‪ :‬تركته يقرأ على عجائز قريش اعتذارا ً منهن ‪،‬‬
‫قه ‪.‬‬‫أما والله لقد نصحتك بالحسين نصيحة َلو نصحتها أبي سعدا ً كنت قد أديت ح ّ‬
‫ن في أنف ك ّ‬
‫ل‬ ‫تأ ّ‬ ‫فقال عثمان بن زياد أخو عبيد الله ‪ :‬صدق ‪ ،‬ودد ُ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬للشيخ محسن أبو الحب الحائري رحمه الله ‪.‬‬
‫)‪2‬مقتل العوالم ‪. 78 /‬‬
‫سلم( ‪. 103 /‬‬ ‫)‪3‬تظّلم الزهراء )عليها ال ّ‬
‫سلم( ‪ ، 103 /‬ومقتل الخوارزمي ‪. 245 / 1‬‬ ‫)‪4‬تظّلم الزهراء )عليها ال ّ‬
‫ن الحسين َلم ُيقتل )‪. (1‬‬ ‫رجل من بني زياد خزامة إلى يوم القيامة وإ ّ‬
‫ما أعطاه المان ‪ ،‬استأجر نساء يبكين على‬ ‫وكان من صنع المختار معه أّنه ل ّ‬
‫الحسين ويجلسن على باب دار عمر بن سعد ‪ ،‬وكان هذا الفعل يلفت نظر الماّرة‬
‫ن صاحب هذا الدار قاتل سّيد شباب أهل الجّنة ‪ ،‬فضجر ابن سعد من ذلك‬ ‫إلى أ ّ‬
‫وكّلم المختار في رفعهن عن باب داره ‪ ،‬فقال المختار ‪ :‬أل يستحقّ الحسين البكاء‬
‫عليه)‪( .2‬‬
‫مروا عليهم عمر بن سعد بعد موت يزيد بن معاوية ؛‬ ‫ن يؤ ّ‬‫ما أراد أهل الكوفة أ ْ‬ ‫ول ّ‬
‫لينظروا في أمرهم ‪ ،‬جاءت نساء همدان وربيعة ‪ ،‬إلى الجامع العظم صارخات‬
‫مر ‪ .‬فبكى الّناس وأعرضوا‬ ‫ن يتأ ّ‬‫يقلن ‪ :‬ما رضي ابن سعد بقتل الحسين حّتى أراد أ ْ‬
‫عنه)‪(.3‬‬

‫افتراء ابن سعد‬


‫وافتعل ابن سعد علي أبي الضيم ما َلم يقله ‪ ،‬وكتب إلى ابن زياد زعما ً منه أ ّ‬
‫ن فيه‬
‫ن الله أطفأ الّنائرة وجمع‬‫ما بعد فإ ّ‬
‫مة وجمال النظام فقال في كتابه ‪ :‬أ ّ‬ ‫صلح ال ُ ّ‬
‫ن يرجع إلى المكان الذي منه‬ ‫مة ‪ ،‬وهذا حسين أعطاني أ ْ‬ ‫الكلمة وأصلح أمر ال ُ ّ‬

‫‪100‬‬
‫ن يسير إلى ثغر من الثغور ‪ ،‬فيكون رجل ً من المسلمين له ما لهم وعليه‬ ‫أتى ‪ ،‬أو أ ْ‬
‫ن يأتي أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه‬ ‫ما عليهم ‪ ،‬أو أ ْ‬
‫مة صلح)‪(.4‬‬ ‫ُ‬
‫ى لكم ولل ّ‬ ‫رأيه ‪ ،‬وفي هذا رض ً‬
‫من علم الّناس الصبر على المكاره وملقاة الحتوف ـ‬ ‫ّ‬ ‫ن يكون ذلك البي و َ‬ ‫وهيهات أ ْ‬
‫ً‬
‫طوع ابن مرجانة ومنقادا لبن آكلة الكباد ! أليس هو القائل لخيه الطرف ‪:‬‬
‫))والله ل أعطي الدنّية من نفسي (‪ .‬ويقول لبن الحنفّية ‪َ)) :‬لو َلم يكن ملجأ لما‬
‫ن هناك مصرعي‬ ‫بايعت يزيد (‪ .‬وقال لزرارة بن صالح ‪)) :‬إّني أعلم علما ً يقينا ً أ ّ‬
‫ومصارع أصحابي ‪ ،‬ول ينجو منهم إل ّ ولدي علي (‪ .‬وقال لجعفر بن‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬تاريخ الطبري ‪. 268 / 6‬‬
‫) )‪2‬العقد الفريد ‪ ،‬باب نهضة المختار ‪.‬‬
‫)‪ (3‬مروج الذهب ‪ ، 105 / 2‬في أخبار يزيد ‪.‬‬
‫ب الشراف ‪ ، 15 /‬وتهذيب التهذيب ‪. 253 / 2‬‬ ‫)‪ (4‬التحاف بح ّ‬
‫الصفحة )‪(207‬‬
‫سليمان الضبعي ‪)) :‬إّنهم ل يدعوني حّتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي (‪.‬‬
‫ي قد ركز بين اثنتين بين السلةّ‬ ‫ي ابن الدع ّ‬ ‫ن الدع ّ‬ ‫وآخر قوله يوم الطف ‪)) :‬أل وإ ّ‬
‫والذّلة وهيهات مّنا الذّلة ‪ ،‬يأبي الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت‬
‫ن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام (‪.‬‬ ‫وطهرت وُانوف حمّية ونفوس أبّية من أ ْ‬
‫سر الحال التي كان عليها أبو عبد الله عليه‬ ‫ن حديث عقبة بن سمعان يف ّ‬ ‫وإ ّ‬
‫كة ومنها إلى‬‫كة ومنها إلى م ّ‬ ‫سلم ‪ ،‬قال ‪ :‬صحبت الحسين من المدينة إلى م ّ‬ ‫ال ّ‬
‫ت منه ما يتذاكر‬ ‫العراق وَلم ُافارقه حّتى ُقتل ‪ ،‬وقد سمعت جميع كلمه فما سمع ُ‬
‫ن يسيره إلى ثغر من الثغور ل في‬ ‫ن يضع يده في يد يزيد ول أ ْ‬ ‫فيه الّناس من أ ْ‬
‫المدينة ول في مكة ول في الطريق ول في العراق ول في عسكره إلى حين‬ ‫ّ‬
‫قتله ‪ ،‬نعم سمعته يقول ‪)) :‬دعوني أذهب إلى هذه الرض العريضة ( )‪. (1‬‬
‫طغيان الشمر‬
‫ما قرأ ابن زياد كتاب ابن سعد قال ‪ :‬هذا كتاب ناصح مشفق على قومه ‪ .‬وأراد‬ ‫ول ّ‬
‫ن نزل بأرضك ؟ والله ‪،‬‬ ‫أن يجيبه ‪ ،‬فقام الشمر)‪ ،2‬وقال ‪ :‬أتقبل هذا منه بعد أ ْ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬الطبري ‪. 235 / 6‬‬
‫)‪2‬في البداية لبن كثير ج ‪ 8‬ص ‪ 188‬كان الحسين يحدث أصحابه في كربل بما‬
‫قاله جده )صّلى الله عليه وآله( ‪ :‬كأني انظر إلى كلب ابقع يلغ في دماء أهل بيتي‬
‫ولما رأى الشمر ابرص قال هو الذي يتولى قتلي ! وفي العلق النفيسة لبن‬
‫رسته ص ‪ 222‬كان الشمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين ابرص ‪ .‬وفي ميزان‬
‫العتدال للذهبي ج ‪ 1‬ص ‪ 449‬كان شمر بن ذي الجوشن احد قتلة الحسين )ع(‬
‫ليه السلمفليس للرواية بأصل ولما قيل له كيف اعنت على ابن فاطمة قال ‪ :‬ان‬
‫امراءنا امرونا فلو خالفناهم كنا أشد من الحمر الشقاء قال الذهبي وهذا عذر قبيح‬
‫فانما الطاعة في المعروف ‪ .‬وفي كتاب صفين لنصر بن مزاحم ص ‪ 303‬وما‬
‫بعدها ‪ .‬طبع مصر ‪ :‬كان شمر بن ذي الجوشن مع أمير المؤمنين )ع( ليه‬
‫السلمفي صفين ‪ ،‬وخرج من أصحاب معاوية )أدهم بن محرزيطلب المبارزة‬
‫فخرج اليه شمر بن ذي الجوشن واختلفا بضربتين ‪ ،‬ضربه أدهم على جبينه فاسرع‬
‫السيف حتى خالط العظم وضربه شمر فلم يصنع فيه شيئا ً ‪ ،‬فرجع الشمر الى‬
‫عسكره يشرب الماء واخذ رمحا ً وقال ‪:‬‬

‫‪101‬‬
‫)ااا اااا اااا ااااا ااااا اا اا ااا ااااا‬
‫ااااا ااا ااااا ااااا ااااا اااااا اا ااااا(‬
‫فحمل على أدهم وهو ثابت فطعنه فوقع عن فرسه وحمله أصحابه فانصرف شمر‬
‫‪...‬‬
‫وفي نفح الطيب للمقريزي ج ‪ 2‬ص ‪ 143‬مطبعة ‪ 1‬عيسى البابي مطبوعات دار‬
‫المأمون ان الصميل بن حاتم بن الشمر بن ذي الجوشن كان رأس المضرية‬
‫متحامل ً على اليمانية )وهذه العبارة واردة في طبعة بيروت ج ‪ 1‬ص ‪= 222‬‬
‫تحقيق محمد محيي الدين‪.‬‬
‫وفي حاشية الكتاب ‪ ،‬كان حاتم بن الشمر مع أبيه في الكوفة ولما قتل المختار‬
‫شمر بن ذي الجوشن هرب ابنه الى قنسرين ‪ .‬وفي ص ‪ 145‬ذكر ان الصميل‬
‫كان واليا ً على سر قسطة ثم فارقها وتولى على طليطلة ‪ .‬وفي كتاب الحلة‬
‫السيراء لبن البار ج ‪ 1‬ص ‪ 67‬لما ظهر المختار بالكوفة فر الشمر بن ذي‬
‫الجوشن قاتل الحسين بن علي الى الشام بأهله وولده ‪ ،‬فاقام بها في عز ومنعة ‪،‬‬
‫وقيل قتله المختار وفر ولده إلى ان خرج كلثوم بن عياض القشيري غازيا ً الى‬
‫المغرب ‪ ،‬فكان الصميل ممن ضرب عليه البعث في اشراف أهل الشام ودخل‬
‫الندلس في طاعة بلج بن بشر وهو الذي قام بأمر المضرية في الندلس عندما‬
‫أظهر أبو الخطار الحسام بن ضرار الكلبي العصبية لليمانية ومات الصميل في‬
‫سجن عبد الرحمن بن معاوية سنة ‪ 142‬وكان شاعرا ً ‪ .‬وفي تاريخ علماء الندلس‬
‫لبن الفوطي ج ‪ 1‬ص ‪ 234‬باب الشين ‪ ،‬شمر بن ذي الجوشن الكلعي من أهل‬
‫الكوفة هو الذي قدم برأس الحسين )ع( ليه السلمعلى يزيد بن معاوية ولما ظهر‬
‫المختار هرب بعياله منه ثم خرج كلثوم بن عياض غازيا ً المغرب ودخل الى‬
‫الندلس في طالعة بلج ‪ ،‬وهو جد الصميل بن حاتم بن شمر القيسي صاحب‬
‫الفهرى ا هـ والصح ما ذكره الدينوري في الخبار الطوال ‪ 296‬ان شمر بن ذي‬
‫الجوشن قتله أصحاب المختار بالمذار وبعث برأسه الى محمد ابن الحنفية وفي‬
‫العلق النفيسة لبن رسته ص ‪ 222‬كان الشمر بن ذي الجوشن ابرص وفي‬
‫تاريخ الطبري ج ‪ 7‬ص ‪ 122‬وكامل ابن الثير ج ‪ 4‬ص ‪ 92‬حوادث سنة ‪ 65‬كان‬
‫الشمر ابرص يرى بياض برصه على كشحه ‪.‬‬
‫وة وتكون أولى‬ ‫لئن رحل من بلدك وَلم يضع يده في يدك ليكوّنن أولى بالق ّ‬
‫ما بعد ‪ ،‬إّني َلم أبعثك‬ ‫بالضعف والوهن ‪ ،‬فاستصوب رأيه وكتب إلى ابن سعد ‪ :‬أ ّ‬
‫سلمة ول لتكون له عندي شفيعا ً ‪،‬‬ ‫ف عنه ول لتطاوله ول لتمنيه ال ّ‬ ‫إلى الحسين لتك ّ‬
‫ن أبوا‬ ‫ً‬
‫سلما ‪ .‬وإ ْ‬ ‫ي ِ‬‫ن نزل حسين وأصحابه على حكمي ‪ ،‬فابعث بهم إل ّ‬ ‫ُانظر فإ ْ‬
‫ن ُقتل حسين‬ ‫قون ‪ ،‬فإ ْ‬ ‫فازحف إليهم حّتى تقتلهم وتمّثل بهم ؛ فإّنهم لذلك مستح ّ‬
‫ت أرى أّنه ُيضّر بعد الموت ‪ ،‬ولكن على قول‬ ‫فاوطىء الخيل صدره وظهره ‪ ،‬ولس ُ‬
‫سامع‬‫ت لمرنا فيه جزيناك جزاء ال ّ‬ ‫ن أنت مضي َ‬ ‫قلته ‪َ :‬لو قتلُته لفعل ُ‬
‫ت هذا به ‪ .‬فإ ْ‬
‫ل بين شمر بن ذي الجوشن وبين‬ ‫ت فاعتزل عملنا وجندنا وخ ّ‬ ‫ن أبي َ‬
‫المطيع ‪ ،‬وإ ْ‬
‫العسكر ‪ ،‬فإّنا قد أمرناه بذلك )‪. (1‬‬
‫ما جاء الشمر بالكتاب ‪ ،‬قال له ابن سعد ‪ :‬ويلك ل قرب الله دارك ‪ ،‬وقّبح الله‬ ‫فل ّ‬
‫ن يصلح ‪،‬‬ ‫ً‬
‫ن أّنك الذي نهيته وافسدت علينا أمرا رجونا أ ْ‬ ‫ما جئت به ‪ ،‬وإّني لظ ّ‬
‫ن نفس أبيه بين جنَبيه ‪.‬‬ ‫والله ل يستسلم حسين فا ّ‬
‫ل بيني وبين‬ ‫فقال الشمر ‪ :‬أخبرني ما أنت صانع ‪ ،‬أتمضي لمر أميرك ؟ وإل ّ فخ ّ‬
‫العسكر ‪ .‬قال له عمر ‪ :‬أنا أتوّلي ذلك ‪ ،‬ول كرامة لك ‪ ،‬ولكن كن أنت على‬
‫جالة)‪.2‬‬‫الر ّ‬

‫‪102‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬ابن الثير ‪. 23 / 4‬‬
‫)‪2‬الطبري ‪. 236 / 6‬‬
‫المان‬
‫وصاح الشمر بأعلى صوته ‪ :‬أين بنو ُاختنا )‪ (1‬؟ أين العّباس وإخوته ؟ ‪ ،‬فأعرضوا‬
‫عنه ‪ ،‬فقال الحسين ‪)) :‬أجيبوه وَلو كان فاسقا ً (‪ ،‬قالوا ‪ :‬ما شأنك وما تريد ؟‬
‫قال ‪ :‬يا بني ُاختي أنتم آمنون ‪ ،‬ل تقتلوا أنفسكم مع الحسين ‪ ،‬والزموا طاعة أمير‬
‫المؤمنين يزيد ‪ .‬فقال العّباس ‪ :‬لعنك الله ولعن أمانك ‪ ،‬أتؤمننا وابن رسول الله ل‬
‫ن ندخل في طاعة اللعناء وأولد اللعناء)‪( .3‬‬ ‫أمان له)‪ ،2‬وتأمرنا أ ْ‬
‫ن هذا الجلف الجافي أن يستهوي رجل الغيرة والحمّية إلى الخسف وآله وان ‪،‬‬ ‫أيظ ّ‬
‫وة وينضوي إلى راية ابن‬ ‫َ‬
‫فيستبدل أبو الفضل الظلمة بالنور ‪ ،‬ويدع عَلم النب ّ‬
‫ميسون ؟! كل ّ ‪.‬‬
‫دثك بحديث وعيته ؟ قال ‪:‬‬ ‫ُ‬
‫ما رجع العّباس ‪ ،‬قام إليه زهير بن القين وقال ‪ :‬اح ّ‬ ‫ول ّ‬
‫ما أراد أبوك أن يتزّوج ‪ ،‬طلب من أخيه عقيل ـ وكان عارفا ً بأنساب‬ ‫بلى ‪ ،‬فقال ‪ :‬ل ّ‬
‫ن يختار له امرأةً ولدتها الفحولة من العرب ؛ ليتزّوجها فتلد غلما ً شجاعا ً‬ ‫العرب ـ أ ْ‬
‫صر عن نصرة‬ ‫ينصر الحسين بكربلء ‪ ،‬وقد اّدخرك أبوك لمثل هذا اليوم ‪ ،‬فل تق ّ‬
‫جعني يا زهير في مثل هذا اليوم ؟!‬ ‫أخيك وحماية أخواتك ‪ .‬فقال العّباس ‪ :‬أتش ّ‬
‫َ‬
‫دل أبطال ً ونكس رايات في حالة لم يكن من‬ ‫والله لريّنك شيئا ً ما رأيَته)‪ ،4‬فج ّ‬
‫مه إيصال الماء إلى عيال أخيه ‪.‬‬ ‫مه القتال ول مجالدة البطال ‪ ،‬بل ه ّ‬ ‫ه ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬في جمهرة أنساب العرب لبن حزم ‪ 261 /‬و ‪ 265‬قال ‪ :‬أولد كلب بن‬
‫ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن‬
‫حفصة بن قيس عيلن بن مضر ‪ ،‬أحد عشر ولدا ً منهم ؛ كعب ‪ ،‬والضباب ‪ .‬فمن‬
‫م البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد‬ ‫ولد كعب بنو الوحيد الذين منهم ا ُ ّ‬
‫كانت تحت علي بن أبي طالب فولدت له محمدا ً الصغر وعثمان وجعفر‬
‫والعّباس ‪ ،‬وفي صفحة ‪ 270‬ذكر بني الضباب فقال ‪ :‬منهم الشمر بن ذي الجوشن‬
‫قاتل الحسين واسم ذي الجوشن جميل بن العور عمرو بن معاوية وهو الضاب ‪.‬‬
‫ومن ولده الصميل بن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن ساد بالندس وله بها عقب‬
‫ونزالتهم بالخشيل من شوذر من عمل جّيان ‪.‬‬
‫وفي العقد الفريد ‪ 83 / 2‬عند ذكر مذحج قال ‪ :‬الضباب في بني الحارث بن كعب‬
‫ن الشمر من بني‬ ‫مفتوحة الضاد وفي بني عامر بن صعصعة مسكورة وحيث أ ّ‬
‫عامر بن صعصعة يكون الضباب بكسر الضاد ‪.‬‬
‫)‪2‬تذكرة الخواص ‪ : 142 /‬حكاه عن جده أبي الفرج في المنتظم وإعلم الورى ‪/‬‬
‫‪. 28‬‬
‫)‪3‬ابن نما ‪. 28 /‬‬
‫)‪4‬أسرار الشهادة ‪. 387 /‬‬
‫يـمثل الـكّرار فـي كـّراته بل في المعاني الغّر من صفاته‬
‫لـيس يـد الله سـوى أبـيه وقــدرة الله تـجـّلت فـيه‬
‫فـهو يـد الله وهـذا سـاعده تـغنيك عـن إثـباته مشاهده‬
‫و قلت جلت قدرته )‪(1‬‬ ‫صـولته عـند النزال صولته لول الغل ّ‬

‫بنو أسد‬

‫‪103‬‬
‫ن يأتي بني أسد وكانوا نزول ً بالقرب‬ ‫واستأذن حبيب بن مظاهر من الحسين أ ْ‬
‫ما أتاهم وانتسب لهم عرفوه ‪ ،‬فطلب منهم نصرة ابن بنت‬ ‫منهم فأِذن له ‪ ،‬ول ّ‬
‫ً‬
‫ن معه شرف الدنيا والخرة ‪ ،‬فأجابه تسعون رجل ‪ ،‬وخرج من الحي‬ ‫رسول الله فإ ّ‬
‫م إلى الزرق أربعمئة رجل وعارضوا‬ ‫رجل أخبر ابن سعد بما صاروا إليه ‪ ،‬فض ّ‬
‫من سِلم منهم إلى‬ ‫قتل جماعة من بني أسد وفّر َ‬ ‫الّنفر في الطريق واقتتلوا ‪ ،‬ف ُ‬
‫ن يبغتهم ‪ ،‬ورجع حبيب‬ ‫ً‬
‫جوف الليل خوفا من ابن سعد أ ْ‬ ‫الحي فارتحلوا جميعا ً في َ‬
‫وة إل ّ بالله العظيم )‪.2‬‬
‫إلى الحسين وأخبره ‪ ،‬فقال ‪)) :‬ل حول ول ق ّ‬

‫اليوم التاسع‬
‫ونهض ابن سعد عشّية الخميس لتسع خلون من المحّرم ‪ ،‬ونادى في عسكره‬
‫سلم جالسا ً أمام بيته محتبيا ً بسيفه ‪ ،‬وخفق‬ ‫بالزحف نحو الحسين ‪ ،‬وكان عليه ال ّ‬
‫برأسه فرأى رسول الله يقول ‪ :‬اّنك صائر إلينا عن قريب ‪ .‬وسمعت زينب أصوات‬
‫الرجال وقالت لخيها ‪ :‬قد اقترب العدوّ مّنا‪.‬‬
‫ما‬‫فقال لخيه العّباس ‪)) :‬اركب بنفسي أنت)‪3‬حّتى تلقاهم ‪ ،‬واسألهم ع ّ‬
‫____________________________‬
‫مد حسين الصفهاني قدس سره ‪.‬‬ ‫جة آية الله الشيخ مح ّ‬ ‫)‪ (1‬للح ّ‬
‫مد بن أبي طالب الحائري ‪ ،‬ومقتل الخوارزمي ‪. 243 / 1‬‬ ‫)‪2‬البحار عن مقتل مح ّ‬
‫)‪3‬الطبري ‪ ، 137 / 6‬وروضة الواعظين ‪ ، 157 /‬والرشاد للمفيد ‪ ،‬والبداية لبن‬
‫كثير ‪. 176 / 8‬‬
‫غير خاف ما في هذه الكلمة الذهبية من مغزى دقيق ‪ ،‬ترى الفكر يسف عن مداه‬
‫وأّنى له أن يحلق إلى ذروة الحقيقة من ذات طاهرة ُتفتدى بنفس المام عّلة‬
‫ن جربها‬ ‫الكائنات والفيض القدس للممكنات ‪ .‬نعم ‪ ،‬عرفها البصير الناقد بعد أ ْ‬
‫م أطلق عليها تلك الكلمة الغالية ‪ ،‬ول‬ ‫بمحك النزاهة فوجدها مشبوبة بجنسها ث ّ‬
‫يعرف الفضل إل ّ أهله ‪ .‬ول يذهب بك الوهم أّيها القارئ إلى القول بعدم الهمّية‬
‫في هذه الكلمة بعد قول المام )ع( في زيارة الشهداء من زيارة وارث ‪)) :‬بأبي‬
‫ن المام )ع( في هذه‬ ‫مي ‪ ،‬طبتم وطابت الرض التي فيها دفنتم (؛ ل ّ‬ ‫أنتم وا ُ ّ‬
‫سلم في مقام تعليم صفوان‬ ‫الزيارة َلم يكن هو المخاطب لهم واّنما هو عليه ال ّ‬
‫جد‬
‫ص كما في مصباح المته ّ‬ ‫ن الرواية تن ّ‬ ‫ن يخاطبهم بذلك ‪ ،‬فإ ّ‬ ‫مال عند زيارتهم أ ْ‬ ‫الج ّ‬
‫ن يعّرفه ما‬ ‫ن صفوان استأذن الصادق في زيارة الحسين وأ ْ‬ ‫للشيخ الطوسي أ ّ‬
‫ن‬
‫يقوله ويعمل عليه فقال له ‪)) :‬يا صفوان ‪ ،‬صم قبل خروجك ثلثة أّيام ـ إلى أ ْ‬
‫م‬
‫ن قال ـ ‪ :‬ث ّ‬ ‫م ساق الزيارة إلى أ ْ‬ ‫قل ‪ :‬الله أكبر ـ ث ّ‬ ‫م إذا أتيت الحائر ف ُ‬ ‫قال ـ ‪ :‬ث ّ‬
‫جه إلى الشهداء وُقل ‪:‬‬ ‫َ‬
‫اخرج من الباب الذي يلي رجلي علي بن الحسين وتو ّ‬
‫سلم عليكم يا أولياء الله ‪( ...‬إلى آخرها ‪ .‬فالمام الصادق )ع( في مقام تعليم‬ ‫ال ّ‬
‫ل على‬ ‫سلم على الشهداء ذلك ‪ ،‬وليس في الرواية ما يد ّ‬ ‫ن يقول في ال ّ‬ ‫صفوان أ ْ‬
‫سلم على الشهداء ‪.‬‬ ‫سلم كيف يقول لو أراد ال ّ‬ ‫أّنه عليه ال ّ‬
‫جاءهم وما الذي يريدون ؟ (‪ ،‬فركب العّباس في عشرين فارسا ً فيهم زهير وحبيب‬
‫ن نعرض عليكم الّنزول على حكمه ‪ ،‬أو‬ ‫‪ ،‬وسألهم عن ذلك قالوا ‪ :‬جاء أمر المير أ ْ‬
‫ننازلكم الحرب ‪.‬‬
‫فانصرف العّباس )ع( ُيخبر الحسين بذلك ‪ ،‬ووقف أصحابه يعظون القوم ‪ .‬فقال‬
‫لهم حبيب بن مظاهر ‪ :‬أما والله لبئس القوم عند الله غدا ً ‪ ،‬قوم يقدمون عليه‬
‫وقد قتلوا ذرّية نبّيه وعترته وأهل بيته وعّباد أهل هذا المصر المتهجدين بالسحار‬
‫كي نفسك ما استطعت ‪.‬‬ ‫الذاكرين الله كثيرا ً ‪ .‬فقال له عزرة بن قيس ‪ :‬إّنك لتز ّ‬

‫‪104‬‬
‫كاها وهداها فاّتق الله يا عزرة ‪ ،‬فإّني لك من‬ ‫ن الله قد ز ّ‬ ‫فقال زهير ‪ :‬يا عزرة ‪ ،‬إ ّ‬
‫من يعين أهل الضللة على قتل‬ ‫ن ل تكون م ّ‬ ‫الّناصحين ‪ُ ،‬انشدك الله يا عزرة أ ْ‬
‫ت عندنا من شيعة أهل هذا البيت ‪،‬‬ ‫م قال عزرة ‪ :‬يا زهير ما كن َ‬ ‫الّنفوس الزكّية ‪ .‬ث ّ‬
‫ل بموقفي هذا أّني منهم ‪ ،‬أما‬ ‫ت تستد ّ‬ ‫ت على غير رأيهم ‪ .‬قال زهير ‪ :‬أفلس َ‬ ‫إّنما كن َ‬
‫ّ‬
‫ت إليه كتابا قط ‪ ،‬ول أرسلت إليه رسول ً ‪ ،‬ول وعدته نصرتي ولك ّ‬
‫ن‬ ‫ً‬ ‫والله ما كتب ُ‬
‫ت ما‬‫ت به رسول الله ومكانه منه ‪ ،‬وعرف ُ‬ ‫ما رأيته ذكر ُ‬‫الطريق جمع بيني وبينه ‪ ،‬فل ّ‬
‫ن أنصره وأن أكون من حزبه وأجعل نفسي دون نفسه‬ ‫يقدم عليه عدّوه ‪ ،‬فرأيت أ ْ‬
‫؛ لما ضّيعتم من حقّ رسوله ‪.‬‬
‫وأعلم العّباس أخاه أباعبد الله بما عليه القوم فقال )ع( ‪)) :‬ارجع إليهم ‪،‬‬
‫واستمهلهم هذه العشّية إلى غد ‪ ،‬لعّلنا نصّلي لرّبنا الليلة وندعوه ونستغفره ‪ ،‬فهو‬
‫ب الصلة له وتلوة كتابه وكثرة الدعاء والستغفار‪.‬‬ ‫يعلم أّني ُاح ّ‬
‫فرجع العّباس واستمهلهم العشّية ‪ .‬فتوّقف ابن سعد وسأل من الّناس فقال عمرو‬
‫ن‬
‫جاج ‪ :‬سبحان الله ! لو كانوا من الديلم وسألوك هذا لكان ينبغي لك أ ْ‬ ‫ح ّ‬
‫بن ال َ‬
‫تجيبهم إليه ‪ .‬وقال قيس بن الشعث ‪ :‬أجبهم إلى ما سألوك ‪ ،‬فَلعمري ليستقبلك‬
‫م‬
‫خرتهم العشية ‪ .‬ث ّ‬ ‫بالقتال غدوة ‪ .‬فقال ابن سعد ‪ :‬والله لو أعلم أّنه يفعل ما أ ّ‬
‫ن استسلمتم سرحنا بكم إلى المير‬ ‫جلناكم إلى غد ‪ ،‬فإ ْ‬ ‫بعث إلى الحسين ‪ :‬إّنا أ ّ‬
‫ن أبيتم فلسنا تاركيكم )‪. (1‬‬ ‫ابن زياد ‪ ،‬وإ ْ‬

‫ضـّلـت ُامـّيـة مـاتر يـد غـداة مقترع النصول‬


‫رامـت تـسوق المصعب الـهـدار مـستاق الـذليل‬
‫ويــروح طـوع يـمينها قـود الـجنيب أبو الشبول‬
‫طهر مـمتنع الحصول‬ ‫رامـت لـعمرو اْبن النبي الـ ّ‬
‫ممت قـصد الـمحال فـما رعـت غير المحول‬ ‫وتـي ّ‬
‫ورنـت على السغب السرا ب بـأعين في المجد حول‬
‫وغـوى بـها جـهل بـها والبغي من خلق الجهول )‪(2‬‬

‫الضمائر الحّرة‬
‫وجمع الحسين أصحابه قرب المساء قبل مقتله بليلة) )‪3‬فقال ‪ُ) :‬اثني على الله‬
‫ن أكرمتنا‬ ‫م إّني أحمدك على أ ْ‬ ‫أحسن الثناء وأحمده على السّراء والضّراء ‪ ،‬الله ّ‬
‫قهتنا في الدين ‪ ،‬وجعلت لنا أسماعا ً وأبصارا ً وأفئدةً ‪،‬‬ ‫وة ‪ ،‬وعّلمتنا القرآن وف ّ‬
‫بالنب ّ‬
‫ما بعد ‪ ،‬فإّني ل أعلم أصحابا ً أولى ول خيرا ً من‬ ‫وَلم تجعلنا من المشركين ‪ .‬أ ّ‬
‫أصحابي ‪ ،‬ول أهل بيت أبّر ول أوصل من أهل بيتي ‪ ،‬فجزاكم الله عّني جميعًا))‪.4‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬الطبري ‪. 337 / 6‬‬
‫)‪2‬للكعبي رحمه الله ‪.‬‬
‫)‪3‬اثبات الرجعة للفضل بن شاذان ‪ ،‬هكذا عرفه وهو بالغيبة أنسب فاّنه لو يوجد‬
‫فيه من أخبار الرجعة إل حديث واحد ‪.‬‬
‫)‪4‬الطبري ‪ 238 / 6‬ـ ‪ ، 239‬وكامل ابن الثير ‪. 34 / 4‬‬
‫ل أرضا ً يقال لها‬ ‫دي رسول الله )ص( بأّني سُاساق إلى العراق فأنز ُ‬ ‫وقد أخبرني ج ّ‬
‫ن يومنا من هؤلء‬ ‫ُ‬
‫عمورا وكربلء ‪ ،‬وفيها استشهد ‪ .‬وقد قرب الموعد ‪ .‬أل وإّني أظ ّ‬
‫ل ليس عليكم مّني ذمام ‪.‬‬ ‫العداء غدا ً ‪ .‬وإّني قد أِذنت لكم فأنطلقوا جميعا ً في ح ّ‬
‫ل رجل منكم بيد رجل من أهل‬ ‫وهذا الليل قد غشيكم فاّتخذوه جمل ً ‪ ،‬وليأخذ ك ّ‬

‫‪105‬‬
‫ن القوم إّنما‬ ‫بيتي ‪ ،‬فجزاكم الله جميعا ً خيرا ً ! وتفّرقوا في سوادكم ومدائنكم ‪ ،‬فإ ّ‬
‫يطلبونني ‪ ،‬وَلو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري ( )‪. (1‬‬
‫م نفعل ذلك ؟ لنبقى‬ ‫فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر ‪ :‬ل ِ َ‬
‫بعدك ؟! ل أرانا الله ذلك أبدا ً ‪ .‬بدأهم بهذا القول العّباس بن علي وتابعه‬
‫الهاشمّيون ‪.‬‬
‫والتفت الحسين إلى بني عقيل وقال ‪)) :‬حسبكم من القتل بمسلم ‪ ،‬اذهبوا قد‬
‫أِذنت لكم (‪ .‬فقالوا ‪ :‬إذا ً ما يقول الّناس ‪ ،‬وما نقول لهم ؟ أّنا تركنا شيخنا وسّيدنا‬
‫م نضرب‬ ‫م نطعن برمح ول َ ْ‬ ‫م نرم ِ معهم بسهم ول َ ْ‬ ‫وبني عمومتنا خير العمام ؟! ول َ ْ‬
‫بسيف ‪ ،‬ول ندري ما صنعوا ؟! ل والله ل نفعل ‪ ،‬ولكن نفيدك بأنفسنا وأموالنا‬
‫وأهلينا ‪ ،‬نقاتل معك حّتى نرد موردك ‪ ،‬فقّبح الله العيش بعدك)‪.2‬‬
‫ااااا اااا اااا اااا ااااا اااا اااا ااااا اااا ااااا‬
‫ااا اااا ااااااا اااا ااااا ااا اااا ااااااا اااااااا )‪(3‬‬
‫وقال مسلم بن عوسجة ‪ :‬أنحن نخّلي عنك ؟ وبماذا نعتذر إلى الله في أداء‬
‫قك ؟ أما والله ‪ ،‬ل ُافارقك حّتى أطعن في صدورهم برمحي وأضرب بسيفي ما‬ ‫ح ّ‬
‫م يكن معي سلح اقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة حّتى أموت‬ ‫ُ‬ ‫َ‬
‫ثبت قائمه بيدي ‪ ،‬ولو ل ْ‬
‫معك ‪.‬‬
‫ّ‬
‫وقال سعيد بن عبدالله الحنفي ‪ :‬والله ل نخليك حّتى يعلم الله أّنا قد‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬إثبات الرجعة ‪.‬‬
‫)‪2‬تاريخ الطبري ‪ ، 238 / 6‬والكامل ‪ ، 24 / 4‬والرشاد للمفيد ‪ ،‬وإعلم الورى ‪/‬‬
‫سير أعلم النبلء للذهبي ‪. 202 / 3‬‬ ‫‪ ، 141‬و ِ‬
‫)‪3‬مثير الحزان لبن نما ‪. 17 /‬‬
‫م‬ ‫ً‬
‫م احرق حي ّا ث ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬
‫م احيا ث ّ‬ ‫ُ‬
‫ت أّني اقتل ث ّ‬ ‫حفظنا غيبة رسوله فيك ‪ ،‬أما و الله لو علم ُ‬
‫ُاذّرى ‪ُ ،‬يفعل بي ذلك سبعين مّرة ‪َ ،‬لما فارقتك حّتى ألقى حمامي دونك ‪ ،‬وكيف ل‬
‫م هي الكرامة التي ل انقضاء لها أبدا ً ؟!‬ ‫أفعل ذلك وإّنما هي قتلة واحدة ث ّ‬
‫م ُقتلت حّتى ُاقتل كذا ألف مّرة ‪،‬‬ ‫تث ّ‬‫ت أّني ُقتل ُ‬ ‫وقال زهير بن القين ‪ :‬و الله ودد ُ‬
‫ل يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلء الفتيان من أهل‬ ‫ن الله عّز وج ّ‬‫وإ ّ‬
‫بيتك ‪.‬‬
‫وتكّلم باقي الصحاب بما يشبه بعضه بعضا ً فجّزاهم الحسين خيرا ً )‪. (1‬‬
‫سر ابنك بثغر الري فقال ‪ :‬ما‬ ‫وفي هذا الحال قيل لمحمد بن بشير الحضرمي قد ا ُ ِ‬
‫ل من بيعتي ‪،‬‬ ‫ن يؤسر و أنا أبقى بعده حي ّا ً فقال له الحسين ‪)) :‬أنت في ح ّ‬ ‫بأ ْ‬ ‫ُاح ّ‬
‫سباع حي ّا ً إ ْ‬
‫ن‬ ‫فاعمل في فكاك ولدك (‪ ،‬قال ‪ :‬ل والله ل أفعل ذلك ‪ ،‬أكلتني ال ّ‬
‫سلم ‪)) :‬إذا ً اعط ابنك هذه الثواب الخمسة ليعمل في‬ ‫فارقتك ‪ .‬فقال عليه ال ّ‬
‫فكاك أخيه (ـ وكان قيمتها ألف دينارـ )‪.2‬‬

‫ب عنه عصبة ورثـوا الـمعالي اشيبا ً وشبابا‬ ‫وتـناديت لـلذ ّ‬


‫مـن يـنتدبهم للكريهة ينتدب مـنهم ضراغمة السود غضابا‬
‫فوا لداعي الحرب حين دعاهم ورسوا بعرصة كربلء هضابا‬ ‫خ ّ‬
‫اسـد قد اتخذوا الصوارم حلية وتـسربلوا حـلق الدروع ثيابا‬
‫فهم فـيض النجيع خضابا‬ ‫تـخذت عيونهم القساطل كحلها واكـ ّ‬
‫ظبي وسـقاهم اكوابا‬ ‫يـتمايلون كـأّنما غـنى لـهم وقـع الـ ّ‬
‫طلي بـدمائها والـنقع ثـار سحابا‬ ‫برقت سيوفهم فأمطرت ال ّ‬

‫‪106‬‬
‫وكـأّنهم مـستقبلون كـواعبا ً مـسـتقبلين أسـّنـة وكـعابا‬
‫مد عـذبا ً وبعدهم الحياة عذابا)‪(3‬‬‫وجدوا الردى من دون آل مح ّ‬

‫ما عرف الحسين منهم صدق النّية والخلص في المفاداة دونه ‪ ،‬أوقفهم على‬ ‫ول ّ‬
‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬
‫غامض القضاء فقال ‪)) :‬إّني غدا اقتل وكلكم تقتلون معي ول يبقى منكم أحد) )‪4‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬إرشاد المفيد وتاريخ الطبري ج ‪ 6‬ص ‪. 239‬‬
‫) )‪2‬اللهوف ص ‪. 53‬‬
‫)‪ (3‬للعلمة السيد رضا الهندي رحمه الله ‪.‬‬
‫)‪ (4‬نفس المهموم ص ‪. 122‬‬
‫م يقطع‬ ‫َ‬ ‫ً‬
‫حّتى القاسم وعبد الله الرضيع ‪ ،‬إل ّ ولدي عليا زين العابدين ؛ ل ّ‬
‫ن الله ل ْ‬
‫مة ثمانية )‪. (1‬‬ ‫نسلي منه وهو أبو أئ ّ‬
‫فقالوا بأجمعهم الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك وشّرفنا بالقتل معك ‪ ،‬أول نرضى‬
‫ن نكون معك في درجتك يابن رسول الله ؟ ‪ ،‬فدعا لهم بالخير)‪ ،(2‬وكشف عن‬ ‫أ ْ‬
‫أبصارهم فرأوا ما حباهم الله من نعيم الجنان وعّرفهم منازلهم فيها))‪ ،3‬وليس‬
‫ن سحرة‬ ‫ذلك في القدرة اللهّية بعزيز ‪ ،‬ول في تصّرفات المام بغريب ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ما آمنوا بموسى )ع( وأراد فرعون قتلهم أراهم الّنبي موسى منازلهم في‬ ‫فرعون ل ّ‬
‫الجّنة))‪.4‬‬
‫سلم قال لصحابه ‪)) :‬أبشروا بالجّنة ‪ ،‬فوالله‬ ‫وفي حديث أبي جعفر الباقر عليه ال ّ‬
‫م يخرجنا الله وإّياكم حّتى يظهر قائمنا‬ ‫إّنا نمكث ماشاء الله بعد ما يجري علينا ث ّ‬
‫سلسل والغلل وأنواع العذاب (‬ ‫فينتقم من الظالمين ‪ ،‬وأنا وأنتم نشاهدهم في ال ّ‬
‫مد بن‬‫سابع من ولد ابني مح ّ‬ ‫فقيل له ‪ :‬من قائمكم يابن رسول الله ؟ قال ‪)) :‬ال ّ‬
‫مد بن علي بن موسى بن‬ ‫جة ابن الحسن بن علي بن مح ّ‬ ‫ح ّ‬
‫علي الباقر وهو ال ُ‬
‫م يظهر ويمل الرض‬ ‫دة طويلة ث ّ‬ ‫مد بن علي ‪ ،‬ابني وهو الذي يغيب م ّ‬ ‫جعفر بن مح ّ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ملئت ظلما وجورا )‪.(5‬‬ ‫قسطا ً وعدل ً كما ُ‬

‫ليلة عاشوراء‬
‫فت بالمكاره‬ ‫ح ّ‬‫كانت ليلة عاشوراء أشد ّ ليلة مّرت على أهل بيت الرسالة ‪ُ ،‬‬
‫والمحن وأعقبت الشّر وآذنت بالخطر وقد قطعت عنهم الحالة القاسية من بني‬
‫ل الوسائل الحيوّية وهناك ولولة النساء وصارخ الطفال من‬ ‫ُامّية وأتباعهم ك ّ‬
‫العطش المبرح وآله م المدلهم ‪.‬‬
‫إذا ً فما حال رجال المجد من الصحاب وسروات الشرف من بني هاشم‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬أسرار الشهادة ‪.‬‬
‫)‪2‬نفس المهموم ‪. 122 /‬‬
‫)‪3‬الخرايج للراوندي ‪.‬‬
‫)‪4‬أخبار الزمان للمسعودي ‪. 247 /‬‬
‫)‪5‬إثبات الرجعة ‪.‬‬
‫بين هذه الكوارث ‪ ،‬فهل أبقت لهم مهجة ينهضون بها أو أنفسا ً تعالج الحياة‬
‫والحرب في غد ؟!‬
‫ّ‬
‫نعم كانت ضراغمة آل عبد المطلب والصفوة من الصحاب عندئذ في أبهج حالة‬
‫وأثبت جأش ‪ ،‬فرحين بما يلقونه من نعيم وحبور ‪ ،‬وكّلما اشتد ّ المأزق الحرج‬

‫‪107‬‬
‫أعقب فيهم انشراحا ً بين ابتسامة ومداعبة إلى فرح ونشاط ‪.‬‬
‫ااا اااا اا ااااا اااا ااااا اااا اااا اااااا ااا ااااااا‬
‫ااا اااااا ااااا‬ ‫اااا اااااااااا‬ ‫اااا اااااا ااا ااا ااا ا‬
‫هازل برير عبد الرحمن النصاري ‪ ،‬فقال له عبد الرحمن ‪ :‬ما هذه ساعة باطل ؟‬
‫فقال برير ‪ :‬لقد علم قومي ما أحببت الباطل كهل ً ول شابا ً ‪ ،‬ولكّني مستبشر بما‬
‫ن يميل علينا هؤلء بأسيافهم ‪،‬‬ ‫نحن ل قون ‪ ،‬والله ما بيننا وبين الحور العين إل ّ أ ْ‬
‫ساعة )‪. (1‬‬
‫ت أّنهم مالوا علينا ال ّ‬
‫ولودد ُ‬
‫وخرج حبيب بن مظاهر يضحك ‪ ،‬فقال له يزيد بن الحصين الهمداني ‪ :‬ما هذه‬
‫ساعة ضحك ‪ .‬قال حبيب ‪ :‬وأي موضع أحقّ بالسرور من هذا ؟ ما هو إل ّ أ ْ‬
‫ن يميل‬
‫علينا هؤلء بأسيافهم فنعانق الحور))‪.2‬‬

‫ن قـطبت فـرقا ً وجوه كماتها‬ ‫تجري الطلقة في بهاء وجوههم أ ْ‬


‫وتـطّلعت بـدجى الـقتام أهّلة لـكن ظـهور الخيل من هالتها‬
‫ن الموت من نشواتها‬ ‫فتدافعت مشي النزيف إلى الردى حّتى كـأ ّ‬
‫سيوف وبعد ذا ملكت عناق الحور في جّناتها ‪((3‬‬ ‫وتـعانقت هي وال ّ‬

‫ي‬
‫هب للقتال ‪ ،‬لهم دوي كدو ّ‬ ‫فكأّنهم نشطوا من عقال ‪ ،‬بين مباشرة للعبادة ‪ ،‬وتأ ّ‬
‫الّنحل ‪ ،‬بين قائم وقاعد وراكع وساجد ‪.‬‬
‫حاك بن عبد الله المشرقي ‪ :‬مّرت علينا خيل ابن سعد فسمع رجل منهم‬ ‫قال الض ّ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫مِلي‬ ‫ما ن ُ ْ‬ ‫م إ ِن ّ َ‬‫سهِ ْ‬
‫ف ِ‬
‫خي ٌْر لن ْ ُ‬‫م َ‬‫مِلي ل َهُ ْ‬ ‫ما ن ُ ْ‬ ‫ن كَ َ‬
‫فُروا أن ّ َ‬ ‫ذي َ‬‫ن ال ّ ِ‬ ‫سب َ ّ‬
‫ح َ‬ ‫الحسين )ع( يقرأ )وَل َ ي َ ْ‬
‫َ‬
‫م عَل َي ْ ِ‬
‫ه‬ ‫ما أن ْت ُ ْ‬ ‫ن عََلى َ‬ ‫مِني َ‬ ‫ه ل ِي َذ ََر ال ْ ُ‬
‫مؤْ ِ‬ ‫ن الل ّ ُ‬ ‫ما َ‬
‫كا َ‬ ‫ن* َ‬ ‫مِهي ٌ‬ ‫ب ُ‬ ‫ذا ٌ‬ ‫م عَ َ‬ ‫ما وَل َهُ ْ‬‫دوا إ ِث ْ ً‬ ‫دا ُ‬ ‫ل َهُ ْ‬
‫م ل ِي َْز َ‬
‫ب )‪.4‬‬ ‫ن الط ّي ّ ِ‬ ‫م ْ‬‫ث ِ‬ ‫خِبي َ‬ ‫ميَز ال ْ َ‬ ‫حّتى ي َ ِ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬تاريخ الطبري ‪. 241 / 6‬‬
‫)‪2‬رجال الكشي ‪ ، 53 /‬طبعة الهند ‪.‬‬
‫مد حسين الكيشوان رحمه الله ‪.‬‬ ‫)‪3‬للعلمة السّيد مح ّ‬
‫)‪4‬سورة آل عمران ‪ 178 /‬ـ ‪. 179‬‬
‫ب الكعبة الطّيبون مّيزنا منكم ‪ .‬قال له برير ‪ :‬يا فاسق ‪ ،‬أنت‬ ‫فقال الرجل نحن ور ّ‬
‫م إلينا وُتب من ذنوبك العظام ‪ ،‬فوالله لنحن‬ ‫يجعلك الله في الطّيبين ؟! هل ّ‬
‫الطّيبون وأنتم الخبيثون ‪ .‬فقال الرجل مستهزئا ً ‪ :‬وأنا على ذلك من الشاهدين )‪(1‬‬
‫‪.‬‬
‫ويقال ‪ :‬أّنه في هذه الليلة انضاف إلى أصحاب الحسين من عسكر ابن سعد اثنان‬
‫ل)‪2‬حين رأوهم متبّتلين متهجدين عليهم سيماء الطاعة والخضوع لله‬ ‫وثلثون رج ً‬
‫تعالى ‪.‬‬
‫ت أبي في الليلة التي ُقتل في صبيحتها يقول ‪ ،‬وهو‬ ‫قال علي بن الحسين ‪)) :‬سمع ُ‬
‫يصلح سيفه ‪:‬‬

‫ف لك من خليل كم لك بالشراق والصيل‬ ‫يا دهر ا ُ ّ‬


‫ن صاحب وطالب قتيل والـدهر ل يقنع بالبديل‬ ‫م ْ‬ ‫ِ‬
‫ي سالك سبيل‬ ‫ّ‬ ‫حـ‬ ‫ّ‬
‫ل‬ ‫وكـ‬ ‫الجليل‬ ‫إلى‬ ‫المر‬ ‫نـما‬
‫ّ‬ ‫وا‬

‫ت‬ ‫فأعادها مّرتين أو ثلثا ً ‪ ،‬ففهمُتها وعرف ُ‬


‫ت ما أراد وخنقتني العبرة ‪ ،‬ولزم ُ‬

‫‪108‬‬
‫ت تجّر‬ ‫ت ذلك وثب ْ‬ ‫ما سمع ْ‬ ‫متي زينب ل ّ‬ ‫ما ع ّ‬ ‫ن البلء قد نزل ‪ .‬وأ ّ‬ ‫تأ ّ‬ ‫السكوت وعلم ُ‬
‫ت الموت أعدمني الحياة ! اليوم ماتت‬ ‫ذيلها حّتى انتهت إليه وقالت ‪ :‬وآثكله ! لي َ‬
‫ي وأخي الحسن)‪ ،3‬يا خليفة الماضي وثمال الباقي ! فعّزاها‬ ‫مي فاطمة وأبي عل ٌ‬ ‫اُ ّ‬
‫ن أهل الرض‬ ‫الحسين وصّبرها وفيما قال ‪ :‬يا ُاختاه تعّزي بعزاء الله واعلمي أ ّ‬
‫ل مسلم‬ ‫ل شيء هالك إل ّ وجهه ‪ ،‬ولي ولك ّ‬ ‫سماء ل يبقون وك ّ‬ ‫يموتون ‪ ،‬وأهل ال ّ‬
‫ً‬
‫سلم( ‪ :‬افتغصب نفسك اغتصابا ‪،‬‬ ‫برسول الله ُاسوة حسنة ‪ .‬فقالت )عليها ال ّ‬
‫فذاك أقرح لقلبي وأشد ّ على نفسي))‪.4‬‬
‫____________________________‬
‫لولى ‪.‬‬ ‫)‪ (1‬تاريخ الطبري ‪ ، 240 / 6‬الطبعة ا ُ‬
‫) )‪2‬اللهوف ‪ ،‬وتاريخ اليعقوبي ‪ ، 217 / 2‬طبعة النجف ‪ ،‬وسير أعلم النبلء‬
‫للذهبي ‪. 210 / 3‬‬
‫) )‪3‬تايخ الطبري ‪ ، 240 / 4‬وكامل ابن الثير ‪ ، 24 / 4‬ومقتل الخوارزمي ‪/ 1‬‬
‫‪ ، 238‬الفصل الحادي عشر ‪ ،‬ومقاتل الطالبيين لبي الفرج ‪ ، 45 /‬طبعة ايران ‪.‬‬
‫) )‪4‬اللهوف ‪.‬‬
‫م كلثوم ‪ :‬وآ محمداه ! وآ علياه !‬ ‫وبكت الّنسوة معها ولطمن الخدود ‪ ،‬وصاحت ا ُ ّ‬
‫م كلثوم ‪ ،‬يا‬ ‫ماه ! وآ حسيناه ! وآ ضيعتنا بعدك ! فقال الحسين ‪ :‬يا ُاختاه يا ا ُ ّ‬ ‫وآ ا ُ ّ‬
‫ي جيبا ً ول تخمشن وجها ً ول‬ ‫ن اذا ُقتلت فل تشققن عل ّ‬ ‫فاطمة ‪ ،‬يا رباب ‪ ،‬انظْر َ‬
‫تقلن هجرا ً )‪. (1‬‬
‫ن الحسين أوصى ُاخته زينب بأخذ الحكام من علي بن الحسين )ع( وإلقائها‬ ‫مإ ّ‬ ‫ث ّ‬
‫ت على حكيمة‬ ‫دث أحمد بن إبراهيم قال ‪ :‬دخل ُ‬ ‫ً‬
‫إلى الشيعة سترا عليه ‪ .‬وبذلك يح ّ‬
‫مد بن علي الرضا ‪ُ ،‬اخت أبي الحسن العسكري )ع( سنة ‪ 282‬بالمدينة ‪،‬‬ ‫بنت مح ّ‬
‫م بهم ‪ ،‬وقالت ‪ :‬فلن‬ ‫مت من تأت ّ‬ ‫وكّلمتها من وراء حجاب وسألتها عن دينها ‪ ،‬فس ّ‬
‫مد )ع( كتب به إلى‬ ‫ة أو خبرا ً ؟ قالت ‪ :‬خبر عن أبي مح ّ‬ ‫بن الحسن ‪ .‬قلت ‪ :‬معاين ً‬
‫من وصّيته إلى امرأة ؟! قالت ‪ :‬اقتداًء بالحسين بن علي‬ ‫مه ‪ .‬قلت لها ‪ :‬أقتدي ب َ‬ ‫اُ ّ‬
‫بن أبي طالب )ع( فإّنه أوصى إلى ُاخته زينب في الظاهر ‪ ،‬فكان ما يخرج من‬
‫علي بن الحسين )ع( من علم ينسب إلى زينب ؛ سترا ً على علي بن الحسين‬
‫ن التاسع من ولد الحسين يقسم‬ ‫م قالت ‪ :‬إّنكم قوم أخبار ‪ ،‬أما رويتم أ ّ‬ ‫)ع( ‪ .‬ث ّ‬
‫ميراثه في الحياة ؟ )‪.(2‬‬
‫ن يقاربوا البيوت بعضها من بعض ؛ ليستقبلوا‬ ‫سلم أمر أصحابه أ ْ‬ ‫م إّنه عليه ال ّ‬ ‫ث ّ‬
‫القوم من وجه واحد ‪ .‬وأمر بحفر خندق من وراء البيوت يوضع فيه الحطب ويلقى‬
‫عليه الّنار إذا قاتلهم العدو ؛ كيل تقتحمه الخيل ‪ ،‬فيكون القتال من وجه واحد) )‪.3‬‬
‫قد التلع والعقبات ‪ ،‬فتبعه‬ ‫سلم في جوف الليل إلى خارج الخيام يتف ّ‬ ‫وخرج عليه ال ّ‬
‫ما أخرجه قال ‪ :‬يابن رسول الله أفزعني‬ ‫نافع بن هلل الجملي ‪ ،‬فسأله الحسين ع ّ‬
‫قد التلع‬ ‫خروجك إلى جهة معسكر هذا الطاغي ‪ ،‬فقال الحسين ‪)) :‬إّني خرجت أتف ّ‬
‫م رجع‬ ‫ن تكون مكمنا ً لهجوم الخيل يوم تحملون ويحملون (‪ .‬ث ّ‬ ‫والروابي ؛ مخافة أ ْ‬
‫سلم وهو قابض على يد نافع ويقول ‪)) :‬هي هي والله ‪ ،‬وعد ل خلف فيه (‪.‬‬ ‫عليه ال ّ‬
‫م قال له ‪)) :‬أل تسلك بين هذين الجبلين في جوف الليل وتنجو بنفسك ؟ )‬ ‫ث ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬الرشاد ‪.‬‬
‫لولى‬ ‫)‪2‬إكمال الدين للصدوق ‪ ، 275 /‬الباب التاسع والربعون ‪ ،‬الطبعة الحجرية ا ُ‬
‫‪.‬‬
‫)‪3‬تاريخ الطبري ‪. 240 / 6‬‬

‫‪109‬‬
‫ن سيفي بألف وفرسي مثله‬ ‫مي ‪ ،‬إ ّ‬ ‫ميه يقّبلهما ويقول ‪ :‬ثكلتني ا ُ ّ‬ ‫فوقع نافع على قد َ‬
‫ّ‬
‫ي ‪ ،‬ل فارقتك حّتى يكل عن فّري وجّري ‪.‬‬ ‫ن بك عل ّ‬ ‫م ّ‬
‫‪ ،‬فوالله الذي َ‬
‫م دخل الحسين )ع( خيمة زينب ‪ ،‬ووقف نافع بإزاء الخيمة ينتظره فسمع زينب‬ ‫ث ّ‬
‫ن يسلموك عند الوثبة‬ ‫ّ‬ ‫تقول له ‪ :‬هل استعلمت من أصحابك نّياتهم ؟ فإّني أخشى أ ْ‬
‫‪ .‬فقال لها ‪)) :‬والله ‪ ،‬لقد بلوتهم فما وجدت فيهم إل ّ الشوس القعس ‪،‬‬
‫ما‬
‫مه (‪ .‬قال نافع ‪ :‬فل ّ‬ ‫يستأنسون بالمنّية دوني استيناس الطفل إلى محالب ا ُ ّ‬
‫ت وأتيت حبيب بن مظاهر وحكيت ما سمعت منه ومن ُاخته‬ ‫ت هذا منه ‪ ،‬بكي ُ‬ ‫سمع ُ‬
‫زينب ‪ .‬قال حبيب ‪ :‬والله ‪ ،‬لو ل انتظار أمره لعاجلتهم بسيفي هذه الليلة ‪ .‬قلت ‪:‬‬
‫ن تجمع‬ ‫ن الّنساء أفقن وشاركنها في الحسرة ‪ ،‬فهل لك أ ْ‬ ‫إّني خّلفته عند ُاخته وأظ ّ‬
‫ن بكلم يطّيب قلوبهن ؟ فقام حبيب ونادى ‪ :‬يا أصحاب الحمّية‬ ‫أصحابك وتواجهوه ّ‬
‫لسود الضارية ‪ ،‬فقال لبني هاشم ‪:‬‬ ‫وليوث الكريهة ‪ .‬فتطالعوا من مضاربهم كا ُ‬
‫م التفت إلى أصحابه وحكى لهم ما‬ ‫ارجعوا إلى مقّركم ل سهرت عيونكم ‪ .‬ث ّ‬
‫ن علينا هذا الموقف ‪ ،‬لو ل‬ ‫م ّ‬ ‫شاهده وسمعه نافع ‪ ،‬فقالوا بأجمعهم ‪ :‬والله الذي َ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ساعة ‪ ،‬فطب نفسا وقر عينا ‪ .‬فجّزاهم خيرا ‪،‬‬ ‫ً‬ ‫انتظار أمره لعاجلناهم بسيوفنا ال ّ‬
‫ن ‪ ،‬فجاء حبيب ومعه أصحابه‬ ‫موا معي لنواجه الّنسوة ونطّيب خاطره ّ‬ ‫وقال هل ّ‬
‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬
‫وصاح ‪ :‬يا معشر حرائر رسول الله ‪ ،‬هذه صوارم فتيانكم آلوا أل يغمدوها إل في‬
‫سموا أل ّ يركزوها إل ّ في‬ ‫سوء فيكم ‪ ،‬وهذه أسّنة غلمانكم أق َ‬ ‫من يريد ال ّ‬ ‫رقاب َ‬
‫من يفّرق ناديكم ‪ .‬فخرجن الّنساء إليهم ببكاء وعويل وقلن ‪ :‬أّيها الطّيبون‬ ‫صدور َ‬
‫ن‬
‫ج القوم بالبكاء حّتى كأ ّ‬ ‫حاموا عن بنات رسول الله وحرائر أمير المؤمنين ‪ .‬فض ّ‬
‫الرض تميد بهم )‪. (1‬‬
‫____________________________‬
‫ن‬
‫)‪ (1‬الدمعة الساكبة ‪ ، 325 /‬وتكّرر في كلمه )هلل بن نافع وهو اشتباه فإ ّ‬
‫المضبوط )نافع بن هلل كما في زيارة الناحية ‪ ،‬وتاريخ الطبري ‪ ،‬وكامل ابن الثير‬
‫‪.‬‬
‫م استيقظ وأخبر أصحابه بأّنه‬ ‫سحر من هذه الليلة خفق الحسين خفقة ث ّ‬ ‫وفي ال ّ‬
‫ّ‬
‫ن الذي يتولى‬ ‫دها عليه كلب أبقع ‪ ،‬وإ ّ‬ ‫دت عليه تنهشه وأش ّ‬ ‫ً‬
‫رأى في منامه كلبا ش ّ‬
‫قتله من هؤلء رجل أبرص ‪ ،‬وإّنه رأى رسول الله )ص( بعد ذلك ومعه جماعة من‬
‫سماوات‬ ‫مة ‪ ،‬وقد استبشر بك أهل ال ّ‬ ‫أصحابه وهو يقول له ‪)) :‬أنت شهيد هذه ال ُ ّ‬
‫خر ‪ ،‬فهذا ملك قد‬ ‫جل ول تؤ ّ‬ ‫وأهل الصفيح العلى وليكن افطارك عندي الليلة ع ّ‬
‫سماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء)‪(2‬‬ ‫نزل من ال ّ‬

‫ل غـّلته بـعذب فـراتها‬ ‫وانـصاع حـامية الشريعة ظامئا ً مـا بـ ّ‬


‫أضـحى وقـد جـعلته آل ُامـّية شـبح الـسهام رمـّية لـرماتها‬
‫حّتى قضى عطشا ً بمعترك الوغى والـسمر تـصدر منه في نهلتها‬
‫وجرت خيول الشرك فوق ضلوعه عـدوا ً تـجول عـليه في حلباتها‬
‫درات مـن عـقائل أحـمد هـجمت عـليها الخيل في أبياتها‬ ‫ومـخ ّ‬
‫مـن ثـاكل حّرى الفؤاد مروعة أضـحت تـجاذبها العدى حبراتها‬
‫ج في أصواتها‬ ‫ويـتمية فـزعت لـجسم كـفيلها حـسرى القناع تع ّ‬
‫أهـوت على جسم الحسين وقلبها المصدوع كاد يذوب من حسراتها‬
‫ل فـي عـبراتها‬ ‫م موضع نحره وعـيونها تـنه ّ‬ ‫وقـعت عـليه تش ّ‬
‫سياط فتنثني تـدعو سـرايا قـومها وحـماتها‬ ‫تـرتاع من ضرب ال ّ‬
‫سـفكت بـسيف ُامـّية وقـناتها‬ ‫طفوف دماؤكم ُ‬ ‫أيـن الحفاظ وفي ال ّ‬

‫‪110‬‬
‫أيـن الـحفاظ وهـذه أشـلؤكم بـقيت ثـلثا ً فـي هجير فلتها‬
‫ذبحت عطاشى في ثرى عرصاتها‬ ‫أيــن الـحفاظ وهـذه أبـناؤكم ُ‬
‫حـملت على القتاب بين عداتها‬ ‫أيــن الـحفاظ وهـذه فـتياتكم ُ‬
‫شجى زفراتها‬ ‫دد بـال ّ‬
‫حـملت بـرغم الدين وهي ثواكل عـبرى تـر ّ‬
‫من الـمعّزي بـعد أحمد فاطما ً فـي قـتل أبناها وسبي بناتها ‪((2‬‬ ‫فـ َ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬نفس المهموم ‪ ، 125 /‬عن الصدوق ‪.‬‬
‫مد حسين الكيشوان ترجمته في شعراء الغري ‪. 3 / 8‬‬ ‫))‪ 2‬للعلمة السيد مح ّ‬
‫يوم عاشوراء‬
‫))إّني ل أرى الموت إل ّ سعادة والحياة مع الظالمين إل ّ برما (‬
‫سلم‬ ‫أبو عبد الله الحسين عليه ال ّ‬
‫يوم عاشوراء‬

‫َلو كان يدري يوم عاشوراء مـا كان يجري فيه من بلء‬
‫مـا لح فـجره ول استنارا ول أضـاءت شمسه نهارا‬
‫ود حـزنا ً أوجـه اليام وأوجـه الـشهور والعوام‬ ‫سـ ّ‬
‫الله مـا أعـظمه مـن يوم أزال صـبري وأطار نومي‬
‫الـيوم أهـل آيـة التطهير بـين صـريع فيه أو عفير‬
‫دين يقضي أسفا‬ ‫اليوم قد مات الحفاظ وُالوفا اليوم كاد ال ّ‬
‫دت عيون ذي الولء‬ ‫الـيوم نامت أعين العداء وسـه ّ‬
‫ن الـخيل‬ ‫َويلي وهل يجدي حزينا ً ويل لضـلع تـدوسه ّ‬
‫ضع‬‫وارؤس عـلى الرماح ترفع وجثث على الصعيد ُتو َ‬
‫ج بـالويل وبـالثبور‬
‫وثـاكل تـبدو من الخدور تـعـ ّ‬
‫ومـرضع ترنو إلى رضيع على التراب فاحص صريع‬
‫ونـسوة تـسبى على النياق حـسرى تـعاني ألم الفراق‬
‫م شـيء لـذوي الولء أن يـجلسوا للنوح و العزاء‬ ‫أهـ ّ‬
‫فـيه تـقام سـنن المصاب والترك للطعام والشراب )‪(1‬‬

‫مد )صّلى الله عليه وآله( وكّله شجاء مترامي‬ ‫لقد مّر هذا اليوم على آل مح ّ‬
‫الطراف ‪ ،‬أّثرت فجائعه في القلوب فأذابتها وفي المدامع فأدمتها ‪ ،‬فل تسمع فيه‬
‫ل أشعث قد أنهكه ألم‬ ‫إل ّ صرخة فاقد وزفرة ثاكل وحنة محزون ‪ ،‬ول تبصر إل ّ ك ّ‬
‫المصاب ‪ ،‬و مغبر يذري على رأسه التراب ‪ ،‬إلى لدم صدرا ً وصاك جبهته وقابض‬
‫لخرى ‪ ،‬وترى الّناس سكارى وما هم بسكارى ؛ لكن‬ ‫على فؤاد وصافق بيده ا ُ‬
‫لوعة المصاب أليمة وكوارثه عظيمة ‪ .‬وَلو يكشف لك عن المل العلى لسمعت‬
‫لعالم الملكوت صرخة وحنة ‪ ،‬وللحور في غرف الجنان نشيجا ً ونحيبا ً ولئ ّ‬
‫مة‬
‫الهدى بكاءا ً وعوي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫ول بدع ؛ فالفقيد فيه عبق الرسالة وألق الخلفة وإكليل تاج المامة ‪ ،‬وهو سبط‬
‫سبط‬‫المصطفى وبضعة فاطمة الزهراء وفلذة كبد الوصي المرتضى وشقيق ال ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬المقبولة الحسينية ‪ ، 62 /‬لحجة السلم آية الله الشيخ هادي آل كاشف‬
‫الغطاء قدس الله سره ‪.‬‬
‫جة الله على الورى ‪ ،‬نعم هو الية المخزونة والرحمة الموصولة‬ ‫المجتبى و ح ّ‬

‫‪111‬‬
‫والمانة المحفوظه والباب المبتلى به الّناس ‪.‬‬
‫ل فيه البكاء ‪ ،‬ويعز عنه العزاء ‪ .‬فلو تطايرت شظايا القلوب وزهقت‬ ‫فمصابه يق ّ‬
‫ً‬
‫الّنفوس جزعا لذلك الحادث الجلل لكان دون واجبه ‪ .‬أو ترى للحياة قيمة‬
‫دى به هو ذلك العنصر الحيوي الزاكي ‪ .‬وما قدر الدمع المراق والموتور ثار‬ ‫والمؤ ّ‬
‫الله في الرض ؟ أو يهدأ الكون والذاهب مرساه ومنجاه في مسراه ؟ وهل ترقأ‬
‫مد مجّزرين على وجه الصعيد مبضعة‬ ‫العين وهي ترنو بالبصيرة إلى ضحايا آل مح ّ‬
‫أجسادهم بين ضريبة للسيوف ودرية للرماح ورمية للنبال ؟ وقد قضوا وهم رواء‬
‫الكون ظماء على ضفة الفرات الجاري ‪ ،‬تلغ فيه الكلب وتشرب منه وحش‬
‫ن لجام ‪،‬‬
‫ن آل محمد)ص( محلون عنه ؟ وللمذاكي عقرن فل يلوى له ّ‬ ‫الفل ‪ ،‬غير أ ّ‬
‫تجوال على تلك الصدور الزواكي ولصدر الحسين حديثه الشجي ‪:‬‬

‫ي مقاعد‬‫ن شمرا ً له على جـناجن صـدر اْبـن النب ّ‬‫وأعـظم خـطب أ ّ‬


‫شّلت يـداه حـين يفري بسيفه مـقلد مـن تـلقى إلـيه الـمقالد‬
‫ّ‬ ‫فـ ُ‬
‫ُ‬
‫ى فـتى أضـحت خـيول امّية تـعادى عـلى جـثمانه وتـطارد‬ ‫وأ ّ‬
‫ن صادر خضيب الحوافي في دماه ووارد )‪(1‬‬ ‫فـلهفي لـه والـخيل منه ّ‬

‫كر‬ ‫سي بالّنبي العظم الباكي على ولده بمجّرد تذ ّ‬ ‫فاللزم على الموالي المتأ ّ‬
‫من في داره بالبكاء عليه ‪ ،‬و‬ ‫ن يقيم المأتم على سّيد الشهداء ‪ ،‬و يأمر َ‬ ‫مصابه)‪2‬أ ْ‬
‫ُ‬ ‫ّ‬
‫ليعّز بعضهم بعضا بالحسين ‪ ،‬فيقول كما في حديث الباقر)ع( ‪ :‬عظم الله اجورنا‬ ‫ً‬
‫و ُاجوركم بمصابنا بالحسين ‪ ،‬و جعلنا و إّياكم من الطالبين بثأره مع ولّيه المهدي‬
‫سلم( )‪( .3‬‬ ‫مد )عليهم ال ّ‬ ‫من آل مح ّ‬
‫سلم( في يوم‬ ‫دخل عبد الله بن سنان على أبي عبد الله الصادق ‪).‬عليهم ال ّ‬
‫ديه كاللؤلؤ‬ ‫عاشوراء ‪ ،‬فرآه كاسف اللون ظاهر الحزن و دموعه تنحدر على خ ّ‬
‫سلم ‪)) :‬أَوفي غفلة أنت ؟!‬ ‫م بكاؤك يابن رسول الله ؟ قال عليه ال ّ‬ ‫م ّ‬ ‫فقال له ‪ِ :‬‬
‫ن يكون كهيئة أرباب‬ ‫م أمره أ ْ‬ ‫ن الحسين اصيب في هذا اليوم ؟ (‪ ،‬ث ّ‬ ‫ُ‬ ‫أما علمت أ ّ‬
‫المصائب ‪ ،‬يحلل‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬للشيخ جعفر الخطي ‪ ،‬كما في الدر النضيد ‪. 93 /‬‬
‫وة للماوردي ‪. 83 /‬‬ ‫)‪2‬الخصائص للسيوطي ‪ ، 125 / 2‬وأعلم النب ّ‬
‫جد للشيخ الطوسي ‪. 39 /‬‬ ‫)‪3‬كامل الزيارات ‪ ، 175 /‬ومصباح المته ّ‬
‫عيه ويكون حاسرا ً ‪ ،‬ول يصوم يوما ً كامل ً ‪ ،‬وليكن الفطار‬ ‫أزراره ويكشف عن ذرا َ‬
‫ّ‬
‫بعد العصر بساعة على شربة من ماء ؛ ففي ذلك الوقت تجلت الهيجاء عن آل‬
‫سلم ‪َ)) :‬لو كان رسول الله حي ّا ً لكان هو المعّزى به ( )‪(1‬‬ ‫مد ‪ .‬ثم قال عليه ال ّ‬ ‫مح ّ‬
‫‪.‬‬
‫ً‬ ‫َ‬
‫ما المام الكاظم )ع( فلم يَر ضاحكا أّيام العشرة وكانت الكآبه غالبة عليه ‪،‬‬ ‫وأ ّ‬
‫ويوم العاشر يوم حزنه ومصيبته ‪.‬‬
‫ن يوم‬‫سلم ‪)) :‬فعلى مثل الحسين فليبك الباكون ‪ ،‬إ ّ‬ ‫ويقول الرضا عليه ال ّ‬
‫ل عزيزنا بأرض كرب وبلء (‪.‬‬ ‫الحسين أقرح جفوننا وأذ ّ‬
‫جل الله فرجه ‪)) :‬فلندبّنك صباحا ً‬ ‫مد ع ّ‬ ‫جة آل مح ّ‬ ‫وفي زيارة الّناحية يقول ح ّ‬
‫ن عليك بدل الدموع دما ً (‪.‬‬ ‫ومساًء ‪ ،‬ولبكي ّ‬
‫لنس ونتجلبب بجلباب الحزن والبكاء‬ ‫وبعد هذا فهل ّ يجب علينا أن نخرق ثوب ا ُ‬
‫ونعرف كيف يجب‬

‫‪112‬‬
‫أن نع ّ‬
‫ظم شعائر الله بإقامة المأتم للشهيد العطشان في العاشر من المحّرم ؟!‬

‫دت في تداعيها‬ ‫ق جـ ّ‬ ‫مه ومـّلة الـح ّ‬ ‫ن الهدى خّرت دعائ ُ‬ ‫الـيوم ديـ ُ‬
‫سـد ّ باب الرجا في وجه راجيها‬ ‫ل طريق العرف طالبه و ُ‬ ‫الـيوم ض ّ‬
‫ة الـيوم بـان العفا في وجه عافيها‬ ‫الـيوم عـادت بنو المال مترب ً‬
‫ق عـليه الـمجد حّلته الـيوم جـّزت له العليا نواصيها‬ ‫الـيوم شـ ّ‬
‫ل معاليها‬ ‫ْ‬
‫اليوم عقد المعالي أرفض جوهره الـيوم قد أصبحت عط ٌ‬
‫ف الردى أرسى بواديها‬ ‫الـيوم أظلم نادي العّز من مضر اليوم صْر ُ‬
‫ة الـيوم آسـية وافـت تواسيها‬ ‫الـيوم قامت به الزهراء نادب ً‬
‫الـيوم عـادت لدين الكفر دولُته الـيوم نـالت بـنو هـند أمانيها‬
‫مـا عذر ارجاس هند يوم موقفه والمصطفى خصمهم والله قاضيها‬
‫مـا عـذرها وِدمـا ابنائه جعلت خضاب أعيادها في راح ناديها)‪) 2‬‬
‫****‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مزار ابن المشهدي من أعلم القرن السادس ‪.‬‬
‫)‪2‬في شعراء الحّلة ‪ ، 540 / 5‬إّنها للشيخ هادي الّنحوي المتوفى سنة ‪ 1225‬ه ‪.‬‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫الحسين )ع( يوم عاشوراء‬
‫ّ‬
‫ما أصبح الحسين يوم عاشوراء وصلى‬ ‫قال ابن َقولويه و المسعودي )‪ : (1‬ل ّ‬
‫ن الله‬‫م قال ‪)) :‬إ ّ‬ ‫بأصحابه صلة الصبح ‪ ،‬قام خطيبا ً فيهم حمد الله وأثنى عليه ث ّ‬
‫فهم‬ ‫مص ّ‬ ‫تعالى أِذن في قتلكم و قتلي في هذا اليوم ‪ ،‬فعليكم بالصبر والقتال (‪ .‬ث ّ‬
‫ميمنة ‪،‬‬ ‫للحرب وكانوا اثنين وثمانين فارسا ً وراجل ً ‪ ،‬فجعل زهير بن القين في ال َ‬
‫سلم وأهل بيته في القلب)‪،2‬‬ ‫ميسرة ‪ ،‬وثبت هو عليه ال ّ‬ ‫وحبيب بن مظاهر في ال َ‬
‫من معه لحملها ‪،‬‬ ‫وأعطى رايته أخاه العباس)‪3‬؛ لّنه وجد قمر الهاشميين أكفأ م ّ‬
‫وأحفظهم لذمامه وأرأفهم به ‪ ،‬وأدعاهم إلى مبدئه وأوصلهم لرحمه ‪ ،‬وأحماهم‬
‫دهم مراسًا)‪( .4‬‬ ‫لجواره وأثبتهم للطعان ‪ ،‬وأربطهم جأشا ً وأش ّ‬
‫سلم في ثلثين ألفا ً وكان رؤساء‬ ‫وأقبل عمر بن سعد نحو الحسين عليه ال ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬كامل الزيارات ‪ ، 73 /‬وإثبات الوصّية ‪ ، 139 /‬المطبعة الحيدرية ‪.‬‬
‫)‪2‬مقتل الخوارزمي ‪. 4 / 2‬‬
‫)‪3‬تاريخ الطبري ‪ ، 241 / 6‬وتذكرة الخواص ‪ 143 /‬الطبعة الحجرّية ‪.‬‬
‫)‪4‬اختلف المؤّرخون في عدد أصحاب الحسين ؛‬
‫الول ‪ :‬أّنهم اثنان وثلثون فارسا ً وأربعون راجل ً ‪ ،‬ذكره الشيخ المفيد في‬
‫الرشاد ‪ ،‬والطبرسي في إعلم الورى ‪ ، 142 /‬والفتال في روضة الواعظين ‪/‬‬
‫‪ ، 158‬وابن جرير في التأريخ ‪ ، 241 / 6‬وابن الثير في الكامل ‪، 24 / 4‬‬
‫والقرماني في أخبار الدول ‪ ، 108 /‬والدينوري في الخبار الطوال ‪. 354 /‬‬
‫الثاني ‪ :‬إّنهم إثنان وثمانون راجل ً ‪ ،‬نسبه في الدمعة الساكبة ‪ 327 /‬إلى الرواية‬
‫وهو المختار ‪.‬‬
‫الثالث ‪ :‬ستون راجل ً ‪ ،‬ذكره الدميري في حياة الحيوان في خلفة يزيد ‪. 73 / 1‬‬
‫الرابع ‪ :‬ثلثة وسبعون رجل ً ‪ ،‬ذكره الشريشي في شرح مقامات الحريري ‪/ 1‬‬
‫‪. 193‬‬
‫الخامس ‪ :‬خمسة وأربعون فارسا ً ونحو مئة راجل ذكره ابن عساكر كما في‬

‫‪113‬‬
‫تهذيب تاريخ الشام ‪. 337 / 4‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫السادس ‪ :‬إثنان وثلثون فارسا وأربعون راجل ‪ ،‬ذكره الخوارزمي في المقتل ‪/ 2‬‬
‫‪.4‬‬
‫السابع ‪ :‬واحد وسّتون رجل ً ‪ ،‬ذكره المسعودي في إثبات الوصّية ‪ ، 35 /‬طبع‬
‫المطبعة الحيدرية ‪.‬‬
‫ً‬
‫الثامن ‪ :‬خمسة وأربعون فارسا ومئة راجل ذكره ابن نما في مثير الحزان ‪، 28 /‬‬
‫سلم ‪.‬‬ ‫وفي اللهوف ‪ : 56 /‬أّنه المروي عن الباقر عليه ال ّ‬
‫ب الشراف ‪. 17 /‬‬ ‫التاسع ‪ :‬إثنان وسبعون رجل ً ‪ ،‬ذكره الشبراوي في التحاف بح ّ‬
‫سلم سار‬ ‫العاشر ‪ :‬ما في مختصر تاريخ دول السلم للذهبي ‪ : 31 / 1‬أّنه عليه ال ّ‬
‫في سبعين فارسا ً من المدينة ‪.‬‬
‫الرباع بالكوفة يومئذ ‪ :‬عبد الله بن زهير بن سليم الزدي على ربع أهل المدينة ‪،‬‬
‫وعبد الرحمن بن أبي سبرة الحنفي على ربع مذحج وأسد ‪ ،‬وقيس بن الشعث‬
‫على ربع ربيعة وكندة ‪ ،‬والحّر بن يزيد الرياحي على ربع تميم وهمدان )‪، (1‬‬
‫وكّلهم اشتركوا في حرب الحسين إل ّ الحّر الرياحي ‪.‬‬
‫ميسرة شمر بن‬ ‫جاج الزبيدي ‪ ،‬وعلى ال َ‬ ‫ح ّ‬
‫ميمنة عمرو بن ال َ‬ ‫ن سعد على ال َ‬ ‫وجعل اب ُ‬
‫جالة‬‫ذي الجوشن العامري ‪ ،‬وعلى الخيل عزرة بن قيس الحمسي ‪ ،‬وعلى الر ّ‬
‫شبث بن ربعي ‪ ،‬والراية مع موله ذويد)‪.2‬‬
‫وأقبلوا يجولون حول البيوت فيرون الّنار تضطرم في الخندق ‪ ،‬فنادى شمر بأعلى‬
‫من هذا‬ ‫جلت بالّنار قبل يوم القيامة ؟ فقال الحسين )ع( ‪َ )) :‬‬ ‫صوته ‪ :‬يا حسين ‪ ،‬تع ّ‬
‫سلم ‪)) :‬يابن راعية‬ ‫؟ كأّنه شمر بن ذي الجوشن (‪ ،‬قيل نعم فقال عليه ال ّ‬
‫ن يرميه بسهم ‪،‬‬ ‫صلّيا (‪ .‬ورام مسلم بن عوسجة أ ْ‬ ‫المعزى ‪ ،‬أنت أولى بها مّني ِ‬
‫ن أبدأهم بقتال )‪.3‬‬ ‫فمنعه الحسين و قال ‪)) :‬أكره أ ْ‬

‫دعاء الحسين‬
‫ديه بالدعاء وقال ‪:‬‬ ‫ما نظر الحسين )ع( إلى جمعهم كأّنه السيل ‪ ،‬رفع ي َ‬ ‫ول ّ‬
‫دة ‪ ،‬وأنت لي في ك ّ‬
‫ل أمر‬ ‫لش ّ‬ ‫ل كرب ‪ ،‬ورجائي في ك ّ‬ ‫م ‪ ،‬أنت ثقتي في ك ّ‬‫))الله ّ‬
‫ل فيه الحيلة ويخذل فيه‬ ‫م يضعف فيه الفؤاد وتق ّ‬ ‫دة ‪ ،‬كم من ه ّ‬
‫نزل بي ثقة وع ّ‬
‫من‬‫ة مّني إليك ع ّ‬ ‫الصديق ويشمت فيه العدوّ ‪ ،‬أنزلته بك وشكوته إليك ‪ ،‬رغب ً‬
‫ل رغبة )‪.4‬‬ ‫ل نعمة ومنتهى ك ّ‬ ‫سواك فكشفته وفّرجته ‪ ،‬فأنت ولي ك ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬في شرح الّنهج لبن أبي الحديد ‪ ، 81 / 1‬الطبعة المصرية ‪ :‬كانت الكوفة‬
‫اسباعا ً ‪.‬‬
‫)‪2‬تاريخ الطبري ‪. 241 / 6‬‬
‫)‪3‬الرشاد للشيخ المفيد ‪ ،‬وتاريخ الطبري ‪. 242 / 6‬‬
‫)‪4‬ابن الثير في الكامل ‪ ، 25 / 4‬وتاريخ ابن عساكر ‪ ، 233 / 4‬وذكر الكفعمي‬
‫ن النبي )ص( دعا به يوم بدر ‪ .‬واختصره‬ ‫في المصباح ‪ ، 158 /‬طبعة الهند ‪ :‬إ ّ‬
‫الذهبي في سير أعلم النبلء ‪. 202 / 3‬‬
‫لولى‬‫الخطبة ا ُ‬
‫م دعا براحلته فركبها ‪ ،‬و نادى بصوت عال يسمعه جّلهم ‪) :‬أّيها الّناس اسمعوا‬ ‫ث ّ‬
‫ي ‪ ،‬وحّتى أعتذر إليكم من‬ ‫َقولي ‪ ،‬ول تعجلوا حّتى أعظكم بما هو حقّ لكم عل ّ‬
‫مقدمي عليكم ‪ ،‬فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني الّنصف من‬ ‫َ‬
‫مّني العذر‬ ‫َ‬
‫ن لم تقبلوا ِ‬‫ي سبيل ‪ .‬وإ ْ‬ ‫أنفسكم ‪ ،‬كنتم بذلك أسعد ‪ ،‬ولم يكن لكم عل ّ‬

‫‪114‬‬
‫م ل يكن أمركم‬ ‫وَلم تعطوا الّنصف من أنفسكم ‪ ،‬فأجمعوا أمركم و شركاءكم ث ّ‬
‫ي الله الذي نزل الكتاب وهو‬ ‫ن ولي ّ‬
‫ي ول تنظرون ‪ .‬إ ّ‬‫م اقضوا إل ّ‬
‫مة ‪ .‬ث ّ‬
‫عليكم غ ّ‬
‫يتوّلى الصالحين (‪.‬‬
‫ن أخاه‬
‫ن ‪ ،‬فأرسل إليه ّ‬‫ن وارتفعت أصواته ّ‬ ‫ن وبكي َ‬
‫ن الّنساء هذا منه صح َ‬
‫ما سمع َ‬‫فل ّ‬
‫ن(‪.‬‬
‫ن فلعمري ليكثر بكاؤه ّ‬‫كتاه ّ‬ ‫ً‬
‫العّباس وابنه عليا الكبر وقال لهما ‪)) :‬س ّ‬

‫مد وعلى الملئكة والنبياء‬ ‫ن ‪ ،‬حمد الله وأثنى عليه وصّلى على مح ّ‬ ‫ما سكت َ‬
‫ول ّ‬
‫وقال في ذلك ما ل يحصى ذكره وَلم ُيسمع متكّلم قبله ول بعده أبلغ منه في‬
‫ن‬
‫م قال ‪)) :‬ع( باد الله ‪ ،‬اتقوا الله وكونوا من الدنيا على حذر ؛ فإ ّ‬ ‫منطقه )‪ ، (1‬ث ّ‬
‫الدنيا َلو بقيت على أحد أو بقي عليها أحد لكانت النبياء أحقّ بالبقاء وأولى بالرضا‬
‫ل ونعيمها مضمحل‬ ‫ن الله خلق الدنيا للفناء ‪ ،‬فجديدها با ٍ‬ ‫وأرضى بالقضاء ‪ ،‬غير أ ّ‬
‫ن خير الزاد التقوى ‪،‬‬ ‫وسرورها مكفهر ‪ ،‬والمنزل تلعة والدار قلعة ‪ ،‬فتزّودوا فإ ّ‬
‫ن الله تعالى خلق الدنيا فجعلها دار‬ ‫واتقوا الله لعّلكم تفلحون )‪ .2‬أّيها الّناس إ ّ‬
‫فناء وزوال متصرفة بأهلها حال ً بعد حال ‪ ،‬فالمغرور من غّرته والشقي من فتنته ‪،‬‬
‫فل تغّرنكم هذه الدنيا ‪ ،‬فإّنها تقطع رجاء من ركن إليها وُتخّيب طمع من طمع فيها‬
‫‪ .‬وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه الكريم‬
‫ب رّبنا وبئس العبيد أنتم ؛ أقررتم بالطاعة‬ ‫م الر ّ‬ ‫ل بكم نقمته ‪ ،‬فِنع َ‬ ‫عنكم وأح ّ‬
‫م إّنكم زحفتم إلى ذرّيته وعترته تريدون قتلهم ‪،‬‬ ‫مد )ص( (‪ ،‬ث ّ‬ ‫وآمنتم بالرسول مح ّ‬
‫لقد استحوذ عليكم‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬تاريخ الطبري ‪. 242 / 6‬‬
‫)‪2‬زهر الداب للحصري ‪ ، 62 / 1‬طبعة دار الكتب العربية ‪ ،‬سنة ‪. 1372‬‬
‫الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم ‪ ،‬فتب ّا ً لكم وِلما تريدون ‪ .‬إّنا لله وإّنا إليه‬
‫راجعون هؤلء قوم كفروا بعد إيمانهم فُبعدا ً للقوم الظالمين )‪ . (1‬أّيها الّناس‬
‫ل لكم قتلي‬ ‫م ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يح ّ‬ ‫من أنا ث ّ‬ ‫أنسبوني َ‬
‫مه وأول المؤمنين‬ ‫ت ابن بنت نبّيكم وابن وصّيه وابن ع ّ‬ ‫وانتهاك حرمتي ؟ ألس ُ‬
‫م‬
‫دق لرسوله بما جاء من عند رّبه ؟ أوَ ليس حمزة سّيد الشهداء ع ّ‬ ‫بالله والمص ّ‬
‫مي ‪ ،‬أوَ َلم يبلغكم قول رسول الله لي ولخي ‪:‬‬ ‫أبي ؟ أوَ ليس جعفر الطّيار ع ّ‬
‫دقتموني بما أقول وهو الحقّ ـ والله ما‬ ‫نص ّ‬ ‫هذان سّيدا شباب أهل الجّنة ؟ فإ ْ‬
‫ن‬‫ن الله يمقت عليه أهله ويضّر به من اختلقه ـ وإ ْ‬ ‫ت الكذب منذ علمت أ ّ‬ ‫تعمد ُ‬
‫ن سألتموه عن ذلك أخبركم ‪ ،‬سلوا جابر بن عبد الله‬ ‫من إ ْ‬ ‫ن فيكم َ‬ ‫ذبتموني فإ ّ‬ ‫ك ّ‬
‫النصاري ‪ ،‬وأبا سعيد الخدري ‪ ،‬وسهل بن سعد الساعدي ‪ ،‬وزيد بن أرقم ‪ ،‬وأنس‬
‫بن مالك يخبروكم أّنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولخي ‪ ،‬أما في‬
‫هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟! (‬
‫ن كان يدري ما يقول ‪.‬‬ ‫فقال الشمر ‪ :‬هو يعبد الله على حرف إ ْ‬
‫ً‬
‫فقال له حبيب بن مظاهر ‪ :‬والله إّني أراك تعبد الله على سبعين حرفا ‪ ،‬وأنا‬
‫أشهد أّنك صادق ما تدري ما يقول ‪ ،‬قد طبع الله على قلبك ‪.‬‬
‫كون أّني ابن‬ ‫ك من هذا القول ‪ ،‬أفتش ّ‬ ‫ن كنتم في ش ّ‬ ‫م قال الحسين )ع( ‪)) :‬فإ ْ‬ ‫ث ّ‬
‫بنت نبّيكم ‪ ،‬فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ول في‬
‫غيركم ‪ ،‬ويحكم اتطلبوني بقتيل منكم قتلته ؟! أو مال لكم استهلكته ؟! أو‬
‫بقصاص جراحة ؟! (‪ ،‬فأخذوا ل يكّلمونه !‬
‫جار بن أبجر ‪ ،‬ويا قيس بن الشعث ‪ ،‬ويا زيد‬ ‫ح ّ‬ ‫فنادى ‪)) :‬يا شبث بن ربعي ‪ ،‬ويا َ‬

‫‪115‬‬
‫ن اقدم قد أينعت الثمار واخضّر الجناب ‪ ،‬وإّنما تقدم‬ ‫يأ ْ‬
‫بن الحارث ألم تكتبوا إل ّ‬
‫على جند لك مجّندة ؟ (‬
‫فقالو ‪َ :‬لم نفعل ‪.‬‬
‫م قال ‪)) :‬أّيها الّناس ‪ ،‬إذا‬ ‫قال ‪)) :‬سبحان الله ! بلى والله لقد فعلتم (‪ .‬ث ّ‬
‫كرهتموني‬
‫____________________________‬
‫مد بن أبي طالب الحايري ‪.‬‬ ‫)‪ (1‬مقتل مح ّ‬
‫فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمن من الرض‪ .‬فقال له َقيس بن الشعث ‪ :‬أول‬
‫ب وَلن يصل إليك منهم‬ ‫مك ؟ فإّنهم َلن يروك إل ّ ما ُتح ّ‬ ‫تنزل على حكم بني ع ّ‬
‫مكروه ‪.‬‬
‫سلم ‪ :‬أنت أخو أخيك ‪ ،‬أتريد أن يطلبك بنو هاشم أكثر من‬ ‫فقال الحسين عليه ال ّ‬
‫ُ‬
‫دم مسلم بن عقيل ؟ ل والله ل اعطيكم بيدي إعطاء الذليل ول أفّر فرار العبيد )‬
‫ن ترجمون ‪ ،‬أعوذ برّبي ورّبكم من ك ّ‬
‫ل‬ ‫ت برّبي ورّبكم أ ْ‬ ‫‪ ، (1‬عباد الله إّني عذ ُ‬
‫م أناخ وأمر عقبة بن سمعان فعقلها))‪.2‬‬ ‫متكّبر ل يؤمن بيوم الحساب (‪ .‬ث ّ‬

‫موا لـما عن قدس أنواره عموا‬ ‫وقـام لـسان الله يـخطب واعـظا ً فـص ّ‬
‫ل لـكم مـّني دمـي أم محّرم‬ ‫من أنا اليوم وانظروا حـل ٌ‬ ‫وقال انسبوني َ‬
‫قوم‬ ‫ً‬
‫سهام بـنحره تــراش جـوابا والـعوالي تـ ّ‬ ‫فـمـا وجـدوا إل ّ الـ ّ‬
‫ق بين الّناس في الرض مسلم‬ ‫ده وَلم يب َ‬ ‫ج ّ‬
‫سبط انمحى دين َ‬ ‫ومـذ أيـقن ال ّ‬
‫ً‬
‫فـدى نـفسه في نصرة الدين خائضا عـن الـمسلمين الـغامرات ليسلموا‬
‫وقـال خـذيني يا حتوف وهاك يا سـيوف فـأوصالي لـك اليوم مغنم‬
‫ضيم جاثما ً ولـو ل عـلى جـمر السـّنة مجثم‬ ‫وهـيهات أن أغدو على ال ّ‬
‫وكـّر وقد ضاق الفضا وجرى القضا وسـال بـوادي الـكفر سيل عرمرم‬
‫سيوف وعظموا‬ ‫ومـذ خـّر بـالتعظيم لله سـاجدا ً لـه كـّبروا بـين ال ّ‬
‫وم‬
‫سنان الـمق ّ‬‫شمر يـرفع رأسه فـقـام بـه عـنه الـ ّ‬ ‫وجـاء إلـيه الـ ّ‬
‫ّ‬
‫عـزع عـرش الله وانـحط نوره فـأشرق وجه الرض والكون مظلم‬ ‫وُز ْ‬
‫____________________________‬
‫ما‬
‫حدة فيهما ‪ ،‬رواه ابن نما في مثير الحزان ‪ ، 26 /‬وهو أصح م ّ‬ ‫)‪ (1‬بالفاء المو ّ‬
‫يمضي على اللسن ‪ ،‬ويوجد في بعض المقاتل )بالقاف من القرار ؛ لّنه على هذا‬
‫تكون الجملة الثانية غير مفيدة ‪ ،‬إل ّ ما أفادته التي قبلها بخلفه على قراءة الفرار‬
‫ن الجملة الثانية تفيد أّنه ل يفّر من الشدة والقتل ‪ ،‬كما يصنعه العبيد ‪ .‬وهو‬ ‫‪ ،‬فإ ّ‬
‫معنى غير ما تؤدي إليه الجملة التي قبلها ‪ ،‬على أّنه يوجد في كلم أمير المؤمنين‬
‫لولى وكامل ابن الثير ‪/ 3‬‬ ‫ما يشهد له ‪ ،‬ففي تاريخ الطبري ‪ 76 / 6‬الطبعة ا ُ‬
‫ن أمير المؤمنين قال في‬ ‫‪ ، 148‬ونهج البلغة ‪ ، 104 / 1‬المطبعة الميرّية ‪ :‬إ ّ‬
‫ما فّر إلى معاوية ‪)) :‬ما َله فعل فعل السّيد ‪ ،‬وفّر فرار العبد ‪،‬‬ ‫مصقلة بن هبيرة ل ّ‬
‫صته على ما ذكرها ابن حزم في جمهرة أنساب‬ ‫وخان خيانة الفاجر ؟! (‪ ،‬وق ّ‬
‫ن أصحاب الحريث بن راشد من بني عبد البيت بن الحارث‬ ‫العرب ‪ : 164 /‬إ ّ‬
‫دوا أيام علي )ع( فحاربهم وقتلهم وسبى نساءهم وأبناءهم ‪ ،‬فابتاعهم مصقلة‬ ‫ارت ّ‬
‫م هرب إلى معاوية ‪ ،‬فأمضى علي )ع( عتقه لهم ‪.‬‬ ‫الشيباني وأعتقهم ث ّ‬
‫) )‪2‬تاريخ الطبري ‪. 243 / 6‬‬
‫ومذ مال قطب الكون مال وأوشك انـقلبا ً يـميل الـكائنات ويـعدم‬
‫سما وهي أعظم‬ ‫وحين ثوى في الرض قّر قرارها وعادت ومن أوج ال ّ‬

‫‪116‬‬
‫فـلهفي لـه فـردا ً عليه تزاحمت جـموع الـعدى تزداد جهل ً فيحلم‬
‫ولـهفي لـه ظـام ٍ يـجود وحوله الـفرات جـرى طام ٍ وعنه يحّرم‬
‫ى وللخيل حافر يـجول عـلى تلك الضلوع وينسم‬ ‫ولـهفي لـه مـلق ً‬
‫ولـهفي على أعضاك يابن محمد ُتــوّزع فـي أسـيافهم وتـسهم‬
‫سم‬‫سيوف موّزع ورحـلك مـا بـين العادي مق ّ‬ ‫فـجسمك مـا بين ال ّ‬
‫ل رجـيم بـالحجارة يرجم )‪(1‬‬ ‫ّ‬
‫فـلهفي عـلى ريحانة الطر جسمه لـك ّ‬

‫كرامة وهداية‬
‫وأقبل القوم يزحفون نحوه ‪ ،‬وكان فيهم عبد الله بن حوزة التميمي)‪2‬فصاح ‪:‬‬
‫أفيكم حسين ؟ وفي الثالثة قال أصحاب الحسين ‪ :‬هذا الحسين فما تريد منه ؟‬
‫ب غفور‬ ‫قال ‪ :‬يا حسين ‪ ،‬أبشر بالّنار ‪ ،‬قال الحسين ‪)) :‬كذبت ‪ ،‬بل أقدم على ر ّ‬
‫ديه حّتى‬‫من أنت ؟ (قال ‪ :‬أنا ابن حوزة ‪ .‬فرفع الحسين ي َ‬ ‫كريم مطاع شفيع ‪ .‬ف َ‬
‫م ‪ ،‬حزه إلى الّنار ‪ ،‬فغضب ابن حوزة وأقحم‬ ‫طيه وقال ‪)) :‬الله ّ‬ ‫ن بياض اب َ‬ ‫با َ‬
‫الفرس إليه وكان بينهما نهر فسقط عنها وعلقت قدمه بالركاب ‪ ،‬وجالت به‬
‫الفرس وانقطعت قدمه وساقه وفخذه ‪ ،‬وبقي جانبه الخر معّلقا ً بالركاب ‪،‬‬
‫ل حجر وشجر)‪ ،3‬وألقته في الّنار المشتعلة في‬ ‫وأخذت الفرس تضرب به ك ّ‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫الخندق فاحترق بها ومات ‪ .‬فخّر الحسين )ع( ساجدا شاكرا حامدا على إجابة‬
‫م ‪ ،‬إّنا أهل بيت نبّيك وذرّيته وقرابته ‪،‬‬ ‫م إّنه رفع صوته يقول ‪)) :‬الله ّ‬ ‫دعائه ‪ ،‬ث ّ‬
‫ي‬
‫مد بن الشعث أ ّ‬ ‫قنا إّنك سميع قريب (فقال له ‪ :‬مح ّ‬ ‫من ظلمنا وغصبنا ح ّ‬ ‫فاقصم َ‬
‫ن‬‫مإ ّ‬
‫مد ؟ فقال الحسين ‪)) :‬الله ّ‬ ‫قرابة بينك وبين مح ّ‬
‫____________________________‬
‫ذكرت‬ ‫مد حسين كاشف الغطاء ‪ُ ،‬‬ ‫جة الشيخ مح ّ‬ ‫)‪ (1‬من قصيدة لية الله الح ّ‬
‫بتمامها في كتابنا )قمر بن هاشم ‪.‬‬
‫) )‪2‬في مجمع الزوائد للهيثمي ‪ : 193 / 9‬ابن جويرة أو جويزة ‪.‬‬
‫وفي مقتل الحسين للخوارزمي ‪ : 248 / 1‬مالك بن جريرة ‪.‬‬
‫لولى ‪ :‬يقال له ‪ :‬ابن أبي جويرة‬ ‫وفي روضة الواعظين للفتال ‪ 159 /‬الطبعة ا ُ‬
‫ن فرسه نفرت به وألقته في الّنار التي في الخندق ‪.‬‬ ‫المزني ‪ ،‬وإ ّ‬
‫) )‪3‬كامل ابن الثير ‪. 27 / 4‬‬
‫م أرني فيه هذا‬ ‫مد قرابة ‪ .‬الله ّ‬ ‫محمد بن الشعث يقول ‪ :‬ليس بيني و بين مح ّ‬
‫مد بن الشعث من العسكر ‪،‬‬ ‫اليوم ذل ً عاجل ً (‪ ،‬فاستجاب الله دعاءه ‪ ،‬فخرج مح ّ‬
‫وثا ً في ثيابه‬‫ونزل عن فرسه لحاجته ‪ ،‬وإذا بعقرب أسود يضربه ضربة تركته متل ّ‬
‫ما به )‪ (1‬ومات باديَ العورة))‪.2‬‬ ‫م ّ‬
‫دمت لحرب‬ ‫ت في أّول الخيل التي تق ّ‬ ‫قال مسروق بن وائل الحضرمي ‪ :‬كن ُ‬
‫ما رأيت ما‬ ‫ن ُاصيب رأس الحسين فأحظى به عند ابن زياد ‪ ،‬فل ّ‬ ‫الحسين ؛ لعّلي أ ْ‬
‫ن لهل هذا البيت حرمة ومنزلة عند الله ‪ ،‬وتركت الّناس‬ ‫صنع بابن حوزة عرفت أ ّ‬ ‫ُ‬
‫وقلت ‪ :‬ل ُاقاتلهم فأكون في الّنار)‪( .3‬‬

‫خطبة زهير بن القين‬


‫سلح فقال ‪ :‬يا أهل‬ ‫وخرج إليهم زهير بن القين على فرس ذنوب وهو شاك في ال ّ‬
‫قا ً على المسلم نصيحة أخيه المسلم ‪،‬‬ ‫نح ّ‬‫الكوفة ‪ ،‬نذار لكم من عذاب الله إ ّ‬
‫سيف ‪ ،‬وأنتم‬ ‫ونحن حّتى الن إخوة على دين واحد ‪ ،‬ما َلم يقع بيننا وبينكم ال ّ‬
‫ن‬ ‫مة وأنتم ا ُ ّ‬
‫مة ‪ ،‬إ ّ‬ ‫سيف انقطعت العصمة ‪ ،‬وكّنا ا ُ ّ‬ ‫للنصيحة مّنا أهل ‪ ،‬فإذا وقع ال ّ‬

‫‪117‬‬
‫مد )ص( ؛ لينظر ما نحن وأنتم عاملون ‪ .‬إّنا‬ ‫الله ابتلنا وإّياكم بذرّية نبّيه مح ّ‬
‫ندعوكم إلى نصرهم وخذلن الطاغية يزيد وعبيد الله بن زياد ‪ ،‬فإّنكم ل تدركون‬
‫منهما إل ّ سوء عمر سلطانهما ‪ ،‬يسملن أعينكم ويقطعان أيديكم وأرجلكم‬
‫حجر‬‫ويمّثلن بكم ‪ ،‬ويرفعانكم على جذوع الّنخل ‪ ،‬ويقتلن أماثلكم وقّراءكم أمثال ِ‬
‫بن عدي وأصحابه ‪ ،‬وهاني بن عروة وأشباهه ‪ .‬فسّبوه وأثنوا على عبيد الله بن‬
‫من معه أو نبعث به وبأصحابه‬ ‫زياد ودعوا له وقالوا ‪ :‬ل نبرح حّتى نقتل صاحبك و َ‬
‫إلى عبيد الله بن زياد سلما ً ‪.‬‬
‫ن لم‬ ‫ن ولد فاطمة أحقّ بالود ّ والّنصر من ابن سمّية ‪ ،‬فإ ْ‬ ‫فقال زهير ‪ :‬عباد الله إ ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مقتل الحسين للخوارزمي ج ‪ 1‬ص ‪ 249‬فصل ‪ : 11‬واقتصر الصدوق في‬
‫مد بن الشعث ‪.‬‬ ‫المالي على دعائه على مح ّ‬
‫))‪ 2‬روضة الواعظين للفتال ص ‪ 159‬طبع أول ‪.‬‬
‫))‪ 3‬الكامل لبن الثير ج ‪ 4‬ص ‪. 27‬‬
‫ن تقتلوهم ‪ ،‬فخّلوا بين هذا الرجل وبين يزيد ‪ ،‬فَلعمري‬ ‫تنصروهم ‪ ،‬فُاعيذكم بالله أ ْ‬
‫إّنه ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين )ع( ‪.‬‬
‫فرماه الشمر بسهم وقال ‪ :‬اسكت أسكت الله نامتك ‪ ،‬أبرمتنا بكثرة كلمك ‪.‬‬
‫وال على عقبيه ‪ ،‬ما إّياك ُاخاطب ‪ ،‬إّنما أنت بهيمة والله ما‬ ‫فقال زهير ‪ :‬يابن الب ّ‬
‫أظّنك تحكم من كتاب الله آيَتين ‪ ،‬فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الليم ‪.‬‬
‫وفني‬ ‫فقال الشمر ‪ :‬إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة ‪ .‬فقال زهير ‪ :‬أفبالموت تخ ّ‬
‫م أقبل على القوم رافعا ً صوته‬ ‫ي من الخلد معكم ‪ .‬ث ّ‬ ‫ب إل ّ‬ ‫؟ فوالله َللموت معه أح ّ‬
‫وقال ‪ :‬عباد الله ‪ ،‬ل يغّرنكم عن دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه ‪ ،‬فوالله ل‬
‫من نصرهم‬ ‫مد )ص( قوما ً هرقوا دماء ذرّيته وأهل بيته ‪ ،‬وقتلوا َ‬ ‫تنال شفاعة مح ّ‬
‫ب عن حريمهم ‪.‬‬ ‫وذ ّ‬
‫َ‬
‫ن أبا عبد الله يقول لك ‪)) :‬أقِبل ‪ ،‬فلعمري لئن كان‬ ‫فناداه رجل من أصحابه ‪ ،‬إ ّ‬
‫َ‬
‫ت هؤلء وأبلغت لو نفع‬ ‫مؤمن آل فرعون نصح قومه وأبلغ في الدعاء ‪ ،‬فلقد نصح َ‬
‫الّنصح والبلغ ( )‪. (1‬‬

‫خطبة ُبرير‬
‫ن يكّلم القوم ‪ ،‬فأذن له ـ وكان شيخا ً‬ ‫ن برير بن خضير) )‪2‬في أ ْ‬ ‫واستأذن الحسي َ‬
‫تابعيا ً ناسكا ً قارئا للقرآن ومن شيوخ القّراء في جامع الكوفة ‪ ،‬وله في الهمدانّيين‬
‫ً‬
‫ن الله بعث محمدا ً‬ ‫شرف وقدر ـ فوقف قريبا ً منهم ونادى ‪ :‬يا معشر الّناس ‪ ،‬إ ّ‬
‫بشيرا ً ونذيرا ً وداعيا ً إلى الله وسراجا ً منيرا ً ‪ ،‬وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير‬
‫سواد وكلبه‬ ‫ال ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬تاريخ الطبري ‪. 243 / 6‬‬
‫حدة ‪ ،‬وفتح الراء‬ ‫) )‪2‬قال ابن الثير في الكامل ‪ : 37 / 4‬برير بالباء المو ّ‬
‫المهملة ‪ ،‬وسكون الياء المثناة من تحتها ‪ ،‬وآخره راء ‪ .‬وخضير )بالخاء والضاد‬
‫المعجمتين ‪).‬‬
‫مد هذا ؟! )‪ . (1‬فقالوا ‪ :‬يا‬ ‫وقد حيل بينه وبين ابن بنت رسول الله ‪ ،‬أفجزاء مح ّ‬
‫من‬ ‫ُبرير ‪ ،‬قد أكثرت الكلم ‪ ،‬فاكفف عّنا ‪ ،‬فوالله ليعطش الحسين كما عطش َ‬
‫مد قد أصبح بين أظهركم ‪ ،‬وهؤلء ذّريته‬ ‫ن ثقل مح ّ‬‫كان قبله ‪ .‬قال ‪ :‬يا قوم ‪ ،‬إ ّ‬
‫ن تصنعوه بهم ؟‬ ‫وعترته وبناته وحرمه ‪ ،‬فهاتوا ما عندكم وما الذي تريدون أ ْ‬

‫‪118‬‬
‫ن منهم المير عبيد الله بن زياد ‪ ،‬فيرى فيهم رأيه ‪ .‬قال ‪:‬‬ ‫ن نمك ّ‬‫فقالوا ‪ :‬نريد أ ْ‬
‫ن يرجعوا إلى المكان الذي جاؤا منه ؟ ويلكم يا أهل الكوفة ‪،‬‬ ‫أفل تقبلون منهم أ ْ‬
‫أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها وعليكم ؟! أدعوتم‬
‫أهل بيت نبّيكم وزعمتم أّنكم تقتلون أنفسكم دونهم حّتى إذا أتوكم أسلمتموهم‬
‫إلى ابن زياد وحلتموهم عن ماء الفرات ؟ بئسما خلفتم نبّيكم في ذرّيته ! ما لكم‬
‫؟ ل سقاكم الله يوم القيامة فبئس القوم أنتم ! فقال له نفر منهم ‪ :‬يا هذا ‪ ،‬ما‬
‫م إّني أبرأ إليك‬
‫ندري ما تقول ؟ قال ‪ :‬الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة ‪ ،‬الله ّ‬
‫ق بأسهم بينهم حّتى يلقوك وأنت عليهم غضبان ‪.‬‬ ‫م ال ِ‬
‫من فعال هؤلء القوم ‪ ،‬الله ّ‬
‫سهام ‪ ،‬فتقهقر)‪.2‬‬ ‫فجعل القوم يرمونه بال ّ‬

‫خطبة الحسين الثانية‬


‫ً‬
‫ن الحسين )ع( ركب فرسه ‪ ،‬وأخذ مصحفا ونشره على رأسه ‪ ،‬ووقف بإزاء‬ ‫مإ ّ‬‫ث ّ‬
‫دي رسول الله‬ ‫ن بيني وبينكم كتاب الله وسّنة ج ّ‬ ‫القوم وقال ‪)) :‬يا قوم ‪ ،‬إ ّ‬
‫دسة وما عليه من سيف الّنبي )ص(‬ ‫م استشهدهم عن نفسه المق ّ‬ ‫)ص( ( )‪ .3‬ث ّ‬
‫ولمته‬
‫____________________________‬
‫ما بلغ‬‫لولى ‪ :‬ل ّ‬ ‫)‪ (1‬في أمالي الصدوق ‪ ، 96 /‬المجلس الثلثون ‪ ،‬الطبعة ا ُ‬
‫العطش من الحسين وأصحابه ‪ ،‬استأذن برير أن يكّلم القوم فأِذن له ‪.‬‬
‫مد بن أبي طالب ‪ ] .‬بحار النوار ‪. [ 5 / 45‬‬ ‫)‪2‬البحار ج ‪ : 10‬عن مح ّ‬
‫)‪3‬تذكرة الخواص ‪. 143 /‬‬
‫ة للمير‬ ‫ما أخذهم على قتله ؟ قالوا ‪ :‬طاع ً‬ ‫وعمامته فأجأبوه بالتصديق ‪ .‬فسألهم ع ّ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫سلم ‪)) :‬تب ّا لكم أّيتها الجماعة و ترحا ‪ ،‬أحين‬ ‫عبيد الله بن زياد ‪ ،‬فقال عليه ال ّ‬
‫ً‬
‫استصرختمونا وآله ين فأصرخناكم موجفين ‪ ،‬سللتم علينا سيفا لنا في أيمانكم‬
‫وحششتم علينا نارا ً اقتدحناها على عدّونا وعدّوكم ‪ ،‬فأصبحتم إلبا ً لعدائكم على‬
‫أوليائكم ‪ ،‬بغير عدل أفشوه فيكم ول أمل أصبح لكم فيهم ‪ .‬فهل ّ ـ لكم الويلت ! ـ‬
‫ن أسرعتم‬ ‫سيف مشيم والجأش طامن والرأي َلما يستحصف ‪ ،‬ولك ْ‬ ‫تركتمونا وال ّ‬
‫م نقضتموها ‪ ،‬فسحقا ً‬ ‫إليها كطيرة )‪ (1‬الدبا وتداعيتم عليها كتهافت الفراش ‪ ،‬ث ّ‬
‫لكم يا عبيد المة وشذاذ الحزاب ونبذة الكتاب ومحّرفي الكِلم وعصبة الثم‬
‫سَنن ! ويحكم أهؤلء تعضدون وعّنا تتخاذلون ! أجل‬ ‫ي ال ّ‬ ‫ونفثة الشيطان ومطفئ ّ‬
‫والله غدر فيكم قديم وشجت عليه ُاصولكم وتأّزرت فروعكم فكنتم أخبث ثمرة ‪،‬‬
‫ي قد ركز بين اثنَتين ؛ بين‬ ‫ي بن الدع ّ‬
‫دع ّ‬ ‫ن ال ّ‬
‫شجى للناظر وأكلة للغاصب ! أل وإ ّ‬
‫سلة والذّلة ‪ ،‬وهيهات مّنا الذّلة ‪ ،‬يأبي الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور‬ ‫ال ّ‬
‫طابت وطهرت وانوف حمّية ونفوس أبّية ‪ ،‬من أن نؤثر طاعة اللئام من مصارع‬ ‫ُ‬
‫م أنشد‬ ‫لسرة على قّلة العدد وخذلن الّناصر (‪ .‬ث ّ‬ ‫الكرام ‪ ،‬أل وإّني زاحف بهذه ا ُ‬
‫مسيك المرادي)‪( .2‬‬ ‫أبيات فروة بن ُ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬بالكسر فالفتح ‪ ،‬تاج العروس ‪.‬‬
‫)‪2‬نقلناها من اللهوف ‪ ، 54 /‬ورواها ابن عساكر في تاريخ الشام ‪، 333 / 4‬‬
‫والخوارزمي في المقتل ‪ ، 6 / 2‬وفي نقليهما خلف لما هنا ‪.‬‬
‫وقال ابن حجر في الصابة ‪ : 205 / 3‬وفد فروة بن مسيك )بالتصغير على الّنبي‬
‫)ص( سنة تسع مع مذحج ‪ ،‬واستعمله النبي على مراد ومذحج وزبيد ‪.‬‬
‫وفي الستيعاب ‪ :‬سكن الكوفة أيام عمر ‪ .‬وذكر ابن هشام في السيرة بهامش‬

‫‪119‬‬
‫ما كانت الوقعة بين مراد وهمدان ‪ ،‬أنشأ أبياتا ً تسعة‬ ‫الروض النف ‪ : 344 / 2‬ل ّ‬
‫وَلم يكن فيها البيت الثالث والرابع ‪ .‬وفي اللهوف ذكر سبعة مع البيتين ‪ .‬وفي‬
‫الغاني ‪ : 49 / 19‬نسب الفرزدق إلى خاله العلء بن قرظة قوله ‪:‬‬
‫إذا ما الدهر جر على اناس بكلكله أناخ بآخرينا‬
‫فقل للشامتين ‪ ...‬الخ‬
‫وذكر ابن عساكر في تاريخ الشام ‪ ، 334 / 4‬والخوارزمي في المقتل ‪، 7 / 2‬‬
‫الول والثاني وَلم ينسباهما إلى أحد ‪.‬‬
‫ونسبهما المرتضى في المالي ‪ 181 / 1‬إلى ذي الصبع العدواني ‪ .‬وفي عيون‬
‫الخبار لبن قتيبة ‪ ، 114 / 3‬وشرح الحماسة للتبريزي ‪ : 191 / 3‬أّنها للفرزدق ‪.‬‬
‫وفي الحماسة البصرّية ‪ : 30 /‬أّنهما من قصيدة فروة بن مسيك ‪ ،‬ويرويان لعمر‬
‫بن قعاس ‪.‬‬
‫مـهّزمينا‬ ‫ً‬
‫فـإن نـهزم فـهّزامون قدما وإن نـهَْزم فـغير ُ‬
‫ومـا أن طبنا )‪ (1‬جبن ولكن مـنـايانا ودولــة آخـرينا‬
‫فـقل لـلشامتين بـنا أفيقوا سـيلقى الـشامتون كما لقينا‬
‫إذا مات الموت رّفع عن ُاناس بـكـلكله أنــاخ بـآخرينا‬

‫أما والله ‪ ،‬ل تلبثون بعدها إل ّ كريثما يركب الفرس ‪ ،‬حّتى تدور بكم دور الرحى‬
‫دي رسول الله ‪ ،‬فاجمعوا‬ ‫ي أبي عن ج ّ‬ ‫وتقلق بكم قلق المحور ‪ ،‬عهد ٌ عََهده إل ّ‬
‫ي ول تنظرون ‪ ،‬إّني‬ ‫م اقضوا إل ّ‬ ‫مة ث ّ‬
‫م ل يكن أمركم عليكم غ ّ‬ ‫أمركم وشركاءكم ‪ ،‬ث ّ‬
‫ن رّبي على صراط‬ ‫ّ‬
‫كلت على الله رّبي ورّبكم ‪ ،‬ما من داّبة إل هو آخذ بناصيتها إ ّ‬ ‫تو ّ‬
‫م ‪ ،‬احبس عنهم قطر‬ ‫سماء وقال ‪)) :‬الله ّ‬ ‫ديه نحو ال ّ‬ ‫م رفع ي َ‬ ‫المستقيم )‪ .2‬ث ّ‬
‫ّ‬
‫ي يوسف ‪ ،‬وسلط عليهم غلم ثقيف يسقيهم‬ ‫سماء ‪ ،‬وابعث عليهم سنين كسن ّ‬ ‫ال ّ‬
‫ّ‬
‫كأسا مصبرة ‪ ،‬فإّنهم كذبونا وخذلونا ‪ ،‬وأنت رّبنا عليك توكلنا وإليك المصير )‪.3‬‬ ‫ً‬
‫ة بضربة ‪ ،‬وإّنه لينتصر‬ ‫ة بقتلة وضرب ً‬ ‫والله ل يدع أحدا ً منهم إل ّ انتقم لي منه ‪ ،‬قتل ً‬
‫لي ولهل بيتي وأشياعي )‪.(4‬‬

‫ضلل ابن سعد‬


‫ب أن يأتيه ـ‬ ‫دعي له ـ وكان كارها ً ل يح ّ‬ ‫واستدعى الحسين )ع( عمر بن سعد ‪ ،‬ف ُ‬
‫ي بلد الري وجرجان ؟‬ ‫فقال )ع( ‪)) :‬أي عمر ‪ ،‬أتزعم أّنك تقتلني ويوّليك الدع ّ‬
‫والله ل تتهّنأ بذلك ‪ ،‬عهد معهود فاصنع ما أنت صانع ‪ ،‬فإّنك ل تفرح بعدي بدنيا ول‬
‫آخرة ‪ ،‬وكأّني برأسك على قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة ويّتخذونه غرضا ً‬
‫بينهم (‪ ،‬فصرف بوجهه عنه مغضبًا)‪( .5‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬الطب )بالكسر ‪ :‬الرادة والعادة ‪.‬‬
‫) )‪2‬تاريخ ابن عساكر ‪ ، 334 / 4‬والمقتل للخوارزمي ‪ ، 7 / 2‬واللهوف ‪. 54 /‬‬
‫) )‪3‬اللهوف ‪ ، 56 /‬طبعة صيدا ‪ ،‬والمقتل للخوارزمي ‪. 7 / 3‬‬
‫)‪ (4‬مقتل العوالم ‪. 84 /‬‬
‫سلم( ‪ ، 110 /‬ومقتل العوالم ‪ ، 84 /‬ومقتل‬ ‫)‪ (5‬تظّلم الزهراء )عليها ال ّ‬
‫الخوارزمي ‪. 8 / 2‬‬
‫توبة الحّر‬
‫ما سمع الحّر بن يزيد الرياحي كلمه واستغاثته ‪ ،‬أقبل على عمر بن سعد وقال‬ ‫ول ّ‬
‫ً‬
‫له ‪ :‬أمقاتل أنت هذا الرجل ؟ قال ‪ :‬إي والله ‪ ،‬قتال أيسره أن تسقط فيه‬

‫‪120‬‬
‫الرؤوس وتطيح اليدي ‪ .‬قال ‪ :‬ما لكم فيما عرضه عليكم من الخصال ؟ فقال ‪:‬‬
‫ي لقبلت ‪ ،‬ولكن أميرك أبى ذلك ‪ .‬فتركه ووقف مع الّناس ‪ ،‬وكان‬ ‫َلو كان المر إل ّ‬
‫إلى جنبه قّرة بن قيس فقال لقّرة ‪ :‬هل سقيت فرسك اليوم ؟ قال ‪ :‬ل ‪ ،‬قال ‪:‬‬
‫ن قّرة من ذلك أّنه يريد العتزال ويكره أن يشاهده ‪،‬‬ ‫فهل تريد أن تسقيه ؟ فظ ّ‬
‫فتركه فأخذ الحّر يدنو من الحسين قليل ً ‪ ،‬فقال له المهاجر بن أوس ‪ :‬أتريد أن‬
‫تحمل ؟ فسكت وأخذته الرعدة ‪ ،‬فارتاب المهاجر من هذا الحال وقال له ‪َ :‬لو‬
‫من أشجع أهل الكوفة ؟ َلما عدوتك ‪ ،‬فما هذا الذي أراه منك ؟ فقال‬ ‫قيل لي ‪َ :‬‬
‫الحّر ‪ :‬إّني ُاخّير نفسي بين الجّنة والّنار ‪ ،‬والله ل أختار على الجّنة شيئا ً ولو‬
‫كسا ً رمحه قالبا ً ترسه)‪2‬وقد طأطأ‬ ‫م ضرب جواده نحو الحسين )‪ (1‬من ّ‬ ‫ُاحرقت ‪ .‬ث ّ‬
‫برأسه ؛ حياًء من آل الرسول بما أتى إليهم وجعجع بهم في هذا المكان على غير‬
‫ي ‪ ،‬فقد أرعبت قلوب أوليائك‬ ‫م إليك ُانيب فتب عل ّ‬ ‫ماء ول كل ‪ ،‬رافعا ً صوته ‪ :‬الله ّ‬
‫وأولد نبّيك ‪ .‬يا أبا عبدالله إّني تائب ‪ ،‬فهل لي من توبة ؟ فقال الحسين )ع( ‪:‬‬
‫قن الحياة البدّية والّنعيم الدائم ‪،‬‬ ‫))نعم يتوب الله عليك )‪ .3‬فسّره قوله وتي ّ‬
‫دث الحسين )ع( بحديث قال‬ ‫ما خرج من الكوفة ‪ ،‬فح ّ‬ ‫ووضح له قول الهاتف ل ّ‬
‫ل للحر‬ ‫ما خرجت من الكوفة ُنوديت ‪ :‬أبشر يا حّر بالجّنة ‪ .‬فقلت ‪ :‬وي ٌ‬ ‫فيه ‪ :‬ل ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬تاريخ الطبري ‪. 244 / 6‬‬
‫)‪2‬في البداية لبن كثير ‪ : 63 / 7‬في واقعة اليرموك قال جرجه‪ ،‬وهو من‬
‫من يدخل مّنا في هذا المر؟ قال خالد ‪ :‬له‬ ‫النصارى لخالد بن الوليد ‪ :‬ما منزلة َ‬
‫سماء‬ ‫ما لنا ؛ لنا صدقنا نبينا وهو حي بين أظهرنا يأتيه وحي ال ّ‬ ‫من الجر أفضل م ّ‬
‫من يسلم منكم وهو َلم يسمع ما سمعنا وَلم يَر ما رأينا من‬ ‫ونرى اليات ‪ ،‬و َ‬
‫العجائب والحجج وكان دخوله في هذا المر بّينة صادقة ‪ ،‬كان أفضل مّنا ‪ .‬فعند‬
‫ذلك قلب جرجه الترس ومال مع خالد وقال ‪ :‬عّلمني السلم ‪. ...‬‬
‫وفي أنساب الشراف للبلذري ‪ ، 42 / 1‬طبعة دار المعارف ‪ ،‬مصر ‪ :‬كان العرب‬
‫إذا خافوا ووردوا على من يستجيرون به وجاؤا للصلح نكسوا رماحهم ‪ .‬وقال في‬
‫صفحة ‪ : 43‬وفد الحارث بن ظالم على عبد الله بن جدعان بـ )ع( كاظوهم يرون‬
‫م رفعه حين عرفوه وأمن ‪.‬‬ ‫كس رمحه ث ّ‬ ‫حرب قيس ‪ ،‬فكذلك ن ّ‬
‫)‪3‬اللهوف ‪ ، 58 /‬وأمالي الصدوق ‪ 97 /‬المجلس الثلثون ‪ ،‬وروضة الواعظين ‪/‬‬
‫‪. 159‬‬
‫شر بالجّنة وهو يسير إلى حرب ابن بنت رسول الله ؟! )‪. (1‬‬ ‫ُيب ّ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫فقال له الحسين )ع( ‪)) :‬لقد أصبت خيرا وأجرا )‪ .2‬وكان معه غلم تركي)‪( .3‬‬

‫نصيحة الحر لهل الكوفة‬


‫ن يكّلم القوم فأذن له ‪ ،‬فنادى بأعلى صوته ‪ :‬يا أهل‬
‫ن )ع( في أ ْ‬
‫م استأذن الحسي َ‬ ‫ث ّ‬
‫ل جانب‬‫مكم الهبل والعبر ؛ إذ دعوتموه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من ك ّ‬ ‫الكوفة ل ُ ّ‬
‫جه إلى بلد الله العريضة حّتى يأمن وأهل بيته ‪ ،‬وأصبح كالسير في‬ ‫فمنعتموه التو ّ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أيديكم ل يملك لنفسه نفعا ول ضّرا ‪ ،‬وحلتموه ونساءه وصبيته وصحبه عن ماء‬
‫الفرات الجاري الذي يشربه اليهود والّنصارى والمجوس ‪ ،‬وتمرغ فيه خنازير‬
‫السواد وكلبه ‪ .‬وها هم قد صرعهم العطش ‪ ،‬بئسما خلفتم محمدا ً في ذرّيته ! ل‬
‫جالة ترميه بالّنبل ‪ ،‬فتقهقر حّتى وقف‬
‫سقاكم الله يوم الظمأ ! فحملت عليه ر ّ‬
‫أمام الحسين )‪. (1‬‬

‫‪121‬‬
‫لولى‬ ‫الحملة ا ُ‬
‫دم عمر بن سعد نحو عسكر الحسين ورمى بسهم وقال ‪ :‬اشهدوا لي عند‬ ‫وتق ّ‬
‫َ‬
‫م رمى الّناس)‪ ،2‬فلم يبقَ من أصحاب الحسين أحد‬ ‫المير إّني أول من رمى ‪ .‬ث ّ‬
‫سلم لصحابه ‪)) :‬قوموا رحمكم الله إلى‬ ‫إل ّ أصابه من سهامهم)‪ ،3‬فقال عليه ال ّ‬
‫سهام رسل القوم إليكم (‪ .‬فحمل أصحابه‬ ‫ن هذه ال ّ‬ ‫الموت الذي ل بد ّ منه ‪ ،‬فإ ّ‬
‫ً‬
‫ة)‪4‬واقتتلوا ساعة ‪ ،‬فما انجلت الغبرة إل ّ عن خمسين صريعا)‪.5‬‬ ‫ة واحد ً‬ ‫حمل ً‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬أمالي الصدوق ‪ ، 93 /‬المجس الثلثون ‪.‬‬
‫)‪2‬مثير الحزان لبن نما ‪ ، 31 /‬وفي مقتل الحسين للخوارزمي ‪ : 9 / 2‬كان معه‬
‫غلم له تركي ‪.‬‬
‫)‪3‬الهبل )بالتحريك ‪ :‬الثكل ‪ .‬والعبر )بالفتح ‪ :‬الحزن ‪ ،‬وجريان الدمعة كاستعبر ‪،‬‬
‫تاج العروس ‪.‬‬
‫)‪4‬ابن الثير ‪. 27 / 4‬‬
‫)‪5‬الخطط المقريزّية ‪. 287 / 2‬‬
‫)‪6‬مقتل العوالم ‪. 84 /‬‬
‫)‪7‬اللهوف ‪. 56 /‬‬
‫مد بن أبي طالب ‪.‬‬ ‫)‪8‬البحار عن مح ّ‬
‫قب‬ ‫سـطت ورحى الهيجاء تطحن شوسها ووجـه الـضحى فـي نقعها متن ّ‬
‫طب‬‫تـهـّلل بـشرا ً بـالقراع وجـوهها وكـم وجـه ضـرغام هناك مق ّ‬
‫سّلت لدى الضرب تطرب‬ ‫وتـلتذ ّ أن جـاءت لـها السمر تلتوي وللبيض ان ُ‬
‫أعـّزاء ل تـلوي الـرقاب لـفادح ول مـن ُالـوف في الكريهة ترهب‬
‫فـما لـسوى الـعلياء تـاقت نفوسهم وَلـم تك في شيء سوى العّز ترغب‬
‫شهم لـلمجد يطلب‬ ‫ن مـجدا ً في الـثّريا لـحلقت إلـيه وشـأن الـ ّ‬ ‫فـَلـو أ ّ‬
‫دما وأيـديهم مـن جودها الدهر مخضب‬ ‫فـأسيافهم يـوم الـوغى تمطر ال ّ‬
‫سمر العواسل تشرب‬ ‫ومـا برحت تقري المواضي لحومها ومـن دمـها ال ّ‬
‫ن تهاوت كالكواكب في الثرى ومـا بعدهم يا ليت ل لح كوكب )‪( (1‬‬ ‫إلـى أ ْ‬
‫****‬
‫دم )‪(2‬‬ ‫م الجبال ته ّ‬
‫تـهاووا فـقل زهـر الّنجوم تهافتت وأهـووا فـقل شـ ّ‬

‫وخرج يسار مولى زياد وسالم مولى عبيد الله بن زياد فطلبا البراز ‪ ،‬فوثب حبيب‬
‫وبرير ‪ ،‬فلم يأذن لهما الحسين )ع( ‪ .‬فقام عبد الله بن عمير الكلبي ‪ ،‬من بني‬
‫ساعدين بعيد ما بين المنكبين ‪،‬‬ ‫عليم ‪ ،‬وكنيته أبو وهب ‪ ،‬وكان طويل ً شديد ال ّ‬
‫شريفا ً في قومه شجاعا ً مجّربا ً ‪ ،‬فأذن له وقال ‪)) :‬أحسبه للقران قّتال ً (‪ .‬فقال‬
‫من أنت ؟ فانتسب لهما ‪ ،‬فقال ‪ :‬ل نعرفك ليخرج إلينا زهير أو حبيب أو‬ ‫له ‪َ :‬‬
‫م‬
‫ة عن مبارزتي ؟ ث ّ‬ ‫ً‬
‫برير ‪ ،‬وكان يسار قريبا منه فقال له ‪ :‬يابن الزانية أَوبك رغب ً‬
‫شد ّ عليه بسيفه يضربه ‪ ،‬وبينا هو مشتغل به إذ شد ّ عليه سالم ‪ ،‬فصاح أصحابه‬
‫سيف فاتقاها عبد الله بيده اليسرى‬ ‫قد رهقك العبد فلم يعبأ به ‪ ،‬فضربه سالم بال ّ‬
‫فأطار أصابعه ‪ ،‬ومال عليه عبد الله فقتله ‪ .‬وأقبل إلى الحسين يرتجز وقد قتلهما‬
‫‪.‬‬
‫م وهب بنت عبد الله بن النمر بن قاسط ‪ ،‬عمودا ً ‪ ،‬وأقبلت نحوه‬ ‫وأخذت زوجته ا ُ ّ‬
‫مد صّلى الله عليه وآله‬ ‫مي قاتل دون الطّيبين ذرّية مح ّ‬ ‫تقول له ‪ :‬فداك أبي وا ُ ّ‬
‫دها إلى الخيمة ‪ ،‬فَلم تطاوعه وأخذت تجاذبه ثوبه وتقول ‪ :‬لن‬ ‫ن ير ّ‬‫وسّلم ‪ .‬فأراد أ ْ‬

‫‪122‬‬
‫ن أموت معك ‪ .‬فناداها الحسين )ع( ‪)) :‬جزيتم عن أهل بيت نبيكم‬ ‫أدعك دون أ ْ‬
‫خيرا ً ‪،‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬من قصيدة للشيخ حسون الحلي ‪ ،‬شعراء الحلة ‪. 104 / 2‬‬
‫مد حسين كاشف الغطاء قدس سره ‪ ،‬طبعت في‬ ‫)‪2‬من قصيدة للحجة للشيخ مح ّ‬
‫كتابنا )قمر بني هاشم ‪.‬‬
‫ارجعي إلى الخيمة ‪ ،‬فإّنه ليس على الّنساء قتال (‪ .‬فرجعت )‪. (1‬‬

‫مبارزة الثنين والربعة‬


‫من ُقتل منهم ‪ ،‬أخذ الرجلن‬ ‫من بقي من أصحاب الحسين إلى كثرة َ‬ ‫ما نظر َ‬‫ول ّ‬
‫ل يحمي‬ ‫ب عنه والدفع عن حرمه ‪ ،‬وك ّ‬ ‫والثلثة و الربعة يستأذنون الحسين في الذ ّ‬
‫الخر من كيد عدّوه ‪ .‬فخرج الجابرّيان وهما ‪ :‬سيف بن الحارث بن سريع ‪ ،‬ومالك‬
‫م ‪ ،‬وهما يبكيان قال الحسين )ع( ‪:‬‬ ‫م وأخوان ل ُ ّ‬
‫بن عبد بن سريع ‪ ،‬وهما ابنا ع ّ‬
‫ن تكونا بعد ساعة قريَري العين (‪ .‬قال ‪ :‬جعلنا الله‬ ‫))ما يبكيكما ؟ إّني لرجو أ ْ‬
‫ن‬‫فداك ‪ ،‬ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك ؛ نراك قد ُاحيط بك ول نقدر أ ْ‬
‫ننفعك ‪ .‬فجزاهما الحسين خيرا ً ‪ .‬فقاتل قريبا ً منه حّتى ُقتل)‪( .2‬‬
‫وجاء عبد الله وعبد الرحمن ابنا عروة الغفارّيان فقال ‪ :‬قد حازنا الّناس إليك ‪.‬‬
‫ديه حّتى ُقتل ‪.‬‬‫فجعل يقاتلن بين ي َ‬
‫وخرج عمرو بن خالد الصيداوي وسعد موله وجابر بن الحارث السلماني ومجمع‬
‫ما أوغلوا فيهم ‪ ،‬عطف‬ ‫دوا جميعا ً على أهل الكوفة فل ّ‬ ‫بن عبد الله العائذي)‪ ،3‬وش ّ‬
‫عليهم الّناس وقطعوهم عن أصحابهم ‪ ،‬فندب إليهم الحسين أخاه العّباس‬
‫جرحوا بأجمعهم ‪ ،‬و في أثناء الطريق اقترب منهم العدّو‬ ‫فاستنقذهم بسيفه ‪ ،‬وقد ُ‬
‫دوا بأسيافهم مع ما بهم من الجراح ‪ ،‬و قاتلوا حّتى قتلوا في مكان واحد))‪.4‬‬ ‫فش ّ‬

‫استغاثة و هداية‬
‫دسة‬ ‫من ُقتل من أصحابه ‪ ،‬قبض على شيبته المق ّ‬ ‫ما نظر الحسين إلى كثرة َ‬ ‫ول ّ‬
‫وقال ‪)) :‬اشتد ّ غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولدا ً ‪ ،‬واشتد ّ غضبه على‬
‫الّنصارى إذ جعلوه ثالث ثلثة ‪ ،‬واشتد ّ غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬تاريخ الطبري ‪ ، 245 / 6‬وابن الثير ‪. 37 / 4‬‬
‫)‪2‬ابن الثير ‪. 29 / 4‬‬
‫)‪3‬في الصابة ‪ 94 / 3‬القسم الثالث ‪ :‬مجمع بن عبد الله بن مجمع بن مالك بن‬
‫ف‪،‬‬‫سلم بالط ّ‬ ‫أياس بن عبد مناة بن سعد ‪ُ ،‬قتل مع الحسين بن علي عليه ال ّ‬
‫ولبيه إدراك ‪.‬‬
‫)‪4‬تاريخ الطبري ‪. 255 / 6‬‬
‫والقمر دونه ‪ ،‬واشتد ّ غضبه على قوم اّتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبّيهم ‪.‬‬
‫م‬
‫ضب بدمي ‪ ،‬ث ّ‬ ‫ما يريدون حّتى ألقى الله وأنا مخ ّ‬ ‫أما والله ‪ ،‬ل ُاجيبهم إلى شيء م ّ‬
‫ب عن حرم رسول الله ! ( )‪(1‬‬ ‫ب يذ ّ‬
‫صاح ‪ :‬أما من مغيث يغيثنا ! أما من ذا ّ‬
‫فبكت الّنساء وكثر صراخهن ‪.‬‬
‫وسمع النصارّيان سعد بن الحارث وأخوه أبو الحتوف استنصار الحسين )ع(‬
‫واستغاثته وبكاء عياله ـ وكانا مع ابن سعد ـ فمال بسيفيهما على أعداء الحسين‬
‫)ع( وقاتل حّتى ُقتل)‪.2‬‬

‫‪123‬‬
‫ثبات الميمنة‬
‫ل عددهم وبان الّنقص فيهم ـ يبرز الرجل‬ ‫وأخذ أصحاب الحسين )ع( ـ بعد أن ق ّ‬
‫جاج لصحابه ‪:‬‬ ‫ح ّ‬ ‫بعد الرجل فأكثروا القتل في أهل الكوفة ‪ .‬فصاح عمرو بن ال َ‬
‫ً‬
‫من تقاتلون ؟ تقاتلون فرسان المصر وأهل البصائر وقوما مستميتين ‪ ،‬ل‬ ‫أتدرون َ‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬
‫يبرز إليهم أحد منكم إل ّ قتلوه على قلتهم ‪ ،‬والله لو لم ترموهم إل ّ بالحجارة‬
‫من‬ ‫سل في الّناس َ‬ ‫لقتلتموهم ‪ .‬فقال عمر بن سعد ‪ :‬صدقت ‪ ،‬الرأي ما رأيت ‪ ،‬ار ِ‬
‫ن ل يبارزهم رجل منهم ‪ ،‬وَلو خرجتم إليهم وحدانا ً لتوا عليكم)‪.3‬‬ ‫يعزم عليهم أ ْ‬
‫ميمنة الحسين )ع( ‪ ،‬فثبتوا له وجثوا على الركب‬ ‫جاج على َ‬ ‫ح ّ‬‫م حمل عمرو بن ال َ‬ ‫ث ّ‬
‫ما ذهبت الخيل لترجع ‪ ،‬رشقهم أصحاب‬ ‫وأشرعوا الرماح ‪ ،‬فَلم تقدم الخيل ‪ .‬فل ّ‬
‫الحسين )ع( بالّنبل فصرعوا رجال ً وجرحوا آخرين)‪( .4‬‬
‫دين وفارق الجماعة‬ ‫مرق عن ال ّ‬ ‫من َ‬ ‫جاج يقول لصحابه ‪ :‬قاِتلوا َ‬ ‫ح ّ‬ ‫وكان عمرو بن ال َ‬
‫ي تحّرض الّناس ؟ أنحن مرقنا من‬ ‫‪ .‬فصاح الحسين )ع( ‪)) :‬ويحك يا عمرو ! أعل ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬اللهوف ‪. 57 /‬‬
‫)‪2‬الحدايق الوردّية مخطوط ‪.‬‬
‫)‪3‬تاريخ الطبري ‪. 249 / 6‬‬
‫)‪4‬كامل ابن الثير ‪. 27 / 4‬‬
‫ي‬‫من أولى بصل ّ‬ ‫دين وأنت تقيم عليه ؟! ستعلمون إذا فارقت أرواحنا أجسادنا َ‬ ‫ال ّ‬
‫الّنار ( )‪. (1‬‬
‫مسلم بن عوسجة‬
‫جاج من نحو الفرات فاقتتلوا ساعة ‪ ،‬وفيها قاتل مسلم بن‬ ‫ح ّ‬‫م حمل عمرو بن ال َ‬ ‫ث ّ‬
‫عوسجة ‪ ،‬فشد ّ عليه مسلم بن عبد الله الضبابي وعبد الله بن خشكارة البجلي ‪،‬‬
‫دة الجلد غبرة شديدة وما انجلت الغبرة إل ّ ومسلم صريع وبه رمق ‪.‬‬ ‫وثارت لش ّ‬
‫فمشى إليه الحسين )ع( ومعه حبيب بن مظاهر فقال له الحسين )ع( ‪)) :‬رحمك‬
‫ديل ً )‪ .(2‬ودنا‬ ‫ما ب َد ُّلوا ت َب ْ ِ‬
‫ن ي َن ْت َظ ُِر وَ َ‬
‫م ْ‬‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫ه وَ ِ‬ ‫حب َ ُ‬
‫ضى ن َ ْ‬‫ن قَ َ‬‫م ْ‬
‫م َ‬ ‫الله يا مسلم ! فَ ِ‬
‫من ْهُ ْ‬
‫شر بالجّنة ‪ .‬فقال بصوت ضعيف‬ ‫ي مصرعك يا مسلم ‪ ،‬أب ِ‬ ‫منه حبيب وقال ‪ :‬عّز عل ّ‬
‫ي‬
‫ن توصي إل ّ‬ ‫شرك الله بخير ‪ .‬قال حبيب ‪َ :‬لو َلم أعلم أّني في الثر لحببت أ ْ‬ ‫‪:‬ب ّ‬
‫ن تموت دونه ‪.‬‬ ‫مك ‪ .‬فقال مسلم ‪ُ :‬اوصيك بهذا وأشار إلى الحسين )ع( أ ْ‬ ‫بما أه ّ‬
‫ب الكعبة ‪ .‬وفاضت روحه بينهما ‪ .‬وصاحت جارية له ‪ :‬وآ مسلماه !‬ ‫قال ‪ :‬أفعل ور ّ‬
‫ً‬
‫يا سّيداه ! يابن عوسجتاه ! فتنادى أصحاب ابن الحجاج ‪ :‬قتلنا مسلما ‪.‬‬
‫مهاتكم ! أيقتل مثل مسلم وتفرحون !‬ ‫من حوله ‪ :‬ثكلتكم ا ُ ّ‬ ‫فقال شبث بن ربعي ل َ‬
‫ب موقف له كريم في المسلمين رأيته يوم آذربيجان ‪ ،‬وقد قتل ستة من‬ ‫َلر ّ‬
‫المشركين قبل تتام خيول المسلمين))‪.3‬‬

‫الميسرة‬
‫وحمل الشمر في جماعة من أصحابه على ميسرة الحسين )ع( فثبتوا لهم حّتى‬
‫كشفوهم ‪ ،‬وفيها قاتل عبد الله بن عمير الكلبي فقتل تسعة عشر فارسا ً واثني‬
‫عشر راجل ً ‪ ،‬وشد ّ عليه هاني بن ثبيت الحضرمي فقطع يده اليمنى)‪ ،4‬وقطع بكر‬
‫بن حي ساقه ‪.‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬البداية لبن كثير ‪. 182 / 8‬‬

‫‪124‬‬
‫)‪2‬سورة الحزاب ‪. 23 /‬‬
‫)‪3‬تاريخ الطبري ‪. 249 / 6‬‬
‫)‪4‬مناقب ابن شهر آشوب ‪. 217 / 2‬‬
‫م وهب وجلست عند رأسه‬ ‫فُاخذ أسيرا ً وُقتل صبرا ً )‪ ، (1‬فمشت إليه زوجته ا ُ ّ‬
‫ن يصحبني‬ ‫تمسح الدم عنه وتقول ‪ :‬هنيئا ً لك الجّنة أسأل الله الذي رزقك الجّنة أ ْ‬
‫معك ‪ .‬فقال الشمر لغلمه رستم ‪ :‬اضرب رأسها بالعمود ‪ ،‬فشدخه وماتت مكانها‬
‫‪ ،‬وهي أول امرأة ُقتلت من أصحاب الحسين )ع( )‪.2‬‬
‫م‬
‫مه ومسحت الدم عنه ‪ ،‬ث ّ‬ ‫وقطع رأسه ورمى به إلى جهة الحسين فأخذته ا ُ ّ‬
‫دها الحسين )ع( وقال ‪)) :‬ارجعي رحمك‬ ‫أخذت عمود خيمة وبرزت إلى العداء فر ّ‬
‫م ‪ ،‬ل تقطع رجائي ‪ .‬فقال‬ ‫ضع عنك الجهاد (‪ .‬فرجعت وهي تقول ‪ :‬الله ّ‬ ‫الله فقد و ِ‬
‫الحسين )ع( ‪)) :‬ل يقطع الله رجاءك )‪.3‬‬
‫لحرقه‬ ‫ي بالّنار ُ‬‫وحمل الشمر حّتى طعن فسطاط الحسين )ع( بالرمح وقال ‪ :‬عل ّ‬
‫على أهله ‪ .‬فتصايحت الّنساء وخرجن من الفسطاط ‪ ،‬وناداه الحسين )ع( ‪:‬‬
‫))يابن ذي الجوشن ‪ ،‬أنت تدعو بالّنار لتحرق بيتي على أهلي ؟! أحرقك الله بالّنار‬
‫(‪ .‬وقال له شبث بن ربعي ‪ :‬أمرعبا ً للّنساء صرت ؟ ما رأيت مقال ً أسوأ من‬
‫مقالك ‪ ،‬وموقفا ً أقبح من موقفك ‪ .‬فاستحى وانصرف ‪ .‬وحمل على جماعته زهير‬
‫بن القين في عشرة من أصحابه حّتى كشفوهم عن البيوت))‪.4‬‬

‫عزرة يستمد الرجال‬


‫ّ‬
‫ما رأى عزرة بن قيس ـ وهو على الخيل ـ الوهن في أصحابه والفشل كلما‬ ‫ول ّ‬
‫ده الرجال ‪ ،‬فقال ابن سعد لشبث بن‬ ‫يحملون ‪ ،‬بعث إلى عمر بن سعد يستم ّ‬
‫من‬ ‫ّ‬
‫ربعي ‪ :‬أل تقدم إليهم ؟ قال ‪ :‬يا سبحان الله ! تكلف شيخ المصر ‪ ،‬وعندك َ‬
‫سمع يقول ‪:‬‬ ‫يجزي عنه ‪ .‬وَلم يزل شبث بن ربعي كارها ً لقتال الحسين ‪ ،‬وقد ُ‬
‫قاتلنا مع علي بن‬
‫____________________________‬
‫ن شماله ُقطعت بعد‬ ‫)‪ (1‬حكى هذا ابن الثير ‪ ،‬وفي مقتل الخوارزمي ‪ : 13 / 2‬إ ّ‬
‫أن ُقطعت يمينه ‪.‬‬
‫لولى عن أبي‬ ‫)‪2‬تاريخ الطبري ‪ ، 251 / 6‬وفي مسند أحمد ‪ ، 100 / 2‬الطبعة ا ُ‬
‫عمر ‪ :‬مّر رسول الله )ص( في غزاة غزاها بامرأة مقتولة ‪ ،‬فنهى عن قتل الّنساء‬
‫والصبيان ‪.‬‬
‫)‪3‬تظّلم الزهراء )عليها ال ّ‬
‫سلم( ‪. 113 /‬‬
‫)‪4‬تاريخ الطبري ‪ ، 251 / 6‬واختصره الخوارزمي في المقتل ‪. 16 / 2‬‬
‫م عدونا على ولده‬ ‫أبي طالب ومع ابنه من بعده آل أبي سفيان خمس سنين ‪ ،‬ث ّ‬
‫وهو خير أهل الرض نقاتله مع آل معاوية وابن سمّية الزانية ‪ ،‬ضلل يا لك من‬
‫ددهم لرشد )‪. (1‬‬ ‫ضلل ! والله ل يعطي الله أهل هذا المصر خيرا ً أبدا ً ‪ ،‬ول يس ّ‬
‫ده بالحصين بن ُنمير في خمسمئة من الرماة ‪ ،‬واشتد ّ القتال ‪ ،‬وأكثر أصحاب‬ ‫فم ّ‬
‫الحسين )ع( فيهم الجراح حّتى عقروا خيولهم وأرجلوهم)‪ ،2‬وَلم يقدروا أ ْ‬
‫ن‬
‫يأتوهم من وجه واحد ؛ لتقارب أبنيتهم ‪ .‬فأرسل ابن سعد الرجال ليقوضوها عن‬
‫أيمانهم وعن شمائلهم ؛ ليحيطوا بهم ‪ .‬فأخذ الثلثة والربعة من أصحاب الحسين‬
‫دون على الرجل وهو ينهب فيقتلونه ويرمونه من قريب‬ ‫)ع( يتخّللون البيوت فيش ّ‬
‫فيعقرونه ‪.‬‬
‫دهشت‬ ‫فقال ابن سعد ‪ :‬احرقوها بالّنار فأضرموا فيها الّنار ‪ .‬فصاحت الّنساء و ُ‬

‫‪125‬‬
‫الطفال ‪ ،‬فقال الحسين )ع( ‪)) :‬دعوهم يحرقونها ‪ ،‬فإّنهم إذا فعلوا ذلك َلم‬
‫يجوزوا إليكم (‪ .‬فكان كما قال)‪.3‬‬
‫أبو الشعثاء‬
‫دوا الشروط‬ ‫ما ر ّ‬‫وكان أبو الشعثاء الكندي ـ وهو يزيد بن زياد ـ مع ابن سعد ‪ ،‬فل ّ‬
‫دي الحسين‬ ‫على الحسين )ع( صار معه ‪ ،‬وكان راميا ً فجثا على ركبَتيه بين ي َ‬
‫دد رميته ‪ ،‬واجعل ثوابه‬ ‫مس ّ‬ ‫ورمى بمئة سهم و الحسين )ع( يقول ‪)) :‬الله ّ‬
‫ما نفدت سهامه قام وهو يقول ‪ :‬لقد تبّين لي أّني قتلت منهم خمسة)‬ ‫الجّنة (‪ .‬فل ّ‬
‫م حمل على القوم فقتل تسعة نفر وُقتل)‪.4‬‬ ‫‪ .5‬ث ّ‬
‫الزوال‬
‫والتفت أبو ثمامة الصائدي)‪6‬إلى الشمس قد زالت ‪ ،‬فقال للحسين )ع( ‪ :‬نفسي‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬تاريخ الطبري ‪. 251 / 6‬‬
‫)‪2‬إعلم الورى ‪ ، 145 /‬وابن الثير ‪. 28 / 4‬‬
‫)‪3‬ابن الثير ‪ ، 28 / 4‬ومقتل الخوارزمي ‪. 16 / 2‬‬
‫)‪4‬تاريخ الطبري ‪. 255 / 6‬‬
‫)‪5‬أمالي الصدوق ‪ 17 /‬المجلس الثلثون ‪ ،‬وفي ذخيرة الدارين ‪ :‬قتل تسعة عشر‬
‫رجل ً ‪.‬‬
‫)‪6‬في جمهرة أنساب العرب لبن حزم ‪ ، 373 /‬والكليل للهمداني ‪ : 97 / 10‬أبو‬
‫ثمامة ‪ :‬هو زياد بن عمرو بن عريب بن حنظلة بن دارم الصائدي ‪ُ ،‬قتل مع‬
‫الحسين ‪.‬‬
‫وفي تاريخ الطبري ‪ ، 151 / 6‬وزيارة الّناحية المقدسة أبو ثمامة عمرو بن عبد‬
‫الله الصائدي ‪.‬‬
‫ة إلى صائد ‪ ،‬بطن من همدان ‪،‬‬ ‫وفي اللباب لبن الثير ‪ : 46 / 2‬الصائدي ‪ :‬نسب ً‬
‫واسم صايد كعب بن شرحبيل ‪ ...‬الخ ‪.‬‬
‫ُ‬
‫لك الفداء ‪ ،‬إّني أرى هؤلء قد اقتربوا منك ‪ ،‬ل و الله ل ُتقتل حّتى اقتل دونك ‪ ،‬و‬
‫ن ألقى الله وقد صّليت هذه الصلة التي دنا وقتها ‪ .‬فرفع الحسين )ع(‬ ‫بأ ْ‬ ‫ُاح ّ‬
‫سماء وقال ‪)) :‬ذكرت الصلة ‪ ،‬جعلك الله من المصّلين الذاكرين ‪،‬‬ ‫رأسه إلى ال ّ‬
‫فوا عّنا حّتى نصّلي (‪ .‬فقال الحصين ‪ :‬إّنها ل‬ ‫ن يك ّ‬
‫نعم هذا أول وقتها ‪ ،‬سلوهم أ ْ‬
‫ُتقبل )‪. (1‬‬

‫حبيب بن مظاهر‬
‫فقال حبيب بن مظاهر ‪ :‬زعمت أّنها ل ُتقبل من آل الرسول وُتقبل منك يا‬
‫سيف ‪ ،‬فشّبت به ووقع‬ ‫ب وجه فرسه بال ّ‬
‫حمار ؟! فحمل عليه الحصين فضرب حبي ُ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫عنه واستنقذه أصحابه فحملوه)‪ ،2‬وقاتلهم حبيب قتال شديدا ‪ ،‬فقتل على كبره‬
‫اثنين وسّتين رجل ً ‪ ،‬وحمل عليه بديل بن صريم فضربه بسيفه ‪ ،‬وطعنه آخر من‬
‫سيف على‬ ‫تميم برمحه فسقط إلى الرض ‪ ،‬فذهب ليقوم وإذا الحصين يضربه بال ّ‬
‫رأسه فسقط لوجهه ‪ ،‬ونزل إليه التميمي واحتّز رأسه فهد ّ مقتُله الحسين )ع(‬
‫فقال ‪)) :‬ع( ند الله احتسب نفسي وحماة أصحابي )‪ ،3‬واسترجع كثيرا ً ‪.‬‬

‫الحّر الرياحي‬
‫وخرج من بعده الحّر بن يزيد الرياحي ومعه زهير بن القين ـ يحمي ظهره ـ فكان‬
‫ن فرس الحّر‬
‫إذا شد ّ أحدهما واستلحم شد ّ الخر واستنقذه ‪ ،‬ففعل ساعة)‪4‬وإ ّ‬

‫‪126‬‬
‫لمضروب على ُاذَنيه وحاجَبيه و الدماء تسيل منه ‪ ،‬وهو يتمّثل بقول عنترة ‪:‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬في الوسائل ‪ ، 247 / 1‬الباب الواحد والربعون ‪ ،‬في مواقيت الصلة ‪،‬‬
‫طبعة عين الدولة ‪ :‬كان أمير المؤمنين )ع( مشتغل ً بالحرب ويراقب وقت‬
‫الصلة ‪ ،‬فقال له ابن عّباس ما هذا الفعل يا أمير المؤمنين قال ‪ُ)) :‬اراقب‬
‫سلم ‪:‬‬ ‫ن عندنا لشغل ً بالقتال عن الصلة ‪ .‬فقال عليه ال ّ‬ ‫الشمس (‪ .‬فقال له ‪ :‬إ ّ‬
‫))إّنما قاتلناهم على الصلة (‪ .‬وَلم يترك صلة الليل حّتى ليلة الهرير ‪.‬‬
‫)‪2‬مقتل الحسين للخوارزمي ‪. 17 / 2‬‬
‫)‪3‬ابن الثير ‪ ، 29 / 4‬وتاريخ الطبري ‪ ، 251 / 6‬وفي مقتل الحسين للخوارزمي‬
‫‪ : 19 / 2‬قطع التميمي رأس حبيب ‪ ،‬ويقال بديل بن صريم ‪ ،‬وعّلق الرأس في‬
‫ما دخل الكوفة رآه ابن حبيب ابن مظاهر ـ وهو غلم غير مراهق‬ ‫عنق الفرس ‪ ،‬فل ّ‬
‫ـ فوثب عليه وقتله وأخذ رأسه ‪.‬‬
‫)‪4‬تاريخ الطبري ‪ ، 252 / 6‬والبداية ‪. 183 / 8‬‬
‫اا ااااا ااااا‬ ‫اا ااا اااااا ااااا اااا اااااا ا ا‬

‫فقال الحصين ليزيد بن سفيان ‪ :‬هذا الحّر الذي كنت تتمنى قتله ؟ قال ‪ :‬نعم ‪.‬‬
‫م رمى أّيوب بن مشرح‬ ‫ن قتله الحّر ‪ ،‬ث ّ‬ ‫وخرج إليه يطلب المبارزة فما أسرع أ ْ‬
‫ب به الفرس فوثب عنه كأّنه ليث )‪(1‬‬ ‫الخيواني فرس الحّر بسهم فعقره ‪ ،‬وش ّ‬
‫دت عليه‬‫مش ّ‬ ‫ً‬
‫سيف ‪ ،‬وجعل يقاتل راجل ً حّتى قتل نيفا وأربعين)‪ ،2‬ث ّ‬ ‫وبيده ال ّ‬
‫جالة فصرعته ‪ .‬وحمله أصحاب الحسين )ع( ووضعوه أمام الفسطاط الذي‬ ‫الر ّ‬
‫ل قتيل إلى هذا الفسطاط ـ و الحسين )ع( يقول ‪:‬‬ ‫يقاتلون دونه ـ وهكذا يؤتى بك ّ‬
‫م التفت إلى الحّر ـ وكان به رمق ـ فقال‬ ‫))قتلة مثل قتلة النبيين وآل النبّيين )‪3‬ث ّ‬
‫مك ‪ ،‬وأنت الحّر في الدنيا‬ ‫ُ‬
‫متك ا ّ‬ ‫له ‪ ،‬وهو يمسح الدم عنه ‪)) :‬أنت الحّر كما س ّ‬
‫والخرة (‪ .‬ورثاه رجل من أصحاب الحسين ‪ ،‬وقيل ‪ :‬علي بن الحسين)‪4‬وقيل ‪:‬‬
‫صة)‪5‬‬ ‫إّنها من إنشاء الحسين خا ّ‬
‫ااااا اااااا ااا ااا اااا اااا ااا ااااا اااااا‬ ‫ا‬
‫اا اااا اااااا اااا ااااا ااا اااااا‬ ‫اااا اااااا‬

‫الصلة‬
‫خوف ‪،‬‬ ‫من بقي من أصحابه صلة ال َ‬ ‫وقام الحسين إلى الصلة ‪ ،‬فقيل إّنه صّلى ب َ‬
‫دم أمامه زهير بن القين وسعيد بن عبد الله الحنفي في نصف من أصحابه )‬ ‫وتق ّ‬
‫ّ‬
‫‪ ،6‬ويقال إّنه صلى ‪ ،‬وأصحابه فرادى باليماء))‪:7‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬تاريخ الطبري ‪ 248 / 6‬ـ ‪. 250‬‬
‫)‪2‬مناقب ابن شهر آشوب ‪ ، 217 / 2‬طبعة ايران ‪.‬‬
‫سلم( ‪ ، 118 /‬والبحار ‪ ، 117 / 10‬و ‪/ 13‬‬ ‫)‪3‬هذا في تظّلم الزهراء )عليها ال ّ‬
‫‪ ، 135‬عن الغيبة للنعماني ‪ ، 113 /‬الطبع الحجرية ‪ ،‬باب ما يلحق الشيعة من‬
‫التمحيص ‪.‬‬
‫وفي تاريخ الطبري ‪ ، 256 / 6‬وابن الثير ‪ ، 30 / 4‬وإرشاد المفيد ‪ :‬إّنه وضع‬
‫فسطاطا ً في الميدان ‪ .‬وَلم يذكروا كلمة الحسين )ع( المعربة عن قداسة‬
‫الموقف ‪.‬‬
‫)‪4‬مقتل العوالم ‪ ، 85 /‬ومقتل الخوارزمي ‪. 11 / 2‬‬

‫‪127‬‬
‫)‪5‬روضة الواعظين ‪ ، 160 /‬وأمالي الصدوق ‪ ، 97 /‬المجلس الثلثون ‪.‬‬
‫)‪6‬مقتل العوالم ‪ ، 88 /‬ومقتل الخوارزمي ‪ : 17 / 2‬والذي أراه صلة الحسين‬
‫ده الرسول‬ ‫كانت قصرا ً ؛ لّنه نزل كربلء في الثاني من المحرم ‪ ،‬ومن أخبار ج ّ‬
‫)صّلى الله عليه وآله( وسّلممضافا ً إلى علمه بأّنه ُيقتل يوم عاشوراء َلم يستطع‬
‫من ل معرفة له بذلك أّنه‬ ‫أن ينوي القامة إذا َلم تكمل له عشرة أّيام وتخّيل َ‬
‫صّلى صلة الخوف ‪.‬‬
‫)‪7‬مثير الحزان لبن نما ‪. 44 /‬‬
‫وصـلة الخوف حاشاها فما روعت والموت منها كان قابا‬
‫دها الجيش ابتعادا ً واقترابا‬‫دامي وما ص ّ‬ ‫مـا لواها الموقف ال ّ‬
‫حـّرها تلتهب الرض التهابا‬ ‫زحـفت ظامئة والشمس من َ‬
‫ّ‬
‫هّزت الجيش وقد ضاقت به عرصة الطف سهول وهضابا‬
‫سـائل الـميدان عنها سترى كـيف أرضته طعانا ً وضرابا‬
‫كـيف حـامت حرم الله فما خـدشت عّزا ً ول وّلت جنابا‬
‫دري بـهواديها سـهاما ً وكعابا )‪(1‬‬ ‫كـيف دون الله راحت ت َ ّ‬

‫م العنهم لعن عاد‬‫ما ُاثخن سعيد بالجراح سقط إلى الرض وهو يقول ‪ :‬الله ّ‬ ‫ول ّ‬
‫سلم وابلغه ما لقيت من ألم الجراح ‪ ،‬فإّني أردت بذلك‬ ‫وثمود وابلغ نبّيك مّني ال ّ‬
‫ثوابك في نصرة ذرّية نبّيك )صّلى الله عليه وآله( وسّلم)‪ ،2‬والتفت إلى الحسين‬
‫ل‪ :‬أوفيت يابن رسول الله ؟ قال ‪)) :‬نعم ‪ ،‬أنت أمامي في الجّنة )‪،3‬‬ ‫)ع( قائ ً‬
‫وجد فيه ثلثة عشر سهما ً غير الضرب والطعن)‪( .4‬‬ ‫وقضى نحبه ف ُ‬
‫ما فرغ الحسين )ع( من الصلة قال لصحابه ‪)) :‬يا كرام ‪ ،‬هذه الجّنة قد فتحت‬ ‫ول ّ‬
‫أبوابها ‪ ،‬واتصلت أنهارها ‪ ،‬وأينعت ثمارها ‪ ،‬وهذا رسول الله والشهداء الذين ُقتلوا‬
‫مكم ويتباشرون بكم ‪ ،‬فحاموا عن دين الله ودين نبّيه‬ ‫في سبيل الله يتوّقعون قدو َ‬
‫‪ ،‬وذّبوا عن حرم الرسول (‪ .‬فقالوا ‪ :‬نفوسنا لنفسك الفداء ‪ ،‬ودماؤنا لدمك الوقاء‬
‫فوالله ل يصل إليك وإلى حرمك سوء وفينا عرق يضرب)‪.5‬‬

‫الخيل تعقر‬
‫جه عمرو بن سعيد في جماعة من الرماة فرموا أصحاب‬ ‫ن عمر بن سعد و ّ‬ ‫مإ ّ‬ ‫ث ّ‬
‫حاك بن‬ ‫الحسين وعقروا خيولهم) )‪6‬وَلم يبقَ مع الحسين فارس إل ّ الض ّ‬
‫____________________________‬
‫مد ابن آية الله السّيد جمال الكلبايكاني ‪.‬‬ ‫)‪ (1‬للعلمة السّيد مح ّ‬
‫)‪2‬مقتل العوالم ‪. 88 /‬‬
‫)‪3‬ذخيرة الدارين ‪. 178 /‬‬
‫)‪4‬اللهوف ‪. 62 /‬‬
‫)‪5‬أسرار الشهادة ‪. 175 /‬‬
‫)‪6‬مثير الحزان لبن نما ‪. 34 /‬‬
‫ت بفرسي وأدخلتها‬ ‫ما رأيت خيل أصحابنا ُتعقر أقبل ُ‬ ‫عبد الله المشرقي يقول ‪ :‬ل ّ‬
‫دع‬‫من أراد الخروج و ّ‬ ‫ل َ‬‫فسطاطا ً لصحابنا ‪ .‬واقتتلوا أشد ّ القتال )‪ . (1‬وكان ك ّ‬
‫سلم عليك يابن رسول الله ‪ .‬فُيجيبه الحسين )ع( ‪:‬‬ ‫الحسين )ع( بقوله ‪ :‬ال ّ‬
‫ن‬
‫م ْ‬‫م َ‬‫من ْهُ ْ‬
‫ه وَ ِ‬‫حب َ ُ‬
‫ضى ن َ ْ‬ ‫َ‬
‫نق َ‬ ‫م ْ‬
‫م َ‬
‫من ْهُ ْ‬ ‫َ‬
‫م يقرأ )ف ِ‬
‫سلم ‪ ،‬ونحن خلفك (‪ ،‬ث ّ‬ ‫))وعليك ال ّ‬
‫ديل ))‪.2‬‬ ‫ً‬ ‫ُ‬
‫ما ب َد ّلوا ت َب ْ ِ‬
‫ي َن ْت َظ ُِر وَ َ‬

‫‪128‬‬
‫أبو ثمامة‬
‫ُ‬
‫وخرج أبو ثمامة الصائدي فقاتل حّتى اثخن بالجراح ‪ ،‬وكان مع عمر بن سعد ابن‬
‫م له ‪ ،‬يقال له قيس بن عبد الله بينهما عداوة ‪ ،‬فشد ّ عليه وقتله ‪.‬‬
‫ع ّ‬

‫زهير وابن مضارب‬


‫م زهير بن القين ـ فقاتل حّتى‬
‫وخرج سلمان بن مضارب البجلي ـ وكان ابن ع ّ‬
‫ُقتل ‪ .‬وخرج بعده زهير بن القين فوضع يده على منكب الحسين وقال مستأذنا ً ‪:‬‬
‫اا‬
‫اااا ا‬ ‫ااا‬
‫ااااا اااا اااااا اااااا ااااااا اااا ااا‬
‫اا‬
‫اااااااا ااااا اااا ا‬ ‫ااااااا اااااااا ااااا ااا‬
‫اااا اااا اااااا اااا‬

‫فقال الحسين )ع( ‪)) :‬وأنا ألقاهما على أثرك (‪ .‬وفي حملته يقول ‪:‬‬

‫ااا اا اااا‬
‫ااا اااا اااا ااا ااااا اااااا ااا ا‬

‫م عطف عليه كثير بن عبد الله الصعبي والمهاجر بن أوس‬ ‫فقتل مئة وعشرين ‪ ،‬ث ّ‬
‫فقتله ‪ .‬فوقف الحسين )ع( وقال ‪)) :‬ل يبعدّنك الله يا زهير ‪ ،‬ولعن قاتليك لعن‬
‫مسخوا قردةً وخنازير )‪.3‬‬ ‫الذين ُ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬تاريخ الطبري ‪. 255 / 6‬‬
‫)‪2‬مقتل العوالم ‪ ، 85 /‬ومقتل الخوارزمي ‪. 25 / 2‬‬
‫)‪3‬تاريخ الطبري ‪ ، 253 / 6‬ومقتل الخوارزمي ‪. 20 / 2‬‬
‫عمرو بن قرظة‬
‫وجاء عمرو بن قرظة النصاري )‪ (1‬ووقف أمام الحسين )ع( يقيه من العدو‬
‫ما كثر فيه‬‫سهام بصدره وجبهته فلم يصل إلى الحسين )ع( سوء ‪ ،‬ول ّ‬ ‫قى ال ّ‬ ‫ويتل ّ‬
‫الجراح التفت إلى أبي عبد الله وقال ‪ :‬أوفيت يابن رسول الله ؟ قال ‪)) :‬نعم ‪،‬‬
‫سلم ‪ ،‬وأعِلمه أّني في الثر (‪.‬‬ ‫أنت أمامي في الجّنة ‪ ،‬فاقرأ رسول الله مّني ال ّ‬
‫وخّر مّيتًا)‪( .2‬‬
‫ذاب ‪ ،‬غررت أخي حّتى‬ ‫فنادى أخوه علي وكان مع ابن سعد ‪ :‬يا حسين ‪ ،‬يا ك ّ‬
‫ّ‬
‫ن الله هداه وأضلك (‪.‬‬ ‫سلم ‪)) :‬إّني َلم أغر أخاك ‪ ،‬ولك ّ‬ ‫قتلته ؟ فقال عليه ال ّ‬
‫م حمل على الحسين ليطعنه ‪ ،‬فاعترضه نافع‬ ‫َ‬
‫ن لم أقتلك ‪ .‬ث ّ‬ ‫فقال ‪ :‬قتلني الله إ ْ‬
‫بن هلل الجملي فطعنه حّتى صرعه ‪ ،‬فحمله أصحابه وعالجوه وبرئ)‪( .3‬‬

‫نافع الجملي‬
‫ورمى نافع بن هلل الجملي المذحجي بنبال مسمومة ‪ ،‬كتب اسمه عليها)‪4‬وهو‬
‫يقول)‪.5‬‬
‫ا‬
‫اااا ااا ااااا ااااااا اااااا اااا ااا ااااااا‬
‫ااااااااا اااااا اااااا ااااااا اا اااااا ااااااا‬

‫فقتل اثنى عشر رجل ً سوى من جرح ‪ ،‬ول ّ‬


‫ما فنيت نباله جّرد سيفه يضرب فيهم ‪،‬‬
‫فأحاطوا به يرمونه بالحجارة والنصال حّتى كسروا عضديه وأخذوه أسيرًا)‪6‬‬

‫‪129‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬في جمهرة أنساب العرب لبن حزم ‪ : 345 /‬من ولد عمرو بن عامر بن زيد‬
‫مناة بن مالك الغر ‪ ،‬وهو الشاعر المعروف بابن الطنابة قرظة بن كعب بن‬
‫عمرو الشاعر ‪ ،‬له صحبة ‪ .‬كان لقرظة بن عمرو ابنان ؛ عمرو ُقتل مع الحسين‬
‫مه ‪.‬‬‫)ع( ‪ ،‬وآخر مع ابن سعد وَلم يس ّ‬
‫)‪2‬مقتل العوالم ‪. 88 /‬‬
‫)‪3‬ابن الثير ‪. 27 / 4‬‬
‫)‪4‬تاريخ الطبري ‪ ، 252 / 6‬وكامل ابن الثير ‪ ، 29 / 4‬والبداية ‪. 184 / 8‬‬
‫)‪5‬مقتل العوالم ‪ ، 90 /‬وذكر ابن كثير في البداية ‪ : 184 / 8‬الشطر الول‬
‫جاج ‪.‬‬ ‫ح ّ‬
‫ماه هلل بن َ‬‫والرابع ‪ ،‬ومثله في رواية الصدوق في المالي ‪ ،‬وس ّ‬
‫)‪6‬مقتل الخوارزمي ‪. 21 / 2‬‬
‫فأمسكه الشمر ومعه أصحابه يسوقونه ‪ ،‬فقال له ابن سعد ‪ :‬ما حملك على ما‬
‫ت ‪ .‬فقال له رجل وقد نظر إلى‬ ‫ن رّبي يعلم ما أرد ُ‬ ‫صنعت بنفسك ؟ قال ‪ :‬إ ّ‬
‫ت منكم‬ ‫الدماء تسيل على وجهه ولحيته ‪ :‬أما ترى ما بك ؟ فقال ‪ :‬والله لقد َقتل ُ‬
‫من جرحت ‪ ،‬وما ألوم نفسي على الجهد ‪ ،‬وَلو بقيت لي‬ ‫اثني عشر رجل ً سوى َ‬
‫عضد ما أسرتموني )‪ . (1‬وجّرد الشمر سيفه فقال له نافع ‪ :‬والله يا شمر َلو‬
‫ن تلقى الله بدمائنا ‪ ،‬فالحمد لله الذي جعل‬ ‫ت من المسلمين لعظم عليك أ ْ‬ ‫كن َ‬
‫دمه الشمر وضرب عنقه)‪.2‬‬ ‫مق ّ‬ ‫دي شرار خلقه ‪ .‬ث ّ‬ ‫منايانا على ي َ‬

‫واضح وأسلم‬
‫صرع واضح التركي مولى الحرث المذحجي استغاث بالحسين )ع( ‪ ،‬فأتاه أبو‬ ‫ما ُ‬‫ول ّ‬
‫ده على‬‫من مثلي وابن رسول الله )ص( واضع خ ّ‬ ‫عبد الله واعتنقه ‪ ،‬فقال ‪َ :‬‬
‫دي ! ثم فاضت نفسه الطاهرة)‪.3‬‬ ‫خ ّ‬
‫سم وافتخر بذلك‬‫ومشى الحسين إلى أسلم موله ‪ ،‬واعتنقه وكان به رمق فتب ّ‬
‫ومات)‪!4‬‬

‫برير بن خضير‬
‫ونادى يزيد بن معقل) )‪ :5‬يا برير كيف ترى صنع الله بك ؟ فقال ‪ :‬صنع الله بي‬
‫ذابا ‪ ،‬أتذكر يوم‬ ‫خيرا ً ‪ ،‬وصنع بك شّرا ً ‪ .‬فقال يزيد ‪ :‬كذبت وقبل اليوم ما كنت ك ّ‬
‫كنت ُاماشيك في بني لوذان)‪6‬وأنت تقول ‪ :‬كان معاوية ضال ً وإ ّ‬
‫ن إمام‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬تاريخ الطبري ‪. 253 / 6‬‬
‫)‪2‬البداية لبن كثير ‪ ، 84 / 8‬وتاريخ الطبري ‪. 253 / 6‬‬
‫)‪3‬مقتل العوالم ‪ ، 91 /‬وأبصار العين ‪ . 85 /‬وفي مقتل الحسين للخوارزمي ‪/ 2‬‬
‫‪ : 24‬كان الغلم التركي من موالي الحسين )ع( ‪ ،‬قارئا ً للقرآن ‪ ،‬عارفا ً بالعربية ‪،‬‬
‫سم ‪.‬‬ ‫صرع فتب ّ‬
‫ده حين ُ‬ ‫ده على خ ّ‬‫وقد وضع الحسين )ع( خ ّ‬
‫)‪4‬ذخيرة الدارين ‪. 366 /‬‬
‫)‪5‬في تاريخ الطبري ‪ : 247 / 6‬إّنه من بني عمير بن ربيعة وهو حليف لبني‬
‫سليمة ابن بني عبد القيس ‪.‬‬
‫)‪6‬في تاج العروس بمادة )لوذ ‪ ،‬لوذان بن عبد ود ّ بن الحرث بن زيد بن جشم بن‬
‫حاشد ‪.‬‬
‫ن هذا رأيي ‪ .‬فقال يزيد ‪:‬‬ ‫الهدى علي بن أبي طالب ؟ قال برير ‪ :‬بلى ‪ ،‬أشهد إ ّ‬

‫‪130‬‬
‫وأنا أشهد إّنك من الضاّلين ‪ .‬فدعاه برير إلى المباهلة فرفعا أيديهما إلى الله‬
‫دت‬‫م تضاربا فضربه برير على رأسه ق ّ‬ ‫سبحانه يدعوانه أن يلعن الكاذب ويقتله ‪ ،‬ث ّ‬
‫المغفر والدماغ ‪ ،‬فخّر كأّنما هوى من شاهق ‪ ،‬وسيف برير ثابت في رأسه ‪ .‬وبينا‬
‫ن يخرجه إذ حمل عليه رضي بن منقذ العبدي واعتنق بريرا ً واعتركا‬ ‫هو يريد أ ْ‬
‫فصرعه برير وجلس على صدره ‪ ،‬فاستغاث رضي بأصحابه ‪ ،‬فذهب كعب بن‬
‫جابر بن عمرو الزدي ليحمل على برير ‪ ،‬فصاح به عفيف بن زهير بن أبي‬
‫الخنس ‪ :‬هذا برير بن خضير القارئ الذي كان يقرؤنا القرآن في جامع الكوفة ‪،‬‬
‫فَلم يلتفت إليه وطعن بريرا ً في ظهره ‪ ،‬فبرك برير على رضي وعض وجهه‬
‫وقطع طرف أنفه ‪ ،‬وألقاه كعب برمحه عنه وضربه بسيفه فقتله ‪.‬‬
‫ي يا أخا الزد نعمة ل‬ ‫وقام العبدي ينفض التراب عن قبائه وقال ‪ :‬لقد أنعمت عل ّ‬
‫أنساها أبدا ً ‪.‬‬
‫ما رجع كعب بن جابر إلى أهله عتبت عليه امرأته النوار وقالت ‪ :‬أعنت على‬ ‫ول ّ‬
‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬
‫ابن فاطمة وقتلت سّيد القّراء ‪ ،‬لقد أتيت عظيما من المر ‪ ،‬والله ل اكلمك من‬
‫رأسي كلمة أبدا ً ‪ .‬فقال ‪:‬‬

‫سـلي تـخبري عّني وانت ذميمة غـداة حـسين والـرماح شوارع‬


‫ي غـداة الـروع ما أنا صانع‬ ‫ألم آت اقصى ما كرهت ولم يخل عـل ّ‬
‫ض مخشوب الغرارين قاطع‬ ‫مـعي يـزني لـم تـخنه كعوُبه وأبـي ُ‬
‫فـجردته فـي عصبة ليس دينهم بـديني و إنـي بابن حرب لقانع‬
‫ولـم تـَر عيني مثلهم في زمانهم ول قـبلهم فـي الّناس إذ أنا يافع‬
‫أشـد ّ قراعا بالسيوف لدى الوغى أل كـل مـن يحمي الذمار مقارع‬
‫ن ذلـك نافع‬‫سرا ً وقـد نـازلوا لـو أ ّ‬
‫ح ّ‬
‫وقد صبروا للضرب والطعن ُ‬
‫فـأبـلغ عـبـيد الله أمـا لـقيته بـأّنـي مـطيع لـلخليفة سـامع‬
‫قـتلت بـريرا ً ثـم حـملت نعمة ابـا مـنقذ لـما دعـا من يماصع‬

‫فرد ّ عليه رضي بن منقذ العبدي بقوله ‪:‬‬

‫ولـو شـاء ربي ما شهدت قتالهم ول جـعل النعماء عندي ابن جابر‬
‫لـقد كـان ذاك الـيوم عارا ً وسّبة تـعـيره البـناء بـعد الـمعاشر‬
‫فـيا لـيت إّني كنت من قبل قَت ِْله ويوم حسين كنت في رمس قابر )‪(1‬‬

‫حنظلة الشبامي‬
‫ونادى حنظلة بن سعد الشبامي ‪ :‬يا قوم ‪ ،‬إّني أخاف عليكم مثل يوم الحزاب‬
‫مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ‪ ،‬وما الله يريد ظلما ً للعباد ‪ .‬يا‬
‫قوم ‪ ،‬إّني أخاف عليكم يوم التناد يوم توّلون مدبرين ما لكم من الله من عاصم‬
‫ومن يضلل الله فما له من هاد ‪ .‬يا قوم ‪ ،‬ل تقتلوا حسينا ً فيسحتكم الله بعذاب‬
‫وقد خاب من افترى ‪ .‬فجزاه الحسين )ع( خيرا ً وقال ‪)) :‬رحمك الله إنهم قد‬
‫استوجبوا العذاب حين رّدوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق ‪ ،‬و نهضوا إليك‬
‫ليستبيحوك وأصحابك ‪ ،‬فكيف بهم الن وقد قتلوا إخوانك الصالحين (‪ .‬قال ‪:‬‬
‫صدقت يابن رسول الله أفل نروح إلى الخرة ؟ فأذن له ‪ ،‬فسّلم على الحسين‬
‫دم حّتى ُقتل)‪( .2‬‬
‫)ع( وتق ّ‬

‫‪131‬‬
‫عابس‬
‫شوذب من‬ ‫شوذب)‪3‬مولى شاكر ـ وكان َ‬ ‫وأقبل عابس بن شبيب الشاكري على َ‬
‫الرجال المخلصين وداره مألف للشيعة يتحدثون فيها فضل أهل البيت ـ فقال ‪ :‬يا‬
‫ن تصنع ؟ قال ‪ُ :‬اقاتل معك حّتى ُاقتل ‪ .‬فجزاه خيرا ً‬ ‫شوذب ‪ ،‬ما في نفسك أ ْ‬ ‫َ‬
‫دي أبي عبد الله )ع( حّتى يحتسبك كما احتسب غيرك وحّتى‬ ‫دم بين ي َ‬ ‫وقال له ‪ :‬تق ّ‬
‫شوذب على‬ ‫ّ‬
‫ل ما نقدر عليه ‪ .‬فسلم َ‬ ‫ن هذا يوم نطلب فيه الجر بك ّ‬ ‫أحتسبك فإ ّ‬
‫الحسين ‪ ،‬وقاتل حّتى ُقتل ‪.‬‬
‫فوقف عابس أمام أبي عبد الله )ع( وقال ‪ :‬ما أمسى على ظهر الرض‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬تاريخ الطبري ‪. 248 / 6‬‬
‫)‪2‬تاريخ الطبري ‪. 254 / 6‬‬
‫ماه شودان ‪ ،‬وفي ارشاد المفيد كما هنا ‪.‬‬ ‫)‪3‬في إعلم الورى ‪ : 145 /‬س ّ‬
‫ي‬
‫ن أدفع الضيم عنك بشيء أعّز عل ّ‬ ‫َ‬
‫ي منك ‪ ،‬ولو قدرت أ ْ‬ ‫قريب و ل بعيد أعّز عل ّ‬
‫سلم عليك ‪ ،‬أشهد أّني على هداك و هدى أبيك ‪ .‬ومشى‬ ‫من نفسي لفعلت ‪ ،‬ال ّ‬
‫نحو القوم مصلتا ً سيفه و به ضربة على جبينه فنادى ‪ :‬أل رجل ؟ فأحجموا عنه ؛‬
‫لّنهم عرفوه أشجع الّناس ‪ .‬فصاح عمر بن سعد ‪ :‬أرضخوه بالحجارة ‪ .‬فُرمي‬
‫ما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره وشد ّ على الّناس وإّنه ليطرد أكثر من‬ ‫بها ‪ ،‬فل ّ‬
‫قتل‪ .‬فتنازع ذووا عدة في رأسه ‪ ،‬فقال‬ ‫ّ‬
‫م تعطفوا عليه من كل جانب ف ُ‬ ‫ّ‬ ‫مئتين ‪ ،‬ث ّ‬
‫َ‬
‫ابن سعد‪ :‬هذا لم يقتله واحد ‪ .‬وفّرق بينهم بذلك )‪. (1‬‬

‫جون‬
‫سلم ‪:‬‬ ‫ووقف جون)‪2‬مولى أبي ذّر الغفاري أمام الحسين يستأذنه فقال عليه ال ّ‬
‫))يا جون إّنما تبعتنا طلبا ً للعافية ‪ ،‬فأنت في إذن مّني (‪ .‬فوقع على قدميه يقّبلهما‬
‫ن ريحي لنتن ‪،‬‬ ‫دة أخذلكم ‪ ،‬إ ّ‬
‫ويقول ‪ :‬أنا في الرخاء ألحس قصاعكم ‪ ،‬وفي الش ّ‬
‫ي بالجّنة ؛ ليطيب ريحي ويشرف‬ ‫فس عل ّ‬ ‫وحسبي للئيم ‪ ،‬ولوني لسود ‪ ،‬فتن ّ‬
‫حسبي ويبّيض لوني ‪ ،‬ل والله ل ُافارقكم حّتى يختلط هذا الدم السود مع‬
‫قتل خمسا ً وعشرين وُقتل ‪ .‬فوقف عليه الحسين‬ ‫دمائكم ‪ .‬فأذن له الحسين)‪ ،3‬ف َ‬
‫مد )ص( وعّرف بينه‬ ‫م بّيض وجهه وطّيب ريحه ‪ ،‬واحشره مع مح ّ‬ ‫)ع( وقال ‪)) :‬الله ّ‬
‫مد )ص( (‪.‬‬ ‫وبين آل مح ّ‬
‫ة طّيبة أذكى من المسك))‪.4‬‬ ‫م منه رائح ً‬ ‫من يمّر بالمعركة يش ّ‬‫فكان َ‬

‫أنس الكاهلي‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫وكان أنس بن الحارث بن نبيه الكاهلي شيخا كبيرا صحابيا ‪ ،‬رأى النبي‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬تاريخ الطبري ‪. 254 / 6‬‬
‫م الياء )حوى ‪ .‬وفي‬‫)‪2‬في تاريخ الطبري ‪ : 239 / 6‬بالحاء المهملة وبعدها واو ث ّ‬
‫مناقب ابن شهر آشوب ‪ : 218 / 2‬برز جوين ابن أبي مالك مولى أبي ذر الغفاري‬
‫‪ ،‬وفي مقتل الحسين للخوارزمي ‪ : 237 / 1‬جون مولى أبي ذر الغفاري ‪ ،‬وكان‬
‫عبدا ً أسود ‪.‬‬
‫)‪3‬مثير الحزان لبن نما ‪ ، 33 /‬طبعة ايران ‪ .‬وفي اللهوف ‪ 61 /‬طبعة صيدا ‪:‬‬
‫أفتنفس بالجّنة أترغب أن ل أدخل الجنة ؟‬
‫)‪4‬مقتل العوالم ‪. 88 /‬‬

‫‪132‬‬
‫وسمع حديثه وشهد معه بدرا ً وحنينا ً ‪ ،‬فاستأذن الحسين )ع( وبرز شادا ً وسطه‬
‫بالعمامة رافعا ً حاجبيه بالعصابة ‪ ،‬ول ّ‬
‫ما نظر إليه الحسين )ع( بهذه الهيئة بكى‬
‫قتل على كبره ثمانية عشر رجل ً وُقتل )‪. (1‬‬‫وقال ‪)) :‬شكر الله لك يا شيخ (‪ .‬ف َ‬

‫عمرو بن جنادة‬
‫ن ُقتل أبوه ـ وهو ابن إحدى عشرة سنة ـ‬ ‫وجاء عمرو بن جنادة النصاري بعد أ ْ‬
‫لولى ‪ ،‬ولع ّ‬
‫ل‬ ‫يستأذن الحسين )ع( فأبى وقال ‪)) :‬هذا غلم ُقتل أبوه في الحملة ا ُ‬
‫ن ُقتل وُرمي‬
‫مي أمرتني ‪ .‬فأذن له فما أسرع أ ْ‬ ‫ن اُ ّ‬ ‫اُ ّ‬
‫مه تكره ذلك (‪ .‬قال الغلم ‪ :‬إ ّ‬
‫مه ومسحت الدم عنه ‪ ،‬وضربت به رجل ً‬ ‫برأسه إلى جهة الحسين )ع( فأخذته ا ُ ّ‬
‫قريبا ً منها فمات)‪2‬وعادت إلى المخّيم فأخذت عمودا ً وقيل سيفا ً وأنشأت ‪:‬‬
‫ااا ااااا ااااااا ااااااا اااااا‬ ‫اا اااا اا اا ا‬ ‫ا ا‬
‫ااااااا اااااا ااااا ااا اااا ااااا ااااااا‬

‫دها الحسين )ع( إلى الخيمة بعد أن أصابت بالعمود رجَلين)‪( .3‬‬ ‫فر ّ‬
‫جاج الجعفي‬ ‫ح ّ‬‫ال َ‬
‫وقاتل الحجاج بن مسروق الجعفي حّتى خضب بالدماء ‪ ،‬فرجع إلى الحسين )ع(‬
‫يقول ‪:‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬ذخيرة الدارين ‪ . 208 /‬وذكر ابن نما في مثير الحزان مبارزته ورجزه ‪،‬‬
‫وفي الصابة ‪ : 68 / 1‬له ولبيه صحبة ‪ ،‬وروى عنه حديث رسول الله )ص( ( ‪:‬‬
‫))ُيقتل ولدي بأرض كربلء ‪ ،‬فمن شهد ذلك فلينصره (‪ .‬وذكره السيوطي في‬
‫الخصائص ‪ ، 125 / 2‬والجزري في ُاسد الغابة ‪ ، 123 / 1‬وأبو حاتم الرازي في‬
‫الجرح والتعديل ‪. 287 / 1‬‬
‫)‪2‬ابن شهر آشوب ‪ ، 219 / 3‬ومقتل الخوارزمي ‪ : 22 / 2‬وليس هذا بالبعيد بعد‬
‫ن حكيم بن جبلة‬ ‫ما يحدث الشيخ المفيد في كتاب الجمل ‪ 137 /‬الطبعة الثانية ‪ :‬إ ّ‬
‫ما قطعت رجله ضرب بها الرجل فصرعه ‪ .‬وفي تاريخ الطبري ‪180/ 5‬‬ ‫العبدي ل ّ‬
‫وكامل ابن الثير ‪ : 35 / 3‬بعد أن قتل الرجل قال ‪:‬‬

‫اا ااا اا ااااا اا ااا ااااا‬


‫اااا ااا ااااا‬

‫وقال ابن الثير في الكامل ‪ : 140 / 2‬قطع رجل من أصحاب مسيلمة رجل ثابت‬
‫بن قيس فأخذها ثابت وضرب بها الرجل فقتله ‪.‬‬
‫)‪3‬البحار ‪ ، 198 / 10‬ومقتل الخوارزمي ‪ . 22 / 2‬وفي الصابة ترجمة أسماء‬
‫بنت يزيد بن السكن أّنها يوم اليرموك أصابت بالعمود تسعة من الروم فقتلتهم ‪.‬‬

‫ااا اااا‬‫اا اا اااا اا اا ا‬ ‫اا اااا ا‬ ‫ااااا اااا ا ا‬


‫اا‬
‫ااا اااا ااااا اااا ا‬
‫فقال الحسين ‪)) :‬وأنا ألقاهما على أثرك (‪ .‬فرجع يقاتل حّتى ُقتل )‪.( . (1‬‬

‫سوار‬
‫حمير من ولد فهم بن جابر بن عبد الله بن قادم الفهمي‬
‫وقاتل سوار بن أبي ِ‬

‫‪133‬‬
‫الهمداني قتال ً شديدا ً حّتى ارتث بالجراح)‪2‬وُاخذ أسيرا ً ‪ ،‬فأراد ابن سعد قتله‬
‫ن توّفي على رأس سّتة أشهر)‪.3‬‬ ‫فع فيه قومه ‪ ،‬وبقي عندهم جريحا ً إلى أ ْ‬ ‫وتش ّ‬
‫سلم على الجريح المأسور ‪ ،‬سوار بن أبي‬ ‫دسة ‪)) :‬ال ّ‬
‫وفي زيارة الّناحية المق ّ‬
‫حمير الفهمي الهمداني ‪ ،‬وعلى المرتث معه عمر بن عبد الله الجندعي (‪.‬‬

‫سويد‬
‫ما ُاثخن بالجراح سويد بن عمرو بن أبي المطاع سقط لوجهه ‪ ،‬وظ ُ ّ‬
‫ن أّنه ُقتل ‪،‬‬ ‫ول ّ‬
‫ة كانت معه‬ ‫ما ُقتل الحسين )ع( وسمعهم يقولون ‪ُ :‬قتل الحسين ‪ .‬أخرج س ّ‬
‫كين ً‬ ‫فل ّ‬
‫من ُقتل من الصحاب بعد الحسين‬ ‫فقاتل بها ‪ ،‬وتعطفوا عليه فقتلوه ‪ ،‬وكان آخر َ‬
‫سلم ‪.‬‬ ‫عليه ال ّ‬

‫هم عصمة اللجي إذا هو يختشي وهـم ديمة الراجي اذا هو يجتدي‬
‫إذا ما خبت نار الوغى شعشعوا لها سـيوفهم جـمرا وقـالوا توّقدي‬
‫دد‬
‫ن يخفون للوغى سـراعا بخرصان الوشيج المس ّ‬ ‫ثـقال الـخطا لك ّ‬
‫إذا أشـرعوا سمر الرماح حسبتها كـواكب فـي ليل من النقع أسود‬
‫أو اصطدمت تحت العجاج كتائب جـرى أصـيد منهم لها اثر أصيد‬
‫يـكّرون والبطال طائشة الخطى وشـخص المنايا بالعجاجة مرتدي‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬البحار ‪ ، 198 / 10‬عن مقتل الحائري ‪.‬‬
‫)‪2‬الكليل للهمداني ‪ . 103 / 10‬والرتيث ‪ :‬من حمل من المعركة جريحا ً وبه رمق‬
‫‪.‬‬
‫)‪3‬الحدائق الوردية ـ مخطوط ـ ويوافقه ما في الكليل أّنه مات من جراحه غير‬
‫أّنه لم يذكر أسره ‪.‬‬
‫ً‬
‫ضيم فانثنوا عـلى الرض صرعى سّيدا بعد سّيد‬ ‫لـووا جـانبا ً عن مورد ال ّ‬
‫سيوف جسومهم عــوار ولـكن بـالمكارم تـرتدي‬ ‫هـووا لـلثرى نهب ال ّ‬
‫كد‬‫وأضـحى يـدير السبط عينيه ل يرى سـوى جـثث منهم على الترب ر ّ‬
‫دها شــوارد امـثـال الـّنعام الـمشرد‬‫أحـاطت بـه سـبعون ألـفا ً فـر ّ‬
‫وقـام عـديم الـّنصر بين جموعهم وحـيدا ً يـحامى عـن شـريعة أحمد‬
‫إلـى أن هـوى للرض شْلوا مبضعا ً وَلـم يـرِو من حّر الظما قلبه الصدي‬
‫حـّلت عـرى الدين الحنيف المشّيد‬ ‫هـوى فهوى التوحيد وانطمس الهدى و ُ‬
‫ّ‬ ‫ً‬
‫لـه الله مـقطور الـفؤاد مـن الظما صـريعا عـلى وجـه الثرى المتوقد‬
‫صد‬
‫فر تـظـلله سـمـر الـقـنا الـمتق ّ‬‫ثـوى فـي هجير الشمس وهو مع ّ‬
‫وأضحت عوادي الخيل من فوق صدره تـروح إلى كـّر الـطراد وتغتدي‬
‫وهـاتفة مـن جـانب الـخدر ثـاكل بـدت وهـي حسرى تلطم الخد ّ باليد‬
‫سياط فـتنثني تـحن فـيشجي صـوتها كـل جلمد‬ ‫يـؤَّلـمها قــرع الـ ّ‬
‫وسـيقت عـلى عجف المطايا أسيرة يـطاف بـها فـي مـشهد بعد مشهد‬
‫ســرت تـتـهاداها عـلوج ُامـّية فـمن مـلحد تـهدى إلى شر ملحد )‪( (1‬‬
‫شهادة أهل البيت )ع(‬
‫علي الكبر‬
‫ما َلم يبقَ مع الحسين إل ّ أهل بيته ‪ ،‬عزموا على ملقاة الحتوف ببأس شديد‬
‫ول ّ‬
‫دم أبو الحسن)‬
‫من تق ّ‬ ‫ً‬
‫دع بعضا)‪2‬وأول َ‬
‫وحفاظ مّر ونفوس أبّية ‪ ،‬وأقبل بعضهم يو ّ‬

‫‪134‬‬
‫‪3‬علي الكبر)‪4‬وعمره سبع وعشرون سنة ؛ فإّنه ولد في الحادي عشر من‬
‫شعبان سنة‬
‫____________________________‬
‫مد حسين الكيشوان رحمه الله ‪.‬‬ ‫)‪ (1‬للحجة السيد مح ّ‬
‫)‪2‬مقتل لخوارزمي ‪. 26 / 2‬‬
‫)‪3‬ذكرنا في رسالة )ع( لي الكبر ‪ 14 /‬الرواية عن أبي الحسن الرضا )ع( أّنه‬
‫ل الكنية بأبي الحسن من جهة ولد له منها اسمه‬ ‫م ولد ‪ ،‬فلع ّ‬ ‫كان متزّوجا ً من ا ُ ّ‬
‫ن زيارته المروّية في كامل الزيارات ‪/‬‬ ‫م ولد مع أ ّ‬ ‫)الحسن كما يقتضيه التسمية با ُ ّ‬
‫كده ‪ .‬قال الصادق )ع( في تعليم أبي حمزة ))ُقل ‪ ،‬صّلى الله عليك وعلى‬ ‫‪ 239‬تؤ ّ‬
‫مهاتك الخيار الذين أذهب الله عنهم الرجس‬ ‫عترتك وأهل بيتك وآبائك وأبنائك وا ُ ّ‬
‫وطّهرهم تطهرا ً (‪ ،‬والبناء جمع أقّله إثنان ‪.‬‬
‫سجاد‬ ‫)‪4‬في رسالتنا )ع( لي الكبر ذكرنا نصوص المؤّرخين على أّنه أكبر من ال ّ‬
‫)ع( وسيأتي في الحوادث بعد الشهادة ‪ ،‬اعتراف زين العابدين به في المحاورة‬
‫الجارية بينه وبين ابن زياد ‪.‬‬
‫سامي‬ ‫خُلقه ال ّ‬
‫ثلث وثلثين من الهجرة )‪ ، (1‬وكان مرآة الجمال الّنبوي ومثال ُ‬
‫وُانموذجا ً من منطقه البليغ ‪ ،‬وإذا كان شاعر رسول الله )ص( يقول فيه ‪:‬‬
‫اااا‬
‫اا ااا اااا اااا اااااا ااا اا ااا اا ا‬ ‫ااااا ااا ا‬
‫اااااا اااا ااا اااا‬ ‫اا اااا ااا ااا ا‬ ‫اااا‬‫ااااا اا ا‬
‫فمادح الكبر يقول)‪:2‬‬
‫ف يـمشي ومن ناعل‬ ‫ن نـظرت مـثله مـن مـحت ٍ‬ ‫لم َتـر عـي ٌ‬
‫يـغلي نـهيء الـلحم حّتى اذا انـضج لـم يـغل على الكل)‪(3‬‬
‫كـان اذا شـّبـت لــه نـاره اوقـدهـا بـالشرف الـقابل)‪(4‬‬
‫ي لـيس بـالهل‬ ‫كيـما يـراها بـائس مـرمل او فــرد ُ حـ ٍ‬
‫ق بـالـباطل‬
‫ل يؤثـر الـدنيا عـلى ديـنه وليـبـيع الـحـ ّ‬
‫سب الفاضل)‪((5‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫ح َ‬‫أعني ابن ليلى ذا الندى والسدى أعني ابن بنت ال َ‬

‫فعلي الكبر هو المتفّرع من الشجرة النبوّية ‪ ،‬الوارث للمآثر الطّيبة ‪ ،‬وكان حري ّا ً‬
‫جل سبحانه أسماءهم‬ ‫سماء ‪ .‬وقد س ّ‬‫بمقام الخلفة َلول أّنها منصوصة من إله ال ّ‬
‫سلم على رسول الله )صّلى الله عليه‬ ‫في الصحيفة النازل بها جبرئيل عليه ال ّ‬
‫وآله( ‪.‬‬

‫ااا اااااا ااااا ااا ااااا ااا اا ااااا اااا اااا‬


‫اا ااا اااا اا ااااا اااا ااااا اااااا ااا ااااااااا‬
‫____________________________‬
‫مد عبد الحسين الجعفري الحائري ‪،‬‬ ‫)‪ (1‬أنيس الشيعة ـ مخطوط ـ للسيد مح ّ‬
‫سلطان فتح علي شاه ‪.‬‬ ‫أّلفه باسم ال ّ‬
‫)‪2‬في مقاتل الطالبيين ‪ : 32 /‬إّنها قيلت في علي الكبر ‪.‬‬
‫)‪3‬يغلي ‪ :‬الولى بمعنى يفير ‪ .‬والثانية ضد يرخص والّنهيء كما في أقرب الموارد‬
‫دة )نهيء ‪ :‬اللحم غير المطبوخ ‪.‬‬ ‫ما ّ‬
‫وه وارتفاعه ‪ ،‬وهذه‬ ‫) )‪4‬الشرف ‪ :‬الموضع العالي ‪ .‬والقابل بمعنى المقبل لعل ّ‬
‫عادة العرب أّنهم يوقدون الّنار في المكان المرتفع ليهتدي الركب في الليل ‪.‬‬
‫ن ما يسقط أول الليل من البلل يقال له‬ ‫دة ندى ‪ :‬إ ّ‬
‫) )‪5‬في مصباح المنير ما ّ‬

‫‪135‬‬
‫سدى ‪ ،‬وما يسقط آخره يقال له الندى ‪ .‬وفي مراتب النحويين ‪ ، 53 /‬لبي‬
‫ن‬ ‫الطيب عبد الواحد الحلبي المتوّفى ‪ : 351‬قال الصمعي ‪ :‬إ ّ‬
‫ن أبا زيد يزعم أ ّ‬
‫ً‬
‫سماء فقال ‪ :‬إذا فما يصنع‬ ‫الّندى ما كان في الرض ‪ ،‬والسدى ما يسقط من ال ّ‬
‫بقول الشاعر ؟‬

‫اااا اااا ااااا اااا اااا ااا ااااا اااااا ااا ااااا‬

‫سماء ؟!‬
‫أتراه سقط من الرض إلى ال ّ‬
‫ااااا اا ااا اااا ااااا ااااا ااا ااااااااااا )‪(1‬‬

‫درات المامة ؛ لّنه عماد أخبيتهن وحمى‬ ‫مم الحرب ‪ ،‬عّز فراقه على مخ ّ‬ ‫ما ي ّ‬
‫ول ّ‬
‫أمنهن ومعقد آمالهن بعد الحسين ‪ .‬فكانت هذه ترى هتاف الرسالة في وشك‬
‫وة في شفا الكسوف ‪ ،‬و ُاخرى‬ ‫النقطاع عن سمعها ‪ ،‬وتلك تجد شمس النب ّ‬
‫ّ‬
‫خلق المحمدي قد آذن بالرحيل ‪ ،‬فأحطن به و تعلقن بأطرافه وقلن ‪:‬‬ ‫تشاهد ال ُ‬
‫جة الوقت‬ ‫ن ؛ لّنه يرى ح ّ‬ ‫ارحم غربتنا ‪ ،‬ل طاقة لنا على فراقك ‪ .‬فلم يعبأ به ّ‬
‫مكثورا ً قد اجتمع أعداؤه على إراقة دمه الطاهر ‪ ،‬فاستأذن أباه وبرز على فرس‬
‫مى لحقًا)‪.2‬‬ ‫للحسين تس ّ‬
‫م الكبر بنت ميمونة ابنة أبي سفيان)‪3‬صاح رجل من القوم ‪:‬‬ ‫ن ليلى ا ُ ّ‬‫ومن جهة أ ّ‬
‫ن شئت‬ ‫ن نرعى الرحم ‪ ،‬فإ ْ‬ ‫ً‬
‫ن لك رحما بأمير المؤمنين يزيد ‪ ،‬ونريد أ ْ‬ ‫يا علي إ ّ‬
‫ن‬ ‫ّ‬
‫ن قرابة رسول الله )صلى الله عليه وآله( أحقّ أ ْ‬ ‫سلم ‪ :‬إ ّ‬‫آمّناك ‪ .‬قال عليه ال ّ‬
‫سامية ‪:‬‬ ‫ً‬
‫م شد ّ يرتجز معّرفا بنفسه القدسّية وغايته ال ّ‬ ‫ُترعى)‪ .4‬ث ّ‬

‫اااا اااااا‬ ‫ااااا ااا اا اااااا اا ااا اااا ااااا ااااا ا‬


‫ااااا اا ااا‬ ‫ااااا اا اااا اااا ااا ااااا)‪ 5‬اااا اااااا ا‬
‫اااا)‪(6‬‬ ‫ااا اااا ااااااا‬
‫سلم دون أن أرخى عينيه بالدموع)‪7‬وصاح بعمر بن‬ ‫وَلم يتمالك الحسين عليه ال ّ‬
‫ت رحمي ‪ ،‬وَلم تحفظ قرابتي من‬ ‫سعد ‪)) :‬مالك ؟ قطع الله رحمك كما قطع َ‬
‫رسول الله )ص( لى الله عليه وآله و سّلموسّلط عليك من يذبحك على فراشك‬
‫م اشهد على هؤلء فقد برز‬ ‫سماء وقال ‪)) :‬الله ّ‬ ‫دسة نحو ال ّ‬ ‫م رفع شيبته المق ّ‬‫)‪ .8‬ث ّ‬
‫إليهم‬
‫____________________________‬
‫جة آية الله الشيخ عبد الحسين صادق‬ ‫)‪ (1‬هذه البيات والتي تأتي بعدها للح ّ‬
‫دس سّره ‪.‬‬ ‫العاملي )ق ّ‬
‫)‪2‬في كتاب فضل الخيل لعبد المؤمن الدمياطي المتوّفى سنة ‪ 805‬ه الصفحة‬
‫مى )لحقا ً ‪ .‬وفي صفحة ‪ 183‬قال ‪ :‬كان‬ ‫‪ : 178‬أحد فرسي الحسين بن علي يس ّ‬
‫ُ‬
‫للحسين بن علي )رضي الله عنهفرس اسمه اليحموم ‪ ،‬وله فرس اخرى ُتدعى‬
‫لحقا ً حمل عليها ولده علي بن الحسين الكبر يوم قتل بالطف ‪.‬‬
‫)‪3‬الصابة لبن حجر ‪ ، 178 / 4‬ترجمة أبي مرة ‪.‬‬
‫)‪4‬سّر السلسلة لبي نصر في الّنسب ‪ ،‬ونسب قريش ‪ 57 /‬لمصعب الزبيدي ‪.‬‬
‫)‪5‬تاريخ الطبري ‪ ، 256 / 6‬وإعلم الورى للطبرسي ‪ ، 145 /‬ومثير الحزان ‪35 /‬‬
‫‪.‬‬
‫دس سّره في الرشاد ‪.‬‬ ‫)‪6‬تمام البيات من رواية الشيخ المفيد ق ّ‬

‫‪136‬‬
‫)‪7‬مثير الحزان لن نما ‪ ، 35 /‬والرشاد للمفيد ‪.‬‬
‫)‪8‬مقتل الخوارزمي ‪. 30 / 2‬‬
‫خُلقا ً ومنطقا ً )‪ ، (1‬وكّنا إذا اشتقنا إلى رؤية‬ ‫َ‬
‫خلقا ً و ُ‬ ‫مد َ‬ ‫أشبه الّناس برسولك مح ّ‬
‫م فامنعهم بركات الرض ‪ ،‬وفّرقهم تفريقا ً ‪ ،‬ومّزقهم‬ ‫نبّيك نظرنا إليه ‪ ،‬الله ّ‬
‫ض الولة عنهم أبدا ً ‪ ،‬فإّنهم دعونا‬ ‫ً‬
‫تمزيقا ‪ ،‬واجعلهم طرائق قددا ‪ ،‬ول تر ِ‬
‫ً‬
‫م‬
‫فى آد َ َ‬ ‫صط َ َ‬‫ها ْ‬ ‫ن الل ّ َ‬‫م تل قوله تعالى ‪) :‬إ ِ ّ‬ ‫دوا علينا يقاتلونا (‪ ،‬ث ّ‬ ‫مع َ‬ ‫لينصرونا ‪ ،‬ث ّ‬
‫ع‬
‫مي ٌ‬
‫س ِ‬ ‫ه َ‬ ‫ّ‬
‫ض َوالل ُ‬ ‫ن * ذ ُّري ّ ً‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫م َوآ َ‬ ‫وَُنوحا ً َوآ َ‬
‫من ب َعْ ٍ‬ ‫ضَها ِ‬ ‫ة ب َعْ ُ‬ ‫مي َ‬‫ن عَلى الَعال ِ‬ ‫مَرا َ‬ ‫ع ْ‬‫ل ِ‬ ‫هي َ‬‫ل إ ِب َْرا ِ‬
‫م )‪.3)2‬‬ ‫عَِلي ٌ‬
‫َ‬
‫ميسرة ويغوص في الوساط ‪ ،‬فلم‬ ‫ميمنة ويعيدها على ال َ‬ ‫ولم يزل يحمل على ال َ‬
‫يقابله جحفل إل ّ رّده ‪ ،‬ول برز إليه شجاع إل قتله ‪:‬‬
‫ّ‬
‫ااا ااا‬ ‫اااا ااااااا اااااا ا ا‬
‫ااا‬ ‫ااا اااااا ااا اااا ااااا ا‬
‫ااا ااااااا اااا‬ ‫ااا اااااا اااا ااااااا ااا ااا ا ا‬ ‫اااا ا‬
‫فقتل مئة وعشرين فارسا ً ‪ .‬وقد اشتد ّ به العطش فرجع إلى أبيه يستريح ويذكر‬
‫ما أجهده من العطش)‪4‬فبكى الحسين )ع( وقال ‪)) :‬وآ غوثاه ! ما أسرع الملتقى‬
‫صه ودفع إليه خاتمه‬ ‫ة ل تظمأ بعدها (وأخذ لسانه فم ّ‬ ‫دك فيسقيك بكأسه شرب ً‬ ‫بج ّ‬
‫ليضعه في فيه)‪.5‬‬
‫ويـؤوب لـلتوديع وهـو مكابد لـظما الـفؤاد ولـلحديد المجهد‬
‫صـادي الحشا وحسامه رّيان من مـاء الـطل وغـليله لـم يبرد‬
‫يشكو لخير أب ظماه وما اشتكي ظمأ الحشا إل إلى الظامي الصدي‬
‫كـل حـشاشته كـصالية الغضا ولـسـانه ظـمأ كـشقة مـبرد‬
‫مة ريـقه لم يجمد‬ ‫فـانصاع يـؤثره عـليه بـريقه لـو كـان َثـ ّ‬
‫مـذ انـثنى يلقى الكريهة باسما ً والـموت مـنه بـمسمع وبمشهد‬ ‫وَ ُ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مثير الحزان لبن نما واللهوف ومقتل الخوارزمي ‪.‬‬
‫)‪2‬سورة آل عمران ‪ 33 /‬ـ ‪. 34‬‬
‫)‪3‬مقتل الخوارزمي ‪. 30 / 2‬‬
‫)‪4‬مقاتل الطالبّيين لبي الفرج ‪ 47 /‬الطبعة الحجرية ‪ ،‬ومقتل العوالم ‪، 96 /‬‬
‫وروضة الواعظين ‪ ، 161 /‬ومناقب ابن شهر آشوب ‪ 222 / 2‬طبعة ايران ‪ ،‬ومثير‬
‫الحزان لبن نا ‪ ، 35 /‬واللهوف ‪ 64 /‬طبعة صيدا ‪ ،‬ومقتل الخوارزمي ‪. 30 / 2‬‬
‫)‪5‬مقتل الخوارزمي ‪ ، 31 / 2‬ومقتل العوالم ‪. 95 /‬‬
‫ما لحق‬ ‫ن يزيد بن مزيد الشيباني ل ّ‬ ‫جاء في معاهد التنصيص للعباسي ‪ : 51 / 2‬أ ّ‬
‫الوليد بن طريف وأجهده العطش ‪ ،‬وضع خاتمه في فمه وتبع الوليد حّتى طعنه‬
‫سلم أّنه ل بأس للصائم‬ ‫بالرمح ‪ .‬وروى الكليني في الكافي عن الصادق عليه ال ّ‬
‫ل من أسراره أّنه يسبب عمل‬ ‫ص الخاتم ‪ ،‬وبه أفتى العلماء بالجواز ولع ّ‬ ‫أن يم ّ‬
‫ل ما يسبب عمل الغدد في‬ ‫الغدد في الفراز ‪ ،‬وعليه فل خصوصّية للخاتم بل ك ّ‬
‫الفراز يوضع في الفم كالحصى ونحوهما ‪.‬‬
‫قف مـن بـأسه ومـهّند‬ ‫ف الوغى وأجالها جول الرحى بـمث ّ‬ ‫ل ّ‬
‫يـلقى ذوابـلها بـذابل معطف ويـشيم أنـصلها بـجيد أجيد‬
‫ب اليـاطل اجرد‬ ‫حتى إذا ما غاص في اوساطهم بـمطّهم قـ ّ‬
‫صد‬
‫عـثر الزمان به فغودر جسمه نهب القواضب والقنا المتق ّ‬

‫‪137‬‬
‫سلم‬ ‫جة عليه ال ّ‬ ‫ورجع علي إلى الميدان مبتهجا ً بالبشارة الصادرة من المام الح ّ‬
‫ده المصطفى )صّلى الله عليه وآله( وسّلمفزحف فيهم زحفة العلوي‬ ‫بملقاة ج ّ‬
‫َ‬
‫سابق ‪ ،‬وغّبر في وجوه القوم ولم يشعروا أهو الكبر يطرد الجماهير من أعدائه‬ ‫ال ّ‬
‫ن الصواعق تترى في بريق‬ ‫سلم يزأر في الميدان ؟ أم أ ّ‬ ‫ن الوصي عليه ال ّ‬
‫أم أ ّ‬
‫سيفه فأكثر القتلى في أهل الكوفة حّتى أكمل المئتين ؟ )‪. (1‬‬
‫ن َلم أثكل أباه به)‪ .3‬فطعنه‬ ‫ي آثام العرب إ ْ‬
‫فقال مّرة بن منقذ العبدي)‪ :2‬عل ّ‬
‫سيف على رأسه ففلق هامته ‪ ،‬واعتنق فرسه‬ ‫بالرمح في ظهره)‪4‬وضربه بال ّ‬
‫طعوه بسيوفهم إربا ً إربًا))‪.5‬‬ ‫فاحتمله إلى معسكر العداء ‪ ،‬وأحاطوا به حّتى ق ّ‬

‫ل دجـى وغرة فرقد‬ ‫ه الردى مـنه هـل ّ‬ ‫ل الل ُ‬‫ومـحا الردى يا قات َ‬
‫يـا نـجعة الحي ّْين هاشم والندى وحـمى الذمارْين العلى والسؤدد‬
‫كيف ارتقت همم الردى لك صعدة مـطرورة الـكعبين لـم تـتأّود‬
‫فت بـحّر طـما وحـّر مهّند‬ ‫أفـديـه مـن ريـحانة رّيـانة جـ ّ‬
‫بـكر الذبول على نضارة غصنه إن الـذبول لفـة الغصن الندي‬
‫لله بـدٌر مـن مـراق نـجيعه مـزج الـحسام لـجينه بالعسجد‬
‫مـاء الـصبا ودم الوريد تجاريا فـيه ولهـب قـلبه لـم يخمد‬
‫مما بـشباالظبى بـين الـكماة بـالسّنة مـرتدي‬ ‫لـم أنـسه مـتع ّ‬
‫خـضبت ولـكن من دم ٍ و فراته فـاخضر ريـحان العذار السود‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مقتل الخوارزمي ‪. 31 / 2‬‬
‫)‪2‬كامل ابن الثير ‪ ، 30 / 4‬والخبار الطوال ‪ ، 254 /‬وإرشاد المفيد ‪ ،‬ومثير‬
‫الحزان ‪ ،‬واللهوف ‪ .‬وفي تاريخ الطبري ‪ : 265 / 6‬مّرة بن منقذ بن النعمان‬
‫م الليثي ‪ .‬وفي مقاتل العوالم ‪ : 95 /‬منقذ بن مّرة ‪.‬‬ ‫العبدي ث ّ‬
‫)‪3‬الرشاد للمفيد ‪ ،‬وتاريخ الطبري ‪. 256 / 6‬‬
‫)‪4‬مناقب ابن شهر آشوب ‪. 222 / 2‬‬
‫)‪5‬مقتل الخوارزمي ‪ ، 31 / 2‬ومقتل العوالم ‪. 95 /‬‬
‫دي قد سقاني‬ ‫سلم أبا عبد الله )‪ ، (1‬هذا ج ّ‬ ‫ونادى رافعا ً صوته ‪ :‬عليك مّني ال ّ‬
‫ة)‪ .(2‬فأتاه الحسين‬ ‫ن لك كأسا ً مذخور ً‬ ‫ة ل أظمأ بعدها ‪ ،‬وهو يقول ‪ :‬إ ّ‬ ‫بكأسه شرب ً‬
‫ده) )‪3‬وهو يقول ‪)) :‬ع( لى الدنيا‬ ‫ده على خ ّ‬ ‫ب عليه واضعا ً خ ّ‬ ‫سلم وانك ّ‬ ‫عليه ال ّ‬
‫بعدك العفا ‪ ،‬ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول)‪ ،4‬يعّز على‬
‫م أخذ‬ ‫ن تدعوهم فل يجيبونك ‪ ،‬وتستغيث بهم فل يغيثونك )‪ .5‬ث ّ‬ ‫دك و أبيك أ ْ‬ ‫ج ّ‬
‫سماء فلم يسقط منه قطرة ـ وفي هذا‬ ‫َ‬ ‫فه من دمه الطاهر ورمى به نحو ال ّ‬ ‫بك ّ‬
‫مي من مذبوح و مقتول من غير جرم ‪ ،‬بأبي أنت‬ ‫ُ‬
‫جاءت زيارته ‪)) :‬بأبي أنت وا ّ‬
‫دي أبيك‬‫دم بين ي َ‬ ‫مي من مق ّ‬ ‫ُ‬
‫مي دمك المرتقى به إلى حبيب الله ‪ ،‬بأبي أنت وا ّ‬ ‫وا ُ ّ‬
‫سماء ل يرجع‬ ‫يحتسبك و يبكي عليك محترقا ً عليك قلُبه ‪ ،‬يرفع دمك إلى عنان ال ّ‬
‫ن يحملوه إلى‬ ‫منه قطرة ‪ ،‬ول تسكن عليك من أبيك زفرة )‪6‬ـ ‪ .‬وأمر فتيانه أ ْ‬
‫الخيمة ‪ ،‬فجاؤوا به إلى الفسطاط الذي يقاتلون أمامه ‪ ،‬وحرائر بيت الوحي‬
‫ينظرن إليه محمول ً قد جللته الدماء بمطارف العّز حمراء وقد وزع جثمانه‬
‫ك سمع‬ ‫الضرب والطعن ‪ ،‬فاستقبلنه بصدور دامية وشعور منشورة وعولةٍ تص ّ‬
‫ن عقيلة بني هاشم زينب الكبرى ابنة فاطمة بنت رسول الله‬ ‫الملكوت وأمامه ّ‬
‫م إليها جمام‬ ‫ة فألقت بنفسها عليه تض ّ‬ ‫ة نادب ً‬‫)ص( )‪ (7‬صارخ ً‬
‫____________________________‬

‫‪138‬‬
‫)‪ (1‬رياض المصائب ‪. 321 /‬‬
‫)‪2‬مقتل العوالم ‪ ، 95 /‬ومقتل الخوارزمي ‪. 31 / 2‬‬
‫)‪3‬اللهوف ‪. 64 /‬‬
‫)‪4‬تأريخ الطبري ‪. 265 / 6‬‬
‫)‪5‬مقتل العوالم ‪. 95 /‬‬
‫ّ‬
‫)‪6‬كامل الزيارات ‪ : 239 /‬هي صحيحة السند ‪ ،‬علمها الصادق )ع( أبا حمزة‬
‫الثمالي ‪ ،‬وسيأتي فيما يتعّلق بالليلة الحادية عشر نصوص أهل السّنة على‬
‫احتفاظ الّنبي )ص( بدم الصحاب وأهل بيته ‪.‬‬
‫)‪7‬الرشاد للمفيد وتاريخ الطبري ‪ ، 256 / 6‬ومقتل الحسين للخوارزمي ‪. 31 / 2‬‬
‫)‪8‬في تاريخ الطبري ‪ ، 256 / 6‬والبداية لبن كثير ‪ : 185 / 8‬قال حميد بن مسلم‬
‫ما ُقتل علي الكبر ‪ ،‬رأيت امرأةً خرجت من الفسطاط تصيح ‪ :‬وآ ابن أخاه !‬ ‫‪:‬ل ّ‬
‫دها إلى الخيمة ‪ .‬فسألت عنها قيل ‪:‬‬ ‫فجاءت وانكّبت عليه فأخذ الحسين بيدها ور ّ‬
‫هذه زينب ابنة فاطمة بنت رسول الله )صّلى الله عليه وآله( ‪.‬‬
‫نفسها الذاهب ‪ ،‬وحمى خدرها المنثلم وعماد بيتها المنهدم )‪. (1‬‬

‫مـا رأيـنـه بـتـلك الـحـالة‬


‫لـهـفي عـلـى عـقائل الـرسالة لـ ّ‬
‫صـياح فـانـدهـش الـعـقول والرواح‬ ‫ن والـ ّ‬
‫عـــل نـحـيبه ّ‬
‫نـاحـت عـلى كـفيلها الـعقائل والـمـكرمات الـغـّر والـفضائل‬
‫لـهـفي لـها إذ تـندب الـرسول فـكـادت الـجـبال أن تــزول‬
‫لـهفي لـها مـذ فـقدت عـميدها وهــل يــوازي أحـد فـقيدها‬
‫ومــن يــوازي شـرفا ً وجـاها مـثـال يـاسـين شـبـيه طـاها‬
‫ل ال ّ‬
‫ظبي‬ ‫يــا سـاعد الله أبـاه مـذ خـبا نـّيره الكـبر فـي ظ ّ‬
‫سـيوف‬ ‫رأى الـخليل فـي مـنى الطفوف ذبـيـحـه ضـريـبة الـ ّ‬
‫بـكاه مـا ُيـرى ومـا لـيس ُيرى مـن ذروة العرش إلى تحت الثرى‬
‫ب أربـاب الـّنهى ومـن هـو الـمبدأ وهـو المنتهى‬ ‫بـكاه حـزنا ً ر ّ‬
‫ومــن بـكـاه سـيـد الـبـرايا فــرزؤه مــن أعـظم الـرزايا‬
‫من هـو المنصوص بالوصاية))‪(2‬‬ ‫بـكـته عـيـن الـرشـد وآله داية و َ‬

‫ولسان حال أبيه يقول‬


‫‪:‬‬
‫ُبـَني اقـتطعتك من مهجتي عـلم قطعت جميل الوصال‬
‫ُبـَني عراك خسوف الردى وشأن الخسوف قبيل الكمال‬
‫ي الرقاد وأنـت عـفير بحّر الرمال‬ ‫ُبـَني حـرام عـل ّ‬
‫ّ‬
‫ُبـَني أبيت سوى القاصرات وخـلفت عندي سمر العوالي‬
‫ُبـَني بـكتك عيون الرجال لـيوم الـّنزيل ويوم الّنزال‬
‫ض الشباب وذات الجمال‬ ‫بـكتك َبـَني صفات الكمال وغ ّ‬
‫ّ‬
‫ي وسـارعت بعد الظما للزلل‬ ‫عـجلت لحوض أبيك النب ّ‬
‫سنان بنظم قلوب عيون الرجال))‪(3‬‬ ‫سـيرثيك مّني لسان ال ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬في تاريخ الطبري ‪ ، 256 / 6‬ومقتل الخوارزمي ‪ : 31 / 2‬خرجت زينب بنت‬
‫دها الحسين إلى الخيمة ‪ .‬وإذا خرجت‬ ‫فاطمة صارخة فألقت بنفسها عليه ‪ ،‬ور ّ‬
‫ن في الخيمة ؟‬
‫ور بقاء واحدة منه ّ‬‫دئة لهن ‪ ،‬فهل يتص ّ‬ ‫العميدة لتلك الفواقد المه ّ‬

‫‪139‬‬
‫دس سره ‪.‬‬ ‫مد حسين الصفهاني )ق ّ‬ ‫)‪2‬من ُارجوزة آية الله الشيخ مح ّ‬
‫)‪3‬من قصيدة للعلمة السيد مهدي البحراني رحمه الله ‪.‬‬
‫عبد الله بن مسلم‬
‫وخرج من بعده عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب ‪ ،‬وا ُ ّ‬
‫مه رقية الكبرى‬
‫بنت أمير المؤمنين )ع( ليه السلم) )‪ ، 1‬وهو يقول‬
‫‪:‬‬
‫ااااا اااا ااااااااا ااا ااااا ااااا ااا ااا ااااا‬

‫فقتل جماعة بثلث حملت) )‪ .2‬ورماه يزيد بن الرقاد الجهني))‪ ،3‬فاتقاه بيده‬
‫م اّنهم‬
‫ن يزيلها عن جبهته) )‪4‬فقال ‪ :‬الله ّ‬
‫فسمرها إلى جبهته ‪ ،‬فما استطاع أ ْ‬
‫استقلونا واستذلونا فاقتلهم كما قتلونا ‪ .‬وبينا هو على هذا إذ حمل عليه رجل‬
‫برمحه فطعنه في قلبه ومات)‪ .5‬فجاء إليه يزيد بن الرقاد وأخرج سهمه من‬
‫جبهته وبقي الّنصل فيها وهو مّيت)‪)6‬‬

‫حملة آل أبي طالب‬


‫ما ُقتل عبد الله بن مسلم ‪ ،‬حمل آل أبي طالب حملة واحدة ‪ ،‬فصاح بهم‬ ‫ول ّ‬
‫سلم ‪)) :‬ص( برا ً على الموت يا بني عمومتي ‪ ،‬والله ل رأيتم‬ ‫الحسين عليه ال ّ‬
‫مه‬‫هوانا ً بعد هذا اليوم )‪ ،7‬فوقع فيهم عون بن عبد الله بن جعفر الطّيار ‪ ،‬وا ّ‬
‫ُ‬
‫مه الخوصاء ‪ ،‬وعبد الرحمن بن عقيل بن أبي‬ ‫مد ‪ ،‬وا ُ ّ‬
‫العقيلة زينب ‪ ،‬وأخوه مح ّ‬
‫طالب)‪ ،(8‬وأخوه جعفر‬
‫____________________________‬
‫م أخويه علي ومحمد ‪.‬‬ ‫ُ‬
‫)‪ (1‬نسب قريش لمصعب الزبيري ‪ . 45 /‬قال ‪ :‬وهي ا ّ‬
‫)‪2‬مناقب ابن شهر آشوب ‪. 220 / 2‬‬
‫)‪3‬في أنساب الشراف ‪ : 238 / 5‬الجنبي بالّنون بعد الجيم ‪.‬‬
‫)‪4‬المقاتل لبي الفرج ‪ ، 27 /‬طبعة ايران ‪.‬‬
‫ن عمرو بن صبيح الصدائي رماه بسهم ‪،‬‬ ‫)‪5‬الرشاد ‪ ،‬وتاريخ الطبري ‪ : 256 / 6‬إ ّ‬
‫ورماه بآخر ففلق قلبه ‪ .‬وفي أنساب الشراف ‪ : 239 / 5‬الرامي يزيد بن الرقاد‬
‫الجنبي ‪.‬‬
‫)‪6‬تاريخ الطبري ‪. 179 / 6‬‬
‫)‪7‬هذه الجملة هي الظاهرة مما ذكره ابن جرير في التاريخ ‪ : 256 / 6‬و )النداء‬
‫ص عليه الخوارزمي في المقتل ‪ ، 78 / 2‬والسيد في اللهوف ‪. 64 /‬‬ ‫بالصبر ن ّ‬
‫)‪8‬في المحبر لبن حبيب النسابة ‪ : 57 /‬كانت خديجة بنت علي )ع( ليه‬
‫السلمعند عبد الرحمن بن عقيل ‪ .‬وفي معارف ابن قتيبة ‪ ، 89 /‬عند ذكر أخبار‬
‫علي )ع( ليه السلم‪ :‬ولدت له سعيدا ً ‪ .‬وفي المحبر لبن حبيب ‪ : 57 /‬خلف على‬
‫خديجة هذه أبو السنابل عبد الله بن عامر بن كريز ‪.‬‬
‫ابن عقيل ومحمد بن مسلم بن عقيل )‪. (1‬‬
‫سلم ثمانية عشر‬ ‫سبط عليه ال ّ‬ ‫وأصابت الحسين المثّنى ابن المام الحسن ال ّ‬
‫جراحة وُقطعت يده اليمنى وَلم يستشهد ‪.‬‬
‫سلم )‪2‬واسمه محمد)‪3‬قتله زحر بن بدر‬ ‫وخرج أبو بكر ابن أمير المؤمنين عليه ال ّ‬
‫النخعي)‪.4‬‬
‫ُ‬
‫وخرج عبد الله بن عقيل فما زال يضرب فيهم حّتى اثخن بالجراح وسقط إلى‬
‫الرض ‪ ،‬فجاء إليه عثمان بن خالد التميمي فقتله‬

‫‪140‬‬
‫‪.‬‬
‫ّ‬
‫مـا الـعرب إل سـماء لـلعلء وما أبـناء عـمرو الـعلى إل دراريـها‬ ‫ّ‬
‫وة تــاج فــي مـفارقها ولـلمـامة عـقـد فـي تـراقيها‬ ‫فـلـلنب ّ‬
‫حـليان لـيس سـواها تـحتلي بهما شـّتـان عـاطل أجـياد وحـاليها‬
‫دين ل كـبرا ً ول تـيها‬ ‫مـن شـيبة الحمد شّبان مشت مرحا لـنصرة الـ ّ‬
‫سامة الـثغر والبـطال عـابسة تـفّتر مـنها الـثنايا عـن لـئاليها‬ ‫بـ ّ‬
‫جـرت بـطوفان حرب في بواخرها ومـــا بـواخـرها إل مـذاكـيها‬
‫سعادة ما أبقت على الرض شخصا ً من أعاديها‬ ‫مها نيل ال ّ‬ ‫َلـو َلـم يـكن ه ّ‬
‫طـّبق سـّعـة الـغبراء داويـها‬ ‫لـيست تـبالي ولـلسياف صلصلة مـ ّ‬
‫ولـلرماح اصـطكاك فـي أسـّنتها ولـلسهام اخـتلف فـي مـراميها‬
‫ولـلرؤوس انـتثار عـن كـواهلها ولـلصدور انـتظام فـي مجانيها)‪(5‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬في سير أعلم النبلء للذهبي ‪ُ : 217 / 2‬قتل مع الحسين عبد الله وعبد‬
‫الرحمن ابنا مسلم بن عقيل ابن أبي طالب ‪.‬‬
‫)‪2‬في جمهرة أنساب العرب لبن حزم ‪ ، 118 /‬وصفوة الصفوة لبن الجوزي ‪/ 1‬‬
‫مه ليلى بنت مسعود ُقتل مع‬ ‫ن أبا بكر ا ُ ّ‬ ‫‪ ، 119‬ومقتل الخوارزمي ‪ : 98 / 2‬إ ّ‬
‫سلم ‪.‬‬ ‫الحسين عليه ال ّ‬
‫)‪3‬الرشاد وأعلم الورى عند ذكر أولد أمير المؤمنين )ع( ‪ .‬وفي مقتل‬
‫مد‬ ‫الخوارزمي ‪ 28 / 2‬اسمه عبد الله ‪ .‬وفي صفوة الصفوة ‪ : 119 / 1‬مح ّ‬
‫م ولد ُقتل مع الحسين )ع( ‪.‬‬ ‫مه ا ُ ّ‬ ‫الصغر ا ُ ّ‬
‫)‪4‬مناقب ابن شهر آشوب ‪ . 221 / 2‬وفي مقتل الخوارزمي ‪ :‬زحر بن قيس‬
‫جد في ساقية ولم يعلم قاتله ‪.‬‬ ‫النخعي ‪ .‬وفي مقاتل أبي الفرج ‪ :‬و ِ‬
‫)‪5‬للحجة الشيخ عبد الحسين صادق العاملي قدس الله سره وستأتي في القاسم‬
‫تتمتها ‪.‬‬
‫القاسم وأخوه‬
‫مُ‬
‫مه ا ّ‬ ‫ُ‬
‫وخرج أبو بكر بن الحسن بن أمير المؤمنين )ع( ‪ ،‬وهو عبد الله الكبر ‪ ،‬وا ّ‬
‫ولد )‪ (1‬يقال لها رملة)‪ ،2‬فقاتل حّتى ُقتل)‪.3‬‬
‫ما نظر‬ ‫َ‬
‫مه وأبيه القاسم)‪ ،4‬وهو غلم لم يبلغ الحلم ‪ ،‬فل ّ‬ ‫وخرج من بعده أخوه ل ُ ّ‬
‫قة قمر)‬ ‫ن وجهه ش ّ‬ ‫م أذن له ‪ ،‬فبرز كأ ّ‬ ‫سلم اعتنقه وبكى)‪5‬ث ّ‬ ‫إليه الحسين عليه ال ّ‬
‫َ‬
‫سيف وعليه قميص وإزار وفي رجليه نعلن ‪ ،‬فمشى يضرب بسيفه‬ ‫‪6‬وبيده ال ّ‬
‫ّ‬
‫فانقطع شسع نعله اليسرى)‪7‬ـ وأنف ابن الّنبي العظم )صلى الله عليه وآله(‬
‫وسّلمأن يحتفي في الميدان ـ فوقف يشد ّ شسع نعله)‪8‬وهو ل يزن الحرب إل ّ‬
‫بمثله غير‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬تاريخ الطبري ‪ ، 269 / 6‬ومقاتل أبي الفرج ‪. 34 /‬‬
‫م القاسم رملة ‪ ،‬وفي تذكرة الخواص ‪، 103 /‬‬ ‫مه وا ُ ّ‬ ‫)‪2‬في الحدائق الوردية ‪ :‬ا ُ ّ‬
‫م القاسم وأبي بكر وعبد الله ‪ .‬وفي مقاتل أبي‬ ‫عن طبقات ابن سعد ‪ :‬نفيلة ا ُ ّ‬
‫م ولد ل ُتعرف ‪ .‬وفي نسب قريش ‪ ، 50 /‬لمصعب الزبيري ‪ :‬القاسم‬ ‫الفرج ‪ ،‬ا ُ ّ‬
‫ف ول عقب لها ‪.‬‬ ‫وأبو بكر قتل بالط ّ‬
‫)‪3‬في إعلم الورى الطبرسي ‪ ، 127 /‬والمجدي في النسب لبي الحسن العمري‬
‫‪ ،‬وإسعاف الراغبين على هامش نور البصار ‪ : 202 ،‬إّنه تزّوج من سكينة بنت‬
‫لولى نوادر‬ ‫الحسين )ع( ‪ .‬وفي المترادفات للمدائني ‪ 64 /‬في المجموعة ا ُ‬

‫‪141‬‬
‫المخطوطات ‪ :‬كان عبد الله بن الحسن أبا عذرها ‪ .‬وفي تاج العروس ‪: 387 / 4‬‬
‫يقال ‪ :‬لله أبا عذرها ‪ ،‬إذا افترعها وافتضها ‪.‬‬
‫ن الزواج ‪ ،‬ولم يرد‬ ‫ل ما ُيذكر في عرس القاسم غير صحيح ؛ لعدم بلوغه س ّ‬ ‫)‪4‬ك ّ‬
‫ص صحيح من المؤّرخين ‪ .‬والشيخ فخر الدين الطريحي عظيم القدر جليل‬ ‫به ن ّ‬
‫قه هذه الخرافة ‪ ،‬فثبوتها في كتابه‬ ‫ور في ح ّ‬ ‫ن يتص ّ‬
‫في العلم ‪ ،‬فل يمكن لحد أ ْ‬
‫كم الطريحي واضعها في كتابه ‪ .‬وما‬ ‫المنتخب ‪ ،‬مدسوسة في الكتاب ‪ ،‬وسيحا ِ‬
‫قب بـ )تاج‬ ‫مد اللكنهوي المل ّ‬ ‫أدري من أين أثبت عرسه فضيلة السّيد علي مح ّ‬
‫ماها )القاسمّية ‪ ،‬كما جاء في الذريعة‬ ‫العلماء فكتب رسالة في عرسه س ّ‬
‫للطهراني ‪ ، 4 / 17‬رقم ‪. 19‬‬
‫ن يأذن‬
‫ن الحسين )ع( أبى أ ْ‬ ‫)‪5‬مقتل الخوارزمي ‪ . 27 / 2‬وذكر الخوارزمي ‪ :‬إ ّ‬
‫ديه ورجَليه حّتى أذن له ‪ .‬أقول ‪ :‬هذا الخبر ينافيه ‪ ،‬ما‬ ‫له ‪ ،‬فما زال الغلم يقّبل ي َ‬
‫ً‬
‫دم من إخبار الحسين )ع( ليلة عاشوراء أصحابه وأهل بيته بقتلهم جميعا حّتى‬ ‫تق ّ‬
‫حة له ‪.‬‬ ‫القاسم والرضيع ‪ ،‬وهذا الحديث كحديث عرس القاسم ل ص ّ‬
‫)‪6‬تاريخ الطبري ‪ ، 256 / 6‬ومقاتل أبي الفرج ‪ ،‬والرشاد ‪ ،‬وإعلم الورى ‪، 146 /‬‬
‫ومقتل الخوارزمي ‪. 27 / 2‬‬
‫)‪7‬تاريخ الطبري ‪ ، 256 / 6‬ومقاتل أبي الفرج ‪ ،‬ومقتل الخوارزمي ‪، 27 / 2‬‬
‫وفي الرشاد وإعلم الورى ‪ :‬شسع أحدهما ‪.‬‬
‫)‪8‬ذخيرة الدارين ‪ ، 152 /‬وإبصار العين ‪ : 37 /‬أقول ‪ :‬ل غرو من ابن المصطفى‬
‫ن‬
‫دث في الغاني ‪ : 144 / 11‬أ ّ‬ ‫ن يحتفي في الميدان ‪ ،‬فهذا أبو الفرج يح ّ‬ ‫إذ أنف أ ْ‬
‫ما جيء به ؛‬ ‫جعفر بن علية بن ربيعة بن عبد يغوث ‪ ،‬من بني الحارث بن كعب ‪ ،‬ل ّ‬
‫ليقاد مه ‪ ،‬فبينا هو يمشي إذ انقطع شسع نعله ‪ ،‬فوقف يصلحه ‪ .‬فقال له رجل ‪:‬‬
‫أل يشغلك ما أنت فيه عن هذا ؟ فقال جعفر‬
‫‪:‬‬
‫اا ااااااا ااااااا‬ ‫اااااااا اااا اااااااا اا ا‬
‫للوف ‪.‬‬‫مكترث بالجمع ول مبال با ُ‬
‫أهـوى يـشد ّ حـذاءه والحرب مشرعة لجله‬
‫لـيسومها مـا إن غلت هـيجاؤها بشراك نعله‬
‫فيئا ً بـظلل نصله‬ ‫مـتـقلدا ً صـمـصامه مـت ّ‬
‫ن لـفـعله فـالفرع مرتهن بأصله‬ ‫ل تـعـجب ّ‬
‫ب يـخلفها الحيا والليث منظور بشبله )‪(1‬‬ ‫ح ُ‬‫س ْ‬‫الـ ّ‬

‫وبينا هو على هذا إذ شد ّ عليه عمرو بن سعد بن ُنفيل الزدي ‪ ،‬فقال له حميد بن‬
‫مسلم ‪ :‬وما تريد من هذا الغلم ؟ يكفيك هؤلء الذين تراهم احتوشوه ‪ .‬فقال ‪:‬‬
‫سيف ‪ ،‬فوقع الغلم لوجهه‬ ‫ن عليه ‪ .‬فما وّلى حّتى ضرب رأسه بال ّ‬ ‫والله لشد ّ‬
‫سيف فاّتقاه‬ ‫ً‬
‫ماه ! فأتاه الحسين كالليث الغضبان ‪ ،‬فضرب عمرا بال ّ‬ ‫فقال ‪ :‬يا ع ّ‬
‫ة سمعها العسكر ‪ ،‬فحملت‬ ‫ة عظيم ً‬ ‫ساعد فأطّنها) )‪2‬من المرفق ‪ ،‬فصاح صيح ً‬ ‫بال ّ‬
‫خيل ابن سعد لتستنقذه ‪ ،‬فاستقبلته بصدرها ووطأته بحوافرها فمات ‪ .‬وانجلت‬
‫الغبرة وإذا الحسين )ع( قائم على رأس الغلم وهو يفحص برجليه ‪ .‬والحسين‬
‫م قال ‪)) :‬ع( ّز‬ ‫)ع( يقول ‪ُ)) :‬بعدا ً لقوم قتلوك ! خصمهم بوم القيامة ج ّ‬
‫دك (‪ ،‬ث ّ‬
‫ت والله كثر‬‫م ل ينفعك ‪ ،‬صو ٌ‬ ‫مك أن تدعوه فل يجيبك ‪ ،‬أو يجيبك ث ّ‬‫والله على ع ّ‬
‫م احتمله وكان صدره على صدر الحسين )ع( ورجله‬ ‫ل ناصره (‪ .‬ث ّ‬‫واتره وق ّ‬
‫طان في الرض ‪ ،‬فألقاه مع علي الكبر وقتلى حوله من أهل بيته)‪ ،3‬ورفع‬ ‫يخ ّ‬

‫‪142‬‬
‫م أحصهم عددا ً ‪ ،‬ول تغادر منهم أحدا ً ‪ ،‬ول تغفر‬
‫سماء وقال ‪)) :‬الله ّ‬ ‫طرفه إلى ال ّ‬
‫لهم أبدا ً ‪ ،‬صبرا يا بني عمومتي ‪ ،‬صبرا يا أهل بيتي ‪ ،‬ل رأيتم هوانا بعد هذا اليوم‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫أبدا ً )‪.(4‬‬

‫ناهيك بالقاسم بن المجتبى حسن مزاول الحرب لم يعبأ بما فيها‬


‫ن بـيض مـواضيها تكّلمه غـيد ٌ تـغازله مـنها غوانيها‬ ‫كـأ ّ‬
‫ن سمر عواليها كؤوس طل تـزّفها راح سـاقيها لـحاسيها‬ ‫كـأ ّ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬للعلمة السّيد مير علي أبو طبيخ رحمه الله ‪.‬‬
‫ن ساقه أي ‪ :‬قطعها ‪ ،‬يراد بذلك صوت القطع ‪.‬‬ ‫)‪2‬في الصحاح ضربه فأط ّ‬
‫)‪3‬تاريخ الطبري ‪ ، 257 / 6‬والبداية لبن كثير ‪ ، 186 / 8‬والرشاد ‪.‬‬
‫)‪4‬مقتل الخوارزمي ‪. 28 / 2‬‬
‫ي ما انصاع يصلح نعل ً وهو صاليها‬ ‫َلو كان يحذر بأسا ً أو يخاف وغ ً‬
‫أمـامه مـن أعـاديه رمال ثرى مـن فـوق أسـفلها ينهال عاليها‬
‫ي هاميها‬ ‫مـا عممت بارقات البيض هامته فـاحمّر بـالبيض الهند ّ‬
‫إل غـداة رأتـه وهـو في سنةٍ عـن الكفاح غفول النفس ساهيها‬
‫سيف إل ّ وهو غافيها‬ ‫وتـلك غـفوة ليث غير مكترث مـا نـاله ال ّ‬
‫سبط دعوته فـكان مـا كـان منه عند داعيها‬ ‫فـخّر يدعو ‪ ،‬فلّبى ال ّ‬
‫ً‬
‫ف اولـها فـتكا بـتاليها‬ ‫ل به الشهب البازي بين قطا قـد لـ ّ‬ ‫فـق ّ‬
‫جـنى ولكن رؤوس الشوس يانعة ومـا سـوى سـيفه البتار جانيها‬
‫ص بالبّتار أرحبها وفـاض مـن علق البّتار واديها‬ ‫حـّتى إذا غـ ّ‬
‫شعت ظـلمات الخيل ناكصة فـرسانها عنه وانجابت غواشيها‬ ‫تـق ّ‬
‫ً‬
‫وإذ بـه حـاضن في صدره قمرا يـزين طـلعته الـغّراء دامـيها‬
‫وافـى به حامل ً نحو المخيم وال مـاق فـي وجـهه حمر مجانيها‬
‫ط رجله في لوح الثرى صحفا ً الـدمع مـنقطها والـقلب تـاليها‬ ‫تخ ّ‬
‫آه عـلى ذلـك البدر المنير محا بـالخسف غـّرته الغراء ماحيها‬

‫إخوة العّباس )ع(‬


‫سلم كثرة القتلى من أهله قال لخوته من ا ُ ّ‬
‫مه وأبيه ‪،‬‬ ‫ما رأى العّباس عليه ال ّ‬
‫ول ّ‬
‫مي حّتى أراكم نصحتم لله ولرسوله ‪.‬‬ ‫دموا يا بني ا ُ ّ‬
‫عبد الله وعثمان وجعفر ‪ :‬تق ّ‬
‫دم يا أخي حّتى أراك‬ ‫والتفت إلى عبد الله وكان أكبر من عثمان وجعفر وقال ‪ :‬تق ّ‬
‫دي أبي الفضل حّتى ُقتلوا بأجمعهم‬ ‫قتيل ً وأحتسبك )‪ . (1‬فقاتلوا بين ي َ‬
‫‪.‬‬
‫نـعما قـرابين اللـه مـجّزرين على الفرات‬
‫خـير الهداية أن يكون الـهدي من زمر الهداة‬
‫من بعد ما قضوا الصلة قضوا فداءا ً للصلة)‪((2‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مقاتل أبي الفرج ‪ 32 /‬ـ ‪. 33‬‬
‫مد طاهر آل الفقيه الشيخ راضي )قدس سره‪.‬‬ ‫)‪2‬العلمة ثقة السلم الشيخ مح ّ‬
‫شهادة العّباس )ع( (‬
‫جة‬‫ح ّ‬
‫ل بيته ‪ ،‬ويرى ُ‬ ‫ن ُفني صحُبه وأه ُ‬‫وَلم يستطع العّباس صبرا على البقاء بعد أ ْ‬
‫ً‬
‫الوقت مكثورا ً قد انقطع عنه المدد ‪ ،‬ومل مسامعه عويل الّنساء وصراخ الطفال‬

‫‪143‬‬
‫ما كان العّباس )ع( أنفس الذخائر عند‬ ‫من العطش ‪ ،‬فطلب من أخيه الرخصة ‪ ،‬ول ّ‬
‫ن العداء تحذر صولته وترهب إقدامه ‪ ،‬والحرم مطمئّنة‬ ‫سبط الشهيد )ع( ؛ ل ّ‬‫ال ّ‬
‫َ‬ ‫ً‬
‫بوجوده مهما تنظر اللواء مرفوعا ‪ ،‬فلم تسمح نفس أبي الضيم القدسّية‬
‫بمفارقته فقال له ‪)) :‬يا أخي أنت صاحب لوائي ( )‪ . (1‬قال العّباس ‪ :‬قد ضاق‬
‫ن‬
‫ن آخذ ثأري منهم ‪ ،‬فأمره الحسين )ع( أ ْ‬ ‫صدري من هؤلء المنافقين وُاريد أ ْ‬
‫ذرهم غضب‬ ‫يطلب الماء للطفال ‪ ،‬فذهب العّباس إلى القوم ووعظهم وح ّ‬
‫ل ‪ :‬يا عمر بن سعد ‪ ،‬هذا الحسين ابن بنت‬ ‫الجّبار ‪ ،‬فَلم ينفع ‪ .‬فنادى بصوت عا ٍ‬
‫رسول الله قد قتلتم أصحابه وأهل بيته ‪ ،‬وهؤلء عياله وأولده عطاشى ‪،‬‬
‫فاسقوهم من الماء قد أحرق الظما قلوبهم ‪ ،‬وهو مع ذلك يقول ‪ :‬دعوني أذهب‬
‫إلى الروم أو الهند وُاخلي لكم الحجاز والعراق ‪ .‬فأّثر كلمه في نفوس القوم‬
‫ن الشمر صاح بأعلى صوته ‪ :‬يابن أبي تراب ‪ ،‬لو كان وجه‬ ‫حّتى بكى بعضهم ‪ ،‬ولك ّ‬
‫ن تدخلوا في بيعة‬ ‫الرض كّله ماء وهو تحت أيدينا ‪ ،‬لما سقيناكم منه قطرة ‪ ،‬إل أ ْ‬
‫ّ‬ ‫َ‬
‫يزيد‪.‬‬
‫َ‬
‫فرجع إلى أخيه يخبره ‪ ،‬فسمع الطفال يتصارخون من العطش)‪2‬فلم تتطامن‬
‫نفسه على هذا الحال ‪ ،‬وثارت به الحمّية الهاشمّية‬
‫‪:‬‬
‫يـوم أبـو الفضل تدعو الظاميات به والـماء تـحت شـبا الـهندّية الخذم‬
‫ك والزغف الدلص على فـرسانها قـد غـدت نارا ً على علم‬ ‫والخيل تصط ّ‬
‫و لـلنعم‬ ‫وأقـبل الـليث ل يـلويه خوف ردى بــادي الـبشاشة كـالمدع ّ‬
‫فين ما بين مطروح ومنهزم))‪(3‬‬ ‫يـبدو فـيغدو صـميم الجمع منقسما ً نـص َ‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬البحار ‪ ، 251 / 10‬ومقاتل العوالم ‪. 94 /‬‬
‫سلم( ‪. 118 /‬‬ ‫)‪2‬تظّلم الزهراء )عليها ال ّ‬
‫ذكرت في أعيان الشيعة بترجمته ‪.‬‬ ‫)‪3‬من قصيدة للحاج هاشم الكعبي ‪ُ ،‬‬
‫َ‬
‫م إّنه ركب جواده و أخذ القربة ‪ ،‬فأحاط به أربعة آلف ورموه بالّنبال فلم ترعه‬ ‫ث ّ‬
‫َ‬
‫ف على رأسه ‪ ،‬ولم‬ ‫ُ‬
‫كثرتهم ‪ ،‬وأخذ يطرد اولئك الجماهير وحده ولواء الحمد ير ّ‬
‫ن الوصي يزأر في الميدان ؟! فلم‬ ‫يشعر القوم أهو العّباس يجدل البطال أم أ ّ‬
‫تثبت له الرجال ‪ ،‬ونزل إلى الفرات مطمئن ّا ً غير مبال بذلك الجمع ‪.‬‬

‫ودمـدم لـيث الـغاب يعطو بسالة إلى الـماء لم يكبر عليه ازدحامها‬
‫ف عبابه ضـبا ويـد القـدار جالت سهامها‬ ‫وخـاض بـها بـحرا ير ّ‬
‫حطف برقها الـبصائر من رعب و يعلو قتامها‬ ‫ألـمت بـه سـوداء ي ْ‬
‫ب بـه لـلدارعين حـمامها‬‫جـلها بـمشحوذ الـغرارين أبلج يــد ّ‬
‫ل لـجامها‬‫فـحّلها عـن جـانب النهر عنوة ووّلـت هـواديها يـص ّ‬
‫ل السقاء همامها‬ ‫ثنى رجله عن صهوة المهر وامتطى قـرى الـنهر واحت ّ‬
‫ي عطاشى قد طواها اوامها )‪(1‬‬ ‫مرا ً لـر ّ‬
‫ب إلى نـحو الخيام مش ّ‬
‫وهـ ّ‬

‫من معه ‪ ،‬فرمى الماء) )‬ ‫ما اغترف من الماء ليشرب ‪ ،‬تذ ّ‬


‫كر عطش الحسين و َ‬ ‫ول ّ‬
‫‪2‬وقال‬
‫‪:‬‬
‫اا ااا اا ااا اااااا اااا اااااا اا اااا اا ااااا‬
‫اااا ااااااا اااا اااااا ااااااااا ااااا ااااااا‬

‫‪144‬‬
‫ااااا اا ااا اااا اااا)‪((3‬‬

‫قطع عليه الطريق ‪ ،‬وجعل‬


‫جه نحو المخّيم ‪ ،‬ف ُ‬
‫م مل القربة وركب جواده وتو ّ‬
‫ث ّ‬
‫يضرب حّتى أكثر القتل فيهم وكشفهم عن الطريق وهو يقول ‪:‬‬

‫ااااا اا اااااااا ااا‬ ‫اا ا‬‫اا اااا ااااا ااا ااااا ااا)‪ (4‬ا ا‬
‫____________________________‬
‫ذكرت في كتابنا )قمر بني هاشم ‪.‬‬ ‫)‪ (1‬للشيخ حسن مصبح الحّلي ‪ُ ،‬‬
‫)‪2‬المنتخب للطريحي ‪ ، 311 /‬الطبعة الثالثة ‪ ،‬المجلس التاسع ‪ ،‬الليلة العاشرة ‪.‬‬
‫وعند المجلسي في البحار ‪ ، 201 / 10‬وعنه في مقتل العوالم ‪ ، 95 /‬وعنه في‬
‫سلم( ‪ ، 119 /‬وفي رياض المصائب ‪. 313 /‬‬ ‫تظّلم الزهراء )عليها ال ّ‬
‫مد مهدي الموسوي ‪.‬‬ ‫)‪3‬رياض المصائب ‪ 313 /‬للسّيد مح ّ‬
‫ً‬
‫ن للموت طائرا يصيح ويسمونه‬ ‫)‪4‬زقا ‪ :‬بمعنى صاح ‪ ،‬وكانت العرب تزعم أ ّ‬
‫)الهامة ‪ ،‬ويقولون إذا ُقتل النسان وَلم يؤخذ بثأره ‪ ،‬زّقت هامته حّتى يثأر ‪ ،‬قال‬
‫الشاعر ‪:‬‬
‫ااااااا ااااا اااا ااا ااااا اااااااا اااا‬
‫وسمعت العاِلم الفاضل الشيخ كاظم سبتي رحمه الله يقول ‪ :‬أتاني بعض العلماء‬
‫الثقات وقال ‪ :‬أنا رسول العّباس )ع( إليك ‪ ،‬رأيته في المنام يعتب عليك ويقول ‪:‬‬
‫ت له ‪ :‬يا سّيدي ما زلت أسمعه يذكر‬ ‫َلم يذكر مصيبتي شيخ كاظم سبتي ‪ ،‬فقل ُ‬
‫ن الفارس إذا سقط من‬ ‫مصائبك ‪ ،‬فقال )ع( ‪ :‬قل له يذكر هذه المصيبة وهي ‪) :‬إ ّ‬
‫سهام في صدره ويداه مقطوعتان ‪ ،‬بماذا‬ ‫ديه فإذا كانت ال ّ‬ ‫قى الرض بي َ‬ ‫فرسه يتل ّ‬
‫يتلقى الرض؟ ‪.‬‬
‫ااا اااا اااااا‬ ‫اااا اااا ااااااا ااااا ااا ااا ااا ااا ا‬
‫ااا ااااااا‬ ‫ااا اااا اااااا‬

‫من له زيد بن الرقاد الجهني من وراء نخلة وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي‬
‫فك ِ‬
‫سلم ‪:‬‬
‫‪ ،‬فضربه على يمينه فبرأها فقال عليه ال ّ‬

‫ااااا ااااا اا اااا‬


‫ااااا ااا ااااااا اااااا ااا ا‬
‫اااا اااا اااا اااااا ااا ااااااا اااااا اااااا‬

‫مه إيصال الماء إلى أطفال الحسين )ع( وعياله ‪،‬‬ ‫ن كان ه ّ‬‫فَلم يعبأ بيمينه بعد أ ْ‬
‫ما مّر به ضربه على شماله‬
‫من له من وراء نخلة فل ّ‬ ‫ولكن حكيم بن الطفيل ك ِ‬
‫ُ‬
‫سهام كالمطر ‪ ،‬فأصاب القربة سهم واريق‬ ‫فقطعها )‪ (1‬وتكاثروا عليه ‪ ،‬وأتته ال ّ‬
‫ماؤها ‪ ،‬وسهم أصاب صدره))‪ ،2‬وضربه رجل بالعمود على رأسه ففلق هامته‬
‫‪.‬‬
‫ااااا اااااااا اا اااا اااااا‬ ‫اااا اااا ااااااااا‬

‫سلم أبا عبد الله ‪ .‬فأتاه الحسين )ع( ) )‬


‫وسقط على الرض ينادي ‪ :‬عليك مّني ال ّ‬
‫‪3‬وليتني علمت بماذا أتاه أبحياة مستطارة منه بهذا الفادح الجلل أم بجاذب من‬
‫وة إلى مصرع صنوه المحبوب ؟!‬ ‫ا ُ‬
‫لخ ّ‬
‫نعم حصل الحسين )ع( عنده وهو يبصر قربان القداسة فوق الصعيد قد غشيته‬

‫‪145‬‬
‫الدماء وجللته الّنبال ‪ ،‬فل يمين تبطش ول منطق يرتجز ول صولة ترهب ول عين‬
‫ن الحسين )ع( ينظر إلى هذه‬ ‫تبصر ‪ ،‬ومرتكز الدماغ على الرض مبدد ‪ .‬أصحيح أ ّ‬
‫الفجائع ومعه حياة ينهض بها ؟ َلم يبقَ الحسين )ع( بعد أبي الفضل إل ّ هيكل ً‬
‫شاخصا ً معّرى عن لوازم الحياة ‪ ،‬وقد أعرب‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مناقب ابن شهر آشوب ‪. 221 / 1‬‬
‫)‪2‬رياض المصائب ‪. 315 /‬‬
‫)‪3‬المنتخب للطريح ‪ ، 312 /‬المطبعة الحيدرية سنة ‪ ، 369‬ورياض المصائب ‪/‬‬
‫‪ . 315‬وفي مناقب ابن شهر آشوب ‪ : 222 / 2‬إن حكيم بن الطفيل ضربه بعمود‬
‫من حديد على رأسه ‪.‬‬
‫ّ‬
‫سلم الله عليه عن هذا الحال بقوله ‪)) :‬الن انكسر ظهري ‪ ،‬وقلت حيلتي‬
‫)‪. (1‬‬
‫كت الجبال من حنينه‬‫وبـان النكسار في جبينه فـاند ّ‬
‫وكيف ل وهو جمال بهجته وفـي محياه سرور مهجته‬
‫كـافل أهله وساقي صبيته وحامل اللوا بعالي همته))‪(2‬‬

‫وتركه في مكانه ؛ لسّر مكنون أظهرته اليام ‪ ،‬وهو أن يدفن في موضعه منحازا ً‬
‫عن الشهداء ؛ ليكون له مشهد يقصد بالحوائج والزيارات ‪ ،‬وبقعة يزدلف إليها‬
‫سماء رفعة وسناء ‪،‬‬ ‫الّناس ‪ ،‬وتتزلف إلى المولى سبحانه تحت قّبته التي ضاهت ال ّ‬
‫سامية ومنزلته عند الله‬ ‫مة مكانته ال ّ‬ ‫فتظهر هنالك الكرامات الباهرة وتعرف ال ُ ّ‬
‫كد والزيارات المتواصلة ‪ ،‬ويكون‬ ‫ب المتأ ّ‬ ‫دي ما وجب عليهم من الح ّ‬ ‫تعالى ‪ ،‬فتؤ ّ‬
‫جة الوقت أبو عبد‬ ‫سلم حلقة الوصل فيما بينهم وبين الله تعالى ‪ .‬فشاء ح ّ‬ ‫عليه ال ّ‬
‫ن تكون منزلة أبي الفضل الظاهرّية شبيهة‬ ‫الله )ع( كما شاء المَهيمن سبحانه أ ْ‬
‫لخروّية ‪ ،‬فكان كما شاءا وأحّبا ‪.‬‬ ‫بالمنزلة المعنوّية ا ُ‬
‫مه ‪ ،‬وقد‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫ورجع الحسين )ع( إلى المخّيم منكسرا حزينا باكيا يكفكف دموعه بك ُ ّ‬
‫تدافعت الرجال على مخّيمه فنادى ‪)) :‬أما من مغيث يغيثنا ؟ أما من مجير‬
‫ب عّنا ؟ )‪3‬فأتته‬ ‫يجيرنا ؟ أما من طالب حقّ ينصرنا ؟ أما من خائف من الّنار فيذ ّ‬
‫مها ‪ ،‬فأخبرها بقتله ‪ .‬وسمعته زينب فصاحت ‪ :‬وآ أخاه ! وآ‬ ‫سكينة وسألته عن ع ّ‬
‫ن وقال ‪)) :‬وآ‬ ‫عّباساه ! وآ ضيعتنا بعدك ! وبكين الّنسوة وبكى الحسين معه ّ‬
‫ضيعتنا بعدك ! (‬

‫م الـصخور لـهولها تـتألم‬ ‫نـادى وقـد مـل البوادي صيحة صـ ّ‬


‫من ل يرحم‬ ‫ن َ‬‫م َ‬‫ن يسترح ْ‬ ‫ي مـن يـحمي بنات محمد إذ صـْر َ‬ ‫أُاخـ ّ‬
‫ف بـاصرتي وظهري يقصم‬ ‫ل سواعدي وتـك ّ‬ ‫مـا خلت بعدك أن تش ّ‬
‫ف وهـذه بـيض الظبى لك في جبيني تلطم‬ ‫لـسواك يـلطم بـالك ّ‬
‫ّ‬
‫ما بين مصرعك الفظيع ومصرعي إل كـمـا أدعـوك قـبل وتـنعم‬
‫دم‬‫مـن بـه يـتق ّ‬ ‫ل به العدى ولــواك هـذا َ‬ ‫من يذ ّ‬‫هـذا حـسامك َ‬
‫____________________________‬
‫سلم( ‪. 120 /‬‬ ‫)‪ (1‬البحار ‪ ، 251 / 10‬وتظّلم الزهراء )عليها ال ّ‬
‫مد حسين الصفهاني )قدس سره‪.‬‬ ‫جة الشيخ مح ّ‬ ‫)‪2‬من ُارجوزة آية الله الح ّ‬
‫)‪3‬المنتخب ‪. 312 /‬‬
‫ونت يابن أبي مصارع فـتيتي والـجراح يسكنه الذي هو أألم‬ ‫ه ّ‬

‫‪146‬‬
‫ب مـنحنيا ً عـليه ودمعه صـبغ الـبسيط كأّنما هو عندم‬
‫فـأك ّ‬
‫ض السلح فيلثم )‪(1‬‬ ‫َ‬ ‫ً‬
‫قـد رام يـلثمه فلم يَر موضعا لـم يدمه ع ّ‬

‫سّيد الشهداء )ع( في الميدان‬


‫ً‬
‫ما ُقتل العّباس التفت الحسين )ع( ‪ ،‬فلم يَر أحدا ينصره ‪ ،‬ونظر إلى أهله‬ ‫ول ّ‬
‫وصحبه مجّزرين كالضاحي ‪ ،‬وهو إذ ذاك يسمع عويل اليامى وصراخ الطفال‬
‫حد يخاف‬ ‫ب عن حرم رسول الله ؟ هل من مو ّ‬ ‫صاح بأعلى صوته ‪)) :‬هل من ذا ّ‬
‫الله فينا ؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا ؟ (فارتفعت أصوات الّنساء‬
‫بالبكاء))‪.2‬‬
‫كأ على عصا ويجّر سيفه ؛ لّنه مريض ل يستطيع الحركة ‪.‬‬ ‫سجاد )ع( يتو ّ‬ ‫ونهض ال ّ‬
‫مد (‪.‬‬ ‫ّ‬
‫م كلثوم ‪)) :‬احبسيه ؛ لئل تخلو الرض من نسل آل مح ّ‬ ‫ُ‬
‫فصاح الحسين با ّ‬
‫فأرجعته إلى فراشه)‪( .3‬‬
‫دعهم ‪ ،‬وكان عليه جّبة خز دكناء)‬ ‫سكوت وو ّ‬ ‫سلم أمر عياله بال ّ‬ ‫م إّنه عليه ال ّ‬‫ث ّ‬
‫ّ‬
‫‪4‬وعمامة موّردة أرخى لها ذوابتين ‪ ،‬والتحف ببردة رسول الله )صلى الله عليه‬
‫وآله( وتقّلد بسيفه))‪ ،5‬وطلب ثوبا ً ل يرغب فيه أحد يضعه تحت ثيابه ؛ لئل ّ يجّرد‬
‫منه فإّنه مقتول مسلوب ‪ ،‬فأتوه بتبان) )‪6‬فَلم يرغب فيه ؛ لّنه من لباس الذّلة))‬
‫‪ ،7‬وأخذ ثوبا ً خلقا ً‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬للسّيد جعفر الحّلي ‪ ،‬طبعت بتمامها في مثير الحزان للعلمة الشيخ شريف‬
‫الجواهري ‪.‬‬
‫)‪2‬اللهوف ‪. 65 /‬‬
‫)‪3‬الخصائص الحسينّية للشيخ جعفر الشوشتري )قدس سره‪ ، 129 /‬الستغاثة‬
‫ص على مرضه يوم كربلء ‪ ،‬مصعب الزبيري في نسب‬ ‫من ن ّ‬ ‫الرابعة ‪ . ...‬وم ّ‬
‫قريش ‪ ، 58 /‬واليعقوبي في تاريخه ‪ . 217 / 2‬وقال الخوارزمي في مقتل‬
‫الحسين ‪ : 32 / 2‬خرج علي بن الحسين )ع( وهو أصغر من أخيه القتيل وكان‬
‫سيف ‪ ،‬الخ ‪.‬‬ ‫مريضا ً ل يقدر على حمل ال ّ‬
‫)‪4‬روى الكليني في الكافي على هامش مرآة العقول ‪ 105 / 4‬عن الباقر )ع(‬
‫ة الل ّهِ ‪،‬‬‫م ِزين َ َ‬‫حّر َ‬‫ن َ‬
‫م ْ‬ ‫واللوسي في روح المعاني ‪ 111 / 8‬عند قوله تعالى ‪) :‬قُ ْ‬
‫ل َ‬
‫وابن حجر في مجمع الزوائد ‪ ، 192 / 9‬والخوارزمي في مقتل الحسين ‪: 35 / 2‬‬
‫كان على الحسين )ع( يوم عاشوراء جبة خز دكناء ‪.‬‬
‫)‪5‬المنتخب ‪ ، 315 /‬المطبعة الحيدرية سنة ‪. 1369‬‬
‫م والتشديد ‪ ،‬هي سراويل صغيرة مقدار شبر ستر العورة‬ ‫)‪6‬في الصحاح ‪) ،‬بالض ّ‬
‫المغلظة وفي شفاء الغليل ‪ : 52 /‬هو من الدخيل والصوب فيه الضم ‪.‬‬
‫)‪7‬مناقب ابن شهر آشوب ‪ ، 222 / 2‬والبحار ‪. 305 / 10‬‬
‫وخّرقه وجعله تحت ثيابه )‪ ، (1‬ودعا بسراويل حبرة ‪ ،‬ففزرها ولبسها ؛ لئل ّ‬
‫يسلبها)‪.2‬‬

‫الرضيع‬
‫مه الرباب فأجلسه‬ ‫ُ‬
‫دعه ‪ ،‬فأتته زينب بابنه عبد الله) )‪3‬وا ّ‬‫ودعا بولده الرضيع يو ّ‬
‫دك المصطفى خصمهم‬ ‫في حجره يقّبله) )‪4‬ويقول ‪ُ)) :‬بعدا ً لهؤلء القوم إذا كان ج ّ‬
‫م أتى به نحو القوم يطلب له الماء ‪ ،‬فرماه حرملة بن كاهل السدي بسهم‬ ‫)‪ .(5‬ث ّ‬
‫سماء ‪ .‬قال أبو جعفر‬ ‫فه ‪ ،‬ورمى به نحو ال ّ‬
‫قى الحسين )ع( الدم بك ّ‬ ‫فذبحه ‪ ،‬فتل ّ‬

‫‪147‬‬
‫جل الله‬ ‫مد )ع( ّ‬ ‫جة آل مح ّ‬ ‫الباقر )ع( ‪)) :‬فَلم تسقط منه قطرة )‪ .6‬وفيه يقول ُ‬
‫ح ّ‬
‫سلم على عبد الله الرضيع ‪ ،‬المرمي الصريع المتشحط دما ً ‪،‬‬ ‫فرجه‪)) :‬ال ّ‬
‫سهم في حجر أبيه ‪ ،‬لعن الله راميه‬ ‫سماء ‪ ،‬المذبوح بال ّ‬ ‫والمصعد بدمه إلى ال ّ‬
‫حرملة بن كاهل السدي وذويه )‪.(7‬‬
‫ي وأنت تحمل طفلـ ـك الظامي وحّر أوامه) )‪8‬ل يبرد‬ ‫أعـزز عل ّ‬
‫ح من لفح الهجيرة صوته بـمرنة مـنها يـذوب الجلمد‬ ‫قد ب ّ‬
‫وقصدت نحو القوم تطلب منهم وردا ً ولـكن أين منك المورد‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مجمع الزوائد لبن حجر الهيثمي ‪ ، 193 / 9‬والبحار ‪. 205 / 10‬‬
‫)‪2‬اللهوف ‪ ، 69 /‬وتاريخ الطبري ‪. 259 / 6‬‬
‫ماه ابن شهر آشوب في المناقب ‪ : 222 / 2‬علي الصغر ‪.‬‬ ‫)‪3‬س ّ‬
‫وذكر السيد ابن طاووس في القبال زيارة للحسين )ع( يوم عاشوراء ‪ :‬وفيها‬
‫صّلى الله عليك وعليهم وعلى ولدك علي الصغر الذي ُفجعت به ‪.‬‬
‫مه الرباب ‪ ،‬الشيخ المفيد في الختصاص ‪، 3 /‬‬ ‫ص على أّنه عبد الله وا ُ ّ‬ ‫والذي ن ّ‬
‫وأبو الفرج في مقاتل الطالبيين ‪ ، 35 /‬ومصعب الزبيري في نسب قريش ‪، 59 /‬‬
‫مه‬‫سهم في حجر أبيه عبد الله ‪ .‬وّلم يذكر ا ُ ّ‬ ‫وفي سّر السلسلة ‪ : 30 /‬المقتول بال ّ‬
‫‪.‬‬
‫َ‬
‫)‪4‬اللهوف ‪ 65 /‬وفي تاريخ اليعقوبي ‪ 218 / 2‬طبعة النجف ‪ :‬أن الحسين لواقف‬
‫ذن في ُاذنه وجعل يحنكه ‪ ،‬إذ أتاه سهم وقع في‬ ‫ساعة أ ّ‬‫إذ أتي بمولود له وُِلد ال ّ‬
‫طخه بدمه‬ ‫سهم من حلقه ‪ ،‬وجعل يل ّ‬ ‫حلق الصبي فذبحه ‪ ،‬فنزع الحسين )ع( ال ّ‬
‫ويقول ‪)) :‬والله لنت أكرم على الله من الّناقة ‪ ،‬وَلمحمد أكرم على الله من‬
‫م أتى فوضعه مع ولده وبني أخيه ‪.‬‬ ‫صالح (‪ .‬ث ّ‬
‫)‪5‬البحار ‪ ، 23 / 10‬ومقتل الخوارزمي ‪. 22 / 2‬‬
‫)‪6‬في مناقب ابن شهر آشوب ‪َ : 222 / 2‬لم يرجع منه شيء وذكر ابن نما في‬
‫مثير الحزان ‪ ، 36 ،‬والسيد في اللهوف ‪ : 66 /‬رواية الباقر )ع( ‪.‬‬
‫وذكر ابن كثير في البداية ‪ 186 /8‬والقرماني في أخبار الدول ‪ ، 108 /‬ومقتل‬
‫سهم‬ ‫سماء ‪ .‬قال ابن كثير ‪ :‬والذي رماه بال ّ‬ ‫الخوارزمي ‪ : 32 / 2‬رمى به نحو ال ّ‬
‫رجل من بني أسد يقال له )ابن موقد الّنار ‪.‬‬
‫مد جواد شبر ‪.‬‬ ‫)‪7‬زيارة الّناحية المقدسة ‪ .‬والبيات للخطيب الفاضل سّيد مح ّ‬
‫دة العطش ‪ .‬تاج العروس ‪. 38 / 16‬‬ ‫)‪8‬الوام ‪ :‬أن يضج العطشان ؛ وذلك عند ش ّ‬
‫وق نـحره فـكأنه خـيط الـهلل يـح ّ‬
‫ل فـيه الفرقد‬ ‫والـقـوس طـ ّ‬
‫وعـلى الـربية فـي الخيام نوائح تـومي لـطفلك بـالشجى وتـردد‬
‫****‬

‫ب رضـيـع أرضـعته قـسيهم مـن الـّنبل ثـديا دّره الثر فاطمه‬ ‫ور ّ‬
‫سهم جيده كـمـا زيـنته قـبل ذاك تـمائمه‬‫وق ال ّ‬‫فـلهفي لـه مـذ ط ّ‬
‫سبط مبتسهم اللمى وداعـا وهـل غـير العناق يلئمه‬ ‫هـفا لـعناق الـ ّ‬
‫م الرضيع وقد دجى عـليها الدجى والدوح نادت حمائمه‬ ‫ولـهفي عـلى ا ُ ّ‬
‫تـسلل فـي الـظلماء ترتاد طفلها وقـد نـجمت بين الضحايا علئمه‬
‫دت لو أّنها تـشاطره سـهم الـردى وتـساهمه‬ ‫فـمذ لح سـهم الّنحر و ّ‬
‫أقـّلـته بـالكفين تـرشف ثـغره وتـلثم نـحرا قـبلها الـسهم لثمه‬
‫ً‬
‫وأدنـتـه لـلنهدين ولـهى فـتارة تـناغيه ألـطافا وُاخـرى تـكالمه‬

‫‪148‬‬
‫ي أفق من سكرة الموت وارتضع بـثدييك عـ ّ‬
‫ل الـقلب يـهدأ هائمه‬ ‫ُبن ّ‬
‫ّ‬
‫ي فـقد دًرا وقـد كـضك الظما فـعله يـطفي مـن غليلك ضارمه‬‫ُبـن ّ‬
‫م غاشمه )‪(1‬‬ ‫َ‬
‫ي لـقد كـنت النيس لو حشتي وسلواي إذ يسطو من اله ّ‬ ‫ُبـن ّ‬

‫م ل يكون‬ ‫ون ما نزل بي أّنه بعين الله تعالى))‪ ،2‬الله ّ‬ ‫م قال الحسين )ع( ‪)) :‬ه ّ‬ ‫ث ّ‬
‫ت عّنا الّنصر فاجعله ِلما هو خير منه ‪،‬‬ ‫ن كنت حبس َ‬ ‫أهون عليك من فصيل ‪ ،‬إلهي إ ْ‬
‫ل بنا في العاجل ذخيرة لنا في الجل)‬ ‫وانتقم لنا من الظالمين))‪ 3‬واجعل ما ح ّ‬
‫مد )صّلى الله عليه‬ ‫م أنت الشاهد على قوم قتلوا أشبه الّناس برسولك مح ّ‬ ‫‪(4‬الله ّ‬
‫ن له مرضعا ً في‬ ‫سلم قائل ً يقول ‪َ :‬دعه يا حسين ‪ ،‬فإ ّ‬ ‫وآله( ))‪ ،5‬وسمع عليه ال ّ‬
‫مل ً بدمه‬
‫سلم عن فرسه وحفر له بجفن سيفه ودفنه مر ّ‬ ‫م نزل عليه ال ّ‬ ‫الجّنة)‪ .6‬ث ّ‬
‫وصّلى عليه))‪ ،7‬ويقال وضعه مع قتلى أهل بيته))‪.8‬‬
‫____________________________‬
‫مد تقي آل صاحب الجواهر ‪.‬‬ ‫)‪ (1‬للعلمة الشيخ مح ّ‬
‫)‪2‬اللهوف ‪. 66 /‬‬
‫)‪3‬مثير الحزان لبن نما ‪ ، 26 /‬ومقتل الخوارزمي ‪. 32 / 2‬‬
‫سلم( ‪. 122 /‬‬ ‫)‪4‬تظّلم الزهراء )عليها ال ّ‬
‫)‪5‬المنتخب ‪. 313 /‬‬
‫)‪6‬تذكرة الخواص ‪ ، 144 /‬والقمقام لميرزا فرهاد ‪. 385 /‬‬
‫وفي الصابة بترجمة إبراهيم بن رسول الله )ص( (‪ ،‬وتهذيب السماء للنووي ‪/ 1‬‬
‫ما توّفي إبراهيم‬‫‪ 102‬وشرح المواهب اللدنّية للزرقاني ‪ ، 214 / 3‬باب أولده ‪ :‬ل ّ‬
‫ن له مرضعا ً في الجّنة (‪.‬‬ ‫ابن رسول الله )ص( (‪ ،‬قال الّنبي ‪)) :‬إ ّ‬
‫)‪7‬مقتل الخوارزمي ‪ ، 32 / 2‬والحتجاج للطبرسي ‪ 163 /‬طبعة النجف ‪.‬‬
‫)‪8‬الرشاد ومثير الحزان ‪. 36 /‬‬
‫دة الـظما عيناه‬ ‫لـهـفي عـلى أبـيه إذ رآه غـارت لـش ّ‬
‫وَلـم يـجد شربة ماء للصبي فـساقه الـتقدير نـحو الطلب‬
‫وهـو على البي أعظم الكرب فكيف بالحرمان من بعد الطلب‬
‫ل لـطفه وأعـظما‬ ‫من دمه الزاكي رمي نحو السما فـما أجـ ّ‬
‫من عليها‬ ‫َلـو كـان َلـم يـرم به إليها لـساخت الرض بـ َ‬
‫سماء من فيض دمه ويـل مـن الله لـهم من نقمه‬ ‫فاحمّرت ال ّ‬
‫مه حيث ترى رضـيعها جرى عليه ما جرى‬ ‫وكـيف حـال ا ُ ّ‬
‫غـادرهـا كـالدّرة الـبيضاء وعــاد كـالياقوتة الـحمراء‬
‫حـّنت عـليه حـّنة الفصيل بـكته بـالشراق والصـيل‬
‫لـهفي لـها إذ تندب الرضيعا نـدبا ً يـحاكي قـلبها الوجيعا‬
‫تـقول يـا بـني يـا مؤملي يا منتهى قصدي وأقصى أملي‬
‫ف الرضاع حين عّز الماء أصـبحت ل مـاء ول كـلء‬ ‫جـ ّ‬
‫ي الردى كـأّنما رّيـك فـي سهم العدى‬ ‫فـساقك الظما إلى ر ّ‬
‫يـا مـاء عـيني وحياة قلبي مـن لـبلئي وعـظيم كربي‬
‫سلف‬ ‫رجوت أن تكون لي ِنعم الخلف وسلوة لي عن مصابي بال ّ‬
‫سهم للفطام حّتى أرتني جهرة أيامي )‪(1‬‬ ‫ن الـ ّ‬ ‫خـلت أ ّ‬ ‫مـا ِ‬

‫دم الحسين )ع( نحو القوم مصلتا ً سيفه ‪ ،‬آيسا ً من الحياة ‪ ،‬ودعا الّناس إلى‬ ‫وتق ّ‬
‫م حمل على‬ ‫من برز إليه حّتى َقتل جمعا ً كثيرًا)‪2‬ث ّ‬ ‫البراز ‪ ،‬فلم يزل يقتل ك ّ‬
‫ل َ‬

‫‪149‬‬
‫الميمنة وهو يقول ‪:‬‬
‫ااا))‪(3‬‬
‫ااااا اااا اا اااا ااااا اااااا اااا اا اااا اا ا‬

‫وحمل على الميسرة وهو يقول ‪:‬‬

‫ااا ااااااا ااا ااا ااااااااااا ااااااا‬


‫____________________________‬
‫مد حسين الصفهاني )قدس سره‪.‬‬ ‫جة الشيخ مح ّ‬‫)‪ (1‬من ُارجوزة آية الله الح ّ‬
‫)‪2‬مقتل العوالم ‪ ، 97 /‬ومثير الحزان لبن نما ‪ ، 37 /‬ومقتل الخوارزمي ‪/ 2‬‬
‫‪. 33‬‬
‫)‪3‬في البيان والتبيين للجاحظ ‪ 171 / 3‬الطبعة الثانية ‪ ،‬تحت عنوان )كلم‬
‫في الدب ‪ ،‬بعد أن ذكر هذا البيت اتبعه بقوله ‪:‬‬
‫ااااا اا ااا ااااا اااا‬
‫ااا‬
‫اااا اااااا ااا اااا ااا ااا اا ا‬

‫مار بن يغوث ‪ :‬ما رأيت مكثورا ً قط ‪ ،‬قد ُقتل ولده وأهل بيته‬ ‫قال عبد الله بن ع ّ‬
‫وصحبه ‪ ،‬أربط جأشا ً منه ول أمضى جنانا ً ول أجرأ مقدما ً ‪ ،‬ولقد كان الرجال‬
‫ديه إذا شد ّ فيها وَلم يثبت له أحد )‪. (1‬‬ ‫تنكشف بين ي َ‬
‫فصاح عمر بن سعد بالجمع ‪ :‬هذا ابن النزع البطين ‪ ،‬هذا ابن قّتال العرب ‪،‬‬
‫ل جانب ‪ .‬فأتته أربعة آلف نبلة)‪ ،2‬وحال الرجال بينه وبين‬ ‫احملوا عليه من ك ّ‬
‫ن لم يكن لكم دين وكنتم ول‬ ‫َ‬ ‫رحله ‪ ،‬فصاح بهم ‪)) :‬يا شيعة آل أبي سفيان ‪ ،‬إ ْ‬
‫ً‬
‫ن كنتم عربا ‪،‬‬ ‫تخافون المعاد ‪ ،‬فكونوا أحرارا ً في دنياكم ‪ ،‬وارجعوا إلى أحسابكم إ ْ‬
‫كما تزعمون (‪ .‬فناداه شمر ‪ :‬ما تقول يابن فاطمة ؟ قال ‪)) :‬أنا الذي ُاقاتلكم ‪،‬‬
‫ت حي ّا ً (‪.‬‬
‫ن جناح ‪ ،‬فامنعوا عتاتكم عن التعّرض لحرمي ما دم ُ‬ ‫والّنساء ليس عليه ّ‬
‫ااا ااااااا ااااا ا اااااا اااا اا ااا اااا ا اا اااا‬
‫اااااا‬
‫فقال الشمر ‪ :‬لك ذلك ‪.‬‬
‫وقصده القوم واشتد القتال وقد اشتد ّ به العطش)‪ ،3‬فحمل من نحو الفرات على‬
‫جاج ‪ ،‬وكان في أربعة آلف ‪ ،‬فكشفهم عن الماء وأقحم الفرس‬ ‫ح ّ‬ ‫عمرو بن ال َ‬
‫م الفرس ليشرب قال الحسين )ع( ‪)) :‬أنت عطشان وأنا عطشان ‪،‬‬ ‫ما ه ّ‬ ‫الماء فل ّ‬
‫ما مد ّ الحسين‬ ‫فل أشرب حّتى تشرب (‪ .‬فرفع الفرس رأسه كأّنه فهم الكلم ‪ ،‬ول ّ‬
‫َ‬
‫هتكت حرمك ؟! فرمى الماء ولم‬ ‫)ع( يده ليشرب ناداه رجل ‪ :‬أتلتذ ّ بالماء وقد ُ‬
‫يشرب ‪ ،‬وقصد الخيمة))‪.4‬‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬مناقب ابن شهر آشوب ‪. 223 / 2‬‬
‫)‪2‬الطبري ‪ . 259 / 6‬ونسبه الخوارزمي في مقتل الحسين ‪ 38 / 2‬إلى بعض من‬
‫شهد الوقعة ‪.‬‬
‫)‪3‬مناقب ابن شهر آشوب ‪. 223 / 2‬‬
‫)‪4‬اللهوف ‪. 67 /‬‬
‫)‪5‬البحار ‪ ، 204 / 10‬ومقتل العوالم ‪ ، 98 /‬ونفس المهموم ‪ ، 188 /‬والخصائص‬
‫الحسينّية ‪ ، 46 /‬باب خصائص الحيوانات ‪.‬‬
‫من ؛ لمتناع الفرس من الشرب ‪،‬‬ ‫حة هذا الحديث المتض ّ‬ ‫أقول ‪ :‬إّني ل أضمن ص ّ‬

‫‪150‬‬
‫ولرمي الحسين )ع( الماء من يده لمجّرد قول العداء ‪ ،‬وهو العالم بأّنه مكيدة ‪،‬‬
‫من معه على أن يقضوا‬ ‫صة بسّيد الشهداء و َ‬‫لكن خصائص هذا اليوم المخت ّ‬
‫ن كان المام عليه‬ ‫ّ‬
‫ما نعرفه ‪ ،‬ول سبيل لنا إل التسليم بعد أ ْ‬ ‫عطاشى خارجة ع ّ‬
‫ده الذي ل ينطق عن‬ ‫قاه من ج ّ‬ ‫سلم حكيما ً في أفعاله وأقوآله ل يعمل إل ّ بما تل ّ‬ ‫ال ّ‬
‫ف محدودة الظرف والمكان ؛ لسرار ومصالح ل يعلمها‬ ‫ل قضايا الط ّ‬ ‫الهوى ‪ ،‬وك ّ‬
‫ب العالمين تعالى شأنه ‪.‬‬ ‫إل ّ ر ّ‬
‫وهناك شيء آخر لحظه سّيد الشهداء وكانت العرب تتفانى دونه ‪ ،‬وهو حماية‬
‫الحرم بأنفس الذخائر ‪ ،‬وأبو عبد الله سّيد العرب وابن سّيدها فل تفوته هذه‬
‫ما ناداه الرجل هتكت الحرم َلم‬ ‫الخصلة التي يستهلك دونها الّنفس والّنفيس ‪ .‬ول ّ‬
‫يشرب الماء ؛ إعلما ً للجمع بما يحمله من الغيرة على حرمه ‪ ،‬وَلو َلم يبال بالنداء‬
‫قن الّناس فقدانه الحمّية العربّية ول يقدم عليه أبي الضيم حّتى لو علم بكذب‬ ‫لتي ّ‬
‫َ‬
‫الّنداء ‪ ،‬وفعل سّيد الباة من عدم شرب الماء ولو في آن يسير هو غاية ما يمدح‬
‫به الرجل ‪.‬‬

‫يروي الثرى بدمائهم وحشاه من ظـمأ تـطاير شـعلة قطعاتها‬


‫م الصفا ذابت عليه صفاتها‬ ‫َلـو قـلبت من فوق غّلة قلبه ص ّ‬
‫سماء له دما ً أفل بكت مــاء لـغّلة قـلبه قـطراتها‬
‫تـبكي ال ّ‬
‫مد لك والعدى بك أنجحت طلباتها‬ ‫وآ حـّر قلبي يابن بنت مح ّ‬
‫منعتك من نيل الفرات فل هنا لـلّناس بعدك ِنيلها وفراتها )‪(1‬‬

‫الوداع الثاني‬
‫دوا‬‫دع عياله ثانيا ً ‪ ،‬وأمرهم بالصبر ولبس الزر وقال ‪)) :‬استع ّ‬ ‫سلم و ّ‬ ‫م إّنه عليه ال ّ‬ ‫ث ّ‬
‫ن الله تعالى حاميكم وحافظكم ‪ ،‬وسينجيكم من شّر العداء ‪،‬‬ ‫للبلء ‪ ،‬واعلموا أ ّ‬
‫وضكم عن هذه‬ ‫ذب عدّوكم بأنواع العذاب ‪ ،‬ويع ّ‬ ‫ويجعل عاقبة أمركم إلى خير ‪ ،‬ويع ّ‬
‫البلّية بأنواع الّنعم والكرامة ‪ ،‬فل تشكوا ول تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم‬
‫)‪.(2‬‬
‫ن هذا الموقف من أعظم ما ل قاه سّيد الشهداء في هذا اليوم)‪3‬؛‬ ‫حقا ً لو قيل بأ ّ‬
‫وة تشاهد عماد أخبيتها وسياج صونها وحمى عّزها ومعقد شرفها‬ ‫ن عقائل النب ّ‬ ‫فإ ّ‬
‫من‬‫من يعتصمن من عادية العداء ‪ ،‬وب َ‬ ‫مؤذنا بفراق ل رجوع بعده ‪ ،‬فل يدرين ب َ‬ ‫ً‬
‫____________________________‬
‫مد حسين كاشف الغطاء رحمه الله ‪.‬‬ ‫)‪ (1‬من قصيدة لية الله الشيخ مح ّ‬
‫َ‬
‫)‪2‬جل العيون للمجلسي بالفارسّية ‪ ،‬وهنا شيء لم يتنّبه له أحد وهي إرادة بيان‬
‫ن تعليل لبس الزر بالحماية والمحافظة‬ ‫سلب ‪ .‬فإ ّ‬ ‫أمَرين ؛ عدم القتل ‪ ،‬وعدم ال ّ‬
‫ن اليد العادية ل تمد ّ إليهم ‪ ،‬يكون التيان بهما‬ ‫ف في التعريف بأ ّ‬ ‫ن أحدهما كا ٍ‬ ‫مع أ ّ‬
‫ن المقصود من أحدهما بيان‬ ‫مع بعد غرض بلوغه أعلى مراتب البلغة دليل على أ ّ‬
‫سلب ‪ ،‬ومن الثاني عدم القتل ‪.‬‬ ‫عدم ال ّ‬
‫سلم( للمجلسي أعلى الله‬ ‫ديقة الزهراء )عليها ال ّ‬ ‫)‪3‬هذا هو الظاهر من وصّية الص ّ‬
‫سلم المجلدّ‬ ‫مقامه بقراءته مصيبة ولدها عند الوداع ‪ .‬كما ذكره النوري في دار ال ّ‬
‫الول ‪.‬‬
‫العزاء بعد فقده ‪ .‬فل غرو إذا اجتمعن عليه وأحطن به وتعّلقن بأطرافه ‪ ،‬بين‬
‫ن ‪ ،‬ووآله ة أذهلها المصاب ‪ ،‬وطفلة تطلب المن ‪ ،‬وُاخرى تنشد الماء ‪.‬‬ ‫ي يئ ّ‬ ‫صب ّ‬
‫إذا ً فما حال سّيد الغيارى ومثال الحنان وهو ينظر بعلمه الواسع إلى ودائع‬

‫‪151‬‬
‫ن ل يعرفن إل ّ سجف العّز وحجب الجلل ‪،‬‬ ‫الرسالة وحرائر بيت العصمة ‪ ،‬وه ّ‬
‫ّ‬
‫كيف يتراكضن في هذه البيداء المقفرة بعولة مشجية ‪ ،‬وهتاف يفطر الصخر‬
‫ن تباعدن‬
‫سلب ‪ ،‬وإ ْ‬
‫ن فررن فعن ال ّ‬ ‫م وزفرات متصاعدة من أفئدة حّرى ‪ ،‬فإ ْ‬ ‫الص ّ‬
‫فمن الضرب ‪ .‬ول محام لهن غير المام الذي أنهكته العلةّ‬

‫اااااااا ااا اا ااا اااا ااا ااا ااااااا ااااا‬


‫ااا اااا ا‬

‫دين الوثقى‬
‫ما عقيلة بني هاشم زينب الكبرى فإّنها تبصر هذا وذاك فتجد عروة ال ّ‬ ‫أ ّ‬
‫وة آيل ً إلى النصرام ‪ ،‬ومنار الشريعة إلى الخمود ‪،‬‬‫عرضة للنفصام ‪ ،‬وحبل النب ّ‬
‫وشجرة المامة إلى الذبول‬
‫‪.‬‬
‫مت البأساء‬ ‫نع ّ‬
‫تنعى ليوث البأس من فتيانها وغـيوثها إ ْ‬
‫م بدم فقل بالمهجة الحرا تـسـيل الـعبرة الـحمراء‬ ‫تبكيهُ ُ‬
‫ن نوحها ايماء )‪(1‬‬‫ن الحنين بكا وقد ناحت ولك ّ‬ ‫حـّنت ولك ّ‬

‫ن الستغراق‬ ‫والتفت الحسين )ع( إلى ابنته سكينة ‪ ،‬التي يصفها للحسن المثّنى بأ ّ‬
‫مع الله غالب عليها ‪ ،‬فرآها منحازة عن الّنساء باكية نادبة ‪ ،‬فوقف عليها مصّبرا ً‬
‫ومسليا ً ‪ ،‬ولسان حاله يقول ‪:‬‬

‫هـذا الـوادع عزيزتيوالملتقى يـوم الـقيامة عند حوضالكوثر‬


‫فـدعي الـبكاء ولـلسار تهّيأي واستشعري الصبر الجميل وبادري‬
‫ضعا ً فتصّبري)‪(2‬‬
‫وإذا رأيـتيني عـلى وجه الّثرى دامي الوريد مب ّ‬

‫فقال عمر بن سعد ‪ :‬ويحكم اهجموا عليه ما دام مشغول ً بنفسه وحرمه ‪ ،‬والله‬
‫سهام حّتى‬ ‫ن فرغ لكم ل تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم ‪ .‬فحملوا عليه يرمونه بال ّ‬ ‫إ ْ‬
‫ن‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬
‫سهام بين أطناب المخّيم وشك سهم بعض ازر الّنساء ‪ ،‬فدهش َ‬ ‫تخالفت ال ّ‬
‫ن وصحن ودخلن الخيمة ‪ ،‬ينظرن إلى الحسين )ع( كيف يصنع ‪ ،‬فحمل‬ ‫وارعب َ‬
‫عليهم‬
‫____________________________‬
‫)‪ (1‬من قصيدة لكاشف الغطاء )قدس سره(‪.‬‬
‫مد علي الجابري النجفي‬ ‫))‪ 2‬للخطيب الشيخ مسلم ابن الخطيب الشيخ مح ّ‬
‫رحمهما الله تعالى ‪.‬‬
‫ل‬‫سهام تأخذه من ك ّ‬ ‫كالليث الغضبان فل يلحق أحدا ً إل ّ بعجه بسيفه فقتله ‪ ،‬وال ّ‬
‫ناحية وهو يّتقيها بصدره ونحره )‪. (1‬‬
‫ّ‬
‫ورجع إلى مركزه ُيكثر من قول ل حول ول قوة إل بالله العظيم) )‪ .2‬وطلب في‬
‫هذه الحال ماءا ً فقال الشمر ‪ :‬ل تذوقه حّتى ترد الّنار ‪ .‬وناداه رجل ‪ :‬ياحسين أل‬
‫ترى الفرات كأّنه بطون الحّيات ؟ فل تشرب منه حّتى تموت عطشا ً فقال‬
‫مته عطشا ً (‪ .‬فكان ذلك الرجل يطلب الماء فيؤتى به‬ ‫مأ ِ‬
‫الحسين )ع( ‪)) :‬الله ّ‬
‫ً‬
‫فيشرب حّتى يخرج من فيه ‪ ،‬وما زال كذلك إلى ان مات عطشا)‪( .3‬‬
‫ورماه أبو الحتوف الجعفي بسهم في جبهته فنزعه وسالت الدماء على وجه فقال‬
‫م أحصهم عددا ً‬ ‫م إّنك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلء العصاة ‪ ،‬الله ّ‬ ‫‪)) :‬الله ّ‬
‫واقتلهم بددا ً ‪ ،‬ول تذر على وجه الرض منهم أحدا ً ‪ ،‬ول تغفر لهم أبدا ً (‪ .‬وصاح‬

‫‪152‬‬
‫مدا ً في عترته ‪ ،‬أما إّنكم ل‬ ‫سوء ‪ ،‬بئسما خلفتم مح ّ‬ ‫بصوت عال ‪)) :‬يا ا ُ ّ‬
‫مة ال ّ‬
‫م الله‬‫تقتلون رجل ً بعدي فتهابون قتله ‪ ،‬بل يهون عليكم ذلك عند قتلكم إّياي ‪ .‬وأي َ‬
‫م ينتقم لي منكم من حيث ل تشعرون (‪.‬‬ ‫‪ ،‬إّني َ‬
‫ن يكرمني الله بالشهادة ‪ ،‬ث ّ‬ ‫لرجو أ ْ‬
‫فقال الحصين ‪ :‬وبماذا ينتقم لك مّنا يابن فاطمة ؟ قال )ع( ‪)) :‬يلقي بأسكم‬
‫ب عليكم العذاب صّبا )‪.4‬‬ ‫م يص ّ‬ ‫بينكم ‪ ،‬ويسفك دماءكم ‪ ،‬ث ّ‬
‫ما ضعف عن القتال ‪ ،‬وقف يستريح ‪ ،‬فرماه رجل بحجر على جبهته ‪ ،‬فسال‬ ‫ول ّ‬
‫دد له‬‫الدم على وجهه ‪ ،‬فأخذ الثوب ليمسح الدم عن عينيه ‪ ،‬رماه آخر بسهم مح ّ‬
‫ثل