‫تحوالتت‬

‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫هزائم االنقالب‬
‫انتصارات الثورة‬
‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫يونيو ‪1024‬‬
‫‪1‬‬

‫يونيو ‪1014‬‬

‫هزائم االنقالب‪ ..‬انتصارات الثورة‬

‫هل استطاع الحراك الثوري تقويض دعائم الحكم المستبد العسكري؟ وهل تمكن حراك الثورة من‬
‫جعل االنقالب العسكري مرحلة مؤقتة وزائلة؟ أم تمكن الحكم العسكري من إعادة بناء منظومة االستبداد‬
‫مرة أخرى‪ ،‬مما يؤجل الثورة لزمن طويل؟‬
‫السؤال المحوري في كل حراك ثوري‪ ،‬يدور حول ما حققه هذا الحراك‪ ،‬وأي انتصارات تحققت‬
‫بالفعل‪ .‬كما أن سلطة االنقالب العسكري‪ ،‬تنشغل بما استطاعت تحقيقه‪ ،‬وهل نجحت في جعل الثورة حلما‬
‫بعيد المنال أم ال؟‬
‫ومشكلة المواجهة بين الحكم العسكري والحراك الثوري‪ ،‬أن النتيجة النهائية تتحقق في لحظة ما‪،‬‬
‫حيث ينهار الحكم العسكري وتعود الثورة‪ .‬ويظل كل طرف يحسب ما حققه‪ ،‬في كل مرحلة من مراحل‬
‫الصراع‪ ،‬وأحيانا تغيب المؤشرات الحاسمة‪ ،‬التي تؤكد أن المعركة حسمت بالفعل‪.‬‬
‫والحراك الثوري في مواجهة انقالب عسكري‪ ،‬يبدأ بإفشال مخططات االنقالب العسكري‪ ،‬ثم يتجه‬
‫إلى تحقيق أهدافه‪ .‬أما الحكم العسكري‪ ،‬فيبدأ بتحقيق مخططه األساسي‪ ،‬حتى إذا فشل في كل المراحل‪،‬‬
‫ينهار في النهاية‪.‬‬
‫معركة الشرعية‬
‫االنقالب العسكري على الثورة والديمقراطية‪ ،‬بدأ منذ اللحظة األولى يبحث عن شرعية‪ ،‬من خالل‬
‫الدعم الشعبي‪ ،‬وأصبحت أول معارك االنقالب العسكري‪ ،‬هي البحث عن الشرعية‪ ،‬وفي المقابل فإن الحراك‬
‫الثوري بدأ منذ اللحظة األولى بنزع الشرعية عن االنقالب العسكري‪.‬‬
‫ومعركة الشرعية تعد جوهر الصراع بين االنقالب العسكري والحراك الثوري‪ ،‬لذا فإن تمسك‬
‫تحالف دعم الشرعية‪ ،‬بالشرعية التي أنتجت من خالل العملية الديمقراطية‪ ،‬ينزع شرعية الحكم العسكري‪،‬‬
‫ويجعل شرعيته محل تساؤل مستمر‪.‬‬
‫والتمسك بشرعية الرئيس محمد مرسي‪ ،‬تعد أخطر عوامل نزع شرعية الحكم العسكري بعد‬
‫االنقالب‪ .‬ألن وجود رئيس منتخب‪ ،‬لم يستقيل أو يتنحى‪ ،‬يعني أن ما حدث كان انقالبا عسكريا‪ ،‬قام بعزل‬
‫رئيس منتخب‪ .‬ومادام ما حدث كان انقالبا‪ ،‬فإن كل ما ينتج عنه غير شرعي‪.‬‬
‫ووجود رئيس للدولة‪ ،‬في ظل وجود رئيس منتخب لم يستقيل‪ ،‬يعني أن الدولة تواجه ازدواجية‬
‫الشرعية‪ ،‬أي تواجه حالة من الشك في شرعية من يحكم‪ ،‬وال تنتهي تلك الحالة‪ ،‬إال إذا تم التوصل إلى مبرر‬
‫شرعي لالنقالب العسكري‪ ،‬أو أسقط ذلك االنقالب‪.‬‬
‫لذا فمعركة الحراك الثوري األولى‪ ،‬هي نزع الشرعية عن االنقالب العسكري وكل ما ينتج عنه‪.‬‬
‫مما جعل حراك الشارع بالفعل‪ ،‬يحاصر سلطة االنقالب‪ ،‬ويجعلها مسكونة بهاجس الشرعية‪ .‬فال يمكن‬
‫للسلطة أن تعترف بأن ما تم كان انقالبا عسكريا‪ ،‬ثم تفترض أن ما ينتج عنه له شرعية‪.‬‬
‫ظلت سلطة االنقالب العسكري تدعي أن ما قام به الجيش‪ ،‬كان مدعوما من أغلبية كاسحة‪ ،‬مما‬
‫يجعل االنقالب العسكري استجابة لمطلب المجتمع المصري كله‪ ،‬أو أغلبيته الكاسحة‪ ،‬لهذا ظلت سلطة‬
‫االنقالب تبحث عن مشهد يحقق األغلبية الكاسحة‪ ،‬ولم تتمكن‪.‬‬
‫في كل مناسبات خريطة طريق االنقالب‪ ،‬كانت السلطة العسكرية تستهدف الوصول إلى تأييد من‬
‫أغلبية كاسحة من الشعب المصري‪ ،‬حتى يبدو الطرف اآلخر‪ ،‬مجرد أقلية ليس لها حضور‪ ،‬ولكن سالح‬
‫المقاطعة‪ ،‬أفشل تلك الجهود‪.‬‬
‫‪1‬‬

‫يونيو ‪1014‬‬

‫هزائم االنقالب‪ ..‬انتصارات الثورة‬

‫ورغم أن االنقالب العسكري على أي سلطة منتخبة غير شرعي في كل األحوال‪ ،‬فإن الرضى‬
‫الشعبي العام يمكن أن يكسبه شرعية األمر الواقع‪ ،‬وهو ما فشلت سلطة االنقالب في تحقيقه‪ ،‬ألن الحراك‬
‫الثوري ضد االنقالب العسكري‪ ،‬أكد منذ اللحظة األولى‪ ،‬أنه انقالب مرفوض من قطاع من المجتمع‪.‬‬
‫وسلطة االنقالب العسكري‪ ،‬تبحث عن اعتراف دولي بشرعيتها‪ ،‬وهو أمر ليس له تأثير على‬
‫األرض‪ ،‬ألن االنقالب العسكري كان مخططا دوليا أساسا‪ ،‬بما يعني أن كل من شارك فيه‪ ،‬سوف يعترف‬
‫به‪ ،‬دون أن يعطي ذلك لالنقالب أي شرعية‪.‬‬
‫الحكم غير الشرعي‬
‫كل األنظمة المستبدة ال تقوم على شرعية شعبية مباشرة‪ ،‬ولكنها تقوم على شرعية األمر الواقع‬
‫المستقر استقرارا هادئا‪ ،‬وهو ما يجعل النظم المستبدة تستمر‪ ،‬حتى يثور عليها الشعب‪ .‬ولكن مشكلة االنقالب‬
‫العسكري األساسية‪ ،‬أنه يؤسس لنظام مستبد‪ ،‬لم يتحقق له االستقرار الهادئ‪.‬‬
‫لهذا سيظل الحاكم العسكري‪ ،‬مشغوال بمسألة الشرعية‪ ،‬يحاول أن يثبت أنه وصل للحكم من خالل‬
‫تأييد شعبي‪ ،‬وفي كل مرة يحاول فيها تأكيد مزاعمه‪ ،‬يفاجئ بفشله في إثبات الشرعية الشعبية المزعومة‪.‬‬
‫وهو ما يجعل الحاكم العسكري في وضع ضعيف‪ ،‬ويمثل سلطة لم تتحقق لها شرعية عامة لدى المجتمع‬
‫كله في أي لحظة‪.‬‬
‫ومشكلة الحاكم العسكري‪ ،‬أو قائد االنقالب‪ ،‬أنه يحاصر بالحراك الثوري الرافض له‪ ،‬مما يشعره‬
‫بالضعف أمام حتى حلفاءه‪ ،‬وهو ما يجعله يخشى من انقالب الحلفاء عليه‪ ،‬أو استغاللهم للحراك الثوري‬
‫ضده‪ ،‬لتمديد نفوذهم على حسابه‪.‬‬
‫ومشكلة الشرعية لدى الحاكم العسكري‪ ،‬تتحول إلى مشكلة سلطة ونفوذ‪ ،‬وهو أخطر ما يواجه حكم‬
‫عسكري غير شرعي‪ ،‬حيث يظل الحاكم العسكري يركز على تأكيد سلطته ونفوذه‪ ،‬مما يدخله في دوامة‬
‫اإلفراط في االستبداد بالسلطة‪.‬‬
‫فالحراك الثوري الذي ينزع الشرعية عن الحاكم العسكري في كل لحظة‪ ،‬يصيب الحاكم بمتالزمة‬
‫السلطة واالستبداد‪ ،‬ويجعله يتصرف باستبداد مفرط‪ ،‬ويمارس نفوذا وسلطة بدون مبرر‪ ،‬حتى يقنع نفسه‬
‫أنه ممسك بالسلطة فعال‪ ،‬وهو ما ينفر مؤيديه منه‪ ،‬ويقلق حلفاءه‪.‬‬
‫لذا فالحراك الثوري الذي يمارس نزع شرعية الحكم في كل لحظة‪ ،‬يصيب الحكم بحالة ارتباك‬
‫داخلي‪ ،‬كما يجعل الحكم يتمدد في استبداده‪ ،‬ويدفع الحاكم لممارسة االستبداد المفرط‪ ،‬حتى يؤكد شرعيته‪،‬‬
‫مما يفقد الحكم استقراره‪ ،‬ويثير غضب عامة الناس عليه‪.‬‬
‫تحوالت المسرح السياسي‬
‫اعتمد االنقالب العسكري على تهيئة بيئة مناسبة له‪ ،‬حتى يفرض أمرا واقعا على المجتمع‪ ،‬ويعيد‬
‫تأسيس الدولة العسكرية‪ .‬وأهم ما اعتمد عليه االنقالب العسكري‪ ،‬هو دفع المجتمع لحالة نزاع أهلي‪ ،‬تم‬
‫التأسيس لها قبل االنقالب‪ ،‬ثم استمرت عملية إشعال النزاع األهلي بعد االنقالب لتوفير مبرر للتدخل‬
‫العسكري‪.‬‬
‫استطاع الحراك الثوري االستمرار في بيئة نزاع أهلي‪ ،‬محافظا على نهج االحتجاج السلمي‬
‫المتواصل‪ ،‬رغم كل العقبات المجتمعية التي وضعت أمامه‪ ،‬مما أفشل عملية تعميق النزاع األهلي‪ ،‬ولم تعد‬
‫أداة فاعلة لوقف الحراك الثوري‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫يونيو ‪1014‬‬

‫هزائم االنقالب‪ ..‬انتصارات الثورة‬

‫حاولت سلطة االنقالب بشتى الصور‪ ،‬دفع المجتمع لحالة اقتتال أهلي‪ ،‬حتى تحدث مواجهة بين‬
‫رافضي االنقالب ومؤيدي االنقالب‪ ،‬ولكن الحراك الثوري الرافض لالنقالب‪ ،‬لم يندفع في تلك الحالة‪ ،‬بل‬
‫تواصل بدون أن ينزلق لحالة اقتتال أهلي‪.‬‬
‫رغم كل عمليات التصعيد اإلعالمي وتغذية حالة الكراهية األهلية‪ ،‬إال أن مسار الحراك الثوري‬
‫أتخذ طريقا آخر‪ ،‬حيث بات يشكل حاضنة اجتماعية واسعة‪ ،‬كما استطاع توسيع قدرته على التفاعل مع كل‬
‫األطراف‪ ،‬فأصبح واقعا مجتمعيا مشاهدا‪ ،‬من جميع أطياف المجتمع‪.‬‬
‫تمكن الحراك الثوري عمليا من امتصاص حالة النزاع األهلي‪ ،‬ولم يعد احتمال االنجرار إلى حالة‬
‫اقتتال أهلي مرجحا‪ ،‬مما يعني أن الحراك الثوري استطاع تغيير المسرح السياسي‪ ،‬وتهيئة األجواء لمناخ‬
‫يسمح بمواجهة االنقالب العسكري‪.‬‬
‫مع تزايد قدرة الحراك الثوري على التمدد المجتمعي‪ ،‬أصبح يمثل الطرف الجاذب لمؤيدين جدد‪،‬‬
‫في حين أن سلطة االنقالب العسكري أصبحت الطرف المنفر لبعض مؤيديها‪ .‬مما يعني أن الحراك الثوري‬
‫أصبح يمثل مركز الجاذبية المجتمعية الفاعل‪.‬‬
‫رغم حرب االتهامات التي شنت على الحراك الثوري‪ ،‬إال إن استمراره في طريقه بمثابرة وصمود‪،‬‬
‫أصبح يمثل نموذجا الفت لالنتباه‪ ،‬مما جعل للحراك الثوري القدرة على تغيير نظرة اآلخرين له‪ ،‬وتعديل‬
‫موقف بعض المعادين له‪.‬‬
‫حقق الحراك الثوري العديد من التحوالت المهمة في الساحة السياسية‪ ،‬حيث باتت الكتلة النشطة‬
‫للحراك في توسع مستمر‪ ،‬وضعفت وتفككت الكتلة النشطة المؤيدة لالنقالب العسكري‪ ،‬وتزايد عدد الفئات‬
‫التي تقف موقف المشاهد لما يحدث‪ ،‬والتي يمكن أن تعيد النظر في تقييمها لألحداث‪.‬‬
‫تجاوز فخ العنف‬
‫استطاع الحراك الثوري االستمرار رغم تزايد أحداث العنف‪ ،‬سوا ًء الحقيقية أو المدبرة‪ ،‬ورسم‬
‫لنفسه مسارا مستقال عنها‪ ،‬غير متأثر بها‪ .‬فلم يتراجع الحراك الثوري بسبب استخدام أحداث العنف‪ ،‬التي‬
‫تقوم بها جماعات مسلحة‪ ،‬التهامه بالعنف من قبل سلطة االنقالب‪.‬‬
‫رغم كل محاوالت سلطة االنقالب لدفع الحراك الثوري للعنف‪ ،‬إال أن الحراك الثوري ظل متمسكا‬
‫بالنهج السلمي‪ ،‬وأفشل كل مخططات تحويل الصراع السياسي إلى صراع مسلح‪ ،‬مما جعل المواجهة‬
‫السلمية لالنقالب العسكري مستمرة وتزداد قوة‪.‬‬
‫فالحراك الثوري أفشل كل مخططات تحويل مجرى الصراع مع السلطة العسكرية المستبدة‪ ،‬إلى‬
‫معارك العنف والفوضى‪ ،‬والتي تحاول السلطة الدفع في اتجاهها‪ ،‬حتى تجد ذريعة لفرض الحكم العسكري‬
‫على المجتمع‪.‬‬
‫استمرار مسار الحراك الثوري بغض النظر عن تطورات أحداث العنف‪ ،‬يساعد الحراك على فصل‬
‫نفسه تماما عن أحداث العنف‪ ،‬مما يمكن في النهاية من كشف حقيقة تلك األحداث‪ ،‬وأيضا توسيع القاعدة‬
‫الجماهيرية التي تميز بين مسار الثورة وأحداث العنف‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫يونيو ‪1014‬‬

‫هزائم االنقالب‪ ..‬انتصارات الثورة‬
‫كسر حاجز الخوف‬

‫إذا كانت ثورة يناير مثلت مرحلة كسر حاجز الخوف‪ ،‬فإن الحراك الثوري بعد االنقالب العسكري‪،‬‬
‫أصبح عملية مستمرة لكسر حاجز الخوف‪ ،‬حتى ال يبنى من جديد‪ .‬وهو ما يتيح للحراك الثوري منع المجتمع‬
‫من الدخول في مرحلة االستسالم‪.‬‬
‫عملية الحراك الثورية المستمرة‪ ،‬جعلت البيئة المجتمعية غير مناسبة إلعادة الحكم المستبد‪ ،‬حيث‬
‫أصبح نموذج المواجهة مع السلطة القمعية‪ ،‬يمثل حاجزا يمنع عودة المجتمع للسلبية الكاملة مرة أخرى‪،‬‬
‫ألن نماذج البطولة المستمرة على مشهد من الجميع‪ ،‬أصبحت تمثل تطبيقا عمليا للحرية‪.‬‬
‫رغم كل القمع الذي تعرض له الحراك الثوري‪ ،‬إال أن استمراره بشكل مؤثر ومستمر وصامد‪ ،‬أكد‬
‫على أن إعادة حاجز الخوف مرة أخرى‪ ،‬لم تعد ممكنة‪ ،‬مما يعني أن البيئة المجتمعية المناسبة لعودة الحكم‬
‫العسكري‪ ،‬لم تعد متاحة‪.‬‬
‫ورغم كل محاوالت الحكم العسكري إلعادة حالة السلبية والخوف مرة أخرى للمجتمع‪ ،‬إال أن‬
‫القطاع الثائر من المجتمع لم يتأثر باستراتيجية الصدمة والرعب‪ ،‬وأصبح القطاع المؤيد لالنقالب‪ ،‬هو فقط‬
‫المتأثر بعملية التخويف‪ ،‬مما أضعفه‪.‬‬
‫الصدمة المضادة‬
‫استطاع الحراك الثوري أن يصل لمرحلة الرد على استراتيجية الصدمة والرعب التي استخدمتها‬
‫سلطة االنقالب العسكري ضده‪ .‬فقد أصبح صمود الحراك الثوري‪ ،‬سببا في صدمة المنتمين لتحالف‬
‫االنقالب العسكري‪ ،‬خاصة األجهزة األمنية‪.‬‬
‫فصمود الحراك الثوري يمثل تحديا لألجهزة األمنية‪ ،‬التي تمثل جوهر منظومة الحكم العسكري‬
‫بعد االنقالب‪ ،‬وكلما استمر تحدي الحراك الثوري‪ ،‬تبدأ حالة القلق داخل األجهزة األمنية‪ ،‬حتى تصل تلك‬
‫األجهزة لمرحلة االرتباك‪.‬‬
‫وقد حشدت سلطة االنقالب العسكري كل المنتمين لمؤسسات القمع‪ ،‬حتى تدخل في مواجهة دموية‬
‫مع الحراك الثوري‪ ،‬وحاولت أن تحافظ على تماسك موقف تلك األجهزة‪ ،‬والتخلص من كل من له موقف‬
‫مختلف‪ ،‬ولكن مع الوقت بدأ القلق يتسرب داخل مؤسسات القمع‪.‬‬
‫ونشر حالة من القلق داخل مؤسسات القمع المختلفة‪ ،‬يمهد إلعادة التفكير مرة أخرى‪ ،‬وهو ما يسمح‬
‫باختالف المواقف بين المنتمين لهذه المؤسسات‪ .‬وقد حقق صمود الحراك الثوري تغييرات مهمة داخل‬
‫مؤسسات القمع‪ ،‬التي استخدمت كأدوات لقمع الثورة‪.‬‬
‫ورغم عملية التضليل المنهجي التي يخضع لها كل المنتمين لمؤسسات القمع‪ ،‬إال أن الحراك الثوري‬
‫استطاع أن يكون حدثا حاضرا ومؤثرا‪ ،‬وله القدرة على تغيير مواقف اآلخرين والتأثير عليها‪ ،‬مما جعل‬
‫الحراك الثوري المستمر‪ ،‬يفكك تدريجيا من تماسك مؤسسات القمع‪.‬‬
‫التشويه اإلعالمي‬
‫حاولت سلطة االنقالب حصر المعركة في جماعة اإلخوان المسلمين فقط‪ ،‬حتى تتم عملية تشويه‬
‫منظم للجماعة‪ ،‬مما يساعد على التخلص من الحراك الثوري وإجهاضه‪ .‬ولكن مسار الحراك الثوري توسع‬
‫بصورة تجعله يمثل قطاعا واسعا من المجتمع‪ ،‬ولم تنجح محاولة حصر المعركة مع جماعة بعينها‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫يونيو ‪1014‬‬

‫هزائم االنقالب‪ ..‬انتصارات الثورة‬

‫ولم تتقوقع جماعة اإلخوان المسلمين بسبب حالة الحرب المعلنة ضدها‪ ،‬بل حاولت امتصاص‬
‫صدمة التشويه المتعمد والمستمر‪ ،‬ثم العودة مرة أخرى‪ ،‬للتفاعل مع محيطها والحاضن االجتماعي لها‪،‬‬
‫مما مكنها من التغلب على حالة الحصار المعنوي التي فرضت عليها‪.‬‬
‫استطاع الحراك الثوري أن يمثل حالة تضامن واضحة بين مكوناته‪ ،‬مما مكنه من التغلب على‬
‫الحصار المعنوي المفروض عليه‪ ،‬ثم رد هذا الحصار مرة أخرى لسلطة االنقالب‪ ،‬حيث أصبح الحراك‬
‫الثوري بما قدمه من تضحيات‪ ،‬يحاصر السلطة العسكرية معنويا أمام قطاع واسع من المجتمع‪.‬‬
‫الخالصة‬
‫الناظر لتحوالت المواجهة بين االنقالب العسكري والحراك الثوري‪ ،‬يدرك أن البيئة التي شكلها‬
‫االنقالب العسكري إلعادة الحكم العسكري‪ ،‬تتغير بشكل مستمر‪ ،‬ولصالح الحراك الثوري‪ ،‬وليس لصالح‬
‫االنقالب العسكري‪.‬‬
‫رغم هيمنة سلطة االنقالب الكاملة على اآللة اإلعالمية‪ ،‬إال أن الحراك الثوري بوصفه فعال على‬
‫األرض‪ ،‬تمكن من أن يكون له تأثير واسع وحضور فاعل‪ ،‬مما جعل له القدرة على تعديل البيئة التي شكلها‬
‫االنقالب العسكري لصالح الثورة‪.‬‬
‫فأهم ما حققه الحراك الثوري أنه لم يمكن سلطة االنقالب العسكري من إدخال المجتمع في مرحلة‬
‫الخضوع للحكم المستبد مرة أخرى‪ ،‬ولم يمكن سلطة االنقالب من أن تؤسس لحالة اقتتال أهلي‪ ،‬تعوق مسار‬
‫الثورة‪ .‬فظل الحراك الثوري يمهد المسرح السياسي لعودة الثورة‪.‬‬
‫مع افتقاد سلطة االنقالب العسكري للشرعية‪ ،‬أصبح الحراك الثوري ينزع عنها أي شرعية يمكن‬
‫أن تتحجج بها‪ ،‬سوا ًء من خالل االحتجاج السلمي المستمر أو مقاطعة العملية السياسية‪ ،‬مما جعل مسألة‬
‫الشرعية تمثل نقطة ضعف مزمنة لدى الحكم العسكري‪.‬‬
‫مسار المعركة بين االنقالب والحراك‪ ،‬يوضح أن االنقالب يحاصر من خالل حالة حراك ال يستطيع‬
‫التحكم فيها أو إجهاضها‪ ،‬ثم تتغير البيئة المحيطة به تدريجيا‪ ،‬لغير صالحه‪ ،‬مما يفقده العديد من الفرص‬
‫واألدوات التي يمكن أن يجدد بها قوته وسلطته‪ ،‬وهو ما يجعله في النهاية فاقدا لفرص حماية سلطته من‬
‫االنهيار‪.‬‬
‫كلما ازداد الحراك توسعا ضعفت سلطة االنقالب‪ ،‬وكلما فقدت السلطة جزءا من غطائها الشعبي‪،‬‬
‫أصبح الحراك أقوى‪ ،‬وكلما سقطت مبررات سلطة االنقالب‪ ،‬تأكدت صحة خيارات الحراك الثوري‪ ،‬وكلما‬
‫ظهرت بعض الحقائق‪ ،‬تأكد أن الحقيقة لصالح الحراك‪ ،‬وليست في صالح سلطة االنقالب‪.‬‬
‫فالحاصل أن الحراك الثوري يبني فعليا حالة الثورة ومجتمع الثورة‪ ،‬والقاعدة الشعبية الثورية‪ ،‬أي‬
‫يبني الشروط والظروف التي تنصر الثورة وتسقط السلطة المستبدة‪ .‬فالمعركة بين الحراك الثوري‬
‫واالنقالب العسكري‪ ،‬تعد في عمقها معركة ثقافية واجتماعية‪ ،‬تحاول فيها سلطة االنقالب تعميق ثقافة‬
‫االستبداد‪ ،‬ويبني فيها الحراك ثقافة وبيئة التحرر‪.‬‬
‫المعركة ضد االنقالب العسكري‪ ،‬هي عملية نضالية متواصلة‪ ،‬لحشد اإلرادة والوعي الشعبي‪ ،‬من‬
‫أجل تحقيق التحرر‪ .‬لذا فهي معركة إلعادة بناء قوة المجتمع من أجل الثورة‪ ،‬ألن كل سلطة عسكرية تعمل‬
‫على تفكيك المجتمع من أجل فرض االستبداد‪.‬‬
‫‪6‬‬

Sign up to vote on this title
UsefulNot useful