You are on page 1of 373

‫تأليـــــــــف‬

‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة‬

‫الطبعة الولى‬
‫‪1427‬هـ ‪2006 -‬م‬
‫رقم اليداع‪9848/2005 :‬‬
‫الترقيم الدولى‪I.S.B.N :‬‬
‫‪3 - 60 – 6119 – 977‬‬

‫‪2‬‬
‫الهــــــــداء‬
‫إلى العلماء العاملين والدعاة المخلصين‪،‬‬
‫وطلب العلم المجتهدين‪ ،‬وأبناء المة الغيورين‬
‫أهدي هذا الكتاب‪ ،‬سائل المولى ‪-‬عز وجل‪ -‬بأسمائه‬
‫صا‬
‫الحسنى وصفاته الُعلى أن يكون خال ً‬
‫لوجهه الكريم‬

‫جو‬ ‫ن ي َْر ُ‬ ‫كا َ‬‫من َ‬ ‫ف َ‬ ‫قال تعالى‪َ + :‬‬
‫مل ً‬
‫ع َ‬ ‫ل َ‬ ‫م ْ‬ ‫ع َ‬‫فل ْي َ ْ‬‫ه َ‬
‫قاءَ َرب ّ ِ‬ ‫لِ َ‬
‫ه‬
‫ة َرب ّ ِ‬‫عَبادَ ِ‬ ‫ك بِ ِ‬‫ر ْ‬ ‫ش ِ‬ ‫ول َ ي ُ ْ‬‫حا َ‬ ‫صال ِ ً‬ ‫َ َ‬
‫دا" ]الكهف‪.[110 :‬‬ ‫ح ً‬‫أ َ‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫مقدمـــــــة‬
‫إن الحمد لله‪ ،‬نحمده ونستعينه ونستغفره‪ ،‬ونعوذ بالله من شرور‬
‫أنفسنا ومن سيئات أعمالنا‪ ،‬من يهده الله فل مضل له‪ ،‬ومن يضلل‬
‫إله إل الله وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن‬ ‫فل هادي له‪ .‬وأشهد أن ل َ‬
‫ق‬
‫ح ّ‬ ‫ه َ‬ ‫قوا الل َ‬ ‫مُنوا ات ّ ُ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ها ال ّ ِ‬ ‫محمدا عبده ورسوله ‪َ+‬يا َ أي ّ َ‬
‫ن" ]آل عمران‪.[102 :‬‬ ‫مو َ‬ ‫سل ِ ُ‬ ‫م ْ‬ ‫وأن ُْتم ّ‬ ‫ن إ ِل ّ َ‬ ‫موت ُ ّ‬ ‫ول َ ت َ ُ‬ ‫ه َ‬ ‫قات ِ ِ‬ ‫تُ َ‬
‫خل َ َ‬ ‫َ‬
‫س‬‫ف ٍ‬ ‫من ن ّ ْ‬ ‫كم ّ‬ ‫ق ُ‬ ‫ذي َ‬ ‫م ال ّ ِ‬ ‫قوا َرب ّك ُ ُ‬ ‫س ات ّ ُ‬ ‫ها الّنا ُ‬ ‫‪َ+‬يا أي ّ َ‬
‫ساءً‬ ‫ون ِ َ‬ ‫جال ً ك َِثيًرا َ َ‬ ‫ر َ‬ ‫ما ِ‬ ‫ه َ‬ ‫من ْ ُ‬ ‫ث ِ‬ ‫وب َ ّ‬ ‫ها َ‬ ‫ج َ‬ ‫و َ‬ ‫ها َز ْ‬ ‫من ْ َ‬ ‫ق ِ‬ ‫خل َ‬ ‫َ‬ ‫و َ‬ ‫ة َ‬ ‫حد َ ٍ‬ ‫وا ِ‬ ‫َ‬
‫م‬
‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ْ‬ ‫ي‬‫َ‬ ‫ل‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫كا‬ ‫ه‬
‫َ‬ ‫الل‬ ‫ن‬
‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫إ‬ ‫م‬ ‫َ‬ ‫حا‬ ‫َ‬ ‫ر‬
‫ْ‬ ‫وال‬ ‫ِ َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫ب‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫لو‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ء‬ ‫سا‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ه‬
‫َ‬ ‫الل‬ ‫قوا‬ ‫ُ‬ ‫وات ّ‬ ‫َ‬
‫با" ]النساء‪.[1 :‬‬ ‫قي ً‬ ‫َر ِ‬
‫قوُلوا َ‬ ‫َ‬
‫دا ‪‬‬ ‫دي ً‬ ‫س ِ‬ ‫ول ً َ‬ ‫ق ْ‬ ‫و ُ‬
‫ه َُ‬ ‫قوا الل َ‬ ‫مُنوا ات ّ ُ‬ ‫َ‬ ‫نآ‬ ‫ذي َ‬ ‫ها َ ال ّ ِ‬ ‫‪َ+‬يا أي ّ َ‬
‫ه‬
‫ع الل َ‬ ‫من ي ُطِ ِ‬ ‫و َ‬ ‫م َ‬ ‫م ذُُنوب َك ْ‬ ‫فْر ل َك ُ ْ‬ ‫غ ِ‬ ‫وي َ ْ‬ ‫م َ‬ ‫مال َك ُ ْ‬ ‫ع َ‬ ‫مأ ْ‬ ‫ح لََك ُ ْ‬ ‫صل ِ ْ‬ ‫يُ ْ‬
‫ما" ]الحزاب‪.[71 ،70 :‬‬ ‫ِ ً‬‫ظي‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫زا‬ ‫ْ ً‬ ‫و‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ز‬ ‫َ‬ ‫فا‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫د‬ ‫ق‬‫َ‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ه‬‫ُ‬ ‫ل‬ ‫سو‬ ‫وَر ُ‬ ‫َ‬
‫أما بعد‪:‬‬
‫فهذا الكتاب يتحدث عن شخصية عثمان بن عفان ‪ ‬وعصره‪،‬‬
‫ديق والفاروق تبحث‬ ‫وهو امتداد لما سبقه من كتب تحدثت عن الص ّ‬
‫في دراسة عهد الخلفاء الراشدين؛ لكي نستخرج الدروس والعَِبر‬
‫ونستوعب السنن والقوانين اللهية في حركة المجتمعات وبناء‬
‫الدول ونهضة الشعوب‪ ،‬وتربية القادة والفراد لنشر دين الله بين‬
‫الناس‪.‬‬
‫إن عودة المة لما كانت عليه في قيادتها للبشرية منوطة بسيرها‬
‫على هدى النبي × وخلفائه الراشدين؛ فقد أخبر الحبيب المصطفى‬
‫× عن المراحل التاريخية التي تمر بها المة في مسيرتها في الحياة‪،‬‬
‫فقال ×‪» :‬تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون‪ ،‬ثم يرفعها الله‬
‫إذا شاء أن يرفعها‪ ،‬ثم تكون خلفة على منهاج النبوة‪ ،‬فتكون ما شاء‬
‫ضا‬
‫الله أن تكون‪ ،‬ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها‪ ،‬ثم تكون ملكا عا ّ‬
‫فيكون ما شاء الله أن تكون‪ ،‬ثم)‪(1‬يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها‪ ،‬ثم‬
‫تكون خلفة على منهاج النبوة« ‪.‬‬
‫إن معرفة عهد الخلفة الراشدة ومنهاج النبوة خطوة ل بد منها‬
‫في تحقيق الهداف التي تسعى المة لتحقيقها في هذه الحياة‪ ،‬فقد‬
‫قال ×‪»(2):‬عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من‬
‫بعدي« ‪.‬‬
‫إن تاريخ عصر الخلفاء الراشدين مليء بالدروس والعبر وهي‬
‫متناثرة في بطون الكتب والمصادر والمراجع‪ ،‬سواء كانت تاريخية أو‬
‫حديثية أو فقهية أو أدبية أو تفسيرية‪ ،‬فنحن في أشد الحاجة لجمعها‬
‫وترتيبها وتوثيقها وتحليلها‪ ،‬فتاريخ الخلفة الراشدة ‪-‬إذا أحسن‬
‫عرضه‪ -‬يغذي الرواح ويهذب النفوس‪ ,‬وينور القلوب ويبني العقول‪،‬‬
‫ويشحذ الهمم‪ ،‬ويقدم الدروس‪ ،‬ويسهل العَِبر‪ ،‬وينضج الفكار‪،‬‬
‫)( المسند )‪ ،(4/273‬البزار رقم )‪ (1588‬رجاله ثقات‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( سنن أبي داود )‪ ،(4/201‬الترمذي )‪ (5/44‬حسن صحيح‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪4‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫ويوضح معالمها‪ ،‬وصفات قادتها‪ ,‬ونظام حكمها‪ ،‬وأخلق جيلها‪،‬‬
‫وعوامل ازدهارها‪ ،‬وأسباب زوالها‪ ،‬فنستفيد من ذلك في إعداد‬
‫الجيل المسلم الذي يتربى على منهاج النبوة وفقه الخلفة الراشدة‪،‬‬
‫ن‬
‫قو َ‬ ‫ساب ِ ُ‬ ‫وال ّ‬ ‫تعالى فيهم‪َ + :‬‬ ‫ونتعرف على حياة عصر من قال الله‬
‫ن‬ ‫سا‬ ‫ح‬ ‫إ‬ ‫ب‬ ‫هم‬ ‫عو‬ ‫ب‬ ‫ت‬ ‫ا‬ ‫ن‬ ‫ذي‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫صا ِ َ‬
‫ر‬ ‫ن ال ْ ُ‬ ‫وُلو َ‬
‫ِ ِ ْ َ ٍ‬
‫ها‬ ‫ت‬‫ح‬ ‫ت‬ ‫ري‬
‫ُ‬
‫ج‬ ‫ت‬
‫َ ُ‬
‫ت‬
‫ّ‬
‫نا‬ ‫ج‬
‫َ‬
‫م‬
‫ِ‬
‫ه‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫د‬ ‫ع‬ ‫والهن ْ و َأ َ‬ ‫ن‬ ‫ع‬
‫ن َ‬ ‫ري َ‬
‫ضوا‬
‫ج ِ‬
‫ر‬
‫ها ِ‬
‫و‬
‫م َ‬
‫م‬ ‫ه‬ ‫ن‬‫ع‬
‫م َ‬
‫ه‬
‫ن ِ‬
‫الل‬ ‫ي‬
‫ال ّ‬
‫َ‬
‫ْ َ‬ ‫َ‬ ‫ْ ِ‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ُ ْ َ‬
‫ْ‬
‫َ‬
‫ْ‬ ‫ُ َ‬
‫َ‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬
‫ها أ َ‬ ‫ُ ْ َ َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ض َ‬ ‫ّر ِ‬
‫م"]التوبة‪.[100 :‬‬ ‫ُ‬ ‫ظي‬‫ِ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ز‬
‫ُ‬ ‫و‬
‫ْ‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ك‬ ‫ِ‬ ‫ل‬‫َ‬ ‫ذ‬ ‫دا‬
‫ً‬ ‫َ‬ ‫ب‬ ‫َ‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫دي‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫خا‬
‫َ‬ ‫ر‬
‫ال َ ُ‬
‫ها‬ ‫ْ‬ ‫ن‬
‫عَلى‬ ‫َ‬
‫داءُ َ‬ ‫ش ّ‬ ‫هأ ِ‬ ‫ع ُ‬ ‫م َ‬ ‫ن َ‬ ‫ذي َ‬ ‫وال ّ ِ‬ ‫ه َ‬ ‫ل الل ِ‬ ‫سو ُ‬ ‫مدٌ ّر ُ‬ ‫ح ّ‬ ‫م َ‬ ‫ْ وقال تعالى ‪ُ +‬‬
‫دا" ]الفتح‪.[29 :‬‬ ‫ج‬
‫ُ ّ ً‬ ‫س‬ ‫عا‬ ‫ّ‬
‫ْ ُ ً‬ ‫ك‬‫ر‬ ‫م‬ ‫ه‬‫ُ‬ ‫را‬
‫ماءُ ب َي ْ ُ ْ َ‬
‫َ‬ ‫ت‬ ‫م‬ ‫ه‬‫َ‬ ‫ن‬ ‫ح َ‬ ‫ر ُر َ‬ ‫فا ِ‬‫ال ك ُ ّ‬
‫فيهم رسول الله ×‪» :‬خير أمتي القرن الذي بعثت‬ ‫وقال‬
‫فيهم‪.(1) «...‬‬
‫وقال فيهم عبد الله بن مسعود‪» :‬من كان مستّنا فليستن بمن‬
‫قد مات‪ ،‬فإن الحي ل تؤمن عليه الفتنة‪ ,‬أولئك أصحاب محمد ×‪،‬‬
‫كانوا والله أفضل هذه المة‪ ،‬وأبرها قلوبا‪ ،‬وأعمقها علما‪ ،‬وأقلها‬
‫تكلفا‪ ،‬قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه‪ ،‬فاعرفوا لهم‬
‫استطعتم من أخلقهم‬ ‫)‪(2‬‬
‫فضلهم‪ ،‬واتبعوهم في آثارهم‪ ،‬وتمسكوا بما‬
‫ودينهم‪ ،‬فإنهم كانوا على الهدى المستقيم«‪.‬‬
‫فالصحابة قاموا بتطبيق أحكام السلم ونشروه في مشارق‬
‫الرض ومغاربها فعصرهم خير العصور‪ ،‬فهم الذين علموا المة‬
‫القرآن الكريم‪ ،‬ورووا السنن والثار عن رسول الله ×‪ ،‬فتاريخهم هو‬
‫الكنز الذي حفظ مدخرات المة في‪ :‬الفكر والثقافة والعلم والجهاد‪،‬‬
‫وحركة الفتوحات‪ ،‬والتعامل مع الشعوب والمم‪ ،‬فتجد الجيال في‬
‫هذا التاريخ المجيد ما يعينها على مواصلة رحلتها في الحياة على‬
‫منهج صحيح‪ ،‬وهدى رشيد‪ ،‬وتعرف من خلله حقيقة رسالتها ودورها‬
‫في دنيا الناس‪.‬‬
‫إن التاريخ السلمي أصبح غرضا ومرمى لسهام أعداء السلم‬
‫على مختلف مذاهبهم وعقائدهم‪ ،‬ويحاولون أن يوجدوا فجوة في‬
‫السلم وتاريخه الزاهر حتى يتسنى لهم عزل الجيال عن السلم‬
‫وعقيدته وشريعته وقيمه وتراثه العلمي‪ ،‬ولذلك يبذلون قصارى‬
‫جهدهم لنفث السموم في المجتمع السلمي‪.‬‬
‫لقد حاول المستشرقون ‪-‬ومن قبلهم الروافض‪ -‬أن ينشروا كل‬
‫رواية باطلة تنقص من شأن الصحابة الكرام‪ ،‬وتطعن في تاريخ المة‬
‫المجيد‪ ،‬وتصور تاريخهم بأنه صراع على السلطة والسيادة والنفوذ‪،‬‬
‫ولذلك يجب الحذر من كل رافضي كاذب‪ ،‬ومستشرق حاقد‪،‬‬
‫وعلماني جاهل‪ ,‬وكل من سار على نهجهم‪ .‬ول بد من الدفاع‬
‫المستميت عن تاريخنا الخالد والهجوم الشجاع على مناهج الكذابين‬
‫والمنحرفين‪ ،‬ويكون هذا الهجوم المبارك بقذائف الحق العلمية‬
‫المملوءة بالحقائق الساطعة والدلة القاطعة والبراهين الدامغة‪.‬‬
‫إن صياغة التاريخ السلمي بمنهج أهل السنة والجماعة ضرورة‬

‫)( مسلم )‪.(1964 ،4/1963‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( شرح السنة للبغوي )‪.(215 ،1/214‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪5‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫ملحة لبناء المة‪ ،‬وقد بدأت أقلم الباحثين والكتاب تصوغ التاريخ‬
‫من هذا المنظور وهم لم يبدأوا من فراغ؛ لن الله حمى دينه وحمى‬
‫أمة السلم فقيض لتاريخ الصحابة من يحقق وقائعه ويصحح أخباره‪،‬‬
‫ويكشف الستر عن الوضاعين والكذابين من ملفقي الخبار‪ ،‬ويرجع‬
‫الفضل في ذلك التصحيح إلى الله ثم أهل السنة والجماعة من أئمة‬
‫الشارات‬ ‫الفقهاء والمحدثين الذين حفلت مصادرهم بالكثير من‬
‫فقون)‪.(1‬‬‫والروايات الصحيحة التي تنقض وترد كل ما وضعه المل ّ‬
‫هذا وقد سرت على أصول منهج أهل السنة‪ ،‬فعكفت على‬
‫المصادر والمراجع القديمة والحديثة‪ ,‬ولم أعتمد في دراسة عصر‬
‫الخلفاء الراشدين على الطبري وابن الثير والذهبي وكتب التاريخ‬
‫المشهورة فقط‪ ،‬بل رجعت إلى كتب التفسير والحديث وشروحها‪،‬‬
‫وكتب العقائد والفرق‪ ،‬وكتب التراجم والجرح والتعديل‪ ،‬وكتب الفقه‪،‬‬
‫فوجدت فيها مادة تاريخية غزيرة يصعب الوقوف على حقيقتها في‬
‫الكتب التاريخية المعروفة والمتداولة‪ ،‬وقد شرعت في هذا الكتاب‬
‫بالحديث عن الخليفة الراشد عثمان بن عفان ‪ ‬الذي قال فيه‬
‫رسول الله ×‪» :‬وأصدقها حياء عثمان« )‪ ،(2‬وقال فيه رسول‬
‫ما ضر‬ ‫الله × في غزوة تبوك بعد تقديمه النفقة العظيمة‪» :‬‬
‫عثمان بعد اليوم‪ ،‬ما ضر عثمان)‪(4‬بعد اليوم«‪ .‬وقد بشره‬
‫)‪(3‬‬

‫رسول الله × بالجنة على بلوى تصيبه ‪ ,‬وحث الناس عند وقوع‬
‫الفتنة أن يكونوا مع عثمان وأصحابه؛ فعن أبي هريرة ‪ ‬قال‪ :‬إني‬
‫سمعت رسول الله × يقول‪» :‬إنكم تلقون بعدي فتنة‬
‫واختلفا أو اختلفا وفتنة«‪ ،‬فقال له قائل من الناس‪ :‬فمن لنا‬
‫رسول‪(5‬الله؟ قال‪» :‬عليكم بالمين وأصحابه« وهو يشير إلى‬ ‫)‬
‫يا‬
‫عثمان‪.‬‬
‫وقد كان الصحابة ‪-‬رضي الله عنهم‪ -‬في زمن النبي × ل يعدلون‬
‫بأبي بكر أحدا‪ ،‬ثم عمر‪ ،‬ثم عثمان؛ فعن ابن عمر ‪-‬رضي الله عنهما‪-‬‬
‫أحدا‪(6،‬ثم عمر‪ ،‬ثم‬ ‫قال‪ :‬كنا في زمن النبي × ل نعدل بأبي بكر‬
‫عثمان‪ ،‬ثم نترك أصحاب النبي × ل نفاضل بينهم) ‪.‬‬
‫وقد قال فيه الشاعر النميري‪:‬‬
‫على متوكل أوفى وطابا‬ ‫عشية يدخلون بغير إذن‬
‫)‪(7‬‬
‫ورابع خير من وطئ الترابا‬ ‫خليل محمد ووزير صدق‬
‫وقال فيه أبو محمد القحطاني‪:‬‬
‫دفع الخلفة للمام الثاني‬ ‫حَبه‬
‫لما قضى صديق أحمد ن َ ْ‬
‫المنهج السلمي لكتابة التاريخ‪ ،‬د‪ .‬محمد محزون‪ ،‬ص ‪.4‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫فضائل الصحابة لبي عبد الله أحمد بن حنبل )‪ ،(1/604‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫سنن الترمذي‪ ،‬رقم‪.(3785) :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫البخاري رقم‪.(3695) :‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫فضائل الصحابة )‪ ،(1/550‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫البخاري‪ ،‬كتاب فضائل أصحاب النبي‪ ،‬رقم )‪.(3698‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫البداية والنهاية )‪.(7/206‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫‪6‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫بالسيف بين الكفر واليمان‬ ‫أعنى به الفاروق عنوة‬
‫ومحا الظلم وباح بالكتمان‬ ‫هو أظهر السلم بعد خفائه‬
‫في المر فاجتمعوا على‬ ‫ومضى وخلى المر شورى بينهم‬
‫عثمان‬
‫وتًرا فيكمل ختمة القرآن‬ ‫من كان يسهر ليلة في ركعة‬
‫إلى أن قال‪:‬‬
‫)‪(1‬‬
‫العصيان‬ ‫والويل للركب الذين سعوا إلى‬
‫إن حياة ذي النورين عثمان بن عفان ‪ ‬صفحة مشرقة في‬
‫تاريخ المة‪ ،‬وقد قمت بتتبع أخباره وحياته وعصره وقمت بترتيبها‬
‫وتنسيقها وتوثيقها وتحليلها؛ لكي تصبح في متناول أبناء أمتي على‬
‫مختلف طبقاتهم؛ من علماء ودعاة وخطباء وساسة ومفكرين‪ ،‬وقادة‬
‫جيوش‪ ،‬وحكام‪ ،‬وطلب علم‪ ،‬وعامة الناس‪ ،‬لعلهم يستفيدون منها‬
‫في حياتهم‪ ،‬ويقتدون بها في أعمالهم فيكرمهم الله بالفوز في‬
‫الدارين‪.‬‬
‫لقد تحدثت في هذا الكتاب عن اسم ذي النورين ونسبه وكنيته‬
‫وألقابه وأسرته‪ ,‬ومكانته في الجاهلية‪ ،‬وإسلمه وزواجه من رقية‬
‫بنت رسول الله ×‪ ،‬وابتلئه وهجرته للحبشة‪ ،‬وعن حياته مع القرآن‬
‫الكريم وملزمته للنبي ×‪ ،‬وعن مواقفه في غزوات رسول الله ×‪،‬‬
‫وعن حياته الجتماعية بالمدينة‪ ،‬ومساهمته القتصادية في بناء‬
‫الدولة‪ ،‬وتتبعت أحاديث رسول الله × في ذي النورين فيما ورد في‬
‫فضائله مع غيره‪ ،‬وما ورد عن رسول الله × في أخباره عن الفتنة‬
‫التي يقتل فيها عثمان‪ ،‬وتكلمت عن مكانته في عهد الصديق‬
‫والفاروق وبينت قصة استخلفه‪ ،‬وما قام به عبد الرحمن بن عوف‬
‫من عمل عظيم في إشرافه على إدارة الشورى‪ ،‬ورددت على‬
‫الباطيل الرافضية التي دست في قصة الشورى‪ ،‬فأثبت بطلنها‬
‫وزيفها بالحجج العلمية والبراهين القوية والدلة المنطقية‪ ،‬وذكرت‬
‫أقوال أهل العلم في أحقية عثمان بالخلفة وانعقاد الجماع على‬
‫خلفته‪ ،‬وشرحت منهج عثمان ‪ ‬في نظام الحكم من خلل رسائله‬
‫للولة وأمراء الجند وعامة الناس‪ ,‬ومواقفه في الحياة‪ ،‬فقد وضح ‪‬‬
‫المرجعية العليا للدولة‪ ،‬وحق المة في محاكمة الخليفة‪ ،‬وقواعد‬
‫الشورى والعدل والمساواة والحريات‪ ،‬وأهمية المر بالمعروف‬
‫والنهي عن المنكر في حياة المجتمعات‪ .‬وقد أشرت إلى أهم صفات‬
‫عثمان ‪ ‬القيادية وذكرت تسع عشرة صفة من صفاته مع المواقف‬
‫الدالة على تلك الصفات الرفيعة والخلق الحميدة‪ .‬وتحدثت عن‬
‫المؤسسة المالية فبينت معالم السياسة المالية التي أعلنها عثمان‬
‫عندما تولى الحكم‪ ،‬وأنواع النفقات العامة في عهده؛ كصرف‬
‫مرتبات الولة والجنود‪ ،‬والنفاق على الحج‪ ،‬وتمويل إعادة المسجد‬

‫)( نونية القحطاني‪ ،‬ص )‪.(25-21‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪7‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫النبوي‪ ،‬وتوسعة المسجد الحرام‪ ،‬وإنشاء أول أسطول بحري‪،‬‬
‫وتحويل الساحل من الشعيبة إلى جدة‪ ،‬وتمويل حفر البار‪ ،‬ورواتب‬
‫المؤذنين‪ ،‬وأشرت إلى أثر تدفق الموال على الحياة الجتماعية‬
‫والقتصادية‪ ,‬وإلى حقيقة العلقة بين عثمان وأقاربه والعطاء من‬
‫بيت المال‪ ،‬وتكلمت عن مؤسسة القضاء وبعض الجتهادات الفقهية‬
‫لعثمان والتي أثرت في المدارس الفقهية فيما بعد‪ ،‬وجمعت فتوحات‬
‫عثمان المتناثرة في كتب التاريخ‪ ،‬وقمت بترتيبها وتنظيمها وفق‬
‫حركة الجيوش في المشرق‪ ،‬وبلد الشام‪ ،‬وفي الجبهة المصرية‪،‬‬
‫والشمال الفريقي‪ ،‬واستخرجت من حركة الفتوح دروسا وعبرا‬
‫وفوائد؛ كتحقق وعد الله للمؤمنين‪ ،‬وتطور فنون الحرب والسياسة‪،‬‬
‫والهتمام بحدود الدولة‪ ،‬والحرص على وحدة الكلمة في مواجهة‬
‫العدو‪ ،‬وجمع المعلومات على العداء‪ .‬وترجمت لبعض قادة الفتوح؛‬
‫كالحنف بن قيس‪ ،‬وعبد الرحمن بن ربيعة الباهلي‪ ،‬وسلمان بن‬
‫ربيعة‪ ،‬وحبيب بن مسلمة الفهري رضي الله عنهم‪.‬‬
‫وأشدت بأعظم مفاخر عثمان في توحيده للمة على قراءة‬
‫المصحف العثماني‪ ،‬ووضحت المراحل التي مرت بها كتابة القرآن‬
‫الكريم‪ ،‬وتحدثت عن الباعث على جمع القرآن في عهده‪،‬‬
‫واستشارته لجمهور الصحابة‪ ،‬وعن عدد المصاحف التي أرسلها إلى‬
‫المصار‪ ،‬وفهم الصحابة ليات النهي عن الختلف‪ ،‬وعن مؤسسة‬
‫الولة وأقاليم الدولة في عهده‪ ،‬وسياسته مع الولة وحقوقهم‬
‫وواجباتهم‪ ،‬وأساليبه في متابعة ولته ومراقبتهم والطلع على‬
‫أخبارهم‪ ،‬وبينت حقيقة ولة عثمان ‪-‬رضي الله عنهم‪ -‬وماذا لهم‬
‫وماذا عليهم‪ ،‬وحقيقة علقة عثمان بأبي ذر وابن مسعود وعمار بن‬
‫ياسر رضي الله عنهم جميعا‪ .‬وفصلت في أسباب فتنة مقتل عثمان‬
‫وأهمية دراسة وقائع هذه الفتنة‪ ،‬وتحدثت عن كل سبب من السباب‬
‫في فقرة مستقلة؛ كالرخاء وأثره في المجتمع‪ ،‬وطبيعة التحول‬
‫الجتماعي‪ ،‬ومجيء عثمان بعد عمر رضي الله عنهما‪ ،‬وخروج كبار‬
‫الصحابة من المدينة‪ ،‬والعصبية الجاهلية‪ ،‬وتوقف الفتوحات‪ ،‬والورع‬
‫الجاهل‪ ،‬وطموح الطامحين‪ ،‬وتآمر الحاقدين‪ ،‬والتدبير المحكم لثارة‬
‫المآخذ ضد الخليفة الراشد المظلوم‪ ،‬واستخدام الساليب والوسائل‬
‫المهيجة للناس‪ ،‬وعن أثر السبئية في إحداث الفتنة‪ ،‬والخطوات التي‬
‫اتخذها عثمان ‪ ‬لمعالجتها؛ كإرسال لجان تحقيق وتفتيش‪ ،‬وإرساله‬
‫لكل المصار كتابا شامل بمثابة إعلن عام لكل المسلمين‪ ،‬ومشورته‬
‫لولة المصار وإقامة الحجة على المتمردين والستجابة لبعض‬
‫مطالبهم‪ .‬وبينت ضوابط التعامل مع الفتن من خلل فقه عثمان ‪‬؛‬
‫كالتثبت ولزوم العدل والنصاف‪ ،‬والحلم والناة‪ ،‬والحرص على ما‬
‫يجمع ونبذ ما يفرق‪ ،‬ولزوم الصمت والحذر من كثرة الكلم‪،‬‬
‫واستشارة العلماء الربانيين‪ ،‬والسترشاد بأحاديث رسول الله × في‬
‫الفتن‪ .‬ووصفت احتلل أهل الفتنة للمدينة‪ ،‬وحصارهم لعثمان ودفاع‬
‫الصحابة عنه ورفضه لذلك‪ ،‬وذكرت مواقف الصحابة من مقتل‬
‫عثمان ‪ ‬وما ورد من أقوالهم في الفتنة‪.‬‬
‫وبالجملة فإن هذا الكتاب يبرهن على عظمة ذي النورين‪ ،‬ويثبت‬
‫للقارئ الكريم بأنه كان عظيما بإيمانه وبعلمه وبخلقه وبآثاره‪ ،‬وكانت‬
‫عظمته مستمدة من فهمه وتطبيقه للسلم‪ ,‬وصلته العظيمة بالله‬

‫‪8‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫واتباعه لهدي الرسول الكريم ×‪.‬‬
‫إن عثمان ‪ ‬من الئمة الذين يتأسى الناس بهديهم وبأقوالهم‬
‫وأفعالهم في هذه الحياة؛ فسيرته من أقوى مصادر اليمان‪،‬‬
‫والعاطفة السلمية الصحيحة والفهم السليم لهذا الدين‪ ،‬فلذلك‬
‫اجتهدت في دراسة شخصيته وعصره حسب وسعي وطاقتي‪ ،‬غير‬
‫مدٍع عصمة ول متبرئ من زلة‪ ،‬ووجه الله الكريم ل غيره قصدت‪،‬‬
‫وثوابه أردت‪ ،‬وهو المسئول في المعونة عليه‪) ,‬والنتفاع به(‪ ،‬إنه‬
‫طيب السماء وسميع الدعاء‪.‬‬
‫هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب الساعة الثانية من فجر يوم‬
‫الربعاء بتاريخ ‪ 8‬من شهر ربيع الثاني لعام ‪1423‬هـ الموافق‬
‫‪18/6/2002‬م‪ ،‬والفضل لله من قبل ومن بعد‪ ،‬وأسأله سبحانه‬
‫وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته الُعلى أن يجعل عملي لوجهه‬
‫خالصا‪ ،‬ولعباده نافعا‪ ،‬وأن يثيبني على كل حرف كتبته ويجعله في‬
‫ميزان حسناتي‪ ،‬وأن يثيب إخواني الذين أعانوني بكل ما يملكون من‬
‫أجل إتمام هذا الجهد المتواضع‪ ،‬ونرجو من كل مسلم يطلع على هذا‬
‫عفو َربه ومغفرته ورحمته‬ ‫الفقير ْإلى َ‬ ‫العبدب أ َ‬ ‫الكتاب أن ل ينسى‬
‫ك ال ِّتي‬ ‫مت َ َ‬ ‫ع َ‬‫شك َُر ن ِ ْ‬ ‫نأ ْ‬ ‫عِني َ أ ْ‬ ‫ز‬ ‫و‬
‫ْ‬
‫عَلى وال ِدي ِ َ‬ ‫ّ‬ ‫ر‬‫َ‬ ‫‪+‬‬ ‫دعائه‪:‬‬ ‫َورضوانه من‬
‫ه‬
‫ضا ُ‬ ‫حا ت َْر َ‬ ‫صال ِ ً‬‫ل َ‬ ‫م َ‬ ‫ع َ‬ ‫نأ ْ‬ ‫وأ ْ‬ ‫َ َ ّ َ‬ ‫و َ‬ ‫ي َ‬ ‫ّ‬ ‫عل َ‬
‫ت َ‬ ‫م َ‬ ‫ع ْ‬‫أن ْ َ‬
‫ن" ]النمل‪.[19 :‬‬ ‫حي َ‬ ‫صال ِ ِ‬ ‫َ‬
‫عَباِدك ال ّ‬ ‫في ِ‬ ‫َ‬
‫مت ِك ِ‬ ‫ح َ‬‫خل ِْني ب َِر ْ‬ ‫وأ َدْ ِ‬‫َ‬
‫ك‬ ‫س َ‬ ‫م ِ‬ ‫فل َ ُ‬
‫مْْ‬ ‫ة َ‬ ‫م ٍ‬ ‫ح َ‬‫من ّر ْ‬ ‫س ِ‬ ‫ه ِللّنا ِ‬ ‫ح الل َ ُ‬ ‫فت َ ِ‬‫ما ي َ ْ‬ ‫َ وقال تعالى‪َ + :‬‬
‫م"‬‫ُ‬ ‫كي‬
‫ِ‬ ‫ح‬
‫َ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ز‬‫ُ‬ ‫زي‬ ‫ِ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫و‬‫َ َ‬‫ه‬‫ُ‬ ‫و‬ ‫ه‬‫ِ‬ ‫د‬
‫ِ‬ ‫ع‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ب‬ ‫من‬‫ِ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫ل‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫س‬
‫ِ‬ ‫ر‬
‫ُ ْ‬‫م‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ف‬‫ك َ‬ ‫س ْ‬ ‫م ِ‬ ‫ما ي ُ ْ‬
‫و َ‬‫ها َ‬ ‫ل َ‬
‫]فاطر‪ .[2 :‬وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين‪.‬‬
‫سبحانك اللهم وبحمدك‬
‫أشهد أن ل إله إل أنت‬
‫أستغفرك وأتوب إليك‬
‫وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‬

‫الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه‬
‫على محمد محمد الصلبي‬

‫‪9‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫الفصل الول‬
‫ذو النورين عثمان بن عفان ‪ ‬بين مكة والمدينة‬
‫المبحث الول‬
‫اسمه ونسبه وكنيته وألقابه وصفته‬
‫وأسرته ومكانته في الجاهلية‬
‫ل‪ :‬اسمه ونسبه وكنيته وألقابه‪:‬‬ ‫أو ً‬
‫أبي‪(1‬العاص بن أمية بن عبد شمس‬ ‫‪ -1‬هو عثمان بن عفان بن‬
‫بن عبد مناف بن قصي بن كلب ) ‪,‬ويلتقي نسبه بنسب رسول الله‬
‫بنت‪(2‬كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد‬ ‫في عبد مناف‪ .‬وأمه أروى‬‫×‬
‫شمس بن عبد مناف بن قصي‪ ).‬وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد‬
‫× ويقال‪ :‬إنهما ولدا توأما‬ ‫المطلب‪ ،‬وهي شقيقة عبد الله والد النبي ‪،‬‬
‫)حكاه الزبير بن بكار(‪ ،‬فكان ابن بنت عمة النبي ×‪ ،‬وكان النبي × ابن‬
‫خال والدته‪ .‬وقد أسلمت)‪(3‬أم عثمان وماتت في خلفة ابنها عثمان‪ ,‬وكان‬
‫ممن حملها إلى قبرها ‪ ،‬وأما أبوه فهلك في الجاهلية‪.‬‬
‫‪ -2‬كنيته‪ :‬كان يكنى في الجاهلية أبا عمرو‪ ،‬فلما ولد له من رقية‬
‫بنت رسول)‪(4‬الله غلم سماه عبد الله‪ ،‬واكتنى به‪ ،‬فكناه المسلمون‬
‫أبا عبد الله ‪.‬‬
‫‪(5)-3‬لقبه‪ :‬كان عثمان ‪ ‬يلقب بذي النورين‪ ،‬وقد ذكر بدر الدين‬
‫العيني)‪ (6‬في شرحه على صحيح البخاري‪ ،‬أنه قيل للمهلب بن أبي‬
‫ذو( النورين؟ فقال‪ :‬لنا ل نعلم أحدا أرسل‬ ‫صفرة ‪ :‬لم قيل لعثمان‬
‫سترا على بنتي نبي غيره‪ 7).‬وقال عبد الله بن عمر بن أبان‬
‫م سمي‬ ‫الجعفي‪ :‬قال لي خالي حسين الجعفي‪ :‬يا بني‪ ،‬أتدري ل ِ َ‬
‫عثمان ذا النورين؟ قلت‪ :‬ل أدري‪ ،‬قال‪ :‬لم يجمع بين ابنتي نبي منذ‬
‫الله‪(8‬آدم إلى أن تقوم الساعة غير عثمان‪ ،‬فلذلك سمي ذا‬ ‫)‬
‫خلق‬
‫من تلوة القرآن‬ ‫يكثر‬ ‫كان‬ ‫لنه‬ ‫النورين‬ ‫بذي‬ ‫سمي‬ ‫وقيل‪:‬‬ ‫النورين‪.‬‬
‫في كل ليلة في صلته‪ ،‬فالقرآن نور وقيام الليل نور)‪.(9‬‬
‫‪ -4‬ولدته‪ :‬ولد في مكة بعد عام الفيل بست سنين على الصحيح‬
‫‪ () 1‬الطبقات لبن سعد )‪ ،(3/53‬الصابة )‪ (4/377‬رقم )‪.(5463‬‬
‫‪ () 2‬التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان‪ ،‬محمد يحيى الندلسي‪ ،‬ص ‪.19‬‬
‫‪ () 3‬الخلفة الراشدة والدولة الموية‪ ،‬د‪ .‬يحيى اليحيى‪ ،‬ص ‪.388‬‬
‫‪ () 4‬التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان‪ ،‬ص ‪.19‬‬
‫‪ () 5‬هو محمود بن أحمد بن موسى العيني‪ ،‬أبو محمد‪ :‬من علماء التاريخ والحديث‬
‫والفقه‪ ،‬له تآليف كثيرة‪ ،‬توفي ‪855‬هـ ‪ ،‬انظر‪ :‬شذرات الذهب )‪،(7/286‬‬
‫والضوء اللمع )‪.(10/131‬‬
‫هو المهلب بن أبي صفرة الزدي العقلي‪ :‬من المراء البطال‪ ،‬غزا المهلب الهند‬ ‫‪) (6‬‬
‫في خلفة معاوية‪ ،‬وولي الجزيرة لبن الزبير‪ ،‬وحارب الخوارج في عهد عبد الملك‬
‫هـ‪ ،‬وترجع شهرته إلى حرب الخوارج‪،‬‬ ‫بن مروان‪ ،‬ثم ولي خراسان من قبله سنة ‪79‬‬
‫توفي ‪83‬هـ‪ ،‬انظر‪ :‬وفيات العيان )‪ ،(5/350‬سير أعلم النبلء )‪.(4/383‬‬
‫‪ () 7‬عمدة القاري‪ ،‬شرح صحيح البخاري )‪.(16/201‬‬
‫‪ () 8‬سنن البيهقي )‪ ،(7/73‬قال الدكتور عاطف لماضة‪ :‬خبر حسن‪.‬‬
‫‪ () 9‬عثمان بن عفان ذو النورين‪ ،‬عباس العقاد‪ ،‬ص ‪.79‬‬

‫‪10‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫وقيل‪ :‬ولد في الطائف‪ ،‬فهو أصغر من رسول الله × بنحو خمس‬ ‫)‪(2‬‬
‫)‪،(1‬‬
‫سنين ‪.‬‬
‫ول بالطويل‪ ،‬رقيق‬ ‫)‪(3‬‬
‫خْلقّية‪ :‬كان رجل ليس بالقصير‬ ‫‪ -5‬صفته ال ْ َ‬
‫البشرة‪ ،‬كث اللحية عظيمها‪ ،‬عظيم الكراديس ‪ ،‬عظيم ما بين‬
‫عثمان‬ ‫فر لحيته‪ .‬وقال الزهري‪ :‬كان‬ ‫المنكبين‪ ،‬كثير شعر الرأس‪ ،‬يص ّ‬
‫الشعر‪ ،‬حسن الوجه‪ ،‬أصلع‪ ،‬أروح الرجلين)‪,(4‬‬ ‫رجل مربوعا‪ ،‬حسن‬
‫وأقنى)‪ ,(5‬خدل الساقين)‪ ,(6‬طويل)‪(7‬الذراعين‪ ،‬قد كسا ذراعيه جعد‬
‫مته أسفل من أذنيه‪ ،‬حسن الوجه‪،‬‬ ‫ج ّ‬‫الشعر‪ ،‬أحسن الناس ثغرا‪ُ ،‬‬
‫أبيض اللون‪ ،‬وقد قيل‪:‬‬ ‫والراجح أنه‬
‫أسمر اللون)‪.(8‬‬
‫ثانًيا‪ :‬أسرته‪:‬‬
‫تزوج عثمان ‪ ‬ثماني زوجات كلهن بعد السلم وهن‪ :‬رقية بنت‬
‫رسول الله وقد أنجبت له عبد الله بن عثمان‪ ،‬ثم تزوج أم كلثوم‬
‫بنت رسول الله بعد وفاة رقية‪ ،‬وتزوج فاختة بنت غزوان‪ ،‬وهي أخت‬
‫المير عتبة بن غزوان‪ ،‬وأنجبت لعثمان عبد الله الصغر‪ ،‬وأم عمرو‬
‫بنت جندب الزدية‪ ،‬وقد أنجبت لعثمان عمرا وخالدا وأبان وعمر‬
‫ومريم‪ ،‬وتزوج فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس بن المغيرة‬
‫المخزومية‪ ،‬وأنجبت لعثمان‪ :‬الوليد وسعيدا وأم سعد‪ ،‬وتزوج أم‬
‫البنين بنت عيينة بن حصن الفزارية‪ ،‬وأنجبت لعثمان‪ :‬عبد الله‪،‬‬
‫وتزوج رملة بنت شيبة بن ربيعة الموية‪ ،‬وأنجبت لعثمان‪ :‬عائشة وأم‬
‫أبان وأم عمرو‪ ،‬وقد أسلمت رملة‪ ،‬وبايعت رسول الله ×‪ ،‬وتزوج‬
‫وكانت على النصرانية وقد أسلمت قبل‬ ‫)‪(9‬‬
‫نائلة بنت الفرافصة الكلبية‪،‬‬
‫أن يدخل بها وحسن إسلمها‪.‬‬
‫وأما أبناؤه فقد كانوا تسعة أبناء من الذكور من خمس زوجات‬
‫وهم‪ :‬عبد الله وأمه رقية بنت رسول الله × ولد قبل الهجرة‬
‫بعامين‪ ،‬وأخذته أمه معها عندما هاجرت مع زوجها عثمان إلى‬
‫المدينة‪ .‬وفي أوائل أيام الحياة في المدينة نقره الديك في وجهه‬
‫قرب عينه‪ ،‬وأخذ مكان نقر الديك يتسع حتى طمر وجهه حتى مات‬
‫في السنة الرابعة للهجرة‪ ،‬وكان عمره ست سنوات‪ (10).‬وعبد الله‬
‫الصغر‪ ,‬وأمه فاختة بنت غزوان‪ ،‬وعمرو‪ ,‬وأمه أم عمرو بنت جندب‬
‫وقد روى عن أبيه‪ ،‬وعن أسامة بن زيد‪ ,‬وروى عنه علي بن الحسين‪،‬‬
‫وسعيد بن المسيب‪ ،‬وأبو الزّناد‪ ،‬وهو قليل الحديث‪ ،‬وتزوج رملة بنت‬
‫‪ () 1‬الصابة )‪ ،(4/377‬رقم )‪.(5465‬‬
‫‪ () 2‬عثمان بن عفان‪ ،‬صادق عرجون‪ ،‬ص ‪.45‬‬
‫‪ () 3‬الكراديس‪ :‬جمع كردوس‪ ،‬وهو كل عظمين التقيا في مفصل‪.‬‬
‫‪ () 4‬تاريخ الطبري )‪ (5/440‬أروح الرجلين‪ :‬منفرج ما بينهما‪.‬‬
‫‪ () 5‬أقنى‪ :‬طويل النف مع دقة أرنبته‪ ،‬وحدب في وسطه‪.‬‬
‫‪ () 6‬خدل الساقين‪ :‬أي ضخم الساقين‪.‬‬
‫‪ () 7‬جمته‪ :‬مجتمع شعر الرأس‪.‬‬
‫‪ () 8‬صفة الصفوة )‪ ،(1/295‬صحيح التوثيق في سيرة وحياة ذي النورين‪ ،‬ص ‪.15‬‬
‫‪ 19‬المين ذو‬
‫التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان‪ ،‬ص ‪،‬‬ ‫‪5/441‬‬
‫‪ )( 9‬تاريخ الطبري ) (‬
‫النورين‪ ،‬محمود شاكر‪ ،‬ص ‪.364‬‬
‫‪ () 10‬المين ذو النورين‪ ،‬محمود شاكر‪ ،‬ص ‪ ،365‬التمهيد والبيان في مقتل الشهيد‬
‫عثمان‪ ،‬ص ‪.19‬‬

‫‪11‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫معاوية بن أبي سفيان‪ ،‬توفي سنة ثمانين للهجرة‪ .‬وخالد‪ ,‬وأمه أم‬
‫ما في‬ ‫عمرو بنت جندب‪ .‬وأبان‪ ،‬وأمه أم عمرو بنت جندب‪ ،‬كان إما ً‬
‫الفقه‪ ،‬يكنى أبا سعيد‪ ،‬تولى إمرة المدينة سبع سنين في عهد عبد‬
‫الملك بن مروان‪ ،‬سمع أباه وزيد بن ثابت‪ ،‬له أحاديث قليلة‪ ،‬منها ما‬
‫رواه عن عثمان‪» :‬من قال في أول يومه وليلته‪ :‬بسم الله‬
‫الذي ل يضر مع اسمه شيء في الرض ول في السماء‬
‫وهو السميع العليم لم يضره ذلك اليوم شيء أو تلك‬
‫الليلة«‪ .‬فلما أصاب أبان الفالج قال‪ :‬إني والله نسيت هذا الدعاء‬
‫ليمضي في أمر الله‪ (1).‬ويعتبر من فقهاء المدينة في زمنه‪ ،‬وقد‬
‫)‪(2‬‬
‫توفى سنة خمس ومائة‪.‬‬
‫وعمر‪ ،‬وأمه أم عمرو بنت جندب‪ .‬والوليد‪ ،‬وأمه فاطمة بنت‬
‫الوليد بن عبد شمس بن المغيرة المخزومية‪ .‬وسعيد‪ ،‬وأمه فاطمة‬
‫بنت الوليد المخزومية‪ ،‬تولى أمر خراسان عام ستة وخمسين أيام‬
‫معاوية بن أبي سفيان‪ .‬وعبد الملك‪ ،‬وأمه أم البنين بنت عيينة بن‬
‫حصن‪ ،‬ومات صغيرا‪ ،‬ويقال‪ :‬ولدت نائلة بنت الفرافصة ولدا لعثمان‬
‫)‪(3‬‬
‫سمى عنبسة‪.‬‬
‫وأما بناته‪ ،‬فهن سبع من خمس نساء‪ ،‬منهن‪ :‬مريم وأمها أم‬
‫عمرو بنت جندب‪ .‬وأم سعيد‪ ،‬وأمها فاطمة بنت الوليد بن عبد‬
‫ربيعة‪(4.‬ومريم‬ ‫شمس المخزومية‪ .‬وعائشة‪ ،‬وأمها رملة بنت شيبة بن‬
‫بنت عثمان‪ ،‬وأمها نائلة بنت الفرافصة‪ .‬وأم البنين‪ ،‬وأمها أم) ولد‪.‬‬
‫وأما شقيقة عثمان‪ ،‬فهي آمنة بنت عفان‪ ،‬فقد عملت ماشطة‬
‫في الجاهلية‪ ،‬ثم تزوجت الحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة‬
‫المخزومي‪ ،‬وأسرت سرية عبد الله بن جحش الحكم بن كيسان‪،‬‬
‫وفي المدينة أسلم وحسن إسلمه‪ ،‬وأقام عند رسول الله ×‪ ،‬حتى‬
‫قتل يوم بئر معونة شهيدا في بداية السنة الرابعة للهجرة‪ ،‬وبقيت‬
‫آمنة بنت عفان في مكة على شركها حتى يوم الفتح؛ حيث أسلمت‬
‫امرأة‬
‫)‪(5‬‬
‫مع أمها وبقية أخواتها‪ ،‬وبايعت رسول الله × مع هند بنت عتبة‬
‫أبي سفيان على أن ل يشركن بالله شيئا‪ ،‬ول يسرقن ول يزنين‪.‬‬
‫وأما إخوة عثمان من أمه فله ثلثة إخوة وهم‪ :‬الوليد بن عقبة بن‬
‫أبي معيط‪ ،‬قتل أبوه يوم بدر صبرا وهو كافر‪ ،‬وخرج الوليد مع أخيه‬
‫عمارة بعد الحديبية لرد أختهما أم كلثوم التي أسلمت وهاجرت‪،‬‬
‫فأبى رسول الله × ردها‪ ،‬أسلم يوم الفتح‪ .‬ومن إخوة عثمان لمه‬
‫عمارة بن عقبة‪ ،‬تأخر إسلمه‪ ،‬وخالد بن عقبة‪ .‬وأما أخواته من أمه‬
‫فهن‪ :‬أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط‪ ،‬أسلمت بمكة‪ ،‬وهاجرت‬
‫وبايعت رسول الله × وهي أول من هاجر من النساء بعد أن عاد‬
‫رسول الله × إلى المدينة بعد صلح الحديبية‪ .‬ومن أخوات عثمان‬

‫سنن الترمذي‪ ،‬كتاب الدعوات رقم )‪ ،(3385‬حديث صحيح‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫سير أعلم النبلء )‪ ,(4/253‬تاريخ القضاعي‪ ،‬ص ‪.308‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫المين ذو النورين‪ ،‬محمود شاكر‪ ،‬ص ‪.369‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان‪ ،‬ص ‪.20‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫المين ذو النورين‪ ،‬محمود شاكر‪ ،‬ص ‪.346‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪12‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫لمه‪ :‬أم حكيم بنت عقبة‪ ،‬وهند بنت عقبة)‪.(1‬‬
‫ثالثـا‪ :‬مكانته في الجاهلية‪:‬‬
‫كان ‪ ‬في أيام الجاهلية من أفضل الناس في قومه؛ فهو‬
‫عريض الجاه ثري‪ ،‬شديد الحياء‪ ،‬عذب الكلمات‪ ،‬فكان قومه يحبونه‬
‫أشد الحب ويوقرونه‪ .‬لم يسجد في الجاهلية لصنم قط ولم يقترف‬
‫ذهب‬ ‫فاحشة قط‪ ،‬فلم يشرب خمرا قبل السلم وكان يقول‪ :‬إنها ت ُ ْ‬
‫العقل والعقل أسمى ما منحه الله للنسان‪ ،‬وعلى النسان أن يسمو‬
‫به‪ ،‬ل أن يصارعه‪ .‬وفي الجاهلية كذلك لم تجذبه أغاني الشباب ول‬
‫حلقات اللهو‪ ،‬ثم إن عثمان كان يتعفف عن أن يرى عورة)‪ .(2‬ويرحم‬
‫الله عثمان ‪ ‬فقد يسر لنا سبيل التعرف عليه؛ حيث قال‪ :‬ما‬
‫تغنيت‪ ،‬ول تمنيت‪ ،‬و ل مسست ذكري بيمني منذ بايعت بها رسول‬
‫شربت خمًرا في جاهلية ول إسلم‪ ،‬ول زنيت في جاهلية‬ ‫الله ×‪ ،‬ول‬
‫ول في إسلم‪ (3).‬وكان ‪ ‬على علم بمعارف العرب في الجاهلية‬
‫ومنها النساب والمثال وأخبار اليام‪ ،‬وساح في الرض فرحل إلى‬
‫الشام والحبشة‪ ،‬وعاشر أقواما غير العرب فعرف من أحوالهم‬
‫وأطوارهم ما ليس يعرفه غيره‪ (4).‬واهتم بتجارته التي ورثها عن‬
‫والده‪ ،‬ونمت ثرواته‪ ,‬وأصبح يعد من رجالت بني أمية الذين لهم‬
‫مكانة في قريش كلها‪ ،‬فقد كان المجتمع المكي الجاهلي الذي عاش‬
‫فيه عثمان يقدر الرجال حسب أموالهم‪ ،‬ويهاب فيه الرجال حسب‬
‫أولدهم وإخوتهم ثم عشيرتهم وقومهم‪ ،‬فنال عثمان مكانة مرموقة‬
‫في قومه‪ ،‬ومحبة كبيرة‪.‬‬
‫مع فيه من‬ ‫ج ّ‬
‫ومن أطرف ما يروى عن حب الناس لعثمان لما ت َ َ‬
‫صفات الخير أن المرأة العربية في عصره كانت تغني لطفلها أغنية‬
‫تحمل تقدير الناس له وثناءهم عليه‪ ،‬فقد كانت تقول‪:‬‬
‫)‪(5‬‬
‫ب قريش لعثمان‬ ‫ح ّ‬ ‫أحبك والرحمن‬
‫رابًعا‪ :‬إسلمه‪:‬‬
‫كان عثمان قد ناهز الرابعة والثلثين من عمره حين دعاه أبو بكر‬
‫الصديق إلى السلم‪ ،‬ولم يعرف عنه تكلؤ أو تلعثم بل كان سباقا‬
‫أجاب على الفور دعوة الصديق‪ ،‬فكان بذلك من السابقين الولين‬
‫كان أول الناس إسلما بعد أبى بكر وعلي‬ ‫حتى قال أبو إسحاق‪:‬‬
‫وزيد بن حارثة عثمان‪ (6).‬فكان بذلك رابع من أسلم من الرجال‪،‬‬
‫ولعل سبقه هذا إلى السلم كان نتيجة لما حدث له عند عودته من‬
‫الشام‪ ،‬وقد قصه ‪ ‬على رسول الله × حين دخل عليه هو وطلحة‬
‫بن عبيد الله‪ ،‬فعرض عليهما السلم وقرأ عليهما القرآن‪ ،‬وأنبأهما‬
‫بحقوق السلم ووعدهما الكرامة من الله فآمنا وصدقا‪ ،‬فقال‬
‫المصدر السابق‪ ،‬ص ‪.354‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫موسوعة التاريخ السلمي‪ ،‬أحمد شلبي‪.(1/618) ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫حلية الولياء )‪ (61 ،1/60‬الخبر صحيح‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫عبقرية عثمان للعقاد‪ ،‬ص ‪.72‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫موسوعة التاريخ السلمي‪.(1/618) ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫السيرة النبوية لبن هشام‪.(289 -1/287) ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪13‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫عثمان‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬قدمت حديثا من الشام‪ ،‬فلما كنا بين معان‬
‫والزرقاء فنحن كالنيام فإذا مناد ٍ)‪(1‬ينادينا‪ :‬أيها النيام هبوا‪ ،‬فإن أحمد قد‬
‫خرج بمكة‪ ،‬فقدمنا فسمعنا بك‪.‬‬
‫ل شك أن هذه الحادثة تترك في نفس صاحبها أثًرا إيجابًيا ل‬
‫يستطيع أن يتخلى عنه‪ ،‬عندما يرى الحقيقة ماثلة بين عينيه‪ ،‬فمن ذا‬
‫الذي يسمع بخروج النبي قبل أن يصل إلى البلد الذي يعيش فيه‪،‬‬
‫حتى إذا نزله ووجد الحداث والحقائق تنطق كلها بصدق ما سمع به‬
‫ثم يتردد في إجابة الدعوة؟ ل يستطيع النسان مهما كان مكابرا إل‬
‫أن يذعن للحق‪ ،‬ومهما أظهر الجفاء فإن ضميره ل يزال يتلجلج في‬
‫صدره حتى يؤمن به أو يموت‪ ،‬فيتخلص من وخز الضمير وتأنيبه‪,‬‬
‫ولم تكن سرعة تلبيته عن طيش أو)‪(2‬حمق‪ ،‬ولكنها كانت عن يقين‬
‫راسخ وتصديق ل يتطرق إليه شك‪ .‬فقد تأمل في هذه الدعوة‬
‫الجديدة بهدوء كعادته في معالجة المور‪ ،‬فوجد أنها دعوة إلى‬
‫الفضيلة‪ ،‬ونبذ الرذيلة‪ ،‬دعوة إلى التوحيد وتحذير من الشرك‪ ،‬دعوة‬
‫إلى العبادة وترهيب من الغفلة‪ ،‬ودعوة إلى الخلق الفاضلة‪،‬‬
‫وترهيب من الخلق السيئة‪ ،‬ثم نظر إلى قومه‪ ،‬فإذا هم يعبدون‬
‫الوثان‪ ،‬ويأكلون الميتة‪ ،‬ويسيئون الجوار‪ ،‬ويستحلون المحارم من‬
‫سفك الدماء وغيرها‪ (3).‬وإذا بالنبي محمد بن عبد الله × صادق أمين‬
‫يعرف عنه كل خير‪ ,‬ول يعرف عنه شر قط‪ ،‬فلم تعهد عليه كذبة ولم‬
‫تحسب عليه خيانة‪ ،‬فإذا هو يدعو إلى عبادة الله وحده ل شريك له‬
‫وإلى‪(4‬صلة الرحم‪ ،‬وحسن الجوار‪ ،‬والصلة والصوم‪ ,‬وأل يعبد غير‬
‫الله ‪ ,‬فأسلموا على يد أبي بكر الصديق‪ ،‬ومضى في إيمانه قُد ُ ً‬
‫)‬
‫ما‬
‫قويا هاديا‪ ،‬وديعا صابرا‪ ,‬عظيما راضيا‪ ،‬عفوا كريما‪ ،‬محسنا رحيما‪،‬‬
‫يواسي المؤمنين‪ ،‬ويعين المستضعفين‪ ،‬حتى اشتدت‬ ‫)‪(5‬‬
‫سخّيا باذل‪،‬‬
‫قناة السلم‪.‬‬
‫وفي إسلم عثمان قالت خالته سعدى بنت كريز‪:‬‬
‫وأرشده والله يهدي إلى الحق‬ ‫هدى الله عثمانا بقولي إلى‬
‫الهدى‬
‫وكان برأي ل يصد عن الصدق‬ ‫فتابع بالرأي السديد محمدا‬
‫ج الشمس في‬
‫ماَز َ‬
‫در َ‬
‫فكان كب َ ْ‬ ‫وأنكحه المبعوث بالحق بنته‬
‫الفق‬
‫)‪(6‬‬
‫للخلق‬ ‫فداؤك يا ابن الهاشميين مهجتي‬
‫سا‪ :‬زواجه من رقية بنت رسول الله ×‪:‬‬ ‫خام ً‬
‫دا‪ ،‬وتوثقت بينه وبينهم‬
‫حا شدي ً‬
‫فرح المسلمون بإسلم عثمان فر ً‬
‫عرى المحبة وأخوة اليمان‪ ،‬وأكرمه الله تعالى بالزواج من بنت‬
‫الطبقات لبن سعد‪.(3/55) ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.302‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫انظر‪ :‬مرويات العهد المكي‪ ،‬عادل عبد الغفور‪.(2/805) ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫فتنة مقتل عثمان‪ ،‬د‪ .‬محمد عبد الله الغبان )‪.(1/37‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫عثمان بن عفان‪ ،‬صادق عرجون‪ ،‬ص ‪.53‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫البداية والنهاية )‪.(7/210‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪14‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫رسول الله × رقية‪ ،‬وقصة ذلك أن رسول الله × كان قد زوجها من‬
‫لهب‪ ،‬فلما‬ ‫أبيما أ َ‬ ‫أم كلثوم عتيبة بن‬ ‫أختهادا أ َ‬ ‫عتبة بن أبي لهب‪ ،‬وزوج‬
‫ه‬ ‫ْ‬ ‫ن‬‫ع‬‫َ‬ ‫نى‬ ‫َ‬ ‫ْ‬
‫غ‬ ‫ب‬ ‫َ‬ ‫ت‬‫و‬ ‫ب‬ ‫ه‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫بي‬ ‫نزلت سورة المسد ‪+‬ت َ ّ ْ َ َ َ ِ‬
‫ي‬ ‫ت‬ ‫ب‬
‫ُ‬
‫مال َ َ‬ ‫ذا َت ٍ ل َه َب ّ ‪ ‬وا َمرأ َ‬
‫‪‬‬
‫ة‬ ‫ح‬ ‫ه‬ ‫ُ‬
‫َ ْ َ ُ َ ّ‬ ‫ت‬ ‫َ ٍ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫را‬
‫صلى َنا ً‬ ‫سي َ ْ‬ ‫ب‪َ ‬‬ ‫ما ك َ َ‬
‫س َ‬ ‫و َ‬ ‫مال ُ ُ‬
‫ه َ َ‬ ‫َ‬
‫د" ]المسد‪ .[5 -1 :‬قال لهما‬ ‫س ٍ‬ ‫ّ َ‬ ‫م‬ ‫من‬ ‫ّ‬ ‫ل‬‫ٌ‬ ‫ب‬‫ح‬
‫َ ْ‬ ‫ها‬‫َ‬ ‫د‬
‫ِ‬ ‫جي‬
‫ِ‬ ‫في‬‫ِ‬ ‫‪‬‬ ‫ب‬
‫ِ‬ ‫ط‬ ‫ح‬ ‫ال ْ َ‬
‫ب"‬ ‫حط َ ِ‬ ‫ة ال ْ َ‬ ‫مال َ َ‬
‫ح ّ‬
‫أبو لهب وأمهما أم جميل بنت حرب بن أمية ‪َ +‬‬
‫فارقا ابنتي محمد‪ ،‬ففارقاهما قبل)‪(1‬أن يدخل بهما كرامة من الله‬
‫تعالى لهما‪ ،‬وهواًنا لبني أبي لهب ‪(2),‬وما كاد عثمان بن عفان ‪‬‬
‫يسمع بخبر طلق رقية حتى استطار فرحا‪ ،‬وبادر فخطبها من‬
‫رسول الله × فزوجها الرسول الكريم × منه‪ ،‬وزفتها)‪ (3‬أم المؤمنين‬
‫خديجة بنت خويلد‪ ،‬وقد كان عثمان من أبهى قريش طلعة‪ ،‬وكانت‬
‫هي تضاهيه قسامة وصباحة‪ ،‬فكان يقال لها حين زفت إليه‪:‬‬
‫)‪(4‬‬
‫رقية‪ ،‬وزوجها عثمان‬ ‫أحسن زوجين رآهما إنسان‬
‫وعن عبد الرحمن بن عثمان القرشي‪ :‬أن رسول الله × دخل‬
‫أحسني إلى‬ ‫على ابنته وهي تغسل رأس عثمان‪ ،‬فقال‪» :‬يا بنية‬
‫)‪(5‬‬
‫خل ُ ً‬
‫قا«‪.‬‬ ‫أبي عبد الله‪ ،‬فإنه أشبه أصحابي بي ُ‬
‫ظنت أم جميل بنت حرب وزوجها أبو لهب أنهما بتسريح رقية‬
‫وأم كلثوم ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬سيصيبان من البيت المحمدي مقتل أو‬
‫سيوهنانه‪ ،‬ولكن الله ‪-‬عز وجل‪ -‬اختار لرقية وأم كلثوم الخير‪ ،‬وباءت‬
‫خيرا‪ ,‬وكفى الله البيت النبوي‬ ‫أم جميل وأبو لهب بغيظهما لم ينال‬
‫شرهما‪ ،‬وكان أمر الله قدرا مقدورا)‪.(6‬‬
‫سا‪ :‬ابتلؤه وهجرته إلى الحبشة‪:‬‬ ‫ساد ً‬
‫إن سنة البتلء ماضية في الفراد والجماعات والشعوب والمم‬
‫والدول‪ ،‬وقد مضت هذه السنة في الصحابة الكرام‪ ،‬وتحملوا من‬
‫البلء ما تنوء به الرواسي الشامخات‪ ،‬وبذلوا أموالهم ودماءهم في‬
‫سبيل الله‪ ،‬وبلغ بهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ‪ ،‬ولم يسلم أشراف‬
‫عذب في سبيل الله‬ ‫المسلمين من هذا البتلء‪ ،‬فقد أوذي عثمان و ُ‬
‫تعالى على يد عمه الحكم ابن أبي العاص بن أمية الذي أخذه فأوثقه‬
‫رباطا وقال‪ :‬أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث؟ والله ل أحّلك‬
‫أبدا حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين‪ ،‬فقال عثمان ‪ :‬والله ل‬
‫)‪(7‬‬
‫أدعه أبدا ول أفارقه‪ ،‬فلما رأى الحكم صلبته في دينه تركه‪.‬‬
‫واشتد اليذاء بالمسلمين جميعا‪ ،‬و تجاوز الحد حيث قتل ياسر‬
‫وزوجته سمية‪ ،‬والنبي × يتألم أشد اللم‪ ،‬إلى أين يذهب‬
‫المسلمون؟ ثم اهتدى رسول الله × إلى الحبشة حيث قال‬

‫ذو النورين عثمان بن عفان‪ ،‬محمد رشيد رضا‪ ،‬ص ‪.12‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (4‬زفتها‪ :‬قدمتها إلى زوجها‪.‬‬ ‫كاد يطير من شدة الفرح‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫أنساب الشراف‪ ،‬ص ‪.89‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫رواه الطبراني ورجاله ثقات‪ ،‬قاله الهيثمي‪ ،‬المجمع رقم‪.(14500) :‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫دماء على قميص عثمان‪ ،‬د‪ .‬إبراهيم المنتاوي‪ ،‬ص ‪.84‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان‪ ،‬ص ‪.22‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫‪15‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫للمسلمين‪» :‬لو خرجتم إلى الحبشة‪ ،‬فإن بها ملكا صالحا‬
‫ظلم عنده أحد«‪ (1) .‬وبدأت الهجرة والنبي × يتألم‪ ،‬وهو يرى‬ ‫ل يُ ْ‬
‫)‪(2‬‬
‫الفئة المؤمنة تتسلل سّرا خارجة من مكة‪ ،‬ويركبون البحر‪ ،‬وخرج‬
‫يمتطي بعضهم الدواب‪ ،‬والبعض الخر يسير على القدام‪ ،‬وتابعوا‬
‫مروا عليهم عثمان بن‬ ‫السير حتى وصلوا ساحل البحر الحمر‪ ،‬ثم أ ّ‬
‫مظعون‪ ،‬وشاءت عناية الله أن يجدوا سفينتين‪ ،‬فركبوا مقابل نصف‬
‫دينار لكل منهم‪ ،‬وعلمت قريش فأسرعت في تعقبهم إلى الساحل‬
‫ولكنهم كانوا قد أبحرت بهم السفينتان‪ (3).‬وكان ممن هاجر إلى أرض‬
‫الحبشة الهجرة الولى والهجرة الثانية عثمان بن عفان ومعه فيهما‬
‫امرأته رقية بنت رسول الله ×‪ ،‬وكان وصولهم للحبشة في شهر‬
‫رجب من السنة الخامسة من البعثة‪ ،‬فوجدوا المن والمان وحرية‬
‫العبادة‪ ،‬وقد تحدث القرآن الكريم عن هجرة المسلمين الوائل إلى‬
‫د‬ ‫ع ِ‬ ‫ن بَ ْ‬ ‫م َْ‬ ‫ه ِ‬ ‫في الل ِ‬ ‫جُروا َ ِ‬ ‫ها َ‬ ‫ن َ‬ ‫ذي َ‬ ‫وال ّ ِ‬ ‫أرض الحبشة‪ ،‬قال تعالى‪َ + :‬‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫و‬
‫ُ ْ‬ ‫ل‬ ‫ر‬ ‫َ‬ ‫ب‬‫ْ‬ ‫ك‬ ‫أ‬ ‫ة‬
‫ِ‬ ‫ر‬‫َ‬ ‫خ‬
‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ر‬
‫ُ‬ ‫ج‬‫ْ‬ ‫ل‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ة‬‫ً‬ ‫َ‬ ‫ن‬‫س‬ ‫َ‬ ‫ح‬
‫َ‬ ‫يا‬‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬‫ّ‬ ‫د‬ ‫في ال‬ ‫م ِ‬ ‫ه ْ‬ ‫موا ل َن ُب َ ّ‬
‫وئ َن ّ ُ‬
‫َ‬
‫ما ظُل ِ ُ‬ ‫َ‬
‫ن" ]النحل‪ .[41:‬وقد نقل القرطبي ‪-‬رحمه الله‪ -‬قول‬ ‫مو َ‬ ‫عل ُ‬ ‫كاُنوا ي َ ْ‬ ‫َ‬
‫قتادة رحمه الله‪ :‬المراد أصحاب محمد ×‪ ،‬ظلمهم المشركون بمكة‬
‫وأخرجوهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة‪ ،‬ثم بوأهم الله تعالى دار‬
‫ل َيا‬ ‫ق ْ‬ ‫الهجرة‪ ،‬وجعل لهم أنصارا من المؤمنين‪ (4).‬وقال تعالى‪ُ + :‬‬
‫َ‬
‫ه الدّن َْيا‬ ‫ذ ِ‬ ‫ه ِ‬ ‫في َ َ‬ ‫سُنوا ِ‬ ‫ح َ‬ ‫نأ ْ‬ ‫ذي َ‬ ‫م ل ِل ّ ِ‬ ‫قوا َرب ّك ُ ْ‬ ‫مُنوا ات ّ ُ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ َ‬ ‫عَباِد ال ّ ِ‬ ‫ِ‬
‫م‬‫ه ْ‬ ‫جَر ُ‬ ‫نأ ْ‬ ‫صاب ُِرو َ‬ ‫وفى ال ّ‬ ‫ّ‬ ‫ما ي ُ َ‬ ‫ة إ ِن ّ َ‬ ‫ع ٌ‬
‫س َ‬‫وا ِ‬‫ه َ‬ ‫ض الل ِ‬ ‫وأْر ُ‬ ‫ة َ‬ ‫سن َ ٌ‬ ‫ح َ‬ ‫َ‬
‫ب" ]الزمر‪ .[10 :‬قال ابن عباس ‪-‬رضي الله عنهما‪ :-‬يريد‬ ‫سا ٍ‬ ‫ح َ‬ ‫ر ِ‬ ‫غي ْ ِ‬
‫بِ َ‬
‫جعفر بن أبي طالب والذين خرجوا معه إلى الحبشة‪ (5).‬وقد استفاد‬
‫عثمان ‪ ‬من هذه الهجرة وأضاف خبرة ودروسا لنفسه استفاد منها‬
‫في مسيرته الميمونة‪ ،‬ومن أهم هذه الدروس والعبر‪:‬‬
‫أن ثبات المؤمنين على عقيدتهم بعد أن ينزل بهم الشرار‬ ‫‪-1‬‬
‫والضالون أنواع العذاب والضطهاد‪ ،‬دليل على صدق إيمانهم وإخلصهم‬
‫في معتقداتهم‪ ،‬وسمو نفوسهم وأرواحهم‪ ،‬بحيث يرون ما هم عليه من‬
‫راحة الضمير واطمئنان النفس والعقل‪ ،‬وما يأملونه من رضا الله ‪-‬جل‬
‫شأنه‪ -‬أعظم بكثير مما ينال أجسادهم من تعذيب وحرمان واضطهاد؛‬
‫لن السيطرة في المؤمنين الصادقين والدعاة المخلصين تكون دائما‬
‫وأبدا لرواحهم ل لجسادهم‪ ،‬وهم يسرعون إلى تلبية مطلب أرواحهم‬
‫وبهذا‬ ‫من حيث ل يبالون بما تتطلبه أجسامهم من راحة وشبع ولذة‪،‬‬
‫تنتصر الدعوات وبهذا تتحرر الجماهير من الظلمات والجهالت)‪.(6‬‬
‫‪ -2‬وقد تعلم عثمان ‪ ‬من هدي النبي × الشفقة على المة‪،‬‬
‫ما كان في المجتمع‬ ‫وظهرت هذه الشفقة لما تولى الخلفة وقبلها ل َ ّ‬
‫المدني في عهد النبي × وأبي بكر وعمر رضي الله عنهم‪ ،‬فقد رأى‬
‫بعينه وبصيرة قلبه شفقة النبي × على أصحابه‪ ،‬ورحمته بهم‪،‬‬
‫الهجرة في القرآن الكريم‪ ،‬ص ‪ ،290‬السيرة النبوية لبن هشام‪.(1/413) ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫دماء على قميص عثمان‪ ،‬ص ‪ ،15‬الطبقات )‪.(1/204‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫الطبقات )‪ ،(1/204‬تاريخ الطبري )‪.(2/69‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫الجامع لحكام القرآن للقرطبي )‪.(10/107‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫المصدر نفسه )‪.(15/240‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫السيرة النبوية للدكتور مصطفى السباعي‪ ،‬ص ‪.57‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪16‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫وحرصه الشديد للبحث عن أمنهم وراحتهم‪ ،‬ولذلك أشار عليهم‬
‫فكان المر كما‬ ‫بالذهاب إلى الملك العادل الذي ل يظلم عنده أحد‪،‬‬
‫قال × فأمنوا في دينهم ونزلوا عنده في خير منزل‪ (1).‬فالرسول ×‬
‫هو الذي وجه النظار إلى الحبشة‪ ،‬وهو الذي اختار المكان المن‬
‫لجماعته ودعوته كي يحميها من البادة‪ ،‬وهذه تربية نبوية لقيادات‬
‫المسلمين في كل عصر أن تخطط بحكمة وبعد نظر لحماية الدعوة‬
‫والدعاة‪ ،‬وتبحث عن الرض المنة التي تكون عاصمة احتياطية‬
‫للدعوة‪ ،‬ومركزا من مراكز انطلقها فيما لو تعرض المركز الرئيسي‬
‫للخطر‪ ،‬أو وقع احتمال اجتياحه‪ ،‬فجنود الدعوة هم الثروة الحقيقية‪،‬‬
‫وهم الذين تنصب الجهود كلها لحفظهم وحمايتهم‪ ،‬دون أن يتم أي‬
‫واحد يعادل ما على الرض من‬ ‫تفريط بأرواحهم وأمنهم‪ ،‬ومسلم‬
‫بشر خارجين عن دين الله وتوحيده)‪.(2‬‬
‫‪ -3‬وتعلم عثمان ‪‬من هدي النبي ×في هجرة الحبشة أن الخطار‬
‫حمه‪ ،‬أما أن يكون‬‫ل بد أن يتجشمها المقربون إلى القائد وأهله وَر ِ‬
‫إليه البعدون غير ذوي‬ ‫خواص القائد في منأى عن الخطر‪ ،‬ويدفع‬
‫المكانة‪ ،‬فهو منهج بعيد عن نهج النبي ×‪(3).‬ولهذا لما تولى ذو النورين‬
‫الخلفة كان أقرباؤه في مقدمة الجيوش‪ ،‬فهذا عبد الله بن أبي سرح‬
‫في فتوحات أفريقية‪ ،‬وذاك عبد الله بن عامر في فتوحات المشرق‪،‬‬
‫وألزم معاوية أن يركب البحر ومعه زوجته وأن يكون في مقدمة‬
‫الجيوش الغازية‪ ،‬وسيأتي تفصيل ذلك ‪-‬بإذن الله‪ -‬عند حديثنا عن‬
‫الفتوحات‪.‬‬
‫‪ (4-)4‬كان عثمان ‪ ‬أول من هاجر إلى الحبشة بأهله من هذه‬
‫»صحبهما الله‪ ،‬إن عثمان لول من‬ ‫المة ‪ ,‬قال رسول الله ×‪:‬‬
‫هاجر إلى الله بأهله بعد لوط« )‪.(5‬‬
‫ولما أشيع أن أهل مكة قد أسلموا‪ ،‬وبلغ ذلك مهاجري الحبشة‬
‫أقبلوا‪ ،‬حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلم‬
‫مكة‪ ،‬وكان فيمن‬ ‫أهل مكة كان باطل‪ ،‬فدخلوا في جوار بعض أهل‬
‫رجع عثمان بن عفان وزوجه رقية رضي الله عنهما‪ (6).‬واستقر‬
‫المقام به حتى أذن الله بالهجرة إلى المدينة‪ ،‬ومنذ اليوم الذي أسلم‬
‫فيه عثمان لزم النبي × حيث كان‪ ،‬ولم يفارقه إل للهجرة بإذنه‪ ،‬أو‬
‫في مهمة من المهام التي يندب لها ول يغني أحد فيها غناءه‪ ،‬شأنه‬
‫في هذه الملزمة شأن الخلفاء الراشدين جميعا‪ ،‬كأنما هي خاصة‬
‫)‪(7‬‬
‫من خواصهم رشحهم لها من رشحهم بعد ذلك للخلفة متعاقبين‪.‬‬
‫لقد كان ذو النورين على صلة وثيقة بالدعوة الكبرى منذ سنتها‬
‫الولى‪ ،‬فلم يفته شيء من أخبار النبوة الخاصة والعامة في حياة‬
‫النبي × ولم يفته شيء بعدها من أخبار الخلفة في حياة الشيخين‪،‬‬
‫ولم يفته بعبارة أخرى شيء مما نسميه اليوم بأعمال التأسيس في‬

‫)( الهجرة في القرآن الكريم‪ ،‬ص ‪.312‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (2‬المصدر نفسه‪،‬‬ ‫)( التربية القيادية‪ ،‬منير الغضبان )‪.(1/333‬‬ ‫‪2‬‬

‫السيرة النبوية للصلبي‪.(1/348) ،‬‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (4‬المعرفة والتاريخ )‪ (3/268‬ضعيف‬ ‫)( الصواعق المرسلة )‪.(1/314‬‬ ‫‪4‬‬

‫السناد‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪ (6) .(1/402‬عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.80‬‬ ‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪17‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫الدولة السلمية)‪.(8‬‬
‫***‬

‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.78‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪18‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫المبحث الثاني‬
‫حياة عثمان ‪ ‬مع القرآن الكريم‬
‫كان المنهج التربوي الذي تربى عليه عثمان بن عفان وكل‬
‫الصحابة الكرام هو القرآن الكريم‪ ،‬المنزل من عند رب العالمين‪،‬‬
‫فهو المصدر الوحيد للتلقي‪ ،‬فقد حرص الحبيب المصطفى على‬
‫توحيد مصدر التلقي وتفرده‪ ،‬وأن يكون القرآن الكريم وحده هو‬
‫المنهج الذي يتربى عليه الفرد المسلم والسرة المسلمة والجماعة‬
‫المسلمة‪ ،‬فكانت اليات الكريمة التي سمعها عثمان ‪ ‬من رسول‬
‫الله × مباشرة لها أثرها في صياغة شخصية ذي النورين السلمية؛‬
‫فتحول إلى‬ ‫)‪(1‬‬
‫فقد طهرت قلبه‪ ،‬وزكت نفسه‪ ،‬وتفاعلت معها روحه؛‬
‫إنسان جديد بقيمه ومشاعره وأهدافه وسلوكه وتطلعاته‪.‬‬
‫وقد تعلق عثمان ‪ ‬بالقرآن الكريم‪ ،‬وحدثنا أبو عبد الرحمن‬
‫السلمي كيف تعلمه من رسول الله ×‪ ،‬وله أقوال تدل على حبه‬
‫الشديد للعيش مع كتاب الله تعالى؛ فعن أبي عبد الرحمن السلمي‬
‫قال‪ :‬حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن ‪-‬كعثمان بن عفان‪ ،‬وعبد الله‬
‫بن مسعود وغيرهما‪ -‬أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي × عشر آيات‬
‫لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل‪ ،‬قالوا‪ :‬فتعلمنا‬
‫يبقون مدة في حفظ‬ ‫َ‬ ‫والعلم والعمل جميعا‪ ،‬ولهذا كانوا‬ ‫القرآن‬
‫ك‬‫مَباَر ٌ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬
‫ك‬ ‫ي‬‫َ‬ ‫ل‬ ‫إ‬ ‫ه‬ ‫نا‬‫ْ‬ ‫ل‬‫ز‬
‫َِ ٌ ْ َ َ ُ ِ ْ‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫ب‬ ‫تا‬ ‫ك‬ ‫‪+‬‬ ‫قال‪:‬‬ ‫تعالى‬ ‫الله‬ ‫أن‬ ‫وذلك‬ ‫‪,‬‬ ‫)‪(2‬‬
‫السورة‬
‫ُ‬
‫ب" ]ص‪ [29 :‬وقد روى عثمان‬ ‫ول ِي َت َذَك َّر أوُلو الل َْبا ِ‬ ‫ل ّي َدّب ُّروا آَيات ِ ِ‬
‫ه َ‬
‫رسول الله × قوله‪» :‬خيركم من تعلم القرآن‬ ‫‪ ‬عن‬
‫وعلمه«‪ (3) .‬وقد عرض القرآن الكريم كامل على رسول الله ×‬
‫قبل وفاته‪ .‬ومن أشهر تلميذ عثمان في تعلم القرآن الكريم أبو عبد‬
‫الرحمن السلمي‪ ،‬والمغيرة بن أبي شهاب وأبو السود‪ ،‬وزر بن‬
‫حبيش‪ (4).‬وقد حفظ لنا التاريخ بعض أقوال عثمان ‪ ‬في القرآن‬
‫الكريم‪(5‬حيث قال‪ :‬لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلم الله عز‬ ‫)‬
‫ي يوم ل أنظر فيه إلى عهد‬ ‫وجل‪ (.‬وقال‪ :‬إني لكره أن يأتي عل ّ‬
‫ي)‪(7‬من الدنيا ثلث‪ :‬إشباع‬ ‫حبب إل ّ‬ ‫الله)‪) 6‬يعني المصحف(‪ .‬وقال‪ُ :‬‬
‫الجيعان‪ ،‬وكسوة العريان‪ ،‬وتلوة القرآن‪ .‬وقال‪ :‬أربعة ظاهرهن‬
‫فضيلة وباطنهن فريضة‪ :‬مخالطة الصالحين فضيلة والقتداء بهم‬
‫فريضة‪ ،‬وتلوة القرآن فضيلة والعمل به فريضة‪ ،‬وزيارة القبور‬
‫للموت فريضة‪ ،‬وعيادة المريض فضيلة واتخاذ‬ ‫فضيلة والستعداد‬
‫سأل‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫عالم‬ ‫عشرة‪:‬‬ ‫الشياء‬ ‫أضيع‬ ‫‪:‬‬‫‪‬‬ ‫وقال‬ ‫)‪(8‬‬
‫فريضة‪.‬‬ ‫الوصية منه‬
‫عنه‪ ،‬وعلم ل يعمل به‪ ،‬ورأي صواب ل يقبل‪ ،‬وسلح ل يستعمل‪،‬‬
‫ومسجد ل يصلى فيه‪ ،‬ومصحف ل يقرأ فيه‪ ،‬ومال ل ينفق منه‪ ،‬وخيل‬
‫ل ت ُْركب‪ ،‬وعلم الزهد في بطن من يريد الدنيا‪ ،‬وعمر طويل ل يتزود‬
‫)‪ (2‬الفتاوى )‪.(13/177‬‬ ‫)( السيرة النبوية للصلبي )‪.(1/145‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬فضائل القرآن‪ ،‬رقم‪(5027) :‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( تاريخ السلم‪ ،‬عهد الخلفاء الراشدين للذهبي‪ ،‬ص ‪.467‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( الفتاوى )‪ ،(11/122‬البداية والنهاية )‪.(7/225‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( البداية والنهاية )‪ ،(7/225‬فرائد الكلم‪ ،‬ص ‪.275‬‬ ‫‪6‬‬

‫)‪ (2‬المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪،90‬‬ ‫)( إرشاد العباد للستعداد ليوم المعاد‪ ،‬ص ‪.88‬‬ ‫‪7‬‬

‫فرائد الكلم‪ ،‬ص ‪.278‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪19‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫صاحبه فيه لسفره‪ (1).‬وكان ‪ ‬حافظا لكتاب الله‪ ،‬وكان حجره ل‬
‫)‪(3‬‬
‫يفارق المصحف‪ ،‬فقيل له في ذلك فقال‪ :‬إنه مبارك جاء به‬ ‫يكاد‬
‫مبارك‪ (2).‬وما مات عثمان حتى خرق مصحفه من كثرة ما يديم‬
‫الدار‪ :‬اقتلوه أو دعوه‪ ،‬فوالله‬ ‫النظر فيه‪ .‬وقالت امرأة عثمان يوم‬
‫ركعة()‪ ,(4‬وقد ذكر عنه أنه قرأ‬ ‫لقد كان يحيي الليل بالقرآن في‬
‫ليلة في ركعة لم يصل غيرها)‪ , 5‬وقد تحقق فيه قول الله‬ ‫القرآن ‪+‬أ َ‬
‫ما‬ ‫ً‬ ‫ِ‬ ‫ئ‬ ‫قا‬ ‫َ‬ ‫و‬ ‫َ‬ ‫دا‬ ‫ً‬ ‫ج‬‫ِ َ ِ‬ ‫سا‬ ‫ل‬ ‫ْ‬ ‫ي‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫َ‬ ‫ء‬ ‫نا‬ ‫َ‬ ‫آ‬ ‫ت‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫ن‬ ‫قا‬ ‫َ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫ن‬ ‫تعالى‪ْ ّ َ :‬‬
‫م‬
‫ن‬ ‫َ‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫وي‬ ‫َ‬
‫ّ ُ ُ ْ ِ‬‫ت‬ ‫س‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫ْ‬
‫ل‬ ‫ه‬ ‫َ‬ ‫ل‬‫ْ‬ ‫ق‬ ‫ُ‬ ‫ه‬‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ب‬ ‫ر‬ ‫ََ َ َ‬ ‫ة‬ ‫َ‬ ‫م‬ ‫ح‬‫ْ‬ ‫ر‬ ‫جو‬ ‫ُ‬ ‫ر‬ ‫خَر ّ َ ْ‬‫َ‬ ‫ي‬ ‫و‬ ‫َ‬ ‫ة‬ ‫حذَُر ال ِ‬ ‫يَ ْ‬
‫ب" ]الزمر‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫با‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫لو‬ ‫أو‬ ‫ر‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫َ‬ ‫ذ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫ما‬ ‫ِ َ‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫مو‬ ‫ُ‬ ‫ل‬ ‫ع‬‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫َ‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫مو‬ ‫ع ُ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫يَ ْ‬
‫‪.[9‬‬
‫بالمنهج القرآني وتتلمذ على يدي رسول الله‬ ‫لقد تشرب عثمان ‪‬‬
‫وعرف من خلل القرآن الكريم من هو الله الذي يجب أن يعبده‪،‬‬ ‫×‬
‫يغرس في نفسه معاني تلك اليات العظيمة‪ ،‬فقد حرص‬ ‫وكان النبي ×‬
‫× يربي أصحابه على التصور الصحيح عن ربهم وعن حقه عليهم‪،‬‬ ‫أن‬
‫مدركا أن هذا التصور سيورث التصديق واليقين عندما تصفى النفوس‬
‫وتستقيم الفطرة‪ ،‬فأصبحت نظرة ذي النورين إلى الله عز وجل‪،‬‬
‫والكون والحياة والجنة والنار‪ ،‬والقضاء والقدر‪ ،‬وحقيقة النسان‪،‬‬
‫وصراعه مع الشيطان مستمدة من القرآن الكريم وهدي النبي ×‪.‬‬
‫فالله ‪-‬سبحانه وتعالى‪ -‬منزه عن النقائص‪ ،‬موصوف بالكمالت‬
‫التي ل تتناهى‪ ،‬فهو سبحانه )واحد ل شريك له‪ ،‬ولم يتخذ صاحبة ول‬
‫سبحانه حدد مضمون هذه العبودية وهذا التوحيد في‬ ‫)‪(6‬‬
‫ولدا(‪ .‬وأنه‬
‫استمدها من قول الله‬ ‫خل َق ال َ‬ ‫فقد‬ ‫للكون‬ ‫نظرته‬ ‫وأما‬ ‫الكريم‪،‬‬
‫ل أَ‬ ‫القرآن‬
‫ن‬ ‫ْ‬ ‫ي‬ ‫م‬ ‫و‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫ض‬ ‫ر‬ ‫َ‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫با‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫رو‬ ‫ف‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ك‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫م‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫ْ‬ ‫ق‬ ‫ُ‬ ‫‪+‬‬ ‫تعالى‪:‬‬
‫ْ َ ِ‬ ‫ْ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬
‫َ‬
‫ْ‬ ‫َ َِ‬ ‫ُ‬
‫ي‬
‫َ‬ ‫س‬
‫ِ‬ ‫وا‬‫ة َأ َ‬ ‫ر‬ ‫َ‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫في‬ ‫ِ‬
‫في أ َ‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ج‬ ‫َ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫‪‬‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫مي‬
‫فيها أ َ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫عا‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ب‬ ‫ّ‬ ‫ر‬ ‫َ‬ ‫ك‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ذ‬ ‫دا‬ ‫ً‬ ‫دا‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫ه‬ ‫ُ‬ ‫ل‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫لو‬ ‫ع‬ ‫ج َ‬ ‫وت َ ْ‬ ‫َ‬
‫ٍ‬ ‫م‬ ‫يا‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ع‬‫َ‬ ‫َ‬ ‫ب‬ ‫ر‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫وا‬ ‫َ‬ ‫ْ‬
‫ق‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ر‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫د‬ ‫َ‬
‫ق‬ ‫و‬‫َ‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫ك‬ ‫َ‬ ‫ر‬ ‫َ‬ ‫با‬ ‫َ‬ ‫و‬ ‫َ‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫ق‬‫ِ‬ ‫و‬ ‫ْ‬ ‫ف‬ ‫َ‬ ‫من‬ ‫ِ‬
‫ن‬ ‫خا ٌ‬ ‫ي دُ َ‬ ‫ه‬ ‫ِ‬ ‫و‬
‫َ َ‬ ‫ء‬
‫ِ‬ ‫ما‬ ‫َ‬ ‫س‬
‫ّ‬ ‫ال‬ ‫لى‬ ‫َ‬ ‫إ‬ ‫وى‬ ‫ََ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫س‬
‫ْ‬ ‫ا‬ ‫م‬‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ث‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫لي‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ئ‬ ‫سا‬ ‫ّ‬ ‫لل‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ء‬ ‫وا‬ ‫َ‬ ‫س‬ ‫َ‬
‫تا أ َت َ َي َْنا َ‬ ‫عا ِأ َ‬ ‫‪‬‬
‫ن ‪‬‬ ‫عي َ‬ ‫طائ ِ ِ‬ ‫قال َ‬ ‫ها َ‬
‫َ‬ ‫و ك َْر ً‬ ‫ْ‬ ‫و ً‬ ‫ْ‬ ‫ض ائ ْت َِيا ط‬ ‫ِ‬ ‫ول ِل َْر‬ ‫َ‬ ‫ها‬ ‫ل لَ َ‬ ‫قا َ‬ ‫ف َ‬ ‫َ‬
‫ء‬
‫ما ٍ‬ ‫س َ‬ ‫ل َ‬ ‫في ك ُ ّ‬ ‫حى ِ‬ ‫و َ‬ ‫ِ َ ْ‬ ‫أ‬ ‫و‬ ‫ن‬ ‫ْ‬ ‫ي‬ ‫م‬‫َ‬ ‫و‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫ت‬ ‫ٍ‬ ‫وا‬ ‫َ‬ ‫ما‬ ‫َ‬ ‫س‬ ‫َ‬ ‫ع‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ب‬ ‫س‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫ّ‬ ‫ه‬ ‫ُ‬ ‫ضا‬ ‫َ‬ ‫ق‬‫َ‬ ‫ف‬ ‫َ‬
‫َ‬
‫ديُر‬ ‫ْ‬
‫حفظا ذَل ِك ت َق ِ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ْ‬ ‫و ِ‬ ‫ح َ‬ ‫صاِبي َ‬ ‫م َ‬ ‫ماءَ الدّن َْيا ب ِ َ‬ ‫س َ‬ ‫وَزي ّّنا ال ّ‬ ‫ها َْ‬ ‫مَر َ‬ ‫أ ْْ‬
‫عِليم ِ" ]فصلت‪ .[12 -9 :‬وأما هذه الحياة مهما طالت فهي‬ ‫ز ال َ‬ ‫زي ِ‬ ‫ع ِ‬ ‫ال َ‬
‫ما‬ ‫تعالى‪+ :‬إ ِن ّ َ‬ ‫إلى زوال وأن متاعها مهما َعظم فإنه قليل حقير‪ ،‬قال‬
‫ت‬
‫ه ن ََبا ُ‬ ‫ط َ بِ ِ‬ ‫خت َل َ َ‬ ‫فا ْ‬ ‫ء َ‬ ‫ما ِ‬ ‫س َ‬ ‫ن ال ّ‬ ‫م َ‬ ‫ء أن َْزل َْناهُ ِ‬ ‫ما ٍ‬ ‫ة ال ْدّن َْيا ك َ َ‬ ‫حَيا ِ‬ ‫ل ال ْ َ‬ ‫مث َ ُ‬
‫ض‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ا َل َ‬
‫ت ا َلْر ُ‬ ‫خذ ِ‬ ‫حّتى إ ِذا أ َ‬ ‫م َ‬ ‫عا ُ‬ ‫والن ْ َ َ‬ ‫َ‬ ‫س‬
‫ُ‬ ‫نا‬ ‫ّ‬ ‫ال‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫أ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫ما‬‫ّ‬ ‫م‬‫ِ‬ ‫ض‬
‫َ ِ‬ ‫ر‬ ‫ْ‬
‫ها‬ ‫ها أَتا َ‬ ‫عل َي ْ َ‬ ‫ن َ‬ ‫قاِد َُرو َ‬ ‫م َ‬ ‫ْ‬ ‫ه‬ ‫ها أن ّ ُ‬ ‫هل ُ َ‬ ‫ن أَ ْ‬ ‫وظَ ّ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫وا َّزي ّن َ ْ‬ ‫َ‬ ‫ها‬ ‫ف َ‬ ‫خر‬ ‫َُز ْ‬
‫س‬ ‫م‬‫ْ‬ ‫بال‬ ‫ِ‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫غ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫دا ك َأن ل ّ‬ ‫ً‬ ‫صي‬ ‫ِ‬ ‫ح‬ ‫َ‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫نا‬ ‫َ‬ ‫عل ْ‬ ‫َ‬ ‫ج‬
‫َ‬ ‫ف‬ ‫َ‬ ‫را‬ ‫ً‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫و‬
‫ْ‬ ‫أ‬ ‫ً‬ ‫ل‬ ‫ْ‬ ‫ي‬ ‫مُر َُنا ل َ‬ ‫أ ْ‬
‫ِ‬
‫ن" ]يونس‪.[24 :‬‬ ‫فك ُّرو َ‬ ‫وم ٍ ي َت َ َ‬ ‫ق ْ‬ ‫ت لِ َ‬ ‫ل ال ََيا ِ‬ ‫ص ُ‬ ‫ف ّ‬ ‫ك نُ َ‬ ‫ك َذَل ِ َ‬
‫وأما نظرته إلى الجنة‪ ،‬فقد استمدها من خلل اليات الكريمة‪،‬‬
‫عا في حياته عن أي انحراف عن شريعة الله‪،‬‬ ‫فأصبح هذا التصور راد ً‬
‫إرشاد العباد‪ ،‬ص ‪ ،91‬فرائد الكلم‪ ،‬ص ‪.278‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫البيان والتبيان في مقتل الشهيد عثمان‪ ،(3/177) ،‬فرائد الكلم‪ ،‬ص ‪.273‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫يديم‪ :‬يطيل‪ ،‬البداية والنهاية )‪.(7/225‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫البداية والنهاية )‪.(7/225‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫الخلفة الراشدة والدولة الموية‪ ،‬ص ‪.397‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫منهج الرسول في غرس الروح الجهادية‪ ،‬ص ‪.16 -10‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪20‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫فيرى المتتبع لسيرة ذي النورين عمق استيعابه لفقه القدوم على‬
‫الله عز وجل‪ ،‬وشدة خوفه من عذاب الله وعقابه‪ ،‬وسنرى ذلك في‬
‫صفحات هذا البحث بإذن الله تعالى‪.‬‬
‫وأما مفهوم القضاء والقدر فقد استمده من كتاب الله وتعليم‬
‫رسول الله × له‪ ،‬فقد رسخ مفهوم القضاء والقدر في قلبه‪،‬‬
‫واستوعب مراتبه في كتاب الله تعالى‪ ،‬فكان ْعلى يقين بأن علم‬
‫من‬ ‫ه ِ‬ ‫من ْ ُ‬‫ما ت َت ُْلو ِ‬ ‫و َ‬ ‫ن َ‬ ‫ش ُأ ٍ‬ ‫في َ‬ ‫ن ِ‬ ‫كو ُ‬ ‫ما ت َ ُ‬ ‫و َ‬ ‫الله محيط بكل ُشيء‪َ + :‬‬
‫دا إ ِذْ‬ ‫هو ً‬ ‫مش ُ‬ ‫ُ‬ ‫علي ْك ْ‬ ‫َ‬ ‫ل إ ِل كّنا َ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫م ٍ‬ ‫ع َ‬ ‫ن َ‬ ‫م ْ‬ ‫ن ِ‬ ‫ملو َ‬ ‫ع َ‬ ‫ول َ ت َ ْ‬ ‫ن َ‬ ‫قْرآ ٍ‬ ‫ُ‬
‫في‬ ‫ة ِ‬ ‫ل ذّر ٍ‬ ‫َ‬ ‫مثقا ِ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫من ّ‬ ‫َ‬
‫عن َ ّرب ّك ِ‬ ‫ب َ‬ ‫عُز ُ‬ ‫ما ي َ ْ‬ ‫و َ‬ ‫ه َ‬ ‫في ِ‬ ‫ن ِ‬ ‫ضو َ‬ ‫في ُ‬
‫ول َ أ َك ْب ََر إ ِل ّ ِ‬ ‫من ذَل ِ َ‬ ‫تُ ِ َ‬
‫في‬ ‫ك َ‬ ‫غَر ِ‬ ‫ص َ‬ ‫ول َ أ ْ‬ ‫ء َ‬ ‫ما ِ‬ ‫س َ‬ ‫في ال ّ‬ ‫ول َ ِ‬ ‫ض َ‬ ‫الْر ِ‬
‫ن" ]يونس‪.[61 :‬‬ ‫مِبي ٍ‬ ‫ب ّ‬ ‫ك َِتا ٍ‬
‫حِيي‬ ‫ن نُ ْ‬ ‫ح َُ‬ ‫وأن الله تعالى قد كتب كل شيء كائن‪+ :‬إ ِّنا ن َ ْ‬
‫في‬
‫َ‬
‫صي َْناهُ َ ِ‬ ‫َ‬ ‫ح‬
‫ءأ ْ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫ل َ‬ ‫وك ُ ّ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫وآَثاَر ُ‬ ‫موا َ‬ ‫قد ّ ُ‬ ‫ما َ‬ ‫ب َ‬ ‫ون َك ْت ُ ُ‬ ‫وَتى َ‬ ‫م ْ‬ ‫ال ْ َ‬
‫م‬
‫ول ْ‬ ‫نافذة وقدرته ّتامة‪+ :‬أ َ‬ ‫]يس‪ .[12 :‬وأن مشيئة الله‬ ‫في ال َ‬ ‫ن"‬ ‫مِبي ٍ‬ ‫مام ٍ ّ‬ ‫إِ َ‬
‫من‬ ‫ن ِ‬ ‫ذي َ‬ ‫ة ال ِ‬ ‫قب َ ُ‬ ‫عا ِ‬ ‫ن َ‬ ‫كا َ‬ ‫ف َ‬ ‫فَينظُُروا ك َي ْ َ‬ ‫ض َ‬ ‫َْ ِ‬ ‫ر‬ ‫ِ‬ ‫روا‬ ‫ُ‬ ‫سي‬ ‫ِ‬ ‫يَ‬
‫من‬ ‫جَزهُ ِ‬ ‫ع ِ‬ ‫ه ل ِي ُ ْ‬ ‫ن الل ُ‬ ‫كا َ‬ ‫ما َ‬ ‫و ََ‬ ‫َ‬ ‫وة ً‬‫ّ‬ ‫ق‬‫م ُ‬ ‫ه ْ‬ ‫من ْ ُ‬ ‫شد ّ ِ‬ ‫كاُنوا أ َ‬ ‫و َ‬ ‫َ‬ ‫م‬
‫ه ْ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ْ‬ ‫ب‬ ‫ق‬ ‫َ‬
‫ديًرا"‬ ‫ق ِ‬‫ما َ‬ ‫ً‬ ‫عِلي‬ ‫ن َ‬ ‫كا َ‬ ‫ه َ‬ ‫ُ‬ ‫ض إ ِن ّ‬ ‫ِ‬ ‫في الْر‬ ‫ول َ ِ‬ ‫َ‬ ‫ت‬‫وا ِ‬ ‫َ‬ ‫ما‬ ‫َ‬ ‫س‬‫في ال ّ‬ ‫ء ِ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫َ‬
‫ه إ ِل ّ‬‫م ل َ إ ِل َ َ‬ ‫ه َرب ّك ُ ْ‬ ‫م الل ُ‬ ‫]فاطر‪ .[44 :‬وأن الله خالق لكل شيء ‪+‬ذَل ِ َك ُ ُ‬
‫ل"‬ ‫كي ٌ‬ ‫و ِ‬ ‫ء َ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫ل َ‬ ‫على ك ُ ّ‬ ‫و َ‬ ‫ه َ‬ ‫و ُ‬ ‫دوهُ َ‬ ‫عب ُ ُ‬‫فا ْ‬ ‫ء َ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫ل َ‬ ‫ق كُ ّ‬ ‫خال ِ ُ‬ ‫و َ‬ ‫ه َ‬ ‫ُ‬
‫]النعام‪.[102 :‬‬
‫وقد ترتب على الفهم الصحيح والعتقاد الراسخ في قلبه لحقيقة‬
‫القضاء والقدر ثمار نافعة ومفيدة‪ ،‬ظهرت في حياته‪ ،‬وسنراها ‪-‬بإذن‬
‫الله تعالى‪ -‬في هذا الكتاب‪ .‬وعرف من خلل القرآن الكريم حقيقة‬
‫نفسه وبني النسان‪ ,‬وأن حقيقة خلقه ترجع إلى أصلين‪ :‬الصل‬
‫الروح‪،‬‬‫ذي أ َ‬ ‫البعيد وهو الخلقة الولى من طين‪ ،‬حين سواه ونفخ فيه‬
‫ن‬
‫ْ َ َ‬‫س‬ ‫ح‬ ‫خلقه من نطفة‪ ،‬قال تعالى‪+ :‬ال ّ ِ‬ ‫وبدأ َ‬ ‫والصل القريب وهو‬
‫ل‬ ‫ع َ‬ ‫ج‬
‫ّ َ َ‬ ‫م‬ ‫ُ‬ ‫ث‬ ‫‪‬‬ ‫ن‬ ‫طي‬‫ِ‬ ‫من‬ ‫ِ‬ ‫ن‬ ‫ِ َ ِ‬‫سا‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ق‬
‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫خ‬‫َ‬ ‫ه َ َ َ‬ ‫قَُ‬ ‫خل َ َ‬ ‫ء َ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫ل َ‬ ‫كُ ّ‬
‫ون َ َ‬ ‫ٍ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫من‬ ‫ه ِ‬ ‫في ِ‬ ‫خ ِ‬ ‫ف َ‬ ‫ه‬
‫ّ ََ ّ ُ َ‬ ‫وا‬ ‫س‬ ‫م‬ ‫ُ‬ ‫ث‬ ‫‪‬‬ ‫ن‬‫ّ ِ َ ٍ‬ ‫هي‬ ‫م‬ ‫ء‬
‫ٍ‬ ‫ما‬ ‫ّ‬ ‫من‬ ‫ّ‬ ‫ة‬
‫ٍ‬ ‫ل‬ ‫ل‬ ‫س‬ ‫ُ‬ ‫من‬ ‫ِ‬ ‫ه‬‫نَ ْ ُ‬
‫ل‬‫س‬
‫ما‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ل‬ ‫لي‬ ‫ِ‬ ‫َ‬
‫ق‬ ‫َ‬ ‫ة‬‫َ‬ ‫د‬ ‫ِ‬ ‫ئ‬ ‫ف‬‫ْ‬ ‫ل‬ ‫وا‬‫َ َ َ‬ ‫ر‬ ‫صا‬ ‫ْ‬ ‫ب‬ ‫ل‬ ‫وا‬‫َ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫م‬‫ّ ْ‬ ‫س‬ ‫ال‬ ‫م‬‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫َ‬
‫ل‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ج‬
‫َ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫ح‬ ‫ّرو ِ‬
‫ن" ]السجدة‪.[9 -7 :‬‬ ‫شك ُُرو َ‬ ‫تَ ْ‬
‫وعرف أن هذا النسان خلقه الله بيده وأكرمه بالصورة الحسنة‬
‫والقامة المعتدلة‪ ،‬ومنحه العقل والنطق والتمييز‪ ،‬وسخر له ما في‬
‫السموات والرض وفضله على كثير من خلقه‪ ،‬وكرمه بإرسال‬
‫الرسل له‪ .‬وإن من أروع مظاهر تكريم المولى ‪-‬عز وجل‪ -‬للنسان‬
‫أن جعله أهل لحبه ورضاه‪ ،‬ويكون ذلك باتباع النبي × الذي دعا‬
‫بالنعيم‬
‫ويظفرواك َر أ َ‬ ‫الناس إلى السلم لكي يحيوا حياة طيبة في الدنيا‬
‫و‬
‫َ ٍ ْ‬ ‫َ‬ ‫ذ‬ ‫من‬ ‫صال ِ ً ّ‬
‫حا‬ ‫ل ََ‬ ‫م َ‬ ‫ع ِ‬‫ن َ‬ ‫م ْ‬ ‫قال تعالى‪َ + :‬‬ ‫ُالمقيم في الخرة‪،‬‬
‫هم‬ ‫جَر ُ‬ ‫أ‬ ‫م‬
‫ّ َ َ ْ ِ َ ُ ْ ْ‬‫ه‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫ي‬ ‫ز‬ ‫ج‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫ة‬
‫ً‬ ‫ب‬ ‫ي‬ ‫َ‬ ‫ط‬ ‫ً‬ ‫ة‬ ‫يا‬ ‫ح‬ ‫ه‬ ‫ّ‬
‫ْ ِ َ ُ َ َ‬‫ن‬ ‫ي‬‫ي‬ ‫ح‬ ‫ُ‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫ل‬‫ف‬‫َ‬ ‫ن‬
‫م ٌ‬ ‫ؤ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫و ُ‬ ‫ه َ‬ ‫و ُ‬ ‫أن ْ ََثى َ‬
‫ن" ]النحل‪.[97 :‬‬ ‫مُلو َ‬ ‫َ ْ َ‬‫ع‬ ‫ي‬ ‫نوا‬ ‫ُ‬ ‫كا‬‫َ‬ ‫ما‬ ‫س ِ َ‬ ‫ن‬ ‫ح َ‬ ‫ب ِأ ْ‬
‫وعرف عثمان ‪ ‬من خلل القرآن الكريم حقيقة الصراع بين‬
‫النسان والشيطان‪ ،‬وأن هذا العدو يأتي للنسان من بين يديه ومن‬
‫خلفه وعن يمينه وعن شماله يوسوس له بالمعصية ويستثير فيه‬
‫كوامن الشهوات‪ ،‬فكان مستعينا بالله على عدوه إبليس وانتصر عليه‬
‫‪21‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫في حياته‪ ،‬وتعلم من قصة آدم مع الشيطان في القرآن الكريم أن‬
‫آدم هو أصل البشر‪ ،‬وجوهر السلم الطاعة المطلقة لله‪ ،‬وأن‬
‫النسان له قابلية للوقوع في الخطيئة‪ ,‬وتعلم من خطيئة آدم ضرورة‬
‫توكل المسلم على ربه وأهمية التوبة والستغفار في حياة المؤمن‪،‬‬
‫وضرورة الحتراز من الحسد والكبر‪ ،‬وأهمية التخاطب بأحسن الكلم‬
‫ي‬
‫ه َ‬‫قوُلوا ال ِّتي ِ‬ ‫عَباِدي ي َ ُ‬ ‫قل ل ّ ِ‬ ‫و ُ‬
‫َمع الصحابة؛ لقول َالله تعالى‪َ + :‬‬
‫ن‬ ‫سا‬
‫ِ َ ِ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬‫ل‬‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫كا‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫طا‬ ‫ْ‬ ‫ي‬‫ش‬‫ّ‬ ‫ال‬ ‫ن‬
‫ّ‬ ‫ن َينَز ُ‬
‫غ ب َي ْن َ ُ ْ ِ‬
‫إ‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ن ال ّ‬
‫شي ْطا َ‬ ‫ن إِ ّ‬‫س ُ‬‫ح َ‬ ‫أ ْ‬
‫نا" ]السراء‪.[53 :‬‬
‫مِبي ً‬‫ع ّ ّ‬
‫وا‬ ‫ُ‬ ‫د‬ ‫َ‬
‫لقد أكرم المولى ‪-‬عز وجل‪ -‬عثمان بن عفان ‪ ‬بالسلم‪ ،‬فعاش‬
‫به وجاهد به من أجل نشره‪ ،‬واستمد أصوله وفروعه من كتاب الله‬
‫وهدي النبي ×‪ ،‬وأصبح من أئمة الهدى الذين يرسمون للناس خط‬
‫سيرهم ويتأسى الناس بأقوالهم وأفعالهم في هذه الحياة‪(1)،‬ول ننسى‬
‫أن عثمان بن عفان كان من ك ُّتاب الوحي لرسول الله × ‪.‬‬
‫***‬

‫)( السياسة المالية لعثمان‪ ،‬ص ‪ ،22‬التبيين في أنساب القرشيين‪ ،‬ص ‪.94‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪22‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫المبحث الثالث‬
‫ملزمته للنبي × في المدينة‬
‫إن الرافد القوي الذي أثر في شخصية عثمان ‪ ‬وصقل مواهبه‬
‫وفجر طاقته‪ ،‬وهذب نفسه هو مصاحبته لرسول الله × وتتلمذه على‬
‫يديه في مدرسة النبوة‪ ،‬ذلك أن عثمان ‪ ‬لزم الرسول × في مكة‬
‫بعد إسلمه كما لزمه في المدينة بعد هجرته؛ فقد نظم عثمان‬
‫نفسه‪ ,‬وحرص على التلمذة في حلقات مدرسة النبوة في فروع‬
‫شتى من المعارف والعلوم على يدي معلم البشرية وهاديها الذي‬
‫أدبه ربه فأحسن تأديبه‪ ،‬فحرص على تعلم القرآن الكريم والسنة‬
‫المطهرة من سيد الخلق أجمعين‪.‬‬
‫وهذا عثمان يحدثنا عن ملزمته لرسول الله × فيقول‪ :‬إن الله‬
‫‪-‬عز وجل‪ -‬بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب‪ ،‬فكنت ممن‬
‫وآمن‪ ،‬فهاجرت الهجرتين الوليين‪ ،‬ونلت صهر‬ ‫استجاب لله ولرسوله‬
‫رسول الله‪ ،‬ورأيت هديه‪ (1).‬لقد تربى عثمان ‪ ‬على المنهج‬
‫القرآني‪ ،‬وكان المربي له رسول الله ×‪ ،‬وكانت نقطة البدء في‬
‫تربية عثمان هي لقاءه برسول الله ×‪ ،‬فحدث له تحول غريب‬
‫واهتداء مفاجئ بمجرد اتصاله بالنبي ×‪ ،‬فخرج من دائرة الظلم إلى‬
‫دائرة النور‪ ،‬واكتسب اليمان وطرح الكفر‪ ،‬وقوى على تحمل‬
‫الشدائد والمصائب في سبيل السلم وعقيدته السمحة‪ .‬كانت‬
‫شخصية رسول الله × تملك قوى الجذب والتأثير على الخرين‪ ،‬فقد‬
‫صنعه الله على عينه‪ ،‬وجعله أكمل صورة لبشر في تاريخ الرض‪،‬‬
‫والعظمة دائما تحب وتحاط من الناس بالعجاب‪ ،‬ويلتف حولها‬
‫المعجبون ويلتصقون بها التصاقا بدافع العجاب والحب‪ ،‬ولكن‬
‫رسول الله × يضيف إلى عظمته تلك أنه رسول الله × متلقي‬
‫الوحي من الله‪ ،‬ومبلغه إلى الناس‪ ،‬وذلك ب ُْعد آخر له أثره في‬
‫تكييف مشاعر ذلك المؤمن تجاهه‪ ،‬فهو ل يحبه لذاته فقط كما يحب‬
‫العظماء من الناس‪ ،‬ولكن أيضا لتلك النفخة الربانية التي تشمله من‬
‫عند الله‪ ،‬فهو معه في حضرة الوحي اللهي المكرم‪ ،‬ومن ثم يلتقي‬
‫في شخص الرسول × البشر العظيم والرسول العظيم‪ ،‬ثم يصبحان‬
‫شيئا واحدا في النهاية‪ ،‬غير متميز البداية ول النهاية‪ ،‬حب عميق‬
‫شامل للرسول البشر أو للبشر الرسول‪ ،‬ويرتبط حب الله بحب‬
‫رسوله ×‪ ,‬ويمتزجان في نفسه فيصبحان في مشاعره هما نقطة‬
‫ارتكاز المشاعر كلها‪ ،‬ومحور الحركة الشعورية والسلوكية كلها‬
‫كذلك‪.‬‬
‫مفتاح‬ ‫كان هذا الحب الذي حرك الرعيل الول من الصحابة هو‬
‫التربية السلمية ونقطة ارتكازها ومنطقها الذي تنطلق منه‪ (2).‬لقد‬
‫حصل لعثمان ‪‬وللصحابة ببركة صحبتهم لرسول الله × وتربيتهم على‬
‫يديه أحوال إيمانية عالية‪ ،‬ولقد تتلمذ عثمان ‪‬على يدي رسول الله‪،‬‬
‫فتعلم منه القرآن الكريم والسنة َالنبوية‪ ،‬وأحكام التلوة وتزكية‬
‫ة‬ ‫وا إ َِلى ك َل ِ َ‬
‫م ٍ‬ ‫عال َ ْ‬ ‫ل ال ْك َِتا ِ‬
‫ب تَ َ‬ ‫ه َ‬ ‫النفوس‪ ،‬قال تعالى‪ُ + :‬‬
‫ق ْ‬
‫ل َيا أ ْ‬
‫)( فضائل الصحابة لبي عبد الله أحمد بن حنبل )‪ ،(1/597‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( منهج التربية السلمية‪ ،‬لمحمد قطب‪ ،‬ص ‪.35 ،34‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪23‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫ول َ‬ ‫ر َ‬ ‫ول َ ن ُ ْ‬ ‫عب ُدَ إ ِل ّ الل‬ ‫ء بين ََنا وبين َك ُ َ‬
‫شي ًْئا ُ َ‬ ‫ه َ‬‫ك بِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ش‬ ‫َ‬ ‫ه‬
‫َ‬ ‫م َ أل ّ ن َ ْ‬‫ْ‬ ‫َ َ ْ‬ ‫وا ٍ َ ْ‬ ‫س َ‬ ‫َ‬
‫قولوا‬ ‫ف ُ‬‫وا َ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬
‫َ َ ْ‬ ‫و‬ ‫ت‬ ‫إن‬ ‫ف‬
‫ِ ِ‬‫َ‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫ن‬ ‫دو‬
‫ُ ِ‬ ‫من‬ ‫با‬
‫ْ َ ً ّ‬ ‫با‬ ‫ر‬ ‫أ‬ ‫ضا‬
‫خ َ ْ ُ ََ َ ْ ً‬
‫ع‬ ‫ب‬ ‫نا‬‫ض‬ ‫ع‬ ‫ب‬ ‫َ‬ ‫ذ‬ ‫ي َت ّ ِ‬
‫ن" ]آل عمران‪.[64 :‬‬ ‫مو َ‬ ‫سل ِ ُ‬‫م ْ‬ ‫دوا ب ِأّنا ُ‬ ‫ه ُ‬ ‫ش َ‬ ‫ا ْ‬
‫وحرص على التبحر في الهدي النبوي الكريم خلل ملزمته‬
‫سْلمه‪ ،‬وقد أمدته تلك المعايشة بخبرة‬ ‫رسول الله × في غزواته و ِ‬
‫ودربة ودراية بشئون الحرب ومعرفة بطبائع النفوس وغرائزها‪ ،‬وفي‬
‫الصفحات القادمة سنبين ‪-‬بإذن الله تعالى‪ -‬مواقفه في الميادين‬
‫الجهادية والسياسية والجتماعية والقتصادية مع رسول الله × في‬
‫العهد المدني‪.‬‬
‫ل‪ :‬عثمان ‪ ‬في ميادين الجهاد مع رسول الله ×‪:‬‬ ‫أو ً‬
‫شرع رسول الله × بعد استقراره بالمدينة في تثبيت دعائم‬
‫الدولة السلمية‪ ،‬فآخى بين المهاجرين والنصار‪ ،‬فكل مهاجري يتخذ‬
‫من‪(1‬النصار‪ ،‬فكان نصيب عثمان بن عفان في المؤاخاة أوس‬ ‫خا له‬ ‫أ ً‬
‫بن ثابت‪ )،‬ثم أقام النبي × المسجد‪ ،‬وأبرم المعاهدة مع اليهود‪،‬‬
‫وبدأت حركة السرايا‪ ،‬واهتم بالبناء القتصادي والتعليمي والتربوي‬
‫في المجتمع الجديد‪ .‬وكان عثمان ‪ ‬من أعمدة الدولة السلمية‪،‬‬
‫فلم)‪(2‬يبخل بمشورة أو مال أو رأي‪ ،‬وشهد المشاهد كلها إل غزوة‬
‫بدر ‪.‬‬
‫‪ -1‬عثمان وغزوة بدر‪:‬‬
‫لما خرج المسلمون لغزوة بدر كانت زوجة عثمان السيدة رقية‬
‫بنت رسول الله × مريضة بمرض الحصبة ولزمت الفراش‪ ،‬في‬
‫الوقت الذي دعا فيه رسول الله × للخروج لملقاة القافلة‪ ،‬وسارع‬
‫عثمان ‪ ‬للخروج مع رسول الله ×‪ ،‬إل انه تلقى أمًرا بالبقاء إلى‬
‫جانب رقية ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬لتمريضها‪ ،‬وامتثل لهذا المر بنفس‬
‫راضية وبقي إلى جوار زوجته الصابرة الطاهرة رقية ابنة رسول الله‬
‫× إذ اشتد بها المرض‪ ،‬وطاف بها شبح الموت‪ ،‬كانت رقية ‪-‬رضي‬
‫الله عنها‪ -‬تجود بأنفاسها وهي تتلهف لرؤية أبيها الذي خرج إلى بدر‪،‬‬
‫ورؤية أختها زينب في مكة‪ ،‬وجعل عثمان ‪ ‬يرنو إليها من خلل‬
‫دموعه‪ ،‬والحزن يعتصر قلبه)‪ ,(3‬ودعت نبض الحياة وهي تشهد أن ل‬
‫إله إل الله وأن محمدا رسول الله‪ ،‬ولحقت بالرفيق العلى‪ ،‬ولم تَر‬
‫أباها رسول الله ×؛ حيث كان ببدر مع أصحابه الكرام‪ ،‬يعلون كلمة‬
‫الله‪ ،‬فلم يشهد دفنها ×‪ ,‬وجهزت رقية ثم حمل جثمانها الطاهر على‬
‫العناق‪ ،‬وقد سار خلفه زوجها وهو حزين‪ ،‬حتى إذا بلغت الجنازة‬
‫البقيع‪ ،‬دفنت رقية هناك‪ ،‬وقد انهمرت دموع المشيعين‪ ،‬وسوى‬
‫التراب على قبر رقية بنت رسول الله ×‪ .‬وفيما هم عائدون إذ بزيد‬
‫ابن حارثة قد أقبل على ناقة رسول الله × يبشر بسلمة رسول الله‬
‫× وقتل المشركين وأسر أبطالهم‪ ،‬وتلقى المسلمون في المدينة‬
‫هذه النباء بوجوه مستبشرة بنصر الله لعباده المؤمنين‪ ،‬وكان من‬
‫بين المستبشرين وجه عثمان الذي لم يستطع أن يخفي آلمه لفقده‬
‫)( المين ذو النورين‪ ،‬محمود شاكر‪ ،‬ص ‪.40‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( الخلفاء الراشدون‪ ،‬عبد الوهاب النجار‪ ،‬ص ‪.269‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( نساء أهل البيت‪ ،‬أحمد خليل جمعة‪ ،‬ص ‪.504 -491‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪24‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫رقية رضي الله عنها‪ .‬وبعد عودة الرسول × علم بوفاة رقية ‪-‬رضي‬
‫عنها‪(1-‬فخرج إلى البقيع ووقف على قبر ابنته يدعو لها‬ ‫الله‬
‫بالغفران) ‪.‬‬
‫لم يكن عثمان بن عفان ‪‬ممن تخلفوا عن بدر لتقاعس منه أو‬
‫هروب ينشده كما يزعم أصحاب الهواء ممن طعن عليه بتغيبه عن بدر‪،‬‬
‫فهو لم يقصد مخالفة الرسول ؛×لن الفضل الذي حازه أهل بدر في‬
‫شهود بدر طاعة الرسول ومتابعته‪ ،‬وعثمان ‪‬خرج فيمن خرج مع‬
‫جل ّ فرض لطاعته‬‫ده ×للقيام على ابنته‪ ،‬فكان في أ َ‬ ‫رسول الله فر ّ‬
‫فشاركهم في الغنيمة‬ ‫وأجره‬ ‫بسهمه‬ ‫له‬ ‫ضرب‬ ‫وقد‬ ‫وتخليفه‪،‬‬ ‫لرسول الله‬
‫والفضل والجر لطاعته الله ورسوله وانقياده لهما‪(2).‬فعن عثمان بن‬
‫عبد الله بن موهب قال‪ :‬جاء رجل من مصر حج البيت فقال‪ :‬يا ابن عمر‬
‫إني سائلك عن شيء فحدثني أنشدك الله بحرمة هذا البيت‪ ،‬هل تعلم‬
‫أن عثمان تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ فقال‪ :‬نعم‪ ،‬ولكن أما تغيبه عن‬
‫فمرضت‪ ،‬فقال له رسول الله ×‪:‬‬ ‫بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله‬
‫»لك أجر رجل شهد بدرا وسهمه«‪(3).‬وعن أبي وائل‪ ،‬عن عثمان بن‬
‫أنه قال‪ :‬أما يوم بدر فقد تخلفت على بنت رسول الله ×‪ ،‬وقد‬ ‫عفان ‪‬‬
‫وقال( زائدة في حديثه‪ :‬ومن ضرب‬ ‫بسهم‪.‬‬ ‫فيها‬ ‫لي‬
‫×‬ ‫الله‬ ‫رسول‬ ‫ضرب‬
‫عد عثمان ‪ ‬من البدريين‬ ‫رسول( الله ×فيها بسهم فقد شهد‪ 4).‬وقد ُ‬ ‫له‬
‫بالتفاق)‪. 5‬‬
‫‪ -2‬عثمان وغزوة أحد‪:‬‬
‫في غزوة أحد منح الله ‪-‬عز وجل‪ -‬النصر للمسلمين في أول‬
‫المعركة‪ ،‬وأخذت سيوف المسلمين تعمل عملها في رقاب‬
‫المشركين‪ ،‬وكانت الهزيمة ل شك فيها‪ ،‬وقتل أصحاب لواء‬
‫المشركين واحدا واحدا‪ ،‬ولم يقدر أحد أن يدنو من اللواء‪ ،‬وانهزم‬
‫المشركون‪ ،‬وولولت النسوة بعد أن كن يغنين بحماس ويضربن‬
‫بالدفوف‪ ،‬فألقين بالدفوف وانصرفن مذعورات إلى الجبل كاشفات‬
‫سيقانهن‪ ،‬ولكن مال ميزان المعركة فجأة‪ ،‬وكان سبب ذلك أن‬
‫الرماة الذين أوكل إليهم النبي × مكانا على سفح الجبل ل يغادرونه‬
‫مهما كانت نتيجة المعركة قد تخلوا إل قليل عن أماكنهم‪ ،‬ونزلوا إلى‬
‫الساحة يطلبون الغنائم لما نظروا المسلمين يجمعونها‪ ،‬وانتهز خالد‬
‫بن الوليد قائد سلح الفرسان القرشي فرصة خلو الجبل من الرماة‪،‬‬
‫وقلة من به منهم فكّر بالخيل ومعه عكرمة بن أبي جهل‪ ،‬فقتلوا‬
‫بقية الرماة ومعهم أميرهم عبد الله بن جبير ‪ ‬الذي ثبت هو‬
‫وطائفة قليلة معه‪ ,‬وفي غفلة المسلمين‪ ،‬وأثناء انشغالهم بالغنائم‬
‫أطبق خالد ومن معه عليهم‪ ،‬فأعملوا فيهم القتل‪ ،‬فاضطرب أمر‬
‫المسلمين اضطرابا شديدا‪ ،‬وانهزمت طائفة من المسلمين إلى‬
‫قرب المدينة منهم عثمان بن عفان ولم يرجعوا حتى انفض القتال‪،‬‬
‫وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا أن النبي × قد قتل‪ ،‬وفرقة ثبتت مع‬

‫دماء على قميص عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.20‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫كتاب المامة والرد على الرافضة‪ ،‬للصبهاني‪ ،‬ص ‪.302‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫البخاري‪ ،‬رقم‪.(3698) :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫المامة والرد على الرافضة‪ ،‬ص ‪.304‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫عثمان بن عفان‪ ،‬صادق عرجون‪ ،‬ص ‪.47‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪25‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫النبي ×‪ ،‬أما الفرقة التي انهزمت وفرت فلقد أنزل الله فيها قرآنا‬
‫م‬
‫و َ‬‫م يَ ْ‬ ‫من ْك ُ ْ‬ ‫ول ّ ْ‬
‫وا ِ‬ ‫ن تَ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ن ال ّ ِ‬
‫َ‬
‫يتلى إلى يوم القيامة‪ ،‬قال تعالى‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫سُبوا‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ك‬ ‫ما‬ ‫ض‬ ‫ع‬
‫ُ ِ َ ْ ِ َ‬‫ب‬‫ب‬ ‫ن‬ ‫طا‬ ‫ّ‬
‫م ال ْ‬
‫ي‬‫ش‬ ‫ه ُ‬ ‫ست ََزل ّ ُ‬‫ما ا ْ‬
‫ن إ ِن ّ َ‬ ‫عا ِ‬‫م َ‬ ‫قى ال ْ َ‬
‫ج ْ‬ ‫ال ْت َ َ‬
‫م" ]آل عمران‪ [155 :‬غير‬ ‫ٌ‬ ‫لي‬
‫ِ‬ ‫ح‬
‫ٌ َ‬ ‫ر‬ ‫فو‬ ‫ُ‬ ‫َ‬
‫غ‬ ‫ه‬
‫َ‬ ‫الل‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫م‬
‫ُ ْ ِ ّ‬‫ه‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫الل‬ ‫فا‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ق ْ‬
‫د‬ ‫ول َ َ‬‫َ‬
‫أن أصحاب الهواء ل يرون إل ما تهوى أنفسهم‪ ،‬فلم يروا من‬
‫المتراجعين إل عثمان ‪ ،‬فكانوا يتهمونه دون سائر)‪(1‬المتراجعين من‬
‫الصحابة‪ ،‬وهل يبقى وحده؟ ولو فعل لخاطر بنفسه ‪ ,‬وبعد أن عفا‬
‫ي‪ ،‬ل لبس فيه ول غموض‪ ،‬فل‬ ‫الله عن المتراجعين فالحكم واضح جل ّ‬
‫مؤاخذة بعد ذلك على عثمان بن عفان)‪ , (2‬فيكفي أن الله عفا عنه‬
‫بنص القرآن الكريم‪ ،‬وحياته الجهادية بمجموعها تشهد له على‬
‫شجاعته‪.‬‬
‫‪ -3‬في غزوة غطفان )ذي إمر(‪:‬‬
‫ندب رسول الله × المسلمين وخرج في أربعمائة رجل ومعهم‬
‫بعض الجياد‪ ،‬واستخلف على المدينة عثمان بن عفان ‪ ‬فأصابوا‬
‫صة( يقال له جبار من بني ثعلبة‪ ،‬فأدخل على‬ ‫ق ّ‬ ‫رجل منهم )بذي ال ُ‬
‫رسول الله × فأخبره من خبرهم‪ ،‬وقال‪ :‬لن يلقوك‪ ،‬لما سمعوا‬
‫بمسيرك هربوا في رؤوس الجبال وأنا سائر معك‪ ،‬فدعاه رسول الله‬
‫ق‬
‫× إلى السلم فأسلم‪ ،‬وضمه رسول الله × إلى بلل ولم يل ِ‬
‫رسول‪(3‬الله × إلى المدينة ولم يلق‬ ‫رسول الله × أحدا‪ ،‬ثم أقبل‬
‫كيدا‪ ،‬وكانت غيبته إحدى عشر ليلة) ‪.‬‬
‫‪ -4‬في غزوة ذات الرقاع‪:‬‬
‫بلغ رسول الله × أن جمًعا من غطفان من ثعلبة وأنمار يريدون‬
‫غزو المدينة‪ ،‬فخرج في أربعمائة من أصحابه حتى قدم صراًرا‪ ،‬وكان‬
‫رسول الله × قد استخلف على المدينة قبل خروجه عثمان بن‬
‫عفان‪ ،‬لقي المسلمون جمعا غفيرا من غطفان‪ ،‬وتقارب الناس‪ ،‬ولم‬
‫يكن بينهم حرب‪ ،‬وقد خاف الناس بعضهم بعضا‪ ،‬حتى صلى رسول‬
‫الخوف ثم انصرف بالناس‪ ،‬وقد غاب عن‬ ‫الله × بالناس صلة‬
‫المدينة خمسة عشر يوما)‪.(4‬‬
‫‪ -5‬في بيعة الرضوان‪:‬‬
‫عندما نزل رسول الله الحديبية رأى من الضرورة إرسال مبعوث‬
‫خاص من جانبه إلى قريش يبلغهم فيها نواياه السلمية بعدم الرغبة‬
‫في القتال‪ ،‬وحرصه على احترام المقدسات‪ ،‬ومن ثم أداء مناسك‬
‫العمرة‪ ،‬والعودة إلى المدينة‪ ،‬فوقع الختيار على أن يكون مبعوث‬
‫الرسول × إلى قريش )خراش بن أمية الخزاعي( وحمله على جمل‬
‫يقال له )الثعلب(‪ ,‬فلما دخل مكة عقرت به قريش‪ ،‬وأرادوا قتل‬
‫خراش فمنعهم الحابيش‪ ،‬فعاد خراش بن أمية إلى رسول الله ×‬
‫وأخبره بما صنعت قريش‪ ،‬فأراد رسول الله × أن يرسل سفيرا آخر‬
‫بتبليغ قريش رسالة رسول الله ×‪ ،‬ووقع الختيار في بداية المر‬
‫المين ذو النورين‪ ،‬محمود شاكر‪ ،‬ص ‪.49‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫ذو النورين مع النبي‪ ،‬د‪ .‬عاطف لماضة‪ ،‬ص ‪.32‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫الروض النف )‪ ,(3/137‬الطبقات لبن سعد )‪.(35 ،2/34‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫المين ذو النورين‪ ،‬محمود شاكر‪ ،‬ص ‪.53 ،52‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪26‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫عن الذهاب إليهم‪،‬‬ ‫)‪(2‬‬
‫على عمر بن الخطاب)‪ ,(1‬فاعتذر لرسول الله ×‬
‫وأشار على رسول الله × أن يبعث عثمان مكانه‪ ،‬وعرض عمر ‪‬‬
‫رأيه هذا معزًزا بالحجة الواضحة‪ ،‬وهي ضرورة توافر الحماية لمن‬
‫يخالط هؤلء العداء‪ ,‬وحيث إن هذا المر لم يكن متحققا بالنسبة‬
‫لن( له قبيلة تحميه من‬ ‫لعمر ‪ ،‬فقد أشار على النبي × بعثمان ‪‬‬
‫أذى المشركين حتى يبلغ رسالة رسول الله ×)‪ , 3‬وقال لرسول الله‬
‫×‪ :‬إني أخاف قريشا على نفسي‪ ،‬قد عرفت عداوتي لها‪ ،‬وليس بها‬
‫من بني عدي من يمنعني‪ ،‬وإن أحببت يا رسول الله دخلت عليهم)‪,(4‬‬
‫فلم يقل رسول الله × شيئا‪ ،‬قال عمر‪ :‬ولكن أدلك يا رسول الله‬
‫على رجل أعز بمكة مني‪ ،‬وأكثر عشيرة وأمنع‪ ،‬عثمان بن عفان‪،‬‬
‫فدعا رسول الله × عثمان ‪ ‬فقال‪» :‬اذهب إلى قريش‬
‫ت لقتال أحد‪ ،‬وإنما جئنا زواًرا لهذا‬ ‫فخبرهم أّنا لم نأ ِ‬
‫الهدي‪ ،‬ننحره وننصرف«‪،‬‬ ‫معنا‬ ‫لحرمته‪،‬‬ ‫البيت‪ ،‬معظمين‬
‫فخرج عثمان بن عفان ‪ ‬حتى أتى بلدح)‪ (5‬فوجد قريشا هناك‪،‬‬
‫فقالوا‪ :‬أين تريد؟ قال‪ :‬بعثني رسول الله × إليكم‪ ،‬يدعوكم إلى الله‬
‫وإلى السلم‪ ،‬تدخلون في دين الله كافة‪ ،‬فإن الله مظهر دينه ومعز‬
‫نبيه‪ ،‬وأخرى تكفون وي َِلي هذا منه غيركم‪ ،‬فإن ظفروا بمحمد فذلك‬
‫ما أردتم‪ ،‬وإن ظفر محمد كنتم بالخيار أن تدخلوا فيما دخل فيه‬
‫الناس أو تقاتلوا وأنتم وافرون جامون‪ ،‬إن الحرب قد نهكتكم‪،‬‬
‫وأذهبت بالماثل منكم‪ ،‬فجعل عثمان يكلمهم فيأتيهم بما ل يريدون‪،‬‬
‫ويقولون‪ :‬قد سمعنا ما تقول ول كان هذا أبدا‪ ،‬ول دخلها علينا عنوة‪،‬‬
‫فارجع إلى صاحبك فأخبره أنه ل يصل إلينا‪ ،‬فقام إليه أبان بن سعيد‬
‫بن العاص فرحب به وأجاره وقال‪ :‬ل تقصر عن حاجتك‪ ،‬ثم نزل عن‬
‫فرس كان عليه‪ ،‬فحمل عثمان على السرج وردفه وراءه‪ ،‬فدخل‬
‫عثمان مكة فأتى أشرافهم رجل رجل؛ أبا سفيان بن حرب‪ ،‬وصفوان‬
‫بن أمية‪ ،‬وغيرهما من لقي ببلدح‪ ،‬ومنهم من لقي بمكة‪ ،‬فجعلوا‬
‫أبدا‪ (6).‬وعرض المشركون‬ ‫يردون عليه‪ :‬إن محمدا ل يدخلها علينا‬
‫على عثمان ‪ ‬أن يطوف بالبيت فأبى)‪ ،(7‬وقام عثمان بتبليغ رسالة‬
‫رسول الله × إلى المستضعفين بمكة وبشرهم بقرب الفرج‬
‫والمخرج‪ (8)،‬وأخذ منهم رسالة شفهية إلى رسول الله × جاء فيها‪:‬‬
‫اقرأ على رسول الله × منا السلم‪ ،‬إن الذي أنزله بالحديبية لقادر‬
‫على أن يدخله بطن مكة‪ (9).‬وتسربت شائعة إلى المسلمين مفادها‬
‫قتال‬
‫)‪(10‬‬
‫أن عثمان قتل‪ ،‬فدعا رسول الله × أصحابه إلى مبايعته على‬
‫الصحابة وبايعوه على الموت‬ ‫المشركين ومناجزتهم‪ ،‬فاستجاب‬
‫سوى الجد بن قيس وذلك لنفاقه‪ (11).‬وفي رواية أن البيعة كانت‬

‫)( غزوة الحديبية لبي فارس‪ ،‬ص ‪.83‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( المغازي‪ ،‬محمد عمر الواقدي )‪.(2/600‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (2،‬المغازي‪ ،‬محمد عمر الواقدي )‪.(2/600‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( مكان قريب من مكة‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( زاد المعاد )‪ ،(3/290‬السيرة النبوية لبن هشام )‪.(3/344‬‬ ‫‪6‬‬

‫)‪ (6 ،‬زاد المعاد )‪.(3/290‬‬ ‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)( غزوة الحديبية لبي فارس‪ ،‬ص ‪.85‬‬ ‫‪9‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬رقم الحديث‪.(4169) :‬‬ ‫‪10‬‬

‫)( السيرة النبوية في ضوء المصادر الصلية‪ ،‬ص ‪.486‬‬ ‫‪11‬‬

‫‪27‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫تعارض في ذلك؛‬ ‫)‪(3‬‬
‫على الصبر)‪ ,(1‬وفي رواية على عدم الفرار)‪ ،(2‬ول‬
‫لن المبايعة على الموت تعني الصبر وعدم الفرار‪ (4).‬وكان أول من‬
‫بايعه على ذلك أبا سنان عبد الله بن وهب السدي ‪ ،‬فخرج الناس‬
‫بعده يبايعون على بيعته)‪ ,(5‬وبايعه)‪(6‬سلمة بن الكوع ثلث مرات؛ في‬
‫أول الناس‪ ،‬وأوسطهم‪ ،‬وآخرهم‪ .‬وقال النبي × بيده اليمنى‪:‬‬
‫»هذه يد عثمان« فضرب بها على يده‪ (7).‬وكان عدد الصحابة‬
‫الذين أخذ منهم الرسول × المبايعة تحت الشجرة ألف وأربعمائة‬
‫صحابي‪ (8).‬وقد تحدث القرآن الكريم عن أهل بيعة الرضوان‪ ،‬وورد‬
‫فضلهم في نصوص كثيرة من اليات القرآنية‪ ،‬والحاديث النبوية‪،‬‬
‫منها‪:‬‬
‫د‬
‫ه يَ ُ‬ ‫ن الل َ‬ ‫عو َ‬ ‫ما ي َُباي ِ ُ‬ ‫ك إ ِن ّ َ‬ ‫عون َ َ‬ ‫ن ي َُباي ِ ُ‬ ‫ذي َ‬ ‫ن ال ّ ِ‬ ‫‪ -1‬قال َتعالى‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫ن‬ ‫م ْ‬ ‫و َ‬ ‫ه َ‬ ‫س ِ‬ ‫ْ‬
‫على ن َف ِ‬ ‫َ‬ ‫ث َ‬ ‫ُ‬
‫ما َين َك ُ‬ ‫ث فإ ِن ّ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫من ن ّك َ‬ ‫ف َ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫ه َ‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫دي ِ‬‫وق َ أي ْ ِ‬ ‫ف ْ‬ ‫َالل ِ‬
‫و َ‬
‫ما" ]الفتح‪.[10 :‬‬ ‫ظي‬
‫َ ُ ِ ِ ْ ً َ ِ ً‬ ‫ع‬ ‫را‬ ‫ج‬ ‫أ‬ ‫ه‬ ‫تي‬ ‫ْ‬
‫ؤ‬ ‫ي‬ ‫س‬ ‫ف‬ ‫ه‬
‫َ‬ ‫الل‬ ‫ه‬
‫فى ِ َ َ َ َ َ ْ ُ‬
‫ي‬ ‫ل‬ ‫ع‬ ‫د‬ ‫ه‬ ‫عا‬ ‫ما‬ ‫ب‬ ‫أ ْ‬
‫ج‬‫عَر ْ ِ‬ ‫عَلى ال ْ‬ ‫ول َ َ‬ ‫ج َ‬ ‫حَر ٌ‬ ‫مى َ‬ ‫ع َ‬ ‫عَلى ال ْ‬ ‫س َ‬ ‫تعالى‪+ ْ :‬ل َي ْ َ‬ ‫‪ -2‬قال‬
‫ه‬
‫خل ُ‬ ‫دْ ِ‬ ‫ُ‬ ‫ي‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫سو‬ ‫ُ‬ ‫ر‬ ‫َ َ‬‫و‬ ‫ه‬
‫َ‬ ‫الل‬ ‫ع‬ ‫ِ‬ ‫ط‬ ‫ُ‬ ‫ي‬ ‫من‬ ‫َ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ج‬
‫ٌ‬ ‫ر‬‫َ‬ ‫ح‬
‫َ‬ ‫ض‬ ‫ري‬ ‫ِ‬ ‫م‬
‫َ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫لى‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ول َ‬ ‫ج َ‬ ‫حَر ٌ‬ ‫َ‬
‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬
‫ما‬ ‫ذاًبا أِلي ً‬ ‫ع َ‬ ‫ه َ‬ ‫عذّب ْ ُ‬ ‫ل يُ َ‬ ‫و ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫من‬ ‫َ‬ ‫و‬ ‫ُ َ‬ ‫ر‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫ال‬ ‫ها‬
‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ت‬‫ح‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫من‬ ‫ِ‬ ‫ري‬ ‫ِ‬ ‫ج‬‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ت‬
‫ٍ‬ ‫نا‬ ‫ّ‬ ‫ج‬ ‫َ‬
‫ة‬
‫جَر ِ‬ ‫ش َ‬ ‫ت ال ّ‬ ‫حَ َ‬ ‫ك تَ ْ‬ ‫عون َ َ‬ ‫ن إ ِذْ ي َُباي ِ ُ‬ ‫مِني َ‬ ‫ؤ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ُ‬ ‫عن ال ْ‬ ‫َ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫الل‬ ‫ي‬
‫َ‬ ‫ض‬ ‫ِ‬ ‫ر‬
‫َ‬ ‫ْ‬ ‫د‬ ‫ق‬‫َ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫‪‬‬
‫ِ‬
‫حا‬ ‫فت ْ ً‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫وأَثاب َ ُ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫ة َ َ‬
‫علي ْ ِ‬ ‫كين َ َ‬ ‫س ِ‬ ‫ل ال ّ‬ ‫فأ َن َْز َ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫قلوب ِ ِ‬
‫في ُ ُ‬ ‫ما ِ‬ ‫م َ‬ ‫عل ِ َ‬ ‫ف َ‬ ‫َ‬
‫با" ]الفتح‪.[18 ،17 :‬‬ ‫ري ً‬ ‫ق ِ‬ ‫َ‬
‫‪ -3‬قال جابر بن عبد الله ‪ :‬قال لنا رسول الله × يوم الحديبية‪:‬‬
‫الرض«‪ ،‬وكنا ألفا وأربعمائة‪ ،‬ولو كنت أبصر‬ ‫»أنتم خير أهل‬
‫لريتكم موضع الشجرة‪ (9).‬هذا الحديث صريح في فضل أصحاب‬
‫الشجرة؛ فقد كان من المسلمين إذ ذاك جماعة بمكة وبالمدينة‬
‫ي على عثمان؛‬ ‫وبغيرهما‪ ..‬وتمسك به بعض الشيعة في تفضيل عل ّ‬
‫لن عليا كان من جملة من خوطب بذلك‪ ،‬وممن بايع تحت الشجرة‪،‬‬
‫وكان عثمان حينئذ غائبا‪ ،‬وهذا التمسك باطل؛ لن النبي × بايع عنه‬
‫الخيرية( المذكورة‪ ،‬ولم يقصد في الحديث‬ ‫)‪10‬‬
‫فاستوى معهم عثمان في‬
‫إلى تفضيل بعضهم على بعض‪.‬‬
‫وفي الحديبية ذكر المحب الطبري اختصاص عثمان بعدة أمور‪،‬‬
‫منها‪ :‬اختصاصه بإقامة يد النبي الكريمة مقام يد عثمان لما بايع‬
‫الصحابة وعثمان غائب‪ ،‬واختصاصه بتبليغ رسالة رسول الله × إلى‬
‫ن بمكة أسيرا من المسلمين‪ ،‬وذكر شهادة النبي × لعثمان‬ ‫م ْ‬ ‫َ‬
‫بموافقته في ترك الطواف لما أرسله في تلك الرسالة)‪ ،(11‬فعن‬
‫)( البخاري‪ ،‬رقم‪.4169 :‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( مسلم‪ ،‬رقم‪.1856 :‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (7 ،6 ،‬السيرة النبوية في ضوء المصادر الصلية‪ ،‬ص ‪.486‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫زاد المعاد‪.(3/291) ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫صحيح السيرة النبوية‪ ،‬ص ‪.404‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫السيرة النبوية في ضوء المصادر الصلية‪ ،‬ص ‪.482‬‬ ‫)(‬ ‫‪8‬‬

‫مسلم‪.(1485) ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪9‬‬

‫فتح الباري )‪.(7/443‬‬ ‫)(‬ ‫‪10‬‬

‫الرياض النضرة في مناقب العشرة‪ ،‬ص)‪.(491 ،490‬‬ ‫)(‬ ‫‪11‬‬

‫‪28‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫إياس بن سلمة عن أبيه أن النبي × بايع لعثمان إحدى يديه على‬
‫الطواف بالبيت آمنا‪ ،‬فقال‬ ‫الخرى‪ ،‬فقال الناس‪ :‬هنيئا لبي عبد الله‬
‫النبي ×‪» :‬لو مكث كذا ما طاف حتى أطوف« )‪.(1‬‬
‫وقد اتهم عثمان ظلما بأنه لم يبايع رسول الله × بيعة الرضوان‬
‫وكان متغيبا عنها‪ ،‬فهذه من التهامات التي ألصقت بعثمان في‬
‫أحضان فتنة أريد بها تقويض أركان الخلفة خاصة)‪ ،(2‬وسيأتي تفصيل‬
‫ذلك بإذن الله تعالى‪ .‬وعن أنس قال‪ :‬لما أمر رسول الله × ببيعة‬
‫الرضوان كان عثمان بن عفان بعثه رسول الله × إلى أهل مكة‬
‫فبايعه الناس‪ ،‬فقال‪ :‬إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله‪،‬‬
‫الرض‪ ،‬فكانت يد رسول الله × لعثمان‬ ‫فضرب بإحدى يديه على‬
‫خيرا من أيديهم لنفسهم)‪.(3‬‬
‫‪ -6‬شفاعة عثمان بن عفان في عبد الله بن أبي السرح في‬
‫فتح مكة‪:‬‬
‫لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي السرح عند‬
‫عثمان بن عفان‪ ،‬فجاء به حتى أوقفه على النبي ×‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول‬
‫الله بايع عبد الله‪ ،‬فرفع رأسه‪ ،‬فنظر إليه ثلثا‪ ،‬كل ذلك يأبى‪ ,‬فبايعه‬
‫بعد ثلث ثم أقبل على الصحابة فقال‪» :‬أما كان فيكم رجل‬
‫رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته‬
‫فيقتله«‪ ،‬فقالوا‪ :‬ما ندري يا رسول الله ما في نفسك‪ ،‬أل أومأت‬
‫بعينك؟‪(4‬قال‪» :‬إنه ل ينبغي لنبي أن يكون له خائنة‬ ‫إلينا‬
‫)‬
‫العين«‪.‬‬
‫وجاء في رواية‪ :‬لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله × الناس إل‬
‫أربعة نفر‪ ،‬وقال‪» :‬اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين‬
‫بن‪(5‬أبي جهل‪ ،‬وعبد الله بن‬ ‫بأستار الكعبة‪ :‬عكرمة‬
‫ومقيس بن حبابة) وعبد الله بن سعد بن أبي‬ ‫خطل‪،‬‬
‫السرح«‪ (6) .‬فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار‬
‫الكعبة فاستبق إليه سعد بن حارث وعمار بن ياسر فسبق سعيد‬
‫عمارا‪ ،‬وكان أشب الرجلين فقتله‪ ،‬وأما عكرمة فركب في البحر‬
‫فأصابتهم ريح عاصف‪ ،‬فقال أصحاب السفينة‪ :‬أخلصوا فإن آلهتكم ل‬
‫تغني عنكم شيئا ههنا‪ ،‬فقال عكرمة‪ :‬والله لئن لم ينجني في البحر‬
‫ي عهد إن أنت‬ ‫إل الخلص لم ينجني في البر غيره‪ ،‬اللهم لك عل ّ‬
‫عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده ولجدنه‬
‫عفوا كريما‪ ،‬فجاء وأسلم‪ .‬وأما عبد الله بن سعد بن أبي السرح فإنه‬
‫البيعة‬
‫)‪(7‬‬
‫اختبأ عند عثمان بن عفان‪ ،‬فلما دعا رسول الله الناس إلى‬
‫جاء به حتى أوقفه على النبي ×‪ ،‬ثم ذكر الباقي كما مر معنا‪.‬‬

‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪ ،491‬في سنده ضعف‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( ذو النورين مع النبي‪ ،‬ص ‪.32‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( سير السلف الصالحين )‪ ،(1/181‬إسناده ضعيف‪ ،‬والحديث صحيح‪ ،‬سنن‬ ‫‪3‬‬

‫الترمذي‪ ،‬رقم‪.(3702) :‬‬
‫)( الصارم المسلول على شاتم الرسول‪ ،‬ص ‪.109‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( أضواء البيان في تاريخ القرآن‪ ,‬صابر أبو سليمان‪ ،‬ص ‪.79‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( المصدر نفسه‪ ,‬ص ‪.79‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.80‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪29‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫وعن عبد الله بن عباس قال‪ :‬كان عبد الله بن سعد بن أبي‬
‫السرح يكتب لرسول الله ×‪ ،‬فأزله الشيطان فلحق بالكفار‪ ،‬فأمر به‬
‫رسول( الله × أن يقتل يوم الفتح‪ ،‬فاستجار له عثمان‪ ،‬فأجاره رسول‬
‫الله‪ 1).‬وذكر ابن إسحاق سبب أمر رسول الله × بقتل سعد‬
‫وشفاعة عثمان فيه فقال‪ :‬وإنما أمر رسول الله × بقتله لنه كان قد‬
‫أسلم‪ ،‬وكان يكتب لرسول الله × الوحي‪ ،‬فارتد مشركا راجعا إلى‬
‫قريش‪ ،‬ففر إلى عثمان بن عفان وكان أخاه للرضاعة‪ ،‬فغيبه حتى‬
‫أتى به رسول الله × بعد أن اطمأن الناس وأهل مكة فاستأمن له‪،‬‬
‫فوله عمر بن الخطاب بعض أعماله‪،‬‬ ‫قال ابن هشام‪ :‬ثم أسلم بعد‪،‬‬
‫ثم وله عثمان بن عفان بعد عمر)‪.(2‬‬
‫‪ -7‬غزوة تبوك‪:‬‬
‫في العام التاسع الهجري ولي هرقل وجهه المتآمر صوب‬
‫ظا برغبة شريرة في العدوان عليها والتهامها‪،‬‬ ‫الجزيرة العربية متلم ً‬
‫وأمر قواته بالستعداد وانتظار أمره بالزحف‪ ،‬وترامت النباء إلى‬
‫الرسول × فنادى في أصحابه بالتهيؤ للجهاد وكان الصيف حارا‬
‫يصهر الجبال‪ ،‬وكانت البلد تعاني الجدب والعسرة‪ ،‬فإن قاوم‬
‫المسلمون بإيمانهم وطأة الحر القاتل وخرجوا إلى الجهاد فوق‬
‫الصحراء الملتهبة المتأججة فمن أين لهم العتاد‪ ،‬والنفقات التي‬
‫يتطلبها الجهاد؟ لقد حض الرسول على التبرع فأعطى ك ّ‬
‫ل قدَر‬
‫وسعه‪ ،‬وسارعت النساء بالحلي يقدمنه إلى رسول الله × يستعين‬
‫به في إعداد الجيش‪ ،‬بيد أن التبرعات جميعها لم تكن لتغني كثيرا‬
‫أمام المتطلبات للجيش الكبير‪ ،‬ونظر الرسول × إلى الصفوف‬
‫الطويلة العريضة من الذين تهيأوا للقتال وقال‪» :‬من يجهز هؤلء‬
‫ويغفر الله له؟« وما كاد عثمان يسمع نداء الرسول × هذا حتى‬
‫سارع إلى مغفرة من الله ورضوان‪ ،‬وهكذا وجدت العسرة الضاغطة‬
‫)عثمانها‬
‫المعطاء( )‪ ،(3‬وقام ‪ ‬بتجهيز الجيش حتى لم يتركه بحاجة إلى‬
‫خطام أو عقال‪.‬‬
‫يقول ابن شهاب الزهري‪ :‬قدم عثمان لجيش العسرة في غزوة‬
‫تبوك تسعمائة وأربعين بعيرا‪ ،‬وستين فرسا أتم بها اللف‪ ،‬وجاء‬
‫عثمان إلى رسول الله في جيش العسرة بعشرة آلف دينار صبها‬
‫يقلبها بيده ويقول‪» :‬ما ضر عثمان ما‬ ‫بين يديه‪ ،‬فجعل الرسول‬
‫كان عثمان ‪ ‬صاحب القدح‬ ‫لقد‬ ‫)‪(4‬‬
‫مرتين‪.‬‬ ‫عمل بعد اليوم«‬
‫المعلى في النفاق في هذه الغزوة)‪ ,(5‬وهذا عبد الرحمن بن حباب‬
‫يحدثنا عن نفقة عثمان حيث قال‪ :‬شهدت النبي × وهو يحث على‬
‫ي‬
‫جيش العسرة‪ ،‬فقام عثمان بن عفان فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬عل ّ‬
‫مائتا بعير بأحلسها وأقتابها في سبيل الله‪ ،‬ثم حض على الجيش‬
‫ي ثلثمائة بعير‬
‫فقام عثمان بن عفان فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬عل ّ‬
‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.80‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(58 ،4/57‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( فتح الباري )‪ ،(7/67‬خلفاء الرسول‪ ،‬ص ‪ ،250‬العشرة المبشرون بالجنة‪،‬‬ ‫‪3‬‬

‫محمد صالح عوض‪ ،‬ص ‪.53‬‬
‫)( سنن الترمذي‪ ،‬رقم‪ .(3785) :‬صحيح التوثيق‪ ،‬ص ‪.26‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( السيرة النبوية في ضوء المصادر الصلية‪ ،‬ص ‪.615‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪30‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫بأحلسها وأقتابها في سبيل الله‪ ،‬فأنا رأيت رسول الله ينزل على‬
‫ما عمل بعد هذه‪ ،‬ما‬ ‫المنبر وهو يقول‪» :‬ما على عثمان‬
‫)‪(1‬‬
‫على عثمان ما عمل بعد هذه«‪.‬‬
‫وعن عبد الرحمن بن سمرة ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬قال‪ :‬جاء عثمان‬
‫بن عفان إلى النبي × بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي × جيش‬
‫ويقول‪» :‬ما ضر ابن‬ ‫العسرة‪ ،‬قال‪ :‬فجعل النبي × يقلبها بيده‬
‫)‪(2‬‬
‫عفان ما عمل بعد اليوم« يرددها مرارا‪.‬‬
‫إنه يبدو وكأنه الممول الوحيد للمة الجديدة‪ ،‬ومضى الرسول ×‬
‫على رأس جيشه حتى وصلوا موطنا يدعى تبوك في منتصف الطريق‬
‫بين المدينة ودمشق‪ ،‬وهناك جاءته النباء مبشرة بأن هرقل الذي كان‬
‫يعد العدة للزحف من دمشق قد ثلم الله عزمه‪ ،‬وغادر دمشق نافضا‬
‫يديه من محاولته اليائسة بعد أن علم بخروج النبي وأصحابه إليه‪ ،‬ورجع‬
‫الجيش بكل عتاده الذي أمده به عثمان‪ ،‬فهل استرجع من ذلك شيئا؟‬
‫التلبية لكل إيماءة‬ ‫كل‪ ..‬وحاشاه أن يفعل‪ ،‬وقد ظل كما كان دوما سريع‬
‫تعني جديدا من البذل‪ ،‬ومزيدا من العطاء)‪.(3‬‬ ‫من النبي ×‬
‫ثانًيا‪ :‬من حياته الجتماعية في المدينة‪:‬‬
‫‪ -1‬زواجه من أم كلثوم سنة ‪ 3‬هـ‪:‬‬
‫عرفت أم كلثوم ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬بكنيتها ول يعرف لها اسم إل‬
‫مصعب‪(4‬الزبيري أن اسمها أمية‪ ،‬وهي أكبر سنا‬ ‫ما ذكره الحاكم عن‬
‫من فاطمة رضي الله عنها) ‪.‬‬
‫قال سعيد بن المسيب‪ :‬تأيم عثمان من رقية بنت رسول الله ×‪،‬‬
‫وتأيمت حفصة بنت عمر من زوجها‪ ،‬فمر عمر بعثمان‪ ،‬فقال‪ :‬هل‬
‫لك في حفصة‪ ،‬وكان عثمان قد سمع رسول الله × يذكرها فلم‬
‫من‪(5‬ذلك؟‬ ‫يجبه‪ ،‬وذكر ذلك عمر للنبي × فقال‪ :‬هل لك في خير‬
‫أتزوج حفصة‪ ،‬وأزوج عثمان خيرا منها‪ :‬أم كلثوم‪ ).‬وفي‬
‫رواية البخاري‪ :‬قال عمر‪ :‬تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن‬
‫حذافة السهمي‪ ،‬وكان من أصحاب رسول الله فتوفي في المدينة‪،‬‬
‫فقال عمر‪ :‬أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة بنت عمر‪.‬‬
‫قال‪ :‬فقلت‪ :‬إن شئت أنكحتك حفصة‪ ،‬فقال‪ :‬سأنظر في أمري‪،‬‬
‫فلبثت ليالي‪ ،‬ثم لقيني فقال‪ :‬قد بدا لي أن ل أتزوج يومي هذا‪ ،‬قال‬
‫بنت‬
‫شئت زوجتك حفصة َ‬ ‫عمر‪ :‬فلقيت أبا بكر الصديق‪ ،‬فقلت‪ :‬إن‬
‫جد َ‬‫ي شيئا‪ ،‬فكنت عليه أوْ َ‬ ‫ّ‬ ‫إل‬ ‫عمر‪ ،‬فصمت أبو بكر الصديق فلم يرجع‬
‫مني على عثمان‪ ،‬فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله × فأنكحتها‬
‫ي‬
‫ي حين عرضت عل ّ‬ ‫إياه‪ ،‬فلقيني أبو بكر فقال‪ :‬لعلك وجدت عل ّ‬
‫حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟ قال عمر‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬فإنه لم يمنعني أن‬
‫ي‪ ،‬إل أني كنت علمت أن رسول الله قد‬ ‫أرجع إليك فيما عرضت عل ّ‬
‫ذكرها‪ ،‬فلم أكن لفشي سر رسول الله ×‪ ،‬ولو تركها رسول الله‬
‫سنن الترمذي‪ ،‬رقم‪.(3700) :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫سنن الترمذي‪ ،‬رقم‪.(3702) :‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫خلفاء الرسول‪ ،‬ص ‪ ،138‬العشرة المبشرون بالجنة‪ ،‬ص ‪.31‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫الدوحة النبوية الشريفة‪ ،‬فاروق حمادة‪ ،‬ص ‪.46 ،45‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫مستدرك الحاكم )‪ ،(4/49‬الثار لبي يوسف رقم‪.(1957) :‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪31‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫)‪(1‬‬
‫قبلتها‪.‬‬
‫وتروي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬خبر‬
‫زواج أم كلثوم من عثمان ‪ ‬فتقول‪ :‬لما زوج النبي ابنته أم كلثوم‬
‫أيمن‪» :‬هيئ ابنتي أم كلثوم وزفيها إلى عثمان‪،‬‬ ‫قال لم‬
‫وخفقي)‪ (2‬بين يديها بالدف«‪ ،‬ففعلت ذلك‪ ،‬فجاءها النبي ×‬
‫فدخل‪(3‬عليها فقال‪» :‬يا بنية‪ ،‬كيف وجدت بعلك«؟‬ ‫)‬
‫بعد الثالثة‬
‫قالت‪ :‬خير بعل‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪ ‬أن النبي × وقف عند باب المسجد فقال‪:‬‬
‫»يا عثمان‪ ،‬هذا جبريل أخبرني أن الله قد زوجك أم‬
‫كلثوم بمثل صداق رقية‪ ،‬وعلى مثل صحبتها«‪ ،‬وكان ذلك‬
‫ثلث من الهجرة النبوية‪ ،‬في ربيع الول‪ ،‬وبنى بها في جمادى‬ ‫)‪(4‬‬
‫سنة‬
‫الخرة‪.‬‬
‫‪ -2‬وفاة عبد الله بن عثمان‪:‬‬
‫وفي جمادى الولى سنة أربع من الهجرة مات عبد الله بن‬
‫عثمان ‪ ‬من رقية بنت رسول الله × وهو ابن)‪(5‬ست سنين‪ ،‬فصلى‬
‫رسول الله × عليه‪ ،‬ونزل حفرته والده عثمان‪ .‬وهذه محنة‬
‫عظيمة تعرض لها عثمان‪ ،‬وما أكثر المحن في حياة الدعاة إلى الله‬
‫تعالى‪.‬‬
‫‪ -3‬وفاة أم كلثوم رضي الله عنها‪:‬‬
‫ولم تزل أم كلثوم عند عثمان ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬إلى أن توفيت‬
‫في شعبان سنة تسع من الهجرة بسبب مرض نزل بها‪ ،‬وصلى عليها‬
‫رسول الله × وجلس على قبرها‪ .‬وعن أنس ابن مالك أنه رأى النبي‬
‫× جالسا على قبر أم كلثوم‪ ،‬قال‪ :‬فرأيت عينيه تدمعان‪ ،‬فقال‪» :‬هل‬
‫رجل لم يقارف الليلة؟« فقال أبو طلحة‪ :‬أنا‪ ،‬قال‪» :‬فانزل في‬ ‫)‪(6‬‬
‫منكم‬
‫قبرها«‪.‬‬
‫وعن ليلى بنت قانف الثقفية قالت‪ :‬كنت فيمن غسل أم كلثوم‬
‫بنت رسول الله × عند وفاتها‪ ،‬فكان أول ما أعطانا رسول الله ×‬
‫الحقو‪ ،‬ثم الدرع‪ ،‬ثم الخمار‪ ،‬ثم الملحفة‪ ،‬ثم أدرجت بعده في الثوب‬
‫الخر‪ (،‬قالت‪ :‬ورسول الله × عند الباب ومعه كفنها يناولنا إياه ثوبا‬‫)‪7‬‬
‫ي بن أبي طالب‪ ,‬والفضل بن‬ ‫ثوبا‪ .‬وجاء عند ابن سعد أن عل ّ‬
‫العباس‪ ،‬وأسامة بن زيد‪ ،‬قد نزلوا في حفرتها مع أبي طلحة وأن‬
‫التي غسلتها هي أسماء بنت عميس‪ ،‬وصفية بنت عبد المطلب)‪.(8‬‬
‫وقد تأثر عثمان ‪ ‬وحزن حزنا عظيما على فراقه لم كلثوم‪،‬‬
‫البخاري‪ ،‬كتاب النكاح‪ ،‬رقم‪.(5122) :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫خفق‪ :‬اضطرب وتحرك‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫السيرة النبوية لبي شهبة )‪ ،(2/231‬دماء على قميص عثمان‪ ،‬ص ‪.22‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫سنن ابن ماجه‪ ،‬رقم‪ ،(110) :‬وفيه عثمان بن خالد وهو ضعيف‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫الكامل لبن الثير )‪ ،(2/130‬دماء على قميص عثمان‪ ،‬ص ‪.22‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫البخاري‪ ،‬كتاب الجنائز‪ ،‬رقم‪.(1342) :‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫سنن أبي داود‪ ،‬رقم‪.(3157) :‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫الطبقات لبن سعد‪ ,(8/39) ،‬الدوحة النبوية‪ ،‬ص ‪.48‬‬ ‫)(‬ ‫‪8‬‬

‫‪32‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫ورأى رسول الله × عثمان ‪ ‬وهو يسير منكسرا وفي وجهه حزن‬
‫فدنا منه وقال‪» :‬لو كانت عندنا ثالثة لزوجناكها يا‬ ‫لما أصابه‪،‬‬
‫عثمان«‪ .‬وهذا دليل حب رسول الله × لعثمان‪ ،‬ودليل وفاء‬ ‫)‪(1‬‬

‫عثمان لنبيه وتوقيره‪ ،‬وفيه دليل على نفي ما اعتاده الناس من‬
‫في مثل هذا الموطن‪ ،‬فإن قدر الله ماض وأمره نافذ ول‬ ‫التشاؤم‬
‫راد لمره)‪.(2‬‬
‫ثالثـا‪ :‬من مساهماته القتصادية في بناء الدولة‪:‬‬
‫كان عثمان ‪ ‬من الغنياء الذين أغناهم الله عز وجل‪ ،‬وكان‬
‫صاحب تجارة وأموال طائلة‪ ،‬ولكنه استخدم هذه الموال في طاعة‬
‫الله ‪-‬عز وجل‪ -‬وابتغاء مرضاته وما عنده‪ ،‬وصار سّباقا لكل خير ينفق‬
‫ول يخشى الفقر‪ ،‬ومما أنفقه ‪ ‬من نفقاته الكثيرة على سبيل‬
‫المثال ما يأتي‪:‬‬
‫‪ -1‬بئر رومة‪:‬‬
‫عندما قدم النبي × المدينة المنورة وجد أن الماء العذب قليل‪،‬‬
‫وليس بالمدينة ما يستعذب غير بئر رومة‪ ،‬فقال رسول الله ×‪» :‬من‬
‫بخير‪(4‬له في‬
‫)‬
‫يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلء المسلمين‬
‫الجنة«‪ (3).‬وقال ×‪» :‬من حفر بئر رومة فله الجنة«‪.‬‬
‫وقد كانت رومة قبل قدوم النبي × ل يشرب منه أحد إل بثمن‪،‬‬
‫فلما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء‪ ،‬وكانت لرجل من بني‬
‫د‪ ،‬فقال النبي ×‪:‬‬‫م ّ‬
‫غفار عين يقال لها رومة‪ ،‬وكان يبيع منها القربة ب ِ ُ‬
‫»تبيعها بعين في الجنة؟« فقال‪ :‬يا رسول الله‪ ,‬ليس لي ول لعيالي‬
‫غيرها‪ ،‬فبلغ ذلك عثمان ‪ ‬فاشتراها بخمسة وثلثين ألف درهم‪ ،‬ثم‬
‫أتجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال‪» :‬نعم« قال‪:‬‬ ‫أتى النبي × فقال‪:‬‬
‫قد جعلتها للمسلمين‪ (5).‬وقيل‪ :‬كانت رومة ركية ليهودي يبيع‬
‫من‪(6‬اليهودي بعشرين‬ ‫المسلمين ماءها‪ ،‬فاشتراها عثمان بن عفان‬
‫ألف درهم‪ ،‬فجعلها للغني والفقير وابن السبيل) ‪.‬‬
‫‪ -2‬توسعة المسجد النبوي‪:‬‬
‫بعد أن بنى رسول الله × مسجده في المدينة‪ ،‬فصار المسلمون‬
‫يجتمعون فيه ليصلوا الصلوات الخمس‪ ،‬ويحضروا خطب النبي ×‬
‫التي يصدر إليهم فيها أوامره ونواهيه‪ ،‬ويتعلموا في المسجد أمور‬
‫دينهم‪ ،‬وينطلقوا منه إلى الغزوات ثم يعودون بعدها‪ ،‬ولذلك ضاق‬
‫المسجد بالناس‪ ،‬فرغب النبي × من بعض الصحابة أن يشتري بقعة‬
‫بجانب المسجد لكي تزاد في المسجد حتى يتسع لهله‪ ،‬فقال ×‪:‬‬
‫»من يشتري بقعة آل فلن فيزيدها في المسجد بخير له منها في‬

‫مجمع الزوائد للهيثمي )‪ ،(9/83‬إسناده حسن لما له من شواهد‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫الخلفاء الراشدون‪ ..‬أعمال وأحداث‪ ،‬د‪.‬أمين القضاة‪ ،‬ص ‪.73‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫صحيح النسائي لللباني )‪.(2/766‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫أخرجه البخاري رقم‪ (2778) :‬معلقا‪ ،‬وهو صحيح لشواهده‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫تحفة الحوذي بشرح سنن الترمذي )‪.(10/196‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫فتح الباري )‪ ,(5/408‬الحكمة في الدعوة إلى الله‪ ،‬ص ‪.231‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪33‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫بخمسة‬
‫)‪(2‬‬
‫)‪(1‬‬
‫الجنة؟« فاشتراها عثمان بن عفان ‪ ‬من صلب ماله‬
‫ثم أضيفت للمسجد ‪ ,‬ووسع‬ ‫وعشرين ألف درهم‪ ،‬أو بعشرين ألفا‪،‬‬
‫على المسلمين رضي الله عنه وأرضاه)‪.(3‬‬
‫‪ -3‬العسرة وعثمانها المعطاء‪:‬‬
‫عندما أراد رسول الله × الرحيل إلى غزوة تبوك حث الصحابة‬
‫الغنياء على البذل لتجهيز جيش العسرة الذي أعده رسول الله ×‬
‫ل على‬ ‫لغزو الروم‪ ،‬فأنفق الموال من صحابة رسول الله × ك ّ‬
‫طاقته وجهده‪ ،‬أما عثمان فقد أنفق نفقة عظيمة لم ينفق‬ ‫حسب‬
‫أحد مثلها )‪ ,(4‬وقد تم بيانها عند حديثنا عن موقفه في غزوة تبوك‪.‬‬
‫***‬

‫صحيح سنن الترمذي لللباني )‪ ،(3/209‬رقم‪.(2921) :‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫صحيح سنن النسائي )‪.(2/766‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫أعلم المسلمين لخالد البيطار )‪.(3/41‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫الحكمة في الدعوة إلى الله‪ ،‬ص ‪.231‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪34‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫المبحث الرابع‬
‫من أحاديث الرسول × في عثمان بن عفان‬
‫ل‪ :‬فيما ورد في فضائله مع غيره‪:‬‬ ‫أو ً‬
‫شره بالجنة على بلوى تصيبه‪:‬‬ ‫‪ -1‬افتح له وب ّ‬
‫عن أبي موسى ‪ ‬قال‪ :‬كنت مع النبي × في حائط من حيطان‬
‫المدينة‪ ،‬فجاء رجل فاستفتح‪ ،‬فقال النبي ×‪» :‬افتح له‪ ،‬وبشره‬
‫بالجنة« ففتحت له فإذا هو أبو بكر فبشرته بما قال رسول الله‪،‬‬
‫فحمد الله‪ ،‬ثم جاء رجل فاستفتح فقال النبي ×‪» :‬افتح له وبشره‬
‫بالجنة« ففتحت له فإذا هو عمر‪ ،‬فأخبرته بما قال النبي × فحمد‬
‫الله‪ ،‬ثم استفتح رجل فقال لي‪» :‬افتح له وبشره بالجنة على بلوى‬
‫فأخبرته بما قال رسول الله × فحمد الله‪،‬‬ ‫)‪(1‬‬
‫تصيبه« فإذا هو عثمان‪،‬‬
‫ثم قال‪ :‬الله المستعان‪.‬‬
‫هذا الحديث تضمن فضيلة هؤلء الثلثة المذكورين؛ وهم أبو بكر‬
‫وعمر وعثمان‪ ،‬وأنهم من أهل الجنة كما تضمن فضيلة لبي موسى‪،‬‬
‫وفيه دللة على جواز الثناء على النسان في وجهه إذا أمنت عليه‬
‫لخباره بقصة عثمان‬ ‫العجاب ونحوه‪ ،‬وفيه معجزة ظاهرة للنبي ×‬
‫والبلوى‪ ،‬وأن الثلثة يستمرون على اليمان والهدى)‪.(2‬‬
‫‪ -2‬اسكن أحد فليس عليك إل نبي وصديق وشهيدان‪:‬‬
‫عن أنس ‪ ‬قال‪ :‬صعد النبي × أحدا ومعه أبو بكر وعمر‬
‫‪-‬أظنه ضربه برجله‪ -‬فليس‬ ‫وعثمان‪ ،‬فرجف‪ ،‬فقال‪» :‬اسكن أحد‬
‫عليك إل نبي وصديق وشهيدان« )‪.(3‬‬
‫‪ -3‬اهدأ فما عليك إل نبي أو صديق أو شهيد‪:‬‬
‫عن أبي هريرة‪ :‬أن رسول الله × كان على حراء‪ ،‬وأبو بكر‬
‫وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير‪ ،‬فتحركت الصخرة‪ ،‬فقال‬
‫رسول الله ×‪» :‬اهدأ‪ ،‬فما عليك إل نبي أو صديق أو شهيد« )‪.(4‬‬
‫‪ -4‬حياء عثمان ‪:‬‬
‫عن يحيى بن سعيد بن العاص أن سعيد بن العاص أخبره أن‬
‫عائشة زوج النبي × وآله وعثمان حدثاه أن أبا بكر استأذن على‬
‫مْرط عائشة فأذن‬ ‫س ِ‬‫رسول الله × وهو مضطجع على فراشه لب ٌ‬
‫لبي بكر وهو كذلك‪ ،‬فقضى إليه حاجته ثم انصرف‪ ،‬ثم استأذن عمر‬
‫فأذن له وهو على تلك الحال‪ ،‬فقضى إليه حاجته ثم انصرف‪ ،‬قال‬
‫عثمان‪ :‬ثم استأذنت عليه فجلس‪ ،‬وقال لعائشة‪» :‬اجمعي عليك‬
‫ثيابك«‪ ،‬فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت‪ ،‬فقالت عائشة‪ :‬يا رسول‬
‫الله‪ ،‬ما لي لم أرك فزعت لبي بكر وعمر ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬كما‬

‫البخاري‪ ،‬رقم )‪.(3695‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫شرح النووي على صحيح مسلم‪.(171 ،170 /15) ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫البخاري‪ ،‬رقم )‪.(3697‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫مسلم‪ ،‬رقم )‪.(2417‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪35‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫فزعت لعثمان؟ قال رسول الله ×‪» :‬إن عثمان رجل حيي‪ ،‬وإني‬
‫)‪(1‬‬
‫ي في حاجته«‪.‬‬ ‫خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن ل يبلغ إل ّ‬
‫‪ -5‬استحياء الملئكة من عثمان‪:‬‬
‫عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة قالت‪ :‬كان رسول الله‬
‫× مضطجعا في بيتي كاشفا عن فخذيه أو ساقيه‪ ،‬فاستأذن أبو بكر‬
‫فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث‪ ،‬ثم استأذن عمر فأذن له وهو‬
‫كذلك فتحدث‪ ،‬ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله × وسوى ثيابه‪.‬‬
‫قال محمد ‪-‬أحد رواة الحديث‪ ،‬ول أقول ذلك في يوم واحد‪ -‬فدخل‬
‫ش له ولم‬‫فتحدث‪ ،‬فلما خرج قالت عائشة‪ :‬دخل أبو بكر فلم تهت ّ‬
‫ت َُباِله‪ ،‬ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله‪ ،‬ثم دخل عثمان فجلست‬
‫وسويت ثيابك‪ ،‬فقال‪» :‬أل استحي من رجل تستحي منه‬
‫الملئكة؟!«‪ (2) .‬قال المناوي‪ :‬مقام عثمان مقام الحياء‪ ،‬والحياء‬
‫فرع يتولد من إجلل من يشاهده ويعظم قدره‪ ،‬مع نقص يجده في‬
‫النفس‪ ،‬فكأنه غلب عليه إجلل الحق تعالى‪ ،‬ورأى نفسه بعين‬
‫النقص والتقصير‪ ،‬وهما من جليل خصال العباد المقربين‪ ،‬فعلت رتبة‬
‫كما‪(3‬أن من أحب‬‫)‬
‫عثمان كذلك‪ ،‬فاستحيت منه خلصة الله من خلقه‪،‬‬
‫الله أحب أولياءه‪ ،‬ومن خاف الله خاف منه كل شيء‪.‬‬
‫‪ -6‬أصدقها حياء عثمان‪:‬‬
‫عن أنس بن مالك قال‪ :‬قال رسول الله ×‪» :‬أرحم أمتي أبو‬
‫بكر‪ ،‬وأشدها في دين الله عمر‪ ،‬وأصدقها حياء عثمان‪ ،‬وأعلمها‬
‫بالحلل والحرام معاذ بن جبل‪ ،‬وأقرأها لكتاب الله ُأبي‪ ،‬وأعلمها‬
‫زيد‪(4‬بن ثابت‪ ،‬ولكل أمة أمين‪ ،‬وأمين هذه المة أبو عبيدة‬ ‫)‬
‫بالفرائض‬
‫بن الجراح«‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬إخبار رسول الله × عن الفتنة التي يقتل فيها عثمان‪:‬‬
‫‪ -1‬من نجا من ثلث فقد نجا‪:‬‬
‫عن عبد الله بن حوالة أن رسول الله × قال‪» :‬من نجا من ثلث‬
‫فقد‬
‫مرات‪ :-‬موتى‪ ،‬والدجال‪ ،‬وقتل خليفة مصطبر بالحق‬ ‫)‪(5‬‬
‫‪-‬ثلث‬ ‫نجا‬
‫معطيه«‪.‬‬
‫ومعلوم أن الخليفة الذي قتل مصطبرا بالحق هو عثمان‪،‬‬
‫فالقرائن تدل على أن الخليفة المقصود بهذا الحديث هو عثمان بن‬
‫عفان ‪ .‬وفي الحديث ‪-‬والله أعلم‪ -‬لفتة عظيمة إلى أهمية السلمة‬
‫من الخوض في هذه الفتنة حسّيا ومعنوًيا‪ ،‬أما حسًيا فذلك يكون في‬
‫الفتنة من تحريض وتأليب وقتل وغير ذلك‪ ،‬وأما معنوًيا فبعد الفتنة‬
‫من خوض فيها بالباطل‪ ،‬وكلم فيها بغير حق‪ ،‬وبهذا يكون الحديث‬

‫)( مسلم‪ ،‬رقم )‪.(2402‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( مسلم‪ ،‬رقم )‪.(2401‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( فيض القدير للمناوي‪.(4/302) ،‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( مسند المام أحمد‪ ،‬باقي كتاب مسند المكثرين‪ ،‬باب مسند أنس بن مالك )‬ ‫‪4‬‬

‫‪.(12493‬‬
‫)( المسند )‪ ،(5/346) (4/419‬تحقيق أحمد شاكر‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪36‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫)‪(1‬‬
‫عاما للمة‪ ،‬وليس خاصا بمن أدرك الفتنة‪.‬‬
‫‪ -2‬يقتل فيها هذا المقنع يومئذ‪:‬‬
‫عن ابن عمر قال‪ :‬ذكر رسول الله × فتنة‪ ،‬فمر رجل فقال‪:‬‬
‫»يقتل فيها هذا)‪(2‬المقنع يومئذ مظلوما« قال‪ :‬فنظرت فإذا‬
‫هو عثمان بن عفان ‪.‬‬
‫‪ -3‬هذا يومئذ على الهدى‪:‬‬
‫عن كعب بن عجرة قال‪ :‬ذكر رسول الله × فتنة فقربها‪ ،‬فمر‬
‫رجل مقنع رأسه‪ ،‬فقال رسول الله ×‪» :‬هذا يومئذ على الهدى‪.‬‬
‫فوثبت فأخذت بضبعي عثمان‪ ،‬ثم استقبلت رسول الله × فقلت‪:‬‬
‫هذا؟ قال‪ :‬هذا«)‪.(3‬‬
‫‪ -4‬تهيج فتنة كالصياصي‪ ،‬فهذا ومن معه على الحق‪:‬‬
‫عن مرة البهزي قال‪ :‬كنت عند رسول الله ×‪ ،‬وقال بهز ‪-‬من‬
‫رواة الحديث‪ :-‬قال رسول الله ×‪» :‬تهيج فتنة كالصياصى‪،‬‬
‫«‪(4.‬قال‪ :‬فذهبت فأخذت بمجامع‬ ‫فهذا ومن معه على الحق‬
‫ثوبه‪ ،‬فإذا هو عثمان بن عفان ‪. )‬‬
‫‪ -5‬هذا يومئذ وأصحابه على الحق والهدى‪:‬‬
‫عن أبي الشعث قال‪ :‬قامت خطباء بإيلياء في إمارة معاوية ‪،‬‬
‫فتكلموا وكان آخر من تكلم مرة بن كعب فقال‪ :‬لول حديث سمعته‬
‫من رسول الله × ما قمت‪ ،‬سمعت رسول الله × يذكر فتنة فقربها‪،‬‬
‫فمر رجل مقنع فقال‪» :‬هذا يومئذ وأصحابه على الحق‬
‫والهدى«‪ ،‬فقلت‪ :‬هذا يا رسول الله؟ وأقبلت بوجهه إليه فقال‪:‬‬
‫»هذا«‪ ،‬فإذا هو عثمان ‪.(5)‬‬
‫‪ -6‬عليكم بالمين وأصحابه‪:‬‬
‫عن أبي حبيبة أنه دخل الدار وعثمان محصور فيها‪ ،‬وأنه سمع أبا‬
‫هريرة يستأذن عثمان في الكلم‪ ،‬فأذن له‪ ،‬فقام فحمد الله وأثنى‬
‫عليه ثم قال‪ :‬إني سمعت رسول الله × يقول‪» :‬إنكم تلقون بعدي‬
‫فتنة واختلفا« أو قال »اختلفا وفتنة«‪ ،‬فقال له قائل من الناس‪:‬‬
‫فمن لنا يا رسول الله؟ قال‪» :‬عليكم بالمين وأصحابه«‪ ،‬وهو يشير‬
‫إلى عثمان بذلك)‪.(6‬‬
‫‪ -7‬فإن أرادك المنافقون على خلعه فل تخلعه‪:‬‬
‫عن عبد الله بن عامر‪ ،‬عن النعمان بن بشير عن عائشة قالت‪:‬‬
‫)( فتنة مقتل عثمان‪ ،‬د‪ .‬محمد عبد الله الغبان )‪.(1/44‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( فضائل الصحابة )‪ (1/551‬إسناده حسن‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( صحيح سنن ابن ماجه )‪.(1/24‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( المسند )‪ (5/33‬له طرق تقويه‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( مسند أحمد‪ ،‬مسند الشاميين‪ ،‬باب حديث كعب بن مرة السلمي أو مرة بن‬ ‫‪5‬‬

‫كعب‪ ،‬حديث رقم )‪.(17602‬‬
‫)( فضائل الصحابة )‪ (1/500‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪37‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫أرسل رسول الله × إلى عثمان بن عفان‪ ،‬فأقبل عليه رسول الله‬
‫×‪ ،‬فلما رأينا رسول الله × أقبلت إحدانا على الخرى‪ ,‬فكان آخر‬
‫كلم كّلمه أن ضرب منكبه وقال‪» :‬يا عثمان‪ ،‬إن الله ‪-‬عز وجل‪-‬‬
‫عسى أن يلبسك قميصا‪ ،‬فإن أرادك المنافقون على خلعه فل تخلعه‬
‫حتى تلقاني‪ .‬يا عثمان‪ ،‬إن الله عسى أن يلبسك قميصا‪ ،‬فإن أرادك‬
‫المنافقون على خلعه فل تخلعه حتى تلقاني« ثلثا‪ .‬فقلت لها‪ :‬يا أم‬
‫المؤمنين‪ ،‬فأين كان هذا عنك؟ قالت‪ :‬نسيته والله فما ذكرته‪ .‬قال‪:‬‬
‫ض بالذي أخبرته حتى كتب‬ ‫فأخبرته معاوية بن أبي سفيان فلم ير َ‬
‫)‪(1‬‬
‫ي به‪ ،‬فكتبت إليه به كتابا‪.‬‬
‫إلى أم المؤمنين أن اكتبي إل ّ‬
‫ي عهدا وإني صابر نفسي عليه‪:‬‬ ‫‪ -8‬إن رسول الله × عهد إل ّ‬
‫عن أبي سهلة‪ ،‬عن عائشة قالت‪ :‬قال رسول الله ×‪:‬‬
‫»ادعوا لي بعض أصحابي« قلت‪ :‬أبو بكر؟ قال‪» :‬ل« ‪ ،‬قلت‪:‬‬
‫ح«‪ ،‬فجعل يساره)‪,(2‬‬ ‫عثمان؟ قال‪» :‬نعم«‪ ،‬فلما جاء قال‪» :‬تن ّ‬
‫ولون عثمان يتغير‪ ،‬فلما كان يوم الدار وحصر قلنا‪ :‬يا أمير‬
‫ي عهدا‬ ‫قال‪ :‬ل‪ ،‬إن رسول الله × عهد إل ّ‬ ‫المؤمنين‪ ،‬أل تقاتل؟‬
‫)‪(3‬‬
‫وهذا الحديث يبين شدة محبة‬ ‫وإني صابر نفسي عليه‪.‬‬
‫وحرصه على مصالح المة بعده‪ ،‬فقد‬ ‫رسول الله × لعثمان ‪‬‬
‫أخبره بأشياء تتعلق بهذه الفتنة التي ستنتهي بقتله‪ ،‬وحرص‬
‫عليه الصلة والسلم على سريتها‪ ،‬حتى إنه لم يصل إلينا منها‬
‫أثناء الفتنة لما قيل له‪ :‬أل تقاتل؟‬ ‫إل ما صرح به عثمان ‪‬‬
‫فقد قال‪ :‬ل‪ ،‬إن رسول الله × عهد إل ّي عهدا‪ ،‬وإني صابر‬
‫)‪(4‬‬
‫ويظهر من قوله هذا‪ ،‬أن النبي × قد أرشده إلى‬ ‫عليه‪.‬‬
‫الموقف الصحيح عند اشتعال الفتنة‪ ،‬وذلك أخذا منه × بحجز‬
‫الفتنة أن تنطلق‪ ،‬وفي بعض الروايات زيادة تكشف عن بعض‬
‫مكنون هذه المسا ّ رة‪ ،‬فقد جاء فيها أن النبي × قال له‪» :‬وإن‬
‫)‪(5‬‬
‫مصك الله ‪-‬عز وجل‪ -‬فل تفعل«‪.‬‬ ‫سألوك أن تنخلع من قميص ق ّ‬
‫ومضمون هذا العهد الذي ذكره عثمان ‪ ‬يتعلق بالفتنة‬
‫والوصية بالصبر فيها وعدم الخلع‪ ،‬وإن كان يفهم من هذه‬
‫الحاديث بأنه سيكون خليفة يو ًما ما‪.‬‬
‫ويبدو أن هناك وصايا وإرشادات تتعلق بهذه الفتنة‪ ،‬انفرد‬
‫بمعرفتها عثمان ‪ ‬محافظة من النبي × على السرية فيها‪ ،‬ومما‬
‫يبين ذلك أنه أمر عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬بالنصراف)‪ (6‬عندما‬
‫أراد السرار بها لعثمان ‪ ، ‬كما أسر إليه إسرارا رغم خلو‬
‫المكان من غيرهما حتى تغير لونه‪ ،‬مما يدل على عظم المسّر‬

‫)( مسند أحمد‪ ،‬باقي مسند النصار‪.(24045) ،‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( من المسارة مفاعلة‪ ،‬من السر أي المناجاة‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (3 ,‬فضائل الصحابة )‪ ،(1/506‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫)( فضائل الصحابةـ ) ‪ (1/506‬إسنادهـ صحيح‪.‬ـ‬

‫)( فضائل الصحابة )‪ (1/613‬إسناد صحيح‪ ،‬الطبقات )‪.(3/67،66‬‬ ‫‪5‬‬

‫ح(‪ ،‬ومعنى التنحي النصراف‪ ،‬الفيروز آبادي‪،‬‬
‫)( فقد قال لها النبي × ‪) :‬تن ّ‬ ‫‪6‬‬

‫القاموس المحيط )‪ ،(4/396‬لسان العرب )‪.(15/311‬‬

‫‪38‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫به‪ .‬وربط عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬السرار بالفتنة دليل واضح‬
‫على أن هذه المسارة كانت حول الفتنة التي قتل فيها‪ ،‬كما أن‬
‫السرار تضمن توجيهات منه × إلى عثمان ليقف الموقف‬
‫الصحيح عند عرض الخلع‪ ،‬وأن النبي × لم يقتصر على الخبار‬
‫بوقوع الفتنة‪ ،‬فقد أخبر بذلك في أحاديث كثيرة كما تقدم‪،‬‬
‫فإسراره يدل على أن السرار تضمن أشياء أخرى زيادة على‬
‫الخبار عن وقوعها‪ ،‬ورغب عليه الصلة والسلم بالمحافظة على‬
‫سريتها لحكمة اقتضت ذلك‪ ,‬الله أعلم بها‪.‬‬
‫وهذا الحديث يفسر لنا جليا سبب إصرار عثمان على رفض‬
‫القتال أثناء الحصار‪ ،‬كما يفسر أيضا سبب رفضه للتنازل عن الخلفة‬
‫وخلعها عندما عرض القوم عليه ذلك‪ ،‬وهما موقفان طالما تساءل‬
‫الباحثون والمؤرخون عن السبب الذي أدى عثمان إليهما‬
‫واستشكلوهما‪ (1).‬وحدث فتنة مقتل عثمان ‪ ‬من ضمن حوادث‬
‫كثيرة أخبر رسول الله × في حياته بأنها ستقع بالغيب‪ ،‬فإن علم‬
‫لحد( من خلقه وإنما‬ ‫الغيب صفة من صفات الله عز وجل‪ ،‬ليست‬
‫ذلك علم َأطلعه الله عليه وأمره أن يبينه للناس)‪ , 2‬قال تعالى‪:‬‬
‫ول َ ْ‬
‫و‬ ‫ه َ‬‫شاءَ الل ُ‬ ‫ما َ‬‫ض ّْرا إ ِل ّ َ‬
‫ول َ َ‬ ‫عا َ‬ ‫ف ً‬‫سي ن َ ْ‬
‫ْ‬
‫ف ِ‬‫ك ل ِن َ ْ‬‫مل ِ ُ‬
‫ْ‬ ‫قل َل ّ َأ ْ‬ ‫‪ُ +‬‬
‫ُ‬
‫سوءُ‬ ‫ي ال ّ‬ ‫سن ِ َ‬
‫م ّ‬
‫ما َ‬
‫و َ‬‫ر َ‬ ‫خي ْ ِ‬
‫ن ال َ‬‫م َ‬ ‫ت ِ‬ ‫َ‬
‫ست َكثْر ُ‬ ‫َ‬
‫بل ْ‬ ‫غي ْ َ‬‫م ال َ‬ ‫عل ُ‬ ‫تأ ْ‬ ‫كن ُ‬
‫ن" ]ألعراف‪.[188 :‬‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬
‫مُنو َ‬‫وم ٍ ي ّؤ ِ‬ ‫شيٌر لق ْ‬ ‫وب َ ِ‬‫ذيٌر َ‬ ‫ن أَنا إ ِل ن َ ِ‬ ‫إِ ْ‬
‫***‬

‫)‪ (2 ,‬فتنة مقتل عثمان‪ ،‬محمد عبد الله الغبان‪.(1/48) ،‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫)( فتنة مقتل عثمان‪،‬ـ محمدـ عبد اللهـ الغبان‪.(1/48 ) ،‬‬

‫‪39‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫المبحث الخامس‬
‫ذو النورين في عهد الصديق والفاروق‬
‫ل‪ :‬في عهد الصديق‪:‬‬‫أو ً‬
‫‪ -1‬من أهل الشورى في مسائل الدولة العليا‪:‬‬
‫كان عثمان ‪ ‬من الصحابة وأهل الشورى الذين يؤخذ رأيهم في‬
‫أمهات المسائل في خلفة أبي بكر‪ ،‬فهو ثاني اثنين في الحظوة عند‬
‫الصديق؛ عمر بن الخطاب للحزامة والشدائد‪ ،‬وعثمان بن عفان‬
‫للرفق والناة‪ .‬وكان عمر وزير الخلفة الصديقية‪ ،‬وكان عثمان أمينها‬
‫العام‪ ،‬وناموسها العظم وكاتبها الكبر‪ (1).‬وكان رأيه مقدما عند‬
‫الصديق؛ فبعد أن قضى أبو بكر على حركة الردة‪ ،‬أراد أن يغزو‬
‫الروم‪ ،‬وينطلق الجيش المجاهد إلى أطراف الرض‪ ،‬فقام في الناس‬
‫يستشيرهم‪ ،‬فقال اللباء ما عندهم‪ ،‬ثم استزادهم أبو بكر فقال‪ :‬ما‬
‫ترون؟ فقال عثمان‪ :‬إني أرى أنك ناصح لهل هذا الدين‪ ،‬شفيق‬
‫عليهم‪ ،‬فإذا رأيت رأيا لعامتهم صلحا‪ ،‬فاعزم على إمضائه فإنك غير‬
‫ظنين‪ (2).‬فقال طلحة والزبير وسعد وأبو عبيدة وسعيد بن زيد ومن‬
‫حضر ذلك المجلس من المهاجرين والنصار رضي الله عنهم‪ :‬صدق‬
‫)‪(3‬‬
‫ضه‪.‬‬
‫م ِ‬
‫عثمان‪ ،‬ما رأيت من رأي فأ ْ‬
‫ولما أراد الصديق أن يبعث واليا إلى البحرين استشار أصحابه‪،‬‬
‫)‪(4‬‬
‫فقال عثمان‪ :‬ابعث رجل قد بعثه رسول الله × إليهم فقدم عليه‬
‫بإسلمهم وطاعتهم‪ ،‬وقد عرفوه وعرفهم وعرف بلده )يعني العلء‬
‫)‪(5‬‬
‫بن الحضرمي ‪ ،(‬فبعث الصديق العلء إلى البحرين‪.‬‬
‫ولما اشتد المرض بأبي بكر استشار الناس فيمن يحبون أن يقوم‬
‫بالمر من بعده‪ ،‬فأشاروا بعمر‪ ،‬وكان رأي عثمان في عمر‪ :‬اللهم‬
‫علمي به أن سريرته خير من علنيته‪ ،‬وأنه ليس فينا مثله‪ (6).‬فقال‬
‫)‪(7‬‬
‫أبو بكر‪ :‬يرحمك الله‪ ،‬والله لو تركته ما عدتك‪.‬‬
‫‪ -2‬أزمة اقتصادية في عهد الصديق‪:‬‬
‫عن ابن عباس قال‪ :‬قحط المطر على عهد أبي بكر الصديق‪،‬‬
‫فاجتمع الناس إلى أبي بكر فقالوا‪ :‬السماء لم تمطر‪ ،‬والرض لم‬
‫تنبت‪ ,‬والناس في شدة شديدة‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬انصرفوا واصبروا‪،‬‬
‫فإنكم ل تمسون حتى يفرج الله الكريم عنكم‪ ،‬قال‪ :‬فما لبثنا أن جاء‬

‫)( عثمان بن عفان‪ ،‬صادق عرجون‪ ،‬ص ‪.58‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( تاريخ دمشق لبن عساكر )‪ ،(65 -2/63‬أبو بكر الصديق للصلبي‪ ،‬ص ‪.364‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( أبو بكر الصديق للصلبي‪ ،‬ص ‪.364‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( أي على النبي ×‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( كنز العمال )‪ ،(5/620‬رقم‪ ,(14093) :‬القيود الواردة على سلطة الدولة‪،‬‬ ‫‪5‬‬

‫عبد الله الكيلني‪ ،‬ص ‪ ،169‬تاريخ الطبري )‪.(4/122‬‬
‫)( الكامل لبن الثير )‪ ،(2/79‬الخلفاء الراشدون لمحمود شاكر‪ ،‬ص ‪.101‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( الكامل لبن الثير )‪.(2/79‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪40‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫أجراء عثمان من الشام‪ ،‬فجاءته مائة راحلة ب ُّرا ‪-‬أو قال طعاما‪-‬‬
‫فاجتمع الناس إلى باب عثمان‪ ،‬فقرعوا عليه الباب‪ ،‬فخرج إليهم‬
‫عثمان في مل من الناس‪ ،‬فقال‪ :‬ما تشاءون؟ قالوا‪ :‬الزمان قد‬
‫قحط؛ السماء ل تمطر‪ ،‬والرض ل تنبت‪ ،‬والناس في شدة شديدة‪،‬‬
‫وقد بلغنا أن عندك طعاما‪ ،‬فبعنا حتى نوسع على فقراء المسلمين‪،‬‬
‫فقال عثمان‪ :‬حّبا وكرامة ادخلوا فاشتروا‪ ،‬فدخل التجار‪ ،‬فإذا الطعام‬
‫موضوع في دار عثمان‪ ،‬فقال‪ :‬يا معشر التجار كم تربحونني على‬
‫شرائي من الشام؟ قالوا‪ :‬للعشرة اثنا عشر‪ ،‬قال عثمان‪ :‬قد زادني‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬للعشرة خمسة عشر‪ ،‬قال عثمان‪ :‬قد زادني‪ ،‬قال التجار‪ :‬يا‬
‫أبا عمرو‪ ،‬ما بقي بالمدينة تجار غيرنا‪ ،‬فمن زادك؟ قال‪ :‬زادني الله‬
‫‪-‬تبارك وتعالى‪ -‬بكل درهم عشرة‪ ،‬أعندكم زيادة؟ قالوا‪ :‬اللهم ل‪،‬‬
‫أشهد الله أني قد جعلت هذا الطعام صدقة على فقراء‬ ‫)‪(1‬‬
‫قال‪ :‬فإني‬
‫عباس‪ (2:‬فرأيت من ليلتي رسول الله × في‬ ‫ابن‬ ‫قال‬ ‫المسلمين‪.‬‬
‫حّلة من نور‪ ،‬في رجليه نعلن‬ ‫المنام وهو على برذون أبلق) عليه ُ‬
‫من نور‪ ،‬وبيده قصبة من نور‪ ،‬وهو مستعجل‪ ،‬فقلت‪ :‬يا رسول الله‪،‬‬
‫قد اشتد شوقي إليك وإلى كلمك فأين تبادر؟ قال‪» :‬يا ابن عباس‪،‬‬
‫الله قد قبلها منه وزوجه عروسا‬ ‫)‪(3‬‬
‫إن عثمان قد تصدق بصدقة‪ ،‬وإن‬
‫في الجنة‪ ،‬وقد دعينا إلى عرسه«‪.‬‬
‫فهل يفتح الله تعالى آذان عُّباد المال‪ ،‬ومحتكري قوت العباد‬
‫حا وجشًعا إلى صوت هذه العظمة العثمانية حتى تدلف إلى‬ ‫ش ّ‬
‫قلوبهم فتهزها هزة الريحية والعطف‪ ،‬وتوقظ فيها بواعث الرحمة‬
‫والحسان بالفقراء والمساكين‪ ،‬والرامل واليتامى وذوي الحاجات‬
‫من أهل الفاقة والبؤس‪ ،‬الذين طحنتهم أزمة الحياة واعتصرت‬
‫دماءهم شرابا لذوي القلوب المتحجرة من الثرياء؟! فما أحوج‬
‫المسلمين في هذه المرحلة من حياتهم إلى نفحة عثمانية في إنفاق‬
‫فا‬
‫والمساكين والمحتاجين تسري بينهم تعاط ً‬ ‫)‪(4‬‬
‫الموال على الفقراء‬
‫ومؤاساة وبّرا وإحسانا‪.‬‬
‫هذا موقف من مواقف الكرم والبر لعثمان ‪ ،‬فقد كان ‪ ‬من‬
‫ن‬
‫سا َ‬ ‫ن ال ِن ْ َ‬ ‫أرحم الناس بالناس‪ ،‬فهو يقرأ قول رب الناس‪+ :‬ك َل ّ إ ِ ّ‬
‫ويقرأ قوله تعالى‪:‬‬ ‫َ‬ ‫الطغيان‪،‬‬ ‫َ‬ ‫غى" ]العلق‪ [6 :‬فيصده ذلك عن‬ ‫ل َي َ َطْ ْ َ‬
‫ن‬ ‫ُ‬
‫م ت َت ْلو َ‬ ‫وأن ْت ُ ْ‬ ‫م َ‬ ‫سك ُ ْ‬ ‫ف َ‬ ‫ن أن ْ ُ‬ ‫و َ‬ ‫س ْ‬ ‫وت َن ْ َ‬ ‫س ِبالب ِّر َ‬ ‫ْ‬ ‫ن الّنا َ‬ ‫مُرو َ َ‬ ‫‪+‬أت َأ ُ‬
‫ن" ]البقرة‪ [44 :‬فيجعله ذلك من َأبعد الناس عن‬ ‫قُلو َ‬ ‫ع ِ‬ ‫فل َ ت َ ْ‬ ‫بأ َ‬ ‫ال ْك َِتا َ‬
‫وّلوا‬ ‫س ا ْل ْب ِّر أن ت ُ َ‬ ‫النفاق والمنافقين‪ ْ،‬ويقرأ قوله ْتعالى‪+ :‬ل َ َي ْ َ‬
‫ه‬
‫ن ِبالل ِ‬
‫َ‬
‫م َ‬ ‫ن آْ َ‬ ‫م ْ‬‫ن الب ِّر َ‬ ‫ولك ِ ّ‬ ‫ب َ‬ ‫ر ِ‬ ‫غ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫والْ َ‬ ‫ق َ‬ ‫رَ ِ‬ ‫شَ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ل ال ْ َ‬ ‫قب َ َ‬ ‫م ِ‬
‫َ‬ ‫هك ُ ْ‬ ‫جو َ‬
‫ْ‬
‫و ُ‬ ‫ُ‬
‫على‬ ‫ل َ‬ ‫ما َ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫تى‬ ‫َ‬ ‫وآ‬
‫َ َ‬ ‫ن‬ ‫يي‬
‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ب‬ ‫ّ‬ ‫ن‬‫وال‬ ‫ِْ َ‬ ‫ب‬ ‫تا‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ك‬ ‫ل‬ ‫وا‬‫َ‬ ‫ة‬‫ِ‬ ‫ك‬ ‫ِ‬ ‫ئ‬ ‫ل‬ ‫م‬
‫َ‬ ‫ل‬ ‫وا‬
‫َ‬ ‫ر‬
‫ِ‬ ‫خ‬
‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ِ‬ ‫م‬ ‫و‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫َ‬
‫ل‬‫سِبي ِ‬ ‫ن ال ّ‬ ‫واب ْ َ‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫كي َ‬ ‫سا ِ‬ ‫م َ‬ ‫وال َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫مى‬ ‫وال ْي ََتا َ‬ ‫َ‬ ‫قْرَبى‬ ‫وي ال ْ ُ‬ ‫ِ‬ ‫ه ذَ‬ ‫حب ّ ِ‬ ‫ُ‬
‫ة‬
‫كا ْ َ‬ ‫وآَتى الّز َ‬ ‫صل َةَ َ‬ ‫م ال ّ‬ ‫قا َ‬ ‫وأ َ‬ ‫ب َ‬ ‫قا ِ‬ ‫في الّر َ‬ ‫و ِ‬ ‫ن َ‬ ‫سائ ِِلي َ‬ ‫وال ّ‬ ‫َ‬
‫ء‬
‫سا ِ‬ ‫في الب َأ َ‬ ‫ْ‬ ‫ن ِ‬ ‫ري َ‬ ‫ّ ِ ِ‬‫ب‬ ‫صا‬ ‫وال‬ ‫َ‬ ‫دوا‬ ‫ُ‬ ‫ه‬
‫َ‬ ‫عا‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫ذا‬ ‫ِ‬ ‫إ‬ ‫م‬
‫ْ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫د‬
‫ِ‬ ‫ه‬
‫ْ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ب‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫فو‬ ‫ُ‬ ‫مو‬ ‫وال ْ ُ‬ ‫َ‬
‫)( الرقة والبكاء لبن قدامة‪ ،‬ص ‪ ,190‬الخلفاء الراشدون لحسن أبوب‪ ،‬ص‬ ‫‪1‬‬

‫‪ .191‬شهيد الدار لحمد‬
‫الخروف‪ ،‬ص ‪.21‬‬
‫)( الذي فيه سواد وبياض‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( الرقة والبكاء‪ ،‬ص ‪.190‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( عثمان بن عفان‪ ،‬صادق عرجون‪ ،‬ص ‪.52‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪41‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫س" ]البقرة‪ [177ُ :‬فيحمله ذلك على أن يكون‬ ‫حين ال ْبأ ْ‬
‫ِ‬ ‫َ‬ ‫و ِ َ‬ ‫ء ََ‬ ‫ضّرا ُ ِ‬‫وال)‪ّ (1‬‬ ‫َ‬
‫م‬
‫ُ ُ‬‫ه‬ ‫ك‬‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ئ‬‫َ‬ ‫ل‬ ‫أو‬‫و‬‫َ‬ ‫ُ‬
‫قوا‬ ‫د‬ ‫ص‬
‫ِ َ َ َ‬ ‫ن‬ ‫ذي‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫َ‬
‫ك‬ ‫ِ‬ ‫ئ‬ ‫ل‬ ‫أو‬ ‫‪+‬‬ ‫من‬
‫ن" ]البقرة‪.[177 :‬‬ ‫قو َ‬ ‫مت ّ ُ‬‫ال ْ ُ‬
‫ثانًيا‪ :‬في عهد الفاروق‪:‬‬
‫كان عثمان ذا مكانة عند عمر‪ ،‬فكانوا إذا أرادوا أن يسألوا عمر‬
‫عن شيء رموه بعثمان‪ ،‬وبعبد الرحمن بن عوف‪ .‬وكان عثمان‬
‫يسمى الرديف‪ ،‬والرديف بلسان العرب هو الذي يكون بعد الرجل‪،‬‬
‫بعد‪(2‬رئيس‪ ،‬وكانوا إذا لم‬
‫)‬
‫والعرب تقول ذلك للرجل الذي يرجونه‬
‫يقدر هذان على عمل شيء ثلثوا بالعباس‪.‬‬
‫دعى‬ ‫وقد حدث ذات مرة أن خرج عمر بالناس وعسكر بهم بما ي ُ ْ‬
‫فنادى( عمر‬ ‫)صرارا(‪ ،‬فجاء عثمان فسأله‪ :‬ما بلغك؟ ما الذي تريد؟‬
‫)الصلة جامعة(‪ ،‬ثم أخبر الناس عن عزمه في غزو العراق‪ 3).‬ولما‬
‫ولي عمر الخلفة استشار وجوه الصحابة في عطائه من بيت مال‬
‫المسلمين‪ ،‬فقال له عثمان‪ :‬كل واطعم‪ (4).‬وعندما أرسل أبو عبيدة‬
‫إلى عمر أن يقدم إلى بيت المقدس ليفتحه‪ ،‬فاستشار عمر الناس‪،‬‬
‫فأشار عثمان بأن ل يركب إليهم ليكون أحقر لهم‪ ،‬وأرغم لنوفهم‪،‬‬
‫وقال لعمر‪ :‬فأنت إن أقمت ولم تسر إليهم رأوا أنك بأمرهم‬
‫مستعد‪ ،‬فلم يلبثوا إلى السير حتى ينزلوا على‬ ‫)‪(5‬‬
‫مستخف ولقتالهم‬
‫عمر ما قال‬ ‫)‪(6‬‬
‫فهوى‬ ‫بالمسير‪،‬‬ ‫ي‬
‫ّ‬ ‫عل‬ ‫وأشار‬ ‫الجزية‪.‬‬ ‫الصغار ويعطوا‬
‫علي ليكون أخف وطأة على المسلمين في حصارهم‪.‬‬
‫لقد كانت مكانة عثمان في خلفة عمر بن الخطاب ‪-‬رضي الله‬
‫عنهما‪ -‬كمكانة الوزير من الخليفة‪ ،‬وإن شئت فقل‪ :‬هي مكانة عمر‬
‫من أبي بكر في خلفته‪ .‬وقد صنع الله لبي بكر بوزارة عمر لخلفته‬
‫ما يصنعه لخير أهله‪ ،‬وصنع لعمر بوزارة عثمان لخلفته ما يصنعه‬
‫لخير أهله‪ ،‬فقد كان أبو بكر أرحم الناس بالناس‪ ،‬وكان عمر أشدهم‬
‫في الحق‪ ،‬فمزج الله رحمة الصديق بشدة عمر‪ ،‬فكانت منها خلفة‬
‫الصدق وسياسة العدل‪ ،‬وقوم الحزم‪ .‬وكان عثمان ‪ ‬أشبه بالصديق‬
‫في رحمته‪ ،‬وكان عمر على سننه في شدته‪ ،‬فلما تولى بعد أبي بكر‬
‫ضا من رحمة الصديق‬ ‫جعل الله له في وزارة عثمان لخلفته عو ً‬
‫ورفقه‪ ،‬فكان منهما تلك المثال المضروبة في أنظمة الحكم‬
‫وسياسة المة أحكم سياسة وأعدلها‪ .‬وقد عرف الناس هذه المكانة‬
‫لعثمان في خلفة عمر‪ ،‬فهو الذي أشار على عمر بفكرة الديوان‬
‫وكتابة التاريخ‪ ،‬كما جاء في‬
‫بعض الروايات‪.‬‬
‫‪ -1‬الديوان‪:‬‬

‫)( شهيد الدار‪ ،‬ص ‪.23 ،22‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( تاريخ الطبري )‪ ,(4/83‬المرتضى للندوي‪ ،‬ص ‪.131‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (5 ,‬عثمان بن عفان‪ ،‬الخليفة الشاكر الصابر‪ ،‬ص ‪.63‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫)( عثمان بن عفان‪ ،‬الخليفةـ الشاكر الصابر‪ ،‬ص ‪.63‬‬

‫)( عثمان بن عفان‪ ،‬لمحمد حسين هيكل‪ ،‬ص ‪ ,48 ،47‬نقل عن السياسة المالية‬ ‫‪5‬‬

‫لعثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.24‬‬
‫)( عثمان بن عفان الخليفة الشاكر‪ ،‬ص ‪.63‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪42‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫لما اتسعت الفتوحات وكثرت الموال جمع عمر ناسا من‬
‫أصحاب رسول الله × ليستشيرهم في هذا المال‪ ،‬فقال عثمان‪:‬‬
‫أرى مال كثيرا يسع الناس‪ ،‬وإن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ منهم‬
‫ينتشر‪ (1‬المر‪ ،‬فأقر عمر رأي عثمان‪ ،‬وانتهى‬
‫)‬
‫ممن لم يأخذ خشيت أن‬
‫بهم ذلك إلى تدوين الدواوين‪.‬‬
‫‪ -2‬التاريخ‪:‬‬
‫جاء في بعض الروايات أن الذي أشار على عمر بجعل السنة‬
‫الهجرية تبدأ بالمحرم هو عثمان‪ ،‬وذلك أنهم لما اتفقوا بعد مشاورات‬
‫على جعل مبدأ التاريخ السلمي من هجرة النبي × لنها فرقت بين‬
‫الحق والباطل‪ ،‬تعددت الراء في أي الشهر يجعل بداية للسنة‪،‬‬
‫فقال عثمان‪ :‬أرخوا من المحرم أول السنة‪ ،‬وهو شهر حرام‪ ،‬وأول‬
‫الشهور في العدة‪ ،‬وهو منصرف الناس من الحج‪ ،‬فرضي عمر ومن‬
‫من( أصحابه رأي عثمان واستقر عليه المر‪ ،‬وأصبح مبدأ تاريخ‬ ‫)‪2‬‬
‫شهده‬
‫السلم‪.‬‬
‫‪ -3‬أرض الخراج‪:‬‬
‫كان عثمان ممن أيدوا رأي عمر بن الخطاب في عدم تقسيم‬
‫الفتوح على الفاتحين وإبقائها فيًئا للمسلمين وللذرية من‬ ‫أرض‬
‫بعدهم)‪.(3‬‬
‫‪ -4‬حجه مع أمهات المؤمنين‪:‬‬
‫لما استخلف عمر بن الخطاب سنة ثلث عشرة بعث تلك السنة‬
‫على الحج عبد الرحمن بن عوف‪ ،‬فحج بالناس‪ ،‬وحج مع عمر أيضا‬
‫آخر حجة حجها عمر سنة ثلث وعشرين‪ ،‬وأذن عمر تلك السنة‬
‫حملن في الهوادج‪ ،‬وبعث معهن عثمان‬ ‫لزواج النبي × في الحج‪ ،‬ف ُ‬
‫بن عفان وعبد الرحمن بن عوف‪ ،‬فكان عثمان يسير على راحلته‬
‫أمامهن فل يدع أحدا يدنو منهن‪ ،‬وينزلن مع عمر كل منزل‪ ،‬فكان‬
‫الشعاب‪،‬‬
‫)‪(4‬‬
‫عثمان وعبد الرحمن ينزلن بهن في الشعاب فيقبلنهن‬
‫وينزلن هما في أذل الشعب‪ ،‬فل يتركان أحدا يمر عليهن‪.‬‬
‫***‬

‫)( تاريخ الطبري )‪ ،(5/203‬عثمان بن عفان‪ ،‬صادق عرجون‪ ،‬ص ‪.60‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( عثمان بن عفان‪ ،‬صادق عرجون‪ ،‬ص ‪.60‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( السياسة المالية لعثمان‪ ،‬ص ‪.25‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( طبقات ابن سعد )‪ ،(3/134‬أنساب الشراف للبلذري‪،(466 ،1/465) ،‬‬ ‫‪4‬‬

‫مجلة البحوث السلمية‪ ،‬العدد العاشر‪ ،‬ص ‪.263‬‬

‫‪43‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫الفصل الثانى‬
‫استخلف ذى النورين ومنهجه في الحكم وأهم‬
‫صفاته الشخصية‬
‫المبحث الول‬
‫استخلف ذى النورين‬
‫ل‪ :‬الفقه العمرى فى الستخلف‪:‬‬ ‫أو ً‬
‫استمر اهتمام الفاروق ‪ ‬بوحدة المة ومستقبلها حتى اللحظات‬
‫الخيرة من حياته‪ ،‬رغم ما كان يعانيه من آلم جراحاته البالغة‪ ،‬وهي‬
‫بل شك لحظات خالدة‪ ،‬تجلى فيها إيمان الفاروق العميق وإخلصه‬
‫وإيثاره‪ (1).‬وقد استطاع الفاروق في تلك اللحظات الحرجة أن يبتكر‬
‫طريقة جديدة لم يسبق إليها في اختيار الخليفة الجديد‪ ،‬وكانت دليل‬
‫سا‪ ,‬ومعلما واضحا على فقهه في سياسة الدولة السلمية‪ .‬لقد‬ ‫ملمو ً‬
‫مضى قبله الرسول × ولم يستخلف بعده أحدا بنص صريح‪ ،‬ولقد‬
‫مضى أبو بكر الصديق واستخلف الفاروق بعد مشاورة كبار الصحابة‪،‬‬
‫ولما طلب من الفاروق أن يستخلف وهو على فراش الموت‪ ،‬فكر‬
‫في المر ملّيا وقرر أن يسلك مسلكا آخر يتناسب مع المقام؛‬
‫قّر بأفضلية أبي بكر وأسبقيته‬ ‫م ِ‬
‫فرسول الله × ترك الناس وكلهم ُ‬
‫عليهم‪ ،‬فاحتمال الخلف كان نادرا وخصوصا أن النبي × وجه المة‬
‫قول وفعل إلى أن أبا بكر أولى بالمر من بعده‪ .‬والصديق لما‬
‫استخلف عمر كان يعلم أن عند الصحابة أجمعين قناعة بأن عمر‬
‫أقوى وأفضل من يحمل المسئولية بعده‪ ،‬فاستخلفه بعد مشاورة‬
‫الصحابة ولم يخالف رأيه أحد منهم‪ ،‬وحصل الجماع على بيعة‬ ‫كبار‬
‫عمر)‪ ،(2‬وأما طريقة انتخاب الخليفة الجديد فتعتمد على جعل‬
‫الشورى في عدد محصور‪ ،‬وقد حصر ستة من صحابة رسول الله ×‬
‫كلهم يصلحون لتولي المر ولو أنهم يتفاوتون‪ ،‬وحدد لهم طريقة‬
‫النتخاب ومدته‪ ،‬وعدد الصوات الكافية لنتخاب الخليفة وحدد الحكم‬
‫في المجلس‪ ،‬والمرجح إن تعادلت الصوات‪ ،‬وأمر مجموعة من‬
‫جنود الله لمراقبة سير النتخابات في المجلس‪ ،‬وعقاب من يخالف‬
‫يدخل أو يسمع‬ ‫لحدما أ ُ‬ ‫يسمحون‬‫)‪(3‬‬
‫أمر الجماعة‪ ،‬ومنع الفوضى بحيث ل‬
‫مل في‬ ‫ج ِ‬
‫ْ‬ ‫بيان‬ ‫وهذا‬ ‫والعقد‪.‬‬ ‫ما يدور في مجلس أهل الحل‬
‫الفقرات السابقة‪:‬‬
‫‪ -1‬العدد الذي حدده للشورى وأسماؤهم‪:‬‬
‫أما العدد فهو ستة‪ ،‬وهم‪ :‬علي بن أبي طالب‪ ،‬وعثمان بن عفان‪،‬‬
‫وعبد الرحمن بن عوف‪ ،‬وسعد بن أبي وقاص‪ ،‬والزبير بن العوام‪،‬‬
‫وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم جميعا‪ .‬وترك سعيد بن زيد وهو‬
‫)( الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب للعاني‪ ،‬ص ‪.161‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( أوليات الفاروق‪ ،‬د‪ .‬غالب عبد الكافي القرشي‪ ،‬ص ‪.122‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( أوليات الفاروق‪ ،‬د‪ .‬غالب عبد الكافي القرشي‪ ،‬ص ‪.124‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪44‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫من العشرة المبشرين بالجنة‪ ،‬ولعله تركه لنه من قبيلته بني‬
‫عدي)‪ .(1‬وكان عمر ‪ ‬حريصا على إبعاد المارة عن أقاربه‪ ،‬مع أن‬
‫لها‪ (،‬فهو يبعد قريبه سعيد بن زيد عن قائمة‬
‫)‪2‬‬
‫فيهم من هو أهل‬
‫المرشحين للخلفة‪.‬‬
‫‪ -2‬طريقة اختيار الخليفة‪:‬‬
‫أمرهم أن يجتمعوا في بيت أحدهم ويتشاوروا وفيهم عبد الله بن‬
‫عمر يحضر معهم مشيرا فقط وليس له من المر شيء‪ ،‬ويصلي بالناس‬
‫أثناء التشاور صهيب الرومي‪ ،‬وقال له‪ :‬أنت أمير الصلة في هذه اليام‬
‫الصلة أحدا من الستة فيصبح هذا ترشيحا من‬ ‫إمام َ‬
‫يولي( ة‬
‫)‪3‬‬
‫الثلثة حتى ل‬
‫وأمر‪ (4‬المقداد بن السود وأبا طلحة النصاري أن‬ ‫بالخلفة‪.‬‬ ‫عمر له‬
‫يرقبا سير النتخابات) ‪.‬‬
‫‪ -3‬مدة النتخابات أو المشاورة‪:‬‬
‫حددها الفاروق ‪ ‬بثلثة أيام وهي فترة كافية وإن زادوا عليها‪،‬‬
‫الخلف ستتسع‪ ،‬ولذلك قال لهم‪ :‬ل يأتي اليوم‬ ‫)‪(5‬‬
‫فمعنى ذلك أن شقة‬
‫الرابع إل وعليكم أمير‪.‬‬
‫‪ -4‬عدد الصوات الكافية لختيار الخليفة‪:‬‬
‫أخرج ابن سعد بإسناد رجاله ثقات أن عمر ‪ ‬قال لصهيب‪ :‬ص ّ‬
‫ل‬
‫الرهط في بيت‪ ،‬فإذا اجتمعوا على رجل‬ ‫ل هؤلء‬ ‫بالناس ثلثا وليخ ُ‬
‫فمن خالفهم فاضربوا رأسه‪ (6).‬فعمر ‪ ‬أمر بقتل من يريد أن‬
‫يخالف هؤلء الرهط وشق عصا المسلمين ويفرق بينهم عمل بقوله‪:‬‬
‫على رجل منكم يريد أن يشق عصاكم أو‬ ‫»من أتاكم وأمركم جمع‬
‫يفرق جماعتكم فاقتلوه«‪ (7).‬وما جاء في كتب التاريخ من أن عمر‬
‫‪ ‬أمرهم بالجتماع والتشاور‪ ،‬وحدد لهم أنه إذا اجتمع خمسة منهم‬
‫وإن اجتمع أربعة‬ ‫على رجل وأبى أحدهم فيضرب رأسه بالسيف‪،‬‬
‫وفرضوا رجل منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما‪ (8).‬وهذه من‬
‫الروايات التي ل تصح سندا‪ ،‬فهي من الغرائب التي ساقها أبو مخنف‬
‫‪-‬الرافضي الشيعي‪ -‬مخالفا فيها النصوص الصحيحة وما عرف من‬
‫سير الصحابة رضي الله عنهم‪ ،‬فما ذكر أبو مخنف من قول عمر‬
‫لصهيب‪ :‬وقم على رؤوسهم ‪-‬أي أهل الشورى‪ -‬فإن اجتمع خمسة‬
‫ورضوا رجل وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف‪ ،‬وإن اتفق أربعة‬
‫فرضوا رجل منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما)‪ ,(9‬فهذا قول منكر‪،‬‬
‫وكيف يقول عمر ‪ ‬هذا وهو يعلم أنهم هم الصفوة من أصحاب‬
‫رسول الله ×‪ ،‬وهو الذي اختارهم لهذا المر لعلمه بفضلهم‬

‫)( البداية والنهاية )‪.(4/142‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( الخلفاء الراشدون للخالدي‪ ،‬ص ‪.98‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( الخلفة والخلفاء الراشدون للبهنساوي‪ ،‬ص ‪.213‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( أشهر مشاهير السلم في الحرب والسياسة‪ ،‬ص ‪.648‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( الطبقات لبن سعد )‪.(3/364‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫)‪ (7‬المرجع السابق )‪.(3/342‬‬
‫)( مسلم )‪.(3/1480‬‬ ‫‪7‬‬

‫)‪ (3،‬تاريخ الطبري )‪.(5/226‬‬ ‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫‪45‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫وقدرهم؟!!)‪.(1‬‬
‫وقد ورد عن ابن سعد أن عمر قال للنصار‪ :‬أدخلوهم)‪(2‬بيتا ثلثة‬
‫أيام‪ ،‬فإن استقاموا وإل فادخلوا عليهم فاضربوا أعناقهم‪ .‬وهذه‬
‫منقطعة وفي إسنادها )سماك بن حرب( وهو ضعيف‪ ،‬وقد‬ ‫)‪(3‬‬
‫الرواية‬
‫تغير بآخره‪.‬‬
‫‪ -5‬الحكم في حال الختلف‪:‬‬
‫لقد أوصى بأن يحضر عبد الله بن عمر معهم في المجلس وأن‬
‫ليس له من المر شيء‪ ،‬ولكن قال لهم‪ :‬فإن رضي ثلثة رجل منهم‬
‫وثلثة رجل منهم فحكموا عبد الله بن عمر‪ ،‬فأي الفريقين حكم له‬
‫فليختاروا رجل منهم‪ ،‬فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا‬
‫مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف‪ ،‬ووصف عبد الرحمن بن عوف‬
‫عبد‪ (4‬الرحمن بن عوف‪،‬‬ ‫)‬
‫بأنه مسدد رشيد‪ ،‬فقال عنه‪ :‬ونعم ذو الرأي‬
‫مسدد رشيد‪ ،‬له من الله حافظ‪ ،‬فاسمعوا منه‪.‬‬
‫‪ -6‬جماعة من جنود الله تراقب الختيار وتمنع الفوضى‪:‬‬
‫طلب عمر أبا طلحة النصاري وقال له‪ :‬يا أبا طلحة‪ ،‬إن الله ‪-‬عز‬
‫وجل‪ -‬أعز السلم بكم‪ ،‬فاختر خمسين رجل من النصار فاستحث‬
‫هؤلء الرهط حتى يختاروا رجل منهم‪ (5).‬وقال للمقداد بن السود‪ :‬إذا‬
‫وضعتموني‪(6‬في حفرتي‪ ،‬فاجمع هؤلء الرهط في بيت حتى يختاروا‬
‫رجل منهم) ‪.‬‬
‫‪ -7‬جواز تولية المفضول مع وجود الفضل‪:‬‬
‫ومن فوائد قصة الشورى‪ ،‬جواز تولية المفضول مع وجود‬
‫الفضل؛ لن عمر جعل الشورى في ستة أنفس مع علمه أن بعضهم‬
‫كان أفضل من بعض‪ ،‬ويؤخذ هذا من سيرة عمر في أمرائه الذين‬
‫كان يؤمرهم في البلد؛ حيث كان ل يراعي الفضل في الدين فقط‪،‬‬
‫بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة مع اجتناب ما يخالف الشرع‬
‫منها‪ ،‬فاستخلف معاوية والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص مع‬
‫الدين والعلم؛ كأبي‬‫)‪(7‬‬
‫وجود من هو أفضل من كل منهم في أمر‬
‫الدرداء في الشام‪ ،‬وابن مسعود في الكوفة‪.‬‬
‫‪ -8‬جمع عمر بين التعيين وعدمه‪:‬‬
‫جمع عمر بين التعيين‪ ،‬كما فعل أبو بكر أي تعيين المرشح‪ ،‬وبين‬
‫التعيين كما فعل الرسول ×‪ ،‬فعين ستة وطلب منهم التشاور‬ ‫عدم‬
‫في المر)‪.(8‬‬

‫)( مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري‪ ،‬د‪ .‬يحيى اليحيى‪ ،‬ص ‪.175‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( الطبقات لبن سعد‪.(2/342) ،‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (7‬تاريخ الطبري )‬ ‫)( مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري‪ ،‬ص ‪.176‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪.(5/325‬‬
‫‪4‬‬

‫)‪ (2،‬تاريخ الطبري )‪.(5/225‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)‪ (5 ،4،‬المدينة النبوية‪ ..‬فجر السلم والعصر الراشدي )‪.(2/97‬‬ ‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫‪46‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫‪ -9‬الشورى ليست بين الستة فقط‪:‬‬
‫عرف عمر أن الشورى لن تكون بين الستة فقط‪ ،‬وإنما ستكون‬
‫في أخذ رأي الناس في المدينة فيمن يتولى الخلفة؛ حيث جعل لهم‬
‫أمد ثلثة أيام فيمكنهم من المشاورة والمناظرة لتقع ولية من‬
‫يتولى بعده عن اتفاق من معظم الموجودين حينئذ ببلده التي هي‬
‫دار الهجرة‪ ،‬وبها معظم الصحابة وكل من كان ساكنا في بلد غيرها‬
‫كان تبعا لهم فيما يتفقون عليه‪ ،‬فما زالت المدينة حتى سنة ‪ 23‬هـ‬
‫استبقاهم عمر‬
‫)‪(1‬‬
‫مجمع الصحابة؛ بل لن كبار الصحابة فيها‪ ،‬حيث‬
‫بجانبه‪ ،‬ولم يأذن لهم بالهجرة إلى القاليم المفتوحة‪.‬‬
‫‪ -10‬أهل الشورى أعلى هيئة سياسية‪:‬‬
‫إن عمر ‪ ‬أناط بأهل الشورى وحدهم اختيار الخليفة من بينهم‪،‬‬
‫ومن المهم أن نشير إلى أن أحدا من أهل الشورى لم يعارض هذا‬
‫القرار الذي اتخذه عمر‪ ،‬كما أن أحدا من الصحابة الخرين لم ي ُِثر أي‬
‫اعتراض عليه‪ ،‬ذلك ما تدل عليه النصوص التي بين أيدينا‪ ،‬فنحن ل‬
‫نعلم أن اقتراحا آخر قد صدر عن أحد من الناس في ذلك العصر‪ ،‬أو‬
‫أن معارضة ثارت حول أمر عمر خلل الساعات الخيرة من حياته أو‬
‫بعد وفاته‪ ،‬وإنما رضي الناس كافة هذا التدبير‪ ،‬ورأوا فيه مصلحة‬
‫لجماعة المسلمين‪ .‬وفي وسعنا أن نقول‪ :‬إن عمر قد أحدث هيئة‬
‫سياسية عليا‪ ،‬مهمتها انتخاب رئيس الدولة أو الخليفة‪ ،‬وهذا التنظيم‬
‫الدستوري الجديد الذي أبدعته عبقرية عمر ل يتعارض مع المبادئ‬
‫الساسية التي أقرها السلم‪ ،‬ول سيما فيما يتعلق بالشورى؛ لن‬
‫العبرة من حيث النتيجة للبيعة العامة التي تجرى في المسجد‬
‫الجامع‪ .‬وعلى هذا ل يتوجه السؤال الذي قد يرد على بعض الذهان‬
‫وهو‪ :‬من أعطى عمر هذا الحق؟ ما مستند عمر في هذا التدبير؟‬
‫ويكفي أن نعلم أن جماعة من المسلمين قد أقرت هذا التدبير‬
‫أن الجماع‬ ‫ورضيت به‪ ،‬ولم يسمع صوت اعتراض عليه‪ ،‬حتى نتأكد‬
‫‪-‬وهو من مصادر التشريع‪ -‬قد انعقد على صحته ونفاذه‪ (2).‬ول ننسى‬
‫أن عمر خليفة راشد‪ ،‬كما ينبغي أن نؤكد على أن هذا المبدأ ‪-‬أهل‬
‫الشورى أعلى هيئة سياسية‪ -‬قد أقره نظام الحكم في السلم في‬
‫العهد الراشدي‪ ،‬كما أن الهيئة التي سماها عمر تمتعت بمزايا لم‬
‫يتمتع بها غيرها من جماعة المسلمين‪ ،‬وهذه المزايا منحت لها من‬
‫يبلغ أحد من‬ ‫الله وبلغها الرسول‪ ،‬فل يمكن عند المؤمنين أن‬
‫المسلمين مبلغ هؤلء العشرة من التقوى والمانة)‪.(3‬‬
‫هكذا ختم عمر ‪ ‬حياته ولم يشغله ما نزل به من البلء ول‬
‫سكرات الموت عن تدبير أمر المسلمين‪ ،‬وأرسى نظاما للشورى لم‬
‫يسبقه إليه أحد‪ ،‬ول يشك أن أصل الشورى مقرر في القرآن الكريم‬
‫والسنة القولية والفعلية‪ ،‬وقد عمل بها رسول الله × وأبو بكر ولم‬
‫يكن عمر مبتدعا بالنسبة للصل‪ ،‬ولكن الذي عمله عمر هو تعيين‬
‫الطريقة التي يختار بها الخليفة وحصر عدد معين جعلها فيهم‪ ،‬وهذا‬
‫‪1‬‬

‫)( نظام الحكم في الشريعة والتاريخ السلمي‪ ،‬ظافر القاسمي )‪،1/227‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪.(228‬‬
‫)( المصدر نفسه )‪.(1/229‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪47‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫لم يفعله الرسول × ول الصديق ‪ ‬بل أول من فعل ذلك عمر‪،‬‬
‫فعل؛ فقد كانت أفضل الطرق المناسبة لحال الصحابة في‬ ‫ونعم ما‬
‫ذلك الوقت)‪.(1‬‬
‫ثانًيا‪ :‬وصية عمر ‪ ‬للخليفة الذي بعده‪:‬‬
‫أوصى الفاروق عمر ‪ ‬الخليفة الذي سيخلفه في قيادة المة‬
‫بوصية مهمة قال فيها‪ :‬أوصيك بتقوى الله وحده ل شريك له‪،‬‬
‫وأوصيك بالمهاجرين الولين خيرا؛ أن تعرف لهم سابقتهم‪،‬‬
‫وأوصيك بالنصار خيرا‪ ،‬فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم‪.‬‬
‫وأوصيك بأهل المصار خيرا‪ ،‬فإنهم ردء العدو‪ ،‬وجباة الفيء‪ ،‬ل‬
‫تحمل منهم إل عن فضل منهم‪ ،‬وأوصيك بأهل البادية خيرا‪ ،‬فإنهم‬
‫أصل العرب‪ ،‬ومادة السلم‪ ,‬أن تأخذ من حواشي أموالهم فترد‬
‫على فقرائهم‪ .‬وأوصيك بأهل الذمة خيرا؛ أن تقاتل من وراءهم‪،‬‬
‫ول تكلفهم فوق طاقتهم‪ ،‬إذا أدوا ما عليهم للمؤمنين طوعا‪ ،‬أو‬
‫عن يد وهم صاغرون‪ .‬وأوصيك بتقوى الله والحذر منه‪ ،‬ومخافة‬
‫مقته أن يطلع منك على ريبة‪ ،‬وأوصيك أن تخشى الله في الناس‬
‫ول تخشى الناس في الله‪ ،‬وأوصيك بالعدل في الرعية‪ ،‬والتفرغ‬
‫لحوائجهم وثغورك‪ ،‬ول تؤثر غنيهم على فقيرهم؛ فإن في ذلك‬
‫‪-‬بإذن الله‪ -‬سلمة لقلبك وح ّطا لوزرك‪ ،‬وخيرا في عاقبة أمرك‬
‫حتى تفضي في ذلك إلى من يعرف سريرتك ويحول بينك وبين‬
‫قلبك‪ ،‬وآمرك أن تشتد في أمر الله وفي حدوده ومعاصيه على‬
‫قريب الناس وبعيدهم‪ ،‬ثم ل تأخذك في أحد الرأفة حتى تنتهك‬
‫ن‬
‫م ْ‬‫ل على َ‬ ‫منه مثل جرمه‪ ،‬واجعل الناس عندك سواء‪ ،‬ل تبا ِ‬
‫وجب الحق‪ ،‬ول تأخذك في الله لومة لئم‪ ،‬وإياك والمحاباة فيما‬
‫ولك الله مما أفاء على المؤمنين فتجور وتظلم وتحرم نفسك‬
‫من ذلك ما قد وسعه الله عليك‪ ،‬وقد أصبحت بمنزلة من منازل‬
‫الدنيا والخرة‪ ،‬فإن اقترفت لدنياك عدل وعفة عما بسط لك‬
‫اقترفت به إيمانا ورضوانا‪ ،‬وإن غلبك الهوى اقترفت به غضب‬
‫الله‪ .‬وأوصيك أل ترخص لنفسك ول لغيرك في ظلم أهل الذمة‪،‬‬
‫وقد أوصيتك وخصصتك ونصحتك‪ ،‬فابتغ بذلك وجه الله والدار‬
‫الخرة‪ ،‬واخترت من دللتك ما كنت دال عليه نفسي وولدي‪ ،‬فإن‬
‫عملت بالذي وعظتك‪ ،‬وانتهيت إلى الذي أمرتك أخذت منه نصيبا‬
‫وافرا وحظا وافيا‪ ،‬وإن لم تقبل ذلك ولم يهمك‪ ،‬ولم تترك معاظم‬
‫المور عند الذي يرضى به الله عنك‪ ،‬يكن ذلك بك انتقاصا‪ ،‬ورأيك‬
‫فيه مدخول؛ لن الهواء مشتركة‪ ،‬ورأس الخطيئة إبليس داع إلى‬
‫كل مهلكة‪ ،‬وقد أضل القرون السالفة قبلك فأوردهم النار وبئس‬
‫المورود‪ ،‬وبئس الثمن أن يكون حظ امرئ موالة لعدو الله‬
‫الداعي إلى معاصيه‪ .‬ثم اركب الحق‪ ،‬وخض إليه الغمرات‪ ،‬وكن‬
‫واعظا لنفسك‪ .‬وأناشدك الله إل ترحمت على جماعة المسلمين‪،‬‬
‫وأجللت كبيرهم‪ ،‬ورحمت صغيرهم‪ ،‬ووقرت عالمهم‪ ،‬ول تضر بهم‬
‫فيذلوا‪ ،‬ول تستأثر عليهم بالفيء فتغضبهم‪ ،‬ول تحرمهم عطاياهم‬
‫عند محلها فتفقرهم‪ ،‬ول تج ّ مرهم في البعوث فينقطع نسلهم‪ ،‬ول‬
‫تجعل المال دولة بين الغنياء منهم‪ ،‬ول تغلق بابك دونهم فيأكل‬

‫)( أوليات الفاروق‪ ،‬د‪ .‬غالب عبد الكافي القرشي‪ ،‬ص ‪.127‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪48‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫قويهم‪(1‬ضعيفهم‪ ،‬هذه وصيتي إليك‪ ،‬وأشهد الله عليك وأقرأ عليك‬ ‫)‬
‫السلم‪.‬‬
‫هذه الوصية تدل على ب ُْعد نظر عمر في مسائل الحكم والدارة‪،‬‬
‫وتفصح عن نهج ونظام حكم وإدارة متكامل؛ فقد تضمنت الوصية‬
‫أمورا غاية في الهمية‪ ،‬فحق أن تكون وثيقة نفيسة لما احتوته من‬
‫قواعد ومبادئ أساسية للحكم‪ ،‬متكاملة الجوانب الدينية والسياسية‬
‫والعسكرية والقتصادية والجتماعية يأتي في مقدمتها‪:‬‬
‫‪ -1‬الحرص على تقوى الله وخشيته‪:‬‬
‫أ‪ -‬الوصية بالحرص الشديد على تقوى الله والخشية منه في‬
‫السر والعلن‪ ،‬في القول والعمل؛ لن من اتقى الله وقاه‪ ,‬ومن‬
‫خشيه صانه وحماه )أوصيك بتقوى الله وحده ل شريك له(‪،‬‬
‫)وأوصيك بتقوى الله والحذر منه‪ ،‬وأوصيك أن تخشى الله(‪.‬‬
‫ن وجب‬ ‫م ْ‬
‫ل على َ‬ ‫ب‪ -‬إقامة حدود الله على القريب والبعيد )ل تبا ِ‬
‫الحق(‪) ،‬ول تأخذك في الله لومة لئم(؛ لن حدود الله نصت عليها‬
‫الشريعة فهي من الدين؛ ولن الشريعة حجة على الناس وأعمالهم‬
‫وأفعالهم تقاس بمقتضاها‪ ،‬وأن التغافل عنها إفساد للدين والمجتمع‪.‬‬
‫ج‪ -‬الستقامة )استقم كما أمرت(‪ ،‬وهي من الضرورات الدينية‬
‫والدنيوية التي يجب على الحاكم التحلي بها قول وعمل أول ثم‬
‫الرعية‪) ،‬كن واعظا لنفسك( )وابتغ بذلك وجه الله والدار الخرة(‪.‬‬
‫‪ -2‬الناحية السياسية‪ ،‬وتضمنت‪:‬‬
‫أ‪ -‬اللتزام بالعدل؛ لنه أساس الحكم‪ ،‬وإن إقامته بين الرعية‬
‫تحقق للحكم قوة وهيبة ومتانة سياسية واجتماعية‪ ،‬وتزيد من هيبة‬
‫واحترام الحاكم في نفوس الناس )وأوصيك بالعدل(‪) ،‬واجعل الناس‬
‫عندك سواء(‪.‬‬
‫ب‪ -‬العناية بالمسلمين الوائل من المهاجرين والنصار لسابقتهم‬
‫في السلم‪ ،‬ولن العقيدة وما أفرزته من نظام سياسي قام على‬
‫ماته )أوصيك بالمهاجرين الولين خيرا‪،‬‬ ‫ح َ‬
‫أكتافهم‪ ،‬فهم أهله وحملته و ُ‬
‫أن تعرف لهم سابقتهم‪ ،‬وأوصيك بالنصار خيرا‪ ،‬فاقبل من محسنهم‬
‫وتجاوز عن مسيئهم(‪.‬‬
‫‪ -3‬الناحية العسكرية‪ ،‬وتضمنت‪:‬‬
‫عظم المسئولية‬‫َ‬ ‫أ‪ -‬الهتمام بالجيش وإعداده إعداًدا يتناسب و ِ‬
‫الملقاة على عاتقه لضمان أمن الدولة وسلمتها‪ ،‬والعناية بسد‬
‫حاجات المقاتلين )التفرغ لحوائجهم وثغورهم(‪.‬‬
‫ب‪ -‬تجنب إبقاء المقاتلين لمدة طويلة في الثغور بعيدا عن‬
‫عوائلهم‪ ،‬وتلفيا لما قد يسببه ذلك من ملل وقلق وهبوط في‬
‫المعنويات‪ ،‬فمن الضروري منحهم إجازات معلومة في أوقات‬
‫معلومة يستريحون فيها ويجددون نشاطهم خللها من جهة‪ ،‬ويعودون‬
‫)( الطبقات لبن سعد )‪ ,(3/339‬البيان والتبيين للجاحظ )‪ ,(2/46‬الكامل في‬ ‫‪1‬‬

‫التاريخ )‪ ,(2/210‬الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب للعاني‪ ،‬ص ‪.172 ،171‬‬

‫‪49‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫إلى عوائلهم لكي ل ينقطع نسلهم من جهة ثانية )ول تجمرهم في‬
‫الثغور فينقطع نسلهم(‪) ،‬وأوصيك بأهل المصار خيرا‪ ،‬فإنهم ردء‬
‫العدو(‪.‬‬
‫ج‪ -‬إعطاء كل مقاتل ما يستحقه من فيء وعطاء؛ وذلك لضمان‬
‫مورد ثابت له ولعائلته يدفعه إلى الجهاد‪ ،‬ويصرف عنه التفكير في‬
‫شئونه المالية )ول تستأثر عليهم بالفيء فتغضبهم‪ ،‬ول تحرمهم‬
‫عطاياهم عند محلها فتفقرهم(‪.‬‬
‫‪ -4‬الناحية القتصادية والمالية‪ ،‬وتضمنت‪:‬‬
‫العناية بتوزيع الموال بين الناس بالعدل والقسطاس المستقيم‪،‬‬ ‫أ‪-‬‬
‫وتلفي كل ما من شأنه تجميع الموال عند طبقة منهم دون أخرى )ول‬
‫تجعل الموال دولة بين الغنياء منهم(‪.‬‬
‫ب‪ -‬عدم تكليف أهل الذمة فوق طاقتهم إن هم أدوا ما عليهم‬
‫من التزامات مالية للدولة )ول تكلفهم فوق طاقتهم إذا أدوا ما‬
‫عليهم للمؤمنين(‪.‬‬
‫ج‪ -‬ضمان الحقوق المالية للناس وعدم التفريط بها‪ ،‬وتجنب‬
‫إل‪(1‬عن فضل منهم(‪) ،‬أن‬ ‫)‬
‫فرض ما ل طاقة لهم به )ول تحمل منهم‬
‫تأخذ حواشي أموالهم فترد على فقرائهم(‪.‬‬
‫‪ -5‬الناحية الجتماعية‪ ،‬وتضمنت‪:‬‬
‫أ‪ -‬الهتمام بالرعية‪ ،‬والعمل على تفقد أمورهم وسد احتياجاتهم‬
‫وإعطاء حقوقهم من فيء وعطاء‪) ..‬ول تحرمهم عطاياهم عند‬
‫محلها(‪.‬‬
‫ب‪ -‬اجتناب الث ََرة والمحاباة واتباع الهوى؛ لما فيها من مخاطر‬
‫تقود إلى انحراف الراعي‪ ،‬وتؤدي إلى فساد المجتمع واضطراب‬
‫علقاته النسانية )وإياك والثرة والمحاباة فيما ولك الله(‪) ،‬ول تؤثر‬
‫غنيهم على فقيرهم(‪.‬‬
‫ج‪ -‬احترام الرعية وتوقيرها والتواضع لها‪ ،‬صغيرها وكبيرها‪ ،‬لما‬
‫في ذلك من سمو في العلقات الجتماعية‪ ،‬تؤدي إلى زيادة تلحم‬
‫الرعية بقائدها وحبها له )وأناشدك الله إل ترحمت على جماعة‬
‫المسلمين‪ ،‬وأجللت كبيرهم ورحمت صغيرهم‪ ،‬ووقرت عالمهم(‪.‬‬
‫د‪ -‬النفتاح على الرعية‪ ،‬وذلك بسماع شكاواهم وإنصاف بعضهم‬
‫من بعض‪ ،‬وبعكسه تضطرب العلقات بينهم ويعم الرتباك في‬
‫المجتمع )ول تغلق بابك دونهم‪ ،‬فيأكل قويهم ضعيفهم(‪.‬‬
‫هـ‪ -‬اتباع الحق والحرص على تحقيقه في المجتمع وفي كل‬
‫الظروف والحوال؛ لكونه ضرورة اجتماعية ل بد من تحقيقها بين‬
‫الناس )ثم اركب الحق‪ ،‬وخض إليه الغمرات(‪) ،‬واجعل الناس عندك‬
‫ن وجب الحق(‪.‬‬ ‫م ْ‬‫ل على َ‬
‫سواء‪ ،‬ل تبا ِ‬
‫و‪ -‬اجتناب الظلم بكل صوره وأشكاله‪ ،‬خاصة مع أهل الذمة؛ لن‬

‫)( الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب للعاني‪ ،‬ص ‪.175 ،174‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪50‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫العدل مطلوب إقامته بين جميع رعايا الدولة مسلمين وذميين؛ لينعم‬
‫الجميع بعدل السلم )وأوصيك أل ترخص لنفسك ول لغيرك في‬
‫ظلم أهل الذمة(‪.‬‬
‫ز‪ -‬الهتمام بأهل البادية ورعايتهم والعناية بهم)‪)(1‬وأوصيك بأهل‬
‫البادية خيرا‪ ،‬فإنهم أصل العرب‪ ،‬ومادة السلم(‪.‬‬
‫لمن‪(2‬بعده‪ :‬أل يقر لي عامل أكثر‬‫)‬
‫ح‪ -‬وكان من ضمن وصية عمر‬
‫من سنة‪ ،‬وأقروا الشعري أربع سنين‪.‬‬
‫ثالثـا‪ :‬منهج عبد الرحمن بن عوف في إدارة الشورى‪:‬‬
‫‪ -1‬اجتماع الرهط للمشاورة‪:‬‬
‫لم يكد يفرغ الناس من دفن عمر بن الخطاب ‪ ‬حتى أسرع‬
‫رهط الشورى وأعضاء مجلس الدولة العلى إلى الجتماع في بيت‬
‫عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها‪ ،‬وقيل إنهم اجتمعوا في بيت‬
‫فاطمة بنت قيس الفهرية أخت الضحاك بن قيس‪ ،‬ليقضوا في‬
‫أعظم قضية عرضت في حياة المسلمين‪ ،‬بعد وفاة عمر‪ ،‬وقد تكلم‬
‫بتوفيق الله إلى كلمة سواء رضيها‬ ‫القوم وبسطوا آراءهم واهتدوا‬
‫الخاصة والكافة من المسلمين)‪.(3‬‬
‫‪ -2‬عبد الرحمن يدعو إلى التنازل‪:‬‬
‫عندما اجتمع أهل الشورى قال لهم عبد الرحمن بن عوف‪:‬‬
‫اجعلوا أمركم إلى ثلثة منكم‪ ،‬فقال الزبير‪ :‬جعلت أمري إلى علي)‪,(4‬‬
‫وقال طلحة‪ :‬جعلت أمري إلى عثمان‪ ،‬وقال سعد‪ :‬جعلت أمري إلى‬
‫عبد الرحمن بن عوف‪ ،‬وأصبح المرشحون الثلثة علي بن أبي‬
‫طالب‪ ،‬وعثمان بن عفان‪ ،‬وعبد الرحمن بن عوف‪ ،‬فقال عبد‬
‫الرحمن‪ :‬أيكما تبرأ من هذا المر فنجعله إليه والله عليه والسلم‬
‫بن‬
‫)‪(5‬‬
‫لينظرن أفضلهم في نفسه فأسكت الشيخان‪ ،‬فقال عبد الرحمن‬
‫ي والله على أن ل آلو عن أفضلكما‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪.‬‬ ‫عوف‪ :‬أفتجعلونه إل ّ‬
‫‪ -3‬تفويض ابن عوف بإدارة عملية الشورى‪:‬‬
‫بدأ عبد الرحمن بن عوف ‪ ‬اتصالته ومشاوراته فور انتهاء‬
‫اجتماع المرشحين الستة صباح يوم الحد‪ ،‬واستمرت مشاوراته‬
‫واتصالته ثلثة أيام كاملة‪ ،‬حتى فجر يوم الربعاء الرابع من محرم‬
‫وهو موعد انتهاء المهلة التي حددها لهم عمر‪ ،‬وبدأ عبد الرحمن‬
‫ي‪ ،‬فمن ترشح‬ ‫بعلي بن أبي طالب فقال له‪ :‬إن لم أبايعك فأشر عل ّ‬
‫للخلفة؟ قال علي‪ :‬عثمان بن عفان‪ ،‬وذهب عبد الرحمن إلى عثمان‬
‫وقال له‪ :‬إن لم أبايعك‪ ،‬فمن ترشيح للخلفة؟ فقال عثمان‪ :‬علي بن‬
‫أبي طالب‪ ...‬وذهب ابن عوف بعد ذلك إلى الصحابة الخرين‬
‫واستشارهم‪ ،‬وكان يشاور كل من يلقاه في المدينة من كبار‬

‫)( الخليفة الفاروق للعاني‪ ،‬ص ‪.175 -173‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( عصر الخلفة الراشدة‪ ،‬ص ‪.102‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( عثمان بن عفان‪ ،‬صادق عرجون‪ ،‬ص ‪.63 ،62‬‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (3 ,‬البخاري‪ ،‬كتاب فضائل أصحاب النبي‪ ،‬رقم‪(3700) :‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتابـ فضائل أصحابـ النبي‪ ،‬رقم‪.(3700 ) :‬‬

‫‪51‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫الصحابة وأشرافهم‪ ،‬ومن أمراء الجناد‪ ،‬ومن يأتي للمدينة‪ ،‬وشملت‬
‫مشاورته النساء في خدورهن‪ ،‬وقد أبدين رأيهن‪ ،‬كما شملت‬
‫الصبيان والعبيد في المدينة‪ ،‬وكانت نتيجة مشاورات عبد الرحمن بن‬
‫عوف أن معظم المسلمين كانوا يشيرون بعثمان بن عفان‪ ،‬ومنهم‬
‫من كان يشير بعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما‪ .‬وفي منتصف‬
‫بيت ابن أخته‪ :‬المسور‬ ‫ليلة الربعاء‪ ،‬ذهب عبد الرحمن بن عوف إلى‬
‫بن مخرمة‪ ،‬فطرق البيت‪ ،‬فوجد المسور نائما)‪ ,(1‬فضرب الباب حتى‬
‫استيقظ فقال‪ :‬أراك نائما فوالله ما اكتحلت هذه الليلة بكبير نوم‪،‬‬
‫له‪ ،‬فشاورهما ثم دعاني فقال‪:‬‬ ‫انطلق فادع الزبير وسعدا‪ ،‬فدعوتهما‬
‫ادع لي عليا فدعوته فناجاه حتى ابهاّر)‪ (2‬الليل ثم قام علي من‬
‫عنده‪ ...‬ثم قال‪(3):‬ادع لي عثمان فدعوته فناجاه حتى فرق بينهما‬
‫المؤذن بالصبح‪.‬‬
‫‪ -4‬التفاق على بيعة عثمان‪:‬‬
‫وبعد صلة صبح يوم البيعة )اليوم الخير من شهر ذي الحجة‬
‫‪23‬هـ‪ 6 /‬نوفمبر ‪644‬م( وكان صهيب الرومي المام إذ أقبل عبد‬
‫الرحمن بن عوف‪ ،‬وقد اعتم بالعمامة التي عممه بها رسول الله ×‪,‬‬
‫وكان قد اجتمع رجال الشورى عند المنبر‪ ،‬أرسل إلى من كان‬
‫حاضرا من المهاجرين والنصار وأمراء الجناد منهم‪ :‬معاوية أمير‬
‫الشام‪ ،‬وعمير بن سعد أمير حمص‪ ،‬وعمرو بن العاص أمير مصر‪،‬‬
‫تلك الحجة مع عمر وصاحبوه‬ ‫)‪(4‬‬
‫وكانوا وافوا‬
‫إلى المدينة‪.‬‬
‫وجاء في رواية البخاري‪ :‬فلما صلى للناس الصبح واجتمع أولئك‬
‫الرهط عند المنبر فأرسل إلى كل حاضر من المهاجرين والنصار‪،‬‬
‫وأرسل إلى أمراء الجناد وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر‪ ،‬فلما‬
‫اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال‪ :‬أما بعد‪ ،‬يا علي إني قد نظرت‬
‫في أمر الناس فلم أراهم يعدلون بعثمان‪ ،‬فل تجعلن على نفسك‬
‫سبيل‪ ،‬فقال‪ (5):‬أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده‪،‬‬
‫الرحمن وبايعه الناس المهاجرون والنصار وأمراء الجناد‬ ‫)‪(6‬‬
‫فبايعه عبد‬
‫والبيان( أن علي بن‬
‫)‪(7‬‬
‫)التمهيد‬ ‫صاحب‬ ‫رواية‬ ‫في‬ ‫وجاء‬ ‫والمسلمون‪.‬‬
‫أبي طالب أول من بايع بعد عبد الرحمن بن عوف‪.‬‬
‫‪ -5‬حكمة عبد الرحمن بن عوف في تنفيذ خطة الشورى‪:‬‬
‫نفذ عبد الرحمن بن عوف خطة الشورى بما دل على شرف‬
‫عقله‪ ،‬ونبل نفسه‪ ،‬وإيثاره مصلحة المسلمين العامة على مصلحته‬
‫الخاصة ونفعه الفردي‪ ،‬وترك عن طواعية ورضا أعظم منصب يطمع‬
‫إليه إنسان في الدنيا‪ ،‬ليجمع كلمة المسلمين‪ ،‬وحقق أول مظهر من‬
‫مظاهر الشورى المنظمة في اختيار من يجلس على عرش الخلفة‬
‫الخلفاء الراشدون للخالدي‪ ،‬ص ‪.107 ،106‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫ابهار‪ :‬أي انتصف‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫البخاري‪ ،‬كتاب الحكام‪ ،‬رقم‪.(7207) :‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫شهيد الدار عثمان بن عفان‪ ،‬أحمد الخروف‪ ،‬ص ‪.37‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫قوله‪" :‬فقال" أي عبد الرحمن مخاطبا عثمان‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫البخاري‪ ،‬كتاب الحكام‪ ،‬رقم‪.(7207) :‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫التمهيد والبيان‪ ،‬ص ‪.26‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫‪52‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫ويسوس أمور المسلمين‪ ،‬فهو قد اصطنع من الناة والصبر والحزم‬
‫وحسن التدبير ما كفل له النجاح في أداء مهمته العظمى‪ ،‬وقد كانت‬
‫الخطوات التي اتخذها كالتي‪:‬‬
‫أ‪ -‬بسط برنامجه في أول جلسة عقدها مجلس الشورى في‬
‫دائرة الزمن الذي حده لهم عمر‪ ،‬وبذلك أمكنه أن يحمل جميع‬
‫أعضاء مجلس الشورى على أن يدلوا برأيهم‪ ،‬فعرف مذهب كل‬
‫واحد منهم ومرماه‪ ،‬فسار في طريقه على بينة من أمره‪.‬‬
‫وخلع نفسه وتنازل عن حقه في الخلفة ليدفع الظنون ويستمسك‬ ‫ب‪-‬‬
‫بعروة الثقة الوثقى‪.‬‬
‫ج‪ -‬أخذ في تعرف نهاية ما يصبو إليه كل واحد من أصحابه‬
‫وشركائه في الشورى‪ ،‬فلم يزل يقلب وجوه الرأي معهم حتى انتهى‬
‫إلى شبه انتخاب جزئي فاز فيه عثمان برأي سعد ابن أبي وقاص‪،‬‬
‫ورأي الزبير بن العوام‪ ،‬فلحت له أغلبية آراء العضاء الحاضرين‬
‫معه‪.‬‬
‫د‪ -‬عمد إلى معرفة كل واحد من المامين‪ :‬عثمان وعلي في‬
‫صاحبه بالنسبة لوزنه من سائر الرهط الذي رشحهم عمر‪ ،‬فعرف‬
‫من كل واحد منهم أنه ل يعدل صاحبه أحدا إل فاته المر‪.‬‬
‫وراء مجلس الشورى من خاصة المة‬ ‫هـ‪-‬أخذ في تعرف رأين َم ْ‬
‫أن( معظم النا س ل يعدلون‬‫)‪1‬‬
‫فرأى‬ ‫وضعفائها‪،‬‬ ‫وذوي رأيها‪ ،‬ثم من عامتها‬
‫أحدا بعثمان‪ ،‬فبايع له‪ ،‬وبايعه عامة النا س‪.‬‬
‫لقد تمكن عبد الرحمن بن عوف بكياسته وأمانته واستقامته‬
‫ونسيانه نفسه بالتخلي عن الطمع في الخلفة والزهد بأعلى منصب‬
‫المحنة وقاد ركب الشورى بمهارة وتجرد‪،‬‬ ‫في الدولة‪ ،‬أن يجتاز هذه‬
‫مما يستحق أعظم التقدير)‪.(2‬‬
‫قال الذهبي‪ :‬ومن أفضل أعمال عبد الرحمن عزله نفسه من‬
‫المر وقت الشورى‪ ،‬واختياره للمة من أشار به أهل الحل والعقد‪،‬‬
‫فنهض في ذلك أتم نهوض على جمع المة على عثمان‪ ,‬ولو كان‬
‫لنفسه‪ ،‬أو لولها ابن عمه وأقرب الجماعة إليه‬ ‫محابيا فيها لخذها‬
‫سعد بن أبي وقاص)‪.(3‬‬
‫وبهذا تحققت صورة أخرى من صور الشورى في عهد‬
‫الخلفاء الراشدين‪ ،‬وهي الستخلف عن طريق مجلس‬
‫الشورى ليعينوا أحدهم بعد أخذ المشورة العامة‪ ،‬ثم البيعة‬
‫العامة)‪.(4‬‬
‫رابًعا‪ :‬أباطيل رافضية دست في قصة الشورى‪:‬‬
‫هناك أباطيل شيعية وأكاذيب رافضية دست في التاريخ‬

‫عثمان بن عفان‪ ،‬صادق عرجون‪ ،‬ص ‪.71 ،70‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫مجلة البحوث السلمية‪ ،‬العدد )‪ ،(10‬ص ‪.225‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫سير أعلم النبلء‪ ،‬شمس الدين الذهبي‪.(1/86) ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫دراسات في عهد النبوة والخلفة الراشدة‪ ،‬ص ‪.278‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪53‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫السلمي‪ ،‬منها في قصة الشورى‪ ،‬وتولية عثمان الخلفة‪ ،‬وقد تلقفها‬
‫المستشرقون وقاموا بتوسيع نشرها‪ ،‬وتأثر بها الكثير من المؤرخين‬
‫والمفكرين المحدثين‪ ،‬ولم يمحصوا الروايات ويحققوا في سندها‬
‫ومتنها فانتشرت بين المسلمين‪.‬‬
‫لقد اهتم مؤرخو الشيعة الرافضة بقصة الشورى وتولية عثمان‬
‫بن عفان الخلفة ودسوا فيها الباطيل والكاذيب‪ ،‬وألف جماعة منهم‬
‫فقد ألف أبو مخنف كتاب الشورى‪ ،‬وكذلك ابن عقدة‬ ‫)‪(1‬‬
‫كتبا خاصة‪،‬‬
‫طريق الواقدي في‬ ‫من‬ ‫روايات‬ ‫تسع‬ ‫سعد‬ ‫ابن‬ ‫ونقل‬ ‫بابويه‪.‬‬ ‫وابن‬
‫خبر الشورى وبيعة عثمان وتاريخ توليه للخلفة)‪ ،(2‬ورواية من طريق‬
‫عبيد الله بن موسى تضمنت مقتل عمر وحصره للشورى في الستة‪،‬‬
‫وعثمان إذا تولى أحدهما أمر الخلفة‪ ،‬ووصيته‬ ‫)‪(3‬‬
‫ووصيته لكل من علي‬
‫لصهيب في هذا المر‪.‬‬
‫مخنف)‪,(4‬‬ ‫وقد نقل البلذري خبر الشورى وبيعة عثمان عن أبي‬
‫مخنف ومنها تفرد به)‪،(5‬‬
‫)‪(7‬‬
‫الكلبي منها ما نقله عن أبي‬ ‫)‪(6‬‬
‫وعن هشام‬
‫واعتمد( الطبري في‬ ‫‪،‬‬ ‫موسى‬ ‫بن‬ ‫الله‬ ‫عبيد‬ ‫وعن‬ ‫‪,‬‬ ‫الواقدي‬ ‫وعن‬
‫هذه القصة على عدة روايات منها رواية أبي مخنف)‪ ، 8‬ونقل ابن أبي‬
‫الحديد بعض أحداث قصة الشورى من طريق أحمد بن عبد العزيز‬
‫الجوهري)‪ ,(9‬وأشار إلى نقله عن كتاب )الشورى( للواقدي)‪ ,(10‬وقد‬
‫تضمنت الروايات الشيعية عدة أمور مدسوسة ليس لها دليل من‬
‫الصحة‪ ،‬وهي‪:‬‬
‫‪ -1‬اتهام الصحابة بالمحاباة في أمر المسلمين‪:‬‬
‫اتهمت الروايات الشيعية الصحابة بالمحاباة في أمر المسلمين‪،‬‬
‫وعدم رضا علي بأن يقوم عبد الرحمن باختيار الخليفة‪ ،‬فقد ورد عند‬
‫أبي مخنف وهشام الكلبي عن أبيه وأحمد الجوهري أن عمر جعل‬
‫ترجيح الكفتين إذا تساوتا بعبد الرحمن بن عوف‪ ،‬وأن عليا أحس بأن‬
‫ذهبت منه لن عبد الرحمن سيقدم عثمان للمصاهرة التي‬ ‫الخلفة‬
‫بينهما‪ (11) .‬وقد نفى ابن تيمية أي ارتباط في النسب القريب بين‬
‫عثمان وعبد الرحمن‪ ،‬فقال‪ :‬فإن عبد الرحمن ليس أخا لعثمان ول‬
‫ابن عمه ول من قبيلته أصل‪ ،‬بل هذا من بني زهرة وهذا من بني‬
‫أمية وبنو زهرة إلى بني هاشم أكثر ميل منهم إلى بني أمية‪ ،‬فإن‬
‫بني زهرة أخوال النبي × ومنهم عبد الرحمن بن عوف وسعد بن‬
‫أبي وقاص الذي قال له النبي ×‪» :‬هذا خالي فليرني امرؤ خاله«‪.‬‬
‫)‪ (12‬فإن النبي × لم يؤاِخ بين مهاجريّ ومهاجري‪ ،‬ول بين أنصاري‬
‫)( الذريعة إلى تصانيف الشيعة )‪.(14/246‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( الطبقات الكبرى لبن سعد )‪. ،(3/67) (3/63‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( المصدر السابق‪.(3/340) ،‬‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (6،7 ،‬أنساب الشراف‪ ،‬البلذري )‪.(19 ،5/18‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( المصدر السابق‪.(5/6) ،‬‬ ‫‪7‬‬

‫)( أثر التشيع على الروايات التاريخية‪ ،‬د‪ .‬عبد العزيز نور‪ ،‬ص ‪ ،321‬وهو العمدة‬ ‫‪8‬‬

‫في هذه الفقرة‪.‬‬
‫)( شرح نهج البلغة‪.(58 -50 ،9/49) ،‬‬ ‫‪9‬‬

‫)( المصدر السابق )‪(9/15‬‬ ‫‪10‬‬

‫)( أثر التشيع على الروايات التاريخية‪ ،‬ص ‪.322‬‬ ‫‪11‬‬

‫)( صحيح سنن الترمذي )‪ ،(3/220‬رقم )‪.(4018‬‬ ‫‪12‬‬

‫‪54‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫وأنصاري‪ ،‬وإنما آخى بين المهاجرين والنصار؛ فآخى بين عبد‬
‫الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع النصاري))‪ ،((21‬وحديثه مشهور ثابت‬
‫في الصحاح وغيرها‪ ،‬يعرفه أهل العلم بذلك‪ .‬وقد بنت الروايات‬
‫الشيعية محاباة عبد الرحمن لعثمان للمصاهرة التي كانت بينهما‬
‫متناسية أن قوة النسب أقوى من المصاهرة من جهة‪ ،‬ومن جهة‬
‫أخرى تناسوا طبيعة العلقة بين المؤمنين في الجيل الول‪ ،‬وأنها ل‬
‫تقوم على نسب ول مصاهرة‪ ،‬وأما كيفية المصاهرة التي كانت بين‬
‫أن عبد الرحمن تزوج أم كلثوم بنت عقبة‬ ‫)‪(3‬‬
‫عبد الرحمن وعثمان فهي‬
‫بن أبي معيط أخت الوليد‪.‬‬
‫‪ -2‬حزب أموي وحزب هاشمي‪:‬‬
‫أشارت رواية أبي مخنف إلى وقوع مشادة بين بني هاشم وبني‬
‫أثناء( المبايعة‪ ،‬وهذا غير صحيح‪ ،‬ولم يرد ذلك برواية صحيحة ول‬ ‫أمية‬
‫ضعيفة‪ 4).‬وقد انساق بعض المؤرخين خلف الروايات الشيعية‬
‫الرافضية وبنوا تحليلتهم الخاطئة على تلك الروايات‪ ،‬فصوروا تشاور‬
‫أصحاب الرسول × في تحديد الخليفة الجديد بصورة الخلف‬
‫العشائري‪ ،‬وأن الناس قد انقسموا إلى حزبين حزب أموي وحزب‬
‫هاشمي‪ ،‬وهو تصور موهوم واستنتاج مردود ل دليل عليه؛ إذ ليس‬
‫نابًعا من ذلك الجو الذي كان يعيشه أصحاب رسول الله حينما كان‬
‫يقف المهاجري مع النصاري ضد أبيه وأخيه وابن عمه وبني‬
‫عشيرته‪ ،‬وليس نابًعا من تصور هؤلء الصحب وهم يضحون بكل‬
‫شيء من حطام الدنيا في سبيل أن يسلم لهم دينهم‪ ،‬ول من‬
‫المعرفة الصحيحة لهؤلء النخبة من المبشرين بالجنة‪ ،‬فالحداث‬
‫الكثيرة التي رويت عن هؤلء تثبت أن هؤلء كانوا أكبر بكثير من أن‬
‫ينطلقوا من هذه الزاوية الضيقة في‬
‫معالجة أمورهم‪ ،‬فليست القضية قضية تمثيل عائلي أو عشائري‪،‬‬
‫فهم أهل شورى لمكانتهم‬
‫في السلم‪.‬‬
‫‪ -3‬أقوال نسبت زوًرا وبهتاًنا لعلي ‪:‬‬
‫قال ابن كثير‪ :‬وما يذكره كثير من المؤرخين كابن جرير وغيره‬
‫عن رجال ل يعرفون أن عليا قال لعبد الرحمن‪ :‬خدعتني‪ ،‬وإنك إنما‬
‫وليته لنه صهرك وليشاورك كل يوم في شأنه‪ ،‬وأنه تلكأ حتى قال‬
‫ه‬
‫َ‬ ‫الل‬ ‫ن‬‫عو َ‬‫ما ي َُباي ِ ُ‬
‫ك إ ِن ّ َ‬ ‫عون َ َ‬ ‫ن ي َُباي ِ ُ‬‫ذي َ‬ ‫ن ال ّ ِ‬ ‫عبد الرحمن بن عوف‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫فسه ومن أ َ‬ ‫ه‬
‫ي َدُ الل َ ِ‬
‫فى‬ ‫و َ‬‫َ َ ْ ْ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫لى‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ث‬‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬‫ين‬ ‫ما‬
‫ِ َ ََ‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ث‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ك‬‫ّ‬ ‫ن‬ ‫من‬‫َ‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫م‬ ‫وق َ أ ْ ِ ْ‬
‫ه‬ ‫دي‬ ‫ِ‬ ‫ي‬ ‫ف ْ‬ ‫َ‬
‫جًرا‬ ‫هأ ْ‬ ‫ؤِتي ِ‬ ‫سي ُ ْ‬‫َ‬ ‫ف‬ ‫َ‬ ‫ه‬
‫َ‬ ‫الل‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ي‬‫َ‬ ‫ل‬‫ع‬‫َ‬ ‫َ‬ ‫د‬ ‫ه‬
‫َ‬ ‫عا‬ ‫َ‬ ‫ما‬‫بِ َ‬
‫ما" ]الفتح‪.[10 :‬‬ ‫ً‬ ‫ظي‬
‫ِ‬ ‫ع‬
‫َ‬
‫‪ -4‬اتهام عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة‪:‬‬

‫البخاري‪ ،‬كتاب مناقب النصار‪ ،‬رقم )‪.(3780‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫منهاج السنة النبوية لبن تيمية‪.(272 ،6/271) ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫الطبقات الكبرى‪.(3/127) ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫الخلفاء الراشدون‪ ,‬أمين القضاة‪ ،‬ص ‪.79 ،78‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪55‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫وقد ذكر أبو مخنف في روايته في قضية الشورى عن عمرو بن‬
‫العاص والمغيرة بن شعبة أنهما جلسا عند الباب‪ ،‬ورد سعد عليهما‪،‬‬
‫فهذا يستغرب من رعاع الناس فضل عن الصحابة الكرام‪ ،‬وكيف‬
‫يقول سعد لهما‪ :‬تريدان أن تقول‪ :‬حضرنا وكنا من أهل الشورى وقد‬
‫علم الناس أهل الشورى بأعيانهم واستفاض ذلك عندهم‪ .‬وفي‬
‫الحقيقة أن رواية أبي مخنف يناقض بعضها بعضا‪ ،‬وهي واضحة لمن‬
‫تدبرها وقارنها بالصول الصحيحة‪ ،‬وغرائبها أشهر من ذكرها‪ .‬وقد‬
‫اليحيى‪(1‬إلى نماذج وأمثلة تكفي لسقاط هذه‬ ‫أشار الدكتور يحيى‬
‫الرواية وعدم العتبار بها‪ ).‬هذه بعض الشارات العابرة ذكرتها‬
‫للتنبيه والتحذير من تلك السموم المبثوثة في تراثنا التاريخي‪،‬‬
‫والموروث الثقافي للمة‪ ،‬فقد أثرت في رجال الفكر‬
‫والقلم والتاريخ‪.‬‬
‫سا‪ :‬أحقية خلفة عثمان بن عفان ‪:‬‬ ‫خام ً‬
‫ل يشك مؤمن في أحقية خلفة عثمان ‪ ‬وصحتها‪ ،‬وأنه ل‬
‫مطعن فيها لحد إل ممن أصيب قلبه بزيغ فنقم على أصحاب رسول‬
‫الله × بسبب ما حل في قلبه من الغيظ منهم‪ ،‬وهذا لم يحصل إل‬
‫من الشيعة الرافضة الذين جعلوا رأس مالهم في هذه الحياة الدنيا‬
‫هو سب الصحابة ‪-‬رضي الله عنهم‪ -‬وبغضهم‪ ،‬ول قيمة لما يوجهونه‬
‫من المطاعن على خلفة الثلثة ‪-‬رضي الله عنهم‪ -‬لظهور بطلنه‪،‬‬
‫وأنها افتراءات ل تصح‪ .‬وقد جاء في جملة من النصوص القطعية‬
‫الشهيرة التنبيه واليماء إلى أحقية خلفة عثمان بن‬ ‫الصحيحة والثار‬
‫عفان ‪ ،‬ومن ذلك)‪:(2‬‬
‫مُلوا‬ ‫ع ِ‬ ‫و َ‬ ‫م َ َ‬ ‫من ْك ُ ْ‬ ‫مُنوا ِ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫َ‬ ‫ه ال ّ ِ‬ ‫عدَ الل ُ‬ ‫و َ‬ ‫‪ -1‬قوله َتعالى‪َ + :‬‬
‫ن‬‫ذي َ‬ ‫ّ‬
‫ف ال ِ‬ ‫خل َ‬ ‫ست َ ْ‬ ‫ما ا ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ك‬ ‫ض‬ ‫ر‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫م‬
‫ف َ ْ‬ ‫ه‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫خل ِ َ‬ ‫ست َ ْ‬ ‫ت لي َ ْ‬ ‫حا ِ‬ ‫صال ِ َ‬ ‫ال ّ‬
‫َ‬ ‫ْ ّ ِ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫م‬ ‫ْ‬ ‫ه‬‫ُ‬ ‫ل‬ ‫ضى‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ر‬
‫ْ‬ ‫ا‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫م‬‫َ ُ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫دي‬ ‫ِ‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫ل‬ ‫ن‬
‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫ك‬ ‫م‬ ‫من َ ِ ْ َ َ‬
‫ُ‬ ‫ي‬ ‫ل‬‫و‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ْ‬ ‫ب‬ ‫ق‬ ‫ِ‬
‫ن ِبي‬ ‫كو َ‬ ‫ر ُ‬ ‫ِ‬ ‫ش‬‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ي‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ني‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫دو‬‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ب‬ ‫ع‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫نا‬‫ً‬ ‫م‬
‫ْ‬ ‫أ‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫ه‬ ‫ف‬‫ِ‬ ‫و‬
‫ْ‬ ‫خ‬ ‫َ‬ ‫د‬
‫ِ‬ ‫ع‬‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ب‬ ‫من‬ ‫ّ‬ ‫هم‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫ل‬ ‫ّ‬ ‫د‬ ‫َ‬ ‫ب‬‫ُ‬ ‫ي‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫و‬
‫َ‬
‫ن" ]النور‪.[55 :‬‬ ‫قو َ‬ ‫س ُ‬ ‫فا ِ‬ ‫م ال ْ َ‬ ‫ه ُ‬ ‫ك ُ‬ ‫فُأول َئ ِ َ‬ ‫كِ َ‬ ‫عدَ ذَل ِ َ‬ ‫فَر ب َ ْ‬ ‫من ك َ َ‬ ‫و َ‬ ‫شي ًْئا َ‬ ‫َ‬
‫وجه الستدلل بهذه الية على أحقية خلفة عثمان ‪ ‬أنه من الذين‬
‫استخلفهم الله في الرض‪ ،‬ومكن لهم فيها‪ ،‬وسار في الناس أيام‬
‫خلفته سيرة حسنة؛ حيث حكم فيهم بالعدل وأقام الصلة وآتى‬
‫الزكاة وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر‪ ،‬فهذه الية تضمنت الشارة‬
‫إلى‬
‫أحقيته ‪.(3)‬‬
‫ن‬
‫و َ‬ ‫ع ْ‬ ‫ست ُدْ َ‬ ‫ب َ‬ ‫عَرا ِ‬ ‫ال ْ‬ ‫َ‬ ‫ن‬
‫م َ‬ ‫ن ِ‬ ‫في َ‬ ‫خل ّ ِ‬ ‫م َ‬ ‫قل ل ّل ْ ُ‬ ‫‪ -2‬قوله تعالى‪ُ + :‬‬
‫ْ‬ ‫ُ‬
‫فِإن‬ ‫ن َ‬ ‫مو َ‬ ‫ل‬ ‫س‬ ‫ي‬ ‫و‬ ‫أ‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫ن‬ ‫لو‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫قا‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫د‬ ‫دي‬ ‫ش‬ ‫َ‬ ‫س‬ ‫إ َِلى َ‬
‫ّ‬ ‫ْ ُ‬ ‫ِ‬
‫َ‬
‫ُ‬ ‫ُ ْ ّْ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫وم ٍ أو ُِلي ب َأ ٍ‬ ‫ق ْ‬
‫من‬ ‫ولي ُْتم ّ‬ ‫ما ت َ َ‬ ‫وا ك َ‬ ‫ول ْ‬ ‫وِإن ت َت َ َ‬ ‫سًنا َ‬ ‫ح َ‬ ‫جًرا َ‬ ‫ه َأ ْ‬ ‫م الل ُ‬ ‫ؤت ِك ُ‬ ‫عوا ي ُ ْ‬ ‫طي ُ‬ ‫تُ ِ‬
‫ما" ]الفتح‪ .[16 :‬وجه الستدلل بهذه الية‬ ‫ً‬ ‫لي‬ ‫ِ‬ ‫أ‬ ‫با‬ ‫ً‬ ‫ذا‬ ‫َ‬ ‫ع‬ ‫َ‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫ْ‬ ‫ب‬ ‫ّ‬ ‫ذ‬ ‫ع‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫ُ‬ ‫قب ْ‬ ‫َ‬
‫على أحقية خلفة عثمان ‪ ‬هو أن الداعي لهؤلء العراب داع‬
‫يدعوهم بعد نبيه × وهو أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم؛ فأبو‬
‫بكر دعاهم إلى قتال الروم والفرس والترك فوجبت طاعة هؤلء‬
‫)( مرويات أبي مخنف‪ ،‬ص ‪.179‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (2 ,‬عقيدة أهل السنة في الصحابة‪.(2/656) ،‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫)( عقيدة أهل السنة في الصحابة‪،‬ـ ) ‪.(2/656‬‬

‫‪56‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫‪-‬رضي الله عنهم‪ -‬بنص القرآن‪ ،‬وإذا وجبت طاعتهم صحت‬ ‫الثلثة‬
‫خلفتهم)‪ (1‬رضي الله عنهم وأرضاهم‪.‬‬
‫‪ -3‬عن أبي موسى ‪ ‬قال‪ :‬إن النبي × دخل حائطا وأمرني‬
‫بحفظ باب الحائط‪ ،‬فجاء رجل يستأذن فقال‪ :‬ائذن له وبشره‬
‫بالجنة‪ ،‬فإذا هو أبو بكر‪ ،‬ثم جاء آخر يستأذن فقال‪ :‬ائذن له وبشره‬
‫بالجنة‪ ،‬فإذا هو عمر‪ ،‬ثم جاء آخر يستأذن فقال‪ :‬ائذن له وبشره‬
‫بالجنة على بلوى تصيبه‪ ,‬فإذا هو عثمان بن عفان‪ (2).‬هذا الحديث فيه‬
‫إشارة إلى ترتيب الثلثة في الخلفة‪ ،‬وإخبار عن بلوى تصيب عثمان‪،‬‬
‫هذه البلوى حصلت له ‪ ‬وهي حصاره يوم الدار‬
‫حتى قتل آنذاك مظلوما‪ ،‬فالحديث علم من أعلم النبوة‪ ،‬وفيه‬
‫الشارة إلى كونه‬
‫شهيدا رضي الله عنه وأرضاه)‪.(3‬‬
‫بإسناده إلى جابر بن عبد الله أنه‬ ‫‪ -4‬روى أبو داود ‪-‬رحمه الله‪-‬‬
‫ل صالح‪ :‬أن أبا‬ ‫دث أن رسول الله × قال‪» :‬أ ُرِيَ الليلة رج ٌ‬ ‫كان يح ّ‬
‫بكر نيط برسول الله ×‪ ،‬ونيط عمر بأبي بكر‪ ،‬ونيط عثمان بعمر«‪،‬‬
‫قال جابر‪ :‬فلما قمنا من عند رسول الله × قلنا‪ :‬أما الرجل‬
‫وط بعضهم ببعض‪ ،‬فهم ولة هذا‬ ‫الصالح فرسول الله ×‪ ،‬وأما ت َن َ ّ‬
‫المر الذي)‪(4‬بعث الله‬
‫به نبيه ×‪.‬‬
‫‪ -5‬وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة ‪ ‬قال‪:‬‬
‫سمعت رسول الله × يقول‪» :‬إنها ستكون فتنة واختلف ‪-‬أو‬
‫اختلف وفتنة‪ -‬قال‪ :‬قلنا‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬فما تأمرنا؟ قال‪:‬‬
‫»عليكم بالمين وأصحابه« وأشار إلى عثمان‪ (5).‬وهذا الحديث‬
‫فيه معجزة ظاهرة للنبي × الدالة على صدق نبوته؛ حيث أخبر‬
‫بالفتنة التي حصلت أيام خلفة عثمان وكانت كما أخبر‪ ،‬وتضمن‬
‫الحديث التنبيه على أحقية خلفة عثمان؛ إذ أنه × أرشد الناس إلى‬
‫أن يلزموه‪ ،‬وأخبر بأنه حين وقوع الفتنة والختلف مع أمير المؤمنين‬
‫ومقدمهم أمرهم باللتفاف حوله وملزمته لكونه على الحق‪،‬‬
‫وقد شهد له الرسول‬ ‫والخارجون عليه على الباطل أهل زيغ وهوى‪،‬‬
‫× بأنه سيكون مستمرا على الهدى ل ينفك عنه)‪.(6‬‬
‫‪ -6‬روى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى عائشة ‪-‬رضي الله‬
‫عنها‪ -‬أن النبي ×‬
‫صا فإن أرادوك على خلعه‬ ‫ً‬ ‫قمي‬ ‫مصك‬ ‫ّ‬ ‫يق‬ ‫الله‬ ‫لعل‬ ‫إنه‬ ‫قال‪» :‬يا عثمان‪،‬‬
‫فل تخلعه لهم«‪ (7).‬ففي هذا الحديث الشارة إلى الخلفة واستعارة‬
‫القميص لها وذكر الخلع ترشيح؛ أي‪:‬‬

‫)( الفصل في الملل والهواء والنحل‪.(110 ،4/109) ،‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬رقم )‪.(3695‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة‪.(2/657) ،‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( سنن أبي داود )‪.(2/513‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( المستدرك )‪ (3/99‬ثم قال‪ :‬حديث صحيح السناد ولم يخرجاه‪ ،‬ووافقه‬ ‫‪5‬‬

‫الذهبي‪.‬‬
‫)( عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة‪.(2/660) ،‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( فضائل الصحابة )‪ (1/613‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪57‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫سيجعلك الله خليفة‪ ،‬فإن قصد الناس عزلك فل تعزل نفسك عنها‬
‫)‪(1‬‬
‫لجلهم؛ لكونك‬
‫على الحق وكونهم على الباطل‪.‬‬
‫لي( عثمان يوم‬ ‫وروى الترمذي بإسناده إلى أبي سهلة قال‪ :‬قال‬ ‫‪-7‬‬
‫الدار‪ :‬إن رسول الله × قد عهد إلي ّعهدا فأنا صابر عليه)‪ .2‬فقوله‪ :‬قد‬
‫أرادوك على خلعه‬ ‫ي ّعهدا‪ ،‬أي‪ :‬أوصاني أن ل أخلع بقوله‪»:‬وإن‬ ‫عهد إل‬
‫فل تخلعه لهم«فأنا صابر عليه‪ ،‬أي‪ :‬على ذلك العهد)‪.(3‬‬
‫‪ -8‬وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي سهلة مولى‬
‫عثمان عن عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬أن رسول الله × قال‪» :‬ادعوا‬
‫لي أو ليت عندي رجل من أصحابي«‪ ،‬قالت‪ :‬قلت‪ :‬أبو بكر‪ ،‬قال‪:‬‬
‫»ل«‪ ،‬قلت‪ :‬عمر‪ ،‬قال‪» :‬ل«‪ ,‬قلت‪ :‬ابن عمك علي‪ ،‬قال‪» :‬ل«‪,‬‬
‫قلت‪ :‬فعثمان‪ ،‬قال‪» :‬نعم« قالت‪ :‬فجاء عثمان‪ ،‬فقال‪» :‬قومي«‪,‬‬
‫قال‪ :‬فجعل النبي × يسر إلى عثمان ولون عثمان يتغير‪ ،‬قال‪ :‬فلما‬
‫ي‬
‫تقاتل؟ قال‪ :‬ل إن رسول الله × عهد إل ّ‬ ‫كان يوم الدار قلنا‪ :‬أل‬
‫أمرا فأنا صابر نفسي عليه)‪.(4‬‬
‫فهذا الحديث والذي قبله فيهما دللة على صحة خلفته‪ ،‬فمن‬
‫أنكر خلفته ولم يره من أهل الجنة والشهداء وأساء الدب فيه‬
‫باللسان أو الجنان فهو خارج عن دائرة اليمان وحيز السلم)‪.(5‬‬
‫‪ -9‬ومما دل على صحة خلفته وإمامته ما رواه البخاري بإسناده‬
‫عن ابن عمر ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬قال‪ :‬كنا في زمن النبي × ل نعدل‬
‫أحدا‪(6،‬ثم عمر‪ ،‬ثم عثمان‪ ،‬ثم نترك أصحاب النبي × ل‬ ‫)‬
‫بأبي بكر‬
‫وألقى‬ ‫ألهمهم‬ ‫تعالى‬ ‫الله‬ ‫أن‬ ‫إلى‬ ‫إشارة‬ ‫هذا‬ ‫وفي‬ ‫بينهم‪.‬‬ ‫نفاضل‬
‫في روعهم ما كان صانعه بعد نبيه × من أمر ترتيب الخلفة)‪.(7‬‬
‫قال ابن تيمية‪ :‬فهذا إخبار عما كان عليه الصحابة على عهد النبي‬
‫× من تفضيل أبي بكر‪ ،‬ثم عمر‪ ،‬ثم عثمان‪ ،‬وقد روى أن ذلك كان‬
‫يبلغ النبي × فل ينكره‪ ،‬وحينئذ فيكون هذا التفضيل ثابتا بالنص وإل‬
‫فيكون ثابتا بما ظهر بين المهاجرين والنصار على عهد النبي × من‬
‫غير نكير‪ ،‬وبما ظهر لما توفي عمر فإنهم كلهم بايعوا عثمان بن‬
‫عفان من غير رغبة ول رهبة ولم ينكر هذه الولية منكر منهم)‪.(8‬‬
‫وكل ما تقدم ذكره من النصوص في هذه الفقرة أدلة قوية كلها‬
‫فيها الشارة والتنبيه إلى أحقية خلفة عثمان ‪ ‬وأنه ل مرية في‬
‫ذلك‪ ,‬ول نزاع عند المتمسكين بالكتاب والسنة والذين هم أسعد‬
‫الناس بالعمل بهما وهم أهل السنة والجماعة‪ ،‬فيجب على كل‬
‫مسلم أن يعتقد أحقية عثمان ‪ ،‬وأن يسلم تسليما كامل للنصوص‬
‫)( الدين الخالص‪ ،‬محمد صديق حسن القنوجي‪ ,‬البخاري )‪.(3/446‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( فضائل الصحابة )‪ (1/605‬إسناد صحيح‪ ،‬الترمذي )‪.(5/295‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( تحفة الحوذي‪ ،‬محمد عبد الرحمن المباركفوري )‪.(10/209‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( فضائل الصحابة )‪ (1/605‬إسناده صحيح‪ ،‬المستدرك )‪ (3/99‬حديث صحيح‬ ‫‪4‬‬

‫السناد ولم يخرجاه‪ ،‬ووافقه الذهبي‪.‬‬
‫)( الدين الخالص )‪.(3/446‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب فضائل أصحاب النبي‪ ،‬رقم )‪.(3698‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( عقيدة أهل السنة )‪.(2/664‬‬ ‫‪7‬‬

‫)( منهاج السنة النبوية لبن تيمية )‪.(3/165‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪58‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫الدالة على ذلك)‪.(1‬‬
‫سا‪ :‬انعقاد الجماع على خلفة عثمان‪:‬‬ ‫ساد ً‬
‫أجمع أصحاب رسول الله ×‪ ،‬وكذا من جاء بعدهم ممن سلك‬
‫سبيلهم من أهل السنة والجماعة على أن عثمان بن عفان ‪ ‬أحق‬
‫الناس بخلفة النبوة بعد عمر بن الخطاب ‪ ،‬ولم يخالف أو يعارض‬
‫في هذا أحد؛ بل الجميع سلم له بذلك لكونه أفضل خلق الله على‬
‫الطلق بعد الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما‪ ،‬وقد نقل‬
‫بعد‪ (2‬عمر ‪ ‬طائفة من أهل‬ ‫الجماع على أحقية عثمان ‪ ‬بالخلفة‬
‫العلم بالحديث وغيرهم‪ ،‬ومن تلك النقول) ‪:‬‬
‫‪ -1‬ما رواه ابن أبي شيبة بإسناده إلى حارثة بن مضرب قال‪:‬‬
‫حججت)‪(3‬في إمارة عمر فلم يكونوا يشكون أن الخلفة من بعده‬
‫لعثمان‬
‫‪ -2‬وروى أبو نعيم الصبهاني بإسناده إلى حذيفة ‪ ‬قال‪ :‬إني‬
‫لواقف مع عمر تمس ركبتي ركبته فقال‪ :‬من ترى قومك يؤمرون؟‬
‫الناس قد أسندوا أمرهم إلى‬ ‫قال‪ :‬إن‬
‫ابن عفان)‪.(4‬‬
‫ونقل الحافظ الذهبي عن شريك بن عبد الله القاضي‬ ‫‪-3‬‬
‫فاستخلف المسلمون أبا بكر‪ ،‬فلو‬ ‫ض النبي ×‬ ‫ِ َ‬ ‫ب‬‫ُ‬ ‫ق‬ ‫قال‪:‬‬ ‫أنه‬
‫علموا أن فيهم أحدا أفضل منه كانوا قد غشوا‪ ،‬ثم استخلف‬
‫أبو بكر عم َ ر فقام بما قام به من الحق والعدل‪ ،‬فلما احتضر‬
‫فاجتمعوا على عثمان‪ ،‬فلو علموا‬‫)‪(5‬‬
‫جعل المر شورى بين ستة‪،‬‬
‫أن فيهم أفضل منه كانوا قد غشونا‪.‬‬
‫فهذه النقول فيها بيان واضح في أن أصحاب النبي × قد اشتهر‬
‫بينهم أولوية عثمان بالخلفة‪ ،‬وما زال عمر بن الخطاب ‪ ‬حّيا لما‬
‫سبق من علمهم ببعض النصوص المشيرة إلى أن ترتيبه سيكون في‬
‫أفضل الناس على‬
‫)‪(6‬‬
‫خلفة النبوة بعد الفاروق ‪ ،‬ولعلمهم أنه‬
‫الطلق بعد أبي بكر وعمر رضي الله عنهم‪.‬‬
‫‪ -4‬روى ابن سعد بإسناده إلى النزال بن سبرة ‪ ‬قال‪ :‬قال عبد‬
‫الله بن مسعود حين استخلف عثمان‪ :‬استخلفنا خير من بقي ولم‬
‫مرنا‬‫اختيار الفضل(‪ .‬وفي رواية أخرى قال‪ :‬أ ّ‬ ‫نأله )أي لم نقصر في‬
‫)‪(7‬‬
‫خير من بقي ولم نأ ُ‬
‫ل‪.‬‬
‫‪ -5‬وقال الحسن بن محمد الزعفراني‪ :‬سمعت الشافعي يقول‪:‬‬

‫)( عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام‪ ،‬د‪ .‬ناصر بن علي عايض‬ ‫‪1‬‬

‫حسن الشيخ )‪.(2/664‬‬
‫)( المصدر نفسه )‪.(2/665‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( المصنف )‪.(14/588‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( كتاب المامة والرد على الرافضة‪ ،‬ص ‪.306‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( ميزان العتدال في نقد الرجال‪ ،‬محمد بن عثمان الذهبي )‪.(2/273‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام‪ ،‬د‪ .‬ناصر بن على عايض )‬ ‫‪6‬‬

‫‪.(2/666‬‬
‫)( الطبقات الكبرى )‪.(3/63‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪59‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫أجمع الناس على خلفة أبي بكر‪ ،‬واستخلف أبو بكر عمر‪ ،‬ثم جعل‬
‫ستة على أن يولوها واحدا فولوها عثمان رضي الله‬ ‫الشورى إلى‬
‫عنهم أجمعين‪ (1).‬وقد نقل أبو حامد محمد المقدسي كلما عزاه‬
‫للمام الشافعي أنه قال‪ :‬واعلموا أن المام الحق بعد عمر ‪‬‬
‫عثمان ‪ ‬بجعل أهل الشورى اختيار المامة إلى عبد الرحمن بن‬
‫عوف واختياره لعثمان ‪ ،‬وإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم‪،‬‬
‫وصوبوا رأيه فيما فعله‪ ،‬وأقام الناس على محجة الحق‪ ،‬وبسط‬
‫العدل إلى أن‬
‫استشهد ‪.(2)‬‬
‫أحمد( أنه قال‪ :‬لم يجتمعوا على‬ ‫‪ -6‬وذكر ابن تيمية عن المام‬
‫بيعة أحد ما اجتمعوا على بيعة عثمان)‪. 3‬‬
‫‪ -7‬وقال أبو الحسن الشعري‪ :‬وثبتت إمامة عثمان ‪ ‬بعد عمر‬
‫نص عليهم‬ ‫‪ ‬بعقد من عقد له المامة من أصحاب الشورى الذين‬
‫عمر‪ ،‬فاختاروه ورضوا بإمامته وأجمعوا على فضله وعدله)‪.(4‬‬
‫‪ -8‬وقال عثمان الصابوني مبينا عقيدة السلف وأصحاب الحديث‬
‫في ترتيب الخلفة بعد أن ذكر أنهم يقولون أول ً بخلفة الصديق ثم‬
‫الشورى وإجماع‬ ‫عمر‪ ،‬قال‪ :‬ثم خلفة عثمان ‪ ‬بإجماع أهل‬
‫الصحاب كافة ورضاهم به‪ ،‬حتى جعل المر إليه)‪.(5‬‬
‫‪ -9‬وقال شيخ السلم ابن تيمية ‪-‬رحمة الله تعالى عليه وعلى‬
‫جميع العلماء المصلحين‪:-‬‬
‫وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان لم يتخلف عن بيعته أحد‪...‬‬
‫فلما بايعه ذوو الشوكة والقدرة صار إماما‪ ،‬وإل فلو قدر أن عبد‬
‫الرحمن بايعه ولم يبايعه علي ول غيره من الصحابة أهل الشوكة لم‬
‫يصر إماما‪ ،‬ولكن عمر لما جعلها شورى في ستة‪ :‬عثمان وعلي‬
‫وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف‪ ،‬ثم إنه خرج طلحة‬
‫والزبير وسعد باختيارهم‪ ،‬وبقي عثمان وعلي وعبد الرحمن ل يتولى‬
‫ويولي أحد الرجلين‪ ،‬وأقام عبد الرحمن ثلثا حلف أنه لم يغمض فيها‬
‫بكبير نوم يشاور السابقين الولين والتابعين لهم بإحسان يشاور‬
‫أمراء الجناد‪ ،‬وكانوا قد حجوا مع عمر ذلك العام‪ ،‬فأشار عليه‬
‫المسلمون بولية عثمان‪ ،‬وذكر أنهم كلهم قدموا عثمان فبايعوه ل‬
‫عن رغبة أعطاهم إياها ول عن رهبة أخافهم بها‪ ،‬ولهذا قال غير واحد‬
‫من السلف والئمة كأيوب السختياني وأحمد بن حنبل والدارقطني‬
‫وغيرهم‪ :‬من قدم عليا على عثمان فقد ازدرى بالمهاجرين والنصار‪،‬‬
‫الدلة على أن عثمان أفضل؛ لنهم قدموه باختيارهم‬ ‫)‪(6‬‬
‫وهذا من‬
‫واشتوارهم‪.‬‬
‫‪ -10‬وقال الحافظ ابن كثير ‪-‬رحمه الله تعالى‪ -‬حاكيا إجماع‬

‫مناقب الشافعي للبيهقي )‪.(435 ،1/434‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫الرد على الرافضة‪ ،‬ص ‪.320 ،319‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫منهاج السنة )‪ ,(3/166‬السنة للخلل‪ ،‬ص ‪.320‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫البانة عن أصول الديانة‪ ،‬ص ‪.68‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن الرسالة المنبرية )‪.(1/139‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫منهاج السنة )‪.(1/134‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪60‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫الصحابة على خلفة عثمان ‪ :‬ويروى أن أهل الشورى جعلوا المر‬
‫إلى عبد الرحمن ليجتهد للمسلمين في أفضلهم ليوليه‪ ،‬فيذكر أنه‬
‫سأل من يمكنه سؤاله من أهل الشورى‪ ،‬وغيرهم فل يشير إل‬
‫بعثمان بن عفان حتى إنه قال لعلي‪ :‬أرأيت إن لم أوّلك بمن تشير به‬
‫ي؟ قال‪ :‬بعثمان‪ ،‬وقال لعثمان‪ :‬أرأيت إن لم أوّلك بمن تشير به؟‬ ‫عل ّ‬
‫قال‪ :‬بعلي بن أبي طالب‪ .‬والظاهر أن هذا كان قبل أن ينحصر المر‬
‫في ثلثة‪ ،‬وينخلع عبد الرحمن منها لينظر الفضل‪ ،‬والله عليه‬
‫والسلم ليجتهد في أفضل الرجلين فيوليه‪ ،‬ثم نهض عبد الرحمن بن‬
‫عوف ‪ ‬يستشير الناس فيهما ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس‬
‫الناس وأقيادهم جميعا وأشتاتا‪ ،‬مثنى وفرادى‪ ،‬ومجتمعين سّرا‬
‫وجهًرا‪ ,‬حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن‪ ،‬وحتى سأل‬
‫رد من الركبان والعراب إلى‬ ‫الولدان في المكاتب‪ ،‬وحتى سأل من ي َ ِ‬
‫المدينة في مدة ثلثة أيام بلياليها‪ ،‬ل يغتمض بكثير نوم إل في صلة‬
‫ودعاء واستخارة وسؤال من ذوي الرأي عنهم‪ ،‬فلم يجد أحدا يعدل‬
‫بعثمان بن عفان ‪ ،‬فلما كانت الليلة التي يسفر صاحبها عن اليوم‬
‫الرابع من موت عمر بن الخطاب جاء إلى منزل ابن أخته المسور‬
‫بن مخرمة وأمره أن ينادي له عليا وعثمان ‪-‬رضي الله عنهما‪-‬‬
‫فناداهما فحضرا إلى عبد الرحمن فأخبرهما أنه سأل الناس فلم يجد‬
‫أحدا يعدل بهما أحدا‪ ،‬ثم أخذ العهد على كل منهما أيضا لئن وله‬
‫ليعدلن ولئن ُولي عليه ليسمعن وليطيعن‪ ،‬ثم خرج إلى المسجد وقد‬
‫لبس عبد الرحمن العمامة التي عممه بها رسول الله × وتقلد سيفا‪،‬‬
‫وبعث إلى وجوه الناس من المهاجرين والنصار‪ ،‬ونودي في الناس‬
‫ص بالناس‪،‬‬‫عامة الصلة جامعة‪ ،‬فامتل المسجد بالناس حتى غ ّ‬
‫ص الناس وتراصوا حتى لم يبق لعثمان موضع يجلس فيه إل في‬ ‫وترا ّ‬
‫أخريات الناس‪ ،‬وكان رجل حيّيا ‪ ،‬ثم صعد عبد الرحمن بن عوف‬
‫منبر رسول الله × فوقف وقوفا طويل ودعا دعاء طويل لم يسمعه‬
‫الناس‪ ،‬ثم تكلم فقال‪ :‬أيها الناس‪ ،‬إني سألتكم سّرا وجهًرا عن‬
‫إمامكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إما علي وإما عثمان‪،‬‬
‫ي يا علي‪ ،‬فقام إليه فوقف تحت المنبر فأخذ عبد الرحمن‬ ‫فقم إل ّ‬
‫بيده فقال‪ :‬هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه × وفعل أبي‬
‫بكر وعمر؟ قال‪ :‬اللهم ل‪ ،‬ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ي يا عثمان‪ ،‬فأخذ بيده وقال‪ :‬هل أنت‬‫فأرسل يده‪ ،‬وقال‪ :‬قم إل ّ‬
‫مبايعي على كتاب الله وسنة رسوله ×‪ ،‬وفعل أبي بكر وعمر؟ قال‪:‬‬
‫اللهم نعم‪ ،‬قال‪ :‬فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان‪،‬‬
‫وقال‪ :‬اللهم اسمع واشهد‪ ،‬اللهم اسمع واشهد‪ ،‬اللهم اسمع واشهد‪،‬‬
‫اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه تحت المنبر‪ ،‬قال‪ :‬فقعد‬
‫عبد الرحمن مقعد النبي × وأجلس عثمان تحته على الدرجة الثانية‪،‬‬
‫وجاء إليه الناس يبايعونه‪ ،‬وبايعه علي بن أبي طالب أو ً‬
‫ل‪ ،‬ويقال ثانًيا‪.‬‬ ‫)‪(1‬‬

‫فهذه النقول المتقدم ذكرها للجماع عن هؤلء الئمة كلها‬
‫تفيد إفادة قطعية أن البيعة بالخلفة تمت لعثمان ‪ ‬بإجماع‬
‫الصحابة ‪-‬رضوان الله عليهم أجمعين‪ -‬ولم يخالف أو يعارض‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(161 -7/159‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪61‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫)‪(1‬‬
‫في ذلك أحد‪.‬‬
‫ي على عثمان رضي الله عنهما‪:‬‬ ‫سابًعا‪ :‬حكم تقديم عل ّ‬
‫دم ّ عليا على أبي بكر وعمر فإنه‬
‫نق‬‫الذي عليه أهل السنة أن َم ْ‬
‫مبتدع‪(2،‬ومن قدم عليا على عثمان فإنه مخطئ ول يضللونه ول‬ ‫ضال‬
‫يبدعونه‪).‬وإن كان بعض أهل العلم قد تكلم بشدة على من قدم عليا‬
‫على عثمان بأنه قال‪ :‬من قدم عليا على عثمان فقد زعم أن أصحاب‬
‫المانة؛ حيث اختاروا عثمان على علي ّ رضي الله‬ ‫خانوا‬
‫الرسول ×‬
‫تبارك وتعالى عنهما)‪.(3‬‬
‫وقال ابن تيمية‪ :‬استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان‪ ،‬وإن‬
‫كانت هذه المسألة مسألة عثمان وعلي ليست من الصول التي‬
‫يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة‪ ،‬لكن المسألة التي يضل‬
‫المخالف فيها هي مسألة الخلفة‪ ،‬وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة‬
‫ومن طعن‬ ‫)‪(4‬‬
‫بعد رسول الله × أبو بكر‪ ،‬ثم عمر‪ ،‬ثم عثمان‪ ،‬ثم علي‪،‬‬
‫في خلفة أحد من هؤلء الئمة فهو أضل من حمار أهله‪.‬‬
‫ي على عثمان‪،‬‬ ‫وذكر أقوال أهل العلم في مسألة تفضيل عل ّ‬
‫فقال‪ :‬فيها روايتان‪:‬‬
‫إحداهما‪ :‬ل يسوغ ذلك‪ ،‬فمن فضل عليا على عثمان خرج من‬
‫دم‬‫السنة إلى البدعة‪ ،‬لمخالفته لجماع الصحابة‪ ،‬ولهذا قيل‪ :‬من ق ّ‬
‫عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والنصار‪ ،‬يروى ذلك عن غير‬
‫واحد‪ ،‬منهم أيوب السختياني وأحمد بن حنبل والدارقطني‪.‬‬
‫)‪(5‬‬
‫دم عليا؛ لتقارب حال عثمان وعلي‪.‬‬ ‫دع من ق ّ‬ ‫والثانية‪ :‬ل ي ُب َ ّ‬
‫***‬

‫)( عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام‪ ،‬د‪ .‬ناصر بن علي عايض )‬ ‫‪1‬‬

‫‪.(2/671‬‬
‫)( مجموع الفتاوى )‪.(102 ،3/101‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( حقبة من التاريخ‪ ،‬عثمان الخميس‪ ،‬ص ‪.66‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( مجموعة الفتاوى )‪.(102 ،3/101‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( المصدر نفسه )‪.(4/267‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪62‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫المبحث الثاني‬
‫منهج عثمان بن عفان في الحكم‬
‫عندما بويع عثمان ‪ ‬بالخلفة قام في الناس خطيبا فأعلن عن‬
‫منهجه السياسي‪ ،‬مبينا أنه سيتقيد بالكتاب والسنة وسيرة الشيخين‪،‬‬
‫كما أشار في خطبته إلى أنه سيسوس الناس بالحلم والحكمة إل‬
‫فيما استوجبوه من الحدود‪ ،‬ثم حذرهم من الركون إلى الدنيا‬
‫والفتتان بحطامها؛ خوفا من التنافس والتباغض والتحاسد بينهم‪ ،‬مما‬
‫يفضي بالمة إلى الفرقة والخلف‪ .‬وكان عثمان ‪ ‬ينظر وراء‬
‫سيحدث‪(1‬في هذه المة من الفتن‬ ‫الحجب ببصيرته النفاذة إلى ما‬
‫بسبب الهواء وتهالك الناس بعدما بويع) فقال‪:‬‬
‫)أما بعد‪ ،‬فإني كلفت وقد قبلت‪ ،‬أل وإني متبع ولست بمبتدع‪ ،‬أل‬
‫ي بعد كتاب الله وسنة نبيه × ثلثا‪ :‬اتباع من كان قبلي‬ ‫وإن لكم عل ّ‬
‫فيما اجتمعتم عليه وسننتم‪ ،‬وسن أهل الخير فيما تسنوا عن مل‪،‬‬
‫والكف عنكم إل فيما استوجبتم العقوبة‪ .‬وإن الدنيا خضرة وقد‬
‫ول‬ ‫شهيت إلى الناس ومال إليها كثير منهم‪ ،‬فل تركنوا إلى الدنيا‬
‫تثقوا بها فإنها ليست بثقة‪ ،‬واعلموا أنها غير تاركة إل من تركها( )‪.(2‬‬
‫وأما قول بعض الناس بأن عثمان لما خطب أول خطبة ارتج‬
‫عليه فلم يدر ما يقول حتى قال‪ :‬أيها الناس‪ ،‬إن أول مركب صعب‬
‫صاحب‬ ‫وإن أعش فستأتيكم الخطبة على وجهها‪ ،‬فهو شيء يذكره‬
‫العقد)‪ ,(3‬وغيره من يذكر طرف الفوائد‪ ،‬وأن إسناده غير صحيح)‪.(4‬‬
‫ل‪ :‬ك ُُتب عثمان إلى عماله وولته وأمراء الجند وعامة الناس‪:‬‬ ‫أو ً‬
‫أقر عثمان ‪ ‬عمال عمر‪ ،‬فلم يعزل منهم أحدا عاما كامل أخذا‬
‫بوصية عمر ‪ ،‬والناظر في الكتب التي بعث بها إلى الولة وعمال‬
‫وأمراء الجناد يقف على النهج الذي أراد السير عليه وأخذ‬ ‫المال‬
‫المة به)‪.(5‬‬
‫‪ -1‬أول كتاب كتبه عثمان إلى جميع ولته‪:‬‬
‫أما بعد‪ ،‬فإن الله أمر الئمة أن يكونوا رعاة‪ ،‬ولم يتقدم إليهم أن‬
‫يكونوا جباة‪ ،‬وإن صدر هذه المة خلقوا رعاة‪ ،‬لم يخلقوا جباة‪،‬‬
‫وليوشكن أئمتكم أن يصيروا جباة ول يكونوا رعاة‪ ،‬فإذا عادوا كذلك‬
‫انقطع الحياء والمانة والوفاء‪ ،‬أل وإن أعدل السيرة أن تنظروا في‬
‫أمور المسلمين فيما عليهم فتعطوهم ما لهم‪ ،‬وتأخذوهم بما عليهم‪،‬‬
‫وتأخذوهم بالذي عليهم‪ ،‬ثم العدو‬ ‫ثم تثنوا بالذمة فتعطوهم الذي لهم‬
‫الذي تنتابون‪ ،‬فاستفتحوا عليهم بالوفاء)‪.(6‬‬
‫)( تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة )‪.(1/392‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( تاريخ الطبري )‪.(5/443‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( المراد ابن عبد ربه الندلسي‪ ،‬صاحب كتاب )العقد الفريد(‪ ،‬وهو كتاب في‬ ‫‪3‬‬

‫طرق الخبار والحكايات والنوادر‪ ،‬ول يهتم بسند الخبر أو صحته‪.‬‬
‫)( خلفة عثمان بن عفان‪ ،‬د‪ .‬السلمي‪ ،‬ص ‪ ،35 ،34‬والخبر من طريق الواقدي‬ ‫‪4‬‬

‫وهو متروك‪.‬‬
‫)( تحقيق مواقف الصحابة‪ ،‬د‪ .‬محمد أمحزون )‪.(1/393‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( تاريخ الطبري )‪.(5/244‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪63‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫والملحظ أن عثمان ‪ ‬أكد في هذا الكتاب الموجه إلى ولته‬
‫في المصار واجبهم نحو الرعية‪ ،‬وعرفهم أن مهمتهم ليست هي‬
‫جمع المال‪ ،‬وإنما تتمثل في رعاية مصالح الناس‪ ،‬ولجل ذلك بّين‬
‫السياسة التي يسوسون بها المة‪ ،‬وهي أخذ الناس بما عليهم من‬
‫الواجبات وإعطاؤهم حقوقهم‪ ،‬فإذا كانوا كذلك صلحت المة‪ ،‬وإذا‬
‫انقلبوا جباة ليس همهم إل جمع المال انقطع الحياء وفقدت المانة‬
‫والوفاء‪ (1).‬لقد كان في كتاب عثمان للولة التركيز على قيم العدل‬
‫السياسي والجتماعي والقتصادي‪ ،‬بإعطاء ذوي الحقوق حقوقهم‬
‫وأخذ ما عليهم‪ ،‬وإعلء شأن مبدأ الرعاية السياسية ل الجباية وتكثير‬
‫الموال)‪.(2‬‬
‫ونبه على ما سيكون عند تغير الولة من رعاة إلى جباة؛ بأن ذلك‬
‫سبب في تقلص مكارم الخلق التي مثل لها بالحياء والمانة‬
‫والوفاء‪ ،‬وذلك أن بين الراعي والرعية خيطا ساميا من العلقات‬
‫المتينة‪ ،‬ويؤكده ويثبته اتفاق الجميع على هدف واحد‪ ،‬وهو ابتغاء وجه‬
‫الله تعالى‪ ،‬فالوالي يسعى لهذا الهدف بما يقدمه لمامه من طاعة‬
‫وولء وأمانة ووفاء‪ ،‬ويبقى خلق الحياء الذي أشار إليه عثمان ُيظ ّ‬
‫ل‬
‫الجميع فيمنعهم من ارتكاب ما يستقبح أو التعرض لجرح المشاعر‬
‫واليقاع في الحرج‪ ،‬ثم يوصي عثمان ولته بالعدل في الرعية؛ وذلك‬
‫بأخذ ما عليهم من الحقوق وبذل ما لهم من ذلك‪ ،‬ويشير إلى نقطة‬
‫مهمة وهي أن الوفاء بالعهود من أهم أسباب الفتح والنصر على‬
‫العداء‪ ،‬وقد بين التاريخ أثر هذا الخلق الرفيع في تفوق المسلمين‬
‫الداري والحربي)‪.(3‬‬
‫‪ -2‬كتابه إلى قادة الجنود‪:‬‬
‫)‪(4‬‬
‫وكان أول كتاب كتبه إلى قادة الجناد في الفروج ‪ :‬أما بعد‪،‬‬
‫فإنكم حماة المسلمين وذادتهم‪ ،‬وقد وضع لكم عمر ما لم يغب عنا‪،‬‬
‫بل كان على مل منا‪ ،‬ول يبلغني عن أحد منكم تغيير ول تبديل فيغير‬
‫كيف تكونون؛ فإني أنظر‬ ‫الله بكم‪ ،‬ويستبدل بكم غيركم‪ ،‬فانظروا‬
‫فيما ألزمني الله النظر فيه والقيام عليه)‪.(5‬‬
‫وفي هذا الكتاب لفت النظر إلى أن المور لن تتغير بتغير‬
‫الخليفة؛ لن الخلفاء ومن دونهم من الولة يسيرون على خط واحد‪،‬‬
‫وهو القيام بمهمة تطبيق السلم في واقع الحياة‪ ،‬وقوله‪) :‬وقد وضع‬
‫لكم عمر ما لم يغب عنا بل كان على مل منا(‪ ،‬إشارة إلى أن حكم‬
‫أولئك الخلفاء يقوم على الشورى‪ ،‬وذلك يترتب عليه أن جميع‬
‫القضايا المهمة تكون معلومة بتفاصيلها عند أهل الحل والعقد‪ ،‬فإذا‬
‫ذهب الحاكم وخلفه حاكم آخر سار على نفس المنهج؛ لوضوح‬
‫الهدف لدى الجميع‪ .‬وقوله‪) :‬ول تغيروا فيغير الله بكم( وعي لسنن‬
‫الله تعالى في هذا الكون‪ ،‬فمعية الله ‪-‬جل وعل‪ -‬لوليائه بالتوفيق‬

‫تحقيق مواقف الصحابة )‪.(1/393‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫الدولة السلمية في عصر الخلفاء الراشدين‪ ،‬د‪ .‬حمدي شاهين‪ ،‬ص ‪.246‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫التاريخ السلمي مواقف وعبر‪ ،‬د‪ .‬عبد العزيز الحميدي )‪.(12/369‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (2‬تاريخ الطبري )‪.(5/244‬‬ ‫الفروج‪ :‬يعني القاليم‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪64‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫والحماية والنصر مشروطة بلزومهم شريعته واستسلمهم لمره‪،‬‬
‫تغيروا( في ذلك غّير الله ما بهم واستبدل بهم غيرهم في الهيمنة‬ ‫فإذا‬
‫ن‬ ‫ي‬ ‫ب‬ ‫من‬ ‫ت‬ ‫با‬‫ق‬‫ّ‬ ‫ع‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫‪+‬‬ ‫تعالى‪:‬‬ ‫الله‬ ‫يقول‬ ‫ذلك‬ ‫وفي‬ ‫‪،‬‬ ‫)‪1‬‬
‫والتمكين‬
‫َ ْ ِ‬ ‫ُ ُ َ َ ٌ ّ‬ ‫َ‬ ‫ف ُ‬
‫ما‬ ‫غي ُّر َ‬ ‫ه ل َ يُ َ‬ ‫ن الل َ‬ ‫ه إِ ّ‬ ‫الل ِ‬‫َ‬ ‫ر‬
‫م ِ‬ ‫نأ ْ‬ ‫م ْ‬ ‫ه ِ‬ ‫ظون َ ُ‬ ‫ما بأ َ‬
‫ح َ‬
‫ه يَ ْ‬ ‫ف ِ‬ ‫خل ْ ِ‬‫ن َ‬ ‫م ْ‬ ‫و ِ‬
‫ه َ‬‫ي َدَي ْ ِ‬
‫ءا‬‫سو ً‬ ‫م‬
‫ُ ِ ْ ٍ ُ‬ ‫و‬ ‫َ‬
‫ق‬ ‫ب‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫د‬
‫َ َ‬‫را‬ ‫أ‬ ‫َ‬
‫ذا‬ ‫إ‬‫و‬
‫ِ ْ َ ِ‬‫م‬ ‫ه‬ ‫س‬ ‫ِ‬ ‫ف‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫َ ِ‬ ‫روا‬ ‫و ٍ َ َ ُ ّ ُ‬
‫ي‬ ‫غ‬
‫َ‬ ‫ي‬ ‫تى‬ ‫ّ‬ ‫ح‬ ‫م‬ ‫ق ْ‬ ‫بِ َ‬
‫ل" ]الرعد‪ [11 :‬وذكرهم‬ ‫َ ٍ‬ ‫وا‬ ‫من‬ ‫ِ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ن‬ ‫دو‬‫ُ‬ ‫من‬ ‫ّ‬ ‫هم‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ما‬ ‫و‬ ‫ه‬ ‫ل‬
‫َ َ ّ ُ َ َ‬ ‫د‬ ‫ر‬ ‫م‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫َ‬
‫ف‬
‫بأنه على علم بواجبه يؤديه ويقوم عليه ليتلقى عمل الرعية وعمل‬
‫بالواجب والقيام به‪ ،‬ويشعر كل فرد أنه يعمل‬ ‫الراعي في الشعور‬
‫لمته كما يعمل لنفسه)‪.(2‬‬
‫‪ -3‬كتابه إلى عمال الخراج‪:‬‬
‫وكان أول كتاب كتبه إلى عمال الخراج‪:‬‬
‫أما بعد‪ ،‬فإن الله خلق بالحق فل يقبل إل الحق‪ ،‬خذوا الحق‬
‫وأعطوا الحق به‪ ،‬والمانة المانة‪ ،‬قوموا عليها‪ ،‬ول تكونوا أول من‬
‫والوفاء الوفاء‪ ،‬ل‬ ‫يسلبها فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم‪،‬‬
‫تظلموا اليتيم ول المعاهد؛ فإن الله خصم لمن ظلمهم)‪.(3‬‬
‫خص في هذا الكتاب وزراء المال الذين يجبونه من أفراد المة‬
‫لينفق في مصالحها العامة‪ ،‬فبّين لهم أن الله ل يقبل إل الحق‪،‬‬
‫والحق قائم على المانة والوفاء‪ ،‬ثم ميز صنفين من الرعية هما‬
‫والمعاهد‪ ،‬فحض على التجافي عن ظلمهما؛ لن الله‬ ‫ضعيفاها؛ اليتيم‬
‫هو المتولي حمايتهما‪ (4).‬ويذكرهم بأنهم إذا ظلموهم فإنهم معرضون‬
‫لنقمة الله تعالى؛ لنه خصم لمن ظلم هؤلء المستضعفين‪ .‬وفي هذا‬
‫حيث يدعو إلى نصر‬ ‫لفتة إلى جانب من جوانب عظمة السلم؛‬
‫المظلومين وإن كانوا من الكفار المعاهدين)‪.(5‬‬
‫‪ -4‬كتابه إلى العامة‪:‬‬
‫أما بعد‪ ،‬فإنكم إنما بلغتم بالقتداء والتباع فل تلفتنكم الدنيا عن‬
‫أمركم‪ ،‬فإن أمر هذه المة صائر إلى البتداع بعد اجتماع ثلث فيكم‪:‬‬
‫تكامل النعم‪ ،‬وبلوغ أولدكم من السبايا‪ ،‬وقراءة العراب والعاجم‬
‫في‪(6‬العجمة‪ ،‬فإذا‬ ‫القرآن‪ ،‬فإن رسول الله × قال‪» :‬الكفر‬
‫)‬
‫استعجم عليهم أمر تكلفوا وابتدعوا«‪.‬‬
‫وفي هذا الخطاب نلحظ أن عثمان ‪ ‬رغب عامة المة في‬
‫التباع وترك التكلف والبتداع‪ ،‬وأنه حذرهم تغير الحال إذا اجتمعت‬
‫لهم ثلث خلل‪ :‬تكامل النعم الذي يبطر النفوس ويدفعها إلى‬
‫الترف‪ ،‬ويصدها عن الجتهاد والعمل‪ ،‬ويصرفها إلى الفراغ والكسل‪،‬‬
‫حتى تفتر حيويتها وتخور عزائمها‪ .‬وبلوغ أولدها من السبابا‪ ،‬وقد‬
‫لمست المة في تاريخها أثر هؤلء في المجتمع السلمي من‬
‫)‪ (4‬عثمان بن عفان‪ ،‬صادق عرجون‪،‬‬ ‫)( التاريخ السلمي )‪.(12/370‬‬ ‫‪1‬‬

‫ص ‪.199‬‬
‫‪2‬‬

‫)( تاريخ الطبري )‪.(5/244‬‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (2‬التاريخ السلمي )‬ ‫)( عثمان بن عفان‪ ،‬صادق عرجون‪ ،‬ص ‪.198‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪.(20/371‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( تاريخ الطبري )‪.(5/245‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪65‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫الوجهة السياسية والجتماعية والدينية‪ .‬وقراءة العراب والعاجم‬
‫القرآن‪ ،‬وإنما يريد عثمان بذلك ما في طبائع العراب من جفوة‬
‫وغلظ الكباد‪ ،‬فل تبلغ هداية القرآن مكان الخير من أفئدتهم‪ ،‬وكذلك‬
‫يريد ما في العاجم من أخلق موروثة وعقائد متأصلة‪ ،‬وعادات‬
‫قديمة تباعد بينهم وبين سنن القرآن في الهداية‪ ،‬وقد ظهر أثر‬
‫العراب في فرقة الخوارج الذين كانت كثرتهم من أولئك الجفاة؛‬
‫فهم كانوا أقرأ الناس للقرآن وأبعدهم عن هدايته‪ ،‬ثم ظهر فيمن‬
‫عداهم أثر العاجم فيما ابتدعوه من مذاهب وتكلفوه من آراء كانت‬
‫ومنهم أكثر الفرق الضالة التي‬ ‫)‪(1‬‬
‫شّرا على المسلمين في عقائدهم‪،‬‬
‫لعبت في تاريخ السلم أخطر دور‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬المرجعية العليا للدولة‪:‬‬
‫أعلن ذو النورين أن مرجعيته لدولته كتاب الله وسنة رسوله ×‬
‫والقتداء بالشيخين في هديهم‪ ،‬فقد قال‪ ...» :‬أل وإني متبع ولست‬
‫وسنة نبيه × ثلثا‪ :‬اتباع من‬ ‫)‪(2‬‬
‫ي بعد كتاب الله‬ ‫بمبتدع‪ ،‬أل وإن لكم عل ّ‬
‫كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسننتم‪.«....‬‬
‫ك‬‫‪ -1‬فالمصدر الول هو كتاب الله‪ ،‬قال تعالى‪+ :‬إ ِّنا أ َن َْزل َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫ول َ ت َك ُ ْ‬
‫ن‬ ‫ه َ‬ ‫ك الل ُ‬‫ما أ ََرا َ‬
‫س بِ َ‬
‫ن الّنا ِ‬‫م ب َي ْ َ‬‫حك ُ َ‬
‫ق ل ِت َ ْ‬ ‫ح ّ‬‫ب ِبال ْ َ‬‫ال ْك َِتا َ‬
‫ما" ]النساء‪ .[105 :‬فكتاب الله تعالى يشتمل على‬ ‫ً‬ ‫صي‬ ‫ِ‬ ‫خ‬
‫َ‬ ‫ن‬
‫خائ ِ ِ َ‬
‫ني‬ ‫ل ّل ْ َ‬
‫جميع الحكام الشرعية التي تتعلق بشئون الحياة‪ ،‬كما يتضمن مبادئ‬
‫أساسية وأحكاما قاطعة لصلح كل شعبة من شعب الحياة‪ ،‬كما بين‬
‫القرآن الكريم للمسلمين كل ما يحتاجون إليه من أسس تقوم عليها‬
‫دولتهم‪.‬‬
‫‪ -2‬المصدر الثاني‪ :‬السنة المطهرة التي يستمد منها الدستور‬
‫خللها يمكن معرفة الصيغ التنفيذية‬ ‫السلمي أصوله‪ ،‬ومن‬
‫والتطبيقية لحكام القرآن)‪.(3‬‬
‫بالشيخين‪ :‬قال رسول الله ×‪»:‬اقتدوا بالذين من بعدي‪:‬‬ ‫)‪(4‬‬
‫‪-3‬القتداء‬
‫أبي بكر وعمر«‪.‬‬
‫إن دولة ذي النورين خضعت للشريعة وأصبحت سيادة الشريعة‬
‫السلمية فيها فوق كل تشريع وفوق كل قانون‪ ،‬وأعطت لنا صورة‬
‫مضيئة مشرقة على أن الدولة السلمية دولة شريعة‪ ،‬خاضعة بكل‬
‫أجهزتها لحكام)‪(5‬هذه الشريعة‪ ،‬والحاكم فيها مقيد بأحكامها ل يتقدم‬
‫ول يتأخر عنها‪ .‬ففي دولة ذي النورين وفي مجتمع الصحابة‬
‫الشريعة فوق الجميع‪ ،‬يخضع لها الحاكم والمحكوم‪ ،‬وطاعة الخليفة‬
‫مقيدة بطاعته لله‪ ،‬قال رسول الله ×‪» :‬ل طاعة في المعصية‪ ،‬إنما‬
‫الطاعة في المعروف«‪ (6).‬وهيمنة الشريعة على الدولة من خصائص‬
‫الخلفة الراشدة‪ ،‬فحكومة الخلفة الراشدة تتميز عن الحكومات‬
‫عثمان بن عفان‪ ،‬صادق عرجون‪ ،‬ص ‪.199‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫تاريخ الطبري )‪.(5/443‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫فقه التمكين في القرآن الكريم للصلبي‪ ،‬ص ‪.432‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫صحيح سنن الترمذي‪.(3/200) ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫نظام الحكم في السلم‪ ،‬ص ‪.227‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫البخاري‪ ،‬رقم )‪.(7145‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪66‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫الخرى بعدة خصائص‪ ،‬منها‪:‬‬
‫* أن اختصاص الحكومة )الخليفة( عامة؛ أي تقوم على التكامل‬
‫بين الشئون الدنيوية والدينية‪.‬‬
‫* أن حكومة الخلفة ملزمة بتنفيذ أحكام الشريعة‪.‬‬
‫)‪(1‬‬
‫* أن الخلفة تقوم على وحدة العالم السلمي‪.‬‬
‫ثالثـا‪ :‬حق المة في محاكمة الخليفة‪:‬‬
‫المر الذي ل شك فيه أن سلطة الخليفة ليست مطلقة‪ ،‬وإنما‬
‫هي مقيدة بقيدين‪:‬‬
‫حا ورد في القرآن الكريم والسنة‪ ،‬وأن‬ ‫صا صري ً‬ ‫‪ -1‬أل يخالف ن ّ‬
‫يكون الجراء الذي يتخذه متفقا ‪-‬فضل عن ذلك‪ -‬مع روح الشريعة‬
‫ومقاصدها‪.‬‬
‫‪ -2‬أل يخالف ما اتفقت عليه المة السلمية أو يخرج على‬
‫إرادتها‪.‬‬
‫وأساس ذلك أن الخليفة نائب عن المة‪ ،‬منها يستمد سلطانه‪،‬‬
‫ويرجع إليها في تحديد هذا السلطان ومداه‪ ،‬فالمة تستطيع في كل‬
‫وقت أن توسع من هذا السلطان‪ ،‬وأن تضيق منه أو تقيده بقيود‬
‫كلما رأت في ذلك مصلحة أو ضمانا لحسن القيام على أمر الله‬
‫ومصلحة المة‪ (2).‬ويكون ذلك من خلل مجلس شورى المة‪ .‬وقد‬
‫أكد عثمان ‪ ‬حق المة في محاسبة الخليفة في قوله‪ :‬إن وجدتم‬
‫)‪(3‬‬
‫في كتاب الله أن تضعوا رجلي في القيد فضعوا رجلي في القيد‪.‬‬
‫وحينما أخذت طائفة عليه بعض أخطاء ‪-‬في زعمها‪ -‬في تصريفه‬
‫لشئون الحكم وإسناد وظائفه‪ ،‬وتظاهرت عليه جموع منهم‬
‫لمحاسبته على أعماله‪ ،‬فأذعن ‪-‬رضوان الله عليه‪ -‬لرغبتهم‪ ،‬ولم‬
‫استعدادا كريما لصلح ما عسى أن‬ ‫ينكر عليهم هذا الحق‪ ،‬وأبدى‬
‫يكون أخطأه التوفيق في إبرامه)‪.(4‬‬
‫رابًعا‪ :‬الشورى‪:‬‬
‫إن من قواعد الدولة السلمية حتمية تشاور قادة الدولة‬
‫وحكامها مع المسلمين والنزول على رضاهم ورأيهم‪ ،‬وإمضاء نظام‬
‫م‬‫ه ْ‬‫ت لَ ُ‬ ‫ه ِلن َ‬
‫ن الل ِ‬ ‫م َ‬ ‫ة ّ‬ ‫م ٍ‬ ‫ح َ‬‫ما َر ْ‬ ‫فب ِ َ‬ ‫الحكم بالشورى‪ ،‬قال تعالى‪َ + :‬‬
‫ف‬‫ع ُ‬ ‫فا ْ‬‫ك َ‬ ‫ول ِ َ‬ ‫ِ ْ َ ْ‬ ‫ح‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫ضوا‬ ‫ّ‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ْ‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫ل‬ ‫ب‬‫قل ْ ِ‬ ‫ظ ال ْ َ‬ ‫غِلي َ‬
‫َ‬
‫ظا َ‬ ‫ف ّ‬ ‫ت َ‬ ‫كن َ‬ ‫و ُ‬ ‫ول َ ْ‬ ‫َ‬
‫ت‬ ‫م‬
‫َ ْ َ‬ ‫ز‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫ذا‬ ‫ِ‬ ‫إ‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ر‬ ‫م‬
‫ّ ْ ِ‬ ‫ال‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫ر‬‫ْ‬ ‫و‬‫ِ‬ ‫شا‬ ‫َ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫ه‬
‫ْ ُ‬ ‫ل‬ ‫ر‬‫ف‬‫ِ‬ ‫غ‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫س‬‫عن ْ ُ ْ َ ْ‬
‫وا‬ ‫م‬ ‫ه‬ ‫َ‬
‫ن" ]آل عمران‪.[159 :‬‬ ‫وكِلي َ‬ ‫مت َ َ‬ ‫ب ال ْ ُ‬ ‫ح ّ‬ ‫ه يُ ِ‬ ‫ن الل َ‬ ‫ه إِ ّ‬ ‫عَلى الل ِ‬ ‫ل َ‬ ‫وك ّ ْ‬
‫فت َ َ‬ ‫َ‬
‫َ‬
‫صل َ َ‬
‫ة‬ ‫موا ال ّ‬ ‫قا ُ‬ ‫وأ َ‬ ‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫بوا ل َِرب ّ ِ‬ ‫جا ُ‬ ‫ست َ َ‬ ‫نا ْ‬ ‫ذي َ‬ ‫وال ّ ِ‬ ‫َ وقال تعالى‪َ + :‬‬
‫ن" ]الشورى‪.[38 :‬‬ ‫فقو َ‬ ‫ُ‬ ‫م ي ُن ْ ِ‬ ‫ه ْ‬ ‫ْ‬
‫ما َرَزقَنا ُ‬ ‫م ّ‬ ‫و ِ‬‫م َ‬ ‫ه ْ‬‫شوَرى ب َي ْن َ ُ‬ ‫م ُ‬ ‫ه ْ‬‫مُر ُ‬ ‫وأ ْ‬ ‫َ‬
‫وقد اتخذ عثمان ‪ ‬في دولته مجلسا للشورى يتألف من كبار‬

‫فقه الخلفة‪ ،‬للسنهوري‪ ،‬ص ‪.80‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫الدولة والسيادة‪ ،‬د‪ .‬فتحي عبد الكريم‪ ،‬ص ‪.268‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫مسند المام أحمد‪ ،‬الموسوعة الحديثية‪ ،‬رقم ‪.524‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫الدولة والسيادة‪ ،‬ص ‪.379‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪67‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫أصحاب رسول الله × من المهاجرين والنصار‪ (1).‬وقد طلب عثمان‬
‫‪ ‬من العمال والقادة قائل‪ :‬أما بعد‪ ،‬فقوموا على ما فارقتم عليه‬
‫تبدلوا‪ ،‬ومهما أشكل عليكم فردوه إلينا نجمع عليه المة ثم‬ ‫عمر ول‬
‫نرده عليكم‪ (2).‬فأخذ قادته بذلك‪ ،‬فكانوا إذا هموا بالغزو والتقدم في‬
‫الفتوحات السلمية استأذنوه واستشاروه‪ ،‬فيقوم هو بدوره بجمع‬
‫الصحابة واستشارتهم للعداد والقرار والتنفيذ ووضع الخطط‬
‫المناسبة لذلك‪ ،‬ومن ثم يأذن)‪ (3‬لهم؛ فقد قام عبد الله بن أبي‬
‫السرح بالكتابة إلى الخليفة عثمان ‪ ‬طالبا منه أن يأذن له بأن‬
‫المسلمين‪ ،‬فأجابه‬ ‫يغزو أطراف إفريقية‪ ،‬وذلك لقرب جزر الروم من‬
‫الخليفة عثمان إلى ذلك بعد المشورة وندب إليه الناس‪ (4).‬كما أن‬
‫معاوية بن أبي سفيان حين أراد فتح جزيرة قبرص ورودس فعل‬
‫الشيء نفسه في استشارة القيادة العليا المركزية‪ ،‬وطلب الذن‬
‫بعد‪ (5‬انعقاد مجلس الشورى وبحثه‬ ‫بالسماح له‪ ،‬ولم يأته الجواب إل‬
‫الخليفة عثمان ‪‬‬ ‫قادة‬ ‫وكان‬ ‫)‬
‫له‪.‬‬ ‫في الموضوع‪ ،‬ومن ثم السماح‬
‫في إدارتهم للمعارك الحربية يتشاورون فيما بينهم؛)‪ (6‬كما شاور‬
‫عثمان كبار الصحابة في جمع القرآن‪ ،‬وفي قتل عبيد الله بن عمر‬
‫للهرمزان‪ ،‬وحول التدابير الكفيلة بقطع دابر الفتنة‪ ،‬وفي مقام‬
‫القضاء‪ ،‬وغير ذلك من المواقف والحداث التي سيأتي بيانها في‬
‫محلها بإذن الله‪.‬‬
‫سا‪ :‬العدل والمساواة‪:‬‬ ‫خام ً‬
‫إن من أهداف الحكم السلمي الحرص على إقامة قواعد النظام‬
‫السلمي التي تساهم في إقامة المجتمع المسلم‪،‬ومن أهم هذه‬
‫القواعد العدل والمساواة؛ فقد كتب ذو النورين إلى الناس في‬
‫المؤمن‬
‫)‪(7‬‬
‫المصار‪ :‬أن ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر‪ ،‬ول يذل‬
‫نفسه‪ ،‬فإني مع الضعيف على القوي ما دام مظلوما إن شاء الله‪.‬‬
‫فقد كانت سياسته تقوم على العدل بأسمى صوره؛ فقد أقام الحد‬
‫على والي الكوفة الوليد بن عقبة )أخوه لمه( عندما شهد عليه‬
‫الشهود بأنه شرب الخمر‪ ،‬وعزله عن الولية بسبب ذلك‪ ،‬وسيأتي‬
‫تفصيل هذه القضية بإذن الله‪ .‬وقبوله بتولية أبي موسى الشعري‬
‫مكانه؛ لن أهل الكوفة لم يوافقوا على تولية سعيد بن العاص خلفا‬
‫للوليد‪ .‬وقد روي عنه أيضا أنه غضب على خادم له يوما فعرك أذنه‬
‫حتى أوجعه‪ ،‬ولم يستطع أن ينام ليلته آنذاك إل بعد أن دعا خادمه‬
‫إلى مضجعه وأمره أن يقتص منه فيعرك أذنه‪ ،‬وقد أبى الخادم في‬
‫ولكن عثمان أمره ثانية في‬ ‫بادئ المر‪،‬‬
‫حزم فأطاعه)‪.(8‬‬
‫سا‪ :‬الحريات‪:‬‬ ‫ساد ً‬
‫مبدأ الحرية من المبادئ الساسية التي قام عليها الحكم في عهد‬
‫)( الدارة العسكرية في الدولة السلمية )‪.(1/277‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( المصدر نفسه )‪ ،(1/277‬نقل عن تاريخ الطبري‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (4‬المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.183‬‬ ‫)( فتوح مصر‪ ،‬ص ‪.83‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)‪ (6 ،‬الدارة العسكرية )‪.(1/278‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( تاريخ الطبري )‪.(4/414‬‬ ‫‪7‬‬

‫)( نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬حمد محمد الصمد‪ ،‬ص ‪.149‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪68‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫الخلفاء الراشدين‪ ،‬ويقضي هذا المبدأ بتأمين وكفالة الحرية العامة‬
‫للناس كافة ضمن حدود الشريعة السلمية وبما ل يتناقض معها‪،‬‬
‫فقد كانت دعوة السلم لحرية الناس ‪-‬جميع الناس‪ -‬دعوة واسعة‬
‫وعريضة قلما تشتمل على مثلها دعوة في التاريخ‪ ،‬وفي عهد الخلفاء‬
‫الراشدين كانت الحريات العامة المعروفة في أيامنا معلومة‬
‫ومصونة)‪(1‬؛ كحرية العقيدة الدينية‪ ،‬وحرية التنقل‪ ،‬وحق المن‪،‬‬
‫وحرمة المسكن‪ ،‬وحرية الملكية‪ ،‬وحرية الرأي‪.‬‬
‫سابًعا‪ :‬الحتساب‪:‬‬
‫اهتم أمير المؤمنين عثمان ‪ ‬بالحتساب بنفسه كما أسنده إلى‬
‫غيره‪ ،‬فقد ثبت قيامه ‪ ‬بالحتساب في مجالت عدة‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪ -1‬إنكاره على لبس الثوب المعصفر‪:‬‬
‫ومن احتسابه ‪ ‬أنه أنكر على محمد بن جعفر بن أبي طالب ‪‬‬
‫لبسه الثوب المعصفر‪ ،‬فعن أبي هريرة ‪ ‬قال‪ :‬راح عثمان ‪ ‬إلى‬
‫فبات‬ ‫مكة حاجا‪ ،‬ودخلت على محمد بن جعفر بن أبي طالب امرأته‪،‬‬
‫غدا( عليه ردع)‪ (2‬الطيب وملحفة معصفرة مفدمة)‪،(3‬‬ ‫معها حتى أصبح‪,‬‬
‫)‪(5‬‬
‫انتهر‬ ‫‪‬‬ ‫عثمان‬ ‫رآه‬ ‫فلما‬ ‫يروحوا‪،‬‬ ‫أن‬ ‫قبل‬ ‫‪،‬‬ ‫)‪4‬‬
‫بملل‬ ‫فأدرك الناس‬
‫وأفف وقال‪» :‬أتلبس المعصفر وقد نهى عنه رسول الله × ؟!«‪.‬‬
‫‪ -2‬إنكاره على قاصدات العمرة والحج وهن في العدة‪:‬‬
‫ومن احتسابه ‪ ‬أنه كان يرد النساء اللواتي كن يخرجن للعمرة‬
‫أو الحج وهن في العدة؛ فقد روى المام عبد الرزاق عن مجاهد‬
‫‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬يرجعان حواج ومعتمرات‬ ‫قال‪ :‬كان عمر وعثمان‬
‫من الجحفة وذي الحليفة)‪.(6‬‬
‫‪ -3‬أمره بذبح الحمام‪:‬‬
‫)‪(7‬‬
‫ومن احتسابه أنه منع الناس من النشغال في طيران الحمام ‪,‬‬
‫لما بدأوا فيه مع سعة العيش‪ ،‬وأمرهم بذبحه؛ فقد روى المام‬
‫البخاري عن الحسن)‪(8‬قال‪ :‬سمعت عثمان ‪ ‬يأمر في خطبته بقتل‬
‫الكلب وذبح الحمام ‪.‬‬
‫‪ -4‬احتسابه على اللعب بالنرد‪:‬‬
‫كان عثمان ‪ ‬ينهى عن اللعب بالنرد وأمرهم بتحريقه أو كسره‬
‫ممن كان في بيته؛ فقد روى المام البيهقي عن زبيد بن الصلت أنه‬
‫سمع عثمان بن عفان ‪ ‬وهو على المنبر يقول‪ :‬يا أيها الناس‪ ،‬إياكم‬
‫والميسر ‪-‬يريد النرد‪ -‬فإنها قد ذكرت لي أنها في بيوت الناس منكم‪،‬‬
‫فمن كان في بيته فليحرقها أو فليكسرها‪ .‬وقال عثمان ‪ ‬مرة‬
‫)‪ (3‬ردع‪ :‬لطخ وأثر‪.‬‬ ‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.158 ،157‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)‪ (5‬ملل‪ :‬موضع بين مكة والمدينة‪.‬‬ ‫)( مفدمة‪ :‬مشبعة حمرة‪.‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( المسند‪ ،‬رقم ‪ ،517‬قال أحمد شاكر‪ :‬إسناده صحيح‪ ،‬انظر‪ :‬تعليقات الشيخ‬ ‫‪5‬‬

‫على المسند )‪.(1/384‬‬
‫)‪ (2‬تاريخ الطبري )‪.(5/415‬‬ ‫)( المصنف‪ ،‬رقم )‪. (12071‬‬ ‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)( الدب المفرد‪ ،‬باب ذبح الحمام‪ ،‬رقم )‪.(1307‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪69‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫أخرى وهو على المنبر‪ :‬يا أيها الناس‪ ،‬إني قد كلمتكم في هذا النرد‪،‬‬
‫بحزم( الحطب‪ ،‬ثم أرسل‬ ‫ولم أركم أخرجتموها‪ ،‬فلقد هممت أن آمر‬
‫إلى بيوت الذين هم في بيوتهم فأحرقها عليهم)‪. 1‬‬
‫‪ -5‬إخراجه من يراه على شر أو يشهر سلحا في المدينة‪:‬‬
‫ومن احتسابه أيضا أنه كان ينكر على من يراه على شر أو كان‬
‫يحمل معه سلحا ويخرجه من المدينة؛ فعن سالم بن عبد الله ‪‬‬
‫قال‪ :‬وجعل عثمان )ل‪(2‬يأخذ أحدا منهم على شر أو شهر سلح‪ ،‬عصا‬
‫فما فوقها إل سّيره‪.‬‬
‫‪ -6‬ضربه لمن استخف بعم النبي ×‪:‬‬
‫ففي أيام خلفته ضرب رجل في منازعة استخف فيها بالعباس‬
‫بن عبد المطلب عم الرسول ×‪ ،‬فقيل له عن مبررات ضربه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫الستخفاف به‪ ،‬لقد‬ ‫ل الله × عمه وأرخص في‬ ‫خم رسو ُ‬ ‫ف ّ‬
‫نعم‪ ،‬أي ُ َ‬
‫خالف رسول الله × من فعل ذلك ومن رضي به منه)‪.(3‬‬
‫‪ -7‬نهيه عن الخمر لنها أم الخبائث‪:‬‬
‫روى النسائي في سننه والبيهقي في سننه عن عثمان بن عفان أنه‬
‫قال‪ :‬اجتنبوا الخمر‪ ،‬فإنها أم الخبائث‪ ،‬إنه كان رجل ممن خل قبلكم‬
‫يتعبد‪ ،‬فعلقته امرأة أغوته‪ ،‬فأرسلت إليه جاريتها‪ ،‬فقالت له‪ :‬إنها تدعوك‬
‫للشهادة‪ ،‬فانطلق مع جاريتها فطفق كلما دخل بابا أغلقته دونه‪ ،‬حتى‬
‫أفضى إلى امرأة وضيئة‪ ،‬عندها غلم وباطية خمر‪ ،‬فقالت‪ :‬والله ما‬
‫ي‪ ّ ،‬أو تشرب من هذه الخمر‬ ‫دعوتك للشهادة‪ ،‬ولكن دعوتك لتقع عل‬
‫كأسا‪ ،‬أو تقتل هذا الغلم‪ ،‬قال‪ :‬فاسقني من هذا الخمر كأسا‪ ،‬فسقته‬
‫كأسا فقال‪ :‬زيدوني فلم يرم حتى وقع عليها وقتل الغلم‪ ،‬فاجتنبوا‬
‫الخمر‪ ،‬فإنها والله)‪(4‬ل يجتمع اليمان وإدمان الخمر إل ويوشك أن يخرج‬
‫أحدهما صاحبه ‪.‬‬
‫كمه‪:‬‬‫ح َ‬
‫‪ -8‬من خطب عثمان في المجتمع ومن ِ‬
‫أ‪ -‬خطبة في الستعداد ليوم المعاد‪:‬‬
‫يقول الحسن البصري ‪-‬رحمه الله‪ :-‬خطب عثمان بن عفان‪،‬‬
‫فحمد الله وأثنى عليه‪ ،‬ثم قال‪ :‬أيها الناس‪ ،‬اتقوا الله فإن تقوى الله‬
‫غُْنم‪ ،‬وإن أكيس الناس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت‪،‬‬
‫واكتسب من نور الله نورا لظلمة القبر‪ ،‬وليخش عبد أن يحشره الله‬
‫أعمى‪ ,‬وقد كان بصيرا‪ ،‬وقد يكفي الحكيم جوامع الكلم‪ ،‬والصم‬
‫من( كان الله معه لم يخف شيئا‪،‬‬ ‫ينادي من مكان بعيد‪ ،‬واعلموا أن‬
‫ومن كان الله عليه فمن يرجو بعده)‪. 5‬‬
‫ص من‬ ‫ق ّ‬ ‫وعن عثمان ‪ ‬أن رسول الله × قال‪» :‬إن الج ّ‬
‫ماء لت ُ َ‬

‫)( السنن الكبرى‪ ،‬كتاب الشهادات‪.(10/215) ،‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( تاريخ الطبري )‪ (5/416‬معظم هذه الفقرة أخذتها من كتاب الحسبة في‬ ‫‪2‬‬

‫العصر النبوي والعهد الراشدي‪ ،‬للدكتور فضل إلهي‪.‬‬
‫)( تاريخ الطبري )‪.(5/417‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( سنن النسائي‪ ،‬كتاب الشربة‪ ،‬موسوعة فقه عثمان‪ ،‬ص ‪.52‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( صحيح التوثيق في سيرة وحياة ذي النورين‪ ،‬ص ‪.107‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪70‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫القرناء يوم القيامة« )‪.(1‬‬
‫ب‪ -‬التذكير بمكارم الخلق‪:‬‬
‫قال عثمان ‪ :‬إنا والله صحبنا رسول الله × في السفر‬
‫والحضر فكان يعود مرضانا‪ ،‬ويشيع جنائزنا‪ ،‬ويغزو معنا‪ ،‬ويواسينا‬
‫بالقليل والكثير‪ ،‬وإن ناسا يعلمونني به عسى أل يكون أحدهم رآه‬
‫قط)‪.(2‬‬
‫ج‪ -‬من حكمه التي سارت بين الناس‪:‬‬
‫* قال ‪ :‬لو طهرت قلوبنا ما شبعتم من كلم ربكم ‪.‬‬
‫)‪(3‬‬

‫* وقال ‪ :‬ما أسّر أحد سريرة إل أبداها الله تعالى على‬
‫صفحات وجهه‪،‬‬
‫وفلتات لسانه)‪.(4‬‬
‫* إن الله ليزع بالسلطان ما ل يزع بالقرآن)‪.(5‬‬
‫م الدنيا ظلمة في‬ ‫فقال فيها‪) :‬ه ّ‬
‫)‪(6‬‬
‫* وكان ‪ ‬ل يقيم للدنيا وزنا‪،‬‬
‫م الخرة نور في القلب(‬ ‫القلب‪ ،‬وه ّ‬
‫ومن حكمه البالغة‪ :‬يكفيك من الحاسد أنه يغتم وقت‬ ‫*‬
‫سرورك)‪.(7‬‬
‫ظلمت‪ ،‬وقد‬ ‫* وقال ‪ ‬في أيام الفتنة‪ :‬أستغفر الله إن كنت َ‬
‫ظلمت)‪.(8‬‬ ‫عفوت إن كنت ُ‬
‫* ومن حكمه ومواعظه ‪ :‬إن لكل شيء آفة‪ ،‬ولكل نعمة عاهة‪،‬‬
‫وإن آفة هذا الدين وعاهة هذه النعمة عّيابون صغانون‪ ،‬يرونكم ما‬
‫ويسرون ما تكرهون‪ ،‬طغام‬ ‫)‪(9‬‬
‫تحبون‬
‫مثال النعام‪.‬‬
‫* ولما قدم عبد الله بن الزبير بفتح إفريقية‪ ،‬أمره عثمان بن‬
‫عفان ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬فقام خطيبا‪ ،‬فلما فرغ من كلمه قال‬
‫آبائهن وإخوتهن‪ ،‬فإني لم أر في ولد أبي‬ ‫عثمان‪ :‬انكحوا النساء على‬
‫بكر الصديق أشبه به من هذا)‪ ،(10‬وعبد الله بن الزبير أمه أسماء بنت‬
‫ويريد أن ابن الزبير كان شبيها بجده في الشجاعة والقدام‬ ‫أبي بكر‪.‬‬
‫والفصاحة)‪.(11‬‬

‫الموسوعة الحديثية‪ ،‬مسند أحمد‪ ،‬رقم )‪.(520‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫صحيح التوثيق في سيرة وحياة ذي النورين‪ ،‬ص ‪.107‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫جامع العلوم والحكم‪ ،‬ص ‪.363‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫فرائد الكلم للخلفاء الكرام‪ ،‬ص ‪.269‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫الكامل في اللغة والدب )‪.(1/157‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫الستعداد ليوم المعاد‪ ،‬ص ‪.9‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫مجمع المثال للميداني )‪.(2/453‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫تاريخ خليفة بن خياط‪ ،‬ص ‪.171‬‬ ‫)(‬ ‫‪8‬‬

‫مجمع المثال للميداني )‪.(20/453‬‬ ‫)(‬ ‫‪9‬‬

‫البيان والتبيين )‪.(2/95‬‬ ‫)(‬ ‫‪10‬‬

‫فرائد الكلم‪ ،‬ص ‪.271‬‬ ‫)(‬ ‫‪11‬‬

‫‪71‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫* وقال ‪ :‬ما من عامل يعمل عمل إل كساه الله رداء عمله)‪.(12‬‬
‫* وقال ‪ :‬إن المؤمن في خمسة أنواع من الخوف؛ أحدها من‬
‫قبل الله تعالى أن يأخذ منه اليمان‪ ،‬والثاني من قبل الحفظة أن‬
‫يكتبوا عليه ما يفتضح به يوم القيامة‪ ،‬والثالث من قبل الشيطان أن‬
‫غفلة بغتة‪،‬‬ ‫يبطل عمله‪ ،‬والرابع من قبل ملك الموت أن يأخذه في‬
‫والخامس من قبل الدنيا أن يغتر بها وتشغله عن الخرة)‪.(2‬‬
‫وقال ‪ :‬وجدت حلوة العبادة في أربعة أشياء‪ :‬أولها في أداء‬
‫فرائض الله‪ ،‬والثاني في اجتناب محارم الله‪ ،‬والثالث في المر‬
‫ابتغاء ثواب الله‪ ،‬والرابع في النهي عن المنكر اتقاء‬ ‫بالمعروف‬
‫غضب الله)‪.(3‬‬
‫‪ -9‬عثمان ‪ ‬والشعر والشعراء‪:‬‬
‫لم تذكر لنا المصادر والمراجع سوى النزر القليل عن علقة‬
‫عثمان ‪ ‬مع الشعر والشعراء‪ ،‬مع أن فترة خلفته كانت طويلة‬
‫نسبيا‪ ،‬ومن هذا القليل تبين لنا أنه كان ملتزما المنهج العام‬
‫للعقيدة السلمية التي وضح معالمها الرسول × ‪ ،‬والتي سلك‬
‫طريقها سلفه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله‬
‫عنهما‪ ،‬ولشك أن لكل منهم شخصيته الدبية المميزة‪ ،‬فقد اشتهر‬
‫أبو بكر بمعرفة النساب‪ ،‬وبعلمه الوافر وحسن مجالسته‬
‫وبروايته للشعر‪ ،‬واشتهر عمر بالحث على تعلم الشعر‪ ،‬وأنه لم‬
‫تكن تعرض له قضية إل تمثل ببيت شعر‪ ،‬أضف إلى ذلك أنه كان‬
‫شاعرا‪ ،‬أما عثمان بن عفان ‪-‬رضوان الله عليه‪ -‬فلم يؤثر عنه‬
‫ذلك النغماس الكبير في الشعر‪ ،‬أو تلك العلقة الحميمة مع‬
‫الشعراء‪ .‬وإذا كنا نعرف أن الشعراء كانوا يتهافتون على أبواب‬
‫المراء طمعا برضاهم وبأعطيتهم‪ ،‬فإننا نرى أن الشعراء أيام‬
‫)‪ (4‬عثمان يتركون الحواضر ودار الخلفة ويؤثرون العودة إلى البادية‪.‬‬
‫وقد ذكرت كتب الدب والتاريخ بعض البيات نسبتها إلى‬
‫عثمان أو كان يتمثل بها‪ ,‬ومن هذه البيات يروي أنه قال‪:‬‬
‫صنيع ول يخفى على ملحد‬ ‫واعلم أن الله ليس كصنعه‬
‫وكان كثيرا ما ينشد أبياتا قالها ويطيل ذكرها ل تعرف لغيره‪:‬‬
‫من الحرام ويبقى الثم والعار‬ ‫تفنى اللذائذ ممن نال صفوتها‬
‫)‪(5‬‬
‫ل خير في لذة من بعدها نار‬ ‫ب سوٍء من مغبتها‬
‫يلقى عواق َ‬
‫قال يوم دخل عليه الثائرون في بيته ليقتلوه‪:‬‬

‫)( الزهد للمام أحمد‪ ،‬ص ‪.185‬‬ ‫‪12‬‬

‫)‪ (3 ,‬فرائد الكلم للخلفاء الكرام‪ ،‬ص ‪.278‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫)( فرائد الكلمـ للخلفاءـ الكرام‪،‬ـ ص ‪.278‬‬

‫)( أدب صدر السلم‪ ،‬واضح الصمد‪ ،‬ص ‪.99‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( شعراء الخلفاء‪ ،‬نبال تيسير الخماش‪ ،‬ص ‪.27‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪72‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫)‪(1‬‬
‫لعاد ملًذا في البلد ومرتعا‬ ‫أرى الموت ل يبقي عزيزا ولم‬
‫<‬ ‫يدع‬
‫ما حوصر في داره‪:‬‬ ‫َ‬
‫وقال ل ّ‬
‫)‪(2‬‬
‫الُعل‬ ‫ُيبّيت أهل الحصن والحصن‬
‫مغلق‬
‫ويروى له أيضا‪:‬‬
‫ضها حتى يضّر بها الفقر‬
‫وإن عَ ّ‬ ‫ي النفس يغني النفس حتى‬ ‫غن ُ ّ‬
‫فها‬
‫يك ّ‬
‫سُر‬
‫بكائنة إل سيتبعها ي ُ ْ‬ ‫وما عسرة فاصبر لها إن لقيتها‬
‫ونلحظ في البيت الخير أنه يتضمن معنى قرآنيا؛ إن مع العسر‬
‫يسرا‪ ،‬وهذا ليس غريبا على الخليفة المسلم‪ ،‬الذي نشأ وترعرع في‬
‫أحضان محمد × فهو يعاقب على شعر الهجاء والذي يتعارض‬
‫الحسن ويحب‬ ‫وأحكام الشريعة السلمية‪ ،‬ويثني على الشعر‬
‫الستماع إليه‪ ،‬وكل ذلك ضمن المفاهيم السلمية)‪.(3‬‬
‫وإذا كان الخليفة الراشد الثالث لم يهتم بالشعر‪ ،‬ولم يقرب إليه‬
‫الشعراء‪ ،‬فإن مقتله من قبل الغوغاء فتح الباب على مصراعيه‬
‫لزدهار الشعر العباسي الذي أصبح الداة الصحافية الفاعلة في‬
‫العصور السلمية المتلحقة‪ ،‬فعند مقتله بكاه كثير من شعراء‬
‫الصحابة‪ ،‬وسيأتي بيان ذلك بإذن الله‪.‬‬
‫***‬

‫)‪ (3 ,‬البداية والنهاية )‪.(7/192‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫)( البدايةـ والنهاية ) ‪.(7/192‬‬

‫)( أدب صدر السلم‪ ،‬واضح الصمد‪ ،‬ص ‪.102‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪73‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫المبحث الثالث‬
‫أهـــــــــم صفاتـــــــــــه‬
‫إن شخصية ذي النورين تعتبر شخصية قيادية‪ ،‬وقد اتصف ‪‬‬
‫بصفات القائد الرباني‪ ،‬ونجملها في أمور ونركز على بعضها‬
‫بالتفصيل‪ ،‬فمن أهم هذه الصفات‪ :‬إيمانه العظيم بالله واليوم الخر‪،‬‬
‫والعلم الشرعي‪ ،‬والثقة بالله‪ ،‬والقدوة والصدق‪ ،‬والكفاءة‬
‫والشجاعة‪ ،‬والمروءة‪ ،‬والزهد‪ ،‬وحب التضحية‪ ،‬والتواضع‪ ،‬وقبول‬
‫النصيحة‪ ،‬والحلم‪ ،‬والصبر‪ ،‬وعلو الهمة‪ ،‬والحزم‪ ،‬والرادة القوية‪،‬‬
‫والعدل‪ ،‬والقدرة على حل المشكلت‪ ،‬والقدرة على التعليم وإعداد‬
‫القادة‪ ،‬وغير ذلك من الصفات‪ .‬وبسبب ما أودع الله فيه من صفات‬
‫القيادة الربانية استطاع أن يحافظ على الدولة ويقمع الثورات التي‬
‫حدثت في الراضي المفتوحة‪ ،‬وينتقل ‪-‬بفضل الله وتوفيقه‪ -‬بالمة‬
‫نحو أهدافها المرسومة بخطوات ثابتة‪ ،‬ومن أهم تلك الصفات التي‬
‫نحاول تسليط الضواء عليها في هذا المبحث هي‪:‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬العلم والقدرة على التوجيه والتعليم‪:‬‬
‫يعتبر عثمان ‪ ‬من كبار علماء الصحابة في القرآن الكريم‬
‫والسنة النبوية‪ ،‬وسيأتي الحديث عن اجتهاداته الفقهية في المجال‬
‫القضائي والمالي والجهادي بإذن الله تعالى‪ ،‬وكان ‪ ‬حريصا على‬
‫اتباع هدي النبي × وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما؛ فعن عروة بن‬
‫الزبير‪ ،‬أن عبيد الله بن عدي بن الخيار أخبره أن المسور بن مخرمة‬
‫وعبد الرحمن بن السود عبد يغوث قال له‪ :‬ما يمنعك أن تكلم خالك‬
‫يكلم أمير المؤمنين عثمان في الوليد بن عقبة‪ ،‬وقد أكثر الناس فيما‬
‫فعل؟ قال عبيد الله‪ :‬فاعترضت لمير المؤمنين عثمان حين خرج‬
‫إلى الصلة فقلت له‪ :‬إن لي إليك حاجة هي نصيحة‪ ،‬قال‪ :‬يا أيها‬
‫المرء‪ ،‬إني أعوذ بالله منك‪ .‬قال‪ :‬فانصرفت‪ ،‬فلما قضت الصلة‬
‫جلست إلى المسور وابن عبد يغوث فحدثهما بالذي قلت لمير‬
‫المؤمنين وقال لي‪ ،‬فقال‪ :‬قد قضيت الذي عليك‪ ،‬فبينما أنا جالس‬
‫معهما جاءني رسول أمير المؤمنين عثمان فقال لي‪ :‬قد ابتلك الله‪،‬‬
‫فانطلقت حتى دخلت على عثمان‪ ،‬فقال‪ :‬ما نصيحتك التي ذكرت‬
‫لي آنفا؟ قال‪ :‬فتشهدت ثم قلت له‪ :‬إن الله ‪-‬عز وجل‪ -‬بعث محمدا‬
‫بالحق وأنزل عليه الكتاب‪ ،‬فكنت ممن استجاب لله ولرسوله ×‪،‬‬
‫ورأيت هديه وقد أكثر الناس في شأن الوليد‪ ،‬فحق عليك أن تقيم‬
‫عليه الحد‪ ،‬قال‪ :‬فقال لي‪ :‬ابن أختي‪ ،‬أدركت رسول الله ×؟ قال‪:‬‬
‫ي من علمه واليقين ما يخلص إلى العذراء‬ ‫فقلت‪ :‬ل‪ ،‬ولكن خلص إل ّ‬
‫في سترها‪ ،‬قال‪ :‬فتشهد ثم قال‪ :‬أما بعد‪ ،‬فإن الله بعث محمدا‬
‫بالحق‪ ،‬فكنت ممن استجاب لله ولرسوله وآمن بما بعث محمد ×‪،‬‬
‫ثم هاجرت الهجرتين كما قلت‪ ،‬ونلت صهر رسول الله ×‪ ،‬وبايعت‬
‫رسول الله ×‪ ،‬فوالله ما عصيته ول غششته حتى توفاه الله‪ ،‬ثم‬
‫استخلف بعده أبو بكر فبايعناه فوالله ما عصيته ول غششته حتى‬
‫توفاه الله‪ ،‬ثم استخلف عمر فوالله ما عصيته ول غششته حتى‬

‫‪74‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫توفاه الله‪ ،‬ثم استخلفني الله أفليس لي عليكم مثل الذي كان لهم‬
‫ي؟ قال‪ :‬فقلت‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ :‬فما هذه الحاديث التي تبلغني عنكم؟‬ ‫عل ّ‬
‫فأما ما ذكرت من شأن الوليد فسنأخذ فيه ‪-‬إن شاء الله‪ -‬بالحق‪،‬‬
‫قال‪ :‬فجلد الوليد أربعين سوطا‪ ،‬وأمر عليا بجلده فكان هو يجلده)‪.(1‬‬
‫لقد لزم ذو النورين النبي × فاستفاد من علمه وهديه‪ ،‬مما جعله‬
‫من كبار علماء الصحابة رضي الله عنهم جميعا‪ ،‬وكان ‪ ‬قادرا على‬
‫توجيه رعيته توجيها مفيدا‪ ،‬وتعليمهم واجباتهم ونقل آرائه النابعة من‬
‫علمه وخبرته وتجاربه وممارسته إليهم؛ حتى يرتقوا في مجال‬
‫الدعوة والتربية والتعليم والجهاد والستعداد للقاء الله عز وجل‪.‬‬
‫ومن توجيهات عثمان ‪ ‬ما تضمنته خطبة خلفته التي قال فيها‬
‫بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ×‪ :‬إنكم في دار‬
‫قلعة‪ ،‬وفي بقية أعمار فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه‪ ،‬فلقد‬
‫أتيتم صبحتم أو مسيتم‪ ،‬أل وإن الدنيا طويت على الغرور‪ ،‬فل‬
‫تغرنكم الحياة الدنيا ول يغرنكم بالله الغرور‪ ،‬واعتبروا بمن مضى ثم‬
‫جدوا ول تغفلوا‪ ،‬أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروها وعمروها‬
‫ومتعوا بها طويل؟ ألم تلفظهم؟ ارموا الدنيا بالذي هو خير)‪ ,(2‬قال‬
‫ل ال ْحياة الدن ْيا ك َما ٍ َ‬
‫ن‬ ‫م َ‬ ‫ء أن َْزل َْناهُ ِ‬ ‫َ‬ ‫مث َ َ َ َ َ ِ َ ّ َ‬ ‫هم ّ‬ ‫ب لَ ُ‬ ‫ر ْ‬ ‫ض ِ‬ ‫وا ْ‬ ‫تعالى‪َ + :‬‬
‫ما ت َذُْروهُ‬ ‫شي ً‬ ‫ه ِ‬ ‫ح َ‬ ‫صب َ َ‬ ‫ْ‬ ‫أ‬ ‫ف‬‫َ‬ ‫ض‬ ‫ر‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ت‬ ‫ُ‬ ‫با‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ب‬ ‫َ‬
‫ط‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫خ‬
‫ْ‬ ‫فا‬ ‫ء َ‬ ‫ما ِ‬ ‫س َ‬ ‫ال ّ‬
‫ْ ِ‬
‫ن‬‫وال ْب َُنو َ‬ ‫َ‬ ‫ل‬‫ُ‬ ‫ما‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫‪‬‬ ‫را‬
‫ً‬ ‫د‬
‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ْ‬
‫ق‬ ‫م‬
‫ّ‬ ‫ء‬
‫ٍ‬ ‫ي‬
‫ْ‬ ‫ش‬‫َ‬ ‫ّ‬
‫ل‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫لى‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ه‬‫ُ‬ ‫الل‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫َ‬
‫كا‬ ‫و‬
‫ْ َ‬ ‫ح‬
‫ُ‬ ‫ريا‬ ‫ال ّ‬
‫واًبا‬‫َ‬ ‫َ‬ ‫ث‬ ‫ك‬‫َ‬ ‫ب‬‫ر‬
‫َ َ ّ‬ ‫د‬‫ْ‬ ‫ن‬ ‫ع‬
‫ِ‬ ‫ر‬
‫ْ ٌ‬ ‫ي‬ ‫خ‬
‫َ‬ ‫ت‬‫ّ َ ُ‬ ‫حا‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫صا‬ ‫ال‬ ‫ت‬ ‫يا‬ ‫ق‬
‫ِ‬
‫ّ َ َ َ َ ُ‬ ‫با‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫يا‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫د‬ ‫ال‬ ‫ة‬
‫ِ‬ ‫يا‬ ‫ح‬
‫َ َ َ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ة‬
‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ن‬ ‫زي‬ ‫ِ‬
‫مل ً" ]الكهف‪.[46 ،45 :‬‬ ‫و ْ ٌ َ‬
‫أ‬ ‫ر‬ ‫ي‬ ‫خ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫ولقد كان المعنى الذي يدور حوله توجيه الخليفة الثالث ‪ ‬في‬
‫هذه الخطبة هو الحض على القبال على الله والزهد في الدنيا‪ ،‬وهذا‬
‫هو المناسب لخطبته في ذلك الوقت الذي ألقى فيه السلم‬
‫بجرانه)‪ (3‬في أقطار المعمورة وفتحت البلدان وأقبلت الدنيا بنعيمها‪،‬‬
‫وبدأ الناس في التنافس فيها)‪(4‬وبخاصة غير أصحاب رسول الله ×‬
‫فكان المقال مناسبا للمقام‪.‬‬
‫وقد روى عثمان ‪ ‬أحاديث عن رسول الله × انتفعت بها المة؛‬
‫فهذا أبو عبد الرحمن السلمي يحدثنا عن حديث سمعه من عثمان‬
‫فعمل به‪ ،‬فعن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي‪ ،‬عن‬
‫عثمان ‪ ،‬عن النبي × قال‪» :‬خيركم من تعلم القرآن‬
‫وعلمه«‪ (5).‬قال‪ :‬وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان‬
‫الحجاج‪ ،‬قال‪ :‬وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا‪ .‬وفي رواية عن شعبة‬
‫قال أبو عبد الرحمن‪ :‬فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا‪ ،‬وكان يعلم‬
‫القرآن‪ (6).‬وكان عثمان ‪ ‬يروي أحاديث رسول الله × للمسلمين‬

‫فضائل الصحابة )‪ (1/597‬رقم )‪ ،(791‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫البداية والنهاية )‪.(7/153‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫جرانه‪ :‬أي ثبت واستقر‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫الكفاءة الدارية في السياسة الشرعية‪ ،‬للقادري‪ ،‬ص ‪.93‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫البخاري رقم )‪.(5028‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫الخلفة الراشدة‪ ،‬د‪ .‬يحيى اليحيى‪ ،‬ص ‪.421 ،420‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪75‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫كل في محله ومناسبته‪ ،‬ومن هذه الحاديث‪:‬‬
‫‪ -1‬أهمية الوضوء‪:‬‬
‫توضأ عثمان على البلط‪ ،‬ثم قال‪ :‬لحدثنكم حديثا سمعته من‬
‫رسول الله ×‪ ,‬لول آية في كتاب الله ما حدثتكموه‪ ،‬سمعت النبي ×‬
‫فصلى‪ ،‬غفر‬ ‫يقول‪» :‬من توضأ فأحسن الوضوء‪ ،‬ثم دخل‬
‫له ما بينه وبين الصلة الخرى حتى يصليها« )‪.(1‬‬
‫‪ -2‬تقليده لرسول الله × في الوضوء‪:‬‬
‫عن حمران بن أبان‪ ،‬عن عثمان بن عفان‪ :‬أنه دعا بماء فتوضأ‬
‫ومضمض واستنشق‪ ،‬ثم غسل وجهه ثلثا‪ ،‬وذراعيه ثلثا ثلثا‪ ،‬ومسح‬
‫برأسه وظهر قدميه‪ ،‬ثم ضحك‪ ،‬فقال لصحابه‪ :‬أل تسألوني عما‬
‫أضحكني؟ فقالوا‪ :‬مم ضحكت يا أمير المؤمنين؟ فقال‪ :‬رأيت رسول‬
‫الله × دعا بماء قريبا من هذه البقعة‪ ،‬فتوضأ كما توضأت ثم ضحك‪،‬‬
‫فقال‪» :‬أل تسألوني ما أضحكني؟« فقالوا‪ :‬ما أضحكك يا رسول‬
‫الله؟ فقال‪» :‬إن العبد إذا دعا بوضوء فغسل وجهه‪ ،‬حط الله عنه‬
‫كل خطيئة أصابها بوجهه‪ ،‬فإذا غسل ذراعيه كان)‪(2‬كذلك‪ ،‬وإن مسح‬
‫برأسه كان كذلك‪ ،‬وإن طهر قدميه كان كذلك«‪.‬‬
‫‪ -3‬كفارات الوضوء‪:‬‬
‫الوضوء‪(3‬كما أمره‬ ‫عن عثمان قال‪ :‬قال رسول الله ×‪» :‬من أتم‬
‫الله ‪-‬عز وجل‪ -‬فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن« ) ‪.‬‬
‫‪ -4‬الوضوء وصلة ركعتين ومغفرة الذنوب‪:‬‬
‫دعا عثمان بماء وهو على المقاعد‪ ,‬فسكب على يمينه فغسلها‪،‬‬
‫ثم أدخل يمينه في الناء فغسل كفيه ثلثا‪ ،‬ثم غسل وجهه ثلث‬
‫مرار‪ ،‬ومضمض واستنثر‪ ،‬وغسل ذراعيه إلى المرفقين ثلث مرار‪،‬‬
‫ثم مسح برأسه‪ ،‬ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثلث مرار‪ ،‬ثم قال‪:‬‬
‫ثم صلى‬ ‫سمعت رسول الله × يقول‪» :‬من توضأ نحو وضوئي هذا‪،‬‬
‫ركعتين ل يحدث نفسه فيهما‪ ،‬غفر الله ما تقدم من ذنبه« )‪.(4‬‬
‫‪ -5‬كلمة الخلص وكلمة التقوى‪:‬‬
‫قال عثمان ‪ :‬سمعت رسول الله × يقول‪» :‬إني لعلم كلمة ل‬
‫حرم على النار«‪ ،‬فقال له عمر بن‬ ‫قا من قلبه إل ُ‬
‫يقولها عبد ح ً‬
‫الله‬ ‫ألزمها‬ ‫التي‬ ‫الخلص‬ ‫كلمة‬ ‫هي‬ ‫هي؟‬ ‫ما‬ ‫أحدثك‬
‫وتعالى‪ -‬محمدا × وأصحابه‪ ،‬وهي كلمة التقوى التي أ َ‬‫الخطاب‪ :‬أنا‬
‫)‪(5‬‬
‫ص‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫‪-‬تبارك‬
‫عليها‪ (6‬نبي الله × عمه أبا طالب عند الموت‪ :‬شهادة أن ل إله إل‬
‫الله) ‪.‬‬
‫‪ -6‬العلم بالله يدخل العبد الجنة‪:‬‬
‫الموسوعة الحديثية‪ ،‬مسند أحمد‪ ،‬رقم )‪ ،(400‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫الموسوعة الحديثية‪ ،‬مسند أحمد رقم )‪ (415‬صحيح لغيره‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫الموسوعة الحديثية‪ ،‬مسند المام أحمد رقم )‪ ،(406‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫المصدر نفسه رقم )‪ (418‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫ألص‪ :‬أي راوده فيها‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫مسند أحمد رقم )‪ ،(447‬إسناده قوي‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪76‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫عن عثمان بن عفان‪ ،‬عن النبي × قال‪» :‬من مات وهو يعلم أن‬
‫ل إله إل الله‬
‫دخل الجنة« )‪.(1‬‬
‫‪ -7‬الحسنات والباقيات‪:‬‬
‫عن الحارث مولى عثمان قال‪ :‬جلس عثمان يوما وجلسنا معه‬
‫د‪ ،‬فتوضأ ثم‬ ‫م ّ‬ ‫فجاءه المؤذن‪ ،‬فدعا بماء في إناء أظنه سيكون فيه ُ‬
‫قال‪ :‬رأيت رسول الله × يتوضأ وضوئي هذا ثم قال‪» :‬ومن توضأ‬
‫وضوئي هذا‪ ،‬ثم قال فصلى صلة الظهر‪ ،‬غفر له ما كان بينها وبين‬
‫الصبح‪ ،‬ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين صلة الظهر‪ ،‬ثم صلى‬
‫المغرب غفر له ما بينها وبين صلة العصر‪ ،‬ثم صلى العشاء غفر له‬
‫ما بينها وبين صلة المغرب‪ ،‬ثم لعله أن يبيت يتمرغ ليلته‪ ،‬ثم إن قام‬
‫فتوضأ وصلى الصبح غفر له ما بينها وبين صلة العشاء‪ ،‬وهن‬
‫الحسنات يذهبن السيئات«‪ .‬قالوا‪ :‬هذه الحسنات‪ ،‬فما الباقيات يا‬
‫عثمان؟ قال‪ :‬هن ل إله إل الله‪(2)،‬وسبحان الله‪ ،‬والحمد لله‪ ،‬والله‬
‫أكبر‪ ،‬ول حول ول قوة إل بالله‪.‬‬
‫‪ -8‬خطورة الكذب على رسول الله ×‪:‬‬
‫ي كذبا‪،‬‬ ‫قال‪ (:‬قال رسول الله ×‪» :‬من تعمد عل ّ‬ ‫عن عثمان ‪‬‬
‫فليتبوأ بيًتا في النار« )‪. 3‬‬
‫هذه بعض الحاديث التي رواها عثمان عن رسول الله ×‪ ،‬وتدل‬
‫على علم عثمان وحرصه على الستزادة من الهدي النبوي‪ ،‬وفقه‬
‫الشريعة الغراء‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬الحلم‪:‬‬
‫إن الحلم ركن من أركان الحكمة‪ ،‬وقد وصف الله نفسه بصفة‬
‫ن‬
‫الحلم في عدة مواضع من القرآن الكريم؛ كقوله تعالى‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫م‬‫ه ُ‬‫ست ََزل ّ ُ‬ ‫ما ا ْ‬ ‫ن إ ِن ّ َ‬
‫عا ِ‬ ‫م َ‬ ‫قى ال ْ َ‬
‫ج ْ‬ ‫م ال ْت َ َ‬‫و َ‬ ‫م يَ ْ‬‫من ْك ُ ْ‬
‫وا ِ‬ ‫ول ّ ْ‬
‫ن َت َ َ‬
‫ذي َ‬‫ال ّ ِ‬
‫ه‬
‫ن الل َ‬ ‫م إِ ّ‬ ‫ه ْ‬ ‫عن ْ ُ‬
‫ه َ‬ ‫عفا الل ُ‬ ‫َ‬ ‫ولقدْ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫سُبوا َ‬ ‫َ‬
‫ما ك َ‬ ‫ض َ‬ ‫ال ّ‬
‫ع ِ‬ ‫ن ب ِب َ ْ‬ ‫شي ْطا ُ‬
‫غ ُ‬ ‫َ‬
‫م" ]آل عمران‪ [155 :‬وقد بلغ النبي × في حلمه وعفوه‬ ‫حِلي ٌ‬ ‫فوٌر َ‬
‫الغاية المثالية‪ ،‬وكان الخليفة الراشد عثمان بن عفان شديد القتداء‬
‫في أقواله وأفعاله وأحواله برسول الله ×‪ ،‬وكانت له مواقف كثيرة‬
‫تدل على حلمه وضبطه لنفسه‪ ،‬ومن أوضح المواقف التي تدل على‬
‫حلمه قصته في حصار الثائرين عليه؛ حيث أمر من عنده من‬
‫المهاجرين والنصار أن ينصرفوا إلى منازلهم ويدعوه وكانوا قادرين‬
‫مبنيا على شوقه إلى لقاء ربه‪ ،‬وإرادته حقن‬ ‫على منعه‪ ،‬وكان حلمه‬
‫دماء المسلمين ولو بقتله)‪.(4‬‬
‫ثالثـا‪ :‬السماحة‪:‬‬
‫عن عطاء بن فروخ مولى القرشيين‪ :‬أن عثمان ‪ ‬اشترى من‬
‫مسند أحمد رقم )‪ ،(464‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫مسند أحمد رقم )‪ (513‬إسناده حسن‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫مسند أحمد رقم )‪ (507‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫الكفاءة الدارية في السياسة الشرعية‪ ،‬د‪ .‬عبد الله قادري‪ ،‬ص ‪.65‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪77‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫رجل أرضا فأبطأ عليه‪ ،‬فلقيه فقال‪ :‬ما منعك من قبض مالك؟ قال‪:‬‬
‫دا إل وهو يلومني‪ ،‬فقال‪ :‬أو ذلك‬ ‫إنك غبنتني فما ألقى من الناس أح ً‬
‫يمنعك؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬فاختر بين أرضك ومالك‪ ،‬ثم قال‪ :‬قال‬
‫»أدخل الله الجنة رجل كان سهل مشتريا وبائعا‪،‬‬ ‫رسول الله ×‪:‬‬
‫وقاضيا ومقتضيا«‪ (1) .‬فهذا مثل رفيع في السماحة في البيع‬
‫والشراء‪ ،‬وهو يدل على ما جبل عليه عثمان ‪ ‬من الكرم وعدم‬
‫التعلق بالدنيا‪ ،‬فهو يستعبد الدنيا لخدمة مكارم الخلق التي من‬
‫تستعبده‪(2‬الدنيا‪ ،‬فتجعل منه أنانيا يؤثر مصالحه‬ ‫أهمها اليثار‪ ،‬ول‬
‫الخاصة وإن أضر بالناس) ‪.‬‬
‫رابًعا‪ :‬اللين‪:‬‬
‫امتن الله تعالى على رسوله × بأن رزقه صفة اللين رحمة منه‬
‫ول َ ْ‬
‫و‬ ‫م َ‬ ‫ت لَ ُ‬
‫ه ْ‬ ‫ه ِلن َ‬‫ن الل ِ‬ ‫م َ‬ ‫ة ّ‬‫م ٍ‬‫ح َ‬‫ما َر ْ‬ ‫فب ِ َ‬‫به وبعباده‪ ،‬قال تعالى‪َ + :‬‬
‫ك" ]آل عمران‪.[159 :‬‬ ‫ول ِ َ‬
‫ْ‬ ‫ح‬
‫َ‬ ‫ن‬‫ْ‬ ‫م‬
‫ِ‬ ‫ضوا‬ ‫ّ‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ب‬‫قل ْ ِ‬
‫ظ ال ْ َ‬‫غِلي َ‬‫ظا َ‬‫ف ّ‬‫ت َ‬
‫كن َ‬‫ُ‬
‫أفادت الية الكريمة أن صفة اللين رحمة من الله يرزق بها من‬
‫شاء من عباده‪ ،‬وأن الرسول × قد رزق هذه الصفة رحمة من الله‬
‫باللين‪(3‬يحبه‬ ‫به وبعباده الذين بعثه إليهم‪ ،‬ويفهم من الية أن المتصف‬
‫الناس ويلتفون حوله ويقبلون منه ما يأمرهم به أو ينهاهم عنه ) ؛‬
‫فاللين من الصفات الطيبة التي اتصف بها عثمان ‪ ،‬فكان ‪ ‬ليًنا‬
‫على رعيته عطوًفا على أمته‪ ،‬يخاف أن يصاب أحد دون علمه فل‬
‫يتمكن من تلبية حاجته‪ ،‬وكان يتتبع أخبار الناس‪ ،‬فينصر الضعيف‪،‬‬
‫ويأخذ الحق من القوي ‪.‬‬
‫سا‪ :‬العفو‪:‬‬ ‫خام ً‬
‫عن عمران بن عبد الله بن طلحة‪ :‬أن عثمان بن عفان ‪ ‬خرج‬
‫لصلة الغداة فدخل من الباب الذي كان يدخل منه‪ ،‬فزحمه الباب‬
‫فقال‪ :‬انظروا‪ ،‬فنظروا فإذا رجل معه خنجر أو سيف‪ ،‬فقال له‬
‫عثمان ‪ :‬ما هذا؟ قال‪ :‬أردت أن أقتلك‪ ،‬قال‪ :‬سبحان الله!! ويحك‪،‬‬
‫علم تقتلني؟ قال‪ :‬ظلمني عاملك باليمن‪ ،‬قال‪ :‬أفل رفعت ظلمتك‬
‫ي فإن لم أنصفك أو أعديك على عاملي أردت ذلك مني؟ فقال‬ ‫إل ّ‬
‫لمن حوله‪ :‬ما تقولون؟ فقالوا‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬عدو أمكنك الله‬
‫م بذنب فكفه الله عني‪ ،‬ائتني بمن يكفل بك‪ ،‬ل‬ ‫منه‪ ،‬فقال‪ :‬عبد ه ّ‬
‫ما وليت أمر المسلمين‪ ،‬فأتاه برجل من قومه فكفل‬ ‫)‪(4‬‬
‫تدخل المدينة‬
‫به فخلى عنه‪.‬‬
‫فهذا تسامح كبير من أمير المؤمنين عثمان بن عفان ‪‬؛ حيث‬
‫عفا عمن أراد قتله‪ ،‬والعفو عند المقدرة صفة من صفات الكمال‬
‫في الرجال‪ ،‬وهو دليل على التجرد من حظ النفس وتقلص النانية‪،‬‬
‫وضعف الرتباط بالدنيا‪ ،‬وقوة الرتباط بالخرة‪ ،‬وهذا الخلق إضافة‬
‫إلى أنه عمل صالح يرفع من درجات صاحبه في الخرة فإنه سياسة‬
‫)( مسند أحمد رقم )‪ ،(410‬حسن لغيره‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( التاريخ السلمي )‪.(18/126 ،17‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( الكفاءة الدارية‪ ،‬ص ‪.69‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( التاريخ السلمي )‪ (18،17/22‬نقل عن تاريخ المدينة المنورة‪ ،‬ص )‪،1027‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪.(1028‬‬

‫‪78‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫حكيمة في الدنيا؛ إذ أن هذا الرجل الذي أراد العتداء لو أنه قتل أو‬
‫عوقب عقوبة بليغة لربما أحدث فتنة بإيغار صدور أفراد قبيلته‬
‫واستعدادهم للنتقام إذا سنحت لهم الفرصة‪ ،‬لكن العفو عنه يجعل‬
‫أفراد قبيلته وأبناء بلده يعذلونه ويعنفونه على ما حاول القدام عليه‪،‬‬
‫الفتنة قبل تصاعدها‪ ،‬ويكسب صاحب العفو قلوب‬ ‫وبذلك تنطفئ‬
‫الناس وولءهم)‪.(1‬‬
‫سا‪ :‬التواضع‪:‬‬ ‫ساد ً‬
‫ض‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫م ُ‬ ‫ّ‬
‫على الْر ِ‬ ‫ن َ‬
‫شو َ‬ ‫ن يَ ْ‬
‫سل ًَ‬
‫ذي َ‬‫ن ال ِ‬
‫ُ‬ ‫َ‬ ‫م ِ‬‫ح َ‬
‫عَبادُ الّر ْ‬
‫ُ‬ ‫ْ‬
‫و ِ‬
‫قال تعالى‪َ +َ :‬‬
‫ما" ]الفرقان‪.[63 :‬‬ ‫َ‬ ‫لوا‬ ‫قا‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫لو‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫جا‬
‫َ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫م‬‫خاطب َ ُ ُ‬
‫ه‬ ‫ذا َ‬ ‫وإ ِ َ‬
‫وًنا َ‬
‫ه ْ‬
‫َ‬
‫جعل المولى ‪-‬عز وجل‪ -‬صفة التواضع أولى صفات عباده‬
‫المؤمنين‪ ،‬ولقد كان الخليفة الراشد عثمان متصفا بهذه الصفة‪،‬‬
‫وكانت هذه الصفة تنبع من إخلصه لله سبحانه وتعالى؛ فعن عبد‬
‫الله الرومي قال‪ :‬كان عثمان بن عفان يأخذ وضوءه لنفسه إذا قام‬
‫من الليل‪ ،‬فقيل له‪ :‬لو أمرت الخادم كفاك‪ ،‬قال‪ :‬ل‪ ،‬الليل لهم‬
‫يستريحون فيه‪ (2).‬فهذا مثل من اتصاف أمير المؤمنين عثمان ‪‬‬
‫بالرحمة‪ ،‬فهو مع كبر سنه وعلو منزلته الجتماعية يخدم نفسه في‬
‫الليل ول يوقظ الخدم‪ ،‬وإن وجود الخدم من تسخير الله تعالى‬
‫للمخدومين‪ ،‬وإن مما ينبغي للمسلم الذي سخر الله تعالى من‬
‫يخدمه أن يتذكر أن الخادم إنسان مثله له طاقة محدودة في العمل‪،‬‬
‫مشاعره‪ ،‬وأن ييسر له‬ ‫وله مشاعر وأحاسيس فينبغي له أن يراعي‬
‫الراحة كاملة في النوم‪ ،‬وأن ل يشق عليه بعمل‪ (3).‬وكان ‪ ‬من‬
‫النبي‪ ×(4‬إذا مر به وهو راكب نزل حتى يزول‬ ‫تواضعه واحترامه لعم‬
‫العباس احتراما وتقديرا له) ‪.‬‬
‫سابًعا‪ :‬الحياء والعفة‪.‬‬
‫الحياء من أشهر أخلق عثمان ‪‬وأحلها‪ ،‬تلك الصفة النبيلة التي‬
‫زينه الله بها‪ ،‬فكانت فيه منبع الخير )‪(5‬والبركة‪ ،‬ومصدر العطف والرحمة‪،‬‬
‫فقد كان ‪‬من أشد الناس حياء‪ .‬فقد ذكر الحسن البصري ‪-‬رحمه‬
‫الله‪ -‬عثمان بن عفان يوما وشدة حيائه فقال‪ :‬إنه ليكون في البيت‪،‬‬
‫مغلق‪ (،‬فما يضع عنه ثوبه ليفيض عليه الماء‪ ،‬يمنعه الحياء‬ ‫)‪6‬‬
‫والباب عليه‬
‫أن يقيم صلبه‪.‬‬
‫ومن حيائه ‪ ‬ما روته بنانة ‪-‬وهي جارية لمرأته‪ -‬تقول‪ :‬كان‬
‫عثمان إذا اغتسل جئته بثيابه فيقول لي‪ :‬ل تنظري إلي‪ ،‬فإنه ل يحل‬
‫لك‪ (7).‬وقد وردت الحاديث النبوية التي تحدثت عن حيائه وقد ذكرتها‬
‫في موضعها‪.‬‬
‫وأما عن عفته وبعده عن مساوئ الخلق فحدث في ذلك بما‬
‫التاريخ السلمي )‪.(18/22 ،17‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫فضائل الصحابة رقم )‪ ،(742‬إسناده صحيح وهو رواية أخرى‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫التاريخ السلمي )‪.(18/62 ،17‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫التبيين في أنساب القرشيين )‪.(152‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫عثمان بن عفان‪ ،‬صادق عرجون‪ ،‬ص ‪.49 ،48‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫صحيح التوثيق في سيرة وحياة ذي النورين‪ ،‬ص ‪.43‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫طبقات ابن سعد )‪ ،(3/59‬خبر ل بأس به‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫‪79‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫في الجاهلية ول‬ ‫شئت ول حرج‪ ،‬فإنه ‪ ‬لم يعرف طريق الفحشاء‬
‫في السلم‪ ،‬يقول عثمان ‪ :‬ما تغنيت ول تمنيت)‪ ،(1‬ول مسست‬
‫في‬ ‫ذكري بيميني منذ بايعت بها رسول الله ×‪ ،‬ول شربت خمرا‬
‫جاهلية ول في السلم‪ ،‬ول زنيت في جاهلية ول في السلم)‪.(2‬‬
‫ثامًنا‪ :‬الكرم‪:‬‬
‫كان عثمان ‪ ‬من أكرم المة وأسخاها‪ ،‬وله في ذلك مواقف‬
‫ومآثر ل تزال غرة في جبين التاريخ السلمي؛ فقد مر معنا ما قام‬
‫به في غزوة تبوك‪ ،‬وشراؤه لبئر رومة وتصدقه به على المسلمين‪،‬‬
‫وتوسيعه للمسجد النبوي في عهد النبي ×‪ ,‬وتصدقه بالقافلة‬
‫المحملة بالخيرات في عصر الصديق ‪ ،‬وكان ‪ ‬يعتق كل جمعة‬
‫في سبيل الله منذ أسلم‪ ،‬فجميع ما أعتقه ألفان وأربعمائة رقبة‬ ‫رقبة‬
‫تقريبا‪ (3).‬وقد روى أنه كان له على طلحة بن عبيد الله ‪-‬وكان من‬
‫أجود الناس‪ -‬خمسون ألفا‪ ،‬فقال له طلحة يوما‪ :‬قد تهيأ مالك‬
‫فاقبضه‪ ،‬فقال له عثمان‪ :‬هو لك معونة على مروءتك‪ (4).‬لقد كان‬
‫سخاء عثمان وجوده صفة أصلية في شخصيته الفذة ‪ ،‬فقد وظف‬
‫أمواله في خدمة دين الله فلم يبخل في تأسيس الدولة السلمية‬
‫والجهاد في سبيل الله تعالى‪ ،‬وخدمة المجتمع ابتغاء رضوان الله‬
‫تعالى‪.‬‬
‫تاسًعا‪ :‬شجاعته‪:‬‬
‫يعد عثمان ‪ ‬من الشجعان‪ ،‬والدليل على ذلك‪:‬‬
‫‪ -1‬خروجه للجهاد في سبيل الله‪ ،‬وحضوره المشاهد كلها مع‬
‫رسول الله ×‪ ،‬وإذا اتهم بتخلفه عن بدر فقد سبق أن قلنا إن ذلك‬
‫كان بأمر من رسول الله ×‪ ،‬ثم عده رسول الله × من الذين‬
‫شهدوها وأعطاه سهمه منها‪ ،‬ونال أجره إن شاء الله‪ ،‬وليس بعد‬
‫كلم رسول الله × كلم‪.‬‬
‫‪ -2‬سفارة رسول الله × له إلى قريش في الحديبية‪:‬‬
‫امتثل عثمان ‪- ‬كما مر معنا‪ -‬لطلب الرسول × وذهب إلى‬
‫قريش وهو يعرف ما أقدم عليه‪ ،‬غير أن رجولته وبطولته قد أبتا‬
‫عليه إل المتثال والطاعة‪.‬‬
‫إن من يقبل السفارة في مثل تلك الظروف لشجاع عظيم‪،‬‬
‫وبطل من البطال النوادر‪ ،‬صحيح أنها أمر من رسول الله × ولكنها‬
‫الوقت نفسه شجاعة ل يمكن أن يقبل بها جبان أو رجل‬ ‫في‬
‫عادي)‪.(5‬‬
‫‪ -3‬الفداء بالنفس‪:‬‬
‫عندما حوصر ‪ ‬في داره طلب منه المارقون التنازل عن‬
‫تغنيت‪ :‬من الغناء‪ ،‬تمنيت‪ :‬من التمني‪ ،‬وهو الكذب واختلق الباطل‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫صحيح التوثيق‪ ،‬ص ‪.44‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫الصواعق المحرقة لبن حجر الهيثمي )‪.(1/237‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫البداية والنهاية )‪.(7/227‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫المين ذو النورين‪ ،‬ص ‪.196 -194‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪80‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫الخلفة ل خيار غيره أو القتل‪ ،‬أو عزل ولته وتسليم بعضهم‪ ،‬فأصر‬
‫على موقفه مضحيا بنفسه من أن تصبح الخلفة بيد ثلة تزيح من‬
‫أو‪(1‬تنزع الخلفة من صاحبها الذي اختارته‬ ‫ترغب‪ ،‬وتعين من تحب‪،‬‬
‫المة‪ ،‬ويصبح ذلك قاعدة‪ ).‬فأصر على موقفه وهو يرى الموت في‬
‫سيوف المحاصرين‪ ،‬وإن الذي يقف هذا الموقف لهو الشجاع وإنه‬
‫للدنيا أبدا‪،‬‬ ‫لصاحب حق‪ ،‬ولن يقف هذا الموقف رجل جبان أو محب‬
‫فالحياة عند هؤلء الجبناء أفضل من المكانة ومن الدنيا كلها)‪ ،(2‬ولكن‬
‫هذا الصرار العجيب والعزيمة النافذة‪ ،‬والشجاعة الفائقة من عثمان‬
‫‪ ‬ثمرة إيمان قوي بالله‬
‫‪-‬عز وجل‪ -‬واليوم الخر وقر في قلبه‪ ،‬وجعله يستهين بكل شيء في‬
‫هذه الحياة حتى‬
‫بالحياة نفسها)‪.(3‬‬
‫‪ -4‬الجهاد بالمال‪:‬‬
‫قدم عليه‪ ،‬قال‬ ‫إن الجهاد بالنفس اقترن مع الجهاد بالمال‪ ،‬وربما‬
‫غي ُْر َُأوِلي‬ ‫ن َ‬ ‫مِني َ‬ ‫م ْ‬
‫ؤَ ِ‬ ‫ن ال ْ ُ‬ ‫م َ‬ ‫ن ِ‬ ‫دو َ‬ ‫ع ُ‬
‫قا ِ‬ ‫وي ال ْ َ‬ ‫ست َ ِ‬ ‫تعالى‪+ :‬ل َ ي َ ْ‬
‫م‬‫ه ْ‬ ‫س ِ‬ ‫ف ِ‬ ‫وأن ْ ُ‬
‫ْ‬ ‫مَ َ‬ ‫ه ْ‬ ‫ِ‬ ‫وال ِ‬ ‫م َ‬‫ه ب ِأ ْ‬ ‫ل الل َ ِ‬ ‫سِبي ِ‬ ‫في َ َ‬ ‫ن ِ‬ ‫دو َ‬ ‫ه ُ‬‫جا ِ‬ ‫م َ‬
‫ْ‬ ‫وال ْ ُ‬ ‫ر َ‬ ‫ضَر ِ‬ ‫ال ّ‬
‫ن‬
‫دي َ‬ ‫ع ِ‬‫قا ِ‬ ‫على ال َ‬ ‫م َ‬ ‫ْ‬ ‫ه‬‫ِ‬ ‫س‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬
‫ف‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫أ‬‫و‬‫َ‬ ‫م‬‫ْ‬ ‫ه‬‫ِ‬
‫َ ِ‬‫ل‬ ‫وا‬ ‫م‬
‫ْ‬ ‫أ‬‫ْ ِ‬‫ب‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫دي‬ ‫ِ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫جا‬ ‫َ‬ ‫م‬
‫ُ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫الل‬ ‫ل‬‫َ‬ ‫ض‬‫ف ّ‬ ‫َ‬
‫عَلى‬ ‫ن َ‬ ‫دي َ‬ ‫ه ِ‬
‫جا ِ‬‫م َ‬ ‫ه ال ْ ُ‬ ‫ل الل ُ‬ ‫ض َ‬ ‫ف ّ‬ ‫و َ‬ ‫َ‬ ‫نى‬ ‫َ‬ ‫س‬
‫ْ‬ ‫ح‬‫ُ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ه‬‫ُ‬ ‫الل‬ ‫َ‬ ‫د‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫و‬‫َ َ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ة‬ ‫ً‬ ‫ج‬
‫َ‬ ‫ر‬‫دَ َ‬
‫ما" ]النساء‪.[95 :‬‬ ‫ظي ً‬ ‫ع ِ‬ ‫جًرا َ‬ ‫نأ ْ‬ ‫دي َ‬ ‫ع ِ‬‫قا ِ‬ ‫ال ْ َ‬
‫وهناك آيات كثيرة تقرن المال بالنفس‪ ،‬وإن الذي ينفق المال‬
‫في سبيل الله بسخاء إنما هو مجاهد وشجاع‪ ،‬وقد أنفق عثمان ‪‬‬
‫حتى قال رسول الله ×‪» :‬ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم«‬ ‫الكثير‬
‫مرتين)‪.(4‬‬
‫الموت‪ (،‬جريئا يواجه الباطل في‬ ‫لقد كان عثمان ‪ ‬شجاعا ل يهاب‬
‫تحد ّ سافر‪ ،‬حليما ل يجهله حمق الحمقى)‪. 5‬‬
‫عاشًرا‪ :‬الحزم‪:‬‬
‫إن صفة الحزم في شخصية ذي النورين أصيلة‪ ،‬ونجد الصديق ‪‬‬
‫عندما عرض عليه السلم قال له‪ :‬ويحك يا عثمان إنك رجل حازم‪،‬‬
‫ما يخفى عليك الحق من الباطل‪ ،‬ما هذه الوثان التي يعبدها قومنا‪.‬‬
‫)‪ (6‬وفي سنة ‪ 26‬هـ زاد عثمان في المسجد الحرام ووسعه‪ ،‬وابتاع‬
‫من قوم وأبى آخرون‪ ،‬فهدم عليهم‪ ،‬ووضع الثمان في بيت المال‪،‬‬
‫ي؟‬‫فصيحوا بعثمان‪ ،‬فأمر بهم بالحبس‪ ،‬وقال‪ :‬أتدرون ما جرأكم عل ّ‬
‫فلم تصيحوا به‪ ،‬ثم‬ ‫)‪(7‬‬
‫ما جرأكم علي إل حلمي‪ ،‬قد فعل هذا بكم عمر‬
‫كلمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد‪ ،‬فأخرجوا‪.‬‬
‫ومن المواقف التي تدل على حزمه‪ :‬حمايته لنظام الخلفة من‬
‫الضياع‪ ،‬فلم يجب الخارجين إلى خلع نفسه من الخلفة‪ ،‬فكان بذلك‬
‫)‪ (3،‬المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.197‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين‪ ،‬محمد الوكيل‪ ،‬ص ‪.304‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( سنن الترمذي‪ ،‬رقم )‪.(3785‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.304‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( عثمان بن عفان‪ ،‬صادق عرجون‪ ،‬ص ‪.47‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( تاريخ الطبري )‪.(5/250‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪81‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫يمثل الثبات واستمرار النظام؛ لنه لو أجاب الخارجين إلى خلع‬
‫نفسه لصبح منصب المامة العظمى ألعوبة في أيدي المفتونين‬
‫الساعين في الرض بالفساد‪ ،‬ولسادت الفوضى واختل نظام البلد‪،‬‬
‫ولكان ذلك تسليطا للرعاع والغوغاء على الولة والحكام‪ .‬لقد كانت‬
‫نظرة عثمان ‪ ‬بعيدة الغور‪ ،‬فلو أجابهم إلى ما يريدون لسن بذلك‬
‫سنة‪ ،‬وهي كلما كره قوم أميرهم خلعوه‪ ،‬وللقى بأس المة بينها‪،‬‬
‫وشغلها بنفسها عن أعدائها‪ ,‬وذلك أقرب لضعفها وانهيارها‪ ،‬على أنه‬
‫لم يجد سوى نفسه يفدي بها المة‪ ،‬ويحفظ كيانها وبنيانها من‬
‫التصدع‪ ،‬ويدعم بهذا الفداء نظامها الجتماعي ويحمي سلطانها الذي‬
‫تساس به من أن تمتد إليه يد العبث والفوضى‪ .‬ومما ل شك فيه أن‬
‫هذا الصنع من عثمان كان أعظم وأقوى ما يستطيع أن يفعله رجل‬
‫الشرين وأخف الضررين‬ ‫ألقت إليه المة مقاليدها؛ إذ لجأ إلى أهون‬
‫ليدعم بهذا الفداء نظام الخلفة وسلطانها‪ (1).‬وسيأتي بيان ذلك في‬
‫محله بإذن الله‪.‬‬
‫حادي عشر‪ :‬الصبر‪:‬‬
‫اتصف عثمان ‪ ‬بصفة الصبر‪ ،‬ومن المواقف الدالة على هذه‬
‫الصفة ثباته في الفتنة؛ إذ كان موقفه إزاء تلك الحداث التي ألمت‬
‫به وبالمسلمين المثل العلى لما يمكن أن يقدمه الفرد من تضحية‬
‫وفداء في سبيل حفظ كيان الجماعة‪ ،‬وصون كرامة المة‪ ،‬وحقن‬
‫دماء المسلمين؛ فقد كان بإمكانه أن يقي نفسه ويخلصها لو أنه أراد‬
‫نفسه ولم يرد حياة المة‪ ،‬ولو كان ذاتيا ولم يكن من أهل اليثار‬
‫لدفع بمن هب للذود عنه من الصحابة وأبناء المهاجرين والنصار إلى‬
‫نحور الخارجين المنحرفين عن طاعته‪ ،‬ولكنه أراد جمع شمل المة‪،‬‬
‫محتسبا‪ ،‬وقد أعلن عثمان ‪ ‬أنه سيواجه الفتنة‬ ‫ففداها بنفسه صابرا‬
‫م‬‫ه ُ‬‫ل لَ ُ‬ ‫قا َ‬ ‫ن َ‬‫ذي َ‬ ‫العارمة بالصبر الجميل)‪ (2‬ممتثل قوله سبحانه‪+ :‬ال ّ ِ‬
‫ماًنا‬ ‫م ِإي َ‬ ‫ه ْ‬
‫فَزادَ ُ‬‫م َ‬ ‫ه ْ‬
‫و ُ‬ ‫خ َ‬
‫ش ْ‬ ‫م َ‬
‫فا ْ‬ ‫عوا ل َك ُ ْ‬
‫ْ‬
‫م ُ‬
‫ج َ‬ ‫قد ْ َ‬‫س َ‬‫ن الّنا َ‬ ‫س إِ ّ‬‫الّنا ُ ُ‬
‫ل" ]آل عمران‪.[173 :‬‬ ‫كي ُ‬ ‫َ ِ‬‫و‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫م‬ ‫ع‬ ‫ن‬ ‫و‬
‫ُ َ ِ ْ َ‬ ‫ه‬ ‫الل‬ ‫نا‬ ‫ب‬‫س‬
‫َ ْ ُ َ‬‫ح‬ ‫لوا‬ ‫و َ‬
‫قا‬ ‫َ‬
‫إن عثمان ‪ ‬كان قوي اليمان بالله‪ ،‬كبير النفس‪ ،‬نفاذ البصيرة‪،‬‬
‫نبيل الصبر‪ ،‬حيث فدى المة بنفسه‪ ،‬فكان ذلك من أعظم فضائله‬
‫عند المسلمين‪ (3).‬قال ابن تيمية ‪-‬رحمه الله‪ :-‬ومن المعلوم بالتواتر‬
‫ن‬
‫م ْ‬ ‫أن عثمان كان من أكف الناس عن الدماء‪ ،‬وأصبر الناس على َ‬
‫ن عرضه‪ ,‬وعلى من سعى في دمه‪ ،‬فحاصروه وسعوا في قتله‬ ‫م ْ‬‫نال ِ‬
‫وقد عرف إرادتهم لقتله‪ ،‬وقد جاءه المسلمون ينصرونه ويشيرون‬
‫عليه بقتالهم‪ ،‬وهو يأمر الناس بالكف عن القتال‪ ،‬ويأمر من يطيعه‬
‫أن ل يقاتلهم‪ .‬وقيل له‪ :‬تذهب إلى مكة‪ ,‬فقال‪ :‬ل أكون من ألحد في‬
‫الحرم‪ ،‬فقيل له‪ :‬تذهب إلى الشام‪ ،‬فقال‪ :‬ل أفارق دار هجرتي‪،‬‬
‫فقيل له‪ :‬فقاتلهم‪ ،‬فقال‪ :‬ل أكون أول‬
‫من خلف محمدا في أمته بالسيف‪ .‬فكان صبر عثمان حتى قتل من‬
‫أعظم فضائله‬

‫)( تحقيق مواقف الصحابة من الفتنة )‪.(1/474‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( سير الشهداء للسخستياني‪ ،‬ص ‪.58 ،57‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( تحقيق مواقف الصحابة من الفتنة )‪.(1/472‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪82‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫عند المسلمين)‪.(1‬‬
‫ثاني عشر‪ :‬العدل‪:‬‬
‫واتصف عثمان ‪‬‬
‫بصفة العدل؛ فعن عبيد الله بن عدي بن الخيار‬
‫وهو محصور فقال له‪ :‬إنك إمام العامة وقد نزل‬‫أنه دخل على عثمان ‪‬‬
‫بك ما ترى‪ ،‬وهو ذا يصلي بنا إمام فتنة ‪-‬عبد الرحمن بن عديس البلوى‪-‬‬
‫وأنا أخرج من الصلة معه‪ ،‬فقال له عثمان‪ :‬إن الصلة أحسن ما يعمل‬
‫الناس‪ ،‬فإذا أحسن الناس فأحسن معهم‪ ،‬وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم‪.‬‬
‫)‪(2‬‬

‫وروى ابن شبة بإسناده‪ ،‬قال‪ :‬دخل عثمان بن عفان على غلم له‬
‫يعلف ناقة‪ ،‬فرأى في علفها ما كره‪ ،‬فأخذ بأذن غلمه فعركها‪ ،‬ثم‬
‫ندم‪ ،‬فقال لغلمه‪ :‬اقتص فأبى الغلم‪ ،‬فلم يدعه حتى أخذ بأذنه‬
‫فجعل يعركها‪ ،‬فقال له عثمان‪ :‬شد حتى ظن أنه قد بلغ منه مثل ما‬
‫ها لقصاص قبل قصاص الخرة)‪.(3‬‬ ‫بلغ منه‪ ،‬ثم قال عثمان ‪ :‬وا ً‬
‫ثالث عشر‪ :‬عبادته‪:‬‬
‫كان عثمان ‪ ‬من المجتهدين في العبادة‪ ،‬وقد روى من غير وجه‬
‫أنه صلى بالقرآن العظيم في ركعة واحدة عند الحجر السود أيام‬
‫الحج‪ ،‬وقد كان هذا من دأبه ‪ (4).‬ولهذا روينا عن ابن عمر أنه قال‬
‫َ‬
‫ما‬
‫قائ ِ ً‬‫و َ‬
‫دا َ‬ ‫ج ً‬ ‫سا ِ‬ ‫ل َ‬‫ت آَناءَ الل ّي ْ ِ‬‫قان ِ ٌ‬‫و َ‬ ‫ه َ‬‫ن ُ‬ ‫م ْ‬‫في قوله َتعالى‪+ :‬أ ّ‬
‫ه" ]الزمر‪ [9 :‬قال‪ :‬هو عثمان بن‬ ‫ة َرب ّ ِ‬‫م َ‬‫ح َ‬‫جو َر ْ‬ ‫وي َْر ُ‬‫خَرةَ َ‬ ‫حذَُر )ا‪(5‬ل ِ‬ ‫يَ ْ‬
‫من‬‫و َ‬
‫َ َ‬‫و‬ ‫ه‬‫ُ‬ ‫وي‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ت‬‫س‬‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫ْ‬
‫ل‬ ‫ه‬‫َ‬ ‫‪+‬‬ ‫تعالى‪:‬‬ ‫قوله‬ ‫في‬ ‫عباس‬ ‫ابن‬ ‫وقال‬ ‫عفان‪.‬‬
‫ْ‬
‫قيم ٍ" ]النحل‪ [76 :‬قال‪ :‬هو‬ ‫ست َ ِ‬
‫م ْ‬
‫ط ّ‬ ‫صَرا ٍ‬ ‫عَلى ِ‬ ‫و َ‬ ‫ه َ‬
‫و ُ‬‫ل َ‬
‫عد ْ ِ‬ ‫با‪6‬ل ْ( َ‬‫مُر ِ‬
‫ي َأ ُ‬
‫عثمان‪ .‬وكان ‪ ‬يفتتح القرآن ليلة الجمعة‪ ،‬ويختمه ليلة‬ ‫)‬

‫الخميس)‪ ،(7‬وكان ‪ ‬يصوم الدهر ويقوم الليل إل هجعة من أوله)‪.(8‬‬
‫رابع عشر‪ :‬خوفه من الله وبكاؤه ومحاسبته لنفسه‪:‬‬
‫فقد جاء في إحدى خطبه‪ :‬أيها الناس‪ ،‬اتقوا الله؛ فإن تقوى الله‬
‫غنم‪ ،‬وإن أكيس الناس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت‪،‬‬
‫من( نور الله نورا لقبره‪ ،‬ويخشى أن يحشره الله أعمى وقد‬ ‫واكتسب‬
‫كان بصيرا‪ 9).‬وقد روى عنه قوله‪ :‬لو أني بين الجنة والنار ل أدري‬
‫إلى أيتها يؤمر بي لتمنيت أن أصير رمادا قبل أن أعلم إلى أيتهما‬
‫أصير‪.‬‬

‫منهاج السنة )‪.(203 ،3/202‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫البخاري رقم )‪.(695‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫أخبار المدينة‪ ،‬لبن شبة )‪.(3/236‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫الطبقات الكبرى )‪ ،(3/76‬تاريخ السلم‪ ،‬عهد الخلفاء‪ ،‬الذهبي‪ ،‬ص ‪.476‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫تفسير ابن كثير )‪.(4/47‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫تفسير ابن كثير )‪.(2/579‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫علو الهمة )‪.(3/93‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫صفة الصفوة للمام ابن الجوزي )‪.(1/302‬‬ ‫)(‬ ‫‪8‬‬

‫صحيح التوثيق في سيرة وحياة ذي النورين‪ ،‬مجدي فتحي السيد‪ ،‬ص ‪.107‬‬ ‫)(‬ ‫‪9‬‬

‫‪83‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫وكانت روحه ترتجف وعََبراته تفيض عندما يذكر الخرة‪ ،‬وعندما‬
‫يتخيل نفسه وقد انشق قبره ونسل من جدثه إلى العرض‬
‫والحساب)‪(1‬؛ فعن هاني مولى عثمان‪ ،‬قال‪ :‬كان عثمان إذا وقف‬
‫على قبر بكى حتى تبتل لحيته‪ ،‬فقيل له‪ :‬تذكر الجنة والنار وتبكي‬
‫من هذا؟ قال‪ :‬إن رسول الله × قال‪» :‬إن القبر أول منازل‬
‫الخرة‪ ،‬فإن نجا منه فما بعده أيسر منه‪ ،‬وإن لم ينج‬
‫منه فما بعده أشد منه«‪ .‬قال‪ :‬وقال رسول الله ×‪» :‬والله ما‬
‫رأيت منظرا إل والقبر أفظع منه«‪ .‬قال‪ :‬وكان النبي × إذا فرغ من‬
‫استغفروا لخيكم وسلوا له‬ ‫دفن الميت وقف عليه‪ ،‬ثم قال‪» :‬‬
‫بالتثبيت؛ فإنه الن يسأل«‪ (2) .‬وهذا من فقه القدوم على الله‬
‫الذي استوعبه عثمان ‪ ‬وعاش به في حياته‪ ،‬وما أحوجنا إلى هذا‬
‫الفقه العظيم الذي به تحيا النفوس‬
‫وتنفجر الطاقات‪.‬‬
‫خامس عشر‪ :‬زهده‪:‬‬
‫اشتهر أمير المؤمنين عثمان ‪ ‬بأنه من أهل الغنى والثروة‪،‬‬
‫ولكن مع هذه الشهرة فإنه قد رويت عنه أخبار تدل على أنه كان‬
‫من الزاهدين في الدنيا‪ ،‬فعن حميد ابن نعيم‪ ،‬أن عمر وعثمان‬
‫‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬دعيا إلى طعام‪ ،‬فلما خرجا قال عثمان لعمر‪ :‬قد‬
‫م؟ قال‪ :‬إني أخاف أن‬ ‫شهدنا طعاما لوددنا أنا لم نشهده‪ ،‬قال‪ :‬ل ِ َ‬
‫يكون صنع مباهاة‪ (3).‬فهذا فقه من عثمان ‪ ‬بمجالت السخاء‬
‫السلمي؛ فالسخاء في السلم ل يكون بالتفاخر بالكرم والتباهي‬
‫بنوع الطعام أو كثرته‪ ،‬وإنما يكون ببذل المال من غير إسراف ول‬
‫خيلء‪ ،‬مع شكر المنعم ‪-‬جل وعل‪ -‬والتواضع للناس‪ .‬وهذه النظرة‬
‫التزهيد بالجاه الدنيوي‪ ،‬وهذا يدل على أنه كان‬ ‫من عثمان تعتبر من‬
‫من الزاهدين في ذلك‪ (4).‬ومن زهد عثمان ‪ ‬وتواضعه ما أخرجه‬
‫الهمداني أنه‬
‫)‪(5‬‬
‫المام أحمد من حديث ميمون بن مهران قال‪ :‬أخبرني‬
‫رأى عثمان بن عفان عليه بغلة وخلفه غلمه نائل وهو خليفة‪.‬‬
‫وكذلك ما أخرجه من حديث الهمداني قال‪ :‬رأيت عثمان نائما في‬
‫المسجد في ملحفة ليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين‪ (6).‬كما أخرج‬
‫من حديث شرحبيل بن مسلم أن عثمان بن عفان ‪ ‬كان)‪(7‬يطعم‬
‫الناس طعام المارة‪ ،‬ويدخل إلى بيته فيأكل الخل والزيت ‪.‬‬
‫فهذه أمثلة جليلة من زهد أمير المؤمنين عثمان ‪ ،‬وحينما‬
‫يكون الزاهد متوسطا في المعيشة فإن زهده ل يلفت النظر كثيرا‬
‫ول يثير العجب‪ ،‬ولكن حينما يكون غنيا فإن زهده يكون مدهشا‬
‫للمتأملين وعبرة للمعتبرين؛ ذلك لن كثرة المال تغري بالنصراف‬
‫نحو الملذات والتوسع في النفقات‪ ،‬فل بد ليكون الغني زاهدا من‬
‫استيعابه لفقه القدوم على الله حتى يكون مهيمنا على نفسه مذكرا‬
‫لقلبه‪ ،‬فتكبر الخرة في عينه وتصغر الدنيا في نفسه‪ ،‬وهكذا كان‬
‫)( نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬حمد محمد الصمد‪ ،‬ص ‪.205‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( فضائل الصحابة رقم )‪ ،(773‬إسناده حسن‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( الزهد للمام أحمد‪ ،‬ص ‪.126‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( التاريخ السلمي )‪.(18/48 ،17‬‬ ‫‪4‬‬

‫)‪ (4‬المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.129‬‬ ‫)‪ (3 ،‬الزهد‪ ،‬ص ‪.127‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪84‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫عثمان ‪ ‬الذي كان من أعظم الثرياء في السلم‪ ،‬قد غلبت قوة‬
‫نفسه‬
‫)‪(1‬‬
‫إيمانه شهوته وهواه فكان من أعظم الزاهدين‪ ،‬وضرب من‬
‫مثل لجميع الغنياء بإمكان الجمع بين الغنى والزهد في الدنيا‪.‬‬
‫سادس عشر‪ :‬الشكر‪:‬‬
‫كان عثمان ‪ ‬كثير الشكر لله تعالى باللسان والجنان والركان‪،‬‬
‫دعى ذات يوم إلى قوم على ريبة‪ ،‬فانطلق ليأخذهم فتفرقوا قبل أن‬
‫يبلغهم‪(2،‬فأعتق رقبة شكرا لله أن ل يكون جرى على يديه خزي‬
‫مسلم) ‪.‬‬
‫سابع عشر‪ :‬تفقد أحوال الناس‪:‬‬
‫كان ‪ ‬ودودا رؤوفا يسأل عن أحوال المسلمين‪ ،‬ويتعرف على‬
‫مشكلتهم ويطمئن على غائبهم‪ ،‬ويواسي قادمهم‪ ،‬ويسأل عن‬
‫مرضاهم؛ فقد روى المام أحمد‪ ،‬عن موسى بن طلحة قال‪ :‬رأيت‬
‫عثمان بن عفان وهو على المنبر‪ ،‬وهو يستخبر الناس يسألهم عن‬
‫أخبارهم وأسعارهم‪ (3).‬وروى ابن سعد في الطبقات عنه أيضا قال‪:‬‬
‫رأيت عثمان بن عفان يخرج يوم الجمعة عليه ثوبان أصفران‪،‬‬
‫فيجلس على المنبر‪ ،‬فيؤذن المؤذن‪ ،‬وهو يتحدث يسأل الناس عن‬
‫أسفارهم وعن قادمهم وعن مرضاهم‪ (4).‬وكان ‪ ‬يهتم بشئون‬
‫الرعية‪ ،‬ويصل ذوي الحاجة‪ ،‬ويفرض العطاء للمواليد من بيت‬
‫المال)‪(5‬؛ فقد روى عن عروة بن الزبير أنه قال‪ :‬أدركت زمن عثمان‪،‬‬
‫وما من نفس مسلمة إل ولها في مال الله حق‪ .‬يعني بيت المال)‪.(6‬‬
‫ثامن عشر‪ :‬تحديد الختصاصات‪:‬‬
‫المراد بتحديد الختصاص تقسيم وظائف العمل على العاملين‪،‬‬
‫ما بالعمل الذي كلفه ليقوم به دون‬
‫بحيث يكون كل موظف عال ِ ً‬
‫تقصير فيه‪ ،‬ول يتجاوز إلى عمل آخر مسند إلى سواه‪ .‬وتقسيم‬
‫الوظائف سنة كونية ربانية عمل بها رسول الله × والخلفاء‬
‫الراشدون من بعده؛ ففي عهد عثمان ‪ ‬وزعت الوظائف والعمال‬
‫على المسلمين كل في ميدانه كما سيأتي بيانه بإذن الله؛ ففي‬
‫مؤسسة القضاة والمال‪ ،‬والجيش وولية المصار ظهرت الصفة‬
‫القيادية في تحديد الختصاصات عند الخليفة الراشد عثمان ‪ ،‬فقد‬
‫تم تقسيم العمال وحددت قواعد بين العاملين كانت من أهم‬
‫عوامل النجاح في دولة الخلفاء الراشدين‪ ،‬وبذلك تعامل الخليفة‬
‫سّنتين الكونية والشرعية في تحديد‬ ‫عثمان‪ (7‬مع ال ُ‬ ‫الراشد‬
‫الختصاصات) ‪.‬‬

‫)‪ (6‬علو الهمة )‪.(5/481‬‬ ‫)( التاريخ السلمي )‪.(18/49 ،17‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫فضائل الصحابة رقم )‪ ،(812‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫الطبقات )‪.(3/59‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫تحقيق مواقف الصحابة )‪.(1/396‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫المصنف في الحديث لبن شيبة )‪.(3/1023‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫الكفاءة الدارية‪ ،‬ص ‪.117‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫‪85‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫تاسع عشر‪ :‬الستفادة من أهل الكفاءات‪:‬‬
‫إن الشادة بالكفاء وإرشاد المة إلى احترامهم‪ ،‬وتكريمهم‬
‫ووضعهم في مواضعهم وعدم هضمهم‪ ،‬والستفادة من طاقاتهم‬
‫واختصاصاتهم‪ ،‬إن ذلك مما جعل أهل القرون المفضلة من سلف‬
‫هذه المة ينالون العز والمجد والتمكين في هذه المعمورة‪ (1).‬وقد‬
‫ظهرت هذه الصفة في شخصية عثمان ‪ ‬عندما استفاد من كفاءات‬
‫زيد بن ثابت واللجنة التي عينت معه في جمع القرآن على حرف‬
‫واحد‪.‬‬
‫هذه بعض الصفات التي تلحظ في شخصية عثمان ‪ ‬وهي‬
‫محل قدوة وأسوة لقادة المسلمين وعوامهم‪ ،‬لمن يريد أن يتبع هدي‬
‫النبي × والخلفاء الراشدين في هذه الحياة‪.‬‬
‫إن معرفة صفات الخلفاء الراشدين ومحاولة القتداء بهم‪ ،‬خطوة‬
‫صحيحة لمعرفة صفات القادة الربانيين الذين يستطيعون أن يقودوا‬
‫المة نحو أهدافها المرسومة بخطوات ثابتة‪ ،‬فمن أسباب التمكين‬
‫لهذا الدين العمل على إيجاد قادة ربانيين‪ ،‬جرى اليمان في قلوبهم‬
‫وعروقهم‪ ،‬وانعكست ثماره على جوارحهم‪ ،‬وتفجرت صفات التقوى‬
‫في أعمالهم وسكناتهم وأحوالهم؛ فالقيادة الربانية الحكيمة هي التي‬
‫تسعى لتحكيم شرع الله وتفجير طاقات المة وتوجيهها‪ ،‬وهي التي‬
‫تحتضن السلم وتنهجه قلبا وقالبا‪ ،‬جوهرا ومنظرا‪ ،‬وعقيدة وشريعة‪،‬‬
‫ودينا ودولة‪ ،‬وهي التي تصبح وتمسي وهمها عقيدتها وأمتها‪ ،‬وهي‬
‫التي تسعى بكل ما تملك لحل المشاكل التي تواجهها‪ ،‬وتعمل بكل‬
‫جهد وإخلص للقضاء على عوائق التمكين الداخلية والخارجية‪.‬‬
‫***‬

‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.157‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪86‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫الفصل الثالث‬
‫المؤسسة المالية والقضائية في عهد عثمان‬
‫المبحث الول‬
‫المؤسســـة الماليــــــــــــة‬
‫لما تولى عثمان ‪ ‬الخلفة لم يغير من سياسة عمر المالية‪،‬‬
‫وإن كان قد سمح للمسلمين باقتناء الثروات وتشييد القصور‬
‫وامتلك المساحات الشاسعة من الراضي‪ ،‬فقد زالت عن المسلمين‬
‫دون‬ ‫شدة عمر التي كانت ترهبهم وتخيفهم‪ ،‬والتي كانت تحول‬
‫الكثير مما يشتهون‪ ،‬وكان عهده عهد رخاء على المسلمين)‪.(1‬‬
‫ل‪ :‬السياسة المالية التي أعلنها عثمان عندما تولى الحكم‪:‬‬ ‫أو ً‬
‫وجه عثمان ‪ ‬كتابا إلى الولة وكتابا آخر إلى عمال الخراج‪،‬‬
‫ت نصوصها عند حديثي عن منهجه‬ ‫وأذاع كتابا على العامة‪ ،‬وقد ذكر ُ‬
‫في الحكم‪ ،‬وفي ضوء تلك النصوص تكون عناصر السياسة المالية‬
‫العامة التي أعلنها ثالث الخلفاء الراشدين قد قامت على السس‬
‫العامة التالية‪:‬‬
‫* تطبيق سياسة مالية عامة إسلمية‪.‬‬
‫* عدم إخلل الجباية بالرعاية‪.‬‬
‫* أخذ ما على المسلمين بالحق لبيت مال المسلمين‪.‬‬
‫* إعطاء المسلمين ما لهم من بيت مال المسلمين‪.‬‬
‫* أخذ ما على أهل الذمة لبيت مال المسلمين بالحق‪ ،‬وإعطاؤهم‬
‫ما لهم‪ ،‬وعدم ظلمهم‪.‬‬
‫* تخلق عمال الخراج بالمانة والوفاء‪.‬‬
‫تفادي أية انحرافات مالية يسفر عنها تكامل النعم لدى‬ ‫*‬
‫العامة)‪.(2‬‬
‫ونفصل فيما يلي هذه السس‪:‬‬
‫‪ -1‬نية عثمان بن عفان تطبيق سياسة مالية عامة‪:‬‬
‫مما ل شك فيه أن الخليفة الثالث عثمان بن عفان عزم على‬
‫تطبيق سياسة مالية عامة إسلمية؛ فقد بويع ‪ ‬على أساس تطبيق‬
‫حكم الله وسنة رسوله × وسياسة الخليفتين قبله‪ ،‬وقد طبق أبو‬
‫بكر ‪ ‬ما نزل به القرآن وما سّنه رسول الله × فيما يتعلق‬
‫بالسياسة المالية وغيرها من الحكام‪ ،‬وقام عمر بتطوير المؤسسة‬
‫المالية ونظم قواعدها وأرسى مبادئها وزاد مواردها ورشد إنفاقها‪،‬‬
‫ونهج عثمان طريقهم‪ ,‬واجتهد في بعض المور القابلة للجتهاد‪ ،‬فنفذ‬
‫)( مبادئ القتصاد السلمي‪ ،‬سعاد إبراهيم صالح‪ ،‬ص ‪.217‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( السياسية المالية لعثمان ‪ ،‬قطب إبراهيم‪ ،‬ص ‪.61‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪87‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫حكم الله في الرض في قضايا الموال وغيرها؛ فأشرف على دفع‬
‫الزكاة لبيت المال‪ ،‬وتوزيعها على مستحقيها‪ ،‬وأهل الكتاب في‬
‫دفعهم الجزية لبيت مال الدولة السلمية‪ ،‬وبذلك يدخلون في ذمتها‬
‫تحميهم وتوفر لهم المان وتضفي عليهم سائر خدماتها العامة‪،‬‬
‫والمجاهدون يغنمون الموال ويرسلون خمسها لبيت مال المسلمين‪،‬‬
‫ويقوم بيت المال بتوزيعها على اليتامى والمساكين وأبناء السبيل‬
‫تعالى‪:‬‬ ‫فأ َ‬ ‫وجوه النفاق طبقا لقوله‬ ‫موا أ َ‬ ‫وغيرها من‬
‫ل‬ ‫سو‬
‫ُ َ ُ َ ّ ُُ ِ‬ ‫ر‬ ‫لل‬
‫ِ‬ ‫و‬ ‫ه‬ ‫س‬ ‫م‬ ‫خ‬
‫ُ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫لل‬ ‫ن‬
‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ء‬
‫ٍ‬ ‫ي‬ ‫ْ‬ ‫ش‬ ‫َ‬
‫ْ‬
‫من‬ ‫ّ‬ ‫تم‬ ‫ُ‬ ‫م‬
‫ْ ْ‬ ‫ِ‬ ‫ن‬ ‫َ‬
‫غ‬ ‫ما‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ن‬
‫ْ‬ ‫عل َ ُ‬ ‫وا ْ‬ ‫‪َ +‬‬
‫م‬
‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬‫ْ‬ ‫ن‬ ‫ك‬ ‫إن‬ ‫ل‬
‫ّ ِ ِ ِ‬ ‫بي‬‫س‬ ‫ال‬ ‫ن‬ ‫ْ‬ ‫ب‬
‫ِ َ ْ ُِ‬‫وا‬ ‫ن‬ ‫كي‬‫ِ‬ ‫سا‬ ‫َ َ َ‬ ‫م‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫مى‬ ‫تا‬
‫َ‬
‫َ َ ْ َ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫بى‬ ‫َ‬ ‫ر‬‫ْ‬ ‫ق‬‫ُ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ول ِ‬ ‫َ‬
‫قى‬ ‫م ال ْت َ َ‬ ‫و َ‬ ‫َ‬
‫ِ ْ‬ ‫ي‬ ‫ن‬ ‫َ‬
‫قا‬ ‫ر‬
‫ْ‬ ‫ف‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫م‬
‫َ‬ ‫و‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫نا‬
‫َ‬ ‫د‬
‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ب‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫لى‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫نا‬
‫َ‬ ‫ل‬ ‫ز‬‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫ما‬‫َ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ه‬‫ِ‬ ‫بالل‬ ‫ِ‬ ‫م‬‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫م‬
‫َ‬ ‫آ‬
‫ديٌر" ]النفال‪ [41 :‬وغير ذلك من‬ ‫ق ِ‬ ‫ء َ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ْ‬ ‫ش‬‫َ‬ ‫ل‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫لى‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ه‬ ‫ُ‬ ‫والل‬ ‫ِ َ‬ ‫ن‬ ‫عا‬‫َ‬ ‫م‬‫ْ‬ ‫ج‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬
‫مصادر الدولة المعروفة‪ .‬وقد تميزت المالية العامة في عهد ذي‬
‫النورين والخلفاء الراشدين بأنها مرتبطة بالسلم وتطبيق تعاليمه‬
‫وحماية إيراداته‪ ،‬ويساند النفاق العام فيها نشر راية السلم وخير‬
‫المسلمين‪ ،‬وهي مرشدة للنفاق؛ لن تعاليم السلم تمنع السراف‬
‫وتحاربه‪ ،‬والله ل يحب المسرفين‪ ،‬وتمنع السفهاء من التحكم في‬
‫الموال وهي مالية عامة خيرة؛ لن بعض مواردها العامة توجه للبنية‬
‫الضعيفة من الرعية‪ ،‬وهي نقية من الدنس‪ ،‬ول تتضمن مواردها كسًبا‬
‫من حرام؛ لن الله ل يبارك‬
‫الكسب الحرام‪.‬‬
‫‪ -2‬عدم إخلل الجباية بالرعاية‪:‬‬
‫ينبه عثمان بن عفان ‪ ‬في كتابه للولة أن جباية أموال بيت‬
‫المال كادت تطغى على الواجب الول للولة وهي رعاية الرعية‪،‬‬
‫وذلك أن الجباية أحد واجبات الرعية المكلف بها رئيس الدولة‬
‫السلمية‪ ،‬فل يصح أن تطغى على سائر الواجبات‪ (1).‬وقد استنبط‬
‫الفقهاء من الهدي النبوي والعهد الراشدي تكاليف الرعاية؛ أي‬
‫واجبات الخليفة لتحقيق رعاية المة كما يلي‪:‬‬
‫قال الماوردي‪ :‬والذي يلزمه من المور العامة عشرة أشياء‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف‬
‫المة‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬تنفيذ الحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين‬
‫المتنازعين؛ حتى تعم النصفة فل يتعدى ظالم ول يضعف مظلوم‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬حماية البيضة والذب عن الحريم؛ ليتصرف الناس في‬
‫المعاش وينتشروا في السفار‪ ،‬آمنين من تغرير بنفس أو حال‪.‬‬
‫والرابع‪ :‬إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن النتهاك‪،‬‬
‫وتحفظ حقوق عباده من إتلف واستهلك‪.‬‬
‫والخامس‪ :‬تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة؛ حتى ل‬
‫تظفر العداء بغرة ينتهكون فيها محرما‪ ،‬أو يسفكون فيها لمسلم أو‬
‫ما‪.‬‬‫معاهد د ً‬
‫)( السياسة المالية لعثمان ‪ ،‬ص ‪.62‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪88‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫والسادس‪ :‬جهاد من عاند السلم بعد الدعوة إليه حتى يسلم أو‬
‫يدخل الذمة‪ ،‬ليقام بحق الله تعالى في إظهاره )السلم( على الدين‬
‫كله‪.‬‬
‫صا ّ واجتهادا من غير‬‫جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه ن‬ ‫والسابع‪:‬‬
‫خوف ول عسف‪.‬‬
‫والثامن‪ :‬تقدير العطايا وما يستحق من بيت المال من غير سرف‬
‫ول تقتير‪ ،‬ودفعه في وقت ل تقديم فيه ول تأخير‪.‬‬
‫والتاسع‪ :‬استكفاء المناء وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من‬
‫العمال‪ ،‬ويكله إليهم من الموال؛ لتكون العمال بالكفاءة مضبوطة‬
‫والموال بالمناء محفوظة‪.‬‬
‫والعاشر‪ :‬أن يباشر بنفسه مشارفة المور وتصفح الحوال؛‬
‫بسياسة المة وحراسة الملة‪ ،‬ول يعول على التفويض تشاغل‬ ‫لينهض‬
‫بلذة أو عبادة)‪.(1‬‬
‫وبإيجاز‪ ،‬فإن واجبات الخليفة تتفرع عن شرطي عقد البيعة‪،‬‬
‫وهما حراسة الدين وسياسة الدنيا)‪ (2‬اللذين هما مهمة الرسول ×‬
‫الذي هو خليفته‪ ،‬وإن كان الماوردي والفراء المتعاصران قد تطابقت‬
‫تحديداتهما لواجبات المام‪ ،‬فإنما ذلك اجتهاد منهما حسب حاجة‬
‫المة في عصرها‪ ،‬ول ينبغي أن تقتصر حقوق المة على ما عدده‬
‫عالم من علمائها أو أكثر مهما بلغ من فضل وسعة علم‪ ،‬ومهما كانت‬
‫العالم معاصًرا‪ ،‬فكيف إن كانت‬ ‫نظرته للموضوع شاملة‪ ،‬هذا إن كان‬
‫آراؤه واجتهاداته قد سبقنا بها بقرون‪ (3).‬ولذا فينبغي أن تحدد‬
‫واجبات المام بناء على الشرطين العامين لصحة عقده وهما حراسة‬
‫الدنيا‪ ،‬وينبغي أن تقوم لجان من علماء المة بتحديد‬ ‫الدين وسياسة‬
‫ذلك لهل زمانهم)‪.(4‬‬
‫هذه بعض تكاليف الرعاية كما أوردها الفقهاء‪ ،‬وهي قابلة‬
‫للتطوير بما يلئم‬
‫صا من نصوص‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫التطوير‬ ‫يخالف‬ ‫ل‬ ‫بحيث‬ ‫والعصور‬ ‫تطور الزمان‬
‫ما من أحكام الدين)‪.(5‬‬ ‫القرآن أو حك ً‬
‫‪ -3‬أخذ ما على المسلمين بالحق لبيت مال المسلمين‪:‬‬
‫عمال الخراج نواب عن الدولة في استئداء حقوق بيت المال‪،‬‬
‫فإذا أخذوا ما على المسلمين بالحق أدوا واجبهم المنوط بهم‪ ،‬وإذا‬
‫غالوا في جباية حقوق بيت المال ظلموا الممولين وألحقوا بهم‬
‫ملوهم فوق ما يطيقون‪ ،‬والرسول × يحذر من المغالة‬ ‫الضرر وح ّ‬
‫في استئداء حقوق بيت المال؛ فقد نهى عن جباية كرائم الموال في‬

‫الحكام السلطانية والوليات الدينية‪ ،‬أبو الحسن الماوردي‪ ،‬ص ‪.17،16‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫مقدمة ابن خلدون‪ ،‬ص ‪.191‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫الخلفة بين التنظير والتطبيق‪ ،‬محمد المرداوي‪ ،‬ص ‪.66‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.67‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫السياسة المالية لعثمان‪ ،‬ص ‪.62‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪89‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫الزكاة‪ ،‬وأمر بالتخفيف في استئداء زكاة الثمر)‪.(1‬‬
‫‪ -4‬إعطاء المسلمين ما لهم من بيت المال بالحق‪:‬‬
‫عطاء بيت المال للمسلمين إما أن يكون مباشرا كصرف الزكاة‬
‫للمستحقين لها‪ ،‬وما يقضي به نظام العطيات من توزيع فائض‬
‫الموال على المسلمين‪ ،‬أو يكون العطاء العام غير مباشر يتمثل في‬
‫الخدمات العامة التي تؤديها الدولة للرعية‪ ،‬وهذه ينفق عليها من‬
‫بيت مال المسلمين‪ .‬وفي كل العطاءين ينبغي أن يتسم العطاء‬
‫بالحق‪ ،‬فل يجوز في العطاء المباشر أن يخالف السس التي تحددت‬
‫لوضعه محاباة لبعض الفراد أو حرمانا أو نقصانا للبعض الخر دون‬
‫مبرر‪ ،‬ول يجوز أن يتأخر العطاء عن موعده بسبب تعقد الجراءات‬
‫أو كثرة الحجب التي تحجب أرباب الظلمات عن الوصول لمن‬
‫بيدهم أمر العطاء لبحث ظلمتهم من تأخير العطاء أو قلته‪ ،‬أو عدم‬
‫وصوله إليهم‪ ،‬ول يجوز في العطاء غير المباشر المتمثل في‬
‫تكون المنفعة لفرد‬ ‫الخدمات العامة التي تؤديها الدولة للشعب أن‬
‫معين؛ بل يجب أن يعود نفعها على المة جمعاء)‪.(2‬‬
‫‪ -5‬عدم ظلم أهل الذمة وأخذ ما عليهم لبيت المال بالحق‬
‫وإعطاؤهم حقوقهم بالحق كذلك‪:‬‬
‫ل يجوز ظلم أهل الكتاب عند أخذ الجزية منهم؛ لن أهل الكتاب‬
‫من الذميين الذين يقيمون في الدولة السلمية وهم في ذمتها‬
‫ورعايتها ما داموا يؤدون الجزية‪ ،‬وقد أوصى بهم رسول الله ×؛ فقد‬
‫ولى عبد الله بن أرقم على جزية أهل الذمة‪ ،‬فلما ولى عنده ناداه‬
‫أو( انتقصه أو أخذ منه‬ ‫دا أو كلفه فوق طاقته‬‫فقال‪ :‬أل من ظلم معاه ً‬
‫شيًئا بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة‪ 3) .‬واستنادا لذلك فقد‬
‫أوصى بهم عمر بن الخطاب ‪ ‬حين موته‪ :‬أوصى الخليفة من بعدي‬
‫يوفي لهم بعهدهم‪ ،‬وأن يقاتل من ورائهم‪ ،‬وأن‬ ‫بأهل الذمة خيرا‪ ،‬أن‬
‫ل ُيكلفوا فوق طاقتهم)‪.(4‬‬
‫فإذا آذى عمال الجزية الذميين أو كلفوهم فوق طاقاتهم أو‬
‫عذبوهم‪ ،‬أو أخذوا الجزية من الشيخ الكبير الذي ل شيء له ول‬
‫يستطيع العمل‪ ،‬أو أخذوها من الذمي الذي أسلم‪ ،‬كان هذا لونا من‬
‫إلى‪(5‬عمال‬ ‫ألوان الظلم الذي نبه عليه الخليفة الثالث في كتابه‬
‫الخراج بعد ارتكابه مستندا في ذلك لتعاليم الرسول ×) ‪.‬‬
‫هذا وعلوة على الجزية يؤدي أهل الذمة الذين يزرعون أرض‬
‫الخراج ‪-‬وهي التي آلت للدولة السلمية كغنيمة نتيجة للفتح‬
‫السلمي‪ -‬ما يستحق عليها من خراج لبيت مال المسلمين‪ ،‬ويجب‬
‫أن يراعى عمال الخراج الحق في تحديد قيمته المستحقة على‬
‫الراضي التي يزرعها أهل الذمة‪ ،‬وذلك بمراعاة العوامل التي تحكم‬
‫تحديده؛ لن إغفالها كلها أو بعضها يوقع الظلم بأهل الذمة الذين‬

‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.64‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (2‬المنتخب من السنة‪ ،‬ص ‪.261‬‬ ‫)( السياسة المالية لعثمان‪ ،‬ص ‪.66‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)‪ (4‬المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.67‬‬ ‫)( السياسة المالية لعثمان‪ ،‬ص ‪.67‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪90‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫يزرعونها‪ ،‬وهذه العوامل أربعة‪:‬‬
‫* ما يختص بالرض من جودة يزكو بها زرعها أو رداءة يقل بها‬
‫ريعها‪.‬‬
‫* ما يختص بالزرع من اختلف أنواعه من الحبوب والثمار‪ ،‬فمنها‬
‫ما يكثر ثمنه ومنها ما يقل ثمنه فيكون الخراج بحسبه‪.‬‬
‫* ما يختص بالسقي والشرب؛ لن ما التزم المئونة في سقية‬
‫النواضح والدوالي ل يحتمل من الخراج ما يحتمله سقي السيوح‬
‫والمطار‪.‬‬
‫تحمله‪(1‬ليجعل فيها‬ ‫* أن ل يستقضي في وضع الخراج غاية ما‬
‫لرباب الرض بقية يجبرون بها في النوائب والجوائع) ‪.‬‬
‫هذا وإذا كانت الدولة السلمية قد أبرمت عهدا أو عقدت صلحا‬
‫مع أهل الكتاب‪ ،‬فواجب الدولة السلمية وعمال خراجها أن يلتزموا‬
‫بما ورد بها من شروط‪ ,‬ومنها الشروط التي تحدد قيمة ما يدفعونه‬
‫من جزية أو خراج؛ لن المسلمين إذا أبرموا عقدا أو عهدوا عهدا‬
‫التزموا بالوفاء بالعقود والعهود)‪.(2‬‬
‫‪ -6‬عدم ظلم اليتيم‪:‬‬
‫لليتيم حقوق في المال العام بنصوص القرآن الكريم‪ ،‬فهو من‬
‫ما‬ ‫المستحقين لموال الزكاة إن كان فقيرا‪ ،‬قال تعالى‪+ :‬إ ِن ّ َ‬
‫ة‬
‫ف ِ‬‫ؤل ّ َ‬‫م َ‬ ‫وال ْ ُ‬ ‫ها َ‬ ‫عل َي ْ َ‬
‫ن َ‬ ‫مِلي َ‬ ‫عا ِ‬‫وال ْ َ‬ ‫ن َ‬ ‫كي ِ‬ ‫سا ِ‬ ‫م َ‬ ‫وال ْ َ‬‫ء َ‬ ‫قَرا ِ‬ ‫ف َ‬ ‫ت ل ِل ْ ُ‬ ‫قا ُ‬ ‫صد َ َ‬ ‫ال ّ‬
‫ن‬ ‫ْ‬ ‫ب‬ ‫وا‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫الل‬ ‫ل‬‫ِ ِ‬ ‫بي‬ ‫س‬
‫َ‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫مي‬ ‫ِ‬ ‫ر‬
‫ِ‬ ‫غا‬‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬‫وا‬ ‫َ‬ ‫ب‬‫ِ‬ ‫قا‬ ‫َ‬ ‫ر‬
‫ّ‬ ‫ال‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫م‬
‫ْ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ب‬ ‫لو‬ ‫ق ُ‬
‫ُ‬
‫ِ‬
‫م" ]التوبة‪.[60 :‬‬ ‫ٌ‬ ‫كي‬
‫ِ‬ ‫ح‬
‫َ‬ ‫م‬‫ٌ‬ ‫لي‬
‫ِ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫والل‬ ‫َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫الل‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫م‬
‫ّ‬ ‫ة‬‫ً‬ ‫ض‬
‫َ‬ ‫ري‬ ‫ِ‬ ‫ف‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫ِ ِ‬ ‫بي‬ ‫س‬ ‫ّ‬ ‫ال‬
‫ولليتيم نصيب في خمس الغنائم تطبيقا لقوله جل وعل‪:‬‬
‫ء َ َ‬ ‫َ‬
‫ل‬ ‫ِ‬ ‫سو‬ ‫ُ‬ ‫ر‬
‫و ِ ّ‬
‫لل‬ ‫ه َ‬ ‫س ُ‬‫م َ‬ ‫خ ُ‬ ‫ه ُ‬ ‫ن لل ِ‬ ‫فأ ّ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫من َ‬ ‫مُتم ّ‬ ‫غن ِ ْ‬ ‫ما َ‬ ‫موا أن ّ َ‬ ‫عل َ ُ‬ ‫وا ْ‬ ‫‪َ +‬‬
‫م‬ ‫ُ‬ ‫ت‬‫ْ‬ ‫ن‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫إن‬ ‫ل‬ ‫بي‬ ‫س‬ ‫ال‬ ‫ن‬ ‫ب‬ ‫وا‬ ‫ن‬ ‫كي‬ ‫سا‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫مى‬ ‫تا‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫بى‬ ‫ر‬ ‫ُ‬
‫ق‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ذي‬ ‫ول‬
‫ْ‬
‫قى‬ ‫م ال ْت َ َ‬
‫ّ ِ ِ ِ‬
‫و‬ ‫ي‬ ‫ن‬ ‫قا‬ ‫َ‬ ‫ر‬ ‫ف‬
‫ْ‬
‫ِ َ ْ ِ‬
‫ُ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫م‬ ‫و‬ ‫ي‬
‫ِ‬
‫نا‬
‫َ‬ ‫د‬
‫َ َ َ‬
‫ب‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫لى‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫َ‬
‫َ‬
‫نا‬‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ز‬
‫َ‬
‫ْ‬ ‫ن‬ ‫آ َم ِن ْت ُم بالل ْه وما َ أ َ‬
‫َ‬ ‫ِ‬
‫ِ َ ْ َ‬ ‫ْ‬ ‫َ ْ َ‬ ‫ْ ِ‬ ‫َ‬ ‫ِ َ َ‬ ‫ْ ِ‬ ‫َ‬
‫ديٌر" ]النفال‪ [41 :‬ولليتيم‬ ‫ق ِ‬ ‫ء َ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ش ْ‬ ‫ل َ‬ ‫عَلى ك ُ ّ‬ ‫ه َ‬ ‫والل ُ‬ ‫ن َ‬ ‫عا ِ‬ ‫م َ‬‫ج ْ‬ ‫ال ْ َ‬
‫نصيب في عطاء بيت المال‪ ،‬فقد كان يفرض للطفال عموما ومنهم‬
‫يتامى الطفال‪ ،‬وإذا كان اليتيم غنيا فيؤدي الزكاة المفروضة على‬
‫أمواله إذا توافرت‪ ,‬وواجب المصدق أن يأخذ الزكاة بالحق والعدل‬
‫حتى ل يذهب ظلمه بمال اليتيم أو جزء منه بغير وجه حق)‪.(3‬‬
‫‪ -7‬تخلق عمال الخراج بالمانة والوفاء‪:‬‬
‫ت إ َِلى‬ ‫ماَنا ِ‬ ‫دوا ال ْ َ‬ ‫ؤ ّ‬ ‫م َأن ت ُ َ‬ ‫مُرك ُ ْ‬ ‫ه َيأ ُ‬ ‫ن الل َ‬ ‫َ قال تعالى‪+ :‬إ ِ ّ‬
‫ُ‬ ‫َ‬
‫ه‬
‫ن الل َ‬ ‫ل إِ ّ‬ ‫عد ْ ِ‬‫موا ِبال َ‬ ‫حك ُ‬ ‫س أن ت َ ْ‬ ‫ِ‬ ‫نا‬‫ّ‬ ‫ال‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ي‬ ‫َ‬ ‫ب‬ ‫م‬ ‫مت ُ ْ‬ ‫حك َ ْ‬ ‫ذا َ‬ ‫وإ ِ َ‬ ‫ها َ‬ ‫هل ِ َ‬ ‫أ ْ‬
‫را" ]النساء‪.[58 :‬‬ ‫صي ً‬ ‫عا ب َ ِ‬ ‫مي ً‬ ‫س ِ‬ ‫ن َ‬ ‫ه كا َ‬ ‫َ‬ ‫ن الل َ‬ ‫ه إِ ّ‬ ‫م بِ ِ‬ ‫عظُك ْ‬
‫ُ‬ ‫ما ي َ ِ‬ ‫ع ّ‬ ‫نِ ِ‬

‫)‪ (2 ,‬السياسة المالية لعثمان‪ ،‬ص ‪.67‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬
‫)( السياسة الماليةـ لعثمان‪ ،‬ص ‪.67‬‬

‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.68‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪91‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫ن"‬ ‫عو َ‬ ‫م َرا ُ‬ ‫ه ْ‬ ‫د ِ‬ ‫ه ِ‬ ‫ع ْ‬‫و َ‬‫م َ‬ ‫ه ْ‬ ‫ماَنات ِ ِ‬‫مل َ‬ ‫ه ْ‬ ‫ن ُ‬ ‫ذي َ‬‫وال ّ ِ‬‫وقال تعالى‪َ + :‬‬
‫]المؤمنون‪.[8 :‬‬
‫طالب الخليفة الراشد عثمان بن عفان ‪ ‬عمال الخراج أن‬
‫يتحلوا بالمانة وهي صفة لزمة لجميع من يشتغلون بالموال العامة‪،‬‬
‫وإذا لم تتوافر فيهم هذه الصفة جاروا على حقوق بيت المال وجاروا‬
‫على الممولين‪ ،‬وانتكست العلقة بين بيت المال والممولين‪.‬‬
‫والقرآن الكريم والحاديث النبوية الشريفة تنبه وتحض على التزام‬
‫المانة‪ ،‬وطالب الخليفة عثمان كذلك عمال الخراج بأن يتحلوا‬
‫بالوفاء‪ .‬وقد ورد الوفاء مطلقا في كتاب الخليفة؛ فيشمل الوفاء‬
‫لبيت المال بمراعاة أخذ حقوقه كاملة من الرعية‪ ،‬والوفاء للممولين‬
‫بعدم ظلمهم بالمغالة في تحديد الفرائض المالية المطلوبة منهم‪،‬‬
‫وتطبيق ما تضمنته‬ ‫والوفاء لهل الذمة بالرفق وحسن المعاملة‬
‫شروط الصلح معهم من جزية وخراج دون زيادة)‪.(1‬‬
‫‪ -8‬أثر تكامل النعم على مسار المة‪:‬‬
‫لم يرد عثمان بن عفان ‪ ‬أن يترك العامة دون تبصيرهم‪،‬‬
‫فحذرهم من أن تجذبهم الدنيا إلى ملذها ومتاعها‪ ،‬وخشي أن أمر‬
‫توفرت( لهم ثلث‪ :‬وهي تكامل النعم‪،‬‬ ‫المة صائر إلى البتداع بعد أن‬
‫وبلوغ أولد السبايا‪ ،‬وقراءة العاجم‪ 2).‬فعثمان ‪ ‬أدرك أن تكامل‬
‫النعم لدى البعض سيميل بأولي النعم عن المسار السليم؛ لن‬
‫يفسدهم َ بسبب ما‬ ‫ذا أ َ‬ ‫لدى أفراد الرعية قد‬ ‫تكامل النعمة بزيادة الموال‬
‫هل ِ َ‬
‫ك‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ن‬ ‫أن‬ ‫نا‬‫َ‬ ‫ْ‬ ‫د‬‫ر‬ ‫َ ِ َ َ‬ ‫َ‬ ‫إ‬‫و‬ ‫‪+‬‬ ‫تعالى‪:‬‬ ‫قال‬ ‫‪,‬‬ ‫)‪(3‬‬
‫والفساد‬ ‫ينفقونه َ على الترف‬
‫و ُ‬
‫ل‬ ‫ْ‬ ‫ق‬‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ق‬
‫ّ‬ ‫ح‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ها‬ ‫َ‬ ‫في‬
‫ِ‬ ‫قوا‬ ‫ُ‬ ‫س‬‫َ‬ ‫ف‬‫َ‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ها‬ ‫مت َْر ِ َ‬
‫في‬ ‫مْرَنا ُ‬ ‫ةأ َ‬ ‫قْري َ ً‬ ‫َ‬
‫را" ]السراء‪.[16 :‬‬ ‫ً‬ ‫مي‬
‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫د‬‫َ‬ ‫ت‬ ‫ها‬
‫َ‬ ‫نا‬
‫َ‬ ‫َ ّ ْ‬
‫ر‬ ‫م‬ ‫َ‬ ‫د‬ ‫ف‬
‫‪ -9‬المقارنة بين السياسة العمرية والعثمانية‪:‬‬
‫هذه السياسة المالية التي أعلنها ذو النورين تكاد تتفق مع‬
‫السياسة العامة المالية التي نفذها الفاروق حين ولي أمر‬
‫ل ثلث؛‬ ‫خل ٌ‬ ‫يصلحه‪(4‬إل ِ‬ ‫المسلمين‪ ،‬فقد أعلن ونفذ‪ :‬أن المال العام ل‬
‫أن يؤخذ بالحق ويعطى في الحق ويمنع في الباطل‪ ).‬فالسياسة‬
‫تنبعان من مشكاة واحدة‪ ،‬وهي مشكاة‬ ‫العمرية والعثمانية في المال‬
‫السلم ومبادئه وأصوله وقواعده)‪.(5‬‬
‫ثانًيا‪ :‬توجيهات عثمانية توضح للناس قواعد زكاتهم‪:‬‬
‫قال عثمان ‪ :‬هذا شهر زكاتكم‪ ،‬فمن كان عليه دين فليؤده‬
‫حتى تخرجوا زكاة أموالكم‪ ،‬ومن لم تكن عنده لم تطلب منه حتى‬
‫هذا الشهر من قابل‪ ،‬قال‬ ‫يأتي بها تطوعا‪ ،‬ومن أخذ منه حتى يأتي‬
‫إبراهيم بن سعد‪ :‬آراه يعني شهر رمضان‪ (6).‬وقال أبو عبيد‪ :‬وقد‬
‫السياسة المالية لعثمان‪ ،‬ص ‪.69‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫تاريخ الطبري )‪.(5/245‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫السياسة المالية لعثمان‪ ،‬ص ‪.70‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫السياسة المالية لعمر بن الخطاب‪ ،‬قطب إبراهيم محمد‪ ،‬ص ‪ ،23‬وما بعدها‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫السياسة المالية لعثمان‪ ،‬ص ‪.76‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫الموال لبي عبيد‪ ،‬ص ‪.534‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪92‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫)‪(1‬‬
‫جاءنا في بعض الثر أن هذا الشهر الذي أراده عثمان هو المحرم‪،‬‬
‫وبهذا القول أكد عثمان ‪ ‬المبادئ التالية‪:‬‬
‫أ‪ -‬مبدأ سنوية الزكاة؛ إذ يشترط لداء الزكاة ‪-‬ما عدا زكاة‬
‫ن الحول‪ ،‬ويظهر ذلك من قول عثمان أن من أخذ منه‬ ‫ول َ‬
‫الزروع‪ -‬ح َ‬
‫ل يؤدي زكاة عن أمواله حتى يأتي نفس الشهر في السنة التالية‪،‬‬
‫فل تتكرر عليه الزكاة في عام واحد‪.‬‬
‫ب‪ -‬إذا أخذنا بقول أبي عبيد أن الشهر الذي قصده عثمان بن‬
‫عفان هو شهر محرم‪ ،‬فكأنه أراد أن تكون السنة المالية السلمية‬
‫مطابقة للسنة الهجرية؛ فعلى المسلمين بعد مرور سنة هجرية‬
‫كاملة على ما لديهم من أموال أن يسددوا ما عليها من زكاة في‬
‫أول السنة الهجرة التالية‪ ،‬وهو شهر المحرم إذا توافرت شروطها‪.‬‬
‫ج‪ -‬ويدعو عثمان بن عفان ‪ ‬الناس إلى حساب وعاء الزكاة‪،‬‬
‫فيطلب منهم أداء ما عليهم من ديون حتى تؤخذ الزكاة على الباقي‪.‬‬
‫)‪ (2‬ولعل عثمان أراد أن يستحث الناس على أداء ما عليهم من ديون؛‬
‫الخاضع للزكاة‪ ،‬وحتى‬ ‫وفاء منهم للدائنين‪ ،‬وتسهيل لحساب المال‬
‫يقطع بجدية الدين وعدم تطرق الصورية إليه)‪.(3‬‬
‫د‪ -‬يقول عثمان ‪ :‬ومن لم تكن عنده لم تطلب منه حتى يأتي‬
‫بها تطوعا‪ .‬وبذلك يفتح عثمان بن عفان الدعوة إلى التطوع‪ ،‬فقد‬
‫يرى بعض المسلمين أنهم ل يستحق عليهم زكاة‪ ،‬ومع ذلك يرون‬
‫التطوع بأداء صدقات من أموالهم يؤدونها لبيت المال‪ ،‬فيقبلها منهم‬
‫ويضمها إلى موارد الزكاة‪ ،‬وتصرف الدولة منها على نفس مصارف‬
‫الزكاة‪ (4).‬وقد يكون قول عثمان ‪ :‬ومن أخذنا منه لم نأخذ منه‬
‫حتى يأتينا بها تطوعا‪ ،‬أنه يقصد أن ل يجبى بيت المال صدقة الذهب‬
‫والفضة إل إذا أتى بها صاحبها لبيت المال‪ ،‬وأما الصدقة التي يكره‬
‫الناس عليها ويجاهدون على منعها فهي صدقة الماشية والحرث‬
‫والنخل‪ ،‬وبذلك يكون عثمان قد ترك لصحاب الموال أداء الزكاة‬
‫على ما يعرف بالموال الباطنة‪ ،‬وهي أموال الذهب والفضة‬
‫والتجارة‪ ،‬ول يقبلها منهم إل إذا أتى بها صاحبها تطوعا)‪ .(5‬يقول في‬
‫ذلك أبو عبيد‪ :‬أل ترى أن رسول الله × قد كان يبعث مصدقيه إلى‬
‫الماشية فيأخذونها من أربابها بالكره منهم وبالرضا‪ ،‬وكذلك كانت‬
‫الئمة بعده‪ ،‬وعلى منع صدقة الماشية قاتلهم أبو بكر‪ ،‬ولم يأت عن‬
‫النبي × ول عن أحد بعده أنهم استكرهوا الناس على صدقات‬
‫الصامت‪ ،‬إل أن يأتوا بها غير مكرهين وإنما هي أماناتهم يؤدونها‪،‬‬
‫فعليهم فيها أداء العين والدين؛ لنها ملك أيمانهم وهم مؤتمنون‬
‫عليها‪ ،‬وأما الماشية فإنها حكم يحكم بها عليهم‪ ،‬وإنما تقع الحكام‬
‫فيما بين الناس على الموال الظاهرة وهي فيما بينهم وبين الله‬

‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.535‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (6 ،‬السياسة المالية لعثمان ‪ ،‬ص ‪.76‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫)( السياسة الماليةـ لعثمان ‪،‬ـ ص ‪.76‬‬

‫)( السياسة المالية لعثمان‪ ،‬ص ‪.77‬‬ ‫‪4‬‬

‫)‪ (4 ،3،‬الموال لبي عبيد‪ ،‬ص ‪.537‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪93‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫على الظاهرة والباطنة جميعا)‪.(1‬‬
‫‪ -1‬رأيه في زكاة دين الدائن‪:‬‬
‫عن السائب بن يزيد أن عثمان كان يقول‪ :‬إن الصدقة في الدين‬
‫الذي لو شئت تقاضيته من صاحبه‪ ،‬والذي هو ملئ تدعه حياء أو‬
‫)‪(2‬‬
‫مصانعة ففيه الصدقة‪.‬‬
‫وعن عثمان ‪ ‬قال‪ :‬ز ّ‬
‫كه ‪-‬يعني الدين‪ -‬إذا كان عند الملئ)‪.(3‬‬
‫فمن هذين القولين لعثمان بن عفان يبين أن الصدقة واجبة على‬
‫الدين للدائن على المدين الملئ‪ ،‬ويستطيع أن يحصل من المدين‬
‫على دينه ولكن يستحي أن يذكر المدين به‪ ,‬أو أن الدائن يدع دينه‬
‫للمدين مصانعة له‪ ،‬والمصانعة تعني سكوت الدائن عن المطالبة‬
‫بدينه نظير منفعة يحصل عليها من المدين)‪.(4‬‬
‫‪ -2‬اقتراضه من مصرف الزكاة وإنفاقه للمصالح العامة‪:‬‬
‫أخذ عثمان ‪ ‬من أموال الزكاة فأنفق منها في الحرب وفي غير‬
‫الحرب على المرافق العامة‪ ،‬فأنفق على الجهاد على أن يرد ذلك إذا‬
‫اتسع المال لرده‪ ،‬ومن حق المام أن يقترض من مصرف لمصرف‪،‬‬
‫موروثة ما دام مصمما على أن‬ ‫)‪(5‬‬
‫ل يخالف بذلك الدين‪ ،‬ول يغير سنة‬
‫يرد على أموال الصدقة ما أخذ منها‪.‬‬
‫وتذهب بعض الراء إلى أن أحد مصارف الزكاة وهو مصرف‬
‫»في سبيل الله« يعطي للغازي في سبيل الله من أموال الزكاة؛‬
‫لن انقطاعه للجهاد أقعده عن العمل والكسب‪ ،‬وليس هذا من باب‬
‫التشجيع على البطالة‪ ،‬فهذا الصنف قد آثر مصلحة السلم على‬
‫مصلحة نفسه‪ ,‬وترك العمل لشخصه ليعمل في مجال أرحب وأوسع‬
‫وهو العمل لعلء كلمة الله ونشر دينه في المعمورة‪ .‬ويرى بعض‬
‫العلماء جواز صرف الزكاة في المنافع العامة وما تقتضيه حاجات‬
‫المة)‪.(6‬‬
‫‪ -3‬النفاق من الزكاة على الطعام للفقراء وأبناء السبيل‪:‬‬
‫سّنة جديدة‪ ،‬فكان يضع الطعام في المسجد في‬ ‫ن عثمان ‪ُ ‬‬‫س ّ‬‫َ‬
‫وقال‪ :‬للمتعبد الذي يتخلف في المسجد‪ ،‬وابن السبيل‪،‬‬ ‫رمضان‬
‫والمعترين‪ (7).‬والخليفة عثمان ‪ ‬بذلك يكرم المسلمين من بيت‬
‫المال‪ ،‬وفي ذلك اقتداء بالرسول × الذي كان أجود الناس وأجود ما‬
‫يكون في رمضان‪ .‬وهذه السنة التي استنها عثمان ترغب المسلمين‬
‫وفي ذلك تشجيع‬ ‫دا‪،‬‬
‫في العتكاف في المساجد ما دام أكلهم مع ّ‬
‫على إحياء سنة الرسول الكريم × في العتكاف)‪.(8‬‬
‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫المنتخب من السنة )‪.(6/301‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫السياسة المالية لعثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.79‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫السياسة المالية لعثمان‪ ،‬ص ‪.80‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.81‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫تاريخ الطبري )‪ ،(5/245‬المعتر‪ :‬الفقير‪ ،‬المتعرض للمعروف بدون سؤال‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫السياسة المالية لعثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.83 ،82‬‬ ‫)(‬ ‫‪8‬‬

‫‪94‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫‪ -4‬إنشاء منازل للضيافة من أموال الزكاة‪:‬‬
‫سمال السدي ومعه نفر من أهل الكوفة ينادي‬ ‫بلغ عثمان أن أبا‬
‫مناد لهم إذا قدم الميار)‪ :(1‬أن من كان من القبائل ليس لقومهم‬
‫بالكوفة منزل فمنزله على أبي سمال‪ ،‬فاتخذ عثمان بعض الدور‬
‫كمنازل للضيافة ينزل بها الغرباء ممن ليس لهم منزل‪ ،‬ومن هذه‬
‫وكان‪(2‬الضياف ينزلون‬ ‫الدور منزل عبد الله بن مسعود في هذيل‪،‬‬
‫داره في هذيل إذا ضاق عليهم ما حول المسجد) ‪.‬‬
‫‪ -5‬العطاء من بيت المال لكل مملوك‪:‬‬
‫على يده أن رد على كل مملوك بالكوفة من‬ ‫مما زاد عثمان ‪‬‬
‫ثلثة من كل شهر يتسعون بها من غير أن ينقص مواليهم‬ ‫)‪(3‬‬
‫فضول الموال‬
‫والغالب على أن مصدر هذه الموال التي وزعها عثمان‬ ‫من أرزاقهم‪.‬‬
‫على كل مملوك هو أموال الزكاة باعتبار أن لهم فيها نصيبا؛ لنهم أحد‬
‫في‬ ‫و ِ‬
‫التي( حددتها آية الزكاة‪ ،‬وهي مصرف ‪َ +‬‬ ‫المصارف الثمانية‬
‫ب"]التوبة‪. 4)[6 :‬‬ ‫الّر َ‬
‫قا ِ‬
‫ثالثـا‪ :‬خمس الغنائم‪:‬‬
‫بدأ الجهاد في عهد الرسول × ‪ ,‬واستمر في عهد أبي بكر‬
‫وعمر‪ ,‬وكذلك في عهد الخليفة عثمان بن عفان‪ ،‬وكانت نتيجة‬
‫ذلك انتشار السلم واتساع رقعة الدولة السلمية‪ ،‬وكانت‬
‫فتوحات عهد عثمان كبيرة حققت غنائم كثيرة إلى بيت المال‪،‬‬
‫منها الخمس‪ ،‬كما أنه آل إلى بيت المال جزية من آثر البقاء على‬
‫دينه من أهل الكتاب ولم يحارب‪ ،‬فهناك ارتباط إذن بين بيت‬
‫المال والفتوحات السلمية‪ ،‬فقد قام بيت المال في عهد عثمان‬
‫في تمويل هذه الفتوحات‪ ،‬سواء بما كان يدفعه للجنود من‬
‫مرتبات أو لشراء السلحة والعتاد بجانب التطوع بالموال‬
‫والنفس‪ ،‬وإذا تحقق النصر فرضت الجزية على من لم يسلم من‬
‫أهل الكتاب والخراج على الرض التي أخذت عنوة‪ ،‬وإذا أسلم‬
‫أهل البلد سددوا الزكاة إذا بلغت أموالهم نصابا وتوافرت‬
‫شروطها باعتبارها من أركان السلم‪ ،‬ول يكمل إسلم المسلم إل‬
‫بأدائها‪ ،‬وهذه كلها تساهم في زيادة اليرادات العامة للدولة‬
‫السلمية‪ ،‬وأحل الله للمسلمين غنائم الحرب‪ ،‬ويوزع أربعة‬
‫أخماسها‪(5‬بين الفاتحين‪ ،‬والخمس الباقي يؤول لبيت مال‬
‫المسلمين) ‪.‬‬
‫وفيما يلي بعض المسائل التي أسفر عنها تطبيق السياسة‬
‫المالية العامة في عهد عثمان بن عفان بشأن خمس غنائم‬
‫الفتوحات‪:‬‬
‫‪ -1‬لم يسهم للصبي في الغنائم في عهد عثمان بن عفان‪:‬‬
‫)( الميار‪ :‬جمع مائر وهو جالب الميرة‪ ،‬والميرة‪ :‬الطعام‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( تاريخ الطبري‪.(5/273) ،‬‬ ‫‪2‬‬

‫)(المصدر نفسه‪.(5/275) ،‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( السياسة المالية لعثمان‪ ،‬ص ‪.84‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.87 ،86‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪95‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫عن تميم بن المهري قال‪ :‬شهدت فتح السكندرية في المرة‬
‫الثانية‪ ،‬فلم يسهم لي حتى كاد أن يقع بين قومي وبين قريش‬
‫منازعة‪ ،‬فقال بعض القوم‪ :‬أرسلوا إلى بصرة الغفاري وعقبة بن‬
‫فاسألوهما عن هذا‪،‬‬‫)‪(1‬‬
‫عامر الجهني‪ ،‬فإنهما من أصحاب رسول الله ×‬
‫فأسهموا‬ ‫أنبت‬ ‫كان‬ ‫فأرسلوا إليهما فسألوهما فقال‪ :‬انظروا فإن‬
‫ي بعض القوم فوجدوني قد أنبت فأسهموا لي)‪.(2‬‬ ‫له‪ ،‬فنظر إل ّ‬
‫ومعنى ذلك أنه ل يسهم للصبي ول للمرأة‪ ،‬إنما يرضخ لهم؛ أي‬
‫لمساعدتهم‪(3‬في غزوات المسلمين‪ ،‬وهذا ما كان‬ ‫يعطون شيئا قليل‬
‫يطبق في عهد رسول الله ×) ‪.‬‬
‫‪ -2‬السلب للقاتل في عهد عثمان كما كان في عهد رسول‬
‫الله ×‪:‬‬
‫السلب هو ما كان على القتيل في الحرب وما كان من سلح‪،‬‬
‫وما كان تحته من فرس‪ ،‬وقد قضى رسول الله × بالسلب للقاتل؛‬
‫رسول( الله × قال يوم حنين‪» :‬من قتل قتيل‬ ‫فعن أبي قتادة أن‬
‫له بينة فله سلبه«‪ 4) .‬ومفاد هذا الحديث أنه ل يستحق للقاتل‬
‫تنازع‬ ‫السلب إل بعد أن يقيم البينة على أنه هو الذي قتله‪ ،‬حتى إذا‬
‫اثنان كل منهما يدعى أنه قتله فالسلب لمن يقيم البينة منهما)‪.(5‬‬
‫وقد حدث بعد انتقاض السكندرية وجاءت الروم وعليهم منويل‬
‫الحصى وأرسوا بالسكندرية‪ ،‬وتركهم عمرو حتى يسيروا إليه‬
‫فيصيبوا من مروا به في البلد فخزي الله بعضهم ببعض‪ ،‬فخرجوا‬
‫من السكندرية ومعهم من نقض من أهل القرى‪ ،‬فجعلوا ينزلون‬
‫القرية فيشربون خمورهم‪ ،‬ويأكلون أطعمتها وينتهبون ما مروا به‪،‬‬
‫فلم يعرض عمرو حتى بلغوا نفيوس فلقوهم في البر والبحر‪،‬‬
‫فحاربوا بالنشاب ثم خرجوا من البحر‪ ،‬فاجتمعوا هم والذين في البر‬
‫واستمروا في حرب النشاب‪ ،‬وبرز بطريق ممن جاء من أرض الروم‬
‫على فرس له عليه سلح مذهب‪ ،‬فدعا إلى البراز فبرز له رجل من‬
‫زبيد يقال له )حومل( يكنى أبا مذجح‪ ،‬فاقتتل طويل برمحين‬
‫يتطاردان‪ ،‬ثم ألقى البطريق الرمح وأخذ السيف‪ ،‬وألقى حومل‬
‫رمحه وأخذ بسيفه‪ ،‬وجعل عمرو يصيح‪ :‬أبا مذجح فيجيبه‪ :‬لبيك‪،‬‬
‫والناس على شاطئ النيل في البر على تعبئتهم وصفوفهم‪ ،‬فتجاول‬
‫ساعة بالسيفين ثم حمل عليه البطريق فاحتمله‪ ،‬ثم أخذ حومل‬
‫خنجرا كان في منطقته أو في ذراعه فضرب به نحر عدوه فأوتر‬
‫قوته فأثبته ووقع عليه فأخذ سلبه‪ ،‬ثم مات حومل بعد ذلك بأيام‬
‫المسلمون حتى ألحقوهم بالسكندرية‪ ،‬ففتح‬ ‫رحمة الله عليه‪ ،‬ثم شد‬
‫الله عليهم وقتل منويل الحصى)‪.(6‬‬
‫‪ -3‬قيمة الغنائم ونصيب بيت المال في أحد فتوحات عثمان‪:‬‬
‫أنبت‪ :‬أي ظهر شعر في وجهه‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫فتوح مصر وأخبارها‪ ،‬ص ‪.121‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫السياسة المالية لعثمان‪ ،‬ص ‪.93‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬رقم )‪.(4322‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫السياسة المالية لعثمان‪ ،‬ص ‪.93‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫فتوح مصر وأخبارها‪ ،‬ص ‪.120 ،119‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪96‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫من حديث عبد الملك بن مسلمة عن غيره قال‪ :‬غزونا مع عبد‬
‫الله بن سعد إفريقية فقسم بيننا الغنائم بعد إخراج الخمس‪ ،‬فبلغ‬
‫سهم الفارس ثلثة آلف دينار‪ ،‬للفرس ألفا دينار ولفارسه ألف دينار‪،‬‬
‫لرجل( من الجيش توفى بذات الحمام‬ ‫وللراجل ألف دينار‪ ،‬فقسم‬
‫فدفع لهله بعد موته ألف دينار‪ 1).‬ومن حديث لعثمان بن صالح‬
‫وغيره قال‪ :‬فكان جيش عبد الله بن سعد ذلك عشرين ألفا‪ ،‬ومن‬
‫المعروف أن َ يؤول الخمس لبيت المال‪َ ،‬استنادا إلى قول الله تعالى‪:‬‬
‫ل‬ ‫سو ِ‬ ‫وِللّر ُ‬ ‫َ‬ ‫ه‬
‫س ُ‬‫م َ‬‫خ ُ‬ ‫ه ُ‬ ‫ن لل ِ‬ ‫فأ ّ‬ ‫ء َ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ْ‬ ‫ش‬ ‫من َ‬
‫ْ‬ ‫مُتم ّ‬ ‫غ ْن ِ ْ‬ ‫ما َ‬ ‫موا أن ّ َ‬ ‫ْ‬ ‫عل َ ُ‬ ‫وا ْ‬ ‫‪َ +‬‬
‫م‬‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬‫ْ‬ ‫ن‬‫ُ‬ ‫ك‬ ‫إن‬ ‫ل‬
‫ّ ِ ِ ِ‬ ‫بي‬ ‫س‬ ‫ال‬ ‫ن‬ ‫ْ‬ ‫ب‬
‫ِ َ ْ ُِ‬‫وا‬ ‫ن‬ ‫كي‬‫ِ‬ ‫سا‬ ‫َ َ َ‬ ‫م‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫مى‬ ‫تا‬
‫َ‬
‫َ َ ْ َ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫بى‬ ‫َ‬ ‫ر‬‫ْ‬ ‫ق‬‫ُ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ذي‬ ‫ِ‬ ‫ول ِ‬ ‫َ‬
‫قى‬ ‫م ال ْت َ َ‬‫و َ‬ ‫َ‬
‫ِ ْ‬ ‫ي‬ ‫ن‬ ‫قا‬‫َ‬ ‫ر‬
‫ْ‬ ‫ف‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫م‬‫َ‬ ‫و‬‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫نا‬
‫َ‬ ‫د‬
‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ب‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫لى‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫نا‬
‫َ‬ ‫ل‬ ‫ز‬‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫ما‬‫َ‬ ‫و‬
‫َ‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫بالل‬ ‫ِ‬ ‫م‬‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫ْ‬ ‫ن‬ ‫م‬
‫َ‬ ‫آ‬
‫ديٌر" ]النفال‪ [41 :‬وقد رفع‬ ‫ق ِ‬ ‫ء َ‬ ‫ي ٍ‬ ‫ْ‬ ‫ش‬‫َ‬ ‫ل‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬ ‫لى‬ ‫َ‬ ‫ع‬
‫َ‬ ‫ه‬ ‫ُ‬ ‫والل‬ ‫ِ َ‬ ‫ن‬ ‫عا‬‫َ‬ ‫م‬
‫ْ‬ ‫ج‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬
‫نصيب الرسول × وذي القربى في عهد أبي بكر ‪ ‬بعد وفاة‬
‫جه إلى السلح والكراع‪ ،‬وسايره عمر بن الخطاب ‪‬‬ ‫الرسول × وو ّ‬
‫من بعده في التطبيق‪ ،‬وكذا عثمان بن عفان ‪ ،‬والربعة أخماس‬
‫الباقية من الغنائم توزع على الفاتحين بنسبة ‪ 3‬للفارس وفرسه‪1 ،‬‬
‫للراجل‪ .‬فمن الحديثين السابقين يمكن حساب قيمة الخمس الذي‬
‫آل لبيت المال وكذلك قيمة الغنائم كلها‪ ،‬فبافتراض أن الفوارس‬
‫عشر الجيش الذي بلغ عشرين ألفا‪ ،‬وأن الباقين من الراجلين يكون‬
‫الحساب كالتي‪:‬‬
‫‪ 2000‬فارس × ‪ 3000‬دينار = ‪ 6000.000‬دينار‪.‬‬
‫‪ 18000‬راجل × ‪ 1000‬دينار = ‪ 18000.000‬دينار‪.‬‬
‫مجموع ما خص المحاربين = ‪ 24‬مليون دينار‪ ،‬وهو ما يمثل‬
‫أربعة أخماس قيمة الغنائم‪ ،‬ويكون نصيب بيت المال خمس الغنائم؛‬
‫مليين دينار‪ ،‬ويكون مجموع ما غنمه المسلمون = ‪30‬‬ ‫أي = ‪6‬‬
‫مليون دينار)‪.(2‬‬
‫‪ -4‬النفاق العام من خمس الغنائم‪:‬‬
‫ينفق خمس الغنائم طبقا لنص الية للرسول × ولذي القربى‬
‫واليتامى والمساكين وابن السبيل بحق الخمس لكل منهم‪ ،‬وأنه بعد‬
‫موت الرسول × آل نصيبه ونصيب ذي القربى إلى بيت المال لينفق‬
‫منها على الكراع والسلح‪ ،‬وقد استنفد الخليفة الراشد عثمان ‪‬‬
‫نصيب رسول الله × وذي القربى الذي آل إلى بيت المال على‬
‫لكثرة‪ (3‬الفتوحات التي تمت في عهده‬ ‫)‬
‫النفاق على الكراع والسلح‬
‫وما استلزمته من أسلحة وخيول‪.‬‬
‫‪ -5‬نجاح السياسة المالية في تمويل فتوحات السلم في عهد‬
‫عثمان‪:‬‬
‫من ضمن التحديات التي واجهها عثمان ‪ ‬انتكاس بعض البلد‬
‫المفتوحة‪ ،‬واستطاع عثمان ‪ ‬إجبار البلد التي نقضت العهد على‬
‫اللتزام بعهودهم مع الدولة السلمية والنصياع لحكمها‪.‬‬
‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.125‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( السياسة المالية لعثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.95‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.97‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪97‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫وفي ضوء ما تم من فتوحات جديدة فإنه يمكن القول‪ :‬إن تنفيذ‬
‫السياسة المالية فيما يتعلق بهذه الفتوح قد أسفر عن قيام المالية‬
‫العامة في عهد عثمان بن عفان بالمطلوب منها‪ ،‬سواء من ناحية‬
‫تمويلها لهذه الفتوح أو بما حققته النتصارات من غنائم كثيرة حصل‬
‫بيت المال على نصيبه منها أو من موارد أخرى‪ ،‬وهي زكاة من أسلم‬
‫م من أهل الكتاب وخراج‬ ‫المصار‪ ،‬وجزية من أبى السل َ‬ ‫من أهل‬
‫أراضيهم)‪.(1‬‬
‫رابًعا‪ :‬اليرادات العامة من الجزية في عهد عثمان ‪:‬‬
‫‪ -1‬استقرار المسائل الفنية للجزية في عهد عثمان ‪:‬‬
‫استقرت أحكام الجزية وقواعدها ونظام تطبيقها وتحصيلها في‬
‫عهد عمر بن الخطاب‪ ،‬ولذلك كان دور بيت المال في عهد عثمان‬
‫أن يتلقى ما يتم تحصيله من جزية بعد التفاق على قيمتها‪ ،‬وأن تقر‬
‫الدولة ما تم عقده من صلح في عهود سابقة أو إقرار صلح جديد‪،‬‬
‫تتكفل الدولة لمن أدوا الجزية بالحقوق التي تترتب على هذا‬ ‫وأن‬
‫الداء)‪.(2‬‬
‫‪ -2‬نماذج مما آل لبيت المال من إيرادات الجزية‪:‬‬
‫أ‪ -‬غزا الوليد بن عقبة في إمارته على الكوفة في عهد عثمان‬
‫أذربيجان‪ ،‬وصالح أهلها على ثمانمائة ألف درهم حبسوها عند وفاة‬
‫فوطئهم بالجيش وانقادوا له وقبض‬ ‫عمر‪،‬‬
‫منهم المال)‪.(3‬‬
‫ن عبد َ الله بن سعد إلى إفريقية كان الذي‬‫ب‪ -‬لما وجه عثما ُ‬
‫صالحهم عليه بطريق إفريقية جرجير ألفي ألف دينار وخمسمائة‬
‫عليه عبد الله‬
‫)‪(4‬‬
‫ألف دينار وعشرين ألف دينار‪ ،‬وكان الذي صالحهم‬
‫ثلثمائة قنطار ذهب )ولعل ذلك يعادل المبلغ الول(‪.‬‬
‫صلح‪ (5‬قبرص وقع على جزية سبعة آلف دينار يؤدونها إلى‬ ‫ج‪-‬‬
‫المسلمين) ‪.‬‬
‫ح‪ -‬صالح سعيد بن صالح أهل جرجان وكان يجبون أحيانا مائة‬
‫ألف‪ ،‬ويقولون‪ :‬هذا صلحنا‪ ،‬وأحيانا مائتي ألف وأحيانا ثلثمائة ألف)‪.(6‬‬
‫د‪ -‬غلب عبد الله بن عامر على نيسابور وخرج إلى سرخس‪،‬‬
‫فأرسل إليه أهل مرو يطلبون الصلح‪ ،‬فبعث إليهم ابن حاتم فصالح‬
‫مرزبان( مرو على ألفي ألف‪ ،‬وقال آخر‪ :‬صالحهم على ستين ألف‬
‫درهم)‪. 7‬‬
‫سار الحنف بن قيس إلى بلخ فحاصرهم‪ ،‬فصالحه أهلها على‬ ‫و‪-‬‬
‫أربعمائة ألف‪ ،‬فرضي منهم بذلك‪ ،‬واستعلم ابن عمه وهو أسيد بن‬

‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.99‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( السياسة المالية لعثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.103‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (3‬المصدر نفسه‪.(5/255) ،‬‬ ‫)( تاريخ الطبري‪.(5/246) ،‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)‪ (5،‬المصدر نفسه‪.(5/261) ،‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)‪ (7‬المصدر نفسه‪.(5/307) ،‬‬ ‫)( المصدر نفسه‪(5/318) ،‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪98‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫المتشمس ليأخذ منهم ما صالحوه عليه)‪.(1‬‬
‫‪ -3‬عثمان بن عفان ينفذ كتاب الرسول × لهل نجران‪:‬‬
‫كان النبي × قد أقر أهل نجران على شروط اشترطها عليهم‬
‫واشترطوها هم‪ ،‬وكتب لهم بذلك كتابا يوضح هذه الشروط ومنها‬
‫دفعهم الجزية ومقدارها‪ ،‬ثم جاءوا بعد الرسول × فكتب لهم أبو بكر‬
‫‪ ‬كتابا بهذه الشروط‪ ،‬ثم جاءوا من بعد أن استخلف عمر ‪ ‬إليه‪،‬‬
‫وكان عمر قد أجلهم عن نجران اليمن وأسكنهم بنجران العراق؛‬
‫لنه خافهم على المسلمين وكتب لهم كتابا‪ (2)،‬فلما ُقبض عمر ‪‬‬
‫واستخلف عثمان بن عفان ‪ ‬أتوه إلى المدينة‪ ،‬فكتب لهم إلى‬
‫الوليد بن عقبة وهو عامله الكتاب التالي‪) :‬بسم الله الرحمن‬
‫ن أميرِ المؤمنين إلى الوليد بن عقبة سلم‬ ‫الرحيم‪ .‬من عبد الله عثما َ‬
‫الله عليك‪ ،‬فإني أحمد الله الذي ل إله إل هو‪ ،‬أما بعد‪ :‬فإن السقف‬
‫ي‬
‫والعاقب وسراة أهل نجران الذين بالعراق أتوني‪ ،‬فشكوا إل ّ‬
‫وأروني شرط عمر لهم‪ ،‬وقد علمت ما أصابهم من المسلمين‪ ،‬وإني‬
‫قد خففت عنهم ثلثين حلة من جزيتهم وتركتها لوجه الله تعالى جل‬
‫ثناؤه‪ ،‬وإني وفيت لهم بكل أرضهم التي تصدق عليهم عمر عقبى‬
‫ص بهم خيرا فإنهم أقوام لهم ذمة‪.‬‬ ‫مكان أرضهم باليمن‪ ،‬فاستو ِ‬
‫)‪(3‬‬
‫لهم‬ ‫كتبها‬ ‫عمر‬ ‫كان‬ ‫صحيفة‬ ‫وانظر‬ ‫وكانت بيني وبينهم معرفة‪،‬‬
‫والسلم‪.‬‬‫)‪(4‬‬
‫عليهم‪،‬‬ ‫فارددها‬ ‫صحيفتهم‬ ‫فأوفهم ما فيها‪ ،‬وإذا قرأت‬
‫وكان ذلك في النصف من شعبان سنة سبع وعشرين‪.‬‬
‫ومما سبق يتضح منه أمور‪:‬‬
‫أ‪ -‬أن عثمان ‪ ‬أوفى بعهد الرسول ×‪ ،‬وعهد صاحبه ‪-‬رضي الله‬
‫عنهما‪ -‬من بعده‪ ،‬وأن ذلك ينبع من مبدأ عام في السلم‪ ،‬وهو أن‬
‫من عقد عقدا أو عهد عهدا أو وعد وعدا أوفى به‪.‬‬
‫ب‪ -‬خفف عثمان عنهم الجزية ووفى لهم بكل أرضهم‪ ،‬وطلب‬
‫ورد في كتاب عمر ‪،‬‬ ‫من عامله الوليد بن عقبة أن يوفي لهم بما‬
‫وأن يستوصي بهم خيرا لنهم أقوام لهم ذمة)‪.(5‬‬
‫‪ -4‬أهل الكتاب في ذمة المسلمين ما داموا يؤدون الجزية‪:‬‬
‫بعد انتصار عمرو بن العاص في السكندرية‪ ،‬وكان قد جمع من‬
‫القرى أثناء الحرب ما أصاب أهل القرى‪ ،‬فجاءه أهل تلك القرى‬
‫ممن لم يكن نقض‪ ،‬فقالوا‪ :‬قد كنا على صلحنا‪ ،‬وقد مر علينا هؤلء‬
‫اللصوص )أي الروم( وأخذوا متاعنا ودوابنا‪ ،‬وهو قائم بين يديك‪ ،‬فرد‬
‫عليهم عمرو ما كان لهم من متاع عرفوه‪ ،‬وأقاموا عليه البينة‪ .‬وقال‬
‫لنا أن تقاتل‬ ‫بعضهم لعمرو بن العاص‪ :‬ما حل لك ما صنعت بنا‪ ،‬كان‬
‫عنا لنا في ذمتك ولم ننقض‪ ،‬فأما من نقض فأبعده الله)‪ .(6‬فانظر‬
‫كيف نظام الجزية يرتب حقوقا تمسكوا بها‪ ،‬وهي حمايتهم نظير ما‬
‫يدفعون بالرغم من أنهم ل يشتركون في الدفاع عن البلد مع‬
‫‪1‬‬

‫)‪ (2 ،‬الخراج لبي يوسف‪ ،‬ص ‪.74‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)‪ (4،‬السياسة المالية لعثمان‪ ،‬ص ‪.105‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.106‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪99‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫المسلمين‪ ،‬وإنما يدفعونها نظير حقوق يحصلون عليها من الدولة‬
‫الرعاية‪ (1،‬وقد أقرهم‬
‫)‬
‫السلمية‪ ،‬ومن هذه الحقوق حق الحماية وحق‬
‫عمرو بن العاص على هذه الحقوق ورد إليهم أموالهم‪.‬‬
‫‪ -5‬مشاركة أهل الذمة في العباء العامة في عهد عثمان‪:‬‬
‫ومما يذكر بشأن فتح السكندرية الثاني في خلفة عثمان بن‬
‫عفان مما يتصل بالجزية أن صاحب اخنا ‪-‬وكان اسمه طلما‪ ،-‬قدم‬
‫على عمرو بن العاص فقال‪ :‬أخبرنا ما على أحدنا من الجزية فيصبر‬
‫لها؟ فقال عمرو ‪-‬وهو يشير إلى ركن كنيسة‪ :-‬إنما أنتم خزانة لنا إن‬
‫كثر علينا كثرنا عليكم‪ ،‬وإن خفف عنا خففنا عنكم‪ ،‬فغضب صاحب‬
‫اخنا فخرج إلى الروم فقدم بهم‪ ،‬فهزمهم الله وأسر‪ ،‬فأتي به إلى‬
‫عمرو‪ ،‬فقال له الناس‪ :‬اقتله‪ ،‬فقال‪ :‬ل‪ ،‬وقيل‪ :‬إن عمرا لما أتى به‬
‫وجه وكساه برنس أرجوان‪ ،‬وقال له‪ :‬ائتنا بمثل هؤلء‪،‬‬ ‫وره وت ّ‬
‫س ّ‬
‫لو أتيت ملك الروم‪ ،‬فقال‪ :‬لو‬ ‫لطلما‪:‬‬ ‫فقيل‬ ‫الجزية‪،‬‬ ‫بأداء‬ ‫فرضى‬
‫أتيته لقتلني‪ ،‬وقال‪ :‬قتلت أصحابي)‪.(2‬‬
‫وعندما نحلل قول عمرو بن العاص‪ :‬إنما أنتم خزانة لنا‪ ،‬إن كثر‬
‫علينا كثرنا عليكم‪ ،‬وإن خفف عنا خففنا عنكم‪ ،‬نستنتج بعض المبادئ‬
‫للسياسة المالية في عهد عثمان بالنسبة لغير المسلمين‪ ،‬منها‪:‬‬
‫أ‪ -‬أهل الذمة يساهمون في بيت مال المسلمين بما يؤدونه من‬
‫جزية‪ ،‬فهم خزانة لبيت المال‪ ،‬يحصل منها بيت المال على نصيبه‬
‫في أموالهم على هيئة جزية‪.‬‬
‫ب‪ -‬أن هذا النصيب في أموال أهل الذمة يتحدد في ظل العباء‬
‫الملقاة على الدولة‪ ،‬فإن كبر هذا العبء ارتفعت قيمة الجزية‪ ،‬وإن‬
‫خف هذا العبء خفت قيمة الجزية‪.‬‬
‫ج‪ -‬هذا التحول في قيمة الجزية ‪-‬ارتفاعا وانخفاضا‪ -‬مع أعباء‬
‫الحكم ينبثق من مبدأ المشاركة المالية من مواطني الدولة في‬
‫ل على قدر طاقته وبما يحقق العدالة في‬ ‫العباء‪ ،‬بحيث يساهم ك ّ‬
‫توزيع العباء‪ ،‬وفي ظل الوصايا)‪(3‬التي أوصى بها الرسول الكريم‬
‫بحسن معاملة أهل الذمة عامة ‪.‬‬
‫سا‪ :‬اليرادات العامة من الخراج والعشور في عهد عثمان‪:‬‬ ‫خام ً‬
‫‪ -1‬الخراج‪:‬‬
‫امتدت فتوحات السلم في عهد عثمان بن عفان ‪ ،‬ونتج عن‬
‫هذه الفتوحات أن دخلت الرض الزراعية للبلد المفتوحة في حوزة‬
‫الدولة السلمية‪ ،‬وكان عمر ‪ ‬قد اعتبرها فيئا للمسلمين‪ ،‬وأبقى‬
‫عليها أهلها من أهل الكتاب الذين آثروا البقاء على دينهم يزرعونها‪،‬‬
‫ويؤدون عنها خراج الرض لبيت مال المسلمين‪ ،‬وقد ساهم خراج‬
‫هذه الراضي في زيادة إيرادات بيت المال في عهد عثمان ‪‬‬
‫)( السياسية المالية لعثمان‪ ،‬ص ‪.106‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( فتوح مصر وأخبارها‪ ،‬ص ‪.102‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( السياسة المالية لعثمان‪ ،‬ص ‪.107‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪100‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫بسبب امتداد الفتوحات السلمية في عصره)‪.(1‬‬
‫‪ -2‬عشور التجارة‪:‬‬
‫استقر نظام العشور في عهد الفاروق على السس والقواعد التي‬
‫وضعها عمر‪،‬وفي عهد عثمان بن عفان يبدو بصفة عامة أن إيرادات‬
‫بيت المال زادت من عشور التجارة نتيجة لزيادة رقعة الدولة السلمية‪،‬‬
‫بسبب الفتوحات التي تمت في عهده ونتيجة لزيادة الثروات لدى‬
‫البعض‪ ،‬مما زاد القوة الشرائية بصفة عامة خصوصا في السنوات‬
‫الولى في عهد عثمان بن عفان التي اتسمت بالستقرار‪ ،‬وزيادة القوة‬
‫الشرائية تزيد الطلب على السلع‪ ،‬وزيادة الطلب على السلع تدعو إلى‬
‫تنشيط استيرادها وخضوعها لعشور التجارة متى توافرت شروط‬
‫الخضاع‪ ،‬ومن العوامل التي أدت إلى زيادة حصيلة عشور التجارة في‬
‫عهد عثمان بن عفان ارتفاع السعار‪ ،‬وارتفاع أسعار السلع يؤدي بالتالي‬
‫تؤخذ‪(2‬نسبة‬ ‫إلى زيادة حصيلة عشور التجارة منها‪ ,‬لنها ضريبة قيمية‬
‫معينة على قيمة السلعة‪ ،‬وليس نوعية تؤخذ من نوع السلعة) ‪.‬‬
‫سا‪ :‬سياسة عثمان بن عفان في إقطاع الرض‪:‬‬ ‫ساد ً‬
‫مضى أبو بكر ‪ ‬في تطبيق السياسة النبوية في إقطاع الراضي‬
‫لستصلحها؛ فقد أقطع الزبير بن العوام أرضا مواتا ما‬
‫)‪(3‬‬
‫للناس طلبا‬
‫وأقطع مجاعة ابن مرارة الحنفي الخضرمة‬ ‫‪،‬‬ ‫وقناة‬ ‫بين الجرف‬
‫)قرية كانت باليمامة(‪ (4) .‬وأراد إقطاع الزبرقان بن بدر‪ ،‬ثم عدل عن‬
‫ذلك لعتراض عمر ‪ ،‬كما أراد إقطاع عيينة بن حصن الفزاري‬
‫والقرع بن حابس التميمي أرضا سبخة )ليس فيها كل ول منفعة(‬
‫ذا برأي عمر ‪ ‬في عدم‬ ‫أرادا استصلحها‪ ،‬ثم عدل عن ذلك أخ ً‬
‫الحاجة لتأليفهما على السلم‪ ،‬وقال‪ :‬إن رسول الله × كان يتألفكما‬
‫والسلم يومئذ ذليل‪ ،‬وإن الله ‪-‬عز وجل‪ -‬قد أعز السلم فاذهبا‬
‫فاجهدا جهدكما‪.‬‬
‫ومن الواضح أن اعتراض عمر ليس على مبدأ القطاع لستصلح‬
‫الراضي بل على أشخاص بعينهم ل يرى تأليفهم على السلم‪ ،‬وقد‬
‫توسع عمر ‪ ‬في إقطاع الرض لغرض استصلحها جريا على‬
‫ضا ميًتا فهي‬
‫السياسة النبوية‪ ،‬فقد أعلن‪ :‬يا أيها الناس‪ ،‬من أحيا أر ً‬
‫ضعيفة( تؤكد انتزاع عمر ‪ ‬ملكية الرض المقطعة‬ ‫)‪6‬‬
‫له‪ (5).‬وهناك آثار‬
‫إذا لم يتم استصلحها‪ .‬وتحدد رواية ضعيفة لذلك ثلث سنوات من‬
‫تاريخ القطاع‪ ،‬وقد ثبت إقطاع عمر ‪ ‬لخوان بن جبير أرضا مواتا‪,‬‬
‫وللزبير بن العوام أرض العقيق جميعها‪ ،‬ولعلي بن أبي طالب أرض‬
‫ينبع‪ ،‬فتدفق فيها الماء الغزير فأوقفها علي ‪ ‬صدقة على الفقراء‪.‬‬ ‫)‪(7‬‬

‫السياسة المالية لعثمان‪ ،‬ص ‪.113‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.123‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫الطبقات الكبرى لبن سعد‪.(3/104) ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫عصر الخلفة الراشدة للعمري‪ ،‬ص ‪.220‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫عصر الخلفة للعمري‪ ،‬ص ‪.221‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.221‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.222‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫‪101‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫ولما تولى عثمان ‪ ‬الخلفة توسع في القطاع وخاصة في‬
‫المناطق المفتوحة؛ حيث ترك عدد من الملكين أراضيهم فارين‪،‬‬
‫فصارت صوافي)‪(1‬تقوم الدولة باستثمارها‪ ،‬فأقطع عثمان ‪ ‬منها‬
‫خوفا من بوارها ‪ ،‬ولكن المام أحمد يرى أنه أقطع من السواد‬
‫أيضا‪ ،‬ومما ل شك فيه أن الصوافي قد يقع كثير منها في أرض‬
‫السواد‪ ،‬وعلى أية حال فإن القطاع من الصوافي رفع غلتها من‬
‫تسعة مليين درهم )‪ 9000000‬درهم( سنويا في خلفة عمر ‪ ‬إلى‬
‫خمسين مليون درهم )‪ 50.000.000‬درهم( في خلفة عثمان ‪،‬‬
‫مما يدل على نجاح سياسته في إدارة الصوافي‪ .‬وتذكر المصادر‬
‫قائمة بأسماء الذين أقطعهم عثمان ‪ ‬ومعظمهم ليسوا من قريش‪،‬‬
‫ومعظم الروايات في إقطاع عثمان ‪ ‬ضعيفة‪ ،‬وهي بالجملة تثبت‬
‫توسعه في القطاع‪ ،‬ومن المفيد ذكر أسماء المقطعين وهم‪:‬‬
‫* عبد الله بن مسعود الهذلي )أرض بين نهري بيل وبين السواد(‪.‬‬
‫* عمار بن ياسر )أستينيا(‪.‬‬
‫* خباب بن الرت التميمي )صعنبي – قرية بالسواد(‪.‬‬
‫* عدي بن حاتم الطائي )الروحاء – قرية من قرى بغداد على نهر‬
‫عبس(‬
‫* سعد بن أبي وقاص الزهري القرشي )قرية هرمز بب َّر فارس(‪.‬‬
‫* الزبير بن العوام‪.‬‬
‫* أسامة بن زيد الكلبي‪.‬‬
‫* سعيد بن زيد العدوي القرشي‪.‬‬
‫* جرير بن عبد الله البجلي )أرض على شاطئ الفرات(‪.‬‬
‫* ابن هبار‪.‬‬
‫* طلحة بن عبيد الله التميمي القرشي )النشاستبح ‪ -‬ضيعة‬
‫بالكوفة(‪.‬‬
‫* وائل بن حجر الحضرمي )أرض توالي قرية زرارة بالكوفة(‪.‬‬
‫* خالد بن عرفطة القضاعي )أرض عند حمام أعين بالكوفة(‪.‬‬
‫* الشعث بن قيس الكندي )طيزنباذ ‪ -‬موضع بين الكوفة‬
‫والقادسية(‪.‬‬
‫* أبو مريد الحنفي )أرض بالهواز على نهر تيري(‪.‬‬
‫* نافع بن الحارث بن كلدة الثقفي )قطيعة بشط عثمان‬
‫بالبصرة(‬
‫* أبو موسى الشعري )قطيعة بحمام عمرة(‪.‬‬
‫* عثمان بن أبي العاص الثقفي )شط عثمان بالبصرة(‪.‬‬
‫ويبدو أن جلء أهل هذه الراضي عنها صّيرها مواتا‪ ،‬وأقطعها‬
‫عثمان ‪ ‬لحيائها‪ ،‬ويبدو أن معاوية بن أبي سفيان أقطع قطائع في‬
‫هجمات الروم‪ ،‬وكذلك‬ ‫سواحل الشام لتعميرها وإعدادها لمواجهة‬
‫أقطع قطائع بأنطاكية بأمر عثمان‪ ،‬وآخر بقاليقل)‪ ،(2‬وأما إقطاعه‬
‫فدك لمروان بن الحكم فلم يعرف من طريق صحيحة‪ ،‬وقيل‪ :‬إن‬

‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.223‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (2‬المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.225‬‬ ‫)( عصر الخلفة الراشدة‪ ،‬ص ‪.224‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪102‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫الذي أقطع فدك لمروان هو معاوية بن أبي سفيان)‪.(1‬‬
‫إن سياسة عثمان في إقطاع الراضي ساهم في زيادة موارد‬
‫بيت مال المسلمين بما يؤديه الجميع من زكاة على أموالهم إذا‬
‫توافرت شروطها‪ ،‬وقد نجح مشروع عثمان في إقطاع الرض بدليل‬
‫خمسين‬ ‫زيادة إيراد الدولة من أملكها الخاصة في العراق؛ إذ بلغت‬
‫ألف ألف درهم بعد أن كانت ‪ 900.000‬درهم في عهد الفاروق)‪.(2‬‬
‫سابًعا‪ :‬سياسة عثمان في حمى الرض‪:‬‬
‫وهي أراض خصصت لرعي البل والخيل التي تملكها الدولة‪ ،‬وقد‬
‫أبي‪(3‬بكر وعمر رضي الله‬ ‫)‬
‫استمرت حماية وادي النقيع في خلفة‬
‫وطوله ثمانون‬ ‫‪,‬‬ ‫للخيل‬ ‫عنهما؛ حيث كان النبي × قد حماه‬
‫كيلومترا‪ ،‬ويبدأ جنوب المدينة بـ ‪ 40‬كيلومترا‪ (4).‬وقد كثرت المناطق‬
‫المحمية في خلفة عمر ‪ ‬لكثرة ما تملكه الدولة من البل والخيل‬
‫المعدة للجهاد‪ ،‬ومن ذلك حمى الربذة لنعم الزكاة‪ ،‬وعين عليه موله‬
‫هّني وأوصاه بالسماح لصحاب البل القليلة بالرعي فيه دون‬
‫احتجاجهم على ذلك‬ ‫الغنياء‪ ،‬وحمى أرضا في ديار بني ثعلبة رغم‬
‫فقد أجابهم‪ :‬البلد بلد الله‪ ،‬تحمى لنعم مال الله‪ (5).‬ونهج عثمان نهج‬
‫من سبقه في الحمى بسبب اتساع الدولة وازدياد الفتوحات في‬
‫عهده‪ ،‬وقد اقتصر في الحمى على صدقات المسلمين لحمايتها‪،‬‬
‫زادت الرعية‪ ،‬وإذا جاز‬ ‫وعلى هذا فإن عثمان ‪ ‬زاد في الحمى لما‬
‫أصله للحاجة إليه جازت الزيادة لزيادة الحاجة)‪.(6‬‬
‫ولما كان أبو بكر وعمر قد حميا دون أن ينكر عليهم أحد ذلك‪،‬‬
‫فإن عثمان وسع الحمى لكثرة إبل الصدقة وماشيتها‪ ،‬وكثرة‬
‫الخصومات بين رعاة ماشية الصدقة‪ ،‬فل اعتراض على فعله)‪ ,(7‬بل‬
‫ما فعله أبو بكر وعمر وعثمان في الحمى قد اشتهر ذلك بين‬
‫عليهم منكر‪ ،‬ويعتبر ذلك إجماعا‪ (8).‬وقد حكى‬ ‫الصحابة فلم ينكر‬
‫الجماع ابن قدامة)‪.(9‬‬
‫ثامًنا‪ :‬أنواع النفقات العامة في عهد عثمان‪:‬‬
‫‪ -1‬نفقات الخليفة‪:‬‬
‫كان عثمان ‪ ‬ل يأخذ من بيت مال المسلمين شيئا؛ فقد كان‬
‫أكثر قريش مال وأجدهم في التجارة‪ ،‬فكان ينفق على أهله ومن‬
‫حوله من ماله الخاص‪.‬‬
‫‪ -2‬صرف مرتبات الولة من بيت المال‪:‬‬
‫في عهد عثمان ‪ ‬كانت الدولة السلمية مقسمة إلى وليات‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫)( السياسة المالية لعثمان‪ ،‬ص ‪.118‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( صحيح سنن أبي داود‪ ،‬اللباني )‪ (2) .(2/595‬عصر الخلفة الراشدة‪ ،‬ص‬ ‫‪3‬‬

‫‪.226 ،225‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( الطبقات )‪ ،(3/326‬والثر صحيح‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( نظام الخلفة في الفكر السلمي‪ ،‬د‪ .‬مصطفى حلمي‪ ،‬ص ‪.78‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.78‬‬ ‫‪7‬‬

‫)‪ (7‬المغني لبن‬ ‫)( نظام الراضي في صدر الدولة السلمية‪ ،‬ص ‪.169‬‬ ‫‪8‬‬

‫قدامة‪.(5/581) ،‬‬ ‫‪9‬‬

‫‪103‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫وكان على كل ولية وال يعينه الخليفة يأخذ مرتبه من بيت المال‪،‬‬
‫ويدير شئون الولية طبقا لحكام الشريعة السلمية‪ ،‬وإذا لم يعين‬
‫الخليفة ممثل له على بيت مال الولية‪ ،‬فإنه يدخل في اختصاص‬
‫ف على جباية موارد الولية‪ ،‬وهي الجزية والخراج‬ ‫الوالي الشرا ُ‬
‫وعشور التجارة ينفق منها على شئون الولية‪ ،‬والفائض يرسله إلى‬
‫أما‪(1‬الزكاة التي تحصل من أغنياء‬ ‫بيت مال المسلمين في المدينة‪،‬‬
‫الولية فكانت تصرف على فقرائهم) ‪.‬‬
‫‪ -3‬النفاق من بيت المال على مرتبات الجند‪:‬‬
‫كان بيت المال يدفع مرتبات للجند علوة على ما يحصلون عليه من‬
‫نصيب في الغنائم‪ ،‬وكان جند كل ولية يحصلون على مرتباتهم من بيت‬
‫مال الولية‪ ،‬فمثل بالنسبة لجند مصر كتب عثمان ابن عفان إلى عبد‬
‫الله بن سعد والي مصر الكتاب التالي لصرف مرتبات الجند المرابطين‬
‫في السكندرية‪) :‬قد علمت كيف كان هم أمير المؤمنين بالسكندرية‬
‫وقد نقضت الروم مرتين‪ ،‬فالزم السكندرية)‪(2‬رابطتها ثم أجر ِ عليهم‬
‫أرزاقهم وأعقب بينهم في كل ستة أشهر( ‪.‬‬
‫‪ -4‬النفاق العام على الحج من بيت المال‪:‬‬
‫كان النفاق العام على الحج في عهد عثمان ‪ ‬من بيت المال‪،‬‬
‫وكانت‪ (3‬كسوة الكعبة من القباطي‪ ،‬وهو ثياب من كتان من نسيج‬
‫مصر) ‪.‬‬
‫‪ -5‬تمويل إعادة بناء المسجد النبوي من بيت المال‪:‬‬
‫كلم الناس عثمان بن عفان أول ما تولى الخلفة أن يزيد في‬
‫مسجد الرسول ×؛ إذ كان يضيق بالناس في صلة الجمعة بسبب‬
‫امتداد الفتح وزيادة سكان المدينة زيادة عظيمة‪ ،‬فاستشار عثمان‬
‫أهل الرأي فأجمعوا على هدم المسجد وبنائه وتوسيعه‪ ،‬فصلى‬
‫عثمان الظهر بالناس ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال‪:‬‬
‫أيها الناس‪ ،‬إني قد أردت أن أهدم مسجد رسول الله × وأزيد فيه‬
‫سمعت رسول الله يقول‪» :‬من بنى مسجدا بنى الله له‬ ‫وأشهد أني‬
‫بيتا في الجنة« )‪ ,(4‬وكان لي فيه سلف وإمام سبقني وتقدمني عمر‬
‫بن الخطاب كان قد زاد فيه وبناه‪ ،‬وقد شاورت أهل الرأي من‬
‫أصحاب رسول الله‪ ،‬فأجمعوا على هدمه وبنائه وتوسيعه‪ ،‬فحسن‬
‫يومئذ ذلك ودعوا له‪ ،‬فأصبح فدعا العمال وباشر ذلك‬ ‫الناس‬
‫بنفسه)‪.(5‬‬
‫‪ -6‬تمويل توسعة المسجد الحرام من بيت المال‪:‬‬
‫كانت الكعبة أيام الرسول × قائمة وليس حولها إل فناء ضيق‬
‫يصلي الناس فيه‪ ،‬وظل المسجد كذلك في خلفة أبي بكر‪ ،‬وفي عهد‬
‫عمر وسع المسجد فاشترى دورا حول الكعبة وهدمها وأدخلها في‬
‫بيت الله الحرام وأحاطها بجدار قصير‪ ،‬وأدخل إنارة المسجد ليل؛‬
‫)‪ (2‬المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.140‬‬ ‫)( السياسة المالية لعثمان‪ ،‬ص ‪.130‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)‪ (4‬المسند رقم )‪ (434‬إسناده‬ ‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.141 ،140‬‬ ‫‪3‬‬

‫صحيح‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( البداية والنهاية )‪ ،(7/60‬تاريخ الطبري )‪.(5/267‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪104‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫وذلك لن المسجد كان قد ضاق بالحجاج الذين يأتون لداء فريضة‬
‫الحج بعد أن امتدت فتوحات السلم ودخل الناس في دين الله‬
‫أفواجا‪ ،‬فلما ضاق المسجد ثانية في عهد عثمان احتذى بمثل عمر‬
‫وأحاطها بجدار قصير ل يرتفع إلى‬ ‫وأضاف إلى الكعبة دورا اشتراها‬
‫قامة الرجل كما فعل عمر من قبل‪ (1).‬كما كان الولة يبنون‬
‫المساجد في ولياتهم وينفقون عليها من بيت مال الولية‪ ،‬كما حدث‬
‫الرحمة بالسكندرية‪ ،‬ومسجد في اصطخر في‬ ‫عند بناء مسجد‬
‫فتوحات المشرق)‪.(2‬‬
‫‪ -7‬النفاق على إنشاء أول أسطول بحري‪:‬‬
‫ساهم بيت مال المسلمين في إنشاء أول أسطول بحري في‬
‫السلم في عهد عثمان‪ ،‬وسيأتي دور هذا السطول)‪(3‬في الفتوحات‬
‫السلمية بإذن الله تعالى عند حديثنا عن الفتوحات ‪.‬‬
‫‪ -8‬النفاق على تحويل الساحل من الشعيبة إلى جدة‪:‬‬
‫في سنة ست وعشرين هجرية كلم أهل مكة عثمان ‪ ‬أن يحول‬
‫الساحل من الشعيبة وهي ساحل مكة قديما في الجاهلية إلى ساحلها‬
‫اليوم وهي جدة لقربها من مكة‪ ،‬فخرج عثمان إلى جدة ورأى موضعها‬
‫وأمر بتحويل الساحل إليها‪ ،‬ودخل البحر واغتسل فيه وقال إنه مبارك‪،‬‬
‫وقال لمن معه‪ :‬ادخلوا البحر للغتسال إل بمئزر‪ ،‬ثم خرج من جدة من‬
‫طريق عسفان إلى المدينة وترك الناس ساحل)‪(4‬الشعيبة في ذلك الزمان‬
‫واستمرت جدة بندرا إلى الن لمكة المشرفة ‪.‬‬
‫‪ -9‬تمويل حفر البار من بيت مال المسلمين‪:‬‬
‫ومن العمال التي مولها بيت مال المسلمين في عهد عثمان‬
‫حفر بئر للشرب بالمدينة‪ ،‬وتسمى بئر أريس وهي على ميلين من‬
‫المدينة وكان ذلك في سنة ثلثين هجريا‪ ،‬وحدث أن قعد عثمان على‬
‫رأس البئر وكان بإصبعه خاتم رسول الله‪ ،‬فانسل الخاتم من إصبعه‬
‫فوقع في البئر‪ ،‬فطلبوه من البئر ونزحوا ما فيها من الماء فلم‬
‫يقدروا عليه‪ ،‬فجعل فيه مال عظيما لمن جاء به‪ ،‬واغتم لذلك غما‬
‫شديدا فلما يئس من العثور على الخاتم صنع خاتما آخر مثله من‬
‫في‬ ‫فضة على مثاله وشبهه ونقش عليه )محمد رسول الله( فجعله‬
‫أصبعه حتى قتل‪ ،‬فلما قتل ذهب الخاتم من يده فلم يدر من أخذه)‪.(5‬‬
‫‪ -10‬النفاق على المؤذنين من بيت المال‪:‬‬
‫كان عثمان ‪ ‬أول من رزق المؤذنين من بيت المال‪(6)،‬قال المام‬
‫الشافعي‪) :‬قد أرزق المؤذنين إمام هدى عثمان بن عفان ‪ ،‬وقد‬
‫جعل عثمان ‪ ‬على الذان جعالة‪ ،‬ول‬

‫)( تاريخ الطبري )‪ ,(5/250‬ذو النورين‪ ،‬محمد رشيد‪ ،‬ص ‪.25‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( السياسة المالية لعثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.148 ،147‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.148‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( ذو النورين عثمان بن عفان‪ ،‬محمد رشيد‪ ،‬ص ‪.26‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( البداية والنهاية )‪ ،(7/161‬تاريخ الطبري )‪.(5/284‬‬ ‫‪5‬‬

‫)‪ (3 ,‬موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.14‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪105‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫يستأجر استئجارا( )‪.(1‬‬
‫‪ -11‬تمويل أهداف السلم العليا‪:‬‬
‫يتضح من دراسة النفقات العامة السابقة من بيت المال أنها‬
‫ساهمت في تمويل الهداف العليا للدولة السلمية‪ ،‬فضل عن‬
‫النفاق العام على إدارة الدولة ومصالح الرعية‪ ،‬ثم النفاق على نشر‬
‫السلم كي تكون كلمة الله هي العليا‪ .‬وتم تمويل إنشاء أول‬
‫أسطول بحري للدولة السلمية‪ ،‬كما تم تعمير بيوت الله بالنفاق‬
‫على إقامة المساجد وتجديدها ورزق المؤذنين‪ ،‬والولة‪ ،‬والقضاة‬
‫والجند‪ ،‬وعمال الدولة‪ ،‬كما تم الصرف على رحلت الحج إلى بيت‬
‫الله الحرام‪ ،‬وكسوة الكعبة وهي قبلة السلم والمسلمين‪ ،‬كما أن‬
‫بيت مال المسلمين قدم أمواله لحفر البار ليشرب منها الغادي‬
‫والرائح من مواطني الدولة السلمية‪ ،‬ومن مصادر الدولة‪ ،‬كالزكاة‬
‫وخمس الغنائم‪ ،‬ثم تمويل شرائح المجتمع الضعيفة في الدولة‬
‫والمساكين واليتامى‪ ،‬وفي مساندة الغرباء‬ ‫السلمية وهم الفقراء‬
‫وأبناء السبيل وفك الرقاب)‪.(2‬‬
‫تاسًعا‪ :‬استمرار نظام العطيات في عهد عثمان بن عفان‪:‬‬
‫استمر نظام العطيات في عهد عثمان كما كان في عهد عمر بن‬
‫الخطاب رضي الله عنهما‪ ،‬فقد اعتمد السابقة في الدين أساسا‬
‫للعطاء‪ ،‬وكتب بذلك لواليه على الكوفة بقوله‪ :‬أما بعد‪ ،‬ففضل أهل‬
‫السابقة والقدمة ممن فتح الله عليه تلك البلد‪ ،‬وليكن من نزلها‬
‫بسببهم تبعا لهم‪ ،‬إل أن يكونوا تثاقلوا عن الحق وتركوا القيام به‪،‬‬
‫جميعا بقسطهم من‬ ‫وقام به هؤلء‪ ،‬واحفظ لكل منزلته‪ ،‬وأعطهم‬
‫الحق‪ ،‬فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل‪ (3).‬وحين اتسعت‬
‫الفتوحات السلمية في عهده كثرت موارد الدولة المالية‪ ،‬مما أدى‬
‫ذلك بالخليفة عثمان ‪ ‬أن يتخذ له الخزائن)‪ ،(4‬فانعكس ذلك بدوره‬
‫على العطاء‪ ،‬فزاد في أرزاق الجند بمقدار مئة درهم لكل منهم‪ ،‬فهو‬
‫خليفة زاد الناس في العطاء واستن به الخلفاء من بعده في‬ ‫)‪(5‬‬
‫أول‬
‫الزيادة‪.‬‬
‫قال الحسن‪ :‬وشهدت منادي عثمان ينادي‪ :‬يا أيها الناس‪ ،‬اغدوا على‬
‫لل‪ ،‬واغدوا على السمن والعسل‪ .‬قال الحسن‪:‬‬ ‫حَ‬‫كسوتكم فيأخذون ال ْ ُ‬
‫بين( حسن‪ ،‬ما على الرض مؤمن يخاف‬ ‫رة‪ ّ ،‬وخير كثير‪ ،‬وذات‬ ‫أرزاق دا‬
‫مؤمنا إل يوده وينصره ويألفه‪6).‬واهتم الخليفة عثمان بأمر الثغور‬
‫فكان يأمر قادته بإجراء الرزاق والعطاء ومضاعفته‬ ‫والمرابطة فيها‪،‬‬
‫للجند المرابطين)‪.(7‬‬
‫عاشًرا‪ :‬أثر تدفق الموال على الحياة الجتماعية والقتصادية‪:‬‬
‫‪1‬‬
‫)( موسوعةـ فقهـ عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.14‬‬

‫السياسة المالية لعثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.150‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫تاريخ الطبري‪.(5/280) ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫الدارة العسكرية في الدولة السلمية )‪ ،(2/6836‬النجوم الزاهرة )‪.(1/87‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫تاريخ الطبري )‪.(5/245‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫مجمع الزوائد )‪ ،(94 ،9/93‬فصل الخطاب في مواقف الصحاب‪ ،‬ص ‪.52‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫فتوح مصر‪ ،‬ص ‪ ،192‬فتح البلدان للبلذري )‪.(157-1/152‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫‪106‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫في عهد عثمان كثر الخراج وأتاه المال من كل وجه‪ ،‬فاتخذ له‬
‫الخزائن‪ ،‬وأثر ذلك بدوره في الثر القتصادي والجتماعي؛ فعن أبي‬
‫إسحاق أن جده مر على عثمان فقال له‪ :‬كم معك من عيالك يا‬
‫شيخ؟ قال‪ :‬معي كذا‪ ،‬قال‪ :‬قد فرضنا لك)‪(1‬في خمس عشرة‪ ،‬يعني‬
‫ألفا وخمسمائة‪ ،‬وفرضنا لعيالك مئة مئة‪ .‬وعن محمد بن هلل‬
‫المديني قال‪ :‬حدثني أبي عن جدتي أنها كانت تدخل على عثمان‬
‫فافتقدها يوما فقال لهله‪ :‬ما لي ل أرى فلنة؟ فقالت امرأته‪ :‬يا‬
‫ي بخمسين‬ ‫أمير المؤمنين‪ ،‬ولدت الليلة غلما‪ ،‬فقالت‪ :‬فأرسل إل ّ‬
‫قال‪ :‬هذا عطاء ابنك وهذه كسوته‪ ،‬فإذا‬ ‫درهما وشقيقة سنبلنية‪ ،‬ثم‬
‫على عيال أهل‬ ‫‪‬‬ ‫وسع‬ ‫كما‬ ‫)‪(2‬‬
‫مائة‪.‬‬ ‫مرت به سنة رفعناه إلى‬
‫العوالي بالمدينة المنورة في القوت والكسوة‪ (3).‬وحين قام القائد‬
‫قطن بن عمرو الهللي بإعطاء الجيش الذي برفقته ‪-‬وعدده أربعة‬
‫آلف جندي‪ -‬أربعة آلف درهم كتشجيع لهم استكثر ذلك والي‬
‫البصرة عبد الله بن عامر وكتب بالخبر إلى الخليفة عثمان ‪‬‬
‫وقال‪ (4:‬ما كان معونة في سبيل الله فجائز‪ ،‬فصارت الجائزة‬ ‫فأجازها‬
‫اسما للعطية) ‪.‬‬
‫وقام عثمان بتوريث عطاء الجندي السلمي لورثته من بناته‬
‫وزوجاته‪ ،‬فقد قال الزبير ابن العوام للخليفة عثمان بعدما مات عبد‬
‫الله بن مسعود ‪-‬رضي الله عنهم‪ :-‬أعطني عطاء عبد الله؛)‪(5‬فعيال‬
‫عبد الله أحق به من بيت المال‪ ،‬فأعطاه خمسة عشر ألفا ‪.‬‬
‫هذا وقد نشطت الحركة الزراعية والصناعية والتجارية في عهد‬
‫الخليفة الراشد عثمان بن عفان‪ ،‬وبسبب ما من الله به على‬
‫المسلمين من فتوح‪ ،‬أصبح أهل المدينة خاصة والمسلمون عامة في‬
‫نعمة ويسار‪ ،‬وكان يقترن بهذا الثراء ضروب واسعة من الحضارة لم‬
‫تعرفها الجزيرة العربية قبل الفتوحات الكبيرة‪ .‬لقد اطلع المسلمون‬
‫على ما عند المم الجنبية واقتبسوا منهم‪ ،‬وبدأ هذا القتباس يتسع‬
‫في خلفة عثمان‪ ،‬فبنى بعض الصحابة الدور والمنازل الكبيرة‪،‬‬
‫سُبوا في الفتوح في تطوير الحياة الجتماعية‬ ‫الجانب الذين ُ‬ ‫وساهم‬
‫والقتصادية)‪.(6‬‬
‫حادي عشر‪ :‬عثمان وأقاربه والعطاء من بيت المال‪:‬‬
‫اتهم عثمان ‪ ‬من قبل الغوغاء والخوارج بإسرافه في بيت‬
‫المال وإعطائه أكثره لقاربه‪ ،‬وقد ساند هذا التهام حملة دعائية‬
‫باطلة قادها السبئيون والشيعة الروافض ضده‪ ،‬وتسربت في كتب‬
‫التاريخ وتعامل معها بعض المفكرين والمؤرخين على كونها حقائق‬
‫وهي باطلة لم تثبت؛ لنها مختلفة‪ ,‬والذي ثبت من إعطائه أقاربه‬
‫أمور تعد من مناقبه ل من المثالب فيه‪:‬‬

‫الدارة العسكرية )‪.(2/768‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫المصدر نفسه )‪.(2/769‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫الطبقات )‪.(3/298‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫الوائل للعسكري )‪.(27 ،2/26‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫الدارة العسكرية )‪.(2/770‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫الحضارة العربية السلمية‪ ،‬د‪ .‬وضاح الصمد‪ ،‬ص ‪.114‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪107‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫‪ -1‬إن عثمان ‪ ‬كان ذا ثروة عظيمة وكان وَ ُ‬
‫)‪(1‬‬
‫صول للرحم‬
‫يصلهم بصلت وفيرة‪ ،‬فنقم عليه أولئك الشرار وقالوا بأنه إنما كان‬
‫يصلهم من بيت المال‪ ،‬وعثمان قد أجاب عن موقفه هذا بقوله‪:‬‬
‫وقالوا إني أحب أهل بيتي وأعطيهم‪ ،‬فأما حبي لهم فإنه لم يمل‬
‫معهم إلى جور‪ ،‬بل أحمل الحقوق عليهم‪ ،‬وأما إعطاؤهم فإني إنما‬
‫أعطيهم من مالي‪ ،‬ول أستحل أموال المسلمين لنفسي ول لحد من‬
‫الناس‪ ،‬وقد كنت أعطي العطية الكبيرة الرعية من صلب مالي‬
‫وعمر‪ ،‬وأنا يومئذ شحيح حريص‪،‬‬ ‫أزمان رسول الله × وأبي بكر‬
‫أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي)‪(3()2‬وفني عمري وودعت الذي لي‬
‫في أهلي قال الملحدون ما قالوا؟!‬
‫وكان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أمية‪ ،‬وجعل ولده‬
‫كبعض من يعطي‪ ،‬فبدأ ببني أبي العاص فأعطى آل الحكم رجالهم‬
‫عثمان مثل ذلك‪ ،‬وقسم‬ ‫عشرة آلف‪ ،‬فأخذوا مائة ألف‪ ،‬وأعطى بني‬
‫في بني العاص وفي بني العيص وفي بني حرب‪ (4).‬فهذه النصوص‬
‫وغيرها مما اشتهر عنه وما صح من الحاديث في فضائله الجمة‪،‬‬
‫تدل على أن كل ما قيل فيه من إسرافه في بيت المال وإنفاق‬
‫أكثره على نفسه وأقاربه وقصوره في حكايات بدون زمام ول خطام‬
‫يطول ذكرها مفترى عليه‪ ،‬مع براءة عثمان مما نسب إليه‪ ،‬قال تقي‬
‫الدين بن تيمية‪ :‬إن سهم ذوي القربى ذهب بعض الفقهاء إلى أنه‬
‫لقرابة المام كما قال الحسن وأبو ثور‪ ،‬وأن النبي × كان يعطي‬
‫أقاربه بحكم الولية فذوو القربى في حياة النبي × ذوو قرباه‪ ،‬وبعد‬
‫موته هم ذوو قربى من يتولى المر بعده؛ وذلك لن نصر ولي المر‬
‫والذب عنه متعين‪ ،‬وأقاربه ينصرونه ويذبون عنه ما ل يفعله غيرهم‪.‬‬
‫وقال‪ :‬وبالجملة‪ ،‬فعامة من تولى المر بعد عمر كان يخص بعض‬
‫أقاربه إما بالولية أو بمال‪ (5).‬وقال‪ :‬إن ما فعله عثمان في المال له‬
‫ثلثة مآخذ‪ :‬أحدها‪ :‬أنه عامل عليه والعامل يستحق مع الغنى‪،‬‬
‫والثاني‪ :‬أن ذوي القربى هم ذوو قربى المام‪ ،‬والثالث‪ :‬أن قرابة‬
‫عثمان كانوا قبيلة كبيرة كثيرة ليسوا مثل قبيلة أبي بكر وعمر‪،‬‬
‫فكان يحتاج إلى إعطائهم ووليتهم أكثر من حاجة أبي بكر وعمر إلى‬
‫أقاربهما وإعطائهم‪ ..‬وهذا مما نقل عن عثمان بن عفان ‪‬‬ ‫تولية‬
‫الحتجاج به)‪.(6‬‬
‫‪ -2‬جاء في تاريخ الطبري أن عثمان لما أمر عبد الله بن سعد بن‬
‫أبي سرح بالزحف من مصر على تونس لفتحها قال له‪ :‬إن فتح الله‬
‫عليك بإفريقية فلك مما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس من‬
‫الغنيمة نفل‪ ،‬فخرج بجيشه‪ ،‬حتى قطعوا أرض مصر وأوغلوا في‬
‫أرض إفريقية وفتحوها وسهلها وجبالها‪ ،‬وقسم عبد الله على الجند‬
‫ما أفاء الله عليهم وأخذ خمس الخمس‪ ،‬وبعث بأربعة أخماسه إلى‬

‫فصل الخطاب في مواقف الصحاب‪ ،‬ص ‪.82‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫جاوزت أعمارهم‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫تاريخ الطبري )‪.(5/356‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫المصدر نفسه )‪.(5/356‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫منهاج السنة )‪.(188 ،3/187‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫المصدر نفسه )‪ ,(3/237‬الدولة الموية‪ ،‬حمدي شاهين‪ ،‬ص ‪.163‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪108‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫عثمان مع ابن وثيمة النضري‪ ،‬فشكى وفد ممن كان معه إلى عثمان‬
‫ما أخذه عبد الله‪ ،‬فقال لهم عثمان‪ :‬إنما أمرت له بذلك‪ ،‬فإن‬
‫سخطتم فهو رد‪ .‬قالوا‪ :‬إنا نسخطه‪ ،‬فأمر عثمان عبد الله أن يرده‬
‫فرده‪ (1).‬وقد ثبت في السنة تنفيل أهل الغناء والبأس في الجهاد)‪.(2‬‬
‫‪ -3‬وكان قد بقى من الخماس والحيوان ‪-‬في فتح أفريقية‪ -‬ما‬
‫يشق حمله إلى المدينة‪ ،‬فاشتراه مروان بمائة ألف درهم‪ ،‬ونقد‬
‫أكثرها وبقيت منه بقية‪ ،‬وسبق إلى عثمان مبشرا بالفتح‪ ،‬وكانت‬
‫قلوب المسلمين في غاية القلق خائفة من أن يصيب المسلمين‬
‫نكبة من أمر أفريقية‪ ،‬فوهب له عثمان ما بقي جزاء بشارته‪ .‬وللمام‬
‫أن يعطي البشير ما يراه لئقا بتعبه وخطر بشارته‪ ،‬هذا هو الثابت‬
‫في عطية عثمان لمروان‪ ،‬وما ذكروه من إعطائه خمس أفريقية‬
‫فكذب‪ (3).‬لقد كان عثمان ‪ ‬شديد الحب لقاربه‪ ،‬ولكن ذلك لم يمل‬
‫به إلى غشيان محرم أو إساءة السيرة والسياسة في أمور المال أو‬
‫غيرها‪ ،‬وإنما دست في كتب التاريخ أكاذيب باطلة كان خلفها الدعاية‬
‫السبئية والشعبية الرافضية ضد عثمان ‪.‬‬
‫إن سيرة عثمان ‪ ‬في أقاربه تمثل جانبا من جوانب السلم‬
‫ه‬
‫بادَ ُ‬ ‫شُر الله ع‬
‫عل َ ُيه ِ َأ َ‬
‫ذي ي ُب َ ّ‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫ك ال ّ ِ‬ ‫الكريمة الرحيمة لقوله تعالى‪+ :‬ذَل ِ َ‬
‫جًرا إ ِل ّ‬‫م َ ْ ِ ْ‬ ‫ُ‬
‫سألك ْ‬ ‫ُ‬ ‫قل ل أ ْ‬‫ّ‬ ‫ت ُ‬ ‫حا ِ‬ ‫مُلوا ال ّ‬
‫صال ِ َ‬ ‫ع ِ‬‫و َ‬ ‫مُنوا َ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ال ّ ِ‬
‫سًنا‬‫ح ْ‬ ‫ها ُ‬ ‫في َ‬ ‫ه ِ‬ ‫َ‬
‫زدْ ل ُ‬ ‫ة نّ ِ‬ ‫سن َ ً‬
‫ح َ‬ ‫ف َ‬ ‫ر ْ‬ ‫من ي َ ْ‬
‫قت َ ِ‬ ‫و َ‬
‫قْرَبى َ‬ ‫ْ‬
‫في ال ُ‬ ‫ودّةَ ِ‬ ‫ال ْ َ‬
‫م َ‬
‫ذا‬‫ت َ‬ ‫وآ ِ‬ ‫كوٌر" ]الشورى‪ ،[23 :‬وقوله جل ثناؤه‪َ + :‬‬ ‫ش ُ‬ ‫فوٌر َ‬ ‫ه َ‬
‫غ ُ‬ ‫ن الل َ‬ ‫إِ ّ‬
‫ذيًرا"‬ ‫ب‬ ‫ت‬ ‫ر‬ ‫ّ‬
‫ُ َ ْ َ ْ ِ‬ ‫ذ‬ ‫ب‬ ‫ت‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫و‬ ‫ل‬
‫ّ ِ ِ َ‬ ‫بي‬ ‫س‬ ‫ال‬ ‫ن‬ ‫ب‬ ‫وا‬ ‫ن‬ ‫كي‬ ‫س‬
‫َ ُ َ ِ ْ ِ َ َ ْ َ‬‫م‬‫ْ‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫ه‬ ‫ّ‬
‫ق‬ ‫ح‬ ‫بى‬‫ال ْ ْ َ‬
‫ر‬ ‫ق‬‫ُ‬
‫]السراء‪ [26 :‬كما أنها تمثل جانبا عمليا من سيرة المصطفى ×؛ فقد‬
‫رأى من رسول الله × وعلم من حاله ما لم ير أو يعلم غيره من‬
‫منتقديه‪ ،‬وعقل من الفقه ما لم يعقله مثله من جمهرة الناس‪ ،‬وكان‬
‫مما رأى شدة حب رسول الله × على أقاربه وبره لهم وإحسانه‬
‫إليهم‪ ،‬وقد أعطى عمه العباس ما لم يعط أحدا عندما ورد عليه مال‬
‫البحرين‪ (4).‬وولى عليا وهو ابن عمه وصهره‪ ،‬ولعثمان وسائر‬
‫المؤمنين في رسول الله × أعظم القدوة)‪.(5‬‬
‫يقول ابن كثير ‪-‬رحمه الله‪ :-‬وقد كان عثمان ‪ ‬كريم الخلق ذا‬
‫حياء كثير‪ ،‬وكرم غزير‪ ،‬يؤثر أهله وأقاربه في الله تأليفا لقلوبهم من‬
‫متاع الدنيا الفاني‪ ،‬لعله يرغبهم في إيثار ما يبقى على ما يفنى‪ ،‬كما‬
‫كان النبي × يعطي أقواما ويدع آخرين إلى ما جعل في قلوبهم من‬
‫الخصلة أقوام‪ ،‬كما تعنت‬ ‫الهدى واليمان‪ ،‬وقد تعنت عليه بسبب هذه‬
‫بعض الخوارج على رسول الله × في اليثار)‪(6‬؛ فعن جابر بن عبد‬
‫الله ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬قال‪ :‬بينما رسول الله × يقسم غنيمة‬

‫)( تاريخ الطبري )‪.(5/253‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (3 ،‬فصل الخطاب في مواقف الصحاب‪ ،‬ص ‪.84‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫)( فصل الخطابـ في مواقفـ الصحاب‪،‬ـ ص ‪.84‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الجزية‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫)‪ (2 ،‬البداية والنهاية )‪.(7/201‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬
‫)( البدايةـ والنهاية ) ‪.(7/201‬‬

‫‪109‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫بالجعرانة))‪ ،((21‬إذ قال له رجل‪ :‬اعدل‪ ،‬فقال‪» :‬شقيت إن لم‬
‫أعدل«‪ .‬ويحتج عثمان ‪ ‬لبره أهل بيته وقرابته مخاطبا مجلس‬
‫ي اللذين كانا‬
‫الشورى بقوله‪ :‬أنا أخبركم عني وعما وليت‪ ،‬إن صاحب ّ‬
‫قبلي ظلما أنفسهما ومن كان منهما سبيل احتسابا‪ ،‬وإن رسول الله‬
‫× كان يعطي قرابته وأنا في رهط أهل عيلة وقلة معاش‪ ،‬فبسطت‬
‫في( شيء من ذلك لما أقوم به فيه‪ ،‬فإن رأيتم ذلك خطأ‬ ‫يدي‬
‫فردوه)‪. 3‬‬
‫وقد رد ابن تيمية ‪-‬رحمه الله‪ -‬على من اتهم عثمان بتفضيله أهله‬
‫بالموال الكثيرة من بيت المال فقال‪» :‬وكان يؤثر أهله بالموال‬
‫الكثيرة من بيت المال حتى أنه دفع إلى أربعة نفر من قريش‬
‫زوجهم بناته أربعمائة ألف دينار‪ ،‬ودفع إلى مروان ألف ألف دينار‬
‫)مليون دينار(‪ ،‬فالجواب يقال‪ :‬أين النقل الثابت بهذا؟!! نعم كان‬
‫يعطي أقاربه ويعطي غير أقاربه أيضا‪ ،‬وكان يحسن إلى جميع‬
‫المسلمين‪ ،‬وأما هذا القدر الكثير فيحتاج إلى نقل ثابت‪ ،‬ثم يقال‬
‫ثانًيا‪ :‬هذا من الكذب البين‪ ،‬فإنه ل عثمان ول)‪(4‬غيره من الخلفاء‬
‫الراشدين أعطوا أحدا ما يقارب هذا المبلغ( ‪.‬‬
‫***‬

‫ماء بين الطائف ومكة‪ ،‬وهي إلى مكة أقرب‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫البخاري‪ ،‬كتاب فرض الخمس‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫الطبقات الكبرى )‪.(3/64‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫منهاج السنة )‪.(3/190‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪110‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫المبحث الثاني‬
‫المؤسسة القضائية وبعض الجتهادات الفقهية‬
‫يعتبر عهد ذي النورين امتدادا للعهد الراشدي الذي تتجلى أهميته‬
‫بصلته بالعهد النبوي وقربه منه‪ ،‬فكان العهد الراشدي عامة والجانب‬
‫القضائي فيه خاصة امتدادا للقضاء في العهد النبوي‪ ،‬مع المحافظة‬
‫الكاملة والتامة على جميع ما ثبت في العهد النبوي‪ ،‬وتطبيقه‬
‫بحذافيره وتنفيذه بنصه ومعناه‪ ،‬وتظهر أهمية العهد الراشدي في‬
‫القضاء بأمرين أساسيين‪:‬‬
‫* المحافظة على نصوص العهد النبوي في القضاء‪ ،‬والتقيد بما‬
‫جاء فيه‪ ،‬والسير في ركابه‪ ،‬والستمرار في اللتزام به‪.‬‬
‫دعائم الدولة‬ ‫* وضع التنظيمات القضائية الجديدة لترسيخ‬
‫السلمية الواسعة‪ ،‬ومواجهة المستجدات المتنوعة)‪.(1‬‬
‫استطاع الفاروق بتوفيق الله ثم عبقريته الفذة أن يطور‬
‫مؤسسة القضاء للدولة السلمية‪ ،‬وأصبحت لها قواعد ونظم‪،‬‬
‫استفاد منها الخليفة الراشد عثمان ‪ ‬في تعيين القضاة وأرزاقهم‪،‬‬
‫واختصاصهم القضائي ومعرفة صفات القاضي‪ ،‬وما يجب عليه‪،‬‬
‫ومصادر الحكام القضائية‪ ،‬والدلة التي يعتمد عليها القضاة‪ ،‬كما أنه‬
‫أصبحت هناك سوابق قضائية من الصديق والفاروق استفاد منها‬
‫القضاة في عهد عثمان ‪.‬‬
‫عندما تولى عثمان ‪ ‬الخلفة كان على قضاء المدينة يومئذ‬
‫علي بن أبي طالب‪ ،‬وزيد بن ثابت‪ ،‬والسائب بن يزيد رضي الله‬
‫عنهم‪ .‬ويذكر بعض الباحثين أن عثمان لم يترك لحد من هؤلء‬
‫القضاة الستقلل بالفصل في قضية من القضايا‪ ,‬كما كان الحال‬
‫في عهد عمر ‪ , ‬بل كان ينظر في الخصومات بنفسه‪ ،‬ويستشير‬
‫هؤلء وغيرهم من الصحابة فيما يحكم به‪ ،‬فإن وافق رأيهم رأَيه‬
‫أمضاه‪ ،‬وإن لم يوافق رأيهم رأيه نظر في المر بعد ذلك‪ .‬وهذا‬
‫يعني أن عثمان ‪ ‬قد أعفى القضاة الثلثة في المدينة من ولية‬
‫القضاء وأبقاهم مستشارين له في كل شجار يرفع إليه مع‬
‫استشارة آخرين‪ ،‬ويرى بعضهم أنه لم يثبت نص صريح يفيد‬
‫العفاء‪ ،‬وغاية ما ورد في ذلك يدل على أن عثمان ‪ ‬قد أقر‬
‫قضاة عمر بالمدينة‪ ،‬ولكنه تحمل عنهم النظر في كثير من‬
‫ض‬
‫القضايا الكبيرة مع استشارتهم فيها‪ ،‬ومنشأ هذا الخلف ت ََعار ُ‬
‫الروايات الواردة في ذلك‪:‬‬
‫* روى البيهقي في سننه‪ ،‬ووكيع في أخبار القضاة واللفظ له‪،‬‬
‫عن عبد الرحمن بن سعيد قال‪ :‬أخبرني جدي‪ ،‬قال‪ :‬رأيت عثمان بن‬
‫عفان في المسجد‪ ،‬إذ جاءه الخصمان‪ ،‬قال لهذا‪ :‬اذهب فادع عليا‪،‬‬
‫وللخر‪ :‬اذهب فادع طلحة بن عبيد الله والزبير وعبد الرحمن‪،‬‬
‫فجاءوا فجلسوا‪ ،‬فقال لهما‪ :‬تكلما‪ ،‬ثم يقبل عليهم فيقول‪ :‬أشيروا‬
‫ي‪ ،‬فإن قالوا ما يوافق رأيه أمضاه عليهما‪ ،‬وإل نظر فيقومون‬ ‫عل ّ‬
‫)( تاريخ القضاء في السلم للزحيلي‪ ،‬ص ‪.84 ،83‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪111‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫مسّلمين‪ ،‬ول يعلم أن عثمان بن عفان استعمل قاضيا بالمدينة إلى‬
‫أن ُقتل ‪.‬‬
‫* جاء في تاريخ الطبري عند الحديث على أعمال عثمان‪ :‬وكان‬
‫على قضاء عثمان يومئذ زيد بن ثابت‪ ،‬وهذا يشعر بأن عثمان أبقى‬
‫زيدا على ولية القضاء‪ ،‬ويستلزم الذن له بالفصل في الخصومات‪،‬‬
‫وما دام الجمع بين النصين ممكنا‪ ،‬فإن الخذ به أولى من الخذ بأحد‬
‫النصين في غير المرجح‪ ،‬ويجمع بين النصين بأن عثمان أبقى قضاة‬
‫المدينة للفصل في بعض الخصومات‪ ،‬ولكن بعضها الخر من‬
‫معضلت القضايا جعله خاصا به مع استشارة أصحابه فيها‪ ،‬ومنهم‬
‫قضاته)‪.(1‬‬
‫يعين القضاة على القاليم حينا؛ مثل تعيينه كعب بن‬ ‫وكان عثمان ‪‬‬
‫سور على قضاة البصرة‪ ،‬ويترك القضاء للوالي حينا آخر؛ مثل طلبه من‬
‫واليه على البصرة أن يقوم بالقضاء بين الناس إضافة إلى عمل الولية‪،‬‬
‫وذلك بعد عزل كعب بن سور‪ ،‬وكذلك كان يعلي بن أمية واليا وقاضيا‬
‫)‪(2‬‬
‫ويلحظ أن بعض الولة كانوا يختارون قضاة بلدانهم‬ ‫على صنعاء‪.‬‬
‫بأنفسهم‪ ،‬ويكونون مسئولين أمامهم‪ ،‬مما يشير إلى ازدياد نفوذ الولة‬
‫)‪(3‬‬
‫والمأثور عن عثمان كتبه ورسائله إلى أمراء‬ ‫في خلفته من القضاة‪.‬‬
‫المصار‪ ،‬وإلى أمراء الجناد بالثغور وإلى عامة المسلمين‪ ،‬وهذا يدعو‬
‫إلى غلبة الظن بأنه جعل القضاء من اختصاص الولة‪ ،‬يتولونه بأنفسهم‪،‬‬
‫أو يعينون له من يستطيع القيام به‪(4).‬ففي الوقت الذي نجد فيه‬
‫مراسلت كثيرة بين عمر وقضاة المصار نجد ندرة في المراسلت في‬
‫عهد عثمان بينه وبين أولئك القضاة)‪.(5‬‬
‫* ابن عمر يعتذر عن القضاء‪:‬‬
‫قال عثمان لبن عمر‪ :‬اقض بين الناس‪ ،‬فقال‪ :‬ل أقضي بين‬
‫اثنين ول أؤم رجلين‪ ،‬أما سمعت النبي × يقول‪» :‬من عاذ بالله‬
‫فقد عاذ بمعاذ«؟ قال عثمان‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪(6):‬فإني أعوذ بالله أن‬
‫تستعملني‪ ،‬فأعفاه‪ ،‬وقال‪ :‬ل تخبر بهذا أحدا ‪.‬‬
‫* دار القضاء‪:‬‬
‫تذكر بعض كتب التاريخ أن من مآثر ذي النورين اتخاذه دارا‬
‫للقضاء‪ ،‬كما يظهر ذلك من رواية رواها ابن عساكر عن أبي صالح‬
‫مولى العباس قال‪ :‬أرسلني العباس إلى عثمان أدعوه فأتيته في دار‬
‫القضاء إلى آخر الحديث‪ ،‬فإذا صح فيكون عثمان هو أول من اتخذ‬
‫وقد‪(7‬كان الخليفتان قبله يجلسان للقضاء‬ ‫في السلم دارا للقضاء‪،‬‬
‫في المسجد كما هو مشهور) ‪.‬‬
‫)( النظم السلمية‪ ،(1/378) ،‬وقائع ندوة أبي ظبي‪1405 ،‬هـ‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( عصر الخلفة الراشدة‪ ،‬ص ‪.143‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (4 ،‬النظم السلمية )‪.(1/378‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬
‫)( النظم السلمية‪،‬ـ ) ‪.(1/378‬‬

‫)( الولية على البلدان )‪.(2/92‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( مسند المام أحمد‪ ،‬رقم )‪ ،(475‬حسن لغيره‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( أشهر مشاهير السلم )‪.(4/740‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪112‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫* أشهر القضاة في خلفة عثمان‪:‬‬
‫‪ -1‬زيد بن ثابت )المدينة(‪.‬‬
‫‪ -2‬أبو الدرداء )دمشق(‪.‬‬
‫‪ -3‬كعب بن سور )البصرة(‪.‬‬
‫‪ -4‬أبو موسى الشعري )البصرة بالضافة إلى وليته(‪.‬‬
‫‪ -5‬شريح )الكوفة(‪.‬‬
‫‪ -6‬يعلى بن أمية )اليمن(‪.‬‬
‫‪ -7‬ثمامة )صنعاء(‪.‬‬
‫)‪(1‬‬
‫‪ -8‬عثمان بن قيس بن أبي العاص )مصر( ‪.‬‬
‫هذا وقد ترك الخليفة الراشد أحكاما فقهية في مجال القصاص‬
‫والجنايات والحدود والتعزير والعبادات والمعاملت‪ ،‬كان لها الثر‬
‫الواضح في المدارس الفقهية السلمية‪ ،‬وهذه بعض الحكام التي‬
‫أصدرها عثمان أو أفتى بها‪:‬‬
‫ل‪ :‬فيما يتعلق بالقصاص والحدود والتعزير‪:‬‬ ‫أو ً‬
‫‪ -1‬أول قضية واجهت عثمان ‪ ‬قضية قتل‪:‬‬
‫أول قضية حكم فيها عثمان ‪ ‬قضية عبيد الله بن عمر‪ ،‬وذلك‬
‫أنه غدا على ابنة أبي لؤلؤة قاتل عمر فقتلها‪ ،‬وضرب رجل نصرانيا‬
‫يقال له جفينة بالسيف فقتله‪ ،‬وضرب الهرمزان الذي كان صاحب‬
‫فقتله‪ ،‬وكان قد قيل إنهما مال أبا لؤلؤة على قتل عمر فالله‬ ‫تستر‬
‫أعلم‪ (2).‬وكان عمر قد أمر بسجنه ليحكم فيه الخليفة من بعده‪ ،‬فلما‬
‫ولي عثمان وجلس للناس كان أول ما تحوكم إليه في شأن عبيد‬
‫الله‪ ،‬فقال علي‪ :‬ما من العدل تركه‪ ،‬وأمر بقتله‪ .‬وقال بعض‬
‫المهاجرين‪ :‬أيقتل أبوه بالمس ويقتل هو اليوم؟ فقال عمرو بن‬
‫العاص‪ :‬يا أمير المؤمنين‪(3)،‬قد برأك الله من ذلك‪ ،‬قضية لم تكن في‬
‫أيامك فدعها عنك‪ ،‬فودى عثمان ‪ ‬أولئك القتلى من ماله؛ لن‬
‫إل بيت المال‪ ،‬والمام يرى الصلح في‬ ‫أمرهم إليه؛ إذ ل وارث لهم‬
‫ذلك‪ ،‬وخلى سبيل عبيد الله‪ (4).‬وقد جاءت رواية في الطبري تفيد‬
‫بأن القماذبان بن الهرمزان قد عفا عن عبيد الله‪ ،‬عن أبي منصور‬
‫قال‪ :‬سمعت القماذبان يحدث عن قتل أبيه‪ ،‬قال‪ :‬كانت العجم‬
‫بالمدينة يستروح بعضها إلى بعض‪ ،‬فمر فيروز بأبي ومعه خنجر له‬
‫رأسان‪ ،‬فتناوله منه‪ ،‬وقال‪ :‬ما تصنع بهذا في هذه البلد؟ فقال‪ :‬آنس‬
‫به‪ ،‬فرآه رجل‪ ،‬فلما أصيب عمر قال‪ :‬رأيت هذا مع الهرمزان‪ ،‬دفعه‬
‫إلى فيروز‪ ،‬فأقبل عبيد الله فقتله‪ ،‬فلما ولي عثمان دعاني فأمكنني‬
‫منه‪ ،‬ثم قال‪ :‬يا بني‪ ،‬هذا قاتل أبيك‪ ،‬وأنت أولى به منا‪ ،‬فاذهب‬
‫فاقتله‪ ،‬فخرجت به وما في الرض أحد إل معي‪ ،‬إل أنهم يطلبون إلي‬
‫عصر الخلفة الراشدة‪ ،‬ص ‪.160 ،159‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫البداية والنهاية )‪.(7/154‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫ودى‪ :‬وقع دية القتلى‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫البداية والنهاية )‪.(7/154‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪113‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫فيه‪ ،‬فقلت لهم‪ :‬ألي قتله؟ قالوا‪ :‬نعم )وسبوا عبيد الله(‪ ،‬فقلت‪:‬‬
‫فاحتملوني‪،‬‬ ‫أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا‪ :‬ل‪ ،‬وسبوه‪ ،‬فتركته لله ولهم‪،‬‬
‫فوالله ما بلغت المنزل إل على رؤوس الرجال وأكفهم‪ (1).‬ول يوجد‬
‫تعارض بين هذه الرواية والرواية الخرى التي تذكر أن الخليفة‬
‫عثمان عفا عن عبيد الله بن عمر وتحمل هو الدية الشرعية لورثة‬
‫الهرمزان؛ لنه يوجد في فهم جميع الصحابة حق لبن الهرمزان في‬
‫القصاص‪ ،‬وقد استجاب لرجائهم له في العفو على النحو السالف‬
‫ذكره‪ ،‬كما أن عفو الخليفة يرجع إلى سلطة التحقيق في الجريمة‪,‬‬
‫والحكم فيها هو للخليفة وليس لبن المقتول‪ ،‬فيكون عبيد الله قد‬
‫اعتدى على حق الخليفة‪ ،‬ومن ثم فرواية العفو منه تنصرف إلى‬
‫العفو بسبب هذا الحق‪ ،‬وهذه المخالفة من عبيد الله حيث أضاع‬
‫على الدولة أمرا هاما هو معرفة الخليا التي تتصل بالجريمة من‬
‫الجناة والشخاص والجهات التي كانت خلف هذه المؤامرة‪ ،‬كما‬
‫ينصرف العفو من الخليفة إلى من ليس لهم ولي وهم جفينة وابنة‬
‫المجوسي القاتل‪ ،‬ول يوجد خلف في الروايات والمصادر التاريخية‬
‫على أن الخنجر الذي قتل به عمر ابن الخطاب كان بيد الهرمزان‬
‫وجفينة قبل الحادث‪ ،‬وقد شاهد ذلك اثنان من الصحابة وهما عبد‬
‫الرحمن بن عوف وعبد الرحمن بن أبي بكر‪ ،‬ورواية عبد الرحمن بن‬
‫أبي بكر تفيد أن القاتل أبا لؤلؤة كان مع هذين الشريكين يتناجون‬
‫بينهم‪ ،‬وبعد قتل عمر وجدوا‬ ‫ثلثتهم‪ ،‬فلما باغتهم سقط الخنجر من‬
‫أنه نفس الخنجر الذي وصفه الشاهدان‪ (2).‬وبالتالي فالهرمزان‬
‫وجفينة يستحقان القتل‪ ،‬أما ابنة أبي لؤلؤة الذي قتل نفسه ليخفي‬
‫المشتركين معه‪ ،‬فهذه قتلت خطأ ول يقتل فيها أحد‪ ،‬وقد رأى عبيد‬
‫الله أنها من المشاركين في القتل؛ حيث كانت تخفى السلح لبيها‪.‬‬ ‫)‪(3‬‬

‫‪ -2‬قتل اللصوص‪:‬‬
‫إن شبابا من شباب أهل الكوفة في ولية الوليد بن عقبة نقبوا على‬
‫ابن الحيسمان الخزاعي وكاثروه‪ ،‬فنذر بهم‪ ،‬فخرج عليهم بالسيف‪ ،‬فلما‬
‫رأى كثرتهم استصرخ فقالوا له‪ :‬اسكت‪ ،‬فإنما هي ضربة حتى نريحك‬
‫من روعة هذه الليلة‪ ،‬وأبو شريح الخزاعي مشرف عليهم‪ ،‬فصاح بهم‬
‫وضربوه فقتلوه‪ ،‬وأحاط الناس بهم فأخذوهم‪ ،‬وفيهم زهير بن جندب‬
‫الزدي ومورع بن أبي مورع السدي‪ ،‬وشبيل بن أبي الزدي في عدة‪،‬‬
‫فشهد عليهم أبو شريح وابنه أنهم دخلوا عليه‪ ,‬فمنع بعضهم بعضا من‬
‫الناس‪ ،‬فقتله بعضهم‪ ،‬فكتب فيه إلى عثمان فكتب إليه في قتلهم‪،‬‬
‫فقتلهم على باب القصر في الرحبة‪ ،‬وقال في ذلك عمر بن عاصم‬
‫التميمي‪:‬‬
‫أهل الزعارة في ملك ابن‬ ‫سَرفا‬
‫ل تأكلوا أبدا جيرانكم َ‬
‫عفان‬
‫وقال أيضا‪:‬‬

‫)( تاريخ الطبري )‪ ،(5/243‬إسناده ل يصح‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( الطبقات الكبرى )‪.(355-3/350‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( الخلفة والخلفاء الراشدون‪ ،‬ص ‪.1219 ،218‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪114‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫فطم اللصوص بمحكم‬ ‫إن ابن عفان الذي جربتم‬
‫الفرقان‬
‫)‪(1‬‬
‫في كل عنق منهم وبنان‬ ‫ما زال يعمل بالكتاب مهيمنا‬
‫‪ -3‬رجل قتل تاجرا لماله‪:‬‬
‫)‪(2‬‬
‫كان ذلك في خلفة عثمان‪ ،‬وكانت العقوبة القتل قصاصا ‪.‬‬
‫‪ -4‬عقوبة الساحر‪:‬‬
‫حدث في عهد عثمان بن عفان ‪ ‬أن جارية لحفصة سحرتها‪،‬‬
‫فاعترفت الجارية بذلك‪ ،‬فأمرت حفصة بها عبد الرحمن بن زيد‬
‫فقتلها‪ ،‬فأنكر ذلك عليها عثمان‪ ،‬فقال ابن عمر‪ :‬ما تنكر على أم‬
‫المؤمنين امرأة سحرتها واعترفت‪ ،‬فسكت عثمان‪ ،‬وعثمان لم ينكر‬
‫على حفصة القتل ولكنه أنكر عليها الفتئات على حق المام في‬
‫إقامة الحدود‪ ،‬فإن أمر الحدود إلى المام‪ ،‬وهذا ما يدل عليه قول‬
‫ابن عمر‪ :‬ما تنكر على أم المؤمنين من امرأة سحرتها واعترفت؛‬
‫يعني أن القضاء فيها واضح‪ ،‬وأن استحقاقها القتل ل تدفعه شبهة)‪.(3‬‬
‫‪ -5‬جناية العمى‪:‬‬
‫جالسه غفل‪،‬‬ ‫م َ‬‫العمى مع قائده كاللة‪ ،‬يتحرك بأمره‪ ،‬وهو مع ُ‬
‫يتحرك وهو قد يتردى في حركته أو يتضرر‪ ،‬فل يتوقع أنه يتحاشا‬
‫إضرار غيره بحركته وهو ل يراه‪ ،‬ولذلك فإنه إذا ما جنى على قائده‬
‫أو من جالسه دون قصد فجنايته هدر‪ ،‬قال عثمان بن عفان‪ :‬أيما‬
‫رجل جالس أعمى فأصابه العمى بشيء فهو هدر)‪.(4‬‬
‫‪ -6‬جناية المقتتلين على بعضهما‪:‬‬
‫قد يقع شجار بين الشخاص فيجني كل واحد من المتشاجرين‬
‫على صاحبه‪ ،‬فإن حصل شيء من هذا فالواجب القصاص‪ ،‬أن هذه‬
‫الجناية عمد؛ إذ الظاهر أن كل واحد منهما حريص على أن ينال من‬
‫صاحبه‪ ،‬قال عثمان بن عفان ‪ :‬إذا اقتتل المقتتلن فما كان بينهما‬
‫من جراح فهو قصاص)‪.(5‬‬
‫‪ -7‬الجناية على الحيوان‪:‬‬
‫إذا وقعت الجناية على الحيوان فالواجب فيها الضمان بالقيمة‪،‬‬
‫فعن عقبة بن عامر قال‪ :‬قتل رجل في خلفة عثمان بن عفان كلبا‬
‫وم بثمانمائة درهم‪ ،‬فألزمه‬ ‫ق ّ‬
‫لصيد ل يعرف مثله في الكلب‪ ،‬ف ُ‬
‫عثمان تلك القيمة‪ ،‬وأغرم رجل ثمن كلب قتله عشرين بعيرا)‪.(6‬‬

‫تاريخ الطبري )‪.(5/272‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫عصر الخلفة الراشدة‪ ،‬ص ‪.153‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.170 ،169‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.99‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.100‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫)‪ (2‬المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.103‬‬ ‫موسوعة فقه عثمان‪ ،‬ص ‪.102‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪115‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫‪ -8‬الجناية على الصائل‪:‬‬
‫إذا صال شخص على مال شخص آخر أو على نفسه أو على‬
‫عرضه فقتله المصول عليه أثناء اعتدائه فدمه هدر‪ ،‬فقد روى ابن‬
‫أن( رجل رأى مع امرأته رجل فقتله‪ ،‬فارتفعوا إلى‬ ‫حزم في المحلي‬
‫عثمان فأبطل دمه)‪. 1‬‬
‫ده‪:‬‬‫‪ -9‬استتابة المرتد وح ّ‬
‫قتل‪،‬‬ ‫ل يقام الحد على المرتد حتى يستتاب ثلثا‪ ،‬فإن أصر على ردته ُ‬
‫وحدث أن أخذ عبد الله بن مسعود بالكوفة رجال ارتدوا عن السلم‪،‬‬
‫وأخذوا ينعشون حديث مسيلمة الكذاب‪ ،‬فكتب فيهم إلى أمير المؤمنين‬
‫عثمان بن عفان‪ ،‬فكتب عثمان إليه‪ :‬أن أعرض عليهم دين الحق وشهادة‬
‫أن ل إله إل الله وأن محمدا رسول الله‪ ،‬فمن قبلها وبرئ من مسيلمة‬
‫فاقتله‪ ،‬فقبلها رجال منهم فتركوا‪،‬‬ ‫فل تقتله‪ ،‬ومن لزم دين مسيلمة‬
‫ولزم دين مسيلمة رجال فقتلوا)‪.(2‬‬
‫‪ -10‬إني قتلت فهل لي من توبة‪:‬‬
‫قال رجل لعثمان‪ :‬يا أمير المؤمنين‪ ،‬إني قتلت فهل لي من توبة؟‬
‫ن‬‫م َ‬‫ب ِ‬ ‫ل ال ْك َِتا ِ‬‫زي ُ‬‫عثمان من أول سورة غافر‪+ :‬حم ‪َ ‬تن ِ‬ ‫ْ‬
‫فقرأ عليه‬
‫د‬ ‫دي‬
‫ِ ِ‬ ‫َ‬
‫ش‬ ‫ب‬ ‫و‬
‫ّ ْ ِ‬ ‫ت‬‫ال‬ ‫ل‬ ‫ب‬ ‫َ‬
‫قا‬
‫ِ َ ِ ِ‬‫و‬ ‫ب‬ ‫ّ‬
‫ذن‬ ‫ال‬ ‫ر‬ ‫ف‬
‫ِ ِ‬ ‫َ‬
‫غا‬ ‫‪‬‬ ‫م‬ ‫لي‬
‫َ ِ ِ‬‫ع‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ز‬
‫ع ِ ِ‬
‫زي‬ ‫ه ال ْ َ‬ ‫الل ِ‬
‫ب" ]غافر‪ [3 -1 :‬ثم قال له‪ :‬اعمل ول تيأس‪ (3).‬والجدير بالذكر‬ ‫ِ‬ ‫قا‬‫َ‬ ‫ال ْ ِ‬
‫ع‬
‫في( حق العباد ل بد فيها من أداء‬ ‫ارتكبت‬ ‫إذا‬ ‫الثام‬ ‫من‬ ‫التوبة‬ ‫أن‬
‫الحقوق لصحابها أو تنازلهم عنها)‪. 4‬‬
‫‪ -11‬حد الخمر‪:‬‬
‫المعروف أن رسول الله × قد عاقب الحر إذا شرب الخمر‬
‫بأربعين جلدة‪ ،‬ضربه القوم بالنع ‪0‬ال وأطراف الثياب امتهانا له‪،‬‬
‫وكذلك أبو بكر‪ ،‬وكذلك عمر في أول خلفته‪ ،‬ثم لم يلبث أن زاد‬
‫العقوبة بمشورة من الصحابة إلى ثمانين جلدة‪ ،‬لما رأى الناس‬
‫يتحاقرون هذه العقوبة ول يرتدعون بها‪ .‬أما عثمان بن عفان فقد‬
‫ثبت عنه أنه جلد الحر أربعين جلدة‪ ،‬وثبت عنه أنه جلده ثمانين‬
‫ه أو هوى‪ ،‬ولكنه فرق بين‬ ‫جلدة‪ ،‬ولم يكن ذلك منه عن تش ّ‬
‫الشاربين‪ ,‬فلم يعاقب من كان شربه زلة منه عقوبة من أدمن‬
‫شربها‪ ،‬فجعل عقوبة من كان شربه لها أول مرة‪ ،‬وكانت من زلة‬
‫أربعين جلدة‪ ،‬وجعل عقوبة من اعتاد شربها ومن أدمن عليها ثمانين‬
‫وكأنه كان يجعل الربعين الولى حدا‪ ،‬والربعين الثانية‬ ‫جلدة‪،‬‬
‫تعزيرا)‪.(5‬‬
‫‪ -12‬إقامة الحد على أخيه من أمه الوليد بن عقبة‪:‬‬
‫عن حصين بن المنذر قال‪ :‬شهدت عثمان بن عفان وأتى بالوليد‬
‫فشهد عليه رجلن ‪-‬أحدهما حمران‪ -‬أنه شرب الخمر‪ ،‬وشهد آخر أنه‬
‫‪1‬‬

‫)‪ (4‬سنن البيهقي )‪.(8/17‬‬ ‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.150‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.93‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.93‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪116‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫رآه يتقيأ‪ ،‬فقال عثمان‪ :‬إنه لم يتقيأ حتى شربها‪ ،‬فقال‪ :‬يا علي قم‬
‫ل حاّرها‬ ‫فاجلده‪ ،‬فقال علي‪ :‬قم يا حسن فاجلده‪ ،‬فقال الحسن‪ :‬و ّ‬
‫من تولى قاّرها)‪ ,(1‬فكأنه وجد عليه‪ ،‬فقال‪ :‬يا عبد الله بن جعفر قم‬
‫ي يعد‪ ،‬حتى بلغ أربعين‪ ،‬فقال‪ :‬أمسك‪ ،‬ثم قال‪:‬‬ ‫فاجلده‪ ،‬فجلده وعل ّ‬
‫سّنة‪ ،‬وهذا‬‫ُ‬ ‫وكل‬ ‫ثمانين‪،‬‬ ‫وعمر‬ ‫أربعين‪،‬‬ ‫بكر‬ ‫وأبو‬ ‫جلد النبي × أربعين‪،‬‬
‫ي‪ (2).‬ويؤخذ من هذا الحديث بأن سلف عثمان ‪-‬رضي الله‬ ‫أحب إل ّ‬
‫عنهم‪ -‬نفذوا هذا الحد‪ ,‬وبأن للمنفذ أو المأمور أن ينيب عنه غيره‪.‬‬
‫تأخذه في الله لومة‬ ‫ويؤخذ منه أيضا‪ :‬قوة عثمان في الحق‪ ،‬وأنه ل‬
‫معيط‪(4‬أخوه لمه)‪ ،(3‬وتنفيذ الحكام‬
‫)‬
‫لئم؛ فالوليد بن عقبة بن أبي‬
‫الشرعية هو أحب أعمال الشرطة‪.‬‬
‫‪ -13‬سرقة الغلم‪:‬‬
‫ل يقام حد السرقة إل إذا كان السارق بالغا عاقل مختارا عالما‬
‫فقال‪ :‬انظروا إلى‬
‫)‪(5‬‬
‫بالتحريم‪ ،‬وقد أتى إلى عثمان بغلم سرق‪،‬‬
‫مؤتزره فنظروا فلم يجدوه أنبت‪ ،‬فلم يقطعه‪.‬‬
‫‪ -14‬الحبس تعزيًرا‪:‬‬
‫استعار ضابي بن الحارث البرجمي في زمان الوليد بن عقبة من‬
‫قوم من النصار كلبا يدعى قرحان يصيد الظباء‪ ،‬فحبسه عنهم‪,‬‬
‫فنافره النصاريون واستغاثوا عليه بقومه فكاثروه‪ ،‬فانتزعوه منه‬
‫وردوه على النصار‪ ،‬فهاجمهم وقال في ذلك‪:‬‬
‫ل لها الوجناء وهي حسير‬ ‫تض ّ‬ ‫شم دوني وفد قرحان خطة‬ ‫تج ّ‬
‫حباهم ببيت المرزبان أمير‬ ‫فباتوا شباعا ناعمين كأنما‬
‫فإن عقوق المهات كبير‬ ‫فكلبكم ل تتركوا فهو أمكم‬
‫سَتعدوا عليه عثمان‪ ،‬فأرسل إليه فعزره وحبسه كما كان)‪(6‬يصنع‬ ‫فا ْ‬
‫بالمسلمين‪ ،‬فاستثقل ذلك‪ ،‬فما زال في الحبس حتى مات فيه ‪.‬‬
‫‪ -15‬حد القذف بالتعريض‪:‬‬
‫كان عثمان ‪ ‬يقيم حد القذف بالتعريض به‪ ،‬فقد قال رجل‬
‫لخر‪) :‬يا ابن شامة الوذر( ‪-‬يعرض له بزنا أمه‪ -‬فاستعدى عليه‬
‫عثمان‬
‫)‪(7‬‬
‫عثمان بن عفان‪ ،‬فقال الرجل‪ :‬إنما عنيت كذا وكذا‪ ،‬فأمر به‬
‫فجلد الحد؛ أي حد القذف‪ ،‬ولم يلتفت إلى تفسير مراده مما قال‪.‬‬
‫‪ -16‬عقوبة الزنا‪:‬‬
‫را محصنا ً فإنه يعاقب‬
‫ح ّ‬
‫إذا ثبت الزنا على رجل أو امرأة وكان ُ‬
‫أي‪ :‬ول شدتها وأوساخها من تولى هنيئها ولذاتها‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫شرح النووي على صحيح مسلم‪ ،‬كتاب الحدود )‪.(11/216‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫ولية الشرطة في السلم‪ ،‬د‪ .‬نمر الحميداني‪ ،‬ص ‪.105‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.104‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫صحيح التوثيق‪ ،‬ص ‪ ,77‬موسوعة فقه عثمان‪ ،‬ص ‪.171‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫تاريخ الطبري )‪.(5/420‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.247‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫‪117‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫محصنة في عهد عثمان‬ ‫بالرجم بالحجارة حتى الموت‪ ،‬وقد زنت امرأة‬
‫بن عفان فقضى عثمان برجمها ولم يحضر رجمها)‪.(1‬‬
‫‪ -17‬التعزير بالنفي والطرد‪:‬‬
‫جا ‪-‬قال محمد بن‬ ‫بلغ عثمان أن ابن الحبكة النهدي يعالج نيرن ً‬
‫سلمة‪ :‬إنما نيرج أخذ كالسحر وليس به‪ -‬فأرسل إلى الوليد بن عقبة‬
‫ليسأله عن ذلك‪ ،‬فإن أقر به فأوجعه‪ ،‬فدعا به فسأله‪ ،‬فقال‪ :‬إنما هو‬
‫رفق وأمر يعجب منه‪ ،‬فأمر به فعزر‪ ،‬وأخبر الناس خبره وقرأ عليهم‬
‫كتاب عثمان‪ :‬إنه قد جد بكم‪ ،‬فعليكم بالجد‪ ،‬وإياكم وال ْهُّزال‪ ،‬فكن‬
‫الناس عليه‪ ،‬وتعجبوا من وقوف عثمان على مثل خبره‪ ،‬فغضب‬
‫فنفر في الذين نفروا‪ ،‬فضرب معهم‪ ،‬فكتب إلى عثمان فيه‪ ،‬فلما‬
‫سّير إلى الشام من سّير‪ ،‬سير كعب بن ذي الحبكة ومالك بن عبد‬
‫الله ‪-‬وكان دينه على دينه‪ -‬إلى دنياوند‪ ،‬فقال في ذلك كعب بن ذي‬
‫الحبكة للوليد‪:‬‬
‫طمعت بها من سقطتي‬ ‫لعمري لئن طردتني ما إلى التي‬
‫لسبيل‬
‫غول‬ ‫إلى الحق دهًرا غال ذلك ُ‬ ‫ت رجوعي يا ابن أروى‬ ‫رجو ُ‬
‫ورجعتي‬
‫وشتمي في ذات الله قليل‬ ‫وإن اغترابي في البلد وجفوتي‬
‫)‪(2‬‬ ‫دنيا وندِ ُ‬
‫كم لطويل‬ ‫عليك ب ُ‬ ‫وإن دعائي كل يوم وليلة‬
‫‪ -18‬دفع الناس عن جنازة العباس‪:‬‬
‫عن عبد الرحمن بن يزيد أنه قال‪ :‬لما أتى بجنازة العباس بن عبد‬
‫المطلب إلى موضع الجنائز تضايق الناس فتقدموا به إلى البقيع‪،‬‬
‫ولقد رأيتنا يوم صلينا عليه بالبقيع‪ ،‬وما رأيت مثل ذلك الخروج على‬
‫أحد من الناس قط‪ ،‬وما يستطيع أحد أن يدنو من سريره‪ ،‬وغلب‬
‫عليه بنو هاشم‪ ،‬فلما انتهوا إلى اللحد ازدحموا عليه‪ ،‬فأرى عثمان‬
‫اعتزل وبعث الشرطة يضربون الناس عن بني هاشم‪ ،‬حتى خلص‬
‫بنو هاشم فكانوا هم الذين نزلوا في حفرته ودلوه في اللحد‪ (3).‬وهذا‬
‫يدل على كثرة رجال الشرطة آنذاك‪ ،‬ويعتبر عثمان ‪ ‬لدى بعض‬
‫المؤرخين)‪ (4‬أول من اتخذ صاحب شرطة من الخلفاء‪ ،‬وقد أسند هذه‬
‫في( المدينة إلى الصحابي الجليل المهاجر ابن قنفذ بن عمير‬ ‫المهمة‬
‫القرشي‪ 5).‬وهذا يدل على عنايته بها‪ ،‬وأن صيتها قد ذاع في عهده‪.‬‬
‫وفي الكوفة كان عبد الرحمن السدي على شرطة سعيد بن العاص‬
‫الرحمن على شرطة معاوية‬ ‫)واليها لعثمان( كما كان نصير بن عبد‬
‫بن أبي سفيان )والي عثمان على الشام( )‪.(6‬‬

‫المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.164‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫تاريخ الطبري )‪.(5/419‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫الطبقات )‪.(4/32‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫تاريخ خليفة بن خياط‪ ،‬ص ‪.179‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫ولية الشرطة في السلم‪ ،‬ص ‪.105‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.106‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪118‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫وفي الحقيقة ل يعلم خليفة في السلم بعد أبي بكر وعمر‬
‫‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬يقيم الحدود على القريب والبعيد‪ ،‬والشريف‬
‫والوضيع‪ ،‬والغني والفقير ول يبالي‪ ،‬ويعطي كل ما يطلب منه من‬
‫إصلح أو)‪(1‬حقوق كعثمان ‪ ،‬وكفاه فخرا أن ينتمي لحكم الخلفة‬
‫الراشدة ‪.‬‬
‫ثانًيا‪ :‬في العبادات والمعاملت‪:‬‬
‫‪ -1‬إتمام عثمان الصلة بمنى وعرفات‪:‬‬
‫ت‬‫في حج عام ‪29‬هـ صلى عثمان ‪ ‬بالناس بمنى أربعا‪ ،‬فأتى آ ٍ‬
‫عبد َ الرحمن بن عوف‪ ،‬فقال‪ :‬هل لك في أخيك قد صلى بالناس‬
‫أربعا؟ فصلى عبد الرحمن بأصحابه ركعتين‪ ،‬ثم خرج حتى دخل على‬
‫ل في هذا المكان مع رسول الله ×‬‫عثمان‪ ،‬فقال له‪ :‬ألم تص ّ‬
‫ركعتين؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ :‬أفلم تصل مع أبي بكر ركعتين؟ قال‪ :‬بلى‪،‬‬
‫قال‪ :‬أفلم تصل مع عمر ركعتين؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ :‬ألم تصل صدرا‬
‫من خلفتك ركعتين؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ :‬فاسمع مني يا أبا محمد)‪ ،(2‬إني‬
‫أخبرت أن بعض من حج من أهل اليمن وجفاة الناس قد قالوا في‬
‫عامنا الماضي‪ :‬إن الصلة للمقيم ركعتان‪ ،‬هذا إمامكم عثمان يصلي‬
‫ركعتين‪ ،‬وقد اتخذت بمكة أهل‪ ،‬فرأيت أن أصلي لخوف ما أخاف‬
‫على الناس‪ ،‬وأخرى قد اتخذت بها زوجة‪ ،‬ولي بالطائف مال‪ ،‬فربما‬
‫أطلعته فأقمت فيه بعد الصدر‪ ،‬فقال عبد الرحمن بن عوف‪ :‬ما من‬
‫هذا شيء لك فيه عذر‪ ،‬أما قولك‪ :‬اتخذت أهل‪ ،‬فزوجتك بالمدينة‬
‫تخرج بها إذا شئت وتقدم بها إذا شئت‪ ،‬إنما تسكن بسكناك‪ ،‬وأما‬
‫قولك‪ :‬ولي مال بالطائف فإنك بينك وبين الطائف مسيرة ثلثة ليال‬
‫وأنت لست من أهل الطائف‪ ،‬وأما قولك‪ :‬يرجع من حج من أهل‬
‫اليمن وغيرهم فيقولون‪ :‬هذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين وهو‬
‫مقيم‪ ،‬فقد كان رسول الله × ينزل عليه الوحي والناس يومئذ‬
‫السلم فيهم قليل‪ ،‬ثم أبو بكر مثل ذلك‪ ،‬ثم عمر‪ ،‬فضرب السلم‬
‫بجرانه‪ ،‬فصلى لهم عمر حتى مات ركعتين‪ ،‬فقال عثمان‪ :‬هذا رأي‬
‫رأيته‪ ،‬فخرج عبد الرحمن فلقي ابن مسعود فقال‪ :‬أبا محمد‪ ،‬غير ما‬
‫يعلم؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬فما أصنع؟ قال‪ :‬اعمل بما تعلم‪ ،‬فقال ابن‬
‫مسعود‪ :‬الخلف شر‪ ،‬قد بلغني أنه صلى أربعا فصليت بأصحابي‬
‫أربعا‪ ،‬فقال عبد الرحمن بن عوف‪ :‬قد بلغني أنه صلى أربعا فصليت‬
‫ركعتين‪ ،‬وأما الن فسوف يكون الذي تقول )يعني تصلي‬ ‫بأصحابي‬
‫معه أربعا()‪.(3‬‬
‫إن عثمان صنع ما صنع من إتمام الصلة في منى وعرفات‬
‫شفقة على ضعفاء المسلمين أن يفتنوا في دينهم‪ ،‬فقد أبدى لفعله‬
‫سببا معقول حينما سأله عبد الرحمن بن عوف عنه وعما دعاه إليه‪،‬‬
‫فلما أطلعه عثمان على وجهة نظره‪ ،‬أخذ عبد الرحمن بقوله وأتم‬
‫الصلة بأصحابه‪ ،‬وكذلك صنع عبد الله بن مسعود وغيره من جمهور‬
‫الصحابة‪ ،‬فتابعوه ولم يخالفوه؛ لنه إمام راشد تجب متابعته فيما لم‬
‫يخرج عن حدود الشريعة المطهرة‪ ،‬ولو كان فيما جاء به عثمان أدنى‬
‫)( تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة )‪.(1/409‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( أبو محمد كنية عبد الرحمن بن عوف‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( تاريخ الطبري )‪.(5/268‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪119‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫شبهة لمخالفة نص شرعي ما أمكن مطلقا جمهور الصحابة أن‬
‫يتابعوه‪ (1).‬والذي أبداه عثمان في تحاوره مع عبد الرحمن بن عوف‬
‫واحتج به لرأيه معقول المعنى‪ ،‬ولو تأمل فيه ناظر في أسرار الدين‬
‫وحكم الشريعة لرأى أن إتمام الصلة الذي انتهى إليه رأي عثمان‬
‫أرجح حينئذ من قصرها‪ ،‬وقد حدث من المور ما لم يكن على عهد‬
‫النبي × وأبي بكر وعمر‪ ،‬فخاف عثمان أن يفتن الناس في صلتهم‪،‬‬
‫ول سيما جفاة العراب في مضاربهم‪ ،‬ومن بعدت بلدهم في‬
‫أطراف الرض‪ ،‬وقد ل يتصل بهم من أهل العلم من يعلمهم‬
‫ويرشدهم‪ ،‬فأراد عثمان بما صنع حسم هذا الشر المخوف على كثير‬
‫من ضعفاء المسلمين‪ ،‬وقد بالغ عثمان ‪ ‬في إبعاد الشبهة عن‬
‫نفسه‪ ،‬فقال‪ :‬إنه اتخذ بمكة أهل‪ ،‬وله بالطائف مال ربما نظر إليه‬
‫وأقام فيه بعد انتهاء الموسم‪ ،‬فيكون حينئذ مقيما ففرضه التمام‪،‬‬
‫)‪(2‬‬
‫وذلك منه ‪ ‬من دقيق النظر في الدين‪ ،‬وفهم أسراره وحكمه‪.‬‬
‫)‪(3‬‬
‫وقد رأى جماعة من الصحابة إتمام الصلة في السفر‪ ،‬منهم‪:‬‬
‫عائشة‪ ،‬وعثمان وسلمان‪ ،‬وأربعة عشر من أصحاب رسول الله ×‪.‬‬
‫فعثمان ‪ ‬لم يوجب القصر في السفر‪ ،‬وإنما كان يتجه كما رآه‬
‫)‪(4‬‬
‫اجتهادية‪،‬‬ ‫فقهاء المدينة ومالك والشافعي وغيرهما‪ ،‬ثم إنها مسألة‬
‫ولذلك اختلف فيها العلماء؛ فقوله فيها)‪(5‬ل يوجب تكفيرا ول تفسيقا‪.‬‬
‫وأما قول ابن مسعود ‪ :‬الخلف شر ‪ ,‬وفي رواية‪ :‬إني أكره‬
‫الخلف)‪ ،(6‬ففيه ترشيد لنا وتذكير على استحباب الخروج من الخلف‬
‫يستحضرها ويحاول أن‬ ‫في مسائل الجتهاد‪ ،‬ويحسن بالمسلم أن‬
‫يقلل الخوض والجدال في الفروع المختلف فيها)‪(7‬؛ إذ الظروف‬
‫المحيطة بنا ل تساعدنا على إضاعة مزيد من الوقت الثمين في‬
‫الجدل والخلف عما يجب أن نفعله لمواجهة التحديات الخطيرة)‪,(8‬‬
‫كما أن في فعل ابن مسعود وابن عوف ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬من‬
‫الصلة خلف عثمان بيانا لحرص الصحابة على الجتماع والوحدة‪،‬‬
‫وهذا خلق عظيم من أخلق جيل النصر‪.‬‬
‫‪ -2‬زاد الذان الثاني يوم الجمعة‪:‬‬
‫قال)‪(9‬رسول الله ×‪» :‬عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من‬
‫بعدي« ‪ ،‬وهذه الزيادة من سنة الخلفاء الراشدين‪ ،‬ول شك أن‬
‫عثمان من الخلفاء الراشدين ورأى مصلحة أن يزاد هذا الذان لتنبيه‬
‫الناس عن قرب وقت صلة الجمعة بعد أن اتسعت رقعة المدينة‪،‬‬
‫فاجتهد في هذا ووافقه جميع الصحابة‪ ،‬واستمر العمل به لم يخالفه‬
‫أحد حتى في زمن علي وزمن معاوية وزمني بني أمية وبني العباس‬
‫)‪ (2‬المصدر السابق‪ ،‬ص‬ ‫)( عثمان بن عفان‪ ،‬صادق عرجون‪ ،‬ص ‪.192‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪.194‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( كتاب المامة والرد على الرافضة للصبهاني‪ ،‬ص ‪.312‬‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (5‬تاريخ الطبري )‪.(5/268‬‬ ‫)( الرياض النضرة‪ ،‬ص ‪.566‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)‪ (7‬فقه الولويات‪ ،‬محمد الوكيلي‪ ،‬ص‬ ‫)( القواعد الفقهية للندوي‪ ،‬ص ‪.336‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪.169‬‬
‫‪7‬‬

‫)( الفكر السلمي بين المثالية والتطبيق‪ ،‬كامل الشريف‪ ،‬ص ‪.29‬‬ ‫‪8‬‬

‫)( سنن أبي داود‪ ،‬كتاب السنة رقم )‪ .(4607‬سنن الترمذي‪ ،‬كتاب العلم‪ ،‬رقم )‬ ‫‪9‬‬

‫‪.(2676‬‬

‫‪120‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫إلى يومنا هذا‪ ،‬فهي سنة بإجماع المسلمين‪ (1).‬ثم هو له أصل في‬
‫الشرع‪ ،‬وهو الذان الول في الفجر‪ ،‬فقاس عثمان هذا الذان عليه‪.‬‬
‫)‪ (2‬لقد سن عثمان ذلك أخذا من سنة الرسول × وأذانه الذي شرعه‬
‫في الفجر قبل دخول الوقت لينبه النائم ويستعد اليقظان ومريد‬
‫الصيام‪ ،‬فهو مستن بسنة الرسول × وآخذ من طريقته‪ ،‬وقد اختلف‬
‫أهل العلم‪ :‬هل أوقعه قبيل دخول الوقت كما هو الحال في الذان‬
‫الول من الفجر أم أوقعه في الوقت؟ ويميل الحافظ إلى أن وقوعه‬
‫كان إعلما بالوقت‪ ،‬قال في فتح الباري‪ :‬وتبين أن عثمان أحدثه‬
‫لعلم الناس بدخول وقت الصلة قياسا على بقية الصلوات فألحق‬
‫الجمعة بها‪ ،‬وأبقى خصوصيتها بالذان بين يدي الخطيب‪ ،‬وفيه‬
‫استنباط معنى من الصل ل يبطله‪ ،‬وأما ما أحدث الناس قبل وقت‬
‫الجمعة من الدعاء إليها والذكر والصلة على)‪(3‬النبي × فهو في بعض‬
‫البلد دون بعض واتباع السلف الصالح أولى‪ .‬وأما الذين قالوا‪ :‬إنه‬
‫أحدث قبيل دخول الوقت‪ ،‬قالوا‪ :‬لن الغرض منه العلم بالجمعة‬
‫والسعي إليها على غرار الذان الول في الفجر‪ ،‬فلو كان بعد دخول‬
‫الوقت لما أدى المعنى المطلوب إل بتأخير الجمعة بعض الشيء‬
‫وهو خلف السنة‪ ،‬وبه ُيستغنى عما أحدثه في التذكير والذكر‬
‫أشار إليه الحافظ ولم ينكره إل بقوله‪) :‬واتباع السلف‬ ‫وغيرهما مما‬
‫الصالح أولى( )‪.(4‬‬
‫‪ -3‬اغتساله كل يوم منذ أسلم‪:‬‬
‫)‪(5‬‬
‫كان عثمان بن عفان يغتسل كل يوم منذ أسلم ‪ ،‬وقد صلى‬
‫ذات يوم الصبح بالناس وهو جنب دون أن يدري‪ ،‬فلما أصبح رأى في‬
‫إني لراني أجنب ول أعلم‪ ،‬ثم أعاد‬ ‫ثوبه احتلما‪ ،‬فقال‪ :‬كبرت والله‬
‫الصلة)‪ (6‬ولم يعد من صلى خلفه)‪.(7‬‬
‫‪ -4‬سجود التلوة‪:‬‬
‫كان عثمان بن عفان ‪ ‬يرى أن سجود التلوة يجب على‬
‫المكلف التالي للقرآن‪ ,‬وعلى الجالس لسماع القرآن‪ ،‬أما من سمعه‬
‫من غير قصد فليس عليه سجود التلوة‪ ،‬فقد مر ‪ ‬بقاص فقرأ‬
‫عثمان‪ (،‬فقال عثمان‪ :‬إنما السجود على‬
‫)‪8‬‬
‫القاص سجدة ليسجد معه‬
‫يعني‬ ‫استمع‪:‬‬ ‫من‬ ‫على‬ ‫وقوله‪:‬‬ ‫يسجد‪.‬‬ ‫من استمع ثم مضى ولم‬
‫على من قصد السماع‪ .‬وقال ‪ :‬إنما السجدة على من جلس لها)‪،(9‬‬
‫استمعت السجدة تومئ بها إيماء‬ ‫وروى عن عثمان أن الحائض إذا‬
‫ول تتركها‪ ،‬ول تسجد لها سجود الصلة)‪.(10‬‬
‫‪ -5‬صلة الجمعة في السواحل‪:‬‬
‫قال الليث بن سعد‪ :‬كل مدينة أو قرية فيها جماعة أمروا بالجمعة‪،‬‬
‫)‪ (3‬المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.89‬‬ ‫)( حقبة من التاريخ‪ ،‬عثمان الخميس‪ ،‬ص ‪.88‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( فتح الباري )‪.(4/345‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( السنة والبدعة‪ ،‬عبد الله باعلوي الحضرمي‪ ،‬ص ‪.133 ،132‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( فضائل الصحابة رقم )‪ ،(756‬إسناد حسن‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.190‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.192‬‬ ‫‪7‬‬

‫)( الخلفة الراشدة والدولة الموية‪ ،‬د‪ .‬يحيى اليحيى‪ ،‬ص ‪.444‬‬ ‫‪8‬‬

‫)‪ (5 ،‬موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.168‬‬ ‫‪9‬‬
‫‪10‬‬

‫‪121‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫يجمعون الجمعة على عهد عمر وعثمان‬ ‫فإن أهل مصر وسواحلها كانوا‬
‫بأمرهما وفيهما رجال من الصحابة)‪.(1‬‬
‫‪ -6‬استراحة عثمان في الخطبة‪:‬‬
‫وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يخطبون يوم‬ ‫عن قتادة أن النبي ×‬
‫يخطب‪ (2‬قائما ثم يجل س‪ ،‬فلما‬ ‫فكان‬ ‫عثمان‬ ‫الجمعة حتى شق القيام على‬
‫كان معاوية خطب الولى جالسا والخرى قائما) ‪.‬‬
‫‪ -7‬جعل القنوت قبل الركوع‪:‬‬
‫القنوت قبل الركوع ‪-‬أي دائما‪-‬‬ ‫قال أنس‪ :‬إن أول من جعل‬
‫عثمان؛ لكي يدرك الناس الركعة)‪.(3‬‬
‫‪ -8‬أعلم الناس بأحكام الحج‪:‬‬
‫بالمناسك‬ ‫يقول محمد بن سيرين‪ :‬كانوا يرون أن أعلم الناس‬
‫عثمان بن عفان‪ ،‬ثم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما)‪.(4‬‬
‫‪ -9‬النهي عن الحرام قبل الميقات‪:‬‬
‫لما فتح عبد الله بن عامر خراسان قال‪ :‬إن هذا نصر من الله ل‬
‫بد لي من أن أشكره عليه‪ ،‬ولجعلن شكري لله أن أخرج من‬
‫موضعي هذا ‪ -‬خراسان‪ -‬محرما‪ ،‬فأحرم من نيسابور وخلف على‬
‫خراسان الحنف بن قيس‪ ،‬فلما قضى عمرته أتى عثمان‪ ،‬وذلك في‬
‫فيها‪(5،‬فقال له عثمان‪ :‬لقد غررت بعمرتك حين‬ ‫السنة التي قتل‬
‫أحرمت من نيسابور) ‪.‬‬
‫‪ -10‬سفر المعتدة للحج والعمرة‪:‬‬
‫المعروف أن المعتدة ل تبيت إل في بيتها‪ ،‬ول تسافر إل بعد‬
‫انتهاء عدتها؛ لن سفرها يقتضي مبيتها في غير بيتها‪ ،‬والحج ل يخلو‬
‫من سفر‪ ،‬ولذلك فإن عثمان كان يرى أن المعتدة ل يلزمها الحج ما‬
‫كان ‪ ‬يرجع المعتدة حاجة أو معتمرة من‬ ‫دامت في العدة‪ ،‬و‬
‫الجحفة وذي الحليفة)‪.(6‬‬
‫‪ -11‬النهي عن متعة الحج‪:‬‬
‫نهى عثمان ‪ ‬المتعة أو الجمع بينهما ليعمل بالفضل ل ليبطل‬
‫المتعة‪ ،‬ول يخفى على عثمان ومن دونه أن من أراد الحرام فهو‬
‫مخير بين الفراد والقران والتمتع‪ ،‬ولكنه ‪ ‬رأى الفراد أفضل من‬
‫الثنين‪ ،‬فعن مروان بن الحكم قال‪ :‬شهدت عثمان وعليا ‪-‬رضي الله‬
‫ي‬
‫عنهما‪ -‬وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما‪ ،‬فلما رأى عل ّ‬
‫ل بهما وقال‪ :‬لبيك بعمرة وحجة‪ ،‬وقال‪ :‬ما كنت لدع سنة‬ ‫ذلك أه ّ‬

‫فتح الباري )‪.(2/441‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫الخلفة الراشدة‪ ،‬يحيى اليحيى‪ ،‬ص)‪.(444‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪ ،444‬فتح الباري )‪.(2/569‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.112‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫سنن البيهقي )‪ ،(5/31‬موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.17‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.112‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪122‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫النبي × لقول أحد‪ (1).‬ولم ينكر عثمان على علي ذلك منه؛ لن عليا‬
‫‪ ‬يخشى أن يحمل غيره النهي على البطال والتحريم‪ ،‬وإنما قال‪:‬‬
‫لقول أحد‪ ،‬ليظهر جواز ذلك وأنها‬
‫)‪(2‬‬
‫ما كنت لدع سنة رسول الله ×‬
‫سنة ماضية‪ ،‬وكلهما مجتهد مأجور‪.‬‬
‫وفي الحديث من الفوائد الظاهرة‪ :‬مناظرة العلماء ولة المر‬
‫بقصد إشاعة العلم ومناصحة المسلمين‪ ،‬وسعة صدر الولة لجتهاد‬
‫العلماء في المسائل التي يتسع معها الجتهاد‪ ،‬وأن المجتهد ل يجبر‬
‫باتباعه لسكوت عثمان عن علي‪ ،‬وفيه أن العلم يسبق‬ ‫مجتهدا آخر‬
‫القول والعمل)‪.(3‬‬
‫‪ -12‬أكل لحم الصيد‪:‬‬
‫للمحرم أن يأكل من الصيد الذي صاده هو‪ ،‬أو صاده‬ ‫ل يجوز‬
‫غيره من الحلل)‪ ,(4‬فعن عبد الرحمن بن حاطب أنه اعتمر مع‬
‫عثمان بن عفان في ركب‪ ،‬فلما كان بالروحاء قدم لهم لحم طير‬
‫)يعاقيب(‪ ،‬فقال عثمان‪ :‬كلوا‪ ،‬وكره أن يأكل منه‪ ،‬فقال عمرو بن‬
‫العاص‪ :‬أنأكل مما لست منه آكل؟ قال عثمان‪ :‬لست في ذلكم‬
‫مثلكم‪ ،‬إنما صيدت لي‪ ،‬وأميتت باسمي‪ ،‬أو قال‪ :‬من أجلي‪ (5).‬وقد‬
‫تكرر ذلك من عثمان مرة أخرى‪ ،‬كما روى عبد الله بن عامر بن‬
‫بالعرج وهو محرم في يوم صائف‬ ‫ربيعة قال‪ :‬رأيت عثمان بن عفان‬
‫قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان‪ ،‬ثم ُأتى بلحم صيد فقال لصحابه‪:‬‬
‫فقالوا‪ :‬أل تأكل أنت؟ قال‪ :‬إني لست كهيئتكم‪ ،‬إنما صيد من‬ ‫كلوا‪،‬‬
‫أجلي)‪.(6‬‬
‫‪ -13‬كراهية الجمع بين القرابة في الزواج‪:‬‬
‫أخرج الخلل من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن‬
‫أبيه‪ ،‬عن أبي بكر وعمر)‪(7‬وعثمان أنهم كانوا يكرهون الجمع بين‬
‫القرابة مخافة الضغائن ‪.‬‬
‫‪ -14‬في الرضاعة‪:‬‬
‫شهاب قال‪ :‬فرق عثمان‬ ‫روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن‬
‫بين ناس تناكحوا بقول امرأة سوداء أرضعتهم)‪.(8‬‬
‫‪ -15‬في الخلع‪:‬‬
‫عن الُربيع بنت معوذ قالت‪ :‬كان بيني وبين ابن عمي كلم ‪-‬وكان‬
‫زوجها‪ -‬قالت‪ :‬فقلت له‪ :‬لك كل شيء وفارقني‪ ،‬قال‪ :‬قد فعلت‪،‬‬
‫فأخذ والله كل شيء حتى فراشي‪ ،‬فجئت عثمان وهو محصور‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الحج‪ ،‬رقم )‪.(1563‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( شهيد الدار عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.86‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( شهيد الدار عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.86‬‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (3 ،‬موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.20‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬
‫)( موسوعةـ فقهـ عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.20‬‬

‫)( سنن البيهقي )‪ ،(5/191‬موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.20‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( الخلفة الراشدة‪ ،‬د‪ .‬يحيى اليحيى‪ ،‬ص ‪.449‬‬ ‫‪7‬‬

‫)( الفتح )‪.(5/18‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪123‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫فقال‪ :‬الشرط أملك‪ ،‬خذ كل شيء حتى عقاص رأسها‪ (1).‬وفي‬
‫اختلعت من زوجي بما دون عقاص رأسي‪ ،‬فأجاز ذلك‬ ‫رواية‪:‬‬
‫عثمان)‪.(2‬‬
‫‪ -16‬يجب الحداد على المعتدة لوفاة زوجها‪:‬‬
‫ومن الحداد ترك الزينة‪ ،‬وترك المبيت في غير البيت الذي توفى‬
‫فيه زوجها إل لضرورة‪ ،‬ويجوز لها أن تخرج نهارا لقضاء حاجتها‪،‬‬
‫ولكنها ل تبيت في المساء إل في بيتها)‪(3‬؛ فعن فريعة بنت مالك بن‬
‫سنان أخت أبي سعيد الخدري أنها جاءت إلى رسول الله‪ ،‬فأخبرته‬
‫أن زوجها خرج في طلب أعيد له‪ ،‬فقتلوه بطرف القدوم‪ ،‬فسألت‬
‫رسول الله أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي لم يتركني في مسكن‬
‫يملكه ول نفقة‪ ،‬قالت‪ :‬فقال رسول الله ×‪ :‬نعم‪ ،‬قالت‪ :‬فانصرفت‬
‫حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله أو أمر بي فنوديت‪،‬‬
‫فقال‪) :‬كيف قلت؟( فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن‬
‫زوجي‪ ،‬فقال‪ :‬امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله‪ ،‬قالت‪:‬‬
‫عثمان‪(4‬ابن عفان‬ ‫فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا‪ ،‬قالت‪ :‬فلما كان‬
‫ي فسألني عن ذلك؟ فأخبرته‪ ،‬فاتبعه وقضى به‪ ).‬ولذلك‬ ‫أرسل إل ّ‬
‫كان عثمان يتشدد في أمر مبيت المرأة المعتدة خارج بيتها‪ ،‬فقد‬
‫حدث أن امرأة توفي عنها زوجها زارت أهلها في عدتها‪ ،‬فضربها‬
‫الطلق فأتوا عثمان فسألوه فقال‪ :‬احملوها إلى بيتها وهي تطلق)‪.(5‬‬
‫‪ -17‬ل تنكحها إل نكاح رغبة‪:‬‬
‫جاء رجل إلى عثمان في خلفته وقد ركب‪ ،‬فسأله فقال‪ :‬إن لي‬
‫إليك حاجة يا أمير المؤمنين‪ ،‬فقال له عثمان‪ :‬إني الن مستعجل‪،‬‬
‫فإن أردت أن تركب خلفي حتى تقضي حاجتك‪ ،‬فركب خلفه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫إن لي جارا طلق امرأته في غضبه‪ ،‬ولقي شدة‪ ،‬فأردت أن أحتسب‬
‫أطلقها‪(6‬فترجع إلى زوجها‬ ‫بنفسي ومالي فأتزوجها ثم ابتني بها ثم‬
‫الول‪ ،‬فقال له عثمان‪ :‬ل تنكحها إل نكاح رغبة) ‪.‬‬
‫‪ -18‬طلق السكران‪:‬‬
‫كان عثمان بن عفان ‪ ‬يرى أن كل ما يتكلم به السكران فهو‬
‫يقع( طلقه؛ لنه ل‬ ‫هدر‪ ،‬فل تصح عقوده‪ ،‬ول فسوخه‪ ،‬ول إقراره‪ ،‬ول‬
‫إلزام لغير إرادة‪ 7).‬قال عثمان‬ ‫يعي ما يقول ول يريد ما يقول‪ ،‬ول‬
‫‪ :‬ليس لسكران ول مجنون طلق)‪.(8‬‬
‫‪ -19‬هبة الوالد لولده‪:‬‬
‫إذا نحل الب ولده نحلة‪ ،‬كان عليه أن يشهد على هذه الهبة‪ ،‬فإذا‬
‫أشهد عليها اعتبر هذا الشهاد قبضا لها‪ ،‬وصح أن تبقى بعد ذلك في‬
‫)‪ (2‬الخلفة الراشدة‪ ،‬د‪ .‬يحيى اليحيى‪،‬‬ ‫)( الطبقات )‪.(8/448‬‬ ‫‪1‬‬

‫ص ‪.449‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪ (4) .244‬المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪،224‬‬ ‫‪3‬‬

‫الموطأ )‪.(2/591‬‬ ‫‪4‬‬

‫)‪ (6‬المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.81‬‬ ‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.225‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)( موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪ ,53‬الفتاوى )‪.(14/72‬‬ ‫‪7‬‬

‫)( الفتاوى )‪ ،(33/61‬موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.53‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪124‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫يد الب‪ ،‬فقد ورد عن عثمان بن عفان ‪ ‬قوله‪ :‬من نحل ولدا له‬
‫صغيرا لم يبلغ أن يجوز نحلة‪ ،‬فأعلن ذلك وأشهد عليه فهي جائزة‬
‫وإن وليها أبوه)‪ ،(1‬وأما إذا لم يشهد ولم يسلمها للولد فهي هبة غير‬
‫لزمة‪ .‬قال عثمان ‪ :‬ما بال أقوام يعطي أحدهم ولده العطية‪ ،‬فإن‬
‫مات ولده قال‪ :‬مالي وفي يدي‪ ،‬وإن مات هو قال‪ :‬وهبته‪ ،‬ل يثبت‬
‫من الهبة إل ما حازه الولد من مال أبيه)‪.(2‬‬
‫‪ -20‬الحجر على السفيه‪:‬‬
‫كان عثمان بن عفان ‪ ‬يرى الحجر على السفيه؛ فقد‬
‫حدث أن اشترى عبد الله بن جعفر أرضا بمبلغ ستين ألف‬
‫دينار‪ ،‬فبلغ ذلك علي بن أبي طالب‪ ،‬فقرر على أن الرض ل‬
‫تساوي هذا المبلغ من المال‪ ،‬وأن عبد الله بن جعفر قد غ ُ ِبن‬
‫نا فاحشا‪ ،‬بل إنه قد تصرف تصرفا أخرق‪ ،‬وأعرب أنه‬ ‫فيها غب ً‬
‫سيتوجه نحو أمير المؤمنين عثمان بن عفان ليطلب منه‬
‫الحجر على عبد الله بن جعفر لسفهه وإساءته التصرف في‬
‫ماله‪ ،‬فأسرع عبد الله بن جعفر إلى الزبير ‪-‬وكان تاجرا حاذقا‪-‬‬
‫وقال له‪ :‬إني ابتعت بيعا بكذا وكذا‪ ،‬وإن عليا يريد أن يأتي‬
‫عثمان فيسأله أن يحجر عل ّ ي‪ ،‬فقال له الزبير‪ :‬فأنا شريكك‬
‫في البيع‪ ،‬وأتى عل ّ ي عثمان بن عفان فقال له‪ :‬إن ابن أخي‬
‫اشترى سبخة بستين ألفا ما يسرني أنها لي بنعلي‪ ،‬فاحجر‬
‫عليه‪ ،‬وقال الزبير لعثمان‪ :‬أنا شريكه في هذا البيع‪ ،‬فقال‬
‫عثمان بن عفان لعلي بن أبي طالب‪ :‬كيف أحجر على رجل‬
‫في بيع شريكه فيه الزبير؟)‪ (3‬يعني‪ :‬إننا ل نستطيع أن نحكم‬
‫على جعفر‬
‫بالسفه لتصرف تص ّ رفه شريكه فيه الزبير؛ لن الزبير ل يمكن‬
‫أن يشارك في تصرف تجاري أخرق لحذقه بالتجارة)‪.(4‬‬
‫‪ -21‬الحجر على المفلس‪:‬‬
‫كان عثمان بن عفان ‪ ‬يرى الحجر على المفلس‪ ،‬وإذا حجر‬
‫على مفلس اقتسم الدائنون ماله بنسبة ديونهم‪ ،‬لكن إن وجد بعض‬
‫عنده‪ ،‬جاز له أن يفسخ البيع‬ ‫دائنيه سلعته التي باعه إياها بعينها‬
‫ويأخذ سلعته)‪ ,(5‬فهو أحق بها من غيره)‪.(6‬‬
‫‪ -22‬تحريم الحتكار‪:‬‬
‫كان عثمان بن عفان ‪‬يمنع الحتكار وينهى عنه ‪ ،‬ويظهر أن‬
‫)‪(7‬‬

‫عثمان بن عفان كان كسلفه عمر بن الخطاب ل يفرق في تحريم‬
‫سنن البيهقي )‪ ,(6/170‬موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.288‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫الفتاوى )‪.(31/154‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫سنن البيهقي )‪ ,(6/661‬موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.119‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.119‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫سنن البيهقي )‪.(6/46‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.119‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫موطأ مالك )‪.(2/651‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫‪125‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫الحتكار بين الطعام وغيره؛ لن نهيه عن الحتكار كان عاما‪ ،‬خاصة أن‬
‫ما ورد عن رسول الله في تحريم الحتكار منه ما هو مطلق في كل‬
‫شيء‪ ،‬ومنه ما هو مقيد)‪(1‬عند الجمهور لعدم التعارض بينهما‪ ،‬بل يبقى‬
‫المطلق على إطلقه ‪.‬‬
‫‪ -23‬ضوال البل‪:‬‬
‫روى مالك أنه سمع ابن شهاب يقول‪ :‬كانت ضوال البل في‬
‫زمن عمر بن الخطاب إبل مرسلة تناتج ل يمسها أحد‪ ،‬حتى إذا كان‬
‫زمن عثمان بن عفان أمر بتعريفها ثم تباع‪ ،‬فإذا جاء صاحبها أعطي‬
‫ثمنها‪ (2).‬وقد كان فعل عمر تبعا لحديث الصحيحين عن زيد بن خالد‬
‫ي × فسأله عما يلتقطه‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫الجهني ‪ ‬قال‪ :‬جاء أعرابي النب ّ‬
‫أعرف عفاصها ووكاءها)‪ ,(3‬ثم عرفها سنة‪ ،‬فإن جاء صاحبها وإل‬
‫فشأنك بها‪ ،‬قال‪ :‬فضالة الغنم يا رسول الله؟ قال‪ :‬هي لك‪ ،‬أو لخيك‬
‫معها سقاؤها‬ ‫أو للذئب‪ ،‬قال‪ :‬فضالة البل؟ قال‪ :‬ما لك ولها‪،‬‬
‫وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها)‪.(4‬‬
‫وقد رأى الستاذ الحجوي أن هذا الجتهاد من عثمان بن عفان ‪‬‬
‫)‪(5‬‬
‫مبني على المصلحة المرسلة؛ أنه رأى الناس مدوا أيديهم إلى‬
‫ضوال البل‪ ،‬فجعل راعيا يجمعها‪ ،‬ثم تباع قياما بالمصلحة العامة‪.‬‬
‫غير أن الستاذ عبد السلم السليماني‪ ،‬رد على هذا القول بقوله‪:‬‬
‫غير أنه من الصعب التسليم بمقالة الستاذ الحجوي على إطلقها؛‬
‫لن المصلحة المرسلة هي التي لم ينص الشارع ل على اعتبارها ول‬
‫على إلغائها‪ ،‬في حين أن النبي × قد نص على حكم ضوال البل في‬
‫الحديث المذكور أعله‪ ،‬فهي إذن مصلحة معتبرة نص عليها النبي‬
‫بنفسه‪ ،‬فل يصح أن يقال إن ما فعله عثمان من بيع ضوال البل يعد‬
‫مصلحة مرسلة‪ ،‬فالمصلحة المرسلة ل تكون في مقابلة النص‪.‬‬
‫والذي يظهر لنا أن اجتهاد عثمان في هذه القضية بني على‬
‫المصلحة العامة فعل لكنها ليست مصلحة مرسلة‪ ،‬وأن هذه القضية‬
‫من القضايا القابلة للجتهاد‪ ،‬والتي يمكن أن يتغير حكمها بتغير‬
‫الزمنة والحوال‪ ,‬وبالنظر إلى ما يحقق مصلحة أصحاب ضوال‬
‫البل؛ لن علة الحكم فيها على ما يظهر‪ ،‬هي المحافظة على هذه‬
‫البل إما بأعيانها أو في شكل ثمنها وكل المرين مصلحة‪ ،‬ول شك‬
‫أن سيدنا عثمان بصنيعه هذا كان هدفه تحقق المصلحة العامة؛ لنه‬
‫رأى أن ترك البل على حالها ‪-‬كما كان المر في عهد النبي × وإلى‬
‫زمن عمر‪ -‬يعرضها للضياع‪ ،‬بعد أن تغيرت أخلق الناس‪ ،‬وأصبحوا‬
‫يقطع الطريق عليهم بما فعل‪،‬‬ ‫يمدون أيديهم لضوال البل‪ ،‬فرأى أن‬
‫وهو اجتهاد سليم وحكم سديد بل ريب)‪.(6‬‬
‫‪ -24‬توريث المرأة المطلقة في مرض الموت‪:‬‬

‫)( موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.15‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( موطأ مالك‪ ،‬ص ‪ ،649 ،648‬طبعة دار الفاق الجديدة‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( العفاص‪ :‬الوعاء الذي تحفظ فيه النفقة‪ ،‬والوكاء‪ :‬الخيط الذي يربط به‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب اللقطة رقم )‪.(2429 ،2428 ،2427‬‬ ‫‪4‬‬

‫)‪ (2‬الجتهاد في الفقه السلمي‪ ،‬ص‬ ‫)( الفكر السامي )‪.(1/245‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪.144 ،143‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪126‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫طلق عبد الرحمن بن عوف زوجته وهو مريض فوّرثها عثمان منه‬
‫بعد انقضاء مدة عدتها‪ ،‬وقد روى أن شريحا كتب إلى عمر بن‬
‫الخطاب في رجل طلق امرأته ثلثا وهو مريض‪ ,‬فأجاب عمر‪ :‬أن‬
‫وّرثها ما دامت في عدتها‪ ،‬فإن انقضت عدتها فل ميراث لها‪ .‬فبعد أن‬
‫اتفقا على أن طلق المريض مرض الموت ل يزيل الزوجية كسبب‬
‫موجب للرث‪ ،‬جعل عمر حدا لذلك وهو العدة‪ ،‬بينما لم يجعل عثمان‬
‫حدا لذلك‪ ،‬وقال‪ :‬ترث مطلقها سواء مات في العدة أو بعدها‪ ،‬وليس‬
‫في المسألة نص يرجع إليه‪ ،‬والباعث على الحكم هو معاملة الزوج‬
‫قصده؛‪(1‬لن الزوج بطلقه في مرض الموت يعتبر فارا من‬ ‫بنقيض‬
‫توريث زوجته) ‪.‬‬
‫ض عدتها‪:‬‬
‫‪ -25‬توريث المطلقة ما لم تنق ِ‬
‫قال عثمان بن عفان‪ :‬إذا مات)‪(2‬أحد الزوجين قبل الحيضة الثالثة‬
‫للمطلقة ورث الحي منهما الميت ‪ ,‬ول يمنع التوارث بينهما طوال‬
‫فترة العدة‪ ،‬كما إذا حاضت المعتدة حيضة أو حيضتين ثم ارتفعت‬
‫حيضتها؛ فقد طلق حبان بن منقذ امرأته وهو صحيح‪ ،‬وهي ترضع‬
‫ابنته‪ ،‬فمكثت سبعة عشر شهرا ل تحيض‪ ،‬يمنعها الرضاع أن تحيض‪،‬‬
‫ثم مرض حبان بعد أن طلقها سبعة أشهر أو ثمانية‪ ،‬فقيل له‪ :‬إن‬
‫امرأتك ترث‪ ،‬فقال‪ :‬احملوني إلى عثمان‪ ،‬فحملوه إليه‪ ،‬فذكر له‬
‫شأن امرأته‪ ،‬وعنده علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت‪ ،‬فقال لهما‬
‫عثمان‪ :‬ما تريان؟ فقال‪ :‬نرى أنها ترثه إن مات‪ ،‬ويرثها إن ماتت‪،‬‬
‫فإنها ليست من القواعد من النساء اللئي يئسن من المحيض‪،‬‬
‫وليست من البكار اللئي لم يحضن‪ ،‬ثم هي على عدة حيضها ما كان‬
‫من قليل أو كثير‪ ،‬فرجع حبان إلى أهله فأخذ ابنته‪ ،‬فلما فقدت‬
‫أن‬ ‫الرضاع حاضت حيضة‪ ،‬ثم حاضت أخرى‪ ،‬ثم توفي حبان قبل‬
‫تحيض الثالثة‪ ،‬فاعتدت عدة الوفاة وورثت زوجها حبان بن منقذ)‪.(3‬‬
‫‪ -26‬توريث الحميل‪:‬‬
‫إذا سبيت امرأة من الكفار ومعها طفل تحمله مدعية أنه ولدها‪،‬‬
‫وهو ما يسمى بـ )الحميل(‪ ،‬فإنها ل تصدق بدعواها‪ ،‬ول يجري‬
‫التوارث بينها وبينه إل إذا أقامت البينة على أنه ابنها‪ .‬وقد استشار‬
‫عثمان في ذلك أصحاب رسول الله × فأبدى كل منهما رأيه‪ ,‬وقال‬
‫نرى أن نورث مال الله إل بالبينات‪ ،‬وقال‪ :‬ل يورث‬ ‫عثمان آنئذ‪ :‬ما‬
‫الحميل إل ببينة)‪.(4‬‬
‫هذه بعض اجتهادات ذي النورين أثرت في المؤسسة القضائية‬
‫في مجال القصاص والحدود والجنايات والتعزير‪ ،‬كما أنه ساهم في‬
‫تطوير المدارس الفقهية السلمية باجتهاداته الدالة على سعة‬
‫اطلعه‪ ،‬وغزارة علمه وعمق فهمه واستيعابه لمقاصد الشريعة‬
‫الغراء‪ ،‬فهو خليفة راشد‪ ،‬أعماله تسترشد بها المة في مسيرتها‬
‫الطويلة لنصرة دين الله تعالى وإعزازه‪.‬‬
‫)( تاريخ التشريع السلمي للخضري‪ ،‬ص ‪ .118‬نشأة الفقه الجتهادي‪ ،‬محمد‬ ‫‪1‬‬

‫السايس‪ ،‬ص ‪ .27‬الجتهاد في الفقه السلمي‪ ،‬ص ‪.142‬‬
‫)( موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.28‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( سنن البيهقي )‪ .(7/419‬موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.29‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( موسوعة فقه عثمان بن عفان‪ ،‬ص ‪.28‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪127‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫***‬

‫‪128‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫الفصل الرابع‬
‫عفان ‪‬‬ ‫الفتوحات في عهد عثمان بن‬
‫تمهيد‪:‬‬
‫شجع خبر مقتل عمر بن الخطاب ‪ ‬أعداء السلم وخصوصا‬
‫في بلد الفرس والروم إلى الطمع في استرداد ملكهم‪ ،‬فبدأ يزدجر‬
‫ملك الفرس يخطط في العاصمة التي يقيم فيها وهي مدينة )فرغنة(‬
‫عاصمة سمرقند‪ ،‬وأما زعماء الروم فقد تركوا بلد الشام وانتقلوا‬
‫إلى القسطنطينية العاصمة البيزنطية‪ ،‬وبدأوا في عهد عثمان في‬
‫البحث عن الوسائل التي تمكنهم من استرداد ملكهم‪ .‬وكانت بقايا‬
‫جيوش الروم في مصر وقد تحصنوا بالسكندرية في عهد عمر بن‬
‫الخطاب‪ ،‬فطلب عمرو بن العاص منه أن يأذن بفتحها‪ ،‬وكانت‬
‫معززة بتحصينات كثيرة وكانت المجانيق فوق أسوارها‪ ،‬وكان هرقل‬
‫قد عزم أن يباشر القتال بنفسه ول يتخلف أحد من الروم؛ لن‬
‫السكندرية هي معقلهم الخير‪ (1).‬وفي عصر عثمان تجمع الروم في‬
‫السكندرية وبدأوا يبحثون عن وسيلة لسترداد ملكهم فيها‪ ،‬حتى‬
‫وصل بهم المر إلى نقض الصلح واستعانوا بقوة الروم البحرية)‪،(2‬‬
‫فأمدوهم بثلثمائة سفينة بحرية تحمل الرجال والسلح‪ .‬ولقد واجه‬
‫عثمان ذلك كله بسياسة تتسم بالحسم والعزم وتمثلت في الخطة‬
‫التية‪:‬‬
‫‪ -1‬إخضاع المتمردين من الفرس والروم وإعادة سلطان السلم‬
‫إلى هذه البلد‪.‬‬
‫‪ -2‬استمرار الجهاد والفتوحات فيما وراء هذه البلد؛ لقطع المدد‬
‫عنهم‪.‬‬
‫‪ -3‬إقامة قواعد ثابتة يرابط فيها المسلمون لحماية البلد‬
‫السلمية‪.‬‬
‫)‪ -(34‬إنشاء قوة بحرية عسكرية لفتقار الجيش السلمي إلى‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫كانت معسكرات السلم ومسالحه في عهد عثمان هي عواصم‬
‫أقطاره الكبرى‪ ،‬فمعسكر العراق الكوفة والبصرة‪ ،‬ومعسكر الشام‬
‫في دمشق بعد أن خلص الشام كله لمعاوية بن أبي سفيان‬
‫المعسكرات‬ ‫ومعسكر مصر‪ ،‬وكان مركزه الفسطاط‪ ،‬وكانت هذه‬
‫تقوم بحماية دولة السلم ومواصلة الفتوحات‪ ،‬ونشر السلم)‪.(4‬‬

‫الخلفة والخلفاء الراشدون‪ ،‬ص ‪.221‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.324‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫الخلفة والخلفاء الراشدون‪ ،‬ص ‪.222‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫عثمان بن عفان صادق عرجون‪ ،‬ص ‪.200 ،199‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪129‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫المبحث الول‬
‫فتوحات عثمان في المشرق‬
‫ل‪ :‬فتوحات أهل الكوفة‪ :‬أذربيجان ‪ 24‬هـ‪:‬‬ ‫أو ً‬
‫كانت مغازي أهل الكوفة الري وأذربيحان‪ ،‬وكان يرابط بها عشرة‬
‫آلف مقاتل؛ ستة آلف بأذربيجان‪ ،‬وأربعة آلف بالري‪ ،‬وكان جيش‬
‫الكوفة العامل أربعين ألف مقاتل‪ ،‬يغزو كل عام منهم عشرة آلف‪،‬‬
‫فيصيب الرجل غزوة كل أربعة أعوام‪ .‬ولما أخلص عثمان ‪ ‬الكوفة‬
‫للوليد ابن عقبة انتفض أهل أذربيجان‪ ،‬فمنعوا ما كانوا قد صالحوا عليه‬
‫حذيفة بن اليمان أيام عمر‪ ،‬وثاروا على واليهم عقبة بن فرقد‪ ،‬فأمر‬
‫عثمان الوليد أن يغزوهم‪ ،‬فجهز لهم قائده سليمان بن ربيعة الباهلي‪،‬‬
‫وبعثه مقدمة أمامه في طائفة من الجند‪ ،‬ثم سار الوليد بعده في جماعة‬
‫من الناس‪ ،‬فأسرع إليه أهل أذربيجان طالبين الصلح على ما كانوا‬
‫صالحوا عليه حذيفة‪ ،‬فأجابهم الوليد وأخذ طاعتهم‪ ،‬وبث فيمن حولهم‬
‫السرايا وشن عليهم الغارات‪ ،‬فبعث عبد الله بن شبيل الحمسي في‬
‫أربعة آلف إلى أهل موقان والببر الطيلسان‪ ،‬فأصاب من أموالهم وغنم‬
‫دهم‪ ،‬ثم جهز سليمان الباهلي في‬ ‫لح ّ‬‫وسبي‪ ،‬ولكنهم تحرزوا منه فلم يف ّ‬
‫منها مليء اليدين بالغنائم‪،‬‬
‫)‪(1‬‬
‫اثني عشر ألفا إلى أرمينية فأخضعها وعاد‬
‫وانصرف الوليد بعد ذلك عائدا إلى الكوفة‪.‬‬
‫ولكن أهل أذربيجان تمردوا أكثر من مرة‪ ،‬فكتب الشعث بن‬
‫قيس والي أذربيجان إلى الوليد بن عقبة فأمده بجيش من أهل‬
‫الكوفة‪ ،‬وتتبع الشعث الثائرين وهزمهم هزيمة منكرة‪ ،‬فطلبوا الصلح‬
‫فصالحهم على صلحهم الول‪ ،‬وخاف الشعث أن يعيدوا الك َّرة فوضع‬
‫حامية من العرب وجعل لهم عطايا وسجلهم في الديوان‪ ،‬وأمرهم‬
‫بدعوة الناس إلى السلم‪ .‬ولما تولى أمرهم سعيد بن العاص عاد‬
‫أهل أذربيجان وتمردوا على الوالي الجديد‪ ،‬فبعث إليه جرير بن عبد‬
‫الله البجلي فهزمهم وقتل رئيسهم‪ ،‬ثم استقرت المور بعد أن أسلم‬
‫أكثر شعبها وتعلموا القرآن الكريم‪ .‬وأما الري فقد صدر أمر الخليفة‬
‫عثمان إلى أبي موسى الشعري وفي وقت وليته على الكوفة‪،‬‬
‫إليها لتمردها‪ ،‬فأرسل إليها قريظة بن كعب‬ ‫وأمره بتوجيه جيش‬
‫النصاري فأعاد فتحها)‪.(2‬‬
‫ثانًيا‪ :‬مشاركة أهل الكوفة في إحباط تحركات الروم‪:‬‬
‫عندما انتهى الوليد بن عقبة من مهمته في أذربيجان وعاد إلى‬
‫بعد‪ ،‬فإن معاوية بن‬ ‫الموصل جاءه أمر من الخليفة عثمان نصه‪) :‬أما‬
‫ي يخبرني أن الروم قد أجلبت)‪ (3‬على المسلمين‬ ‫أبي سفيان كتب إل ّ‬
‫بجموع عظيمة‪ ،‬وقد رأيت أن يمدهم إخوانهم من أهل الكوفة‪ ،‬فإذا‬
‫أتاك كتابي هذا فابعث رجل ممن ترضى نجدته وبأسه وشجاعته‬
‫وإسلمه في ثمانية آلف أو تسعة آلف أو عشرة آلف إليهم من‬

‫)( تاريخ الطبري )‪.(5/246‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( الخلفة والخلفاء الراشدون‪ ،‬ص ‪.224‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( أجلبت‪ :‬تجمعت للحرب‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪130‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫المكان الذي يأتيك فيه رسولي)‪ ،(1‬والسلم(‪ .‬فقام الوليد في الناس‪،‬‬
‫فحمد الله وأثنى عليه‪ ،‬ثم قال‪ :‬أما بعد أيها الناس‪ ،‬فإن الله قد أبلى‬
‫المسلمين في هذا الوجه بلء حسنا‪ ،‬ورد عليهم بلدهم التي كفرت‪،‬‬
‫وفتح بلدا لم تكن افتتحت‪ ،‬وردهم سالمين غانمين مأجورين‪،‬‬
‫ي أمير المؤمنين يأمرني أن‬ ‫فالحمد لله رب العالمين‪ .‬وقد كتب إل ّ‬
‫أندب منكم ما بين العشرة آلف إلى الثمانية آلف‪ ،‬تمدون إخوانكم‬
‫من أهل الشام‪ ،‬فإنهم قد جاشت عليهم الروم‪ ،‬وفي ذلك الجر‬
‫العظيم والفضل المبين‪ .‬فانتدبوا رحمكم الله مع سلمان بن ربيعة‬
‫ض ثالثة حتى خرج ثمانية آلف رجل‬ ‫الباهلي‪ ،‬فانتدب الناس‪ ،‬فلم يم ِ‬
‫من أهل الكوفة‪ ،‬فمضوا حتى دخلوا وأهل الشام إلى أرض الروم‪،‬‬
‫وعلى جند أهل الشام حبيب بن مسلمة بن خالد الفهري‪ ،‬وعلى جند‬
‫أهل الكوفة سلمان بن ربيعة الباهلي‪ ،‬فشنوا الغارات على أرض‬
‫شاءوا من سبي‪ ،‬وملوا أيديهم من المغنم‪،‬‬ ‫الروم‪ ،‬فأصاب الناس ما‬
‫وافتتحوا بها حصونا كثيرة‪ (2).‬وفي جهاد الوليد وغزوه يقول بعض‬
‫الرواة‪ :‬رأيت الشعبي جلس إلى محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة‪،‬‬
‫فذكر محمد غزوة مسلمة بن عبد الملك‪ ،‬فقال الشعبي‪ :‬كيف لو‬
‫فينتهي إلى كذا وكذا ما‬ ‫أدركتم الوليد وغزوه وإمارته؟ إن كان ليغزو‬
‫قصر ول انتقض عليه أحد حتى عزل من عمله)‪.(3‬‬
‫ثالثـا‪ :‬غزوة سعيد بن العاص طبرستان ‪ 30‬هـ‪:‬‬
‫غزا سعيد بن العاص من الكوفة سنة ثلثين يريد خراسان ومعه‬
‫حذيفة بن اليمان وناس من أصحاب رسول الله ×‪ ،‬ومعه الحسن‬
‫والحسين‪ ,‬وعبد الله بن عباس‪ ,‬وعبد الله بن عمر وعبد الله بن‬
‫عمرو بن العاص‪ ،‬وعبد الله بن الزبير‪ ،‬وخرج عبد الله بن عامر من‬
‫البصرة يريد خراسان‪ ،‬فسبق سعيدا ونزل أبرشهر‪ ،‬وبلغ نزوله‬
‫أبرشهر سعيدا‪ ،‬فنزل سعيد قوميس‪ ،‬وهي صلح‪ ،‬صالحهم حذيفة بعد‬
‫نهاوند‪ ،‬فأتى جرجان فصالحوه على مائتي ألف‪ ،‬ثم أتى طميسة‪،‬‬
‫وهي كلها من طبرستان جرجان‪ ،‬وهي مدينة على ساحل البحر‪،‬‬
‫وهي في تخوم جرجان‪ ،‬فقاتله أهلها حتى صلى صلة الخوف‪ ،‬فقال‬
‫لحذيفة‪ :‬كيف صلى رسول الله ×؟ فأخبره فصلى بها سعيد صلة‬
‫الخوف وهم يقتتلون‪ ،‬وضرب يومئذ سعيد رجل من المشركين على‬
‫حبل عاتقه‪ ،‬فخرج السيف من تحت مرفقه‪ ،‬وحاصرهم‪ ,‬فسألوا‬
‫المان فأعطاهم على أل يقتل منهم رجل واحدا‪ ،‬ففتحوا الحصن‪،‬‬
‫فقتلهم جميعا إل رجل واحدا‪ ،‬وحوى ما كان في الحصن‪ ،‬فأصاب‬
‫رجل من بني نهد سفطا عليه قفل‪ ،‬فظن فيه جواهر‪ ،‬وبلغ سعيدا‪،‬‬
‫فيه سفطا‬ ‫فبعث إلى النهدي فأتاه بالسفط فكسروا قفله‪ ،‬فوجدوا‬
‫ففتحوه فإذا فيه خرقة صفراء وفيها أيران‪ :‬كميت وورد‪ (4).‬وعندما‬
‫قفل سعيد إلى الكوفة‪ ،‬مدحه كعب بن جعبل فقال‪:‬‬
‫وإذا هبطوا من دستبي ثم‬ ‫فنعم الفتى إذا جال جيلن دونه‬
‫أبهرا‬

‫)‪ ( 3،‬تاريخ الطبري )‪.(5/247‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( عثمان بن عفان‪ ،‬صادق عرجون‪ ،‬ص ‪.201‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( تاريخ الطبري )‪.(5/270‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪131‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫ن أن‬‫م ْ‬
‫إذا هبطت أشفقت ِ‬ ‫تعلم سعيد الخير أن مطيتي‬
‫ت ُْعقرا‬
‫حَرا‬
‫ص َ‬
‫تحّرد َ من ليث العرين وأ ْ‬ ‫كأنك يوم الشعب ل َْيث خ ّ‬
‫فية‬
‫)‪(1‬‬
‫سرا‬
‫ح ّ‬
‫ثمانين ألفا دارعين و ُ‬ ‫تسوس الذي ما ساس قبلك‬
‫واحد‬
‫رابًعا‪ :‬هروب ملك الفرس )يزدجرد( إلى خراسان‪:‬‬
‫قدم ابن عامر البصرة ثم خرج إلى فارس فافتتحها‪ ،‬وهرب‬
‫يزدجرد من وجوز ‪-‬وهي أردشير خرة‪ -‬في سنة ثلثين‪ ،‬فوجه ابن‬
‫كرمان‪ ،‬فنزل‬ ‫عامر في أثره مجاشع بن مسعود السلمي‪ ،‬فاتبعه إلى‬
‫مجاشع السيرجان بالعسكر‪ ,‬وهرب يزدجرد إلى خراسان)‪.(2‬‬
‫سا‪ :‬مقتل يزدجرد ملك الفرس ‪ 31‬هـ‪:‬‬ ‫خام ً‬
‫اختلف في سبب ذكر قتله كيف كان‪ ،‬قال ابن إسحاق‪ :‬هرب‬
‫يزدجرد من كرمان في جماعة يسيرة إلى مرو‪ ،‬فسأل من بعض‬
‫أهلها مال فمنعوه وخافوه على أنفسهم‪ ،‬فبعثوا إلى الترك‬
‫وهرب هو حتى أتى منزل‬ ‫يستفزونهم عليه‪ ،‬فأتوه فقتلوا أصحابه‪،‬‬
‫ينقر الرحاء)‪ (3‬على شط المرغاب)‪ (4‬فأوى إليه ليل‪ ،‬فلما نام‬ ‫رجل‬
‫قتله‪ (5).‬وجاء في رواية عند الطبري‪ :‬بل سار يزدجرد من كرمان‬
‫قبل ورود العرب إياها‪ ،‬فأخذ على طريق الطبسين وقهمستان‪ ،‬حتى‬
‫شارف مرو في زهاء أربعة آلف رجل‪ ،‬ليجمع من أهل خراسان‬
‫جموعا‪ ،‬ويكر إلى العرب ويقاتلهم‪ ،‬فتلقاه قائدان متباغضان‬
‫متحاسدان كانا بمرو‪ ،‬يقال لحدهما براز والخر سنجان‪ ،‬ومنحاه‬
‫الطاعة‪ ،‬وأقام بمرو‪ ،‬وخص براز فحسده ذلك سنجان‪ ،‬وجعل براز‬
‫يبغي سنجان الغوائل‪ ،‬ويوغل صدر يزدجرد عليه‪ ،‬وسعى سنجان‬
‫حتى عزم على قتله‪ ،‬وأفشى ما كان عزم عليه من ذلك إلى امرأة‬
‫من نسائه كان براز واطأها‪ ،‬فأرسلت إلى براز بنسوة زعمت بإجماع‬
‫يزدجرد على قتل سنجان‪ ،‬وفشا ما كان عزم عليه يزدجرد من ذلك‪،‬‬
‫فنذر)‪ (6‬سنجان وأخذ حذره‪ ،‬وجمع جمعا كنحو أصحاب براز‪ ،‬ومن‬
‫كان مع يزدجرد من الجند‪ ،‬وتوجه نحو القصر الذي كان يزدجرد‬
‫نازله‪ ،‬وبلغ ذلك براز‪ ،‬فنكص عن سنجان لكثرة جموعه‪ ،‬ورعب جمع‬
‫سنجان يزدجرد وأخافه‪ ،‬فخرج من قصره متنكرا‪ ،‬ومضى على وجهه‬
‫راجل لينجو بنفسه‪ ،‬فمشى نحو من فرسخين حتى وقع إلى رحا‬
‫فدخل بيت الرحا فجلس فيه كال)‪ (7‬لغبا)‪ ،(8‬فرآه صاحب الرحا ذات‬
‫هيئة وطرة وبرزة كريمة‪ ،‬ففرش له‪ ،‬فجلس وأتاه بطعام فطعم‪،‬‬
‫ومكث عنده يوما وليلة‪ ،‬فسأله صاحب الرحا أن يأمل له بشيء‬
‫فبذل له منطقه مكللة بجوهر كانت عليه‪ ،‬فأبى صاحب الرحا أن‬
‫يقبلها‪ ،‬وقال‪ :‬إنما كان يرضيني من هذه المنطقة أربعة دراهم كنت‬

‫المصدر نفسه )‪.(5/271‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫المصدر نفسه )‪.(5/288‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (2‬المرغاب‪ :‬نهر بمرو‪.‬‬ ‫الرحاء‪ :‬جمع رحا‪ :‬الطاحون‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)‪ (4‬نذر‪ :‬علم‪.‬‬ ‫تاريخ الطبري )‪.(5/295‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)‪ (6‬لغبا‪ :‬متعبا أشد التعب‪.‬‬ ‫كال‪ :‬متعبا‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫‪132‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫أطعم بها وأشرب‪ ،‬فأخبره أنه ل ورق معه‪ ،‬فتملقه صاحب الرحا‬
‫حتى إذا غفا قام إليه بفأس له فضرب بها هامته فقتله‪ ،‬واحتز رأسه‬
‫وأخذ ما كان عليه من ثياب ومنطقه‪ ,‬وألقى جيفته في النهر الذي‬
‫كان تدور بمائه رحاه وبقر بطنه‪ ،‬وأدخل فيه أصول من أصول‬
‫طرفاء)‪ (1‬كانت نابتة في ذلك النهر لتجس جثته في الموضع الذي‬
‫يسفل( فيعرف ويطلب قاتله‪ ،‬وما أخذ من سلبه‪,‬‬ ‫ألقاه فيه‪ ،‬فل‬
‫وهرب على وجهه‪ 2).‬وجاء في رواية‪ :‬وجاءت الترك في طلبه‬
‫فوجدوه قد قتله وأخذ حاصله‪ ،‬فقتلوا ذلك الرجل وأهل بيته‪ ،‬وأخذوا‬
‫كسرى‪ ،‬ووضعوا كسرى في تابوت وحملوه‬ ‫ما كان مع‬
‫إلى اصطخر)‪.(3‬‬
‫وقد ذكر الطبري حديثين مطولين‪ ،‬وأحدهما أطول من الخر‬
‫الضطرابات تقلب فيها‪ ،‬وأنواعا من الدوائر دارت‬ ‫يتضمن ضروبا من‬
‫عليه حتى كانت منيته آخرها‪ (4).‬وقد قال يزدجرد لمن أراد قتله في‬
‫بعض الروايات أل يقتلوه وقال لهم‪ :‬ويحكم‪ ،‬إنا نجد في كتبنا أن من‬
‫اجترأ على قتل الملوك عاقبه الله بالحريق في الدنيا‪ ،‬مع ما هو قادم‬
‫الدهقان‪ ،‬أو سرحوني إلى العرب‬ ‫عليه‪ ،‬فل تقتلوني وائتوا بي إلى‬
‫مْلك يزدجرد عشرين‬ ‫ُ‬ ‫وكان‬ ‫)‪(5‬‬
‫الملوك‪.‬‬ ‫فإنهم يستحيون مثلي من‬
‫سنة منها أربعة سنين في دعة‪ ،‬وباقي ذلك هاربا من بلد إلى آخر‪،‬‬
‫خوفا من)‪(6‬السلم وأهله‪ ،‬وهو آخر ملوك الفرس في الدنيا على‬
‫الطلق‪ .‬فسبحان ذي العظمة والملكوت‪ ،‬الملك الحق الحي‬
‫الدائم الذي ل يموت‪7) ،‬ل( إله إل هو‪ ،‬كل شيء هالك إل وجهه‪ ،‬له‬
‫الحكم وإليه ترجعون‪ .‬وقد قال رسول الله × في ملوك الفرس‬
‫والروم‪» :‬إذا هلك قيصر فل قيصر بعده‪ ،‬وإذا هلك كسرى‬
‫والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما‬ ‫فل كسرى بعده‪،‬‬
‫)‪(8‬‬
‫في سبيل الله«‪.‬‬
‫سا‪ :‬تعاطف النصارى مع يزدجرد بعد مقتله‪:‬‬ ‫ساد ً‬
‫بلغ قتل يزدجرد رجل من أهل الهواز كان مطرانا على مرو يقال‬
‫له إيلياء‪ ،‬فجمع من كان قبله من النصارى‪ ،‬وقال لهم‪ :‬إن ملك‬
‫الفرس قد قتل‪ ،‬وهو ابن شهريار بن كسرى‪ ،‬وإنما شهريار ولد‬
‫شيرين المؤمنة التي قد عرفتم حقها وإحسانها إلى أهل ملتها من‬
‫غير وجه‪ ،‬ولهذا الملك عنصر في النصرانية مع ما نال النصارى في‬
‫ملك جده كسرى من الشرف‪ .‬وقبل ذلك في مملكة ملوك من‬
‫أسلفه من الخير‪ ،‬حتى بنى لهم بعض الب َِيع‪ ،‬وسدد لهم بعض ملتهم‪،‬‬
‫إحسان إسلفه‬ ‫فينبغي لنا أن نحزن لقتل هذا الملك من كرامته بقدر‬
‫وجدته شيرين إلى النصارى‪ ،‬وقد رأيت أن أبني له ناووسا)‪ ,(9‬وأحمل‬
‫جثته في كرامة حتى أواريها فيه‪ ،‬فقال النصارى‪ :‬أمرنا لمرك أيها‬
‫طرفاء‪ :‬شجر‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫خلفة عثمان‪ ،‬للسلمي‪ ،‬ص ‪.57‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (2‬الكتفاء‪ ،‬للكلعي )‪.(4/417‬‬ ‫تاريخ الطبري )‪.(5/297‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫المصدر نفسه )‪ ,(4/418‬تاريخ الطبري )‪.(5/302‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫خلفة عثمان‪ ،‬د‪ .‬السلمي‪ ،‬ص ‪.57‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫الكتفاء للكلعي )‪.(4/419‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫مسلم في الفتن‪ ،‬رقم )‪.(2919 ،2918‬‬ ‫)(‬ ‫‪8‬‬

‫الناووس‪ :‬حجر منقور تجعل فيه جثة الميت‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪9‬‬

‫‪133‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫المطران تبع‪ ،‬ونحن لك على رأيك هذا مواطئون‪ ،‬فأمر المطران‬
‫فبنى في جوف بستان المطارنة بمرو ناووسا‪ ،‬ومضى بنفسه ومعه‬
‫نصارى مرو حتى استخرج جثة يزدجرد من النهر وكفنها‪ ،‬وجعلها في‬
‫عواتقهم حتى أتوا به‬ ‫تابوت‪ ،‬وحمله من كان معه من النصارى على‬
‫الناووس الذي أمر ببنائه له وواروه فيه‪ ،‬وردموا بابه)‪.(1‬‬
‫سابًعا‪ :‬فتوحات عبد الله بن عامر ‪ 31‬هـ‪:‬‬
‫في هذه السنة ‪ 31‬هـ شخص عبد الله بن عامر إلى خراسان‬
‫ففتح أبرشهر وطوس وبيورد ونسا حتى بلغ سرخس‪ ،‬وصالح فيها‬
‫أهل مرو‪ .‬وقد جاء في رواية عن السكن بن قتادة الُعريني قال‪ :‬فتح‬
‫ابن عامر فارس ورجع إلى البصرة‪ ،‬واستعمل على إصطخر شريك‬
‫بن العور الحارثي‪ ،‬فبنى شريك مسجد إصطخر‪ ،‬فدخل على ابن‬
‫عامر رجل من بني تميم كنا نقول‪ :‬إنه الحنف ‪-‬ويقال‪ :‬أوس بن‬
‫شم تميم‪ -‬فقال له‪ :‬إن عدوك منك هارب‪ ،‬وهو لك‬ ‫ج َ‬
‫جابر الجشمي ُ‬
‫سْر فإن الله ناصرك ومعز دينه‪ ،‬فتجهز ابن‬ ‫هائب‪ ،‬والبلد واسعة‪ ،‬ف ِ‬
‫عامر‪ ،‬وأمر الناس بالجهاز للمسير‪ ،‬واستخلف على البصرة زيادا‪،‬‬
‫وسار إلى كرمان‪ ،‬ثم أخذ إلى خراسان؛ فقوم يقولون‪ :‬أخذ طريق‬
‫أصبهان‪ ،‬ثم سار إلى خراسان‪ ،‬واستعمل على كرمان مجاشع بن‬
‫مسعود السلمي‪ ،‬وأخذ ابن عامر على مفازة واَبر‪ ،‬وهي ثمانون‬
‫فرسخا‪ ،‬ثم سار إلى الط َّبسين يريد أبرشهر‪ ،‬وهي مدينة نيسابور‪،‬‬
‫وعلى مقدمته الحنف بن قيس‪ ،‬فأخذ إلى ُقهستان‪ ،‬وخرج إلى‬
‫الهباطلة‪(2،‬وهم أهل هراة‪ ،‬فقاتلهم الحنف فهزمهم‪ ،‬ثم‬‫)‬
‫أبرشهر فلقيه‬
‫أتى ابن عامر نيسابور‪.‬‬
‫وجاء في رواية‪ :‬نزل ابن عامر على أبرشهر فغلب على نصفها‬
‫عنوة‪ ،‬وكان النصف الخر في يد كناري‪ ،‬ونصف نساوطوس‪ ،‬فلم‬
‫يقدر ابن عامر أن يجوز إلى مرو‪ ،‬فصالح كنارى‪ ،‬فأعطاه ابنه أبا‬
‫ما رهًنا‪ .‬ووجه عبد الله بن خازم‬ ‫الصلت ابن كنارى وابن أخيه سلي ً‬
‫ابن‪(3‬عامر ابني كنارى‪،‬‬ ‫وأخذ‬ ‫مرو‪،‬‬ ‫إلى هراة‪ ،‬وحاتم بن النعمان إلى‬
‫فصار إلى النعمان بن الفقم النصري فأعتقهما) ‪ ،‬وفتح ابن عامر ما‬
‫حول مدينة أبرشهر‪ ،‬كطوس وبيورد‪ ،‬ونسا وحمران‪ ،‬حتى انتهى إلى‬
‫سرخس‪ ،‬وسرح ابن عامر السود بن كلثوم العدوي ‪-‬عدى الرباب‪-‬‬
‫إلى ببهق وهو من أبرشهر‪ ،‬بينهما وبين أبرشهر ستة عشر فرسخا‪،‬‬
‫ففتحها وقتل السود بن كلثوم‪ ،‬وكان فاضل في دينه‪ ،‬وكان من‬
‫أصحاب عامر بن عبد الله العنبري‪ .‬وكان عامر يقول بعدما أخرج من‬
‫البصرة‪ :‬ما آسى من العراق على شيء إل على ظماء الهواجر‪،‬‬
‫وتجاوب المؤذنين‪ ،‬وإخوان مثل السود بن كلثوم‪ (4).‬واستطاع ابن‬
‫عامر أن يتغلب على نيسابور‪ ،‬وخرج إلى سرخس‪ ،‬فأرسل إلى أهل‬
‫النعمان الباهلي‪،‬‬ ‫مرو يطلب الصلح‪ ،‬فبعث إليهم ابن عامر حاتم بن‬
‫فصالح براز مرزبان مرو على ألفي ألف ومائتي ألف)‪.(5‬‬

‫تاريخ الطبري )‪.(5/304‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫المصدر نفسه )‪.(5/305‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫المصدر نفسه )‪.(5/306‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫تاريخ الطبري )‪.(5/307‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫المصدر نفسه )‪.(5/307‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪134‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫ثامًنا‪ :‬غزوة الباب وبلنجر سنة ‪32‬هـ‪:‬‬
‫كتب عثمان بن عفان ‪ ‬إلى سعيد بن العاص‪ :‬أن اغُز سلمان‬
‫الباب‪ ،‬وكتب إلى عبد الرحمن بن ربيعة وهو على الباب‪ :‬أن الرعية‬
‫قد أبطر كثيرا منهم البطنة‪ ،‬فقصر‪ ،‬ول تقتحم بالمسلمين‪ ،‬فإني‬
‫ش أن يبتلوا‪ ،‬فلم يزجر ذلك عبد الرحمن عن غايته‪ ،‬وكان ل يقصر‬ ‫خا ٍ‬
‫عن بلنجر‪ ،‬فغزا سنة تسع من إمارة عثمان)‪(1‬حتى إذا بلغ بلنجر‬
‫والعرادات ‪ ،‬فجعل ل يدنو منها أحد‬ ‫حصروها ونصبوا عليها المجانيق‬
‫إل أعنتوه أو قتلوه‪ ،‬فأسرعوا في الناس)‪ ،(2‬ثم إن الترك اتعدوا يوما‬
‫فخرج أهل بلنجر‪ ،‬وتوافت إليهم الترك فاقتتلوا‪ ،‬فأصيب عبد الرحمن‬
‫بن ربيعة )وكان يقال له ذو النورين(‪ ،‬وانهزم المسلمون فتفرقوا‪،‬‬
‫فأما من أخذ طريق سلمان بن ربيعة فحماه حتى خرج من الباب‪،‬‬
‫وأما من أخذ طريق الخزر وبلدها فإنه خرج على جيلن وجرجان‬
‫وفيهم سلمان الفارسي وأبو هريرة‪ ،‬وأخذ القوم جسد عبد الرحمن‬
‫سفط فبقى في أيديهم‪ ،‬فهم يستسقون به إلى اليوم‬ ‫)‪(3‬‬
‫فجعلوه في‬
‫ويستنصرون به‪.‬‬
‫‪ -1‬مقتل يزيد بن معاوية‪ :‬غزا أهل الكوفة بلنجر سنين من‬
‫إمارة عثمان لم ت َِئم)‪ (4‬فيهن امرأة‪ ،‬ولم ييتم فيهن صبي من قتل‪،‬‬
‫حتى كان سنة تسع من خلفة عثمان قبل المزاحفة بيومين رأى يزيد‬
‫بن معاوية أن غزال جيء به إلى خبائه لم يَر غزال أحسن منه حتى‬
‫لف في ملحفته‪ ،‬ثم أتى به قبر عليه أربعة نفر لم يرقبوا أشد‬
‫استواء منه ول أحسن منه حتى دفن فيه‪ ،‬فلما تفادى الناس على‬
‫الترك رمى يزيد بحجر‪ ،‬فهشم رأسه‪ ،‬فكأنما زين ثوبه بالدماء زينة‪،‬‬
‫وليس بتلطخ‪ ،‬فكان ذلك الغزال الذي رأى‪ (5).‬وكان يزيد رقيقا جميل‬
‫رحمه الله‪ ،‬وبلغ ذلك عثمان فقال‪ :‬إنا لله)‪(6‬وإنا إليه راجعون‪ ،‬انتكث‬
‫أهل الكوفة‪ ،‬اللهم تب عليهم وأقبل بهم‪.‬‬
‫‪ -2‬ما أحسن حمرة الدماء في بياضك‪ :‬كان عمرو بن عتبة‬
‫فأصيب‬
‫)‪(7‬‬
‫يقول لقباء عليه أبيض‪ :‬ما أحسن حمرة الدماء في بياضك‪،‬‬
‫عند اللتحام مع العدو بجراحة‪ ،‬فرأى قباءه كما اشتهى وقتل‪.‬‬
‫‪ -3‬ما أحسن لمع الدماء على الثياب‪ :‬كان القرشع يقول‪ :‬ما‬
‫أحسن لمع الدماء على الثياب‪ ،‬فلما كان يوم المزاحفة قاتل القرشع‬
‫خّرق بالحراب‪ ،‬فكأنما كان قباؤه ثوبا أرضه بيضاء ووشيه‬ ‫حتى ُ‬
‫أحمر‪(8)،‬وما زال الناس ثبوتا حتى أصيب‪ ،‬وكانت هزيمة الناس مع‬
‫مقتله ‪.‬‬
‫يموتون كما تموتون‪ :‬كان الترك في تلك المعركة‬ ‫‪ -4‬إن هؤلء‬
‫قد اختفوا في الغياض)‪ ،(9‬وكانوا قد خافوا المسلمين واعتقدوا أن‬
‫)( العرادة‪ :‬آلة حربية كالمنجنيق‪ ،‬ترمي بالحجارة المرمى البعيد لدك الحصون‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( تاريخ الطبري )‪.(5/308‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( المصدر نفسه )‪.(5/309‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( لم تئم امرأة‪ :‬لم تفقد زوجها‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( تاريخ الطبري )‪ .(5/310‬الذي رأى‪ :‬أي في نومه‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( المصدر نفسه )‪.(5/311‬‬ ‫‪6‬‬

‫)‪ (4 ،‬المصدر نفسه )‪.(5/310‬‬ ‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)( الغياض‪ :‬جمع غيضة‪ ،‬وهي المواضع التي يكثر فيه الشجر ويلتف‪.‬‬ ‫‪9‬‬

‫‪135‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫السلح ل يعمل فيهم‪ ،‬واتفق أن تركًيا اختفى في غيضة ورشق‬
‫ما بسهم فقتله‪ ،‬فنادى في قومه إن هؤلء يموتون‪ ،‬فلم‬ ‫مسل ً‬
‫مكانهم‬‫)‪(1‬‬
‫من‬ ‫عليهم‬ ‫وخرجوا‬ ‫المسلمين‬ ‫على‬ ‫الترك‬ ‫فاجترأ‬ ‫تخافوهم؟‬
‫وأوقعوا بهم‪ ،‬واشتد القتال فثبت عبد الرحمن حتى استشهد‪.‬‬
‫‪ -5‬صبًرا آل سلمان‪ :‬جاء في رواية أخرى‪ :‬حين استشهد عبد‬
‫الرحمن‪ ،‬أخذ الراية أخوه سلمان بن ربيعة الباهلي وقاتل بها‪ ،‬ونادى‬
‫سلمان‬ ‫)‪(3‬‬
‫مناد‪) :‬صبرا آل سلمان(‪ ،‬فقال سلمان‪ :‬أو ترى جزعا‪ ،‬وخرج‬
‫على جيلن)‪ (2‬فقطعوها إلى جرجان‬ ‫)‪(4‬‬
‫ومعه أبو هريرة الدوسي‬
‫بنواحي‬ ‫الرحمن‬ ‫عبد‬ ‫أخاه‬ ‫دفن‬ ‫أن‬ ‫بعد‬ ‫‪,‬‬ ‫خاسرة‬ ‫منسحبا من معركة‬
‫بلنجر)‪ ،(5‬وبهذا النسحاب أنقذ سلمان بقية باقية من جيش أخيه)‪.(6‬‬
‫وقد رجح هذه الرواية محمود شيت خطاب وقال‪ :‬إن النسحاب‬
‫أشبه بقتال المسلمين يومئذ‪ ،‬وذلك في حالة اشتداد الضغط عليهم‬
‫من العدو وتكبدهم خسائر فادحة بالرواح‪ ،‬والنسحاب هو من أجل‬
‫النحياز إلى فئة من المسلمين‪ ،‬ليعيدوا الكرة ثانية على عدوهم‪.‬‬
‫وقد جاء سلمان بن ربيعة مدًدا لعبد الرحمن بأمر عثمان بن عفان‪،‬‬
‫فليس من المعقول أن يبقى ومدده في )الباب(‪ ،‬وليس من المعقول‬
‫أن يتركه أخوه عبد الرحمن هناك وهو يخوض معركة قاسية شرسة‪،‬‬
‫س الحاجة إلى الجندي الواحد‪ ،‬فكيف يترك عبد‬ ‫يكون فيها القائد بأم ّ‬
‫الرحمن جيشا كامل على رأسه أخوه دون أن يستفيد منه في‬
‫المعركة؟‬
‫إن المؤرخين القدامى كانوا يستعملون تعبير )الهزيمة( وهم‬
‫يريدون بها تعبير النسحاب؛ ذلك لن أكثرهم مدنيون ل يفرقون بين‬
‫هذين التعبيرين‪) ,‬الهزيمة( وهي ترك ساحة القتال بدون نظام ول‬
‫قيادة فهي كارثة‪ ،‬و)النسحاب( وهو ترك ساحة القتال وفق خطة‬
‫مرسومة بقيادة واحدة‪ ،‬فهو ‪-‬أي النسحاب‪ -‬صفحة من صفحات‬
‫القتال‪ ،‬الهدف منه إعادة الكرة على العدو بعد إكمال متطلبات‬
‫المعركة عَد ًَدا وعُد ًَدا‪ ،‬وعسى أل يقع المؤرخون المحدثون في مثل‬
‫يفرقون بين )الهزيمة( و)النسحاب(؛ لن‬ ‫هذا الخطأ في التعبير‪ ،‬فل‬
‫الفرق بين التعبيرين شاسع بعيد)‪.(7‬‬
‫تاسًعا‪ :‬أول اختلف وقع بين أهل الكوفة وأهل الشام ‪ 32‬هـ‪:‬‬
‫لما قتل عبد الرحمن بن ربيعة استعمل سعيد ُ بن العاص على‬
‫ن بن ربيعة‪ ،‬وأمدهم عثمان بأهل الشام عليهم‬ ‫ذلك الفرع سلما َ‬
‫حبيب بن مسلمة‪ ،‬فتنازع حبيب وسلمان على المرة‪ ،‬وقال أهل‬
‫الشام‪ :‬لقد هممنا بضرب سلمان‪ ،‬فقال في ذلك الناس‪ :‬إذن والله‬
‫نضرب حبيًبا ونحبسه‪ ،‬وإن أبيتم كثرت القتلى فيكم وفينا‪ ،‬حتى قال‬
‫في ذلك رجل من أهل الكوفة وهو أوس بن مغراء‪:‬‬
‫قادة الفتح السلمي في أرمينية‪ ،‬محمود خطاب‪ ،‬ص ‪.151‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫جيلن‪ :‬اسم لبلد كثيرة من وراء بلد طبرستان‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫جرجان‪ :‬مدينة مشهورة عظيمة بين طبرستان وخراسان‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫تاريخ الطبري )‪ ,(5/309‬قادة الفتح السلمي في أرمينية‪ ،‬ص ‪.151‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫معجم البلدان )‪.(2/278‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫قادة الفتح السلمي في أرمينية‪ ،‬ص ‪.151‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.153 ،152‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫‪136‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫وإن ترحلوا نحو ابن عفان‬ ‫إن تضربوا سلمان نضرب‬
‫حل‬‫ن َْر َ‬ ‫حبيبكم‬
‫قبل‬
‫م ْ‬
‫وهذا أمير في الكتائب ُ‬ ‫وإن تقسطوا فالثغر ثغر أميرنا‬
‫)‪(1‬‬
‫ليالي نرمي كل ثغر وننكل‬ ‫ماته‬
‫ح َ‬
‫ونحن ولة ُ الثغر كنا ُ‬
‫وتغلب المسلمون على الفتنة بتوفيق الله ثم بوجود أمثال حذيفة‬
‫الكوفة‪ ،‬فقد غزا ذلك الثغر‬ ‫بن اليمان‪ ،‬الذي كان على الغزو بأهل‬
‫)‪(2‬‬
‫ثلث غزوات‪ ،‬فقتل عثمان ‪ ‬في الثالثة‪.‬‬
‫عاشًرا‪ :‬فتوحات ابن عامر سنة ‪ 32‬هـ‪:‬‬
‫وفيها فتح ابن عامر مرو الروذ‪ ،‬والطالقان والفارياب‪،‬‬
‫والجوزجان‪ ،‬وطخارستان؛ فقد بعث ابن عامر الحنف بن قيس إلى‬
‫مرو روذ فحصر أهلها‪ ،‬فخرجوا إليهم فقاتلوهم‪ ،‬فهزمهم المسلمون‬
‫حتى اضطروهم إلى حصنهم فأشرفوا عليه‪ ،‬قال‪ :‬يا معشر العرب‪،‬‬
‫ما كنتم عندنا كما نرى‪ ،‬ولو علمنا أنكم كما نرى لكانت لنا ولكم حال‬
‫غير هذه‪ ،‬فأمهلونا ننظر يومنا‪ ،‬وارجعوا إلى عسكركم‪ ،‬فرجع‬
‫الحنف‪ ،‬فلما أصبح غاداهم وقد أعدوا له الحرب‪ ،‬فخرج رجل من‬
‫العجم معه كتاب من المدينة‪ ،‬فقال‪ :‬إني رسول فأمنوني‪ ،‬فأمنوه‪،‬‬
‫فإذا رسول من مرزبان مرو ابن أخيه وترجمانه‪ ،‬وإذا كتاب المرزبان‬
‫إلى الحنف‪ ،‬فقرأ الكتاب‪ ،‬قال‪ :‬فإذا هو إلى أمير الجيش‪ ،‬إنا نحمد‬
‫الله الذي بيده الدول‪ ،‬يغير ما شاء من الملك‪ ،‬ويرفع من شاء بعد‬
‫الذلة‪ ،‬ويضع من شاء بعد الرفعة‪ ،‬إنه دعاني إلى مصالحتك‬
‫وموادعتك ما كان من إسلم جدي‪ ،‬وما كان رأي من صاحبكم من‬
‫الكرامة والمنزلة‪ ،‬فمرحبا بكم وأبشروا‪ ،‬وأنا أدعوكم إلى الصلح فيما‬
‫بينكم وبيننا‪ ،‬على أن أؤدي إليكم خراجا ستين ألف درهم‪ ،‬وأن تقروا‬
‫بيدي ما كان ملك الملوك كسرى أقطع جد أبي حيث قتل الحية التي‬
‫أكلت الناس‪ ،‬وقطعت السبيل من الرضين والقرى بما فيها من‬
‫الرجال‪(3)،‬ول تأخذوا من أحد من أهل بيتي شيئا من الخراج‪ ،‬ول تخرج‬
‫المرزبة من أهل بيتي إلى غيركم‪ ،‬فإن جعلت ذلك لي خرجت‬
‫إليك‪ ،‬وقد بعثت إليك ابن أخي ماهك ليستوثق منك‪.‬‬
‫فكتب إليه الحنف‪ :‬بسم الله الرحمن الرحيم‪ ،‬من صخر بن‬
‫قيس أمير الجيش إلى باذان مرزبان مرو روذ ومن معه من‬
‫الساورة والعاجم‪ ،‬سلم على من اتبع الهدى‪ ،‬وآمن واتقى‪ ،‬أما بعد‪:‬‬
‫ي‪ ،‬فنصح لك جهده‪ ،‬وأبلغ عنك‪ ،‬وقد‬ ‫فإن ابن أخيك ماهك قدم عل ّ‬
‫عرضت ذلك على من معي من المسلمين‪ ,‬وأنا وهم فيما عليك‬
‫سواء‪ ،‬وقد أجبناك إلى ما سألت وعرضت على أن تؤدي على‬
‫أكَرِتك)‪ (4‬وفلحيك والرضين التي ذكرت أن كسرى الظالم لنفسه‬
‫أقطع جد أبيك لما كان من قتله الحية التي أفسدت الرض وقطعت‬
‫السبيل‪ ،‬والرض لله ولرسوله يورثها من يشاء من عباده‪ ،‬وإن عليك‬
‫تاريخ الطبري )‪ ،(5/311‬البداية والنهاية )‪.(7/166‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫تاريخ الطبري )‪.(5/311‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫المرزبة‪ :‬الرئاسة عند العجم‪ ،‬والمرزبان‪ :‬الرئيس المقدم فيهم‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫الكرة‪ :‬جمع أكار‪ :‬الحراث‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪137‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫نصرة المسلمين وقتال عدوهم بمن معك من الساورة‪ ،‬إن أحب‬
‫المسلمون ذلك وأرادوه‪ ،‬وإن لك على ذلك نصرة المسلمين على‬
‫من يقاتل من وراءك من أهل ملتك‪ ,‬جار لك بذلك مني كتاب يكون‬
‫لك بعدي‪ ،‬ول خراج عليك ول على أحد من أهل بيتك من ذوي‬
‫الرحام‪ ،‬وإن أنت أسلمت واتبعت الرسول كان لك من المسلمين‬
‫العطاء والمنزلة والرزق وأنت أخوهم‪ ،‬ولك بذلك ذمتي وذمة أبي‬
‫وذمم المسلمين وذمم آبائهم‪ ،‬شهد على ما في هذا الكتاب جزء بن‬
‫معاوية‪ ،‬أو معاوية بن جزء السعدي‪ ،‬وحمزة بن الهرماس‪ ,‬وحميد بن‬
‫الخيار المازنيان‪ ،‬وعياض بن ورقاء السيدي‪ ،‬وكتب كيسان مولى‬
‫المحرم‪ ،‬وختم أمير الجيش الحنف بن‬ ‫بني ثعلبة يوم الحد من شهر‬
‫قيس‪ ،‬ونقش خاتم الحنف نعبد الله)‪.(1‬‬
‫حادي عشر‪ :‬القتال بين جيش الحنف وأهل طخارستان‬
‫والجوزجان والطالقان والفارياب‪:‬‬
‫صالح ابن عامر أهل مرو‪ ،‬وبعث الحنف في أربعة آلف إلى‬
‫طخارستان فأقبل حتى نزل موضع قصر الحنف من مرو روذ‪ ،‬وجمع‬
‫له أهل طخارستان‪ ،‬وأهل الجوزجان والطالقان والفارياب‪ ،‬فكانوا‬
‫ثلثة زحوف‪ ،‬ثلثين ألفا‪ ،‬وأتى الحنف خبرهم وما جمعوا له‪،‬‬
‫فاستشار الناس فاختلفوا فبين قائل‪ :‬نرجع إلى مرو‪ ،‬وقائل‪ :‬نرجع‬
‫إلى أبرشهر‪ ،‬وقائل‪ :‬نقيم نستمد‪ ،‬وقائل‪ :‬نلقاهم فنناجزهم‪ ،‬فلما‬
‫العسكر‪ ،‬ويستمع حديث الناس‪ ،‬فمر‬ ‫أمسى الحنف خرج يمشي في‬
‫بأهل خباء ورجل يوقد تحت خزيرة)‪ ,(2‬أو يعجن‪ ،‬وهم يتحدثون‬
‫ويذكرون العدو‪ ،‬فقال بعضهم‪ :‬الرأي للمير أن يسير إذا أصبح‪ ،‬حتى‬
‫يلقى القوم حيث لقيهم‪ ،‬فإنه أرعب لهم فيناجزهم‪ ،‬فقال صاحب‬
‫الخزيرة أو العجين‪ :‬إن فعل ذلك فقد أخطأ وأخطأتم‪ ،‬أتأمرونه أن‬
‫يلقى حد العدو مصحرا في بلدهم‪ ،‬فيلقى جمعا كثيرا بعدد قليل‪،‬‬
‫فإن جالوا جولة اصطلمونا)‪ ،(3‬ولكن الرأي له أن ينزل بين المرغاب‬
‫والجبل‪ ،‬فيجعل المرغاب عن يمينه والجبل عن يساره‪ ،‬فل يلقاه من‬
‫عدوه وإن كثروا إل عدد أصحابه‪ ،‬فرجع الحنف وقد اعتقد ما قال‬
‫فضرب عسكره‪ ،‬وأقام فأرسل إليه أهل مرو يعرضون عليه أن‬
‫يقاتلوا معه‪ ،‬فقال‪ :‬إني أكره أن أستنصر بالمشركين‪ ،‬فأقيموا على‬
‫ما أعطيناكم وجعلنا بيننا وبينكم‪ ،‬فإن ظفرنا فنحن على ما جعلنا‬
‫لكم وإن ظفروا بنا وقاتلوكم فقاتلوا عن أنفسكم‪ ،‬فوافق المسلمين‬
‫صلة العصر‪ ،‬فعاجلهم المشركون فناهضوهم‪ ،‬فقاتلوهم وصبر‬
‫جؤّية العرجي‪:‬‬ ‫الفريقان حتى أمسوا والحنف يتمثل بشعر ابن ُ‬
‫)‪(5‬‬
‫حزوٌّر)‪ (4‬ليس له ذرية‬ ‫أحقّ من لم يكره المنية‬
‫وجاء في رواية‪ :‬فقاتلهم حتى ذهب عامة الليل ثم هزمهم الله‪،‬‬
‫سكن ‪-‬وهي على اثنى عشر‬ ‫فقتلهم المسلمون حتى انتهوا إلى َر ْ‬
‫)( تاريخ الطبري )‪.(5/316‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( الخزيرة‪ :‬الحساء من الدسم والدقيق‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( اصطلم‪ :‬اقتلعه من أصله‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( الحزّور‪ :‬الغلم القوي‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫)‪ (3 ,‬تاريخ الطبري )‪.(5/317‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪138‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫فرسخا من قصر الحنف‪ .-‬وكان مرزبان مرو روذ قد تربص بحمل ما‬
‫كانوا صالحوه عليه‪ ،‬لينظر ما يكون من أمرهم‪ ،‬فلما ظفر الحنف‬
‫ففعل‪،‬‬ ‫سرح رجلين إلى المرزبان‪ ،‬وأمرهما أل يكلماه حتى يقبضاه‪,‬‬
‫فحمل ما كان عليه)‪,(1‬‬ ‫فعلم أنهم لم يصنعوا ذلك به إل وقد ظفروا‪،‬‬
‫وبعث الحنف القرع بن حابس في جريدة خيل)‪ (2‬إلى الجوزجان‬
‫حيث بقية كانت بقيت من الزحوف الذين هزمهم الحنف‪ ،‬فقاتلهم‬
‫فجال المسلمون جولة فقتل فرسان من فرسانهم‪ ،‬ثم أظفر الله‬
‫المسلمين بهم فهزموهم وقتلوهم‪ ،‬فقال ُ‬
‫كثير النهشلي‪:‬‬
‫)‪(3‬‬
‫مصارع فتية بالجوزجان‬ ‫استهلت‬
‫)‪(4‬‬
‫أقادهم هناك القرعان‬ ‫خوط‬
‫ستاق ُ‬
‫إلى القصرين من ُر ْ‬
‫ثاني عشر‪ :‬صلح الحنف مع أهل بلخ ‪ 32‬هـ‪:‬‬
‫سار الحنف من مرو الروذ إلى بلخ فحاصرهم‪ ،‬فصالحه أهلها‬
‫على أربعمائة ألف‪ ،‬فرضي منهم بذلك‪ ،‬واستعمل ابن عمه‪ ،‬وهو‬
‫أسيد بن المتشمس ليأخذ منهم ما صالحوه عليه‪ ،‬ومضى إلى خارزم‬
‫فأقام حتى هجم عليه الشتاء‪ ،‬فقال لصحابه‪ :‬ما تشاءون؟ فقالوا‪:‬‬
‫قد قال عمر بن معد يكرب‪:‬‬
‫وجاوزه إلى ما تستطيع‬ ‫إذا لم تستطع أمًرا فدعه‬
‫فأمر الحنف بالرحيل‪ ،‬ثم انصرف إلى بلخ‪ ،‬وقد قبض ابن عمه‬
‫ما صالحهم عليه‪ ،‬وكان وافق ‪-‬وهو يجيبهم‪ -‬المهرجان‪ ،‬فأهدوا إليه‬
‫هدايا من آنية الذهب والفضة ودنانير ودراهم ومتاع وثياب‪ ،‬فقال ابن‬
‫عم الحنف‪ :‬هذا ما صالحناكم عليه؟ قالوا‪ :‬ل‪ ،‬ولكن هذا شيء‬
‫نصنعه في هذا اليوم بمن ولينا نستعطفه به‪ ،‬قال‪ :‬وما هذا اليوم؟‬
‫قالوا‪ :‬المهرجان‪ ،‬قال‪ :‬ما أدري ما هذا؟ وإني لكره أن أرده ولعله‬
‫من حقي‪ ،‬ولكن أقبضه وأعزله حتى أنظر فيه‪ ،‬فقبضه‪ ،‬وقدم‬
‫الحنف فأخبره‪ ،‬فسألهم عنه‪ ،‬فقالوا له مثل ما قالوا لبن عمه‪،‬‬
‫فقال‪ :‬آتى به المير‪ ،‬فحمله إلى ابن عامر‪ ،‬فأخبره عنه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫فقال ابن عامر‪:‬‬
‫)‪(5‬‬
‫اقبضه يا أبا بحر‪ ،‬فهو لك؟ قال‪ :‬ل حاجة لي فيه‪،‬‬
‫ما‪.‬‬
‫ض ّ‬
‫ضمه إليك يا مسمار‪ ،‬فضمه القرشي وكان م َ‬
‫ثالث عشر‪ :‬لجعلن شكري لله على ذلك أن أخرج محرما‬
‫معتمرا من موقفي هذا‪:‬‬
‫ولما رجع الحنف إلى ابن عامر قال الناس لبن عامر‪ :‬ما فتح على‬
‫أحد ما قد فتح عليك فارس وكرمان وسجستان وعامة خراسان‪ ،‬قال‪ :‬ل‬
‫جرم‪ ،‬لجعلن شكري لله على ذلك أن أخرج محرما معتمرا من موقفي‬
‫هذا‪ ،‬فأحرم بعمرة من نيسابور‪ ،‬فلما قدم على عثمان لمه على إحرامه‬
‫‪1‬‬
‫)( تاريخـ الطبري ) ‪.(5/317‬‬

‫جريدة الخيل‪ :‬كتيبة الخيل التي ل رجالة فيها‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫استهلت السحابة‪ :‬أمطرت واشتد مطرها‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫تاريخ الطبري )‪.(5/318‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫تاريخ الطبري )‪.(5/319‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪139‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫من خراسان‪ ،‬وقال‪ :‬ليتك تضبط ذلك من الوقت الذي يحرم منه‬
‫الناس)‪.(1‬‬
‫رابع عشر‪ :‬هزيمة قاِرن في خراسان‪.‬‬
‫لما رجع ابن عامر من الغزو استخلف قيس بن الهيثم على‬
‫خراسان‪ ،‬فأقبل قارن في جمع من الترك‪ ،‬أربعين ألفا‪ ،‬فالتقاه عبد‬
‫الله بن خازم السلمي في أربعة آلف‪ ،‬وجعل لهم مقدمة ستمائة‬
‫رجل‪ ،‬وأمر كل منهم أن يجعل على رأس رمحه نارا‪ ،‬وأقبلوا إليهم‬
‫في وسط الليل فبيتوهم فثاروا إليهم‪ ,‬فناوشتهم المقدمة‪ ،‬فاشتغلوا‬
‫بهم وأقبل عبد الله بن خازم بمن معه من المسلمين فأحاطوا بهم‪،‬‬
‫فولى المشركون مدبرين‪ ،‬واتبعهم المسلمون يقتلون من شاءوا‬
‫وقتل قارن فيمن قتل‪ ،‬وغنموا سبًيا كثيرا‪ ،‬وأموال جزيلة‪ ،‬ثم بعث‬
‫عبد الله بن خازم بالفتح إلى ابن عامر‪ ،‬فرضي عنه وأقره على‬
‫خراسان‪ ،‬وذلك أنه كان قد احتال على الوالي السابق قيس بن‬
‫الهيثم السلمي حتى أخرجه من خراسان‪ ،‬ثم تولى حرب قارن‪ ،‬فلما‬
‫هزمه وغنم عسكره‪ ،‬رضي عليه ابن عامر‪ ،‬وأقره على ولية‬
‫خراسان)‪.(2‬‬
‫وهكذا تصدى الخليفة الراشد عثمان لحركات التمرد في‬
‫ت تلك الثورات في عضد‬ ‫المشرق‪ ،‬وواصل فتوحاته‪ ،‬ولم تف ّ‬
‫كفًئا لها؛ حيث‬‫المسلمين‪ ،‬ولم تنل من عزم الخليفة الذي كان ُ‬
‫واجهها بالعزم والرأي والسرعة في تصريف المور‪ ،‬وتسيير‬
‫النجدات‪ ،‬وإسناد كل عمل إلى من يحسنه كما يظهر من تتبع‬
‫كا في‬‫الحداث في تاريخ الطبري وابن كثير والكلعي‪ ،‬بما ل يدع ش ً‬
‫أن اختيار عثمان للقادة الذين قاموا بهذه النتصارات وتطويق هذه‬
‫القلقل كان اختيارا موفقا‪ ،‬مع العلم أن أعباء الجهاد كانت أشق‬
‫وأكبر وأحوج إلى التوجيه؛ لمتداد خطوط القتال‪ ،‬وتعدد الفتن‪،‬‬
‫وتباعد المسافات بين البلدان‪.‬‬
‫إن علج تلك المعضلت التي فاجأت عثمان ‪ ‬بعد وليته‪،‬‬
‫وتصدى لها بالعزم والسداد والسرعة والحيطة والناة لدليل على‬
‫قوة شخصيته ونفاذ بصيرته‪ ،‬وكان له بعد ذلك أكبر الفضل ‪-‬بعد الله‪-‬‬
‫في تثبيت مهابة الدولة بعدما أصابها من الوهن والتخلخل عند مقتل‬
‫عمر ‪ ،‬وكانت ثمرات تلك الوقفات الرائعة‪:‬‬
‫أ‪ -‬إخضاع المتمردين وإعادة سلطة المسلمين عليهم‪.‬‬
‫ب‪ -‬ازدياد الفتوحات السلمية إلى ما وراء البلد المتمردة؛ منعا‬
‫لرتداد الهاربين إليها‪ ،‬وانبعاث الفتن والدسائس من قَِبلها‪.‬‬
‫اتخاذ المسلمين قواعد ثابتة يرابط فيها المسلمون لحماية البلد‬ ‫ج‪-‬‬
‫التي خضعت للمسلمين‪.‬‬
‫فهل كانت تلك الفتوحات العظيمة والسياسة الحكيمة والضبط‬
‫للقاليم يمكن أن تتحقق لو كان عثمان ‪ ‬ضعيفا غير قادر على‬
‫)( البداية والنهاية )‪ ،(7/167‬تاريخ الطبري )‪.(5/319‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( البداية والنهاية )‪.(7/167‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪140‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫اتخاذ القرار)‪ ,(1‬كما يزعم من وقع وتورط في روايات الرفض‬
‫والتشيع والستشراق‪ ،‬ومن سار على نهجهم السقيم؟!!‪.‬‬
‫خامس عشر‪ :‬من قادة فتح بلد المشرق في عهد عثمان‪:‬‬
‫الحنف بن قيس‪:‬‬
‫كانت الفتوحات في عهد عثمان ‪ ‬عظيمة‪ ،‬فرأيت من المناسب‬
‫أن نسلط الضواء على بعض قادة الفتوح في عهد عثمان‪ ،‬وبما أنني‬
‫تحدثت عن فتوح المشرق‪ ،‬فل بد إذن من إعطاء صورة مشرقة عن‬
‫أحد قادة تلك الفتوح‪ ،‬فاخترت الحنف بن قيس‪.‬‬
‫‪ -1‬نسبه وأهله‪:‬‬
‫حصين بن حفص بن‬ ‫الحنف بن قيس بن معاوية بن‬ ‫هو أبو بحر‪،‬‬
‫بة بنت عمرو‬ ‫واسمه الضحاك وقيل‪ :‬صخر‪ (3).‬وأمه ح ّ‬ ‫)‪(2‬‬
‫‪،‬‬ ‫التميمي‬ ‫عبادة‬
‫بن قُ ْ‬
‫)‪(4‬‬
‫الشجعان‪ ،‬وقد قال‬ ‫)‪(5‬‬
‫من‬ ‫قرط‬ ‫بن‬ ‫الخطل‬ ‫أخوها‬ ‫كان‬ ‫‪,‬‬‫الباهلية‬ ‫رط‬
‫الحنف مفاخرا بخاله هذا‪ :‬ومن له خال مثل خالي؟‬
‫‪ -2‬حياته‪:‬‬
‫)‪(6‬‬
‫سادات‪ (7‬التابعين وأكابرهم‪ ،‬وسيدا مطاعا في قومه ‪،‬‬ ‫)‬
‫كان من‬
‫بمختلف‬ ‫جميعا‬ ‫الناس‬ ‫ثقة‬ ‫موضع‬ ‫وكان‬ ‫‪،‬‬ ‫البصرة‬ ‫وسيد أهل‬
‫وميولهم‪ ،‬وكان أحد الحكماء الدهاة العقلء)‪ ،(8‬ذا‬ ‫وأهوائهم‬ ‫طبقاتهم‬
‫دين وذكاء وفصاحة)‪ ،(9‬وكان سيد قومه موصوفا بالعقل والدهاء‬
‫والعلم والحلم‪ ،‬يضرب بحلمه المثل‪ ،‬وقد قال فيه الشاعر‪:‬‬
‫)‪(10‬‬
‫ظللن مهابة منه خشوعا‬ ‫إذا البصار أبصرت ابن‬
‫قيس‬
‫وقال عنه خالد بن صفوان‪ :‬كان الحنف يفر من الشرف‬
‫والشرف يتبعه‪ (11).‬وإليك بعض صفاته التي أثرت فيمن حوله‪:‬‬
‫أ‪ -‬حلمه‪:‬‬
‫كان الحنف حليما يضرب بحلمه المثل‪ ،‬سئل عن الحلم‪ :‬ما هو؟‬
‫فقال‪ :‬الذل مع الصبر‪ .‬وكان يقول إذا عجب الناس من حلمه‪ :‬إني‬
‫لجد ما تجدون‪ ،‬ولكني صبور‪ ،‬ما تعلمت الحلم إل من قيس بن‬
‫عاصم المنقري)‪(12‬؛ لنه قتل ابن أخ له بعض بنيه‪ ،‬فأتى القاتل‬
‫مكتوفا يقاد إليه‪ ،‬فقال‪ :‬ذعرتم الفتى‪ ،‬ثم أقبل على الفتى فقال‪:‬‬
‫بئس ما فعلت‪ ،‬نقصت عددك وأوهنت عضدك‪ ،‬وأشمت عدوك‪،‬‬
‫وأسأت لقومك‪ ،‬خلوا سبيله واحملوا إلى أم المقتول ديته فإنها‬
‫)( تحقيق مواقف الصحابة )‪.(409 ،1/408‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( جمهرة أنساب العرب‪ ،‬ص ‪ ,217‬طبقات ابن سعد )‪.(7/95‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (3 ،‬قادة فتح السند وأفغانستان‪ ،‬محمود خطاب‪ ،‬ص ‪.285‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( جمهرة أنساب العرب‪ ،‬ص ‪.212‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( قادة فتح السند وأفغانستان‪ ،‬ص ‪.285‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( الصابة )‪ ،(1/103‬أسد الغابة )‪.(1/55‬‬ ‫‪7‬‬

‫)‪ (9 ،8 ،‬قادة فتح السند وأفغانستان‪ ،‬ص ‪.304‬‬ ‫‪8‬‬
‫‪9‬‬
‫‪10‬‬

‫)( تهذيب ابن عساكر )‪.(7/13‬‬ ‫‪11‬‬

‫)( الستيعاب )‪.(3/1294‬‬ ‫‪12‬‬

‫‪141‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫غريبة‪ ،‬ثم انصرف القاتل وما حل قيس حبوته ول تغير وجهه‪ (1).‬وقال‬
‫رجل للحنف‪ :‬علمني الحلم يا أبا بحر‪ ،‬فقال‪ :‬هو الذل يا ابن أخي‪،‬‬
‫أفتصبر عليه؟ وقال‪ :‬لست حليما ولكنني أتحالم‪ (2).‬ومن أخبار حلمه‪،‬‬
‫أن رجل شتمه فسكت عنه‪ ،‬وأعاد الرجل فسكت عنه‪ ،‬وأعاد فسكت‬
‫عنه‪ ،‬فقال الرجل‪ :‬والهفاه‪ ،‬ما يمنعه من أن يرد علي إل هواني‬
‫عنده‪ (3).‬وكان يقول‪ :‬من لم يصبر على كلمة سمع كلمات‪ ،‬ورب‬
‫غيظ قد تجرعته مخافة ما هو أشد منه‪ (4).‬ولكن حلمه كان حلم‬
‫القوي القدير ل حلم العاجز الضعيف‪ ،‬فقد قاتل في بعض المواطن‬
‫قتال شديدا‪ ،‬فقال له رجل‪ :‬يا أبا بحر أين الحلم؟ فقال‪ :‬عند الحي)‪.(5‬‬
‫ب‪ -‬عقله‪:‬‬
‫كان الحنف عاقل راجح العقل‪ ،‬قال مرة‪ :‬من كان فيه أربع‬
‫كان له دين يحجزه‪ ،‬وحسب‬ ‫خصال ساد قومه غير مدافع‪ :‬من‬
‫يصونه‪ ،‬وعقل يرشده‪ ،‬وحياء يمنعه)‪.(6‬‬
‫وقال‪ :‬العقل خير قرين‪ ،‬والدب خير ميراث‪ ،‬والتوفيق خير‬
‫رفيق‪ (7).‬وقال‪ :‬ما ذكرت أحدا بسوء بعد أن يقوم من عندي‪(8).‬وكان‬
‫يقول إذا ذكر عنده رجل‪ :‬دعوه يأكل رزقه ويأتي عليه أجله‪ .‬وشكا‬
‫أخيه وجع الضرس فقال‪ :‬ذهبت عيني منذ ثلثين سنة ما ذكرتها‬ ‫)‪(9‬‬
‫ابن‬
‫‪(10‬كان‬
‫ول‬ ‫قدره‪،‬‬ ‫له‬ ‫عرفت‬ ‫إل‬ ‫فوقي‬ ‫أحد‬ ‫نازعني‬ ‫ما‬ ‫وقال‪:‬‬ ‫لحد‪.‬‬
‫دوني إل رفعت قدري عنه‪ ،‬ول كان مثلي إل تفضلت عليه) ‪.‬‬
‫ج‪ -‬علمه‪:‬‬
‫)‪(11‬‬
‫كان عالما ثقة مأمونا‪ ،‬قليل الحديث‪ ،‬وقد روى عن عمر بن‬
‫‪(12‬الغفاري‪.‬‬
‫الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وأبي ذر‬
‫وروى عنه الحسن البصري وعروة بن الزبير وغيرهما‪ ).‬وقد كان‬
‫من الفقهاء البارزين أيام معاوية‪.‬‬
‫د‪ -‬حكمته‪:‬‬
‫كان حكيما ينطق بالحكمة والموعظة الحسنة‪ ،‬سئل عن‬
‫المروءة‪ ،‬فقال‪ :‬التقى والحتمال‪ ،‬ثم أطرق ساعة وقال‪:‬‬
‫ت الجميل فما حماله؟‬‫يأ ِ‬ ‫وإذا جميل الوجه لم‬
‫إل تقاه واحتماله‬ ‫ما خير أخلق الفتى‬
‫وسئل عن المروءة فقال‪ :‬العفة في الدين‪ ،‬والصبر على‬
‫)( وفيات العيان )‪.(2/188‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (4 ،3 ،‬قادة فتح السند وأفغانستان‪ ،‬ص ‪.306‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪ ،306‬يعني بها‪ :‬تركته في الدار‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫)‪ (7‬تهذيب ابن عساكر )‪.(7/19‬‬ ‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.306‬‬ ‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫)‪ (9‬المصدر نفسه )‪.(7/16‬‬ ‫)( المصدر نفسه )‪.(7/21‬‬ ‫‪8‬‬
‫‪9‬‬

‫)( قادة فتح السند وأفغانستان‪ ،‬ص ‪.307‬‬ ‫‪10‬‬

‫)( طبقات ابن سعد )‪.(7/93‬‬ ‫‪11‬‬

‫)( قادة فتح السند وأفغانستان‪ ،‬ص ‪.308‬‬ ‫‪12‬‬

‫‪142‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫النوائب‪ ،‬وبر الوالدين‪ ،‬والحلم عند الغضب‪ ،‬والعفو عند المقدرة)‪.(1‬‬
‫وقال‪ :‬رأس الدب آلة المنطق‪ ،‬ول خير في قول إل بفعل‪ ،‬ول‬
‫ول‪ (2‬في صديق إل بوفاء‪ ،‬ول‬‫)‬
‫منظر إل بمخبر‪ ،‬ول في مال إل بجود‪،‬‬
‫في فقه إل بورع‪ ،‬ول في صدقة إل بنية‪.‬‬
‫تذهب‬ ‫)‪(4‬‬
‫وقال‪ :‬أحي المعروف بإماتة ذكره‪ (3).‬وقال‪ :‬كثرة الضحك‬
‫الهيبة‪ ،‬وكثرة المزاح تذهب المروءة‪ ،‬ومن لزم شيئا عرف به‪.‬‬
‫وقال‪ :‬جنبوا مجلسنا الطعام والنساء؛ فإني لبغض الرجل يكون‬
‫لفرجه وبطنه‪ ،‬وإن المروءة أن يترك الرجل الطعام وهو‬ ‫وصافا‬
‫يشتهيه)‪.(5‬‬
‫وقال‪ :‬السؤدد مع السواد‪ .‬يريد‪ :‬من لم يطر)‪(6‬له اسم على ألسنة‬
‫العامة بالسؤدد لم ينفعه ما طار له في الخاصة ‪.‬‬
‫هـ‪ -‬بلغته‪:‬‬
‫)‪(7‬‬
‫وها ‪ ،‬خطب مرة فقال‪ :‬بعد حمد الله والثناء‬ ‫كان فصيحا مف ّ‬
‫عليه‪ :‬يا معشر الزد وربيعة‪ :‬أنتم إخواننا في الدين‪ ،‬وشركاؤنا في‬
‫الصهر‪ ،‬وأشقاؤنا في النسب‪ ،‬وجيراننا في الدار‪ ،‬ويدنا على العدو‪،‬‬
‫والله لزد البصرة أحب إلينا من تميم الكوفة‪ ،‬ولزد الكوفة أحب إلينا‬
‫استشرف شنان حسد صدوركم‪ ،‬ففي أحلمنا‬ ‫من تميم الشام‪ ،‬فإن‬
‫وأموالنا سعة لنا ولكم)‪.(8‬‬
‫لقد كان حاضر البديهة قوي الحجة منطقيا‪ ،‬جاء الحنف إلى قوم‬
‫يتكلمون في دم فقال‪ :‬احكموا‪ ،‬فقالوا‪ :‬نحكم بديتين‪ ،‬فقال‪ :‬ذلك‬
‫لكم‪ ،‬فلما سكتوا قال‪ :‬أنا أعطيكم ما سألتم‪ ,‬غير أني قائل لكم‬
‫شيئا‪ :‬إن الله ‪-‬عز وجل‪ -‬قضى بدية واحدة‪ ،‬وإن النبي × قضى بدية‬
‫واحدة‪ ،‬وأنتم اليوم طالبون‪ ،‬وأخشى أن تكونوا غدا مطلوبين‪ ،‬فل‬
‫يرضى)‪(9‬الناس منكم إل بمثل ما سننتم لنفسكم‪ ،‬فقالوا‪ :‬نردها دية‬
‫واحدة ‪.‬‬
‫أبالي( أمدحت أم ذممت‪ ،‬فقال له‪:‬‬ ‫وسمع الحنف رجل يقول‪ :‬ما‬
‫لقد استرحت من حيث تعب الكرام)‪. 10‬‬
‫و‪ -‬إيثاره‪:‬‬
‫كان الحنف يحب لغيره ما يحبه لنفسه‪ ،‬بل كان يؤثر غيره على‬
‫نفسه بالخير والمعروف‪ ,‬ويرضى نفسه الرضية المطمئنة إلى ما‬
‫أصاب غيره بجهده من خير‪ ،‬فعندما جاء الحنف إلى عمر في‬
‫المدينة‪ ،‬عرض أمير المؤمنين عليه جائزة‪ ،‬فقال‪ :‬يا أمير المؤمنين‪،‬‬
‫والله ما قطعنا الفلوات ودأبنا الروحات والعشيات للجوائز‪ ،‬وما‬

‫)( قادة فتح السند وأفغانستان‪ ،‬ص ‪.308‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( تهذيب ابن عساكر )‪.(20 ،7/19‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( البداية والنهاية )‪.(7/331‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( وفيات العيان‪ ،‬لبن خلكان )‪.(2/187‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( وفيات العيان )‪.(2/188‬‬ ‫‪5‬‬

‫)‪ (8 ،7 ،‬قادة فتح السند وأفغانستان‪ ،‬ص ‪.309‬‬ ‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)‪ (3‬تهذيب ابن عساكر )‪.(7/12‬‬ ‫)‪ (2،‬وفيات العيان )‪.(2/188‬‬ ‫‪9‬‬
‫‪10‬‬

‫‪143‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫حاجتي إل حاجة من خلفي‪ ،‬فزاده ذلك عند عمر خيرا)‪.(1‬‬
‫ز‪ -‬أمانته‪:‬‬
‫كان الحنف أمينا غاية المانة‪ ،‬وقد مر بنا عندما استعمل ابن‬
‫عمه على أهل بلخ‪ ،‬وقد قبض ابن عمه ما صالحوه عليه من آنية‬
‫الذهب والفضة ودنانير ودراهم ومتاع وثياب‪ ،‬فقال ابن عمه لهم‪ :‬هذا‬
‫اليوم‬
‫)‪(2‬‬
‫ما صالحناكم عليه؟ فقالوا‪ :‬ل‪ ،‬ولكن هذا شيء نضعه في هذا‬
‫بمن ولينا نستعطف به‪ ،‬قال‪ :‬وما هذا اليوم؟ فقالوا‪ :‬المهرجان‪.‬‬
‫فقال‪ :‬ما أدري ما هذا‪ ،‬وإني لكره أن أرده ولعله من حقي‪ ،‬ولكن‬
‫أقبضه وأعزله حتى أنظر‪ ،‬فقبضه‪ ,‬وقدم الحنف فأخبره‪ ،‬فسألهم‬
‫عنه‪ ،‬فقالوا مثل ما قالوا لبن عمه‪ ،‬فقال‪ :‬آتي به المير‪ ،‬فحمله إلى‬
‫عبد الله ابن عامر فأخبره عنه‪ ،‬فقال‪ :‬اقبضه يا أبا بحر فهو لك‪،‬‬
‫فقال الحنف‪ :‬ل حاجة لي فيه‪(4()3).‬لقد كان يتحرج حتى من الهدايا‪،‬‬
‫وكان يكتفي بسهمه من الغنائم‪.‬‬
‫ح‪ -‬أ ََناته‪:‬‬
‫كان الحنف شديد الناة‪ ،‬ل يقدم على عمل إل بعد أن يحسب له‬
‫ألف حساب‪ .‬قيل له‪ :‬يا أبا بحر‪ ,‬إن فيك أناة شديدة‪ ،‬فقال‪ :‬قد‬
‫عرفت من نفسي عجلة في أمور ثلثة‪ :‬في صلتي إذا حضرت حتى‬
‫حضرت حتى أغيبها في حفرتها‪ ،‬وابنتي إذا‬ ‫أصليها‪ ،‬وجنازتي إذا‬
‫خطبها كفيئها حتى أزوجه)‪.(5‬‬
‫ط‪ -‬ورعه‪:‬‬
‫اعتناق‬ ‫كان الحنف مؤمنا ورعا قوي اليمان‪ ،‬فقد سارع إلى‬
‫قومه بإشارته)‪,(6‬‬ ‫السلم أول ما بلغته الدعوة السلمية‪ ،‬وأسلم‬
‫وبسط حمايته القوية المينة على الدعاة الولين)‪ ،(7‬وثبت على‬
‫عقيدته عندما ارتد أكثر قومه وأكثر العرب بعد وفاة النبي ×‪ ،‬وجاهد‬
‫البلء‪ .‬قال‬ ‫للدفاع عنها ونشرها حق الجهاد‪ ،‬وأبلى في ذلك أعظم‬
‫الحسن البصري عنه‪ :‬ما رأيت شريف قوم أفضل منه‪ (8).‬قال‬
‫الحنف‪ :‬حبسني عمر بن الخطاب عنده بالمدينة سنة‪ ،‬يأتيني كل‬
‫يوم وليلة فل يأتيه عني إل ما يحب‪ (9).‬فكتب عمر بعد نجاح الحنف‬
‫في الختبار العمري ‪-‬وما أصعبه وأدقه من اختبار‪ -‬معه كتًبا إلى‬
‫البصرة‪ (10).‬وكتب إلى‬ ‫المير على البصرة يقول‪ :‬الحنف سيد أهل‬
‫موسى الشعري أن يشاور الحنف ويسمع منه‪ (11)،‬وقال له عمر بعد‬
‫أن حبسه حول عنده‪ :‬يا أحنف‪ ،‬قد بلوتك وخبرتك‪ ،‬فلم أر إل خيرا‪،‬‬
‫ورأيت علنيتك حسنة‪ ،‬وأنا أرجو أن تكون سريرتك مثل علنيتك)‪.(12‬‬
‫‪1‬‬

‫)‪ (5‬تاريخ الطبري )‪.(5/319‬‬ ‫)( المهرجان‪ :‬أحد أعياد الفرس‪.‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)( قادة فتح السند وأفغانستان‪ ،‬محمود خطاب‪ ،‬ص ‪.313‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( طبقات ابن سعد )‪.(7/96‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( شذرات الذهب في أخبار من ذهب‪ ،‬أبو الفلح عبد الحي )‪.(1/78‬‬ ‫‪6‬‬

‫)‪ (4‬البداية والنهاية )‪.(7/331‬‬ ‫)( قادة فتح السند وأفغانستان‪ ،‬ص ‪.314‬‬ ‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)‪ (6،‬قادة فتح السند وأفغانستان‪ ،‬ص ‪ (7) .314‬تهذيب ابن عساكر )‪.(7/12‬‬ ‫‪9‬‬
‫‪10‬‬

‫‪11‬‬

‫)‪ (9‬البداية والنهاية )‪.(7/331‬‬ ‫)( طبقات ابن سعد )‪.(7/94‬‬ ‫‪12‬‬

‫‪144‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫لقد كان الحنف رجل صالحا كثير الصلة بالليل‪ ،‬وكان يسرج‬
‫المصباح ويصلي ويبكي حتى الصباح‪ ،‬وكان يضع أصبعه في المصباح‬
‫لنفسه‪ :‬إذا لم تصبر على المصباح‪ ،‬فكيف تصبر على النار‬ ‫)‪(1‬‬
‫ويقول‬
‫إنك‪(2‬تكثر الصوم وإن ذلك يرق المعدة‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫له‪:‬‬ ‫وقيل‬ ‫الكبرى‪.‬‬
‫إني أعده لسفر طويل‪ ).‬واستعمل الحنف على )خراسان( فلما‬
‫أتى فارس أصابته جنابة في ليلة باردة‪ ،‬فلم يوقظ أحدا من غلمانه‬
‫على‪(3‬شوط وشجر حتى سالت‬ ‫)‬
‫ول جنده‪ ،‬وانطلق يطلب الماء‪ ،‬فأتى‬
‫خل‪ (4‬إل دعا‬ ‫قلما‬ ‫وكان‬ ‫واغتسل‪.‬‬ ‫ما‪ ،‬فوجد الثلج فكسره‬ ‫قدماه د ً‬
‫بالمصحف‪ ،‬وكان النظر في المصاحف خلقا في الولين‪ ).‬وكان في‬
‫ذاك‪.‬‬
‫)‪(6‬‬
‫دعائه‪ :‬اللهم إن تغفر لي فأنت أهل ذاك‪ ،‬وإن تعذبني فأنا أهل‬ ‫)‪(5‬‬
‫)‪(7‬‬
‫الدنيا‪.‬‬ ‫ى مصيبات‬‫ومن دعائه‪ :‬اللهم هب لي يقينا تهون به عل ّ‬
‫ومرت به جنازة فقال‪ :‬رحم الله من أجهد نفسه لمثل هذا اليوم‪.‬‬
‫وكان يقول‪ :‬عجبت لمن يجري في مجرى البول مرتين كيف يتكبر)‪.(8‬‬
‫هذه بعض صفات شخصية الحنف‪ ،‬استحوذ بها على ثقة الناس‬
‫به وحبهم وتقديرهم له‪ ،‬وهذه الصفات تجعل من يتحلى بها شخصية‬
‫وجودها بين الناس في كل زمان ومكان‪ ،‬وقلما يجود‬ ‫)‪(9‬‬
‫قوية نافذة يندر‬
‫بها الدهر إل نادرا‪.‬‬
‫لقد كان الحنف من قادة الفتوحات في عهد عثمان ‪ ،‬وقد‬
‫تميز في قيادته لجيوش الفتح لبلد المشرق بقدرته على إعداد‬
‫الخطط الصحيحة الناجحة‪ ،‬وإعطاء القرارات السريعة الصائبة‪ ،‬كما‬
‫كان لشجاعته الشخصية وإقدامه أثر كبير في وضع تلك الخطط‬
‫والقرارات في حيز التنفيذ‪ ،‬لقد كان يبذل قصارى جهده في إعداد‬
‫خططه العسكرية وإعطاء ذوي الرأي‪ ،‬بل يتجول سّرا في الليل بين‬
‫عامة رجاله يتسمع أحاديثهم‪ ،‬فإذا وجد رأيا سديدا يبدونه فيما بينهم‬
‫سارع إلى العمل به‪ ،‬ل يهمه أن يأخذ الحكمة من أي وعاء‪ ،‬وقد كان‬
‫هذا القائد الميداني في عهد عثمان يقاتل عدوه بسيفه وعقله مًعا؛‬
‫فقد كان على جانب عظيم من الشجاعة والقدام‪ ،‬حتى إنه كان‬
‫يستأثر بالخطر دون رجاله‪ ،‬ويؤثرهم بالراحة والمن‪ ،‬كما كان على‬
‫من الدهاء‪ ،‬فيوفر بدهائه على قواته كثيًرا من الجهود‬ ‫جانب عظيم‬
‫)‪(10‬‬
‫والمشقات‪.‬‬
‫لقد كان الحنف رجل في أمة‪ ,‬وأمة في رجل‪ ،‬إنه سيد أهل‬
‫المشرق المسمى بغير اسمه‪ ،‬كما كان يقول عنه عمر بن الخطاب‬
‫‪.(11)‬‬

‫‪1‬‬

‫)( طبقات ابن سعد )‪ ،(7/94‬قادة فتح السند وأفغانستان‪ ،‬ص ‪.315‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( طبقات ابن سعد )‪.(7/94‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( طبقات ابن سعد‪.(7/95) ،‬‬ ‫‪4‬‬

‫ترجمة الحنف لخصتها من هذا الكتاب القيم‬ ‫‪315‬‬
‫( )قادة فتح السند وأفغانستان‪ ،‬ص ‪،‬‬ ‫‪5‬‬

‫مع الرجوع لبع ض المصادر‪.‬‬
‫)‪ (5‬البداية والنهاية )‪.(7/331‬‬ ‫)‪ (4 ،‬تهذيب ابن عساكر )‪.(7/16‬‬ ‫‪6‬‬
‫‪7‬‬
‫‪8‬‬

‫)‪ (7‬المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.320‬‬ ‫)( قادة فتح السند وأفغانستان‪ ،‬ص ‪.316‬‬ ‫‪9‬‬
‫‪10‬‬

‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.322‬‬ ‫‪11‬‬

‫‪145‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫لقد أطنبت في الحديث عن الحنف لنه من ضمن قادة الفتوح‬
‫في عهد عثمان‪ ،‬وممن أسهم في صناعة الحياة في عصر الخليفة‬
‫الراشد الثالث الذي وجهت إليه سهامهم الكاذبة في ولته وقادة‬
‫حربه‪.‬‬

‫‪146‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫المبحث الثاني‬
‫الفتوحات في الشــــــــــام‬
‫ل‪ :‬فتوحات حبيب بن مسلمة الفهري‪:‬‬ ‫أو ً‬
‫مر بنا أن الروم أجلبت على المسلمين بالشام بجموع عظيمة‬
‫أول خلفة عثمان‪ ،‬فكتب عثمان إلى الوليد بن عقبة بالكوفة أن يمد‬
‫إخوانه بالشام‪ ,‬فأمدهم بثمانية آلف عليهم سلمان ابن ربيعة‬
‫الباهلي‪ ،‬فظفر المسلمون بعدوهم بعد أن غزوهم في أرض الروم‬
‫فأسروا منهم وغنموا‪ .‬وكان تحالف الروم والترك قد تجمع لملقاة‬
‫المسلمين الذين غزوا أرمينية من الشام‪ ،‬وكان على المسلمين‬
‫حبيب بن مسلمة وكان صاحب كيد لعدوه‪ ،‬فأجمع أن يبّيت قائدهم‬
‫الموريان‪ ،‬أي يباغته ليل‪ ،‬فسمعته امرأته أم عبد الله بنت يزيد‬
‫الكلبية يذكر ذلك‪ ،‬فقالت‪ :‬فأين موعدك؟ قال‪ :‬سرادق الموريان أو‬
‫بيتهم فغلبهم‪ ,‬وأتى سرادق الموريان فوجد امرأته قد‬ ‫)‪(1‬‬
‫الجنة‪ ..‬ثم‬
‫وانتصاراته‪ (2‬المتوالية في أراضي‬ ‫جهاده‬ ‫حبيب‬ ‫وواصل‬ ‫إليه‪.‬‬ ‫سبقته‬
‫أرمينية وأذربيجان‪ ،‬ففتحها إما صلحا أو عنوة) ‪.‬‬
‫لقد كان حبيب بن مسلمة الفهري من أبرز القادة الذين حاربوا في‬
‫البيزنطية؛ فقد أباد جيوشا بأكملها للعدو‪ ,‬وفتح حصونا ومدنا‬
‫)‪(3‬‬
‫أرمينية‬
‫كما غزا ما يلى ثغور الجزيرة العراقية من أرض الروم فافتتح‬ ‫كثيرة‪.‬‬
‫عدة حصون هناك‪ ،‬مثل شمشاط وملطية وغيرهما‪ ،‬وفي سنة ‪ 25‬هـ‬
‫غزا معاوية الروم فبلغ عمورية فوجد الحصون التي بين أنطاكية‬
‫وطرسوس خالية‪ ،‬فجعل عندها جماعة كثيرة من أهل الشام والجزيرة‪،‬‬
‫ولما فرغ‬ ‫وواصل قائده قيس بن الحر العبسي الغزو في الصيف التالي‪،‬‬
‫هدم بعض الحصون القريبة من أنطاكية كي ل يفيد منها الروم)‪.(4‬‬
‫ثانًيا‪ :‬أول من أجاز الغزو البحري عثمان بن عفان‪:‬‬
‫كان معاوية بن أبي سفيان وهو أمير الشام يلح على عمر بن‬
‫الخطاب في غزو البحر‪ ،‬ويصف له قرب الروم من حمص ويقول‪:‬‬
‫إن قرية من قرى حمص يسمع أهلها نباح كلبهم وصياح دجاجهم‪،‬‬
‫حتى كان ذلك يأخذ بقلب عمر‪ ،‬فكتب عمر إلى عمرو بن العاص‪:‬‬
‫صف لي البحر وراكبه‪ ،‬فإن نفسي تنازعني إليه‪ ،‬فكتب إليه عمرو‪:‬‬
‫إني رأيت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير‪ ،‬إن ركن خرق القلب‪ ،‬وإن‬
‫تحرك أزاغ العقول‪ ،‬يزداد فيه اليقين قلة‪ ،‬والشك كثرة‪ ،‬هم كدود‬
‫على عود‪ ،‬إن مال غرق‪ ،‬وإن نجا برق‪ ،‬فلما قرأ عمر بن الخطاب‬
‫كتاب عمرو بن العاص كتب إلى معاوية‪ :‬ل والذي بعث محمدا‬
‫ي مما حوت‬ ‫بالحق‪ ،‬ل أحمل فيه مسلما أبدا‪ ،‬وتالله لمسلم أحب إل ّ‬
‫الروم‪ ،‬فإياك أن تعرض لي‪ ،‬وقد تقدمت إليك‪ ،‬وقد علمت ما لقى‬

‫)( تاريخ الطبري )‪(5/248‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( الدولة السلمية في عصر الخلفاء الراشدين‪ ،‬حمدي شاهين‪ ،‬ص ‪.252‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( حروب السلم في الشام في عهود الخلفاء الراشدين‪ ،‬محمد أحمد باشميل‪،‬‬ ‫‪3‬‬

‫ص ‪.577‬‬
‫)( الدولة السلمية في عصر الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.253‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪147‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫العلء مني‪ ،‬ولم أتقدم إليه في ذلك‪ (1).‬ولكن الفكرة لم تبرح نفس‬
‫معاوية‪ ،‬وقد رأى في الروم ما رأى‪ ،‬فطمع في بلدهم وفي فتحها‪،‬‬
‫فلما تولى الخلفة عثمان عاود معاوية الحديث وألح به على عثمان‪،‬‬
‫فرد عليه عثمان ‪ ‬قائل‪) :‬إني قد شهدت ما رد عليك عمر ‪-‬رحمه‬
‫الله‪ -‬حين استأذنته في غزو البحر(‪ ،‬ثم كتب إليه معاوية مرة أخرى‬
‫يهون عليه ركوب البحر إلى قبرص فكتب إليه‪) :‬فإن ركبت معك‬
‫امرأتك فاركبه مأذونا وإل فل(‪ (2) .‬كما اشترط عليه الخليفة عثمان‬
‫الناس ول تقرع بينهم‪ ،‬خيرهم فمن اختار‬ ‫‪ ‬أيضا بقوله‪) :‬ل تنتخب‬
‫الغزو طائعا فاحمله وأعنه(‪ (3) .‬فلما قرأ معاوية كتاب عثمان نشط‬
‫لركوب البحر إلى قبرص‪ ،‬فكتب لهل السواحل يأمرهم بإصلح‬
‫ساحل حصن عكا‪ ،‬فقد رمه ليكون ركوب‬ ‫المراكب وتقريبها إلى‬
‫المسلمين منه إلى قبرص)‪.(4‬‬
‫ثالثـا‪ :‬غزوة قبرص‪:‬‬
‫أعد معاوية المراكب اللزمة لحمل الجيش الغازي‪ ،‬واتخذ ميناء‬
‫عكا مكانا للقلع‪ ،‬وكانت المراكب كثيرة وحمل معه زوجه فاختة‬
‫عبادة بن الصامت امرأته أم حرام بنت‬ ‫بنت قرظة‪ ،‬كذلك حمل‬
‫ملحان معه في تلك الغزوة)‪.(5‬‬
‫وأم حرام هذه هي صاحبة القصة المشهورة‪ ،‬عن أنس بن مالك‬
‫‪ ‬أن رسول الله × كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه‪،‬‬
‫وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت‪ ،‬فدخل عليها رسول الله ×‬
‫يوما فأطعمته‪ ،‬ثم جلست تفلي من رأسه‪ ,‬فنام رسول الله × ثم‬
‫استيقظ وهو يضحك فقلت‪ :‬ما يضحكك يا رسول الله؟ قال‪» :‬ناس‬
‫ي غزاة في سبيل الله‪ ،‬يركبون ثبج هذا البحر‬ ‫من أمتي عرضوا عل ّ‬
‫ملوكا على السرة أو مثل الملوك على السرة« قالت‪ :‬فقلت‪ :‬يا‬
‫رسول الله‪ ،‬ادع الله أن يجعلني منهم‪ ،‬فدعا لها‪ ،‬ثم وضع رأسه‬
‫فنام‪ ،‬ثم استيقظ وهو يضحك‪ ،‬قالت‪ :‬فقلت‪ :‬ما يضحكك يا رسول‬
‫الله؟ قال‪» :‬ناس من أمتي عرضوا علي في سبيل الله« كما قال‬
‫في الولى‪ ،‬قالت‪ :‬قلت‪ :‬يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم‬
‫فقال‪» :‬أنت من الولين« فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في‬
‫زمن معاوية‪ ،‬فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت)‪.(6‬‬
‫ورغم أن معاوية ‪ ‬لم يجبر الناس على الخروج‪ ،‬فقد خرج معه‬
‫جيش عظيم من المسلمين)‪ ،(7‬مما يدل على أن المسلمين قد هانت‬
‫في أعينهم الدنيا بما فيها‪ ،‬فأصبحوا ل يعبأون بها بالرغم من أنها قد‬
‫فتحت عليهم أبوابها‪ ،‬فصاروا يرفلون في نعيمها‪.‬‬
‫إن المسلمين قد تربوا على أن ما عند الله خير وأبقى‪ ،‬وأن الله‬
‫تاريخ الطبري )‪.(5/258‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫الدارة العسكرية في الدولة السلمية‪ ،‬د‪ .‬سليمان بن صالح )‪.(2/538‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫تاريخ الطبري )‪.(5/260‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫الدارة العسكرية في الدولة السلمية )‪.(2/538‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫البداية والنهاية )‪.(7/159‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫البخاري‪ ،‬رقم‪.2877 :‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين‪ ،‬د‪ .‬محمد السيد الوكيل‪ ،‬ص ‪.356‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫‪148‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫اصطفاهم لنصرة دينه وإقامة العدل ونشر الفضيلة‪ ،‬والعمل على‬
‫إظهار دين الله على كل ما عداه‪ ،‬وهم يعتقدون أن هذه المهمة هي‬
‫رسالتهم الحقيقية‪ ،‬وأن الجهاد في سبيل الله هو سبيل الحصول‬
‫على مرضاة الله‪ ،‬فإن هم قصروا في مهمتهم وقعدوا عن أداء‬
‫واجبهم فيمسك الله عنهم نصره في الدنيا‪ ،‬ويحرمهم مرضاته في‬
‫الخرة‪ ،‬وذلك هو الخسران المبين‪ .‬من أجل هذا هرعوا مع معاوية‬
‫وتسابقوا إلى السفن يركبونها‪ ،‬ولعل حديث أم حرام قد ألم‬
‫بخواطرهم فدفعهم إلى الخروج للغزو في سبيل الله تصديقا لحديث‬
‫رسول الله ×‪ ،‬وكان ذلك بعد انتهاء فصل الشتاء في سنة ثمان‬
‫وعشرين من الهجرة )‪649‬م( )‪.(1‬‬
‫وسار المسلمون من الشام وركبوا من ميناء عكا متوجهين‬
‫إلى قبرص‪ ،‬ونزل المسلمون إلى الساحل‪ ،‬تقدمت أم حرام‬
‫لتركب دابتها‪ ،‬فنفرت الدابة وألقت أم حرام على الرض‬
‫)‪(2‬‬
‫وترك المسلمون أم حرام بعد دفنها‬ ‫فاندقت عنقها فماتت‪.‬‬
‫في أرض الجزيرة عنوانا على مدى التضحيات التي قدمها‬
‫المسلمون في سبيل نشر دينهم‪ ،‬وعرف قبرها هناك بقبر‬
‫المرأة الصالحة)‪.(3‬‬
‫واجتمع معاوية بأصحابه وكان فيهم‪ :‬أبو أيوب خالد بن زيد‬
‫النصاري‪ ،‬وأبو الدرداء‪ ،‬وأبو ذر الغفاري‪ ،‬وعبادة بن الصامت‪ ،‬وواثلة‬
‫بن السقع‪ ،‬وعبد الله بن بشر المازني‪ ،‬وشداد ابن أوس بن ثابت‪،‬‬
‫بن( السود‪ ،‬وكعب الحبر بن ماتع‪ ،‬وجبير بن نفير‬ ‫)‪4‬‬
‫والمقداد‬
‫أهل قبرص‬ ‫إلى‬ ‫وأرسلوا‬ ‫بينهم‬ ‫فيما‬ ‫وتشاوروا‬ ‫‪،‬‬ ‫الحضرمي‬
‫يخبرونهم أنهم لم يغزوهم للستيلء على جزيرتهم)‪ ،(5‬ولكن أرادوا‬
‫دعوتهم لدين الله ثم تأمين حدود الدولة السلمية بالشام؛ وذلك لن‬
‫البيزنطيين كانوا يتخذون من قبرص محطة يستريحون فيها إذا غزوا‬
‫ونون منها إذا قل زادهم‪ ،‬وهي بهذه المثابة تهدد بلد الشام‬ ‫ويتم ّ‬
‫الواقعة تحت رحمتها‪ ،‬فإذا لم يطمئن المسلمون على مسالمة هذه‬
‫الجزيرة لهم وخضوعها لرادتهم فإن وجودها كذلك سيظل شوكة‬
‫في ظهورهم وسهما مسددا في حدودهم‪ ،‬ولكن سكان الجزيرة لم‬
‫يستسلموا للغزاة ولم يفتحوا لهم بلدهم‪ ،‬بل تحصنوا في العاصمة‬
‫الجزيرة ينتظرون تقدم‬ ‫ولم يخرجوا لمواجهة المسلمين‪ ،‬وكان أهل‬
‫الروم للدفاع عنهم‪ ،‬وصد هجوم المسلمين عليها)‪.(6‬‬
‫رابًعا‪ :‬الستسلم وطلب الصلح‪:‬‬
‫تقدم المسلمون إلى عاصمة قبرص )قسطنطينا( وحاصروها‪،‬‬
‫وما هي إل ساعات حتى طلب الناس الصلح‪ ،‬وأجابهم المسلمون‬
‫طا واشترط عليهم المسلمون‬ ‫إلى الصلح‪ ،‬وقدموا للمسلمين شرو ً‬
‫شروطا‪ ،‬وأما شرط أهل قبرص فكان في طلبهم أل يشترط عليهم‬
‫المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.356‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫البداية والنهاية )‪.(7/159‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.357‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.357‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.357‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.357‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪149‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫المسلمون شروطا تورطهم مع الروم؛ لنهم ل قبل لهم بهم‪ ،‬ول‬
‫قدرة لهم على قتالهم‪ ،‬وأما‬
‫شروط المسلمين‪:‬‬
‫‪ -1‬أل يدافع المسلمون عن الجزيرة إذا هاجم سكانها محاربون‪.‬‬
‫‪ -2‬أن يدل سكان الجزيرة المسلمين على تحركات عدوهم من‬
‫الروم‪.‬‬
‫‪ -3‬أن يدفع سكان الجزيرة للمسلمين سبعة آلف ومائتي دينار‬
‫في كل عام‪.‬‬
‫الروم‪(1‬إذا حاولوا غزو بلد المسلمين‪ ،‬ول‬ ‫‪ -4‬أل يساعدوا‬
‫يطلعوهم على أسرارهم) ‪.‬‬
‫وعاد المسلمون إلى بلد الشام‪ ،‬وأثبتت هذه الحملة قدرة‬
‫المسلمين على خوض غمار المعارك البحرية بجدارة‪ ،‬وأعطت‬
‫المسلمون فرصة المران على الدخول في معارك من هذا النوع مع‬
‫المتربص بهم سواء بالهجوم على بلد الشام أم على‬ ‫العدو‬
‫السكندرية)‪.(2‬‬
‫سا‪ :‬عبد الله بن قيس قائد السطول السلمي في الشام‪:‬‬ ‫خام ً‬
‫استعمل معاوية بن أبي سفيان على البحر عبد الله بن قيس‬
‫الجاسي حليف بني فزارة‪ ،‬فغزا خمسين غزاة من بين شاتية‬
‫وصائفة في البحر‪ ،‬ولم يغرق فيه أحد ولم ينكب‪ ،‬وكان يدعو الله أن‬
‫يرزقه العافية في جنده‪ ،‬وأل يبتليه بمصاب أحد منهم‪ ،‬ففعل‪ ،‬حتى‬
‫إذا أراد أن يصيبه وحده خرج في قاربه طليعة‪ ،‬فانتهى إلى المرفأ‬
‫ؤال يعتّرون)‪ (3‬بذلك المكان‪ ،‬فتصدق‬ ‫من أرض الروم‪ ،‬وعليه س ّ‬
‫ؤال إلى قريتها‪ ،‬فقالت للرجال‪ :‬هل‬ ‫عليهم‪ ،‬فرجعت امرأة من الس ّ‬
‫لكم في عبد الله بن قيس؟ قالوا‪ :‬وأين هو؟ قالت‪ :‬في المرفأ‪،‬‬
‫قالوا‪ :‬أي عدوة الله‪ ،‬ومن أين تعرفين عبد الله بن قيس؟ فوبختهم‬
‫وقالت‪ :‬أنتم أعجز من أن يخفى عبد الله على أحد‪ ،‬فثاروا إليه‪،‬‬
‫فهجموا عليه‪ ،‬فقاتلوه وقاتلهم‪ ،‬فأصيب وحده‪ ،‬وأفلت الملح حتى‬
‫أتى أصحابه فجاءوا حتى أرقوا‪ ،‬والخليفة منهم سفيان بن عوف‬
‫الزدي‪ ،‬فخرج فقاتلهم‪ ،‬فضجر وجعل يعبث بأصحابه ويشتمهم‪،‬‬
‫فقالت جارية عبد الله‪ :‬واعبد الله‪ ،‬ما هكذا كان يقول حين يقاتل‪،‬‬
‫فقال سفيان‪ :‬وكيف كان يقول؟ قالت‪ :‬الغمرات ثم ينجلينا‪ ،‬فترك ما‬
‫كان يقول ولزم‪ :‬الغمرات ثم ينجلينا‪ ،‬وأصيب في المسلمين يومئذ‬
‫وذلك آخر زمان عبد الله بن قيس الجاسي)‪ ،(4‬وقيل لتلك المرأة‬
‫التي استثارت الروم على عبد الله بن قيس‪ :‬كيف عرفته؟ قالت‪:‬‬
‫كان كالتاجر‪ ،‬فلما سألته أعطاني كالملك‪ ،‬فعرفت أنه عبد الله بن‬
‫قيس)‪.(5‬‬
‫تاريخ الطبري )‪.(5/261‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.359 ،358‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫يعترون‪ :‬يعترضون للناس دون أن يسألوهم‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫تاريخ الطبري )‪.(5/260‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫المصدر نفسه )‪.(5/260‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪150‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫وهكذا حينما أراد الله تعالى أن يمن بالشهادة على هذا القائد‬
‫العظيم أتيحت له وهو في وضع ل يضر بسمعة المسلمين البحرية؛‬
‫حيث كان وحده يتطلع ويراقب العداء‪ ،‬فكانت تلك الكائنة الغريبة‬
‫التي أبصرت غورها تلك المرأة الذكية من نساء تلك البلد؛ حيث‬
‫رأت ذلك الرجل يظهر في مظاهره الخارجية بمظهر التجار‬
‫العاديين‪ ،‬ولكنه يعطي عطاء الملوك‪ ،‬فلقد رأت فيه أمارات السيادة‬
‫مع بساطة مظهره‪ ،‬فعرفت أنه قائد المسلمين الذي دوخ المحاربين‬
‫في تلك البلد‪ ،‬وهكذا كانت سماحة ذلك القائد وسخاؤه البارز حتى‬
‫مع غير المسلمين سببا في كشف أمره‪ ،‬ومعرفة مركزه‪ ،‬ليقضي‬
‫الله أمرا كان مفعول‪ ،‬فيتم بذلك الهجوم عليه وظفره بالشهادة‪.‬‬
‫وهكذا يضرب قادة المسلمين المثل العليا بأنفسهم لتتم‬
‫النجازات الكبرى على أيديهم‪ ،‬وليكونوا قدوة صالحة لمن يخلفهم؛‬
‫فقد قام هذا القائد الملهم بمهمة الستطلع بنفسه ولم يكل المر‬
‫إلى جنوده‪ ،‬وفي انفراده بهذه المهمة مظنة للتورط مع العداء‬
‫والهلك على أيديهم‪ ،‬ولكنه مع ذلك يغامر بنفسه فيتولى هذه‬
‫المهمة‪ ،‬ثم نجده يتخلق بأخلق السلم العليا حتى مع نساء العداء‬
‫وضعفتهم‪ ،‬فيمد إليهم يد الحنان والعطف‪ ،‬ويسخو لهم بالمال الذي‬
‫هو من أعز ما يملك الناس‪ ،‬ونجده قبل ذلك مع جنده رفيقا صبورا‪،‬‬
‫ل معنفا ول مستكبرا‪ ،‬وإذا ادلهمت الخطوب تفاءل بانكشاف الغمة‬
‫ولم يلجأ إلى لوم أصحابه وتعنيفهم‪ ،‬ولم يهيمن عليه الرتباك الذي‬
‫يفسد العمل‪ ،‬ويعجل بالخلل والفوضى‪ ،‬وأما خليفته سفيان الزدي‬
‫فلعله وقع فيما وقع فيه من الرتباك والشتغال بطرح اللئمة على‬
‫جنده لكونه حديث العهد بأمور القيادة‪ ،‬ولكن مما يحفظ له أنه لما‬
‫نبهته جارية عبد الله بن قيس إلى ذلك السلوب الحكيم الذي كان‬
‫أميره ينتهجه في القيادة سارع في التأسي به في ذلك‪ ،‬ولم يحمله‬
‫التكبر على عدم سماع كلمة الحق وإن صدرت من جارية مغمورة‪.‬‬
‫وهذا مثل من أمثلة التجرد من هوى النفس‪ ،‬هذا الخلق العظيم الذي‬
‫كان غالبا في الجيل الول‪ ،‬وبه تم إنجاز الفتوحات العظيمة ونجاح‬
‫الولة والقادة في إدارة المة‪ ،‬فلله در أبناء ذلك الجيل‪ :‬ما أبلغ‬
‫ذكرهم‪ ،‬وما أبعد غورهم‪ ،‬وما أعظم وطأتهم في الرض على‬
‫وما( أعذب لمساتهم في الرض على المستضعفين‬ ‫)‪1‬‬
‫الجبارين‪،‬‬
‫والمساكين‪.‬‬
‫سا‪ :‬القبارصة ينقضون الصلح‪:‬‬ ‫ساد ً‬
‫في سنة اثنتين وثلثين هجرية‪ ،‬وقع سكان قبرص تحت ضغط‬
‫رومي عنيف أجبرهم على إمداد جيش الروم بالسفن ليغزوا بها بلد‬
‫المسلمين‪ ،‬وبذلك يكون القبرصيون قد أخلوا بشروط الصلح‪ ،‬وعلم‬
‫معاوية بخيانة أهل قبرص فعزم على الستيلء على الجزيرة ووضعها‬
‫تحت سلطان المسلمين‪ ،‬فقد هاجم المسلمون الجزيرة هجوما‬
‫عنيفا فقتلوا وأسروا وسلبوا؛ هجم عليها جيش معاوية من جهة وعبد‬
‫الجانب الخر‪ ،‬فقتلوا خلقا كثيرا‪ ،‬وسبوا سبيا كثيرا‬ ‫الله بن سعد من‬
‫وغنموا مال جزيل‪ (2).‬وتحت ضغط القوات السلمية اضطر حاكم‬
‫)( التاريخ السلمي )‪.(12/402‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( جولة تاريخية‪ ،‬ص ‪.360 ،359‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪151‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫للفاتحين ويلتمس منهم الصلح‪ ،‬فأقرهم معاوية‬ ‫قبرص أن يستسلم‬
‫على صلحهم الول‪ (1).‬وخشى معاوية أن يتركهم هذه المرة بغير‬
‫جيش يرابط في الجزيرة فيحميها من غارات العداء ويضبط المن‬
‫فيها حتى ل تتمرد على المسلمين‪ ،‬فبعث إليهم اثني عشر ألفا من‬
‫الجنود‪ ،‬ونقل إليهم جماعة من بعلبك‪ ,‬وبنى هناك مدينة‪ ،‬وأقام فيها‬
‫مسجدا‪ ،‬وأجرى معاوية على الجنود أرزاقهم‪ .‬وظل الحال على ذلك‪،‬‬
‫الجزيرة هادئة والمسلمون آمنون من هجمات الروم المفاجئة‪،‬‬
‫ولحظ المسلمون أن أهل قبرص ليس فيهم قدرات عسكرية‪ ،‬وهم‬
‫مستضعفون أمام من يغزوهم‪ ،‬وأحس المسلمون أن الروم يغلبونهم‬
‫على أمرهم ويسخرونهم لمصالحهم فرأوا أن من حقهم عليهم أن‬
‫يحموهم من ظلم الروم‪ ،‬وأن يمنعوهم من تسلط البيزنطيين‪ ،‬وقال‬
‫يغلبهم‪(2‬الروم على‬ ‫إسماعيل بن عياش‪ :‬أهل قبرص أذلء مقهورون‬
‫أنفسهم ونسائهم‪ ،‬فقد يحق علينا أن نمنعهم ونحميهم) ‪.‬‬
‫سابًعا‪ :‬ما أهون الخلق على الله إذا هم عصوه‪:‬‬
‫وقد جاء في سياق هذه الغزوة المذكورة خبر أبي الدرداء ‪‬‬
‫حينما نظر إلى سبي العداء فبكى‪ ،‬ثم قال‪ :‬ما أهون الخلق على‬
‫الله إذا هم عصوه‪ .‬فانظر إلى هؤلء القوم بينما هم ظاهرون‬
‫قاهرون لمن)‪(3‬ناوأهم‪ ،‬فلما تركوا أمر الله ‪-‬عز وجل‪ -‬وعصوه صاروا‬
‫إلى ما ترى‪ .‬وجاء في رواية‪ :‬فقال له جبير بن نفير‪ :‬أتبكي وهذا‬
‫يوم أعز الله فيه السلم وأهله؟ فقال‪ :‬ويحك إن هذه كانت أمة‬
‫قاهرة لهم ملك‪ ،‬فلما ضيعوا أمر الله صيرهم إلى ما ترى‪ ،‬سلط الله‬
‫فيهم حاجة‪،‬‬
‫)‪(4‬‬
‫عليهم السبي‪ ،‬وإذا سلط على قوم السبي فليس لله‬
‫وقال‪ :‬ما أهون العباد على الله تعالى إذا تركوا أمره!!‪.‬‬
‫إن ما تفوه به أبو الدرداء يعتبر مثل للبصيرة النافذة والفقه في‬
‫أمر الله تعالى‪ ،‬فهذا الصحابي الجليل يبكي حسرة على هؤلء الذين‬
‫أعمى الله بصائرهم‪ ،‬فلم ينقادوا لدعوة الحق فباءوا بهذا المصير‬
‫المؤلم؛ حيث تحولوا من الملك والعزة إلى الستسلم والذلة‬
‫لصرارهم على لزوم الباطل والتكبر على الخضوع لدعوة الحق‪ ،‬ولو‬
‫أنهم عقلوا وتدبروا لكان في دخولهم في السلم بقاء ملكهم‬
‫وعمران ديارهم والظفر بحماية دولة السلم‪ ،‬وإن هذا التفكير‬
‫العميق من أبي الدرداء مظهر من مظاهر الرحمة والعطف تفتحت‬
‫عنه نفسه الزكية‪ ،‬فتشكل ذلك في الظاهر على هيئة دموع تنحدر‬
‫من عيني هذا الرجل العظيم‪ ،‬ليعبر عما يجول في نفسه من نظرات‬
‫الحنان والرحمة والسى على مصير تلك المة التي اجتمع لها البقاء‬
‫على الضلل والمآل السيئ بزوال الملك والوقوع في الذل والهوان‪،‬‬
‫وإنه بقدر ما يفرح المسلم بدخول الناس في السلم فإنه يحزن من‬
‫رؤية الكافرين وهم يعيشون في ضلل مع إدراكه ما ينتظرهم من‬
‫العذاب الليم المؤبد في الخرة‪ ،‬فكيف إذا أضيف إلى ذلك وقوعهم‬

‫البلذري‪ ،‬ص ‪.158‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫جولة تاريخية‪ ،‬ص ‪.361‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫التاريخ السلمي )‪.(12/396‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫البداية والنهاية )‪(7/159‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪152‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫)‪(1‬‬
‫في السر والتشرد وتعرضهم للقتل في الحياة الدنيا؟‬
‫ثامًنا‪ :‬عبادة بن الصامت يقسم غنائم قبرص‪:‬‬
‫قال عبادة بن الصامت لمعاوية ‪-‬رضي الله عنهما‪ :-‬شهدت‬
‫رسول الله × في غزوة حنين والناس يكلمونه في الغنائم‪ ،‬فأخذ‬
‫وبرة من بعير وقال‪» :‬ما لي مما أفاء الله عليكم من هذه‬
‫الغنائم إل الخمس‪ ،‬والخمس مردود عليكم«‪ ،‬فاتق الله يا‬
‫ط منها أحدا أكثر من حقه‪،‬‬ ‫معاوية واقسم الغنائم على وجهها‪ ،‬ول تع ِ‬
‫فقال له معاوية‪ :‬قد وليتك قسمة الغنائم‪ ،‬وليس أحد بالشام أفضل‬
‫واتق الله فيها‪ .‬فقسمها عبادة بين‬ ‫منك ول أعلم‪ ،‬فاقسمها بين أهلها‬
‫أهلها وأعانه أبو الدرداء وأبو أمامة)‪.(2‬‬
‫***‬

‫)( التاريخ السلمي )‪.(12/397‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( الرياض النضرة في مناقب العشرة‪ ،‬لبي جعفر أحمد‪ ،‬الشهير بالمحب‬ ‫‪2‬‬

‫الطبري‪ ،‬ص ‪.561‬‬

‫‪153‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬

‫المبحث الثالث‬
‫فتوحات الجبهة المصــــــــــرية‬
‫ل‪ :‬ردع المتمردين في السكندرية‪:‬‬ ‫أو ً‬
‫كبر على الروم خروج السكندرية من أيديهم‪ ،‬وظلوا يتحينون‬
‫ن‬
‫َ‬ ‫م‬
‫ِ‬ ‫ن بالسكندرية‬‫م ْ‬
‫الفرص لعادتها إلى حوزتهم‪ ،‬فراحوا يحرضون َ‬
‫الروم على التمرد والخروج على سلطان المسلمين؛ ذلك لن الروم‬
‫كانوا يعتقدون أنهم ل يستطيعون الستقرار في بلدهم بعد خروج‬
‫السكندرية من ملكهم‪ (1).‬وصادف تحريض الروم لهل السكندرية‬
‫هوى في نفوس سكانها فاستجابوا للدعوة‪ ،‬وكتبوا إلى قسطنطين‬
‫المسلمين‪ (2‬ويصفون له ما يعيش فيه‬ ‫بن هرقل يخبرونه بقلة عدد‬
‫الروم بالسكندرية من الذل والهوان‪ ).‬وكان عثمان ‪ ‬قد عزل‬
‫عمرو بن العاص عن مصر‪ ،‬وولى مكانه عبد الله بن سعد بن أبي‬
‫السرح‪ ،‬وفي أثناء ذلك وصل منويل الخصى قائد قوات الروم إلى‬
‫السكندرية لعادتها وتخليصها من يد المسلمين‪ ،‬ومعه قوات هائلة‬
‫ثلثمائة مركب مشحونة بكل ما يلزم هذه القوات من‬ ‫يحملهم في‬
‫السلح والعتاد)‪.(3‬‬
‫علم أهل مصر بأن قوات الروم قد وصلت إلى السكندرية‪،‬‬
‫فكتبوا إلى عثمان يلتمسون إعادة عمرو بن العاص ليواجه القوات‬
‫الغازية فإنه أعرف بحربهم‪ ،‬وله هيبة في نفوسهم‪ ،‬فاستجاب‬
‫الخليفة لطلب المصريين‪ ،‬وأبقى ابن العاص أميرا على مصر)‪،(4‬‬
‫ونهب منويل وجيشه السكندرية وغادروها بعد أن تركوها قاعا‬
‫صفصفا‪ ,‬ليعيثوا فيما حولها من القرى ظلما وفسادا‪ ،‬وأمهلهم عمرو‬
‫بن العاص ليمعنوا في الفساد وليشعر المصريون بالفرق الهائل بين‬
‫حكامهم من المسلمين وحكامهم من الروم‪ ،‬ولتمتلئ قلوب‬
‫المصريين على الروم حقدا وغضبا فل يكون لهم من حبهم والعطف‬
‫عليهم أدنى حظ‪ ،‬وخرج منويل بجيشه من السكندرية يقصد مصر‬
‫السفلى دون أن يخرج إليهم عمرو أو يقاومهم أحد‪ ،‬وتخوف بعض‬
‫أصحابه‪ ,‬وعمرو كان له رأي آخر‪ ،‬فقد كان يرى أن يتركهم يقصدونه‪،‬‬
‫ول شك أنهم سينهبون أموال المصريين‪ ،‬وسيرتكبون من الحماقات‬
‫في حقهم ما يمل قلوبهم حقدا عليهم وغضبا منهم‪ ،‬فإذا نهض‬
‫المسلمون لمواجهتهم عاونهم المصريون على التخلص منهم‪ ،‬وحدد‬
‫ي‪ ،‬فإنهم يصيبون من‬ ‫عمرو سياسته هذه بقوله‪» :‬دعهم يسيروا إل ّ‬
‫مروا به‪ ،‬فيخزي بعضهم ببعض«‪ (5).‬وقد صدق حدس عمرو‪ ،‬وأمعن‬
‫الروم في إفسادهم ونهبهم وسلبهم‪ ،‬وضج المصريون من فعالهم‪،‬‬
‫وأخذوا يتطلعون إلى من يخلصهم من شر هؤلء الغزاة المفسدين‪.‬‬ ‫)‪(6‬‬

‫وصل منويل إلى نقيوس‪ ،‬واستعد عمرو للقائه وعبأ جنده‪ ،‬وسار بهم‬

‫)( الكامل لبن الثير‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (4 ،3 ،‬جولة تاريخية‪ ،‬ص ‪.335‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)( جولة تاريخية ص ‪ ،336‬عثمان بن عفان‪ ،‬لهيكل‪ ،‬ص ‪.67‬‬ ‫‪5‬‬

‫)‪ (3‬المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.338‬‬ ‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.336‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪154‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫نحو عدوه الشرس‪ ،‬وتقابل الجيشان عند حصن نقيوس على شاطئ نهر‬
‫النيل‪ ،‬واستبسل الفريقان أيما استبسال‪ ،‬وصبر كل فريق صبرا أمام‬
‫خصمه مما زاد الحرب ضراوة واشتعال‪ ،‬ودفع بالقائد عمرو إلى أن‬
‫يمعن في صفوف العدو‪ ،‬ويقدم فرسه بين فرسانهم‪ ،‬ويشهر سيفه بين‬
‫سيوفهم‪ ،‬ويقطع به هامات الرجال وأعناق البطال‪ ،‬وأصاب فرسه سهم‬
‫فقتله‪ ،‬فترجل عمرو وانضم إلى صفوف المشاة‪ ،‬ورآه المسلمون‬
‫الحرب بقلوب كقلوب السود ل يهابون ول يخافون قعقعة‬ ‫)‪(1‬‬
‫فأقبلوا على‬
‫وأمام ضربات المسلمين وهنت عزائم الروم وخارت قواهم‪،‬‬ ‫السيوف‪.‬‬
‫فانهزموا أمام البطال الذين يريدون إحدى الحسنيين‪ ،‬وقصد الروم في‬
‫المنيعة وأسوارها‬ ‫فرارهم السكندرية لعلهم يجدون في حصونهم‬
‫الشاهقة ما يواري عنهم شبح الموت الذي يلحقهم)‪.(2‬‬
‫وخرج المصريون بعد أن رأوا هزيمة الروم يصلحون للمسلمين‬
‫ما أفسده العدو الهارب من الطرق‪ ،‬ويقيمون لهم ما دمره من‬
‫الجسور‪ ،‬وأظهر المصريون فرحتهم بانتصار المسلمين على العدو‬
‫وممتلكاتهم‪ ،‬وقدموا‬ ‫الذي انتهك حرماتهم واعتدى على أموالهم‬
‫للمسلمين ما ينقصهم من السلح والمؤونة)‪.(3‬‬
‫ولما وصل عمرو السكندرية ضرب عليهم الحصار ونصب عليها‬
‫المجانيق وظل يضرب أسوار السكندرية حتى أوهنها‪ ،‬وألح عليها‬
‫بالضرب حتى ضعف أهلها وتصدعت أسوارها وفتحت المدينة‬
‫الحصينة أبوابها‪ ،‬ودخل المسلمون السكندرية وأعملوا سيوفهم في‬
‫الروم يقتلون المقاتلين‪ ،‬ويأسرون النساء والذرية‪ ،‬وهرب من نجا‬
‫من الموت لجئين إلى السفن ليفروا بها عائدين من حيث أتوا‪ ،‬وكان‬
‫منويل في عداد القتلى‪ ،‬ولم يكف المسلمون عن القتل والسبي‬
‫توسط‪(4‬المسلمون المدينة‪ ،‬ولما لم يكن‬ ‫حتى أمر عمرو بذلك لما‬
‫هناك من يقاوم أو يتصدى لهم‪ ).‬ولما فرغ المسلمون أمر عمرو‬
‫مسجد في المكان الذي أوقف فيه القتال وسماه مسجد‬ ‫)‪(5‬‬
‫ببناء‬
‫الرحمة‪.‬‬
‫وعادت إلى العاصمة العتيدة طمأنينتها‪ ،‬وعادت السكينة إلى‬
‫قلوب المصريين فيها‪ ،‬فرجع إليها من كان قد فر منها أمام الزحف‬
‫الرومي الرهيب‪ ،‬وعاد بنيامين بطريرك القبط إلى السكندرية بعد‬
‫أن فر مع الفارين‪ ،‬وأخذ يرجو عمرو أل يسيء معاملة القبط لنهم‬
‫كذلك‪ (6‬أل يعقد‬ ‫لم ينقضوا عهدهم ولم يتخلوا عن واجبهم‪ ،‬ورجاه‬
‫صلحا مع الروم‪ ،‬وأن يدفنه إذا مات في كنيسة يحنس) ‪.‬‬
‫وجاء المصريون من كل حدب وصوب إلى عمرو يشكرونه على‬
‫تخليصهم من ظلم الروم‪ ،‬ويطلبون منه إعادة ما نهبوا من أموالهم‬
‫ودوابهم معلنين ولءهم وطاعتهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬إن الروم قد أخذوا دوابنا‬
‫وأموالنا ولم نخالف نحن عليكم وكنا على الطاعة‪ ،‬فطلب منهم عمرو‬
‫)‪(7‬‬
‫أن يقيموا البينة على ما ادعوا‪ ،‬ومن أقام بينة وعرف من له بعينه رده‬
‫‪1‬‬

‫)‪ (5‬جولة تاريخية‪ ،‬ص ‪.338‬‬ ‫)( البلذري‪ ،‬ص ‪.69‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫)‪ (2،‬جولة تاريخية‪ ،‬ص ‪.338‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫)‪ (4 ،‬المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.340‬‬ ‫‪6‬‬
‫‪7‬‬

‫‪155‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫عليه‪ ،‬وهدم عمرو سور السكندرية‪ ،‬وكان ذلك في سنة ‪ 25‬هـ‪.‬‬
‫وأصبحت السكندرية آمنة من جهاتها كلها رغم هدم سورها‪ ،‬فقد كان‬
‫شرقيها في قبضة المسلمين وكذلك جنوبها‪ ،‬وأما غربيها فقد أمنه عمرو‬
‫بن العاص بفتح برقة وزويلة وطرابلس الغرب‪ ،‬وصالح أهل هذه البلد‬
‫على الجزية فكانوا يدفعونها طائعين‪ ،‬وأما شمالها فكان في قبضة‬
‫الروم‪ ،‬وقد تلقوا درسا على يد المسلمين لم يترك لهم فرصة للتفكير‬
‫في العودة‪ ،‬وحتى لو فكروا في العودة فهيهات أن يدخلوها وليس لهم‬
‫فيها نصير ول معين‪ ،‬وقوات المسلمين تراقب البحر بكل يقظة‬
‫واهتمام)‪.(1‬‬
‫ثانًيا‪ :‬فتح بلد النوبة‪:‬‬
‫كان عمرو بن العاص قد شرع في فتح بلد النوبة بإذن من الخليفة‬
‫عمر‪ ،‬فوجد حربا لم يتدرب عليها المسلمون وهي الرمي بالنبال في‬
‫أعين المحاربين حتى فقدوا مائة وخمسين عينا في أول معركة‪ ،‬ولهذا‬
‫قبل الجيش الصلح‪ ,‬ولكن عمرو بن العاص رفض للوصول إلى شروط‬
‫)‪(2‬‬
‫وعندما تولى ابن سعد ولية مصر غزا النوبة في عام إحدى‬ ‫أفضل‬
‫‪،‬‬
‫وثلثين هجرية فقاتله الساود من أهل النوبة قتال شديدا‪ ،‬فأصيبت يومئذ‬
‫عيون كثيرة من المسلمين‪ ،‬فقال شاعرهم‪:‬‬
‫)‪(3‬‬
‫والخيل تعدو بالدروع مثقلة‬ ‫لم تر عين مثل يوم ُدمقلة‬

‫النوبة عبد الله بن سعد المهادنة‪ ،‬فهادنهم هدنة بقيت‬ ‫فسأل أهل‬
‫إلى ستة قرون)‪ ،(4‬وعقد لهم عقدا يضمن لهم استقلل بلدهم‬
‫ويحقق للمسلمين الطمئنان إلى حدودهم الجنوبية‪ ،‬ويفتح النوبة‬
‫السلمية‪،‬‬ ‫للتجارة والحصول على عدد من الرقيق في خدمة الدولة‬
‫وقد اختلط المسلمون بالنوبة والبجة‪ ،‬واعتنق كثير منهم السلم)‪.(5‬‬
‫ثالثـا‪ :‬فتح إفريقية‪:‬‬
‫كان من مقاصد حملة عمرو بن العاص ‪ ‬لبرقة وطرابلس‬
‫وبقية مناطق ليبيا‪ ،‬فتح البلد وإزالة الطاغوت الروماني عن قلوب‬
‫العباد حتى تتضح لهم السبل وتفترق لهم الطرق‪ ،‬وتصبح حرية‬
‫الختيار في متناول تلك الشعوب‪ ،‬بعد تلك الحملة المباركة التي‬
‫كانت سببا في دخول ذلك النور إلى تلك المناطق المظلمة بعبادة‬
‫الصنام والتقرب إليها بالقرابين‪ ،‬واتخاذ النداد والرباب من البشر‬
‫العباد إلى عبادة رب‬ ‫من دونه سبحانه وتعالى‪ ،‬وإخراجهم من عبادة‬
‫العباد‪ .‬وعن حملة عبد الله بن سعد على إفريقية)‪ (6‬يقول الدكتور‬
‫زل عمرو بن العاص ‪‬‬ ‫صالح مصطفى‪ :‬وفي سنة ‪ 26‬هـ‪646/‬م عُ ِ‬
‫عن ولية مصر‪ ،‬واستعمل عليها عبد الله بن سعد ‪ ،‬وكان عبد الله‬
‫المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.341‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬

‫الخلفة والخلفاء الراشدون‪ ،‬ص ‪.229‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬

‫قادة الفتح لبلد المغرب‪.(63 -1/61) ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬

‫الخلفة والخلفاء الراشدون‪ ،‬ص ‪.229‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫قادة الفتح لبلد المغرب‪.(63 -1/61) ،‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫الشرف والتسامي بحركة الفتح السلمي‪ ،‬للصلبي‪ ،‬ص ‪.189‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪156‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫بن سعد يبعث جرائد الخيل كما كانوا يفعلون أيام عمرو بن العاص‬
‫فيصيبون من أطراف إفريقية ويغنمون)‪ ،(1‬وكانت جرائد الخيل تقصد‬
‫إفريقية )تونس( تمهيدا لفتحها ومعرفة وضعها‪ ،‬فكان حال هذه‬
‫الجرائد أشبه ما يكون بكتائب الستطلع التي تعتبر مقدمة الجيش‬
‫وعيونه‪ ،‬فلما اجتمعت عند عبد الله بن سعد معلومات كافية عن‬
‫إفريقية من ناحية مداخلها ومخارجها‪ ،‬وقوتها وعدادها‪ ،‬وموقعها‬
‫الجغرافي الستراتيجي كتب حينئذ إلى الخليفة الراشد عثمان بن‬
‫عفان يخبره بهذه المعلومات الهامة عن إفريقية‪ ،‬يستأذن بناء على‬
‫تلك المعلومات بفتحها‪ ،‬فكان له ما طلب‪ .‬يقول الدكتور صالح‬
‫مصطفى‪ :‬ولما استأذن عبد الله بن سعد الخليفة عثمان بن عفان‬
‫في غزو إفريقية‪ ،‬جمع الصحابة واستشارهم في ذلك‪ ،‬فأشاروا عليه‬
‫بفتحها‪ ،‬إل أبو العور سعيد بن زيد‪ ،‬الذي خالفه متمسكا برأي عمر‬
‫بن الخطاب في أل يغزو أفريقية أحد من المسلمين‪ ،‬ولما أجمع‬
‫الصحابة على ذلك دعا عثمان للجهاد‪ ،‬واستعدت المدينة ‪-‬عاصمة‬
‫الخلفة السلمية‪ -‬لجميع المتطوعين وتجهيزهم‪ ،‬وترحيلهم إلى مصر‬
‫لغزو إفريفية تحت قيادة عبد الله بن سعد‪ .‬وقد ظهر الهتمام بأمر‬
‫تلك الغزوة جليا‪ ،‬وهذا يتضح من الذين خرجوا إليها من كبار‬
‫الصحابة‪ ،‬ومن خيار شباب آل البيت‪ ،‬وأبناء المهاجرين الوائل وكذلك‬
‫النصار؛ فقد خرج في تلك الغزوة الحسن والحسين‪ ،‬وابن عباس‬
‫وابن جعفر وغيرهم‪.‬‬
‫هذا وقد خرج من قبيلة مهرة وحدها في غزوة عبد الله بن سعد‬
‫ستمائة رجل‪ ،‬ومن غنث سبعمائة رجل‪ ،‬ومن ميدعان سبعمائة رجل‪،‬‬
‫ما خطب عثمان فيهم‪ ،‬ورغبهم في الجهاد‪،‬‬ ‫وعندما بات الستعداد تا ً‬
‫وقال لهم‪ :‬لقد استعملت عليكم الحارث بن الحكم إلى أن تقدموا‬
‫على عبد الله بن سعد فيكون المر إليه‪ ،‬وأستودعكم الله‪ .‬ويقال‪:‬‬
‫إن عثمان ‪ ‬قد أعان في هذه الغزوة بألف بعير يحمل عليها ضعفاء‬
‫الناس‪ ،‬وعندما وصل هذا الجيش إلى مصر انضم إلى جيش عبد الله‬
‫بن سعد‪ ،‬وتقدم من الفسطاط تحت قيادة عبد الله ذلك الجيش‬
‫الذي يقدر بعشرين ألفا يخترق الحدود المصرية الليبية‪ ،‬وعندما‬
‫وصلوا إلى برقة انضم إليهم عقبة بن نافع الفهري ومن معه من‬
‫المسلمين‪ ،‬ولم يواجه الجيش السلمي أية صعوبات أثناء سيرهم‬
‫في برقة؛ وذلك لنها ظلت وفية لما عاهدت المسلمين عليه من‬
‫الشروط زمن عمرو بن العاص‪ ،‬حتى إنه لم يكن يدخلها جابي‬
‫الخراج‪ ،‬وإنما كانت تبعث بخراجها إلى مصر في الوقت المناسب‪.‬‬
‫ومما يؤكد بقاء برقة على عهدها لعمرو بن العاص‪ ،‬ما ذكر أنه سمع‬
‫قعدت مقعدي هذا‪ ،‬وما لحد من قبط مصر علي عهد إل أهل‬ ‫يقول‪:‬‬
‫دا يوفي لهم به‪ ،‬كما أن عبد الله بن عمرو‬ ‫أنطابلس)‪ ،(2‬فإن لهم عه ً‬
‫ولول‪(3‬مالي بالحجاز لنزلت برقة‪ ،‬فما أعلم‬ ‫بن العاص كان يقول‪:‬‬
‫منزل أسلم ول أعزل منها) ‪.‬‬
‫وهكذا انطلقت هذه الحملة المباركة نحو إفريقية‪ ,‬وكان ذلك بعد‬
‫)( ليبيا من الفتح العربي حتى انتقال الخلفة الفاطمية إلى مصر‪ ،‬صالح‬ ‫‪1‬‬

‫مصطفى مفتاح المزيني‪ ،‬ص ‪.49‬‬
‫)( أنطابلس‪ :‬معناها برقة‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( ليبيا من الفتح العربي حتى انتقال الخلفة الفاطمية إلى مصر‪ ،‬ص ‪.39‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪157‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫انضمام قوات عقبة بن نافع إليها‪ ،‬إل أن عبد الله بن سعد قائد‬
‫الحملة ما فتئ يرسل الطلئع والعيون في جميع التجاهات‬
‫لستكشاف الطرق وتأمينها ورصد تحركات العدو وضبطها؛ تحسبا‬
‫لي كمين أو مباغتة تطرأ على حين غفلة‪ ،‬فكان من نتائج تلك‬
‫الطلئع الستطلعية أن تم رصد مجموعات من السفن الحربية تابعة‬
‫للمبراطورية الرومانية‪ ،‬حيث كانت هذه السفن الحربية قد رست‬
‫في ساحل ليبيا البحري بالقرب من مدينة طرابلس‪ ،‬فما هي إل‬
‫برهة من الزمن حتى كان ما تحمله هذه السفن غنيمة للمسلمين‪،‬‬
‫أول غنيمة ذات‬ ‫)‪(1‬‬
‫وقد أسروا أكثر من مائة من أصحابها‪ ،‬وتعتبر هذه‬
‫قيمة أصابها المسلمون في طريقهم لفتح إفريقية‪.‬‬
‫وواصل عبد الله بن سعد السير إلى إفريقيا‪ ،‬وبث طلئعه وعيونه‬
‫في كل ناحية‪ ،‬حتى وصل جيشه إلى مدينة سبيطلة بأمان‪ ،‬وهناك‬
‫التقى الجمعان؛ جيش المسلمين بقيادة عبد الله ابن سعد وجيش‬
‫جرجير حاكم إفريقية‪ ،‬وكان تعداد جيشه يبلغ حوالي مائة وعشرين‬
‫واها‬ ‫ألفا‪ ،‬وكان بين القائدين اتصالت مستمرة ورسائل متبادلة‪ ،‬فَ ْ‬
‫ح َ‬
‫عرض الدعوة السلمية على جرجير ودعوته للدخول في السلم‪،‬‬
‫ويستسلم لمر الله سبحانه‪ ،‬أو أن يدفع الجزية‪ ،‬ويبقى على دينه‬
‫خاضعا لسيادة السلم‪ ،‬ولكن كل تلك العروض رفضها وأصر‬
‫واستكبر هو وجنوده‪ ،‬وضاق المر بالمسلمين‪ ،‬ونشبت المعركة بين‬
‫الجمعين وحمى الوطيس بينهما لعدة أيام‪ ،‬حتى وصل مدد بقيادة‬
‫الله بن الزبير‪ ،‬وكانت نهاية هذا المستكبر الطاغي جرجير على‬ ‫عبد‬
‫يديه)‪.(2‬‬
‫ولما رأى الروم الذين بالساحل ما حل بجرجير وأهل سبيطلة‪،‬‬
‫غارت أنفسهم وتجمعوا وكاتب بعضهم بعضا في حرب عبد الله بن‬
‫سعد إياهم‪ ،‬فخافوه وراسلوه وجعلوا له جعل على أن يرتحل‬
‫بجيشه‪ ،‬وأل يعترضوه بشيء ووجهوا إليه ثلثمائة قنطار من الذهب‬
‫في بعض الروايات‪ ،‬وفي البعض الخر مائة قنطار‪ ،‬جزية في كل‬
‫سنة على أن يكف عنهم ويخرج من بلدهم‪ ،‬فقبل ذلك منهم وقبض‬
‫المال‪ ،‬وكان في شرط صلحهم أن ما أصاب المسلمون قبل الصلح‬
‫فهو لهم‪ ،‬وما أصابوه بعد الصلح رده عمر إن عبد الله بن الزبير قال‬
‫لعبد الله بن سعد‪ :‬إن أمرنا يطول مع هؤلء وهم في أمداد متصلة‬
‫وبلد هي لهم ونحن منقطعون عن المسلمين وبلدهم‪ ،‬وقد رأيت أن‬
‫نترك غدا جماعة صالحة من أبطال المسلمين في خيامهم متأهبين‬
‫ونقاتل نحن الروم في باطن العسكر إلى أن يضجروا ويملوا‪ ,‬فإذا‬
‫رجعوا إلى خيامهم ورجع المسلمون ركب من كان في الخيام من‬
‫المسلمين ولم يشهدوا القتال وهم مستريحون ونقصدهم على غرة‪،‬‬
‫فلعل الله ينصرنا عليهم‪ ،‬فأحضر جماعة من أعيان الصحابة‬
‫واستشارهم فوافقوه على ذلك‪ ،‬فلما كان الغد فعل عبد الله ما‬
‫اتفقوا عليه‪ ،‬وأقام جميع شجعان المسلمين في خيامهم وخيولهم‬
‫عندهم مسرجة‪ ،‬ومضى الباقون فقاتلوا الروم إلى الظهر قتال‬
‫م الروم بالنصراف على العادة فلم‬ ‫شديدا‪ ،‬فلما أذن بالظهر ه ّ‬
‫يمكنهم ابن الزبير وألح عليهم بالقتال حتى أتعبهم‪ ،‬ثم عاد عنهم‬
‫)( الشرف والتسامي بحركة الفتح السلمي‪ ،‬ص ‪.191‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( المصدر نفسه ص ‪ ،193‬البداية والنهاية )‪.(7/158‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪158‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫والمسلمون؛ فكل الطائفتين ألقى سلحه ووقع تعبا‪ ،‬فعند ذلك أخذ‬
‫عبد الله بن الزبير من كان مستريحا من شجعان المسلمين وقصد‬
‫الروم فلم يشعروا بهم حتى خالطوهم وحملوا حملة رجل واحد‬
‫وكبروا فلم يتمكن الروم من لبس سلحهم حتى غشيهم المسلمون‪،‬‬
‫وقتل جرجير‪ ،‬قتله ابن الزبير‪ ،‬وانهزم الروم وقتل منهم مقتلة‬
‫عظيمة‪ ،‬وأخذت ابنة الملك جرجير سبية‪ ،‬ونازل عبد الله بن سعد‬
‫المدينة وحاصرهم حتى فتحها‪ ،‬ورأى فيها من الموال ما لم يكن في‬
‫غيرها‪ ،‬فكان سهم الفارس ثلثة آلف دينار وسهم الراجل ألف دينار‪.‬‬
‫ولما فتح عبد الله مدينة سبيطلة بث جيوشه في البلد فبلغت قفصة‬
‫فسبوا وغنموا‪ ،‬وسّير عسكرا إلى حصن الجم‪ ،‬وقد احتمى به أهل‬
‫تلك البلد فحصرهم وفتحه بالمان فصالحه أهل إفريقية كما مر‬
‫معنا‪ ،‬ونفل عبد الله بن الزبير)‪(1‬ابنة الملك وأرسله ابن سعد إلى‬
‫عثمان بالبشارة بفتح إفريقية ‪.‬‬
‫رابًعا‪ :‬بطولة عبد الله بن الزبير في فتح إفريقية‪:‬‬
‫هذا ولقد كان لعبد الله بن الزبير ‪-‬رضي الله عنهما‪ -‬موقف‬
‫عظيم في البطولة والشجاعة‪ ،‬وقد ذكره الحافظ ابن كثير حيث‬
‫قال‪ :‬لما قصد المسلمون ‪-‬وهم عشرون ألفا‪ -‬إفريقية‪ ،‬وعليهم عبد‬
‫الله بن سعد بن أبي السرح‪ ،‬وفي جيشه عبد الله بن عمر وعبد الله‬
‫بن الزبير‪ ،‬صمد إليهم ملك البربر جرجير في عشرين ومائة ألف‪،‬‬
‫وقيل في مائتي ألف‪ ،‬فلما تراءى الجمعان أمر جيشه فأحاطوا‬
‫بالمسلمين هالة‪ ،‬فوقف المسلمون في موقف لم ير أشنع منه ول‬
‫أخوف عليهم منه‪.‬‬
‫قال عبد الله بن الزبير‪ :‬نظرت إلى الملك جرجير من وراء‬
‫الصفوف وهو راكب على برذون‪ ،‬وجاريتان تظلنه بريش‬
‫الطواويس‪ ،‬فذهبت إلى عبد الله بن سعد بن أبي السرح فسألته أن‬
‫يبعث معي من يحمي ظهري‪ ،‬وأقصد الملك‪ ،‬فجهز معي جماعة من‬
‫الشجعان‪ ،‬فأمر بهم فحموا ظهري وذهبت حتى خرقت الصفوف‬
‫إليه‪ ،‬وهم يظنون أني في رسالة إلى الملك‪ ،‬فلما اقتربت منه أحس‬
‫مني الشر‪ ،‬ففر على برذونه فلحقته فصفعته برمحي وذففت ‪-‬يعني‬
‫أجهزت‪ -‬عليه بسيفي‪ ،‬وأخذت رأسه فنصبته على رأس الرمح‬
‫وكبرت‪ ،‬فلما رأى ذلك البربر فَرُِقوا وفروا كفرار القطا‪ ،‬واتبعهم‬
‫المسلمون يقتلون ويأسرون‪ ,‬فغنموا غنائم جمة وأموال عظيمة‬
‫ما‪ ،‬وذلك ببلد يقال له‪) :‬سبيطلة( على يومين من‬ ‫وسبًيا عظي ً‬
‫القيروان‪.‬‬
‫عبد الله بن‬ ‫قال ابن كثير‪ :‬فكان هذا أول موقف اشتهر فيه أمر‬
‫الزبير ‪ ‬وعن أبيه‪ ،‬وعن سائر الصحابة الكرام أجمعين)‪.(2‬‬
‫إن ما قام به ابن الزبير نوع من الطموح نحو المعالي المحفوفة‬
‫بالهوال بدون تدرج سابق‪ ،‬لقد كان عمره آنذاك سبعا وعشرين‬
‫سنة‪ ،‬ولم يذكر له قبل ذلك مواقف بطولية من نوع المغامرات‪،‬‬
‫فكيف أقدم على هذه المغامرة الهائلة التي يغلب على الظن أو يكاد‬
‫)( الكامل لبن الثير )‪.(46 ،3/45‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( البداية والنهاية )‪.(7/158‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪159‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫يقرب من اليقين في عرف الناس العاديين أن فيها الهلك؟!! وإن‬
‫الحتمالت التي يمكن أن ترد في مثل هذه المغامرة أن يدور في‬
‫خلد المغامر أمران‪:‬‬
‫أن ينجح في هجومه فيقضي على ملك البربر‪ ،‬ويتفرق جنده كما‬ ‫‪-1‬‬
‫هي عادة الكفار‪ ،‬وفي ذلك نصر مؤزر للمسلمين‪ ،‬وكفاية لهم عن خوض‬
‫معركة شرسة قد تخوف منها المسلمون‪.‬‬
‫‪ -2‬أن يتقبله الله شهيدا‪ ،‬وفي ذلك الوصول إلى أسمى الماني‪،‬‬
‫وأبلغ الدرجات التي يطمح إليها الصالحون ويتنافسون على بلوغها‪،‬‬
‫كما أن في ذلك من إرهاب الكفار وإثارة الرعب فيهم الشيء‬
‫الكثير؛ حيث سيتوقع الكفار أن المسلمين الذين سيقاتلونهم كلهم‬
‫من هذا النوع الجريء الفتاك؛ إذ أنه يكفي المغامر شجاعة أن يقذف‬
‫بنفسه في وسط المعركة الملتهبة‪ ،‬إنه ل يقدم على هذه الوثبة‬
‫العالية إل العظماء الذين يتصورون الجنة من وراء تلك الوثبة‬
‫ويشتاقون للعيش فيها‪ .‬ولقد كان ابن الزبير وثب تلك الوثبة متجردا‬
‫من علئق الدنيا وأثقالها المثبطة‪ ،‬طامحا إلى ما أعده الله تعالى‬
‫سبيله على قدر طاقتهم‪ ،‬سواء انتصروا على أعدائهم‬ ‫)‪(1‬‬
‫للمجاهدين في‬
‫أو نالوا الشهادة‪.‬‬
‫وقد جاء في هذا الخبر أن البربر بعدما قتل ملكهم فروا من جيش‬
‫طا‪َ ،‬وأن المسلمين تبعوهم يقتلون ويأسرون منهم‬ ‫المسلمين كفرار ال َق‬
‫من غير مقاومة‪ ،‬وإن هذا الخبر دليل على أن الله تعالى مع أوليائه‬
‫المؤمنين‪ ،‬وأنه يقيض لهم إذا صدقوا ما يخلصهم من الشدائد وينقذهم‬
‫من المآزق‪ ،‬فإن المسلمين قد وقعوا في معضلة كبرى؛ حيث أحاط بهم‬
‫أعداؤهم الذين يفوقونهم ست مرات في العدد أو أكثر‪ ،‬وكان على‬
‫المسلمين أن يقاتلوهم من كل جانب‪ ،‬وهو أمر عسير على جيش صغير‬
‫بالنسبة لكثرة عدوه‪ ،‬كما جاء في قول الراوي‪ :‬فوقف المسلمون في‬
‫موقف لم ير أشنع منه ول أخوف عليهم منه‪ ،‬فقيض الله لهم هذا البطل‬
‫المثال‪ ،‬فأنقذ الله به ذلك الجيش‬ ‫)‪(2‬‬
‫المغوار الذي أقدم على مغامرة نادرة‬
‫السلمي من عسرة كان يعاني منها‪.‬‬
‫ول ننسى موقف البطال الذين كانوا مع عبد الله بن الزبير‬
‫يحمون ظهره‪ ،‬فإنهم قد شاركوه في تلك المخاطرة‪ ،‬ولئن لم يذكر‬
‫التاريخ أسماءهم فإن عملهم الفدائي قد بقي مخلدا في الدنيا برفع‬
‫بأبطالها‪ ،‬وفي الخرة بما ينتظرون من‬ ‫ذكر هذه المة حينما تفاخر‬
‫وعد الله للمجاهدين الصادقين)‪.(3‬‬
‫دم ّالمسلمون الغالي والرخيص في فتوحات إفريقية‪،‬‬ ‫هذا وقد ق‬
‫واستشهد منهم الكثير‪ ،‬وممن توفى منم غازيا بإفريقية في خلفة عثمان‬
‫أبو ذؤيب الهذلي وكان شاعرا مشهورا‪ ،‬وهو الذي قال‪:‬‬
‫ألفيت كل تميمة ل تنفع‬ ‫وإذا المنية أنشبت أظفارها‬
‫)‪(4‬‬
‫أني لريب الدهر ل أتضعضع‬ ‫وتجلدي للشامتين أريهم‬

‫)( التاريخ السلمي )‪.(12/390‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (2 ،‬التاريخ السلمي‪.(12/392) ،‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪3‬‬

‫‪160‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫سا‪ :‬معركة ذات الصواري‪:‬‬ ‫خام ً‬
‫أصيب الروم بضربة حاسمة في إفريقية‪ ،‬وتعرضت سواحلهم‬
‫للخطر بعد سيطرة السطول السلمي على سواحل المتوسط من‬
‫ردوس حتى برقة‪ ،‬فجمع قسطنطين بن هرقل أسطول بناه الروم‬
‫من قبل‪ ،‬فخرج بألف سفينة لضرب المسلمين ضربة يثأر لها‬
‫لخسارته المتوالية في البر‪ ،‬فأذن عثمان ‪ ‬لصد العدوان‪ ،‬فأرسل‬
‫معاوية مراكب الشام بقيادة بسر بن أرطأة‪ ،‬واجتمع مع عبد الله بن‬
‫سعد بن أبي السرح في مراكب مصر‪ ،‬وكانت كلها تحت أمرته‪،‬‬
‫ومجموعها مائتا سفينة فقط‪ ،‬وسار هذا الجيش السلمي وفيه‬
‫أشجع المجاهدين المسلمين ممن أبلوا في المعارك السابقة؛ فقد‬
‫انتصر هؤلء على الروم من قبل في معارك عديدة‪ ،‬فشوكة عدوهم‬
‫في أنفسهم محطمة‪ ،‬ل يخشونه ول يهابونه‪ ،‬على الرغم من قلة‬
‫عدد سفنهم إذا قيست بعدد سفن عدوهم‪ .‬خرج المسلمون إلى‬
‫البحر وفي أذهانهم وقلوبهم إعزاز دين الله وكسر شوكة الروم‪،‬‬
‫ولقد كان لهذه المعركة التاريخية أسباب‪ ،‬منها‪:‬‬
‫‪ -1‬الضربات القوية التي وجهها المسلمون إلى الروم في‬
‫إفريقية‪.‬‬
‫أصيب الروم في سواحلهم الشرقية والجنوبية بعد أن سيطر‬ ‫‪-2‬‬
‫المسلمون بأسطولهم عليها‪.‬‬
‫‪ -3‬خشية الروم من أن يقوى أسطول المسلمين فيفكروا في‬
‫غزو القسطنطينية‪.‬‬
‫‪ -4‬أراد قسطنطين بن هرقل استرداد هيبة ملكه بعد الخسائر‬
‫المتتالية بّرا‪ ،‬وعلى شواطئه في بلد الشام ومصر وساحل برقة‪.‬‬
‫‪ -5‬كما أراد الروم خوض معركة ظنوا أنها مضمونة النتائج‪ ،‬كي‬
‫تبقى لهم السيطرة في المتوسط‪ ،‬فيحافظوا على جزره‪ ،‬فينطلقوا‬
‫منها للغارة على شواطئ بلد العرب‪.‬‬
‫‪ -6‬محاولة استرجاع السكندرية بسبب مكانتها عند الروم‪ ،‬وقد‬
‫لقسطنطين بن هرقل ملك الروم‪ .‬هذه‬ ‫ثبت تاريخيا مكاتبة سكانها‬
‫بعض أسباب معركة ذات الصواري)‪.(1‬‬
‫أين وقعت هذه المعركة؟‬
‫وهذا السؤال لم يجد المؤرخون له جوابا موحدا؛ فالمراجع‬
‫العربية لم تحدد مكانها‪ ،‬باستثناء مرجع واحد على ما نعلم صرح‬
‫بالمكان بدقة‪ ،‬وآخر قال اتجه الروم إليه‪.‬‬
‫* في )فتح مصر وأخبارها( )‪(2‬ذكر الكتاب خطبة عبد الله بن سعد‬
‫بن أبي السرح وقال‪ :‬قد بلغني أن هرقل قد أقبل إليكم في ألف‬
‫مركب‪ .‬ولم يحدد مكان المعركة‪.‬‬
‫)( تاريخ السلم للذهبي‪ ،‬عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.359‬‬ ‫‪4‬‬

‫)( ذات الصواري‪ ،‬شوقي أبو خليل‪ ،‬ص ‪.61 ،60‬‬ ‫‪1‬‬

‫)‪ (3‬تاريخ الطبري )‪.(5/290‬‬ ‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.61‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪161‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫* )الطبري( )‪ (1‬في أخبار سنة ‪31‬هـ‪ ،‬ربط حدوث ذات الصواري‬
‫بما أصاب المسلمون من الروم في إفريقية‪ ،‬وقال‪ :‬فخرجوا في‬
‫جمع لم يجتمع للروم مثله قط‪.‬‬
‫* ولم يذكر )الكامل في التاريخ( )‪ (2‬مكان الموقعة أيضا‪ ،‬ولكنه‬
‫ربط سبب وقوعها بما أحرزه المسلمون من نصر في إفريقية‬
‫بالذات‪.‬‬
‫)‪(3‬‬
‫* وفي )البداية والنهاية( ‪ :‬فلما أصاب عبد الله بن سعد بن أبي‬
‫السرح من أصاب من الفرنج والبربر بلد إفريقية‪ ،‬حميت الروم‬
‫واجتمعت على قسطنطين بن هرقل‪ ،‬وساروا إلى المسلمين في‬
‫جمع لهم لم ير مثله منذ كان السلم؛ خرجوا في خمسمائة مركب‬
‫وقصدوا عبد الله بن سعد بن أبي السرح في أصحابه من المسلمين‬
‫ببلد المغرب‪.‬‬
‫)‪(5‬‬ ‫)‪(4‬‬
‫* )تاريخ المم السلمية(‪ :‬لم يذكر مكان الموقعة أيضا ‪،‬‬
‫ورجح الدكتور شوقي أبو خليل أن المعركة كانت على شواطئ‬
‫السكندرية‪ ،‬وذلك للسباب التالية‪:‬‬
‫والقاهرة( يذكر صراحة‪:‬‬ ‫* كتاب )النجوم الزاهرة في ملوك مصر‬
‫غزوة ذات الصواري في البحر من ناحية السكندرية)‪.(6‬‬
‫* تاريخ ابن خلدون يذكر)‪ :(7‬ثم بعث ابن أبي السرح السرايا‬
‫ودوخ البلد فأطاعوا وعاد إلى مصر‪ ،‬ولما أصاب ابن أبي السرح‬
‫إفريقية ما أصاب‪ ،‬ورجع إلى مصر خرج قسطنطين بن هرقل غازيا‬
‫إلى السكندرية في ستمائة مركب‪.‬‬
‫* ربطت المراجع العربية التي لم تحدد موقع المعركة بين‬
‫حدوث المعركة وبين ما خسره الروم في شمال إفريقية بالذات‪.‬‬
‫* السطول الرومي صاحب ماض عريق‪ ،‬فهو سيد المتوسط‬
‫قبل ذات الصواري‪ ،‬فهو أجرأ على مهاجمة السواحل السلمية‪،‬‬
‫ولذلك رجح الدكتور شوقي أبو خليل مجيء السطول الرومي إلى‬
‫شواطئ السكندرية لستعادتها بسبب مكانتها عند الروم‪ ،‬ومكاتبة‬
‫أهلها لملكهم السابق‪ ،‬وهو بذلك يقضي أيضا على السطول الفتي‬
‫في مهده‪ ،‬الذي شرع العرب في بنائه بمصر‪ ،‬فتبقى للروم السيطرة‬
‫والسطوة في مياه المتوسط وجزره‪.‬‬
‫* المراجع الجنبية تعرف ذات الصواري بموقعة )فونيكة(‪،‬‬
‫السكندرية‪ ،‬بالقرب من مدينة‬ ‫وفونيكة هو ثغر يقع غرب مدينة‬
‫مرسى مطروح‪ ،‬فهي تحدد الموقع تماما)‪.(8‬‬
‫* أحداث المعركة‪:‬‬
‫قال مالك بن أوس بن الحدثان‪ :‬كنت معهم في ذات الصواري‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫)( الكامل في التاريخ )‪ (3/58‬طبعة البابي الحلبي ‪ -‬القاهرة‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫)‪ (2‬الشيخ الخضري )‪.(2/29‬‬ ‫)( البداية والنهاية )‪.(7/163‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)‪ (4‬النجوم الزاهرة )‪.(1/80‬‬ ‫)( ذات الصواري‪ ،‬ص ‪.62‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪6‬‬

‫)‪ (6‬ذات الصواري‪ ،‬شوقي أبو خليل‪،‬‬ ‫)( تاريخ ابن خلدون )‪.(2/468‬‬ ‫‪7‬‬

‫ص ‪.64‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪162‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫فالتقينا في البحر‪ ،‬فنظرنا إلى مراكب ما رأينا مثلها قط‪ ،‬وكانت‬
‫الريح علينا ‪-‬أي لصالح مراكب الروم‪ -‬فأرسينا ساعة‪ ،‬وأرسوا قريبا‬
‫منا‪ ،‬وسكتت الريح عنا‪ ،‬قلنا للروم‪ :‬المن بيننا وبينكم‪ ،‬قالوا‪ :‬ذلك‬
‫لكم‪ ،‬ولنا منكم‪ (1).‬كما طلب المسلمون من الروم‪ :‬إن أحببتم ننزل‬
‫إلى الساحل فنقتتل حتى يكتب لحدنا النصر‪ ،‬وإن شئتم فالبحر‪ .‬قال‬
‫مالك بن أوس‪ :‬فنخروا نخرة واحدة‪ ،‬وقالوا‪ :‬بل الماء الماء‪ ،‬وهذا‬
‫يظهر لنا ثقة الروم بخبرتهم البحرية‪ ،‬وأملهم في النصر لممارستهم‬
‫فطمعوا‬ ‫أحواله وفنونه‪ ،‬مرنوا عليه فأحكموا الدراية بثقافته وأنوائه‬
‫بالنصر فيه‪ ،‬خصوصا أنهم يعلمون حداثة عهد المسلمين به)‪.(2‬‬
‫بات الفريقان تلك الليلة في عرض البحر‪ ،‬وموقف المسلمين‬
‫ي؟ فقالوا‪ :‬انتظر‬ ‫حرج‪ ،‬فقال القائد المسلم لصحبه‪ :‬أشيروا عل ّ‬
‫الليلة بنا لنرتب أمرنا ونختبر عدونا‪ ،‬فبات المسلمون يصلون‬
‫ويدعون الله ‪-‬عز وجل‪ -‬ويذكرونه ويتهجدون‪ ،‬فكان لهم دوي كدوي‬
‫النحل على نغمات تلطم المواج بالمراكب‪ ،‬أما الروم فباتوا‬
‫يضربون النواقيس في سفنهم‪ ،‬وأصبح القوم‪ ،‬وأراد قسطنطين أن‬
‫يسرع في القتال‪ ،‬ولكن عبد الله بن سعد بن أبي السرح لما فرغ‬
‫من صلته إماما بالمسلمين للصبح‪ ،‬استشار رجال الرأي والمشورة‬
‫عنده‪ ،‬فاتفق معهم على خطة رائعة‪ :‬فقد اتفقوا على أن يجعلوا‬
‫المعركة برية على الرغم من أنهم في عرض البحر‪ ،‬فكيف تم‬
‫للمسلمين ذلك؟ أمر عبد الله جنده أن يقتربوا من سفن أعدائهم‬
‫فاقتربوا حتى لمست سفنهم سفن العدو‪ ،‬فنزل الفدائيون أو رجال‬
‫الضفادع البشرية في عرفنا الحالي إلى الماء‪ ،‬وربطوا السفن‬
‫السلمية بسفن الروم‪ ،‬ربطوها بحبال متينة‪ ،‬فصار ‪ 1200‬سفينة‬
‫في عرض البحر‪ ،‬كل عشرة أو عشرين منها متصلة مع بعضها‪،‬‬
‫ف عبد الله بن سعد‬ ‫فكأنها قطعة أرض ستجري عليها المعركة‪ ،‬وص ّ‬
‫المسلمين على نواحي السفن يعظهم ويأمرهم بتلوة القرآن‬
‫الكريم‪(3)،‬خصوصا سورة النفال؛ لما فيها من معاني الوحدة والثبات‬
‫والصبر ‪.‬‬
‫وبدأ الروم القتال‪ ،‬فهم في رأيهم قد ضمنوا النصر عندما قالوا‪:‬‬
‫بل الماء الماء‪ ،‬وانقضوا على سفن المسلمين بدافع المل بالنصر‪،‬‬
‫مستهدفين توجيه ضربة أولى حاسمة يحطمون بها شوكة السطول‬
‫السلمي‪ ،‬فنقض الروم صفوف المسلمين المحاذية لسفنهم‪ ،‬وصار‬
‫القتال كيفما اتفق‪ ,‬وكان قاسيا على الطرفين‪ ،‬وسالت الدماء غزيرة‬
‫اصطبغت بها صفحة الماء‪ ،‬فصار أحمر‪ ،‬وترامت الجثث في الماء‪،‬‬
‫وتساقطت فيه‪ ,‬وضربت المواج السفن حتى ألجأتها إلى الساحل‪،‬‬
‫وقتل من المسلمين الكثير‪ ،‬وقتل من الروم ما ل يحصى‪ ،‬حتى‬
‫البيزنطي )ثيوفانس( هذه المعركة بأنها كانت يرموكا‬ ‫)‪(4‬‬
‫وصف المؤرخ‬
‫ووصفها الطبري بقوله‪ :‬إن الدم كان غالبا في‬ ‫الروم‪.‬‬ ‫ثانيا على‬
‫الماء في هذه المعركة)‪ ،(5‬حاول الروم أن يغرقوا سفينة القائد‬
‫المسلم عبد الله بن أبي السرح‪ ،‬كي يبقى جند المسلمين دون قائد‪،‬‬
‫فتقدمت من سفينته سفينة رومية‪ ،‬ألقت إلى عبد الله السلسل‬
‫)‪ (2‬ذات الصواري‪ ،‬ص ‪.66‬‬ ‫)( تاريخ الطبري )‪.(5/292‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)( المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.67‬‬ ‫‪3‬‬

‫)‪ (2‬تاريخ الطبري )‪.(5/293‬‬ ‫)( ذات الصواري‪ ،‬ص ‪.67‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪5‬‬

‫‪163‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫أنقذ‪(1‬السفينة‬ ‫لتسحبها وتنفرد بها‪ ،‬ولكن علقمة بن يزيد الغطيفي‬
‫والقائد بأن ألقى بنفسه على السلسل وقطعها بسيفه) ‪.‬‬
‫وصمد المسلمون رغم كل شيء‪ ،‬وصبروا كعادتهم في معاركهم‪،‬‬
‫فكتب الله ‪-‬عز وجل‪ -‬لهم النصر بما صبروا‪ ،‬واندحر ما تبقى من‬
‫السطول الرومي‪ ،‬وكاد المير قسطنطين أن يقع أسيرا في أيدي‬
‫المسلمين ‪-‬كما ذكر ابن عبد الحكم‪ -‬لكنه تمكن من الفرار لما رأى‬
‫قواه تنهار وجثث جنده على سطح الماء تلقى بها المواج إلى‬
‫الساحل‪ .‬لقد رأى أسطوله الذي تأمل فيه خيرا ونصرا وإعادة كرامة‬
‫جسمه‪ ،‬والحسرة‬ ‫يغرق قطعة بعد قطعة‪ ،‬ففر مدبرا والجراحات في‬
‫تأكل فؤاده‪ ،‬يجر خيبة وفشل‪ ،‬فوصل جزيرة صقلية)‪ ،(2‬وألقت به‬
‫)‪(3‬‬
‫الريح هناك‪ ،‬فسأله أهله عن أمره فأخبرهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬شمت‬
‫المسلمون لم نجد من يردهم‬ ‫النصرانية‪ ،‬وأفنيت رجالها‪ ،‬لو دخل‬
‫فقتلوه‪ ،‬وخلوا من كان معه من المراكب)‪.(4‬‬
‫* نتائج ذات الصواري‪:‬‬
‫‪ -1‬كانت ذات الصواري أول معركة حاسمة في البحر خاضها‬
‫جَلد‬
‫ي الصبر واليمان‪ ،‬وال َ‬
‫المسلمون‪ ،‬أظهر فيها السطول الفت ّ‬
‫والفكر السليم بما تفّتق عنه الذهن السلمي من خطة جعلت‬
‫المعركة صعبة على أعدائهم‪ ،‬فاستحال عليهم اختراق صفوف‬
‫المسلمين بسهولة‪ ،‬كما استخدم المسلمون خطاطيف طويلة‬
‫يجرون بها صواري وشرع سفن العداء‪ ،‬المر الذي انتهى بكارثة‬
‫بالنسبة للروم‪.‬‬
‫‪ -2‬كانت ذات الصواري حدا فاصل في سياسة الروم إزاء‬
‫المسلمين‪ ،‬فأدركوا فشل خططهم في استرداد هيبتهم‪ ،‬أو استرجاع‬
‫مصر أو الشام‪ ،‬وانطلق المسلمون في عرض هذا البحر الذي كان‬
‫بحيرة رومية‪ ،‬وانتهى اسم )بحر الروم( إلى البد‪ ،‬واستطاع‬
‫المسلمون فتح قبرص وكريت وكورسيكا وسردينيا وصقلية وجزر‬
‫البليار‪ ،‬ووصلوا إلى جنوة ومرسيليا‪.‬‬
‫‪ -3‬قتل قسطنطين فتولى ابن قسطنطين الرابع من بعده‪ ،‬وكان‬
‫حد ًَثا صغير السن‪ ،‬مما جعل الظروف مواتية لقيام حملة بحرية‬ ‫َ‬
‫وبرية إسلمية تستهدف عاصمة روما )القسطنطينية( فيما بعد‪.‬‬
‫‪ -4‬العداد الروحي قبل المعركة ‪-‬أو ما يسمى بالتوجيه المعنوي‬
‫في أيامنا هذه‪ -‬له قيمته في تحقيق النصر؛ حيث تتجه القلوب إلى‬
‫الله بصدق‪ ،‬فهذا المؤمن الذي بات ليله في تهجد وذكر‪ ،‬يستمد‬
‫العون من الله‪ ،‬من عظمته وعزته‪ ،‬بعد أن هيأ السباب‪ ،‬يلقى‬
‫العداء بروح عالية ل يهاب الموت‪ ،‬فالله أكبر من كل شيء‪ ،‬وهذه‬
‫المعارك التي نصف أحداثها التاريخية هي وصفة طبية نعرضها‬
‫لنستفيد منها في حياتنا؛ فحياة الصحابة ما هي إل‬
‫)‪(5‬‬
‫للتطبيق والنهج‪،‬‬
‫للقدوة وسيرة للتباع‪.‬‬
‫)‪ (4‬تاريخ ابن خلدون )‪.(2/468‬‬ ‫)( ذات الصواري‪ ،‬ص ‪.68‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪2‬‬

‫)‪ (6‬ذات الصواري‪ ،‬ص ‪.68‬‬ ‫)( المصدر نفسه )‪.(2/468‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪4‬‬

‫)‪ (2‬المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.76‬‬ ‫)( ذات الصواري‪ ،‬ص ‪.72 ،71‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪164‬‬
‫شخصيته وعصره‬ ‫عثمان بن عفان ‪‬‬
‫‪ -5‬أصبح البحر المتوسط بحيرة إسلمية‪ ،‬وصار السطول‬
‫السلمي سيد مياه البحر المتوسط‪ ،‬وهذا السطول ليس للتسلط‬
‫والقرصنة بل للدعوة إلى الله وكسر شوكة المشركين‪ ،‬ونشر‬
‫الحضارة المنبثقة عن كتاب الله وسنة رسوله ×‪.‬‬
‫‪ -6‬عكف المسلمون على دراسة علوم البحرية‪ ،‬وصناعة السفن‪،‬‬
‫وكيفية تسليحها‪ ،‬وأسلوب القتال من فوقها‪ ،‬وعلوم الفلك المتصلة‬
‫بتسييرها في البحار‪ ،‬ومعرفة مواقعهم على المصورات البحرية‬
‫المختلفة‪ ،‬فيما بعد‪ ،‬فعرفوا الصطرلب )البوصلة الفلكية(‪ ,‬وطوروها‬
‫أمثال‪:‬‬ ‫إلى المدى الذي استفاد منه بعد ذلك البحارة الغربيون‬
‫كرستوف كولومبس‪ ،‬وأمريكوفيسبوشي في اكتشافاتهم)‪.(1‬‬
‫‪ -7‬لقد كانت هذه المعركة مظهرا من مظاهر تفوق العقيدة‬
‫دد‪،‬‬‫الصحيحة الصلبة على الخبرة العسكرية والتفوق في العدد والعُ َ‬
‫فلقد كان الروم هم أهل البحر منذ القدم‪ ،‬وقد مروا بتجارب طويلة‬
‫في الحروب البحرية‪ ،‬بينما كان المسلمون حديثي عهد بركوب البحر‬
‫والقتال البحري‪ ،‬ولكن الله تعالى أدلى المسلمين عليهم برغم‬
‫التفوق المذكور؛ لنه سبحانه قد سخر أولئك المؤمنين لنشر دينه‬
‫وإعلء كلمته في الرض‪ .‬وإن مما يشاد به في هذه المعركة قوة‬
‫قائدها عبد الله بن سعد بن أبي السرح ورباطة جأشه‪ ،‬ومقدرته‬
‫الجيدة على إدارة الحروب‪ ،‬وهي بعد ذلك لون من ألوان بسالة‬
‫واستقالتهم في الحروب بأنفسهم في سبيل إعزاز دينهم‬ ‫المسلمين‬
‫ورفع شأن دولتهم)‪.(2‬‬
‫سا‪ :‬أهم الدروس والعبر والفوائد في فتوحات عثمان ‪:‬‬ ‫ساد ً‬
‫‪ -1‬تحقيق وعد الله للمؤمنين‪:‬‬
‫قال ابن كثير في حديثه عن عثمان بن عفان ‪ ...:‬ففتح الله‬
‫على يديه كثيرا من القاليم والمصار‪ ،‬وتوسعت المملكة السلمية‪،‬‬
‫وامتدت الدولة المحمدية‪ ،‬وبلغت الرسالة المصطفوية في مشارق‬
‫ه‬
‫عدَ الل ُ‬ ‫و َ‬ ‫للناس مصداق قولهَ تعالى‪َ + :‬‬ ‫الرض ومغاربها‪ ،‬وظهر‬
‫في‬ ‫م ِ‬ ‫ه َ