You are on page 1of 112

‫مقدمة‬

‫دين والسياسة )تأصيل ورد شبهات(‬
‫ال ّ‬
‫بسم ال الرحمن الرحيم‬
‫الحمد لله وكفى‪ ،‬وسخخلم علخخى رسخخله الخخذين اصخخطفى‪ ،‬وعلخخى خخخاتم‬
‫هخخدى‪ ،‬ومخخن بهخخم اقتخخدى‬
‫النخخبيين المجتخخبى‪ ،‬محمخخد وآلخخه وصخخحبه أئمخخة ال ُ‬
‫فاهتدى‪.‬‬
‫)أما بعد(‬
‫دين والسياسخخة( اسخختجابة لمخخا طلبتخخه منخخي‬
‫فهذا بحخخث كتبتخخه عخخن )الخ ّ‬
‫المانة العامة للمجلس الوربي للفتاء والبحوث‪ ،‬لفتتح بخخه النخخدوة الخختي‬
‫سيعقدها المجلس في دورته السادسة عشرة فخخي أوائل الشخخهر السخخابع‬
‫تموز أو يوليخخو ‪2006‬م حخخول )الفقخخه السياسخخي للقليخخات المسخخلمة فخخي‬
‫أوربا(‪.‬‬
‫وما كنت أحسب أن البحث سيطول معي إلى الحخخد الخخذي وصخخل إليخخه‪.‬‬
‫ولكن هكذا كان‪ ،‬والخير فيما وقع‪.‬‬
‫وبوني إذا أخطخخأت‪،‬‬
‫هذا وقخخد عرضخخته علخخى إخخخواني فخخي النخخدوة‪ ،‬ليصخ ّ‬
‫ويردوني إلى الجادة إذا شردت‪ ،‬فليخخس فخخي العلخخم كخخبير‪ ،‬وفخخوق كخخل ذي‬
‫علم عليم‪.‬‬
‫ولقد نظرت في البحث بعد ذلك مستفيدا من الملحظات التي أبديت‪،‬‬
‫ومن غيرها‪ ،‬ومخخن تخخأملتي الخاصخخة‪ ،‬فخخي تطخخوير البحخخث‪ ،‬وإعخخادة ترتيبخخه‬
‫وتقسيمه‪ ،‬وقد قسمت البحث‪ -‬أو قل‪ :‬الكتاب بعد المقدمخخة؛ إلخخى خمسخخة‬
‫أبواب‪ ،‬وكل باب منها يشتمل على أكثر من فصل‪ ،‬إل الباب الخيخخر‪ ،‬وهخخو‬
‫ما يتعلق بالقليات والسياسة‪ ،‬فهو فصل واحد‪.‬‬
‫الباب الول‪ :‬ويتكون من فصلين‪ .‬يتعلق بتحديد المفاهيم‪ ،‬عخخن الخخدين‬
‫والسياسة لغة واصطلحا‪ ،‬ومفهموم السياسة عند الفقهخخاء علخخى اختلف‬
‫مذاهبهم‪ ،‬وعند المتكلمين والفلسفة‪ ،‬ثم عند الغربيين‪.‬‬
‫والباب الثاني‪ :‬عخخن العلقخخة بيخخن الخخدين والسياسخخة بيخخن السخخلمييين‬
‫والعلمانيين‪ ،‬فالسلميون يرون ضرورة الرتباط بيخخن الخخدين والسياسخخة‪،‬‬
‫لدلة شرعية وتاريخية لديهم‪ ،‬منهخخا فكخخرة شخخمول السخخلم‪ .‬والعلمخخانيون‬
‫يرون ضرورة الفصل بينهما‪ ،‬ويرتبون على ذلك نتائج وأثخخارا مهمخخة‪ ،‬تضخخر‬
‫في نظرهم بالمجتمع والمة‪ ،‬وهخو أطخخول البخخواب وأهمهخا‪ .‬وفيخه أصخلنا‬
‫الحكخخخام والمبخخخادئ الشخخخرعية‪ ،‬ورددنخخخا علخخخى الشخخخبهات الخخختي يثيرهخخخا‬
‫العلمانيون‪.‬‬
‫والبخخاب الثخخالث‪ :‬عخخن العلقخخة بيخخن الخخدين والدولخخة‪ ،‬عنخخد السخخلميين‬
‫والعلمانيين‪ ،‬ويتكون من ستة فصول‪.‬‬
‫والباب الرابع‪ :‬حول العلمانية‪ :‬أهي الحل أم المشكلة؟ ناقشخخنا دعخخوى‬
‫العلمانية السلمية المزعومة‪ ،‬وفي هذا الباب فصلن‪.‬‬
‫والباب الخامس‪ :‬القليات السلمية والسياسة‪ .‬ويتكون هذا الباب من‬
‫فصل واحد‪.‬‬
‫هذا وقد أمسى منهجخي واضخحا لكخل قخرائي‪ ،‬والحمخد للخه‪ ،‬فل ألقخي‬
‫القخخول علخخى عخخواهنه‪ ،‬ول أقل ّخخد أحخخدا فيمخخا أرى مخخن رأي‪ ،‬ل مخخن أئمتنخخا‬
‫من اتخذهم الناس أئمة فخخي عصخخرنا مخخن الغربييخخن الخخذين‬ ‫القدمين‪ ،‬ول م ّ‬
‫غزت حضارتهم العالم‪ ،‬ومنه عالمنا السلمي‪.‬‬
‫ومنهجي هو العتماد على النص الصحيح في ثبوته الصريح في دللته‪،‬‬
‫وربطه بالواقع المعيخخش‪ -‬الواقخخع الحقيقخخي ل المتخخوهم ‪ -‬دون افتعخخال أو‬
‫اعتسخخاف‪ ،‬معتمخخدا أسخخلوب الموازنخخة والترجيخخح بالدلخخة‪ ،‬رابطخخا النصخخوص‬
‫الجزئية بالمقاصد الكلية للسلم وشريعته‪.‬‬
‫ولم أعتمد فيما كتبت إل على آية محكمخخة‪ ،‬أو حخخديث صخخحيح‪ ،‬أو دليخخل‬
‫عَتد بهم من‬ ‫دا بأقوال من ي ُ ْ‬
‫شرعي معتبر‪ ،‬أو منطق عقلي سليم‪ ،‬مسترش ً‬
‫العلماء‪ ،‬ليشدوا أزري‪ ،‬حتى ل أقف وحدي‪ ،‬ل على أن أقوالهم في ذاتهخخا‬
‫حجة‪ ،‬فل حجة في قول البشر إل قول محمد صلى الله عليه وسلم الخخذي‬
‫أرسله الله رحمة‪ ،‬ومنحه العصمة‪ ،‬وهدى به المة‪.‬‬
‫فإن كان ما كتبتخخه صخخوابا‪ ،‬أو خيخخرا فمخخن اللخخه وحخخده‪ ،‬إذ الفضخخل منخخه‬
‫وإليه‪ ،‬وما كان من خطخخأ‪ ،‬أو شخخرود‪ ،‬أو قصخخور‪ ،‬أو تقصخخير‪ ،‬فمخخن نفسخخي‬
‫ومن الشيطان‪ ،‬وأستغفر الله منه‪ ،‬وأسأله تعالى أن يهديني إلى تصخخويب‬
‫نفسي‪ ،‬ول يحرمني أجر المجتهد المخطئ؛ إذا حرمت من أجري المجتهخخد‬
‫المصيب‪ .‬وما توفيقي إل بالله عليه توكلت وإليه أنيب‪.‬‬
‫ة إن ّخ َ َ‬ ‫ن ل َخدُن ْ َ‬
‫ت‬
‫ك أن ْخ َ‬ ‫مخ ً ِ‬
‫ح َ‬
‫ك َر ْ‬ ‫ب ل َن َخخا ِ‬
‫مخ ْ‬ ‫ه ْ‬
‫و َ‬
‫هدَي ْت ََنا َ‬ ‫قُلوب ََنا ب َ ْ‬
‫عدَ إ ِذْ َ‬ ‫ز ْ‬
‫غ ُ‬ ‫}َرب َّنا ل ت ُ ِ‬
‫ب{ ]آل عمران‪.[8:‬‬ ‫ها ُ‬ ‫ال ْ َ‬
‫و ّ‬

‫الدوحة في‪ :‬ربيع الخر ‪1427‬هخ ‪ -‬مايو )أيار( ‪2006‬م‬
‫الفقير إلى عفو ربه‬
‫يوسف القرضاوي‬

‫دين والسياسة ضوء على المفاهيم‬
‫ال ّ‬
‫الباب الول‬
‫دين والسياسة ضوء على المفاهيم‬
‫ال ّ‬

‫تحديد المفاهيم أول‪:‬‬
‫دين من السياسة أو موقف السياسة من‬ ‫قبل أن نتعرض لموقف ال ّ‬
‫دين‪ ،‬والعلقة بينهما هل هي ‪-‬من الناحية النظرية‪ -‬الترادف أو التباين‬ ‫ال ّ‬
‫أو التناقض؟ وهل هي ‪-‬من الناحية العملية‪ -‬التعارف أو التناكر؟ التقارب‬
‫أو التباعد؟ التعاون أو التشاحن؟‬
‫دين‪ ،‬ومن السياسة‪ ،‬إذ‬ ‫ل ُبد لنا قبل ذلك‪ :‬أن نحدد مفهوم كل من ال ّ‬
‫كم على الشيء ‪-‬كما يقول علماء المنطق‪ -‬فرع عن تصوره‪.‬‬ ‫ح ْ‬
‫ال ُ‬
‫دا‬
‫دين( حين ننطق بها‪ ،‬ونستعملها في حياتنا أفرا ً‬ ‫فما معنى كلمة )ال ّ‬
‫وجماعات وُأمما؟‬
‫وأيضا‪ :‬ما معنى )السياسة( التي أصبحت تتحكم في مصايرنا‪،[1]1‬‬

‫‪ -[1]1‬مصايرنا‪ :‬جمع مصير‪ ،‬وبعض الناس ينطقونها‪ :‬مصائرنا‪ .‬وهو غلط شائع لدى‬
‫الكثيرين‪ .‬فالمادة أصلها يائي‪ ،‬فر تهمز في الجمع‪ ،‬كما قال تعالى‪} :‬وجعلنا لكم فيها‬
‫ها إلى ما يريد فلسفتها النظريون‪ ،‬ومنفذوها‬
‫عا أو كر ً‬
‫وتقودنا طو ً‬
‫التطبيقيون‪ ،‬والقادة السياسيون؟‬

‫مفهوم كلمة الدين‬

‫الفصل الول‬

‫دين(‬
‫مفهوم كلمة )ال ّ‬

‫دين( في اللغة‪ :‬وجدنا لها معاني كثيرة‬
‫إذا بحثنا عن مفهوم كلمة )ال ّ‬
‫مختلفة‪ ،‬قد ل نخرج منها بطائل‪ ،‬وهو الذي جعل شيخنا الع ّ‬
‫لمة الدكتور‬
‫محمد عبد الله دراز يعلن ضيقه بالمعاجم العربية التي ل ُتعطي مفهوما‬
‫حاسما في هذا المر وأمثاله‪.‬‬

‫ولكن شيخنا وجد‪ :‬أن المعاني الكثيرة تعود في نهاية المر إلى ثلثخة‬
‫معان تكاد تكون متلزمة‪ ،‬بل نجد أن التفاوت اليسير بين هذه المعاني‬
‫ده في الحقيقة إلى أن الكلمة التي ُيراد شرحها ليست كلمة‬ ‫الثلثة مر ّ‬
‫واحدة‪ ،‬بل ثلث كلمات‪ ،‬أو بعبارة أدق‪ :‬أنها تتضمن ثلثة أفعال بالتناوب‪.‬‬

‫د بنفسه‪) :‬دانه يدينه(‪،‬‬ ‫متع ٍ‬
‫دين( تؤخذ تارة من فعل ُ‬
‫بيانه‪ :‬أن كلمة )ال ّ‬
‫د بالباء‪) :‬دان‬
‫د باللم‪) :‬دان له(‪ ،‬وتارة من فعل متع ٍ‬
‫وتارة من فعل متع ٍ‬
‫به(‪ ،‬وباختلف الشتقاق تختلف الصورة المعنوية التي تعطيها الصيغة‪.‬‬

‫مه‪ ،‬وساسه‪،‬‬ ‫حك َ َ‬
‫كه‪ ،‬و َ‬ ‫مل َ َ‬
‫‪ .1‬فإذا قلنا‪) :‬دانه ِديًنا( عنينا بذلك أنه َ‬
‫دين في‬ ‫ودبره‪ ،‬وقهره‪ ،‬وحاسبه‪ ،‬وقضى في شأنه‪ ،‬وجازاه‪ ،‬وكافأه‪ .‬فال ّ‬
‫ملك والتصرف بما هو من شأن‬ ‫هذا الستعمال يدور على معنى ال ُ‬
‫الملوك؛ من السياسة والتدبير‪ ،‬والحكم والقهر‪ ،‬والمحاسبة والمجازاة‪.‬‬
‫ن{ ]الفاتحة‪ ،[4:‬أي يوم المحاسبة والجزاء‪.‬‬ ‫دي ِ‬‫وم ِ ال ّ‬
‫ك يَ ْ‬
‫مال ِ ِ‬
‫ومن ذلك‪َ } :‬‬
‫َ‬
‫ضب َطها‪ .‬و)الدّيان(‬‫مها و َ‬ ‫َ‬
‫حك َ‬‫س من دان نفسه"]‪ ،[1‬أي َ‬ ‫َ‬
‫وفي الحديث‪" :‬الكي ّ ُ‬
‫كم القاضي‪.‬‬ ‫ح َ‬
‫ال َ‬

‫دين هنا هو‬‫‪ .2‬وإذا قلنا‪) :‬دان له( أردنا أنه أطاعه‪ ،‬وخضع له‪ .‬فال ّ‬
‫دين لله( يصح أن منها كل‬ ‫الخضوع والطاعة‪ ،‬والعبادة والورع‪ .‬وكلمة‪) :‬ال ّ‬
‫حكم لله‪ ،‬أو الخضوع لله‪.‬‬‫المعنيين‪ :‬ال ُ‬

‫وواضح أن هذا المعنى الثاني ملزم للول ومطاوع له‪) .‬دانه فدان له(‬
‫أي قهره على الطاعة فخضع وأطاع‪.‬‬

‫‪ .3‬وإذا قلنا‪) :‬دان بالشيء( كان معنخاه أنه اتخذه دينا ومذهبخا‪ ،‬أي‬
‫دين على هذا هو المذهب والطريقة‬ ‫اعتخقده أو اعتاده أو تخّلق به‪ .‬فال ّ‬
‫التي يسير عليها المرء نظرًيا أو عملًيا‪ .‬فالمذهب العملي لكل امرئ هو‬
‫دني(‪ .‬والمذهب النظري عنده‬ ‫عادته وسيرته؛ كما يقال‪) :‬هذا ِديني ودَي ْ َ‬
‫ْ‬
‫وك َلُته‬
‫هو عقيدته ورأيه الذي يعتنقه‪ .‬ومن ذلك قولهم‪) :‬دّينت الرجل( أي َ‬
‫إلى دينه‪ ،‬ولم أعترض عليه فيما يراه سائغا في اعتقاده‪.‬‬

‫معايش{ ]العراف‪ .[10:‬ومثلها‪ :‬مكايد ومصايد ومشايخ‪ ،‬ونحوها‪.‬‬
‫ضا للستعمالين قبله‪ ،‬لن‬
‫ول يخفى أن هذا الستعمال الثالث تابع أي ً‬
‫العادة أو العقيدة التي يدان بها‪ ،‬لها من السلطان على صاحبها ما يجعله‬
‫ينقاد لها‪ ،‬ويلتزم اّتباعها‪.‬‬

‫دين( عند العرب‬
‫وجملة القول في هذه المعاني‪ :‬اللغوية أن كلمة )ال ّ‬
‫ظم أحدهما الخر ويخضع له‪ .‬فإذا وصف‬ ‫تشير إلى علقة بين طرفين يع ّ‬
‫دا‪ ،‬وإذا وصف بها الطرف الثاني‬ ‫بها الطرف الول كانت خضوعا وانقيا ً‬
‫ما‪ ،‬وإذا نظر بها إلى الرباط الجامع بين‬ ‫حك ْ ً‬
‫ما وإلزا ً‬ ‫كانت أمًرا وسلطاًنا‪ ،‬و ُ‬
‫الطرفين كانت هي الدستور المنظم لتلك العلقة‪ ،‬أو المظهر الذي يعبر‬
‫عنها‪.‬‬

‫ونستطيع أن نقول‪ :‬إن المادة كلها تدور على معنى لزوم النقياد‪،‬‬
‫دين هو‪ :‬إلزام النقياد‪ ،‬وفي الستعمال الثاني‪،‬‬ ‫ففي الستعمال الول‪ ،‬ال ّ‬
‫هو‪ :‬التزام النقياد‪ ،‬وفي الستعمال الثالث‪ ،‬هو المبدأ الذي ُيلتزم‬
‫النقياد له‪.‬‬

‫وهكذا يظهر لنا جلًيا أن هذه المادة بكل معانيها أصيلة في اللغة‬
‫معّربة عن‬
‫العربية‪ ،‬وأن ما ظنه بعض المستشرقين]‪ [2‬من أنها دخيلة‪ُ ،‬‬
‫العبرية أو الفارسية في كل استعمالتها أو في أكثرها‪ :‬بعيد كل البعد‪.‬‬
‫ولعلها نزعة شعوبية تريد تجريد العرب من كل فضيلة‪ ،‬حتى فضيلة‬
‫البيان التي هي أعز مفاخرهم!‬

‫ونعود إلى موضوعنا فنقول‪ :‬إن الذي يعنينا من كل هذه الستعمالت‬
‫دين‬‫هو الستعمالن الخيران‪ ،‬وعلى الخص الستعمال الثالث‪ .‬فكلمة ال ّ‬
‫التي تستعمل في تاريخ الديان لها معنيان ل غير‪) .‬أحدهما( هذه الحالة‬
‫النفسية ‪ etat subjectif‬التي نسميها التدين ‪) .religiosite‬والخر( تلك‬
‫الحقيقة الخارجية ‪ fait odjectif‬التي يمكن الرجوع إليها في العادات‬
‫الخارجية‪ ،‬أو الثار الخارجية‪ ،‬أو الروايات المأثورة‪ ،‬ومعناها‪ :‬جملة‬
‫المبادئ التي تدين بها أمة من المم‪ ،‬اعتقادا أو عمل‪doctrine religieuse .‬‬
‫وهذا المعنى أكثر وأغلب]‪ [3‬اهخ‪.‬‬

‫دين اصطلحا‪:‬‬
‫ال ّ‬

‫ما‪ :‬المفهوم الذي يعرفه الناس‬
‫على أن المعنى اللغوي ل يعطينا تما ً‬
‫ويستخدمونه في أعرافهم ومصطلحاتهم‪ ،‬وقد عّرفه بعض العلماء‬
‫السلميين بتعريفات متقاربة‪.‬‬

‫دين وضع إلهي يدعو أصحاب العقول إلى قبول‬
‫فقال ابن الكمال‪ :‬ال ّ‬
‫ما هو عن الرسول‪.‬‬

‫وقال غيره‪ :‬وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى‬
‫الخير بالذات]‪.[4‬‬

‫دين وضع إلهي سائق لذوي العقول‬ ‫وقال أبو البقاء في )كلياته(‪ :‬ال ّ‬
‫باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات‪ ،‬قلبيا كان أو قالبيا )أي معنويا أو‬
‫ديا( كالعتقاد والعلم والصلة‪.‬‬ ‫ما ّ‬
‫مّلة‪،‬‬
‫وز فيه‪ ،‬فيطلق على الصول خاصة‪ ،‬فيكون بمعنى ال ِ‬ ‫وقد ُيتج ّ‬
‫م{ ]النعام‪.[161:‬‬
‫هي َ‬
‫ة إ ِب َْرا ِ‬ ‫ّ‬
‫مل َ‬ ‫ً‬
‫قَيما ِ‬ ‫ً‬
‫وعليه قوله تعالى‪ِ} :‬دينا ِ‬

‫ضا‪ ،‬فيطلق على الفروع خاصة‪ ،‬وعليه قوله تعالى‪:‬‬ ‫وز فيه أي ً‬ ‫وقد ُيتج ّ‬
‫ة{ ]البينة‪.[5][5:‬‬ ‫م‬
‫ّ َ ِ‬ ‫ي‬ ‫َ‬
‫ق‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ن‬ ‫دي‬
‫ِ ُ‬ ‫َ‬
‫ك‬ ‫وذَل ِ‬ ‫}الّز َ‬
‫كاةَ َ‬

‫دين ما ذكره صاحب )كشاف‬ ‫وأشهر تعريف تناقله السلميون عن ال ّ‬
‫ي سائق لذوي العقول السليمة‬‫اصطلحات العلوم والفنون(‪ :‬أنه وضع إله ٌ‬
‫باختيارهم‪ ،‬إلى الصلح في الحال‪ ،‬والفلح في المآل]‪.[6‬‬

‫دين وضع إلهي يرشد إلى الحق‬‫وقد لخصه شيخنا د‪ .‬دراز بقوله‪ :‬ال ّ‬
‫في العتقادات‪ ،‬وإلى الخير في السلوك والمعاملت]‪.[7‬‬

‫وأحسب أن تلخيص شيخنا د‪ .‬دراز ينقصه أن يتضمن )العبادات( مع‬
‫)العتقادات( إل أن تدخل في عموم السلوك‪ ،‬سواء كان مع الله‪ ،‬أم مع‬
‫خلقه‪.‬‬
‫َ‬

‫دين‪ ،‬يلتقي‬
‫وقد نقل شيخنا دراز عن الغربيين تعريفات عن ال ّ‬
‫معظمها في الصل مع المفهوم الصطلحي للدين عند علماء‬
‫المسلمين‪.‬‬

‫ول بأس أن نذكر هنا بعض هذه التعريفات‪.‬‬

‫دين هو الرباط الذي‬
‫يقول سيسرون‪ ،‬في كتابه )عن القوانين(‪) :‬ال ّ‬
‫يصل النسان بالله(‪.‬‬

‫دين هو الشعور‬
‫دين في حدود العقل(‪) :‬ال ّ‬‫ويقول في كتابه )ال ّ‬
‫بواجباتنا من حيث كونها قائمة على أوامر إلهية(‪.‬‬

‫دين‬
‫ويقول شلير ماخر‪ ،‬في )مقالت عن الديانة(‪) :‬قوام حقيقة ال ّ‬
‫شعورنا بالحاجة والتبعية المطلقة(‪.‬‬

‫دين هو مجموعة‬ ‫ويقول الب شاتل‪ ،‬في كتاب )قانون النسانية(‪) :‬ال ّ‬
‫واجبات المخلوق نحو الخالق‪ :‬واجبات النسان نحو الله‪ ،‬وواجباته نحو‬
‫الجماعة‪ ،‬وواجباته نحو نفسه(‪.‬‬

‫ويقول روبرت سبنسر‪ ،‬في خاتمة كتاب )المبادئ الولية(‪) :‬اليمان‬
‫بقوة ل‬

‫يمكن تصور نهايتها الزمانية ول المكانية‪ ،‬هو العنصر الرئيسي في‬
‫دين(]‪.[8‬‬
‫ال ّ‬

‫دين( في القرآن‪:‬‬
‫مفهوم كلمة )ال ّ‬

‫عّرفخة أو منكخرة‪،‬‬
‫م َ‬
‫دين( في القرآن الكريم‪ُ ،‬‬
‫ومن تتبع كلمة )ال ّ‬
‫مجخردة أو مضافة‪ :‬يجد لها معاني كثيرة يحددها السياق‪.‬‬

‫ن{ ]الفاتحة‪.[4:‬‬
‫دي ِ‬
‫وم ِ ال ّ‬
‫ك يَ ْ‬
‫مال ِ ِ‬
‫فأحيانا ُيراد بها الجزاء‪ ،‬مثل‪َ } :‬‬

‫م ل ِل ّ ِ‬
‫ه{‬ ‫ه ْ‬
‫صوا ِدين َ ُ‬ ‫وأ َ ْ‬
‫خل َ ُ‬ ‫وأحيانا ُيراد بها‪ :‬الطاعة‪ ،‬كما في قوله تعالى‪َ } :‬‬
‫]النساء‪.[164:‬‬

‫ع‬
‫شَر َ‬ ‫دين وعقائده‪ ،‬كما في قوله تعالى‪َ } :‬‬ ‫وأحيانا ُيراد به‪ :‬أصول ال ّ‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬
‫م‬
‫هي َ‬ ‫ه إ ِب َْرا ِ‬
‫صي َْنا ب ِ ِ‬‫و ّ‬ ‫ما َ‬‫و َ‬ ‫َ‬
‫حي َْنا إ ِلي ْك َ‬ ‫و َ‬ ‫ذي أ ْ‬ ‫وال ِ‬ ‫ه ُنوحا َ‬ ‫صى ب ِ ِ‬ ‫و ّ‬ ‫ما َ‬ ‫ن َ‬ ‫دي ِ‬ ‫ن ال ّ‬‫م َ‬ ‫م ِ‬ ‫ل َك ُ ْ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫ن‬‫كي َ‬ ‫ر ِ‬‫ش ِ‬ ‫م ْ‬ ‫عَلى ال ْ ُ‬ ‫ه ك َب َُر َ‬ ‫في ِ‬ ‫قوا ِ‬ ‫فّر ُ‬ ‫ول ت َت َ َ‬ ‫ن َ‬ ‫دي َ‬ ‫موا ال ّ‬ ‫قي ُ‬ ‫نأ ِ‬ ‫سى أ ْ‬ ‫عي َ‬ ‫و ِ‬‫سى َ‬ ‫مو َ‬ ‫و ُ‬‫َ‬
‫ب{‬ ‫ن ي ُِني ُ‬‫َ ْ‬‫م‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ي‬‫َ‬ ‫ل‬‫ِ‬ ‫إ‬ ‫دي‬ ‫ِ‬ ‫ه‬ ‫َ‬
‫َ ْ‬ ‫ي‬ ‫و‬ ‫ُ‬ ‫ء‬ ‫شا‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫ن‬
‫َ ْ‬ ‫م‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ي‬‫َ‬ ‫ل‬‫ِ‬ ‫إ‬ ‫بي‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ت‬ ‫ج‬
‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫ه‬
‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ي‬‫َ‬ ‫ل‬ ‫إ‬
‫ْ ِ‬ ‫م‬ ‫ه‬
‫ُ‬ ‫عو‬‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫د‬‫َ‬ ‫ت‬ ‫ما‬ ‫َ‬
‫]الشورى‪.[13:‬‬

‫صى به أولي العزم من‬ ‫دين‪ :‬هو ما و ّ‬
‫فالذي شرع الله لمة محمد من ال ّ‬
‫دين‬
‫الرسل‪ :‬نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم‪ ،‬وهو‪ :‬أن يقيموا ال ّ‬
‫ول يتفرقوا فيه‪.‬‬

‫دين هنا الذي جاءت به الرسل كلهم ‪-‬كما قال الحافظ بن كثير‪-‬‬ ‫وال ّ‬
‫ن‬ ‫ْ‬ ‫َ‬
‫م ْ‬
‫سلَنا ِ‬ ‫ما أْر َ‬
‫و َ‬ ‫هو‪ :‬عبادة الله وحده ل شريك له‪ ،‬كما قال عز وجل‪َ } :‬‬
‫ن{ ]النبياء‪.[25:‬‬ ‫دو ِ‬ ‫عب ُ ُ‬‫فا ْ‬ ‫ه إ ِّل أ ََنا َ‬
‫ه ل إ ِل َ َ‬
‫حي إل َي َ‬
‫ه أن ّ ُ‬
‫ِ ْ ِ‬ ‫ل إ ِّل ُنو ِ‬
‫سو ٍ‬
‫ن َر ُ‬‫م ْ‬‫ك ِ‬ ‫قب ْل ِ َ‬ ‫َ‬
‫وفي الحديث‪" :‬نحن ‪-‬معشر النبياء‪ -‬أولد علت‪ ،‬ديننا واحد"]‪ .[9‬أي‬
‫القدر المشترك بينهم‪ ،‬هو‪ :‬عبادة الله وحده ل شريك له‪ ،‬وإن اختلفت‬
‫ة‬
‫ع ً‬‫شْر َ‬‫م ِ‬ ‫من ْك ُ ْ‬‫عل َْنا ِ‬ ‫ج َ‬‫ل َ‬‫شرائعهم ومناهجهم‪ ،‬كقوله جل جلله‪} :‬ل ِك ُ ّ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫ول‬‫ن َ‬‫دي َ‬ ‫موا ال ّ‬ ‫قي ُ‬ ‫نأ ِ‬ ‫هاجًا{ ]المائدة‪ .[48:‬لهذا قال تعالى ههنا‪} :‬أ ْ‬ ‫من ْ َ‬ ‫و ِ‬ ‫َ‬
‫صى الله تعالى جميع النبياء عليهم‬ ‫ه{ ]الشورى‪ ،[13:‬أي و ّ‬ ‫في ِ‬ ‫ُ‬
‫ت َت َفّرقوا ِ‬ ‫َ‬
‫الصلة والسلم بالئتلف والجماعة‪ ،‬ونهاهم عن الفتراق والختلف]‪[10‬‬
‫اهخ‪.‬‬

‫دين إذا ذكر في القرآن‪ :‬السلم خاصة‪ ،‬كقوله تعالى‪:‬‬ ‫وقد ُيراد بال ّ‬
‫هو ال ّذي أ َ‬ ‫}أ َ َ‬
‫س َ‬
‫ل‬ ‫ْ َ‬‫ر‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫}‬ ‫وقوله‪:‬‬ ‫[‪،‬‬‫‪83‬‬ ‫عمران‪:‬‬ ‫]آل‬ ‫ن{‬ ‫َ‬ ‫غو‬‫ُ‬ ‫ه َ ْ‬
‫ب‬ ‫ي‬ ‫ن الل ّ ِ‬‫غي َْر ِدي ِ‬ ‫ف َ‬
‫ق{ ]التوبة‪ ،33 :‬الفتح‪ ،28:‬الصف‪.[9:‬‬ ‫ن ال ْ َ‬
‫ح ّ‬ ‫وِدي ِ‬ ‫دى َ‬ ‫ه َ‬‫ه ِبال ْ ُ‬
‫سول َ ُ‬ ‫َر ُ‬

‫كما قد ُيراد به العقيدة التي يدين بها قوم من القوام‪ ،‬وإن كانت‬
‫م‬
‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫ك‬‫َ‬ ‫ل‬ ‫باطلة‪ ،‬كما في أمره تعالى لرسوله أن يقول للمشركين الكافرين‪} :‬‬
‫ن{ ]الكافرون‪.[6:‬‬‫ي ِدي ِ‬
‫ول ِ َ‬ ‫ِدين ُك ُ ْ‬
‫م َ‬

‫دين الحق‪:‬‬
‫دين ل تقتصر على ال ّ‬
‫كلمة ال ّ‬

‫دين الحق( وحده‪،‬‬
‫دين( ل تعني )ال ّ‬
‫ومن هنا نتبين‪ :‬أن إطلق كلمة )ال ّ‬
‫بل تعني‪ :‬ما يدين به الناس ويعتقدونه‪ ،‬حقا كان أم باطل‪.‬‬

‫ت ما ذكره أحد العلماء في مؤتمر حضره عدد كبير من‬ ‫ولقد أنكر ُ‬
‫المدعويين‪ ،‬كان الحديث فيه عن حوار الديان‪ ،‬والتقريب بين أهلها ‪...‬‬
‫إلخ‪ ،‬وكان المؤتمر يدور حول هذه المعاني التي تحدث فيها المتحدثون‬
‫والمشاركون‪ .‬ولكن هذا العالم قام وقال بصراحة‪ :‬ل يوجد هناك دين إل‬
‫عن ْدَ الل ّ ِ‬
‫ه‬ ‫ن ِ‬
‫دي َ‬‫ن ال ّ‬‫دين واحد‪ ،‬وهو السلم‪ ،‬وهو الذي قال القرآن فيه‪} :‬إ ِ ّ‬
‫ن‬ ‫َ‬ ‫ل‬ ‫َ‬
‫ف‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫دين‬ ‫م‬ ‫سل‬ ‫ْ‬
‫ل‬ ‫ا‬ ‫غ َ‬
‫غي َْر‬ ‫اْل ِ ْ‬
‫ْ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ ْ‬ ‫ن ي َب ْت َ ِ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫م{ ]آل عمران‪ ،[19:‬وقال تعالى‪َ } :‬‬ ‫سل ُ‬
‫عَتد بها‪،‬‬ ‫مى )الديان الكتابية( ل ي ُ ْ‬ ‫س ّ‬
‫ه{ ]آل عمران‪ ،[85:‬حتى ما ي ُ َ‬
‫من ْ ُ‬‫ل ِ‬ ‫قب َ َ‬‫يُ ْ‬
‫عتبر دينا‪ ،‬بعد أن حرفها أهلها‪ ،‬وجاء السلم فنسخها‪.‬‬ ‫ول ت ُ ْ‬

‫وقد ألزمني الواجب أن أرد على هذا الكلم الذي ينسف كل ما قيل‬
‫ت‬
‫في المؤتمر‪ ،‬بل جهود الحوار والتقارب بين الديان والحضارات‪ .‬وقل ُ‬
‫ت‪:‬‬
‫فيما قل ُ‬

‫أن هذا الكلم يخالف صراحة ما جاء به القرآن‪ ،‬فالقرآن يعتبر أن‬
‫هناك أديانا أخرى غير السلم‪ ،‬وإن كنا نعتبرها أديانا باطلة‪ ،‬ولكنها أديان‬
‫يدين بها أصحابها‪.‬‬

‫غ‬
‫ن ي َب ْت َ ِ‬
‫م ْ‬
‫و َ‬
‫والية التي استشهد بها المتحدث ترد عليه‪ ،‬وهي قوله‪َ } :‬‬
‫سلم ِ ِدينا ً ‪ {...‬الية‪ ،‬فقد سماه الله دينا‪.‬‬
‫غي َْر اْل ِ ْ‬
‫َ‬

‫في‬ ‫غُلوا ِ‬‫ب ل تَ ْ‬ ‫ل ال ْك َِتا ِ‬ ‫وقال تعالى في شأن أهل الكتاب‪َ} :‬يا أ َ ْ‬
‫ه َ‬
‫م ‪] {...‬النساء‪ ،[171:‬بل أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في‬ ‫ِدين ِك ُ ْ‬
‫ن{‬ ‫م ِدين ُك ُ ْ‬ ‫َ‬
‫شأن الوثنيين من المشركين أن يقول لهم‪} :‬لك ُ ْ‬
‫ي ِدي ِ‬
‫ول ِ َ‬
‫م َ‬
‫]الكافرون‪.[6:‬‬

‫عبا ً‬
‫ول َ ِ‬
‫هوا ً َ‬
‫م لَ ْ‬
‫ه ْ‬ ‫خ ُ‬
‫ذوا ِدين َ ُ‬ ‫ن ات ّ َ‬ ‫وقال عز وجل في شأن الكافرين‪} :‬ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫م ال ْ َ‬
‫حَياةُ الدّن َْيا{ ]العراف‪.[51:‬‬ ‫ه ُ‬ ‫و َ‬
‫غّرت ْ ُ‬ ‫َ‬

‫دين يشمل ما هو حق‪ ،‬مثل ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه‬ ‫فال ّ‬
‫وسلم وما هو باطل‪ ،‬كالديان التي جاء بنسخها والظهور عليها‪ ،‬كما قال‬
‫َ‬
‫ن‬ ‫عَلى ال ّ‬
‫دي ِ‬ ‫ق ل ِي ُظْ ِ‬
‫هَرهُ َ‬ ‫ن ال ْ َ‬
‫ح ّ‬ ‫وِدي ِ‬‫دى َ‬ ‫ه ِبال ْ ُ‬
‫ه َ‬ ‫سول َ ُ‬ ‫س َ‬
‫ل َر ُ‬ ‫و ال ّ ِ‬
‫ذي أْر َ‬ ‫ه َ‬
‫تعالى‪ُ } :‬‬
‫ه{ ]التوبة‪ ،33:‬الفتح‪ ،28:‬الصف‪ ،[9:‬فما أرسل الله به محمدا هو )دين‬ ‫ك ُل ّ ِ‬
‫دين كله( أي الديان كلها‪ ،‬فهي‬ ‫الحق( الذي وعد الله أن يظهره على )ال ّ‬
‫أديان لم يعد لها أحقية بعد ظهور السلم‪ .‬أي أنه أبطلها‪.‬‬

‫دين والسلم‪:‬‬
‫ال ّ‬

‫دين( ليس هو‬
‫ومن الضروري هنا أن نقّرر‪ :‬أن مفهوم كلمة )ال ّ‬
‫مفهوم كلمة )السلم( كما يتصور ذلك كثير من الكتاب المعاصرين‪.‬‬

‫دين إلى السلم أو إلى‬ ‫نعم يمكن أن يكونا شيئا واحدا‪ ،‬إذا أضفنا ال ّ‬
‫دين‬‫الله‪ ،‬فنقول )دين السلم( أو )دين الله( جاء بكذا أو كذا‪ ،‬أو هو ال ّ‬
‫الذي بعث الله به خاتم رسله‪ :‬محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل به آخر‬
‫كتبه‪ :‬القرآن الكريم‪.‬‬

‫ولكن إذا ذكرت كلمة )دين( مجردة من الضافة أو الوصف‪ ،‬فهي‬
‫دين( في الحقيقة إنما هو جزء‬
‫أضيق مفهوما من كلمة السلم‪ ،‬لن )ال ّ‬
‫من السلم‪.‬‬
‫سمون‬ ‫ومن هنا رأينا الصوليين والفقهاء وعلماء المسلمين ي ُ َ‬
‫ق ّ‬
‫المصالح التي جاءت شريعة السلم لتحقيقها في الحياة إلى‪ :‬ضروريات‬
‫صرون الضروريات التي ل تقوم حياة الناس إل‬ ‫ح ُ‬
‫وحاجيات وتحسينات‪ .‬وي َ ْ‬
‫دين والنفس والنسل والعقل والمال‪.‬‬ ‫بها في خمسة أشياء‪ ،‬وهي‪ :‬ال ّ‬
‫وأضاف بعضهم سادسة‪ ،‬وهي‪ :‬العرض‪.‬‬

‫دين(‬‫قيم )ال ّ‬ ‫فالشريعة السلمية من مقاصدها الساسية‪ :‬أن ت ُ ِ‬
‫خلق الله‬ ‫وتحافظ عليه‪ ،‬لنه سر الوجود‪ ،‬وجوهر الحياة‪ ،‬ومن أجله َ‬
‫ن{ ]الذريات‪:‬‬‫دو ِ‬ ‫س إ ِّل ل ِي َ ْ‬
‫عب ُ ُ‬ ‫واْل ِن ْ َ‬
‫ن َ‬ ‫ت ال ْ ِ‬
‫ج ّ‬ ‫خل َ ْ‬
‫ق ُ‬ ‫ما َ‬
‫و َ‬
‫الناس‪ ،‬كما قال تعالى‪َ } :‬‬
‫‪.[56‬‬

‫فلّيه‪ ،‬بسمواته‬ ‫س ْ‬ ‫عْلوّيه و ُ‬ ‫بل أعلن القرآن أن الله لم يخلق هذا العالم ُ‬
‫ذي‬ ‫ّ‬
‫ه ال ِ‬ ‫ّ‬
‫خلقه‪ ،‬فيؤدوا إليه حقه‪ ،‬كما قال تعالى‪} :‬الل ُ‬ ‫وأرضه‪ ،‬إل ليعرفه َ‬
‫ّ‬ ‫ل اْل َمر بين َهن ل ِت َعل َموا أ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬
‫ه‬
‫َ‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫ن‬
‫ّ‬ ‫ْ ُ‬ ‫ْ ُ َ ْ ُ ّ‬ ‫ُ‬ ‫ز‬ ‫َ‬ ‫ن‬‫َ‬ ‫ت‬ ‫ي‬ ‫ن‬ ‫ه‬
‫ْ ِ ِ ُ ّ َ ّ‬ ‫ل‬‫ْ‬ ‫ث‬ ‫م‬ ‫ض‬ ‫ر‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ن‬
‫ت َ ِ َ‬
‫م‬ ‫و‬ ‫وا ٍ‬‫ما َ‬‫س َ‬‫ع َ‬ ‫سب ْ َ‬
‫ق َ‬ ‫خل َ َ‬ ‫َ‬
‫علما{ ]الطلق‪.[12:‬‬ ‫ً‬ ‫ْ‬ ‫ء ِ‬‫ي ٍ‬ ‫ل َ‬ ‫َ‬
‫حاط ب ِك ُ ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ه َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ء َ‬ ‫ل َ‬ ‫على ك ُ ّ‬ ‫َ‬
‫ش ْ‬ ‫قدْ أ َ‬ ‫ن الل َ‬ ‫وأ ّ‬ ‫ديٌر َ‬
‫ق ِ‬ ‫ي ٍ‬‫ش ْ‬ ‫َ‬

‫خلقه من المكّلفين‪،‬‬ ‫دين إذن هو ما يحدد العلقة بين الله سبحانه و َ‬ ‫فال ّ‬
‫من حيث معرفته وتوحيده‪ ،‬واليمان به إيمانا صحيحا بعيدا عن ضللت‬
‫الشرك‪ ،‬وأباطيل السحرة‪ ،‬وأوهام العوام‪ .‬ومن حيث إفراده جل شأنه‬
‫بالعبادة والستعانة‪ ،‬فل ُيتوجه بالعبادة إل إليه‪ ،‬ول يستعان ‪-‬خارج‬
‫ن{ ]الفاتحة‪:‬‬‫عي ُ‬
‫ست َ ِ‬ ‫وإ ِّيا َ‬
‫ك نَ ْ‬ ‫عب ُدُ َ‬ ‫السباب المعتادة‪ -‬إل به سبحانه‪} :‬إ ِّيا َ‬
‫ك نَ ْ‬
‫‪.[5‬‬

‫دين(‪ .‬ولهذا‬
‫ومن هنا نرى كلمة )السلم( أوسع دائرة من كلمة )ال ّ‬
‫نقول‪ :‬السلم دين ودنيا‪ ،‬عقيدة وشريعة‪ ،‬عبادة ومعاملة‪ ،‬دعوة ودولة‪،‬‬
‫خُلق وقوة‪.‬‬
‫ُ‬

‫ورأينا من أدعية نبينا صلى الله عليه وسلم‪" :‬اللهم أصلح لي ديني‬
‫الذي هو عصمة أمري‪ ،‬وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي‪ ،‬وأصلح لي‬
‫آخرتي التي إليها معادي"]‪.[11‬‬

‫دين( يقابل بخ)الدنيا(‪ ،‬ورأينا الفقهاء يقولون عن‬
‫وهكذا رأينا‪) :‬ال ّ‬
‫بعض أعمال المكّلفين‪ :‬تجوز ديًنا أو ديانة‪ ،‬ول تجوز قضاء أو العكس‪.‬‬

‫دين والدولة( في كلم كثير‬
‫دين والسياسة(‪ ،‬أو )ال ّ‬
‫ورأينا الكلم عن )ال ّ‬
‫من العلماء على تنوع اختصاصهم‪.‬‬

‫‪-------------------------------------------------------------------------------‬‬
‫‪-‬‬

‫]‪ -[1‬رواه أحمد في المسند )‪ (17123‬عن شداد بن أوس‪ ،‬وقال‬
‫محققوه‪ :‬إسناده ضعيف لضعف أبي بكر ابن أبي مريم‪ ،‬وباقي رجال‬
‫السناد ثقات‪ ،‬والترمذي في صفة القيامة والرقائق والورع )‪،(2459‬‬
‫وقال‪ :‬حديث حسن‪ ،‬وابن ماجه في الزهد )‪ ،(4260‬والحاكم في‬
‫المستدرك كتاب التوبة )‪ ،(4/280‬وقال‪ :‬صحيح السناد ولم يخرجاه‪،‬‬
‫ووافقه الذهبي‪.‬‬

‫]‪ -[2‬انظر‪ :‬دائرة معارف السلم المترجمة جخ ‪ 9‬صخ ‪.369 ،368‬‬

‫]‪ -[3‬انظر‪ :‬الدين لشيخنا د‪ .‬محمد عبد الله دراز صخ ‪.32 -29‬‬

‫]‪ -[4‬انظر‪ :‬الزبيدي في )تاج العروس( جخ ‪ 9‬صخ ‪ 208‬مادة )دين( طبعة‬
‫دار صادر‪ .‬بيروت‪.‬‬

‫]‪ -[5‬انظر‪ :‬الكليات لبي البقاء صخ ‪ 433‬طبعة مؤسسة الرسالة‪.‬‬
‫بيروت‪.‬‬

‫]‪ -[6‬كشاف اصطلحات العلوم والفنون للتهانوي صخ ‪.403‬‬

‫]‪ -[7‬انظر‪ :‬الدين للدكتور دراز صخ ‪ 33‬طبعة دار القلم‪ .‬الكويت‪.‬‬

‫]‪ -[8‬انظر‪ :‬الدين للدكتور دراز صخ ‪ 34‬وما بعدها‪.‬‬

‫]‪ -[9‬رواه البخاري في أحاديث النبياء )‪ (3442‬عن أبي هريرة‪،‬‬
‫ومسلم في الفضائل )‪ ،(2365‬وأحمد في المسند )‪ ،(9270‬وأبو داود في‬
‫السنة )‪ (4675‬بألفاظ مختلفة قريبة من هذا اللفظ‪.‬‬

‫]‪ -[10‬تفسير ابن كثير )‪ (4/109‬طبعة عيسى الحلبي‪.‬‬

‫]‪ -[11‬رواه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والستغفار )‪ (2720‬عن‬
‫أبي هريرة‪.‬‬

‫مفهوم كلمة السياسة لغة واصطلحا‬

‫الفصل الثاني‬

‫مفهوم كلمة )السياسة( لغة واصطلحا‬

‫السياسة في اللغة‪ :‬مصدر ساس يسوس سياسة‪.‬‬

‫فيقال‪ :‬ساس الدابة أو الفرس‪ :‬إذا قام على أمرها من الَعَلف والسقي والترويض والتنظيف وغير ذلك‪.‬‬

‫خذ منه سياسة البشر‪ .‬فكأن النسان بعد أن تمرس في سياسة الدواب‪،‬‬ ‫وأحسب أن هذا المعنى هو الصل الذي ُأ ِ‬
‫ت الرعية‬‫س ُ‬
‫س ْ‬
‫ارتقى إلى سياسة الناس‪ ،‬وقيادتهم في تدبير أمورهم‪ .‬ولذا قال شارح القاموس‪ :‬ومن المجاز‪ُ :‬‬
‫سياسة‪ :‬أمرتهم ونهيتهم‪ .‬وساس المر سياسة‪ :‬قام به‪ .‬والسياسة‪ :‬القيام على الشيء بما يصلحه]‪.[1‬‬
‫وتعّرفها موسوعة العلوم السياسية الصادرة عن جامعة الكويت ‪-‬نقل عن معجم )روبير(‪ -‬بأنها‪) :‬فن إدارة‬
‫المجتمعات النسانية(‪.‬‬

‫وحسب معجم )كامل(‪) :‬تتعّلق السياسة بالحكم والدارة في المجتمع المدني(‪.‬‬

‫وتبعا لمعجم العلوم الجتماعية‪ :‬تشير السياسة إلى‪) :‬أفعال البشر التي تّتصل بنشوب الصراع أو حسمه حول‬
‫الصالح العام‪ ،‬والذي يتضمن دائما‪ :‬استخدام القوة‪ ،‬أو النضال في سبيلها(‪.‬‬

‫ويذهب المعجم القانوني إلى تعريف السياسة أنها‪) :‬أصول أو فن إدارة الشؤون العامة(]‪.[2‬‬

‫كلمة )السياسة( في تراثنا السلمي‬

‫إذا عرفنا مفهوم كلمة )السياسة( لغة واصطلحا‪ ،‬فينبغي أن نبحث عنها في تراثنا السلمي‪ ،‬وفي فقهنا وفكرنا‬
‫السلمي‪ ،‬وفي مصادرنا السلمية‪.‬‬

‫هل نجدها في القرآن الكريم‪ ،‬وفي السنة النبوية‪ ،‬وفي فقه المذاهب المتبوعة‪ ،‬أو غيره من الفقه الحر؟ وهل‬
‫نجدها عند غير الفقهاء من المتكلمين والمتصوفة والحكماء والفلسفة؟‬

‫وكيف تحدث هؤلء وأولئك عن السياسة؟ وما الموقف الشرعي المستمد من الكتاب والسنة من هذا كله؟‬

‫كلمة )السياسة( لم ترد في القرآن‪:‬‬

‫كلمة )السياسة( لم ترد في القرآن الكريم‪ ،‬ل في مكّيه‪ ،‬ول في مدنّيه‪ ،‬ول أي لفظة مشتقة منها وصفا أو فعل‪.‬‬
‫ومن قرأ )المعجم المفهرس للفاظ القرآن الكريم( يتبين له هذا‪ .‬ولهذا لم يذكرها الراغب في )مفرداته(‪ .‬ول‬
‫)معجم ألفاظ القرآن( الذي أصدره مجمع اللغة العربية‪.‬‬

‫وقد يتخذ بعضهم من هذا دليل على أن القرآن ‪-‬أو السلم‪ -‬ل يعني بالسياسة ول يلتفت إليها‪.‬‬

‫ضْرب من المغالطة‪ ،‬فقد ل يوجد لفظ ما في القرآن الكريم‪ ،‬ولكن معناه ومضمونه مبثوث‬
‫ول ريب أن هذا القول َ‬
‫في القرآن‪.‬‬

‫أضرب مثل لذلك بكلمة )العقيدة( فهي ل توجد في القرآن‪ ،‬ومع هذا مضمون العقيدة موجود في القرآن كله‪ ،‬من‬
‫اليمان بال وملئكته وكتبه ورسله واليوم الخر‪ ،‬بل العقيدة هي المحور الول الذي تدور عليه آيات القرآن‬
‫الكريم‪.‬‬

‫ث على‬
‫ومثل ذلك كلمة )الفضيلة( فهي ل توجد في القرآن‪ ،‬ولكن القرآن مملوء من أوله إلى آخره بالح ّ‬
‫الفضيلة‪ ،‬واجتناب الرذيلة‪.‬‬

‫فالقرآن وإن لم يجئ بلفظ )السياسة( جاء بما يدل عليها‪ ،‬وينبئ عنها‪ ،‬مثل كلمة )الُملك( الذي يعني حكم الناس‬
‫وأمرهم ونهيهم وقيادتهم في أمورهم‪.‬‬

‫جاء ذلك في القرآن بصيغ وأساليب شّتى‪ ،‬بعضها مدح‪ ،‬وبعضها ذم‪ .‬فهناك الُملك العادل‪ ،‬وهناك الُملك الظالم‪،‬‬
‫شوِري‪ ،‬والُملك المستبد‪.‬‬
‫الُملك ال ُ‬

‫ظيمًا{ ]النساء‪.[54:‬‬
‫عِ‬‫حْكَمَة َوآَتْيَناُهْم ُمْلكًا َ‬
‫ب َواْل ِ‬
‫ذكر القرآن في الُملك الممدوح‪َ} :‬فَقْد آَتْيَنا آَل ِإْبَراِهيَم اْلِكَتا َ‬

‫ك{ ]يوسف‪ ،[101:‬وإنما قال من‬ ‫ن اْلُمْل ِ‬
‫ب َقْد آَتْيَتِني ِم َ‬
‫وذكر من آل إبراهيم‪ :‬يوسف الذي ناجى ربه فقال‪َ} :‬ر ّ‬
‫ن{ ]يوسف‪:‬‬ ‫ن َأِمي ٌ‬
‫ك اْلَيْوَم َلَدْيَنا َمِكي ٌ‬
‫الُملك‪ ،‬لنه لم يكن مستقل بالحكم‪ ،‬بل كان فوقه َمِلك‪ ،‬هو الذي قال له‪ِ} :‬إّن َ‬
‫‪.[54‬‬
‫ن الَّ‬
‫ومّمن آتاهم ال الُملك‪ :‬طالوت‪ ،‬الذي بعثه ال َمِلكا لبني إسرائيل‪ ،‬ليقاتلوا تحت لوائه‪َ} ،‬وَقاَل َلُهْم َنِبّيهُْم ِإ ّ‬
‫ت َمِلكًا{ ]البقرة‪.[247:‬‬
‫طاُلو َ‬
‫ث َلُكْم َ‬
‫َقْد َبَع َ‬

‫حْكَمَة‬
‫ك َواْل ِ‬
‫ل اْلُمْل َ‬
‫ت َوآَتاُه ا ُّ‬
‫جاُلو َ‬
‫وذكر القرآن من قصته مع جالوت التي أنهاها القرآن بقوله‪َ} :‬وَقَتَل َداُوُد َ‬
‫شاُء{ ]البقرة‪.[251:‬‬
‫عّلَمُه ِمّما َي َ‬
‫َو َ‬

‫وكذلك سليمان الذي آتاه ال ُمْلكا ل ينبغي لحد من بعده‪.‬‬

‫ومّمن ذكره القرآن من الملوك‪ :‬ذو القرنين الذي مّكنه ال في الرض وآتاه ال من كل شيء سببا‪ ،‬واتسع ُملكه‬
‫من المغرب إلى المشرق‪ ،‬وذكر ال تعالى قصته في سورة الكهف‪ ،‬مثنيا عليه‪.‬‬

‫حّتى‬
‫طَعًة َأْمرًا َ‬
‫ت َقا ِ‬
‫ومّمن ذكره القرآن‪َ :‬مِلكة سبأ التي قام ُمْلكها على الشورى ل على الستبداد }َما ُكْن ُ‬
‫ن{ ]النمل‪.[32:‬‬ ‫شَهُدو ِ‬
‫َت ْ‬

‫خلق ال‪ ،‬مثل‪ُ :‬ملك النمروذ‪ ،‬الذي حاجّ إبراهيم‬
‫وفي مقابل هذا ذم القرآن الُملك الظالم والمتجبر‪ ،‬المسلط على َ‬
‫في ربه أن آتاه ال الُملك‪.‬‬

‫شَيًعا‪ ،‬يستضعف طائفة منهم‪ ،‬يذبح أبناءهم‪ ،‬ويستحيي‬
‫ومثل‪ُ :‬ملك فرعون الذي عل في الرض وجعل أهلها ِ‬
‫نساءهم‪ ،‬إنه كان من المفسدين‪.‬‬

‫وبعض الملوك لم يمدحهم القرآن ولم يذمهم‪ ،‬مثل َمِلك مصر في عهد يوسف‪ ،‬وهو الذي وّلى يوسف على‬
‫خزائن الرض‪ .‬وإن كان في حديث القرآن عن بعض تصرفاته ما ينبني عن حسن سياسته في ُملكه‪.‬‬

‫فهذا كله حديث عن السياسة والسياسيين تحت كلمة غير )السياسة(‪.‬‬

‫شاُء{‬ ‫ث َي َ‬ ‫حْي ُ‬‫ض َيَتَبّوُأ ِمْنَها َ‬
‫سفَ ِفي اَْلْر ِ‬‫ك َمّكّنا ِلُيو ُ‬‫ومثل ذلك‪ :‬كلمة )التمكين( كما في قوله تعالى‪َ} :‬وَكَذِل َ‬
‫جَعَلُهْم َأِئّمًة‬
‫ض َوَن ْ‬‫ضِعُفوا ِفي اَْلْر ِ‬ ‫سُت ْ‬
‫نا ْ‬‫عَلى اّلِذي َ‬ ‫ن َ‬‫ن َنُم ّ‬ ‫)يوسف‪ ،(56 :‬وقوله عن بني إسرائيل}َوُنِريُد َأ ْ‬
‫صلَة َوآَتُوا الّزَكاَة‬ ‫ض َأَقاُموا ال ّ‬‫ن َمّكّناُهْم ِفي اَْلْر ِ‬‫ن ِإ ْ‬
‫ن{)القصص‪ ،(5:‬وقوله تعالى‪} :‬اّلِذي َ‬ ‫جَعَلُهُم اْلَواِرِثي َ‬
‫َوَن ْ‬
‫عاِقَبُة اُْلُموِر {)الحج‪.(41:‬‬ ‫ل َ‬ ‫ن اْلُمْنَكِر َو ِّ‬
‫عِ‬‫ف َوَنَهْوا َ‬
‫َوَأَمُروا ِباْلَمْعُرو ِ‬

‫عِمُلوا‬‫ن آَمُنوا ِمْنُكْم َو َ‬ ‫ل اّلِذي َ‬‫عَد ا ُّ‬ ‫ومثل ذلك‪ :‬كلمة )الستخلف(‪ ،‬وما يشتق منها‪ ،‬مثل قوله تعالى‪َ} :‬و َ‬
‫ضى َلُهْم وََلُيَبّدَلّنُهْم‬ ‫ن َلُهْم ِديَنُهُم اّلِذي اْرَت َ‬ ‫ن َقْبِلِهْم َوَلُيَمّكَن ّ‬
‫ن ِم ْ‬ ‫ف اّلِذي َ‬
‫خَل َ‬
‫سَت ْ‬
‫ض َكَما ا ْ‬ ‫خِلَفّنُهْم ِفي اَْلْر ِ‬ ‫سَت ْ‬
‫ت َلَي ْ‬
‫حا ِ‬ ‫صاِل َ‬
‫ال ّ‬
‫ن{ )النور‪ .(55:‬وقوله‬ ‫سُقو َ‬‫ك ُهُم اْلَفا ِ‬ ‫ك َفُأوَلِئ َ‬‫ن َكَفَر َبْعَد َذِل َ‬‫شْيئًا َوَم ْ‬
‫ن ِبي َ‬ ‫شِرُكو َ‬ ‫خْوِفِهْم َأْمنًا َيْعُبُدوَنِني ل ُي ْ‬ ‫ن َبْعِد َ‬‫ِم ْ‬
‫خِلَفُكْم ِفي اَْلْر ِ‬
‫ض‬ ‫سَت ْ‬
‫عُدّوُكْم َوَي ْ‬
‫ك َ‬ ‫ن ُيْهِل َ‬‫سى َرّبُكْم َأ ْ‬ ‫ع َ‬ ‫جْئَتَنا َقاَل َ‬‫ن َبْعِد َما ِ‬‫ن َتْأِتَيَنا َوِم ْ‬
‫ن َقْبِل َأ ْ‬
‫تعالى‪َ} :‬قاُلوا ُأوِذيَنا ِم ْ‬
‫ن{ )لعراف‪.(129:‬‬ ‫ف َتْعَمُلو َ‬ ‫ظَر َكْي َ‬‫َفَيْن ُ‬

‫حَكْمُتْم‬‫ت ِإَلى َأْهِلَها َوِإَذا َ‬ ‫ن ُتَؤّدوا اَْلَماَنا ِ‬ ‫ل َيْأُمُرُكْم َأ ْ‬‫ن ا َّ‬‫حْكم( ومايشتق منها‪ ،‬مثل قوله تعالى‪ِ} :‬إ ّ‬ ‫ومثل كلمة )ال ُ‬
‫صيرًا{ )النساء‪ (58:‬وهي الية التي‬ ‫سِميعًا َب ِ‬ ‫ن َ‬ ‫ل َكا َ‬
‫ن ا َّ‬ ‫ظُكْم ِبِه ِإ ّ‬‫ل ِنِعّما َيِع ُ‬
‫ن ا َّ‬ ‫حُكُموا ِباْلَعْدِل ِإ ّ‬ ‫ن َت ْ‬‫س َأ ْ‬‫ن الّنا ِ‬ ‫َبْي َ‬
‫ل َول َتّتِبْع‬ ‫حُكْم َبْيَنُهْم ِبَما َأْنَزَل ا ُّ‬
‫نا ْ‬ ‫أدار عليها ابن تيمية نصف كتابه السياسة الشرعية‪ .‬وقوله تعالى‪َ} :‬وَأ ِ‬
‫جاِهِلّيِة َيْبُغو َ‬
‫ن‬ ‫حْكَم اْل َ‬‫ل{ )المائدة‪ ،(49:‬وقوله تعالى‪َ } :‬أَف ُ‬ ‫ض َما َأْنَزَل ا ُّ‬ ‫ن َبْع ِ‬ ‫عْ‬ ‫ك َ‬ ‫ن َيْفِتُنو َ‬‫حَذْرُهْم َأ ْ‬ ‫َأْهَواَءُهْم َوا ْ‬
‫ك ُهُم‬ ‫ل َفُأولَِئ َ‬
‫حُكْم ِبَما َأْنَزَل ا ُّ‬‫ن َلْم َي ْ‬‫ن{ )المائدة‪ ، (50:‬وقوله تعالى‪َ} :‬وَم ْ‬ ‫حْكمًا ِلَقْوٍم ُيوِقُنو َ‬ ‫ل ُ‬ ‫ن ا ِّ‬ ‫ن ِم َ‬ ‫سُ‬ ‫ح َ‬‫ن َأ ْ‬
‫َوَم ْ‬
‫ن{ ]المائدة‪ ،[47:‬وفي آية‬ ‫سُقو َ‬ ‫ك ُهُم اْلَفا ِ‬ ‫ل َفُأوَلِئ َ‬
‫حُكْم ِبَما َأْنَزَل ا ُّ‬ ‫ن َلْم َي ْ‬
‫ن{ ]المائدة‪ ،[45:‬وفي آية‪َ}:‬وَم ْ‬ ‫ظاِلُمو َ‬‫ال ّ‬
‫ن{ ]المائدة‪.[44:‬‬ ‫ك ُهُم اْلَكاِفُرو َ‬ ‫ل َفُأوَلِئ َ‬
‫حُكْم ِبَما َأْنَزَل ا ُّ‬ ‫ن َلْم َي ْ‬
‫ثالثة‪َ}:‬وَم ْ‬

‫ما ورد عن السياسة في السنة‪:‬‬

‫ق من السياسة‪ ،‬وهو الحديث المتفق عليه عن أبي‬ ‫على أن السنة النبوية قد وجدت فيها حديثا تضّمن ما اشت ّ‬
‫هريرة‪ ،‬أن النبي صلى ال عليه وسلم قال‪" :‬كانت بنو إسرائيل تسوسهم النبياء‪ ،‬كلما هلك نبي خلفه نبي‪،‬‬
‫وإنه ل نبي بعدي‪ ،‬وسيكون خلفاء فيكثرون"‪ .‬قالوا‪ :‬فما تأمرنا؟ قال‪ُ" :‬فوا ببيعة الول فالول‪ ،‬وأعطوهم‬
‫حقهم الذي جعل ال لهم‪ ،‬فإن ال سائلهم عما استرعاهم"]‪.[3‬‬

‫أول استخدام لكلمة سياسة في معنى الولية والحكم في تراثنا‪:‬‬

‫وقد جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية في مادة )سياسة(]‪ [4‬قولها‪ :‬لعل أقدم نص وردت فيه كلمة‬
‫)السياسة( بالمعنى المتعّلق بالحكم هو‪ :‬قول عمرو ابن العاص لبي موسى الشعري في وصف معاوية‪ :‬إني‬
‫ن الخليفة المظلوم‪ ،‬والطالب بدمه‪ ،‬الحسن السياسة‪ ،‬الحسن التدبير]‪.[5‬‬
‫وجدته ولي عثما َ‬

‫وهذا مقبول إن كان المقصود كلمة )السياسة( مصدرا‪ .‬أما المادة نفسها باعتبارها فعل‪ ،‬فقد وردت كما ذكرناه‬
‫في الحديث السابق المتفق عليه عن أبي هريرة‪ ،‬وكما وردت بعد ذلك منذ عهد سيدنا عمر رضي ال عنه‪،‬‬
‫بوصفها فعل مضارعا‪.‬‬

‫روى ابن أبي شيبة في مصنفه‪ ،‬والحاكم في مستدركه‪ ،‬عن المستظل ابن حصين‪ ،‬قال‪ :‬خطبنا عمر بن الخطاب‬
‫ت ‪-‬ورب الكعبة‪ -‬متى تهلك العرب! فقام إليه رجل من المسلمين‪ ،‬فقال‪ :‬متى يهلكون يا أمير‬
‫فقال‪ :‬قد علم ُ‬
‫المؤمنين؟ قال‪ :‬حين يسوس أمرهم من لم يعالج أمر الجاهلية‪ ،‬ولم يصحب الرسول]‪.[6‬‬

‫وكذلك رويت نفس الصيغة )صيغة الفعل المضارع( عن سيدنا علي رضي ال عنه‪ .‬روى ابن أبي شيبة في‬
‫ن على طاعة ال‪ ،‬أو‬‫ن في أمر ال‪ ،‬ولُتقاِتُل ّ‬
‫جّد ّ‬
‫مصنفه وابن الجعد في مسنده‪ :‬قال علي‪ :‬يا أهل الكوفة! وال َلَت ِ‬
‫سّنكم أقوام أنتم أقرب إلى الحق منهم‪ ،‬فليعذبنكم ثم ليعذبنهم]‪.[7‬‬
‫سو َ‬
‫لَي ُ‬

‫‪--------------------------------------------------------------------------------‬‬

‫]‪ -[1‬انظر‪ :‬مادة )سوس( في تاج العروس )‪ (4/169‬طبعة دار صادر‪ .‬بيروت‪.‬‬

‫]‪ -[2‬انظر‪ :‬موسوعة العلوم السياسية‪ .‬إصدار جامعة الكويت صـ ‪ 102‬فقرة )‪.(78‬‬

‫]‪ -[3‬رواه البخاري في أحاديث النبياء )‪ (3455‬عن أبي هريرة‪ ،‬ومسلم في المارة )‪ ،(1842‬وأحمد في‬
‫المسند )‪ ،(7960‬وابن ماجه في الجهاد )‪.(2871‬‬

‫]‪ -[4‬الموسوعة الفقهية الكويتية )‪.(296 ،25/295‬‬

‫]‪ -[5‬تاريخ الطبري )‪ (5/68‬طبعة دار المعارف‪ .‬القاهرة‪.‬‬

‫]‪ -[6‬رواه ابن أبي شيبة في المصنف كتاب الفضائل )‪ (6/410‬عن المستظل بن حصين‪ ،‬والحاكم في المستدرك‬
‫كتاب الفتن والملحم )‪ ،(4/475‬وقال‪ :‬هذا حديث صحيح السناد ولم يخرجاه‪ ،‬ووافقه الذهبي‪ ،‬والبيهقي في‬
‫الشعب )‪.(6/69‬‬

‫]‪ -[7‬رواه ابن أبي شيبة في المصنف كتاب الفتن )‪ (7/504‬عن المستظل بن حصين‪ ،‬ووقع في المصنف‬
‫)ليسوا منكم( وهو تصحيف‪ ،‬وابن الجعد في مسنده )‪ (1/327‬بتحقيق عامر أحمد حيدر‪ .‬وابن الجعد هو علي‬
‫ابن الجعد بن عبيد‪ ،‬أبو الحسن الجوهري البغدادي‪.‬‬

‫السياسة عند الفقهاء‬
‫وتحدث فقهاء المذاهب المختلفة في كتبهم عن السياسة‪ ،‬بمناسبات شّتى‪ ،‬وخصوصا عند حديثهم عن التعزير‪:‬‬
‫وهو العقوبة غير المقدرة بالنص‪.‬‬

‫السياسة عند المالكية والشافعية‪:‬‬

‫ضّيق فيها‪ ،‬ويبدو أن الشافعية كانوا هم المضيقين في هذا الجانب‪ ،‬أكثر‬
‫سع في السياسة‪ ،‬والُم َ‬
‫وكان منهم الُمَو ّ‬
‫من غيرهم‪ ،‬لنهم ل يقولون بالمصالح المرسلة‪ .‬وإن كان المام شهاب الّدين القرافي المالكي )ت ‪684‬هـ( يذكر‬
‫في كتابه )تنقيح الفصول(‪ :‬أن كل فقهاء المذاهب قالوا بالمصالح‪ .‬يقول رحمه ال‪:‬‬

‫)وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا أو جمعوا أو فّرقوا بين المسألتين ل يطلبون شاهدا بالعتبار لذلك‬
‫المعنى الذي جمعوا أو فّرقوا‪ ،‬بل يكتفون بمطلق المناسبة‪ ،‬وهذا هو المصلحة المرسلة‪ ،‬فهي حينئذ في جميع‬
‫المذاهب(]‪.[1‬‬

‫وهذا هو التحقيق‪ ،‬فالذي يطالع كتب المذاهب الخرى يجد فيها عشرات ومئات من المسائل إنما يعللونها‬
‫بتعليلت مصلحية‪ ،‬وإن كان الحنفية والحنابلة أكثر من الشافعية في ذلك‪.‬‬

‫ويذكر القرافي‪ :‬أن إمام الحرمين ‪-‬عبد الملك بن عبد ال الجويني )ت ‪478‬هـ(‪ -‬قّرر في كتابه المسمى‬
‫بـ)الغياثي( أمورا وجّوزها وأفتى بها ‪-‬والمالكية بعيدون عنها‪ -‬وجسر عليها‪ ،‬وقالها للمصلحة المطلقة]‪،[2‬‬
‫وكذلك الغزالي في )شفاء الغليل( مع أن الثنين شديدا النكار علينا ‪-‬يعني المالكية‪ -‬في المصلحة المرسلة]‪.[3‬‬

‫وإمام الحرمين والغزالي شافعيان‪ .‬ولكن المعروف أن الغزالي في )المستصفى( يعتبر المصلحة من )الصول‬
‫الموهومة(‪ ،‬وأن شيخه إمام الحرمين يضيق في السياسة الشرعية‪ ،‬ول يجيز أي زيادة على المنصوص عليه‬
‫في العقوبات‪.‬‬

‫تضييق إمام الحرمين في السياسة‪:‬‬

‫وقد نقل الستاذ الدكتور عبد العظيم الديب ‪-‬في تحقيقه لكتاب )الغياثي( لمام الحرمين والتقديم له‪ ،‬وكتابة‬
‫دراسة َقّيمة عنه‪ -‬ما يوضح موقف المام رحمه ال‪ ،‬من قضية التوسع في التعزيرات‪ ،‬كما أجازه آخرون باسم‬
‫السياسة للردع والزجر‪ .‬وكان مما نقله عنه قوله‪) :‬ومما يتعين العتناء به الن‪ ،‬وهو مقصود الفصل‪ :‬أن‬
‫سَتّد )من السداد( إل على رأي مالك رضي ال عنه‪،‬‬ ‫أبناء الزمان ذهبوا إلى أن مناصب السلطنة والولية ل َت ْ‬
‫وكان يرى الزدياد على مبالغ الحدود في التعزيرات‪ ،‬ويسوغ للوالي أن يقتل في التعزير‪.‬‬

‫ونقل النقلة عنه أنه قال‪ :‬للمام أن يقتل ثلث المة في استصلح ثلثيها]‪![4‬‬

‫غرة وغباوة‪ :‬أن ما جرى في صدر السلم من التخفيفات‪ ،‬كان سببها أنهم كانوا على‬ ‫وذهب بعض الجهلة عن ِ‬
‫قرب عهد بصفوة السلم‪ ،‬وكان يكفي في ردعهم التنبيه اليسير‪ ،‬والمقدار القريب من التعزير‪ ،‬وأما الن‪ ،‬فقد‬
‫خلق الرغبات والرهبات‪ ،‬فلو وقع‬ ‫قست القلوب‪ ،‬وبعدت العهود‪ ،‬ووهنت العقود‪ ،‬وصار متشبث عامة ال َ‬
‫القتصار على ما كان من العقوبات‪ ،‬لما استمرت السياسات(]‪.[5‬‬

‫ب إلى‬
‫ويرد ذلك الرأي بعنف‪ ،‬ويدفعه بقوة‪ ،‬قائل‪) :‬وهذا الفن قد يستهين به الغبياء‪ ،‬وهو على الحقيقة تسب ٌ‬
‫مضادة ما ابُتِعث به سيد النبياء(]‪.[6‬‬

‫ن أن الشريعة ُتتلقى من استصلح العقلء‪ ،‬ومقتضى‬
‫ويستمر في تسفيه هذا الرأي قائل‪) :‬وعلى الجملة من ظ ّ‬
‫رأي الحكماء‪ ،‬فقد رد الشريعة‪ ،‬واتخذ كلمه هذا إلى رد الشرائع ذريعة(]‪.[7‬‬

‫ويعود لتأكيد نفس المعنى‪ ،‬فيقول‪) :‬وهذه الفنون في رجم الظنون‪ ،‬ولو تسلطت على قواعد الّدين‪ ،‬لتخذ كل َمن‬
‫عا ومنًعا‪ ،‬فتنتهض هواجس النفوس حاّلة محل الوحي إلى‬‫يرجع إلى ُمسكة من عقل فكره شرعا‪ ،‬ولنتحاه رد ً‬
‫الرسل‪ ،‬ثم يختلف ذلك باختلف الزمنة والمكنة؛ فل يبقى للشرع مستقر وثبات(]‪.[8‬‬
‫ثم يبين السر في هذا الداء‪ ،‬فيقول‪) :‬هيهات هيهات‪ .‬ثقل الّتباع على بعض بني الدهر؛ فرام أن يجعل عقله‬
‫المعقول عن مدارك الرشاد في دين ال أساسا‪ ،‬ولستصوابه راسا‪ ،‬حتى ينفض ِمذَرويه‪ ،‬ويلتفت في عطفيه‬
‫سا‪ .‬فإذا ل مزيد على ما ذكرناه في مبالغ التعزير(]‪.[9‬‬
‫اختياًل وشما ً‬

‫ثم يصرح بتفشي هذا الداء ‪-‬مجاوزة الحد في العقوبات‪ -‬في زمانه‪ ،‬ويجأر بالشكوى‪ ،‬وكأنه يعتذر عن إطالته‬
‫في هذا الموضوع‪ ،‬فيقول‪) :‬وإنما أرخيت في هذا الفصل فضل زمامي‪ ،‬وجاوزت حد القتصاد في كلمي‪ ،‬لني‬
‫تخيلت انبثاث هذا الداء العضال في صدور الرجال(]‪.[10‬‬

‫ويرى أن أصحاب السياسات لم يحيطوا َفهما بمحاسن الشريعة‪ ،‬ولذا يزعمون أن التعزير المحطوط عن الحدود‬
‫ل يزع ول يدفع‪ ،‬وأن هذا منهم جهل وسوء قصد‪ .‬قال‪:‬‬

‫)والذي يبديه أصحاب السياسات أن التعزير المحطوط عن الحد ل يزع ول يدفع‪ ،‬وغايتهم أن يزيدوا على‬
‫مواقف الشريعة‪ ،‬ويتعّدوها ليتوصلوا بزعمهم إلى أغراض رأوها في اليالة ‪ ...‬وإنما ينسل عن ضبط الشرع‪،‬‬
‫من لم يحط بمحاسنه‪ ،‬ولم يطلع على خفاياه ومكامنه‪ ،‬فل يسبق إلى مكرمة سابق إل ولو بحث عن الشريعة‪،‬‬
‫للفاها أو خيًرا منها في وضع الشرع ‪ ...‬فهذا مسلك السداد‪ ،‬ومنهج الرشاد والقتصاد‪ ،‬وما عداه سرف‬
‫ومجاوزة حد‪ ،‬وغلّو وعتّو(]‪.[11‬‬

‫ول يفوته في هذا المقام أن يقف في وجه رجال المن الذين )يرون ردع أصحاب التهم‪ ،‬قبل إلمامهم بالهنات‬
‫والسيئات(‪ ،‬ويقول‪) :‬إن الشرع ل يرخص في ذلك(]‪.[12‬‬

‫هذا هو رأي إمام الحرمين‪ ،‬في تشديده وتضييقه‪ ،‬وإن كان يخالف ما ذكره القرافي! وهو هنا يمثل فقه‬
‫الشافعية‪ ،‬وكيف ل‪ ،‬وهو الذي تشير إليه كتب المذهب بـ)المام( فإذا قالوا‪ :‬قال المام‪ ،‬فليس غير إمام‬
‫الحرمين‪.‬‬

‫وأما مذهب مالك‪ ،‬فقد نقل ابن فرحون في )تبصرة الحكام( عن القرافي قوله‪ :‬إن التوسعة على الحكام في‬
‫الحكام السياسية ليس مخالفا للشرع‪ ،‬بل تشهد له الدلة‪ ،‬وتشهد له القواعد‪ .‬ومن أهمها كثرة الفساد‬
‫وانتشاره‪ ،‬والمصلحة المرسلة التي قال بها مالك وجمع من العلماء]‪.[13‬‬

‫سعه فيها أكثر من غيره‪ ،‬يجعل له رخصة‬
‫ن أخذ المام مالك بالمصلحة المرسلة‪ ،‬واشتهاره بها‪ ،‬وتو ّ‬
‫ول ريب أ ّ‬
‫في مساحة أرحب في التفكير السياسي‪ ،‬والتصرف السياسي‪ ،‬للئمة والمراء‪.‬‬

‫ولهذا نجد المام القرافي في كتابه )تنقيح الفصول( حين استدل على شرعية المصلحة المرسلة‪ ،‬اتخذ أمثلته‬
‫وشواهده‪ ،‬من تصرفات الصحابة‪ ،‬ول سيما الخلفاء الراشدين‪ ،‬وأنهم عملوا أمورا لمطلق المصلحة‪ ،‬ل لتقدم‬
‫شاهد بالعتبار‪ ،‬نحو كتابة أبي بكر للمصحف‪ ،‬ولم يتقدم فيه أمر ول نظير‪ ،‬وولية العهد من أبي بكر لعمر‪،‬‬
‫سكة‬
‫ولم يتقدم فيها أمر ول نظير‪ ،‬وكذلك ترك الخلفة شورى )بين ستة(‪ ،‬وتدوين الداواوين‪ ،‬وعمل ال ّ‬
‫)النقود(‪ ،‬واتخاذ السجن‪ ،‬فعل ذلك عمر رضي ال عنه‪ ،‬وهّد الوقاف التي بإزاء مسجد رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ ،‬والتوسعة بها في المسجد عند ضيقه‪ ،‬فعله عثمان رضي ال عنه]‪.[14‬‬

‫عرف بها‪ .‬ومثله جمع عثمان‬ ‫وأيضا ما فعله عمر من اتخاذ تاريخ خاص للمسلمين‪ ،‬إلى سائر )َأّولياته( التي ُ‬
‫الناس على مصحف واحد‪ ،‬وإحراق ما عداه‪ ،‬وتضمين علي للصناع المحترفين‪ ،‬ما بأيديهم من أموال الناس‪،‬‬
‫حتى يثبتوا أنها هلكت بغير إهمال ول تعّد منهم ‪ ...‬إلخ‪.‬‬

‫فهذه كلها من أعمال السياسة الشرعية للمام أو الحاكم قام بها لمقتضى المصلحة للجماعة أو للمة‪.‬‬

‫حكما من نصوص الشرع‪ ،‬ول قاعدة مقطوعا بها من قواعده‪.‬‬
‫كل ما هو مطلوب هنا‪ :‬أل نصادم نصا ُم ْ‬

‫وربما كان أوسع المذاهب في ذلك مذهب الحنابلة‪ ،‬كما سنرى فيما ذكره المام ابن عقيل‪ ،‬وعّلق عليه المام‬
‫ابن القيم‪.‬‬
‫السياسة في الفقه الحنفي‪:‬‬

‫وقد تكلم علماء المذهب الحنفي عن السياسة ‪-‬أكثر ما تكلموا‪ -‬عند حديثهم عن حد الزنى‪ ،‬وما ورد فيه من‬
‫حديث نفي الزاني غير المحصن وتغريبه سنة عن بلده الذي حدثت فيه جريمة الزنى‪ ،‬فقد فسروا هذا التغريب‪:‬‬
‫بأنه نوع من )السياسة( أو التعزير‪ .‬فل مانع أن يفعله المام أو القاضي النائب عنه للردع والتأديب إذا رأى في‬
‫ش من ورائه فتنة‪ .‬فهو من )السياسة الشرعية( المبّررة والمبنية على قواعد الشرع‪.‬‬ ‫ذلك مصلحة‪ ،‬ولم يخ َ‬

‫لمة المتأخرين ابن عابدين‬ ‫وهنا تعرض علماء المذهب بهذه المناسبة للكلم عن السياسة‪ .‬وقد استوفى ذلك ع ّ‬
‫ي قوله‪) :‬السياسة ل تختص‬ ‫في حاشيته الشهيرة‪) ،‬رد المحتار على الدر المختار( ونقل فيها عن الُقهستان ّ‬
‫بالزنى‪ ،‬بل تجوز في كل جناية‪ ،‬والرأي فيها إلى المام ‪-‬على ما في )الكافي(‪ -‬كَقْتل مبتدع ُيَتَوَهم منه انتشار‬
‫بدعته وإن لم ُيحكم بكفره‪ ،‬كما في )التمهيد(‪ ،‬وهي مصدر‪ :‬ساس الوالي الرعية‪َ :‬أمَرهم ونهاهم‪ ،‬كما في‬
‫جي في الدنيا والخرة‪ ،‬فهي من‬ ‫خلق بإرشادهم إلى الطريق الُمَن ّ‬
‫)القاموس( وغيره‪ ،‬فالسياسة استصلح ال َ‬
‫النبياء على الخاصة والعامة في ظاهرهم وباطنهم‪ ،‬ومن السلطين والملوك على كل منهم في ظاهره ل غير‪،‬‬
‫ومن العلماء ورثة النبياء على الخاصة في باطنهم ل غير‪ ،‬كما في )المفردات(]‪ [15‬وغيرها( اهـ‪ ،‬ومثله في‬
‫)الدر المنتقى(]‪.[16‬‬

‫ت‪) :‬ابن عابدين( وهذا تعريف للسياسة العامة الصادقة على جميع ما شرعه ال تعالى لعباده من الحكام‬ ‫قل ُ‬
‫الشرعية‪ ،‬وتستعمل أخص من ذلك مما فيه زجر وتأديب ولو بالقتل‪ ،‬كما قالوا في اللوطي والسارق والخّناق‪:‬‬
‫إذا تكرر منهم ذلك حّل قتلهم سياسة‪ ،‬وكما مر في المبتدع‪ ،‬ولذا عّرفها بعضهم‪ :‬بأنها تغليظ جناية لها حكم‬
‫ص عليها‬
‫شرعي حسما لمادة الفساد‪ ،‬وقوله‪ :‬لها حكم شرعي معناه‪ :‬أنها داخلة تحت قواعد الشرع وإن لم ُيَن ّ‬
‫بخصوصها‪ ،‬فإن مدار الشريعة بعد قواعد اليمان على حسم مواد الفساد لبقاء العالم‪ .‬ولذا قال في )البحر(]‬
‫‪) :[17‬وظاهر كلمهم أن السياسة هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها‪ ،‬وإن لم َيِرد بذلك الفعل دليل جزئي(‬
‫اهـ وفي )حاشية مسكين( عن )الحموي(‪) :‬السياسة شرع ُمَغّلظ‪ ،‬وهي نوعان‪ :‬سياسة ظالمة‪ ،‬فالشريعة‬
‫صل إلى‬‫تحرمها‪ ،‬وسياسة عادلة ُتخرج الحق من الظالم‪ ،‬وتدفع كثيرا من المظالم‪ .‬وتردع أهل الفساد‪ ،‬وُتو ِ‬
‫المقاصد الشرعية‪ ،‬فالشريعة توجب المصير إليها والعتماد في إظهار الحق عليها‪ ،‬وهي باب واسع‪ ،‬فمن أراد‬
‫تفصيلها فعليه بمراجعة كتاب )ُمعين الحكام( للقاضي )علء الّدين السود الطرابلسي الحنفي(( اهـ‪.‬‬

‫ت‪) :‬ابن عابدين( )والظاهر أن السياسة والّتعزير مترادفان‪ ،‬ولذا عطفوا أحدهما على الخر لبيان التفسير‪،‬‬‫قل ُ‬
‫كما وقع في )الهداية( و)الزيلعي( وغيرهما‪ ،‬بل اقتصر في )الجوهرة( على تسميته تعزيرا‪ ،‬وسيأتي أن التعزير‬
‫تأديب دون الحد‪ ،‬من الَعْزر بمعنى الّرد والردع‪ ،‬وأنه يكون بالضرب وغيره‪ ،‬ول يلزم أن يكون بمقابلة معصية‪،‬‬
‫ولذا يضرب ابن عشر سنين على الصلة‪ ،‬وكذلك السياسة كما مر في نفي )عمر( لـ )نصر بن حجاج(‪ ،‬فإنه‬
‫ورد أنه قال لـ )عمر(‪ :‬ما ذنبي يا أمير المؤمنين؟ فقال‪ :‬ل ذنب لك‪ ،‬وإنما الذنب لي؛ حيث ل أطهر دار الهجرة‬
‫منك]‪ .[18‬فقد نفاه؛ لفتتان النساء به‪ ،‬وإن لم يكن بصنعه‪ ،‬فهو ِفعلٌ لمصلحة‪ ،‬وهي قطع الفتتان بسببه في‬
‫دار الهجرة التي هي من أشرف البقاع‪ ،‬ففيه َرد وردع عن منكر واجب الزالة! وقالوا‪ :‬إن التعزير موكول إلى‬
‫رأي المام‪.‬‬

‫عِلم أن فعل السياسة يكون‬
‫فقد ظهر لك بهذا أن باب التعزير هو المتكفل لحكام السياسة‪ ،‬وسيأتي بيانه‪ ،‬وبه ُ‬
‫من القاضي أيضا‪ ،‬والتعبير بالمام ليس للحتراز عن القاضي‪ ،‬بل لكونه هو الصل والقاضي نائب عنه في‬
‫تنفيذ الحكام(]‪.[19‬‬

‫ويبدو من كلم فقهاء الحنفية‪ :‬أن السياسة تتعّلق بجانب العقوبات والتأديب ل تتعداه‪ .‬ولذا قالوا‪ :‬إن السياسة‬
‫والتعزير مترادفان‪.‬‬

‫والذي أرجحه‪ :‬أن السياسة أعم من التعزير‪ ،‬فهي تدخل في أكثر من مجال في شؤون العادات والمعاملت‪ :‬من‬
‫الدارة والقتصاد والسلم والحرب والعلقات الجتماعية والدستورية والدولية وغيرها‪.‬‬

‫وسنرى أن تعريف المام ابن عقيل للسياسة أوسع وأوفى مما ذكره من ذكره من علماء الحنفية وغيرهم‪ .‬فقد‬
‫عرف السياسة بأنها‪ :‬كل تصرف من ولي المر يكون الناس معه أقرب إلى الصلح‪ ،‬وأبعد عن الفساد‪ ،‬وإن لم‬
‫يأت به الشرع‪ ،‬بشرط أل يخالف ما جاء به الشرع‪ .‬وهو ما سنبحث عنه في ما يلي‪.‬‬
‫دور ابن القيم في توضيح السياسة الشرعية‪:‬‬

‫شف‬
‫والحق أني لم أجد من الفقهاء في تاريخنا‪ ،‬من تكلم عن السياسة الشرعية وشرحها فأحسن شرحها‪ ،‬وَك َ‬
‫اللثام عن مفهومها‪ ،‬وبين الفرق بين السياسة العادلة‪ ،‬والسياسة الظالمة‪ ،‬وأن الولى إنما هي جزء من‬
‫الشريعة‪ ،‬وليست خارجة عنها‪ ،‬ول قسيما لها‪ ،‬مثل المام ابن القيم )ت ‪751‬هـ( رحمه ال‪ ،‬في كتابين من‬
‫حكمية(‪ .‬ويحسن بنا أن ننقل كلمه هنا لما فيه من قوة الحجة‪ ،‬ونصاعة‬‫طرق ال ُ‬
‫كتبه‪) :‬إعلم الموقعين( و)ال ّ‬
‫البيان‪ ،‬المؤيد بالبرهان‪.‬‬

‫حكمية( ُمعّلقا على ما قاله المام الحنبلي أبو الوفا ابن عقيل )ت ‪513‬هـ(‪ ،‬الذي‬
‫طرق ال ُ‬
‫يقول رحمه ال في )ال ّ‬
‫قال عنه ابن تيمية‪ :‬كان من أذكياء العالم‪ .‬وكل الذين درسوا ابن عقيل يعلمون أنه رجل بالغ الذكاء‪ ،‬موسوعي‬
‫حّر التفكير‪ .‬قال‪) :‬قال ابن عقيل في )الفنون(‪ :‬جرى في جواز العمل في السلطنة بالسياسة الشرعية‪:‬‬ ‫المعرفة‪ُ ،‬‬
‫أنه هو الحزم‪ .‬ول يخلو من القول به إمام‪.‬‬

‫فقال شافعي‪ :‬ل سياسة إل ما وافق الشرع‪.‬‬

‫فقال ابن عقيل‪ :‬السياسة ما كان فعل يكون معه الناس أقرب إلى الصلح‪ ،‬وأبعد عن الفساد‪ ،‬وإن لم يضعه‬
‫الرسول‪ ،‬ول نزل به وحي‪.‬‬

‫فإن أردت بقولك‪) :‬إل ما وافق الشرع( أي لم يخالف ما نطق به الشرع؛ فصحيح‪.‬‬

‫وإن أردت‪ :‬ل سياسة إل ما نطق به الشرع‪ :‬فغلط‪ ،‬وتغليط للصحابة‪ .‬فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل‬
‫والتمثيل ما ل يجحده عالم بالسنن‪ .‬ولو لم يكن إل تحريق عثمان المصاحف]‪ ،[20‬فإنه كان رأيا اعتمدوا فيه‬
‫على مصلحة المة‪ ،‬وتحريق علي رضي ال عنه‪ ،‬الزنادقة في الخاديد‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫أججت ناري ودعوت ُقْنبرا]‪[21‬‬ ‫لما رأيت المر أمرا منكرا‬

‫ونفي عمر رضي ال عنه لنصر بن حجاج اهـ‪.‬‬

‫قال ابن القيم ُمعّلقا‪:‬‬

‫ضّلة أفهام‪ .‬وهو مقام ضنك‪ ،‬ومعترك صعب‪.‬‬
‫)وهذا موضع َمَزّلة أقدام‪ ،‬وَم َ‬

‫فرط فيه طائفة‪ :‬فعطلوا الحدود‪ ،‬وضيعوا الحقوق‪ ،‬وجّرؤوا أهل الفجور على الفساد‪ ،‬وجعلوا الشريعة قاصرة‬
‫طُرق معرفة الحق والتنفيذ‬ ‫طُرقا صحيحة من ُ‬ ‫ل تقوم بمصالح العباد‪ ،‬محتاجة إلى غيرها‪ .‬وسدوا على نفوسهم ُ‬
‫له‪ ،‬وعطلوها‪ ،‬مع علمهم وعلم غيرهم قطعا‪ :‬أنها حق مطابق للواقع‪ ،‬ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع‪ .‬وَلَعْمُر‬
‫ت ما فهموه هم من شريعته باجتهادهم‪.‬‬‫ال! إنها لم تناف ما جاء به الرسول‪ ،‬وإن َنَف ْ‬

‫والذي أوجب ذلك‪:‬‬

‫نوع تقصير في معرفة الشريعة‪.‬‬ ‫‪.1‬‬

‫وتقصير في معرفة الواقع‪.‬‬ ‫‪.2‬‬

‫وتنزيل أحدهما على الخر‪.‬‬ ‫‪.3‬‬

‫فلما رأى ولة المور ذلك‪ ،‬وأن الناس ل يستقيم لهم أمر‪ ،‬إل بأمر وراء ما فهمه هؤلء من الشريعة‪ :‬أحدثوا‬
‫من أوضاع سياستهم شّرا طويل‪ ،‬وفسادا عريضا‪ .‬فتفاقم المر‪ ،‬وتعذر استدراكه‪ ،‬وعّز على العالمين بحقائق‬
‫الشرع تخليص النفوس من ذلك‪ ،‬واستنقاذها من تلك المهالك‪.‬‬
‫وأفرطت طائفة أخرى‪ ،‬قابلت هذه الطائفة‪ ،‬فسوغت من ذلك ما ينافي حكم ال وحكم رسوله‪.‬‬

‫وكل]‪ [22‬الطائفتين ُأتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث ال به رسوله‪ ،‬وأنزل به كتابه‪ .‬فإن ال سبحانه‬
‫أرسل رسله‪ ،‬وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط‪ ،‬وهو العدل الذي قامت به الرض والسماوات‪ .‬فإن ظهرت‬
‫أمارات العدل‪ ،‬وأسفر وجهه بأي طريق كان‪ :‬فَثّم شرع ال ودينه‪ .‬وال سبحانه أعلم وأحكم وأعدل أن يخص‬
‫طُرق العدل وأماراته وأعلمه بشيء‪ ،‬ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دللة‪ ،‬وأبين أمارة‪ ،‬فل يجعله منها‪،‬‬ ‫ُ‬
‫طُرق‪ :‬أن مقصوده إقامة العدل بين‬ ‫ول يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها‪ .‬بل قد بّين سبحانه بما شرعه من ال ّ‬
‫عباده‪ ،‬وقيام الناس بالقسط‪ :‬فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الّدين‪ ،‬ليست مخالفة له( اهـ‪.‬‬

‫وصدق ابن القيم حين بّين أن العيب ليس في الشريعة‪ ،‬وإنما في الذين يسدون كل باب لرعاية المصالح‪،‬‬
‫والنظر في المقاصد‪ ،‬والتدبر في المآلت والموازنات والولويات‪ ،‬ويضيقون على الناس ما وسع ال عليهم‪،‬‬
‫ويضيعون على المة مصالح كثيرة بسوء َفهمهم وتزمتهم وجمودهم‪.‬‬

‫وفي مقابلهم‪ :‬المَفّرطون المتسيبون الذين ل يقفون عند حدود ال‪ ،‬ول يتقيدون بنصوص القرآن والسنة‪ ،‬وقد‬
‫رأينا في عصرنا منهم الكثير‪ ،‬فهم يزينون للمراء والحكام ما يريدون‪ ،‬ويجعلون الشريعة عجينة لينة في‬
‫أيديهم‪ ،‬يشكلونها بأهوائهم وأهواء سادتهم‪ ،‬كما يحلو لهم‪.‬‬

‫والحق بين تضييع هؤلء‪ ،‬وغلو أولئك‪.‬‬

‫ونعود لنستكمل مقولة ابن القيم‪ ،‬فهو يقول‪:‬‬

‫)فل يقال‪ :‬إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع‪ ،‬بل هي موافقة لما جاء به‪ ،‬بل هي جزء من أجزائه‪.‬‬
‫ونحن نسميها )سياسة( تبعا لمصطلحكم‪ .‬وإنما هي عدل ال ورسوله‪ ،‬ظهر بهذه المارات والعلمات‪.‬‬

‫فقد حبس رسول ال صلى ال عليه وسلم في تهمة]‪.[23‬‬

‫وعاقب في تهمة لما ظهرت أمارات الريبة على المتهم‪.‬‬

‫فمن أطلق كل متهم وحّلفه وخّلى سبيله ‪-‬مع علمه باشتهاره بالفساد في الرض‪ ،‬وكثرة سرقاته‪ ،‬وقال‪ :‬ل آخذه‬
‫إل بشاهدي عدل‪ -‬فقوله مخالف للسياسة الشرعية‪.‬‬

‫وقد منع النبي صلى ال عليه وسلم الغاّل من الغنيمة سهمه‪ ،‬وحّرق متاعه هو وخلفاؤه من بعده]‪.[24‬‬

‫ومنع القاتل من السلب لما أساء شافعه على أمير السرية فعاقب المشفوع له عقوبة للشفيع]‪.[25‬‬

‫وعزم على تحريق بيوت تاركي الجمعة والجماعة]‪.[26‬‬

‫وأضعف الغرم على كاتم الضالة عن صاحبها]‪.[27‬‬

‫عْزمة من عزمات ربنا"]‪.[28‬‬
‫وقال في تاركي الزكاة‪" :‬إنا آخذوها منه وشطر ماله‪َ ،‬‬

‫وأمر بكسر دنان الخمر]‪ ،[29‬وأمر بكسر القدور التي طبخ فيها اللحم الحرام‪ .‬ثم نسخ عنهم الكسر‪ ،‬وأمرهم‬
‫بالغسل]‪.[30‬‬

‫وأمر المرأة التي لعنت ناقتها أن تخلي سبيلها(]‪ [31‬اهـ‪.‬‬

‫إلى غير ذلك مما ثبت بصحاح الحاديث‪ .‬من سياسته صلى ال عليه وسلم‪.‬‬
‫وسلك أصحابه وخلفاؤه من بعده ما هو معروف لمن طلبه‪ ،‬فمن ذلك‪:‬‬

‫حّر النار في الدنيا قبل الخرة‪.‬‬
‫أن أبا بكر رضي ال عنه‪ ،‬حرق اللوطية‪ ،‬وأذاقهم َ‬

‫وحرق عمر بن الخطاب رضي ال عنه‪ ،‬حانوت الخمار بما فيه‪ .‬وحرق قرية يباع فيها الخمر‪.‬‬

‫وحرق قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب في قصره عن الرعية‪.‬‬

‫وحلق عمر رأس نصر بن حجاج‪ ،‬ونفاه من المدينة لتشبيب النساء به]‪.[32‬‬

‫سل على رأسه‪ ،‬لما سأل عما ل يعنيه‪.‬‬
‫ع ْ‬
‫صِبيغ بن ِ‬
‫وضرب َ‬

‫وصادر عماله‪ .‬فأخذ شطر أموالهم لما اكتسبوا بجاه العمل‪ ،‬واختلط ما يختصون به بذلك‪ .‬فجعل أموالهم بينهم‬
‫وبين المسلمين شطرين‪.‬‬

‫وألزم الصحابة أن ُيِقّلوا الحديث عن رسول ال صلى ال عليه وسلم لما اشتغلوا به عن القرآن‪ ،‬سياسة منه‪،‬‬
‫إلى غير ذلك من سياساته التي ساس بها المة رضي ال عنه‪.‬‬

‫ومن ذلك‪ :‬جمع عثمان رضي ال عنه‪ ،‬الناس على حرف واحد من الحرف السبعة التي أطلق لهم رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم القراءة بها‪ ،‬لما كان في ذلك مصلحة‪ ،‬فلما خاف الصحابة رضي ال عنهم‪ ،‬على المة أن‬
‫يختلفوا في القرآن‪ ،‬ورأوا أن جمعهم على حرف واحد أسلم‪ ،‬وأبعد من وقوع الختلف‪ :‬فعلوا ذلك‪ ،‬ومنعوا‬
‫الناس من القراءة بغيره‪.‬‬

‫ومن ذلك‪ :‬تحريق علي رضي ال عنه‪ ،‬الزنادقة الرافضة‪ ،‬وهو يعلم سنة رسول ال صلى ال عليه وسلم في‬
‫قتل الكافر‪ ،‬ولكن لما رأى أمرا عظيما جعل عقوبته من أعظم العقوبات‪ ،‬ليزجر الناس عن مثله‪ .‬ولذلك قال‪:‬‬

‫أججت ناري ودعوت ُقْنبرا‬ ‫لما رأيت المر أمرا منكرا‬

‫مرونة السياسة الشرعية وقابليتها للتطور‪:‬‬

‫ثم قال ابن القيم‪:‬‬

‫)والمقصود‪ :‬أن هذا وأمثاله سياسة جزئية بحسب المصلحة‪ ،‬تختلف باختلف الزمنة‪ ،‬فظنها من ظنها شرائع‬
‫عامة لزمة للمة إلى يوم القيامة‪ .‬ولكل عذر وأجر‪ .‬ومن اجتهد في طاعة ال ورسوله فهو دائر بين الجر‬
‫والجرين‪.‬‬

‫وهذه السياسة التي ساسوا بها المة وأضعاُفها هي من تأويل القرآن والسنة‪ .‬ولكن هل هي من الشرائع الكلية‬
‫التي ل تتغير بتغير الزمنة‪ ،‬أم من السياسات الجزئية التابعة للمصالح‪ ،‬فتتقيد بها زمانا ومكانا؟(]‪ [33‬اهـ‪.‬‬

‫ول ريب أنها سياسات جزئية اقتضتها المصالح في زمانها ومكانها وحالها‪ ،‬فإذا تغّير الزمان أو تبّدل المكان أو‬
‫تطّور الحال‪ :‬وجب النظر في الحكام القديمة في ضوء الظروف الجديدة‪ .‬وهنا يمكن أن تعّدل أو تغير‪ ،‬وفق‬
‫الظروف والمصالح المستحدثة‪ .‬ول يجوز الجمود على القديم‪ ،‬وإن كان من وراء ذلك من الضرر على المجتمع‬
‫والمة ما فيه‪ ،‬بدعوى أنه ليس في المكان أبدع مما كان‪ .‬فالواقع أن في إمكان النسان أن يفعل الكثير‪ ،‬إذا‬
‫توافر له العلم والرادة‪ ،‬ول سيما في عصرنا الذي منح النسان طاقات وقدرات هائلة‪ ،‬لم تدر بخلده من قبل‪.‬‬

‫ومن المعلوم أن ما أقّره ابن القيم في كلمه عن سياسة التعزير بالعقوبات المالية ‪-‬وهو مذهب الحنابلة‪ -‬خالفته‬
‫مذاهب أخرى‪ ،‬وإن كان ما ذكره ابن القيم هو الراجح للدلة التي استند إليها‪.‬‬
‫سَعة ورحمة للمة‪ ،‬بصفة عامة‪ ،‬وفي مجال السياسة بصفة خاصة‪.‬‬ ‫وفي هذا الختلف بين المذاهب والفقهاء َ‬
‫ل لننظر في القوال ونأخذ منها ما نشتهي وما يحلو لنا‪ ،‬دون ترجيح بأي معيار‪ ،‬فهذا ليس إل اّتباعا للهوى‪.‬‬
‫ولكن هذه الثروة الكبيرة تتيح فرصة أوسع للنتقاء‪ ،‬والترجيح بين الراء‪ ،‬واختيار ما هو أليق بتحقيق مقاصد‬
‫الشرع‪ ،‬ومصالح الخلق‪ ،‬التي لجلها نزلت الشريعة‪.‬‬

‫تعقيب عام على السياسة عند الفقهاء‪:‬‬

‫ما ذكرناه في الصحائف السابقة يتعّلق بموقف الفقهاء من مصطلح )السياسة( وتحديد مفهومها‪ ،‬ونظرتهم‬
‫سع ومضّيق‪.‬‬
‫إليها بين مو ّ‬

‫ولكن إذا نظرنا إلى )السياسة( من حيث )المضمون( وهو‪ :‬ما يتعّلق بتدبير أمور الرعية‪ ،‬وأداء الحقوق‬
‫والمانات إليهم‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬فقد تحدث الفقهاء عن ذلك حديثا أطول‪ ،‬بعضه في داخل كتب الفقه في أبواب‬
‫معروفة مثل‪ :‬باب المانة‪ ،‬والقضاء‪ ،‬والحدود‪ ،‬والجهاد‪ ،‬وغيرها‪ .‬وبعضه في كتب خاصة عنيت بموضوعات‬
‫الحكم والسياسة والدارة والمال وغيرها‪ ،‬كما رأينا في كتب معروفة‪ ،‬مثل‪) :‬الحكام السلطانية( لبي الحسن‬
‫الماوردي الشافعي )ت ‪450‬هـ(‪ ،‬ومثله بنفس العنوان لبي يعلى الفراء الحنبلي )ت ‪456‬هـ(‪ ،‬و)غياث المم في‬
‫التياث الظلم( أو )الِغياثي( لمام الحرمين الجويني الشافعي )ت ‪476‬هـ(‪ ،‬و)السياسة الشرعية( لبن تيمية‬
‫حكمية( لبن القيم )ت ‪751‬هـ(‪ ،‬وتبصرة الحكام لبن فرحون المالكي )ت‬ ‫طرق ال ُ‬
‫الحنبلي )ت ‪728‬هـ(‪ ،‬و)ال ّ‬
‫‪799‬هـ(‪ ،‬وتحرير الحكام لبن جماعة )ت ‪819‬هـ(‪ ،‬وُمِعين الحكام للطرابلسي الحنفي )ت ‪844‬هـ( وغير ذلك‬
‫مما ُأّلف ليكون مرجعا للقضاة والحكام‪.‬‬

‫وهناك الكتب التي تتعّلق بسياسة المال خاصة‪ ،‬مثل‪) :‬الخراج( لبي يوسف أكبر أصحاب أبي حنيفة )ت‬
‫‪182‬هـ( صنفه لهارون الرشيد ليسير عليه في سياسته المالية‪ .‬وكذلك )الخراج( ليحيى بن آدم )ت ‪203‬هـ(‪،‬‬
‫و)الموال( لبي عبيد القاسم بن سلم )ت ‪224‬هـ(‪ ،‬وهو أعظم ما ُأّلف في الفقه المالي في السلم‪ .‬و)الموال(‬
‫لبن زنجويه )ت ‪248‬هـ(‪ ،‬و)الستخراج في أحكام الخراج( لبن رجب الحنبلي )ت ‪795‬هـ(‪.‬‬

‫هذا بالضافة إلى ما كتبه العلماء عن السياسة في كتب العقائد أو كتب )علم الكلم( كما كان يسمى‪ ،‬فقد اضطر‬
‫أهل السنة أن يكتبوا عن المامة وشروطها ووظائفها وغير ذلك في كتب العقيدة‪ ،‬لن الشيعة يعتبرون‬
‫)المامة( في مذهبهم من أصول العقيدة‪ ،‬فيتحدثون عنها في كتبها‪ .‬فلهذا خاض علماء أهل السنة في هذا‬
‫الموضوع ليثبتوا موقفهم المخالف في هذه القضية‪ ،‬من حيث إن المام ل يشترط أن يكون من أهل البيت‪ ،‬وإن‬
‫اشترط أكثرهم أن يكون من قريش‪ ،‬وإن المام يختار من المة‪ ،‬وأنه ليس بمعصوم من الخطأ ول الخطيئة‪،‬‬
‫وإنه يؤخذ منه ويرد عليه‪.‬‬

‫كما أن من علماء أهل السنة من تعرض لمر السياسة في كتب )التصوف(‪ ،‬كما رأينا المام أبا حامد الغزالي‬
‫)ت ‪505‬هـ( يتعرض لذلك في موسوعته الشهيرة )إحياء علوم الّدين(‪ ،‬إضافة إلى تعرضه لها في كتب علم‬
‫الكلم مثل )القتصاد في العتقاد(‪.‬‬

‫من ذلك ما كتبه في )كتاب العلم( من الحياء عن الفقه والسياسة‪ ،‬أو العلقة بين الفقيه والسياسي‪ ،‬فهو يجعل‬
‫الفقه من علوم الحياة أو علوم الدنيا‪ ،‬وهنا يذكر أن الناس لو تناولوا أمور الدنيا بالعدل لنقطعت الخصومات‪،‬‬
‫وتعطل الفقهاء! ولكنهم تناولوها بالشهوات‪ ،‬فتولدت منها الخصومات‪ ،‬فمست الحاجة إلى سلطان يسوسهم‪،‬‬
‫واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم به‪.‬‬

‫خلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات‪ ،‬فكان الفقيه معلم‬ ‫)فالفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين ال َ‬
‫خلق وضبطهم‪ ،‬لينتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا‪ .‬ولَعْمِري إنه متعّلق‬ ‫طُرق سياسة ال َ‬
‫السلطان ومرشده إلى ُ‬
‫أيضا بالّدين‪ ،‬لكن ل بنفسه‪ ،‬بل بواسطة الدنيا‪ ،‬فإن الدنيا مزرعة الخرة‪ ،‬ول يتم الّدين إل بالدنيا‪ .‬والُملك‬
‫والّدين توأمان‪ ،‬فالّدين أصل والسلطان حارس‪ ،‬وما ل أصل له فمهدوم‪ ،‬وما ل حارس له فضائع‪ ،‬ول يتم الُملك‬
‫والضبط إل بالسلطان‪ ،‬وطريق الضبط في فصل الحكومات بالفقه(]‪.[34‬‬
‫‪--------------------------------------------------------------------------------‬‬

‫]‪ -[1‬شرح تنقيح الفصول‪ :‬صـ ‪.181‬‬

‫]‪ -[2‬أعتقد أنه يريد ما جوزه من فرض ضرائب على القادرين‪ ،‬إذا خل بيت المال‪ ،‬وأصبحت حاجة الجهاد‬
‫والدفاع تحتم إيجاد موارد للجند المدافعين‪ ،‬حتى ل تتعرض بلد المسلمين كلها للخطر‪ .‬وهو ما ذكره في‬
‫)الغياثي( فقرة رقم )‪ (370‬وما بعدها‪.‬‬

‫]‪ -[3‬شرح تنقيح الفصول‪ :‬صـ ‪.199‬‬

‫]‪ -[4‬لم يذكر لنا إمام الحرمين هنا ول في كتابه الصولي الشهير )البرهان(‪ :‬أين نقل هذا عن مالك‪ ،‬فلم يذكره‬
‫في )الموطأ( ولم يرد في )المدونة(‪ ،‬ول في غيرها من كتب مذهبه‪ ،‬ولم ينقل هذا أحد من العلماء المعروفين‪،‬‬
‫الذين عنوا بنقل أقوال الئمة وفقهاء السلف‪ ،‬مثل‪ :‬عبد الرزاق‪ ،‬وابن أبي شيبة في مصنفيهما‪ ،‬والطحاوي‬
‫والبيهقي في كتبهما‪ .‬وقد أنكر هذا القول علماء المالكية بشدة‪ ،‬كما في منح الجليل شرح مختصر خليل‪ ،‬حيث‬
‫قال‪:‬‬

‫)في التوضيح )أي من كتب المالكية(‪ :‬أبو المعالي )وهو إمام الحرمين قال(‪ :‬المام مالك رضي ال تعالى عنه‪،‬‬
‫كثيرا ما يبني مذهبه على المصالح‪ ،‬وقد نقل عنه قتل ثلث العامة لصلح الثلثين‪ .‬المازري‪ :‬ما حكاه أبو‬
‫المعالي عن مالك صحيح‪ .‬زاد الحطاب بعده عن شرح )المحصول(‪ :‬ما ذكره إمام الحرمين عن مالك لم يوجد‬
‫في كتب المالكية‪.‬‬

‫الُبناني‪ :‬شيخ شيوخنا المحقق محمد بن عبد القادر‪ :‬هذا الكلم ل يجوز أن يسطر في الكتب؛ لئل يغتر به بعض‬
‫ضعفة الطلباء‪ ،‬وهذا ل يوافق شيئا من القواعد الشرعية‪.‬‬

‫الشهاب القرافي‪ :‬ما نقله إمام الحرمين عن مالك‪ :‬أنكره المالكية إنكارا شديدا‪ ،‬ولم يوجد في كتبهم‪ .‬ابن‬
‫الشماع‪ :‬ما نقله إمام الحرمين لم ينقله أحد من علماء المذهب‪ ،‬ولم يخبر أنه رواه نقلته‪ ،‬إنما ألزمه ذلك‪ ،‬وقد‬
‫اضطرب إمام الحرمين في ذكره ذلك عنه‪ ،‬كما اتضح ذلك من كتاب )البرهان(‪ .‬وقول المازري‪ :‬ما حكاه أبو‬
‫المعالي صحيح‪ :‬راجع لول الكلم‪ .‬وهو‪ :‬أنه كثيرا ما يبني مذهبه على المصالح‪ ،‬ل إلى قوله‪ :‬نقل عنه قتل‬
‫الثلث إلخ‪ ،‬أو أنه حمله على تترس الكفار ببعض المسلمين‪ ،‬وقوله‪ :‬مالك يبني مذهبه على المصالح كثيرا‪ :‬فيه‬
‫نظر؛ لنكار المالكية ذلك إل على وجه مخصوص حسبما تقرر في الصول‪ ،‬ول يصح حمله على الطلق‬
‫والعموم حتى يجري في الفتن التي تقع بين المسلمين وما يشبهها‪ .‬وقد أشبع الكلم في هذا شيخ شيوخنا‬
‫العلمة المحقق أبو عبد ال سيدي العربي الفاسي في جواب له طويل‪ ،‬وقد نقلت منه ما قيدته أعله‪ ،‬وهو تنبيه‬
‫مهم تنبغي المحافظة عليه لئل يغتر بما في التوضيح اهـ‪ .‬وأما تأويل "ز" بأن المراد قتل ثلث المفسدين إذا‬
‫تعين طريقا لصلح بقيتهم فغير صحيح‪ ،‬ول يحل القول به‪ ،‬فإن الشارع إنما وضع لصلح المفسدين الحدود‬
‫عند ثبوت موجباتها‪ ،‬ومن لم تصلحه السنة فل أصلحه ال تعالى‪ ،‬ومثل هذا التأويل الفاسد هو الذي يوقع كثيرا‬
‫من الظلمة المفسدين في سفك دماء المسلمين نعوذ بال من شرور الفساد(‪ .‬انظر‪ :‬منح الجليل شرح مختصر‬
‫خليل باب في بيان أحكام الجارة وكراء الدواب وغيرها صـ ‪ .515 ،514‬وانظر‪ :‬كلم إمام الحرمين في البرهان‬
‫)‪.(785 ،783 ،2/733‬‬

‫]‪ -[5‬فقرة‪ .322 ،321 :‬من )غياث المم(‪.‬‬

‫]‪ -[6‬فقرة‪.323 :‬‬

‫]‪ -[7‬فقرة‪.323 :‬‬

‫]‪ -[8‬فقرة‪.324 :‬‬

‫]‪ -[9‬فقرة‪.324 :‬‬

‫]‪ -[10‬فقرة‪.326 :‬‬
‫]‪ -[11‬فقرة‪.332 ،333 :‬‬

‫]‪ -[12‬فقرة‪.334:‬‬

‫]‪ -[13‬انظر‪ :‬تبصرة الحكام في أصول القضية ومناهج الحكام )‪ (152 - 2/150‬طبعة الحلبي‪ .‬مصر‪.‬‬

‫]‪ -[14‬انظر‪ :‬تنقيح الفصول للقرافي صـ ‪.199‬‬

‫]‪ -[15‬إن كان يعني )مفردات القرآن( للراغب الصفهاني‪ ،‬فل توجد فيه مادة )سياسة( ومشتقاتها‪ ،‬لنها ليست‬
‫كلمة قرآنية‪ ،‬كما ذكرنا‪ .‬فل أدري ماذا يعني بـ )المفردات(!‬

‫]‪ -[16‬الدر المنتقى‪ :‬كتاب الحدود )‪ .(1/590‬هامش مجمع النهر‪.‬‬

‫]‪ -[17‬البحر لبن نجيم‪ :‬كتاب الحدود )‪.(5/11‬‬

‫]‪ -[18‬كان في نفسي شيء من فعل سيدنا عمر رضي ال عنه‪ ،‬الذي اشتهر بإقامة العدل‪ ،‬وإنصاف المظلوم‬
‫من ظالمه‪ ،‬ولو كان واليا من ولته‪ .‬فكيف يعاقب رجل ل ذنب له‪ ،‬إل أن ال خلقه جميل‪ ،‬يخرجه من داره‪،‬‬
‫لمجرد أن امرأة ذكرته في شعرها! وإذا كان يخاف منه على نساء المدينة‪ ،‬أفل يخاف منه على نساء البصرة؟‬

‫جح عندي أن أبحث عن سند القصة‪ ،‬فلعلها ‪-‬رغم شهرتها‪ -‬لم تثبت بطريق صحيح على منهج المحدثين‪.‬‬ ‫ثم تر ّ‬
‫وبعد الرجوع إلى أسانيد القصة‪ُ :‬وجد أن أصح طرقها لم يروها أحد شاهدها أو عاصرها من الصحابة أو‬
‫التابعين‪ ،‬كما أنها لم ترو بسند صحيح متصل‪ .‬وقد روى القصة اثنان من التابعين‪:‬‬

‫الول‪ :‬الشعبي‪) ،‬رواها أبو نعيم في الحلية‪ ،(4/322 :‬وقد مات عمر وعمره أربع سنوات‪ ،‬ولذا قال الذهبي‬
‫وغيره‪ :‬لم يسمع من عمر‪ ،‬على أن السند إلى الشعبي فيه عدد من الضعفاء‪ ،‬حتى إن منهم من اتهم بالكذب!‬
‫والثاني‪ :‬عبد ال بن بريدة‪) ،‬رواها ابن سعد في الطبقات‪ ،(3/285 :‬وهو لم يشهد القصة أيضا‪ ،‬فقد مات عمر‬
‫وهو في السابعة من عمره‪ ،‬ولذا قالوا‪ :‬لم يسمع من عمر‪ .‬على أن ابن بريدة ذاته كان في نفس المام أحمد‬
‫منه شيء‪ ،‬وبعض من روى عنه فيه كلم كثير‪.‬‬

‫وهناك طرق أخرى كلها أضعف من هاتين الطريقين‪ ،‬رواها ابن عساكر‪ ،‬ولهذا لم نذكرها‪.‬‬

‫وبهذا لم تثبت هذه القصة بسند تقوم به الحجة‪ ،‬وتصبح من المسلمات التاريخية‪ ،‬وتحسب على المام العادل‬
‫عمر بن الخطاب رضي ال عنه‪.‬‬

‫]‪ -[19‬انظر‪ :‬حاشية ابن عابدين جـ ‪ 12‬صـ ‪ 52 – 49‬طبعة دار الثقافة والتراث‪ .‬دمشق سورية‪ .‬بتحقيق د‪.‬‬
‫حسام الدين فرفور‪.‬‬

‫]‪ -[20‬وذلك لما أدخل بعض الصحابة في مصاحفهم تفسير بعض الكلمات‪ ،‬ثم أخذ القراء ينقلون هذه‬
‫سر‪ ،‬جمع عثمان المصاحف كلها وأحرقها بموافقة الصحابة‪،‬‬ ‫سر من الُمَف ّ‬
‫المصاحف‪ ،‬وبعضهم ل يفرق الُمَف ّ‬
‫وكتب المصحف المام‪ .‬وألزم الناس أل يأخذوا إل عنه‪.‬‬

‫]‪ -[21‬هو غلم علي رضي ال عنه‪ ،‬وانظر‪ :‬التمهيد لبن عبد البر‪ ،5/318 :‬وتاريخ دمشق‪.42/476 :‬‬

‫]‪ -[22‬المعروف في ذلك أن يقال‪ :‬كلتا الطائفتين‪ .‬كما قال ال تعالى‪ } :‬كلتا الجنتين آتت أكلها{ ]الكهف‪.[33:‬‬

‫]‪ -[23‬إشارة إلى حديث‪" :‬أن النبي حبس رجل في تهمة"‪ ،‬وقد رواه أحمد في المسند )‪ (20019‬عن معاوية‬
‫ابن حيدة‪ ،‬وقال محققوه‪ :‬إسناده حسن‪ ،‬وأبو داود في القضية )‪ ،(3630‬والترمذي في الديات )‪ ،(1417‬وقال‪:‬‬
‫حديث حسن‪ ،‬والنسائي في قطع السارق )‪ ،(4875‬والحاكم في المستدرك كتاب الحكام )‪ ،(4/114‬وقال‪:‬‬
‫صحيح السناد ولم يخرجاه‪ ،‬وعند أحمد والنسائي‪" :‬حبس ناسا"‪.‬‬
‫]‪ -[24‬إشارة إلى حديث‪" :‬إذا وجدتم الرجل قد غّل فأحرقوا متاعه واضربوه"‪ ،‬وقد رواه أبو داود في الجهاد )‬
‫‪ (2713‬عن عمر‪ ،‬والترمذي في الحدود )‪ ،(1461‬وقال‪ :‬حديث غريب‪ ،‬والحاكم في المستدرك كتاب الجهاد )‬
‫‪ (2/138‬وقال‪ :‬حديث صحيح السناد ولم يخرجاه‪ ،‬والبيهقي في الكبرى كتاب السير )‪ (9/102‬وضعفه‪ ،‬وأبو‬
‫يعلى في المسند )‪.(1/180‬‬

‫]‪ -[25‬إشارة إلى حديث‪ :‬قتل رجل من حمير رجل من العدو فأراد سلبه‪ ،‬فمنعه خالد بن الوليد وكان واليا‬
‫عليهم‪ ،‬فأتى رسول ال عوف بن مالك فأخبره‪ ،‬فقال لخالد‪" :‬ما منعك أن تعطيه سلبه؟" قال‪ :‬استكثرته يا‬
‫رسول ال‪ .‬قال‪" :‬ادفعه إليه"‪ .‬فمر خالد بعوف فجر بردائه‪ ،‬ثم قال‪ :‬هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول ال‬
‫صلى ال عليه وسلم؟ فسمعه رسول ال فاستغضب‪ ،‬فقال‪" :‬ل تعطه يا خالد ل تعطه يا خالد‪ ،‬هل أنتم تاركون‬
‫لي أمرائي؟ إنما أنا مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعى إبل أو غنما فرعاها‪ ،‬ثم تحين سقيها فأوردها حوضا‬
‫فشرعت فيه فشربت صفوه وتركت كدره‪ ،‬فصفوه لكم وكدره عليهم"‪ ،‬وقد رواه مسلم في الجهاد والسير )‬
‫‪ (1753‬عن عوف بن مالك‪ ،‬وأحمد في المسند )‪.(23987‬‬

‫]‪ -[26‬إشارة إلى حديث‪" :‬لقد هممت أن آمر بالصلة فتقام‪ ،‬ثم أخالف إلى منازل قوم ل يشهدون الصلة‪،‬‬
‫فأحرق عليهم"‪ ،‬وقد رواه البخاري في الخصومات )‪ (2420‬عن أبي هريرة‪ ،‬ومسلم في المساجد ومواضع‬
‫الصلة )‪ ،(651‬وأبو داود في الصلة )‪ ،(549‬والترمذي في الصلة )‪ ،(217‬والنسائي في المامة )‪.(848‬‬

‫]‪ -[27‬إشارة إلى حديث‪" :‬ضالة البل المكتومة غرامتها ومثلها معها"‪ ،‬وقد رواه أبو داود في اللقطة )‬
‫‪ (1718‬عن أبي هريرة‪ ،‬وعبد الرزاق في المصنف كتاب اللقطة )‪ ،(10/129‬والبيهقي في الكبرى كتاب اللقطة‬
‫)‪ ،(6/191‬وصححه اللباني في صحيح أبي داود )‪.(1511‬‬

‫]‪ -[28‬رواه أحمد في المسند )‪ (20053‬عن معاوية بن حيدة‪ ،‬وقال محققوه‪ :‬إسناده حسن‪ ،‬وأبو داود في‬
‫الزكاة )‪ (1575‬والنسائي في الزكاة )‪ (2444‬والحاكم في المستدرك كتاب الزكاة )‪ (1/554‬وقال‪ :‬حديث صحيح‬
‫السناد ولم يخرجاه‪.‬‬

‫]‪ -[29‬إشارة إلى حديث‪" :‬أهرق الخمر واكسر الدنان"‪ ،‬وقد رواه الترمذي في البيوع )‪ (1293‬عن أبي‬
‫طلحة‪ ،‬والطبراني في الكبير )‪ ،(5/99‬والدارقطني في السنن كتاب الشربة وغيرها )‪ ،(4/265‬وحسنه اللباني‬
‫في صحيح الترمذي )‪.(1039‬‬

‫]‪ -[30‬إشارة إلى حديث‪ :‬أن النبي رأى نيرانا توقد يوم خيبر قال‪" :‬على ما توقد هذه النيران؟" قالوا‪ :‬على‬
‫الحمر النسية‪ .‬قال‪" :‬اكسروها وأهرقوها" قالوا‪ :‬أل نهريقها ونغسلها؟ قال‪" :‬اغسلوا"‪ ،‬وقد رواه البخاري‬
‫في المظالم )‪ (2477‬عن سلمة بن الكوع‪ ،‬ومسلم في الجهاد والسير )‪.(1802‬‬

‫]‪ -[31‬إشارة إلى حديث‪ :‬بينما رسول ال في بعض أسفاره‪ ،‬وامرأة من النصار على ناقة فضجرت فلعنتها‪،‬‬
‫فسمع ذلك رسول ال فقال‪" :‬خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة"‪ ،‬وقد رواه مسلم في البر والصلة والداب‬
‫)‪ (2595‬عن عمران بن حصين‪ ،‬وأحمد في المسند )‪ ،(19870‬وأبو داود في الجهاد )‪.(2561‬‬

‫]‪ -[32‬سبق الكلم عن سند هذه القصة وما في النفس منها‪.‬‬

‫]‪ -[33‬انظر‪ :‬الطرق الحكمية صـ ‪ 50 – 41‬طبعة المكتب السلمي ببيروت‪ ،‬وانظر‪ :‬إعلم الموقعين )‪- 4/372‬‬
‫‪ (375‬طبعة مطبعة السعادة بمصر‪ .‬بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد‪.‬‬

‫]‪ -[34‬انظر‪ :‬الحياء )‪ (1/17‬طبعة دار المعرفة‪ .‬بيروت‪.‬‬

‫السياسة عند الحكماء)الفلسفة(‬
‫وكما عني علماء السلم ‪-‬من فقهاء وأصوليين ومتكلمين‪ -‬بأمر السياسة‪ ،‬وتحدثوا عنها‪ :‬عني بها الفلسفة‬
‫شائية المنسوبة‬‫شائي )نسبة إلى المدرسة الم ّ‬
‫والحكماء]‪ ،[1‬من أمثال أبي نصر الفارابي الفيلسوف الم ّ‬
‫لرسطو(‪ ،‬الذي لّقبه أهل الفلسفة بالمعلم الثاني )ت ‪339‬هـ(‪ ،‬حيث لّقبوا )أرسطو( بـ)المعلم الول( ‪ ...‬وله في‬
‫الفلسفة كتابه المعروف )آراء أهل المدينة الفاضلة(‪ .‬وهو شبيه بكتاب )أفلطون( الشهير )جمهورية‬
‫أفلطون(‪ ،‬ورسالتا )تحصيل السعادة( و)رسالة السياسة( وكتاب )الفصول المدنية(‪ ،‬وقد أطلق عليه بعض‬
‫سع في تناول هذا الموضوع]‪.[2‬‬ ‫الباحثين )أبو الفلسفة السياسية السلمية(‪ ،‬لنه أول فيلسوف إسلمي تو ّ‬

‫وبعده الفيلسوف الكبير أبو علي ابن سينا )ت ‪428‬هـ(‪ ،‬الذي تأثر بالفارابي وفكره‪ ،‬ولكنه لم يفرد لـ)السياسة(‬
‫بحثا كافيا‪ ،‬شأنه في القضايا الخرى‪ ،‬لكنه قّدم مجموعة آراء موّزعة في كتابه )الشفاء( تعكس صورا من‬
‫العصر الذي عاش فيه‪.‬‬

‫والسياسة عند ابن سينا تعني‪ :‬حسن التدبير وإصلح الفساد‪ .‬ويرى أن الملوك هم أحق الناس بإتقانها ‪ ...‬لكنه‬
‫يرى أن السياسة ليست محصورة في الملك وأصحاب السلطان‪ ،‬فكل إنسان بطبيعته في حاجة إلى السياسة‬
‫مهما كان مركزه الجتماعي‪.‬‬

‫خرجه ‪ ...‬سياسة الرجل أهله ‪ ...‬سياسة الرجل‬
‫ولهذا تحدث عن سياسة الرجل نفسه ‪ ...‬سياسة الرجل دخله و َ‬
‫ولده ‪ ...‬سياسة الرجل خدمه‪.‬‬

‫شائية السلمية‪ ،‬ينطلقون من نظرة فلسفية عقلية‪ ،‬متأثرة بالفلسفة‬
‫وعلى كل حال‪ ،‬فإن فلسفة المدرسة الم ّ‬
‫اليونانية‪ ،‬وخصوصا‪ :‬المدرسة الرسطية‪ .‬ولم نجد عندهم ثقافة إسلمية تربطهم بالشريعة ومصادرها‪،‬‬
‫أصولها ومقاصدها‪.‬‬

‫إل ما كان عند الفيلسوف العملق‪ :‬أبي الوليد ابن رشد الحفيد )ت ‪595‬هـ(‪ ،‬فهو حين تحدث في السياسة اعتمد‬
‫على الشريعة منطلقا له‪ ،‬باعتباره رجل جمع بين الفقه والفلسفة‪ ،‬أو بين الشريعة والحكمة‪ ،‬على حد تعبيره]‬
‫‪.[3‬‬

‫السياسة عند الفلسفة الخلقيين‪:‬‬

‫وهناك نوع من الحكماء ‪ -‬وإن شئنا قلنا‪ :‬الفلسفة ‪ -‬يتميزون بالنظر الفلسفي العميق‪ ،‬الموصول بالشريعة‪،‬‬
‫وبالكتاب والسنة‪ ،‬والوامر والنواهي‪ ،‬وإن لم يخل من تأثر بالمصدر اليوناني‪.‬‬

‫وأذكر من هؤلء اثنين‪:‬‬

‫أولهما‪ :‬الفيلسوف الخلقي الشهير‪ :‬مسكويه‪ ،‬أو ابن مسكويه كما يقال أحيانا‪ ،‬الذي رأينا في كتابه )تهذيب‬
‫الخلق وتطهير العراق( ‪-‬وهو كتاب في فلسفة الخلق‪ -‬استمدادا من الّدين‪ ،‬واتصال به في بعض الحيان‪،‬‬
‫كقوله عن الُملك‪:‬‬

‫)والقائم بحفظ هذه السنة وغيرها من وظائف الشرع حتى ل تزول عن أوضاعها هو المام‪ ،‬وصناعته هي‬
‫صناعة الُملك‪ ،‬والوائل ل يسمون بالملك إل من حرس الّدين وقام بحفظ مراتبه وأوامره وزواجره‪ .‬وأما من‬
‫أعرض عن ذلك فيسمونه متغلًبا‪ ،‬ول يؤهلونه لسم الملك‪ .‬وذلك أن الّدين هو وضع إلهي يسوق الناس‬
‫باختيارهم إلى السعادة القصوى‪ ،‬والُملك هو حارس هذا الوضع اللهي حافظ على الناس ما أخذوا به‪.‬‬

‫وقد قال حكيم الفرس وَمِلكهم أزدشير‪ :‬إن الّدين والُمْلك أخوان توأمان‪ ،‬ل يتم أحدهما إل بالخر‪ ،‬فالّدين أ ّ‬
‫س‬
‫س له فمهدوم‪ ،‬وكل ما ل حارس له فضائع(]‪.[4‬‬ ‫والُملك حارس‪ ،‬وكل ما ل أ ّ‬

‫وأما الحكيم الخر‪ :‬فهو أقرب إلى الّدين منه إلى الفلسفة‪ ،‬وإن كان في نظراته عمق الفيلسوف الصيل‪ ،‬ولكنه‬
‫فيلسوف ديني‪ ،‬تصدر أفكاره معّبرة عن الثقافة السلمية‪.‬‬

‫ضل المعروف بـ)الراغب الصفهاني( صاحب كتاب )مفردات القرآن(‬ ‫ذلك هو المام الحسن بن محمد بن المف ّ‬
‫‪-‬المعترف بفضله وقدره في )علوم القرآن(‪ -‬وكتاب )تفصيل النشأتين( وغيرهما‪.‬‬
‫وقد تحّدث عن )السياسة( في كتابه الفريد )الذريعة إلى مكارم الشريعة(‪ ،‬وهو أيضا كتاب في فلسفة الخلق‪،‬‬
‫التي سماها )مكارم الشريعة(‪ .‬قال رحمه ال‪:‬‬

‫)والسياسة ضربان‪ :‬أحدهما‪ :‬سياسة النسان نفسه وبدنه وما يختص به‪.‬‬

‫والثاني‪ :‬سياسة غيره من ذويه وأهل بلده‪ ،‬ول يصلح لسياسة غيره َمن ل يصلح لسياسة نفسه‪ ،‬ولهذا ذّم ال‬
‫شح لسياسة غيره‪ ،‬فأمر بالمعروف ونهى عن المكر‪ ،‬وهو غير مهذب في نفسه‪ ،‬فقال‪َ} :‬أَتْأُمُرو َ‬
‫ن‬ ‫تعالى من تر ّ‬
‫ن{ ]البقرة‪.[44:‬‬
‫ب َأَفل َتْعِقُلو َ‬
‫ن اْلِكَتا َ‬
‫سُكْم َوَأْنُتْم َتْتُلو َ‬
‫ن َأْنُف َ‬
‫سْو َ‬
‫س ِباْلِبّر َوَتْن َ‬
‫الّنا َ‬

‫ن{ ]الصف‪:‬‬
‫ن َتُقوُلوا َما ل َتْفَعُلو َ‬
‫ل َأ ْ‬
‫عْنَد ا ِّ‬
‫ن * َكُبَر َمْقتًا ِ‬ ‫ن َما ل َتْفَعُلو َ‬ ‫ن آَمُنوا ِلَم َتُقوُلو َ‬ ‫وقال تعالى‪َ} :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫ضّل ِإَذا اْهَتَدْيُتْم { ]المائدة‪ ،[105 :‬أي‬ ‫ن َ‬‫ضّرُكْم َم ْ‬ ‫سُكْم ل َي ُ‬‫عَلْيُكْم َأْنُف َ‬
‫ن آَمُنوا َ‬ ‫‪ ،[3،2‬وقال تعالى‪َ} :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫هّذبوها قبل الّترشح لتهذيب غيركم‪.‬‬

‫وبهذا النظر قيل‪ :‬تفقهوا قبل أن تسودوا]‪ ،[5‬تنبيها أنكم ل تصلحون للسيادة قبل معرفة الفقه والسياسة‬
‫العامة‪ ،‬ولن السائس يجري من المسوس مجرى ذي الظل من الظل‪ ،‬ومن المحال أن يستوي الظل وذو الظل‬
‫ن آَمُنوا ل َتّتِبُعوا‬
‫أعوج‪ ،‬ولستحالة أن يهتدي المسوس مع كون السائس ضال‪ ،‬قال تعالى‪َ} :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫شاِء َواْلُمْنَكِر{ ]النور‪ ،[26:‬فحكم أنه محال أن‬ ‫ح َ‬
‫ن َفِإّنُه َيْأُمُر ِباْلَف ْ‬
‫طا ِ‬
‫شْي َ‬
‫ت ال ّ‬
‫طَوا ِ‬
‫خُ‬
‫ن َيّتِبْع ُ‬
‫ن َوَم ْ‬
‫طا ِ‬
‫شْي َ‬
‫ت ال ّ‬
‫طَوا ِ‬
‫خُ‬‫ُ‬
‫يكون مع اتباع الشيطان يأمر إل بالفحشاء والمنكر‪.[6](...‬‬

‫السياسة عند فيلسوف الجتماع ابن خلدون‪:‬‬

‫ول بد لنا هنا أن ُنعّرج على رأي فيلسوف الجتماع‪ ،‬بل مؤسس علم الجتماع في الحقيقة‪ :‬عبد الرحمن بن‬
‫خلدون )ت ‪808‬هـ(‪ ،‬الذي أثبته في مقدمته‪ ،‬وهو أثر الّدين عند العرب في إقامة الُملك وتثبيته‪ ،‬مع سوء رأيه‬
‫في العرب‪ ،‬وأنهم أقرب إلى الّتوحش منهم إلى العمران والحضارة]‪ ،[7‬ومع هذا قّرر‪ :‬أن العرب ل يحصل لهم‬
‫الملك إل بصفة دينية‪ ،‬من نبوة أو ولية )ل( أو أثر عظيم من الّدين على الجملة‪.‬‬

‫ب المم انقياًدا بعضهم لبعض للغلظة واَلَنَفة‪ ،‬وُبعد‬ ‫خُلق الّتوحش الذي فيهم‪ ،‬أصع ُ‬ ‫قال‪) :‬والسبب في ذلك‪ :‬أنهم ل ُ‬
‫الهّمة والمنافسة في الّرياسة؛ فقّلما تجتمع أهواؤهم‪ .‬فإذا كان الّدين بالنبوة أو الولية )أي الولية ل بالتقوى(‪،‬‬
‫خُلق الِكبر والمنافسة منهم‪ ،‬فسُهل انقيادهم واجتماعهم‪ ،‬وذلك بما يشملهم‬ ‫كان الوازع لهم من أنفسهم‪ ،‬وذهب ُ‬
‫من الّدين الُمْذِهب للِغلظة واَلَنَفة‪ ،‬والوازع عن الّتحاسد والّتنافس‪ .‬فإذا كان فيهم الّنبي أو الَوِلي الذي يبعثهم‬
‫على القيام بأمر ال‪ ،‬وُيذهب عنهم مذمومات الخلق ويأخذهم بمحمودها‪ ،‬ويؤّلف كلمتهم لظهار الحق‪ ،‬تّم‬
‫عَوج‬ ‫اجتماعهم‪ ،‬وحصل لهم الّتغلب والُملك‪ .‬وهم مع ذلك أسرع الناس َقبول للحق والُهدى لسلمة طباعهم من ِ‬
‫خُلق الّتوحش القريب المعاناة‪ ،‬الُمتهّيئ لَقبول الخير‪،‬‬
‫الَمَلكات‪ ،‬وبراءتها من ذميم الخلق‪ ،‬إل ما كان من ُ‬
‫ببقائه على الفطرة الولى‪ ،‬وُبعده عّما ينطبع في النفوس من قبيح العوائد وسوء الَمَلكات فإن كل مولود يولد‬
‫على الفطرة]‪ ،[8‬كما ورد في الحديث(]‪.[9‬‬

‫كما عقد ابن خلدون فصل أّكد فيه‪ :‬أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت‬
‫لها من عددها‪ .‬قال‪) :‬والسبب في ذلك ‪-‬كما قدمناه‪ :‬أن الصبغة الّدينية تذهب بالّتنافس والّتحاسد الذي في أهل‬
‫العصبية‪ ،‬وُتفرد الوجهة إلى الحق‪ .‬فإذا حصل لهم الستبصار في أمرهم‪ :‬لم يقف لهم شيء؛ لن الوجهة‬
‫واحدة‪ ،‬والمطلوب متساٍو عندهم‪ ،‬وهم مستميتون عليه‪ ،‬وأهل الّدولة التي هم طالبوها ‪-‬إن كانوا أضعافهم‪-‬‬
‫فأغراضهم متباينة بالباطل‪ ،‬وتخاذلهم ِلَتقّية الموت حاصل‪ ،‬فل ُيقاومونهم وإن كانوا أكثر منهم‪ ،‬بل يغلبون‬
‫عليهم‪ ،‬وُيعاجلهم الفناء بما فيهم من الترف والّذل كما قدمناه‪.‬‬

‫وهذا كما وقع للعرب صدر السلم في الفتوحات‪ .‬فكانت جيوش المسلمين بالقادسية واليرموك بضعة وثلثين‬
‫ألفا في كل معسكر‪ ،‬وجموع فارس مائة وعشرين ألفا بالقادسية‪ ،‬وجموع ِهَرقل ‪-‬على ما قاله الواقدي‪-‬‬
‫أربعمائة ألف! فلم يقف للعرب أحد من الجانبين‪ ،‬وهزموهم وغلبوهم على ما بأيديهم‪.‬‬
‫واعتبْر ذلك أيضا في دولة َلْمُتونة ودولة الموحدين‪ .‬فقد كان بالمغرب من القبائل كثير مّمن يقاومهم في العدد‬
‫شف]‪ [10‬عليهم‪ ،‬إل أن الجتماع الّديني )عند الموحدين( ضاعف قوة عصبيتهم بالستبصار‬ ‫والعصبية أو َي ِ‬
‫والستماتة كما قلناه‪ ،‬فلم يقف لهم شيء(]‪.[11‬‬

‫شغل ابن خلدون بالسياسة الواقعية‪ ،‬ولم يحلق وراء الطوبويات كجمهورية أفلطون أو مدينة الفارابي‪ ،‬وعني‬
‫باكتشاف القوانين الطبيعية التي تحكم المم والمجتمعات‪ ،‬والتي سماها )طبائع العمران(‪ ،‬فهو أبو علم‬
‫)العمران السياسي( أو علم )الجتماع السياسي(‪ ،‬وهو باعتراف الغربيين أنفسهم أول من كتب في هذا العلم‪،‬‬
‫حتى ذكر الشيخ رفاعة الطهطاوي في كتابه )تخليص البريز إلى تلخيص باريز( أنه سمع العلماء في فرنسا‬
‫حين إقامته في النصف الول من القرن التاسع عشر يدعون ابن خلدون )منتسكيو الشرق أو السلم( ويسمون‬
‫منتسكيو )ابن خلدون الفرنج(‪ ،‬ول غرو أن ُأطلق عليه‪ :‬رائد علم الجتماع السياسي الحديث]‪.[12‬‬

‫‪--------------------------------------------------------------------------------‬‬

‫]‪ -[1‬كان المسلمون قديما يعبرون عن الفلسفة بالحكمة‪ ،‬وعن الفلسفة بالحكماء‪ ،‬وقد قالوا‪ :‬الفلسفة معناها‪:‬‬
‫حب الحكمة‪ ،‬ولهذا أّلف الفارابي كتابا يوفق فيه بين آراء الحكيمين‪ :‬أفلطون وأرسطو‪.‬‬

‫]‪ -[2‬انظر‪ :‬علم السياسة‪ :‬د‪ .‬حسن صعب دار العلم للمليين بيروت صـ ‪ 84‬وما بعدها‪.‬‬

‫]‪ -[3‬انظر‪ :‬ما كتبته )موسوعة العلوم السياسية( الكويتية عن هؤلء الثلثة‪ :‬الفارابي وابن سينا وابن رشد‬
‫في الفقرات‪ 122 :‬صـ ‪ ،182 – 180‬و ‪ 123‬صـ ‪ 136 ،184 – 182‬صـ ‪ ،207 – 204‬وانظر‪ :‬علم السياسة‬
‫لحسن صعب صـ ‪.87 -84‬‬

‫]‪ -[4‬انظر‪ :‬تهذيب الخلق صـ ‪ 129‬من منشورات مكتبة الحياة‪ .‬بيروت‪ .‬طبعة ثانية‪ ،‬ويلحظ أن عبارة‬
‫أزدشير‪ :‬قد اقتبسها المام الغزالي وأودعها كتابه إحياء علوم الدين )‪ (1/17‬طبعة دار المعرفة‪ .‬بيروت‪.‬‬

‫]‪ -[5‬رواه البخاري معلقا بصيغة الجزم في العلم باب الغتباط في العلم والحكمة عن عمر موقوفا‪ ،‬وابن أبي‬
‫شيبة في المصنف كتاب الدب )‪ ،(5/284‬والدارمي في المقدمة )‪ ،(250‬والبيهقي في الشعب )‪.(2/253‬‬

‫]‪ -[6‬انظر‪) :‬الذريعة إلى مكارم الشريعة( للراغب الصفهاني بتحقيق د‪ .‬أبو اليزيد العجمي صـ ‪ 93 ،92‬طبعة‬
‫دار الوفاء‪ .‬مصر‪.‬‬

‫حاثة الكبير د‪ .‬علي عبد الواحد وافي رحمه ال في تحقيقه للمقدمة‪ ،‬وتقديمه لها‪ :‬أن المراد‬
‫]‪ -[7‬يرى الب ّ‬
‫بالعرب عند ابن خلدون‪ ،‬هم‪ :‬البدو‪ ،‬ودّلل على ذلك من أقوال ابن خلدون نفسه في المقدمة‪ ،‬فليراجع‪ .‬المقدمة‬
‫طبعة دار البيان العربي‪.‬‬

‫جون البهيمة‪،‬‬ ‫]‪ -[8‬إشارة إلى حديث‪" :‬ما من مولود إل يولد على الفطرة‪ ،‬فأبواه يهودانه وينصرانه‪ ،‬كما َتْنِت ُ‬
‫هل تجدون فيها من جدعاء؟ ‪ ،"...‬وقد رواه البخاري في القدر )‪ (6599‬عن أبي هريرة‪ ،‬ومسلم في القدر )‬
‫‪ ،(2658‬وأحمد في المسند )‪ ،(8179‬والترمذي في القدر )‪ ،(2138‬وأبو داود في السنة )‪.(4714‬‬

‫]‪ -[9‬مقدمة ابن خلدون صـ ‪ 160‬طبع مؤسسة الرسالة ناشرون‪ .‬دمشق – بيروت‪.‬‬

‫ف‪.‬‬
‫شَف َ‬
‫ف‪ :‬يزيد )القاموس المحيط‪ :‬صـ ‪َ :(1066‬‬
‫]‪ -[10‬يش ّ‬

‫]‪ -[11‬المقدمة صـ ‪.167‬‬

‫]‪ -[12‬انظر‪ :‬علم السياسة لحسن صعب صـ ‪.90 – 87‬‬

‫السياسة عند الغربيين‬
‫ول بد لنا هنا لنستكمل الحديث عن السياسة‪ :‬أن نتحدث ‪-‬لو بإيجاز‪ -‬عن السياسة عند الغربيين‪ ،‬فقد أمسى‬
‫صا في عصر التفّرد المريكي‪ ،‬وأضحت ثقافة الغرب هي‬ ‫الغرب هو الُمهيمن على عالمنا المعاصر‪ ،‬وخصو ً‬
‫الثقافة التي تريد أن تفرض نفسها على العالم‪ ،‬وأن تكون هي وحدها )الثقافة الكونية(‪.‬‬

‫ونحن ل نستطيع أن نتجاهل هذا أو ُنغفله‪ ،‬وإن كنا نرفض سياسة الهيمنة‪ ،‬وثقافة الهيمنة‪ ،‬ونؤمن بالتنوع‬
‫والتعّددية في كل المور‪ :‬التعّددية الِعرقية‪ ،‬والتعّددية اُللغوية‪ ،‬والتعّددية الّدينية‪ ،‬والتعّددية السياسية‪.‬‬

‫وعلى أية حال‪ ،‬شئنا أم أبينا‪ ،‬ل زالت جامعاتنا ومؤسساتنا الثقافية والفكرية متأثرة بالغرب‪ ،‬ول زالت مصادر‬
‫أساتذتنا ومثقفينا غربية في معظمها‪.‬‬

‫وفي جميع دراساتنا النسانية والجتماعية ‪-‬ول سيما السياسية‪ -‬نأخذ عن الغرب‪ ،‬وقّل منا َمن يقف موقف‬
‫النقد والتحليل‪ ،‬بحيث يأخذ وَيَدع‪ ،‬وينتقي ويترك‪ ،‬تبًعا لمعاييره هو‪ ،‬ومعايير أمته وحضارته‪ ،‬ل معايير الغرب‬
‫وحضارته‪.‬‬

‫الُمهم هنا‪ ،‬أن ُنعّرف‪ :‬ما هو مفهوم السياسة عند الغربيين؟‬

‫هنا نجد تعريفات كثيرة لكلمة )السياسة( تختلف باختلف التجاهات وزوايا الرؤى‪ :‬فالسياسة عند الليبراليين‪،‬‬
‫خِليين‪ ،‬والسياسة عند دعاة المذهب الفردي‪ ،‬غيرها عند دعاة المذهب الجماعي‪ ،‬والسياسة عند‬ ‫غيرها عند الَتَد ُ‬
‫دعاة القتصاد الحر‪ ،‬أو اقتصاد السوق‪ ،‬غيرها عند الماركسيين أو دعاة التخطيط المركزي وسيطرة الدولة‬
‫على النتاج والتوزيع‪.‬‬

‫السياسة عند رجال الّدين الجامدين الذين يرون مقاومة المراض والوبئة‪ :‬مقاومة لرادة ال‪ ،‬غير السياسة‬
‫عند الطباء ورجال الصحة الذين يرون توفير الصحة العامة‪ ،‬والدوية وما يتصل بها لكل مريض‪.‬‬

‫السياسة عند دعاة الّدين والِقَيم الخلقية الذين ل يبيحون الجهاض بإطلق‪ ،‬ول يرون إشاعة الفاحشة في‬
‫سحاق‪ ،‬غير السياسة عند الذين يطلقون العنان للشهوات والغرائز الدنيا‪ ،‬لتقود‬
‫المجتمع من الزنى واللواط وال ّ‬
‫النسان‪ ،‬وَتحُكم الحياة‪ ،‬حتى إنهم يباركون الزواج المثلي‪ ،‬ويؤيدون الُعري والشذوذ‪ ،‬مّما ترفضه كل الديان‬
‫الكتابية‪ .‬ولهذا تفاوتت التعريفات للسياسة عند كل فريق‪.‬‬

‫نذكر هنا نماذج من هذه التعريفات‪:‬‬

‫قول هانس مورغنتاو‪) :‬السياسة‪ :‬صراع من أجل القوة والسيطرة]‪.(![1‬‬

‫قول هارولد لسويل‪) :‬السياسة هي‪ :‬السلطة أو النفوذ‪ ،‬الذي يحّدد‪َ :‬من يحصل على ماذا؟ ومتى؟ وكيف؟(]‪.[2‬‬

‫سلطة في المجتمع‪ ،‬وعلى دراسة ُأسسها‪ ،‬وعملية‬
‫وقول وليم روبسون‪) :‬إن علم السياسة يقوم على دراسة ال ُ‬
‫ممارستها وأهدافها ونتائجها(]‪.[3‬‬

‫صحيح أنه يتكلم عن )علم السياسة( ل عن السياسة‪ ،‬ولكن نفهم من موضوع العلم مفهوم السياسة التي‬
‫يعالجها‪.‬‬

‫فكل هذه التعريفات تدور حول )السلطة( والقوة والسيطرة‪.‬‬

‫ويسأل جان باري دانكان في الفصل الثاني من كتابه )علم السياسة( سؤال أساسيا‪ :‬ما هي السياسة؟‬

‫ويجيب الكاتب عن السؤال بتفصيل وتحليل وتعميق‪ ،‬استغرق )‪ (32‬صفحة‪ ،‬وكان مما قاله‪) :‬إن هناك‬
‫استعمالت نوعية لكلمة السياسة‪ ،‬واستعمالت غير نوعية(‪.‬‬

‫ويعني بغير النوعية‪ :‬تلك التي من السهل أن تستبدل فيه كلمة سياسة بمرادفاتها‪ ،‬ويذكر هنا ثلثة استعمالت‪:‬‬
‫)الول‪ :‬أن كلمة )سياسة( تعادل تقريبا كلمة )الدارة(‪ ،‬وخصوصا المور الجزئية‪ ،‬مثل سياسة النقل‪ ،‬وسياسة‬
‫الطاقة‪ ،‬وسياسة صناعة السيارات‪ ،‬ونحوها‪.‬‬

‫الستعمال الثاني‪ :‬كلمة السياسة ُتعادل كلمة )الستراتيجية( مثل‪ :‬سياسة الحزب‪ ،‬أو سياسة النقابة‪ ،‬أو سياسة‬
‫الحكومة ‪ ...‬إلخ‪.‬‬

‫والستعمال الثالث‪ :‬تتضّمن كلمة السياسة ِقيمة تحقيرية بشكل واضح‪ ،‬حيث تفكر بفكرة العمل المكيافللي‪،‬‬
‫المراوغ والضال‪.‬‬

‫فهنا ينظر إلى )السياسة( باعتبارها عالما مثيرا للشمئزاز‪ .‬والكلمة تستعمل بشكل شائع من أجل الحط من‬
‫قيمة من تطلق عليه‪ .‬فعبارة‪) :‬هذا من فعل السياسة( هي عبارة تحقيرّية‪ ،‬وليست تعريًفا(]‪.[4‬‬

‫أقول‪ :‬وهذا المعنى معروف أيضا في العرف الغربي؛ أن ينسب العمل إلى دهاليز السياسة وألعيبها‪ .‬وهو ما‬
‫ُيحكى عند المام محمد عبده أنه قال‪ :‬أعوذ بال من السياسة‪ ،‬ومن ساس ويسوس‪ ،‬وساس ومسوس‪ .‬ول‬
‫أدري مدى صحة هذا عنه‪.‬‬

‫وفي الستعمال النوعي لكلمة السياسة يذكر دانكان‪ :‬أنه يجب التفريق جيًدا بين السياسة وبين أمور أخرى‬
‫تتداخل معها وتختلط بها‪ ،‬ولكنها متميزة عنها‪ ،‬مثل التكنوقراط‪ ،‬ومثل السياسة والقتصاد‪ ،‬أو السياسي‬
‫والقتصادي‪ ،‬ومثل السياسة والخلق‪ .‬وقد تحدث المؤلف بتفصيل مميًزا بين هذه المفاهيم بعضها وبعض‪،‬‬
‫فليرجع إليه]‪.[5‬‬

‫وعلى كل حال‪ ،‬تدور السياسة في الغرب حول محورين أو هدفين أساسيين‪:‬‬

‫أحدهما‪ :‬القوة والسيطرة‪.‬‬

‫وثانيهما‪ :‬المصلحة والمنفعة‪.‬‬

‫ول مانع في نظر الشرع السلمي من طلب القوة والحصول عليها‪ ،‬ولكن لتكون أداة في خدمة الحق‪ ،‬ل غاية‬
‫ُتنشد لذاتها‪ ،‬والمة المسلمة يجب أن تكون أبًدا مع قوة الحق ل مع حق القوة‪ .‬والقوة إذا انفصلت عن الحق‬
‫عاٌد‬
‫أصبحت خطًرا ُيهّدد الضعفاء‪ ،‬ويبطش بكل َمن ل ظفر له ول ناب‪ ،‬كما حدثنا القرآن عن عاد قوم هود َفَأّما َ‬
‫شّد ِمْنُهْم ُقّوًة َوَكاُنوا‬
‫خَلَقُهْم ُهَو َأ َ‬
‫ل اّلِذي َ‬
‫ن ا َّ‬
‫شّد ِمّنا ُقّوًة َأَوَلْم َيَرْوا َأ ّ‬
‫ن َأ َ‬
‫ق َوَقاُلوا َم ْ‬
‫حّ‬
‫ض ِبَغْيِر اْل َ‬
‫سَتْكَبُروا ِفي اَْلْر ِ‬‫َفا ْ‬
‫ن ]فصلت‪.[15:‬‬ ‫حُدو َ‬
‫جَ‬‫ِبآَياِتَنا َي ْ‬

‫وكان الغرور بالقوة هو الذي صّدهم عن اتباع نبيهم الذي بعثه ال إليهم‪ ،‬لُيخرجهم من الوثنية إلى التوحيد‪،‬‬
‫ومن طغيان القوة إلى اللتزام بالحق‪ ،‬ولما لم ُيجد فيهم النصح‪ ،‬ولم يصغوا إلى إنذار رسولهم‪ :‬أخذهم ال‬
‫بعذابه‪ ،‬فأرسل عليهم الريح العقيم‪ ،‬ما تذر من شيء أتت عليه إل جعلته كالرميم‪.‬‬

‫وأما المصلحة‪ ،‬فهي ُمعتبرة في الشريعة السلمية‪ ،‬بل ما شرع ال الحكام إل لمصلحة العباد في المعاش‬
‫والمعاد‪ ،‬وكل مسألة خرجت من المصلحة إلى المفسدة‪ ،‬فليست من الشريعة في شيء وإن أدخلت فيها‬
‫بالتأويل‪ ،‬كما قال المحققون‪.‬‬

‫ل من أدلة الشرع‪ ،‬كما‬‫والمصلحة المرسلة‪ ،‬أي التي لم َيِرد في الشرع دليل باعتبارها ول بإلغائها‪ُ :‬تعّد دلي ً‬
‫صرح بذلك المام مالك‪ ،‬وكما هو الحال في المذاهب الخرى‪ ،‬كما بّين ذلك المام شهاب الدين القرافي في كتابه‬
‫)تنقيح الفصول(‪.‬‬

‫ولكن المصلحة التي ترتبط بها السياسة في نظر السلم‪ ،‬والتي يتحدث عنها الغربيون وغيرهم‪ ،‬ليست هي كل‬
‫ما ُيحّقق اللذة للنسان‪ ،‬أو يجمع بها لنفسه أكبر قدر من حظوظ الدنيا‪ ،‬ولو كان ذلك على حساب غيره‪ ،‬أو على‬
‫حساب الِقَيم والخلق‪.‬‬
‫بل إن الشارع بّين المصالح المنشودة‪ ،‬وربطها بمقاصد تحققها في الدين والنفس والنسل والعقل والمال‪.‬‬
‫وسنذكر ذلك في حديثنا عن )النص والمصلحة(‪.‬‬

‫‪--------------------------------------------------------------------------------‬‬

‫]‪ -[1‬انظر‪ :‬السياسة بين المم صـ ‪ 13‬لهانس مورغنتاو‪ .‬نيويورك ‪1948‬م‪.‬‬

‫]‪ -[2‬انظر‪ :‬المنهجية والسياسة صـ ‪ 44‬لملحم قربان‪ .‬بيروت‪ .‬الطبعة الولى ‪1986‬م‪.‬‬

‫]‪ -[3‬انظر‪ :‬مدخل إلى علم السياسة صـ ‪ 86‬لجان مينو ترجمة جورج يونس‪ .‬منشورات عوبدات‪ .‬بيروت‬
‫‪1983‬م‪.‬‬

‫]‪ -[4‬انظر‪ :‬كتاب )علم السياسة( تأليف جان ماري دانكان‪ ،‬ترجمة د‪ .‬محمد عرب صاصيل‪ .‬طبعة المؤسسة‬
‫الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع‪ .‬بيروت‪ .‬صـ ‪.30-23‬‬

‫]‪ -[5‬المصدر السابق صـ ‪ 30‬وما بعدها‪.‬‬

‫العلقة بين الّدين والسياسة عند السلميين والعلمانيين‬

‫الباب الثاني‬

‫العلقة بين الّدين والسياسة‬

‫عند السلميين والعلمانيين‬

‫إذا عرفنا مفهوم كل من الّدين والسياسة‪ :‬أمكننا أن نفهم علقة كل منهما بالخر‪ .‬هل هي علقة تضاد وتصادم‪،‬‬
‫بحيث إذا وجد أحدهما انتفى الخر؟‬

‫أو هي علقة تواصل وتلحم‪ ،‬بحيث ل يستغني أحدهما عن الخر‪ ،‬ول ينفصل عن الخر‪.‬‬

‫أو هي علقة تعايش وتفاهم‪ ،‬كما يتفاهم الشخصان المختلفان‪-‬دينا أو مذهبا أو عرقا أو وطنا‪ -‬على عمل‬
‫مشترك بينهما‪ ،‬أو كما تتفاهم الدول المختلفة أيديولجيا على التعايش السلمي المشترك؟‬

‫موقف العلمانيين‪:‬‬

‫أما الحداثيون والماركسيون والعلمانيون‪ ،‬فل يرون العلقة بين الّدين والسياسة إل علقة التضاد والتصادم‪،‬‬
‫وأن الّدين شيء‪ ،‬والسياسة خصم له‪ ،‬وأنهما ل يلتقيان‪ .‬فمصدرهما مختلف‪ ،‬وطبيعتهما مختلفة‪ ،‬وغايتهما‬
‫مختلفة‪ .‬فالّدين من ال‪ ،‬والسياسة من النسان‪ .‬والّدين نقاء واستقامة وطهر‪ ،‬والسياسة خبث والتواء وغدر‪.‬‬
‫والدين غايته الخرة‪ ،‬والسياسة غايتها الدنيا‪ .‬فينبغي أن يترك الّدين لهله‪ ،‬وتترك السياسة لهلها‪.‬‬

‫وهم ينكرون فكرة الشمول والتكامل في السلم‪ ،‬الذي تبناه كل الدعاة والُمصلحين السلميين في عصرنا؛ فهم‬
‫يريدونه عقيدة بل شريعة‪ ،‬وعبادة بل معاملة‪ ،‬ودينا بل دنيا‪ ،‬ودعوة بل دولة‪ ،‬وحقا بل قوة‪.‬‬

‫وقد رتبوا على هذا آثارا فكرية وعملية تبنوها‪ ،‬وجعلوها مرتكزات لهم‪ ،‬منها‪:‬‬

‫إنكار فكرة )شمول السلم( التي يتمسك بها السلميون‪.‬‬ ‫‪.1‬‬
‫‪ .2‬فصل الدين عن السياسة والسياسة عن الدين‪ ،‬وإشاعة مقولة‪) :‬ل دين في السياسة ول سياسة في‬
‫الّدين(‪.‬‬

‫التشنيع على دعاة تحكيم الشريعة السلمية بتهمة السلم السياسي‪.‬‬ ‫‪.3‬‬

‫‪ .4‬ادعاء أن الّدين يقيد السياسة بحرفية النصوص‪ ،‬ول يعول على المصلحة‪ ،‬وبذلك يفوت على المة‬
‫مصالح كثيرة بسبب هذه النظرة الضيقة‪.‬‬

‫السياسة بين الجمود والتطور‪.‬‬ ‫‪.5‬‬

‫وسوف نتحدث عن هذه القضايا في الفصول التالية‬

‫إنكار فكرة )شمول السلم(‬

‫الفصل الول‬

‫إنكار فكرة )شمول السلم(‬

‫لماذا مزج الُمصلحون السلميون السياسة بالّدين؟‪:‬‬

‫أما مسألة )شمول السلم( التي ينكرها ويرفضها الحداثيون والعلمانيون والماركسيون بصفة عامة‪ ،‬فهي فكرة‬
‫متفق عليها بين علماء السلم ومصلحيه كما يحدثنا بذلك واقع عصرنا‪.‬‬

‫وقد رأينا الُمصلحين السلميين في العصر الحديث‪ ،‬ابتداء بابن عبد الوهاب‪ ،‬والمهدي‪ ،‬وخير الدين التونسي‪،‬‬
‫والسنوسي‪ ،‬والمير عبد القادر‪ ،‬وجمال الّدين الفغاني‪ ،‬ومرورا بالكواكبي‪ ،‬ومحمد عبده‪ ،‬وشكيب أرسلن‪،‬‬
‫ورشيد رضا‪ ،‬وحسن البنا في مصر‪ ،‬وابن باديس وإخوانه في الجزائر‪ ،‬وعلل الفاسي في المغرب‪،‬‬
‫والمودودي في باكستان‪ ،‬وغيرهم‪ ،‬كلهم يتَبّنْون شمول السلم للعقيدة والشريعة‪ ،‬والدعوة والدولة‪ ،‬والّدين‬
‫والسياسة‪ .‬ولم يكتفوا بتقرير ذلك نظرًيا‪ ،‬بل خاضوا غمار السياسة عملًيا‪ ،‬وواجهوا مخاطرها ومتاعبها‪،‬‬
‫وعانوا محنها وشدائدها‪ .‬وإنما فعلوا ذلك لسباب ثلثة‪:‬‬

‫‪ .1‬شمول تعاليم السلم‪:‬‬

‫الول‪ :‬أن السلم الذي شرعه ال لم يدع جانبا من جوانب الحياة إل وتعهده بالتشريع والتوجيه‪ ،‬فهو‬
‫‪-‬بطبيعته‪ -‬شامل لكل نواحي الحياة‪ ،‬مادية وروحية‪ ،‬فردية واجتماعية‪ .‬وقد خاطب ال تعالى رسوله بقوله‪:‬‬
‫ن ]النحل‪.[89:‬‬
‫سِلِمي َ‬
‫شَرى ِلْلُم ْ‬
‫حَمًة َوُب ْ‬
‫ى َوَر ْ‬
‫يٍء َوُهد ً‬
‫ش ْ‬
‫ب ِتْبَيانًا ِلُكّل َ‬
‫ك اْلِكَتا َ‬
‫عَلْي َ‬
‫َوَنّزْلَنا َ‬

‫صَياُم ‪] ...‬البقرة‪ ،[183:‬هو نفسه الذي يقول في نفس‬ ‫عَلْيُكُم ال ّ‬ ‫ب َ‬‫ن آَمُنوا ُكِت َ‬ ‫والقرآن الذي يقول‪َ :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫صاصُ ِفي اْلَقْتَلى ‪] ...‬البقرة‪ ،[178:‬وهو الذي يقول فيها‪ُ :‬كِت َ‬
‫ب‬ ‫عَلْيُكُم اْلِق َ‬
‫ب َ‬‫ن آَمُنوا ُكِت َ‬ ‫السورة‪َ :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫ف ‪] ...‬البقرة‪ ،[180:‬ويقول في‬ ‫ن ِباْلَمْعُرو ِ‬‫ن َواَْلْقَرِبي َ‬‫صّيُة ِلْلَواِلَدْي ِ‬
‫خْيرًا اْلَو ِ‬‫ك َ‬ ‫ن َتَر َ‬
‫ت ِإ ْ‬
‫حَدُكُم اْلَمْو ُ‬‫ضَر َأ َ‬
‫ح َ‬ ‫عَلْيُكْم ِإَذا َ‬
‫َ‬
‫خْيٌر َلُكْم ‪] ...‬البقرة‪ ،[216:‬عّبر‬
‫شْيئًا َوُهَو َ‬‫ن َتْكَرُهوا َ‬ ‫سى َأ ْ‬ ‫ع َ‬‫عَلْيُكُم اْلِقَتاُل َوُهَو ُكْرٌه َلُكْم َو َ‬
‫ب َ‬‫ذات السورة‪ُ :‬كِت َ‬
‫عَلْيُكُم‪.‬‬
‫ب َ‬ ‫القرآن عن فرضية هذه المور كلها بعبارة واحدة‪ُ :‬كِت َ‬

‫فهذه المور كلها مما كتبه ال على المؤمنين أي فرضه عليهم‪ :‬الصيام من المور التعبدية‪ ،‬والقصاص في‬
‫القوانين الجنائية‪ ،‬والوصية فيما يسمى )الحوال الشخصية(‪ ،‬والقتال في العلقات الدولية‪.‬‬

‫وكلها تكاليف شرعية يتعبد بتنفيذها المؤمنون‪ ،‬ويتقربون بها إلى ال‪ ،‬فل يتصور من مسلم قبول فرضية‬
‫عَلْيُكُم‪.‬‬
‫ب َ‬
‫الصيام‪ ،‬ورفض فرضية القصاص أو الوصية أو القتال‪ .‬وجميعها تقول‪ُ :‬كِت َ‬
‫إن الشريعة السلمية حاكمة على جميع أفعال المكّلفين‪ ،‬فل يخلو فعل ول واقعة من الوقائع إل ولها فيها حكم‬
‫من الحكام الشرعية الخمسة )الوجوب‪ ،‬أو الستحباب‪ ،‬أو الحرمة‪ ،‬أو الكراهية‪ ،‬أو الجازة(‪ .‬كما قّرر ذلك‬
‫الصوليون والفقهاء من كل الطوائف والمذاهب المنتسبة إلى الِمّلة‪.‬‬

‫يءٍ‬
‫ش ْ‬
‫ب ِتْبَيانًا ِلُكلّ َ‬
‫ك اْلِكَتا َ‬
‫عَلْي َ‬
‫وقد دل على هذا الشمول القرآن والسنة‪ ،‬فقد قال تعالى مخاطبا رسوله ‪َ :‬وَنّزْلَنا َ‬
‫ق اّلِذي‬
‫صِدي َ‬
‫ن َت ْ‬ ‫حِديثًا ُيْفَتَرى َوَلِك ْ‬‫ن َ‬ ‫ن ]النحل‪ .[89:‬ويقول عن القرآن‪َ} :‬ما َكا َ‬ ‫سِلِمي َ‬
‫شَرى ِلْلُم ْ‬‫حَمًة َوُب ْ‬
‫ى َوَر ْ‬ ‫َوُهد ً‬
‫ن{ ]يوسف‪.[111:‬‬ ‫حَمًة ِلَقْوٍم ُيْؤِمُنو َ‬
‫ى َوَر ْ‬
‫يٍء َوُهد ً‬ ‫ش ْ‬ ‫صيَل ُكّل َ‬‫ن َيَدْيِه َوَتْف ِ‬
‫َبْي َ‬

‫وقد ثبت أن رسول ال ما ترك أمرا يقربنا من ال إل وأمرنا به‪ ،‬ول ترك أمرا يبعدنا عن ال إل نهانا عنه‪،‬‬
‫حتى تركنا على المحجة البيضاء‪" :‬ليلها كنهارها ل يزيغ عنها إل هالك"]‪.[1‬‬

‫فالسلم هو رسالة الحياة كلها‪ ،‬ورسالة النسان كله‪ ،‬كما أنه رسالة العالم كله‪ ،‬ورسالة الزمان كله]‪.[2‬‬

‫ومن قرأ كتب الشريعة السلمية‪ ،‬أعني كتب الفقه السلمي‪ ،‬في مختلف مذاهبه‪ :‬وجدها تشتمل على شؤون‬
‫الحياة كلها‪ ،‬من فقه الطهارة‪ ،‬إلى فقه السرة‪ ،‬إلى فقه المجتمع‪ ،‬إلى فقه الدولة‪ ،‬وهذا في غاية الوضوح لكل‬
‫طالب مبتدئ‪ ،‬ناهيك بالعالم المتمّكن‪.‬‬

‫‪ .2‬السلم يرفض تجزئة أحكامه‪:‬‬

‫الثاني‪ :‬أن السلم نفسه يرفض تجزئة أحكامه وتعاليمه‪ ،‬وأخذ بعضها دون بعض‪.‬‬

‫ض اْلِكَتا ِ‬
‫ب‬ ‫ن ِبَبْع ِ‬ ‫وقد اشتد القرآن في إنكار هذا المسلك على بني إسرائيل‪ ،‬فقال تعالى في خطابهم‪َ :‬أَفُتْؤِمُنو َ‬
‫ب َوَما‬
‫شّد اْلَعَذا ِ‬
‫ن ِإَلى َأ َ‬‫حَياِة الدّْنَيا َوَيْوَم اْلِقَياَمِة ُيَرّدو َ‬
‫ي ِفي اْل َ‬
‫خْز ٌ‬
‫ك ِمْنُكْم ِإّل ِ‬
‫ن َيْفَعُل َذِل َ‬
‫جَزاُء َم ْ‬
‫ن ِبَبْعضٍ َفَما َ‬‫َوَتْكُفُرو َ‬
‫ن ]البقرة‪.[85:‬‬ ‫عّما َتْعَمُلو َ‬
‫ل ِبَغاِفٍل َ‬
‫ا ُّ‬

‫ولما أحب بعض اليهود أن يدخلوا في السلم بشرط أن يحتفظوا ببعض الشرائع اليهودية‪ ،‬مثل تحريم يوم‬
‫السبت‪َ ،‬أَبى الرسول عليهم ذلك إل أن يدخلوا في شرائع السلم كافة]‪.[3‬‬

‫عُدّو‬
‫ن ِإّنُه َلُكْم َ‬
‫طا ِ‬
‫شْي َ‬
‫ت ال ّ‬
‫طَوا ِ‬
‫خُ‬‫سْلِم َكاّفًة َول َتّتِبُعوا ُ‬
‫خُلوا ِفي ال ّ‬
‫ن آَمُنوا اْد ُ‬
‫وفي ذلك نزل قول ال تعالى‪َ :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫ن ]البقرة‪.[4][208:‬‬
‫ُمِبي ٌ‬

‫عْ‬
‫ن‬ ‫ن َيْفِتُنوكَ َ‬
‫حَذْرُهْم َأ ْ‬
‫ل َول َتّتِبْع َأْهَواَءُهْم َوا ْ‬
‫حُكْم َبْيَنُهْم ِبَما َأْنَزَل ا ُّ‬
‫نا ْ‬
‫وخاطب ال سبحانه رسوله فقال‪َ :‬وَأ ِ‬
‫ك ]المائدة‪.[49:‬‬
‫ل ِإَلْي َ‬
‫َبْعضِ َما َأْنَزَل ا ُّ‬

‫فهنا يحذر ال رسوله من غير المسلمين‪ :‬أن يصرفوه عن بعض أحكام السلم‪ ،‬وهو خطاب لكل َمن يقوم بأمر‬
‫المة من بعده‪.‬‬

‫والحقيقة أن تعاليم السلم وأحكامه في العقيدة والشريعة والخلق والعبادات والمعاملت‪ :‬ل تؤتي أكلها إل إذا‬
‫أخذت متكاملة‪ ،‬فإن بعضها لزم لبعض‪ ،‬وهي أشبه )بوصفة طبية( كاملة مكّونة من غذاء متكامل‪ ،‬ودواء‬
‫حْمية وامتناع من بعض الشياء‪ ،‬وممارسة لبعض التمرينات ‪ ...‬فلكي تحقق هذه الوصفة هدفها‪ ،‬ل‬ ‫متنوع‪ ،‬و ِ‬
‫ن َتْرك جزء منها قد يؤثر في النتيجة كلها‪.‬‬
‫بد من تنفيذها جميعا‪ .‬فإ ّ‬

‫‪ . 3‬الحياة وحدة ل تتجزأ ول تنقسم وكذلك النسان‪:‬‬

‫الثالث‪ :‬أن الحياة وحدة ل تنقسم‪ ،‬وكل ل يتجزأ‪.‬‬

‫ول يمكن أن تصلح الحياة إذا تولى السلم جزءا منها كالمساجد والزوايا يحكمها ويوجهها‪ ،‬وُتركت جوانب‬
‫الحياة الخرى لمذاهب وضعية‪ ،‬وأفكار بشرية‪ ،‬وفلسفات أرضية‪ ،‬توجهها وتقودها‪.‬‬
‫ل يمكن أن يكون للسلم المسجد‪ ،‬ويكون للعلمانية المدرسة والجامعة والمحكمة والذاعة والتلفاز والصحافة‬
‫والمسرح والسينما والسوق والشارع‪ ،‬وبعبارة أخرى‪ :‬الحياة كلها!‬

‫كما ل يمكن أن يصلح النسان إذا كان توجيه الجانب الروحي له من اختصاص جهة كالّدين‪ ،‬والجانب المادي‬
‫والعقلي والعاطفي من اختصاص جهة أخرى كالدولة اللدينية‪.‬‬

‫فالواقع أن ل مثنوية في النسان ول في الحياة‪ ،‬فليس فيه ول فيها انقسام ول انفصال‪.‬‬

‫إنه هو النسان بروحه ومادته‪ ،‬بعقله وعاطفته‪ ،‬بغريزته وضميره‪ ،‬فل فصل ول تفريق‪ ،‬كما يؤيد ذلك العلم‬
‫الحديث نفسه‪ .‬وكذلك الحياة‪.‬‬

‫إن النسان ل ينقسم‪ ،‬والحياة ل تنقسم‪.‬‬

‫وكل الفلسفات والمذاهب الثورية أو )اليديولوجيات( النقلبية في التاريخ وفي عصرنا ذات طابع كلي شمولي‪،‬‬
‫ولهذا ترفض تجزئة الحياة‪ ،‬وتأبى أن تسيطر على جزء منها دون جزء‪ ،‬بل ل بد أن تقودها كلها‪ ،‬وتوجهها‬
‫جميعا وفقا لفلسفتها‪ ،‬ونظرتها الكلية للوجود وللمعرفة وللقيم‪ ،‬ول والكون والنسان والتاريخ‪.‬‬

‫يقول أحد الشتراكيين العرب المعروفين]‪ [5‬في تبرير هذا التجاه‪:‬‬

‫)إن َفهم الشتراكية على أنها نظام اقتصادي فحسب‪ ،‬هو َفهم خاطئ؛ فالشتراكية تقّدم حلول اقتصادية لمسائل‬
‫كثيرة‪ ،‬ولكن هذه الحلول جميعا ليست إل ناحية واحدة من نواحي الشتراكية‪ ،‬وَفهمها على أساس هذه الناحية‬
‫الواحدة َفهم خاطئ ل ينفذ إلى العماق‪ ،‬ول يتعرف إلى السس التي تقوم عليها الشتراكية‪ ،‬ول يتطلع إلى‬
‫المال البعيدة التي تذهب إليها الشتراكية‪.‬‬

‫فالشتراكية مذهب للحياة‪ ،‬ل مذهب للقتصاد‪ ،‬مذهب يمتد إلى القتصاد والسياسة والتربية والتعليم والجتماع‬
‫والصحة والخلق والدب والعلم والتاريخ‪ ،‬وإلى كل أوجه الحياة كبيرها وصغيرها‪.‬‬

‫وأن تكون اشتراكيا يعني أن يكون لك َفهم اشتراكي لكل هذا الذي ذكرت‪ ،‬وأن يكون لك كفاح اشتراكي يضم كل‬
‫هذا الذي ذكرت(‪.‬‬

‫ثم يؤكد الكاتب أن هذه النظرة الشاملة ليست مقصورة على الشتراكية‪ ،‬وإنما هي الساس في المذاهب‬
‫الجتماعية الخرى‪.‬‬

‫ولقد بّرر الكاتب شمول المذاهب الجتماعية‪ ،‬واتساع نطاقها بحيث تتسع إلى كل المجالت‪ ،‬وأن تضع الحلول‬
‫لكل المشكلت بأن‪:‬‬

‫)سبب هذه النظرة الشاملة؛ أن الحياة نفسها شيء واحد ‪ ...‬تيار واحد ل يعرف هذا التقسيم الذي يخترعه‬
‫عقلنا‪ ،‬لكي يسّهل على نفسه إدراك حقائق الحياة‪ ،‬ثم ينسى أنه هو نفسه الذي قام بهذا التقسيم‪ ،‬ويظن أن‬
‫سمة هكذا منذ الزل‪.‬‬
‫الحياة كانت مق ّ‬

‫فالحياة ل تعرف شيئا اسمه القتصاد‪ ،‬منفصل عن شيء اسمه الجتماع‪ ،‬وشيء آخر اسمه السياسة‪.‬‬

‫الحياة شيء متكامل متصل‪ ،‬ولكن عقلنا العاجز المغرم بالتحليل والدرس‪ ،‬لن يتمكن من القيام بهذا التحليل‬
‫والدرس‪ ،‬إذا واجه الحياة ككل قائم بذاته‪ ،‬فهو مضطر إلى أن يقسم الحياة إلى أوجه‪ ،‬وإلى ألوان‪ ،‬وإلى أنواع‬
‫من العلقات‪ ،‬فُيسّمي بعضها اقتصادا‪ ،‬ويسمي بعضها الخر سياسة‪ ،‬وبعضها اجتماعا‪ ،‬وأخلقا‪ ،‬ودينا‪ ،‬وأدبا‪،‬‬
‫وعلما ‪ ...‬إلى آخر هذه السلسلة إن كان لها آخر ‪...‬‬

‫الحياة ‪ ...‬كالنهر‪ ،‬شيء واحد متصل مستمر ‪ ...‬وكذلك حياة أي مجتمع‪ ،‬كبير أو صغير‪ ،‬أمة أو أسرة‪ ،‬حكومة‬
‫أو حزب‪.‬‬
‫فموقف أي مجتمع إزاء الحريات السياسية يقّرر موقفه من القتصاد‪ ،‬وموقفه من النظم القتصادية يقّرر موقفه‬
‫من الحريات السياسية‪ ،‬وكذلك من الستعمار ومن الخلق ومن التعليم ومن الدب ومن التاريخ ‪ ...‬إلى آخر‬
‫تلك السلسلة التي ل تنتهي(‪.‬‬

‫ويخلص الكاتب من ذلك إلى تأكيد الصفة الشاملة للشتراكية فيقول‪:‬‬

‫)بهذا المعنى‪ ،‬تصبح كلمة الشتراكية إذن كلمة ل تقتصر على التعبير عن حالة اقتصادية معينة فحسب‪ ،‬بل هي‬
‫تعبير عن نوع من الحياة بأكملها‪ ،‬بجميع وجوهها( اهـ‪.‬‬

‫هذه هي طبيعة اليديولوجيات النقلبية كلها‪ ،‬فلماذا ُيراد للسلم وحده ‪-‬وهو بطبيعته رسالة شاملة‪ :‬عقيدة‬
‫وشريعة وأخلقا وحضارة‪ -‬أن يقصر رسالته على المساجد والمحاكم الشرعية؟!‬

‫ولعله لو رضي بذلك‪ ،‬ما تركوه يستقل بهذه المساجد يوجهها كما يريد‪ ،‬ول تلك المحاكم يقضي فيها بما يشاء]‬
‫‪.[6‬‬

‫إن المسيحية التي يقول إنجيلها‪) :‬دع ما لقيصر لقيصر‪ ،‬وما ل ل(]‪ [7‬حين وجدت الفرصة والقوة‪ ،‬لم يسعها‬
‫أن تدع شيئا لقيصر‪ ،‬ولم تستطع إل أن تسود‪ ،‬وتوجه الحياة كلها الوجهة التي تؤمن بها‪ ،‬مثل كل‬
‫اليديولوجيات الّدينية والعلمانية قديما وحديثا‪.‬‬

‫فإذا كان هذا شأن المسيحية‪ ،‬فكيف بالسلم الذي يأبى أن يقسم النسان بين مادة وروح منفصلتين‪ ،‬أو يقسم‬
‫الحياة بين ال وقيصر‪ ،‬وإنما يجعل قيصر وما لقيصر ل الواحد الحد؟!‬

‫ل ]النعام‪.[114:‬‬
‫صً‬‫ب ُمَف ّ‬
‫حَكمًا َوُهَو اّلِذي َأْنَزَل ِإَلْيُكُم اْلِكَتا َ‬
‫ل َأْبَتِغي َ‬
‫َأَفَغْيَر ا ِّ‬

‫ن ]المائدة‪.[8][50:‬‬
‫حْكمًا ِلَقْوٍم ُيوِقُنو َ‬
‫ل ُ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن ِم َ‬
‫سُ‬‫ح َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ن َوَم ْ‬
‫جاِهِلّيِة َيْبُغو َ‬
‫حْكَم اْل َ‬
‫َأَف ُ‬

‫و يقول أستاذنا الدكتور محمد البهي ُمعقبا على قول علي عبد الرازق في كتابه )السلم وأصول الحكم(‪:‬‬

‫)ولية الرسول على قومه‪ :‬ولية روحية‪ ،‬منشؤها إيمان القلب‪ ،‬وخضوعه خضوعا صادقا تاما يتبعه خضوع‬
‫الجسم‪.‬‬

‫وولية الحاكم‪ :‬ولية مادية‪ ،‬تعتمد إخضاع الجسم من غير أن يكون لها بالقلب اتصال‪.‬‬

‫تلك ولية هداية إلى ال وإرشاد إليه‪ ،‬وهذه ولية تدبير لمصالح الحياة وعمارة الرض‪ ،‬تلك للدين وهذه للدنيا‪،‬‬
‫تلك ل وهذه للناس‪ ،‬تلك زعامة دينية‪ ،‬وهذه زعامة سياسية ‪ ...‬وما أبعد ما بين السياسة والّدين(]‪!![9‬‬

‫وهذا المعنى الذي يجيب به الكتاب على سؤاله السابق‪ ،‬يقوم على أساس من )مثنوية( تفكير القرون الوسطى‬
‫فيما يتصل بالنسان ‪ ...‬وهو التفكير الذي ساد الغربيين عند فصلهم بين )الكنيسة( و)الدولة(‪.‬‬

‫و)مثنوية( النسان معناها‪ :‬أن هناك )انفصال( بين جسمه وروحه‪ ،‬وأنه ليس أحدهما تابعا للخر‪ ،‬فضل عن‬
‫أن يكونا )وحدة( واحدة!! وتفكير القرون الوسطى في المشاكل الفلسفية‪ :‬اللهية والنسانية‪ ،‬يستوي في‬
‫التعبير عنه ما يوجد عند فلسفة المسلمين أو فلسفة المسيحيين من الباء والمدرسين ‪ ...‬لن قوامه هنا‬
‫وهناك ما خلفه الغريق‪ ،‬ووّرثوه للمسلمين والمسيحيين على السواء!‬

‫و )مثنوية( النسان يعدها العلم الحديث‪ ،‬وهو البحث النفسي التجريبي‪ ،‬تصورا نظريا ل يركن إليه الرأي‬
‫السليم في قيادة النسان وتوجيهه‪ .‬والنسان الن ‪-‬في نظر البحث العلمي‪ -‬وحدة واحدة‪ :‬ل انفصال بين جسمه‬
‫ونفسه‪ ،‬ولذا يستحيل أن يوزع بين اختصاصين متقابلين وسلطتين مختلفتين ‪ ...‬والضمن إذن في سلمة‬
‫توجيهه أن تكون قيادته واحدة‪.‬‬
‫وتجربة توزيع السلطة في الغرب بين )الكنيسة( و)الدولة( ‪-‬وهو ما يعرف بالفصل بين )الّدين( و)الدولة(‪ -‬لم‬
‫تثمر الحتكاك بين السلطتين فقط‪ ،‬بل كان من ثمراتها إخضاع إحدى السلطتين للخرى في النهاية‪ ،‬وفي واقع‬
‫المر كان هو إخضاع )الدولة( للكنيسة! فـ )الدولة( الغربية الحديثة في أوربا وأمريكا تعتمد على النظام‬
‫الديمقراطي‪ ،‬وهو نظام التصويت الشعبي ‪ ...‬وفي معركة التصويت الشعبي يتفوق الحزب السياسي الذي يبذل‬
‫‪-‬لتنفيذ اتجاه الكنيسة‪ -‬من الوعود والعهود أكثرها‪ ،‬إذا ما وصل إلى كرسي الحكم!!‬

‫ومع أن )مثنوية( النسان التي قام عليها الفصل بين الّدين والدولة تعتبر فكرة غير سليمة من الوجهة العلمية‪،‬‬
‫وغير عملية من الوجهة التطبيقية‪ ،‬فإن دعاة ‪-‬أو أدعياء‪) -‬التجديد( في الفكر السلمي الحديث‪ :‬لم يزالوا‬
‫يرون )الوحدة( في النسان وفي القيادة تخلفا‪ ،‬لنها من أصول السلم]‪!![10‬‬

‫‪ .4‬أهمية الدولة في تحقيق الهداف‪:‬‬

‫الرابع‪ :‬وهو سبب عملي ل ينبغي أن ُيناَزع فيه‪ ،‬وهو‪ :‬أن الناس من قديم أدركوا أهمية الدولة أو السلطة‬
‫السياسية في تحقيق الهداف‪ ،‬وتنفيذ الحكام‪ ،‬وتعليم المة‪ ،‬ووقايتها المنكر والفساد‪ ،‬ولذا قال الخليفة الثالث‬
‫عثمان رضي ال عنه‪" :‬إن ال يزع بالسلطان ما ل يزع بالقرآن"]‪.[11‬‬

‫ول سيما أن الدولة في عصرنا أمست تملك َأِزّمة الحياة كلها في أيديها‪ ،‬من التعليم إلى القضاء‪ ،‬إلى الثقافة‪،‬‬
‫إلى العلم‪ ،‬إلى المساجد‪ ،‬إلى القتصاد والجتماع‪ ،‬فل يمكن لُمصلح أن يتجاوزها‪ ،‬ويدعها للقوى العلمانية‪،‬‬
‫تفعل ما تشاء‪ ،‬وهي قادرة على أن تهدم كل ما يبنيه أهل الصلح بسهولة ويسر‪ .‬ول سيما أن الهدم عادة‬
‫أسهل من البناء‪ .‬فكيف بمن يهدم باللغام الناسفة‪ ،‬التي تستطيع أن تجعل العمارة الشاهقة كومة من تراب في‬
‫دقائق معدودات؟!‬

‫ولم تكن الدولة قديما تملك كل هذا السلطان والتأثير في يدها‪ .‬بل هو من خصائص عصرنا‪ ،‬كما قال برتراند‬
‫راسل في أحد كتبه‪.‬‬

‫ولقد ذكرت في كتابي )تاريخنا المفترى عليه(‪ :‬أن الدولة ومعها الخليفة العظم‪ ،‬خلل تاريخنا السلمي‬
‫الطويل‪ ،‬ما كانت تملك من شؤون المة والمجتمع الشيء الكثير‪ .‬بل كانت الدولة محصورة في إطار معين في‬
‫العاصمة وربما المدن الكبرى‪ .‬أما المة بشعوبها وجماهيرها المختلفة‪ ،‬فكانت في واد غير وادي السلطة‪،‬‬
‫تمارس حياتها في ظل السلم‪ ،‬وبقيادة العلماء في غالب الحوال‪.‬‬

‫كان التعليم بيد العلماء‪ ،‬يعلمون الناس السلم واللغة والداب والتاريخ والمعارف المختلفة‪ ،‬كما يشاؤون‪.‬‬

‫وكان القضاء بيد العلماء‪ ،‬يقضون بأحكام الشريعة على الخاصة والعامة‪ ،‬كما يحبون‪.‬‬

‫وكانت الفتوى كذلك بأيدي العلماء‪ ،‬يلجأ إليهم الناس مختارين‪ ،‬ليجيبوهم عما يسألون في أمور الّدين والحياة‪.‬‬

‫وكانت الوقاف الخيرية بأيدي العلماء‪ ،‬ينفقون من ريعها على أبواب الخير المتنوعة‪ ،‬ومنها‪ :‬المساجد‬
‫والمدارس‪ ،‬أي الدعوة والتعليم كما شرط الواقفون‪.‬‬

‫فقد ظلت المة مستمسكة بدينها‪ ،‬حين انحرف المراء والسلطين‪ ،‬وظلت متماسكة حين انفرط عقد الخلفة‬
‫والسلطنة‪ ،‬وظلت المة قوية حصينة بمؤسساتها المدنية والهلية والجتماعية‪ ،‬حين ضعفت وتفككت السلطة‬
‫التنفيذية‪ ،‬وظل المجتمع )المدني( ‪-‬كما يقال اليوم‪ -‬مشدودا إلى أصله الّديني‪ ،‬متمسكا بعروته الوثقى‪ ،‬وإن‬
‫وهت حبال الدولة أو السلطة من حوله‪.‬‬

‫وفي عصرنا انتقلت القوة من المة إلى الدولة‪ ،‬وأضحت هي المتحكمة في معظم المور‪ ،‬كما أشرنا إلى ذلك‪،‬‬
‫من تعليم وإعلم وثقافة وصحة وقضاء وشؤون دينية وأمنية وعسكرية واقتصادية‪.‬‬

‫فكيف يمكن للمصلح أن يباشر الصلح إذا كانت الدولة مضادة لتجاهه‪ ،‬فهو يحيي وهي تميت‪ ،‬وهو يجمع‬
‫وهي تفرق‪ ،‬وهو ُيشّرق وهي ُتغّرب؟‬
‫شتان بين مشّرق ومغّرب!‬ ‫سارت ُمغّربة وسرت مشّرقا‬

‫أو كما قال الشاعر الخر‪:‬‬

‫إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟‬ ‫متى يبلغ البنيان يوما تمامه‬

‫فكيف إذا كان الذي يهدم هو الدولة ذاتها‪ ،‬بما تملك من إمكانات فائقة‪ ،‬وآليات كبيرة؟!‬

‫وهذا ما جعل المصلحين ومؤسسي الحركات السلمية يدخلون معترك السياسة‪ ،‬ويلتمسون الصلح عن‬
‫صلَة َوآَتُوا‬
‫ض َأَقاُموا ال ّ‬
‫ن َمّكّناُهْم ِفي اَْلْر ِ‬
‫ن ِإ ْ‬
‫طريق )إقامة دولة إسلمية( التي تحقق ما قاله ال تعالى‪ :‬اّلِذي َ‬
‫ن اْلُمْنَكِر ]الحج‪[41:‬‬
‫عِ‬‫ف َوَنَهْوا َ‬
‫الّزَكاَة َوَأَمُروا ِباْلَمْعُرو ِ‬

‫ليس من الضروري أن يكونوا هم حكام هذه الدولة‪ ،‬إذا وجدوا من يقيم هذه الدولة المنشودة بأركانها‬
‫وشروطها‪ .‬فلو قام الحكام الحاليون بذلك فما أسعدهم بذلك‪.‬‬

‫وإن رفضوا ذلك أو عجزوا عنه ‪-‬كما هو الواقع الماثل‪ -‬فقد وجب على أهل الدعوة والصلح والتغيير‪ :‬أن‬
‫يقوموا هم بالمهمة المطلوبة‪ .‬وعليهم أن يعدوا مقدما‪ :‬الطارات البشرية‪ ،‬والليات المادية‪ ،‬والمعينات‬
‫الجتماعية؛ التي تساعد في تحقيق الهدف‪ ،‬فليس يتم مثل هذا النجاز بالماني‪ ،‬ول بالكلم‪.‬‬

‫‪--------------------------------------------------------------------------------‬‬

‫]‪ -[1‬رواه أحمد في المسند )‪ (17142‬عن العرباض بن سارية‪ ،‬وقال محققوه‪ :‬حديث صحيح بطرقه وشواهده‬
‫وهذا إسناد حسن‪ ،‬وابن ماجه في اليمان )‪ ،(43‬والحاكم في المستدرك كتاب العلم )‪ ،(1/175‬والطبراني في‬
‫الكبير )‪ ،(18/247‬وصححه اللباني في صحيح الجامع )‪.(4369‬‬

‫]‪ -[2‬انظر في ذلك‪ :‬خصيصة )الشمول( من كتابنا )الخصائص العامة للسلم( صـ ‪ ،95‬وكذلك‪) :‬الَفهم‬
‫الشمولي للسلم والتحذير من تجزئة السلم( من كتابنا )الصحوة السلمية وهموم الوطن العربي‬
‫والسلمي( صـ ‪.98 - 68‬‬

‫]‪ -[3‬تفسير الطبري )‪.(2/335‬‬

‫]‪ -[4‬يقول ابن كثير في تفسير الية‪) :‬يقول ال تعالى آمرا عباده المؤمنين به‪ ،‬المصدقين برسوله‪ ،‬أن يأخذوا‬
‫عرا السلم وشرائعه‪ ،‬والعمل بجميع أوامره‪ ،‬وترك جميع زواجره‪ ،‬ما استطاعوا من ذلك(‪ .‬تفسير ابن‬ ‫بجميع ُ‬
‫كثير جـ ‪ 1‬صـ ‪ 247‬طبعة دار إحياء التراث العربي‪ .‬بيروت‪.‬‬

‫]‪ -[5‬هو د‪ .‬منيف الرزار‪ ،‬الذي انتخب زمنا ما أمينا عاما لحزب البعث الشتراكي العربي في كتاب )دراسات‬
‫في الشتراكية( الذي صدر عام ‪1960‬م‪ ،‬ويحمل مقالت لعدد من قادة )البعث(‪.‬‬

‫]‪ -[6‬في عدد من بلد المسلمين اعتدت الحكومات العلمانية على الجزء الباقي لهم من التشريع‪ ،‬وهو المتعلق‬
‫بالسرة أو ما سمي )الحوال الشخصية(‪ ،‬كما أن المسجد لم يعد حرا في أن يقول كلمة السلم كما يشاء‪ ،‬بل‬
‫كما تشاء السلطة‪.‬‬

‫]‪ -[7‬إنجيل متى‪.(22/21) :‬‬

‫]‪ -[8‬انظر‪ :‬كتابنا )شمول السلم( صـ ‪.50 - 43‬‬

‫]‪ -[9‬السلم وأصول الحكم صـ ‪ 141‬بتعليق د‪ .‬ممدوح حقي عليه‪ ،‬طبعة دار مكتبة الحياة‪ .‬بيروت‪.‬‬
‫]‪ -[10‬انظر‪ :‬الفكر السلمي الحديث وصلته بالستعمار الغربي للدكتور محمد البهي صـ ‪.268 - 266‬‬

‫]‪ -[11‬البداية والنهاية لبن كثير )‪ ،(2/10‬وروى الخطيب في تاريخه‪ ،‬عن عمر بن الخطاب قوله‪ :‬لما يزع ال‬
‫بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن )‪.(4/107‬‬

‫فصل الّدين عن السياسة‬

‫الفصل الثاني‬

‫فصل الّدين عن السياسة‬

‫أول ما رتبه العلمانيون على نظريتهم في العلقة بين السياسة والّدين‪ :‬أنهم فصلوا السياسة عن الّدين‪ ،‬والّدين‬
‫عن السياسة فصل تاما‪ ،‬وأشاعوا المقولة الشهيرة‪ :‬ل دين في السياسة ول سياسة في الّدين! وهي مقولة ل‬
‫ك النقد والمناقشة‪.‬‬
‫تثبت على مح ّ‬

‫بل هناك من ينادي بفصل الدين عن الحياة كلها‪ ،‬ول ينبغي له أن يكون له دور إل في ضمير الفرد‪ ،‬فإن سمح‬
‫له بشيء أكثر ففي داخل المعبد )الكنيسة أو المسجد( وهو ما سماه د‪ .‬عبد الوهاب المسيري‪ ):‬العلمانية‬
‫الشاملة(‪.‬‬

‫مناقشة مقولة‪ :‬ل دين في السياسة‪:‬‬

‫فما معنى‪ :‬ل دين في السياسة‪ :‬أتعني‪ :‬أن السياسة ل دين لها‪ ،‬فل تلتزم بالِقَيم والقواعد الّدينية‪ ،‬وإنما هي‬
‫)براجماتية( تتبع المنفعة حيث كانت‪ ،‬والمنفعة المادية‪ ،‬والمنفعة الحزبية أو القومية‪ ،‬والمنفعة النية‪ ،‬وترى‬
‫أن المصلحة المادية العاجلة فوق الّدين ومبادئه‪ ،‬وأن )ال( وأمره ونهيه وحسابه‪ ،‬ل مكان له في دنيا‬
‫السياسة‪.‬‬

‫وهي في الحقيقة تتبع نظرية مكيا فللي]‪ ،[1‬التي تفصل السياسة عن الخلق‪ ،‬وترى أن )الغاية تبّرر‬
‫الوسيلة(‪ ،‬وهي النظرية التي يبّرر بها الطغاة والمستبدون مطالبهم وجرائمهم ضد شعوبهم‪ ،‬وخصوصا‬
‫المعارضين لهم‪ ،‬فل يبالون بضرب العناق‪ ،‬وقطع الرزاق‪ ،‬وتضييق الخناق‪ ،‬بدعوى الحفاظ على أمن الدولة‪،‬‬
‫واستقرار الوضاع ‪ ...‬إلى آخر المبّررات المعروفة‪.‬‬

‫ولكن هل هذه هي السياسة التي يطمح إليها البشر؟ والتي يصلح بها البشر؟‬

‫إن البشر ل يصلح لهم إل سياسة تضبطها ِقَيم الّدين وقواعد الخلق‪ ،‬وتلتزم بمعايير الخير والشر‪ ،‬وموازين‬
‫الحق والباطل‪.‬‬

‫إن السياسة حين ترتبط بالّدين‪ ،‬تعني‪ :‬العدل في الرعية‪ ،‬والقسمة بالسوية‪ ،‬والنتصار للمظلوم على الظالم‪،‬‬
‫وأخذ الضعيف حقه من القوي‪ ،‬وإتاحة فرص متكافئة للناس‪ ،‬ورعاية الفئات المسحوقة من المجتمع‪ :‬كاليتامى‬
‫والمساكين وأبناء السبيل‪ ،‬ورعاية الحقوق الساسية للنسان بصفة عامة‪.‬‬

‫إن دخول الّدين في السياسة ليس ‪-‬كما يصوره الماديون والعلمانيون‪ -‬شرا على السياسة‪ ،‬وشرا على الّدين‬
‫نفسه‪.‬‬

‫جه للخير‪ ،‬الهادي إلى الرشد‪ ،‬المبين للحق‪ ،‬العاصم من‬
‫إن الّدين الحق إذا دخل في السياسة‪ :‬دخل دخول الُمو ّ‬
‫الضلل والغي‪.‬‬

‫فهو ل يرضى عن ظلم‪ ،‬وهو ل يتغاضى عن زيف‪ ،‬ول يسكت عن غي‪ ،‬ول يقر تسلط القوياء على الضعفاء‪،‬‬
‫ول يقبل أن يعاقب السارق الصغير‪ ،‬ويكرم السارق الكبير!!‬
‫والّدين إذا دخل في السياسة‪ :‬هداها إلى الغايات العليا للحياة وللنسان‪ :‬توحيد ال‪ ،‬وتزكية النفس‪ ،‬وسمو‬
‫خلق‪ .‬وتحقيق مقاصد ال من خلق النسان‪ :‬عبادة ال‪ ،‬وخلفته في الرض‪ ،‬وعمارتها‬ ‫الروح‪ ،‬واستقامة ال ُ‬
‫بالحق والعدل‪ ،‬بالضافة إلى ترابط السرة‪ ،‬وتكافل المجتمع‪ ،‬وتماسك المة‪ ،‬وعدالة الدولة‪ ،‬وتعارف البشرية‪.‬‬

‫ومع الهداية إلى أشرف الغايات‪ ،‬وأسمى الهداف‪ :‬يهديها كذلك إلى أقوم المناهج‪ ،‬لتحقيق هذه الغايات‪ ،‬وجعلها‬
‫واقعا في الرض يعيشه الناس‪ ،‬وليست مجرد أفكار نظرية‪ ،‬أو مثاليات تجريدية‪.‬‬

‫والّدين يمنح في الوقت نفسه رجال السياسة‪ :‬الحوافز التي تدفعهم إلى الخير‪ ،‬وتقفهم عند الحق‪ ،‬وتشجعهم‬
‫على نصرة الفضيلة‪ ،‬وإغاثة الملهوف‪ ،‬وتقوية الضعيف‪ ،‬والخذ بيد المظلوم‪ ،‬والوقوف في وجه الظالم حتى‬
‫يرتدع عن ظلمه‪ ،‬كما جاء في الحديث الصحيح‪" :‬انصر أخاك ظالما أو مظلوما"‪ .‬قالوا‪ :‬يارسول ال‪ ،‬ننصره‬
‫مظلوما‪ ،‬فكيف ننصره ظالما؟ قال‪" :‬تمنعه من الظلم‪ ،‬فذلك نصر له"]‪.[2‬‬

‫والّدين يمنح السياسي الضمير الحي أو )النفس اللوامة( التي تزجره أن يأكل الحرام من المال‪ ،‬أو يستحل‬
‫الحرام من المجد‪ ،‬أو يأكل المال العام بالباطل‪ ،‬أو يأخذ الرشوة باسم الهدية أو العمولة‪ .‬وهو الذي يجعل الحاكم‬
‫ي اعوجاجا فليقومني(]‪.[4‬‬‫حّرض الناس على نصحه وتقويمه‪) ،‬إن أسأت فقوموني(]‪) ،[3‬من رأى منكم ف ّ‬ ‫ُي َ‬

‫والّدين يجّرئ الجماهير المؤمنة أن تقول كلمة الحق‪ ،‬وتنصح للحاكم وتحاسبه‪ ،‬وتقومه إذا اعوج‪ .‬ل تخاف‬
‫صة‬
‫ظلُموا مْنُكم خا ّ‬
‫ن َ‬
‫ن الذي َ‬
‫في ال لومة لئم‪ ،‬حتى ل يدخلوا فيما حذر منه القرآن‪} :‬واّتقوا فْتنًة ل ُتصيَب ّ‬
‫ب{ ]النفال‪ ،[25 :‬وفيما حذر منه الرسول الكريم أمته‪" :‬إذا رأيت أمتي تهاب أن‬ ‫شديُد العقا ِ‬
‫ل َ‬‫نا َ‬‫علُموا أ ّ‬
‫وا ْ‬
‫ع منهم"]‪ ،[5‬أي ل خير فيهم حينئذ ويستوي وجودهم وعدمهم‪.‬‬ ‫تقول للظالم‪ :‬يا ظالم‪ ،‬فقد ُتُوّد َ‬

‫والسياسي حين يعتصم بالّدين‪ ،‬فإنما يعتصم بالعروة الوثقى‪ ،‬ويحميه الّدين من مساوئ الخلق‪ ،‬ورذائل‬
‫النفاق‪ ،‬فإذا حدث لم يكذب‪ ،‬وإذا وعد لم يخلف‪ ،‬وإذا اؤتمن لم يخن‪ ،‬وإذا عاهد لم يغدر‪ ،‬وإذا خاصم لم يفجر‪،‬‬
‫إنه مقيد بالمثل العليا ومكارم الخلق‪.‬‬

‫كما جاء عن محمد صلى ال عليه وسلم الذي رفض معاونة من عرض عليه العون على المشركين‪ ،‬وله معهم‬
‫عهد‪ ،‬فقال‪" :‬نفي لهم ونستعين ال عليهم"]‪ ،[6‬وأنكر قتل امرأة في إحدى الغزوات‪ ،‬قائل‪" :‬ما كانت هذه‬
‫لتقاتل"]‪ .[7‬ونهى عن قتل النساء والصبيان]‪.[8‬‬

‫أما تسمية الخداع والكذب والغدر والنفاق )سياسة(‪ ،‬فهذا مصطلح ل نوافق عليه‪ ،‬فهذه هي سياسة الشرار‬
‫والفجار‪ ،‬التي يجب على كل أهل الخير أن يطاردوها ويرفضوها‪.‬‬

‫إن تجريد السياسة من الّدين يعني تجريدها من بواعث الخير‪ ،‬وروادع الشر‪ .‬تجريدها من عوامل البر‬
‫والتقوى‪ ،‬وتركها لدواعي الثم والعدوان‪.‬‬

‫وربط السياسة بالّدين يعطي الدولة قدرة على تجنيد )الطاقة اليمانية( أو )الطاقة الروحية( في خدمة المجتمع‪،‬‬
‫وتوجيه سياسته الداخلية إلى الرشد ل الغي‪ ،‬وإلى الستقامة ل النحراف‪ ،‬وإلى الطهارة ل التلوث بالحرام‪.‬‬

‫وكذلك تجنيد هذه الطاقة في السياسة الخارجية للدفاع عن الوطن‪ ،‬ومواجهة أعدائه والمتربصين به‪،‬‬
‫والستماتة في سبيل تحريره إذا احتلت أرضه‪ ،‬أو اغتصبت حقوقه‪ ،‬أو ديست كرامته‪.‬‬

‫ولقد رأينا المسلمين في عصورهم الذهبية حين ارتبطت سياستهم بالّدين‪ ،‬فتحوا الفتوح‪ ،‬وانتصروا على‬
‫المبراطوريات الكبرى‪ ،‬وأقاموا دولة العدل والحسان‪ ،‬ثم شادوا حضارة العلم واليمان‪ ،‬مستظلين براية‬
‫القرآن‪.‬‬

‫وها نحن نرى اليوم‪ :‬الدولة الصهيونية المغتصبة )إسرائيل( كيف وظفت الّدين اليهودي في إقامة دولتها‪،‬‬
‫وتجميع اليهود في العالم على نصرتها‪ ،‬حتى العلمانيون من ساسة الصهيونية‪ ،‬كانوا يؤمنون بضرورة‬
‫الستفادة من الّدين‪ ،‬وهم ل يؤمنون به مرجعا موجها للحياة‪.‬‬
‫ونرى كذلك الرئيس المريكي الحالي )بوش( البن وجماعته من أتباع اليمين المسيحي المتطرف‪ ،‬كيف‬
‫يستخدمون الّدين في تأييد سياستهم الطغيانية المستكبرة في الرض بغير الحق‪ ،‬حتى رأينا )بوش( يتحدث‬
‫وكأنه نبي يوحى إليه‪ :‬أمرني ربي أن أحارب في العراق‪ ،‬أمرني ربي أن أحارب في أفغانستان ‪ ...‬إلى آخر ما‬
‫أعلنه من صدور أوامر إلهية إليه!!‬

‫ورأينا أحزابا علمانية الفكر في أوربا تحاول أن تتقّوى بالدين‪ ،‬فتنسب نفسها إليه‪ ،‬أي إلى المسيحية‪ ،‬فرأينا‬
‫أحزابا مسيحية‪ :‬ديمقراطية واشتراكية تقوم في عدد من دول أوربا‪ ،‬وتحصل على أكثرية أصوات الناخبين‪،‬‬
‫وتتولى الحكم عدة مرات‪.‬‬

‫فلماذا ُيراد للمسلمين وحدهم أن َيْفصلوا السياسة عن الّدين‪ ،‬أو يزيحوا الدين عن السياسة؟ لتمضي المة‬
‫وحدها معزولة عن سر قوتها‪ ،‬مهيضة الجناح‪ ،‬منزوعة السلح‪ ،‬ل حول لها ول طول؟!‬

‫حكم أو الدولة بالدين ل يثمر إل الخير والقوة‬
‫وقد أجمع كل الحكماء من المسلمين على أن ارتباط الملك أو ال ُ‬
‫للدولة‪.‬‬

‫لمة البيروني في كتابة الشهير )تحقيق ما للهند من مقولة(‪) :‬إن الُملك إذا استند إلى جانب من جوانب‬
‫يقول الع ّ‬
‫ِمّلة )أي دين( فقد توافى فيه التوأمان‪ ،‬وكمل فيه المر باجتماع الملك والدين(‪.‬‬

‫وابن خلدون في )مقدمته( الشهيرة يفرق بين نوعين من المجتمعات‪ :‬مجتمع دنيوي محض‪ ،‬ومجتمع دنيوي‬
‫ديني‪ ،‬وهو أزكى وأفضل من المجتمع الول‪ ،‬فهو يقر بأثر الدين في الحياة الجتماعية‪ ،‬الذي ل يقل أهمية عن‬
‫أثر العصبية‪ ،‬ومن َثّم كانت الصورة المثلى للدولة عنده‪ ،‬هي التي يتآخى فيها الدين والدولة]‪.[9‬‬

‫مناقشة مقولة‪ :‬ل سياسة في الّدين‪:‬‬

‫وما معنى )ل سياسة في الّدين(‪ :‬إن كان معناها‪ :‬أن الّدين ل يعنى بسياسة الناس ألبّتة‪ ،‬ول يشغل نفسه‬
‫بمشكلت حياتهم العامة‪ ،‬وتدبير أمورهم المعيشية‪ ،‬وعلقة بعضهم ببعض‪ ،‬فهذا ليس بصحيح‪ .‬فكل الديان لها‬
‫طول في آخر‪ .‬والسلم هو أطول الديان باعا في هذا المجال‪ ،‬وله‬ ‫توجيهات في هذا الجانب‪َ ،‬تْقصر في دين‪ ،‬وَت ُ‬
‫في ذلك نصوص كثيرة من القرآن والسنة‪ ،‬وله تراث حافل من فقه الشريعة‪ ،‬وشروح مذاهبها‪ ،‬واختلف‬
‫مشاربها‪.‬‬

‫ولقد ذكر الشيخ علي عبد الرازق في كتابه )السلم وأصول الحكم(‪ :‬أن الدنيا أهون عند ال من أن ينزل في‬
‫تدبير شؤونها نصوصا من وحيه]‪!![10‬‬

‫ونسي الشيخ أو تناسى أن ال أنزل أطول آية في كتابه )القرآن( في شأن من شؤون الدنيا‪ ،‬وهو كتابة الّدين‬
‫وتوثيقه‪ .‬وذلك في الية )‪ (282‬من سورة البقرة‪ ،‬المعروفة بآية المداينة‪ .‬وأن )آيات الحكام( التي عني بها‬
‫المفسرون والفقهاء تعد بالمئات‪.‬‬

‫وكل أصحاب الديان كان لهم مشاركات في توجيه الحياة السياسية‪ ،‬حتى الكنيسة المسيحية التي قرأت قول‬
‫النجيل‪) :‬دع ما لقيصر لقيصر وما ل ل(‪ ،‬لم تأخذه بحرفيته‪ ،‬وحاولت أن تتدخل في شأن قيصر وأن توجهه‪،‬‬
‫وربما نزعت السلطة منه‪.‬‬

‫ضللة فصل الّدين عن السياسة‪:‬‬

‫وقد اختار شيخنا العلمة محمد الخضر حسين ‪-‬شيخ الزهر في زمانه‪ -‬أن يعبر عن فصل الّدين عن السياسة‬
‫حدث ومبتدع في المة‪ ،‬وكل‬‫‪-‬الذي دعا إليه أحد الُكّتاب‪ -‬بعبارة )ضللة( وهو تعبير شرعي صحيح‪ ،‬لنه أمر ُم ْ‬
‫بدعة ضللة‪ ،‬كما في الحديث الصحيح‪.‬‬

‫وقد كتب في ذلك مقالة طويلة نشرها في مجلة )نور السلم(]‪ ،[11‬ثم وضعها في كتابه )رسائل الصلح(‪.‬‬

‫ومما قاله الشيخ في هذه المقالة العلمية الرصينة‪:‬‬
‫)نعرف أن الذين يدعون إلى فصل الّدين عن السياسة فريقان‪:‬‬

‫‪ .1‬فريق يعترفون بأن للدين أحكاما وأصول تتصل بالقضاء والسياسة‪ ،‬ولكنهم ُيْنكرون أن تكون هذه الحكام‬
‫والصول كافلة بالمصالح‪ ،‬آخذة بالسياسة إلى أحسن العواقب‪ .‬ولم يبال هؤلء أن يجهروا بالطعن في أحكام‬
‫الّدين وأصوله‪ ،‬وقبلوا أن يسميهم المسلمون ملحدة؛ لنهم ُمِقّرون بأنهم ل يؤمنون بالقرآن ول بمن نزل عليه‬
‫القرآن‪.‬‬

‫‪ .2‬ورأى فريق أن العتراف بأن في الّدين أصول قضائية وأخرى سياسية‪ ،‬ثم الطعن في صلحها‪ ،‬إيذان‬
‫بالنفصال عن الّدين‪ ،‬وإذا دعا المنفصل عن الّدين إلى فصل الّدين عن السياسة‪ ،‬كان قصده مفضوحا‪ ،‬وسعيه‬
‫خائبا‪ ،‬فاخترع هؤلء طريقا حسبوه أقرب إلى نجاحهم‪ ،‬وهو أن َيّدعوا أن السلم توحيد وعبادات‪ ،‬ويجحدوا‬
‫شبه‪ ،‬لعلهم‬
‫أن يكون في حقائقه ما له مدخل في القضاء والسياسة‪ ،‬وجمعوا على هذا ما استطاعوا من ال ّ‬
‫يجدون في الناس جهالة أو غباوة فيتم لهم ما بيتوا‪.‬‬

‫هذان مسلكان لمن ينادي بفصل الّدين عن السياسة‪ ،‬وكلهما يبغي من أصحاب السلطان‪ :‬أن يضعوا للمة‬
‫السلمية قوانين تناقض شريعتها‪ ،‬ويسلكوا بها مذاهب ل توافق ما ارتضاه ال في إصلحها‪ .‬وكل المسلكين‬
‫حَكم بالغات‪.‬‬
‫وليد الفتتان بسياسة الشهوات‪ ،‬وقصور النظر عما لشريعة السلم من ِ‬

‫ن السلم قد جاء بأحكام وأصول قضائية‪ ،‬ووضع في فم السياسة لجاما من الحكمة‪ ،‬فإنما ينكره من تجاهل‬‫أما أ ّ‬
‫القرآن والسنة‪ ،‬ولم يحفل بسيرة الخلفاء الراشدين‪ ،‬إذ كانوا يزنون الحوادث بقسطاس الشريعة‪ ،‬ويرجعون عند‬
‫الختلف إلى كتاب ال أو سنة رسوله‪.‬‬

‫وبين الشيخ أن في القرآن شواهد كثيرة على أن دعوته تدخل في المعاملت المدنية‪ ،‬وتتولى إرشاد السلطة‬
‫ن{ ]المائدة‪ ،[50:‬وكل حكم‬ ‫حْكمًا ِلَقْوٍم ُيوِقُنو َ‬ ‫ل ُ‬ ‫ن ا ِّ‬ ‫ن ِم َ‬‫سُ‬ ‫ح َ‬
‫ن َأ ْ‬‫ن َوَم ْ‬ ‫جاِهِلّيِة َيْبُغو َ‬‫حْكَم اْل َ‬‫السياسية‪ ،‬قال تعالى‪َ} :‬أَف ُ‬
‫ن{‪ ،‬إيماء إلى أن غير‬ ‫يخالف شرع ال‪ ،‬فهو من فصيلة أحكام الجاهلية‪ ،‬وفي قوله تعالى‪ِ } :‬لَقْوٍم ُيوِقُنو َ‬
‫سن أحكام رب البرية‪ ،‬وتهوى أنفسهم تبّدلها بمثل أحكام الجاهلية‪ ،‬ذلك لنهم في‬ ‫ح ْ‬ ‫الموقنين قد ينازعون في ُ‬
‫حُكْم‬ ‫نا ْ‬
‫غطاء من تقليد قوم كبروا في أعينهم‪ ،‬ولم يستطيعوا أن يميزوا سيئاتهم من حسناتهم‪ ،‬وقال تعالى‪َ} :‬وَأ ِ‬
‫ك{ ]المائدة‪ ،[49:‬فرض في‬ ‫ل ِإَلْي َ‬‫ض َما َأْنَزَل ا ُّ‬
‫ن َبْع ِ‬ ‫عْ‬ ‫ك َ‬‫ن َيْفِتُنو َ‬
‫حَذْرُهْم َأ ْ‬
‫ل َول َتّتِبْع َأْهَواَءُهْم َوا ْ‬ ‫َبْيَنُهْم ِبَما َأْنَزَل ا ُّ‬
‫هذه الية أن يكون فصل القضايا على مقتضى كتاب ال‪ ،‬ونبه على أن َمن لم يدخل اليمان في قلوبهم يبتغون‬
‫من الحاكم أن يخلق أحكامه من طينة ما يوافق أهواءهم‪ ،‬وأردف هذا بتحذير الحاكم من أن يفتنه أسرى‬
‫الشهوات عن بعض ما أنزل ال‪ ،‬وفتنتهم له في أن يسمع لقولهم‪ ،‬ويضع مكان حكم ال حكما يلئم بغيتهم‪ ،‬قال‬
‫حُكْم ِبَما َأْنَزَل ا ُّ‬
‫ل‬ ‫ن َلْم َي ْ‬
‫ن{ ]المائدة‪ ،[45:‬وفي آية‪َ} :‬وَم ْ‬ ‫ظاِلُمو َ‬‫ك ُهُم ال ّ‬ ‫ل َفُأوَلِئ َ‬‫حُكْم ِبَما َأْنَزَل ا ُّ‬
‫ن َلْم َي ْ‬
‫تعالى‪َ} :‬وَم ْ‬
‫ن{ ]المائدة‪:‬‬ ‫ك ُهُم اْلَكاِفُرو َ‬ ‫ل َفُأوَلِئ َ‬ ‫حُكْم ِبَما َأْنَزَل ا ُّ‬‫ن َلْم َي ْ‬
‫ن{ ]المائدة‪ ،[47:‬وفي آية ثالثة‪َ} :‬وَم ْ‬ ‫سُقو َ‬ ‫ك ُهُم اْلَفا ِ‬ ‫َفُأوَلِئ َ‬
‫‪.[44‬‬

‫وفي القرآن أحكام كثيرة ليست من التوحيد ول من العبادات‪ ،‬كأحكام البيع والربا والرهن والشهاد‪ ،‬وأحكام‬
‫النكاح والطلق واللعان والولء والظهار والحجر على اليتام والوصايا والمواريث‪ ،‬وأحكام القصاص والدية‬
‫وقطع يد السارق وجلد الزاني وقاذف المحصنات‪ ،‬وجزاء الساعي في الرض فسادا(‪.‬‬

‫وذكر الشيخ آيات تتعّلق بالحرب والسلم والمعاهدات والعلقات الدولية‪.‬‬

‫ثم قال‪) :‬وفي السنة الصحيحة أحكام مفصلة في أبواب من المعاملت والجنايات إلى نحو هذا مما يدلك على أن‬
‫َمن يدعو إلى فصل الّدين عن السياسة إنما تصور دينا آخر غير السلم‪.‬‬

‫وفي سيرة أصحاب رسول ال ‪-‬وهم أعلم الناس بمقاصد الشريعة‪ -‬ما يدل دللة قاطعة على أن للدين سلطانا في‬
‫السياسة‪ ،‬فإنهم كانوا يأخذون على الخليفة عند مبايعته شرط العمل بكتاب ال وسنة رسول ال‪.‬‬

‫ولول علمهم بأن السياسة ل تنفصل عن الّدين لبايعوه على أن يسوسهم بما يراه أو يراه مجلس شوراه‬
‫مصلحة‪ ،‬وفي صحيح البخاري‪" :‬كانت الئمة بعد النبي صلى ال عليه وسلم يستشيرون المناء من أهل العلم‬
‫في المور المباحة ليأخذوا بأسهلها‪ ،‬فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي صلى ال‬
‫عليه وسلم"]‪.[12‬‬

‫ومن شواهد هذا‪ :‬محاورة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب في قتال مانعي الزكاة‪ ،‬فإنها كانت تدور على‬
‫التفقه في حديث‪" :‬أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ل إله إل ال"]‪ .[13‬فعمر بن الخطاب يستدل على عدم‬
‫قتالهم بقوله في الحديث‪" :‬فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم"‪ .‬وأبو بكر يحتج بقوله في الحديث‪:‬‬
‫"إل بحقها" ويقول‪ :‬الزكاة من حق الموال‪ ،‬ولو لم يكونوا على يقين أن السياسة ل يسوغ لها أن تخطو‬
‫خطوة إل أن يأذن لها الّدين بأن تخطوها‪ ،‬ما أورد عمر ابن الخطاب هذا الحديث‪ ،‬أو لوجد أبو بكر عندما احتج‬
‫عمر بالحديث فسحة في أن يقول له‪ :‬ذلك حديث رسول ال‪ ،‬وقتال مانعي الزكاة من شؤون السياسة!‬

‫ومن شواهد أن ربط السياسة بالّدين أمر عرفه خاصة الصحابة وعامتهم‪ :‬قصة عمر بن الخطاب‪ ،‬إذ بدا له أن‬
‫شْيئًا{ ]النساء‪:‬‬
‫خُذوا ِمْنُه َ‬
‫طارًا َفل َتْأ ُ‬
‫ن ِقْن َ‬
‫حَداُه ّ‬
‫يضع لمهور النساء حدا‪ ،‬فَتَلت عليه امرأة قوله تعالى‪َ} :‬وآَتْيُتْم ِإ ْ‬
‫‪ ،[20‬فما زاد على أن قال‪ :‬رجل أخطأ‪ ،‬وامرأة أصابت]‪ .[14‬ونبذ رأيه وراء ظهره‪ ،‬ولم يقل لها‪ :‬ذلك دين‬
‫وهذه سياسة!‬

‫وكتب السنة والثار مملوءة بأمثال هذه الشواهد‪ ،‬ولم يوجد ‪-‬حتى في المراء المعروفين بالفجور‪ -‬من حاول‬
‫أن يمس اتصال السياسة بالّدين من الِوجهة العملية‪ ،‬وإن جروا في كثير من تصرفاتهم على غير ما أذن ال به‪،‬‬
‫جهالة منهم أو طغيانا‪.‬‬

‫خَرى{‬‫أراد الحجاج أن يأخذ رجل بجريمة بعض أقاربه‪ ،‬فذّكره الرجل بقوله تعالى‪َ} :‬ول َتِزُر َواِزَرٌة ِوْزَر ُأ ْ‬
‫]النعام‪ ،[164:‬فتركه]‪ ،[15‬ولم يخطر على باله ‪-‬وهو ذلك الطاغية‪ -‬أن يقول له‪ :‬ما تلوته دين‪ ،‬وما سأفعله‬
‫سياسة!(‪.‬‬

‫ثم قال الشيخ رحمه ال‪:‬‬

‫)فصل الّدين عن السياسة هدم لمعظم حقائق الّدين‪ ،‬ول يقدم عليه المسلمون إل بعد أن يكونوا غير مسلمين‪،‬‬
‫وليست هذه الجناية بأقل مما يعتدي به الجنبي على الّدين إذا جاس خلل الديار‪ ،‬وقد رأينا الذين فصلوا الّدين‬
‫عن السياسة علنا كيف صاروا أشد الناس عداوة لهداية القرآن‪ ،‬ورأينا كيف كان بعض المبتلين بالستعمار‬
‫الجنبي أقرب إلى الحرية في الّدين مّمن أصيبوا بسلطانهم‪ ،‬ونحن على ثقة من أن الفئة التي ترتاح لمثل مقال‬
‫الكاتب لو ملكت قوة للغت محاكم يقضى فيها بأصول السلم‪ ،‬وقلبت معاهد تدرس فيها علوم شريعته الغراء‬
‫إلى معاهد لهو ومجون‪ ،‬بل لم يجدوا في أنفسهم ما يتباطأ بهم عن التصرف في مساجد يذكر فيها اسم ال‬
‫تصرف من ل يرجو ل وقارا(]‪.[16‬‬

‫الّدين ليس دائما مقصورا على الروحانية‪:‬‬

‫وإذا نظرنا نظرة أخرى في مقولة‪) :‬ل سياسة في الّدين ول دين في السياسة( نرى أنها ل تصدق على كل دين‪.‬‬
‫ومن التبسيط المخل ‪-‬وربما من الكذب المكشوف‪ -‬اعتبار الديان كلها بعيدة عن السياسة‪ ،‬والسياسات كلها‬
‫بعيدة عن الّدين‪.‬‬

‫فليست الديان كلها مقصورة على الجانب الروحاني أو اللهوتي‪ ،‬ول صلة لها بشؤون الحياة‪ ،‬فهذا يصدق في‬
‫بعض الديان ول يصدق في البعض الخر‪.‬‬

‫فمن الديان ما يتصل بالحياة ويشّرع لها‪ ،‬كما في ديانة موسى عليه السلم )اليهودية(‪ ،‬كما يبدو ذلك من‬
‫الحكام التي جاءت في التوراة‪ ،‬التي تسمى )الناموس(‪ .‬وهو ما أعلن المسيح عليه السلم أنه ما جاء لينقض‬
‫الناموس‪ ،‬فقال‪) :‬ما جئت لنقض الناموس‪ ،‬بل لتمم(]‪.[17‬‬

‫ففي التوراة تشريعات مختلفة‪ ،‬بعضها يتعّلق بالسرة‪ ،‬وبعضها يتعّلق بالمجتمع‪ ،‬وبعضها يتعّلق بالعقوبات‪:‬‬
‫)السن بالسن‪ ،‬والعين بالعين‪ ،[18](... ،‬وبعضها يتعّلق بالعلقات الدولية‪.‬‬
‫ودين السلم جاء بوصايا أخلقية‪ ،‬وتشريعات قانونية تتعّلق بأمر الدنيا والحياة‪ ،‬مبثوثة في آيات القرآن‪،‬‬
‫عني بتفسيرها وشرحها علماء المة فيما عرف بـ)آيات الحكام( و)أحاديث الحكام(‪.‬‬ ‫وأحاديث الرسول‪ ،‬و ُ‬
‫صلها فقهاء المذاهب في كتبهم‪ ،‬التي شملت أمور النسان فردا وأسرة ومجتمعا ودولة‪ ،‬من أدب الستنجاء‪،‬‬ ‫وف ّ‬
‫وأدب المائدة‪ ،‬إلى بناء الدولة‪ ،‬وعلقاتها مع المم والدول الخرى‪.‬‬

‫فكيف يقال هنا‪ :‬ل سياسة في الّدين!‬

‫إن أحد أركان السلم هو الزكاة‪ ،‬وهو ركن مالي اجتماعي سياسي‪ ،‬لن الصل فيها أنها تنظيم تشرف عليه‬
‫الدولة‪ ،‬تأخذها من الغنياء وتردها على الفقراء‪ ،‬فالدولة أو السلطة هي التي تجمعها‪ ،‬وهي التي تصرفها في‬
‫مصارفها الشرعية بواسطة جهاز إداري ومالي‪ ،‬سماه القرآن )العاملين عليها(‪.‬‬

‫ومن مصارف الزكاة )المؤلفة قلوبهم( وهو مصرف سياسي في أصله‪ ،‬يتصرف فيه المام )أي الدولة(‬
‫ليشتري ولء بعض القبائل والقوى الجتماعية أو السياسية‪ ،‬أو يحبب إليهم السلم‪ ،‬أو يكف شرهم عن‬
‫المسلمين‪ ،‬أو ليقطع الطريق على أعداء السلم أن يستميلوهم إليهم‪ .‬كل ذلك عن طريق ما يعطى لهم لستمالة‬
‫قلوبهم‪ .‬وهذا في معظمه غرض سياسي محض‪.‬‬

‫ثم إن المسلم يستطيع أن يدخل في السياسة‪ ،‬وهو في قلب صلته التي يتعبد لربه بها‪ ،‬بأن يقرأ آيات في صميم‬
‫السياسة من القرآن‪ ،‬أو يدعو على المستعمرين والحكام الطغاة بدعاء القنوت‪ ،‬وهو ما يعرف عند الفقهاء‬
‫بـ)قنوت النوازل(‪ .‬ويعنون بالنوازل‪ :‬المحن والشدائد التي تنزل بالمة‪ ،‬مثل‪ :‬احتلل الغزاة لرضها‪ ،‬ووقوع‬
‫الكوارث والزلزل ونحوها‪.‬‬

‫وأذكر أن المام الشهيد حسن البنا في سنة ‪ 1946‬أو ‪1947‬م‪ ،‬كتب في حديثه السبوعي في صحيفة جماعته‬
‫اليومية )الخوان المسلمون(‪ :‬حديث الجمعة عن )قنوت النوازل(‪ ،‬وطلب من الئمة والخطباء‪ ،‬أن يقنتوا بهذا‬
‫القنوت‪ ،‬ويدعوا على النجليز المستعمرين‪ ،‬ووضع لهم صيغة لم يلزمهم بالدعاء بها‪ ،‬ولكن قال‪ :‬بمثل هذه‬
‫الصيغة فادعوا على أعدائكم‪.‬‬

‫وأذكر من هذه الصيغة‪:‬‬

‫اللهم رب العالمين‪ ،‬وأمان الخائفين‪ ،‬ومذل المتكبرين‪ ،‬وقاصم الجبارين‪ ،‬تقّبل دعاءنا‪ ،‬وأجب نداءنا ‪...‬‬

‫اللهم إنك تعلم أن هؤلء الغاصبين من البريطانيين‪ ،‬قد احتلوا أرضنا‪ ،‬وغصبوا حقنا‪ ،‬وطغوا في البلد‪ ،‬فأكثروا‬
‫فيها الفساد‪ .‬اللهم فرّد عنا كيدهم‪ ،‬وفّل حّدهم ‪ ...‬وأدل دولتهم‪ ،‬واذهب عن أرضك سلطانهم‪ ،‬ول تدع لهم سبيل‬
‫على أحد من عباد المؤمنين‪ .‬آمين]‪.[19‬‬

‫وقد التزم الكثيرون من المتدينين بأن يدعوا على النجليز المحتلين المستكبرين في صلواتهم‪ ،‬وخصوصا‬
‫الجهرية منها‪ ،‬بهذا الدعاء وأمثاله‪ .‬وكان ذلك لونا من التعبئة الفكرية والشعورية والعملية ضد الحتلل المدل‬
‫بقوته العسكرية‪ ،‬وقوته القتصادية‪.‬‬

‫والسياسة ليست دائما علمانية‪:‬‬

‫وإذا ثبت لنا أن الّدين ليس دائما روحانيا خالصا‪ ،‬نستطيع هنا أن نقول بكل وضوح‪ :‬إن السياسة ليست دائما‬
‫علمانية‪ ،‬أو ل دينية‪.‬‬

‫فكم رأينا من سياسات تتبنى الّدين وتدافع عنه‪ ،‬وتتحمل أعباء الدعوة إليه‪ ،‬وتذود عن حماه‪ .‬ثبت ذلك في‬
‫التاريخ القديم‪ ،‬وثبت ذلك في العصر الحديث‪.‬‬

‫عرف التاريخ القديم الَمِلك قسطنطين إمبراطور روما المعروف الذي كان وثنيا‪ ،‬ثم اعتنق النصرانية‪ ،‬وانتصر‬
‫لمذهب المؤلهين للمسيح ضد آريوس ومن وافقه في التمسك بعقيدة التوحيد‪.‬‬
‫المهم أنه تبنى العقيدة المسيحية على مذهبه‪ ،‬وطارد أعداءها وأعداءه عقودا من السنين‪ .‬وظلت الكنيسة في‬
‫الغرب توجه الّدين لعدة قرون‪ ،‬حتى قامت الثورة الفرنسية ثائرة على الكنيسة ورجالها الذين وقفوا مع الجمود‬
‫ضد التحّرر‪ ،‬ومع الخرافات ضد العلم‪ ،‬ومع الملوك ضد الشعوب‪ ،‬ومع القطاعيين ضد الفلحين‪ .‬لهذا ثارت‬
‫عليهم الجماهير الغاضبة‪ ،‬منادية‪ :‬اشنقوا آخر َمِلك بأمعاء آخر قسيس!‬

‫وفي التاريخ السلمي ‪ -‬وخصوصا عهد الراشدين‪ -‬كانت السياسة في خدمة الّدين‪ ،‬وكان الّدين هو الموجه‬
‫الول للفكر‪ ،‬والمحرك الول للمشاعر‪ ،‬والمؤثر الول في السلوك‪.‬‬

‫بل كان هذا هو التجاه العام في التاريخ السلمي كله‪ ،‬على تفاوت في الدرجة‪ ،‬ولكن لم يغب الّدين ‪-‬أو السلم‪-‬‬
‫عن الساحة‪ ،‬ولم يدع السياسة وشأنها تفعل ما تشاء‪ ،‬وتحكم ما تريد‪ .‬بل كان السلم هو أساس القضاء في‬
‫المحاكم‪ ،‬وأساس الفتوى لجماهير الشعب‪ ،‬وأساس التعليم في المدارس والكتاتيب والجامعات‪ .‬كما دّللنا على‬
‫ذلك في كتابنا )تاريخنا المفترى عليه(]‪.[20‬‬

‫وفي عصرنا ل زالت هناك سياسات تتبنى الّدين‪ ،‬وتجمع الجماهير عليه‪ ،‬وتعلن انتصارها له‪ ،‬وحماسها في‬
‫تبليغ رسالته‪.‬‬

‫وقد ذكرنا من قريب‪ :‬كيف قامت سياسة دولة بني صهيون على توظيف الّدين في إقامة الدولة‪ ،‬ثم في حراستها‬
‫وتثبيتها‪ ،‬واستغلل الجانب الّديني عند المسيحين لتأييدها ونصرتها‪.‬‬

‫كما ذكرنا الرئيس المريكي بوش البن‪ ،‬وتبنيه لليمين المسيحي المتطرف المتصهين في توجيه سياسة أمريكا‬
‫اليوم‪.‬‬

‫خصمه‬
‫وقد كان هذا اللتزام! الديني الواضح من بوش من السباب الرئيسة لفوزه في انتخابات الرئاسة على َ‬
‫طا مخالفا لتعاليم الدين المسيحي‪.‬‬
‫)كيري( الذي كان يتبنى خ ً‬

‫وهذا ينقض المقولت التي تزعم أن كل السياسات علمانية‪ ،‬ول مدخل للدين في أي منها‪.‬‬

‫‪--------------------------------------------------------------------------------‬‬

‫]‪ -[1‬نقولو مكيا فللي‪ :‬كاتب سياسي إيطالي )ت ‪1642‬م(‪ ،‬اشتهر بكتابه )المير( الذي ذاع صيته في عالم‬
‫السياسة‪ ،‬لما انفرد به من أفكار ل تبالي بالِقيم والخلق في بناء الدول وسياستها‪ ،‬فل مانع عنده من استعمال‬
‫النذالة والخيانة والغدر والتضليل والخداع والغش في سبيل الوصول إلى الهدف‪ ،‬وهو المحافظة على الدولة‬
‫وقوتها‪ ،‬وشن الحرب دائما لحمايتها‪ ،‬ومهاجمة خصومها‪.‬‬

‫نقله إلى العربية خيري حماد‪ ،‬وقد نشرته دار الوقاف الجديدة في بيروت )الطبعة الرابعة والعشرون ‪2002‬م(‬
‫مع تعليق مطول للمحامي د‪ .‬فاروق سعد‪ ،‬حول تراث الفكر السياسي قبل )المير( وبعده‪.‬‬

‫]‪ -[2‬رواه البخاري في المظالم )‪ (2444‬عن أنس‪ ،‬وأحمد في المسند )‪.(11994‬‬

‫]‪ -[3‬جزء من خطبة أبي بكر بعد توليه الخلفة‪ ،‬رواها عبد الرزاق في المصنف كتاب الجامع )‪،(11/336‬‬
‫وابن سعد في الطبقات )‪ ،(3/183‬والطبري في التاريخ )‪ ،(2/238‬وابن عساكر في تاريخ دمشق )‪،(30/301‬‬
‫وقال ابن كثير في البداية والنهاية‪ :‬هذا إسناد صحيح )‪.(5/248‬‬

‫]‪ -[4‬روى ابن أبي شيبة في المصنف كتاب الزهد عن حذيفة قال‪ :‬دخلت على عمر وهو قاعد على جذع في‬
‫داره وهو يحدث نفسه‪ ،‬فدنوت منه فقلت‪ :‬ما الذي أهمك يا أمير المؤمنين؟ فقال هكذا بيده وأشار بها‪ ،‬قال‪:‬‬
‫قلت‪ :‬الذي يهمك وال لو رأينا منك أمرا ننكره لقومناك قال‪ :‬آل الذي ل إله إل هو لو رأيتم مني أمرا تنكرونه‬
‫لقومتموه؟ فقلت‪ :‬ال الذي ل إله إل هو لو رأينا منك أمرا ننكره لقومناك‪ .‬قال‪ :‬ففرح بذلك فرحا شديدا وقال‪:‬‬
‫الحمد ل الذي جعل فيكم ‪-‬أصحاب محمد‪ -‬من الذي إذا رأى مني أمرا ينكره قومني‪.‬‬
‫]‪ -[5‬رواه أحمد في المسند )‪ (6786‬عن عبد ال بن عمرو‪ ،‬وقال محققوه إسناده ضعيف لنقطاعه‪ ،‬والبزار‬
‫في المسند )‪ ،(6/362‬والحاكم في فضائل القرآن )‪ ،(4/108‬وقال‪ :‬حديث صحيح السناد ولم يخرجاه‪،‬‬
‫والبيهقي في الكبرى كتاب الغصب )‪ ،(6/95‬وقال الهيثمي في مجمع الزوائد‪ :‬رواه أحمد والبزار بإسنادين‬
‫ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح وكذلك رجال أحمد )‪ ،(7/518‬وضعفه اللباني في ضعيف الجامع )‬
‫‪.(501‬‬

‫]‪ -[6‬رواه مسلم في الجهاد والسير )‪ (1787‬عن حذيفة بن اليمان‪ ،‬وأول الحديث‪:‬حدثنا حذيفة بن اليمان ما‬
‫سيٌل( قال‪ :‬فأخذنا كفار قريش‪ ،‬قالوا‪ :‬إنكم تريدون محمدا؟ فقلنا‪:‬‬
‫ح َ‬
‫معنى أن أشهد بدرا إل أني خرجت أنا وأبي ) ُ‬
‫ما نريده‪ ،‬ما نريد إل المدينة‪ ،‬فأخذوا منا عهد ال وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ول نقاتل معه‪ ،‬فأتينا رسول‬
‫ال صلى ال عليه وسلم فأخبرناه الخبر فقال‪" :‬انصرفا نفي بعهدهم ونستعين ال عليهم"‪.‬‬

‫]‪ -[7‬رواه أحمد في المسند )‪ (15992‬عن رباح بن الربيع‪ ،‬وقال محققوه‪ :‬صحيح لغيره‪ ،‬وهذا إسناد حسن‪،‬‬
‫وأبو داود في الجهاد )‪ ،(2669‬وابن ماجه في الجهاد )‪ ،(2842‬وعبد الرزاق في المصنف كتاب أهل الكتاب )‬
‫‪ ،(6/132‬وأبو يعلى في المسند )‪ ،(3/115‬والطبراني في الكبير )‪ ،(5/72‬والبيهقي في الكبرى كتاب السير )‬
‫‪.(9/82‬‬

‫]‪ -[8‬رواه البخاري في الجهاد والسير )‪ (3015 -3014‬عن عبد ال بن عمر‪ ،‬ومسلم في الجهاد والسير )‬
‫‪ ،(1744‬وأبو داود في الجهاد )‪ ،(2668‬والترمذي في السير )‪ ،(1569‬وابن ماجه في الجهاد )‪.(2841‬‬

‫]‪ -[9‬انظر‪) :‬موسوعة العلوم السياسية( الصادرة عن جامعة الكويت‪ :‬فقرة )‪ (103‬صـ ‪.145 ،144‬‬

‫]‪ -[10‬انظر‪ :‬السلم وأصول الحكم صـ ‪.154‬‬

‫]‪ -[11‬التي كان يرأس تحريرها‪ ،‬وكانت هي مجلة علماء الزهر‪ ،‬وقد بدل اسمها بعد ذلك‪ ،‬وسميت )مجلة‬
‫الزهر(‪.‬‬

‫]‪ -[12‬هو من كلم البخاري في كتاب العتصام بالكتاب والسنة باب قول ال تعالى‪} :‬وأمرهم شورى بينهم{‬
‫]الشورى‪.[38:‬‬

‫]‪ -[13‬رواه البخاري في الزكاة )‪ (1400‬عن أبي هريرة‪ ،‬ومسلم في اليمان )‪ ،(21‬وأبو داود في الزكاة )‬
‫‪ ،(1556‬والترمذي في اليمان )‪ ،(2606‬والنسائي في الزكاة )‪ ،(2443‬وابن ماجه في الفتن )‪.(3927‬‬

‫]‪ -[14‬رويت القصة مع اختلف في تعليق عمر على قول المرأة‪ ،‬رواها عبد الرزاق في المصنف كتاب النكاح )‬
‫‪ (6/180‬وفيها‪ :‬فقال عمر‪ :‬إن امرأة خاصمت عمر فخصمته‪ ،‬وسعيد بن منصور في السنن )‪،(1/166‬‬
‫والبيهقي في الكبرى كتاب الصداق )‪ (7/233‬وفيهما‪ :‬فقال عمر‪ :‬كل أحد أفقه من عمر‪ .‬مرتين أو ثلثا‪.‬‬

‫]‪ -[15‬انظر‪ :‬تاريخ دمشق )‪ ،(12/145‬والبداية والنهاية )‪.(9/124‬‬

‫]‪ -[16‬انظر‪ :‬مقالة )ضللة فصل الّدين عن السياسة( من )رسائل الصلح( صـ ‪ 173 – 159‬طبعة المطبعة‬
‫التعاونية بدمشق‪.‬‬

‫]‪ -[17‬إنجيل متى‪.(5/17) :‬‬

‫]‪ -[18‬سفر اللويين‪.(14/14) :‬‬

‫]‪ -[19‬انظر‪ :‬جريدة )الخوان المسلمين( اليومية العدد ‪ 135‬الصفحة الولى‪ .‬نقل عن )أحاديث الجمعة( صـ‬
‫‪ 85 – 83‬لعصام تليمة‪.‬‬

‫]‪ [20‬نشرته دار الشروق بالقاهرة‬
‫تهمة السلم السياسي!‬

‫الفصل الثالث‬

‫تهمة السلم السياسي!‬

‫ومن التعبيرات التي ُيشّنع بها العلمانيون والحداثيون‪ :‬تعبير )السلم السياسي(‪ ،‬وهي عبارة دخيلة على‬
‫مجتمعنا السلمي بل ريب‪ ،‬ويعنون به السلم الذي ُيعنى بشئون المة السلمية وعلقاتها في الداخل‬
‫جه أمورها المادية والدبية كما‬
‫والخارج‪ ،‬والعمل على تحريرها من كل سلطان أجنبي يتحّكم في رقابها‪ ،‬وُيو ّ‬
‫يريد‪ ،‬ثم العمل كذلك على تحريرها من رواسب الستعمار الغربي الثقافية والجتماعية والتشريعية‪ ،‬لتعود من‬
‫جديد إلى تحكيم شرع ال تعالى في مختلف جوانب حياتها ‪...‬‬

‫وهم يطلقون هذه الكلمة )السلم السياسي( للتنفير من مضمونها‪ ،‬ومن الدعاة الصادقين‪ ،‬الذين يدعون إلى‬
‫السلم الشامل‪ ،‬باعتباره عقيدة وشريعة‪ ،‬وعبادة ومعاملة‪ ،‬ودعوة ودولة‪.‬‬

‫وقد كنت رددت على هذه الدعوة‪ ،‬وفّندت هذه التسمية‪ ،‬في فتوى مطّولة‪ ،‬ظهرت في الجزء الثاني من كتابي‪:‬‬
‫)فتاوى معاصرة(‪ ،‬يحسن بي أن أقتبس فقرات منها فيما يلي‪:‬‬

‫هذه التسمية مردودة وخاطئة‪:‬‬

‫خطة وضعها خصوم السلم‪ ،‬تقوم على تجزئة السلم وتفتيته بحسب تقسيمات مختلفة‪،‬‬ ‫وذلك لنها تطبيق ل ُ‬
‫فليس هو إسلًما واحًدا كما أنزله ال‪ ،‬وكما ندين به نحن المسلمين‪.‬‬

‫بل هو )إسلمات( متعّددة مختلفة كما يحب هؤلء‪.‬‬

‫فهو ينقسم أحياًنا بحسب القاليم‪ :‬فهناك السلم السيوي‪ ،‬والسلم الفريقي‪.‬‬

‫وأحياًنا بحسب العصور‪ :‬فهناك السلم النبوي‪ ،‬والسلم الراشدي‪ ،‬والسلم اُلموي‪ ،‬والسلم العباسي‪،‬‬
‫والسلم العثماني‪ ،‬والسلم الحديث‪.‬‬

‫وأحياًنا بحسب الجناس‪ :‬فهناك السلم العربي‪ ،‬والسلم الهندي‪ ،‬والسلم التركي‪ ،‬والسلم الماليزي ‪ ...‬إلخ‪.‬‬

‫سني إلى أقسام‪ ،‬والشيعي إلى‬
‫سني‪ ،‬والسلم الشيعي‪ ،‬وقد يقسمون ال ّ‬
‫وأحياًنا بحسب المذهب‪ :‬هناك السلم ال ّ‬
‫ضا‪.‬‬
‫أقسام أي ً‬

‫وزادوا على ذلك تقسيمات جديدة ‪ :‬فهناك السلم الثوري‪ ،‬والسلم الرجعي أو الراديكالي‪ ،‬والكلسيكي‪،‬‬
‫والسلم اليميني‪ ،‬والسلم اليساري‪ ،‬والسلم الُمتزّمت‪ ،‬والسلم الُمنفتح‪.‬‬

‫وأخيًرا السلم السياسي‪ ،‬والسلم الروحي‪ ،‬والسلم الزمني‪ ،‬والسلم اللهوتي!‬

‫ول ندري ماذا يخترعون لنا من تقسيمات ُيخّبئها ضمير الغد؟!‬

‫تقسيمات مرفوضة للسلم‪:‬‬

‫والحق أن هذه التقسيمات كّلها مرفوضة في نظر المسلم‪ ،‬فليس هناك إل إسلم واحد ل شريك له‪ ،‬ول اعتراف‬
‫بغيره‪ ،‬هو )السلم الول( إسلم القرآن والسنة‪.‬‬

‫السلم كما فهمه أفضل أجيال المة‪ ،‬وخير قرونها‪ ،‬من الصحابة ومن تبعهم بإحسان‪ ،‬مّمن أثنى ال عليهم‬
‫ورسوله‪.‬‬
‫حل‪ ،‬وشطحات‬‫شوبه الشوائب‪ ،‬وتلّوث صفاءه ُتّرَهات الِمَلل وتطرفات الِن َ‬‫فهذا هو السلم الصحيح‪ ،‬قبل أن ت ُ‬
‫سفات‬
‫طعين‪ ،‬وتع ّ‬ ‫الفلسفات‪ ،‬وابتداعات الِفَرق‪ ،‬وأهواء الُمجادلين‪ ،‬وانتحالت الُمبطلين‪ ،‬وتعقيدات الُمتن ّ‬
‫الُمتأّولين الجاهلين‪.‬‬

‫ثانًيا‪ :‬السلم ل يكون إل سياسًيا‪:‬‬

‫وهنا يجب أن ُأعلنها صريحة‪ :‬إن السلم الحق ‪-‬كما شرعه ال‪ -‬ل يمكن أن يكون إل سياسًيا‪ ،‬وإذا جّردت‬
‫السلم من السياسة‪ ،‬فقد جعلته ديًنا آخر يمكن أن يكون بوذية أو نصرانية‪ ،‬أو غير ذلك‪ ،‬أما أن يكون هو‬
‫السلم فل‪.‬‬

‫وذلك لسببين رئيسين ‪:‬‬

‫جه الحياة كلها‪:‬‬
‫السبب الول‪ :‬السلم يو ّ‬

‫صلب السياسة‪.‬‬
‫حا في كثير من المور التي ُتعتبر من ُ‬
‫حا‪ ،‬وحكًما صري ً‬
‫إن للسلم موقًفا واض ً‬

‫فالسلم ليس عقيدة لهوتية‪ ،‬أو شعائر تعّبدية فحسب‪ ،‬أعني أنه ليس مجرد علقة بين النسان وربه‪ ،‬ول‬
‫صلة له بتنظيم الحياة‪ ،‬وتوجيه المجتمع والدولة‪.‬‬

‫كل ‪ ...‬إنه عقيدة‪ ،‬وعبادة‪ ،‬وخلق‪ ،‬وشريعة متكاملة‪ ،‬وبعبارة أخرى‪ :‬هو منهاج كامل للحياة‪ ،‬بما وضع من‬
‫ن من تشريعات‪ ،‬وما بّين من توجيهات‪ ،‬تّتصل بحياة الفرد‪ ،‬وشؤون‬
‫صل من قواعد‪ ،‬وما س ّ‬
‫مبادئ‪ ،‬وما أ ّ‬
‫السرة‪ ،‬وأوضاع المجتمع‪ ،‬وُأسس الدولة‪ ،‬وعلقات العالم‪.‬‬

‫حا كل الوضوح‪.‬‬
‫ومن قرأ القرآن الكريم والسنة المطهرة‪ ،‬وكتب الفقه السلمي بمختلف مذاهبه‪ ،‬وجد هذا واض ً‬

‫جِمُعون على أن ترك الصلة‪ ،‬ومنع‬ ‫حتى إن قسم العبادات من الفقه ليس بعيًدا عن السياسة‪ ،‬فالمسلمون ُم ْ‬
‫الزكاة‪ ،‬والمجاهرة بالفطر في رمضان‪ ،‬وإهمال فريضة الحج مما يوجب العقوبة‪ ،‬والتعزير‪ ،‬وقد يقتضي القتال‬
‫إذا تظاهرت عليه فئة ذات شوكة‪ ،‬كما فعل أبو بكر رضي ال عنه مع مانعي الزكاة‪.‬‬

‫إن فكرة التوحيد في السلم تقوم على أن المسلم ل يبغي غير ال رًبا‪ ،‬ول يّتخذ غير ال ولًيا‪ ،‬ول يبتغي غير‬
‫حَكًما‪ ،‬كما بّينت ذلك سورة التوحيد الكبرى المعرفة باسم )سورة النعام(‪.‬‬
‫ال َ‬

‫وعقيدة التوحيد في حقيقتها ما هي إل ثورة لتحقيق الحرية والمساواة والخّوة للبشر‪ ،‬حتى ل يتخّذ بعض‬
‫ضا أرباًبا من دون ال‪ ،‬وُتبطل عبودية النسان للنسان‪ ،‬ولذا كان الرسول الكريم صلوات ال عليه‬ ‫الناس بع ً‬
‫ب َتَعاَلْوا ِإَلى َكِلَمٍة‬‫يختم رسائله إلى ملوك أهل الكتاب بهذه الية الكريمة من سورة آل عمران‪َ} :‬يا َأْهَل اْلِكَتا ِ‬
‫ن َتَوّلْوا َفُقوُلوا‬
‫ل َفِإ ْ‬‫ن ا ِّ‬
‫ن ُدو ِ‬ ‫ضَنا َبْعضًا َأْرَبابًا ِم ْ‬
‫خَذ َبْع ُ‬
‫شْيئًا َول َيّت ِ‬
‫ك ِبِه َ‬
‫شِر َ‬
‫ل َول ُن ْ‬
‫سَواٍء َبْيَنَنا َوَبْيَنُكْم َأّل َنْعُبَد ِإّل ا َّ‬‫َ‬
‫ن{ ]آل عمران‪.[64:‬‬ ‫سِلُمو َ‬ ‫شَهُدوا ِبَأّنا ُم ْ‬ ‫ا ْ‬

‫وهذا سر وقوف المشركين وكبراء مكة في وجه الدعوة السلمية‪ ،‬من أول يوم‪ ،‬بمجرد رفع راية )ل إله إل‬
‫ال( فقد كانوا ُيدركون ماذا وراءها‪ ،‬وماذا تحمل من معاني التغيير للحياة الجتماعية والسياسية‪ ،‬بجانب‬
‫التغيير الديني المعلوم بل ريب‪.‬‬

‫السبب الثاني‪ :‬شخصية المسلم شخصية سياسية‪:‬‬

‫إن شخصية المسلم ‪-‬كما كّونها السلم وصنعتها عقيدته وشريعته وعبادته وتربيته‪ -‬ل يمكن إل أن تكون‬
‫سياسية‪ ،‬إل إذا ساء َفهمها للسلم‪ ،‬أو ساء تطبيقها له‪.‬‬

‫فالسلم يضع في عنق كل مسلم فريضة اسمها‪ :‬المر بالمعروف‪ ،‬والنهي عن المنكر وقد ُيعّبر عنها بعنوان‪:‬‬
‫ح في الحديث اعتبارها الّدين كله]‪ ،[1‬وقد ُيعبر عنها‬
‫النصيحة لئمة المسلمين وعامتهم‪ ،‬وهي التي ص ّ‬
‫ضحت‬
‫خسر الدنيا والخرة‪ ،‬كما و ّ‬
‫بالتواصي بالحق‪ ،‬والتواصي بالصبر‪ ،‬وهما من الشروط الساسية للنجاة من ُ‬
‫ذلك )سورة العصر(‪.‬‬

‫وُيحّرض الرسول صلى ال عليه وسلم المسلم على مقاومة الفساد في الداخل‪ ،‬ويعتبره أفضل من مقاومة‬
‫الغزو من الخارج‪ ،‬فيقول حين سئل عن أفضل الجهاد ‪" :‬أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"]‪ ،[2‬وذلك‬
‫لن فساد الداخل هو الذي يمّهد السبيل لعدوان الخارج‪.‬‬

‫ويعتبر الشهادة هنا من أعلى أنواع الشهادة في سبيل ال‪" :‬سيد الشهداء حمزة‪ ،‬ثم رجل قام إلى إمام جائر‬
‫فأمره ونهاه فقتله"]‪.[3‬‬

‫ويغرس في نفس المسلم رفض الظلم‪ ،‬والتمّرد على الظالمين حتى إنه ليقول في دعاء القنوت المروي عن ابن‬
‫مسعود‪ ،‬وهو المعمول به في المذهب الحنفي وغيره‪" :‬نشكرك ال ول نكفرك‪ ،‬ونخلع ونترك من َيفجُرك"]‪.[4‬‬

‫ث والتحريض‪ ،‬فيقول‪:‬‬ ‫غب في القتال لنقاذ الُمضطهدين‪ ،‬والُمستضعفين في الرض‪ ،‬بأبلغ عبارات الح ّ‬ ‫وُير ّ‬
‫جَنا ِم ْ‬
‫ن‬ ‫خِر ْ‬
‫ن َرّبَنا َأ ْ‬
‫ن َيُقوُلو َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ساءِ َواْلِوْلَدا ِ‬
‫جاِل َوالّن َ‬ ‫ن الّر َ‬ ‫ن ِم َ‬
‫ضَعِفي َ‬‫سَت ْ‬ ‫ل َواْلُم ْ‬‫سِبيِل ا ِّ‬‫ن ِفي َ‬ ‫}َوَما َلُكْم ل ُتَقاِتُلو َ‬
‫صيرًا{ ]النساء‪.[75:‬‬ ‫ك َن ِ‬‫ن َلُدْن َ‬
‫جَعْل َلَنا ِم ْ‬
‫ك َوِلّيا َوا ْ‬‫ن َلُدْن َ‬
‫جَعْل َلَنا ِم ْ‬
‫ظاِلِم َأْهُلَها َوا ْ‬
‫َهِذِه اْلَقْرَيِة ال ّ‬

‫ضيم‪ ،‬ويرضون بالقامة في أرض يهانون فيها‬ ‫ب جام غضبه‪ ،‬وشديد إنكاره على الذين يقبلون ال ّ‬ ‫ويص ّ‬
‫ن َتَوّفاُهُم اْلَملِئَكةُ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ويظلمون‪ ،‬ولديهم القدرة على الهجرة منها والفرار إلى أرض سواها‪ ،‬فيقول‪ِ} :‬إ ّ‬
‫جُروا ِفيَها‬‫سَعًة َفُتَها ِ‬
‫ل َوا ِ‬ ‫ض ا ِّ‬‫ن َأْر ُ‬ ‫ض َقاُلوا َأَلْم َتُك ْ‬
‫ن ِفي اَْلْر ِ‬ ‫ضَعِفي َ‬
‫سَت ْ‬‫سِهْم َقاُلوا ِفيَم ُكْنُتْم َقاُلوا ُكّنا ُم ْ‬
‫ظاِلِمي َأْنُف ِ‬ ‫َ‬
‫حيَلًة َول‬‫ن ِ‬‫طيُعو َ‬ ‫سَت ِ‬
‫ن ل َي ْ‬ ‫ساِء َواْلِوْلَدا ِ‬‫جالِ َوالّن َ‬ ‫ن الّر َ‬‫ن ِم َ‬
‫ضَعِفي َ‬
‫سَت ْ‬‫صيرًا * ِإّل اْلُم ْ‬ ‫ت َم ِ‬‫ساَء ْ‬ ‫جَهّنُم َو َ‬ ‫ك َمْأَواُهْم َ‬ ‫َفُأوَلِئ َ‬
‫غُفورًا{ ]النساء‪.[99-97:‬‬ ‫عُفّوا َ‬‫ل َ‬‫ن ا ُّ‬
‫عْنُهْم َوَكا َ‬‫ن َيْعُفَو َ‬
‫ل َأ ْ‬
‫سى ا ُّ‬ ‫عَ‬ ‫ك َ‬ ‫ل * َفُأوَلِئ َ‬‫سِبي ً‬
‫ن َ‬ ‫َيْهَتُدو َ‬

‫ظَنة الرجاء‬
‫عْنُهْم{‪ ،‬فجعل ذلك في َم ِ‬
‫ن َيْعُفَو َ‬
‫ل َأ ْ‬
‫سى ا ُّ‬
‫ع َ‬
‫حتى هؤلء العجزة والضعفاء قال القرآن في شأنهم‪َ } :‬‬
‫ل‪.‬‬‫من ال تعالى‪ ،‬زجًرا عن الرضا بالذل والظلم ما وجد المسلم إلى رفضه سبي ً‬

‫وحديث القرآن الُمتكّرر عن الُمتجبرين في الرض من أمثال فرعون‪ ،‬وهامان‪ ،‬وقارون وأعوانهم وجنودهم‪،‬‬
‫حديث يمل قلب المسلم بالنقمة عليهم‪ ،‬والنكار لسيرتهم‪ ،‬والبغض لطغيانهم‪ ،‬والنتصار ‪-‬فكرًيا وشعورًيا‪-‬‬
‫لضحاياهم من المظلومين والمستضعفين‪.‬‬

‫وحديث القرآن والسنة عن السكوت على المنكر‪ ،‬والوقوف موقف السلب من مقترفيه ‪-‬حكاًما أو محكومين‪-‬‬
‫حديث ُيزلزل كل من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان‪.‬‬

‫صْوا وََكاُنوا‬
‫ع َ‬
‫ك ِبَما َ‬
‫ن َمْرَيَم َذِل َ‬
‫سى اْب ِ‬
‫عي َ‬
‫ن َداُوَد وَ ِ‬
‫سا ِ‬
‫عَلى ِل َ‬
‫سرائيَل َ‬
‫ن َبِني ِإ ْ‬
‫ن َكَفُروا ِم ْ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫يقول القرآن ‪ُ} :‬لِع َ‬
‫ن * كانوا ل يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون{ ]المائدة ‪.[78،79:‬‬ ‫َيْعَتُدو َ‬

‫ويقول الرسول صلى ال عليه وسلم‪" :‬من رأى منكم منكًرا فلُيغيره بيده‪ ،‬فإن لم يستطع فبلسانه‪ ،‬فإن لم‬
‫يستطع فبقلبه‪ ،‬وذلك أضعف اليمان"]‪.[5‬‬

‫ومن الخطأ الظن بأن المنكر ينحصر في الزنى‪ ،‬وشرب الخمر‪ ،‬وما في معناهما‪.‬‬

‫إن الستهانة بكرامة الشعب منكر أي منكر‪ ،‬وتزوير النتخابات منكر أي منكر‪ ،‬والقعود عن الدلء بالشهادة‬
‫في النتخابات منكر أي منكر‪ ،‬لنه كتمان للشهادة‪ ،‬وتوسيد المر إلى غير أهله منكر أي منكر‪ ،‬وسرقة المال‬
‫العام منكر أي منكر‪ ،‬واحتكار السلع التي يحتاج إليها الناس لصالح فرد أو فئة منكر أي منكر‪ ،‬واعتقال الناس‬
‫بغير جريمة حكم بها القضاء العادل منكر أي منكر‪ ،‬وتعذيب الناس داخل السجون والمعتقلت منكر أي منكر‪،‬‬
‫ودفع الرشوة وقبولها والتوسط فيها منكر أي منكر‪ ،‬وتمّلق الحكام بالباطل وإحراق البخور بين أيديهم منكر أي‬
‫منكر‪ ،‬وموالة أعداء ال وأعداء المة من دون المؤمنين منكر أي منكر‪.‬‬

‫صلب السياسة‪.‬‬
‫وهكذا نجد دائرة المنكرات تّتسع وتّتسع لتشمل كثيًرا مما يعّده الناس في ُ‬
‫سع المسلم الشحيح بدينه‪ ،‬الحريص على مرضاة ربه‪ ،‬أن يقف صامًتا؟ أو ينسحب من الميدان هارًبا‪،‬‬ ‫فهل َي َ‬
‫أمام هذه المنكرات وغيرها ‪ ...‬خوًفا أو طمًعا‪ ،‬أو إيثاًرا للسلمة؟‬

‫غَدت أمة أخرى‪ ،‬غير‬ ‫حِكم عليها بالفناء‪ ،‬لنها َ‬ ‫إن مثل هذه الروح إن شاعت في المة فقد انتهت رسالتها‪ ،‬و ُ‬
‫ن اْلُمْنَكِر َوُتْؤِمُنونَ‬
‫عِ‬‫ن َ‬‫ف َوَتْنَهْو َ‬
‫ن ِباْلَمْعُرو ِ‬
‫س َتْأُمُرو َ‬
‫ت ِللّنا ِ‬
‫ج ْ‬
‫خِر َ‬
‫خْيَر ُأّمٍة ُأ ْ‬
‫المة التي وصفها ال بقوله‪ُ} :‬كْنُتْم َ‬
‫ل{ ]آل عمران‪.[110:‬‬‫ِبا ِّ‬

‫ول عجب أن نسمع هذا النذير النبوي للمة في هذا الموقف إذ يقول‪" :‬إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم ‪ :‬يا‬
‫ظالم فقد ُتوّدع منهم"]‪ .[6‬أي فقدوا أهلية الحياة‪.‬‬

‫إن المسلم مطالب ‪-‬بمقتضى إيمانه‪ -‬أل يقف موقف المتفرج من المنكر‪ ،‬أًيا كان نوعه ‪ :‬سياسًيا كان أو‬
‫اقتصادًيا أو اجتماعًيا أو ثقافًيا‪ ،‬بل عليه أن يقاومه ويعمل على تغييره باليد‪ ،‬إن استطاع‪ ،‬وإل فباللسان‬
‫والبيان‪ ،‬فإن عجز عن التغيير باللسان انتقل إلى آخر المراحل وأدناها‪ ،‬وهي التغيير بالقلب‪ ،‬وهي التي جعلها‬
‫الحديث ‪" :‬أضعف اليمان"‪.‬‬

‫وإنما سماه الرسول صلى ال عليه وسلم تغييًرا بالقلب‪ ،‬لنه تعبئة نفسية وشعورية ضد المنكر وأهله وحماته‪،‬‬
‫ضا‪ ،‬كما يتوهم‪ ،‬ولو كانت كذلك ما سماها الحديث )تغييًرا(‪.‬‬
‫وهذه التعبئة ليست أمًرا سلبًيا مح ً‬

‫وهذا التعبئة المستمرة للنفس‪ ،‬والمشاعر‪ ،‬والضمائر ل بد لها أن تتنّفس يوًما ما‪ ،‬في عمل إيجابي‪ ،‬قد يكون‬
‫ثورة عارمة أو انفجاًرا ل ُيبقى ول ُيذر‪ ،‬فإن توالى الضغط ل بد أن ُيوّلد النفجار‪ ،‬سنة ال في خلقه‪.‬‬

‫وإذا كان هذا الحديث سمي هذا الموقف )تغييًرا بالقلب(‪ ،‬فإن حديًثا نبوًيا آخر سماه )جهاد القلب(‪ ،‬وهي آخر‬
‫عا‪" :‬ما من نبي‬
‫درجات الجهاد‪ ،‬كما أنها آخر درجات اليمان وأضعفها‪ ،‬فقد روى مسلم عن ابن مسعود مرفو ً‬
‫بعثه ال في أمة قبلي إل كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته‪ ،‬ويقتدون بأمره‪ ،‬ثم إنها تخلف من‬
‫خُلوف يقولون ما ل يفعلون‪ ،‬ويفعلون ما ل يؤمرون‪ ،‬فَمن جاهدهم بيده فهو مؤمن‪ ،‬وَمن جاهدهم‬ ‫بعدهم ُ‬
‫بلسانه فهو مؤمن‪ ،‬وَمن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن‪ ،‬ليس ذلك من اليمان حبة خردل"]‪.[7‬‬

‫صا إذا انتشر شراره واشتد أواره‪ ،‬وَقِوي فاعلوه‪ ،‬أو كان‬
‫وقد يعجز الفرد وحده عن مقاومة المنكر‪ ،‬وخصو ً‬
‫المنكر من ِقَبل المراء الذين يفترض فيهم أن يكونوا هم أول المحاربين له‪ ،‬ل أصحابه وحّراسه‪ ،‬وهنا يكون‬
‫المر كما قال المثل ‪ :‬حاميها حراميها‪ ،‬أو كما قال الشاعر ‪:‬‬

‫فكيف إذا الرعاة لها ذئاب؟!‬ ‫وراعي الشاة يحمي الذئب عنها‬

‫وهنا يكون التعاون على تغيير المنكر واجًبا ل ريب فيه‪ ،‬لنه تعاون على البر والتقوى‪ ،‬ويكون العمل الجماعي‬
‫عن طريق الجمعيات أو الحزاب‪ ،‬وغيرها من القنوات المتاحة‪ ،‬فريضة يوجبها الّدين‪ ،‬كما أنه ضرورة ُيحّتمها‬
‫الواقع‪.‬‬

‫بين الحق والواجب‪:‬‬

‫إن ما ُيعتبر في الفلسفات والنظمة المعاصرة )حًقا( للنسان في التعبير والنقد والمعارضة‪َ ،‬يرقى به السلم‬
‫ليجعله فريضة مقدسة يبوء بالثم‪ ،‬ويستحق عقاب ال إذا فّرط فيها‪.‬‬

‫حٍل من تركه إن‬
‫وفرق كبير بين )الحق( الذي يدخل في دائرة )الباحة(‪ ،‬أو )التخيير( الذي يكون النسان في ِ‬
‫شاء‪ ،‬وبين )الواجب( أو )الفرض( الذي ل خيار للمكلف في تركه أو إغفاله بغير عذر يقبله الشرع‪.‬‬

‫ومّما يجعل المسلم سياسًيا دائًما‪ :‬أنه مطالب بمقتضى إيمانه أل يعيش لنفسه وحدها‪ ،‬دون اهتمام بمشكلت‬
‫خَوٌة{ ]الحجرات‪.[10:‬‬
‫ن ِإ ْ‬
‫صا المؤمنين منهم‪ ،‬بحكم ُأخوة اليمان‪ِ} :‬إّنَما اْلُمْؤِمُنو َ‬
‫الخرين وهمومهم‪ ،‬وخصو ً‬
‫حا ل ولرسوله ولئمة المسلمين‬
‫وفي الحديث ‪َ" :‬من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم‪ ،‬وَمن لم يصبح ناص ً‬
‫صة بات فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة ال وذمة رسوله"]‬
‫عْر َ‬
‫وعامتهم فليس منهم"]‪" ،[8‬وأيما أهل َ‬
‫‪.[9‬‬

‫ض الخرين على إطعامه ‪ ...‬ول يكون‬ ‫والقرآن كما يفرض على المسلم أن ُيطعم المسكين‪ ،‬يفرض على أن يح ّ‬
‫ن{‬
‫سِكي ِ‬‫طَعاِم اْلِم ْ‬
‫عَلى َ‬ ‫ن َ‬ ‫ضو َ‬
‫حا ّ‬‫ن اْلَيِتيَم * َول َت َ‬
‫ل َبْل ل ُتْكِرُمو َ‬
‫كأهل الجاهلية الذين ذّمهم القرآن بقوله‪َ} :‬ك ّ‬
‫ن*‬‫ب ِبالّدي ِ‬
‫ت اّلِذي ُيَكّذ ُ‬
‫]الفجر‪ ،[17،18:‬ويجعل القرآن التفريط في هذا المر من دلئل التكذيب بالّدين‪َ} :‬أَرَأْي َ‬
‫ن{ ]الماعون‪.[3-1:‬‬ ‫سِكي ِ‬
‫طَعاِم اْلِم ْ‬
‫عَلى َ‬
‫حضّ َ‬
‫ع اْلَيِتيَم * َول َي ُ‬
‫ك اّلِذي َيُد ّ‬
‫َفَذِل َ‬

‫وهذا في المجتمعات الرأسمالية والقطاعية المضيعة لحقوق المساكين والضعفاء تحريض على الثورة‪ ،‬وح ّ‬
‫ض‬
‫على الوقوف مع الفقراء في مواجهة الغنياء‪.‬‬

‫ضا بمحاربة الظلم السياسي‪ ،‬وكل ظلم أًيا كان‬
‫وكما أن المسلم مطاَلب بمقاومة الظلم الجتماعي‪ ،‬فهو مطاَلب أي ً‬
‫اسمه ونوعه ‪ ...‬والسكوت عن الظلم والتهاون فيه‪ ،‬يوجب العذاب على المة كلها‪ :‬الظالم والساكت عنه‪ ،‬كما‬
‫صًة{ ]النفال‪.[25:‬‬‫خا ّ‬
‫ظَلُموا ِمْنُكْم َ‬
‫ن َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫صيَب ّ‬
‫قال تعالى‪َ} :‬واّتُقوا ِفْتَنًة ل ُت ِ‬

‫ن َلْم‬
‫وقد ذّم القرآن القوام الذين أطاعوا الجبابرة الطغاة وساروا في ركابهم كقوله عن قوم نوح‪َ} :‬واّتَبُعوا َم ْ‬
‫سارًا{ ]نوح‪.[21:‬‬
‫خ َ‬
‫َيِزْدُه َماُلُه َوَوَلُدُه ِإّل َ‬

‫ظَلُموا‬
‫ن َ‬
‫بل جعل القرآن ُمجّرد الركون والميل النفسي إلى الظالمين موجًبا لعذاب ال‪َ} :‬ول َتْرَكُنوا ِإَلى اّلِذي َ‬
‫ن{ ]هود‪.[113:‬‬ ‫صُرو َ‬
‫ن َأْوِلَياَء ُثّم ل ُتْن َ‬
‫ل ِم ْ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن ُدو ِ‬
‫سُكُم الّناُر َوَما َلُكْم ِم ْ‬
‫َفَتَم ّ‬

‫وُيحّمل السلم كل مسلم مسئولية سياسية‪ :‬أن يعيش في دولة يقودها إمام مسلم يحكم بكتاب ال‪ ،‬ويبايعه‬
‫الناس على ذلك‪ ،‬وإل التحق بأهل الجاهلية‪ ،‬ففي الحديث الصحيح ‪" :‬من مات وليس في عنقه بيعة لمام مات‬
‫ميتة جاهلية"]‪.[10‬‬

‫الصلة والسياسة‪:‬‬

‫وكما ذكرنا من قب أن المسلم قد يكون في قلب الصلة‪ ،‬ومع هذا يخوض في بحر السياسة حين يتلو من كتاب‬
‫صلب ما يسميه الناس )سياسة(‪.‬‬
‫ال الكريم آيات تتعلق بأمور تدخل في ُ‬

‫حكم بما أنزل ال‪ ،‬وتدمغ من لم يحكم بما أنزل ال سبحانه‬ ‫فمن يقرأ في سورة المائدة‪ :‬اليات التي تأمر بال ُ‬
‫حُكْم ِبَما‬
‫ن َلْم َي ْ‬
‫ن{ ]المائدة‪َ} ،[44:‬وَم ْ‬ ‫ك ُهُم اْلَكاِفُرو َ‬ ‫ل َفُأوَلِئ َ‬
‫حُكْم ِبَما َأْنَزَل ا ُّ‬
‫ن َلْم َي ْ‬
‫بالكفر والظلم والفسوق ‪َ} :‬وَم ْ‬
‫ن{ ]المائدة‪،[47:‬‬ ‫سُقو َ‬
‫ك ُهُم اْلَفا ِ‬
‫ل َفُأوَلِئ َ‬
‫حُكْم ِبَما َأْنَزَل ا ُّ‬
‫ن َلْم َي ْ‬
‫ن{ ]المائدة‪َ} ،[45:‬وَم ْ‬ ‫ظاِلُمو َ‬
‫ك ُهُم ال ّ‬
‫ل َفُأوَلِئ َ‬
‫َأْنَزَل ا ُّ‬
‫يكون قد دخل في السياسة‪ ،‬وربما اعُتبر من المعارضة الُمتطرفة‪ ،‬لنه بتلوة هذه اليات ُيوجه الّتهام إلى‬
‫النظام الحاكم‪ ،‬وُيحرض عليه‪ ،‬لنه موصوف بالكفر أو الظلم أو الفسق أو بها كلها‪.‬‬

‫ن َأْوِلَياَء‬
‫خُذوا اْلَكاِفِري َ‬
‫ن آَمُنوا ل َتّت ِ‬
‫ومثل ذلك من يقرأ اليات التي ُتحذر من موالة غير المؤمنين‪َ} :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫طانًا ُمِبينًا{ ]النساء‪.[144:‬‬ ‫سْل َ‬
‫عَلْيُكْم ُ‬
‫ل َ‬
‫جَعُلوا ِّ‬
‫ن َت ْ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ن َأُتِريُدو َ‬
‫ن اْلُمْؤِمِني َ‬
‫ن ُدو ِ‬
‫ِم ْ‬

‫ت )قنوت النوازل( الُمقّرر في الفقه‪ ،‬وهو الدعاء الذي ُيدعى به في الصلوات بعد الرفع من الركعة‬
‫ومن َقَن َ‬
‫صا في الصلة الجهرية‪ ،‬وهو مشروع عندما تنزل بالمسلمين نازلة‪ ،‬كغزو عدو‪ ،‬أو وقوع‬ ‫الخيرة‪ ،‬وخصو ً‬
‫زلزال‪ ،‬أو فيضان أو مجاعة عامة‪ ،‬أو نحو ذلك ‪ ...‬كما نفعل كثيرا عندما يقع عدوان صهيوني كبير على‬
‫فلسطين‪ ،‬أو على لبنان‪ ،‬وكما حدث كثيرا في حرب السوفيت لفغانستان‪ ،‬وحرب الصرب للبوسنة والهرسك‬
‫وغيرها‪.‬‬

‫غماره‪ ،‬ونحن في محراب الصلة متبتلون خاشعون ‪ ...‬فهذه هي‬‫وهكذا كنا ندخل في ُمعترك السياسة‪ ،‬ونخوض ِ‬
‫طبيعة السلم‪ ،‬ل ينعزل فيه دين عن دنيا‪ ،‬ول تنفصل فيه دنيا عن دين‪ ،‬ول يعرف قرآنه ول سنته ول تاريخه‬
‫ديًنا بل دولة‪ ،‬ول دولة بل دين ‪...‬‬
‫الساسة يدخلون الّدين في السياسة متى أرادوا!‬

‫الذين زعموا أن الّدين ل علقة له بالسياسة من قبل‪ ،‬والذين اخترعوا أكذوبة )ل دين في السياسة‪ ،‬ول سياسة‬
‫في الّدين( من بعد‪ ،‬أول من كّذبوها بأقوالهم وأفعالهم‪.‬‬

‫فطالما لجأ هؤلء إلى الّدين ليتخذوا منه أداة في خدمة سياستهم‪ ،‬والتنكيل بخصومهم‪ ،‬وطالما استخدموا بعض‬
‫الضعفاء والمهازيل من المنسوبين إلى علم الّدين‪ ،‬ليستصدروا منهم فتاوى ضّد من ُيعارض سياستهم الباطلة‬
‫دينا‪ ،‬والعاطلة دنيا‪.‬‬

‫ل زلت أذكر كيف صدرت الفتاوى ونحن في معتقل الطور سنة ‪1948‬م‪ 1949 ،‬م بأننا ‪-‬نحن الدعاة إلى تحكيم‬
‫طع أيدينا‬
‫القرآن وتطبيق السلم‪ -‬نحارب ال ورسوله ونسعى في الرض فساًدا فحقنا أن ُنقتل أو ُنصلب‪ ،‬أو ُتق ّ‬
‫خلف‪ ،‬أو ننفى من الرض!‬
‫وأرجلنا من ِ‬

‫وتكّرر هذا في أكثر من عهد‪ ،‬تتكّرر المسرحية وإن تغيرت الوجوه!‬

‫ولزلت أذكر ‪-‬ويذكر الناس‪ -‬كيف طلب من أهل الفتوى أن يصدروا فتواهم بمشروعية الصلح مع إسرائيل‪،‬‬
‫تأييًدا لسياستهم النهزامية‪ ،‬بعد أن أصدرت الفتوى من قبل بتحريم الصلح معها‪ ،‬واعتبار ذلك خيانة ل‬
‫ولرسوله وللمؤمنين!‬

‫ول زال الحكام يلجأون إلى علماء الّدين‪ ،‬ليفرضوا عليهم فتاوى تخدم أغراضهم السياسية‪ ،‬وآخرها محاولت‬
‫تحليل فوائد البنوك وشهادات الستثمار‪ ،‬فيستجيب لهم كل رخو العود ‪-‬ممن قّل فقههم أو قّل دينهم‪ -‬ويأبى‬
‫سيبًا{‬
‫حِ‬
‫ل َ‬‫ل َوَكَفى ِبا ِّ‬
‫حدًا ِإّل ا َّ‬
‫ن َأ َ‬
‫شْو َ‬
‫خ َ‬
‫شْوَنُه َول َي ْ‬
‫خ َ‬
‫ل َوَي ْ‬
‫ت ا ِّ‬
‫سال ِ‬
‫ن ِر َ‬
‫ن ُيَبّلُغو َ‬
‫عليهم العلماء الراسخون ‪} :‬اّلِذي َ‬
‫]الحزاب‪.[39:‬‬

‫‪--------------------------------------------------------------------------------‬‬

‫]‪ -[1‬إشارة إلى حديث‪" :‬الدين النصيحة"‪ ،‬وقد رواه مسلم في اليمان )‪ ،(55‬وأحمد في المسند )‪،(19640‬‬
‫وأبو داود في الدب )‪ ،(4944‬والبيعة )‪ ،(4197‬عن تميم الداري‪.‬‬

‫]‪ -[2‬رواه أحمد في المسند )‪ ،(11035‬وذكر محققوه لقوله‪" :‬أل ان أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان‬
‫جائر" شاهدين وقالوا‪ :‬بهذين الشاهدين حسن لغيره‪ ،‬وأبو داود في الملحم )‪ ،(4344‬والترمذي في الفتن )‬
‫‪ ،(2174‬وقال‪ :‬حديث حسن غريب من هذا الوجه‪ ،‬وابن ماجه في الفتن )‪ ،(4011‬عن أبي سعيد الخدري‪.‬‬

‫]‪ -[3‬رواه الحاكم في المستدرك كتاب معرفة الصحابة )‪ ،(3/215‬وقال‪ :‬صحيح السناد ولم يخرجاه‪ ،‬عن جابر‪،‬‬
‫وحسنه اللباني في صحيح الجامع )‪.(3675‬‬

‫]‪ -[4‬رواه عبد الرزاق في المصنف كتاب الصلة )‪ ،(3/110‬وابن أبي شيبة في المصنف كتاب الصلة )‬
‫‪ ،(2/106‬والبيهقي في الكبرى جماع أبواب صفة الصلة )‪ ،(2/210‬عن عمر موقوفا‪.‬‬

‫]‪ -[5‬رواه مسلم في اليمان )‪ ،(49‬وأحمد في المسند )‪ ،(11150‬وأبو داود في الصلة )‪ ،(1140‬والترمذي‬
‫في الفتن )‪ ،(2172‬والنسائي في اليمان وشرائعه )‪ ،(5008‬وابن ماجه الفتن )‪ ،(4012‬عن أبي سعيد‪.‬‬

‫]‪ -[6‬رواه أحمد في المسند )‪ ،(6521‬وقال محققوه‪ :‬إسناده ضعيف‪ ،‬رجاله ثقات رجال الصحيح‪ ،‬إل أن أبا‬
‫الزبير لم يسمع من عبد ال بن عمرو فيما قال أبو حاتم في المراسيل‪ ،‬ونقله أيضا عن ابن معين‪ ،‬ونقل ابن‬
‫عدي في الكامل قوله‪ :‬لم يسمع أبو الزبير من عبد ال بن عمرو ولم يره‪ ،‬والبزار في المسند )‪،(6/362‬‬
‫والحاكم في المستدرك كتاب الحكام )‪ ،(4/108‬وقال‪ :‬صحيح السناد ولم يخرجاه‪ ،‬والبيهقي في الكبرى كتاب‬
‫الغصب )‪ ،(6/95‬عن عبد ال بن عمرو‪ ،‬وقال الهيثمي في مجمع الزوائد‪ :‬رواه أحمد والبزار والطبراني وأحد‬
‫إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح وكذلك إسناد أحمد إل أنه وقع فيه في الصل غلط )‪.(7/531‬‬
‫]‪ -[7‬رواه مسلم في اليمان )‪ ،(50‬وأحمد في المسند )‪ ،(4379‬عن ابن مسعود‪.‬‬

‫]‪ -[8‬رواه الطبراني في الصغير )‪ ،(2/131‬والوسط )‪ ،(7/270‬عن حذيفة بن اليمان‪ ،‬وقال الهيثمي في مجمع‬
‫الزوائد‪ :‬رواه الطبراني في الوسط والصغير وفيه عبد ال بن أبي جعفر الرازي ضعفه محمد بن حميد ووثقه‬
‫أبو حاتم وأبو زرعة وابن حبان )‪.(1/264‬‬

‫]‪ -[9‬رواه أحمد في المسند )‪ ،(4880‬وقال محققوه‪ :‬إسناده ضعيف لجهالة أبي بشر‪ ،‬وأبو يعلى في المسند )‬
‫‪ ،(10/115‬والطبراني في الوسط )‪ ،(8/210‬والحاكم في المستدرك كتاب البيوع )‪ ،(2/14‬وقال الذهبي‪:‬‬
‫عمرو بن الحصين العقيلي تركوه‪ ،‬وأصبغ بن زيد الجهني فيه لين‪ ،‬عن ابن عمر‪ ،‬وقال الهيثمي في مجمع‬
‫الزوائد‪ :‬رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الوسط وفيه أبو بشر الملوكي ضعفه ابن معين )‬
‫‪.(4/180‬‬

‫]‪-[10‬‬

‫السياسة بين النص والمصلحة‬

‫الفصل الرابع‬

‫السياسة بين النص والمصلحة‬

‫ومن النقاط المهمة التي يتحدث عنها كثيرون من الحداثيين والعلمانيين‪ :‬أن السياسة إذا ارتبطت بالّدين‪ ،‬فإن‬
‫الّدين يقيدها‪ ،‬ويعوقها عن النطلق‪ ،‬وخصوصا إذا ُفهم الّدين على أنه التزام بالنصوص الجزئية والتفصيلية‬
‫من الكتاب والسنة‪.‬‬

‫فالسياسة تحتاج إلى أن تتحرك في فضاء واسع من النظر في المصالح والمفاسد والموازنة بينهما إذا‬
‫تعارضتا‪ .‬وكثيرا ما تحتاج السياسة إلى الكر والفر‪ ،‬وإلى نوع من الدهاء والمكر مع العداء‪ .‬وقد ل يبيح الّدين‬
‫حل من‬ ‫لصحابه كل هذا القدر من التوسع والترخص‪ .‬وبذلك تكون الغلبة لعداء الّدين‪ ،‬حيث يكونون هم في ِ‬
‫اللتزام بأية قيود‪ ،‬ونكون ‪-‬نحن المسلمين‪ -‬المكبلين بالوامر والنواهي‪.‬‬

‫وهذا ما لم نتخذ طريقا آخر في َفهم الّدين‪ ،‬وهو النظر إلى المقاصد الكلية للدين‪ ،‬ل إلى النصوص الجزئية له‪.‬‬
‫على وفق ما فعل عمر الخليفة الثاني‪ ،‬الذي عطل بعض النصوص لتحقيق مصالح المسلمين‪ ،‬فيما زعموا‪.‬‬

‫وبدون هذا يظل الّدين ‪-‬في إطاره القديم وَفهمه التقليدي‪ -‬عقبة أو حجر عثرة في طريق السياسة‪ ،‬أو طريق‬
‫الدولة الحديثة‪ ،‬في عالمنا المتشابك‪.‬‬

‫وهذا الكلم فيه خلط ولبس كثير‪ ،‬إن أحسنا الظن بقائله‪ ،‬وفيه تلبيس شديد‪ ،‬إن لم نحسن الظن‪.‬‬

‫الشريعة إذا أحسن فهمها ليست قيدا بل منارة تهدي‪:‬‬

‫لقد بينا ‪-‬بمنطق الشرع والعقل‪ -‬أن الّدين منارة تهدي‪ ،‬وليس قيدا يعوق‪ .‬وأن الشريعة ‪-‬كما قال ابن القيم‪ -‬عدل‬
‫جور‪ ،‬وعن الرحمة إلى‬ ‫كلها‪ ،‬ورحمة كلها‪ ،‬ومصالح كلها‪ ،‬وحكمة كلها‪ ،‬فكل مسألة خرجت عن العدل إلى ال َ‬
‫ضدها‪ ،‬وعن المصلحة إلى المفسدة‪ ،‬وعن الحكمة إلى العبث‪ ،‬فليست من الشريعة‪ ،‬وإن أدخلت فيها بالتأويل]‬
‫‪![1‬‬

‫ومن َثّم تكون الفة في أفهام المسلمين للسلم وشريعته‪ ،‬وليست في السلم نفسه‪.‬‬

‫ولهذا كان من الواجب الدعوة إلى حسن َفهم السلم وأحكامه‪ ،‬ل إلى تنحيته من الطريق‪ ،‬لتمضي السياسة‬
‫حرة‪ ،‬ل تتقيد إل بالمصلحة‪ ،‬كما يراها من يراها من الناس‪.‬‬
‫إن بعض الناس ينظر إلى السلم نظرة مثالية ل تمت إلى الحقيقة بصلة‪ ،‬فهو يتخيل إسلما يحلق بأصحابه في‬
‫أجواء مجنحة‪ ،‬ول ينزل إلى أرض الواقع‪.‬‬

‫وهذا غير صحيح‪ ،‬فالسلم ‪-‬مع مثاليته الرفيعة‪ -‬يعالج الواقع كما هو‪ ،‬بخيره وشره‪ ،‬وحلوه ومره‪ ،‬ويجيز‬
‫استعمال المكر والدهاء مع أهل المكر والدهاء‪ ،‬ويقول‪ " :‬الحرب خدعة"]‪ ،[2‬ويرى أن الضرورات تبيح‬
‫سَعة والختيار‪ .‬ومن قواعده‪:‬‬
‫المحظورات‪ ،‬وأنه يجوز في وقت الضيق والضطرار‪ ،‬ما ل يجوز في وقت ال ّ‬
‫ارتكاب أخف الضررين‪ ،‬وأهون الشرين‪ ،‬واحتمال الضرر الخاص لدفع الضرر العام‪ ،‬وقبول الضرر الدنى لدفع‬
‫الضرر العلى‪ ،‬وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلهما‪ .‬وكلها من النظرة الواقعية التي هي من خصائص‬
‫السلم وشريعته]‪.[3‬‬

‫أما )النظرة المقاصدية( للدين وللشريعة‪ ،‬فنحن في مقدمة الداعين إليها‪ ،‬والحفياء بها‪ ،‬ولكن الذي نحذر منه‬
‫أبدا‪ :‬أن تتخذ النظرة المقاصدية واعتبار المصالح ذريعة لتعطيل النصوص من الكتاب والسنة‪ ،‬وخصوصا إذا‬
‫كانت النصوص ُمحكمة قاطعة؛ فهذه ل يملك المؤمن أمامها إل أن يقول‪) :‬سمعنا وأطعنا(‪ .‬والقرآن صريح كل‬
‫ضى‬‫ن َول ُمْؤِمَنٍة ِإَذا َق َ‬ ‫ن ِلُمْؤِم ٍ‬‫الصراحة في ذلك‪ ،‬وأن هذا الذعان هو مقتضى اليمان‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬وَما َكا َ‬
‫عوا ِإَلى ا ِّ‬
‫ل‬ ‫ن ِإَذا ُد ُ‬
‫ن َقْوَل اْلُمْؤِمِني َ‬
‫ن َأْمِرِهْم{ ]الحزاب‪ِ} ،[36 :‬إّنَما َكا َ‬ ‫خَيَرُة ِم ْ‬ ‫ن َلُهُم اْل ِ‬
‫ن َيُكو َ‬
‫سوُلُه َأْمرًا َأ ْ‬ ‫ل َوَر ُ‬‫ا ُّ‬
‫ن{ ]النور‪.[51:‬‬ ‫حو َ‬
‫ك ُهُم اْلُمْفِل ُ‬
‫طْعَنا َوُأوَلِئ َ‬
‫سِمْعَنا َوَأ َ‬‫ن َيُقوُلوا َ‬ ‫حُكَم َبْيَنُهْم َأ ْ‬
‫سوِلِه ِلَي ْ‬‫َوَر ُ‬

‫الموازنة بين النصوص والمقاصد‪:‬‬

‫والذي ندعو إليه دائما هو‪ :‬الموازنة بين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية‪ ،‬أو بعبارة أخرى‪ :‬النظر إلى‬
‫النصوص الجزئية في ضوء المقاصد الكلية]‪ ،[4‬ول يجوز أن نضرب إحداهما بالخرى‪ ،‬فهي تتكامل ول‬
‫تتناقض‪.‬‬

‫وقد ذكرنا في كتابنا عن مقاصد الشريعة‪ :‬أن هناك مدارس ثلثا في هذه القضية‪:‬‬

‫الولى‪ :‬المدرسة الحرفية‪ :‬أو من سميتهم )الظاهرية الجدد( الذين يركزون على النص الجزئي‪ ،‬ويفهمونه َفهما‬
‫حرفيا‪ ،‬ول يكادون يفهمون أي وزن للمقصد الكلي‪ .‬وبهذا يصطدمون بالواقع‪ ،‬ويضيقون على الناس فيما وسع‬
‫ال فيه‪ ،‬ويعسرون ما يسر ال‪.‬‬

‫والثانية‪ :‬المدرسة المقابلة لتلك‪ ،‬وهي التي ُتغفل النصوص تماما‪ ،‬ول تعيرها أي التفات‪ ،‬بدعوى أنها تنظر إلى‬
‫المقاصد‪ ،‬وتهتم بالفحوى‪ .‬وهم الذين سميتهم )المدرسة المعطلة(‪ .‬فقد كان هناك قديما من سماهم علماؤنا‬
‫)المعطلة( ولكن كان تعطيلهم في مجال العقيدة‪ ،‬وهؤلء الجدد تعطيلهم في مجال الشريعة‪.‬‬

‫وهؤلء الذين يريدون أن يلغوا تحريم الربا في مجال القتصاد‪ ،‬ويلغوا الحدود في مجال العقوبات‪ ،‬ويلغوا‬
‫الطلق وتعدد الزوجات في مجال السرة‪ ،‬ويلغوا الحتشام )الحجاب( في مجال المرأة‪ ،‬ويلغوا الجهاد في مجال‬
‫الدفاع عن الدعوة والمة ‪ ...‬إلخ‪.‬‬

‫والثالثة‪ :‬هي التي تنظر إلى النص الجزئي والمقصد الكلي نظرة متوازنة‪ ،‬وهي المدرسة الوسطية‪ ،‬التي ينبغي‬
‫أن نعتمد نظرتها إلى الشريعة وإلى الواقع‪ .‬وهي التي يمكن أن يرتضيها جمهور المسلمين‪ ،‬والمدرستان‬
‫الخريان ل تحظيان عمليا بالَقبول‪ .‬ناهيك بأنهما ‪-‬من الناحية العلمية المحض‪ -‬غير ُمسّلمتين‪.‬‬

‫الدعاء على عمر رضي ال عنه أنه عطل النصوص باسم المصالح‪:‬‬

‫والعلمانيون يتبنون المدرسة الثانية ‪-‬مدرسة التعطيل للنصوص‪ -‬ويتكئون على مقولت تزعم أن عمر بن‬
‫الخطاب عطل النصوص القرآنية باسم المصالح‪ .‬وإننا نعيذ عمر أن يفعل ذلك‪ .‬وقد كان وقافا عبد كتاب ال‪ .‬وقد‬
‫ردت عليه امرأة في مسألة مهور النساء‪ ،‬فانصاع لقولها‪ ،‬وقال‪ :‬أصابت امرأة وأخطأ عمر!‬

‫وقد كانت رعية عمر من الصحابة الكرام‪ ،‬من المهاجرين والنصار‪ ،‬الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل‬
‫طل كتاب ال‪ ،‬وأن يبّدل شرع ال‪ ،‬وهم ساكنون‪ .‬لو افترضنا أن عمر فعل‬‫ال‪ ،‬والذين ل يقبلون بحال‪ :‬أن ُيع ّ‬
‫ذلك ‪-‬وما هو بفاعل‪ -‬ما َقِبل هؤلء أبًدا‪ ،‬وفيهم عرق ينِبض‪.‬‬
‫ومما نأسف له‪ :‬أن مفكرا معتدل مثل د‪ .‬عابد الجابري‪ ،‬سار في هذا الدرب‪ ،‬وقال ما قاله دعاة )العلمانية( التي‬
‫ينكرها ول يقرها‪ .‬فقد ذكر في كتابه )الّدين والدولة وتطبيق الشريعة(‪ :‬أن الصحابة كثيرا ما نجدهم يتصرفون‬
‫بحسب ما تمليه المصلحة‪ ،‬صارفين النظر عن النص‪ ،‬ولو كان صريحا قطعيا! إذا كانت الظروف الخاصة‬
‫تقتضي مثل هذا التأجيل للنص]‪.[5‬‬

‫ولقد ذكر د‪ .‬الجابري بعد ذلك‪ :‬أن الممارسة الجتهادية للصحابة كانت تتخذ المصلحة مبدءا ومنطلقا‪ ،‬فإذا‬
‫تعارضت المصلحة مع النص في حالة من الحالت‪ ،‬وجدناهم يعتبرون المصلحة‪ ،‬ويحكمون بما تقتضيه‪،‬‬
‫ويؤجلون العمل بمنطوق النص فيها]‪.[6‬‬

‫وهذه دعوى خطيرة على الصحابة الذين كانوا يحتكمون إلى النصوص إذا اختلفوا‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬فإِ ْ‬
‫ن‬
‫سوِل{ ]النساء‪ ،[59:‬وإذا ووجه أحدهم بالنص‪ ،‬لم يسعه إل أن ينقاد له‬ ‫ل َوالّر ُ‬
‫يٍء َفُرّدوُه ِإَلى ا ِّ‬
‫ش ْ‬
‫عُتْم ِفي َ‬
‫َتَناَز ْ‬
‫بل تلّكؤ ول تردد‪.‬‬

‫ولقد ذكر الدكتور الجابري من أدلة ذلك‪ :‬ما جرى من أبي بكر وعمر‪ ،‬حول أداء الزكاة بعد رسول ال صلى ال‬
‫عليه وسلم‪ .‬هل تؤدى للدولة أو تترك للفراد يؤديها كل منهم كما يشاء؟‬

‫كان رأي سيدنا أبي بكر أن تؤدى الزكاة إليه‪ ،‬وإلى ولته وعماله‪ ،‬كما كان الحال في عهد النبي صلى ال عليه‬
‫وسلم فإن لم يفعلوا قاتلهم الخليفة من أجل هذا الحق المعلوم‪ ،‬الذي هو الركن الثالث من أركان السلم‪.‬‬

‫وهنا توقف عمر في قتالهم‪ ،‬وقال لبي بكر‪ :‬كيف نقاتل الناس‪ ،‬وقد قالوا‪ :‬ل إله إل ال؟ وقد قال النبي صلى ال‬
‫عليه وسلم‪" :‬أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا‪) :‬ل إله إل ال( فإذا قالوها فقد عصموا من دمائهم وأموالهم‬
‫إل بحقها‪ ،‬وحسابهم على ال"‪ .‬فقال أبو بكر‪ :‬إن الزكاة حق المال‪ .‬وال لقاتلن من فرق بين الصلة والزكاة‪،‬‬
‫وال لو منعوني عقال كانوا يؤدونه إلى رسول ال لقاتلتهم على منعه]‪![7‬‬

‫وهنا نجد المناقشة بين الصحابيين الكبيرين تقوم كلها على الحتجاج بالنصوص‪ ،‬ل الستدلل بالمصالح كما‬
‫يقول الدكتور‪ .‬رأينا عمر يعتمد على نص الحديث‪ ،‬وينسى القيد الذي فيه )إل بحقها(‪ ،‬فذّكره أبو بكر‪ :‬أن الزكاة‬
‫صلَة َوآَتُوا الّزَكاَة‬
‫ن َتاُبوا َوَأَقاُموا ال ّ‬
‫حق المال‪ ،‬ثم أكد ذلك بأن الزكاة كالصلة يقاتل عليها‪ ،‬كما قال تعالى‪َ} :‬فِإ ْ‬
‫سِبيَلُهْم{ ]لتوبة‪.[5:‬‬
‫خّلوا َ‬
‫َف َ‬

‫وزاد ذلك تأكيدا بأنه متبع وليس بمبتدع‪ ،‬فما كان في عهد رسول ال‪ ،‬يجب أن يستمر‪.‬‬

‫وما قاله الجابري من أن عمر كان ينظر إلى المسألة من جهة الّدين وأن أبا بكر كان ينظر إليها من جهة‬
‫الدولة]‪ :[8‬قول ل دليل عليه من حياة الرجلين‪ .‬والزعم بأن الزكاة رمز للولء السياسي ليس هو الدافع لبي‬
‫بكر إلى قتال مانعي الزكاة‪ ،‬كما قاتل المرتدين‪.‬‬

‫بل نظر أبو بكر إلى الزكاة من خلل نصوص القرآن‪ ،‬وسنة الرسول القولية والعملية‪ ،‬فوجد أنها من مسؤولية‬
‫صدَقًة ُتطّهرُهم وُتَزّكيِهم بَها{ ]التوبة‪ ،[103:‬وفي الحديث‬
‫خْذ ِمن أمَواِلِهم َ‬
‫الدولة أو الخلفة‪ .‬لهذا قال القرآن‪ُ } :‬‬
‫المتفق عليـه‪" :‬تؤخذ من أغنيائهم‪ ،‬لترد على فقرائهم"]‪ ،[9‬وجعل القرآن من مصارف الزكاة‪ :‬مصرف‬
‫)العاملين عليها(‪ .‬فهي فريضة دينية اجتماعية تشرف عليها الدولة‪ ،‬وتأخذها من أصحابها طوعا‪ ،‬وإل أخذتها‬
‫كرها‪ ،‬فإن تمردوا وكانوا ذوي شوكة‪ ،‬قاتلهم المام حتى يؤدوها‪ .‬وبهذا كانت الدولة السلمية أول دولة في‬
‫التاريخ تقاتل من أجل حقوق الفقراء والمساكين‪ .‬وكل ما كان يؤدى في عهد رسول ال يجب أن يظل يؤدى‪،‬‬
‫ولو كان عقال بعير‪.‬‬

‫وكل ما ذكره د‪ .‬الجابري عن عمر‪ ،‬وزعم مع من زعم أنه عطل فيه النص لجل المصلحة‪ ،‬من مثل‪ :‬إلغاء سهم‬
‫)المؤلفة قلوبهم(‪ ،‬وإيقاف تنفيذ )حد السرقة( في عام المجاعة‪ ،‬ومنع ‪-‬أو كراهية‪ -‬الزواج من الكتابيات ‪ ...‬إلى‬
‫ك النقد العلمي‪ ،‬وهي مبنية على سوء الَفهم‬‫آخر الدعاوى المعروفة في هذا الجانب ‪ ...‬كلها ل تثبت على مح ّ‬
‫لموقف عمر رضي ال عنه‪ .‬وقد رددنا عليها بالتفصيل‪ ،‬وبالدلة المحكمة الناصعة في كتابنا )السياسة‬
‫الشرعية بين نصوص الشريعة ومقاصدها(]‪.[10‬‬
‫طل النص من أجل المصلحة‪.‬‬ ‫أكتفي هنا بإيراد مثل واحد من المثلة التي ذكروها عن عمر‪ ،‬واّدعو فيها أنه ع ّ‬
‫ولعل أشهر المثلة التي يرّددونها باستمرار‪ ،‬هو ما عّبروا عنه بقولهم‪) :‬إلغاء سهم المؤلفة قلوبهم( وهو‬
‫منصوص عليه في القرآن‪.‬‬

‫ونود أن نذكر هنا‪ :‬أن المصلحة الحقيقية ل يمكن أن تتعارض مع نص شرعي قطعي الثبوت والدللة‪ .‬وهذا أمر‬
‫مجمع عليه بين المسلمين كافة في جميع العصار‪.‬‬

‫دعوى أن الطوفي يعطل النصوص بالمصلحة دعوى كاذبة‪:‬‬

‫والذين اّدعوا أن نجم الّدين الطوفي قّدم المصلحة على النص القطعي‪ :‬قّولوا الرجل ما لم يقل‪ ،‬بل قال عكسه‬
‫تماما‪ ،‬فكل كلمه على النصوص الظنية ثبوتا أو دللة‪ ،‬وإنما قال من قال ذلك‪ ،‬لنهم لم يستوعبوا كلمه كله‪،‬‬
‫وإنما اختطفوا جزءا منه ولم يستكملوه‪ ،‬وقد وضحنا ذلك ونقلنا من نصوصه ما يدفع هذا الوهم بيقين‪ ،‬في‬
‫كتابنا )السياسة الشرعية(]‪.[11‬‬

‫ومما قاله في هذا السياق عن النص‪:‬‬

‫)وأما النص‪ ،‬فهو إما متواتر أو آحاد‪ ،‬وعلى التقديرين فهو إما صريح في الحكم‪ ،‬أو محتمل‪ ،‬فهي أربعة أقسام‪،‬‬
‫فإن كان متواترا صريحا فهو قاطع من جهة متنه ودللته‪ ،‬لكن قد يكون محتمل من جهة عموم أو إطلق‪ ،‬وذلك‬
‫يقدح في كونه قاطعا مطلقا‪ .‬فإن فرض عدم احتماله من جهة العموم والطلق ونحوه‪ ،‬وحصلت فيه القطعية‬
‫من كل جهة بحيث ل يتطرق إليه احتمال بوجه‪ .‬منعنا أن مثل هذا يخالف المصلحة‪ ،‬فيعود إلى الوفاق‪ .‬وإن كان‬
‫آحادا محتمل فل قطع‪ ،‬وكذا إن كان متواترا محتمل‪ ،‬أو آحادا صريحا ل احتمال في دللته بوجه‪ ،‬لفوات قطعيته‬
‫من أحد طرفيه إما متنه أو سنده(]‪ [12‬اهـ‪.‬‬

‫فهو هنا يمنع صراحة أن يخالف النص القطعي في سنده وفي دللته‪ :‬المصلحة‪.‬‬

‫ل تناقض بين مصلحة يقينية ونص قطعي‪:‬‬

‫ومما ل نزاع فيه بين أهل العلم عامة‪ :‬أن المصلحة اليقينية )القطعية( ل يمكن أن تناقض النص القطعي أو‬
‫يناقضها بحال من الحوال‪ .‬وهو ما أكده علماء المة قديما وحديثا‪.‬‬

‫وإذا ُتوهم هذا التناقض‪ ،‬فل بد من أحد أمرين‪:‬‬

‫إما أن تكون المصلحة مظنونة أو موهومة‪ ،‬مثل مصلحة إباحة الربا لطمأنة الجانب‪ ،‬أو الخمر لجتذاب‬
‫السياحة‪ ،‬أو الزنى للترفيه عن العزاب‪ ،‬أو إيقاف الحدود‪ ،‬مراعاة لفكار العصر‪ ،‬أو غير ذلك مما يمّوه به‬
‫مموهون من عبيد الفكر الغربي‪.‬‬

‫وإما أن يكون النص الذي يتحدثون عنه غير قطعي‪ ،‬وهو ما وقع فيه كثير من الباحثين‪ ،‬ول سيما من غير‬
‫المتخصصين والمتضلعين في علوم الشريعة وأسرارها‪ ،‬من أساتذة الحقوق والقتصاد والداب‪ ،‬فحسبوا بعض‬
‫النصوص قطعية‪ ،‬وليست كذلك]‪.[13‬‬

‫المصلحة في نظر الشريعة أوسع وأعمق من المصلحة عند الغربيين‪:‬‬

‫ومن الضروري هنا‪ :‬أن نبّين أن المصلحة التي يتحدث عنها علماء الشريعة السلمية‪ ،‬ليست هي المصلحة‬
‫التي يتحدث عنها الغربيون ‪ ...‬إن المصلحة عند الغربيين تدور حول )اللذة( كما يذهب كثير من الفلسفة‪ ،‬أو‬
‫حول )القوة( كما يذهب إلى ذلك منظرو السياسة‪ .‬وليس هناك ضوابط لتحصيل القوة عند هؤلء أو اللذة عند‬
‫أولئك‪.‬‬

‫والفراد يتنافسون في ذلك‪ ،‬وكذلك القوام والمم تتنافس في ذلك‪ ،‬بدون ضابط من وازع ديني أو أخلقي‪.‬‬
‫المصلحة هنا مصلحة مادية ل روحية‪ ،‬دنيوية ل أخروية‪ ،‬فردية ل اجتماعية‪ ،‬آنية ل مستقبلية‪ ،‬قومية ل‬
‫إنسانية‪.‬‬

‫أّما المصلحة التي قصدت الشريعة إلى إقامتها وحفظها‪ ،‬فهي أشمل من ذلك وأوسع‪ .‬فهي ليست المصلحة‬
‫الدنيوية فحسب‪ ،‬كما يدعو خصوم الّدين‪ ،‬ول المصلحة المادية فقط‪ ،‬كما يريد أعداء الروحية‪ ،‬ول المصلحة‬
‫شاق الوجودية وأنصار الرأسمالية‪ ،‬ول مصلحة الجماعة أو البرولتاريا‪ ،‬كما يدعو‬‫الفردية وحدها‪ ،‬كما ينادي ع ّ‬
‫إلى ذلك أتباع الماركسية والمذاهب الجماعية‪ ،‬ول الملصلحة القليمية العنصرية كما ينادي بذلك دعاة العصبية‪،‬‬
‫ول المصلحة النية للجيل الحاضر وحده‪ ،‬كما تتصور بعض النظرات السطحية‪ .‬إنما المصلحة التي قامت عليها‬
‫الشريعة في كلياتها وجزئياتها‪ ،‬وراعتها في عامة أحكامها‪ ،‬هي المصلحة التي تسع الدنيا والخرة‪ ،‬وتشمل‬
‫المادة والروح‪ ،‬وتوازن بين الفرد والمجتمع‪ ،‬وبين الطبقة والمة‪ ،‬وبين المصلحة القومية الخاصة والمصلحة‬
‫النسانية العامة‪ ،‬وبين مصلحة الجيل الحاضر ومصلحة الجيال المستقبلة‪ ،‬والموازنة بالقسط بين هذه‬
‫المصالح المتقابلة المتضاربة في كثير من الحيان ل ينهض بها علم بشر‪ ،‬وحكمة بشر‪ ،‬وقدرة بشر‪.‬‬

‫فالبشر أعجز من أن يحيط بُكْنه هذه المصالح ويوّفق بينها‪ ،‬ويعطي كل ذي حق منها حقه بالقسطاس المستقيم‪.‬‬
‫وعجزه يأتي من ناحيتين‪:‬‬

‫‪ .1‬ناحية محدودية عقله وعلمه‪ ،‬وذلك تابع لطبيعته البشرية المخلوقة الفانية المتأثرة ‪-‬حتما‪ -‬بالزمان والمكان‬
‫والمحيط والوراثة‪.‬‬

‫سرية أم إقليمية أم طبقية‬
‫‪ .2‬وناحية تأثير الميول والهواء والنزعات عليه‪ ،‬سواء أكانت ميول شخصية أم ُأ ْ‬
‫أم حزبية أم قومية‪ .‬وكل واحدة من هذه ل تخلو من تأثير عليه من حيث يشعر أو ل يشعر‪ .‬والمعصوم من‬
‫عصمه ال‪.‬‬

‫وفي هذا المعنى يقول المام الشاطبي‪:‬‬

‫)أن المصالح التي تقوم بها أحوال العبد‪ :‬ل يعرفها حق معرفتها إل خالقها وواضعها‪ ،‬وليس للعبد بها علم إل‬
‫من بعض الوجوه‪ ،‬والذي يخفى عليه منها أكثر من الذي يبدو له‪ ،‬فقد يكون ساعًيا فى مصلحة نفسه من وجه‬
‫صله إليها ناقصة ل كاملة‪ ،‬أو يكون فيها مفسدة ُتربي ‪-‬فى‬
‫صله إليها عاجل ل آجل‪ ،‬أو يو ّ‬
‫صله إليها‪ ،‬أو يو ّ‬
‫ل يو ّ‬
‫الموازنة‪ -‬على المصلحة‪ ،‬فل يقوم خيرها بشرها‪.‬‬

‫وكم من مدبر أمًرا ل يتّم له على كماله أصل‪ ،‬ول يجنى منه ثمرة أصل‪ ،‬وهو معلوم مشاهد بين العقلء‪ ،‬فلهذا‬
‫بعث ال النبيين مبشرين ومنذرين‪ ،‬فإذا كان كذلك فالرجوع إلى الوجه الذي وضعه الشارع‪ ،‬رجوع إلى وجه‬
‫حصول المصلحة ‪ ...‬بخلف الرجوع إلى ما خالفه ‪.[14](...‬‬

‫ولهذا كانت رعاية المصالح كلها )فردية واجتماعية( للنسان كله )جسمه وروحه وعقله(‪ ،‬وللطبقات كلها‬
‫)أغنياء وفقراء‪ ،‬وحكاما ومحكومين‪ ،‬وعمال وأرباب عمل(‪ ،‬وللنسانية كلها )بيضا وسودا‪ ،‬ووطنين‬
‫وأجانب(‪ ،‬وللجيال كلها )حاضرة ومستقبلة(‪ ،‬ل يقدر عليها إل رب الناس‪ ،‬ملك الناس‪ ،‬إله الناس‪.‬‬

‫وهذا المعنى هو ما جعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يتوقف في توزيع الرض المفتوحة على الفاتحين‪،‬‬
‫لنه رأى إغداقا على الجيل الحاضر في زمنه ‪-‬جيل الفتح‪ -‬على حساب الجيال اللحقة من أبناء المة‪ ،‬ولهذا‬
‫كان يقول‪ :‬إنني إن قسمتها بينكم جاء آخر الناس وليس لهم شيء‪.‬‬

‫وقد وجد عمر بعد طول تأّمل في كتاب ال ما يؤيد وجهة نظره في سورة الحشر‪ ،‬حيث أشارت اليات في‬
‫مصرف الفيء ‪-‬بعد المهاجرين والنصار‪ -‬وهم الجيل الحاضر آنذاك‪ ،‬إلى الذين يجيئون بعدهم من الجيال‪ ،‬ذلك‬
‫ن{ ]الحشر‪:‬‬
‫سَبُقوَنا ِباِْليَما ِ‬
‫ن َ‬
‫خَواِنَنا اّلِذي َ‬
‫غِفْر َلَنا َولِ ْ‬
‫ن َرّبَنا ا ْ‬
‫ن َبْعِدِهْم َيُقوُلو َ‬
‫جاُءوا ِم ْ‬
‫ن َ‬
‫في قوله تعالى‪َ} :‬واّلِذي َ‬
‫‪.[10‬‬

‫وبهذه اليات وجد عمر الحجة على مخالفيه من الصحابة رضي ال عنهم جميعا‪ .‬قال عمر‪ :‬ما أرى هذه الية‬
‫إل عمت الخلق كلهم]‪ .[15‬وقال للذين عارضوه‪ :‬تريدون أن يأتي آخر الناس ليس لهم شيء؟ فما لمن بعدكم]‬
‫‪[16‬؟ ويقول‪ :‬لول آخر الناس ما فتحت قرية]‪ ... [17‬إلخ‪ ،‬فقد فهم عمر من كتاب ربه وسنة نبيه صلى ال‬
‫عليه وسلم ومقاصد شريعته‪ :‬أن مصالح الجيال كلها يجب أن تراعى ول يستأثر جيل واحد أو جيلن بالخير‬
‫والرفاهية على حساب من بعدهم‪ ،‬ولهذا كان ينظر إلى آخر الناس )الجيال اللحقة التي يخبئها الغيب( ويعمل‬
‫لصالحها كالجيال الحاضرة‪.‬‬

‫ولقد كان معاذ ‪-‬الفقيه النصاري الجليل وأعلم الصحابة بالحلل والحرام كما في الحديث]‪ -[18‬من أنصار عمر‬
‫في رأيه‪ ،‬وقد قال محذرا من الستجابة إلى رغبة المطالبين بالقسمة‪ :‬إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في‬
‫أيدي هؤلء القوم‪ ،‬ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة )أي أنه ينّبه في هذا الوقت المبكر إلى‬
‫خطر الملكية العقارية الواسعة( ثم يأتي من بعدهم قوم يسّدون من السلم مسًدا )أي يبلون في الدفاع عنه بلء‬
‫حسنا( وهم ل يجدون شيئا‪ ،‬فانظر أمرا يسع أولهم وآخرهم]‪.[19‬‬

‫والمقصود هنا‪ :‬أن الشريعة ترعى مصالح المكلفين بهذا الشمول المتوازن‪ ،‬أو بهذا التوازن الشامل‪ ،‬فمن أراد‬
‫أن يفهم المصلحة في الشريعة فليفهمها في ضوء هذا التصور]‪.[20‬‬

‫‪--------------------------------------------------------------------------------‬‬

‫]‪ -[1‬إعلم الموقعين‪ 3/3 :‬ط‪ .‬دار الجيل – بيروت‪1973 .‬م‪.‬‬

‫]‪ - [2‬رواه البخاري في الجهاد )‪ (3029‬ومسلم في الجهاد )‪.(1740‬‬

‫]‪ -[3‬انظر‪ :‬خصيصة )الواقعية( من كتابنا )الخصائص العامة للسلم( صـ ‪ ،144‬والواقعية من كتابنا )مدخل‬
‫لدراسة الشريعة( صـ ‪.119‬‬

‫]‪ -[4‬انظر‪ :‬كتابنا )مقاصد الشريعة( طبعة دار الشروق‪.‬‬

‫]‪ -[5‬انظر‪ :‬الدين والدولة صـ ‪ 12‬طبعة مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت‪ .‬طبعة أولى‪.‬‬

‫]‪ -[6‬انظر‪ :‬الدين والدولة صـ ‪.32‬‬

‫]‪ -[7‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫]‪ -[8‬انظر‪ :‬الدين والدولة صـ ‪ 44‬وما بعدها‪.‬‬

‫]‪ -[9‬رواه البخاري في الزكاة )‪ (1395‬عن ابن عباس‪ ،‬ومسلم في اليمان )‪ ،(19‬وأحمد في المسند )‪،(2071‬‬
‫وأبو داود )‪ ،(1584‬والترمذي )‪ ،(625‬والنسائي )‪ ،(2435‬وابن ماجه )‪ (1783‬أربعتهم في الزكاة‪.‬‬

‫]‪ -[10‬انظر‪ :‬كتابنا )السياسة الشرعية( صـ ‪ 222 - 181‬طبعة مكتبة وهبة‪.‬‬

‫]‪ -[11‬انظر‪ :‬السياسة الشرعية صـ ‪.165 – 160‬‬

‫]‪ -[12‬انظر‪ :‬كتاب المعين في شرح الربعين للطوفي‪ .‬في شرح حديث‪" :‬ل ضرر ول ضرار"‪.‬‬

‫]‪ -[13‬انظر‪ :‬كتابنا )السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها( صـ ‪.268 ،267‬‬

‫]‪ -[14‬الموافقات جـ ‪ 1‬صـ ‪ 243‬طبعة منير الدمشقي‪.‬‬

‫]‪ -[15‬ذكره ابن رشد في بداية المجتهد )‪.(1/529‬‬

‫]‪ -[16‬رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق )‪ (2/197‬عن عمر‪.‬‬
‫]‪ -[17‬رواه البخاري في المغازي )‪ (4235‬عن عمر‪ ،‬وأحمد في المسند )‪ ،(284‬وأبو داود في الخراج‬
‫والمارة والفيء )‪ ،(3020‬ونص الحديث‪ :‬أما والذي نفسي بيده‪ ،‬لول أن أترك آخر الناس َبّباًنا ليس لهم‬
‫شيء‪ ،‬ما فتحت علي قرية إل قسمتها‪ ،‬كما قسم النبي خيبر‪ ،‬ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها‪.‬‬

‫]‪ -[18‬رواه أحمد في المسند )‪ (13990‬عن أنس‪ ،‬وقال محققوه‪ :‬إسناده صحيح على شرط الشيخين‪،‬‬
‫والترمذي في المناقب )‪ ،(3791‬وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪ ،‬وابن ماجه في المقدمة )‪.(154‬‬

‫]‪ -[19‬انظر‪ :‬الخراج لبي يوسف صـ ‪ ،27 ،24‬والخراج ليحيى بن آدم صـ ‪ ،43 ،18‬والموال لبي عبيد صـ‬
‫‪ 56‬وما بعدها‪.‬‬

‫]‪ -[20‬انظر‪ :‬كتابنا )مدخل إلى دراسة الشريعة( صـ ‪ 65 – 61‬طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت‪ ،‬ومكتبة وهبة‬
‫بالقاهرة‪.‬‬

‫السياسة بين الجمود والتطور‬

‫السياسة بين الجمود والتطور‬

‫ومما أثاروه من الشبهات التي رّتبوها على صلة الّدين بالسياسة‪ :‬أن اللجوء إلى الّدين في شؤون السياسة‬
‫والحكم وإدارة الدولة‪ ،‬يصيب الحياة بالجمود والعفن‪ ،‬ويجعلها كماء الِبَرك السن‪ ،‬ل تتطور ول تتحسن ول‬
‫تتجدد‪ ،‬لن طبيعة الّدين )الثبات( وطبيعة الحياة )التغير(‪ .‬بل نـرى نصوص الّديـن تعتبـر كـل تغيير أو إحداث أو‬
‫تجديد‪ :‬بدعة في الّدين‪ ،‬وكل بدعة ضللة‪ ،‬وكل ضللة في النار‪ .‬ولهذا يجب على أهل الّدين أن يقاوموها‪ ،‬ول‬
‫يسكتوا عليها‪.‬‬

‫وهذا الكلم يشتمل على كثير من الخلط والتلبيس‪ .‬ول يتفق مع حقائق السلم الناصعة‪ ،‬وأحكامه القاطعة‪،‬‬
‫وتعاليمه المحكمة‪ .‬كما ل يتفق مع حقائق الحياة أيضا‪.‬‬

‫فرضية الجتهاد والتجديد للدين‪:‬‬

‫فالسلم يدعو إلى الجتهاد والتجديد في الّدين‪ ،‬والعلماء يعتبرون الجتهاد في الّدين من )فرائض الكفاية( التي‬
‫تجب على المة متضامنة‪ ،‬بحيث إذا توافر لها عدد من المجتهدين يلبون الحاجة‪ ،‬ويسدون الثغرة‪ ،‬ويؤدون‬
‫الواجب‪ ،‬فيما يعتري المة من مشكلت مستجدة‪ ،‬تتطلب الحل‪ ،‬وواقعات لم يسبق لعلمائنا الماضين أن‬
‫عرفوها‪ ،‬فهنا تكون المة قد أدت ما عليها وبرئت من الثم‪ .‬وإل أثمت المة عامة‪ ،‬وأولو المر والشأن فيها‬
‫خاصة‪.‬‬

‫ويجب على المة أن تتخذ من الوسائل والسباب والليات العلمية والتربوية والعملية والدارية‪ :‬ما يكفل ظهور‬
‫هؤلء المجتهدين الذين يعرفون شريعتهم‪ ،‬ويعرفون عصرهم‪ ،‬فما ل يتم الواجب إل به فهو واجب‪.‬‬

‫وقد قرأنا الحديث النبوي الذي يقول‪" :‬إن ال يبعث على رأس كل مائة عام لهذه المة‪ :‬من يجدد لها دينها"]‬
‫‪.[1‬‬

‫شرنا بأن ال يهيئ في كل قرن من يقوم بتجديد هذا‬
‫نبي السلم هو الذي شرع التجديد للدين ودعا إليه‪ ،‬وب ّ‬
‫الّدين‪.‬‬

‫وإذا كان التجديد في أمر الّدين مطلوبا ومحمودا‪ ،‬فكيف ُيرفض التجديد في أمر الدنيا وشؤون الحياة؟‬

‫أما ما جاء من ذم )الحداث( فمقصود به الحداث في الّدين‪ ،‬وما يتعّلق بالعبادات المحضة‪ ،‬وهي التي جاءت‬
‫ن ِبِه ا ُّ‬
‫ل‬ ‫ن َما َلْم َيْأَذ ْ‬
‫ن الّدي ِ‬
‫عوا َلُهْم ِم َ‬
‫شَر ُ‬
‫شَرَكاُء َ‬
‫فيها النصوص المانعة والذاّمة‪ ،‬مثل قوله تعالى‪َ :‬أْم َلُهْم ُ‬
‫]الشورى‪ ،[21:‬وقوله ‪" :‬من أحدث في أمرنا ‪-‬أي ديننا‪ -‬ما ليس فيه فهو رد"]‪ ،[2‬و"من عمل عمل ليس‬
‫عليه أمرنا"]‪ ،[3‬أي مردود عليه‪ ،‬ل يقبل منه‪.‬‬
‫وقوله ‪" :‬إن أصدق الحديث كتاب ال‪ ،‬وخير الهدي هدي محمد صلى ال عليه وسلم وشر المور محدثاتها‪،‬‬
‫وكل محدثة بدعة‪ ،‬وكل بدعة ضللة‪ ،‬وكل ضللة في النار"]‪.[4‬‬

‫حدثة هنا‪ :‬ما أحدث في أمر الّدين والعبادات المحضة من الزيادة على الّدين والتغيير‬
‫حدث أو الُم ْ‬
‫والمراد بالُم ْ‬
‫فيه‪ ،‬بما لم يجئ به نص من كتاب ول سنة‪ ،‬ولم يسنه الراشدون المهديون رضي ال عنهم‪ .‬وهذا أمر مهم‪ ،‬بل‬
‫ضروري لحفظ الّدين‪ .‬بخلف أمر الدنيا‪.‬‬

‫التباع في الدين والبتداع في الدنيا‪:‬‬

‫ومن هنا جعلنا من ركائز )الفقه الحضاري( ‪-‬في كتابنا )السنة مصدرا للمعرفة والحضارة(‪ -‬هذا المبدأ أو هذه‬
‫ت في‬‫القاعدة الهامة‪ ،‬التي يجب أن يعيها أبناء أمتنا‪ ،‬وهي‪ :‬الّتباع في الّدين‪ ،‬والبتداع في الدنيا! وقد قل ُ‬
‫شرحها وإيضاحها‪:‬‬

‫)من مفاهيم هذا الفقه الحضاري‪ :‬أن الصل في أمور الّدين هو الّتباع‪ ،‬وفي شؤون الدنيا هو البتداع‪ .‬فالّدين‬
‫ت َلُكْم ِديَنُكْم َوَأْتَمْم ُ‬
‫ت‬ ‫قد أكمله ال تعالى‪ ،‬وأتمم به النعمة‪ ،‬فل يقبل الزيادة‪ ،‬كما ل يقبل النقصان‪ :‬اْلَيْوَم َأْكَمْل ُ‬
‫سلَم ِدينًا ]المائدة‪.[3:‬‬
‫ت َلُكُم اِْل ْ‬
‫ضي ُ‬
‫عَلْيُكْم ِنْعَمِتي َوَر ِ‬
‫َ‬

‫والتعبد ل يقوم على أصلين كبيرين‪:‬‬

‫الول‪ :‬أل يعبد إل ال تعالى‪ ،‬وكل ما عبده الناس من نجم في السماء أو صنم في الرض‪ ،‬أو نبات أو حيوان أو‬
‫حي ِإَلْيِه َأّنُه ل ِإَلَه ِإّل َأَنا‬
‫سوٍل ِإّل ُنو ِ‬
‫ن َر ُ‬
‫ك ِم ْ‬
‫ن َقْبِل َ‬
‫سْلَنا ِم ْ‬
‫إنسان فهو باطل‪ ،‬وهذا ما جاء به كل رسل ال‪َ :‬وَما َأْر َ‬
‫ن ]النبياء‪.[25:‬‬
‫عُبُدو ِ‬
‫َفا ْ‬

‫والثاني‪ :‬أل يعبد ال تعالى إل بما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله‪ ،‬وكل َمن أحدث في دين ال أمًرا لم يجئ‬
‫به قرآن ول سنة‪ ،‬فهو مردود على صاحبه‪ ،‬كما في الحديث الصحيح‪" :‬من أحدث في أمرنا ما ليس فيه فهو‬
‫رد"]‪" ،[5‬من عمل عمل ليس عليه أمرنا"]‪.[6‬‬

‫وفي الحديث الخر‪" :‬إياكم ومحدثات المور‪ ،‬فإن كل محدثة بدعة‪ ،‬وكل بدعة ضللة"]‪.[7‬‬

‫وبهذا حمى النبي صلى ال عليه وسلم الّدين من المحدثات والمبتدعات التي دخلت على الديان السابقة‬
‫سره ال‪ ،‬وحّرمت ما أحّله‪ ،‬وأحّلت ما حّرمه‪.‬‬
‫سرت منها ما ي ّ‬
‫فحّرفتها‪ ،‬وأضافت إليها ما ليس منها‪ ،‬وع ّ‬

‫وحسبنا مثل على ذلك‪ :‬ما ابتدعه النصارى من الرهبانية العاتية‪ ،‬التي صادروا بها فطرة ال التي فطر الناس‬
‫عليها‪ ،‬فحّرموا الزواج‪ ،‬وزينة ال التي أخرج لعباده‪ ،‬والطيبات من الرزق‪ .‬وغل بعضهم حتى حرم على نفسه‬
‫من الماء والنظافة‪ ،‬واعتبروا البقاء على القذارة أقرب إلى ال‪ ،‬والنظافة أدنى إلى الشيطان‪ .‬حتى قال أحد‬
‫رهبان العصور الوسطى في أوربا متحسًرا‪ :‬لقد كان من قبلنا يعيش أحدهم طول عمره ل يبل أطرافه بالماء‪،‬‬
‫ولكننا ‪-‬واأسفاه‪ -‬أصبحنا في زمن يدخل فيه الناس الحمامات]‪![8‬‬

‫ويبدو أن دخول الحمامات تلك عدوى انتقلت إليهم من المسلمين في الندلس! فقد ذكروا أنه كان يوجد في‬
‫قرطبة ستمائة حمام]‪![9‬‬

‫وهذا التشديد على النفس‪ ،‬هو ما حّذرت منه السنة‪ .‬فعن أنس بن مالك أن رسول ال صلى ال عليه وسلم كان‬
‫يقول‪" :‬ل تشددوا على أنفسكم‪ ،‬فيشدد ال عليكم‪ ،‬فإن قوما شددوا على أنفسهم‪ ،‬فشدد ال عليهم‪ ،‬فتلك بقاياهم‬
‫عَلْيِهْم ]الحديد‪.[10]"[27:‬‬
‫عوَها َما َكَتْبَناَها َ‬
‫في الصوامع والديار َوَرْهَباِنّيًة اْبَتَد ُ‬

‫وفي مقابل هذا التشديد في أمر الّدين‪ ،‬وإيجاب الّتباع فيه‪ ،‬كان التسهيل في أمر الدنيا‪ ،‬وفتح باب البداع‬
‫والبتكار في كل ما يتعّلق بها‪.‬‬
‫ث الرسول الكريم على ابتكار مناهج الخير‪ ،‬واختراع ما تجود به القرائح المبدعة من صور‬
‫ول غرو أن ح ّ‬
‫ن في السلم‬
‫العمران‪ ،‬والصلح والتجديد‪ ،‬في العلم والعمل والفن‪ .‬وفي هذا جاء الحديث الصحيح‪" :‬من س ّ‬
‫سنة حسنة فله أجرها‪ ،‬وأجر من عمل بها من بعده‪ ،‬من غير أن ينقص من أجورهم شيء"]‪.[11‬‬ ‫ُ‬

‫وهذا ما مضى عليه الصحابة والمسلمون في القرون الولى‪ :‬نجد الصحابة فعلوا أشياء لم يفعلها الرسول صلى‬
‫ال عليه وسلم اقتضاها تطور الحياة في زمنهم‪ ،‬ووجدوا فيها الخير والمصلحة للمة‪ ،‬ولم يتقدم بها أمر ول‬
‫نظير‪ ،‬مثل كتابة المصاحف‪ ،‬وجعل الخلفة شورى]‪ ،[12‬وضرب النقود‪ ،‬واتخاذ السجن‪ ،‬وغير ذلك‪ ،‬مما‬
‫استدل به الصوليون على حجية المصلحة المرسلة]‪.[13‬‬

‫صر المصار‪ ،‬واتخذ‬
‫وعمر له في خلفته الِقْدح الُمعّلى في البتكارات‪ .‬ولذا قيل‪ :‬هو أول من دّون الدواوين‪ ،‬وم ّ‬
‫التاريخ ‪ ...‬إلخ ما عرف من أّولياته رضي ال عنه‪ .‬وعلى هذا المنهج‪ :‬مضى خير قرون المة‪.‬‬

‫حَدثات في العقيدة‪ ،‬والمبتدعات في العبادة‪ ،‬وحافظوا على جوهر الّدين من الشوائب والطفيليات‬
‫قاوموا الُم ْ‬
‫الغريبة‪ .‬وفي الوقت نفسه ابتكروا علوما جديدة لخدمة الّدين‪ ،‬مثل‪ :‬علوم النحو والصرف والبلغة‪ ،‬ووضعوا‬
‫معاجم اللغة‪ ،‬وطوروا علوم الفقه والتفسير والحديث ودّونوها‪ ،‬وابتكروا علوما خادمة لها‪ ،‬لضبط قواعدها‪،‬‬
‫ورّد فروعها إلى أصولها‪ .‬فكان علم أصول الفقه‪ ،‬وأصول الحديث‪ ،‬وأصول التفسير‪ ،‬وعلوم القرآن‪.‬‬

‫وترجموا علوم المم الخرى‪ ،‬فاقتبسوا منها‪ ،‬وعّدلوا فيها‪ ،‬وأضافوا إليها‪ ،‬ونبغ منهم أعداد ل ُتحصى في‬
‫علوم الطب والفلك والفيزياء والكيمياء والبصريات والرياضيات وتقويم البلدان‪ ،‬وغيرها من أنواع المعارف‬
‫والعلوم‪ .‬وابتكروا علوما أخرى لم تعرفها المم السابقة كاليونان وغيرهم‪ ،‬مثل )علم الجبر( الذي اخترعه‬
‫خوارِزمي‪ ،‬وهو يؤلف رسالة في علم المواريث والوصايا‪.‬‬ ‫العلمة ال ُ‬

‫ولما تخلف المسلمون‪ :‬انعكست الية عندهم‪ ،‬فابتدعوا في أمور الّدين‪ ،‬وجمدوا في أمور الدنيا!!(]‪.[14‬‬

‫إننا ندعو المسلمين‪ ،‬ونلح في الدعوة عليهم‪ ،‬أن يحددوا الهداف بوضوح‪ ،‬ويضعوا المناهج بدقة ‪ ،‬للتجديد في‬
‫أمر الدين‪ ،‬والتطوير في أمر الدنيا‪ ،‬بحيث يكون يومهم أفضل من أمسهم‪ ،‬وغدهم أحسن من يومهم‪ ،‬فالمسلم‬
‫عَباِد اّلِذي َ‬
‫ن‬ ‫شْر ِ‬
‫الحق هو الذي ينشد)الحسن( دائمًا‪ ،‬وليس مجرد الحسن‪ ،‬كما قال تعالى في القرآن الكريم‪َ:‬فَب ّ‬
‫ب )الزمر‪.(17،18 :‬‬ ‫ك ُهْم ُأوُلو اَْلْلَبا ِ‬
‫ل َوُأوَلِئ َ‬
‫ن َهَداُهُم ا ُّ‬
‫ك اّلِذي َ‬
‫سَنُه ُأوَلِئ َ‬
‫ح َ‬
‫ن َأ ْ‬
‫ن اْلَقْوَل َفَيّتِبُعو َ‬
‫سَتِمُعو َ‬
‫َي ْ‬

‫ومن المهم جدا في هذا المقام‪ :‬أن يميز بين ما يجدد وما ل يجدد من الدين]‪ ،[15‬وما معنى التجديد وجوانبه‪،‬‬
‫ومن هو المجدد الحق‪ ،‬وكذلك بين ما يطور وما ل يطور من المجتمع والحياة‪ ،‬بحيث تحترم الثوابت‪ ،‬ويبقى‬
‫المجال مفتوحا وواسعا في المتغيرات‪ ،‬وما أكثرها]‪.[16‬‬

‫دعوى ثبات الّدين وتغير الحياة‪:‬‬

‫وقد ناقشنا في كتابنا )السلم والعلمانية( دعوى ثبات الّدين وتغير الحياة‪ ،‬بأنها دعوى غير مسلمة‪ ،‬فليس كل‬
‫الّدين ثابتا‪ ،‬ول كل الحياة متغيرة‪.‬‬

‫بل الثابت في الّدين‪ :‬العقائد والشعائر العبادية والقيم والفضائل والحكام القطعية‪ ،‬التي عليها تجتمع المة‪،‬‬
‫وتتجسد فيها وحدتها الَعَقِدّية والفكرية والشعورية والعملية‪ .‬وهي تمثل )ثوابت المة( التي ل يجوز اختراقها‬
‫ول تجاوزها‪ .‬وربما كانت هي قليلة جدا‪ ،‬ولكنها مهمة جدا‪.‬‬

‫أما معظم أحكام الشريعة فهي ظنية‪ ،‬وهي قابلة للجتهاد والتجديد واختلف الراء‪ ،‬وفيها يتغير الجتهاد‪،‬‬
‫وتتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والعرف والحال‪ .‬ففي هذا المجال الرحب يعمل العقل السلمي‪ ،‬ويصول‬
‫ويجول مهتديا بما أنزل ال من الكتاب والميزان‪.‬‬

‫ول غرو أن اختلفت المذاهب والمشارب‪ ،‬واختلف أهل المذهب الواحد فيما بينهم في مسائل شّتى‪ ،‬واختلف قول‬
‫المام الواحد في المسألة الواحدة ما بين فترة وأخرى‪ ،‬وكان ذلك موضع قبول وترحيب من علماء المة الذين‬
‫أعلنوا بكل وضوح‪ :‬أن اختلف العلماء رحمة واسعة‪ ،‬كما أن اتفاقهم حجة قاطعة]‪.[17‬‬
‫ولهذا دخلت الشريعة بلد الحضارات المختلفة في فارس والعراق والشام ومصر والهند وغيرها‪ ،‬فما عجزت‬
‫سَعة نصوصها‪ ،‬وشمول قواعدها‪،‬‬‫عن علج مشكلة‪ ،‬ول ضاق صدرها بجديد يعرض عليها‪ ،‬بل وجدت في َ‬
‫وعموم مقاصدها‪ :‬ما يفي بكل مطلب‪ ،‬وما يجيب على كل تساؤل‪.‬‬

‫لقد علمنا السلم ‪ -‬بُمحكمات نصوصه‪ ،‬وكليات قواعده‪ -‬أن نفرق بين المقاصد والوسائل‪ ،‬وبين الصول‬
‫والفروع‪ ،‬وبين الكليات والجزئيات‪ ،‬فنحرص على الثبات في المقاصد والغايات‪ ،‬وعلى المرونة في الوسائل‬
‫والليات‪ ،‬على الثبات في الصول والكليات‪ ،‬وعلى المرونة في الفروع والجزئيات‪ .‬وبهذا ل نقف في وجه‬
‫التطور والبداع‪ ،‬إل إذا كان مسخا لهوية المة وذاتيتها باسم التطور‪.‬‬

‫هذه نظرتنا إلى الّدين‪ ،‬فيه ثبات وفيه تغير‪ ،‬فإذا نظرنا إلى الحياة لم نجد الحياة كلها متغيرة كما زعم الزاعمون‪.‬‬
‫بل جوهر الحياة ثابت‪ ،‬وجوهر النسان ثابت‪ ،‬وجوهر الكون ثابت‪ .‬والعراض هي التي تتغير‪.‬‬

‫إن السماء هي السماء‪ ،‬والرض هي الرض‪ ،‬والبحار هي البحار‪ ،‬والشمس والقمر والنجوم ل تزال تسير في‬
‫سّن ِ‬
‫ت‬ ‫جَد ِل ُ‬
‫ن َت ِ‬
‫ل َوَل ْ‬
‫ل َتْبِدي ً‬
‫ت ا ِّ‬
‫سّن ِ‬
‫جَد ِل ُ‬
‫ن َت ِ‬
‫أفلكها مسخرة بأمر ربها‪ ،‬تحكمها سسن ثابتة ل تتغير ول تتحول‪َ :‬فَل ْ‬
‫ل ]فاطر‪.[43:‬‬
‫حِوي ً‬
‫ل َت ْ‬
‫ا ِّ‬

‫ضيا‪ ،‬كأن ينجح النسان في تخضير الصحراء‪ ،‬وقد يغلب التصحر‬ ‫عَر ِ‬
‫قد تتغير بعض الشياء تغيرا جزئيا و َ‬
‫النسان فيأكل الرض الخضراء‪ ،‬وقد يطغى البحر على اليابسة فيأخذ منها‪ ،‬وقد يردم النسان جزءا من البحر‪،‬‬
‫فيضمه إلى اليابسة‪ ،‬وقد يحول النسان ماء البحر الملح الجاج إلى عذب فرات سائغ شرابه … إلى غير ذلك‬
‫من التغيرات المحدودة‪ ،‬التي ل تنال من ثبات جوهر الكون والحياة‪.‬‬

‫والنسان قد تغيرت قدراته وإمكاناته‪ ،‬وتغيرت معارفه ومعلوماته‪ ،‬فأمسى يحلق في الهواء كالطير‪ ،‬ويغوص‬
‫في البحار كالحوت‪ ،‬ويختصر المسافات‪ ،‬ويضاعف القدرات‪ ،‬ويهتدي إلى الثورات العلمية الهائلة‪ :‬اللكترونية‬
‫والتكنولوجية والبيولوجية والنووية والفضائية‪ ،‬وثورة التصالت‪ ،‬وثورة المعلومات‪.‬‬

‫ومع هذا كله‪ ،‬ظل النسان هو النسان في جوهره وحقيقته‪ ،‬بعقله وعاطفته وضميره‪ ،‬وجسمه وروحه‪،‬‬
‫باستعداده للخير والشر‪ ،‬وللفجور والتقوى‪.‬‬

‫سمي )هابيل(‪ ،‬وبقي كذلك النسان الشرير الخبيث‬
‫خّير الطيب الذي تمثل في ابن آدم الول الذي ُ‬
‫بقي النسان ال َ‬
‫سمي )قابيل(‪.‬‬‫الذي تمثل في ابن آدم الثاني الذي ُ‬

‫نعم‪ ،‬تطورت أدوات القتل وأساليبه عما كانت من قبل‪ ،‬وأصبح في استطاعة النسان أن يخفي جثة القتيل‬
‫ل كما هما في إنسان عصرنا كما كانا في‬
‫بإذابتها بواسطة محاليل كيميائية معينة‪ ،‬ولكن جوهر الخير والشر ظ ّ‬
‫العصر الول‪.‬‬

‫ومن هنا سقطت دعوى أن الّدين كله ثابت‪ ،‬وأن الحياة كلها متغيرة‪.‬‬

‫وأود أن أنبه هنا إلى‪ :‬أن السلم ل يمنع تطور الحياة‪ ،‬وانتقالها من السيئ إلى الحسن‪ ،‬ومن الحسن إلى‬
‫الحسن‪ .‬بل نرى السلم أبدا يشوق المسلم إلى )التي هي أحسن( في كثير من المور‪ ،‬فهو يحاور بالتي هي‬
‫أحسن‪ ،‬ويدفع إساءة المسيء بالتي هي أحسن‪ ،‬ويقرب مال اليتيم بالتي هي أحسن‪.‬‬

‫ن َما ُأْنِزَل ِإَلْيُكْم‬
‫سَ‬‫ح َ‬
‫و يتطلع دائما إلى )الحسن( في كل شيء‪ ،‬كيف ل وقد علمه القرآن ذلك حين قال‪َ :‬واّتِبُعوا َأ ْ‬
‫سَنُه ]الزمر‪.[17،18:‬‬ ‫ح َ‬‫ن َأ ْ‬
‫ن اْلَقْوَل َفَيّتِبُعو َ‬
‫سَتِمُعو َ‬
‫ن َي ْ‬
‫عَباِد * اّلِذي َ‬
‫شْر ِ‬
‫ن َرّبُكْم ]الزمر‪ ،[55:‬وقال تعالى‪َ :‬فَب ّ‬
‫ِم ْ‬

‫ولقد رأينا الرسول الكريم يعني بأمر )الحصاء( قبل أن يهتم به البشر‪ ،‬فطلب من أصحابه أن يحصوا له عدد‬
‫ن يلفظ بالسلم فأحصوا له‪ ،‬فكانوا ألفا وخمسمائة رجل]‪.[18‬‬ ‫َم ْ‬

‫وفي بعض الروايات‪" :‬اكتبوا لي … "]‪ ،[19‬فهو إحصاء ُيراد تدوينه وكتابته‪.‬‬
‫وهو عليه الصلة والسلم‪ ،‬يقدر التجربة في شؤون الدنيا‪ ،‬ويبني عليها نتائجها‪ ،‬فحين رأى في بعض أمور‬
‫الزراعة أمرا‪ ،‬وأظهرت النتائج خلفه‪ ،‬قال لهم بكل وضوح‪" :‬أنتم أعلم بأمر دنياكم"]‪ .[20‬فأنتم المرجع‬
‫المعتبر في المور الفنية والدنيوية التي تحسنونها‪ ،‬دون حاجة إلى الرجوع إلى الوحي]‪.[21‬‬

‫شوا‬
‫ل ]الجمعة‪َ ،[10:‬فاْم ُ‬
‫ضِل ا ِّ‬
‫ن َف ْ‬
‫ض َوابَْتُغوا ِم ْ‬
‫شُروا ِفي اَْلْر ِ‬
‫ف بدعوتهم إلى العمل لدنياهم‪َ :‬فاْنَت ِ‬ ‫وهو لم يكت ِ‬
‫ن ِرْزِقِه ]الُملك‪.[15:‬‬
‫ِفي َمَناِكِبَها َوُكُلوا ِم ْ‬

‫بل حّثهم على أن يحسنوا العمل‪ ،‬وَيْبُلُغوا به درجة التقان والحكام‪ ،‬وجعل ذلك فريضة دينية مكتوبة عليهم‪،‬‬
‫فقال ‪" :‬إن ال كتب الحسان على كل شيء‪ ،‬فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة‪ ،‬وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة"]‪.[22‬‬

‫والحسان هو‪ :‬التقان الذي يحبه ال‪ ،‬فهو تعالى يحب المحسنين‪ ،‬ويحب من أحدنا إذا عمل عمل أن يتقنه‪.‬‬

‫ن ]النعام‪ ،152:‬السراء‪:‬‬
‫سُ‬‫ح َ‬
‫ي َأ ْ‬
‫ومن توجيهات القرآن القتصادية الرائعة‪َ :‬ول َتْقَرُبوا َماَل اْلَيِتيِم ِإّل ِباّلِتي ِه َ‬
‫‪.[34‬‬

‫طُرق للمحافظة على مال اليتيم من جهة‪ ،‬وعلى تثميره وتنميته من‬ ‫ي اليتيم عن أمثل ال ّ‬
‫على معنى أن يبحث ول ّ‬
‫جهة أخرى‪ ،‬بحيث يبقى أصله سليما‪ ،‬وتتابع ثمراته باستمرار‪ .‬وفي هذا يتنافس أهل المعرفة بالمال‪ ،‬والخبرة‬
‫طُرق التشغيل والستثمار‪ .‬فلو وجدت طريقة أو أكثر لتنمية مال اليتيم‪ ،‬طريقة حسنة‪،‬‬ ‫بالقتصاد‪ ،‬والعارفون ب ُ‬
‫وطريقة أحسن منها‪ ،‬فالقرآن ينهى أن ُيْقَتَرب من هذا المال إل بالطريقة الحسن والفضل‪.‬‬

‫صى بمال اليتيم خاصة‪ ،‬لن الناس ‪-‬بطبيعتهم وفطرتهم‪ -‬مهتّمون بتثمير أموالهم الخاصة‪ ،‬وقد يهملون‬ ‫وإنما و ّ‬
‫أمر مال اليتيم‪ ،‬فُنّبهوا عليه‪ ،‬حتى ل يغفلوا عنه‪.‬‬

‫وتوجيه القرآن العناية إلى حسن استثمار أموال اليتامى‪ ،‬فيه إشارة واضحة إلى العناية بحسن استثمار أموال‬
‫المة كلها‪ ،‬وأن يكون بالطريقة التي هي أحسن وأفضل‪ ،‬في حفظ الصول‪ ،‬وتنمية الفروع‪ ،‬فالمال هو قوام‬
‫المعيشة‪ ،‬وعصب الحياة‪ ،‬ونعم المال الصالح للفرد الصالح‪ ،‬وللجماعة الصالحة أيضا‪.‬‬

‫‪--------------------------------------------------------------------------------‬‬

‫]‪ -[1‬رواه أبو داود في الملحم )‪ (4291‬عن أبي هريرة‪ ،‬والحاكم في المستدرك كتاب الفتن والملحم )‬
‫‪ ،(4/567‬والطبراني في الوسط )‪ ،(6/324‬وصححه اللباني في صحيح الجامع )‪.(1874‬‬

‫]‪ -[2‬رواه البخاري في الصلح )‪ (2697‬عن عائشة‪ ،‬ومسلم في القضية )‪ ،(1718‬وأحمد في المسند )‬
‫‪ ،(26033‬وأبو داود في السنة )‪ ،(4606‬وابن ماجه في المقدمة‪.‬‬

‫]‪ -[3‬رواه مسلم في القضية )‪ (1718‬عن عائشة‪ ،‬وأحمد في المسند )‪ ،(25171‬والدارقطني في السنن كتاب‬
‫عمر )‪.(4/227‬‬

‫]‪ -[4‬رواه مسلم في الجمعة )‪ (867‬عن جابر‪ ،‬وأحمد في المسند )‪ ،(14334‬والنسائي في صلة العيدين )‬
‫‪ ،(1578‬وابن ماجه في المقدمة )‪.(45‬‬

‫]‪ -[5‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫]‪ -[6‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫]‪ -[7‬رواه أحمد في المسند )‪ (17144‬عن العرباض بن سارية‪ ،‬وقال محققوه‪ :‬حديث صحيح ورجاله ثقات‪،‬‬
‫وأبو داود في السنة )‪ ،(4607‬والترمذي في العلم )‪ (2676‬وقال حديث صحيح‪ ،‬وابن ماجه في المقدمة )‪.(43‬‬
‫]‪ -[8‬انظر‪ :‬ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للعلمة أبي الحسن الندوي صـ ‪ 185‬دار القلم‪ .‬الكويت‪.‬‬

‫]‪ -[9‬بل عدها بعضهم تسعمائة حمام‪ ،‬ذكر ذلك المقري التلمساني في نفح الطيب من غصن الندلس الرطيب )‬
‫‪ ،(1/540‬وأكثر من هذا ما ذكره الخطيب في تاريخه‪ :‬أن حمامات بغداد بلغت ستين ألف حمام )‪.(1/117‬‬

‫]‪ -[10‬رواه أبو داود في الدب )‪ (4904‬عن أنس‪ ،‬وأبو يعلى في المسند )‪ ،(6/365‬وقال الهيثمي في مجمع‬
‫الزوائد‪ :‬رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء وهو ثقة )‪،(6/390‬‬
‫وضعفه اللباني في الجامع الصغير )‪.(14381‬‬

‫]‪ -[11‬رواه مسلم في الزكاة )‪ (1017‬عن جرير بن عبد ال‪ ،‬وأحمد في المسند )‪ ،(19200‬والنسائي في‬
‫الزكاة )‪ ،(2554‬وابن ماجه في المقدمة )‪.(203‬‬

‫]‪ -[12‬أي بين ستة كما فعل سيدنا عمر رضي ال عنه‪.‬‬

‫]‪ -[13‬انظر‪ :‬شرح تنقيح الفصول للقرافي صـ ‪.199‬‬

‫]‪ -[14‬انظر‪ :‬كتابنا )السنة مصدًرا للمعرفة والحضارة( صـ ‪ 247 – 245‬طبعة دار الشروق الثانية‪.‬‬

‫]‪ - [15‬انظر‪ :‬كتابنا"من أجل صحوة راشدة تجدد الدين وتنهض بالدنيا" فصل) تجديد الدين في ضوء السنة(‬
‫نشر مكتبة وهبة بالقاهرة‪ ،‬ومؤسسة الرسالة ببيروت‪.‬‬

‫]‪ - [16‬انظر‪ :‬المصدر السابق ‪ /‬فصل )السلم والتطور(‪.‬‬

‫]‪ -[17‬كما قال ذلك ابن قدامة في مقدمة كتابة المغني )‪ (1/4‬طبعة هجر‪ .‬القاهرة‪.‬‬

‫]‪ -[18‬رواه مسلم في اليمان )‪ (149‬عن حذيفة‪ ،‬وأحمد في المسند )‪ ،(23259‬والنسائي في الكبرى كتاب‬
‫السير )‪.(5/276‬‬

‫]‪ -[19‬رواه البخاري في الجهاد والسير )‪ (3060‬عن حذيفة‪ ،‬والبيهقي في الكبرى كتاب قسم الفيء والغنيمة )‬
‫‪.(6/363‬‬

‫]‪ -[20‬رواه مسلم في الفضائل )‪ (2363‬عن أنس‪ ،‬وأحمد في المسند )‪ ،(12544‬وابن ماجه في الرهون )‬
‫‪.(2471‬‬

‫]‪ - [21‬انظر‪ :‬كتابنا ) السنة مصدرا للمعرفة والحضارة( فصل‪ ":‬السنة التشريعية"‪.‬‬

‫]‪ -[22‬رواه مسلم في الصيد والذبائح )‪ (1955‬عن شداد بن أوس‪ ،‬وأحمد في المسند )‪ ،(17113‬وأبو داود‬
‫في الضحايا )‪ ،(2815‬والترمذي في الديات )‪ ،(1409‬والنسائي في الضحايا )‪ ،(4405‬وابن ماجه في الذبائح )‬
‫‪.(3170‬‬
‫الّدين والدولة في السلم‬

‫الباب الثالث‬

‫الّدين والدولة في السلم‬

‫تناولنا في فصول الباب السابق‪ :‬علقة الدين بالسياسة بين السلميين والعلمانيين ومن دار في فلكهم‪ .‬ونكمل‬
‫الحديث في هذا الباب عن العلقة بين الدين والدولة‪ ،‬ول ريب أن الدولة من تجليات السياسة‪ ،‬ومن أبرز‬
‫مظاهرها‪:‬‬
‫‪ .1‬أنكر العلمانيون على السلم أن يكون له دولة‪ ،‬تطبق شريعته‪ ،‬وترفع رايته‪ ،‬وتبلغ دعوته‪ ،‬وتحمي أمته‪،‬‬
‫وتذود عن داره وأرضه‪ .‬ولذا جعلنا الفصل الول من هذا الباب بعنوان‪ :‬من حق السلم أن تكون له دولة‪.‬‬

‫‪ .2‬كما أنكر هؤلء على السلميين أن يكون لهم حزب سياسي يعبر عن رؤيتهم‪ ،‬وعن مواقفهم وبرامجمهم‬
‫في الصلح والتغيير‪ ،‬ول يسوغ أن يعطى الشيوعيون والليبراليون والعلمانيون من شتى التجاهات اليمينية‬
‫واليسارية‪ :‬حق تكوين الحزاب‪ ،‬والنخراط فيها‪ ،‬ويحرم السلميون وحدهم هذا الحق‪ .‬ولهذا جعلنا الفصل‬
‫الثاني من هذا الباب بعنوان‪ :‬من حق السلميين أن يعبر عنهم حزب سياسي‪.‬‬

‫‪ .3‬كما أن هؤلء يدعون على دولة السلم‪ :‬أنها دولة دينية‪ ،‬بالمعنى الغربي لها‪ ،‬أي ثيوقراطية كهنوتية‬
‫يتحكم فيها رجال الدين‪ ،‬ويتسلطون على أهل الرض باسم السماء‪ ،‬وقد بينا في هذا الفصل )الثالث( أن الدولة‬
‫في السلم دولة )مدنية( مرجعيتها السلم‪.‬‬

‫‪ .4‬وكذلك أوضحنا أن الدولة السلمية كما أنها دولة مدنية‪ ،‬هي كذلك هي دولة شورية‪ ،‬تقوم على الشورى‬
‫والبيعة والرضا العام‪ ،‬كما تقوم على النصيحة في الدين والمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬فهي دولة‬
‫مدنية‪ ،‬ودولة شورية تتوافق مع جوهر الديمقراطية‪ .‬وهذا هو مضمون الفصل الرابع‪.‬‬

‫‪ .5‬وقد اتهم العلمانيون‪ :‬الدولة السلمية بأنها دولة متعصبة‪ ،‬تجور على حقوق القليات‪ ،‬ول مكان فيها‬
‫للتعدد والتنوع في الديان والثقافات‪ ،‬وقد فّندنا هذه الشبهة بالدلة الدامغة‪ ،‬وهذا هو الفصل الخامس‪.‬‬

‫أما الفصل السادس فيرد على الزعم القائل بأن الدولة السلمية ل تراعي حقوق النسان‪ ،‬وهو زعم‬ ‫‪.6‬‬
‫ترفضه الدلة‪ ،‬ويرفضه التاريخ‪.‬‬

‫وهذه فصولنا تتحدث عن نفسها‪.‬‬

‫من حق السلم أن تكون له دولة‬

‫الفصل الول‬

‫من حق السلم أن تكون له دولة‬

‫صّر العلمانيون عليه ‪-‬على اختلف ألوانهم وانتماءاتهم‪ -‬أن ل تكون للسلم دولة‪ ،‬تتحدث باسمه‪ ،‬وترفع‬‫مما ُي ِ‬
‫رايته في الرض‪ ،‬وتطبق أحكام شريعته على المؤمنين به‪ ،‬وتبلغ رسالته إلى العالمين‪ ،‬وتدافع عن أرضه‬
‫وأمته في مواجهة الغزاة والمعتدين‪.‬‬

‫فالسلم – في نظرهم – مجرد رسالة روحية؛ ل تتعدى العلقة بين المرء وربه‪ ،‬ساحتها‪ :‬ضمير الفرد‪ ،‬أو‬
‫نفسه التي بين جنبيه‪ ،‬ول صلة لها بإصلح المجتمع‪ ،‬أو بتوجيه الدولة‪ ،‬أو بمعاقبة الجريمة‪ ،‬أو بتنظيم المال‪،‬‬
‫أو بغير ذلك من شؤون الحياة‪.‬‬

‫على حين يعتبر السلميون – على اختلف مذاهبهم ومدارسهم – أن السلم‪ :‬عقيدة وشريعة‪ ،‬عبادة ومعاملة‪،‬‬
‫دين وسياسة‪ ،‬دعوة ودولة‪.‬‬

‫والسلميون يرون‪ :‬أن الدولة في السلم‪ :‬فريضة وضرورة‪ .‬فريضة دينية‪ ،‬وضرورة حيوية‪.‬‬

‫وإذا كنا قد بّينا في الباب السابق‪ :‬أن الدين ل ينفصل عن السياسة‪ ،‬وأن السياسة ل تنفصل عن الدين‪ ،‬وفندنا‬
‫مقولة ) ل سياسة في الدين ول دين في السياسة( فإن أبرز وأهم تجليات السياسة‪ :‬هو قيام الدولة التي تمكن‬
‫للدين‪ ،‬وتحققتعاليمه في الرض‪.‬‬

‫ولم يعرف المسلمون طوال تاريخهم الطويل هذا النفصال ‪-‬أو الفصام‪ -‬بين الّدين والدنيا‪ ،‬أو بين الّدين‬
‫والسياسة‪ ،‬أو بين الّدين والدولة‪.‬‬
‫لقد كان النبي صلى ال عليه وسلم جامعا للسلطتين‪ :‬الّدينيـة والدنيويـة‪ ،‬ولهذا قسم الفقهاء تصرفاته بوصفه‬
‫نبيا مبلغا عن ال‪ ،‬وبوصفه قاضيا يفصل بين الناس‪ ،‬وبوصفه إماما يتصرف في قضايا المة]‪.[1‬‬

‫وكذلك كان الخلفاء الراشدون واُلمويون والعباسيون والعثمانيون وغيرهم‪ ،‬إلى أن ألغيت الخلفة في سنة‬
‫‪1924‬م‪.‬‬

‫ورأينا العلماء يعرفون الخلفة بأنها‪ :‬النيابة عن رسول ال صلى ال عليه وسلم في حراسة الّدين وسياسة‬
‫الدنيا به‪.‬‬

‫ورأينا كل خليفة أو أمير أو سلطان طوال التاريخ السلمي‪ :‬يرى نفسه مسؤول عن التمكين للدين في الرض‪،‬‬
‫صلَة َوآَتُوا الّزَكاَة‬
‫ض َأَقاُموا ال ّ‬
‫ن َمّكّناُهْم ِفي اَْلْر ِ‬
‫ن ِإ ْ‬
‫والدفاع عنه‪ .‬وهذا ما قّرره القرآن بجلء‪ ،‬حين قال‪ :‬اّلِذي َ‬
‫ن اْلُمْنَكر ]الحج‪ ،[41:‬ولهذا كان هؤلء الخلفاء والسلطين ُيباَيعون من المة على‬ ‫عِ‬‫ف َوَنَهْوا َ‬
‫َوَأَمُروا ِباْلَمْعُرو ِ‬
‫كتاب ال‪ ،‬وعلى سنة رسول ال‪.‬‬

‫وكان هؤلء الخلفاء والمراء ل يفرقون بين الّدين والدنيا‪ ،‬أو بين الّدين والسياسة‪ ،‬كما يقولون اليوم‪.‬‬

‫مدح الشاعر عبد ال بن أبي السمط‪ :‬الخليفة المأمون بقصيدة كان فيها بيت يقول‪:‬‬

‫بالّدين والناس بالدنيا مشاغيل!‬ ‫أضحى إمام الُهدى المأمون مشتغل‬

‫عمارة‬‫فأعرض عنه المأمون‪ ،‬ونظر إليه نظرا شزرا‪ ،‬وكان الشاعر معتزا ببيته هذا‪ ،‬فشكا إلى شاعر آخر ) ُ‬
‫عمارة‪ :‬وال‪ ،‬لقد حلم عليك إذ لم‬
‫جرير(‪ :‬أن أمير المؤمنين ل يعرف الشعر! وأنشد له البيت‪ ،‬فقال له ُ‬ ‫حفيد َ‬
‫ت كما قال جدي في عبد العزيز بن مروان‪:‬‬ ‫يؤدبك عليه‪ ،‬ويلك! وإذا لم يشتغل بالدنيا‪ ،‬فمن يدبر أمرها؟ أل قل َ‬

‫ول عرض الدنيا عن الّدين شاغله!‬ ‫فل هو في الدنيا مضيع نصيبه‬

‫قال‪ :‬الن علمت أني أخطأت]‪.[2‬‬

‫فهكذا كانوا ينظرون إلى امتزاج الّدين بالدنيا‪ ،‬ومنها السياسة‪.‬‬

‫أولى محاولت العلمانية لقتحام الزهر‪:‬‬

‫ومن بدهيات التاريخ السلمي‪ :‬أنه لم يعرف يوما دولة بل دين‪ ،‬ول دينا بل دولة‪ .‬ولم يدر هذا الخاطر في فكر‬
‫أحد من أبنائه‪ ،‬حتى ظهر علي عبد الرازق بكتابه أو ُكتّيبه العجيب في آخر الربع الول للقرن العشرين‬
‫الميلدي )‪1925‬م( الذي اّدعى فيه دعاوى شاذة عن مسار المة وعن عقيدتها وشريعتها ووجهتها العامة‪،‬‬
‫وزعم أن الرسول لم يؤسس دولة‪ ،‬وأن السلم ل شأن له بالدولة والحكم والسياسة‪ ،‬وأنه مجرد رسالة‬
‫روحية‪ ،‬وهو ما رد عليه الراسخون من علماء المة بالدلة الشرعية القاطعة‪ ،‬وسقط الكتاب من الناحية‬
‫العلمية‪ .‬وإن كان الخصوم الّدينيون والفكريون والسياسيون قد رحبوا بالكتاب أبلغ ترحيب‪ ،‬وفتحوا له‬
‫صدورهم وأذرعتهم‪ .‬وجعلوه سلحا في أيديهم في معركتهم ضد السلم وأمته‪.‬‬

‫وكانت هذه أول مرة تحاول العلمانية فيها‪ :‬أن تقتحم على الزهر داره‪ ،‬وتغزو فكر أحد علمائه‪ ،‬ولكن الزهر‬
‫رفض ذلك بقوة‪ ،‬وفند دعوى الرجل علميا‪ ،‬وجرده من نسبه الزهري‪ ،‬وأخرجه من زمرة العلماء‪.‬‬

‫وإن كان الشيخ علي بعد ذلك لم يحاول نشر الكتاب‪ ،‬أو ترويجه أو الحديث عنه طوال حياته‪ ،‬بل حتى ورثته من‬
‫بعده‪.‬‬

‫دعوى علي عبد الرازق منقوضة‪:‬‬
‫زعم الشيخ علي عبد الرازق‪ :‬أنه ل يجد دليل على أن السلم يدعو إلى تأسيس دولة أو إقامة حكومة‪ .‬وأنه‬
‫ليس إل دعوة دينية خالصة‪ ،‬ل صلة لها بالُملك الذي هو من أمور الدنيا‪ ،‬المضادة للدين‪.‬‬

‫حدث‪،‬‬
‫ونحن هنا سنبين الدلة على أن )إقامة الدولة( من صميم السلم‪ ،‬وأن القول بخلف ذلك‪ ،‬إنما هو قول ُم ْ‬
‫لم يعرفه المسلمون خلل تاريخهم الطويل‪.‬‬

‫الدلة على أن الدولة من صميم السلم‪:‬‬

‫وسنختار أدلة ثلثة أساسية‪ :‬من نصوص السلم‪ ،‬ومن تاريخه‪ ،‬ومن طبيعته‪.‬‬

‫‪ .1‬الدليل من نصوص السلم‪:‬‬

‫ت ِإَلى َأْهِلَها َوِإَذا‬
‫ن ُتَؤّدوا اَْلَماَنا ِ‬
‫ل يَْأُمُرُكْم َأ ْ‬
‫ن ا َّ‬‫أما نصوص السلم‪ ،‬فحسبنا منها آيتان من سورة النساء‪ِ :‬إ ّ‬
‫ن آَمُنوا‬‫صيرًا * َيا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫سِميعًا َب ِ‬ ‫ن َ‬ ‫ل َكا َ‬ ‫ن ا َّ‬
‫ظُكْم ِبِه ِإ ّ‬
‫ل ِنِعّما َيِع ُ‬ ‫ن ا َّ‬
‫حُكُموا ِباْلَعْدِل ِإ ّ‬
‫ن َت ْ‬
‫س َأ ْ‬
‫ن الّنا ِ‬‫حَكْمُتْم َبْي َ‬
‫َ‬
‫سوِل ]النساء‪:‬‬ ‫ل َوالّر ُ‬ ‫يٍء َفُرّدوُه ِإَلى ا ِّ‬ ‫ش ْ‬‫عُتْم ِفي َ‬ ‫ن َتَناَز ْ‬
‫سوَل َوُأوِلي اَْلْمِر ِمْنُكْم َفِإ ْ‬ ‫طيُعوا الّر ُ‬‫ل َوَأ ِ‬
‫طيُعوا ا َّ‬ ‫َأ ِ‬
‫‪.[59،58‬‬

‫فالخطاب في الية الولى للولة والحكام‪ :‬أن يراعوا المانات ويحكموا بالعدل‪ ،‬فإن إضاعة المانة والعدل نذير‬
‫ت المانة فانتظر الساعة"]‪.[3‬‬
‫ضّيَع ِ‬
‫بهلك المة وخراب الديار‪ .‬ففي الصحيح‪" :‬إذا ُ‬

‫والخطاب في الية الثانية للرعية المؤمنين‪ :‬أن يطيعوا َوُأوِلي اَْلْمِر بشرط أن يكونوا )منهم( وجعل هذه الطاعة‬
‫بعد طاعة ال وطاعة الرسول‪ ،‬وأمر عند التنازع برد الخلف إلى ال ورسوله‪ ،‬أي الكتاب والسنة‪ .‬وهذا‬
‫يفترض أن يكون للمسلمين دولة ُتَهْيِمن وُتطاع‪ ،‬وإل لكان هذا المر عبثا‪.‬‬

‫وفي ضوء هاتين اليتين المذكورتين أّلف شيخ السلم ابن تيمية كتابه المعروف )السياسة الشرعية في‬
‫إصلح الراعي والرعية( والكتاب مبني على اليتين الكريمتين‪.‬‬

‫وفي القرآن آيات كثيرة تتعّلق بشؤون الجتماع والقتصاد والجهاد والسياسة‪ ،‬معروفة مدروسة فيما عرف‬
‫باسم )آيات الحكام( وعنى بها العلماء الذين ألفوا في )أحكام القرآن( مثل الرازي الجصاص الحنفي )ت‬
‫‪370‬هـ( وابن العربي المالكي )ت ‪453‬هـ(‪.‬‬

‫وإذا ذهبنا إلى السنة‪ ،‬رأينا الرسول يقول‪" :‬من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"]‪ .[4‬ول ريب أن‬
‫من المحّرم على المسلم أن يبايع أي حاكم ل يلتزم بالسلم‪ .‬فالبيعة التي تنجيه من الثم أن يبايع َمن يحكم بما‬
‫أنزل ال ‪ ...‬فإذا لم يوجد فالمسلمون آثمون حتى يتحقق الحكم السلمي‪ ،‬وتتحقق البيعة المطلوبة‪ .‬ول ينجي‬
‫المسلم من هذا الثم إل أمران‪:‬‬

‫النكار ‪ -‬ولو بالقلب‪ -‬على هذا الوضع المنحرف المخالف لشريعة السلم‪.‬‬

‫والسعي الدائب لستئناف حياة إسلمية قويمة‪ ،‬يوجهها حكم إسلمي رشيد‪.‬‬

‫وجاءت عشرات الحاديث الصحيحة ‪-‬إن لم تكن مئاتها‪ -‬في دواوين السنة المختلفة‪ ،‬عن الخلفة والمارة‬
‫والقضاء والئمة وصفاتهم وحقوقهم من الموالة والمعاونة على البر‪ ،‬والنصيحة لهم وطاعتهم في المنشط‬
‫والمكره‪ ،‬والصبر عليهم‪ ،‬وحدود هذه الطاعة وهذا الصبر‪ ،‬وتحديد واجباتهم من إقامة حدود ال ورعاية‬
‫حقوق الناس‪ ،‬ومشاورة أهل الرأي‪ ،‬وتولية القوياء المناء‪ ،‬واتخاذ البطانة الصالحة‪ ،‬وإقامة الصلة وإيتاء‬
‫الزكاة‪ ،‬والمر بالمعروف والنهي عن المنكر ‪ ...‬إلى غير ذلك من أمور الدولة وشؤون الحكم والدارة‬
‫والسياسة‪.‬‬

‫ولهذا رأينا شؤون المامة والخلفة ُتذكر في كتب تفسير القرآن الكريم‪ ،‬وفي شروح الحديث الشريف‪ ،‬وكذلك‬
‫تذكر في كتب العقائد وأصول الّدين‪ ،‬كما رأيناها ُتذكر في كتب الفقه‪ ،‬كما رأينا ُكُتبا خاصة بشؤون الدولة‬
‫الدستورية والدارية والمالية والسياسية‪ ،‬كالحكام السلطانية للماوردي‪ ،‬ومثله لبي يعلى‪ ،‬والغياثي لمام‬
‫الحرمين‪ ،‬والسياسة الشرعية لبن تيمية‪ ،‬وغيرها‪ ،‬مما سبق الشارة إليها]‪.[5‬‬

‫‪ .2‬الدليل من تاريخ السلم‪:‬‬

‫أما تاريخ السلم‪ ،‬فينبئنا أن رسول ال صلى ال عليه وسلم سعى بكل ما استطاع من قوة وفكر ‪-‬مؤيدا بهداية‬
‫الوحي‪ -‬إلى إقامة دولة السلم‪ ،‬ووطن لدعوته‪ ،‬خالص لهله‪ ،‬ليس لحد عليهم فيه سلطان‪ ،‬إل سلطان‬
‫الشريعة‪ .‬ولهذا كان يعرض نفسه على القبائل ليؤمنوا به ويمنعوه ويحموا دعوته‪ ،‬حتى وفق ال قبيلتي الوس‬
‫والخزرج إلى اليمان برسالته‪ ،‬فبعث إليهم مصعب بن عمير يتلو عليهم القرآن ويعلمهم السلم‪ ،‬فلما انتشر‬
‫فيهم السلم جاء وفد منهم إلى موسم الحج مكون من )‪ (73‬ثلثة وسبعين رجل وامرأتين‪ ،‬فبايعوه صلى ال‬
‫عليه وسلم على أن يمنعوه مما يمنعون أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم‪ ،‬وعلى السمع والطاعة‪ ،‬والمر بالمعروف‬
‫والنهي عن المنكر ‪ ...‬إلخ‪ ،‬فبايعوه على ذلك ‪ ...‬وكانت الهجرة إلى المدينة ليست إل سعيا لقامة المجتمع‬
‫المسلم المتمّيز‪ ،‬تشرف عليه دولة متميزة‪.‬‬

‫كانت )المدينة( هي )دار السلم( وقاعدة الدولة السلمية الجديدة‪ ،‬التي كان يرأسها رسول ال صلى ال عليه‬
‫وسلم فهو قائد المسلمين وإمامهم‪ ،‬كما أنه نبيهم ورسول ال إليهم‪ .‬ولهذا جعل الفقهاء من أنواع تصرفات‬
‫الرسول‪ :‬تصرفه بمقتضى المامة أو الرئاسة للدولة‪ ،‬وذكروا ما يترتب على ذلك من أحكام]‪.[6‬‬

‫وكان النضمام إلى هذه الدولة‪ ،‬لشد أزرها‪ ،‬والعيش في ظللها‪ ،‬والجهاد تحت لوائها‪ :‬فريضة على كل داخل‬
‫في دين ال حينذاك‪ .‬فل يتم إيمانه إل بالهجرة إلى دار السلم‪ ،‬والخروج من دار الكفر والعداوة للسلم‪،‬‬
‫والنتظام في سلك الجماعة المؤمنة المجاهدة التي رماها العاَلم عن قوس واحدة‪.‬‬

‫جُروا ]النفال‪ .[72:‬ويقول في‬
‫حّتى ُيَها ِ‬
‫يٍء َ‬
‫ش ْ‬
‫ن َ‬
‫ن َوَلَيِتِهْم ِم ْ‬
‫جُروا َما َلُكْم ِم ْ‬ ‫ن آَمُنوا َوَلْم ُيَها ِ‬‫يقول ال تعالى‪َ :‬واّلِذي َ‬
‫ل ]النساء‪.[7][79:‬‬ ‫سِبيِل ا ّ‬ ‫جُروا ِفي َ‬ ‫حّتى ُيَها ِ‬‫خُذوا ِمْنُهْم َأْوِلَياَء َ‬ ‫شأن قوم‪َ :‬فل َتّت ِ‬

‫كما نزل القرآن الكريم يندد أبلغ التنديد بأولئك الذين يعيشون مختارين في دار الكفر والحرب‪ ،‬دون أن يتمكنوا‬
‫سِهْم َقاُلوا ِفيَم ُكْنُتْم َقاُلوا ُكّنا‬
‫ظاِلِمي َأْنُف ِ‬ ‫ن َتَوّفاُهُم اْلَملِئَكُة َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫من إقامة دينهم وأداء واجباتهم وشعائرهم‪ِ :‬إ ّ‬
‫صيرًا *‬ ‫ت َم ِ‬ ‫ساَء ْ‬ ‫جَهّنُم َو َ‬ ‫ك َمْأَواُهْم َ‬‫جُروا ِفيَها َفُأوَلِئ َ‬
‫سَعًة َفُتَها ِ‬‫ل َوا ِ‬
‫ن َأْرضُ ا ِّ‬ ‫ض َقاُلوا َأَلْم َتُك ْ‬
‫ن ِفي اَْلْر ِ‬ ‫ضَعِفي َ‬‫سَت ْ‬
‫ُم ْ‬
‫ل َأ ْ‬
‫ن‬ ‫سى ا ُّ‬ ‫ع َ‬ ‫ك َ‬ ‫ل * َفُأوَلِئ َ‬‫سِبي ً‬
‫ن َ‬ ‫حيَلًة َول َيْهَتُدو َ‬‫ن ِ‬ ‫طيُعو َ‬ ‫سَت ِ‬
‫ن ل َي ْ‬ ‫ساِء َواْلِوْلَدا ِ‬‫جاِل َوالّن َ‬ ‫ن الّر َ‬ ‫ن ِم َ‬‫ضَعِفي َ‬
‫سَت ْ‬‫ِإّل اْلُم ْ‬
‫غُفورًا ]النساء‪.[99-97:‬‬ ‫عُفّوا َ‬‫ل َ‬‫ن ا ُّ‬ ‫عْنُهْم َوَكا َ‬‫َيْعُفَو َ‬

‫وعند وفاة النبي كان أول ما شغل أصحابه رضي ال عنهم‪ :‬أن يختاروا )إماما( لهم‪ ،‬حتى إنهم قّدموا ذلك على‬
‫دفنه صلى ال عليه وسلم فبادروا إلى بيعة أبي بكر‪ ،‬وتسليم النظر إليه في أمورهم‪ ،‬وكذا في كل عصر من بعد‬
‫ذلك‪ .‬وبهذا الجماع التاريخي ابتداًء من الصحابة والتابعين ‪ -‬مع ما ذكرنا من نصوص‪ -‬استدل علماء السلم‬
‫على وجوب نصب المام الذي هو رمز الدولة وعنوانها‪.‬‬

‫ولم يعرف المسلمون في تاريخهم انفصال بين الّدين والدولة‪ ،‬إل عندما نجم قرن العلمانية في هذا العصر‪ ،‬وهو‬
‫ما حّذر حديث الرسول منه‪ ،‬وأمر بمقاومته كما في حديث معاذ‪" :‬أل إن رحى السلم دائرة‪ ،‬فدوروا مع‬
‫السلم حيث دار‪ ،‬أل إن القرآن والسلطان )أي الّدين والدولة( سيفترقان فل تفارقوا الكتاب‪ ،‬أل إنه سيكون‬
‫عليكم أمراء يقضون لنفسهم ما ل يقضون لكم‪ ،‬فإن عصيتموهم قتلوكم‪ ،‬وإن أطعتموهم أضلوكم"‪ .‬قالوا‪:‬‬
‫خشب‪.‬‬‫حِملوا على ال ُ‬
‫وماذا نصنع يا رسول ال؟ قال‪" :‬كما صنع أصحاب عيسى ابن مريم‪ :‬نشروا بالمناشير‪ ،‬و ُ‬
‫موت في طاعة ال خير من حياة في معصية ال"]‪.[8‬‬

‫لم يعرف تاريخنا دينا بل دولة ول دولة بل دين‪:‬‬

‫هنا أنقل كلمة المفكر المغربي المتزن )محمد عابد الجابري( عن علقة الّدين بالدولة من خلل مرجعيتنا‬
‫التراثية‪ ،‬فيقول عن ثنائية الّدين والدولة‪) :‬إنها إذا طرحت بمضمونها الصلي‪ ،‬الوربي الذي يفيد المطالبة‬
‫بفصل الّدين عن الدولة‪ ،‬إنها إذا طرحت بهذا المضمون في مرجعيتنا التراثية تلك‪ ،‬فإن هذا الطرح سيفهم حتًما‬
‫على أنه )اعتداء على السلم( ومحاولة مكشوفة لـ)القضاء( عليه‪.‬‬
‫لماذ؟‬

‫للجواب عن هذا السؤال‪ ،‬جوابا مثمرا‪ ،‬يجب تجنب التهامات المجانية من قبيل الرمي بالتعصب وضيق‬
‫الفق ‪ ...‬إلخ‪ ،‬فضررها أكثر من نفعها‪ ،‬فضل عن كونها تنّم عن عدم َفهم‪ ،‬أو على القل عن عدم تفّهم لمحددات‬
‫تفكير من يصدر عن المرجعية التراثية‪.‬‬

‫لننظر إذن إلى الكيفية التي تفهم بها عبارة )فصل الّدين عن الدولة( داخل مرجعيتنا التراثية‪ ،‬المرجعية التي ل‬
‫تحتمل هذه الثنائية )ثنائية دين ‪ /‬دولة( لنه لم يكن هناك في التاريخ السلمي بمجمله )دين( متميز ‪-‬أو يقبل‬
‫التمييز والفصل‪ -‬عن الدولة‪ ،‬كما لم يكن هناك قط )دولة( تقبل أن يفصل الّدين عنها‪.‬‬

‫فعل كان هناك حكام اتهموا بالتساهل في أمر من أمور الّدين كالجهاد أو مقاومة البدع ‪ ...‬إلخ‪ ،‬ولكن ل أحد من‬
‫الحكام في التاريخ السلمي استغنى‪ -‬أو كان في إمكانه أن يستغني‪ -‬عن إعلن التمسك بالّدين‪ ،‬لنه ل أحد‬
‫منهم كان يستطيع أن يلتمس الشرعية لحكمه خارج شرعية العلن عن خدمة الّدين‪ ،‬والرفع من شأنه‪.‬‬

‫هذا من جهة‪ ،‬ومن جهة أخرى لم يكن هناك في التاريخ السلمي‪ ،‬في أي فترة من فتراته‪ ،‬مؤسسة خاصة‬
‫بالّدين متميزة من الدولة‪ ،‬فلم يكن الفقهاء يشكلون مؤسسة‪ ،‬بل كانوا أفرادا يجتهدون في الّدين ويفتون فيما‬
‫يعرض عليهم من النوازل‪ ،‬أو تفرزه تطورات المجتمع من مشاكل‪.‬‬

‫وإذن فعبارة )فصل الّدين عن الدولة( أو )فصل الدولة عن الّدين( ستعني بالضرورة ‪-‬داخل المرجعية التراثية‪-‬‬
‫أحد أمرين أو كليهما معا‪ :‬إما إنشاء دولة ملحدة غير إسلمية‪ ،‬وإما حرمان السلم من )السلطة( التي يجب أن‬
‫تتولى تنفيذ الحكام‪.‬‬

‫نعم يمكن أن تنجح في إقناع من يفكر من داخل المرجعية التراثية وحدها بأن المر ل يتعّلق قط بإنشاء دولة‬
‫ملحدة‪ ،‬ول بنزع الصبغة السلمية عن المجتمع‪ ،‬يمكن أن تحلف له بأغلظ اليمان بأن المقصود ليس هو هذا‬
‫ول ذاك‪ ،‬وسيكتفي بالقول‪) :‬ال أعلم( ويسكت‪ .‬ولكنك ل تستطيع أبدا أن تقنعه بأن )فصل الّدين عن الدولة(‬
‫ليس معناه حرمان السلم من )السلطة( التي يجب أن تتولى تنفيذ الحكام‪ .‬وإذن فيجب البدء بالتمييز بين‬
‫السلطة المنفذة للحكام الشرعية وبين الهيئة الجتماعية المسماة‪ :‬الدولة‪.‬‬

‫لماذا؟‬

‫لن الّدين في نظره يشتمل على أحكام يجب أن تنفذ‪ ،‬وأن الدولة هي )السلطة( التي يجب أن تتولى التنفيذ(]‪.[9‬‬

‫‪ .3‬الدليل من طبيعة السلم‪:‬‬

‫أما طبيعة السلم ورسالته‪ ،‬فذلك أنه دين عام‪ ،‬ومنهج حياة‪ ،‬وشريعة شاملة‪ ،‬فتستوعب شؤون الدنيا‬
‫والخرة‪ ،‬والفرد والمجتمع‪ ،‬وشريعة هذه طبيعتها ل بد أن تتغلغل في كل نواحي الحياة‪ ،‬لتصلحها وترقى بها‪،‬‬
‫بالتوجيه والتشريع لها‪ ،‬والدولة إحدى الوسائل الهامة في ذلك‪ ،‬ول يتصور أن تهمل شأن المجتمع والدولة‪،‬‬
‫وتدع أمرها لمن ل يؤمن برسالة الدين في البناء والصلح‪ .‬وربما كان من الذين يسعون إلى تنحية الدين من‬
‫التشريع والتوجيه أصل‪.‬‬

‫كما أن هذا الّدين يدعو إلى التنظيم وتحديد المسئولية‪ ،‬ويكره الضطراب والفوضى في كل شيء‪ ،‬حتى رأينا‬
‫الرسول صلى ال عليه وسلم يأمرنا في الصلة أن نسّوي الصفوف]‪ ،[10‬وأن يؤمنا أعلمنا]‪ ،[11‬وفي السفر‬
‫يقول‪َ" :‬أّمُروا أحدكم"]‪.[12‬‬

‫يقول المام ابن تيمية في )السياسة الشرعية(‪) :‬يجب أن ُيعرف أن ولية أمر الناس أمر من أعظم واجبات‬
‫ن بني آدم ل تتم مصلحتهم إل بالجتماع‪ ،‬لحاجة بعضهم إلى بعض‪،‬‬ ‫الّدين‪ ،‬بل ل قيام للدين ول للدنيا إل بها فإ ّ‬
‫ول بد عند الجتماع من رأس‪ .‬حتى قال النبي ‪" :‬إذا خرج ثلثة في سفر‪ ،‬فليؤّمروا أحدهم"]‪ .[13‬وروى‬
‫المام أحمد عن عبد ال بن عمرو‪ ،‬أن النبي قال‪" :‬ل يحل لثلثة أن يكونوا بفلة من الرض إل أّمروا عليهم‬
‫أحدهم"]‪ ،[14‬فأوجب تأمير الواحد في الجتماع القليل العارض في السفر‪ ،‬تنبيها على سائر أنواع الجتماع‪.‬‬
‫ولن ال تعالى أوجب المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬ول يتم ذلك إل بقوة وإمارة‪ ،‬وكذلك سائر ما أوجبه‬
‫جَمع والعياد‪ ،‬ونصرة المظلوم‪ ،‬وإقامة الحدود‪ ،‬ل تتم إل بالقوة‬
‫ال من الجهاد والعدل‪ ،‬وإقامة الحج وال ُ‬
‫والمارة‪ .‬ولهذا ُروي‪" :‬إن السلطان ظل ال في الرض"]‪ .[15‬ولهذا كان السلف‪ :‬كالفضيل بن عياض وأحمد‬
‫ابن حنبل وغيرهما يقولون‪ :‬لو كانت لنا دعوة مجابة‪ ،‬لدعونا بها للسلطان(]‪ [16‬اهـ‪ .‬وذلك أن ال ُيصلح‬
‫خلقا كثيرا‪.‬‬
‫بصلحه َ‬

‫ثم إن طبيعة السلم باعتباره منهجا يريد أن ُيوجه الحياة‪ ،‬ويحكم المجتمع‪ ،‬ويضبط سير البشر وفق أوامر‬
‫ال‪ :‬ل ُيظن به أن يكتفي بالخطابة والتذكير والموعظة الحسنة‪ ،‬ول أن يدع أحكامه ووصاياه وتعليماته في‬
‫شّتى المجالت إلى ضمائر الفراد وحدها‪ ،‬فإذا سقمت هذه الضمائر أو ماتت‪ ،‬سقمت معها وماتت تلك الحكام‬
‫والتعاليم‪ .‬وقد نقلنا عن الخليفة الثالث قوله‪" :‬إن ال لَيزع بالسلطان ما ل َيزع بالقرآن"]‪.[17‬‬

‫سْلَنا‬
‫فمن الناس َمن يهديه الكتاب والميزان‪ ،‬ومنهم َمن ل يردعه إل الحديد والسنان‪ .‬ولذا قال تعالى‪َ :‬لَقْد َأْر َ‬
‫شِديٌد َوَمَناِفُع ِللّنا ِ‬
‫س‬ ‫س َ‬
‫حِديَد ِفيِه َبْأ ٌ‬
‫ط وََأْنَزْلَنا اْل َ‬
‫سِ‬‫س ِباْلِق ْ‬
‫ن ِلَيُقوَم الّنا ُ‬
‫ب َواْلِميَزا َ‬
‫ت َوَأْنَزْلَنا َمَعُهُم اْلِكَتا َ‬
‫سَلَنا ِباْلَبّيَنا ِ‬
‫ُر ُ‬
‫]الحديد‪.[25:‬‬

‫عّدل بالحديد‪ ،‬ولهذا كان قوام الّدين بالمصحف والسيف(]‪.[18‬‬
‫عَدل عن الكتاب ُ‬
‫قال ابن تيمية‪) :‬فمن َ‬

‫وقال المام الغزالي في )إحيائه(‪ :‬الدنيا مزرعة الخرة‪ ،‬ول يتم الّدين إل بالدنيا‪ ،‬والُملك والّدين توأمان‪ ،‬فالّدين‬
‫أصل‪ ،‬والسلطان حارس‪ ،‬وما ل أصل له فمهدوم‪ ،‬وما ل حارس له فضائع‪ ،‬ول يتم الُملك والضبط إل‬
‫بالسلطان]‪.[19‬‬

‫إن نصوص السلم لو لم تجئ صريحة بوجوب إقامة دولة للسلم‪ ،‬ولم يجئ تاريخ الرسول وأصحابه تطبيقا‬
‫عمليا لما دعت إليه هذه النصوص‪ ،‬لكانت طبيعة الرسالة السلمية نفسها تحتم أن تقوم للسلم دولة أو دار‪،‬‬
‫يتمّيز فيها بعقائده وشعائره وتعاليمه ومفاهيمه‪ ،‬وأخلقه وفضائله‪ ،‬وتقاليده وتشريعاته‪.‬‬

‫فل غنى للسلم عن هذه الدولة المسئولة في أي عصر‪ ،‬ولكنه أحوج ما يكون إليها في هذا العصر خاصة‪ .‬هذا‬
‫العصر الذي برزت في )الدولة اليديولوجية( وهي الدولة التي تتبنى فكرة‪ ،‬يقوم بناؤها كله على أساسها‪ ،‬من‬
‫تعليم وثقافة وتشريع وقضاء واقتصاد‪ ،‬إلى غير ذلك من الشؤون الداخلية والسياسية الخارجية‪ .‬كما نرى ذلك‬
‫واضحا في الدولة الشيوعية والشتراكية‪ .‬وأصبح العلم الحديث بما وفره للدولة من تقدم تكنولوجي في خدمة‬
‫الدولة‪ ،‬وأصبحت الدولة بذلك قادرة على التأثير في عقائد المجتمع وأفكاره وعواطفه وأذواقه وسلوكه بصورة‬
‫فّعالة‪ ،‬لم ُيعرف لها مثيل من قبل‪ .‬بل تستطيع الدولة بأجهزتها الحديثة الموجهة أن تغّير ِقَيم المجتمع وُمُثله‬
‫وأخلقه رأسا على عقب‪ ،‬إذا لم تقم في سبيلها مقاومة أشد‪.‬‬

‫إن دولة السلم دولة تقوم على عقيدة وفكرة ورسالة ومنهج‪ ،‬فليست مجرد )جهاز أمن( أو )دفاع( يحفظ‬
‫المة من العتداء الداخلي أو الغزو الخارجي‪ ،‬بل إن وظيفتها لعمق من ذلك وأكبر‪ .‬وظيفتها تعليم المة‬
‫وتربيتها على تعاليم ومبادئ السلم‪ ،‬وتهيئة الجو اليجابي‪ ،‬والمناخ الملئم‪ ،‬لتحويل عقائد السلم وأفكاره‬
‫وتعاليمه إلى واقع ملموس‪ ،‬يكون قدوة لكل َمن يلتمس الُهدى‪ ،‬وحجة على كل سالك سبيل الّرَدى‪.‬‬

‫ولهذا ُيعّرف ابن خلدون )الخلفة( بأنها‪ :‬حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الخروية‬
‫والدنيوية الراجعة إليها‪ ،‬إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الخرة‪ .‬فهي في الحقيقة‬
‫خلفة عن صاحب الشرع في حراسة الّدين وسياسة الدنيا به]‪.[20‬‬

‫ن َمّكّناُهْم‬
‫ن ِإ ْ‬
‫ولهذا وصف ال المؤمنين حين يمّكن لهم في الرض‪ ،‬وبتعبير آخر حين تقوم لهم دولة‪ ،‬فقال‪ :‬اّلِذي َ‬
‫ن اْلُمْنَكِر ]الحج‪.[41:‬‬
‫عِ‬‫ف َوَنَهْوا َ‬
‫صلَة َوآَتُوا الّزَكاَة َوَأَمُروا ِباْلَمْعُرو ِ‬
‫ض َأَقاُموا ال ّ‬
‫ِفي اَْلْر ِ‬

‫ثم إن هذه الدولة العقائدية ليست ذات صفة محلية‪ ،‬ولكنها دولة ذات رسالة عالمية‪ ،‬لن ال حّمل أمة السلم‬
‫دعوة البشرية إلى ما لديها من ُهدى ونور‪ ،‬وكّلفها الشهادة على الناس‪ ،‬والهداية للمم‪ ،‬فهي أمة لم تنشأ‬
‫بنفسها ول لنفسها فحسب‪ ،‬بل أخرجت للناس‪ ،‬أخرجها ال الذي جعلها خير أمة وخاطبها بقوله‪َ :‬وَكَذِل َ‬
‫ك‬
‫س ]البقرة‪.[143:‬‬
‫عَلى الّنا ِ‬
‫شَهَداَء َ‬
‫سطًا ِلَتُكوُنوا ُ‬
‫جَعْلَناُكْم ُأّمًة َو َ‬
‫َ‬
‫ومن هنا وجدنا النبي صلى ال عليه وسلم حين أتيحت له أول فرصة ‪-‬بعد صلح الحديبية‪ -‬كتب إلى ملوك‬
‫وأمراء القطار في أركان الرض يدعوهم إلى ال‪ ،‬والنضواء تحت راية التوحيد‪ ،‬وحّملهم إثم أنفسهم وإثم‬
‫سَواٍء‬
‫ب َتَعاَلْوا ِإَلى َكِلَمٍة َ‬‫رعيتهم إذا تخلفوا عن ركب اليمان‪ ،‬وكان يختم رسائله بهذه الية‪ُ :‬قْل َيا َأْهَل اْلِكَتا ِ‬
‫ن َتَوّلْوا َفُقوُلوا‬
‫ل َفِإ ْ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن ُدو ِ‬ ‫ضَنا َبْعضًا َأْرَبابًا ِم ْ‬
‫خَذ َبْع ُ‬
‫شْيئًا َول َيّت ِ‬
‫ك ِبِه َ‬
‫شِر َ‬
‫ل َول ُن ْ‬
‫َبْيَنَنا َوَبْيَنُكْم َأّل َنْعُبَد ِإّل ا َّ‬
‫ن ]آل عمران‪.[64:‬‬ ‫سِلُمو َ‬ ‫شَهُدوا ِبَأّنا ُم ْ‬ ‫ا ْ‬

‫ن ال ابتعثنا لُنخرج الناس من عبادة‬
‫إن شعار دولة السلم ما قاله ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس]‪ :[21‬إ ّ‬
‫جور الديان إلى عدل السلم]‪.[22‬‬ ‫العباد إلى عبادة ال وحده‪ ،‬ومن ضيق الدنيا إلى سعتها‪ ،‬ومن َ‬

‫وإذا كانت هذه الهمية كلها للدولة وقدراتها المعاصرة‪ ،‬فكيف يدعها السلم في يد العلمانين والشيوعيين‬
‫وغيرهم‪ ،‬يوجهونها إلى ما يضاد عقيدة المة وشريعتها وِقَيمها‪ ،‬ويفرغها ‪ -‬بطول الزمن ‪ -‬من رسالتها التي‬
‫هي أساس وجودها؟‬

‫العلمانية تحاول اقتحام الزهر مرة أخرى‪:‬‬

‫ومن الوقائع الهامة التي ينبغي أن تسجل هنا‪ :‬أن الزهر ‪-‬قلعة العلم والسلم الكبرى‪ -‬قد غزي في عقر داره‬
‫مرتين‪ ،‬ل غزوا ماديا‪ ،‬كما فعل الفرنسيون حين ضربوه بالمدافع والقذائف‪ ،‬حتى تصدعت جدرانه‪ ،‬ثم دخلوا‬
‫بخيلهم الزهر‪ ،‬ودّنسوا أرضه الطاهرة‪ ،‬وانتهكوا حرمة السلم وأهله‪.‬‬

‫بل هو غزو معنوي أشد خطرا من اقتحام الخيل صحن الزهر‪ .‬وهو دخول الدعوى العلمانية المستوردة‪ ،‬التي‬
‫خلصتها فصل الّدين عن الدولة‪ ،‬بل عن الحياة والمجتمع بصفة عامة‪ .‬وبعبارة أخرى‪ :‬عزل ال تعالى عن‬
‫حَكًما وُهو‬
‫ل َأبَتِغي َ‬
‫خلقه‪ ،‬والخضوع لحكام وضعية من صنع البشر‪ .‬وهو سبحانه القائل‪َ :‬أَفغيَر ا ِ‬ ‫التشريع ل َ‬
‫ل ]النعام‪[114:‬‬
‫صً‬‫ب ُمف ّ‬
‫اّلذي َأْنزَل ِإَليُكم الِكتا َ‬

‫المرة الولى‪ :‬كانت على يد الشيخ علي عبد الرزاق وقد تحدثنا عن كتابه الصغير الحجم‪ ،‬الكبير الخطر سنة‬
‫‪1925‬م والذي هاجمه عليه علماء الزهر‪ ،‬وسحبوا منه شهادة )العالمية( وأخرجوه من زمرة العلماء‪ .‬ورد‬
‫عليه كبارهم بردود علمية حاسمة‪ .‬مثل رد علمة الفقه الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي مصر في ذلك‬
‫الزمان]‪ ،[23‬ورد العلمة الكبير الشيخ محمد خضر حسين]‪ ،[24‬الذي أصبح بعد ذلك شيخا للزهر‪.‬‬

‫كما رد عليه كثيرون بعد ذلك منهم‪ ،‬الدكتور محمد ضياء الّدين الريس]‪ ،[25‬والدكتور محمد البهي]‪،[26‬‬
‫والدكتور محمد عمارة]‪.[27‬‬

‫والمرة الخرى‪ :‬كانت على يد الشيخ خالد محمد خالد‪ ،‬الذي ألف كتابه )من هنا نبدأ( في سنة ‪1950‬م‪ ،‬والذي‬
‫رحبت به وروجت له دوائر شتى‪ :‬صليبية وشيوعية وليبرالية وعلمانية‪ ،‬وقاومته كل التجاهات السلمية‪.‬‬
‫وقد تصدى له كثيرون بالرد‪ ،‬أشهرهم شيخنا الشيخ محمد الغزالي ‪ -‬الذي كان صديقا للشيخ خالد‪ -‬في كتابه‬
‫)من هنا نعلم( الذي فند فيه مقولت الشيخ خالد بأسلوب علمي هادئ‪ ،‬لم يبق لباطله شبهة إل دفعها بالحق‪،‬‬
‫ق ]النبياء‪[18:‬‬
‫طِل َفَيْدَمُغُه َفِإَذا ُهَو َزاِه ٌ‬
‫عَلى اْلَبا ِ‬
‫ق َ‬
‫حّ‬
‫ف ِباْل َ‬
‫كما قال تعالى‪َ :‬بْل َنْقِذ ُ‬

‫ومما يذكر هنا للشيخ خالد رحمه ال‪ :‬أنه بعد مدة من الزمن تبين له خطأ ما ذهب إليه من قبل‪ ،‬وأنه تجاوز فيه‬
‫الحقيقة‪ ،‬فما كان منه إل أن أعلن في شجاعة رائعة ونادرة‪ :‬رجوعه عن رأيه القديم‪ ،‬وتبّنيه للرأي المخالف‪،‬‬
‫وأصدر في ذلك كتابا سماه )الدولة في السلم( قال في مقدمته‪:‬‬

‫)في عام ‪1950‬م ظهر أول كتاب لي‪ ،‬وكان عنوانه‪) :‬من هنا نبدأ(‪ .‬وكان ينتظم أربعة فصول‪ ،‬كان ثالثها‬
‫بعنوان‪) :‬قومية الحكم(‪.‬‬

‫وفي هذا الفصل ذهبت أقّرر أن السلم دين ل دولة‪ ،‬وأنه ليس في حاجة إلى أن يكون دولة ‪ ...‬وأن الّدين‬
‫علمات تضيئ لنا الطريق إلى ال وليس قوة سياسية تتحكم في الناس‪ ،‬وتأخذهم بالقوة إلى سواء السبيل‪ .‬ما‬
‫على الّدين إل البلغ وليس من حقه أن يقود بالعصا من يريد لهم الُهدى وحسن ثواب‪.‬‬
‫ت‪ :‬إن الّدين حين يتحول إلى )حكومة(‪ ،‬فإن هذه الحكومة الّدينية تتحول إلى عبء ل يطاق‪ .‬وذهبت أعدد‬ ‫وقل ُ‬
‫يومئذ ما أسميته‪) :‬غرائز الحكومة الّدينية( وزعمت لنفسي القدرة على إقامة البراهين على أنها ‪-‬أعني‪-‬‬
‫الحكومة الّدينية في تسع وتسعين في المائة من حالتها جحيم وفوضى‪ ،‬وأنها إحدى المؤسسات التاريخية التي‬
‫استنفذت أغراضها ولم يعد لها في التاريخ الحديث دور تؤديه‪.‬‬

‫وكان خطئي أنني عممت الحديث حتى شمل الحكومة السلمية‪.‬‬

‫وهكذا ذهبت أنعت وأهدم ما أسميته يومها بالحكومة الّدينية! ولم أكن يومئذ أخدع نفسي ول أزيف اقتناعي‪،‬‬
‫فليس ذلك والحمد ل من طبيعتي‪ .‬إنما كنت مقتنعا بما أكتب مؤمنا بصوابه‪.‬‬

‫وحين أرجع بذاكرتي إلى اليام التي سطرت فيها هذا الرأي وهذه الكلمات ل أخطئ التعرف إلى العوامل التي‬
‫تغشتني بهذا التفكير ‪ ...‬والكاتب حين يحيا بفكر مفتوح بعيدا عن ظلم التعصب وغواشي العناد‪ ،‬فإنه يستطيع‬
‫دائما أو غالبا أن يهتدي إلى الصواب ويقترب من الحقيقة ويعانقها في يقين جديد‪ ،‬وحبور أكيد‪ ،‬ونحن‬
‫مطالبون بأن نفكر دائما‪ ،‬ونراجع أفكارنا‪ ،‬وننكر ذواتنا ونتخلى عن كبريائنا أمام الحقائق الوافدة ‪...‬‬

‫ن وخطأ‪ .‬فعبارة )الحكومة‬
‫وأود ‪-‬أول‪ -‬أن أشير إلى أن تسمية )الحكومة السلمية( بالحكومة الّدينية فيه تج ّ‬
‫الّدينية( لها مدلول تاريخي يتمثل في كيان كهنوتي قام فعل‪ ،‬وطال مكثه‪ .‬وكان الّدين المسيحي يستغل أبشع‬
‫استغلل في دعمه وفي إخضاع الناس له‪.‬‬

‫فالحكومة الّدينية مؤسسة تاريخية نهضت على سلطان ديني بينما كانت أغراضها سياسية‪ ،‬وَأصَلت الناس‬
‫سعيرا بسوء تصرفاتها وتحكمها ‪ ...‬وهي في المسيحية واضحة كل الوضوح‪ ،‬بينما السلم لم يشهد في فترات‬
‫استغلله ما شهدته وما تكبدته المسيحية‪ ،‬ول سيما في العصور الوسطى‪ ،‬عصور الظلم!!‬

‫شى منهجي الذي عالجت به قديما قضية الحكومة الّدينية‪ ،‬كان تأثري الشديد بما قرأته عن‬
‫ولعل أول خطأ تغ ّ‬
‫الحكومات الّدينية التي قامت في أوربا‪ ،‬والتي اتخذت من الّدين المسيحي دثارا تغطي به عريها وعارها ‪...‬‬

‫إلى هذا السبب الجوهري أرد خطئي فيما أصدرته ‪-‬قديما‪ -‬من حكم ضد الحكومة في السلم‪ ،‬هذه التي أسميتها‬
‫بالحكومة الّدينية(]‪.[28‬‬

‫‪--------------------------------------------------------------------------------‬‬

‫]‪ -[1‬يقول المام القرافي في الفرق السادس والثلثين بين قاعدة تصرفه صلى ال عليه وسلم بالقضاء وبين‬
‫قاعدة تصرفه بالفتوى وهي التبليغ وبين قاعدة تصرفه بالمامة‪) :‬اعلم أن رسول ال صلى ال عليه وسلم هو‬
‫المام العظم والمفتي العلم‪ ،‬فهو صلى ال عليه وسلم إمام الئمة وقاضي القضاة وعالم العلماء‪ ،‬فجميع‬
‫المناصب الدينية فوضها ال تعالى إليه في رسالته ‪ (...‬إلخ‪ .‬الفروق‪ 206 ،1/205 :‬طبعة دار المعرفة بيروت‪.‬‬

‫]‪ -[2‬انظر‪ :‬العقد الفريد )‪ ،(5/368‬والخبر في الطبري )‪ ،(5/203‬وتاريخ بغداد )‪ ،(10/189‬وتاريخ دمشق )‬
‫‪ ،(36/374‬والبداية والنهاية )‪ ،(10/276‬وغيرها‪.‬‬

‫]‪ -[3‬رواه البخاري في العلم )‪ (59‬عن أبي هريرة‪ ،‬وأحمد في المسند )‪.(8729‬‬

‫]‪ -[4‬رواه مسلم في المارة )‪ (1851‬عن ابن عمر‪ ،‬والبيهقي في الكبرى كتاب قتال أهل البغي )‪.(8/156‬‬

‫]‪ -[5‬انظر‪ :‬عنوان )تعقيب عام على السياسة عند الفقهاء( من هذا الكتاب‪.‬‬

‫]‪ -[6‬انظر‪) :‬الحكام( للقرافي صـ ‪ ،106 - 86‬و)الفروق( له أيضا جـ ‪ 1‬صـ ‪ ،209 - 205‬وانظر‪ :‬كتابنا‬
‫)شريعة السلم صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان( صـ ‪ 116‬وما بعدها طبعة مكتبة وهبة‪ .‬القاهرة‪.‬‬
‫]‪ -[7‬إن بديل الهجرة إلى الدولة المسلمة اليوم هو‪ :‬النضمام إلى الجماعة المسلمة التي تعمل لقامة دولة‬
‫السلم‪ ،‬فهو فريضة على كل مسلم بحسب وسعه‪ ،‬إذ العمل الفردي ل ُيمّكنه من تحقيق هذا الهدف الكبير‪.‬‬

‫]‪ -[8‬رواه الطبراني في الكبير )‪ (20/90‬عن معاذ‪ ،‬وفي الصغير )‪ ،(2/42‬وفي مسند الشاميين )‪،(1/379‬‬
‫وأبو نعيم في الحلية )‪ ،(5/165‬وقال الهيثمي في مجمع الزوائد‪ :‬رواه الطبراني‪ ،‬ويزيد بن مرثد لم يسمع‬
‫معاذ‪ ،‬والوضين بن عطاء وثقه ابن حبان‪ ،‬وغيره‪ ،‬وبقية رجاله ثقات )‪.(5/428‬‬

‫]‪ -[9‬انظر‪ :‬الدين والدولة صـ ‪.63 – 60‬‬

‫]‪ -[10‬إشارة إلى حديث‪" :‬سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلة"‪ ،‬وقد رواه البخاري في‬
‫الذان )‪ (723‬عن أنس‪ ،‬ومسلم في الصلة )‪ ،(433‬وأحمد في المسند )‪ ،(12813‬وأبو داود في الصلة )‬
‫‪ ،(668‬وابن ماجه في إقامة الصلة )‪.(993‬‬

‫]‪ -[11‬إشارة إلى حديث‪" :‬يؤم القوم أقرؤهم لكتاب ال‪ ،‬فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة‪ ،‬فإن‬
‫كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة‪ ،‬فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما ‪ ،"...‬وقد رواه أحمد في‬
‫المسند )‪ (17138‬عن أبي مسعود النصاري‪ ،‬وقال مخرجوه‪ :‬إسناده صحيح على شرط مسلم‪ ،‬والترمذي في‬
‫أبواب الصلة )‪ ،(235‬والنسائي في المامة )‪ ،(780‬والطبراني في الكبير )‪ ،(17/218‬وصححه اللباني في‬
‫صحيح الجامع )‪.(8011‬‬

‫]‪ -[12‬رواه الطبراني في الكبير )‪ (9/185‬عن ابن مسعود موقوفا‪ ،‬وابن الجعد في المسند )‪ ،(1/78‬وقال‬
‫الهيثمي في مجمع الزوائد‪ :‬رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح )‪ ،(5/449‬وحسن العراقي إسناده في تخريج‬
‫أحاديث الحياء )‪.(2/217‬‬

‫]‪ -[13‬رواه أبو داود في الجهاد )‪ (2608‬عن أبي سعيد الخدري‪ ،‬والطبراني في الوسط )‪ ،(8/99‬والبيهقي في‬
‫الكبرى كتاب الحج )‪ ،(5/257‬وصححه اللباني في صحيح أبي داود )‪.(2272‬‬

‫]‪ -[14‬رواه أحمد في المسند )‪ (6647‬عن عبد ال بن عمرو‪ ،‬وقال مخرجوه‪ :‬صحيح لغيره إل حديث المارة‬
‫فحسن‪ ،‬وقال الهيثمي في مجمع الزوائد‪ :‬رواه أحمد والطبراني وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وبقية رجال أحمد‬
‫رجال الصحيح )‪.(4/145‬‬

‫]‪ -[15‬رواه البيهقي في الشعب )‪ (6/18‬عن أنس‪ ،‬وفي الكبرى كتاب قتال أهل البغي )‪ ،(8/162‬وضعفه‬
‫اللباني في ضعيف الجامع )‪.(3349‬‬

‫]‪ -[16‬السياسة الشرعية‪ ،‬ضمن مجموع فتاوى شيخ السلم ابن تيمية جـ ‪ 28‬صـ ‪.391 ،390‬‬

‫]‪ -[17‬البداية والنهاية )‪.(2/10‬‬

‫]‪ -[18‬مجموع الفتاوى )‪.(28/264‬‬

‫]‪ -[19‬إحياء علوم الدين )‪ (1/71‬كتاب العلم‪ ،‬وقد روى مسكويه في كتابه )تهذيب الخلق( هذه العبارة عن‬
‫أزدشير ملك الفرس‪ .‬ويبدو أن الغزالي اقتبسها وضمنها كلمه‪ ،‬ولم ينسبها‪.‬‬

‫]‪ -[20‬مقدمة ابن خلدون جـ ‪ 2‬صـ ‪ 518‬طبعة لجنة البيان العربي بتحقيق د‪ .‬علي عبد الواحد وافي‪.‬‬

‫]‪ -[21‬تاريخ الطبري )‪.(2/401‬‬

‫]‪ -[22‬انظر‪ :‬شمول السلم صـ ‪.63 - 55‬‬

‫]‪ -[23‬في كتابه )حقيقة السلم وأصول الحكم(‪.‬‬
‫]‪ -[24‬في كتابه )نقض كتاب السلم وأصول الحكم(‪.‬‬

‫]‪ -[25‬في كتابه )السلم والخلفة في العصر الحديث( طبعة الدر السعودية للنشر‪ .‬جدة‪.‬‬

‫]‪ -[26‬في كتابه )الفكر السلمي الحديث وصلته بالستعمار الغربي(‪.‬‬

‫]‪ -[27‬في كتابه )معركة السلم وأصول الحكم( طبعة دار الشروق‪ .‬القاهرة‪.‬‬

‫]‪ -[28‬انظر‪ :‬كتاب الدولة في السلم صـ ‪ .16 - 9‬دار ثابت للنشر والتوزيع‪ .‬القاهرة‬

‫من حق السلميين أن يكون لهم حزب سياسي‬

‫الفصل الثاني‬

‫من حق السلميين أن يكون لهم حزب سياسي‬

‫ومما يتصل بقضية الّدين والسياسة‪ :‬ما انتهجته بعض النظمة الحاكمة وحرض عليه العلمانيون‪ ،‬أو رحبوا‬
‫به‪ ،‬من حرمان التجاهات السلمية من تأسيس حزب سياسي‪ ،‬وتحريم ذلك عليهم تحريما مطلقا‪ ،‬متذرعين‬
‫بحجج ليست في الواقع إل شبهات واهية أوهن من بيت العنكبوت‪.‬‬

‫قالوا ‪-‬أول‪ -‬إن الّدين أطهر وأنقى وأعلى من أن يتدنس بالسياسة‪ ،‬لهذا ل يجوز إنشاء حزب سياسي‬ ‫‪.1‬‬
‫على أساس الّدين‪.‬‬

‫وقالوا ‪-‬ثانيا‪ -‬إن هذا الحزب لو سمح له أن ينشأ‪ ،‬سيزعم أنه يحكم بالحق اللهي‪ ،‬وباسم السماء‪ ،‬فل‬ ‫‪.2‬‬
‫يجوز لحد أن ينقده أو يعارضه‪ ،‬وإل كان كافرا أو فاسقا‪.‬‬

‫‪ .3‬وقالوا ‪-‬ثالثا‪ -‬إننا لو سمحنا للسلميين بتكوين حزب إسلمي‪ ،‬ل بد في بلد كمصر‪ :‬أن تسمح للقباط‬
‫بتكوين حزب مسيحي‪ .‬وهذا سيكون مدعاة لثارة الفتن الطائفية‪ ،‬التي ل تؤمن عواقبها‪.‬‬

‫وقالو ‪-‬رابعا‪ -‬إن الحزب السلمي سيستخدم المساجد للدعاية السياسية‪ ،‬في حين ل يستخدمها غيره‪.‬‬ ‫‪.4‬‬

‫ك النقد‪.‬‬
‫وهذه كلها مردود عليها‪ ،‬ول تثبت على مح ّ‬

‫فاعتقاد أن السياسة دنس ورجس من عمل الشيطان‪ :‬اعتقاد ل أساس له من الّدين ول من العلم‪.‬‬ ‫‪.1‬‬

‫خلق بما يصلحهم ويرقى بهم في ضوء الشريعة‪ ،‬أو كما‬‫وإذا كانت السياسة عمل العقل في تدبير شؤون ال َ‬
‫عرفها بعضهم‪ :‬كل عمل يكون الناس معه أقرب إلى الصلح وأبعد عن الفساد‪ ،‬فليست في ذاتها دنسا ول رذيلة‬
‫ول حراما ول رجسا‪ ،‬إنما الدنس في نفوس الذين يستغلون السياسة للثراء الحرام‪ ،‬والفساد في الرض‪،‬‬
‫والطغيان على عباد ال‪.‬‬

‫وكم رأينا من الساسة والقادة من أقام العدل‪ ،‬وأيد الحق‪ ،‬ودعا إلى الخير‪ ،‬وأحيا ال به البلد‪ ،‬وأصلح به العباد‪.‬‬

‫‪ .2‬ودعوى أن الحزب السلمي سيزعم أنه يحكم بالحق اللهي‪ ،‬ويتكلم باسم السماء‪ :‬دعوى غير صحيحة‬
‫ول صادقة‪ .‬والحزب السلمي ل يرخص له بتكوين حزبه إل بعد أن يقدم برنامجه‪ ،‬ويحدد فيه رؤيته ورسالته‪،‬‬
‫ويبين أهدافه ووسائله‪ ،‬ومناهجه في إصلح المجتمع من نواحيه المختلفة )اقتصادية واجتماعية وثقافية‬
‫وتربوية وسياسية وأخلقية ‪ ...‬إلخ( فإذا كان في هذا البرنامج دعوى الحكم بالحق اللهي‪ :‬رفض طلبه‪ .‬وإن‬
‫كان شأنه شأن غيره من الحزاب يعمل في ظل الدستور‪ ،‬ويستمد مرجعيته من الشريعة السلمية السمحة‪،‬‬
‫مقرونة بالجتهاد والتجديد‪ ،‬المرتبط بفقه المقاصد والموازنات والولويات‪ ،‬فليس من حقنا أن ُنقّوله ما لم يقل‪،‬‬
‫ونرميه بتهمة ليس عليها دليل ول برهان‪.‬‬
‫إن علي بن أبي طالب سمح لجماعة الخوارج المعارضين لحكمه‪ :‬أن يكون لهم وجودهم الحزبي والسياسي‪،‬‬
‫مع أفكارهم المعارضة‪ ،‬بشرط أن ل يبدأوا المسلمين بقتال‪.‬‬

‫‪ .3‬ودعوى أن إعطاء السلميين حق تكوين حزب‪ :‬يفتح الباب لمطالبة القباط بحزب لهم‪ :‬دعوى مرفوضة‬
‫أيضا‪ ،‬فما المانع أن يكون للقباط حزب سياسي يعمل في وضح النهار‪ ،‬بدل أن يتهمهم من يتهمهم بأنهم‬
‫يعملون بالسياسة من خلل الكنيسة‪ ،‬بدون حزب مرخص‪.‬‬

‫‪ .4‬وادعاء أن الحزب السلمي سيستخدم المساجد للدعاية السياسية‪ :‬ليس ُمسلما‪ ،‬فالمسجد ليس‬
‫للسلميين وحدهم‪ ،‬إنما هو مسجد المسلمين جميعا‪ .‬ويجب أن يتجنب المسجد الدعاية للشخاص‪ ،‬والمهاترات‬
‫الحزبية والشخصية‪.‬‬

‫لكن ل نستطيع أن نمنع المساجد وخطباءه أن يؤيد من يتبنى الشريعة السلمية‪ ،‬وأن يرفضوا من رفضها‪،‬‬
‫دون تحديد ول تعيين‪ .‬فهذا من باب النصيحة في الدين‪ ،‬والمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬الذي تميزت به‬
‫هذه المة‪.‬‬

‫وأخشى أن يزيد العلمانيون في دعاواهم لحرمان السلميين من حزب سياسي‪ :‬أنهم يستدلون بآيات القرآن‬
‫وأحاديث الرسول‪ ،‬التي تؤثر في جماهير الشعب‪ ،‬على حين ل يستطيع خصومهم أن يفعلوا ذلك‪.‬‬

‫هذا‪ ،‬مع أن القرآن قرآن الجميع‪ ،‬والرسول رسول الجميع‪ ،‬ول يقدر أحد أن يمنع أي مسلم من استعمال اليات‬
‫القرآنية والحاديث النبوية في تأييد وجهته‪ ،‬ما دام يضعها في موضعها الصحيح‪.‬‬

‫على أن هذه الدعاوى قد سقطت من الناحية العملية‪ ،‬فهناك عدد من البلد فيها أحزاب إسلمية‪ :‬في الردن‪،‬‬
‫وفي المغرب‪ ،‬وفي اليمن‪ ،‬وفي فلسطين‪ ،‬وفي تركيا‪ ،‬وفي ماليزيا‪ ،‬وفي إندونسيا‪ ،‬وفي غيرها‪ ،‬وقد خاضت‬
‫معارك النتخابات‪ ،‬وحصلت على نسبة كبيرة من المقاعد‪ ،‬ولم يشتك الشاكون من وقوع هذه التهامات التي‬
‫ألصقوها جزافا بالحزب السياسي السلمي‪.‬‬

‫إضاءات ضرورية‪:‬‬

‫وأود أن أذكر بعض الضاءات في هذه القضية‪:‬‬

‫الولى‪ :‬أنه ل يجوز أن يحرم بعض المواطنين من حقهم في المشاركة السياسية في بناء وطنهم وإصلحه‬
‫وتطويره‪ ،‬لمجرد أنهم متدينون‪ ،‬أو لن لهم رؤية في الصلح والتغيير منبثقة عن دينهم وتراثهم‪.‬‬

‫وقد أعطينا الحق للتيارات المختلفة لنشاء أحزاب سياسية‪ :‬العلمانيين والليبراليين والقوميين والشيوعيين‬
‫وغيرهم‪ ،‬فلماذا يحرم السلميون من هذا الحق دون غيرهم؟‬

‫إن هذا يخالف الدستور الذي قّرر المساواة بين جميع المواطنين‪ ،‬وهذه تفرقة ل مبّرر لها‪.‬‬

‫وهو أيضا مخالف للمواثيق الدولية‪ ،‬وميثاق حقوق النسان‪ ،‬وغيرها‪.‬‬

‫الثانية‪ :‬أنهم يقولون‪ :‬ل يجوز تكوين أحزاب دينية‪ ،‬والسلميون ل يريدون إنشاء حزب ديني‪ ،‬بل حزب‬
‫إسلمي‪ .‬وفرق بين الّديني والسلمي‪ .‬فالّدين في عرف الناس يعني الجانب العقدي والتعبدي والروحي‪ ،‬أما‬
‫السلمي فهو أشمل وأجمع‪ ،‬وهو يضم القتصاد والسياسة والثقافة والتربية والدارة ‪ ...‬إلخ‪.‬‬

‫ول مانع لدى السلميين أن يدخل في هذا الحزب أشخاص من غير المسلمين‪ ،‬لن برنامجهم للجميع ل‬
‫للمسلمين وحدهم‪.‬‬

‫الثالثة‪ :‬أن الحزاب السياسية تمثل قوى شعبية سياسية موجودة على أرض الواقع‪ ،‬من حقها أن يكون لها‬
‫رأي في سياسة بلدها‪.‬‬
‫والسلميون قوة سياسية موجودة وبارزة‪ ،‬وظاهرة التأثير‪ ،‬ومسموعة الكلمة‪.‬‬

‫وقد أثبتت النتخابات في أكثر من بلد‪ :‬أنها القوة الولى المؤّيدة من جماهير الشعوب في منطقتنا‪.‬‬

‫ت ]التكوير‪ ،[8،9:‬في‬
‫ب ُقِتَل ْ‬
‫ي َذْن ٍ‬
‫ت * ِبَأ ّ‬
‫سِئَل ْ‬
‫فكيف يمكن تجاهلها‪ ،‬وإهالة التراب عليها حية‪َ ،‬وِإَذا اْلَمْوُؤوَدُة ُ‬
‫حين يعطى حق الشرعية لحزاب ل يكاد يسمع لها صوت‪ ،‬أو يحس لها بأثر؟!‬

‫دولة السلم دولة مدنية مرجعيتها السلم‬

‫الفصل الثالث‬

‫دولة السلم دولة مدنية مرجعيتها السلم‬

‫ومما يلزم مما اتفق عليه العلمانيون من حرمان السلم من حق إقامة دولة‪ :‬ما نّفقوه من مزاعم حول طبيعة‬
‫هذه الدولة المرجوة‪ ،‬فقد تقولوا عليها القاويل‪ ،‬وصوروها تصويرا مليئا بالخيلة والتهاويل‪.‬‬

‫قالوا إنها دولة )دينية( ويعنون بالّدينية‪ :‬أنها دولة كهنوتية‪ ،‬تتحكم في أهل الرض باسم السماء‪ ،‬وتتحكم في‬
‫دنيا الناس باسم ال‪ ،‬ويدعون أن )حاكمية ال( التي قال بها داعيان كبيران من دعاة العصر‪ :‬أبو العلى‬
‫المودودي في باكستان‪ ،‬وسيد قطب في مصر‪ :‬توجب أن تكون هذه الدولة دينية‪ .‬كدولة الكنيسة الوربية فيما‬
‫سمي‪) :‬العصور الوسطى(‪.‬‬

‫وهذه الدولة في رأيهم‪ ،‬إنما يملك زمامها )رجال الّدين( الذين ليس لحد غيرهم أن يفسر الّدين أو يصدر‬
‫الحكام‪ ،‬وهم يفسرون الّدين من منطلق الجمود والفق الضيق‪ ،‬ويرجعون إلى الوراق القديمة‪ ،‬ول ينظرون‬
‫إلى الفاق الجديدة‪.‬‬

‫وهذه كلها دعاوى ما أنزل ال بها من سلطان‪ ،‬ول قام عليها برهان‪.‬‬

‫فالحق أن الدولة السلمية‪ :‬دولة مدنية‪ ،‬ككل الدول المدنية‪ ،‬ل يميزها عن غيرها إل أن مرجعيتها الشريعة‬
‫السلمية‪.‬‬

‫ومعنى )مدنية الدولة(‪ :‬أنها تقوم على أساس اختيار القوي المين‪ ،‬المؤهل للقيادة‪ ،‬الجامع لشروطها‪ ،‬يختاره‬
‫بكل حرية‪ :‬أهل الحل والعقد‪ ،‬كما تقوم على البيعة العامة من المة‪ ،‬وعلى وجوب الشورى بعد ذلك‪ ،‬ونزول‬
‫المير أو المام على رأي المة‪ ،‬أو مجلس شوراها‪ ،‬كما تقوم كذلك على مسؤولية الحاكم أمام المة‪ ،‬وحق كل‬
‫فرد في الرعية أن ينصح له‪ ،‬ويشير عليه‪ ،‬ويأمره بالمعروف‪ ،‬وينهاه عن المنكر‪ .‬بل يعتبر السلم ذلك فرض‬
‫كفاية على المة‪ ،‬وقد يصبح فرض عين على المسلم‪ ،‬إذا قدر عليه‪ ،‬وعجز غيره عنه‪ ،‬أو تقاعس عن أدائه‪.‬‬

‫إن المام أو الحاكم في السلم مجرد فرد عادي من الناس‪ ،‬ليس له عصمة ول قداسة‪ .‬وكما قال الخليفة الول‪:‬‬
‫إني وليت عليكم ولست بخيركم]‪ .[1‬وكما قال عمر بن عبد العزيز‪ :‬إنما أنا واحد منكم‪ ،‬غير أن ال تعالى جعلني‬
‫أثقلكم حمل]‪.[2‬‬

‫هذا الحاكم في السلم مقيد غير مطلق‪ ،‬هناك شريعة تحكمه‪ ،‬وقيم توجهه‪ ،‬وأحكام تقيده‪ ،‬وهي أحكام لم‬
‫يضعها هو ول حزبه أو حاشيته‪ ،‬بل وضعها له ولغيره من المكّلفين‪ :‬رب الناس‪َ ،‬مِلك الناس‪ ،‬إله الناس‪ .‬ول‬
‫يستطيع هو ول غيره من الناس أن يلغوا هذه الحكام‪ ،‬ول أن ُيجّمدوها‪ .‬ول أن يأخذوا منها ويدعوا بأهوائهم‪.‬‬
‫سوَلُه‬
‫ل َوَر ُ‬
‫ص ا َّ‬
‫ن َيْع ِ‬
‫ن َأْمِرِهْم َوَم ْ‬
‫خَيَرُة ِم ْ‬
‫ن َلُهُم اْل ِ‬
‫ن َيُكو َ‬
‫سوُلُه َأْمرًا َأ ْ‬
‫ل َوَر ُ‬
‫ضى ا ُّ‬
‫ن َول ُمْؤِمَنٍة ِإَذا َق َ‬
‫ن ِلُمْؤِم ٍ‬
‫َوَما َكا َ‬
‫ضلًل ُمِبينًا ]الحزاب‪.[36:‬‬ ‫ضّل َ‬ ‫َفَقْد َ‬

‫وهناك أمة هي التي اختارت هذا الحاكم‪ ،‬وهي التي تحاسبه‪ ،‬وتقومه إذا اعوج‪ ،‬وتعزله إذا أصر على عوجه‪،‬‬
‫ومن حق أي فرد فيها أن يرفض طاعته إذا أمر بأمر فيه معصية بّينة ل تعالى‪ .‬بل من واجبه أن يفعل ذلك‪ ،‬إذ‬
‫ل طاعة لمخلوق في معصية الخالق‪ .‬وفي الحديث الصحيح المتفق عليه‪" :‬السمع والطاعة حق على المرء‬
‫المسلم فيما أحب وكره‪ ،‬ما لم يؤمر بمعصية‪ ،‬فإذا أمر بمعصية فل سمع ول طاعة"]‪ ،[3‬والقرآن الكريم حين‬
‫ف ]الممتحنة‪:‬‬
‫ك ِفي َمْعُرو ٍ‬
‫صيَن َ‬
‫ذكر بيعة النساء للنبي‪ ،‬وفيها طاعة النبي وعدم معصيته‪ :‬قيد ذلك بقوله‪َ :‬ول َيْع ِ‬
‫‪ .[12‬هذا وهو المعصوم المؤيد بالوحي‪ ،‬فغيره أولى أن تكون طاعته مقيدة‪.‬‬

‫ولم نر أحدا من الخلفاء في تاريخ السلم‪ ،‬أضفى على نفسه‪ ،‬أو أضفى عليه المسلمون‪ :‬نوعا من القداسة‪،‬‬
‫بحيث ل ينقد ول ُيَقّوم‪ ،‬ول يؤمر ول ينهى‪.‬‬

‫بل تراهم جّرأوا الناس على أن ينصحوهم ويقّوموهم‪ ،‬كما قال أبو بكر في أول خطبة له‪ :‬إن أحسنت فأعينوني‪،‬‬
‫وإن أسأت فقّوموني‪ .‬أطيعوني ما أطعت ال فيكم‪ ،‬فإن عصيته فل طاعة لي عليكم]‪.[4‬‬

‫وكان عمر يقول‪ :‬مرحبا بالناصح أبد الدهر‪ .‬مرحبا بالناصح غدوا وعشيا]‪ .[5‬وقال قولته المعروفة‪ :‬من رأى‬
‫منكم في اعوجاجا فليقومني]‪.[6‬‬

‫أتمثل هذه الدولة ‪-‬وهذا منهاجها‪ ،‬وهؤلء أفرادها‪ -‬دولة دينية تحكم بالحق اللهي؟ أم هي دولة يحكمها بشر‬
‫غير معصومين‪ ،‬تقيدهم شريعة ال‪ ،‬وتراقبهم المة‪ ،‬وتحاسبهم‪ ،‬وتعتبرهم أجراء عندها كما قال أبو مسلم‬
‫الخولني لمعاوية]‪ .[7‬وقد نظم ذلك أبو العلء بقوله‪:‬‬

‫حها أمراؤها‬
‫ت بغير صل ِ‬
‫أمَر ْ‬ ‫ُمّل المقاُم فكم أعاشُر أمـــًة‬

‫جراؤها‬
‫وعَدْوا مصالحها وهُم ُأ َ‬ ‫ظلموا الرعية واستجازوا كيَدها‬

‫وقولنا‪ :‬إن الدولة السلمية دولة مدنية‪ ،‬قاله من قبلنا المام محمد عبده في رده الشهير على فرح أنطون في‬
‫كتابه الصيل المعروف‪) :‬السلم والنصرانية مع العلم والمدنية(‪ .‬قال الستاذ المام‪:‬‬

‫)إن السلم لم يعرف تلك السلطة الّدينية ‪ ...‬التي عرفتها أوربا ‪ ...‬فليس في السلم سلطة دينية سوى سلطة‬
‫الموعظة الحسنة‪ ،‬والدعوة إلى الخير‪ ،‬والتنفير عن الشر ‪ ...‬وهي سلطة خّولها ال لكل المسلمين‪ ،‬أدناهم‬
‫وأعلهم ‪ ...‬والمة هي التي تولي الحاكم ‪ ...‬وهي صاحبة الحق في السيطرة عليه‪ ،‬وهي تخلعه متى رأت ذلك‬
‫من مصلحتها‪ ،‬فهو حاكم مدني من جميع الوجوه‪ .‬ول يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخليفة‪ ،‬عند المسلمين‪،‬‬
‫بما يسميه الفرنج )ثيوكرتيك(‪ ،‬أي سلطان إلهي ‪ ...‬فليس للخليفة ‪-‬بل ول للقاضي‪ ،‬أو المفتي‪ ،‬أو شيخ‬
‫السلم‪ -‬أدنى سلطة على العقائد وتحرير الحكام‪ ،‬وكل سلطة تناولها واحد من هؤلء فهي سلطة مدنية‪ ،‬قدرها‬
‫الشرع السلمي ‪ ...‬فليس في السلم سلطة دينية بوجه من الوجوه ‪ ...‬بل إن قلب السلطة الّدينية‪ ،‬والتيان‬
‫جّل أصول السلم؟!(]‪.[8‬‬‫عليها من الساس‪ ،‬هو أصل من أ َ‬

‫لكن نفي )الوصف الّديني( ‪-‬أعني الكهنوتي والثيوقراطي والحكم بالحق اللهي بواسطة طبقة بعينها‪ -‬ل يعني‬
‫نفي )الوصف السلمي( عنها‪ .‬فهي دولة )مدنية( مرجعيتها الشريعة السلمية‪.‬‬

‫وذلك )لن السلم ‪-‬كما يقول الستاذ المام‪ :‬دين وشرع‪ ،‬فهو قد وضع حدودا‪ ،‬ورسم حقوقا ‪ ...‬ول تكتمل‬
‫الحكمة من تشريع الحكام إل إذا وجدت قوة لقامة الحدود‪ ،‬وتنفيذ حكم القاضي بالحق‪ ،‬وصون نظام‬
‫الجماعة ‪ ...‬والسلم لم يدع ما لقيصر لقيصر‪ ،‬بل كان شأنه أن يحاسب قيصر على ما له‪ ،‬ويأخذ على يده في‬
‫عمله ‪ ...‬فكان السلم‪ :‬كمال للشخص ‪ ...‬وألفة في البيت ‪ ...‬ونظاما للُملك(]‪.[9‬‬

‫الدولة السلمية ورجال الّدين‪:‬‬

‫ومن الوهام المعششة في كثير من الذهان والتي يروجها دعاة العلمانية‪ :‬أن الدولة السلمية هي دولة‬
‫المشايخ ورجال الّدين‪ .‬وربما اقتبسوا هذه الصورة من حكم الكنيسة الغربية قديما‪ ،‬وهو الحكم الثيوقراطي‬
‫المعروف‪ .‬وربما ذكر بعضهم دولة المللي وآيات ال وحجج السلم‪ ،‬في الجمهورية السلمية في إيران‪.‬‬

‫وقياس السلم على المسيحية قياس باطل من أساسه‪ ،‬فالمسيحية تقوم على نظام كهنوتي معترف به‪ ،‬له‬
‫سلطانه ونفوذه وأملكه‪ ،‬ورجاله‪ ،‬على اختلف مراتبهم ودرجاتهم في سلم القيادة المسيحية‪ .‬ول يوجد هذا في‬
‫السلم‪.‬‬
‫فالمسلم يستطيع أن يؤدي عبادته من صلة وصيام وزكاة وحج‪ ،‬بدون وساطة كاهن‪ ،‬وليس بينه وبين ال‬
‫عّني َفِإّني‬
‫عَباِدي َ‬
‫ك ِ‬
‫سَأَل َ‬
‫وساطة‪ ،‬وباب ال مفتوح له في كل حين‪ ،‬وكل حال‪ ،‬ليس عليه حاجب ول بواب‪َ .‬وِإَذا َ‬
‫ب ]البقرة‪.[186:‬‬
‫َقِري ٌ‬

‫وحكم المللي واليات في إيران ليس لزما‪ ،‬وإن رشحتهم للقيادة أكثر من غيرهم‪ :‬نظرية )ولية الفقيه(‪ .‬ولكن‬
‫رأينا أول رئيس للجمهورية بعد انتصار الثورة‪ ،‬وبإقرار المام الخميني نفسه‪ :‬كان مدنيا‪ ،‬هو الحسن بني‬
‫صدر‪ .‬وإن حدث خلف معه بعد ذلك‪.‬‬

‫ورأينا رئيس الجمهورية الحالي محمود أحمدي نجاد ينتصر في النتخابات على أحد مشايخ الّدين‪ ،‬ورموز‬
‫النظام‪ ،‬وهو حجة السلم رفسنجاني‪.‬‬

‫وفي كل المذاهب السلمية ‪-‬ومذهب أهل السنة خاصة‪ -‬يرشح الشخص للمنصب‪ :‬صفتان أساسيتان‪ :‬القوة‬
‫ي اَْلِمين ]القصص‪[26:‬‬
‫ت اْلَقِو ّ‬
‫جْر َ‬
‫سَتْأ َ‬
‫نا ْ‬
‫خْيَر َم ِ‬
‫ن َ‬
‫والمانة‪ ،‬كما أشار إلى ذلك القرآن‪ِ :‬إ ّ‬

‫والقوة تعني‪ :‬الكفاية والقدرة على أداء العمل بجدارة‪ ،‬بما لدى الشخص من مواهب وثقافة وخبرة وقدرة‪ .‬فهذا‬
‫يعني‪ :‬الجانب العلمي والفني‪.‬‬

‫خُلقي‪ ،‬بحيث يخشى ال في عمله‪ ،‬ل يغش ول يخون‪ ،‬ول يهمل‪ ،‬ول يتعدى حدا من‬
‫والمانة‪ :‬تعني الجانب ال ُ‬
‫حدود ال‪ ،‬ول يجور على حق من حقوق الناس‪.‬‬

‫كلمة نّيرة للشيخ الغزالي‪:‬‬

‫فهذا هو المطلوب في رجل الدولة المسلمة‪ ،‬قبل أي شيء آخر‪ .‬وتعجبني كلمات قالها شيخنا الشيخ محمد‬
‫الغزالي رحمه ال حين كان يرد على الشيخ خالد محمد خالد‪ ،‬تحت عنوان )شبهات حول الحكم الّديني(‪ .‬أحببت‬
‫أن أسجلها هنا لما فيها من روعة البيان وقوة الحجة‪ .‬قال رحمه ال‪:‬‬

‫)يقع في الوهم أن الحكم الّديني إذا أقيم فسيكون رجاله هم أنفسهم أولئك الذين نسميهم الن )رجال الّدين( وقد‬
‫تثبت في الخيال صور لعمائم كبيرة ولحى موفورة وأردية فضفاضة‪.‬‬

‫وقد تتوارد هذه الصور وملبساتها الساخرة فنظن أن الوزراء في هذه الحكومة سيديرون عجلة الحياة إلى‬
‫الوراء‪ ،‬وينشغلون بأمور ل تمت إلى حقائق الدنيا وشئون العمران بصلة‪.‬‬

‫ومن يدري؟ فقد يشتغلون بالوعظ ومحاربة البدع والستعداد للحياة الخرة‪.‬‬

‫وحسبهم ذلك من الظفر بالحكم!‬

‫وهذا وهم مضحك‪ ،‬ولعله بالنسبة إلى السلم خطأ شائن‪.‬‬

‫فنحن ل نعرف نظاما من الكهنوت يحمل هذا الصطلح المريب )رجال الّدين(‪.‬‬

‫وقد يوجد فريق من الناس يختص بنوع من الدراسات العلمية المتعّلقة بالكتاب والسنة‪ ،‬ولكن هذا النوع من‬
‫الدراسات ل يعدو أن يكون ناحية محدودة من آفاق الثقافة السلمية الواسعة‪ ،‬تلك الثقافة التي تشمل فنونا ل‬
‫آخر لها من حقائق الحياتين ومن المعرفة المادية وغير المادية‪.‬‬

‫والعلماء بالكتاب والسنة يمثلون فريقا من المسلمين قد يكون مثل غيره أو دونه أو فوقه‪ ،‬ولم يكن التقدم‬
‫شحا للحكم في أزهى عصور السلم‪.‬‬ ‫الفقهي ُمر ِ‬

‫وقد كان أبو هريرة وابن عمر وابن مسعود من أعرف الصحابة بالكتاب والسنة‪ ،‬ومن أكثرهم تحديثا عن النبي‬
‫صلى ال عليه وسلم فهل كانت منزلتهم في بناء الدولة السلمية منزلة الخلفاء الربعة أو منزلة سعد بن أبي‬
‫وقاص أو خالد بن الوليد أو أبي عبيدة بن الجراح؟‬
‫الواقع أن المسلمين كافة رجال لدينهم ‪-‬أو ذلك ما يجب أن يكون ‪-‬والذي يخدم دينه في ميدان القتال أو السياسة‬
‫أو الحكم أو الصناعة أو العلم هو ل ريب رجل لدينه ل غبار عليه‪.‬‬

‫وليس أحد أحق من أحد بهذا الوصف‪ ،‬ول كان احتكارا لطائفة دون أخرى يوما ما‪.‬‬

‫والصورة الصادقة للحكومة ‪-‬كما يقيمها السلم‪ -‬صورة رجال أحرار الضمائر والعقول‪ ،‬يفنون أشخاصهم‬
‫ومآربهم في سبيل دينهم وأمتهم‪.‬‬

‫صورة كفايات خارقة‪ ،‬وثروات عريضة‪ ،‬من بعد النظر‪ ،‬ودقة الَفهم‪ ،‬وعظم المانة‪ ،‬تسعد بها المبادئ‬
‫والشعوب‪.‬‬

‫صورة أفراد لهم مهارة عبد الرحمن بن عوف في التجارة‪ ،‬وابن الوليد في القيادة‪ ،‬وابن الخطاب في الحكم؛ قد‬
‫يولدون في أوساط مجهولة فل تبرزهم إل مواهبهم وَمَلكاتهم في مناحي الدنيا وميادين العمل‪.‬‬

‫إن الحكم الّديني ليس مجموعة من الدراويش والمتصوفة والمنتفعين في ظل الخرافات المقدسة ‪ ...‬ويوم يكون‬
‫كذلك فالسلم منه بريء(]‪.[10‬‬

‫قيام الدولة السلمية على عقيدة الحاكمية ل يعني‪ :‬أنها دولة دينية‪:‬‬

‫وأما من استدل من الكتاب المعاصرين على أن الدولة السلمية دولة دينية ‪-‬على معنى أنها تحكم بالحق‬
‫اللهي‪ -‬بأنها تقوم على عقيدة الحاكمية اللهية‪ ،‬التي دعا إليها بقوة‪ :‬أبو العلى المودودي في باكستان‪ ،‬وسيد‬
‫قطب في مصر‪ .‬وهي نفس الفكرة التي دعا إليها الخوارج قديما‪.‬‬

‫فالحق أن فكرة الحاكمية أساء َفهمها الكثيرون‪ ،‬وأدخلوا في مفهومها ما لم يرده أصحابها‪.‬‬

‫وأود أن أنبه هنا على جملة ملحظات حول هذه القضية‪:‬‬

‫‪ -1‬الملحظة الولى‪ :‬أن أكثر من كتبوا عن )الحاكمية( التي نادى بها المودودي وأخذها عنه سيد قطب‪ ،‬ردوا‬
‫أصل هذه الفكرة إلى )الخوارج( الذين اعترضوا على علي بن أبي طالب رضي ال عنه في قبوله فكرة التحكيم‬
‫من أساسها‪ ،‬وقالوا كلمتهم الشهيرة‪) :‬ل حكم إل ل(‪ ،‬ورد عليهم المام بكلمته التاريخية البليغة الحكيمة حين‬
‫قال‪ :‬كلمة حق ُيراد بها باطل! نعم‪ ،‬ل حكم إل ل‪ ،‬ولكن هؤلء يقولون‪ :‬ل إمرة إلى ل! ول بد للناس من أمير‬
‫بر أو فاجر]‪![11‬‬

‫وهذا المعنى الساذج للحكم أو الحاكمية أصبح في ذمة التاريخ‪ ،‬ولم يعد أحد يقول به‪ ،‬حتى الخوارج أنفسهم‬
‫وما تفرع عنهم من الفرق‪ ،‬فهم طلبوا المارة وقاتلوا في سبيلها‪ ،‬وأقاموها بالفعل‪ ،‬في بعض المناطق‪ ،‬فترات‬
‫من الزمان‪.‬‬

‫خلقه‪ ،‬وهو الذي يأمرهم وينهاهم‪،‬‬
‫أما الحاكمية بالمعنى التشريعي‪ ،‬ومفهومها‪ :‬أن ال سبحانه هو الُمشّرع ل َ‬
‫ويحل لهم ويحرم عليهم‪ ،‬فهذا ليس من ابتكار المودودي ول سيد قطب‪ ،‬بل هو أمر مقّرر عند المسلمين جميعا‪.‬‬
‫ولهذا لم يعترض على رضي ال عنه على المبدأ‪ ،‬وإنما اعترض على الباعث والهدف المقصود من وراء‬
‫الكلمة‪ .‬وهذا معنى قوله‪" :‬كلمة حق ُيراد بها باطل"‪.‬‬

‫وقد بحث في هذه القضية علماء )أصول الفقه( في مقدماتهم الصولية التي بحثوا فيها عن الحكم الشرعي‪،‬‬
‫والحاكم‪ ،‬والمحكوم به‪ ،‬والمحكوم عليه‪.‬‬

‫فها نحن نجد إماما أصوليا مثل حجة السلم أبي حامد الغزالي‪ ،‬يقول في مقدمات كتابه الشهير )المستصفى‬
‫من علم الصول( عن )الحكم( الذي هو أول مباحث العلم‪ ،‬وهو عبارة عن خطاب الشرع‪ ،‬ول حكم قبل ورود‬
‫الشرع‪ ،‬وله تعّلق بالحاكم‪ ،‬وهو الشارع‪ ،‬وبالمحكوم عليه‪ ،‬وهو المكلف‪ ،‬وبالمحكوم فيه‪ ،‬وهو فعل المكلف‪...‬‬
‫ثم يقول‪) :‬وفي البحث عن الحاكم يتبين أن )ل حكم إل ل( وأن ل حكم للرسول‪ ،‬ول للسيد على العبد‪ ،‬ول‬
‫لمخلوق على مخلوق‪ ،‬بل كل ذلك حكم ال تعالى ووضعه ل حكم لغيره(]‪.[12‬‬

‫ثم يعود إلى الحديث عن )الحاكم( وهو صاحب الخطاب الموجه إلى المكّلفين‪ ،‬فيقول‪) :‬أما استحقاق نفوذ الحكم‬
‫خلق والمر‪ ،‬فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه‪ ،‬ول مالك إل الخالق‪ ،‬فل حكم ول أمر إل‬
‫فليس إل لمن له ال َ‬
‫له‪ ،‬أما النبي صلى ال عليه وسلم والسلطان والسيد والب والزوج‪ ،‬فإذا أمروا وأوجبوا لم يجب شيء‬
‫بإيجابهم‪ ،‬بل بإيجاب من ال تعالى طاعتهم‪ ،‬ولول ذلك لكان كل مخلوق أوجب على غيره شيئا‪ ،‬كان للموجب‬
‫عليه أن يقلب عليه اليجاب‪ ،‬إذ ليس أحدهما أولى من الخر‪ ،‬فإذن الواجب طاعة ال تعالى‪ ،‬وطاعة من أوجب‬
‫ال تعالى طاعته(]‪.[13‬‬

‫الملحظة الثانية‪ :‬أن )الحاكمية( التي قال بها المودودي وقطب‪ ،‬وجعلها ل وحده‪ ،‬ل تعني أن ال تعالى هو‬
‫الذي يولي العلماء والمراء‪ ،‬يحكمون باسمه‪ ،‬بل المقصود بها الحاكمية التشريعية فحسب‪ ،‬أما سند السلطة‬
‫السياسية فمرجعه إلى المة‪ ،‬هي التي تختار حكامها‪ ،‬وهي التي تحاسبهم‪ ،‬وتراقبهم‪ ،‬بل تعزلهم‪ .‬والتفريق بين‬
‫المرين مهم والخلط بينهما موهم ومضلل‪ ،‬كما أشار إلى ذلك الدكتور أحمد كمال أبو المجد‪ ،‬بحق]‪.[14‬‬

‫فليس معنى الحاكمية الدعوة إلى دولة ثيوقراطية‪ ،‬بل هذا ما نفاه كل من سيد قطب والمودودي رحمهما ال‪.‬‬

‫أما سيد قطب‪ ،‬فقال في )معالمه(‪:‬‬

‫)ومملكة ال في الرض ل تقوم بأن يتولى الحاكمية في الرض رجال بأعيانهم ‪-‬هم رجال الّدين‪ -‬كما كان المر‬
‫في سلطان الكنيسة‪ ،‬ول رجال ينطقون باسم اللهة‪ ،‬كما كان الحال فيما يعرف باسم )الثيوقراطية( أو الحكم‬
‫اللهي المقدس!! ولكنها تقوم بأن تكون شريعة ال هي الحاكمة‪ ،‬وأن يكون مرّد المر إلى ال وفق ما قّرره‬
‫من شريعة مبينة(]‪.[15‬‬

‫وأما المودودي‪ ،‬فقد أخذ بعض الناس جزءا من كلمه وفهموه على غير ما يريد‪ ،‬ورتبوا عليه أحكاما ونتائج‬
‫صلها في عشرات الكتب والرسائل والمقالت‬ ‫لم يقل بها‪ ،‬ول تتفق مع سائر أفكاره ومفاهيم دعوته‪ ،‬التي ف ّ‬
‫والمحاضرات‪ .‬وهذا ما يحدث مع كلم ال تعالى وكلم رسوله‪ ،‬إذا أخذ جزء منه معزول عن سياقه وسباقه‪،‬‬
‫وعن غيره مما يكمله أو يبينه أو يقيده‪ ،‬فكيف بكلم غيرهما من البشر؟‬

‫فقد ذكر المودودي خصائص الديمقراطية الغربية ثم قال‪) :‬وأنت ترى أنها ليست من السلم في شيء‪ .‬فل‬
‫يصح إطلق كلمة )الديمقراطية( على نظام الدولة السلمية‪ ،‬بل أصدق منها تعبيرا كلمة )الحكومة اللهية أو‬
‫الثيوقراطية((‪.‬‬

‫ثم استدرك فقال‪) :‬ولكن الثيوقراطية الوروبية تختلف عنها الحكومة اللهية )الثيوقراطية السلمية( اختلفا‬
‫كليا‪ ،‬فإن أوروبا لم تعرف منها إل التي تقوم فيها طبقة من السدنة مخصوصة يشرعون للناس قانونا من عند‬
‫أنفسهم]‪ ،[16‬حسب ما شاءت أهوائهم وأغراضهم‪ ،‬ويسلطون ألوهيتهم على عامة أهل البلد متسترين وراء‬
‫القانون اللهي‪ ،‬فما أجدر مثل هذه الحكومة أن تسمى بالحكومة الشيطانية منها بالحكومة اللهية!‬

‫وأما الثيوقراطية التي جاء بها السلم فل تستبد بأمرها طبقة من السدنة أو المشايخ‪ ،‬بل هي التي تكون في‬
‫أيدي المسلمين عامة‪ ،‬وهم الذين يتولون أمرها والقيام بشئونها وفق ما ورد به كتاب ال وسنة رسوله‪ .‬ولئن‬
‫سمحتم لي بابتداع مصطلح جديد لثرت كلمة )الثيوقراطية الديمقراطية( أو )الحكومة اللهية الديمقراطية( لهذا‬
‫الطراز من نظم الحكم‪ ،‬لنه قد خّول فيها للمسلمين حاكمية شعبية مقيدة‪ .‬وذلك تحت سلطة ال القاهرة وحكمه‬
‫الذي ل يغلب‪ ،‬ول تتألف السلطة التنفيذية إل بآراء المسلمين‪ ،‬وبيدهم يكون عزلها من نصبها‪ ،‬وكذلك جميع‬
‫الشئون التي يوجد عنها في الشريعة حكم صريح‪ ،‬ل يقطع فيها بشيء إل بإجماع المسلمين‪.‬‬

‫وكلما مست الحاجة إلى إيضاح قانون أو شرح نص من نصوص الشرع‪ ،‬ل يقوم ببيانه طبقة أو أسرة‬
‫مخصوصة فحسب‪ ،‬بل يتولى شرحه وبيانه كل َمن بلغ درجة الجتهاد من عامة المسلمين‪.‬‬

‫فمن هذه الوجهة يعد الحكم السلمي )ديمقراطيا((]‪.[17‬‬
‫فهذا ما ُيفهم من مجموع كلم المودودي‪ ،‬وإن كان لنا تحفظ على تسميته الحكومة السلمية )ثيوقراطية( لما‬
‫فيه من إيهام التشابه بـ)الثيوقراطيات( المعروفة في التاريخ‪ ،‬وإن نفى هو ذلك‪.‬‬

‫خلقه‪ ،‬هي الحاكمية‬
‫‪ -2‬الملحظة الثالثة‪ :‬أن الحاكمية التشريعية التي يجب أن تكون ل وحده‪ ،‬ليست لحد من َ‬
‫)العليا( و)المطلقة( التي ل يحدها ول يقيدها شيء‪ ،‬فهي من دلئل وحدانية اللوهية‪.‬‬

‫وهذه الحاكمية ‪-‬بهذا المعنى‪ -‬ل تنفي أن يكون للبشر قدر من التشريع أذن به ال لهم‪ .‬إنما هي تمنع أن يكون‬
‫لهم استقلل بالتشريع غير مأذون به من ال‪ ،‬وذلك مثل التشريع الّديني المحض‪ ،‬كالتشريع في أمر العبادات‬
‫بإنشاء عبادات وشعائر من عند أنفسهم‪ ،‬أو بالزيادة فيما شرع لهم باّتباع الهوى‪ .‬أو بالنقص منه كما أو كيفا‪،‬‬
‫أو بالتحويل والتبديل فيه زمانا أو مكانا أو صورة‪ .‬ومثل ذلك التشريع في أمر الحلل والحرام‪ ،‬كأن يحلوا ما‬
‫حرم ال ويحرموا ما أحل ل‪ ،‬وهو ما اعتبره النبي صلى ال عليه وسلم نوعا من )الربوبية( وفسر به قوله‬
‫ل ]التوبة‪.[31:‬‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن ُدو ِ‬
‫حَباَرُهْم َوُرْهَباَنُهْم َأْرَبابًا ِم ْ‬
‫خُذوا َأ ْ‬
‫تعالى في شأن أهل الكتاب‪ :‬اّت َ‬

‫وكذلك التشريع فيما يصادم النصوص الصحيحة الصريحة كالقوانين التي تقر المنكرات‪ ،‬أو تشيع الفواحش ما‬
‫ظهر منها وما بطن‪ ،‬أو تعطل الفرائض المحّتمة‪ ،‬أو تلغي العقوبات اللزمة‪ ،‬أو تتعدى حدود ال المعلومة‪.‬‬

‫أما فيما عدا ذلك فمن حق المسلمين أن يشرعوا لنفسهم‪ .‬وذلك في دائرة ما ل نص فيه أصل وهو كثير‪ ،‬وهو‬
‫المسكوت عنه الذي جاء فيه حديث‪" :‬وما سكت عنه فهو عفو"]‪ ،[18‬وهو يشمل منطقة فسيحة من حياة‬
‫الناس‪.‬‬

‫ومثل ذلك ما نص فيه على المبادئ والقواعد العامة دون الحكام الجزئية والتفصيلية‪.‬‬

‫ومن َثّم يستطيع المسلمون أن يشرعوا لنفسهم بإذن من دينهم في مناطق واسعة من حياتهم الجتماعية‬
‫والقتصادية والسياسية‪ ،‬غير مقيدين إل بمقاصد الشريعة الكلية‪ ،‬وقواعدها العامة‪ .‬وكلها تراعي جلب‬
‫المصالح‪ ،‬ودرء المفاسد‪ ،‬ورعاية حاجات الناس أفرادا وجماعات‪.‬‬

‫وكثير من القوانين التفصيلية المعاصرة ل تتنافى مع الشريعة في مقاصدها الكلية‪ ،‬ول أحكامها الجزئية‪ ،‬لنها‬
‫قامت على جلب المنفعة‪ ،‬ودفع المضرة‪ ،‬ورعاية العراف السائدة‪.‬‬

‫وذلك مثل قوانين المرور أو الملحة أو الطيران‪ ،‬أو العمل والعمال‪ ،‬أو الصحة أو الزراعة‪ ،‬أو غير ذلك مما‬
‫يدخل في باب السياسة الشرعية‪ ،‬وهو باب واسع]‪.[19‬‬

‫ومن ذلك تقييد المباحات تقييدا جزئيا ومؤقتا‪ ،‬كما منع سيدنا عمر الذبح في بعض اليام‪ ،‬وكما كره لبعض‬
‫الصحابة الزواج من غير المسلمات‪ ،‬حتى ل يقتدى بهم الناس‪ ،‬ويكون في ذلك فتنة على المسلمات‪.‬‬

‫والستاذ المودودي ‪-‬وهو أشهر من نادى بالحاكمية‪ ،‬وتشدد فيها‪ -‬قد بّين في كلمه أن للناس متسعا في‬
‫التشريع فيما وراء القطعيات والحكام الثابتة والحدود المقّررة‪ .‬وذلك عن طريق تأويل النصوص وتفسيرها‪،‬‬
‫وعن طريق القياس‪ ،‬وطريق الستحسان‪ ،‬وطريق الجتهاد]‪.[20‬‬

‫‪--------------------------------------------------------------------------------‬‬

‫]‪ -[1‬جزء من خطبة أبي بكر وقد سبق تخريجها‪.‬‬

‫]‪ -[2‬رواه ابن سعد في الطبقات )‪ ،(5/340‬والدارمي في المقدمة )‪ ،(433‬وأبو نعيم في الحلية )‪،(5/296‬‬
‫وابن عساكرفي تاريخ دمشق )‪.(23/264‬‬

‫]‪ -[3‬رواه البخاري في الجهاد والسير )‪ (2955‬عن ابن عمر‪ ،‬ومسلم في المارة )‪ ،(1839‬وأحمد في المسند‬
‫)‪ ،(6278‬وأبو داود في الجهاد )‪ ،(2626‬والترمذي في الجهاد )‪ ،(1707‬والنسائي في البيعة )‪.(4206‬‬
‫]‪ -[4‬جزء من خطبة أبي بكر وقد سبق تخريجها‪.‬‬

‫]‪ -[5‬رواه الطبري في التاريخ )‪.(2/579‬‬

‫]‪ -[6‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫]‪ -[7‬دخل أبو مسلم على معاوية‪ ،‬فقال‪ :‬السلم عليك أيها الجير‪ .‬فقيل له‪ :‬مه‪ .‬فقال معاوية‪ :‬دعوا أبا مسلم‬
‫فإنه أعرف بما يريد‪ .‬فتقدم أبو مسلم فقال‪ :‬السلم عليك أيها الجير فقال‪ :‬معاوية وعليك السلم يا أبا مسلم‪.‬‬
‫فقال أبو مسلم‪ :‬يا معاوية اعلم أنه ليس من راع استرعى رعية إل ورب أجره سائله عنها‪ ،‬فإن كان داوى‬
‫مرضاها‪ ،‬وهنأ جرباها‪ ،‬وجبر كسراها‪ ،‬ورد أولها على أخراها‪ ،‬ووضعها في أنف من الكل وصفو من الماء‪،‬‬
‫وفاه ال تعالى أجره‪ ،‬وإن كان لم يفعل حرمه‪ ،‬فانظر يا معاوية اين أنت من ذلك؟ فقال له معاوية‪ :‬يرحمك ال يا‬
‫أبا مسلم المر على ذلك‪ .‬انظر‪ :‬تاريخ دمشق )‪.(27/223‬‬

‫]‪ -[8‬العمال الكاملة للمام محمد عبده جـ ‪ 1‬صـ ‪.107‬‬

‫]‪ -[9‬المصدر السابق‪.‬‬

‫]‪ -[10‬انظر‪) :‬من هنا نعلم( صـ ‪.29 - 27‬‬

‫جَمل )‪ (7/557‬عن علي‪ ،‬والبيهقي في الكبرى كتاب قتال أهل‬
‫]‪ -[11‬رواه ابن أبي شيبة في المصنف كتاب ال َ‬
‫البغي )‪.(8/184‬‬

‫]‪ -[12‬المستصفى )‪ (1/8‬طبع دار صادر ببيروت‪ ،‬مصورة عن طبعة بولق‪.‬‬

‫]‪ -[13‬المستصفى )‪ ،(1/83‬وفي فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت المطبوع مع المستصفى‪ :‬مسألة‪ :‬ل حكم‬
‫إل من ال تعالى‪ ،‬بإجماع المة‪ ،‬ل كما في كتب المشايخ‪ :‬أن هذا عندنا‪ ،‬وعند بعض المعتزلة‪ :‬الحاكم العقل‪،‬‬
‫فإن هذا مما ل يجترئ عليه أحد ممن يدعي السلم‪ ،‬بل إنما يقولون‪ :‬إن العقل معرف لبعض الحكام اللهية‪،‬‬
‫سواء ورد به الشرع أم ل‪ ،‬وهذا مأثور عن أكابر مشايخنا أيضا )يعني الماتريدية( فواتح الرحموت مع‬
‫المستصفى صـ ‪.25‬‬

‫]‪ -[14‬انظر‪ :‬عنوان )أبو المجد ينادي بإسقاط الدعوة إلى العلمانية( من هذا الكتاب‪.‬‬

‫]‪ -[15‬معالم في الطريق للشهيد سيد قطب صـ ‪ 60‬طبعة دار الشروق‪ .‬القاهرة‪.‬‬

‫]‪ -[16‬لم يكن عند البابوات القساوسة المسيحيين شيء من الشريعة إل مواعظ خلقية مأثورة عن المسيح‬
‫عليه السلم‪ ،‬ولجل ذلك كانوا يشرعون القوانين حسب ما تقتضيه شهوات أنفسهم‪ ،‬ثم ينفذونها في البلد‬
‫قائلين إنها من عند ال‪ ،‬كما ورد في التنزيل‪ :‬فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند ال‬
‫]البقرة‪ .[79:‬المودودي‪.‬‬

‫]‪ -[17‬نظرية السلم وهديه في السياسة والقانون والدستور لبي العلى المودودي صـ ‪ 36 – 34‬طبعة دار‬
‫الفكر‪.‬‬

‫]‪ -[18‬رواه الدارقطني في السنن كتاب الزكاة )‪ (2/137‬عن أبي الدرداء‪ ،‬والحاكم في المستدرك كتاب التفسير‬
‫)‪ ،(2/406‬وقال‪ :‬حديث صحيح السناد ولم يخرجاه‪ ،‬والبيهقي في الكبرى كتاب الضحايا )‪ ،(10/12‬وصححه‬
‫اللباني في السلسلة الصحيحة )‪.(2256‬‬

‫]‪ -[19‬انظر‪ :‬كتابنا )الحل السلمي فريضة وضرورة( صـ ‪ 86‬وما بعدها صبعة مكتبة وهبة‪ .‬القاهرة‪.‬‬

‫]‪ -[20‬انظر‪ :‬مجموعة )نظرية السلم وهديه في السياسة والقانون والدستور( صـ ‪ 171‬وما بعدها‪.‬‬
‫الدولة السلمية دولة شورية تتوافق مع جوهر الديمقراطية‬

‫الفصل الرابع‬

‫الدولة السلمية دولة شورية‬

‫تتوافق مع جوهر الديمقراطية‬

‫بّينا في الفصل السابق‪ :‬أن الدولة في السلم دولة مدنية كغيرها من دول العالم المتحضر‪ ،‬وإنما تتميز بأن‬
‫مرجعيتها الشريعة السلمية‪.‬‬

‫وفي هذا الفصل نبين أن هذه الدولة المدنية تقوم على الشورى والبيعة واختيار المة لحاكمها بإرادتها الحرة‪،‬‬
‫ونصحه ومحاسبته‪ ،‬وإعانته على الطاعة‪ ،‬ورفض طاعته إذا أمر بمعصية‪ .‬وحقها في عزله إذا أصر على‬
‫عوجه وانحرافه‪.‬‬

‫وهذا التوجه يجعل الدولة السلمية أقرب ما تكون إلى إلى جوهر الديمقراطية‪.‬‬

‫الديمقراطية المنشودة‪:‬‬

‫ونعني بالديقراطية في هذا المقام‪ :‬الديمقراطية السياسية‪ .‬أما الديمقراطية القتصادية‪ ،‬فتعني )الرأسمالية( بما‬
‫لها من أنياب ومخالب‪ ،‬فإننا نتحفظ عليها‪ .‬وكذلك الديمقراطية الجتماعية التي تعني )الليبرالية( بما ُيحّملونها‬
‫من حرية مطلقة‪ ،‬فإننا كذلك نتحفظ عليها‪.‬‬

‫إن الرأسمالية )القارونية( مرفوضة عندنا‪ ،‬لنها تقوم على فكرة الرأسمالي الذي يقول عن ماله‪ِ :‬إّنَما ُأوِتيُتهُ‬
‫ن َنْفَعَل‬‫ك َما َيْعُبُد آَباُؤَنا َأْو َأ ْ‬
‫ن َنْتُر َ‬
‫ك َأ ْ‬
‫ك َتْأُمُر َ‬
‫صلُت َ‬
‫عْنِدي ]القصص‪ ،[78:‬أو كما قال قوم شعيب له‪َ :‬أ َ‬ ‫عْلٍم ِ‬ ‫عَلى ِ‬ ‫َ‬
‫جَعَلُكْم‬
‫شاُء ]هود‪ ،[87:‬والفكرة السلمية أن النسان مستخلف في مال ال‪َ ،‬وَأْنِفُقوا ِمّما َ‬ ‫ِفي َأْمَواِلَنا َما َن َ‬
‫ن ِفيِه ]الحديد‪ ،[7:‬وأن المالك الحقيقي للمال هو ال‪ ،‬والغني أمين على هذا المال‪ ،‬وكيل عن مالكه‬ ‫خَلِفي َ‬‫سَت ْ‬
‫ُم ْ‬
‫الحقيقي‪ ،‬فملكيته مقيدة‪ ،‬عليها تكاليف وواجبات‪ ،‬وتقيدها قيود في الستهلك والتنمية والتوزيع والتبادل‪.‬‬
‫وتفرض عليها الزكاة التي عدت من أركان السلم‪ ،‬كما ُيمنع المالك من الربا والحتكار والغش والغبن‬
‫والسرف والترف والكنز وغيرها]‪.[1‬‬

‫وبهذه الوصايا والقوانين وأمثالها‪ ،‬نقّلم أظفار أخطار الرأسمالية‪ ،‬حتى نحقق العدالة الجتماعية‪ ،‬ونرعى‬
‫ي ل َيُكو َ‬
‫ن‬ ‫الفئات الضعيفة في المجتمع من اليتامى والمساكين وأبناء السبيل‪ ،‬ونعمل على حسن توزيع المال َك ْ‬
‫غِنَياِء ِمْنُكْم ]الحشر‪.[7:‬‬
‫ن اَْل ْ‬
‫ُدوَلًة َبْي َ‬

‫والليبرالية التي تعني )الحرية المطلقة( مرفوضة أيضا عندنا‪ ،‬فليس في الوجود كله حرية مطلقة‪ ،‬كل حرية في‬
‫الدنيا لها قيود تحدها‪ ،‬من هذه القيود‪ :‬حقوق الخرين‪ ،‬ومنها‪ :‬حق الفرد نفسه‪ ،‬ومنها‪ :‬قيود دينية تتعّلق بحق‬
‫ال سبحانه‪ ،‬ومنها‪ :‬قيود أخلقية‪.‬‬

‫إن البواخر في المحيطات الواسعة مقيدة في سيرها بخطوط معروفة‪ ،‬تحددها الخارطة و)البوصلة(‪ .‬ومثل ذلك‬
‫الطائرات في جو السماء‪ ،‬ل تذهب يمنة ويسرة‪ ،‬كما يشاء قائدها‪ ،‬بل له خط سير يجب أن يتبعه ول يحيد عنه‪.‬‬

‫الذي يعنينا من الديمقراطية هو الجانب السياسي منها‪ ،‬وجوهره أن تختار الشعوب من يحكمها ويقود‬
‫مسيرتها‪ ،‬ول يفرض عليها حاكم يقودها رغم أنفها‪ .‬وهو ما قّرره السلم عن طريق المر بالشورى والبيعة‪،‬‬
‫وذم الفراعنة والجبابرة‪ ،‬واختيار القوي المين‪ ،‬الحفيظ العليم‪ ،‬والمر باّتباع السواد العظم‪ ،‬وأن يد ال مع‬
‫الجماعة‪ ،‬وقول الرسول لبي بكر وعمر‪" :‬لو اتفقتما على رأي ما خالفتكما"]‪ ،[2‬إذ سيكون صوتان أمام‬
‫واحد‪.‬‬
‫ومن حق كل امرئ في الشعب أن ينصح للحاكم‪ ،‬ويأمره بالمعروف‪ ،‬وينهاه عن المنكر‪ ،‬مراعيا الدب الواجب‬
‫في ذلك‪ .‬وأن يطيعه في المعروف‪ ،‬ويرفض الطاعة في المعصية المجمع عليها‪ ،‬أي المعصية الصريحة البينة‪،‬‬
‫إذ ل طاعة لمخلوق في معصية الخالق‪.‬‬

‫والذي يهمنا اقتباسه من الديمقراطية هو ضماناتها وآلياتها التي تمنع أن تزيف وتروج على الناس بالباطل‪.‬‬
‫فكم من بلد تحسب على الديمقراطية‪ ،‬والستبداد يغمرها من قرنها إلى قدمها‪ ،‬وكم من رئيس يحصل على )‬
‫‪ (%99‬تسعة وتسعين في المائة‪ ،‬وهو مكروه كل الكراهية من شعبه‪.‬‬

‫إن أسلوب النتخابات والترجيح بأغلبية الصوات‪ ،‬الذي انتهت إليه الديمقراطية هو آلية صحيحة في الجملة‪،‬‬
‫خل من عيوب‪ ،‬لكنها أسلم وأمثل من غيرها]‪ .[3‬ويجب الحرص عليها وحراستها من الكذابين‬ ‫وإن لم َت ْ‬
‫والمنافقين والُمدّلسين‪.‬‬

‫أما دعوى بعض المتدينين‪ :‬أن الديمقراطية تعارض حكم ال‪ ،‬لنها حكم الشعب‪ ،‬فنقول لهم‪ :‬إن المراد بحكم‬
‫الشعب هنا‪ :‬أنه ضد حكم الفرد المطلق‪ ،‬أي حكم الديكتاتور‪ ،‬وليس معناها أنها ضد حكم ال‪ ،‬لن حديثنا عن‬
‫الديمقراطية في المجتمع المسلم‪ ،‬وهو الذي يحتكم إلى شريعة ال]‪.[4‬‬

‫الديمقراطية وصلتها بالسلم‪:‬‬

‫ويحسن بنا بمناسبة حديثنا عن الديمقراطية‪ :‬أن نذكر هنا موقف السلم من الديمقراطية‪ ،‬فقد رأينا الذين‬
‫يتحدثون عن الديمقراطية وصلتها بالسلم عدة أصناف متباينة‪:‬‬

‫‪ .1‬الرافضون للديمقراطية باسم السلم‪:‬‬

‫صنف يرى أن السلم والديمقراطية ضّدان ل يلتقيان‪ ،‬لعدة أسباب‪:‬‬

‫أن السلم من ال والديمقراطية من البشر‪.‬‬ ‫‌أ‪-‬‬

‫ب‪ -‬وأن الديمقراطية تعني حكم الشعب للشعب‪ ،‬والسلم يعني حكم ال‪.‬‬
‫‌‬

‫ت‪ -‬وأن الديمقراطية تقوم على تحكيم الكثرية في العدد‪ ،‬وليست الكثرية دائما على‬
‫‌‬
‫صواب‪.‬‬

‫ث‪ -‬وأن الديمقراطية أمر ُمحَدث وابتداع في الّدين‪ ،‬ليس له سلف من المة‪ ،‬وفي الحديث‪َ" :‬من‬
‫‌‬
‫أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"]‪ ،[5‬و"َمن عمل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد"]‪.[6‬‬

‫ج‪ -‬وأن الديمقراطية مبدأ مستورد من الغرب النصراني أو العلماني الذي ل يؤمن بسلطان الّدين‬ ‫‌‬
‫على الحياة‪ ،‬أو الملحد الذي ل يؤمن بنبوة ول ألوهية ول جزاء‪ ،‬فكيف نتخذه لنا إماما؟‬

‫على هذا يرفض هؤلء الديمقراطية رفضا باًتا‪ ،‬وينكرون على َمن ينادي بها أو يدعو إليها في ديارنا‪ ،‬بل قد‬
‫يتهمونه بالكفر والمروق من السلم‪ .‬فقد صّرح بعضهم بأن الديمقراطية كفر!‬

‫‪ .2‬القائلون بالديمقراطية بل قيود‪:‬‬

‫على عكس هؤلء‪ ،‬آخرون يرون أن الديمقراطية الغربية هي العلج الشافي لوطاننا ودولنا وشعوبنا‪ ،‬بكل ما‬
‫تحمله من معاني الليبرالية الجتماعية‪ ،‬والرأسمالية القتصادية‪ ،‬والحرية السياسية‪.‬‬

‫ول يقيد هؤلء هذه الديمقراطية بشيء‪ ،‬وهم يريدونها في بلدنا‪ ،‬كما هي في بلد الغربيين‪ ،‬ل تستند إلى‬
‫ث على عبادة‪ ،‬ول تستمد من شريعة‪ ،‬ول تؤمن بِقَيم ثابتة‪ ،‬بل هي تفصل بين العلم والخلق‪،‬‬
‫عقيدة‪ ،‬ول تح ّ‬
‫وبين القتصاد والخلق‪ ،‬وبين السياسة والخلق‪ ،‬وبين الحرب والخلق‪.‬‬
‫وهذا هو منطق )التغربيين( الذين نادوا من قديم‪ ،‬بأن نسير مسيرة الغربيين‪ ،‬ونأخذ حضارتهم بخيرها وشّرها‪،‬‬
‫وحلوها ومرها]‪![7‬‬

‫‪ .3‬الوسطيون المتوازنون‪:‬‬

‫وبين هؤلء وأولئك‪ :‬تقف فئة الوسط التي ترى أن خير ما في الديمقراطية ‪-‬أو قل‪ :‬جوهر الديمقراطية‪ -‬متفق‬
‫مع جوهر تعاليم السلم‪.‬‬

‫جوهر الديمقراطية‪ :‬أن يختار الناس َمن يحكمهم‪ ،‬ول ُيفرض عليهم حاكم يكرهونه ويرفضونه يقودهم بعصاه‬
‫أو سيفه‪ .‬وأن يكون لديهم من الوسائل‪ :‬ما يقّومون به عوجه‪ ،‬ويردونه إلى الصواب إذا أخطأ الطريق‪ ،‬وأن‬
‫تكون لديهم القدرة على إنذاره إذا لم يرتدع‪ ،‬ثم عزله بعد ذلك‪.‬‬

‫وإذا اختلف معه أهل الحل والعقد ‪-‬أو مجلس المة أو الشعب أو مجلس النواب‪ ،‬سّمه ما شئت‪ -‬فإن كان في أمر‬
‫سوَل َوُأوِلي‬
‫طيُعوا الّر ُ‬
‫ل َوَأ ِ‬‫طيُعوا ا َّ‬ ‫ن آَمُنوا َأ ِ‬
‫شرعي‪ُ :‬رّد التنازع إلى ال ورسوله كما أمر القرآن‪َ :‬يا َأّيَها اّلِذي َ‬
‫خِر ]النساء‪،[59:‬‬ ‫لِ‬‫ل َواْلَيْوِم ا ْ‬
‫ن ِبا ِّ‬
‫ن ُكْنُتْم تُْؤِمُنو َ‬
‫سوِل ِإ ْ‬‫ل َوالّر ُ‬
‫يٍء َفُرّدوُه ِإَلى ا ِّ‬
‫ش ْ‬
‫عُتْم ِفي َ‬
‫ن َتَناَز ْ‬
‫اَْلْمِر ِمْنُكْم َفِإ ْ‬
‫وقد أجمع العلماء على أن المراد بالرد إلى ال‪ :‬الرد إلى كتابه‪ .‬وبالرد إلى رسول ال‪ :‬الرد إلى سنته‪.‬‬

‫والذين يرجع إليهم في هذا هم الراسخون في العلم‪ ،‬الخبراء وأهل الذكر في العلم الشرعي‪ :‬علم الكتاب والسنة‬
‫والفقه وأصوله‪ ،‬الذين يجمعون بين فقه النصوص الجزئية وفقه المقاصد الكلية‪ ،‬والذين يجمعون بين فقه‬
‫الشرع وفقه الواقع‪ ،‬أعني فقه العصر الذي يعيشون فيه وما فيه من تيارات ومشكلت وعلقات‪ ،‬كما قال‬
‫طوَنُه ِمْنُهْم ]النساء‪.[83:‬‬
‫سَتْنِب ُ‬
‫ن َي ْ‬
‫سوِل َوِإَلى ُأوِلي اَْلْمِر ِمْنُهْم َلَعِلَمُه اّلِذي َ‬
‫تعالى‪َ :‬وَلْو َرّدوُه ِإَلى الّر ُ‬

‫وأما في أمور الحياة المختلفة‪ :‬التي تدخل في دائرة المباحات‪ ،‬فعند الختلف في شأنها ‪-‬كما هو شأن البشر في‬
‫جح هو الغلبية‪ ،‬فإن رأي الثنين أقرب إلى الصواب من رأي الفرد‪.‬‬ ‫جح‪ ،‬والمر ّ‬
‫المور الجتهادية‪ -‬ل بد من مر ّ‬
‫وهناك أدلة شرعية على ذلك‪ ،‬ل يتسع المقام لسردها‪ .‬فلتراجع في كتابنا )من فقه الدولة في السلم(‪.‬‬

‫ول يعيب الديمقراطية أنها من اجتهادات البشر‪ ،‬فليس كل ما جاء عن البشر مذموما‪ ،‬كيف وقد أمرنا ال أن‬
‫ظر في هذا الجتهاد‪ :‬أهو مناقض لما‬ ‫ُنعِمل عقولنا‪ ،‬فنفّكر وننظر‪ ،‬ونتدّبر ونعتبر‪ ،‬ونجتهد ونستنبط؟ ولكن ُين َ‬
‫سد مبادئ الشورى‪،‬‬ ‫جاء من عند ال أم ل يتعارض معه‪ ،‬بل يمشي في ضوئه؟ وقد رأينا الديمقراطية تج ّ‬
‫والنصيحة في الّدين‪ ،‬والمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬والتواصي بالحق والصبر‪ ،‬وإقامة العدل‪ ،‬ورفع‬
‫الظلم‪ ،‬وتحقيق المصالح ودفع المفاسد ‪ ...‬وغيرها‪.‬‬

‫وما قيل من أن الديمقراطية تعني حكم الشعب‪ ،‬فليس يعني‪ :‬أنه في مقابلة حكم ال‪ ،‬بل حكم الشعب في مقابلة‬
‫حكم الفرد المطلق‪.‬‬

‫وما قيل‪ :‬إنه مبدأ مستورد‪ ،‬فالستيراد في ذاته ليس محظورا‪ ،‬إنما المحظور أن تستورد ما يضرك ول ينفعك‪،‬‬
‫وأن تستورد بضاعة عندك مثلها أو خير منها‪ ،‬ونحن نستورد من الديمقراطية‪ :‬آلياتها وضماناتها‪ ،‬ول نأخذ كل‬
‫فلسفتها التي تغلو في تضخيم الفرد على حساب الجماعة‪ ،‬وتبالغ في تقرير الحرية ولو على حساب الِقَيم‬
‫والخلق‪ ،‬وتعطي الكثرية الحق في تغيير كل شيء‪ ،‬حتى الديمقراطية ذاتها!!‬

‫نحن نريد ديمقراطية المجتمع المسلم‪ ،‬والمة المسلمة‪ ،‬بحيث تراعي هذه الديمقراطية عقائد هذا المجتمع‬
‫وِقيمه وأسسه الّدينية والثقافية والخلقية‪ ،‬فهي من الثوابت التي ل تقبل التطور ول التغيير بالتصويت عليها‪.‬‬

‫الشورى والديمقراطية‪:‬‬

‫وكثير من الذين يتحدثون عن الديمقراطية‪ ،‬وأن لها في أحكام السلم أصول وجذورا‪ :‬يرّكزون على قاعدة‬
‫)الشورى( في السلم‪ ،‬ويعتبرون الشورى هي البديل السلمي للديمقراطية‪ ،‬وهي أيضا الدليل الشرعي‬
‫للديمقراطية‪.‬‬

‫وكان بعض إخواننا في الجزائر يقولون‪ ) :‬شورقراطية(‪ ،‬أي شورى متضمنة للديمقراطية‪.‬‬
‫وفي رأيي أننا نستطيع أن ندعم القضية بأكثر من ذلك‪ ،‬وأن الشورى وحدها قد ل تكفي هنا لسببين‪:‬‬

‫أولهما‪ :‬أن هناك من الفقهاء من زعم أن الشورى ليست واجبة‪ ،‬وإنما هي من قبيل المندوبات والمستحبات‪،‬‬
‫لمة ابن عطية‪ ،‬وأقّره المام‬ ‫سسات‪ .‬خلفا لما قاله المحققون من أمثال الع ّ‬
‫فهي من المكملت وليست من المؤ ّ‬
‫القرطبي في تفسيره‪) :‬الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الحكام‪ ،‬وَمن ل يستشير أهل العلم والّدين‪ ،‬فعزله‬
‫واجب‪ ،‬وهذا ما ل خلف فيه(]‪.[8‬‬

‫وثانيهما‪ :‬أن هناك من الفقهاء أيضا من قالوا‪ :‬إن الشورى معلمة وليست ملزمة‪ .‬وحتى من سّلم أن الشورى‬
‫واجبة وفريضة دينية‪ ،‬يقول‪ :‬أن الواجب على الحاكم أو المام أن يستشير أهل الرأي والبصيرة والخبرة‪ ،‬حتى‬
‫إذا استنار له الطريق‪ ،‬مضى في سبيله بما يراه وتحّمل المسؤولية وحده‪ ،‬وليس من الضروري أن ننزل على‬
‫ل{ ]آل عمران‪.[159:‬‬‫عَلى ا ِّ‬
‫ت َفَتَوّكْل َ‬
‫عَزْم َ‬
‫شاِوْرُهْم ِفي اَْلْمِر َفِإَذا َ‬
‫رأيهم‪ ،‬مستدلين بقوله تعالى‪َ} :‬و َ‬

‫ونحن ل نقر هذين المرين‪ ،‬ولنا رد على كل منهما مذكور في مواضعه من كتبنا‪ ،‬ولكن مجرد إثارتهما قد‬
‫يضعف لدى بعض الناس من العتماد على الشورى وحدها‪.‬‬

‫ورأيي أن الواجب علينا هنا‪ :‬أن نضيف مبادئ أو مؤيدات أخرى تؤكذ شرعية الديمقراطية الحقيقية وقربها من‬
‫جوهر السلم‪.‬‬

‫من هذه المؤيدات‪:‬‬

‫‪ .1‬رفض سلطان الجبابرة والفراعنة‪:‬‬

‫أول هذه المبادئ المؤيدة لشرعية الديمقراطية‪ ،‬وحكم الشعوب لنفسها‪ ،‬واختيارها َمن يحكمها ويقودها‪ :‬أن‬
‫القرآن الكريم ينكر أبلغ النكار‪ ،‬بل يذم أبلغ الذم‪ :‬الجبابرة الذين يتسلطون على الشعوب‪ ،‬ويحكمونها رغم‬
‫أنوفها‪ ،‬ويقودونها طوعا أو كرها ‪-‬بل غالبا ما يقودونها كرها‪ -‬إلى ما يريدون‪.‬‬

‫ن آَتاُه‬
‫ج ِإْبَراِهيَم ِفي َرّبهِ َأ ْ‬
‫حا ّ‬
‫وفي هذا ذم القرآن ُملك صاحب إبراهيم ‪-‬الذي يسمونه )نمروذ(‪َ :‬أَلْم َتَر ِإَلى اّلِذي َ‬
‫حِيي َوُأِميتُ ‪] ...‬البقرة‪.[258:‬‬ ‫ت َقاَل َأَنا ُأ ْ‬
‫حِيي َوُيِمي ُ‬
‫ي اّلِذي ُي ْ‬
‫ك ِإْذ َقاَل ِإْبَراِهيُم َرّب َ‬
‫ل اْلُمْل َ‬
‫ا ُّ‬

‫وقد ذكر المفسرون‪ :‬أنه جاء برجلين من عرض الطريق‪ ،‬فحكم عليهما بالعدام‪ ،‬ثم نفذ الحكم في أحدهما‬
‫وضربه بالسيف‪ ،‬وقال‪ :‬ها أنا قد أمّته! وعفا عن الخر‪ ،‬وقال‪ :‬ها أنا ذا قد أحييته!‬

‫ضِع ُ‬
‫ف‬ ‫سَت ْ‬
‫شَيعًا َي ْ‬
‫جَعَل َأْهَلَها ِ‬‫ض َو َ‬
‫عل ِفي اَْلْر ِ‬ ‫ن َ‬‫عْو َ‬ ‫ن ِفْر َ‬
‫ومثل ذلك حكم فرعون الذي قال القرآن في شأنه‪ِ :‬إ ّ‬
‫ن ]القصص‪.[4:‬‬ ‫سِدي َ‬
‫ن اْلُمْف ِ‬
‫ن ِم َ‬‫ساَءُهْم ِإّنُه َكا َ‬
‫حِيي ِن َ‬
‫سَت ْ‬
‫ح َأْبَناَءُهْم َوَي ْ‬
‫طاِئَفًة ِمْنُهْم ُيَذّب ُ‬
‫َ‬

‫عِنيٍد ]ابراهيم‪،[15:‬‬
‫جّباٍر َ‬
‫ب ُكّل َ‬
‫خا َ‬
‫حوا َو َ‬
‫سَتْفتَ ُ‬
‫كما ذم القرآن تسلط الجبابرة في الرض بصفة عامة‪ ،‬فقال‪َ :‬وا ْ‬
‫جّباٍر ]غافر‪.[35:‬‬
‫ب ُمَتَكّبٍر َ‬
‫عَلى ُكّل َقْل ِ‬
‫ل َ‬
‫طَبُع ا ُّ‬
‫ك َي ْ‬
‫وقال‪َ :‬كَذِل َ‬

‫وذم كذلك الشعوب التي تسير في ركاب الجبابرة المستكبرين في الرض وتنقاد لهم طائعة‪ ،‬كما قال عن‬
‫ن ]الزخرف‪ ،[54:‬وقال عن مل فرعون أيضا‪َ :‬فاّتَبُعوا‬ ‫سِقي َ‬ ‫عوُه ِإّنُهْم َكاُنوا َقْومًا َفا ِ‬‫طا ُ‬
‫ف َقْوَمُه َفَأ َ‬‫خ ّ‬ ‫سَت َ‬
‫فرعون‪َ :‬فا ْ‬
‫س اْلِوْرُد اْلَمْوُروُد ]هود‪:‬‬
‫شيٍد * َيْقُدُم َقْوَمُه َيْوَم اْلِقَياَمِة َفَأْوَرَدُهُم الّناَر َوِبْئ َ‬
‫ن ِبَر ِ‬
‫عْو َ‬ ‫ن َوَما َأْمُر ِفْر َ‬‫عْو َ‬
‫َأْمَر ِفْر َ‬
‫‪.[98،97‬‬

‫عاٌد‬
‫ك َ‬
‫وذم القرآن عادا قوم هود لتفريطهم في حريتهم وكرامتهم واتباعهم الجبابرة المتسلطين‪ ،‬فقال‪َ :‬وِتْل َ‬
‫عِنيٍد ]هود‪.[59:‬‬
‫جّباٍر َ‬
‫سَلُه َواّتَبُعوا َأْمَر ُكّل َ‬
‫صْوا ُر ُ‬
‫ع َ‬
‫ت َرّبِهْم َو َ‬
‫حُدوا ِبآيا ِ‬
‫جَ‬‫َ‬

‫سِرِفي َ‬
‫ن‬ ‫طيُعوا َأْمَر اْلُم ْ‬
‫ن * َول ُت ِ‬
‫طيُعو ِ‬
‫ل َوَأ ِ‬‫وحكى القرآن نصيحة نبي ال صالح لقومه ثمود إذ قال لهم‪َ :‬فاّتُقوا ا َّ‬
‫ن ]الشعراء‪.[152،151،150:‬‬ ‫حو َ‬
‫صِل ُ‬
‫ض َول ُي ْ‬
‫ن ِفي اَْلْر ِ‬
‫سُدو َ‬
‫ن ُيْف ِ‬
‫* اّلِذي َ‬
‫وبهذا نرى أن من مبادئ القرآن وأهدافه‪ :‬أن يحرر القوام والشعوب من تسلط الفراعنة والجبابرة المتألهين‬
‫في الرض‪ ،‬وأن يرفع جباههم فل تسجد إل ل الذي خلقهم‪ ،‬ويعلي رؤوسهم فل تنحني إل له سبحانه‪ .‬فل يحكم‬
‫الناس ول يقودهم نمروذ ول فرعون‪ ،‬وإنما يقودهم رجل منهم‪ ،‬هم الذين يختارونه‪ ،‬وهم الذين يراقبونه‬
‫ويحاسبونه‪ ،‬وهم الذين يعزلونه ‪-‬عند انحرافه‪ -‬ويسقطونه‪ .‬كما قال أبو بكر الخليفة الول في أول خطبة له بعد‬
‫تولية الخلفة‪ :‬إن رأيتموني على حق فأعينوني‪ ،‬وإن رأيتموني على باطل فسّددوني‪ ،‬أطيعوني ما أطعت ال‬
‫فيكم‪ ،‬فإن عصيته فل طاعة لي عليكم]‪ [9‬اهـ‪.‬‬

‫‪ .2‬اتباع الجماعة والسواد العظم‪:‬‬

‫وهناك نصوص شرعية‪ ،‬وأحاديث نبوية‪ ،‬تأمر المسلمين أن يكونوا مع الجماعة‪ ،‬فيد ال مع الجماعة‪ ،‬وأن‬
‫يتبعوا السواد العظم]‪ ،[10‬أي جمهور الناس‪ ،‬وأن يهتموا برؤية المؤمنين للشياء والوقائع والشخاص‪ ،‬فإن‬
‫سوُلُه َواْلُمؤِْمُنو َ‬
‫ن‬ ‫عَمَلُكْم َوَر ُ‬
‫ل َ‬
‫سَيَرى ا ُّ‬
‫عَمُلوا َف َ‬
‫رؤيتهم معتبرة عند ال وعند الناس‪ ،‬كما قال ال تعالى‪َ :‬وُقِل ا ْ‬
‫]التوبة‪ ،[105:‬فجعل رؤيتهم للعمل مقارنة لرؤية ال ورسوله‪.‬‬

‫ن آَمُنوا ]غافر‪ ،[35:‬فجعل مقت الذين آمنوا وسخطهم بجوار‬
‫عْنَد اّلِذي َ‬
‫ل َو ِ‬
‫عْنَد ا ِّ‬
‫وقال في آية أخرى‪َ :‬كُبَر َمْقتًا ِ‬
‫مقت ال تعالى‪.‬‬

‫ولذا قال ابن مسعود رضي ال عنه‪ :‬ما رآه المسلمون حسنا‪ ،‬فهو عند ال حسن‪ ،‬وما رآه المسلمون قبيحا‪،‬‬
‫فهو عند ال قبيح]‪.[11‬‬

‫‪ .3‬عدم قبول صلة المام الذي يكرهه المأمومون‪:‬‬

‫ثبت عن رسول ال أنه قال‪" :‬ثلثة ل ترتفع صلتهم فوق رؤوسهم شبرا )وهذا كناية عن عدم قبولها عند‬
‫ال(‪ :‬رجل أّم قوما وهم له كارهون‪ ،‬وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط‪ ،‬وأخوان متصارمان"]‪.[12‬‬

‫س بغير ذلك‪ :‬يجب أن يتخلى‬
‫ومعنى هذا‪ :‬أن المام في الصلة يجب أن يكون ممن يحبهم المأمومون‪ ،‬وإذا أح ّ‬
‫عن هذه المامة‪ ،‬وإل ارتدت صلته عليه‪ ،‬أو بقيت معلقة ل تقبل عند ال‪.‬‬

‫فإذا كان هذا في المامة الصغرى‪ ،‬فكيف بالمامة الكبرى! إمامة المة في شؤونها كلها‪ ،‬التي تشمل دينها‬
‫ودنياها؟‬

‫وفي الحديث الصحيح‪" :‬خيار أئمتكم‪ :‬الذين تحبونهم ويحبونكم‪ ،‬ويصلون عليكم وتصلون عليهم )أي يدعون‬
‫لكم وتدعون لهم(‪ ،‬وشرار أئمتكم‪ :‬الذين تبغضونهم ويبغضونكم‪ ،‬وتلعنوهم ويلعنونكم"]‪ ،[13‬فأساس الصلة‬
‫بين الحاكم والمحكومين‪ :‬هو الثقة والمحبة المتبادلة بينهم‪ .‬ل التباغض ول التلعن‪ ،‬الملزم للحكم المستبد‬
‫الذي يقوم على القهر والجبروت‪.‬‬

‫وأحيل القارئ الكريم إلى أن يقرأ ما كتبته عن الديمقراطية وصلتها بالسلم في كتابي )من فقه الدولة في‬
‫السلم(]‪.[14‬‬
‫‪--------------------------------------------------------------------------------‬‬

‫]‪ - [1‬انظر‪ :‬كتابنا )دور القيم والخلق في القتصاد السلمي( نشر مكتبة وهبة بالقاهرة‪ ،‬ومؤسسة الرسالة‬
‫في بيروت‪.‬‬

‫غنم‪ ،‬وقال محققوه‪ :‬إسناده ضعيف لضعف شهر‬ ‫]‪ -[2‬رواه أحمد في المسند )‪ (17994‬عن عبد الرحمن بن َ‬
‫غنم عن النبي مرسل‪ ،‬والطبراني في الوسط )‪ (7/212‬عن البراء ابن‬‫ابن حوشب‪ ،‬وحديث عبد الرحمن بن َ‬
‫عازب‪ ،‬وقال الهيثمي في مجمع الزوائد‪ :‬رواه الطبراني في الوسط وفيه حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك وهو‬
‫متروك )‪.(9/38‬‬

‫]‪ -[3‬من عيوب الكثرية البرلمانية‪ :‬أنها قد ل تكون معّبرة عن أغلبية حقيقية‪ ،‬فقد ُتعرض قضية ُيطلب‬
‫التصويت عليها في المجلس‪ ،‬فإذا كان معها ‪ %51‬من الحاضرين‪ ،‬فقد رجحت وأقرت‪ .‬فإذا نظرنا إلى الواقع‪:‬‬
‫وجدنا الحزب صاحب الغلبية في البرلمان‪ ،‬قد صوت على مشروع القرار في الحزب‪ ،‬وقد اختلف العضاء‬
‫فيه‪ ،‬ولكن نجح القرار في الحزب بأغلبية ‪ ،%51‬ونظام الحزب يلزم أعضاءه جميعا ‪-‬الموافقين والمخالفين‪-‬‬
‫بالتصويت في المجلس مع أغلبية الحزب‪ .‬ومعنى هذا في النهاية‪ :‬أن المصوتين الحقيقيين ل يزيدون عن الربع‬
‫كثيرا‪ ،‬فإذا أدخلنا اعتبار الغائبين‪ ،‬كانت النسبة أقل وأقل‪ ،‬فإذا تصورنا أن النواب أنفسهم فازوا بنسبة ‪%51‬‬
‫من مجموع الناخبين‪ ،‬وربما كانوا ‪ %30‬أو أقل‪ :‬عرفنا قيمة التمثيل الحقيقي للشعب‪ .‬ومع هذا ل يوجد بديل‬
‫أدنى إلى القبول من هذا!‬

‫]‪ -[4‬انظر‪ :‬فصل )السلم والديمقراطية( من كتابنا )من فقه الدولة في السلم( صـ ‪ 146 -130‬طبعة دار‬
‫الشروق‪ .‬القاهرة‪.‬‬

‫]‪ -[5‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫]‪ -[6‬سبق تخريجه‪.‬‬

‫]‪ -[7‬انظر‪ :‬مستقبل الثقافة في مصرلطه حسين صـ ‪ 54‬طبعة دار الكتاب اللبناني‪ .‬بيروت‪.‬‬

‫]‪ -[8‬تفسير القرطبي )‪ (4/249‬طبعة دار الكتب المصرية‪ ،‬وانظر‪ :‬المحرر الوجيز لبن عطية الندلسي )‬
‫‪.(1/534‬‬

‫]‪ -[9‬جزء من خطبة أبي بكر سبق تخريجها‪.‬‬

‫]‪ - [10‬انظر‪ :‬كتابنا) من فقه الدولة في السلم(‪.‬‬

‫]‪ -[11‬رواه أحمد في المسند )‪ (3600‬عن ابن مسعود موقوفا‪ ،‬وقال محققوه‪ :‬إسناده حسن‪ ،‬والطيالسي في‬
‫المسند )‪ ،(1/33‬والبزار في المسند )‪ ،(5/212‬والطبراني في الكبير )‪ ،(9/112‬والحاكم في المستدرك كتاب‬
‫معرفة الصحابة )‪ ،(3/83‬وقال‪ :‬هذا حديث صحيح السناد ولم يخرجاه‪ ،‬وقال الهيثمي في مجمع الزوائد‪ :‬رواه‬
‫أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون )‪.(1/428‬‬

‫]‪ -[12‬رواه ابن ماجه في إقامة الصلة والسنة فيها )‪ (971‬عن ابن عباس‪ ،‬وابن حبان في صحيحه كتاب‬
‫الصلة )‪ (5/53‬وقال الرناؤوط‪ :‬إسناده حسن‪ ،‬والطبراني في الكبير )‪.(11/449‬‬

‫]‪ -[13‬رواه مسلم في المارة )‪ (1855‬عن عوف بن مالك‪ ،‬وأحمد في المسند )‪.(23981‬‬

‫]‪ -[14‬نشر دار الشروق بالقاهرة‪.‬‬

‫الدولة السلمية وحقوق القليات‬

‫الفصل الخامس‬

‫الدولة السلمية وحقوق القليات‬

‫جور على حقوق‬
‫ومما يذكره هنا الحداثيون والعلمانيون‪ :‬أن الدولة السلمية حين تقوم‪ ،‬يترتب على قيامها ال َ‬
‫القليات الّدينية )المسيحية خاصة( بسبب طبيعتها السلمية‪ .‬وذلك يتجلى في عدة صور‪:‬‬

‫اعتبار هؤلء القليات من )أهل الذمة( وهذا يعني تهميشهم في المجتمع‪ ،‬والنظر إليهم نظرة دونية‪.‬‬ ‫‪.1‬‬

‫ن ]التوبة‪.[29:‬‬
‫غُرو َ‬
‫صا ِ‬
‫ن َيٍد َوُهْم َ‬
‫عْ‬‫جْزَيَة َ‬
‫طوا اْل ِ‬
‫حّتى ُيْع ُ‬
‫فرض الجزية عليهم كما أمر القرآن‪َ :‬‬ ‫‪.2‬‬

‫فرض أحكام وقوانين دينية عليهم‪ ،‬مما توجبه الشريعة السلمية التي ل يؤمنون بها‪.‬‬ ‫‪.3‬‬
‫حرمانهم من وظائف معينة‪ ،‬مباحة للمسلمين‪ ،‬محرمة عليهم‪.‬‬ ‫‪.4‬‬

‫ومن الضروري هنا‪ :‬أن نناقش هذه الدعاوى‪ ،‬ونرد عليها واحدة واحدة‪ ،‬بالدلة الشرعية المستقاة من المنابع‬
‫الصافية‪ ،‬المؤيدة بالمنطق العلمي السليم‪.‬‬

‫‪ .1‬مسألة أهل الذمة‪:‬‬

‫أما مسألة )أهل الذمة( فالذمة معناها‪ :‬الضمان والعهد‪ ،‬أي أنهم في ضمان ال ورسوله وجماعة المسلمين‬
‫وعهدهم‪ ،‬ل يجوز دينا إخفار ذمتهم‪ ،‬أو نقض عهدهم المؤبد‪ ،‬الذي يصون حرماتهم‪ ،‬ويحفظ دينهم وأنفسهم‬
‫وأعراضهم وأموالهم‪ .‬والصل في ذلك هو القاعدة التي يتناقلها المسلمون خاصتهم وعامتهم‪ :‬لهم ما لنا‬
‫وعليهم ما علينا‪.‬‬

‫ومع هذا‪ ،‬إن كان هذا المصطلح )أهل الذمة( يعطي انطباعا غير حسن عند إخواننا المسيحيين ويستاؤون منه‪،‬‬
‫فإن ال لم يتعبدنا به‪ ،‬ويمكننا أن نستبدل به مصطلح )المواطنة( و)المواطنين(‪ .‬ومما يؤيد ذلك‪ :‬أن فقهاء‬
‫الشريعة في جميع المذاهب‪ ،‬اعتبروا أهل الذمة من )أهل دار السلم( ومعنى )أهل الدار(‪ :‬أي أهل الوطن‪،‬‬
‫بمعنى أنهم مواطنون مشتركون مع المسلمين في المواطنة‪.‬‬

‫‪ .2‬مسألة الجزية‪:‬‬

‫ن ]التوبة‪ ،[29:‬ومعنى‬
‫غُرو َ‬
‫صا ِ‬
‫ن َيٍد َوُهْم َ‬
‫عْ‬‫جْزَيَة َ‬
‫طوا اْل ِ‬
‫حّتى ُيْع ُ‬
‫وأما مسألة )الجزية( فقد كانت غاية للقتال‪َ :‬‬
‫الصغار هنا‪ :‬خضوعهم لدولة السلم‪ ،‬ودللة ذلك‪ :‬دفع هذا المبلغ الزهيد الذي يعبر عن إذعانهم لسلطان‬
‫الدولة‪ .‬وفي مقابله تقوم الدولة بحمايتهم والدفاع عنهم‪ ،‬والكفالة المعيشية للعاجزين منهم‪ ،‬كما فعل سيدنا‬
‫عمر حين فرض ليهودي محتاج‪ ،‬ما يكفيه وعياله من بيت مال المسلمين]‪.[1‬‬

‫وقد كانت هذه الجزية بدل من فريضة الجهاد‪ ،‬وهي فريضة دينية تعبدية‪ ،‬فلم ُيِرد السلم ‪-‬لفرط حساسيته‪ -‬أن‬
‫يفرض على غير المسلمين ما يعتبره المسلمون عبادة وقربة دينية‪ ،‬بل أعظم القربات عند ال‪.‬‬

‫ولقد طلبت قبيلة )تغلب( العربية الكبيرة من أمير المؤمنين عمر‪ :‬أن يسقط عنهم )الجزية( لنهم قوم عرب‬
‫يأنفون من قبول كلمة )جزية( وليأخذ منهم ما يشاء باسم الزكاة أو الصدقة‪ ،‬وقد تردد في أول المر‪ ،‬ثم َقِبل‬
‫ذلك؛ لن المقصود أن يدفعوا للدولة ما يثبت ولءهم ومشاركتهم لها في العباء‪ .‬ومن هنا رأى أن العبرة‬
‫بالمسميات والمضامين‪ ،‬ل بالسماء والعناوين‪.‬‬

‫عَمري يجب اعتماده في هذه القضية وفي أمثالها‪ .‬وهو ما جعله رضي ال عنه‪ ،‬يغض الطرف عن‬‫وهو اجتهاد ُ‬
‫هذا المصطلح الذي جاء في القرآن‪ ،‬ما دام قد حقق المقصود منه‪ ،‬فكيف بمصطلحات لم تجئ في قرآن ول‬
‫سنة؟!‬

‫وقد قّرر الفقهاء أن الذمي إذا شارك في الدفاع ومحاربة العداء سقطت عنه الجزية‪.‬‬

‫واليوم بعد أن أصبح التجنيد الجباري مفروضا على كل المواطنين ‪-‬مسلمين وغير مسلمين‪ -‬لم يعد هناك مجال‬
‫لدفع أي مال‪ ،‬ل باسم جزية‪ ،‬ول غيرها‪.‬‬

‫‪ .3‬فرض القوانين الّدينية‪:‬‬

‫وأما ما يقال عن فرض الحكام والقوانين الّدينية على غير المسلمين في المجتمعات السلمية‪ ،‬فهذا يحتاج إلى‬
‫بيان‪.‬‬

‫أول‪ :‬أن الحكام والقوانين الّدينية ل تفرض أبدا على غير المسلمين‪ ،‬فل تفرض عليهم الحكام المتعّلقة‬
‫بالعبادات والفرائض الّدينية من الصلة والصيام والزكاة والحج وغيرها‪.‬‬
‫حتى الزكاة لم يفرضها عليهم‪ ،‬لن فيها معنى العبادة‪ ،‬ومعنى الحق المالي‪ ،‬فراعى جانب العبادة فيها‪ ،‬ولم‬
‫يفرضها عليهم‪ ،‬احتياطا في رعاية شعورهم‪.‬‬

‫وإن كان لي رأي في الموضوع‪ :‬أنه ل مانع من أن تفرض عليهم ضريبة مساوية للزكاة‪ ،‬تسمى )ضريبة‬
‫التكافل( توحيدا للمعاملة المالية بين أبناء الوطن الواحد‪ .‬وقد وضحت ذلك بأدلته في كتابي فقه الزكاة]‪.[2‬‬

‫ومما يلحق بالقوانين الّدينية‪ :‬القوانين الخاصة بالحوال الشخصية من الزواج والطلق والمواريث وغيرها‪،‬‬
‫فهذه تعامل معاملة المور الّدينية الخالصة‪ ،‬ونترك لهم حرية تنظيمها وتقنينها بما يتناسب وعقائدهم‪ .‬وقد‬
‫أمرنا أن نتركهم وما يدينون‪.‬‬

‫ومما سجله التاريخ السلمي‪ :‬أن المسيحين كانت لهم محاكمهم الخاصة‪ ،‬وفيها قضاة منهم‪ ،‬تفصل بينهم وفقا‬
‫لحكام ملتهم‪.‬‬

‫أما القوانين المدنية والجنائية وغيرها‪ ،‬فيجري عليهم فيها ما يجري على المسلمين‪ ،‬تسوية بين أهل البلد‬
‫الواحد‪ .‬والحكم هنا يدور مع الكثرية‪ ،‬كما تقضي بذلك مبادئ الديمقراطية‪ ،‬بشرط أن ل تجور الكثرية على‬
‫حقوق القلية‪.‬‬

‫وأعتقد أن رجوع المسيحيين إلى قوانين الكثرية المسلمة‪ :‬ل يتعارض مع أي معتقد عندهم‪ ،‬وخصوصا أن‬
‫المسيحية ل تحتوي على تشريعات ملزمة لهم‪ ،‬ويستوي عندهم أن يكون القانون الذي يحكمهم‪ :‬قانون نابليون‬
‫أو قانون محمد‪.‬‬

‫بل أرى أن قانون محمد في الواقع‪ :‬أقرب إليهم من قانون نابليون لمرين‪:‬‬

‫الول‪ :‬أن قانون محمد قانون يراعي القيم الخلقية‪ ،‬والمثل العليا‪ ،‬التي جاء بها رسل ال جميعا‪ ،‬وحرصت‬
‫عليها كل رسالت السماء‪ ،‬ومنها رسالة المسيح‪ .‬بخلف قانون نابليون الذي تغلب عليه النزعة النفعية‬
‫والمادية والدنيوية‪.‬‬

‫والثاني‪ :‬أن قانون محمد أو قانون المسلمين قانون نابع من المنطقة نفسها‪ ،‬معبر عنها وعن حاجاتها‬
‫ومطالبها‪ ،‬معالج لمشكلتها‪ ،‬فهو منها وإليها‪ .‬بخلف قانون نابليون المستورد من خارج المنطقة‪ ،‬ول صلة له‬
‫بثقافتها ول بحضارتها‪ ،‬ول بمفاهيمها ول بتقاليدها‪.‬‬

‫وأخيرا أقول‪ :‬إن مصلحة غير المسلمين‪ :‬أن يحتكم المسلمون إلى شريعتهم التي تتجلى فيها طاعتهم لربهم‪،‬‬
‫وإذعانهم لحكمه‪ .‬فهذا أدعى أن يرعوا فيها حقوق الناس وحدود ال تعالى‪.‬‬

‫وبهذا يأخذ غير المسلمين أحكام الشريعة على أنها قانون عادي‪ ،‬ويأخذها المسلمون على أنها تنفيذ لشرع ال‪،‬‬
‫وامتثال لمر ال‪ ،‬وفي هذا من الخير ما فيه‪.‬‬

‫هذا مع ملحظة‪ :‬أن بعض القوانين الجنائية المفروضة على المسلمين‪ ،‬ل تفرض على غيرهم‪ ،‬مثل عقوبة‬
‫شرب الخمر‪ ،‬لنها غير محرمة في دينهم‪ .‬وهناك خلف في تطبيق بعض الحدود على غير المسلمين‪ .‬وأنا أرى‬
‫هنا‪ :‬الخذ باليسر والوسع في هذا المجال‪.‬‬

‫‪ .4‬الحرمان من الوظائف‪:‬‬

‫وأما حرمان القلية الّدينية من وظائف الدولة‪ ،‬فنود أن نبين هنا‪ :‬أن وظائف الدولة أنواع ومستويات‪.‬‬

‫فمنها‪ :‬وظائف لها طابع ديني ل يفكر المسيحي ول اليهودي أن يكون له حظ فيها‪ ،‬مثل وظائف المامة‬
‫والخطابة والذان وخدمة المسجد‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬

‫ومثل ذلك‪ :‬الوظائف المتعّلقة بأركان السلم الخرى‪ ،‬مثل‪ :‬الزكاة والحج وغيرها‪ .‬وإن كان هناك من الفقهاء‬
‫من أجاز للذمي أن يكون من )العاملين( على الزكاة‪ ،‬ويأخذ أجرته منها‪ ،‬وهذا قمة في التسامح‪.‬‬
‫وهناك وظائف تحتاج إلى تخصص في الشريعة وفقهها‪ ،‬مثل )القضاء( فلهذا اشترط الفقهاء فيما مضى‪ :‬أن‬
‫يكون القاضي مسلما‪ ،‬إْذ ل بد له أن يكون عالما بالقرآن والسنة‪ ،‬عالما بالفقه وأصوله‪ .‬وهذا مما يتعسر ‪-‬إن لم‬
‫يتعذر‪ -‬على غير المسلم‪.‬‬

‫وقد يتغير الجتهاد في عصرنا الذي أصبح فيه القضاء جماعيا‪ ،‬وغدت فيه المحكمة تتكون من عدة قضاة‪،‬‬
‫وهنا يمكن أن يقال‪ :‬ل مانع من أن يكون بعض القضاة من غير المسلمين‪ ،‬إذا َمَلك من المؤهلت ما يمّكنه من‬
‫هذا‪.‬‬

‫على أن يترك القضاء في الحوال الشخصية للقضاة المسلمين‪ ،‬لما ذكرنا‪ :‬أن هذه الحوال لصيقة بالجانب‬
‫الّديني‪ ،‬ولهذا قلنا‪ :‬يجب أن تكون لغير المسلمين فيها محاكمهم الخاصة‪.‬‬

‫وقد تثار هنا قضية رئاسة الدولة‪ ،‬وهل تحرم منها القلية؟‬

‫والواقع أن الدولة في السلم‪ :‬دولة عقائدية‪ ،‬دولة فكرة ورسالة‪ ،‬وهي موصولة بالّدين‪ ،‬غير منفصلة عنه‪.‬‬
‫ومن أول مسؤولياتها‪ :‬التمكين لدين ال‪ ،‬والذود عنه‪ ،‬ورئاسة الدولة في السلم لها اختصاصات ذات علقة‬
‫بالشأن الّديني‪ ،‬وبعضها ل يجوز أن يقوم به إل مسلم‪ ،‬مثل إمامة الناس في الصلة‪ ،‬فالمام أو الحاكم المسلم‬
‫هو إمام الناس في الصلة‪ ،‬وقائدهم في المواجهة‪ ،‬وقاضيهم في الخصومات‪ ،‬والنائب عن رسول ال في‬
‫حراسة الّدين وسياسة الدنيا به‪ ،‬كما قال العلماء‪ .‬فهو المسؤول الول عن حمل السلم‪ :‬عقيدة وشريعة‪ ،‬عبادة‬
‫ض َأَقاُموا‬
‫ن َمّكّناُهْم ِفي اَْلْر ِ‬
‫ن ِإ ْ‬
‫ومعاملة‪ ،‬دعوة ودولة‪ ،‬قرآنا وسلطانا‪ ،‬دينا ودنيا‪ .‬كما قال ال تعالى‪ :‬اّلِذي َ‬
‫ن اْلُمْنَكِر ]الحج‪ ،[41:‬فجعل أول أعمال الممكنين في الرض‪:‬‬ ‫عِ‬‫ف َوَنَهْوا َ‬
‫صلَة َوآَتُوا الّزَكاَة َوَأَمُروا ِباْلَمْعُرو ِ‬
‫ال ّ‬
‫إقامة الصلة‪ ،‬وإيتاء الزكاة‪ ،‬وهذا شأن المسلمين‪.‬‬

‫ول مانع من أن يكون أحد نائبي الرئيس أو نوابه من غير المسلمين‪ ،‬وخصوصا إذا كانت القلية غير المسلمة‬
‫كبيرة‪ ،‬كما هو حاصل في السودان اليوم‪.‬‬

‫وما عدا هذا المنصب الحساس‪ ،‬فالمجال مفتوح لغير المسلمين في كل ما يحصلون شروطه‪ ،‬ويمتلكون‬
‫مؤهلته‪ .‬ومن ذلك منصب )الوزارة( كما ذكر المامان‪ :‬أبو الحسن الماوردي‪ ،‬وأبو يعلى الفّراء في )الحكام‬
‫السلطانية( من تولي أهل الذمة )وزارة التنفيذ(‪ .‬وهناك بعض الوزارات لها حساسيات واعتبارات معّينة‪ ،‬مثل‪:‬‬
‫وزارة الدفاع‪ ،‬ووزارة الداخلية‪.‬‬

‫المهم هنا هو توافر الثقة بين الجميع‪ ،‬فإذا توافرت‪ ،‬وشاع جو الخوة والتسامح بين أبناء الشعب الواحد‪:‬‬
‫انحلت كل المشكلت‪.‬‬

‫وقد رأيت الستاذ فارس الخوري المسيحي السوري‪ ،‬يرأس مجلس وزراء سوريا فترة من الزمن‪ ،‬وكان من‬
‫ض عنه‪.‬‬
‫أفضل رؤساء الوزارات‪ ،‬وكان الوزراء المسلمون على تعاون كامل معه‪ ،‬وكان جمهور المسلمين را ٍ‬
‫وكان من أكثر الناس إيمانا بوجوب تطبيق الشريعة السلمية‪ ،‬وأنها وحدها القادرة على حّل مشكلت العصر‪،‬‬
‫وقطع دابر الجرائم‪ ،‬وقد نقلت بعض أقواله في كتابي )بينات الحل السلمي وشبهات العلمانيين والمتغربين(]‬
‫‪.[3‬‬

‫‪--------------------------------------------------------------------------------‬‬

‫]‪ -[1‬انظر‪ :‬كتابنا )غير المسلمين في المجتمع السلمي( صـ ‪ 51‬طبعة مكتبة وهبة‪ .‬القاهرة‪ ،‬والثرذكره أبو‬
‫يوسف في الخراج صـ ‪.26‬‬

‫]‪ -[2‬انظر‪ :‬كتابنا )فقه الزكاة( جـ ‪ 1‬صـ ‪ 116‬طبعة مكتبة وهبة‪ .‬القاهرة‪.‬‬

‫]‪ -[3‬صـ ‪ 145 – 241‬طبعة مكتبة وهبة بالقاهرة‪ ،‬ومؤسسة الرسالة ببيروت‬
‫الدولة السلمية وحقوق النسان‬

‫الفصل السادس‬

‫الدولة السلمية وحقوق النسان‬

‫ومما أثاره الحداثيون والعلمانيون من يمينيين ويساريين‪ :‬اّدعاؤهم أن قيام الدولة السلمية التي تحكم‬
‫بالشريعة السلمية يتعارض مع ميثاق حقوق النسان‪ ،‬الذي صدر عن المم المتحدة‪ ،‬وتلّقاه العالم بالَقبول‪.‬‬

‫فهم يرون حكم الشريعة السلمية يتعارض مع حقوق النسان في عدة مجالت‪:‬‬

‫‪ .1‬منها‪ :‬مجال الحرية الّدينية‪ ،‬التي تفرض على من دخل في السلم‪ :‬أل يخرج منه‪ ،‬وإل كانت عقوبته القتل‬
‫على جريمة الّرّدة عن السلم‪.‬‬

‫‪ .2‬ومنها‪ :‬مجال حقوق المرأة‪ ،‬التي يجعلها السلم ‪-‬فيما زعموا‪ -‬في مرتبة دون مرتبة الرجال‪ ،‬ومن ذلك‪:‬‬
‫أنها ل تتزوج إل بإذن وليها‪ ،‬وأنها إذا تزوجت كان الرجل قواما عليها‪ ،‬وكان الطلق بيده‪ ،‬وإذا ورثت كان‬
‫ن ]النساء‪ ،[11:‬ولهذا توقف عدد من الدول السلمية في قبول‬ ‫ظ اُْلْنَثَيْي ِ‬
‫حّ‬‫نصيبها كما قال القرآن‪ِ :‬للّذَكِر ِمْثُل َ‬
‫اتفاقية إزالة كافة أشكال التمييز ضد المرأة‪.‬‬

‫‪ .3‬ومنها‪ :‬مجال حقوق الشواذ والعراة والباحيين‪ ،‬التي تتعارض مع أحكام الشريعة في تحريم الزواج‬
‫المثلي‪ ،‬وتحريم اللواط والسحاق‪ ،‬وتحريم الزنى‪ ،‬والتبرج والخلعة‪.‬‬

‫‪ .4‬ومنها‪ :‬مجال حقوق القليات الّدينية‪ ،‬وقد أفردناها بالحديث‪.‬‬

‫عناية السلم بحقوق النسان‪:‬‬

‫عني بالنسان‪ ،‬وقّرر أن ال كرمه‪َ :‬وَلَقْد َكّرْمَنا َبِني آَدَم‬‫ويهمنا أن نبين في هذا المقام أنه ل يوجد دين كالسلم ُ‬
‫]السراء‪ ،[70:‬وأنه جعله في الرض خليفة‪ ،‬وأنه سخر له ما في السماوات وما في الرض جميعا منه‪،‬‬
‫وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة‪ ،‬وأنه خلقه في أحسن تقويم‪ ،‬وعلمه البيان‪ ،‬ومنحه العقل والرادة‪ ،‬وأنزل له‬
‫الكتب‪ ،‬وبعث له الرسل‪ .‬كل هذا من كرامته على ال سبحانه‪.‬‬

‫عني السلم بحقوق النسان التي جعلها في معظم الحيان فرائض وواجبات‪ ،‬إذ الحق يجوز للنسان أن‬ ‫كما ُ‬
‫يتنازل عنه‪ ،‬أما الفرض والواجب اللزم‪ ،‬فل يجوز فيه ذلك‪.‬‬

‫حّكام ‪ ...‬حقوق‬
‫وبخاصة حقوق الضعفاء لدى القوياء‪ :‬حقوق الفرد لدى المجتمع ‪ ...‬حقوق الشعوب لدى ال ُ‬
‫لك ‪ ...‬حقوق العمال لدى أرباب العمل ‪ ...‬حقوق النساء لدى‬
‫جَراء لدى الُم ّ‬
‫الفقراء لدى الغنياء ‪ ...‬حقوق اُل َ‬
‫الرجال ‪ ...‬حقوق الطفال لدى الباء والمهات ‪ ...‬حتى حقوق الحيوان لدى النسان!‬

‫ونّوع هذه الحقوق بين مادي وعقلي‪ ،‬وفردي وجماعي‪ ،‬وآني ومستقبلي‪ ،‬وجعل من ضمير كل إنسان حارسا‬
‫على حقوقه‪ ،‬يطالب بها‪ ،‬ويدافع عنها‪ ،‬ويتعاون مع غيره في الذود عنها‪ .‬ويهاجر من الرض التي تضيع فيها‪،‬‬
‫ول يجد له وليا ول نصيرا‪.‬‬

‫ولقد كتب الكثيرون في موضوع حقوق النسان‪ ،‬وُأّلفت فيه كتب]‪ ،[1‬وُقدمت فيه أو في بعضه رسائل جامعية‬
‫للماجستير والدكتوراه‪ ،‬وُأشبع بحثا ودراسة‪.‬‬

‫ولكني أكتفي هنا بخلصة ذكرتها في كتابي )الثقافة العربية والسلمية بين الصالة والمعاصرة(]‪.[2‬‬
‫وهذه الخلصة مقتبسة من كتاب الستاذ الدكتور محمد فتحي عثمان بعنوان )حقوق النسان بين الشريعة‬
‫السلمية والفكر القانوني الغربي(‪ .‬وهي خلصة علمية موّثقة بالدلة الشرعية والتاريخية المستقاة من‬
‫مصادرها الصيلة‪.‬‬

‫)وفيها بّين أن تقرير حقوق النسان في السلم‪ ،‬استوعب التجاهات الوضعية كلها قديما وحديثا وتفّوق‬
‫عليها‪ ،‬مؤكدا ما يلي‪:‬‬

‫أن تقرير حقوق النسان في السلم قد شمل الحقوق الشخصية الذاتية والفكرية والسياسية والقانونية‬ ‫‪.1‬‬
‫والجتماعية والقتصادية‪ ،‬وأّكد الحريات العامة المتنوعة والمساواة‪.‬‬

‫‪ .2‬وقد شمل تقرير حقوق النسان في السلم‪ :‬الرجال والنساء اللئي هن "شقائق الرجال"]‪ ،[3‬كما ورد‬
‫في الحديث‪ ،‬والطفال وهم )الذرية الضعاف( الذين تمتعوا بالرعاية الشرعية من جانب كل المؤسسات القائمة‬
‫في المجتمع السلمي‪ :‬السرة والجماعة والدولة‪.‬‬

‫‪ .3‬كما شمل تقرير حقوق النسان في السلم‪ :‬المسلمين وغير المسلمين في داخل دولة السلم وخارجها‪،‬‬
‫جوُكْم ِمنْ ِدَياِرُكْم‬
‫خِر ُ‬
‫ن َوَلْم ُي ْ‬
‫ن َلْم يَُقاِتُلوُكْم ِفي الّدي ِ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫عِ‬‫ل َ‬
‫لن )البر( في السلم إنساني وعالمي‪ :‬ل َيْنَهاُكُم ا ُّ‬
‫ن ]الممتحنة‪.[8:‬‬ ‫طي َ‬‫سِ‬ ‫ب اْلُمْق ِ‬
‫ح ّ‬
‫ل ُي ِ‬
‫ن ا َّ‬
‫طوا ِإَلْيِهْم ِإ ّ‬
‫سُ‬
‫ن َتَبّروُهْم َوُتْق ِ‬
‫َأ ْ‬

‫‪ .4‬وحقوق النسان الشاملة في السلم هي في ضمان الفرد والجماعة والدولة على السواء‪ ،‬لن )المر‬
‫ض َيْأُمُرو َ‬
‫ن‬ ‫ضُهْم َأْوِلَياُء َبْع ٍ‬
‫ت َبْع ُ‬
‫ن َواْلُمْؤِمَنا ُ‬
‫بالمعروف والنهي عن المنكر( هو واجب هؤلء جميعا‪َ :‬واْلُمْؤِمُنو َ‬
‫سوَلُه ]التوبة‪.[71:‬‬ ‫ل َوَر ُ‬‫ن ا َّ‬‫طيُعو َ‬ ‫ن الّزَكاَة َوُي ِ‬
‫صلَة َوُيْؤُتو َ‬
‫ن ال ّ‬
‫ن اْلُمْنَكِر َوُيِقيُمو َ‬
‫عِ‬‫ن َ‬
‫ف َوَيْنَهْو َ‬
‫ِباْلَمْعُرو ِ‬

‫‪ .5‬ومما يتجلى فيه تفّوق حكم ال على وضع البشر بالنسبة لتقرير حقوق النسان وحرياته العامة‪ :‬أن‬
‫تقرير الحقوق في السلم يستند إلى )عقيدة اليمان(‪ ،‬وهي في عمقها وشمولها ودوامها ل تقارن بفكرة‬
‫)القانون الطبيعي( أو )العدالة( أو )العقد الجتماعي( أو )المذهب الفردي( ‪ ...‬إلخ‪ .‬فـ)ال( مصدر تقرير الحقوق‬
‫في دين السلم‪ ،‬حقيقة ثابتة‪ ،‬ل مجرد افتراض غامض‪ ،‬والعقيدة في ال ترتكز إلى أصولها في الفكر والنفس‪،‬‬
‫ولها آثارها الواسعة الشاملة المستمرة في سلوك الفرد والجماعة والدولة‪.‬‬

‫‪ .6‬إن استناد تقرير الحق إلى ال عز وجل وشريعته يؤدي إلى اقتران الحق بالواجب‪ ،‬واقتران حق الفرد‬
‫بحق الجماعة‪ ،‬واقتران الحقوق الفكرية والسياسية بالحقوق الجتماعية والقتصادية‪ .‬فكل ما هو حق للفرد هو‬
‫واجب على غيره‪ :‬سواء أكان الغير فردا آخر أم الجماعة أم الدولة‪ ،‬وهكذا ل مجال في المجتمع السلمي‬
‫للنانية والفردية‪ ،‬ففي الحديث‪" :‬ل يؤمن أحدكم حتى يحب لخيه ما يحب لنفسه"]‪" ،[4‬ل ترجعوا بعدي كفارا‬
‫خَوٌة‬
‫ن ِإ ْ‬
‫يضرب بعضكم رقاب بعض"]‪ ،[5‬والقرآن يعّبر في جلء أن الخوة ثمرة اليمان الصحيح‪ِ :‬إّنَما اْلُمْؤِمُنو َ‬
‫خَوْيُكْم ]الحجرات‪.[10:‬‬
‫ن َأ َ‬
‫حوا َبْي َ‬
‫صِل ُ‬
‫َفَأ ْ‬

‫‪ .7‬بل إن تقرير حقوق النسان من ِقَبل خالق النسان عز وجل قد جعل إحقاق الحق واجًبا على صاحب‬
‫الحق نفسه‪ ،‬كما هو واجب على الذي عليه الحق‪ ،‬فعلى صاحب الحق أن يطالب به ويحرص عليه‪ ،‬ويناضل‬
‫ل أو باغًيا أو غاصًبا‪ .‬ففي الحديث‪َ" :‬من ُقتل دون دمه فهو شهيد‪ ،‬وَمن ُقتل دون‬ ‫لجله إن كان المانع مماط ً‬
‫عرضه فهو شهيد‪ ،‬وَمن ُقتل دون ماله فهو شهيد"]‪ ،[6‬والمؤمنون أفرادا وجماعة ودولة في أي مكان‬
‫خَرى َفَقاِتُلوا اّلِتي َتْبِغي‬
‫عَلى اُْل ْ‬
‫حَداُهَما َ‬
‫ت ِإ ْ‬
‫ن َبَغ ْ‬
‫مأمورون بمظاهرة صاحب الحق في طلبه والنضال لجله‪َ :‬فِإ ْ‬
‫س إنسانيته وفكره‬ ‫ل ]الحجرات‪ .[9:‬والمؤمن مأمور أّل يفرط في حقوقه‪ ،‬وبخاصة ما يم ّ‬ ‫حّتى َتِفيَء ِإَلى َأْمِر ا ِّ‬
‫َ‬
‫واعتقاده‪ ،‬حتى ولو اضطر إلى ترك الرض التي عاش فيها وارتبط بها وَأِلفها‪.‬‬

‫وهكذا تكون الهجرة أو )اللتجاء( بالصطلح القانوني المعاصر واجبا على المضطهد وليست حًقا فحسب‪ .‬كما‬
‫أن من واجبه النضال والجهاد حيثما كان‪.‬‬

‫‪ .8‬والمر بالمعروف والنهي عن المنكر في شريعة السلم يعني إحقاق الحق ومقاومة البغي‪ ،‬وهو التزام‬
‫فّذ يفرضه السلم على الفرد والجماعة والدولة‪ ،‬وهو واجب ديني شرعي يرتكز إلى العقيدة‪ ،‬ويتغلغل إلى‬
‫أعماق ضمير المؤمن‪ ،‬وهو مقرون باليمان نفسه في عدد من آيات القرآن‪.‬‬
‫صل إليه التفكير والتجربة من‬
‫‪ .9‬وإن السلم ليرتضي في مجال الجتهاد والسياسة الشرعية كل ما يتو ّ‬
‫إجراءات محكمة مخلصة ناجعة‪ ،‬لضمان حقوق النسان ومنع المساس بها والعتداء عليها‪ .‬وفي حدود ما ورد‬
‫من نصوص القرآن والسنة وما وقع في تاريخ السلم‪ ،‬يمكن القول بوجود الضمانات التالية‪:‬‬

‫واجب المر بالمعروف والنهي عن المنكر الُملَقى على عاتق الفرد والجماعة والدولة في السلم‪،‬‬ ‫‌أ‪.‬‬
‫والذي يعني حراسة هؤلء جميعا للحق في مختلف صوره ومدافعتهم للبغي في مختلف صوره‪ .‬ومن الوسائل‬
‫التي عرفها تاريخ السلم في هذا الصدد وظيفة الُمحَتسب بالنسبة للحكومة‪ ،‬ودعوى الحسبة بالنسبة للفراد‪،‬‬
‫ويمكن إدخال مراقبة رعاية حقوق النسان في نطاق كليهما‪.‬‬

‫‌ب‪ .‬كذلك من اختصاص والي المظالم ‪-‬وهو اختصاص القاضي قبل ذلك وعندما ل يوجد مثل هذا المنصب‪-‬‬
‫النظر في تعدي الولة على الرعية وأخذهم بالعسف في السيرة‪ .‬فهذا من لوازم النظر في المظالم التي ل تقف‬
‫حا‪ ،‬وعن أحوالهم مستكشًفا‪ ،‬ليقويهم إن أنصفوا‪ ،‬ويكّفهم إن‬
‫على ظلمة متظلم‪ ،‬فيكون لسيرة الولة متصف ً‬
‫عسفوا‪ ،‬ويستبدل بهم إن لم ينصفوا‪.‬‬

‫عُتْم‬
‫ن َتَناَز ْ‬
‫ول مانع أن يقوم قضاء داخل الدولة السلمية على أعلى مستوى لحماية حقوق النسان‪َ :‬فِإ ْ‬ ‫‌ج‪.‬‬
‫سوِل ]النساء‪.[59:‬‬
‫ل َوالّر ُ‬
‫يٍء َفُرّدوُه ِإَلى ا ِّ‬
‫ش ْ‬
‫ِفي َ‬

‫ومن الجراءات المعروفة في شريعة السلم وتاريخه )التحكيم( لمحاولة الصلح بين طرفي النزاع‪،‬‬ ‫‌د‪.‬‬
‫سواء أكان ذلك على المستوى الداخلي أو العالمي‪ .‬والنص صريح في مجال السرة‪ ،‬ول مانع من تعديته إلى‬
‫ن َأْهِلِه‬
‫حَكمًا ِم ْ‬
‫ق َبْيِنِهَما َفاْبَعُثوا َ‬
‫شَقا َ‬
‫خْفُتْم ِ‬
‫ن ِ‬
‫الجماعة داخل الدولة والجماعة النسانية الدولية‪ ،‬يقول تعالى‪َ :‬وِإ ْ‬
‫ل َبْيَنُهَما ]النساء‪.[35:‬‬
‫ق ا ُّ‬
‫صلحًا ُيَوّف ِ‬
‫ن ُيِريَدا ِإ ْ‬
‫ن َأْهِلَها ِإ ْ‬
‫حَكمًا ِم ْ‬
‫َو َ‬

‫والسلم يشرع الجهاد لحماية حقوق النسان‪ ،‬ومنع استضعافه‪ ،‬والبغي على ذاته وحقوقه‪ :‬وََما َلُكْم ل‬ ‫‌ه‪.‬‬
‫ن َهِذِه اْلَقْرَيِة‬
‫جَنا ِم ْ‬
‫خِر ْ‬
‫ن َرّبَنا َأ ْ‬
‫ن َيُقوُلو َ‬
‫ن اّلِذي َ‬
‫ساِء َواْلِوْلَدا ِ‬
‫جاِل َوالّن َ‬
‫ن الّر َ‬
‫ن ِم َ‬
‫ضَعِفي َ‬
‫سَت ْ‬
‫ل َواْلُم ْ‬
‫سِبيِل ا ِّ‬
‫ن ِفي َ‬
‫ُتَقاِتُلو َ‬
‫ظاِلِم َأْهُلَها ]النساء‪.[75:‬‬ ‫ال ّ‬

‫وحق الهجرة اللتجاء مكفول للفرد‪ ،‬للفرار بنفسه وعقيدته وفكره من الضطهاد‪ ،‬وكل ما يمكن أن‬ ‫‌و‪.‬‬
‫يستحدث من وسائل لحماية الحق وكفالة العدل ومقاومة البغي‪ ،‬فإن السلم يرتضيها ويحتويها]‪.[7‬‬

‫هذه هي حقوق النسان في السلم‪ ،‬واضحة بّينة موّثقة من أصوله ومصادره‪.‬‬

‫ولكن الذي نؤكده هنا‪ :‬أن السلم يمتاز عن الفكر الغربي بما قّرره من التوازن بين الحقوق والواجبات‪.‬‬
‫فالنسان في حضارة الغرب يركض أبدا وراء ما هو له‪ ،‬ول يهتم كثيًرا بما هو عليه‪ .‬والنسان في السلم‬
‫مشدود إلى ما يجب عليه أوًل‪ ،‬النسان في نظر الغرب ُمطاِلب سائل‪ ،‬وفي نظر السلم ُمطاَلب مسؤول‪ .‬وفرق‬
‫ي؟ فالول يدور حول حاجته‪ ،‬والخر يدور‬ ‫كبير بين الموقفين‪ ،‬فرق بين َمن يقول‪ :‬ماذا لي؟ وَمن يقول‪ :‬ماذا عل ّ‬
‫حول قيمة أخلقية‪ .‬ومن خلل أداء الواجبات ُترعى الحقوق؛ إذ ما من حق لفرد أو جماعة إل كان واجبا على‬
‫حّكام‪ ،‬وحقوق المستأجرين إنما هي واجبات على المالكين‪،‬‬ ‫غيره‪ .‬فحقوق المحكومين إنما هي واجبات على ال ُ‬
‫وحقوق الولد إنما هي واجبات على الوالدين وهكذا اهـ‪.‬‬

‫وأما ما قيل من أن هناك بعض القضايا والحكام السلمية تتعارض مع حقوق النسان‪ ،‬فسنرد عليها واحدة‬
‫واحدة‪:‬‬

‫الحرية الّدينية‪:‬‬ ‫‪.1‬‬

‫أما مجال الحرية الّدينية‪ ،‬فالواقع أن من المبادئ الساسية في السلم‪ ،‬التي ل يختلف عليها اثنان‪ :‬أنه }ل‬
‫ن ]البقرة‪.[256:‬‬ ‫ِإْكَراَه ِفي الّدي ِ‬

‫بل ل ُيتصور أن يقبل السلم إيمان امرئ مكره‪ ،‬لن شرط اليمان أن يكون عن اختيار حر‪ ،‬واقتناع ذاتي‪،‬‬
‫ولهذا رفض القرآن إيمان فرعون عند الغرق‪ ،‬ورفض إيمان المم حين ينزل بها بأس ال وعقوبته‪َ :‬فَلْم َي ُ‬
‫ك‬
‫سَنا ]غافر‪.[85 :‬‬
‫َيْنَفُعُهْم ِإيَماُنُهْم َلّما َرَأْوا َبْأ َ‬
‫حّ‬
‫ق‬‫جاَءُكُم اْل َ‬
‫س َقْد َ‬
‫شاَء َفْلَيْكُفْر ]الكهف‪َ ،[29:‬يا َأّيَها الّنا ُ‬ ‫ن َ‬ ‫ن َوَم ْ‬ ‫شاَء َفْلُيْؤِم ْ‬
‫ن َ‬ ‫فحرية العتقاد مكفولة للجميع‪َ :‬فَم ْ‬
‫عَلْيُكْم ِبَوِكيٍل ]يونس‪.[108:‬‬ ‫عَلْيَها َوَما َأَنا َ‬
‫ضّل َ‬
‫ضّل َفِإّنَما َي ِ‬
‫ن َ‬ ‫سِه َوَم ْ‬ ‫ن اْهَتَدى َفِإّنَما َيْهَتِدي ِلَنْف ِ‬
‫ن َرّبُكْم َفَم ِ‬
‫ِم ْ‬

‫أما الكلم عن حرية الرتداد عن الّدين‪ ،‬فهذا الذي يحتاج إلى بيان‪ .‬فالسلم ل يريد أن يتخذ الناس الّدين ملعبة‪،‬‬
‫ن آَمُنوا‬
‫عَلى اّلِذي َ‬
‫يدخله اليوم ويخرج منه غدا‪ .‬أو كما قالت طائفة من اليهود في عهد النبوة‪ :‬آِمُنوا ِباّلِذي ُأْنِزَل َ‬
‫ن ]آل عمران‪.[72:‬‬‫جُعو َ‬
‫خَرُه َلَعّلُهْم َيْر ِ‬
‫جَه الّنَهاِر َواْكُفُروا آ ِ‬
‫َو ْ‬

‫وهو هنا ل يحجر على تفكير النسان‪ ،‬إذا اختار غير السلم‪ ،‬ولكنه يحجر عليه الدعوة لتكفير غيره‪ ،‬وإشاعة‬
‫الفتنة في صفوف المة‪ .‬ومن حق كل نظام‪ :‬أن يضع من التشريعات ما يحميه‪ ،‬ويوفر له الحياة والبقاء‬
‫والنتشار‪.‬‬

‫والّرّدة إذا انتشرت وأمست جماعية‪ :‬فإنها تهدد المجتمع كله بالخطر‪ ،‬ول بد أن تقاوم‪ ،‬كما قاومها سيدنا أبو‬
‫جاح والسود‬‫سَ‬‫بكر والصحابة معه‪ .‬ولو تركوا هذه الّرّدة وقادتها من المتنبئين الكذابين أمثال‪ُ :‬مسيِلمة و َ‬
‫ث السلم من أصله‪.‬‬ ‫وغيرهم‪ ،‬لجُت ّ‬

‫وقد رأينا في عصرنا ماذا فعلت الّرّدة بجماعة من العسكريين الفغان‪ ،‬أرسلوا في بعثة إلى روسيا‪ ،‬فاعتنقوا‬
‫الشيوعية التي هي ضد السلم‪ ،‬وضد الديان بصفة عامة‪ ،‬ثم جاءوا‪ ،‬فقاموا بانقلب‪ ،‬واستولوا على الحكم‪،‬‬
‫وأرادوا فرض النظام الشيوعي على المجتمع الفغاني المسلم‪ ،‬فرفضهم المجتمع‪ ،‬وقاومهم بما في يديه من‬
‫أسلحة قديمة ضعيفة‪ ،‬فاستعانت الطائفة المرتدة على قومهم بالسوفييت‪ ،‬يضربونهم بالطائرات من فوق‪،‬‬
‫وبالدبابات من تحت‪ ،‬وقتلوا منهم نحو مليونين‪ ،‬ول تزال المأساة الفغانية قائمة إلى اليوم‪ ،‬من جراء تلك الّرّدة‬
‫وأهلها!!‬

‫والّرّدة ليست مجرد موقف عقلي‪ ،‬إنها تعني‪ :‬نقل الولء والنتماء من أمة إلى أمة أخرى مخالفة‪ ،‬فهي ‪-‬بمعيار‬
‫الّدين‪ -‬لون من الخيانة ونقض العهد‪ ،‬كما أن نقل الولء من وطن إلى وطن ‪-‬بمعيار الوطنية‪ -‬يعتبر من الخيانة‬
‫طى الفرد حق تغيير ولئه لوطنه‪ ،‬فيصبح موالًيا للدولة المستعمرة‪ ،‬كأن يصبح‬ ‫العظمى‪ ،‬ول يقبل أحد أن ُيع َ‬
‫الجزائري موالًيا لفرنسا المستعمرة‪ ،‬أو الفلسطيني موالًيا لسرائيل‪.‬‬

‫خِعي من‬
‫على أن عقوبة المرتد بالقتل ليست أمًرا متفًقا عليه‪ ،‬فقد جاء عن عمر من الصحابة‪ ،‬وعن الّن َ‬
‫سجن ونحوه‪ .‬والحوار وطلب التوبة منه دائما]‪.[8‬‬
‫التابعين‪ ،‬وعن الثوري من الئمة‪ :‬العقوبة بال ّ‬

‫مجال حقوق المرأة‪:‬‬ ‫‪.2‬‬

‫عَرف السلم من مصادره الصيلة‪ :‬أن السلم أول من حّرر المرأة‬‫وأما مجال حقوق المرأة‪ ،‬فل ينكر أحد َ‬
‫وأنصفها وكرمها‪ :‬إنسانا وأنثى وبنتا وزوجة وأما وعضوا في المجتمع‪.‬‬

‫وهذا ما قّررته آيات القرآن الكريم‪ ،‬وأحاديث الرسول القولية‪ ،‬وسنته العملية‪ ،‬وما طبقه الصحابة والخلفاء‬
‫الراشدون‪.‬‬

‫ن َواْلُمْؤِمَناتِ‬ ‫ت َواْلُمْؤِمِني َ‬ ‫سِلَما ِ‬
‫ن َواْلُم ْ‬‫سِلِمي َ‬
‫ن اْلُم ْ‬‫وحسبنا أن القرآن يسويها بالرجل في الوظائف الّدينية‪ِ :‬إ ّ‬
‫صّدِقي َ‬
‫ن‬ ‫ت َواْلُمَت َ‬‫شَعا ِ‬ ‫خا ِ‬‫ن َواْل َ‬‫شِعي َ‬‫خا ِ‬‫ت َواْل َ‬‫صاِبَرا ِ‬
‫ن َوال ّ‬ ‫صاِبِري َ‬
‫ت َوال ّ‬‫صاِدَقا ِ‬‫ن َوال ّ‬ ‫صاِدِقي َ‬
‫ت َوال ّ‬‫ن َواْلَقاِنَتا ِ‬‫َواْلَقاِنِتي َ‬
‫عّد الُّ‬‫ت َأ َ‬‫ل َكِثيرًا َوالّذاِكَرا ِ‬ ‫ن ا َّ‬
‫ت َوالّذاِكِري َ‬ ‫ظا ِ‬
‫حاِف َ‬
‫جُهْم َواْل َ‬‫ن ُفُرو َ‬
‫ظي َ‬
‫حاِف ِ‬
‫ت َواْل َ‬‫صاِئَما ِ‬
‫ن َوال ّ‬ ‫صاِئِمي َ‬
‫ت َوال ّ‬ ‫صّدَقا ِ‬‫َواْلُمَت َ‬
‫ظيمًا ]الحزاب‪.[35:‬‬ ‫عِ‬ ‫جرًا َ‬ ‫َلُهْم َمْغِفَرًة َوَأ ْ‬

‫ض َيْأُمُرو َ‬
‫ن‬ ‫ضُهْم َأْوِلَياُء َبْع ٍ‬
‫ت َبْع ُ‬
‫ن َواْلُمْؤِمَنا ُ‬
‫ويسوي بينهما في الوظائف الجتماعية والسياسية‪َ :‬واْلُمْؤِمُنو َ‬
‫ن اْلُمْنَكِر ‪] ...‬التوبة‪ ،[71:‬فالمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ :‬وظيفة اجتماعية‬ ‫عِ‬‫ن َ‬‫ف َوَيْنَهْو َ‬
‫ِباْلَمْعُرو ِ‬
‫وسياسية معا‪.‬‬
‫ن َذَكٍر َأْو ُأْنَثى‬
‫عاِمٍل ِمْنُكْم ِم ْ‬
‫عَمَل َ‬
‫ضيُع َ‬
‫ب َلُهْم َرّبُهْم َأّني ل ُأ ِ‬
‫جا َ‬
‫سَت َ‬
‫خلق والتكليف‪َ :‬فا ْ‬‫ويسوي بينهما في أصل ال َ‬
‫ن الرجل من المرأة‪ ،‬والمرأة من الرجل‪ ،‬ل‬ ‫ن َبْعضٍ ]آل عمران‪ ،[195:‬ومعنى بعضكم من بعض‪ :‬أ ّ‬ ‫ضُكْم ِم ْ‬
‫َبْع ُ‬
‫يستغني عنها‪ ،‬ول تستغني عنه‪.‬‬

‫يؤكد هذا الحديث النبوي‪" :‬إنما النساء شقائق الرجال"]‪.[9‬‬

‫وقد كانت المرأة تشارك الرجل في عبادة الصلة في المسجد‪ ،‬ولها صفوفها خلف الرجال‪ ،‬وفي جلسات العلم‬
‫مشاركة مع الرجال‪ ،‬ومنفردة بالرسول‪ ،‬وفي الحج والعمرة‪ ،‬وفي الغزوات في خدمة الجيش وإسعاف الجرحى‪،‬‬
‫وفي حمل السيف أحيانا إذا اقتضى الحال‪.‬‬

‫وكانت تشير على ولي المر بما يأخذ به ول يهمله‪ ،‬كما فعلت أم سلمة في الحديبية‪ ،‬وترد على ولي المر‬
‫أحيانا ما تراه خطأ‪ ،‬ولو كان فوق المنبر‪ ،‬كما حدث في عهد عمر‪.‬‬

‫وكانت المرأة تعمل محتسبة على السوق‪- ،‬كالشفاء بنت عبد ال العدوية في عهد عمر‪ -‬ليقاف الناس رجال‬
‫ونساء عند حدود الشرع في البيع والشراء والتعامل‪ .‬ووظيفة المحتسب تجمع بين التنبيه والرقابة والتأديب‪،‬‬
‫ولها سلطة التنفيذ‪.‬‬

‫وقد أجاز أبو حنيفة أن تعمل المرأة قاضية في غير الجنايات‪ ،‬وأجاز الطبري والظاهرية‪ :‬أن تكون قاضية في‬
‫كل شيء‪ ،‬وأن تتولى الوظائف ما عدا المامة العظمى‪ ،‬أي رئاسة الدولة‪ .‬بل ربما قيل‪ :‬إن المامة العظمى‬
‫ليست مجرد رئاسة دولة إقليمية‪ ،‬فهذه أشبه بوالي الولية‪ .‬أما المامة العظمى ‪-‬أو الخلفة‪ -‬فهي رئاسة عامة‬
‫على المة السلمية كلها!‬

‫وقد أصدرت فتوى منذ سنين وضحت فيها مشروعية قيام المرأة بالدلء بصوتها في النتخاب‪ ،‬لنه ل يعدو أن‬
‫ل ]الطلق‪ ،[2:‬وإذا كان مطلوبا منها الشهادة في الحقوق‬ ‫شَهاَدَة ِّ‬‫يكون شهادة‪ ،‬وال تعالى يقول‪َ :‬وَأِقيُموا ال ّ‬
‫عوا ]البقرة‪ ،[282:‬فكيف ل تشهد فيما يتصل‬ ‫شَهَداُء ِإَذا َما ُد ُ‬
‫ب ال ّ‬
‫الشخصية حتى ل تضيع كما قال القرآن‪َ :‬ول َيْأ َ‬
‫بحقوق المجتمع أو المة كلها؟‬

‫وكذلك أجزت لها أن ترشح نفسها لمجلس الشورى أو النواب إذا كانت أهل لذلك‪ ،‬ورددت على دعاوى الغلة‬
‫والمتشددين في هذا المر]‪.[10‬‬

‫وأما القول بأنه ل يجوز أن تزوج نفسها إل بإذن وليها‪ ،‬فهذا أمر ليس متفقا عليه‪ ،‬فمذهب أبي حنيفة‬
‫وأصحابه يجيز لها أن تزوج نفسها بمن هو كفء لها‪ .‬وظاهر القرآن يؤيد ذلك‪ ،‬حيث نسب النكاح إليها‪.‬‬
‫ي ليست في الصحيحين‪ ،‬وهي ليست محل اتفاق بين العلماء‪.‬‬ ‫والحاديث الواردة في اشتراط الول ّ‬

‫وأما جعل الطلق بيد الرجل‪ ،‬فلحكمة ل تخفى على المنصف‪ ،‬وهو أن الرجل أبصر بالعواقب‪ ،‬وأكثر تحكما من‬
‫المرأة في عواطفه‪ ،‬ومع هذا وضع الشرع قيودا كثيرة على الطلق‪ ،‬حتى ل يقع إل في أضيق نطاق‪.‬‬

‫وبعض الفقهاء أعطى المرأة حق طلب أن تكون العصمة بيدها‪ ،‬إذا أصرت على ذلك‪ ،‬وَقِبل الرجل‪ ،‬فتكون هي‬
‫صاحبة الحل والعقد في ذلك‪.‬‬

‫ن َأْهِلَها‬
‫حَكمًا مِ ْ‬
‫ن َأْهِلِه َو َ‬
‫حَكمًا ِم ْ‬
‫وإذا لم يكن فقد أعطاها الشرع مقابل الطلق‪ :‬حق التحكيم عند الخلف َفاْبَعُثوا َ‬
‫]النساء‪ ،[35:‬وحق الخلع‪ ،‬ومن الفقهاء من يرى إجبار الرجل على قبوله إذا تمسكت به المرأة‪ ،‬وأنا أرجح‬
‫ذلك‪ .‬وهناك حق القاضي في التطليق للضرر إذا وقع بالمرأة‪ .‬ومن الفقهاء من أجاز للمرأة أن تشترط في العقد‬
‫ما تشاء من الشروط لحفظ حقوقها‪ ،‬وضمان مستقبلها‪.‬‬

‫ساِء ]النساء‪ ،[34:‬فليس لن الرجل أفضل من المرأة‪،‬‬
‫عَلى الّن َ‬
‫ن َ‬
‫جاُل َقّواُمو َ‬
‫وأما قضية القوامة على السرة الّر َ‬
‫فلم يأت في القرآن ول السنة نص صريح بذلك‪ .‬وإنما الزواج شركة ل بد لها من مدير‪ ،‬والرجل هو الولى‬
‫بالدارة من المرأة؛ بما فضل به من التبصر والناة‪ ،‬كما أشرنا‪ ،‬ولنه الذي ينفق على السرة في تأسيسها وفي‬
‫استمرارها‪ ،‬فإذا انهّد هذا البناء‪ ،‬انهّد على أم رأسه‪ ،‬وهو الخاسر في كل حال‪ .‬وليس معنى القوامة على‬
‫السرة‪ :‬أن يستبد الرجل بكل شيء‪ ،‬ول يستشير زوجته في أمر‪ ،‬فليس هذا شأن المؤمنين‪ ،‬فالمؤمنون يشاور‬
‫شوَرى َبْيَنُهم ]الشورى‪ ،[38:‬ول خاب من استخار‪ ،‬ول ندم من استشار‪.‬‬
‫بعضهم بعضا‪َ :‬وَأْمُرُهْم ُ‬

‫ي على تفاوت العباء والتكاليف المالية بين الرجل والمرأة‪،‬‬
‫وأما الميراث وتفاوته بين الرجل والمرأة‪ ،‬فهو مبن ّ‬
‫كما شرحناه في موضعه‪.‬‬

‫على أن ميثاق حقوق النسان ينبغي أن يقبل في الجملة‪ ،‬أما في الجزئيات والتفاصيل‪ ،‬فمن الواجب أن نراعي‬
‫خصوصيات المم والقوام‪ ،‬إذ ل يجوز أن نجبر أمة كبرى )مليار وثلث المليار( على أن تتخلى عن أحكام دينها‬
‫وشريعتها من أجل المم المتحدة!!‬

‫ولهذا كان للجهات السلمية موقف من اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة‪ ،‬فقد قبلت أكثَر بنودها‪،‬‬
‫ورفضت أقّلها‪ ،‬لنها ل تتفق مع قواطع الحكام‪ ،‬وثوابت الشريعة‪.‬‬

‫حقوق العراة والشواذ‪:‬‬

‫بقي ما يقال عن موقف السلم المتصلب مما يسمى )حقوق العراة والشواذ( الذي وصفه بعضهم بأنه موقف‬
‫عدواني من هذه الفئات‪ ،‬حيث حرم عليها أن تشبع شهواتها‪ ،‬كما تريد‪ ،‬ما دام ذلك بالتراضي‪ .‬ولماذا يمنع‬
‫السلم أن يستمتع الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل كما يشتهيان؟ ولماذا ل يتمتع الرجل بالرجل‪ ،‬والمرأة‬
‫بالمرأة؟ لماذا ل يتزوج كل منهما الخر؟ ويكّونان أسرة مثلية؟!!‬

‫وأعتقد أن موقف السلم هنا ليس موقفا منفردا‪ ،‬فكل الديان السماوية ‪-‬على القل‪ -‬تقف موقف السلم‪ ،‬تحرم‬
‫الفواحش ما ظهر منها وما بطن‪ ،‬كلها تحرم الزنى أي التقاء الرجل بالمرأة لمجرد الشهوة‪ ،‬على غير عقد‬
‫معلوم مشهود‪.‬‬

‫ومن قرأ أسفار العهد القديم )التوراة( وجد فيها الوصايا العشر المشهورة‪) :‬ل تقتل‪ ،‬ل تسرق‪ ،‬ل تزن ‪](...‬‬
‫‪ ،[11‬فحرم العتداء على النفس بالقتل‪ ،‬وعلى الموال بالسرقة‪ ،‬وعلى العراض بالزنى‪ .‬وكلها تريد أن ترتفع‬
‫بالنسان حتى ل يكون عبدا لشهواته‪ ،‬إنما عليه أن يزكي نفسه‪ ،‬حتى ترتقي بالفضائل‪.‬‬

‫وقد جاء في النجيل عن المسيح أنه قال لتلميذه‪ :‬لقد كان من قبلكم يقولون‪ :‬ل تزن‪ ،‬وأنا أقول لكم‪ :‬من نظر‬
‫إلى امرأة يشتهيها بقلبه فقد زنى]‪![12‬‬

‫حتى النظرة يعتبرها نوعا من الزنى‪ ،‬وهو يلتقي مع ما جاء به محمد نبي السلم‪" :‬العينان تزنيان‪ ،‬وزناهما‬
‫النظر‪ ،‬واليدان تزنيان‪ ،‬وزناهما البطش‪ ،‬والرجلن يزنيان‪ ،‬وزناهما المشي‪ ،‬والفم يزني‪ ،‬وزناه الُقَبل‪ ،‬والقلب‬
‫يهوي ويتمنى‪ ،‬والفرج يصدق ذلك أو يكذبه"]‪.[13‬‬

‫كما حرم )الكتاب المقدس( عند المسيحين عمل قوم لوط‪ ،‬وهو الفاحشة التي ابتكرها هؤلء‪ ،‬وعبر عنها القرآن‬
‫ن ]الشعراء‪:‬‬‫عاُدو َ‬
‫جُكْم َبْل َأْنُتْم َقْوٌم َ‬
‫ن َأْزَوا ِ‬
‫ق َلُكْم َرّبُكْم ِم ْ‬
‫خَل َ‬
‫ن َما َ‬
‫ن * َوَتَذُرو َ‬
‫ن اْلَعاَلِمي َ‬
‫ن ِم َ‬
‫ن الّذْكَرا َ‬
‫بقوله‪َ :‬أَتْأُتو َ‬
‫‪.[166،165‬‬

‫وجاء في القرآن كما جاء في التوراة‪ :‬أن ال عاقبهم عقوبة شديدة‪ ،‬وأهلكهم ودمر قريتهم عليهم‪ ،‬تطهيرا‬
‫للرض من رجسهم‪.‬‬

‫فموقف السلم هنا هو موقف اليهودية والمسيحية‪ ،‬وموقف القرآن هو موقف التوراة والنجيل‪.‬‬

‫ومن هنا ل يجيز السلم ما يسّمونه الزواج المثلي‪ :‬الرجل بالرجل‪ ،‬والمرأة بالمرأة‪ ،‬فهذا في الحقيقة ليس‬
‫جا‪ ،‬لن الزواج أو الزوجية ل تكون إل بين الشيء ومقابله‪ :‬الذكر والنثى‪ ،‬الموجب والسالب‪ ،‬ل بين‬ ‫زوا ً‬
‫ن ]الذريات‪،[49:‬‬
‫ن َلَعّلُكْم َتَذّكُرو َ‬
‫جْي ِ‬
‫خَلْقَنا َزْو َ‬
‫يٍء َ‬
‫ش ْ‬
‫ن ُكّل َ‬
‫الشيء ومثله‪ ،‬وهو الذي جاء منه قول ال تعالى‪َ :‬وِم ْ‬
‫ولهذا كان هذا التصرف ضد الفطرة التي فطر ال الناس عليها‪ ،‬ولو استسلمت البشرية لهذه النزعة‪ ،‬لهلك‬
‫العالم النساني بعد جيل أو جيلين‪ ،‬إذ النسل ل يتم إل بالتقاء ذكر وأنثى‪ ،‬كما تقضي بذلك الفطرة البشرية‪،‬‬
‫وسنة ال الكونية‪ ،‬وقوانينه الشرعية‪.‬‬
‫‪--------------------------------------------------------------------------------‬‬

‫]‪ -[1‬منها كتب د‪ .‬علي عبد الواحد وافي )حقوق النسان في السلم(‪ ،‬والشيخ الغزالي )حقوق النسان بين‬
‫السلم وميثاق المم المتحدة(‪ ،‬ود‪ .‬محمد فتحي عثمان )حقوق النسان بين الشريعة السلمية والفكر‬
‫القانوني الغربي(‪ ،‬ود‪ .‬القطب محمد طبلّية )السلم وحقوق النسان(‪ ،‬ود‪ .‬محمد عمارة بهذا العنوان‪ ،‬ود‪.‬‬
‫جمال عطية‪.‬‬

‫]‪ -[2‬انظر‪ :‬الصفحات ‪.160 – 155‬‬

‫]‪ -[3‬رواه أحمد في المسند )‪ (26195‬عن عائشة‪ ،‬وقال محققوه‪ :‬حديث حسن لغيره‪ ،‬وهذا إسناد ضعيف‬
‫لضعف عبد ال وهو ابن عمر العمري‪ ،‬وأبو داود في الطهارة )‪ ،(236‬والترمذي في الطهارة )‪ ،(113‬وأبو‬
‫يعلى في المسند )‪ ،(8/149‬والبيهقي في الكبرى كتاب الطهارة )‪ ،(1/168‬وصححه اللباني في صحيح الجامع‬
‫)‪.(1983‬‬

‫]‪ -[4‬رواه البخاري في اليمان )‪ (13‬عن أنس‪ ،‬ومسلم في اليمان )‪ ،(45‬وأحمد في المسند )‪،(12801‬‬
‫والترمذي في صفة القيامة والرقائق والورع )‪ ،(2515‬والنسائي في اليمان وشرائعه )‪ ،(5016‬وابن ماجه‬
‫في المقدمة )‪.(66‬‬

‫]‪ -[5‬رواه البخاري في العلم )‪ (121‬عن جرير بن عبد ال البجلي‪ ،‬ومسلم في اليمان )‪ ،(65‬وأحمد في المسند‬
‫)‪ ،(19167‬والنسائي في تحريم الدم )‪ ،(4131‬وابن ماجه في الفتن )‪.(3942‬‬

‫]‪ -[6‬رواه أحمد في المسند )‪ (1652‬عن سعيد بن زيد‪ ،‬وقال محققوه‪ ، :‬والترمذي في السنة )‪،(4772‬‬
‫والترمذي في الديات )‪ ،(1421‬وقال حديث حسن صحيح‪ ،‬والنسائي في تحريم الدم )‪ ،(4094‬وابن ماجه في‬
‫الحدود )‪ (2580‬مختصرا‪ ،‬ورواه البخاري في المظالم )‪ (2480‬عن عبد ال بن عمرو‪ ،‬ومسلم في اليمان )‬
‫‪ ،(141‬وأحمد في المسند )‪ (6522‬واقتصرا على ذكر المال‪.‬‬

‫]‪ -[7‬انظر‪ :‬حقوق النسان بين الشريعة السلمية والفكر القانوني الغربي للدكتور محمد فتحي عثمان صـ‬
‫‪ ،192 – 174‬طبع دار الشروق‪ .‬القاهرة‪.‬‬

‫]‪ -[8‬انظر‪ :‬كتابنا )جريمة الردة وعقوبة المرتد( من سلسلة )رسائل ترشيد الصحوة( صـ ‪ 44‬وما بعدها‪.‬‬

‫]‪ -[9‬انظر‪ :‬كتابنا )مركز المرأة في الحياة السلمية( من رسائل ترشيد الصحوة‪ ،‬والحديث سبق تخريجه‪.‬‬

‫]‪ -[10‬انظر‪ :‬كتابنا )فتاوى معاصرة( جـ ‪ 2‬صـ ‪.383‬‬

‫]‪ -[11‬سفر الخروج )‪.(15 ،14 ،20/13‬‬

‫]‪ -[12‬إنجيل متى‪.(5/28) :‬‬

‫]‪ -[13‬رواه أحمد في المسند )‪ (8356‬عن أبي هريرة‪ ،‬وقال محققوه‪ :‬إسناده صحيح على شرط مسلم‪ ،‬وأبو‬
‫داود في النكاح )‪ ،(2153‬وأبو يعلى في المسند )‪ ،(11/309‬وابن حبان في صحيحه كتاب الحدود )‪(10/267‬‬
‫والبيهقي في الكبرى كتاب النكاح )‪.(7/89‬‬

‫العلمانية‪ :‬هل هي الحل أو هي المشكلة؟‬

‫الباب الرابع‬
‫الفصل الول‬

‫العلمانية‪ :‬هل هي الحل أو هي المشكلة؟‬

‫نخصص هذا الفصل لمناقشة بعض اللبراليين الجدد‪ :‬الذين يّدعون أن العلمانية هي الحل!‬

‫والعلمانية‪ :‬فكرة جديدة – أو ُقل‪ :‬دخيلة ‪ -‬على المجتمعات السلمية! لم يعرفها المسلمون طوال تاريخهم‬
‫المديد‪ ...‬ومعنى العلمانية‪ :‬فصل الدين عن المجتمع والدولة‪ .‬فهي فكرة غريبة لحما ودما‪.‬‬

‫وقد تحدثنا عن العلمانية في عدد من كتبنا‪ ،‬منها ما سجلته في سلسلة‪):‬حتمية الحل السلمي( ول سيما في‬
‫الجزء الول منها‪ ):‬الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا(‪ ،‬ومنها الجزء الثالث‪ ):‬بّينات الحل السلمي‬
‫وشبهات العلمانيين والمتغربين(‪ ،‬ومنها الجزء الرابع‪):‬أعداء الحل السلمي( ومنهم‪ :‬عبيد الفكر الغربي‪،‬‬
‫والعلمانيون في طليعتهم‪.‬‬

‫كما ألفت في مناظرة العلمانيين كتابي‪):‬السلم والعلمانية وجها لوجه(‪ ،‬وكتابي الخر‪):‬التطرف العلماني‬
‫ومواجهة السلم‪ :‬نموذج تركيا وتونس(‪.‬‬

‫وفي هذه الكتب كلها؛ بينت نشأة هذه العلمانية في أوربا‪ ،‬وأنها كانت ضرورة ل بد منها لنجاح مسيرة التحرر‬
‫والتقدم للنهضة الوربية‪.‬‬

‫دعوى بعض الحداثيين والليبراليين الجدد‪ :‬أن العلمانية هي الحل أو هي العلج الكافي‪ ،‬والدواء الشافي‪،‬‬
‫لمعضلت مجتمعاتنا العربية والسلمية‪ ،‬وليس )السلم هو الحل( كما تنادي بذلك تيارات ضخمة في أوطاننا‪،‬‬
‫فهذه دعوى متهافتة‪ ،‬ويكفي أنها مرفوضة من أغلبية المة‪ ،‬التي ترى فيها عدوانا على شريعتها‪ ،‬ومناقضة‬
‫لمسلماتها‪.‬‬

‫كما ترى أنها دعوى دخيلة عليها‪ ،‬ليس بها حاجة إليها‪ ،‬إنما قامت العلمانية في الغرب لسباب تاريخية‬
‫معروفة‪ ،‬تتمثل في تحّكم الكنيسة الغربية ورجالها في الدولة‪ ،‬وفي حياة الناس‪ ،‬وتسلطها عليهم في الرض‬
‫باسم السماء‪ ،‬وليس من حق أحد أن يحاسبهم أو ينتقدهم‪ ،‬فلهم من )القداسة( ما يحول دون ذلك‪.‬‬

‫عا بذلك‪ ،‬وبدأ عصر التنوير‪ ،‬ثار الناس على جمود الكنيسة وطغيانها‪ ،‬ومحاكم تفتيشها‬
‫وعندما ضاق الناس ذر ً‬
‫وما اقترفت من مظالم وجرائم في حق العلم والعلماء‪ .‬ووقوفها مع الملوك ضد الشعوب‪ ،‬ومع القطاعيين ضد‬
‫الفلحين‪ ،‬ومع الخرافات ضد العلم‪ ،‬ومع الظلم ضد النور‪ ،‬وأسقطوا حكم الكنيسة الذي كان يحكم تحت غطاء‬
‫الّدين‪ ،‬وكان هذا أمرا ل بد أن يحدث‪ ،‬لنه يتماشى مع سنن ال في الكون والمجتمع‪.‬‬

‫نحن في السلم ليس لدينا كنيسة‪ ،‬ول سلطة دينية كهنوتية‪ ،‬ول كاهن يتحكم في ضمائر الناس‪ ،‬ويحتكر‬
‫الوساطة بيننا وبين ربنا‪ ،‬بل ليس عندنا طبقة كهنوتية تسمى )رجال الّدين( يجب أن نذهب إليهم إذا أذنبنا‪،‬‬
‫ونعترف لهم بما اقترفنا‪ ،‬ونلتمس منهم الغفران لخطايانا‪ ،‬وإل هلكنا! بل المقّرر عندنا أن كل الناس رجال‬
‫ن ُكّل ِفْرَقٍة ِمْنُهْم‬
‫لدينهم‪ .‬عندنا فقط علماء يخدمون الّدين بما تعلموه وفقهوه‪ .‬كما قال ال تعالى‪َ :‬فَلْول َنَفَر ِم ْ‬
‫ن ]التوبة‪.[122:‬‬ ‫حذَُرو َ‬
‫جُعوا ِإَلْيِهْم َلَعّلُهْم َي ْ‬
‫ن َوِلُيْنِذُروا َقْوَمُهْم ِإَذا َر َ‬
‫طاِئَفٌة ِلَيَتَفّقُهوا ِفي الّدي ِ‬
‫َ‬

‫ل حاجة لنا إذن إلى العلمانية التي تعني تاريخيا‪ :‬التحّرر من سلطان الكنيسة‪ ،‬التي ل وجود لها عندنا‪.‬‬

‫ل( لمشكلة المجتمع الوربي‪ ،‬وكانت ضرورة ليصل إلى التحّرر المنشود‪ .‬ولكنها عندنا ليست‬
‫العلمانية كانت )ح ّ‬
‫ضرورة‪ ،‬بل ضررا‪ ،‬وليست حل بل مشكلة‪.‬‬

‫وقد ناقشت قضية )العلمانية( وصلتها بالسلم في أكثر من كتاب لي‪ ،‬منها‪) :‬السلم والعلمانية وجها لوجه(‬
‫و)التطرف العلماني في مواجهة السلم( و)بينات الحل السلمي وشبهات العلمانيين والمتغربين(‪ .‬ول أريد أن‬
‫أعيد بحثها هنا اليوم‪ .‬فمن أراد فليرجع إلى هذه الكتب‪.‬‬
‫ولكني أكتفي هنا ببعض النقول من مفكَرين مدنّيين ليسا محسوبين على علماء الّدين‪ ،‬حتى يتهموا بالتعصب‬
‫والنغلق‪ ،‬ومعاداة الغرب ‪ ...‬إلخ‪.‬‬

‫الجابري يقول‪ :‬العلمانية في العالم العربي مسألة مزيفة‪:‬‬

‫يسرني أول أن أنقل هنا‪ :‬ما كتبه المفكر المغربي د‪ .‬محمد عابد الجابري عن )العلمانية( أو )اللئكية( التي‬
‫يطرحها بعضهم كمرتكز للتغيير والصلح في وطننا العربي‪ ،‬ويرى الجابري‪ :‬أن العلمانية طرحت في بعض‬
‫المراحل لسباب لم تعد قائمة اليوم‪ .‬فقد طالب بها نصارى الشام حين أرادوا الستقلل عن الدولة العثمانية‪.‬‬
‫فعبروا بذلك عن إرادتهم الستقلل عن الترك‪.‬‬

‫وحين تبنى الفكر القومي العربي شعار العلمانية‪ :‬كانت دللته ملتبسة بمضمون شعار الستقلل والوحدة‪ .‬ذلك‬
‫باختصار هو الطار الصلي الذي طرح فيه شعار العلمانية في بلد الشام )سورية الكبرى(‪.‬‬

‫ول بد من ملحظة أن هذا الشعار لم يرفع قط في بلدان المغرب العربي‪ ،‬ول في بلدان الجزيرة‪ ،‬ولربما لم يرفع‬
‫بمثل هذه الحدة في مصر نفسها حيث توجد أقلية قبطية مهمة ‪ ...‬وعندما استقلت القطار العربية‪ ،‬وبدأ التنظير‬
‫صا في القطار العربية التي توجد‬‫لفكرة العروبة و)القومية العربية(‪ ،‬طرح شعار )العلمانية( من جديد‪ ،‬وخصو ً‬
‫فيها أقليات دينية )مسيحية بصفة خاصة(‪.‬‬

‫وهذا الطرح كان يبّرره شعور هذه القليات بأن الدولة العربية الواحدة التي تنادي بها القومية العربية ستكون‬
‫الغلبية الساحقة فيها من المسلمين‪ ،‬الشيء الذي قد يفرز من جديد وضعا شبيًها بالوضع الذي كان قائما خلل‬
‫الحكم العثماني‪ .‬وإذن فالدللة الحقيقية لشعار )العلمانية(‪ ،‬في هذا الطار الجديد‪ ،‬إطار التنظير لدولة الوحدة‬
‫كانت مرتبطة ارتباطا عضويا بمشكلة حقوق القليات الّدينية‪ ،‬وبكيفية خاصة حقها في أن ل تكون محكومة‬
‫بدين الغلبية‪ ،‬وبالتالي فـ)العلمانية( على هذا العتبار كانت تعني بناء الدولة على أساس ديمقراطي عقلني‬
‫وليس على أساس الهيمنة الّدينية‪ .‬وفي خضم الجدل السياسي اليديولوجي بين الحزاب والتيارات الفكرية‪،‬‬
‫عّبر بعضهم عن هذا المعنى بعبارة )فصل الّدين عن الدولة(‪ ،‬وهي عبارة غير مستساغة إطلقا في مجتمع‬
‫إسلمي‪ ،‬لنه ل معنى في السلم لقامة التعارض بين الّدين والدولة‪ .‬إن هذا التعارض ل يكون له معنى إل‬
‫حيث يتولى أمور الّدين هيئة منظمة تّدعي لنفسها الحق في ممارسة سلطة روحية على الناس‪ ،‬في مقابل‬
‫سلطة زمنية تمارسها الهيئة السياسية‪ :‬الدولة‪.‬‬

‫ثم يقول الجابري‪ :‬مسألة )العلمانية( في العالم العربي مسألة مزيفة‪ ،‬بمعنى أنها تعبر عن حاجات بمضامين‬
‫غير متطابقة مع تلك الحاجات‪ :‬إن الحاجة إلى الستقلل في إطار هوية قومية واحدة‪ ،‬والحاجة إلى‬
‫الديمقراطية التي تحترم حقوق القليات‪ ،‬والحاجة إلى الممارسة العقلنية للسياسة‪ ،‬هي حاجات موضوعية‬
‫فعل‪ ،‬إنها مطالب معقولة وضرورية في عالمنا العربي‪ ،‬ولكنها تفقد معقوليتها وضروريتها‪ ،‬بل مشروعيتها‬
‫عندما يعّبر عنها بشعار ملتبس كشعار )العلمانية(‪.‬‬

‫وما نريد أن نخلص إليه هو‪ :‬أن الفكر العربي مطالب بمراجعة مفاهيمه‪ ،‬بتدقيقها وجعل مضامينها مطابقة‬
‫للحاجات الموضوعية المطروحة‪ .‬وفي رأيي‪ :‬أنه من الواجب استبعاد شعار العلمانية من قاموس الفكر العربي‬
‫وتعويضه بشعاري )الديمقراطية( و)العقلنية(‪ ،‬فهما اللذان يعبران تعبيرا مطابقا عن حاجات المجتمع العربي‪:‬‬
‫الديمقراطية تعني حفظ الحقوق‪ :‬حقوق الفراد وحقوق الجماعات‪ ،‬والعقلنية تعني‪ :‬الصدور في الممارسة‬
‫السياسية عن العقل ومعاييره المنطقية والخلقية‪ ،‬وليس عن الهوى والتعصب وتقلبات المزاج‪.‬‬

‫هذا من جهة‪ ،‬ومن جهة أخرى‪ ،‬فإنه ل الديمقراطية‪ ،‬ول العقلنية‪ ،‬تعنيان بصورة من الصور‪ :‬استبعاد‬
‫السلم‪ ،‬كل‪ .‬إن الخذ بالمعطيات الموضوعية وحدها يقتضي منا القول‪ :‬إنه إذا كان العرب هم )مادة السلم(‬
‫حًقا‪ ،‬فإن السلم هو روح العرب‪ .‬ومن هنا ضرورة اعتبار السلم مقّوًما أساسّيا للوجود العربي‪ :‬السلم‬
‫الروحي بالنسبة للعرب المسلمين‪ ،‬والسلم الحضاري بالنسبة للعرب جميًعا مسلمين وغير مسلمين‪.‬‬

‫إعادة تأسيس الفكر القومي على مبدأي الديمقراطية والعقلنية‪ ،‬بدل مبدأ العلمانية‪ ،‬وإحلل السلم المكانة‬
‫التي يجب أن يحتلها في النظرية والممارسة‪ ،‬تلك من جملة السس التي يجب أن تنطلق منها عملية إعادة بناء‬
‫الفكر القومي العربي‪ ،‬الفكر الذي يرفع شعار الوحدة العربية والوطن العربي الواحد من المحيط إلى الخليج]‪[1‬‬
‫اهـ‪.‬‬
‫أبو المجد ينادي بإسقاط الدعوة إلى )العلمانية(‪:‬‬

‫وما نادي به المفكر المغربي الدكتور الجابري من وجوب استبعاد شعار العلمانية من قاموس الفكر العربي‬
‫المعاصر‪ ،‬نادى به كذلك من ِقَبل مفكر مصري‪ ،‬هو الدكتور أحمد كمال أبو المجد‪ ،‬وذلك في ورقته التي قدمها‬
‫في ندوة )السلم والقومية العربية(‪ ،‬التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالقاهرة‪ ،‬والتي شارك فيها‬
‫عدد ل بأس به من الباحثين والمفكرين العرب من القوميين والسلميين‪.‬‬

‫قال أبو المجد‪:‬‬

‫)والقوميون العرب مطالبون فوق ذلك بإسقاط الدعوة إلى )علمنة القومية( وموضوع )العلمانية( موضوع‬
‫دقيق ويحتاج إلى دراسة مستقلة‪ .‬والعلمانية مصطلح نلح بشدة على تغييره والعدول عنه‪ ،‬لشدة غموضه أوًل‪،‬‬
‫ولشتماله على إيحاءات غير صحيحة تتعّلق بالتقابل والتناقض بين الّدين والعلم‪.‬‬

‫إن )العلمانية( تحمل في الواقع سلسلة من المعاني والمبادئ لعل من أهمها‪:‬‬

‫‪ .1‬نفي الصفة الّدينية عن السلطة السياسية في الدولة‪.‬‬

‫‪ .2‬الفصل بين الّدين والدولة‪.‬‬

‫ويجمع البعض هذين العنصرين في عبارة واحدة هي‪) :‬حياد الدولة تجاه الّدين‪ ،‬كل دين‪ ،‬بحيث ل تلزم الدولة‬
‫نفسها بأي معتقد ديني أو دين‪ ،‬ول تخص أي دين باعتراف خاص به أو بعطف خاص به(]‪.[2‬‬

‫‪ .3‬المساواة بين أتباع الديان في المعاملة السياسية والدارية والجتماعية‪.‬‬

‫‪ .4‬تطوير الوضاع والنظمة الجتماعية على أساس عقلني مستمد من التجربة والنظر العقلي‪ ،‬بعيدا عن‬
‫النصوص والمبادئ الّدينية‪.‬‬

‫إن فيما يسمى العلمانية عناصر ل نعتقد أنها تتعارض بالضرورة مع السلم‪ ،‬كاعتبار السلطة السياسية ذات‬
‫أساس مدني مستمد من رضا المحكومين‪ ،‬ونفي الصفة الثيوقراطية عنها‪ .‬وكالتسليم بحق أتباع الديانات‬
‫المختلفة في ممارسة شعائرهم الّدينية بحرية‪ ،‬إل إذا صادمت ما يعرف بالنظام العام والداب العامة‪ .‬وهي فكرة‬
‫ترتبط )بالدولة( ول ترتبط )بالسلم( ‪...‬‬

‫أما قضية فصل الّدين عن الدولة‪ ،‬بمعنى إقصاء الّدين عن أن يكون له دور في تنظيم أمور المجتمع‪ ،‬فإنها‬
‫المكّون الرئيسي من مكونات )العلمانية( الذي ل يسع مسلما قبوله‪.‬‬

‫ودون توسع في عرض هذه المشكلة‪ :‬نلحظ مع كثير من الباحثين‪ :‬أن الدعوة إلى )العلمانية( في إطار التوجه‬
‫القومي‪ ،‬تخلق من المشاكل والصعاب أكثر كثيرا مما تحل وتحسم‪ .‬إنها في الحقيقة تلبي حاجة واحدة‪ ،‬هي‬
‫حاجة القليات المسيحية في الوطن العربي للشعور بالطمئنان‪ ،‬وبالمساواة داخل المجتمع العربي المسلم‪،‬‬
‫ولكنها‪:‬‬

‫أوًل‪ :‬ل تنشئ موقفا حيادًيا بين الديان‪ .‬إذ هي من وجهة نظر المسيحية تتفق تماما مع قاعدة )أعطوا ما ل ل‬
‫وما لقيصر لقيصر( ‪ ...‬ولكنها تضع العربي المسلم في تناقض مع شمول السلم وتنظيمه الواضح ‪-‬إجماًل‬
‫وتفصيل‪ -‬لمور المجتمع‪ .‬وبذلك تكون الدعوة إلى العلمانية ‪-‬في الواقع‪ -‬منحازة لرؤية القلية الّدينية على‬
‫حساب رؤية الغلبية‪.‬‬

‫ثانًيا‪ :‬إنها تستعير صيغة مستمدة من تاريخ الصراع بين الكنيسة والدولة في أوربا وتحاول فرضها على‬
‫مجتمع ل يعرف تاريخه صراعا مشابها‪.‬‬
‫إن الدعوة إلى )علمنة( القومية ‪ ...‬وعلمنة )الدولة( في هذا الوقت بالذات‪ ،‬مسلك بعيد تماًما عن الحكمة‪ ،‬ما‬
‫دام مصطلح )العلمنة‪ ،‬والعلمانية( يحمل في ثناياه هذه المكونات التي يتعارض بعضها مع أساسيات التصور‬
‫السلمي العام‪.‬‬

‫إن إيجاد المخرج النفسي والجتماعي للقليات المسيحية في المجتمعات العربية ل يجوز أبًدا أن يتم من خلل‬
‫صيغة تحمل كل هذه المحاذير‪ ،‬وتهدد بوضع التوجه القومي كله في صراع مع التوجه السلمي‪ ،‬الذي تتعاظم‬
‫موجته‪ ،‬ويزداد أنصاره عدًدا وقوة‪.‬‬

‫إن ملف )العلمانية( ينبغي أن يفتح‪ ،‬ومكوناتها تحتاج إلى تحديد وإعادة نظر‪ ،‬واستعمالها كمصطلح‪ ،‬والدعوة‬
‫إليها‪ :‬يحسن ‪-‬فيما نرى‪ -‬أن تتوقف(]‪.[3‬‬

‫وبهذا اتفقت دعوة أبو المجد في المشرق‪ ،‬ودعوة الجابري في المغرب‪ ،‬على استبعاد شعار العلمانية من‬
‫قاموس دعاة العروبة‪ ،‬لنه يهدم أكثر مما يبني‪ ،‬ويثير من الشكالت أكثر مما يقدم من حلول‪ .‬ثم هو مرفوض‬
‫أصل من أغلبية المة‪ ،‬التي تراه متعارضا مع دينها وتراثها‪.‬‬

‫العقلنية والديمقراطية تتفقان مع جوهر السلم‬

‫رأينا اتفاق الدكتور أحمد كمال أبو المجد من المشرق العربي‪ ،‬والدكتور محمد عابد الجابري من المغرب‬
‫العربي‪ ،‬على ضرورة تخلي دعاة القومية عن شعار العلمانية‪ ،‬الذي لم يعد له مبّرر في حياتنا الحاضرة‪ ،‬ودعا‬
‫كل منهما إلى ضرورة التنادي بأمرين أساسيين‪ ،‬ل تستطيع المة أن تنهض وتتقدم بغيرهما‪ ،‬وهما‪ :‬العقلنية‬
‫والديمقراطية‪.‬‬

‫وأنا أؤيدهما في هذه الدعوة المخلصة‪ ،‬بشرط أن نفسر بجلء المقصود من كل منهما‪.‬‬

‫فما المراد بـ)العقلنية(؟ وما المراد بـ)الديمقراطية(؟‬

‫العقلنية المنشودة‪:‬‬

‫أما )العقلنية( فنحن نرحب بها‪ ،‬لكن هذه المصطلحات باتت لها )مفهومات( عند الغربيين‪ ،‬تختلف كثيًرا أو‬
‫ل عما ندركه نحن منها‪.‬‬
‫قلي ً‬

‫فالعقلنية عند الغربيين‪ :‬اتجاه أو مذهب يعتمد على العقل وحده في َفهم الكون والنسان والحياة في مقابل‬
‫س( أو )الّتجِربة(‪ ،‬فالعقليون لهم وجهتهم وطريقهم‪ ،‬والتجريبيون لهم وجهتهم وطريقهم‪.‬‬
‫)الح ّ‬

‫وقد يكون هذا التجاه أو هذا المذهب في مقابلة الذين يعتمدون على مصادر أخرى‪ ،‬مثل الوحي عند الكتابيين‬
‫)اليهود والنصارى والمسلمين(‪ ،‬ومثل الذين يعتمدون على اللهام والذوق من الصوفية‪ ،‬والباطنية وغيرهم‪.‬‬
‫فالعقلنية هنا تعني‪ :‬المادية والحسية‪.‬‬

‫وقد تستعمل العقلنية في المذهب الذي يرى أنه ل يجوز الوثوق إل بالعقل‪ ،‬ول يجوز التسليم إل بما يعترف به‬
‫العقل بأنه منطقي وكاف وفقا للنور الطبيعي )الفطري(‪ .‬وهذا ما يقول به الّدينيون‪ ،‬فل يرون تعارضا بين العقل‬
‫والوحي إذا ثبت الوحي بطريق النقل بصفة قطعية‪ .‬وهنا يعطي فسحة للروح والحدس والشعور‪ ،‬أي للصوفية]‬
‫‪.[4‬‬

‫وقد تستخدم )العقلنية( في مقابلة التجاه إلى تصديق الخرافات والوهام والشعوذة‪ ،‬وهذا ما يرحب به كل‬
‫مؤمن وكل عاقل‪.‬‬

‫وإذا نظرنا إلى العقلنية عندنا ‪-‬نحن العرب والمسلمين‪ -‬نجد أن هذا اللفظ من الناحية اللغوية يسمى )مصدًرا‬
‫صناعًيا( منسوبا إلى العقل‪ ،‬زيدت فيه اللف والنون‪ ،‬كما زيدت في نحو الربانية‪ ،‬نسبة إلى الرب‪ ،‬والروحانية‬
‫نسبة إلى الروح‪.‬‬
‫ولم يستخدم هذا التعبير ) العقلنية( ‪ -‬فيما أعلم‪ -‬في تراثنا‪ ،‬ولكن التجاه العقلي ‪-‬بصفة عامة‪ -‬معروف في‬
‫عرف به علماء الكلم عامة‪ ،‬والمعتزلة منهم خاصة‪.‬‬ ‫عرف به الفلسفة‪ ،‬و ُ‬ ‫تراث المة‪ُ ،‬‬

‫وهناك فرق كبير بين الفلسفة والمتكلمين ‪-‬ومنهم المعتزلة‪ -‬فالفلسفة ينطلقون من مجرد العقل‪ ،‬والمتكلمون‬
‫ينطلقون من العقل المؤمن بالّدين‪.‬‬

‫على أن قولنا‪ :‬أن الفلسفة ينطلقون من مجرد العقل‪ ،‬قد ُيعترض عليه معترضون كثيرون‪ ،‬فإنهم ينطلقون من‬
‫العقل المؤمن بالفلسفة اليونانية‪ ،‬ول سيما فلسفة أرسطو طاليس‪ ،‬الذي سّموه المعلم الول‪ ،‬وأضفوا على‬
‫مقولته هالة من التقديس‪ ،‬حتى إذا تعارض مع قواطع القرآن؛ أولوا القرآن ليتفق مع ما قرره أرسطو‪ ،‬فكان‬
‫أرسطو هو الصل‪ ،‬والقرآن تابع!!‬

‫على أن مجال العقل في تراثنا مجال واسع‪ ،‬فالمتكلمون ‪-‬حتى الشاعرة والماتريدية منهم‪ -‬يعتبرون العقل‬
‫سس الدين‪ .‬فبالعقل ثبتت أعظم قضيتين في الّدين‪:‬‬ ‫أساس النقل‪ ،‬فلول العقل ما قام النقل ول ثبت الوحي‪ ،‬ول تأ ّ‬
‫قضية وجود ال تعالى‪ ،‬وقضية إثبات النبوة‪ ،‬فإثبات النبوة ل يتّم إل بالعقل عن طريق اليات البينات‪ ،‬التي يؤيد‬
‫ال بها رسله‪ ،‬ومنها‪ :‬المعجزة‪ .‬فالعقل هو الداة الوحيدة لثبات الوحي‪ ،‬أو نبوة النبي‪ ،‬فإذا أثبت العقل النبوة‬
‫بطريق قطعي‪ :‬عزل العقل نفسه – كما يقول المام الغزالي – ليتلقى بعد ذلك عن الوحي‪ ،‬ويقول‪ :‬سمعنا‬
‫وأطعنا‪.‬‬

‫ث من آيات دالة في النفس والفاق‪ ،‬ول زال ُيري خلقه من هذه اليات ما‬ ‫وال سبحانه قد دّلنا على نفسه بما ب ّ‬
‫ق ]فصلت‪.[53:‬‬ ‫حّ‬
‫ن َلُهْم َأّنُه اْل َ‬
‫سِهْم حَّتى َيَتَبّي َ‬
‫ق َوِفي َأْنُف ِ‬
‫لَفا ِ‬
‫سُنِريِهْم آَياِتَنا ِفي ا ْ‬
‫يبهر العقول‪ ،‬ويبّين الحق‪َ :‬‬

‫ض على الرجوع إليه‪ ،‬وذّم الذين يعطلونه بالجمود‬ ‫ول تجد كتابا دينيا ‪-‬غير القرآن‪ -‬كّرم العقل‪ ،‬وأشاد به‪ ،‬وح ّ‬
‫أو التقليد‪ ،‬أو اتباع الظنون والهواء‪ .‬كما حفل بكل المفردات من )عائلة العقل( مثل‪ :‬التفّكر والنظر والتدّبر‬
‫جة والحكمة والتعّلم والتفّقه والتذّكر‪.‬‬
‫والعتبار‪ ،‬والبرهان والح ّ‬

‫وإن كان مما يؤسف له‪ :‬أن كثيرا من المسلمين في عالم اليوم غّيبوا عقولهم‪ ،‬واستسلموا للوهام أو‬
‫الجهالت‪ ،‬أو ألَقوا عقولهم وغَدوا يفكرون بعقول الموتى‪.‬‬

‫والعقلنية التي ننشدها ل تحتاج إلى تفلسف ول معاناة في تعريفها‪ .‬إنها ببساطة تعني‪ :‬أن نعتمد على عقولنا‬
‫في تسخير قوى الكون لصالحنا‪ ،‬والنتفاع بخيراته للنهوض بأمتنا‪ ،‬والخروج بها من سجن التخلف إلى باحة‬
‫التقدم‪ ،‬واستخدام طاقات العلم ووثباته الهائلة‪ ،‬وثوراته الكبرى في خدمة أمتنا خاصة‪ ،‬والنسانية عامة‪ .‬وأن‬
‫تكون هذه منهجية المة في تعليمها وثقافتها وإعلمها‪.‬‬

‫وليس هذا جديدا على أمتنا‪ ،‬فقد شادت حضارة شامخة جمعت بين العلم واليمان‪ ،‬وبين البداع المادي والسمو‬
‫الروحي والخلقي‪ ،‬ولم يعرف في تاريخها صراع بين الّدين العلم‪ ،‬بل كان الّدين عندها علما‪ ،‬والعلم عندها‬
‫دينا‪.‬‬

‫وقد شارك رجال كبار من علماء الّدين في علوم الكون والطبيعة مثل‪ :‬ابن رشد الحفيد‪ ،‬والفخر الرازي‪ ،‬وابن‬
‫النفيس‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬

‫وليس هذا بغريب على أمة يجعل دينها التفكير فريضة‪ ،‬والنظر في آيات ال في الفاق والنفس عبادة‪ ،‬ويعمل‬
‫قرآنه على إنشاء العقلية العلمية‪ ،‬ويرفض الظن والهوى والتقليد في تأسيس الحقائق‪ ،‬وينادي بإقامة البرهان‬
‫في كل دعوى]‪ .[5‬ويرى علماء الشريعة فيه‪ :‬أن إتقان علوم الدنيا فرض كفاية على المة في مجموعها‪ ،‬مثل‬
‫خلق‪ ،‬فقد رفع‬
‫علوم الّدين‪ .‬فإن وجد بها عدد كاف في كل علم ديني أو دنيوي‪ ،‬يلبي الحاجة‪ ،‬ويغطي مطالب ال َ‬
‫عنها الثم والحرج‪ ،‬وإل باءت المة كلها بالثم‪.‬‬

‫سيادة الروح العلمية‪:‬‬
‫لقد كان مما عبته على الصحوة السلمية المعاصرة‪ :‬غلبة العاطفة والغوغائية على كثير من فصائلها‪ ،‬وتغييب‬
‫العقلنية والعلمية عنها‪ .‬وقد كان من أبرز ما ناديت به لكي تنتقل الصحوة من المراهقة إلى الرشد‪ :‬أن تنتقل‬
‫من العاطفية والرتجالية إلى العقلنية والعلمية‪ .‬ومما رّكزت عليه في هذا المقام‪:‬‬

‫تأكيد ما ذكرته من قديم في كتابي‪) :‬الحل السلمي فريضة وضرورة( وبعد ذلك في كتابي‪) :‬أولويات الحركة‬
‫السلمية( في فصل )فكر علمي( وهو‪ :‬أن يسود )التفكير العلمي( و)الروح العلمية( مسيرتنا كلها‪.‬‬

‫نريد أن يسود‪) :‬التفكير العلمي(‪ ،‬وتسود )الروح العلمية(‪ :‬كل علقاتنا ومواقفنا وشؤون حياتنا‪ ،‬بحيث ننظر‬
‫إلى الشياء والشخاص والعمال‪ ،‬والقضايا والمواقف‪) :‬نظرة علمية(‪ ،‬ونصدر قراراتنا الستراتيجية‬
‫والتكتكية‪ ،‬في القتصاد والسياسة والتعليم وغيرها‪ :‬بعقلية علمية‪ ،‬وبروح علمية‪ ،‬بعيًدا عن الرتجالية‪،‬‬
‫والذاتية‪ ،‬والنفعالية‪ ،‬والعاطفية‪ ،‬والغوغائية‪ ،‬والتحكمية‪ ،‬والتبريرية‪ :‬التي تسود مناخنا اليوم‪ ،‬وتصبغ‬
‫تصرفاتنا إلى حد بعيد‪ .‬فمن سلم من أصحاب القرار من اّتباع هواه الشخصي‪ ،‬أو هوى فئته وحزبه‪ :‬كان أكبر‬
‫همه اّتباع ما يرضي أهواء الجماهير‪ ،‬ل ما يحّقق مصالحها‪ ،‬ويؤّمن مستقبلها‪ ،‬في وطنها الصغير‪ ،‬ووطنها‬
‫الكبير‪ ،‬والكبر‪.‬‬

‫و)للروح العلمية( دلئل ومظاهر أو سمات‪ ،‬كنت أشرت إليها‪ ،‬أو إلى أهمها في كتابي‪) :‬الحل السلمي فريضة‬
‫وضرورة(‪ ،‬في مجال )النقد الذاتي( للحركة السلمية‪ ،‬يحسن بي أن ُأذّكر بها هنا‪ ،‬في مجال تأكيد حاجة المة‬
‫إليها‪ ،‬وفي بعض العادة إفادة‪.‬‬

‫سمات الروح العلمية المطلوبة‪:‬‬

‫أبرز هذه السمات‪:‬‬

‫‪ .1‬النظرة الموضوعية‪ :‬إلى المواقف والشياء‪ ،‬والقوال‪ ،‬بغضّ النظر عن الشخاص‪ ،‬كما قال علي بن أبي‬
‫طالب‪ :‬ل تعرف الحق بالرجال‪ ،‬أعرف الحق تعرف أهله]‪.[6‬‬

‫ن ]النحل‪ ،43:‬النبياء‪،[7:‬‬‫ن ُكْنتُْم ل َتْعَلُمو َ‬
‫سَألوا َأْهَل الّذْكِر ِإ ْ‬
‫‪ .2‬احترام الختصاصات‪ ،‬كما قال القرآن‪َ :‬فا ْ‬
‫خِبيٍر ]فاطر‪ .[14:‬فللّدين أهله‪ ،‬وللقتصاد أهله‪ ،‬وللعسكرية‬ ‫ك ِمْثُل َ‬‫خِبيرًا ]الفرقان‪َ ،[59:‬ول ُيَنّبُئ َ‬
‫سَأْل ِبِه َ‬
‫َفا ْ‬
‫أهلها‪ ،‬ولكل فن رجاله‪ ،‬وخاصة في عصرنا‪ ،‬عصر التخصص الدقيق‪ ،‬أما الذي يعرف في الّدين‪ ،‬والسياسة‪،‬‬
‫والفنون‪ ،‬والشؤون القتصادية والعسكرية‪ ،‬ويفتي في كل شيء‪ :‬فهو في حقيقته ل يعرف شيئا‪.‬‬

‫‪ .3‬القدرة على نقد الذات‪ ،‬والعتراف بالخطأ‪ ،‬والستفادة منه‪ ،‬وتقويم تجارب الماضي تقويما عادًل‪ ،‬بعيًدا عن‬
‫النظرة )الَمْنَقِبّية(‪ :‬التي تنظر إلى الماضي عبى أنه كله مناقب وأمجاد! أو النظرة )التبريرية(‪ :‬التي تحاول أن‬
‫تبرر كل خطأ أو انحراف‪ ،‬ولو بطريقة غير مقبولة‪ ،‬ل شرعا ول وضعا‪.‬‬

‫‪ .4‬استخدام أحدث الساليب وأقدرها على تحقيق الغاية‪ ،‬والستفادة من تجارب الغير حتى الخصوم‪ ،‬فالحكمة‬
‫ضالة المؤمن‪ ،‬أنى وجدها‪ :‬فهو أحق الناس بها]‪ .[7‬وبخاصة ما يتعلق بالوسائل والليات‪ ،‬كالتقنيات ونحوها‪،‬‬
‫سَعة من استخدامها‪ :‬ما دامت تخدم مقاصدنا وغايتنا الشرعية‪.‬‬
‫فنحن في َ‬

‫‪ .5‬إخضاع كل شيء ‪-‬فيما عدا الُمسّلمات الّدينية والعقلية‪ :‬للفحص والختبار‪ ،‬والرضا بالنتائج‪ :‬كانت للنسان‬
‫أو عليه‪.‬‬

‫‪ .6‬عدم التعجل في إصدار الحكام والقرارات‪ ،‬وتبّني المواقف‪ :‬إل بعد دراسة متأّنية مبنية على الستقراء‬
‫والحصاء‪ ،‬وبعد حوار بّناء‪ ،‬تظهر معه المزايا‪ ،‬وتنكشف المآخذ والعيوب‪.‬‬

‫‪ .7‬تقدير وجهات النظر الخرى‪ ،‬واحترام آراء المخالفين في القضايا ذات الوجوه المتعددة‪ ،‬في الفقه وغيره‪،‬‬
‫ما دام لكل دليله ووجهته‪ ،‬وما دامت المسألة لم يثبت فيها نص حاسم يقطع النزاع‪ ،‬ومن المقّرر عند علمائنا‪:‬‬
‫أن ل إنكار في المسائل الجتهادية‪ ،‬إذ ل فضل لمجتهد على آخر‪ ،‬ول يمنع هذا من الحوار البّناء‪ ،‬والتحقيق‬
‫العلمي النزيه‪ :‬في ظل التسامح والحب‪.‬‬
‫‪ .8‬أن تتكون لدى أجيالنا خاصة‪) :‬العقلية العلمية(‪ ،‬التي حرصت تعاليم القرآن على إنشائها وتكوينها لدى‬
‫المسلم‪ .‬ل )العقلية العامية( الخرافية‪ ،‬التي تقبل كل ما ُيلقى إليها‪ ،‬ولو كان من الباطيل والوهام]‪.[8‬‬

‫‪ .9‬وإذا كانت العقلنية مطلوبة في َفهم الحياة وسننها‪ ،‬فهي مطلوبة كذلك في َفهم الّدين وأحكامه‪ ،‬فليس هناك‬
‫دين منطقي يقوم على مخاطبة العقل‪ ،‬ويعلل أحكامه وتشريعاته‪ ،‬وأوامره ونواهيه‪ ،‬كدين السلم‪ .‬وهو ل‬
‫يتعارض فيه نقل صحيح مع عقل صريح‪ .‬وما ظنه بعض الناس كذلك فهو مرفوض‪ ،‬ول بد أن يكون ما حسب‬
‫من العقل ليس بعقل في الواقع‪ ،‬أو ما حسب من الّدين ليس بدين في الحقيقة‪.‬‬

‫ت ِلَقْوٍم‬
‫ليا ِ‬
‫صْلَنا ا ْ‬
‫ث عليه القرآن من قديم حين قال‪َ :‬قْد َف ّ‬ ‫وطالما نادينا علماء المة أن يركنوا إلى )فقه جديد( ح ّ‬
‫ن ]النعام‪ ،[65:‬ووصف القرآن الذين كفروا‬ ‫ت َلَعّلُهْم َيْفَقُهو َ‬
‫ليا ِ‬
‫فا ْ‬
‫صّر ُ‬
‫ف ُن َ‬
‫ظْر َكْي َ‬
‫ن ]النعام‪ ،[98:‬اْن ُ‬ ‫َيْفَقُهو َ‬
‫ن ]الحشر‪ .[13:‬والمراد‬ ‫ك ِبَأّنُهْم َقْوٌم ل َيْفَقُهو َ‬
‫ن ]النفال‪ ،[65:‬كما وصف المنافقين بقوله‪َ :‬ذِل َ‬ ‫بأنهم‪ :‬ل َيْفَقُهو َ‬
‫بهذا الفقه‪ :‬فقه سنن ال في الكون والمجتمع‪ ،‬وآياته في النفس والفاق‪.‬‬

‫ونحن ندعو في فقه الّدين فقها نّيرا صحيحا‪ ،‬إلى أنواع من الفقه ل بد منها‪ ،‬لتهتدي المة صراطا مستقيما‪.‬‬

‫منها‪ :‬فقه مقاصد الشريعة‪ ،‬وعدم الوقوف عند ظاهر النص وحرفيته‪ ،‬ووجوب الغوص على الحكم والسرار‬
‫التي هدف النص إلى تحقيقها بما فيها مصالح العباد في الدنيا والخرة]‪.[9‬‬

‫ومنها‪ :‬فقه المآلت‪ ،‬أي النتائج والثار التي تترتب على الحكم أو التكليف‪ ،‬فقد ينتهي ذلك إلى المنع من أمر‬
‫عْدوًا‬
‫ل َ‬
‫سّبوا ا َّ‬
‫ل َفَي ُ‬
‫ن ا ِّ‬
‫ن ُدو ِ‬
‫ن ِم ْ‬
‫عو َ‬
‫ن َيْد ُ‬
‫سّبوا اّلِذي َ‬
‫مباح‪ ،‬لما قد يؤدي إليه من مفسدة‪ ،‬كما يشير إليه قوله‪َ :‬ول َت ُ‬
‫عْلٍم ]النعام‪.[108:‬‬
‫ِبَغْيِر ِ‬

‫ي الغارة‪ ،‬حينما‬‫ومما نأسف له‪ :‬أن هذا الفقه غاب عن بعض إخواننا من أهل العلم الشرعي‪ ،‬الذين شنوا عل ّ‬
‫ذهبت مع وفد من العلماء والدعاة إلى دولة أفغانستان لمقابلة علماء )طالبان( لنقنعهم بترك تماثيل بوذا‪ ،‬التي‬
‫صمموا على هدمها وإزالتها‪ .‬وكان هدفنا‪ :‬الدفاع عنهم قبل كل شيء‪ ،‬ل الدفاع عن التماثيل والصنام‪ ،‬كما‬
‫اتهمنا من اتهمنا بأننا جئنا لنحمي الصنام‪ ،‬ولندافع عنها‪.‬‬

‫ونحن لم يكن همنا إل الدفاع عن إخواننا‪ ،‬الذين عاداهم أهل الغرب‪ ،‬فأردنا إل يستعدوا عليهم أهل الشرق‪ ،‬من‬
‫أتباع بوذا‪ ،‬وهم بمئات المليين‪ .‬ول سيما أن هذه الصنام كانت موجودة عند الفتح السلمي وبعده بقرون‪،‬‬
‫فلم يفكر أحد في إزالتها‪ ،‬أو تشويهها‪ ،‬ويسعنا ما وسعهم‪.‬‬

‫وقد اقترح بعض الصحابة على النبي ‪ :‬أن يقتل رأس النفاق في المدينة‪ :‬عبد ال بن ُأَبي ومن معه‪ ،‬ويستريح‬
‫من شرهم وكيدهم‪ ،‬فكان جوابه‪ :‬أخشى أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه!!‬

‫أي أنه خشي من حملة إعلمية يقودها خصومه‪ ،‬تشوه ما فعله الرسول‪ ،‬وتصوره بصورة سيئة تخّوف الناس‬
‫من محمد الذي ل يأمن أحد على نفسه عنده حتى أصحابه‪.‬‬

‫وهناك‪ :‬فقه الموازانات‪ ،‬وفقه الولويات‪ ،‬وفقه الختلف‪ .‬وكلها ألوان ضرورية من الفقه المطلوب‪ .‬وكلها‬
‫توحي بتحّرر الفكر السلمي والفقه السلمي من الجمود والتقليد‪ ،‬والتمسك بفتاوى وأحكام صنعها )العقل‬
‫المسلم( لزمنه وبيئته وحل مشكلته‪ ،‬فلم تعد تلزمنا اليوم‪ ،‬لتغير الزمان والمكان والنسان‪.‬‬

‫إن على الفقيه المسلم اليوم‪ :‬أن ينظرفي الفقه الموروث]‪ [10‬نظرة عميقة جديدة‪ ،‬ليتخير منه ما يلئم عصرنا‬
‫ومحيطنا‪ ،‬ويعزل ما كان ابن مكانه وزمانه‪ ،‬وأن يقف مع الراء المختلفة والمذاهب المتنوعة‪ :‬وقفة الموازنة‬
‫والمقارنة بين الدلة‪ :‬ليختار منها ما كان أقوم قيل‪ ،‬وأهدى سبيل‪ ،‬وأرجح دليل‪ ،‬مراعيا مقاصد الشرع‪،‬‬
‫خلق‪ ،‬ول يتعبد ببعض السماء والمصطلحات التي لم يعد لها قبول في عصرنا‪ ،‬مثل مصطلح )أهل‬ ‫ومصالح ال َ‬
‫الذمة( أو )الجزية( فالمدار على المسميات ل على السماء‪ .‬وقد قال علماؤنا‪ :‬العبرة في العقود للمقاصد‬
‫والمعاني ل لللفاظ والمباني‪.‬‬
‫ولننظر فيما سماه القدمون )جهاد الطلب( وهو يقوم على التوسع والتوغل في أرض العداء‪ ،‬من باب ما‬
‫يسمونه الن‪ :‬حرب الوقاية‪ ،‬فلم نعد في حاجة إليه اليوم‪ ،‬بعد ميثاق المم المتحدة‪ ،‬واتفاق العالم على احترام‬
‫حدود الدول القليمية‪ ،‬والعمل على حّل مشاكل النزاع فيما بينها بالوسائل السلمية‪.‬‬

‫وإن قال بعضهم‪ :‬إن المقصود بهذا الجهاد نشر السلم‪ ،‬فإنا نستطيع نشر السلم بوسائل غير عسكرية‪ ،‬مثل‬
‫الذاعات الموجهة‪ ،‬والقنوات الفضائية‪ ،‬والنترنت وغيرها‪ .‬فنحن في حاجة إلى جيوش جرارة من المعلمين‬
‫والدعاة والعلميين المدربين على مخاطبة المم بألسنتها المختلفة ليبينوا لهم‪ ،‬وليس عندنا واحد من اللف‬
‫من المطلوب منا!!‬

‫وعليه أن ينظر في المور المستجدة ‪ -‬وما أكثرها‪ -‬في ضوء فقه الواقع‪ ،‬موازنا بين النصوص الجزئية‬
‫والمقاصد الكلية للشريعة‪ ،‬فل يهمل النصوص الجزئية‪ ،‬كما يدعو إلى ذلك العلمانيون والحداثيون‪ ،‬ول يغفل‬
‫ن بفقه الصحابة رضي ال عنهم‪ ،‬الذين كانوا‬ ‫المقاصد الكلية‪ ،‬كما يدعو إلى ذلك الحرفيون والجامدون‪ .‬وليست ّ‬
‫أفقه الناس للسلم‪ ،‬وأفهمهم لروحه‪ ،‬وأعرفهم بمقاصده‪ ،‬وأبصرهم بحاجات الناس‪ ،‬ومصالح العباد‪ ،‬وأكثرهم‬
‫ل ِبُكُم‬
‫ج ]الحج‪ ،[78:‬وُيِريُد ا ُّ‬
‫حَر ٍ‬
‫ن َ‬
‫ن ِم ْ‬
‫عَلْيُكْم ِفي الّدي ِ‬
‫جَعَل َ‬
‫خلق‪ ،‬مهتدين بالمنهج القرآني‪َ :‬وَما َ‬ ‫تيسيرا على ال َ‬
‫سَر ]البقرة‪ ،[185:‬وبالمنهج النبوي‪" :‬يسروا ول تعسروا‪ ،‬وبشروا ول تنفروا"]‪.[11‬‬ ‫سَر َول ُيِريُد ِبُكُم اْلُع ْ‬
‫اْلُي ْ‬

‫ابن رشد والعلمانية‪:‬‬

‫ومن أغرب ما قرأت من دعاوي العلمانيين والحداثيين‪ :‬ادعاؤهم أن العلمة الكبير أبا الوليد بن رشد الحفيد )ت‬
‫‪595‬هـ( كان علمانيا!! لنه كان يؤمن بأن هناك حقيقتين في الوجود‪ :‬حقيقة عقلية تتضمنها الفلسفة‪ ،‬وحقيقة‬
‫دينية جاء بها الوحي‪ ،‬وأن لكل منهما مجاله وأهله‪ .‬ولهذا حاربه الفقهاء‪ ،‬ووجد من السلطين ورجال الُملك‬
‫من أمر بإحراق كتبه‪.‬‬

‫وهذه إحدى دعاوى القوم الذين لم يحسنوا قراءة ابن رشد‪ ،‬ولم يستوعبوا تراثه‪ ،‬ولم يعرفوا ماذا كان عمله‬
‫في المجتمع‪.‬‬

‫لقد جهل هؤلء أن ابن رشد يعرف بـ)القاضي ابن رشد(‪ ،‬أي أن الدولة وظفته قاضيا يحتكم إليه الناس‪ ،‬فيحكم‬
‫بينهم بأحكام الشريعة‪ .‬وأن هذا الرجل كان من الموسوعيين القلئل الذين عرفهم تاريخنا‪ ،‬فقد اجتمعت له‪:‬‬

‫‪) -1‬الثقافة الشرعية( التي مثلها كتابه الفريد )بداية المجتهد ونهاية المقتصد( وهو يعد من أعظم ما كتب في‬
‫الفقه المقارن بين المذاهب المتبوعة‪ .‬وقد درس الفقه عن أبيه وجده سميه )ابن رشد الجد( صاحب المقدمات‬
‫والبيان والتحصيل‪ ،‬وأحد العقول الكبيرة في الفقه المالكي‪.‬‬

‫‪) -2‬الثقافة الفلسفية(‪ ،‬فهو يعد أعظم شراح أرسطو‪ ،‬ومن خلل شروحه عرفت أوربا أرسطو‪ ،‬واستفادت بذلك‬
‫في نهضتها‪ .‬وله كتابان من أعظم ما كتب فيما يسمى )الفلسفة السلمية( وهما‪ :‬فصل المقال‪ ،‬وكشف الدلة‬
‫عن مناهج أهل الِمّلة‪.‬‬

‫‪) -3‬الثقافة العلمية( الطبية‪ ،‬فقد كان الطب أحد شعب الفلسفة‪ ،‬وكان ابن رشد أبرز المشاركين فيه‪ ،‬إذ كان له‬
‫كتاب )الكليات( في الطب‪ ،‬الذي ترجم إلى اللتينية‪ ،‬وانتفعت به أوربا قرونا‪ ،‬وله رسائل أخرى في المجال‬
‫العلمي]‪.[12‬‬

‫ولم يكن يجد ابن رشد في هذه الثقافات تعارضا ول تناقضا‪ ،‬بل رآها يغذي بعضها بعضا‪ ،‬ويكمل بعضها بعضا‪،‬‬
‫ولم يثر ابن رشد الفيلسوف على ابن رشد الفقيه‪ ،‬ول العكس‪ .‬ولم يقل يوما‪ :‬إن هناك حقيقتين مختلفتين أو‬
‫متعارضتين‪ :‬إحداهما فلسفية‪ ،‬والخرى شرعية‪ ،‬بل كان يراهما حقيقة واحدة‪ ،‬لن الحق ل يعارض الحق‪،‬‬
‫والحقائق القطعية ل تتناقض‪ ،‬ولذا عني أن يدلل على ذلك‪ ،‬بكتابه )فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من‬
‫اتصال(‪.‬‬

‫فهناك اتصال – ل تعارض ول تناقض – بين الشريعة والحكمة‪ ،‬أو بين العقيدة والفكر‪ ،‬أو بين الدين والفلسفة‪،‬‬
‫وله كلمات نّيرة في هذا الكتاب الموجز‪.‬‬
‫وحينما كفر المام أبو حامد الغزالي الفلسفة في ثلث قضايا‪ ،‬وخطأهم في سبع عشرة‪ :‬في كتاب )تهافت‬
‫الفلسفة( حاول ابن رشد أن يدافع عن الفلسفة‪ ،‬ويرد على الغزالي في كتابه )تهافت التهافت(‪ ،‬الذي يثبت فيه‬
‫شائين( منهم‪ ،‬مثل الكندي والفارابي وابن سينا‪ ،‬ليسوا كفارا‪ ،‬وإنما هم‬
‫أن الفلسفة المسلمين‪ ،‬ول سيما )الم ّ‬
‫مسلمون‪ .‬واجتهد أن يتأول مقولتهم على وجه ل يخرجهم من السلم‪.‬‬

‫جة من جهالت الذين‬
‫إن اتهام القاضي الفقيه ابن رشد بأنه )علماني( غلط واضح‪ ،‬وجهل فاضح‪ ،‬وجهالة ف ّ‬
‫يقحمون أنفسهم على التراث‪ ،‬ولم يبذلوا يوما جهدا في هضمه وحسن َفهمه‪ ،‬ورد بعضه إلى بعض‪ ،‬وبخاصة‬
‫تراث العباقرة والفذاذ من أمثال الغزالي وابن رشد وابن تيمية وابن الوزير والشاطبي وابن خلدون وغيرهم‪.‬‬

‫ساد ابن رشد كادوا له عند المير الذي كان يجله ويقدمه‪ ،‬وزّوروا عليه‬
‫حّ‬‫كل ما في المر‪ :‬أن جماعة من ُ‬
‫أشياء لم يقلها‪ ،‬فصّدقهم المير‪ ،‬وغضب على ابن رشد‪ ،‬وأمر بإحراق كتبه‪ ،‬كما أحرقت كتب الغزالي في وقت‬
‫من الوقات‪.‬‬

‫وقد قيل‪ :‬إن المير في الخير عرف منزلة ابن رشد‪.‬‬

‫ولكن الرجل مشهود له من أهل عصره وأهل بلده‪ ،‬بالعلم والفضل وحسن السيرة والمانة والنبوغ في العقليات‬
‫والشرعيات‪ .‬ونقل الذهبي عن ابن الّبار في )تكملته( أنه قال‪ :‬لم ينشأ في الندلس مثله كمال وعلما وفضل‪،‬‬
‫وكان متواضعا منخفض الجناح‪.‬‬

‫وقالوا‪ :‬كان يفزع إلى فتواه في الطب‪ ،‬كما يفزع إلى فتواه في الفقه‪ .‬ولي قضاء قرطبة فحمدت سيرته]‪.[13‬‬

‫‪--------------------------------------------------------------------------------‬‬

‫]‪ -[1‬الدين والدولة للجابري فصل )بدل من العلمانية‪ :‬الديمقراطية والعقلنية( صـ ‪ .114 - 108‬طبعة مركز‬
‫دراسات الوحدة العربية‪ .‬بيروت‪ .‬لبنان‪.‬‬

‫]‪ -[2‬العروبة والعلمانية لجوزيف مغيزل‪ .‬دار النهار للنشر‪ .‬بيروت‪1980 .‬م‪.‬‬

‫]‪ -[3‬انظر‪ :‬القومية العربية والسلم‪ :‬بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة‬
‫العربية‪ .‬بحث د‪ .‬كمال أبو المجد )نحو صيغة جديدة للعلقة بين العروبة والسلم( صـ ‪.531 – 529‬‬

‫]‪ -[4‬انظر‪ :‬موسوعة للند‪ :‬المجلد الثالث صـ ‪ 1173 ،1172‬منشورات عويدات للطباعة والنشر‪ .‬بيروت –‬
‫باريس‪.‬‬

‫]‪ -[5‬انظر‪ :‬كتابنا )العقل والعلم في القرآن الكريم( فصل )تكوين العقلية العلمية في القرآن( صـ ‪.282 -249‬‬

‫]‪ -[6‬فيض القدير للمناوي ‪.1/17 :‬‬

‫]‪ -[7‬إشارة إلى حديث‪" :‬الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها"‪ ،‬وقد رواه الترمذي في‬
‫العلم )‪ (2687‬عن أبي هريرة‪ ،‬وقال‪ :‬هذا حديث غريب ل نعرفه إل من هذا الوجه‪ ،‬وابن ماجه في الزهد )‬
‫‪ ،(4169‬وضعفه اللباني في ضعيف الترمذي )‪.(506‬‬

‫]‪ -[8‬انظر‪ :‬كتابنا )الصحوة السلمية من المراهقة إلى الرشد( فصل )من العاطفية والغوغائية إلى العقلنية‬
‫والعلمية( صـ ‪ 115 – 84‬طبعة دار الشروق بالقاهرة‪.‬‬

‫]‪ -[9‬راجع ما كتبناه في فصل )السياسة بين النص والمصلحة( صـ ‪ 64‬وما بعدها‪.‬‬
‫]‪ -[10‬انظر‪ :‬كتابنا )شريعة السلم صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان( فصل‪) :‬كيف نختار من تراثنا‬
‫الفقهي؟( صـ ‪ .104 -79‬طبعة وهبة الخامسة ‪1997‬م‪.‬‬

‫]‪ -[11‬رواه البخاري في العلم )‪ (69‬عن أنس‪ ،‬ومسلم في الجهاد والسير )‪ ،(1734‬وأحمد في المسند )‬
‫‪ ،(13175‬وأبو داود في الدب )‪.(4794‬‬

‫]‪ -[12‬منها‪ :‬شرح الرجوزة لبن سينا في الطب‪ ،‬وشرح كتاب السماء والعالم لرسطو‪ ،‬وشرح كتاب النفس‪،‬‬
‫والحيوان‪ ،‬والكليات في الطب‪ ،‬وغيرها‪.‬‬

‫]‪ -[13‬سير أعلم النبلء للذهبي )‪.(210 - 21/207‬‬

‫دعوى العلمانية السلمية!!‬

‫الفصل الثاني‬

‫دعوى العلمانية السلمية!!‬

‫ومن غرائب ما ذكره بعض الليبراليين الجدد‪ ،‬مّمن يعيشون في أمريكا‪ ،‬ويدورون في فلكها الفكري والسياسي‪:‬‬
‫ما يسمونه )العلمانية السلمية(!!‬

‫ول أدري كيف تكون العلمانية إسلمية؟! هل يقبل أن نقول‪ :‬الشيوعية السلمية؟!! أو )اللدينية السلمية(؟!!‬

‫إن العلمانية معناها‪ :‬فصل الّدين عن الدولة‪ ،‬بل فصل الّدين عن حياة المجتمع‪ ،‬بحيث يبقى المجتمع معزول عن‬
‫الّدين وتوجيهاته وتشريعاته‪ ،‬فهذا هو مفهوم العلمانية المعروف عند الناس في الشرق والغرب‪ .‬فكيف يكون‬
‫هذا المفهوم إسلميا؟‬

‫هل يقر السلم على نفسه أن ُيعزل عن توجيه الدولة والتشريع لها‪ ،‬بل عن حياة الناس والمجتمع كله‪ ،‬وتبقى‬
‫الحياة الجتماعية والقتصادية والسياسية بغير دين؟‬

‫حا للشارة إلى‪ :‬مدخل‬
‫تذكر )موسوعة العلوم السياسية( الكويتية‪ :‬أن العلماني عكس الّديني‪ ،‬ويستخدم اصطل ً‬
‫للحياة ينفصل تماًما عن الّدين‪ ،‬ويتشكل كلية باهتمامات زمنية دنيوية‪ .‬وهي على المستوى الشخصي تعني‪:‬‬
‫س والشعور الّديني من نظرة الفرد إلى جميع المور التي تتعّلق بحياته وعلقاته وسلوكياته‪،‬‬
‫استبعاد الح ّ‬
‫ومعاملته السياسية وغيرها‪.‬‬

‫والعلمانية على المستوى العام هي‪ :‬المذهب الذي يؤمن بضرورة إبعاد المؤسسات والمضامين الدينية عن‬
‫ممارسة أي تأثير في أي من مجالت الحياة! بما في ذلك التعليم والتشريع والدارة]‪.[1‬‬

‫وهكذا ترى جميع الباحثين من كل التجاهات يرون التناقض بين العلمانية والّدين‪ ،‬لن العلمانية هي )اللدين(‬
‫فكيف تلتقي مع الّدين؟!‬

‫يقول هذا الُمّدعي‪:‬‬

‫)العلمانية السلمية مصطلح جديد نطرحه اليوم]‪ .[2‬وهو مصطلح ُمفزع ومقلق لكثير من رجال الّدين وبعض‬
‫الليبراليين الرومانسيين‪ .‬وهو مصطلح جديد في التسمية ولكنه قديم في التطبيق‪ .‬نري أن العمل به الن هو‬
‫الدواء الناجع والواقعي والعملي للرد علي بعض رجال الّدين من اتهام العلمانية والعلمانيين العرب باللحاد‪.‬‬
‫ومن ذلك قول راشد الغنوشي من أن الطرح العلماني لعلقة الّدين بالدولة متأثر بالنمط الغربي ول سيما في‬
‫صورته الفرنسية والشيوعية المتطرفة )مبادئ الحكم والسلطة في السلم( وقول الشيخ يوسف القرضاوي من‬
‫أن العلمانية إلحاد كما في كتابه )السلم والعلمانية وجًها لوجه‪1987 ،‬م(‪.‬‬
‫فإذا أردنا الصلح العلماني السياسي علي وجه الخصوص‪ ،‬فليكن من داخل السلم وليس من خارجه‪.‬‬
‫والعلمانية هي طريق الصلح‪ .‬ول طريق لعلمانية تطبيقية غير طريق العلمانية السلمية التي نجح في‬
‫تطبيقها أول الحكام العلمانيين العرب المسلمين‪ ،‬وهو الخليفة معاوية بن أبي سفيان(]‪.[3‬‬

‫وهذا القول الذي قاله الكاتب الذي يلقي الكلم على عواهنه دون تمحيص ول تدقيق‪ :‬مليء بالخطاء‪ ،‬بل‬
‫الكاذيب‪.‬‬

‫ي أني أقول‪ :‬إن العلمانية إلحاد‪ ،‬ونسب ذلك إلى كتابي )السلم والعلمانية وجها لوجه( ومن‬
‫‪ .1‬فقد ادعى عل ّ‬
‫قرأ ما كتبته في فقرة )العلمانية واللحاد( وجد قولي صريحا‪ :‬أن العلمانية ل تعني بالضرورة اللحاد‪ ،‬فهو ليس‬
‫من اللوازم الذاتية لفكرة العلمانية كما نشأت في الغرب‪ .‬فإن الذين نادوا بها لم يكونوا ملحدة ينكرون وجود‬
‫ال‪ ،‬بل هم ينكرون تسلط الكنيسة على شؤون العلم والحياة فحسب ‪ ...‬الخ‬

‫كل ما قلُته‪ :‬أن المسلم العربي الذي يقبل العلمانية يكون في جبهة المعارضة للسلم‪ ،‬وخصوصا فيما يتعّلق‬
‫بتحكيم الشريعة ‪ ...‬وقد تنتهي به علمانيته إلى الكفر إذا أنكر ما هو معلوم من الّدين بالضرورة]‪ .[4‬وهذا غير‬
‫ي الكاتب المريكاني!!‬
‫ما يدعيه عل ّ‬

‫وزعم الرجل أن أول من نجح في تطبيقه العلمانية السلمية‪ ،‬هو معاوية ابن أبي سفيان‪ ،‬أول الحكام‬ ‫‪.2‬‬
‫العلمانيين المسلمين في رأيه‪.‬‬

‫وهذا افتراء على معاوية‪ ،‬كما بينا ذلك في كتابنا )تاريخنا المفترى عليه( فكيف يقبل المجتمع المسلم في عصر‬
‫الصحابة والتابعين‪ :‬العلمانية‪ ،‬وهو في )خير القرون( التي أثنى عليها النبي صلى ال عليه وسلم؟ ولو رضي‬
‫بذلك معاوية ما رضي بذلك المجتمع المسلم في ذلك العهد‪.‬‬

‫وإذا كان معاوية علمانيا‪ ،‬مخالفا لنهج الرسول وخيرة أصحابه‪ ،‬كما يزعم الكاتب‪ ،‬فكيف نتخذه أسوة لنا‪ ،‬وقد‬
‫حرف الّدين واتبع غير سبيل الراشدين؟! وكيف يكون الفلح في هذا المنهج المنحرف؟؟‬

‫‪ .3‬ولم يكتف هذا الرجل بالكذب على معاوية‪ ،‬فقد كذب على عثمان‪ ،‬الخليفة الثالث‪ ،‬صهر رسول ال‪،‬‬
‫والمبشر بالجنة‪ ،‬وأحد السابقين الولين من المهاجرين‪ ،‬الذين أثنى عليهم القرآن في سورة التوبة]‪ ،[5‬وأحد‬
‫الباذلين في سبيل نصرة السلم‪ .‬واتهمه الكاتب بالعلمانية‪ ،‬وأنه كان يعذب المعارضين لسياسته مثل أبي ذر‬
‫الذي نفاه إلى الربذة‪ ،‬وكتب التاريخ تقول‪ :‬إن أبا ذر هو الذي طلب منه ذلك‪ .‬واتهمه أيضا بأنه هو الذي صنع‬
‫تاج بني أمية‪ ،‬ووضعه على رأس معاوية‪ ،‬الذي أكمل علمانية عثمان وزاد عليها‪.‬‬

‫‪ .4‬وأكثر من ذلك‪ :‬أن هذا الكاتب تطاول على الرسول الكريم نفسه‪ ،‬وزعم أنه وزع غنائم حنين على أهله‬
‫وعشيرته وحرم النصار‪ ،‬أي اتهمه بالمحاباة والظلم‪ ،‬وجعل من قبيلته قريش صاحبة الحق الوحيدة في‬
‫الخلفة عندما قال‪" :‬الئمة منا أهل البيت" ‪ ،‬وكذلك‪" :‬الئمة من قريش"‪ .‬انتهى‪.‬‬

‫وهذا كلم غير دقيق عن رسول ال‪ ،‬فهو لم يعط أحدا من أهله وعشيرته من بني هاشم‪ ،‬أو بني عبد مناف‪ ،‬بل‬
‫طَفان وَفَزاَرة وغيرهم‪ ،‬من باب تأليف‬
‫أعطى بعض الناس من قريش كما أعطى غيرهم من قبائل العرب كَغ َ‬
‫القلوب‪ ،‬وهو ما جعله القرآن مصرًفا من مصارف الزكاة‪ .‬فهو في هذا التأليف لقلوب بعض الزعماء‪ ،‬وبعض‬
‫القبائل‪ ،‬يسير في ضوء القرآن‪ ،‬ويطبق حكم القرآن‪.‬‬

‫أما حديث "الئمة منا أهل البيت" فلم يصح عن رسول ال ‪ ،‬ولذا لم يعتمده أهل السنة وهم جمهور المة‪.‬‬

‫أما حديث‪" :‬الئمة من قريش" فقد اشتهر بين العلماء‪ ،‬ولكن الشهرة ل تعني دائما‪ :‬الصحة‪ .‬ومما يشّكك في‬
‫ثبوته‪ :‬أنه لو كان معروفا لدى النصار‪ ،‬ما قال قائلهم يوم السقيفة‪ :‬منا أمير ومنكم أمير‪ .‬وهم ليسوا من‬
‫ح‪ .‬ولكنه لجأ إلى ترجيح‬
‫جة لو ص ّ‬
‫قريش‪ ،‬ولو كان معروًفا لدى المهاجرين‪ ،‬لرّد به عليهم أبو بكر‪ ،‬وكفى به ح ّ‬
‫المهاجرين باعتبارات اجتماعية‪ ،‬كقوله‪ :‬إن العرب ل تدين إل لهذا الحي من قريش!‬
‫وعلى كل حال لم يرد الحديث في الصحيحين ول أحدهما‪ ،‬وإنما ورد بأسانيد لم يسلم سند فيها من مقال‪ ،‬وإنما‬
‫ححه بكثرة طرقه وشواهده‪ .‬كما قال محققو المسند في تخريج الحديث )‪ (12307‬عن أنس‪ :‬إن‬ ‫ححه من ص ّ‬‫صّ‬
‫ححوه بكثرة طرقه الضعيفة!‬ ‫إسناده ضعيف لجهالة راويه‪ :‬بكير بن وهب الجزري ‪ ...‬ولكن ص ّ‬

‫ورأيي‪ :‬أن الحاديث الخطيرة التي تقّرر مبادئ وأصوًل هامة للحياة السلمية‪ ،‬ل يجوز أن يقبل فيها ما كان‬
‫حح بكثرة طرقه‪ ،‬ول سيما أن الئمة المتقدمين مثل‪ :‬ابن مهدي وابن المديني وابن‬ ‫صّ‬‫ضعيفا بأصله‪ ،‬وإنما ُ‬
‫معين والبخاري وغيرهم‪ ،‬ما كانوا يعتمدون على كثرة الطرق هذه‪ ،‬إنما اشتهرت بين المتأخرين‪.‬‬

‫وهذا الحديث بألفاظه المختلفة هو عمدة القائلين باشتراط القرشية في نسب المام أو الخليفة‪ ،‬وخالف في ذلك‬
‫الخوارج وبعض المعتزلة وغيرهم‪ .‬وزعم بعضهم أنهم خالفوا الجماع في ذلك‪.‬‬

‫ي‪،‬‬
‫عِمل بهذا القول‪ :‬من قام بالخلفة من الخوارج على بني أمية كَقطر ّ‬ ‫ورّد عليهم العلمة الحافظ ابن حجر بأنه َ‬
‫ودامت فتنتهم أكثر من عشرين سنة‪ ،‬حتى أبيدوا‪ ،‬وكذا من تسمى بأمير المؤمنين من غير الخوارج كابن‬
‫الشعث‪ ،‬ثم من قام في قطر من القطار في وقت ما فتسمى بالخلفة‪ ،‬وليس من قريش‪ ،‬كبني عّباد وغيرهم‬
‫بالندلس‪ ،‬وكعبد المؤمن وذريته‪ ،‬ببلد المغرب كلها‪ ،‬وهؤلء ضاَهوا الخوارج في هذا‪ ،‬ولم يقولوا بأقوالهم‪،‬‬
‫ول تمذهبوا بمذهبهم‪ ،‬بل كانوا من أهل السنة الداعين إليها‪.‬‬

‫عياض‪ :‬اشتراط كون المام قرشيا مذهب كافة العلماء‪ ،‬وقد عّدوها في مسائل الجماع‪ ،‬ول اعتداد بقول‬‫قال ِ‬
‫الخوارج وبعض المعتزلة‪.‬‬

‫قال ابن حجر معلقا‪ :‬ويحتاج من نقل الجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر‪ ،‬فقد أخرج أحمد عنه بسند رجاله‬
‫ثقات‪ ،‬أنه قال‪" :‬إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته‪ ،‬فإن أدركني أجلي بعده استخلفت معاذ بن جبل"]‬
‫‪.[6‬‬

‫ومعاذ أنصاري ل قرشي‪ ،‬فيحتمل أن يقال‪ :‬لعل الجماع انعقد بعد عمر أو رجع عمر]‪.[7‬‬

‫على أن هذا الجماع لو صح قد يكون سنده ارتباط المصلحة في ذلك الزمن بكون الخليفة من قريش‪ِ ،‬لَما كان‬
‫لهم من المكانة والغلبة على غيرهم من العرب‪ ،‬أي أنهم أهل الحماية والعصبية‪ ،‬كما شرح ذلك ابن خلدون في‬
‫جة ُملِزمة على وجه الدوام‪ .‬فإذا تغيرت المصلحة‬‫مقدمته‪ ،‬والجماع إذا كان سنده مصلحة زمنية ل يكون ح ّ‬
‫التي كانت سند الجماع‪ ،‬فلم يعد للجماع المتقدم حجية‪.‬‬

‫ولهذا نرى أن دعوى الكاتب فيما سّماه )العلمانية السلمية( ل أساس لها من العلم أو الدين أو التاريخ‪.‬‬

‫ولو دعا هذا الكاتب إلى )العلمية( لنتخذها منهاجا للمة بدل الغوغائية والرتجالية‪ ،‬والعشوائية‪ ،‬لكنا أول‬
‫المرحبين بذلك‪ .‬وقد دعونا إلى ذلك في كثير من كتبنا]‪ .[8‬أما الدعوة إلى العلمانية‪ ،‬ووصفها بـ)السلمية( فهو‬
‫عْلم‬
‫ل بَغيِر ِ‬
‫ن ُيجاِدُل في ا ِ‬
‫ن الّناس َم ْ‬
‫قول ينقض آخره أوله‪ ،‬ول يقوم على أساس‪ ،‬وهو كما يقول ال تعالى‪ :‬وِم َ‬
‫سِبيل ال ]الحـج‪.[8،9:‬‬
‫ضّل عن َ‬
‫طِفِه ِلُي ِ‬
‫عْ‬‫ي ِ‬
‫ول ُهًدى ول ِكَتاب ُمِنير * َثاِن َ‬

‫‪--------------------------------------------------------------------------------‬‬

‫]‪ -[1‬انظر‪ :‬موسوعة العلوم السياسية‪ :‬مادة )العلمانية( فقرة )‪ (204‬صـ ‪.299 ،298‬‬

‫]‪ -[2‬قائل هذا هو شاكر النابلسي الردني الذي يعيش في أمريكا‪ ،‬والذي نصب نفسه محاميا عن سياسة أمريكا‬
‫المتحيزة للصهيونية‪ ،‬وخصوصا سياسة اليمين المتطرف المتصهين‪ ،‬وعلى رأسه بوش‪ ،‬الذي يتصرف وكأنه‬
‫يوحى إليه من السماء‪ .‬ومقال الكاتب ملئ بالجهالت والفتراءات والمغالطات‪ ،‬ولنه يعلم أن مقاله ل يكاد يقرأه‬
‫أحد‪ ،‬يقول ما يشاء‪ ،‬فلن يعنى أحد بالرد عليه‪.‬‬
‫]‪ -[3‬عن صحيفة )الراية( القطرية‪ .‬الثلثاء ‪14/3/2006‬م‪ .‬ومما نأسف له أن تفتح الصحيفة أبوابها لمثل هذا‬
‫الهراء‪.‬‬

‫]‪ -[4‬انظر‪ :‬كتابنا )السلم والعلمانية وجها لوجه( صـ ‪.64 - 63‬‬

‫]‪ -[5‬في قوله تعالى‪ :‬والسابقون الولون من المهاجرين والنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي ال عنهم‬
‫ورضوا عنه ]التوبة‪ ،[100:‬ول خلف أن عثمان من هؤلء السابقين الذين لم يكتف القرآن بالثناء عليهم‪ ،‬بل‬
‫أثنى على من اتبعهم بإحسان‪ ،‬وأعلن رضا ال عنهم‪ ،‬ورضاهم عن ال ‪ ...‬إلى آخر الية‪.‬‬

‫]‪ - [6‬رواه أحمد في المسند)‪ (108‬وقال محققوه‪ :‬حسن لغيره وهذا إسناد رجاله ثقات‪.‬‬

‫]‪ - [7‬انظر‪ :‬فتح الباري )‪.(13/119‬‬

‫]‪ -[8‬انظر على سبيل المثال‪ :‬كتابنا )الصحوة السلمية من المراهقة إلى الرشد( فصل‪ :‬من العاطفة‬
‫والغوغائية إلى العقلنية والعلمية صـ ‪ 115 - 84‬وانظر‪ :‬كتابنا )العقل والعلم في القرآن الكريم( وكتابنا‬
‫)الرسول والعلم(‪.‬‬

‫القليات السلمية والسياسة‬

‫الباب الخامس‬

‫القليات السلمية والسياسة‬

‫هذا الباب الخير في هذا الكتاب‪ ،‬ويتكون من فصل واحد‪ ،‬يعد غاية في الهمية؛ فإن ما قلناه في البواب‬
‫السابقة يتعّلق بـ)الّدين والسياسة( بصفة عامة‪ ،‬أي في البلد التي يسميها الفقهاء )دار السلم( ويكون‬
‫المسلمون فيها هم أصحاب السلطان‪ ،‬ولهم الحق في أن يعيشوا في ظل السلم‪ ،‬توجههم عقيدته‪ ،‬وتحكمهم‬
‫شريعته‪ ،‬وتسودهم مفاهيمه وقيمه وأخلقه وتقاليده‪.‬‬

‫الوجود السلمي في الغرب‪:‬‬

‫هذا الباب يدور حول ما ينبغي للقليات المسلمة في المجتمعات غير السلمية أن تفعله‪ ،‬وهذه القليات المسلمة‬
‫هي التي ُتمثل الوجود السلمي في البلد غير السلمية‪ ،‬ول سيما في بلد الغرب‪.‬‬

‫وأبادر فأقول‪ :‬أن من الخير للمسلمين‪ ،‬ومن الخير للغربيين‪ :‬أن يكون هناك وجود إسلمي في الغرب‪ ،‬يتعامل‬
‫الغربيون معه مباشرة دون وسيط‪ ،‬على خلف ما يراه بعض المتشددين من المسلمين‪ :‬أنه ل يجوز القامة في‬
‫هذه البلد )بلد الكفر كما يسميها(‪ ،‬كما ل يجوز الحصول على جنسيتها‪ ،‬التي يعتبرها من كبائر الثم‪.‬‬

‫ولقد عقدت في فرنسا منذ بضعة عشر عاما‪ :‬ندوة فقهية علمية حضرها عدد من كبار العلماء]‪ ،[1‬وكان لي‬
‫شرف المشاركة فيها‪ ،‬ناقشنا فيها هذه القضايا‪ :‬مثل القامة في ديار الغرب‪ ،‬والحصول على جنسيتها‪ ،‬وكان‬
‫رأي الغلبية إجازة ذلك بشروطه]‪ ،[2‬وأن هذا يتفق مع عالمية الرسالة السلمية‪ ،‬ويتفق مع تقارب العالم‬
‫الذي أمسى قرية واحدة‪ ،‬ويتفق مع مسعى العقلء من الغربيين‪ :‬المسلمين والغربيين إلى التفاهم والتقارب‬
‫وإزالة الجفوة‪ ،‬والتحّرر من رواسب التاريخ‪ ،‬والعمل على إقامة تعايش مشترك‪ ،‬يقوم على التسامح ل‬
‫التعصب‪ ،‬والتعارف ل التناكر‪ ،‬والحوار ل الصدام‪ ،‬والتعاون ل التشاحن‪.‬‬

‫سرت وجوده‪ ،‬دون تخطيط ول‬ ‫والحمد ل أن قام الوجود السلمي في الغرب بأقدار إلهّية‪ ،‬وأسباب طبيعية‪ ،‬ي ّ‬
‫ترتيب منا نحن المسلمين‪ ،‬فينبغي لنا أن نعمل على أن يكون هذا الوجود السلمي همزة الوصل بيننا وبين‬
‫الغربيين‪ ،‬تعين على تواصل المسلمين بغيرهم‪ ،‬وتمحو الفكار الخاطئة الراسبة في أذهان البعض منهم‪ ،‬وترّد‬
‫على الشبهات التي قد َتعرض لهم‪.‬‬
‫وهذا ما يقوم به المجلس الوربي للفتاء والبحوث منذ تأسيسه إلى اليوم‪ ،‬في فتاواه التي يصدرها‪ ،‬وتوصياته‬
‫التي يوجهها‪ ،‬وبياناته التي يعلنها في كل دورة من دوراته‪ ،‬ينصح فيها المسلمين في الغرب‪ :‬أن يكونوا أقلّية‬
‫فاعلة ناشطة مؤّدية لواجباتها‪ ،‬خادمة لمجتمعاتها‪ ،‬غير ُمنعزلة عنها‪ ،‬ول ُمنسحبة منها‪ ،‬ومن قرأ فتاوى‬
‫المجلس وقراراته وتوصياته وبياناته خلل الدورات التي عقدها‪ :‬تبّين له بجلء صحة ما نقول‪.‬‬

‫ولقد رددت على بعض المتشددين من العلماء والدعاة الذين يرفضون الوجود السلمي في الغرب‪ ،‬وفي غيره‬
‫من البلد المختلفة التي يعيش فيها غير المسلمين‪ ،‬في الشرق والغرب‪ ،‬سواء كانوا من أهل الكتاب‬
‫كالمسيحين‪ ،‬أم من الوثنيين‪ُ ،‬منّبها هنا إلى أمر مهم‪ ،‬وهو‪ :‬أن الوجود السلمي لكثير من القليات‪ ،‬هو وجود‬
‫أصلي‪ ،‬أعني‪ :‬أنهم من أهل البلد الصليين‪ ،‬وليسوا طارئين ‪ ،‬مثل القليات السلمية في الهند والصين‬
‫وتايلند وبورما وغيرها من بلد آسيا‪ ،‬ومثل كثير من القليات السلمية في عدد من أقطار إفريقيا‪.‬‬

‫)أعتقد أن من الضروري للسلم في هذا العصر أن يكون له وجود في تلك المجتمعات المؤثرة على سياسة‬
‫العالم‪.‬‬

‫الوجود السلمي ضرورة في أوربا والمريكتين وأستراليا من عدة أوجه‪:‬‬

‫ضرورة تبيلغ السلم‪ ،‬وإسماع صوته‪ ،‬ودعوة غير المسلمين إليه‪ .‬بالكلمة والحوار والسوة‪.‬‬

‫وهو ضرورة لحضانة َمن يدخل في السلم ومتابعته وتنمية إيمانه‪ ،‬وتهيئة مناخ إسلمي يساعد على الحياة‬
‫السلمية الصحية‪.‬‬

‫وهو ضرورة لستقبال الوافدين و)المهاجرين( حتى يجدوا لهم )أنصارا( يحبون َمن هاجر إليهم‪ ،‬ويهيئون لهم‬
‫جّوا يتنفسون فيه السلم‪.‬‬

‫وهو ضرورة للدفاع عن قضايا المة السلمية‪ ،‬والرض السلمية‪ ،‬في مواجهة القوى والتيارات المعادية‬
‫والمضللة‪.‬‬

‫ول بد أن يكون للمسلمين تجمعاتهم الخاصة في وليات ومدن معروفة‪ ،‬وأن تكون لهم مؤسساتهم الدينية‪،‬‬
‫والتعليمية‪ ،‬بل والترويحية‪.‬‬

‫وأن يكون لهم علماؤهم وشيوخهم‪ ،‬الذين يجيبونهم إذا سألوا‪ ،‬ويرشدونهم إذا جهلوا‪ ،‬ويوفقون بينهم إذا‬
‫اختلفوا‪.‬‬

‫محافظة دون انغلق‪ ،‬وانفتاح دون ذوبان‪:‬‬

‫ت للخوة في ديار الغربة‪ :‬حاولوا أن يكون لكم مجتمعكم الصغير داخل المجتمع الكبير‪ ،‬وإل ُذبتم فيه كما‬‫وقد قل ُ‬
‫يذوب الملح في الماء‪.‬‬

‫اجتهدوا أن يكون لكم مؤسساتكم الّدينية‪ ،‬والتربوية‪ ،‬والثقافية‪ ،‬والجتماعية‪ ،‬والتروحّية‪ ،‬وهذا ل يتّم إل‬
‫ب والتعاون‪ ،‬فالمرء قليل بنفسه‪ ،‬كثير بإخوانه‪ ،‬ويد ال مع الجماعة‪.‬‬‫بالتحا ّ‬

‫إن الذي حافظ على شخصية اليهود طوال التاريخ الماضي هو مجتمعهم الصغير المتميز بأفكاره وشعائره‪ ،‬وهو‬
‫)حارة اليهود(‪ ،‬فاعملوا على إيجاد )حارة المسلمين(‪.‬‬

‫ل أدعو إلى انغلق على الذات‪ ،‬وعزلة عن المجتمع‪ ،‬فهذا والموت سواء‪ ،‬ولكن المطلوب هو انفتاح دون‬
‫ذوبان‪ ،‬هو انفتاح صاحب الدعوة الذي يريد أن يفعل ويؤثر‪ ،‬ل الُمقلد المستسلم الذي غدا كل همه أن يساير‬
‫سنن القوم شبرا بشبر‪ ،‬وذراعا بذراع!‬
‫ويتأثر‪ ،‬ويتبع َ‬

‫إننا نشكو من مدة من نزيف العقول العربية والسلمية‪ ،‬من العقول المهاجرة من النوابغ والعبقريات في‬
‫مختلف التخصصات الحيوية والهامة‪ ،‬التي وجدت لها مكانا في ديار الغتراب‪ ،‬ولم تجد لها مكانا في أوطانها‪.‬‬
‫فإذا كانت هذه حقيقة واقعة‪ ،‬فل يجوز لنا بحال أن ندع هذه العقول الكبيرة تنسى عقيدتها‪ ،‬وأمتها وتراثها‪،‬‬
‫ودارها‪ ،‬ول مفر لنا من بذل الجهد معها حتى تكون عقولها وقلوبها مع أوطانها وشعوبها‪ ،‬مع أهليهم وإخوتهم‬
‫وأخواتهم‪ ،‬دون أن تفرط في حق الوطن الذي تعيش فيه وتنتسب إليه‪.‬‬

‫وإنما يتحقق ذلك إذا ظّل ولؤهم ل ولرسوله وللمؤمنين‪ ،‬وظلت هموم أمتهم تؤرقهم‪ ،‬ولم تشغلهم مصالحهم‬
‫الخاصة عن قضايا أمتهم العامة‪ ،‬كما يفعل ذلك يهود العالم أينما كانوا من أجل إسرائيل‪.‬‬

‫وهذا هو واجب الحركة السلمية‪ :‬أل تدع هؤلء لدوامة التيار المادي والنفعي السائد في الغرب‪ ،‬تبتلعهم‪ ،‬وأن‬
‫ُيذّكروا دائما بأصلهم الذي يحنون دائما إليه(]‪.[3‬‬

‫وإذا كان الوجود السلمي قائما في بلد الغرب‪ ،‬وله حضوره الّديني والثقافي والجتماعي‪ ،‬وأحيانا‬
‫القتصادي‪ ،‬فمن الطبيعي والمنطقي أن يحاول استكمال حضوره السياسي‪ .‬إذ أصبحت السياسة تتدخل في كل‬
‫شيء‪ ،‬وإذا تركنا السياسة‪ ،‬فإن السياسة ل تتركنا‪.‬‬

‫لهذا كان ل بد من الجابة على تساؤلت عدة هنا تطرحها القليات السلمية التي تعيش في الغرب‪ ،‬وبعضها‬
‫من أهل البلد‪ ،‬وبعضها مهاجرون استوطنوا وحصلوا على جنسية البلد‪ ،‬وباتوا جزءا من أهلها‪.‬‬

‫هل تكتفي بالّدين وتنعزل عن السياسة؟ أو تتمسك بالّدين وتدخل في السياسة؟ وإذا دخلت في السياسة فهل‬
‫تدخل فيها مشاركة لغيرها من الحزاب‪ ،‬أو مستقلة بذاتها؟ فهل يجوز المشاركة في الحزاب العلمانية؟ وهل‬
‫يجوز إنشاء حزب يفرض عليه أن يلتزم بدستور البلد؟ وهل يجوز للمسلم الترشح للمجالس النيابية على‬
‫أساس هذه الوضاع؟ ثم إن دخول المسلم في السياسة‪ ،‬يلزم منه القرار بالدساتير الوضعية القائمة في الدول‬
‫الغربية وغيرها؟‬

‫وإذا نجح المسلم في النتخابات‪ ،‬ودخل المجلس النيابي‪ :‬يلزم منه أن يقسم على احترام النظام العام والعمل‬
‫بالدستور‪ ،‬فهل يتفق هذا مع عقيدة السلم؟ ومع أحكام الشريعة؟‬

‫هذه تساؤلت تطرح في ساحة القليات في كل مكان في أوربا وغيرها‪.‬‬

‫بل أقول‪ :‬إن هذه التساؤلت نفسها تطرحها بعض الفصائل السلمية في كثير من أقطار السلم ذاتها‪.‬‬

‫ومن هذه الفئات‪ :‬من يرى تحريم تكوين الحزاب السياسية‪ ،‬ويعدها بدعة محدثة‪ ،‬وضللة في الّدين‪.‬‬

‫ومنهم من يرى تحريم الدخول في النتخابات‪ ،‬والسعي إلى عضوية المجالس النيابية‪ ،‬بل بعضهم يراها ضد‬
‫العقيدة‪ ،‬ويسميها )المجالس الشركية( وبعضهم ألف رسالة سماها )القول السديد في أن دخول المجلس‬
‫)النيابي( ينافي التوحيد(!‬

‫وبعضهم يعترض على صيغة القسم التي يقسمها العضاء على احترام الدستور‪ ،‬وإطاعته إلخ‪ .‬وبعض‬
‫السلميين حّل هذا الشكال‪ ،‬بقوله بعد كلمة الطاعة في القسم‪) :‬في غير معصية(‪ ،‬يقولها بصوت مسموع‪.‬‬

‫فإذا كان هذا يقال في داخل بلدنا السلمية‪ ،‬فماذا عسى أن يقال في خارج البلد السلمية؟‬

‫ومن هنا ل ينبغي أن تستمد القلية المسلمة فقهها السياسي من هذه الفئات التي َبُعَد بها )الغلو( عن سواء‬
‫الصراط‪ ،‬فهذه الفئات ترى الوجود السلمي في هذه البلد محظورا ل يجاز إل من باب الضرورات‪ ،‬وهي ترى‬
‫العيش في هذه البلد من باب الضطرار‪ ،‬كما يضطر المرء إلى استخدام المراحيض‪ ،‬برغم ما بها من نجاسة!‬
‫كما قال بعضهم!‬

‫ومن هؤلء من ُيحّرم على المسلم الحصول على جنسية هذه الدول‪ ،‬وقد يكّفر من حصل عليها‪ ،‬لنه يعتبرها‬
‫ن َيتَوّلُهم ِمنُكم فإّنُه ِمنُهم ]المائدة‪.[51:‬‬
‫من الولء للكفار]‪ ،[4‬وقد قال تعالى‪ :‬وَم ْ‬
‫ومنهم من يحرم مجرد القامة في هذه البلد إل لضرورة‪ ،‬والضرورة تقدر يقدرها‪ .‬ولهم في ذلك شبهات رد‬
‫عليها المحققون من العلماء‪.‬‬

‫إن مزية الشريعة السلمية‪ :‬أنها شريعة واقعية‪ ،‬تراعي حاجات النسان ومطالبه‪ ،‬روحية كانت أو مادية‪،‬‬
‫دينية كانت أو سياسية‪ ،‬ثقافية كانت أو اقتصادية‪ ،‬سواء كان يعيش في المجتمع المسلم أم خارج المجتمع‬
‫المسلم‪ ،‬وأنها في كل ما شرعته من أحكام‪ :‬تيسر ول تعسر‪ ،‬وترفع الحرج‪ ،‬وتمنع الضرر والضرار‪ ،‬ول سيما‬
‫من يعيش خارج المجتمع المسلم‪ ،‬فهو أولى بالتخفيف ورعاية الحاجات‪.‬‬

‫ومن حاجة القلية المسلمة‪ :‬أن تعيش متمسكة بدينها وعقيدتها وشعائرها وقيمها وآدابها‪ ،‬ما دامت ل تؤذي‬
‫غيرها‪ ،‬وأن تندمج في المجتمع الذي تحيا فيه‪ُ ،‬تنتج وُتبدع‪ ،‬وتبني وترقى‪ ،‬وُتشارك في كل أنشطته‪ ،‬تفعل‬
‫الخير‪ ،‬وُتشيع الهداية‪ ،‬وتدعو إلى الفضيلة‪ ،‬وتقاوم الرذيلة‪ ،‬وتؤثر في المجتمع بالسوة والدعوة ما‬
‫استطاعت‪ ،‬ول تذوب فيه‪ ،‬بحيث تفرط في مقوماتها وخصائصها العقائدية والّدينية‪.‬‬

‫وليست كل القليات السلمية مهاجرة‪ ،‬فبعضها من أهل البلد الصليين‪ ،‬كلهم أو بعضهم‪ .‬حتى يقول بعض‬
‫الناس‪ :‬يجب أن يعودوا إلى ديارهم‪.‬‬

‫ولهذا تحتاج القلية في أي بلد إلى أصوات تعبر عنها في المجالس التشريعية‪ ،‬وتدافع عن حقوقها حتى ل‬
‫تصدر تشريعات تجور عليها‪ ،‬وتحرم عليها ما أحل ال‪ ،‬أو تعوقها عن أداء ما فرض ال‪ ،‬أو تلزمها بأمور‬
‫ينكرها الشرع‪.‬‬

‫ومن الخير وجود مسلمين منتخبين في هذه المجالس –مستقلين أو منضمين إلى حزب معين– يعملون للذود‬
‫عن حرماتهم‪ ،‬والمحاماة عن حقوقهم‪ ،‬باعتبارهم أقلية‪ ،‬لهم الحق في ممارسة حياتهم الّدينية‪ ،‬وشعائرهم‬
‫التعبدية‪ ،‬بما ل يضر الخرين‪ ،‬وهم سيستميلون معهم وإلى صفهم الحرار والمنصفين‪ ،‬الذين يناصرون العدل‬
‫والحرية في كل زمان ومكان‪.‬‬

‫وعندنا هنا جملة قواعد شرعية ترشدنا في هذه المسيرة‪:‬‬

‫‪ .1‬قاعدة )ما ل يتم الواجب إل به فهو واجب( فإذا كان حصول المسلمين على حقوقهم الّدينية والثقافية‬
‫وغيرها‪ ،‬ل يتم إل بالمشاركة في السياسة‪ ،‬ودخول النتخابات‪ ،‬فإن هذا يصبح واجبا عليهم‪.‬‬

‫‪ .2‬قاعدة )المور بمقاصدها( وهي قاعدة متفق عليها‪ ،‬مأخوذة من الحديث المشهور‪" :‬إنما العمال بالنيات‬
‫وإنما لكل امرئ ما نوى"]‪ .[5‬فمن قصد بالمشاركة السياسية‪ :‬الدفاع عن حقوق المسلمين‪ ،‬وحريتهم الّدينية‪،‬‬
‫وهويتهم الثقافية‪ ،‬فهو مأجور على ذلك عند ال‪ ،‬ومحمود عند المسلمين‪.‬‬

‫‪ .3‬قاعدة )سد الذرائع( فإذا كان اعتزال القلية للسياسة‪ ،‬وعدم مشاركتها فيها‪ ،‬يشكل خطرا على وجودهم‬
‫الّديني والجماعي‪ ،‬ويجعلهم مهّمشين‪ ،‬ويحرمهم من مزايا كثيررة‪ ،‬ويوقعهم في مآزق ومفاسد قد يعرف أولها‬
‫ول يعرف آخرها‪ ،‬فإن من المطلوب منهم‪ :‬أن يسدوا الذرائع إلى هذه الخطار‪ ،‬ويتوقوا هذه المفاسد والفات‪،‬‬
‫وفي الحديث‪" :‬من يتوق الشر يوقه"]‪.[6‬‬

‫‪ .4‬قاعدة )الضرورات تبيح المحظورات‪ ،‬والحاجة تنزل منزلة الضرورة‪ ،‬خاصة كانت أو عامة( فإذا كان‬
‫بالجماعة المسلمة في غير المجتمعات السلمية ضرورة أو حاجة إلى من يدافع عن حقوقها في بلد‬
‫الديمقراطيات‪ ،‬وكان من وراء ذلك بعض ما يخشى من المحظورات مثل القسم على احترام الدستور ‪-‬الذي قد‬
‫يتضمن ما يخالف الشرع‪ -‬ونحو ذلك‪ ،‬مما يتحرج منه بعض المتدينين‪ ،‬فإن هذا الحظر يرفع بحكم الضرورة أو‬
‫حيم ]البقرة‪.[173:‬‬
‫ل غُفوٌر ر ِ‬
‫نا َ‬
‫ل إثَم عَليه إ ّ‬
‫غ ول عاٍد ف َ‬
‫طّر غيَر با ٍ‬
‫ضُ‬‫نا ْ‬
‫الحاجة َفَم ِ‬

‫‪ .5‬قاعدة )المصالح المرسلة( وهي المصالح التي لم ينص الشرع على اعتبارها ول إلغائها‪ ،‬ولكنها إذا‬
‫عرضت على العقول تلقتها بالَقبول‪ ،‬وتحقق فائدة‪ ،‬مادية أو معنوية‪ ،‬للجماعة المسلمة‪ .‬وقد اعتبرها الصحابة‬
‫في كثير من المور‪ ،‬المهم أل تصادم نصا قطعيا‪ ،‬ول قاعدة شرعية قطعية‪ .‬وأن يكون فيها للجماعة المسلمة‬
‫نفع حقيقي ل متوهم‪.‬‬
‫وفي ضوء هذه القواعد‪ :‬نرى أن الولى بالمسلمين أن يشاركوا في السياسة‪ ،‬تحقيقا لمصلحتهم الّدينية‬
‫والجماعية‪ ،‬ودرءا للخطار والمفاسد عنهم‪ ،‬ول سيما أنهم إذا تركوا السياسة فإن السياسة ل تتركهم‪.‬‬

‫يستطيع المسلمون أن ينشئوا حزبا يطالب بحقوقهم وحقوق غيرهم إذا كان لهم عدد وقوة وقدرات تكفي لقيام‬
‫حزب مستقل‪ ،‬وكان الدستور والقانون يسمحان لهم بذلك‪.‬‬

‫ويمكن للمسلمين أن يقدموا برنامجا للصلح والترشيد‪ ،‬مقتبسا من أصول فكرتهم السلمية‪ ،‬ومطعما بالنظرة‬
‫والتجربة الغربية وما فيها من آفاق جديدة‪ ،‬تتفق مع مقاصد الشريعة وروح السلم‪.‬‬

‫ول مانع أن ينضم إلى هذا الحزب أعضاء من غير المسلمين‪ ،‬فهو مقدم للمسلمين خاصة‪ ،‬وللمواطنين عامة‪.‬‬
‫والمفترض في النظام السلمي‪ :‬أنه يقدم الخير والمصلحة الحقيقية للناس كافة‪ ،‬مسلمين وغير مسلمين‪.‬‬

‫ويستطيع المسلمون أن ينضموا إلى أي حزب من الحزاب السياسية التي تعمل على الساحة‪ ،‬ويختاروا منها ما‬
‫كان أقرب إلى المبادئ السلمية من ناحية‪ ،‬وما كان أكثر تعاطفا مع المسلمين ومصالحهم من ناحية أخرى‪.‬‬
‫وما كان فيه من أشياء تخالف السلم‪ ،‬يتحفظون عليها‪.‬‬

‫ول بد أن يكون ذلك بعد دراسة علمية عملية موضوعية‪ ،‬يقوم بها خبراء ومتخصصون‪ ،‬وأن تناقش هذه‬
‫الدراسة بين أهل الحل والعقد من القلية المسلمة في البلد‪ .‬وبعد الدراسة والمناقشة والمقارنة‪ ،‬يقّرر‬
‫المسلمون‪ :‬أيهما أفضل لهم دينا ودنيا‪ :‬أهو تكوين حزب لهم أم الدخول في حزب قائم؟ وأي الحزاب أقرب‬
‫إليهم وأولى بهم؟‬

‫وقد يجدون الولى من ذلك كله‪ :‬أل يكونوا حزبا‪ ،‬ول يدخلوا في حزب‪ ،‬ولكن يبقون كتلة حرة مؤثرة في‬
‫النتخابات‪ :‬تؤيد هذا أو ذاك‪ ،‬وتعطي أصواتها لهذا المرشح أو ذاك‪.‬‬

‫وعند ذاك يخطب المرشحون ودها‪ ،‬ويتقربون إليها‪ ،‬لن هذه القلية‪ ،‬كثيرا ما يكون لها تأثير كبير في ترجيح‬
‫بعض المرشحين على بعض‪ ،‬ول سيما من يكون الفرق بينهما غير كبير‪ ،‬فتأتي أصوات القلية مع أحدهما‪،‬‬
‫فترجح كفة ميزانه‪ ،‬ويفوز على خصمه‪.‬‬

‫‪--------------------------------------------------------------------------------‬‬

‫لمة الشيخ مصطفى الزرقا‪ ،‬والشيخ عبد الفتاح أبو غدة‪ ،‬والشيخ عبد ال بن بّية‪،‬‬
‫]‪ -[1‬كان في هذه الندوة‪ :‬الع ّ‬
‫والشيخ مّناع القطان‪ ،‬والشيخ فيصل مولوي‪ ،‬والشيخ محمد العجلن‪ ،‬والشيخ سيد الدرش‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬

‫]‪ -[2‬ومن شروط ذلك‪ :‬أن يأمن المسلم على نفسه وذريته في دينه وُهويته‪ ،‬بحيث لو شعر بخطر على ذلك‪،‬‬
‫ظا على دينه ودين أولده‪ ،‬الذي هو أغلى من كل ما يحرص الناس عليه‪.‬‬
‫وجب عليه أن يعود من حيث أتى‪ ،‬حفا ً‬

‫]‪ -[3‬انظر‪ :‬أولويات الحركة السلمية صـ ‪ 148 – 146‬نشر مكتبة وهبة‪ .‬القاهرة‪.‬‬

‫]‪ -[4‬في بعض الوقات أصدر علماء تونس‪ :‬فتوى تحكم بالردة على من يحصل على الجنسية الفرنسية من‬
‫التونسيين‪ ،‬لن تونس كانت ترزح تحت نير الستعمار الفرنسي الظالم المتجبر‪ ،‬وكان الحصول على الجنسية‬
‫حينئذ بمثابة إعلن الولء والتأييد للمستعمر الكافر‪ ،‬فهو ردة دينية‪ ،‬وخيانة وطنية‪ ،‬بخلف حصول المسلم‬
‫على الجنسية اليوم‪ ،‬فهي تقوي المسلم‪ ،‬وتشد أزره‪ ،‬وتمنحه قوة –مع إخوانه– في المحافظة على هويته‪،‬‬
‫وتمكنه من تبليغ دعوته‪ ،‬وتعطيه امتيازات كثيرة‪ ،‬منها‪ :‬حق النتخاب والترشيح‪ ،‬دون أن يفرط في شيء من‬
‫دينه‪.‬‬

‫]‪ -[5‬روا البخاري في بدء الوحي )‪ (1‬عن عمر بن الخطاب‪ ،‬ومسلم في المارة )‪ ،(1907‬وأبو داود في الطلق‬
‫)‪ ،(2201‬والترمذي في فضائل الجهاد )‪ ،(1647‬والنسائي في الطهارة‪ ،‬وابن ماجه في الزهد )‪.(4227‬‬
‫]‪ -[6‬رواه الطبراني في الوسط )‪ (3/118‬عن أبي الدرداء‪ ،‬والدارقطني في العلل )‪ ،(6/219‬وأبو نعيم في‬
‫الحلية )‪ ،(5/174‬والبيهقي في الشعب )‪ ،(7/398‬وقال العراقي في تخريج أحاديث الحياء‪ :‬أخرجه الطبراني‬
‫والدارقطني في العلل من حديث أبي الدرداء بسند ضعيف )‪ ،(3/141‬وحسنه اللباني في الصحيحة )‪.(342‬‬

‫خاتمة‬

‫خاتمة‬

‫الن حصحص الحق‪ ،‬وأسفر الصبح لذي عينين‪ ،‬وتبين لكل منصف لم يعم عينه الهوى‪ ،‬ولم يصم سمعه‬
‫التعصب‪ :‬أنه ل انفصال للسياسة عن الّدين‪ ،‬ول للدين عن السياسة‪ .‬وأن من الخير أن يدخل الّدين في السياسة‬
‫فيوجهها إلى الحق‪ ،‬ويرشدها إلى الخير‪ ،‬ويهديها سواء السبيل‪ ،‬ويعصمها من الغرور بالقوة‪ ،‬والنحراف إلى‬
‫الشهوات‪ ،‬ويمد أصحابها بالخسية من ال‪ ،‬ول سيما أن السلطة تغري بالفساد‪ ،‬والقوة تغري بالفجور‬
‫سَتْغَنى ]العلق‪.[6،7:‬‬
‫ن َرآُه ا ْ‬
‫طَغى * َأ ْ‬
‫ن َلَي ْ‬
‫سا َ‬
‫ن اِْلْن َ‬
‫ل ِإ ّ‬
‫والطغيان‪َ :‬ك ّ‬

‫ومن الخير كذلك‪ :‬أن تدخل السياسة في الّدين‪ ،‬ل لتتخذه مطية تركبها‪ ،‬أو أداة تستغلها‪ ،‬ولكن لتجعله قوة هادية‬
‫تضيء لها طريق العدل والشورى والتكافل‪ ،‬وقوة حافزة‪ :‬تبعثها لنصرة الحق‪ ،‬وفعل الخير‪ ،‬والدعوة إليه‪،‬‬
‫وقوة ضابطة‪ :‬تمنعها من اقتراف الشرور‪ ،‬والعانة على الفجور‪.‬‬

‫وإذا كان هذا يقال في الديان بصفة عامة‪ ،‬فإن السلم ‪-‬بصفة خاصة‪ -‬ل يقبل هذا الفصام‪ ،‬بين الّدين‬
‫والسياسة‪ ،‬أو بين العقيدة والشريعة‪ ،‬أو بين العبادات والمعاملت‪ ،‬أو بين المسجد والسوق‪ ،‬أو بين اليمان‬
‫والحياة‪.‬‬

‫وهذا ما مضى عليه تاريخنا ثلثة عشر قرنا أو تزيد‪ ،‬حتى دخل الستعمار الغربي بلد المسلمين‪ ،‬وتحّكم في‬
‫مصايرها‪ ،‬وملك أِزّمة التشريع والتثقيف والتعليم والعلم‪ ،‬التي توجه حياتها‪ ،‬وتلونها كما تشاء‪.‬‬

‫ولكن الصحوة السلمية المعاصرة‪ ،‬قذفت بحقها على باطل الستعمار‪ ،‬فدمغته‪ ،‬فإذا هو زاهق‪ ،‬وأبرزت قوة‬
‫السلم الذاتية في أمته من جديد‪ ،‬وتقررت سنة ال في أن العاقبة للحق‪ ،‬والبقاء للزكى والصلح‪َ ،‬فَأّما الّزَبدُ‬
‫ث ِفي اَْلْرضِ ]الرعد‪.[17:‬‬
‫س َفَيْمُك ُ‬
‫جَفاًء َوَأّما َما َيْنَفُع الّنا َ‬
‫ب ُ‬
‫َفَيْذَه ُ‬

‫ول عجب أن رأينا من المفكرين المدنيين ‪ -‬من غير المشايخ وعلماء الّدين‪َ -‬من ينادي جهرا بإسقاط شعار‬
‫العلمانية المستوردة‪ ،‬التي تقوم دعوتها في الساس على فصل الّدين عن السياسة‪ ،‬أو الّدين عن الدولة‪ .‬فلم‬
‫يعد بعد لدعوة العلمانية من مكان ول حاجة في ديارنا‪ ،‬وقد كانت الحاجة إليها في الغرب لسباب تاريخية‬
‫معروفة‪ ،‬وليس لهذه السباب وجود عندنا‪.‬‬

‫كما بينا في هذه الصحائف كيف تدخل القلية المسلمة – في أوربا وغيرهـا ‪ -‬في السياسة‪ ،‬وكيف تنتفع بها‬
‫لخدمة وجودها الّديني وهويتها الثقافية‪ .‬وكيف تتجنب مزالقها‪.‬‬

‫والحمد ل الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لول أن هدانا ال‪.‬‬