‫حقوق الطبع محفوظة لمشروع منبر الحرية‪ /‬مؤسسة أطمس لألبحاث االقتصادية‬

‫منبر الحرية‬
‫مشروع غير ربحي وغير حزبي يعمل في إطار المبادرة العالمية لمؤسسة "أطمس" من أجل دعم التجارة‬
‫الحرة والسالم واالزدىار بشراكة مع معيد كيتو في واشنطن العاصمة‪ .‬وىو مشروع تعميمي ييدف إلى‬

‫لصناع القرار‪ ،‬والطمبة والمثقفين والمؤسسات العممية‬
‫تقديم أدبيات الحرية واألفكار والدراسات المتعمقة بيا ّ‬
‫واألكاديمية‪ ،‬ورجال األعمال ووسائل اإلعالم‪ ،‬وأية شريحة أخرى تعنى بالحرية في العالم العربي‪ .‬وبغية‬
‫تحقيق ىذا اليدف‪ ،‬يقدم "منبر الحرية" ترجمات ألعمال عالمية مرموقة وجادة‪ ،‬من كتب ومقاالت‬

‫ودراسات أكاديمية عممية‪ ،‬وتقارير‪ ،‬وأبحاث متعمقة بالسياسات‪ .‬ومن خالل ىذه الوسائل‪ ،‬يسعى "منبر‬
‫الحرية" إلى تقديم النتاج الفكري العالمي المتعمق بالحرية اإلنسانية لمقارئ العربي‪ ،‬ليستأنس بيا بوصفيا‬
‫بديال لالستبداد ومصادرة الرأي والعنف السمطوي الذي ىيمن عمى األوطان واإلنسان في العالم العربي‪.‬‬
‫‪www.minbaralhurriyya.org‬‬
‫‪All rights reserved. No part of this book may be reproduced in any form or by‬‬
‫‪any means without the prior permission of Minbaralhurriyya Team.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية‪.‬‬

‫ال يسمح بإعادة إصدار ىذا الكتاب أو أي جزء منو‪ ،‬بأي شكل من األشكال‪ ،‬إال بإذن خطي مسبق من‬
‫فريق منبر الحرية‬

‫حقوق الطبع محفوظة لـ "المركز العممي العربي لألبحاث والدراسات اإلنسانية"‬
‫مؤسسة بحثية عممية عربية تأسست من طرف ثمة من الباحثين بغية المساىمة في إغناء الحركية البحثية‬
‫في العالم العربي‪ .‬ويأتي تأسيس ىذا المركز في سياق التحوالت التي تشيدىا البنى المجتمعية في العالم‬
‫اكب بالدرس والنقد والتحميل‪ .‬كما ييدف المركز إلى تطوير ونشر‬
‫العربي‪ ،‬وىي تحوالت تتطمب المو ة‬
‫المعارف اإلنسانية واالجتماعية في العالم العربي‪ ،‬والمساىمة في النقاش العام وتقديم أفكار جديدة‬

‫ومقترحات لصناع القرار والباحثين‪ ،‬مستميمين المعارف اإلنسانية والنماذج والتجارب الناجحة عمى‬
‫الصعيد العالمي‪.‬‬
‫‪www.arab-csr.org‬‬
‫‪All rights reserved. No part of this book may be reproduced in any form or by‬‬
‫‪any means without the prior permission of Arab Center for Scientific Research‬‬
‫‪and Humane Studies Team.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لممركز العممي العربي لألبحاث والدراسات اإلنسانية‪.‬‬
‫ال يسمح بإعادة إصدار ىذا الكتاب أو أي جزء منو‪ ،‬بأي شكل من األشكال‪ ،‬إال بإذن خطي مسبق من‬
‫فريق المركز‬

‫أعجوبة التعاون‪..‬‬

‫كيف ينبثق التعاون دون الحاجة إلى‬
‫جهة تخطيط واعية‬
‫راسل روبرتس‬
‫أستاذ علم الاقتصاد في جامعة جورج ماسون‬

‫‪A Marvel of Cooperation.. How Order Emerge‬‬
‫‪without a Conscious Planner‬‬
‫‪Russell Roberts‬‬
‫ترجمة‪ :‬علي الحارس‬

‫‪8‬‬

‫من امليزات العظيمة لعلم الاقتصاد أنه يسلط ألاضواء الكاشفة على املواضع املخفية وغير املرئية‪،‬‬
‫حيث قام الاقتصادي الفرنس ي فريدريك باستيا في مقالته الشهيرة (ما يرى وما ال يرى) بتحليل العواقب‬
‫الاقتصادية لعمل تخريبي بسيط (النافذة املكسورة)‪ ،‬فنحن يمكننا أن نرى النافذة املكسورة بأعيننا‪،‬‬
‫ويمكننا أن نرى أو نتخيل عواقب النافذة املكسورة‪ ،‬والتي تتمثل في حصول بائع النوافذ الزجاجية على‬
‫املزيد من املال‪ ،‬لكن هنالك صعوبة أكبر تكتنف رؤية أو تخيل ما ال يرى‪ ،‬أي‪ :‬النشاط الاقتصادي الذي لن‬
‫يحصل بسبب الاضطرار إلى تركيب نافذة جديدة‪.‬‬
‫إن هذا املثال البسيط يلعب دورا رئيسيا في تذكيرنا بالندرة التي تحصر خياراتنا ضمن نقطة زمنية‬
‫معينة‪ ،‬وقد استخدم باستيا كناية (النافذة املكسورة) النتقاد التوصيات السياسية التي تقطع وعودا‬
‫بالنجاح غالبا ما تتجاهل الندرة الحتمية التي ال بد أن تفرض مقتضياتها في إحدى النقاط الزمنية‪ ،‬وذلك‬
‫حينما تصبح إحدى املوارد املستخدمة لغاية ما غير متاحة لالستخدام في خدمة غاية أخرى‪.‬‬
‫وكان لدى باستيا رأي آخر حول (ما يرى وما ال يرى) لكنه لم يكن يتمتع بالتقدير الذي حظي به‬
‫املثال الكالسيكي (النافذة املكسورة)‪ ،‬ففي الفصل الثامن عشر من كتابه (سفسطات اقتصادية) تساءل‬
‫باستيا عن السبب الذي يجعل جميع سكان باريس ينامون دون الخشية من أن يستيقظوا من نومهم صباح‬
‫اليوم التالي وقد نفذ الخبز والسلع ألاخرى من ألاسواق‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫عندما كنت في طريقي لزيارة باريس قلت لنفس ي‪ :‬هنا يسكن مليون من البشر وهم‬
‫معرضون لخطر املوت خالل أيام معدودة إذا توقفت إلامدادات بأنواعها عن التدفق إلى هذه‬
‫املدينة الكبرى العظيمة؛ فالخيال يعجز عن تصور التنوع الشاسع لألشياء التي يجب أن تمر من‬
‫أبوابها غدا إذا كان سكان املدينة يرغبون بحماية أنفسهم من أهوال املجاعة والاضطرابات وأعمال‬
‫النهب والسلب‪ .‬لكن الجميع ينامون بسالم في هذا الوقت‪ ،‬دون أن تؤرقهم للحظة واحدة فكرة عن‬
‫مشهد مخيف كذلك‪ ...‬إذن‪ ،‬ما هي القوة السرية الغنية باملوارد التي تحكم النسق املنتظم املدهش‬
‫الذي يحكم هذه الحركات املعقدة‪ ،‬هذا النسق املنتظم الذي يؤمن به كل شخص إيمانا ضمنيا‬
‫على الرغم من أن ازدهاره وحياته نفسها تعتمد عليه‪ .‬هذه القوة هي مبدأ مطلق‪ ،‬وهو مبدأ التبادل‬
‫الحر‪.‬‬

‫وفي الحقيقة‪ ،‬هنالك جانبان للعنصر الذي ال يرى في هذه الحالة‪ ،‬والجانب ألاول هو مجرد‬
‫إلاعجاب بأن مشكلة التنسيق والتعاون الهائلة يجري حلها يوميا دون الحاجة إلى وجود من يكون مسؤوال‬
‫عن ذلك‪ ،‬لكن هل يتوقف أي شخص‪ ،‬سواء كان بائعا للكعك أم للصحف أم للطعام في كل أنحاء املدينة‬
‫الكبرى‪ ،‬للحظة واحدة ويقدر هذا إلانجاز الاستثنائي للبشرية؟ إن غياب التقدير ينشأ من نوعية هذا‬
‫التعاون‪ ،‬فهذه املنظومة تعمل على نحو جيد جدا إلى الدرجة التي تستعص ي فيها على مالحظة الناس لعملها‬
‫على إلاطالق؛ فنحن ال نتوقف أبدا للتعبير عن إعجابنا بهذه املنظومة ألن من النادر جدا أن نالحظ فشلها‬

‫‪8‬‬

‫في عملها‪ ،‬فمتى كانت آخر مرة زرت فيها املقهى القريب من منزلك ووجدنه خاليا من الكعك أو الشاي أو‬
‫القهوة؟ فهي تتوافر هنالك دائما وهي ساخنة وبسعر مدهش في متناول الجميع‪.‬‬
‫أما الجانب الثاني الذي ال يرى فيتمثل في أن املرء إذا تمكن من املالحظة بأن هذه املنظومة غير‬
‫الخاضعة لإلدارة تعمل بشكل جميل فسيقاس ي ألامرين في تفسير كيفية تحقق هذه الظاهرة‪ ،‬فكيف يمكن‬
‫للماليين من الناس أن يتعاونوا يوميا مع ماليين أخرى إليصال الكعك إلى املقهى القريب؟ إذ ليس هنالك‬
‫مكتب حكومي أو وكالة حكومية أو جهة توريد مركزية تنشأ منها أوجه التبادل التجاري‪ ،‬وليس هنالك مشهد‬
‫مرئي لشبكة العالقات التي تربط أوصال املنظومة بعضها ببعض‪.‬‬
‫في هذه املقالة سأسعى إلى تسليط الضوء على بعض املحاوالت التي بذلها الاقتصاديون في املاض ي‬
‫إلبراز ما ينشأ من نظام غير منسق ال يالحظ في معظم ألاحيان‪ ،‬فيؤدي إلى خلق ثروة على نحو نعتبره من‬
‫مسلمات الحياة اليومية غالبا‪.‬‬

‫آدم سميث‬
‫لم يكن باستيا أول من أشار إلى أعجوبة التنسيق‪ ،‬فالتعاون الذي يبطن هذه العملية هو في نهاية‬
‫املطاف يتوجه بفعل التخصص وتقسيم العمل‪ ،‬لذلك فليس من املفاجئ أن نجد آدم سميث‪ ،‬وهو الذي‬
‫بدأ كتابه (ثروة ألامم) بنقاش حول تقسيم العمل وخصائصه املنتجة للثروة‪ ،‬يطلب من القارئ أن يتعجب‬
‫من قوة التخصص وتقسيم العمل والتعاون الالمرئي لآلالف من الناس في إنتاج معطف صوفي بسيط‪،‬‬
‫فيقول‪:‬‬
‫إذا ما الحظت املستوى املعيش ي ملعظم العمال املحترفين أو العاديين في بلد متحضر‬
‫ومزدهر فستجد أن هنالك عددا ال يحص ى من العمال الذين يشاركون ولو بشكل جزئي في تأمين‬
‫هذا املستوى املعيش ي؛ ولنأخذ املعطف الصوفي الذي يرتديه العامل العادي كمثال‪ :‬فمهما كان هذا‬
‫املعطف خشنا وعاديا‪ ،‬فإنه يمثل حصيلة العمل املشترك لعدد هائل من العمال‪ :‬الراعي‪ ،‬ومنتقي‬
‫الصوف‪ ،‬ومن ينظفه ويمشطه‪ ،‬والصباغ‪ ،‬واملشذب‪ ،‬والغزال‪ ،‬والقصار‪ ،‬والخياط وغيرهم الكثير‬
‫ممن تتضافر اختصاصاتهم في إنتاج حتى هذه السلعة املتواضعة‪ .‬وإلى جانب هؤالء‪ ،‬كم هنالك من‬
‫‪1‬‬
‫التجار والناقلين الذين ينقلون مواد إلانتاج من عامل إلى آخر مهما تباعدت بينهم املسافات!‬

‫هنري جورج‬
‫ربما ال يكون هذا الاقتصادي معروفا للجميع‪ ،‬لكن القارئ املعاصر قد يعرفه بسبب تأييده لفرض‬
‫الضرائب على ألاراض ي دون باقي املدخالت ألاخرى؛ ولقد كان جورج بارعا في إيصال فكرة التعاون الالمرئي‬

‫‪ 1‬لالستزادة‪ :‬ثروة ألامم‪ :‬آدم سميث؛ الباب ألاول‪ ،‬الفصل ألاول‪ ،‬بدءا من املقطع ‪.11‬‬

‫‪8‬‬

‫الذي أسلفنا الحديث عنه‪ ،‬ففي كتابه (الحماية أو التجارة الحرة) أورد مثاال عن أسرة ريفية تعد وجبة‬
‫تتكون من الخبز والسمك والشاي وتتدفأ بموقد تشتعل فيه نار جميلة املنظر‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫يقوم الحطاب بقطع الخشب‪ ،‬لكن (إنتاج) الحطب يتطلب ما هو أكثر من ذلك‪ ،‬فلو كان‬
‫ألامر يتوقف عند القطع لكان الخشب ال يزال ملقى على ألارض التي قطع فيها‪ ،‬ولذلك فإن العمل‬
‫املبذول لنقله يلعب دورا في إنتاج الحطب يتماثل مع دور القطع في ذلك‪ ،‬وهكذا فإن الرحلة من‬
‫املطحنة وإليها تلعب دورا ضروريا في إنتاج الطحين يتماثل مع دور زراعة القمح وحصاده في ذلك‪.‬‬
‫كما إن إنتاج السمك يتطلب السير إلى البحيرة والعودة منها‪ ،‬وإنتاج املاء املغلي يتطلب إحضاره من‬
‫النبع‪ ،‬وغمر البرميل في املياه لتجميعها‪ ،‬ناهيك عن صناعة الدلو الذي يحمل منه‪.‬‬
‫أما في ما يتعلق بالشاي‪ ،‬فهو يزرع في الصين‪ ،‬ويحمل على عص ي البامبو فوق أكتاف‬
‫الرجال إلى قرية مجاورة ألحد ألانهار‪ ،‬حيث يباع إلى تاجر صيني‪ ،‬ثم يقوم هذا التاجر بشحنه على‬
‫ظهر إحدى املراكب إلى إحدى املوانئ املذكورة في اتفاقيات التجارة‪ ،‬وهناك يجري توضيبها من أجل‬
‫الشحن عبر املحيطات‪ ،‬وحيث تباع إلحدى الوكاالت التابعة لعائلة أمريكية‪ ،‬ثم ترسل إلى أصحابها‬
‫على ظهر سفينة بخارية إلى مدينة سان فرانسيسكو‪ ،‬ثم تنقل بعدها عبر السكك الحديدية إلى‬
‫مالك جديد لتصل إلى بائع جملة في مدينة شيكاغو‪ ،‬وهذا البائع يبيعها بدوره إلى صاحب متجر في‬
‫إحدى القرى‪ ،‬وهنالك تباع للمزارعين متى شاؤوا وبالكمية التي يرغبون‪ ،‬وذلك على نحو مشابه ملياه‬
‫النبع التي تبقى في البراميل حتى يأتي أوان الحاجة إليها‪.‬‬

‫وقد لجأ جورج إلى التفصيل في تناول التعقيد الذي يكتنف إنتاج حتى أبسط ألاشياء‪ ،‬وذلك‬
‫سعيا منه إلى الدفاع عن التجارة الحرة؛ فإنتاج أي ش يء وتبادله مقابل أمر منتج في الخارج ال يختلف عن‬
‫إنتاجه بشكل مباشر‪ .‬ومن خالل إظهار تعقيد إلانتاج الحديث حاول جورج أن يواجه الاتهام الذي يقول‬
‫بأن أمثال هذه املنتجات تكثر فيها عناصر الهدر والتطفل التي يتطلبها النقل والتوزيع‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫إن النقطة التي أشار إليها جورج ال تتعلق بالجانب العجيب من كل جوانب هذا التعاون الالمرئي‬
‫بقدر ما تشير في ألاساس إلى أهمية كل خطوة في الطريق الذي يتيح لنا التمتع بالسلع كما يحدث حاليا‪ .‬إننا‬
‫ربما ال نولي جهات التوزيع والتجارة والنقل ألاهمية نفسها التي نوليها للخباز الذي يصنع الكعك (مثال) لكن‬
‫هذا الخباز ما كان له أن يصنع الكعك دون أن يكون هنالك من ينقل له الطحين‪ ،‬ومن يصنع له الفرن‪،‬‬
‫وما إلى ذلك‪.‬‬

‫‪ 2‬راجع الفصل السابع من كتابه املذكور‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫ليونارد ريد‬
‫وربما يتمثل أفضل ألامثلة املألوفة للقارئ املعاصر في أعجوبة التعاون الالمرئي الذي أشار إليه‬
‫ليونارد ريد في مقالته الرائعة (أنا‪ ،‬قلم الرصاص)‪ ،‬حيث يدعي ريد‪ ،‬وهو يتكلم بلسان حال قلم الرصاص‪،‬‬
‫بأنه ليس هنالك من يعرف بمفرده كيفية صناعة قلم الرصاص‪ ،‬فيقول‪:‬‬
‫هل هنالك من يرغب بتحدي الطرح الذي أوردته سابقا حول أنه ليس هنالك من‬
‫شخص على وجه ألارض يعلم كيفية صنعي؟‬
‫في الح قيقة‪ ،‬لقد اشترك املاليين من البشر في نشأتي‪ ،‬لكن كل واحد من هؤالء من‬
‫املاليين لم يكن يعلم إال القليل من زمالئه في هذا العمل‪ .‬وقد يخطر ببالك أنني أبالغ عندما أربط‬
‫نشأتي بأحد العاملين في قطف حبات القهوة في مكان قص ي كالبرازيل وبالفالحين الذين يعملون في‬
‫زراعة أ نواع الغذاء في كل مكان‪ ،‬وقد تعتبر ذلك نوعا من أنواع الشطط‪ ،‬لكنني لن أتخلى عن‬
‫مزاعمي؛ فكل شخص من هذه املاليين‪ ،‬ومنهم مدير شركة أقالم الرصاص‪ ،‬ال يسهم إال بقدر ضئيل‬
‫من مهاراته‪ ،‬وإذا أردنا النظر إلى هذه املسألة من منظور املهارة فإن الفارق الوحيد ما بين عامل‬
‫املنجم الذي يستخرج الغرافيت في سيالن وبين الحطاب الذي يقطع ألاشجار في أوريغون يتمثل في‬
‫(نوع) املهارة املستخدمة‪ ،‬كما إن كال من عامل املنجم والحطاب ال يمكن الاستغناء عنهما‪ ،‬وشأنهما‬
‫في ذلك ال يقل عن شأن الكيميائي في املعمل‪ ،‬أو العامل في استخراج النفط (شمع البارافين من‬
‫مشتقات النفط)‪.‬‬

‫ويؤكد ريد على الجانب غير املنسق لهذا التعاون املدهش فيقول‪:‬‬
‫ويضاف إلى ما سبق حقيقة مذهلة أخرى‪ ،‬وهي‪ :‬غياب أي عقل مدبر‪ ،‬وأي شخص يرشد‬
‫أو يوجه باإلكراه هذه ألافعال العديدة التي أخرجتني إلى حيز الوجود؛ فال يمكنك أن تجد أثرا ملثل‬
‫هذا الشخص‪ ،‬ولكنك ستجد عوضا عن ذلك ما يدل على عمل (اليد الخفية)‪.‬‬

‫حقا‪ ،‬إن من املدهش أن أرى الكعك ينتظرني في املقهى‪ .‬وحقا‪ ،‬إن من املدهش توفر أقالم‬
‫الرصاص في عشرات ألاماكن التي أقصدها لشراء أشياء أخرى‪ .‬وهناك أيضا الكثير من املعاطف الصوفية‪،‬‬
‫والوفير من الشاي‪ ،‬بل إن من املدهش أكثر توفر املزيد من السيارات والكومبيوترات والتلفزيونات‪ ،‬وهي‬
‫منتجات أكثر تعقيدا على نحو تستعص ي معه مقارنتها بالكعك وأقالم الرصاص‪ .‬لكن‪ ،‬ما الذي يقدم‬
‫متطلبات التعاون الذي يتيح تجميع مكونات هذه ألاشياء على يد املاليين من ألاشخاص الذين ال يعرف‬
‫بعضهم بعضا‪ ،‬والذين يعملون دون أن يعلموا بحدوث هذا التعاون في ألاصل؟‬

‫فريدريك هايك‬
‫ومن أعمق املحاوالت التي سعت إلى تسليط الضوء على هذه العملية‪ :‬ما عرضه هايك في مقالته‬
‫التي ظهرت في العام ‪ 1445‬على صفحات مجلة (أمريكان إيكونوميك ريفيو) تحت عنوان (استخدام املعرفة‬
‫في املجتمع) ‪ ،‬حيث لم يكتف هايك بالتعجب من توفر أقالم الرصاص والخبز واملعاطف والتلفزيونات‪ ،‬وإنما‬
‫‪8‬‬

‫كان يرغب أيضا بلفت انتباه القارئ إلى أمر أكثر إثارة للدهشة وأكثر خفية عن العين املجردة‪ ،‬وهو الكيفية‬
‫التي يستجيب بها هذا الحشد غير املنسق من ألاشخاص املتعاونين الذين يعملون في إنتاج هذه السلع تجاه‬
‫أزمات الشح أو غيرها من أوجه التغير الخارجية‪( .‬لجأ هايك إلى استخدام أعجوبة املعرفة غير املنسقة كرد‬
‫على معاصريه من الاشتراكيين الذين كانوا يطرحون الحجج املؤيدة لسيادة التنسيق املركزي الهرمي الذي‬
‫تديره الدولة‪ .‬وقد قارن باستيا‪ ،‬في نقاشه الذي أوردناه في ما سبق‪ ،‬بين نجاح التبادل الالمركزي في تزويد‬
‫باريس بكل ما يحتاجه مواطنوها‪ ،‬وبين ألاداء الضعيف ألي جهة حكومية في القيام بهذه املهمة)‪.‬‬
‫لقد أراد هايك أن يسلط الضوء على التنسيق املذهل للمعرفة ذات الالمركزية الكبيرة التي يجب‬
‫أن تحصل إذا ما أردنا التغلب على مصاعب أي معالجة لوضع ما كأزمات الشح؛ حيث يرى هايك بأن‬
‫الاستجابة لهذا الوضع تتمثل في منظومة ألاسعار‪ ،‬وهو في ذلك يقترب مما طرحه باستيا تحت عنوان‬
‫(املنفعة الذاتية والتبادل) ولجوء ريد إلى مفهوم (اليد الخفية)‪ ،‬وقد عرض رأيه هذا بش يء من التفصيل‪.‬‬
‫وال بد من أن نذكر هنا بأن هايك كان يشير إلى ما يعرف في الحين الراهن بمفهوم (العرض‬
‫والطلب)؛ لكن مما يؤسف له أن أساتذة الاقتصاد يلقنون طالبهم اليوم في الكثير جدا من الحاالت بأن‬
‫مفهوم (العرض والطلب) يتطلب تنافسا مثاليا أو معرفة مثالية‪ ،‬مما يدفع الطالب إلى تكوين فكرة عن هذا‬
‫املفهوم باعتباره بنية نظرية ال يرجح انطباقها على مجريات الواقع اليومي‪ ،‬وإنما تنطبق على حاالت ظرفية‬
‫ملغزة (كالقمح)‪.‬‬
‫لكن هايك كان يحمل نظرة شديدة التغاير عن هذه العملية‪ ،‬إذ كان يصفها بأنها غير مثالية لكنها‬
‫فعالة في الوقت نفسه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ال شك في أن إجراءات الضبط ربما ال يمكنها أبدا أن تتصف باملثالية باملعنى الذي يفهمه‬
‫الخبير الاقتصادي في تحليله القائم على مبدأ التوازن‪ ،‬لكنني أخش ى من أن تنظيرنا الذي اعتاد على‬
‫مقاربة املشكلة مفترضا على نحو ما مثالية املعرفة التي يكاد يمتلكها جميع ألاطراف ذات العالقة‬
‫قد جعل أبصارنا معمية تقريبا عن رؤية العمل الحقيقي آللية السعر وقادنا إلى تطبيق معايير أكثر‬
‫تضليال في الحكم على كفاءة هذه آلالية‪ .‬إن ألاعجوبة تكمن في أن حالة كتلك من حاالت ندرة‬
‫إحدى املواد الخام‪ ،‬ودون إصدار أي أمر ودون أن يعلم باألمر أكثر من ثلة ال يتعدى عددهم أصابع‬
‫اليد الواحدة‪ ،‬ستدفع عشرات آلاالف من ألاشخاص‪ ،‬والذين ال يمكن التعرف على هوياتهم حتى‬
‫بعد مدة طويلة من البحث والتقص ي‪ ،‬إلى الاقتصاد في استخدام هذه املادة أو منتجاتها‪ ،‬أي‪ :‬إنهم‬
‫سيمضون في الاتجاه الصائب‪ .‬ويكفي ذلك ليجعل مما يحصل أعجوبة من ألاعاجيب‪ ،‬وذلك حتى‬
‫وإن لم يستطع الجميع‪ ،‬في هذا العالم الذي ال يكف عن التبدل‪ ،‬أن يضبط أموره على نحو مثالي‬
‫يجعل أرباحه دائما ضمن املستوى الثابت أو "الطبيعي" نفسه‪.‬‬
‫لقد تعمدت استخدام كلمة "أعجوبة" كي أصدم القارئ بمدى القناعة الذاتية التي‬
‫نحس بها غالبا عندما نأخذ عمل هذه آلالية على سبيل املسلمات‪ .‬وأنا مقتنع بأن هذه آلالية لو‬

‫‪8‬‬

‫كانت ناتجة عن التصميم البشري القصدي‪ ،‬وإذا كان ألاشخاص الذين ينقادون بتأثير تغيرات‬
‫السعر يدركون بأن قراراتهم تتمتع بأهمية تتجاوز كثيرا غاياتهم الحينية‪ ،‬فإن هذه آلالية كانت‬
‫لينظر إليها باعتبارها إحدى الانتصارات العظمى التي أحرزها الذهن البشري‪ .‬لكن هذه آلالية تعاني‬
‫من سوء الحظ الذي يعود إلى عاملين‪ :‬أنها ليست نتيجة للتصميم البشري‪ ،‬وأن ألاشخاص الذين‬
‫ينقادون بتأثيرها ال يعلمون في العادة ما هو السبب الذي يجعلهم يفعلون ما يفعلون ‪.‬‬

‫ومن الاقتباسات املفضلة لدى هايك ما أورده آدم فيرغسون حول (نتيجة الفعل البشري ال‬
‫التصميم البشري)‪:‬‬
‫إن البشرية في اتباعها للحس السليم الذي تقتضيه أذهانها‪ ،‬أو في سعيها إلى إزالة أوجه‬
‫الضيق في معاشها‪ ،‬أو في بحثها عن كسب منافع واضحة متواصلة‪ ،‬وصلت إلى نتيجة لم يكن لها أن‬
‫تتوقعها حتى في الخيال‪ ،‬ومررتها‪ ،‬كما هو حال الحيوانات ألاخرى‪ ،‬في مسار طبيعتها دون فهم‬
‫غايتها‪...‬‬
‫إن كل خطوة وكل حركة بهذا الحجم‪ ،‬وحتى ما كان منها في العصور التي تعرف اصطالحا‬
‫مساو عن املستقبل؛ وإن ألامم تجد مؤسساتها بطريق‬
‫بعصور التنوير‪ ،‬إنما جرت مع عمى‬
‫ٍ‬
‫تأت نتيجة لتفعيل أي تصميم‬
‫الصدفة‪ ،‬وهي مؤسسات ليست إال نتيجة للفعل البشري‪ ،‬ولم ِ‬
‫‪3‬‬
‫بشري‪.‬‬

‫ومن حسنات تفسير هايك‪ ،‬وإن كان يبدو رتيبا من ناحية ألاسلوب إلانشائي باملقارنة مع ألامثلة‬
‫ألاخرى التي أوردتها سابقا‪ ،‬أنه يشدد على الكيفية التي يقوم من خاللها التعاون الالمرئي بحل املشكلة‬
‫املركزية للنظام الاقتصادي الحديث؛ إذ كيف يمكنك اتخاذ قرار بشأن عدد الكعكات أو أقالم الرصاص أو‬
‫السيارات التي يحتاجها أي مجتمع؟ وكيف يمكن لإلجابات املطروحة عن هذا السؤال أن تختلف باختالف‬
‫الظروف واملعارف؟ وسأقوم هنا باستخدام هذين السؤالين لالنتقال إلى مثال حول التعاون الالمرئي يجري‬
‫حاليا في عالم اليوم‪.‬‬
‫من املتوقع خالل ألاعوام الخمسة أو العشرة التالية أن يقوم مئات املاليين من الصينيين بمغادرة‬
‫الريف والانتقال إلى املدينة‪ ،‬وهذه الهجرة غير الطبيعية ستتطلب املاليين من التعديالت التي يجب أن‬
‫تحدث كي ال تصاب حياتنا‪ ،‬نحن ألامريكيين‪ ،‬بالشلل التام؛ فكل هؤالء القادمين الجدد إلى املدينة‬
‫سيستخدمون املزيد من أقالم الرصاص ويشربون املزيد من القهوة ويشترون املزيد من الدراجات‬
‫والسيارات وما شابه‪ ،‬فهل سيتبقى بعد ذلك ما يكفي للتصدير خارج الصين؟ ال شك في أن هذه الهجرة‬
‫املتوقعة ستؤدي إلى اضطراب كبير‪ ،‬فهل يجب علينا أن نقلق بشأنها؟ وما هي إلاجراءات الاحتياطية التي‬
‫يجب اتخاذها كي تحدث هذه النقلة بسالسة؟‬
‫‪ 3‬مقالة حول تاريخ املجتمع املدني‪ :‬آدم فيرغسون (‪)1767‬؛ ج‪ 3‬القسم‪ 2‬ص‪.122‬‬

‫‪8‬‬

‫على الرغم مما أوردناه فال بأس في أن ال يتعكر صفو نومنا‪ ،‬كما هو حال الباريسيين في مثال‬
‫باستيا‪ ،‬بسبب القلق بشأن هذه التغيرات‪ ،‬فالنقلة الحاصلة لن تجري إدارتها على يد لجنة من الكونغرس أو‬
‫هيئة رئاسية تتولى مسؤولية تفادي الكارثة‪ ،‬وإنما سيجري التعامل معها بواسطة منظومة السعر ولن نكاد‬
‫نستطيع مالحظة مجريات ألامور‪ .‬إن جزءا من الثقة التي أشعر بها يتأتى من أفكار هايك حول كيفية عمل‬
‫السوق‪ ،‬لكن الكثير من هذه الثقة ينبع من الدليل املتراكم في ألاعوام العشرين املاضية التي قام خاللها مئة‬
‫مليون من الصينيين بقطع الرحلة نفسها التي نتكلم عن حدوثها في املستقبل‪ .‬إن هذه هي الهجرة ألاعظم في‬
‫تاريخ البشرية‪ ،‬وأنا أخمن بأن القارئ لم يالحظ حدوثها‪ ،‬إذ لم يحدث خاللها الكثير من التغيير في العالم‪،‬‬
‫ولم يقم الصينيون بشراء جميع الدراجات‪ ،‬أو شراء جميع ألاخشاب الالزمة لصناعة أقالم الرصاص‪ ،‬أو‬
‫شراء جميع محاصيل البن الالزمة لصناعة القهوة؛ فعلى نحو ما استطاعت منظومتنا الاقتصادية أن تتولى‬
‫مسؤولية هذه النقلة بكفاءة كبيرة إلى الدرجة لم يكن معها معظمنا قادرا على الشعور حتى بحدوثها في‬
‫ألاصل‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫إن أمثال هذه التغي يرات تحدث طوال الوقت‪ ،‬فمنظومة السعر‪ ،‬ومعها الربح الذي نسمح‬
‫للمنتجين بجنيه من خالل الاستجابة الفعالة لألسعار‪ ،‬تحافظ على انتظام حياتنا الاقتصادية في وجه هذه‬
‫التغيرات‪ .‬ويجب على أساتذة الاقتصاد‪ ،‬ومنهم كاتب املقالة‪ ،‬أن يبحثوا عن طرائق لتسليط الضوء على‬
‫ألاعمال الالمرئية لتلك املنظومة املذهلة‪ .‬إنها منظومة توصف غالبا بأنها تنافسية‪ ،‬لكنها منظومة تعاونية في‬
‫نهاية املطاف‪ ،‬وليس هنالك أحد يمكنه أن يدعي قيامه بتصميمها‪ ،‬وهي تعمل دون الحاجة إلى من يكون‬
‫مسؤوال عن إدارة عملها‪ ،‬وهذه أعجوبة من ألاعاجيب التي ينبغي التوقف عندها مليا‪.‬‬

‫‪4‬‬
‫واع أو إلى خطة محددة يمكن الرجوع إلى مقالة‪ :‬مدرسة النظام‬
‫لالستزادة حول التاريخ الفكري لفكرة إمكانية انبثاق النظام دون الحاجة إلى تصميم ِ‬
‫التلقائي‪ :‬نورمان باري‪.‬‬

‫‪8‬‬