‫الرومي سنمَار‬

‫كاهن أ م معمار؟‬
‫عبدالله سامي محمود‬

‫( تاريخ فن العمارة العراقية – شريف يوسف ‪ /‬بغداد ‪ – 1982‬ص ‪)220‬‬

‫لم يلتفت العلمة ( آلوا موسيل ) لشارات المصادر السلمية العديدة عن المعمار‬
‫الرومي ( سنمَار ) – باني ( الخورنق ) و غيرها من القصور– والتي سطرَها في كتابه‬
‫عن( الفرات الوسط )‪1‬و يكتفي احمد سوسة ‪2‬و شريف يوسف ‪3‬و واثق إسماعيل الصالحي‬
‫‪ 4‬بالشارة للقصر من الناحية التاريخية الوصفية دون إعارة الهتمام للخبر المرتبط‬
‫بهذه الشارات حول الجرة – السر التي دفنت كما يبدو مع معمارها الملقى به من فوق‬
‫سطح القصر و التي يعتبرها العلمة ( احمد أمين )‪ 5‬من نماذج ضعف التعليل عند العرب‪.‬‬
‫ويدور موضوع القصائد المنظومة عن القصر من قبل الشاعرين عبد المسيح بن عمرو بن‬
‫بقيلة وعدي بن زيد العبادي بالتذكير بفناء الحياة وجدوى التعلق بها‪.‬تاركين لسنمَار الخلود‬
‫‪1‬‬

‫في صفحات المثال الشعبية كضحية تلقت أسوء الجزاء عن عمل الخير‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫( عبد العزى بن امرئ القيس الكلبي )‬
‫جزاني ‪ ,‬جزاه ال شرَ جزائه‪,‬‬
‫سوى رمَه البنيان‪,‬ستين حجة‪,‬‬
‫فلما رأى البنيان تمَ سحوقه‬
‫حبوة‬
‫فظنَ سنمَار به كل‬
‫فقال أقذفوا بالعلج من فوق رأسه‬

‫يقول الشاعر‬

‫جزاء سنمَار ‪ ,‬و ما كان ذا ذنـــــــب‬
‫يعلَ عليه بالقراميـــــــــــــد و السكب‬
‫ص كمثل الطود و الشامخ الصعب‬
‫وأ َ‬
‫و فاز لديه بالمودة و القـــــــــــــــرب‬
‫فهذا لعمر ال من أعجب الخـــــــطب‬

‫ويضرب بنهاية المعمار( سنمَار )‪(7‬المثل في الدب العربي في الجزاء السيئ‪ ,‬فيقال‬
‫( جزاه جزاء سنمَار )‪ 8‬التي تنسب نهايته على يد النعمان بن امرئ القيس – حسب اغلب‬
‫المصادر التاريخية ‪ 9-‬بالرغم من أنها تنسب ‪ ,‬أيضا‪ ,‬إلى ( احيحة بن الجلَح )‪ .10‬و يعتقد‬
‫العلمة ( جواد علي )‪11‬إن( بعض القصص الشائع المتواتر عن الجاهليين‪,‬مثل قصة يومي‬
‫البؤس و النعيم ‪ ,‬و قصة شريك مع الملك المنذر ‪ ,‬و قصة سنمَار و أمثال ذلك ‪ ,‬قصص‬
‫و إن اقترن بأسماء جاهلية ‪ ,‬إل أن أصوله غير عربية ‪ ,‬دخلت العرب من منابع خارجية ‪,‬‬
‫عند شعوب‬
‫من منابع يونانية و فارسية و نصرانية ‪ ,‬و هو أيضا من القصص الوارد‬
‫أخرى‪,‬بدليل وجود شبه و مثيل له في أساطير العاجم ‪,‬وفي حكايات النصارى)التي تغيب‬
‫تماما عن مصادر أهل الخبار يقول( روفائيل بابو اسحق) في كتابه عن مدارس العراق‬
‫قبل السلم ‪ (12‬لقد شاد نصارى وادي الرافدين مدارس في اغلب كنائسهم و معابدهم غير‬
‫إن أسماءها لم تصل ألينا لما أصابها من الهوال و الضطهادات و الغارات و قد بنوا في‬
‫مطاوي القرون الثلثة الولى للميلد كنائس عديدة ‪ .‬و وقف الثاريون على كنائس قديمة‬
‫مطمورة في ارض العراق يرتقي عهدها إلى العصر الرابع و الخامس و السادس للميلد ‪.‬‬
‫و من أجمل و اكبر البيع و الكنائس في تلك الزمنة ! كنائس الحيرة و المدائن و تكريت و‬
‫‪13‬‬
‫كنيسة مار دانيال في بابل) ‪.‬و لعلي بن محمد الحماني العلوي ‪ ,‬يذكر هذه المواضع ‪:‬‬
‫كم وقفة لك بالخــــــــــور‬
‫بين الغدير إلى السديــــــ‬
‫في‬
‫فمدارج الرهبان‬
‫رياضها‬
‫دمن كأن‬

‫نق ل توازى بالمواقــــــــف‬
‫ديارات الساقف‬
‫ــر إلى‬
‫و خائف‬
‫اطمارها خائفة‬
‫المطارف‬
‫يكسين أعلم‬

‫و يقول (محمد بن عبد الرحمن الثرواني )‪ 14‬في قصر أبي الخصيب ‪:‬‬
‫الكبرى‬
‫بمارت مريم‬
‫فقصر أبي الخصيب المشـ‬
‫فأكناف الخورنق و السـَـــ‬
‫إلى النخل المك َم و الـــــــــ‬

‫نقف‬
‫و ظلَ فنائها‬
‫ــرف الموفي على النجف‬
‫السلف‬
‫ــدير ملعب‬
‫الهتف‬
‫ـحمائم فوقه‬

‫‪2‬‬

‫(من هذا يظهر أن الخورنق و السدير كانا في محل واحد يطلق عليهما الخورنق ‪,‬ثم يفصل‬
‫‪15‬‬
‫والى السدير و كان محل للعبادة )‬
‫ذلك إلى الخورنق و كان محل الكل و المآدب ‪,‬‬
‫‪16‬‬
‫يدعوها بـ ( ديارات الساقف ‪ ,‬و بحضرتها نهر يعرف‬
‫و الشابشتي في ( الديارات )‬
‫بالغدير‪.‬على يمينه قصر أبي الخصيب مولى أبي جعفر و عن شماله السدير)( و قصر أبي‬
‫الخصيب هذا احد متنزهات الدنيا‪.‬وهو مشرف على النجف)(و يصعد من أسفله على درجة‬
‫طولها خمسون مرقاة إلى سطح حسن و مجلس فيشرف الناظر على النجف و الحيرة من‬
‫طولها خمسون مرقاة إلى سطح افيح‬
‫ذلك الموضع ثم يصعد منه على درجة أخرى‬
‫و مجلس عجيب‪().‬و أبو الخصيب هذا ‪ ,‬مولى أبي جعفر المنصور و حاجبه‪ ().‬و السدير ‪,‬‬
‫قصر عظيم من أبنية ملوك لخم في قديم الزمان و ما بقي ألن منه ‪ 17‬فهو ديارات و بيع‬
‫الذي يعتقد واثق الصالحي(بأنه تألف في بعض‬
‫للنصارى)تمثل الشائع عن الخورنق‪,‬‬
‫‪19‬‬
‫أجزائه من عدة طوابق )‪18‬ويصف ( ابن بطوطة ) في رحلته ‪ ,‬الخورنق بعد خروجه من‬
‫مشهد علي عليه السلم‪(:‬فنزلنا الخورنق‪,‬موضع سكنى النعمان بن المنذر وآبائه من ملوك‬
‫ماء السماء ‪,‬و به عمارة و بقايا قباب ضخمة في فضاء فسيح على نهر يخرج من الفرات )‬
‫وهي عمارة القصور التي تحمي ( الكنائس و بيوت الناس)‪ 20‬على ما يرى جواد علي ‪.‬‬
‫و نعتقد إن ( خربة الخورنق ) بإبعادها ( الستين خطوة) التي وصفها ( موسيل )‪ 21‬بكتابه‬
‫على ما يرى الباحث الصالحي – ( حسب‬
‫عن الفرات الوسط تمثل معبدا أو كنيسا –‬
‫الخصائص المعمارية العراقية السائدة آنذاك ) والتي ( لم تتأثر بعمارة الكنائس المتبعة في‬
‫سورية ) ( فقد تألفت من بناء مستطيل الشكل طوله ‪27.18‬م و عرضه ‪15.06‬م ‪.22).‬‬
‫ونرى في القصة الشهيرة عدد من الصور المتراكبة يمكننا أن نباشر بتفكيكها بالعودة أول‬
‫إلى ياقوت في موسوعته البلدانية حين أورد القصة مرتين بالتفاصيل المعروفة عن‬
‫المعمار الرومي( سنمَار) ثم أعادة نفس تفاصيل القصة بدون الشارة لقصة المعمار‪.‬يقول‬
‫ياقوت ‪ 23‬عن الملك النعمان‪( :‬بينما هو ذات يوم جالس في مجلسه في الخورنق فأشرف‬
‫وعلى‬
‫على النجف وما يليه من البساتين والنخل والجنان والنهار مما يلي المغرب‬
‫الفرات مما يلي الشرق و الخورنق مقابل الفرات يدور عليه على عاقول كالخندق‬
‫فأعجبه ما رأى من الخضرة و النور و النهار فقال لوزيره ‪:‬أرأيت مثل هذا المنظر و‬
‫حسنه ؟ فقال ‪ :‬ل و ال أيها الملك ما رأيت مثله لو كان يدوم! قال‪ :‬فما الذي يدم ؟ قال‪:‬ما‬
‫عند ال في الخرة‪,‬فقال ‪ :‬فبم ينال ذلك ؟ قال ‪ :‬بترك هذه الدنيا و عبادة ال والتماس ما‬
‫عنده ‪ ),‬وفي ذلك يقول عدي بن زيد العبادي ‪: 24‬‬
‫رب الخورنق ‪ ,‬إذ‬
‫و تبين‬
‫سره ما رأى و كثرة ما يمــ‬
‫و قال ما غبـ‬
‫فأرعوى قلبه‬
‫ثم بعد الفلح و الملك و النعـ‬
‫ثم صاروا كأنهم ورق جــــ‬

‫أشرف يوما ‪ ,‬و للهدي تفكير‬
‫ــلك و البحر معرضا و السدير‬
‫ي إلى الممات يصير‬
‫ــطة ح َ‬
‫القبور‬
‫ـمة وارتهم هناك‬
‫ــف ‪ ,‬فألَوت به الصَبا و الدبَور‬

‫زهد الرهبان وتصوف‬
‫حيث يرى العلمة( جواد علي )‪(25‬في شعر عدي بن زيد‪,‬‬
‫المتصوفين ‪,‬فيه تذكير بالخرة و تزهيد في الدنيا‪,‬و وعظ بمصير محزن يلحق المغرورين‬
‫العتاة المتجبرين)وهي مشاعر عميقة استثارها الحساس الديني لنصارى الحيرة بالتغيرات‬
‫‪3‬‬

‫التي هددت كيانهم تتضح في جملة القصائد التي تستدر العبرة والعظة وكذلك في قصص‬
‫قصة المعمار سنمَار و قصة البرامكة التي يذكرها ( الشابشتي )‪26‬في‬
‫ذات مغزى منها‬
‫كتاب الديارات‪ (:‬قال ‪ :‬لما نزل الرشيد الحيرة ‪ ,‬وقت منصرفه من الحج ‪ ,‬ركب جعفر بن‬
‫يحي إلى السدير فطافه و نظر إلى بنائه‪.‬ثم وقعت عينه على كتاب في أعله فأمر من صعد‬
‫إلى الموضع فقرأه ‪.‬فقال في نفسه‪:‬قد جعلته فأل لما أخافه من الرشيد ‪ .‬فقرئ ‪ ,‬فإذا هو ‪:‬‬
‫إن بني المنذر عام أنقضوا‬
‫أضحوا و ل يرجوهم راغب‬
‫و أصبحوا أكل لدود الثرى‬

‫بحيث شاد البيعة الراهب‬
‫يوما و ل يرهبهم راهب‬
‫و أنقطع المطلوب و الطالب‬

‫فحزن جعفر لذلك و صار ينشد البيات و يقول ‪ :‬ذهب و ال أمرنا )‪. 27‬‬
‫و يذكر ( ياقوت )‪ 28‬أبيات لعبد المسيح بن عمرو بن بقيلة‬
‫على الحيرة في خلفة أبي بكر الصديق ‪ ,‬رضي ال عنه ‪:‬‬
‫أبعد المنذرين أرى سواما‬
‫تحاماه فوارس كل حي َ‬
‫فصرنا بعد هلك أبي قبيس‬
‫من معدَ‬
‫تقسَمنا القبائل‬

‫قالها(عند غلبة خالد بن الوليد‬

‫تروح بالخورنق و السدير‬
‫مخافة ضيغم عالي الزئير‬
‫كمثل الشاء في اليوم المطير‬
‫كأنَا بعض أجزاء الجزور‬

‫و يشير اسم المعمار إلى أصل ديني يدل إلى القمر‪ ,‬ذلك المعبود الثير في ديانات العرب‬
‫فالسم يتكون من مقطعين الول ‪ ,‬سين ‪ ,‬و هو اسم القمر‪ .‬و ينقل صاحب ( لسان العرب )‬
‫عن أبي عمرو و ابن سيده ‪ ,‬القول في ( السنمَار )‪ 29‬بمعنى القمر المضئ ‪ .‬والثاني‪ ,‬مار‪,‬‬
‫أي العابد للله عند النصارى ليصبح المعنى عابد الله أو عبد سين‪ .‬وإن الصخرة المشار‬
‫الذين‬
‫لها في القصة‪,‬هي صخرة المذبح التي تهدمت مخلفة ‪30‬وجعا ومعاناة للنصارى‬
‫انتقلت‬
‫باغتهم السلم في دورهم فصاروا يبثون أحزانهم في قصص و أشعار‬
‫عبر الروايات و الرواة ‪.‬‬

‫الهوامش‬

‫‪4‬‬

‫‪ – 1‬الفرات الوسط – رحلة وصفية ‪ /‬آلوا موسيل – ت‪ :‬صدقي حمدي و عبد المطلب عبد‬
‫الرحمن داود ‪ /‬حا ‪ 57‬الصفحات ‪. 156-149‬‬
‫‪ – 2‬تاريخ حضارة وادي الرافدين ‪ /‬ج ‪ /2‬د‪ .‬احمد سوسة – ص ‪.250‬‬
‫‪ – 3‬تاريخ فن العمارة العراقية ‪ /‬شريف يوسف – ص ‪.221‬‬
‫‪ – 4‬حضارة العراق ‪ /‬ج ‪ / 3‬العمارة قبيل السلم ‪ /‬د‪ .‬واثق إسماعيل الصالحي – ص ‪ 260‬و‬
‫ص ‪.261‬‬
‫‪ – 5‬فجر السلم ‪ /‬ج ‪ / 1‬احمد أمين – ص ‪.49‬‬
‫‪ – 6‬معجم البلدان ‪ /‬ج ‪ / 2‬ياقوت الحموي – ص ‪.402-401‬‬
‫‪ – 7‬المصدر السابق –ص ‪.401‬‬
‫‪ - 8‬المفصل في تاريخ العرب قبل السلم ‪ /‬ج ‪ / 3‬جواد علي – ص ‪.200‬‬
‫‪ –9‬المصدر السابق – ص ‪.202‬‬
‫‪ -10‬نفسه – ص ‪. 201‬‬
‫‪ -11‬نفسه ‪ /‬ج ‪ – 8‬ص ‪. 376‬‬
‫‪ -12‬مدارس العراق قبل السلم ‪ /‬روفائيل بابو اسحق – ص ‪.49‬‬
‫‪ -13‬الديارات ‪ /‬الشابشتي – ت‪ :‬كوركيس عواد – ص ‪. 237‬‬
‫‪ -14‬ياقوت – ص ‪.531‬‬
‫‪ -15‬الصالحي – ص ‪.260‬‬
‫‪ -16‬الشابشتي – ص ‪.236‬‬
‫‪ -17‬الشابشتي توفي ‪388‬هـ ‪.‬‬
‫‪ -18‬الصالحي – ص ‪.260‬‬
‫‪ -19‬رحلة ابن بطوطة – ص ‪. 199‬‬
‫‪ -20‬جواد علي ‪/‬ج ‪ – 8‬ص ‪. 296‬‬
‫‪ -21‬موسيل – ص ‪. 156‬‬
‫‪ -22‬الصالحي – ص ‪. 257-256‬‬
‫‪ -23‬ياقوت – ص ‪ , 402‬جواد علي ‪/‬ج ‪ – 9‬ص ‪. 679‬‬
‫‪ -24‬المصدر السابق ‪.‬‬
‫‪ -25‬جواد علي‪ /‬ج ‪ – 9‬ص ‪. 678‬‬
‫‪ -26‬الشابشتي – ص ‪. 238‬‬
‫‪ -27‬ياقوت – ص ‪ . 542‬ترد القصة باختلف مع الشابشتي ‪ ,‬حيث ل يظهر القلق و الترقب الذي‬
‫يسبق ذكر البيات ‪.‬‬
‫‪ -28‬ياقوت – ص ‪. 402‬‬
‫‪ -29‬لسان العرب ‪ /‬ج ‪ / 7‬ابن منظور – ص ‪( 277‬مادة سنمَر ) ‪.‬‬
‫‪ -30‬يذكر شريف يوسف إن القصر ( أصبح في القرن الرابع عشر الميلدي خرابا و ل يعرف‬
‫اليوم موقعه ‪ ).‬ص ‪ . 219‬و ينقل احمد سوسة عن دائرة المعارف السلمية انه ( كان خربا في‬
‫القرن الخامس عشر الميلدي ‪ ).‬ص ‪ . 250‬و يعلق العلمة آلوا موسيل حول خربة القصر‬
‫التي ( أخذت جميع المواد الصالحة فيها أو أنها تؤخذ الن و تنقل ‪ ).‬ص ‪ . 156‬و المقصود بـ‬
‫( الن ) هو عام ‪1915‬م ‪.‬‬

‫‪5‬‬