You are on page 1of 6

‫تحوالتت‬

‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫المصالحة المزعومة‬
‫ثورة أم خصومة!‬
‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫مارس ‪2015‬‬
‫‪1‬‬

‫مارس ‪2015‬‬

‫المصالحة المزعومة‪ ..‬ثورة أم خصومة!‬

‫يتكرر الحديث عن احتماالت المصالحة‪ ،‬أو مشاريع للتفاهم ومبادرات‪ ،‬وكلها تبدو أحاديث خارجة‬
‫عن سياق ومجرى األحداث‪ ،‬وقد تكون مجرد اختبار للمواقف‪ ،‬أو طريقة لبث حالة من الفرقة داخل الحراك‬
‫الثوري‪.‬‬
‫كل حديث حول المصالحة بين القيادة العسكرية وجماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬هو خارج إطار الواقع‬
‫الراهن‪ ،‬وهو حديث يقوم على تعريف خطأ للواقع‪ ،‬فالقضية ليست خصومة بين القيادة العسكرية وجماعة‬
‫اإلخوان المسلمين‪.‬‬
‫هناك معركة بالفعل‪ ،‬ولكنها ليست بين جماعة اإلخوان المسلمين والقيادة العسكرية‪ ،‬فالمعركة‬
‫ليست نزاعا حول السلطة بين طرفين‪ ،‬ولكنها معركة بين االستبداد والتحرر‪ ،‬وهي معركة الثورة‪ ،‬أي‬
‫معركة تحقيق التحرر الكامل غير المنقوص‪.‬‬
‫ال مجال لفكرة المصالحة بين االستبداد والتحرر‪ ،‬فال يمكن تحقيق تفاهم بين االستبداد والتحرر‪،‬‬
‫وال توجد حلول وسط بينهما‪ .‬فالمعركة بين االستبداد والتحرر‪ ،‬معركة صفرية‪ ،‬فإما ينتصر التحرر أو‬
‫ينتصر االستبداد‪.‬‬
‫ال معنى إذن‪ ،‬ألي فكرة حول التسوية السياسية‪ ،‬فال مجال لنظام نصفه استبداد ونصفه حرية‪،‬‬
‫فاالستبداد مانع للحرية‪ ،‬وأي استبداد بأي درجة يقضي على الحرية‪ .‬وال مجال للحديث عن مصالحة وتعايش‬
‫بين الثورة واالنقالب‪.‬‬
‫فالثورة رغم ما تمر به من مراحل وصراعات وحروب‪ ،‬ال تستهدف حالة بينية بين الثورة‬
‫واالنقالب‪ ،‬وال يوجد نصف ثورة ونصف انقالب‪ ،‬وإن حدثت هذه الحالة في بعض المراحل‪ ،‬ففي النهاية‬
‫تنتصر الثورة أو ينتصر االنقالب‪.‬‬
‫وجود جماعة اإلخوان المسلمين في قلب الحراك الثوري‪ ،‬بوصفها القوة األكبر داخل الحراك‪ ،‬ال‬
‫يعني أن المشكلة تخص الجماعة‪ ،‬حتى وإن كان االستهداف القمعي يركز عليها‪ ،‬فالقضية تخص أساسا‬
‫تحرر الوطن‪ ،‬والجماعة تقوم بما تراه دورا لها‪.‬‬
‫مشكلة البالد العربية واإلسالمية‪ ،‬أنها لم تحصل بعد على التحرر الحقيقي‪ ،‬ولم تصل في أغلبها‬
‫إلى مرحلة تحقيق الحق في تقرير المصير وتحرير اإلرادة الشعبية بالكامل‪ ،‬وكل مراحل التحرر كانت‬
‫منقوصة‪ ،‬وأدت إلى الرجوع إلى مربع االستبداد والتبعية‪.‬‬
‫القضية إذن‪ ،‬هي قضية تحقيق التحرر الكامل غير المنقوص‪ ،‬وكل حديث عن مصالحة أو تسوية‪،‬‬
‫ليس له موضع‪ ،‬فال مصالحة بين التحرر واالستبداد‪ ،‬ألن كل منهما ينفي اآلخر وينهي وجوده‪ ،‬فالتحرر‬
‫ينهي االستبداد وال يتصالح معه‪.‬‬
‫الناظر إلى مسار الربيع العربي‪ ،‬والحروب التي فرضت عليه‪ ،‬يدرك أن معركة الربيع العربي‬
‫تطورت إلى حدود الثورة الشاملة‪ ،‬فالحروب التي شنت على الربيع العربي‪ ،‬لم تجعله مجرد محاولة لتحسين‬
‫البيئة السياسية‪ ،‬بل جعلته ثورة كاملة‪.‬‬
‫الثمن الذي يدفع من أجل الثورة‪ ،‬ال يجعل الربيع العربي مجرد مرحلة من مراحل النضال‪ ،‬التي ال‬
‫تحقق التحرر الكامل‪ ،‬بل جعل الربيع العربي منذ شرارته األولى‪ ،‬يصبح نضاال مستمرا من أجل الحرية‬
‫الكاملة‪ ،‬التي دفع ثمنها ومازال يدفع‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫مارس ‪2015‬‬

‫المصالحة المزعومة‪ ..‬ثورة أم خصومة!‬

‫الشاهد أن جماعة اإلخوان المسلمين بعد االنقالب العسكري في مصر‪ ،‬وبعد االنقالبات على ثورات‬
‫الربيع العربي األخرى‪ ،‬اتخذت موقفا نهائيا لصالح الثورة‪ ،‬وسارت في طريق النضال الثوري‪ ،‬وحسمت‬
‫خيارها مع الثورة الكاملة‪.‬‬
‫كل تطور يحدث في بلد من بلدان الربيع العربي‪ ،‬يؤثر على مسار الثورة العربية‪ ،‬وأي حديث عن‬
‫مصالحة في مصر‪ ،‬يعني ضمنا محاول إلنهاء كل الربيع العربي‪ ،‬في كل الدول األخرى‪ .‬فمسار الثورة في‬
‫مصر له تأثير مركزي على مسار الربيع العربي كله‪.‬‬
‫قوى االنقالب على الثورة‪ ،‬ال تستهدف إال تثبيت سيطرتها وحكمها‪ ،‬فالسلطة العسكرية في مصر‪،‬‬
‫لم تنقلب على جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬بل انقلبت على الثورة وعلى التحول الديمقراطي برمته‪ .‬فالسلطة‬
‫العسكرية ترفض الديمقراطية أساسا‪.‬‬
‫القضية المركزية في مصر‪ ،‬ال تتعلق بدور جماعة اإلخوان المسلمين السياسي‪ ،‬ألن السلطة‬
‫العسكرية ترفض أي ديمقراطية سواء شارك فيها اإلخوان أم ال‪ ،‬فالمسألة إذن تتجاوز فكرة الخصومة مع‬
‫جماعة ما‪ ،‬إلى الخصومة مع الحرية كلها‪.‬‬
‫هل معنى هذا أن المعركة صفرية‪ ،‬وال توجد أي فرص لحلول سياسية؟ قد يرى البعض أن كل‬
‫أزمة تنتهي بحل سياسي في النهاية‪ ،‬وال يمكن أن تستمر المعارك إلى ما ال نهاية‪ .‬فهل تقبل جماعة اإلخوان‬
‫المسلمين بالحل السياسي؟‬
‫هدف الثورة‬
‫تتردد أسئلة تبدو أحيانا مربكة‪ ،‬فما المقصود بقبول جماعة اإلخوان المسلمين لحل سياسي؟ وما‬
‫الذي تقبله السلطة العسكرية الحاكمة في مصر أساسا‪ ،‬حتى يكون هناك مجال لحل سياسي‪ ،‬وما المقصود‬
‫بالحل السياسي؟‬
‫أليست ثورة‪ ،‬فما هي إذن الثورة؟ أليست الثورة هي عملية تحرير شاملة لإلرادة الشعبية‪ ،‬من كل‬
‫سلطة تفرض عليها‪ ،‬سواء كانت سلطة داخلية أو هيمنة خارجية؟ إذا كانت الثورة هي التحرر‪ ،‬فإن طريق‬
‫الثورة واضح‪.‬‬
‫في كل الثورات التي تقوم ضد االستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية‪ ،‬يكون هدف الثورة محدد‪،‬‬
‫وهو إجبار سلطة االستبداد المحلي على تسليم السلطة‪ ،‬لتحقيق التحرر الكامل‪ ،‬من خالل بناء نظام سياسي‬
‫جديد‪ ،‬يقوم على الحرية والعدل‪.‬‬
‫في مصر‪ ،‬تستهدف الثورة بصورة واضحة‪ ،‬ممارسة ضغط ثوري مستمر على السلطة العسكرية‪،‬‬
‫حتى تسلم السلطة‪ ،‬ثم يعود الجيش لثكناته‪ ،‬وينهي دوره السياسي‪ ،‬ويعود لممارسة مهمته ومسئوليته في‬
‫حماية حدود الوطن‪.‬‬
‫تستهدف الثورة تحرير المجتمع‪ ،‬مما يسمح له ببناء نظام سياسي حر يعبر عنه‪ ،‬من دون أي هيمنة‬
‫خارجية‪ ،‬لذا تستهدف الثورة كل وكالء الهيمنة الخارجية‪ ،‬حتى تنهي سيطرتهم على مقدرات البالد‪ ،‬مما‬
‫ينهي الهيمنة الخارجية‪ ،‬ودور وكالء القوى الخارجية‪.‬‬
‫السلطة العسكرية‪ ،‬ال تقبل أي تحول ديمقراطي‪ ،‬بل هي انقلبت على أول تحول ديمقراطي في‬
‫مصر‪ ،‬لذا فال يوجد حل سياسي مع سلطة ترفض التحول الديمقراطي‪ ،‬وترفض تحقيق الحرية الحقيقية‪،‬‬
‫وتعمل من أجل فرض هيمنة عسكرية كاملة على الدولة‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫مارس ‪2015‬‬

‫المصالحة المزعومة‪ ..‬ثورة أم خصومة!‬

‫الحل السياسي الذي يمكن أن تقبله جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬ويقبله جمهور الحراك الثوري‪ ،‬هو‬
‫الخريطة السياسية لالنتقال من االستبداد إلى الحرية‪ ،‬وتحقيق التحرر الكامل‪ ،‬والذي يبدأ بالقصاص العادل‬
‫والشامل‪ ،‬وإنهاء الحكم العسكري‪.‬‬
‫القيادة العسكرية التي قادت االنقالب‪ ،‬ال يمكن أن تتحول فجأة وتقبل بالتحول الديمقراطي‪ ،‬وتنهي‬
‫السيطرة العسكرية على الدولة واالقتصاد‪ ،‬مما يعني أن أي حل سياسي مع القيادة العسكرية الرافضة‬
‫للديمقراطية‪ ،‬هو تنازل عن هدف الثورة‪.‬‬
‫القضية إذن‪ ،‬تتعلق بتغير موقف المؤسسة العسكرية‪ ،‬واستسالمها لمطلب التحرر‪ ،‬وتنازلها عن‬
‫سلطتها السياسية وهيمنتها على الدولة واالقتصاد‪ ،‬فعندما يحدث هذا التغير بفعل ضغط الحراك الثوري‪،‬‬
‫يمكن الحديث عن خريطة طريق سياسية‪ ،‬للتحقيق التحرر‪.‬‬
‫إذن هي ثورة‪ ،‬وال يوجد للثورة حل سياسي‪ ،‬غير حل واحد‪ ،‬وهو خريطة طريق االنتقال من‬
‫االستبداد إلى الحرية‪ ،‬وخريطة طريق التحول الديمقراطي‪ ،‬التي تبني نظاما سياسيا حرا‪ ،‬تتوفر له‬
‫الضمانات الكاملة‪ ،‬التي تمنع الخروج عليه أو االنقالب عليه مرة أخرى‪.‬‬
‫شروط االنتقال‬
‫جدول أعمال الحراك الثوري‪ ،‬يقوم أساسا على تحقيق هدف الثورة‪ ،‬بتسليم السلطة من القيادة‬
‫العسكرية‪ ،‬إلى السلطة الشرعية المنتخبة‪ ،‬وعودة الرئيس والدستور‪ ،‬لكسر االنقالب وكل ما ترتب عليه من‬
‫آثار‪ ،‬وحتى تكون هناك سلطة شرعية منتخبة‪ ،‬تقوم بمهام المرحلة االنتقالية‪.‬‬
‫حتى تتحقق أهداف الثورة‪ ،‬تحتاج لمرحلة انتقالية‪ ،‬تؤمن مسار الثورة‪ ،‬كما تؤمن مسار التحرر‬
‫والتحول الديمقراطي‪ ،‬من خالل جدول أعمال العدالة االنتقالية‪ ،‬والذي يبدأ باإلفراج عن كل المعتقلين‪،‬‬
‫وإعادة مناخ الحرية‪ ،‬وعودة كل الكيانات ووسائل اإلعالم التي تم حظرها‪.‬‬
‫جدول أعمال العدالة االنتقالية‪ ،‬يقوم على خمس محاور أساسية‪ ،‬تبدأ بالقصاص العادل‪ ،‬وتحقيق‬
‫المساءلة والمحاسبة‪ ،‬من خالل لجان تقصي حقائق لها قانون خاص يمنحها صالحيات كافية‪ ،‬بما يسمح‬
‫بكشف الحقائق كاملة ومحاسبة كل المسئولين عنها‪.‬‬
‫العدالة االنتقالية‪ ،‬تستند ثانيا على المكاشفة والمصارحة‪ ،‬والتي تؤدي إلى كشف كل الحقائق‪ ،‬وفتح‬
‫الصندوق األسود كامال‪ ،‬وكشف كل رواية ما حدث منذ الشرارة األولى للثورة‪ ،‬حتى يعرف المجتمع كل‬
‫الحقائق‪ ،‬والتي تعيد له وعيه الذي زيف‪.‬‬
‫تعتمد العدالة االنتقالية على عامل ثالث مهم‪ ،‬وهو إعادة هيكلة المؤسسات‪ ،‬خاصة المؤسسات التي‬
‫مارست القمع‪ ،‬والتي تعتبر أدوات االستبداد‪ ،‬وأهمها القضاء والشرطة‪ ،‬بصورة تعيد تأهيل تلك المؤسسات‬
‫للقيام بدورها في حدود القانون‪ ،‬وتنهي سيطرة طبقة االستبداد على تلك المؤسسات‪.‬‬
‫العنصر الرابع في العدالة االنتقالية‪ ،‬يقوم على وضع قواعد للعالقة المدنية العسكرية‪ ،‬تخضع‬
‫المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية المنتخبة‪ ،‬وتنهي تدخل المؤسسة العسكرية في السلطة‪ ،‬كما تنهي هيمنة‬
‫المؤسسة العسكرية على الدولة واالقتصاد‪.‬‬
‫تقوم العدالة االنتقالية على بعد خامس‪ ،‬وهو الخاص بوضع قواعد حاكمة للعمل اإلعالمي‪ ،‬تمنع‬
‫وسائل اإلعالم من التحول إلى أدوات بث الشائعات‪ ،‬وإلى أدوات لتضليل وتزييف الوعي‪ ،‬مما يلزم‬
‫المؤسسات اإلعالمية بقواعد مهنية صارمة‪.‬‬
‫‪4‬‬

‫مارس ‪2015‬‬

‫المصالحة المزعومة‪ ..‬ثورة أم خصومة!‬

‫خريطة استعادة الديمقراطية التي أنقلب عليها‪ ،‬هي خريطة الحل السياسي‪ ،‬بعد انتصار الثورة‪.‬‬
‫ومن يبحث عن حل سياسي لألزمة‪ ،‬فالحل هو في خريطة طريق للتحول الديمقراطي‪ ،‬تقوم على العدالة‬
‫االنتقالية‪ ،‬بعناصرها الخمس‪.‬‬
‫هذا هو هدف الثورة‪ ،‬والطريق إلى تحقيقه‪ ،‬وال يمكن أن نتصور أن السلطة العسكرية الحاكمة في‬
‫مصر‪ ،‬يمكن أن تقبل بحل سياسي يقوم على تحقيق العدالة االنتقالية والتحول الديمقراطي‪ ،‬حتى بدون عودة‬
‫الشرعية ممثلة في الرئيس والدستور‪.‬‬
‫السؤال إذن‪ ،‬هل تقبل السلطة العسكرية بالتحول الديمقراطي والعدالة االنتقالية‪ ،‬مقابل أي تنازالت‬
‫سياسية تقدمها جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬إذا كانت الخصومة معها؟ إن كانت السلطة العسكرية تقبل بالتحول‬
‫الديمقراطي الكامل‪ ،‬فإن الجماعة قادرة على أي تنازل من أجل الحرية‪.‬‬
‫ما تقدمه جماعة اإلخوان المسلمين من ثمن باهظ من أجل التحرر‪ ،‬هو أكثر بكثير من أي تنازل أو‬
‫تراجع سياسي‪ ،‬من أجل تحقيق التحرر الكامل‪ ،‬ولكن المشكلة أن المطلوب من الجماعة أن تتراجع للخلف‪،‬‬
‫حتى يستقر الحكم العسكري وتجهض الثورة‪.‬‬
‫المشكلة أن المطلوب من جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬أن تتراجع للوراء‪ ،‬حتى تتنازل عن فكرة‬
‫الثورة‪ ،‬وعن التحرر الكامل‪ ،‬وعن الشروط الضرورية لتحقيق تحول ديمقراطي وعدالة انتقالية‪ ،‬تؤدي إلى‬
‫إنهاء الحكم العسكري‪.‬‬
‫يمكن اعتبار شروط التحول الديمقراطي المتمثلة في جدول أعمال العدالة االنتقالية‪ ،‬بمثابة الحد‬
‫الضروري الالزم لتحقيق غاية الثورة‪ ،‬وهو ما يعني أن أي حوار أو حل سياسي‪ ،‬يحقق مرحلة انتقالية‪،‬‬
‫تقوم على كل الشروط الضرورية للعدالة االنتقالية‪ ،‬في صالح الثورة‪.‬‬
‫الغاية في النهاية‪ ،‬هي تحقيق التحرر الكامل‪ ،‬وبناء نظام سياسي حر‪ ،‬على قواعد راسخة‪ ،‬ال يمكن‬
‫االنقالب عليه‪ ،‬مما يتيح للمجتمع تحديد خياراته الحرة‪ ،‬وممارسة حق تقرير المصير كامال غير منقوص‪،‬‬
‫وكل ما يحقق تلك الغاية يمكن أن يكون مقبوال‪.‬‬
‫المشكلة ليست خصومة مع جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬بل هي خصومة مع الحرية‪ ،‬لذا فإن كل‬
‫طريق يمكن أن يؤدي إلى تحقيق التحرر الكامل‪ ،‬يمكن أن تتفاعل معه جماعة اإلخوان المسلمين بشكل‬
‫إيجابي‪ ،‬وكل دور مطلوب منها من أجل التحرر‪ ،‬يمكن أن تقبله‪.‬‬
‫الحراك الثوري إذن يدرك طريقه‪ ،‬وهو طريق التحرر والعدالة والقصاص‪ ،‬تلك العبارات التي‬
‫تختصر كل الصورة‪ ،‬والتي تؤدي إلى تحرر كامل وإنهاء الحكم العسكري‪ ،‬وأي حوار آخر يخرج القضية‬
‫عن مسارها‪ ،‬هو حوار خارج سياق الثورة‪.‬‬
‫كل الحلول الحقيقية تبدأ عندما تدرك المؤسسة العسكرية‪ ،‬أنها غرقت في معركة السلطة واالقتصاد‪،‬‬
‫وأنها تستنزف في مستنقع االنقالب‪ ،‬فالحراك الثوري يهدف إلى إنهاء الحكم العسكري‪ ،‬والحل يبدأ بانسحاب‬
‫المؤسسة العسكرية من السلطة وتسليمها‪.‬‬
‫من يبحث عن بدائل وحلول‪ ،‬يمكن أن يجد العديد منها‪ ،‬ولكن داخل إطار التحول الديمقراطي‬
‫والعدالة االنتقالية‪ ،‬وبناء نظام سياسي حر‪ ،‬له قواعد حاكمة‪ ،‬تحمي مساره من أي عملية انقالب عليه‪ ،‬مما‬
‫يرسخ الحرية‪ ،‬ويقيم العدل‪.‬‬
‫‪5‬‬

‫مارس ‪2015‬‬

‫المصالحة المزعومة‪ ..‬ثورة أم خصومة!‬
‫محاوالت إجهاض‬

‫السلطة العسكرية منذ اليوم األول‪ ،‬وهي تكرس هيمنة المؤسسة العسكرية على كل السلطة والنفوذ‬
‫واالقتصاد‪ ،‬وال تقبل إال بالخضوع لخياراتها‪ ،‬لذا لم يكن لدى السلطة أي مبادرات من أي نوع‪ ،‬سوى أنها‬
‫تريد من الطرف اآلخر‪ ،‬خاصة اإلخوان‪ ،‬االستسالم لخياراتها‪.‬‬
‫بعض القوى اإلقليمية الداعمة لالنقالب‪ ،‬خاصة اإلمارات العربية المتحدة والمملكة السعودية في‬
‫عهد الملك الراحل‪ ،‬لم يختلف موقفها عن موقف السلطة العسكرية‪ ،‬حيث عملت على تكريس دولة عسكرية‬
‫استبدادية في مصر‪.‬‬
‫لم يختلف موقف االحتالل اإلسرائيلي عن موقف السلطة العسكرية‪ ،‬حيث ظل مؤيدا بشدة لعسكرة‬
‫الدولة وتأميم المجال السياسي بالكامل‪ ،‬لذا كان االحتالل اإلسرائيلي أهم داعم لخيارات السلطة العسكرية‪،‬‬
‫ألنه يريد إجهاض الربيع العربي والديمقراطية‪.‬‬
‫داخل المعسكر المؤيد لالنقالب العسكري‪ ،‬هناك أصوات تطالب بقدر من اإلصالحات‪ ،‬وترى أن‬
‫االستبداد الفج يمكن أن يؤدي إلى إشعال ثورة شاملة‪ ،‬ومن تلك األصوات بعض األصوات الغربية‪ ،‬وربما‬
‫بعض األصوات العربية‪ ،‬خاصة السعودية في عهد الملك الجديد‪.‬‬
‫ظلت كل التصورات تدور واقعيا بين االستبداد الشامل‪ ،‬واالستبداد بوجه ديمقراطي‪ ،‬لذا فكل‬
‫محاوالت دفع الحراك الثوري أو جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬إلى الحوار أو المصالحة‪ ،‬ليست إال محاوالت‬
‫لتحسين صورة النظام العسكري‪ ،‬من أجل دعم استمراره‪.‬‬
‫يبدو الهدف من الترويج لفكرة المصالحة‪ ،‬هو البحث عن بديل للثورة‪ ،‬وفي نفس الوقت البحث عن‬
‫بديل الستمرار الحراك الثوري‪ ،‬حتى يتمكن النظام القائم من تحقيق االستقرار‪ ،‬ومن الوصول لمرحلة األمر‬
‫الواقع المستقر‪.‬‬
‫خيار اإلخوان‬
‫أتصور أن خيار جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬مبني أساسا على أن الربيع العربي يمثل بداية ثورة‪،‬‬
‫وأن المنطقة العربية دخلت بالفعل مرحلة الثورة‪ ،‬فكان خيار اإلخوان هو الثورة الكاملة‪ ،‬والتي تمضي حتى‬
‫تحقق كل أهدافها‪.‬‬
‫التقييم الموضوعي لما حدث مع بداية الربيع العربي‪ ،‬يؤكد على أن المنطقة أمام مرحلة تغيير‪ ،‬وأن‬
‫األوضاع لم تعد قابلة لالستمرار بنهج ما قبل الربيع العربي‪ ،‬لذا فإن خيار الثورة‪ ،‬والذي تتمسك به جماعة‬
‫اإلخوان المسلمين‪ ،‬هو الخيار التاريخي المعبر عن حقيقة المرحلة التي تمر بها األمة‪.‬‬
‫جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬باختيارها واختيار الظرف التاريخي‪ ،‬أصبحت في مقدمة الحراك‬
‫الثوري الممتد في بالد الربيع العربي‪ ،‬وتخوض معركة األمة‪ ،‬وهي ليست معركة اإلخوان‪ ،‬ألن التحرر‬
‫ليس مشروعا خاصا‪ ،‬بل هو مشروع األمة كلها‪.‬‬
‫في الثورة ال مجال لمصالحة أو تسوية مع االستبداد‪ ،‬بل نضال ثوري مستمر‪ ،‬ينتهي بخريطة‬
‫طريق سياسية‪ ،‬تقوم على مرحلة انتقالية‪ ،‬تنهي االستبداد‪ ،‬وتؤسس لنظام سياسي حر‪ ،‬حتى يكتمل التحرر‪.‬‬

‫‪6‬‬