‫حقوق الطبع محفوظة لمشروع منبر الحرية‪ /‬مؤسسة أطمس لألبحاث االقتصادية‬

‫منبر الحرية‬
‫مشروع غير ربحي وغير حزبي يعمل في إطار المبادرة العالمية لمؤسسة "أطمس" من أجل دعم التجارة‬
‫الحرة والسالم واالزدىار بشراكة مع معيد كيتو في واشنطن العاصمة‪ .‬وىو مشروع تعميمي ييدف إلى‬

‫لصناع القرار‪ ،‬والطمبة والمثقفين والمؤسسات العممية‬
‫تقديم أدبيات الحرية واألفكار والدراسات المتعمقة بيا ّ‬
‫واألكاديمية‪ ،‬ورجال األعمال ووسائل اإلعالم‪ ،‬وأية شريحة أخرى تعنى بالحرية في العالم العربي‪ .‬وبغية‬
‫تحقيق ىذا اليدف‪ ،‬يقدم "منبر الحرية" ترجمات ألعمال عالمية مرموقة وجادة‪ ،‬من كتب ومقاالت‬

‫ودراسات أكاديمية عممية‪ ،‬وتقارير‪ ،‬وأبحاث متعمقة بالسياسات‪ .‬ومن خالل ىذه الوسائل‪ ،‬يسعى "منبر‬
‫الحرية" إلى تقديم النتاج الفكري العالمي المتعمق بالحرية اإلنسانية لمقارئ العربي‪ ،‬ليستأنس بيا بوصفيا‬
‫بديال لالستبداد ومصادرة الرأي والعنف السمطوي الذي ىيمن عمى األوطان واإلنسان في العالم العربي‪.‬‬
‫‪www.minbaralhurriyya.org‬‬
‫‪All rights reserved. No part of this book may be reproduced in any form or by‬‬
‫‪any means without the prior permission of Minbaralhurriyya Team.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية‪.‬‬

‫ال يسمح بإعادة إصدار ىذا الكتاب أو أي جزء منو‪ ،‬بأي شكل من األشكال‪ ،‬إال بإذن خطي مسبق من‬
‫فريق منبر الحرية‬

‫حقوق الطبع محفوظة لـ "المركز العممي العربي لألبحاث والدراسات اإلنسانية"‬
‫مؤسسة بحثية عممية عربية تأسست من طرف ثمة من الباحثين بغية المساىمة في إغناء الحركية البحثية‬
‫في العالم العربي‪ .‬ويأتي تأسيس ىذا المركز في سياق التحوالت التي تشيدىا البنى المجتمعية في العالم‬
‫اكب بالدرس والنقد والتحميل‪ .‬كما ييدف المركز إلى تطوير ونشر‬
‫العربي‪ ،‬وىي تحوالت تتطمب المو ة‬
‫المعارف اإلنسانية واالجتماعية في العالم العربي‪ ،‬والمساىمة في النقاش العام وتقديم أفكار جديدة‬

‫ومقترحات لصناع القرار والباحثين‪ ،‬مستميمين المعارف اإلنسانية والنماذج والتجارب الناجحة عمى‬
‫الصعيد العالمي‪.‬‬
‫‪www.arab-csr.org‬‬
‫‪All rights reserved. No part of this book may be reproduced in any form or by‬‬
‫‪any means without the prior permission of Arab Center for Scientific Research‬‬
‫‪and Humane Studies Team.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لممركز العممي العربي لألبحاث والدراسات اإلنسانية‪.‬‬
‫ال يسمح بإعادة إصدار ىذا الكتاب أو أي جزء منو‪ ،‬بأي شكل من األشكال‪ ،‬إال بإذن خطي مسبق من‬
‫فريق المركز‬

‫الطريق إلى دولة محدودة‬
‫ليشيك بالتسيروفيتش‬
‫رئيس املصرف الوطني البولندي (‪.)2002-2001‬‬
‫نائب رئيس الوزراء ووزير املالية في بولندا (‪.)2000-1112 ،1111-1191‬‬

‫‪TOWARD A LIMITED STATE‬‬
‫‪Leszek Balcerowicz‬‬

‫ترجمة‪ :‬علي الحارس‬
‫‪22‬‬

‫تركز هذه املقالة على املعايير التي تساعد على توضيح النطاق ألامثل لعمل الحكومة وألاسئلة التي‬
‫تتناول العالقة بين الفرد والدولة‪ .‬وتبدأ املقالة ببعض التوضيحات املتعلقة بمفهوم الدولة ألن الكثير من‬
‫البنى التي درجت العادة على اعتبارها "دوال" تقصر عن تحقيق حتى املتطلبات ألاولية التي يحتويها أي جدل‬
‫معياري حول ما ينبغي لـ"الدولة" أن تفعله‪ .‬وتخلص املقالة إلى املحاججة بأن النظرة الكالسيكية للدولة‬
‫املحدودة هي النظرة املثلى‪ ،‬أي‪ :‬توفير الدولة ألفضل ما يمكن من مستويات الدفاع عن الحريات‬
‫الاقتصادية والشخصية‪.‬‬

‫المنظومة المؤسساتية والدولة‬
‫يرينا التاريخ أن كل مجموعة بشرية مناطقية كبيرة العدد ومستمرة الوجود ال بد أن تتبنى‬
‫مجموعة من القواعد بين ألاشخاص‪ ،‬وعندما أصبحت املجتمعات أكثر حداثة تبنت منظومة من البنى‬
‫التنظيمية التي تحكم عمليات التعاون وتسوية النزاعات والدفاع‪ ،‬وبعض هذه املنظومات املؤسساتية تدعى‬
‫"دوال"‪ ،‬وإذا أردنا أن نعرف ما إذا كانت هذه املجموعة البشرية أو تلك تمتلك منظومة مؤسساتية دولتية أم‬
‫ال فإن من الواضح أن ذلك يعتمد على تعريف (الدولة)‪ ،‬والتعريف ألاكثر استخداما هو الذي صاغه ماكس‬
‫فيبر بقوله‪ ( :‬توجد الدولة متى ما تواجد جهاز خاص يتمتع باحتكار استخدام القوة في منطقة ما)؛‪ 1‬فالبنى‬
‫التي ال تحقق هذا الشرط ال تعتبر من الدول‪ ،‬وعلى سبيل املثال‪ :‬ال ينطبق تعريف الدولة على الجمعيات‬
‫الخيرية لكنه ينطبق على "دولة الرعاية الاجتماعية"‪ .‬ويقض ي تعريف فيبر بأن البنى التي ترتكب فيها الزمرة‬
‫الحاكمة جرائم ضد ألاعضاء آلاخرين الذين يعيشون في املنطقة نفسها ال ينزع هذا الفعل عنها صفة‬
‫الدولة‪ ،‬لكنها تعتبر دولة افتراسية (كما هو الحال مثال في جمهورية زائير السابقة تحت حكم موبوتو‬
‫سيسيسيكو)‪.‬‬
‫ويمكننا أن نبدأ الجدل حول النطاق ألامثل لنشاط الدولة بالرجوع إلى مفهوم روبرت نوزيك‬
‫لـ(دولة الحد ألادنى)‪ ،‬أي‪ :‬الدولة املحدودة "بوظيفتين هما‪ :‬حماية كل مواطنيها من العنف والسرقة‬
‫والاحتيال‪ ،‬وفرض تنفيذ العقود"‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫هل يختلف نموذج الدولة المثلى باختالف المجتمعات؟‬
‫هل تعتمد النظرة حول الدولة املثلى على خصائص الدول املوجودة فعليا أم على ميزات‬
‫املجتمعات التي تشكلها؟ وعلى سبيل املثال‪ :‬هل يجب أن يزيد (أو يقل) أداء الدولة في البلدان ألافقر‬
‫‪1‬الاقتصاد واملجتمع‪ :‬فيبر (م‪)36‬؛ ص‪ .60-26‬وقد قام كريفيلد في كتابه (صعود الدولة وانحدارها) (م‪13‬؛ ص‪ )1‬بتضييق نطاق تعريف فيبر عبر إضافة‬
‫شرط امتالك الدولة لهوية قانونية منفصلة‪.‬‬
‫يمكن الانتقال إلى املسرد البيبليوغرافي في نهاية املقالة لالطالع على تفاصيل بيبليوغرافية (باللغات ألاصلية) للمراجع املذكورة‪ ،‬وذلك بحسب الرقم‬
‫الذي يلي اسم املرجع بالعربية (م‪ 1‬مثال)‪[.‬املترجم]‬
‫‪2‬الالسلطة والدولة واليوتوبيا‪ :‬نوزيك (م‪)22‬؛ ص‪.23‬‬

‫‪22‬‬

‫باملقارنة مع البلدان ألاغنى؟ أمأن النطاق ألامثل لنشاط الدولة يعتمد على التركيبة إلاثنية للسكان وما ينتج‬
‫عنها من مدى معين من التوتر بين إلاثنيات؟‬
‫وهنالك قضية أخرى تتمثل في ما إذا كان النطاق ألامثل للحكومة ينبثق من العملية الديمقراطية‪،‬‬
‫وإذا كان هذا ه و الحال فيمكن املحاججة بأن النطاق ألامثل للدولة في بعض املجتمعات يتضمن املزيد من‬
‫إعادة التوزيع على حساب النمو الاقتصادي‪ ،‬بينما تفضل مجتمعات أخرى مقدارا أقل من إعادة التوزيع‬
‫واملزيد من النمو‪ .‬وعلى الرغم من ذلك‪ ،‬فإن اعتبار قاعدة ألاكثرية معيارا لتقييم أفعال الدولة أمر ينطوي‬
‫على املخاطرة‪ ،‬وذلك ألنه يعني ضمنيا ضرورة القبول بأي قرار تتخذه ألاكثرية‪ ،‬بما في ذلك‪ :‬اضطهاد‬
‫ألاقليات والاستمالك الحكومي واملصادرة الضرائبية‪ ،‬ولذلك فإن قاعدة ألاكثرية يجب أن يجري تقييدها‪،‬‬
‫مما يبرز الحاجة إلى معايير أخرى لوضع تصور دقيق لنطاق الدولة‪.‬‬
‫إن الجواب على السؤال املتعلق بما إذا كانت الدولة املثلى تختلف باختالف املجتمعات يعتمد‬
‫كثيرا على ما إذا كان ألافراد في ألاوساط الاجتماعية املتنوعة يختلفون على نحو جوهري‪ ،‬وأنا أعتقد بأن‬
‫هنالك مكونات ثابتة تحفيزية وإدراكية قوية تدخل في تركيب الطبيعة البشرية‪ ،‬ولذلك فإن هنالك تشابها‬
‫واسعا للنطاق ألامثل للدولة بين ألاوساط الاجتماعية املختلفة؛ فالسياسات املستندة إلى الرأي املعارض‬
‫(الافتراض مثال بأن املجتمعات ألافقر تحتاج إلى دولة أكثر تدخال ألن املزارعين الفقراء ال يستجيبون بشكل‬
‫جيد للمحفزات الاقتصادية املعيارية) كانت وال زالت السبب الرئيس ي الستمرار الفقر في العالم الثالث‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫وهنالك خطأ أكثر دراماتيكية بكثير دأب املاركسيون على اقترافه‪ ،‬حيث يفترض هؤالء بأن التخلص من‬
‫امللكية الخاصة من شأنه أن يؤدي إلى إنتاج فرد جديد أفضل مما كان عليه‪.‬‬
‫وهنالك نسخة أكثر حداثة من املغالطة الدولتية تشير إلى القصور املعلوماتي لألسواق (أي‪ :‬ألافراد)‬
‫في املجتمعات ألافقر باعتباره مبررا يسوغ اللجوء إلى دولة مثقلة بالضوابط أكثر‪ ،‬وهي نصيحة تثير الحيرة‬
‫ألن الضوابط الفعلية املتبعة في العالم النامي وصلت إلى مدى يتجاوز ما يمكن تبريره استنادا إلىأي اعتبار‬
‫من اعتبارات الكفاءة‪ 4.‬كما يجب علينا النظر في إمكانية نقل بعض الوظائف التي تتوالها املجموعة املثلى‬
‫من أنشطة الدولة إلى هيئات خارجية كاملنظمات الدولية‪ ،‬وعندها سنواجه مسألة التوزيع ألامثل لهذه‬
‫املجموعة من أنشطة الدولة وما يتعلق بها من قضية تغير دور الدولة الوطنية‪ .‬وهذه القضايا وأمثالها تقع‬
‫في صلب الجدل الدستوري في الاتحاد ألاوروبي‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫‪3‬معارضة التنمية‪ :‬باور (م‪.)9‬‬
‫محاضرة استالم جائزة نوبل‪ ..‬اقتصاديات الفقر‪ :‬شولتز (م‪.)36‬‬
‫‪4‬تنظيم عملية الدخول‪ :‬جانكوف وآخرون (م‪.)12‬‬
‫‪5‬صعود الدولة وسقوطها‪ :‬كريفيلد (م‪)13‬؛ ص‪.221-202‬‬
‫تحول السلطة‪ :‬ماثيوز (م‪)63‬؛ ص‪.33-30‬‬

‫‪22‬‬

‫معايير صياغة مفهوم الدولة المثلى‬
‫ال يمكن الاكتفاء بما تطرحه املقاربة الاقتصادية املعيارية لصياغة التشكيلة املثلى لوظائف‬
‫الدولة‪ 6،‬ويمكن القول على نحو أكثر تخصيصا بأن الاقتصاديين عندما أشاروا‪7‬إلىأن "من ألادوار الرئيسية‬
‫للدولة" توفير إلاطار القانوني "الذي تحدث ضمنه جميع التعامالت الاقتصادية"‪ ،‬فإنهم لم يتكلموا كثيرا‬
‫حول املحتوى الذي يرغبون بأن تتضمنه القوانين‪ ،‬وكيفية تأثيراتها املحتملة على مرغوبية أو كفاءة فرضها‪.‬‬
‫ويضاف إلى ما سبق أن هؤالء لم يوردوا أي إشارة فعلية إلى آليات الفرض الالدولتي وعالقتها بآليات الفرض‬
‫الدولتي‪ ،‬مما يخلق انطباعا بأن عملية تسوية النزاعات في الحياة الاقتصادية تجري بأكملها ضمن نطاق‬
‫الدولة ال محالة‪ ،‬وهو انطباع يتناقض مع الدليل التجريبي‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫هذا التشوش يتصل باستخدام مفهوم للسلع العمومية يعتبرها غير تزاحمية في الاستهالك وغير‬
‫حصرية‪ 9،‬فإذا كان ينبغي التزويد بهذه السلع فال بد من الاستعانة بالضرائب وغيرها من إلاجراءات‬
‫إلاجبارية الدولتية‪ ،‬لكن السؤال الذي يبرز هنا‪ :‬ما هي السلع التي يمكن اعتبارها سلعا (عمومية) حقيقية؟‬
‫وهل املنظومة العدلية تدخل في نطاق الدولة ألن ما يتعلق بها من خدمات تدخل في نطاق السلع‬
‫العمومية؟ من الواضح أن هذا ألامر ال يسري على كل الخدمات‪ ،‬وهنا ال بد من السؤال‪ :‬ما هي "الخدمات‬
‫العدلية" التي تشكل سلعا عمومية؟ فهل يمكن اعتبار املنارات البحرية‪ ،‬وهي املثال املفضل في مناهج علم‬
‫الاقتصاد عن السلع العمومية‪ ،‬من السلع العمومية؟ لقد أشار رونالد كوز‪10‬إلىأن املنارات البحرية في‬
‫بريطانيا أثناء القرن التاسع كان يجري تشغيلها وتمويلها من قبل القطاع الخاص‪ ،‬لكن هذا الاكتشاف لم‬
‫يمنع الاستمرار في استخدام املنارات البحرية كمثال رئيس ي للسلع العمومية في الكثير من كتب املناهج‬
‫الجامعية لتدريس علم الاقتصاد‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫وربما نجد في الحياة الواقعية سلعا عمومية أقل من العدد املفترض في العادة‪ ،‬ونتيجة لذلك فإن‬
‫َ‬
‫النطاق الضروري (أو املرغوب) لنشاط الدولة ربما يكون أضيق أيضا؛ فبعض السلع التي ُيعلن بأنها‬
‫"عمومية" ربما تكون في حقيقتها سلعا خاصة أزيحت إلى نطاق الدولة بتأثير التدخل العمومي الذي أزال أو‬
‫اقتطع من احتمالية التمويل الخاص الطوعي لتوفيرها‪ .‬ويمكن القول بعبارة أخرى بأن بعض استخدامات‬
‫‪6‬سأركز على كتاب (اقتصاديات القطاع الخاص‪ :‬ستيغليتز؛ م‪ )39‬ألنه يمثل أفضل ما كتب حول هذه املقاربة‪ ،‬أما الكتابات ألاخرى فهي تتطلب املزيد‬
‫من الاعتراضات‪.‬‬
‫‪7‬على سبيل املثال‪ :‬اقتصاديات القطاع الخاص‪ :‬ستيغليتز (م‪)39‬؛ ص‪.22‬‬
‫‪8‬راجع على سبيل املثال‪:‬‬
‫التعاقد وإلانفاذ والكفاءة‪ ..‬علم الاقتصاد في ما وراء القانون‪ :‬غريف (م‪.)23‬‬
‫تعزيز رأس املال في القطاع الخاص وإنفاذ العقود في الاقتصادات الانتقالية‪ :‬غاو‪ ،‬سوينين (م‪.)22‬‬
‫العدالة لأليدي العاملة‪ :‬فالدمير (م‪.)32‬‬
‫‪9‬النظرية الصافية لإلنفاق العمومي‪ :‬سامويلسون (‪)30‬؛ ص‪.691-692‬‬
‫‪10‬املنارات البحرية في علم الاقتصاد‪ :‬كوز (م‪.)13‬‬
‫‪11‬على سبيل املثال‪ :‬اقتصاديات القطاع الخاص‪ :‬ستيغليتز (م‪)39‬؛ ص‪.23‬‬

‫‪22‬‬

‫املفهوم النظري للسلع العمومية ربما يشكل‪ ،‬ودون تعمد‪ ،‬مبررات ذات أثر رجعي تشمل نتائج التوسع‬
‫السابق لنشاط الدولة‪.‬‬
‫إن مفهوم (الخرجانيات‪ )Externalities‬يعاني من نقاط ضعف مشابهة‪ ،‬فمن السهل جدا أن يرى‬
‫أحدهم بأن املنافع الاجتماعية أكبر من املنافع الخاصة (الخرجانيات املوجبة) أو بأن التكاليف الاجتماعية‬
‫تتجاوز التكاليف الخاصة (الخرجانيات السالبة) مما يفض ي إلى املطالبة بالتدخل العمومي‪ .‬وقد أثبت‬
‫الخبراء بأن هنالك على ألاقل بعض الخرجانيات التي قد تنشأ من أوجه النقص التي تعاني منها املؤسسات‪،‬‬
‫وبالخصوص‪ :‬حقوق امللكية غير املحددة بشكل مناسب‪ 12.‬ففي هذه الحالة ال يتمثل الحل في املزيد من‬
‫تدخل الدولة‪ ،‬وإنما في إزالة العقبات التي تقف في وجه تطور حقوق امللكية الخاصة‪ ،‬وهذا قد يتطلب‬
‫إلغاء بعض إلاجراءات التدخلية التي أقدمت عليها الدولة سابقا‪ .‬وتشير نظرية كوز‪13‬إلى احتمالية التعامل مع‬
‫بعض الخرجانيات عبر املفاوضات املباشرة بين ألاطراف املهتمة‪.‬‬
‫ويجب أن ال نتفاجأ بعدها إذا رأينا تشارلز وولف‪ ،‬الخبير الاقتصادي في مركز (راند كوربوريشين)‬
‫لألبحاث‪ ،‬وهو يخلص في تحليله الشامل ملعالجة إخفاقات السوق في ألادبيات الاقتصادية إلى القول بأنه‬
‫"ليس هنالك معادلة لحساب العتبة الضرورية الدنيا لنشاطات الحكومة ومخرجاتها"‪ ،14‬فهذا الاستنتاج‬
‫املعترف بالجهل يمثل تلخيصا منصفا ملوقف ألادبيات الاقتصادية من النطاق ألامثل لنشاط الدولة‪.‬‬

‫العودة إلى المبادئ األساسية‬
‫يرى أمارتيا سين‪ 15‬بأن إلابهام الشديد الذي يشعر به الخبراء الاقتصاديون إزاء النطاق املرغوب‬
‫للدولة إنما يقف خلفه سبب أساس ي يتمثل في أن "علم الاقتصاد دأب على امليل إلى الابتعاد عن التركيز على‬
‫قيمة الحريات في ما يخص املنافع والدخل والثروة‪ ،‬وهذه النظرة الضيقة تؤدي إلى الحط من قيمة الدور‬
‫الكامل الذي تلعبه آلية السوق"‪ 16.‬ويعتقد سين‪ ،‬وبشكل مشابه ملا يعتقده فريدريك هايك‪ 17،‬بأن علم‬
‫الاقتصاد أفرط كثيرا في الحكم على أفعال الدولة من خالل الاقتصار على منظور العواقب املتوقعة لهذه‬
‫ألافعال‪ ،‬وذلك على حساب إضعاف الدفاع الفكري عن اعتبار الحريات الفردية ألاساسية معيارا لصياغة‬
‫النطاق املقبول واملرغوب لنشاط الدولة‪.‬‬

‫‪12‬الفعل البشري‪ :‬ميزس (م‪)63‬؛ ص‪.336-332‬‬
‫‪13‬مشكلة التكلفة الاجتماعية‪ :‬كوز (م‪)12‬؛ ص‪.33-23‬‬
‫‪14‬أسواق أو حكومات‪ ...‬الاختيار بين بدائل غير مثالية‪ :‬وولف (م‪)33‬؛ ص‪.136‬‬
‫‪15‬التنمية كحرية‪ :‬أمارتيا سين (م‪)33‬؛ ص‪.22‬‬
‫‪16‬يستخدم سين كلمة "حرية" بمعناها التقليدي‪ ،‬أي‪ :‬الحريات ألاساسية‪ ،‬لكنه يعيد صياغة معنى هذه املصطلح في أجزاء أخرى من الكتاب بطريقة‬
‫تتضمن منافع أخرى‪ ،‬وهذا الاستخدام املوسع يؤدي إلى تشويش معنى الحرية‪.‬‬
‫‪17‬دستور الحرية‪ :‬هايك (م‪.)21‬‬

‫‪22‬‬

‫ُت َّ‬
‫عرف الحرية الاقتصادية بأنها "غياب ما تفرضه الحكومة من إجراءات إجبارية وقيود على إنتاج‬
‫أو توزيع أو استهالك السلع والخدمات على نحو يتجاوز املدى الضروري لحماية املواطنين والحفاظ على‬
‫الحرية بذاتها"‪ 18.‬والعناصر الجوهرية للحرية الاقتصادية تتمثل في الحقوق املكفولةبملكية املمتلكات‬
‫املكتسبة على نحو شرعي‪ ،‬وحرية الانخراط في تعامالت طوعية داخل حدود الدولة وخارجها‪ ،‬والحرية من‬
‫السيطرة الحكومية على شروط التعامالت بين ألافراد‪ ،‬والحرية من املصادرة الحكومية لحقوق امللكية‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫وهنالك نمطان رئيسيان من قيود الحرية الاقتصادية‪ :‬الضوابط التقييدية‪ ،‬والضرائب التي تتجاوز الحد‬
‫الضروري لتمويل نطاق عمل الدولة املطلوب لحماية الحريات الاقتصادية التقليدية (وغيرها من‬
‫الحريات)‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫لقد أدت التطورات التي حدثت خالل القرن العشرين إلى ضعف خطير في الوضع الفكري‬
‫والدستوري للحرية الاقتصادية في الغرب‪ ،‬وسأركز في ما يلي على مثالين يشيران إلى ميل أوسع نطاقا‪،‬‬
‫وأولهما ما أورده جون رولز في كتابه (نظرية للعدل) الذي يعجب به الكثيرون ويستشهدون بنصوصه‪ ،‬حيث‬
‫وردت فيه حجج قوية في تأييد "مبدأ الحرية" باعتباره املعيار ألاهم لتشكيل الحياة الاجتماعية ودور الدولة‪،‬‬
‫ولكنه استثنى بعض العناصر الرئيسية للحرية الاقتصادية (كحرية الاستثمار الريادي) من قائمة الحريات‬
‫التي يجب أن تتمتع باألولوية‪ ،‬ولذلك يجب أن ال نتفاجأ عندما يخلص رولز إلى الاستنتاج بأن اشتراكية‬
‫السوق يمكنها أن تكون املنظومة املؤسساتية املثالية‪ ،‬لكن اشتراكية السوق ال يمكن الحفاظ عليها إال إذا‬
‫ُح ِرم الناس من حقوق امللكية الخاصة‪ ،‬مما يؤدي إلى حرمانهم من حرية إنشاء شركاتهم الخاصة‪ .‬إن‬
‫الاشتراكية ال تشترط الحظر القانوني للمشروعات غير الخاصة (كاملنظمات غير الربحية والجمعيات‬
‫التعاونية)‪ ،‬لكن الناس عندما يستطيعون الاختيار بين استثمار مالهم ووقتهم وجهدهم في شركة خاصة وبين‬
‫استثمارها في جمعية تعاونية فستختار ألاغلبية الغالبة الخيار ألاول‪ ،‬وهكذا فإن حرية الاختيار تقع في صلب‬
‫الرأسمالية‪ ،‬وذلك بينما تشترط اشتراكية السوق حظرا للمشروعات الخاصة‪ 21.‬فكيف يمكن بعدها لهاتين‬
‫املنظومتين أن ُت َ‬
‫عتبرا منسجمتين على نحو متساو مع مبدأ "أولوية الحرية"؟‬
‫املضعف للحرية الاقتصادية في الغرب‪ ،‬وهو يتعلق بالتطورات‬
‫وهنالك مثال آخر حول الوضع‬
‫ِ‬
‫الدستورية في الواليات املتحدة ألامريكية‪ ،‬هذا البلد الذي يمتلك التقاليد ألاقوى للحكومة املحدودة؛ فمنذ‬
‫الثالثينيات املاضية دأبت املحكمة العليا على إخضاع الحريات الاقتصادية للحريات ألاخرى‪ ،‬وذلك على نحو‬

‫‪18‬شرح العوامل املؤثرة في (مؤشر الحرية الاقتصادية)‪ :‬بيتش‪ ،‬أودريسكول (م‪.)1‬‬
‫‪19‬من آدم سميث إلى ثروة أمريكا‪ :‬رابوشكا (م‪.)23‬‬
‫الحرية الاقتصادية والازدهار واملساواة‪ ..‬استقصاء‪ :‬هانكي‪ ،‬وولترز (م‪.)22‬‬
‫‪ 20‬هذه تعريفات لقيود الحرية الاقتصادية‪ ،‬ولكنها ليست مقوالت حاسمة لتحديد القيود املبررة (إن كان هنالك قيود مبررة أصال)‪ ،‬وملن يرغب‬
‫باالستزادة حول ماهية القيود أو التدخالت يمكن الرجوع إلى‪:‬دستور الحرية‪ :‬هايك (م‪)21‬؛ ص‪.226-220‬‬
‫‪21‬الاشتراكية والرأسمالية والتحول‪ :‬بالسيروفيتش (م‪)3‬؛ ص‪.110-102‬‬

‫‪22‬‬

‫معاكس للتفسير ألاصلي للدستور ألامريكي‪ 22.‬فمن خالل إضعاف إلاجراءات الدستورية التي تحمي الحرية‬
‫الاقتصادية تم تمهيد الطريق للتمادي في فرض الضوابط التنظيمية‪ ،‬وقد جرى بعد ذلك بسنين تحليل‬
‫عواقب هذه الضوابط في ألادبيات الاقتصادية‪ ،‬لكن لم يقم إال القليل من الاقتصاديين بالربط بين‬
‫التمادي في فرض الضوابط وبين ما حدث في السابق من إضعاف للدفاعات الدستورية التي تحمي الحرية‬
‫الاقتصادية‪23،‬حتى أن جورج ستيغلر في مقالته الرائعة (نظرية الضوابط الاقتصادية) لم يشر إلى وجود‬
‫مثل هذه الصلة‪.‬‬
‫ويشير هذان املثاالن إلىأن املفهوم الفلسفي ملبدأ "أولوية الحرية" يمثل دفاعا فكريا ضعيفا جدا‬
‫ضد الدولة املوسعة‪ ،‬فإذا جرى استبعاد الحرية الاقتصادية من قائمة الحريات‪ ،‬أو إذا تعرضت للتدني إلى‬
‫مرتبة ثانوية‪ ،‬فإن الباب املفض ي إلى املزيد من الضوابط الاقتصادية سيكون حينها مفتوحا على مصراعيه‪.‬‬
‫ويزداد الطين بلة إذا جرت إعادة تشكيل جذرية ملفهوم الحقوق الفردية ليشمل الحقوق‬
‫"الاجتماعية" أو حقوق "الرعاية الاجتماعية"‪ ،‬فعندها يحصل دمج بين املفهوم التقليدي للحرية كنطاق‬
‫محمي من الانتهاكات الناتجة عن أفعال آلاخرين وبين مفهوم استحقاق الحصول على أموال آلاخرين‬
‫مفروضا من قبل الدولة من خالل زيادة الضرائب‪ 24.‬وتكون النتيجة نزاعا بين هذين النوعين املختلفين جدا‬
‫من الحقوق‪ ،‬كما يبرز خطر تعرض الحرية الاقتصادية إلى املزيد من إلاضعاف بسبب تنامي الضرائب‬
‫كنتيجة للتوسع في املعونات املالية الاجتماعية‪.‬‬

‫‪22‬الخيار العمومي والدستور‪ ..‬من منظور ماديسوني‪ :‬دورن (م‪)11‬؛ ص‪.96-22‬‬
‫‪23‬يحاجج غاليزر وشاليفر في مقالتهما (صعود دولة الضوابط؛ م‪ )26‬بأن التمادي في فرض الضوابط على الاستثمارات في الواليات املتحدة في بداية‬
‫القرن العشرين ربما كان "استجابة كفوءة" لتدمير العدل في املحاكم على يد الشركات الحديثة الناشئة حديثا‪ ،‬لكن التأكد مما إذا كانت املحاكم‬
‫أسهل تدميرا من السلطة التشريعية وألاجهزة التنظيمية يعتبر من القضايا التجريبية التي تتطلب حذرا في تناولها‪ ،‬وحتى إذا كان يبدو أن املحاكم كانت‬
‫واقعة خالل حقبة ما "في قبضة" الاستثمارات الكبرى فليس من املؤكد أن الاستراتيجية املثلى تتمثل في صياغة تشريع تنظيمي معين وخلق أجهزة‬
‫تنظيمية خاصة عوضا عن تقوية املحاكم العاملة في إطار تشريع أكثر عمومية‪ .‬إنني أفترض بأنه على ضوء صعود موجة الضوابط‪ ،‬وما تالها من نزع‬
‫للضوابط‪ ،‬فإن حتى أنصار الاستجابة التنظيمية ربما سيتفقون مع القول بأن إلاجراءات الحمائية الدستورية ألاقوى لحماية الحرية الاقتصادية ربما‬
‫تصبح من ألامور املناسبة‪ .‬وعلى نحو أكثر تعميما أرى بأنه يجدر التشديد على قضية (املحاكم مقابل السلطة التشريعية) باعتبارها عنصرا ثانويا في‬
‫املسألة املتعلقة بما يجب أن تكون عليه الحدود املفروضة على الحرية الاقتصادية أو ماهية العوامل التي يجب أن تتفوق في ألاهمية على حقوق‬
‫امللكية‪ .‬راجع‪:‬‬
‫الفعل البشري‪ :‬ميزس (م‪)21‬؛ ص‪.331-332‬‬
‫الالسلطة والدولة واليوتوبيا‪ :‬نوزيك (م‪)22‬؛ ص‪.192-129‬‬
‫‪24‬أشار هوملز وسانستاين في كتابهما (تكلفة الحقوق‪ ..‬ملاذا تعتمد الحرية على الضرائب؛ م‪ )60‬إلىأن نمطي الحقوق كليهما يحتاجان إلى تكاليف مالية‪،‬‬
‫ولهذا فإن التمييز بين حقوق الحرية وحقوق الرعاية الاجتماعية ليس تمييزا جوهريا؛ ولكن ليس هنالك من ينكر أن حماية الحريات الفردية تتطلب‬
‫بعض إلانفاق على جهازي الشرطة واملحاكم‪ ،‬ولذلك فإن هوملز وسانستيان لم يكتشفا شيئا جديدا‪ .‬إن الفرق الحقيقي بين حقوق الحرية وحقوق‬
‫الرعاية الاجتماعية يقع في موضع آخر‪ ،‬ففي الحالة ألاولى تستخدم أموال دافع الضرائب لحماية ألافراد من العدوان والانتهاك من أفراد آخرين‪ ،‬وأما‬
‫في الحالة الثانية فإن هذه ألاموال تستخدم لغرض إعادة التوزيع؛ ويضاف إلى ذلك أيضا أن نمطي الحقوق يمتلكان في العادة تأثيرين مختلفين جدا‬
‫على سلوك الفرد‪ ،‬وبالتالي‪ :‬على التنمية الاقتصادية‪ .‬وللمزيد من الاختالفات بين حقوق الحرية وحقوق الرعاية الاجتماعية يمكن الرجوع إلى‪:‬ألاشخاص‬
‫والحقوق واملجتمع ألاخالقي‪ :‬لوماسكي (م‪)62‬؛ ص‪.110-92‬‬

‫‪22‬‬

‫إن أفضل إجراء لكبح جماح الدولة يتمثل في إسناد الحريات ألاساسية على أساس دستور نافذ‪،‬‬

‫‪25‬‬

‫وهو الطرح ألاساس ي الذي تحاجج به مدرسة علم الاقتصاد الدستوري‪ 26،‬فالتخلي عن هذا إلاطار أو‬
‫إضعافه سيفهمه على نحو سلبي كل من يعتقد بأن الحرية‪ ،‬بما فيها‪ :‬الحرية الاقتصادية‪ ،‬تمتلك قيمة‬
‫جوهرية‪ ،‬وهذا هو السبب الذي يبرر وضع حد لنطاق نشاط الدولة بغض النظر عن العواقب املترتبة‪ .‬لكن‬
‫هنالك من يرى بأن هذه العواقب هي التي تشكل املعيار الرئيس ي أو النهائي للحكم على املنظومات‬
‫املؤسساتية البديلة‪ ،‬بما فيها‪ :‬ألانظمة الدولتية البديلة‪ 27.‬كما إن هنالك أيضا من ال يهتم بالقيمة الجوهرية‬
‫(وال بالقيمة الوسائلية) للحرية الاقتصادية الفردية‪ ،‬وإنما يعتبرون سلطة الدولة (أو الشعب) ذات قيمة‬
‫جوهرية (أو بأن السوق الحر ذو قيمة سلبية) بغض النظر عن العواقب املترتبة‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫الدولة المحدودة والدولة الموسعة وعواقبهما‬
‫هل توجد عالقة تبادلية بين الحرية الاقتصادية وبعض املتغيرات كالنمو الاقتصادي‪ ،‬والانخفاض‬
‫النسبي ملستوى الفقر‪ ،‬ومدى بعض الظاهرات من أمثال ذلك الجزء من ألافعال الذي يدخل في نطاق‬
‫الجرائم أو الفساد؟ هل نحتاج إلى قيود تفرضها الدولة على الحرية الاقتصادية من أجل الحصول على‬
‫املزيد من ألاشياء الجيدة وعلى القليل من ألاشياء السيئة؟‬
‫دعونا نرسم حدا عند نموذج تكون فيه الدولة محدودة فال تركز إال على حماية الحريات‬
‫ألاساسية‪ ،‬بما فيها‪ :‬الحريات الاقتصادية؛ فإذا كانت هذه الدولة ديمقراطية فإن عمل قاعدة حكم ألاكثرية‬
‫سيتقيد بهذه الحريات‪ ،‬وذلك مع الافتراض املسبق بوجود هذه الحريات في دستور نافذ‪ .‬إن الشرط‬
‫التعريفي الذي يجعل الدولة تركز على حماية الحريات ألاساسية يعني ضمنا بأنها غير قادرة على التوسع‬
‫بأشكال واتجاهات تؤدي إلىتقييد هذه الحريات‪ ،‬مما يوجب الحد من نطاق عملها‪ 29.‬لكن الدولة املحدودة‬

‫‪25‬يشدد هايك على أنه حين يؤخذ التغير التقني بعين الاعتبار "فليس هنالك قائمة للحقوق املحمية يمكن اعتبارها قائمة شاملة"‪ ،‬ولهذا فإن "عهد‬
‫الحرية" يمكن تعريفه بشرط أكثر عمومية يتمثل في أن " املجال الحر للفرد يتضمن كل فعل ال يقيده بشكل صريح أحد القوانين العامة"‪ .‬دستور‬
‫الحرية‪ :‬هايك (م‪)21‬؛ ص‪.213‬‬
‫‪26‬راجع‪ :‬دستور السياسة الاقتصادية‪ :‬بيوكانن (م‪.)12‬‬
‫‪27‬ربما نجد أشهر ألامثلة املعاصرة لهذه املقاربة الوسائلية (أو "البراغماتية") لخيار الترتيبات املؤسساتية في مقولة دينغ زياوبينغ التي يرى فيها بأنه ال‬
‫أهمية ملا إذا كانت القطة بيضاء أو سوداء‪ ،‬وإنما تكمن ألاهمية في ما إذا كانت قادرة على أداء املهمة املطلوبة‪.‬‬
‫‪28‬تتضمن هذا الفئة التصنيفية عددا متفاوتا من املفكرين الغربيين‪ ،‬ولتفسير هذه الظاهرة املثيرة لالهتمام يمكن الرجوع إلى‪:‬‬
‫الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية‪ :‬شومبيتر (م‪.)33‬‬
‫الذهنية املضادة للرأسمالية‪ :‬ميزس (م‪.)62‬‬
‫ملاذا يعارض املثقفون الرأسمالية؟‪ :‬نوزيك (م‪.)26‬‬
‫‪29‬تحقيق هذا الشرط التعريفي (أي‪ :‬إنشاء دولة محدودة والحفاظ عليها) يتطلب ترتيبات مؤسساتية خاصة‪ ،‬كوجود منظومة فاعلة لـ(الضوابط‬
‫والتوازنات)‪ ،‬والسيطرة على جهاز الاضطهاد الدولتي (الشرطة‪ ،‬والادعاء العام‪ ،‬وإدارة الضرائب)‪ ،‬وإيجاد قضاء مستقل وفاعل‪ ،‬وإعالم حر‪ ،‬ومحكمة‬
‫دستورية‪ .‬إن إنشاء هذه املؤسسا ت وتوفير مستلزماتها ليست من املهمات السهلة أبدا‪ ،‬وفي الحقيقة‪ :‬من ألاسهل بكثير توسيع الدولة باملقارنة مع‬
‫الحفاظ على محدوديتها‪ ،‬وما أن تتوسع الدولة حتى يصبح من الصعب إرجاعها إلى ما كانت عليه‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫فعالة في وظيفتها الدستورية املتمثلة في حماية الحريات ألاساسية لألفراد ضد الانتهاكات الصادرة من أي‬
‫طرف ثالث‪.‬‬
‫وهنالك الكثير من النماذج املمكنة للدولة التي تتفاوت كثيرا أو قليال في بعدها الجذري عن‬
‫النموذج السابق‪ ،‬وسأركز في هذه الدراسة على ثالثة فئات تصنيفية واسعة النطاق‪:‬‬
‫‪.1‬الدولة املوسعة شبه الليبرالية‪.‬‬
‫‪.2‬الدولة املوسعة الالليبرالية‪.‬‬
‫‪.6‬الدولة املوسعة املضادة لليبرالية (الشيوعية)‪.‬‬
‫ففي الحالة ألاولى يتكون التوسع من تركيبات متنوعة من الضوابط التنظيمية وإجراءات إعادة‬
‫التوزيع‪ ،‬مما يعني ضمنا‪ :‬بعض الضياع للحرية الاقتصادية‪ ،‬لكن دون القضاء عليها‪ ،‬وهذا هو السبب الذي‬
‫يجعلني أدعو هذا النموذج بأنه (شبه ليبرالي)‪ ،‬فالحرية الاقتصادية املقيدة تتمتع بقدر جيد ومعقول من‬
‫الحماية التي تقدمها املنظومة القضائية‪.‬‬
‫أما في الدولة املوسعة الالليبرالية فإن الحرية الاقتصادية مقيدة أكثر بالضوابط التنظيمية عند‬
‫مقارنتها بالحالة السابقة‪ ،‬لكن دون إصدار حظر لالستثمارات الريادية الخاصة‪ ،‬وفي املقابل تتصف‬
‫املعونات املالية الاجتماعية في هذا النظام بأنها أقل‪ ،‬كما إن مستوى حماية الدولة ملا تبقى من أوجه الحرية‬
‫الاقتصادية يتصف بأنه أدنى مما عليه الحالة في الدول شبه الليبرالية‪.‬‬
‫وفي الحالة ألاخيرة تقوم الدولة الشيوعية بحظر الاستثمار الريادي الخاص‪ ،‬ويتصف هذا الحظر‬
‫بأنه ذو فعالية تنشأ بشكل عام من قساوة الدولة في فرضه‪ .‬إن الحظر الفعال لالستثمارات الخاصة يخلق‬
‫فراغا ال بد من ملئه بواسطة اقتصاد الدولة القيادي‪ ،‬ولهذا يجب على الدولة الشيوعية املضادة لليبرالية‬
‫أن تتوسع على نحو هائل‪ ،‬وهذا التوسع يعود إلى ضرورات وظائفية؛‪ 30‬لكنها‪ ،‬وعلى النقيض من ذلك‪ ،‬ال‬
‫تحتاج إلىإدراج منظومة خاصة لتقديم معونات مالية اجتماعية كبيرة‪ ،‬بل إن هذه املعونات تكون محدودة‬
‫جدا في النسخة املاوية لهذه الدولة‪.‬‬
‫ولننتقل بعد ذلك إلى استخدام التصنيفات السابقة للخروج ببعض املالحظات حول تأثير القيود‬
‫املتنوعة للحرية الاقتصادية على النمو الاقتصادي بعيد املدى وما يتصل به من القضاء على الفقر‪.‬‬
‫وال يوجد في عصرنا الحالي سوى القليل من أمثلة الدولة املحدودة (يمكن اعتبار هونغ كونغ بمثابة‬
‫املثال ألاقرب تجريبيا حتى آلان)‪ ،‬والدليل التاريخي يشير بقوة إلىأن ألانظمة الليبرالية التي تتبع اقتصاد‬
‫‪ 30‬الاشتراكية والرأسمالية والتحول‪ :‬بالسيروفيتش (م‪)3‬؛ ص‪.32-31‬‬

‫‪22‬‬

‫السوق‪ ،‬والتي يقوم القانون بضمان محدودية نطاق الحكومة فيها‪ ،‬تطرح أمامنا تجربة جيدة جدا في‬
‫تحقيق النمو الاقتصادي‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫إن الاقتصادات املتقدمة تندرج جميعها ضمن فئة (الدول املوسعة شبه الليبرالية)‪ ،‬لكنها تظهر‬
‫تركيبات متنوعة من الضوابط التنظيمية وإجراءات إعادة التوزيع‪ ،‬كما إنها تختلف أيضا في كثافة‬
‫الظاهرات السلبية املتنوعة‪ ،‬ولنأخذ على سبيل املثال قضية البطالة طويلة ألامد ولنسأل السؤال الرئيس ي‪:‬‬
‫هل يمكن لهذه البطالة أن يكون لها صلة بعمل السوق؟ أو‪ :‬هل لهذه البطالة صلة بالتدخالت العمومية‬
‫املعتادة في نموذج الدولة املوسعة شبه الليبرالية؟ إن الرأي القائل بـ(إخفاق السوق) يحاول أن يفسر‬
‫البطالة باالعتماد على امليل املزعوم ألرباب العمل إلى تحديد أجور تعلو على مستوى التصفية السوقية‪،‬‬
‫مما يتسبب بالبطالة‪ 32.‬لكن هذه النظرية ال يمكنها أن تفسر سبب تفاوت مستوى البطالة بعيدة املدى‬
‫بشكل كبير بين دول منظمة التنمية والتعاون الدولي‪ .‬أما الرأي الثاني فهو يرى بأن هذه البطالة تنتج عن‬
‫تدخل الدولة (أي‪ :‬بسبب إخفاق الحكومة)‪ ،‬وهو منظور أكثر إقناعا بكثير‪ ،‬وفي الواقع‪ ،‬هنالك كم كبير من‬
‫ألادبيات التجريبية التي تشير إلى وجود صلة بين البطالة بعيدة املدى (ومستوى العمالة) وبين بعض‬
‫الخصائص الجلية للدولة املوسعة كمعونات البطالة السخية‪ ،‬والضرائب العالية (الناتجة عن املعونات‬
‫الاجتماعية الكبيرة)‪ ،‬وانعدام مرونة ألاجور النات ج عن بنى املساومة الجماعية التي تنشأ بدعم من الدولة‪،‬‬
‫والقيود القانونية التي تعيق دخول الشركات الجديدة وعمل آليات أسواق العمل وإلاسكان واملنتجات‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫إن من يعانون من البطالة بعيدة املدى يندرجون في فئة (ألاشخاص ألاكثر تضررا الذين يجب أن‬
‫تولى ألاهمية ملصالحهم)‪ 34،‬ولكن من املفارقة أن البطالة تتفاقم بسبب التدخالت املعتادة في نمط دولة‬
‫الرعاية الاجتماعية املوسعة شبه الليبرالية‪ ،‬وأنا ال أعني بقولي هذا أنأي نوع محتمل من هذا النمط سينتج‬
‫بالضرورة بطالة بعيدة املدى‪ ،‬إذ ال يمكن أبدا الزعم بذلك بسبب ما يبديه ألاداء الحالي لبريطانيا والواليات‬
‫املتحدة والدنمارك وإيرلندا‪ ،‬لكن يمكن القول بأن تجاوز نطاق محدودية الدولة (أي‪ :‬إضعاف أو إلغاء‬
‫آلاليات التي تقيد توسع الدولة) سيهدد بخطر القيام بتدخالت ذات تأثيرات متنوعة غيرمرغوبة‪ 35،‬وذلك‬
‫دون التمكن من إنجاز غاياتها املعلنة‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫‪31‬راجع‪ :‬من آدم سميث إلى ثروة أمريكا‪ :‬رابوشكا (م‪.)23‬‬
‫‪32‬عقود العمل كتبادل جزئي للهدايا‪ :‬آكيرلوف (م‪.)1‬‬
‫‪33‬أدت منظمة التنمية والتعاون الدولي عمال جديرا باالهتمام في مجال تحليل أسباب البطالة البنيوية‪ ،‬ويمكن الحصول على ملخص ملا قامت به في‬
‫ألاعمال التالية‪:‬‬
‫تحسين أداء أسواق العمل‪ ..‬دروس من بلدان منظمة التنمية والتعاون الدولي‪ :‬كيز‪ ،‬مارتين (م‪.)62‬‬
‫البطالة وأسواق العمل‪ ..‬املقارنة بين أوروبا وأمريكا الشمالية‪ :‬نيكل (م‪.)20‬‬
‫دولة الرعاية الاجتماعية ومشكلة البطالة‪ :‬ليندبيك (م‪.)66‬‬
‫‪34‬راجع‪ :‬نظرية للعدل‪ :‬رولز (م‪.)22‬‬
‫‪35‬أورد ميزس وهايك تحليال وافيا لهذه ألاخطار‪ ،‬لكن كتابيهما لم يناال سوى القليل من الاهتمام لدى املدرسة السائدة في علم الاقتصاد‪ ،‬وذلك حتى‬
‫وقت قريب على ألاقل‪ .‬راجع‪:‬‬

‫‪220‬‬

‫إن معظم البلدان النامية ذات أنظمة شبه ليبرالية أو الليبرالية‪ ،‬وهي تختلف في ما بينها على نحو‬
‫واسع في مدى الحرية الاقتصادية ومستوى حماية الدولة لهذه الحرية‪ .‬ولم ينته حتى آلان الجدل الدائر‬
‫حول أسباب الاختالفات في أداء النمو‪ ،‬لكنني أعتقد بأن هنالك القليل من الشك حول ما إذا كان النطاق‬
‫ألاوسع للحرية الاقتصادية املحمية جيدا يعتبر من ألامور الجيدة للنمو‪ ،‬وأن القيود التي تفرضها الدولة‬
‫على هذه الحرية تنتج عواقب مدمرة‪ 37.‬وفي العالم النامي ال توجد مبادلة بين الحرية الاقتصادية والرعاية‬
‫الاجتماعية‪ ،‬فالتضحية بالحرية تعني التضحية بالرعاية الاجتماعية؛ ويمكننا الخروج باالستنتاج نفسه من‬
‫تجربة الاقتصادات الانتقالية‪.‬‬

‫‪38‬‬

‫لقد تمكنت مجموعة صغيرة من الاقتصادات النامية في شرق آسيا أن تنجز نمو اقتصاديا سريعا‬
‫واستثنائيا وأن تقدم مادة الختبار للفرضيات املتنوعة املتعلقة بالدور النسبي للدولة والسوق‪ .‬فهل يمكن‬
‫َُ‬
‫لهذه املعجزات الاقتصادية أن تف َّسر من خالل بعض التدخالت الخاصة التي تقوم بها الدولة الالليبرالية‬
‫(كاإلقراض املوجه وحركة التصنيع التي تقودها الدولة)؟ إن هذه الرؤية وأمثالها يمكن دحضها بسهولة‪،‬‬
‫فاألنظمة "إلاعجازية" كانت تختلف في ما بينه ا بمدى أمثال هذه التدخالت‪ ،‬لكنها كانت تتشابه في أمر‬
‫مشترك‪ ،‬وهو‪ :‬التراكم غير الطبيعي للعناصر الجوهرية التي تعتبر من الخصائص النمطية للدولة املحدودة‪،‬‬
‫وهي‪ :‬الاقتصاد املفتوح نسبيا‪ ،‬والضرائب املنخفضة‪ ،‬والاستثمار الريادي الخاص‪.‬‬

‫‪39‬‬

‫الفعل البشري‪ :‬ميزس (م‪)63‬؛ ص‪.939-213‬‬
‫دستور الحرية‪ :‬هايك (م‪)21‬؛ص‪.623-236‬‬
‫‪36‬يورد تانزيوشوكنيشت أدلة تجريبية تشير إلى أن الدول املبذرة تميل إلى تحقيق مستوى أدنى من الازدهار (مقاسا بمؤشرات متنوعة ملستوى الرعاية‬
‫الاجتماعية) عند مقارنتها بالدول ذات إلانفاق القليل‪ .‬راجع‪ :‬إعادة التفكير في الدور املالي للدولة‪ ..‬من منظور عالمي‪ :‬تانزي‪ ،‬شوكنيشت(م‪.)31‬‬
‫ويقدم فيلدستين الدليل على أن الضرر الباهظ للضرائب العالية أكبر بكثير مما أظهرته الحسابات السابقة‪ .‬راجع‪ :‬ما املدى الذي يجدر أن يصل إليه‬
‫حجم الحكومة‪ :‬فيلدستين (م‪.)21‬‬
‫كما إن غوارتني وزمالؤه يشيرون إلى وجود صلة بين انخفاض النمو الاقتصادي وبين زيادة إلانفاق العمومي (كجزء من إجمالي الناتج الوطني)‪ .‬راجع‪:‬‬
‫نطاق الحكومة وثروة ألامم‪ :‬غوارتني وآخرون (م‪.)23‬‬
‫املستوى‬
‫وهنالك الكثير من ألادلة التي تشير إلىأن خطط إعادة التوزيع التي تفرضها الدولة "يلتقطها" في العادة ذوو‬
‫املعيش ي الجيد وال تساعد الفقراء‬
‫إال قليال‪ .‬راجع‪ :‬العوامل الرئيسية املحددة لالمساواة ودور الحكومة‪ :‬تانزي (م‪.)31‬‬
‫وقد بينت الدراسات أن الضوابط التنظيمية املفروضة على سوق العمل واملنتجات تعيق إلانتاجية والنمو الاقتصادي‪ .‬راجع‪ :‬دور السياسات‬
‫واملؤسسات في إلانتاجية وآلاليات املتينة‪ ..‬أدلة من بيانات ميكروية وصناعية‪ :‬سكاربيتا وآخرون (م‪.)31‬‬
‫‪37‬راجع‪:‬‬
‫البيئات الدستورية والنمو الاقتصادي‪ :‬سكالي (م‪.)32‬‬
‫الحرية الاقتصادية والازدهار واملساواة‪ ..‬استقصاء‪ :‬هانكي‪ ،‬ولترز (م‪.)22‬‬
‫ملاذا ال تلحق البلدان الفقيرة بالركب العالمي؟‪ ..‬اختبار يشمل عدد من البلدان لتفسير مؤسساتي‪ :‬كيفر وكناك (م‪.)61‬‬
‫النمو الاقتصادي جيد للفقراء‪ :‬دوالر‪ ،‬كراي (م‪.)19‬‬
‫‪38‬راجع‪ :‬تحوالت ما بعد الشيوعية‪ ..‬بعض الدروس‪ :‬بالسيروفيتش (م‪.)3‬‬
‫‪39‬الحرية والتنمية‪ :‬بالسيروفيتش (م‪)2‬؛ ص‪ .22-23‬وحول املالحظات التجريبية يمكن الرجوع إلى‪:‬النمو والفقر‪ ..‬إعادة النظر في معجزة بلدان شرق آسيا‪:‬‬
‫كيبريا (م‪.)23‬‬

‫‪221‬‬

‫إن الرؤية املاركسية التي تعتقد بأن امللكية الخاصة وألاسواق الحرة تشكل عقبات في طريق‬
‫التنمية الاقتصادية إنما هي رؤية دأبت التجربة الواقعية على دحضها مرارا وتكرارا‪ ،‬فليس هنالك حالة‬
‫واحدة تشير إلى نجاح أي اقتصاد غير سوقي تهيمن عليه الدولة‪ ،‬فقد أدت أكبر حاالت التضحية بالحرية إلى‬
‫تضحية كبيرة بالرعاية الاجتماعية‪ ،‬وليس أمام املرء إالأن يتعجب كيف أمكن لعدد كبير جدا من‬
‫الاقتصاديين أن يدعموا زعما يقول بالحيوية الاقتصادية لالشتراكية‪ ،‬بل حتى الادعاء بسيادتها‪ ،‬وأن ال‬
‫يهتموا بالتحذيرات التي أطلقها ميزس وهايك‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫ولقد ركزت‪ ،‬في ما سبق‪ ،‬على الصالت التي تربط بين قيود الحرية الاقتصادية وبعض جوانب‬
‫ألاداء الاقتصادي‪ ،‬لكن هنالك متغيرات مهمة أخرى تساهم في التأثير‪ ،‬كمستوى الجريمة والفساد والتهرب‬
‫الضريبي‪ ،‬ويضاف إليها حجم اقتصاد الظل أيضا‪ ،‬فكيف تتعلق هذه املتغيرات بنمط الدولة؟‬
‫لنعد هنا إلى فكرة الجرائم الكبرى ‪ ،‬وهي صنف من ألافعال يعلنه من الجرائم أي مجتمع حديث‬
‫(كالقتل والاعتداء والسرقة والاغتصاب)‪ ،‬إذ يبدو بأن توسع الدولة يؤدي إلى خلق قائمة من الجرائم‬
‫الصغرى‪ 41،‬فالقيود التي تحظر التزويد بسلعة يكثر الطلب عليها ال يؤدي إلى إنتاج جرائم ثانوية وحسب‪،‬‬
‫وإنما يشكل حافزا القتراف جرائم أولية أيضا ( كما يحدث حين يقوم أفراد العصابات بعضهم بقتل بعضهم‬
‫أو بقتل أفراد الشرطة)‪ ،‬ويمكننا أن نستعين هنا بما حدث في حقبة (الحظر) التي شهدتها الواليات املتحدة‬
‫في العشرينيات املاضية كحالة مميزة في صلب املوضوع‪ .‬كما إن زيادة املعونات الاجتماعية‪ ،‬وهي السبب‬
‫ّ‬
‫فتوسع‬
‫الرئيس ي النفجار إلانفاق العمومي في أوروبا بعد الحرب العاملية الثانية‪ ،‬أدت إلى زيادة الضرائب‪،‬‬
‫نطاق الجرائم املرتبطة بالضرائب ونشأ اقتصاد ظل‪.‬‬
‫وقد مثلت الشيوعية حالة متطرفة من حاالت تجريم النشاط البشري‪ ،‬فأي نشاط استثماري‬
‫خاص كان يعلن من الجرائم الكبرى‪ ،‬كما كان التجريم يشمل النشاط السياس ي املستقل أيضا‪ 42.‬وتبين لنا‬
‫الحالة الشيوعية‪ ،‬وبطريقة دراماتيكية‪ ،‬بأن فرض القانون ليس قيمة في ذاته‪ ،‬وإنما يكمن السؤال في‬
‫الخيار بين فرض (حماية) الحريات ألاساسية وفرض القيود على هذه الحريات؟‬
‫وباإلضافة إلى املسألة ألاخالقية املتعلقة بمحتوى القانون وقيمة فرضه‪ ،‬هنالك أيضا مشكلة‬
‫أخرى تتمثل في أن املنظومة القضائية املثقلة بالكثير من ألاعباء‪ ،‬والتي تفرض قيودا متعددة على الحرية‬
‫‪40‬تجدر إلاشارة هنا إلىأن تجربتي الشخصية مع الاشتراكية الحقيقية تجعلني أصاب بالصدمة ملا أراه من غياب الواقعية الذي يبديه خبراء املدرسة‬
‫السائدة في علم الاقتصاد عندما يناقشون الكفاءة الاقتصادية لالشتراكية‪ ،‬وقد حللت هذا الجدل في كتابي‪ :‬الاشتراكية والرأسمالية والتحول (م‪)3‬؛‬
‫ص‪.30-63‬‬
‫‪41‬استبداد الواقع الراهن‪ :‬ميلتون وروز فريدمان (م‪)22‬؛ ص‪.163‬‬
‫‪42‬كان حظر الحرية الاقتصادية يتطلب‪ ،‬كضرورة لعمله‪ ،‬حظرا للحرية السياسية؛ فالتنافس السياس ي الحر من شأنه أن يتيح تشكيل حزب سياس ي‬
‫يدعو إلى إلغاء حظر الاستثمار الريادي الخاص‪ ،‬وهذا الحزب يمكنه النجاح في الوصول إلى السلطة بسبب العيوب التي يتصف بها (اقتصاد القيادة)‪،‬‬
‫مما يتيح تقديم بعض عناصر الحرية الاقتصادية على ألاقل‪ .‬راجع‪ :‬الاشتراكية والرأسمالية والتحول‪ :‬بالسيروفيتش (م‪)3‬؛ ص‪.166-161‬‬

‫‪222‬‬

‫الاقتصادية‪ ،‬ستكون عاجزة عن الوقاية من أي تآكل إضافي في الحريات الاقتصادية‪ .‬أما الدولة املحدودة‬
‫فهي ال تكتفي بمنح ألافراد أوسع نطاق ممكن للحرية الاقتصادية وحسب‪ ،‬وإنما تستطيع أيضا أن تقدم‬
‫حماية أفضل لهذه الحرية باملقارنة مع ما يحدث في ظل الدولة املثقلة بالكثير من الضوابط التنظيمية‪.‬‬
‫لننتقل بعد ذلك إلى الفساد‪ ،‬فهنالك الكثير جدا من ألابحاث التجريبية التي تشير إلى وجود صلة‬
‫بين مدى الفساد وبين تركيبات متنوعة من العوامل التي تعتبر من الخصائص املميزة لبعض أنماط الدولة‬
‫ّ‬
‫املوسعة على ألاقل‪ ،‬كالضوابط التقييدية وما يتصل بها من سلطة اجتهادية للسياسيين واملوظفين‬
‫الحكوميين‪ ،‬وأعباء الضرائب الاسمية العالية‪ ،‬والنطاق الكبير للمشتريات العمومية‪ 43.‬وربما يكمن العامل‬
‫ألاهم في مدى الضوابط التقييدية والقرارات إلادارية‪ ،‬والتي قد تكون ناتجة عن سياسيين شعبويين (أو‬
‫فاسدين) وترتبط بعالقة مع السلطة الاجتهادية الواسعة التي تتمتع بها إلادارة العمومية‪ .‬فما يؤدي‬
‫خصوصا إلى تقييد الحرية الاقتصادية‪ ،‬مما يعود باألذى على النمو تاليا‪ ،‬هو في الوقت نفسه من ألامور التي‬
‫تساعد كثيرا على الفساد‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫والعالقة بين الضرائب والفساد أكثر تعقيدا‪ ،‬فأعباء الضرائب الاسمية والفعلية الكبيرة ربما‬
‫تتعايش مع مستوى منخفض نسبيا من الفساد إذا كان العبء التنظيمي خفيفا والاجتهاد البيروقراطي‬
‫محدودا‪ ،‬وهذه العالقة تتجلى بأوضح صورها في البلدان إلاسكندنافية‪ ،‬لكن زيادة الضرائب انطالقا من‬
‫مستويات مرتفعة فعليا ربما يؤدي في املدى البعيد إلى نشوء خطر التواطؤ الفاسد بين بعض مسؤولي‬
‫الضرائب وبعض دافعي الضرائب‪ .‬ويضاف إلى ذلك أن الضرائب الاسمية املرتفعة تميل إلى التسبب بالكثير‬
‫من التهرب الضريبي الذي ينشأ‪ ،‬جزئيا‪ ،‬من النشاط غير املسجل القتصاد الظل‪ 45.‬وأخيرا فإن املعونات‬
‫الاجتماعية الضخمة‪ ،‬والتي تقف خلف العبء الضريبي الكبير‪ ،‬تميل إلىأن تنتج‪ ،‬لوحدها أو باالشتراك مع‬
‫هذا العبء‪ ،‬تطورات متنوعة غير مرغوبة كانخفاض املعروض من العمل‪ ،‬وانخفاض الادخار الشخص ي‪،‬‬
‫وإساءة استخدام ألاموال العمومية من قبل املنتفعين منها‪ ،‬وظهور ثقافة اتكالية‪.‬‬

‫‪46‬‬

‫‪43‬راجع‪:‬‬
‫الفساد والحكومة‪ :‬روز‪-‬آكيرمان (م‪.)29‬‬
‫الفساد حول العالم‪ :‬تانزي (م‪.)30‬‬
‫فرض الضوابط على الدخول إلى الاقتصاد‪ :‬جانكوف وآخرون (م‪.)12‬‬
‫‪44‬تتضمن الضوابط التنظيمية الالليبرالية تلك الضوابط التي تحظرأو تقيد ألاسواق في مجالي التعليم والصحة عبر خلق قطاع عمومي احتكاري أو شبه‬
‫احتكاري يقدم خدمات "مجانية"‪ ،‬مما يجعله ممنوعا بحكم القانون من قبول أموال املستهلكين (ألاسعار) مقابل هذه الخدمات‪ .‬وفي بعض البيئات‬
‫تنشأ ظاهرة دفع املستهلكين ملبالغ مالية على نحو خفي لبعض ألاشخاص العاملين في القطاع العمومي‪ ،‬وهذه املبالغ تعتبر "فسادا"؛ ويزداد احتمال‬
‫دفع هذه املبالغ بشكل خاص عندما يكون الطلب على الخدمات املعنية كبيرا واملعروض منها محدودا بسبب نقص في تمويل املوازنة أو سوء في إلادارة‬
‫كما يحدث في املستشفيات مثال‪.‬‬
‫‪45‬اقتصادات الظل‪ ..‬الحجم وألاسباب والعواقب‪ :‬شنايدر‪ ،‬إينستي (م‪.)32‬‬
‫‪46‬الرعاية الاجتماعية وثقافة الفقر‪ :‬نيسكانن (م‪.)21‬‬
‫كيف فقد الفقر معناه؟‪ :‬هانسون (م‪.)29‬‬
‫التأثيرات املاكرواقتصادية لشبكات الحماية الاجتماعية‪ :‬آركيا (م‪.)6‬‬

‫‪226‬‬

‫وبينما قد تترافق الضرائب الاسمية والفعلية املرتفعة مع مستوى منخفض نسبيا من الفساد‪،‬‬
‫فإن العبء الضريبي الفعلي الذي يقل كثيرا عن العبء الضريبي الاسمي يرتبط بعالقة قوية مع ضخامة‬
‫حجم الفساد‪ ،‬والسبب في ذلك بسيط‪ :‬فالضرائب الفعلية منخفضة ألن مدفوعات الرش ى التي يستلمها‬
‫املسؤولون الحكوميون في إدارة الضرائب (وربما يستلمها رعاتهم أيضا) تحل محل املدفوعات الضريبية‬
‫جزئيا‪ .‬ويضاف إلى ذلك أن املسؤولين الرسميين "املخولين" بالضوابط التنظيمية يطالبون برش ى أخرى‪،‬‬
‫وهكذا فإن الدولة املفرطة في الضوابط التنظيمية والسلطة الاجتهادية تميل إلى إنتاج كل من‪ :‬عبء ضريبي‬
‫فعلي منخفض‪ ،‬ومبالغ رش ى كبيرة‪ 47.‬وهذا هو السبب الذي يلغي ضرورة وجود ارتباط وثيق بين الضرائب‬
‫الفعلية املنخفضة والنمو الاقتصادي السريع‪ ،‬فما يهم النمو هاهنا ليس العبء الضريبي الفعلي لوحده‪،‬‬
‫وإنما مجموع ما يجري دفعه فعليا من الضرائب والرش ى‪ .‬وهذا املجموع يتكون من تركيبة تختلف اختالفا‬
‫حادا باختالف ألانظمة الدولتية املتنوعة وربما يمكن الاستفادة منه كأحد املؤشرات التي تبين طبيعتها‪.‬‬
‫سألخص ما احتواه هذا القسم في النقاط التالية‪:‬‬
‫• القيود املفروضة على الحرية الاقتصادية الفردية يصعب تبريرها بحجة تحسن ألاداء‬
‫الاقتصادي‪ ،‬وإنما يبدو ألامر على العكس من ذلك‪ :‬فكلما كان هذا التوسع جذريا أكثر تعاظم‬
‫معه الضرر الاقتصادي الناجم‪ .‬إن التضحيات الكبيرة بالحرية الاقتصادية تؤدي إلى خسارة‬
‫كبيرة في الرفاهية‪ ،‬ويصح هذا ألامر بال ريب في الدول الشيوعية‪ ،‬كما إنه ينطبق أيضا على‬
‫ألانظمة الالليبرالية التي تحكم الكثير من الدول النامية‪ ،‬ومن املميزات الرئيسية لهذه ألانظمة‪:‬‬

‫الضوابط التنظيمية املفرطة ذات الطبيعة الافتراسية‪ 48.‬والسؤال الصائب الذي يجب أن‬
‫يسأل هاهنا‪ :‬كيف يمكن إعادة هيكلة هذه الدول على نحو تتوقف فيه عن إنتاج الفقر‬

‫والالمساوة والفساد‪ .‬وحتى في حالة املنظومات شبه الليبرالية‪ ،‬كما هو الحال في النمط الغربي‪،‬‬
‫فإن البطالة طويلةألامد‪ ،‬وهي مرض اجتماعي خطير‪ ،‬يرتبط بعالقة مع إجراءات تدخلية‬
‫متنوعة تقوم بها الدولة‪.‬‬
‫• يمكن الربط أيضا بين أشكال متنوعة لتوسع الدولة وبين تضخم الحصة التي يعلن تجريمها من‬
‫بين ألافعال الفردية‪ ،‬والفساد‪ ،‬والتهرب الضريبي‪ ،‬وظهور اقتصاد الظل‪.‬‬
‫• إن الضوابط التقييدية ربما تكون أكثر ضررا من إعادة التوزيع‪ ،‬وال بد أن تتمخض الضوابط‬
‫الهائلة عن شلل اقتصادي وفس اد واسع‪ ،‬كما قد تتسبب أيضا بإضعاف حماية الدولة للحريات‬
‫‪47‬يمكننا أن نتخيل هنا نظاما ينتج كال من‪ :‬أعباء ضريبية فعلية مرتفعة وفسادا كبيرا‪ .‬ويحدث هذا ألامر إذا كانت الضرائب الاسمية مرتفعة‪ ،‬والجهاز‬
‫الضريبي شديد الكفاءة وخاليا من الفساد‪ ،‬بينما تقوم ألاجزاء ألاخرى لإلدارة العمومية باستخدام الضوابط التنظيمية النتزاع مقدار كبير من الرش ى‪.‬‬
‫لكن هذه التركيبة ليست مستقرة‪ ،‬فسيتسرب الفساد عاجال أم آجال إلى إدارة الضرائب‪ ،‬كما إن الاقتصاد املثقل بعبئي الضرائب املرتفعة والرش ى‬
‫الضخمة ال بد أن ينهار في نهاية املطاف‪.‬‬
‫‪48‬فرض الضوابط على الدخول إلى الاقتصاد‪ :‬جانكوف وآخرون (م‪.)12‬‬

‫‪222‬‬

‫الاقتصادية التي ال تزال موجودة‪ .‬وإذا ما ّ‬
‫نحينا املسألة ألاخالقية جانبا‪ ،‬فيمكن القول بأن‬
‫الحد العقالني إلعادة التوزيع يتحدد عبر متطلبات املتانة املالية وبإدراك أناملعونات التي تقدمها‬
‫الحكومة ربما تؤدي إلى إنقاص املعروض من العمالة‪ .‬والعنصر ألاخير يعني ضمنا‪ ،‬على سبيل‬
‫املثال‪ ،‬بأن من ألافضل إنفاق مبلغ معين من املال على التعليم الابتدائي عوضا عن إنفاقه على‬
‫تمويل معونات البطالة‪.‬‬
‫• الكثير من حاالت الانحراف عن نموذج الدولة املحدودة تؤدي إلى زيادة عدد املحرومين ألن‬
‫إلافراط في الفعل الحكومي ينتج الفساد والبطالة طويلة ألامد‪ .‬ومن يعتقد بمبدأ رولز (إعطاء‬
‫ألاولوية ملصالح هذه الفئة) يجب أن يكون قد سئم مما تفرزه الدولة املوسعة‪.‬‬

‫هل يمأل (توسع الدولة) فراغا موجودا أم أنه يزاحم النشاط الالدولتي؟‬
‫إن النقاط املصيرية املتعلقة بتوسع نشاط الدولة يمكنها أن تواجه اعتراضين متصلين في ما بينهما‪:‬‬
‫• الاعتراض ألاول‪ :‬جاء التوسع كاستجابة لحاجة‪ ،‬ولهذا يمكن تبريره على نحو ما‪ .‬وعلى سبيل‬
‫املثال‪ :‬يزعم ريتشارد موسغريف بأن "تدهور الروابط ألاسرية‪ ،‬وتقلبات الدورة الاقتصادية‬
‫والسوق املتغير" خلقت "حاجة متنامية ملؤسسات جديدة من أجل توفير الدعم"‪ ،‬وهكذا فإن‬
‫" صعود القطاع العمومي كان بمثابة استجابة أكثر من كونه عامال مولدا"‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫• الاعتراض الثاني‪ :‬غياب تدخل الدولة من شأنه أن يترك فراغا؛ فهنالك حاجات بعينها يجب‬
‫تلبيتها‪ ،‬وسيكون الناس أسوأ حاال‪.‬‬
‫إن الاعتراض ألاول يتعلق بأسباب توسع الدولة‪ ،‬والثاني يتعلق بتأثيراتها؛ وتكمن مشكلة الاعتراض‬
‫ألاول في أنه حتى عندما نأخذ بالحسبان مفهوما مطاطيا كمفهوم "الحاجة" فمن العبث أن نستعين به‬
‫لتفسير أشكال أكثر تدميرا من الدولة املوسعة‪ ،‬كما في الشيوعية أو ديكتاتورية موبوتو سيس ي سيكو؛ ومع‬
‫ذلك فإن اللجوء إلى نظرية الحاجة من أجل تفسير توسع الدولة ينطوي على إشكالية أخرى في ما يتعلق‬
‫باالنتقال من ألانظمة املحدودة إلى ألانظمة شبه الليبرالية‪ ،‬فأي الفئات هي التي يفترض بأن حاجاتها يجب‬
‫أن تكون القوة الدافعة وكيف يمكننا أن نقيس حجم هذه الفئات؟ وكيف يمكننا أن نربط بين النمو غير‬
‫املتكافئ للضوابط التنظيمية وبين املعونات الاجتماعية للمحتاجين؟ فمن املثير للصدمة أن نجد بأن‬
‫املعونات الاجتماعية في الدول املتقدمة لم ُ‬
‫تنم بشكل تدريجي وإنما تزايدت بشكل انفجاري خالل مدد زمنية‬
‫قصيرة ومحددة‪ 50.‬ومن املالحظ أن هنالك آليات صدمة مماثلة تميز أنماطا بعينها من الضوابط التنظيمية‪،‬‬
‫وخصوصا عندما يتعلق ألامر باملنظومة املالية‪ 51.‬إن الشكوك تلف أي محاولة الستخدام أي مفهوم معقول‬
‫‪49‬التمويل العمومي والخيار العمومي‪ ..‬رؤيتان متباينتان حول الدولة‪ :‬موسغريف (م‪)61‬؛ص‪.261‬‬
‫‪50‬راجع‪ :‬إعادة التفكير في الدور املالي للدولة(م‪.)31‬‬
‫‪51‬املقارنة بين املنظومات املالية‪ :‬آلين‪ ،‬غيل (م‪.)2‬‬

‫‪223‬‬

‫للحاجة في تفسير مثل هذا املفهوم عن نمو املعونات الاجتماعية والضوابط التنظيمية‪ .‬إن استخدام نظرية‬
‫(الحاجة) في تفسير توسع الدولة تمثل محاولة غير مقنعة لتفسير هذه الحقيقة من خالل اللجوء إلى‬
‫مفاهيم مزيفة تزعم اتصالها بالسوق وعلم النفس‪ ،‬وأسوأ ما فيها أنها تؤطر تبريرا للدولة املوسعة‪.‬‬
‫أما الاعتراض الثاني الذي يرى بأن غياب الدولة سيخلق "فراغا" يجعل الناس أسوأ حاال فهو أحد‬
‫تمظهرات مقاربة اقتصاديات الرعاية الاجتماعية ملسألة النطاق ألامثل لنشاط الدولة‪ .‬ولقد قمت في ما‬
‫سبق بمناقشة مشكالت التطبيقات العملية للمفاهيم النظرية للسلع العمومية وللخرجانيات‪ ،‬وسأضيف في‬
‫ما يلي نقطتين أخريين‪:‬‬
‫‪.1‬إن النشاط الالدولتي ال يمكن تقليصه إلى تعامالت سوقية موجهة بتأثير الربح‪ ،‬فهذا النشاط‬
‫يتضمن أيضا ترتيبات متنوعة للعون الذاتي أو العون املتبادل‪ ،‬وكال هذين ألامرين‪ ،‬أي‪:‬‬
‫التعامالت السوقية املوجهة بتأثير الربح وترتيبات العون املتبادل‪ ،‬يتضمنان التعاون الطوعي؛‬
‫ولذلك فإنه حتى لو كان بإمكان املرء أن يبين بأن السوق ال يمكنه أداء وظيفة نافعة بعينها فإن‬
‫ذلك ال ينقلنا بالضرورة إلى القول بأن الدولة يجب عليها أن تؤدي هذه الوظيفة‪.‬‬
‫‪.2‬إن توسع الدولة يقيد نطاق التجريب املؤسساتي؛‪ 52‬فاالقتصاديون متفقون على أن توسع‬
‫الدولة ينتج تأثيرات تزاحمية ضارة في حاالت أقل تدميرا‪ ،‬ناهيك عن حاالت ألانظمة املضادة‬
‫لليبرالية أو الالليبرالية‪ .‬ولنأخذ على سبيل املثال‪ :‬ضوابط ألاسعار التي تؤدي إلى أزمات الشح وإلى‬
‫تحصيص السلع‪ ،‬فهي من التدخالت العمومية الرئيسية؛أما إذا كان معدل العائد الناتج أقل‬
‫من العتبة التي يتوقعها مستثمرو القطاع الخاص فإن الاستثمار العمومي سيمأل الفراغ‪ ،‬وهذا‬
‫من التدخالت الثانوية؛ لكن هذا الفراغ ال يسبق التدخل العمومي‪ ،‬وإنما ينشأ على يديه‪،‬‬
‫والقطاع إلاسكاني مثال نمطي لذلك‪ ،‬حيث تؤدي ضوا بط التأجير إلى نشوء إلاسكان‬
‫"الاجتماعي"‪.‬‬
‫ويمكننا أن نرسم مخططا عاما لنموذج بسيط من نشاط الدولة املتوسعة ذاتيا‪ ،‬حيث يبدأ ألامر‬
‫بتدخل رئيس ي ينتج من التفاعالت املتبادلة بين الضغوطات السياسية املتعلقة باأليديولوجيات الدوالنية‬
‫وجماعات املصالح‪ ،‬وما أن يطبق هذا التدخل حتى يؤدي غالبا إلى تدخالت ثانوية بسبب الضرورات‬
‫الوظيفية‪ ،‬أي‪ :‬الضغوطات الفاعلة بغض النظر عن النوايا السابقة لصناع القرار‪ ،‬وعلى سبيل املثال‪ :‬إذا‬
‫أدى التدخل الرئيس ي إلى إلغاء ربحية استثمار القطاع الخاص في مجال إلاسكان مع استمرار الحاجة إلى‬
‫املزيد من املساكن فستكون هنالك حاجة الستثمار القطاع العمومي في هذا املجال‪.‬‬

‫‪52‬راجع‪ :‬دستور الحرية‪ :‬هايك (م‪.)21‬‬

‫‪223‬‬

‫إن هذا املخطط البسيط ربما يساعد في تفسير ما يتعرض له نشاط القطاع الخاص من مزاحمة‬
‫في املجاالت التي تقوم فيها الاقتصاديات التقليدية باعتبار وجود الدولة أمرا مفروغا منه بسبب "عيوب‬
‫السوق"‪ .‬ولنأخذ (التعليم) هنا مثاال‪ :‬فقبل تقديم التعليم املدرس ي "املجاني" وإلاجباري في املدارس العمومية‬
‫كانت إنكلترا وويلز والواليات املتحدة ألامريكية تمتلك شبكات واسعة من املدارس الابتدائية املعتمدة على‬
‫دفع ألاجور‪ ،‬حيث تتلقى التمويل من الكنائس ومن أهالي التالميذ املنخرطين في ألاعمال املتنوعة‪ .‬وكانت‬
‫نسبة الدخل الوطني الصافي الذي ينفق على اليوم التعليمي الواحد لكل ألاعمار في إنكلترا في العام ‪1966‬‬
‫يبلغ حوالي (‪ ،)%1‬وفي العام ‪ 1120‬أصبح التعليم "مجانيا" وإجباريا فهبطت النسبة إلى (‪ 53.)%0.2‬لقد‬
‫استحوذت املدارس العمومية "املجانية" (ا ملجانية هنا تعني بأنها ممولة ضريبيا) على الطلب في مجال‬
‫التعليم‪ ،‬ونتيجة لذلك أدى "الاستحواذ" على الطلب إلى إيقاف التطورات التعليمية الابتكارية الالدولتية‪،‬‬
‫ويشدد إدوين ويست على أنه "باستثناء ماركس وإنغلز فإن الخبراء الاقتصاديين الذين ظهروا حتى منتصف‬
‫القرن التاسع عشر كانوا يؤيدون تقديم التعليم في سوق خاص وحر"‪ ،‬وذلك ألنهم كانوا يعتبرون دفع أجور‬
‫التعليم "ألاداة التي جعلت من املمكن إلابقاء على التنافس املرغوب بين املعلمين واملدارس"‪ 54.‬كما كان جون‬
‫ستيوارت ميل يدعو إلى الاختبارات إلاجبارية لكنه لم يكن يؤيد التعليم إلاجباري‪.‬‬
‫وربما يجدر بنا أن نناقش عوضا عن ذلك‪ :‬ألاخطار التي تنال الفرد بتأثيرها كالبطالة؛ فهذه‬
‫ألاحداث يجري طرحها غالبا كمبرر للتأمين "الاجتماعي" الذي تموله الدولة‪ ،‬ويتقوى هذا الادعاء في العادة‬
‫باالستناد إلى فكرة (عيوب السوق الرأسمالي)‪ ،‬لكن الخطوة ألاولية تتمثل في تقليص كل ألاخطار الفردية‬
‫الهائلة التي ال تنتجها الطبيعة‪ ،‬أما ألاخطار التي نناقشها فهي ناتجة عن سياسات الدول املوسعة التي‬
‫تتمخض عن أزمات نقدية أو مالية وتضخم هائل وبطالة هائلة‪ ،‬وإن الوقاية من هذه السياسات‪ ،‬عبر‬
‫الانتقال من الدولة املوسعة إلى الدولة املحدودة‪ ،‬هو أفضل تأمين اجتماعي‪ ،‬بل إنه إجراء ال يمكن‬
‫الاستغناء عنه في ألاصل‪.‬‬

‫‪55‬‬

‫وفضال عما سبق‪ ،‬فإن أمثال هذا إلاجراء إلاصالحي من شأنها أن ّ‬
‫تسرع نمو دخل ألافراد‬
‫ومدخراتهم‪ ،‬مما يؤدي بالتالي إلى تحسين قدرة الناس على التعامل مع ألاخطار املتنوعة‪ .‬كما إن الدراسات‬
‫التجريبية تبين لنا بأن البلدان الفقيرة يوجد فيها مجموعة متنوعة من "استراتيجيات التعامل" الالرسمية‬
‫(كتبادل الهدايا والقروض‪ ،‬والحوالات املالية التي يرسلها أفراد ألاسرة املهاجرون)‪ ،‬وإمكانية كبيرة مثيرة‬
‫للدهشة إلجراء ترتيبات مؤسساتية الدولتية أكثر حداثة تقوم بتعزيز الادخار وتقدم التأمين والقروض‬
‫‪53‬راجع‪ :‬صعود الدولة في قطاع التعليم‪ :‬ويست (م‪.)32‬‬
‫‪54‬راجع‪ :‬املصدر السابق‪.‬‬
‫‪55‬يشدد ستيغلتز في كتابه (اقتصاديات القطاع العمومي؛ م‪ )39‬على أن "القوة املميزة للحكومة (أي‪ :‬عضويتها الشاملة وسلطتها إلاجبارية) تمثل أيضا أكبر‬
‫إشكالياتها" وذلك ألن "ألاخطاء التي يجري ارتكابها في ظل السلطة املركزة قد تكون أكثر تدميرا بكثير من ألاخطاء التي تظهر في مجتمع يتمتع بالالمركزية‬
‫في عملية صنع القرار"‪ .‬ومن الواضح أن هذا الرأي يعتبر حجة ضد الدول املوسعة (أي‪ :‬الدول ألاكثر سلطة)‪ ،‬وإلى جانب الدول ألاكثر محدودية‪.‬‬

‫‪222‬‬

‫الصغيرة‪ 56.‬ولقد دأبت جمعيات التأمين الطوعية على مواصلة انتشارها في البلدان الغربية حتى جرى طرح‬
‫التأمين الاجتماعي إلاجباري‪ ،‬وعلى سبيل املثال‪ :‬بلغ عدد أعضاء الجمعيات الودية (الخيرية) في بريطانيا (‪2.9‬‬
‫مليون) في العام ‪ ،1922‬و(‪ 2.9‬مليون) في العام ‪ ،1912‬و(‪ 3.3‬مليون) في العام ‪( 1110‬غرين ‪ .)1193‬ويشدد‬
‫البعض على أن "البرامج التي يجري تشغيلها من قبل الحكومات بشكل مباشر تميل إلى املعاناة من صعوبات‬
‫جوهرية في عملية توليد الامتثال من قبل املشتركين فيها"‪ ،‬وهو أمر "تبين بأن له أثر مدمر على الاستدامة‬
‫طويلة ألامد لبرامج إلاقراض العمومية"‪.‬‬

‫‪57‬‬

‫إن توسع التأمين الاجتماعي الذي تموله الدولة قد يؤدي إلى مزاحمة الترتيبات التقليدية ويقف‬
‫حائال دون تطور ترتيبات أكثر حداثة‪ ،‬وهذا الخطر يمكن مالحظته بوضوح في التقرير ألاخير للبنك الدولي‪،‬‬
‫حيث جاء فيه‪" :‬إن تنافس الحكومة في مجال تقديم املعونات الاجتماعية ربما يؤدي إلى استبعاد الترتيبات‬
‫املؤسساتية الخاصة" و"إن هذه املعونات الاجتماعية يمكن توجيهها نحو الفقراء بشكل أكثر فعالية باملقارنة‬
‫مع املعونة الاجتماعية (العمومية) التي يسهل الحصول عليها أكثر"‪ 58،‬وهذا هو ما حدث فعال في الغرب‬
‫بسبب صعود دولة الرعاية الاجتماعية‪.‬‬
‫إن املعونات الاجتماعية التي تفرضها الدولة قد يستحوذ على جزء منها أشخاص أفضل حاال من‬
‫الفقراء‪ ،‬وربما تزاحم الترتيبات الطوعية التي تنفع الفقراء‪ ،‬ونتيجة لذلك فمن املمكن أن تتسبب‬
‫مخططات املعونات الاجتماعية التي تديرها الدولة في البلدان الفقيرة بتفاقم البؤس الذي يعانيه الفقراء؛‬
‫ففي هذا الوضع تقوم دولة الرعاية الاجتماعية بإنهاء مجتمع الرعاية الاجتماعية‪ .‬ويجب علينا أن ال ننس ى‬
‫هنا بأن زيادة الضرائب املمولة لإلنفاق الاجتماعي من املرجح لها أن تتسبب بإعاقة النمو الاقتصادي وما‬
‫يتصل به من عملية خلق فرص العمل‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫وأخيرا يجب أن نذكر بأن نمو الضوابط التنظيمية املالية يبين لنا بوضوح كيف أن بعض‬
‫التدخالت ألاولية تؤدي إلى تدخالت ثانوية‪ ،‬مما يؤدي إلى توليد جرعة كبيرة من الضوابط التنظيمية‬
‫الدولتية‪ ،‬وهي ضوابط يبقى الجدل مفتوحا حول أمثليتها‪ .‬إن دور التدخل ألاولي ربما يمكن عزوه إلى(تأمين‬
‫الودائع) السخي الذي أدى إلى غياب الكثير من أوجه انتظام السوق (أي‪ :‬الحافز الذي يدفع املودعين إلى‬
‫مراقبة املصارف في ما يتعلق بمستوى رأس املال واملطالبة بكشف كامل لوضعها املالي)‪ .‬ولقد أدت الفجوة‬
‫الناتجة إلى توليد موجة من الضوابط التنظيمية الثانوية (كنسب الحاجة من رأس املال الحساسة‬
‫‪56‬راجع‪ :‬بين الدولة والسوق‪ ..‬هل يمكن للتأمين الالرسمي أن يرقع شبكة الحماية؟‪ :‬مردوخ (م‪.)69‬‬
‫‪57‬املصدر السابق؛ ص‪.201‬‬
‫‪58‬بناء املؤسسات من أجل ألاسواق‪ ..‬تقرير التنمية العاملية ‪ :2002‬البنك الدولي (م‪)33‬؛ ص‪.22‬‬
‫‪59‬يمكننا هنا أن نستعيد تحذير هايك في كتابه (دستور الحرية؛ م‪21‬؛ ص‪ )603‬حول صعود "دولة الرعاية الاجتماعية"‪ ،‬حيث قال‪" :‬لقد كانت الشرور‬
‫الاجتماعية في السابق تختفي تدريجيا مع نمو الثروة‪ ،‬أما اليوم فإن العالجات التي طرحناها بدأت بتهديد استمرارية هذا النمو في الثروة‪ ،‬والذي تعتمد‬
‫عليه كل التطورات املستقبلية"‪.‬‬

‫‪229‬‬

‫للمخاطر‪ ،‬وقيود الحقائب الاستثمارية في املصارف‪ ،‬واستخدام الدين الثانوي كأداة للمراقبة)‪ 60،‬وهذه‬
‫الضوابط التحوطية ما هي‪ ،‬في املبدأ‪ ،‬إال استجابة عقالنية لوضع خلقه إجراء تدخلي أولي قامت به الدولة‪.‬‬

‫النتيجة‬
‫إن علم الاقتصاد ال يقدم جوابا واضحا للسؤال حول ما يجب للدولة أن تفعله‪ ،‬والسبب التقريبي‬
‫لهذا يكمن في صعوبة تطبيق مبادئها النظرية ألاساسية‪ ،‬أي‪ :‬ما يخص السلع العمومية والخرجانيات‪ ،‬على‬
‫العالم الخارجي‪ .‬وهنالك سبب أعمق يتمثل في إهمال الحريات الاقتصادية ألاساسية كإطار يرسم حدود‬
‫نشاط الدولة؛ وحتى في البلدان الغربية فإن الوضع الفكري والدستوري للحرية الاقتصادية تعرض إلى‬
‫تدهور خطير خالل القرن العشرين‪ ،‬مما مهد الطريق للدولة املوسعة‪.‬‬
‫ومن الصعب استخدام حجة تحسن ألاداء الاقتصادي لتبرير توسع نشاط الدولة (أي‪ :‬نمو ما‬
‫تفرضه من قيود على الحرية الاقتصادية)‪ ،‬إذ يبدو بأن العكس هو الصحيح‪ :‬فكلما كان التوسع أكثر‬
‫راديكالية كلما تعاظم الضرر الاقتصادي الناجم‪ .‬ويمكننا أيضا أن نجد صالت بين ألاشكال املتنوعة لتوسع‬
‫الدولة وبين الفساد‪ ،‬والتهرب الضريبي‪ ،‬واقتصاد الظل‪ ،‬وإضعاف حماية الدولة ملا يتبقى من الحرية‬
‫الاقتصادية‪ .‬والكثير من حاالت الانحراف عن الدولة املحدودة تميل إلى زيادة نسب الفئات ألاكثر حرمانا‪،‬‬
‫كالذين يعانون من البطالة طويلة ألامد‪.‬‬
‫َّ‬
‫ويجب أن يكون من املسلم به أن الدولة إذا بقيت محدودة (أي‪ :‬إذا بقيت تركز على حماية‬
‫الحريات ألاساسية) فإن بعض الخدمات لن يجري توفيرها وسيكون الناس أسوأ حاال‪ .‬لكن إمكانية التعاون‬
‫الطوعي‪ ،‬والذي يتضمن كال من التعامالت السوقية ذات التوجه الربحي وترتيبات العون املتبادل‪ ،‬يجب أن‬
‫ال يجري التقليل من شأنها‪ .‬كما إن هنالك الكثير من الاستراتيجيات الفردية املتنوعة للتأقلم مع ألاوضاع‬
‫الناتجة‪ ،‬وفي الحقيقة فإن توسع الدولة ربما أدى إلى استبعاد الكثير من النشاط الالدولتي ووقف حائال‬
‫دون تطور ترتيبات في القطاع الخاص ذات إمكانيات نافعة‪ ،‬ولذلك نجد في أيدينا اليوم حججا تكفي‬
‫للدفاع بقوة عن القول بأن الدولة املحدودة هي الدولة املثلى‪.‬‬
‫لقد شهدت ألاعوام العشرون املاضية ميال لالبتعاد عن الدولة املوسعة نحو الدولة املحدودة‪ ،‬مما‬
‫يبين بأن مهمة الحد من نطاق النشاط الحكومي‪ ،‬وبالتالي‪ :‬إطالق القدرات الكامنة للتعاون الطوعي‬
‫واملبادرات الفردية‪ ،‬أمر غير مستحيل حتى وإن كانت التعامالت أبعد ما تكون عن الكمال ومليئة باملشكالت‪.‬‬
‫وسيكون هنالك دائما من يجد املنفعة (السلطة والعائد الاقتصادي) في الحد من حرية آلاخرين‪ ،‬وسيكون‬
‫‪60‬راجع‪:‬‬
‫اقتصاديات الضوابط املصرفية‪ :‬باتاتشاريا وآخرون (م‪.)11‬‬
‫الدفاع عن السياسة املالية ملنهج عدم التدخل الحكومي في شؤون الاقتصاد‪ :‬داود (م‪.)20‬‬
‫الدور املناسب للضوابط املصرفية‪ :‬بينستون‪ ،‬كوفمان (م‪.)10‬‬

‫‪221‬‬

‫هنالك دائما أيضا بعض املؤدلجين الذين يلصقون قيمة عاطفية بسلطة الدولة أو ال يشعرون بالثقة إزاء‬
‫التعاون الطوعي‪.‬‬
‫ويجب على املرء أن يستخدم أي لحظة سانحة إلرساء رؤية عن دولة مقيدة بإطار من الحريات‬
‫الفردية ألاساسية من خالل دستور نافذ‪ ،‬وهنالك حدود أخرى لسلطة الدولة الاجتهادية تشكل دفاعات‬
‫بديلة عن الحرية الفردية‪ ،‬ويمكن للقيود املالية املمأسسة أن تساعد في الحد من نمو إلانفاق العمومي‪،‬‬
‫مما يمكنها من الحد من نمو الضرائب‪ ،‬كما إن استقاللية املصرف املركزي يمكنها أن تقف حائال دون‬
‫اللجوء إلى التمويل التضخمي لعجز املوازنة‪ ،‬مما يؤدي إلى حماية ألافراد ضد فرض ضرائب تضخمية‪ ،‬وإن‬
‫العضوية في منظمة التجارة العاملية تحد من استعمال البلدان لإلجراءات الحمائية وتساعد على حماية‬
‫دافع الضرائب واملستهلك داخل البلد؛ ولذلك فإن هذه وغيرها من الدفاعات الثانوية يجب أن يجري‬
‫طرحها‪ ،‬وإذا كانت موجودة فعال فينبغي تعزيزها وتقويتها‪.‬‬

‫‪220‬‬

References
1.
2.
3.
4.
5.
6.
7.
8.
9.
10.
11.
12.
13.
14.
15.
16.
17.
18.
19.
20.
21.
22.
23.
24.
25.
26.
27.
28.
29.
30.

Akerlof, G. A. (1982) “Labor Contracts as Partial Gift Exchange.” QuarterlyJournal of
Economics 97 (4): 543–69.
Allen, F., and Gale, D. (2000) Comparing Financial Systems. Cambridge,Mass: MIT Press.
Arcia, G. (2000) “Macroeconomic Impacts of Social Safety Nets.” CAER IIDiscussion Papers, No.
82.
Balcerowicz, L. (1995a) Freedom and Development. Kraków: Znak (in Polish).
Balcerowicz, L. (1995b) Socialism, Capitalism, Transformation. Budapest: CentralEuropean
University Press.
Balcerowicz, L. (2002) Post–Communist Transformation: Some Lessons. London:Institute of
Economic Affairs.
Balcerowicz, L. (2003) “Toward a Limited State.” Distinguished Lecture. WorldBank Group
Private Sector Development Vice Presidency. Washington:The World Bank Group.
Bauer, P. T. (1976) Dissent on Development. Revised ed. Cambridge, Mass.:Harvard University
Press.
Beach, W. W., and O’Driscoll, G. P. Jr. (2003) “Explaining the Factors of theIndex of Economic
Freedom.” In G. P. O’Driscoll Jr., E. J. Feulner, andM. A. O’Grady, 2003 Index of Economic
Freedom, 49–69. Washington andNew York: Heritage Foundation and the Wall Street Journal.
Benston, G. J., and Kaufman, G. G. (1996) “The Appropriate Role of BankRegulation.” Economic
Journal 106 (May): 668–97.
Bhattacharya, S.; Boot, A. W. A.; and Thakor, A. V. (1998) “The Economicsof Bank Regulation.”
Journal of Money, Credit, and Banking 30 (4): 745–70.
Buchanan, J. M. (1998) “The Constitution of Economic Policy.” In J. A.Gwartney and R. E.
Wagner (eds.) Public Choice and Constitutional Economics.Greenwich, Conn.: JAI Press.
Charap, J., and Harm, C. (1999) “Institutionalized Corruption and the KleptocraticState.” IMF
Working Paper no. 91. Washington: InternationalMonetary Fund.
Coase, R. H. (1960), “The Problem of Social Cost.” Journal of Law andEconomics 3 (October):
1–44.
Coase, R. H. (1974) “The Lighthouse in Economics.” Journal of Law and Economics17 (2):
357–76.
Creveld, M. van (1999). The Rise and Decline of the State. Cambridge: CambridgeUniversity
Press.
Djankov, S.; La Porta, R.; Lopez–de–Silanes, F.; and Shleifer, A. (2002) “TheRegulation of
Entry.” Quarterly Journal of Economics 117: 1–37.
Dollar, D., and Kray, A. (2002) “Growth is Good for the Poor.” Mimeo.Washington: World Bank.
Dorn, J. A. (1988) “Public Choice and the Constitution: A Madisonian Perspective.”In J. D.
Gwartney and R. E. Wagner (eds.) Public Choice andConstitutional Economics, 57–102.
Greenwich, Conn.: JAI Press.
Dowd, K. (1996) “The Case for Financial Laissez-Faire.” Economic Journal106 (May): 679–87.
Feldstein, M. (1997) “How Big Should Government Be?” National Tax Journal50 (2): 197–213.
Friedman, M., and Friedman, R. (1984) The Tyranny of Status Quo. SanDiego: Harcourt Brace
Jovanovich.
Glaeser, E. L., and Shleifer, A. (2003) “The Rise of the Regulatory State.”Journal of Economic
Literature 41 (2): 401–25.
Gow, H. R., and Swinnen, J. F. M. (2001) “Private Enforcement Capital andContract Enforcement
in Transition Economies.” American Journal ofAgricultural Economies 83 (3): 686–90.
Greif, A. (1997) “Contracting, Enforcement, and Efficiency: Economics beyondthe Law.” In M.
Bruno and B. Pleskovic (eds.) Annual World BankConference on Development Economics,
236–66. Washington: World Bank.
Gwartney, J.; Holcombe, R.; and Lawson, R. (1998) “The Scope of Governmentand the Wealth of
Nations.” Cato Journal 18 (2): 163–90.
Hanke, S., and Walters, S. J. K. (1997) “Economic Freedom, Prosperity, andEquality: A Survey.”
Cato Journal 17 (2): 117–46.
Hanson, F. A. (1997) “How Poverty Lost Its Meaning.” Cato Journal 17 (2): 189–210.
Hayek, F. A. (1960) The Constitution of Liberty. Chicago: University ofChicago Press.
Holmes, S., and Sunstein, C. R. (1999) The Cost of Rights. Why LibertyDepends on Taxes.
New York: W. W. Norton.

221

31. Keefer, P., and Knack, S. (1997) “Why Don’t Poor Countries Catch Up? ACross-National Test of
An Institutional Explanation.” Economic Inquiry 35(July): 590–602.
32. Keese, M., and Martin, J. P. (2002) “Improving Labour Market Performance:Lessons from OECD
Countries’ Experiences.” Mimeo.
33. Lindbeck, A. (1994) “The Welfare State and the Employment Problem.”American Economic
Review 84 (2): 71–75.
34. Lomasky, L. E. (1987) Persons, Rights and the Moral Community. Oxford:Oxford University
Press.
35. Mathews, J. T. (1997) “Power Shift.” Foreign Affairs 76 (January/February): 50–66.
36. Mises, L. von (1949) Human Action. New Haven, Conn.: Yale University Press.
37. Mises, L. von (1956) The Anti-Capitalistic Mentality. Princeton, N.J.: van Nostrand.
38. Morduch, J. (1999) “Between the State and the Market: Can Informal InsurancePatch the Safety
Net?” World Bank Research Observer, No. 2: 187–202.
39. Musgrave R. A. (2000) In J. M. Buchanan and R. A. Musgrave, Public Financeand Public
Choice: Two Contrasting Visions of the State. CambridgeMass: MIT Press.
40. Nickel, S. C. (1997) “Unemployment and Labor Markets: Europe versusNorth America.” Journal
of Economic Perspectives 12 (3): 55–74.
41. Niskanen, W. (1996) “Welfare and the Culture of Poverty” Cato Journal 16(1): 1–16.
42. Nozick, R. (1974) Anarchy, State, and Utopia. New York: Basic Books.
43. Nozick, R. (1997) “Why Do Intellectuals Oppose Capitalism?” In SocraticPuzzles. Cambridge,
Mass.: Harvard University Press.
44. Phelps, E. S. (1987) “Distributive Justice.” In J. Eatwell, M. Milgate, and P. Newman(eds.) Social
Economics, The New Palgrave. London: Macmillan Press.
45. Quibria, M. G. (2002) “Growth and Poverty: Lessons from the East AsianMiracle Revisited.”
Tokyo: AOB Research Paper No. 33.
46. Rabushka, A. (1985) From Adam Smith to the Wealth of America. NewBrunswick, N.J.:
Transactions Books.
47. Rawls, J. (1971) A Theory of Justice.” Cambridge, Mass.: Harvard University Press.
48. Rose-Ackerman, S. C. (1999) Corruption and Government. Cambridge:Cambridge University
Press.
49. Rothbard, M. C. (1970) Power and Market. Kansas City: Sheed Andrews andMcMeel.
50. Samuelson, P. A. (1954) “The Pure Theory of Public Expenditure.” Reviewof Economics and
Statistics 36: 387–89.
51. Scarpetta, S.; Hemmings, P.; Tressel T.; and Woo, J. (2002) “The Role ofPolicy and Institutions for
Productivity and Firm Dynamics: Evidencefrom Micro and Industry Data.” Working Paper No.
329. Paris: OECD.
52. Schneider, F., and Enste, D. H. (2000) “Shadow Economies: Size, Causesand Consequences.”
Journal of Economic Literature 38 (March): 77–114.
53. Schultz, T. W. (1980) “Nobel Lecture: The Economics of Being Poor.” Journalof Political
Economy 88 (4): 639–51.
54. Scully, G. W. (1992) Constitutional Environments and Economic Growth.Princeton, N.J.:
Princeton University Press.
55. Schumpeter, J. A. (1950) Capitalism, Socialism, and Democracy. New York:Harper
Torchbooks.
56. Sen, A. (1999) Development as Freedom. Oxford: Oxford University Press.
57. Stigler, G. J. (1971) “The Theory of Economic Regulation.” Bell Journal ofEconomics 1: 1–21.
58. Stiglitz, J. E. (1988) Economics of the Public Sector. New York: W. W. Norton.
59. Tanzi, V., and Schuknecht, L. (1997) “Reconsidering the Fiscal Role ofGovernment: The
International Perspective.” American Economic Review87 (2): 164–68.
60. Tanzi, V. (1998a) “Corruption Around the World.” IMF Staff Papers 45 (4):559–94.
61. Tanzi, V. (1998b) “Fundamental Determinants of Inequality and the Role ofGovernment.” IMF
Working Paper No. 178. Washington: InternationalMonetary Fund.
62. Waldmeir, P. (2001) “Justice for the Hired Hand.” Financial Times (May 17).
63. Weber, M. (1922) Wirtschaft und Gesellschaft. Tubingen.
64. West, E. G. (1991) “The Rise of the State in Education.” Policy: A Journal ofPublic Policy and
Ideas 7 (Autumn and Winter).
65. Wolf, C. Jr. (1988) Markets or Governments. Choosing between ImperfectAlternatives.
Cambridge, Mass: MIT Press.
66. World Bank (2001) Building Institutions for Markets. World DevelopmentReport 2002.
Washington: World Bank.

222