‫"مي زيادة‪ ..

‬أسطورة الحب‬
‫والنبوغ"‬
‫نوال مصطفى‬
‫في هذا الكتاب‪:‬‬
‫تبحر الكاتبة نوال مصطفى في أعماق قصة حياة‬
‫الديبة والمفكرة الفريدة مي زيادة ‪ ...‬وتكشف‬
‫أسرارا ً كانت ل تزال ‪ -‬حتى الن – يكتنفها الغموض‬
‫وتحيطها مساحة من الضباب! فهل أحبت مي؟ ومن‬
‫هو صاحب قصة الحب السطورية في حياتها؟! هل‬
‫أصيبت الديبة ‪ -‬الظاهرة – مي بالجنون في أخريات‬
‫أيامها أم كانت قصة مختلفة ومؤامرة خسيسة‬
‫نسجت بذكاء لغتيالها معنويا ً ثم ماديًا؟‬
‫لقد كانت مي زيادة صاحبة أشهر صالون أدبي في‬
‫القرن العشرين ‪ ..‬وكان صالونها ملتقى أدباء‬
‫وعمالقة الفكر في عصرها ‪ .‬وكانت مثقفة من‬
‫طراز فريد‪ ..‬تجيد ست لغات وتصل قامتها الدبية‬
‫إلى قامات كبار رجال الفكر في عصرها‪.‬‬
‫وهذا الكتاب إبحار عميق وترجمة صادقة لحياة‬
‫مفكرة ورائدة تستحق أن تقرأ‪.‬‬
‫)اختير كتاب‪ " :‬مي زيادة ‪ ..‬أسطورة الحب والنبوغ‬
‫" في معرض الكتاب الدولي لعام ‪ 2000‬كأفضل‬
‫عمل ثقافي وتلقت نوال مصطفى هذا التكريم‬
‫المشرف من الرئيس حسني مبارك في الحتفال‬

‫الذي يحضره كتاب ومفكرو مصر في بداية‬
‫المعرض‪(.‬‬

‫إهداء‪......‬‬
‫إلى إنسانة أحببتها ‪ ..‬دون أن أراها ‪!..‬‬
‫إلى ‪ :‬مي ‪...‬‬
‫نوال مصطفى‬

‫تقديم‬
‫) مى زيادة ( شخصية فريدة في الدب العربي ‪.‬‬
‫ربما كانت هي وأندريه شديد أعظم أديبتين ‪ ..‬ومى‬
‫تكتب بالعربية وأندريه شديد تكتب روايات‬
‫ومسرحيات وشعرا ً بالفرنسية‪ .‬ومن الصعب أن‬
‫تنظر إلى ) مى( أو تقترب منها دون أن يلسعك‬
‫عذابها وتوجعك أحزانها وتشفق عليها‪.‬‬
‫فقد أحاطها وحاط بها أعلم الفكر والسياسة‬
‫والدب في زمانها‪ .‬فكانت حيرتها ‪ :‬فكلهم يحبونها‬
‫ويصارحونها بذلك ‪ .‬وهي ل تحب واحد منهم ‪ ..‬أو‬
‫تدعي ذلك ‪ .‬فقد كان قلبها في مكان آخر ‪ .‬ولم تشأ‬
‫أن تعترف ‪ .‬وقد ألقى بها الصراع العنيف في‬
‫مستشفى المراض العقلية في بيروت‪ .‬وإن كان‬
‫رأيي أنها ولدت في مستشفى المراض العقلية‬
‫فليس صالونها الدبي الذي فتحته في سنة ‪1913‬‬

‫إل إحدى غرف التعذيب في الساطير الغريقية‬
‫القديمة‪..‬‬
‫وبعد أن نقرأ حياة ) مى( وأبعادها وأعماقها‬
‫وأوجاعها يمكنك أن تتجه إلى ) مى( ذاتها ‪..‬‬
‫مرآتها ‪ ..‬فتقرأ بقلمها وألمها ‪ ..‬ففي الحالتين سوف‬
‫تجد ما يثيرك ويشغلك‪ .‬فهذه الفتاة اكتوت مرتين‬
‫بالنار ‪ :‬نار العزلة والنطواء والحرمان ‪ ,‬ومرة ثانية‬
‫بوهج أعظم المفكرين والشعراء في حياتها‪ ..‬وقد‬
‫واجهت كل هؤلء وحدها وإنفردت بهم ‪ ..‬ثم إنفردت‬
‫بنفسها تبكي حظها وموهبتها حتى إنهارت في‬
‫النهاية وعادت إلى مصر وقد شابت وتحطمت‬
‫وصارت رمادا ً للنجم الساطع ‪ ) :‬مى زيادة(‬
‫الفلسطينية السورية اللبنانية المصرية ‪ ,‬وحيدة‬
‫الموهبة فريدة العذاب في لوحة حب وإعجاب‬
‫وصدق بريشة نوال مصطفى!‬
‫بقلم ‪ :‬أنيس منصور‬

‫قبل أن تقرأ‪..‬‬
‫لماذا هذا الكتاب عن مي زيادة؟‬
‫تردد هذا السؤال داخلي أكثر من مرة ‪ ,‬وفي أكثر‬
‫من مرحلة من مراحل إنجاز هذا العمل‪.‬‬

‫لماذا أكتب عن مى الن ‪ ..‬وبعد حوالي ستين عاما ً‬
‫على رحيلها عن دنيانا؟! لماذا أكتب عن مى بعد كل‬
‫ما كتبته هي عن نفسها وكل ما كتبه الخرون‬
‫عنها ؟! وهل قصة مى زيادة في حاجة إلى من‬
‫يرويها بعد أن اعتلت مكان القمة في الدب العربي‬
‫المعاصر ‪ ..‬وملت بنبوغها سماء الفكر والثقافة‬
‫طوال عشرينات وثلثينات القرن الماضي؟! هل هي‬
‫في حاجة لمن يكتب عنها؟!‬
‫تراءت أمامي جملة موجعة كتبتها مى بخط يدها‬
‫قبل الرحيل‪:‬‬
‫أتمنى أن يأتي بعدي من ينصفني!‬
‫إذن ل مفر!‬
‫سأكتب قصتك يا مي ؛‪ ..‬وستقرؤها الجيال التي لم‬
‫تقرأ لك ‪ ..‬ولم تستمع إلى محاضراتك وخطبك‬
‫وأحاديثك ‪ .‬سأكتب قصتك وأروي الحقيقة الحزينة‬
‫ليعرفها الذين اختلطت ملمح صورتك في عيونهم‬
‫وطالها الضباب‪ ..‬بعد كل ما قيل عن نهايتك‬
‫المأساوية‪.‬‬
‫سأكتب قصتك كما عشتها في كل ما خطته‬
‫ريشتك‪ ..‬في كل ما سكبه قلبك على الورق من آلم‬
‫ووجع ‪ ,‬وترجمه إحساسك وأناتك وعذابك المكتوم‪..‬‬
‫المكتوب!‬
‫***‬
‫وبدأت الرحلة الصعبة للبحار داخل ذلك الزمن‬
‫الجميل ‪ .‬زمن كان للفكر فيه هيبة‪ ..‬وللدب‬
‫والثقافة إحترام وإجلل ‪ .‬وكان المبدعون هم صفوة‬

‫المجتمع‪ ..‬وليسوا رجال العمال! زمن كان الحدث‬
‫الثقافي ل يقل في أهميته عن الحدث السياسي‪.‬‬
‫والمعارك الدبية تجد من القراء مال تجده المعارك‬
‫السياسية‪.‬‬
‫زمن مى ‪ ..‬والعقاد ‪ ..‬وطه حسين ‪ ..‬وجبران خليل‬
‫جبران ‪ ..‬وأحمد شوقي ‪ ..‬وأحمد لطفي السيد ‪..‬‬
‫ومصطفى صادق الرافعي ‪ ..‬وإسماعيل صبري ‪..‬‬
‫وحافظ ابراهيم ‪ ..‬وخليل مطران‪.‬‬
‫زمن البداع والفكر والثقافة حينما ملت أنواره‬
‫نهايات القرن التاسع وبدايات القرن العشرين‪ .‬زمن‬
‫ارتفعت فيه هامات العبقريات المصرية في كل‬
‫المجالت ‪ :‬الدب ‪ ..‬الموسيقى ‪ ..‬الغناء ‪ ..‬الشعر ‪..‬‬
‫الطب ‪ ..‬الهندسة ‪ ..‬زمن البداع الكلي ‪ ..‬فالبداع ل‬
‫يتجزأ ‪ ..‬وشعاعه يمتد ويسري في شرايين المجتمع‪.‬‬
‫وزمن مى هو ذلك الزمن الجميل ‪ ..‬وكانت هي‬
‫زهرة هذا الزمان ‪ ..‬والمرأة الوحيدة التي تألقت‬
‫وتفردت وسط باقة من العمالقة الرجال في عصر‬
‫لم يكن مسموحا للمرأة بأن تخرج للحياة العامة‪.‬‬
‫ولم يكن متاحا ً لها أن تلتقى بالرجال في ندوات‬
‫ثقافية أو ملتقيات أدبية‪.‬‬
‫كانت مى ظاهرة أدبية‪ ..‬ثقافية ‪ ..‬أنثوية ‪ ..‬إنسانية!‬
‫هكذا أراها ‪.‬‬
‫ظاهرة أدبية‪ ..‬لنها كتبت بالفرنسية ‪ ..‬وترجمت عن‬
‫اللمانية‪ ..‬وعلمت نفسها اللغة العربية فقرأت‬
‫القرآن والشريعة – رغم أنها مسيحية – وكتبت‬
‫العربية بلغة هي مزيج فريد من كل اللغات التي‬

‫أتقنتها وقرأت وكتبت بها‪ ..‬ونستطيع أن نطلق عليها‬
‫لغة مى أو مفردات وقاموس مى الخاص ‪.‬‬
‫فلسلوبها هذه النكهة الخاصة جدا التي ل تجدها إل‬
‫في سطورها وصورها التعبيرية ومفرداتها‪ ..‬ووصفها‬
‫الدقيق للمشاعر النسانية التي تتميز به الداب‬
‫الوربية‪.‬‬
‫وهي ظاهرة ثقافية ‪ ..‬لن ثقافتها انفتحت على عدة‬
‫لغات فقرأت بالفرنسية واللمانية واليطالية‬
‫والعربية ‪ ..‬وتنوعت قراءاتها في فروع الثقافة‬
‫المختلفة ‪ :‬فلسفة ‪ ..‬أدب ‪ ..‬شعر ‪ ..‬فن تشكيلي ‪..‬‬
‫موسيقى ‪ ..‬تراث ‪ ..‬آثار ‪ ..‬قرأت مى في كل هذا ‪..‬‬
‫وبكل اللغات‪!..‬‬
‫وهي ظاهرة أنثوية ‪ ..‬لنها صنعت من نفسها نموذجا ً‬
‫غير مسبوق بين نساء عصرها وحتى في الجيال‬
‫التي تلت جيلها ‪ .‬فقد كسرت حاجز التمييز بين‬
‫الرجل المبدع والمرأة المبدعة‪ ..‬التقت بمفكري‬
‫عصرها ورواده من الرجال وحاورتهم وناقشتهم في‬
‫كل القضايا الدبية والفكرية بندية ومقدرة عالية‪.‬‬
‫وذلك في صالونها الشهير الذي كان منارة إشعاع‬
‫وثقافة في المجتمع المصري في ذلك الوقت‪.‬‬
‫وهي ظاهرة إنسانية ‪ ..‬لن مى كما قالت عن‬
‫نفسها تمثل النموذج " اليدياليزم " في الحياة ‪ ..‬أي‬
‫المثالي المفرط في افتراض حسن نوايا البشر ‪.‬‬
‫وهي ظاهرة إنسانية أيضا ً لن نشأتها الدينية‬
‫المتزمتة في مدارس الراهبات أورثتها التزاما ً دينيا ً‬
‫أخلقيا ً صارما ً ‪ ..‬فلم تعرف تحرر العواطف كما‬

‫عرفت تحرر الفكر والبداع ‪ .‬ولم ير هذين الخطين‬
‫بتواز داخلها ‪ .‬بل كثيرا ً ما اصطدما وتناقضا ‪..‬‬
‫وتصارعا!‬
‫وهي ظاهرة إنسانية كذلك‪ ..‬لنها لم تعش حياة‬
‫كاملة أبدا ً بل عاشت دائما ً نصف حياة ! خافت من‬
‫الحب‪ ..‬وخافت أن يجرها إلى الخطيئة ‪ ..‬وفي نفس‬
‫الوقت لم تجد القلب الحقيقي الذي يحتضن‬
‫مخاوفها ويضمها بصدق ‪ ..‬وكان ذلك سبب كارثة‬
‫حياتها‪.‬‬
‫وكان قدرها أن تصاحب الوحدة منذ طفولتها‬
‫المبكرة ‪ ..‬ثم في نهايات أيامها المأساوية ‪ .‬وبينهما‬
‫عاشت سنوات المجد والشهرة والتألق والنجاح ‪..‬‬
‫سنوات عاشت فيها تحت الضواء والناس من حولها‬
‫‪ .‬ورغم كل هذا كانت تعيش وحدة من نوع آخر ‪..‬‬
‫وفراغ نفسي وعاطفي وروحي شديد القسوة‪.‬‬
‫***‬
‫لهذا أكتب عن مى ‪ ..‬أكتب قصتها ليس فقط من‬
‫واقع ما قرأت لها وعنها ‪ ..‬ولكن من داخل كاتبة ‪.‬‬
‫امرأة تدرك معنى أن تكتب امرأة وأن تخرج عن‬
‫الطار المألوف والسائد والعادي! وفي مجتمع‬
‫يسوده الرجال‪ ..‬وتعرف كم تتضاعف معاناة هذه‬
‫الكاتبة إذا كانت من الطراز " اليدياليزم" الذي‬
‫كانته مى!!‬

‫ولهذا كان هذا الكتاب‪.......‬‬
‫***‬
‫اخترت أن أبدأ فصول الكتاب بطفولة مى ‪ ..‬تلك‬
‫الفترة التي أثرت على كل حياتها فيما بعد ‪ ..‬حيث‬
‫ألحقها والدها إلياس زيادة الفلسطيني الجنسية‬
‫بمدارس الراهبات الداخلية ‪ ..‬بعيدا ً عن دفء الوطن‬
‫وحضن السرة ‪ .‬ول أعرف لماذا كانت هذه القسوة‬
‫التي زرعت مشاعر الوحدة والخواء العاطفي في‬
‫قلب الصغيرة النابغة وهي ل تزال طفلة‪!..‬‬
‫ولدت مى أو ماري إلياس زيادة وهذا هو اسمها‬
‫الحقيقي في مدينة الناصرة بفلسطين عام ‪1886‬‬
‫لب لبناني ماروني وأم فلسطينية أرثوذكسية ‪..‬‬
‫وقضت سنوات عمرها الولى في مدارس داخلية‬
‫في لبنان ‪ ,‬ثم نزحت مع والدها ووالدتها إلى مصر‬
‫في عام ‪ .. 1908‬كان عمرها اثنين وعشرين‬
‫عاما ً ‪ ..‬فتاة في ريعان الشباب ‪ ..‬وظلت في مصر‬
‫– التي كانت تعتبرها وطنها الساسي‪ -‬حتى توفيت‬
‫في ‪ 18‬اكتوبر عام ‪. 1941‬‬
‫ولذلك ظل شعور " اللمنتمية" يلزم هذه الكاتبة‬
‫الفريدة‪ ..‬فالقطار الثلثة التي تنتمي إليها ‪ :‬لبنان ‪..‬‬
‫فلسطين ‪ ..‬مصر كل منها يفتخر بأنها واحدة من‬
‫نوابغه ‪ ..‬لكن أحدا ً من تلك الوطان لم يعطها ما‬
‫تستحق من تكريم حتى الن‪.‬‬

‫وكثيرا ً ما عبرت مى بقلمها عن هذه الغصة وتلك‬
‫المرارة التي تشعر بها نتيجة لهذه الغربة الدائمة‬
‫وعدم النتماء ‪ .‬فكتبت في أحد مقالتها ذات مرة‬
‫تقول ‪ " :‬أين وطني"؟! ولدت في بلد ‪ ,‬وأبي من‬
‫بلد ‪ ,‬وأمي من بلد ‪ ,‬وسكني في بلد ‪ ,‬وأشباح‬
‫نفسي تنتقل من بلد إلى بلد ‪ .‬فلي هذه البلدان‬
‫أنتمي ‪ ,‬وعن أي هذه البلدان أدافع؟!‬
‫أما الفصل الثاني ‪ ..‬فيروى قصة قدومها إلى مصر‬
‫مع والدها ‪ ,‬والستقرار فيها ‪ ,‬وبداية التفاف كبار‬
‫رجال الفكر حولها كظاهرة فريدة في الدب‬
‫العربي‪ .‬ثم التقائها بأستاذ الجيل أحمد لطفي السيد‬
‫الذي احتضن نبوغها ‪ ,‬وكان له الفضل في إقناعها‬
‫بالكتابة باللغة العربية ودراسة الدب العربي ‪.‬‬
‫وأهدى إليها القرآن الكريم ومجموعة من كتب‬
‫الدب لتبدأ مشوارها مع اللغة العربية قراءة وكتابة‪.‬‬
‫وساعدت مى التي كانت ُتدرس اللغة الفرنسية‬
‫لبنات صاحب جريدة " المحروسة" في بداية‬
‫سنوات حياتها في مصر في تدعيم الثقة بين والدها‬
‫وصاحب المحروسة‪ ..‬وبعد فترة بسيطة تركها‬
‫صاحب الجريدة لوالد مى إلياس زيادة ليكون‬
‫صاحبها ورئيس تحريرها‪.‬‬
‫وهكذا بدأت عملها الصحفي في جريدة المحروسة‬
‫من خلل باب ثابت كانت تكتبه تحت عنوان "‬
‫يوميات فتاة" ‪.‬‬
‫وفي الفصل الثالث ‪ ..‬تفاصيل ما كان يدور في‬
‫صالون مي أشهر صالون أدبي في القرن‬

‫العشرين ‪ ..‬وكيف وصف رواد الفكر والدب والفن‬
‫هذا الصالون‪.‬‬
‫الفصل الرابع‪ ..‬نقرأ عن مشاهير الدباء والشعراء‬
‫الذين أحبوا مى‪ ..‬وكيف أحبها كل منهم وعبر عن‬
‫هذا الحب ومنهم ‪ :‬محمود عباس العقاد ‪ ..‬مصطفى‬
‫صادق الرافعي ‪ ..‬إسماعيل صبري ‪ ..‬أحمد لطفي‬
‫السيد ‪ ..‬أحمد شوقي ‪ ..‬وآخرون‪.‬‬
‫الفصل الخامس‪ ..‬يرصد ويسجل موقف هؤلء‬
‫الرجال الذين أحبوها " لكنهم لم ينصفوها" ‪ .‬هؤلء‬
‫الذين انبهروا بسحرها الخاص ‪ ..‬ونسوا النسانة ‪.‬‬
‫والمبدعة فساهموا في إطفاء الشمعة التي كانت‪.‬‬
‫أما الفصل السادس ‪ ..‬فيروي تفاصيل قصة الحب‬
‫الغريبة ‪ ..‬العجيبة التي لم يعشها في هذا الكون‬
‫ربما إل مى ‪ ..‬وجبران! فقد عاشا لمدة تسعة عشر‬
‫عاما ً من الحب والعذاب ‪ ..‬الشتياق والحرمان ‪..‬‬
‫اللقاء والفراق ‪ ..‬فقط على الورق!!‬
‫الفصل السابع ‪ ..‬يتحدث عن بداية المؤامرة التي‬
‫وقعت في شباكها ‪ ..‬وكانت السبب في مأساتها ‪..‬‬
‫والفصل الثامن يروي اليام الخيرة التي عاشتها في‬
‫بؤس ثقيل ‪ ..‬وعزلة تامة ‪ ..‬وانسحاب من الحياة‬
‫في صورة رفض لي طعام أو شراب ‪ ..‬واستسلم‬
‫كامل للموت!‬
‫والفصل التاسع ‪ ..‬يتضمن أهم ما كتبته مى من‬
‫مؤلفات وكتب ومقالت ‪ ..‬ويحتوي على مقتطفات‬
‫متنوعة مما كتبته‪.‬‬

‫كلمة أخيرة‪ ..‬أود أن أقولها في حق هذه الكاتبة‬
‫الفريدة ‪ .‬إن مى زيادة التي كانت مشحونة بحلم‬
‫التنوير والتطوير ومأخوذة بالمعرفة‪ .‬ومزودة بكنوز‬
‫من تراثنا ومن الداب العالمية في آن معا ً ‪ ..‬نظلمها‬
‫إذا أطلقنا عليها " عروس الدب النسائي" كما‬
‫وصفوها في زمانها ‪ .‬فلقد كانت مى مفكرة من‬
‫طراز فريد يندر أن نجد مثيله بين الرجال!‬
‫والن ‪ ..‬إليكم قصة مى ‪ .‬كما رأيتها بعين قلبي‪!..‬‬

‫نوال مصطفى‬
‫القاهرة – ‪ 10‬ابريل ‪2000‬‬

‫الفصل الول‬
‫طفولة مي‬
‫الليلة ترحل آخر الفتيات عن مدرسة الدير ‪..‬‬
‫مدرسة عينطورة للبنات ببلدة شحتول في لبنان ‪..‬‬

‫الليلة ستقضي " ماري " ليلتها وحيدة ‪ ..‬سجينة هذه‬
‫الجدران المتهجمة ‪ .‬ستقضي الفتاة الصغيرة ذات‬
‫الربعة عشر ربيعا ً ليلة العيد حزينة ‪ ..‬بعيدة عن بيت‬
‫أسرتها البعيد في مدينة " الناصرة " بفلسطين ‪.‬‬
‫سوف تسافر ماري إلياس زيادة بخيالها ونبضات‬
‫قلبها إلى حيث الدفء الساكن هناك في بيتها مع‬
‫أمها التي تحبها كثيرا ً ووالدها الذي يغمرها بشلل‬
‫من حنان ‪.‬‬
‫لكن سرعان ما يصطدم الخيال بالواقع ‪ .‬وتجد ماري‬
‫نفسها وسط ثليج الوحدة خاصة بعد رحيل آخر‬
‫صديقاتها المقربات لقضاء أجازة العيد مع الهل ‪.‬‬
‫وتهرب ماري من وحدتها وآلمها مع تسلل الصباح‬
‫وشروق الشمس ‪ ..‬تلقى بنفسها وسط الحدائق‬
‫الواسعة المحيطة بالدير ‪ ..‬مع أصدقائها الذين ل‬
‫تمل صحبتهم أبدا ً هوجو ‪ ,‬لمارتين ‪ ,‬شاتوبريان ‪..‬‬
‫في هذا الوقت فقط ينبعث الدفء من جديد في‬
‫أوصالها ‪ ..‬وتسري حرارة الحياة في وجدانها ‪..‬‬
‫وعندما تعود إلى غرفتها بمدرسة الدير تكون قد‬
‫امتلت بمشاعر هؤلء الصدقاء ‪ ,‬وغاصت في‬
‫أفكارهم وأحلمهم ‪ .‬فتجلس ‪ ..‬وتكتب ‪.‬‬
‫هكذا كانت طفولة ماري التي اختارت فيما بعد‬
‫الحرف الول والحرف الخير من اسمها فقط‬
‫ليكون اسمها الدبي ‪ " :‬مي " طفولة قاسية‪ ..‬في‬
‫مدارس داخلية للراهبات ‪ .‬الولى كانت مدرسة‬
‫اليوسفيات في " الناصرة " حيث ولدت بفلسطين –‬

‫وطن الم – وكانت في السادسة من عمرها في‬
‫ذلك الوقت ‪ .‬وبعدما أنهت دراستها البتدائية في‬
‫تلك المدرسة ‪ ,‬ألحقها والدها بمدرسة الزيارة في "‬
‫عينطورة " بلبنان حيث وطنه هو ‪ ..‬وهناك أحست‬
‫الصغيرة بانتزاع الدفء والمان لول مرة ‪..‬‬
‫وعاشت الوحدة والقلق اللذين لزماها حتى آخر‬
‫العمر‪.‬‬
‫في مدرسة " الزيارة " أدهشت الفتاة الصغيرة‬
‫مدرساتها بتفوقها في دروسها وحبها الشديد للشعر‬
‫وقدرتها على دراسة اللغات ‪ ,‬فقد أتقنت خمس‬
‫لغات هي العربية ‪ ,‬والفرنسية ‪ ,‬والنجليزية ‪,‬‬
‫واليطالية ‪ ,‬واللمانية ‪.‬‬
‫ويبدو أن فترة الطفولة التي عاشتها ماري زيادة بين‬
‫بيروت وفلسطين سيمتد تأثيرها على حياتها كلها‬
‫بعد ذلك ‪ ..‬وستحفر بصماتها العميقة على تكوينها‬
‫النفسي والنساني بصفة خاصة‪.‬‬
‫فقد عاشت ماري سنوات الطفولة وبداية الشباب‬
‫في مدارس الراهبات المعروفة بالشدة والحزم‬
‫الذي يصل إلى حد القسوة أحيانا ً ‪..‬‬
‫عاشت معظم سنوات طفولتها وحيدة بعيدا ً عن‬
‫أمها الفلسطينية نزهة المعمر ‪ ,‬وأبيها اللبناني‬
‫إلياس زيادة المدرس البسيط ‪ ..‬ولنها طفلة‬
‫خِلقت تحمل صفات النبوغ والتفرد فقد‬
‫موهوبة ‪ُ ,‬‬
‫حولت أحزانها وحرمانها منذ طفولتها المبكرة إلى‬
‫غوص عميق في دروب الفكر والثقافة ورغبة غير‬
‫محدودة في الكتشاف والمعرفة‪.‬‬

‫تعلمت منذ البداية كيف تقهر مشاعرها ‪,‬‬
‫وتحاصرها ‪ ..‬وأمسكت بقوة لجام قلبها حتى ل‬
‫يفلت من بين يديها ‪ .‬وينطلق صارخا ً بآهاته وأناته ‪..‬‬
‫بأحلمه وأوجاعه ‪.‬‬
‫وفي الوقت الذي فعلت فيه ذلك بقلبها ‪ .‬أطلقت‬
‫لعقلها كل الحرية لينطلق ويفكر ويحلل ويكتشف‬
‫ويبحر ‪ .‬وهنا في رأيي مكمن مأساة ماري زيادة ‪..‬‬
‫أو النسة مي التي احتلت مكانة لم تحتلها أديبة‬
‫عربية أخرى في زمانها أو في الزمنة التي تلته ‪..‬‬
‫وحتى الن ‪.‬‬
‫الفجوة الرهيبة بين القلب والعقل ! الحصار‬
‫المخيف ‪ ..‬والنطلق غير المحدد للفكر ‪..‬‬
‫المحافظة الشديدة ‪ ..‬مع التمرد والتحرر على كل‬
‫أنماط الفكر التقليدي ‪ .‬هكذا جمعت مي بين‬
‫النقيضين ‪ ..‬ومن هذا التناقض الجوهري تولدت كل‬
‫تناقضاتها الخرى ‪ .‬وبسبب هذا الصراع الداخلي‬
‫الرهيب انتهت حياتها المتوهجة بالفكر والنجاح‬
‫والتألق لتلك النهاية المأساوية الحزينة ‪.‬‬
‫قصتها‪ ..‬قصة تراجيدية بكل ما تحمله الكلمة ‪ .‬قصة‬
‫امرأة توهجت كالشمس كظاهرة فريدة في عصرها‬
‫‪ ..‬التف حولها كبار مفكري مصر والعالم العربي ‪..‬‬
‫واحترم فكرها ونبوغها الدباء والشعراء ‪ ..‬ووقع في‬
‫حبها الكثيرون منهم ‪ ..‬وكان دائما ً حبا ً من طرف‬
‫واحد ! فقلب مي كان دائما ً مغلقا ً ‪ ..‬بإحكام في‬
‫وجه الجميع !!‬

‫وكانت مي تعبر أحيانا ً في كتاباتها عن هذه المشاعر‬
‫الحائرة فتقول ‪ " :‬ولدت في بلد وأبي من بلد‬
‫وسكني في بلد وأشباح نفسي تنتقل من بلد إلى‬
‫بلد فلي هذه البلد أنتمي ‪ .‬إنما أريد وطنا ً لموت‬
‫من أجله أو لحيا به "‪.‬‬
‫لقد كانت تجيب دائما ً عند السؤال عن وطنها فتقول‬
‫‪ " :‬أنا فلسطينية ‪ ..‬لبنانية ‪ ..‬مصرية ‪ ..‬سورية "‬
‫وهي في داخلها ل تعرف لي البلد تنتمي حقا ً ‪..‬‬
‫وانسحب هذا الشعور بعد ذلك على البشر وعلقتها‬
‫بالناس ‪ .‬فرغم الشهرة العظيمة التي حققتها وزحام‬
‫الرجال من المفكرين والدباء والمبدعين الغارقين‬
‫في حبها ‪ ..‬إل أنها لم تشعر بالنتماء إلى أي واحد‬
‫منهم ‪ ..‬إل واحد هو جبران خليل جبران ‪ ..‬الذي‬
‫أحبته على الورق فقط ! من خلل الرسائل‬
‫المتبادلة بينها من القاهرة ‪ ..‬وبينه من المهجر حيث‬
‫كان يعيش في أمريكا !!‬
‫ل شك أن سنوات طفولة مي كانت بالغة التأثير في‬
‫حياتها كلها بعد ذلك ‪ ..‬وربما كانت الجوانب اليجابية‬
‫أيضا ً خلل تلك الفترة قوية وعميقة ‪ ..‬فقد أجادت‬
‫مي اللغة الفرنسية إجادة تامة وحفظت الكثير من‬
‫الشعار الفرنسية خاصة أشعار الرومانسية مثل ‪:‬‬
‫لمارتين وديه موسيه ‪ ,‬وتعلمت التمثيل والموسيقى‬
‫والعزف على البيانو ‪ ..‬كما تعلمت ركوب الخيل‬
‫ومارسته في وديان وسهول لبنان ‪..‬‬

‫وقبل أن نترك الحديث عن طفولة مي ل بد أن‬
‫نذكر أنها فقدت شقيقتها الوحيد في طفولتها ‪...‬‬
‫وكتبت لتعبر عن مشاعرها تجاه هذا الشقيق تقول ‪:‬‬
‫" إلى العينين التي أطبقهما الموت قبل أن‬
‫ألثمهما ‪ ..‬إلى البتسامة التي ل أعرف منها إل‬
‫خيال ً ‪ ..‬إلى السم العذب الذي ل تهمس به شفتاي‬
‫دون أ‪ ،‬تمل عيني الدموع ‪ ..‬إلى الطفل الذي رحل‬
‫ي عاطفة الحب الخوي الخوي ‪,‬‬
‫إلى خالقه ويتم ف ّ‬
‫فحرمني من حنو الخ وقبلته وابتسامته ودمعته ‪..‬‬
‫إلى أخي الوحيد الذي تقاسم الثير والثرى !‬
‫***‬

‫الفصل الثاني‬
‫مي ‪ ...‬في مصر‬
‫ما أن انتهت مي من كلمتها في الحتفال المهيب‬
‫حتى ضجت القاعة بالتصفيق ‪ ..‬وكادت جدران‬
‫المكان تهتز من حرارة التأثر وشدة إعجاب‬
‫الحاضرين بنبوغ وتألق وسحر إلقاء وبلغة الخطيبة‬
‫الصغيرة‪.‬‬

‫كان ذلك في احتفال أقامته الدولة برعاية الخديوي‬
‫عباس لتكريم الديب الكبير خليل مطران ‪ .‬وبعث‬
‫الكاتب المهاجر إلى أمريكا جبران خليل جبران‬
‫بكلمة ليلقيها أحد الدباء نيابة عنه في هذه المسية‬
‫الهامة ‪ ..‬والتي أقيمت في الجامعة المصرية في‬
‫ابريل عام ‪ 1913‬بمناسبة النعام عليه بالوسام‬
‫المجيدي الثالث ‪..‬‬
‫قرأت مي كلمة جبران بأسلوب جعل من كل كلمة‬
‫نبضة تطرق قلوب مستمعيها ومن كل سطر ومضة‬
‫تلمع في عقول الحاضرين فتحفز عقولهم لتتأمل‬
‫وتحاور ذلك الفكر الفريد ‪.‬‬
‫***‬
‫خرج الحاضرون جميعا ً من الحتفال ل يذكرون إل‬
‫اسما ً واحدا ً هو " مي " صاحبة الصوت العذب‬
‫واللقاء المعبر عن كل كلمة ‪ ,‬والفكر الرصين‬
‫العميق الذي ظهر بوضوح في تعقيبها على كلمة‬
‫جبران خليل جبران بعد أن انتهت منها ‪.‬‬
‫ومنذ تلك الليلة في عام ‪ 1913‬بدأت خيوط الشهرة‬
‫تنسج حروف هذا السم الذي لم يكن معروفا ً بهذا‬
‫التساع والنتشار من قبل ‪ .‬وبدأ الجميع يتساءلون‬
‫عن هذه الديبة الشابة ‪ ..‬التي تتمتع بجمال الشكل‬
‫وجمال الروح ‪ ..‬وروعة العقل وعذوبة الصوت‬
‫معًا!!‪.‬‬

‫من هي ؟!‬
‫ومع هذه السئلة الكثيرة تكونت صورة هذه الفتاة ‪..‬‬
‫وعرف الجميع حكايتها‪.‬‬
‫عرفوا أنها جاءت مع والدها المدرس المغمور‬
‫إلياس زيادة من لبنان وأمها نزهة معمر وهي‬
‫فلسطينية الجنسية ‪ .‬جاءوا إلى مصر بحثا ً عن‬
‫فرصة عمل في الصحافة كان يبحث عنها الب ‪..‬‬
‫ورحل إلى مصر مصطحبا ً عائلته وراء هذا المل ‪.‬‬
‫كان ذلك عام ‪ .. 1908‬وكانت مي في ذلك الوقت‬
‫في الثانية والعشرين من عمرها ‪ .‬شابة مليئة‬
‫بالحيوية والحماس ‪ ....‬تعشق الكتابة والصحافة ‪,‬‬
‫تجيد اللغة الفرنسية إجادة تامة ‪ ,‬ثقافتها رفيعة ‪,‬‬
‫قرأت لشهر الكتاب العالميين كما قرأت لبن‬
‫الفارض والمعري والمتنبي ‪.‬‬
‫وبدأت الصغيرة تبحث عن عمل مناسب لمكاناتها‬
‫المتميزة ‪ ..‬تستطيع من خلله أن تساعد والدها في‬
‫بداية حياته الجديدة في مصر ‪ .‬وكان والدها في‬
‫ذلك الوقت قد تعرف على إدريس راغب باشا‬
‫صاحب جريدة المحروسة ‪ ..‬وعمل معه في الجريدة‬
‫‪ ..‬وفي نفس الوقت قامت مي بتدريس اللغة‬
‫الفرنسية التي تجيدها لبنتي إدريس باشا ‪.‬‬
‫اقتربت مي من عائلة إدريس راغب باشا وتوطدت‬
‫علقتها بها من خلل الصداقة العميقة التي نشأت‬
‫في ذلك الوقت بينها وبين ابنتي إدريس باشا ‪ ..‬وبعد‬
‫فترة منح الباشا جريدة " المحروسة " للياس زيادة‬

‫‪ ..‬تقديرا ً لهذه الصداقة الغالية واعترافا ً بفضل مي‬
‫في تعليم بناته‪.‬‬
‫وفجأة تبدل حال العائلة ! من الفقر إلى اليسر‬
‫المادي ‪ .‬كما انتعشت صلت إلياس زيادة وزوجته‬
‫وابنته وتوطدت بالوسط الثقافي في القاهرة ‪...‬‬
‫وبدأت مي بالكتابة في جريدة المحروسة ‪ .‬واختارت‬
‫اسم " يوميات فتاة " عنوانا ً لباب ثابت كانت تحرره‬
‫في " المحروسة " ‪ .‬كانت تختار الموضوعات الحية‬
‫التي يتجادل بشأنها الناس وتدفع بآرائها الحكيمة‬
‫والجرئية في آن معا ً ‪ .‬فارتبط بها القراء ‪ ,‬وراحوا‬
‫يبحثون عن كتاباتها التي كانت تمثل فكرا ً جديدا ً في‬
‫مجتمع مغلق خاصة بالنسبة لنساء عصرها ‪.‬‬
‫وكتبت مي ديوان شعر بعنوان "زهرات حلم " باللغة‬
‫الفرنسية ‪ ..‬وكان هذا الديوان أول إنتاج أدبي لها‬
‫أصدرته باسم مستعار هو " إيزيس كوبيا " وليس‬
‫باسم مي ‪ .‬كان ذلك عام ‪ .. 1911‬أي بعد ثلث‬
‫سنوات من إقامتها بمصر ‪.‬‬
‫وبدأت أنظار عمالقة الدب والفكر في ذلك الوقت‬
‫تتجه إلى هذه الكاتبة الصغيرة التي أعلنت منذ‬
‫بداياتها عن موهبة فريدة ‪ .‬تحمس لها أحمد لطفي‬
‫السيد ويعقوب صروف صاحب مجلتي المقتطف‬
‫والمقطم ‪ ,‬وشجعاها على التزود في دراسة اللغة‬
‫العربية والخط العربي والقرآن الكريم ‪.‬‬
‫وأطاعت التلميذة الصغيرة الساتذة الكبار ‪ ..‬فقرأت‬
‫بدأب ‪ ,‬وعكفت على دراسة الفلسفة السلمية‬
‫واللغة العربية والتحقت بالجامعة المصرية الهلية‬

‫لمدة ثلث سنوات من عام ‪ 1911‬حتى ‪. 1914‬‬
‫وأثناء هذه الفترة كتبت مي في العديد من المجلت‬
‫المعروفة إلى جانب مجلة " المحروسة " ‪ .‬كتبت‬
‫في مجلة "المقتطف" و " السياسة السبوعية " و "‬
‫الهلل " و " المرأة الجديدة " وغيرها ‪.‬‬
‫وابتكرت مي بابا ً جديدا ً في الصحافة المصرية عندما‬
‫طلبت منها جريدة السياسة السبوعية الكتابة فيها ‪.‬‬
‫أطلقت عليه اسم " خلية نحل" ‪ .‬كانت تتلقى أسئلة‬
‫القراء والقارئات وتصيغها صياغة صحفية سليمة ‪..‬‬
‫ثم تطلب من القراء جميعا ً أن يشاركوا في الجابة‬
‫عن السئلة ‪ ..‬وتتلقى إجابات القراء ‪ ..‬وتختار‬
‫أفضلها ثم تصيغها وتنشرها‪.‬‬
‫جذب هذا الكتاب القراء وارتبطوا بها وبالجريدة ‪..‬‬
‫وكانت سعيدة بتحرير هذا الباب لنه يقربها من‬
‫أفكار الناس ‪ .‬وأحلمهم وآلمهم ‪ .‬آرائهم‬
‫واختلفاتهم ‪.‬وكانت تجد في هذا كله مادة حية غنية‬
‫وحقيقية استعانت بها في فهم الكثير من أمور‬
‫الحياة ‪ ..‬واستلهمت بعض الفكار الجيدة فكتبت‬
‫عنها في مقالتها بعد ذلك آراء وتحاليل عميقة ‪.‬‬
‫وفي عام ‪ 1922‬قدمت جريدة "الهرام" لها شقة‬
‫من مبانيها القديمة بشارع علوى تقديرا ً لظروف‬
‫معيشتها البسيطة حيث كان دخلها من الكتابة‬
‫وصحيفة " المحروسة" ليس بالقدر الذي الذي‬
‫يسمح لها بالسكن بشقة في وسط البلد ‪.‬‬

‫وكتبت مي في الهرام مقالت هامة ‪ ..‬أحيانا ً تكتب‬
‫المقال الفتتاحي للجريدة ‪ ..‬وأحيانا ً مقالت في‬
‫صفحة المرأة ‪.‬‬
‫وفي هذه الشقة بدأت " مي" إقامة أول صالون‬
‫ثقافي أدبي دعت إليه بعد الكلمة التي ألقتها في‬
‫الجامعة المصرية بالنيابة عن جبران خليل جبران‬
‫في مناسبة تكريم الشاعر خليل مطران والكلمة‬
‫البديعة التي عقبت بها على كلمة أديب المهجر‬
‫جبران‪.‬‬
‫بعدها‪ ..‬وعندما لمست تعلق القلوب والعقول بها‬
‫أعلنت في تلك الليلة دعوتها لجميع الحضور‬
‫للجتماع في بيتها كل يوم ثلثاء من كل أسبوع ‪.‬‬
‫وكانت هذه اللحظة من ليلة ‪ 24‬إبريل عام ‪1913‬‬
‫مولدا ً لصالون مي ‪.‬‬
‫***‬

‫الفصل الثالث‬
‫صالون ‪ ..‬مي‬

‫كانت مي فتاة جميلة ‪ ..‬جمالها شرقي يرتدي‬
‫مسحة من أخيلة الغرب ‪ ..‬وكانت جاذبيتها ليست‬
‫في جمالها فحسب ‪ ..‬بل في عقلها الذي كان يبهر‬
‫عمالقة الفكر والدب في هذا العصر ‪ .‬ومنهم‬
‫الدكتور طه حسين والمفكر عباس محمود العقاد‬

‫والكاتب مصطفى صادق الرافعي وخليل مطران‬
‫وأحمد لطفى السيد وعدلي يكن وغيرهم كثيرون‪.‬‬
‫كانت في عيونهم جميعا ً شعاعا ً جميل ً ‪ ..‬يتدفق فكرا ً‬
‫وأدبا ً وثقافة مع لطف في الخلق وأسلوب‬
‫مهذب ‪ ..‬أنيق في الترحيب والستقبال ‪ ..‬فكان بيتها‬
‫ملذا ً للجميع ل تحت تأثير مشاعرهم التي تحركت‬
‫نحوها ‪ ..‬بل أيضا ً تحت تأثير هذا الجو العقلي الذي‬
‫كان من النادر جدا ً وجوده عند غالبية نساء ذلك‬
‫الزمان ‪.‬‬
‫كان عصر الحجاب ‪ ..‬حجاب الوجه وحجاب التقاليد‬
‫الجتماعية الصارمة خاصة تجاه المرأة وخروجها‬
‫العام إلى المجتمع ‪ .‬وكانت مي التي نشأت في‬
‫الوساط المارونية ذات الثقافة الوربية مختلفة‬
‫تماما ً عن صورة المرأة الشرقية في هذا الوقت ‪..‬‬
‫فجذبت العقول كما جذبت القلوب ‪.‬‬
‫وكانت مي الفتاة الشابة القادمة من لبنان هي‬
‫الوحيدة في عصرها التي استطاعت أن تحرر فكرها‬
‫وحياتها من أسلوب الحياة السائد بين النساء في‬
‫ذلك الوقت في مصر‪.‬‬
‫ولكن كيف ولدت فكرة الصالون في خاطر مي ؟‬
‫تأثرت مي بتجربة شهيرة في مطلع النهضة الوربية‬
‫خاصة في عصر لويس الرابع عشر في فرنسا حيث‬
‫كان صالون مدام ريكاميه ‪ ..‬وكانت سيدة على‬
‫جانب كبير من العلم والذكاء جعلت من إحدى غرف‬
‫بيتها منتدى لتحريك الفكار وتبادل الرؤى الثقافية‬

‫والفكرية وعرفت هذه الغرفة بـ " الغرفة الزرقاء" ‪.‬‬
‫كما كان هناك صالون آخر شهيرا ً هو صالون مدام‬
‫دوستايل ‪.‬‬
‫وتأثرت مي كثيرا ً بصالون مدام دوستايل من حيث‬
‫اهتمام مناقشاته وندواته بالتراث العالمي كله ‪ ,‬فقد‬
‫كانت مي تتقن عدة لغات قراءة وكتابة ‪.‬‬
‫لم يكن هذا هو السبب لوحيد الذي دفع بالفكرة إلى‬
‫رأس مي ‪ ..‬بل جاء اليحاء من أستاذها أحمد لطفي‬
‫السيد الذي كان من أهم الذين تأثرت بهم مي ‪,‬‬
‫وتتلمذت على أفكارهم وطاعت نصائحهم ‪ .‬والتأثير‬
‫الكبر الذي أحدثه أحمد لطفي السيد في حياة مي‬
‫هو تشجيعها على دراسة اللغة العربية وإتقانها‬
‫وكذلك قراءة القرآن والفقه السلمي ‪ ,‬وهذا ما‬
‫شجعها على الكتابة باللغة العربية بعد أن كانت‬
‫تكتب فقط باللغات الجنبية التي تجيدها ‪ .‬وكان أول‬
‫ديوان لها باسم " زهرات حلم" باللغة الفرنسية‪.‬‬
‫ويبدأ في مايو ‪ 1913‬أشهر صالون أدبي شهده‬
‫القرن العشرون صالون مي ‪ ..‬ليكون ملتقى كبار‬
‫مفكري وأدباء وفناني مصر وسوريا وكبار الدباء‬
‫الوربيين الزائرين لمصر ‪.‬‬
‫كيف كان شكل صالون مي؟‪ ..‬ماذا كان يدور في‬
‫أمسيات الثلثاء الفريدة ؟ كيف كانت نجمة الدب‬
‫والفكر تشرق بذكائها ونبوغها خلل تلك المسيات ‪..‬‬
‫وكيف كانت تخلب عقول وقلوب كبار مفكري‬
‫عصرها ؟ ماذا لو أدرنا عجلة الزمن لنعود إلى‬
‫الزمن الجميل ‪ .‬ونستمع إلى ضيوف مي من‬

‫عمالقة الفكر والدب وكيف وصفوا هذا الصالون‬
‫الدبي الفريد‪..‬‬
‫•يصف الكاتب اللبناني سليم سركيس صالون مي‬
‫فيقول ‪:‬‬
‫مساء كل ثلثاء يتحول منزل إلياس أفندي زيادة‬
‫صاحب جريدة " المحروسة" إلى منزل فخم في‬
‫باريس ‪ ..‬وتتحول مي التي ل تزال في العقد الثاني‬
‫من عمرها إلى مدام دوستايل ‪ ,‬أ‪ ,‬ولدة بنت‬
‫المستكفي ‪ ,‬أو وردة اليازجية في شخص ومدارك‬
‫النسة مي ‪ ,‬ويتحول مجلسها إلى فرع من سوق‬
‫عكاظ ‪ ,‬وتروج المباحث العلمية والفلسفية والدبية‬
‫في مجلس يحضره إسماعيل صبري ‪ ,‬وشبلي‬
‫شميل ‪ ,‬وخليل مطران ‪ ,‬وأحمد زكي اشا ‪ .‬هؤلء‬
‫جميعا ً يهزون بأحاديثهم ومناقشاتهم أغصان شجرة‬
‫ذات ثمر ‪ .‬ويحركون وردة ذات أريج ‪ ,‬والنسة مي‬
‫بينهم تناقش هذا ‪ ,‬وتدافع عن ذاك‪..‬‬
‫•ويصفها المفكر الكبير محمود عباس العقاد‬
‫فيقول‪:‬‬
‫كل ما تتحدث به مي ممتعا كالذي تكتبه بعد روية‬
‫وتحضير ‪ ,‬فقد وهبت ملكة الحديث في طلوة‬
‫ورشاقة وجلء ‪ ,‬ووهبت ما هو أدل على القدرة من‬
‫ملكة الحديث وهي ملكة التوجيه وإدارة الحديث بين‬
‫مجلس المختلفين في الرأي والمزاج والثقافة‬
‫والمقال ‪ ,‬فإذا دار الحديث بينهم جعلته مي على‬
‫سنة المساواة والكرامة وأفسحت المجال للرأي‬
‫القائل الذي ينقضه أو يهدمه وانتظم هذا برفق‬

‫ومودة ولباقة ولم يشعر أحد بتوجيه الكلم منها ‪,‬‬
‫وكأنها تتوجه من غير موجه ‪ ,‬وتنتقل بغير ناقل وتلك‬
‫غاية البراعة في هذا المقام‪.‬‬
‫•ويتحدث عميد الدب العربي طه حسين ن ذكرياته‬
‫في صالون مي ‪ ..‬فيقول ‪:‬‬
‫كان الذين يختلفون إلى الصالون متفاوتين تفاوتا ً‬
‫شديدا ً فكان منهم المصريون على تفاوت طبقاتهم‬
‫ومنازلهم الجتماعية وعلى تفاوت أعمارهم ‪ ,‬وكان‬
‫منهم السوريون ومنهم الوربيون على اختلف‬
‫شعوبهم وكان منهم الرجال والنساء وكانوا يتحدثون‬
‫في كل شيء ويتحدثون بلغات مختلفة وبالعربية‬
‫والفرنسية والنجليزية خاصة ‪.‬‬
‫ولكن كيف وأبن بدأ أهم وأشهر صالون أدبي في‬
‫القرن العشرين ‪ ..‬صالون مي ؟‬
‫كانت البداية في الحفل الكبير الذي أقيم في بهو‬
‫الجامعة المصرية لتكريم الشاعر خليل مطران‬
‫بمناسبة النعام عليه بوسام رفيع ‪ ..‬وبعد أن ألقت‬
‫مي كلمة الكاتب المغترب جبران خليل جبران نيابة‬
‫عنه ‪ .‬خطفت القلوب واستأثرت على العقول ‪..‬‬
‫وبعد أن عقبت على كلمة جبران ‪ .‬اشتعل حماس‬
‫الجمهور لهذه الديبة الشابة ‪ ..‬وصارت منذ تلك‬
‫اللحظة حديث الناس‪.‬‬
‫في هذه الليلة دعت مي الحاضرين إلى الصالون‬
‫الدبي الجديد الذي قررت أن تقيمه في بيتها مساء‬
‫كل ثلثاء ‪ .‬في بيتها بشارع مظلوم وهكذا بدأ‬

‫صالون مي الذي استمر لفترة طويلة حوالي ربع‬
‫قرن يجمع عمالقة الفكر والثقافة والسياسة والدب‬
‫‪ ..‬وتدور في أمسياته أعمق وأغنى المناقشات‬
‫والحوارات ‪ ..‬ويتبارى الكتاب والشعراء والفلسفة‬
‫في عرض أفكارهم وثقافاتهم ورؤاهم المختلفة ‪..‬‬
‫وتحول هذا الصالون إلى منبر قوي يدعم تيار الفكر‬
‫والثقافة الذي كان مزدهرا ً في ذلك الوقت ‪ ,‬ويسهم‬
‫بدور هام في تحريك الفكار وشحذها وتفاعلها‬
‫اليجابي فأثرت الحياة الدبية في مصر وغيرها من‬
‫بلد العالم العربي‪.‬‬
‫وكان المترددون على ندوتها يتحدثون في شتى‬
‫الموضوعات الفكرية والدبية ‪ .‬يتكلمون بالعربية أو‬
‫بغيرها من اللغات الجنبية ‪ ,‬أما مي فكان حديثها‬
‫دائما باللغة العربية الفصحى ‪.‬‬
‫ووصف العقاد الحاديث التي كانت تدور في ندوة‬
‫مي بقوله ‪ :‬لو جمعت هذه الحاديث لتألفت منها‬
‫مكتبة عصرية تقابل مكتبة " العقد الفريد " و "‬
‫مكتبة الغاني " في الثقافتين الندلسية والعباسية ‪.‬‬
‫ورأى هؤلء المفكرون في مي الشخصية الفريدة‬
‫التي جمعت بين الثقافة الرفيعة والخلق الفاضلة‬
‫فازدادوا إيمانا ً بضرورة تعليم الفتاة وتشجيعها على‬
‫الثقافة وصقل الذات بالمعرفة ‪.‬‬
‫وأطلق عليها أدباء ومفكرو عصرها العديد من‬
‫اللقاب منها ‪ :‬الديبة ‪ ..‬النابغة ‪ ..‬فريدة العصر ‪..‬‬
‫ملكة دولة اللهام ‪ ..‬حلية الزمان ‪ ..‬الدرة اليتيمة ‪..‬‬

‫وغيرها من اللقاب التي تعكس قدر الحترام‬
‫والجلل اللذين حظيت بهما مي من كتاب عصرها‪.‬‬
‫ولكن ورغم كل هذا التوهج واللمعان في سماء‬
‫الفكر والدب ‪ ..‬هل كانت أديبتنا النابغة سعيدة ؟‬
‫هل أضاءت تلك الشمس المشعة حياتها ‪ ..‬أم‬
‫أشرقت فقط في حياة الخرين ؟! واحترقت هي ؟!‬
‫هذا ما سوف نعرفه في الفصول القادمة ‪!..‬‬
‫***‬

‫الفصل الرابع‬
‫الذين أحبوا " مي "‬
‫قضبان النوافذ في السجن تنقلب أوتار قيثارة لمن‬
‫يعرف أن ينفث في الجماد حياة ‪ .‬هكذا كتبت مي‬
‫في إحدى مقالتها وهكذا كانت هي في حياتها‬
‫القصيرة بقياس الزمن ‪ .‬الغنية ‪ ..‬العميقة بقياس‬
‫القيمة والثار الباقية‪.‬‬
‫ولعل معظم الرجال الذين التقوا بها سواء مباشرة‬
‫أو عن طريق القلم والوراق ‪ ..‬أحبوها ! واختلفت‬

‫ملمح تلك العواطف وطرق التعبير عنها باختلف‬
‫شخصية كل منهم ‪ ..‬ودرجة اقترابه من فهم‬
‫شخصية مي و تركيبتها الفكرية والنسانية ‪.‬‬
‫وأغرى هذا الجانب الهام من حياة مي الكثير من‬
‫الكتاب والباحثين للغوص في تفاصيله ودقائقه‬
‫وصول ً إلى الحقيقة وإجابة للسؤال الحائر ‪:‬‬
‫من هو الرجل الحقيقي في حياة مي ؟ أو من هو‬
‫الذي فاز بقلب مي وسط كل هؤلء الرجال‬
‫المحترمين ؟‬
‫هل هو العقاد ؟ هل هو ولي الدين يكن ؟ هل كان‬
‫مصطفى صادق الرافعي ؟ هل كان أنطون‬
‫الجميل ؟ أم خليل مطران ؟ هل كان أستاذ الجيل‬
‫أحمد لطفي السيد أم الشاعر أحمد شوقي أمير‬
‫الشعراء ؟ هل كان الشاعر إسماعيل صبري أم‬
‫الشيخ مصطفى عبد الرازق ‪ ,‬هل كان هو الدكتور‬
‫طه حسين أم الشاعر جبران خليل جبران ؟‬
‫كثير من أعلم عصرها نسجت حولهم القصص‬
‫والحكايات تربط بينها وبين كل منهم ‪ .‬وأطلق‬
‫الناس لخيالهم العنان ليختلقوا العديد من قصص‬
‫الحب في حياة مي ‪ .‬وكان الكثير منها من وحي‬
‫الخيال والقليل منها حقيقي ‪.‬‬
‫يقول الكاتب مارون عبود ‪ :‬كل من رأى مي ‪ ,‬وكل‬
‫من شهد مجلسها أحبها ‪ .‬أما هي فظلت كسنديانة‬
‫صامدة وكالجبل ما يهزه ريح ‪.‬‬

‫كان الكاتب المفكر عباس محمود العقاد ‪ ..‬وهو من‬
‫ألمع مفكري عصره ل ينكر حبه لمي ‪ ,‬وقد لمح له‬
‫كثيرا ً في روايته سارة وأعطى مي اسما ً مستعارا ً‬
‫هو هند ‪ .‬وعرفها العقاد في البداية عن طريق‬
‫مقالتها في الصحف ثم من كتبها ‪ .‬وبدأت علقتهما‬
‫بالخطابات هو من أسوان بلدته التي يقيم بها قبل‬
‫استقراره في القاهرة ‪ ..‬وهي من القاهرة حيث‬
‫استوطنت مصر بعد قدومها من لبنان بصحبة‬
‫والديها‪.‬‬
‫وعندما عاد العقاد من أسوان سارع بزيارة مي‬
‫يملؤه الشوق والحنين إلى تلك الشخصية التي فتنته‬
‫قبل أن يراها !‬
‫وتقارب الديبان ‪ :‬العقلن والقلبان ‪ .‬لكن حب‬
‫العقاد لمي كان مختلفا ً عن حب مي للعقاد ‪ .‬كان‬
‫العقاد يؤمن بطوفان المشاعر وتوحد الحبيبين نفسا ً‬
‫وروحا ً وجسدا ً ‪ ..‬وكانت مي تؤمن بالحب الصافي ‪,‬‬
‫السامي ‪ ..‬العفيف الذي يرتفع عن رغبات الجسد‬
‫ويسمو إلى عالم الروحانيات وصداقة الفكر‪.‬‬
‫ول شك أن العقاد احترق بحب مي في صمت‬
‫والدليل على ذلك قصائده الكثيرة إليها التي تحمل‬
‫كل مشاعر الحب والتتيم بها ‪.‬‬
‫ويقول الكاتب عبد الفتاح الديدي ‪ :‬يبدو أن هذه‬
‫الفتاة لعبت أخطر دور في حياة العقاد لنها أعطته‬
‫السعادة ومالم يكن يخطر له على بال ‪ ,‬ولكنها‬
‫وقفت أمامه ندا ً لند وناوأت رجولته وسطوته‬

‫وكبرياءه ‪ .‬وصدمت أحلم العقاد بفرديتها واستقللها‬
‫وشبابها المتأنق المدرك لصول العلقات‪.‬‬
‫وسئل العقاد مرة كيف كان يجمع بين حبين في‬
‫وقت واحد‪ :‬حب مي وحب سارة؟ فأجاب عن هذا‬
‫السؤال قائل ً ‪ :‬إذا مّيز الرجل المرأة بين جميع‬
‫النساء فذلك هو الحب ‪ ..‬وقد يميز الرجل امرأتين‬
‫في وقت واحد ‪ ..‬لكن ل بد من اختلف في النوع ‪,‬‬
‫أو في الدرجة‪ ,‬أو في الرجاء ‪ ,‬فيكون أحد الحبين‬
‫خالصا ً للروح والوجدان ‪ ,‬ويكون الحب الخر‬
‫مستغرقا ً شامل ً للروحين والجسدين ‪ ..‬أو يكون أحد‬
‫الحبين مقبل ً صاعدا ً ‪ ,‬والحب الخر آخذا ً في الدبار‬
‫والهبوط ‪ .‬أما أن يجتمع حبان قويان من نوع واحد‬
‫في وقت واحد فذلك ازدواج غير معهود في‬
‫الطباع ‪ ,‬لن العاطفة ل تقف ول تعرف الحدود ‪..‬‬
‫ت ما سواها ‪.‬‬
‫وإذا بلغت العاطفة مداها جب ّ ْ‬
‫ويصف العقاد في روايته " سارة" طبيعة علقته‬
‫بمي دون التصريح باسمها ‪ ..‬بل اختار لها اسما ً‬
‫مستعارا ً هو ‪ :‬هند ‪ .‬فيقول ‪ :‬كان يحبها الحب الذي‬
‫جعله ينتظر الرسالة أو حديث التليفون كما ينتظر‬
‫العاشق موعد اللقاء ‪ ,‬وكانا كثيرا ً ما يتراسلن أو‬
‫يتحدثان ‪ ,‬وكثيرا ً ما يتباعدان ويلتزمان الصمت‬
‫الطويل إيثارا ً للتقية واجتنابا ً للقال والقيل وتهدئة‬
‫من جماح العاطفة وإذا خافا عليها النقطاع‪.‬‬
‫ولكنهما في جميع ذلك كانا أشبه بالشجرتين منهما‬
‫بالنسانين يتلقيان وكلهما على جذوره ‪ ,‬ويتلمسان‬

‫بأهداب الغصان ‪ ,‬أو بنفحات النسيم العابر من هذه‬
‫الوراق إلى تلك الوراق ‪.‬‬
‫كانا يتناولن من الحب كل ما يتناوله العاشقان على‬
‫مسرح التمثيل ‪ ,‬ول يزيدان ‪ .‬وكان يغازلها فتومئ‬
‫إليه بإصبعها كالمنذرة المتوعدة ‪ ,‬فإذا نظر إلى‬
‫عينيها لم يدر أتستزيده أم تنهاه ‪ ,‬ولكنه يدري أن‬
‫الزيادة ترتفع بالنغمة إلى مقام النشوز ‪.‬‬
‫وكان يكتب لها فيفيض ويسترسل ‪ ,‬ويذكر الشوق‬
‫والوجد والمل ‪ ,‬فإذا لقيها بعد ذلك لم ير منها ما‬
‫ينم عن استياء ‪ ,‬ولم يسمع منها ما يدل على وصول‬
‫الخطاب ‪ ,‬وغنما يسمع الجواب باللحن واليماء دون‬
‫العراب والفصاح ‪.‬‬
‫وربما تواعدا إلى جلسة من جلسات الصور‬
‫المتحركة في مكان ل غبار عليه ‪ ,‬فيتحدثان بلسان‬
‫بطل الرواية وبطلتها ‪ ,‬ويسهبان ما احتملت الكناية‬
‫والسهاب ‪ ,‬ثم يغيران سياق الحديث في غير‬
‫اقتضاب ول ابتسار ‪.‬‬
‫وكانا أشبه بالنجمين السيارين في المنظومة‬
‫الواحدة ‪ ,‬ل يزالن يحومان في نطاق واحد ‪,‬‬
‫ويتجاذبان حول محور واحد ‪ ,‬ولكنهما يحذران‬
‫التقارب ‪ ..‬لنه اصطدام ؟‬
‫ولم تكن هي لتعتقد الرهبانية فيه ‪ ,‬ول تزعم بينها‬
‫وبين وجدانها أنه معزول عن عالم النساء ‪ .‬غير أنها‬
‫لم تكن تحفل اتصاله بالنساء ما دام اسمهن نساء ‪,‬‬
‫ل يلوح من بينهن اسم امرأة واحدة ‪ ,‬وشبح غرام‬

‫واحد ‪ .‬فإن اسم النساء في هذه الحالة ل يدل على‬
‫معنى ‪ ,‬ول انتقاص فيه لما بينهما من رعاية‬
‫واستئثار‪.‬‬
‫كانت الخطابات المتبادلة بين مي والعقاد ثروة أدبية‬
‫‪ ..‬فكرية ‪ ..‬إنسانية ودليل في نفس الوقت على‬
‫رابطة متينة قوية بين الطرفين ‪.‬‬
‫يحدثنا أحمد حسين الطهاوي عن ذلك في كتابه ‪" :‬‬
‫غرام مي وجبران بين الحقيقة والخيال " ‪ ..‬فهو‬
‫يلحظ في رسائلها الغرامية إلى جبران أنها كانت‬
‫تعيش شبه حالة حب مع عباس محمود العقاد‬
‫استنادا ً إلى رسائل اكتشفها طاهر الطناحي وتقول‬
‫في إحداها ‪:‬‬
‫وكانت مؤرخة في ‪ 20‬أغسطس ) آب( ‪: 1925‬‬
‫إنني ل أستطيع أن أصف لك شعوري حين قرأت‬
‫القصيدة التي أرسلتها لي ‪ ,‬وحسبي أن أقول لك أن‬
‫ما تشعر به نحوي هو نفس ما شعرت به نحوك منذ‬
‫أول رسالة كتبتها إليك وأنت في بلدتك التاريخية‬
‫أسوان ‪.‬‬
‫بل إنني خشيت أن أفاتحك بشعوري نحوك منذ زمن‬
‫بعيد ‪ ,‬منذ أول مرة رأيتك فيها بدار جريدة "‬
‫المحروسة" ‪ .‬إن الحياء منعني ‪ ,‬وقد ظننت أن‬
‫اختلطي بالزملء يثير حمية الغضب عندك ‪ .‬والن‬
‫عرفت شعورك ‪ ,‬وعرفت لماذا ل تميل إلى جبران‬
‫خليل جبران ‪ ..‬ل تحسب إنني اتهمك بالغيرة من‬
‫جبران ‪ ,‬فهو في نيويورك لم يرني ولعله لن يراني ‪,‬‬

‫كما أنني لم أراه إل في تلك الصور التي تنشرها‬
‫الصحف ‪.‬‬
‫سأعود قريبا ً إلى مصر ‪ ,‬وستجمعنا زيارات‬
‫وجلسات أفضي فيها لك بما تدخره نفسي ‪ ,‬ويضمه‬
‫وجداني ‪ ,‬فعندي أشياء كثيرة أقولها لك ‪.‬‬
‫وفي قصة " سارة" التي كتبها العقاد ‪ ..‬وروى فيها‬
‫حبه لمرأتين هما " سارة " و"هند" ‪ ..‬وصفها فقال ‪:‬‬
‫إحداهما حولها نهر يساعد على الوصول إليها ‪..‬‬
‫والخرى حولها نهر يمنع من الوصول إليها وكان‬
‫يقصد بالخرى مي ‪.‬‬
‫وقال العقاد عن مي ذات مرة ‪:‬‬
‫لقد كانت متدينة تؤمن بالبعث ‪ ..‬وأنها ستقف بين‬
‫يدي الله يوما ً ‪ ,‬ويحاسبها على آثامها ‪ ,‬فكانت برغم‬
‫شعورها بالحياة‪ ,‬وإحساسها العمق الصادق ‪ ,‬وذكائها‬
‫الوضاء ‪ ,‬وروحها الشفافة ‪ ,‬ورقتها وأنوثتها تحرص‬
‫على أن تمارس هذه الحياة بعفة واتزان ‪.‬‬
‫وكتب العقاد في مي العديد من القصائد التي تظهر‬
‫بوضوح ذلك الحب الذي ملك وجدانه ‪ ..‬حبه لمي ‪.‬‬
‫ومنها قصيدة بعث بها إليها في روما حيث كانت‬
‫تقضي أجازة صيف عام ‪ . 1925‬وخلل تلك الفترة‬
‫تبودلت الرسائل بينهما كلها تنم عن شوق مكبوت‬
‫من الطرفين ‪..‬‬
‫مي ‪ ..‬ولطفي السيد‬

‫كان أستاذ الجيل أحمد لطفي شغوفا ً بالدب العربي‬
‫وكان محاميا ً ‪ ..‬وتولى رئاسة تحرير جريدة "‬
‫الجريدة" لعدة سنوات ‪ ..‬وكانت بداية معرفته بمي‬
‫في لبنان ‪ .‬كان يقضي أجازة الصيف في بيروت‬
‫وكانت هي هناك مصادفة ‪ .‬وبينما كان يتناول‬
‫عشاءه في الفندق ‪ ..‬لمح بالغرب منه فتاة شرقية‬
‫الملمح تتحدث بفرنسية طلقة مع قنصل فرنسا في‬
‫مصر ‪ ,‬وتدافع عن المرأة الشرقية وحقوقها‬
‫بحماس‪.‬‬
‫لفتت نظره هذه الفتاة فسأل صديقه الذي كان‬
‫بصحبته‬
‫من هذه الفتاة ؟‬
‫فأجابه خليل سركيس ‪:‬‬
‫إنها ماري زيادة بنت الصحفي المعروف إلياس‬
‫زيادة صاحب جريدة " المحروسة " ‪ ..‬وبعد أن‬
‫انتهت مقابلة مي مع القنصل تقدم إليها خليل‬
‫سركيس الذي كان يعرفها شخصيا ً ‪ ..‬وقدمها إلى‬
‫أحمد لطفي السيد ‪.‬‬
‫وبدأ اهتمام أحمد لطفي السيد بمي ‪ ..‬كما قدرت‬
‫مي هذا الهتمام وتلك الرعاية تقديرا ً كبيرا ً ‪ .‬فأهدت‬
‫إليه كتابها " ابتسامات ودموع" عندما عادت إلى‬
‫مصر ‪ ..‬وعاد هو كذلك وكان الكتاب ترجمة لرواية‬
‫ألمانية ‪.‬‬

‫وتابع أحمد لطفي السيد مقالتها التي كانت تكتبها‬
‫في جريدة والدها " المحروسة" تحت عنوان "‬
‫يوميات فتاة" ‪ .‬ولحظ لطفي السيد أن أسلوب مي‬
‫متأثرا ً كثيرا ً بثقافتها الغربية ‪ ,‬فوجهها إلى الهتمام‬
‫باللغة العربية ‪ ,‬ونصحها بقراءة الدب العربي ‪.‬‬
‫وذات يوم التقت به في إحدى الجلسات فقال لها ‪:‬‬
‫ل بد لك يا آنسة من تلوة القرآن الكريم ‪ ,‬لكي‬
‫تستفيدي من بلغة معانيه ‪ ,‬وفصاحة أسلوبه ‪.‬‬
‫فقالت له مي ‪:‬‬
‫ليس عندي نسخة من القرآن ‪.‬‬
‫فقال لها ‪:‬‬
‫أنا أهدي لك نسخة منه !‬
‫وبعث إليها الستاذ لطفي السيد في اليوم التالي‬
‫نسخة من القرآن الكريم مع كتب أخرى في الدب‬
‫العربي‪.‬‬
‫وتعترف مي بفضل لطفي السيد عليها فتقول ‪:‬‬
‫ابتدأت أفهم من لطفي السيد اتجاه السلوب‬
‫العربي ‪ ,‬وما في القرآن من روعة جذابة ساعدتني‬
‫على تنسيق كتابتي ورقي أسلوبي‪.‬‬
‫وتبادلت مي مع أستاذها لطفي السيد الرسائل‬
‫الدبية التي احتوت آراء وخواطر وأشجان كل منهما‬

‫‪ ..‬كما تخللتها الكثير من العواطف النبيلة‬
‫والمشاركة الوجدانية الحقيقية ‪.‬‬
‫في ‪ 15‬مايو ‪ 1913‬كتب إليها من مصيفه‬
‫بالسكندرية خطابا ً جاء فيه ‪:‬‬
‫جاءني كتابك ‪ ,‬فتشممته مليا ً ‪ ,‬وقرأته هنيئا ً مريئا ً ‪,‬‬
‫وإني ممتنع نهائيا ً عن أشرح لك العواطف‪ .‬وكل ما‬
‫يأذن لي تهيبك أن أبوح به هو أني من الصباح إلى‬
‫هذا المساء وأنا وحدي ‪ ,‬فلم أستطع أن أمسك‬
‫القلم ‪ ,‬لجيب عليه بصراحتي العادية ‪ ,‬فما وجدت‬
‫بدا ً من الركون إلى أسلم الطرق ‪ ,‬وهو أن أحفظ‬
‫لنفسي وصف الغتباط الذي نالني من هذا الكتاب‪.‬‬
‫اعترفي بأنك كنت في ساعة من ساعات تجلياتك‬
‫حين كتبت لي هذه الرسالة ‪ ,‬ان فيها أفكارا ً‬
‫ومرامي ذات وزن كبير ‪ ,‬وفيها مقاصد ومعان تكاد‬
‫تطير من خفتها ‪ ,‬أو تذوب من رقتها ‪ .‬أجناية أن‬
‫أتحدث بهذه السابغة ؟!! إل أن للرواح أيضا ً غذاء‬
‫يتنزل عليها من مكان أسمى من مكانها العادي ‪,‬‬
‫وهزة تأخذها حين تتقابل جاذبيتها ‪ .‬لعل ذلك هو سر‬
‫السعادة النسانية التي يلتمسها الناس ‪ ,‬فل يعرفون‬
‫طريقها ‪.‬‬
‫وكانت مي سعيدة باهتمام أستاذها أحمد لطفي‬
‫السيد ‪ ,‬فحافظت على علقتها به ودعمتها بكل‬
‫المودة والحترام والهتمام ‪ ..‬وكانت تستقبله مع‬
‫أصدقائها المقربين في غير أوقات الصالون‪.‬‬

‫ودامت هذه العلقة قوية ‪ ..‬حقيقية تجمع بين أستاذ‬
‫وأديبة موهوبة ‪ ..‬تحمل له العرفان بالجميل‬
‫والحترام والمحبة ‪.‬‬
‫مي ‪ ..‬ومصطفى صادق الرافعي‬
‫عاش الكاتب الكبير مصطفى صادق الرافعي قصة‬
‫حب كبيرة مع مي زيادة ‪ ..‬لكنها كانت قصة حب‬
‫من طرف واحد هو مصطفى الرافعي !‬
‫فقد احترق الرافعي حبا ً وهياما ً بمي وتوهم أن ميا ً‬
‫تحبه وهو مالم يكن صحيحًا‪.‬‬
‫ولكن هذا الحب الكبير أنتج كذلك أدبا ً غزيرا ً‬
‫وجميل ً ‪ .‬فكتب الرافعي لـ مي مجموعة كبيرة من‬
‫الرسائل تشكل وثائق أدبية وشخصية هامة حول‬
‫حياة كل منهما ‪.‬‬
‫ورغم أن الرافعي كان يفهم شخصية مي جيدا ً وقال‬
‫ذات يوم في وصفها ‪:‬‬
‫إن كل من حادثها ظن أنها تحبه ‪ ,‬وما بها إل أنها‬
‫تفتنه‪.‬‬
‫وكانت مي تراسل الرافعي كما كانت تفعل مع‬
‫معظم أدباء صالونها المقربين ‪ .‬ولكن رسالة من‬
‫رسائلها كانت توحي بشيء خاص بينهما قالت فيها ‪:‬‬

‫أتذكر إذ التقينا وليس بنا شابكة ‪ ,‬فجلسنا مع‬
‫الجالسين ‪ ,‬لم نقل شيئا ً في أساليب الحديث ‪ ,‬غير‬
‫أننا قلنا ما شئنا بالسلوب الخاص باثنين فيما بين‬
‫قلبيهما ! وشعرنا أول اللقاء بما ل يكون مثله إل في‬
‫التلقي بعد فراق طويل ‪ ,‬كأن في كلينا قلبا ً ينتظر‬
‫قلبا ً من زمن بعيد ‪ ..‬ولم تكد العين تكتحل بالعين‬
‫حتى أخذت كلتاهما أسحلتها ‪ .‬وقلت لي بعينيك ‪ ..‬أنا‬
‫‪ ..‬وقلت لك بعيني ‪ :‬وأنا ‪ ..‬وتكاشفنا بأن تكاتمنا‬
‫وتعارفنا بأحزاننا ‪ ,‬كأن كلينا شكوى تهم تهم أن‬
‫تفيض ببثها ‪ ..‬وجذبتني سحنتك الفكرية النبيلة التي‬
‫تصنع الحزن في نفس من يراها ‪ ..‬فإذا هو إعجاب ‪,‬‬
‫فإذا هو إكبار ‪ ,‬فإذا هو حب ‪.‬‬
‫وهذه الرسالة شكك بعض النقاد في أن مي زيادة‬
‫أرسلتها فعل ً إلى الرافعي ‪ ..‬بل قالوا إنه هو الذي‬
‫تلبس أسلوب مي وكتب الرسالة إلى نفسه !!‬
‫وعن مي كتب الرافعي ثلثة كتب من أروع ما كتب‬
‫هي ‪ " :‬رسائل الحزان " ‪ " ..‬أوراق الورد " ‪ ..‬و "‬
‫السحاب الحمر " ‪.‬‬
‫وكان يعيش الرافعي – الذي يكبر مي بأكثر من‬
‫ثلثين عاما ً – في طنطا مع زوجته وأولده العشرة ‪.‬‬
‫وكان يحضر صالون الثلثاء السبوعي في بيت مي‬
‫قبل الجميع ‪ ,‬وهو في كامل أناقته ‪ ,‬وكانت مي‬
‫تستقبله بحفاوة واحترام ‪ ,‬وتوليه عناية خاصة ‪,‬‬
‫ولكن رغم كل ذلك ‪ ..‬لم يكن هو الحبيب الذي ملك‬
‫قلبها‪.‬‬

‫مي ‪ ..‬وإسماعيل صبري‬
‫كان شيخ الشعراء إسماعيل صبري من أكثر رواد‬
‫صالون مي حرصا ً على حضور كل أمسياته ‪ ..‬وفي‬
‫إحدى هذه المسيات مرض ‪ ,‬ولم يستطع‬
‫الحضور ‪ ..‬فإذا به ينظم أبياتا ً تدل على حب وتتيم‬
‫بمي ‪ ..‬وبكم إحساسه بالندم والحزن لنه سيخسر‬
‫ليلة من لياليها التي تروي روحه وتمتع نظره وتشبع‬
‫فكره ووجدانه ‪ ..‬فيقول الشاعر إسماعيل صبري ‪:‬‬
‫روحي على بعض دور الحي حائمة *** كظامئ‬
‫الطير حواما ً على الماء‬
‫إن لم أمتع بمي ناظري غدا ً *** أنكرت صبحك يا‬
‫يوم الثلثاء‬
‫وهذه قصيدة لمير الشعراء أحمد شوقي يصف فيها‬
‫أيضا ً افتتانه بمي كأديبة وكامرأة‪:‬‬
‫أسائل خاطري عما سباني *** أحسن الخلق أم‬
‫حسن البيان ؟‬
‫رأيت تنافس الحسنين فيها *** كأنهما لمية‬
‫عاشقان‬
‫ي صبا‬
‫إذا نطقت صبا عقلي إليها *** وإن بسمت إل ّ‬
‫جناني‬
‫أم أن شبابها راث لشيبي *** وما أوهى زماني من‬
‫كياني‬

‫***‬
‫أحبوها جميعا ً ‪ ..‬كل بطريقته وأسلوبه ‪ ..‬أحبوا‬
‫الشعاع المشرق ‪ ..‬الشمس التي يغمر نورها‬
‫الجميع ‪ ..‬لكنها كانت تملك داخلها قمر معتم ‪..‬‬
‫يملؤه الفراغ والغربة ‪ ..‬والبحث عن الحب الحقيقي‬
‫‪ ..‬الذي تمنت أن تجده ‪! ...‬‬
‫***‬

‫الفصل الخامس‬
‫مي ‪ ..‬التي لم ينصفها الرجال !‬
‫لم ينصف مي كاتب أو أديب من رجال عصرها !‬
‫هذه حقيقة بكل أسف فرغم التتيم والنبهار الذي‬
‫سيطر عليهم جميعا ً بشخصية مي وثقافتها‬
‫الفريدة ‪ ..‬وروحها الشفافة ‪ .‬إل أنهم جميعا ً رأوها‬
‫من الخارج ‪ ..‬لم ينفذ أحدهم إلى أعماقها ليقرؤها‬

‫جيدا ً ‪ ..‬ويفهمها ‪ .‬ربما لو فعل أحدهم ذلك لحبها‬
‫أكثر ‪..‬‬
‫وهذه كانت بداية المحنة الكبيرة التي عاشتها مي‬
‫في الفصل الخير من حياتها المعذبة ‪ .‬محنة أن‬
‫يشعر إنسان معجون بالحساس بزيف المشاعر أو‬
‫سطحيتها ‪ .‬إنه شعور يلسع الروح ‪ ,‬ويوجع القلب‬
‫المرهف ‪.‬‬
‫ربما فهمتها أكثر أديبات جيلها والجيال التي تلتها ‪..‬‬
‫ربما كان هناك خيطا ً مشتركا ً من اللم الشخصي‬
‫جمع بينها وبين بنات جنسها ممن احترفن الكتابة ‪,‬‬
‫وعشقن القلم والدب ‪ ..‬ربما كان الوجع واحدا ً رغم‬
‫اختلف الظروف والشخصيات ‪ ..‬المكان والزمان ‪.‬‬
‫لذلك حللت الكثيرات من الديبات والكاتبات الوجع‬
‫الحقيقي الذي عاشته مي ‪ ..‬وتشابهت رؤية كل‬
‫منهن في الكثير من الجوانب ‪.‬‬
‫فقالت عنها الدكتورة عائشة عبد الرحمن ‪..‬‬
‫المعروفة بـ " بنت الشاطئ "‪:‬‬
‫أنا ما عرفت مي هذه التي يعرفها الناس ويتحدثون‬
‫عنها ‪ .‬لكني عرفت مي النسانة الشهيدة !‬
‫فليحدثكم سواي عن عبقريتها ونبوغها وفجيعة‬
‫الدب فيها ‪ ..‬أما أنا فأحدثكم عن مي الفتاة النسانة‬
‫التي عاشت وأحبت وتعذبت وكابدت ‪ ..‬ثم قضت‬
‫فاستراحت ‪.‬‬

‫غيري يسكب الدمع لموت مي ‪ .‬وأنا أسكب الدمع‬
‫على حياة مي ‪ ,‬وما حياتها إل قصة استشهاد‬
‫طويل !‬
‫إن أكثرهم قد رآها في هالة من أضواء الشهرة ‪,‬‬
‫يتوجها إكليل من المجد وتضج حولها صيحات الهتاف‬
‫‪ ,‬فهل منكم من غالب الضواء فرأى في إهاب‬
‫الكاتبة الشهيرة ‪ ,‬النسانة التي تتألم وتتوجع وتتلوى‬
‫والناس من حولها يهتفون لها !!؟‬
‫لقد ضاعت إنسانية مي وتجوهلت ‪ ,‬وفنيت في غمار‬
‫الشهرة وهي حية ‪ ,‬فهل نضيعها وهي ميتة ؟‬
‫كل ! إنني أكشف اليوم عن جراحها ‪ ,‬وأفضى عنها‬
‫ثوب الكاتبة ‪ ,‬لتشهدوا النسانة المتألمة الشاكية‬
‫الضالة المحبة المحرومة !‬
‫وبدأت " بنت الشاطئ" تحكي قصة مي ‪:‬‬
‫لقد جاءت إلى هذا العالم طلعة ‪ ,‬فيها من التطلع‬
‫فوق ما في الناس تلفتت واستشرفت ‪ ,‬وسارت‬
‫وتقدمت ‪ ...‬ومضت كالشعلة تضرب بالرض فتتلهب‬
‫! رأت أفواج الناس يندفعون في سباق مجنون ‪.‬‬
‫إلى الشهرة ‪ ,‬والمجد ‪ ,‬والمال ‪ ..‬ولمحت في‬
‫عيونهم بريق الرغبة والظمأ ‪ .‬فاندفعت في‬
‫موكبهم ‪ ,‬ووثبت إلى الطليعة ‪ ,‬ووقفت في آخر‬
‫الشوط تلهث ‪ .‬فرأت الهرة التي جن بها الناس‬
‫ملء يديها ‪ .‬ورأت المال الذي فتن الناس ملء‬
‫راحتيها ‪ ..‬ولكنها افتقدت سعادتها في هذا كله فآبت‬
‫بالخيبة والفشل ! والناس من حولها يهتفون لها !‬

‫ربحت السباق ‪ .‬ولكن نفسها تيقظت تسألها أين‬
‫سعادتها ؟! ويالهول هذه اليقظة في إنسانة ذكية‬
‫الفؤاد ‪ ..‬كبيرة القلب ‪ ,‬ملتهبة الحس !‬
‫لقد عبرت مي عن مأساتها في سطور من كتابها ‪:‬‬
‫" ظلمات وأشعة " فقالت ‪:‬‬
‫وقفت عند كوة الحياة ‪ ,‬وإذا بالناس يمرون ‪ ..‬ثم‬
‫أوحى إلى بأن هناك وجودا ً غير ملموس يدعى‬
‫السعادة ‪ ,‬وشعرت بإحتياج محرق إلى التمتع بها ‪,‬‬
‫ولما انتهى دور الوقوف في الكوة ‪ ,‬وجدتني بين‬
‫الجماهير ووجهتي مرقص الحياة جاهلة من ذا‬
‫يسيرني ‪ ..‬فتناولني حينا ً دوار الختلط بالجمع الكبير‬
‫‪ ..‬ولم يفتأ ذلك الوحي المعذب يهمس في سورته ‪,‬‬
‫ي ناره ‪ ,‬ففهمت‬
‫وذلك الحتياج المتوهج يضرم ف ّ‬
‫أمرا ً آخر وهو أنه حيث تكون العاطفة متيقظة‬
‫مرهفة ‪ ,‬فهناك النزاع الليم والستشهاد ‪ ..‬وإذا‬
‫رافقتها النفة وشرف السكوت على مضض الحروق‬
‫والكروب ‪ ,‬فهناك مأساة تتجدد مع اليام ‪.‬‬
‫كان الناس يظنونها سعيدة وهي في قمة المجد‬
‫والشهرة بينما هي تناجي نفسها وحيدة تقول ‪:‬‬
‫أي شمس تغيب فيك أيتها الفتاة ‪ ,‬ولماذا يشجيك‬
‫المساء لتغشى عينيك هذه الكآبة الربداء ؟ لقد‬
‫انتعشت جميع الشياء ‪ ,‬أما أنت فتلوبين جائعة‬
‫عطشى ‪ ,‬وراء الملل والسآمة وهيج فيك واحتدام !‬

‫إخبريني ما بك ‪ ..‬لماذا أراك ترقبين ما ليس‬
‫بالموجود وتشتاقين ما ليس بالبادي ؟ وإذا تحولت‬
‫عنك إلى مرآتي ‪ ,‬رأيت هناك وجهك مفجعا ً حزينا ً‬
‫جميع الشياء انتعشت ‪ ,‬وأنت ‪ ..‬أي علة تضنيك‬
‫فتلوبين وتتأوهين ؟‬
‫***‬
‫هكذا عاشت مي تفتش في الحياة عما ل تجد ‪,‬‬
‫وتنادي من ل يجيب ‪ .‬كانت تفتقد سعادة النسانة‬
‫الطبيعية ومشاعر النثى ‪ .‬وتصرخ في أخريات‬
‫سنوات حياتها ‪..‬‬
‫أنت أيها الغريب ! سأفزع إلى رحمتك عند إخفاق‬
‫الماني ‪ ..‬وأبثك شكوى أحزاني ‪ ,‬أنا التي تراني‬
‫طيارة طروبا ً ‪ ..‬وأحصي لك الثقال التي قوست‬
‫كتفي وحنت رأسي منذ فجر أيامي ‪ ,‬أنا التي أسير‬
‫محفوفة بجناحين متوجة بإكليل !‬
‫وسأطلعك على ضعفي واحتياجي إلى المعونة ‪ ,‬أنا‬
‫ي قوة البطال ومناعة الصناديد !‬
‫الني تتخيل ف ّ‬
‫هذه صلة النسانة المشردة المتعبة ‪ ,‬رفعتها إلى‬
‫الغريب ‪ ,‬ولكن الغريب لم يلب النداء ! ومضت‬
‫المسكينة تكابد وتتجلد وتموت !‬

‫مي مزقها الظمأ والبرد والحرمان ‪ ..‬فتألمت ‪..‬‬
‫وتعبت ‪ ..‬ثم صرخت !‬
‫وقالت عن نفسها ‪ :‬أنا لغز حي تائه ‪ ,‬تلبد جو فكري‬
‫بالغيوم وقلبي منفرد حزين ‪ ...‬أراني في وطني ‪,‬‬
‫تلك الشريدة الطريدة التي ل وطن لها ! أنا وحدي ‪,‬‬
‫وحدي في الدنيا ‪ ,‬تلك التي ل وطن لها !‬
‫صرخت مي لكن صرخاتها تاهت وسط صيحات‬
‫الهتاف بمجدها ‪ ..‬وتألمت ‪ ..‬لكن أوجاعها ذابت في‬
‫شعاع الشهرة ‪.‬‬
‫لم ير الناس على رأسها إل عظمة المجد بينما هي‬
‫تنزف دموع قلبها من الداخل ‪ ..‬وتقول في سطورها‬
‫‪:‬‬
‫جاء المساء مرة أخرى ‪ ..‬جاء المساء وتبعه الليل ‪.‬‬
‫وعيناك قرب السراج جامدتان جمود من يتأمل‬
‫جثة ‪ ,‬فأشعر بأن شيئا ً فيك أمسى جثة !‬
‫ونجد كاتبة أخرى هي غادة السمان تبدي وجهة‬
‫نظرها في أسباب مأساة مي فتقول ‪:‬‬
‫أرى في ) أيام العز ( التي عاشتها في منتداها بداية‬
‫لمأساتها وآلمها وجحيما ً من نوع خاص ل تقل‬
‫عزلتها الروحية داخله عما عرفته في المستشفى‬
‫العقلي الذي تم زجها فيه ‪.‬‬
‫فالزحام المتملق حضور موحش ‪ ,‬ومي كامرأة ذكية‬
‫ومرهفة كانت بالتأكيد تعي وخز الستهانة بإبداعها‬

‫ككاتبة ‪ ,‬ومعظم الذين حولها يمطرونها بزبد‬
‫العجاب الملتبس بشخصها الناعم قبل إبداعها ‪.‬‬
‫وهو إعجاب متنصل منها إبداعيا ً ‪ ,‬ويتجلى ذلك‬
‫التنصل المتملص في لحظات الصدق النقدية‬
‫المكتوبة ل المدائح الشفهية المجانية ‪.‬‬
‫نجد مثل ً عباس محمود العقاد يقول عنها ‪:‬‬
‫صيرت مي الدنيا كلها غرفة استقبال ل يصادف فيها‬
‫الحسن ما يصدمه ويزعجه ‪ ,‬أو هي صورتها متحفا ً‬
‫منضودا ً ل تخلو زاوية من زواياه من لباقة الفن‬
‫وجودة الصنعة ‪.‬‬
‫أما حين يضطر للجابة عن سؤال حول أدب مي‬
‫فنجده يقول ‪:‬‬
‫اقرأ كتابة مي ل تجد فيها ما يغضبك ‪ (!) .‬ليكن لك‬
‫رأيك في أسلوب الكتابة أو نمط التفكير أو صيغة‬
‫التعبير فما من كاتب إل وللناس في أسلوبه‬
‫وتفكيره وصيغ تعبيره آراء ل تتفق ‪ .‬أما النسان في‬
‫مي ذلك الكائن الشاعر الكامن وراء الكاتب منها‬
‫والمفكر والمعبر فل يسع الراء المتفرقة إل أن‬
‫تتفق فيه وتصافحه مصافحة السلم والكرامة‪.‬‬
‫وهكذا نرى كيف يهرب العقاد من إبداء نقد صريح‬
‫ورأي واضح في مي الديبة والكاتبة ويخفى ذلك‬
‫وراء امتداح لطفها وإنسانيتها !!‬
‫وتقول غادة السمان ‪:‬‬

‫ولعل مي زيادة المتوجة على عرش صالونها الدبي‬
‫وعت تدريجيا ً وبكثير من المرارة أنه ل شيء أسوأ‬
‫من العداوة إل الود المزور والمحبة الحمقاء‬
‫والعواطف الخرقاء ‪.‬‬
‫وقد عانت مي منذ بداياتها من الخلط بين جمال‬
‫الكاتبة وجمال إنتاجها الدبي والفكري ‪ .‬بين‬
‫حضورها النثوي وقدراتها البداعية التي ل علقة لها‬
‫بالتأنيث أو التذكير ‪.‬‬
‫ولم يقتصر ذلك على حياتها فحسب ‪ ..‬بل امتد _‬
‫للسف _ بعد وفاتها المأساوية فقد صدرت العديد‬
‫من الكتب تحمل روايات وقصص عن عشاق مي ‪.‬‬
‫وترد الكاتبة إيلين عبود في مجلة دنيا المرأة في‬
‫عام ‪ 64‬على هؤلء فتقول ‪:‬‬
‫لو أن أدباءنا أعزهم الله ‪ ,‬تحولوا عن البحث بما‬
‫يتعلق بعشاق مي إلى البحث في تراثها الدبي على‬
‫ضوء الحقبة التي عاشت فيها لسدوا إلى روحها‬
‫جميل ً ‪ ,‬وأسدوا فضلها إلى الناشئة من فتيات‬
‫وفتيان جلهم يجهلها أديبة عربية لها مؤلفاتها القيمة‬
‫وخواطرها الرائعة ‪.‬‬
‫وترى غادة السمان ‪ :‬إن العزلة الداخلية المروعة‬
‫لـمي جعلتها تهرب من المناخ الروحي الخانق‬
‫للمعجبين بقشرتها إلى عالم حقيقي خيالي في آن‬
‫معا ً ‪ .‬فأحبت رجل ً من وهم وضباب ومسافات اسمه‬
‫‪ :‬جبران خليل جبران ‪ ,‬وتعلقت به عبر القارات دون‬
‫أن تراه ولو لمرة واحدة ‪ ,‬ربما هربا ً من كل ما‬
‫تعرفه إلى ما تجهله ‪ ,‬ومن زحام يحيط بها ‪ ,‬يسكبها‬

‫في قالب الملهمة الموحية والنثى اللطيفة ‪ .‬ناسيا ً‬
‫أنها ليست دمية وأنها بدورها تبحث عن ملهم روحي‬
‫وإنسان ‪.‬‬
‫وفي معظم مدائح بعض رواد صالونها يتجلى التخلي‬
‫عنها كفنان ند ‪ ..‬تحت ستار تمجيد أنوثتها وجمالها‬
‫وحضورها السر ‪.‬‬
‫تلك كلها مشاعر موجعة ‪ ..‬آلمت مي وأوجعتها‬
‫وكانت بداية النهاية لسطورتها الحزينة ‪ .‬تلك الهوة‬
‫بينها وبين الحب الحقيقي التي لم يملها أحد ‪..‬‬
‫فسقطت هي نفسها فيها مع موت أحبابها تباعا ً ‪..‬‬
‫والدها ‪ ..‬والدتها ‪ ..‬ثم جبران ‪ .‬وغدر الهل وطمعهم‬
‫في المال والورث ‪ ..‬ثم المؤامرات الخيرة التي‬
‫فتكت بها تماما ً ‪ ..‬وقضت على البقية الباقية منها ‪.‬‬
‫لقد لقبوها بـ " عروس الدب النسائي " ‪ ..‬فهل‬
‫لقب أحد أدباء عصرها اللمعين بـ " عريس الدب‬
‫الرجالي "؟! إن هذا السؤال والجابة عنه يلخص‬
‫معاناة مي الحقيقية ‪ .‬فقد حالت أنوثتها بينها وبين‬
‫النقاد والكتاب من زوار ندوتها ‪ ..‬ووقفت هذه‬
‫النوثة بينها وبين إبداعها الفكري وإنتاجها الدبي ‪.‬‬
‫فرجال عصرها انشغلوا بها كظاهرة نسائية فريدة‬
‫لم يكن في ذلك العصر مثيل ً أو حتى شبيها ً لها ‪.‬‬
‫فكل الذين كتبوا عنها لم ينسوا أنها امرأة ‪ ,‬فحللوها‬
‫من هذا المنطلق دون حرج ناظرين إلى أنوثتها على‬
‫حساب فكرها ‪ .‬فكتبوا عنها كلما ً ل يتصور أحد أن‬
‫يكتب مثله لو كان عن رجل !‬

‫ويقول الدكتور جوزيف زيدان أستاذ الدب العربي‬
‫بجامعة ولية أوهايو في الوليات المتحدة‬
‫المريكية ‪ ..‬ومؤلف كتاب " العمال المجهولة لمي‬
‫زيادة "‪:‬‬
‫على الرغم من إطلق شتى الوصاف الرفيعة عليها‬
‫مثل " الديبة النايغة " و " فريدة العصر " و " ملكة‬
‫دولة اللهام " و " حلية الزمان " و " الدرة اليتيمة "‬
‫بقيت مي في نظر المؤسسة الدبية الرجالية امرأة‬
‫حتى أطراف أصابعها يصح أن تعامل وتقدم كأية‬
‫امرأة ‪.‬‬
‫يصفها – مث ً‬
‫ل‪ -‬صديقها أسعد حسني قائل ً ‪:‬‬
‫وكانت مي على رغم سعة اطلعها وعظيم‬
‫استنارتها أبعد النساء عن " السترجال " وأشدهن‬
‫استمساكا ً بالخصائص النسوية ‪ ..‬بقامتها الربعة‬
‫جاء الحاجبين ‪ ,‬دعجاء‬
‫ووجها المستدير ‪ ,‬وهي ز ّ‬
‫العينين ‪ ,‬يتألق الذكاء في بريقها ‪ ,‬وشعرها الطويل‬
‫يجلل صفحة جبينها ‪.‬‬
‫أما سلمة موسى فيقرر ‪ :‬لم تكن مي جميلة ولكنها‬
‫كانت حلوة !!‬
‫ويصف فتحي رضوان لقاءه الول بمي عندما ذهب‬
‫إلى بيتها فيقول ‪:‬‬
‫حينما دققت الجرس فتحت لي النسة مي بنفسها ‪,‬‬
‫فلحظت لول وهلة أن لها عينين ضيقتين تبدوان‬
‫للنظار كأن بهما أثرا ً من رق قديم ‪ ,‬فليس فيهما‬

‫شيء من الجمال ‪ .‬أما مي نفسها فممتلئة غير‬
‫مترهلة ‪ ,‬وأظنها أقرب إلى القصر من الطول ‪.‬‬
‫ولم يقف فتحي رضوان عند وصف شكلها وجسدها‬
‫بشكل تفصيلي ‪ ..‬بل وصف صوتها أيضا ً ‪ ..‬فقال ‪:‬‬
‫وصوت مي تشوبه رنه حزن ل أدري إذا كانت‬
‫طبيعية أم مصطنعة ‪ ,‬وهي تقطع عباراتها ‪ ,‬وكأنها‬
‫تلحنها وتوقعها كأغنية )!!( ‪.‬‬
‫حتى نساء عصرها تحدثوا عن مي كامرأة فقالت‬
‫عنها السيدة هدى شعراوي ‪:‬‬
‫لم تكن مي على وسامتها ووضاحة وجهها جميلة‬
‫بالمعنى الصحيح للجمال ) !(‬
‫وهنا نتساءل ‪ :‬لماذا لم يصف أحد كاتبا ً رجل ً مثل‬
‫هذه الوصاف الجسدية والصوتية ‪ ..‬ولماذا وضعت‬
‫هي تحت الميكروسكوب الرجالي ‪ ..‬والنسائي‬
‫أيضا ً ؟!‪.‬‬
‫الجابة عن هذا السؤال جاءت على لسان الكاتب‬
‫فتحي رضوان عندما قال ‪:‬‬
‫مي كانت ظاهرة اجتماعية أكثر منها ظاهرة أدبية ‪.‬‬
‫فقد كانت مي آنسة لبنانية ‪ ,‬تكتب العربية‬
‫والفرنسية ‪ ,‬وتقابل الرجال ‪ ,‬وتتحدث إلى الدباء‬
‫وأهل الفكر ‪ ,‬ويتحدثون إليها ‪ ,‬وفيهم أكثر من‬
‫أعزب عاش حياته بل زوجة ‪ ,‬وهم جميعا ً بين متزوج‬
‫وأعزب يضطربون في مجتمع ل تبدو فيه المرأة إل‬

‫كالطيف ‪ .‬وإذا أسفرت واحدة من النساء كانت‬
‫كالمحجبة تماما ً ‪ ,‬لنها ل تحسن حديثا ً يشوق الرجل‬
‫المثقف أو يمتعه ‪ ,‬أو يثير خياله أو يوحي إليه أو‬
‫يلهمه بفكرة أو عاطفة أو خاطره ‪.‬‬
‫إلى هذا الحد ظلم الرجال عقل مي وفكرها‬
‫وإبداعها ‪ ..‬وتجاهلوا إنتاجها الفكري الثري والفريد ‪..‬‬
‫واكتفوا بمدحها كمحدثة جيدة ‪ ..‬ومثقفة ملهمة ‪..‬‬
‫وشخصية محبوبة !!‬
‫لكن النصاف يأتي ولو بعد حين ‪....‬‬
‫لم يأت ممن عاصروها ‪ ..‬لكنه أتى من أجيال‬
‫متعاقبة من أحفادها وحفيداتها ممن يؤمنون‬
‫بالرسالة الخلقية لمهنة القلم ‪ .‬وربما أنصفها رجال‬
‫من غير عصرها لنهم لم يقعوا تحت تأثير جاذبيتها‬
‫النسانية والنثوية ‪ ..‬بل استحوذت عليهم جاذبية‬
‫أخرى أعمق تأثيرا ً هي جاذبية العطاء الدبي‬
‫والفكري والنساني ‪.‬‬
‫فعكف الدكتور جوزيف توفيق زيدان على جمع‬
‫العمال المجهولة لـ مي زيادة قبل أن تلتهمها يد‬
‫الزمن والهمال ‪.‬‬
‫ويقول في مقدمة كتابه ‪:‬‬
‫كان ذلك في ربيع عام ‪ . 1990‬وكنت أتردد على‬
‫دار الكتب بالقاهرة لعداد بحث عن المسرح‬
‫الشامي في مصر ‪ ,‬عندما تيقنت أنني وقعت على‬
‫كنوز مطمورة تحت الغبار آخذة بالتلف بسبب‬

‫ظروف الصيانة المؤسفة للدوريات ‪ .‬وراعني أن‬
‫من بين هذه الكنوز مقالت لـ مي ذات أهمية أدبية‬
‫وتاريخية كبرى إذ أنها تلقي أضواء جديدة على تطور‬
‫حياة مي الفكرية ‪ ,‬وهي مقالت حول مواضيع شتى‬
‫لم تجمع في كتاب كانت قد نشرتها في صحف‬
‫يومية مثل " المحروسة" و " الهرام" وفي مجلت‬
‫مثل " الزهور" و " المقتطف" و " مجلة النهضة‬
‫النسائية" و " مجلة المرأة العصرية" و " الهلل" و‬
‫" الرسالة" ‪.‬‬
‫ويروي د‪ .‬جوزيف زيدان تجربته الصعبة في إنجاز‬
‫هذه المهمة النبيلة فيقول ‪:‬‬
‫وأكثر ما حز في قلبي أني وجدت أوراق بعض هذه‬
‫الدوريات ‪ ,‬وخاصة " المحروسة " و " الهرام" قد‬
‫أخذت تتآكل وتتفتت مهددة مقالت مي بالضمحلل‬
‫حرفيا ً ‪ .‬ومما زاد الطين بلة أن تجليد أعداد هاتين‬
‫الجريدتين لم يتم أصل ً على الوجه الصحيح ‪ ,‬ففي‬
‫كثير من الحيان نجد أن المجلد قد تعدى النهر الول‬
‫من الصفحة الولى للجريدة فأخفاه أو أخفى جزءا ً‬
‫منه ‪.‬‬
‫إن مشاعر اللم والحزن التي كانت تتملكني وقتها‬
‫كلما اكتشفت أن النهر الول من كثير من مقالت‬
‫مي قد التهمته خيوط التجليد تحولت إلى تصميم‬
‫عنيد على إنقاذ هذه الثار ‪ .‬فعكفت على العمل في‬
‫هذا المشروع حتى نهاية الصيف ‪ ,‬مصورا ً ما أمكن‬
‫تصويره ‪ ,‬وناسخا ً باليد مال تصله عدسة آلة التصوير‬
‫أو ما ل يمكن نقله إلى قسم التصوير لنه في حالة‬

‫من التضعضع يرثى لها ‪ .‬وزاد شعوري بأني في‬
‫سباق مع الوقت بعد أن اتضح لي أن قسما ً كبيرا ً‬
‫من هذه الدوريات غير متوفر في أية مكتبة في‬
‫العالم ما عدا دار الكتب المصرية ‪.‬‬
‫ولم يكن د‪.‬جوزيف توفيق زيدان هو الوحيد الذي‬
‫بحث عن مي الكاتبة وآثارها الدبية الفريدة‪ ..‬بل‬
‫صدرت العديد من الكتب لباحثات وباحثين ‪..‬‬
‫وكاتبات وكتاب آخرين تبحث وتكشف الستار عن‬
‫مي زيادة الكاتبة والديبة وصاحبة أشهر صالون‬
‫أدبي في القرن العشرين ‪ ..‬ومنها على سبيل‬
‫المثال كتاب " المؤلفات الكاملة لمي زيادة " الذي‬
‫صدر في جزأين وعكفت على جمعه وتحقيقه‬
‫سلمى الكزبري ونشرته دار نوفل ببيروت ‪ .‬وكتاب‬
‫طاهر الطناحي " أطياف من حياة مي" الذي صدر‬
‫عن دار الهلل بمصر ‪ .‬وكتاب فاروق سعد " باقات‬
‫من حياة مي" الذي نشر ببيروت ‪ .‬وكتاب محمد عبد‬
‫الغني حسن " مي زيادة أديبة الشرق والعروبة"‬
‫الذي صدر عن عالم الكتب بالقاهرة ‪ .‬وكتاب وداد‬
‫السكاكيني " مي زيادة في حياتها وآثارها" الذي‬
‫صدر عن دار المعارف بمصر وكتاب وديع فلسطين‬
‫” مي وصالونها الدبي" وصدر في لبنان ‪.‬وكتاب‬
‫جميل جبر " مي في حياتها المضطربة" وصدر في‬
‫لبنان‪ .‬وكتاب عبد السلم هاشم حافظ " الرافعي‬
‫ومي" وكتاب عبد اللطيف شرارة " مي زيادة "‬
‫وصدر في لبنان ‪ .‬وكتاب كامل الشناوي " الذين‬
‫أحبوا مي" وصدر في القاهرة ‪ .‬وكتاب منصور‬
‫فهمي " مي زيادة ورائدات الدب العربي الحديث "‬
‫وصدر في القاهرة وكتاب أنطون القوال " نصوص‬

‫خارج المجموعة‪ ..‬مي زيادة" وصدر في لبنان‬
‫وكتاب خالد محمد غازي " جنون امرأة" وصدر في‬
‫مصر وكتاب د‪ .‬ماجدة حمود " رواية الحب‬
‫السماوي بين جبران خليل جبران‪ ..‬ومي زيادة "‬
‫وكتاب سميحة كريم " مي زيادة‪ ..‬كاتبة عربية "‬
‫وصدر في مصر وغيرها من الكتب التي تناولت حياة‬
‫مي زيادة ككاتبة و إنسانة ومفكرة سبقت عصرها ‪..‬‬
‫وأحرقتها الشهرة والغربة‪.‬‬
‫وأعتقد أن كل هؤلء حاولوا إنصاف مي التي لم‬
‫ينصفها معاصروها‪ .‬ولعلها الن راضية عنا ‪ ..‬وهي‬
‫تطل بروحها الشفافة من العالم الخر على هذه‬
‫الكتيبة من النساء والرجال ‪ ..‬من كاتبات وكتاب ل‬
‫يزالون يبحثون عنها ‪ ..‬ويقتفون آثارها رغم رحيلها‬
‫منذ أكثر من نصف قرن في عام ‪. 1941‬‬
‫ولعل تلك المحاولت المخلصة في كشف أثرها في‬
‫الفكر والدب والثقافة العربية ‪ ,‬وكذلك في تأكيد‬
‫ريادتها كامرأة في تلك المجالت التي كانت حكرا ً‬
‫على الرجال ‪ .‬لعل في هذا كله إنصافا ً لك يا مي ‪..‬‬
‫وإرضاء لعقلك الفريد ‪ ..‬وروحك الملئكية ‪.‬‬

‫الفصل السادس‬
‫جبران ‪ ..‬الحب الوحيد‬

‫هل أحبت مي جبرانا ً ؟ وهل أحب جبران ميا ً ؟!‬
‫هذا هو السؤال الذي طرحه الكثيرون وحاولوا‬
‫العثور على إجابة له ‪ .‬ولم تكن الجابة سهلة لن‬
‫علقة مي وجبران علقة فريدة في تاريخ الدب‬
‫العربي ‪ ..‬وكأنها إحدى أساطيره الغامضة !‬
‫أسماه البعض بالحب السماوي الذي يحلق عاليا ً في‬
‫فضاء الفكر والسمو والعفة ‪ ..‬ووصفه البعض بأنه‬
‫محض "خيال" أو وهم جميل عاشه العاشقان عن‬
‫بعد دون أن يرى أحدهما الخر ولو لمرة واحدة في‬
‫حياته !!‬
‫ورغم كل ذلك فقد تركت هذه العلقة الفريدة‬
‫العجيبة تراثا ً أدبيا ً رفيع المستوى تمثل في تلك‬
‫الرسائل الرائعة المتبادلة بين مي ‪ ..‬وجبران ‪.‬‬
‫إنها ثروة أدبية حقيقية من نصوص كتبها أديبان توهج‬
‫قلباهما بالحب ‪ ..‬واحترق بالغربة ‪ ..‬وتعذب‬
‫بالحرمان ‪.‬‬
‫وفي هذه الرسائل إجابة عن الكثير من التساؤلت‬
‫الحائرة عن مي النسانة ‪ ..‬المرأة ‪ ..‬الحبيبة التي‬
‫ظلت لغزا ً غامضا ً أمام الكثيرين من معاصريها ‪..‬‬
‫وكذلك من الجيال التالية لجيلها‪.‬‬
‫فقد سبقت مي عصرها بفكر متوثب وإبداع متوهج‬
‫لكنها رغم ذلك ظلت _ حتى آخر يوم في عمرها _‬
‫امرأة شرقية محافظة حتى النخاع ‪ .‬فلم يستطع‬

‫التحرر الفكري والثقافة المنفتحة على ثقافات‬
‫العالم أن تنتزع ولو قليل ً من التزامها الخلقي أو‬
‫الديني ‪ .‬ولم يمنحها نبوغها ترف أن تخرج على‬
‫تقاليد وعادات الشرق ‪ .‬فقد كانت صارمة جدا ً مع‬
‫نفسها ‪.‬‬
‫أما هذا الحبيب الذي صنعته من وهم وحرمان‬
‫ورغبات مكبوتة ‪ ..‬أقصد الديب والشاعر والفنان‬
‫اللبناني جبران خليل جبران فكان مختلفا ً كثيرا ً عنها‬
‫من حيث التركيبة الفكرية والنسانية ‪ .‬رغم توحد‬
‫مشاعرهما وتقارب معاناتهما في الغربة والوحدة‬
‫ورهافة الحساس التي تميزت بها مي كما تميز بها‬
‫جبران ‪.‬‬
‫جبران الذي عاش حياته حيث هاجر إلى الوليات‬
‫المتحدة المريكية ‪ .‬فتعود الحرية في كل شيء‬
‫ومارس التعبير عن ذاته وإطلق العنان لمشاعره‬
‫دون تحفظ أو خوف ‪ .‬كان يريدها أن تحبه بنفس‬
‫طريقته ‪ ..‬بل تحفظات ‪ ..‬بل تردد أو تعقل بل أن‬
‫تعيش الحب بجنونه وتستجيب لنداء القلب والروح‬
‫والجسد ‪.‬‬
‫وكان قد رأى ذلك كثيرا ً وعرفه في الحياة الغربية‬
‫التي عاش داخلها معظم رحلة حياته ‪ ..‬وكانت له‬
‫صديقات في غربته ‪ ,‬وعاش قصص حب قبل أ‪ ،‬يقع‬
‫في حب مي ‪ ..‬لكن الحب كما عرفه ومارسه لم‬
‫يكن هو ذلك الحب الذي عاشه مع مي من خلل‬
‫رسائل تحمل مشاعر إنسانية استثنائية في كل‬
‫شيء حتى في عواطفها !‬

‫ونما الحب في قلبيهما ‪ ..‬وتأجج ولم يكن هناك إل‬
‫الوراق المتبادلة بينهما هي من مصر ‪ ..‬وهو من‬
‫الوليات المتحدة المريكية ‪ ..‬طوفان من المشاعر‬
‫المشتعلة بالحرمان ‪ ..‬المصطدمة دائما ً بحائط‬
‫المستحيل !‬
‫اللقاء الول بينهما كان لقاًء على الورق ‪ ..‬بدأته مي‬
‫برسالة من قارئة وأديبة إلى أديب كبير ‪ .‬كانت قد‬
‫انتهت من قراءة قصة جبران خليل جبران " مرتا‬
‫البانية" فكتبت إليه خطابا ً تعرفه بنفسها أول ً ثم‬
‫تعلق على هذه الرواية فماذا قالت له مي في هذا‬
‫الخطاب ‪:‬‬
‫أمضي مي بالعربية وهو اختصار اسمي ‪ ,‬ويتكون‬
‫من الحرفين الول و الخير من اسمي الحقيقي‬
‫الذي هو ‪ :‬ماري ‪ .‬وأمضي " إيزيس كوبيا" بالفرنجية‬
‫‪ ,‬غير أن ل هذا اسمي ول ذاك ‪ ,‬إني وحيدة والدي‬
‫وإن تعددت ألقابي‪.‬‬
‫حدثته في هذا الخطاب الول الذي أرسلته له في‬
‫عام ‪ 1912‬عن ديوانها الشعري الول " أزاهير‬
‫حلم" الذي كتبته بالفرنسية وكلمته عن حياتها في‬
‫مصر التي استقرت فيها مع والديها وعن مقالتها‬
‫في الجرائد والمجلت العربية‪.‬‬
‫وتلقى جبران رسالة مي الولى بفرح ‪ ,‬وكتب إليها‬
‫مشجعا ً استمرار المراسلة بينهما ‪ ,‬فأهداها روايته‬
‫الجديدة " الجنحة المتكسرة "‪.‬‬

‫لم تصدق مي نفسها وهي ترى مظروفا ً مكتوبا ً عليه‬
‫اسم " جبران خليل جبران " ‪ ..‬وتفتحه لتجد خطابا ً‬
‫منه بخط يده ونسخة من روايته موقعة على إهداء‬
‫رقيق من الديب الكبير إليها ‪ .‬طارت من الفرحة‬
‫وجلست مع روايته ‪ ..‬بل غرقت بين سطورها تحاول‬
‫أن تدخل في أعماق الحرف وثنايا الكلمة‪ ..‬ربما‬
‫وجدته وأمسكت بهذه الروح البعيدة التي تشعر بها‬
‫قريبة جدا ً إلى قلبها وعقلها معا ً ‪.‬‬
‫انتهت الرواية ‪ ,‬ولكن روايتها هي مع هذا الغريب‬
‫القريب بدأت بخطاب منها تكتب فيه رأيها في‬
‫الرواية بصراحة وتتوقف عند نقاط الختلف‬
‫الرئيسية بينها وبين جبران " إننا ل نتفق في موضوع‬
‫الزواج يا جبران ‪ ,‬أنا احترم أفكارك ‪ ,‬وأج ّ‬
‫ل مبادئك‬
‫لنني أعرفك صادقا ً في تعزيزها ‪ ,‬مخلصا ً في الدفاع‬
‫عنها ‪ ,‬وكلها ترمي إلى مقاصد شريفة‪ ,‬وأشاركك‬
‫في المبدأ الساسي القائل بحرية المرأة ‪ ,‬فالمرأة‬
‫يجب أن تكون كالرجل مطلقة الحرية بانتخاب‬
‫زوجها من بين الشباب ‪ ..‬ل مكيفة حياتها في الغالب‬
‫الذي اختاره لها الجيران والمعارف ‪ ,‬حتى إذا ما‬
‫انتخبت شريكا ً لها تقيدت بواجبات تلك الشركة ‪..‬‬
‫أنت تسمي هذه " سلسل ثقيلة حبكتها الجيال"‬
‫وأنا أقول إنها سلسل ثقيلة ‪ ,‬نعم ‪ ,‬ولكن حبكتها‬
‫الطبيعة التي جعلت المرأة ما هي ‪ ,‬فإن توصل‬
‫الفكر إلى كسر قيود الصطلح والتقاليد فلن‬
‫يتوصل إلى كسر قيود الطبيعة لن أحكامها فوق كل‬
‫شيء ‪ ..‬عند الزواج تعد المرأة بالمانة ‪ ,‬فعندما‬
‫تجتمع سرا ً برجل آخر تعد مذنبة إزاء المجتمع‬
‫والواجب والعائلة ‪.‬‬

‫يقف هذا الخلف الفكري حاجزا ً بينهما ‪ ..‬ورغم ذلك‬
‫تظل الديبة الفريدة بثقافاتها المتعددة وموهبتها‬
‫الصيلة ورؤيتها الناضجة بلونها المميز في‬
‫السلوب ‪ ..‬ومذاق كتاباتها الخاص الذي يجمع بين‬
‫تعبيرات الغرب ومفردات الشرق ووجدانياته‪ .‬يظل‬
‫هذا كله مركزا ً للجذب الشديد بينهما ‪ .‬فهذا الذي‬
‫بينهما ليس حبا ً بالمعنى البسيط للكلمة ‪ ..‬بل ان‬
‫علقتهما كانت علقة مركبة ‪ ..‬يتداخل فيها القرب‬
‫الوجداني مع المتعة الفكرية في الحوار المكتوب‬
‫بينهما‪ ..‬وتمتزج المشاعر النابضة في القلب‬
‫بالعجاب الصادر من العقل‪ .‬إنها علقة فريدة ‪..‬‬
‫وبديعة ‪ ..‬ومعذبة بقدر روعتها !‬
‫تتوقف مي عن الكتابة إلى جبران عامين كاملين‬
‫بعد أ‪ ،‬تسلل إليها الخوف من أن يتعلق به قلبها‬
‫وتتحول الصداقة الفكرية إلى حب معذب ثم تعاود‬
‫المراسلة وتحكي عما أصابها في رحلتها إلى لبنان‬
‫في الصيف حيث كسرت يداها أثناء ركوبها الخيل‬
‫هناك‪.‬‬
‫ويرد عليها جبران معاتبا ً ‪ " :‬حضرة الديبة‬
‫الفاضلة ‪ ..‬لقد فكرت بأمور كثيرة في تلك الشهور‬
‫الخرساء التي مرت دون خطاب منك ‪ ,‬لكنه لم‬
‫يخطر على بالي كونك شريرة ‪ ..‬لنعد إلى متابعة‬
‫الحديث الذي بدأناه منذ عامين كيف أنت ؟ وكيف‬
‫حالك ؟ هل أنت بصحة وعافية ) كما يقول سكان‬
‫لبنان؟(‪.‬‬

‫ويجيبها جبران عن أسئلة كثيرة جاءت في خطابها‬
‫إليه فيقول لها ‪:‬‬
‫صحتي أشبه بحديث السكران ‪ ,‬وقد صرفت الصيف‬
‫والخريف متنقل ً في أعالي الجبال وشواطئ البحر ‪,‬‬
‫ثم عدت إلى نيويورك أصفر الوجه نحيل الجسم‬
‫لمتابعة العمال ‪ ,‬ومصارعة الحلم ) تلك الحلم‬
‫الغريبة التي تصعد بي إلى قمة الجبل ثم تهبط بي‬
‫إلى أعماق الوادي (‪.‬‬
‫وتقوم الحرب العالمية الولى فتتوقف المراسلة بين‬
‫مي وجبران من ‪ 1914‬حتى ‪ .. 1919‬ثم تبدأ مي‬
‫في إرسال مقلت نشرت لها في جريدة‬
‫المقتطف ‪ ..‬ويرد جبران عليها في خطاب أرسله‬
‫مع بداية عام ‪ 1919‬يقول فيه ‪:‬‬
‫وجدت في مقالتك سربا ً من تلك الميول والمنازع‬
‫التي طالما حامت حول فكرتي وتتبعت أحلمي ‪ .‬إن‬
‫مقالتك هذه تبين سحر مواهبك وغزارة إطلعك ‪,‬‬
‫وملحة ذوقك في النتقاء والنتخاب ‪ ..‬وهذا ما‬
‫يجعل مباحثك من أفضل ما جاء من نوعها في اللغة‬
‫العربية ‪ ,‬ولكن لي سؤال أستأذنك بطرحه ‪ :‬أل‬
‫يجيء يوم يا ترى تنصرف فيه مواهبك السامية عن‬
‫البحث في ماضي اليام إلى أسرار نفسك‬
‫واختباراتها الخاصة؟ أليس البداع أبقى من البحث‬
‫في المبدعين ‪ ..‬أنا كواحد من المعجبين بك أفضل‬
‫أن أقرأ لك قصيدة في ابتسامة أبي الهول من أن‬
‫أقرأ لك رسالة في تاريخ الفنون‪ ,‬فإنك تدلينني على‬
‫شيء عمومي عقلي ‪ ..‬إني أشعر بأن الفن ‪ ,‬والفن‬

‫إظهار ما يطوف ويتمايل ويتجوهر في داخل الروح ‪,‬‬
‫هو أحرى وأخلق بمواهبك النادرة في البحث "‪.‬‬
‫ويدفعها جبران إلى الكتابة البداعية التي يراها أبقى‬
‫وأهم من الكتابة عن الفنون وعن المبدعين فيقول‬
‫لها " ليس ما تقدم سوى شكل من أشكال‬
‫الستعطاف باسم الفن ‪ ,‬فأنا أستعطفك لنني أريد‬
‫أن استميلك إلى تلك الحقول السحرية ‪ ,‬حيث‬
‫أخواتك اللواتي بنين سلما ً من الذهب والعاج بين‬
‫الرض والسماء ‪ .‬أرجو أن تثقي بإعجابي وأن‬
‫تتفضلي بقبول احترامي الفائق والله يحفظك‬
‫المخلص جبران خليل جبران "‪.‬‬
‫ويصدر جبران خليل جبران كتابه الجديد " المجنون"‬
‫‪ ..‬وكالعادة تكون نسخة مي الموقعة بإهدائه واسمه‬
‫على رأس قائمة النسخ المهداة ‪ .‬وفور وصوله إليها‬
‫‪ ..‬تقرأه ليس بعينيها وفكرها ‪ ..‬بل بكل نبضة في‬
‫كيانها ‪ ..‬فكتاب جبران هو الجزء الوحيد المادي‬
‫الذي يجسد هذا النسان الهلمي بالنسبة لها ‪..‬‬
‫تقرأه بكل تركيز وغوص ‪ ..‬وترد في خطاب إلى‬
‫جبران على ما جاء في هذا الكتاب ‪:‬‬
‫لك أجد في كتابك ملذا ً سماويا ً بل أثار في الرهبة‬
‫والخوف أهذه هي كهوف روحك ؟‬
‫فيرد جبران عليها في خطاب ‪ :‬ماذا أقول عن‬
‫كهوف روحي ؟ تلك الكهوف التي تخيفك ‪ ,‬إني‬
‫التجئ إليها عندما أتعب من سبل الناس الواسعة‬
‫وحقولهم المزهرة وغاياتهم المتعرشة ‪ ,‬إني أدخل‬
‫كهوف روحي عندما ل أجد مكانا ً آخر أسند إليه‬

‫رأسي ‪ ,‬ولو كان لبعض من أحبهم الشجاعة لدخول‬
‫تلك الكهوف لما وجدوا فيها سوى رجل راكع على‬
‫ركبتيه وهو يصلي ‪.‬‬
‫وتعود " مي " إلى التوقف والتراجع عن الستمرار‬
‫في هذه العلقة التي أصبحت تسيطر على‬
‫وجدانها ‪ ..‬وتؤثر النسحاب من هذا الحب المستحيل‬
‫‪ ..‬تتوقف عن المراسلة لمدة ثلثة أشهر حتى يصلها‬
‫كتاب جبران " المواكب" مع رسالته التي تحمل‬
‫سطورا ً قليلة في ‪ 10‬مايو ‪ 1919‬يقول فيها ‪" :‬‬
‫والعمل كما تجدينه حلم لم يزل نصفه ضبابا ً‬
‫والنصف الخر يكاد يكون جسما ً محسوسا ً ‪ ,‬فإن‬
‫استحسنت فيه شيئا ً تحول إلى الحقيقة ‪ ,‬وإن لم‬
‫تستحسني عاد إلى مثل ما كان عليه‪.‬‬
‫وتكتب إليه معجبة بأشعاره في المواكب ‪ " :‬رائعة‬
‫قصائدك في " المواكب" سأستظهر أبياتها ذات‬
‫الصور الخاذة ‪ .‬أنتم أهل الفن تبرزون البدائع بقوى‬
‫أثيرية احتفظتكم عليها ملوك الجوزاء ‪ ,‬فنأتي نحن‬
‫الجمهور وليس لدينا ما نتفهمها بها سوى العجز "‪.‬‬
‫ويسافر جبران في أجازة طويلة ‪ ..‬ثم يعود ليجد‬
‫ثلث رسائل من مي في انتظاره فتحضنها عيناه من‬
‫الفرحة ‪ ..‬ويغمره الحنين برؤية حروفها وكلماتها‬
‫وخطها الدقيق المرسوم‪ ..‬فيقرأها مرات ومرات ‪..‬‬
‫يتنفس في رائحة الرواق رائحة مي وأنفاسها‬
‫العذبة‪ ..‬ويجلس منفردا ً ويكتب لها أجمل خطاب ‪..‬‬
‫تنطق كل كلمة فيه بمعنى الحب والحرمان‬
‫والفتقاد ‪ ..‬وتتدفق مشاعر الكاتب الفنان صادقة ‪..‬‬

‫صارخة ‪ ..‬متوسلة بقاء الحبيب ‪ ..‬وعدم القطيعة أو‬
‫البعاد ‪.‬‬
‫‪ .. 1919 / 7 / 10‬رسالة جبران إلى مي ‪:‬‬
‫رجعت اليوم من سفري فوجدت رسائلك الثلث بل‬
‫هذه الثروة الجليلة قد وصلت ‪ ,‬فانصرفت عن كل‬
‫ما وجدته بانتظاري في هذا المكتب لصرف نهاري‬
‫مصغيا ً إلى حديثك الذي يتمايل بين العذوبة‬
‫والتعنيف ‪ ,‬لنني وجدت في رسالتك بعض‬
‫الملحظات التي لو سمحت لنفسي الفرحة أن تتألم‬
‫لتألمت منها ‪ ,‬ولكن كيف اسمح لنفسي النظر إلى‬
‫شبه سحابة في سماء صافية مرصعة بالنجوم ؟‬
‫وكيف أحول عيني عن شجرة زهرة إلى ظل من‬
‫أغصانها ؟‬
‫إن حديثنا الذي أنقذناه من سكوت خمسة أعوام ل‬
‫ولن يتحول إلى عتاب أو مناظرة ‪ ,‬فأنا أقبل بكل ما‬
‫تقولينه لعتقادي بأنه يجمل بنا وسبعة آلف ميل‬
‫تفصلنا أل ضيف مترا ً واحدا ً إلى هذه المسافة‬
‫الشاسعة بل أن نحاول تقصيرها بما وضعه الله فينا‬
‫من الميل إلى الجميل والشوق إلى المنبع والعطش‬
‫إلى الخالد ‪ ,‬يكفينا يا صديقتي ما في هذه اليام‬
‫وهذه الليالي من الوجاع والتشويش والمتاعب‬
‫والمصاعب ‪ ,‬وعندي أ‪ ،‬فكرة تستطيع الوقوف أمام‬
‫المجرد المطلق ل تزعجها كلمة جاءت في كتاب أو‬
‫ملحظة أتت في رسالة ‪.‬‬

‫ي وما أشهاها ‪ ,‬فهي مثل نهر‬
‫"ما أجمل رسائلك يا م ّ‬
‫من الرحيق يتدفق من العالي ويسير مترنحا ً في‬
‫وادي أحلمي‪ ,‬بل هي كالوتار ‪."..‬‬
‫كلمات في رسالة جبران يطغى عليها الفرح لعودة‬
‫المراسلت بينه وبين " مي" بعد انتهاء الحرب‬
‫العالمية الولى ‪ ..‬يرسل إليها خطابه ومعه كتاب "‬
‫المجنون" فترسل مي خطابا ً عنيفا ً تنتقد فيه كأديبة‬
‫وناقدة إسلوب جبران الذي جاء على لسان بطل‬
‫روايته ‪ ..‬وتنهي خطابها بجملة شديدة العنف " أهذا‬
‫هو المجنون ‪ ..‬هو أنت المجنون ‪."..‬‬
‫ول يغضب جبران من عنف مي في رسالتها ‪ ..‬فهو‬
‫يفهم جيدا ً أن ما كتبته جاء من الديبة وليس من‬
‫الحبيبة الساذجة التي تمتدح النسان الذي تحبه‬
‫بمناسبة وبدون مناسبة ‪ .‬فمي الديبة والناقدة تحب‬
‫بشكل مختلف ‪ ..‬وتحاور هذا الحبيب الديب بلغة‬
‫الفكر المشتركة بينهما وهي على ثقة إنه سيفهمها‬
‫ولن يغضبه نقدها مهما كان قاسيا ً ‪ ..‬فهو يعلم جيدا ً‬
‫أن تلك القسوة هي التعبير عن منتهى حبها له‬
‫وحرصها على أن تخرج أعماله البداعية في أكمل‬
‫صورة ‪.‬‬
‫ويجيب جبران مبررا ً ‪ " :‬المجنون ليس أنا بكليتي ‪,‬‬
‫واللذة التي أردت بيانها بلسان شخصية ابتدعتها‬
‫ليست كل ما لدي من الفكار والمنازع ‪ ,‬واللهجة‬
‫التي وجدتها مناسبة لميول ذلك المجنون ليست‬
‫باللهجة التي اتخدها عندما أجلس لمحادثة صديق‬
‫أحبه وأحترمه ‪ .‬وإذا كان ل بد من الوصول إلى‬

‫حقيقتي بواسطة ما كتبته فما عسى يخدمك عن‬
‫اتخاذ فتى الغاب في كتابه " المواكب" لهذه الغاية‬
‫بدل ً من " المجنون؟"‪.‬‬
‫ويعيش الديبان العاشقان مشاعر فرحة عودة‬
‫الحبيب إلى الحبيب بعد فترة انقطاع طويلة سببتها‬
‫الحرب العالمية الولى وقطع سبل المواصلت بين‬
‫مصر والعالم وكانت رسائل جبران في تلك الفترة‬
‫من أروع الثار الدبية في أدب الرسائل ‪ ..‬فكتب‬
‫يقول ‪:‬‬
‫لقد أعادت رسائلك إلى نفسي ذكرى ألف ربيع‬
‫وألف خري وأوقفتني ثانية أمام تلك الشباح التي‬
‫كنا نبتدعها ونسيرها مركبا ً إثر مركب ‪ .‬تلك الشباح‬
‫التي ما ثار البركان في أوربا حتى أنزوت محتجة‬
‫بالسكوت ‪ ,‬وما أعمق ذلك السكوت وما أطوله !‬
‫هل تعلمين يا صديقتي بأني كنت أجد في حديثنا‬
‫المتقطع التعزية والنس والطمأنينة ‪ ,‬وهل تعلمين‬
‫بأني كنت أقول لذاتي ‪ ,‬هنالك في مشارق الرض‬
‫صبية ليست كالصبايا ‪ ,‬قد دخلت الهيكل قبل ولدتها‬
‫ووقفت في قدس القداس ‪.‬‬
‫فعرفت السر العلوي الذي اتخذه جبابرة الصباح ثم‬
‫إتخذت بلدي بلدا ً لها وقومي قوما ً لها ‪ ,‬هل تعلمين‬
‫بأني كنت أهمس هذه النشودة في أذن خيالي كلما‬
‫وردت على رسالة منك ولو علمت لما انقطعت عن‬
‫ي ‪ ,‬وربما علمت فانقطعت وهذا ل يخلو‬
‫الكتابة إل ّ‬
‫من أصالة الرأي والحكمة‪.‬‬

‫وتعود مي إلى التوقف عن المراسلة لفترة خوفا ً‬
‫من أن تغوص أكثر في أعماق تلك المشاعر‬
‫المستحيلة ‪ ..‬وعندما تفتقد تلك الشحنات القادمة‬
‫عبر المحيط ‪ ..‬رسائل جبران ‪ ..‬يتحرك داخلها‬
‫الحنين إلى أوراقه وسطوره وكلماته الرائعة ‪..‬‬
‫فتكتب له لتحاول استعادة هذه العلقة الفكرية‬
‫والدبية بينها وبين جبران ‪ ..‬وأن تجمد الجانب‬
‫الخر ‪ ..‬الجانب الذي كانت تراه معذبا ً ومستحيل ً‬
‫بالنسبة لتركيبتها الخاصة ‪ ..‬وظروفها العائلية‬
‫كوحيدة والديها ‪ ..‬وخاصة ان ارتباطها بوالديها كان‬
‫قويا ً وعميقا ً ‪.‬‬
‫وتقول مي لجبران في خطاب كتبته لتوضح فيه كل‬
‫ذلك ‪ ..‬وتحاول استبقائه في حياتها على القل في‬
‫خانة ‪ :‬الصديق العزيز ‪ .‬تقول مي ‪:‬‬
‫لما كنت أجلس للكتابة أنسى من وأين أنت ‪ ,‬وكثيرا ً‬
‫ما أنسى حتى أن هناك شخصا ً ‪ ,‬ان هناك رجل ً‬
‫أخاطبه فأكلمك كما أكلم نفسي وأحيانا ً كانك رفيقة‬
‫لي في المدرسة ‪ .‬أنما كانت تطفو تلك الحالة‬
‫المعنوية عاطفة احترام خاص ل توجد عادة بين‬
‫رجل وفتاة ‪ .‬أتكون المسافة وعدم التعاون‬
‫الشخصي والبحار المنبسطة بيننا هي التي كانت‬
‫تلبس حقيقة ذلك التراسل ثوب الخيال ؟ قد يكون ‪.‬‬
‫غير أن مكانتك في اعتباري وتقديري كانت مصدر‬
‫هذه الثقة التي ظهرت منذ نشأتها كأنها فطرية‬
‫بديهية لم تنتظر الوقت لتقوى ول التجربة لتثبت ؟‬
‫فوصلت الرسالة التي سبقت " النشيد الغنائي "‪.‬‬

‫وكنت في السكندرية إزاء البحر الذي يجلب التأمل‬
‫وينمي حب الختلء ‪ .‬ولم أشأ أن أجعل لمعنى‬
‫النشيد أهمية خطيرة فكتبت أقول ‪ :‬أنا أردت أن‬
‫تحصر مراسلتنا في مواضيع فكرية ‪ .‬فقلت لك‬
‫صريحا ً أنني ألتمس في رسائلك الفائدة التي أطلبها‬
‫في كل مكان ‪...‬‬
‫وتبرر مي موقفها لجبران فتقول ‪:‬‬
‫أنت قيدتني ) مذنبة( في دفترك ‪ ,‬وقمت تشكو لني‬
‫كلما " حدقت في شيء أخفيه وراء القناع ‪ ,‬وكلما‬
‫مددت يدا ً أثقبها بمسمار "‪.‬نعم فعلت ذلك متعمدة ‪.‬‬
‫تعمدت قطع تلك السلك الخفية التي تغزلها يد‬
‫الغيب وتمدها بين فكرة وفكرة وروح وروح وصرت‬
‫أحرف المعاني وأمسخ السئلة وأضحك عند‬
‫الكلمات التي تمل العينين دموعا ً ‪ .‬وهل كان لدي‬
‫وسيلة أخرى لحولك عن هذا الموضوع وأذكرك إني‬
‫وحيدة أبواي ؟‬
‫قد ل يكون في العائلة الغربية إل ولد فيقذفون به‬
‫من إنكلترا إلى الهند ‪ ,‬أو فتاة واحدة فترحل من‬
‫فرنسا إلى الصين بل جلبة ول ضوضاء ‪ .‬ولكن أين‬
‫نحن من هؤلء ‪ ,‬ونحن شرقيون ‪.‬‬
‫تعمدت ذلك خصوصا ً لوفر على نفسي عذابا ً هي‬
‫في غنى عنه ولتحايد كل كلمة تقربني من ذلك‬
‫الموضوع الذي مل روحي شوكا ً وعلقما ً في هذه‬
‫السنوات الماضية ‪ .‬ففهمت ما أريد وإنما في غير‬
‫معناه الحقيقي ‪ ,‬وفهمته على وجه لم أقصده ‪ .‬ثم‬

‫سطت عليك الكبرياء ‪ .‬كبرياء الرجل ‪ ,‬فنسيت أن‬
‫السكوت ل يحسن بيننا على هذه الصورة نحن‬
‫اللذين تكاتبنا أبدا ً كصديقين مفكرين ‪ .‬نسيت أن‬
‫الموضوع الخر جاء عرضا ً ‪ .‬وما دام إنه لم يكن‬
‫الصل فقد كان له أن يتلشى دون أن يؤثر في‬
‫علقاتنا الدبية الفكرية ‪.‬أما صدق القائلون إن‬
‫صداقة الرجل والمرأة رابع المستحيلت ‪ .‬آلمني‬
‫سكوتك من هذا القبيل ‪ ,‬وأرهف انتباهي ‪ ,‬فاعلمني‬
‫انك لم تشاركني إرتياحي إلى تلك الصداقة الفكرية‬
‫لنك لو كنت سعيدا ً بها مثلي ‪ ,‬لما كنت رميت إلى‬
‫أبعد منها ‪.‬علمت إنني كنت وحدي حيث كنت أظننا‬
‫اثنين ‪ ..‬وقدرتك أنك لم تحسب تلك سوى مقدمة‬
‫وأنا كنت أقدرها لذاتها ‪ .‬وصار معنى سكوتك عندي‬
‫" أما ذاك وأما ل شيء ‪ ..‬وأنت أدرى بأثر هذا في‬
‫نفسي "‪.‬‬
‫ويتوقف جبران عن مراسلة مي ‪ ..‬ثم ينشغل في‬
‫كتابه الجديد ‪ ..‬فينتاب مي القلق والخوف ‪ ..‬وتبدأ‬
‫في لوم نفسها ‪ ..‬لقد كنت عنيفة مع جبران أكثر‬
‫مما يجب ! لماذا أنبته كل هذا التأنيب ‪ ..‬وماذا فعل‬
‫معي حتى يستحق كل هذا ؟! أنا المخطئة ول بد أن‬
‫أكتب إليه ‪ ..‬وأطلب منه العفو والغفران عما بدر‬
‫مني في تلك الرسالة الشديدة اللهجة ‪.‬‬
‫وعندما وصلت رسالة " مي" إلى جبران ابتسم‪..‬‬
‫وأمسك بالقلم على الفور ليرد على رسالتها ‪:‬‬
‫لقد ابتسمت كثيرا ً منذ هذا الصباح ‪ .‬وها أنا أبتسم‬
‫في أعماقي ‪ ,‬وابتسم بكليتي ‪ ,‬وابتسم طويل ً ‪,‬‬

‫وابتسم كأني لم أخلق إل للبتسام ‪ ..‬أما العفو‬
‫فلفظة هائلة أوقعتني متهيبا ً خجول ً ‪ .‬إن الروح‬
‫النبيلة التي تتواضع إلى هذا الحد لهي أقرب إلى‬
‫الملئكة من البشر ‪..‬‬
‫أما المسيء وحدي ‪ ,‬وقد اسأت في سكوتي وفي‬
‫قنوطي ‪ ..‬لذلك استعطفك أن تغفري لي ما فرط‬
‫مني وأن تسامحيني ‪.‬‬
‫***‬
‫بعد هذا دخلت علقة مي وجبران مرحلة أكثر‬
‫انفتاحا ً من ناحية مي ‪ .‬بدأت تعبر عن مشاعرها‬
‫بحرية وتفك قليل ً من القيود القاسية التي كانت‬
‫تضعها في يدها وهي تمسك بالقلم وتكتب إلى‬
‫جبران ‪ ..‬وظهرت التلميحات الصريحة بالحب في‬
‫هذه المرحلة ويبدو ذلك في بعض رسائلها إليه ‪..‬‬
‫ورسائله إليها ‪ ..‬وهذه بعض منها ‪:‬‬

‫رسالة من " مي" إلى جبران في نهاية عام ‪1923‬‬
‫تقول فيها ‪:‬‬

‫" ‪ ..‬وبعد ‪ ,‬ماذا أنت فاعل هذا المساء ‪ ..‬وأين‬
‫تقضي سهرتك ‪ .‬أطلب إليك أن تشركني الليلة في‬
‫كل عمل تعمله وأن تصحبني أنى ذهبت ‪.‬‬
‫فإذا اعتليت السطوح لترسل النظر في العوالم‬
‫التائهة في النهاية فخذني معك إلى قلب الله وإذا‬
‫مضيت إلى ناد أو سهرة أو اجتماع أو مسرح فخذني‬
‫معك إلى قلب البشرية ‪ .‬وإذا بقيت مع نفسك عاكفا ً‬
‫على أفكارك وخواطرك خذني معك إلى وطني ‪"..‬‬
‫وفي رسالة أخرى تصرح مي ‪ ..‬لجبران بحبها‬
‫أخيرا ً ‪ ..‬مباشرة وبل تلميحات ‪ ..‬فتكتب له ‪:‬‬
‫ما معنى هذا الذي أكتبه؟؟ إني ل أعرف ماذا أعني‬
‫به‪ .‬ولكني أعرف أنك محبوبي‪ ،‬وأني أخاف الحب‪.‬‬
‫إني أنتظر من الحب كثيرا ً فأخاف أن ل يأتيني بكل‬
‫ما أنتظر ‪.‬أقول هذا مع علمي بأن القليل من الحب‬
‫كثير‪.‬ولكن القليل في الحب ل يرضيني ‪ .‬الجفاف‬
‫والقحط واللشيء بالحب خير من النزر اليسير‪.‬‬
‫كيف أجسر على الفضاء إليك بهذا وكيف أفرط‬
‫فيه! ل أدري‪ .‬الحمد لله أنني أكتبه على الورق ول‬
‫أتلفظ به‪ .‬لنك لو كنت الن حاضرا ً بالجسد لهربت‬
‫خجل ً بعد هذا الكلم‪ ،‬ولختفيت زمنا ً طوي ً‬
‫ل‪ ،‬فما‬
‫أدعك تراني إل ّ بعد أن تنسى‪.‬‬
‫حتى الكتابة ألوم نفسي عليها أحيانا ً لني بها حرة‬
‫كل هذه الحرية ‪ .‬أتذكر قول القدماء من‬
‫الشرقيين ‪ :‬أنه خير للبنت أن ل تقرأ ول تكتب ؟ ها‬
‫ي سوء ظنهم ‪ ..‬ل‬
‫ي ارتيابهم وصدق ف ّ‬
‫قد صح عل ّ‬
‫تقل إن القديس توما يظهر هنا ‪ .‬وليس ما أبدي هنا‬

‫أثر الوراثة فحسب ‪ ,‬بل هو شيء أبعد من الوراثة ‪.‬‬
‫ما هو؟‬
‫قل لي أنت ما هو هذا؟ وقل لي ماإذا كنت على‬
‫ضلل أو على هدى ‪ .‬فإني اثق بك وأصدق بالبداهة‬
‫كل ما تقول ‪ .‬وسواء أكنت مخطئة أم غير مخطئة ‪,‬‬
‫فإن قلبي يسير إليك وخير ما في يظل حائما ً‬
‫حواليك يحرسك ويحنو عليك ‪.‬‬
‫غابت الشمس وراء الفق ‪ .‬ومن خلل السحب‬
‫العجيبة والشكال واللوان حصحصت نجمة لمعة ‪.‬‬
‫نجمة واحدة هي الزهرة ‪ ,‬إلهة الحب ‪ .‬أترى يسكنها‬
‫كأرضنا بشر يحبون ويشوقون ؟ ربما وجد فيها من‬
‫هي مثلي ‪ ,‬لها واحد جبران ‪ ,‬حلو بعيد بعيد ‪ ,‬هو‬
‫القريب القريب‪ .‬تكتب إليه الن والشفق يمل‬
‫الفضاء ‪ ,‬وتعلم أن الظلم يخلف الشفق‪ ,‬وأن النور‬
‫يتبع الظلم ‪ ,‬وأن الليل سيخلف النهار ‪ ,‬والنهار‬
‫سيتبع الليل مرات كثيرة ‪ ,‬قبل أن ترى الذي تحبه ‪,‬‬
‫فتتسرب إليها كل وحشة الليل فتلقي بالقلم جانبا ً‬
‫لتحتمي من الوحشة في اسم واحد ‪ :‬جبران !‪.‬‬
‫بعد هذا التصريح بالحب بدأت الخطابات تعكس‬
‫النعتاق من أسر الخوف عند مي ‪ ..‬ففي أحد‬
‫خطاباتها إليه في عام ‪ 1925‬تحكي له كيف أقنعها‬
‫مصفف الشعر بأن تقص شعرها القصة الجديدة في‬
‫ذلك الوقت " ألجرسون " ‪ .‬فكتبت تقول ‪:‬‬
‫لقد قصصت شعري ‪ .‬وعندما ترى من صديقاتك بعد‬
‫هذا اليوم يا جبران من هن في هذا الزي يمكنك أن‬
‫تذكرني وأن تقول لهن في سرك إنك تعرف من‬

‫تشبههن ‪ .‬كنت راغبة في التخلص من هذه الذوائب‬
‫التي يقولون أن لطولها يدا ً في قصر عقل المرأة ‪,‬‬
‫وهو محض افتراء طبعا ً ‪ .‬ولكن عندما رأيت شعري‬
‫بحلكته وتموجه الجميل وعقاربه الجريئة مطروحا ً‬
‫أمامي تداعبه يد المزين شعرت بأسف على هذه‬
‫الخسارة ‪ ,‬غير أن المزين طيب خاطري بعبارات‬
‫تكسرت فيها الكلمات اللمانية واليطالية ‪ ,‬وهو‬
‫روماني على ما يقول ‪ ,‬فهل كان في وسعي أن‬
‫أضحك ؟ فمضى يصف لي جمال الشعر القصير‬
‫ومنافعه ومميزاته ل سيما وأنه ‪ ,‬على ما زعم‬
‫المزين القناع ‪ ,‬يليق لي كثيرا ً ‪.‬‬
‫وسألته إلى كم امرأة يقول كل هذه الكلمات ‪,‬‬
‫فأجاب إنني فيلسوفة وأين تلك الفلسفة والفتاة‬
‫المذكورة تحدث بهذا الحديث عن شعر قاتم هو‬
‫شعر البداوة والسمرة تحدث فنانا ً شاعرا ً شغف‬
‫بشعر الحضارة والشقرة ‪ .‬فهو ل يروقه إل الشعر‬
‫الذهبي ‪ .‬ول يحتمل في هذا الوجود إل الرؤوس ذات‬
‫الشعر الذهبي ‪.‬‬
‫وهي رسالة تظهر فيها مشاعر المرأة الحريصة‬
‫على أن تتجمل وتتزين من أجل الرجل الذي تحبه ‪..‬‬
‫كما تلمس مي بأسلوبها الساخر جبران وكلماتها‬
‫الموحية بالغيرة النثوية المحببة من بنات امريكا‬
‫ذوات الشعر الذهبي )!(‪.‬‬
‫ويكتب لها جبران ‪:‬‬
‫"يا ماري‪...‬كنت في السادس من هذا الشهر) من‬
‫أول عام ‪ ( 1925‬أفكر فيك كل دقيقة بل كل‬

‫لحظة‪ ،‬وكنت أترجم كل ما يقوله لي القوم إلى لغة‬
‫ماري وجبران ‪ ,‬وتلك لغة ل يفهمها من سكان هذا‬
‫العالم سوى ماري وجبران ‪ ...‬وأنت تعلمين طبعا ً أن‬
‫كل يوم من أيام السنة هو يوم مولد كل واحد منا‪".‬‬
‫وفي خطاب آخر يكتب جبران " لمي" ‪:‬‬
‫أفكر فيك يا مي كل يوم وكل ليلة ‪ ,‬أفكر فيك دائما ً‬
‫وفي كل فكر شيء من اللذة ‪ ,‬وشيء من اللم ‪,‬‬
‫والغريب أنني ما فكرت فيك يا "مريم" إل وقلت‬
‫في سري ‪ :‬تعالي واسكبي جميع همومك هنا ‪ ,‬هنا‬
‫على صدري ‪.‬‬
‫وفي بعض الحيان أناديك بأسماء ل يعرف معناها‬
‫غير الباء المحبين والمهات الحنونات ‪ ,‬هأنذا أضع‬
‫قبلة في راحة يمينك ‪ ,‬وقبلة ثانية في راحة شمالك‬
‫طالبا ً من الله أن يحرسك ويباركك ‪ ,‬ويمل قلبك‬
‫بأنواره ‪ ,‬وان يبقيك أحب الناس إلي ‪.‬‬
‫وفي خطاب آخر إليها يكتب جبران ‪:‬‬
‫أنت ابنة صغيرة في السابعة تضحك في نور‬
‫الشمس ‪ ,‬وتركض وراء الفراشة وتجني الزهار ‪,‬‬
‫وتقفز فوق السواقي ‪ ,‬وليس في الحياة شيء ألذ‬
‫وأطيب من الركض خلف الصغيرة الحلوة والقبض‬
‫عليها ‪ ,‬ثم حملها على منكبي ثم على كتفي ثم‬
‫الرجوع بها إلى البيت لقص عليها الحكايات العجيبة‬
‫الغريبة ‪ ,‬حتى تكتحل أجفانها بالنعاس وتنام نوما ً‬
‫هادئا ً سماويا ً ‪.‬‬

‫ويكتب جبران إلى مي ‪:‬‬
‫ما قرأت لك قطعة إل وشعرت بنمو وتمدد في‬
‫قلبي ‪ ,‬وما قرأتها ثانية إل وتحولت عمومياتها إلى‬
‫شيء شخصي ‪ ,‬فأرى ما لم يره سواي وأقرأ بين‬
‫السطور سطورا ً لم تكتب إل لي ‪ ,‬أنت يا مي كنز‬
‫من كنوز الدنيا وأكثر من ذلك ‪.‬‬
‫ما اجتمعنا بين سواد الحبر وبياض الورق إل رأيتك ‪,‬‬
‫ورأيتني أرغب الناس في الخصام والمبارزة العقلية‬
‫بالقياسات المحدودة والنتائج المحدودة ‪.‬‬
‫ويكتب لها في رسالة مليئة بالشوق إليها والفرح‬
‫بوصول رسالتها إليه بعد طول انتظار ‪:‬‬
‫حلت رسالتك ألف عقدة في حبل روحي ‪ ,‬حولت‬
‫النتظار وهو صحراء إلى حدائق وبساتين ‪ .‬لذلك‬
‫أسير اليوم بجانب خيال أجمل وأظهر لبصيرتي من‬
‫حقيقة الناس كافة ‪ ,‬أسير وفي يدي يد حريرية‬
‫الملبس ‪ ,‬ولكنها قوية وذات إرادة خاصة ‪ ,‬ولينة‬
‫الصابع لكنها تستطيع رفع الثقال وتكسير القيود ‪.‬‬
‫وتتوقف رسائل " جبران" كثيرا ً لول مرة منذ‬
‫سنوات وينتاب القلق مي فتكتب إليه معبرة عن‬
‫هذا الفتقاد الشديد إليه ‪ .‬فتقول ‪:‬‬
‫صديقي يا جبران ‪ ,‬لقد توزع في هذا المساء بريد‬
‫أوروبا وأمريكا ‪ ,‬وهو الثاني من نوعه في هذا‬

‫السبوع ‪ ,‬وقد فشل أملي بأن تصلني فيه كلمة منك‬
‫‪ .‬نعم إني تلقيت منك في السبوع الماضي بطاقة‬
‫عليها وجه القديسة حنة الجميل ‪ ,‬ولكن هل تكفي‬
‫الكلمة الواحدة على صورة تقوم مقام سكوت شهر‬
‫كامل ‪.‬‬
‫ي إل عندما تشعر بحاجة إلى ذلك‬
‫ل أريد أن تكتب إل ّ‬
‫أو عندما تنيلك الكتابة سرورا ‪ ,‬ولكن أليس من‬
‫الطبيعي أن أشرئب إلى أخبارك كلما دار موزع‬
‫البريد على صناديق يفرغ فيها جعبته ! أيمكن أن‬
‫أرى الطوابع البريدية من مختلف البلدان على‬
‫الرسائل ‪ ,‬حتى طوابع الوليات المتحدة وعلى‬
‫بعضها اسم نيويورك واضح ‪ ,‬فل أذكر صديقي ول‬
‫أصبو إلى مشاهدة خط يده ولمس قرطاسه ‪.‬‬
‫ولتحمل إليك‪ ,‬رقعتي هذه عواطفي فتخفف من‬
‫كآبتك إن كنت كئيبا ‪ ,‬وتؤاسيك إن كنت في حاجة‬
‫إلى المؤاساة‪ ,‬ولتقوك إذا كنت عاكفا على عمل‬
‫ولتزد في رغدك وانشراحك إذا كنت منشرحا سعيدا‬
‫‪.‬‬
‫وتسافر مي إلى روما تحاول أن تنسى أوجاعها ‪..‬‬
‫لكنها ل تجد السكينة ول السلوى فتكتب مقالة عن‬
‫ينابيع روما تقول فيها ‪:‬‬
‫كم طلب عطشي الرتواء من المثول لديك يا عيون‬
‫روما وكم سألت خريرك أن ينسيني نفسي الجريحة‬
‫!‬

‫نسيت نفسي ‪ ,‬يا للرغد ويا للهناء ! لكني أعود‬
‫فأذكرها ويشتد عطشي الملهب العميق ‪ ,‬لحظة‬
‫ليس غير ! رجعت بعدها إلى حالي فما ارتويت‬
‫بقطرة إل كانت لهيبا ً في الوام الذي ل يرتوي ‪ ,‬وما‬
‫فزت بفهم جديد إل كانت الخاطرة المستحدثة‬
‫وقودا ً لعذاب فكري ‪ ,‬وما نعمت بنفحة عطف إلى‬
‫ي ‪ ,‬ول‬
‫كانت زكوة لعاطفة الحنان التي ل تشبع ف ّ‬
‫تكتفي !‬
‫وتصل رسالة أخيرا ً من جبران ‪ ..‬يخبرها فيه أنه كان‬
‫مريضا ً ‪ ..‬وهو ل يحب الشكوى ‪ ,‬ول يريد أن يقلقها‬
‫عليه ‪ ..‬فيقول في خطابه ‪:‬‬
‫أنا أستصعب جدا ً الشكوى من علة تلم بي فإذا‬
‫مرضت رغبت في أمر واحد وهو الختفاء عن عيون‬
‫الناس حتى عن عيون الذين أحبهم ويحبونني ‪ ,‬وفي‬
‫شرعي أن أحسن دواء للداء هو النفراد التام ‪.‬‬
‫وقد وجدت في المرض لذة تختلف عن كل لذة‬
‫نفسية ‪ ,‬تختلف بتأثيرها عن كل لذة أخرى ‪ ,‬بل‬
‫ي العتلل ‪,‬‬
‫وجدت نوعا ً من الطمأنينة يكاد يحبب إل ّ‬
‫إن المريض لفي مأمن من منازع وأغراض الناس‬
‫والوعود ‪ ,‬والمواعيد ‪ ,‬والمخالطة والمنازعة والكلم‬
‫الكثير ‪ ,‬ورنين جرس التليفون ‪.‬‬
‫وزادت هذه الرسالة من قلق مي على " جبران"‬
‫فقد شعرت من سطوره أنه يريد تطمينها عليه‬
‫والتخفيف من حقيقة مرضه حتى ل يزعجها ‪ .‬ومع‬
‫مرض جبران بدأت معالم النهاية المأساوية لحياة‬
‫مي تتشكل ‪ ..‬مع توالي الحداث الليمة ‪.‬‬

‫ففي عام ‪ 1929‬مات والدها ‪ ..‬وفقدت السند‬
‫الحقيقي لها في الحياة ‪ ..‬واهتزت مي بشدة لهذا‬
‫الحدث‪ ..‬وشاركها جبران ولكن عن بعد كعادته !‬
‫فأرسل لها هذا الخطاب ‪:‬‬
‫عرفت اليوم أن والدك قد ذهب إلى ما وراء الفق‬
‫الذهبي ‪ ,‬وأنه قد بلغ المحجة التي يقصدها الناس‬
‫كلهم ‪ ,‬فماذا يا ترى أقول لك ؟‬
‫أنت يا ماري أبعد فكرا ً وسمعا ً من تلك اللفاظ التي‬
‫يقولها الناس معزين مواسين ‪ ,‬ولكن في قلبي‬
‫الرغبة والشوق إلى الوقوف أمامك وفي قلبي‬
‫الحنين إلى ضم يدك صامتا ً شاعرا ً بكل ما يغمر‬
‫روحك الحلوة عن قدر ما يستطيع الغريب أن يشعر‬
‫بما تشعرين ‪ .‬والله يباركك يا ماري ‪ ,‬والله يحرسك‬
‫كل يوم وكل ليلة ‪ .‬والله يحرسك لصديقك ‪:‬‬
‫جبران ‪.‬‬
‫كانت مي تقرأ خطابه بينما أعماق نفسها تريد أن‬
‫تصرخ وتقول ‪ :‬لقد مات أبي يا جبران ‪ ..‬وأمي‬
‫مريضة ولم يبق لي سواك سندا ً في الحياة ‪ .‬إنني‬
‫أحتاجك يا جبران ‪ ..‬فلماذا ل تأتي وتنقذني من هذا‬
‫الجحيم ؟!‬
‫وتبدأ نغمة الرحيل تعلو في كلمات جبران في‬
‫خطاباته إلى مي ‪ ..‬فيكتب إليها ‪:‬‬

‫أتعلمين يا مي أني ما فكرت بالنصراف الذي‬
‫يسميه الناس موتا ً إل وجدت في التفكير فيه لذة‬
‫غريبة ‪ ,‬وشعرت بشوق هائل إلى الرحيل ؟‪.‬‬
‫وكانت رسالته الخيرة إليها قبل وفاته بأسيوعين‬
‫واسماها " الشعلة الزرقاء " ‪ ..‬كتبها إليها في‬
‫مارس ‪ 1931‬وبها بعض من أبياته كتبها قبل الرحيل‬
‫‪:‬‬
‫شاخت الروح بجسمي وغدت *** ل ترى عني غير‬
‫خيالت السنين‬
‫فإذا الميال في صدري *** فبعكاز اصطباري‬
‫تستعين‬
‫والتوت مني الماني وانحنت *** قبل أن أبلغ حد‬
‫الربعين‬
‫تلك حالي ‪ :‬فإذا قالت رحيل *** ما عسى حل به ؟‬
‫قولوا الجنون‬
‫وإذا قالت أيشفى ويزول *** ما به ؟ قولوا‬
‫ستشفيه المنون‬

‫وبموت جبران أسدل الستار عن قصة حب غريبة‬
‫وفريدة في التراث العربي ‪ .‬قصة لم نسمع مثلها ‪..‬‬
‫ولم يتخيل إنسان أنها حقيقية حدثت بالفعل ‪..‬‬

‫وعاشت لكثر من تسعة عشر سنة كلها على الورق‬
‫!! خطابات تحمل نبضات تختلج بالحب ‪ ..‬وتتأجج‬
‫بالمشاعر المحرومة والمال المحلقة ‪ .‬وكلمات‬
‫تتوجع لوحدة أصحابها وتنطق بأحاسيس تصطدم‬
‫دائما ً بحاجز المستحيل ‪.‬‬
‫وبموت الحبيب الوحيد في حياة مي تفجرت جراحها‬
‫كلها دفعة واحدة ‪ ..‬القديمة والحديثة ‪ ..‬وكان‬
‫المشهد الخير بالغ القسوة في حياة الديبة ‪..‬‬
‫النابغة مي !!‬

‫الفصل السابع‬
‫ليالي العصفورية !‬
‫الفصل الخير في حياة مي كان حافل ً بالمواجع‬
‫والمفاجآت ! بدأ بفقد الحباب واحدا ً تلو الخر ‪..‬‬

‫والدها عام ‪ . 1929‬جبران عام ‪ . 1931‬ثم والدتها‬
‫عام ‪. 1932‬‬
‫وعاشت مي صقيع الوحدة ‪ ..‬وبرودة هذا الفراغ‬
‫الهائل الذي تركه لها من كانوا السند الحقيقي لها‬
‫في الدنيا ‪ .‬وحاولت مي أن تسكب أحزانها على‬
‫أوراقها وبين كتبها ‪ ..‬فلم يشفها ذلك من آلم الفقد‬
‫الرهيب لكل أحبابها دفعة واحدة ‪.‬‬
‫فسافرت في عام ‪ 1932‬إلى انجلترا أمل ً في أن‬
‫تغيير المكان والجو الذي تعيش فيه ربما يخفف‬
‫قليل ً من آلمها ‪ ..‬لكن حتى السفر لم يكن الدواء ‪..‬‬
‫فقد عادت إلى مصر ثم سافرت مرة ثانية إلى‬
‫إيطاليا لتتابع محاضرات في جامعة بروجية عن آثار‬
‫اللغة اليطالية ‪ ..‬ثم عادت إلى مصر ‪ ..‬وبعدها‬
‫بقليل سافرت مرة أخرى إلى روما ثم عادت إلى‬
‫مصر حيث استسلمت لحزانها ‪ ..‬ورفعت الراية‬
‫البيضاء لتعلن أنها في حالة نفسية صعبة ‪ ..‬وأنها في‬
‫حاجة إلى من يقف جانبها ويسندها حتى تتماسك‬
‫من جديد ‪.‬‬
‫وجلست مي المليئة بالشفافية وحسن النية بالبشر‬
‫تكتب إلى ابن عمها الدكتور جوزيف في لبنان‬
‫وتخبره بحالتها ‪..‬‬
‫وقالت مي في خطابها للدكتور جوزيف ‪:‬‬
‫عزيزي جوزيف ‪...‬‬

‫منذ مدة طويلة لم أعد أكتب ‪ .‬وكلما حاولت ذلك‬
‫شعرت بشيء غريب يجمد حركة يدي ووثبة الفكر‬
‫لدي ‪.‬‬
‫إني أتعذب شديد العذاب يا جوزيف ‪ ,‬ول أدري‬
‫السبب ‪ ,‬فأنا أكثر من مريضة ‪ ,‬وينبغي خلق تعبير‬
‫ي وحولي ‪ .‬أني لم أتألم‬
‫جديد لتفسير ما أحسه ف ّ‬
‫أبدا ً في حياتي كما أتألم اليوم ‪ ,‬ولم أقرأ في كتاب‬
‫من الكتب أن في طاقة بشري أن يتحمل ما أتحمله‬
‫‪ .‬وددت لو علمت السبب على القل ‪ .‬ولكنني لم‬
‫أسأل أحدا ً إل وكان جوابه ‪ :‬ل شيء ‪ ,‬إنه وهم‬
‫شعري تمكن مني ‪.‬‬
‫ل ‪ ,‬ل ‪ ,‬ل ‪ ,‬يا جوزيف ‪ .‬إن هناك أمرا ً يمزق أحشائي‬
‫ويميتني في كل يوم ‪ ,‬بل في كل دقيقة‪ .‬لقد‬
‫ي المصائب في السنوات الخيرة‬
‫تراكمت عل ّ‬
‫ي وحدتي الرهيبة – التي هي معنوية‬
‫وانق ّ‬
‫ضت عل ّ‬
‫أكثر منها جسدية – فجعلتني أتساءل كيف يمكن‬
‫عقلي أن يقاوم عذابا ً كهذا ‪ .‬وكان عزائي الوحد في‬
‫محنتي هذه مكتبتي ووحدتي الشعرية ‪ ,‬فكنت أعمل‬
‫كالمحكومة بالشغال الشاقة لعلي أنسى فراغ‬
‫مسكني ‪ ,‬أنسى غصة نفسي ‪ ,‬بل أنسى كل ذاتي ‪.‬‬
‫إنه ليدهشني حقا ً كيف أني استطعت أن أكتب هذه‬
‫الرقيمة ‪ .‬ولعل الفضل في هذا يعود جزئيا ً إلى‬
‫اللفائف التي أدخنها ليل نهار – أنا التي ل عهد لي‬
‫بذلك – أدخلتها لتضعف قلبي ‪ ,‬هذا القلب السليم‬
‫المتين الذي ل يقاوم ‪...‬‬

‫واسلم لبنة عمك‬
‫ماري‬
‫وتعطي مي – بكل أسف المفتاح لبن عمها ليفتح‬
‫عليها نار جهنم بهذا الخطاب الذي كتبته في لحظة‬
‫ضعف تستنجد بأقرب من بقي لها في الدنيا ‪ ..‬على‬
‫قيد الحياة ‪.‬‬
‫يعرف الدكتور – ابن العم – بأن مي تنوي التبرع‬
‫بمكتبتها النفيسة إلى المة المصرية بعد وفاتها‬
‫عرفانا ً منها بفضل مصر عليها ‪ ..‬كما أرادت أن‬
‫تهدي النسخ المزدوجة من كل كتاب إلى المة‬
‫اللبنانية ‪ ..‬وبدأت فعل ً تبحث عن المحامين لوضع‬
‫هذه الوصية في سياق قانوني ‪ .‬فما كان من‬
‫القارب الذين تحولوا في هذه الحالة إلى "عقارب"‬
‫إل أن أرسلوا إلى " مي" من يجمع المعلومات‬
‫عنها ‪ ..‬وعن وضعها المالي وأملكها في مصر !‬
‫ثم جاءها ابن عمها من لبنان بعد وفاة زوجته التي‬
‫كانت مريضة ‪ ..‬وطلب منها أن تصحبه إلى لبنان‬
‫لتغير جو الكآبة الذي تعيش فيه ‪ ..‬ووعدها بأن‬
‫الدفء والناس الذين يحبونها في لبنان سيعوضونها‬
‫عن فقد الحباب ومشاعر الوحدة التي تعيشها في‬
‫مصر بعد الحياة المليئة التي كانت تعيشها كنجمة‬
‫في سماء الدب ‪.‬‬
‫وتحكي مي بنفسها ما حدث لمين الريحاني أحد‬
‫أصدقائها المقربين ‪ ..‬الذين وقفوا معها في هذه‬
‫المحنة الكبرى في حياتها ‪ ..‬فتقول ‪:‬‬

‫كان ابن عمي يحيك لي الدسائس وينصب لي الفخ‬
‫وهو يظهر بمظهر الصديق الوفي والخ البار ‪.‬‬
‫يراسلني من حين إلى حين فأرد على رسائله‬
‫ي‬
‫بسرور ‪ .‬ولما سألته الحضور إلى مصر ‪ .‬رد عل ّ‬
‫بخطاب كله عطف واهتمام ووعدني بالحضور عند‬
‫تحسن صحة زوجته ‪ .‬على أن زوجته توفيت بعد‬
‫قليل ولم يطل حتى جاء مصر ‪ .‬أليساعدني ويخفف‬
‫من مصيبتي ؟ هذا ما يزعمه ‪ .‬على أن الحقيقة هي‬
‫أنه هرع ليستكشف أعمالي وماليتي ويقف على كل‬
‫شيء في حياتي ‪ .‬وكان أنه خاطبني برقته المألوفة‬
‫في تعيينه وكيل ً عني ليخدمني ويطمئن بالي ‪.‬‬
‫فأجبت بأن ل أملك لي في مصر وأن أعمالي‬
‫المالية منظمة تنظيما ً ل يحوجني إلى مساعدة‬
‫أحد ‪ .‬فألح وقال ‪ :‬فكري في هذا إكراما ً لي ‪ .‬قلت ‪:‬‬
‫سأفعل وإن لم يكن هناك ما يدعو إلى التفكير ‪.‬‬
‫وبعد هذا الكلم بيوم واحد جاءني مع رجلين من‬
‫انسبائه كانا يلزمانه في بيتي وفي الخارج طول‬
‫مدة إقامته بمصر يتبعهم باشكاتب محكمة عابدين‬
‫ووكيله على ما قيل لي ‪ .‬وفتح الباشكاتب دفترا ً‬
‫كبيرا ً جدا ً وسحب الدكتور جوزيف من جيبه قلمه‬
‫الحبر وقدمه لي طالبا ً أن أوقع في الدفتر ‪ .‬وأي‬
‫تأثير سيطر علي في تلك الساعة ؟ كيف لم أعجب‬
‫لمجيء الباشكاتب دون أن استدعيه وكيف لم‬
‫أرفض التوقيع ؟ لست أدري ‪.‬‬
‫بحركة ميكانيكية تناولت القلم ورفعت نظري إلى‬
‫الباشكاتب استفهم عن المكان من الدفتر الذي‬

‫اكتب فيه اسمي ‪ .‬فنظر إلي نظرة طويلة كأنما هو‬
‫عالم بما سيجره علي هذا التوقيع من المصائب ‪ .‬ثم‬
‫أشار إلى مكانين اثنين فوقعت مكررا ً ‪ ,‬مي زيادة ‪,‬‬
‫وتحته ماري جبران ‪ .‬وأخذوا بعدئذ يعدون الحقائب‬
‫للسفر وأنا أعلن بثبات إني ل أترك البيت ول أغادر‬
‫مصر ‪.‬‬
‫فقال الدكتور أن البيت يبقى على ما هو وكل شيء‬
‫فيه في مكانه ريثما أعود من لبنان بعد شهرين‪.‬‬
‫فإنما ما أحتاج إليه على قوله هو تغيير الهواء وتغيير‬
‫المحيط ‪.‬‬
‫وفي لبنان ل أكون وحدي ‪ ,‬بل يحيط بي أعضاء‬
‫عائلتي الذين سينسيني حنانهم ومحبتهم إني وحيدة‬
‫وإني حزينة ‪ .‬وأقسم الدكتور بأولده وبشرفه أن‬
‫يردني إلى مصر حتى بعد أسبوع واحد فيما لو‬
‫صارحته برغبتي في ذلك ‪.‬‬
‫وتكمل مي من قصتها الباكية ‪ ..‬بعد سنوات المجد‬
‫والشهرة ‪ ..‬فتقول ‪:‬‬
‫أخرجوني من بيتي قبل الساعة الرابعة بعد الظهر‬
‫وأوصلوني إلى مكاني في القطار وغابوا عني‬
‫فبقيت جالسة حتى عاد الدكتور والرجلن الخران ‪.‬‬
‫وعندئذ قام القطار إذ نحن في منتصف الساعة‬
‫السادسة ‪ .‬ومنذ السبوع الول في بيروت ذكرت‬
‫الدكتور بوعده وقلت إني أرغب في الرجوع إلى‬
‫بيتي ‪ .‬فطيب خاطري ‪ ..‬وأبقاني عنده شهرين‬
‫ونصف شهر على مضض مني وأنا أطالبه بالعودة ‪.‬‬

‫حتى استكمل برنامجه في أمري ‪ ,‬فأرسلني إلى "‬
‫العصفورية"‪.‬‬
‫كيف حدث هذا ؟ كيف وضعت الديبة العربية النابغة‬
‫في مستشفى المراض العقلية بلبنان ‪ ..‬وهي‬
‫واحدة من أندر العقول العربية وأبدعها ‪ ..‬تعالوا‬
‫نسمع من مي الحكاية !‬
‫جاء الطبيب المعالج في " العصفورية" مستشفى‬
‫المراض العقلية – تصحبه ممرضة ‪ -‬وكانت تلك في‬
‫تاريخ العصفورية أول مرة خرج فيها طبيب إلى بيت‬
‫مريض ليحمله إلى " المارستان" ‪ .‬وعندئذ حنان‬
‫أقاربي ووفائهم وحرصهم على صحتي وكرامتي ‪,‬‬
‫كلها ظهرت في أجلى المظاهر إذ كتفني طبيب‬
‫العصفورية بجاكت المجانين تساعده الممرضة‬
‫ونفحني بإبرة مورفين بساقي وأنا أصيح من فرط‬
‫الوجع وأستغيث ‪.‬‬
‫واه يا بيروت ؟ كيف احتملت أن أجتاز شوارعك في‬
‫ذلك الموكب المشين الليم ؟ كيف احتملت الدموع‬
‫التي سكبتها في تلك السيارة وأنا بين ذلك الطبيب‬
‫وتلك الممرضة أشعر بوحدة رهيبة في الدنيا وأرى‬
‫القدر المروع المعد لي دون أن أدري لماذا ؟‬
‫بحجة التغذية وباسم الحياة ألقاني أولئك القارب‬
‫في دار المجانين أحتضر على مهل وأموت شيئا ً‬
‫فشيئا ً ‪ .‬لست أدري إذا ما كان الموت السريع هينا ً ‪.‬‬
‫أما الموت البطيء طيلة عشرة شهور وأسبوع من‬
‫التغذية القهرية تارة من الفم بتقطيع لحمة السنان‬
‫وطورا ً من النف بواسطة التبريح ليصب ما يصب‬

‫من الداخل نزول ً إلى الحلق فالصدر ‪ .‬فذلك موت ل‬
‫أظن أن إنسانا ً يحتمل الصغاء برباطة جأش إلى‬
‫وصفه ‪ .‬ومع ذلك فكان أقاربي في زيارتهم النادرة‬
‫ي بسرور وأنا أصف نكالي وشقائي‬
‫يستمعون إل ّ‬
‫راجية منهم عبثا ً أن يرحموني ويخرجوني من‬
‫العصفورية ‪.‬‬
‫وأهملوني هنالك ل سلوى ول تعزية ‪ .‬وكان الدكتور‬
‫يزعم إني سأموت جوعا ً إذا ما أخرجني من‬
‫العصفورية إل أنه اضطر إلى نقلي إلى مستشفى‬
‫ربيز فوصلته شبحا ً ‪ .‬فإذا بهم هنا يستعملون في‬
‫تغذيتي القهرية الملقط الحديدي الخاص بالعمليات‬
‫الجراحية مما ل تفلح معه مقاومة ‪ .‬نقلوني إلى هذا‬
‫المستشفى أقيم أياما ً ريثما يعد لي منزل أسكنه‬
‫لنه ليس معقول ً أن يقطن النسان بالمستشفى‬
‫طول حياته ولن قلبي يحترق على القامة في‬
‫منزل لي كسائر الناس ‪ ,‬على أن البيت المزعوم لم‬
‫يعد لي في عشرة شهور ‪ .‬كما جاءوا بي أصطاف‬
‫في لبنان شهرين وما زلت أصطاف في قلب الشتاء‬
‫وبعد اثنين وعشرين شهرا ً ‪.‬‬
‫وجاء الفرج أخيرا ً بعد عامين من أقسى العذاب ‪.‬‬
‫جاء الفرج على يد الصحافة والصحفيين من أبناء‬
‫مهنتها ‪ ..‬فقد كانت قضية إدخال مي زيادة‬
‫مستشفى المراض العقلية " العصفورية" هي‬
‫حديث الصحف والموضوع الذي يحتل مساحة كبيرة‬
‫من اهتمام القراء في بيروت والقاهرة وأيضا ً في‬
‫بلد المهجر ‪ .‬وشنت جريدة " المكشوف" حملة‬
‫كبيرة حول هذا الموضوع ‪ ..‬وتابعت قصة مي خطوة‬

‫بخطوة حتى استطاعت في عام ‪ 1938‬أن تكشف‬
‫المؤامرة ونشرت في الصفحة الولى ‪:‬‬
‫وأخيرا ً استطاع " المكشوف" أن يلفت أنظار الدباء‬
‫ورجال القضاء إلى المؤامرة التي وقعت الديبة مي‬
‫في شباكها ‪ ,‬بفضل حملة قام بها في هذا السبيل‬
‫دامت أربعة أشهر ‪.‬‬
‫وقد لقى "المكشوف " من أجل الكشف عن هذه‬
‫الدسيسة ما تلقيه كل صحيفة حرة من تهديد‬
‫ووعيد ‪ .‬فقد اتصل أمر الدسيسة بالنيابة العامة عن‬
‫طريق مكتب الستاذين حبيب أبو شهل وبهيج تقي‬
‫الدين وكيلي النسة مي فأجرت تحقيقا ً في الحجر‬
‫على حرية الديبة الكبيرة وأمرت بنقلها إلى‬
‫المستشفى المريكي حيث تعيش في جو مشبع‬
‫بالعطف ‪ ,‬بعيد عن كل ضغط ‪ ,‬وحيث زارتها لجنة‬
‫من الطباء لتقرير مصيرها ‪ .‬فكان تقريرهم في غير‬
‫مصلحة المغرضين ‪.‬‬
‫وقد لفتت الضجة التي أثرناها حول مأساة مي‬
‫الصحف اليومية الكبرى ‪ ,‬فراحت تتحدث عن‬
‫تطورها حديثا ً مما سيكون له أثره الطيب في إنقاذ‬
‫مي من محنتها ولو أنه جاء متأخرا ً ‪.‬‬
‫وفي مقدمة هذه الصحف الزميلتان " الحديث" و "‬
‫صوت الحرار" اللتان ننقل عنهما بعض ما نشرناه‬
‫في هذا الصدد ‪:‬‬
‫حديث الكاتب الصحفي سعيد فريحة ‪ ..‬ونشر في‬
‫جريدة " الحديث" ببيروت ‪ ..‬وهذا نصه ‪.‬‬

‫بدأت مي تتكلم بلغة فصحى ممزوجة باللهجة‬
‫المصرية ‪ ,‬وبطلقة لسان مدهشة ‪ .‬وأوقع شيء في‬
‫النفس كان صوتها العذب ‪ ,‬وإخراجها الكلمات هادئة‬
‫بنبرات موسيقية حزينة ‪.‬‬
‫قالت ‪ :‬أردتم أن أكلمكم بصراحة عن سبب كرهي‬
‫لرجال القانون ‪ ,‬نعم أنا أكرههم لني لم أغادر مصر‬
‫‪ ,‬ولم يؤت بي إلى لبنان ‪ ,‬ولم أدخل إلى العصفورية‬
‫‪ ,‬إل بفضل القانون ورجال القانون ‪ ,‬بل أنا صرت‬
‫مجنونة قانونًا‪.‬‬
‫وأما الطباء هؤلء الذين يؤتمنون على أرواح‬
‫الناس ‪ ,‬هؤلء الذين ينحنون على أسرة السماء ‪,‬‬
‫هؤلء الذين يقسمون اليمين على السير في طريق‬
‫الشرف والكرامة والستقامة ‪ ,‬وعلى تخفيف محن‬
‫الناس ‪ ,‬وويلت النسانية ‪ ,‬هؤلء الطباء أكرههم‬
‫لني صرت مجنونة طبيا ً ووقعت في شرك‬
‫المؤامرة بفضل الطب والطباء ‪.‬‬
‫بقي الصحافيون ‪ ,‬وكرهي لهؤلء أشد ‪ ,‬يوم نشروا‬
‫خبر جنوني ‪ ,‬وأوجدوا عند الناس في الشرق وفي‬
‫الغرب فكرة بل اعتقادا ً بأن مي مجذوبة ‪ ,‬ولو أن‬
‫إساءتهم لي اقتصرت على ذلك لهان المر ‪ ,‬ولكن‬
‫هناك ما هو أمر وأفظع‪ .‬أنا صحافية ‪ ,‬وبنت‬
‫صحافي ‪ ,‬ولقد كان على الصحافيين في لبنان ‪ ,‬إن‬
‫لم يكن إكراما ً لي بل إكراما ً لوالدي ‪ ,‬أن يبدوا شيئا ً‬
‫من الواجب نحو زميلهم ‪ ,‬ابنة زميلهم ‪ ,‬أن يسألوا‬
‫عنها أو يقوموا بزيارتها عندما سمعوا بخبر عنها‬
‫لمعرفة ما في هذا الخبر من الصحة ‪.‬‬

‫إنكم معشر الصحافيين تتحرون الحقيقة في كل‬
‫مكان ‪ .‬إنكم تهتمون بالرجال وما يقولون النساء‬
‫وما يلبسن ‪ ,‬إنكم تبحثون أحيانا ً عن أتفه المواضيع‬
‫وتخرجونها إلى قرائكم ‪ ,‬أنتم يا زملئي وزملء‬
‫والدي لم يوجد أحد يسأل عن " مي" ويتحرى‬
‫حقيقة جنونها ‪ ,‬فل يوجد واحد بينكم يفكر بزيارة‬
‫هذه الديبة الصحافية ‪ ,‬النابغة التي تخنق الطفال‬
‫وتكسر الحديد !!‬
‫وقد تقولون إن هذا الذي أشيع عني كان كحقيقة‬
‫راهنة عندكم ‪ ,‬فلم تشأوا زيارتي حتى ل تحزنوا‬
‫على مصيري ‪ ..‬قد يكون ذلك صحيحا ً ‪ .‬ولكن هذا‬
‫العتقاد وتلك " الشفقة" ل ينبغي أن تضع حجابا ً من‬
‫الهمال والنسيان بين الصحافيين والدباء وبين‬
‫زميلتهم " مي" ‪.‬‬
‫إن " مي " ل أهل لها ‪ .‬إن أبي وأمي وأهلي هم‬
‫الصحافيون هم الدباء ‪ ,‬هم رجال القلم ‪ ,‬أفما كان‬
‫يجدر بكم أن تحيطوني ببعض العناية عسى أن‬
‫تخففوا عني وطأة الجنون أنا التي أكسر الحديد ‪,‬‬
‫وأخنق الطفال ‪.‬‬
‫أين رجال الدب في لبنان ؟ أين رجال القانون ؟‬
‫أين الجمعيات النسائية ؟ أين نصيرات المرأة ؟ ألم‬
‫يوجد بينهن واحدة تدافع عني أنا التي قضيت‬
‫السنين الطوال أدافع عن حق المرأة ‪ ,‬ووقفت‬
‫قلمي على خدمة بنات جنسي ‪ ,‬ورفع مستواهن ورد‬
‫الظلم عنهن ؟‬

‫أجل ‪ ,‬أين هؤلء وأولئك ؟ بل أين لبنان ‪ ,‬لبنان الذي‬
‫طويت ضلوعي على حبه ‪ ,‬لبنان الذي تغنيت في‬
‫الجرائد والكتب والمجلت ومن فوق المنابر ‪,‬‬
‫بجماله ‪ ,‬بجباله ‪ ,‬ببنيته ‪ ,‬لبنان الذي ما حلت به‬
‫محنة إل انهمر الدمع من عيني ‪ ,‬لبنان هذا لم يوجد‬
‫فيه واحد يبكي على محنتي التي انطوت على محن‬
‫كثيرة ‪.‬‬
‫تلك هي مكافأة لبنان لبنته مي ‪ :‬إهمال مفجع ‪,‬‬
‫وتغاض مخجل عن أحط مؤامرة جاءت بي من مصر‬
‫‪ ,‬وألقتني مدة سبعة شهور في العصفورية أتفرج‬
‫في النهار على مواكب النساء العاريات ‪ ,‬أسمع‬
‫ألفاظا ً ما كنت أعلم بأنها موجودة وإن في البشر‬
‫من يتلفظ بها ‪ ,‬وأسمع في الليل عواء الذئاب‬
‫وأصوات ابن آوى ‪ .‬أسمع وأرى كل هذا وليس هناك‬
‫من يسمع صوتي ‪ ,‬أو يرى محنتي فيبادر إلى إنقاذي‬
‫‪.‬‬
‫سبعة أشهر قضيتها في " العصفورية" في لبنان‬
‫على هذه الحال ‪ ,‬وفي تلك الغمرة من اللم واليأس‬
‫والعذاب ‪ ,‬دون أن يهتز عرق بالشفقة أو لسان‬
‫بالسؤال ‪ ..‬ولهذا اسمحوا لي أن أقول بكل ألم ‪,‬‬
‫وبكل أسف وخجل أيضا ً إني كنت أردد ‪ ,‬وأنا على‬
‫تلك الحال ‪ ,‬في كل يوم وفي كل ساعة ‪ :‬لعنة الله‬
‫على لبنان ‪..‬‬
‫وهكذا بكت " مي" بكاء ممزوجا ً باللم والحقد ثم‬
‫مدت يدها إلى تحت الوسادة فأخرجت منديل ً‬

‫ومسحت به دموعها ‪ ,‬وبعد أن سكنت آلمها قليل ً‬
‫استأنفت الكلم فقالت ‪:‬‬
‫ نعم لقد كنت ألعن وطني ‪ ,‬وعندما يلعن المرء من‬‫يحب يكون اللم واليأس قد يرحا به ‪ ,‬ولكن هل‬
‫يكفر لبنان عن إساءته إلى " مي" ؟ وهل يعيد إلى‬
‫ضلوعها أقدس ما كانت تنطوي عليه وهو حبها‬
‫للبنان ؟!‬
‫أنا امرأة قضيت حياتي بين قلمي ودواتي وكتبي‬
‫ودراساتي ‪ ,‬وقد انصرفت بكل تفكيري إلى المثل‬
‫العلى ‪ ,‬وهذه الحياة " اليدياليزم" التي حييتها‬
‫جعلتني أجهل ما في هذا البشر من دسائس‬
‫ومحاولت ‪ ,‬أجل كنت أجهل الدسيسة ‪ ,‬وتلك‬
‫النعومة التي يطهر بها بعض )؟( الناس ويخبئون‬
‫السم القتال ‪ ,‬ولو كنت على معرفة بهذا النوع من‬
‫أخلق الناس لكنت قاومت الدسيسة بمثلها ‪,‬‬
‫وقاومت المحاولة بمحاولة ‪ ,‬ولما كان قادني حسن‬
‫ظني إلى الستسلم ‪ ,‬والطمئنان ‪ ,‬أو بالصح إلى‬
‫هذه المحنة التي ل يمكن أن يكون أن يكون التاريخ‬
‫النساني طوى على أوجع وأفظع منها ‪.‬‬
‫ويكتب سامي الكيالي في مجلة " الحديث" صورة‬
‫ناطقة لـ "مي" بعد خروجها من مستشفى " ربيز"‬
‫لتقيم في منزل برأس بيروت حيث التف حولها‬
‫بعض من صمد من الصدقاء القدامى وقلة من‬
‫أصدقاء كسبتهم في محنتها ومن هؤلء الصدقاء ‪:‬‬
‫أمين الريحاني والنحات ويوسف الحويك والسيد‬
‫حسين إدريس والسيد الخوري والشيخ فؤاد حبيش‬

‫والميرتان سامية وزهراء الجزائري والدكتور منصور‬
‫فهمي ولطفي حيدر وفليكس فارس وسامي‬
‫الكيالي ‪..‬‬
‫وكتب سامي الكيالي ‪ ..‬يقول ‪:‬‬
‫ ولول هذا الشحوب البادي في وجهها ‪ ,‬وهذا‬‫الشيب الذي دب في شعرها ‪ ,‬وهذا الجرس الحزين‬
‫ي صورة‬
‫الذي ينساب من ثنايا حديثها لما تغيرت عل ّ‬
‫" مي" الشاعرة الديبة الموسيقية ‪ ..‬وهي في‬
‫صالونها الدبي في مصر تستقبل زوارها من‬
‫الساسة والعظماء والدباء ‪.‬‬
‫لقد ضمت جلستنا هذه الديب والمحامي والفنان‬
‫والطبيب ودارت شتى المناقشات في أدق المسائل‬
‫وأعمقها في الدب والتاريخ ‪ ,‬في الحياة والنسان ‪,‬‬
‫وقد تباينت الراء ‪ ,‬فكانت " مي" ‪-‬علم الله – هي‬
‫التي تقرب بين وجهات النظر وتقول كلمتها الهادئة‬
‫المتزنة بعد أن تأتي بالمثل تلو المثل ‪ ,‬وبالفكرة تلو‬
‫الفكرة ‪ ,‬فمن قصة أدبية إلى ظاهرة اجتماعية ‪,‬‬
‫إلى رأي بهذا يناقض ذاك إلى أن تهدأ ثورة الجدل ‪.‬‬
‫نعم كانت في هذه الجلسة أشبه بالمعلمة الكبرى‬
‫تهدي تلميذها إلى مواطن الصواب بإسلوب أخاذ‬
‫وآراء منسجمة وبيان غاية في الدقة والروعة ‪..‬‬
‫صفاء ذهن وزكاوة نفس وحس عميق وإشراقة‬
‫تفكير ودعابة ناعمة حيث تدعو الدعابة ‪ ,‬وجد حيث‬
‫يدعو الجد ‪ ,‬هذه هي "مي" التي اختلف الناس في‬
‫يقظة وعيها وصحة عقلها وانتهى أمرها إلى المحاكم‬
‫!‬

‫ولول هذه الجلسة الممتعة لتركت بيروت وأنا أشد‬
‫الناس إيمانا ً بجنون "مي" !‬

‫الفصل الثامن‬
‫المشهد الخير في‬
‫حياة "مي"‬

‫ويجيء أصعب موقف في حياة مي !‬
‫تقف في " ست هول" بالجامعة المريكية في‬
‫بيروت لتلقي محاضرة أمام جمهور غفير من قرائها‬
‫الذين جاءوا بدافع الفضول ‪ ,‬يريدون معرفة الحقيقة‬
‫بأنفسهم بعد كل ما قيل وكتب عن مأساة مي‬
‫وجنونها ‪.‬‬
‫البعض جاء وهو على يقين من جنونها ‪ ..‬والبعض‬
‫كان بين الشك واليقين ‪ ..‬والقليل جدا ً كان من‬
‫المؤمنين بكذب هذه الدسيسة‪.‬‬
‫أما هي ‪ ..‬فعليها أن تستجمع كل قدراتها على‬
‫القناع والخطابة التي تميزت بها وطالما أبدعت ‪..‬‬

‫كان عليها أن تقنع جمهور جاء مليئا ً بالشك في‬
‫جنونها ‪ ..‬بأنها ليست كذلك ‪ ..‬وأن تدفع عن نفسها‬
‫كل القاويل الباطلة التي حاصرتها ‪.‬‬
‫وقفت "مي" بشجاعة ظاهرية وقلب كسير تتحدث‬
‫في ‪ 22‬مارس ‪ 1938‬إلى جمهور كبير جاء ليستمع‬
‫إليها ‪ ..‬ووسط هذا الجمع الغفير كان يجلس راعي‬
‫النائب العام ‪ ..‬الذي جاء لهدف آخر تماما ً ‪ ..‬فقد‬
‫كان يصغي باهتمام ‪ ,‬ويراقب كل ما يحدث استكمال ً‬
‫لتحقيقاته في القضية المعروضة أمام المحكمة‬
‫بالحجر على "مي" !‬
‫ولم تكد مي تنتهي من محاضرتها التي سحرت‬
‫الجمهور انبهارا ً بقدراتها التحليلية ‪ ,‬وثقافتها الطاغية‬
‫‪ ,‬وملكاتها الناطقة في ربط الفكار التي تطرحها‬
‫بعضها ببعض ببساطة ‪ ,‬ورؤيتها الحكيمة السابقة‬
‫لعصرها ‪ .‬حتى ضجت القاعة بالتصفيق المتواصل‬
‫الذي يفيض بالحماس والحب والتعاطف مع الديبة‬
‫والمفكرة المظلومة !‬
‫انتصرت مي في هذه الجولة الصعبة ‪ ..‬ولكن‬
‫الشروخ التي أصابت نفسها وقلبها ازدادت عمقا ً ‪.‬‬
‫والحساس بالسى سيطر عليها وتمكن منها ‪.‬‬
‫واحتلت التعليقات والمقالت الصحفية التي تتحدث‬
‫عن "مي" ‪..‬وعن المحاضرة التاريخية التي أثبتت‬
‫كذب كل ما قيل عن جنون مي مساحات واسعة‬
‫في كل الجرائد المصرية واللبنانية ‪.‬‬

‫ثم تحولت إلى مستند قانوني قدمه ممثل النيابة‬
‫العامة في قضية الحجر على مي ‪ ..‬وكان حديث‬
‫العدل والحق مؤثرا ً وموجعا ً في آن واحد ‪ ..‬قال في‬
‫مرافعته ‪:‬‬
‫" إن هذه القضية المبسوطة أمامكم هي قضية‬
‫خطيرة جدا ً تختلف عن غيرها من القضايا التي‬
‫يتناولها اختصاصكم ‪ ,‬فهي ل تدور حول سند يطلب‬
‫الحكم بقيمته المعترف بقبضتها نقدا ً وإثبات الحجز‬
‫الملقى أو صك البيع ‪ ,‬بل هي قضية حجر ‪ ,‬والحجر‬
‫هو حجر الدماغ والروح وموت أدبي ويد هائلة‬
‫تضغط على النسان الذي بلغ من العمر عتيا ً فتخلع‬
‫عنه ثوب الربعين أو الخمسين الذي ألبسته إياه‬
‫السنون وتعيده غلما ً قاصرا ً وتقيم له وصيا ً ‪.‬‬
‫ويزيد في خطورة هذه القضية من حيث موضوعها‬
‫ونتائجها أن من يطلب منكم الحجر عليه فتاة ليست‬
‫كسائر الفتيات ‪ ,‬وثبت بها العبقرية إلى قمم الدب‬
‫والعلم والفن الخالد ‪ ,‬وعل نجمها في سماء العربية‬
‫ورفع لواؤها الخفاق فوق كل قطر من القطار‬
‫الناطقة بالضاد وتجاوبت بأصداء آياتها أرجاء النيل‬
‫وجبال لبنان وسهول سوريا وصحارى العرب ‪ ,‬فهي‬
‫حديث العرب في كل صقع وواد ‪ ,‬وهي بنفسها دولة‬
‫في دولة الدب ‪ ,‬ونور من أنوار الشرق ‪ ,‬وقلم من‬
‫أقلم الخلود ‪ ,‬وعجيبة من أعاجيب الوحي واللهام ‪,‬‬
‫كانت دارها في وادي النيل كعبة الدباء ومحج‬
‫العظماء ‪ ,‬تكتب فيقال كتبت مي‪ ,‬وتحدث فترهف‬
‫لها السماع وتنصت لها القلوب ‪ ,‬وتخرج الكتاب‬
‫فتتلقفه اليدي ‪ ,‬وهي تتكئ على مكتبة لها فيها‬

‫اللواف من الكتب ‪ ,‬وتسكب من عبقريتها في‬
‫الرواح وفي الكؤوس سحرا ً ومجدا ً ووحيا ً وهياما ً‬
‫وأمل ً ورحيقًا‪.‬‬
‫أيها القضاة !‬
‫بعد أن قرأت هذه القضية وما فيها من لوائح‬
‫وتقارير ‪ ,‬وبينما أنا أقلب كتب الشرع وأبحث في‬
‫الحجر وأسبابه ونتائجه ‪ ,‬وبعد أن كنت حائرا ً مترددا ً‬
‫ل أعرف أين وكيف أضع رأييي وعقيدتي وفي أية‬
‫كفة في الميزان ألقي مطالعتي ‪ ,‬طلع شهاب في‬
‫سماء هذه القضية ‪ ,‬وطرأ على هذه الوراق طارئ‬
‫قلبها بطنا ً لظهر وظهرا ً لبطن وطاح بكل شيء في‬
‫هذا الملف وأعاد الحق إلى نصابه والحقيقة إلى‬
‫عرشها ‪.‬‬
‫فقد أرسلت البطاقات تدعو الناس إلى استماع‬
‫محاضرة تلقيها النسة مي في نادي " العروة‬
‫الوثقى" في " وست هول" من على منبر الجامعة‬
‫المريكية ‪ .‬وأخذ الناس يتساءلون ‪ :‬أتقوى مي على‬
‫إلقاء محاضرة؟ هي إذن تقرأ وتكتب ‪ ,‬فكيف قال‬
‫عنها الطباء في تقاريرهم أنها ل تكتب ول تقرأ ؟‬
‫وهي إذن تجمع في القرطاس حكما ً وآيات فكيف‬
‫قيل أنها ل تجمع إل رمادا ً ‪ ,‬وهي إذن ذلك الطائر‬
‫الغريد فكيف قيل إنها فقدت تغريدها وصوت‬
‫إحساسها ‪ ,‬وهي إذن ذات أوتار فكيف قيل أن‬
‫قيثارتها تحطمت ؟‬
‫وجاء موعد المحاضرة فهرعت إلى قاعة الجامعة‬
‫المريكية والواجب يستحثني والضمير يلح علي‬

‫بتلمس الحقيقة في مصدرها وينبوعها ‪ .‬فلقد كنت‬
‫ظامئا ً إلى معرفة الحقيقة التي من أجلها نحن‬
‫نرتدي هذه الثواب والقلنس ونطبق القانون ‪.‬‬
‫هرعت إلى قاعة الجامعة المريكية ‪ ,‬وكلي شوق‬
‫إلى جس النبض الذي تنبض به هذه القضية ورؤية‬
‫الوجه الذي قيل أنه وجه مجنون وسماع الكلمة‬
‫التي قيل أنها كلمة من اختل شعوره واضطرب‬
‫عقله وفقد إرادته ‪ .‬هرعت إلى قاعة الجامعة‬
‫المريكية مساء البارحة فإذا هي تغص بالخلق يدفع‬
‫بعضهم بعضا ً ‪ ,‬يشرئبون بالعناق ليروا إذا كانت "‬
‫مي" أميرة الدب وصناجة العرب ما تزال لدولتهم‬
‫ولهم ‪.‬‬
‫ودقت الساعة الثامنة ‪ ..‬فإذا مي تطل على‬
‫المسرح وقد لعبت بها الهوال ‪ .‬فلعب الشيب‬
‫برأسها‪ .‬ووقفت على المنبر وأخذت تتدفق بذلك‬
‫البيان الساحر الذي تعود العالم العربي أن يسمعها‬
‫تنقر على أوتاره الخلبة بريشة لو رآها رافايل‬
‫وروبنس لدعيا أنها ريشتهما وأن مي اغتصبتها في‬
‫حين أنها ريشتها التي وضعها الله في يدها منذ كونها‬
‫في أحشاء عجيبة من عجائب الفن ‪ ,‬ومعجزة من‬
‫معجزات الدب ‪.‬‬
‫وانقضت الساعة الثامنة الكاملة الكاملة بدقائقها‬
‫وثوانيها ‪ ,‬وهي تلقي الدرر ‪ ,‬وترصع جيد اللغة‬
‫العربية بجواهر من الزمرد والياقوت والماس ‪.‬‬
‫فضج كل من في القاعة ضجة الكبار والتعظيم ‪,‬‬
‫ووثبت القلوب واهتزت الجدران للتصفيق الداوي‬

‫المستمر الذي لم تشأ اليدي أن تكف عنه ‪ ,‬وأخذ‬
‫الناس يقول بعضهم لبعض ‪ :‬أتكون هذه الفتاة‬
‫مجنونة وقد جننا بها ‪ ,‬وإذا كانت هي المجنونة فهل‬
‫نحن العقلء ؟!‪.‬‬
‫لقد زالت حيرتي وزال ترددي بعد هذه المحاضرة‬
‫الساحقة واقتناعي أن النسة مي ل يحجر عليها ‪.‬‬
‫فالفتاة التي ألقت هذه المحاضرة ل يحجر عليها ‪,‬‬
‫ول تحجر حريتها وعبقريتها ‪ ,‬فهي أسمى من أن‬
‫تطالها يد القصر ‪ ,‬وأكبر من أن تمسها يد الحجر ‪.‬‬
‫إن الحجر على هذه النابغة هو حجر على الدب‬
‫العربي وعلى المة العربية وعلى عبقريتها العربية ‪,‬‬
‫فل تعدموها بسطرين من قلمكم ‪ .‬وهي عاقلة فل‬
‫تجعلوها بحكمكم مجنونة !‬
‫هكذا جاءت كلمة الحق أخيرا ً بعد أن تأخرت كثيرا ً ‪..‬‬
‫وحاولت مي بعد ذلك لملمة نفسها التي بعثرتها‬
‫الكوارث المتلحقة في الفصل الخير من حياتها ‪.‬‬
‫وقررت العودة إلى مصر حيث موطن ذكريات‬
‫حياتها ورصيد أيامها الحقيقي ‪ ..‬المكان الذي شهد‬
‫تفجر مواهبها ‪ ..‬واحتفى بريادتها ونبوغها ‪ .‬والوطن‬
‫الذي سجل لها شهادة التفرد في الدب والثقافة‬
‫والخطابة ‪ ..‬وشهد بإنجازها الدبي غير المسبوق في‬
‫إشعال ومضة الفكر ‪ ..‬وإضفاء مناخ يتفاعل من‬
‫خلله المثقفون والمبدعون هذا النجاز هو الصالون‬
‫الدبي الشهير الذي جمع أهل الفكر والفن والثقافة‬
‫والبداع مساء كل يوم ثلثاء في صالون "مي" ‪.‬‬

‫عادت مي عام ‪ 1939‬إلى مصر بعد ثلثة سنوات‬
‫من العذاب قضتها في لبنان في مستشفى‬
‫العصفورية لمدة عامين ‪ ,‬ثم في مستشفى "ربيز"‬
‫ثم في منزل ببيروت ‪.‬‬
‫ولم تكن مي زيادة التي عادت من بيروت هي‬
‫نفسها مي التي سافرت إليها في عام ‪ . 1936‬لقد‬
‫آثرت "مي" الجديدة العزلة ‪ ,‬وأغلقت حياتها تماما ً‬
‫على نفسها وقلة قليلة جدا ً من الصدقاء‪ .‬كانت قد‬
‫اكتشفت عند عودتها أن مكتبتها قد سرقت ‪ ,‬ولم‬
‫يبق منها إل ألف وخمسمائة مجلد فقط ‪ ,‬كما كان‬
‫عليها أن تبحث عن مسكن جديد تسكن به ‪ ,‬وأن‬
‫ترفع الحجر عليها في محاكم مصر كما فعلت في‬
‫محاكم لبنان ‪ .‬كل هذا أصابها باليأس والنسحاب‬
‫من الحياة كلية ‪ ..‬ويصف عميد الدب العربي وحدة‬
‫مي وعزلتها في السنتين الخيرتين من حياتها‬
‫فيقول ‪:‬‬
‫مضت مي في طريقها إلى العزلة مضيا ً رفيقا ً ‪ ,‬أو‬
‫قل إنها تدرجت تدرجا ً بطيئا ً في أول المر ‪ ,‬ولكنه‬
‫سريع ملح آخر المر ‪ .‬أخذ ميلها إلى العزلة يظهر‬
‫بعد أن فقدت أبويها ‪ ,‬وبعد أن غمر الحزن نفسها‬
‫المشرقة ‪ ,‬ولكنها لم تقطع صلتها بالناس فجأة ‪,‬‬
‫وإنما قللت لقاءهم ‪ ,‬وتجنبت ما يدعو إلى هذا اللقاء‬
‫‪ ,‬وكنت بين الناس الذين شرفتهم بصداقتها ‪ ,‬فكنت‬
‫ألقاها بين حين وحين ‪ ,‬فنستخلص لنفسنا من‬
‫الدهر وأحداثه ساعة أو ساعات نتحدث في الدب‬
‫والفلسفة ‪ ,‬جادين حينا ً ومازحين حينا ً آخر ‪ ,‬وكان‬
‫سكرتيري ثالثنا في هذه الجتماعات ‪ ,‬وكان لنا رابع‬

‫يحضرنا دائما ً ‪ ,‬ولكنه لم يكن يفهم عنا ‪ ..‬ولعلنا كنا‬
‫نفهم عنه كثيرا ً ‪ ,‬وهو ذلك البريق الذي كان ممتلئا ً‬
‫دائما ً من شراب الورد ‪ .‬والذي كنا نستسقيه غير‬
‫مرة في هذه المجالس العذبة المرة ‪.‬‬
‫ذلك أن مي كانت في طور الحزن اللذع ‪ ,‬واللم‬
‫الممض ‪ ,‬والتشاؤم الذي كان يسرع إليها كما كانت‬
‫تسرع إليه ‪ .‬وطالما دافعت عن هذا التشاؤم ‪,‬‬
‫وطالما حاولت أن أرد عنها هذا الحزن المهلك ‪,‬‬
‫ولكني ل أكاد أدنو إلى النجاح إل ليردني الخفاق‬
‫عما كنت أريد ردا ً عنيفا ً ‪.‬‬
‫وكنت أريد أن أستنقذ مي من تشاؤم أبي العلء كما‬
‫كنت أريد أن أستنقذها من السراف في التأثر‬
‫برجال الدين ‪ ,‬ولكن أبا العلء ورجال الدين كانوا‬
‫أقوى مني ومن غيري أيضا ً ‪.‬‬
‫وقبل وفاتها بفترة بسيطة اتصل بها الدكتور طه‬
‫حسين تليفونيا ً ‪ ,‬وطلب أن يلقاها‪ ,‬وقال لها ‪:‬‬
‫سأزورك اليوم ‪ ..‬فقالت ‪ :‬ل ‪..‬‬
‫قال ‪ :‬سأزورك غدا ً‬
‫قالت ‪ :‬ل ‪..‬‬
‫قال ‪ :‬إذن متى أزورك ؟‬
‫فقالت ‪ :‬ل تزرني أبدا ً !‬
‫قال ‪ :‬لماذا يا سيدتي ؟‬
‫قالت ‪ :‬هل تريد أن تعرف السبب؟‬
‫قال ‪ :‬نعم‬
‫قالت‪ :‬لقد قررت أل أقابل أحدا ً من الناس إل رجال‬
‫الدين ‪ ..‬إذا أردت أن تراني فكن قسيسا ً ‪.‬‬

‫فضحك الدكتور طه حسين وقال‪:‬‬
‫ سيدتي ‪ ..‬يعز علي أل أراك ‪ ,‬ويستحيل أن أكون‬‫قسيسا ً !‬
‫والبعض يقول إن "مي" قرأت وكتبت في عزلتها‬
‫هذه عدة أعمال ومنهم أحد الصحفيين المقربين لها‬
‫طاهر الطناحي ‪ ..‬فقد ذكر في كتابه " أطياف من‬
‫حياة النسة مي" أنها أنجزت منذ سفرها إلى لبنان‬
‫إلى أن توفيت كتاب ‪ " :‬ليالي العصفورية" وهو‬
‫يحوي وصفا ً لما رأته وعانته في مستشفى‬
‫العصفورية ببيروت وكتاب " في بيتي اللبناني" وهو‬
‫وصف لحياتها بعد خروجها من المستشفى وإقامتها‬
‫في بيت خاص ببيروت و " المنقدون" رواية باللغة‬
‫الفرنسية ‪.‬‬
‫و " علقة فينيقية بمصر " أدب وتاريخ ‪ ..‬و‬
‫"مذكراتي" ويحتوي على مشاهداتها وذكرياتها في‬
‫مصر ولبنان وأوروبا‪ ,‬وتكتب فيه عن كبار العلماء‬
‫والدباء الذين عرفتهم ‪ ,‬والذين كانوا يحضرون‬
‫صالون الثلثاء ‪ ,‬وما كان يدور بينهم من نقاش‬
‫وطرائف‪.‬‬
‫وانطوت مي على نفسها ‪ ..‬وغرقت في استدعاء‬
‫صور الماضي واستحضار ذكرياتها مع الحباب الذين‬
‫رحلوا وتركوها فريسة للدسائس والمؤامرات ‪.‬‬
‫وهدفا للطامعين الذين استغلوا نظرتها المثالية‬
‫للحياة والبشر‪.‬‬

‫وبدأ النسحاب التدريجي من الحياة ‪ ..‬بفقدان‬
‫الرغبة في كل شيء الطعام ‪ ..‬الشراب‪ ..‬الحياة‬
‫الجتماعية ‪ .‬وهزل الجسد ‪ ..‬وبدأت أجهزته تصاب‬
‫بالنهيار إلى أن خمدت ودخلت مي في غيبوبة ‪..‬‬
‫ونقلت إلى مستشفى المعادي بالقاهرة حيث بذلت‬
‫جهود مكثفة من الطباء لنقاذ حياتها ‪ ..‬لكن القدر‬
‫كان قد كتب كلمته ‪ ..‬ونفذت إرادة الله ‪ ..‬وفاضت‬
‫روح مي الطاهرة في التاسع عشر من اكتوبر عام‬
‫‪. 1941‬‬
‫وأسدل الستار على قصة حياة فريدة ذاقت الوحدة‬
‫وتعذبت بقسوتها منذ طفولتها المبكرة حتى آخر يوم‬
‫في عمرها القصير ‪ .‬وغاصت في بحور الثقافة‬
‫والفكر والفن والدب وكانت كالفراشة التي تمتص‬
‫رحيق البداع من كل بساتينه ‪ ..‬وتمكنت من إتقان‬
‫عدة لغات تجولت من خللها في مختلف الثقافات‬
‫والداب والفنون العالمية ‪.‬‬
‫وكتبت بالفرنسية ‪ ..‬ثم بالعربية ‪ ..‬ودرست القرآن‬
‫والشريعة ‪ .‬وكانت شعاع الفكر والمعرفة الذي جمع‬
‫أكبر مفكري وأدباء عصرها ‪.‬‬
‫وعاشت مي تقرأ ‪ ..‬وتكتب ‪ ..‬وتعزف سيمفونيتها‬
‫الخاصة في الحياة ‪ .‬وتذوقت الديبة الكبيرة طعم‬
‫المجد والشهرة وتألقت ببريق التوهج الفكري‬
‫والنساني فأصبحت محط النظار ومركز الهتمام‬
‫في الوسط الدبي والثقافي في عصرها ‪.‬‬
‫ورغم التحرر الفكري والنفتاح على ثقافات العالم‬
‫ظلت مي في داخلها امرأة شرقية محافظة للغاية ‪.‬‬

‫فعاشت حبا ً فريدا ً مع الديب جبران خليل جبران‬
‫دون أن تراه ولو مرة واحدة في حياتها ‪ ..‬حبا ً على‬
‫الورق !‬
‫وعندما فارقها الحباب تباعا ً ‪ :‬الب ‪ ..‬الحبيب ‪ ..‬الم‬
‫‪ ..‬ثم الصدقاء الذين وقفوا معها في محنتها الخيرة‬
‫أمين الريحاني وفليكس فارس ‪ .‬استسلمت تماما ً ‪..‬‬
‫واستعدت للنهاية بنفس راضية ‪.‬‬
‫وبهذا انتهت قصة حياة إنسانة فريدة في كل‬
‫شيء ! في طفولتها البائسة ‪ ..‬في شبابها المتوهج‬
‫بالعبقرية والنجاح والشهرة ‪ ..‬في حبها المحروم ‪..‬‬
‫في انسحاب الحياة بكل جمالها وبريقها من تحت‬
‫قدميها فجأة ‪ ..‬ثم في نهايتها المأساوية التراجيدية‬
‫المحزنة ‪.‬‬
‫وهي قصة لسيرة حياة تستحق أن تروى ‪ ..‬وأن‬
‫تقرأها الجيال ‪!...‬‬

‫الفصل التاسع‬
‫مقتطفات من كتابات مي‬
‫ما هو الرصيد الذي تركته مي ؟‬

‫الجابة على هذا السؤال سوف تكون ‪ -‬حتما ‪ -‬بعيدة‬
‫عن لغة البنكتوت وحسابات البنوك ‪ ..‬فهي لم تترك‬
‫شيئا ً من هذا !‬
‫لكنها تركت رصيدا ً أدبيا ً يعد ثروة حقيقية تعكس‬
‫قيمة هذه الديبة الفريدة ‪.‬‬
‫فقد تركت مي حوالي أربعة عشر كتابا ً هي ‪:‬‬
‫باحثة البادية " عن ملك حفني ناصف" ‪ -‬عائشة‬
‫التيمورية ‪ -‬بين المد والجزر ‪ -‬سوانح فتاة ‪-‬‬
‫الصحائف ‪ -‬كلمات وإشارات ‪ -‬ظلمات وأشعة ‪-‬‬
‫ابتسامات ودموع ‪ -‬أزاهير حلم " شعر بالفرنسية" ‪-‬‬
‫المساواة ‪ -‬وردة اليازجي ‪ -‬غاية الحياة ‪ -‬الحب في‬
‫العذاب ‪ -‬رجوع الموجة ‪.‬‬
‫كذلك تركت عددا ً كبيرا ً من المقالت في مختلف‬
‫الجرائد والمجلت التي كانت تصدر في عشرينات‬
‫وثلثينات القرن الماضي ومنها ‪ :‬مجلة "الزهور" و‬
‫"المقتطف " و " الهلل" و " النهضة النسائية " و "‬
‫المرأة المصرية "‪ ..‬كما كتبت في صحيفة "‬
‫المحروسة " و" الهرام " وكان عام ‪ 1930‬و‬
‫‪ 1931‬من أخصب أعوام مي في الكتابة ‪ ..‬ومن بين‬
‫أهم المقالت التي نشرتها بجريدة الهرام في هذه‬
‫الفترة مقال تحت عنوان ‪ " :‬جبران خليل جبران‬
‫يصف نفسه في رسائله" ونشر بعد أحد عشر يوما ً‬
‫من وفاة جبران ‪. 1931‬‬
‫ويذكر أصدقاء مي المقربون أنها تركت أعمال ً‬
‫مخطوطة أهمها ‪ " :‬ليالي العصفورية" وفيها تسجل‬

‫تجربتها في مستشفى المراض العقلية بلبنان ‪..‬‬
‫ويذكر جميل جبر أن " هذه المخطوطة بقيت حتى‬
‫اليوم مجهولة المصير " بينما تقول سلمى حفار‬
‫الكزبري إنها ما زالت محفوطة عند أقاربها في‬
‫لبنان وهم يرفضون السماح بجمعها ونشرها "‪..‬‬
‫وتشير سلمى إلى مخطوطة أخرى بعنوان "‬
‫المنقذون" كانت مي قد حدثت عنها الكثيرين‪..‬‬
‫وفيها تسجل كلمة حق عن الصدقاء الحقيقيين‬
‫الذين وقفوا معها في محنتها الخيرة في لبنان ‪..‬‬
‫كما يقل إنها كانت تعد في السنوات الخيرة قبل‬
‫وفاتها دراسة عن الفينيقيين في أشعار هوميروس ‪,‬‬
‫وكذلك كانت تنوي ترجمة كتاب المستشرقة‬
‫النجليزية مارجريت سميث عن رابعة العدوية إلى‬
‫اللغة العربية ‪.‬‬
‫وقد رأيت أن أقدم في نهاية هذا الكتاب مقتطفات‬
‫من كتابات "مي" حتى يتعرف القارئ على أسلوب‬
‫ورؤية كاتبة من أهم كتاب القرن العشرين هي ‪..‬‬
‫مي زيادة‪ ..‬أو النسة مي ‪ ..‬والن تعالوا نقرأ لها ‪..‬‬

‫) من كتاب " الصحائف"(‬

‫فجر جديد يرسل أشعته وألوانه‪ .‬ول بد للجيل‬
‫الجديد أن يترجم فيه عن الوحي الجديد‪.‬‬
‫**‬
‫الكلمة التي ل تموت تختبئ في قلوبنا ‪ .‬وكلما حاولنا‬
‫أن نلفظها تبدلت أصواتنا كأن الهواء لم يتم‬
‫استعداده لتلقي نبراتها‪.‬‬
‫**‬
‫النقد من أخص خواص عصرنا ‪ .‬في السياسة ‪,‬‬
‫والدارة ‪ ,‬والقانون ‪ ,‬والتاريخ ‪ ,‬والداب ‪ ,‬والجتماع ‪,‬‬
‫ترى النقد شائعا ً بمختلف اللهجات والساليب ‪ .‬حتى‬
‫الكتشافات العلمية وانقياد عناصر الطبيعة لخدمة‬
‫النسان جاءت عن طريق النقد ‪.‬‬
‫**‬
‫الثورة ككل جرأة ‪ :‬في وقتها ومكانها عبقرية‬
‫وانتصار ‪ ,‬وفي غير ذلك حماقة واندحار ‪.‬‬
‫تحديد الخطأ والصواب أساس في نقد العلوم‬
‫الرياضية والطبيعية واللغوية ‪ .‬أما النقد الدبي فل‬
‫إطلق فيه ‪ .‬وعمل الناقد البصير هو التحليل لتقرير‬
‫ماهية كتاب أو أثر ‪ .‬فينبئ الناقد بذلك نفسه ‪ ,‬وينبئ‬

‫المؤلف أو المنشئ ‪ ,‬وينبئ الجمهور معنيا ً نزعة من‬
‫نزعات العصر ‪.‬‬
‫**‬
‫نحن في حالتنا الدبية الحاضرة أشبه ما نكون‬
‫بالعبرانيين في صحراء التيه ‪ .‬فأنى لنا الدليل الخبير‬
‫ليسير أمامنا في النهار عمودا ً من السحاب وفي‬
‫الليل عمود نارِ يضيء لنا ؟‬
‫**‬
‫حتى ولو سار العمود أمامك يهديك سواء السبيل فل‬
‫بد أن تكون لنفسك المصباح والدليل ‪.‬‬
‫لعل كلمة " نقد" هي التي أوهمت معالج النقد‬
‫وأوهمت الناس أنه ل بد من الطعن والتحامل ليكون‬
‫النقد "بارعًا"‪ .‬فلو وضعنا " تمييز" مكانها كانت‬
‫أوفى بالغرض ‪.‬‬
‫**‬
‫عاطفة واحدة قد تكفي لتكون شاعرا ً وفنانا ً ‪ .‬أما‬
‫للناقد قل أقل من عاطفتين اثنتين ‪ :‬إحداهما‬
‫للشعور مع موضوعه ‪ ,‬ومثله‪ ,‬وبدرجة انفعاله ‪.‬‬
‫والخرى للتميز عنه ‪ ,‬والعودة إلى شخصيته ‪,‬‬
‫) الناقد ( يستمد منها قوة التبين والحكم ‪.‬‬

‫**‬
‫بسبب هذا التضاعف الفني وهذا الزدواج في‬
‫الشخصية نرى أن أعاظم الشعراء والفنانين لم‬
‫يكونوا في نقدهم دونهم في غررهم البداعية‪.‬‬
‫والذي ل يعرف أن يعجب بنفائس الفن عند دانتي‬
‫مثل ً ‪ ,‬وبتراركا وميكلنجلو وفاجنر وجوتي وهايني ‪.‬‬
‫يستفيد مما تجلى من طبيعتهم في عميق البحث ‪,‬‬
‫ونافذ البصر ‪ ,‬وواسع الطلع ‪ ,‬وعالي الحكم ‪.‬‬
‫**‬
‫ل يحتاج الشاعر إلى أكثر من الشعر ول يحتاج‬
‫العالم إلى غير العلم ‪ .‬أما الناقد فإن لم يكن ذا‬
‫إلمام بالعلوم والتواريخ ‪ ,‬جامعا ً بين الفطانة‬
‫والصدق ‪ ,‬ذا مقدرة لمسايرة أبعد شاعرية وتفهم‬
‫أدق فكرة وقبول كل نظام ‪ ,‬والتقمص في كل‬
‫فرد ‪ ,‬والخضوع لكل تأثير ‪ ,‬إن لم يكن كل ذلك‬
‫تصحبه مواهب أخرى ‪ ,‬فلست أدري ماذا يكون ‪ .‬ول‬
‫هو يدري كيف يتصدى للنقد العام ‪.‬‬
‫**‬
‫تجتاز الرواح النسرية آفاق جيلها كعجائب خارقة ‪,‬‬
‫كظواهر بسيطة ساحرة في رؤى طويلة المد ‪.‬‬

‫**‬
‫الوصف على ثلثة أنواع ‪ :‬وصف الخطوط الظاهرة‬
‫من الحوادث والشخاص والشياء ‪ .‬ووصف تلك‬
‫الخطوط بعد أن تكون أفرغت في الشياء‬
‫والشخاص والحوادث من دماء جراحك ‪ ,‬ونبضات‬
‫قلبك ‪ ,‬وتحليق خيالك ‪ ,‬ولهب أفكارك ‪ ,‬ومرارة‬
‫اختبارك ‪ ,‬وعجيب بداهتك ‪ ,‬وحلوة أملك ‪ .‬ووصف‬
‫آخر ليس فيه حتى ولنسخ الخطوط ‪.‬‬
‫قضبان النوافذ في السجن تنقلب أوتار قيثارة لمن‬
‫يعرف أن ينفث في الجماد حياةً‬
‫أقرأ أحيانا ً ما أسائل نفسي عنده ‪ :‬أأنا أمام صراحة‬
‫جرئ مقدام ؟ أم هذه جسارة من يفتقر إلى‬
‫التثقيف ؟‬
‫**‬
‫يظهر للبيب من جهلك ومعرفتك وحكمتك في ما ل‬
‫تقول في بعض المواقف أكثر مما يظهر لذي الفكر‬
‫العادي في ما تقول وتشرح ‪.‬‬
‫**‬
‫بعض الناس غير موفقين في ألسنتهم‪ :‬فإن أثنوا‬
‫جاء الثناء إهانة ‪ ,‬وإن فخموا جاء التفخيم مهزلة ‪,‬‬

‫وإذا سردوا حكاية أثبت مغزاها عكس ما أرادوا ‪,‬‬
‫وإذا صاموا وصلوا قطع عنهم المن والسلوى ‪.‬‬
‫**‬
‫في عالم المحسوس تهدم أول ً ثم تشيد ‪ .‬أما في‬
‫عالم المعنى فالهدم يتم إذا شئت وأنت تبني ‪.‬‬
‫**‬
‫يأبى جيلنا التحصن في الساليب الماضية لنها ل‬
‫تكفيه ‪ .‬إل أنه لم يهتد إلى أساتذته السائرين في‬
‫طليعته حتى اليوم‪.‬‬
‫النقد وحي لنه يدرك الوحي ويحتضنه ‪ .‬وحرية لن‬
‫ل تمييز في العبودية‬

‫**‬
‫كان عصر النهضة في أوربا فجرا ً لللهام الدبي‬
‫والبداع الفني‪ ,‬والنقد والحرية ‪ .‬وجميعها تسير في‬
‫موكب واحد ‪.‬‬
‫**‬

‫أنشأ النقد الحصيف يظهر هنا وهناك في أنحاء‬
‫العالم العربي‪ .‬إنه كثيرا ً ما ُيضل وكثيرا ً ما يخطئ ‪.‬‬
‫ولكنه سينمو‪ .‬لن براعم البداع والحرية آخذة في‬
‫النمو ‪.‬‬
‫**‬
‫من الكتاب من هو ملخص جلسات ومدون وقائع‬
‫ومنهم كولمبس جاء لقتحام البحار وركوب الخطار‬
‫واكتشاف عوالم مجهولة ‪.‬‬
‫**‬
‫من ظريف النكات في الثناء على المرأة الذكية‬
‫قولهم " إنها تجاري الرجال" ‪ .‬ولماذا ل تكون‬
‫مجارية نفسها التي تكشفتها كل يوم ؟‬
‫ل عجب أن يخاطب الكاتب الجنبي قومه بل شرح‬
‫ول تعليق ‪ .‬أما نحن فعلينا أن نشرح ونعلق لن‬
‫جمهورنا جماهير ‪ ,‬عدا إنه أقل اطلعا ً من الجمهور‬
‫الغربي ‪ .‬وما يعرفه المتلقى دروسه بالنجليزية عن‬
‫تاريخ أمريكا وإنجلترا وحودثهما ورجالهما يجهل‬
‫أكثره المتعلم بالفرنساوية المتضلع في تاريخ فرنسا‬
‫وآدابها ‪ .‬وقس على ذلك ‪.‬‬
‫**‬

‫نحسب أن ما يمكن حصره وتعريفه هو غاية الغايات‬
‫‪ .‬ما أيسر الحاطة بالبركة والحوض ‪ ,‬بينا لن نقوى‬
‫على سبر غور البحر ول في ناحية من نواحيه!‬
‫**‬
‫لقد كان هوغو ظالما يو قال‪ " :‬إن الحسود وصاحب‬
‫الغرض هما اللذان يوحدان بين الشيء العادي‬
‫والفريد "‪ .‬فقد يصدر هذا عن نفوس موفورة‬
‫الفطنة والشعور والنصاف لننا بني النسان‬
‫كالشمس ‪ :‬هي منبع الضياء والحرارة ومع ذلك فل‬
‫تخلو من بقع الجمود والظلم ‪.‬‬
‫**‬
‫كأن القافية من شعرنا نقشت في عقولنا كذلك ‪.‬‬
‫فصرنا ما ذكرناه شخصا ً ‪ .‬أو أمرا ً ‪ .‬أو حادثا ً إل‬
‫حشرناه في بحر ووزن وقافية ‪.‬‬
‫**‬
‫النقد التحليلي أقل حظا ً في النتشار من الهجو‬
‫والطعن وحب التقول‪ .‬ولكن له من ل يرضى‬
‫بغيره ‪ ,‬ولله الحمد !‬

‫**‬
‫ل يقوم الحاضر إل على قاعدة الماضي ‪ ,‬فليذكر‬
‫هذا أولئك الذين يقولون بالهدم " المطلق" !‬
‫**‬
‫الجمال في الداب كما في الشخاص على أنواع‬
‫‪:‬منها الجمال الذي هو لطف باسم ملون وكل ما‬
‫فيه واضح جلي ‪ :‬جمال الصباح ‪ ,‬ومنها جمال هو‬
‫روعة الليل الزاخر بالنس والجلل معا ً ‪ ,‬الزاخر‬
‫بالضواء والسرار والكوان والعجائب ‪.‬‬
‫**‬
‫الحب الذي يجعل العالم هيكل ً حيث تتخشع النفوس‬
‫فتجثو للعبادة والصلة والتحاد الروحي مع جميع‬
‫قوى الكون ‪ -‬هو هذا الذي نعنيه عندما نتكلم عن‬
‫الحب ‪,‬ونعظم عواطف الحب ‪.‬‬
‫للعقول والنفوس كما للجساد مناخ ‪ .‬أل ترى‬
‫كثيرين يمرضون في المكنة المرتفعة أو على‬
‫الواحل ول يستريحون إل في المكنة المعتدلة‬
‫الهواء ؟‬
‫**‬

‫مراعاة لصحتهم يغادر ذوو الحول والصول‬
‫المرتفعات فتظل كما كانت من قبل ‪ :‬مسرحا ً‬
‫للغزلن ‪ ,‬ونزهة للسود ‪ ,‬وموطئا ً للنسور ‪ ,‬وعروشا ً‬
‫للتجلي ‪.‬‬
‫**‬
‫وراء الشرقيين إرث عظيم ‪ :‬إرث الديان والنبوات ‪.‬‬
‫لذلك يتصور بعضهم أن الكاتب ل يكتب ‪ ,‬وأن‬
‫الخطيب ل يخطب إل ليعلم ويهذب ‪.‬‬
‫**‬
‫للسلوب التهذيبي وقته ومكانه ‪ .‬وهو ل يؤدي‬
‫رسالته سواه وإن كره دعاة " الفن للفن " وأنصار‬
‫" الحياة للحياة" ‪ .‬على أن القول الذي يرفع‬
‫النفوس إلى باريها في محافل الصلة من الواعظ‬
‫الديني ‪ ,‬ويرغب في حميد الخلق من الخطيب‬
‫المدني ‪ ,‬يتغير معناه ويفقد قوته يوم يصمم امرؤ‬
‫على أن ل يكتب ال ليرسله ‪ ,‬وأن ل يخطب ال‬
‫ليؤيده ‪.‬‬
‫من أفعل أساليب التهذيب والصلح‪ ,‬الساليب غير‬
‫المباشرة لن القيود ألذ ما تكون للبشر عندما‬
‫يوثقون بها وهم مقتنعون بأنهم لم يصلوا يوما ً إلى‬
‫مثل هذه الحرية ‪.‬‬

‫**‬
‫كأن أعظم صيحة يلقيها العبقري في الناس ‪ ,‬وإن‬
‫هو جهلها ‪ ,‬هي كلمة قالها السيد المسيح للمخلع "‬
‫قم احمل سريرك وامش !"‪.‬‬
‫**‬
‫ينهض الجمهور ‪ ,‬أو أفراد منه ‪ ,‬لمباراة السابقين‬
‫ويمضي هؤلء في تحليقهم المألوف لهم فتظل‬
‫المسافة متشابهة ‪ ,‬أو هي تتزايد اتساعا ً ‪ ,‬بينهم‬
‫وبين المتسلقي آفاقهم ‪ .‬وهنا ينفذ نظام بقاء‬
‫الصلح في صورة من صوره المسارعة ‪ :‬فالضعيف‬
‫يندحر ويهبط‪ ,‬ويتحكم ‪ .‬وذو الكفاءة يرتفع إلى‬
‫أعلى مرتبة يمكن أن يدركها ‪.‬‬
‫**‬
‫وهذا الندفاع إلى المام ل حد له ول نهاية ‪.‬‬
‫**‬
‫وراء كل أفق أفق ينفسح ‪ .‬كذلك الحياة دوما ً في‬
‫تكرر والفكر في تنوع ‪ ,‬والفن في تجدد ‪.‬‬

‫ب‬
‫شَرٌر وحب َ َ‬

‫• حكمة اليوم في مذكرتي تقول إن الدعة أقدر من‬
‫الحدة ‪ ,‬كما إن أعظم الدهاء يكون أحيانا ً في‬
‫البساطة ‪.‬‬
‫• كيف أشفق على الذي يبدد ألمه في الشكاية‬
‫والتظلم فل يبقى منه ما يستدعي الشفقة ؟ كل‬
‫شفقتي تتجه إليك أنت الذي ل تشكو مع إن ألمك‬
‫صامت ل حد له ول نهاية ‪.‬‬
‫• هل من سبيل إلى حل عقدة تستوجب القطع ‪,‬‬
‫وكلما لمستها علمت أن خيوطها من نياط قلبك ؟‬
‫• ل يضعف الثناء والطعن كالكلم الحماسي‬
‫والتبجيل في ما هو عادي والكلم الفاتر في ما هو‬
‫عظيم جليل ‪.‬‬
‫• تتهيب المرأة أمام مقدرة الرجل لعتقادها أنه‬
‫أبرع منها في اللمام بالمور من جميع جهاتها فما‬
‫أشد خيبتها يوم ترى الرجل الذكي الحساس ل يدرك‬

‫ول يريد أن يدرك من الحسنات أو السيئات إل وجها ً‬
‫واحدا ً فقط !‬
‫• كم نتذرع بالذكاء والعلم لنقول كلما ً سخيفا ً "‬
‫بأستاذية"!‬
‫• من خساسة النفاق أنه يتكلم بلهجة تحاذي‬
‫الصدق ويتلون بلون الواقع المحسوس‪.‬‬
‫• أليس من المدهشات أن مظاهر الباطل أقدر في‬
‫القناع أحيانا ً من مظاهر الحق؟‬
‫• كنت أحسب الباطل مركبا ً معقدا ً والحق بسيطا ً‬
‫واضحا ً أما الن فقد بدأت أرتاب وأتساءل لماذا ترى‬
‫الناس أقرب ما يكونون إلى اعتناق الباطل؟‬
‫• ل تلمس الحق البسيط الجلي إل النفس البصيرة‬
‫الرفيعة‪.‬‬
‫• ترى أي صدق وأي حق يظهر براءتك أمام أناس‬
‫وطدوا النفس على تجريمك والحكم عليك ؟‬
‫• اللم الكبير تطهير كبير‪.‬‬
‫• أخرج من بعض الجتماعات شاعرة بأن الناس‬
‫أخذوا مني شيئا ً كثيرا ً أقضي أسابيع في الستيلء‬
‫عليه من جديد – دون أن أعرف ما هو ‪.‬‬
‫• ليس ما يحمل على تقدير الحياة وحبها كشهامة‬
‫الرجل الشهم‪.‬‬

‫• يخيل أحيانا ً للمتأمل باستئثار المرتبة والمجتمع أن‬
‫الفرد آلة لهما ل إنهما للفرد ومنه‪.‬‬
‫• القلب الكبير الذي يحوي العالم يضيق بالقلب‬
‫الصغير يوم يزعم هذا السيطرة عليه وتنظيم عمله‪.‬‬
‫• ل يتيسر التساهل مع القلوب المحدودة‪ ,‬والعقول‬
‫الصغيرة ‪ ,‬والمقاصد الركيكة إل وهي بعيدة‪.‬‬
‫• بعض الباحثين طويل ً عن كلمة ظريفة يفاجئون بها‬
‫العالم – ل ينقصهم ليكونوا ظرفاء إل أن يكونوا‬
‫ظرفاء‪.‬‬
‫• ما أثمن نصيحة صديقك المخلص الحكيم عندما‬
‫تشط عن طيش أو عن قلة مبالة!‬
‫• ألقى روماني شهير إلى الجاهل بهذه النصيحة ‪" :‬‬
‫انظر واسمع واسكت !" والذي يفهم هذا ويحققه‬
‫في حياته ل يكون جاهل ً بل هو العليم الحكيم‪.‬‬
‫• أجل‪ -‬لكل منا حق على الحياة والحرية والراحة ‪.‬‬
‫ولكن ليس على راحة الخرين ول حياتهم ول‬
‫حريتهم‪.‬‬
‫• الختبار والعلم يصقلن العبقرية ولكن ل يقومان‬
‫مقامها‪.‬‬
‫• للنبوغ مؤمنون وكافرون‪.‬‬

‫• لو أرغمت على قبول أحد الثلثة فأيهم تختار ‪:‬‬
‫الذي يعاديك علنا ً ويرجمك صراحا ً مؤول ً كل حسنة‬
‫فيك ومنقصا ً لك كل فضل؟ أم العدو المتقمص‬
‫بثوب الصديق الذي يدس وراء كل ثناء ظاهر ضعفه‬
‫من الطعن؟ أم الذي يبدأ بالثناء عليك أجمل الثناء‬
‫ليصدق الناس بعدئذ افتراءه بحجة ذلك الثناء‬
‫المضلل؟‬
‫• قبل أن تمزقنا ظلما ً أظافر الحياة نشفق على‬
‫الذين يموتون ونحسبهم محرومين من جمال الكون‬
‫وهناء العمر وبعدئذ – بعدئذ يوم تقسو الحياة على‬
‫شبابنا وقلوبنا وأفكارنا وآمالنا نغبط الذين مضوا‬
‫ونعلم أنهم من المختارين المحبوبين‪.‬‬
‫• اللم محسن كبير لنه يجردنا من الغرور والدعوى‬
‫‪.‬‬
‫• يحسب بعضهم أن السدود التي يجتهدون كثيرا ً‬
‫في إقامتها تكفي لطفاء نور الشمس وتضيق رحاب‬
‫الفلك‪.‬‬
‫• ما أشقى المحسود وما أحراه بالعطف! وما‬
‫أشقى الحسود وما أحراه بالعطف ‪.‬‬
‫ذب والمع ّ‬
‫مع ّ‬
‫ذب ل تجد إل النسانية‬
‫• في ال ٌ‬
‫المتسلقة طريق جلجلتها راسفة في القيود‪ ,‬دامية‬
‫الجراح‪ ,‬وفي صميم قلبها عتاب للحياة التي لم‬
‫تسمح أن تكون صالحة كما كانت تود أن تكون‪.‬‬

‫• لو كانت السعادة متعلقة بشأن أو شأنين من‬
‫شؤون الحياة لتيسرت لجميع الناس دهرا ً بعد دهر‬
‫ولكنها ‪ ,‬كالشقاء‪ ,‬تتألف من جميع عناصر الحياة‪,‬‬
‫ووقع كل من تلك العناصر يختلف باختلف المزجة‬
‫لذلك تجد البحث عنها متواصل ً والتساؤل عنها‬
‫متجددا ً في كل قلب ينبض ويتألم‪.‬‬
‫• جبار هو ذاك الذي يكون شعاره في الحياة ‪" :‬‬
‫سأتألم ‪ ,‬ولكني لن أغلب !"‪.‬‬
‫• كل – كل ! ل ظلم في الحياة وإنما هي أنظارنا‬
‫الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه‪.‬‬

‫جبران خليل جبران‬
‫يصف نفسه بيده في رسائله‬
‫من الناس من يعيش للمال ‪ ,‬ومنهم من يعيش‬
‫للمجد ‪ ,‬أو لخدمة الوطن أو للعلم ‪ ،‬ولخدمة نفسه‬
‫والسعي وراء مسرته ‪ .‬ومنهم من يعيش لقلبه نائحا ً‬
‫على حب مضى منتظرا ً حبا ً مقبل ً ‪ .‬ومنهم من‬
‫يعيش يومه ليومه وساعته لساعته ومنهم من يعيش‬
‫لسرته أو لبعض أفرادها ولو على حساب الفراد‬
‫الخرين ‪ .‬غايات ل عداد لها تتنوع باختلف الناس‬

‫وباختلف استعداداتهم ومداركهم ‪ .‬فلي شيء كان‬
‫يعيش جبران خليل جبران ؟‬
‫إن الذين تتبعوا كتاباته قد كانوا يظنون أنه يعيش‬
‫لفنه الثلثي ‪ :‬من أدب باللغة العربية ‪ ,‬وأدب باللغة‬
‫النجليزية وتصوير يدوي ورسم ‪ .‬ولكنه في الواقع‬
‫لم يكن يعيش لشيء من هذا ‪ .‬ها هو ذا يصف‬
‫نفسه – وبأية بلغة نادرة فريدة ! – في رسائل لم‬
‫يفكر يوما ً في أنها ستنشر عند وفاته ول أنا تخيلت‬
‫مرة أني سأنشر شيئا ً منها وبخاصة في مثل هذا‬
‫الظرف ‪:‬‬
‫" ‪ ..‬صحتي اليوم أردأ نوعا ً مما كانت عليه في بدء‬
‫الصيف ‪ .‬فالشهور الطويلة التي صرفتها بين البحر‬
‫والغاب قد وسعت المجال بين روحي وجسدي ‪ .‬أما‬
‫هذا الطائر الغريب ) يعني قلبه وقد كان مصابا ً‬
‫فيه ( الذي كان يختلج أكثر من مئة مرة في الدقيقة‬
‫فقد أبطأ قليل ً بل كاد يعود إلى نظامه العتيادي ‪.‬‬
‫غير أنه لم يتماهل إل بعد أن هد أركاني وقطع‬
‫أوصالي ‪ .‬إن الراحة تنفعني من جهة وتضر بي من‬
‫جهة أخرى ‪ .‬أما الطباء والدوية فمن علتي بمقام‬
‫الزيت من السراج ‪ .‬ل ‪ ,‬لست بحاجة إلى الطباء‬
‫والدوية ‪ ,‬ولست بحاجة إلى الراحة والسكون ‪ .‬أنا‬
‫بحاجة موجعة إلى من يأخذ مني ويخفف عني ‪ ,‬أنا‬
‫بحاجة إلى فصادة معنوية ‪ ,‬إلى يد تتناول مما‬
‫ازدحم في نفسي ‪ ,‬إلى ريح شديدة تسقط أثماري‬
‫وأوراقي ‪ .‬أنا ‪ ,‬يا مي ‪ ,‬بركان صغير سدت فوهته‬
‫فلو تمكنت اليوم من كتابة شيء كبير وجميل‬
‫لشفيت تماما ‪ .‬لو كان بإمكاني أن أصرخ صوتا ً عاليا ً‬

‫لعادت إلي عافيتي ‪ ,‬وقد تقولين " لماذا ل تكتب‬
‫فتشفى لماذا ل تكتب فتتعافى ؟"‬
‫وأنا أجيبك " ل أدري ‪ .‬ل أدري ‪ .‬ل أستطيع الصراخ‬
‫وهذه هي علتي ‪ .‬هي علة في النفس ظهرت‬
‫أعراضها في الجسد ‪.‬‬
‫" وتسألين الن " إذن ما أنت فاعل ؟ وماذا عسى‬
‫تكون النتيجة؟ وإلى متى تبقى هذه الحالة ؟"‬
‫" أقول إنني سأشفى ‪ .‬أقول إني سأنشد أغنيتي‬
‫فأستريح ‪ .‬أقول إنني سأصرخ من أعماق سكينتي‬
‫صوتا ً عاليا ً ‪ .‬بالله عليك ل تقولي لي " لقد أنشدت‬
‫كثيرا ً وما أنشدته كان حسنا " ل تذكري أعمالي‬
‫ومآثري الماضية لن ذكرها يؤلمني ‪ ,‬لن تفاهتها‬
‫تحول دمي إلى نار محرقة ‪ ,‬لن نشوتها تولد‬
‫عطشي ‪ ,‬لن سخافتها تقيمني وتقعدني ألف مرة‬
‫ومرة في كل يوم وفي كل ليلة ‪ .‬لماذا كتبت تلك‬
‫المقالت وتلك الحكايات ؟ لماذا لم أصبر ؟ لماذا لم‬
‫أضن بالقطرات فأدخرها وأجمعها ساقية ؟ وقد‬
‫ولدت وعشت لضع كتابا ً – كتابا واحدا صغيرا – ل‬
‫أكثر ول أقل ‪ .‬قد ولدت وعشت وتألمت وأحببت‬
‫لقول كلمة واحدة حية مجنحة ‪ ,‬لكني لم أصبر ‪ ,‬لم‬
‫أبق صامتا حتى تلفظ الحياة تلك الكلمة بشفتي ‪.‬‬
‫لم أفعل ذلك بل كنت ثرثارا فياللسف وياللخجل !‬
‫وبقيت ثرثارا ً حتى أنهكت الثرثرة قواي ‪ .‬وعندما‬
‫صرت قادرا على لفظ أول حرف من كلمتي‬
‫وجدتني ملقى على ظهري وفي فمي حجر صلد ‪.‬‬
‫" ل بأس ‪ ..‬إن كلمتي لم تزل في قلبي وهي كلمة‬
‫حية مجنحة ول بد من قولها ‪ .‬ل بد من قولها لتزيل‬

‫بوقعها كل ما أوجدته ثرثرتي من الذنوب ‪ .‬ل بد من‬
‫إخراج الشعلة ‪"...‬‬
‫هذا ما يقوله ذاك الذي لم يكتب يوما ً إل الكلمة‬
‫المجنحة الحية المحيية ‪ .‬هذا ما يقوله ذاك الذي لم‬
‫تكن كل كلمة كتبها إل شعلة منفصلة عن شعلة‬
‫روحه أي عبقري ل يخجل بكتاباته السالفة ‪ ,‬نظرا‬
‫لسرعة التطور المكتسح كيانه ؟ إن العبقرية الحقة‬
‫كثيرا ما تقاس بهذا الخجل الذي ينتاب صاحبها ‪ ,‬ولو‬
‫هو حاز بكتاباته إعجاب العالم ‪.‬‬
‫كتب رسالته تلك بعد إصدار كتابه " النبي" الذي‬
‫تناولته بالترجمة إلى لغاتها عشرة شعوب مختلفة‬
‫وكانت مجلت العالم وصحفه تتناقل كلمات جبران ‪,‬‬
‫ابن الشر ورسومه التي ل تضاهى ‪ .‬رسوم وكلمات‬
‫ل يأتي بها إل ذو المواهب الفذة ‪ ,‬الذي جرده تهذيبه‬
‫لفنه من كل زهو وكل دعوى ‪ ,‬فسار شوطا بعيدا‬
‫في جادة الوحدة الرهيبة التي ل يقوى على سلكها‬
‫إل الخلق المبدع من بني النسان ‪.‬‬
‫إن جبرانا لم يكن ليسير وحده ‪ ,‬بل كان شبح‬
‫الموت يماشيه أنى ذهب ‪ .‬كان يعرف نفسه مقبل‬
‫على الرحيل بينما هو يصدر كتبه بالنجليزية "‬
‫المجنون" و" السابق" و "النبي" و " رمل وزبد" و"‬
‫يسوع ابن النسان" تحفة تلو الخرى ‪ ,‬فضل عن‬
‫كتبه العربية التي نعرفها جميعا وفضل عن‬
‫مجموعات رسومه التي كانت مفخرة العبقرية‬
‫الشرقية بين أقوام تعرف معنى العبقرية ول يفوتها‬
‫من خصائصها شيء ‪ .‬وكان آخر كتبه النجليزية‬

‫كتاب " آلهة الرض" الذي نعكف اليوم على‬
‫مطالعته – وبأي حزن ! – وقد تلقيناه يوم إذاعة‬
‫نعيه في مصر ‪ ,‬وفيه اثنتا عشرة صورة من رسم‬
‫يده ‪ .‬تلك كانت شيمة جبران في مؤلفاته النجليزية‬
‫وفي بعض رسائله الخاصة أيضا ً إذ كان يلخص‬
‫الجملة والمعنى رسما على هامش القرطاس في‬
‫الغالب ‪ ,‬أو هو يشرحه في صورة عجيبة تشغل‬
‫الصفحة بحذافيرها ‪ .‬ليعود مرة بعد مرة إلى رسم‬
‫شعاره التصويري الذي يمثل يدا تقدم كل حياتها‬
‫وقودا ً ‪ ,‬وتظل اللهب خارجة من تلك اليد الكريمة‬
‫وصاحبها يفكر في الحياة كما يفكر في الموت ‪.‬‬
‫فيقول في خطاب آخر كتبه بعد شهور طويلة ‪.‬‬
‫" أتعلمين ‪ ,‬يا مي ‪ ,‬أني ما فكرت في النصراف‬
‫) الذي يسميه الناس موتا ً ( إل وجدت في التفكير‬
‫لذة غريبة وشعرت بشوق هائل إلى الرحيل ‪ .‬ولكني‬
‫أعود فأذكر أن في قلبي كلمة ل بد من قولها فأحار‬
‫بين عجزي واضطراري وتغلق أمامي البواب ‪.‬‬
‫"ل " لم أقل كلمتي بعد ‪ ,‬ولم يظهر من هذه‬
‫الشعلة غير الدخان ‪ ,‬وهذا ما يجعل الوقوف عن‬
‫العمل مرا كالعلقم ‪ .‬أقول لك ‪ ,‬يا مي ‪ ,‬ول أقول‬
‫لسواك إني إذا انصرفت قبل تهجئة كلمتي ولفظها‬
‫فإني سأعود ثانية لتحقيق أمنيتي ‪ .‬سأعود لقول‬
‫الكلمة التي تتمايل الن كالضباب في سكينة‬
‫روحي ‪.‬‬

‫" أتستغربين هذا الكلم ؟ إن أغرب الشياء أقربها‬
‫إلى الحقائق الثابتة ‪ .‬وفي الرادة البشرية قوة‬
‫واشتياق يحولن السديم فينا إلى شموس ‪"...‬‬
‫إننا ننحني أمام ضريح جديد بعيد نام فيه ذاك القائل‬
‫‪ ":‬إن حنيني إلى الشرق يكاد يذيبني ‪ .‬فمتى ‪ ,‬متى‬
‫أعود إلى بلدي ؟"‪ .‬ننحني أمام القبر الذي ينام فيه‬
‫رجل هو بروحه للنسانية كلها ولكنه بجسده غريب‬
‫بين الغرباء ‪ .‬أننحني لنقول كلمة الوداع ؟ لقد جزنا‬
‫هذا التطور من الغفلة فصرنا نعلم أن الناس إلى‬
‫الدار الخرى متتابعون ‪...‬‬
‫فهنيئا لك برحيلك ‪ ,‬يا أخي ‪ ,‬لقد أعطيت كثيرا ‪ ,‬وإن‬
‫أغاظتك هذه الكلمة ‪ ,‬لقد أعطيت كثيرا وقال فيك‬
‫الشرق للغرب " هاأنا ذا !" كما قال فيك الشرق‬
‫الناهض لنفسه " هاأنا ذا ! ها أنا ذا !" حسنا فعلت‬
‫بأن رحلت !‬
‫فإذا كان لديك كلمة أخرى فخير لك أن تصهرها‬
‫وثقفها وتطهرها وتستوفيها في عالم ربما كان‬
‫يفضل عالمنا هذا في أمور شتى ‪...‬‬
‫حسنا فعلت بأن رحلت ‪ ,‬يا أخي ! ففي ذمة الله‬
‫وفي رحمته التي تسعنا جميعا أحياء كنا أو أمواتا !‬

‫ي‬
‫م ّ‬