‫أصول الحكم على المبتدعة عند شيخ السلم ابن تيمية‬

‫د‪.‬أحمد بن عبدالعزيز الحليبي‬
‫المقـدمـة‬
‫الحمد ل رب العالمين‪ ،‬والصلة والسلم على الهادي المين‪ ،‬نبينا محمد‪ ،‬وعلى آله وصحبه ومن‬
‫سار على نهجه واتبع سنته إلى يوم الدين‪.‬‬
‫أما بعد ‪:‬‬
‫فإن نقد مقالت المبتدعة وأعمالهم ومسالكهم‪ ،‬والرد عليهم‪ ،‬وكشف ما عندهم من باطل‪ ،‬والتحذير‬
‫من زيفهم‪ ،‬وظيفــة العلمــاء‪ ،‬ل يجوز التساهل فيها‪ ،‬أو التقصير في أدائها‪ ،‬إذ بها تتم حماية الدين‬
‫ونقاوته من شائبة الباطل‪ ،‬وقد أكمل ال دينه‪ ،‬وأتم نعمته‪ ،‬ورضي السلم الذي جاء به محمد صلى‬
‫ال عليه و سلم دينًا‪ ،‬قال تعالى ‪( :‬اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم السلم‬
‫دينًا) (المائدة ‪ .)3 :‬وقال تعالى ‪( :‬وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (الحشر ‪.)7 :‬‬
‫ث فِي َأمْــ ِرنَا هَــذَا ما ليس منه فهو رَدّ) (‪ ،)1‬وفي رواية ‪:‬‬
‫حدَ َ‬
‫وقال صلى ال عليه و سلم ‪( :‬مَنْ َأ ْ‬
‫عمِلَ عملً ليس عليه أمرُنا فهو رَدّ) (‪.)2‬‬
‫(من َ‬
‫قد أقام ال تعالى للعلماء ميزان الحق‪ ،‬الذي َيزِنُون به القوال المخالفة‪ ،‬ويصدرون عنه أحكامهم‪..‬‬
‫أقامه على العلم والعدل ‪ :‬العلم الذي يتبين به الحق من الباطل‪ ،‬وتُقام به الحجة على قائله أو فاعــله‪،‬‬
‫قال تعالى ‪( :‬ول تَقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئول)‬
‫(السراء ‪ ،)36 :‬والعدل الذي يثبت به لكل ذي حق حقه من مدح أو ذم غير مغموط فيه‪ ،‬ول‬
‫متعتع‪ ،‬وبقدر متساوٍ مع الولياء والعداء‪ ،‬قال تعالى ‪( :‬يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ل شهداء‬
‫بالقسط ول يجرمنكم شنآن قوم على أن ل تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) (المائدة ‪.)8 :‬‬
‫ويُعد شيخ السلم ابن تيمية عََلمًا من أعلم الدين‪ ،‬وإمامًا من أئمة الهدى‪ ،‬نَافَحَ بلسانه وقلمه عن‬
‫سنّة‪ ،‬وجاهد بنفسه رؤوس الفتنة‪ ،‬ووقف موقف البطال من دعاة البدعة‪ ،‬وصبر على ما لقاه في‬
‫ال ّ‬
‫سبيل إعلء كلمة ال من ال َعنَت والمحنة‪ ،‬فلم تَلن له قناة‪ ،‬ولم تهن له عزيمة‪ ،‬حتى أظهر ال بعلمه‬

‫وجهاده ومواقفه منهج أهل السنة‪ ،‬ونشر على يديه عقيدتهم‪ ،‬بعد أن كانت الغلبة في عصره لعقائد‬
‫أهل الكلم‪ ،‬والرواج لقوال أهل البتداع‪.‬‬
‫واعتمد ابن تيمية في كل ما خاض الناس فيه من أقوال وأعمال في أصول الدين وفروعه‪ ،‬على‬
‫كتاب ال وسنة رسوله صلى ال عليه و سلم‪ ،‬غير متبع لهوى‪ ،‬أو مقلد لشخاص‪ ،‬فإن ال ذم في‬
‫كتابه الذين يتبعون الظـن وما تهوى النفس‪ ،‬ويتركون اتباع ما جاءهم من ربهم الهدى‪ ،‬قــــال ال‬
‫تعالـــــى ‪( :‬إن هي إل أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل ال بها من سلطان إن يتبعون إل الظن‬
‫وما تهوى النفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) (النجم ‪ ،)23 :‬وأقام العدل في حكمه على أقوال‬
‫الناس وأعمالهم‪ ،‬وإن كانوا من المخالفين له في الصول‪ ،‬مراعيا ما يسوغ فيه الخلف‪ ،‬أو ما يقع‬
‫فيه خطأ بسبب اجتهاد‪ ،‬أو تأول صحيــح‪ ،‬أو ما يلئمه التماس العذر للمخالف‪ ،‬فإن ذلك أسلم من‬
‫الوقوع في الظلم الذي حرمه ال تعالى على عباده‪ ،‬أو القول على ال بغير حق‪ ،‬وذلك أقرب‬
‫للتقوى‪.‬‬
‫فكان ابن تيمية قائمًا بميزان الحق‪ ،‬الذي صرّح بوجوب الوزن به‪ ،‬وأنه الحد الفاصل بين منهج أهل‬
‫السنة والجماعة‪ ،‬ومنهج أهل البدع والغواية في الكلم على الناس‪ ،‬قائلً ‪( :‬والكلم في الناس يجب‬
‫أن يكون بعلم وعدل‪ ،‬ل بجهل وظلم‪ ،‬كحال أهل البدع) (‪.)3‬‬
‫ذلك أن الصل حفظ جارحة اللسان من القول إل حقًا‪ ،‬وحماية أعراض الناس من انتهاكها زورًا‬
‫ن بالِ واليومِ الخ ِر فلي ّتقِ الَ وليَقُلْ حقّا أو‬
‫وبُهتانًا‪ ،‬قال صلى ال عليه و سلم ‪( :‬مَن كانَ يؤم ُ‬
‫حسْبِ امرئٍ من الشرّ أن َيحْ ِقرَ َأخَاه المسلم‪ ،‬كلّ‬
‫سكُت) (‪ ،)4‬وقال صلى ال عليه و سلم ‪ِ ( :‬ب َ‬
‫ل َي ْ‬
‫ع ْرضُه) (‪.)5‬‬
‫المسلمِ على المسلم حَرام‪َ ،‬دمُهُ ومالُهُ و ِ‬
‫وقد ح ّرمَ ال سبحانه أذية المؤمنين‪ ،‬أو إساءة الظن بهم أو غيبتهم‪ ،‬فقال سبحـانــه ‪( :‬والذين يؤذون‬
‫المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا ) ( الحــزاب ‪ .) 58 :‬وقال‬
‫تعالى ‪( :‬يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ول تجسسوا ول يغتب‬
‫بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه واتقوا ال إن ال تواب رحيم)‬
‫ظمَ القول في المسلم بغير علم‪ ،‬مرشدًا إلى إمساك اللسان عن الخوض في‬
‫عّ‬
‫(الحجرات ‪ ،)12 :‬و َ‬
‫عرضه بغير حق‪ ،‬وموجهًا إلى تبرئة ساحته مما قيل فيه‪ ،‬إبقاء على الصل ‪ :‬وهو عدالته من‬
‫الجارح‪ ،‬وسلمته من القادح‪ ،‬قال تعالى ‪( :‬إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم‬
‫وتحسبونه هينًا وهو عند ال عظيم ولول إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك) (النور‬
‫‪.)1516 :‬‬
‫إن اعتماد العلم والعدل شرطان في الكلم على الناس عمومًا‪ ،‬وفي الحكم على أقوال المخالفين‬
‫وأعمالهم خصوصًا‪ ..‬ل يعني المداهنة مع المبتدعة‪ ،‬ول الدفاع عن باطلهم‪ ،‬ول تذويب العقيدة أو‬
‫إضعاف جانبها أمام الضللة‪ ،‬أو التقصير نحو إظهارها أو إعلئها على غيرها من القوال والراء‬
‫المخالفة‪ ،‬لكنه المنهج الحق الذي شرعه ال لنبيائه وعباده‪ ،‬وارتضاه لهم في كتبه‪ ،‬واتبعه رسوله‬
‫صلى ال عليه و سلم‪ ،‬وسار عليه سلف المة وعلماؤها‪ ..‬يقول عنه شيخ السلم ابن تيميــة بعد‬
‫ع النبياء هم أهل العلم والعدل‪ ،‬كان كلم أهل السلم والسنة‪ ،‬مع الكفار‬
‫تقريــره ‪( :‬ولما كان َأ ْتبَا ُ‬
‫وأهل البدع‪ ،‬بالعلم والعدل ل بالظن وما تهوى النفس) (‪.)6‬‬

‫يستهدف هذا المنهج ضبط الحكام‪ ،‬لتصدر بعد تحر وتثبت‪ ،‬وصيانتها من النسياق مع جواذب‬
‫الهواء‪ ،‬وسلمتها من الجهل على الناس وبخسهم حقوقهم‪ ..‬ويتحقق هذا المنهج في صياغة أصول‬
‫كلية قائمة على الدلة المعتبرة‪ ،‬يرجع إليها من احتاج الكلم في الناس‪ ،‬والحكم على أقوالهم‬
‫وأعمالهم كلما اقتضت الحاجة‪ ،‬تفاديًا لما ينشأ عن الجهل بها من مفاسد وعظائم ل تخفى‪.‬‬
‫ومن يراجع كتب شيخ السلم ابن تيمية ورسائله‪ ،‬يصل إلى نتيجة واضحة‪ ،‬هي تمكّنه من تحديد‬
‫هذه الصول‪ ،‬التي كثيرًا ما كان يشير إليها بحسب ما يقتضي المقام‪ ،‬عند حواره ومناقشته ورده‬
‫على مقالت المبتدعة وأعمالهم‪ ،‬والتي ساعدته على وحدة أسلوبه واستواء أحكامه‪ ..‬وقد أبان رحمه‬
‫ال‪ ،‬أهميتها‪ ،‬فقال ‪( :‬لبد أن يكون مع النسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات‪ ،‬ليتكلم بعلم وعدل‪،‬‬
‫ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت‪ ،‬وإل فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات‪ ،‬وجهل وظلم في‬
‫الكليات‪ ،‬فيتولد فساد عظيم) (‪.)7‬‬
‫إن أهمية هذه الصول تتلخص في أمرين ‪:‬‬
‫الول ‪ :‬أنها قاعدة الوصول إلى أحكام دقيقة ومنضبطة ومنصفة‪ ،‬مبنية على العلم والعدل‪ ،‬وملتزمة‬
‫بالمنهج الحق‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬أنها سبيل الوقاية من التخبط في الحكام على غير هدى‪ ،‬وما يتولد عنه من أضرار كبيرة‬
‫ومفاسد عظيمة‪ ،‬تلحق بالفراد والجماعات‪.‬‬
‫لهذه الهمية‪ ،‬رأيتُ جمع هذه الصول المتناثرة في مواضع مختلفة من مؤلفات شيخ السلم ابن‬
‫تيمية‪ ،‬لكي يسهل النتفاع بها والرجوع إليها‪ ،‬وقد حافظتُ على نصها‪ ،‬معتمدًا على النقل من‬
‫مظانها‪ ،‬ومجتهدًا في ترتيبها على حسب مراده منها‪ ،‬باذلً غاية جهدي في التعرف على الصول‬
‫التي اعتمدها في الحكم على المبتدعة والكلم فيهم‪ ،‬ول أقول ‪ :‬إني استطعتُ الحاطة بجميعها أو‬
‫اللمام بأجزائها‪ ،‬ولكن حسبي أني جمعت ما تيسر لي منها مما أمكنني الوقوف عليه‪.‬‬
‫وال أسأل أن يلهمني رشدي‪ ،‬وأن يرزقني صوابًا في القول والعمل‪ ،‬وال وحده الهادي إلى سواء‬
‫السبيل‪.‬‬
‫د‪ .‬أحمد بن عبد العزيز الحليبي‬

‫ترجمة شيخ السلم ابن تيمية‬
‫هو المام المجتهد شيخ السلم‪ ،‬تقي الدين أبو العبـــاس أحمـــد ابن عبد الحليـــم بن عبد الســلم‬
‫بن عبــد ال بن الخضـــر بن محمـــد ابن الخضر بن علي بن عبد ال بن تيمية الحراني(‪.)8‬‬
‫ولد بحَرّان(‪ )9‬يوم الثنين عاشر ربيع الول‪ ،‬سنة إحدى وستين وستمائة‪ ،‬ونشأ في بيئة علمية‪،‬‬
‫فكان جده أبو البركات عبد السلم(‪ )10‬ابن عبد ال‪ ،‬صاحب كتاب ‪( :‬المنتقى من أخبار المصطفى‬

‫صلى ال عليه و سلم)‪ ،‬من أئمة علماء المذهب الحنبلي‪ ،‬ووالده من علماء المذهب‪ ،‬اشتغل بالتدريس‬
‫والفتوى‪ ،‬وولي مشيخة دار الحديث السكرية حتى وفاته(‪.)11‬‬
‫انتقل مع أسرته إلى دمشق على إثر تخريب التتار لبلده حران‪ ،‬وهو ابن سبع سنين‪ ،‬وبدت عليه‬
‫مخايل النجابة والذكاء والفطنة منذ صغره‪ ،‬فحفظ القرآن في سن مبكرة‪ ،‬ولم يتم العشرين إل وبلغ‬
‫من العلم مبلغه‪ ،‬ذكر ابن عبد الهادي(‪ )12‬في ترجمته ‪ :‬أن (شيوخه الذين سمع منهم أكثر من مائتي‬
‫شيخ‪ ،‬سمع مسند المام أحمد بن حنبل(‪ )13‬مرات‪ ،‬وسمع الكتب الستة الكبار والجزاء‪ ،‬ومن‬
‫مسموعاته معجم الطبراني(‪ )14‬الكبير‪ ،‬وعُني بالحديث‪ ،‬وقرأ ونسخ وتعلم الخط والحساب في‬
‫المكتب‪ ،‬وحفظ القرآن‪ ،‬وأقبل على الفقه‪ ،‬وقرأ العربية على ابن عبد القوي(‪ ،)15‬ثم فهمها‪ ،‬وأخذ‬
‫يتأمل كتاب سيبويه(‪ ،)16‬حتى فهم في النحو‪ ،‬وأقبل على التفسير إقبالً كليًا‪ ،‬حتى حاز فيه قَصَب‬
‫السّبق‪ ،‬وأحكم أصول الفقه وغير ذلك‪ ،‬هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة‪ ،‬فانبهر أهل دمشق‬
‫من فرط ذكائه‪ ،‬وسيلن ذهنه‪ ،‬وقوة حافظته‪ ،‬وسرعة إدراكه) (‪.)17‬‬
‫أفتى وله تسع عشرة سنة‪ ،‬وشرع في التأليف وهو ابن هذا السن‪ ،‬وتولى التدريس بعد وفاة والده‪،‬‬
‫سنة ‪682‬هـ بدار الحديث السكرية‪ ،‬وله إحدى وعشرون سنة‪ ،‬حتى اشتهر أمره بين الناس‪ ،‬وبعد‬
‫صيته في الفاق(‪ ،)18‬نظرًا لغزارة علمه وسعة معرفته‪ ،‬فقد خصه ال باستعداد ذاتي أهّله لذلك‪،‬‬
‫منه قوة الحافظة‪ ،‬وإبطاء النسيان‪ ،‬فلم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء إل ويبقى غالبًا على‬
‫خاطره‪ ،‬إما بلفظه أو معناه(‪ .)19‬ففي محنته الولى بمصر‪ ،‬صنف عدة كتب وهو بالسجن‪ ،‬استدل‬
‫فيها بما احتاج إليه من الحاديث والثار‪ ،‬وذكر فيها أقوال المحدثين والفقهاء‪ ،‬وعزاها إلى قائليها‬
‫بأسمائهم‪ ،‬كل ذلك بديهة اعتمادًا على حفظه‪ ،‬فلما روجعت لم يعثر فيها على خطأ ول خلل(‪.)20‬‬
‫قضى حياته في التدريس والفتوى والتأليف والجهاد‪ ،‬فكانت تفد إليه الوفود لسماع دروسه‪ ،‬و َت ِردُه‬
‫الرسائل للستفتاء في مسائل العقيدة والشريعة‪ ،‬فيجيب عليها كتابة‪ ..‬ترك ثروة علمية تدل على‬
‫غزارة علمه وسعة اطلعه‪ ،‬وتكامل إدراكه لطراف ما يبحثه واستوائه لديه‪ ،‬ومن ذلك مسائل علم‬
‫الكلم ومباحث الفلسفة‪ ،‬فهو يناقش المتكلمين والفلسفة بأدلتهم‪ ،‬وينقد مناهجهم‪ ،‬ويبطل حججهم بثقة‬
‫وعلم‪ ،‬ذكر ابن عبد الهادي أن مصنفاته وفتاواه ورسائله ل يمكن ضبط عددها‪ ،‬وأنه ل يَعلم أحدًا‬
‫من متقدمي المة جمع مثل ما جمعه‪ ،‬وصنف نحو ما صنفه(‪.)21‬‬
‫شارك في معركة شقحب‪ ،‬التي وقعت بين أهل الشام والبُغاة من التتار‪ ،‬بقرب دمشق في شهر‬
‫رمضان سنة ‪702‬هـ‪ ،‬وانتهت بانتصار أهل الشام ودحر التتار‪ ،‬الذين أرادوا بسط نفوذهم في الشام‪،‬‬
‫وتوسيع سلطتهم على أطرافها‪ ،‬وقد ضرب ابن تيمية في هذه المعركة أروع مثال للفارس الشجاع(‬
‫‪.)22‬‬
‫وجاهد المخالفين من أهل الهواء والبدع‪ ،‬مستعينًا بسلح العلم‪ ،‬ومتحليًا في منازلتهم بالعدل‬
‫والرحمة‪ ،‬فقد حاور أهل الكلم‪ ،‬مظهرًا منهج أهل السنة والجماعة في باب السماء والصفات‪،‬‬
‫ومفندًا آراءهم بالحجة والبيان‪ ،‬وتصدى للفلسفة وغلة التصوف من أتباع ابن عربي(‪)23‬‬
‫وتلميذه‪ ،‬فكشف أستارهم‪ ،‬وأبان عوار مسلكهم‪.‬‬
‫اتبع مسلك الجتهاد في المسائل العلمية (ففي بعض الحكام يفتي بما أداه إليه اجتهاده من موافقة‬
‫أئمة المذاهب الربعة‪ ،‬وفي بعضها يفتي بخلفهم وبخلف المشهور من مذاهبهم‪ ،‬وله اختيارات‬

‫كثيرة في مجلدات عديدة أفتى فيها بما أدى إليه اجتهاده‪ ،‬واستدل على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال‬
‫الصحابة والسلف) (‪.)24‬‬
‫ابتلي رحمه ال في سبيل إظهار الحق وبيانه‪ ،‬ونصيحة المسلمين‪ ،‬فصبر‪ ،‬فقد وُشي به لدى‬
‫السلطان‪ ،‬واتهم بالباطل زورًا وبهتانًا‪ ،‬وسُجن بسبب ذلك مرارًا‪ ،‬ليُثنى عن منهجه‪ ،‬ويُحال بينه وبين‬
‫الناس‪ ،‬ولكنه قابل ذلك كله بالصبر على َقدَر ال‪ ،‬والرضا بقضائه‪ ،‬والحِلْم على من آذاه‪ ،‬والعفو‬
‫عنهم‪ ،‬ول أدلّ على ذلك من رسالته التي بعثها من مصر إلى أهله وأنصاره في دمشق‪ ،‬يدعوهم‬
‫فيها إلى تأليف القلوب وجمع الكلمة‪ ،‬وإصلح ذات البين‪ ،‬ويحذرهم فيها من أذية مـن آذاه أو‬
‫إهانتهـــم‪ ،‬يقــول فيهــا ‪( :‬تعلمــون رضي ال عنكـم‪ ،‬أنــي ل أحب أن يُؤذى أحدٌ من عموم‬
‫المسلمين فضلً عن أصحابنا بشيء أصلً‪ ،‬بل لهم عندي من الكرامة والجلل والمحبة والتعظيم‪،‬‬
‫أضعاف أضعاف ما كان‪ ،‬كل بحسبه‪ ،‬ول يخلو الرجل إما أن يكون مجتهـدًا مصيبًا أو مخطئًا أو‬
‫مذنبًا‪ ،‬فالول مشكور‪ ،‬والثاني مع أجره على الجتهاد فمعفو عنه‪ ،‬مغفور له‪ ،‬والثالث فال يغفر لنا‬
‫وله ولسائر المسلمين‪ ،‬فنطوي بساط الكلم لهذا الصل‪ ،‬كقول القائل ‪ :‬فلن قصر‪ ،‬فلن ما عمل‪،‬‬
‫فلن أوذي الشيخ بسببه‪ ،‬فلن كان سبب هذه القضية‪ ،‬فلن يتكلم في كيد فلن‪ ،‬ونحو هذه الكلمات‬
‫التي فيها مذمة لبعض الصحاب والخوان‪ ،‬فإني ل أسامح من آذاهم من هذا البـاب‪ ،‬ول حول ول‬
‫قوة إل بال‪.)25( )...‬‬
‫اتصف بسلمة النفس‪ ،‬والبراءة من التشفي والنتقام حتى ممن كاده‪ ،‬ذُكر أن الناصر بن قلوون(‬
‫‪ )26‬لما رجع إلى الحكم في مصر بعد خلعه‪ ،‬جلس معه‪( ،‬وأخرج من جيبه فتاوى لبعض المشايخ‬
‫من خصومه في قتله‪ ،‬واستفتاه في قتل بعضهم‪ ،‬قال ‪ :‬ففهمت مقصوده‪ ،‬وأن عنده حنقًا شديًا عليهم‬
‫ت في مدحهم والثناء‬
‫لما خلعوه‪ ،‬وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير(‪ ،)27‬فشرع ُ‬
‫عليهم وشكرهم‪ ،‬وأن هؤلء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك‪ ،‬أما أنا فهم في حِلّ من حقي ومن‬
‫س ّكنْتُ ما عنده عليهم‪ .‬قال ‪ :‬فكان قاضي المالكية زين الدين بن مخلوف(‪ )28‬يقول بعد‬
‫جهتي‪ ،‬و َ‬
‫ذلك ‪ :‬ما رأينا أتقى من ابن تيميــة‪ ،‬لم نُبق ممكنًا في السعي فيه‪ ،‬ولما َقدِرَ علينا عفا عنا) (‪.)29‬‬
‫كان منهجه قائمًا على اتباع الدليل‪ ،‬وغايته إظهار الحق والنتصار له‪ ،‬دون خوف من أحد ول‬
‫مداهنة فيه‪ ،‬فإنه (كان سيفًا مسلولً على المخالفين‪ ،‬وشجى في حلوق أهل الهواء المبتدعين‪ ،‬وإمامًا‬
‫قائمًا ببيان الحق ونصرة الدين) (‪ .)30‬من قرأ رسائله وتراثه العلمي‪ ،‬أدرك دقة وصف تلميذه‬
‫الحافظ عمر بن علي البزار(‪ )31‬لمنهجه لما قال ‪( :‬إذا نظر المنصف إليه بعين العدل‪ ،‬يراه واقفًا‬
‫مع الكتاب والسنة‪ ،‬ل يميله عنهما قول أحد كائنًا من كان‪ ،‬ول يراقب في الخذ بعلومهما أحدًا‪ ،‬ول‬
‫يخاف في ذلك أميرًا ول سلطانًا ول سوطًا ول سيفًا‪ ،‬ول يرجع عنهما لقول أحد‪ ،‬وهو مستمسك‬
‫بالعروة الوثقى واليــد الطــولى‪ ،‬وعامــل بقــول ال تـعــالــــــى ‪( :‬فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى‬
‫ال والرسول إن كنتم تؤمنون بال واليوم الخر ذلك خير وأحسن تأويلً) (النســـــــاء ‪،)59 :‬‬
‫وبقــولـــه تعــالـــــى ‪( :‬وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ال) (الشورى ‪ ،)10 :‬وما سمعنا أنه‬
‫اشتهر عن أحد منذ دهر طويل ما اشتهر عنه من كثرة متابعته للكتاب والسنة‪ ،‬والمعان في تتبع‬
‫معانيهما‪ ،‬والعمل بمقتضاهما‪ ،‬ولهذا ل يرى في مسألة أقوالً للعلماء‪ ،‬إل وقد أفتى بأبلغها موافقة‬
‫للكتاب والسنة‪ ،‬وتحرى الخذ بأقومها من جهة المنقول والمعقول) (‪.)32‬‬
‫توفي رحمه ال وأسكنه الفردوس العلى‪ ،‬ليلة الثنين‪ ،‬العشرين من ذي القعدة‪ ،‬سنة ثمان وعشرين‬
‫وسبعمائة‪ ،‬بقلعة دمشق محبوسًا‪ ،‬بعد مرض أصابه بضعة وعشرين يومًا‪ ،‬فاشتد أسف الناس عليه‪..‬‬

‫قيل ‪ :‬إن عدد مَن حضر جنازته يزيد على نحو خمسمائة ألف(‪ ،)33‬وإنه لم يسمع بجنازة حضرها‬
‫مثل هذا الجمع‪ ،‬إل جنازة المام أحمد(‪ )34‬رحمه ال‪.‬‬

‫مفهوم السنة والبدعة عند ابن تيمية‬
‫يحسن قبل الشروع في بيان أصول شيخ السلم ابن تيمية في الحكم على أهل البدع‪ ،‬أن أعرض‬
‫بشيء من الختصار ما يبين مفهومه رحمه ال للسنة‪ ،‬ويحدد أهلها‪ ،‬ويوضح طريقتهم‪ ،‬ويبين‬
‫مفهومه للبدعة وتفاوتها‪ ،‬ودعوته إلى العتصام بالسنة‪ ،‬وتحذيره من البدعة وفسادها بحيث يتحدد‬
‫لنا موقفه من التباع والبتداع ابتداءً‪.‬‬
‫‪ 1‬ـ تعريفه للسنة ‪:‬‬
‫يرى أن السنة من الفعل هي ‪( :‬ما قام الدليل الشرعي عليه بأنه طاعة ل ورسوله‪ ،‬سواء فعله‬
‫رسول ال صلى ال عليه و سلم‪ ،‬أو فُعل على زمانه‪ ،‬أم لم يفعله ولم يفعل على زمانه‪ ،‬لعدم‬
‫المقتضي حينئذ لفعله ‪،‬أو وجود المانع منه‪ ،‬فإنه إذا ثبت أنه أمر به أو استحبه فهو سنة‪ ،‬كما أمر‬
‫بإجلء اليهود والنصارى من جزيرة العرب(‪ ،)35‬وكما جمع الصحابة القرآن في المصحف(‪،)36‬‬
‫وكما داوموا على قيام رمضان في المسجد جماعة(‪.)38( ))37‬‬
‫قصد الشيخ في هذا التعريف‪ ،‬المعنى العام للسنة‪ ،‬وهو الطريقة الموافقة لهدي الرسول صلى ال‬
‫عليه و سلم وعمل الصحابة رضي ال عنهم‪ ،‬ول سيما الخلفاء الراشدون‪ ،‬وقد استقاه من وصية‬
‫رسول ال صلى ال عليه و سلم ‪( :‬عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين‪ ،‬تمسكوا بها‪،‬‬
‫ل بدعةٍ ضللة) (‪.)39‬‬
‫ح َدثَات المور‪ ،‬فإن كُلّ مُحدثةٍ بدعةٌ‪ ،‬وك ّ‬
‫عضّوا عليها بالنواجذ‪ ،‬وإياكم و ُم ْ‬
‫وَ‬
‫‪ 2‬ـ مَن هم أهل السنة ؟‬
‫يرى أنهم المتبعون لسلف المة‪ ،‬الذين عاشوا في القرون الثلثة المفضلة‪ ،‬وحازوا كل فضيلة‪،‬‬
‫وثبت لهم ذلك بالضرورة‪ ،‬وأنه (من المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة‪ ،‬وما اتفق عليه‬
‫أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف‪ ،‬أن خير قرون هذه المة في العمال والقوال والعتقاد‪...‬‬
‫القرن الول‪ ،‬ثم الذين يلونهم‪ ،‬ثم الذين يلونهم ‪،‬كما ثبت ذلك عن النبي صلى ال عليه و سلم من‬
‫غير وجه(‪ ،)40‬وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة‪ ،‬من علم وعمل وإيمان وعقل ودين وبيان‬
‫وعبادة‪ ،‬وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل‪ ..‬هذا ل يدفعه إل من كابر المعلوم بالضرورة من دين‬
‫السلم‪ ،‬وأضله ال على علم) (‪ ،)41‬كما قال عبد ال بن عمر(‪ )42‬رضي ال عنهما ‪( :‬مَن كان‬
‫منكم مستنًا فليستن بمن قد مات‪ ،‬أولئك أصحاب محمد صلى ال عليه و سلم كانوا خير هذه المة‪،‬‬
‫أبرها قلوبًا‪ ،‬وأعمقها علمًا‪ ،‬وأقلها تكلفًا‪ ..‬قوم اختارهم ال لصحبة نبيه‪ ،‬ونقل دينه‪ ،‬فتشبهوا بأخلقهم‬
‫وطرائقهم‪ ،‬فهم أصحاب محمد صلى ال عليه و سلم‪ ،‬كانوا على الهدى المستقيم) (‪.)43‬‬
‫وقال غيره ‪( :‬عليكم بآثار مَن سَلَف‪ ،‬فإنهم جاءوا بما يكفي ويشفي‪ ،‬ولم يحدث بعدهم خير كامن لم‬
‫يعلموه) (‪ ،)44‬وقال المام الشافعي(‪( : )45‬هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل‪ ،‬وكل سبب‬
‫يُنال به علم أو يُدرك به هوى‪ ،‬ورأيهم لنا خير من رأينا لنفسنا) (‪.)46‬‬

‫ح ّددَ رحمه ال أهل السنة والجماعة‪ ،‬فقال ‪( :‬أهل السنة والجماعة من الصحابة جميعهم والتابعين‪،‬‬
‫وَ‬
‫وأئمة أهل السنة وأهل الحديث‪ ،‬وجماهير الفقهاء والصوفية(‪ ،)47‬مثل مالك(‪ )48‬والثوري(‪)49‬‬
‫والوزاعي(‪ )50‬وحماد بن زيد(‪ ،)51‬والشافعي‪ ،‬وأحمد بن حنبل‪ ،‬وغيرهم‪ ،‬ومحققي أهل الكلم(‬
‫‪ ،)53( ))52‬فلم يحصر أهل السنة والجماعة في مدرسة معينة‪ ،‬لن طريق السنة يتسع لكل من‬
‫اعتصم بها‪ ،‬واتبع آثار السلف رحمهم ال تعالى)‪.‬‬
‫‪ 3‬ـ طريقة أهل السنة ‪:‬‬
‫بين المام ابن تيمية أن (طريقة أهل السنة والجماعة‪ ،‬اتباع آثار رسول ال صلى ال عليه و سلم‬
‫باطنًا وظاهرًا‪ ،‬واتباع سبيل السابقين الولين من المهاجرين والنصار‪ ،‬واتباع وصية رسول ال‬
‫صلى ال عليه و سلم حيث قال ‪( :‬عليكم بسنتي) (‪ )54‬إلى آخر الحديث) (‪ ،)55‬فهم إنما سُموا‬
‫بأهل السنة لهذا المعنى‪ ،‬وسُموا أهل الجماعة لن الجماعة هي الجتماع‪ ،‬وضدها الفُرقة‪ ،‬نسبة إلى‬
‫الصل الثالث وهو الجماع‪ ،‬ويقصد به الجماع المنضبط‪ ،‬وهو ما كان عليه السلف الصالح‪ ،‬إذ‬
‫َب ْعدَهم َكثُر الختلف‪ ،‬وافترقت المة(‪.)56‬‬
‫وإنما كان السلف على السنة‪ ،‬لن غاية ما عندهم أن يكونوا موافقين لرسول ال صلى ال عليه و‬
‫سلم‪ ،‬ولن عامة ما عندهم من العلم واليمان استفادوه منه صلى ال عليه و سلم‪ ،‬الذي أخرجهم ال‬
‫به من الظلمات إلى النور‪ ،‬وهداهم به إلى صراط العزيز الحميد(‪ ،)57‬لذا كان الحق معهم‪ ،‬لن‬
‫(الحق دائمًا مع سنة رسول ال صلى ال عليه و سلم وآثاره الصحيحة‪ ،‬وأن كل طائفة تضاف إلى‬
‫غيره إذا انفردت بقول عن سائر المة‪ ،‬لم يكن القول الذي انفردت به إل خطأ‪ ،‬بخلف المضاف‬
‫إليه أهل السنة والحديث‪ ،‬فإن الصواب معهم دائمًا‪ ،‬ومَن وافقهم كان الصواب معه دائمًا لموافقته‬
‫إياهم‪ ،‬ومن خالفهم فإن الصواب معهم دونه في جميع أمور الدين‪ ،‬فإن الحق مع الرسول صلى ال‬
‫عليه و سلم‪ ،‬فمن كان أعلم بسنته وَأ ْتبَع لها كان الصواب معه‪ ،‬وهؤلء هم الذين ل ينتصرون إل‬
‫لقوله‪ ،‬ول يضافون إل إليه‪ ،‬وهم أعلم الناس بسنته‪ ،‬وأتبع لها‪ ،‬وأكثر سلف المة كذلك‪ ،‬لكن التفرق‬
‫والختلف كثير في المتأخرين) (‪.)58‬‬
‫لذا كانت متابعة السلف شعارًا للتمييز بين أهل السنة وأهل البدعة‪ ،‬كما قال المام أحمد في رسالة‬
‫عبدوس بن مالك(‪( : )59‬أصول السنة عندنا ‪ :‬التمسك بما كان عليه أصحاب النبي صلى ال عليه‬
‫و سلم) (‪ ،)60‬فعلم أن شعار أهل البدع هو ترك انتحال اتباع السلف‪ ..‬ولما كان الرافضة(‪)61‬‬
‫أشهر الطوائف بالبدعة‪ ،‬حتــى إن العامــة ل تعرف مـن شعـائـر البـدع إل الرفض‪ ،‬صار السني في‬
‫اصطلحهم مَن ل يكون رافضيًا‪ ،‬وذلك لنهم أكثر مخالفة للحاديث النبوية ولمعاني القرآن‪ ،‬وأكثر‬
‫قدحًا في سلف المة وأئمتها‪ ،‬وطعنًا في جمهور المة من جميع الطوائف‪ ،‬فلما كانوا أبعد عن‬
‫متابعة السلف كانوا أشهر بالبدعة(‪ ،)62‬وهناك طوائف أقرب منهم إلى طريقة السلف مثل (متكلمة‬
‫أهل الثبات من الكُلّبية(‪ )63‬والكرامية(‪ )64‬والشعرية(‪ )65‬مع الفقهاء والصوفية وأهل الحديث‪،‬‬
‫فهؤلء في الجملة ل يطعنون في السلف‪ ،‬بل قد يوافقونهم في أكثر جمل مقالتهم‪ ،‬لكن كل من كان‬
‫بالحديث من هؤلء أعلم‪ ،‬كان بمذهب السلف أعلم‪ ،‬وله أتبع‪ ،‬وإنما يوجد تعظيم السلف عند كل‬
‫طائفة بقدر استنانها‪ ،‬وقلة ابتداعها) (‪.)66‬‬
‫‪ 4‬ـ تعريفه للبدعة ‪:‬‬

‫يرى البدعة في مقابل السنة‪ ،‬وهي ‪( :‬ما خالفت الكتاب والسنة أو إجماع سلف المة من العتقادات‬
‫والعبادات) (‪ ،)67‬أو هي بمعنى أعم ‪( :‬ما لم يشرعه ال من الدين‪ ..‬فكل من دان بشيء لم يشرعه‬
‫ال فذاك بدعة‪ ،‬وإن كان متأولً فيه) (‪ ،)68‬أي مما استحدثه الناس‪ ،‬ولم يكن له مستند في الشريعة‪.‬‬
‫وهي (نوعان ‪ :‬نوع في القوال والعتقادات‪ ،‬ونوع في الفعال والعبادات‪ ،‬وهذا الثاني يتضمن‬
‫الول‪ ،‬كما أن الول يدعو إلى الثاني) (‪ ،)69‬فمثال الول في القوال ‪ :‬بدعة الوراد المحدثة‪ ،‬وفي‬
‫العتقادات ‪ :‬بدعة الرافضة والخوارج(‪ ، )70‬والمعتزلة(‪ ، )71‬والمرجئة(‪ ،)72‬والجهمية(‪..)73‬‬
‫ومثال الثاني في الفعال ‪ :‬لبس الصوف عبادةً‪ ،‬وعمل المولد(‪ ،)74‬وفي العبادات‪ ،‬الجهر بالنية في‬
‫الصلة‪ ،‬والذان في العيدين(‪.)75‬‬
‫ـ تفاوت البدعـة ‪:‬‬
‫يرى أن البدعة تكون باطلً على قدر ما فيها من مخالفة للكتاب والسنة‪ ،‬وابتعاد عن متابعة السلف‪،‬‬
‫فهي ليست باطلً محضًا‪ ،‬إذ لو كانت كذلك لظهرت وبانت وما قُبلت‪ ،‬كما أنها ليست حقًا محضًا ل‬
‫شــوب فيه‪ ،‬وإل كـانت موافقــة للسنــة التي ل تنــاقض حقًا محضًا ل باطل فيه‪ ،‬وإنما تشتمل على‬
‫حق وباطل(‪ ،)76‬وعلى هذا يكون بعضها أشد من بعض(‪ ،)77‬ويكون أهلها (على درجات ‪ :‬منهم‬
‫من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة‪ ،‬ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة) (‬
‫‪.)78‬‬
‫وهذا التفاوت يقع في مسائل العقيدة والعبادة على حد سواء‪ ،‬فإن (الجليل من كل واحد من الصنفين‪،‬‬
‫مسائل أصول‪ ،‬والدقيق مسائل فروع) (‪ ..)79‬وما درج عليه الناس من تسمية مسائل العقيدة‬
‫الخبرية بالصول‪ ،‬ومسائل العبادة العملية بالفروع‪ ،‬تسمية محدثة‪ ،‬قسمها طائفة من الفقهاء‬
‫المتكلمين‪ ،‬وأما جمهور الفقهاء المحققين والصوفية فعندهم أن المسائل العملية آكد وأهم من المسائل‬
‫الخبرية المتنازع فيها‪ ،‬لذا كثر كلمهم فيها‪ ،‬وكرهوا الكلم في الخرى‪ ،‬كما أثر ذلك عن مالك‬
‫وغيره من أهل المدينة(‪.)80‬‬
‫وقد أشار الشيخ إلى هذا التفاوت من حيث قُرب ال ِفرَق و ُبعْدها عن الحق قائلً ‪( :‬وأصحاب ابن‬
‫كلب(‪ )81‬كالحــارث المحاسبـــي(‪ ،)82‬وأبي العباس القلنسي(‪ ،)83‬ونحوهما‪ ،‬خير من‬
‫الشعرية في هذا وهذا‪ ،‬وكلما كان الرجل إلى السلف والئمة أقرب‪ ،‬كان قوله أعلى وأفضل) (‬
‫‪.)84‬‬
‫‪ 6‬ـ تأكيده على العمل بالسنة ‪:‬‬
‫يؤكد شيخ السلم على أنه ل عاصم من الوقوع في الباطل إل بملزمة السنة‪ ،‬ذلك أن (السنة مثال‬
‫سفينة نوح عليه السلم‪ ،‬من َر ِكبَها نجا‪ ،‬ومن َتخَلّف عنها غرق‪ ،‬قال الزهري(‪ : )85‬كان من مضى‬
‫من علمائنا يقولون ‪ :‬العتصام بالسنة نجاة) (‪ ،)86‬لذا فإن المبتدعة لما كانوا مخالفين للسنة‪ ،‬وقعوا‬
‫في الباطل وإن كانوا متأولين‪ ،‬لنهم اتبعوا الهوى‪ ،‬وضلوا طريق السنة المنصوب على العلم والعدل‬
‫والهدى‪ ،‬ومن هُنا سُمي أصحاب البدع‪ ،‬أصحاب الهواء(‪.)87‬‬
‫أما أهل العلم واليمان من السلف‪ ،‬فإنهم تمسكوا بالسنة‪ ،‬وكان منهجهم على النقيض من منهج‬
‫المبتدعة‪ ،‬فهم (يجعلون كلم ال ورسوله هو الصل الذي يعتمد عليه‪ ،‬وإليه يرد ما تنازع الناس‬

‫فيه‪ ،‬فما وافقه كان حقًا‪ ،‬وما خالفه كان باطلً‪ ،‬ومن كان قصده متابعته من المؤمنين‪ ،‬وأخطأ بعد‬
‫اجتهاده الذي استفرغ به وسعه‪ ،‬غفر ال له خطأه‪ ،‬سواء كان خطؤه في المسائل العلمية الخبرية أو‬
‫المسائل العملية‪ ،‬فإنه ليس كل ما كان معلومًا متيقنًا لبعض الناس‪ ،‬يجب أن يكون معلومًا متيقنًا‬
‫لغيره‪ ،‬وليس كل ما قاله رسول ال صلى ال عليه و سلم يعلمه كل الناس ويفهمونه‪ ،‬بل كثير منهم‬
‫لم يسمع كثيرًا منه‪ ،‬وكثير منهــم قد يشتبـــه عليـــه مـــا أراده‪ ،‬وإن كـــان كلمـــه في نفســـه‬
‫محكـمًا مقــرونًا بما يبين مراده) (‪.)88‬‬
‫لكن إذا لم ُي ّتبَع منهج السلف‪ ،‬فإنه يُخاف على المنتسبين إلى العلم والنظر العقلي‪ ،‬وما َي ْتبَع ذلك‪ ،‬من‬
‫الوقوع في بدعة القوال والعتقادات‪ ،‬ويُخاف على المنتسبين إلى العبادة والرادة‪ ،‬وما َي ْتبَع ذلك‪،‬‬
‫من الوقوع في بدعة الفعال والعبادات‪ ،‬وكل ذلك من الضلل والبغي‪ ،‬وقد أُمر المسلم أن يقول في‬
‫صلته ‪( :‬اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ول الضالين)‬
‫(الفاتحة ‪ ،)67 :‬آمين‪ ،‬وصح عن النبي صلى ال عليه و سلم أنه قال ‪( :‬اليهــود مغضوب عليهم‪،‬‬
‫والنصــارى ضـالـون) (‪ ،)89‬قـــال سفيــان بن عيينة(‪ : )90‬كانوا يقولون ‪ :‬من فَسَد من العلماء‬
‫ففيه شبه من اليهود‪ ،‬ومن فسد من ال ُعبّاد ففيه شبه من النصارى‪ ..‬وكان السلف يقولون ‪ :‬احذروا‬
‫فتنة العَالِم الفاجر‪ ،‬والعابد الجاهل‪ ،‬فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون‪ ،‬فطالب العلم إن لم يقترن بطلبه فِعْلُ‬
‫مــا يجـب عليـه‪ ،‬و َت ْركُ ما يحرم عليه من العتصام بالكتاب والسنة‪ ،‬وإل وقع في الضلل(‪.)91‬‬
‫‪ 7‬ـ تحذيره من البدعة‪ ،‬وبيانه لوجه فسادها ‪:‬‬
‫حذر الشيخ من البدعة‪ ،‬وبين أنها أشر من المعصيــة(‪ ،)92‬لـذم رسول ال صلى ال عليه و سلم‬
‫إياها في قوله ‪( :‬شر المور محدثاتها‪ ،‬وكل بدعة ضللة) (‪ ،)93‬وفي رواية ‪( :‬وكل ضللة في‬
‫النار) (‪ ..)94‬وذمه عليه الصلة والسلم الواقعين فيها‪ ،‬في ذمه للرجل الذي اعترض على رسول‬
‫ضئْضِئي(‪ )95‬هذا قومٌ َيحْ ِق ُر أح ُدكُم‬
‫ن ِ‬
‫خرُجُ مِ ْ‬
‫ال صلى ال عليه و سلم في قسمته‪ ،‬فقال فيه ‪َ ( :‬ي ْ‬
‫صيَامِهِم‪ ،‬و ِقرَا َءتَه مَ َع ِقرَاءتِهم‪ ،‬يقرؤونَ القرآنَ ل ُيجَا ِوزُ‬
‫صلتَهُ مَ َع صَل ِتهِم‪ ،‬وصيامَهُ مَ َع ِ‬
‫ل ْقتَُلنّهم قَتلَ عاد) (‬
‫ن ال ّر ِميّة‪َ ،‬لئِن أدرك ُتهُم َ‬
‫سهْمُ مِ َ‬
‫جرَهُم‪َ ،‬ي ْمرُقُون(‪ )96‬مِنَ السلمِ‪ ،‬كما َيمْ ُرقُ ال ّ‬
‫حنَا ِ‬
‫َ‬
‫‪ ..)97‬وفي رواية ‪( :‬لو يعلمُ الذين يقاتلونهم ماذا لهم عن لسان محمدٍ ل ّتكَلُوا عن العمل) (‪..)98‬‬
‫ن قَتَلُوه) (‪.)99‬‬
‫وفي رواية ‪( :‬شر قَتْلَى تحتَ أديمِ السماء‪ ،‬خير َقتْلَى َم ْ‬
‫قال الشيخ معلقًا على هذا الحديث ‪( :‬فهؤلء مع كثرة صلتهم وصيامهم وقراءتهم‪ ،‬وما هم عليه من‬
‫العبادة والزهادة‪ ،‬أمر النبيُ صلى ال عليه و سلم بقتلهم‪ ،‬و َقتَلَهم علي بن أبي طالب(‪ )100‬ومَن معه‬
‫من أصحاب النبي صلى ال عليه و سلم‪ ،‬وذلك لخروجهم عن سُنة النبي وشريعته‪ ،‬وأظن أني‬
‫ذكرتُ قول الشافعي ‪ :‬لن يُبتلى العبد بكل ذنب‪ ،‬ما خل الشرك بال‪ ،‬خير من أن يُبتلى بشيء من‬
‫هذه الهواء) (‪.)101‬‬
‫كما بين الشيخ أن فساد البدعة وضررها من وجهين ‪:‬‬
‫الول ‪ :‬أن البدع مفسدة للقلوب‪ ،‬مزاحمة للسنة في إصلح النفوس‪ ،‬فهي أشبه ما تكون بالطعام‬
‫الخبيث‪ ،‬وفي هذا المعنى يقول (الشرائع أغذية القلوب‪ ،‬فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل‬
‫للسنن‪ ،‬فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث) (‪.)102‬‬

‫الثاني ‪ :‬أن البدع معارضة للسنن‪ ،‬تقود أصحابها إلى العتقادات الباطلة والعمال الفاسدة والخروج‬
‫عن الشريعة‪ ،‬وفي هذا المعنى يقول ‪ :‬مبينًا أن (من أسباب هذه العتقادات والحوال الفاسدة‪،‬‬
‫الخروج عن الشّرعة والمنهاج‪ ،‬الذي بعث به الرسول صلى ال عليه و سلم إلينا‪ ،‬فإن البدع هي‬
‫مبادئ الكفر ومظان الكفر‪ ،‬كما أن السنن المشروعة هي مظاهر اليمان‪ ،‬ومقوية لليمان‪ ،‬فإنه يزيد‬
‫بالطاعة وينقص بالمعصية) (‪ ،)103‬وهذا ظاهر في منهج المبتدعة‪ ،‬القائم على معارضة الكتاب‬
‫والسنة‪ ،‬لـمّا (جعلوا أقوالهم التي ابتدعوها هي القوال المحكمة‪ ،‬التي جعلوها أصول دينهم‪ ،‬وجعلوا‬
‫قول ال ورسوله من المجمل الذي ل يُستفاد منه علم ول هدى‪ ،‬فجعلوا المتشابه من كلمهم هو‬
‫المحكم‪ ،‬والمحكم من كلم ال ورسوله هو المتشابــه‪ ،‬كمـا يجعـل الجهميـة من المتفلسفـة والمعتزلـة‬
‫ونحوهـم‪ ،‬ما أحدثوه من القوال التي نفوا بها صفات ال‪ ،‬ونفوا بها رؤيته في الخرة‪ ،‬وعُلُوه على‬
‫خَلْقه‪ ،‬وكون القرآن كلمه ونحو ذلك‪ ،‬جعلوا تلك القوال محكمة‪ ،‬وجعلوا قول ال ورسوله مؤولً‬
‫عليها‪ ،‬أو مردودًا‪ ،‬أو غير ملتفت إليه‪ ،‬ول متلقى للهدى منه) (‪.)104‬‬

‫الصل الول ‪ :‬العتذار لهل الصلح والفضل عما وقعوا فيه من بدعة عن اجتهاد‪ ،‬وحمل كلمهم‬
‫المحتمل على أحسن محمل‬
‫ل ريب أن المجتهد إذا أخطأ فيما يسوغ فيه الجتهاد‪ ،‬يعفى عنه خطؤه‪ ،‬ويثاب‪ ،‬لقول رسول ال‬
‫صلى ال عليه و سلم ‪( :‬إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران‪ ،‬وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله‬
‫أجر) (‪ ،)106‬لذا يُعذر كثير من العلماء والعباد‪ ،‬بل والمراء فيما أحدثوه لنوع اجتهاد(‪ ،)107‬فإن‬
‫كثيرًا (من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة‪ ،‬ولم يعلموا أنه بدعة‪ ،‬إما لحاديث‬
‫ضعيفة ظنوها صحيحة‪ ،‬وإما ليات فهموا منها ما لم ُيرَدْ منها‪ ،‬وإما لرأي رَأَوْه وفي المسألة‬
‫نصوص لم تبلغهم‪ ،‬وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله تعالى ‪ ( :‬ربنا ل تؤاخذنا إن‬
‫نسينا أو أخطأنا) (البقرة ‪ ،)286 :‬وفي الصحيح أن ال قال ‪( :‬قد فعلتُ) (‪.)109( ))108‬‬
‫وقد اعتذر الشيخ لبعض أهل الفضل والصلح‪ ،‬ممن شهدوا سماع الصوفية ورقصهم متأولين‪ ،‬قائلً‬
‫‪( :‬والذين شهدوا هذا اللغو متأولين من أهل الصدق والخلص والصلح‪ ،‬غمرت حسناتهم ما كان‬
‫لهم فيه وفي غيره من السيئات‪ ،‬أو الخطأ في مواقع الجتهاد‪ ،‬وهذا سبيل كل صالحي هذه المة في‬
‫خطئهم وزلتهم) (‪ ،)110‬مستندًا في هذا على قول ال تعالى ‪( :‬والذي جاء بالصدق وصدّق به‬
‫أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر ال عنهم أسوأ الذي عملوا‬
‫ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعلمون) (الزمر ‪.)35-33 :‬‬
‫كما اعتذر لشيوخ أهل التصوف‪ ،‬الذين حسن ذكرهم وثبت إيمانهم‪ ،‬فقال ‪( :‬لكن شيوخ أهل العلم‬
‫الذين لهم لسان صدق‪ ،‬وإن وقع في كلم بعضهم ما هو خطأ منكر‪ ،‬فأصل اليمان بال ورسوله إذا‬
‫كان ثابتًا‪ ،‬غفر لحدهم خطأه الذي أخطأه بعد اجتهاد) (‪.)111‬‬
‫وإذا كان الجتهاد عذرًا في العفو عن الخطأ البدعي‪ ،‬فإن هذا الخطأ ل ينقص من قدر المجتهد‪ ،‬متى‬
‫كان من أهل القدم في الصلح والتقوى‪ ،‬فإنه مع خطئه (قد يكون صدّيقًا عظيمًا‪ ،‬فليس من شرط‬
‫الصدّيق أن يكون قوله كله صحيحًا‪ ،‬وعمله كله سنة) (‪ ..)112‬كما أن فعل أهل الفضل للبدعة ليس‬

‫دليلً على صحتها‪ ،‬فإن الصحة تُعرف من كتاب ال وسنة رسوله صلى ال عليه و سلم‪ ..‬قال رحمه‬
‫ال مبينًا هذا ‪( :‬إذا فعلها قوم ذوو فضل ودين‪ ،‬فقد تركها في زمان هؤلء من كان معتقدًا لكراهتها‪،‬‬
‫وأنكرها قوم إن لم يكونوا أفضل ممن فعلها فليسوا دونهم‪ ،‬ولو كانوا دونهم في الفضل فقد تنازع‬
‫فيها أولو المر‪ ،‬فتُرد إلى ال ورسوله) (‪ ..)113‬هذا إذا وقع الخطأ فيما يسوغ فيه الجتهاد‪ ،‬أما من‬
‫أخطأ مخالفًا (الكتاب المستبين‪ ،‬والسنة المستفيضة‪ ،‬أو ما أجمع عليه سلف المة‪ ،‬خلفًا ل يعذر فيه‪،‬‬
‫فهذا يُعامل بما يُعامل به أهل البدع) (‪.)114‬‬
‫وكذلك تُحمل القوال المحتملة لهل الفضل والصلح‪ ،‬على أحسن محمل وأسلم مقصد‪ ،‬من ذلك‬
‫حمْله رحمه ال لقول الجنيد(‪ )115‬رحمه ال ‪( :‬التوحيد إفراد ال ِقدَم من الحدث)‪ ،‬قائلً ‪( :‬هذا الكلم‬
‫َ‬
‫فيه إجمال‪ ،‬والمحق يحمله محملً حسنًا‪ ،‬وغير المحق يدخل فيه أشياء‪ ...‬وأما الجنيد فمقصوده‬
‫التوحيد الذي يشير إليه المشايخ‪ ،‬وهو التوحيد في القصد والرادة‪ ،‬وما يدخل في ذلك من الخلص‬
‫والتوكل والمحبة‪ ،‬وهو أن يُ ْفرَد الحق سبحانه وهو القـديم‪ ،‬بهــذا كلـه‪ ،‬فل يشركه في ذلك محدث‪،‬‬
‫وتمييز الرب من المربوب في اعتقادك وعبادتك‪ ،‬وهذا حق صحيح‪ ،‬وهو داخل في التوحيد الذي‬
‫بعث ال به رسله‪ ،‬وأنزل به كتبه‪ ..‬ومما يدخل في كلم الجنيد‪ ،‬تمييز القديم عن المحدث‪ ،‬وإثبات‬
‫مباينته له‪ ،‬بحيث يعْلَمه ويشهد أن الخالق مباين للخلق‪ ،‬خلفًا لما دخل فيه التحادية(‪ )116‬من‬
‫المتصوفة وغيرهم من الذين يقولون بالتحاد معينًا أو مطلقًا) (‪ .)117‬ومنه أيضًا حمله قول بعض‬
‫الصوفية ‪ :‬ما عبدتك شوقًا إلى جنتك‪ ،‬ول خوفًا من نارك‪ ،‬ولكن لنظر إليك أو إجللً لك ‪-‬مع ما‬
‫فيه من خطأ‪ ،‬على حسن القصد‪ -‬فيقول ‪( :‬وهذا كحال كثير من الصالحين والصادقين‪ ،‬وأرباب‬
‫جدٌ صحيح‪ ،‬وذوق سليم‪ ،‬لكن ليس له عبارة تبين مراده‪ ،‬فيقع‬
‫الحوال والمقامات‪ ،‬يكون لحدهم َو ْ‬
‫في كلمه غلط وسوء أدب(‪ )118‬مع صحة مقصوده) (‪.)119‬‬

‫الصل الثاني ‪ :‬عدم تأثيم مجتهد إذا أخطأ في مسائل أصولية أو فرعية ‪ ..‬وأولى من ذلك‪ ،‬عدم‬
‫تكفيره أو تفسيقه‬
‫نسب ابن تيميـــة هـــذا الحكـــم إلى السلف وأئمــة الفتــوى‪ ،‬كأبي حنيفة(‪ )120‬والشافعي والثوري‬
‫وداود(‪ )121‬بن علي وغيرهم‪ ،‬أنهم كانـوا ل يؤثمون مجتهدًا أخطأ في المسائل الصولية‬
‫والفروعية‪ ،‬وذكر ذلك عنهم ابن حزم(‪ )122‬وغيره‪ ،‬وعلل هذا بأن أبا حنيفة والشافعي وغيرهمــا‬
‫كــانــوا يقبلـــون شهـــادة أهـــل الهــــــواء‪ ،‬إل الخطابيـــة(‪ ،)123‬ويصححون الصلة خلفهم(‬
‫‪ ،)124‬والكافر ل تُقبل شهادته على المسلمين‪ ،‬ول يُصلى خلفه‪ ،‬وأنهم قالوا ‪ :‬هذا هو القول‬
‫المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين‪ ،‬أنهــم ل يكفــرون ول يفسّقــون ول‬
‫يؤثمون أحدًا من المجتهدين المخطئين‪ ،‬ل في مسألة عملية ول علمية‪ ،‬قالوا ‪ :‬والفرق بين مسائل‬
‫الصول والفروع إنما هو من أقوال أهل البدع‪ ،‬من أهل الكلم من المعتزلة والجهمية‪ ،‬ومن سلك‬
‫سبيلهم‪ ،‬وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه‪ ،‬ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ول‬
‫غَوره(‪.)125‬‬
‫وبيّن رحمه ال بطلن رأي مَن قال ‪ :‬إن (مسائل الصول هي العلمية العتقادية‪ ،‬التي يُطلب فيها‬
‫العلم والعتقاد فقط‪ ،‬ومسائل الفروع هي العملية التي يطلب فيها العمل ‪-‬من جهة الحكم‪ -‬فإن‬

‫المسائل العملية فيها ما يكفر جاحده‪ ،‬مثل وجوب الصلوات الخمس‪ ،‬والزكاة‪ ،‬وصوم شهر رمضان‪،‬‬
‫وتحريم الزنا والربا والظلم والفواحش‪ ،‬وفي المسائل العلمية‪ ،‬ما ل يأثم المتنازعون فيه‪ ،‬كتنازع‬
‫الصحابة ‪ :‬هل رأى محمد ربه؟ كتنازعهم في بعض النصوص ‪ :‬هل قاله النبي صلى ال عليه و‬
‫سلم أم ل؟ وما أراد بمعناه؟ وكتنازعهم في بعض الكلمات‪ ،‬هل هي من القرآن أم ل؟ وكتنازعهم في‬
‫بعض معاني القرآن والسنة ‪ :‬هل أراد ال ورسوله كذا وكذا؟ وكتنازع الناس في دقيق الكلم‪،‬‬
‫كمسألة الجوهر الفرد‪ ،‬وتماثل الجسام‪ ،‬وبقاء العراض‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬فليس في هذا تكفيـر ول‬
‫تفسيق) (‪.)126‬‬
‫وأوضح الشيخ بطلن جعل العقائد هي الصول‪ ،‬والعبادات والمعاملت هي الفروع‪ ،‬فقال ‪( :‬الحق‬
‫أن الجليل من كل واحد من الصنفين مسائل أصول‪ ،‬والدقيق مسائل فروع‪ ،‬فالعلم بوجوب الواجبات‪،‬‬
‫كمباني السلم الخمس‪ ،‬وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة‪ ،‬كالعلم بأن ال على كل شيء قدير‪،‬‬
‫وبكل شيء عليم‪ ،‬وأنه سميع بصير‪ ،‬وأن القرآن كلم ال‪ ،‬ونحو ذلك من القضايا الظاهرة‬
‫المتواترة‪ ،‬ولهذا مَن جحد تلك الحكام العملية المجمع عليها كَفَر‪ ،‬كما أن مَن جحد هذه كَفَر‪ ..‬وقد‬
‫يكون القرار بالحكام العملية أوجب من القرار بالقضايا القولية‪ ،‬بل هذا هو الغالب‪ ،‬فإن القضايا‬
‫القولية يكفي فيها القرار بالجمل ‪ :‬وهو اليمان بال وملئكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت‪،‬‬
‫واليمان بال َقدَر خيره وشره‪ ..‬وأما العمال الواجبة‪ ،‬فلبد من معرفتها على التفصيل‪ ،‬لن العمل بها‬
‫ل يمكن إل بعد معرفتها مفصلة‪ ،‬ولهذا تُ ِقرّ المةُ مَن يُفصلها على الطلق وهم الفقهاء‪ ،‬وإن كان قد‬
‫يُنكر على مَن يتكلم في تفصيل الجمل القولية‪ ،‬للحاجة الداعية إلى تفصيل العمال الواجبة‪ ،‬وعدم‬
‫الحاجة إلى تفصيل الجمل التي وجب اليمان بها مجملة) (‪.)127‬‬
‫وعلل رحمه ال‪ ،‬عدم تأثيم المجتهد إذا أخطأ في مسائل أصولية أو فرعية بقوله ‪( :‬ليس كل مَن‬
‫اجتهد واستدل يتمكن من معرفة الحق‪ ،‬ول يستحق الوعيد إل مَن ترك مأمورًا أو فعل محظورًا‪،‬‬
‫وهذا قول الفقهاء والئمة(‪ ،)128‬وهو القول المعروف عن سلف المة‪ ،‬وقول جمهور المسلمين) (‬
‫‪.)129‬‬
‫لكنه ُي َفرّقُ بين خطأين ‪ :‬خطأ مؤاخذ عليه‪ ،‬وخطأ مغفور له‪ ،‬فيقول ‪( :‬مَن كان خطؤه لتفريطه فيما‬
‫يجب عليه من اتباع القرآن واليمان مثلً‪ ،‬أو لتعديه حدود ال‪ ،‬بسلوك السبيل التي نُهي عنها‪ ،‬أو‬
‫لتباع هواه بغير هدىً من ال‪ ،‬فهو الظالم لنفسه‪ ،‬وهو من أهل الوعيد‪ ،‬بخلف المجتهد في طاعة‬
‫ال ورسوله باطنًا وظاهرًا‪ ،‬الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره ال ورسوله‪ ،‬فهذا مغفور له خطؤه‪،‬‬
‫كما قال تعالى ‪( :‬آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بال وملئكته وكتبه ورسله‬
‫ل نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا‪ )...‬إلى قوله ‪( :‬ربنا ل تؤاخذنا إن‬
‫نسينا أو أخطأنا) (البقرة ‪ ،)286-285 :‬وقد ثبت في صحيح مسلم‪ ،‬عن النبي صلى ال عليه و‬
‫سلم‪ ،‬أن ال قال ‪( :‬قد فعلتُ) (‪ ،)130‬وكذلك ثبت فيه من حديث ابن عباس(‪ )131‬رضي ال‬
‫عنهما ‪( :‬أن النبي صلى ال عليه و سلم لم يقرأ بحرف من هاتين اليتين ومن سورة الفاتحة إل‬
‫أعطي ذلك) (‪ ،)132‬فهذا يبين استجابة هذا الدعاء للنبي والمؤمنين‪ ،‬وأن ال ل يؤاخذهم إن نسوا‬
‫أو أخطأوا) (‪.)133‬‬
‫وإذا كان خطأ المجتهد من علماء المسلمين مغفورًا له‪ ،‬فإنه ل يجوز تكفير أحد منهم بمجرد الخطأ‪،‬‬
‫بل ول يُ َفسّق ول يُؤثم‪ ،‬وفي هذا الشأن يقول شيخ السلم ‪( :‬إن علماء المسلمين المتكلمين في الدنيا‬
‫باجتهادهم‪ ،‬ل يجوز تكفير أحدهم بمجرد خطأ أخطأه في كلمه‪ ...‬فإن تسليط الجهال على تكفير‬

‫علماء المسلمين من أعظم المنكرات‪ ،‬وإنما أصل هذا من الخوارج والروافض‪ ،‬الذين يكفّرون أئمـة‬
‫المسلمين‪ ،‬لما يعتقدون أنهم أخطأوا فيه من الدين‪ ،‬وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء‬
‫المسلمين ل يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض‪ ،‬بل كل أحد يؤخذ من قوله ويُترك إل رسول ال‬
‫ض كلمِه لخطأ أخطأه‪ ،‬يكفر‪ ،‬ول يفسق‪ ،‬بل ول يأثم‪،‬‬
‫صلى ال عليه و سلم‪ ،‬وليس كُل مَن يُترك بع ُ‬
‫فإن ال تعالى قال في دعاء المؤمنين ‪( :‬ربنا ل تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (البقرة ‪ ،)286 :‬وفي‬
‫الصحيح عن النبي صلى ال عليه و سلم قال ‪( :‬إن ال قال ‪ :‬قد فعلتُ) (‪.)135( ))134‬‬
‫بل يرى الشيخ أن (دفع التكفير عن علماء المسلمين وإن أخطأوا‪ ،‬هو من أحق الغراض‬
‫الشرعية‪.)136( )...‬‬
‫على أنه ينبغي أن يعلم أن رفع الثم عن العالم المجتهد إذا أخطـأ‪ ،‬ل يعني الغضاء عن البدعة التي‬
‫أخطأ فيها‪ ،‬فقد بيّن رحمه ال أن إثمها يزول للجتهاد أو غيره‪ ،‬إل أنه يجب بيان حالها‪ ،‬وعدم‬
‫القتداء بمن استحلها‪ ،‬وأن ل يقصر أحد في طلب العلم المبيّن لحقيقتها(‪ ،)137‬ذلك أن الثم مزال‬
‫عن المجتهد‪ ،‬ل عن وجه المخالفة من المبتدع‪.‬‬
‫وتأكيدًا لما سبق‪ ،‬فإن الشيخ يقرر أن مسلك أهل السنة‪ ،‬عدم تكفير المجتهد المخطئ في المسائل‬
‫صدُه متابعةُ الرسول صلى ال عليه و سلم‬
‫العملية أو المسائل العتقادية‪ ،‬فيقول ‪( :‬إن المتأوّل الذي قَ ْ‬
‫ل ُيكَفّر ول يُ َفسّق إذا اجتهد فأخطأ‪ ،‬وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية‪ ،‬وأما مسائل العقائد‬
‫فكثيــر من النــاس كفّــروا المخطئين فيهــا‪ ،‬وهــذا القــول ل يُعرف عن أحد من الصحابة والتابعين‬
‫لهم بإحسان‪ ،‬ول يُعرف عن أحد من أئمة المسلمين‪ ،‬وإنما هو في الصل من أقوال أهل البدع‪،‬‬
‫الذين يبتدعون بدعة‪ ،‬ويكفرون من خالفهم‪ ،‬كالخوارج والمعتزلة والجهمية‪ ،‬ووقع ذلك في كثير من‬
‫أتباع الئمة‪ ،‬كبعض أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم‪ ،‬وقد يسلكون في التكفير ذلك‪ ،‬فمنهم‬
‫من يُكفّر أهل البدع مطلقًا‪ ،‬ثم يجعل كل مَن خرج عما هو عليه‪ ،‬من أهل البدع‪ ..‬وهذا بعينه قول‬
‫الخوارج والمعتزلة والجهمية‪ ،‬وهذا القول أيضًا ل يوجد في طائفة من أصحاب الئمة الربعة ول‬
‫غيرهم‪ ،‬وليس فيهم من كفّر كل مبتدع‪ ،‬بل المنقولت الصريحة عنهم تناقض ذلك‪ ،‬ولكن قد يُنقل‬
‫عن أحدهم أنه كفّر مَن قال بعض القوال‪ ،‬ويكون مقصوده أن هذا القول كفر ليحذر‪ ،‬ول يلزم إذا‬
‫كان القول كفرًا أن يُكفّر كلّ مَن قاله مع الجهل والتأويل) (‪ ..)138‬لذا كان (من عيوب أهل البدع‪،‬‬
‫خطّئــون ول يكفّرون) (‪.)139‬‬
‫تكفير بعضهم بعضًا‪ ،‬ومن ممادح أهل العلم أنهــم ُي َ‬

‫الصل الثالث ‪:‬عذر المبتدع ل يقتضي إقراره على ما أظهره من بدعة‪ ،‬ول إباحة اتّباعه‪ ،‬بل يجب‬
‫النكار عليه فيما يسوغ إنكاره‪ ،‬مع مراعاة الدب في ذلك‬
‫يرى ابن تيمية أن المجتهد المبتدع ل يُقر على إظهار البدعة والدعوة إليها(‪ ،)140‬متى تبينت‬
‫مخالفتها للكتاب والسنة‪ ،‬بل ل يجوز متابعته فيها‪( ،‬نعم‪ ،‬قد يكون متأولً (‪ )141‬في هذا الشرع‪ ،‬أي‬
‫الذي ابتدعه‪ ،‬فيُغفر له لجل تأويله‪ ،‬إذا كان مجتهدًا الجتهاد الذي يُعفى معه عن المخطئ‪ ،‬ويُثاب‬
‫ل قد‬
‫أيضًا على اجتهاده‪ ،‬لكن ل يجوز اتباعه في ذلك‪ ،‬كما ل يجوز اتباع سائر مَن قال أو عمل عم ً‬
‫عُلم الصواب في خلفه‪ ،‬وإن كان القائل أو الفاعل مأجورًا أو معذورًا‪ ،‬وقد قال سبحانه وتعالى ‪:‬‬
‫(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون ال والمسيح ابن مريم وما أمروا إل ليعبدوا إلهًا واحدًا ل‬
‫إله إل هو سبحانه عما يشركون) (التوبة ‪ ،)31 :‬قال عـدي بن حاتم(‪ )142‬للنبي صلى ال عليه و‬

‫سلم ‪( :‬يـا رسـول ال! ما عبـــدوهم‪ .‬قـــال ‪( :‬ما عبدوهم‪ ،‬ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم‪،‬‬
‫وحرّموا عليهم الحلل فأطاعوهم) (‪ )143‬فمن أطاع أحدًا في دين لم يأذن به ال‪ ،‬في تحليل أو‬
‫تحريم أو استحباب أو إيجاب‪ ،‬فقد لحقه من هذا الذم نصيب) (‪.)144‬‬
‫ويؤكد رحمه ال‪ ،‬أنه ل يكون معذورًا من اتبع مخالفًا لمر ال ورسوله صلى ال عليه و سلم مما‬
‫هو ظاهر بيّن‪ ،‬فيقول ‪( :‬والذي يصدر عنه أمثال هذه المور(‪- )145‬أي المخالفة‪ -‬إن كان معذورًا‬
‫بقصور في اجتهاده‪ ،‬أو غيبة في عقله‪ ،‬فليس مَن اتبعه بمعذور‪ ،‬مع وضوح الحق والسبيل‪ ،‬وإن‬
‫كانت سيئته مغفورة‪ ،‬لما اقترن بها من حُسنِ قصدٍ‪ ،‬وعملٍ صالحٍ‪ ،‬فيجب بيان المحمود والمذموم‪،‬‬
‫لئل يكون لبسًا للحق والباطل) (‪.)146‬‬
‫وبيّن متى تجب المتابعة في المور الشرعية‪ ،‬ومتى تمتنع‪ ،‬وأحوال المجتهدين معها‪ ،‬فقال ‪ :‬إن‬
‫(المور ‪-‬الشرعية‪ -‬تُعطى حقها من الكتاب والسنة‪ ،‬فما جاء به الكتاب والسنة من الخبر والمر‬
‫والنهي وجب اتباعه‪ ،‬ولم يُ ْلتَفت إلى مَن خالفه كائنًا مَن كان‪ ،‬ولم يجز اتباع أحد في خلف ذلك كائنًا‬
‫مَن كان‪ ،‬كما دل عليه الكتاب والسنة(‪ )147‬وإجماع المة‪ ،‬من اتباع الرسول وطاعته‪ ...‬فإن كل‬
‫أحد من الناس قد يؤخذ من قوله وأفعاله ويُترك إل رسول ال صلى ال عليه و سلم‪ ،‬وما من الئمة‬
‫ن مخالفتها للكتاب والسنة‪ -‬فهو ل يتبع عليها‪ ،‬مع أنه ل يُذم عليها) (‬
‫إل من له أقوال وأفعال ‪َ -‬ت َبيّ َ‬
‫‪.)148‬‬
‫أما ما (لم يُعلم قطعًا مخالفتها للكتاب والسنة‪ ،‬بل هي من موارد الجتهاد‪ ،‬التي تنازع فيها أهل العلم‬
‫واليمان‪ ،‬فهذه المور قد تكون قطعية عند بعض من بيّن ال له الحق فيها‪ ،‬لكنه ل يمكنه أن يُلزم‬
‫الناس بما بان له ولم يبن لهم‪ ...‬وقد تكون اجتهادية عنده أيضًا‪ ،‬فهذه تسلم لكل مجتهد ومن قلده‪...‬‬
‫بحيث ل ينكر ذلك عليهم) (‪ ،)149‬وأما الذي ل يسلم إليه حاله فهو آتي المحرمات وتارك‬
‫الواجبات‪ ،‬من غير تأويل سائغ أو عــذر مشـــروع‪ ،‬فإنــه يجب النكــار عليه بحسب ما جاءت به‬
‫الشريعة‪ ،‬من اليد واللسان والقلب(‪ ،)150‬ويلحق به كل من أظهر مقالة تُخالف الكتاب والسنة‪،‬‬
‫فإنهــا من المنكــر الذي أمر ال بالنهــي عنـــه(‪ )151‬في قولـه تعالـى ‪( :‬ولتكن منكم أمة يدعون‬
‫إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (آل عمران ‪ ..)104 :‬أما مَن اشتبه أمره‬
‫فيُتوقف معه‪ ،‬فإن المام أن يخطئ في العفو‪ ،‬خير من أن يخطئ في العقوبة (‪.)152‬‬
‫وإذا كان الجتهاد يغفر للعالم خطأه‪ ،‬فإن هذا يقتضي التأدب معه‪ ،‬ومراعاة حقه عند إنكار ما أظهره‬
‫من بدعة وبيان مخالفته للسنة‪ ،‬وفي هذا يقول رحمه ال ‪( :‬وإن كان المخطئ المجتهد مغفورًا له‬
‫خطؤه‪ ،‬وهو مأجور على اجتهاده‪ ،‬فبيان القول والعمل الذي دل عليه الكتاب والسنة واجب‪ ،‬وإن‬
‫كان في ذلك مخالفة لقوله وعمله‪ ،‬ومن علم منه الجتهاد السائغ‪ ،‬فل يجوز أن يُذكر على وجه الذم‬
‫والتأثيم له‪ ،‬فإن ال غفر له خطأه‪ ،‬بل يجب لما فيه من اليمان والتقوى موالته ومحبته‪ ،‬والقيام بما‬
‫أوجب ال له من حقوقه‪ ،‬من ثناء ودعاء وغير ذلك) (‪.)153‬‬

‫الصل الرابع ‪ :‬عدم الحكم على من وقع في بدعة أنه من أهل الهواء والبـدع‪ ،‬ول معاداته بسببها‪،‬‬
‫إل إذا كانت البدعة مشتهرة مغلظة عند أهل العلم بالسنة‬

‫بيّن ابن تيمية أن (البدعة التي يعد بها الرجل من أهـل الهواء‪ ،‬ما اشتهر عند أهل العلم مخالفتها‬
‫للكتاب والسنة‪ ،‬كبدعة الخوارج والروافض والقدرية(‪ )154‬والمرجئة) (‪ ..)155‬وغلظت أقوال‬
‫أصحابها فيها حتى أخرجتهم من عداد أهل السنة‪ ،‬وفي هذا يقول عند عرضه لقوال هؤلء انتهاءً‬
‫ببدعة المرجئة ‪( :‬أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المعظلة(‪ ،)156‬بل قد دخل في قولهم طوائــف‬
‫من أهل الفقــه والعبــادة‪ ،‬وما كانوا يعدون إل من أهل السنة‪ ،‬حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من‬
‫القوال المغلظة) (‪ ،)157‬ويلحق بهؤلء‪ ،‬بل هم أشد بدعة‪( ،‬الحجاج إلى القبور‪ ،‬والمتخذون لها‬
‫أوثانًا ومساجد وأعيادًا‪ ،‬فهؤلء لم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم منهم طائفة تُعرف‪،‬‬
‫ول كان في السلم قبر ول مشهد يُحج إليه‪ ،‬بل هذا إنما ظهر بعد القرون الثلثة‪ ..‬والبدعة كلما‬
‫كانت أظهر مخالفة للرسول صلى ال عليه و سلم يتأخر ظهورها‪ ،‬وإنما يحدث أولً ما كان أخفى‬
‫مخالفة للكتاب والسنة‪ ،‬كبدعة الخوارج) (‪ ،)158‬وهكذا فإن غلظ البدعة ليس مقصورًا على بدع‬
‫القرون الولى‪ ،‬فإن بدع الشرك ظهرت بعد ذلك‪ ،‬وهي أشد وأغلظ وأعظم خطرًا‪.‬‬
‫ويرى شيخ السلم ابن تيمية أن الذين يعدون من أهل الهواء والبدع‪ ،‬هم من اتصفوا بما يلي ‪:‬‬
‫أ ـ أنهم يجعلون ما ابتدعوه‪ ،‬قولً يفارقون به جماعة المسلمين‪ ،‬يوالون عليه ويعادون(‪.)159‬‬
‫ب ـ أنهم ينازعون فيما تواترت به السنة(‪.)160‬‬
‫وبهذا يتميز أهل السنة عن أهل البدعة‪ ،‬فإن الذين وقعوا في البدعة (إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولً‬
‫يفارقون به جماعة المسلمين‪ ،‬يوالون عليه ويعادون‪ ،‬كان من نوع الخطأ‪ ،‬وال سبحانه وتعالى يغفر‬
‫للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك‪ ،‬ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف المة وأئمتهـــا‪ ،‬لهــم مقــالت‬
‫قالـوها باجتهــاد‪ ،‬وهي تخــالف ما ثبت في الكتاب والسنة‪ ،‬بخلف من والى مُوَافِ َقهُ‪ ،‬وعادى‬
‫ُمخَالِفَهُ‪ ،‬وفرّق بين جماعة المسلمين‪ ،‬وكفّر وفسّق ُمخَالِفَه دون ُموَافِقَه في مسائل الراء‬
‫والجتهادات‪ ،‬واستحل قتال مخالفه دون موافقه‪ ،‬فهؤلء من أهل التفرق والختلفات) (‪.)161‬‬
‫وكذلك فإن أئمة المسلمين متفقون على تبديع مَن خالف في المور المعلومة بالضطرار‪ ،‬عند أهل‬
‫العلم بسنة رسول ال صلى ال عليه و سلم كالحاديث المتواترة عندهم في شفاعته وحوضه‪،‬‬
‫وخروج أهل الكبائر من النار‪ ،‬والحاديث المتواترة عندهم في الصفات وال َقدَر والعلو والرؤية‪،‬‬
‫وغير ذلك من الصول التي اتفق عليها أهل العلم بسنته‪ ،‬كما تواترت عندهم عنه‪ ،‬بخــلف من‬
‫نــازع في مســائل الجتهــاد‪ ،‬التي لم تبلغ هذا المبلغ في تواتر السنن عنه‪ ،‬كالتنازع بينهم في الحكم‬
‫بشاهد ويمين‪ ،‬وفي ال َقسَامة وال ُقرْعَة وغير ذلك(‪.)162‬‬
‫فمن كانت بدعته غليظة‪ ،‬ظاهرة المخالفة للسنة عند أهل العلم‪ ،‬وجبت عداوته بقدر بدعته‪ ،‬بل يرى‬
‫شيخ السلم عقوبة مَن واله‪ ،‬فيقول في معرض رده على التحادية‪ ،‬وينتظم معهم مَن كان مثلهم ‪:‬‬
‫عرِف‬
‫(ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم‪ ،‬أو ذبّ عنهم‪ ،‬أو أثنى عليهم‪ ،‬أو عظّم كتبهم‪ ،‬أو ُ‬
‫بمساعدتهم ومعاونتهم‪ ،‬أو كره الكلم فيهم‪ ،‬أو أخذ يعتذر لهم بأن هذا الكلم ل يدري ما هو؟ أو مَن‬
‫قال إنه صنف هذا الكتاب؟ وأمثال هذه المعاذير التي ل يقولها إل جاهل أو منافق‪ ،‬بل تجب عقوبة‬
‫كل من عرف حالهم‪ ،‬ولم يعاون على القيام عليهم‪ ،‬فإن القيام على هؤلء من أعظم الواجبات‪ ،‬لنهم‬
‫أفسدوا العقول والديان على خَ ْلقٍ من المشايخ والعلماء والملوك والمراء‪ ،‬وهم يسعون في الرض‬
‫فسادًا‪ ،‬ويصدون عن سبيل ال) (‪.)163‬‬

‫أما ما كان دون ذلك من المسائل التي وقع فيها خلف‪ ،‬فإنه ل يستوجب الفرقة والمعاداة‪ ،‬والحكم‬
‫على المخالف من أهل البدعة والهوى‪ ،‬فقد ذكر ابن تيمية أن من مسائل العتقاد التي وقع فيها‬
‫خلف بين أهل السنة والتباع‪ ،‬مسألة رؤية الكفار ربهم في الخرة‪ ،‬فجمهور أهل السنة يرون أن‬
‫ظ َهرَ التوحيدَ من منافقي‬
‫الكفار محجوبون عنها على الطلق‪ ،‬ومن العلماء مَن يرى أنه يراه مَنْ َأ ْ‬
‫عرَصات يوم القيامة‪ ،‬ثم يحتجب عنهم(‪ )164‬عقوبة لهم‪.‬‬
‫هذه المة والكفار‪ ،‬في َ‬
‫لكــن أمـــــام هــــذه المســألـة‪ ،‬وغيـــرها من مثيــلتــها‪ ،‬تجب مراعــاة الداب التالية ‪:‬‬
‫أ ـ (أن مَن سكت عن الكلم في هذه المسألة‪ ،‬ولم يدع إلى شيء‪ ،‬فإنه ل يحل هجره‪ ،‬وإن كان يعتقد‬
‫أحد الطرفين‪ ،‬فإن البدع التي هي أعظم منها‪ ،‬ل يُهجر فيها إل الداعية دون الساكت‪ ،‬فهذه أولى‪.‬‬
‫ب ـ أنه ل ينبغي لهل العلم أن يجعلوا هذه المسألة محنة وشعارًا‪ ،‬يفضلون بها بين إخوانهم‬
‫وأضدادهم‪ ،‬فإن مثل هذا مما يكرهه ال ورسوله صلى ال عليه و سلم‪.‬‬
‫جـ ـ وكذلك ل يفاتحوا فيها عوام المسلمين‪ ،‬الذين هم في عافية وسلم عن الفتن‪ ،‬ولكن إذا سئل‬
‫الرجل عنها‪ ،‬أو رأى من هو أهل لتعريفه ذلك‪ ،‬ألقى إليه مما عنده من العلم ما يرجو النفع به‪،‬‬
‫بخلف اليمان بأن المؤمنين يرون ربهم في الخرة‪ ،‬فإن اليمان بذلك فرض واجب‪ ،‬لما قد تواتر‬
‫فيها عن النبي صلى ال عليه و سلم‪ ،‬وصحابته وسلف المة) (‪.)165‬‬

‫الصل الخامس ‪:‬ل يحكم بالهلك جزمًا على أحد خالف في العتقاد أو غيره‪ ،‬ول على طائفة معينة‬
‫بأنها من الفرق الضالة الثنتين والسبعين‪ ،‬إل إذا كانت المخالفة غليظة‬
‫ل ريب أن نجاة الفــراد والجماعـــات تكــون في السيــر على مثـل مـا ســـار عليــه رســول ال‬
‫صلى ال عليه و سلم وأصحابـــه رضــي ال عنهــم‪ ،‬لقـــول رســول ال صلى ال عليه و سلم ‪:‬‬
‫(تَفترقُ ُأ ّمتِي على ثلثٍ وسبعين فرقةً ‪ :‬اثنتان وسبعون في النار‪ ،‬وواحدةٌ في الجنة‪ ،‬وهي مَن كان‬
‫على ِمثْلِ ما أنا عليه اليوم وأصحابي) (‪ ،)166‬هذه هي الفرقة الناجية‪ ..‬فما مصير مَن خالف‬
‫اعتقادها؟ وهل يعد من الثنتين والسبعين فرقــة التي أشــار إليهـا الحديث؟‬
‫يبين ابن تيمية أنه (ليس كل مَن خالف في شيء مِن هذا العتقاد يجب أن يكون هالكًا‪ ،‬فإن المنازع‬
‫قد يكون مجتهدًا مخطئًا يغفر ال خطأه‪ ،‬وقد ل يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة‪،‬‬
‫وقد يكون له من الحسنات ما يمحو ال به سيئاته‪ ..‬وإذا كانت ألفاظ الوعيـــد المتناولــة له‪ ،‬ل يجــب‬
‫أن يدخــل فيهــــا المتـــأول والقـــانـت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك‪ ،‬فهذا أولى‪،‬‬
‫بل موجب هذا الكلم أن من اعتقد ذلك نجا في هذا العتقاد‪ ،‬ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيًا‪ ،‬وقد‬
‫ل يكون ناجيًا‪ ،‬كما يقال ‪ :‬مَن صمت نجا) (‪ ،)167‬فليس كل من تكلّم هلك‪.‬‬
‫كما يوضح ابن تيمية أنه ل يُحكم على طائفة معينة بأنها من الفرق الضالة الثنتين والسبعين التي‬
‫ذكرها رسول ال صلى ال عليه و سلم في الحديث‪ ،‬وأنه ل سبيل إلى الجزم بأنها واحدة منها‪ ،‬لن‬
‫(الجزم بأن هذه الفرقة الموصوفة هي إحدى الثنتين والسبعين لبد له من دليل‪ ،‬فإن ال حرّم القول‬
‫بل علم عمومًا‪ ،‬وحرّم القول عليه بل علم خصوصًا) (‪ ،)168‬قال تعالى ‪( :‬قل إنما حرّم ربي‬

‫الفواحش ما ظهر منها وما بطن والثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بال ما لم ينزل به سلطانا)‬
‫(العراف ‪.)33 :‬‬
‫ل طيبًا ول تتبعوا خطوات الشيطان إنه‬
‫وقــال تعــــالى ‪( :‬يا أيها الناس كلوا مما في الرض حل ً‬
‫لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على ال ما ل تعلمون) (البقرة ‪-168 :‬‬
‫‪ .)169‬وقـــال تعالى ‪( :‬ول تقف ما ليس لك به علم ) (السراء ‪.)36 :‬‬
‫نعم ورد تعيين بعض الفرق عن إمامين من أهل السنة همــا ‪ :‬يوسف بن أسباط(‪ ،)169‬وعبد ال‬
‫بن المبارك(‪ ،)170‬أنهما قال ‪ :‬أصول البدع أربعة ‪ :‬الروافض والخوارج والقدرية والمرجئة‪ ،‬فقيل‬
‫لبن المبارك ‪ :‬والجهمية‪ ،‬فأجاب ‪ :‬بأن أولئك ليسوا من أمة محمد صلى ال عليه و سلم‪ ،‬وكان يقول‬
‫‪ :‬إنا لنحكي كلم اليهود والنصارى‪ ،‬ول نستطيع أن نحكي كلم الجهمية‪ ..‬وهذا الذي قاله‪ ،‬اتبعه‬
‫عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم‪ ،‬قالوا ‪ :‬إن الجهمية كفار‪ ،‬فل يدخلون في الثنتين‬
‫والسبعين فرقة‪ ،‬كما ل يدخل فيهم المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون السلم وهم الزنادقة(‬
‫‪.)171‬‬
‫وروى المسيب بن واضح(‪ )172‬أنه قال ‪( :‬أتيت يوسف بن أسباط‪ ،‬فقلتُ ‪ :‬يا أبا محمد! إنك بقية‬
‫ممن مضى من العلماء‪ ،‬وأنت حجة على من لقيت‪ ،‬وأنت إمام سنة‪ ،‬ولم آتك أسمع منك الحاديث‪،‬‬
‫ولكن أتيتك أسألك عن تفسيرها‪ ،‬وقد جاء هذا الحديث ‪( :‬إن بني إسرائيل افترقت على إحدى‬
‫وسبعين فرقة‪ ،‬وإن هذه المة ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة) (‪ ،)173‬فما هذه الفرق حتى‬
‫نجتنبهم؟ فقال ‪ :‬أصلها أربعة…) (‪.)174‬‬
‫فهذه الطوائف اشتهرت أقوالها المخالفة مخالفة غليظة للكتاب والسنة‪ ،‬وافترقت عن أهل السنة‬
‫والجماعة‪ ،‬افتراقًا بينًا في الصول من الدين مما ثبت بالضرورة‪ ،‬فساغ لهذا المام الحكم عليها‬
‫بأنها من الفرق الضالة الثنتين والسبعين(‪.)175‬‬

‫الصل السادس ‪:‬التحري في حال الشخص المعين‪ ،‬المرتكب لموجب الكفر أو الفسق‪ ،‬قبل تكفيره أو‬
‫تفسيقه‪ ،‬بحيث ل يكفر ول يفسق أحد إل بعد إقامة الحجة عليه‬
‫نبه ابن تيمية إلى عظم مسألتي التكفير والتفسيق عمومًا‪ ،‬فقال ‪( :‬اعلم أن مسائل التكفير والتفسيق‬
‫هي من مسائل السماء والحكام‪ ،‬التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الخرة‪ ،‬وتتعلق بها‬
‫الموالة والمعاداة‪ ،‬والقتل والعصمة‪ ،‬وغير ذلك في الدار الدنيا‪ ،‬فإن ال سبحانه أوجب الجنة‬
‫للمؤمنين‪ ،‬وحرّم الجنة على الكافرين) (‪.)176‬‬
‫ولعظم المسألتين وخطرهما‪ ،‬فإن إطلق الكفر أو الفسق على أحد ل يكون إل بموجب قطعي‪،‬‬
‫ولسيما الكفر فإنه يكون (بمثل تكذيب الرسول صلى ال عليه و سلم فيما أخبر به‪ ،‬أو المتناع عن‬
‫متابعته مع العلم بصدقه‪ ،‬مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم) (‪ ،)177‬ويتعلق بما يتعلق به اليمان‪،‬‬
‫وكلهما متعلق بالكتاب والسنة‪ ،‬وهما متضادان‪ ،‬فل إيمان مع تكذيب الرسول ومعاداته‪ ،‬ول كفر‬
‫مع تصديقـــه وطاعتــه‪ ،‬وحكمــه ل يتبين إل عن طريق الشرع(‪ ،)178‬فليس لحد أن يكفر أحدًا‬
‫بهواه‪ ،‬لن التكفير حق ل تعالى‪ ،‬والذين يكفّرون بهواهم هم المبتدعة‪ ،‬كالروافض الذين كفّروا أبا‬

‫بكر(‪ ،)179‬وعمر(‪ )180‬رضي ال عنهما‪ ،‬والخوارج الحرورية(‪ )181‬الذين كفّروا عليًا رضي‬
‫ال عنه‪ ،‬وقاتلوا الناس على الدين‪( ،‬حتى يرجعــوا عمــا ثبت بالكتــاب والسنــــة وإجمــاع‬
‫الصحابــــة‪ ،‬إلى ما ابتدعه هؤلء بتأويلهم الباطل وفهمهم الفاسد للقرآن‪ ..‬ومع هذا‪ ،‬فقد صرّح علي‬
‫رضي ال عنه بأنهم مؤمنون‪ ،‬ليسوا كفارًا ول منافقين‪ ،‬وهذا بخلف ما كان يقوله بعض الناس‪،‬‬
‫كأبي إسحاق السفراييني(‪ )182‬ومن اتبعه‪ ،‬يقولون ‪ :‬ل نكفّر إل من يكفّرنا‪ ،‬فإن الكفر ليس حقًا‬
‫لهم بل هو حق ل‪ ،‬وليس للنســان أن َي ْكذِبَ على مــن يكــذب عليـه‪ ،‬ول يفعل الفاحشة بأهل مَن‬
‫فعل الفاحشة بأهله‪ ،‬ولو استكرهه رجل على اللواطة لم يكن له أن يستكرهه على ذلك‪ ،‬ولو قتله‬
‫بتجريع خمر أو تلوط لم يجز قتله بمثل ذلك‪ ،‬لن هذا حرامٌ‪ ،‬لحق ال) (‪.)183‬‬
‫ويصرّح في موضع آخر بأن هذا المسلك هو مسلك أهل العلم والسنة‪ ،‬فيقول ‪( :‬فلهذا كان أهل العلم‬
‫والسنة ل يكفّرون مَن خالفهم‪ ،‬وإن كان ذلك المخالفُ يكفّرهم‪ ،‬لن الكفر حكم شرعي‪ ،‬فليس‬
‫للنسان أن يعاقب بمثله‪ ،‬كمن كذب عليك‪ ،‬وزنى بأهلك‪ ،‬ليس لك أن تكذب عليه‪ ،‬ول تزني بأهله‪،‬‬
‫لن الكذب والزنا حرام لحق ال تعالى‪ ،‬وكذلك التكفير حق ل‪ ،‬فل ُيكَفّر إل من كَفّره ال ورسوله) (‬
‫‪.)184‬‬
‫كما أن أهل السنة ل يكفّرون أحدًا من أهل القبلة بالذنب والمعصية‪ ،‬وإنما ذلك من فعل الخوارج‬
‫الذين يكفّرون بمطلق الذنوب(‪ ،)185‬وفي هذا يقول رحمه ال ‪( :‬من شأن أهل البدع أنهم يبتدعون‬
‫أقوالً يجعلونها واجبة في الدين‪ ،‬بل يجعلونها من اليمان الذي لبد منه‪ ،‬ويكفّرون مَن خالفهم فيها‬
‫ويستحلون دمه‪ ،‬كفعل الخوارج والجهمية والرافضة والمعتزلة وغيرهم‪ ..‬وأهل السنة ل يبتدعون‬
‫قولً‪ ،‬ول يكفّرون من اجتهد فأخطأ‪ ،‬وإن كان مخالفًا لهم‪ ،‬مكفّرا لهم‪ ،‬مستحلً لدمائهم‪ ،‬كما لم تكفّر‬
‫الصحابة الخوارج مع تكفيرهم لعثمان(‪ )186‬وعلي رضي ال عنهما‪ ،‬ومن والهما‪ ،‬واستحللهـم‬
‫لدماء المسلمين المخالفين لهم) (‪.)187‬‬
‫بل يقرر شيخ السلم (أنه ل يُجعل أح ٌد بمجرد ذنب يذنبــه‪ ،‬ول ببدعة ابتدعها‪ ،‬ولو دعا الناس‬
‫إليها‪ ،‬كافرًا في الباطن إل إذا كان منافقًا‪ ،‬فأما مَن كان في قلبه اليمان بالرسول وما جاء به‪ ،‬وقد‬
‫غَلط في بعض ما تأوله من البدع‪ ،‬فهذا ليس بكافر أصلً‪ ،‬والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة‬
‫وقتالً للمة وتكفيرًا لها‪ ،‬ولم يكن في الصحابة من يكفّرهم‪ ،‬ول علي بن أبي طالب ول غيره‪ ،‬بل‬
‫حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين) (‪.)188‬‬
‫ويعلل ابن تيمية منع إطلق الكفر على المعين‪ ،‬أن له شروطًا وموانع تقتضي انتفاء العذر‪ ،‬كالجهل‬
‫بالحكم وثبوت الحكم بالعلم‪( ،‬فل يلزم إذا كان القول كفرًا أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل‪،‬‬
‫فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين كثبوت الوعيد في الخرة في حقه‪ ...‬وإذا لم يكونوا في‬
‫نفس المر كفارًا‪ ،‬لم يكونوا منافقين‪ ،‬فيكونون من المؤمنين) (‪.)189‬‬
‫ذلك أن الكفر حكم شرعي‪ ،‬ل يُحكم به على أح ٍد بمجرد الخطأ والغلط‪ ،‬بل لبد من إقامة الحجة على‬
‫المحكوم عليه‪ ،‬وفي هذا الشأن يقول رحمه ال ‪( :‬ليس لحد أن يكفّر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ‬
‫وغلط‪ ،‬حتى تُقام عليه الحجة‪ ،‬وتُبين له المحجة‪ ،‬ومَن ثبت إسلمه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك‪ ،‬بل‬
‫ل يزول إل بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة) (‪.)190‬‬
‫وقد حذّر الشيخ من تكفير أو تفسيق أو نسبة معصية إلى مجتهد معين‪ ،‬أخطأ فيما يسوغ الجتهاد فيه‬
‫من المسائل العقدية والعملية‪ ،‬فيقول ‪( :‬إني من أعظم الناس نهيًا عن أن يُنسب معين إلى تكفير‬

‫وتفسيق ومعصية‪ ،‬إل إذا عُلم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية‪ ،‬التي من خالفها كان كافرًا تارة‪،‬‬
‫وفاسقًا أخرى‪ ،‬وعاصيًا أخرى‪ ،‬وإني أقرر أن ال قد غفر لهذه المة خطأها‪ ،‬وذلك يعم الخطأ في‬
‫المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية‪ ،‬ومازال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل‪ ،‬ولم‬
‫يشهد أحد منهم على أحد ل بكفـر ول بفسق ول معصية‪ ،‬كما أنكر شُرَيح(‪ )191‬قراءة من قرأ (بل‬
‫عجبتُ ويسخرون) (الصافات ‪ ،)12 :‬وقـــال ‪ :‬إن ال ل يعجب‪ ،‬فبلــغ ذلك إبراهيم النخعـــي(‬
‫‪ ،)192‬فقال ‪ :‬إنما شُريــح شاعـــر يعجبه علمـــه‪ ،‬كـــان عبد ال(‪ )193‬أعلم منه‪ ،‬وكان يقرأ ‪:‬‬
‫(بل عجبتَ) (‪ ..)194‬وكما نازعت عائشة(‪ )195‬رضي ال عنها‪ ،‬وغيرها من الصحابة في رؤية‬
‫محمد صلى ال عليه و سلم ربه‪ ،‬وقالت ‪( :‬مَن زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على ال الفرية) (‬
‫‪ ،)196‬ومع هذا ل تقول لبن عباس رضي ال عنهما‪ ،‬ونحوه من المنازعين لها ‪ :‬إنه مفتر على‬
‫ال‪ ..‬وكما نازعت في سماع الميت كلم الحي‪ ،‬وفي تعذيب الميت ببكاء أهله‪ ،‬وغير ذلك‪ ..‬وقد آل‬
‫الشر بين السلف إلى القتتال‪ ،‬مع اتفاق أهل السنة على أن الطائفتين جميعًا مؤمنتان‪ ،‬وأن القتتال ل‬
‫يمنع العدالة الثابتة لهم‪ ،‬لن المقاتل وإن كان باغيًا فهو متأول‪ ،‬والتأويل يمنع الفسوق) (‪.)197‬‬
‫ويُفرّق الشيخ بين التكفير العام والتكفير المعين‪ ،‬فهو يرى (أن التكفير العام كالوعيد العام‪ ،‬يجب‬
‫القول بإطلقه وعمومه) (‪ ،)198‬وفق الموجب‪ ،‬بغض النظر عن حالِ مُتلبّسه‪ ،‬أما الكفر المعين فل‬
‫يُحكم به على أحد إل إذا توافرت فيه شروط الكفر‪ ،‬وانتفت عنه موانعه‪ ،‬دون تفريق بين المسائل‬
‫العقدية والعملية‪ ..‬وتقريرًا لهـذا المعنــى يقـول رحمه ال ‪( :‬وحقيقة المر في ذلك‪ ،‬أن القول قد‬
‫يكون كفرًا‪ ،‬فيُطلق القول بتكفير صاحبه‪ ،‬ويقال ‪ :‬من قال كذا فهو كافر‪ ،‬لكن الشخص المعين الذي‬
‫قاله ل يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها‪ ،‬وهذا كما في نصوص الوعيد‪ ،‬فإن ال‬
‫سبحانه وتعالى يقول ‪( :‬إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون‬
‫سعيرًا ) (النساء ‪ .)10 :‬فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق‪ ،‬لكن الشخص المعين ل يُشهد عليه‬
‫بالوعيد‪ ،‬فل يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار‪ ،‬لجواز أن ل يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت‬
‫مانع‪ ،‬فقد ل يكون التحريم بلغه‪ ،‬وقد يتوب من فعل المحرم‪ ،‬وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو‬
‫عقوبة ذلك المحرم‪ ،‬وقد يُبتلى بمصائب تكفر عنه‪ ،‬وقد يشفع فيه شفيع مطاع‪ ،‬وهكذا القوال التي‬
‫يكفر قائلها‪ ،‬قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق‪ ،‬وقد تكون عنده ولم تثبت‬
‫عنده‪ ،‬أو لم يتمكن من فهمها‪ ،‬وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره ال بها‪ ،‬فمن كان من المؤمنين‬
‫مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ‪ ،‬فإن ال يغفر له خطأه كائنًا ما كان‪ ،‬سواء كان في المسائل النظرية‬
‫أو العملية‪ ،‬هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى ال عليه و سلم وجماهير أئمة المسلمين) (‪.)199‬‬
‫بل يرى الشيخ أن التحري في حال المتأول المخطئ في مسائل العتقاد‪ ،‬أولى من المخطئ في‬
‫المسائل العملية‪ ،‬لخفاء الولى وظهور الثانية‪ ،‬وفي هذا يقول ‪( :‬التحقيق في هذا ‪ :‬إن القول قد يكون‬
‫كفرًا‪ ،‬كمقالت الجهمية الذين قالوا ‪ :‬إن ال ل يتكلم ول يرى في الخرة‪ ،‬ولكن قد يخفى على بعض‬
‫الناس أنه كفر‪ ،‬فيطلق القول بتكفير القائل‪ ،‬كما قال السلف ‪ :‬مَن قال ‪ :‬القرآن مخلوق فهو كافر‪،‬‬
‫ومَن قال ‪ :‬إن ال ل يرى في الخرة فهو كافر‪ ،‬ول يكفّر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة كما‬
‫تقدم‪ ،‬كمن جحد وجوب الصلة والزكاة‪ ،‬واستحل الخمر والزنا وتأول‪ ،‬فإن ظهور تلك الحكام بين‬
‫المسلمين أعظم من ظهور هذه‪ ،‬فإذا كان المتأول المخطئ في تلك ل يُحكم بكفره إل بعد البيان له‬
‫واستتابته‪ ،‬كما فعل الصحابة(‪ )200‬رضي ال عنهم‪ ،‬في الطائفة الذين استحلوا الخمر‪ ،‬ففي غير‬
‫ت فاحرقوني‪ ،‬ثم‬
‫ذلك أولى وأحرى‪ ،‬وعلى هذا ُيخَرج الحديث الصحيح (في الذي قال ‪ :‬إذا أنا م ّ‬
‫اسحقوني في اليم‪ ،‬فوال لئن قدر ال عليّ ليعذبني عذابًا ما عذّبه أحدًا من العالمين) (‪ )201‬وقد‬
‫غفر ال لهذا‪ ،‬مع ما حصل له من الشك في قدرة ال وإعادته إذا حرقوه) (‪.)202‬‬

‫ويشهد لهذا المنهج فعل المام أحمد رحمه ال‪ ،‬الذي تعرّض لفتنة خلق القرآن من قِبَل الجهمية نُفاة‬
‫الصفات‪ ،‬فامتحنوه وضربوه وحبسوه بأمر من الخليفة المأمون(‪ ،)203‬الذي وافقهم على التجهم‪،‬‬
‫ومع ذلك فإن المام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه واستغفر لهم‪ ،‬وحللهم مما فعلوه به‬
‫من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر‪ .‬ولو كانوا مرتدين عن السلم لم يجز الستغفار لهم‪،‬‬
‫فإن الستغفار للكفار ل يجوز‪ ،‬بالكتاب(‪ )204‬والسنة(‪ )205‬والجماع‪ ،‬وهذا يدل على أنه لم يكفر‬
‫المعين من الجهمية لجهلهم بالحكم أو غيره(‪ ،)206‬هذا مع أن الجهمية أشد المبتدعة ضللً‪ ،‬بل‬
‫المشهور عن المام أحمد وعامة أئمة السنة تكفيرهم‪ ،‬قال فيهم (عبد ال بن المبارك ‪ :‬إنا لنحكي‬
‫كلم اليهود والنصارى ول نستطيع أن نحكي كلم الجهمية‪ ،‬وقال غير واحد من الئمة ‪ :‬إنهم أكفر‬
‫من اليهود والنصارى) (‪.)207‬‬
‫أما غيرهم من أهل البدع‪ ،‬فإنهم ل ُيكَفّرون‪ ،‬مثل الشيعة المفضّلة لعليّ على أبي بكر رضي ال‬
‫عنهما‪ ،‬وكذلك المرجئة‪ ،‬فإن بدعتهم من جنس اختلف الفقهاء في الفروع‪ ،‬أما القدرية المُقِـرّون‬
‫بالعلم(‪ ،)208‬والروافض الذين ليسوا من الغالية(‪ ،)209‬والخوارج‪ ،‬فهم محل خلف بين أهل‬
‫العلم‪ ،‬وقد أثر عن المام أحمد التوقف عن تكفير القدرية المقرين بالعلم‪ ،‬والخوارج‪ ،‬مع قوله ‪ :‬ما‬
‫أعلم قومًا شرًا من الخـوارج‪ ،‬ونقل أبو نصر السجزي(‪ )210‬عن أئمة السنة‪ ،‬قولين في نوع كفر‬
‫الجهمية ‪ :‬الول أنه كفر ينقل عن الملة‪ ،‬هو قول الكثر‪ ،‬والثاني كفر ل ينقل عن الملة‪ ..‬وذكر‬
‫الخطابي(‪ : )211‬إن تكفير أهل السنة لهم‪ ،‬على سبيل التغليظ(‪.)212‬‬

‫الصل السابع ‪ :‬الحرص على تأليف القلوب واجتماع الكلمة‪ ،‬وإصلح ذات البين‪ ،‬والحذر من أن‬
‫يكون الخلف في المسائل الفرعية العقدية والعملية‪ ،‬سببًا في نقض عُرى الخوة والولء والبراء‬
‫بين المسلمين‬

‫يقول رحمه ال في هذا ‪( :‬تعلمون أن من القواعد العظيمة‪ ،‬التي هي من جِماع الدين‪ ،‬تأليف القلوب‪،‬‬
‫واجتماع الكلمة‪ ،‬وصلح ذات البين‪ ،‬فإن ال تعالى يقول ‪( :‬فاتقوا ال وأصلحوا ذات بينكم) (النفال‬
‫‪ ،)1 :‬ويقول ‪( :‬واعتصموا بحبل ال جميعًا ول تفرقوا) (آل عمران ‪ ،)103 :‬ويقول ‪( :‬ول تكونوا‬
‫كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) (آل عمران ‪.)105 :‬‬
‫وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والئتلف‪ ،‬وتنهى عن الفرقة والختلف‪ ..‬وأهل هذا‬
‫الصل‪ ،‬هم أهل الجماعة‪ ،‬كما أن الخارجين عنه هم أهل الفُرقة) (‪.)213‬‬
‫وبيّن الشيخ أن الخلف في المسائل الفرعية العقدية والعملية‪ ،‬جرى بين الصحابة والتابعين من‬
‫سلف المة‪ ،‬مع محافظتهم على هذه القاعدة‪ ،‬وأن العاصم من ذلك كان في رد النزاع إلى كتاب ال‬
‫وسنة رسوله صلى ال عليه و سلم‪ ،‬وابتغاء الحق وحده‪ ،‬فيقول مقررًا مسلكهم رضي ال عنهم ‪:‬‬
‫(وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم‪ ،‬إذا تنازعوا في المر اتبعـــوا أمـــر ال تعالـى‬
‫في قولــه ‪( :‬فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ال والرسول إن كنتم تؤمنون بال واليوم الخر ذلك‬
‫خير وأحسن تأويلً) (النساء ‪ .)59 :‬وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة‪،‬‬
‫وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية‪ ،‬مع بقاء اللفة والعصمة وأخوة الدين‪ ..‬نعم من‬
‫خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة‪ ،‬أو ما أجمع عليه سلف المة‪ ،‬خلفًا ل يُعذر فيه‪ ،‬فهـــذا‬

‫يعامــل بما يُعامـــل به أهــل البــدع‪ ،‬فعائشــة أُم المؤمنين رضي ال عنها‪ ،‬قد خالفت ابن عباس‬
‫وغيره من الصحابة‪ ،‬في أن محمدًا صلى ال عليه و سلم رأى ربه‪ ،‬وقالت ‪( :‬مَن زعم أن محمدًا‬
‫رأى ربه فقد أعظم على ال تعالى الفـرية) (‪ ،)214‬وجمهـــور المــــة علــى قــول ابن عباس‬
‫رضي ال عنهما‪ ،‬مع أنهم ل يُبدّعون المانعين الذين وافقـــوا أم المؤمنين رضي ال عنها‪ ،‬وكذلك‬
‫أنكرت أن يكون الموات يسمعون دعاء الحي‪ ،‬لـمّا قيل لها ‪ :‬إن النبي صلى ال عليه و سلم قال ‪:‬‬
‫(ما أنتــم بأسمع لمـا أقــول منهم) (‪ ،)215‬فقالت ‪ :‬إنما قال ‪( :‬إنهم ليعلمون الن أن ما قلتُ لهم‬
‫حق) (‪ ..)216‬ومع هذا فل ريب أن الموتى يسمعون خفق النعال‪ ،‬كما ثبت عن رسول ال صلى‬
‫ال عليه و سلم أنه قال ‪( :‬ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه‪ ،‬إل ردّ ال‬
‫عليه روحه حتى يرد عليه السلم) (‪ ،)217‬وصح ذلك عن النبي صلى ال عليه و سلم‪ ،‬إلى غير‬
‫ذلك من الحاديث‪ ..‬وأم المؤمنين تأولت‪ ،‬وال يرضى عنها‪ ،‬وكذلك معاوية(‪ )218‬رضي ال عنه‪،‬‬
‫نقل عنه في أمر المعراج أنه قال ‪( :‬إنما كان بروحه) (‪ ،)219‬والناس على خلف معاوية رضي‬
‫ال عنه‪ ،‬ومثل هذا كثير)‪.‬‬
‫وأما الختلف في الحكام فأكثر من أن ينضبط‪ ،‬ولو كان كــل ما اختلف مسلمــان فــي شيء‬
‫تهاجــرا‪ ،‬لـم يبق بين المسلمين عصمـــة ول أخوة‪ ،‬ولقد كان أبو بكر وعمر رضي ال عنهما‪ ،‬سيدا‬
‫المسلمين‪ ،‬يتنازعان في أشياء ل يقصدان إل الخير‪ ..‬وقد قال النبي صلى ال عليه و سلم لصحابه‬
‫يوم بني قريظة(‪( : )220‬ل يُصلين أحد العصرَ إل في بني قُريظة)‪ ،‬فأدركتهم العصرُ في الطريق‪،‬‬
‫فقال قوم ‪ :‬ل نصلي إل في بني قريظة‪ ،‬وفاتتهم العصر‪ .‬وقال قوم ‪ :‬لم يُرد منا تأخير الصلة‪،‬‬
‫فصلوا في الطريق‪ ،‬فلم يعب واحدًا من الطائفتين‪ ،‬أخرجاه في الصحيحين(‪ ،)221‬من حديث ابن‬
‫عمر رضي ال عنهما‪ ،‬وهذا وإن كــان في الحكــام‪ ،‬فما لم يكن من الصول المهمة فهو ملحق‬
‫بالحكام (‪.)222‬‬
‫وأكد الشيخ على مراعاة الخــوة والمــوالة بين المسلمين‪ ،‬بحيــث ل يؤثر عليها ما يقع من خلف‬
‫بسبب دواع اجتهادية‪ ،‬مبينًا أن العاصم من ذلك تقديم حق ال على حق النفس‪ ،‬وفي هذا يقول ‪:‬‬
‫(جعل ال‪ ...‬عباده المؤمنين بعضهم أولياء بعض‪ ،‬وجعلهم إخوة‪ ،‬وجعلهم متناصرين متراحمين‬
‫متعاطفين‪ ،‬وأمرهم سبحانه بالئتلف‪ ،‬ونهاهم عن الفتراق والختلف‪ ،‬فقال تعالى ‪( :‬واعتصموا‬
‫بحبل ال جميعًا ول تفرقوا) (آل عمــران ‪ ، )103 :‬وقـــــال تعــــالـــــى ‪( :‬إن الذين فرقوا دينهم‬
‫وكانوا شيعًا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى ال) (النعام ‪ )159 :‬الية‪ ،‬فكيف يجوز مع هذا‬
‫لمة محمد صلى ال عليه و سلم أن تفترق وتختلف حتى يوالي الرجل طائفة‪ ،‬ويعادي طائفة أخرى‬
‫بالظن والهوى بل برهان من ال تعالى‪ ،‬وقد برّأ ال نبيه صلى ال عليه و سلم ممن كان هكذا‪ .‬فهذا‬
‫ِفعْل أهل البدع كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين‪ ،‬واستحلوا دماء مَن خالفهم‪ ..‬وأما أهل‬
‫السنة والجماعة فهم معتصمون بحبل ال‪ ،‬وأقل ما في ذلك أن يفضل الرجل من يوافقه على هواه‪،‬‬
‫وإن كان غيره أتقى ل منه‪ ،‬وإنما الواجب أن يقدم من قدمه ال ورسوله‪ ،‬ويؤخر من أخّره ال‬
‫ورسوله‪ ،‬ويحـب مــا أحبــه ال ورســوله‪ ،‬ويبغـض ما أبغضه ال ورسوله‪ ،‬وينهى عما نهى ال‬
‫عنه ورســوله‪ ،‬وأن يرضــى بما رضي ال به ورسوله‪ ،‬وأن يكون المسلمون يدًا واحدة‪ ،‬فكيف إذا‬
‫بلغ المر ببعض الناس إلى أن يُضلل غيره ويكفّره‪ ،‬وقد يكون الصواب معه وهو الموافق للكتاب‬
‫والسنة‪ ،‬ولو كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين‪ ،‬فليس كل مَن أخطأ يكون كافرًا أو‬
‫فاسقًا‪ ،‬بل قد عفى ال لهذه المة عن الخطأ والنسيان‪ ،‬وقد قال ال تعالى في كتابه‪ ،‬في دعاء الرسول‬
‫صلى ال عليه و سلم والمؤمنين ‪( :‬ربنا ل تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (البقرة ‪ .)286 :‬وثبت في‬
‫الصحيح أن ال قال ‪( :‬قد فعلت) (‪ ،)223‬لسيما وقد يكون من يوافقكم في أخص من السلم‪ ،‬مثل‬

‫أن يكون مثلكم على مذهب الشافعي‪ ،‬أو منتسبًا إلى الشيخ عدي(‪ ،)224‬ثم بعد هذا قد يخالف في‬
‫شيء‪ ،‬وربما كان الصواب معه‪ ،‬فكيف يستحل عِرضه ودمه وماله؟ مع ما قد ذكر ال تعالى من‬
‫حقوق المسلم والمؤمن) (‪.)225‬‬
‫ولعل أظهر ما يقوّي وشيجة الخوة بين المسلمين‪ ،‬ويحفظ تماسك جماعتهم‪ ،‬العمل بأحكام الولء‬
‫والبراء التي شرعها ال في كتابه‪ ،‬دون التفات إلى مناهج أخرى أو تعصّب لطوائف‪ ،‬ذلك أن‬
‫(الولية ضد العداوة‪ ،‬وأصل الولية المحبة والقُرب‪ ،‬وأصل العداوة البغض والبُعد) (‪ ،)226‬وهما‬
‫أوثق عُرى اليمان كما أخبر الرسول صلى ال عليه و سلم ‪( :‬أوثق عُرى اليمان الحب في ال‬
‫والبغض في ال) (‪ ..)227‬وقد بيّن الشيخ أحكام الولء والبراء‪ ،‬ولمن يكونان ويعطيان‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫(فأما الحمد والذم والحب والبغض والموالة والمعاداة‪ ،‬فإنما تكون بالشياء التي أنزل ال بها‬
‫سلطانه‪ ،‬وسلطانه كتابه‪ ،‬فمن كان مؤمنًا وجبت موالته من أي صنف كان‪ ،‬ومن كان كافرًا وجبت‬
‫معادته من أي صنف كان‪ ،‬قال ال تعالى ‪( :‬إنما وليكم ال ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون‬
‫الصلة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول ال ورسوله والذين آمنوا فإن حزب ال هم الغالبون‬
‫) (المائدة ‪...)56-55 :‬‬
‫ومن كان فيه إيمان وفيه فجور‪ ،‬أعطي من الموالة بحسب إيمانه‪ ،‬ومن البغض بحسب فجوره‪ ،‬ول‬
‫يخرج من اليمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي‪ ،‬كما يقوله الخوارج والمعتزلة‪ ،‬ول يُجعل‬
‫النبياء والصديقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفسّاق في اليمان والدين والحب والبغض‬
‫والموالة والمعاداة‪ ،‬قال ال تعالى ‪( :‬وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت‬
‫إحداهما على الخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ال فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل‬
‫وأقسطوا إن ال يحب المقسطين) إلى قولـه ‪( :‬إنما المؤمنون إخوة) (الحجرات ‪ ،)10-9 :‬فجعلهم‬
‫إخوة مع وجود القتتال والبغي) (‪.)228‬‬
‫كما ل يتنافى وجود الشر والمعصية والبدعة في شخص‪ ،‬مع استحقاقه للموالة والكرام بقدر ما فيه‬
‫من خير وطاعة وسنة‪ ،‬وفي هذا يقول الشيخ ‪( :‬وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور‪،‬‬
‫وطاعة ومعصية‪ ،‬وسنة وبدعة‪ ،‬استحق من الموالة والثواب بقدر ما فيه من الخير‪ ،‬واستحق من‬
‫المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر‪ ،‬فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الكرام والهانة‪،‬‬
‫فيجتمع له هذا وهذا) (‪.)229‬‬
‫ل بمبدأ الولء والبراء‪ ،‬فإن الشيخ يقرر ‪( :‬أن الواجب على المسلم إذا صار في مدينة من‬
‫وعم ً‬
‫مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة‪ ،‬ويوالي المؤمنين‪ ،‬ول يعاديهم‪ ،‬وإن رأى بعضهم‬
‫ضالً أو غاويًا وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك‪ ،‬وإل فل يكلّف ال نفسًا إل وسعها‪ ،‬وإذا كان قادرًا‬
‫على أن يُولّي في إمامة المسلمين الفضل ولّه‪ ،‬وإن قدر أن يمنع من يُظهر البدع والفجور منعه) (‬
‫‪ ..)230‬وهكذا على مقتضى اتباع الحق وإظهاره‪ ،‬خل المبتدعة الملحدة‪ ،‬فهؤلء يجب البراء‬
‫منهم‪ ،‬فإن الشيخ أنكر على من يعاون أو ينصر أهل الحلول والتحاد‪ ،‬فقال ‪( :‬ومن هؤلء من‬
‫يعاونهم وينصرهم على أهل اليمان المنكرين للحلول والتحاد‪ ،‬وهو شر ممن ينصر النصارى على‬
‫المسلمين‪ ،‬فإن قول هؤلء شر من قول النصارى‪ ،‬بل هو شر ممن ينصر المشركين على المسلمين‪،‬‬
‫فإن قول المشركين الذين يقولون ‪ :‬إنما نعبدهم ليقربونا إلى ال زلفى(‪ ،)231‬خير من قول هؤلء‪،‬‬
‫فإن هؤلء أثبتوا خالقًا ومخلوقًا غيره‪ ،‬يتقربون به إليه‪ ،‬وهؤلء يجعلون وجود الخالق وجود‬
‫المخلوق) (‪ ،)232‬بخلف أهل الصلح والتقوى إذا وقعوا في بدعة متأولة وليست غليظة(‪،)233‬‬

‫فهؤلء تجب موالتهم ومحبتهم‪ ،‬لن ما وقع منهم من قبيل الهفوة والزلة‪ ،‬التي ل تنسخ ما لهم من‬
‫صلح وتقوى‪ ،‬وقد وقع ذلك (من أكابر السلف المقتتلين في الفتنة‪ ،‬والسلف المستحلين لطائفة من‬
‫الشربة المسكرة‪ ،‬والمستحلين لربا ال َفضْل والمتعة‪ ،‬والمستحلين للحشوش‪ ،‬كما قال عبد ال بن‬
‫المبارك ‪ :‬رُبّ رجل في السلم‪ ،‬له قدم حسن وآثار صالحة‪ ،‬كانت منه الهفوة والزلة‪ ،‬ل يُقتدى به‬
‫في هفوته وزلته) (‪ ..)234‬فهؤلء وأمثالهم معذورون‪ ،‬لنهم مجتهدون‪ ،‬لم يقصدوا فعل الحرام‪،‬‬
‫ول مخالفة السنة‪ ،‬فهم حين استحلوا ذلك ل يعتقدون (أنه من المحرمات‪ ،‬ول أنه داخل فيما ذمه ال‬
‫ورسوله‪ ،‬فالمقاتل في الفتنة متأولً ل يعتقد أنه قتل مؤمنًا بغير حق‪ ،‬والمبيح للمتعة والحشوش‬
‫ونكاح المحلل ل يعتقد أنا أباح زنا وسفاحًا‪ ،‬والمبيح للنبيذ المتأول فيه‪ ،‬ولبعض أنواع المعاملت‬
‫الربوية وعقود المخاطرات‪ ،‬ل يعتقد أنه أباح الخمر والميسر والربا‪ ..‬ولكن وقوع مثل هذا التأويل‬
‫من الئمة المتبوعين‪ ،‬أهل العلم واليمان‪ ،‬صار من أسباب المحن والفتنة‪ ،‬فإن الذين يعظمونهم قد‬
‫يقتدون بهم في ذلك‪ ،‬وقد ل يقفون عند الحد الذي انتهى إليه أولئك‪ ،‬بل يتعدون ذلك ويزيدون‬
‫زيادات لم تصدر من أولئك الئمة السادة‪ ،‬والذين يعلمون تحريم جنس ذلك الفعل‪ ،‬قد يعتدون على‬
‫المتأولين بنوع من الذم فيما هو مغفور لهم‪ ،‬ويتبعهم آخرون فيزيدون في الذم ما يستحلون به من‬
‫أعراض إخوانهم وغير أعراضهم ما حرّمه ال ورسوله) (‪.)235‬‬
‫وبهذا يتقرر أن الشيخ ل يرى الوقوع في البدعة عن شبهة أو تأول مبطلً لحقوق المسلم‪ ،‬ومنها‬
‫الموالة‪ ،‬التي من معانيها المحبة والنصرة والحماية‪ ،‬بل هي ثابتة للمسلم المبتدع بقدر ما عنده من‬
‫إيمان‪ ،‬فيحب بقــدر ما فيه من صلح‪ ،‬وينصر على من ظلمه‪ ،‬وإن كان فيه سوء‪ ،‬وفي هذا يقول‬
‫رحمه ال ‪( :‬ومعلوم أن شر الكفار والمرتدين والخوارج‪ ،‬أعظم من شر الظالم‪ ،‬وأما إذا لم يكونوا‬
‫يظلمون المسلمين‪ ،‬والمقاتل لهم يريد أن يظلمهم‪ ،‬فهذا عدوان منه فل يعاون على عدوان) (‪،)236‬‬
‫مصداق قول الرسول صلى ال عليه و سلم ‪( :‬المسلم أخو المسلم ل يَظلمه ول ُيسْلمه) (‪ ،)237‬فما‬
‫دام المبتدع مسلمًا‪ ،‬فإنه يثبت له هذا الحق‪.‬‬

‫الصل الثامن ‪ :‬النصاف في ذكر ما للمبتدعة من محامـد ومـذام‪ ،‬وقبـول ما عندهم من حق‪ ،‬وردّ‬
‫ما عندهم من باطل‪ ،‬وأن ذلك سبيل المة الوسط‬
‫قرر شيخ السلم أن منهج أهل السنة والجماعة في الثناء والذم‪ ،‬قائم على الكتاب والسنة والجماع‪،‬‬
‫فقال ‪( :‬وأهل السنة والجماعة يقولون ما دل عليه الكتاب والسنة والجماع‪ ،‬وهو أن المؤمن يستحق‬
‫وعد ال وفضله والثواب على حسناته‪ ،‬ويستحق العقاب على سيئاته‪ ،‬وأن الشخص الواحد يجتمع‬
‫فيه ما يُثاب عليــه ومــا يعــاقب عليــه‪ ،‬وما يحمد عليه وما يذم‪ ،‬وما يحب منه وما يبغض منه) (‬
‫‪.)238‬‬
‫وبيّن رحمه ال‪ ،‬أن هذا هو المنهج الصواب‪ ،‬فقال ‪( :‬والصواب أن يُحمد من حال كل قوم ما حمده‬
‫ال ورسوله‪ ،‬كما جاء به الكتاب والسنة‪ ،‬ويذم من حال كل قوم ما ذمه ال ورسوله‪ ،‬كما جاء به‬
‫الكتاب والسنة) (‪ ،)239‬ووضح الشيخ أن هذا المنهج يضاده منهج أهل البدع‪ ،‬الذين ل يعذرون من‬
‫أخطأ مجتهدًا‪ ،‬فيذمونه متغافلين عن حسناته ومحامده‪ ،‬فقال ‪( :‬ومن جعل كل مجتهد في طاعة‪،‬‬
‫أخطأ في بعض المور‪ ،‬مذمومًا معيبًا ممقوتًا‪ ،‬فهو مخطئ ضال مبتدع) (‪.)240‬‬

‫وقد أظهر شيخ السلم مسلك أهل السنة والجماعة‪ ،‬في ثنائه وذمه للرجال والطوائف والكتب‪،‬‬
‫وبيانه لقربهم من الحق وبعدهم عنه‪ ،‬متبعًا في ذلك سبيل المة الوسط‪ ،‬القائم على العدل‬
‫والنصاف‪ ،‬وإعطاء كل ذي حق حقه‪ ،‬من غير مداهنة في باطل‪ ،‬ول غمط في حق‪ ،‬ومن المثلة‬
‫على إنصافه ‪:‬‬
‫أ ـ ذكره بعض محامد أهل البدع والهواء‪ ،‬وبيانه أن أهل السنة يتبعون معهم العدل والنصاف‪،‬‬
‫يقول رحمه ال ‪( :‬والرافضة فيهم من هو متعبد متورع زاهد‪ ،‬لكن ليسوا في ذلك مثل غيرهم من‬
‫أهل الهواء‪ ،‬فالمعتزلة أعقل منهم وأعلم وأدين‪ ،‬والكذب والفجور فيهم أقل منه في الرافضة‪،‬‬
‫والزيدية(‪ )241‬من الشيعة خير منهم‪ ،‬وأقرب إلى الصدق والعدل والعلم‪ ،‬وليس في أهل الهواء‬
‫أصدق ول أعبد من الخوارج‪ ،‬ومع هذا فأهل السنة يستعملون معهم العـــدل والنصــاف ول‬
‫يظلمونهم‪ ،‬فإن الظلم حرام مطلقًا‪ ،‬بل أهل السنة لكل طائفة من هؤلء‪ ،‬خير من بعضهم لبعض‪ ،‬بل‬
‫هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض‪ ،‬وهذا مما يعترفون هم به‪ ،‬ويقـــولون ‪ :‬أنتــم‬
‫تنصفوننــا ما ل ينصف بعضنا بعضًا‪ ،‬وهذا لن الصل الذي اشتركوا فيه أصل فاسد‪ ،‬مبني على‬
‫جهل وظلم‪ ،‬وهم مشتركون في ظلم سائر المسلمين‪ ،‬فصاروا بمنزلة قطاع الطريق المشتركين في‬
‫ظلم الناس‪ ،‬ول ريب أن المسلم العالم العادل أعدل عليهم وعلى بعضهم من بعض‪ ..‬والخوارج تكفّر‬
‫أهل الجماعة‪ ،‬وكذلك أكثر المعتزلة يكفّرون من خالفهم‪ ،‬وكذلك أكثر الرافضة‪ ،‬ومن لم يكفّر فسّق‪،‬‬
‫وكذلك أكثر أهل الهواء‪ ،‬يبتدعون رأيًا ويكفّرون من خالفهم فيه‪ ،‬وأهل السنــة يتبعــون الحـق من‬
‫ربهم الذي جاء به الرسول‪ ،‬ول يكفّرون من خالفهم فيه‪ ،‬بل هم أعلم بالحـــق وأرحـــم بالخلــق‪،‬‬
‫كمــا وصــف ال به المسلمين بقولــه ‪( :‬كنتم خير أمة أخرجت للناس) (آل عمران ‪ ،)110 :‬قال‬
‫أبو هريرة(‪ )242‬رضي ال عنه ‪( :‬كنتم خير الناس للناس) (‪ ،)243‬وأهل السنة نقاوة المسلمين‪،‬‬
‫فهم خير الناس للناس) (‪.)244‬‬
‫ويقول في موضع آخر ‪( :‬وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين‪ ،‬من الرافضة والجهمية وغيرهم‪،‬‬
‫إلى بلد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير‪ ،‬وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين‪ ،‬وهو خير من‬
‫أن يكونوا كفارًا) (‪.)245‬‬
‫ب ـ تفصيله في الحكم على الصوفية والتصوف‪ ،‬بما يظهر النصاف ‪ :‬فقد َبيّن رحمه ال تعالى‪ ،‬أنه‬
‫وقع الجتهاد والتنازع في طريق الصوفية (فطائفة ذمت الصوفية والتصوف‪ ،‬وقالوا ‪ :‬إنهم‬
‫مبتدعون خارجون عن السنة‪ ،‬ونُقل عن طائفة من الئمة في ذلك من الكلم ما هو معروف‪ ،‬وتبعهم‬
‫على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلم‪ ،‬وطائفة غلت فيهم‪ ،‬وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد‬
‫النبياء‪ ،‬وكل طرفي هذه المور ذميم‪ ،‬والصواب أنهم مجتهدون في طاعة ال‪ ،‬كما اجتهد غيرهم‬
‫من أهل طاعة ال‪ ،‬ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده‪ ،‬وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين‪،‬‬
‫وفي كل من الصنفين مــن قد يجتهـــد فيخطئ‪ ،‬وفيهـــم من يذنـب فيتـوب أو ل يتوب‪ ،‬ومن‬
‫المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه‪ ،‬عاص لربه‪ ،‬وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة‪،‬‬
‫ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم‪ ،‬كالحلج(‪ )246‬مثلً‪ ،‬فإن أكثر مشايخ الطريق‬
‫أنكروه وأخرجوه من الطريق‪ ،‬مثل الجنيد بن محمد سيد الطائفة وغيره‪ ،‬كما ذكر ذلك الشيخ أبو‬
‫عبد الرحمـــن السلمي(‪ )247‬فــي طبقات الصوفية(‪ ،)248‬وذكره الحافظ أبو بكر الخطيب(‬
‫‪ ،)249‬في تاريخ بغداد(‪.)251( ))250‬‬

‫جـ ـ دفاعـــه عـــن اعتقـــاد بعـض مشايــخ الصوفيــة‪ ،‬فقــد ناقـش أبا القاسم القشيري(‪ ،)252‬في‬
‫دعواه أن اعتقاد أكابر مشايخ الصوفية مثل ‪ :‬الفضيــل بن عيــاض(‪ ،)253‬وأبي سليمــان‬
‫الداراني(‪ ،)254‬ويوسـف ابن أسباط‪ ،‬وحذيفة المرعشي(‪ ،)255‬ومعروف الكــرخي(‪،)256‬‬
‫ستَري(‪ ،)257‬موافق لعتقاد كثير من المتكلمين‬
‫والجنيــد ابن محمد‪ ،‬وسهل بن عبد ال ال ّت ْ‬
‫الشعرية بما يطول نقله‪ ،‬لذلك أقتصر منه على مقدمته ‪( :‬فصل فيما ذكره الشيخ أبو القاسم القشيري‬
‫في رسالته المشهورة‪ ،‬من اعتقاد مشايخ الصوفية‪ ،‬فإنه ذكر من متفرقات كلمهم‪ ،‬ما يستدل به على‬
‫أنهم كانوا يوافقون اعتقاد كثير من المتكلمين الشعرية‪ ،‬وذلك هو اعتقــــاد أبي القاســـم الذي تلقـــاه‬
‫عن أبي بكــر بن فــورك(‪ ،)258‬وأبي إسحاق السفراييني‪ .‬وهذا العتقاد غالبه موافق لصول‬
‫السلف وأهل السنة والجماعـــة‪ ،‬لكنه مقصـــر عن ذلك‪ ،‬ومتضمن تـرك بعض ما كانوا عليه‪،‬‬
‫وزيادة تخالف ما كانوا عليه‪ ،‬والثابت الصحيح عن أكابر المشايخ‪ ،‬يوافق ما كان عليه السلف‪ ،‬وهذا‬
‫هو الذي كان يجب أن يذكر‪ ،‬فإن في الصحيح الصريح المحفوظ عن أكابر المشايخ‪ ،‬مثل ‪ :‬الفضيل‬
‫بن عياض‪ ،‬وأبي سليمان الداراني‪ ،‬ويوسف بن أسباط‪ ،‬وحذيفة المرعشي‪ ،‬ومعروف الكرخي‪ ،‬وأبي‬
‫الجنيد بن محمد‪ ،‬وسهل ابن عبد ال التستري‪ ،‬وأمثال هؤلء‪ ،‬ما يبين حقيقة مقالت المشايخ) (‬
‫‪.)259‬‬
‫وفي موضع آخر قال مفصلً حال أهل التصوف بما يدل على النصاف والعدل ‪( :‬والشيوخ الكابر‬
‫الذين ذكرهم أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية‪ ،‬وأبو القاسم القشيري في الرسالة‪ ،‬كانوا‬
‫على مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب أهــل الحديث‪ ،‬كالفضيـل ابن عياض‪ ،‬والجنيد بن محمـــد‪،‬‬
‫وسهــل بن عبــد ال التستـري‪ ،‬وعمــرو بن عثمان(‪ )260‬المكي‪ ،‬وأبو عبد ال محمد بن خفيف‬
‫الشيرازي‪ ،‬وغيرهم‪ ،‬وكلمهم موجود في السنة‪ ،‬وصنفوا فيها الكتب‪ ،‬لكن بعض المتأخرين منهم‬
‫كان على طريقة بعض أهل الكلم في بعض فروع العقائد‪ ،‬ولم يكن فيهم أحد على مذهب الفلسفة‪،‬‬
‫وإنما ظهر التفلسف في المتصوفة المتأخرين‪ ،‬فصارت المتصوفة تارة على طريقة صوفية أهل‬
‫الحديث‪ ،‬وهم خيارهم وأعلمهم‪ ،‬وتارة على اعتقاد صوفية أهل الكلم فهؤلء دونهم‪ ،‬وتارة على‬
‫اعتقاد صوفية الفلسفة كهؤلء الملحدة) (‪ ،)261‬أي القائلين بوحدة الوجود‪ ،‬الملحدين في اليمان‬
‫بال ورسله واليوم الخر‪.‬‬
‫وبيّن رحمه ال‪ ،‬منهجه في مناقشة ما ذكره أبو القاسم فقال ‪( :‬اجتهدتُ في اتباع سبيل المة الوسط‪،‬‬
‫الذين هم شهداء على الناس‪ ،‬دون سبيل من قد يرفعه فوق قدره‪ ،‬في اعتقاده وتصوفه على الطريقة‬
‫التي هي أكمل وأصح مما ذكره‪ ،‬علماً وحالً وقولً وعملً واعتقادًا واقتصادًا‪ ،‬أو يحطه دون قدره‬
‫فيهما‪ ،‬ممن يسرف في ذم أهل الكلم‪ ،‬أو ذم طريقة التصوف مطلقًا‪ ،‬وال أعلم‪ ..‬والذي ذكره أبو‬
‫القاسم‪ ،‬فيه الحسن الجميل الذي يجب اعتقاده واعتماده‪ ،‬وفيه المجمل الذي يأخذ المحق والمبطل‪،‬‬
‫وهذان قريبان‪ ،‬وفيــه منقـــولت ضعيفــة‪ ،‬ونقول عمــن ل يقتدى بهم في ذلك‪ ،‬فهذان مردودان‪،‬‬
‫وفيه كلم حمله على معنى‪ ،‬وصاحبه لم يقصد نفس ما أراده هو‪ ،‬ثم إنه لم يذكر عنهم إل كلمات‬
‫قليلة ل تشفي في هذا الباب‪ ،‬وعنهم في هذا الباب من الصحيح الصريح الكبير ما هو شفاء للمقتدي‬
‫بهم‪ ،‬الطالب لمعرفة أصولهم‪ ،‬وقد كتبتُ هنا نكتًا يُعرف بها الحال) (‪.)262‬‬
‫د ـ تأكيده على اتباع منهج العدل‪ ،‬في قبول قول المخالفين وآثارهم ورواياتهم وردها‪ ،‬وذلك تصديقًا‬
‫لقول معاذ بن جبل(‪ )263‬رضي ال عنه ‪( :‬اقبلوا الحق من كل من جاء به‪ ،‬وإن كان كافرًا ‪-‬أو قال‬
‫فاجرًا‪ -‬واحذروا زيغة الحكيم‪ ،‬قالوا ‪ :‬كيف تعلــم أن الكافــر يقـول الحــق؟ قال ‪ :‬على الحق نور) (‬
‫‪ ،)264‬وهو ما عبّر عنه ابن تيمية بقوله ‪( :‬وال قد أمرنا أل نقول إل الحق‪ ،‬وأل نقول عليه إل‬

‫بعلم‪ ،‬وأمرنا بالعدل والقسط‪ ،‬فل يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني‪ ،‬فضلً عن الرافضي‪ ،‬قولً‬
‫فيه حق أن نتركه أو نرده كله‪ ،‬بل ل نرد إل ما فيه من الباطل دون مافيه من الحق) (‪.)265‬‬
‫ووضّح شيخ السلم كيفية الستفادة من هذا المنهج‪ ،‬في التعامل مـــع مـــرويــات المخالفين‬
‫وآثارهــــم‪ ،‬ممثـــلً لهــا بمــــا (جمعـــــه الشيــخ أبو عبــد الرحمن السلمي ونحوه في تاريخ أهل‬
‫الصّفّة‪ ،‬وأخبار زهّاد السلف‪ ،‬وطبقات الصوفية‪ ،‬يُستفـــاد منه فوائـــد جليلــة‪ ،‬ويتجنب منه ما فيه‬
‫من الروايات الباطلة‪ ،‬ويتوقف فيما فيه من الروايات الضعيفة‪ ،‬وهكذا كثير من أهل الروايات‪ ،‬ومن‬
‫أهل الراء والذواق‪ ،‬من الفقهاء والزهاد والمتكلمين وغيرهم‪ ،‬يوجد فيما يأثرونه عمن قبلهم‪ ،‬وفيما‬
‫يذكرونه معتقدين له‪ ،‬شيء كثير‪ ..‬وأمر عظيم من الهدى ودين الحق الذي بعث ال به رسولَه‪،‬‬
‫ويوجد أحيانًا عندهم من جنس الروايات الباطلة أو الضعيفة‪ ،‬ومن جنس الراء والذواق الفاسدة أو‬
‫المحتملة شيء كثير‪ ،‬ومن له في المة لسان صدق عام‪ ،‬بحيث يُثنى عليه ويُحمد في جماهير أجناس‬
‫المة‪ ،‬فهؤلء هم أئمة الهدى ومصابيح الدجى‪ ،‬وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم‪ ،‬وعامته من‬
‫موارد الجتهاد التي يُعذرون فيها‪ ،‬وهم الذين يتبعون العدل والعلم‪ ،‬فهم بعداء عن الجهل والظلم‪،‬‬
‫وعن اتباع الظن وما تهوى النفس) (‪.)266‬‬
‫هـ ـ دفاعه عن بعض طوائف أهل الكلم(‪ ،)267‬وتفضيله لهم على من دونهم‪ ،‬لنتسابهم إلى‬
‫مذهب أهل السنة والجماعة‪ ،‬في ردهم على أهل البدع المشهورين بمخالفة السنة والجماعة‪،‬‬
‫كالخوارج‪ ،‬مما يدل على إنصافه‪ ،‬قال رحمه ال ‪( :‬ومعلوم باتفاق المسلمين أن مَن هو دون‬
‫الشعرية‪ ،‬كالمعتزلة والشيعة الذين يوجبون السلم ويحرمون ما وراءه‪ ،‬فهم خير من الفلسفة‬
‫الذين يسوّغون التدين بدين السلم واليهود والنصارى‪ ،‬فكيف بالطوائف المنتسبين إلى مذهب أهل‬
‫السنة والجماعة كالشعرية والكرامية والسالمية(‪ )268‬وغيرهم؟ فإن هؤلء مع إيجابهم دين‬
‫السلم وتحريمهم ما خالفه‪ ،‬يردون على أهل البدع المشهورين بمخالفة السنة والجماعة‪ ،‬كالخوارج‬
‫والشيعة والقدرية والجهمية‪ ،‬ولهم في تكفير هؤلء نزاع وتفصيل‪ ،‬فمن جعل الفيلسوف الذي يبيح‬
‫دين المشركين واليهود والنصارى‪ ،‬خير من اثنتين وسبعين فرقة فليس بمسلم‪ ،‬فكيف بمن جعله‬
‫خيرًا من طوائف أهل الكلم المنتسبين إلى الذب عن أهل السنة والجماعة) (‪.)269‬‬
‫و ـ ثناؤه على بعض علماء المسلمين ممن لهم قدم راسخة‪ ،‬واعتذاره عن خطئهم‪ ،‬من أمثال القاضي‬
‫أبي بكر الباقلني(‪ ،)270‬وأبي ذر الهروي(‪ ،)271‬وهما من علماء الشاعرة ‪:‬‬
‫قال عن القاضي الباقلني ‪( :‬فيه من الفضائل العظيمة‪ ،‬والمحاسن الكثيرة‪ ،‬والرد على الزنادقة‬
‫والملحدين وأهل البدع‪ ،‬حتى إنه لم يكن في المنتسبين إلى ابن كُلّب والشعري أجلّ منه‪ ،‬ول أحسن‬
‫كتبًا وتصنيفًا‪ ،‬وبسببه انتشر هذا القول) (‪.)272‬‬
‫وقال عن الهروي ‪( :‬أبو ذر فيه من العلم والدين‪ ،‬والمعرفة بالحديث والسنة‪ ،‬وانتصابه لرواية‬
‫البخاري(‪ ،)273‬عن شيوخه الثلثة‪ ،‬وغير ذلك من المحاسن والفضائل‪ ،‬ما هو معروف به‪ ،‬وكان‬
‫قد قدم بغداد من هراة‪ ،‬فأخذ طريقة ابن الباقلني وحملها إلى الحرم‪ ،‬فتكلّم فيه وفي طريقته من‬
‫تكلّم‪ ،‬كأبي نصر السجزي‪ ،‬وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني(‪ )274‬وأمثالهما من أكابر أهل العلم‬
‫والدين‪ ،‬بما ليس هذا موضعه‪ ،‬وهو ممن يرجح طريقة الضبعي(‪ ،)275‬والثقفي(‪ ،)276‬على‬
‫طريقة ابن خزيمة(‪ )277‬وأمثاله من أهل الحديث‪ ..‬وأهل المغرب كانوا يحجون فيجتمعون به‬
‫ويأخذون عنه الحديث وهذه الطريقة‪ ،‬ويدلهم على أصلها‪ ،‬فيرحل منهم من يرحل إلى المشرق‪ ،‬كما‬

‫رحل أبو الوليد الباجي(‪ ،)278‬فأخذ طريقة أبي جعفر السمناني(‪ )279‬الحنفي‪ ،‬صاحب القاضي‬
‫أبي بكر(‪ ،)280‬ورحل بعده القاضي أبو بكر العربي‪ ،‬فأخذ طريقة أبي المعالي(‪ )281‬في الرشاد‪.‬‬
‫ثم إنه ما من هؤلء إل مَن له في السلم مساع مشكورة‪ ،‬وحسنات مبرورة‪ ،‬وله في الرد على كثير‬
‫من أهل اللحاد والبدع‪ ،‬والنتصار لكثير من مسائل أهل السنة والدين‪ ،‬ما ل يخفى على مَن عرف‬
‫أحوالهم‪ ،‬وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف‪ ،‬لكن لما التبس عليهم هذا الصل المأخوذ ابتداء‬
‫عن المعتزلة‪ ،‬وهم فضلء عقلء‪ ،‬احتاجوا طرده والتزام لوازمه‪ ،‬فلزمهم بسبب ذلك من القوال ما‬
‫أنكره المسلمون من أهل العلم والدين‪ ،‬وصار الناس بسبب ذلك ‪ :‬منهم من يعظّمهم لما لهم من‬
‫المحاسن والفضائل‪ ،‬ومنهم من يذمهم لما وقع في كلمهم من البدع والباطل‪ ،‬وخيار المور‬
‫أوسطها‪ ،‬وهذا ليس مخصوصًا بهؤلء‪ ،‬بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين‪ ،‬وال يتقبل‬
‫من جميع عباده المؤمنين الحسنات‪ ،‬ويتجاوز لهم عن السيئات ‪( :‬ربنا اغفر لنا ولخواننا الذين‬
‫سبقونا باليمان ول تجعل في قلوبنا غلً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) (الحشر ‪ ،)10 :‬ول‬
‫ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين‪ ،‬من جهة الرسول صلى ال عليه و سلم‪ ،‬وأخطأ في بعض‬
‫ذلك‪ ،‬فال يغفر له خطأه‪ ،‬تحقيقًا للدعاء الذي استجابه ال لنبيه وللمؤمنين‪ ،‬حيث قالوا ‪( :‬ربنا ل‬
‫تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (البقرة ‪ ،)286 :‬ومن اتبع ظنّه وهواه‪ ،‬فأخذ يشنع على من خالفه بما‬
‫وقع فيه من خطأ ظنّه صوابًا َب ْعدَ اجتهاده ‪-‬وهو من البدع المخالفة للسنة‪ -‬فإنه يلزمه نظير ذلك أو‬
‫أعظم أو أصغر فيمن يعظمه هو من أصحابه) (‪.)282‬‬
‫ز ـ دقة تقويمه لكتابي قوت القلوب وإحياء علوم الدين‪ ،‬وإنصافه في إثبات ما لهما وما عليهما‪ ،‬في‬
‫إجابته لمن سأله عنهما‪ ،‬قال رحمه ال تعالى ‪( :‬أما كتاب قوت القلوب‪ ،‬وكتاب الحياء تبع له فيما‬
‫يذكره من أعمال القلوب ‪ :‬مثل الصبر والشكر والحب والتوكل والتوحيد ونحو ذلك‪ ،‬وأبو طالب(‬
‫‪ )283‬أعلم بالحديث والثر‪ ،‬وكلم أهل علوم القلوب من الصوفية وغيرهم‪ ،‬من أبي حامد الغزالي(‬
‫‪ ،)284‬وكلمه أسدّ وأجود تحقيقًا‪ ،‬وأبعد عن البدعة‪ ،‬مع أن في قوت القلوب أحاديث ضعيفة‬
‫وموضوعة وأشياء كثيرة مردودة‪ ،‬وأما ما في الحياء من الكلم في المهلكات‪ ،‬مثل الكلم على‬
‫ال ِكبْر والعُجب والرياء والحسد ونحو ذلك‪ ،‬فغالبه منقول من كلم الحارث المحاسبي في الرعاية‪،‬‬
‫ومنه ما هو مقبول‪ ،‬ومنه ما هو مردود‪ ،‬ومنه ما هو متنازع فيه‪ ،‬والحياء فيه فوائد كثيرة لكن فيه‬
‫مواد مذمومة‪ ،‬فإنه فيه مواد فاسدة من كلم الفلسفة‪ ،‬تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد‪ ،‬فإذا ذكر‬
‫معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدوًا للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين‪ ،‬وقد أنكر أئمة الدين على‬
‫أبي حامد الغزالي هذا في كتبه(‪ ،)285‬وقالوا ‪ :‬مرضه الشفاء‪ ،‬يعني شفاء ابن سينا(‪ )286‬في‬
‫الفلسفة‪ ،‬وفيه أحاديث وآثار ضعيفة‪ ،‬بل موضوعة كثيرة‪ ،‬وفيه أشياء من أغاليط الصوفية‬
‫و ُترّهَاتِهم‪ ،‬وفيه مع ذلك من كلم المشايخ الصوفية‪ ،‬العارفين المستقيمين‪ ،‬في أعمال القلوب‪،‬‬
‫الموافق للكتاب والسنة‪ ،‬ومن غير ذلك من العبادات والدب‪ ،‬ما هو موافق للكتاب والسنة‪ ،‬ما هو‬
‫أكثر مما يرد منه‪ ،‬فلهذا اختلف فيه اجتهاد الناس وتنازعوا فيه) (‪.)287‬‬

‫الصل التاسع ‪ :‬رعاية شروط المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬في المر بالسنة والنهي عن‬
‫البدعة‪ ،‬وتقديم الهم فالهم في ذلك‬
‫أكد شيخ السلم ابن تيمية على أهمية العمل بشروط المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬في المر‬
‫بالسنة والنهي عن البدعة‪ ،‬وحذّر من سوء النية والنتصار للهوى‪ ،‬لما يؤديان إليه من إبطال العمل‪،‬‬

‫وإشاعة الفرقة‪ ،‬فقال ‪( :‬والمر بالسنة والنهي عن البدعة‪ ،‬هما أمر بمعروف ونهي عن منكر‪ ،‬وهو‬
‫من أفضل العمال الصالحة‪ ،‬فيجب أن يبتغى به وجه ال‪ ،‬وأن يكون مطابقًا للمر‪ ،‬وفي الحديث(‬
‫‪ )288‬من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر‪ ،‬فينبغي أن يكــون عالمًا بمــا يأمــر بـــه‪ ،‬عالمًا بما‬
‫ينهى عنه‪ ،‬رفيقًا بما يأمر به‪ ،‬رفيقًا فيما ينهى عنه‪ ،‬حليمًا فيما يأمر به‪ ،‬حليمًا فيما ينهى عنه‪ ،‬فالعلم‬
‫قبل المر‪ ،‬والرفق مع المر‪ ،‬والحلم مع المر‪ ،‬فإن لم يكن عالمًا لم يكن له أن يقفو ما ليس له به‬
‫علم‪ ..‬وإن كان عالمًا ولم يكن رفيقًا‪ ،‬كان كالطبيب الذي ل رفق فيه‪ ،‬فيغلظ على المريض فل يقبل‬
‫منه‪ ،‬وكالمؤدب الغليظ الذي ل يقبل منه الولد‪ ،‬وقد قال تعالى لموسى وهارون عليهما السلم ‪:‬‬
‫( فقول له قولً لينًا لعله يتذكر أو يخشى) (طه ‪ ..)44 :‬ثم إذا أمر أو نهى‪ ،‬فلبد أن يُؤذى في‬
‫العادة‪ ،‬فعليه أن يصبر ويحلم‪ ،‬كما قال تعالى ‪( :‬أقم الصلة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر‬
‫واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم المور) (لقمان ‪ ..)17 :‬وقد أمر ال نبيه بالصبر على‬
‫أذى المشركين في غير موضع‪ ،‬وهو إمام المرين بالمعروف والناهين عن المنكر‪ ،‬فإن النسان‬
‫عليه أولً أن يكون أمره ل‪ ،‬وقصده طاعة ال فيما أمر به‪ ،‬وهو يحب صلح المأمور‪ ،‬أو إقامة‬
‫الحجة عليه‪ ..‬فإن َفعَلَ ذلك لطلب الرياسة لنفسه ولطائفته وتنقيص غيره‪ ،‬كان ذلك خطيئة ل يقبلها‬
‫ال‪ ،‬وكذلك إذا فعل ذلك لطلب السمعة والرياء‪ ،‬كان عمله حابطًا‪ ،‬ثم إذا ُردّ عليه ذلك‪ ،‬أو أوذي‪ ،‬أو‬
‫نسب إلى أنه مخطئ‪ ،‬وغرضه فاسد‪ ،‬طلبت نفسه النتصار لنفسه‪ ،‬وأتاه الشيطان‪ ،‬فكان مبدأ عمله‬
‫ل‪ ،‬ثم صار له هوى يطلب به أن ينتصر على من آذاه‪ ،‬وربما اعتدى على ذلك المؤذي‪ ،‬وهكذا‬
‫يصيب أصحاب المقالت المختلفة‪ ،‬إذا كان كل منهم يعتقد أن الحق معه‪ ،‬وأنه على السنة‪ ،‬فإن‬
‫أكثرهم قد صار لهم في ذلك هـــوى أن ينتصـــر جـاهــهـــم أو رياستــهــم‪ ،‬وما نُســـب إليــهــم‪ ،‬ل‬
‫يقصدون أن تكون كلمة ال هي العليا‪ ،‬وأن يكون الدين كله ل‪ ،‬بل يغضبون على مَن خالفهم‪ ،‬وإن‬
‫كان مجتهدًا معذورًا ل يغضب ال عليه‪ ،‬ويرضون عمن كان يوافقهم‪ ،‬وإن كان جاهلً سيء القصد‪،‬‬
‫ليس له علم ول حسن قصد‪ ،‬فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده ال ورسوله‪ ،‬ويذموا من لم‬
‫يذمه ال ورسوله‪ ،‬وتصير موالتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم‪ ،‬ل على دين ال ورسوله) (‬
‫‪.)289‬‬
‫ودعا شيخ السلم ابن تيمية إلى سلمة النية‪ ،‬واتّباع الحسان في مراتب النكار‪ ،‬مع جميع‬
‫المبتدعة مهما غلظت بدعتهم‪ ،‬ومنهم الرافضة‪ ،‬لقصد الصلح‪ ،‬فيقول ‪( :‬وهكذا الرد على أهل‬
‫البدع من الرافضة وغيرهم‪ ،‬إن لم يقصد فيه بيان الحق‪ ،‬وهدي الخلق ورحمتهم والحسان إليهم‪ ،‬لم‬
‫يكن عمله صالحًا‪ ،‬وإذا غلظ في ذم بدعة ومعصية كان قصده بيان ما فيها من الفساد‪ ،‬ليحذرها‬
‫العباد‪ ،‬كما في نصوص الوعيد وغيرها‪ ،‬وقد يهجر الرجل عقوبة وتعزيرًا‪ ،‬والمقصود بذلك ردعه‪،‬‬
‫وردع أمثاله‪ ،‬للرحمة والحسان ل للتشفي والنتقام‪ ...‬وهذا مبني على مسألتين ‪:‬‬
‫إحداهما أن الذنب ل يوجب كفر صاحبه‪ ،‬كما تقوله الخوارج‪ ،‬بل ول تخليده في النار ومنع الشفاعة‬
‫فيه‪ ،‬كما يقوله المعتزلة‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬أن المتأول الذي قصده متابعة الرسول‪ ،‬ل يُكفّر ول يُفسّق إذا اجتهد فأخطأ‪ ،‬وهذا مشهور‬
‫عند الناس في المسائل العملية‪ ،‬وأما مسائل العتقـــاد فكثيــر من الناس كفّروا المخطئين فيهــا‪،‬‬
‫وهذا القــول ل يُعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان‪ ،‬ول يُعرف عن أحد من أئمة‬
‫المسلمين‪ ،‬وإنما هو في الصل من أقوال أهل البدع‪ ،‬الذين يبتدعون بدعة‪ ،‬ويكفّرون من خالفهم‪،‬‬
‫كالخوارج والمعتزلة والجهمية) (‪.)290‬‬

‫ولما كان المر بالسنة والنهي عن البدعة من الواجبات العملية‪ ،‬فإن الشيخ يؤكد على مراعاة الدب‬
‫في ذلك‪ ،‬واتباع ما يؤدي إلى إصلح النفوس واستقامتها‪ ،‬من جهة القتداء والقبول‪ ،‬ودفع ما يؤول‬
‫إلى مفسدة أعظم‪ ،‬وتقديم الهم فالهم‪ ،‬ومراعاة المصالح‪ ،‬وفي هذا الشأن يدعو فيقول ‪( :‬عليك هنا‬
‫بأدبين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطنًا وظاهرًا‪ ،‬في خاصتك وخاصة من يطيعك‪،‬‬
‫واعرف المعروف وانكر المنكر‪.‬‬
‫والثاني ‪ :‬أن تدعو الناس إلى السنة بحسب المكان‪ ،‬فإذا رأيتَ مَن يعمل هذا ول يتركه إل إلى شر‬
‫منه‪ ،‬فل تدعو إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه‪ ،‬أو بترك واجب أو مندوب‪ ،‬تركه أضر من فعل‬
‫ذلك المكروه‪ ،‬ولكن إذا كان في البدعة من الخير فعوّض عنه من الخير المشــــروع بحســـب‬
‫المكـــان‪ ،‬إذ النفــوس ل تتـــرك شيئًا إل بشــيء‪ ،‬ول ينبغي لحد أن يترك خيرًا إل إلى مثله أو‬
‫إلى خير منه)‪.‬‬
‫ثم قال ‪( :‬وكثير من المنكرين لبدع العبادات والعادات‪ ،‬تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك أو‬
‫المر به‪ ،‬ولعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك العبادات المشتملة على نوع من‬
‫الكراهة‪ ،‬بل الدين هو المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪ ،‬ول قوام لحدهما إل بصاحبه‪ ،‬فل يُنهى‬
‫عن منكر إل ويُؤمر بمعروف يغني عنه‪ ،‬كما يُؤمر بعبادة ال سبحانه‪ ،‬ويُنهى عن عبادة ما سواه‪ ،‬إذ‬
‫رأس المر شهادة أن ل إله إل ال‪ ،‬والنفوس خُلقت لتعمل ل لتترك‪ ،‬وإنما الترك مقصود لغيره‪ ،‬فإن‬
‫لم يشتغل بعمل صالح وإل لم يترك العمل السيء أو الناقص‪ ،‬لكن لما كان في العمال السيئة ما‬
‫يفسد عليها العمل الصالح‪ ،‬نُهيت عنه حفظًا للعمل الصالح) (‪.)291‬‬
‫وينبه الشيخ إلى أن حقيقة العلم تظهر من المر والناهي‪ ،‬في تقديم الهم فالهم عند ازدحام‬
‫المصالح والمفاسد‪ ،‬أو تركه النهي في حال إذا كان النتقال سيكون إلى ما هو أشد شرًا وفسادًا‪،‬‬
‫وهذا يقع في العمال المختلفة التي فيها خير وشر‪ ،‬ويضرب أمثلة عملية لهذا الفقه‪ ،‬فيقول ‪:‬‬
‫(فتعظيم المولد(‪ )292‬واتخاذه موسمًا‪ ،‬قد يفعله بعض الناس ويكون فيه أجر عظيم لحسن قصده‪،‬‬
‫وتعظيمه لرسول ال صلى ال عليه و سلم‪ ،‬كما قدمتُه لك أنه َيحْسُن من بعض الناس ما يُستقبح من‬
‫المؤمن المسدد‪ ،‬ولهذا قيل للمام أحمد عن بعض المراء ‪ :‬إنه أنفق على مصحف ألف دينار أو‬
‫نحو ذلك‪ ،‬فقال ‪ :‬دعهم‪ ،‬فهذا أفضل ما أنفقوا فيه الذهب‪ ،‬أو كما قال‪ .‬مع أن مذهبه أن زخرفة‬
‫المصاحف مكروهة‪ ،‬وقد تأول بعض الصحاب أنه أنفقها في تجويد الورق والخط‪ ،‬وليس مقصود‬
‫أحمد هذا‪ ،‬وإنما قصده أن هذا العمل فيه مصلحة وفيه أيضًا مفسدة كُره لجلها‪ ،‬فهـــؤلء إن لم‬
‫يفعلوا هــذا وإل اعتاضــوا بفسـادٍ ل صلح فيه‪ ،‬مثل أن ينفقها في كتاب من كتب الفجور‪ ،‬من كتب‬
‫السمار أو الشعار‪ ،‬أو حكمة فارس والروم‪ .‬فتفطّن لحقيقة الدين‪ ،‬وانظر ما اشتملت عليه الفعال‬
‫من المصالح الشرعية والمفاسد‪ ،‬بحيث تعرف ما مراتب المعروف ومراتب المنكر‪ ،‬حتى تقدم أهمها‬
‫عند الزدحام‪ ،‬فإن هذا حقيقة العلم بما جاءت به الرسل) (‪.)293‬‬
‫ومن الوقائع العملية التي يُقدم فيها الهم فالهم‪ ،‬دفعًا لمفسدة أعظم‪ ،‬ما ذكره ابن القيم(‪ )294‬في‬
‫هذا الشأن‪ ،‬مستشهدًا بفقــه شيخـه ابن تيمية ‪( :‬إذا رأيتَ أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج‬
‫كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة‪ ،‬إل إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى ال ورسوله‪،‬‬
‫كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك‪ ..‬وإذا رأيتَ الفسّاق قد اجتمعوا على لهو أو لعب أو سماع‬

‫مُكاء وتصدية‪ ،‬فإن نقلتهم عنه إلى طاعة ال فهو المراد‪ ،‬وإل كان تركهم على ذلك خيرًا من أن‬
‫تفرغهم لما هو أعظم من ذلك‪ ،‬فكان ما هم فيه شاغلً لهم عن ذلك‪ ..‬وكما إذا كان الرجل مشتغلً‬
‫بكتب المجون ونحوها‪ ،‬وخِفْتَ من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلل والسحر‪ ،‬فدعه و ُك ُتبَه‬
‫الولى‪ ،‬وهذا باب واسع‪ ،‬وسمعتُ شيخ السلم ابن تيمية‪ ،‬قدس ال روحه ونوّر ضريحه‪ ،‬يقول ‪:‬‬
‫مررتُ أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر‪ ،‬فأنكر عليهم مَن كان معي‪،‬‬
‫فأنكرتُ عليه‪ ،‬وقلتُ له ‪ :‬إنما حرّم ال الخمر لنها تصد عن ذكر ال وعن الصلة‪ ،‬وهؤلء يصدهم‬
‫الخمر عن قتل النفوس‪ ،‬وسبي الذرية‪ ،‬وأخذ الموال‪ ،‬فدعهم) (‪.)295‬‬
‫ومن الوقائع التي تُراعى فيها المصالح‪ ،‬وتُدفع فيها المفاسد‪ ،‬أو تُقلل بحسب المكان‪ ،‬ما ذكره شيخ‬
‫ظهِر المنكر‪ ،‬إذا لم يمكن صرفه عن المامة (إل بشر‬
‫السلم ابن تيمية في مسألة الصلة خلف ُم ْ‬
‫أعظم ضررًا من ضرر ما أظهره من المنكر‪ ،‬فل يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير‪ ،‬ول دفع‬
‫أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين‪ ،‬فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها‪،‬‬
‫وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب المكان‪ ،‬ومطلوبها ترجيح خير الخيرين‪ ،‬إذا لم يمكن أن يجتمعا‬
‫جميعًا‪ ،‬ودفع شر الشرين‪ ،‬إذا لم يندفعا جميعًا‪ ،‬فإذا لم يمكن منع المظهر للبدعة والفجور إل بضرر‬
‫جمَع والعياد‬
‫زائد على ضرر إمامته‪ ،‬لم يجز ذلك‪ ،‬بل يُصلى خلفه ما ل يمكن فعلها إل خلفه‪ ،‬كال ُ‬
‫والجماعة‪ ،‬إذا لم يكن هناك إمام غيره‪ ،‬ولهذا كان الصحابة يُصلّون خلف الحجاج(‪ ،)296‬والمختار‬
‫بن أبي عبيد الثقفي(‪ ،)297‬وغيرهما الجمعة والجماعة‪ ،‬فإن تفويت الجمعة والجماعة أعظم فسادًا‬
‫من القتداء فيها بإمام فاجر‪ ،‬ل سيما إذا كان التخلف عنهما ل يدفع فجوره‪ ،‬فيبقى ترك المصلحة‬
‫الشرعية بدون دفع تلك المفسدة) (‪.)298‬‬
‫ولما كان قَدْر النكار مراعى فيه المصلحة‪ ،‬فإنها قد تكون في استعمال القوة للقضاء على البدعة‬
‫الغليظة‪ ،‬وإلى هذا وجّه شيخ السلم ابن تيمية في التعامل مع (أهل البدع والضلل‪ ،‬والكذب‬
‫والجهل‪ ،‬وتبديل الدين وتغيير شريعة الرسل ‪-‬وأنهم‪ -‬أولى بأن ُيجَاهَدوا باليد واللسان بحسب‬
‫المكان‪ ،‬وأنهم فيما استحلوه من جهاد أهل العلم والسنة‪ ،‬من جنس الخوارج المارقين‪ ،‬بل هم شر‬
‫من أولئك‪ ،‬فإن أولئك لم يكونوا يدعون إلى الشرك ومعصية الرسول‪ ،‬وظنهم أنهم ينصرونهم‪ ،‬ظن‬
‫باطل ل ينفعهم) (‪.)299‬‬
‫وعلى العموم‪ ،‬فإن النكار على أئمة البدع من أهل المقالت المخالفة للكتاب والسنة‪ ،‬وبيان حالهم‪،‬‬
‫وتحذير المسلمين من باطلهم‪ ،‬ودفع أذاهم‪ ،‬واجب على الكفاية باتفاق المسلمين‪ ،‬ل يجوز التساهل‬
‫فيه أو التقصير نحوه‪ ،‬لما يترتب على ذلك من فساد القلوب وفساد الدين‪ ،‬وفي هذا يقول شيخ‬
‫السلم ‪( :‬ومثل أئمة البدع من أهل المقالت المخالفة للكتاب والسنة‪ ،‬أو العبادات المخالفة للكتاب‬
‫والسنة‪ ،‬فإن بيان حالهم‪ ،‬وتحذير المة منهم‪ ،‬واجب باتفاق المسلمين‪ ،‬حتى قيل لحمد بن حنبل ‪:‬‬
‫الرجل يصوم ويصلي ويعتكف‪ ،‬أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال ‪ :‬إذا قام وصلى واعتكف‬
‫فإنما هو لنفسه‪ ،‬وإذا تكلم في أهل البدع‪ ،‬فإنما هو للمسلين‪ ،‬هذا أفضل‪ .‬فبيّن أن نفع هذا عام‬
‫للمسلمين في دينهم‪ ،‬من جنس الجهاد في سبيل ال‪ ،‬إذ تطهير سبيل ال ودينه ومنهاجه وشرعته‪،‬‬
‫ودفع بغي هؤلء وعدوانهم على ذلك‪ ،‬واجب على الكفاية باتفاق المسلمين‪ ،‬ولول من يقيمه ال لدفع‬
‫ضرر هؤلء لفسد الدين‪ ،‬وكان فساده أعظم من فساد استيلء العدو من أهل الحرب‪ ،‬فإن هؤلءإذا‬
‫استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إل تبعًا‪ ،‬وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء) (‬
‫‪.)300‬‬

‫الصل العاشر ‪ :‬مشروعية عقوبة الداعي إلى البدعة بما يحقق الزجر والتأديب والمصلحة‪ ،‬لن‬
‫ضرره متعد إلى غيره‪ ،‬بخلف المسر فإنه تُقبل علنيته‪ ،‬ويُوكل سره إلى ال تعالى‬
‫بيّن شيخ السلم ابن تيمية أن السلف والئمة نهجوا منهج التفريق بين المبتدع الداعية وغير‬
‫الداعية‪ ،‬في التعامل معهما‪( ،‬فإن الدعاة إلى البدع ل تُقبل شهادتهم‪ ،‬ول يُصلى خلفهم‪ ،‬ول يؤخذ‬
‫عنهم العلم‪ ،‬ول يُناكَحون‪ ،‬فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا‪ ،‬ولهذا يفرّقون بين الداعية وغير الداعية‪ ،‬لن‬
‫الداعية أظهر المنكرات فاستحق العقوبة‪ ،‬بخــلف الكــاتم فإنــه ليس شرًا مــن المنافقين الــذين‬
‫كــان النبي صلى ال عليه و سلم يقبل علنيتهم‪ ،‬ويكِل سرائرهم إلى ال‪ ،‬مع علمه بحال كثير منهم‪،‬‬
‫ولهذا جاء في الحديث ‪ :‬إن المعصيــة إذا خفيت لم تضـــر إل صاحبها‪ ،‬ولكن إذا أُعلنت فلم تُنكر‬
‫ضرت العامة‪ ،‬وذلك لن النبي صلى ال عليه و سلم قال ‪( :‬إن الناس إذا رَأَوْا المنكر فلم يغيروه‬
‫أوشك أن يعمّهم ال بعقاب منه) (‪ ..)301‬فالمنكرات الظاهرة يجب إنكارها بخلف الباطنة‪ ،‬فإن‬
‫عقوبتها على صاحبها خاصة) (‪.)302‬‬
‫وهذه العقوبة مقيدة بما إذا لم يكن الداعي متأولً‪ ،‬وكانت بدعته غليظة‪ ،‬وأدت إلى كفّه عن البدعة‪،‬‬
‫وتنفير الناس منها‪.‬‬
‫وعلى العموم‪( ،‬من قامت عليه الحجة استحق العقوبة‪ ،‬وإل كانت أعماله البدعية المنهي عنها باطلة‬
‫ل ثواب فيها‪ ،‬وكانت منقصة له خافضة له بحسب بُعده عن السنة‪ ،‬فإن هذا حكم أهل الضلل‪ ،‬وهو‬
‫البعد عن الصراط المستقيم‪ ،‬وما يستحقه أهله من الكرامة‪ ،‬ثم مَن قامت عليه الحجة استحق العقوبة‪،‬‬
‫وإل كان بعده ونقصه وانخفاض درجته‪ ،‬وما يلحقه في الدنيا والخرة‪ ،‬من انخفاض منزلته وسقوط‬
‫حرمته وانحطاط درجته هو جزاؤه‪ ،‬وال حكم عدل ل يظلم مثقال ذرة‪ ،‬وهو عليم حكيم لطيف لما‬
‫يشاء‪ ،‬سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا ‪( :‬له الحمد في الولى والخرة وله الحكم‬
‫وإليه تُرجعون) (القصص ‪.)303( ))70 :‬‬
‫ولما كانت الغاية من عقوبة المبتدع الداعية كفّه عن بدعته وزجره‪ ،‬وابتعاد العامة عن متابعته‪،‬‬
‫تنوعت العقوبة بما يحقق ذلك ويرعى المصلحة‪ ،‬فإنه قد يعاقب أحيانًا بالذم‪ ،‬وذكر ما فيه من فجور‬
‫ومعصية‪ ،‬لينكشف حاله للناس‪ .‬ويعلل شيخ السلم مشروعية هذه العقوبة فيقول ‪( :‬لهذا لم يكن‬
‫للمعلن بالبدع والفجور غيبة‪ ،‬كما روي ذلك عن الحسن البصري(‪ )304‬وغيره‪ ،‬لنه لما أعلن ذلك‬
‫استحق عقوبة المسلمين له‪ ،‬وأدنى ذلك أن يُذم عليه لينزجر‪ ،‬ويكف الناس عنه وعن مخالطته‪ ،‬ولو‬
‫لم يُذم ويُذكّر بما فيه من الفجور والمعصية أو البدعة لغتر به الناس‪ ،‬وربما حمل بعضهم على أن‬
‫يرتكب ما هو عليه‪ ،‬ويزداد أيضًا هو جرأة وفجورًا ومعاصي‪ ،‬فإذا ُذكّر بما فيه انكفّ‪ ،‬وانكف غيره‬
‫عن ذلك‪ ،‬وعن صحبته ومخالطته) (‪.)305‬‬
‫وقد تقتضي المصلحة إيقاع عقوبة أشد على الداعية المبتدع‪ ،‬متى دعا إلى مفسدة عظيمة‪ ،‬وواجه‬
‫الحق الظاهر‪ ،‬فيُعاقب بالهجر أو التعزير أو القتل‪ ،‬إذا كان ل يرتدع إل بإحداها‪ ،‬وإلى هذا أشار ابن‬

‫تيمية في قوله ‪( :‬فإن الحق إذا كان ظاهرًا قد عرفه المسلمون‪ ،‬وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى‬
‫عزّر‪ ،‬كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي‬
‫بدعته‪ ،‬فإنه يجب منعه من ذلك‪ ،‬فإذا ُهجِر و ُ‬
‫عسْل التميمي(‪ ،)307‬وكما كان المسلمون يفعلونه‪ ،‬أو قُتل كما َقتَل‬
‫صبِيغ(‪ )306‬بن ِ‬
‫ال عنه‪ ،‬ب َ‬
‫جعْد بن درهم(‪ ،)308‬وغيلن القدري(‪ )309‬وغيرهما‪ ،‬كان ذلك هو المصلحة‪،‬‬
‫المسلمون ال َ‬
‫بخلف ما إذا ترك داعيًا‪ ،‬وهو ل يقبل الحق إما لهواه وإما لفساد إدراكه‪ ،‬فإنه ليس في مخاطبته إل‬
‫مفسدة‪ ،‬وضرر عليه وعلى المسلمين‪ ...‬والمقصود أن الحق إذا ظهر وعرف‪ ،‬وكان مقصود الداعي‬
‫إلى البدعة إضرار الناس‪ ،‬قوبل بالعقوبة) (‪.)310‬‬
‫وبيّن شيخ السلم أن (الهجر يختلف باختلف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم‪ ،‬فإن‬
‫المقصود به زجر المهجور وتأديبه‪ ،‬ورجوع العامة عن مثل حاله‪ ،‬فإن كانت المصلحة في ذلك‬
‫راجحة‪ ،‬بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته‪ ،‬كان مشروعًا‪ ،‬وإن كان ل المهجور ول‬
‫غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر‪ ،‬والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته‪ ،‬لم‬
‫يشرع الهجر‪ ،‬بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهَجر‪ ،‬والهَجر لبعض الناس أنفع من‬
‫التأليف‪ ،‬ولهذا كان النبي صلى ال عليه و سلم يتألف قومًا ويهجر آخرين‪ ،‬كما أن الثلثة الذين‬
‫خُلّفوا‪ ،‬كانوا خيرًا من أكثر المؤلفة قلوبهم‪ ،‬لما كان أولئك سادة مطاعين في عشائرهم‪ ،‬فكانت‬
‫المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم‪ ،‬وهؤلء كانوا مؤمنين‪ ،‬والمؤمنون سواهم كثير‪ ،‬فكان في هجرهم‬
‫عز الدين وتطهيرهم من ذنوبهم‪ ،‬وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة‪ ،‬والمهادنة تارة‪ ،‬وأخذ‬
‫الجزية تارة‪ ،‬كل ذلك بحسب الحوال والمصالح) (‪ .)311‬على أنه ينبغي أن يعلم أن الهجر عقوبة‬
‫لدفع ضرر ناشئ عن بدعة غليظة أو معصية كبيرة‪ ،‬فل يُهجر من كان مستترًا على معصية‬
‫صغيرة‪ ،‬أو مسرًا لبدعة غير مكفرة(‪ ،)312‬أو من كانت بدعته فيما يسوغ فيه الجتهاد من المسائل‬
‫الدقيقة‪ ،‬وقد أشار شيخ السلم إلى بعض هذه المسائل عند جوابه على مسألة رؤية الكفار ربهم في‬
‫عرَصات يوم القيامة‪ ،‬فقال ‪( :‬ليست هذه المسألة فيما علمت مما يوجب المهاجرة والمقاطعة‪ ،‬فإن‬
‫َ‬
‫الذين تكلموا فيها َقبْلَنا عامتهم أهل سنة واتباع‪ ،‬وقد اختلف فيها من لم يتهاجروا ويتقاطعوا‪ ،‬كما‬
‫اختلف الصحابة رضي ال عنهم‪ ،‬والناس بعدهم‪ ،‬في رؤية النبي صلى ال عليه و سلم ربه في‬
‫الدنيا‪ ،‬وقالوا فيها كلمات غليظة‪ ،‬كقول أم المؤمنين عائشة رضي ال عنها ‪( :‬مَن زعم أن محمدًا‬
‫رأى ربه فقد أعظم على ال الفرية) (‪ ،)313‬ومع هذا فمـــا أوجب هـــذا النــزاع تهاجرًا ول‬
‫تقاطعًا‪ ..‬وكذلك ناظر المام أحمد أقوامًا من أهل السنة‪ ،‬في مسألة الشهادة للعشرة بالجنة‪ ،‬حتى آلت‬
‫المناظرة إلى ارتفاع الصوات‪ ،‬وكان أحمد وغيره يرون الشهادة‪ ،‬ولم يهجروا من امتنع من‬
‫الشهادة‪ ،‬إلى مسائل نظير هذه كثيرة) (‪ ..)314‬ومسائل الحكام العملية أكثر‪ ،‬بل الخلف فيها‬
‫أشهر‪ ،‬ولم يتهاجر أئمة المسلمين في الفقه بسببها ولم يتقاطعوا‪ ،‬وقد خطّأ شيخ السلم الذين فهموا‬
‫أن الهجر عام في جميع الحوال‪ ،‬والذين أعرضوا عنه بالكلية‪ ،‬فقال ‪( :‬إن أقوامًا جعلوا ذلك عامًا‪،‬‬
‫فاستعملوا من الهجـــر والنكــار ما لم يؤمــروا بـه‪ ،‬فل يجب ول يستحب‪ ،‬وربما تركوا به واجبات‬
‫أو مستحبات‪ ،‬وفعلوا به محرمات‪ ،‬وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية فلم يهجروا ما أمروا بهجره‬
‫من السيئات البدعية‪ ،‬بل تركوها ترك المعرض ل ترك المنتهي الكاره‪ ،‬أو وقعوا فيها‪ ،‬وقد‬
‫يتركونها ترك المنتهي الكاره‪ ،‬ول ينهون عنها غيرهم‪ ،‬ول يعاقبون بالهجرة ونحوها من يستحق‬
‫العقوبة عليها‪ ،‬فيكونون قد ضيّعوا من النهي عن المنكر ما أمروا به إيجابًا أو استحبابًا‪ ،‬فهم بين فعل‬
‫المنكر أو ترك المنهي عنه‪ ،‬وذلك فعل ما نهوا عنه‪ ،‬وترك ما أمروا به‪ ،‬فهذا هذا‪ ،‬ودين ال وسط‬
‫بين الغالي فيه والجافي عنه) (‪.)315‬‬

‫ويقرر شيخ السلم أن القتل عقوبة تعزيرية‪ ،‬ذهب إليها المام مالك(‪ ،)316‬وطائفة من أصحاب‬
‫الشافعي وأحمد وغيرهم(‪ ،)317‬تشرع في حق (الداعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه فساد‪ ،‬فإن‬
‫النبي صلى ال عليه و سلم قال ‪( :‬أينما لقيتموهم فاقتلوهم) (‪ ،)318‬وقال ‪( :‬لئن أدركتُهم لقتلنهم‬
‫عسْل ‪( :‬لو وجدتك محلوقًا لضربتُ الذي‬
‫قتل عاد) (‪ ..)319‬وقال عمر رضي ال عنه لصبيغ بن ِ‬
‫فيــه عينــاك) (‪ ..)320‬ولن علي بن أبي طـالب رضي ال عنه طلب أن يقتل عبد ال بن سبأ(‬
‫‪ ،)321‬أول الرافضة‪ ،‬حتى هرب منه‪ ،‬ولن هؤلء من أعظم المفسدين في الرض‪ ،‬فإذا لم يندفع‬
‫فسادهم إل بالقتل قُتلوا‪ ،‬ول يجب قتل كل واحد منهم إذا لم يظهر هذا القول‪ ،‬أو كان في قتله مفسدة‬
‫راجحة‪ ،‬ولهذا ترك النبي صلى ال عليه و سلم قتل ذلك الخارجي ابتداءً‪ ،‬لئل يتحدث الناس أن‬
‫ي قتلهم أول ما ظهروا‪ ،‬لنهم‬
‫محمدًا يقتل أصحابه‪ ،‬ولم يكن إذ ذاك فيه فساد عام‪ ،‬ولهذا ترك عل ّ‬
‫كانوا خلقًا كثيرًا‪ ،‬وكانوا داخلين في الطاعة والجماعــة ظاهــرًا‪ ،‬لم يحاربوا أهل الجماعة‪ ،‬ولم يكن‬
‫يتبين له أنهم هم) (‪.)322‬‬
‫وعقوبة القتل ل تدل على ردة صاحبها‪ ،‬فهو إنما (يقتل لكف ضرره عن الناس‪ ،‬كما يقتل المحارب‬
‫وإن لم يكن في نفس المر كافرًا‪ ،‬فليس كل من أمر بقتله يكون قتله لردته‪ ،‬وعلى هذا قتل غيلن‬
‫القدري وغيره‪ ،‬قد يكون على هذا الوجه) (‪ ،)323‬وتتم هذه العقوبة بعد اليأس من صلح الداعي‬
‫إلى البدعة‪ ،‬وإقامة الحجة عليه‪ ،‬كما فعل المسلمون مع غيلن‪ ،‬فإنهم (ناظروه وبيّنوا له الحق‪ ،‬كما‬
‫فعل عمــــر ابن عبد العزيز(‪ )324‬رضي ال عنه‪ ،‬واستتابه ثم نكث التوبة بعد ذلك فقتلوه‪ ،‬وكذلك‬
‫علي رضي ال عنه‪ ،‬بعث ابن عباس رضي ال عنهما‪ ،‬إلى الخوارج فناظرهم‪ ،‬ثم رجع نصفهم‪ ،‬ثم‬
‫قاتل الباقين) (‪.)325‬‬
‫كذلك فإن عقوبة الداعي‪ ،‬بأي نوع من العقوبات الزاجرة له ليست دليلً على ما يلي ‪:‬‬
‫أ ـ استحقاقه للثم‪ ،‬فإنه قد يكون المعاقَب معذورًا‪ ،‬وفي هذا يقول شيخ السلم ‪( :‬يعاقب من دعا إلى‬
‫بدعة تضر الناس في دينهم‪ ،‬وإن كان قد يكون معذورًا فيها في نفس المر‪ ،‬لجتهاد أو تقليد) (‬
‫‪.)326‬‬
‫ب ـ سلب العدالة منه‪ ،‬فإنه قد يكون المعاقَب عدلً أو رجلً صالحًا‪( ،‬ومن هذا هجر المام أحمد‬
‫الذين أجابوا في المحنة ‪-‬أي محنة القول بخلق القرآن‪ -‬قبل القيد‪ ،‬ولمن تاب بعد الجابة‪ ،‬ولمن فعل‬
‫بدعة ما‪ ،‬مع أن فيهم أئمة الحديث والفقه والتصوف والعبادة‪ ،‬فإن هجره لهم والمسلمون معه‪ ،‬ل‬
‫يمنع معرفة قدر فضلهم‪ ،‬كما أن الثلثة الذين خُلّفوا‪ ،‬لما أمر النبي صلى ال عليه و سلم المسلمين‬
‫بهجرهم‪ ،‬لم يمنع ذلك ما كان لهم من السوابق‪ ،‬حتى قد قيل ‪ :‬إن اثنين منهما شهدا بدرًا‪ ،‬وقد قال ‪:‬‬
‫(كأن ال اطلع على أهل بدر فقال ‪ :‬اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم) (‪ …)327‬فإن عقوبة الدنيا‬
‫المشروعة من الهجران إلى القتل‪ ،‬ل يمنع أن يكون المعاقب عدلً أو رجلً صالحًا) (‪.)328‬‬
‫أما غير الداعية ممن وقع في معصية أو بدعة‪ ،‬فإن حكمه حكم غيره من المسلمين‪ ،‬ول أدل على‬
‫جمَل وصِفّين‪ ،‬فإنهم كانوا (يوالي‬
‫ذلك مما وقع بين السلف من الصحابة والتابعين من اقتتال في الـ َ‬
‫بعضهم بعضًا موالة الدين‪ ،‬ل يعادون كمعاداة الكفار‪ ،‬فيقبل بعضهم شهادة بعض‪ ،‬ويأخذ بعضهم‬
‫العلم عن بعض‪ ،‬ويتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض‪ ،‬مع ما كان‬
‫بينهم من القتال والتلعن وغير ذلك) (‪.)329‬‬

‫الصل العاشر ‪ :‬مشروعية عقوبة الداعي إلى البدعة بما يحقق الزجر والتأديب والمصلحة‪ ،‬لن‬
‫ضرره متعد إلى غيره‪ ،‬بخلف المسر فإنه تُقبل علنيته‪ ،‬ويُوكل سره إلى ال تعالى‬
‫بيّن شيخ السلم ابن تيمية أن السلف والئمة نهجوا منهج التفريق بين المبتدع الداعية وغير‬
‫الداعية‪ ،‬في التعامل معهما‪( ،‬فإن الدعاة إلى البدع ل تُقبل شهادتهم‪ ،‬ول يُصلى خلفهم‪ ،‬ول يؤخذ‬
‫عنهم العلم‪ ،‬ول يُناكَحون‪ ،‬فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا‪ ،‬ولهذا يفرّقون بين الداعية وغير الداعية‪ ،‬لن‬
‫الداعية أظهر المنكرات فاستحق العقوبة‪ ،‬بخــلف الكــاتم فإنــه ليس شرًا مــن المنافقين الــذين‬
‫كــان النبي صلى ال عليه و سلم يقبل علنيتهم‪ ،‬ويكِل سرائرهم إلى ال‪ ،‬مع علمه بحال كثير منهم‪،‬‬
‫ولهذا جاء في الحديث ‪ :‬إن المعصيــة إذا خفيت لم تضـــر إل صاحبها‪ ،‬ولكن إذا أُعلنت فلم تُنكر‬
‫ضرت العامة‪ ،‬وذلك لن النبي صلى ال عليه و سلم قال ‪( :‬إن الناس إذا رَأَوْا المنكر فلم يغيروه‬
‫أوشك أن يعمّهم ال بعقاب منه) (‪ ..)301‬فالمنكرات الظاهرة يجب إنكارها بخلف الباطنة‪ ،‬فإن‬
‫عقوبتها على صاحبها خاصة) (‪.)302‬‬
‫وهذه العقوبة مقيدة بما إذا لم يكن الداعي متأولً‪ ،‬وكانت بدعته غليظة‪ ،‬وأدت إلى كفّه عن البدعة‪،‬‬
‫وتنفير الناس منها‪.‬‬
‫وعلى العموم‪( ،‬من قامت عليه الحجة استحق العقوبة‪ ،‬وإل كانت أعماله البدعية المنهي عنها باطلة‬
‫ل ثواب فيها‪ ،‬وكانت منقصة له خافضة له بحسب بُعده عن السنة‪ ،‬فإن هذا حكم أهل الضلل‪ ،‬وهو‬
‫البعد عن الصراط المستقيم‪ ،‬وما يستحقه أهله من الكرامة‪ ،‬ثم مَن قامت عليه الحجة استحق العقوبة‪،‬‬
‫وإل كان بعده ونقصه وانخفاض درجته‪ ،‬وما يلحقه في الدنيا والخرة‪ ،‬من انخفاض منزلته وسقوط‬
‫حرمته وانحطاط درجته هو جزاؤه‪ ،‬وال حكم عدل ل يظلم مثقال ذرة‪ ،‬وهو عليم حكيم لطيف لما‬
‫يشاء‪ ،‬سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا ‪( :‬له الحمد في الولى والخرة وله الحكم‬
‫وإليه تُرجعون) (القصص ‪.)303( ))70 :‬‬
‫ولما كانت الغاية من عقوبة المبتدع الداعية كفّه عن بدعته وزجره‪ ،‬وابتعاد العامة عن متابعته‪،‬‬
‫تنوعت العقوبة بما يحقق ذلك ويرعى المصلحة‪ ،‬فإنه قد يعاقب أحيانًا بالذم‪ ،‬وذكر ما فيه من فجور‬
‫ومعصية‪ ،‬لينكشف حاله للناس‪ .‬ويعلل شيخ السلم مشروعية هذه العقوبة فيقول ‪( :‬لهذا لم يكن‬
‫للمعلن بالبدع والفجور غيبة‪ ،‬كما روي ذلك عن الحسن البصري(‪ )304‬وغيره‪ ،‬لنه لما أعلن ذلك‬
‫استحق عقوبة المسلمين له‪ ،‬وأدنى ذلك أن يُذم عليه لينزجر‪ ،‬ويكف الناس عنه وعن مخالطته‪ ،‬ولو‬
‫لم يُذم ويُذكّر بما فيه من الفجور والمعصية أو البدعة لغتر به الناس‪ ،‬وربما حمل بعضهم على أن‬
‫يرتكب ما هو عليه‪ ،‬ويزداد أيضًا هو جرأة وفجورًا ومعاصي‪ ،‬فإذا ُذكّر بما فيه انكفّ‪ ،‬وانكف غيره‬
‫عن ذلك‪ ،‬وعن صحبته ومخالطته) (‪.)305‬‬
‫وقد تقتضي المصلحة إيقاع عقوبة أشد على الداعية المبتدع‪ ،‬متى دعا إلى مفسدة عظيمة‪ ،‬وواجه‬
‫الحق الظاهر‪ ،‬فيُعاقب بالهجر أو التعزير أو القتل‪ ،‬إذا كان ل يرتدع إل بإحداها‪ ،‬وإلى هذا أشار ابن‬
‫تيمية في قوله ‪( :‬فإن الحق إذا كان ظاهرًا قد عرفه المسلمون‪ ،‬وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى‬
‫عزّر‪ ،‬كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي‬
‫بدعته‪ ،‬فإنه يجب منعه من ذلك‪ ،‬فإذا ُهجِر و ُ‬
‫عسْل التميمي(‪ ،)307‬وكما كان المسلمون يفعلونه‪ ،‬أو قُتل كما َقتَل‬
‫صبِيغ(‪ )306‬بن ِ‬
‫ال عنه‪ ،‬ب َ‬
‫جعْد بن درهم(‪ ،)308‬وغيلن القدري(‪ )309‬وغيرهما‪ ،‬كان ذلك هو المصلحة‪،‬‬
‫المسلمون ال َ‬

‫بخلف ما إذا ترك داعيًا‪ ،‬وهو ل يقبل الحق إما لهواه وإما لفساد إدراكه‪ ،‬فإنه ليس في مخاطبته إل‬
‫مفسدة‪ ،‬وضرر عليه وعلى المسلمين‪ ...‬والمقصود أن الحق إذا ظهر وعرف‪ ،‬وكان مقصود الداعي‬
‫إلى البدعة إضرار الناس‪ ،‬قوبل بالعقوبة) (‪.)310‬‬
‫وبيّن شيخ السلم أن (الهجر يختلف باختلف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم‪ ،‬فإن‬
‫المقصود به زجر المهجور وتأديبه‪ ،‬ورجوع العامة عن مثل حاله‪ ،‬فإن كانت المصلحة في ذلك‬
‫راجحة‪ ،‬بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته‪ ،‬كان مشروعًا‪ ،‬وإن كان ل المهجور ول‬
‫غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر‪ ،‬والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته‪ ،‬لم‬
‫يشرع الهجر‪ ،‬بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهَجر‪ ،‬والهَجر لبعض الناس أنفع من‬
‫التأليف‪ ،‬ولهذا كان النبي صلى ال عليه و سلم يتألف قومًا ويهجر آخرين‪ ،‬كما أن الثلثة الذين‬
‫خُلّفوا‪ ،‬كانوا خيرًا من أكثر المؤلفة قلوبهم‪ ،‬لما كان أولئك سادة مطاعين في عشائرهم‪ ،‬فكانت‬
‫المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم‪ ،‬وهؤلء كانوا مؤمنين‪ ،‬والمؤمنون سواهم كثير‪ ،‬فكان في هجرهم‬
‫عز الدين وتطهيرهم من ذنوبهم‪ ،‬وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة‪ ،‬والمهادنة تارة‪ ،‬وأخذ‬
‫الجزية تارة‪ ،‬كل ذلك بحسب الحوال والمصالح) (‪ .)311‬على أنه ينبغي أن يعلم أن الهجر عقوبة‬
‫لدفع ضرر ناشئ عن بدعة غليظة أو معصية كبيرة‪ ،‬فل يُهجر من كان مستترًا على معصية‬
‫صغيرة‪ ،‬أو مسرًا لبدعة غير مكفرة(‪ ،)312‬أو من كانت بدعته فيما يسوغ فيه الجتهاد من المسائل‬
‫الدقيقة‪ ،‬وقد أشار شيخ السلم إلى بعض هذه المسائل عند جوابه على مسألة رؤية الكفار ربهم في‬
‫عرَصات يوم القيامة‪ ،‬فقال ‪( :‬ليست هذه المسألة فيما علمت مما يوجب المهاجرة والمقاطعة‪ ،‬فإن‬
‫َ‬
‫الذين تكلموا فيها َقبْلَنا عامتهم أهل سنة واتباع‪ ،‬وقد اختلف فيها من لم يتهاجروا ويتقاطعوا‪ ،‬كما‬
‫اختلف الصحابة رضي ال عنهم‪ ،‬والناس بعدهم‪ ،‬في رؤية النبي صلى ال عليه و سلم ربه في‬
‫الدنيا‪ ،‬وقالوا فيها كلمات غليظة‪ ،‬كقول أم المؤمنين عائشة رضي ال عنها ‪( :‬مَن زعم أن محمدًا‬
‫رأى ربه فقد أعظم على ال الفرية) (‪ ،)313‬ومع هذا فمـــا أوجب هـــذا النــزاع تهاجرًا ول‬
‫تقاطعًا‪ ..‬وكذلك ناظر المام أحمد أقوامًا من أهل السنة‪ ،‬في مسألة الشهادة للعشرة بالجنة‪ ،‬حتى آلت‬
‫المناظرة إلى ارتفاع الصوات‪ ،‬وكان أحمد وغيره يرون الشهادة‪ ،‬ولم يهجروا من امتنع من‬
‫الشهادة‪ ،‬إلى مسائل نظير هذه كثيرة) (‪ ..)314‬ومسائل الحكام العملية أكثر‪ ،‬بل الخلف فيها‬
‫أشهر‪ ،‬ولم يتهاجر أئمة المسلمين في الفقه بسببها ولم يتقاطعوا‪ ،‬وقد خطّأ شيخ السلم الذين فهموا‬
‫أن الهجر عام في جميع الحوال‪ ،‬والذين أعرضوا عنه بالكلية‪ ،‬فقال ‪( :‬إن أقوامًا جعلوا ذلك عامًا‪،‬‬
‫فاستعملوا من الهجـــر والنكــار ما لم يؤمــروا بـه‪ ،‬فل يجب ول يستحب‪ ،‬وربما تركوا به واجبات‬
‫أو مستحبات‪ ،‬وفعلوا به محرمات‪ ،‬وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية فلم يهجروا ما أمروا بهجره‬
‫من السيئات البدعية‪ ،‬بل تركوها ترك المعرض ل ترك المنتهي الكاره‪ ،‬أو وقعوا فيها‪ ،‬وقد‬
‫يتركونها ترك المنتهي الكاره‪ ،‬ول ينهون عنها غيرهم‪ ،‬ول يعاقبون بالهجرة ونحوها من يستحق‬
‫العقوبة عليها‪ ،‬فيكونون قد ضيّعوا من النهي عن المنكر ما أمروا به إيجابًا أو استحبابًا‪ ،‬فهم بين فعل‬
‫المنكر أو ترك المنهي عنه‪ ،‬وذلك فعل ما نهوا عنه‪ ،‬وترك ما أمروا به‪ ،‬فهذا هذا‪ ،‬ودين ال وسط‬
‫بين الغالي فيه والجافي عنه) (‪.)315‬‬
‫ويقرر شيخ السلم أن القتل عقوبة تعزيرية‪ ،‬ذهب إليها المام مالك(‪ ،)316‬وطائفة من أصحاب‬
‫الشافعي وأحمد وغيرهم(‪ ،)317‬تشرع في حق (الداعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه فساد‪ ،‬فإن‬
‫النبي صلى ال عليه و سلم قال ‪( :‬أينما لقيتموهم فاقتلوهم) (‪ ،)318‬وقال ‪( :‬لئن أدركتُهم لقتلنهم‬
‫عسْل ‪( :‬لو وجدتك محلوقًا لضربتُ الذي‬
‫قتل عاد) (‪ ..)319‬وقال عمر رضي ال عنه لصبيغ بن ِ‬
‫فيــه عينــاك) (‪ ..)320‬ولن علي بن أبي طـالب رضي ال عنه طلب أن يقتل عبد ال بن سبأ(‬

‫‪ ،)321‬أول الرافضة‪ ،‬حتى هرب منه‪ ،‬ولن هؤلء من أعظم المفسدين في الرض‪ ،‬فإذا لم يندفع‬
‫فسادهم إل بالقتل قُتلوا‪ ،‬ول يجب قتل كل واحد منهم إذا لم يظهر هذا القول‪ ،‬أو كان في قتله مفسدة‬
‫راجحة‪ ،‬ولهذا ترك النبي صلى ال عليه و سلم قتل ذلك الخارجي ابتداءً‪ ،‬لئل يتحدث الناس أن‬
‫ي قتلهم أول ما ظهروا‪ ،‬لنهم‬
‫محمدًا يقتل أصحابه‪ ،‬ولم يكن إذ ذاك فيه فساد عام‪ ،‬ولهذا ترك عل ّ‬
‫كانوا خلقًا كثيرًا‪ ،‬وكانوا داخلين في الطاعة والجماعــة ظاهــرًا‪ ،‬لم يحاربوا أهل الجماعة‪ ،‬ولم يكن‬
‫يتبين له أنهم هم) (‪.)322‬‬
‫وعقوبة القتل ل تدل على ردة صاحبها‪ ،‬فهو إنما (يقتل لكف ضرره عن الناس‪ ،‬كما يقتل المحارب‬
‫وإن لم يكن في نفس المر كافرًا‪ ،‬فليس كل من أمر بقتله يكون قتله لردته‪ ،‬وعلى هذا قتل غيلن‬
‫القدري وغيره‪ ،‬قد يكون على هذا الوجه) (‪ ،)323‬وتتم هذه العقوبة بعد اليأس من صلح الداعي‬
‫إلى البدعة‪ ،‬وإقامة الحجة عليه‪ ،‬كما فعل المسلمون مع غيلن‪ ،‬فإنهم (ناظروه وبيّنوا له الحق‪ ،‬كما‬
‫فعل عمــــر ابن عبد العزيز(‪ )324‬رضي ال عنه‪ ،‬واستتابه ثم نكث التوبة بعد ذلك فقتلوه‪ ،‬وكذلك‬
‫علي رضي ال عنه‪ ،‬بعث ابن عباس رضي ال عنهما‪ ،‬إلى الخوارج فناظرهم‪ ،‬ثم رجع نصفهم‪ ،‬ثم‬
‫قاتل الباقين) (‪.)325‬‬
‫كذلك فإن عقوبة الداعي‪ ،‬بأي نوع من العقوبات الزاجرة له ليست دليلً على ما يلي ‪:‬‬
‫أ ـ استحقاقه للثم‪ ،‬فإنه قد يكون المعاقَب معذورًا‪ ،‬وفي هذا يقول شيخ السلم ‪( :‬يعاقب من دعا إلى‬
‫بدعة تضر الناس في دينهم‪ ،‬وإن كان قد يكون معذورًا فيها في نفس المر‪ ،‬لجتهاد أو تقليد) (‬
‫‪.)326‬‬
‫ب ـ سلب العدالة منه‪ ،‬فإنه قد يكون المعاقَب عدلً أو رجلً صالحًا‪( ،‬ومن هذا هجر المام أحمد‬
‫الذين أجابوا في المحنة ‪-‬أي محنة القول بخلق القرآن‪ -‬قبل القيد‪ ،‬ولمن تاب بعد الجابة‪ ،‬ولمن فعل‬
‫بدعة ما‪ ،‬مع أن فيهم أئمة الحديث والفقه والتصوف والعبادة‪ ،‬فإن هجره لهم والمسلمون معه‪ ،‬ل‬
‫يمنع معرفة قدر فضلهم‪ ،‬كما أن الثلثة الذين خُلّفوا‪ ،‬لما أمر النبي صلى ال عليه و سلم المسلمين‬
‫بهجرهم‪ ،‬لم يمنع ذلك ما كان لهم من السوابق‪ ،‬حتى قد قيل ‪ :‬إن اثنين منهما شهدا بدرًا‪ ،‬وقد قال ‪:‬‬
‫(كأن ال اطلع على أهل بدر فقال ‪ :‬اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم) (‪ …)327‬فإن عقوبة الدنيا‬
‫المشروعة من الهجران إلى القتل‪ ،‬ل يمنع أن يكون المعاقب عدلً أو رجلً صالحًا) (‪.)328‬‬
‫أما غير الداعية ممن وقع في معصية أو بدعة‪ ،‬فإن حكمه حكم غيره من المسلمين‪ ،‬ول أدل على‬
‫جمَل وصِفّين‪ ،‬فإنهم كانوا (يوالي‬
‫ذلك مما وقع بين السلف من الصحابة والتابعين من اقتتال في الـ َ‬
‫بعضهم بعضًا موالة الدين‪ ،‬ل يعادون كمعاداة الكفار‪ ،‬فيقبل بعضهم شهادة بعض‪ ،‬ويأخذ بعضهم‬
‫العلم عن بعض‪ ،‬ويتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض‪ ،‬مع ما كان‬
‫بينهم من القتال والتلعن وغير ذلك) (‪.)329‬‬

‫الصل الثاني عشر ‪ :‬قبول توبة الداعي إلى البدعة‬
‫يذهب شيخ السلم ابن تيمية إلى أن البدعة مهما غلظت‪ ،‬ذنب من الـذنــوب‪ ،‬ومــا مــن ذنب إل‬
‫ويغفـــره ال تعـالـى‪ ،‬مستــدلً بقولـه تعالـى ‪( :‬قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ل تقنطوا من‬

‫رحمة ال إن ال يغفر الذنوب جميعًا) (الزمر ‪ ،)53 :‬قائلً ‪ :‬هي (آية عظيمة جامعة‪ ،‬من أعظم‬
‫اليات نفعًا‪ ،‬وفيها رد على طوائف‪ ،‬رد على من يقول ‪ :‬إن الداعي إلى البدعة ل تقبل توبته‪،‬‬
‫ويحتجون بحديث إسرائيلي‪ ،‬فيه (أنه قيل لذلك الداعية ‪ :‬فكيف بمن أضللت) (‪ ،)344‬وهذا يقوله‬
‫طائفة ممن ينتسب إلى السنة والحديث‪ ،‬وليسوا من العلماء بذلك‪ ،‬كأبي علي الهوازي(‪)345‬‬
‫وأمثاله‪ ،‬ممن ل يميزون بين الحاديث الصحيحة والموضوعة‪ ،‬وما يحتج به وما ل يحتـــج به‪ ،‬بل‬
‫يـروون كل ما في الباب محتجين به‪ ،‬وقد حكى هذا طائفةٌ قولً في مذهب أحمد أو رواية عنه‪،‬‬
‫وظاهر مذهبه مع مذاهب سائر أئمة المسلمين‪ ،‬أنه تُقبل توبته كما تُقبل توبة الداعي إلى الكفر‪،‬‬
‫وتوبة من فتن الناس عن دينهم‪ ،‬وقد تاب قادة الحزاب‪ ،‬مثل أبي سفيان بن حرب(‪ ،)345‬والحارث‬
‫بن هشام(‪ ،)346‬وسُهيل بن عمرو(‪ ،)347‬وصفوان بن أمية(‪ ،)348‬وعكرمة بن أبي جهل(‬
‫‪ ،)349‬وغيرهم بعد أن قُتل على الكفر بدعائهم من قُتل‪ ،‬وكانوا من أحسن الناس إسلمًا‪ ،‬وغفر ال‬
‫لهم‪ ،‬قال تعالــى ‪( :‬قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف) (النفال ‪ ..)38 :‬وعمرو بن‬
‫العاص(‪ )350‬كان من أعظم الدعاة إلى الكفر واليذاء للمسلمين‪ ،‬وقد قال له النبي صلى ال عليه و‬
‫سلم لما أسلم ‪( :‬يا عمرو‪ ،‬أما علمت أن السلم َيجُبّ ما كان قبله؟) (‪ ..) 352( ))351‬ومن البدع‬
‫الغليظة التي نص شيخ السلم ابن تيمية على قبول توبة التائب منها‪ ،‬بدعة سب الصحابة(‪)253‬‬
‫رضي ال عنهم‪ ،‬وبدعة التحادية ووحدة الوجود(‪.)254‬‬
‫وقد بيّن شيخ السلم رحمه ال غلط مَن ذهب إلى أن توبة الداعي إلى البدعة ل تُقبل‪ ،‬من جهة‬
‫الدليل من الكتاب والسنة‪ ،‬فإن ال بيّن في كتابه أنه يتوب على أئمة الكفر‪ ،‬الذين أهم أعظم من أئمــة‬
‫البــدع‪ ،‬فـقال تعالــى ‪( :‬إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم‬
‫عذاب الحريق) (البروج ‪ .)10 :‬قال الحسن ‪( :‬انظروا إلى هذا الكلم‪ ،‬عذّبوا أولياءه وفتنوهم‪ ،‬ثم‬
‫هو يدعوهم إلى التوبة) (‪ .)255‬وقال تعالى عن المشركين ‪( :‬فإذا انسلخ الشهر الحُرم فاقتلوا‬
‫المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد‪ ،‬فإن تابوا وأقاموا الصلة‬
‫وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن ال غفور رحيم ) (التــوبــــة ‪ ..)5 :‬وقال تعالى ‪( :‬قد كفر الذين قالوا‬
‫إن ال ثالث ثلثة وما من إله إل إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب‬
‫أليم أفل يتوبون إلى ال ويستغفرونه وال غفور رحيم ) (المائدة ‪ ..)74-73 :‬وأما السنة فإنها دلت‬
‫على قبول توبة القاتل‪ ،‬كما في حديث (الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا‪ ،‬فسأل هل له من توبة‪ ،‬فدُلّ‬
‫على رجل عالم‪ ،‬فقال ‪ :‬نعم‪ ،‬ومن يحول بينه وبين التوبة) (‪ ..)256‬والقتل من الذنوب الكبيرة‪ ،‬ثم‬
‫إنه ليس في الكتـاب والسنــة ما ينـافـي ذلك ول نصوص الوعيد‪ ،‬بل علم يقينًا أن كل ذنب فيه‬
‫وعيد‪ ،‬فإن لحوق الوعيد به مشروط بعدم التوبة‪ ،‬إذ نصوص التوبة مبينة لتلك النصوص‪ ،‬كالوعيد‬
‫في الشرك وأكل الربا(‪.)257‬‬
‫ووجّه رحمه ال أقوال القائلين بعدم قبول توبة الداعي إلى البدعة بما يلي ‪:‬‬
‫أ ـ مَن قال ‪ :‬توبة الداعي غير مقبولة‪ ،‬فيعني ‪ :‬أن التوبة المجردة ُتسْقط حق ال في العقاب‪ ،‬دون‬
‫حق المظلومين(‪.)258‬‬
‫ب ـ ومَن قال ‪ :‬البدعة ل يُتاب منها‪ ،‬فيقصد بذلك ‪( :‬أن المبتدع الذي يتخذ دينًا لم يشرعه ال ول‬
‫رسـوله‪ ،‬قد زُين له ســوء عملـه فـرآه حسنًا‪ ،‬فهـو ل يتوب مادام يراه حسنًا‪ ،‬لن أول التوبة العلم‬
‫بأن فعله سيء ليتوب منه‪ ،‬أو بأنه ترك حسنًا مأمورًا به أمر إيجاب أو استحباب‪ ،‬ليتوب ويفعله‪،‬‬
‫فمادام يرى فعله حسنًا‪ ،‬وهو سيء في نفس المر‪ ،‬فإنه ليتوب) (‪.)259‬‬

‫جـ ـ ومَن قال ‪ :‬إن ال حجر التوبة على كل صاحب بدعة‪ ،‬فإنه يقصد ‪ :‬إنه (ل يتوب منها‪ ،‬لنه‬
‫يحسب أنه على هدى‪ ،‬ولو تاب لتاب عليه‪ ،‬كما يتوب على الكافر) (‪.)260‬‬
‫وهكذا فما ورد مما يدل على عدم قبول التوبة‪ ،‬فمحمول على تلك المعاني‪ ،‬أو أن قائلي تلك القوال‬
‫قالوها على وجه التغليظ على أهل البدع‪ ،‬لتنفير الناس من البدع‪ ،‬وذلك لقوة دليل من يقول بقبول‬
‫التوبة‪.‬‬

‫الخــاتمــــة‬
‫وبعد هذا‪ ،‬فإن شيخ السلم ابن تيمية استطاع بتحرير هذه الصول ‪:‬‬
‫‪ 1‬ـ أن يقيم ميزان القسط في وزن أقوال المبتدعة وآرائهم‪ ،‬وأن يضبط به الحكم عليها‪ ،‬بحيث يقبل‬
‫منها ما وافق الحق‪ ،‬ويرد منها ما خالفه‪.‬‬
‫‪ 2‬ـ أن يظهر منهج أهل السنة والجماعة فى الحكم على المبتدعة‪ ،‬وأن يبين أنه قائم على العدل‬
‫غمْط في حق‪.‬‬
‫والعلـــم‪ ،‬من غيـــر مداهنـــة في باطــل‪ ،‬ول َ‬
‫‪ 3‬ـ أن ييسر لهل العلم سبيل النتهاء إلى أحكام دقيقة ومنضبطة‪ ،‬وسالمة من الظلم والجهل‪،‬‬
‫يردون إليها الجزئيات قبل إصدار أحكامهم‪ ،‬ويعلمون بها حقيقة القوال والراء‪ ،‬وما تستحقه من‬
‫أحكام‪.‬‬
‫‪ 4‬ـ أن يدفع الفساد الناشئ عن مخالفة منهج العدل والعلم في الحكم على المبتدعة‪ ،‬من الوقوع في‬
‫الظلم والكذب‪ ،‬والساءة إلى الناس‪ ،‬وبخس حقوقهم‪ ،‬والتخبط في الحكام والمناهج‪ ،‬وإحداث الفرقة‬
‫والبغضاء‪ ،‬وإثارة الفتن والعداوات‪ ،‬إلى غير ذلك من العظائم‪.‬‬
‫فما أحوج طلب العلم إلى دراسة هذه الصول وتمعنها‪ ،‬والستفادة منها علميًا وعمليًا‪ ..‬فإنها‬
‫رسمت المسلك العدل الذي أمر به القرآن الكريم‪ ،‬في قوله تعالى ‪( :‬يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين‬
‫ل شهداء بالقسط ول يجرمنكم شنآن قوم على أن ل تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا ال إن ال‬
‫خبير بما تعملون) (المائدة ‪.)8 :‬‬
‫والحمد ل رب العالمين‪ ،‬والصلة والسلم على الهادي المين نبينا محمد‪ ،‬وعلى آله وصحبه‬
‫أجمعين‪.‬‬