You are on page 1of 1

‫لماذا(داعش) ال يحارب البالبل !

؟‬
‫نوزت شمدين‬
‫مع هبوط الظالم وانحسار تواجد عناصر تنظيم داعش في شوارع الموصل يتنقل الشاب أحمد بخفة مدربة بين أزقة‬
‫األحياء القديمة مانحا لرجليه حرية ماراثونية للحصول على أكبر قدر من التمويه مع لحظات إبطاء أمنية يتلفت خاللها‬
‫للتأكد من أنه غير مرصود ومع وصوله الى الهدف يطرق الباب ثالث طرقات خفيفة فينفرج على الفور ليدخل مسجال‬
‫خرقا جديدا في جدار داعش األمني‪.‬‬
‫خلف الباب ينتظر أسعد عزيز كل يوم في مثل ذلك الوقت طرقات أحمد المتفق عليها‪ .‬يراقب قبلها من حديقته المنزلية‬
‫انسحاب أخر خيوط الضوء ليرتفع بعدها المستوى البياني للقلق وهو يخمن تحركات الشاب‪ " :‬اآلن خرج من المنزل‬
‫و سيبلغ العكيدات بعد لحظات‪ ،‬هو اآلن في شارع الفاروق‪ ،‬ربما توقف في باب جديد‪ ،‬سيسرع قليال وهو يقطع شارع‬
‫النبي شيت‪ ،‬قد يمر بشارع الدواسة أو يدور بمكر عبر منطقتي السج ن والطيانة ليناور قبل دخوله حي الطيران"‪.‬‬
‫يحدث هذا كل مساء‪ ،‬يخترق االثنان باحة المنزل بهدوء وحذر دون أن يتفوه أي منهما بأي كلمة‪ .‬يغلقان بإحكام أي باب‬
‫يجتازانه قبل أن ينزال سردابا باثنتي عشر درجة تنتهي بمساحة ضيقة ومكتظة باألشياء الزائدة عن الحاجة المنزلية‪.‬‬
‫يبعدان علبا و صناديق وحقائب ثياب ومقاعد متقاعدة ليلتقطا كيسين سميكين من القماش‪ ،‬يحالن بسرعة ربطتيهما قبل أن‬
‫تدوزن أوتارا قاومت‬
‫يستخرجا آالتي عود‪ ،‬يجلسان متقابلين ونور الفانوس يمشط مالمحهما المبتسمة بينما أصابعهما‬
‫ِ‬
‫بكفاح الثوار قوانين داعش بتحريم العزف وع قوباته المتراوحة بين الجلد أو اإللقاء من أعلى بناية في الموصل‪.‬‬
‫ال يعرف الموسيقي أسعد عزيز غير العود سالحا يقاوم به احتالل داعش لمدينته التي قضى فيها عقود عمره الست‪.‬‬
‫رافضا مغادرتها وهو األرمل على الرغم من توسالت ولديه اللذين فضال النجاة بعائلتيهما منتقلين الى اربيل في شهر‬
‫تمرين مع تلميذه أحمد معركة ضمن حرب بدأها منذ أول الفتة سوداء رفعت معلنة دولة‬
‫االحتالل األول ويعد كل يوم‬
‫ٍ‬
‫الخالفة اإلسالمية التي لم يعترف بها قط‪.‬‬
‫"هم أيضا فعلوا ذات الشيء" ي قول مشيرا الى تنظيم الدولة االسالمية في العراق والشام ‪ " :‬فقد بدؤوا حكمهم بحرب ضد‬
‫الفن وتحريمه بمختلف أشكاله‪ ،‬فدمروا تمثال أشهر موسيقي عرفته الموصل وهو المال عثمان الموصلي الذي كان منتصبا‬
‫منذ سنوات بعيدة أمام محطة القطار في جانب المدينة األيمن"‪.‬‬
‫ويتابع بأسى‪ " :‬ألغوا دراسة الفنون الجميلة موسيقى وغناء ومسرحا وتشكيال ونحتا مبقين على رسم الخط وأقفلوا مكاتب‬
‫الموسيقى واالستوديوهات والتسجيالت ومنعوا إذاعة األغاني والموسيقى في المقاهي والمركبات والمنازل"‪.‬‬
‫التنظيم حدد عقوبات للمدخنين والمتهمين بالزنا والسرقة و التجسس وغيرها من القضايا التي تنظرها محاكمه الشرعية‬
‫محددا لكل منها عقوبة منصوص عليها‪ ،‬لكنه ترك أمر عقوبة الموسيقيين بيد القاضي الشرعي فهو من يحدد عدد الجلدات‬
‫تزيد أو تقل عن ‪ 100‬حسب قناعته ‪ ،‬وقد يتمادى ليصل بالعقوبة الى ابعد من ذلك‪.‬‬
‫ويحصي أسعد عزيز أربع حاال ت كان ضحيتها عازفان وصاحب تسجيالت صوتية وشاب صغير تم جلد الثالثة أمام‬
‫الناس في أوقات متباعدة ومناطق مختلفة من الموصل ألنهم قاموا بأفعال الكفار ويمارسون مهنا محرمة شرعا وفق‬
‫داعش‪ .‬بينما تم قطع رأس شاب صغير بسبب القبض عليه متلبسا بسماع األغاني وهذه التهم ة بالذات أدت الى اعتقال‬
‫خمسة آخرين خالل العام المنصرم ال يعرف عن مصيرهم شيء‪.‬‬
‫يتساءل مستحضرا في ذهنه الكائنات والطبيعة التي تصدر عنها أصواتا موسيقية يطرب لها الناس‪ " :‬لماذا ال يحاربون‬
‫البالبل ويمنعون عزف الرياح وقرع الرعود وتفاعل أغصان األشجار وسيمفونية خرير المياه ؟ "‪.‬‬
‫ويتابع‪ " :‬أليس من الغباء تحريم العزف على العود بينما تترك طيور الكناري تمارس كفرها بستين نغمة مختلفة "‪.‬‬
‫السرداب يشكل جزءا أساسيا من التصميم العمراني للمنازل وال سيما في أحياء مدينة الموصل القديمة أستخدمها السكان‬
‫وعلى مدى عقود طويلة هربا من حر الصيف الالهب الذي قد تصل فيه درجات الحرارة خارجا الى نحو ‪ 50‬درجة مئوية‬
‫في حين يحتفظ السرداب ببرودته كما أنهم يخزنون فيه مئونتهم وما يفيض عن الحاجة‪.‬‬
‫وتحول السرداب في أزمنة الحروب الى مالجئ هرع إليها األهالي هربا من الصواريخ والقنابل الهابطة من السماء في‬
‫الحروب التي خاضها العراق خالل أربعة عقود خلت مع إيران والواليات المتحدة االمريكية‪.‬‬
‫هكذا يصف دور السرداب في حياة الموصليين‪ ،‬لكن سردابه تم تحويره بعض الشيء ليصبح كاتما للصوت‪ ،‬فقد قام في‬
‫منتصف حزيران ‪ 2014‬بإغالق نافذتيه الصغيرتين المؤديتين الى باحة المنزل الخلفية بالطابوق واألسمنت وهكذا يمضي‬
‫ساعات مطمئنة مع تلميذه الوفي احمد يعلمه بصبر كما فعل مع كثيرين طوال ثالثين سنة من مشوار تعليم العزف‪.‬‬
‫قال ألحمد ذات مرة وهو يفرش أصابع يده اليمنى في الهواء‪ " :‬هنا يكمن السر "‪ ،‬ثم قام على الفور بشطب عالمة‬
‫االستفهام التي تضخمت في مالمح تلميذه وشرح له ‪ " :‬داعش دمرت في مجزرة كبيرة اآلالف من آالت الموسيقية‬
‫الوترية والهواية واعتقدت أن عقوباتها وترويعها سيجعل الفن ينقرض"‪ .‬وبعد لحظات صمت قال وهو يمد الريشة ليهز‬
‫بها األوتار ‪ " :‬أسلحتنا الحقيقية هي أصابعنا" ‪.‬‬