You are on page 1of 85

‫سلسةل رسائل الإصالح (‪)6‬‬

‫(القول السديد يف أن ادلميقراطية ل تنايف التوحيد)‬
‫(تأليف‪ :‬خادل عىل الورشفاين)‬
‫هلعضو الاحتاد العاملي لعلامء املسلمني‬
‫( ‪-‬‬
‫‪-‬عضو مؤسس يف هيئة علامء ليبيا‬
‫‪-‬وزير الوقاف امللكف‪ ،‬ووكيلها (سابقا)‬

‫‪-‬الطبعة الوىل‪ :‬منشورة عىل صفحيت الشخصية عىل موقع‬
‫التواصل الاجامتعي‪.‬‬
‫‪-‬عنوان صفحيت عىل (الفيس بوك)‪ :‬خادل الورشفاين‬

‫‏‪5341‬‬

‫سلسة علمية ثقافية تُعنى بالشأن الليبي وتحاول تصوير التحديات واقتراح الحلول الناجحات‬
‫(مقدمة)‬
‫امحلد هلل رب العاملني‪ ،‬والصالة والسالم المتان المكالن عىل خري خلق‬
‫هللا‪ ،‬محمد بن عبدهللا‪ ،‬وعىل أهل وحصابته ومن والاه‪ ،‬وبعد‪:‬‬
‫فاإن هللا تعاىل قد أخذ عىل أهل العمل صغارمه وكبارمه بيان احلق‪،‬‬
‫بك سبيل ممكن ل إالصالحل بيهن‪،‬م‪ ،‬وهذا لالإااف لة‬
‫وتبليغه للناس‪،‬والسعي ل‬
‫اإىل كون له واجبا رشعيا هو أيضا مس ئولية اجامتعية والزتام أخال يق و يمه‬
‫وطن‪.‬‬
‫ي‬
‫واكن مما اشتبه أمره عىل بعض الناس‪ ،‬قضية ادلميقراطية لاعتبارها نظاما‬
‫س ياس يا أنتجته التجربة الإنسانية عرب اترخيها الطويل وجنحت يف اإبعاد‬
‫ش بح الاقتتال والرصاع الصفري عىل السلطة بني املعاراني‪ ،‬وذكل بعد‬
‫مرورها لالكثري من العقبات والتحدايت والنجاحات والإخفاقات‪،‬‬
‫واس تطاعت البرشية من خالل هذا النظام حتقيق مجةل من املقاصد اليت‬
‫ل تتناىف‪ -‬يف نظران‪ -‬مع ما يريده الإسالم ويصبو اإليه من مثل التداول‬
‫السلمي عىل السلطة‪ ،‬وممارس لة الم لة حقها يف نقد السلطة احلامكة‬
‫وتوجهيها وترش يدها دون تعريض السمل الهيل خلطر الفوىض والانزلق‬
‫حنو الفتنة‪،‬وكذكل التفاق عىل التفاصيل املتعلقة بتحديد صالحيات‬
‫السلطات احلامكة من ترشيعية وتنفيذية وقضائية من خالل ما لات‬
‫يعرف اليوم لامس ادلس تور اذلي هو يف حقيقته من قبيل الرشوط‪ ،‬اإىل‬
‫غري ذكل من املقاصد العظمية اليت يعمل العاقل قبل العا لل أهنا مما جاء هبا‬
‫ديننا املبارك‪،‬بل يه مما أرادته الرشيعة املطهرة وقصدت اإليه قصدا – يف‬
‫اجملال الس يايس‪-‬كام سريى القاريء الكرمي يف هذه املقالت‪ ،‬ول يناقضه‬
‫ول هيدم شيئا من بنيانه حبال‪.‬‬
‫وادلميقراطية نظام س يايس اجامتعي غريب النشأة‪ ،‬عرفته احلضارة الغربية‬
‫يف حقبهتا اليواننية القدمية‪ ،‬وطورته الهنضة الثقافية والعلمية والإدارية‬
‫احلديثة‪ ،‬وأبدعت الكثري من الدوات السلمية اليت قطعت الطريق عىل‬
‫الرصاع املهكل بني الحزاب والتيارات الفكرية والس ياس ية اليت تسعى‬
‫للوصول اإىل السلطة واحتاكرها‪ ،‬وأبعد الساليب املتخلفة من مثل‬
‫احلروب الهلية والاحتاكم اإىل السالح عن اجملمتعات اليت اختذت مهنا‬
‫نظاما س ياس يا لإدارة شأهنا العام‪.‬‬
‫واكن مما هالن أن رأيت بعض الناس اذلين ل تش‪،‬م أنوفه‪،‬م راحئة العمل‪،‬‬
‫ول هل‪،‬م معرفة لالرشيع لة املطهر لة املبارك لة‪ ،‬ول يعرف أنه ممن طلب الفقه‬
‫من أههل أو جلس بني أيدي املعلمني املعتربين‪ ،‬رأيت كثريا مهن‪،‬م يتجرأ‬
‫عىل وصف النظام ادلميقراطي ‪-‬يف جانبه العميل‪ -‬بأنه كفر‪ ،‬ويرتبون عىل‬
‫ذكل أحاكما كثرية من أعظمها‪ :‬ردة القائل لالنظام ادلميقراطي – يف جانبه‬
‫العميل‪ -‬سبيال لتحقيق ما نصبو اإليه يف بالدان من التحول حنو مرشوع‬
‫ادلوةل‪ ،‬واخلروج من الزمة الراهنة اليت تعصف ببالدان ومس تقبلها‪،‬‬
‫وبطبيعة احلال يرتبون عىل القول بذكل ردة القائلني بأن النظام ادلميقراطي‬
‫نظام س يايس معترب‪ ،‬ومن ث هييئون السبيل اإىل سفل ادلم احلرام‪،‬‬
‫ويقتلون‪ -‬لامس هللا وادلين‪ -‬القائلني بذكل‪،‬ويعادون النظام الس يايس‬
‫اذلي يتخذ من ادلميقراطية وس يةل لتحقيق املنجزات الس ياس ية وإادارة‬
‫ش ئون البالد‪ ،‬وقوهل‪،‬م هذا خطأ يف الفه‪،‬م وغلو يف ادلين‪ ،‬وخروج عن‬
‫جادة السبيل‪ ،‬وتنكب لسبيل هذه المة الوسط اليت جعلها هللا تعاىل‬
‫شاهدة عىل العاملني‪.‬‬
‫و ل أعمل أحدا ممن ينتسب اإىل العمل ومن املعروفني به‪ ،‬اإل وهو يقول‬
‫بأن ادلميقراطية يف جانهبا العميل‪ ،‬اإمنا يه وهجة نظر جتاه نظام احلمك‬
‫وليست وهجة نظر جتاه ادلين‪ ،‬ويه بذكل ‪،‬وهبذا املعىن‪ ،‬ليس لها عالقة‬
‫بقضية الكفر ل من قريب ول بعيد‪ .‬وادلميقراطية كذكل متثل أخر ما‬
‫وصلت اإليه الإنسانية يف اترخيها الطويل من اإجنازات حضارية يف جمال‬
‫اإدارة الشأن العام‪،‬وكيفية اإحداث حاةل من التوافق بني الناس عواا عن‬
‫التصارع وسفل ادلماء‪ ،‬ومع أننا نقر أن ادلميقراطية كنظام س يايس ليس‬
‫نظاما مربأ من العيب ول من اخللل‪ ،‬وهذا هو شأن أي معل برشي‬
‫وهجد اإنساين‪،‬اإل أنه يبقى خري الرشور اإذا حصل علهيا توافق شعيب‪،‬‬
‫وتبنهتا النخبة ومعلت لجل المتكني لها كنظام للحمك وإادارة الشأن العام‪.‬‬
‫بعض احلقائق‪ ،‬وتسليط الضو لء عىل‬
‫وس نحاول يف هذه الصفحات جتلية ل‬
‫املفاهي‪ ،‬وأرجو أن ييرس هللا تعاىل المور وتكون لنا عودة اإن‬
‫ل‬ ‫ل‬
‫بعض‬
‫شاء هللا تعاىل اإىل مواوع "التكفري" يف حبث مس تقل‪ ،‬خاصة وأن‬
‫اإخواننا من أهل العمل يف ليبيا ل تتوجه هجودمه‪ -‬فامي أعمل‪ -‬اإىل احلديث‬
‫عن هذه القضية اخلطرية اليت وقع فهيا اللبس‪ ،‬واختلط فهيا الفه‪،‬م‪ ،‬وقد‬
‫مسعنا مجيعنا ورأينا كيف أن عنارص تنظي أنصار الرشيعة يعدون‬
‫ادلميقراطية كفرا‪ ،‬ولعله‪،‬م يرتبون عىل ذكل أحاكم الرد لة عىل لك القائلني‬
‫هبا‪ ،‬ويف هذا اإعادة لتصنيع الفكر املتطرف ومتكني للمتطرفني يف بالدان‪،‬‬
‫وهذا ما يألاه الرشع والعقل واملنطق واملصلحة‪.‬‬
‫بل اإهن‪،‬م يقولون بردة لك أفراد اجليش والرشطة والمن‪ ،‬وهذا ما مسعته‬
‫من كثري من الإخوة اذلين خيالطوهن‪،‬م ويعرفون أرسار أفاكرمه‪ ،‬وحس امب‬
‫مسعت من كثري من هؤلء الإخوة املهمتني مبعرفة أفاكرمه وتوهجاهت‪،‬م‪ ،‬أهن‪،‬م‬
‫يقولون بأن ادلميقراطية كفر وحمك بغري رشيعة هللا تعاىل‪ ،‬ولك من تبىن‬
‫هذا النظام فهو "طاغوت" كام يدعون؛ لنه يرشع للناس من دون هللا‬
‫فيعبد من دون هللا‪ ،‬وبناء عىل ذكل فك من يوافقه أو يطيعه فهو من‬
‫عبيد الطاغوت‪ ،‬وهذه كام ترى ظلامت بعضها فوق بعض‪ ،‬تش به اإىل حد‬
‫كبري املعادلت الكمييائية اليت درس ناها يف املرحةل الثانوية‪ ،‬مقدماهتا‬
‫مغلوطة ونتاجئها أشد غلطا من مقدماهتا‪ ،‬وهللا املس تعان وعليه التالكن‪،‬‬
‫وإاان هلل وإاان اإليه راجعون عىل ما أصاب ش باب أمتنا من انتاكسة عظمية‪،‬‬
‫حىت خرجوا عىل أمة محمد عليه الصالة والسالم بأس يافه‪،‬م‪،‬يسفكون ادلم‬
‫احلرام يف الشهر احلرام‪ ،‬ويصدون عن سبيل هللا تعاىل ودار السالم !!‬
‫أرجو هللا تعاىل أن يوفقنا لبيان احلق ونرصة أههل‪ ،‬كام أرجوه تعاىل أن‬
‫ييرس لنا اإمتام مرشوعنا الإصاليح اذلي بدأانه من مدة قصرية حبسب‬
‫اجلهد والطاقة؛ اإذ ل يلكف هللا نفسا اإل وسعها‪،‬ول يلكف هللا نفسا اإل‬
‫ما أاتها‪ ،‬وس يجعل هللا بعد عرس يرسا‪.‬‬
‫خادل عىل الورشفاين‬
‫املرشف العام عىل اإصدارات سلسةل "رسائل الإصالح"‬
‫‪ 8‬من شهر ذي القعدة ‪5341‬جهرية‬
‫املوافق ‪ 3‬من شهر سبمترب ‪ 4153‬ميالدية‬
‫(الفصل الول)‬
‫(مقدمات هامة بني يدي هذا املواوع)‬

‫‪-5‬ما حيدث اليوم يف عاملنا العريب والإساليم هو خماض عسري جدا‬
‫لولد لة أمل نرجو أن ل يطول انتظاره‪ ،‬فبعد الثورات العربية ااطربت‬
‫الكثري من املفاهي‪ ،‬وتغريت الكثري من التصورات‪ ،‬وهمينت عىل العال‬
‫العريب والإساليم ظالل الشل وغيوم احلرية‪ ،‬واحلرية مذمومة عند مجيع‬
‫العقالء؛ لهنا جتعل العقل الإنساين غري قادر عىل حس‪،‬م الزناع الفكري‬
‫وتؤجج الرصاع العاطفي يف أعامق النفس‪ ،‬غري أن هناك اتفاقا عىل يشء‬
‫واحد‪ ،‬حبيث ميكن أن يكون اإجامعا‪ :‬لنريد العودة اإىل أوااعنا السابقة‬
‫بعد أن جتاوزانها وحضينا لالكثري من أجل ذكل!! وهنا يأيت دور النظام‬
‫ادلميقرطي مكنظومة س ياس ية متاكمةل بديةل عن النظم لة املستبد لة اليت‬
‫اكنت تقود واقعنا الس يايس‪ ،‬وهتمين عىل لك مقدراتنا وإاماكانتنا‪.‬‬
‫‪-4‬يف تصور بعض الباحثني واذلي أعتقد أن هل وجاهة فكرية كبرية أن‬
‫نقطة البدء تكون بتبن مرشوع يقوم عىل اإعادة تأسيس الهوية القميية‬
‫لك املشاريع ل املطروحة للخروج من الزمة مبنية عىل‬
‫للمة‪ ،‬حبيث تكون ل‬
‫ذكل التصور القميي‪ .‬وبطبيعة احلال فاإن املنظومة القميية للمة تقوم عىل‬
‫أساس ا إلسالم رشيعته وأـحاكمه وأوامره ونواهيه‪ ،‬ولهذا حرصنا عىل‬
‫بيان موقف الرشيعة املطهرة‪ -‬كام نراه‪ -‬من قضية ادلميقراطية‪ ،‬وحاولنا أن‬
‫نبني أهنا ل تتناىف يف يشء من أفاكرها ومقاصدها مع ا إلسالم العظي‪،‬‬
‫وأهنا جتس يد لقمية العدل اليت أمر هللا س بحانه وتعاىل هبا يف كتابه وعىل‬
‫لسان نبيه‪،‬فالعدل يف اجلانب الس يايس مرده اإىل اإحداث توازن مقبول‬
‫بني المة من هجة وادلوةل من هجة أخرى‪،‬وإارشاك المة يف تقرير‬
‫مصلحهتا‪ ،‬عن طريق اإعامل مبدأ الشورى لالليات احلديثة اليت عرفهتا‬
‫النظمة ادلميقراطية املعارصة‪ .‬وادلميقراطية كذكل جتس يد لقمية الشورى‬
‫اليت ل تتيرس لها الطريق لتتحول اإىل مؤسسات راخسة اإل يف العصور‬
‫الوىل للتجربة الس ياس ية الإسالمية‪ ،‬ث أ لهجضت هذه املؤسسات بعد‬
‫الإطاحة بنظام اخلالفة الراشدة‪ ،‬وحصل بعد ذكل الفصام النكد بني‬
‫القيادة الس ياس ية للمة – احلاكم‪ ،-‬والقيادة الفكرية لها – العلامء‪،‬‬
‫وهذان هام أمه قيادتني ميكن اإذا احتدا أن ينتجا نظاما س ياس يا راشدا‬
‫يليب طموحات المة وحيقق أمالها يف العيش احلر الكرمي‪.‬‬
‫‪-4‬الالزتام لاملرجعية الإسالمية ل يعن حبال نسخ املايض بك تفاصيهل‪،‬‬
‫وإاعادة اإحيائه من جديد‪ ،‬خاصة يف اجملال الس يايس‪ .‬وهذا المر حيتاج‬
‫اإىل فقه معيق‪ ،‬وفه‪،‬م راخس‪ ،‬ونظر اإىل التجارب الإنسانية بعقلية املس تفيد‬
‫مهنا الناشد للخري والصالح‪ ،‬فاحلمكة ااةل املؤمن أىن وجدها فهو أحق‬
‫الناس هبا‪ .‬ويف هذا املقام أود أن أبني أنه من الرضوري أن نفرق بني‬
‫الفقه الإساليم اذلي هو مظهر من مظاهر التفاعل بني النص والويح‪،‬‬
‫وبني ويح هللا تعاىل اخلادل‪ ،‬فالول وهو "الفقه" خيضع يف كثري من‬
‫تفاصيهل اإىل الواقع واملاكن والزمان وحال امللكف كام يعرف ذكل أهل‬
‫الاختصاص‪ ،‬أما "الويح" النازل من عند هللا تعاىل‪ ،‬فهو معصوم ول‬
‫ميكن أن يتطرق اإليه اخلطأ أو اخلطل‪ ،‬وإان أي حماوةل لإدخال أحدهام‬
‫يف الخر يه حماوةل س يكون لها الكثري من النتاجئ السيئة عىل املس توى‬
‫الفكري والعلمي والثقايف بل والواقعي كذكل‪ ،‬وهذا يف ظن أحد املأخذ‬
‫اليت تؤخذ عىل من اعتقد أن نظام اخلالفة الإسالمية كام اكن يف عهد‬
‫النيب صىل هللا عليه وسمل وعهد اخللفاء الراشدين ريض هللا تعاىل‬
‫عهن‪،‬م‪،‬نظام تعبدي وأنه جيب الالزتام به مطلقا‪ ،‬وإان أي خروج عن هذا‬
‫النظام هو يف الواقع خروج عن أحاكم الرشيعة املطهرة!!‬
‫‪-3‬من امله‪،‬م جدا التفريق بني مسألتني أساس يتني‪ :‬املرشوع احلضاري‬
‫الإساليم واذلي هو عبارة عن مهنج للتغيري يف منايح احلياة لكها للمة‪،‬‬
‫واملرشوع الس يايس اذلي يعد جزءا من هذا املرشوع وفردا من أفراده‪.‬‬
‫ومعلوم أن حماوةل اإحداث التغيري املنشود يف المة حىت ترتقي يف مراق‬
‫السعود وتتدرج يف منازل الصعود‪ ،‬ليس مقترصا عىل اجلانب الس يايس‬
‫وحده‪ ،‬وأن الولوية دامئا للعمل ادلعوي الشعيب اذلي يركز عىل القاعدة‬
‫العريضة‪ ،‬فالشعوب يه اليت تصنع التغيري اإذا اقتنعت به‪ ،‬ويه اليت‬
‫تطيح لالنظمة اإذا ل حترتم تكل النظمة حقوقها يف احلياة احلرة الكرمية‪،‬‬
‫والقاعدة الشعبية امللزتمة لالإسالم واملقتنعة به يه الضامن‪ -‬بعد توفيق‬
‫هللا تعاىل‪ -‬للسري يف الطريق اذلي ارتضاه لنا ربنا س بحانه وتعاىل وبينه لنا‬
‫رسولنا عليه الصالة والسالم‪ ،‬فينبغي أن يكون هذا الهدف عىل سمل‬
‫أولوايتنا دامئا‪.‬‬
‫‪-1‬من وظائف العلامء وادلعاة واملفكرين ترش يد المة لكها وخاصة التيار‬
‫العنيف الرافض للوافد من الثقافات الخرى بطريقة فهيا كثري من التجن‬
‫لك وافد من الثقافات غري مرغوب في له‪،‬‬
‫واملزاجي لة وق لةل الإنصاف‪،‬فليس ل‬
‫كام أنه ليس لك قادم من الثقافات الخرى مقبول يف جممتعاتنا املسلمة‪،‬‬
‫وإامنا املزيان يف ذكل هو الرشع واملصلحة املعتربة‪.‬‬
‫ورفض الوافد من الثقافات الخرى يف نظري – كام هو احلال يف قضية‬
‫ادلميقراطية‪ -‬لها أس باهبا الكثرية‪ ،‬مهنا أس باب علمية فكرية حبتة ترجع يف‬
‫حقيقهتا اإىل اخلطأ يف تصور معىن ادلميقراطية‪،‬وا إلرصار عىل جعلها‬
‫مناقضة لصول عقيدتنا‪ ،‬ومهنا أيضا أس باب نفس ية ترجع يف أصلها اإىل‬
‫عدم الاعرتاف لالتفوق العلمي اذلي حققه الغرب يف جمالت تعزب عن‬
‫احلرص‪ ،‬ومهنا هذه الإبداعات الرتامكية خاصة فامي يتعلق لاإدارة الشأن‬
‫العام‪ .‬ولكن واقع احلال – شئنا أم أبينا‪ -‬أننا جزء ل يتجزأ من هذا العال‪،‬‬
‫نتفاعل معه‪ ،‬ويتفاعل معنا‪ ،‬ونؤثر فيه ونتأثر به‪ ،‬وهذا معناه أنه ل ميكننا‬
‫أن نعيش منعزلني فوق سطح القمر مثال‪ ،‬أو يف جزيرة انئية‪ ،‬والواجب‬
‫عواا عن هذا الإناكر اذلي ل خيدم قضيتنا أن حناول استيعاب العنارص‬
‫الإجيابية يف هذه احلضارة الغربية‪ ،‬وأن نفككها ونس تفيد مهنا‪ ،‬وأن نوظف‬
‫اخلري اذلي فهيا لصاحل مرشوعنا احلضاري‪.‬‬
‫‪-6‬مما شهدت به جتارب التارخي أنه لميكنل أن تفرض نفسل لالقوة عىل‬
‫الناس‪ ،‬ولك من يفعل ذكل يفقد أمه مرتكز من مرتكزات النجاح عىل‬
‫املس توى الس يايس وهو‪ :‬التعبري عن الم لة‪ .‬فاملرشوع اذلي يعرب عن‬
‫المة‪ ،‬ل أظنه حباجة اإىل أن حيمل السالح حىت يفرض نفسه عىل‬
‫الناس‪ ،‬ولن حيتاج اإىل قوة غري قوة الشارع‪ ،‬فهيي القوة احلقيقية اليت‬
‫جيب أن يلجأ اإلهيا أحصاب أي مرشوع س يايس حضاري‪ .‬وإامنا قلنا هذا‬
‫الالكم لن امجلاهري العريضة اإذا اقتنعت بأي مرشوع فاإهنا س تتبناه‪،‬‬
‫وتكون حيهنا مس تعدة لتحمل أي نتاجئ تصدر عن هذا الالزتام من قبلها‪.‬‬
‫وقد قبلت شعوبنا فكرة ادلميقراطية وأثبتت أهنا أنضج من كثري ممن‬
‫يدعون أهن‪،‬م خنبويون‪ ،‬وما وقع من أحداث يف املرحةل السابقة يؤيد هذا‬
‫الزمع‪ ،‬ويؤكد هذه ادلعوى‪.‬‬
‫‪-7‬منطق الاجتثاث واملطاردة والعزل والتخوين والإقصاء للمخالفني‬
‫منطق غري سوي‪ ،‬ول خيدم قضيتنا ولن خيرج بالدان من أزمهتا وكبوهتا‪.‬‬
‫ويف الثقافة الإسالمية املس تنرية املعتدةل يواجه الفكر لالفكر‪ ،‬والرأي‬
‫لالرأي والنقد الإجيايب‪ ،‬وجيعل امجليع مكشوفني أمام أنظار المة احملمدية‪،‬‬
‫كمنا يعيشون يف بيت من زجاج‪ ،‬ث يكون احلمك الهنايئ بعد ذكل‬
‫للجامهري العريضة‪ ،‬فهيي اليت ينبغي أن ختتار من يدير ش ئوهنا‪ ،‬والمة‬
‫املسلمة اليت ل تنقطع عن الإسالم يوما يه اليت حتمك عىل الفاكر فتقبل‬
‫ما يقبل وترد ما يرد‪ ،‬وإان اكن مثة أخطاء يف قراراهتا فاإن ذكل ينقد‬
‫لاحلمكة واملوعظة احلس نة‪ ،‬فال وصاية عىل المة بعد اليوم‪ ،‬ولبد من أن‬
‫نثق يف أن امجلاهري اليت خرجت عش ية الثورة قادرة عىل حامية نفسها‬
‫وماكس هبا‪.‬‬
‫(الفصل الثاين)‬

‫(مهنج النظر يف ش ئون الس ياسة الرشعية)‬

‫املقصود لالس ياسة الرشعية كام هو معلوم القيام عىل ش ئون الناس العامة‬
‫من قبل ولة أمورمه‪ ،‬مبا حيقق هل‪،‬م مصاحله‪،‬م ادلينية وادلنيوية‪ ،‬متوسلني‬
‫اإىل ذكل بك الوسائل املرشوعة املتاحة اليت ليست حمرمة يف ذاهتا‪،‬‬
‫واليت يسمهيا علامؤان لالرتاتيب الإدارية‪ ،‬أو الـأنظمة ا إلدارية املناس بة‬
‫لعرصمه وزماهن‪،‬م وواقع أحواهل‪،‬م‪.‬‬

‫ولفظ "الس ياسة" يويح لالتدبري املبن عىل النظر يف املصاحل‬
‫واملفاسد‪،‬فهو لفظ محمل لالكثري من دللت اإدارة الشأن العام والإرشاد‪،‬‬
‫والتوجيه والمر والهنيي‪،‬والقيام عىل المور مبا يصلحها‪ ،‬وهذا ما تدل‬
‫عليه يف معامج اللغة العربية‪.‬‬

‫أما لفظ "الرشعية" فاإنه يدل عىل أن هذه التدابري‪ ،‬والنظر يف الشأ لن‬
‫جل القيا لم لاإصالح له‪ ،‬والاهامت لم بصالح له‪ ،‬لبد أن يأخذ يف‬
‫العام من أ ل‬
‫ل‬
‫اعتباره مقاصد الرشيعة يف أمرها وهنهيا‪ ،‬خاصة يف هذا الباب وهو لاب‬
‫س ياسة الناس وإادارة ش ئوهن‪،‬م‪ .‬وفامي ييل حماوةل لبيان مجةل من السس‬
‫اليت ميكن أن تس تصحب يف النظر اإىل قضااي الس ياسة الرشعية‪ ،‬وهللا‬
‫املس تعان ول حول ول قوة اإل به س بحانه‪.‬‬

‫‪-5‬الس ياسة الرشعية يف الإسال لم قامئة عىل مبدأ املوازنة بني املصاحل‬
‫واملفاسد‪ ،‬وحتقيق املصلحة الراحجة للمة‪ .‬وقد اش هتر عند عامة أهل‬
‫العمل قوهل‪،‬م‪ :‬اإن ترصف الإمام عىل المة منوط لاملصلحة‪ .‬أي أنه ينبغي‬
‫عليه أن يراعي حتقيق املصلحة الراحجة للمة يف لك ترصفاته‪ ،‬فا إلمام أو‬
‫السلطة احلامكة أو احلكومة‪ ،‬يه مبزنةل الوكيل عن المة‪ ،‬أو مبزنةل الجري‬
‫دلهيا‪ ،‬فال يترصف اإل مبقتىض العقد كام هو واقع احلال اليوم‪ ،‬وهو اذلي‬
‫يسمونه لادلس تور‪ ،‬فهو اذلي حيدد الرشوط ويبني مدى سلطة احلامك‪،‬‬
‫فاإذا ترصف احلامك مبا خيالف مقتضيات املصلحة العامة للمة‪ ،‬أو مبا‬
‫خيالف ما اتفق عليه مع المة فاإن ترصفاته حينئذ تقع لاطةل‪ ،‬وحياسب‬
‫علهيا أمام المة‪.‬‬

‫وقولنا اإن ترصف الإمام عىل المة منوط بتحقيق مصلحهتا‪،‬هو يف ظن‬
‫ما يدل عليه الكتاب والس نة ومعل الصحابة ريض هللا تعاىل عهن‪،‬م‬
‫والعلامء املقبولني‪ ،‬والمئة املرايني‪ .‬وهذا املبدأ العام ينبغي أن يس تصحب‬
‫يف فه‪،‬م الكم هللا تعاىل‪ ،‬والكم رسوهل صىل هللا عليه وسمل‪ ،‬ويبدو يل‬
‫كذكل أن كثريا من الحاكم اليت وردت يف هذا الشأن عىل وجه‬
‫اخلصوص‪ ،‬ل يقصد هبا أن تكون ترشيعات اثبتة غري متغرية‪ ،‬بل يه‬
‫أحاكم تراعي واقع المة ومصلحهتا املتغرية تبعا لهذا الواقع‪.‬‬

‫ومن الد لةل اليت جاءت يف س ن لة املصطفى عليه الصالة والسالم عىل‬
‫مراعاة املصلحة العامةللمة‪ :‬قضية التسعري‪،‬ويه مسأةل معروفة عند أهل‬
‫العمل‪ ،‬حيث غال السعر يف عهد رسول هللا صىل هللا عليه وسمل‪ ،‬جفاء‬
‫الناس اإىل النيب يرجونه أن يسعر‪ ،‬فرفض النيب صىل هللا عليه وسمل‬
‫ذكل‪ ،‬وأشار اإلهي‪،‬م بدعاء هللا تعاىل أن خيفض الاسعار‪ ،‬فاإنه هو القابض‬
‫الباسط الرازق املسعر س بحانه‪.‬‬

‫فعن أنس بن ماكل ريض هللا تعاىل عنه قال‪ :‬غال السعر عىل عهد‬
‫رسول هللا صىل هللا عليه وسمل‪ ،‬فقالوا‪ :‬اي رسول هللا‪ ،‬لو‬
‫سعرت؟فقال‪ ":‬اإن هللا هو القابض الباسط الرازق املسعر‪ ،‬وإاين لرجو‬
‫أن ألقى هللا تعاىل وليطلبن أحد مبظلمة ظلمهتا اإايه يف دم ول مال"‪.‬‬
‫وهذا النص مبنع التسعري اثبت عن غري واحد من أحصاب رسول هللا‬
‫صىل هللا عليه وسمل‪.‬‬

‫ومعىن التسعري‪ :‬أن يقدر احلامك أمثاان للسلع ل جيوز جتاوزها من قبل‬
‫الباعة والتجار‪ .‬والنيب عليه الصالة والسالم لاعتباره حاكام ينظر اإىل‬
‫مصاحل الناس وحتقيق العدل فامي بيهن‪،‬م‪ ،‬ل يرد أن يسعر‪ ،‬خاصة وأن‬
‫ظاهر احلديث يؤيد قول من قال من العلامء اإن السعر قد ارتفع دون‬
‫تدخل من التجار‪ ،‬ويبدو أنه أمر اإلهيي قدري ليس للناس دخل فيه‪،‬‬
‫وقد بني عليه الصالة والسالم أن تسعريه واحلال كام ذكر‪ ،‬فيه ظمل‬
‫وإاحجاف حبق فئة من الناس ومه التجار دون وجه حق‪،‬ويبدو وهللا أعمل‬
‫أن ترصفه عليه الصالة والسالم اإمنا اكن مبقتىض الس ياسة الرشعية‪،‬‬
‫ومعىن ذكل أنه لو وقع أن تواطأ التجار عىل رفع أمثان السلع حىت جينوا‬
‫الكثري من الموال‪ ،‬ويألكوا أموال الناس لالباطل‪ ،‬فاإن عىل الإمام حينئذ‬
‫أن يتدخل ويسعر حىت تنتظ‪،‬م مصاحل اخللق‪ ،‬و ل يقع التظال بيهن‪،‬م‪.‬‬

‫وقد ذكر الإمام الشواكين عن الإمام ماكل رمحه هللا تعاىل جواز‬
‫ت‬ ‫‪1‬‬
‫التسعري ‪،‬وقد بني ش يخ الإسالم ابن ميية رمحه هللا تعاىل يف رساةل‬
‫‪2‬‬
‫"احلس بة" أن التسعري منه ما هو ظمل حمرم‪ ،‬ومنه ما هو عدل جائز‪،‬‬
‫فاإذا تضمن ظمل التجار وخبسه‪،‬م حقوقه‪،‬م فهو ظمل حمرم‪ ،‬وإاذا تضمن‬
‫اإلزاهم‪،‬م لالتسعري حامية للمس هتلكني من جشعه‪،‬م وطمعه‪،‬م‪ ،‬فهو عدل جائز‬
‫بل واجب‪ ،‬وما اكن ش يخ الإسالم ليتجرأ عىل مثل ذكل لول أن النص‬
‫اكن يف س ياق الس ياسة الرشعية‪ ،‬وتدبري أمور الناس ومعاشه‪،‬م‪ ،‬وهللا‬
‫تعاىل أعمل‪.‬‬

‫‪ 1‬عوامل السعة واملرونة يف الإسالم لدلكتور يوسف القرااوي‪ .‬ص‪ .18‬ط‪.‬دار الصحوة للنرش والتوزيع لالقاهرة‪ .‬ط‪4‬‬
‫‪ 2‬املصدر السابق‪.‬‬
‫ومن المثةل عىل ذكل كذكل من فعل الراشدين ريض هللا عهن‪،‬م‬
‫وأراامه‪ ،‬ما وقع من أمري املؤمنني معر بن اخلطاب ريض هللا تعاىل عنه‬
‫حني توقف يف توزيع الرض املفتوحة عىل الفاحتني؛ لنه رأى أن يف ذكل‬
‫اإغداقا عىل جيل الفاحتني يف زمنه‪ ،‬عىل حساب الجيال القادمة‬
‫الالحقة‪ ،‬ولهذا اكن يقول‪ ":‬اإنن اإن قسمهتا بينمك‪ ،‬جاء أخر الناس وليس‬
‫‪3‬‬
‫هل‪،‬م يشء" ‪ .‬وحصلت بينه وبني الناقدين لفتواه مراجعات‬
‫وحماورات‪،‬وهذا يدل عىل جواز مراجعة الفقيه أو العال أو السلطة‬
‫احلامكة حىت يتبني احلق ويتضح وجه الصواب‪ ،‬وليس يف ذكل عيب ول‬
‫خمالفة للدب املوروث عن خري أحصاب خلري نيب عليه الصالة والسالم‪.‬‬

‫ث بعد أخذ ورد‪ ،‬ونقاش مس تفيض وجد معر ريض هللا عنه االته يف‬
‫أية من كتاب هللا تعاىل‪ ،‬ويه قوهل‪ ":‬و لاذلين جاءوا لمن بع لد لمه يقولون‬
‫ربنا اغ لفر لنا و للخوا لننا لاذلين س بقوان للالمي لان ول جتعل ليف قلوبلنا لغ اال‬
‫ِ‬ ‫ِ‬
‫‪ 3‬انظر املدخل دلراسة الرشيعة‪ :‬ادلكتور يوسف القرااوي‪ .‬ص ‪ .65‬ط‪ .‬مؤسسة الرسساةل‪.‬‬
‫ل لَّلين أمنوا ربنا انل رءوف ر لحي"‪ .4‬فقد جاءت هذه الية املباركة يف‬
‫ِ‬
‫س ياق احلديث عن أموال الفيء‪ ،‬وقسمت الناس املس تحقني للفيء ثالثة‬
‫أصناف‪:‬‬

‫‪-5‬الفقراء املهاجرين ريض هللا عهن‪،‬م‪.‬‬
‫‪-4‬اذلين تبوؤا ادلار والإميان (النصار ريض هللا عهن‪،‬م)‪.‬‬
‫‪-4‬اذلين جاؤوا من بعدمه‪ .‬ومه عامة المة بعدمه ممن مه عىل هدهي‪،‬م‬
‫وسنهت‪،‬م‪.‬‬

‫فتأمل معر هذه الية وقال ريض هللا عنه‪:‬ما أرى هذه الية اإل معهت‪،‬م‪.‬‬
‫أتريدون أن يأيت أخر الناس‪ ،‬وليس هل‪،‬م يشء؟‬

‫واملقصود أن معر ريض هللا تعاىل عهن‪،‬م لاعتباره أمريا للمؤمنني يقوم عىل‬
‫رعاية ش ئون المة لكها‪،‬ويسوسه‪،‬م مبا حيقق مصلحهت‪،‬م‪ ،‬اكن نظره مبنيا‬

‫‪ 4‬سورة احلرش‪ :‬الية (‪)51‬‬
‫عىل حتقيق تكل املصلحة العليا للمة‪ ،‬بل ما فعهل فيه حتقيق ملصلحة لك‬
‫أجيال المة اليت س تأيت من بعده ريض هللا تعاىل عنه‪ .‬واكن يرى أن‬
‫مصاحل الجيال القادمة لكها ينبغي أن تراعى‪ ،‬ول ينبغي أن يس تأثر جيل‬
‫عن جيل‪ ،‬فأين حنن اليوم من هذا الفقه العمري العظي؟‬

‫واكن معاذ ريض هللا تعاىل عهن‪،‬م ممن أسه‪،‬م يف حتقيق املناط مع معر يف‬
‫هذه املسأةل‪ ،‬والنظر اإىل مألهتا يف العاجل والجل‪،‬وهذا هو الفقه اذلي‬
‫نريده ونرجوه‪ ،‬حيث قال هل‪ :‬اإنل اإن قسمهتا صار الريع العظي يف أيدي‬
‫هؤلء‪ ،‬ث يبيدون فيصري ذكل اإىل الرجل الواحد أو املرأة‪ ،‬ث يأيت بعدمه‬
‫قوم يسدون من الإسالم مسدا (أي حيس نون ادلفاع عن الإسالم‬
‫‪5‬‬
‫وأههل) ومه ل جيدون شيئا‪ ،‬فانظر أمرا يسع أول الناس وأخرمه ‪.‬‬

‫‪-4‬مراعاة حاةل المة من اعف وقوة وحاجات طارئة‪ ،‬وما تقتضيه‬
‫سالمهتا واحملافظة عىل كياهنا ووحدهتا‪ :‬ومن المثةل عىل مراعاة حال‬
‫‪ 5‬املصدر السابق‪.‬‬
‫اعف المة‪ ،‬ما جاء يف كتاب ربنا من هنيي املسلمني عن القتال‪ ،‬لهن‪،‬م‬
‫اكنوا اعفاء ول يكونوا أحصاب عزة ومنعة بعد‪ .‬والقتال يف الإسالم أو‬
‫اجلهاد هو من التدابري احلكومية أو الولئية أو السلطانية كام قد قرران‬
‫ذكل مرارا وتكرارا‪ ،‬ولهذا فهو حمكوم مبقتضيات الس ياسة الرشعية‪ .‬قال‬
‫تعاىل‪َ ":‬أل‪،‬م تر اىل لاذلين لقيل له‪،‬م كفلوا َأي لديمك و َأ لقميوا الصالة وأتوا الزاكة‬
‫ِ‬
‫فلما ك لتب عل لهي‪،‬م ال لقتال اذا ف لريق لمهن‪،‬م خيشون الناس كخش ي لة ل‬
‫اَّلل َأو َأشد‬
‫ِ‬
‫خش ية ۚ وقالوا ربنا ل‪،‬م كتبت علينا ال لقتال لول َأخرتنا ا ٰىل َأجل ق لريب ۗ قل‬
‫ِ‬
‫ل ‪6‬‬
‫متاع ادلل نيا ق لليل وال لخرة خري لم لن اتق ٰى ول تظلمون فتيال" ‪ .‬فأمرمه هللا‬
‫تعاىل أول المر لالكف عن القتال؛ لهن‪،‬م اكنوا قليال مس تضعفني يف‬
‫الرض خيافون أن يتخطفه‪،‬م الناس‪ ،‬وأمرمه ل‬
‫لالقتال واحلال هذه ليس يف‬
‫مصلحهت‪،‬م‪ ،‬وميكن أن يؤدي اإىل استئصال شأفهت‪،‬م‪ ،‬وتضييع دعوهت‪،‬م‪.‬‬

‫‪ 6‬سورة النساء‪ :‬الية (‪)77‬‬
‫ومهنا كذكل اعتبار حاةل الضعف اليت ميارس فهيا املؤمن التقية مع أعدائه‪،‬‬
‫فيظهر هل‪،‬م املوالاة‪ ،‬خوفا عىل دينه ونفسه‪،‬لنه يف حاةل اعف‪ ،‬ومه يف‬
‫حاةل قوة ومنعة‪ ،‬كام قال هللا تعاىل"ل يت لخ لذ المؤ لمنون الاك لف لرين َأو لياء لمن‬
‫ون المؤ لم لنني ۖ ومن يفعل ذَٰ لكل فليس لمن ل‬
‫اَّلل ليف يشء ال َأن تتقوا لمهن‪،‬م‬ ‫د ل‬
‫ِ‬
‫اَّلل الم لصري"‪.7‬‬
‫تقاة ۗ وحي لذرمك اَّلل نفسه ۗ واىل ل‬
‫ِ‬
‫ومما يبني مراعاة حال المة يف الفتوى عند قيام حاجة اجامتعية عامة‬
‫كذكل ما جاء يف حديث حلوم الاايح‪ ،‬وهو حديث سلمة بن الكوع‬
‫عند البخاري أن النيب صىل هللا عليه وسمل قال‪ ":‬من حضى منمك فال‬
‫يصبحن بعد ثالثة‪ ،‬ويبقى يف بيته منه يشء"‪ .‬فلام اكن العام القادم قالوا‪:‬‬
‫اي رسول هللا صىل هللا عليه وسمل‪ :‬نفعل كام فعلنا العام املايض؟ فقال‪:‬‬
‫لكوا وأطعموا وادخروا‪ ،‬فاإن ذكل العام اكن لالناس هجد‪،‬فأردت أن‬
‫تعينوا فهيا‪ .‬وهذا يدل عىل اعتبار الإمام حلالت الرضورة أو احلاجات‬
‫‪ 7‬سورة أل معران‪ :‬الية (‪.)48‬‬
‫الاجامتعية الطارئة‪ ،‬ويبدو يل وهللا أعمل أنه ترصف مبقتىض الإمامة للنيب‬
‫عليه الصالة والسالم‪.‬‬

‫ومثال أخر يدل عىل مراعاة حال امجلاعة املسلمة من اعف وقوة‪ ،‬وشدة‬
‫اخلطاب ريض هللا تعاىل عنه‬
‫ل‬ ‫ورخاء‪ ،‬ما قام به اخلليفة الراشد معر بن‬
‫يف عام اجملاعة‪ ،‬وهو املعروف بعام الرمادة‪ ،‬حيث قام بتأخري جباية الزاكة‬
‫يف املاش ية من اإبل وبقر وغمن‪ ،‬اإىل أن يزول القحط ويزنل املطر‪ .‬واكن‬
‫هذا من دقة فقهه وغزير علمه ريض هللا تعاىل عنه وأرااه‪.‬‬

‫والمر الخر اذلي فعهل هو درؤه احلد معن رسق يف هذا العام كذكل‪،‬‬
‫لن حاةل اجملاعة ش هبة عامة تدرأ احلد عن السارق‪ ،‬والقاعدة أن احلدود‬
‫تدرأ لالش هبات‪.‬‬

‫ومما يدل عىل اعتبار أمئة املذاهب كذكل لهذا املبدأ ما وقع من ابن أيب‬
‫زيد القريواين اذلي اكن يلقب مباكل الصغري‪ ،‬يف زمانه‪ ،‬حيث ظهر‬
‫العبيديون يف زمنه بتونس‪،‬واكنوا يغتالون أمئة الس نة‪ ،‬فاختذ لكبا للحراسة‪.‬‬
‫فقيل هل اإن مالاك قد نص عىل حرمة اختاذ اللكب‪ ،‬والحاديث رصحية يف‬
‫ذكل‪ ،‬فقال‪ :‬رمح هللا مالاك‪ ،‬لو اكن يف زماننا لختذ أسدا ااراي‪.‬‬
‫واملقصود أن تكل احلاةل ويه حاةل عدم الاس تقرار المن والاغتيالت‬
‫للعلامء أو الصادقني من املؤمنني حاةل طارئة جيب أن تقابل لاجهتاد حيقق‬
‫املصلحة اليت يه مقصود الشارع يف احملافظة عىل أرواح الناس والعلامء‬
‫مهن‪،‬م عىل وجه اخلصوص‪.‬‬

‫‪-4‬اإعامل قاعدة‪ :‬درء املفاسد مقدم عىل جلب املصاحل حني النظر يف‬
‫الشأن العام‪:‬قد بينا أن القاعدة الساس ية اليت يدور علهيا فقه اإدارة الشأن‬
‫العام هو املوازنة دامئا بني املصاحل واملفاسد قبل الإقدام عىل أي معل‬
‫يعتقد صاحبه أن فيه مصلحة راحجة للمة‪ .‬وهذه القاعدة لبد من ابطها‬
‫بقاعدة أخرى ويه أنه اإذا تعارات مفسدة ومصلحة‪ ،‬قدم دفع املفسدة‬
‫غالبا عىل جلب املصلحة‪ .‬والصل يف ذكل أن الشارع احلكي قد اهمت‬
‫اهامتما كبريا لاملهنيات‪ ،‬حبيث اإنه اكن فامي اس تقرأه العلامء رمحه‪،‬م هللا تعاىل‪،‬‬
‫أشد من اهامتمه لاملأمورات‪ ،‬بل هذا اذلي دلت عليه نصوص الشارع‬
‫الكرمي‪ .‬مهنا مثال قوهل تعاىل‪ ":‬ل ي للكف اَّلل نفسا ال وسعها ۚ لها ما‬
‫ِ‬
‫كسبت وعلهيا ما اكتسبت ۗ ربنا ل تؤا لخذان ان ن لسينا َأو َأخطأْان ۚ ربنا ول‬
‫ِ‬
‫حت لمل علينا ارصا مَك محلته عىل لاذلين لمن قب للنا ۚ ربنا ول حت لملنا ما ل طاقة‬
‫ِ‬
‫لنا لب له ۖ واعف عنا واغ لفر لنا وارمحنا ۚ َأنت مولان فانرصان عىل القو لم‬
‫‪8‬‬
‫الاك لف لرين " ‪ ،،‬وقوهل تعاىل"فاتقوا اَّلل ما تطعمت وامسعوا وأ يعوا وأنفقوا‬
‫ل‬ ‫َ‬ ‫ط‬‫ل‬ ‫َ‬ ‫اس‬
‫خريا ل َلنف لسمك ۗ ومن يوق ُش نف لس له فأول َٰـ لئل مه المف للحون"‪ ،9‬وقوهل صىل‬
‫هللا عليه وسمل فامي حص عنه‪" :‬اإذا أمرتمك بيشء فأتوا منه ما اس تطعمت‪،‬‬
‫وإان هنيتمك عن يشء فانهتوا"؛ وذلكل جوز الشارع ترك الواجب اإذا اكن‬
‫يف الإتيان به مشقة عىل امللكف اكلفطر يف رمضان ملن يشق عليه‬
‫‪ 8‬سورة البقرة‪ :‬الية (‪)486‬‬
‫‪ 9‬سورة التغابن‪ :‬الية (‪)56‬‬
‫الصيام‪ ،‬مع القضاء حني تزول املشقة بسبب املرض أوالسفر‪،‬و احلامل‬
‫واملراع اإن خشيتا عىل نفس هيام أو عىل امحلل أو الطفل‪ ،‬وكصالة املريض‬
‫قاعدا اإن ل يكن قادرا عىل القيام‪ .‬ولكنه ل يسامح يف الإقدام عىل‬
‫املهنيات خصوصا الكبائر عىل تفصيل يف ذكل يف كتب الفروع‪ .‬وعىل‬
‫وجه الإجامل ميكن أن نقول اإننا حني النظر اإىل قضية حتقيق املصلحة يف‬
‫واقع لمة‪ ،‬قد تتعارض املصاحل فامي بيهنا‪ ،‬وقد تتعارض املصاحل مع‬
‫املفاسد‪ ،‬مبعىن أن يكون اليشء مصلحة لفئة من الناس دون فئة أخرى‪،‬‬
‫أو يكون فيه مرضة لفئة وفيه منفعة لفئة أخرى‪ ،‬فالصل يف هذا أن‬
‫الفقهاء يسلكون مساكل النظر املعروفة‪ :‬ويه مسكل التوفيق‪ ،‬أو‬
‫التغليب أو الرتجيح‪.‬‬

‫فتقدم املصاحل اليت تؤدي اإىل حفظ الرضورايت عىل املصاحل التحس ينية‬
‫واحلاجية‪ ،‬وتقدم التحس ينية عىل احلاجية وهكذا‪ .‬ولشل أن مصلحة‬
‫احلفاظ عىل المة وحتقيق السمل الهيل هو من املقاصد الكربى اليت‬
‫جاءت هبا الرشيعة املطهرة‪،‬يف مثل حالنا اذلي منر به اليوم‪ ،‬لننا حبفظها‬
‫حنفظ كيان المة مبجموعها‪ ،‬وحنمي اس تقرارها‪ ،‬ونفوت عىل اخلارج أي‬
‫مشاريع لتقس ميها أو تش تيهتا أو التدخل يف ش ئوهنا والعبث مبقدراهتا‪.‬‬

‫‪-3‬التفريق بني الفتاوى املتعلقة لالفراد والفتاوى املتعلقة لالمة‪ :‬ل ريب‬
‫أن هناك فرقا كبريا بني أن يفيت املفيت يف قضية تتعلق بفرد‪ ،‬ول ميكن أن‬
‫يكون لها أثر يذكر عىل واقع المة‪ ،‬وبني أن يتلك‪،‬م يف قضية كبرية عظمية‬
‫تتعلق لالمة لكها‪،‬وميكن أن يكون لها مألت تدفع المة لكها مثهنا‪،‬‬
‫وتصطيل بنارها‪ .‬فالفتوى يف مثل هذه الوااع ينبغي أن تراعي حتقيق‬
‫مصلحة المة لكها ما أمكن ذكل‪ ،‬وأن تكون خادمة لللكيات الرشعية‪،‬‬
‫كتحقيق الاس تقرار الاجامتعي‪ ،‬وترس يخ السمل الهيل‪،‬ومنع تدخل‬
‫الجنيب يف ش ئوهنا‪ ،‬وينبغي أن ل تؤدي هذه الفتاوى اإىل تقوية بعض‬
‫الفصائل املتطرفة لاإافاء يشء من الرشعية علهيا‪ ،‬وعىل ترصفاهتا‪،‬‬
‫فتتحول بالدان حينذاك اإىل ما يش به الرض املنخفضة‪ ،‬تتجمع فهيا‬
‫العنارص املتطرفة‪ ،‬وتتحول بعد مدة من الزمن اإىل حاان كبري لهذه‬
‫التنظاميت اليت ل يلق مهنا العال الإساليم سوى الويل والثبور‪ ،‬وإان لنا‬
‫يف العراق والصومال وأفغانس تان والمين لعربة وأي عربة!‬

‫وقد بدأ هذا حيدث يف بالدان فعال‪ ،‬حيث بدأت عنارص هذا التنظي‬
‫من دول اجلوار يف التوافد اإىل بالدان‪ ،‬لنرصة اإخواهن‪،‬م من أهل التوحيد‬
‫كام حيبون أن يسموا أنفسه‪،‬م‪ ،‬وهذه العبارة رصح هبا رجل من قياديهي‪،‬م‪،‬‬
‫بل قدم نفسه عىل أساس أنه مؤسس جامعة "أنصار الرشيعة يف‬
‫ليبيا"‪،‬وقد طلب منه سامحة املفيت أن يرتاجع عن ذكل الترصحي وأن‬
‫ينضوي هو وإاخوانه حتت لواء الرشعية‪ ،‬ولكنه ل يفعل‪ ،‬بل اإن الس يد‬
‫محمود الربعيص اذلي خرج علينا ذات يوم يف قناة ليبيا الحرار وهو‬
‫عضو جملس الشورى يف تنظي أنصار الرشيعة‪ ،‬قال وبك رصاحة‪ :‬اإهن‪،‬م‬
‫يعتقدون ردة اجليش والرشطة‪،‬وأن النظام ادلميقراطي نظام كفري‪ ،‬وأنه‬
‫ل سبيل للحكومة علهي‪،‬م‪ ،‬فأي بيان أبلغ من هذا البيان‪ ،‬فاهلل املس تعان‬
‫وإاليه املش تىك واملفزع!!‬

‫وهذا ل يعن أننا نربيء اللواء خليفة حفرت من أن تكون هل أغراض‬
‫س ياس ية أخرى كحب السلطة‪ ،‬أو الانقالب أو ما أش به ذكل‪ ،‬بل اإذا‬
‫اكن هو يريد ذكل‪ ،‬فمل ل نفوت عليه ما يريده‪،‬وحنقن دماء اإخواننا‬
‫وأهلينا؟ ونسعى اإىل حل الزناع – اإن اكن هناك نزاع أصال‪ -‬لالصلح‬
‫واحلوار وتدخل احلكامء من مجيع الطراف‪ ،‬فقد جربنا السالح أربع‬
‫س نني ول حيدث يوما أن حل لنا مشلكة‪ ،‬أو رفع عنا انزةل‪ ،‬أو أحدث‬
‫لنا معجزة‪ .‬بل ما زادان اس تعامل القوة والسالح اإل ترشذما وتفرقا‪،‬‬
‫وتشتتا‪ ،‬وصار هناك انقسام جممتعي كبري‪ ،‬وصارت البالد هميأة لالنشطار‬
‫وهللا املس تعان‪.‬‬

‫وإاذا قيل اإننا جربنا هذا الطريق فمل ننجح!! يقال هل‪،‬م‪ :‬اإننا جربنا الطريق‬
‫الخر أيضا ول ننجح‪ ،‬فليست هناك وصفة حسرية حلل هذه الزمات اإل‬
‫لاإرغام اخملتلفني لاجللوس عىل طاوةل احلوار‪ ،‬وقرسمه عليه قرسا‪ ،‬ولبد‬
‫من أويل بقية يزتمعون املشهد‪ ،‬ويقودون الركب قبل فوات الوان‪.‬‬

‫ث اإنه اإذا اكن هذه التنظاميت قادرة عىل مقاتةل البغاة‪ ،‬ورد عدواهن‪،‬م‪ ،‬فمل‬
‫ل يقوموا حبامية اإخواهن‪،‬م من العسكريني والعاملني يف املؤسسات المنية‪،‬‬
‫وحيفظوا أمن بالدمه ودماء اإخواهن‪،‬م؟ وملاذا ل تصدر دار الإفتاء فتوى‬
‫بذكل‪ ،‬خاصة وأن من الفقهاء من يعترب الاغتيالت اجلارية يف مدينة‬
‫بنغازي حرابة قد تاكملت فهيا لك رشوطها‪ .‬اإنه حقا أمر غريب!!!‬
‫ومن خصائص املذهب املاليك أن القايض اإذا خيش بقضائه اإاثرة فتنة بني‬
‫الناس‪ ،‬فاإنه حينئذ جيب عليه أن يدعو للصلح‪،‬وجولا ل اس تحبالا‪ ،‬فأين‬
‫حنن من هذا؟ ول ل ندمع اجلهود اليت تريم للهتدئة وإاصالح ذات البني‪،‬‬
‫خاصة وأن هناك خمزوان كبريا من السلحة الفتاكة دلى الطرفني‪،‬وهناك‬
‫أيضا خمزون برشي كبري‪ ،‬وهناك من الطرفني من هو مس تعد لرتاكب‬
‫حامقة الاقتتال يف شوارع املدينة‪ ،‬ويه حينئذ حرب ل ميكن حسمها‬
‫حبال‪ ،‬وهذا معناه سقوط الكثري من البرايء والضحااي اذلين ل دخل هل‪،‬م‬
‫هبذا الاقتتال والرصاع ادلائر!!!‬

‫‪-1‬الوااع الاس تثنائية تناس هبا الفتاوى الاس تثنائية‪:‬معلوم لك متابع‬
‫للحداث ادلائرة يف منطقتنا العربية والإسالمية أهنا متر بأوااع خطرية‬
‫جدا‪ ،‬ميكن أن توصف بأهنا أوااع اس تثنائية‪ ،‬وهذه يه حاةل الثورات‬
‫مجيعا‪ ،‬ويسمهيا الس ياس يون لاملراحل الانتقالية‪ .‬حفني تسود الوااع‬
‫الاس تثنائية يلجأ الفقيه اإىل الفتاوى الاس تثنائية لهنا أرفق لالناس‪،‬‬
‫وأليق لاملقام‪،‬وألصق مبقصود الشارع من الاجامتع عىل اللكمة‪ ،‬والإعراض‬
‫عن دعاة الفتنة‪ ،‬وأبقى للمحبة وأدوم لللفة بني الناس‪ ،‬وينبغي عىل‬
‫الفقيه أو املفيت حينئذ أن يبحث عن اخملارج الرشعية اليت حتقق مصلحة‬
‫المة وتبعد عهنا ش بح الفتنة واخلراب وادلمار‪ ،‬ومن هذه اخملارج مثال ما‬
‫ذكره الإمام ابن العريب يف كتابه‪ :‬أحاكم القرأن‪ ،‬حني تعرض لتفسري قوهل‬
‫تعاىل‪ ":‬وإان طائفتان من املؤمنني اقتتلوا فأصلحوا بيهنام" الية الكرمية‪.‬‬
‫فقد قال بعد أن ذكر ما اكن من أمر أمري املؤمنني عيل ريض هللا تعاىل‬
‫عنه حني بويع هل لالإمامة واشرتاط أهل الشام يف مبايعته المتكني من قتةل‬
‫عامثن ريض هللا عنه‪ ،‬وأخذ القود مهن‪،‬م‪ .‬فأمرمه أمري املؤمنني عيل ريض‬
‫هللا عنه لادلخول يف البيعة وبطلب احلق من سبيهل الصحيح بعد ذكل‬
‫فاإهن‪،‬م س يصلون اإليه‪ ،‬فرفضوا رأيه‪ .‬واكنت وهجة نظره – ريض هللا عنه‪-‬‬
‫تقوم عىل أساس أن القصاص من القتةل يف تكل احلاةل‪ ،‬والمور غري‬
‫مس تقرة‪ ،‬والهرج واملرج هو س يد املوقف‪ ،‬س يؤدي اإىل أن يتعصب‬
‫للقتةل املقتص مهن‪،‬م أقوامه‪،‬م وقبائله‪،‬م‪ ،‬فتقوم حرب أخرى‪،‬ويزداد أمر‬
‫املسلمني تشتتا ومتزقا‪ ،‬فأراد أن ينتظر هب‪،‬م حىت تس تقر الحوال‪ ،‬وجيري‬
‫القضاء لاحلق يف جملس احلمك‪ .‬ث علق عىل ذكل الإمام ابن العريب بقوهل‪":‬‬
‫ول خالف بني المة أنه جيوز ل إالمام تأخري ال لقص لاص اإذا أدى ذكل اإىل‬
‫‪10‬‬
‫اإاثرة الفتنة أو تش تيت اللكمة "‪.‬‬

‫‪-6‬لبد من الاعرتاف بأن مذهب الس يف مذهب قدمي للسلف‪ ،‬اإل أن‬
‫المر اس تقر عىل خالف ذكل‪ ،‬كام هو معلوم‪ .‬فك الثورات اليت قامت‬
‫يف التارخي الإساليم خاصة يف القرن الول الهجري انهتت بفواجع هزت‬
‫اجملمتع املسمل هزا ‪ ،‬فثورة احلسني بن عيل انهتت بفاجعة كربالء‪ ،‬وثورة‬
‫أهل املدينة بقيادة عبدهللا بن املطيع انهتت بفاجعة احلرة‪ ،‬وانهتت ثورة‬
‫عبدهللا ابن الزبري إلاحراق الكعبة‪ ،‬وثورة التوابني انهتت مبذحبة اجليش‬
‫‪ 10‬أحاكم القرأن لبن العريب‪ :‬ج‪546-3‬‬
‫لكه اذلي اكن قوامه أربعة ألف مقاتل‪ ،‬وثورة عبدالرمحن بن الشعث يف‬
‫العراق وتسمى ثورة الفقهاء انهتت كذكل بفاجعة‪ ،‬فاكنت ردة فعل الفقهاء‬
‫بناء عىل ذكل أن أغلقوا الباب متاما عىل لك ما من شأنه أن حيرك امجلوع‬
‫اإىل الثورة عىل السلطة احلامكة‪ ،‬وإامنا فعلوا ذكل بناء عىل جتارهب‪،‬م اليت‬
‫عاشوها‪ ،‬والتارخي اذلي اكن يقرر يف لك مرة أن الثورة لها مألت سيئة‬
‫كثرية قد تفوق اخليال‪ .‬فاكن لزاما عىل املفيت أن يس تفيد من جتارب‬
‫التارخي وأن حياول تقليل اخلسائر اليت ميكن أن تنتج عن مثل هذه‬
‫الثورات‪ ،‬وذكل عن طريق توظيف اخلطاب ادلين لكه يف حتقيق‬
‫الاس تقرار الاجامتعي واملصاحلة وادلعوة اإىل وحدة الصف وتقويته‪ .‬وعىل‬
‫الفقيه الس يايس أن جيهتد يف فه‪،‬م عوامل القصور واخللل يف جتربتنا‬
‫الس ياس ية الإسالمية‪ ،‬واليت اعرتت مسريتنا الطويةل‪ ،‬وأظن أن من أمه‬
‫أس باب الانتاكسات عىل املس توى الس يايس هو غياب التوازن يف‬
‫قضية توزيع السلطة وحتديدها بني المة من هجة وادلوةل من هجة أخرى‪.‬‬
‫‪-7‬اخلروج من سقف الفقه الس يايس املوروث وإادراك أنه فقه متكيف يف‬
‫كثري من جوانبه مع السلطة الزمنية القاهرة‪.‬أي أن هذا الفقه كتب مبنطق‬
‫الس ياسة الرشعية اخلااعة لظروف ذكل الزمان وأحوال عرصه وتقلباته‪،‬‬
‫ول يكتب بناء عىل منطق الرشعية الس ياس ية‪ ،‬فاليص للح الناس اليوم يف‬
‫الفقه الس يايس مثال أن نفتهي‪،‬م من كتب الحاكم السلطانية اليت ألفت‬
‫منذ زمن بعيد‪ ،‬يف واقع غري واقعنا‪ ،‬وظروف غري ظروفنا‪ .‬فقد تغري‬
‫الزمان‪ ،‬وتغري املاكن‪ ،‬وتغريت موازين القوى‪ ،‬ورصان اتبعني بعد أن كنا‬
‫متبوعني‪ .‬وهذا يقودان اإىل القول برضورة الاجهتاد امجلاعي يف مثل هذه‬
‫القضااي‪ ،‬حىت نس تطيع أن نقدم لواقعنا فقها س ياس يا يبن ول هيدم وجيمع‬
‫ول يفرق ويؤلف ول يؤلب‪ .‬كام أنه ل لن يصلح واقعنا اليوم أن نعيد‬
‫نظام اخلالفة الإساليم حبذافريه كام اكن أايم اخلالفة الراشدة‪ ،‬فالصحابة‬
‫ريض هللا تعاىل عهن‪،‬م رأوا حيهنا أن هذا النظام ميكنه أن حيقق مقاصد‬
‫الرشيعة املطهرة يف جمال احلمك والإمارة‪ ،‬أما اليوم فقد اختلف احلال‬
‫وتغريت ثقافات الناس وأحواهل‪،‬م وتطورت النظمة الس ياس ية يف جمالها‬
‫العميل تطورا كبريا‪ ،‬فليس من املعقول ول من احلمكة أن نعيد اس تنساخ‬
‫نظام اكن صاحلا يف زمان مىض وانقىض‪ ،‬ول يعد كذكل يف زماننا هذا‪،‬‬
‫وهللا أعمل‪.‬‬

‫‪-8‬مراجعة تصوران ومفهومنا حول مفهوم ادلوةل املعارصة‪ ،‬بل وغريها من‬
‫املفاهي الس ياس ية ؛لن هناك الكثري من النظرايت اجلديدة اليت طرحت‬
‫يف هذا الس ياق‪ ،‬مهنا عىل سبيل املثال أن ادلوةل املعارصة قامئة عىل‬
‫أساس عقد اجلغرافيا‪ ،‬وأهنا ليست قامئة عىل أساس عقد أخوة ادلين ول‬
‫أخوة العرق‪ ،‬فهيي بناء عىل هذا التصور ملكية عقارية‪ ،‬وامجلاعة اجلغرافية‬
‫اليت تعيش فهيا تش به اإىل حد كبري من يشرتكون يف أي ملكية عقارية فه‪،‬م‬
‫سواء يف هذه امللكية ويف احلقوق والواجبات بغض النظر عن أدايهن‪،‬م‬
‫وأعراقه‪،‬م‪ ،‬والمر مكل هل‪،‬م ول ينبغي أن يسوسه‪،‬م أو حيمكه‪،‬م اإل من‬
‫يراونه‪ .‬وكذكل احلال لالنس بة ملفهوم ادلار‪ ،‬اذلي يؤسس لكثري من‬
‫الحاكم الرشعية‪ ،‬ومفهوم ادلار يف كتب علامئنا الوائل اكن مفهوما‬
‫توصيفيا ول يكن مفهوما توقيفيا كام يقول ذكل العالمة س يدي عبدهللا بن‬
‫بيه‪،‬وكذكل احلال لالنس بة ملفهوم البغاة‪ ،‬واجلهاد أي‪ :‬هجاد الطلب‪ ،‬اإىل‬
‫غري ذكل من املفاهي اليت ينبغي أن تراجع يف ظل التطورات الزمانية‬
‫واملاكنية والثقافية والس ياس ية والاقتصادية‪.‬‬

‫‪-9‬اإعالء القي الس ياس ية الإسالمية الصلية‪ :‬كقمية العدل مثال‪ ،‬اليت‬
‫بقيت أجنة يف رمح التارخي ول تتح لها فرصة الولدة الطبيعية‪ ،‬فتوقفت‬
‫متاما عن المنو وجتمدت من الناحية النظرية‪ ،‬بسبب حتول اخلالفة اإىل‬
‫مكل عضوض‪ ،‬كام يرى ذكل بعض العلامء‪ ،‬ومهن‪،‬م من يرى أن سبب‬
‫ذكل هو توسع الفتوح بشك كبري جدا‪ ،‬فاكن الإسالم يكتسب أنصارا‬
‫كثريين ولكنه ل يس تطع أن يس توعهب‪،‬م استيعالا اكمال‪ ،‬ومن القي‬
‫الس ياس ية احملورية اليت ندعو اإلهيا‪ :‬رشعية السلطة‪ ،‬ووحدة المة‪،‬‬
‫وانتشار ادلعوة‪.‬‬
‫‪-51‬التفريق بني اخلطاب الرشعي واخلطاب القدري‪ ،‬ومثال ذكل‪ :‬قوهل‬
‫صىل هللا عليه وسمل‪" :‬ل جيمتع دينان يف جزيرة العرب‪ ."11‬وليس املقصود‬
‫من هذا احلديث كام فهمه بعض الناس قتل غري املسلمني املوجودين يف‬
‫اجلزيرة‪ ،‬وإامنا هو مما قدره هللا تعاىل وحمك به وأعمل به الرسول صىل هللا‬
‫عليه وسمل‪ ،‬فالإسالم مبقتىض هذا اخلرب س يكون هوادلين املهمين يف ش به‬
‫اجلزيرة العربية‪ ،‬ولقد تويف رسول هللا صىل هللا عليه وسمل والهيود‬
‫موجودون يف املدينة كام يف حديث‪ :‬تويف رسول هللا صىل هللا عليه‬
‫وسمل ودرعه مرهونة عند هيودي‪ ،‬واكنت النصارى موجودة يف جنران‪،‬‬
‫ووجد الهيود يف جزيرة العرب اإىل وقت اخلالفة الموية وبعدها ول نعمل‬
‫أهن‪،‬م أخرجوا من جزيرة العرب‪.‬‬
‫‪ 11‬رواه الإمام أمحد عن عائشة ريض هللا تعاىل عهنا بلفظ‪ ":‬ل يرتك جبزيرة العرب دينان"‪ ،‬وروى حنوه ماكل رمحه هللا يف املوطأ‪.‬‬
‫‪-55‬العدل واجب يف لك أحد عىل لك أحد يف لك حال‪ ،‬والظمل حمرم‬
‫‪12‬‬
‫مطلقا ل يباح حبال ‪،‬فالتطفيف يف الكيل واملزيان أمر حمرم يف الرشيعة‬
‫املطهرة‪ ،‬وسواء اكن هذا يف العمل الس يايس أو غريه‪.‬‬
‫‪ -54‬جيب أن توظف فتاوى الس ياسة الرشعية يف حترير الناس ل أن‬
‫توظف يف حمك الناس‪ ،‬لن املسلمني اليوم حمكومون أكرث من‬
‫الالزم‪،‬وإامنا فشل من فشل من الإسالميني وغريمه لهن‪،‬م اكنوا يسعون‬
‫حلمك الناس ل اإىل حتريرمه‪ ،‬وقد وظفت لك اإماكانت ادلوةل تقريبا يف‬
‫املرحةل السابقة خلدمة أهداف ومصاحل هجوية‪ ،‬وظل الوطن الكبري يعاين‬
‫من حاةل تألك ورصاع اس تزنف مقدراته الكثرية‪ ،‬وإان ل يأذن هللا تعاىل‬
‫لالفرج‪ ،‬فس تكون هناك أاثر وخمية عىل املدى البعيد لهذا الرصاع‪ ،‬وعىل‬
‫مجيع املس توايت‪ ،‬وخاصة املس توى الاجامتعي‪.‬‬

‫‪ 12‬لكمة لش يخ الإسالم ابن تميية رمحه هللا تعاىل‪.‬‬
‫‪-54‬الثورة اإحدى وسائل الإصالح وليست يه الوس يةل الوحيدة‬
‫ل إالصالح‪،‬ومن حسن حظنا أن هذه الثورات قد دفعت الكثري من‬
‫النظمة الس ياس ية احلامكة يف العال العريب اليوم اإىل تبن مهنج الإصالح‪،‬‬
‫وبدأت بعض تكل النظمة فعال يف القيام خبطوات اإصالحية‪ ،‬وحنن‬
‫نرجو أن يوفق هللا تعاىل امجليع اإىل ما حيبه ويرااه‪ ،‬وأن حيفظ بالد‬
‫الإسالم واملسلمني من خطر الانقسام والتشتت والتفرق والمتزق‪.‬‬
‫‪ -53‬لبد من اإعادة ترتيب المور والنظر اإىل الواقع من حولنا‪ ،‬وهنا يربز‬
‫سؤال هم‪،‬م يتكرر يف ذهن دامئا‪ :‬هل ميكن أن نقي الرشيعة قبل أن تكون‬
‫هناك رشعية؟ مبعىن أنه ل ميكننا أن نقي ما ل يق‪،‬م من الرشيعة قبل أن‬
‫تكون هناك دوةل ذات س يادة ولها مؤسسات حتمهيا وتصوهنا‪ ،‬ولها قبل‬
‫ذكل قي اإنسانية رفيعة راخسة واثبتة‪ .‬والفقيه هنا حمتاج اإىل أن يعيش‬
‫واقعه حىت يس تطيع التكيف معه‪ ،‬وإاصدار الفتاوى اليت تأخذ هذا الواقع‬
‫بعني الاعتبار‪.‬‬
‫‪-51‬من القضااي اليت ينبغي أن ينتبه اإلهيا الفقيه وطالب العمل يف مسائل‬
‫الس ياسة الرشعية وغريها‪ ،‬التفريق بني ترصفات النيب عليه الصالة‬
‫والسالم‪ ،‬كام ذكر ذكل العلامء رمحه‪،‬م هللا تعاىل ومهن‪،‬م – بل أول من دون‬
‫ذكل‪ -‬الإمام القرايف عليه رمحة هللا تعاىل ث توبع عىل ذكل‪ ،‬وهناك حبث‬
‫ااف جدا للعالمة التونيس محمد الطاهر بن عاشور مضن كتابه العظي‬
‫"مقاصد الرشيعة يف الإسالم"‪ ،‬تلك‪،‬م فيه عن ترصفات النيب عليه الصالة‬
‫والسالم وأنواعها‪ ،‬ونبه عىل نكت علمية دقيقة‪ ،‬فلريجع اإليه طالب املزيد‬
‫فاإن فيه علام جام ونظرا عاليا‪ ،‬ومما ذكره يف ذكل ترصفاته عليه الصالة‬
‫والسالم مبقتىض اإمامته‪ ،‬وذكر أمثةل ذلكل‪ .‬وقد فه‪،‬م أحصابه ريض هللا‬
‫تعاىل عهن‪،‬م ذكل غاية الفه‪،‬م‪ ،‬وقد اكن ترصفه عليه الصالة والسالم مبقتىض‬
‫اإمارته وإامامته مبنيا عىل حتقيق مصلحة الناس‪ ،‬وكذكل اكن أحصابه من‬
‫بعده‪ ،‬وذلكل وسعه‪،‬م أن خيالفوا بعض ترصفاته عليه الصالة والسالم كام‬
‫يف طريقة اختيار اخلليفة‪ ،‬وكام يف مسأةل اوال الإبل‪ ،‬وما يتعلق‬
‫لالرتاتيب الإدارية وغري ذكل‪ ،‬فالنيب يف مثل تكل املسائل راعى من‬
‫الترصفات ما حيقق مصلحة الناس وحني تغريت الظروف والحوال‬
‫وتغريت مصاحل الناس لزم من ذكل تغري طرائق حتقيقها‪.‬‬
‫(الفصل الثالث)‬

‫(من مقاصد الرشيعة يف لاب الفقه الس يايس)‬

‫س نذكر ثالثة مقاصد كربى من مقاصد الفقه الس يايس يف الإسالم‪،‬‬
‫اقتبس هتا من حمارضة ماتعة لدلكتور محمد بن اخملتار الش نقيطي بعنوان‪":‬‬
‫‪13‬‬
‫ئ‬
‫فقهنا الس يايس املرهق" ‪ ،‬حيث ذكر فهيا أن هناك ثالثة حماور ريس ية‬
‫عىل وجه الجامل يدور علهيا فقهنا الس يايس‪ ،‬ويه كام ييل‪:‬‬
‫‪-5‬رشعية السلطة‪.‬‬
‫‪-4‬وحدة المة‪.‬‬
‫‪-4‬وانتشار ادلعوة‬

‫‪ 13‬حمارضة بعنوان"فقهنا الس يايس املرهق"‪ ،‬موجودة عىل ش بكة النرتنت‪.‬‬
‫وهذا بطبيعة احلال عىل وجه الإجامل‪ ،‬أما عىل وجه التفصيل فهيي كام‬
‫ييل‪:‬‬
‫‪-5‬احملافظة عىل كيان المة وس يادهتا‪ ،‬والاعتصام حببل هللا تعاىل مجيعا‪،‬‬
‫حىت تمتكن من اإقامة ادلين وأن تسوس ادلنيا به‪ ،‬وجتنب الزج هبا يف‬
‫مواطن العنف ومشاهد الاقتتال‪.‬‬
‫‪-4‬اإقامة العدل بني الناس بقدر الإماكن‪ ،‬ومراعاة واقع المة يف ذكل‪.‬‬
‫‪-4‬اإقامة مبدأ المر لاملعروف والهنيي عن املنكر‪ ،‬برشوطه واوابطه اليت‬
‫نص علهيا العلامء رمحه‪،‬م هللا تعاىل وأن يتصدى لنرش ثقافة هذا المر أهل‬
‫العمل وطالبه‪.‬‬
‫‪-3‬حتقيق مبدأ العداةل الاجامتعية بني الناس‪ ،‬وتاكفؤ الفرص بيهن‪،‬م‪ ،‬وأن ل‬
‫تس تأثر لاملال العام هجة دون أخرى‪ ،‬أو مدينة واحدة دون مدن البالد‬
‫الخرى‪.‬‬
‫‪-1‬اعامتد النظام الس يايس اذلي حيقق املقاصد الرشعية يف هذا الباب‪،‬‬
‫حبيث يكون مناس با للعرص والزمان واملاكن وثقافة الناس وواقع العرص‪،‬‬
‫والنظام اذلي نقرتحه يف هذا املقام هو النظام ادلميقراطي يف جانبه العميل‪.‬‬
‫‪-6‬حتقيق مبدأ حماس بة المة للسلطة احلامكة‪ ،‬وممارسة نقدها من خالل‬
‫أدوات عرصية رشعية‪ ،‬دون تعريض السمل الاجامتعي للخطر‪.‬‬
‫‪ -7‬حتقيق مبدأ التداول السلمي عىل السلطة‪ ،‬وجتنب اإدخال المة يف‬
‫رصاعات مسلحة من أجل الظفر لالسلطة ورايسة الناس‪.‬‬
‫‪-8‬حتقيق اس تقالل السلطة القضائية عن التأثري الس يايس أو أي اتثري‬
‫أخر من شأنه أن جيعل القضاء اتبعا ل متبوعا‪.‬‬
‫‪ -9‬إارشاك المة يف تقرير مصريها خاصة يف القضااي الكربى من خالل‬
‫حتقيق مبدأ الشورى بأدوات معارصة‪.‬‬
‫‪-51‬اإعداد القوة الالزمة اليت حتمي بيضة ادلوةل‪ ،‬وتذود عن حيااها‪،‬‬
‫ومتنع من الاعتداء علهيا‪.‬‬
‫‪-55‬حتقيق المن والاس تقرار للمجمتع املسمل‪ ،‬وهو ما يعرف اليوم‪ :‬لالسمل‬
‫الاجامتعي‪.‬‬
‫‪-54‬حامية التعددية الثقافية وادلينية والعرقية‪ ،‬وتعزيز ثقافة التعايش‬
‫السلمي بني مكوانت اجملمتع املسمل الواحد‪.‬‬
‫(الفصل الرابع)‬

‫(طبيعة النظام ادلميقراطي)‬

‫‪ ‬خلود رساةل الإسالم جيعلها قادرة عىل مواكبة الزمان‪:‬‬

‫الإسالم دين هللا تعاىل اذلي ارتضاه خللقه‪ ،‬وأرسل به أخر رسهل‪،‬‬

‫فاكنت رساةل محمد ‪ ‬رساةل خامتة‪ ،‬واكنت طبيعة هذه الرساةل تقتيض أن‬
‫يكون فهيا من الحاكم والترشيعات ما حيقق سعادة الناس يف ادلنيا‬
‫والخرة‪ .‬وهكذا اكن‪ ،‬فالإسالم قد حوى من احلمك واملواعظ احلس نة‪ ،‬ما‬
‫جيعل معتنقه أس تاذا للمم واحلضارات‪،‬وهاداي لشعوب الرض مجيعا‪.‬‬
‫والإسالم هل يف لك شأن حمك‪،‬صغر هذا الشأن أم كرب‪ ،‬وقد كرث‬
‫احلديث يف الونة الخرية عن ادلميقراطية‪،‬وتصدى للحديث عهنا من يعمل‬
‫ومن ل يعمل‪ ،‬وقال فهيا انس لالتخرص والظن‪،‬وإان تعجب فعجب قول‬
‫طائفة مهن‪،‬م اإن ادلميقراطية كفر‪،‬ل لشئ اإل لكوهنا – كام يدعي من قال‬
‫ذكل‪ -‬منتجا غربيا حبتا‪ ،‬وثقافة وافدة من الكفار!!‬

‫‪ ‬احلمك عىل اليش لء‪ ،‬فرع عن تصوره‪:‬‬

‫وإاذا اكن احلمك عىل الشئ فرعا عن تصوره كام يقال‪ ،‬فاإن كثريا من‬
‫املتلكمني عن ادلميقراطية ل يعرفوها معرفة تتيح هل‪،‬م احلمك علهيا حكام‬
‫حصيحا‪،‬وهذه أفة كثري من املتلكمني يف دين هللا اليوم‪ ،‬اذلين نصبوا‬

‫أنفسه‪،‬م أمئة للناس يقولون عىل هللا بغري عمل يف أمور لو س ئل عهنا معر‪‬‬
‫مجلع لها أهل بدر‪.‬‬
‫وقد نيس أولئل ‪-‬أو لعله‪،‬م تناسوا‪-‬أنه ليس ل‬
‫لك وافد من وافدات‬

‫الثقافات الخرى مرفواا يف رشع ربنا وهنج نبينا ‪ .‬فهاهو رسولنا‬
‫الكرمي ‪ ‬يقبل فكرة اخلندق من سلامن‪ ‬ويعمتدها وحني رأهتا غطفان‬
‫وقريش قالوا‪ :‬ما اكنت هذه مكيدة لتكيدها العرب‪ .‬واكنت فكرة اخلندق‬
‫سببا يف احلفاظ عىل بيضة الإسالم وجامعة املسلمني‪ ،‬وكذكل قبل‬

‫الرسول الكرمي ‪ ‬فكرة املنرب ويه من الفاكر الوافدة من ثقافة احلبشة‪.‬‬

‫وأيضا حني أراد النيب ‪ ‬اإرسال رسائل اإىل ملوك الرض بعد صلح‬

‫احلديبية‪ ،‬قيل هل اإن امللوك ل يقرؤون اإل كتالا خمتوما‪ ،‬فاختذ النيب ‪‬‬

‫خامتا من فضة نقشه‪ :‬محمد رسول هللا ‪ ،‬مراعاة للعراف ادلولية – كام‬
‫يعرب القانونيون اليوم‪.-‬‬

‫واقرتح عىل معر ‪ ‬أن يدون ادلوايني تأس يا بأمم احلضارة‪ ،‬فاس تجاب‬

‫ذلكل راايا مرايا‪ .‬وحني بعث النيب‪ ‬أبقى عىل الكثري من مناسل‬
‫احلج اليت توارهثا العرب من مةل اإبراهي عليه السالم‪ ،‬اكلطواف والسعي‬
‫بني الصفا واملروة‪ ،‬وحذف مهنا يف التلبية ما ليوافق عقيدة التوحيد من‬
‫قول املرشكني‪ :‬لبيل ل رشيل كل‪ ،‬اإل رشياك هو كل‪ ،‬متلكه وما مكل‪.‬‬

‫جفعل النيب ‪ ‬التلبية خالصة هلل تعاىل‪ :‬لبيل الله‪،‬م لبيل‪ ،‬لبيل‬
‫لرشيل كل لبيل‪ ،‬اإن امحلد والنعمة كل واملكل‪ ،‬ل رشيل كل‪ .‬وأبطل‬

‫النيب‪ ‬الطواف لالبيت يف حاةل العري‪ ،‬كام هو معلوم من أحوال العرب‬
‫املرشكني‪ ،‬فقد اكنت املرأة تطوف لالبيت عراينة ويه تقول‪:‬‬

‫وما بدا منه فال أحهل‬ ‫اليوم يبدو بعضه أو لكه‬

‫واكن القصد من هذا حبسب زمعه‪،‬م أهن‪،‬م ل يكونوا يريدون الطواف بثياب‬
‫عصوا هللا فهيا!!‬

‫ويف لاب النكحة اكن عند العرب أنكحة أبطلها الإسالم‪ ،‬وأقر الصاحل‬
‫مهنا‪ ،‬وهو اذلي عليه معل املسلمني اليوم‪ .‬ويف لاب البيوع كذكل اكنت‬
‫عندمه بيوع فهيا غرر كثري وهجاةل‪ ،‬وتفيض اإىل التنازع والتخامص‪ ،‬فهنيى‬

‫عهنا النيب‪ ‬وأقر ما اكن صاحلا مهنا‪.‬‬

‫ويف عمل أصول الفقه أصل من الصول اليت اختلف فهيا الصوليون‬
‫يسموهنا (رشع من قبلنا)‪،‬ومعناه حني يذكر رشع من قبلنا يف كتاب ربنا‬

‫أو يف س نة نبينا‪ ‬هل يعد رشعا لنا ما ل خيالف رشعنا؟ والراحج يف‬
‫ذكل أنه رشع لنا ما ل يأت يف رشعنا ما ينسخه‪.‬‬

‫وقد علمنا القرأن الكرمي أن الإنسان قدميا تعمل من غراب كيف يواري‬
‫سوأة أخيه‪ ،‬وأن نيب هللا سلامين‪ -‬عليه السالم‪ -‬اس تفاد من هدهد بعض‬
‫يس‬ ‫‪14‬‬
‫ما ل يكن يعمل ‪ ،‬ووصف هللا تعاىل عباده بأهن‪،‬م (اذلين متعون القول‬
‫فيتبعون أحس نه)‪. 15‬‬

‫‪14‬اس تفدت هذا املبحث من كتاب العالمة ادلكتور يوسف القرااوي‪ :‬ثقافتنا بني الانفتاح والانغالق بترصف‪.‬‬
‫‪15‬الزمر‪58 :‬‬
‫ويف القرأن الكرمي الكثري من اللفاظ اليت قيل عهنا اإهنا ألفاظ أجعمية يف‬
‫أصل واعها ث صارت لالس تعامل عربية‪ .‬من ذكل مثال ما ذكره بعض‬
‫أهل العمل من أن أسامء النبياء الواردة يف كتاب هللا تعاىل لكها أجعمية اإل‬
‫أربعة‪ :‬أدم‪ ،‬وصاحل ‪ ،‬وشعيب ‪ ،‬ومحمد – علهي‪،‬م الصالة والسالم‪ .‬بل اإنل‬
‫اإذا تأملت مجةل من املصطلحات الرشعية مكصطلح الإميان والكفر‪،‬‬
‫والصالة والصيام‪ ،‬والزاكة واحلج‪ ،‬علمت أن لهذه املصطلحات حقيقة‬
‫لغوية يه اليت اكنت سائدة قبل نزول الويح عىل قلب الرسول الكرمي‬

‫‪ ، ‬ث زاد الشارع علهيا مجةل من القيود والوصاف فصار لهذه اللفاظ‬
‫واملصطلحات حقائق رشعية‪.‬‬

‫خذ مثال ذلكل لفظ الصالة‪ ،‬فقد اكن هذا اللفظ مس تعمال يف أصل‬
‫الواع لدللةل عىل ادلعاء‪ ،‬ث زاد الشارع عليه مجةل من الوصاف‬
‫والقيود‪ ،‬فتحول اإىل مصطلح رشعي هل حقيقة رشعية يدل علهيا دلةل‬
‫واحضة دون لبس أو مغوض‪ .‬وقل ذكل يف الزاكة والصيام والإميان والكفر‬
‫والنفاق ولك هذه املصطلحات‪.‬‬

‫هذا وقد ذكر أبو منصور اجلواليقي يف كتابه (املعرب من الالكم الجعمي‬
‫عىل حروف املعج‪،‬م) أكرث من س بعامئة لفظة اختلطت لالعربية واس تعملهتا‬
‫العرب يف لغاهتا‪ .‬وأبومنصور – رمحه هللا – من علامء املائة السادسة‪ ،‬مفا‬
‫ظنل مبا دخل عىل العربية بعد ذكل الزمان‪.‬‬

‫ولكنه مه واثن واثلث‬ ‫ولو اكن هام واحدا لحمتلته‬

‫وإاذا اكن الانفتاح عىل ثقافات الخرين والخذ مهن‪،‬م هو هدي الرسول‬

‫‪ ،‬وسنن القرأن‪ ،‬ومهنج الراخسني من أهل العمل‪ ،‬فأي حرج عىل‬
‫املسلمني يف أن يقتبسوا من غريمه النظمة اليت تنفع جممتعاهت‪،‬م كنظام‬
‫الربيد‪ ،‬ونظام ختطيط املدن‪ ،‬ونظام جتييش اجليوش‪ ،‬رشط أل خيالف‬
‫نصا قطعيا أو قاعدة اثبتة من قواعد ادلين‪ ،‬وهذا ليس من الإحداث يف‬
‫دين هللا تعاىل – كام قد يظن بعضه‪،‬م‪ -‬لن الإحداث ل يكون اإل يف‬
‫العبادات احملضة‪ ،‬أما لاب الس ياسة الرشعية فالصل فيه الإلاحة‪ ،‬وهذا‬
‫ما جعل ابن عقيل احلنبيل وابن القي – رمحهام هللا تعاىل‪ -‬يقرران أن‬
‫الس ياسة يه لك ما ل خيالف الرشع من الوسائل والرتاتيب الإدارية‪ ،‬ل‬
‫ما نطق به الرشع‪ .‬وبذكل تصري هذه الس ياسات والوسائل اإسالمية‬
‫لاس تعاملها من قبل املسلمني‪ ،‬كام صارت تكل اللفاظ الجعمية ادلخيةل‬
‫عربية لالس تعامل العريب‪.‬‬

‫ومن قرأ سرية جحة الإسالم أيب حامد الغزايل – رمحه هللا – وجدها‬
‫مثال للعال املسمل املنفتح عىل ثقافات الخرين‪ ،‬دون أن يذوب فهيا‪،‬‬
‫فاكن مهناجه يف ذكل كام قيل‪ :‬انفتاح بال ذولان‪ ،‬وانغالق بال مجود‪،‬‬
‫وقال عنه تلميذه القايض أبوبكر ابن العريب‪:16‬ش يخنا أبوحامد‪ ،‬ابتلع‬

‫‪16‬املصدر السابق‪95-‬‬
‫الفالسفة‪ ،‬وأراد أن يتقيأمه مفا اس تطاع! يف اإشارة اإىل مدى تأثره لالثقافة‬
‫الوافدة‪.‬‬

‫‪ ‬قاعدة عامة يف التعامل مع اللفاظ واملصطلحات‪:‬‬

‫وهذا يفيدان أن اللفاظ ينظر اإىل املقصود مهنا ول يعادى اللفظ أو هيجر‬
‫أو حيارب لكونه لفظا وافدا من ثقافات أخرى‪ ،‬وإامنا ينظر اإىل املقصود‬
‫منه‪ ،‬فاإن قصد به ما ل خيالف ثوابتنا وقمينا‪ ،‬فال بأس حينئذ من اعامتده‬
‫واس تعامهل‪ ،‬وإان اكن المر حممتال للوهجني‪ ،‬أافنا اإىل ذكل اللفظ من‬
‫القيود والرشوط ما جيعهل موافقا لثقافتنا وقمينا وأخالقنا‪،‬وقبلناه بناء عىل‬
‫ذكل‪ ،‬أو عىل أقل تقدير يسوغ اس تعامهل دون نكري من أحد‪.‬‬

‫ومن الدةل الواحضة عىل أن اللكمة أو الاصطالح اإمنا ينظر اإىل معناها‬
‫وما دلت عليه ول يتشدد يف لفظها ومبناها ما أخرجه البهيقي‪ -‬رمحه هللا‪-‬‬

‫عن عبادة بن النعامن يف حديث طويل(أن معر بن اخلطاب‪ ‬ملا‬
‫صاحله‪،‬م‪-‬أي نصارى بن تغلب‪ -‬عىل تضعيف الصدقة قالوا‪ :‬حنن عرب ل‬
‫نؤدي ما تؤدي العج‪،‬م‪ ،‬ولكن خذ منا كام يأخذ بعضمك من بعض‪ -‬يعنون‬

‫الصدقة‪-‬فقال معر‪ : ‬ل‪ ،‬هذه فرض املسلمني‪ .‬قالوا‪ :‬زد ما شئت هبذا‬
‫الامس للامس اجلزية‪ .‬ففعل‪ .‬فرتاىض هو ومه عىل تضعيف الصدقة علهي‪،‬م)‬
‫‪17‬‬
‫ويف بعض طرقه‪":‬مسوها ما شئمت"‪.‬‬

‫وحمل الشاهد هنا أن معر‪ ‬أخذ من نصارى بن تغلب اجلزية وااعفها‬
‫علهي‪،‬م عىل اعتبار أن امسها صدقة‪ ،‬وحقيقهتا الرشعية أهنا جزية‪ ،‬مع‬
‫اإعرااه عن الامس‪ .‬وهذا مما يؤكد أن العربة يف املصطلحات لاملقاصد‬

‫واملعاين ل لاللفاظ واملباين‪ -‬وهللا تعاىل أعمل‪ ،-‬ومعر‪ ‬صاحب س نة‬
‫متبعة‪ -‬كام هو معلوم‪.-‬‬

‫‪17‬كتاب لموال ليب عبيد القامس بن سالم‪611 -‬‬
‫اَّلل ب لن معر‪ ،‬قال‪ :‬بعث رسول ل‬
‫اَّلل صىل‬ ‫يح البخ لار لي عن عب لد ل‬ ‫و ليف ل‬
‫حص ل‬
‫اَّلل علي له وسمل خ لادل بن الو لي لد اىل ب لن جذيمة‪ ،‬فدعامه اىل السال لم‪ ،‬فمل‬
‫ِ ِ‬ ‫ِ‬
‫حي لس نوا َأن يقولوا َأسلمنا‪ ،‬فجعلوا يقولون‪ :‬صبأْان صبأْان‪ ،‬فجعل خ لادل‬
‫اَّلل صىل اَّلل علي له وسمل فرفع يدي له‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫يقتله‪،‬م‪ ،‬فبلغ ذ لكل رسول ل‬
‫«الله‪،‬م ا لين َأبرأ اليل لمما صنع خ لادل» وبعث عليا فودى قتالمه‪ ،‬وما أتلف‬
‫ِ‬ ‫ِ‬
‫من أمولمه حىت مليغة اللك لب‪.‬‬

‫وقد ترمج البخاري – رمحه هللا تعاىل‪-‬لهذا احلديث بقوهل‪ ( :‬لاب اذا‬
‫ِ‬
‫رشكون لحني يقا لتلون صبأْان) ‪َ :‬أي و َأرادوا الخبار لبأَهن‪،‬م‬ ‫قالوا‪َ :‬أ لي الم ل‬
‫ِ‬
‫َأسلموا ول‪،‬م حي لس نوا َأسلمنا َأي جراي لمهن‪،‬م عىل لغ ل لهت‪،‬م هل يكون ذ لكل اك لفيا‬
‫ليف رفع ل ال لقتال عهن‪،‬م أم ل‪.‬‬
‫قال ابن جحر يف الفتح‪ :‬قال ابن الم لنري مقصود الرتمجة َأن المق لاصد تعترب‬
‫بأدلهتا كيفما اكن لت َال لدةل لف لظية َأو غري لف لظية لبأَي لغة اكنت‪.‬‬
‫‪ ‬قاعدة ل مشاحة يف الاصطالحل‪:‬‬

‫وقد اش هترت عند علامئنا – رمحه‪،‬م هللا تعاىل‪-‬قاعدة هامة جدا تضبط لنا‬
‫الاصطالحات‪ ،‬وجتعل اخلالف يف شأهنا أمرا سهال ل يوجب النكري ول‬
‫التأثي أو التكفري‪ ،‬حيث يقول علامؤان – رمحه‪،‬م هللا تعاىل‪ :-‬ل مشاحة يف‬
‫الاصطالح‪ ،‬وكذكل قوهل‪،‬م‪ :‬هذا خالف لفظي وليس خالفا حقيقا‪.‬‬

‫ولش هتار هذه القاعدة واتفاق أهل العمل علهيا ن ليس قائلها الول ول يعد‬
‫يذكر‪،‬وهذا شاهد من شواهد الصدق عىل اجامتع العلامء علهيا وقبولها‬
‫هل‪،‬م‪ ،‬وذكل يشري اإشارة واحضة اإىل أن املهنج الإساليم الصيل ليغلق‬
‫الطريق أمام الثقافات الخرى لاللكية‪،‬وإامنا يقبل مهنا ما اكن صاحلا‪ ،‬ويرد‬

‫مهنا ما اكن غري ذكل‪ ،‬لجل هذا قال الرسول ‪« :‬ب لعثت للت لم‪،‬م حسن‬
‫َالخال لق» (رواه ماكل بالغا)‪ ،‬وحني قال بعض املسلمني يف حرضة النيب‬

‫‪ :‬ما شاء هللا وشئت‪ ،‬أرشده النيب‪ ‬اإىل سبيل الرشاد وأنكر عليه‬
‫ذكل وبني هل الدب الإساليم الرفيع يف حفظ جناب التوحيد قائال‪:‬‬

‫أجعلتن هلل ندا‪ ،‬بل قل ما شاء هللا ث شئت‪ ،‬فعدل النيب ‪ ‬هل العبارة‬
‫وأدخل علهيا من القيود ما جعلها سائغة رشعا وقد اكنت قبل ذكل ممنوعة‪.‬‬

‫وقد أخرج البخاري يف حصيحه عن النيب‪ ‬قال‪ :‬أصدق لكمة قالها‬
‫شاعر‪ ،‬لكمة لبيد‪" :‬أل لك شئ ما خال هللا لاطل"‪ .‬واكن لبيد حني‬
‫قالها من شعراء اجلاهلية‪.‬‬

‫و ل مراء يف أن الشارع يرشد دامئا وأبدا اإىل اختيار اللفاظ احللوة‬
‫والسامء احلس نة‪ ،‬ويهنيى عن لك قبيح مس هتجن من اللفاظ‬
‫واملصطلحات والسامء‪ ،‬وذلكل روى البخاري يف حصيحه عن عائشة –‬

‫ريض هللا عهنا‪-‬عن النيب ‪ ‬قال‪« :‬ل يقولن َأحدمك خبثت نف ليس‪ ،‬ول لكن‬
‫ليقل ل لقست نف ليس» ‪ ،‬وبوب عليه البخاري ‪ -‬رمحه هللا تعاىل – بقوهل‪:‬‬
‫لاب‪ :‬ليقل خبثت نفيس‪.‬‬
‫قال الإمام النووي – رمحه هللا تعاىل‪ -‬يف رشحه عىل حصيح مسمل‪(:‬‬
‫يث وغريمه ل لقست وخبثت بلمعىن وا لحد‬ ‫و لمجيع َأه لل الللغ لة وغ لر ل‬
‫يب الح لد ل‬
‫وانما ك لره لفظ الخب لث لبشاع لة لال ل‬
‫مس و لعل لمهل‪،‬م َالدب ليف َاللف لاظ واس لتعمال‬
‫ِ‬
‫حس لهنا و لجهران خب لليِثا‪ .‬قالوا ومعىن ل لقست غثت وقال بن َالعر ل لايب معناه‬
‫ااقت)‪.18‬‬

‫‪ ‬ادلميقراطية اليت نؤمن هبا‪،‬تعرتف حبق الترشيع هلل تعاىل وحده‪:‬‬

‫هذا هو امللحظ الول يف احلديث عن ادلميقراطية أن يقال‪ :‬هذا‬
‫الاصطالح هل معىن مذموم ل ميكن أن يقبل حبال‪ ،‬وهو حمك الشعب‬
‫لنفسه بنفسه‪ .‬فاإن اكن ق لصد من ذكل أن الشعب هل حق التحليل‬
‫والتحرمي‪ ،‬يرشع ما يريد ويفعل ما يشاء‪ ،‬فال يشل مسمل يف أن هذا‬
‫املعىن مرفوض ول ميكن أن يقبل حبال عند احلديث عن ادلميقراطية يف‬

‫‪ 18‬رشح النووي عىل حصيح مسمل‪ :‬لاب كراهة قول الإنسان خبثت نفيس‪ -‬حديث رمق‪ -4411‬ص ‪.351‬‬
‫جممتعاتنا املسلمة‪ ،‬اإذ أننا مؤمنون أن املرجعية العليا يف هذه اجملمتعات‬

‫املسلمة اإمنا يه لكتاب ربنا وس نة نبينا ‪.‬‬

‫وإان اكن املقصود من قوهل‪،‬م‪ :‬حمك الشعب للشعب‪ ،‬أن الشعب هو اذلي‬
‫خيتار حامكه‪ ،‬ويقوم عىل حماسبته‪ ،‬وهل حق عزل احلامك اإذا ظمل أو‬
‫جار‪،‬وهل حق النقد للحامك‪ ،‬فال ريب أن هذا املعىن معىن سلفي أصيل‪،‬‬
‫وهو مقصد من أعظ‪،‬م مقاصد الفقه الس يايس يف الإسالم‪.‬‬

‫(واذلي نريد الرتكزي عليه هنا‪ :‬هو ما نوهنا به يف أول المر‪ ،‬وهو جوهر‬
‫ادلميقراطية‪ ،‬فهو لالقطع متفق مع جوهر الإسالم‪ ،‬اإذا رجعنا اإليه يف‬
‫مصادره الصلية‪،‬واس متددانه من ينابيعه الصافية‪ ،‬من القرأن والس نة‪،‬‬
‫ومعل الراشدين من خلفائه‪،‬ل من اترخي أمراء اجلور‪ ،‬وملوك السوء‪ ،‬ول‬
‫من فتاوى الهالكني احملرتقني من علامء السالطني‪ ،‬ول من اخمللصني‬
‫‪19‬‬
‫املتعجلني من غري الراخسني) ‪.‬‬

‫ث اإن ادلميقراطية ليست منتجا غربيا حبتا من لك وجه‪،‬فقد أسهمت لك‬
‫أمم الرض يف اإنضاهجا وتطويرها؛ ذكل لن احلضارة الغربية اليوم‬
‫اس تطاعت أن توظف لك اإماكانهتا يف الاس تفادة من الرتاث البرشي‬
‫بغض النظر عن دين صاحبه أو عرقه أو هويته‪ ،‬ويف اجملال الس يايس‬
‫يربز لنا خماض القرون وجت لارب المم والشعوب مصطلح ادلميقراطية‬
‫واذلي هو يف حقيقته منتج حضاري اإنساين وليس ملاك لحد اإل‬
‫‪20‬‬
‫ل إالنسانية‪ ،‬واحلضارة كام يقولون‪ :‬ل دين لها ‪ ،‬فكيف يقال اإذ ذاك اإن‬
‫ادلميقراطية بضاعة غربية‪ ،‬وهل هذا اإل خلط يف الفه‪،‬م ونقص يف العمل!‬

‫‪19‬من فقه ادلوةل يف الإسالم لدلكتور يوسف القرااوي‪549-‬‬
‫‪ 20‬أي أنه ل ميكن لتباع دين ما أن يدعوا أهن‪،‬م مه وحدمه من صنع احلضارة الإنسانية‪ ،‬فادلايانت لكها أسهمت يف صناعة احلضارة‬
‫الإنسانية‪ ،‬مفقل ومكرث‪.‬‬
‫‪ ‬ادلميقراطية اليت ندعو اإلهيا وس يةل وليست غاية‪:‬‬
‫ل‬
‫احلديث عن ادلميقراطية‪ ،‬وهو‬ ‫وهناك ملحظ أخر ينبغي أل يغفل عند‬
‫أن أكرث املتلكمني من املسلمني يتلكمون عن ادلميقراطية من حيث كوهنا‬
‫وس يةل من وسائل حتقيق مقاصد الشارع يف قضية احلمك‪،‬ذكل أن الفقه‬
‫الس يايس يف الإسالم قد عاىن يف العصور السابقة من الضمور لس باب‬
‫كثرية اكن أخرها اإقصاء ادلين عن ادلنيا وس ياس هتا به(فلقد بقي الفقه‬
‫الس يايس الإساليم أقل أبواب الفقه تطورا وجتديدا‪ ،‬فهو ياكد يكون قد‬
‫حافظ عىل ما أنتجه فقهاء الس ياسة الرشعية يف القرن الرابع للهجرة‪ ،‬اإذ‬
‫قد ظلت املؤلفات بعد ذكل حمصورة فامي ألفه أولئل الفقهاء مع اإاافات‬
‫قليةل‪ .‬والباحثون احملدثون يف هذا الشأن لنئ طوروا أسلوب العرض‬
‫وبعض املصطلحات يف الس ياسة الرشعية‪ ،‬وراجعوا بعض الحاكم بنظر‬
‫اجهتادي‪ ،‬فاإهن‪،‬م ل يتناولوا جوهر القضااي الس ياس ية لاجهتاد يبن هذا‬
‫‪21‬‬
‫العمل بناء جديدا سوى حماولت قليةل يف هذا الشأن) ‪.‬‬
‫ويف مقابل ذكل اكن الفقه الس يايس الإنساين بوجه عام‪ ،‬والغريب بوجه‬
‫خاص قد قطع اشواطا طويةل‪ ،‬وس بق فهيا س بقا بعيدا‪ ،‬حيث اس تطاعوا‬
‫من خالل أخذمه من التجارب الإنسانية ودراس هتا والزايدة علهيا أن‬
‫حيققوا مقاصد س ياس ية مجة كام هو معلوم‪،‬وتطورت التجربة الس ياس ية‬
‫الغربية بسبب ذكل تطورا هائال – خاصة فامي يتعلق لالس ياسات‬
‫والوسائل‪-‬ويف حني اكن املواطن املسمل يف العال العريب والإساليم يعيش‬
‫الاستبداد والظمل والااطهاد واجلهل والتخلف‪ ،‬اكن املواطن الغريب‬
‫يعامل مبا يليق به من الكرامة والإنسانية‪ .‬وهذا فارق من أمه الفوارق بني‬
‫العقل الغريب والعقل املسمل املعارص‪ ،‬فالعقل الغريب يس توعب ثقافات‬

‫‪21‬جتديد فقه الس ياسة الرشعية‪ :‬دكتورعبداجمليد النجار‪4 -‬‬
‫العرص‪ -‬بل ثقافات العصور‪ -‬وهيضمها ويزيد علهيا ويطوعها ويس تفيد مهنا‬
‫ويوظفها خلدمة مصاحله ومقاصده ومشاريعه احلضارية‪.‬‬

‫وبعض املسلمني اليوم يرفض ثقافات الخرين فامي ينفعه ويعيل من شأن‬
‫أمته‪ ،‬ويهتمها ويسئ الظن هبا‪ ،‬وينتقص من قدرها حىت وإان اكنت حقا‬
‫ميكن الاس تفادة منه‪ ،‬ويظل بذكل يعيش حاةل من اخلصام مع نفسه‬
‫والناس‪،‬وحيمك عىل نفسه لالعزةل‪،‬والدىه من ذكل والمر حماوةل حرش‬
‫الإسالم يف حاةل التخلف هذه وتسويغها لالدةل الرشعية‪ ،‬وتسليط‬
‫س يف الكفر واخلروج عن ادلين عىل اخملالفني حىت يثنهي‪،‬م عن عزهم‪،‬م‬
‫ويردمه اإىل رشدمه يف نظره!!!‬

‫‪ ‬ادلميقراطية يف جانهبا العميل نظام لإدارة الشأن العام‪:‬‬

‫وحمك ادلميقراطية لاعتبارها من الوسائل كحمك اس تعامل النظام الإداري‬
‫الغريب يف تس يري شؤون رشكة من الرشاكت أو مؤسسة من‬
‫املؤسسات‪،‬وهو أيضا احلمك الرشعي نفسه يف اس تعامل املناجه التعلميية‬
‫عندان وطريقة توزيعها عىل الس نوات ادلراس ية يف اللكيات العلمية‪ ،‬ويف‬
‫طريقة تقس ي ادلرجات وطريقة امتحان الطالب واختيار املتفوقني‬
‫مهن‪،‬م‪،‬ومنحه‪،‬م اللقاب العلمية املعروفة اليوم من أس تاذ ودكتور‬
‫وبروفيسور‪،‬وأكرث الناس اليوم من طلبة العمل يف بالدان وبالد املسلمني‬
‫حريصون عىل اذلهاب يف البعثات العلمية لجل الاس تفادة من التجربة‬
‫الإنسانية الغربية‪،‬فليس اخلرب اكلعيان‪ ،‬ولو اكن هذا كفرا ما سعى أحد‬
‫من املسلمني يف حتصيهل‪ ،‬بل قد وقع الإجامع من املسلمني مبختلف‬
‫ختصصاهت‪،‬م وعىل تنوع ثقافاهت‪،‬م أن هذا المر جائز سائغ ل يشل يف‬
‫جوازه اإل مهت‪،‬م يف عقهل أو متعصب جلههل‪.‬‬

‫وحمك ادلميقراطية هو احلمك الرشعي نفسه يف طرائق التدريس املتبعة يف‬
‫العال بأرسه وطرائق تقيي املدرسني والباحثني‪ ،‬وهو احلمك نفسه اذلي‬
‫ينطبق عىل طرائق بناء اجلامعات العلمية العرصية واملستشفيات‪،‬‬
‫والطرق العلمية املتبعة اليوم يف تشخيص المراض وعالهجا‪.‬‬

‫وهو احلمك نفسه اذلي يرسي عىل اإدارة شؤون السري وتنظي حركة‬
‫املركبات اللية واس تصدار رخص لها ولسائقهيا‪ ،‬وهو احلمك نفسه اذلي‬
‫يتعلق لاإدارة شؤون املوظفني يف لك املؤسسات‪ ،‬ومنحه‪،‬م ادلرجات‬
‫الوظيفية‪ ،‬وحتديد أجورمه ومرتباهت‪،‬م وأايم اإجازاهت‪،‬م‪.‬‬

‫وإان شئنا تسهيل المور أكرث من هذا لقلنا اإن احلمك يف ادلميقراطية هو‬
‫حمك اس تعامل الس يارات اليت تأتينا من بالد الغرب وبالد الكفار‬
‫معوما‪،‬وهو حمك اس تعامل الطائرات والقطارات واحلافالت املصنعة يف‬
‫بالد الغرب‪ ،‬وهو حمك اس تعامل التلفاز والطباق الفضائية‪ ،‬واليت يه يف‬
‫أصلها منتج من املنتجات الغربية‪.‬‬
‫‪ ‬من الغلو القول بأن ادلميقراطية – يف جانهبا العميل‪ -‬كفر‪:‬‬

‫فها أنت ذا ترى أن مثل هذه المور ليس لها عالقة لالكفر والإميان ل‬
‫من قريب ولبعيد‪ ،‬وأن من واع المور موااعها‪ ،‬وجترد من لك ولء‬
‫سوى الولء للحق‪ ،‬فاإنه قطعا س يقبل هذا التوصيف‪،‬وأن من قال اإن‬
‫ادلميقراطية ‪-‬لاملعىن اذلي ذكرانه‪ -‬كفر‪ ،‬هو غال يف ذكل لك الغلو‪،‬وخمطئ‬
‫أميا خطأ‪،‬وإان اكن صاحب نية حس نة وقلب نظيف‪.‬‬

‫‪ ‬رضورة مراجعة الفقه الس يايس املوروث‪:‬‬

‫ومن نظر اإىل تراثنا الفكري والعلمي عمل عمل اليقني أن مهنج مراجعة‬
‫العلوم والمتحيص لها والزايدة علهيا وختليصها من ادلخن اذلي علق هبا‬
‫عىل مر الس نني ومالمئهتا لواقع املسلمني‪ ،‬اكن مهنجا أصيال متزيت به هذه‬
‫المة يف عصور هنضهتا وحترضها‪ ،‬لاس تثناء فقه واحد ظل حبيس امجلود‬
‫والتوقف ‪ :‬أل وهو الفقه الس يايس الإساليم‪.‬‬
‫حفني تنظر اإىل واقع الفقه الس يايس الإساليم منذ قرون عديدة‪ ،‬جتده قد‬
‫اس تقر عىل حال ل ميكن معها أن يواكب واقع املسلمني الراهن اذلي‬
‫غلبت عليه حاةل الثورة عىل لك قدمي لال لحيقق للمة ما تصبو اإليه من‬
‫هنضة وتقدم‪،‬خاصة وأن النصوص القطعية يف س ياق الفقه الس يايس أو‬
‫ما يسميه العلامء (الس ياسة الرشعية) قليةل جدا اإن ل تكن اندرة‪ ،‬وأن‬
‫الصل يف هذا الباب هو املوازنة بني املصاحل واملفاسد‪،‬وحتقيق املصلحة‬
‫العامة للمسلمني‪،‬والاس تفادة من لك الوسائل املرشوعة املتاحة‪،‬هذا‬
‫اذلي دل عليه الكتاب والس نة‪ ،‬ومعل الصحابة والتابعني‪ ،‬وأمئة ادلين‬
‫ريض هللا عهن‪،‬م أمجعني‪ ،‬وقد اش هتر عند علامئنا ومشاخينا رمحه‪،‬م هللا‬
‫تعاىل قوهل‪،‬م‪ :‬ترصف الإمام عىل الرعية‪ ،‬منوط لاملصلحة‪.‬‬

‫وليبعد عن الصدق من قال اإن الفقه الس يايس اليوم حباجة ماسة اإىل‬
‫من يبعث فيه احلياة من جديد‪ .‬فالإمام املاوردي‪ -‬رمحه هللا‪-‬مؤلف‬
‫الكتاب العظي (الحاكم السلطانية)‪ ،‬معدود عند كثري من الباحثني‬
‫املؤسس الكرب لعمل الس ياسة الرشعية‪ ،‬ومن جاء بعده من الفقهاء اذلين‬
‫تلكموا يف الفقه الس يايس ل يأتوا مبا ميكن أن يعد جديدا يف هذا‬
‫الس ياق‪ ،22‬وظل هذا الفقه مشدودا اإىل املايض عواا عن تفاعهل مع‬
‫واقع املسلمني تفاعال يس تجيب لتطلعاهت‪،‬م ويغنهي‪،‬م عن النظر يف جتارب‬
‫الخرين‪ .‬بل اإن املؤلفات يف هذا الفقه ل تاكد تتجاوز بضع عرشات‪ ،‬قد‬
‫خلت يف عامهتا من التعدد والتنوع والرثاء‪(،‬وهذا الفقر يف املؤلفات‬
‫واحملدودية يف الاجهتادات جتعل الناظر اليوم يف الرتاث الفقهيي الس يايس‬
‫ل جيد نفسه أمام خيارات متعددة من الاجهتادات فيتخري مهنا ما هو‬
‫مناسب للواع الس يايس الراهن ليعاجل به ما يتطلبه ذكل الواع من‬
‫‪23‬‬
‫أحاكم تتحقق هبا مقاصد الرشيعة يف الشأن الس يايس) ‪،‬وأظن أن‬

‫‪ 22‬ث جاء بعده اإمام احلرمني أبو املعايل اجلوين رمحه هللا تعاىل‪ ،‬وهو معدود عند كثري من العلامء من كبار املنظرين للفقه الس يايس‬
‫الإساليم‪.‬‬
‫‪23‬املصدر السابق نفسه‪6-‬‬
‫علامءان السابقني والالحقني كذكل معذورون لـأهن‪،‬م فهموا أن التأليف يف‬
‫هذه املسائل يتأثر لالواقع والزمان‪ ،‬وأن ما اكن كذكل فال يلزم فيه‬
‫الإنسان بتصور واحد ومنط واحد وس ياسة واحدة‪ .‬وهذا سبب أخر من‬
‫أس باب أخذان من الثقافات الوافدة فامي يتعلق بفقه الس ياسة الرشعية‬
‫واحلديث عن ادلميقراطية‪ ،‬وإاذا اكنت التجربة الس ياس ية الغربية تعد من‬
‫التجارب الإنسانية الناجضة واملتفوقة يف هذا املقام‪ ،‬فمل ل نتجاوز خطئية‬
‫البدء من الصفر أو من حيث انهتت جتربة الفقه الس يايس الإساليم منذ‬
‫عدة قرون‪ ،‬ونأخذ من حضارة الغرب وفقهه الس يايس ما يوافق قمينا‬
‫وثوابتنا‪ ،‬ونرد مهنا ما ل يكون كذكل؟؟!!‬

‫‪ ‬اخلطاب ادلين يف الشأن الس يايس يتس‪،‬م لالعمومية واللكية‪:‬‬

‫وهذا – يف ظن‪-‬عائد اإىل أن الفقهاء حني تأملوا النصوص املتعلقة لالفقه‬
‫الس يايس‪،‬وجدوا أن الشارع قد قصد اإىل حتقيق مجةل من املبادئ‬
‫والسس اليت ل تتغري ول تتبدل؛ اإذ يه املقصودة أصاةل يف لاب الفقه‬
‫الس يايس‪ :‬كتحقيق مبدأ الشورى‪ ،‬وقيام ادلوةل عىل ادلين‪ ،‬وس يادة‬
‫الرشيعة يف احلمك‪،‬وإاس ناد السلطة اإىل المة‪ ،‬وحتقيق مبدأ العدل‪ .‬ولكن‬
‫نصوص الرشيعة املطهرة خلت من اخلوض يف الليات والوسائل‬
‫لاعتبارها متغرية يفراها الواقع ومتلهيا ثقافة اجملمتع‪ ،‬وبذكل اتسعت دائرة‬
‫العفو يف الفقه الس يايس الإساليم‪ ،‬واحتاج العقل املسمل اإىل أن يبدع‬
‫من الفاكر والليات والوسائل ما ميكنه من حتقيق مقاصد الشارع فامي‬
‫يتعلق بشؤون احلمك‪.‬‬

‫والاجهتاد‪-‬كام هو معلوم‪ -‬ميكن أن يكون اإنشائيا حيث ينشئ اجملهتد ‪-‬أو‬
‫اجملهتدون‪ -‬من الاجهتادات ما ل يس بقوا اإليه‪ ،‬وهذا أعظ‪،‬م الاجهتاد وهو‬
‫حيتاج اإىل مكنة ورسوخ‪.‬‬
‫وميكن لالجهتاد أن يكون انتقائيا أيضا‪،‬حبيث خيتار اجملهتد من أقوال‬
‫اجملهتدين ما حيقق حقيقة الاجهتاد‪ .‬ومن رمحة هللا تعاىل بنا أن الاجهتاد‬
‫يف هذا الس ياق هو اجهتاد يف الليات والوسائل اليت حتقق لنا مقصود‬
‫الشارع يف شؤون احلمك‪ ،‬وليستبعد من ذكل الوسائل اليت اعمتدها‬
‫الكفار يف اإدارة شؤون دوهل‪،‬م‪ ،‬أو أسلوب احلمك اذلي اعمتدوه ما دام‬
‫حمققا للمقاصد اليت ذكران بعضها أنفا؛ لن هذا ليس أمرا دينيا خاصا هب‪،‬م‪،‬‬
‫بل هو أمر يدخل يف العادايت والوسائل والرتاتيب الإدارية‪ ،‬وهذا ليس‬
‫معناه أن نقبل لك شئ مهن‪،‬م دون أن ننخهل ونزيد عليه وننقص منه‪ ،‬وإامنا‬
‫املقصود أن نأخذ مهن‪،‬م ما يوصلنا اإىل حتقيق غاايتنا وأهدافنا ويكون‬
‫مرشوعا غري مهنيي عنه ذلاته‪.‬‬
‫‪ ‬أمثةل معلية تدل عىل أن النظام الس يايس يف ا إلسالم ليس نظاما‬
‫توقيفيا‪ ،‬بل هو مما يداخهل الاجهتاد والتطوير‪:‬‬

‫فانظر مثال إاىل فعل اخللفاء الراشدين فامي يتعلق بتحديد مدة الولية أو‬
‫اخلالفة‪،‬فقد حاكوا يف ذكل ما اكن سائدا يف أساليب احلمك يف ذكل‬
‫الزمان‪ ،‬بل اإن املسلمني يف ذكل الوقت ل يثريوا هذه القضية أصال ‪ ،‬ول‬
‫ينكروا عىل اخللفاء الراشدين – ريض هللا عهن‪،‬م‪ -‬هذا المر‪ ،‬واكن‬
‫الوفق والصلح هل‪،‬م يف ذكل الزمان أن يتأبد حمك احلامك‪ ،‬خاصة وأهن‪،‬م قد‬

‫شهد هل‪،‬م النيب املعصوم‪ ‬لالرشد والتوفيق‪ ،‬فاكن هذا مانعا من‬
‫استبدادمه واس تئثارمه لالسلطة ‪ ،‬ولو قدر أن املسلمني اشرتطوا عىل‬
‫بعض اخللفاء حتديد مدة وليهت‪،‬م‪ ،‬لاكن واجبا علهي‪،‬م الوفاء هبذا الرشط‪،‬‬
‫فاملؤمنون عند رشوطه‪،‬م‪.‬‬
‫واعترب كذكل بأن أول خالف س يايس وقع بني الصحابة ريض هللا تعاىل‬
‫عهن‪،‬م‪ ،‬اكن يف قضية‪ :‬من س يحمك بعد رسول هللا صىل هللا عليه وسمل؟‬
‫ولو اكن عندمه نص واض يف هذه املسأةل ما اختلفوا‪ ،‬ث وفقه‪،‬م هللا تعاىل‬
‫واختاروا خري المة بعد نبهيا‪ :‬أبوبكر ريض هللا تعاىل عنه‪ ،‬وقد رصح‬
‫أهل العمل بأن الصحابة أمعلوا القياس يف اختيار اخلليفة الراشد أيب بكر‬
‫الصديق ريض هللا تعاىل عنه‪ ،‬قالوا‪ :‬اختاره رسول هللا صىل هللا عليه‬
‫وسمل دليننا‪ -‬يف اإمامة الصالة‪ -‬أفال خنتاره دلنياان؟‬

‫واعترب كذكل مبا فعهل أبوبكر ‪ ‬حني عهد لاخلالفة لعمر ‪ ، ‬مع أن‬

‫أولده يصلحون للخالفة ولكنه حناها عهن‪،‬م‪ ،‬وتأمل أيضا فعل معر ‪‬‬

‫حني جعل اخلالفة يف الس تة اذلين تويف رسول هللا ‪ ‬وهو عهن‪،‬م راض‪،‬‬

‫وكذكل فاإن عليا‪ ‬حني طعن‪ ،‬جاءه أهل العراق يطلبون منه أن يويل‬
‫علهي‪،‬م احلسن ابنه‪ ‬فرفض ذكل لئال يتحمل تبعات اخلالفة يف حياته‬
‫وبعد موته‪ .‬وهذا يفيدان أمرين‪:‬‬

‫الول‪ :‬أن طريقة تنصيب الرئيس يف مجملها ليست طريقة توقيفية‪ ،‬أي‬
‫لس نا ملزمني فهيا بأسلوب ما رشعا‪ ،‬وهذا – يف تصوري‪ -‬ما فهمه‬
‫الصحابة ودل عليه معله‪،‬م – ريض هللا عهن‪،‬م‪ -‬دون نكري من أحد علهي‪،‬م‪.‬‬

‫الثاين‪ :‬أن الصحابة – ريض هللا عهن‪،‬م‪ -‬قد اجهتدوا يف اختاذ الوسائل‬
‫اليت حتقق مقصود الشارع يف زماهن‪،‬م ومبا يوافق بيئهت‪،‬م‪ ،‬وحمل القدوة هنا‬
‫أن جنهتد حنن يف اختاذ الوسائل اليت تكفل لنا حتقيق مقصود الشارع يف‬
‫لاب الفقه الس يايس‪.‬‬

‫هذا وهللا تعاىل أعمل وأحمك‪،‬وصىل هللا تعاىل عىل نبينا محمد وعىل أهل‬
‫وحصابته أمجعني‪.‬‬
‫(خالصة و خامتة)‬

‫حاولنا يف هذه الصفحات – اليت نسأل هللا أن جيعلها يف مزيان‬
‫احلس نات‪ -‬أن نتحدث عن قضية ادلميقراطية‪،‬وقد فصلناها عىل النحو‬
‫التايل‪:‬‬

‫‪ -5‬املقدمة‪ :‬وذكران فهيا أن السبب الرئييس اذلي دعاان للحديث عن‬
‫هذه القضية هام أمران‪ :‬الول‪ :‬بيان احلمك الرشعي يف مواوع‬
‫ادلميقراطية‪ .‬والثاين‪ :‬ما انترش بني بعض الش باب املتشددين من‬
‫أن ادلميقراطية كفر وردة وخروج عن جادة الصواب‪.‬‬
‫‪ -4‬الفصل الول‪ :‬وهو عبارة عن مجةل من القضااي الهامة اليت أحببت‬
‫أن أوردها بني يدي هذا املواوع الكبري‪ .‬وهذه الفاكر عبارة عن‬
‫هتيئة لعقل القاريء وقلبه‪ ،‬حىت يس تطيع الولوج شيئا فشيئا اإىل‬
‫فه‪،‬م مواوع ادلميقراطية‪ ،‬خاصة أولئل اذلي لبس علهي‪،‬م‪ ،‬أو من‬
‫اكن من غري أهل الاختصاص‪ ،‬فقد توجه اإلينا بعض الإخوة بنقد‬
‫اإجيايب مفاده أننا نكتب لهل الاختصاص وذكل فيه صعوبة عىل‬
‫عامة الناس‪ ،‬فرأينا أن خنفف العبارة وأن نلطف السلوب حىت‬
‫يس تفيد عامة الناس مما نكتب‪ ،‬وهللا املوفق‪.‬‬
‫‪ -4‬الفصل الثاين‪ :‬وهو عبارة عن مجةل من القواعد املتعلقة لالنظر يف‬
‫ش ئون الس ياسة الرشعية‪ ،‬ومن أعظ‪،‬م هذه القواعد قضية اإعامل‬
‫املوازنة بني املصاحل واملفاسد يف ش ئون الس ياسة الرشعية‪ ،‬وأن‬
‫ترصف الإمام عىل الرعية ترصف منوط لاملصلحة‪.‬وكذكل قاعدة‬
‫مراعاة حاةل المة من اعف وقوة وحاجات طارئة‪،‬ودعوان كذكل‬
‫يف اإحدى هذه الضوابط والقواعد اإىل العمل عىل مراجعة فقهنا‬
‫الس يايس املوروث حىت يس تطيع مواكبة العرص‪ ،‬ومسايرة ادلهر‪.‬‬
‫‪ -3‬الفصل الثالث‪:‬وهذا الفصل خصصناه للحديث عن مقاصد الرشيعة‬
‫فامي يتعلق لالفقه الس يايس‪ ،‬وذكران أهنا عىل وجه الإجامل ثالثة‬
‫مقاصد كربى‪ ،‬ويه‪ :‬رشعية السلطة‪،‬ووحدة المة‪ ،‬ونرش ادلعوة‪.‬‬
‫ونرثان كنانة هذه املقاصد الكربى يف مجةل من العنارص مع بيان‬
‫املراد من لك مهنا‪.‬‬
‫‪ -1‬الفصل الرابع‪ :‬وتلكمنا فيه عن النظام ادلميقراطي وطبيعته من‬
‫خالل مجةل من النقاط‪ ،‬مهنا‪:‬تقرير أن خلود رساةل الإسالم جيعلها‬
‫صاحلة لك زمان وماكن‪ ،‬وأن احلمك عىل ادلميقراطية ل بد فيه من‬
‫تصورها تصورا حصيحا‪،‬وأن الإسالم ل يرفض الوافد من الثقافات‬
‫الخرى لاإطالق‪ ،‬ول يقبلها لاإطالق‪،‬وأن اللفاظ ينظر اإىل‬
‫املقصود مهنا ول يعادى اللفظ أو هيجر أو حيارب لكونه لفظا وافدا‬
‫من ثقافات أخرى‪،‬وذكران قاعدة يه حمل قبول بني علامء الرشيعة‬
‫ويه قاعدة‪ :‬ل مشاحة يف الاصطالح اإذا ل خيالف الرشع‪،‬وأن‬
‫ادلميقراطية اليت ندعو اإلهيا اإمنا يه من لاب الوسائل اليت ميكن أن‬
‫تعدل وتطور وتغري‪ ،‬ومن لاب الرتاتيب الإدارية كام يسمهيا العلامء‬
‫رمحه‪،‬م هللا تعاىل‪،‬وبينا أن اخلطاب ادلين يف الشأن الس يايس يتس‪،‬م‬
‫لالعمومية يف املباديء دون حتديد لوسائل بعيهنا‪،‬ويف ختام هذا‬
‫املبحث ذكران طرفا من أفعال اخللفاء الراشدين ريض هللا تعاىل‬
‫عهن‪،‬م اليت تدل عىل أن النظام الس يايس يف الإسالم ليس نظاما‬
‫توقيفيا‪ ،‬بل هو مما يدخهل الاجهتاد والتطوير‪ ،‬وحتمكه مقتضيات‬
‫حتقيق املصلحة العليا للمة يف اإدارة شأهنا العام‪.‬‬

‫اخلالصة واخلامتة‪ :‬وذكران فهيا خالصة ملا أمجلناه من مباحث وأفاكر‪.‬‬