‫الثبات على المنهج‬

‫تأليف‪:‬‬
‫محمد بن عمر بازمول‬

‫إن الحمد هلل ‪ ،‬نحمده ونستعينه ونستغفره ‪ ،‬ونعوذ باهلل من شرور‬

‫أنفسنا وسيئات أعمالنا ‪ ،‬من يهده هللا فال مضل له ‪ ،‬ومن يضلل‬

‫فال هادي له ‪ ،‬وأشهد أن ال إله إال هللا وحده ال شريك له ‪ ،‬وأشهد‬
‫ً‬
‫أن محمدا عبده ورسوله ‪.‬‬

‫أما بعد‪:‬‬

‫فهذه محاضرة عن "الثبات على املنهج"‪ ،‬أدرتها على العناصر التالية‪:‬‬

‫‪ 1-‬تعريف الثبات‪.‬‬

‫‪ 2-‬بيان أن املالئكة تنزل بتثبيت املؤمنين‪.‬‬

‫‪ 3-‬أن محل الثبات والتقلب في القلب‪.‬‬

‫‪ 4-‬أهمية الثبات على الدين وطلبه‪.‬‬

‫‪ 5-‬وسائل الثبات‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪ 6-‬الثبات على املنهج من صفات أهل السنة أهل الحديث‪.‬‬

‫‪7-‬املؤمن مأمور بالصبر وأن يؤمن بأن العاقبة للتقوى‪.‬‬

‫=============‬

‫(عنوان تعريف الثبات واملنهج)‬

‫فإن الثبات‪ :‬هو االستقامة على الهدى‪ ,‬أمام داعي الهوى والشهوة‪،‬‬

‫وهو الصبر‪.‬‬

‫واملنهج هو السبيل الذي يسلكه املسلم‪ ،‬وهو الصراط املستقيم‪،‬‬
‫ََ‬ ‫َ َّ َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬
‫قال تبارك وتعالى‪: ‬ق ْل َه ِذ ِه َس ِب ِيلي أ ْد ُعو ِإلى الل ِه َعلى َب ِص َير ٍة أنا َو َم ِن‬
‫ُْ ْ‬ ‫ََ‬ ‫َّ َ َ َ ُ ْ َ َ َّ‬
‫ان الل ِه َو َما أنا ِم َن املش ِر ِك َين( ‪‬يوسف‪).108:‬‬ ‫اتبع ِني وسبح‬

‫بيان أن املالئكة تنزل بتثبيت املؤمنين‪:‬‬
‫َّ ُ‬ ‫َّ َّ َ َ ُ‬
‫ين قالوا َرُّب َنا الل ُه ث َّم‬ ‫واملالئكة تثبت املؤمنين؛ قال تعالى‪ِ : ‬إن ال ِذ‬
‫ْ‬ ‫َ ُ َ‬ ‫ْ َ َ ُ َ َّ َ َ ُ‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫ْ َ‬
‫اس َتق ُاموا ت َتن َّز ُل َعل ْي ِه ُم املال ِئكة أال تخافوا َوال ت ْح َزنوا َوأ ْب ِش ُروا ِبال َج َّن ِة‬
‫َّ ُ ْ ُ ْ ُ َ َ‬
‫وع ُدون( ‪‬فصلت‪).30:‬‬ ‫ال ِتي كنتم ت‬

‫‪2‬‬

‫(عنوان محل الثبات والتقلب في القلب)‬

‫ومحل التثبيت في القلب‪ ،‬ومحل التقلب فيه؛ أخرج الترمذي وحسنه‬
‫َ ْ َ َ َ َ َ َ َ ُ ُ َّ َ َّ‬
‫صلى‬ ‫س قال‪" :‬كان رسول الل ِه‬ ‫(‪ ،)2140‬وابن ماجه (‪ )3834‬عن أن ٍ‬
‫َّ ُ َ َ ْ َ َ َّ َ ُ ْ ُ َ ْ َ ُ َ َ ُ َ َ ْ ُ ُ َ َ ْ َ‬
‫وب ث ِب ْت قل ِبي َعلى ِدي ِن َك‪.‬‬ ‫الله علي ِه وسلم يك ِثر أن يقول‪ :‬يا مق ِلب القل ِ‬
‫َ َ َ ُ َ‬ ‫ْ‬ ‫َّ‬ ‫َ ْ‬
‫ف ُقل ُت‪َ :‬يا َر ُسو َل الل ِه َآم َّنا ِب َك َو ِب َما ِجئ َت ِب ِه ف َه ْل تخاف َعل ْي َنا؟‬
‫َّ َ َ َ‬ ‫ص ُب َع ْين م ْن َأ َ‬
‫ص ِاب ِع الل ِه ُيق ِل ُب َها ك ْيف‬ ‫وب َب ْي َن ُأ ْ‬
‫ال ‪َ :‬ن َع ْم إ َّن ْال ُق ُل َ‬‫َق َ‬
‫ِ ِ‬ ‫ِ‬
‫َ‬
‫َيش ُاء ‪".‬‬

‫وفي القلب ملة امللك وملة الشيطان‪ ،‬أخرج الترمذي (‪َ )2988‬ع ْن َع ْب ِد‬
‫َّ‬ ‫َّ ْ َ ْ ُ َ َ َ َ َ ُ ُ َّ َ َّ َّ َ‬
‫صلى الل ُه َعل ْي ِه َو َسل َم‪"ِ :‬إ َّن‬ ‫ود قال‪ :‬قال رسول الل ِه‬ ‫الل ِه ب ِن مسع ٍ‬
‫َّ‬ ‫الش ْي َطان َفإ َ‬ ‫َّ ْ َ َ َّ ً ْ َ َ َ ْ َ َ َ َّ ً َ َ َّ َ َّ ُ َّ‬
‫يع ٌاد ِبالش ِر‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِللشيط ِان ملة ِباب ِن آدم وِللمل ِك ملة فأما ملة‬
‫َ‬ ‫َ َ ْ ٌ ْ َ َ َ َّ َ َّ ُ ْ َ َ َ َ ٌ ْ َ ْ َ َ ْ ٌ ْ‬
‫يق ِبال َح ِق ف َم ْن‬ ‫وتك ِذيب ِبالح ِق وأما ملة املل ِك ف ِإيعاد ِبالخي ِر وتص ِد‬
‫ُْ‬ ‫َّ‬ ‫َّ َ ْ‬ ‫َ َْ َ َ‬
‫َو َج َد ذ ِل َك فل َي ْعل ْم أ َّن ُه ِم ْن الل ِه فل َي ْح َم ْد الل َه َو َم ْن َو َج َد اْل ْخ َرى‬
‫ُ َْ‬ ‫الش ْي َط ُ‬
‫َّ‬ ‫ُ َ َ‬ ‫الش ْي َطان َّ‬
‫َ ْ َ َ َ َّ ْ َّ ْ َّ‬
‫ان َي ِع ُدك ْم الف ْق َر‬ ‫الر ِج ِيم ث َّم ق َرأ‪: ‬‬ ‫ِ‬ ‫فليتعوذ ِبالل ِه ِمن‬

‫‪3‬‬

268 :‬‬ ‫والقلب معرض للفتن ‪ ،‬كما جاء في الحديث عند مسلم (‪َ ،)144‬ع ْن‬ ‫َّ‬ ‫ْ َ ْ ُ َ ْ َ َ َ َ ُ َّ ْ َ ُ َ َ َ َ َ َ ُ‬ ‫ال‪ :‬أ ُّيك ْم َس ِم َع َر ُسو َل الل ِه‬ ‫ِرب ِع ٍي عن حذيفة قال‪ :‬كنا ِعند عمر فق‬ ‫َّ ْ ُ ْ َ‬ ‫َ َّ َّ َ‬ ‫صلى الل ُه َعل ْي ِه َو َسل َم َيذك ُر ال ِفت َن؟‬ ‫َ‬ ‫ََ َ َ‬ ‫ال ق ْو ٌم ‪ :‬ن ْح ُن َس ِم ْع َن ُاه!‬ ‫فق‬ ‫َ‬ ‫ال ‪َ :‬ل َع َّل ُك ْم َت ْع ُنو َن ِف ْت َن َة َّ‬ ‫َف َق َ‬ ‫الر ُج ِل ِفي أ ْه ِل ِه َو َجا ِر ِه‪.‬‬ ‫َّ َ ُ َ َ ُ َ َّ َ ُ َ َ ُ‬ ‫َ َ ْ َ َُ َ‬ ‫الص َدقة‪َ ،‬ول ِك ْن أ ُّيك ْم َس ِم َع‬ ‫الصيام و‬ ‫قال ‪ِ :‬تلك تك ِف ُرها الصالة و ِ‬ ‫ْ‬ ‫الل ُه َع َل ْيه َو َس َّل َم َي ْذ ُك ُر ْالف َت َن َّالتي َت ُم ُ‬ ‫َّ َّ َ َّ َّ‬ ‫وج َم ْو َج ال َب ْح ِر؟‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الن ِبي صلى‬ ‫َ َ َ َ ُ ََ َ ْ َ َ ْ ََ‬ ‫ال ُحذ ْيفة ‪ :‬فأ ْسك َت الق ْو ُم ف ُقل ُت‪ :‬أنا!‬ ‫ق‬ ‫ال ‪َ :‬أ ْن َت ‪ -‬ل َّله َأ ُب َ‬ ‫وك! ‪-‬‬ ‫َق َ‬ ‫ِ ِ‬ ‫الل ُه َع َل ْي ِه َو َس َّل َم َي ُقو ُل‪ُ :‬ت ْع َر ُ‬ ‫ض‬ ‫َ َ ُ َ ْ َ ُ َ ْ ُ َ ُ َ َّ َ َّ َّ‬ ‫قال حذيفة ‪ :‬س ِمعت رسول الل ِه صلى‬ ‫ُ‬ ‫ُ ً ُ ً ََ َْ ُ ْ‬ ‫ْ َ ُ ََ ْ ُُ َ ْ‬ ‫ودا فأ ُّي قل ٍب أش ِرَب َها ن ِك َت ِف ِيه‬ ‫وب كال َح ِص ِير عودا ع‬ ‫ال ِفتن على القل ِ‬ ‫‪4‬‬ .‬‬ ‫َ ُ َ‬ ‫قالوا ‪ :‬أ َج ْل‪. ‫َ َ ْ ُ ُ ُ ْ ْ َ ْ َ َ َّ ُ َ ُ ُ ْ َ ْ َ ً ْ ُ َ َ ْ ً َّ‬ ‫ضال َوالل ُه َو ِاس ٌع‬ ‫ويأمركم ِبالفحش ِاء والله ي ِعدكم مغ ِفرة ِمنه وف‬ ‫َع ِل ٌ‬ ‫يم( ‪‬البقرة‪)".

‬‬ ‫(عنوان أهمية الثبات على الدين وطلبه وحاجة املسلم إليه)‬ ‫‪5‬‬ .‬‬ ‫ِ‬ ‫الك‬ ‫فالقلب محل التقلب‪ ،‬ومحل ملة امللك وملة الشيطان‪ ،‬ومعرض‬ ‫الفتن‪.‬‬ ‫س ِباْلغ ِال ِ‬ ‫ح ِديثا لي‬ ‫اض ِفي َس َو ٍاد‪.‬‬ ‫ال حذيفة ‪ :‬وحدثته أن بينك وبين َها بابا مغلقا ي ِ‬ ‫ان ُي َع ُاد؟‬ ‫ال ‪ُ :‬ع َم ُر َأ َك ْس ًرا ‪َ -‬ال َأ َبا َل َك ‪َ -‬ف َل ْو َأ َّن ُه ُفت َح َل َع َّل ُه َك َ‬ ‫َق َ‬ ‫ِ‬ ‫اب َ ُج ٌل ُي ْق َت ُل َأ ْو َي ُم ُ‬ ‫ُْ ُ َ َ َ ْ‬ ‫ْ‬ ‫ُْ ُ َ‬ ‫وت‬ ‫قلت ‪ :‬ال َب ْل ُيك َس ُر‪َ .‬‬ ‫َ ْ‬ ‫َق َ ُ َ ْ َ ُ َ َ َّ ْ ُ ُ َ َّ َ ْ َ َ َ َ ْ َ َ ً ُ ْ َ ً ُ‬ ‫وش ُك أ ْن ُيك َس َر‪. ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ض ُاء َح َّتى ت ِص َير َعلى‬ ‫ُن ْك َت ٌة َس ْو َد ُاء َو َأ ُّي َق ْلب َأ ْن َك َر َها ُنك َت فيه ُن ْك َت ٌة َب ْي َ‬ ‫ِ ِ ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ض ُّر ُه ِف ْت َن ٌة َما َد َام ْت َّ‬ ‫الس َم َاو ُ‬ ‫ات‬ ‫الص َفا َف َال َت ُ‬ ‫ض م ْثل َّ‬ ‫ََْْ ََ ََْ َ‬ ‫قلبي ِن على أبي ِ ِ‬ ‫ً َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ ْ َ ْ ُ َ ْ َ ُ َ ْ َ ُ ُ ْ َ ًّ َ ْ ُ‬ ‫وز ُم َج ِخ ًيا ال َي ْع ِرف َم ْع ُروفا َوال ُي ْن ِك ُر‬ ‫واْلرض واْلخر أسود مربادا كال ِ‬ ‫ك‬ ‫َ َّ ُ ْ‬ ‫ُم ْنك ًرا ِإال َما أش ِر َب ِم ْن َه َو ُاه‪.‬و َح َّدثته أ َّن ذ ِلك ال َب َ ر‬ ‫َ ً َْ َ ََْ‬ ‫يط ‪".‬‬ ‫ي‬‫َأ ْس َو ُد ُم ْرَب ًّادا ‪ :‬ش َّد ُة ْال َب َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫وز ُم َجخ ًيا ‪َ :‬م ْن ُك ً‬ ‫ُْ ُ‬ ‫وسا‪.

‬‬ ‫‪3-‬هداية التوفيق للثبات على الحق‪.132:‬‬ ‫وهو هداية الصراط املستقيم‪ ،‬التي علمنا هللا أن نسأله إياها في‬ ‫دعائنا وصالتنا‪ ،‬فقد أخبر الرسول" ‪ :‬ال صالة ملن ال يقرأ بفاتحة‬ ‫َ َ ُْ‬ ‫امل ْس َتق َ‬ ‫ْ َ‬ ‫يم( ‪‬الفاتحة‪،)6:‬‬ ‫ِ‬ ‫الكتاب"‪ ،‬وفي الفاتحة نقرأ‪: ‬اه ِدنا ِ‬ ‫الصراط‬ ‫والهدايات ثالثة أنواع ‪:‬‬ ‫‪1-‬هداية اإلرشاد والتعليم والداللة‪.‬‬ ‫‪2-‬هداية التوفيق لقبول الحق‪. ‫والثبات على الدين‪ ،‬من وصايا اْلنبياء قال تعالى‪َ : ‬و َو َّص ى ِب َها‬ ‫َ َ َ ُ‬ ‫ْ َ ُ َ َ َ ْ ُ ُ َ َ َّ َّ َ ْ َ َ َ ُ‬ ‫ين فال ت ُموت َّن‬ ‫وب يا ب ِن َّي ِإن الله اصطفى لك ُم ِ‬ ‫الد‬ ‫ِإبر ِاهيم ب ِن ِيه ويعق‬ ‫َ‬ ‫َّ َ ْ‬ ‫ِإال َوأن ُت ْم ُم ْس ِل ُمون( ‪‬البقرة‪) .‬‬ ‫قال ابن تيمية رحمه هللا‪" :‬ولهذا كان أنفع الدعاء‪ ،‬وأعظمه وأحكمه‬ ‫‪6‬‬ .‬‬ ‫واملصلي حينما يقف للصالة يحتاج هذه الهدايات جميعها‪.

‬‬ ‫ليس كما يقوله طائفة من املفسرين‪ :‬إنه قد هداه‪ ،‬فلماذا يسأل‬ ‫الهدى؟‬ ‫وأن املراد بسؤال الهدى‪ :‬الثبات‪ ،‬أو مزيد الهداية؛‬ ‫بل العبد محتاج إلى أن يعلمه ربه ما يفعله من تفاصيل أحواله؛‬ ‫وإلى ما يتولد من تفاصيل اْلمور في كل يوم؛‬ ‫وإلى أن يلهم أن يعمل ذلك؛‬ ‫ً‬ ‫فإنه ال يكفى مجرد علمه إن لم يجعله هللا مريدا للعمل بعلمه‪ ،‬وإال‬ ‫ً‬ ‫كان العلم حجة عليه‪ ،‬ولم يكن مهتديا‪ ،‬والعبد محتاج إلى أن يجعله‬ ‫‪7‬‬ .‬‬ ‫لكن الذنوب هي من لوازم نفس اإلنسان‪ ،‬وهو محتاج إلى الهدى في‬ ‫كل لحظة‪ ،‬وهو إلى الهدى أحوج منه إلى اْلكل والشرب‪. ‫َ َ ُ َ َ َ َ َّ َ َ َ َ َ‬ ‫َ‬ ‫مت َعل ِيه ْم‬ ‫الصراط املست ِقيم ِصراط ال ِذين أنع‬ ‫دعاء الفاتحة‪ِ : ‬‬ ‫اهدنا ِ‬ ‫غضوب َع َليه ْم َو َال َّ‬ ‫الض ِال َين‪[ ‬الفاتحة‪ ،]7 ،6:‬فإنه إذا هداه‬ ‫َغير املَ ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته‪ ،‬فلم يصبه شر‪ ،‬ال‬ ‫في الدنيا وال في اْلخرة‪.

)1‬‬ ‫واملسلم مبتلى في دينه‪ ،‬وعليه الصبر‪ ،‬وترك االستعجال؛ فقد أخرج‬ ‫َّ‬ ‫َ ْ َ َّ ْ ْ َ َ َ َ َ َ َ َ‬ ‫ال‪ :‬شك ْونا ِإلى َر ُسو ِل الل ِه‬ ‫اب ب ِن اْلر ِت ق‬ ‫البخاري (‪ )3612‬عن خب ِ‬ ‫ُْ َ ََ‬ ‫َْ‬ ‫ً َ‬ ‫َّ‬ ‫َ َّ َّ َ‬ ‫صلى الل ُه َعل ْي ِه َو َسل َم َو ُه َو ُم َت َو ِس ٌد ُب ْر َدة ل ُه ِفي ِظ ِل الك ْع َب ِة! قل َنا ل ُه‪ :‬أال‬ ‫َ َ‬ ‫َ َُ‬ ‫ال‪َ :‬ك َ‬ ‫الل َه َل َنا؟ َق َ‬ ‫َ ْ َ ْ ُ َ َ َ َ َ ْ ُ َّ‬ ‫الر ُج ُل ِف َيم ْن ق ْبلك ْم ُي ْحف ُر ل ُه‬ ‫ان َّ‬ ‫تستن ِصر لنا أال تدعو‬ ‫َ َ‬ ‫َُ َ ُ ْْ َ َُ َ َ ْ‬ ‫ْ َْ َ‬ ‫وض ُع َعلى َرأ ِس ِه ف ُيش ُّق‬ ‫ض ف ُي ْج َع ُل ِف ِيه فيجاء ِب ِاملنش ِار في‬ ‫ِفي اْلر ِ‬ ‫ْ‬ ‫اط ال َح ِد ِيد َما ُدو َن‬ ‫َُ َ ُ َْ َ‬ ‫ْ َ َ ْ َ َ َ ُ ُّ ُ َ َ َ ْ‬ ‫ِباثنتي ِن وما يصده ذ ِلك عن ِدي ِن ِه وي ْمشط ِبأمش ِ‬ ‫‪8‬‬ .‬‬ ‫ويدخل في ذلك من أنواع الحاجات ما ال يمكن إحصاؤه؛ ولهذا كان‬ ‫الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صالة؛ لفرط حاجتهم إليه‪،‬‬ ‫فليسوا إلى ش يء أحوج منهم إلى هذا الدعاء"اهـ( ‪. ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الله قادرا على العمل بتلك اإلرادة الصالحة؛ فإنه ال يكون مهتديا إلى‬ ‫الصراط املستقيم ‪ -‬صراط الذين أنعم هللا عليهم من النبيين‬ ‫والصديقين والشهداء والصالحين ‪ -‬إال بهذه العلوم واإلرادات‪،‬‬ ‫والقدرة على ذلك‪.

‬‬ ‫َّ‬ ‫ال َر ُسو ُل الل ِه‬‫ال‪َ :‬ق َ‬ ‫فقد أخرج الترمذي (‪َ )2260‬ع ْن َأ َنس ْبن َم ِال ٍك َق َ‬ ‫ِ ِ‬ ‫َ‬ ‫الص ِاب ُر ِف ِيه ْم َعلى ِدي ِن ِه‬ ‫ان َّ‬ ‫الل ُه َع َل ْيه َو َس َّل َم‪"َ :‬ي ْأتي َع َلى َّ‬ ‫الناس َز َم ٌ‬ ‫َ َّ َّ‬ ‫صلى‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ ْ‬ ‫َ َْ‬ ‫ض َعلى ال َج ْم ِر‪".‬ح َّتى َي ِس َير َّ‬ ‫ُ َ‬ ‫َ ُ َ‬ ‫َ َ‬ ‫َْ ْ‬ ‫الذئ َب َعلى غ َن ِم ِه َول ِك َّنك ْم ت ْس َت ْع ِجلون‪".‬‬ ‫أو ِ‬ ‫والصبر هو الثبات على الحق أمام داعي الهوى والشهوة‪.‬‬ ‫كال ِ ِ‬ ‫اب‬‫ق‬ ‫وأخرج الترمذي (‪ ،)3058‬وأبو داود (‪ )4341‬وابن ماجه (‪ ،)4014‬وفي‬ ‫َ ُ َ‬ ‫السند ضعف‪ ،‬لكن محل الشاهد يتقوى بما قبله‪َ ،‬ع ْن أ ِبي أ َم َّية‬ ‫َّ ْ َ َ َ َ َ ْ ُ َ َ َ ْ َ َ َ ْ ُ َ َّ َ ُ ْ ُ َ ُ َ ْ َ‬ ‫ف َت ْ‬ ‫ص َن ُع ِب َه ِذ ِه‬ ‫الشعبا ِن ِي قال‪ :‬أتيت أبا ثعلبة الخش ِني فقلت له‪ :‬كي‬ ‫ْ‬ ‫اْل َي ِة؟‬ ‫‪9‬‬ .‬‬ ‫فاملسلم عليه أمام الفتن ودواعي الهوى والشهوة أن يصبر‪ ،‬وقد‬ ‫أخبر رسول هللا صلى هللا عليه وسلم عن زمان يشتد على املسلم‬ ‫الثبات على الحق ‪. ‫َ‬ ‫َّ َ‬ ‫ْ َ ْ َْ َ َ ََ َ ُ َ‬ ‫َ‬ ‫ص ُّد ُه ذ ِل َك َع ْن ِدي ِن ِه َوالل ِه ل ُي ِت َّم َّن َهذا‬ ‫ل ْح ِم ِه ِمن عظ ٍم أو عص ٍب وما ي‬ ‫َ َ ُ َّ َّ‬ ‫ص ْن َع َاء إ َلى َح ْ‬ ‫َْ‬ ‫ض َر َم ْو َت ال َيخاف ِإال الل َه‬ ‫ِ‬ ‫الراك ُب م ْن َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫اْل ْم َر‪َ .

‬‬ ‫خم ِسين ِمنا أو ِمنهم ق‬ ‫واالستقامة على الحق أمام داعي الهوى والشهوة‪ ،‬تعني السالمة من‬ ‫الضاللة‪.‬‬ ‫واْلخذ بكتاب هللا وسنة رسوله صلى هللا عليه وسلم أمان وعصمة‬ ‫من الضالل‪ :‬قال صلى هللا عليه وسلم ‪" :‬تركت فيكم ما إن تمسكتم‬ ‫‪10‬‬ .‬‬ ‫َّ َ‬ ‫الل ِه ْب ُن ْاملُ َبا َر ِك ‪َ :‬و َز َاد ِني َغ ْي ُر ُع ْت َب َة " ِق َ‬ ‫َ َ َ ْ ُ َّ‬ ‫يل‪َ :‬يا َر ُسو َل الل ِه أ ْج ُر‬ ‫قال عبد‬ ‫ُ‬ ‫َ ْ َ َّ َ ْ ْ ُ ْ َ َ َ َ‬ ‫ال َب ْل أ ْج ُر خ ْم ِس َين ِم ْنك ْم‪". ‫َ َ َ ُ‬ ‫ال أ َّية َآي ٍة؟‬‫ق‬ ‫ُ ْ ُ َ ْ ُ ُ َ َ َ َ َ ُّ َ َّ َ َ ُ َ َ ْ ُ ْ َ ْ ُ َ ُ ْ َ َ ُ ُ‬ ‫ض ُّرك ْم َم ْن‬ ‫قلت ‪ :‬قوله تعالى‪: ‬يا أيها ال ِذين آمنوا عليكم أنفسكم ال ي‬ ‫َْ‬ ‫َ‬ ‫َْ‬ ‫َّ َ َ‬ ‫َ َّ َ ْ َ َ ْ ُ ْ َ َ َ‬ ‫ال‪ :‬أ َما َوالل ِه لق ْد َسأل َت َع ْن َها خ ِب ًيرا َسأل ُت َع ْن َها‬ ‫ضل ِإذا اهتديتم ‪‬ق‬ ‫َ‬ ‫وف َوت َن َاه ْوا‬ ‫َْ ْ‬ ‫الل ُه َع َل ْيه َو َس َّل َم َف َق َ َ ْ َ‬ ‫َ ُ َ َّ َ َّ َّ‬ ‫ال‪ :‬ب ْل ائت ِم ُروا ِباملع ُر ِ‬ ‫ِ‬ ‫رسول الل ِه صلى‬ ‫ْ َْ ً‬ ‫اعا َو َه ًوى ُم َّت َب ًعا َو ُدن َيا ُمؤث َرة‬ ‫َع ْن ْاملُ ْن َكر َح َّتى إ َذا َ َرأ ْي َت ُش ًّحا ُم َط ً‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ ْ َ ْ َ َ َ ْ َ َ َّ َ‬ ‫َ ْ َ َ ُ‬ ‫اص ِة ن ْف ِس َك َو َد ْع ال َع َو َّام ف ِإ َّن‬ ‫اب ك ِل ِذي رأ ٍي ِبرأ ِي ِه فعليك ِبخ‬ ‫وِإعج‬ ‫ْ‬ ‫َ ْ‬ ‫ض َعلى ال َج ْم ِر ِلل َع ِام ِل ِف ِيه َّن‬ ‫َّ ْ ُ َّ ْ ُ ْ َ ْ‬ ‫ْ َ َ ُ ْ َ َّ ً‬ ‫ِمن ورا ِئكم أياما الصبر ِف ِيهن ِمثل القب ِ‬ ‫ُ‬ ‫ُ َ ْ‬ ‫ً‬ ‫ْ َ َ‬ ‫ِمث ُل أ ْج ِر خ ْم ِس َين َر ُجال َي ْع َملون ِمث َل َع َم ِلك ْم‪.

‬إال‬ ‫وهذا كله دليله قوله تعالى ‪: ‬والعص ِر‪ِ .‬‬ ‫َّ‬ ‫َ ْ َ ْ َّ ْ ْ َ َ َ ُ‬ ‫ان ل ِفي خ ْس ٍر‪ِ .‬‬ ‫)‪2‬العمل الصالح‪.‬‬ ‫)‪4‬التواص ي بالصبر‪.‬إن ِ‬ ‫اْلنس‬ ‫الص ْب ِر‪.‬‬ ‫)‪3‬التواص ي بالحق‪. ‫به لن تضلوا‪ :‬كتاب هللا وسنتي"( ‪).1‬‬ ‫(عنوان وسائل الثبات على الحق)‬ ‫)‪1‬تحقيق اإليمان‪.‬‬ ‫اص ْوا ب ْال َحق َو َت َو َ‬ ‫اص ْوا ب َّ‬ ‫ين َآم ُنوا َو َعم ُلوا َّ‬ ‫الصال َحات َو َت َو َ‬ ‫َّالذ َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ ْ َ ُ‬ ‫ً‬ ‫الة َوِإ َّن َها‬ ‫َّ ْ َ َّ‬ ‫ويدل عليه أيضا ‪ :‬قوله تعالى‪: ‬واست ِعينوا ِبالصب ِر والص ِ‬ ‫َل َكب َير ٌة إ َّال َع َلى ْال َخاشع َين( ‪‬البقرة‪ ،)45:‬وقوله تعالى‪َّ : ‬الذ َ‬ ‫ين َآم ُنوا‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫َّ َّ‬ ‫الل َه َم َع َّ‬ ‫الصابر َ‬ ‫َّ ْ َ َّ‬ ‫ْ َ ُ‬ ‫ين( ‪‬البقرة‪،)153:‬‬ ‫ِِ‬ ‫الة ِإن‬ ‫است ِعينوا ِبالصب ِر والص ِ‬ ‫َّ ْ َ َ َ َ ْ َ‬ ‫وقوله تعالى‪: ‬م َن َّالذ َ‬ ‫ين َآم ُنوا َو َت َو َ‬ ‫اص ْوا ِبامل ْر َح َم ِة ‪‬‬‫اص ْوا ِبالصب ِر وتو‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫‪11‬‬ .

‬‬ ‫َ َ‬ ‫َ َُ‬ ‫َّ َ ْ ُ ُ َّ َ ُ ْ‬ ‫ََ ُ‬ ‫ين ُح َنف َاء‬ ‫قال تعالى‪: ‬وما أ ِم ُروا ِإال ِليعبدوا الله مخ ِل ِصين له ِ‬ ‫الد‬ ‫َّ َ َ َ َ َ ُ ْ َ‬ ‫َّ َ ْ ُ‬ ‫ين الق ِي َم ِة( ‪‬البينة‪ .‬‬ ‫وتحقيق العمل الصالح بأن تعبد هللا وحده ال شريك له‪ ،‬وأن ال‬ ‫تعبده إال بما شرع‪ ،‬وهما أصل الدين‪ ،‬ومعنى شهادة أن ال إله إال هللا‬ ‫ً‬ ‫وأن محمدا رسول هللا ‪.17:‬‬ ‫وتحقيق اإليمان بمعرفة أركانه‪ ،‬فهو قول باللسان وعمل في اْلبدان‬ ‫واعتقاد في الجنان‪ ،‬وهو أن تؤمن باهلل ومالئكته وكتبه ورسله‬ ‫واليوم اْلخر والقدر خيره وشره‪.110‬‬ ‫وتحقيق التواص ي بالحق بالدعوة إليه‪ ،‬وبتعليمه للناس‪ ،‬واْلمر‬ ‫‪12‬‬ . )5:‬وقال‬ ‫الصالة َو ُيؤتوا الزكاة وذ ِلك ِد‬ ‫َو ُي ِق ُيموا‬ ‫َّ‬ ‫الله ُأ ْس َو ٌة َح َس َن ٌة ملَ ْن َك َ‬ ‫ان َي ْر ُجو الل َه‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫ََ ْ َ َ َُ ْ‬ ‫ِ‬ ‫تعالى‪: ‬لقد كان لكم ِفي َرسو ِل ِ‬ ‫َ ْ َ ْ َ ْ َ َ َ َ َ َّ‬ ‫الل َه َكثي ًرا( ‪‬اْلحزاب‪ )21:‬وقال تعالى‪َ : ‬ف َم ْن َك َ‬ ‫ان‬ ‫ِ‬ ‫واليوم اْل ِخر وذكر‬ ‫َ ً‬ ‫ْ‬ ‫َ ْ ُ َ َ َ ََْ ْ َ ْ َ َ ً َ ً‬ ‫ص ِالحا َوال ُيش ِر ْك ِب ِع َب َاد ِة َرِب ِه أ َحدا ‪‬‬ ‫يرجوا ِلقاء رِب ِه فليعمل عمال‬ ‫(الكهف‪ :‬من اْلية‪). ‫(البلد‪) .

‬وإذا كان صوابا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ولم خالصا لم يقبل ‪ ،‬حتى يكون خالصا صوابا‪".2:‬‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫قال الفضيل بن عياض‪" :‬ليبلوكم أيكم أحسن عمال أي اصوبه‬ ‫وأخلصه‪. 110:‬‬ ‫خيرا لهم ِمنهم املؤ ِمنو وأكثرهم ال ِ‬ ‫ف‬ ‫َ َ‬ ‫ُ َ َّ َ َ َ‬ ‫ائيل َعلى ِل َس ِان‬ ‫ين كف ُروا ِم ْن َب ِني ِإ ْسر‬ ‫وقال تبارك وتعالى‪: ‬ل ِعن ال ِذ‬ ‫َ َ ُ‬ ‫َ ُ َ َ َ ْ َ َْ َ َ َ َ َ َ َ ُ‬ ‫ص ْوا َوكانوا َي ْع َت ُدون‪ .‬‬ ‫قال هللا تبا ك وتعالى‪ُ : ‬ك ْن ُت ْم َخ ْي َر ُأ َّمة ُأ ْخر َج ْت ل َّلناس َت ْأ ُم ُر َ‬ ‫ون‬ ‫ٍ ِ ِ ِ‬ ‫ر‬ ‫الله َو َل ْو َآم َن َأ ْه ُل ْالك َتاب َل َك َ‬ ‫َ َ ْ َ ْ َ َ ْ ُ ْ َ َ ُ ْ ُ َ َّ‬ ‫َْ ْ‬ ‫ان‬ ‫ِ ِ‬ ‫وف وتنهون ع ِن املنك ِر وتؤ ِمنون ِب‬ ‫ِباملع ُر ِ‬ ‫َ‬ ‫َ ْ ً َ ُ ْ ْ ُ ُ ْ ُ ْ ُ َن َ َ ْ َ ُ ُ ُ ْ َ‬ ‫اس ُقون( ‪‬آل عمران‪) . ‫باملعروف والنهي عن املنكر‪.‬كانوا ال‬ ‫داود و ِعيس ى اب ِن مريم ذ ِلك ِبما ع‬ ‫ُ َ‬ ‫َ َ َ َ ْ َن َ ْ ُ ْ َ َ َ ُ ُ َ ْ َ َ ُ‬ ‫س َما كانوا َي ْف َعلون) (املائدة‪).‬‬ ‫قيل‪ :‬يا أبا علي ما اصوبه وأخلصه؟‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫قال‪ :‬إن العمل إذا خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل‪ .‬‬ ‫‪13‬‬ .79-78:‬‬ ‫يتناهو عن منك ٍر فعلوه ل ِبئ‬ ‫ً‬ ‫ْ َ ُ ُ َ ُ َ‬ ‫َ َ َْ‬ ‫َّ‬ ‫قال تعالى‪: ‬ال ِذي خل َق امل ْو َت َوال َح َياة ِل َي ْبل َوك ْم أ ُّيك ْم أ ْح َس ُن َع َمال َو ُه َو‬ ‫ْال َعز ُيز ْال َغ ُف ُ‬ ‫ور( ‪‬امللك‪).

80:‬‬ ‫َ َ َ َ َ َ ً‬ ‫آمن وع ِمل ص ِال‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫وقال تبارك وتعالى‪ُ : ‬ق ْل َيا ع َباد َّالذ َ‬ ‫ين َآم ُنوا َّات ُقوا َرَّب ُك ْم ل َّلذ َ‬ ‫ين‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ ِ ِ‬ ‫‪14‬‬ .‬وأصوبه ما كان على السنة‪. ‫وأخلص العمل ما كان هلل‪ .‬‬ ‫َ َ َ َّ َ ُ ُ ْ ْ َ َ ْ َ ُ ْ َ َ ُ َّ َ َ‬ ‫اب الل ِه خ ْي ٌر ِمل ْن‬‫قال تبارك وتعالى‪: ‬وقال ال ِذين أوتوا ال ِعلم ويلكم ثو‬ ‫حا َوال ُي َل َّق َاها إ َّال َّ‬ ‫الصاب ُر َ‬ ‫ون( ‪‬القصص‪) .‬‬ ‫َ َّ َ ُ َ َّ َ َّ‬ ‫َّ‬ ‫َ ْ َ‬ ‫صلى‬ ‫ود ‪" :‬أن رسول الل ِه‬ ‫وأخرج مسلم (‪ )50‬عن ع ْب ِد الل ِه ْب ِن َم ْس ُع ٍ‬ ‫َّ ُ َ َ ْ َ َ َّ َ َ َ َ ْ َ َ َ َ ُ َّ ُ ُ َّ َ ْ َّ َ َ َ‬ ‫ان ل ُه ِم ْن‬ ‫الله علي ِه وسلم قال ما ِمن ن ِب ٍي بعثه الله ِفي أم ٍة قب ِلي ِإال ك‬ ‫َ َ ُ‬ ‫ُ َّ َ َ ُّ َن َ َ ْ َ ٌ ْ ُ ُ َ َّ‬ ‫اب َيأخذون ِب ُسن ِت ِه َو َي ْق َت ُدون ِبأ ْم ِر ِه ث َّم ِإ َّن َها‬ ‫أم ِت ِه حوا ِريو وأصح‬ ‫ُ َ َ‬ ‫ُ َ‬ ‫ُ َ َ‬ ‫ُُ ٌ‬ ‫َ ُْ ُ‬ ‫تخلف ِم ْن َب ْع ِد ِه ْم خلوف َي ُقولون َما ال َي ْف َعلون َو َي ْف َعلون َما ال‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َُُْ َ َ‬ ‫ون ف َم ْن َج َاه َد ُه ْم ِب َي ِد ِه ف ُه َو ُمؤ ِم ٌن َو َم ْن َج َاه َد ُه ْم ِب ِل َسا ِن ِه ف ُه َو‬ ‫يؤمر‬ ‫ُ ْ ٌ َ َ ْ َ َ َ ُ ْ َْ َُ َ ُ ْ ٌ ََْ َ ََ َ َ َ ْ ْ‬ ‫اإل َيم ِان‬ ‫مؤ ِمن ومن جاهدهم ِبقل ِب ِه فهو مؤ ِمن وليس وراء ذ ِلك ِمن ِ‬ ‫ُ َ‬ ‫َح َّبة خ ْر َد ٍل‪".‬‬ ‫وتحقيق التواص ي بالصبر بالتذكير بأجر الصابرين‪ ،‬وبحال اْلمم‬ ‫قبلنا‪.

10:‬‬‫س‬‫َأ ْج َر ُه ْم ب َغ ْير ح َ‬ ‫ِ ِ ِ ٍ‬ ‫َّ‬ ‫َ ُْْ َ َ ٌ َ ُ‬ ‫ص َدقوا َما َع َاه ُدوا الل َه‬ ‫قال هللا تبارك وتعالى‪ِ : ‬من املؤ ِم ِنين ِرجال‬ ‫ُ َ ً‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫َعل ْي ِه ف ِم ْن ُه ْم َم ْن ق َض ى ن ْح َب ُه َو ِم ْن ُه ْم َم ْن َين َت ِظ ُر َو َما َب َّدلوا ت ْب ِديال ‪‬‬ ‫(اْلحزاب‪) .‬‬ ‫فبالتوحيد والعقيدة تحقيق اإليمان ‪.‬‬ ‫‪15‬‬ .‬‬ ‫وقسم منه قصص السابقين‪.32:‬‬ ‫ً‬ ‫فالقرآن العظيم نزل مفرقا منجما على رسول هللا صلى هللا عليه‬ ‫وسلم ليثبته هللا به‪ ،‬ويرد به على الكافرين‪. ‫ُّ ْ َ َ َ َ ٌ َ َ ْ ُ َّ‬ ‫الل ِه َواس َع ٌة إ َّن َما ُي َو َّفى َّ‬ ‫الصاب ُر َ‬ ‫َأ ْح َس ُنوا في َ‬ ‫ون‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ض‬‫ر‬ ‫أ‬‫و‬ ‫ة‬ ‫ن‬ ‫س‬ ‫ح‬ ‫ا‬‫ي‬ ‫ن‬ ‫الد‬ ‫ه‬‫ذ‬ ‫ه‬ ‫ِ ِِ‬ ‫اب( ‪‬الزمر‪).‬‬ ‫وقسم منه أحكام أمر ونهي‪.‬‬ ‫وبكل أقسامه يحصل التثبيت‪.‬‬ ‫والقرآن قسم منه توحيد وعقيدة‪.23:‬‬ ‫ًَ‬ ‫َ ْ‬ ‫َ َ َ َّ َ َ َ َ ُ‬ ‫ين كف ُروا ل ْوال ن ِز َل َعل ْي ِه ال ُق ْر ُآن ُج ْملة‬ ‫وقد قال تعالى‪: ‬وقال ال ِذ‬ ‫ْ َ ً‬ ‫َُ‬ ‫َ‬ ‫ً َ َ‬ ‫َو ِاح َدة كذ ِل َك ِل ُنث ِب َت ِب ِه فؤ َاد َك َو َر َّتل َن ُاه ت ْرِتيال( ‪‬الفرقان‪).

‬‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ين َأ َ‬ ‫نع َ‬ ‫اط َّالذ َ‬‫َ َ ُ َ َ َ َ‬ ‫َ‬ ‫َ َ ْ َ ُ‬ ‫َ ُْ ُ‬ ‫مت‬ ‫ِ‬ ‫الصراط املست ِقيم‪ِ .66:‬‬ ‫فعلوا ما يوعظون ِب ِه لك‬ ‫ص َع َل ْي َك ِم ْن َأ ْن َب ِاء ُّ‬ ‫الر ُس ِل‬ ‫وفي النظر في قصصه قال تعالى‪َ : ‬و ُك ًّال َن ُق ُّ‬ ‫ْ ْ‬ ‫ٌَ ْ‬ ‫ْ‬ ‫َُ‬ ‫َُ‬ ‫َما نث ِب ُت ِب ِه فؤ َاد َك َو َج َاء َك ِفي َه ِذ ِه ال َح ُّق َو َم ْو ِعظة َو ِذك َرى ِلل ُمؤ ِم ِن َين ‪‬‬ ‫(هود‪) .‬إ َّي َ‬ ‫اك‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الر ْحمن َّ‬ ‫‪ْ ‬ال َح ْم ُد لل ِه َرب ْال َع َ ِامل َين‪َّ .120:‬‬ ‫ٌ‬ ‫ْ‬ ‫َ ْ ُ َ ُ ُّ َ َ َ‬ ‫ص َعل ْي َك ن َبأ ُه ْم ِبال َح ِق ِإ َّن ُه ْم ِف ْت َية َآم ُنوا ِب َ ِرب ِه ْم‬‫وقال تعالى‪: ‬نحن نق‬ ‫َوز ْد َن ُاه ْم ُه ً‬ ‫دى( ‪‬الكهف‪ .‬‬ ‫َ َ ْ ُ‬ ‫َ َ َ‬ ‫وفي العمل بأحكامه قال تبارك وتعالى‪َ : ‬ول ْو أ َّنا ك َت ْب َنا َعل ْي ِه ْم أ ِن اق ُتلوا‬ ‫َ َ‬ ‫َْ ُ َ ُ ْ َ ْ‬ ‫اخ ُر ُجوا م ْن د َيار ُك ْم َما َف َع ُل ُ‬ ‫وه إ َّال َق ِل ٌ‬ ‫يل ِم ْن ُه ْم َول ْو أ َّن ُه ْم‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ ِ‬ ‫أنفسكم أ ِو‬ ‫َ َُ َ ُ َ ُ َ َ َ َ َ ً َ َ َ َْ ً‬ ‫ان خ ْيرا ل ُه ْم َوأش َّد تث ِبيتا( ‪‬النساء‪).‬‬ ‫َع َليه ْم َغير املَ ُ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫‪16‬‬ .)13:‬وفي تعلم العقيدة والتوحيد قال تعالى ‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫الرحيم‪َ .‬صر‬ ‫اهدنا ِ‬ ‫نعبد ِوإ َّياك نست ِعين‪ِ .‬‬ ‫وبالقصص يحصل الصبر والسلوى على ما ينال املسلم في سبيل‬ ‫الدين والدعوة‪. ‫وباْلحكام واْلمر والنهي يحصل العمل الصالح‪.‬‬ ‫غضوب َع َليه ْم َو َال َّ‬ ‫الض ِال َين‪.‬ملك َي ْوم الدين‪ .

‬وما ك‬ ‫ْ ْ ََ ُُ ََ َ ْ َ ََ َْ َ ََ ْ َْ َ ََ َ ْ ُ َ َ َْ‬ ‫ص ْرنا َعلى الق ْو ِم‬ ‫اغ ِفر لنا ذنوبنا وِإسرافنا ِفي أم ِرنا وث ِبت أقدامنا وان‬ ‫ين( ‪‬آل عمران‪) .‬‬ ‫ً‬ ‫قال ابن تيمية رحمه هللا ‪" :‬إنك تجد أهل الكالم أكثر الناس انتقاال‬ ‫ً‬ ‫وجزما بنقيضه‪ ،‬وتكفير‬ ‫ً‬ ‫وجزما بالقول في موضع‪،‬‬ ‫من قول إلى قول‪،‬‬ ‫قائله في موضع آخر‪ ،‬وهذا دليل عدم اليقين‪ ،‬فإن اإليمان كما قال‬ ‫فيه[قيصر] ملا سأل أبا سفيان عمن أسلم مع النبي صلى هللا عليه‬ ‫‪17‬‬ . ‫َ ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ُ ْ ُُ‬ ‫وقال تعالى‪َ : ‬رَّب َنا ال ت ِزغ قل َوب َنا َب ْع َد ِإذ َه َد ْيت َنا َو َه ْب ل َنا ِم ْن ل ُدن َك‬ ‫َ‬ ‫ََ‬ ‫َر ْح َم ًة إ َّن َك َأ ْن َت ْال َو َّه ُ‬ ‫اب( ‪‬آل عمران‪ )8:‬وقال تعالى‪َ : ‬وكأ ِي ْن ِم ْن ن ِب ٍي‬ ‫ِ‬ ‫ض ُع ُفوا‬ ‫َّ‬ ‫الله َو َما َ‬ ‫َ َ ََ ََُ َ َ َ َ ْ َ‬ ‫َ َ َ َُ‬ ‫قات َل معه ِرِب ُّيون ك ِث ٌير فما وهنوا ِملا أصاب ُهم ِفي س ِب ِيل ِ‬ ‫َ َ ْ َ َ ُ َ َّ ُ ُ ُّ َّ َ َ َ َ َ َ َ َّ َ َ ُ‬ ‫ان ق ْول ُه ْم ِإال أ ْن قالوا َرَّب َنا‬‫وما استكانوا والله ي ِحب الص ِاب ِرين‪ .147-146:‬‬ ‫ْال َكافر َ‬ ‫ِِ‬ ‫(عنوان الثبات على املنهج من صفات أهل السنة أهل الحديث)‬ ‫والثبات على املنهج الحق هو من صفات أهل الحديث أهل السنة‬ ‫والجماعة‪.

‫ْ َ‬ ‫وسلم‪ :‬هل يرجع أحد منهم عن دينه ُسخطة له‪ ،‬بعد أن يدخل فيه‬ ‫؟ قال‪ :‬ال‪ . 3‬‬ ‫ولهذا قال بعض السلف ‪ -‬عمر بن عبد العزيز أو غيره ‪ :-‬من جعل‬ ‫دينه ً‬ ‫غرضا للخصومات أكثر التنقل‪.‬يقول‪ :‬إن هللا البد أن يبتلي املؤمن‪ ،‬فإن صبر رفع درجته‪ ،‬كما‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ َ َ َّ ُ َ ْ ُ َ‬ ‫اس أن ُيت َركوا أن َي ُقولوا َآم َّنا َو ُه ْم ال‬ ‫قال تعالى‪ :‬الم أح ِسب الن‬ ‫َ ْ ْ َ َ َ ْ َ َ َّ َّ ُ َّ َ َ ُ‬ ‫ص َدقوا‬ ‫ين ِمن قب ِل ِهم فليعلمن الله ال ِذين‬ ‫ُي ْف َت ُنو َن َو َل َق ْد َف َت َّنا َّالذ َ‬ ‫ِ‬ ‫‪18‬‬ .‬‬ ‫وأما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم‪ ،‬وال صالح‬ ‫عامتهم‪ ،‬رجع قط عن قوله واعتقاده‪ ،‬بل هم أعظم الناس ً‬ ‫صبرا‬ ‫على ذلك‪ ،‬وإن امتحنوا بأنواع املحن‪ ،‬وفتنوا بأنواع الفتن‪ ،‬وهذه‬ ‫حال اْلنبياء وأتباعهم من املتقدمين‪ ،‬كأهل اْلخدود ونحوهم‪،‬‬ ‫وكسلف هذه اْلمة من الصحابة والتابعين‪ ،‬وغيرهم من اْلئمة‪ ،‬حتى‬ ‫كان مالك ‪ -‬حمه هللا ‪ -‬يقول‪ :‬ال تغبطوا ً‬ ‫أحدا لم يصبه في هذا اْلمر‬ ‫ر‬ ‫بالء‪ .‬قال‪ :‬وكذلك اإليمان إذا خالط بشاشته القلوب‪ ،‬ال‬ ‫يسخطه أحد"( ‪).

‬‬ ‫وبالجملة‪ ،‬فالثبات واالستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف‬ ‫أضعاف‪ ،‬أضعاف ما هو عند أهل الكالم والفلسفة‪ ،‬بل املتفلسف‬ ‫أعظم اضطر ًابا وحيرة في أمره من املتكلم؛ ْلن عند املتكلم من الحق‬ ‫الذي تلقاه عن اْلنبياء ما ليس عند املتفلسف؛ ولهذا تجد مثل‪ :‬أبي‬ ‫الحسين البصري وأمثاله أثبت من مثل‪ :‬ابن سينا وأمثاله‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وأيضا‪ ،‬تجد أهل الفلسفة والكالم أعظم الناس افتراقا واختالفا‪،‬‬ ‫‪19‬‬ .‬‬ ‫اص ْوا ب ْال َحق َو َت َو َ‬ ‫اص ْوا ب َّ‬ ‫الصال َحات َو َت َو َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫َّ ِ ِ‬ ‫ومن صبر من أهل اْلهواء على قوله‪ ،‬فذاك ملا فيه من الحق‪ ،‬إذ‬ ‫البد في كل بدعة عليها طائفة كبيرة من الحق الذي جاء به الرسول‬ ‫صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬ويوافق عليه أهل السنة والحديث‪ ،‬ما يوجب‬ ‫قبولها؛ إذ الباطل املحض ال يقبل بحال‪.‫َ ً‬ ‫ْ‬ ‫َْ‬ ‫َ َ‬ ‫َول َي ْعل َم َّن الك ِاذ ِب َين‪[ ‬العنكبوت‪1:‬ـ‪ ،]3‬وقال تعالى‪َ :‬و َج َعل َنا ِم ْن ُه ْم أ ِئ َّمة‬ ‫َ‬ ‫َ ُ‬ ‫َي ْه ُدو َن ب َأ ْمرَنا َملَّا َ‬ ‫ص َب ُروا َوكانوا ِب َآيا ِت َنا ُيو ِق ُنون‪[ ‬السجدة‪ ،]24:‬وقال‬ ‫ِ ِ‬ ‫ُ‬ ‫ان َلفي ُخ ْسر إ َّال َّالذ َ‬ ‫ين َآم ُنوا َو َع ِملوا‬ ‫صر إ َّن ْ َ َ‬ ‫َ َْ ْ‬ ‫ٍِ ِ‬ ‫اإلنس ِ‬ ‫تعالى‪ :‬والع ِ ِ ِ‬ ‫الص ْب ِر‪[ ‬سورة العصر]‪.

‫مع دعوى كل منهم أن الذي يقوله حق مقطوع به قام عليه البرهان‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وأهل السنة والحديث أعظم الناس اتفاقا وائتالفا‪ ،‬وكل من كان من‬ ‫الطوائف إليهم أقرب كان إلى االتفاق واالئتالف أقرب‪ ،‬فاملعتزلة أكثر‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫اتفاقا وائتالفا من املتفلسفة؛ إذ للفالسفة في اإللهيات واملعاد‬ ‫والنبوات‪ ،‬بل وفي الطبيعيات والرياضيات‪ ،‬وصفات اْلفالك‪ ،‬من‬ ‫اْلقوال ما ال يحصيه إال ذو الجالل‪.‬‬ ‫وقد ذكر من جمع مقاالت اْلوائل‪ ،‬مثل أبي الحسن اْلشعري في‬ ‫كتاب املقاالت‪ ،‬ومثل القاض ي أبي بكر في كتاب [الدقائق] من‬ ‫ً‬ ‫مقاالتهم‪ ،‬بقدر ما يذكره الفارابي‪ ،‬وابن سينا‪ ،‬وأمثالهما أضعافا‬ ‫مضاعفة‪.‬‬ ‫وأهل اإلثبات من املتكلمين ‪ -‬مثل الكالبية والكرامية واْلشعرية ‪-‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫أكثر اتفاقا وائتالفا من املعتزلة‪ ،‬فإن في املعتزلة من االختالفات‬ ‫وتكفير بعضهم ً‬ ‫بعضا‪ ،‬حتى ليكفر التلميذ أستاذه‪ ،‬من جنس ما بين‬ ‫ص َّنف في فضائح املعتزلة من ذلك ما يطول‬ ‫الخوارج‪ ،‬وقد ذكر من َ‬ ‫‪20‬‬ .

‫ً‬ ‫ً‬ ‫وصفه‪ ،‬ولست تجد اتفاقا وائتالفا إال بسبب اتباع آثار اْلنبياء من‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫القرآن والحديث‪ ،‬وما يتبع ذلك‪ ،‬وال تجد افتراقا واختالفا إال عند‬ ‫َّ‬ ‫َ ُ َ ْ‬ ‫من ترك ذلك وقدم غيره عليه‪ ،‬قال تعالى‪َ :‬وال َي َزالون ُمخ َت ِل ِف َين ِإال‬ ‫َََ‬ ‫َ‬ ‫َمن َّر ِح َم َرُّب َك َوِلذ ِل َك خلق ُه ْم‪[ ‬هود‪ ،]119، 118:‬فأخبر أن أهل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الرحمة ال يختلفون وأهل الرحمة هم أتباع اْلنبياء قوال وفعال‪ ،‬وهم‬ ‫أهل القرآن والحديث من هذه اْلمة‪ ،‬فمن خالفهم في ش يء فاته من‬ ‫الرحمة بقدر ذلك‪.‬‬ ‫ولهذا ملا كانت الفالسفة أبعد عن اتباع اْلنبياء‪ ،‬كانوا أعظم‬ ‫ً‬ ‫اختالفا‪ ،‬و الخوارج واملعتزلة والروافض ملا كانوا ـ ً‬ ‫أيضا ـ أبعد عن‬ ‫ً‬ ‫السنة والحديث‪ ،‬كانوا أعظم افتراقا في هذه‪ ،‬السيما الرافضة‪ ،‬فإنه‬ ‫ً‬ ‫يقال‪ :‬إنهم أعظم الطوائف اختالفا؛ وذلك ْلنهم أبعد الطوائف عن‬ ‫السنة والجماعة‪ ،‬بخالف املعتزلة فإنهم أقرب إلى ذلك منهم‪".‬‬ ‫"وتجد عامة هؤالء الخارجين عن منهاج السلف من املتكلمة‬ ‫واملتصوفة يعترف بذلك إما عند املوت وإما قبل املوت والحكايات في‬ ‫‪21‬‬ .

‫هذا كثيرة معروفة‬ ‫هذا أبو الحسن اْلشعري نشأ في االعتزال أربعين عاما يناظر عليه ثم‬ ‫رجع عن ذلك وصرح بتضليل املعتزلة وبالغ في الرد عليهم‪.‬‬ ‫وكذلك أبو عبدهللا محمد بن عمر الرازي قال في كتابه الذي صنفه‬ ‫في أقسام اللذات‪" :‬لقد تأملت الطرق الكالمية واملناهج الفلسفية‬ ‫فما رأيتها تشفى عليال وال تروى عليال‪ ،‬ورأيت أقرب الطرق طريقة‬ ‫القرآن؛ أقرأ في اإلثبات‪: ‬الرحمن على العرش استوى‪ ‬إليه يصعد‬ ‫الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه‪ ،‬وأقرأ في النفي‪: ‬ليس كمثله‬ ‫ش يء‪ ،‬وال يحيطون به علما‪ ،‬هل تعلم له سميا‪.‬‬ ‫وهذا أبو حامد الغزالي مع فرط ذكائه وتألهه ومعرفته بالكالم‬ ‫والفلسفة وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف ينتهي في هذه‬ ‫املسائل إلى الوقف والحيرة ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل‬ ‫الكشف وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث وصنف‬ ‫إلجام العوام عن علم الكالم‪.‬‬ ‫‪22‬‬ .

‬وأكثر سعي العاملين ضالل‬ ‫وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى و وبال‬ ‫ولم نستفذ من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا)‬ ‫وهذا إمام الحرمين ترك ما كان ينتحله ويقرره واختار مذهب‬ ‫السلف وكان يقول‪" :‬يا أصحابنا ال تشتغلوا بالكالم فلو أني عرفت‬ ‫أن الكالم يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به‪".‫ثم قال ‪ :‬ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي وكان يتمثل كثيرا‪:‬‬ ‫(شعر نهـاية إقـدام العقول عقال ‪ .‬‬ ‫وقال عند موته‪" :‬لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل اإلسالم‬ ‫وعلومهم ودخلت فيما نهوني عنه واْلن إن لم يتداركني ربي برحمته‬ ‫فالويل البن الجويني‪ ،‬وهاأنذا أموت على عقيدة أمي أو قال عقيدة‬ ‫عجائز نيسابور‪"...‬‬ ‫وكذلك قال أبو عبدهللا محمد بن عبدالكريم الشهرستاني أخبر أنه‬ ‫‪23‬‬ .

)4‬‬ ‫(عنوان املؤمن مأمور بالصبر وأن يؤمن بأن العاقبة للتقوى)‬ ‫وقد تكرر في القرآن أمر الرسول صلى هللا عليه وسلم بالصبر بصيغة‬ ‫فعل اْلمر‪ ،‬وكلها مقرونة بأن الغلبة والنصر والعاقبة للتقوى؛‬ ‫ُ َ َ‬ ‫َ‬ ‫ْ َ ْ ََْ ْ َْ ُ‬ ‫وح َيها ِإل ْي َك َما ك ْن َت ت ْعل ُم َها‬ ‫قال تبارك وتعالى‪ِ : ‬تلك ِمن أنب ِاء الغي ِب ِ‬ ‫ن‬ ‫َ ْ‬ ‫ْ‬ ‫َأ ْن َت َوال َق ْو ُم َك م ْن َق ْبل َه َذا َف ْ‬ ‫اص ِب ْر ِإ َّن ال َعا ِق َبة ِلل ُم َّت ِق َين( ‪‬هود‪) .49:‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُُ‬ ‫َ‬ ‫ُ َ‬ ‫َ ْ َ‬ ‫اص ِب ْر َعلى َما َي ُقولون َو َس ِب ْح ِب َح ْم ِد َرِب َك ق ْب َل طل ِوع‬‫وقال تعالى‪: ‬ف‬ ‫َّ ْ َ َ ْ َ ُ ُ َ َ ْ َ َّ ْ َ َ ْ َ َ ْ َ َ َّ َ َّ‬ ‫الن َه ِار ل َعل َك‬ ‫س وقبل غر ِوبها و ِمن آن ِاء اللي ِل فس ِبح وأطراف‬ ‫الشم ِ‬ ‫َ‬ ‫ت ْر َض ى( ‪‬طـه‪) . ‫لم يحد عند الفالسفة واملتكلمين إال الحيرة والندم وكان ينشد‪:‬‬ ‫(شعر‬ ‫لعمري لقد طفت املعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك املعالم‬ ‫فلم أر إال واضعا كف حائر على ذقن أو قارعا سن نادم"اهـ( ‪].130:‬‬ ‫‪24‬‬ .

60:‬‬ ‫َ ْ ْ َّ َ ْ َ َّ َ ٌّ َ ْ ْ َ ْ‬ ‫اس َتغ ِف ْر ِلذن ِب َك َو َس ِب ْح ِب َح ْم ِد‬ ‫وقال تعالى‪: ‬فاص ِبر ِإن وعد الل ِه حق و‬ ‫َ َ َْ َ ْ َ‬ ‫اْل ْبك ِار( ‪‬غافر‪).39:‬‬ ‫ر‬‫الش ْمس َو َق ْب َل ْال ُغ ُ‬‫َّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ْ َ‬ ‫وت ِإذ ن َادى‬ ‫ْ ُ‬ ‫َ َ َُ ْ َ َ‬ ‫َ ْ ُ ْ‬ ‫اص ِب ْر ِلحك ِم َرِبك وال تكن كص ِاح ِب الح ِ‬ ‫وقال تعالى‪: ‬ف‬ ‫وم( ‪‬القلم‪).77:‬‬ ‫َ‬ ‫ص َب َر ُأ ُولوا ْال َع ْزم ِم َن ُّ‬ ‫الر ُس ِل َوال ت ْس َت ْع ِج ْل‬ ‫اصب ْر َك َما َ‬ ‫َ ْ‬ ‫ِ‬ ‫وقال تعالى‪: ‬ف ِ‬ ‫ٌ َ‬ ‫َ ُ ْ َ َ َّ ُ ْ َ ْ َ َ َ ْ َ َ ُ َ ُ َ َ ْ َ ْ َ ُ َّ َ َ ً‬ ‫اعة ِم ْن َن َه ٍار َبالغ ف َه ْل‬ ‫لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا ِإال س‬ ‫َ‬ ‫ُ َ ُ َّ ْ َ ْ ُ ْ َ‬ ‫اس ُقون( ‪‬اْلحقاف‪).55:‬‬ ‫رِبك ِبالع ِش ِي و ِ‬ ‫َ ْ ْ َّ َ ْ َ َّ َ ٌّ َ َّ ُ َ َّ َ َ ْ َ َّ َ‬ ‫ض ال ِذي ن ِع ُد ُه ْم‬ ‫وقال تعالى‪: ‬فاص ِبر ِإن وعد الل ِه حق ف ِإما ن ِرينك بع‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫َ َ َّ‬ ‫أ ْو ن َت َوف َي َّن َك ف ِإل ْي َنا ُي ْر َج ُعون( ‪‬غافر‪). ‫الله َح ٌّق َوال َي ْس َتخ َّف َّن َك َّالذ َ‬ ‫َ ْ َّ َ ْ َ َّ‬ ‫ين ال‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫وقال تعالى‪: ‬فاص ِب ْر ِإن وعد ِ‬ ‫َ‬ ‫ُيو ِق ُنون( ‪‬الروم‪).35:‬‬ ‫ي ْهلك ِإال القوم الف ِ‬ ‫ُُ‬ ‫َ‬ ‫ُ َ‬ ‫َ ْ َ‬ ‫اص ِب ْر َعلى َما َي ُقولون َو َس ِب ْح ِب َح ْم ِد َرِب َك ق ْب َل طل ِوع‬ ‫وقال تعالى‪: ‬ف‬ ‫وب( ‪‬ق‪).48:‬‬ ‫َو ُه َو َم ْك ُظ ٌ‬ ‫‪25‬‬ .

7:‬‬ ‫ِ ِ‬ ‫ً َ َ ً‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫وقال تعالى‪َ : ‬ف ْ‬ ‫اص ِب ْر ِل ُحك ِم َرِب َك َوال ت ِط ْع ِم ْن ُه ْم آ ِثما أ ْو ك ُفورا ‪‬‬ ‫(اإلنسان‪).28:‬‬ ‫ِليظ ِه َره على ِ‬ ‫ً‬ ‫قال ابن تيمية رحمه هللا في شرحه لحديث "بدا اإلسالم غريبا‬ ‫ً‬ ‫وسيعود غريبا كما بدأ"‪" :‬وكما أن هللا نهي نبيه أن يصيبه حزن أو‬ ‫‪26‬‬ .5:‬‬ ‫وقال تعالى‪: ‬فاص ِبر‬ ‫وقال تعالى‪َ : ‬ول َرب َك َف ْ‬ ‫اص ِب ْر( ‪‬املدثر‪). ‫ً‬ ‫َ ْ ْ َ ً‬ ‫ص ْبرا َج ِميال( ‪‬املعارج‪).24:‬‬ ‫ففي هذا بيان أن على املؤمن الصبر وهو الثبات على الدين الحق‬ ‫أمام داعى الهوى والشهوة‪ ،‬مع بشارة له بأن العاقبة للتقوى‪ ،‬وأن‬ ‫َ ْ‬ ‫َّ َ‬ ‫هللا تعالى وعده حق‪ ،‬وقد قال تعالى‪ُ : ‬ه َو ال ِذي أ ْر َس َل َر ُسول ُه ِبال ُه َدى‬ ‫ُ َ َ ُْ ْ ُ َ‬ ‫ْ َ ُ ْ ُ ََ‬ ‫الد ِين ك ِل ِه َول ْو ك ِر َه املش ِركون( ‪‬التوبة‪،)33:‬‬ ‫و ِد ِين الح ِق ِليظ ِه َره على ِ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ ْ‬ ‫َّ َ‬ ‫(الصف‪ ،)9:‬وقال تعالى‪ُ : ‬ه َو ال ِذي أ ْر َس َل َر ُسول ُه ِبال ُه َدى َو ِد ِين ال َح ِق‬ ‫َّ َ ً‬ ‫ُ ََ‬ ‫ُ ْ ُ ََ‬ ‫الد ِين ك ِل ِه َوكفى ِبالل ِه ش ِهيدا( ‪‬الفتح‪).

‬‬ ‫وكثير من الناس إذا رأي املنكر‪ ،‬أو تغير كثير من أحوال اإلسالم َج َزع‬ ‫َوك َّل َون َ‬ ‫اح‪ ،‬كما ينوح أهل املصائب‪ ،‬وهو منهي عن هذا‪ ،‬بل هو‬ ‫مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين اإلسالم‪ ،‬وأن يؤمن باهلل مع‬ ‫الذين اتقوا والذين هم محسنون‪ ،‬وأن العاقبة للتقوى‪ .‬وهو ملا‬ ‫أول اْلمر ً‬ ‫بدأ كان ً‬ ‫غريبا ال يعرف ثم ظهر وعرف‪ ،‬فكذلك يعود حتى ال يعرف‬ ‫ثم يظهر ويعرف‪ .‬‬ ‫‪27‬‬ .‬وأن ما‬ ‫يصيبه فهو بذنوبه‪ ،‬فليصبر‪ ،‬إن وعد هللا حق‪ ،‬وليستغفر لذنبه‪،‬‬ ‫وليسبح بحمد ربه بالعش ي واإلبكار‪.‬فيقل من يعرفه في أثناء اْلمر كما كان من يعرفه‬ ‫أوال‪.‬‬ ‫وقوله صلى هللا عليه وسلم‪" :‬ثم يعود ً‬ ‫غريبا كما بدأ" يحتمل شيئين‪:‬‬ ‫أحدهما‪ :‬أنه في أمكنة وأزمنة يعود ً‬ ‫غريبا بينهم ثم يظهر‪ ،‬كما كان في‬ ‫غريبا ثم ظهر؛ ولهذا قال‪" :‬سيعود ً‬ ‫غريبا كما بدأ"‪ . ‫ضيق ممن لم يدخل في اإلسالم في أول اْلمر‪ ،‬فكذلك في آخره‪.‬‬ ‫فاملؤمن منهي أن يحزن عليهم‪ ،‬أو يكون في ضيق من مكرهم‪.

‬فأما بقاء‬ ‫ً ً‬ ‫غريبا ذليال في اْلرض كلها قبل الساعة فال يكون هذا‪.‬وهذا إنما يكون‬ ‫ويحتمل أنه في آخر الدنيا ال يبقي‬ ‫بعد الدجال ويأجوج ومأجوج عند قرب الساعة‪ .‬وحينئذ يبعث هللا‬ ‫ر ً‬ ‫يحا تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة‪ ،‬ثم تقوم الساعة‪.‬وهذا الحديث في الصحيحين‪ ،‬ومثله من عدة أوجه‪. ‫ً‬ ‫مسلما إال قليل‪ .‬‬ ‫فقد أخبر الصادق املصدوق أنه ال تزال طائفة ممتنعة من أمته على‬ ‫الحق‪ ،‬أعزاء‪ ،‬ال يضرهم املخالف وال خالف الخاذل‪ .‬‬ ‫وأما قبل ذلك فقد قال صلى هللا عليه وسلم‪( :‬التزال طائفة من‬ ‫أمتى ظاهرين على الحق‪ ،‬ال يضرهم من خالفهم وال من خذلهم حتى‬ ‫تقوم الساعة)‪ .‬‬ ‫اإلسالم‬ ‫وقوله صلى هللا عليه وسلم‪( :‬ثم يعود ً‬ ‫غريبا كما بدأ) أعظم ما تكون‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫غربته إذا ارتد الداخلون فيه عنه‪ ،‬وقد قال تعالى‪َ :‬من َي ْرت َّد ِمنك ْم‬ ‫ُْْ‬ ‫َ َ َّ‬ ‫َ‬ ‫َ ْ‬ ‫َ‬ ‫َعن ِدي ِن ِه ف َس ْوف َيأ ِتي الل ُه ِبق ْو ٍم ُي ِح ُّب ُه ْم َو ُي ِح ُّبون ُه أ ِذل ٍة على املؤ ِم ِن َين‬ ‫‪28‬‬ .

‬‬ ‫وهذا الحديث يفيد املسلم أنه ال يغتم بقلة من يعرف حقيقة‬ ‫اإلسالم‪ ،‬وال يضيق صدره بذلك‪ ،‬وال يكون في شك من دين اإلسالم‪،‬‬ ‫َ ْ‬ ‫َ‬ ‫كما كان اْلمر حين بدأ‪ .‬فأظهر هللا به في‬ ‫اإلسالم ما كان ً‬ ‫غريبا‪.‬‬ ‫وكذلك بدأ ً‬ ‫غريبا ولم يزل يقوى حتى انتشر‪ .‬والتجديد إنما يكون بعد الدروس‪ ،‬وذاك هو غربة اإلسالم‪.‬‬ ‫وفي السنن‪" :‬إن هللا يبعث لهذه اْلمة في رأس كل مائة سنة من يجدد‬ ‫لها دينها"‪ . ]54 :‬فهؤالء يقيمونه إذا ارتد عنه أولئك‪. ‫َ َ ُ َ َ َ‬ ‫َ‬ ‫َأع َّزة على ْال َكافر َ‬ ‫ين ُي َج ِاه ُدون ِفي َس ِب ِيل الل ِه َوال َيخافون ل ْو َمة ْل ِئ ٍم‪‬‬ ‫ِِ‬ ‫ِ ٍ‬ ‫[املائدة‪ .‬‬ ‫‪29‬‬ .‬قال تعالى‪َ :‬فإن ُك َ‬ ‫نت ِفي ش ٍك ِم َّما أ َنزل َنا‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫اب ِمن ق ْب ِل َك‪[ ‬يونس‪ ، ]94 :‬إلى‬ ‫اس َأل َّالذ َ‬ ‫ين َي ْق َر ُؤو َن ْالك َت َ‬ ‫َ َ ْ‬ ‫ِ‬ ‫إليك ف ِ ِ‬ ‫غير ذلك من اْليات والبراهين الدالة على صحة اإلسالم‪.‬فهكذا يتغرب في كثير‬ ‫من اْلمكنة واْلزمنة‪ ،‬ثم يظهر‪ ،‬حتى يقيمه هللا ـ عز وجل ـ كما كان‬ ‫ََ‬ ‫عمر بن عبد العزيز ملا ولي‪ ،‬قد تغ َّر َب كثير من اإلسالم على كثير من‬ ‫الناس‪ ،‬حتى كان منهم من ال يعرف تحريم الخمر‪ .

5‬‬ ‫‪30‬‬ .‬ففي كثير من اْلمكنة يخفي عليهم من شرائعه ما يصير به‬ ‫ً‬ ‫غريبا بينهم‪ ،‬ال يعرفه منهم إال الواحد بعد الواحد‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ليس وراء ذلك من اإليمان َح َّبة خ ْر َدل"‪". ‫وكذلك إذا تغرب يحتاج صاحبه من اْلدلة والبراهين إلى نظير ما‬ ‫َ ْ‬ ‫َ‬ ‫احتاج إليه في أول اْلمر‪ .‬‬ ‫ومع هذا‪ ،‬فطوبي ملن تمسك بتلك الشريعة كما أمر هللا ورسوله‪،‬‬ ‫فإن إظهاره‪ ،‬واْلمر به‪ ،‬واإلنكار على من خالفه هو بحسب القوة‬ ‫واْلعوان‪ .‬وقد قال النبي صلى هللا عليه وسلم‪" :‬من رأي منكم ً‬ ‫منكرا‬ ‫فليغيره بيده‪ ،‬فإن لم يستطع فبلسانه‪ ،‬فإن لم يستطع فبقلبه‪.‬اهـ( ‪).]44 :‬‬ ‫ً‬ ‫َب ْل ُه ْم َأ َ‬ ‫وقد تكون الغربة في بعض شرائعه‪ ،‬وقد يكون ذلك في بعض‬ ‫اْلمكنة‪ .‬وقد قال له‪َ :‬فإن ُك َ‬ ‫نت ِفي ش ٍك ِم َّما أ َنزل َنا‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫اب ِمن ق ْب ِل َك‪[‬يونس‪ ، ]94:‬وقال‬ ‫اس َأل َّالذ َ‬ ‫ين َي ْق َر ُؤو َن ْالك َت َ‬ ‫َ َ ْ‬ ‫ِ‬ ‫إليك ف ِ ِ‬ ‫َّ َ ْ َ ْ‬ ‫ُ َ‬ ‫َ َ‬ ‫َ ََْ‬ ‫َ َ‬ ‫تعالى‪ :‬أ ْم ت ْح َس ُب أ َّن أكث َر ُه ْم َي ْس َم ُعون أ ْو َي ْع ِقلون ِإ ْن ُه ْم ِإال كاْلن َع ِام‬ ‫ض ُّل َس ِبيال‪[ ‬الفرقان‪.

‬و َّ‬ ‫اْل ْرض‪َ .‬‬ ‫َ ْ َ َّ َ‬ ‫اس أ َّن ُه‬ ‫وبما أخرجه أحمد (‪ ،)308/1‬والترمذي (‪ ،)2516‬ع ِن اب ِن عب ٍ‬ ‫َُ َ‬ ‫الل ُه َع َل ْي ِه َو َس َّل َم َف َق َ‬ ‫َ َ ُ ْ ُ َ َ َّ َ َّ َّ‬ ‫ال‪َ :‬يا غال ُم أ ْو َيا‬ ‫قال‪" :‬كنت ر ِديف الن ِب ِي صلى‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫َُ ُ ََ ُ َ ُ َ َ‬ ‫ات َي ْنف ُع َك الل ُه ِب ِه َّن؟!‬ ‫م‬ ‫َ‬ ‫غل ِيم أال أع ِلمك ِ ٍ‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫َ‬ ‫َ ْ‬ ‫ف ُقل ُت ‪َ :‬بلى‪.‬‬ ‫قال‪ :‬قال رسول الل ِه صلى الله علي ِه وسلم‪" :‬الطهور شطر ِ‬ ‫َّ َ َ َ َ َ َ ُ‬ ‫َ ْ َ ْ ُ َّ َ ْ َ ُ ْ َ َ َ ُ ْ َ َ َّ ْ‬ ‫ان الل ِه َوال َح ْم ُد ِلل ِه ت ْمَل ِن أ ْو ت ْمَل َما‬ ‫والحمد ِلل ِه تمَل ِامليزان‪ .‬و ْال ُق ْر ُآن ُح َّج ٌة َل َك َأ ْو َع َل ْي َك ُك ُّل َّ‬ ‫الن‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ف ُم ْع ِت ُق َها أ ْو ُم ِوب ُق َها‪".‬و َّ‬ ‫ور ‪َ .‬‬ ‫َ ْ َ‬ ‫َ‬ ‫َ َ َ ْ َ ْ َّ َ َ ْ َ ْ َ ْ َ ْ َّ َ‬ ‫احفظ الل َه ت ِج ْد ُه أ َم َام َك ت َع َّرف ِإل ْي ِه ِفي‬ ‫فقال ‪ :‬احفظ الله يحفظك‬ ‫الل َه َوإ َذا ْ‬ ‫َّ َ َ َ َ ْ َ َ ْ َ ْ َّ‬ ‫َّ َ َ ْ ْ َ‬ ‫اس َت َع ْن َت‬ ‫ِ‬ ‫الشد ِة وِإذا سألت فاسأل‬ ‫الرخ ِاء يع ِرفك ِفي ِ‬ ‫ف ْال َق َل ُم ب َما ُه َو َكائ ٌن َف َل ْو َأ َّن ْال َخ ْل َق ُك َّل ُه ْم َجم ً‬ ‫يعا‬ ‫َ ْ َ ْ َّ َ ْ َ َّ‬ ‫فاست ِعن ِبالل ِه قد ج‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َّ َ َ‬ ‫ََ ُ َ ْ ََْ ُ َ َ َ ْ‬ ‫وك ِبش ْي ٍء ل ْم َيك ُت ْب ُه الل ُه َعل ْي َك ل ْم َي ْق ِد ُروا َعل ْي ِه َوِإ ْن‬ ‫أرادوا أن ينفع‬ ‫‪31‬‬ .‬و َّ‬ ‫ات و ِ‬ ‫بين السماو ِ‬ ‫َ‬ ‫ْ َ‬ ‫اس َيغ ُدو ف َب ِاي ٌع ن ْف َس ُه‬ ‫ض َي ٌاء‪َ .‬وسبح‬ ‫الص َد َق ُة ُب ْر َه ٌ‬ ‫الص َال ُة ُن ٌ‬ ‫َ ْ َ َّ َ َ َ ْ َ‬ ‫الص ْب ُر‬ ‫ان‪َ . ‫َْ‬ ‫َ‬ ‫وأختم بما أخرجه مسلم في صحيحه (‪َ )223‬ع ْن أ ِبي َم ِال ٍك اْل ْش َع ِر ِي‬ ‫ُّ ُ ُ َ ْ ُ ْ‬ ‫َ َ َ َ َ ُ ُ َّ َ َّ َّ ُ َ َ ْ َ َ َّ َ‬ ‫اإل َيم ِان‪.

‬‬ ‫أرادوا أن يضر‬ ‫َّ ْ َ َ َ َ ْ َ ُ َ ْ ً َ ً َ َ َّ َّ ْ َ َ َ َّ َ‬ ‫َ َْ َ‬ ‫الص ْب ِر َوأ َّن‬ ‫اعل ْم أ َّن ِفي الصب ِر على ما تكره خيرا ك ِثيرا وأن النصر مع‬ ‫و‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َْ‬ ‫َْ‬ ‫الف َر َج َم َع الك ْر ِب َوأ َّن َم َع ال ُع ْس ِر ُي ْس ًرا‪".‬‬ ‫‪32‬‬ .‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫والحمد هلل أوال وآخرا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه‬ ‫وسلم‪. ‫َ‬ ‫َّ َ َ‬ ‫َ َ ُ َ ْ َ ُ ُّ َ َ َ ْ‬ ‫وك ِبش ْي ٍء ل ْم َيك ُت ْب ُه الل ُه َعل ْي َك ل ْم َي ْق ِد ُروا َعل ْي ِه‪.

‫=================‬ ‫الحواش ي‪:‬‬ ‫) ‪(1‬مجموع الفتاوى (‪).‬‬ ‫قلت‪ :‬في السند عند جميعهم صالح بن موس ى‪ ،‬لكن أورد الحاكم‬ ‫ً‬ ‫والبيهقي في املوضع نفسه عن ابن عباس حديثا جاء فيه ‪" :‬يا أيها‬ ‫الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب‬ ‫‪33‬‬ .321-320/14‬‬ ‫) ‪(2‬أخرجه الدارقطني في سننه (‪ ،)245/4‬املستدرك (علوش‬ ‫‪ ،284/1‬تحت رقم ‪ ،)324‬والبيهقي في السنن الكبرى (‪،)114/10‬‬ ‫وقال في مجمع الزوائد (‪ " :)163/9‬رواه البزار وفيه صالح بن موس ى‬ ‫الطلحي وهو ضعيف"اهـ‪ .‬ولفظ الحديث عند الحاكم‪" :‬عن أبي صالح‬ ‫عن أبي هريرة رض ي هللا تعالى عنه قال‪ :‬قال رسول هللا صلى هللا‬ ‫عليه وسلم إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب هللا‬ ‫وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض‪".

‬‬ ‫) ‪(3‬حديث صحيح‪ ،‬عن عبدهللا بن عباس رض ي هللا عنه‪.‬‬ ‫أخرجه البخاري في مواضع منها في كتاب بدء الوحي في سياق طويل‪،‬‬ ‫تحت رقم (‪ ،)7‬وأخرجه في كتاب اإليمان باب سؤال جبريل للنبي‬ ‫صلى هللا عليه وسلم عن اإليمان واإلسالم واإلحسان‪ ،.‬فالحديث يرتقي‬ ‫لن ت ِضلوا ما تمسكتم ِب ِهما ِكت‬ ‫إن شاء هللا إلى درجة الحسن لغيره‪..‬وجاء في‬ ‫َ‬ ‫"ع ْن َم ِالك‪ :‬أ َّن ُه‬‫املوطأ في كتاب الجامع باب النهي عن القول بالقدر‪َ :‬‬ ‫ُ َ‬ ‫َ َ َ ُ َ َّ َ ُ َ َّ َ َّ َّ ُ َ َ ْ َ َ َّ َ َ َ َ ْ‬ ‫ال‪" :‬ت َرك ُت ِفيك ْم أ ْم َرْي ِن‬ ‫بلغه أن رسول الل ِه صلى الله علي ِه وسلم ق‬ ‫َ َ‬ ‫َ ْ َ ُّ َ َ َ َّ ْ ُ ْ َ َ َ َّ‬ ‫اب الل ِه َو ُس َّنة ن ِب ِي ِه"‪ . ‫هللا وسنة نبيه صلى هللا عليه وسلم"‪ ،‬وهو شاهد صالح‪ .‬تحت رقم‬ ‫َ‬ ‫َ َ َ ْ‬ ‫َ ْ َ َّ ْ َ َ َّ‬ ‫ً‬ ‫ال أخ َب َرِني أ ُبو‬ ‫اس ق‬ ‫(‪ )51‬مختصرا ولفظه‪" :‬عن عبدالل ِه بن عب ٍ‬ ‫صو َن‬‫ال َل ُه َس َأ ْل ُت َك َه ْل َيز ُيدو َن َأ ْم َي ْن ُق ُ‬ ‫ان ْب ُن َح ْرب َأ َّن ه َر ْق َل َق َ‬ ‫ُس ْف َي َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫َ َ‬ ‫َْ‬ ‫َف َز َع ْم َت َأ َّن ُه ْم َيز ُيدو َن َو َك َذل َك ْاإل َيم ُ‬ ‫ان َح َّتى َي ِت َّم َو َسأل ُت َك َه ْل َي ْرت ُّد أ َح ٌد‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ان ِح َين‬ ‫َس ْخ َط ًة لدينه َب ْع َد َأ ْن َي ْد ُخ َل فيه َف َز َع ْم َت َأ ْن َال َو َك َذل َك ْاإل َيم ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِِ ِِ‬ ‫‪34‬‬ ..

‬‬ ‫تخ ِالط بشاشته القل‬ ‫) ‪(4‬مجموع الفتاوى (‪)73-72 ،52-50/4‬‬ ‫) ‪(5‬مجموع الفتاوى (‪).299-295/18‬‬ ‫‪35‬‬ . ‫َ ُ َ‬ ‫ُ َ ُ َ َ َ ُُ ُُْ َ َ‬ ‫وب ال َي ْسخط ُه أ َح ٌد‪".