‫المنهج النبوي في التربية والتعليم‬

‫األسلوب القصصي يف التعليم النبوي (‪)2/1‬‬
‫نشر في جريدة أخبار الخليج بتاريخ ‪ 11‬يونيو ‪2017‬‬

‫بقلم‪ :‬الدكتور زكريا خنجي‬

‫ما أسباب نزول سورة يوسف عليه السالم؟‬

‫تروي كتب التفسير أن أحد أسباب نزول سورة يوسف عليه السالم‬
‫كما رواه ابن جرير عن ابن عباس أن بعض الناس قالوا‪ :‬يا رسول اهلل‬
‫قصُُّ عَلَ ْيكَ‬
‫حنُ نَ ُ‬
‫صلى اهلل عليك وسلم لو قصصت علينا؟ فنزلت‪( :‬نَ ْ‬
‫أَحْسَنَ الْقَصَصِ)‪ ،‬فأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص‪.‬‬

‫فجاء السرد القرآني لقصة يوسف عليه السالم تلبية لرغبة‬
‫الصحابة رضوان اهلل عليه في االستماع إلى القصص وما فيه من‬
‫إشباع لرغبات النفس‪ ،‬وإمتاع للقلوب‪ ،‬وإثراء للعقول‪ ،‬من دون إغفال‬
‫الجانب التربوي وما يقوم به من تقويم للسلوك الفردي ومعالجة‬
‫للقضايا التربوية والمشكالت المجتمعية‪ ،‬وذلك عبر االعتبار‬
‫م عِبْرَةٌ ألُولِي األَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا‬
‫واالتعاظ‪( ،‬لَقَ ْد كَانَ فِي قَصَصِهِ ْ‬
‫شيْءٍ وَهُدًى‬
‫ل َ‬
‫يهِ وَتَفْصِيلَ كُ ُِّ‬
‫صدِيقَ الَُّذِي بَيْنَ يَدَ ْ‬
‫يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَ ْ‬
‫يؤْمِنُونَ) سورة يوسف – اآلية ‪.111‬‬
‫وَرَحْمَةً لِقَ ْومٍ ُ‬

‫وقد أدرك رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم هذه االحتياجات‬
‫الفطرية للنفس البشرية إلى االستماع إلى السرد القصصي‪،‬‬
‫والنزعة اإلنسانية نحو االستمتاع به‪ ،‬كما أدرك عليه أفضل الصالة‬
‫والتسليم القوى الخفية الكامنة في هذا الفن‪ ،‬وما يمكن أن تقوم‬
‫‪1‬‬
‫به من تهذيب للنفس وتطهير للروح والسمو بهما لعالم الخلود‬
‫المنشود‪ ،‬إذا تم توجيهها توجيهًا تربويًا‪ ،‬وتوظيفها توظيفًا‬
‫هادفًا ألداء رسالة سامية‪.‬‬

‫وتع َرُّف القصة بأنها «عمل فني يمنح الشعور بالمتعة والبهجة‪،‬‬
‫كما يتميز بالقدرة على جذب االنتباه والتشويق‪ ،‬وإثارة الخيال‪،‬‬
‫وقد تتضمن غرضًا أخالقيًا‪ ،‬أو لغويًا‪ ،‬أو ترويحيًا‪ ،‬وقد تشمل هذه‬
‫األغراض كلها أو بعضها»‪.‬‬

‫ولقد استوعب نبي اهلل صلى اهلل عليه وسلم هذا المضمون وتلك‬
‫الفوائد التربوية الجمة للقصة فوظفها بهدف تبسيط األغراض‬
‫العقائد والفكرية والتعليمية التي كان يرغب في توصيلها إلى‬
‫عقول الصحابة رضوان اهلل عليهم‪ ،‬فتارة يستمد حكايته من‬
‫أناس عاشوا في الزمن الغابر‪ ،‬وتارة يحدثهم عن أقوامًا صالحين‬
‫والتاريخ ا لمجيد لهؤالء القوم ليثبتهم ويشد من عزمهم في‬
‫الدعوة‪ ،‬وتارة أخرى يتحدث عن نفسه وأمور الدعوة‪ ،‬وهكذا يأخذ من‬
‫كل تلك األحاديث عبرا وحكايات لتوصيل المعاني واألهداف‬
‫واألفكار‪.‬‬

‫فدعونا نستمع ونستمتع بقصص المصطفى عليه أفضل الصالة‬
‫والتسليم‪.‬‬

‫عن أم المؤمنين عائشة رضي اهلل عنها‪ ،‬أَنَُّهَا قَالَتْ لِلنَُّ ِبيُِّ صَلَُّى اهللُ‬
‫يوْمِ أُحُدٍ‪ ،‬قَالَ‪« :‬لَقَ ْد‬
‫منْ َ‬
‫يوْمٌ كَانَ أَشَدَُّ ِ‬
‫سلَُّمَ‪ :‬هَلْ أَتَى عَلَيْكَ َ‬
‫عَلَيْهِ وَ َ‬
‫ي ْومَ العَقَبَةِ‪،‬‬
‫ك مَا لَقِيتُ‪ ،‬وَكَانَ أَشَ َُّد مَا لَقِيتُ مِ ْنهُمْ َ‬
‫ن قَ ْومِ ِ‬
‫لَقِيتُ مِ ْ‬
‫يجِبْنِي إلى‬
‫اللٍ‪ ،‬فَلَمْ ُ‬
‫علَى ابْنِ عبد يَالِيلَ بْنِ عبد كُ َ‬
‫إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي َ‬
‫فقْ إِلَُّا وَأَنَا‬
‫همُومٌ عَلَى وَجْهِي‪ ،‬فَلَمْ أَسْتَ ِ‬
‫ت وَأَنَا مَ ْ‬
‫ق ُ‬
‫مَا أَرَدْتُ‪ ،‬فَانْطَلَ ْ‬
‫‪2‬‬
‫ظلَُّتْنِي‪ ،‬فَنَظَرْتُ‬
‫بِقَرْنِ الثَُّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي‪ ،‬فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَ َ‬
‫ك لَكَ‪،‬‬
‫قوْمِ َ‬
‫قوْلَ َ‬
‫معَ َ‬
‫قدْ سَ ِ‬
‫فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ‪ ،‬فَنَادَانِي فَقَالَ‪ :‬إِنَُّ اللَُّهَ َ‬
‫جبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِ ْئتَ فِيهِمْ‪،‬‬
‫م َلكَ ال ِ‬
‫وَمَا رَدُُّوا عَلَ ْيكَ‪ ،‬وَقَ ْد بَعَثَ إِلَيْكَ َ‬
‫حمَُّدُ‪ ،‬فَقَالَ‪ ،‬ذَلِكَ فِيمَا‬
‫م عَلَيَُّ‪ ،‬ثُمَُّ قَالَ‪ :‬يَا مُ َ‬
‫فَنَادَانِي مَ َلكُ الجِبَالِ فَسَلَُّ َ‬
‫خشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَُّبِيُُّ صَلَُّى اهللُ‬
‫شِ ْئتَ‪ ،‬إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ األَ ْ‬
‫يعْبُدُ اللَُّهَ وَحْدَهُ‪،‬‬
‫منْ َ‬
‫سلَُّمَ‪ :‬بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَُّهُ مِنْ َأصْالَبِهِمْ َ‬
‫عَلَيْهِ وَ َ‬
‫ه شَ ْيئًا» رواه مسلم‪.‬‬
‫الَ يُشْ ِركُ بِ ِ‬

‫صلَُّى اهللُ عَلَيْهِ وَسَ َُّلمَ‪:‬‬
‫عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَُّهُ عَنْهُ‪ ،‬عَنْ رَسُولِ اللَُّهِ َ‬
‫ه‬
‫ض بَنِي إسرائيل أَنْ يُسْلِفَ ُ‬
‫منْ بَنِي إسرائيل‪ ،‬سَأَلَ بَعْ َ‬
‫« أَنَُّهُ ذَكَرَ رَجُالً ِ‬
‫كفَى بِاللَُّهِ‬
‫هدُهُمْ‪ ،‬فَقَالَ‪َ :‬‬
‫ألف دِينَارٍ‪ ،‬فَقَالَ‪ :‬ائْتِنِي بِالشُُّهَدَاءِ أُشْ ِ‬
‫كفَى بِاللَُّهِ كَفِيال‪ ،‬قَالَ‪ :‬صَ َدقْتَ‪،‬‬
‫شَهِيدًا‪ ،‬قَالَ‪ :‬فَأْتِنِي بِالكَفِيلِ‪ ،‬قَالَ‪َ :‬‬
‫م‬
‫فخَرَجَ فِي البَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ‪ ،‬ثُ َُّ‬
‫مسَمًُّى‪َ ،‬‬
‫فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إلى أَجَلٍ ُ‬
‫يجِدْ مَرْكَبًا‪،‬‬
‫م َ‬
‫جلَهُ‪ ،‬فَلَ ْ‬
‫جلِ الَُّذِي أَ َُّ‬
‫قدَمُ عَلَيْهِ ِللْأَ َ‬
‫التَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَ ُبهَا يَ ْ‬
‫صحِيفَةً مِنْهُ إلى‬
‫ل فِيهَا ألف دِينَا ٍر وَ َ‬
‫خشَبَةً فَنَقَرَهَا‪ ،‬فَأَدْخَ َ‬
‫فَأَخَذَ َ‬
‫ثمَُّ أَتَى ِبهَا إلى البَحْرِ‪ ،‬فَقَالَ‪ :‬اللَُّهُمَُّ إِ َُّنكَ‬
‫ضعَهَا‪ُ ،‬‬
‫موْ ِ‬
‫ج َ‬
‫م زَجَُّ َ‬
‫صَاحِبِهِ‪ ،‬ثُ َُّ‬
‫سلَُّفْتُ من فُالَن ألف دِينَارٍ‪ ،‬فَسَأَلَنِي كَفِيالَ‪ ،‬فَقُلْتُ‪:‬‬
‫ت َت َ‬
‫علَمُ أَنُِّي كُنْ ُ‬
‫تَ ْ‬
‫ه‬
‫شهِيدًا‪ ،‬فَقُ ْلتُ‪ :‬كَفَى بِاللَُّ ِ‬
‫سأَلَنِي َ‬
‫ه كَفِيالً‪ ،‬فَرَضِيَ بِكَ‪ ،‬وَ َ‬
‫كَفَى بِاللَُّ ِ‬
‫ث إِلَيْهِ الَُّذِي لَهُ‬
‫ت أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَ ُ‬
‫شَهِيدًا‪ ،‬فَرَضِيَ ِبكَ‪ ،‬وَأَنُِّي جَهَدْ ُ‬
‫ستَوْدِعُكَهَا‪ ،‬فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ حَتَُّى وَلَجَتْ فِيهِ‪،‬‬
‫فَلَمْ أَقْدِرْ‪ ،‬وَإِنُِّي َأ ْ‬
‫كبًا يَخْرُجُ إلى بَلَ ِدهِ‪ ،‬فَخَرَجَ الرَُّجُلُ‬
‫س مَرْ َ‬
‫ثُمَُّ انْصَ َرفَ وَهُ َو فِي ذَلِكَ يَلْ َتمِ ُ‬
‫الَُّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ‪ ،‬يَ ْنظُرُ لَعَلَُّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ‪ ،‬فَإِذَا بِالخَشَبَةِ الَُّتِي‬
‫ل‬
‫هلِهِ حَطَبًا‪ ،‬فَلَمَُّا َنشَرَهَا َوجَدَ المَا َ‬
‫فِيهَا المَالُ‪ ،‬فَأَخَذَهَا لِأَ ْ‬
‫وَالصَُّحِيفَةَ‪ ،‬ثُمَُّ قَ ِدمَ الَذِي كَانَ أَسْلَفَهُ‪ ،‬فَأَتَى بِاألَلْفِ دِينَارٍ‪ ،‬فَقَالَ‪:‬‬
‫جدْتُ مَرْكَبًا‬
‫هدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآ ِتيَكَ بِمَا ِلكَ‪ ،‬فَمَا وَ َ‬
‫وَاللَُّهِ مَا زِلْتُ جَا ِ‬

‫‪3‬‬
‫ك‬
‫ت إلى بِشَيْءٍ؟ قَالَ‪ :‬أُخْبِرُ َ‬
‫ت َبعَثْ َ‬
‫ل كُنْ َ‬
‫ت فِيهِ‪ ،‬قَالَ‪ :‬هَ ْ‬
‫قَبْلَ الَُّذِي أَتَيْ ُ‬
‫ك‬
‫قبْلَ الَُّذِي جِ ْئتُ فِيهِ‪ ،‬قَالَ‪ :‬فإن اللَُّهَ قَ ْد أَدَُّى عَنْ َ‬
‫أَنُِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا َ‬
‫ف دِينَا ِر رَاشِدًا» رواه‬
‫ف بِاألَلْ ِ‬
‫ت فِي الخَشَبَةِ‪ ،‬فَانْصَ ِر ْ‬
‫الَُّذِي َبعَثْ َ‬
‫البخاري‪.‬‬

‫ونستمر في سرد بعض الحكايات في الغد‪،،‬‬

‫‪4‬‬